######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3257, 3259, 3260, 3261, 3264, 3265, 3268, 3269, 3270, 3272, 3273, 3274, 3276, 3277, 3280, 3281, 3282, 3283, 3284, 3285, 3286, 3287, 3288, 3289 #META# المؤلف: السيد محمد حسين فضل الله #META# الناشر: دار الملاك #META# الطبعة: ٢ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤١٩ هـ.ق #META# الصفحات: ٢٨٣ #META#Header#End# ![](https://books.rafed.net/Books/3257_tafsir-men-wahi-alquran-01/images/image001.gif) PageV01P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3257_tafsir-men-wahi-alquran-01/images/image002.gif) PageV01P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة الطبعة الثانية ### ||| * تأملات في المنهج البياني للقرآن # كيف يمكن لنا أن نفهم القرآن؟ وهل ثمة أسلوب خاص بالقرآن يميزه ، بحيث لا ~~يمكن مقاربته بدون استيعابه؟ # وهل القرآن كتاب مستغلق اللغة والمفاهيم بحيث يحتاج إلى أهل خبرة واختصاص ~~لجلاء معانيه وسبر أغواره؟ أم هو كتاب موضوع للناس كافة ، بحيث يمكن لكل ~~إنسان أن يقاربه وفق قدراته وإمكاناته الثقافية ، فيرى فيه العامة مآربهم ~~والعلماء تطلعاتهم؟ # ومن ثم ما هي قصة المحكم والمتشابه ، والظاهر والباطن ، وغيرها من ~~المصطلحات ذات الارتباط الوثيق بمقاربة القرآن قراءة وتفسيرا؟ # وكيف ينطلق القرآن في حديثه عن أشخاص معينين؟ # هل هو بمعنى التعيين الذي يتجمد عندهم ، أم هو بمعنى النموذج الأمثل الذي ~~يتمثل فيه المفهوم العام الذي يريد تأكيده في الخط من خلال النموذج؟ PageV01P005 # هذه أسئلة توقف عندها الكثيرون في حركة التفسير ، وأثاروا الكثير من ~~الجدل حولها ، حتى خيل للبعض أن القرآن كتاب رمزي لا يعلمه إلا الفئة التي ~~جعل الله لها الميزة في فهم وحيه ، فأنكروا حجية ظواهره إلا بالرجوع إلى ~~أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وانطلق البعض ليتحدث عن تعدد المعاني للكلمة ~~الواحدة بطريقة عرضية أو طولية ، واستفاد آخرون من الروايات أن القرآن ، في ~~مجمل آياته ، حديث عن أهل البيت بطريقة إيجابية ، وعن أعدائهم بطريقة سلبية ~~، ليبقى للأحكام وللقضايا العامة وللقصص المتنوعة مقدار معين ... # وهكذا كان التصور العام للقرآن خاضعا للأجواء الخاصة التي تعبد به عن أن ~~يكون الكتاب المبين الذي أنزله الله على الناس ليكون حجة عليهم ، من خلال ~~آياته الواضحة التي تمنحهم الوعي الفكري والروحي والشرعي ، على أساس ما ~~يفهمونه منها ، بحسب القواعد التي تركز الطريقة العامة للفهم العام. # من هنا ، فمن الضروري جلاء هذه المسألة المهمة في الفكر الإسلامي ، لأن ~~أية مسألة تتصل بطبيعة القرآن وسلامته ، من الزيادة والنقصان ، وطريقة فهمه ~~، ودوره الأصيل في استلهام وحي الله ، هي على درجة كبيرة من الأهمية ~~والخطورة في وعي الإسلام ، لأن القرآن الكريم هو القاعدة الإسلامية الأساس ~~للمفاهيم ، والأحكام ، والمناهج ، والوسائل ، والغايات ms0001 ، الأمر الذي يجعل ~~من الارتباك والانحراف والغموض في فهمه ، مسألة سلبية تنسحب على ذلك كله. # ربما كان من البديهي استنطاق القرآن الكريم في حديثه عن نفسه في الآيات ~~التي تؤكد عربيته ، وذلك في الآيات التالية : # ( @QUR@06 إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) [يوسف : 2]. ( @QUR@07 ~~كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ) [فصلت : 3]. ( @QUR@07 قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) [الزمر : 28]. ( @QUR@012 نزل به الروح ~~الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين ) [الشعراء : 193 195]. PageV01P006 # إن الحديث عن كون القرآن عربيا ، لا ينحصر في المسألة اللغوية ، بل يمتد ~~ليكون عنوانا للمنهج العالم للقواعد التفصيلية ، في أساليب اللغة في البيان ~~والفهم والأجواء ، من حيث الخصائص الفنية التي قد تحمل في داخلها الإيحاء ~~والإيماء واللفتة والإشارة ، مما يتجاوز المدلول الحرفي للكلمات ، على أساس ~~أن الجانب التاريخي للاستعمال قد يضيف إليها الكثير من ظلال المعاني ~~وخصوصيتها التي قد تمنحها جوا جديدا ، وهذا هو الذي اصطلح عليه ب « الفهم ~~العرفي» أو ب « الذوق العرفي ». # وفي ضوء هذا ، قد نلاحظ أن القواعد العربية تجعل قضية الوضوح في الدلالة ~~، سواء كانت على سبيل الاستعمال الحقيقي أو المجازي ، مسألة أساسية في حركة ~~التفهيم والتفهم ، بحيث يكون الكلام القرآني حجة في إيصال الأفكار ~~والتشريعات إلى الناس ، فلا مجال للتعقيد اللفظي والمعنوي في أساليب ~~الاستعارة أو الكناية أو طريقة التركيب ، بحيث تكون المسافة بين اللازم ~~والملزوم ، أو بين المضمون الحرفي للكلمة والغاية التي يقصدها المتكلم ، ~~بعيدة جدا بما تستلزمه من الجهد الذهني في الربط بين الأشياء ، لأن ذلك ~~يبتعد عن المنهج البياني الذي تفرضه مسألة التفاهم التي ترتكز عليها قضية ~~اللغة في طبيعتها الحركية ، وربما نستوحي ذلك من الآيات التي تؤكد صفة ~~التبيين في الآيات كقوله تعالى : ( @QUR@011 لقد أنزلنا آيات مبينات والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [النور : 46]. ( @QUR@06 وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين ) [الأنعام : 55]. ( @QUR@09 يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) [النساء : 26]. # فإن من الظاهر أن الآيات تتحدث عن الوضوح الذي يستلزم الهدى والهداية ~~واستبانة الطريق المضاد الذي ms0002 يتحرك فيه المجرمون. # وهكذا لا نجد هناك مجالا للحديث عن القرآن ككتاب رموز PageV01P007 # ومصطلحات بعيدة في أسلوبها عن السياق العام لأساليب اللغة العربية ، بحيث ~~يقف الناس أمامها حائرين لا يجدون لديهم النور الذي يوضح لهم طبيعة المعاني ~~، لأنهم يخافون أن يكون المراد من الآية معنى آخر غير المعنى الظاهر منها ، ~~من دون أية قرينة في داخل الكلام ، أو في أجوائه ، مما يلغي الهدف الكبير ~~للقرآن الذي يرتكز على أساس اعتبار الآيات النازلة على الناس طريقا ~~للانفتاح على حركة العقل والتفكير والاهتداء ، ولتحقيق التذكر والتقوى من ~~خلال ذلك ، في عملية الوعي والاستيحاء ، كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@07 ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) [البقرة : 266]. ( @QUR@07 كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) [البقرة : 242] ( @QUR@07 كذلك يبين ~~الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) [آل عمران : 103]. ( @QUR@07 كذلك يبين الله ~~آياته للناس لعلهم يتقون ) [البقرة : 187] ( @QUR@05 ويبين آياته للناس ~~لعلهم يتذكرون ) [البقرة : 221]. # ولهذا كانت مسألة حجية ظواهر القرآن من القضايا البينة الواضحة التي أجمع ~~عليها العلماء من خلال حجية الظواهر كلها. # وإذا كان القرآن يتحدث عن وجود متشابهات فيه ، فإن ذلك لا يعني « الرمز » ~~، بل يعني الكلام الذي يحتمل أكثر من وجه في مدلوله ، أو الذي يمكن أن ~~تختلف فيه الإيحاءات ، وربما كانت المسألة تتجه نحو الجانب التطبيقي للآيات ~~المتشابهة في أرض الواقع ، لا في الجانب المدلولي بحيث يستغلها الذين ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وإرجاعه إلى ~~الأفكار التي يحركونها في الناس من أجل إبعادهم عن الخط المستقيم. # وبذلك يكون دور الراسخين في العلم من خلال بعض القراءات هو تحديد الخطوط ~~الواقعية التي يتحرك فيها مدلول الآية ، من خلال الأجواء PageV01P008 # العربية ، في قضية التفهيم والتفاهم. ولسنا هنا في مجال البحث الواسع في ~~مسألة « المتشابه » و « التأويل » ، بل كل ما هناك أننا نريد الإشارة إلى ~~الموضوع في ما نستقر به من ذلك ، وقد ورد عن بعض أئمة أهل البيت عليه السلام ~~، جوابا عن سؤال حول ما أثاره بعض الناس من أن المقصود بالصلاة والزكاة ~~ونحو ms0003 هما رجال معينون ، قال : « إن الله لا يخاطب عباده بما لا يفهمون » ، ~~مما يعني أن الآيات القرآنية لا تنطلق في خط التعقيد اللفظي والمعنوي أو ~~الإشارة الرمزية التي لا توحي للناس بالوضوع في الفهم. # أما مسألة « الظاهر » و « الباطن » أو « الظهر » و « البطن » ، فقد أثار ~~العلماء حولها الكثير من الحديث الذي يدور حول المعاني المتعددة التي تمثل ~~بطون القرآن ، على أساس الروايات المتنوعة في ذلك حتى عد له « سبعون بطنا » ~~، وانطلق الأصوليون في أبحاثهم اللغوية للبحث عن « جواز استعمال اللفظ في ~~أكثر من معنى » ، واستغرقوا في مسألة الإمكان والاستحالة على الطريقة ~~الفلسفية ، على أساس المقولة التي تقول بأن اللفظ قالب للمعنى فلا يمكن أن ~~يتحمل معنيين ، أو المقولة التي تقول بأنه علامة على المعنى ، فلا مانع من ~~أن يكون دليلا على أكثر من معنى ، وقد رأى البعض في حديث « بطون القرآن » ~~أو « الباطن القرآني » دليلا على أن هناك في القرآن شيئا للعامة وشيئا ~~للخاصة ، على مستوى المعنى ، وهذه هي المنطقة « السرية » أو « الخفية » ~~للمعنى القرآني التي لا يتحملها إلا الأمين على الأسرار الخفية للوحي ~~الإلهي. # ولكن القرآن يتحدث عن الناس كلهم ، عند ما يتحدث عن الآيات التي يبينها ~~لهم : لعلهم يتذكرون ، ويتفكرون ، ويعقلون ، فلا يختص بجماعة دون جماعة ، ~~مما يفرض أن الفكرة الظاهرة من القرآن هي الفكرة التي يريد الله للناس أن ~~يحملوها ويتحركوا في تفاصيلها الفكرية والعملية ، مع اختلافهم في طبيعة ~~المستوى الذهني في استيعاب خصائصها ، كغيرها من الكلمات العربية البليغة ~~التي يختلف الناس في فهم مداليلها تبعا لاختلاف ثقافاتهم. PageV01P009 # وهناك ملاحظة أخرى في المسألة ، وهي أن تعدد المعنى في الاستعمال الواحد ~~، ليس مألوفا في الطريقة العامة للكلام ، لأنه لا ينسجم مع أسلوب التفاهم ، ~~حتى في الكلمات المشتركة بين أكثر من معنى ، لأن الوضع للمعاني المتعددة لا ~~يفرض استعمالها ، بل يعني حاجة كل واحد منها في إرادته من اللفظ إلى قرينة ~~حالية أو مقالية ، وإذا كان الناس يتحدثون عن « المجمل » ، فإنه يوحي ~~بالإجمال في معرفة المعنى المراد من اللفظ ms0004 مع احتماله بين أكثر من معنى ، ~~ولذلك فإن المسألة ليست مسألة الإمكان والاستحالة من حيث الذات ، بل هي ~~مسألة المنهل الفني في استعمال الكلام في التفهيم لدى العرب ، فلو أريد هذا ~~اللون من التعدد من الكلام ، لكان بعيدا عن النهج المألوف لديهم من خلال ~~إخلاله بالوضوح ، وابتعاده بذلك عن مستوى البلاغة الذي يتنافى مع الإعجاز ~~الفني الذي يرتفع به القرآن إلى أعلى قمة في الفن البلاغي ؛ هذا من جهة. # ومن جهة أخرى ، ما معنى أن يكون المعنى الباطن مخزونا لدى الراسخين في ~~العلم وما فائدة ذلك؟ فإن كان ذلك من جهة أنهم حجج الله الذين لا بد من أن ~~يقبل قولهم في أسرار الدين ، حتى لو لم يكن ذلك مفهوما من اللفظ ، فإن ~~طبيعة الحجية تفرض ذلك من دون حاجة إلى تضمين القرآن لذلك ، لأن عصمتهم ~~تؤكد صدقهم ، فتؤدي إلى قبول تلك الحقائق الخفية منهم ، وإن كان ذلك من ~~خلال الطبيعة الذاتية للدلالة القرآنية ، فإن المفروض عدم وجود ظهور للقرآن ~~في ذلك. # والسؤال : كيف نفهم ذلك؟ # قد يكون من المفيد التحدث في هذا المجال عن نقطة مهمة في تكوين أية فكرة ~~حول القضايا الفكرية الإسلامية ، وهي ضرورة التأكد من صحة الأحاديث المروية ~~عن النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم وعن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ، PageV01P010 # من حيث السند والمتن ، بالطريقة التي تتجاوز الشروط المعروفة في حجية ~~الأخبار ، في عملية الاستنباط الاجتهادي للأحكام الشرعية ، لأن تلك الشروط ~~قد تكون مطروحة في دائرة التنجيز والتعذير ، من خلال الآثار الشرعية ~~العملية للمضمون الخبري ، وذلك من خلال النظرية الأصولية العامة التي ترى ~~في حجية الخبر لونا من ألوان التعبد الذي لا معنى له في المضمون الذاتي ~~للخبر ، فلا بد له من الأثر العملي الذي يكون هو الملحوظ في معنى التعبد. # أما القضايا المتصلة بتفاصيل العقيدة ، وبمفردات الوجود ، أو بالخصوصية ~~التفسيرية للقرآن ، فإنها بحاجة إلى القطع أو ما يقترب من القطع ويحقق ~~الاطمئنان ، لأنه ليس خطا للعمل ، بل هو خط للقناعة الفكرية على ms0005 مستوى ~~الالتزام الداخلي بالمفاهيم المتنوعة التي تحكم الأشياء المطروحة في الواقع ~~، لئلا يكون الموقف متحركا في إثباتها ، وقد تكون الخطورة في هذه المسألة ، ~~أن الخلل في المسائل العقيدية والمفاهيم العامة هو في الصورة التي تقدمها ~~للإسلام ، أكثر مما يؤدي إليه الخلل في الأحكام الشرعية التي تتصل ببعض ~~جوانب السلوك الفردي والاجتماعي في دائرة خاصة. # ولعل إهمال هذا الجانب ، هو الذي أوقعنا في فوضى المفاهيم المتنوعة ~~المتصلة بالكثير من قضايا العقيدة في تفاصيلها ، وقضايا الكون والحياة ، من ~~خلال الأحاديث الكثيرة التي لم تخضع لتقويم علمي في صحتها وضعفها في ~~قاعدتها العامة. # وفي ضوء ذلك ، قد نحتاج إلى الوقوف أمام الأحاديث الواردة في قضايا ~~التفسير بشكل دقيق ، لأن ، صورة المضمون التفسيري هي صورة القرآن في الوجه ~~الفكري الذي يتقدم إلى الناس في تخطيطه للإنسان وللحياة ، وفي تكوينه ~~للذهنية العامة للمسلم في نظرته إلى الوجود كله ، مما قد يترك تأثيراته ~~السلبية أو الإيجابية لدى الباحثين في حركة الصراع بين الإسلام والكفر ، أو PageV01P011 # بين الهدى والضلال. # والآن نحن مع الجواب. # قلنا : إننا لا نستطيع تصور مسألة الظاهر والباطن بالطريقة المادية التي ~~تجعل للفظ طبقتين من المعنى ، تماما كما هو ظاهر الشيء وباطنه ، الذي تتعدد ~~فيه العناصر ، وتتنوع فيه الخصائص ، أو كما هو الظهر الذي يمثل جانبا من ~~الجسد يختلف عن الباطن الذي يمثل جانبا آخر ، فهناك حالتان عضويتان ~~متعددتان ، لأن اللفظ حالة صوتية بسيطة توحي بحالة ذهنية مماثلة فيما هو ~~المألوف من الطريقة المألوفة في اللغة العربية ، لذلك لا بد من استنطاق هذا ~~المصطلح على أساس إرادة المعنى الواحد الذي تختلف طريقة فهمه تبعا لاختلاف ~~ثقافة ، الإنسان الذي يعيه في معرفته بخصائص الأشياء ، تماما كما يتصور بعض ~~الناس الشمس ، من خلال شكلها البارز ، بشكل سطحي ، بينما يتصورها بعض آخر ، ~~من خلال عمق تكوينها وطبيعتها وآثارها ، بشكل عميق شامل بالمقدار الذي توصل ~~العلم إلى معرفته ، مما قد يخيل إلينا أن هناك معنيين مختلفين من جهة ~~اختلاف حجم الصورة أو طبيعتها المنطبعة في الوعي الفكري للإنسان ms0006 ، في الوقت ~~الذي تتمثل فيه القضية في معنى واحد مختلف الجوانب. # وقد تكون المسألة المعنى الجزئي الذي تمثله الآية في مواردها المتحركة في ~~الواقع في عصر النزول ، أو في مواقع النزول ، والمعنى الكلي الذي يطل على ~~كل المفردات التي تختزن مفهومه وخصوصيته الشاملة ، في الماضي والحاضر ~~والمستقبل ، ليكون المعنى الظاهر هو المعنى الجزئي المنفتح على الحاضر ، ~~أما المعنى الباطن ، فهو المعنى المنفتح على الصورة الكلية المفتوحة على ~~المستقبل ، حتى لا يتجمد القرآن في الموارد التي نزل فيها ، بل يمتد ، على ~~مستوى القاعدة الكلية ، إلى كل الموارد المماثلة ، في الحوادث PageV01P012 # المتجددة ، في مستقبل الحياة والإنسان. # وهذا هو ما تحدث عنه الإمام محمد الباقر عليه السلام في أكثر من حديث منها ~~: ما رواه الصدوق عن أبيه عن سعد عن البرقي عن محمد بن خالد الأشعري عن ~~إبراهيم بن محمد الأشعري عن ثعلبة بن ميمون عن أبي خالف القماط عن حمران بن ~~أعين ، قال : « سألت أبا جعفر عليه السلام عن ظهر القرآن وبطنه؟ فقال : ظهره ~~الذين نزل فيهم القرآن وبطنه الذين عملوا بأعمالهم يجري فيهم ما نزل في ~~أولئك » (1). # ومنها : ما رواه العياشي في تفسيره ، عن الفضيل بن يسار قال : سألت أبا ~~جعفر محمد الباقر عليه السلام عن هذه الرواية : « ما في القرآن آية إلا ولها ~~ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا ، وله حد ولكل حد مطلع. ما يعني بقوله : لها ~~ظهر وبطن؟ قال : « ظهره وبطنه ، تأويله ، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد ، ~~يجري كما تجري الشمس والقمر ، كلما جاء منه شيء وقع ، قال الله تعالى : ( ~~@QUR@08 وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) [آل عمران : 7] » (2). # ومن الواضح أن الحديث الأول يريد التأكيد على أن الخصوصية التي تمثل مورد ~~الآية تستبطن في داخلها المعنى الكلي العام ، الذي يتجدد عبر الزمن كله ~~كلما تجددت الموارد المماثلة في امتداده ، وهذا ما عبر عنه في حديث آخر ، ~~في أن القرآن يموت إذا نزل في قوم مخصوصين يغيبون في الزمن ، ولكنه يجري ~~مجرى الشمس والقمر ms0007 والليل والنهار ، لتكون القضية قضية النموذج الذي يجسد ~~الفكرة العامة التي استهدفها النص القرآني ، ونزلت من خلالها الآية ، فليس ~~هناك معنيان للفظ ، بل هناك معنى واحد يتحرك في PageV01P013 # خط الزمن ، من الماضي إلى الحاضر ، ليطل على المستقبل في خط الخصوصية ~~التي تتجسد في جميع المراحل والأفراد. # وهناك حديث آخر قد يطل بالمسألة على وجه آخر ، وهو ما رواه الصدوق عن ~~أبيه عن علي بن الحكم عن محمد بن الفضيل عن بشر الوابشي عن جابر بن يزيد ~~الجعفي قال : « سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من التفسير فأجابني ، ثم ~~سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت : جعلت فداك كنت اجبتني في هذه ~~المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال يا جابر إن للقرآن بطنا وللبطن بطن ~~، وله ظهر وللظهر ظهر ، يا جابر : ليس شيء أبعد عن عقول الرجال من تفسير ~~القرآن ، إن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل متصرف ~~على وجوه » (1). # إن هذا الحديث قد يوحي لأول وهلة بالتعدد في المعنى للكلمة الواحدة من ~~خلال دلالته على تعدد التفسير ، والتأكيد على أن لظاهر الكلمة ظهرا ~~ولباطنها بطنا ، ولكن التدقيق فيه يدل على أنه يريد معالجة الآية في ~~مدلولها لا في كلماتها ، فنحن نلاحظ أن بعض الآيات قد تنطلق في الحديث عن ~~عدة جوانب للفكرة ، بحيث تتكامل في الخط الواحد الذي تتعدد آفاقه وجوانبه ، ~~فقد تجد للمسألة الواحدة جانبا يتصل بالأخلاق ، وجانبا آخر يتصل بالاجتماع ~~، وثالثا يتصل بالسياسة وهكذا ، مما يجعل من الممكن أن يتحدث عنها الإنسان ~~الباحث من عدة جوانب ، بحيث يبدو الحديث عن كل جانب كما لو كان مدلولا لآية ~~بشكل مستقل. ولعل هذا هو مراد الإمام عليه السلام في اتصال الكلام من خلال ~~وحدة مضمونه ، وتصرفه على وجوه من خلال تعدد جوانبه ، فيمكن للمعنى الذي ~~نزل به القرآن أن يجتذب معنى آخر ، كما يمكن للإيحاءات التي توحي بها الآية ~~أن تجتذب إيحاء آخر. PageV01P014 # وفي ضوء ذلك يمكننا الإطلال على مدلول التأويل ، فلا يكون ms0008 المقصود به ~~إرادة غير المعنى الظاهر من اللفظ ، بل استيحاء معنى من خلال المعنى ~~المقصود من اللفظ ، بحسب الوضع الذي انطلق من خلال الاستعمال ، وقد ورد في ~~الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا ) [المائدة : 32] « قال : من حرق أو غرق ، قلت : ~~فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ فقال : ذلك تأويلها الأعظم » (1). # فقد لا يكون مراد الإمام عليه السلام من ذلك أن المراد من الحياة هو الهدى ~~، وأن المراد من الموت هو الضلال ، أو أن يكون الهدى والضلال معنيين ~~إضافيين للحياة والموت بالإضافة إلى معناهما المادي ، بل المراد أن التعمق ~~في قيمة الهدى ، الذي يتحرك فيه الدعاة إلى الله ، لينقلوا الناس إليه من ~~مواقع الضلال ، لا يقل أهمية عن قيمة الحياة التي ينقذها الناس من الموت ، ~~لأن نتائج الهدى في روحية الإنسان وفي مصيره الأبدي تمثل نتائج الحياة ~~الحقيقة ، فهي مسألة استيحائية لا مدلولية ، أو ربما يقرب من مفهوم ~~الموافقة. # ونلتقي في هذا الاتجاه بالحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام في ~~تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 فلينظر الإنسان إلى طعامه ) [عبس : 24] « قال ~~: قلت : ما طعامه؟ قال : علمه الذي يأخذه ممن يأخذه » (2). # فإن من الواضح أن العلم لا يمكن أن يكون مدلولا لكلمة الطعام في هذه ~~الآية ، حتى مع تصورنا. أن هناك طعاما للعقل بالإضافة إلى طعام الجسد ، لأن ~~الآيات الأخرى تؤكد أن المراد به الغذاء المادي الذي ينطلق من النبات ، وهي ~~قوله تعالى : ( @QUR@013 أنا صببنا الماء صبا* ثم شققنا الأرض شقا* فأنبتنا ~~فيها حبا* وعنبا وقضبا* PageV01P015 # @QUR@09 وزيتونا ونخلا* وحدائق غلبا* وفاكهة وأبا* متاعا لكم ولأنعامكم ) ~~[عبس : 25 32] ، فإن هذا كله لا ينسجم مع مدلول العلم كما هو واضح ، لكن ~~الإمام عليه السلام أراد أن يستوحي من هذه الكلمة « الطعام » معنى العلم ، ~~باعتبار أن الكلمة ، في إيحاءاتها ، تجتذب الجانب المعنوي للطعام الذي هو ~~نعمة إلهية تزيد أهميتها على النعم الإلهية المادية المغذية للجسد. # من هنا ، نرى ضرورة دراسة هذا الأسلوب الاستيحائي القرآني في التفسير ، ~~لأنه ms0009 ، الأسلوب الذي يجعل الإنسان ينطلق من الآية إلى عوالم أخرى ، من خلال ~~طبيعة الغايات التي تتحرك إليها ، مما تلتقي به في أكثر من أفق ، في نطاق ~~القواعد الإسلامية والعربية العامة. # وهذا هو الذي يجعلنا ننتقل من الصورة المادية إلى الصورة المعنوية ، ومن ~~التجربة التاريخية للمجتمع الذي نزل القرآن فيه وعالج مشاكله وتحدياته ~~وقضاياه ، إلى التجربة الجديدة التي نواجه فيها تحديات الواقع ومشاكله ، ~~الأمر الذي يجعل للقرآن صفته « الحركية » إلى جانب الصفة التشريعية ~~والتوجيهية والوعظية ونحو ذلك. # وفي ضوء ذلك ، قد نستطيع الوقوف مع الروايات الكثيرة الواردة عن الأئمة ~~عليهم السلام والمفسرة لبعض آيات القرآن بأهل البيت عليه السلام لنجد أن ~~البعض منها كان مختصا بهم « كآية التطهير » و « المودة في القربى » ، بينما ~~كانت الآيات الأخرى منطلقة في الخط العام الذي يمثل أهل البيت عليهم السلام ~~النموذج الأكمل له ، كآية ( @QUR@03 الراسخون في العلم ) و ( @QUR@03 لكل ~~قوم هاد ) و ( @QUR@03 فسئلوا أهل الذكر ) و ( @QUR@04 من عنده علم الكتاب ~~)، و ( @QUR@03 كونوا مع الصادقين ) و ( @QUR@07 ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا ). # وإذا كانت بعض الآيات قد نزلت فيهم ، في مواردها الخاصة ، في أسباب ~~النزول ، فإنها انطلقت لتمتد في الخط العام للقضية المطروحة فيها ، PageV01P016 # كما في آية المباهلة التي كان موردها أهل البيت وهم الحسن والحسين ~~عليهما السلام في عنوان ( @QUR@01 أبناءنا ) والزهراء عليهما السلام في عنوان ~~( @QUR@01 نساءنا ) والإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام في عنوان ( ~~@QUR@01 أنفسنا ) وذلك قوله تعالى : ( @QUR@025 فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ) [آل عمران : 61]. ولكنها ~~رسمت خطا عما للمباهلة في كل الموارد التي يحتاج المسلمون إليها ، وهكذا ~~نجد هذه الفكرة في قوله تعالى : ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) [المائدة : 55] ، ~~فإن المعروف المروي بأسانيد متعددة أنها نزلت في الإمام علي عليه السلام ، ~~ولكنها في الوقت نفسه أطلقت الفكرة ، في العناوين الكبرى ، للذين يتولون ~~الولاية للمسلمين ، في ms0010 طبيعتها العالية التي توحي بها الصفات المذكورة فيها ~~، ولهذا ذكرت بأسلوب الجمع لا المفرد ، بحيث تشمل الأئمة عليهم السلام من ولده. # وهكذا نلاحظ هذا الأسلوب في قوله تعالى : ( @QUR@017 ويطعمون الطعام على ~~حبه مسكينا ويتيما وأسيرا* إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا ) [الإنسان : 8 9]. # فقد نزلت في علي وفاطمة عليهما السلام ، ولكنها انطلقت من خلالهما ، لترسم ~~الخط العريض للذين يتحركون في هذا الاتجاه ، وبهذه الروح في الإخلاص لله ، ~~والخوف منه والحب له ، والإيثار لعباده من اليتامى والمساكين والأسرى. # وهكذا نجد أن القرآن الكريم لا يتوقف عند الخصوصيات التاريخية التي كانت ~~المنطلق لنزوله ، بل يمتد إلى كل النماذج الحية في الزمن كله ، كما أنه في ~~مفاهيمه العامة يتحرك من أجل أن يشير إلى حركة الواقع ، في قضايا الحق ~~والباطل ، والشرعية واللاشرعية ، ليكون دليلا على خطوط الاستقامة والانحراف ~~في الواقع الإسلامي ، الذي جاء عقب مدة طويلة من وقت نزوله ، ليتحدث عن كل ~~مرحلة جديدة من خلال حديثه عن المرحلة السابقة المماثلة ، وليوجه الناس إلى ~~رموز الحق في المستقبل ، ويبعدهم عن رموز الباطل فيه ، PageV01P017 # من خلال توجيهه وإبعاده عن الرموز المماثلة في الماضي ، لأن القرآن يمثل ~~الحقيقة الواسعة التي تشمل الزمن كله وترتفع فوقه. # وفي ضوء ذلك ، فإننا لا نحتاج إلى الخروج عن المألوف من قواعد اللغة ~~العربية في تفسيره ، أو إلى إبعاده عن القضايا العامة ، من أجل التركيز على ~~هذه الحقيقة أو تلك ، أو هذا الرمز الشرعي للحق ، لأن الخطوط العامة ~~المتناثرة فيه ، والنماذج الحية المتحركة في داخله ، يمكن أن توحي لنا بما ~~نريد ، في عالم الدليل والبرهان. # ما تقدم يحدد الإطار المنهي الذي نرتئيه لمقاربة القرآن الكريم ، ~~استنطاقا وفهما. والكتاب الذي بين أيدينا ، ليس إلا ، ثمرة لهذه المقاربة ، ~~وهو خلاصة جهد يرجع إلى أكثر من ربع قرن من الزمن إلى الوراء ، ابتدأ ~~كحلقات تدريس تفسيرية للقرآن الكريم ، متحولا مع الوقت إلى كتاب تفسير ، هو ~~بمثابة مشروع ثقافي إسلامي يضرب بجذوره عميقا في القرآن الكريم مستلهما ~~ومستوحيا مفاهيمه وأحكامه ms0011 وقيمه ومبادئه ومواعظه وإرشاداته في مختلف ~~المجالات والحقول ذات الصلة الوثيقة بتنظيم وإدارة وتوجيه الحياة الإنسانية ~~بكل أبعادها وتجلياتها ، لا سيما بما ينسجم واستقرارها وسعادتها وتقدمها ~~وتكاملها ، وما هذا كله إلا لأن القرآن هو قاعدة الفكر والعمل للإنسان ~~المسلم حيث يجد فيه مفاهيم العقيدة كأدق ما تكون ، وامتدادات الشريعة في خط ~~الحقيقة الشرعية كأصدق ما تكون ، وانطلاقة الآفاق الفكرية والروحية ~~والحركية في أوسع مداها. وبناء عليه ، فإن القرآن الكريم هو الأساس لتأصيل ~~عقيدة التوحيد ، والنبوة ، واليوم الآخر ، وما يتصل بذلك من الإمامة ، ~~والولاية ، والصفات الإلهية ، وغير ذلك. وبالتالي ، فإن أي خروج عن ظواهر ~~مراده يجب أن لا يكون ، كما أشرنا قبلا ، إلا بدليل قطعي من السنة والعقل ، ~~وبما ينسجم وقواعد اللغة العربية وفنون بلاغتها وفصاحتها. PageV01P018 # وإذا كنا نؤكد على أصالة القرآن المنفتح على السنة الثابتة بالحجة التي ~~لا تقبل الشك ، فإن علينا أن نعتبر عناوينه في الجانب التشريعي هي الأساس ~~في وعي السنة في عناوينها التي تمثل التفصيل للعناوين القرآنية لتكون هي ~~الأساس في حركة التشريع في الدراسة الفقهية ، وليس العكس ، لأن السنة لا ~~تغير عنوان الحكم القرآني إلى عنوان آخر ، بل تعمل على تفصيله وتوضيحه بما ~~يرفع غموضه وإجماله إن كان فيه إجمال وغموض. # ويبقى هنا نقطة لا بد من الإشارة إليها ، وهي أن مسألة التفسير تبقى تخضع ~~لثقافة المفسر في وعيه للقضايا التي تحدث بها القرآن ، وللتشريعات التي ~~عالجها ، والإشكالات التي أثارها الآخرون في حركة الصراع بين الكفر ~~والإيمان ، مما واجه القرآن به المسألة على صعيد تقديم الحلول لها فكرا ~~ومنهجا. # وقد حاولت في هذا التفسير أن أعيش القرآن في عقلي وقلبي وحياتي ، في فهم ~~آياته ، واستيحاء أفكاره ، وتحريكه في كل مسيرتنا الإسلامية الصاعدة إلى كل ~~الآفاق الباحثة عن الله في كل مواقع عظمته ، وامتدادات نعمه ، وأسرار ~~أحكامه ، وفي الخط المستقيم المنفتح على كل حركة السعادة في الإنسان. # ورأيت أن من الضروري ، استحياء القرآن في ذلك كله على مستوى النظرية ~~والتطبيق ، لنستهدي به في متاهات الواقع ، ونستضيء به ms0012 في ظلمات الطريق ، ~~ونطل به على المستقبل في كل قضاياه ، لنشعر بأن القرآن يعالج لنا كل ~~أوضاعنا الحياتية ، فنكون قرآنيين في أفكارنا وحركاتنا ، تماما كما كان ~~المسلمون السابقون ، الذين كان القرآن يتحرك معهم ، فيطل على مشكلاتهم ~~الصعبة ، ليقدم لهم الحلول الصحيحة التي تبعث فيهم السكينة والثبات ، وإذا ~~كنا نعرف أن معالجات القرآن في الماضي انطلقت من خلال سنن الله في الكون ~~والإنسان لا من خلال خصوصية في الزمان والمكان والأشخاص ، PageV01P019 # فلذلك نستطيع أن نأخذ بها في الحالات المماثلة ، مما يجعلنا نتحرك بها في ~~الحاضر والمستقبل ، لأن ، سنة الله لا تتبدل ولا تتحول ( @QUR@010 فلن تجد ~~لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا ) [فاطر : 43]. # وإذا كانت الجوانب المعنوية تلتقي مع الجوانب المادية في أكثر من معنى ، ~~فإننا يمكن أن نستوحي المعنوي من المادي ، كما نستوحي العام من الخاص إذا ~~كانت الخصوصية لا تمثل شيئا حيويا في الفكرة أو في الحكم أو في الواقع. # وهناك عدة أبحاث حول عناوين القرآن مما يتمثل في علوم القرآن ، نرجو أن ~~نوفق لتقديم بحث مفصل عنها في كتاب جديد. # وهذا الكتاب قد صدر قبل أكثر من عشرين سنة وطبعت أجزاؤه عدة طبعات ، ونفد ~~من الأسواق منذ زمن وكثرت الحاجة إليه من قبل القراء والدارسين ... فعزمنا ~~على إصداره في طبعة جديدة ، بعد أن أعدنا النظر في بعض أبحاثه ، مبدين بعض ~~الملاحظات حولها ، ومناقشين بعض الأفكار الواردة في بعض الدراسات التفسيرية ~~والفكرية ولا سيما ما ورد في تفسير الميزان للعلامة الكبير السيد محمد حسين ~~الطباطبائي رحمة الله ، الذي هو من أفضل التفاسير الحديثة ثراء وتنوعا ~~فكريا وتفسيريا ، ولذا فقد حاولت درس بعض أبحاثه درسا نقديا بناء على مستوى ~~أسلوب التفسير أو مواد الفكر. # وقد وصلنا بهذه الزيادات إلى أوائل سورة الأعراف ، ومع الابتهال إلى الله ~~، أرجو من السميع القدير أن يحالفني التوفيق في استكمال تلك الزيادات إلى ~~آخر القرآن في طبعة جديدة. وإنني ، في ختام هذه المقدمة ، أرجو من كل ~~إخواني من القراء والعلماء والمفكرين ، أن يقدموا إلي ms0013 ما يجدونه من ملاحظات ~~علمية هي خلاصة عمل منهجي نقدي بناء يتوخى البحث عن الحقيقة التفسيرية ~~والفكرية الإسلامية ، بما يفرضه الأدب العلمي والتقوى PageV01P020 # الفكرية ، لأن هناك بعض الأشخاص الذين وضعوا أنفسهم في موقع الناقدين ~~لهذا الكتاب اعتمدوا أساليب التجريح والتشهير وحمل الكلام على خلاف ظاهره ، ~~وتغليب الاحتمال السلبي على الاحتمال الإيجابي ، لأن الهدف ، في ما يبدو ، ~~لم يكن النقد العلمي ، بل الإساءة الشخصية ، وإنني أدعو الله لهذا البعض ~~بالهداية والرشد الفكري والتقوى العلمية مع كل محبتي لهم. # وفي الختام أرجو أن ينفع الله بهذا الكتاب في طبعته الجديدة القراء ~~الكرام ، وينفعني بذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ~~، وأن يوفقني لإدراك الحقيقة التفسيرية في التجربة الجديدة القادمة في بقية ~~أجزاء القرآن. # والحمد لله رب العالمين وهو حسبنا ونعم الوكيل # 11 كانون الأول ، 1998 22 شعبان 1419 PageV01P021 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة الطبعة الأولى # هل هذا كتاب تفسير ، وهل نحن بحاجة إلى تفسير جديد أمام هذا الحشد من ~~التفاسير التي لم تترك جانبا من جوانب المعرفة القرآنية إلا وأفاضت في ~~تحليله وتوسيعه وتعميقه ، من الجوانب اللغوية إلى الجوانب البلاغية ~~والفلسفية والنفسية والاجتماعية ، وغيرها ، حتى انتهى الأمر إلى التفسير ~~العلمي الذي يحاول رواده أن يجعلوا من القرآن مجمعا لكل ما استحدث من ~~اكتشافات ونظريات في شتى ألوان المعرفة ... وانطلق البعض في اتجاه متطرف ~~يجعل من القرآن كتابا مليئا بالأسرار حافلا بالمعميات والألغاز ، مما يوحي ~~للقارىء بأنه أمام كتاب يعتمد على الرموز في كل ما يريد أن يعرفه للناس ؛ ~~وما تزال المحاولات مستمرة في استحداث آفاق جديدة لتفاسير جديدة؟! # والجواب : إننا لم نكتب هذه الأبحاث في البداية كمحاولة تفسيرية جديدة ، ~~بل كانت دروسا قرآنية تلقى على مجموعة من الطلاب المؤمنين المثقفين من أجل ~~خلق وعي قرآني يركز الوعي الإسلامي على قواعد ثابتة لا مجال فيها للاهتزاز ~~وللانحراف ، لأننا نشعر أن الثقافة القرآنية تعتبر العنصر الأساس لأي عمل ~~إسلامي تغييري على صعيد الفكر أو على صعيد الواقع ، باعتبار ms0014 أن القرآن يمثل ~~في وعينا الإسلامي العقيدي الكتاب الذي ( @QUR@02 لا يأتيه PageV01P023 # @QUR@07 الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ، وقد تكفل الله ~~بحفظه من التحريف والزيادة والنقصان ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@07 إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [الحجر : 9]. وفي ضوء هذا ، فإنه يمثل ~~المصدر المعصوم للتصور الإسلامي الصافي لكل مجالات الحياة التشريعية ~~والفكرية والعملية ، ويحدد لنا المفاهيم الأصلية التي ترتكز عليها الشخصية ~~الإسلامية. # ولا نريد لهذه الكلمة أن توحي بالانتقاص من قيمة السنة كمصدر ثان أساسي ~~للفكر والشريعة الإسلاميين ، فإن الحديث يعتبر الصورة التفصيلية للمفاهيم ~~القرآنية العامة ، فهو الذي يضع النقاط على الحروف ، وهو الذي يحدد للقواعد ~~العامة مسارها الفكري والعملي ، ولكن القرآن يختلف عن ، السنة في أن « سنده ~~» لا يحتاج إلى إثبات علمي يبحث فيه العلماء وثاقة الراوي وأمانته ليحكموا ~~من خلاله بصحته ، لأن سنده قطعي ، بينما نجد أن سند الحديث الذي يثبت لنا ~~أن النبي قال هذا أو فعل هذا ليس بهذه المثابة من القوة ، فلا بد له من ~~إثبات قد يختلف العلماء في أمره كما يختلفون في كل قضية اجتهادية. # ولذلك فإن التأكيد على الاهتمام بالقرآن يعمل على صنع الذهنية القرآنية ~~الصافية التي نستطيع من خلالها أن نكتشف زيف الأحاديث الموضوعة من خلال ~~اكتشاف زيف المفاهيم التي عالجتها عند ما نعرضها على القرآن الكريم انطلاقا ~~من الأحاديث الثابتة عن أئمة أهل البيت عليه السلام التي تقرر أن « كل حديث ~~لا يوافق كتاب الله فهو زخرف » (1). # وانطلقت هذه الدروس في خط عملي متحرك يركز على استحياء أجواء PageV01P024 # القرآن من أجل أن نعيش تلك الأجواء في حياتنا الإسلامية الصاعدة ، لأن ~~القرآن ليس كلمات لغوية تتجمد في معناها اللغوي ، بل هي كلمات تتحرك في ~~أجواء روحية وعلمية ، ولهذا فإننا لا نتعامل مع آياته كتعاملنا مع النصوص ~~الأدبية المجردة التي تتحرك مع الفكرة بعيدا عن أجواء الواقع ، بل إننا ~~نشعر أنه حياة تتحرك وتعطي وتوحي وتهدي وتقود إلى الصراط المستقيم. # فقد كانت آياته تتنزل في أجواء حركة الدعوة الإسلامية لتراقب نقاط ms0015 ضعفها ~~وقوتها في خطوات الداعية وفي تحديات الواقع ، لتضع لها القواعد الحية التي ~~تقوي جوانب الضعف وتحمي القوة من عوامل الانهيار وتوجه الخطوات إلى أهدافها ~~وتواجه تحديات الواقع بإصرار ... وبذلك كانت تتحرك في جو الرسالة لتخلق من ~~خلاله جوا جديدا لها في داخل حركة المجتمع الإسلامي. # وقد نجد في هذه الرؤية للأسلوب القرآني أن علينا أن نفهم القرآن ككتاب ~~رسالة ودعوة ، وذلك من خلال استحضار أجواء الدعوة والرسالة في نفوسنا ، ~~لنعيش حيويته وحركيته وروحانيته الرسالية كما عاشها المسلمون الأولون ، ~~للوصول إلى الهدف الكبير وهو صنع الشخصية القرآنية المنفتحة الواعية التي ~~كان يجسدها الرسول الأعظم في سيرته أصدق تمثيل ، ولذا كانت سيرته رسالة ~~عملية كما كانت أقواله رسالة ، فالتقت في حياته الأسوة والقدوة بجانب ~~الدعوة ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@014 لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) [الأحزاب : 21]. # * * * # وقد لاحظنا ونحن نتابع القرآن في أسباب نزوله أن هناك نقطتين جديرتين ~~بالاهتمام في عملية الاستيحاء القرآنية : PageV01P025 # الأولى : إن الآية لا تتجمد في النقطة التي انطلقت منها ونزلت فيها ، لأن ~~أسباب النزول لا تمثل إلا المنطلق الذي تحركت الفكرة من خلاله بعيدا عن كل ~~ما يحددها ويقيدها في دائرته ، ولذلك عاشت الآيات الكريمة لتتسع وتمتد مع ~~الزمان والمكان في كل مجال يتسع للفكرة وللمفهوم من خلال المنوذج الأول ، ~~فكان من جراء ذلك أن أصبحت الآيات تعيش معنا صراعنا مع الكفر والشرك والظلم ~~والطغيان تماما كما كانت تعيش مع نماذجها الأولى صدقا والتزاما وإرادة حرة ~~تتحدى الواقع المنحرف بكل ما تملكه من خطوات الحرية في الفكر والعمل. وهذا ~~هو ما وردت فيه الكلمات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليه السلام : إن القرآن ~~« يجري كما تجري الشمس والقمر » (1). # النقطة الثانية : إن الآيات قد تتحرك في نطاق مضمون فكري معين ولكنها ~~توحي لنا بشكل آخر ، باعتبار علاقة المعنى الذي تتضمنه الآية بالمعنى الآخر ~~من حيث طبيعة النتائج العملية ومن حيث وحدة المسار ، وهذا هو ما عبرت عنه ~~بعض الأحاديث المأثورة عن ms0016 أئمة أهل البيت عليهم السلام : بالتأويل ، الذي لا ~~يقصد فيه إعطاء اللفظ مدلولا ثانيا غير المدلول الذي يظهر فيه بحسب وضعه ~~اللغوي ، بل يقصد استيحاء المعنى الحقيقي ومن أجل الإيحاء بمعنى آخر ، وذلك ~~كما ورد في قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ~~[المائدة : 32]. # فقد ورد في كتاب الكافي بإسناده عن فضيل بن يسار قال : « قلت لأبي جعفر ~~محمد الباقر عليه السلام قول الله عز وجل في كتابه : ( @QUR@06 ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا )؟ قال : من حرق أو غرق ، قلت : فمن أخرجها من ~~ضلال إلى هدى؟ قال : ذاك تأويلها الأعظم » (2). PageV01P026 # والظاهر أن المراد من التأويل الأعظم هنا هو المفهوم الأعمق بما يتسع له ~~إيحاء الآية ، لأن قيمة الحياة تتمثل في ما تحققه من الارتباط بالله والسير ~~على هداه ، فلا قيمة لها إذا كانت سائرة في خبط عشوائي في الضلال. # وقد حاولنا في هذه الدروس التفسيرية أن نستوحي القرآن في مفاهيمه الأصلية ~~الحية لنجعل حياتنا تتحرك في إطاره في ما نواجهه من قضايا ومشاكل وأوضاع ~~جديدة ، وذلك من خلال استيحاء المعاني القرآنية في الجانب الأعمق والأوسع ~~للفكرة. # وإننا لا نريد الادعاء بأن هذه المحاولات التفسيرية تمثل شيئا جديدا في ~~التفسير ، بل الغالب في ما عالجناه كان من إفادات المفسرين والمحققين في ~~هذا المجال .. وليس لنا من ذلك إلا بعض الاستنتاجات والانطباعات ~~والاستيحاءات ، لأنه لم يكن كتابا يكتب ، بل كان دروسا تلقى على طلابنا ~~الأعزاء فيسجلونها في أشرطة تسجيل ثم يكتبونها ويقدمونها إلي فألاحظها ~~ملاحظات سريعة حسب ما يتسع لي الوقت. # وكل ما أرجوه أن تحقق هذه المحاولات بعضا من جدة العرض والأسلوب ، وبعضا ~~من حركية التفسير في واقعنا المعاصر الذي تحتاج الدعوة الإسلامية فيه إلى ~~ان تحرك القرآن في حياتها في كل مجالاتها العملية في الطريق وفي الهدف ، ~~إنها « من وحي القرآن » ، وسيبقى القرآن يوحي ما دامت للحياة مسيرة نحو ~~الله ، وما دامت الإنسانية تبحث عن الهدف الأسمى الذي يحقق لها التكامل في ~~السعادة التي تربط الدنيا بالآخرة ، والروح بالمادة ms0017 ، والفرد بالمجتمع ، ~~وذلك هو الإسلام في معناه الكبير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل. # بيروت 20 رجب 1399 ه. PageV01P027 ### | سورة الفاتحة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها سبع PageV01P029 ### ||| ** مدخل عام # لعل قيمة هذه السورة تكمن في أنها تقدم ، في آياتها ، تصورا شاملا لعلاقة ~~الله بالإنسان وعلاقة الإنسان به من خلال صفاته ذات الصلة الوثيقة بهذه ~~العلاقة المتبادلة ، ليكون ذلك بمثابة الثقافة السريعة ، والوعي المتحرك في ~~الوجدان الإنساني ، كلما أراد تمثل تصوره العقيدي لله ، لتتوازن تصوراته ، ~~ولتستقيم خطواته في هذا الاتجاه ؛ فهناك الإطلالة بالفكر على كل آفاق الحمد ~~في صفات الله وأفعاله ، مما يتحسسه الإنسان في سر وجوده وحركته وعناصر ~~شخصيته وامتداد حياته ، مما يتمثل فيه عظمة الخلق ، وروعة النعمة ، فيكون ~~الحمد بكل إيحاءاته الفكرية والشعورية هو التعبير الصارخ لكل ما يحمله ~~الإنسان من انفتاح على مواقع الحمد لله. # وهناك الربوبية الشاملة للعالمين التي يتطلع فيها الإنسان إلى الله في ~~آفاق ألوهيته التي لا حدود لها ، ليجده في مواقع الكون كله ، في عوالمه ~~التي لا حصر لها ، فيتحسس موقعه كإنسان من بين هذه العوالم ، ليجد التربية ~~الإلهية تتعهده بالرعاية الكاملة من موقع القدرة المطلقة المنفتحة على آفاق ~~الألوهية ، وليشعر بالوحدة الوجودية في ضلال الربوبية مع كل العالمين ، فلا ~~يحس بأي انفصال عن حركة الكون من حوله. PageV01P031 # وإذا كانت الكلمتان ( @QUR@01 لله ) و ( @QUR@02 رب العالمين ) تختزنان ~~إيحاء قوة العظمة ، فإن كلمتي ( @QUR@02 الرحمن الرحيم ) توحيان بالرحمة ~~التي تلامس قلب الإنسان وروحه وكذلك كل حياته ، لتناسب فيها محبة وخيرا ~~وطمأنينة وسلاما ، فترتاح مشاعره لإيحاءات الرحمة في الوقت الذي تسمو فيه ~~أفكاره إلى معاني العظمة ، ثم تنقله الأجواء الإيمانية إلى عالم آخر ، هو ~~عالم الآخرة الذي يواجه فيه الجزاء العادل على أعماله الصالحة أو غير ~~الصالحة في يوم الدين الذي يملكه الله ، فله وحده السيطرة المطلقة فيه ، في ~~كل ما يتعلق بالثواب والعقاب ، والجنة والنار .. وبذلك تندفع مشاعر ~~المسؤولية في كيان الإنسان لينطلق تصوره لله من خلال هذا الأفق الواسع الذي ~~يثير في داخله الرقابة ms0018 الإلهية الشاملة لتوازن خطواته في المواقع التي ~~تتوازن فيها أعماله. # وهكذا يكون التصور لله في هذه الصفات الثلاث أساسا لحركة العقيدة بالله ~~في تفاصيلها الإيحائية التي تتحرك في حياة الإنسان لتوجهه إلى عبادة الله ، ~~مما تفرضه الربوبية الشاملة والرحمة الواسعة والمالكية المطلقة للمصير كله ~~، وفيما هي الهيمنة كلها على الكون كله ، فيتوجه إليه ليعبر عن خضوعه ~~لعبادته بالمستوى الذي ينفتح فيه على توحيد العبادة ، فلا يعبد غيره ، ولا ~~تكون المسألة مسألة تقريرية ، بل هي مسألة إقرارية ، لأنه يسجل على نفسه ~~الاعتراف الحاسم بذلك بقوله : ( @QUR@02 إياك نعبد ). # ثم يتطلع إلى الوجود كله ليجد أن الله هو القادر على كل شيء فيه ، لأنه ~~الخالق لكل الوجود ، فكل مخلوق محتاج إليه بفعل ارتباط وجوده به الذي يمثل ~~الفقر كله ، مما يجعله عاجزا عن إدارة شؤون نفسه ، أو إدارة شؤون غيره إلا ~~بإذنه ، فهو المستعان ، فلا يملك أحد أن يحصل على العون إلا بإرادته ، PageV01P032 # وهو الكافي الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء. # وهكذا ينطلق الفقر الإنساني في حاجاته الوجودية ، ليصرخ ، من موقع ~~العقيدة المنفتحة على قدرة الله على كل شيء ، بقوله : ( @QUR@02 وإياك ~~نستعين )، مما يوحي بالتوحيد في الاستعانة ، فلا استعانة للعبد إلا بربه ~~الواحد في عمق المعنى ، لأن ما يقدمه الآخرون من معونة ، فهو مستمد من الله. # وإذا كان الله هو المعين ، فهو الهادي إلى سواء السبيل ، لأن الهداية جزء ~~من معونته ، يفتح بها قلب الإنسان وعقله على الحق ، ويوجه حركته الاتجاه ~~السليم ، في ما يوجهه إليه من رسالاته ، ويلطف به من فيوضات ألطافه ، ~~ليهتدي بذلك كله إلى الطريق المستقيم الذي تتمثل فيه كل نعم الله في وعي ~~الحق المنفتح على كل قضايا العقيدة في الحياة ، ويبتعد من خلاله عن كل ~~الطرق المنحرفة التي تقوده في فكره وعمله إلى غضب الله ، وعن كل المتاهات ~~الفكرية والروحية والحركية التي تؤدي به إلى الضياع في صحراء الضلال على كل ~~المستويات. # وهكذا تحدد السورة للإنسان تصوراته لربه ، في موقع الربوبية والرحمة ~~والمسؤولية ، والتزامه بالله ms0019 في موقع العبادة له والاستعانة به ، وانفتاحه ~~عليه ، في الدعاء له بأن يهديه ( @QUR@02 الصراط المستقيم ) الذي يحصل من ~~خلاله على محبته ورضاه وهداه. # وبذلك نجد في السورة الإطلالة الواسعة على الأجواء القرآنية الرحبة التي ~~تضع هذه المبادئ عنوانا لها في الواجهة ، لتكون آيات القرآن بمثابة ~~التفاصيل كل مفرداتها ، ولذلك سميت ب « أم الكتاب ». # وربما أمكننا أن نختصر خطها العام بتأكيدها على العقيدة والعمل اللذين PageV01P033 # تندرج تحتهما كل المفاهيم القرآنية في حركة الفكر والواقع في تفاصيل ~~الآيات القرآنية المتصلة بالحياة الإنسانية في الواقع كله. # * * * PageV01P034 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآات # ( @QUR@04 بسم الله الرحمن الرحيم (1) @QUR@04 الحمد لله رب العالمين (2) ~~@QUR@02 الرحمن الرحيم (3) @QUR@03 مالك يوم الدين (4) @QUR@04 إياك نعبد ~~وإياك نستعين (5) @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم (6) @QUR@09 صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) (7) # * * * ### ||| ** ذكر الله # هل يراد للبسملة أن تكون كلمة قرآنية يرددها المؤمنون في قراءتهم وفي ~~ذكرهم التقليدي لله ، ثم لا شيء غير ذلك؟! PageV01P035 # أم أن هناك شيئا أعمق من ذلك؟ # ربما نحتاج إلى الدخول في رحاب القرآن لنستعرض الآيات الكثيرة التي تؤكد ~~على مسألة ذكر الله في داخل حركة الزمن : ( @QUR@05 واذكر اسم ربك بكرة ~~وأصيلا ) [الإنسان : 25] ليكون اسم الله هو ما يبدأ الإنسان به ويختم ، ~~كإيحاء بالشعور العميق بالزمن الذي ينفتح على الله ، لينفتح الإنسان من ~~خلاله على حركة المسؤولية في حياته. كما يؤكد عليها في الحالة الداخلية ~~كوسيلة من وسائل التفاعل مع المضمون الحي لاسم الله ، في سبيل تعبئة ~~الناحية الشعورية بالتضرع إلى الله من خلال الحاجة إليه وإلى رضوانه ، ~~وبالخوف منه من خلال التخلص من عقابه ، وذلك من أجل إيجاد الوعي الروحي ~~الذي يعيش فيه الإنسان الحضور الإلهي في شخصيته ، فلا يكون غافلا عنه. # ( @QUR@016 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين ) [الأعراف : 205]. # ( @QUR@06 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) [المزمل : 8]. # وهكذا أراد الله أن نذكره في مقام التسبيح باسمه ، وفي مقام الانفتاح على ~~التزكية ، وعلى الصلاة. # ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى ) [الأعلى : 1]. # ( @QUR@08 قد أفلح من ms0020 تزكى* وذكر اسم ربه فصلى ) [الأعلى : 14 15]. # كما أرادنا أن نذكره عند ما نبدأ القراءة ، لتكون القراءة باسمه ، ( ~~@QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [العلق : 1]. # وقد ورد التأكيد على أن الحيوان لا يحل ذبحه إلا إذا ذكر اسم الله عليه ( ~~@QUR@010 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) [الأنعام : 121]. PageV01P036 # ( @QUR@010 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ) ~~[الأنعام : 118]. # وهكذا تتنوع الآيات التي تتحدث عن ذكر الله وعن الذاكرين لله ، في ما ~~يمثله ذلك من قيمة روحية كبيرة تتصل بالمستوى الإيماني للإنسان المسلم ، ~~وبالدرجة الرفعة التي يحصل عليها عند الله سبحانه وتعالى. # إننا نستطيع أن نخرج من هذا العرض السريع بنتيجة محددة ، وهي أن الله ~~يريد لعباده أن يذكروه دائما في كل أمورهم ، وأن يربطوا به كل تحركاتهم ~~وأوضاعهم ، ليظل وعيهم الإيماني في الحضور الإلهي في فكرهم وشعورهم منفتحا ~~على الله ، وليبقى إحساسهم متحركا في نطاق ارتباط كل الأشياء به ، فلا ~~يستسلم الإنسان للحالات التي توحي له باستقلاله الذاتي أو باستقلال الأسباب ~~الواقعية المحيطة به في إدارة قضاياه أو قضايا الكون من حوله ، والتي قد ~~تأتي من خلال الغفلة عن عمق الفقر التكويني الذي يتمثل في كل الموجودات في ~~علاقاتها بالله. # وهذا ما انطلقت به التربية الإسلامية ، لتجعل بداية كل عمل يقوم به ~~الإنسان مرتبطا بالله سبحانه وتعالى ، ليتولد لديه الشعور بأن الطاقة التي ~~يبذلها والأفكار التي يطلقها ليست شيئا ذاتيا ، بل هي شيء مستمد من الله ، ~~بسبب ما أودعه في كيانه من أجهزة ، وما أحاطه به من إمكانات ، وهداه إليه ~~من وسائل. # * * * ### ||| ** بين الارتباط بالله والثقة بالنفس # وليس معنى ذلك كما قد يخيل للبعض أن يبتعد الإنسان عن الإحساس بالثقة ~~بنفسه ، ليكون مجرد خشبة في مجرى التيار ، أو ورقة في PageV01P037 # مهب الريح ، فيوحي لنفسه دائما بأنه لا يملك إرادته ، ولا يسيطر على ~~حركته ، ولا يستطيع أن يتحكم بتحديد مصيره ، في ما تفرضه عليه العقيدة ~~الإيمانية من ذلك كله ، بل إن المسألة ، في بعدها الفكري العقيدي ، تؤكد ~~الثقة ms0021 بالنفس ، من خلال ثبات الأجهزة المودعة في داخل كيانه في نطاق العقل ~~والإرادة والحركة الخاضعة للقوانين الإلهية المتحكمة ببنية الكيان الإنساني ~~وفاعليته ، ومن خلال ثبات السنن الكونية التي أقام الله الكون عليها في ~~حركة نظامه وفي مفردات الوجود في داخله ، مما يوحي بأن الإنسان يملك ~~استقلاله الذاتي في دائرة النظام الكوني في كيانه وفي ما يحيط به من قوانين ~~الوجود ، وذلك من خلال إرادة الله التي تتصرف في الكون كله بالحكمة العميقة ~~وبالقدرة المطلقة. # ونستطيع التأكيد بأن هذا الارتباط الكلي بالله القدرة والرحمة والعلم ~~والحكمة ، يمنح الإنسان الشعور الكبير بالثقة ، بدرجة أكبر ، لأنه يستند ~~إليه ويستعين به في مواجهة كل عوامل الضعف الداخلية والخارجية التي تتحداه ~~، من دون أن ينتقص ذلك من حريته ومصداقيته. # إن الاستعانة بالله تمثل في المفهوم الإسلامي الاستعانة بمصدر القوة ~~الأساس في وجوده من ناحية المبدأ والتفاصيل ، تماما كما هو الحال في ~~التفكير المادي في السنن الكونية الطبيعية التي يراها أساسا لحركة الوجود ~~المادية ، مع فارق كبير ، وهو أن المؤمن ينفتح على الإرادة الإلهية الحكيمة ~~العليمة القادرة الواعية ، بينما يعيش المادي في ضباب شديد .. كما أن إرادة ~~الله قد تتجاوز السنن الطبيعية في بعض الحالات ، بينما لا يمكن تجاوزها في ~~التصور المادي لحركة الكون والإنسان. # * * * PageV01P038 ### ||| ** البسملة في إطار المنهج التربوي الإسلامي # وخلاصة الفكرة ، أن البسملة تمثل جزءا من حركة التربية الإسلامية في ~~ارتباط الإنسان بالله في أفعال وأقواله ، الأمر الذي يجعلها بمثابة الإيحاء ~~المتحرك المستمر بأن الله يقف خلف كل وجوده وحركته ، فلا بد من أن يبدأ ~~الأمور كلها باسمه ، ليكون ذلك موحيا بأن الله هو الذي يعطي الشرعية ~~العملية لما يحتاج إلى مصدر الشرعية ، وأنه هو الذي يعطي القوة الحركية لما ~~يحتاج إلى مصدر القوة ، حتى لا ينفصل العمل الإنساني ، في كل مواقعه ، عن ~~التصور الإيماني لله ، على أساس أنه هو القوة الوحيدة المهيمنة على الأمر ~~كله في حركة الكون والإنسان ، باعتبار أنه مصدر التكوين والتشريع ، وبذلك ~~يتأكد إيمان الإنسان في كل مواقع الحركة في ms0022 أبعاد حياته. # وفي ضوء ذلك ، يمكن لنا أن نقرر ضرورة التقيد بذكر البسملة في كل المواقع ~~والمواثيق والمعاهدات والخطابات ، باعتبار أنها تمثل العنوان الإسلامي الذي ~~يوحي بالخط الإسلامي الملتزم بالله في ذلك كله. # وقد يكون من الضروري الانتباه إلى طبيعة الخطة التي يعمد إليها غير ~~المسلمين ، أو غير الإسلاميين ، في الإيحاء بأن ذلك لا يمثل عنصرا مهما ، ~~بالنسبة للقضايا الحيوية التي تدور بين المسلمين وبين غيرهم على صعيد ~~الاتفاقات ، الأمر الذي يفرض علينا في ما يقولونه أن لا نتوقف أمام هذا ~~الموضوع ، وأن لا نصر على التقيد به ، مما قد ينعكس سلبا على إتمام ~~الاتفاقات أو المواثيق المصيرية عند ما يرفض الآخرون ذلك. # إن علينا التنبه إلى طبيعة هذه اللعبة الخبيثة التي تريد إبعادنا عن ~~الوقوف أمام العنصر الحي من عناصر شخصيتنا الإسلامية في ما ترسمه من ~~الملامح PageV01P039 # العامة للوجه الإسلامي الأصيل ، وأن نواجه ذلك كله بالموقف الذي يؤكد على ~~أن المسألة ليست مجرد كلمة تذكر أو تحذف ، بل هي عنوان للخط ، وحركة في ~~المسيرة ، مما يجعل الاستهانة بها استهانة بالمعنى الأصيل الذي تمثله في ~~معنى العقيدة الإسلامية. # * * * ### ||| ** بسم الله # أي : أبتدئ باسم الله. وهذا هو المعنى المتبادر من جو الكلمة في متعلق ~~الجار والمجرور ، لأن المقصود هو الابتداء باسم الله في إيحاءاته بارتباط ~~الفعل وهو القراءة ، أو الانفتاح على المضمون الذي تشتمل عليه السورة في ~~المعاني العامة التي أراد الله بيانها في تفاصيل آياتها ، لأن البداية عند ~~ما تكون ( @QUR@02 بسم الله )، فإنها تفتح وعي الإنسان على كلام الله ~~النازل من خلال وحيه ، مما يجعل من الابتداء باسمه مدخلا للانفتاح عليه على ~~أساس ما يرمز إليه اسم الله من الذات المقدسة المطلقة التي يرجع إليها ~~الأمر كله ، فتكون بداية كل شيء منه ونهايته إليه. # وكلمة الجلالة « الله » لا تدل إلا على ذاته سبحانه ، بالوضع ، أو لغلبة ~~الاستعمال ، وذلك من خلال التبادر الذي يوحي بذلك. # وعلى ضوء هذا ، فإن الكلمة تحمل الوضوح الصافي المشرق الذي يجعل التصور ~~في مستوى الحقيقة التي ms0023 لا مجال فيها للغموض أو الاشتباه ، بحيث لا يبقى ~~هناك مجال للحاجة إلى أي تأويل أو تفسير ، ولذلك كانت كلمة التوحيد : « لا ~~إله إلا الله » تعني الالتزام بالوحدانية من دون حاجة إلى أي لفظ آخر يكمل ~~المعنى ، لتعين المعنى التوحيدي من خلال الكلمة. # * * * PageV01P040 ### ||| ** الرحمن الرحيم # هاتان الكلمتان الدالتان على وصف واحد هو الرحمة ، التي تمثل ، في ~~مدلولها الإنساني ، حالة انفعال إيجابي ، تصيب القلب بفعل احتضانه لآلام ~~الآخرين وآمالهم ومشاكلهم ، في رعاية محببة ، وعناية ودودة ، وحنان دافق ، ~~وتنفذ إلى عمق حاجتهم ، إلى العاطفة المنفتحة على كل كيانهم الجائع إلى ~~الحنان الظامئ وإلى الحب المتحرك نحو احتواء الموقف كله. # أما في الجانب الإلهي ، فهي لا تقترب من مشاعر الانفعال الممتنع على الله ~~، لأنه من حالات الجسد المادي ، ولكنها تنطلق في النتائج العملية المنفتحة ~~على وجود الإنسان الذي يمثل وجها من وجوه حركة الرحمة الإلهية لديه ، وعلى ~~كل تفاصيل حياته في النعم التي يغدقها الله عليه ، وعلى كل مواقع خطاياه ~~التي يغفرها الله له ، وعلى كل مجالات حركته العامة أو الخاصة في آلامه ~~ومشاكله ليخففها عنه أو ليبعدها عن حياته ، وعلى كل تطلعاته في أحلامه ، ~~ليحققها له ، وعلى كل مصيره في الدنيا والآخرة ليجعل السعادة له في دائرة ~~رضوانه في ذلك كله. # * * * ### ||| ** الوجود مظهر الرحمة الإلهية # إن الوجود كله هو مظهر الرحمة الإلهية التي هي صفة من صفات الكمال لله في ~~ما تعبر عنه من الموقع الرحيم الذي يطل به الله على الوجود وعلى PageV01P041 # الإنسان في كل مواقعه في داخل طبيعة الوجود وفي عمق حركته ، وهذا ما يريد ~~الله في الإنسان أن يتصوره به ، ليشعر دائما بقربه إليه من خلال حركة ~~الرحمة التي وسعت كل شيء ، باعتبار أنها تلاحق الإنسان لتضمد له جراحة ، ~~ولتفتح قلبه على الأمل كله والخير كله ، ولتعده بمستقبل مشرق كبير. وهذا هو ~~ما يوحي به الدعاء المأثور : « اللهم إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك فإن ~~رحمتك أهل أن تبلغني وتسعني لأنها وسعت كل شيء ». # ولعل هذا هو الأسلوب ms0024 التربوي الذي يعمل على تأكيد التصور الإنساني لله من ~~موقع الرحمة ، بيبقى قريبا منه في مواقع حاجته إليه ، من حيث الأفق الواسع ~~المليء بالعطف والطف والحنان والرضوان. ولعل هذا الأسلوب أيضا ، هو الذي ~~أوجب التعبير عن الرحمة بكلمتين ، ليزداد تأكيد هذا المضمون في الوعي ~~الشعوري للإنسان تجاه ربه. # وإذا كان التأكيد يمثل لونا من التكرار للفكرة ، فإن الحاجة إليه لا ~~تقتصر على دفع احتمال الاشتباه ، كما يقرر النحويون ، بل قد تكون المسألة ~~فيه هي الحاجة إلى تعميق المعنى الذي تتضمنه الكلمة بشكل عميق واسع ، مما ~~لا يحصل الإنسان عليه بالكلمة الواحدة فلا ينافي ذلك بلاغة القرآن ، لأن ~~التأكيد في مدلوله التصويري التعميقي لا يكرر المعنى بشكل جامد ، بل يعمقه ~~بشكل حي متحرك. # * * * ### ||| ** المفسرون والفرق بين الرحمن والرحيم # وقد أفاض المفسرون في توضيح الفرق بين الكلمتين ، فذهب بعض PageV01P042 # منهم إلى أن ( @QUR@01 الرحمن ) هو المنعم بجلائل النعم ، وأن ( @QUR@01 ~~الرحيم ) هو المنعم بدقائقها ، وذهب آخرون إلى أن ( @QUR@01 الرحمن ) هو ~~المنعم على جميع الخلق ، وأن ( @QUR@01 الرحيم ) هو المنعم على المؤمنين ~~خاصة ، وذهب رأي ثالث إلى أن الوصفين بمعنى واحد ، وأن الثاني تأكيد للأول. # وذكر بعض المفسرين أن صيغة الرحمن مبالغة في الرحمة ، ويعلق السيد الخوئي ~~(قده) عليه فيقول : # « وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة ، سواء أكانت هيئة فعلان مستعملة في ~~المبالغة أم لم تكن ، فإن كلمة ( @QUR@01 الرحمن ) في جميع موارد استعمالها ~~محذوفة المتعلق ، فيستفاد منها العموم وأن رحمته وسعت كل شيء ، ومما يدلنا ~~على ذلك ، أنه لا يقال : إن الله بالناس أو بالمؤمنين لرحمن ، كما يقال : ~~إن الله بالناس أو بالمؤمنين لرحيم ». # أما صفة ( @QUR@01 الرحيم ) فهي « صفة مشبهة أو صيغة مبالغة. ومن خصائص ~~هذه الصيغة أنها تستعمل غالبا في الغرائز واللوازم غير المنفكة عن الذات ~~كالعليم والقدير والشريف والوضيع والسخي والبخيل والعلي والداني. فالفارق ~~بين الصفتين : أن الرحيم يدل على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها ، ~~والرحمن يدل على ثبوت الرحمة فقط ، ومما يدل على أن الرحمة في كلمة ( ~~@QUR@01 الرحيم ) غريزة وسجية : أن هذه ms0025 الكلمة ، لم ترد في القرآن عند ذكر ~~متعلقها إلا متعدية بالباء ، فقد قال تعالى : # ( @QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) [البقرة : 143] ، ( @QUR@03 وكان ~~بالمؤمنين رحيما ) [الأحزاب : 43]. # فكأنها عند ذكر متعلقها انسلخت عن التعدية إلى اللزوم » (1). PageV01P043 # وهناك وجوه أخرى ، ولكنا لا نجد وجها واضحا لهذه الاحتمالات ، فهي لم ~~ترتكز إلى دليل واضح. # * * * ### ||| ** نقاش رأي السيد الخوئي (قده) # أما ما ذكره أستاذنا المحقق السيد الخوئي قده ، من دلالة كلمة ( @QUR@01 ~~الرحمن ) على المبالغة في الرحمة ، إما لكونها من صيغ المبالغة ، كما ذكر ~~البعض ، وإما لحذف المتعلق مما يفيد العموم ، فهو غير واضح ، لأن دلالتها ~~على المبالغة لم تثبت ، وربما كانت ملاحظة ما كان على هذا الوزن من الكلمات ~~الأخرى تدفع ذلك ، كما أن حذف المتعلق لا يفيد العموم دائما ، فربما كان ~~ذلك من أجل التركيز على المبدأ. أما بالنسبة إلى صيغة « فعيل » فقد تستعمل ~~في ما يكون من قبيل الغرائز ، ولكنها قد تستعمل في غيره. # وهناك وجه آخر قد يكون أقرب الوجوه إلى الاعتبار ، وهو الذي ذكره بعض ~~المتأخرين ؛ وخلاصته أن الوصفين متغايران تمام التغاير ، فالرحمن صفة ذاتية ~~هي مبدأ الرحمة والإحسان ، والرحيم صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان ~~وتعديهما إلى المنعم عليه. ويدل على هذا أن الرحمن لم تذكر في القرآن إلا ~~مجرى عليها الصفات كما هو شأن أسماء الذات : ( @QUR@06 قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن ) [الإسراء : 110] ( @QUR@03 لمن يكفر بالرحمن ) [الزخرف : ~~33] ( @QUR@04 أن دعوا للرحمن ولدا ) [مريم : 91] ( @QUR@07 إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن ) [مريم : 45] ( @QUR@03 الرحمن* علم القرآن ) [الرحمن ~~: 1 2] ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) [طه : 5] وهكذا ... # أما ( @QUR@01 الرحيم ) فقد كثر استعمالها وصفا فعليا ، وجاءت بأسلوب PageV01P044 # التعدية والتعلق بالمنعم عليه : ( @QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) ~~[البقرة : 143] ( @QUR@03 وكان بالمؤمنين رحيما ) [الأحزاب : 43] ( @QUR@03 ~~وهو الغفور الرحيم ) [يونس : 107] ، كما جاءت الرحمة كثيرا على هذا الأسلوب ~~: ( @QUR@04 ورحمتي وسعت كل شيء ) [الأعراف : 156] ( @QUR@05 ينشر لكم ربكم ~~من رحمته ) [الكهف : 16] ، ولم ير في القرآن تعبير ما برحمانية الله (1). # وقد نستطيع التعبير عن هذا الوجه بأن كلمة ( @QUR@01 الرحمن ) هي صفته في ~~ذاته ، بينما ( @QUR@01 الرحيم ms0026 ) تمثل صفته في حركة الرحمة في خلقه. ولعل ~~هذا هو المتبادر للذهن من موارد استعمالها ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** موقع البسملة في القرآن # ويبقى لنا سؤال آخر وهو : هل البسملة آية من القرآن أو أنها آية من ~~الفاتحة فقط ، أو أنها آية مستقلة نزلت للفصل بين السور مرة واحدة؟ # يذكر بعض المفسرين ، في ما نقله عن كثير من العلماء ، أنها لم تعرف ~~بتمامها عند المسلمين ، إلا بعد أن نزلت سورة « النمل » ، وأنهم كانوا ~~يقولون أولا : « باسمك اللهم » ، ثم قالوا : ( @QUR@04 بسم الله الرحمن ~~الرحيم ) تبعا لما جاء في السورة من قوله تعالى : ( @QUR@08 إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) (2) [النمل : 30]. # ونحن لم نجد لهذا القول مصدرا ثابتا من الناحية التاريخية التي ذكرها هؤلاء. PageV01P045 # وقد « اتفقت الشيعة الإمامية على أن البسملة آية من كل سورة بدئت بها. # وذهب إليه ابن عباس ، وابن المبارك ، وأهل مكة كابن كثير ، وأهل الكوفة ~~كعاصم ، والكسائي ، وغير هما ما سوى حمزة ، وذهب إليه أيضا غالب أصحاب ~~الشافعي ، وجزم به قراء مكة والكوفة ، وحكي هذا القول عن ابن عمر ، وابن ~~الزبير ، وأبي هريرة ، وعطاء وطاوس ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، والزهري ، ~~وأحمد بن حنبل في رواية عنه ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ~~، وعن البيهقي نقل هذا القول عن الثوري ، ومحمد بن كعب ، واختاره الرازي في ~~تفسيره ونسبه إلى قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز ، وإلى ابن المبارك ~~والثوري ، واختاره أيضا جلال الدين السيوطي مدعيا تواتر الروايات الدالة ~~عليه معنى. # وقال بعض الشافعية وحمزة : إنها آية من فاتحة الكتاب خاصة دون غيرها. ~~ونسبت ذلك إلى أحمد بن حنبل ، كما نسبت إليه القول الأول. # وذهب جماعة منهم : مالك ، وأبو عمرو ، ويعقوب إلى أنها آية فذة ، وليست ~~جزءا من فاتحة الكتاب ولا من غيرها ، وقد أنزلت لبيان رؤوس السور تيمنا ~~وللفصل بين السورتين ، وهو مشهور بين الحنفية. # غير أن أكثر الحنفية ذهبوا إلى وجوب قراءتها في الصلاة قبل الفاتحة ، ~~وذكر الزاهدي عن المجتبى أن وجوب القراءة في كل ركعة هي ms0027 الرواية الصحيحة عن ~~أبي حنيفة. # وأما مالك فقد ذهب إلى كراهة قراءتها في نفسها ، واستحبابا لأجل الخروج ~~من الخلاف» (1). # وقد نلاحظ في هذه المسألة ، أن المشكلة المطروحة التي تخضع لها PageV01P046 # النتيجة الحاسمة ، هي مشكلة القراءة في الصلاة ، فإذا كانت جزءا من ~~الفاتحة ، أو من أية سورة ، وجبت قراءتها ، وإذا لم تكن كذلك فلا يجب ~~قراءتها إلا بدليل خاص ، لأن السورة لا تنقص بتركها. # أما طبيعة المسألة ، فلا تمثل مشكلة عملية ، لأن سيرة المسلمين جارية على ~~قراءة البسملة مع كل سورة ، كما أن المصاحف بأكملها مشتملة عليها ، حتى أن ~~المثبتين للجزئية جعلوا ذلك دليلا عليها ، مما يجعل للمسألة موقعا فقهيا ~~كبقية المسائل الفقهية العملية ، ولذلك اكتفينا بالإشارة إلى الخلاف في ~~المسألة وتركنا الاستدلال عليها للأبحاث الفقهية. # * * * ### ||| ** ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين ) # ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين ) هذه هي الآية الأولى من سورة الفاتحة ~~التي يبدأ فيها الإنسان المؤمن بالتعبير عن عمق إحساسه بالله ، من خلال ما ~~يختزنه في داخل عقله الإيماني ، وشعوره الروحي ، وتصوره الفكري ، وحسه ~~الوجداني ، من معنى الحمد لله الذي يتحدث اللغويون والمفسرون عنه ليضعوا ~~أمام كلمته كلمة « المدح » أو « ضد اللوم ». فهي تعبر عن مدح الإنسان لربه ~~في ما يعتقده من عظمة صفاته ، ويعرفه من امتداد نعمه ، ورجوع كل خير إليه ، ~~وانطلاق كل وجود من وجوده .. ولكن الكلمة ، في ملامحها الإيحائية ، توحي ~~ببعض الإيحاءات النفسية ، والإحساسات الشعورية ، التي تجعل للكلمة معنى ~~يتصل بالشكر ، فكأن الإنسان عند ما ينفتح على المدح ، يتحسس موقع العظمة ~~المنفتح على النعمة من حيث امتزاج المعنيين أو تداخلهما ، باعتبار ارتباط ~~مواقع الوجود ببعضها البعض. ولهذا نجد أن كلمة الحمد تلتقي ، في PageV01P047 # استعمالاتها ، بمواقع كلمة الشكر. وهذا ما نراه في أغلب الكلمات ~~المترادفة التي قد تتفق في المعنى من حيث المبدأ ، ولكنها تختلف من حيث ~~الإيحاءات ، مما يجعل لكل كلمة موقعا يختلف عن موقع الكلمة الأخرى ، فنجد ~~كلمة « بشر » مثلا توضع في مقابل كلمة الملك ، بينما توضع كلمة « الإنسان » ~~في مقابل كلمة « الحيوان » ، مع أن معناهما ، أي ms0028 : البشر والإنسان ، واحد. # * * * ### ||| ** لماذا الحمد لله وحده؟ # وهذه الجملة واردة في مورد الحصر ، باعتبار أن لله وحده الحمد كله ، ~~باعتباره مالكا للوجود كله ، والأمر كله. فإذا كان بعض خلقه مستحقا للحمد ~~من خلال صفاته العظيمة ، أو أفعاله الحسنة ، فإن الله هو الذي وهبه ذلك ، ~~ومكنه منه. فهو الذي هيأ له الظروف والوسائل والإمكانات التي جعلت منه ~~إنسانا محمودا ، مما يجعل من محامد خلقه امتدادا لمحامده ، باعتبار أن ذلك ~~من فعله ومن إرادته. # إن الخلق كله يمثل بالنسبة إلى الله الظل والصدى وامتداد الشعاع ، فلا ~~وجود لهم إلا من خلال وجوده ، ولا حمد لهم إلا من خلال حمده. # وإذا كانت الكلمة تنطلق من عمق الإحساس بالعظمة والنعمة ، فلا بد من أن ~~تطوف بالإنسان في رحاب الله ، في صفات الجلال والكمال ، ليعيش مع الله في ~~ذلك الجو كله ، مما يجعل الكلمة تجتذب آلاف الكلمات ، كما ينطلق التصور في ~~معنى الحمد الممتد في كل مواقع الحمد ليلتقي بآلاف التصورات في ما يحمله ~~اسم الجلالة من كل المعاني العظيمة والصفات الحسنى. PageV01P048 # وهذا هو التصور الأول في السورة في ما يتصوره المؤمن من تصوراته العقيدية ~~لله ، لتلتقي صفة الله المحمود ، مع مشاعر المؤمن الحامد. # ( @QUR@02 رب العالمين ) « الرب : مأخوذ من ربب : وهو المالك المصلح ~~والمربي ، ومنه : الربيبة ، وهو لا يطلق على غيره تعالى إلا مضافا إلى شيء ~~، فيقال : رب السفينة ، رب الدار ». وكلمة العالم : « جمع لا مفرد له كرهط ~~وقوم ، وهو قد يطلق على مجموعة من الخلق متماثلة ، كما يقال ، عالم الجماد ~~، عالم النبات ، عالم الحيوان. وقد يطلق على مجموعة يؤلف بين أجزائها ~~اجتماعها في زمان أو مكان ، فيقال : عالم الصبا ، عالم الذر ، عالم الدنيا ~~، عالم الآخرة. وقد يطلق ويراد به الخلق كله على اختلاف حقائق وحداته ، ~~ويجمع بالواو والنون ، فيقال : عالمون ، ويجمع على فواعل ، فيقال : عوالم ، ~~ولم يوجد في لغة العرب ما هو على زنة فاعل ، ويجمع بالواو والنون ، غير هذه ~~الكلمة » (1). # * * * ### ||| ** الله هو المربي # لذلك يمتزج معنى الألوهية ، في ما تعنيه الكلمة ، بمعنى التربية. ms0029 فهو ~~الإله الذي يخلق الخلق ، ولكن لا ليتركهم في الفراغ ، بل ليرعاهم فيربي لهم ~~إحساسهم من خلال الأجهزة التي أودعها في داخل كيانهم ، ومن خلال الأشياء ~~التي خلقها لهم من الطعام والشراب وغير ذلك ، مما يتوقف عليه نمو أجسادهم ، ~~ومما يربي لهم عقولهم من خلال العناصر الدقيقة الخفية التي أقام PageV01P049 # عليها كيانهم الفكري ، ومن خلال الوسائل الحسية التي حركها لتمون جهاز ~~العقل في وجودهم ، ليبدع ما شاء الله له من النتاج الفكري الذي يرفع مستوى ~~الحياة في أكثر من مجال ، ويربي لهم حياتهم الروحية والعملية بالرسالات ~~التي تمثل أعلى درجات السمو والخير والإبداع. ثم كانت تربيته للوجود كله في ~~مخلوقاته الحية والنامية والجامدة ، في ما أبدعه من النظام الكوني الذي يضع ~~لكل موجود نظاما بديعا من الداخل والخارج ، ويربط فيه بين المخلوقات في ~~عملية التكامل الذي يتمثل في الترابط الوجودي المتحرك أو الساكن في وجود ~~الأشياء. # وهكذا كانت الألوهية ، التي تنفتح على الكون كله من قاعدة الوجود ، ~~والتربية ، كما تتطلع إليها الموجودات من الموقع نفسه من خلال حاجتها ~~الذاتية إليها في ذلك كله. # من هنا يظهر لنا أن الألوهية ، في المفهوم الإسلامي ، تمثل حقيقة حية ~~متحركة في علاقة الخالق بالمخلوق ، كما هي علاقة المخلوق بالخالق ، ليبقى ~~الإنسان والحيوان والملك وكل مفردات الوجود في تطلع دائم ، وفي انتظار يومي ~~، لكل العطاء الإلهي في استمرار الوجود ، مما يجعل من عملية النمو عملية ~~مستمرة مع الزمن كله ، في حركة الوجود كله. # * * * ### ||| ** التازر والتاخي بين مفردات الوجود # وأما كلمة : ( @QUR@01 العالمين )، فتفتح آفاقها لتشمل مفردات الوجود ~~كلها في اختلافها في عناصرها الذاتية وملامحها النوعية ، وحركتها الوجودية ~~، وأوضاعها الشكلية ، ومجالاتها الحركية ، ومداراتها الكونية ... ، ثم توحدها PageV01P050 # في وحدة الخالق المربي الذي يرعى حركة وجودها ، ويمنح كل واحدة منها ~~الخصائص التي تؤدي بها إلى غاية الوجود فيها ، لتتآزر كلها في أخوة وجودية ~~تجعل من ساحة الكون مجالا للتكامل ، فكل وجود منها مسخر لوجود آخر ، حتى ~~مظاهر الصراع بينها لا تبتعد عن نقطة التوازن في دائرة التكامل ، فالحيوان ~~الصغير ms0030 الذي ينمو ليكون طعاما للحيوان الكبير ، لا يعيش الصراع بين وجودين ~~، ولكنه يمثل الوجود الذي يمنح ذاته لوجود آخر ، ليتابع نموه واستمراره في ~~حركة الوجود الصاعد إلى الغاية الكبرى للوجود كله ، من خلال التخطيط الإلهي ~~للنظام الوجودي الكوني الكبير. # ومن خلال ذلك ، نستلهم الفكرة الإيمانية التي ترتكز على تآخي الموجودات ~~في حركة الوجود. وهذا ما نتمثله في التطلع الإيماني الذي ينطلق به الإمام ~~علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام عند ما يتطلع إلى الصباح ، وهو ~~يستقبل الكون كله في شروق الشمس ، فيشعر بوحدة الإنسان مع الكون كله بين ~~يدي الله ، وفي قبضته وتدبيره ، في دعاء الصباح والمساء : # « أصبحنا (أو أمسينا) وأصبحت الأشياء كلها بجملتها لك ، سماؤها وأرضها ~~وما بثثت في كل واحد منهما ، ساكنه ومتحركه ومقيمه وشاخصه ، وما علا في ~~الهواء وما كن تحت الثرى. # أصبحنا في قبضتك ، يحوينا ملكك وسلطانك ، وتضمنا مشيتك ، ونتصرف عن أمرك ~~، ونتقلب في تدبيرك ، ليس لنا من الأمر إلا ما قضيت ، ولا من الخير إلا ما ~~أعطيت » (1). # وهذا هو المفهوم الثاني من التصور الإسلامي للعقيدة بالله ، فهو رب ~~العالمين ، أي : «رب الوجود ». وهو الرب الذي يرعى خلقه ويقودهم إلى ما فيه ~~هداهم ، ويحقق لهم التوازن والتكامل في دائرة الوجود الخاص أو العام. PageV01P051 # ( @QUR@02 الرحمن الرحيم ). وقد تقدم الحديث عن ملامح هاتين الكلمتين في ~~معناهما ، أما موقعهما في هذه السورة ، فلعله كان بلحاظ الإيحاء بأن ~~الربوبية الشاملة تنفتح على الخلق ، ولا سيما الإنسان ، من خلال الرحمة ~~الواسعة التي تتسع لتشمل الخلائق كلهم ، ليقفوا أمامه في أمل كبير ورجاء ~~عظيم ، على هذا الصعيد ، ليتوازن الشعور لديهم بين الخوف ، من خلال وحي ~~الربوبية الشاملة ، وبين الرجاء ، من خلال وحي الرحمة الواسعة. # * * * # ( @QUR@03 مالك يوم الدين ) # ( @QUR@03 مالك يوم الدين )، يوم الدين : أي : يوم الجزاء أو الحساب. ~~هذه الفقرة تدل على إحاطة الله تعالى وسيطرته على هذا اليوم الذي يقوم ~~الناس فيه لرب العالمين ، لينطلق التصور في جولة واسعة في ساحة المسؤولية ~~التي يتحملها الإنسان في حياته بين يدي الله ، في ms0031 ما كلفه الله به من إطاعة ~~أوامره ونواهيه ، لأن ذلك هو طبيعة وجود يوم الجزاء ، لأن الجزاء لا يكون ~~إلا على الطاعة أو المعصية ، كما أن يوم الحساب يفرض وجود يوم للعمل. وهكذا ~~ينفتح الإنسان على ربه المالك ليوم الجزاء ليخاف عقابه من موقع عدله ، أو ~~ليرجو ثوابه به موقع رحمته ، ليقترب ، منه في ساحات الخضوع والخشوع من خلال ~~معرفته بالمصير الأخروي الذي يحمل إليه السعادة الدائمة أو الشقاء الخالد. # وهكذا تتحرك هذه الآيات الثلاث لتدفع بالإنسان إلى حمد الله تعالى في ما ~~هو التصور للربوبية المهيمنة على العالمين ، وللرحمة الشاملة الواسعة على ~~كل آفاق حياتهم ، وللمالكية المطلقة ليوم الجزاء الذي يقوم الناس فيه لرب PageV01P052 # العالمين ، ليبعث فيهم الشعور بالرغبة أو الرهبة. # وهذه نقلة بيانية في أسلوب السورة الذي ينقل الجو من الغيبة في حديث ~~الإنسان عن الله في حمده له وتعداده لصفاته ، إلى الخطاب الذي ينطلق فيه ~~الإنسان المؤمن بالله ، الحامد له ، المنفتح على عظمته ، من خلال انفتاحه ~~على صفاته في ربوبيته للعالمين ، ورحمته لهم ، وسيطرته ، على مواقع الجزاء ~~في مصيرهم ، ليخاطب الله في موقف التزام ودعاء ، وذلك أن هذا النوع من ~~التطلع الإيماني الفكري لله ، في صفات عظمته ورحمته ، يجسد في وعي الإنسان ~~الحضور الإلهي ، كما لو كانت المسألة في دائرة الإحساس الطبيعي في عمق ذاته ~~، تماما كما هي الصدمة الفكرية التي تتحول إلى انطلاقة شعورية بين يدي الله ~~، ليعبر له عن إخلاصه في العبودية ، وعن توحيده في العبادة وفي الاستعانة ، ~~فلا يعبده غيره من موقع أنه لا يعترف بالألوهية لغيره ، ولا يقر بالعبودية ~~لسواه ، فهو وحده الإله الذي يستحق العبادة ، وهو وحده القادر على الإعانة ~~، على أساس أنه الذي يملك الأمر كله ، فلا يملك غيره معه شيئا ، مما يجعل ~~الخلق كله عاجزا عن تقديم ما لا يريد الله أن يقدمه من عون لنفسه وللآخرين ~~من حوله. # وهذا الأسلوب القرآني الرائع ، يجعل مسألة التصور تطل على الانفتاح ~~الفكري المنطلق في أجواء التأمل الروحي ، وتمثل حركة في مسألة الخطاب ms0032 ~~الإيماني ، فيما هو الإقرار الشعوري في الالتزام العقيدي. وهذا هو ما نريد ~~أن نتمثله في الخط التربوي الذي يتحرك في اتجاه تحويل الحالة الفكرية إلى ~~حالة شعورية ، من أجل الوصول إلى مضمون الإيمان الذي هو الوجه الشعوري ~~للمضمون الفكري. # * * * PageV01P053 ### ||| ** ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين ) # وقد نحتاج إلى الإطلالة على خصوصية التعبير عن الالتزام بعبادة الله ، ~~والاستعانة به ، بطريقة تقديم المفعول به على الفعل والفاعل الذي ينفصل فيه ~~الضمير فيتحول من ضمير متصل في ما يتمثل في كلمة « نعبدك » « ونستعينك » ، ~~إلى ضمير منفصل يتقدم على الفعل وذلك في جملة : ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك ~~نستعين ). وهذه الخصوصية هي الحصر الذي يدل عليه تقديم المفعول على الفعل ~~ليكون المعنى هو حصر العبادة بالله ، والاستعانة به ، وذلك من أجل التعبير ~~عن التوحيد العملي الذي هو التجسيد الواقعي للتوحيد الفكري العقيدي ، فقد ~~لا يكفي في الإسلام ، كما في كل الرسالات التوحيدية ، أن يعيش الإنسان ~~العقيدة في دائرتها التصورية ، بل لا بد له من أن يعيشها في دائرتها ~~العملية ، فيما هي حركة العبادة في الذات ، وفيما هي مسألة الارتباط بالله ~~، المشدود إليه في أوضاع الحياة. بل ربما نجد أن هناك نوعا من الوحدة بين ~~الجانب النظري والجانب العملي في دعوة الرسالات ، بحيث يكون التوحيد في ~~العبادة هو الواجهة للدعوة في ما تختزنه من التوحيد في العقيدة. # وهذا ما حدثنا عنه في دعوة نوح وهود وصالح عليهم السلام التي اختصرتها ~~الفقرة التالية في قوله تعالى : ( @QUR@07 اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~) [الأعراف : 59]. # ولعل هذا هو التعبير الحركي الذي انطلقت فيه سورة الفاتحة من أجل تأكيد ~~الدعوة إلى التوحيد في أسلوب الإقرار الذاتي الذي يندفع فيه الإنسان المؤمن ~~، كحالة شعورية ذاتية ، بعيدا عن الجانب التقريري في هذه المسألة العقيدية ~~المهمة ، مما يترك تأثيرا إيجابيا على حركة العقيدة أكثر مما يتركه من ~~التأثير في الأسلوب الخطابي أو التقريري ، في ما يمثله من التعبير عن الصورة PageV01P054 # في وجودها الواقعي الذي يفرض التوحيد كحقيقة متحركة متجسدة ، لا كفكرة ~~ذهنية في مرحلة الدعوة. ms0033 # وهناك نقطتان لا بد من الحديث عنهما بشكل تفصيلي : # الأولى : مفهوم العبادة. # والثانية : مقياس التوحيد والشرك فيها في الدائرة التطبيقية العملية. # * * * ### ||| ** مفهوم العبادة # قد تفسر العبادة بمعان ثلاثة في اللغة : # الأول : الطاعة. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@014 ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) [يس : 60] فإن عبادة الشيطان ~~المنهي عنها في الآية المباركة هي إطاعته. # الثاني : الخضوع والتذلل. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@07 فقالوا أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ) [المؤمنون : 47] أي خاضعون متذللون. # الثالث : التأله. ومنه قوله تعالى : ( @QUR@013 قل إنما أمرت أن أعبد ~~الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب ) [الرعد : 36]. # وإلى المعنى الأخير يصرف هذا اللفظ في العرف العام إذا أطلق دون قرينة. # وقد نلاحظ أمام هذا الحديث عن التنوع في المعاني ، أنها تنطلق من معنى ~~واحد ، وهو الخضوع المطلق الذي يختزن في داخله معنى الاستسلام للمعبود ~~والذوبان فيه والانسحاق أمامه ، حتى ليحتوي في حالته الشعورية PageV01P055 # الإحساس بشيء من الألوهية أو بالألوهية كلها في ذات المعبود. فليست ~~العبادة هي الخضوع ولا الطاعة ولا التأله ، ولكنها المعنى الذي يشمل ذلك ~~كله في خصوصية مميزة. # في ضوء ذلك ، يمكن فهم قول الإمام الحسين عليه السلام : « الناس عبيد ~~الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء ~~قل الديانون » (1). # فإن عبادة الناس للدنيا تنطلق من استغراقهم فيها ، حتى كأنهم يمنحونها ~~صفة الإله في استسلامهم المطلق لكل شهواتها ومتطلباتها ، كما لو كانت إلها ~~معبودا. وهذا من التأله الخفي الذي قد لا يستشعره الإنسان في وعيه ، لكنه ~~يختزنه في المنطقة الخفية في ذاته. كما نستوحي ذلك من قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) [الجاثية : 23]. # فإن اعتبار الهوى إلها ، ينطلق من عمق الاستغراق فيه ، كما لو كان هو ~~الذي يحتوي الوجود بحيث لا يبصر الإنسان غيره ، ولا يندفع إلا نحوه ، ولا ~~يلتزم إلا به ، حتى يستولي على كل ذاته. # وقد نستفيد ذلك من الكلمة المأثورة : « فمن أطاع ناطقا فقد عبده ، فإن ~~كان الناطق ينطق عن الله ms0034 تعالى فقد عبد الله ، وإن كان ينطق عن غير الله ~~فقد عبد غير الله » (2)، بما يوحيه ذلك من الاستغراق المتمثل بالإصغاء ~~الذي يستولي على الفكر والشعور ، بحيث يفقد الإنسان إرادته معه. # * * * PageV01P056 ### ||| ** مقياس التوحيد # والسؤال المطروح في مسألة التوحيد في العبادة هو : كيف يتمثل في ~~الممارسات؟ # فهل يتمثل ذلك في الابتعاد ، في صورة العبادة الشكلية ، عن كل الأشكال ~~التي جرت عليها التشريعات العبادية في طريقة عبادة الله ، فيكون الركوع أو ~~السجود أو الانحناء لغير الله لونا من ألوان الشرك ، حتى إذا كان ذلك ~~بعنوان الاحترام أو التحية أو ما إلى ذلك ، مما لا يبتعد فيه الإنسان عن ~~الإحساس بإنسانية الذات التي يقدم إليها الاحترام أو تلقى إليها التحية؟ # أو هو يتمثل في الابتعاد عن الاستغراق في الشخص ، بحيث يوجه الخضوع إليه ~~، في أشكاله المتنوعة ، من خلال الأسرار الإلهية المخزونة في ذاته ، بحيث ~~تجعله واسطة بين الناس وبين الله ، لتكون عبادتهم له من أجل الحصول على ~~وساطته في القرب من الله ، كما ورد في حديث الله عن المشركين الذين يعبدون ~~الأصنام ليبرروا ذلك بقولهم الذي ذكره الله تعالى : ( @QUR@07 ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) [الزمر : 3]؟ # أو يتمثل ذلك في الامتناع عن اعتقاد الألوهية في كل ما عدا الله ومن عداه ~~، لتكون القضية قضية الابتعاد عن أية ممارسة عبادية توحي بالمعنى الإلهي في ~~المعبود ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، وبذلك يلتقي التوحيد في العقيدة ~~بالتوحيد في العبادة ، حيث يتلازمان في المضمون وفي الواقع؟ ولعل هذا هو ~~الأساس في أسلوب الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد في العقيدة بطريقة الدعوة ~~إلى التوحيد في العبادة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره ) [المؤمنون : 32]. PageV01P057 # ربما نلاحظ أن الصورة الشكلية ، في ما تعارف عليه الناس من طقوس في مظاهر ~~العبادة ، لا تمثل بمجردها معنى العبادة ، بل لا بد من أن ينضم إليها ~~الاستغراق في الذات التي يوجه إليها الفعل المعين ، في ما يشبه حالة ~~الذوبان الذي يفقد الإنسان معه الإحساس بإرادته أمامها ، أو ms0035 في الالتفات ~~إلى وجوده معها. ولذلك لا بد من وجود حالة نفسية في مستوى الانسحاق في ~~انطباق مفهوم العبادة عليه. وهذا ما نستوحيه في مسألة أمر الله للملائكة ~~ولإبليس بالسجود لآدم عليه السلام ، باعتبار ما يمثله ذلك من معنى الاحترام ~~الناشئ من الإيحاء بعظمة خلقه كما هو أحد الاحتمالات في ذلك فإن من الطبيعي ~~أن الله لم يأمر بذلك بمعنى العبادة لآدم عليه السلام حتى على مستوى المظهر ~~؛ لأن الله لا يرضى بعبادة غيره وإن كان من أقرب خلقه إليه. ولذلك ، لم يكن ~~رد فعل إبليس على المسألة اعتراضا على منافاة ذلك للإخلاص لله وللإيمان ~~بوحدانيته ، بل اعتراضا على أن يكون عنصر التراب أفضل من عنصر النار ، بحيث ~~لا يتناسب ذلك مع سجود المخلوق من النار ، التي هي أقوى من التراب ، ~~للمخلوق من التراب ، لأن السجود يمثل التعبير عن التعظيم ، باعتبار أنه ~~صاحب القيمة الفضلى والمستوى الأرفع. # وهكذا ، فإننا لم نجد من الملائكة استغرابا للأمر ، في ما يمكن أن يحمله ~~، حسب هذا الفرض ، من المنافاة للتوحيد في العبادة. # وهذا ما نستوحيه من سجود يعقوب عليه السلام وزوجته وأولاده ليوسف ~~عليه السلام ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@07 ورفع أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا ) [يوسف : 100] فإن الظاهر أن المراد منها هو سجود أبويه وإخوته له ، ~~لأنه قال بعد ذلك : ( @QUR@011 يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا ) [يوسف : 100] ؛ وكان ، في ما قصه على أبيه من رؤياه في بداية القصة ، ~~ما ذكره الله سبحانه : ( @QUR@015 إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي PageV01P058 # @QUR@01 ساجدين ) [يوسف : 4] ، فهل يمكن أن يكون في سجود يعقوب ~~عليه السلام وزوجته وأولاده لون من ألوان العبادة ليوسف عليه السلام الذي ~~يعيش العبودية لله في أعلى مواقعها ، كما عاشها أبوه عليه السلام في هذا ~~المستوى؟ # إن المسألة هي في ما يبدو مسألة التقليد المتبع في احترام صاحب العرش ، ~~الذي يملك السلطة ، في السجود له ، تعبيرا عن الشعور بعظمته وعن التقدير ~~لمقامه الرفيع. ms0036 # وفي ضوء ذلك ، لا بد من التدقيق في طبيعة الأشكال المتعارفة لدى الناس ، ~~التي تلتقي بشكل أو بآخر بالشكليات الطقوسية للعبادة ، ودراسة خلفياتها ~~الفكرية والروحية في شخصية من يمارسها ، ومعرفة التقاليد الاجتماعية في ~~مسألة الاحترام والتقدير ، في ما تعتاده المجتمعات من طرق تعبير مختلفة ، ~~لنميز بين ما يسيء إلى التوحيد في العبادة ، عند ما تكون الخلفيات مرتبطة ~~بالاستغراق بالشخص أو الجهة ، بحيث يفقد الإنسان الإحساس بوجوده معه ، أو ~~بحضور الله في علو موقعه في المعنى الإلهي التوحيدي فيه ، وبين ما لا يسيء ~~إلى التوحيد ، لأنه ينطلق من حالة عرفية تقليدية في ما هو الاحترام والحب ~~والتعظيم ، لكنها لا تغفل عن الإحساس بعظمة الله في مقام وحدانيته ، في ما ~~تمارسه من أعمال وأقوال. # * * * ### ||| ** التوحيد والشرك في الجانب التطبيقي # ومن خلال ذلك ، يمكن لنا الإطلالة على الخلاف الدائر بين التيار الوهابي ~~السلفي وبين المذاهب الإسلامية الكلامية الأخرى في مسألة التوسل بالأنبياء ~~وبالأئمة والأولياء والاستشفاع بهم إلى الله والتبرك بقبورهم وما إلى PageV01P059 # ذلك من المفردات الطقوسية المتمثلة في السلوك الإسلامي العام. فقد اعتبر ~~السلفيون وفي مقدمتهم الوهابيون أن هذه الأمور تمثل ألوانا من العبادة لغير ~~الله ، وذلك من خلال ما تمثله من الخضوع لهؤلاء ، الذي هو مظهر من مظاهر ~~العبادة ، ولذلك كفروا المسلمين الذين يمارسون هذه الأعمال ونسبوا إليهم ~~الشرك بالله. # لكن جمهرة المسلمين من السنة والشيعة خالفتهم في ذلك من حيث المبدأ ، لأن ~~مثل هذه الأمور لا تمثل معنى العبادة في طبيعتها إذا لم ينضم إليها ~~الاستغراق الذي يحمل معنى التأله ، في ما توحي به كلمة الشرك في العبادة ~~الذي يرتبط بالفكرة التي ترى في الذات أو الصنم ، سر الألوهية بدرجة معينة ~~، قد تزيد وقد تنقص ، تبعا لما يمثله الأشخاص الصنميون في ذلك. # وإذا كان بعض السلفيين يوردون بعض الأحاديث الناهية عن زيارة القبور ، أو ~~يفلسفون مسألة التوسل والشفاعة من خلال بعض العناوين والمفردات العقيدية أو ~~الشرعية ، فإن المسألة تتحول إلى التوفر على دراسة هذه الأحاديث أو تلك ~~التحليلات على أساس الحوار ms0037 العلمي الكلامي أو الفقهي ، الخاضع للدراسة ~~المعمقة التي تضع الأمور في نصابها الصحيح. ولا بد لمثل هذا الحوار من أن ~~يخضع للمنهج الإسلامي في مفرداته وأساليبه وروحيته القائمة على الرغبة في ~~الوصول إلى الحقيقة ، لا في تسجيل النقاط في هذه الدائرة أو تلك على ~~الطريقة الجدلية ، لأننا لاحظنا في كثر المطارحات الدائرة في هذه القضايا ، ~~أنها كانت تتحرك من روحية متشنجة لا من ذهنية منفتحة. # وفي ضوء ذلك ، نستطيع أن نتجاوز ذلك كله إلى النتائج العلمية الإسلامية ~~القائمة على الأصول الثابتة من الكتاب والسنة الصحيحة. # * * * PageV01P060 ### ||| ** الحوار المطلوب # وربما كان من الأفضل بل المتعين أن يكون الحوار بين رجال المذاهب ~~الإسلامية المتنوعة ، الكلامية والفقهية ، لأن ذلك هو الذي ينزع الكثير من ~~الأوهام التي حملها هذا الفريق عن ذاك ، من خلال بعض الكلمات أو بعض ~~الممارسات ، مما يمكن أن يجد لدى صاحبها تأويلا أو تفسيرا يصل بالمسألة إلى ~~مستوى الوضوح الكامل. # وهذا ما يسهل قضية التفاهم بينهم عند ما يطرح كل واحد منهم وجهة نظره في ~~المسألة الفقهية أو الكلامية في مواقع تقديم الحجج عليها والدفاع عنها ، ~~مما يتيح للآخر القيام بمثل ذلك ، ثم اكتشاف الثغرات التي تخضع للحساب ~~وللمعالجة على أساس القواعد الإسلامية الثابتة بشكل قطعي. # إن تأكيدنا على هذه النقطة ، في خضوع الحوار للمنهج الإسلامي ، وفي ~~ممارسته بشكل مباشر ، وجها لوجه ، ينطلق من ملاحظاتنا على تجارب الجدال بين ~~المذاهب الإسلامية ، التي قد تنسب بعض الأفكار إلى جماعات لا تقول بها ، أو ~~تبتعد عن الدقة في المفردات المتناثرة في هذا المحور أو ذاك ، كنتيجة لسوء ~~الفهم ، أو لإجمال الكلام ، أو لبعض الروايات غير الدقيقة في نقل المضمون ~~الفكري ، أو ما إلى ذلك. # وهذا ما لاحظناه في ما نسب إلى الشيعة الإمامية من الغلو في الأئمة ومن ~~السجود لغير الله ، في ما يأخذونه من تراب قبر الإمام الحسين عليه السلام ، ~~للسجود عليه في الصلاة ، بحجة أنه يمثل السجود للإمام الحسين عليه السلام ، ~~ومن التحريف للقرآن ، وغير ذلك من الأمور التي قد يلتقي ms0038 المسلمون على PageV01P061 # معرفتها بدقة من خلال الحوار لتصفو النظرة ، وتستقيم الفكرة ، وتتأكد الثقة. # وخلاصة الفكرة في مسألة العبادة ، أنها تمثل غاية الخضوع للمعبود من حيث ~~الشكل ، في ما يعبر عنه من وسائل التعبير القولية والفعلية بالمستوى الذي ~~يوحي بالانسحاق أمامه ، ومن حيث المضمون في ما ينطلق به العبد من الخضوع ~~الداخلي للمعبود بحيث يستغرق في ذاته ، في ما هي عبادة الذات ، أو في موقعه ~~، في ما هي عبادة الموقع الرمز. # أما الشرك في عبادة الله ، فإنه ينطلق من الاستغراق في عبادة غيره من ~~موقع التأله ، أو من موقع الإيحاء بالأسرار الإلهية الكامنة في ذاته ، كما ~~في قوله تعالى في الحديث عن منطق العابدين للأصنام : ( @QUR@07 ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) [الزمر : 3]. # فقد كان الوثنيون يتوجهون إليهم بالعبادة ، فيطلبون منهم حوائجهم ، ~~ويبتهلون إليهم على أساس أنهم يتقربون إليهم بذلك ليقربوهم إلى الله ، من ~~خلال الحظوة الذاتية لديهم عند الله ، كما توهم الجاهليون. # * * * ### ||| ** بين عبادة الأصنام واحترام الأولياء # وهذا هو الفرق بين ما يفعله الوثنيون وما يفعله المسلمون الذين يؤكدون ~~شرعية الشفاعة والتوسل بالأنبياء والأولياء ، باعتبار أن المسلمين يفعلون ~~ذلك من موقع التوجه إلى الله بأن يجعلهم الشفعاء لهم ، وأن يقضي حاجاتهم ~~بحق هؤلاء في ما جعله لهم من حق ، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك ~~كله ، وهي الاعتراف بأنهم عباد الله المكرمون المطيعون له الخاضعون ~~لألوهيته PageV01P062 # ( @QUR@06 لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء : 27] وأنهم ~~البشر الذين منحهم الله رسالته في ما ألقاه إليهم من وحيه ، ومنحهم ولايته ~~في ما قربهم إليه في خطهم العملي ، فكيف يقاس هذا بذاك؟! # وإذا كانوا يعتقدون أنهم الشفعاء ، فلأن الله أكرمهم بذلك ، وحدد لهم ~~حدودا في من يشفعون له : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) [الأنبياء : ~~28] ، فليست القضية قضية أسرار ذاتية في خصائص الألوهية تتيح لهم هذا ~~الموقع ، تماما كما هي قضية العلاقات المميزة الخاضعة للأوضاع العاطفية أو ~~نحوها ، بل القضية قضية كرامة من الله لهم من خلال حكمته البالغة في ألطافه ~~بأوليائه. # وهكذا نرى ms0039 أن الذهنية العقيدية لدى المسلمين لا تحمل أي لون من ألوان ~~الشرك بالمعنى العبادي ، كما لا يحملون ذلك بالمعنى الفكري ، بل يختزنون ، ~~في دائرة التعظيم للأنبياء والأولياء ، الشعور العميق بأن الله هو خالق ~~الكون ومدبره ، وأن هؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا به ، وأن كل ~~ما لديهم مما يعتقد الناس أنهم يملكون التأثير فيه بشكل وآخر ، هو من آثار ~~لطف الله بهم في تمكنهم من ذلك بإذنه وإرادته ، تماما كما هو الإيحاء في ما ~~تحدث به القرآن عن عيسى عليه السلام في حديثه عن مواقع قدرة الله في ذاته ، ~~وذلك قوله تعالى : ( @QUR@020 أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه ~~فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ) [آل ~~عمران : 49]. # وإذا كان الله قادرا على أن يحقق ذلك من خلالهم في حياتهم ، فهو القادر ~~على أن يحقق ذلك بعد مماتهم باسمهم ، لأن القدرة ، في الحالين ، واحدة في ~~ما يريد الله له أن تتجلى قدرته في حركة خلقه. # فليس في ذلك شيء من الشرك ، بالمعنى الدقيق لهذا المفهوم ، عند ما نريد ~~التدقيق في حدود المصطلح ، وفي ما تحكم به الشريعة من أحكام محددة PageV01P063 # على الناس الذين ينطقون بالشهادة بالمستوى الذي لا تتسع له كلمة الكفر أو ~~الشرك في ما يتعلق بها من أحكام. # * * * ### ||| ** ضرورة التوازن # وإذا كنا لا نقر إطلاق كلمة الشرك على المسلمين الذين يتوسلون بالأنبياء ~~والأولياء ويتبركون بقبورهم ويطلبون من الله أن يشفعهم فيهم ، أو يطلبون ~~منهم أن يشفعوا لهم عند الله ، لأن ذلك لا يعني عبادة غير الله ، ولا يقترب ~~بالتالي من أجواء الجاهلية التي كانت تدفع الناس إلى عبادة الأصنام حتى ~~يقربوهم إلى الله زلفى. إذا كنا لا نقر للسلفيين ذلك ، فإننا نحب أن نوجه ~~الانتباه إلى أن التقاليد المتبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم ~~الأنبياء والأولياء وفي زيارة قبورهم قد تتخذ اتجاها خطيرا في خط الانحراف ~~في التصور والممارسات ، وذلك من خلال الجانب الشعوري الذي يترك تأثيره على ~~الانفعالات ms0040 الذاتية في الحالات المتنوعة التي قد تدفع إلى المزيد من ~~الممارسات المنحرفة في غياب الضوابط الفكرية التربوية ، في ما ينطلق به ~~التوجيه الإسلامي للحدود التي يجب الوقوف عندها من خلال طبيعة الحقائق ~~الواقعية للعقيدة ، لأنه لا يكفي ، في استقامة العقيدة ، أن لا يكون هناك ~~دليل مانع من عمل معين ، أو من كلمات خاصة ، أو من طقوس متنوعة ، بل لا بد ~~من الانفتاح على العناصر القرآنية للفكرة العقدية ، والأجواء المحيطة بها ، ~~والروحية المميزة المتحركة في طبيعتها ، حتى لا تختلط مظاهر الاحترام بين ~~ما يقدم للخالق وما يقدم للمخلوق ، بقطع النظر عما إذا كان ذلك شركا أو ~~كفرا ، أو لم يكن. ولا سيما إذا عرفنا أن الشعوب قد يقلد بعضها بعضا في ~~الكثير من الطقوس والعادات في مظاهر الاحترام والتعظيم ، مما قد يؤدي إلى التأثر PageV01P064 # الشعبي ببعض التقاليد الموجودة لدى بعض الشعوب غير الإسلامية التي قد ~~تشتمل على العناصر الفكرية أو الروحية البعيدة عن فكر الإسلام وروحه. # إن هناك نوعا من التوازن في الحدود النفسية للارتباط الروحي بالأشخاص ، ~~من حيث الشكل أو المضمون ، لا بد للمسلم من مراعاته من أجل الاحتفاظ ~~بالأصالة الفكرية التوحيدية في خط الانفتاح على الله بما لا ينفتح به على ~~غيره ، أو في طبيعة الدعوة إلى الله بما لا يدعو به إلى غيره ، لإبقاء ~~الصفاء العقيدي في العمق الشعوري الروحي للإنسان المسلم ، لأن ذلك هو ~~السبيل الأمثل للاستقامة على الخط المستقيم ، لأننا لا نريد أن نصل في ~~استغراقنا العاطفي إلى لون من ألوان عبادة الشخصية في ما تتحرك به مشاعر ~~العاطفة بعيدا عن رقابة العقل ، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نتحمل مسئولياتنا ~~في الساحة الفكرية ، لنراقب طبيعة الأساليب الشعبية في ذلك كله ؛ لنبقى من ~~خلال المراقبة الدقيقة في مواقع التوازن الفكري والروحي في خط العقيدة. # * * * ### ||| ** الدوافع الروحية للعبادة # وهناك نقطة لا بد من إثارتها في الحديث عن عبادة الله في مواقع توحيده ~~والإخلاص له ، وهي الدوافع الروحية التي تدفع الإنسان المؤمن إلى العبادة. # فهناك الدوافع المتحركة من خلال ms0041 الرغبة في الحصول على الجنة ، على أساس ~~الحصول على رضاه ، وهناك الدوافع المنطلقة من خلال الرهبة من النار ، على ~~أساس البعد عن مواقع سخطه ، وهناك الدوافع المنفتحة على الله في مواقع ~~ألوهيته في عظمته في كل صفاته الجمالية والجلالية ، على أساس استحقاقه ~~للعبادة في ذاته ، بعيدا عن عامل الرغبة أو الرهبة. PageV01P065 # وقد يخيل لبعض الناس أن العبادة الحقيقة تتمثل في الصنف الثالث ، لأنها ~~المظهر الحي للخضوع للذات الإلهية ، من دون أن يكون هناك أي شيء للعنصر ~~الذاتي للعابد ، في ما يحتاج إليه من ربح لمصلحته ، أو في ما يبتعد عنه من ~~خسارة لحساب حاجته ، فإن الرغبة والرهبة حالتان إنسانيتان تحركان الإنسان ~~نحو ذاته حتى في انفتاحه على الله ، أكثر مما تحركانه نحو الله في مواقع ~~ألوهيته. # وهذا هو الإيحاء الفكري ، في ما جاء عن الإمام علي عليه السلام في نهج ~~البلاغة ، قال : « إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوما ~~عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة ~~الأحرار » (1). فقد نلاحظ في هذه اللفتة التعبيرية لونا من الإيحاء بأن ~~الإنسان الذي ينطلق من الرغبة إنسان تاجر يتحرك من الذهنية التجارية ، كما ~~أن الذي ينطلق من الرهبة عبد يتحرك من عقلية العبيد الهاربة من كل عقاب .. ~~فليستا حالتين في العبادة ، بل هما حالتان ماديتان في الاستغراق الإنساني ~~في ذاته ، في ما يجلب لها من النفع أو يدفع عنها من الضرر. وقد نقل عنه أنه قال : # « إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة ~~فعبدتك» (2). # ولكننا لا نرى في عنصر الخوف والطمع أية منافاة للمعنى العميق للعبادة ، ~~لأن الخضوع الإنساني المستغرق في ذات الله المعبود ، ينطلق من التفكير في ~~عظمته بحيث يشعر بأنه مشدود إليه في وجوده ، ومفتقر إليه في حاجاته ، وخاضع ~~له في مصيره ، فإن الرغبة أو الرهبة بالمعنى المطلق لا PageV01P066 # تتعلقان إلا بالذي يملك الأمر كله ، من خلال أنه يملك الوجود كله ، بحيث ~~لا يغيب عنه شيء ms0042 منه ولا يعجز عن شيء فيه ، ولا يعجزه أحد من المخلوقين. ~~ولا سيما إذا كانت مواقع الرغبة أو الرهبة خارجة من دائرة الحس وداخلة في ~~دائرة الغيب ، مما لا يتمكن أحد من المخلوقين الوصول إليه ، كما هي الجنة ~~والنار. # وإذا كان الأمر كذلك ، فلا بد من وعي مسألة العظمة في عمق مسألة الحاجة ، ~~على أساس أن ذلك هو الذي يجعله أهلا للعبادة ، لأنه الذي يرجع إليه في كل ~~شيء ولا يرجع إلى غيره إلا من خلاله ، ولأنه الذي يخاف منه كل شيء ، ولا ~~يخاف من أحد إلا من خلاله. # وبذلك يختزن الخوف منه والطمع فيه معنى أهليته للعبادة ، الأمر الذي لا ~~يسيء إلى معنى العبادة بل يؤكدها بطريقة أخرى. # وقد جاء في القرآن الكريم التأكيد على استقامة العبادة في هذا الخط ، ~~وذلك كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا ) [السجدة : 16] وقوله تعالى : ( @QUR@09 وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين ) [الأعراف : 56] وقوله تعالى : ( @QUR@010 يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) [الإسراء : 57]. # وعلى هذا الأساس ، تنطلق التربية الإسلامية لتؤكد على الجانب الإنساني في ~~التطلعات الذاتية التي يعيشها الناس في ما يتحركون فيه من قضايا وأوضاع ، ~~على أساس رغبتهم بما يصلحهم ، وخوفهم مما يفسد أمورهم ، فإن من الصعب عليهم ~~أن يتجردوا عن ذلك في حركة وجودهم المنفتح على العنصر المادي ، من خلال ~~طبيعة الحس المادي في الذات. ولذلك ، فقد انفتح الإسلام على هذا الجانب ، ~~فلم يبعد الإنسان عنه ، ولم يجعله ضد القيمة الروحية ، بل وجهه إلى ~~الارتباط بالله في مواقع الرغبة والرهبة على مستوى PageV01P067 # الدنيا والآخرة ، وفي ما هي قضايا النعمة والبلاء في الدنيا ، وقضايا ~~الجنة والنار في الآخر ، على صعيد سلامة الذات في ما تحتاجه وفي ما تخاف ~~منه ، مما جعل الحس الإنساني الواقعي يلتقي بالقيمة الروحية المنفتحة على ~~الله من خلال حركة الحياة في الوجود الإنساني. # وهذا هو المنهج الإنساني في تهذيب دوافع الإنسان في العمل بدلا من ~~إلغائها ، ليتحرك الإنسان من ms0043 خلال الواقع لا من خلال المثال. # * * * ### ||| ** ثمرات عملية # وربما كان من فوائد هذا الاتجاه في العبادة ، على صعيد الدوافع الذاتية ~~المتصلة بقضايا الإنسان في تطلعاته إلى الله ، أنه يؤكد الشعور بحضور الله ~~الدائم المتحرك في كل مفردات الحياة الإنسانية ، من خلال كل الحاجات ~~المتفرقة في الحياة اليومية ، بشكل شمولي ، والتي يحتاج فيها إلى رعاية ~~الله وعنايته ، لارتباطه بالله بشكل مباشر أو غير مباشر ، فلا يغيب عنه ~~الإحساس بالله من خلال أنه لا يغيب عن كل مواقع حياته التفصيلية في ~~جزئياتها وكلياتها. كما أن ذلك يحرك المضمون العقيدي في داخل إحساسه ، في ~~ما يختزنه في داخل عقله من التدبير الإلهي لكل شيء من أمور الإنسان ، على ~~أساس علاقة كل شيء به ، فتنمو العقيدة في دائرة نمو الحاجات ، وتتأكد ~~الطمأنينة النفسية في ذلك كله ، من خلال الثقة بالله ، الرحمن الرحيم ، في ~~حالة الشدة والعسر. فقد ورد أنه : « من أراد أن يكون أغنى الناس ، فليكن ~~واثقا بما عند الله جل وعز ، وروي : فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في ~~يديه » (1). PageV01P068 # وبذلك تستريح حاجاته في حركتها في دائرته الشعورية عند ما يستريح إيمانه ~~بالله في دائرته العقيدية والروحية. # * * * ### ||| ** التوحيد في الاستعانة بالله # وإذا كانت الآية الكريمة قد أكدت على التوحيد في العبادة ، فقد أكدت على ~~التوحيد في الاستعانة. فإذا كان الله لا يريد لنا أن نعبد غيره ، فإنه لا ~~يريد لنا أن نستعين بغيره ، لتكون الاستعانة به وحده. # ولكن كيف نفهم معنى التوحيد في الاستعانة بالله؟ # فهل نفهم من ذلك أن الإنسان لا يملك الاستقلال في أموره ، وبالتالي لا بد ~~له من الاستعانة بالله في كل شيء ، ليكون فعله مظهرا لفعل الله ، فتكون ~~نسبته إلى الله هي النسبة الحقيقية ، بينما تكون نسبته إلى نفسه بالطريقة ~~الآلية أو الشكلية؟ أو نفهم من ذلك أن الإنسان يملك القدرة على الفعل ، ~~ولكن من حيث ما أعطاه الله ، مع بقاء الارتباط بالله مستمرا في حركة هذه ~~القدرة في وجوده ، فهو الذي يمدها بالقوة في طبيعتها ، وهو ms0044 القادر على أن ~~يأخذها منه ، فيكون للفعل نسبة إلى الله من خلال أن إرادته هي عمق القوة في ~~قوة الإنسان وحركته ، فلولاه لما وجد ولما تمكن من الحركة ، ولما استمر في ~~ممارسة إرادته الحركية ، كما يكون للفعل نسبة إلى الإنسان الفاعل باعتبار ~~صدوره منه من خلال إرادته المنطلقة من مواقع قوته الكامنة في طبيعة وجوده؟ # إننا نفهم المسألة في الخط الثاني ، لأن الخط الأول يلغي عنصر الاختيار ~~في الإنسان ، فيبطل الثواب والعقاب على هذا الأساس. أما الخط الثاني فيؤكد ~~الاختيار كما يؤكد الإرادة الإلهية في المعونة التكوينية في البدء ~~والاستمرار. PageV01P069 # وهذا ما يريد الله للإنسان أن يعيشه في وجدانه العقيدي ، وفي إحساسه ~~الروحي ، فلا ينحرف به إحساسه بالحركة الإرادية ، في وجوده ، عن الخط ~~المستقيم في العقيدة الذي يحركه نحو الإحساس بفقره إلى الله ، وحاجته إلى ~~إمداده بعناصر البقاء في حركة وجوده ، بحيث يستعين به بمنطق وجوده التكويني ~~الفقير إليه في كل لحظة ، كما يستعين به بمنطق إحساسه بالعجز الطارئ في كل ~~شدة ، ليتأكد عنده الإحساس بالعون التكويني في مسألة الوجود ، والعون ~~العملي في مرحلة العجز. # * * * ### ||| ** التوحيد والحاجة إلى الناس # ثم تطرح القضية سؤالا آخر : # كيف يكون التوحيد في الاستعانة بالله في مقابل الاستعانة بالآخرين ، مما ~~يعيشه الإنسان في كل لحظة من لحظات وجوده ، في القضايا التي لا يستطيع ~~الاستقلال فيها بنفسه ، بل يحتاج فيها إلى مشاركة الآخرين ، أو في القضايا ~~التي لا يستطيع ممارستها بنفسه ، بل يحتاج إلى ممارسة الآخرين لها في حياته؟ # فهل تكون الاستعانة بالناس في هذه أو تلك لونا من ألوان الشرك العملي بالله؟ # وكيف يمكن أن تستمر الحياة بالإنسان في ضوء هذا المنطق التوحيدي إذا ~~حاولنا أن نفهمه بهذه الطريقة؟ # إن المسألة في الجواب عن هذا السؤال ترتكز إلى العمق الفكري في التصور ~~التوحيدي ، لا إلى الحركة الفعلية في الواقع العملي للإنسان ، إذ من PageV01P070 # الطبيعي أن الإنسان لا يستغني عن غيره في تفاصيل وجوده ، كما لم يستغن عن ~~غيره في أصل وجوده الفعلي الذي كان محتاجا ms0045 فيه إلى أبويه ، باعتبارهما ~~العنصرين اللذين يدخلان في السبب المباشر للوجود .. وهناك أشياء كثيرة مما ~~لا بد من أن تصدر عن الآخرين بالمشاركة معه ، أو بالانفراد ، وقد لا يعقل ~~أن يكلف الله الإنسان بأن يبتعد ، بتصوره العقيدي ، عن هذا الخط ، لأنه ليس ~~مقدورا له. # فلا بد من أن يكون الأمر منطلقا من إحساس الإنسان بأن الله هو أساس كل ~~قدرة ، لأنه من مواقع قدرته كانت قدرتنا على من حولنا وما حولنا ، في ما ~~منحنا ، سبحانه وتعالى ، من ذلك. وإذا كنا نحتاج إلى مباشرة بعض أفعالنا ~~بمشاركة الآخرين أو بواسطتهم ، فإننا نشعر بأن الله هو الذي هيأ لنا ذلك ، ~~وهو الذي يمنحهم القدرة على فعل ذلك. وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: ( ~~@QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) [الأنفال : 17]. # فإن المقصود فيها ليس المعنى المباشر للرمي من الله سبحانه وتعالى ، بل ~~المقصود هو القوة الحقيقية للعمق الإلهي للإرادة في الأفعال الإنسانية ، ~~بحيث يكون الله هو الأساس في ذلك كله. فإذا توجه الإنسان ، في حاجته ، إلى ~~أحد ، فإنه يتوجه إلى الله ، قبل ذلك ، ليطلب منه أن يلهمه الاستجابة له ، ~~كما يمنحه القدرة عليه ، بحيث يكون الله هو المقصد في الطلب ، ويكون الآخر ~~هو الآلة في حصول الشيء. # إن القاعدة في العقيدة الإسلامية التوحيدية ، تنطلق من الإيمان بأن كل ما ~~في الوجود مظهر لقدرة الله ، ووسيلة من وسائل تدبيره للكون ، فليس هناك ~~استقلال لأحد في ما هو الغنى الذاتي ، بل هناك الغنى المستمد من غنى الله ~~في ما يتحرك به كرمه للمحتاجين من عباده. ولذلك ، بطل التفويض الذي ينطلق ~~من الفكرة الفلسفية القائلة : « إن الله خلق الخلق ثم فوض إليهم تدبير أمورهم PageV01P071 # بأنفسهم ، بحيث يخلقون أفعالهم من موقع قدرتهم الذاتية من دون أن يكون ~~لله دخل في ذلك » ، فإن هذه الفكرة توحي بتعدد الخالق ، وانعزال الله عن ~~التصرف في حركة الكون. # ومن خلال ذلك ، كان الاعتراف بالتوحيد في الاستعانة ، يمثل الإقرار ~~العميق بأن العبد لا يستطيع أن يتحرك إلا من خلال ما ms0046 يمده الله به من معونة ~~، في ما يملكه من شمولية القدرة في كل مصادرها ومواردها ، سواء كانت متمثلة ~~بالقوى البشرية أو الحيوانية أو الجامدة. # وهذا ما يؤكد وحدة التوجه إلى الله والتوسل به ، مما يجعل الشخصية ~~الإسلامية مرتبطة به وحده حتى في مواقع حاجاتها الطبيعية المرتبطة ، في ~~حركتها الكونية ، بقانون السببية ، في علاقة الظواهر بأسبابها الكونية أو ~~الاختيارية ، فلا تكون الأسباب واسطة في الإرادة ، بل هي واسطة في حركة ~~الوجود في علاقة الأشياء ببعضها البعض. # * * * ### ||| ** لا واسطة بين العبد وربه # وقد نلاحظ في الارتباط الإنساني بوحدانية العبادة والاستعانة في خطاب ~~العبد لربه في هذه الآية الكريمة ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين ) أن ~~الإنسان لا يحتاج ، في حديثه مع الله ، وفي طلبه منه ، إلى أية واسطة من ~~بشر أو غيره ، لأن الله لا يبتعد عن عبده ، ولا يضع أي فاصل بينه وبينه ، ~~إلا ما يضعه العبد من فواصل تبعده عن مواقع رحمته ، وتحبس دعاءه عن الصعود ~~إلى درجات القرب من الله. ولذا أراد من عباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب ~~لهم ، وحدثهم عن قربه منهم بحيث يسمع كلامهم وإن كان بمثل PageV01P072 # الهمس أو في مثل وسوسة الصدور ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@017 وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون ) [البقرة : 186] وقوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ق : 16]. # * * * ### ||| ** الشفاعة لا الوساطة # أما الشفاعة التي جاء الحديث عنها في الآيات القرآنية ، وفي الروايات ~~المتعددة عن السنة والشيعة ، فإنها ليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه ~~الناس في علاقاتهم بالعظماء لديهم ، الذين قد لا يستطيع الناس مخاطبتهم ~~بشكل مباشر ، بسبب الحواجز المادية الفاصلة بينهم وبين الناس ، ولذلك يلجأ ~~الناس إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة مودة أو مصلحة أو موقع معين ~~ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم إليهم ، وقضاء حوائجهم عندهم. # إن الشفاعة هي كرامة من الله لبعض عباده ، في ما يريد أن يظهره من فضلهم ~~في الآخرة ، فيشفعهم ms0047 في من يريد المغفرة له ورفع درجته عنده ، لتكون ~~المسألة في الشكل واسطة في النتائج التي يتمثل فيها العفو الإلهي والنعيم ~~الرباني ، تماما كما لو كان النبي هو السبب ، أو كان الولي هو الواسطة. ~~ولكنها في العمق إرادة الله لذلك ، مما لا يملك نبي مرسل أو ملك مقرب ، أو ~~ولي امتحن الله قلبه للإيمان ، أمر تغييرها في غير الاتجاه الذي تتحرك فيه ~~، وبذلك فإنهم يدرسون مواقع رضى الله في عباده ليقوموا بالشفاعة ، أو ليأذن ~~الله لهم بها. # وفي ضوء ذلك ، لا معنى للتقرب للأنبياء والأولياء ليحصل الناس على PageV01P073 # شفاعتهم ، لأنهم لا يملكون من أمرها شيئا بالمعنى الذاتي المستقل ، بل ~~الله هو المالك لذلك كله على جميع المستويات ، فهو الذي يأذن لهم بذلك في ~~مواقع محددة ليس لهم أن يتجاوزوها ، الأمر الذي يفرض التقرب إلى الله في أن ~~يجعلنا ممن يأذن لهم بالشفاعة له ، أو الطلب إليهم أن يسألوا الله في الإذن ~~لهم بالشفاعة لطالبها منهم. وهذا ما نفهمه من آيات الشفاعة في القرآن ، ~~التي تؤكد على أنها قضية تتصل بالله ، فليس لأحد أن يمارسها إلا بإذنه في ~~من ارتضاهم لينالوا عفوه. قال تعالى : ( @QUR@09 لا يملكون الشفاعة إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا ) [مريم : 87]. ( @QUR@09 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا ~~من أذن له الرحمن ) [طه : 109]. ( @QUR@08 ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له ) [سبأ : 23]. ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) [الأنبياء : 28]. # وليس معنى « إذن الله » للشفعاء أنه أعطاهم الحرية في ذلك ، أو أنه يتقبل ~~منهم ذلك على أساس خصوصيات علاقاتهم ، ليتقرب الناس منهم بالوسائل الخاصة ~~التي تثير مشاعرهم ، وتؤكد علاقتهم بهم بشكل شخصي ، كما هي الأشياء الشخصية ~~، بل إن معنى ذلك أن الله جعل لهم هذه الكرامة ليستعملوها في ما يوافق رضاه ~~، لأن المفروض أن رضاهم لا ينفصل عن خط رضاه ، كما أن رضاه يتحرك في آفاق ~~حكمته ، لا في آفاق رغبات القريبين إليه بالمعنى الذاتي للمسألة. # وفي ضوء ذلك ، فإن التشفع بالأنبياء والأولياء لا يمثل خروجا عن توحيد ~~الاستعانة بالله ، لأنه يرجع ms0048 في الحقيقة إلى طلب المغفرة من الله والنجاة ~~من النار ، من خلال ما اقتضته إرادة الله وحكمته في ارتباط عفوه بشفاعة هذا ~~النبي أو الولي ، على أساس ما أراده من حكمته في ذلك ، والله العالم. # * * * PageV01P074 ### ||| ** إيحاءات الدعاء ودوره التربوي # للدعاء دور تربوي عميق على صعيد التطلع الروحي للإنسان وانفتاحه على الله ~~سبحانه وتعالى ، بحيث يعيش الإنسان ، في أجواء المناجاة ، سر التوحيد ~~الإلهي في حركة مشاعره الإنسانية ، وفي علاقة حاجاته بالله وانفصالها عن ~~غيره ، في عملية إيحاء داخلي بأن التوجه إلى غير الله في حاجاته ، حتى في ~~ما يشبه الخطرات الفكرية أو النزعات الغريزية ، يمثل لونا من ألوان الإثم ~~الشعوري ، الذي يسيء إلى الاستقامة الروحية. وهذا ما نتمثله في دعاء الإمام ~~زين العابدين عليه السلام في طلب الحوائج إلى الله في « الصحيفة السجادية » ~~حيث يقول : # « اللهم يا منتهى مطلب الحاجات ، ويا من عنده نيل الطلبات ، ويا من لا ~~يبيع نعمه بالأثمان ، ويا من لا يكدر عطاياه بالامتنان ، ويا من يستغنى به ~~ولا يستغنى عنه ، ويا من يرغب إليه ولا يرغب عنه ، ويا من لا تفني خزائنه ~~المسائل ، ويا من لا تبدل حكمته الوسائل ، ويا من لا تنقطع عنه حوائج ~~المحتاجين ، ويا من لا يعنيه دعاء الداعين. # تمدحت بالغناء عن خلقك وأنت أهل الغنى عنهم ، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل ~~الفقر إليك ، فمن حاول سد خلته من عندك ، ورام صرف الفقر عن نفسه بك ، فقد ~~طلب حاجته في مظانها ، وأتى طلبته من وجهها ، ومن توجه بحاجته إلى أحد من ~~خلقك ، أو جعله سبب نجحها دونك ، فقد تعرض للحرمان ، واستحق من عندك فوت ~~الإحسان. # اللهم ، ولي إليك حاجة قد قصر عنها جهدي ، وتقطعت دونها حيلي ، وسولت لي ~~نفسي رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك ، ولا يستغني في طلباته PageV01P075 # عنك ، وهي زلة من زلل الخاطئين ، وعثرة من عثرات المذنبين ، ثم انتبهت ، ~~بتذكيرك لي ، من غفلتي ، ونهضت ، بتوفيقك لي ، من عثرتي ، وقلت : سبحان ربي ~~، كيف يسأل محتاج محتاجا ، وأنى يرغب معدم إلى معدم ، فقصدتك ، يا ms0049 إلهي ، ~~بالرغبة ، وأوفدت عليك رجائي بالثقة بك ، وعلمت أن كثير ما أسألك يسير في ~~وجدك ، وأن خطير ما أستوهبك حقير في وسعك ، وأن كرمك لا يضيق عن سؤال أحد ، ~~وأن يدك بالعطاء أعلى من كل يد » (1). # وهكذا نرى أن هذا الدعاء ينطلق ليركز في ذهنية الإنسان الفكرة التي تنفتح ~~على الكلي القدرة ، الكريم في العطاء ، الواسع في النعماء ، الذي لا يضيق ~~كرمه عن سؤال أحد ، كما أن يده بالعطايا أوسع من كل يد ، والذي يستغنى به ~~ولا يستغنى عنه ، ويرغب إليه ولا يرغب عنه. كما ينفتح على الإنسان المحتاج ~~إلى ربه ، لأن ذلك ليس شيئا ذاتيا ينطلق من سر الغنى في شخصه ، بل هو شيء ~~طارئ ، يستمده من عطاء ربه ، في ما يمنحه من قدرة ، أو يعطيه من إمكانات. # وإذا كان الإنسان ؛ كل إنسان ، في موقع الحاجة إلى الله ، فكيف يتوجه ~~الإنسان الواعي إلى مثله ليرفع حاجته إليه ، وهل ذلك إلا لون من ألوان ~~الغفلة عن حقيقة الفقر الإنساني أمام حقيقة الغنى الإلهي ، بالإضافة إلى ~~أنها زلة من زلل الخاطئين ، وعثرة من عثرات المذنبين ، لأنها خطيئة تتصل ~~بالانحراف عن خط الاستقامة في التصور التوحيدي للإنسان ، وبالخلل في الوعي ~~الإيماني للحقيقة الإلهية في معنى وجود الإنسان ، وحركته ، وفي سعة القدرة ~~وشموليتها؟! وهكذا تتبلور لدى الإنسان مسألة الاستعانة بالله وحده ، بعيدا ~~عن الاستعانة بغيره. PageV01P076 # إن هذا الدعاء يعالج المسألة في الدائرة الفكرية النظرية على أساس إثارة ~~مسألة الحاجة الذاتية لدى الإنسان في جميع مواقعه وأشكاله ، لتكون رادعا عن ~~توجه الإنسان إلى مثله ، وغفلته عن توجهه إلى ربه. # وهناك دعاء آخر ، يعالج المسألة في الدائرة الواقعية العملية ، على أساس ~~التجربة الحسية في مشاهدات الإنسان المؤمن للنماذج البشرية ، التي عاشت ~~الانبهار بالقوة الظاهرية لبعض الناس ، فاندفعت إليهم لتطلب العزة بهم ، ~~والرفعة من خلالهم ، والثروة بواسطتهم ، فكانت النتائج خيبات أمل كبيرة ~~دفعت الإنسان بعيدا عن قضاياه وحاجاته ، لأن الذين تطلع إليهم ، وتوجه ~~نحوهم ، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله ، فكيف يملكون أن ms0050 ~~يدفعوه عن غيرهم من دون إذنه ، وإذا كانت المسألة مرتبطة بالله بشكل مباشر ~~، فلما ذا يبتعدون عنه ، ويقتربون من غيره ، في ما لا يملكه أحد إلا هو؟! # وهذا هو دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام متفزعا إلى ~~الله ، وهو من أدعية « الصحيفة السجادية » : # « اللهم إني أخلصت بانقطاعي إليك ، وأقبلت بكلي عليك ، وصرفت وجهي عمن ~~يحتاج إلى رفدك ، وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك ... فكم قد رأيت ، يا ~~إلهي ، من أناس طلبوا العز بغيرك فذلوا ، وراموا الثروة من سواك فافتقروا ، ~~وحاولوا الارتفاع فاتضعوا ، فصح بمعاينة أمثالهم حازم وفقه اعتباره ، ~~وأرشده إلى طريق صوابه اختياره ، فأنت ، يا مولاي ، دون كل مسئول موضع ~~مسألتي ، ودون كل مطلوب إليه ولي حاجتي ، أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتي ، ~~لا يشركك أحد في رجائي ، ولا يتفق أحد معك في دعائي ، ولا ينظمه وإياك ~~ندائي. لك يا إلهي ، وحدانية العدد ، وملكة القدرة الصمد ، ومن سواك مرحوم ~~في عمره ، مغلوب على أمره ، مقهور على شأنه ، مختلف الحالات متنقل في ~~الصفات ، فتعاليت عن الأشباه والأضداد ، وتكبرت PageV01P077 # عن الأمثال والأنداد ، فسبحانك لا إله إلا أنت » (1). # إنها النظرة إلى واقع الخاضعين للأقوياء والأغنياء والمستكبرين الذين ~~صغرت نفوسهم أمام مظاهر القوة والغنى والكبرياء ، وانسحقت حاجاتهم أمام ~~مفردات القدرة لدى كل هؤلاء ، فانطلقوا نحوهم في عملية خضوع واستجداء ~~ليمنحوهم العزة من خلال عزتهم ، فازدادوا ذلا بذلك ، أو ليقدموا لهم الثروة ~~من مواقع غناهم ، فازدادوا فقرا بذلك ، أو ليرفعوهم إلى مواقع السمو والعلو ~~، من خلال علوهم ، فازدادوا سقوطا وانحطاطا. # وهكذا كان هذا الواقع مصدر فكر للإنسان المؤمن الواعي ، الذي استطاع أن ~~يعرف طريق الرشد والصواب ، ليختار السير فيه ، وليصل إلى النتيجة الحاسمة ~~في توحيد الله على مستوى الألوهية والعبادة والمعونة. ومن خلال هذه التجربة ~~الحية ، تنفتح للإنسان الواعي الباحث عن الحقيقة آفاق جديدة ، فيحركه ~~الواقع من حوله ، ليكتشف فيها الكثير الكثير من صدق العناوين الروحية في ~~العقيدة التي تطل على الحياة ، لتشير إلى الكثير من مفرداتها التي يتحرك ~~فيها صدق ms0051 العنوان في وجود المعنون ، وحقيقة المفهوم في واقع المصداق ، فلا ~~يتيه الإنسان في أجواء التجريد الفكري ، بل يجد في كل موقع من مواقع الحياة ~~بعض الحركة التي تتفتح فيها كل مواقع الإحساس لديه بالصدق في الفكر والشعور ~~، الأمر الذي يجعلنا نشعر بأن الروح في معانيه العقيدية ليس غيبا من الغيب ~~، بل هو حالة في ضمير الحياة وإحساس الواقع. # * * * PageV01P078 ### ||| ** الصراط المستقيم # ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) إنها المفردات الحية التي تشير إلى ~~الخط الإلهي في التطلع الإنساني. فهذا الإنسان الحائر في غياهب الظلمات ، ~~التائه في صحارى التيه ، الغارق في بحار الأوهام ، السائر في طريق المجهول ~~، هذا الإنسان المتطلع إلى مشارق النور في الغيب ليكتشفها في عقله وقلبه ~~وحياته ، في انتظار ، لا يأكل القلق روحه ، بل يملأ الأمل عينيه ؛ يناجي ~~ربه في طفولة الإحساس الروحي بالفقر إليه ، والذوبان في مواقع الشوق الباحث ~~عنه. إنه يبحث عن الهدى في معرفة ربه ، ومعرفة مواقع عظمته ، ومفردات نعمته ~~، وما يريد له ، وما يريده منه ، وما يخطط له من خطط ، وما يثيره في داخله ~~من أشواق وتطلعات. # إنه يناديه ويناجيه ويدعوه : ها هو عبدك الحائر ، فأنقذه من حيرته ، ~~الضال ، فاهده من ضلاله ، ووجهه نحو الطريق الذي تستقيم فيه النية ، ~~ويتوازن فيه العقل ، ويطمئن له القلب ، وترتاح فيه الروح ، وتثبت فيه ~~الأقدام. # ولا بد لنا من أن نقف أمام هذه الكلمات وقفة تأمل. # الهداية : الدلالة بلطف كما في مفردات الراغب للأصفهاني أما هداية الله ~~تعالى للإنسان ، فيقول : إنها على أربعة أوجه : # الأول : الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف ~~الضرورية التي أعم منها كل شيء بقدر ما فيه حسب احتماله كما قال : ( ~~@QUR@08 ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) [طه : 50]. # الثاني : الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال ~~القرآن ونحو ذلك ، وهو المقصود بقوله تعالى : ( @QUR@05 وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا ) [السجدة : 24]. PageV01P079 # الثالث : التوفيق الذي يختص به من اهتدى وهو المعني بقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 والذين اهتدوا زادهم هدى ) [محمد : 17] وقوله : ( @QUR@05 ومن يؤمن ~~بالله يهد ms0052 قلبه ) [التغابن : 11] وقوله: ( @QUR@08 إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) [يونس : 9] وقوله : ( @QUR@05 والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) [العنكبوت : 69] ( @QUR@05 ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى ) [مريم : 76] ( @QUR@04 فهدى الله الذين آمنوا ) [البقرة : ~~213] ، ( @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [البقرة : 213]. # الرابع : الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله : ( @QUR@03 سيهديهم ~~ويصلح بالهم ) [محمد : 5] ، ( @QUR@06 ونزعنا ما في صدورهم من غل ) إلى ~~قوله : ( @QUR@05 الحمد لله الذي هدانا لهذا ) [الأعراف : 43] (1). # الصراط : الطريق ، وهو ما يتوصل بالسير فيه إلى المقصود ، وقد يكون غير ~~حسي ، فيقال: الاحتياط طريق النجاة ، وإطاعة الله طريق الجنة. وإطلاقه على ~~الطريق غير الحسي إما لعموم المعنى اللغوي ، وإما من باب التشبيه ~~والاستعارة (2). # وفي هذه الآية دعاء إلى الله ، يرفعه الإنسان المؤمن إلى ربه ليدله إلى ~~الطريق المستقيم الذي يؤدي به إلى رضوانه في مواقع النعيم المنفتح على جنته. # ولعل من الواضح أن الهداية بالمعنى التكويني من لوازم وجوده ، في ما منحه ~~الله من عقل وحس وقدرة ، كما أن الهداية ، في مضمونها الرسالي ، في ما أرسل ~~الله به الرسل من رسالاته في ما هي المفاهيم الأساسية للعقيدة والحياة ، هي ~~الحقيقة الرسالية المتحركة في الواقع وفي الوعي ؛ ويبقى للهداية PageV01P080 # معناها الروحي المتمثل بالتوفيق واللطف الإلهي الذي يثير في نفس الإنسان ~~الأفكار والمشاعر والأجواء ، التي تفتح عقله وقلبه على الحق والخير في ~~الالتزام بالخط الإلهي ، في النهج والأمر والنهي في دائرة الإيمان ، مضمونا ~~وحركة وانفتاحا على الله في أوسع الآفاق. وبذلك ، تكون الهداية إلى جنته ~~نتيجة طبيعية لذلك ، لأن ذلك ما يجعل خط السير في الآخرة نحو النجاة مفتوحا ~~بكل رحابته وامتداده ، لأن خطوط الآخرة في حركة الإنسان في سلامة المصير ، ~~تبدأ من خلال المضمون الإيماني العملي في خطوط السير في الدنيا نحو الله. # إنه نوع من أنواع التطبيق العملي للاستعانة بالله ، لأن الإنسان قد ينحرف ~~في تفكيره عن وعي الإيمان في حقيقته الرسالية ، فيضل عن طريق الله في ~~تصوراته والتزاماته الفكرية والروحية ، كما أنه قد يخضع لشهواته وأهوائه في ~~الابتعاد عن الخط المستقيم ، وفي عدم ms0053 الانضباط في الالتزام بأوامر الله ~~ونواهيه. وبذلك يلتفت الإنسان إلى ربه ليستعين به على تثبيت إرادته ، ~~واستقامة فكره ، حتى لا يخطئ في تصوراته ، ولا ينحرف في خطواته ، ولا يهتز ~~في مواقفه ، من خلال ألطاف الله بعباده ، في ما يثيره في داخل شخصياتهم من ~~المعاني الخفية التي تدفعهم إلى خط السلام الروحي المنفتح عليه. فهي مرشدة ~~في الخطوط الحركية الإنسان إلى الطريق المستقيم حتى لا يشتبه عليه الحق ~~والباطل ، ولا تختلط عليه صور الأشياء في ما يبتعد عنه وضوح الرؤية. # ولعل هذا الوجه أكثر رجحانا من التفسير القائل بأن المراد استمرار ~~الهداية التي بدأها الله في ما هو الخط التكويني في عناصر الهداية ، أو في ~~ما هو الخط الرسالي في مضمون الهداية ، لأن ذلك خلاف الظاهر ، فإن الظاهر ~~منه هو إرادة المبدأ ، الذي يراد من الله إفاضته على عباده لا استمرار ما ~~هو موجود. وهكذا نجد في هذا الطلب الإنساني الابتهالي حركة روحية عبادية ~~تعبر عن الرغبة العميقة في الوصول إلى الله من خلال طريقة المستقيم ، ~~انطلاقا PageV01P081 # من الحاجة إلى الرعاية الخاصة في الدلالة إلى مواقع هذا الطريق ، ~~بالوسائل التي يرسل الله فيها ألطافه إلى عباده ، من خلال ما هي إيحاءات ~~الفكر ، وهمسات المشاعر ، وإشارات الروح. # ولعلنا لا نحتاج إلى المزيد من التأكيد على أن هذه الهداية التي يفيضها ~~الله على عباده ليست حالة تضغط على العقل لتشل اختياره ، وعلى الإرادة ~~لتجمد حركتها ، بل هي لطف إلهي يهيئ الجو للاختيار الصحيح من خلال الانفتاح ~~على الله في مواقع رضاه من موقع قوي منفتح. # * * * ### ||| ** طريق الأنبياء # ولكن كيف نتصور الصراط المستقيم ، الذي هو خط معنوي يتحرك فيه الإنسان في ~~نشاطه الإنساني على مستوى المواقف وحركة المواقع والعلاقات؟ # إن النظرة إلى الآيات القرآنية توحي بأن المراد هو الخط الذي تتحرك فيه ~~أوامر الله ونواهيه ، وتتمثل فيه مناهجه ، وتنطلق منه مواقع رضاه ، وفقا ~~لما جاء به رسله ، ونزلت به رسالاته. وبذلك يمكن تلخيصه بطريق الأنبياء ، ~~وهو الإسلام الذي يتمثل في إسلام القلب والوجه واللسان ms0054 والكيان كله لله. # ضمن هذا الإطار ، تكون الاستقامة على الصراط منطلقة من معنى الطاعة التي ~~تحكم البداية والنهاية في خط الله ، بعيدا عما يتحدث فيه المتحدثون ~~الغارقون في تحليل مضمون الإسلام ، لجهة ما يتمثل فيه من التوازن التشريعي ~~في نظرته إلى الإنسان والحياة ، فيما هي الدنيا والآخرة ، والمادة والروح ، ~~والفرد والمجتمع ، وما إلى ذلك من الشؤون العامة أو الخاصة ، التي تنطلق في ~~خط مصلحة الإنسان في علاقته بالله ، وبالكون ، وبمن PageV01P082 # حوله من الناس ، بحيث لا يطغى جانب على جانب. # إن التأكيد على خط الاستقامة ينطلق من الخضوع للخط الإلهي الرسالي ، فلا ~~ينحرف الإنسان عنه ، ولا يتمرد فيه على أوامر الله ونواهيه. # أما الاستقامة في المضمون ، فإنها تنطلق من حركة المصلحة التي أراد الله ~~لها أن تشمل كل حياة الإنسان في مفردات التشريع ، بحيث يشعر بأن حياته مع ~~الشريعة تنطلق في وضع طبيعي ، وحركة موزونة ، لا تبعد به عن سلامته الروحية ~~والجسدية ، في حياته الفردية والاجتماعية. # وهذا ما تختزنه كل الرسالات التي أنزلها الله على رسله ، ليبلغوها عباده ~~، ليقوم الناس بالقسط ، لأن الله أراد من الإنسان أن يصل إلى مستوى الكمال ~~في خط التوازن في حاجاته ومصالحه. # ولعل الفكرة تزداد وضوحا إذا قرأنا الآيات التي تحدثت عن الصراط ~~المستقيم. قال تعالى : ( @QUR@017 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) [الأنعام : ~~153] والملحوظ أن الإشارة متعلقة بما ورد في الآيتين السابقتين في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) في الآيتين (150 ~~و151) من سورة الأنعام. # وقال تعالى في حديثه عن إبليس في خطابه لله : ( @QUR@022 قال فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ). [الأعراف : 16 17]. # فإن الشيطان يتحدث عن الحاجز الذي يضعه أمامهم في خط الصراط المستقيم ~~لينحرف بهم عنه ، فلا يشكرون الله في ما يتمثل فيه ترك الشكر من تجسيد ~~الانحراف عن طاعة الله التي هي المضمون ms0055 الحي للصراط المستقيم. PageV01P083 # قال تعالى : ( @QUR@019 وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم ~~يذكرون* لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ) [الأعراف : ~~126 127]. # فالظاهر من الإشارة أن المقصود بها النهج الإلهي في العقيدة والشريعة ~~والمنهج الذي يقود الناس السائرين عليه إلى دار السلام التي هي الجنة في ~~الآخرة. قال تعالى : ( @QUR@08 ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) ~~[آل عمران : 101]. فإن الاعتصام بالله هو السير في خط الإيمان به وبرسله ~~وبر برسالاته ، مما يوحي بأن الخط المستقيم هو حركة الإنسان في هذا ~~الاتجاه. # قال تعالى : ( @QUR@025 قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم ) [المائدة : 15 16]. # فالقرآن الذي يمثل النور الذي يشرق في عقل الإنسان وقلبه وحياته ، يمثل ~~الكتاب الواضح الهادي للذين يتبعون رضوانه إلى سبل السلام الروحي والعملي ، ~~والدافع لهم إلى الجانب المشرق من الحياة في ما يأذن الله به من إخراجهم من ~~( @QUR@03 الظلمات إلى النور )، ويهديهم إلى ( @QUR@02 الصراط المستقيم ) ~~الذي يؤدي بهم إليه ، فيما هو خط السير المتحرك بين البداية والنهاية. قال ~~تعالى : ( @QUR@033 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين* قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ). [الأنعام : 161 163]. # وهذه الآيات واضحة الدلالة على أن الصراط المستقيم هو دين الله الذي يجسد ~~التوحيد في إسلام الوجود الإنساني لله وحده ، ليكون الإسلام هو الانتماء ~~التوحيد ، الذي يتمثل فيه الكمال الإنساني في وجوده الفكري والحركي. PageV01P084 # وهكذا نجد أن الصراط المستقيم ، الذي ندعو الله أن يهدينا لنسير نحوه ، ~~هو دين الله الذي أنزله على رسوله في كتابه ، وفي ما أوحى به إليه من ~~شريعته ومن منهجه الحق ، الذي أراد الله لنبيه الاستقامة عليه في خط الدعوة ~~إليه من دون تغيير ولا تبديل ، كما جعل الجنة للناس الذين يعلنون التوحيد ~~ثم يستقيمون في خطه ms0056 على أساس توحيد الله في العبادة. # وقد جاء عن علي عليه السلام في تفسيره هذه الآية : ( @QUR@03 اهدنا الصراط ~~المستقيم ) يعني : أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا حتى نطيعك ~~كذلك في مستقبل أعمارنا (1). # وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : يعني أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي ~~إلى محبتك ، والمبلغ إلى جنتك ، والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب ، أو أن ~~نأخذ بآرائنا فنهلك (2). # * * * ### ||| ** مستحقو النعم # ( @QUR@09 صراط الذين أنعمت عليهم* غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) هذا ~~هو التحديد الواقعي لهذا الصراط في المناذج التي تتحرك فيه وتلتزمه ، في ما ~~يتمثل فيه من النعمة الإلهية التي يفيضها الله على عباده ، وأي نعمة أعظم ~~من نعمة الهداية إلى الحق الذي يؤدي بهم إلى رضوان الله ، وإلى نعيمه في ~~جنته الخالدة! وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في آية أخرى ، PageV01P085 # عند الحديث عن الذين أنعم الله عليهم في المناذج الحية المتحركة في خط ~~توحيد الله وطاعته ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا ) [النساء : 69] وهذا يعني أن الصراط المستقيم هو صراط ~~هؤلاء الذين أنعم الله عليهم ممن رفع الله درجتهم في خط الإسلام والإيمان ~~بالله والسير في مواقع رضاه. # * * * ### ||| ** المغضوب عليهم والضالون # وفي مقابل هؤلاء ، هناك فريق ( @QUR@02 المغضوب عليهم ) الذين اختاروا ~~الكفر على الإيمان ، والشرك على التوحيد ، والمعصية على الطاعة ، والانحراف ~~على الاستقامة ، مع وضوح الحجة على الإيمان في إشراقة العقل ، وعلى التوحيد ~~في حركة الفكر ، وظهور الخير في حركة الطاعة في خط الاستقامة على درب الله ~~، فلم يبتعدوا عن الصراط المستقيم انطلاقا من شبهة ، بل ابتعدوا من موقع ~~العناد والإصرار على التمرد والتحدي لله في مواقع ألوهيته ، فاستحقوا غضب ~~الله عليهم لأنهم لا يملكون أساسا عقليا لموقفهم المعاند المتمرد ، بل هناك ~~الأساس المضاد للإنسانية العقلانية التي تفرض الخضوع للحق الثابت بالحجة ~~الواضحة ، والالتزام بكل النتائج المترتبة عليه ، مما يجعل من الغضب ~~المنفتح على العقاب الأخروي نتيجة طبيعية لذلك ، فيما ms0057 هي العلاقة بين السبب ~~والنتيجة. # وهناك فريق الضالين الحائرين بين الكفر والإيمان ، لأنهم عاشوا الغفلة عن ~~مسألة الفكر العقيدية في مجالات التوحيد ، والرسالة ، واليوم الآخر ، ~~واستسلموا للأفكار الموروثة التي عاشوا قداستها من خلال قداسة العلاقة PageV01P086 # بالآباء والأجداد ، أو من خلال استغراقهم في المألوف من أفكار البيئة ~~التي عاشوا فيها ، في عملية انجذاب لكل الأوضاع المتحركة في داخلها أو ~~المحيطة بها ، وتأثر بكل المشاعر المتنوعة في مؤثراتها النفسية وبكل ~~الإيحاءات المختلفة في أبعادها الذاتية ، الأمر الذي يجعلهم مشدودين إلى كل ~~ذلك ، كما لو كان هو الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من ~~خلفها. ثم تتطور المسألة إلى ما يشبه التعصب الذي يرفض الرأي المضاد كما ~~يرفض التفكير فيه ، لأنه لا يريد أن يبتعد عن المألوف من الفكر الذي تربى ~~عليه ، أو لا يريد أن يتعب نفسه بالتفكير في ذلك ، بل يواجه المسألة بطريقة ~~اللامبالاة على أساس الاسترخاء الفكري والعاطفي. # وهؤلاء الضالون لا يملكون الحجة على ضلالتهم ، لأن الله خلق لهم عقولا ، ~~وأراد لهم أن يحركوها في عملية إنتاج الفكر الذي يهدي إلى الحق ، وخلق لهم ~~أسماعا وأبصارا وألسنة ، يستطيعون من خلالها أن يملكوا الوسائل التي توصلهم ~~إلى معرفة المفردات الكونية والإنسانية ، والتي ينطلقون من خلالها إلى ~~الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، كما أرسل إليهم رسلا يبلغونهم رسالات ~~الله في الدائرة التي يمكن للعقل أن ينحرف فيها عن الصواب ، أو التي لا ~~يملك خلالها الوسائل الطبيعية لمعرفته بشكل مباشر ، وأودع في كيانهم قلق ~~المعرفة الذي يدفعهم للبحث والتأمل عند إثارة الشك أو الاحتمال في داخلهم ، ~~بحيث يشعرون بالتقصير عند ما يتجمدون أمامه ، ولا يتحركون للتعرف على طبيعة ~~المضمون الذي يثيره في آفاق النفس إزاء الواقع. # * * * ### ||| ** الثقافة المتحركة # وهكذا تمثل هذه الفقرة من السورة جولة أفق فكرية وشعورية في مواقع PageV01P087 # الناس الذين يتحركون بطرق مختلفة أمام مسألة الالتزام بالفكر الحق ، سلبا ~~أو إيجابا ، ليحدد الإنسان موقعه الفكري والعملي في عملية إيحاء ذاتي يتلمس ~~فيها قضايا الحق ليختزنها في داخل كيانه ms0058 ، فيرفعها إلى ربه مبتهلا إليه بأن ~~لا يجعله من السائرين في الطريق التي تؤدي إلى غضبه ، ولا يتركه مع ~~السائرين في متاهات الضلال في الطريق التي لا يملك فيها الملامح التي تؤدي ~~به إلى النتائج الحاسمة في المصير ، بل يجعله من الذين عاشوا نعمة السير في ~~الطريق المستقيم في ألطاف الهداية الإلهية. # وهذا ما يدفعه إلى البحث الدائم عن الواقع الذي يحيط به ، ليميز بين ~~الطريق المستقيم والطريق المنحرف ، وليتعرف كيف يسير الناس من حوله ، مما ~~يجعل عنده ثقافة متحركة على صعيد أفكار الناس وأوضاعهم ، لأن الذي لا يعرف ~~الخط المنحرف ، أو الخط الضائع ، لا يستطيع أن يعرف الخط المستقيم. # * * * ### ||| ** من هم المغضوب عليهم والضالون؟ # ورد في بعض الروايات ، أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم ~~النصارى. ولكن ذلك لا يحصر مداليل السورة في هذين النموذجين من الناس ، لأن ~~ذلك قد يكون على نحو المثال ، كما هي طريقة القرآن في مواقع النزول للآيات ~~، في ما تتحدث عنه روايات أسباب النزول. وقد ورد أن القرآن يجري مجرى الشمس ~~والقمر ، فلا يتحدد في المنطقة التي ينزل فيها ، ولا في الشخص الذي ترد فيه. # وربما كان ذكر اليهود ، كمثال للمغضوب عليهم ، ناشئا من الصورة PageV01P088 # المتكررة التي أبرزها القرآن لهؤلاء الناس في نقضهم الميثاق ، وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق ، وكتمانهم لما أنزله الله من الحق على رسوله في كتابه ، ~~ونحو ذلك من القضايا التي تجعلهم يستحقون غضب الله عليهم ؛ بينما كان ~~النصارى متميزين بالصفات الطيبة ، باعتبار أنهم أقرب الناس مودة للذين ~~آمنوا ( @QUR@08 ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) [المائدة ~~: 82] ، وأنهم ( @QUR@011 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع ) [المائدة : 83] حزنا ، ولكن مشكلتهم أنهم انحرفوا عن الرسول فلم ~~يؤمنوا به ، وأنهم قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، ونحو ذلك من التصورات ~~الخاطئة في العقيدة ، ولم يتحدث عنهم بطريقة قاسية كالطريقة التي تحدث بها ~~عن اليهود الذين هم أشد عداوة للذين آمنوا ، بالإضافة إلى المشركين. # ومن خلال ذلك ، نستطيع أن ننفتح على ms0059 التيارات الفكرية المضادة للإسلام ~~التي يمكن إدراجها تحت عناوين دوائر المغضوب عليهم والضالين ، تبعا لنوعية ~~الحالة النفسية ، والسلوك العدواني ، بالإضافة إلى الخطأ والانحراف في ~~العقيدة. # وهذا ما ينبغي للدعاة إلى الله أن يواجهوه في خط التربية في توعية الناس ~~حول المناذج المضادة للتفكير الإسلامي ، فلا يكون الموقف واحدا ، بل لا بد ~~من أن نفرق بين الحالات العدوانية التي تتحول في بعض الأحوال إلى حالة ~~عنصرية ، وبين الحالات العادية في الخلاف الفكري التي يمكن أن تتحول إلى ~~حالة من اللقاء القائم على مواطن الاتفاق ، ليكون ذلك مدخلا إلى الحوار في ~~مواطن الخلاف ، الذي يفضي بدوره إلى نوع من الوفاق في غياب الحالة النفسية ~~المتشنجة المعقدة. # * * * PageV01P089 ### ||| ** موقع الفاتحة من الصلاة # جاء في عيون أخبار الرضا للصدوق عن الإمام الرضا عليه السلام ، عن آبائه ، ~~عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : لقد سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول : قال الله عز وجل : « قسمت فاتحة الكتاب بيني ~~وبين عبدي ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، إذا قال العبد : ( ~~@QUR@04 بسم الله الرحمن الرحيم )، قال الله جل جلاله : بدأ عبدي باسمي ~~وحق علي أن أتمم له أموره ، وأبارك له في أحواله ، فإذا قال : ( @QUR@04 ~~الحمد لله رب العالمين )، قال الله جل جلاله : حمدني عبدي ، وعلم أن النعم ~~التي له من عندي ، وأن البلايا التي دفعت عنه بتطولي ، أشهدكم أني أضيف له ~~إلى نعم الدنيا نعم الآخرة ، وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا ~~الدنيا ، وإذا قال : ( @QUR@02 الرحمن الرحيم )، قال الله جل جلاله : شهد ~~لي عبدي أني الرحمن الرحيم ، أشهدكم لأوفرن من رحمتي حظه ، ولأجزلن من ~~عطائي نصيبه ، فإذا قال : ( @QUR@03 مالك يوم الدين )، قال الله تعالى : ~~أشهدكم ، كما اعترف بأني أنا المالك يوم الدين ، لأسهلن يوم الحساب حسابه ، ~~ولأتقبلن حسناته ، ولأتجاوزن عن سيئاته ، فإذا قال : ( @QUR@02 إياك نعبد ) ~~، قال الله عز وجل : صدق عبدي إياي يعبد ، أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا ~~يغبطه كل من خالفه في عبادته لي ، فإذا قال: ( @QUR@02 وإياك ms0060 نستعين )، ~~قال الله تعالى : بي استعان عبدي وإلي التجأ ، أشهدكم لأعيننه على أمره ، ~~ولأغيثنه في شدائده ، ولآخذن بيده يوم نوائبه ، فإذا قال : ( @QUR@03 اهدنا ~~الصراط المستقيم ) إلى آخر السورة ، قال الله عز وجل : هذا لعبدي ، ولعبدي ~~ما سأل ، قد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمل ، وآمنته مما منه وجل » (1). PageV01P090 # وفي هذا الحديث إشارة إلى الأجواء التي تمثلها السورة في علاقة العبد ~~بربه ، وعطف الرب على عبده ، وحركة الآيات في وعي الإنسان في ذلك كله أنه ~~يعيش مع الله في كل آفاقه المنفتحة على الدنيا والآخرة ، وفي كل مواقع حركة ~~الناس في خط الاستقامة أو في خط الانحراف ، ليكون الرزق من الله ، ولتكون ~~الهداية منه ، فيشعر بالنعمة المادية في حياته الجسدية ، وبالنعمة المعنوية ~~في حياته العقلية والروحية. # وبذلك كانت سورة الفاتحة أم الكتاب ، ونقطة الوعي ، ومفتاح العقيدة في كل ~~مواقع الإنسان في الحياة. وهذا هو الذي جعلها أساسا لكل صلاة حتى جاء أنه « ~~لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ». # * * * ### ||| ** دور الصلاة # وهذا ما جعل من الصلاة الإسلامية أسلوبا عقليا من أساليب التثقيف الفكري ~~فيما هي العقيدة ، وأسلوبا روحيا من أساليب التربية الروحية فيما هو ~~الإيمان ، وحركة منفتحة على الله فيما هي مشاعر التوحيد في العبادة ، وحركة ~~الحاجات في الحياة ، حتى يشعر الإنسان بارتباطه بالله من موقع حاجاته ، كما ~~هو مرتبط به من موقع إيمانه ووجوده. وهذا ما جعل من الصلاة عمودا للدين ، ~~باعتبار أن مضمونها الفكري ، في القراءة والذكر والركوع والسجود ، يمثل ~~نهجا للتربية الفكرية والروحية والعملية في الحياة. # * * * PageV01P091 ### | سورة البقرة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مائتان وسبع وثمانون PageV01P093 ### ||| ** سورة البقرة بين الاسم والمسمى # أول ما قد يتبادر إلى أذهاننا في ما يتعلق بهذه السورة هو السؤال التالي ~~: لماذا كانت هذه التسمية؟ # والجواب : إن أسماء السور القرآنية تخضع للتركيز على قصة معينة ، أو اسم ~~معين ، أو موضوع خاص بارز في السورة ، مما يراد توجيه الأنظار إليه ، فنجد ~~أمامنا سورة آل عمران ، وسورة النساء ، والكهف ، والإسراء وغيرها من السور ~~التي تشتمل على ما ترمز إليه عناوينها. وكانت تسمية ms0061 سورة البقرة رمزا للقصة ~~المذكورة في حوار موسى عليه السلام مع قومه ، عند ما قال لهم : ( @QUR@06 إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) [البقرة : 67]. # وانطلقت الأسئلة تلو الأسئلة من بني إسرائيل ، لا لتحاول استجلاء الموضوع ~~، بل لتتهكم أو تسخر أو تتعنت ، وجاء رد الفعل تأديبيا ؛ فكلما ازدادت ~~الأسئلة ، كانت القيود والخصائص المطلوبة في البقرة تزداد وتكثر ، حتى ~~أصبحت قيمتها بمستوى كبير جدا في تكاليفه المالية ، في الوقت الذي كان ~~بإمكانهم أن يتفادوا هذا الشيء بالاكتفاء بالأمر الذي صدر إليهم ، والأخذ ~~بإطلاق الكلمة ، ويكتفوا بأية بقرة في مجال امتثال الأمر. وكان ذلك بمثابة ~~العقوبة التشريعية على استخفافهم وسخريتهم بالنبي وبالتشريع ، ولم يقتصر ~~الأمر على هذا الموضوع ، بل إننا واجدون في ما يأتي من حديث بني PageV01P095 # إسرائيل ، كثيرا من التشريعات المحرمة التي كانت عقوبة على سلوكهم في ~~واقعهم المنحرف الذي كانوا يعيشونه. # وربما كانت علاقة القصة في خصوصيتها الإسرائيلية بالخط العام التوجيهي في ~~السورة ، في كونها تقدم للمسلمين الصورة الكاشفة عن السلوك المنحرف لبني ~~إسرائيل في مواجهة الأنبياء ، بالدرجة التي تصل بهم إلى التعسف والاستهزاء ~~بالأساليب المتنوعة التي تشغلهم عن مهمتهم الرسالية بالقضايا التفصيلية ~~التي تعقد الواقع العملي ، وتدفع به إلى متاهات الاحتمالات العقيمة ؛ فتكون ~~القصة بمثابة التحذير التربوي للابتعاد عن ذلك في مسئولياتهم العملية في ~~حركة الدعوة ، وفي خط القيادة الشرعية. # وربما كان السر في التركيز على هذه القصة ، هو إعطاء الأهمية لضرورة توفر ~~روح الطاعة المطلقة ، والتسليم الواعي للأوامر الصادرة من الله للناس ~~بواسطة رسله ، لدفعهم إلى أن ينظروا إليها نظرة احترام ومسئولية في الفهم ~~والممارسة ؛ فلا يغرقوا في ضباب الاحتمالات المتنوعة التي لا مجال لها من ~~خلال مدلول الكلمة وجوها الطبيعي. وبذلك يبتعدون عن الانحراف العملي في ~~خطوات التشريع. # ولعل علاقتها بمضمون السورة تكمن في اعتبار اشتمالها على كثير من الأحكام ~~الشرعية ، التي تلزم المؤمنين بامتثالها من دون اعتراض أو فضول لا معنى له. ~~أما ارتباطها بمسيرتنا العملية العامة ، فإنها توجه الإنسان المسلم إلى عدم ~~الإكثار من الأسئلة حول المسؤوليات ms0062 التي تناط به ، إذا كانت التعليمات ~~واضحة محددة في الجوانب الصريحة وفي الجوانب المطلقة ؛ إذ يمكن للإنسان أن ~~ينطلق معها بشكل طبيعي مركز من دون سؤال ، لأنه لو كان هناك حاجة إلى بيان ~~زائد لذكر ، آخذين بالاعتبار حكمة المتكلم في ما يبينه ، وفي ما يترك ~~الحديث عنه. PageV01P096 # إن خلاصة الفكرة في القصة ، هي أن نترك الفضول في قضايا المسؤولية ، إلا ~~إذا انطلق من عدم فهمنا لطبيعة التوجيه في الفكرة المعروضة علينا ؛ فإن ذلك ~~هو الذي يمنع الاهتزاز في وعي المعرفة ، ويدفع الإنسان إلى الإحساس بالثقة ~~في مواقع المسؤولية. # * * * ### ||| ** مواضيع السورة # لعل هذه السورة من أبرز سور القرآن الكريم التي عالجت قضايا العقيدة في ~~سياق مواجهتها للتحديات الفكرية والعملية ، أو من خلال تاريخها المتحرك في ~~مسيرة دعوة الأنبياء إلى الله ، ومدى الصراع العنيف الذي واجهوه من جانب ~~قوى الكفر والضلال ، أو في نماذجها المتنوعة من الذين يقفون أمام قضية ~~الكفر والإيمان في مواقف ثلاثة : # فهناك النموذج الأول المتمثل بالمؤمنين الذين يعيشون الإيمان في وجدانهم ~~، ويمارسونه في حياتهم ، ويصرحون بالتزامهم به بدون خوف أو تذبذب. # وهناك المنوذج الثاني المتمثل بالكافرين الذين يكفرون بالله ، ويمارسون ~~الكفر في مواقفهم العملية ويجاهرون به. # وهناك النموذج الثالث المتمثل بالمنافقين الذين تهتز مواقفهم في داخل ~~ذواتهم وخارجها بين خط الإيمان وخط الكفر ، وقد أفاضت السورة في الحديث ~~عنهم ، لنعرفهم من خلال مواصفاتهم وسماتهم في كل زمان ومكان. # وقد عالجت السورة بداية خلق آدم عليه السلام ، فتحدثت عن الحوار بين PageV01P097 # الله ، سبحانه وتعالى ، وبين الملائكة ، ثم بينه وبين إبليس ، لإعطاء ~~الفكرة الحية في بيان قيمة الإنسان وكرامته من حيث تأكيد جانب الخلافة له ~~في الأرض ، ومن حيث التركيز على مزاياه التي يتفوق بها على الملائكة ، بسبب ~~ما منحه الله من العلم ، ومن القدرة على التكيف بواسطته في جميع مجالات ~~الحياة. # ودخلت السورة في أجواء بني إسرائيل لتحدثنا عن بعض محطات تاريخهم ، وما ~~عايشوه من مشاكل ، لا سيما ممارساتهم العملية المنحرفة ضد الأنبياء ~~ورسالاتهم. ثم انطلقت لتعالج مختلف القضايا ms0063 الشرعية ، فأثارت الحديث عن ~~الطلاق والزواج ، والصوم ، والصلاة ، والحج ، والربا ، والوصايا ، وغير ذلك. # وفي ضوء ذلك ، تعتبر هذه السورة من أغنى السور القرآنية ، لأنها تجسد ~~أغلب المجالات الحية ، التي يمكن لها أن تغني روحية الإنسان الداخلية ، ~~وثقافته الفكرية والتاريخية والتشريعية ، في الإطار القرآني المميز. # وربما كان الأساس في هذه الغنى الكبير ، هو أن هذه السورة المدنية تصدت ~~لحاجات المجتمع الإسلامي الجديد في العقيدة والفكر والتشريع ، لتبلور له ~~مفاهيمه وقناعاته ، لئلا ينحرف أمام المد الفكري والتشريعي المنحرف ، الذي ~~كان يتمثل في أساليب اليهود المتعددة لتضليل المسلمين في صراع الإسلام ~~الدائر معهم ، ومع الفئات الأخرى من المشركين والمنافقين ، ولترسي أسس هذا ~~المجتمع على قاعدة إسلامية متينة. وهذا هو الطابع الذي يغلب على السور ~~المدنية ، بينما تتجه السور المكية إلى تغذية جانب العقيدة لأنها كانت سر ~~المشكلة لديهم. هذه صورة مجملة عن الموضوعات التي عالجتها السورة. # * * * PageV01P098 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآتان ### ||| * ( @QUR@01 الم (1) @QUR@07 ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) (2) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ريب ): الريب : الشك ، وقيل : أسوأ الشك ، وقيل : أن تتوهم ~~بالشيء أمرا ما فينكشف عما تتوهمه. # ( @QUR@01 هدى ): الهدى الدلالة بلطف (1). # ( @QUR@01 للمتقين ): من الوقاية ، وهي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. ~~والتقوى هي جعل النفس في وقاية مما يخاف ، وفي عرف الشرع : حفظ النفس من ~~معصية الله وترك طاعته ، لأن ذلك هو الذي يؤدي إلى وقايتها من عذاب PageV01P099 # الله ؛ وبذلك كان الخوف تقوى باعتباره من أسباب الوقاية حيث يدفع الإنسان ~~في اتجاه البعد عن مواقع سخط الله ، وجاء : التقوى أن لا يراك الله حيث ~~نهاك ولا يفقدك حيث أمرك (1). # * * * ### ||| ** الحروف المقطعة في القرآن # ( @QUR@01 الم ) من الحروف المقطعة التي ابتدأت بها أكثر من سورة في ~~القرآن ، وقد قال المفسرون في معناها آراء عدة نذكر منها : # الرأي الأول : إنها من الرموز والأسرار التي تعبر عن تاريخ معين تنتهي ~~فيه الدنيا ، أو تتمثل فيه بعض الحوادث ، وذلك على أساس حساب الحروف ~~الأبجدية الذي يجعل لكل حرف منها رقما معينا يعبر عن عدد معين. # ونحن لا نوافق على هذا ms0064 الرأي ، لأن القرآن لم يتنزل ليتجه مثل هذا ~~الاتجاه المتكلف في التعبير عن الحوادث والأشياء ، وبالتالي ليربط الناس ~~بأسرار وألغاز ومعميات يختلف الناس في فهمها ؛ لأن ذلك لا يحقق أي هدف ~~للمعرفة وللهدى الذي اتبعه القرآن ليشق طريقه في الحياة. # الرأي الثاني : إنها لإثارة انتباه الناس إلى الآيات التي يريد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأها عليهم ؛ فقد كان المشركون في ذلك الوقت ~~يعملون على إثارة الضوضاء واللغو عند قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~للقرآن ، ليمنعوا الآخرين من الاستماع إليه ، فجاءت هذه المفردات غير ~~المألوفة لديهم لتؤدي دورها في إثارة الانتباه من خلال غرابتها على أسماعهم ~~، لأنها ليست من النوع الذي تعارفوا عليه ، PageV01P100 # فليس لها مدلول معين ومضمون واضح. ومن هنا ، يبدأ التساؤل الداخلي الذي ~~يهيئ النفس لانتظار ما بعدها لتستوضح معناها من خلال ذلك. وتتحقق الغاية من ~~ذلك في سماعهم لآيات الله. # ونحن لا نمانع في معقولية هذا الرأي وانسجامه مع الأجواء العدائية التي ~~كان المشركون يثيرونها أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما حدثنا القرآن ~~الكريم عنه في قوله تعالى : ( @QUR@09 وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه ) [فصلت : 26]. # ولكن ذلك كان موقف المشركين في مكة ، بينما يغلب على السور التي اشتملت ~~على هذه الكلمات الطابع المدني في نزولها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~وفي المدينة لم تكن هذه الأجواء مثارة ، لأن المشكلة لم تكن مطروحة هناك ، ~~فلا يصلح هذا الرأي لتفسير هذه المفردات. # الرأي الثالث : ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان حيث قال ~~: إن بين هذه الحروف المقطعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطا خاصا ~~، ويؤيد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة ب ( @QUR@01 المص ) في مضمونها ~~، كأنها جامعة بين مضامين الميمات وص. وكذا سورة الرعد المصدرة ب ( @QUR@01 ~~المر ) في مضمونها ، كأنها جامعة بين مضامين الميمات والراءات. ويستفاد من ~~ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم خفيت ~~عنا لا سبيل ms0065 لأفهامنا العادية إليها ، إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين ~~المضامين المودعة في السورة ارتباطا خاصا (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن هذا الرأي لا يملك أي وضوح للمضمون الذاتي لهذه ~~الحروف ، لأن الارتباط الذي يتحدث عنه لا دليل عليه إلا بالاستشعار الذي لا ~~يوحي بأية فكرة معينة ، وقد نتساءل : ما هي الحكمة في تنزل رموز خفية بين ~~الله ورسوله ، لا يملك الناس أن يفهموها ، ولا يعمل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على PageV01P101 # أن يشرحها لهم ، في الوقت الذي كان القرآن فيه منزلا على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الناس لأنه ذكر له ولقومه وللعالمين. # الرأي الرابع : إن الله سبحانه وتعالى تحدى الناس بالقرآن ، وبالغ في ~~التحدي بطرق متنوعة ، فأراد أن يبين لهم أن هذا القرآن الذي أعجزهم الإتيان ~~بسورة من مثله ، لم يكن مؤلفا من حروف يجهلونها ، لأن المادة الخام التي ~~صنع منها القرآن موجودة بين أيديهم ، وهي هذه الحروف المتنوعة المعلومة ~~لديهم : فإذا كانت عندهم القدرة على صنع مثل هذا القرآن ، فهذه هي المواد ~~الخام جاهزة عندهم ، ولعل هذا من أبلغ أنواع التحدي ، تماما كما تواجه ~~إنسانا واقفا أمام مبني ذي شكل هندسي متقن ، فتقول له : هل تستطيع أن تبني ~~مثل هذا؟ ثم تعقب على ذلك بأن المواد جاهزة إذا كنت تملك الفكر الهندسي ~~والممارسة الفنية. إنه سيقف عاجزا من موقع عظمة هذه الهندسة وجهله بأصولها ~~الفنية. # وقد يكون هذا التفسير أقرب التفاسير إلى الفهم ، وينسب إلى الإمام الحادي ~~عشر من أئمة أهل البيت عليه السلام الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، برغم ~~أنه لم تثبت صحة نسبته إليه لعدم وثاقة رواته ، ولكن من الممكن أن ينسجم مع ~~طبيعة الموقع الذي وردت فيه هذه الكلمات في القرآن الكريم ، ففي هذه السورة ~~عند ما تلتقي بكلمة : ( @QUR@06 الم* ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فربما تفهم ~~منها أن هذا الكتاب الكامل في كل شيء ، مصنوع ومؤلف من هذه الحروف ، فإذا ~~كنتم ترون في أنفسكم القدرة على مجاراته ، فهذه الحروف أمامكم ، فاصنعوا ms0066 ~~منها ولو سورة مما تشاؤون. # وقد يتأمل المتأمل في هذا الرأي ، فلا يجد في بعض المواضع القرآنية ما ~~ينسجم معه ، أو لا يلمح مثل هذا التوجيه في ما قدمناه من تفسير ، ولكن ~~المهم أن التفسير يتحرك في مثل هذه الأجواء ؛ فإن استطعنا أن نقربها إلى PageV01P102 # أذواقنا ، وإلا فحسبنا أن نرجع علمها إلى الله والراسخين في العلم ، ~~فتكون مما استأثر الله بحقيقة علمه ، ضاربين صفحا عما يخوض فيه المفسرون من ~~متاهات الاحتمالات التي لا تستند إلى أساس صحيح. # * * * ### ||| ** ذلك الكتاب لا ريب فيه # ( @QUR@02 ذلك الكتاب ) ربما يخطر في الذهن أن من المناسب أن تستبدل ~~بكلمة « ذلك » كلمة « هذا » ، لأن اسم الإشارة عند ما يكون للقريب يعبر عنه ~~به « هذا » ، أما كلمة « ذلك » فهي للبعيد ، والمفروض أن الكتاب قريب إلى ~~قارئيه وسامعيه ؛ ولكن اللغة العربية تتسع للتنزيل ، فيمكن فيها تنزيل ~~القريب منزلة البعيد لمناسبة تقتضي ذلك لعلو مكانة هذا الشيء ، أو بعدها ، ~~وإن كان قريب المكان ، تنزيلا للمكانة البعيدة عن متناول الأفكار في الوصول ~~إليها منزلة بعد المكان. # واستعملت الألف واللام في « الكتاب » للتدليل على النوع ، فذلك الكتاب ~~يعني الكامل ، تماما كما تقول « ذلك الرجل » أو « ذلك البطل » وتريد الكامل ~~في الرجولة أو البطولة ؛ فكأن النوع مجسد فيه ، لاجتماع كل خصائص الكمال ~~المتفرقة في الأفراد في هذا الفرد ؛ فهو يمثل النوع بكل صفاته وخصائصه. ~~وعلى هذا الأساس ، فالمراد ب ( @QUR@02 ذلك الكتاب )، الكامل في هدايته ، ~~الجامع لجميع الخصائص التي تجعل منه قيمة عظيمة هادية للناس في كل مجالات العصر. # ( @QUR@03 لا ريب فيه ) أي : أنه الكتاب الذي لا يحمل في آياته وفي ~~مفاهيمه أي عنصر من العناصر التي توحي بالريب أو تقود إليه ، فلا ينبغي ~~لأحد أن يرتاب فيه إذا دقق في الخصائص الموجودة فيه ، وفي المعاني الأصلية ~~الواضحة التي PageV01P103 # إذا تأملها الإنسان ، وأمعن النظر فيها ، ووعاها وعيا صحيحا ، لما ارتاب ~~فيها ، ولانكشفت أمامه كل أجواء الريب والشك والشبهة. # من هنا ، فليس معناه أنه لم يرتب فيه أحد ، لأن كثيرا من الناس أثاروا ~~حوله ms0067 جوا من الريبة والشك ؛ فقد قالوا عنه إنه ( @QUR@02 أساطير الأولين ) ~~، وقالوا عنه أشياء أخرى ، إما لغفلتهم عن طبيعته الواضحة باستغراقهم في ~~أجواء الإثارة ، وإما لخضوعهم لأساليب التضليل المتنوعة التي تنحرف بالفكر ~~عن وجه الحق. # * * * ### ||| ** القرآن كتاب هداية # ( @QUR@02 هدى للمتقين ) هذه هي الصفة الثالثة من صفات الكتاب الكامل في ~~كل شيء الذي لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه ، فهو ( @QUR@02 هدى للمتقين ). ~~إنه كتاب هداية ، وهذا هو دوره الأصيل ، وليس دوره أن يكون كتابا يتحدث عن ~~المخترعات أو عن أي شيء آخر مما ينسب إليه ، إنما هو كتاب هدى للإنسان ~~ليوجهه إلى الطريق الصحيح والصراط المستقيم .. ولا مانع من أن يلتفت القرآن ~~إلى بعض الأسرار الكونية ، والظواهر الطبيعية ، إذا دعت إليها المعالجة ~~القرآنية لبعض المواضيع ، ولكنها لا تأتي على أساس مستقل دائما ، بل تكتفي ~~بالتركيز على عنصر الهداية في وسائلها وأهدافها. فليس القرآن كتابا علميا ~~يجمع علوم الكيمياء والفيزياء وعلوم الحيوان والنبات وغير ذلك ، بل هو كتاب ~~إرشاد وتوجيه وهداية للإنسان ، ليعرف كيف يسير ويصارع وينظم حياته في كل ~~المجالات. # إنه يحدد للإنسان الفكرة في صفاء ونقاء ، ويربطه ، من خلال ذلك ، PageV01P104 # بالمسيرة الإسلامية من بدايتها إلى نهايتها ، ويخطط له مسيرته وحياته من ~~خلال الأحكام الشرعية التي تعرفه كيف يتحرك ، من موقع المسؤولية ، في هدوء ~~واطمئنان ، حركة تعرف نفسها جيدا ، لأنها تعيش الوضوح في الرؤية ، ~~والانسجام مع الهدف. # ولعل القيمة الكبيرة للهدى القرآني هي أنه لا يتجمد عند حدود الذات ~~ليملأها بالإشراق والصفاء ، وتقف الهداية في الداخل فلا تتجاوزه إلى خارج ~~نطاق الذات في حياة الآخرين ، بل هو الهدى الممتد من القلب إلى الحياة ، ~~كمثل الينبوع المتدفق الذي ينطلق ويتفجر ليفيض ويتدفق على الأرض الرحبة ~~الفسيحة ليمنحها الخصب والحياة. # * * * ### ||| ** الطابع الفريد للهدى القرآني # أما طابع الهدى القرآني فهو فريد من نوعه ، لأنه لا يقف في منطقة الفكر ~~ليشير إلى العقل أن يتفلسف ويحلل ، ويبدع الفكر من موقع الفلسفة والتحليل ، ~~ولكنه يتحرك في أبعاد النفس الإنسانية ليثير فيها الفكر الممزوج بالعاطفة ، ~~والعقل المتحرك بالوجدان ms0068 ، والروحية المتصلة بالواقعية ، فليس هناك جفاف ~~فكري تشعر معه بأنك تعيش ضمن قوالب جاهزة جامدة تقدم إليك من خارج ذلتك ، ~~بل هناك الحيوية النابضة بالروح التي تنساب في مشاعرك وعواطفك وفكرك ~~ووجدانك ، فتشعر معها بأنك تمارس فكرك من موقع النور المتفجر من أعماقك في ~~رحاب الله ، مما يجعل من قضية الفكر شيئا يشبه العبادة ويصنع الحياة. # * * * PageV01P105 ### ||| ** المتقون هم المنفتحون على الحق # أما « المتقون » ، فهم أولئك الذين انفتحت عقولهم على فكر الحق من خلال ~~التأمل والمعاناة الوجدانية ، حتى عاش في وجدانهم قناعة واطمئنانا ، ~~واندمجت أرواحهم في لقاء الله ، حتى شعروا بحضوره معهم في يقظتهم ومنامهم ، ~~فلا يواجهون شيئا في الحياة إلا ويواجهون الله معه ، باعتبار أن الأشياء ~~تفقد استقلالها وذاتيتها في داخلهم ، لأنها المظهر الحي لوجود الله وقدرته ~~وحكمته ورحمته. وهم الذين تحركت حياتهم في الصراط المستقيم حتى لتحس ~~بخطواتهم تتنقل في ثبات واتزان ، كأنها تعيش وعي الطريق في كل أبعاده ~~واتجاهاته ، فلا تغيب عنها أية انعطافة من منعطفات الطريق التي تدعو ~~للانحراف ، بل هي الاستقامة الباحثة أبدا عن النور في طريق الله. # * * * ### ||| ** هل القرآن هدى للمتقين فقط؟ # وهنا يواجهنا سؤال مثير ، كيف يكون القرآن هدى للمتقين ولا يكون هدى لكل ~~الناس؟ وهل يحتاج المتقون الذين يعيشون الهدى في كيانهم إلى هداية ليكون ~~القرآن هاديا لهم؟ # والجواب : هو أن المتقين هم الذين يشعرون بمسؤوليتهم الفكرية والاجتماعية ~~تجاه العقيدة والحياة ، فهم الذين يعيشون تقوى الفكر التي توحي بالتأمل ~~والتفكير العميق ، فيطلبون الهداية من موقع المواجهة الحادة للمشاكل الصعبة ~~التي تعترضهم في قضايا الصراع ، فيقفون أمامها موقف الجاد الذي لا يعيش ~~حالة اللامبالاة والاسترخاء الفكري ، بل يحاول أن يدخل عملية الصدام PageV01P106 # الفكري ليفكر في ما يعرض عليه ليناقشه ، فإما أن يقتنع به وإما أن يرفضه ~~على أساس من الوعي ، ثم إن المتقين هم الذين يخافون الله ويحبونه بإخلاص ~~وإيمان ، فيشعرون من خلال ذلك بالمسؤولية التي تتحول إلى مراقبة ومحاسبة في ~~الفكر والعمل ، فيندفعون في عملية ملاحقة للأسس التي يرتكز عليها الهدى من ~~أجل ms0069 أن تكون موضع تفكير ومناقشة. # أما الآخرون من غير المتقين ، فهم الذين لا يشعرون بالمسؤولية تجاه ~~أنفسهم ، وتجاه ربهم ، بل وتجاه الحياة كلها. إنهم يواجهون الحياة مواجهة ~~اللامبالاة والهروب من كل شيء يتعب الفكر والوجدان ، فلا يحاولون أن يهتدوا ~~، ولا يريدون أن يفكروا بالهدى ، فلا يمكن للكتاب أن يكون هدى لهم ، لأن ~~الهدى لا بد له من عقل مفتوح ووجدان سليم ، ولكنه يظل يطرق أسماعهم منتظرا ~~حالة الوعي الجديدة التي تربطهم بالإرادة الواعية ليهديهم من موقع إرادتهم ~~للهداية ، في آفاق الله الرحبة الممتدة بالإيمان. # * * * PageV01P107 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) ~~@QUR@012 والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ~~(4) @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يؤمنون ): الإيمان : الإذعان للحق على سبيل التصديق. # ( @QUR@01 بالغيب ): هو ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بداية العقول ، ~~وهو مقابل الشهود الذي يمثل عالم الحس. # ( @QUR@02 ويقيمون الصلاة ): يؤدونها بحدودها وفرائضها وتوفية شروطها ، ~~من القيام للشيء ، وهو مراعاته وحفظه. # ( @QUR@01 رزقناهم ): الرزق : هو العطاء الجاري ، وهو نقيض الحرمان. # ( @QUR@01 ينفقون ): أي : يخرجون أموالهم ويبذلونها لغيرهم ممن يحتاج ~~إليها ، من نفق الشيء إذا خرج ومضى ، يقال : نفقت الدابة : إذا خرج روحها. PageV01P108 # ( @QUR@01 يوقنون ): اليقين : هو سكون الفهم مع ثبات الحكم ، وسمي العلم ~~يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه ، فكل يقين علم وليس كل علم يقينا ~~، وكأن اليقين علم يحصل بعد الاستدلال والنظر لغموض المعلوم المنظور إليه ، ~~أو لإشكال ذلك على الناظر ، ولهذا لا يقال في صفات الله موقن لأن الأشياء ~~كلها في الجلاء عنده على السواء. # ( @QUR@01 المفلحون ): الفلاح : هو النجاح ، وهو الظفر بالحاجة وإدراك ~~البغية ، وأصله من الفلح ، وهو القطع ، ومنه : قيل للفلاح : الحراث لأنه ~~يشق الأرض ، وفي المثل : الحديد بالحديد يفلح ، أي : يشق. فالمفلح على هذا ~~كأنه قطع له بالخير. # * * * ### ||| ** المعرفة بين اتجاهات العقل والحسن # إننا نواجه في هذه الآيات تحديدا لصفات المتقين في إيمانهم وسلوكهم ضمن ~~إطار يحدد أصول العقيدة ، ويشتمل على الجوانب الأساسية من حركة العقيدة ms0070 في ~~الحياة. وهنا ، نحاول استحياء هذه الصفات من حيث طبيعتها ومدلولها ودورها ~~في حياتنا الروحية والعملية. # ( @QUR@03 الذين يؤمنون بالغيب ) الإيمان بالغيب صفة أساسية من صفات ~~المتقين. وللكلمة مجالات متنوعة تتحرك فيها ، فما هو المراد من الإيمان ~~بالغيب؟ # الإيمان بالغيب هو الإيمان بالأشياء التي لا يصل إليها الحس بشكل مباشر ، ~~ومنها الإيمان بالله ، فالإنسان يؤمن بالله من خلال آثاره ، ومن خلال ~~مخلوقاته في ما تدل عليه من عظمة الخلق ، على الرغم من أنه لا يمس ولا PageV01P109 # يرى ، لأن الوجدان يفرض ذلك كحقيقة حاسمة ترتكز على الأسس العلمية ~~والعقلية ؛ وبذلك تتحول التقوى الفكرية إلى حركة في داخل الذات ، تثير فيها ~~اليقين وتقودها نحو الإيمان. أما غير المتقين ، فلا يؤمنون إلا بالحس ~~والتجربة من دون أن ينفذوا إلى ما وراءهما من قواعد وركائز ؛ فالقيمة ~~الفكرية في القضايا عندهم هي في خضوعها للملاحظة الحسية بعيدا عن كل مضمون ~~عقلي أو فكر سابق ، لأن الإيمان بالحس كما يقول البعض يحمل للإنسان ~~المقاييس الطبيعية ، التي يمكنه من خلالها أن يعرف الحق والباطل ، إذ من ~~الممكن أن يدرك الإنسان نتائج التجربة في حالتي النجاح والفشل ، فإذا نجحت ~~انطلقت الحياة معه في عملية تكرار يكتشف أبعاد النجاح ، وإذا فشلت فإنها ~~تقف عند حدود التجربة في مراحلها المحدودة ، فلا تتكرر ؛ لأن الخطأ لا يغري ~~بمعاودة التجربة من جديد. # أما الأفكار العقلية حسب هذا الرأي فلا يمكن للإنسان أن يلمس بوجدانه مدى ~~الحق والباطل فيها بطريقة حسية ، لأنه لا يملك الميزان في ذلك ، لأنها ليست ~~من الأشياء المرئية التي تخضع للملاحظة والتأمل ليرتكز الإيمان من خلالها ~~على قاعدة متينة. وربما كانت هذه الشبهة من أقوى الشبهات التي أثارها ~~الحسيون في مقابل العقليين الذين يقولون بأن هناك أساسا للمعرفة غير الحس. # ولكننا نلاحظ على هذه الشبهة في مجال الجواب أنها لا تصمد أمام النقد ~~لأسباب ، منها : # أولا : إن هذا الدليل الذي أقاموه على خطأ الرجوع إلى العقل ، هو دليل ~~عقلي خاضع للملاحظة والتأمل التجريديين في البداية ، لأنهم يقولون : لو لم ~~نعتمد ms0071 على الحس والتجربة أساسا للمعرفة ، لما كان لدينا مقياس دقيق للحق ~~والباطل ، وهذا مما يوحي لنا بطرح سؤال محدد : هل معاني هذه الفكرة من PageV01P110 # المعاني المحسوسة التي تخضع للتجربة؟! فإن لم تكن كذلك ، كانت النتيجة ~~محاولة لإبطال الدليل العقلي بالدليل العقلي. وفي هذا تأكيد وتأييد للفكرة ~~التي تؤمن بوجود دليل غير التجربة كأساس للإيمان والقناعة الفكرية ~~والوجدانية. # ثانيا : إن الحس والتجربة لا يصلحان أساسا للمعرفة بشكل عام من دون ضم ~~المقدمات العقلية ، لأن التجربة محدودة بزمان ومكان معينين ، فلا تنتج إلا ~~النتائج المحدودة بحجم التجربة ، أما في الإطار العام الذي يمتد خارج ~~نطاقها في تجارب أخرى لم تحدث ، فلا مجال لاستكشاف أي شيء منها. فإذا ~~أجرينا تجربة معينة وأدت إلى نتيجة معينة ، ثم عاودنا التجربة مع نتيجة ~~مماثلة وهكذا إلى ما شاء الله ، فإن المنطق الحسي لا يسمح من ناحية ذاتية ~~بأي حكم مماثل في ما يستحدث من تجارب ، لأنها لم تخضع للملاحظة بشكل مباشر. ~~كما أننا إذا طرحنا القضية في حالة اختلاف التجربة الثانية عن التجربة ~~الأولى ، فإننا لا نستطيع اكتشاف الخطأ من خلال ذلك ، لأن لكل منهما ، مثلا ~~، ظروفا محددة تجعل أية واحدة منهما خاضعة للحظة الزمنية التي عاشت فيها ؛ ~~إذا ليس لأي من نماذج التجربة سعة تتجاوز نطاقها. # ولكن المنطق العقلي هو الذي يمد التجربة إلى المجال الواسع الذي يتجاوز ~~الظروف الطارئة من الزمان والمكان. ولنضرب لذلك مثلا : لو واجهنا قانونا ~~علميا مثل « الحركة تولد الحرارة » من خلال مليون تجربة لحالة الحركة ، فلا ~~نستطيع الإقرار بالقانون العلمي بصفته الشاملة الممتدة إلا على أساس أحكام ~~عقلية مجردة مثل حكم العقل « بأن حكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز ~~واحد » ؛ والذي يعني أن الأشياء المتماثلة في الخصائص وفي الظروف تكون ~~مماثلة في النتائج ، ومثل حكم العقل « بأن الواحد لا يصدر عن متعدد » أو « ~~أن الواحد لا يصدر إلا عن واحد » ، وقاعدة « أن الشيء لا يصدق في حالة صدق ~~نقيضه » ... فلو لا ضم هذه القواعد العقلية المسلم بها ms0072 ، لما استطعنا أن PageV01P111 # نمد التجربة إلى أكثر من مجالها ؛ فإن القاعدة الأولى تتكفل باعتبار ~~الحالات التي لم تقع تحت التجربة ، مماثلة في النتائج لمثيلاتها مما وقع ~~تحت التجربة ، وتنطلق القاعدة الثانية لتخضع النتيجة الواحدة للمليون حركة ~~لعلة واحدة ، وهي طبيعة الحركة بعيدا عن الخصائص الذاتية لكل واحدة منها ، ~~لأنه لا يمكن أن تصدر الحرارة الواحدة مثلا عن مليون سبب. وتأتي القاعدة ~~الثالثة لتمنع افتراض الخطأ في موقع افتراض الصواب ، لأن ذلك يؤدي إلى ~~اجتماع النقيضين المستحيل. # في ضوء ما تقدم ، نعرف أن المبادئ العقلية هي التي استطاعت أن تربطنا ~~بالأفكار والقوانين العامة من خلال التجارب المحدودة ؛ ولولاها لما استطاعت ~~التجارب المحسوسة أن تمنح الإنسان الغنى العلمي والفكري ، سواء في القوانين ~~العلمية العامة ، أو في المبادئ العامة للحياة. # وربما نحتاج إلى أن نلفت النظر إلى القاعدة الثالثة ، كنموذج حاسم من ~~نماذج المسلمات العقلية البديهية التي تعتبر مقياسا لمعرفة الحق والباطل في ~~شتى ألوان المعرفة ؛ فإن الوجود والعدم لا يمكن أن يجتمعا في إطار واحد في ~~زمان واحد ومن جهة واحدة ، فهذه الفكرة من الأفكار العقلية القطعية التي لا ~~مجال للشك فيها ، كما لا يمكن لأية معرفة أن تستغني عنها ، لأن أية وسيلة ~~من وسائل المعرفة لا تملك أية قيمة لنتائجها إذا كان احتمال صدق نقيض ~~النتيجة واردا في حساب الواقع ، لأن القضية عندها ستواجه إمكانية الصدق ~~والكذب في وقت واحد. فلو لا هذه القاعدة العقلية التي لا تستند إلى أي أساس ~~تجريبي محسوس ، لما أمكن قيام أو إثبات أية معرفة من المعارف. # وخلاصة الحديث ، في ما قدمناه ، أن التجربة ليست هي المقياس الوحيد ~~لمعرفة الحق والباطل لتتجمد المعرفة عند المحسوس ، بل هناك العقل PageV01P112 # الذي يربط الإنسان بالقاعدة الصلبة لمعرفة ، سواء في الأفكار التجريدية ~~أو في الأفكار التجريبية. # * * * ### ||| ** الإيمان بالغيب # ومن هذا الاتجاه ، نتحرك في الاستدلال على سلامة الفكرة الدينية التي ~~تعتقد بوجود أشياء غير منظورة من القوى والعوالم والأشياء ، كنتيجة لوجود ~~أسس موضوعية في عالم الواقع ، للاستدلال على هذه الأشياء ، بمعونة ms0073 الأدلة ~~العقلية الثابتة ؛ كما في الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى ، فإن كل ما ~~حولنا يدل على وجوده وإن لم تدركه أبصارنا ، ولم تلمسه حواسنا ، انطلاقا من ~~القاعدة العقلية التي تقرر أن كل ممكن لا بد له من علة موجدة لا تخضع لعلة ~~أخرى ، وقد نستطيع إدراك ذلك ببعض وسائل الإيضاح ، فنلاحظ أننا نؤمن بأشياء ~~غير محسوسة لنا في نطاق الكون ، مما لم يتيسر لنا رؤيته من خلال وسائل ~~القناعة التي نملكها في حياتنا العملية ، مما يعني أن المبدأ الذي يقرر ~~واقعية الإيمان بغير المحسوس صحيح وواقع .. أما إمكانية الرؤية في ما ~~يستقبل وعدم إمكانيتها فلا يغيران من الموضوع شيئا. والإيمان بالغيب هو ~~امتداد للتفكير القائل بأن الحس والتجربة ليسا كل شيء في المعرفة بل هناك ~~العقل الذي يسير إلى جانب الحس ليمدنا بالمعرفة ، من خلال الحس أو العقل. # * * * PageV01P113 ### ||| ** هل الدين غيب كله؟ # لا بد لنا من أن نتوقف في هذا المجال عند نقطة مهمة جدا ، وهي أن الدين ~~عند ما يركز على الإيمان بالغيب ، فهل يعني هذا أن الدين قائم على الإيمان ~~بالغيب فقط ، وليس هناك إلا الغيب في مضمون الإيمان ، وفي تقويم الأشخاص ، ~~وفي تعليل الأحداث والظواهر الكونية والاجتماعية ، كما يحلو للبعض أن ~~يقولوا أو يعتقدوا أو يفسروا ، فيخضعوا الظواهر الطبيعية كلها أو أكثرها ~~لتفسيرات غيبية ، لا يصل إليها فكر الإنسان ، مما جعل العقل البشري ، في ~~بعض مراحله ، يبحث عن أسباب الظواهر الطبيعية وعللها ، كالصحة والمرض ~~والهزيمة والنصر ، وعن خلفيات المشاكل الاقتصادية أو السياسية ، خارج ~~الواقع العملي للأشياء ، مكتفيا بإرجاع ذلك إلى عوامل غيبية ، أو إلى الله ~~، من دون أن يبحث عن القوانين الطبيعية التي أودعها الله في الكون ، ليقوم ~~عليها نظامه ونظام الحياة في نطاق مبدأ السببية الطبيعية في الأشياء؟ # لقد وقع في هذه الشبهة بعض المؤمنين الساذجين ، فوقفوا موقف المنكر لكثير ~~من نتائج العلم لاصطدامها بالذهنية الغيبية التي لا تألف مثل هذه النتائج ، ~~والبعض منهم تطرف في موقفه لدرجة تكفير الإنسان الذي يؤمن بوجود قوانين ~~طبيعية تحتكم ms0074 إليها الظواهر الطبيعية والكونية ، لأنهم يحسبون الفارق بين ~~الإيمان والكفر هو الاعتقاد بغيبية الأسباب في جانب الإيمان ، وبواقعيتها ~~أو ماديتها في جانب الكفر. # وقد نشأت في هذا الجو ولفترات فكرة تركيز الوعظ على الجانب الغيبي في كل ~~مجالات الحياة ، من دون توضيح للقوانين الطبيعية التي أودعها الله في الكون ~~، مما أدى إلى ربط كل الظواهر الطبيعية بالله بشكل مباشر ، PageV01P114 # وربما كان هذا أحد الأسباب التي أقعدت الإنسان المسلم في العصور الماضية ~~عن التقدم في اتجاه فهم الكون من خلال فهم القوانين المتحكمة في مسيرته ، ~~وساهمت في تكوين الشخصية الغيبية ، ذات العقل الغيبي والمشاعر الغيبية ، ~~التي تبحث في الماضي والحاضر عن خطوات الغيب ، وتواجه المستقبل بتطلعات ~~غيبية ، تفسح في المجال للكهان والمتنبئين للعب بعواطف الناس ومشاعرهم من ~~خلال عمليات « فتح الفال » وغيرها. حتى أننا رأينا الكثيرين من السياسيين ~~وغيرهم ممن يهمهم أمر معرفة مستقبلهم السياسي والعاطفي ، يتجهون إلى ~~العجائز أو الفلكيين الذين يدعون معرفة الغيب ويتاجرون بها ليعرفوا منهم ~~تطورات المستقبل. # إننا لا نؤمن بحركة الإيمان بالغيب في مثل هذه المساحة الواسعة من حياة ~~الناس العامة والخاصة ، بل نؤمن بالغيب الذي يربطنا بالله في مجال محدود ، ~~ولذا نرى الإسلام يشن حملة شديدة على الكهان والكهانة والتنجيم والمنجمين ~~لإبعاد العقلية الغيبية عن واقع الفكر والحياة ، ولإبقاء الإيمان بالغيب في ~~منطقة العقيدة عالما يعيش في داخل الذات ، ليطوف بالإنسان في بعض مجالات ~~حياته ، بعيدا عن الاستغراق في المادة العمياء ، التي لا تفتح عينيها على ~~الآفاق الواسعة المنطلقة أبدا مع الله ، لكيلا يتجمد الإنسان عند حدود ~~الأمل الضيق الذي تسمح به ظروفه الخاصة المحدودة. # إننا قد نؤمن بالغيب بشكل جريء في كثير من الحالات التي لا نفهمها ، أو ~~ربما نتمرد في وعينا على بعض القوانين الطبيعية التي قد يكون لها جانب غيبي ~~، لأننا نعتقد بأن الحياة لا تخضع دائما للتفسيرات المادية ، فقد تحدث في ~~حياة كل منا أشياء غيبية في عالم الرزق أو الصحة أو غير ذلك ، فيشفى بعض ~~المرضى نتيجة التوسل لله ، بنبي ms0075 أو ولي ، أو بسبب دعاء أو عمل عبادي ، في ~~جو نفسي معين قد لا ينسجم مع التفسير النفسي العملي. PageV01P115 # إننا لا ننكر وجود جانب روحي يرعى الإنسان ويتدخل في حياته ، ولكن المبدأ ~~الأساس في الحياة من وجهة نظر إسلامية ، هو أن الحياة تخضع في جميع أسرارها ~~ومظاهرها ، سواء كانت سياسية ، أو اجتماعية ، أو اقتصادية ، لقوانين طبيعية ~~أودعها الله في الكون ، وهذا ما نجده في القرآن في أكثر من آية ، في حديث ~~الله عن سننه في الكون : ( @QUR@07 سنة الله في الذين خلوا من قبل ) ~~[الأحزاب : 38] ، ( @QUR@010 فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله ~~تحويلا ) [فاطر: 43]. # ولذلك ، فإن إيماننا بالغيب ، لا يمنعنا من الوقوف أمام كل ظاهرة كونية ~~أو حياتية لنفهم أسبابها وأسرارها ، بل الملحوظ أن القرآن يدعونا في كل ~~آيات التفكر والتدبر ، للنظر في الكون ، وفي التاريخ ، لنعرف أسبابها ~~وأسرارها ، ولنكتشف من خلالها عظمة الله تعالى. وبذلك يحتضن الفكر الإسلامي ~~كل علوم الحياة والإنسان ، التي تحاول البحث عن القواعد العلمية التي تحكم ~~الكون والسلوك والتفكير في ضمن كيان متكامل متوازن ، ويتجه إلى الواقع ~~ليفسره تفسيرا ينسجم مع الدور الكبير الذي أعد الله له الإنسان في الحياة. # * * * ### ||| ** تجليات العقيدة في الممارسة الإنسانية # ( @QUR@02 ويقيمون الصلاة ) لقد تحدث القرآن عن الإيمان بالغيب الذي ~~يتمثل ب « الإيمان بالله » ، ثم ربطه بالجانب العملي ليفهم منه أن الإيمان ~~الذي يراد في الإسلام ليس هو الإيمان النظري الذي يعيش في فكر الإنسان من ~~خلال المعادلات العقلية المجردة ، بل هو الذي يعيش في النفس لينطلق في مجال ~~الحياة العملية ، ولهذا كانت الشخصية الإسلامية الإيمانية مرتكزة على الجانب PageV01P116 # الفكري في العقيدة والجانب العملي في الممارسة. # وقد طرح القرآن للجانب العملي نموذجين : # أحدهما : يمثل تعبيرا للإنسان عن جانب ممارسته العقدية في حركات تعبيرية ~~، تتجسد فيها معاناته الداخلية للإيمان ، وتنسجم فيها روحه مع تطلعاتها ~~وإحساسها الحي بارتباطها العميق بالله ، وذلك لحاجة التكامل الإيماني لديه ~~إلى الممارسة العملية ، والتعبير المتجسد الذي تنساب فيه الإيحاءات الخفية ~~في النفس ، من خلال الكلمة والحركة والموقف ms0076 والشعور ، مما يفسح في المجال ~~للنفس لتواجه الموقف الإيماني من عمق الإحساس الذاتي بالفكرة ، لا من خلال ~~الإيحاء والتوجيه الخارجي. # إنه موقف العطاء الذي يتفجر كالينبوع من النفس ، لا موقف التلقي والأخذ ~~من عطاء الآخرين ، وهذا هو ما تعبر عنه الصلاة في روحيتها المنسابة مع كل ~~كلمة من كلماتها ، أو حركة من حركاتها ، ليتحسس الإنسان معها العلاقة بالله ~~، كما لو كانت شيئا يتجسد ويحس ويتحول إلى فعل محبة وعبادة وصداقة ، ~~واستغراق للروح في وعي القيم الكبيرة المنطلقة من خلال الله ، واستشعار ~~لمسؤولياته عن المعاني الكبيرة في الحياة ، من خلال الموقف الحق الذي يقفه ~~بين يدي الله في استعادته لعملية الإيمان ، وليعيش القوة ، أمام نوازع ~~الضعف ، وتحديات القوى ، لئلا يبقى بعيدا عن مصدر القوة التي تسنده ، وتدعم ~~وجوده وموقفه ، وترعاه في كل مجالاته ، فيستطيع أن يحقق التماسك والانضباط ~~بين يدي الله. # ثانيهما : ما يؤكده قوله تعالى : ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) من ~~تكامل بين علاقة الإنسان بالله وعلاقته بالحياة. # فهذه الآية تؤكد بأن على الإنسان أن يعيش العطاء ، فيعطي مما رزقه الله ، ~~لأن كل ما في الكون هو لله تعالى ، وكل ما يقع تحت يديه هو لله تعالى ، PageV01P117 # لأنه إنما كان له بقدرته تعالى ، وبما هيأ له من الأسباب والوسائل ، ورفع ~~من طريقه العقبات والموانع ، ولذا عليه أن يشعر بأن العطاء ، وظيفة ~~ومسئولية لا تفضلا ومنة. فالإنسان مؤتمن على ما ملكه الله تعالى ومكنه منه ~~، وبالتالي على أن يدبره ويديره ويتصرف به وفق مشيئة مالكه الحق ، أي الله ~~سبحانه وتعالى. # وبذلك يتصاعد الإيحاء ، في لفتة رائعة ، تنسب المال إلى مصدره الأساس وهو ~~الله ، ليدرك أنه لا ينفق مما يختص به ، أو يملكه ملكا ذاتيا حتى يعيش ~~أنانية العطاء ، بل ينفق مما رزقه الله. ويتسع الإيحاء في ربط الإنفاق ~~بمصدر العطاء الذي هو الله ، ليعتبر الإنسان أنه مسئول عن كل ما رزقه الله ~~من رزق ليعطيه وينفق منه على أساس المسؤولية ، فليس حرا في أن يفعل به ما ~~يريد كما يريد. وقد نلتقي ببعض ms0077 الأحاديث المأثورة التي تستوحي من الآية ~~الفكرة التي تمتد بالإنفاق إلى ما هو أبعد من المال ، فتتسع المسؤولية ~~لتشمل كل طاقة يملكها الإنسان مما يحتاج إليه الآخرون ، فقد ورد في الحديث ~~عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في مقام تطبيق الآية : ( @QUR@03 ومما ~~رزقناهم ينفقون ) قال : ومما علمناهم يبثون » (1). وفي حديث آخر : « وما ~~علمناهم من القرآن يتلون » (2)، ومن الطبيعي أن الإمام الصادق عليه السلام ~~لا يريد أن يحصر مدلول الآية في إنفاق العلم ، لأن مجالها اللغوي أوسع من ~~ذلك ، ولأن الآيات القرآنية الكثيرة الواردة في أمثال هذا السياق ظاهرة في ~~المال أو في ما هو أوسع من المال ... ولكن الظاهر أنه يريد الإيحاء ، للذين ~~يفهمون منها المال ، أنها تشمل العلم كأسلوب من أساليب التوجيه والتنبيه ~~للآخرين الذين يملكون العلم ولا يبثونه في من يحتاج إليه ، على اعتبار أن ~~هذه الصفة من السمات البارزة للشخصية الإيمانية ، وهذا ما استوحيناه من سعة ~~المدلول القرآني. PageV01P118 # ونحن نستطيع أن نستوحي منها ، أيضا ، الإنفاق في مجالات أخرى كإنفاق ~~الجاه والجهد والخبرة وغيرها من الطاقات ، لنطلب من الآخرين الذين يملكون ~~أمثال ذلك أن لا يحتكروه لأنفسهم ، بل أن يبذلوه لمن يحتاجه من الناس. # وملخص الفكرة ، أن المؤمن يشعر بأنه مسئول عن الإنفاق من كل ما رزقه الله ~~من مال أو علم أو جهد أو جاه وغيره ، من موقع الواجب لا من موقع التفضل. # وقد يناقش المناقشون في ظهور اللفظ في ذلك ، ولكن اللفظ ليس مدلولا لغويا ~~يتجمد المعنى عنده ، بل هو إيحاء عميق ممتد في رحاب الحياة ، يتسع ويشمل كل ~~ما يتصل به من أجواء ومواقف وأشياء. # * * * ### ||| ** الإيمان بالرسالات السماوية ، شرط أساس # ( @QUR@09 والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك )، هذه هي ~~الصفة الرابعة من صفات المتقين ، وهي صفة الإيمان بالوحي المنزل على النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لينسجموا في إيمانهم مع كل مفهوم من مفاهيم ~~الإسلام ، ومع كل حكم من أحكامه ، لئلا يبقى هناك أي فراغ فكري أو تشريعي ~~أو روحي يواجه به ms0078 الإنسان حياته ، ليبحث في أفكار الآخرين وتشريعاتهم عما ~~يسد هذا الفراغ ، بل يعيش الامتلاء الفكري والوجداني والقانوني في كل ~~المجالات. # ثم ، الإيمان بوحدة الرسالات. فالمؤمنون هم الذين يؤمنون برسالة النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أنها امتداد للرسالات السابقة التي لم تكن ~~رسالات بشرية ، بل هي وحي منزل من الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الجو نشعر بأن PageV01P119 # الإنسان المسلم لا يعيش أية عقدة نفسية إزاء الرسالات الأخرى كالنصرانية ~~واليهودية ، ولا يرفض مقدساتها الأصيلة ، بل الإنسان المسلم هو الذي يؤمن ~~بالأديان الأخرى وبمقدساتها ، ولكن ضمن إطارها الزمني الخاص الذي أراد الله ~~للرسالات أن تعيش فيه ، لأن الإسلام يعتبر نفسه امتدادا للأديان الأخرى ~~ومكملا لها ، كما كان كل دين مكملا للدين الذي سبقه. وقد ورد عن المسيح ~~عليه السلام قوله : « إنما جئت لأكمل الناموس » ، وورد عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قوله : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ». # وقد نستطيع أن نفهم من هذا كله أن الإسلام يجمع الخصائص الأساسية في ~~اليهودية والنصرانية ، وفي رسالة إبراهيم عليه السلام والرسل من قبله ، ~~ويحوي بالإضافة إلى ذلك خصائص جديدة اقتضتها طبيعة الحاجات التي استحدثتها ~~الحياة بعد انتهاء دور الرسالات. ولذلك ، فإن المسلم كما قلنا لا يعاني أية ~~عقدة من هذه الجهة ، بل قد يعاني من عقدة الانحراف العقيدي والتشريعي الذي ~~وصلت إليه هاتان الديانتان ، وهذا ما أظهرته النصوص القرآنية الكثيرة التي ~~حدثتنا عن تحريف التوراة والإنجيل من قبل أهل الكتاب. # وقد نستنتج من ذلك أن المسلم لا يعيش الروح الطائفية المعقدة تجاه ~~الأديان الأخرى ، وذلك لارتباطه بالمفاهيم الإسلامية الأصلية ، وإذا صدرت ~~أحيانا مواقف سلبية تناقض تلك الروح الإسلامية المتسامحة مع الأديان الأخرى ~~، فإنما مردها إلى تعقيدات وضغوط الواقع السياسي والاجتماعي الذي يفرز مثل ~~هذه المواقف ، وبالتالي فإن السلبيات ليست ناتجة من خلال نظرة المسلم تجاه ~~الدين الآخر أو المقدسات الأخرى ، وذلك على العكس تماما مما نجده عند ~~الآخرين ؛ فاليهود مثلا ، ينكرون النصرانية والإسلام كدين ، والنصارى ~~ينكرون الإسلام كدين ، لذلك نجدهم معقدين من ms0079 جهتنا دينيا. # وعلى ضوء الانفتاح الإسلامي على اليهود والنصارى باعتبارهم أهل PageV01P120 # كتاب يؤمن به المسلمون من خلال إسلامهم ، أطلق القرآن الكريم الدعوة إلى ~~الحوار معهم وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@032 قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) [آل عمران ~~: 64] باعتبار أن المفاهيم الروحية والأخلاقية بالإضافة إلى المسألة ~~التوحيدية في خطها العام تمثل قاعدة التوافق التي يمكن أن ينطلق معها ~~اللقاء ، ويتحرك فيها الحوار ، ويرتكز عليها التعايش الذي طرحه الإسلام في ~~علاقة المسلمين بأهل الكتاب. # * * * ### ||| ** دور الاعتقاد بالآخرة # ( @QUR@03 وبالآخرة هم يوقنون ) الإيقان : هو الاعتقاد. والإيمان بالآخرة ~~هو الصفة الخامسة من صفات المتقين. وهو من أقوى الأسس العقيدية لبناء ~~الشخصية الإسلامية التقية ، وسنعرف في ما نستقبل من آيات أن قيمة الإيمان ~~بالله واليوم الآخر ، هي في تعاظم الشعور بالمسؤولية لدى الإنسان ، لأنها ~~تجعل للحياة هدفا ، وتمد الحياة إلى مجال أبعد من الحياة الحسية التي ~~نمارسها. وبهذا يستطيع الإنسان الارتباط بالمثل العليا ارتباطا أعمق على ~~أساس إيمانه بالله واليوم الآخر ، فإذا اجتمعت هذه الصفات في نفس الإنسان ~~وفي عمله ، أمكن له أن يطمئن إلى أنه يسير على هدى من ربه في ما يفكر ويعمل ~~، وأنه يتحرك في اتجاه الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@05 أولئك على هدى من ربهم ) هؤلاء ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة وينفقون مما رزقهم الله ، يسيرون على طريق الهدى ، لأن الإيمان ~~بالله يفتح آفاق الحياة أمام الإنسان ، والإيمان بالرسالات يخطط له حياته ، أما PageV01P121 # الإيمان بالآخرة ، فيجعل للحياة هدفا كبيرا يمكن للإنسان أن يجاهد من ~~أجله ويسعى إليه. # هذه هي الأسس الثلاثة للعقيدة .. ويتبعها كما قلنا المظهران العمليان ~~للعقيدة ، وهما: إقامة الصلاة التي تربطه بالله ؛ والإنفاق مما رزقه الله ~~الذي يربطه بالحياة. # * * * ### ||| ** وقفة مع صاحب الميزان # ويلاحظ صاحب تفسير الميزان أن كلمة ( @QUR@02 من ربهم ) توحي بأن هناك ~~هداية من الله بعد التقوى ، تخلف عن الهداية التي صاروا ms0080 بها متقين ، وهي ~~الهداية الأولى « قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة ، فإن الفطرة إذا سلمت لم ~~تنفك من أن تتنبه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى أمر خارج عنها ، وكذا احتياج كل ~~ما سواها مما يقع عليه من حس أو وهم أو عقل إلى أمر خارج يقف دونه سلسلة ~~الحوائج ، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحس ، منه يبدأ الجميع ~~وإليه ينتهي ويعود ، وأنه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج إليه الخلقة ~~، كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجيهم من مهلكات الأعمال والأخلاق ، ~~وهذا هو الإذغان بالتوحيد والنبوة والمعاد ، وهي أصول الدين ، ويلزم ذلك ~~استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيته ، واستعمال ما في وسع الإنسان من مال ~~وجاه وعلم وفضيلة لإحياء هذا الأمر ونشره ، وهذان هما الصلاة والإنفاق. ومن ~~هنا يعلم : أن الذي أخذه سبحانه من اوصافهم هو الذي تقضي به الفطرة إذا ~~سلمت ، وأنه ، سبحانه ، وعدهم أنه سيفيض عليهم أمرا سماه هداية ، فهذه ~~الأعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت ؛ هداية سابقة وهداية ~~لاحقة ، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل ، PageV01P122 # ومن الدليل على أن هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الأولى ، آيات ~~كثيرة كقوله تعالى : ( @QUR@011 يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة )، [إبراهيم : 27] وقوله تعالى : ( @QUR@017 يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ) [الحديد : 28]. وقوله تعالى : ( @QUR@06 إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم ) [محمد : 7]. وقوله تعالى : ( @QUR@05 والله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) [الصف : 7]. وقوله تعالى: ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ) [الصف : 5] إلى غير ذلك » (1). # وما يمكن ملاحظته هنا ، أن الآيات التي استدل بها صاحب الميزان على وجهة ~~نظره ، لا تؤيد ما استفاده ، لأن تثبيت الله تعالى للمؤمنين ( @QUR@02 ~~بالقول الثابت )، وإيتاءه لهم ( @QUR@03 كفلين من رحمته )، وجعله لهم « ~~نورا » يمشون به ، ومن ثم نصره لهم وتثبيته لأقدامهم ، ونحو ذلك ، إنما ~~تمثل الآثار اللازمة للتقوى والإيمان بالله وبرسوله ونصرتهم لله ، فهي ~~نتيجة لهذه الأمور وليست شيئا منفصلا ms0081 عنها ، وذلك من خلال سببية المقدمات ~~للنتائج في الواقع الكوني للوجود ، والواقع العملي للإنسان ، وهذا لا يمنع ~~صدق النسبة إلى الله في كل شيء باعتباره مسبب الأسباب ، أو قل السبب الأعمق ~~في وجود كل شيء ، في المبدأ والتفاصيل. # وقد نجد أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، من مظاهر سلامة الفطرة ، ~~باعتبارهما مظهرا للخضوع لله في ربوبيته ؛ ليس واضحا ، لأن هذين الأمرين لم ~~ينطلقا من حالة ذاتية للإنسان ، بل من التشريعات الإلهية. # ومن خلال ذلك ، نستطيع التأكيد أن كل هذه الأمور كانت من مظاهر الهدى ~~القرآني الذي ينفتح في مفاهيمه على إثارة التفكير بالغيب كوسيلة من وسائل ~~الإيمان به ، وتوجيه الإنسان إلى إقامة الصلاة والإنفاق مما رزقه الله ، PageV01P123 # وإلى الحديث عن الوحي في رسالة النبي وفي رسالات الأنبياء الذين تقدموه ~~من أجل الوصول إلى الإيمان به ، وتركيز القاعدة الفكرية للإيمان باليوم ~~الآخر من خلال مواجهة الشبهات التي تستبعده ، وتقريب الأسس التي يرتكز عليها. # إن القرآن لم ينزل على المتقين الذين عاشوا التقوى ومارسوا آثارها قبله ، ~~بل نزل على الناس الذين انفتحوا على هداه من خلال وعيهم للقاعدة التي ~~ارتكزوا عليها ، فاهتدوا به في تفاصيل العقيدة كلها ، وربما كان الواقع ~~التاريخي للمجتمع الذي نزل فيه القرآن يؤكد غياب هذه الاعتقادات والأعمال ~~عن حركة الإنسان فيه والله العالم. # ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) لأن الفلاح والنجاح يتمثلان في أن يعرف ~~الإنسان طريقه جيدا في بدايته ونهايته وفي خطوات الطريق. وهذا هو الذي ~~ينطلق منه الإنسان المسلم في ما يتعلق بشؤون العقيدة. وقد نفهم ، من خلال ~~ذلك كله ، أن التقوى ليست شيئا آخر غير الإيمان ، بل هي الإيمان المتفاعل ~~في الفكر والحياة ، لأن الله تحدث عن المتقين بأنهم الذين ينطلقون في ~~الاتجاه الصحيح في العقيدة والعمل. # * * * PageV01P124 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(6) @QUR@012 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كفروا ): الفكر : أصله الستر ، ووصف الزارع بالكافر لأنه يستر ~~البذرة في الأرض. قال لبيد ms0082 : « في ليلة كفر النجوم غمامها » أي : سترها. ~~وكفر النعمة : سترها بترك التحدث عنها وأداء شكرها. والكفر ضد الشكر ، الذي ~~هو إظهار النعمة ، كما أن الحمد خلاف الذم. وقد جاءت المقابلة بينهما في ~~القرآن الكريم : ( @QUR@04 ليبلوني أأشكر أم أكفر ) [النمل : 40]. ( ~~@QUR@04 إما شاكرا وإما كفورا ) [الإنسان : 3]. ( @QUR@04 واشكروا لي ولا ~~تكفرون ) [البقرة : 152] فالكافرون : هم الجاحدون للوحدانية والنبوة واليوم الآخر. # ( @QUR@01 سواء ): مصدر أقيم مقام الفاعل ، ومعناه : مستو. والاستواء : PageV01P125 # الاعتدال ، والسواء : العدل. وإذا كانت سواء بعد همزة التسوية ، فتعني : ~~استوى الأمران ، كقوله تعالى : ( @QUR@08 سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم ) [المنافقون : 6] و ( @QUR@05 سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ) ~~[إبراهيم : 21]. # ( @QUR@01 أأنذرتهم ): الإنذار : إعلام فيه تخويف ، ويقابله التبشير : ~~وهو إعلام فيه سرور. # ( @QUR@01 أم ): إما متصلة ، وهي على نوعين : الأول : التي تتقدم عليها ~~همزة التسوية كما في الآية. الثاني : التي تتقدم عليها همزة يطلب فيها ~~التعيين. وإما منقطعة ، وهي التي يكون ما بعدها منقطعا عما قبلها. # ( @QUR@01 ختم ): الختم والطبع بمعنى واحد ، وهو تغطية الشيء ، فإن في ~~الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يتوصل إليه ويطلع عليه. # ( @QUR@01 غشاوة ): فعالة من غشاه إذا غطاه. # * * * ### ||| ** نموذج آخر ... الكافرون # هذا هو النموذج الثاني ، من النماذج البشرية التي تتنوع مواقفها أمام ~~قضية الكفر والإيمان ، وهو نموذج الكافرين. # والظاهر أن الآية لا تتعرض لهذا النموذج في طبيعته الشاملة ، بل تتعرض له ~~من خلال الفئة التي واجهت الدعوة الإسلامية في بداياتها ، فلم تفتح قلوبها ~~للإسلام لتفكر فيه ، وتناقشه لتتبعه عن قناعة ، أو لترفضه عن دليل ، وإنما ~~وقفت موقف المعاند الذي يصر على موقفه ، ولا يسمح لنفسه أو للآخرين بأية ~~تجربة فكرية أو عملية للحوار حول خطأ الموقف أو صوابه. PageV01P126 # إن هذه الفئة هي التي لا ينفع معها الترغيب ولا الترهيب ، ويستوي في ~~حالتها الإنذار وعدمه ، لأنها غير مستعدة لسماع آيات الله ، وللتفكير في ما ~~تدعو إليه ، وغير مستعدة لا لاستعمال أبصارها في ما يحيط بها من دلائل عظمة ~~الله سبحانه في الكون العظيم ، لتحصل ، من ذلك ، على وسائل القناعة ~~والإيمان. # ولعل من ms0083 الطبيعي أن تكون التجربة المستمرة في الدعوة منطلقة في حياة ~~أولئك الذين يشعرون بمسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه ربهم في قضية الإيمان ~~والكفر ، على أساس أنها تمثل قضية المصير في الدنيا والآخرة ، مما يدفعهم ~~إلى مزيد من التفكير والاهتمام ، بينما النموذج الذي تشير إليه الآية تبدو ~~دعوته نوعا من الجهد الضائع ، لأن أفراده هم الذين لا يسمحون للعيون بأن ~~تحدق في الكون ، وللأسماع بأن تستلهم قضايا الفكر والإيمان ، وللقلوب بأن ~~تفكر وتحاكم وتناقش ، وبالتالي أقفلت كل منافذ الإيمان والوعي. # ونحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جرب هداية هذه الفئة أكثر من مرة ~~بمختلف الوسائل والأساليب ، ولم يتراجع عن تجربته أمام حالات الكفران ~~والجحود والضغط النفسي والمعنوي الذي وجهوه إليه ، انطلاقا من القاعدة ~~الإسلامية الأساسية التي تحكم عمل الدعوة ، في سلوك كل الطرق الممكنة ~~للوصول إلى عقل الإنسان وتفكيره وشعوره للحصول على قناعته الإيمانية. # ولكن القضية أصبحت تمثل جهدا ضائعا لا يصل إلى أية نتيجة ملموسة ، لأن ~~القوم قد حددوا موقفهم على أساس العناد والمكابرة ، لا على أساس الفكر ~~والإيمان ، ولذلك جاءت هذه الآية لتحدد للرسول الموقف الحاسم من هؤلاء ، ~~ولتدعوه إلى عدم مواصلة التجربة التي أثبتت عقمها ، لينطلق بجهوده إلى مجال ~~آخر ، تنفتح فيه الدعوة على جماعة آخرين يفتحون قلوبهم للإيمان ، وعيونهم ~~للصراط المستقيم ، وأسماعهم للكلمات النافعة. PageV01P127 # وقد جاءت الآية الثانية لتؤكد الفكرة بشكل ملموس ، فقد ختم الله على ~~قلوبهم ، فهي مغلقة النوافذ من جميع الجهات ، وختم الله على أسماعهم حتى ~~سدت منافذها عن كل كلمة ، وأما أبصارهم فتعلوها الغشاوة التي تحجب عنها ~~الرؤية. وبذلك حكموا على مصيرهم بالعذاب الأليم في الآخرة. # * * * ### ||| ** الآيتان في حركة الواقع المعاصر # ويواجهنا في هذا المجال جانبان لا بد من الحديث عنهما عند استيحاء هاتين ~~الآيتين الكريمتين : # الجانب الأول : ما هي المجالات التي تتحرك فيها الآيتان الكريمتان في ~~حياتنا المعاصرة ، أو بالأحرى كيف يواجه المسلم ، الذي يريد أن يدعو إلى ~~الله ، الفئات الكافرة التي تتحداه؟ # إننا نعتقد أن واقع الكفر والانحراف اليوم ، لا ms0084 يختلف عن الواقع بالأمس ~~من حيث طبيعة المناذج العامة لجماعات الكفر ؛ فهناك نموذج يعيش حالة القلق ~~النفسي ، والتطلع الروحي للمعرفة التي تدفعه إلى الموقف الثابت المطمئن في ~~قضية الكفر والإيمان ، لكن الأخطاء الفكرية ، والانحرافات العقيدية ، تحول ~~الكفر إلى قناعة ذاتية تحت عنوان « العلم » أو « العقل » ، أو نحو ذلك ، في ~~غفلة عن العناصر الأخرى في فكر الإيمان التي يمكن أن تفتح للعقل آفاقا ~~جديدة تطل على معرفة الله ؛ وهؤلاء هم الكافرون الغافلون الذين يطلعون على ~~مواقع المعرفة من زاوية واحدة. # وهناك نموذج يعيش حالة العناد والمكابرة والإصرار على الانحراف انطلاقا ~~من التركيب الداخلي الذي يحكم وجوده. فهو يواجه الحياة بعقلية PageV01P128 # المصالح والأطماع والشهوات الذاتية ، بحيث تكون هي التي تحدد له خطوط ~~سيره الملتوية أو المستقيمة ، بعيدا عن مسئوليته تجاه ربه ونفسه وحياته. # وهناك نموذج آخر يخضع أفكاره لمزاجه ولعاطفته ، فيحدد طريقه على أساس ما ~~يدفعه إليه مزاجه ، أو توحي به عاطفته من قضايا الحياة ، وعلى ضوء ذلك ، ~~يحكم على قضايا الكفر والإيمان ، من دون أن يسمح بالمناقشة فيها مباشرة ، ~~مما يجعله ينظر إليها فرعا من أصل ، لا أصلا لفرع كما هو الواقع. وهذا ~~النموذج يتمثل في الفئات التي تنطلق في حركتها من خلال القضايا السياسية أو ~~الاجتماعية أو الاقتصادية أو الشهوانية .. فتتبنى المواقف العقائدية التي ~~تكمن وراء التيارات التي تدفع الحياة في اتجاه معالجة هذه القضايا العامة ~~والخاصة. # وفي هذا الاتجاه ، لا بد للإنسان المسلم من دراسة المجتمعات التي تحيط به ~~دراسة واعية ، يحدد فيها نوعية الأفراد الذين يعيشون فيها في إطار ما ~~حددناه من نماذج ، ليتخذ الموقف القرآني الذي يعتبر الحوار جهدا ضائعا مع ~~الفئات التي تنطلق من موقف العناد في مواقعها الفكرية والعملية ، أو الفئات ~~التي ليست مستعدة لفتح حوار مباشر في قضايا العقيدة من خلال الفكر ، بل من ~~خلال قضايا الحياة. وبذلك ، يفتش عن وسيلة أخرى يحطم فيها الحاجز النفسي ~~الذي وضعوه بينهم وبين الإيمان ، لينفذ بعد ذلك من جديد إلى قضية الحوار ، ~~بعد إزالة كل الحواجز التي ms0085 تقف بين الإنسان وبين التفكير. # * * * ### ||| ** الآيتان في إطار الجبر والاختيار الجانب الثاني : # كيف نفسر إسناد الفعل إلى الله في قوله سبحانه وتعالى : PageV01P129 # ( @QUR@04 ختم الله على قلوبهم )؟ وهل يتفق هذا مع فكرة الاختيار التي ~~نؤمن بها في مقابل فكرة الجبر التي يقول أصحابها : إن العباد مجبورون على ~~الكفر والإيمان وعلى نتائجهما في الطاعة والعصيان؟ # والجواب : أن هناك اتجاهين في تفسير الآية : الأول ؛ الاتجاه الذي يجعل ~~القضية واردة مورد التشبيه المجازي ، فقد جاء في الكشاف للزمخشري : « فإن ~~قلت : فلم أسند الختم إلى الله تعالى ، وإسناده إليه يدل على المنع من قبول ~~الحق والتوصل إليه بطرقه ، وهو قبيح ، والله ، يتعالى عن فعل القبيح علوا ~~كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه ، وقد نص على تنزيه ذاته بقوله : ( ~~@QUR@04 وما أنا بظلام للعبيد ) [ق : 29] ، ( @QUR@06 وما ظلمناهم ولكن ~~كانوا هم الظالمين ) [الزخرف : 76] ، ( @QUR@05 إن الله لا يأمر بالفحشاء ) ~~[الأعراف : 28] ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت : القصد إلى صفة القلوب ~~بأنها كالمختوم عليها. وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل ، فلينبه على أن ~~هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي ، ألا ترى ~~إلى قولهم : فلان مجبول على كذا ومفطور عليه : يريدون أنه بليغ في الثبات ~~عليه .. ويجوز أن تضرب الجملة كما هي ، وهي ( @QUR@04 ختم الله على قلوبهم ~~) مثلا ، كقولهم : سال به الوادي إذا هلك ، وطارت به العنقاء إذا أطال ~~الغيبة. وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته ، وإنما هو ~~تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي ، وفي طول غيبته بحال من ~~طارت به العنقاء. فكذلك مثلت حال قلوبهم في ما كانت عليه من التجافي عن ~~الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب الأغنام (الغنم : العجمة ، والأغنم ~~: الأعجم الذي لا يفصح شيئا) التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم ، أو ~~بحال قلوب البهائم أنفسها ، أو بحال قلوب مقدر ختم الله عليها حتى لا تعي ~~شيئا ولا تفقه ، وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ms0086 ونبوها عن قبوله ، ~~وهو متعال عن PageV01P130 # ذلك » (1). # الاتجاه الثاني : الذي يرتكز على الفكرة الإسلامية التي أوضحها أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام في القول المأثور عنهم : « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر ~~بين بين » ... الذي يجعل أفعال العباد منسوبة إليهم من جهة ، باعتبار ~~صدورها منهم بالمباشرة والإرادة والاختيار ، ومنسوبة إلى الله من جهة ، ~~باعتبار أن الله هو السبب الأعمق في كل شيء لأنه هو الذي يهب العباد القدرة ~~، ويستطيع أن يمنعها عنهم ، وهو الذي سخر لهم كل ما لديهم وما حولهم مما ~~يستخدمونه في المعصية أو في الطاعة من دون أن يتدخل في عملية الاختيار. # وبذلك تصح نسبة الفعل إلى الله ، لأن له مدخلية في حصوله ولو بلحاظ كثير ~~من مقدماته ، ففي مثل هذا المورد ، يمكن أن يقال إن الله قد ركب الإنسان ~~على وضع معين ، بحيث إذا اختار الإنسان الكفر وأصر عليه ، أغلق قلبه وسمعه ~~عن سماع أية كلمة للإيمان ، وأغشى بصره عن الرؤية ... فالفعل يبدأ من ~~اختيار الإنسان وينتهي إلى هذه النتيجة من موقع الاختيار ، ولكن عملية ~~التسبب خاضعة للقوانين التي أودعها الله في وجود الإنسان الذي ترتبط فيها ~~النتائج بمقدماتها. # ومن الطبيعي ، أن مثل هذه النسبة لا تدخلنا في دائرة الجبر ، ولا تسلبنا ~~عملية الاختيار ، لأنها تنطلق من موقع حرية الإرادة التي تتحرك ضمن ~~القوانين الطبيعية للحياة والإنسان ، وبالتالي ، لا تستلزم نسبة القبح إلى ~~الله من قريب أو من بعيد. # أما لماذا انطلق القرآن في هذا الأسلوب الذي ينسب كل شيء إلى الله ، مما ~~يدخل الإنسان في كثير من الأوهام والشبهات التي تبحث عن جواب وعن PageV01P131 # تحليل؟ فهذا ما نوضحه بالتحليل الآتي ، وخلاصته : أن القرآن الكريم قد ~~انطلق ليعالج قضية التوحيد بطريقة جذرية حاسمة ، في مقابل فكرة الشرك التي ~~ترتكز على تعدد الآلهة انطلاقا من القدرات التي تتخيلها لهم ، سواء في ذلك ~~الآلهة الذين يتحركون في الحياة بصورة بشر ، أو الذين يتمثلون في بعض ~~الظواهر الكونية العظيمة كالشمس والقمر والكواكب ، أو الأصنام الجامدة التي ~~يصنعها الناس من الحجر ms0087 وغيره. وبذلك ، كانت فكرة الشرك خاضعة لهذا التصور ~~المنحرف الخيالي. # فأراد القرآن الكريم أن يعزل كل موجود في الكون عن أية قدرة من القدرات ~~التي تتمثل في حركة الكون نفسها أو في حركة الإنسان في الكون ، ليجعل ~~القدرة بيد الله وحده ، باعتبار أنه خالق كل شيء ومسبب كل سبب ، وليوحي لنا ~~، بأن هذه القوى التي نشاهدها ، لا تمثل إلا حركة موجهة في إطار القوة ~~الأساسية التي تحكم هذه القوى بوسائلها وقوانينها المودعة فيها. # وبذلك ، كانت نسبة الأفعال إلى الله للإيحاء الدائم بوجوده خلف كل شيء ، ~~ومع كل شيء ، ولكن لا على أساس مباشر يلغي عملية الاختيار للإنسان أو يسلبه ~~حرية الإرادة. إنها النسبة التي تحتفظ لله بالإطار العام للقوة في كل ما في ~~الكون من مظاهر الوجود ، ولكنها لا تسلب الإنسان القدرة الذاتية التي تتحرك ~~داخل الإطار العام. وبهذا نفهم كيف ينطلق القرآن لينسب الضلال والهدى ~~والخير والشر والرزق والحياة والمرض والصحة وغيرها إلى الله مع أنها تتحرك ~~من خلال الأسباب الطبيعية في وجودها العملي بطريقة مباشرة. # ولعل هذا الاتجاه هو الاتجاه السليم في طريقة التعبير في الآية الكريمة. # وربما علل إسناد الختم إلى الله بأنه عقوبة لهم على كفرهم كما جاء في ~~الآية الكريمة : ( @QUR@05 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [الصف : 5] ، ~~وقوله تعالى : ( @QUR@01 وما PageV01P132 # ( @QUR@04 يضل به إلا الفاسقين ) [البقرة : 26]. # ولكن الآيتين تدلان على أن المسألة تنطلق من أن زيغ القلب ناشئ من ~~إرادتهم الانحراف ، من خلال علاقة الانفعال بالفعل ، كما أن الضلال نتيجة ~~للفسق أو مظهر له ، ويبقى السؤال في نسبة الفعل إلى الله على أساس أنه خالق ~~علاقة المسبب بالسبب ، والصورة بالواقع. # ولعل هذا هو ما جاء في تفسير الآية عن الإمام الرضا عليه السلام ، فقد سئل ~~عن معنى قوله تعالى : ( @QUR@06 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) قال : ~~الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى : ( @QUR@09 ~~بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) (1) [النساء: 155] ، فإن ~~الظاهر أن المقصود بالعقوبة ، النتيجة التكوينية للكفر ، باعتبار ms0088 أنه يغلق ~~القلب عن وحي الحقيقة الإيمانية ، فكأن الله يجعل انغلاق القلب عقوبة له ، ~~والشاهد على ما قلناه هو الاستشهاد بالآية حيث يشير ظاهرها إلى أن الطبع ~~كان بسبب الكفر من خلال تأثيره في عدم الإيمان إلا بدرجة ضعيفة جدا. # * * * ### ||| ** الكفر والعصبية # ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) واختاروا الكفر من خلال الغفلة المطبقة على ~~عقولهم ، أو العقدة المتحكمة في ذاتهم ، أو الأهواء المسيطرة على مواقفهم ~~وانتماءاتهم ، وقرروا الالتزام به ، والوقوف عنده ، بحيث لا يتحولون عنه ~~مهما كانت الظروف والأوضاع والمؤثرات ( @QUR@07 سواء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا PageV01P133 # @QUR@01 يؤمنون )، لأن مسألة حركية الإنذار في انفتاح العقل على الإيمان ~~لا ترتبط بمضمون الإنذار ، بل بإرادة الإنسان في سماعه ، وفي التفكير به ، ~~واستعداده النفسي للانفعال بمعانيه وإيحاءاته ، أما الإنسان الذي يفقد هذه ~~الإرادة ، وذلك الاستعداد ، فإن الإنذار وعدمه سواء عنده ، لأن قراره عدم ~~الإيمان ، بعيدا عما إذا كان ذلك حقا أو باطلا ، لأنها مسألة عصبية لا ~~مسألة اختيار عقلي منفتح على المعرفة الواسعة. # ( @QUR@06 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) فقد أغلقوا قلوبهم عن الحق ~~فلم يسمحوا لها بالتفكير فيه وإدارة الحوار حوله ، وأعرضوا عن الإقبال عليه ~~أو قبوله ، عنادا واستكبارا وتمردا ، فلم تبق هناك وسيلة لنفاذ الحق إلى ~~داخلهم ، كما أنهم أغلقوا أسماعهم عن سماع كلماته ، تعقيدا واستنكارا ، فلم ~~ينفذ إليها شيء منها. # ( @QUR@03 وعلى أبصارهم غشاوة ) فهم لا ينظرون إلى آيات الله في الكون ، ~~ولا ينفتحون على مظاهر العظمة والإبداع فيه ، ليكتشفوا بذلك توحيده ، تماما ~~كما لو كان هناك غطاء يغطي أبصارهم ويحجب عنهم وضوح الرؤية للأشياء. # وهكذا تلتقي الإرادة الإنسانية السلبية تجاه الحق ، والإيجابية تجاه ~~الباطل ، لتتحول إلى حالة انغلاق فكري للعقل ، وحسي للسمع والبصر ، بحيث ~~ينفصل الإنسان عن الحقيقة في جميع مجالاتها. # ( @QUR@03 ولهم عذاب عظيم ) لأن الله أقام الحجة عليهم بدلائله وبراهينه ~~، فلم ينفتحوا عليها أو يلتزموا بها ، فكان كفرهم حركة تمرد وعصبية وجحود ، ~~فاستحقوا به العذاب العظيم الذي انطلقت عظمته من خطورة الانحراف الأعظم ~~الذي يتصل بالاستكبار على الله ، والكفر به ، وإنكار ms0089 وحدانيته. # * * * PageV01P134 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ~~(8) @QUR@010 يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(9) @QUR@012 في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون (10) @QUR@011 وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون (11) @QUR@07 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) @QUR@019 ~~وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم ~~السفهاء ولكن لا يعلمون (13) @QUR@016 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن (14) @QUR@07 الله ~~يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يخدعون ): الخداع : أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ~~، وأصله الإخفاء والإبهام. و ( @QUR@02 يخادعون الله ): أي : يعملون عمل ~~المخادع الذي PageV01P135 # يريد أن يصل إلى أغراضه بطريقة خفية ، فيما الله تعالى لا يصح أن يخادعه ~~من يعرفه ويعلم أنه لا تخفى عليه خافية. # ( @QUR@01 أنفسهم ): النفس تطلق على ثلاثة أوجه : النفس : بمعنى الروح ، ~~والنفس : بمعنى التأكيد ، تقول : جاء زيد نفسه ، والنفس : بمعنى الذات ، ~~وهو الأصل. # ( @QUR@01 يشعرون ): الشعور : أصله الإحساس بالشيء من جهة تدق وتخفى ، ~~وهو مشتق من الشعر لدقته ، ومنه : اشتقاق الشعر لأن الشاعر يفطن لما يدق من ~~المعنى والوزن ، ولا يوصف به الله تعالى بأنه يشعر لما فيه من معنى التلطف ~~والتخيل ، والمقصود بكلمة ( @QUR@01 يشعرون ): يعلمون وذلك على نحو ~~الاستعارة. # ( @QUR@01 مرض ): المرض : العلة في البدن التي يخرج بها على حد الاعتدال ~~، وقد يكون في البدن كالأعراض التي تصيبه فتؤلمه أو تضعفه أو تعطل وظائفه ، ~~وقد يكون في القلب كالنفاق والشك ونحوهما. # ( @QUR@02 لا تفسدوا ): إحداث الفساد : هو كل ما تغير عن استقامة الحال ~~، والصلاح : نقيض الفساد. # ( @QUR@01 السفهاء ): جمع سفيه ، والسفه : خفة في البدن ، واستعمل في ~~خفة النفس لنقصان العقل ، والسفيه : الضعيف الرأي ، الجاهل ، القليل ~~المعرفة بمواضع المنافع والمضار. # ( @QUR@01 شياطينهم ): الشيطان : كل متمرد من الجن والإنس ، ومنه قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 شياطين الإنس والجن ) [الأنعام : 112] وأصله من شطن أي : ~~تباعد ، فالشيطان : هو البعيد من الخير ، المبعد ms0090 عن رحمة الله. # ( @QUR@01 مستهزؤن ): الاستهزاء : ارتياد الهزء أو تعاطيه ، وهو السخرية PageV01P136 # والاستخفاف ، والهزء أيضا : هو القتل السريع. وناقته تهزأ به : أي تسرع وتخف. # ( @QUR@03 الله يستهزئ بهم ): أن ينزل الهوان والحقارة بهم ، لأن ~~المستهزئ يستهدف إلحاق الخفة والزراية بمن يهزأ به ، وقد يراد منه أنه ~~يجازيهم جزاء الهزء من خلال إمهالهم مدة استدراجا واغترارا. وقد روي عن أبي ~~عبد الله عليه السلام أنه قال في معنى الاستدراج : إذا أحدث العبد ذنبا جدد ~~له نعمة (1). # ( @QUR@01 ويمدهم ): مد الجيش وأمده ، أي : زاده وألحق به ما يقويه ~~ويكثره. ومده الشيطان في الغي وأمده : إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ~~ويزداد انهماكا فيه. # ( @QUR@01 طغيانهم ): الطغيان : تجاوز الحد في العصيان ، وطغى الماء : ~~إذا تجاوز الحد ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 إنا لما طغى الماء ) [الحاقة ~~: 11]. والطاغية : هو الجبار العنيد. # ( @QUR@01 يعمهون ): العمه : هو التردد في الأمر ، من التحير ، وهو قريب ~~من العمى الذي يقال في افتقاد البصر ، إلا أن العمه يكون في البصيرة. # * * * ### ||| ** المنافقون أخطر فئة على الأمة # هذا هو النموذج الثالث من نماذج الناس في مواقفهم الفكرية والعملية PageV01P137 # أمام قضية الإيمان والكفر. وقد عايش الإسلام هذا النموذج في عصره الأول ، ~~وعانى الكثير من دسه وتضليله ولفه ودورانه ، مما كان يربك الحياة الإسلامية ~~في حركة المجتمع الإسلامي الداخلية والخارجية. # وقد نلاحظ ونحن نواجه هذه الآيات الكريمة التي تحدثت عن المنافقين أن ~~الحديث عنهم يأخذ مساحة واسعة في تحليل شخصياتهم ، وإبراز ملامحهم ، أكثر ~~من المساحة التي أخذها الحديث عن الكافرين ، ولعل السبب في ذلك ، أن قضية ~~الكفر كقضية الإيمان ، تمثل موقفا حاسما في حياة الإنسان ، باعتبارها ~~تحديدا واضحا للموقف إزاء ما يطرح من قضايا العقيدة والحياة ، فلا تعقيد في ~~مواجهة الواقع ، ولا التواء في التعبير عنه. وبذلك يسهل التعرف على ~~المؤمنين والكافرين من خلال حركتهم في الحياة ، لكل من يعرف طبيعة الإيمان ~~والكفر. # أما المنافقون ، فهم الذين يعيشون ازدواجية الموقف بين ما يضمرونه في ~~داخل أنفسهم وما يظهرونه أمام الناس ، مما يجعل من اكتشافهم ومعرفتهم عملية ~~معقدة ، لأنها تحتاج إلى ms0091 رصد دقيق لأقوالهم وأفعالهم لمواجهة العوامل ~~القلقة التي تتحرك في سلوكهم الحياتي العام والخاص. # وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل القرآن الكريم يواجه هذا المنوذج القلق ~~بعدة آيات تلاحق مظاهر النفاق في كلماتهم التي يواجهون بها الناس ، ~~وشعاراتهم التي يطرحونها ، ومواقفهم الاجتماعية العملية والحياتية ، ليسهل ~~على الناس كشف واقعهم من أجل التخلص من ضررهم في الحاضر والمستقبل. # * * * PageV01P138 ### ||| ** القرآن دليلنا # ونحن عند ما نريد أن نواجه هذه النماذج من الناس من خلال الآيات القرآنية ~~، نشعر بالحاجة إلى ملاحقة أمثالها في حياتنا العامة ، في صراعنا المرير في ~~قضية الكفر والإيمان ، لأن قيمة القراءة القرآنية وطبيعة الوعي القرآني ، ~~لا تتمثل في الفهم الحرفي والتاريخي لآياته فقط ، بل في معرفتنا للجانب ~~التطبيقي الذي يمثل حركة الوعي القرآني في حياة الناس المستقبلية التي ~~تتنوع مظاهرها وأشكالها ونماذجها في إطار وحدة القضايا الأساسية التي تبقى ~~وتعيش في جميع المراحل ، لأننا نريد أن نتحرك مع القرآن ، والقرآن يتحرك مع ~~الحياة في اتجاه الأهداف الكبيرة التي أراد الله من الإنسان بلوغها ~~وتحقيقها. وهذا ما يجب أن يحكم قراءتنا للقرآن وفهمنا له ، ليكون القرآن هو ~~المرآة الصافية التي نكتشف فيها أنفسنا وحياتنا ، انطلاقا من آياته التي ~~نعتبرها نورا ورحمة للعالمين ، ومن الأحاديث الشريفة المأثورة عن أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ، عند ما قالوا في أكثر من حديث : إن القرآن حي لم يمت ، ~~وإنه يجري كما يجري الليل والنهار ، وكما يجري الشمس والقمر (1). فإن ~~الحياة تتجدد ، ولكن الليل والنهار يبقيان فيحكمان حركة الحياة. كما أن ~~الكون يتجدد ، ولكن الشمس والقمر يظلان في مدد دائم للحياة بالنور والإشعاع ~~والدفء. # * * * PageV01P139 ### ||| ** نماذج على المشرحة # ( @QUR@011 ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) ~~. هذه هي إحدى صفات المنافقين ، فهم يعلنون كلمة الإيمان وشعاره أمام الناس ~~، فيسجلون على أنفسهم الاعتراف به والالتزام بأحكامه ، ليحصلوا على ثقة ~~الناس بهم ، فيثق الناس بمنطلقاتهم ، ويحسون بالأمن إزاءهم ، مما يفسح لهم ~~المجال الواسع للتحرك بحرية كبيرة في مجالات الدس والتضليل ، ولكنهم لا ~~يلتزمون بالإيمان في ms0092 قناعاتهم الفكرية من خلال مؤثراتهم الذاتية المعقدة ، ~~فهم يعيشون ازدواجية الموقف بين الظاهر المؤمن الذي يتحرك في دائرة ~~العلاقات الاجتماعية بين المؤمنين ، والباطن الكافر الذي يعيش في داخل ~~الذات وفي المجتمع الكافر. # وقد نواجه مثل هؤلاء في بعض أتباع المبادئ الكافرة ، الذين يرفعون شعار ~~الإيمان والإسلام في كلماتهم ، مع أن مبادئهم ترتكز على قاعدة الكفر ~~والإلحاد ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، ليحس المجتمع المؤمن بالأمن من ~~ناحيتهم ، فيسهل عليهم النفاذ إلى حياته. # ( @QUR@010 يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~) أي : يعملون عمل المخادع الذي يريد أن يصل إلى أغراضه بطريقة خفية لا ~~يشعر بها المخدوع ، يحاولون أن يظهروا بغير ما هم فيه ليحصلوا على الثقة ~~والاطمئنان بإيمانهم وصلاحهم. ولكن جهودهم تذهب هباء ، فإنهم لا يخدعون إلا ~~أنفسهم عند ما يوحون إليها أنهم ينجحون في هذه الأساليب الملتوية ، ولا ~~يلتفتون إلى أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وأنه يكشف واقعهم ~~للمؤمنين ليحذروا منهم. PageV01P140 # وذلك هو شأن الضال الباحث عن أطماعه وشهواته عند ما تتحكم به الفكرة ~~المنحرفة ، وتتعمق في داخله ، فتصرفه عن الالتفات إلى حقائق الأمور ، ~~وطبيعة المواقف ، فينطلق بأصحابه إلى المواقع التي يظنون أنهم ينجحون فيها ~~، من دون شعور بالنتائج السيئة التي تترتب على السير في هذا السبيل ، وذلك ~~كهؤلاء المنافقين الذين لا يشعرون بأنهم مكشوفون للمؤمنين ، فيخيل لهم أن ~~مواقفهم تعيش خلف الضباب ، ولكن شمس الإيمان تشرق على أوضاعهم الداخلية ~~والخارجية فتكشفهم من حيث لا يشعرون. # * * * ### ||| ** ظاهرة النفاق : عللها وأسبابها # ( @QUR@03 في قلوبهم مرض ) في هذه الفقرة محاولة لتفسير ظاهرة النفاق ~~وتعليل أسبابها ، بكونها عقدة تتحكم في داخل الإنسان ومرضا نفسيا أو روحيا ~~يعاني منه ؛ ذلك أن الإنسان إما أن يؤمن بالشيء وإما أن لا يؤمن به. وعلى ~~كلتا الحالتين ، فإن الوضع الطبيعي الصحي ، هو أن يسير على ما يوحي به ~~موقفه ، فإذا كان مؤمنا ، انطلقت سيرته ، في خط إيمانه ، وتحركت حياته في ~~هذا الاتجاه .. أما إذا كان كافرا ، فإن الكفر يفرض عليه أن يحدد ms0093 لحياته ~~الخطوط التي لا تلتقي بالإيمان من قريب أو من بعيد ، سواء في ذلك ، مشاعره ~~الداخلية أو خطواته العملية ، لكن أن يرفض الإنسان الإيمان ويعمل عمل ~~المؤمن ، فهذا موقف غير طبيعي في حياته ، لأن الموقف الطبيعي ، هو أن ينبع ~~عمله من إيمانه وتفكيره. # وقد لا نحتاج إلى الكثير من الجهد لنعرف أن أية حالة غير طبيعية تعتبر ~~ظاهرة مرضية في حياة الإنسان ، سواء أكانت موجودة في جسده ، أم في PageV01P141 # روحه ، أم في تفكيره. ولهذا اعتبر الله النفاق مرضا ينطلق من عقدة نفسية ~~، تحمل في داخلها طبيعة الشخصية المزدوجة التي تتمثل في الداخل بصورة وحركة ~~تختلفان عن الصورة والحركة الموجودتين في الخارج. # وقد لا تكون هذه العقدة ، أو هذا المرض ، من الأشياء الأصلية في ذات ~~الإنسان ، بل قد ينشأ ذلك من حالة الخوف من مواجهة المجتمع بما يخالف ~~تفكيره وأوضاعه .. وقد تنشأ من حالة الطمع الذي يمنع الإنسان من الوقوف في ~~المواقع الحاسمة التي لا تنسجم مع مصادر الطمع وموارده. وقد تنشأ من حالة ~~نفسية قلقة يعيش الإنسان معها طبيعة الحيرة والتردد في كل موقف من مواقف ~~الحياة ، وقد يتبين لنا مما يأتي من الآيات القرآنية ، ما يوحي بطبيعة « ~~العقدة النفاقية » في ما يعيشه المنافقون في واقع الإسلام منذ بدايات عهد ~~الدعوة الإسلامية حتى اليوم. # * * * ### ||| ** النفاق في سياق قانون السببية # ( @QUR@03 فزادهم الله مرضا ) قد يتساءل المرء عن هذه الزيادة التي ~~ينسبها الله إلى نفسه ، فهل أراد الله لهذا المرض أن يزيد بشكل مباشر؟ وكيف ~~تتعلق إرادة الله بتعاظم النفاق في داخل هؤلاء المنافقين ، في الوقت الذي ~~يلعن فيه الله النفاق والمنافقين؟ # وقد يكون الجواب في هذا المجال ، أن هذا التعبير ينسجم مع التعابير ~~القرآنية الكثيرة التي ينسب فيها الفعل إلى الله ، باعتبار أن القوانين ~~الطبيعية التي تقتضيها طبيعة الأشياء ، في ما أودعه فيها من علاقة السببية ~~، تستتبع هذا الفعل ، وتقتضيه ، مما يبرز نسبته إلى الله باعتباره مسبب ~~الأسباب ، ومكون PageV01P142 # القوانين التي تحكم الأشياء ، من دون أن ينافي ذلك نسبته إلى الإنسان ms0094 ، ~~باعتباره الأداة المحركة للفعل بشكل مباشر ، من خلال الإرادة المنطلقة من ~~حركة العقل والفكر. # وعلى ضوء هذا نفهم الآيات ؛ فإن هذه العقدة انطلقت في حياة المنافقين على ~~أساس لا يبتعد عن حالة الإرادة والاختيار ، واستمرت معهم بدون علاج ، بل ~~كان الأمر بالعكس ؛ زيادة في ممارسة النفاق ، وإمعانا في تأكيد طبيعته في ~~الداخل والخارج ، مما أوجب تعقيدا في المرض ، واتساعا لدوائره ، تماما ~~كالمريض الذي يهمل مرضه ، فلا يعالجه ، بل يبقى زيادة على ذلك في تعامل ~~مستمر مع أسبابه ، مما يوجب تطوره إلى الأسوأ ، من خلال السنن الطبيعية ~~التي أودعها الله في الكون ، في مسائل الصحة والمرض ، سواء أكانت جسدية أم روحية. # ( @QUR@06 ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) فهم يتحملون المسؤولية ~~الكاملة عن هذا الوضع الذي يعيشونه ويمارسون فيه الكذب كلمة ، وموقفا وعملا ~~، عن عمد وسبق إصرار. ومهما كانت الظاهرة مرضية ، فإنها لا تبرر ما يؤدونه ~~من أعمال ، لأن المرض اختياري في بداياته ، وقد كانوا قادرين على أن لا ~~يقعوا في نهاياته ، لأنهم يستطيعون أن يتخلصوا منه إذا شاءوا. # * * * ### ||| ** المنافقون والإفساد عن طريق التظاهر بالإصلاح # ( @QUR@011 وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) قد ~~توحي هذه الآية الكريمة بأن المنافقين كانوا يقومون ببعض الأعمال ، أو ~~يطرحون بعض الشعارات ، في داخل الحياة الإسلامية ، مما كان يسيء إلى خط PageV01P143 # الإيمان ، ويفسح في المجال لحركة فساد في العقيدة والسلوك والعلاقات ، ~~وقد يتمثل ذلك بعمل المعاصي ، وصد الناس عن الإيمان بالأساليب الملتوية على ~~ما روي عن ابن عباس أو بممالأة الكفار ، فإن فيه توهين الإسلام ، على ما ~~قاله أبو علي ، أو بتغيير الملة وتحريف الكتاب على ما قاله الضحاك (1). ~~وقد يتمثل في غير ذلك مما ذكره المفسرون. والظاهر أن مثل هذه التفسيرات لم ~~تنطلق من نص ديني مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنها ارتكزت على ~~ملاحقة بعض الآيات التي تتحدث عن المنافقين في سلوكهم العملي تجاه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، مما لا يبرر لنا حصره في نطاق خاص ms0095 ، لأنه لا يحاول ~~حصر هذه الحالات به ، بل يحاول عرض بعض ملامحها المتعلقة بالأفكار ~~الإسلامية العامة. # وعلى ضوء ذلك ، يمكن لهذه الآية أن تتحرك في كل مجال من مجالات حركة ~~النفاق في داخل المجتمع ، مما قد يوحي ظاهره بالصلاح ، ولكنه يحمل الفساد ~~في أهدافه ووسائله ودوافعه .. ولعلنا نواجه مثل هذه الحالات في سلوك ~~الكثيرين من حملة الأفكار التي تتحرك في اتجاه إثارة الفوضى والدمار في ~~المجتمع باسم الإصلاح الذي يستهدف تغيير الواقع من خلال نسف جذوره ، كما ~~نواجه ذلك في كلمات البعض ممن يفسحون المجال في المجتمع للدعوات والأعمال ~~التي يطلقها أصحاب الهوى والفجور والانحلال حيث يحاولون تبرير ذلك بأنه ~~ثورة على الجمود ، وتحرير للإرادة الإنسانية من عوامل الكبت الداخلي ، ~~وتحطيم للعقد النفسية المرضية التي تؤدي إلى ما يشبه الشلل في حركة الفرد ~~والمجتمع ، كما نلاحظ ذلك في الدعوات التي تبرر الأزياء الفاضحة أو العري ~~المنحل ، بأنه يمنح الإنسان صحة نفسية يتعافى بها من كل العقد الداخلية. PageV01P144 # ومن الطريف أن نجد في بعض التحليلات النفسية لحركة التحرر في الأزياء ~~التي تعمل على تقصير الثياب إلى أبعد مدى ، أن القضية قضية تحطيم للحواجز ~~النفسية الداخلية للمرأة إزاء حركة الحياة في تفكيرها وسلوكها ، وليست مجرد ~~تقصير للثياب ، فكلما استطعنا تمزيق أي نوع من الحجاب ، أو أي مقدار من ~~الثياب ، استطعنا أن نمزق حاجزا نفسيا ، وحاجبا روحيا للمرأة ، مما يجعل من ~~قضية الانحلال الداخلي قضية ترتبط بقضايا الحرية في العالم ، من دون مراعاة ~~للأسس الروحية والأخلاقية والاجتماعية التي ترتكز عليها ، هذه القيم التي ~~يدعو إليها الدين ويرعاها في مفاهيمه وشريعته. وعلى هذا الأساس ، نقف مع ~~الآية وقفة استيحاء ، فقوله تعالى : ( @QUR@07 وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض )، أي إذا نهوا عن الفساد البين ، فهم يحاولون فلسفته وإعطاءه ~~الصفات التي تجعله واجهة من واجهات الإصلاح ، ويمنحون أنفسهم ، من خلال ذلك ~~، صفة المصلحين الذين يريدون أن يغيروا القيم التقليدية في العالم. # وتحاول الآية الكريمة أن تعطينا من خلال أسلوبها انطباعا ، بأنهم غير ~~مقتنعين بما يطرحونه ms0096 ، ولكنهم يريدون تنفيذ مآربهم ، وبهذا لا تمثل القضية ~~موقفا حقيقيا لهم ، لأنهم لا يتعاملون مع المواقف الحقيقة الحاسمة في ~~الحياة ، بل تمثل محاولة للف والدوران في سبيل تحطيم الركائز الأساسية ~~للمجتمع ، كسبيل من سبل تحطيم الرسالة الشاملة التي تنطلق من هذه الركائز. # ويأتي القرآن لحسم الموقف على أساس كشف الواقع الفكري لهؤلاء ، وقيمته في ~~حساب الإصلاح ، ( @QUR@04 ألا إنهم هم المفسدون ) في ما تفرزه أعمالهم ~~وشعاراتهم من آثار سلبية في حياة الأفراد والمجتمعات ، ( @QUR@03 ولكن لا ~~يشعرون ) لأنهم لا يعيشون الأجواء النظيفة التي ترتبط بالقيم ، ولذلك ، لا ~~يشعرون بالنتائج السيئة المرتبطة بأعمالهم ، على أساس المقاييس الواقعية PageV01P145 # للأشياء ، بل يظلون في ارتباط مجنون بالأطماع والشهوات ، مما يجعل ~~الموازين تتحرك في اتجاه القيم الشريرة في تقييم الواقع وتحليله. ### ||| ** المنافقون والشعور بالاستعلاء # ( @QUR@012 وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ) هذه إحدى الملامح البارزة للمنافقين ، وهي مواجهة الرأي العام ~~بمشاعر الكبرياء والعظمة التي تدفعهم إلى احتقار الناس في مستوى تفكيرهم ~~وطبيعة إيمانهم وطريقة حياتهم ، لأنهم يجدون في أنفسهم المستوى الفكري ~~والعقلي الذي يرفعهم عن مستوى الآخرين ، ولا سيما إذا كانوا مزودين ~~بالثقافة التي تتيح لهم أن يجادلوا ويناقشوا ، ويحركوا ألسنتهم بتحليل ~~الأمور وتفسيرها ومحاكمتها ، على أساس المصطلحات العلمية التي تعطي ~~لكلماتهم مدلولا علميا ، كما نرى ذلك في بعض المتعلمين الذين لا يناقشون ~~القضايا العامة التي يتبناها الناس من خلال طبيعتها الأساسية ، بل من خلال ~~طبيعة المستوى الذي يمثله هؤلاء الناس المرتبطون بالفكرة أو بالعقيدة. فإذا ~~حاولت أن تربطهم بالحقائق الدينية أو الكونية التي تربطهم بالله وتقودهم ~~إلى الإيمان ، قالوا لك : إن هذا كلام غير علمي ، وإن هذه الأفكار التي ~~تطرحها علينا هي أفكار العامة من الناس الذين يعيشون سذاجة الفكر والعقيدة ~~، وليست أفكار المتعلمين الذين يحملون شهادات العلم والفلسفة. # ولعل هذا هو الذي كان يسيطر على أجواء المنافقين الذين كانوا يدعون إلى ~~الإيمان الخالص الذي ينطلق من الفطرة بعفوية وبساطة ، باعتبار أن طبيعة ~~الأسس التي يرتكز عليها لا تستند إلى فكر ms0097 معقد ، بل إلى الوجدان الذي يتحرك ~~في إطار الفكرة بهدوء وصفاء. فكانوا يجيبون : إننا لا نؤمن بمثل هذا PageV01P146 # الإيمان البسيط ، لأنه إيمان السفهاء الذين لا يعرفون طبيعة الأسس التي ~~يستندون إليها في حركة الحياة. وقد توحي الآية الكريمة بأنهم كانوا يركزون ~~على نوعية الإيمان لا على أصله ، لأن المفروض في أجواء هذه الآيات قبولهم ~~بمبدإ الإيمان ظاهرا ، ولكن الله ، سبحانه ، يكشف طبيعة هذا التعاظم الأجوف ~~والكبرياء الكاذب ، ويؤكد ، من خلال أوضاعهم ومنطلقاتهم وحركاتهم ، أنهم ~~يرمون الناس بصفة هي أقرب إلى واقعهم الفكري والعملي من واقع الناس ~~الآخرين. # * * * ### ||| ** المنافقون هم السفهاء # ( @QUR@07 ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ) لأن السفيه يعبر في ~~مفهومه عن ضعيف الرأي ، الجاهل ، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ، ~~والذي يتحول إلى إنسان ضائع متخبط لا يملك إدارة شؤونه بنفسه من خلال ~~فقدانه وضوح الرؤية للأشياء ، مما يبعده عن الاستقامة في عالم التطبيق ~~العملي. وفي مقابله الرشيد الذي يملك وعي المعرفة للأشياء على مستوى التصور ~~، وعلى صعيد الواقع ، بحيث يملك إدارة حركة النظرية في الوجدان ، وحركة ~~التطبيق في الواقع ، الأمر الذي يؤدي إلى التوازن في مواجهة القضايا ، ~~والاستفادة من كل الفرص النافعة الموجودة لديه. # وهذا ما يؤكده التزامهم الداخلي بالكفر الذي يجسد الضعف الفكري والجهل ~~بالأسس المتينة التي ترتكز عليها عقيدة الإيمان ، وحركتهم العملية التي ~~تؤدي بهم إلى الهلاك في الدنيا والآخرة ، ولا سيما في هذا الموقف المتأرجح ~~الذي يعيش معه الإنسان في عذاب داخلي مستمر من خلال خوفه من انكشاف موقفه ~~الداخلي الذي يغطيه بنفاقه العملي. ف ( @QUR@02 هم السفهاء ) في PageV01P147 # أفكارهم وأفعالهم ، ( @QUR@03 ولكن لا يعلمون )، لأنهم لا ينفتحون على ~~الآفاق الرحبة للمعرفة ليصلوا إلى النتائج الحقيقة للأمور ، وليعرفوا أن ~~قيمة العلم في التقائه بالحقيقة تكمن في ارتكاز نتائجه على الفكرة السليمة ~~، والوجدان السليم ، في نهاية المطاف ، لأن أية نتيجة برهانية لا ترجع إلى ~~أساس وجداني ، لا تمثل أية قيمة حقيقة في مجال المعرفة. وبهذا كان الإيمان ~~الفطري يمثل العقيدة الصافية المنطلقة من أساس صحيح ثابت ، أكثر من ms0098 الإيمان ~~الذي لا يلتقي بالفطرة إلا من بعيد ، مما يجعلنا نحترم إيمان الفطريين من ~~حيث ما يمثل الإيمان من صفاء ونقاء ، وإن لم يعرفوا طريق الجدال والنقاش ~~العلمي. # * * * ### ||| ** بين الإفساد والسفه # قد يواجهنا سؤال في هذه الآية ، وفي الآية السابقة عليها ، وهي قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ). # لماذا قيل هناك : ( @QUR@07 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) فنفى ~~عنهم الشعور بصفة الإفساد ، وقيل هنا : ( @QUR@07 ألا إنهم هم السفهاء ولكن ~~لا يعلمون )، فنفى عنهم العلم بالسفه ، لماذا لم يستعمل العكس ، أو يوحد ~~بين الآيتين في طبيعة الكلمة؟ والجواب : لعل الفرق بينهما أن قضية اكتشاف ~~الفساد ليست قضية فكرية ، بل هي من القضايا التي تواجه الإحساس والشعور عند ~~ما تفرض نفسها في الحياة تماما كالألم واللذة في مواجهة مصادر الألم واللذة ~~، لأن الفساد يمثل اختلال مسيرة الحياة العملية في أوضاعها العامة والخاصة ~~، فلا يحتاج اكتشافه إلا إلى الوعي الشعوري بالموضوع ، أما الذين تبلدت ~~أحاسيسهم ، وغرقوا في أجواء الفساد ، فإنهم لا يشعرون بذلك ، تماما كما هو PageV01P148 # الإنسان الذي لا يعيش الإحساس بالألم عند ما تتجمد مواطن الحس في جسده. # أما قضية السفه ، فهي من القضايا المرتبطة بوعينا الفكري بطبيعة المصلحة ~~والمفسدة في ما نواجه من قضايا أو نمارس من معاملات أو علاقات. فلا بد ~~لاكتشافها من المعرفة للآفاق العملية التي تتحرك فيها حياة الناس في ~~موازينها المستقيمة. أما الذين يجهلون طبيعة التوازن في ذلك ، فإنهم يجهلون ~~بطبيعة الحال موقعهم من ذلك كله. # * * * ### ||| ** المنافقون والتظاهر بالتدين # ( @QUR@016 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ) إنهم يظهرون الإيمان ويعملون عمل ~~المؤمنين في صلاتهم وصومهم وغير ذلك ، ليحصلوا على الثقة الاجتماعية التي ~~ينفذون من خلالها إلى أهدافهم ، ثم يذهبون إلى جماعاتهم الشيطانية ، في ~~الخلوات التي يعقدونها ، ليؤكدوا لهم مواقفهم الأساسية الثابتة ، وليبعدوا ~~عن أنفسهم الشكوك التي قد تحدث من جراء سلوكهم مع المؤمنين ، وليبرروا ~~سلوكهم ذلك بأنه كان استهزاء بالمؤمنين ، واستغلالا لبساطتهم وسذاجتهم ، ~~التي ms0099 تجعلهم يتقبلون ظواهر الأمور من دون أن ينفذوا إلى بواطنها ، مما يسهل ~~نجاح كل الحيل التي يدبرها لهم أعداؤهم. # وربما يقال : إن خطابهم للذين آمنوا بالجملة الفعلية ( @QUR@01 آمنا ) ~~لإعلان المبدأ في دائرة الحدوث ، بينما كان خطابهم لشياطينهم ، بالجملة ~~الاسمية ( @QUR@02 إنا معكم ) لإفادتها الثبات والاستمرار ، لتأكد البقاء ~~في الخط الفكري والعملي المتمثل في دينهم في داخل مجتمعهم الكافر. PageV01P149 # وقد روي عن ابن عباس ، أن المراد بشياطينهم رؤساؤهم من الكفار وقيل : هم ~~اليهود الذين أمروهم بالتكذيب ، وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنهم ~~كهانهم (1). # وقد نجد أمثال هذه النماذج في الكثيرين من الأشخاص الذين ينطلقون مع ~~التيارات السياسية وغير السياسية في عملية ارتباط وانتماء ، ولكنهم في ~~الوقت نفسه يمثلون أدوار الإيمان عند ما يلتقون بالمؤمنين البسطاء ليخدعوهم ~~، ولينفذوا إلى حياتهم العامة والخاصة ، من أجل تحقيق الأهداف الشريرة التي ~~لا تلتقي بمصلحة الإيمان والمؤمنين من قريب أو من بعيد. فإذا ذهبوا إلى ~~مجالسهم الخاصة ، أطلقوا الضحكات الفاجرة ، وأظهروا السخرية والاستهزاء ~~بالمؤمنين ، وبعباداتهم ، وبأقوالهم ، بمختلف الأساليب التي تثير الاستهزاء ~~والاشمئزاز. # وهكذا يقدم لنا القرآن هذه النماذج الحية ، التي كانت تعيش في العصور ~~الأولى للإسلام ، ليبعث فينا روح الوعي للمجتمعات التي نعايشها ، وليفتح ~~أعيننا على هذه النماذج في حركة المجتمع ، لئلا ننطلق في التعامل مع ~~الآخرين بسذاجة ، بل نحاول اعتماد أسلوب الحذر ، الذي لا يحكم على الناس ~~بغير علم ، ولكنه لا يستسلم إليهم بدون أساس للثقة والاطمئنان ، من دون فرق ~~في ذلك بين أساليب التعامل والقيادة والدخول في قلب المجتمع. فلا بد لنا ، ~~في ذلك كله ، من محاولة فهم خلفيات هؤلاء الأشخاص الذين يحتلون مركزا مميزا ~~في التعامل والقيادة والدخول في خصوصيات حياتنا الاجتماعية ، واكتشاف ~~منطلقاتهم الفكرية والسياسية. # إننا لا نريد أن نتحول إلى أشخاص معقدين ضد الأفراد الذين نعيش معهم ، ~~ولكننا نريد أن نجعل من أنفسنا الأمة الواعية التي تفهم الواقع فهما PageV01P150 # جيدا لنحدد موقفنا على أساس ذلك ، مما يجعلنا لا ندخل في طريق إلا بعد أن ~~نكتشف بداياته ونهاياته ، ولا نعطي قيادنا ms0100 لأحد ، ولا نمنحه أسرارنا إذا ~~كان لنا أسرار إلا بعد. أن نحصل من سلوكه الداخلي على ما يبرز هذه الثقة ~~العملية ، لتظل أوضاعنا منطلقة من قاعدة صلبة لا مجال فيها للانحراف ~~والاستغلال والاهتزاز. # * * * ### ||| ** الله يستهزئ بهم # ( @QUR@03 الله يستهزئ بهم ) فيخيل لهم أن حيلتهم قد انطلت على المؤمنين ~~، وأن شخصيتهم المزدوجة لم تنكشف لهم. ( @QUR@04 ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~) فلا يعاجلهم بالعذاب مما يشعرهم بالامتداد الآمن ، ويعيشون مطمئنين في ما ~~يخططون ويدبرون ، ويبقون على هذا التردد والتخبط بين الشخصية الداخلية ~~والشخصية الخارجية ، الأمر الذي يوحي بالضحك والاستهزاء. وأي موقف أدعى ~~للهزء والسخرية من موقف المنافق الذي يتحرك في المجتمع كحركة الفأر المذعور ~~الذي يخاف من أية حركة يسمعها ، أو أي شيء يشاهده ، حذرا من الخطر؟! ~~والمنافق حاله حال هذا الفأر ، حيث يخاف من انكشاف حقيقة موقفه للآخرين ، ~~فيقف موقف الخائف من نتائجه ومترتباته. # وربما يطرح سؤال : إن الآية نسبت الاستهزاء إلى الله ، وهو من المعاني ~~التي لا تتناسب مع عظمته تعالى ، لأن الاستهزاء يمثل لونا من ألوان الخداع ~~، لأنك تظهر في حديثك بمظهر الجد ، ثم تعطيه بعض اللمحات والإشارات التي ~~توحي بالسخرية؟ PageV01P151 # والجواب : إن التعبير يتجه اتجاه المحاكاة لتعبير الآخرين من دون أن يكون ~~حاملا لمعناه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) [البقرة : 194] ، فإن رد الاعتداء بمثله لا ~~يعتبر عدوانا على المعتدي ، لأن مفهوم العدوان يعني الممارسة التي لا تملك ~~فيها جانب الحق. ولكن المشاكلة في التعبير لإيحاء بأن هذا الفعل من نوع ذلك ~~الفعل ، من حيث طبيعته العنيفة وإيلامه للنفس .. وربما كانت القضية في كلمة ~~الاستهزاء كذلك ، باعتبار ما تمثله كلمة الاستهزاء من الاحتقار وعدم ~~المبالاة ، فكأن الله يستهزئ بهم في ما يظهر لهم من الإمداد بطغيانهم ، ~~كالذي يتكلم مع الشخص بأسلوب الاحترام وهو يقصد السخرية. # وقد يكون المراد من استهزاء الله بهم ، مجازاته لهم على استهزائهم ، على ~~هدى قوله تعالى : ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ) [الشورى : 40] ، ~~ويحتمل أن يكون معناها ، تخطئته إياهم ، وتجهيله لهم ms0101 في إقامتهم على الكفر ~~وإصرارهم على الضلال ، ويمكن أن يكون المراد منه استدراجهم وإهلاكهم من حيث ~~لا يعلمون ، كما جاء في معنى الاستدراج أنهم كلما أحدثوا خطيئة جدد الله ~~لهم نعمة ، وهكذا تتنوع الاحتمالات لتلتقي عند الواقع العملي الذي يجريه ~~الله عليهم. # وقد يلفت نظرنا نسبة الإمداد بالطغيان لله عز وجل ، ولكن لهذا التعبير ~~جانبين في مظهرين : سلبي وإيجابي ، فقد يتمثل الإمداد بالطغيان في تشجيع ~~الشخص على الإمعان فيه بالأساليب التي ترغبه فيه وتدفعه إليه بطريقة ~~إيجابية ، وقد يتمثل في الامتناع عن ممارسة الضغوط القوية ضده من أجل منعه ~~من العمل وشل قدرته على المضي فيه. ولعل هذا هو المقصود بالآية ، فقد كان ~~الله قادرا على أن يعطل قدرتهم على الامتداد بالموت أو بغيره من وسائل ~~التعطيل ، ولكنه لم يفعل ذلك ، بل تركهم وأنفسهم ليمارسوا عملية المواجهة PageV01P152 # للواقع من موقع الحرية والاختيار ، فكان من نتائج ذلك ، أنهم امتدوا في ~~طغيانهم من خلال الوسائل الموجودة لديهم ، وهذا لا يتنافى مع إيماننا بحرية ~~الإنسان في كفره وإيمانه وضلاله وهداه. # * * * PageV01P153 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين (16) @QUR@017 مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) @QUR@06 صم بكم عمي ~~فهم لا يرجعون (18) @QUR@019 أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) ~~@QUR@025 يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ) (20) # * * * ### ||| ** المنافقون اشتروا الضلالة بالهدى # ربما كانت هذه الآيات إيحاء ختاميا بطبيعة عملهم ، بعد أن كانت الآيات ~~السابقة تعدادا لملامحهم ، وذلك كإشارة إيحائية للإنسان بالابتعاد عنهم ، ~~وعن خطهم العملي في الحياة على أساس النتائج السيئة الناتجة عنه. PageV01P154 # ( @QUR@01 أولئك ) المنافقون ( @QUR@04 الذين اشتروا الضلالة بالهدى )، ~~وذلك من خلال اختيارهم الضلال ، الذي أصروا عليه وساروا فيه ، على الهدى ~~الذي قدمه لهم الرسول ، ووعاه العقل من خلال الحق الكامن ms0102 فيه والخير ~~المنفتح عليه. # إنهم « اشتروا الضلالة » في سلوكهم وخططهم النافية ، فتاهوا في منعطفات ~~الطرق ، ومتاهات الرمال المتحركة التي تضيع عندها الخطوط وتتلاشى فيها ~~العلامات ، وتركوا الهدى الذي يحدد للإنسان بداية الطريق التي تشير إلى ~~نهايته في خط مستقيم ثابت لا التواء فيه ولا انحراف. # ( @QUR@03 فما ربحت تجارتهم ) مما يوحي به هذا النوع من المواقف القائم ~~على أسلوب التبادل التجاري وما يستهدف من تحقيق الربح المادي ، في الوقت ~~الذي تنطلق فيه النتائج الحاسمة على خلاف ذلك خسرانا وسقوطا وضياعا ، ( ~~@QUR@03 وما كانوا مهتدين ) في اختيارهم العملي ، لأنهم واجهوا متاهات ~~الأوضاع القلقة على مستوى المصير. # * * * ### ||| ** مفهوم الشراء كمقوم لكل عمل إنساني # ونلاحظ في هذا المجال أن القرآن الكريم يركز في هذه الآية وفي غيرها من ~~الآيات ، على كلمة « الشراء » في كل عمل يقوم به الإنسان في حياته ، على ~~أساس النتائج السيئة والحسنة التي تنتج عنه ، مما يجعل من مجموعة الأعمال ~~الإنسانية في الحياة عملا تجاريا يخضع للربح وللخسارة في طبيعته العامة ~~والخاصة ، فهناك عوض ومعوض في كل حركة يتحركها ، وفي كل كلمة يتكلمها ، فقد ~~تشتري ببعض الأعمال نفسك ومصيرك وحياتك عند ما يكون للعمل نتائج إيجابية ~~على قضية الحياة والمصير ، سواء في ذلك على المستوى PageV01P155 # المادي أو المستوى المعنوي ، حتى في مجال التضحية بالنفس أو بالمال مما ~~يدخل في عملية العطاء بلا مقابل ، فإن القضية لا تخلو من العوض ، ولكنه ~~العوض الأخروي للمؤمنين ، والعوض النفسي بشكل عام. # ونواجه في هذا الجو بعض الآيات الكريمة كمثال على ذلك ، كقوله تعالى : # ( @QUR@037 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم ) [التوبة : 111] ، وقوله تعالى: ( @QUR@011 ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد ) [البقرة : 207] ، وقوله ~~تعالى : ( @QUR@027 يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم* تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ms0103 بأموالكم وأنفسكم ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون ) [الصف : 10 11]. # وهكذا تكون الحياة في كل مجالاتها وصراعاتها ، عملية بيع وشراء مع الله ~~أو مع الشيطان ، فلا تعطي شيئا ، إلا لتأخذ شيئا مقابلا له ، وهي في ذلك ، ~~قد تربح إذا كانت النتائج جيدة في مصلحة البائع والمشتري ، وقد تخسر إذا لم ~~تكن النتائج في مصلحتهما ، وعلى ضوء ذلك ، نعرف طبيعة تجارة هؤلاء ~~المنافقين ، فهم قد أخذوا الشيء أو الموقف الذي يخسرون به مصيرهم في الدنيا ~~والآخرة ، والذي يضعهم في تيه لا نهاية له من الحيرة والتمزق ، وتركوا في ~~مقابل ذلك الهدى الذي يعطيهم القوة والفلاح والسلام الروحي في الدنيا ~~والآخرة ، وبذلك كانت تجارتهم غير رابحة من خلال ما كانوا يأملونه من ~~الأرباح ، في الوقت الذي خسروا فيه هدى الطريق ، مما جعلهم في ضياع دائم ~~وتخبط مستمر ، وظلام داخلي يحجب عنهم رؤية النور الذي يتفجر من أعماق PageV01P156 # القلوب المؤمنة السابحة أبدا في ينابيع الضياء الروحي المنهمر من روح الله. # * * * ### ||| ** ما ينبغي للدعاة استيحاؤه # من هنا ، ينبغي للدعاة إلى الله أن يتوفروا على استيحاء هذا الأسلوب ~~القرآني في مجال عملهم الدعوتي إلى الله ، فقد يلتقون بالأشخاص الذين ~~يعيشون قضايا الحياة من خلال حسابات الربح والخسارة ، فيحتاجون إلى إثارة ~~هذه القضايا في حياتهم في انسجامهم مع خط الله أو ابتعادهم عنه ، ودراسة ~~سلبيات الضلال وإيجابية الهدى في الحياة العملية في الدنيا ، ثم الاتجاه ~~بهم إلى قضية الدار الآخرة ، كمجال حيوي من المجالات التي تتحرك فيها ~~حسابات الربح والخسارة ، والتركيز على اعتبارها النقطة الحاسمة في ذلك ، ~~كما حدثنا الله عن ذلك في بعض آياته الكريمة ، عند الحديث عن جانب الخسارة : # 1 ( @QUR@014 قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ~~ذلك هو الخسران المبين ) [الزمر : 15]. # 2 ( @QUR@039 إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون* ~~ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله ~~في جهنم أولئك هم ms0104 الخاسرون ) [الأنفال : 36 37]. # وقد حدثنا الله عن الفوز في الآخرة كمقياس للفوز في قوله تعالى : # ( @QUR@012 كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن PageV01P157 # @QUR@011 النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ~~[آل عمران : 185]. # ( @QUR@024 وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز ~~العظيم ) [التوبة : 72]. # ولا بد للداعية من أن يتوفر على إيجاد الأجواء النفسية التي تهيئ ~~للالتقاء بالفكرة القرآنية التي تريد للإنسان أن يعيش الشعور بالربح ~~والخسارة في الآخرة بالقوة نفسها التي يستشعر فيها القضية في الدنيا إن لم ~~يكن بنحو أقوى وأشد. وربما كان هذا الأسلوب من أكثر الأساليب ارتباطا ~~بالهدف القرآني الذي يعمل له العاملون ، وهو أن يعيش الناس أجواء الدار ~~الآخرة في جميع مجالات الحياة الدنيا ، ليكون السلوك العملي للإنسان خاضعا ~~للتأثيرات الروحية التي يعيشها من خلال فيوضات العيش في رحاب الله تعالى. # * * * ### ||| ** حالة المنافقين في مثلين # ثم انتقلت السورة إلى تجسيد صورة المنافقين ، وما يعانونه من حيرة وتمزق ~~وخيبة آمال ، من خلال عرض الصورة الحسية المماثلة لصورتهم الداخلية ، ولكن ~~في إطار حركة الطبيعة ضمن نماذجها الواقعية المتحركة في الحياة ، وذلك ~~بأسلوب ضرب المثل ، وهو من الأساليب البلاغية الرائعة التي استخدمها القرآن ~~، في أكثر من مجال ، من أجل إعطاء فكرة واضحة حية عن القضايا المعنوية ~~بمقارنتها بالأشياء الحسية ، التي تتجسد فيها الصورة في هزة حركية مثيرة ~~للنظر والوجدان والشعور ، تماما كوسائل الإيضاح التي تحاول PageV01P158 # تعميق الفكرة في النفس وتقريبها إلى الوجدان عبر إبراز عناصرها بالوسائل ~~الحسية ، لأن تأثير الحس في النفس أشد عمقا وأكثر تأثيرا من الجوانب ~~المعنوية ، ولذا كانت هي الطريقة المفصلة لتربية الأطفال الذين لا يستطيعون ~~إدراك الجوانب المعنوية ، إلا بأسلوب التجسيد الحسي الذي يربط الطفل ~~بمرئياته وملموساته. وقد تكون قيمتها في تقريب الفكرة التي يوحيها المثل ~~إلى ذهن الإنسان وروحه ، مما يجعل مقارنتها بالفكرة التي يراد عرضها للفكر ~~أمرا عمليا مثيرا. # ولعل السر ms0105 في محاولة القرآن الكريم إبراز ملامحهم الداخلية من خلال ~~الصورة الحسية المتمثلة في واقع الطبيعة الملموس ، هو أن الله يريد إبعاد ~~الناس عن هذا الاتجاه المنحرف في موقف الإنسان من قضايا الحق والباطل ، ~~الأمر الذي يفرض على الأسلوب أن يلتمس كل العناصر المنفرة التي تشارك في ~~حشد الصورة بأكبر قدر ممكن من الأجواء المظلمة القاسية المغرقة في الضياع. # وقد صور الله لنا حالة المنافقين في مثلين محسوسين من صورة الطبيعة : # المثل الأول في قوله تعالى : ( @QUR@023 مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون* صم بكم عمي ~~فهم لا يرجعون ). # فالمنافقون ( @QUR@05 مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) ليستعين بضوئها على ~~معرفة الأوضاع المحيطة به ، والطريق الذي يسير فيه ، والغاية التي يسعى ~~إليها. ( @QUR@04 فلما أضاءت ما حوله )، ورأى من خلالها ما يريد رؤيته ، ~~وحصل منها على ما يستفيده من الدفء والحرارة ، واستراح لذلك ، واطمأن به ، ~~وفكر في قضاء ليلة سعيدة مشرقة ، جاءته الريح العاصفة فأطفأت ناره و ( ~~@QUR@03 ذهب الله بنورهم )، فانطلقوا يتخبطون على غير هدى ، ( @QUR@05 ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) ما PageV01P159 # حولهم ، ومن حولهم ، ولا يهتدون طريقهم. # ( @QUR@01 صم ) لم يركزوا أسماعهم لاستماع الحق ، فكأنهم لا يسمعون ، لأن ~~وجود السمع كعدمه بالنسبة إليهم ، من حيث النتيجة. ( @QUR@01 بكم ) لم ~~يقروا بالله ورسوله ورسالاته ، فكأنهم لا ينطقون ، لأنهم لم يستفيدوا من ~~لسانهم في ما يراد له من النطق بالحق. ( @QUR@01 عمي ) لم ينظروا في ملكوت ~~الله في السماوات والأرض ، ليعرفوا سر عظمة الله من خلال ذلك ، فكأنهم لا ~~يبصرون لانعدام الفائدة المطلوبة من وجود البصر. ( @QUR@03 فهم لا يرجعون ) ~~إلى الحق لينطلقوا منه نحو سعادة الدنيا والآخرة ، بل يبقون في متاهات ~~الضلال التي تقودهم إلى الضياع. # فهم تماما كما لو كنا في صحراء مظلمة ليس فيها بصيص نور ، لا قمر تشع ~~أنواره الشفافة الوديعة في الأجواء الممتدة التي تنسكب على الرمال بوداعة ~~وهدوء ، ولا كواكب تلمع من بعيد ، فتوشي حواشي الظلام بلمعات من النور ~~الأبيض القادم من بعيد في ms0106 خجل واستحياء ، فتفتح أمام الخطى بعض مسالك ~~الطريق. ليس هناك إلا ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض ، ثم استطعنا فجأة أن ~~نوقد بعض النار ، وتصاعد اللهب الذي يكشف لنا الجو والموقع والطريق .. ثم ~~جاءت ريح فأطفأت هذه النار ، أو حاولت أن تعبث بها فأطفأتها في حركة عاصفة ~~شديدة. فلنتصور الحالة النفسية التي سنكون عليها ، والتي تتجسد فيها خيبة ~~الأمل واليأس من الوصول إلى الهدف المنشود ، فهل ثمة حالة أقسى من مثل هذه ~~الحالة التي ينفتح لنا فيها النور بعد يأس ، ثم يذهب فجأة وينطفئ بدون ~~انتظار في أشد حالات الحاجة إليه؟ # إنها ، تماما ، حالة المنافق الذي كان يعيش في ظلام دامس من الشك والحيرة ~~والتمزق والضياع ، ككل الناس الذين يعيشون الكفر والجحود والنكران ، فيأتي ~~النور الذي أرسله الله على رسوله ليدلهم على الطريق وليحدد PageV01P160 # لهم الهدف ، ولينقذهم من الحيرة والتمزق والضياع ، فيقودهم إلى حيث ~~الطمأنينة والوضوح في الرؤية والاستقامة في التفكير ، وكان بإمكانهم أن ~~يلتقوا به على درب الإيمان ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ولكن العقدة ~~المتأصلة التي تحولت إلى عقدة مرضية مستعصية حالت بينهم وبين الالتقاء ~~بالنور والانطلاق مع الهدى ، فعاشوا مع هذه العقدة التي زينت لهم أساليب ~~التلاعب الشيطانية ، وأوحت إليهم أن ذلك هو السبيل الذي يستطيعون من خلاله ~~أن يحرزوا النتائج المضمونة من كلا الفريقين : فريق الكفر ، وفريق الإيمان ~~، بأسلوب اللف والدوران ، فعادوا إلى الظلمة من جديد ، بعد أن ( @QUR@03 ~~ذهب الله بنورهم ) بفعل إرادتهم المجنونة التي لا تعرف ما تريد وكيف تريد ، ~~الأمر الذي جعل اختيارهم يتحرك في مصلحة الظلام لا في مصلحة النور ، فخذلهم ~~الله وأوكلهم إلى أنفسهم ( @QUR@05 وتركهم في ظلمات لا يبصرون ). # وجاءت الآية الثانية لتعطينا الفكرة الواضحة عن الأسباب التي دفعتهم إلى ~~هذا الاتجاه المنحرف ، ولتعرفنا أنهم لم يستخدموا الوسائل التي خلقها الله ~~لهم ليحصلوا على المعرفة الشاملة ، بل حاولوا أن يجمدوها ، فقد خلق الله ~~لهم السمع ليصغى من خلاله إلى الكلمات الحقة من الآيات البينات التي تثير ~~في داخلهم التفكير والتأمل ، وخلق لهم اللسان ms0107 ليسألوا به عن كل الأمور التي ~~يجهلونها أو يشكون فيها ليصلوا إلى المعرفة الحقة ، وخلق لهم البصر ~~ليتطلعوا به إلى آياته الكونية التي أودع فيها كل الدلائل والأسرار التي ~~تقودنا إلى الشعور بعظمته والإيمان بوحدانيته ، لقد خلق لهم كل هذه الوسائل ~~ليستخدموها كأدوات للمعرفة ، ولكنهم أهملوها ، فكانوا أشبه بالذين يفقدون ~~هذه القوى ، لأن قيمة الحواس الإنسانية لا تكمن في وجودها الجامد ، بل في ~~وجودها الحي المتحرك في كل اتجاه يمنح المعرفة وينمي الحس بالحياة ، ويضيء ~~للقلب طريق التفكير ، وبذلك يفقد العاملون الأمل في رجوعهم إلى الحق ~~والصواب ، لأن شرطه الإحساس بالمعرفة من خلال الشعور بالحاجة إلى PageV01P161 # استخدام وسائلها الطبيعية. # المثل الثاني في قوله تعالى : ( @QUR@044 أو كصيب من السماء فيه ظلمات ~~ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين* يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم ~~عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ). # حاول بعض المفسرين اعتبار التشبيه في المثل خاضعا لمفردات الظواهر ~~الموجودة في الصورة ، وذلك بتشبيه الإسلام وما فيه من نور يهدي السائرين ~~إلى الطريق الحق ، بالبرق الذي يهدي الناس في دياجير الظلام ، وبتشبيه ~~الظلمات بشبهات الكفر والضلال التي توقع الإنسان حائرا في خطوات الطريق ~~المظلم .. أما الرعد والصواعق ، فقد شبه بهما الإنذار بالعذاب والهول الذي ~~يوجهه القرآن للضالين والمنحرفين عن الصراط المستقيم. # وهكذا يكون المثل من تشبيه مفردات صورة بمفردات صورة أخرى ، فلا تكون ~~الصورة هي مركز التشبيه هنا ، وقد يكون مثل هذا القول واردا من خلال طبيعة ~~التركيب اللفظي ، ولكن الجو العام للموقف ، يوحي بانطلاق التشبيه في حركة ~~الصورة بعيدا عن المفردات ، لأن القضية هي قضية الحالة الداخلية لشخصية ~~المنافق الذي يعيش الازدواجية الداخلية في الفكر والشعور ، التي تفرض عليه ~~الجو القلق الحائر ، حيث تتأرجح مشاعره بين لمعات الطهر ونزوات الخبث ، ~~وتضطرب أفكاره بين أفكار الخير وأفكار الشر ، وتختلط في عينيه مواقع النور ~~وكهوف الظلام ، وتزدحم في سمعه صرخات العذاب وهدهدات ms0108 النعيم ، وقد تؤكد لنا ~~هذه الصورة ، أننا نعتبر ازدواجية المنافق في حياته العملية نابعة من ~~ازدواجيته الداخلية في فكره وشعوره ، ولعلنا نلمس الروعة في التشبيه في هذا ~~الإطار الذي تهتز فيه الصورة بالحركة وتموج بالحياة ، لأنه يصبح أكثر ~~انسجاما مع طبيعة الفكرة التي يوحي بها المثل PageV01P162 # المنطلق من تجسيد الصورة في الواقع كأسلوب من أساليب وضعها في الواجهة من ~~وعي الإنسان وتفكيره. # وقد نجد أن لكل واحد من هذين المثلين مهمة في إعطاء الفكرة عن شخصية ~~المنافق تختلف عن الآخر ، ففي المثل الأول تصوير لحالة المنافق وهو يواجه ~~الدعوة التي تشير إلى الطريق المستقيم من خلال النور الذي يضيء الروح ~~والقلب والفكر ، فيبادر إلى الطريق الملتوي الغارق بالظلمة التي تعمي قلبه ~~، وتغشي بصره ، وتصم سمعه. # وفي المثل الثاني تصوير لحالته وهو يعيش حياته في أجواء النفاق واهتزازات ~~المواقف بين الظلمة والنور والرعد والبرق ، فتجعله في حيرة مدمرة تأكل قلبه ~~وتمزق روحه ؛ والله العالم بأسرار آياته. # ( @QUR@02 أو كصيب ) مثل هؤلاء المنافقين في حيرتهم الذهنية وقلقهم ~~النفسي ، مثل الناس الذين يتحركون في أجواء الصيب ، وهو المطر الغزير ~~الهاطل من السماء ، ( @QUR@04 فيه ظلمات ورعد وبرق ) فهو يحتوي في حركته ~~كلها الظلمات المتمثلة بالسحاب الأسود ، والضباب الكثيف ، والليل المدلهم ، ~~والرعد الذي يدوي فيصم الأسماع ، ويثير المخاوف ، ويهز الأفق ، والبرق الذي ~~يظهر بين لحظة وأخرى بكل قوة فيثير الفزع من تأثيراته في العيون بقدر ما ~~يثير من النور الساطع الذي يشق الظلام بسرعة ، فيحرك ذلك الجو المتنوع في ~~مخاوفه الإحساس بالخطر ، فتراهم ( @QUR@04 يجعلون أصابعهم في آذانهم ) ~~ليتفادوا ضغط الرعد على أسماعهم ، وليتخففوا من خطر الصواعق القاصفة ~~المحرقة ، تماما كما لو كان الهروب من الإحساس بصوتها سبيلا للهروب من ~~أخطارها ، ( @QUR@02 حذر الموت ) الذي قد يأتيهم من خلالها ( @QUR@03 والله ~~محيط بالكافرين )، فلا عاصم من أمر الله ، لأن الأجل يأتيهم من كل مكان ، ~~وبأكثر من سبب ، فلا يحميهم منه شيء ، ولا هناك من يستجيرون به. PageV01P163 # ( @QUR@04 يكاد البرق يخطف أبصارهم ) ويستلبها لشدة لمعانه ، ولكنهم ~~ولكنهم ينطلقون ليهتدوا به في ms0109 الظلام الكثيف الدامس ، ( @QUR@05 كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه )، وتحركوا ، من خلاله ، إلى غاياتهم ، ( @QUR@04 وإذا أظلم ~~عليهم قاموا ) ووقفوا في حيرتهم القاسية أمام الظلام الذي لا يبصرون فيه ~~طريقهم. وهكذا يبقون في قلق روحي مدمر بين النور الخاطف والظلمة الكثيفة ، ~~فلا ينفتحون على الدرب ، ولا يستقرون في الظلام. إنها حركة المنافق بين ~~الضوء القادم من القرآن ، والظلام المندفع من الكفر ، ( @QUR@05 ولو شاء ~~الله لذهب بسمعهم ) فلا يسمعون شيئا ، ( @QUR@01 وأبصارهم ) فلا يبصرون ~~شيئا ، ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) فهو القادر على أن يسلبهم كل ~~شيء ، ويدمر عليهم كل أوضاعهم في جميع المجالات ، ولكن الله يمهلهم ، ويملي ~~لهم ، ويمد لهم الحبل ، حتى يقيم عليهم الحجة ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # * * * PageV01P164 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (21) @QUR@023 الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون ) (22) # * * * ### ||| ** دعوة إلى التأمل # في بداية هذا الفصل من السورة ، دعوة إلى تحديد الموقف من قضايا الكفر ~~والإيمان ، بالوقوف مع خط الإيمان من خلال العبادة ، ومواجهة فكرة الشرك ~~والتوحيد بالأدلة الواضحة التي تلتقي بالتوحيد في حركة الحياة. ولعلنا ~~نستطيع تفصيل هذه الفكرة في عدة نقاط : # 1 إننا نلتقي في هذه الآية بأسلوب الدعوة القرآنية ، الذي لا يدعو إلى ~~الإيمان من خلال التفكير المجرد الذي يطرح القضايا من خلال المواقف ~~التأملية ، التي ينفصل فيها جانب الفكر عن أجواء العمل ، فيكون للإنسان PageV01P165 # مجالان ، يتحرك في أحدهما مع الفكر ، وفي الثاني مع خطوات العمل ، كما هي ~~طريقة التفكير الفلسفي الذي يبعد جانب الفكر عن جانب العمل ، بل يدعو إلى ~~الارتباط العملي بالله من موقع العبادة بطريقة إيحائية تترك انطباعا في ~~النفس بأن قضية الإيمان بالله ليست من القضايا الفكرية التي يدخل الإنسان ~~معها في مجال المناقشة التي تحتمل الرفض والقبول ، بل هي من قضايا الوجدان ~~الذي يوحي بالفكرة من خلال الإحساس الداخلي النابع من مواجهة الكون الذي ~~يحيط بالإنسان في ms0110 كل مظاهره ، حتى يجد الله متمثلا في عمق ذلك كله ، في ~~اللفتة والنظرة والشعور ، حيث ينتقل من جو الملاحظة العفوية إلى جو العبادة ~~من دون تردد أو توقف. # 2 إن الآية توحي بأن الدعوة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته ، ليست خاضعة ~~لموقف فكري بعيد عن حياة الإنسان وشعوره ، ككثير من القضايا الفكرية التي ~~ترتبط بها وتنسجم معها باعتبارها حقيقة من حقائق الحياة التي تفرض نفسها ~~عليه ، من دون أن يكون لها ارتباط به من ناحية شعورية ، بل هي خاضعة لإحساس ~~الإنسان بوجوده ووجود الناس الذين من قبله ، ومرتبطة بحركة حياته ، وهو ~~يتنقل في الأرض ليعيش قضايا الحياة ، أو يتطلع إلى السماء التي تمنحه ~~الشعور بالعظمة ، وتنزل عليه بركاتها التي تحول الأرض إلى خصب يعطي الرزق ~~الذي يفسح للإنسان مجال الامتداد في هذه الحياة. # وبذلك يستوحي الإنسان في عبادته لله العظمة المحيطة به في كل مظاهر ~~الحياة ، والنعمة المتفجرة من الأرض ، والمنهمرة من السماء ، لتعطيه الخير ~~والبركة والرخاء ، مما يبعد العبادة عن الخضوع الأبله الساذج ، ويربطها ~~بالخشوع الذي يمتزج فيه الشعور بالعظمة ، بالإحساس بالنعمة ، التي يحتاج ~~معها إلى الاعتراف بالجميل ، ويجعل من علاقة الإنسان بالله شيئا يتصل ~~بمشاعره الحميمة لا بأفكاره المجردة ، وهذا ما يحقق للإنسان معنى التقوى ~~الذي اعتبرته الآية غاية للعبادة ، لأنه يمثل الانضباط العملي على خط الله ، من PageV01P166 # خلال الإحساس العميق به ، في موقف نفسي داخلي يتجسد فيه الإيمان المسؤول ~~بالجانب العملي في الحياة. # وهذا هو ما ينبغي للعالمين في سبيل الدعوة إلى الله أن يسلكوه في ~~أساليبهم العملية في الدعوة ، أي عليهم استيحاء الجو القرآني الذي يتحرك ~~فيه الأسلوب بعيدا عن الأجواء الفلسفية المجردة التي قد تعطي فكرا قويا ، ~~ولكنها لا تمنح الإنسان حركة الإيمان في داخل النفس ، وفي أعماق الحياة. # 3 لقد جاء في الآية التعبير عن الأرض بأنها فراش ، وعن السماء بأنها بناء ~~، وهما استعارتان ، أريد بهما التدليل على معنى دقيق ، فقد جاءت كلمة فراش ~~لتعبر عن الراحة التي يحس بها الإنسان في وجوده على ms0111 هذه الأرض بما أودعه ~~الله فيها من قوانين الحياة ، تماما كالراحة التي يشعر فيها الإنسان ~~بالإغفاءة الهانئة على الفراش الوثير بعد تعب يوم مكدود. وقد جاءت كلمة ~~بناء للإيحاء بالتماسك والقوة التي تمنع من السقوط على الرغم من أنها لا ~~تعتمد على قواعد ثابتة في الأرض. # 4 إن التطلع إلى الأرض في ما تمنحه للإنسان من الراحة بفعل القوانين ~~الطبيعية المودعة فيها ، وإلى السماء في تماسكها وفي خيراتها التي تغدقها ~~على الإنسان ، وفي ما توحيه من عظمة الخالق من خلال سر عظمة الخلق ، إن ذلك ~~كله يدفعنا إلى رفض الأنداد والشركاء لله ، عند ما نحصل على القناعة ~~الثابتة التي تؤكد لنا بما لا يقبل الشك أن الله هو وحده صانع ذلك كله ، ~~لأنه وحده القادر على ذلك كله. # 5 ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) أن التقوى ~~هي الغاية للخلق ، فيكون المعنى أن الغاية من خلق الإنسان هي الوصول به إلى ~~التقوى ، ولكن التأمل في الآية يؤدي بنا إلى أنها غاية للعبادة ، لجهتين ، ~~الأولى : أن الكلام قد سيق للأمر بالعبادة فهي الأصل في الكلام ، أما PageV01P167 # الخلق فقد ذكر كصفة من صفات الله التي توحي للإنسان بمسؤوليته أمام الله ~~في عبادته له ، فلا يناسب المقام رجوع الغاية إليه. الثانية : أن الغاية لا ~~بد من أن تكون بمثابة النتيجة الطبيعية للعمل ، ونحن نعرف أن مجرد الخلق لا ~~يتصل بالغاية ، بل الذي يحققها هو العبادة ذاتها التي تثير في النفس الشعور ~~بالله ، والخضوع له ، مما يوحي له بمسؤوليته الممتدة أمام الله ، ويؤكد ذلك ~~بممارسته العملية الدائمة المنفتحة على الحق. # * * * ### ||| ** خطاب القرآن بين ( @QUR@03 يا أيها الناس )، ### ||| ** و ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) # ( @QUR@03 يا أيها الناس ) الذين يتحركون في الحياة على هدى إنسانيتهم في ~~أصالتها الفطرية ، وشعورها المنفتح على الحقيقة ، وجهدها المتحرك في خط ~~الفكر الأصيل ، بعيدا عن عناصر الخصوصيات القومية والجغرافية والعرقية ، ~~سواء كنتم مؤمنين أم كافرين ، فهذا هو النداء الذي ينفذ إلى أعماقكم ~~ويستثير فيها الحركة نحو عبادة الله. # وفي هذا السياق ms0112 ، ثمة قول ينسب إلى ابن عباس والحسن ، أن ما في القرآن من ~~( @QUR@03 يا أيها الناس ) فإنه نزل بمكة ، وما فيه من ( @QUR@04 يا أيها ~~الذين آمنوا ) فإنه نزل في المدينة. وبعيدا عن ثبوت صدور هذا الرأي عنهما ، ~~أو عدمه ، فإن مضمونه يحثنا على الوقوف عند أساس هذه الفكرة ، التي في ~~تقديرنا ، ترجع إلى كون سورة البقرة مدنية كلها إلا آية واحدة وهي قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) الآية ، فإنها نزلت ~~في حجة الوداع بمنى. # وقد يكون الأساس في هذه الفكرة ، أن مكة كانت مرحلة الدعوة التي PageV01P168 # يتوجه فيها الخطاب إلى الناس كلهم من أجل إدخالهم في الإيمان ، بينما ~~يتوجه الخطاب في المدينة إلى المؤمنين من أجل تفصيل مسئولياتهم العملية ~~باعتبارها مرحلة الحركة في الدولة. ولكن لنا ملاحظتان في هذه المسألة : # الأولى : أن من الممكن مخاطبة المؤمنين في صفتهم الإنسانية لاستثارة ~~المضمون الإنساني الذي ينفتح بهم على القضايا الحيوية في عناصر الحذر ~~والخوف والرحمة والمحبة ونحو ذلك التي تتمثل في خصائص الإنسان من حيث هو ~~إنسان مما يتصل بساحة الدعوة وساحة الحركة معا. # الثانية : أن مرحلة المدينة لم تبتعد عن مرحلة الدعوة ، لأن الكثيرين من ~~العرب وغيرهم كانوا لا يزالون مقيمين على الشرك أو الكفر ، مما يفرض التوجه ~~إليهم بين وقت وآخر ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين معه ، لم ~~يكونوا مستغرقين في أجواء المدينة ، بل كانوا يتطلعون إلى الناس خارجها ، ~~ويتحركون من أجل توعيتهم وهدايتهم إلى الإسلام. # * * * # ( @QUR@02 اعبدوا ربكم ) # ( @QUR@07 اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم )، فإن الخلق يمثل ~~العبودية التكوينية من خلال الإرادة الإنسانية في تحقيق معنى المضمون ~~الواقعي لعبودية الإنسان ، في وجوده لتكون مظهر الوعي المتحرك فيه ، لأن ~~القضية لا تنطلق من حالة فكرية مجردة في عقله ، بل تتحرك من حالة وجودية في ~~ذاته ، تماما كما يتحسس خصائصه الشعورية الذاتية. # ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) لأن العبادة تفتح وجدانكم على الله في الإحساس ~~بعظمته وربوبيته ووحدانيته ، الأمر الذي يؤدي إلى اهتزاز العمق الإنساني في PageV01P169 # الخضوع لله ، والخوف ms0113 منه ، والمحبة له ، بحيث تصبح التقوى حالة طبيعية في ~~حركة الذات. # ( @QUR@05 الذي جعل لكم الأرض فراشا ) ومستقرا ومقاما تستريحون فيه ، ~~وتتقلبون عليه ، في حركتكم ، وفي يقظتكم ومنامكم. ( @QUR@02 والسماء بناء ) ~~من فوقكم كما هي القبة المطلة عليكم ، وخلق فيها الشمس التي تمنحكم النور ~~والدفء والحرارة ، والقمر الذي يضيء لكم ظلمات الليل ويحدد لكم المواقيت ، ~~( @QUR@04 وأنزل من السماء ماء ) يحيي الأرض بعد موتها ، ويمنحها الحيوية ~~التي تعطي العناصر المودعة فيها قوة النمو وحركة الخصب ، ( @QUR@04 فأخرج ~~به من الثمرات ) من البذور المتناثرة في أعماقها وسطوحها ( @QUR@02 رزقا ~~لكم )، وذلك لتلبية حاجات أجسادكم الغذائية ، بما يكفل استمرار حياتكم ~~وتواصلها ، لتعتبروا بذلك كله ، ولتعرفوا حاجتكم وفقركم إلى الله الذي لا ~~يملك غيره أن يعطيكم ما أعطاكم ، ويرزقكم ما رزقكم من فضله ، ولتؤمنوا بأنه ~~الله الذي لا إله إلا هو لا شريك له ، لأن كل من عداه فهو مخلوق له ، فكيف ~~يكون ربا للناس؟! ( @QUR@04 فلا تجعلوا لله أندادا ) تحبونهم كحبكم لله ، ~~وتطيعونهم كطاعتكم له ، وتعبدونهم كما تعبدونه ، في القوت الذي لا يملك ~~هؤلاء لأنفسهم من أمرهم أو أمر الناس شيئا ، لأنهم عباد أمثالكم لا فرق ~~بينكم وبينهم في معنى العبودية لله الواحد الذي لا إله إلا هو ، ولا شبيه ~~له ولا نظير ، ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) ذلك كله ، فكيف تحولون علمكم جهلا ~~بالسير في دروب الجاهلين؟ # * * * PageV01P170 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) @QUR@013 فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) (24) ### ||| ** بلاغة القرآن طريق لإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@02 وإن كنتم ) أيها الناس ، ( @QUR@06 في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~) بفعل استبعاد تصوراتكم أن يكون النبي بشرا ، أو أن تكون له من الأوضاع ~~والمميزات ما ترونه منافيا للموقع المميز للنبوة ، كالفقر والمنزلة ~~الاجتماعية العادية وما إلى ذلك ، فإننا ندعوكم ، لرفع هذه الشكوك والشبهات ~~، إلى دراسة هذا التنزيل القرآني الذي لم تألفوا مثل فصاحته وبلاغته في ~~أساليبكم ومحاوراتكم ؛ والذي ms0114 يتحداكم في أن تحاكوه ، ( @QUR@04 فأتوا بسورة ~~من مثله ) من دون تحديد لحجم السورة وطبيعتها ومضمونها ، فتكون لكم حرية ~~الاختيار في رد التحدي بما يتناسب مع إمكاناتكم البلاغية إذا لم تنفتحوا ~~على إمكانات علمية أو فكرية مما PageV01P171 # تتضمنه هذه السورة أو تلك. # وإذا كنتم لا تملكون القدرة الذاتية على ذلك ، فاعملوا على أن تستعينوا ~~بالذين ترون فيهم القدرة العالية على القيام بالأمور الصعبة ، ( @QUR@02 ~~وادعوا شهداءكم ) الذين اتخذتموهم آلهة ( @QUR@03 من دون الله )، وزعمتم ~~أنهم يملكون القوة الكبيرة التي تميزهم عن الناس ، واعتقدتم أنهم يشهدون ~~لكم ، في حضورهم القوي الفاعل الذي يتدخل لإعانتكم ، في ما لا تقدرون عليه ~~( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في دعواكم والتزامكم بالشرك. # ( @QUR@03 فإن لم تفعلوا ) أي لم تستطيعوا القيام بذلك ، ( @QUR@02 ولن ~~تفعلوا ) لأن القضية أكبر من طاقة البشر ، وبالتالي لا يملك إنسان أن يجيب ~~على هذا التحدي ، مما يدل على أنه ليس كلاما صادرا من محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو صادر من الله سبحانه ، ليكون ذلك دليلا على ~~صدقه في رسالته ، وانطلاقه من الوحي الإلهي في كل ما جاء به ، الأمر الذي ~~يفرض عليكم الإيمان به ، وبرسالته ، والاتباع له في شريعته في كل أوضاعكم ~~وأعمالكم ، لأن ذلك هو الذي ينقذكم من غضبه وسخطه وعذابه ، ( @QUR@06 ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة )، مما يميزها عن غيرها من ~~النيران التي توقد أولا بالوقود المألوف من الخشب ونحوه ثم يلقى فيها ما ~~يراد إحراقه بها ، ولكنها توقد بما تحرقه من الناس والحجارة التي تتحول إلى ~~جمر متقد ، فهي موقده لهم وبهم ، ( @QUR@02 أعدت للكافرين ) بالله ، ~~وبرسوله ، وبرسالاته ، واليوم الآخر بعد قيام الحجة عليهم بذلك ، مما جعل ~~كفرهم منطلقا من موقع التمرد لا من موقع القناعة الفكرية ، فاستحقوا عذاب ~~المتمردين. # هذه هي إحدى الآيات التي واجه القرآن بها حالة الشك والجحود التي قابل ~~بها المشركون النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في ما أوحي إليه ، باعتباره ~~جهدا بشريا لا يدعم دعوى الرسالة التي لا بد لها من الارتباط بالوحي الإلهي ~~والانطلاق PageV01P172 # منه ms0115 ، وذلك على الرغم من الآيات والبينات التي قدمها إليهم كدليل على ذلك ~~، فلم يفكروا ، ولم يتحركوا في اتجاه إدارة الحوار معه بالأسلوب العقلي ~~للتفكير ، ليصل الحوار إلى النتيجة الطبيعية التي تثبت أنه رسول الله ، فلم ~~يبق أمامه إلا التحدي الصارخ ، الذي لا ينطلق من المواجهة الهادئة التي ~~تخاطب الفكر ، بل يتحرك بهزة عنيفة تتحدى الفكر والشعور والكرامة ، في ~~محاولة لتعرية حالة الشك ، وتجريدها من مبرراتها أمام أنفسهم وأمام الآخرين ~~، عند ما ينكشف لهم أنهم لا يملكون أية إمكانية لمواجهة التحدي بمثله ، بما ~~يملكونه من أدوات المواجهة في مثل هذه الحالات التي يستثيرون فيها كل القوى ~~الذاتية في أعلى درجاتها الثقافية والفنية. # * * * ### ||| ** القرآن يقطع ، في تحديه ، أعذار الكفار # لقد مثلت هذه الآية قمة التحدي ، في طبيعة الموضوع الذي طرحته عليهم ، ~~وفي الأسلوب المثير الذي حشدت فيه أقوى أنواع الإثارة النفسية التي تثير حس ~~الكرامة فيهم ، كأعمق ما يكون ، بما لا يترك مجالا للاستمرار في أجواء ~~اللامبالاة ، ولا سيما في تلك البيئة العربية التي تنفعل بأسباب الإثارة ~~الذاتية على مستوى الفرد والقبيلة ، مما يجعل للأشعار والخطب المنقولة عنهم ~~، طابع الحماسة المشحونة بالفخر والتحدي والاعتزاز وإباء الضيم ، فقد أرادت ~~منهم الآية أن يأتوا بسورة من مثل القرآن ، أيا كانت طبيعة تلك السورة ، في ~~الموضوع وفي الكمية ، فتركت لهم الحرية في اختيار أقصر سورة في كلماتها ، ~~وفي بساطة موضوعاتها ، وسهولة معانيها. # وقد كان التحدي في بداياته يطرح فكرة الإتيان بمثل القرآن ، من دون أن PageV01P173 # يحدد حجما معينا للمقدار ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@019 قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا ) [الإسراء : 88] ، ثم بدأ التحديد في عملية تدريجية ، ~~فألقى عليهم فكرة الإتيان بعشر سور مثله مفتريات ، مهما كان حجم السورة ~~وبساطتها وسهولة أفكارها ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@033 أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين* فإلم يستجيبوالكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا ms0116 إله إلا ~~هو فهل أنتم مسلمون ) [هود : 13 14]. # وهكذا نجد أن الله لم يترك لهم أي مجال لعذر في ما إذا أرادوا أن يتلمسوا ~~الأعذار المألوفة في مثل هذه الحالات ، من مشاغل الحياة ومتاعبها ، لأن ~~التحدي في صيغته الأخيرة دعا إلى الإتيان بسورة واحدة ، من دون تحديد لأي ~~منها ، تاركا لهم حرية اختيار السورة التي يريدون. ومن المعلوم أن في ~~القرآن سورا كبيرة من حيث عدد الآيات ، وسورا قصيرة لا تتجاوز الثلاث آيات ~~، مما شأنه أن يقطع الطريق أمامهم من مثل هذه الأعذار. # وهنا قد نلاحظ أن الآية قد طرحت أمامهم فكرة الإتيان بمماثل لسورة من سور ~~القرآن ، لا الإتيان بسورة بعينها ، لئلا يعتذروا ، كما يحلو للبعض أن يقول ~~، بأن ذلك لا يرتبط بالإعجاز ، لأن لكل إنسان أسلوبا متميزا عن أسلوب ~~الآخرين من حيث الخصائص الذاتية التي تحكم الأسلوب وتوجهه ، فقد لا يستطيع ~~الإنسان في أغلب الحالات أن يأتي بالأسلوب نفسه لكاتب مثله ، لا لعجز في ~~المستوى الفني ، بل لاختلاف العوامل الذاتية التي تؤثر فيه ، ولا تنفصل ~~عنه. وبذلك ، كانت المماثلة المطلوبة هي التي طرحها القرآن الكريم ، لأنها ~~من الأمور الممكنة للذين يملكون القدرة الفنية التي تتيح لهم مراعاة ~~الخصائص البلاغية الكامنة في عناصر الأثر النفي ، بكل دقائقها وأسرارها ~~الخاصة والعامة ، لينكشف لهم ، من خلال عجزهم عن الإتيان بالمماثل الذي ~~يجمع عناصر السورة لا نفسها ، أن القضية ليست قضية جهد بشري رفيع PageV01P174 # المستوى ، بل هي قضية الوحي الإلهي الذي لا يبلغ البشر مداه ، ولا ~~يرتفعون إلى مستواه. # * * * ### ||| ** القرآن يتحدى الكفار وآلهتهم # أما عناصر الإثارة التي اشتملت عليها آية التحدي مع ما بعدها ، فهي ~~التوجه إليهم بدعوة # شهدائهم الذين يدعونهم من دون الله ليشهدوا لهم أو ليعاونوهم وهو الأقرب ~~باعتبار القوة الهائلة التي يزعمونها لهم ، مما يجعل القضية لا تقف في ~~مستوى قوتهم الذاتية فحسب ، بل تتعداهم إلى شهدائهم الذين يمكن أن يكون ~~المقصود بهم الشركاء الذين يعبدونهم من دون الله ، ويرون فيهم القوة التي ~~تقترب من الله. وبذلك ، كان التحدي ms0117 يواجه كل القوى الذاتية وغير الذاتية ، ~~مما يملكونه لدى شركائهم الذين يدعون من دون الله. وهذا من أبلغ حالات ~~التحدي التي تعمل على كشف تفاهة ما لدى الشركاء ، إلى جانب تعرية حالة الشك ~~المزعومة لديهم بتجريدها من كل مبرراتها. ثم نواجه في الآية التأكيد الحاسم ~~بأنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي بمثله في المستقبل ، كما في الحاضر ، لأن ~~القضية لا ترتكز على حالة آنية ، أو مستوى محدود قابل للتطور في المستقبل ، ~~بل ترتكز على الطبيعة البشرية ، التي لا تستطيع من خلال إمكاناتها الذاتية ~~مواجهة ذلك. # ثم يمعن في الإثارة التي تقودهم إلى التجربة لئلا يقول قائل : إن القوم ~~لم يجدوا ما يدعوهم إلى الإلحاح في المواجهة ، فلا نستطيع أن نعتبر عدم ~~التجربة دليلا على العجز ، فيواجههم بضرورة الإيمان المتمثل بمراقبة الله ~~من ناحية عملية في ما يعتقدونه وفي ما يعملونه ، ليجنبوا أنفسهم ( @QUR@05 ~~النار التي وقودها الناس والحجارة ) المعدة للكافرين ، فإن في هذا الوصف ~~إيحاء بعظمة النار PageV01P175 # وشدة لهبها وحرارتها ، التي تحول الحجارة إلى جمر يتوقد ويشتعل ، وتحقيرا ~~للكافرين بمقارنتهم بالحجارة في النار ، مما يؤجج في نفوسهم حس الكرامة ، ~~فيدعوهم إلى رد التحدي ، ومحاولة المجابهة التي يرجعون منها خاسرين. # * * * ### ||| ** الإعجاز البياني ، سر التحدي القرآني # وقد يتساءل الكثيرون عن سر التحدي القرآني المتمثل في الإعجاز؟ # ونجيب : إنه الإعجاز البياني الذي تصل فيه الناحية التعبيرية في الكلمة ~~إلى أعلى مستوى من الفن والروعة والأداء ، بحيث تلحظ كل الجوانب المحيطة ~~بالكلمة ، وبالموقف ، وبالإنسان ، في الامتداد الرحب للحياة ، من دون أن ~~يتغلب جانب على آخر ، بل هو التناسب والتوازن في الحركة والحرف والأسلوب ، ~~والروح المتدفق بالحياة ، المناسب بالسحر والروعة والقوة والجلال. # وذلك هو سر القرآن الخالد في كلماته وآياته ، التي تضج بالحركة ، فتحس ، ~~وأنت تقرأه ، بالتجدد يملأ روحك وقلبك وضميرك ، ويحرك حياتك لتسمو ، وترق ، ~~وتصفو ، وتتعمق ، وتنساب ، في عمق الفكرة ، وإشراق الإيحاء ، وسماحة ~~الأسلوب. # وذلك هو سر الكلمة التي لا تموت ، لأنها انطلقت من الحياة الكبيرة ~~الممتدة ، لتمنح الأرض والإنسان سر الحياة التي تتجدد ، ولتشير إلى ms0118 الدرب ~~الذي يتخذ من الموت جسرا تسير عليه الحياة إلى العالم السر مدي الذي يخجل ~~الموت أن يمر على وهمه في خفة الضلال ، لأن الموت يختبئ حيث تعيش الأشباح ~~السوداء في عتمة الحياة ، أو حيث يتجمد الصقيع في وحشة الضباب PageV01P176 # وبرودته ، فلا يقترب من الصحو الذي يتوهج فيه النور ، كمثل الحلم الوردي ~~السابح في بحيرات الصفاء ، في وداعة الروح ، حيث تنطلق الرؤية في وضوح تخجل ~~أمامه كل نوازع الشكوك. وذلك هو السر الذي يطوف بالكلمات ، فتمتد في أعماق ~~الروح حبا ، وروحانية ، وفكرا ، وحياة. # ولسنا ، هنا ، في معرض التحليل الفني للإعجاز البياني في القرآن ، فلذلك ~~مجاله الواسع في علوم البلاغة والأدب ، ولكننا ، هنا ، من أجل أن نؤكد ~~حقيقة قرآنية ملموسة ، وهي أن أي تحليل أو تصوير للقرآن في معانيه وأسراره ~~، أو أي بحث للأسرار البلاغية الكامنة في كلماته وآياته ، لن تستطيع أن ~~تجسد الحالة الروحية والشعورية والفكرية التي تغمر الإنسان وهو يقرأ القرآن ~~أو يستمع إليه ، لأن القضية ليست قضية المقاييس الفنية للجمال الأدبي ، بل ~~هي الروح الغامضة الرائعة المنسابة في الحروف والكلمات والمعاني والأسلوب ، ~~فإنك تشعر بها ، وهي تتصاعد في مشاعرك وأفكارك وآفاقك في عالم من السمو ~~الإلهي الذي لا يدرك الإنسان مداه. # * * * ### ||| ** معاني القرآن أكبر من اللغة وقواميسها # ولعل القيمة ، كل القيمة ، أن تقرأ القرآن أو تستمع إليه ، لا لتتجمد ~~أمام كتب اللغة في تحديد معاني الكلمات ، أو لتطوف في آفاق كتب الأدب ~~والبلاغة ، لتجعل لكل جملة أجواءها الجمالية ومقاييسها الفنية ، بل لتشعر ~~بأن الوحي القرآني الذي تعيشه في داخل الكلمات ، وفي ما بينها ، وأمامها ~~وخلفها ، هو الشيء الذي يغمر كيانك ، ويفتح قلبك على عالم من المعاني ~~والأضواء والألوان والمشاعر والظلال ، التي تجعلك تحس بالمعنى وهو يتسع ~~ويتسع حتى تتلاشى الكلمة ، فلا تعود حروفا تقبع في كتب اللغة ، بل معاني PageV01P177 # تنطلق في رحاب الحياة ، لتوحي للإنسان ، وقد ارتفع إلى المستوى العظيم ~~حيث تغمره الألطاف الإلهية ، بروعة القرب إليها ، روعة نجواها الخالدة خلود ~~الحياة في الأبد ، بالأسرار الخالدة. # * * * ### ||| ** ضرورة انسجام ms0119 التحدي وإبداعات المجتمع # هذا ما نفهمه من طبيعة التحدي القرآني الذي أطلقه القرآن بآياته .. إنه ~~التحدي بالكلمة التي كانت سر القيمة لدى المجتمع الذي ولدت فيه الرسالة ~~وعاشت .. ولكي يكون التحدي تحديا ، لا بد من أن يوجه إلى المجتمع الذي ~~تتحرك فيه الرسالة عند ما يضع أمامها العقبات أو التحديات ، ليمنعها من ~~الاستمرار والتقدم في الوصول إلى أهدافها الكبرى. ولا بد للتحدي إلى جانب ~~ذلك من أن يكون في الإطار الذي تتجمع فيه الطاقات المبدعة للمجتمع ، ~~لتتضاءل تلك الطاقات أمام الرسالة ، فتسير معها في فعل إيمان ، أو لتنسحب ~~من ساحة الصراع وهي تجر أذيال الهزيمة ، لتكون الانطلاقة من موقع القوة في ~~إطار الفكرة ، كما هي القوة في موقع الحياة. # وعلى ضوء ذلك ، نفهم كيف كانت معجزة موسى عليه السلام التي تحدت إبداع ~~السحرة بإعجاز السحر ، وكيف كانت معجزة عيسى عليه السلام التي تحدت عظمة ~~الطب ، بإعجاز تتضاءل أمامه كل قوانين الطب وقواعده. ومرت المسيرة ، وتراجع ~~الفكر عن التحدي ، ليفسح في المجال للغوغاء التي لا يمكن للحياة أن تحتضن ~~أصواتها باستمرار إلا ريثما يستسلم الإنسان ولبعض لحظات ليقظة الفكر ، ~~وصفاء الوجدان ، وإشراقة الروح ، حيث تتبخر كل السحب ، وتخفت كل الأصوات. PageV01P178 # وليس معنى ذلك ، أن قصة المعجزة تتحرك في إطار المجتمع الذي تبدأ فيه ~~الرسالة حركتها ، فلا تتجاوز إلى غيره ، لتكون المعجزة حدثا طارئا في حياة ~~الرسول ، وفي حركة الرسالة ، فليس ذلك هو ما نحاوله ، لأننا نعتبر المعجزة ~~ضرورة حية لتأكيد علاقة الرسالة بالله باعتبارها عملا خارقا للقوانين ~~الطبيعية المألوفة في الحياة ، من دون أن نسيء إلى قانون السببية الذي جعله ~~الله في الكون في علاقة الظواهر العامة بأسبابها ، لأنها لا تخرق القانون ~~بل تتحرك في النطاق الخفي في حركته الكونية لتكون اختراقا للقانون العادي ~~لا للقانون من حيث المبدأ ، بمعنى أنه ليس من الضروري أن تكون خرقا له ، ~~لكن لا مانع من ذلك إذا انطلقت حكمته تعالى في تعلق إرادته بها بشكل مباشر. # وبذلك ، فإن المعجزة تشكل القاعدة التي تنطلق منها ms0120 الرسالة ، لتؤكد ~~شرعيتها في إخضاع الحياة لمفاهيمها وشرائعها على أساس ما تمثله من إرادة ~~الله ، كما أنها تشكل القوة الصادمة للقوى المناوئة ، بحيث لا تسمح ~~لاستفزازاتها بأن تشوه وجه الدعوة ، أو تحرفها عن مسيرتها القوية ، لا سيما ~~في بداياتها الأولى ، لئلا تبدأ بداية ضعيفة يحوطها الغموض ، وتنتابها ~~الشبهات. # وذلك لأن خصوم الدعوة ، في بداياتها الأولى ، يمثلون القوى الطاغية ~~الغاشمة ، التي تقف ضد امتدادها وانتشارها ، وتمنع الآخرين من الدخول في ~~عملية حوار مع الدعوة حول القضايا التي تطرحها والمفاهيم التي تحملها ، ~~الأمر الذي قد يفسح في المجال للأوهام والأضاليل والشبهات ، بالانتشار ، ~~لتؤخر مسيرتها وتشوه صورتها ، كما نلاحظ ذلك في الأساليب التي كان يتبعها ~~فرعون ضد موسى عليه السلام بالتهوين من شأنه ، والحط من قدره ، لتشويه صورة ~~الرسالة التي يدعو إليها ، والوقوف أمام كل تحرك عملي يحاوله موسى ~~عليه السلام في سبيل الوصول إلى أفكار الناس وقناعاتهم. # وهذا ما استطاع موسى عليه السلام أن يحطمه بمعجزة العصا التي PageV01P179 # ( @QUR@03 تلقف ما يأفكون ) [الأعراف : 117] ، فكانت صدمة عنيفة قوية هزت ~~كيان السحرة حتى خروا ساجدين من دون انتظار لأي شيء ، مما خيل لفرعون ، أو ~~هكذا حاول أن يوحي لقومه ، بأنها مؤامرة بين موسى عليه السلام وبينهم ~~باعتبار أنه كبيرهم الذي علمهم السحر. وهذا ما فعله كل الأنبياء الذين ~~جاؤوا بالمعجزات لتحطيم الحواجز الضخمة التي أقامها خصومهم أمام الرسالات ، ~~وانطلقوا بعد ذلك لمواجهة الصراع من موقع القوة التي هزمت أعداءها في ~~الداخل ، وإن ظلوا متماسكين في ظاهر الأمور. # * * * ### ||| ** القرآن والجوانب الإعجازية غير البلاغية # هل هناك جوانب أخرى للإعجاز في التحدي القرآني؟ # قد يجد الكثيرون من المفسرين أن الإعجاز القرآني لا يقتصر على الجانب ~~البياني ؛ فيذكرون معه الإعجاز العملي ، لاشتمال القرآن على الإشارة إلى ~~بعض القضايا العلمية التي لم يكتشفها الإنسان إلا بعد وقت طويل ، أو التي ~~كانت معروفة لدى اليونانيين وغيرهم من دون أن تكون هناك أية وسيلة معقولة ~~لوصولها إلى النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم ، أو إلى المجتمع الذي عاش ~~فيه ، فقد كان ms0121 المجتمع مجتمعا جاهليا يفقد الاهتمامات التي تدفعه إلى البحث ~~والتعمق والسفر من أجل المعرفة الشاملة ، بل كانت ثقافته واهتماماته تدور ~~حول ما يشارك فيه الناس من قضايا الشعر والنثر المحدودة الأفق ، الضيقة ~~المعاني ، في امتداد الفكر وسعته ، ولم تكن للنبي محمد صل الله عليه وآله ~~وسلم ثقافة ذاتية يتميز بها عن ثقافة قومه ، لأنه لا يملك الوسائل الكفيلة ~~بانفتاحه على هذه الثقافة من قراءة أو كتابة أو ممارسة دائبة لأصحاب الفكر ~~والمعرفة في نواديهم ومجتمعاتهم. PageV01P180 # وهكذا رأينا الكثيرين يطرحون الإعجاز العملي كمظهر من مظاهر التحدي ~~القرآني ؛ فيتحدثون عن كروية الأرض التي أشارت إليها الآيات التي تتحدث عن ~~( @QUR@04 رب المشرقين ورب المغربين ) [الرحمن : 17] ، أو ( @QUR@03 برب ~~المشارق والمغارب ) [المعارج : 40] ، باعتبار أننا لا نفهم معنى معقولا ~~لتعدد المشارق والمغارب إلا من خلال كروية الأرض التي نجد فيها الشمس تشرق ~~عندنا وهي تغرب عند قوم آخرين ، وبالعكس ، أو من خلال قانون الزوجية في ~~الكون ، ( @QUR@07 ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) [الذاريات : 49] ~~وغير ذلك من الأسرار التي لم يكتشفها الإنسان إلا بعد حين. # وقد يذكرون إلى جانب ذلك الإعجاز الغيبي من خلال إخبار القرآن بالمغيبات ~~كشاهد على إعجاز القرآن ، ويتحدثون في هذا المجال عن قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 الم* غلبت الروم* في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) ~~[الروم : 1 3]. # فقد ذكر المفسرون في أسباب النزول أن الفرس تغلبوا على الروم ، فشمت ~~المشركون بالمؤمنين ، باعتبار أن الروم يلتقون مع المسلمين على أساس ~~الإيمان بالله الواحد ، فنزلت الآية لتخبر بالانتصار المستقبلي للروم على ~~الفرس ، وقد حدث ذلك في سنوات قليلة ، كما جاء في الآية الكريمة ، ثم ~~يتحدثون عن آيات أخرى في هذا المجال. # وقد يذكرون في معرض الحديث عن الإعجاز القرآني نظامه وتشريعه المعجز الذي ~~أثبت قدرته على الصمود والاستمرار أمام التطورات والمتغيرات الحياتية ، فلم ~~يعرض عليه أي خلل في حل مشاكل الإنسان والحياة ، بل استمرت الأصالة ~~الإسلامية في التشريع ثابتة من أجل أن يتطور الإنسان نحو المستقبل الأفضل ~~بدلا من أن يتطور نحو الانحراف. # ثم ms0122 تتنوع الأحاديث في قضية الإعجاز حتى تصل إلى الإعجاز العددي PageV01P181 # الذي يعتمد على اكتشاف التناسب العددي في ألفاظ القرآن الكريم ، فنجد ~~تساويا في عدد المرات التي ذكرت فيها الدنيا مقارنا بعدد مرات ذكر الآخرة ، ~~إذ تكررت كل منهما 115 مرة على الرغم من اختلاف مواردهما ، ونلاحظ تساويا ~~في عدد ذكر الملائكة وعدد ذكر الشياطين ، إذ وردت كل منهما 88 مرة ، وهكذا ~~تتسع الشواهد حتى تشمل الكثير من كلمات القرآن مع اختلاف مواردها وتنوعها. # أما ملاحظتنا على ذلك فهي ، أن هناك أسلوبين في قضية إثبات صدق النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وصدق القرآن. # الأسلوب الأول : هو الأسلوب الذي يعتمد على الحوار الهادىء فيثير الفكرة ~~المضادة أمام البحث ويناقشها ويحاكمها ويستمع إلى ردود الفعل المختلفة ~~فيرجع إلى الفكرة من جديد .. وهذا هو الأسلوب الغالب في القرآن ، حيث نجد ~~أمامنا الحوار الذي أداره مع الكافرين في التهم التي وجهت إلى شخص الرسول ~~في صفاته الذاتية من جهة ، وإلى القرآن وعلاقته بالله أو بالرسول من جهة ~~أخرى ، فقد حدثنا عن صفة الشاعر والساحر والمجنون وغيرها من الصفات التي ~~أثيرت حول شخص الرسول للتهوين من شأنه ، وللتخفيف من تأثيره ، وكان للأسلوب ~~القرآني الحكيم ، الجو الهادىء الذي يتابع الكلمات بروح هادئة ، أو بكلمات ~~قوية واضحة ، ليعين الآخرين على التأمل العميق من موقع الفكر المسؤول. # وقد أثيرت حول القرآن عدة أفكار سلبية في مجتمع الدعوة الأول ، منها أنه ~~من تعليم البشر ، وكانت الفكرة تشير إلى غلام رومي في مكة كان النبي يجلس ~~إليه في بعض الأوقات وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@016 ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ~~[النحل : 103]. PageV01P182 # ومنها : أنه من وحي الثقافة الذاتية المكتسبة بالقراءة والكتابة ، وذلك ~~هو قوله تعالى : ( @QUR@013 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون ) [العنكبوت : 48]. # ومنها : اعتبار القصص القرآني من أساطير الأولين اكتتبها النبي فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا. وذلك قوله تعالى : ( @QUR@09 وقالوا أساطير الأولين ~~اكتتبها فهي ms0123 تملى عليه بكرة وأصيلا ) [الفرقان : 5]. # وقد أثار القرآن قضية المصدر الإلهي للقرآن ، من خلال الدعوة إلى التدبر ~~فيه لاكتشاف الوحدة الفكرية التي تربط بين كل آياته على الرغم من اختلاف ~~موضوعاته ، وتباعد أزمان نزوله ، وذلك هو قوله : ( @QUR@09 أفلا يتدبرون ~~القرآن ولو كان من عند غير الله (1) @QUR@04 لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ~~[النساء : 82]. # كما عالجها من ناحية أخرى ، فركز على الدعوة إلى دراسة تاريخ النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، قبل الدعوة ، وخلوه من أية إشارة إلى ما استقبل به ~~الناس من القرآن والدعوة والعمل ، مقارنا بتاريخه بعد الدعوة ، على أساس أن ~~أية فكرة يهجس بها الإنسان أو يعمل على إثارتها في حياته وحياة الآخرين ، ~~لا بد من أن تظهر على فلتات لسانه أو تصرفاته العملية ، لأن الإنسان لا ~~يستطيع أن ينفصل عن شخصيته الفكرية والروحية مهما جاهد في إخفاء ملامحها ~~ونوازعها وأطماعها ، ولا سيما إذا كانت القضية في حجم الرسالة الإسلامية ~~وتطلعاتها المستقبلية ، مما يصعب على الشخص أن يبتعد عن تأثيراته في حياته ~~العملية وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@022 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا ) [الشورى : 52]. ( @QUR@018 قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ~~أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) [يونس : 16]. # وقد نستطيع الحديث عن صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ، وفي ~~قرآنه ، من PageV01P183 # خلال الدراسة الموضوعية الشاملة التي تدرس حياة النبي في نشأته ، وبيئته ~~، وعلاقاته العامة والخاصة ، للتعرف على المؤثرات التي يمكن أن تكون قد ~~ساهمت في صنع شخصيته المستقبلية بكل ما تشتمل عليه من دعوات وأحداث ، مع ~~المقارنة بما يشتمل عليه القرآن ، وما تتسع له الشريعة الإسلامية من حقائق ~~كونية ، ومفاهيم حياتية ، في جميع مجالات الحياة ، لننتهي إلى النتائج ~~الحاسمة التي تربط القرآن بالله وتبعده عن الانتساب إلى محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # الأسلوب الثاني : هو أسلوب التحدي الذي يعتمد على الصدمة الفكرية أو ~~الحسية التي ms0124 تحيط بالإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ، في ~~عملية تشديد وتهويل وإثارة ، فتتحدى فيه كل طاقاته ، لتعريه أمام نفسه ~~وأمام الآخرين ، ليتصاغر أمام جبروت القدرة ، ويستسلم لرسالتها وشريعتها ~~على أساس الشعور بالعجز المطلق أمام القدرة المطلقة. # وعلى ضوء ذلك ، نجد أن التحدي القرآني لم ينطلق إلا في إطار الجو الذي ~~يملك المشركون أمر التحرك فيه ، وهو الجانب البياني ، أما الجانب العملي أو ~~التشريعي أو الغيبي ، فهو من الجوانب التي تنهض دليلا على صدق القرآن في ~~إطار الأسلوب الأول الذي يتميز بالحوار الهادىء الذي يريد للفكر أن يناقش ~~الموقف بموضوعية وهدوء وليس في إطار التحدي ، لأن التحدي لا يعني شيئا في ~~المجال الذي لا يملكون أمر المعرفة له ، فقد يكون لهم أن يعتذروا بعدم ~~الاختصاص أو بغير ذلك من الأمور التي تمنعهم من مواجهته بمثله. # وقد يقال إن التحدي موجه للناس كافة ، فلا بد من أن يكون في إطار يشمل كل ~~الجوانب التي يمكن أن تثار أمام الناس ، بمختلف فئاتهم ، في أجواء التحدي. # ولنا أن نجيب أولا : إن التحدي لا يمكن أن يتحرك في فراغ في عصر PageV01P184 # نزول القرآن ، بل لا بد له من أن يتوجه إلى الناس المعاصرين للدعوة ~~باعتبارهم القوة التي تحتاج إلى صدمة التحدي لتلقي سلاحها أمام الدعوة ~~الجديدة. ويمكن لهذا التحدي أن يثبت وجوده ويستمر في كل المجالات ، وليس من ~~الضروري أن يتسع التحدي لكل الاختصاصات ، بل يكفي فيه أن يكون معجزا ولو في ~~بعض المجالات التي تثبت ارتباط الرسول بالقوة الإلهية ، كما نلاحظ ذلك في ~~معاجز سائر الأنبياء. # وثانيا : إننا نلاحظ أن التحدي قد طرح فكرة الإتيان بسورة واحدة ، أو ~~بعشر سور مثله ، ونحن نعلم أن في السور القرآنية ، ولا سيما السور الصغيرة ~~منها ، ما لا يشتمل على أية قضية علمية أو تشريعية أو غيبية ، فكيف يمكن أن ~~يكون التحدي منطلقا في هذه الاتجاهات. أما الآية التي تحدت بالقرآن ، فلا ~~يظهر منها أن المقصود فيها بالقرآن هو مجموع ما بين الدفتين ، بل الظاهر ms0125 هو ~~غير ذلك ، باعتبار أن هذه الآية هي جزء من القرآن ، كما أن نزولها لم يكن ~~في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ربما كان في وقت قريب من بداية ~~الدعوة كما توحي به طبيعة التحدي في مراحله الأخيرة السابقة ، وقد نستطيع ~~تأكيد ذلك بما قرره العلماء ، وهو أن مصطلح القرآن يطلق على الآية ، وعلى ~~السورة ، وعلى المجموع ، فلعل المراد منه الطبيعة القرآنية بنوعها في ~~خصائصها الذاتية من دون نظر إلى كمية الآيات قلة وكثرة. # ثم إن قضايا العلم والغيب لا يمكن أن تكون مجالا للتحدي من خلال شخصية ~~النبي ، وطبيعة البيئة التي عاش فيها ، ونوعية المرحلة الفكرية التي وصل ~~إليها عصره. أما من ناحية طبيعة الموضوع ، فلا مجال للتحدي ، لأن الوصول ~~إلى هذه النتائج ولا سيما العلمية لم يعجز الإنسان في الماضي ولا في الحاضر ~~، وقد وصل الإنسان إلى بعض الأفكار في مجتمع غير مجتمع النبي ، سواء في ~~عصره أو في العصور المتأخرة عنه ، وهذا ما لا تستجيب له آيات التحدي في ~~القرآن ، لأن الظاهر منها انطلاق التحدي من الطبيعة القرآنية PageV01P185 # للكلمة بعيدا عن شخصية النبي وظروفه الموضوعية وطبيعة المرحلة الفكرية ~~للمجتمع ، وهناك نقطة جديرة بالتأمل نثيرها أمام الإعجاز بالغيب ، فإن ~~الغالب في الأحاديث التي تفسر آيات الغيب ببيان أسباب النزول ، أنها منقولة ~~بطريق الأخبار الظنية التي لا تفيد قطعا وقناعة حاسمة بالنسبة للخصوم ، مما ~~لا يدع مجالا لإقناع الآخرين بذلك ، لأن بإمكانهم أن يفسروا الآيات بما لا ~~يتناسب مع هذه الفكرة. هذا مع التحفظ الشديد لكثير مما يثأر في تفسير ~~القرآن بالنظريات العلمية مما لا مجال لبحثه الآن لأننا بصدد بحث في ~~التفسير لا في علوم القرآن. # * * * ### ||| ** وقفة مع السيد الخوئي # وما دمنا في حديث عن الإعجاز القرآني ، تجدر بنا الإشارة إلى موضوع أثاره ~~أستاذنا المحقق الخوئي قدسسره في كتابه القيم « البيان في تفسير القرآن » ~~في حديثه عن الفرق بين معجزة النبي في قرآنه وبين معجزة سائر الأنبياء ، ~~بخلود معجزة الإسلام ، وهو القرآن ، وانقطاع معجزة ms0126 غير الإسلام من الأديان ~~الأخرى انطلاقا من خلود الإسلام في الزمن وعدم خلود غيره. قال ما نصه : « ~~قد عرفت أن طريق التصديق بالنبوة والإيمان بها ينحصر بالمعجز الذي يقيمه ~~النبي شاهدا لدعواه ، ولما كانت نبوءات الأنبياء السابقين مختصة بأزمانهم ~~وأجيالهم ، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد ومحدودة ، لأنها ~~شواهد على نبوءات محدودة فكان البعض من أهل تلك الأزمنة يشاهد تلك المعجزات ~~فتقوم عليه الحجة ، والبعض الآخر تنقل إليه أخبارها من المشاهدين على وجه ~~التواتر فتقوم عليه الحجة أيضا. أما الشريعة الخالدة ، فيجب أن تكون ~~المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضا ، لأن PageV01P186 # المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد ، لم يشاهدها البعيد وقد تنقطع ~~أخبارها المتواترة ، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك ~~النبوة ، فإذا كلفة الله بالإيمان بها كان من التكليف بالممتنع ، والتكليف ~~بالممتع مستحيل على الله تعالى ، فلا بد للنبوة الدائمة من معجزة دائمة » (1). # أما تعليقنا على ذلك فمن جهتين : # 1 إن القضية التي أثارها سيدنا الأستاذ لا تدور مدار الخلود وعدمه ، بل ~~تتحرك في إطار إمكانية حصول التواتر وعدم حصوله ، وهذا أمر مشترك بين ~~الشريعة الخالدة والشريعة المحدودة بزمن طويل يرقى إلى مئات السنين ، فإن ~~من البعيد أن نحصل على التواتر في جميع الطبقات في المدة المتطاولة التي قد ~~ترقى إلى خمسمائة سنة أو أكثر كما في رسالة المسيح عليه السلام ، وفي هذه ~~الحال يعود السؤال في تلك الشريعة : كيف يمكن أن يكلف الله الناس بالإيمان ~~بها مع عدم إمكان ثبوت المعجزة لهم بالمشاهدة والتواتر؟ فإذا قيل بإمكانية ~~حصول التواتر في ذلك المقدار من الزمان فلنا أن نقول به في الزمان الأكثر. # 2 إننا نعتقد أن هناك أساليب عقلية لإثبات النبوة من طريق المحاكمات ~~الفكرية التي جاءت بها الرسالات ، مما يشهد بصدق النبوة ، غير المعجزة التي ~~تأخذ جانب التحدي. ولعل التاريخ النبوي يدلنا على أن المعجزة التحدي ، لم ~~تكن هي الأساس في إيمان الناس بالنبي والنبوة ، بل كانت هناك عناصر أخرى ~~غيرها ، من معاجز ms0127 آنية ، أو معادلات عقلية ، كما نجد ذلك في رسالة نوح التي ~~كانت معجزتها الطوفان في نهاية عهدها الرسالي مع قومه ، وفي رسالة إبراهيم ~~التي كانت معجزتها الوقوع في النار من دون احتراق في وقت متأخر جدا عن ذلك ~~، وهكذا نجد في كثير من الرسالات الأخرى التي لم يحدثنا القرآن الكريم فيها ~~عن وقوع معاجز محددة في بدايات الرسالة. ونعتقد أن شخصية النبي في PageV01P187 # قداستها وامتدادها ، وأن النبوة في مضمونها الرحب العميق ، عند ما تتحول ~~إلى تيار جارف في الحياة العامة ، تحققان القناعة والانطباع العفوي لدى ~~الآخرين بصدق الرسول والرسالة. # إننا نحب إثارة هذه النقطة للمناقشة ، كمحاولة للخروج من الإطار الكلامي ~~الذي درج عليه العلماء في تفسيرهم لقضية النبوة وربطها بمعجزة التحدي ، ~~وإهمال الطرق العقلية ، كأساس للإيمان. # وقد أثرنا هذه المباحث في نطاق تفسير الآية باعتبار ما نستفيده منها من ~~طبيعة التحدي القرآني. وقد بقيت أمامنا أبحاث أخرى في العناصر الأساسية ~~للإعجاز وفي الشبهات التي تثار حوله ، قد تأتي في مجال آخر في ما نستقبله ~~من تفسير لآيات القرآن وسوره ، إن شاء الله. # * * * PageV01P188 ### ||| * الآيات # ( @QUR@034 وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) @QUR@040 إن الله ~~لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه ~~الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد الله بهذا مثلا يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) @QUR@020 الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ~~أولئك هم الخاسرون (27) @QUR@013 كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) (28) # * * * PageV01P189 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول عن ابن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله ~~سبحانه هذين المثلين للمنافقين يعني قوله : ( @QUR@05 مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا )، وقوله : ( @QUR@04 أو كصيب ms0128 من السماء ) قالوا : الله أجل ~~وأعلى من أن يضرب الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية. # وجاء في رواية عطاء عنه ، قال : وذلك أن الله ذكر آلهة المشركين فقال : ( ~~@QUR@04 وإن يسلبهم الذباب شيئا ) [الحج : 73] .. وذكر كيد الآلهة فجعله ~~كبيت العنكبوت ، فقالوا : أرأيتم حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت ، في ما ~~أنزل من القرآن على محمد ، أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية (1). # قد يكون السبب في نزول هذه الآية هو ما ذكر في هذا الحديث ، وقد لا يكون ~~ذلك هو السبب ، فإننا لا نثق بالكثير مما ينقل عن أسباب النزول ، ولا سيما ~~مع اختلاف الروايات ، كما في هذا المورد. # * * * ### ||| ** بشارة الآخرة # لقد جرى الأسلوب القرآني على الحديث عما ينتظر المؤمنين من رضوان الله ~~وثوابه جزاء لإيمانهم وعملهم الصالح في كل مورد يتحدث فيه عن الكافرين وعما ~~ينتظرهم من عذاب النار جزاء لكفرهم وطغيانهم. وقد جرت PageV01P190 # هذه الآية على هذا الأسلوب ، بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبشير ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار ، ~~والتي تشبه أثمارها أثمار الدنيا ، حتى يخيل إليهم أن هذه الثمرات امتداد ~~لما كانوا يجدونه منها في الدنيا لتشابهها. ثم يحدثنا الله عن المتع الحسية ~~التي تنتظرهم في الآخرة ، وذلك في ما يعده لهم من أزواج مطهرة ، بكل ما ~~تعنيه كلمة الطهارة من معاني الروح والجسد ، حيث تتم لهم بذلك نعم الله ~~وألطافه في حياة خالدة لا شقاء فيها ولا فناء ، بل هو الخلود السابح في ~~رحمة الله ورضوانه. # * * * ### ||| ** اللذة الحسية لا تتنافى والسمو الروحي # وقد يثير بعض الناس في هذا المجال تساؤلا عن مدى إمكانية انسجام الجانب ~~الحسي للمتع التي يعد الله بها عباده في الآخرة ، من لذائذ الطعام والشراب ~~والجنس وغيرها ، وطبيعة الآيات التي تعرضت لذلك بالجانب الرمزي ، الذي يعبر ~~عن المداليل المعنوية بالكلمات التي توحي بالمعاني الحسية كأسلوب من أساليب ~~تقريب الفكرة إلى الأذهان ، لأن الإنسان الذي يعيش عالم الحس ، لا يستطيع ~~إدراك عالم المجردات والمعاني في إطاره المادي الذي ms0129 يعيش فيه ، لأن الصورة ~~الفكرية تابعة للمشاهدات الحسية ، في ما يراد تجسيد الصورة له في وجدان ~~الإنسان وفكره ، فتنطلق المحاولة باعتماد وسائل الإيضاح الحسية ، تماما كما ~~هو الأسلوب العملي في تربية الأطفال ، لنقل المعاني إلى وجدانهم من خلال ~~الصورة المجسدة عندهم ، والمعروفة لديهم. # ولا ندري ما هو السبب في هذا كله ؛ هل هو الفكرة التي ترى في PageV01P191 # الجانب الحسي شيئا لا ينسجم مع طبيعة الجنة باعتبار ما يستلزمه ذلك من ~~إفرازات جسدية لا تتناسب مع قداستها ، أم هي الفكرة التي تجعل من الجنة ~~والنار رمزين لحقيقتين معنويتين يمثلان الإحساس الروحي بالرضى والسعادة ، ~~أو بالقلق والتعب والشقاء؟ ولكننا لا نستطيع الاقتناع بذلك ، لأن الفكرة ~~الأولى قد تكون خاضعة للرأي الذي يعتبر الملذات الحسية شيئا يتنافى مع ~~السمو الروحي الذي تمثله الدار الآخرة ، لأن المادة تمثل القذارة والانحطاط ~~، ولكنها فكرة غير إسلامية ، لأن الإسلام لم يرفض المادة من خلال طبيعتها ~~أو إفرازاتها ، بل جل ما رفضه منها ، ليس ما يتصل بها مباشرة ، وإنما ما ~~يتصل بموقفنا الإنساني منها لجهة الاستغراق في لذائذها بالمستوى الذي ~~يبعدنا عن الله ويدفعنا إلى تجاوز حدوده وعصيان أوامره. # وهذا ما نستطيع استخلاصه من الآيات الكريمة التي وجهت الإنسان إلى المتع ~~الحسية في الآخرة كبديل عن الحرمان الذي يعانيه من رفض ما يرفضه من ~~محرماتها ، إلى جانب المتع الروحية التي وعد الله بها المتقين ، وذلك في ~~أمثال قوله تعالى : ( @QUR@04 ورضوان من الله أكبر ) [التوبة : 72]. ولذا ~~لا نجد أي مبرر لتشويه تصور الإنسان للجانب الحسي أو المادي من حياته ، ولا ~~سيما في الإطار التربوي الذي يراد به بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة ~~للإنسان. نعم ، ما يجب الالتفات إليه دوما ، هو أن تكون العلاقة مع هذا ~~الجانب علاقة متزنة ومتوازنة لا يشوبها الاستغراق ، ولا تحول بين الإنسان ~~وبين التطلع نحو الله سبحانه وتعالى ، بحيث تشكل حجابا يغلف بصره وبصيرته ، ~~فلا يعود ينظر إلى الأمور كما هي ، ويفتقد معها التوازن الأخلاقي ولا سيما ~~في شخصيته. # * * * PageV01P192 ### ||| ** الدنيا والآخرة ليستا عالمين متضادين # أما الفكرة ms0130 الثانية ، فقد يكون الأساس فيها ، هو اعتبار عالم الآخرة عالم ~~الروح في مقابل عالم الدنيا الذي هو عالم المادة ، ولكننا لا نجد لذلك أي ~~أساس فكري في المفاهيم الإسلامية ، لأن التجريد الروحي الذي يمثل انفصالا ~~كاملا عن المادة بأشكاله المتنوعة ، والذي يمثل الفكرة التي تعتبر الجسد ~~سجنا للروح ، يرجع إلى الفلسفات اليونانية والهندية ، ولا يرتبط بالفكرة ~~الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة. أما ما نشاهده من تقرير هذه الفكرة ~~في كتب بعض الفلاسفة المسلمين ، فليس ناشئا في أغلب الظن من المصادر ~~الإسلامية الأصلية ، بل هو مرتكز على تأملات ذاتية مستمدة من ثقافات فلسفية سابقة. # ونحن لا نمانع في وجود ظلال لهذا التفكير في بعض اللمحات الخاطفة من ~~مصادر الفكر الإسلامي مما يمكن أن يتعلق به الإنسان في تقرير الفكرة ، ولو ~~من بعيد ، لكنا نريد تأكيد قضية حيوية جدا في دراستنا للفكر الإسلامي ، في ~~مفاهيمه ، وشريعته ، وهي أن الظواهر القرآنية هي الحجة التي ندين لله بما ~~تكشفه لنا من حقائق الإسلام ومفاهيمه ، إلا أن يقوم عندنا دليل آخر على ~~خلاف ذلك من عقل أو نقل. وعلى ضوء هذا ، نرفض كل الأفكار الباطنية التي ~~حاولت تفسير الآيات القرآنية تفسيرا رمزيا ، لا يستند إلى أسس عقلية أو ~~شرعية ، بل يرتكز على تأملات فلسفية ، أو شطحات صوفية .. # * * * ### ||| ** للذين آمنوا جنات تجري من تحتها الأنهار # وبشر الله في هذه الآيات ( @QUR@07 الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم ~~جنات ) تتنوع ، وتمتد أشجارها وأثمارها ، وتتحرك كل جمالاتها ، بما ينعش ~~الروح ، PageV01P193 # ويسحر البصر ، ويأخذ باللب ؛ ( @QUR@04 تجري من تحتها الأنهار ) المتدفقة ~~بالحياة الصافية ، العذبة ، الرقراقة ، التي تمنح الأرض الخصب والنمو ~~والحياة ، لتنبت من كل زوج بهيج ، ولتهتز بالخضرة المعشوشبة والثمار ~~اللذيذة. # ( @QUR@06 كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ) وتناولوه بأيديهم ، وحدقوا فيه ~~، وفي خصائصه ، وفي حجمه ، ولونه ، وشكله ، وتلذذوا بطعمه في عناصره الحلوة ~~الشهية ، ( @QUR@06 قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) في الدنيا فلم يتغير ~~علينا شيء مما ألفناه وعرفناه من الثمار ، ( @QUR@03 وأتوا به متشابها ) ~~يشبه بعضه بعضا في الشكل ، ولكنه يختلف في ms0131 طبيعته ، أو يشبه ثمار الدنيا ، ~~مع تميزه عنها في الجودة ، أو يشبه بعضه بعضا في الجودة ، ذلك أن لثمار ~~الجنة خصائصها التي تتميز عن كل ما في الدنيا من لذة ، كما قال الله في ~~الحديث عن كل ما في الجنة مما ينتظر المؤمنين والمؤمنات : ( @QUR@013 فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [السجدة : 17] ، ~~فلا يعرف الإنسان ماذا يتخير منها. # ( @QUR@04 ولهم فيها أزواج مطهرة ) من قذارة الروح والجسد ، وربما أريد ~~بهن الأبكار بقرينة ما ورد في القرآن عن الحور العين كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 إنا أنشأناهن إنشاء* فجعلناهن أبكارا* عربا أترابا ) [الواقعة : 35 ~~37] فتكون الطهارة كناية عن البكارة على هدى قوله تعالى : ( @QUR@06 لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) [الرحمن : 56]. وربما يقال : إن الأزواج جمع ~~زوج ، والزوج يطلق على الرجل والمرأة فيقال لكل واحد منهما زوج ، فتكون ~~الآية مسوقة للحديث عن أزواج الرجال المؤمنين من النساء المطهرات ، وعن ~~أزواج النساء من الرجال المطهرين ، ويكون تأنيث مطهرة بلحاظ الجمع وفيه ~~خفاء. ( @QUR@03 وهم فيها خالدون )، لأن الجنة هي دار البقاء من خلال ما ~~يعلمه الله من ذلك في ما قدره لعباده في الآخرة. # * * * PageV01P194 ### ||| ** الأمثال في القرآن # ( @QUR@040 إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ~~الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ). # إن الآية توحي بوجود حالة نفسية تحاول أن تفصح عما في داخلها من حالة ريب ~~أو اعتراض على ما يورده الله من الأمثلة المتعلقة بصغار الأمور وكبارها. ~~وربما أمكن للإنسان أن يستوحي منها وجود موقف مضاد ، على أساس فكرة خاطئة ~~تربط بين عظمة المتكلم وحجم القضايا التي يتحدث عنها ، فكانت هذه الآية ~~التي ترفض هذه الفكرة ، وتقرر مبدأ ضرب المثل ، في صغير الأمور وكبيرها ، ~~بطريقة حاسمة ، كأسلوب قرآني بارز في أغلب السور ، بعيدا عن كل وهم يعتبر ~~ذلك بعيدا عن مقام الله وعظمته ms0132 ، لأن دور المثل هو أن يقرب الصورة للناس ~~مما يعيشونه في حياتهم ، وفي ما يمارسونه من أعمالهم ، لتقترب بذلك الفكرة ~~التي يراد بها هدايتهم للحق من غير فرق في ذلك بين الصغير والكبير ، لأن ~~القضية ليست قضية صاحب المثل ، بل هي قضية الفكرة التي يثيرها في حياة ~~الناس ، وفي أفكارهم ، مما يدعو المتكلم إلى أن يتلمس كل الأشياء التي ~~تشارك في توضيح الصورة وتقريب الفكرة. # وعلى ضوء ذلك ، لم يكن أسلوب ضرب الأمثال بدعا من الأساليب ، بل هو نموذج ~~من الأساليب العامة التي يتداولها المتكلمون في الإقناع والهداية والتوجيه ~~للناس ، من أجل أن تجد الكلمة مجالا في وجدانهم إذا واجهوها من موقع ~~المسؤولية ، فترى المؤمنين يتقبلونها بإيمان وإذعان ، لأنهم يعرفون كيف ~~تتحرك الكلمة ، وكيف تتجه من موقع الفكر المتأمل ، فلا يخالجهم شك في ~~طبيعتها وفي عطائها. PageV01P195 # أما الكافرون الذين لم تنفتح قلوبهم للحق ، ولم يعيشوا مسئولية الكلمة في ~~حياتهم ، فلا يحاولون أن يتفهموا وجه الحق في ذلك ؛ بل يعملون على التهرب ~~من مواجهة المسؤولية بإثارة الاعتراضات والتساؤلات التي لا يريدون بها إلا ~~المشاغبة والتشكيك بعيدا عن أية رغبة في المعرفة ، أو نزوع إلى الإيمان ، ~~فيثيرون القضية في سؤال يوحي للآخرين بأنهم لم يفهموا ماذا أراد الله بهذا المثل. # وقد نستوحي من خلال هذا التساؤل أنهم يريدون التهرب من الحقائق الصارخة ~~التي يجسدها المثل لا سيما في النيل من معتقداتهم وتضليلاتهم وكفرهم ~~ونفاقهم ، فيواجهونه مواجهة عدم الفهم إمعانا في الهروب من تحديات الحق ~~الذي تمثله الرسالة للباطل المتمثل في خطواتهم الكافرة والضالة ، تماما كما ~~نشاهده في بعض الجماعات الكافرة التي تثير الضباب أمام الحقائق الدامغة ~~بطرح الأسئلة التي تجعل القضية تتحرك في أجواء بعيدة عن الحوار الجدي ~~العميق. # ولكن الله ، سبحانه وتعالى ، يواجه هذا التساؤل بالجواب الحاسم ، فيوحي ~~من خلال الآية بأن دور المثل هو إقامة الحجة للحق على الناس ، باعتباره ~~أسلوبا حيا من أساليب الاحتجاج للفكرة ، فأما المؤمنون فيتقبلونها بوعي ~~لأنهم ينفذون إلى أعماقها ، فتنفتح لهم منها آفاق المعرفة والإيمان ms0133 ، ~~فيهتدون بها ، وأما الكافرون فيهربون منها فيضلون بها. ثم حدد لنا هؤلاء ~~الذين يتجهون إلى الضلال أمام هذه الأمثال ، فوصفهم بالفاسقين الذين ~~يتجاوزون الحق إلى غيره. # أما نسبة الضلال والهدى إلى المثل الذي ضربه الله للناس ، وأراد أن يضل ~~به الكثير ويهدي به الكثير ، على حسب مضمون الآية ، فلعل الوجه فيه هو أن ~~وجود الحجة يحدد للناس الموقف الذي يقفونه من قضايا الكفر PageV01P196 # والإيمان والهدى والضلال ، فيهتدي به من ينسجم معه ، ويضل به من يبتعد ~~عنه ، تماما كما يقول الناس إن التجربة والامتحان يسقطان الناس أو ينجحانهم ~~، مع أن القضية هي أن الناس يسقطون أمام التجربة بالابتعاد عن أسس النجاح ، ~~وينجحون معها بالاقتراب من ذلك ، فهي السبب لكلا الموقفين ، باعتبار أنها ~~القاعدة التي أطلقت الموقف هنا وهناك ، وبذلك تبتعد الآية عن ملامح الفكرة ~~الجبرية التي تربط الضلال بالله بشكل مباشر. # ( @QUR@011 إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) أي : لا ~~يدع ضرب المثل استحياء من حقارة الموضوع الذي يتعلق به لعدم تناسبه مع موقع ~~العظمة في ذاته ، لأن طبيعة المثل ، في موضوعه ، تتصل بالفكرة التي يراد ~~تقريبها للذهن الإنساني ، من خلال الصورة الحسية المتمثلة في وجدانه ؛ فقد ~~تفرض حديثا عن الأشياء الحقيرة لأنها أكثر تمثيلا للفكرة ، كما هي البعوضة ~~التي ضربها الله مثلا لعجز المستكبرين الذين يضعون أنفسهم في موقع الآلهة ، ~~فلا يملكون أن يخلقوا الذباب ، أو يسترجعوا ما يسلبهم الذباب من الأشياء ~~المتصلة بحياتهم مما يحافظون عليه (1)، وكما هي الحال في العنكبوت الذي ~~ضرب الله مثلا ببيته تمثيلا للبيوت التي لا ترتكز على أساس ، وقد تفرض ~~حديثا عن الأشياء الكبيرة كما في مثال ( @QUR@07 كصيب من السماء فيه ظلمات ~~ورعد وبرق ). # ( @QUR@03 فأما الذين آمنوا ) بالله وانفتحوا على آياته وتدبروا معانيها ~~، وعرفوا مقاصدها وإيحاءاتها ، وانطلقوا في وعيهم الفكري إلى أعماقها ، فلم ~~يتوقفوا PageV01P197 # عند البعد السطحي لها ، ( @QUR@05 فيعلمون أنه الحق من ربهم )، من خلال ~~ما يستوحونه منها في ما يريد الله لهم أن يفهموه ويؤمنوا به ، لأن إيمانهم ~~يربطهم ms0134 بالحقائق الإلهية التي توحي بها آياته التي أنزلها في كتابه ؛ ( ~~@QUR@03 وأما الذين كفروا ) وابتعدوا عن وعي الحق ، واتخذوا من الرسالة ~~والرسول موقفا سلبيا متمردا ، وواجهوا الموقف بالسخرية والعبث وأساليب ~~اللعب ، وحرفوا الكلمة عن موضعها ، وأبعدوا الآيات عن معانيها العميقة ، ( ~~@QUR@01 فيقولون )، تعليقا على الأمثال المتعلقة بالأشياء الحقيرة ~~كالبعوضة والعنكبوت ، ( @QUR@06 ما ذا أراد الله بهذا مثلا ) أي : ما الذي ~~يريده الله بهذا المثل ، وكيف يتناسب مع عظمته؟ مما يؤدي إلى التشكيك ~~بصدوره منه ، لتنتهي المسألة إلى الشك بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ ( ~~@QUR@03 يضل به كثيرا ) من الذين لا يقفون منه موقف المتدبر الواعي الذي ~~يواجه القضايا من خلال عناصرها الطبيعية في مداليلها وإيحاءاتها ، بل يقف ~~منها موقف المعقد الجاحد المتمرد الذي يحاول أن يجد في الإيجاب سلبا ، وفي ~~القوة ضعفا ، وفي الحق باطلا ، فيتحرك في درب الضلال الذي سلكه بسوء ~~اختياره وعدم تفاعله مع الخط الذي يقوده نحو الهدى ؛ ( @QUR@03 ويهدي به ~~كثيرا ) من المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله ورسالاته وكتبه ، فاهتدوا ~~بآياته التي فهموها كما يجب أن يفهموها ، واستوحوها في كل ما تختزنه من ~~إيحاءات الهدى في كل دروب الحياة وآفاقها وتطلعاتها ؛ ( @QUR@05 وما يضل به ~~إلا الفاسقين ) الخارجين عن عبوديتهم لله والتاركين طاعته ، والمنحرفين عن ~~خط الاستقامة في دروب هداه. # أما نسبة الضلال والهدى إلى الله من خلال ضربه المثل ، فقد يكون الأساس ~~فيه هو أن المثل الذي ضربه الله كان السبب الحي لحركة التجربة الإنسانية في ~~طبيعة الاختيار الخير أو الشرير ، فلو لم يطلق الله سبحانه هذا المثل الذي ~~يوحي بالمعاني التي يريد للإنسان أن يفهمها ويؤمن بها ، لما انطلق الضال ~~نحو الضلال بإرادته ، ولما تحرك المهتدي نحو الهدى باختياره. وفي PageV01P198 # ضوء ذلك ، فإن علاقة الله بالضلالة والهدى ، لا تعطل الإرادة الإنسانية ~~في الاختيار المسؤول ، كما أن حركة الإنسان في المسألة لا تبعد الله عن ~~حياة عباده في أقوالهم وأفعالهم على أساس القاعدة العقيدية الواردة عن أئمة ~~أهل البيت عليهم السلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ms0135 » # * * * ### ||| ** . قيمة الوفاء بالعهود في الإسلام # ( @QUR@020 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ). هذه هي بعض ملامح الفاسقين ~~التي أراد الله من خلال الآية أن يجسدها في وعي الناس ، ليعرفوا كيف ينطلق ~~الفسق في حياة بعضهم ، ليهدم الركائز الأساسية التي يستند إليها كيان ~~المجتمع. أما أبرز هذه الركائز فأمور ثلاثة : # 1 الوفاء بالعهود والمواثيق ، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد ~~المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي. # وعهد الله هو الأساس لكل هذه العهود ، لأنها ، في طبيعتها ، منطلقة من ~~إيحاءاته ، وفي قيمتها ، منفتحة على الالتزام به. ولذلك ، فإن نقض أي عهد ~~يريد الله للناس أن يفوا به هو نقض لعهد الله ، وذلك في الالتزامات الشرعية ~~التي ألزم الله بها عباده في نطاق العلاقات الإنسانية ، من خلال ما فرضه من ~~الحقوق المتبادلة بينهم ، أو في الالتزامات الذاتية التي يلتزمها الناس على ~~أنفسهم في معاملاتهم ومواثيقهم ، في قضاياهم العامة والخاصة ، لأن الله ~~أراد لهم الوفاء بالعقود ، فلا بد للناس من أن يقفوا عندها في كل خصوصياتها ~~والتزاماتها ، لأن الله أراد للإنسان في الحياة أن يحرك وجوده في علاقاته ~~به وبالإنسان الآخر وبالكون من حوله ، من خلال الالتزام الوجودي الذي ينطق PageV01P199 # في كل حركته وحيويته بالعبودية لله ، فقد ركب فيه العناصر التي تصرخ في ~~ذاتها بوحدانيته وتشهد بربوبيته ، وهذا ما نطلق عليه الميثاق الوجودي ، ومن ~~خلال الالتزامات التفصيلية في مسئولياته مع الناس ، ومع الحياة العامة ~~والخاصة ، التي تنطلق طاقاته لتمثل الالتزام الواقعي بانفتاحه على الآخرين ~~، وعلى مفردات الواقع التي هي بحاجة إليه ، وهذا ما يعني بالدرجة الأولى ~~إعطاء العهد من نفسه على أن يكون الإنسان المسؤول عن كل شيء يتكامل معه أو ~~يحتاج إليه. # وهكذا نجد أن الله يطالب عباده بقوله تعالى : ( @QUR@04 وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم ) [البقرة: 40] فهناك عهد بين الله وبين عباده بأن يوحدوه ولا ~~يشركوا به شيئا وأن يطيعوه ولا يعصوه ، وأن يستقيموا على خطه وشريعته التي ~~تمثل الاستقامة ms0136 على خط توحيده ، ليرعاهم ويرزقهم ويرحمهم ويمنحهم ثوابه ~~وجنته ، وهذا ما نتمثله في قوله تعالى : ( @QUR@019 ألم أعهد إليكم يا بني ~~آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين* وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) ~~[يس : 60 61]. وقال تعالى : ( @QUR@04 وكان عهد الله مسؤلا ) [الأحزاب : ~~15] وقال تعالى : ( @QUR@03 وبعهد الله أوفوا ) [الأنعام : 152] وقال : ( ~~@QUR@07 الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) [الرعد : 20] فدعا إلى ~~الوفاء بعهده في شمولية الالتزام بخط العبودية المنطلق مع التوحيد في كل ~~خطوات الإنسان وتطلعاته في الحياة. وتحدث عن الذين ( @QUR@03 ينقضون عهد ~~الله ) [البقرة : 27] وعن الذين ( @QUR@06 أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق ~~منهم ) [البقرة : 100]. # وتحدث عن نفسه أنه الإله الذي لا يفي أحد بعهوده كما يفي بعهده : ( ~~@QUR@05 ومن أوفى بعهده من الله ) [التوبة : 111] وقال تعالى : ( @QUR@04 ~~فلن يخلف الله عهده ) [البقرة : 80]. PageV01P200 # ودعا الناس إلى الوفاء بالعهد بقول مطلق : ( @QUR@06 وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا ) [الإسراء : 34] وتحدث عن الصفات الإيجابية في الناس ~~الذين يرضى عنهم فقال : ( @QUR@04 والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) [البقرة : ~~177] ، وقال تعالى : ( @QUR@018 من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) [الأحزاب:23]. # وهكذا نجد أن الله يريد جعل حركة الإنسان في الحياة ، حركة التزام بينه ~~وبين خالقه ، وبينه وبين الناس ، وبينه وبين الحياة ، ليتحرك الإنسان من ~~موقع الإحساس بالمسؤولية المنفتحة على كل خير في الحياة ، ليجد أمامه عهدا ~~من الله بأن يتعهده بكل رحمته ولطفه ورعايته في الدنيا والآخرة ، مما يجعل ~~لديه الطمأنينة الروحية والسكينة الحياتية ، ويبتعد عن الشعور باللامبالاة ~~، فهو الإنسان الملتزم بأن يقدم طاقاته كلها للناس وللحياة ، وأن يخضعها ~~لإرادة الله تعالى الذي سخر الحياة له ، وعاهده بأن يحقق له ما يشاء في خط ~~الحكمة ، والرعاية الربوبية ، في الدنيا والآخرة. # 2 المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية ، فإنها تشد أواصر المجتمع ~~وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام في ما يريد من النتائج أو ~~من الأرباح ، مع الإيحاء في مثل هذه القضايا بخسارة الإنسان لوجوده مما ~~تفرضه خصائص الوجود في الحياة. ms0137 وقد تكون الخسارة في إيحاءاتها العملية في ~~الارتباط بينها وبين الكفر ، باعتبار أنه يبتعد بالإنسان عن الإحساس بالهدف ~~الكبير للحياة التي أودعها الله فيه ، وبالمسؤولية الكبرى في تفجير طاقاته ~~الإنسانية في سبيل حاجات الحياة والإنسان الآخر ، بحيث يعيش التكامل في ~~وجوده مع النظام الكوني والإنساني ، وهذا هو الذي يوحي به الإيمان بالله ~~الذي يشعر معه الإنسان بأن طاقته ليست حالة ذاتية له ، بل هي أمانة الله ~~عنده ، فلا بد له من أن يحركها في الاتجاه الذي يجعل من حركتها في PageV01P201 # الوجود صلاة روحية وجودية ترتفع به إلى المستوى الأعلى في درجات القرب من ~~الله والسمو في مدارج الكمال ، وهذا ما يخسره الإنسان في خط الكفر الذي ~~يحوله إلى إنسان غير مسئول في وجوده إلا من خلال حاجاته الذاتية التي يختنق ~~فيها في دائرته الضيقة. # 3 النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس ، ومحاربة ~~تجدد الفساد وانطلاقه في المجتمع ، سواء في ذلك فساد العقيدة أو فساد ~~السلوك والوجدان ، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عند ما ينطلق في ~~حياتهم ليقوي هذه الركائز ؛ فهم يحفظون عهده الله في كل التزاماتهم ~~ومواثيقهم في العقيدة والحياة ، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة ~~الإيمان والقرابة والجوار وغيرها ، ويصلحون ما فسد في الأرض ، ويقفون ضد ~~المفسدين ، وبذلك يتحول الإيمان والفسق إلى عنصرين فاعلين في بناء المجتمع ~~أو تهديمه بدلا من أن يكونا عنصرين ذاتيين يحكمان النوازع الفردية للإنسان. # وقد حاول المفسرون البحث في تحديد عهد الله بين قائل بأنه ما ركب في ~~عقولهم من أدلة التوحيد والعدل وتصديق الرسل ، وقائل بأنه وصية الله إلى ~~خلقه على لسان رسوله بما أمرهم به من طاعته ونهاهم عن معصيته ، وقد يتجه ~~بعضهم إلى تحديد موضوع الآية بأهل الكتاب ليكون المراد بعهد الله ما أخذه ~~عليهم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد يبتعد بعض ~~بالآية عن ذلك كله ، فيعتبره إشارة إلى العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم ms0138 ~~من صلب آدم مثل الذر ، كما وردت به القصة المعروفة ، ورده بعضهم بأنه تعالى ~~لا يجوز أن يحتج على عباده بعهده لا يذكرونه ، ولا يعرفونه ، ولا يكون عليه دليل. # ولكننا نميل إلى ترك الإفاضة في هذه التفاصيل ، لأننا نستوحي من الآية ~~التركيز على الملامح العامة للسلبيات التي ينتجها الفسق في تشوية شخصية PageV01P202 # الإنسان في الحياة ، بعيدا عن التفاصيل ، لأن القضية هي قضية الفارق بين ~~نتائج الإيمان ونتائج الكفر في معطياتهما العامة التي ترسم الصورة من بعيد. # * * * ### ||| ** نقض العهد والفساد في الأرض خسران للنفس # ( @QUR@07 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) الذي يتمثل في إبداع ~~وجودهم بالطريقة التي يتحمل فيها الإنسان مسئولية الخلافة في الأرض ، مما ~~تحتاجه الحياة في نموها وحركتها وتطورها ، بحسب حجمه ، الأمر الذي يجعل ~~إفاضة الخلق عليه بهذه الطريقة عهدا تكوينيا أخذه الله عليه ، مع وعي ~~الإنسان للحقائق التوحيدية من خلال العناصر الذاتية ، وانفتاحه على ما أوحى ~~به الله إليه على لسان رسله من أوامره ونواهيه. ( @QUR@03 ويفسدون في الأرض ~~) في نسيانهم لله ، وابتعادهم عن خطه المستقيم الذي يؤدي إلى السير في دروب ~~الفساد ، بما يثيرونه في أقوالهم وأفعالهم وعلاقاتهم ومواقفهم من عوامل ~~الفساد في الأرض ، على مستوى الواقع الاقتصادي الذي يفسدون به حركة المال ~~في الإنسان ، والواقع الاجتماعي الذي يتحرك فسادهم فيه ، ليؤدي إلى تمزيق ~~المجتمع ، وتحلله الأخلاقي ، وانهياره ، والواقع السياسي الذي يسقط تحت ~~تأثير الظلم والعدوان الذي يعيش فيه الناس من خلال هؤلاء الأمن في حياتهم ~~الخاصة والعامة ، فتدب الفوضى عندهم ، ويسود الاضطراب وجودهم ، وهكذا ينطلق ~~هؤلاء ليتحولوا إلى جهة مفسدة للحياة كلها ، وللإنسان كله. ( @QUR@03 أولئك ~~هم الخاسرون ) الذين خسروا أنفسهم في الدنيا ، عند ما أبعدوها عن خط ~~الاستقامة ، فعاشوا التخبط في خطواتهم العملية في السير على غير هدى ، ~~وواجهوا المتاعب المتنوعة في ذلك ، وخسروا مصيرهم في الآخرة ، في عصيانهم ~~لله وتمردهم عليه ، مما يستوجب دخولهم في النار وبئس القرار. PageV01P203 # وربما كان في تأكيد جانب الخسارة الأسلوب الإيحائي ، بأن على الإنسان أن ~~يحسب حساب الربح والخسارة ، من ms0139 خلال النتائج الواقعية النهائية للأعمال ، ~~لا من خلال النتائج الحسية الأولية لها ، ليدرس القضايا التي يتحرك فيها من ~~موقع الربط بين البدايات والنهايات ، والانفتاح على العمق ، لا على السطح. ~~هذا مع ملاحظة أن التعبير بالخسارة ، ينطلق من خسارة الوجود في خسارة الفرص ~~السعيدة التي كان من الممكن أن يبلغها الإنسان إذا أخذ بأسباب الخير في ~~الإيمان والعمل الصالح ، فلا يرد السؤال : كيف يتحدث الله عن خسارة ما لا ~~يملكه الإنسان ، باعتبار أن مفهومها يعني فقدان ما لديه؟ لأن الجواب عن ذلك ~~بأن المقصود هو أن ما يملكه الإنسان قد يكون على مستوى الفعلية ، وقد يكون ~~على مستوى امتلاك الإنسان للفرصة التي يحصل عليها. # * * * ### ||| ** البداية من الله والنهاية إليه # ( @QUR@03 كيف تكفرون بالله ) أيها الناس ، وأنتم تملكون العقل الذي ~~يتحرك من خلال مفردات الحس الذي يتزود بعناصر الفكر ، وطاقة الوعي المتحرك ~~التي توجهه نحو التأمل والدراسة والمقارنة بين الأشياء ، والاستنتاج الحي ~~المنفتح على حقائق العقيدة والحياة. وللعقل أكثر من طريق يؤدي بكم إلى ~~معرفة الله من دون حاجة إلى الاستغراق في التجريد الفكري والعمق الفلسفي ، ~~لأن الواقع الحي الذي تعيشونه في وجودكم ، وتتحسسونه في مشاعركم ، هو الذي ~~يمنحكم الإيمان بالله من موقع الوجدان المنفتح على الفطرة ، والفكر المتحرك ~~في نطاق البديهة. ( @QUR@02 وكنتم أمواتا ) قبل وجودكم ، حيث كان العدم هو ~~الأفق الذي يحتويكم في دائرته ، فليس هناك أي شيء يربطكم بالوجود في PageV01P204 # ذاتياتكم ، أو في الأسباب الطبيعية التي تفرضها طبيعة الأشياء في ذاتها ، ~~الأمر الذي جعل مسألة الحياة بحاجة إلى إرادة الخالق القادر الذي يبدع ~~الحياة في التراب ، ويحول الدم إلى نطفة ، لتتطور النطفة في مسيرة الحياة ~~إلى علقة ، فمضغة ، فعظام ، فلحم ، فإنسان سوي ، تتحرك فيه الروح ، وينفتح ~~فيه الإحساس ، ( @QUR@01 فأحياكم )، وكانت الحياة هي التي تختصر تفاصيل ~~وجودكم في الوعي والحس والحركة والإبداع والإنتاج ، في عملية تكامل مع ~~الوجود الذي ينسجم مع وجودكم ، وتفاعل مع الحياة في تنوعاتها ، ومع الإنسان ~~الآخر في عطاءاته الكثيرة ، وهي التي تنفتح على المسؤوليات التي تجعل لكل ~~طاقة ms0140 قدرا من المسؤولية في بناء الذات على الصورة التي يريدها الله وبناء ~~المجتمع على المنهج الذي يرضاه ، لتكون الحياة حياة العقل والحس والوعي ~~والانفتاح على الطاقات الداخلية والخارجية للحياة وللإنسان ، ( @QUR@02 ثم ~~يميتكم )، لتدخلوا من جديد في غياهب الموت الذي يفصلكم عن هذه الحياة التي ~~أبدعها الله فيكم ، فيغيب وجودكم عنها ، ويبتعد دوركم عن ساحاتها ، وينقطع ~~أثركم منها ، ولكنه ليس الموت الأبدي الذي يموت فيه الوجود بالمطلق ، بل هو ~~الموت الذي تعقبه الحياة في أفق آخر ، وبعد جديد ، وعالم أوسع ، هو عالم ~~الآخرة الذي يطل على الغيب ليضعه في متناول الحس الإنساني ، ( @QUR@02 ثم ~~يحييكم )، لأن القادر على إبداع الحياة أولا قادر على إبداعها ثانيا ، لأن ~~القدرة على الإعادة من موقع المثال الحي أكثر سهولة من إبداع الخلق من دون مثال. # وإذا كان الله هو الذي أطلق لكم البداية من إرادته وقدرته ، فمنه المبدأ ~~الذي يعيدكم إلى رعايته من جديد. ( @QUR@03 ثم إليه ترجعون ) لتواجهوا ~~مسئولياتكم أمامه ، ليكون لكم الاستقرار الموعود في ثوابه أو عقابه. # إنها الحقيقة الوجودية الإلهية التي ينطلق الحس في دلالاتها ، ويتحرك ~~الإمكان العقلي في نهاياتها ، وهي التي تفرض نفسها على العقل ليعرف الله ، PageV01P205 # فكيف تكفرون به وتنكرونه؟ # ولما كانت العقيدة بالله هي الأساس في كل هذا الجو الذي تتحرك فيه السورة ~~، في حديثها عن المؤمنين والكافرين والمنافقين ، ولما كان الكفر كشيء يدعو ~~إلى التعجب والاستنكار ، لا إلى التفكير والتأمل ، لأن القضية أوضح من أن ~~تخفى ، لهذا ، واجه الموقف بأسلوب الاستفهام الإنكاري الذي يوحي للإنسان ~~بأن رفض الكفر لا يحتاج إلى جهد كبير ، بل يكفي فيه الوقوف في حالة تأملية ~~لمراحل وجود الإنسان ؛ كيف كان ميتا لا يحمل أي مظهر من مظاهر الحياة ، ~~وكيف دبت فيه الحياة في عملية دقيقة رائعة في طريقة النمو والتكامل والكمال ~~، وكيف يموت بعد ذلك لينتقل إلى الحياة الواسعة ... وهكذا يعيش الإنسان في ~~حياة عقب الموت الذي يعني العدم المحض ، فقد وجدت الحياة من عدم ، ثم تتجه ~~إلى الموت الذي لا يغرق الإنسان في الضياع ms0141 ، بل يثير الحياة بقوة لتقوم ~~قوية جديدة بإذن الله الذي ترجع الأمور إليه جميعا. # هذه الفكرة البسيطة تقدم الإيمان للإنسان ببساطة وجدانية بعيدة عن ~~تعقيدات الفلسفة ومشاكلها ، فلا يحتاج معها إلى الالتفات والاستماع والوعي ~~من دون ابتعاد عن نفسه بالذات ، فمنها تنطلق العقيدة الحقة وتنمو وتتكامل ، ~~ومن داخل الإنسان ينتقل الموقف إلى رحابة الخلق وإبداعه في رحاب الأرض ~~وآفاق السماء ، في دعوة إلى التأمل الذي يقود إلى المعرفة الواسعة بالحياة ~~في الطريق الرحب إلى الإيمان بالله خالق ذلك كله. # * * * PageV01P206 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خلق ): الخلق : أصله التقدير والمراد به الإيجاد. # ( @QUR@01 استوى ): الاستواء : الاعتدال والاستقامة ونقيضه الاعوجاج ، ~~وإذا عدي ب « إلى » اقتضى معنى الانتهاء إليه إما بالذات أو بالتدبير ، ~~وإذا عدي ب « على » اقتضى معنى الاستيلاء كقوله تعالى : ( @QUR@04 الرحمن ~~على العرش استوى ) [طه : 5]. # ( @QUR@01 عليم ): مبالغة في معنى العالم. # * * * PageV01P207 ### ||| ** هو الذي خلق لكم ما في الأرض # ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) في الآية لفتة إلى جانب ~~النعمة التي لا تجعل عظمة الخلق بعيدة عن حياة الإنسان وحاجاته ، وذلك من ~~خلال ما توحيه كلمة ( @QUR@01 لكم ) من تسخير الأرض للإنسان بكل ما فيها من ~~طاقات ظاهرة أو باطنة ، مما يجعل من توجيهه إليها وإلى التفكير فيها عند ~~التفكير في طبيعة الخلق ، حافزا للارتباط بالله ، من خلال شعوره بحاجته ~~المطلقة إليه ، إلى جانب الشعور بعظمته المبدعة. وقد يكون في هذا الأسلوب ~~القرآني الرائع لفتة قرآنية تعطي قضية الإيمان بالله حيوية نابضة تتفجر ~~بالحياة الإنسانية في كل مظاهرها وحاجاتها ، الأمر الذي يبعدها عن الجفاف ~~والجمود الذي يتمثل في أساليب البحث في العقيدة كشيء تجريدي خارج نطاق ~~الحياة العملية للإنسان. # ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) فقد أراد الله للإنسان أن ~~يعيش على هذه الأرض ، وهيأ له الوسائل المتنوعة التي تتصل بحاجاته الخاصة ~~والعامة في أعماق الأرض وسطوحها وآفاق الفضاء المحيط بها ، ليستطيع الإنسان ms0142 ~~الحياة عليها من خلال قدرته على إدارته لها في تسخير كل طاقاتها له ، وفي ~~تسخير الكون المطل عليها والمحيط بها ، لرعاية كل أوضاعه. وهكذا ، يؤكد ~~الله أنه أبدع ما في الأرض لأجل الإنسان ؛ تكريما له ، وتأكيدا لقيمته ~~المميزة لديه من بين مخلوقاته. ( @QUR@04 ثم استوى إلى السماء ) أي انتهى ~~إليها ، وقد نستفيد من التعبير ب ( @QUR@01 ثم ) التي تدل على الترتيب مع ~~التراخي تأخر خلق السماء عن الأرض ، ويمكن أن يكون الترتيب ذكريا حقيقيا ، ~~لأن المراد هو التركيز على طبيعة الخلق لا على الأوقات. # ( @QUR@03 فسواهن سبع سماوات ) من غير بيان تفصيلي لطبيعة هذه السموات PageV01P208 # وكيفياتها ومواقعها وأدوارها إلى ما هنالك من أسئلة يمكن أن تثار حول هذا ~~الموضوع. # ( @QUR@04 وهو بكل شيء عليم ) محيط بحقائق الأشياء ، مما يجعل للخلق معنى ~~الإتقان والإحكام إلى جانب القدرة والاستيلاء ليوحي للإنسان بأن تقدير كل ~~هذه النعم وهذه المخلوقات ، وتدبير كل شيء ، منطلق من علم الله بمصالح ~~العباد في ما يقدره لهم ويفرضه عليهم ، ليحسوا بالثقة والطمأنينة في كل ~~مجالات الحياة. # * * * ### ||| ** السماوات السبع والمراد بها في القرآن # أما الاستواء الذي يعني القعود ، فلا يتناسب مع تنزيه الله عن الجسمية ، ~~فلا بد من اعتبار الكلمة واردة في مورد الاستعارة لبيان خلق السموات ~~ومشيئته لذلك بعد خلق الأرض من غير أن تتعلق إرادته في ما بين ذلك بخلق شيء ~~آخر. والمراد بالسماء جهة العلو .. أما السماوات السبع ، فلا نملك معرفة ~~واسعة شاملة لطبيعتها في أجواء الآيات القرآنية المتفرقة ، بل كل ما عندنا ~~هو الحديث عن السماء الدنيا بأنها قد زينت بزينة الكواكب ، مما يوحي بأن ~~هذه النجوم المتناثرة في الفضاء موجودة في آفاق السماء الدنيا ، وذلك في ~~قوله سبحانه : ( @QUR@06 إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) [الصافات : 6]. # وقد ورد في بعض الآيات الإشارة إلى وجود بعض المعلومات المتعلقة بأحوال ~~الأرض لدى أهل هذه السماء مما كان يغري بعض المخلوقات كالجن والشياطين ~~باستراق السمع ، ولكن الله يمنعهم من ذلك بواسطة الشهب التي تنطلق إليهم ~~لتحرقهم أو لتبعدهم ، وذلك في قوله تعالى ms0143 : ( @QUR@03 وزينا السماء الدنيا PageV01P209 # @QUR@06 بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) [فصلت : 12]. وقوله ~~تعالى : ( @QUR@012 وحفظناها من كل شيطان رجيم* إلا من استرق السمع فأتبعه ~~شهاب مبين ) [الحجر : 17 18]. وقوله تعالى في سورة الجن : ( @QUR@013 وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) [الجن : 9]. ~~ويكثر الحديث عن وجود الملائكة في السماء ، وتنزلهم منها إلى الأرض ، ولكن ~~لا يتضمن شيء من تلك الآيات أي تفصيل لذلك. # وترفض بعض الآيات القرآنية في ظاهرها اعتبار الشمس والقمر من هذه ~~السماوات ، لأنها تعتبر السماوات مكانا لهذين الكوكبين وغير هما ، وذلك في ~~قوله تعالى : ( @QUR@015 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا* وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) [نوح : 15 16]. # وقد تعددت الآراء حول المراد بالسماوات السبع ، فهناك من قال : إنها ~~السيارات السبع في مصطلح الفلكيين القدماء ، وهي عطارد والزهرة والمريخ ~~والمشتري وزحل والقمر والشمس ، وهناك من قال : إن المقصود بها هو الطبقات ~~المتراكمة للغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية. ومنهم من رفض اعتبار السبعة ~~عددا مقصودا بمدلوله الحرفي ، بل هو أسلوب من أساليب التعبير عن الكثرة ~~ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى : ( @QUR@018 ولو أن ما في الأرض من شجرة ~~أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) [لقمان : 27]. ~~فإن من الطبيعي أن علم الله لا ينتهي بهذه الكمية ، حتى لو كان هناك الآلاف ~~من الأبحر ، بل المقصود الكثرة. # ولكن هذا الرأي ينافيه تأكيد كلمة السماوات السبع في أكثر من آية ، مما ~~يوحي بأن للعدد خصوصية وجودية ، كما أن رأي المفسرين القدماء لا شاهد له ، ~~بل إن الاكتشافات الحديثة دللت على أن هناك كواكب سيارة أخرى مثل « نبتون » ~~و « بلوتو » و « أورانوس ». PageV01P210 # ويقول بعض الفلكيين حول مرصد (بالمور) في وصفه للمدى الذي بلغه الإنسان ~~في اكتشاف الكون بالمستوى الذي لا مجال لتحديده بحدود معينة في طبيعة ~~العوالم الموجودة فيه : # « قبل نصب مرصد بالمور ، كان العالم في نظرنا لا يزيد على خمسمائة سنة ~~ضوئية ، لكن هذا الناظور وسع عالمنا إلى ألف مليون سنة ms0144 ضوئية ، واكتشف على ~~أثر ذلك ملايين المجرات الجديدة التي يبعد بعضها عنا ألف مليون سنة ضوئية. ~~أما بعد هذه المسافة ، فيتراءى لنا فضاء عظيم رهيب مظلم لا نبصر فيه شيئا ، ~~أي أن النور لا ينفذ إليه كي يؤثر على صفحة التصوير في المرصد. # ومن دون شك ، فإن هذا الفضاء المهيب المظلم يحتوي على مئات الملايين من ~~المجرات التي تحافظ بجاذبيتها على هذا العالم المرئي. # كل هذا العالم العظيم المرئي الحاوي على مئات آلاف الملايين من المجرات ، ~~ليس إلا جزءا صغيرا جدا من عالم أعظم. ولسنا واثقين من وجود عالم آخر غير ~~هذا العالم الأعظم ». # * * * ### ||| ** ضرورة عدم تكلف معرفة ما لا حاجة له # وإننا لا نشجع الخوض في مزيد من التفاصيل في هذا المجال ، لأنه يدخلنا في ~~تيه من التصورات ويحملنا على الاستسلام الساذج لكثير من الأحاديث الضعيفة ~~التي لا تفيد علما ولا ظنا ، بل تترك الإنسان يواجه المعرفة القرآنية بما ~~لا يغذي الجوع الحقيقي للمعرفة الحقة ، فيسلمنا ذلك إلى الوقوع في فخ ~~الخرافة الذي ينصبه الوضاعون ، فلنقف حيث يريدنا الله أن نقف مما لم PageV01P211 # يكلفنا علمه ، ولم يشرح لنا غوامضه ، ولم يهيئ لنا السبيل لمعرفته ، وهذا ~~هو الطريق الأمثل الذي ينبغي أن تسير عليه المعرفة الإسلامية في ما تأخذ ~~وتدع ، فليس من الضروري أن نتكلف معرفة ما لا حاجة لنا لمعرفته ، ولا سبيل ~~لنا إليه مما أجمله القرآن الكريم في آياته ، ولم تحاول السنة النبوية ~~الشريفة أن توضحه ، لأن الحاجة لا تقضي إلا بالإشارة إليه في مجال الحديث ~~عن قدرة الله وسعة مخلوقاته ، ولعل هذا ما يبعدنا عن الوقوع في أحاديث ~~الإسرائيليات التي استغلت مجملات القرآن التي أجملها الله عن حكمة ، فحاولت ~~أن تشبع نهم الفضول الذاتي لدى المسلمين ، أو الذي حاولت إثارته لديهم حتى ~~تغرقهم في الأجواء القصصية التي تبعدهم عن الأشياء الأساسية في العقيدة ~~والتشريع نظرا إلى الطبيعة البشرية الطفولية التي تنجذب إلى أجواء القصة ~~وتفاصيلها أكثر من أجواء الفكر والتشريع ، ثم تفرض من خلال ذلك مفاهيمها ~~المنحرفة ms0145 عن التصور الإسلامي للتاريخ والكون والحياة. # * * * PageV01P212 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون (30) @QUR@015 وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) @QUR@012 قالوا سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) @QUR@023 قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ربك ): الرب : السيد ومنه : رب الدار ورب الفرس ، ولا يقال : ~~الرب بالألف واللام إلا لله تعالى ، وأصله : من ربيته إذا قمت بأمره ، ومنه ~~: قيل للعالم رباني لأنه يقوم بأمر الأمة .. وفي ضوء ذلك قد يتضمن إطلاق PageV01P213 # الرب على الله تعالى معنى التربية ، لأن الله يربي عباده وينمي لهم ~~أجسادهم وعقولهم بعد خلقهم. # ( @QUR@01 للملائكة ): الملائكة : جمع ملك ، واختلف في اشتقاقه ، فذهب ~~أكثر العلماء إلى أنه من الألوكة وهي الرسالة ... وذهب أبو عبيدة إلى أن ~~أصله من لاك إذا أرسل ... وذهب ابن كيسان إلى أنه من الملك (1). # وقد غلب إطلاق الاسم على مخلوقات سماوية مخصوصة موجودة في عالم الغيب ، ~~قد يصطفي الله منهم رسلا ، وقد يوكل إلى بعضهم مهمات خاصة تتصل بالكون في ~~ظواهره وحركاته ، وهم : ( @QUR@08 عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون ) [الأنبياء : 26 27]. # ( @QUR@01 جاعل ): الجعل ، والخلق ، والفعل ، والإحداث ، نظائر ، إلا أن ~~الجعل قد يتعلق بالشيء لا على سبيل الإيجاد بخلاف الفعل والإحداث. والمراد ~~به هنا : الإيجاد. # ( @QUR@01 خليفة ): الخليفة : من يخلف غيره ويقوم مقامه ، والظاهر أن ~~المراد به الإنسان النوع المتمثل في بدايته بآدم. # ( @QUR@01 أتجعل ): الهمزة هنا للاستفهام في مقام التعجب المجرد الذي ~~يستكشف سر الحكمة ، وربما يكون استفهاما تفرضه طبيعة القضية ، وليس حورا ~~حقيقيا ، من أجل توضيح الفكرة بهذا الأسلوب. # ( @QUR@01 ويسفك ): السفك في الدم : الصب. # ( @QUR@01 نسبح ): التسبيح : التنزيه لله تعالى عن السوء وعما لا يليق ~~به ، وأصله : المر السريع في عبادة الله ms0146 وجعل التسبيح عاما في العبادات ~~قولا وفعلا ونية. PageV01P214 # ( @QUR@01 ونقدس ): التقديس التطهير ونقيضه التنجيس. # * * * ### ||| ** حوار الله والملائكة # ( @QUR@04 وإذ قال ربك للملائكة ) في حوار تثقيفي حول الواقع الجديد الذي ~~أراد الله إبداعه في الأرض التي لم يكن لها أي دور في الوجود الحركي آنذاك ~~، وربما كان للملائكة فيها بعض الدور في مهماتها التي أوكلها الله إليها في ~~النظام الكوني. ( @QUR@05 إني جاعل في الأرض خليفة ) يملك العقل ، والإرادة ~~، وحرية الحركة ، وإمكانات الإبداع ، وتنوع الإنتاج ، لينظم لها حركتها ، ~~وليدبر أوضاعها ، ويصنع فيها مجتمعاتها التي تمتلئ بها ساحاتها ، فيكون ~~الإنسان في الأرض تماما كما الملائكة في السماء ، مع فارق نوعي ، أن ~~الإنسان مخلوق حر بينما الملائكة مجبولون على الطاعة. # ( @QUR@08 قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) من هذا النوع ~~الإنساني الذي يعيش الصراع بين العقل والغريزة في شخصيته ، ويتخزن عناصر ~~النزاع والخلاف ، والرغبة في التدمير ، والأنانية في التملك والتسلط في ~~ذاته ، مما يؤدي إلى الإفساد المادي والمعنوي ، وإلى سفك الدماء ، فتعيش ~~الأرض ، من خلال هذه التعقيدات والاهتزازات ، في جو من الحروب المفسدة ~~والمدمرة للمدر والبشر معا ، مما يبعدها عن السلام الموحي بالخير والمحبة ~~والصفاء ، والمساعد على الحق في روحانية الإيمان ، وحركية التقوى ، والقرب ~~منك ، فيحل محل ذلك الحقد والعداوة والبغضاء والتنازع والتقاطع ، وينفتح ~~الواقع على الباطل في ضراوة الشر ، وقسوة الجريمة ، وقذارة الشعور ، وسقوط العقل. PageV01P215 # وإذا كانت حكمتك والكلام في معناه للملائكة من استخلاف الإنسان في الأرض ~~أن يسبحك ويقدس لك ويعبدك ، باعتبار أن العبادة هي غاية الخلق في من تخلقه ~~، فإننا لن نبلغ كنه الحقيقة العميقة فيها ، لأن الكون لا يعيش الفراغ من ~~هذه الجهة ، ( @QUR@05 ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) في الأرض والسماء ، حتى ~~يتحول الكون من حولنا إلى تسبيح وتقديس وانفتاح عليك في كل مواقع القرب ~~إليك ، وربما خيل إلينا أننا أقرب إلى الخلافة من هذا المخلوق الجديد ، ~~لأننا نطيعك ولا نعصيك ، وهو يخلط الطاعة بالمعصية ، والاستقامة بالانحراف ~~، مما يجعل النتائج سلبية في حركته ، بينما هي إيجابية في وجودنا. # ( @QUR@06 قال إني أعلم ms0147 ما لا تعلمون ) لأنكم تعرفون من الأشياء ظواهرها ~~، ولا تنفذون إلى بواطنها ، فقد تكون هناك بعض المفاسد في التقديرات ~~الوجودية المتصلة بالكون والإنسان ، ولكن المصالح الكامنة فيها ، والحاصلة ~~منها ، أكثر أهمية ، وأقوى تأثيرا ، وأفضل إنتاجا ، بحيث تذوب المفاسد في ~~سلبياتها أمام المصالح في إيجابياتها ، وذلك من خلال النظام الكوني المحدود ~~الذي لا تجد فيه خيرا إلا ومعه شر ، كما لا تجد فيه شرا إلا وهناك خير في ~~داخله ، لتكون المعادلة غلبة هذا الجانب على ذاك في مسألة أفضلية الوجود ~~على العدم ، أو أفضلية العدم على الوجود. # إن مشكلتكم هي أنكم لا تملكون الوعي الكامل الشامل المنفتح على كل حقائق ~~الكون في حركة الخلق والوجود ، ولذلك فإنكم تعرفون جانبا واحدا من الصورة ، ~~ولا تعرفون الجوانب كلها ، وسوف تعلمون من نتائج هذا الخلق كثيرا من ~~الأشياء التي تضيف إلى عملكم علما وإلى وعيكم سعة وشمولا. # * * * PageV01P216 ### ||| ** تزويد الله الإنسان بكل مستلزمات الخلافة # ( @QUR@04 وعلم آدم الأسماء كلها ) فقد أعطاه الله عليم الأشياء التي ~~تتصل بمسؤولياته من مفردات الموجودات الأرضية ، وطريقة إدارتها ، ~~واستعمالها في ما يمكن أن يجدد عناصر الحياة فيها ، ويعمرها ، ويصنع منها ~~الصناعات التي تسهل أمور العيش للإنسان ، وتدفع به إلى تطوير طاقاته إلى ~~المستوى الأفضل ، وغير ذلك ، مما يجعل وعيه الإنساني شاملا لكل الأشياء ~~والأوضاع والأعمال والنتائج المتصلة بقضايا وجوده ، ليكون أهلا للقيام بهمة ~~الخلافة الأرضية التي يتحرك فيها بحرية العقل والإرادة والحركة المتنوعة في ~~شؤون الجماد والنبات والحيوان ، بالإضافة إلى شؤونه الإنسانية الخاصة ، مما ~~أوكل الله إليه أمره ، ليكون أداؤه لوظيفته الفكرية والعملية أداء متقنا ~~منفتحا على الخير كله في مسئولياته العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** تسبيح الله بالوعي والمعرفة والعمل والإبداع # وبعد أن كشف الله تعالى للملائكة أن ثمة حدودا لعلمهم ، وبأن ما لديهم من ~~علم ، وبشهادتهم اللاحقة أيضا ، هو مما علمهم الله تعالى ، سأل آدم ~~عليه السلام إعلامهم بما لم يحيطوا به علما ، لتوكيد عجزهم ، وإظهار تفوق ~~آدم عليهم في ما أثاروه من إشكال ، لجهة حصوله ، لما يلزم وجوده في الحياة ~~الدنيا ms0148 ، ويرفع به نواقصه. ثم عطف كلامه مذكرا إياهم بما سبق أن أعلمهم به ~~لجهة إحاطة علمه تعالى بكل شيء ، فلا يفوته منه شيء ، ظاهرا كان أو باطنا ، غائبا PageV01P217 # كان أو حاضرا ، مضمرا كان أو معلنا ... إلخ ، وبالتالي فهو يعلم ما ~~يخفونه ويعلنونه. # ( @QUR@05 قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) في حدود هذا العلم الذي ألهمته ~~وعلمته ، والذي يجعلك جديرا بإدارة الأرض كلها ، ليعرف الملائكة ، من خلال ~~هذا العلم ، أنهم لا يملكون القدرة على أن يكونوا البديل عنك ، لأن التسبيح ~~والتقديس لله ليسا كل شيء في عملية الخلافة ، بالإضافة إلى أن مظاهر ~~التسبيح قد تتمثل بالحركة المنفتحة على تحريك خلق الله في خط إرادته ~~بالدرجة التي تظهر فيها عجائب خلقه ، وإبداعات قدرته ، فقد تكون المعرفة ~~الواعية ، وقد يكون العمل المنتج ، وجها من وجوه التسبيح في الإنسان وحركة ~~من حركات التقديس. ففي مظاهر العقل معنى التسبيح ، وفي مواقع القوة ~~والإبداع معنى التقديس. # ( @QUR@03 فلما أنبأهم بأسمائهم )، وأخبرهم بها في كل ما أراد الله له ~~أن يخبر به ويبينه لهم ، مما يوحي بالدرجة التي يملكها من المعرفة ، ~~وبالقضايا التي يحيط بها من شؤون الحياة ، ليعرفوا الفارق بينهم في خصوصيات ~~ملائكيتهم ، وبينه في إنسانيته ، ( @QUR@09 قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض )، فلا تقدرون على الإحاطة به ، كما أن هناك الكثير من ~~الغيب الذي لم تملكوا إلى معرفته سبيلا ، فليس كل شيء مكشوفا لكم ومقدرا ~~لكم في وسائله ، في الوقت الذي يستوي لدي الغيب كما يستوي لدي السر ~~والعلانية في ما تظهرونه وتكتمونه ، مما لا يمكن أن يحاط فيه. ( @QUR@06 ~~وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) من خصائص الألوهية في ذات الإله الذي ~~يحيط بكل خلقه في ظواهرها وبواطنها ، مما لا يملكون الإحاطة به ( @QUR@07 ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك : 14]. # وهنا ، حاول الكثيرون من المفسرين التوقف عند كلمة ( @QUR@06 وأعلم ما ~~تبدون وما كنتم تكتمون ) وحاولوا أن يفسروا كلمة ( @QUR@03 وما كنتم تكتمون ~~) فتساءلوا PageV01P218 # عما كانوا يكتمونه ، وذكروا في ذلك وجوها ؛ منها أنه ما كتمه إبليس في ms0149 ~~نفسه من الكبر والاغترار تنزيلا للواحد منزلة الجمع باعتباره ملحقا بهم ، ~~ومنها أنه قولهم : لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم ... ولكننا لا ~~نجد لهذا أو ذاك حجة على التفسير ، بل الغالب على الظن والله العالم أن ~~الآية لا تختلف عن مثيلاتها من الآيات التي تختم بالحديث عن صفات الله من ~~خلال مناسبة الموضوع في الآية من أجل تأكيد عظمة الله في أي موقف من مواقف ~~القرآن ، وعلى ضوء هذا ، ربما يكون الحديث عن علم الله للغيب منسجما مع ~~الحديث عن الطبيعة الممتدة الفاعلة للخليفة في هذا المخلوق الجديد مما لم ~~يحط الملائكة بعلمه ، ولا بد في هذا المجال من الإيحاء بسعة علم الله ~~بالمستوى الذي يحيط بكل ما يظهره الإنسان أو يضمره ليوقظ في نفسه الإحساس ~~الدائم بالرقابة المستمرة الشاملة عليه ، مما يحقق له مزيدا من الانضباط ~~والشعور العميق بعظمة الله. وفي هذه الحال ، لا نجد ضرورة تقدير أي شيء ~~للكلمة ، لأن القضية لا تنطلق من طبيعة الواقعة الشخصية بل من الطبيعة ~~الأساسية لصفات الله. # * * * ### ||| ** مسألة المسميات في خصائصها وحقائقها : ### ||| ** وقفة مع الطباطبائي # وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الأسماء ، أو أن مسمياتها ، كانت موجودات ~~أحياء عقلاء محجوبين تحت حجاب الغيب ، وأن العلم بأسمائهم كان غير نحو ~~العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء ، وإلا كانت الملائكة بإنباء آدم إياهم ~~بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه ، ولم يكن في ذلك إكرام لآدم PageV01P219 # ولا كرامة ، حيث علمه الله سبحانه أسماء ولم يعلمهم ، ولو علمهم إياها ~~لكانوا مثل آدم أو أشرف منه ، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم ، ~~وأي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلا علم اللغة ثم يباهي به ويتم الحجة ~~على ملائكة مكرمين ( @QUR@06 لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ~~[الأنبياء : 27] بأن هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم؟ ويقول تعالى : ~~أنبئوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون بينهم للإفهام والتفهيم إن كنتم ~~صادقين في دعواكم أو مسألتكم خلافتي ، على أن كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد ~~القلوب ms0150 ، والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلم ، وإنما تتلقى المقاصد من غير واسطة. # ويتابع الحديث فيقول : فقد ظهر مما مر أن العلم بأسماء هؤلاء المسميات ~~يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم ، وأعيان وجوداتهم ، دون مجرد ما يتكلفه ~~الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم ، فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية ~~ووجودات عينية ، وهي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب ؛ غيب السموات والأرض ، ~~والعلم بها على ما هي عليه كان أولا ميسورا ممكنا لموجود أرضي لا ملك سماوي ~~، وثانيا دخيلا في الخلافة الإلهية (1). # ونلاحظ على هذا الرأي أن من المعلوم أن المسألة بين آدم والملائكة ليست ~~مسألة لغوية ، بل هي مسألة المسميات في خصائصها وحقائقها ، كما أن قضية ~~تعليم الله إياه وعدم تعليمهم لا يجعل لآدم ميزة عليهم ، في ما لو كانت ~~المسألة تعليم الأسماء. هذا ليس واردا في هذه المسألة ، لأن المطلوب هو أن ~~الله أعطى هذا المخلوق علما يملك به إدارة مسئولياته ولم يعط الملائكة ذلك ~~، تبعا لحكمة الله في توزيع مواهبه على عباده بحسب حاجاتهم العامة PageV01P220 # والخاصة ، فالقضية ليست قضية شرف ذاتي في ما يملكه الإنسان من عناصره ~~الذاتية بذاته ، بل هي قضية امتياز في ما أعطاه الله. # وليس من الضروري أن تكون المسميات موجودات أحياء عقلاء محجوبين تحت حجاب ~~الغيب ، لأن القصة واردة في الإحاطة بالأمور التي تدخل في نطاق مسئوليات ~~هذا الخليفة في إدارة شؤون الأرض وفق خصوصياتها وأوضاعها وموجوداتها وما ~~يتصل بها لجهة تحريكها وتوجيهها الوجهة التي أرادها الله ، ولعل ما يؤكد ~~ذلك ما جاءت به أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام في الجواب عن السؤال عما ~~علمه الله لآدم ، قال الإمام الصادق كما في تفسير العياشي : «الأرضين ~~والجبال والشعاب والأودية ، ثم نظر إلى بساط تحته فقال : وهذا البساط مما ~~علمه» (1). # وهي إشارة إلى المدى الذي تبلغه إمكانات العلم لدى آدم الإنسان ، بحيث ~~تدخل في تفاصيل الأشياء المستقبلة من خلال الطاقات المودعة فيه والوسائل ~~الموضوعة لديه ، والله العالم بحقائق آياته. # وقد أفاض صاحب الميزان في عرض الأخبار المتنوعة ms0151 في هذا المجال ومنها ~~أخبار الطينة. # ثم علق على بعض الملاحظات التي يوردها بعض الناس حول هذه الأخبار في ~~علامات الاستفهام التي توحي بالاستبعاد فقال : # وإياك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ، ~~ومنابع الحكمة ، بأنها من اختلاقات المتصوفة وأوهامهم ، فللخلقة أسرار ، ~~وهو ذا العلماء من طبقات أقوام الإنسان لا يألون جهدا في البحث عن أسرار ~~الطبيعة ، منذ أخذ البشر في الانتشار ، وكلما لاح لهم معلوم واحد بأن لهم PageV01P221 # مجاهيل كثيرة ، وهي عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسها ، فما ظنك بما ~~وراءها ، وهي عوالم النور والسعة (1). # ونحن نتفق مع العلامة الطباطبائي في القاعدة العلمية التي أسسها ، وهي ~~عدم المبادرة إلى رفض ما لا تقبله الأفكار من خلال ابتعاده عن المألوف مما ~~يعرفه الناس ، أو يقع في نطاق تجاربهم الذهنية وانفعالاتهم الشعورية ، لأن ~~عالم الغيب يختلف في موازينه عن عالم الحس لعدم خضوعه للتجربة الحسية ، ~~الأمر الذي يجعل المقياس في معقوليته وعدم معقوليته ، هو انطلاق القضية في ~~أبعادها من دائرة الإمكان المنطلقة من دراسة الفكرة وقدرة الله المطلقة ، ~~فلا يجوز لنا أن نرفض الغيب في طبيعته ومفرداته لمجرد ابتعاده عن دائرة ~~المألوف لدينا ، لأن المألوف ليس هو الصيغة النهائية للحقيقة حتى في ساحة ~~الحس ، فكم من الأمور التي كانت فوق مستوى المألوف مما يعقله الناس ، في ~~قضايا الحياة وأسرار الكون ، أصبحت عادية ومألوفة لديهم بعد اكتشافها من ~~قبل العلماء ووضوحها لديهم ، وكم من الأمور المألوفة لديهم بفعل السير ~~التاريخي للأفكار والعقائد ، تحولت إلى أشياء مستنكرة بعد ثبوت زيفها ~~وخرافيتها ، وكم من الأشياء التي كانت غيبا في وعي الناس عادت حسا من خلال ~~الاكتشافات العلمية. # لذلك ، فإن طريقة البحث في الأمور الغيبية تختلف عن الطريقة في الأمور ~~الحسية ؛ ففي الغيب متسع للفكر التأملي والعقل النظري ، وفي الحس منطلق ~~للتجربة الواقعية والعقل العملي بالإضافة إلى دائرة التأمل فيه ، ولكن ~~المسألة التي تفرض نفسها في شؤون الغيب هي توثيق النص المروي عن المصادر ~~المعصومة التي لا تخطئ في نقل الأشياء وفي تصورها ms0152 ، وتركيز الفهم الدقيق ~~للنصوص من خلال القواعد والأصول المتبعة في ذلك ، وهذا ما PageV01P222 # ينبغي البحث فيه قبل الالتزام بالنص كوثيقة علمية ، ولا سيما إذا عرفنا ~~دخول الكثير من الأحاديث الموضوعة في تراثنا من خلال اليهود في ~~إسرائيلياتهم التي أريد لها أن تشوه المفاهيم الإسلامية في الخطوط العامة ~~والتفصيلية ، أو من خلال الكذابين الذين كانوا يضعون الأحاديث ويدسونها في ~~كتب الثقات من أصحاب الأئمة عليه السلام ، كما ورد ذلك في حديث الإمام ~~الصادق عليه السلام عن أبي الخطاب وجماعته ، مما يتضمن الكفر والزندقة ~~والخرافة. # فلا بد لنا من التدقيق في السند والمتن كما يعبر القدماء قبل القبول بها ~~وتحويلها إلى ثقافة عامة للناس ، ولا سيما في الأمور المتصلة بالعقيدة ، ~~بحيث يبادر الناس إلى إنكار الحقائق الثابتة أو تأويل النصوص المعتمدة ~~لمصلحتهم. # ولا بد ، إلى جانب ذلك ، من المقارنة بين النصوص في دلالاتها الفكرية ، ~~وخصوصا مسألة العرض على القرآن الذي هو كتاب الله الذي ( @QUR@09 لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ، للتعرف على ملاءمة المفهوم ~~الحديثي في مضمونه الفكري مع المفهوم القرآني في دلالاته ، من خلال الأصول ~~الدقيقة للبحث العلمي ، وعدم الاقتصار على الأساليب الأصولية التقليدية في ~~طريقة البحث والمقارنة. # إن المسألة ليست مسألة استبعاد الغيب في مفرداته مهما كانت غريبة عن ~~المألوف ، ولكنها مسألة التأكيد على صدور هذا الغيب ممن يملك أمر الحديث عن ~~الغيب في قضايا العقيدة والحياة. # وقبل أن نختتم الكلام هنا ، فإن ثمة نقاطا أو تساؤلات ، تثيرها الآيات ~~موضوع البحث وتعالجها وفق التسلسل التالي : # * * * PageV01P223 ### ||| ** ما معنى هذا الحوار الذي أجراه ### ||| ** الله سبحانه وتعالى مع الملائكة؟ # هل هو قصة حقيقة جرت بين الله وبين الملائكة ، أم هو أسلوب قرآني لتقريب ~~الفكرة بطريقة الحوار لأنه أقرب إلى فهم الفكرة من الأسلوب التقريري ، إذ ~~إن أسلوب الحوار متحرك يوحي بالحركة في الفكرة عند ما تتوزع تفاصيلها على ~~عدة أشخاص بين السؤال والجواب ، بينما نشعر في الأسلوب التقريري ، بأن ~~الفكرة تسير بشكل رتيب هادئ لا يثير في النفس أي ms0153 شعور غير عادي إلا من خلال ~~طبيعة الفكرة؟ # وليس هذا الأسلوب بدعا في الأساليب القرآنية ، فنحن نجد في كثير من آيات ~~القرآن حوارا يدور بين الله وبين ما لا يعقل ولا ينطق من مخلوقاته ، كما في ~~ما حكاه الله سبحانه في خلق السماوات والأرض إذ قال لهما : ( @QUR@07 ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [فصلت : 11] ، لتقريب فكرة خضوعهما ~~التكويني لله بما أودعه فيهما من قوانين طبيعية تسير بهما وفق إرادته ~~وحكمته. # ولا بد لنا في الجواب عن هذا التساؤل من الحديث عن موقفنا حيال الظواهر ~~القرآنية ، فهل لنا أن نتصرف فيها فنحملها على غير ما يفهم من مدلولها ~~الحرفي أم لا؟ # إن الطريقة العقلائية في المفاهيم تقضي بأن الظواهر الكلامية حجة ما لم ~~يكن هناك دليل عقلي يمنعنا من الأخذ بها ، وقد جرى القرآن على هذه الطريقة ~~في أسلوبه ، فلا بد لنا من السير عليها في ما نأخذ منه أو ندع ، فإذا ~~أخبرنا بوجود حوار ضمن قصة ولم يكن هناك مانع عقلي من الإقرار به ، فيلزمنا ~~الإقرار به واعتباره حقيقة واقعة. أما إذا كان هناك مانع عقلي فلا بد من ~~حمله على ما ينسجم معه على أساس قواعد المجاز والكناية والاستعارة ، كما في PageV01P224 # الآيات التي تحدثت عن وجه الله : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) ~~[القصص : 88] ، أو عن يد الله كما في قوله تعالى : ( @QUR@013 وقالت اليهود ~~يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ) [المائدة : ~~64] ، وكذلك في قوله عز من قائل : ( @QUR@04 يد الله فوق أيديهم ) [الفتح : ~~10] ، مما قد يوحي بأنه تعالى جسم كالأجسام .. ولما قام الدليل العقلي على ~~امتناع الجسمية عن الله ، حملنا هذه الآيات وأمثالها أنها واردة مورد ~~الاستعارة للتعبير عن الذات في كلمة الوجه ، وعن عطائه وقوته في كلمة اليد ~~، لمناسبات لغوية تقتضي ذلك. والآن ، ما موقع قصتنا من هذه القاعدة؟ # قد يعالج البعض القضية من خلال هذا السؤال : # كيف نفهم الحوار كحقيقة موضوعية؟ هل كان الله سبحانه ، في مقام استشارة ~~الملائكة في ما يريده من ms0154 خلق هذا الخليفة أم كان في مقام إخبارهم بذلك؟ لا ~~بد من رفض الشق الأول من السؤال ، لأن الاستشارة تنطلق من محاولة الوصول ~~إلى الرأي الأصوب الذي يستتبع الجهل بالواقع مما يستحيل نسبته إليه تعالى. ~~وأما إذا كانت القضية إخبارا عما يريد الله فعله ، فكيف نفسر اعتراض ~~الملائكة عليه ، مع أننا نعرف ، من خلال القرآن الكريم ، أنهم ( @QUR@08 ~~عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء : 26 27]. # وهنا يعود السؤال من جديد : كيف نفسر الحوار؟ ونقول : ربما تكون القضية ~~واردة مورد التساؤل أمام الإخبار ، وليس هناك ما يوجب اعتبار السؤال ~~اعتراضا ، فإن طبيعة الموضوع تدفع للتساؤل عن سر الحكمة فيه ، وتثير الدهشة ~~والاستغراب ، فكيف يخلق الله مخلوقا ليكون خليفته في الأرض ، في الوقت الذي ~~تتمثل حياته في التمرد على الله بالفساد وسفك الدماء؟ إن القضية ، بحسب ~~طبيعتها ، تشبه اللغز. وفي هذا الإطار ، يمكن أن تكون القضية جوابا عن سؤال ~~أثاره الملائكة لكشف الموضوع ، ويمكن أن تكون PageV01P225 # جوابا عن سؤال تفرضه طبيعة القضية ، بعيدا عن أجواء الحوار الحقيقي. وقد ~~نستطيع أن نتبنى الفكرة الثانية ، لأن الآيات ، بمجموعها ، توحي بأن في ~~القضية نوعا من التحدي الذي يوجه نحو الملائكة ، بإثارة محدودية علمهم من ~~جهة ، وبتوجيه السؤال إليهم لإظهار عجزهم وتكليف آدم بالإجابة عنه. وقد ~~يقرب هذه الفكرة ، أننا لا نفهم الوجه في إدارة هذا الحوار مع الملائكة ، ~~فإن حوار الله مع مخلوقاته ينطلق غالبا من القضايا التي تتعلق بمسؤولياتهم ~~وتكاليفهم ، أما أن يكون متمثلا في الأمور التكوينية التي يريد إيجادها ، ~~فهذا ما لا نعرف له وجها. ومن الطبيعي ، أن هذا لا يعتبر مانعا عقليا عن ~~حمل اللفظ على ظاهره ، ولا سيما أننا لا نملك الكثير من المعرفة لعالم ما ~~وراء الطبيعة ، فنحن لا نعرف كيف يقولون ، وكيف هم ، وما هي العلاقة بينهم ~~وبين الله سبحانه ، وما هو الجو الذي يمكن أن يعيش فيه هذا الحوار. كل هذا ~~لا نملك له سبيلا للمعرفة ، فإن هذه القضايا مما نعرف وجودها بشكل ضبابي ، ~~لأننا لا ms0155 نجد وسائل الإيضاح التي تجعلنا نتمثل الفكرة بوضوح. # إننا نستقرب اعتبار الموضوع أسلوبا قرآنيا لتوضيح الفكرة ، ولكننا لا ~~نجزم بذلك ، لأن المعطيات التي قدمناها لا تدع مجالا للجزم ، بل ربما نلتقي ~~ببعض الأحاديث المأثورة التي تدعم الفرضية الأولى .. في ما سبق أو يمكن أن ~~يلي من حديث. # بقيت هناك نقطة ، لا بد من الإشارة إليها في هذا المجال ، وهي موضوع ~~الصدق والكذب ، إذ كيف يسوغ الإخبار بحدوث حوار لم يحدث ، وبحكاية قول لم ~~يقل؟ وهنا نقول إننا نعرف من الأبحاث التي تحدثت عن الصدق والكذب ، في ~~أبواب الكناية وفي غيرها ، أنهما يخضعان في مقياسهما لما يقصد حكايته ، فإن ~~قصد المتكلم الإخبار بما يحكيه عن الواقع ، أمكن الحكم عليه بالصدق إن كان ~~مطابقا له ، وبالكذب إن لم يكن مطابقا ، أما إذا لم يقصد الإخبار عن الواقع ~~في مضمون الحكاية ، بل قصد اعتبارها وسيلة للإخبار عن PageV01P226 # شيء آخر ، فإن الاعتبار يكون به لا بها. # * * * ### ||| ** ما هو معنى الخلافة التي جعلها الله للإنسان؟ # في ما تدل عليه الآية ، ربما يذكر هنا معنيان : # أولهما : الخلافة عن الموجودات السابقة على خلق الإنسان ، انطلاقا من بعض ~~الأحاديث المروية التي تذكر أن هناك فصائل حية عاشت في الأرض قبل الإنسان ، ~~وعاثت فيها فسادا ، وسفكت الدماء ، ثم انقرضت بعد ذلك ، وجاء الإنسان ~~ليخلفها على هذه الأرض. وهناك أحاديث تعطي لتلك الموجودات الصفة الإنسانية ~~أو الآدمية باعتبار وجود آلاف من الآدميين قبل آدم أبي البشر. # ثانيهما : الخلافة عن الله وقد وردت عدة آيات بهذا المضمون كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@011 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ) [ص : 26]. وقوله تعالى : ( @QUR@010 ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم لننظر كيف تعملون ) [يونس : 14]. وعلى هذا يكون معنى الخلافة عن الله ~~هو إدارة الأرض وبناؤها وإعمارها على وفق إرادة الله. # ولعل الرأي الثاني أوفق بظاهر الآيات ، لأن سياقها يوحي بأن الملائكة لم ~~يطرحوا سؤالهم انطلاقا من إفساد الإنسان في الأرض وسفكه الدماء فقط ، بل ~~باعتبار أنفسهم مؤهلين لذلك ، وكان ms0156 وحي الله إليهم في إطار بيان الخصائص ~~التي يملكها هذا المخلوق ولا يملكونها هم ، مما يؤهله للقيام بالمهمة ~~الموكولة للخليفة ، فكأن القضية هي قضية الدور الذي يراد للخليفة أن يقوم ~~به ، لا مجرد خلق موجود جديد يخلف الكائن القديم. ولهذا كان الحوار منطلقا ~~من موقع الخصائص الموضوعية للخلافة الموجودة في الإنسان PageV01P227 # المفقودة في غيره. ولو كانت القضية كما يتوهم في المعنى الأول ، لما كان ~~هناك أية حاجة لكل هذه التفاصيل ، فإن الخلافة عن الموجودات السابقة لا ~~تحتاج إلى ميزة ذاتية أو ميزة عن الملائكة. # ونحن في ترجيحنا للمعنى الثاني ، لا ننكر ما ورد في الأحاديث من وجود خلق ~~آخر ، فإن قضية وجوده وعدمه لا ترتبط بخلافته عنه وعدمها كما هو واضح. وقد ~~تصلح هذه الأحاديث لأن تكون تفسيرا للسؤال المطروح في أكثر من مجال أمام ~~هذا الحوار القرآني ، وهو من أين عرف الملائكة أن هذا المخلوق الجديد يسفك ~~الدماء ويفسد في الأرض مع أنه لم يدخل مجال التجربة بعد؟ # وتنوعت الأجوبة بين جواب يفسر ذلك بدراستهم للخصائص المادية التي يتميز ~~بها الإنسان من حيث إنه مخلوق أرضي تتوفر فيه كل سلبيات العنصر الأرضي في ~~محدوديته وماديته ، مما يفسح في المجال لمثل هذه الممارسات السلبية ، وبين ~~جواب يتحدث عن تجربة إنسانية سابقة من خلال بعض الموجودات السابقة المنقرضة ~~، وبين جواب يطرح القضية في اتجاه آخر لا يتحدث عن معلومات ذاتية حسية أو ~~استنتاجية ، كما في الجوابين السابقين ، بل يتحدث عن إمكانية أن يكون ~~الحوار لو كان هناك حوار حقيقي غير مذكور بتمامه ، بل يمكن أن تكون هناك ~~جوانب أخرى للحوار لم يتعلق غرض بيانها في القصة على أساس الطريقة القرآنية ~~التي تختصر القصة فلا تذكر كل التفاصيل ، بل تقتصر على الأشياء التي تتصل ~~بالهدف الأساس فيها. # فربما كان الملائكة قد سألوا بعد إخبار الله لهم بجعل الخليفة ، عن ~~خصائصه وأعماله وأدواره ، فأجابهم الله بما يحدث منه من قضايا لا تنسجم مع ~~إرادته كقضايا الإفساد في الأرض وسفك الدماء ، فاستغربوا ذلك ، وسألوا ms0157 عن ~~الحكمة في ذلك ، فكانت معرفتهم مستمدة من تعريف الله لهم بذلك في إطار PageV01P228 # القصة. وهذا ما نستقربه على أساس دراسة طبيعة الأشياء ، أما إذا صحت ~~الأحاديث المأثورة من جهة السند ، فإننا نتبناها في تفسير السؤال باعتبارها ~~الحجة على التفسير بعيدا عن الآراء والظنون. # ولا بأس من الإشارة إلى بعض هذه الأحاديث ، فمنها ما جاء في تفسير ~~العياشي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : ما علم الملائكة بقولهم : ~~( @QUR@07 أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) لولا أنهم قد كانوا رأوا ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء (1) # * * * ### ||| ** كيف نفهم طبيعة الخلافة عن الله؟ # لعل المراد منها إدارة ما يحتاج إلى الإدارة والرعاية والتدبير في بناء ~~الحياة في الأرض على أساس النظام الذي جعله الله واختاره ، وبهذا يظهر ~~الدور الكبير الذي أعده الله للإنسان ، بما أودعه فيه من قوة المعرفة التي ~~يستطيع من خلالها استيعاب كل ما حوله من الظواهر والموجودات ، وما أعطاه من ~~طاقة العقل الذي يدرك به الخير والشر ، والصلاح والفساد ، ويوازن به بين ~~الأمور التي يواجهها ليستنتج منها أفكارا جديدة ، ويثير منها الحلول ~~الصحيحة لمشاكل الحياة وقضاياها. ولعل هذا الدور هو الذي عبر الله عنه ~~بالأمانة في قوله تعالى : ( @QUR@018 إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا ) [الأحزاب : 72]. # وربما كان هذا التصوير الكنائي لمواجهة هذه المخلوقات الضخمة بالمسؤولية ~~تدليلا على عظمة الدور الذي يمثله الإنسان عند ما يقوم به. # وقد نفهم من الإشارة إلى تعليم آدم الأسماء كلها في معرض تبرير PageV01P229 # صلاحيته للخلافة أن للعلم دورا كبيرا في هذا المجال ، وأن الطاقات التي ~~أودعها الله في الإنسان دون أي مخلوق آخر هي الأساس في هذا الدور ، فمن ~~خلالها يستطيع أن ينتج علما ، وأن يتحول إلى شيء نام متحرك في كل اتجاه ~~يبلغه الفكر ، أو تقود إليه التجربة ، كمظهر من مظاهر الخلق والإبداع. # وبهذا انطلقت مسئولية الإنسان للقيام بدوره بالانسجام بين طبيعة الحياة ~~وبين إرادة الله وتسخير القوى التي بين ms0158 يديه في سبيل الخير لا في سبيل الشر ~~، وهذا ما يرفعه إلى المستوى الكبير لدى الله ، فيكون أفضل من الملائكة ~~الذين يمارسون الخير بشكل تكويني ، فلا فضل لهم في ذلك ، أما إذا ابتعد عن ~~ممارسة دوره من موقع المسؤولية ، فإنه يتنزل إلى أسفل من درجة الحيوان الذي ~~يعيش الشهوة ونتائجها بشكل غريزي ، فلا إثم عليه في ذلك. # إن سر الإنسان هو علمه وعقله وإرادته ، فهو الذي يميزه عن سائر الموجودات ~~من ناحية ذاتية ، وهو الذي يؤهله لأن يتسلم زمام الأمور في الحياة الدنيا ~~من خلال تسخير القوى الطبيعية له. أما من الناحية العملية ، فإن عمله هو ~~الذي يحدد قيمته وموقعه على أساس ما أنزله الله في قرآنه : ( @QUR@05 إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13]. # * * * ### ||| ** من هو الخليفة ؛ آدم أم النوع الإنساني كله؟ # الظاهر من الآية الكريمة أنه النوع الإنساني ، لأن آدم الشخص محدود بفترة ~~زمنية معينة ينتهي عمره بانتهائها ، فكيف يمكنه القيام بهذا الدور الكبير ~~الذي يشمل الأرض كلها ويتسع لكل هذه المرحلة الممتدة من الحياة. هذا أولا ، ~~وثانيا : إن الملائكة قد وصفوا هذا الخليفة بأنه يفسد في الأرض ويسفك ~~الدماء ، وهذا الوصف لا ينطبق على آدم بل ينطبق على بعض الجماعات التي PageV01P230 # يتمثل فيها النوع الإنساني في مدى الحياة. # وقد نلاحظ في هذا المجال أن هذا اللفظ « الخليفة » قد استخدم في خطاب بعض ~~الأنبياء والناس في أكثر من آية. وربما نستطيع من هذا ، أن نستوحي الفكرة ~~القائلة بأن تعليم آدم الأسماء ليس تعليما دفعيا بل هو تعليم القابلية ~~والإعداد بالشكل التدريجي الذي تواجهه البشرية في السلم التطوري للعلم. ~~والله العالم. # وقد يتساءل البعض : إن الله حدود في بعض الآيات الكريمة الاستخلاف ~~بالمؤمنين كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@015 وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) [النور : 55]. # فكيف تقول إن المراد بالخليفة النوع الإنساني كله؟ # والجواب : إننا قد قلنا بأن الخليفة هو النوع الإنساني في مقابل التحديد ~~بشخص آدم ، فإن الخلافة على قسمين ؛ عامة ms0159 وخاصة. أما العامة فهي التي جعلها ~~الله للنوع الإنساني بشكل عام في مقابل الفصائل الأخرى من الموجودات الحية ~~من خلال ما منحه من الطاقات والخصائص العامة التي يستطيع أن يستخدمها في ما ~~يريده الله ، أو في ما يمكن أن يصل به إلى رضى الله. أما الخاصة فهي ~~الولاية والسيطرة على الآخرين بشكل مباشر ، وهو ما تعبر عنه هذه الآية التي ~~توحي بأن الله سيمكن المؤمنين في الأرض ويمنحهم السلطة الفعلية ، كما منح ~~من قبلهم ، فلا تنافي ما ذكرناه في معنى الآية. # * * * ### ||| ** ما هي الأسماء التي علمها الله لآدم؟ # لقد استفاضت النصوص الدينية في الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام وعن غيرهم في أن المراد منها هي أسماء الموجودات الكونية PageV01P231 # سواء منها الموجودات العاقلة أو غيرها ، ولعل هذا ما توحي به طبيعة الجو ~~الذي يحكم الموقف في هذه الآيات ، وينسجم مع مهمة الخلافة عن الله في الأرض ~~التي أعد لها الإنسان ، وهي تفرض المعرفة الكاملة بكل متطلباتها ومجالاتها. # جاء في تفسير العياشي : عن أبي العباس ، عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : سألته عن قوله الله : ( @QUR@04 وعلم آدم الأسماء كلها ) ~~ماذا علمه؟ قال : الأرضين والجبال والشعاب والأودية (1). # وجاء في تفسير الطبري عن ابن عباس ، قال : علم الله آدم الأسماء كلها ، ~~وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وأرض ، وسهل ، ~~وبحر ، وجبل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها (2). # وهناك اتجاه في تفسير ذلك بأسماء الملائكة وأسماء ذريته دون سائر أجناس ~~الخلق ، وهو الذي اختاره الطبري في تفسيره ، « وذلك أن الله جل ثناؤه قال : ~~( @QUR@04 ثم عرضهم على الملائكة ) يعني بذلك أعيان المسمين بالأسماء التي ~~علمها آدم ولا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم ~~والملائكة ، وأما إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوى من وصفنا ~~فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو بالهاء والنون » (3). ولكن هذا الاتجاه ~~لا يتناسب مع طبيعة الخلافة ، لا سيما إذا فهمنا من الآية أن آدم لم يكن هو ~~الخليفة ms0160 بشخصه بل بسبب تجسيده للنوع الإنساني كما استقربناه آنفا ، فإن ~~معرفة أسماء الذرية والملائكة لا تقدم شيئا ولا تؤخر في الموضوع. PageV01P232 # وأما التعبير عن الأسماء بالضمير المستعمل لما يعقل ، فقد اعترف صاحب ~~التفسير المذكور بأن العرب قد تستعمل ضمير العاقل ، في العاقل وغيره تغليبا ~~، وبذلك جاء القرآن الكريم : ( @QUR@021 والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من ~~يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) [النور : ~~45]. ولكنه قال إن الغالب المستفيض في كلام العرب ما وصفنا ، ولكننا لا ~~نعتبر الغلبة في مثل هذا لو ثبتت لغة مرجوحة أو غير فصيحة ، لأن القرآن نزل ~~بذلك في الآية المتقدمة ، مما يوحي بأنها لغة مألوفة معتبرة ، ولعل ذهاب ~~ابن عباس في ما روي عنه يقرب ما ذكرناه ، لأنه أعرف بكلام العرب من ~~المتأخرين الذين عرفوه بالنقل ، بينما كانت معرفته له بالسماع والممارسة. (1) # * * * ### ||| ** آدم يعرض الأسماء على الملائكة # ( @QUR@04 ثم عرضهم على الملائكة ) بالطريقة التي يتعرفون فيها أشكالها ، ~~وأوضاعها ، وأنواعها ، ومواقعها ، وغير ذلك مما لا سبيل لنا إلى معرفة ~~خصوصياته ، لأن لله حكمته وقدرته في أسلوب هذا العرض ، الذي يفتح للملائكة ~~أبواب المعرفة ، بالمستوى الذي يريد لهم أن يصلوا إليه بالمشاهدة أو ~~بالإلهام. ( @QUR@07 فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) (31) في ~~المدى الواسع الذي تملكونه من العلم في ما يؤهلكم للخلافة في الأرض ، ~~وللاطلاع على بواطن هذه الأشياء وحقائقها وخصوصياتها. # وهذا أسلوب دقيق يوحي بالعجز الملائكي عن هذا المستوى المعرفي ، PageV01P233 # لأن الله أعطى لكل مخلوق من مخلوقاته دورا معينا محدودا يتحرك في دائرته ~~ولا يتجاوزه ، لتكون الحياة في تنوعاتها وأوضاعها ومواقعها ، عملية تكامل ~~بين المخلوقات في الأدوار الموضوعة لها والخطط المرسومة لحركتها ، فلا يملك ~~مخلوق أن يقوم بدور مخلوق آخر ، فللملائكة دورهم في الوظائف التي وظفوا لها ~~في إدارة النظام الكوني ، وللإنسان دوره في المسؤوليات التي حمله إياها في ~~شؤون نفسه ، وفي شؤون الأرض التي يتحرك فيها ، وللظواهر الكونية المتناثرة ~~في الكون الواسع أدوارها الخاصة هنا وهناك ، فالنظام الكوني نتاج ذلك ms0161 كله. # والظاهر أن الأسلوب القرآني في خطاب الله للملائكة جار على أساس تأكيد ~~جهلهم بهذه الأسماء في مسمياتها ، تماما كما تقول : أخبر بما في يدي إن كنت ~~صادقا ، أي : إن كنت تعلم فأخبر به ، لأنه لا يمكنه أن يصدق في مثل ذلك ، ~~كما جاء في مجمع البيان (1). # * * * ### ||| ** الملائكة يشهدون بعجزهم # وليس مجرى الأسلوب على تكليفهم بذلك ، لأن الجو يتحرك في مقام إظهار ~~عجزهم ، لا في إظهار كذبهم ، لأنهم لم يكونوا في مجال دعوى العلم بذلك ، ( ~~@QUR@08 قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا )، فنحن لم ندع العلم في ~~ما يتجاوز قدرتنا على المعرفة ، لأنك أنت الذي وهبتنا علم ما نعلم بالوسائل ~~التي أودعتها فينا ، ومكنتنا منها ، فلا مصدر للعلم إلا منك ، ولم يكن ما ~~كان منا اعتراضا على حكمتك أو تدبيرك ، أو ادعاء لما لا نملك علمه من شؤون PageV01P234 # خلقك ، بل كان وسيلة من وسائل اكتشاف حقائق الأمور في ما تخلقه وتبدعه ~~وتدبره. # ( @QUR@04 علمتنا إنك أنت العليم ) الذي تملك العلم كله ، فلا حدود لعلمك ~~لأنك أنت الخالق لما تعلمه فكيف لا تحيط به. ( @QUR@01 الحكيم ) الذي يتحرك ~~في تدبيره بالحكمة العميقة الشاملة التي تنطلق من الإحاطة بحقائق الأشياء ~~في ما يصلح أمرها أو يفسده ، وعلينا وعلى العباد كلهم أن يسلموا لك كل ~~أمورهم في ثقة مطلقة بأنك وحدك العالم بكل شيء ، الحكيم في كل تدبير. # * * * ### ||| ** عبر ودروس للعاملين # قد يشعر الإنسان مع هذه الآيات البينات بالحاجة إلى أن يعيش الإحساس ~~بمنزلته ومستواه من خلال هذا الحوار الذي يجسد التكريم الإلهي له من خلال ~~المسؤولية الملقاة على عاتقة. ولا بد في هذا الإحساس من التركيز على أن ~~الخصائص الإنسانية الممنوحة له من الله ليست شرفا يزهو به ، بل هي مسئولية ~~يحملها من أجل تفجيرها وتنميتها وتركيزها على الأسس التي يمكن له من خلالها ~~أن يحقق الأهداف التي من أجلها كان وجوده. # ولعنا نستوحي من ذلك اعتبار هذه الطاقات التي أودعها الله فيه أمانة لديه ~~، فليس له أن يعطلها ويجمدها ، أو يوجهها إلى ms0162 التفاهات التي لا تحقق للحياة ~~شيئا جديدا ، ولا تقدمها خطوة إلى الأمام ، بل يجب عليه أن يحركها ليحرك ~~الحياة من حوله ، وبذلك يخرج الإنسان عن الإطار الذي يحبس فيه نفسه عبر ~~مشاعر الفردية والأنانية التي تجعله لا يفكر إلا بنفسه ، لأنه لا يشعر ~~بوجود الآخرين ، أو بمسؤوليته الإنسانية عن رعاية هذا الوجود وحمايته من PageV01P235 # الانحراف والانهيار ، بل كل ما عنده هو ذاته ، فهي معبوده في أفكاره ~~وأعماله ، بعيدا عن كل شيء آخر. # إن الشعور بخلافة الإنسان عن الله ، هو الذي يجدد للإنسان في كل يوم ~~حياته من خلال تجديد طاقاته وتحويلها إلى قوة فاعلة متجددة تلاحق كل خطوات ~~الواقع من أجل تركيزها على الطريق المستقيم. # وهذا ما يجب على العاملين في سبيل الله أن يعمقوه في داخل نفوس الناس ~~كجزء من أساليب التربية الروحية التي يراد منها إيجاد الشخصية المسلمة ~~الفاعلة المتعاطفة مع كل مجالات العمل في الحياة ، المتطلعة في كل صباح ~~جديد إلى واقع جديد ومسئولية جديدة تنطلق أبدا في الآفاق الواسعة الشاملة ~~التي تشرق بنور الله. # ولعل هذا ما يحقق للإنسان الشعور العميق بوجوده الحر في داخل أعماقه ~~بعيدا عن كل نوازع الضعف ، وتهاويل الضغوط المنطلقة من القوى الموجودة خارج ~~ذاته ، لأنه يخلق في هذه الذات القوة الهائلة المستمدة من شعوره بسيطرته ~~على الكون كله من خلال دوره الكبير الممنوح له من الله خالق كل قوة في ~~الكون ، لأنه خالق الكون. فليست هناك قوة تتحدى دوره ، أو تدمر له إنسانيته ~~في ضغوطها الطاغية ، بل هو القوة التي تتحكم في الضغوط الخارجية كلها ، من ~~خلال قوته الداخلية. # * * * PageV01P236 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات : # ( @QUR@01 اسجدوا ): السجود : الخضوع والتذلل. وفي الشرع وضع الجبهة على ~~الأرض. والسجود لله يكون على نحو العبادة ، ولغيره على وجه التكريم والتحية ~~، ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود يعقوب وأهله ليوسف ، فقد كان ذلك هو ~~التعبير عن التحية للملوك ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@07 ورفع أبويه على ~~العرش وخروا ms0163 له سجدا ) [يوسف : 100]. وهو عام في الإنسان والحيوان ~~والجمادات كما جاء في القرآن الكريم وذلك نوعان : # أسجود باختيار ، وهو من خصوصيات الإنسان الذي يستحق به الثواب ويقترب به ~~من مواقع القرب لله. # ب سجود التسخير ، وهو للإنسان والحيوان والنبات والجماد ، وعلى PageV01P237 # ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~) [الرعد : 15]. # ( @QUR@01 إبليس ): اسم أعجمي معرب ، واستدلوا على ذلك بامتناع صرفه ، ~~وذهب آخرون إلى أنه عربي مشتق من الإبلاس الذي هو الحزن المعترض من شدة ~~اليأس ، قال تعالى : ( @QUR@05 ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) [الروم : ~~12]. والمقصود ب « إبليس » المخلوق الغيبي الذي يمثل رمز الشر ، وهو من ~~الجن ، التحق بالملائكة حتى أصبح معدودا منهم لشدة عبادته كما يقال وقد جاء ~~الحديث عنه بذلك في قوله تعالى : ( @QUR@09 إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه ) [الكهف : 50]. وتحدث القرآن ، تحت عنوان الشيطان ، عن سلطته في ~~إضلال البشر بالوسوسة والتزيين والإيحاء ونحو ذلك ، من دون أن يكون له ~~القدرة المطلقة على التدخل في قدرتهم الذاتية وشل إرادتهم المتحركة في ~~اتجاه الخير. # ( @QUR@01 أبى ): الإباء شدة الامتناع ، فكل إباء امتناع ، وليس كل ~~امتناع إباء ، ومنه : رجل أبي : ممتنع عن تحمل الضيم. # ( @QUR@01 واستكبر ): الاستكبار : إظهار الإنسان من نفسه ما ليس له من ~~خلال تكبره وإعجابه بنفسه ، والكبر ، حالة الإعجاب ورؤية نفسه أكبر من غيره ~~في صورة انتفاخ الشخصية ، والتكبر على الله إنما هو بالامتناع من قبول الحق ~~ومن الإذعان له بعبادته. # * * * ### ||| ** إبليس يأبى ويستكبر # هذا هو الموقف الثاني الذي أراد الله فيه أن يكرم هذا المخلوق الجديد ، ~~ليظهر قيمته وفضله ، فأمر الملائكة بالسجود له إعظاما وتحية وتكرمة ، وكان ~~إبليس يعيش في أجواء الملائكة حتى كاد أن يحسب منهم ، كما يوحي به PageV01P238 # الاستثناء الذي هو من قسم الاستثناء المنقطع الذي يعتبر فيه المستثنى من ~~لواحق المستثنى منه وإن كان خارجا عنه. # وانسجم الملائكة مع هذا الأمر الإلهي لأنهم عباده المكرمون الذين ( ~~@QUR@06 لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) أما إبليس ، فإن الأمر يختلف ~~لديه ، لأنه لا يعيش هذا ms0164 الجو الروحي إزاء أوامر الله ونواهيه ، بل القضية ~~عنده هي ما إذا كانت الطاعة لله منسجمة مع ذاتيته ونظرته إلى نفسه ، أو غير ~~منسجمة. وكان السجود لآدم لا يرضي غروره الذاتي وشعوره بالاستعلاء أمام هذا ~~المخلوق الجديد ، على أساس عنصري ، كما توحي به الآيات القرآنية الأخرى ~~التي تحدثت عن القصة بإسهاب ، فما كان منه إلا أن تمرد وأبى واستكبر وامتنع ~~عن الطاعة. # * * * ### ||| ** كفر إبليس # ( @QUR@03 وكان من الكافرين ) الذين لم يكفروا بالله مباشرة ، ولكنهم ~~يعيشون روحية الكفر وممارسته في التمرد على الله ، مما يجعل حياتهم تجسيدا ~~للكفر بكل مظاهره ونتائجه. ونجد في القرآن الكثير من الآيات التي تتحدث عن ~~الكفر العملي بالقوة نفسها التي تتحدث فيها عن الكفر العقيدي ، باعتبار ~~أنهما يلتقيان في النتيجة الطبيعية ، وهي التمرد على الله والبعد عن الخط ~~المستقيم الذي أراد الله للحياة أن تسير فيه. ونحن نفهم من الآيات التي ~~تربط العمل الصالح بالإيمان أن خطورة الكفر لا تقتصر على ما تمثله من إنكار ~~لله ولرسله واليوم الآخر ، بل تكمن في الانطلاق بعيدا عن عبادة الله ~~وإرادته في بناء الحياة على أساس شريعته. وهذا ما نستقربه في اعتبار إبليس ~~كافرا. وقد سار بعض المفسرين في اتجاهات أخرى لا تثبت أمام النقد العلمي ؛ ~~فقد جاء في مجمع PageV01P239 # البيان للطبرسي : # أما قوله تعالى : ( @QUR@03 وكان من الكافرين ) قيل : معناه كان كافرا في ~~الأصل ، وهذا القول لا يوافق مذهبنا في الموافاة ، وقيل : أراد كان في علم ~~الله تعالى من الكافرين ، وقيل : معناه صار من الكافرين كقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 فكان من المغرقين ) [هود : 43] واستدل بعضهم بهذه الآية على أن ~~أفعال الجوارح من الإيمان فقال : لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون إبليس مؤمنا ~~بما معه من المعرفة بالله تعالى وإن فسق بإبائه ، وهذا ضعيف لأنا إذا علمنا ~~كفره بالإجماع علمنا أنه لم يكن معه إيمان أصلا كما أنا إذا رأينا من يسجد ~~للصنم ، علمنا أنه كافر وإن كان نفس السجود ليس بكفر. ثم قال صاحب المجمع : ~~فإن قيل : لم حكم الله بكفره ms0165 مع أن من ترك السجود الآن لا يكفر؟ قلنا : ~~لأنه جمع إلى ترك السجود خصالا من الكفر ، منها أنه اعتقد أن الله تعالى ~~أمره بالقبيح ولم ير أمره بالسجود حكمة ، ومنها أنه امتنع من السجود تكبرا ~~وردا على الله تعالى أمره ، ومن تركه الآن كذلك يكفر أيضا ، ومنها أنه ~~استخف بنبي الله وازدراه وهذا لا يصدر إلا من معتقد الكفر .. (1). # ولكننا نلاحظ في هذا المجال ، أن هذه الآية ، وغيرها من الآيات ، لا تدل ~~إلا على نقطة واحدة في سبب العصيان ، وهي طبيعة الاستكبار التي كان يشعر ~~بها إبليس تجاه آدم من ناحية العنصر ، كما ورد في قوله تعالى : ( @QUR@09 ~~أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) [الأعراف: 12] وفي قوله تعالى : ~~( @QUR@014 أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا ) [الإسراء : 62] مما يعطينا الفكرة التي تظل في هذا ~~النطاق المحدود الذي يمثل المعصية التي لم تتجمد في إطار ذاته ، بل امتدت ~~لتتحول إلى عملية إغواء لذرية آدم في كل مجالات العقيدة من ناحية الفكر ومن ~~ناحية العمل. PageV01P240 # وفي ضوء ذلك ، لا نجد أية ضرورة لهذا التكلف الذي يريد أن يربط هذا ~~التمرد بالمعنى المصطلح للكفر ، وإلا أمكن أن نرجع الكثير من أعمال العباد ~~وخطاياهم إلى الكفر. # وقد نجد في القرآن الكريم أنه قد يعيش في بعض حالاته النفسية حالة الخوف ~~من الله سبحانه كما في قوله تعالى : ( @QUR@017 كمثل الشيطان إذ قال ~~للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) ~~[الحشر : 16]. # ولكن ذلك لم يمنع الحديث عنه بعنوان الكفر في الآية التالية : ( @QUR@010 ~~فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ) [الحشر : ~~17] وربما كان ذلك من خلال العناصر الذاتية الخفية الكامنة في نفسه التي ~~تأبى على الله أن يأمر بما أمر به بما يلتقي بالكفر العقيدي في لوازمه ~~الفكرية. # وقد لا يكون لهذا النوع من الحديث أي أثر عملي في مجال العقيدة والعمل ، ~~فإن هذا المخلوق هو سر الكفر والفسق ms0166 في الحياة في ما يزينه لبني آدم من ~~أساليب الضلال والانحراف عن الله وشريعته ، ولكننا نريد أن نخلص منه إلى ~~فكرة تفسيرية وهي ملاحظة مصطلح الكفر في القرآن من خلال المعنى الحقيقي ~~الذي يتحرك في إطار العقيدة ، ومن خلال المعنى المجازي الذي يتحرك في نطاق ~~العمل. وربما كانت هذه الآية في ما نظن من مصاديق المعنى الثاني ، والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** خرافة مأساة إبليس # وقد حاول بعض المتفلسفين تصوير إبليس في قضية إيمانه بصورة المأساة ، ~~فصوروه بصورة الموحد الخالص في توحيده ، المؤمن العميق في إيمانه ، لأنه ~~رفض السجود لآدم انطلاقا من رغبته في توحيده العبادة لله ، فلا PageV01P241 # يريد أن يشرك أحدا في السجود له وإن كان ذلك بأمر من الله ، فهو مستعد ~~لتقبل عذاب الله في سبيل الإخلاص لمحبته له وإيمانه به. ولكن القضية التي ~~حاولوا تبيانها ، لا ترتكز على أي أساس منطقي أو ديني ، لأمرين : # الأول : إن فكرة إبليس كموجود حي ليست من الأفكار التي تخضع للحس لتدخل ~~في نطاق التجربة لنملك أمر التصرف في تفاصيلها من خلال تجاربنا الذاتية ، ~~بل هي من الغيب الذي عرفنا الله إياه ، في ما عرفه لأنبيائه من أمور الغيب. ~~وفي هذا الإطار ، لا بد لنا من أن نأخذ ملامحها وتفاصيلها من النصوص ~~الدينية في ما أوحاه الله من الكتب السماوية ، وقد رأينا في هذه الآية التي ~~نحن بصددها أن امتناع إبليس عن السجود لآدم كان بفعل الكبرياء ، لا بفعل ~~التوحيد والمحبة لله ، وسنجد في شخصيته في ما يأتي من حديث إبليس في القرآن ~~صفة الحاقد الذي يدفعه حقده إلى أن يمارس كل ما يستطيع من الأعمال الشريرة ~~في سبيل تحطيم هذا الكائن في ذاته وفي ذريته كسبيل من سبل التنفيس عن حقده ~~المكبوت في أعماقه ، ولذا فإنه يطلب الخلود من أجل تحقيق هذه الغاية ~~الشريرة في نفسه. # وإذا كانت الصورة القرآنية هي هذه ، فمن أين تأتي لنا صورة الموحد لله ~~الفاني في ذاته الذي يريد أن يحرق نفسه من أجل الاحتفاظ بصفاء حبه ~~وإيمانه؟! # إننا ms0167 لا نستطيع أن نضع ذلك إلا في أجواء الخيالات الشعرية التي تعيش في ~~آفاق الشعراء الحالمين الذين يحاولون أن يمنحوا جو المأساة للمجرمين ~~انطلاقا من الاستغراق الذاتي في مشاعر المجرم أمام مصيره ، بعيدا عن دوافع ~~الجريمة ونتائجها الشريرة في تأثيرها على البلاد والعباد ، تماما كالكثيرين ~~الذين يشجبون قانون القصاص للقاتل على أساس المشاعر العاطفية الساذجة بعيدا ~~عن التخطيط الواعي للتشريع في حياة الإنسان. PageV01P242 # وقد نجد في بعض الأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت عليه السلام بعضا من ~~الملامح التفصيلية للصورة ، ولكن في اتجاه آخر. # فقد ورد في البحار عن قصص الأنبياء ، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ~~قال : أمر إبليس بالسجود لآدم فقال : يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود ~~لآدم لأعبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها ، قال الله جل جلاله : إني أحب أن ~~أطاع من حيث أريد (1). # فقد نلمح في هذا الحديث بعضا من ملامح الفكرة التي نقلناها ، ولكنها لا ~~تسير في الاتجاه الذي يحاوله هذا البعض ، بل تسير في جو المساومة الساذج ~~الذي يريد إبليس من خلالها أن يرضي كبرياءه بالامتناع عن السجود لآدم ، ~~وذلك بالطلب إلى الله أن يقبل تعويضا عنه بعبادة لم يعبده مثلها أحد. ولكن ~~الجواب يضع القضية في إطارها الصحيح ، لأن موضوع عبادة الله ليس عملية ~~شكلية تتمثل في أوضاع معينة من أعمال الإنسان ، بل هي الخضوع له في كل ما ~~يريده بالطريقة التي يريدها بعيدا عن كل نوازع النفس ودوافعها الذاتية. ~~ولعل من أوضح مظاهر ذلك أن يكبت الإنسان رغباته الشخصية أمام إرادة الله. # الأمر الثاني : إن قضية السجود لا تمثل شكلا من أشكال عبادة آدم ليتعارض ~~مع الإيمان بالله وتوحيد عبادته ، وكيف يأمر الله عباده بالإشراك به ، وهو ~~الذي ( @QUR@05 لا يغفر أن يشرك به )، ولكنها تحية وتكرمة لآدم من جهة ، ~~كما حدث من يعقوب وأهله عند مقابلته لولده يوسف في ما حدثنا الله عنه في ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ) [يوسف : 100] ~~، وهي من جهة أخرى طاعة لله ms0168 في امتثال أوامره ، وفي تعظيم خلقه ، كمظهر من ~~مظاهر عظمته. PageV01P243 # وهناك نقطة أساسية في هذا المجال ، وهي أن اعتبار أي عمل من أعمال ~~الإنسان عبادة لأي شخص ، يخضع للنية الدافعة له نحو العمل ، فإذا كان ~~السجود خضوعا للإنسان أو للصنم ، كان ذلك عبادة لهما ، أما إذا كان خضوعا ~~لله كما إذا كان بأمره له تعالى فهو عبادة لله وإن كان موجها للإنسان أو ~~لشيء آخر ، وبهذا لا يعتبر تقبيل الحجر الأسود عبادة له ، لأن ذلك لا يتصل ~~بالعظمة الذاتية للحجر ، بل بالأمر الإلهي الذي اعتبره رمزا من رموز ~~القداسة وشعيرة من شعائر العبادة .. إنه أسلوب من أساليب عبادة الله التي ~~شرع لنا فيها شعائر العبادة التي لا نملك أمر تغييرها ، ولكنها مهما اختلفت ~~، فهي موجهة إليه وحده. وقد أكدت هذا المعنى بعض الأحاديث المأثورة عن أئمة ~~أهل البيت عليه السلام . # فقد ورد في تحف العقول عن الصادق عليه السلام قال : « إن السجود من ~~الملائكة لآدم إنما كان ذلك طاعة لله ومحبة منهم لآدم » (1). # وفي قصص الأنبياء عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام : سجدت الملائكة ووضعوا جباههم على الأرض قال : « نعم ، تكرمة ~~من الله تعالى » (2). # وفي حديث الاحتجاج عن الإمام علي عليه السلام « في ضمن حوار أهل اليهود » ~~: أن سجودهم لم يكن سجود طاعة أنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل ولكن ~~اعترافا لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له (3). # * * * PageV01P244 ### ||| ** الملائكة تسجد لآدم تكريما له # ( @QUR@05 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) هذا المخلوق الجديد الذي هو ~~قبضة من الطين وإبداع من القدرة ، ونفخة من روح الله ، في ميزاته الإنسانية ~~؛ في عقله الذي يتسع لكل حقائق العقيدة والحياة ، وإرادته التي تمثل ~~العزيمة القوية في حركة القوة الروحية في وجوده ، وحرية حركته في جميع ~~مجالات الكون الموضوعة تحت قدرته ، وفي حيوية إحساسه بالمسؤولية الشاملة ~~لكل مواقع الخلافة عن الله في الأرض في إدارة شؤونها ، وترتيب أوضاعها ، ~~وتنظيم حركتها ، وتوجيهها في الخط الذي يرضاه الله للحياة في داخل النظام ms0169 ~~الكوني. # وفي ضوء ذلك ، كانت عظمة خلقه لونا من ألوان الدلالة على عظمة الله في ~~إبداع مثله ، مما يفرض التحية له والتكريم لوجوده ، والخضوع لله على عظمة ~~قدرته في خلقه ، الأمر الذي يجعل السجود له شأنا من شؤون العبادة لله ~~والتقدير لإبداعه في الخلق ، والتحية للمخلوق الحي الفاعل الذي يشارك ~~الملائكة المهمات الموكولة للعباد في إدارة النظام الكوني. ( @QUR@01 ~~فسجدوا ) خضوعا ، وإذعانا للأمر الإلهي ، وتحية لهذا الخلق الذي أكرمه الله ~~بخلافته وكرمه بنعمه ، ( @QUR@03 إلا إبليس أبى ) أن يسجد ، ( @QUR@01 ~~واستكبر ) انطلاقا من العقدة المستعلية في داخل ذاته في إحساسه المرضي ~~بالتفوق العنصري لانتمائه إلى النار أمام انتماء آدم إلى التراب ، حيث ~~تستطيع النار أن تحرق التراب. # * * * ### ||| ** المستكبرون ومشكلة تضخم الذات # وهذه مشكلة المستكبرين الذين يستغرقون في جانب من جوانب الذات ، PageV01P245 # ويغفلون عن الجوانب الأخرى المتصلة بالعناصر الحية الفاعلة في الشخصية ~~المنفتحة على الآفاق الواسعة في الحياة في أفكارها وحركيتها وفاعليتها ، من ~~دون اعتبار للمادة في ماديتها الذاتية التي لا تمثل إلا أداة من أدوات ~~الحركة الوجودية في الشكل ، لتكون الروح هي العنصر الذي يمنح الذات امتدادا ~~في البعد العملي وعمقا في المضمون الفكري والروحي للدور الإنساني في الحياة ~~، فلم يدخل الشيطان في المقارنة بينه وبين الإنسان في الجوانب الأخرى ، بل ~~استغرق في المسألة المادية ، فابتعد عن وعي الخصائص الأخرى التي قد يتفوق ~~فيها هذا المخلوق عليه ليتواضع أمامه من خلالها ، وهكذا سقط من الأعالي ~~ليهوي في الحضيض الأسفل في وحول الاستكبار الذي يتغذى من قذارات العناصر ~~الشريرة في الذات. # ( @QUR@03 وكان من الكافرين ) الذين ابتعدوا عن الله ، واعترضوا على ~~حكمته ، وتمردوا على أوامره ، فكانوا سواء مع الذين أنكروا وجوده في ~~النتائج العملية الحاسمة في الموقف والموقع. # * * * PageV01P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) @QUR@019 فأزلهما الشيطان ~~عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين (36) @QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ms0170 ~~هو التواب الرحيم (37) @QUR@017 قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) @QUR@010 والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رغدا ): يقال : عيش رغد ورغيد : طيب واسع. # ( @QUR@01 الظالمين ): الظلم : أصله انتقاص الحق. قال الله تعالى : ( ~~@QUR@08 كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ) [الكهف : 33] أي : لم ~~تنقص ، وقيل : PageV01P247 # أصله وضع الشيء في غير موضعه من قولهم : من أشبه أباه فما ظلم ، أي : فما ~~وضع الشيء في غير موضعه ، وهو ضد الإنصاف والعدل. # ( @QUR@01 فتاب ): التوب : ترك الذنب على أجمل الوجوه ، وهو أبلغ وجوه ~~الاعتذار ، فإن المعتذر يعترف بإساءته ويعلن إقلاعه عنها ، والتوبة في ~~الشرع ترك المذنب الذنب لقبحه ، والندم على ما فرط منه ، والعزيمة على ترك ~~المعاودة ، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال ، فمتى اجتمعت هذه الأربع ~~فقد كملت شروط التوبة. # ( @QUR@01 خوف ): الخوف : توقع المكروه من أمارة مظنونة أو معلومة ، ~~ويضاد الخوف الأمن. # ( @QUR@01 يحزنون ): الحزن : هو خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم ، ~~ولهذا كان الخوف من أمر مستقبلي ، والحزن على أمر قد مضى. # ( @QUR@01 خالدون ): الخلود : هو تبرؤ الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه ~~على الحالة التي هو عليها ، وأصل المخلد : الذي يبقى مدة طويلة ثم أستعير ~~للمبقى دائما. والخلود في الجنة : بقاء الأشياء على الحالة التي هي عليها ~~من غير اعتراض الفساد عليها. # * * * ### ||| ** آدم في الاختبار # ( @QUR@06 وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ) أي : امرأتك ، والزوج يطلق على ~~الذكر والأنثى ، ( @QUR@01 الجنة )، والظاهر أن المراد بها جنة الخلد لأن ~~الألف واللام للتعريف وقد صارا كالعلم عليها ، وهناك من قال بأنها جنة من ~~جنات السماء غير جنة الخلد ، لأن جنة الخلد أكلها دائم ولا تكليف فيها ، ~~وقال أبو مسلم : PageV01P248 # هي جنة من جنان الدنيا في الأرض ، وقال : إن قوله : ( @QUR@02 اهبطوا ~~منها )، لا يقتضي كونها في السماء ، لأنه مثل قوله : ( @QUR@02 اهبطوا ~~مصرا ) (1). وهذان القولان لا يرتكزان على قاعدة ثابتة ، لأن الأساس فيهما ~~هو امتناع أن تكون هي الجنة الموعودة ، باعتبار أنها ms0171 التي لا يخرج منها ~~الداخل فيها ، ولكن لا دليل على ذلك ، لأن هذا شأن الذي يدخل الجنة بعد ~~انقضاء مدة العمل في الدنيا وبعثه بعد الموت في الآخرة ، وليس مثل مسألة ~~آدم الذي أدخله الله الجنة ليعيش التجربة الصعبة فيها ، وليتعرف قيمتها في ~~خط العمل ، ليعمل لها في المستقبل ، ولتكون هدف أولاده من بعده في السعي ~~الحثيث إليها من خلال الإيمان والعمل ، وربما نستوحي ذلك من قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) ~~[الأعراف : 27] ، فقد يكون المراد هو التحذير من فتنة الشيطان لبني آدم حتى ~~لا يبعدهم عن الجنة كما أبعد أبويهم عنها. # وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل عن جنة آدم فقال ~~: « كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ، ولو كانت من جنان الآخرة ~~ما خرج منها أبدا » (2). فإذا صح هذا الحديث كان هو الحجة على المدعى. # ( @QUR@05 وكلا منها رغدا حيث شئتما ) في عيش هني طيب واسع لا نفاد له ~~ولا عناء فيه ، فليست هناك شجرة محرمة في كل أشجار الجنة ، وليس هناك موقع ~~ممنوع عنكم فيها. # ( @QUR@04 ولا تقربا هذه الشجرة ) أي : لا تأكلا منها على سبيل الكناية ~~باعتبار أن المطلوب بالقرب منها ، هو الأكل من ثمرها ، تماما كما يأكلان من بقية PageV01P249 # أشجار الجنة ، فكأنه قال : كلا منها رغدا إلا من هذه الشجرة. وفي التعبير ~~عن الأكل بالقرب منها مبالغة في التحذير. واختلف المفسرون في نوع هذه ~~الشجرة ، بين المعنى المادي للكلمة وهو السنبلة والكرمة والكافور ونحو ذلك ~~، وبين المدلول المعنوي لها وهو : أن المراد بها شجرة العلم ؛ علم الخير ~~والشر على سبيل الاستعارة ، ولكن لا دليل على شيء من ذلك بشكل موثق. # ( @QUR@03 فتكونا من الظالمين ) لأنفسكما بذلك ، لأنكما أبعدتماها عن ~~موقع السعادة وساحة الخلود. # ( @QUR@03 فأزلهما الشيطان عنها ) أي : أبعدهما عنها ، من الزلل بمعنى ~~الخطيئة التي تبعد الإنسان عن الثبات في موقعه ، وذلك من خلال وسوسته ~~وإغوائه وخداعه ، وهذا ما قد نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@04 فأخرجهما ~~مما ms0172 كانا فيه ) من الجنة الخالدة والعيش الرغيد والراحة والهدوء والطمأنينة ~~والفرح الروحي المنفتح على لذات الجنة وجمالاتها. # * * * ### ||| ** آدم وإبليس في الأرض # ( @QUR@02 وقلنا اهبطوا ) إلى الأرض أنتما وإبليس لعصيانكم الله وفشلكم ~~في الاستقامة على خط أوامره ونواهيه ، ( @QUR@03 بعضكم لبعض عدو ) بفعل ~~الحرب المفتوحة بينكما وذريتكما وبينه وجنوده ، لأنه يستهدف إبعادكم عن ~~رحمة الله وعن جنته ، بينما تعملون على التمرد عليه والخروج من سلطته ~~والسعي إلى دخول الجنة والبعد عن النار. ( @QUR@04 ولكم في الأرض مستقر ) ~~أي مقام ثابت لأن الله جعلها قرارا ، ( @QUR@01 ومتاع ) تستمتعون فيه في ~~حاجاتكم الوجودية العامة والخاصة ، ( @QUR@02 إلى حين ) إلى الأجل الذي ~~جعله الله لكم في مدة العمر التي حددها لكم PageV01P250 # في هذه الدنيا. # وهكذا عرف آدم ومعه زوجته معنى الشيطان في وسوسته ، وقسوة التجربة في ~~نتائجها ، وأدرك الهول الكبير الذي يواجهه في البعد عن رحمة الله ، وفي ~~الخروج من مواقع القرب إليه ، ومقامات الروح في رحابه. # * * * ### ||| ** آدم يتوب إلى الله تعالى # ( @QUR@05 فتلقى آدم من ربه كلمات ) ترتفع إلى الله من روح خاشعة خاضعة ~~وقلب نابض بالحسرة والندم ، ولسان ينطق بالتوبة ، وكيان يرتجف بالتوسل ، ~~وذلك بالإلهام الإلهي من خلال الفطرة التي توحي بالمعرفة في علاقة النتائج ~~بالمقدمات ، وفي طريقة تغيير الموقف من دائرة السلب إلى دائرة الإيجاب ، ~~ليكون التحول الإنساني في الاعتراف بالذنب والاستسلام للندم ، والعزيمة على ~~التصحيح ، والرجوع إلى الله بالعودة إلى طاعته في ما يكلفه به من مهمات ، ~~وفي ما يرشده إليه من إرشادات ، لأن أوامر الله الإرشادية تتصل بمحبته ~~لعبده لئلا يقع في قبضة الفساد ، كما تتصل أوامره المولوية بحرصه عليه في ~~البقاء في خط الاستقامة ، وابتعاده عن خط الانحراف الذي يؤدي به إلى الزلل ~~ويقوده إلى الهلاك. # ولكن ما هي هذه الكلمات؟ # إن الرجوع إلى القصة في سورة الأعراف يوحي بأن آدم الذي انطلق نحو التوبة ~~في عملية تكامل مع حواء ، وقف معها ليقولا في توبتهما : ( @QUR@011 ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [الأعراف : 23] ~~، ويبدو من خلال هذه الآية ، أن التوبة ms0173 كانت قبل الهبوط إلى الأرض ، بعد ~~التوبيخ الإلهي PageV01P251 # والتذكير لهما بأن سقوطهما في التجربة الصعبة لم يحصل من حالة غفلة لا ~~تعرف الطريق إلى الوعي ، بل كان حاصلا بعد التحذير الإلهي من الأكل من ~~الشجرة ، ومن الشيطان ، باعتباره عدوا لهما ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@026 ~~فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين ) [الأعراف : 22]. ويؤكد هذا التفسير للكلمات الحديث المروي في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 فتلقى آدم من ربه كلمات ) قال : لا إله إلا أنت سبحانك ~~اللهم وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين ، لا إله ~~إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني وأنت خير ~~الراحمين ، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر ~~لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم (1). # وهذا ما ينسجم مع الآية في أصل الفكرة ولكنه يختلف عنها في التفاصيل. # * * * ### ||| ** وقفة مع صاحب الميزان # ويعلق صاحب تفسير الميزان على هذا القول ، فيرده بأن التوبة كما تدل عليه ~~الآيات في هذه السورة أعني سورة البقرة وقعت بعد الهبوط إلى الأرض ، قال ~~تعالى : ( @QUR@05 وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) إلى أن قال : ( @QUR@07 ~~فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) الآيات ، وهذه الكلمات تكلم بها آدم ~~وزوجته قبل PageV01P252 # الهبوط وهما في الجنة كما في سورة الأعراف ، قال تعالى : ( @QUR@07 ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) إلى أن قال : ( @QUR@04 قالا ~~ربنا ظلمنا أنفسنا ) إلى أن قال : ( @QUR@04 اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) ~~[الأعراف : 22 24] الآيات ، بل الظاهر أن قولهما : ( @QUR@03 ربنا ظلمنا ~~أنفسنا ) تذلل منهما وخضوع قبال ندائه تعالى وإيذان بأن الأمر إلى الله ~~سبحانه كيف يشاء ، بعد الاعتراف بأن له الربوبية وأنهما ظالمان مشرفان على ~~خطر الخسران (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن الآيات في سورة الأعراف وطه ، تدل على أن التوبة ~~كانت قبل الهبوط إلى الأرض ، أما في الأعراف فإن الظاهر من الآية : ( ~~@QUR@03 ربنا ظلمنا أنفسنا ) إلى آخر الآية أنها ms0174 تعبير عن التوبة والندم ~~بقرينة : ( @QUR@08 وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )، فإن ~~مدلولها ، هو طلب الغفران والرحمة من الله لإدراكهما النتائج الخاسرة في ~~حالة عدم حصولهما على ذلك ، وليست مجرد تعبير عن التذلل والخضوع لله ، في ~~قبال ندائه وإيكال الأمر إليه ، لأنه المالك للأمر كله. أما في سورة طه ، ~~فقد ذكر التوبة بعد العصيان وذلك قوله تعالى : ( @QUR@022 فأكلا منها فبدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى * ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) وذكر الأمر بالهبوط إلى الأرض بعد ذلك ( ~~@QUR@04 قال اهبطا منها جميعا ) [طه : 121 123]. # أما آية سورة البقرة ، فإنها لا تبتعد عن ذلك إلا من خلال موقع الفاء ~~التي لا مانع من حملها على خلاف الظاهر من الترتيب بقرينة ما جاء في سورة ~~الأعراف وطه ، والله العالم. # * * * PageV01P253 ### ||| ** الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام # وهناك تفسير آخر للكلمات ؛ فقد جاء في الدر المنثور ، للسيوطي ، عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه ، رفع رأسه إلى ~~السماء فقال : أسألك بحق محمد إلا غفرت لي ، فأوحى الله إليه : ومن محمد؟ ~~فقال : تبارك اسمك ، لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب : لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا ممن جعلت ~~اسمه مع اسمك ، فأوحى الله إليه : يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك ، ولولا ~~هو ما خلقتك (1). # وقال الكليني في الكافي : وفي رواية أخرى في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~فتلقى آدم من ربه كلمات ) قال : سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. ~~وروى هذا المعنى أيضا الصدوق والعياشي والقمي وغيرهم كما جاء في الميزان (2). # ولكن صاحب الميزان يرى أن هذا المعنى بعيد عن ظاهر الآيات في بادي النظر ~~، ومع ذلك فإنه يستقربه لأن « إشباع النظر والتدبر فيها ربما قرب ذلك ~~تقريبا ، إذ قوله : ( @QUR@02 فتلقى آدم )، يشتمل على معنى الأخذ مع ~~الاستقبال ، ففيه دلالة على أخذ آدم هذه الكلمات من ربه ، ففيه علم ms0175 سابق ~~على التوبة ، وقد كان عليه السلام تعلم من ربه الأسماء كلها ، إذ قال تعالى ~~للملائكة : ( @QUR@015 إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح PageV01P254 # @QUR@013 بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون* وعلم آدم الأسماء ~~كلها )، فهذا العلم كان من شأنه إزاحة كل ظلم ومعصية لا محالة ، ودواء كل ~~داء وإلا لم يتم الجواب عما أورده الملائكة ولا قامت الحجة عليهم لأنه ~~سبحانه لم يذكر قبال قولهم : ( @QUR@04 يفسد فيها ويسفك الدماء ) شيئا ولم ~~يقابلهم بشيء دون أن علم آدم الأسماء كلها ، ففيه إصلاح كل فاسد ، وقد عرفت ~~ما حقيقة هذه الأسماء ، وأنها موجودات عالية مغيبة في غيب السموات والأرض ، ~~ووسائط فيوضاته تعالى لما دونها ، لا يتم كمال لمستكمل إلا ببركاتها ، وقد ~~ورد في بعض الأخبار أنه رأى أشباح أهل البيت وأنوارهم حين علم الأسماء ، ~~وورد أنه رآها حين أخرج الله ذريته من ظهره ، وورد أيضا أنه رآها وهو في ~~الجنة ، فراجع » (1). # * * * ### ||| ** مناقشة السيد الطباطبائي # ولنا ملاحظات : # أولا : إن حمل القرآن على خلاف ظاهره لا بد فيه من حجة واضحة تقرب الفكرة ~~الجديدة إلى الفهم العام بحيث تتبادر إليه بعد البيان. ولم يثبت سلامة هذه ~~الروايات من حيث التوثيق السندي ، بالإضافة إلى معارضتها بالروايات التي ~~تؤكدها آية الأعراف. # وثانيا : إن العلامة الطباطبائي ركز على كلمة التلقي ، التي تعني معنى ~~الأخذ مع الاستقبال ، ففيه دلالة على أخذ هذه الكلمات من ربه ، ففيه علم ~~سابق على التوبة. PageV01P255 # ولكن الكلمة لا تدل على ذلك بحسب الظهور لأنه يكفي في صدق التلقي الإلهام ~~من خلال الفطرة ، لأن كل شيء لدى الإنسان هو من الله ، تماما كما هي ~~الهداية من الله ، وليس من الضروري أن يكون هناك علم سابق على التوبة ، بل ~~قد تكون القضية هي إيحاء الله له بأن يتوب ويتراجع ليتوب الله عليه ، لأنه ~~قد لا يكون عالما بذلك أو بأساليب التوبة. # هذا مع ملاحظة مهمة ، وهي أن الظاهر من الآية أن التلقي كان بعد المعصية ms0176 ~~، ولم يكن في حال جعل الخلافة لآدم. # وإذا لاحظنا الأحاديث ، فإننا نرى أنها تتحدث عن مبادرة آدم للتوسل بهذه ~~الأسماء من خلال تجربته النفسية ، أو ملاحظته الرؤيوية مما رآه مكتوبا في ~~السماء ، أو مما شاهده من أشباح أهل البيت وأنوارهم. # ثالثا : إننا ناقشنا ما استفاده صاحب الميزان من كلمة الأسماء أن المقصود ~~بها الموجودات الحية العاقلة المغيبة في غيب السموات والأرض. # وربما كان هناك مجال للجمع بين الروايات بأن آدم دعا ربه بما جاء في سورة ~~طه متوسلا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام . # ومهما كان الأمر ، فإن الله قد أبهم أمر هذه الكلمات ونكرها ، للإيحاء ~~بأن القضية هي قضية لطف الله بآدم في توجيهه نحو التوبة وتقريبه إليه ، ~~للتدليل على كرامته عنده ، بخلاف إبليس الذي سلب الله عنه رحمته وأبعده عن ~~مواقع القرب عنده ، فلنجمل ما أجمله الله ، ولنقف في التفاصيل على ما تثبت ~~لنا حجيته ، لأن أمر تفسير كلام الله من القضايا الكبيرة التي لا مجال ~~للتساهل فيها بالاعتماد على رأي واحد. # * * * PageV01P256 ### ||| ** توبة آدم عليه السلام بين مرحلتين # ( @QUR@02 فتاب عليه ) لأنه عرف منه صدق الندم ، وإخلاص النية ، ووعي ~~الموقف. فآدم عليه السلام لم يخالف أمر ربه من موقع التمرد ، بل من حالة ضعف ~~في وعي التجربة الجديدة التي لم يسبق له أن مر بها ، أو عرف طبيعتها ~~وخلفياتها ، حيث كان تفكيره يتحرك في اتجاه صدق محدثه الذي أقسم له أنه من ~~الناصحين ، فانفتح له قلبه الطاهر الطيب ، وضعفت إرادته أمامه ، وخيل إليه ~~أن المسألة ليست مسألة عصيان يستتبع غضب الله ، بل هي مسألة نصيحة عادية ~~يمكن أن يتجاوز الله أمرها في حالة عدم الاستجابة لها ، ولا سيما أن مسألة ~~الالتزامات القانونية الشرعية لم تكن واردة في حسابه ، لأنها ليست مطروحة ~~في المرحلة التي عاشها ، مما جعله لا يعيش الذهنية القانونية في عملية ~~الالتزام بالتعاليم ، فكان ينسى العهد بسرعة ، ويفقد العزم على الاستجابة ~~له من موقع الضعف الإنساني لديه بالإضافة إلى ضعف التجربة في حياته. ms0177 # وهكذا أدخله الله في التجربة التي سقط فيها ، ليضعه بعد ذلك في خط ~~التجربة الأصعب في قضايا المسؤولية في الحياة في خط الخلافة ، بعد أن اهتزت ~~مشاعره بفعل الصدمة الأولى ، فاجتباه إليه واختاره ليكون أول نبي في الأرض ~~، بل ربما كانت المسألة تتجه في طبيعتها هذا الاتجاه التربوي الذي يتعرض ~~فيه الإنسان الجديد للخطأ في تجربته الأولى ليعرف كيف يقف مع الصواب. وهكذا ~~كانت التوبة نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى. # * * * PageV01P257 ### ||| ** الله هو التواب الرحيم # ( @QUR@04 إنه هو التواب الرحيم ) لأنه هو الذي خلق في عباده نقاط ضعفهم ~~التي قد يسقطون معها في الخطيئة ، وأراد لهم أن يرجعوا إليه ، ليستقيموا في ~~الخط الصحيح ، وليقبلهم من جديد في ساحة طاعته ، وليرحمهم بمغفرته ورضوانه. ~~وأراد الله له ولذريته بعد ذلك أن ينطلقوا في المنهج الإلهي الذي يضع ~~الحياة الإنسانية في خطين : خط الهدى وخط الضلال. فإن الله ، سبحانه وتعالى ~~، وضع لهم برنامجا عمليا في وحيه ، بالإضافة إلى البرنامج الذي يوحي به ~~العقل عندهم ، ليلتزموا به ويستقيموا على نهجه. # * * * ### ||| ** آدم عليه السلام في الأرض بين الهداية والضلالة # ( @QUR@04 قلنا اهبطوا منها جميعا ) والخطاب لآدم وحواء على الظاهر وإن ~~كان يشمل الأمر بالهبوط إبليس أيضا ، ففي الأرض مستقركم وحركتكم ~~ومسئولياتكم ، فليست لكم الحرية في أن تتحركوا على مزاجكم في ما تفعلون أو ~~تتركون ، لأن عبوديتكم لله الذي خلقكم تفرض عليكم أن تخضعوا له ، وتطيعوه ~~في أوامره ونواهيه ، وتسيروا على منهاجه ، ( @QUR@04 فإما يأتينكم مني هدى ~~) مما أوحي به إليكم من خلال رسلي في كل شؤونكم العامة والخاصة وفي ما يتصل ~~بدوركم في رعاية الحياة من حولكم ، ( @QUR@03 فمن تبع هداي ) وآمن بي ~~وبرسلي وبرسالاتي وباليوم الآخر وعمل صالحا ، فله الدرجة العليا عندي ، وله ~~النجاة في الآخرة ، وله النعيم الخالد في الجنة ، حيث الأمن والفرح PageV01P258 # والطمأنينة الروحية ، ( @QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) إذ من ~~يعيش في أمان الله ، فممن يخاف؟ ومم يخاف؟ ومن ينفتح على فرح رضوانه ، فكيف ~~يحزن ، وعلى ما ذا يحزن؟! # ( @QUR@02 والذين كفروا ) وجحدوا حقائق الإيمان ( @QUR@01 وكذبوا ms0178 ) الرسل ~~وانحرفوا عن خط الرسالات ، فكذبوا ( @QUR@01 بآياتنا ) الواضحة الجلية التي ~~لا مجال فيها لإنكار منكر ، ( @QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ~~دائمون ، لأن الله قد أقام عليهم الحجة في توحيده وربوبيته ، وأخذ عليهم ~~العهد في الالتزام بالمضمون الحي لمعنى العبودية المنطلقة من خلقه لهم ، ~~فأنكروا ذلك كله ، فحقت عليهم كلمة العذاب في نار جهنم وبئس المصير. # * * * ### ||| ** خلاصات وتساؤلات من وحي قصة الخلق # هذا هو الفصل الأخير من الفصول التي تحدث فيها القرآن الكريم عن بداية ~~الخلق ، وعن دور الإنسان وقيمته ، وكيف أراد الله سبحانه أن يظهر قيمة ~~الإنسان وكرامته وأهميته من خلال الحوار بين الله والملائكة ، ثم بين ~~الملائكة وآدم الذي قام بدور المعلم لهم في ما تحداهم الله بأن يعلموه فلم ~~يستطيعوا ، ليوضح لهم السر في خلقه ، ليعرفوا من خلال ذلك أن السلبيات التي ~~تحدث من خلال وجوده وخلافته لا تقابل الإيجابيات الكبيرة جدا التي تكمن في ~~طبيعة هذا الإنسان وفي مؤهلاته الذاتية للخلافة عن الله في الأرض. # ثم ينطلق في الفصل الثاني ليتحدث عن رمز التقديس للإنسان ، في ما أراده ~~الله من الملائكة ، في سجودهم لآدم ، وهم الذين يمثلون القمة في الروح ~~والقرب من الله ، فلما امتنع إبليس من السجود له ، كتعبير عن الكبرياء PageV01P259 # والاستعلاء ، عاقبه الله وأخرجه من رحمته. # أما في هذا الفصل ، فإن القرآن يدخل في تصوير تجربة الإنسان للمسؤولية ، ~~وكيف تتدخل نوازع الإغراء الكامنة في طبيعته في سقوطه أمام التجربة أحيانا ~~، وكيف استطاع إبليس أن يستغل ذلك في إزاحته عن الخط المستقيم من خلال ~~إغراءاته وتسويلاته. وإننا في هذا السياق التفسيري لسورة البقرة ، نريد أن ~~نستوحي الآية من طبيعة القصة ، ثم ندخل بعد ذلك في التفاصيل الفكرية ~~للقضايا التي أثارتها هذه الآيات ، وذلك في عدة نقاط. # * * * ### ||| ** تجربة الإنسان الأولى # إن الله أباح لآدم وحواء أن يسكنا الجنة ، ويستمتعا بكل ما فيها من لذائذ ~~من دون حرج ولا تحديد ، فلهما أن يأكلا من كل أشجار الجنة حيث يشاءان ، ~~ولكنه منعهما عن شجرة واحدة كشرط لبقائهما في ms0179 الجنة ، في ما يوحيه جو ~~الآيات : ( @QUR@019 وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ). # ولا نريد أن ندخل في تفاصيل تحديد هذه الشجرة ؛ هل هي شجرة تفاح ، أم هي ~~سنبلة ، أم هي شجرة معنوية ، كما يحلو للبعض أن يقول إنها شجرة معرفة الخير ~~والشر ، لأن ذلك لا يمس طبيعة الموضوع ، ولا يفيدنا في شيء. # كانت أول تجربة لهما في الوجود ، وانسجما مع التجربة ببساطة وعفوية. وكان ~~الشيطان لهما بالمرصاد ؛ فقد عرف أن الفكر الذي يملكه الإنسان لا يقوى على ~~مواجهة التحديات إلا من خلال التجارب المريرة التي PageV01P260 # يتعلم من خلالها أن الحياة لا تتمثل في وجه واحد ، فهناك عدة وجوه ~~وألوان. ولم تكن لهذين المخلوقين الجديدين أية تجربة سابقة مع الغش والكذب ~~والخداع واللف والدوران ؛ كان الصدق ، وكانت البراءة في مواجهة الأشياء ، ~~وكانت العفوية في تقبل الكلمات ، هي الطابع للشخصية البريئة النقية من كل ~~لوث أو شائبة ، أو خاطر سوء ، والتي لم تصهرها التجارب بعد ، ولم تتعرف إلى ~~ما معنى الخير ومعنى الشر ، فنظرتها لكل ما حولها نظرة تفاؤلية جيدة ، وقد ~~كان هذا كله متمثلا في كيانهما. # وبدأت العملية من موقع حقده وحسده وعداوته ، فمشى إليهما في صورة الملاك ~~الناصح ليقول لهما إن هذا النهي عن الأكل من الشجرة لا يلزمهما ، بل ~~سيحصلان من خلال تجاوزه على لذة الخلود والانطلاق في أجواء الملائكة ، كما ~~جاء في قوله تعالى : ( @QUR@08 إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ~~[الأعراف : 20] ، وبدأت الكلمات الجديدة المغلفة بغلاف من البراءة والنصح ~~تأخذ مفعولها في نفسيهما كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 وقاسمهما إني ~~لكما لمن الناصحين ) [الأعراف : 21] ، فهما لم يتصورا أن هناك غشا في ~~النوايا ، وخداعا في الأساليب ، بل كل ما عندهما الصفاء والنقاء والنظر إلى ~~الحياة من وجه واحد ، هو الحقيقة بعينها ، فاستسلما للكلمات من دون أن ~~يشعرا بأن ذلك يمثل تمردا على الله وعصيانا لإرادته ، فقد كان لأساليب ~~إبليس ، لعنه الله ، فعل السحر في ms0180 نفسيهما ، تماما كما هي الأحلام عند ما ~~تغرق الإنسان في أجواء روحية لذيذة فتبعده عن واقعه وعن حياته. # وسقطا في أول تجربة ، ونجح إبليس في التحدي الأول للإنسان ، فأهبطه من ~~عليائه وأسقطه من مكانته ، لئلا يبقى الساقط الوحيد في عملية التمرد على ~~الله. فها هو يشعر بالزهو والرضى ، لأنه استطاع أن يهبط بقيمة هذا المخلوق ~~الذي كرمه الله عليه ، إلى درك الخطيئة ، ليصبح منبوذا من الله. وجاء الأمر ~~من الله إليهم ؛ آدم وحواء وإبليس ، أن يهبطوا جميعا ، وأن يعيشوا في PageV01P261 # الأرض إلى المدى الذي يريد لهم أن يعيشوا فيه ، ويتمتعوا في ما هيأه الله ~~لهم من صنوف المتع واللذات ، وأن يواجهوا الموقف بين الفريقين فريق الإنسان ~~وفريق الشيطان بروح العداوة التي يشعر معها الإنسان بأن الشيطان لا يخلص له ~~ولا يصفو ، لأن مهمته التي نذر نفسه لها هي إغواء الإنسان ، وإضلاله ، ~~وإبعاده عن رحمة الله ، ولذا فإن الحياة الجديدة تعتبر بداية الصراع. # ولم يترك الله ، سبحانه ، لإبليس أن يجني ثمرة انتصاره ، فأوحى لآدم ~~بالطريقة المثلى التي يستطيع من خلالها أن يتراجع عن خطئه ، لتكون أساسا ~~ثابتا في علاقته بالله في الحالات التي يشعر معها بالحاجة إلى اللقاء به في ~~عملية رجوع واستغفار. واستجاب آدم لرعاية الله له ، ورجع إلى ربه وعاد كما ~~كان إنسانا يسبح في أجواء عفو الله ورحمته ورضوانه ، ليمارس دوره الجديد في ~~الخلافة عن الله من موقع علاقة المخلوق التائب بخالقه الرحيم الغفور ( ~~@QUR@05 فتلقى آدم من ربه كلمات ). # ولم تكن عملية الهبوط عقوبة لهذا الانحراف عن أوامر الله ، ولا يراد منها ~~الإبعاد والإقصاء عن مجال رحمته تعالى ، بل هي تخطيط لكون جديد يتحرك فيه ~~الإنسان على أساس هدى الله في ما يوجه إليه من خلال رسالاته ، ويمارس على ~~أساسه دوره الطبيعي في خلافته عن الله في الأرض. # وتحولت الجنة إلى هدف كبير للإنسان من خلال خطواته العملية في الحياة. ~~فكما ساهمت المعصية الأولى في خروجه منها ، فإن الطاعة لله تساهم في دخوله ~~إليها من جديد ، لأن قيمتها ms0181 تكمن في تمثيلها لرضوان الله ولطفه ورحمته ، ~~مما يعني ابتعاد المذنبين عنها وقرب المطيعين إليها. # تلك هي الصورة الإجمالية المستوحاة من هذه الآيات الكريمة. وتبقى PageV01P262 # أمامنا عدة نقاط فكرية وعملية ، لا بد لنا من الوقوف أمامها وقفة تأمل ~~وتفكير. # * * * ### ||| ** خطيئة آدم وعلاقتها بعصمة الأنبياء # إننا نعلم من بعض الآيات القرآنية اعتبار آدم نبيا ، وذلك في قوله تعالى ~~: ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~) [آل عمران : 33] ، وقد تقرر لدى جمهور علماء الإمامية أن الأنبياء ~~معصومون قبل النبوة وبعدها ، فكيف يمكن أن نوفق بين ذلك وبين هذه الآيات ~~الدالة على أن هناك عصيانا من آدم وزوجته لأوامر الله لهما في الجنة؟ ويجيب ~~علماؤنا عن ذلك ، باتجاهات مختلفة : # * * * ### ||| ** المعصية بين المولوية والإرشادية # أما الاتجاه الأول ، فيرى أن للمعصية مجالين : المجال القانوني الذي ~~يتحدد بالتمرد على التكاليف الصادرة من الله بصفته مشرعا ومولى بحيث يطلب ~~من المكلف أن يمتثلها تحت طائلة العقوبة الأخروية أو الجزاء الدنيوي ، ~~والمجال الإرشادي الذي يتحدد بالتمرد على الأوامر والنواهي الصادرة من الله ~~بصفته ناصحا ومرشدا يوجه الإنسان نحو مصلحته من دون أن يلزمه بالسير على ~~أساسها من ناحية قانونية ، تماما كأوامر الطبيب ونواهيه ، فلا يترتب عليها ~~إلا الوقوع في الضرر الذي حذر منه ، أو عدم النفع الذي أريد له أن يحصل PageV01P263 # عليه. ويعبر عن النهي في المجال الأول بالنهي المولوي ، وفي المجال ~~الثاني ، بالنهي الإرشادي. ويقولون : إن العصمة لا تتنافى مع القسم الثاني ~~من النهي ، لأن النبي لم يتمرد على الله في فعل ما يغضبه ، بل كل ما هناك ~~أنه أساء إلى نفسه في ما وجهه الله إليه من نصيحة وإرشاد. وهذا ما نستوحيه ~~من الآية ، حيث الظاهر أن النهي كان إرشاديا ، باعتبار أن نتيجته فقدان ~~نعيم الجنة ، وليس التعرض لعقاب الله .. وقد نجد شواهد على ذلك من هذه ~~الآية وغيرها. فنحن نجد النهي هنا واقعا بعد الحديث معهما عن حريتهما ~~المطلقة في التنعم بنعيم الجنة في ما يشاءان ، مما يوحي بأن القضية تتحرك ms0182 ~~في إطار النصيحة. ونجد ذلك في قوله سبحانه : ( @QUR@028 فقلنا يا آدم إن ~~هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى * وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ) [طه : 117 119] فنحن نواجه ترغيبا في ~~نعم الجنة كأسلوب من أساليب التشجيع على الانسجام مع التوجيه الإلهي ، من ~~دون أن تكون هناك ضغوط تشريعية في هذا المجال. فلم تكن القضية هي أن يعذب ~~أو لا يعذب ، بل كل ما كان هناك هو : هل يبقى في الجنة أو لا يبقى فيها؟ ~~فلا منافاة في ذلك لفكرة العصمة من قريب أو من بعيد. # وقد يقول قائل : إن كثيرا من ظواهر القرآن لا تؤدي هذه الفكرة ، فنحن ~~نلتقي بقوله تعالى : ( @QUR@04 وعصى آدم ربه فغوى ) [طه : 121] ، وبقوله ~~تعالى : ( @QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ~~) وقوله تعالى : ( @QUR@07 ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ) وقوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ). فنحن نلاحظ ~~أن المعصية ضد الطاعة ، وأن الغواية ضد الرشد ، وأن التوبة لا تكون إلا عن ~~ذنب ، وأن اعتبار الإنسان ظالما لنفسه لا يكون إلا من خلال عصيانه لله ، ~~مما كثر التعبير عنه في القرآن الكريم. # ونجيب عن ذلك : إن كلمة المعصية لا تختص بالمعصية القانونية المستتبعة ~~للعقاب ، فيصح لنا أن نطلق على التمرد على أوامر الطبيب كلمة PageV01P264 # العصيان ، فتقول : عصيت أمر الطبيب ، أما كلمة الغواية ، فإنها ضد الرشد ~~كما ذكر ، ولكن الرشد قد يكون في جانب المصلحة الدنيوية أو الذاتية ، وقد ~~يكون في إطار المصلحة الأخروية. وكذلك كلمة التوبة ، فإنها تعبر عن الرجوع ~~عن الخطأ ، سواء كان في ما يتعلق بالأمور الدنيوية أم الأخروية ، فيقال : ~~تاب فلان عن العمل المضر ، من دون أن يكون محرما في نفسه. # أما الظلم ، فقد يظلم الإنسان نفسه إذا منعها من الفرص الطيبة التي تجلب ~~لها الراحة الذاتية ، وقد يطلق الظلم على تعريضها للعقاب الأخروي. # أما طلب المغفرة والرحمة ، فإنه قد ينطلق من الشعور بالإساءة إلى مقام ms0183 ~~الله في ترك اتباع نصائحه ، وبمنافاة ذلك لحق العبودية للخالق. هذه هي بعض ~~الأفكار التي أثارها الاتجاه الأول في موضوع عصمة آدم. # * * * ### ||| ** المعصية بين دار التكليف ودار النعيم # ويثير الاتجاه الثاني الموضوع بطريقة أخرى ، وهي أن الجنة ليست دار ~~التكليف والمسؤولية ، بل هي دار النعيم. وقد يجاب بأن ذلك هو وصف الجنة بعد ~~الدنيا ، فلا نعلم أن ذلك هو شأنها قبل النزول إلى الأرض. # أما الاتجاه الثالث ، فيرى أن لا مانع من حصول المعصية من الأنبياء قبل ~~النبوة ، ولا سيما في المعاصي الصغيرة التي لا تسيء إلى مكانتهم ، ولا ~~تعتبر لطخة عار في تاريخهم ، مما لا ينسجم مع جو النبوة. # * * * PageV01P265 ### ||| ** ضرورة التجربة للإعداد # ويرى الاتجاه الرابع في قصة آدم وضعا خاصا لا يرتبط بالأجواء التي تثيرها ~~قضية العصمة كعنصر ذاتي من عناصر النبوة الهادية ، وذلك أن آدم يمثل بداية ~~الإنسان في وجوده ، فهو الحلقة الأولى من هذه السلسلة الإنسانية الممتدة في ~~هذا الكون ، وهو خليفة الله في الأرض بصفته الإنسانية ، فكان لا بد له من ~~أن يعيش التجربة الحية في مواجهة الإغراء ليخرج من براءته الذهنية ، التي ~~قد توحي له بأن الكون يعيش روح البراءة والصفاء في نصائحه وعلاقاته ، لأن ~~مثل هذه البراءة قد تؤدي به إلى الوقوع في قبضة الغش والعداوة ، لأنه لا ~~يفهم معنى الغش والعداوة في حركة الحياة. ولذا ، فقد كانت هذه القضية ~~أسلوبا تجريبيا تدريبيا ، حيث يضعه في مواجهة الواقع ، ليتعرف ، من خلال ~~تجربته ، على طبيعة الضعف في تكوينه ، ونوعية الأساليب الملتوية التي ~~يبتدعها الشيطان في الإغواء والإضلال ، ليأخذ من ذلك فكرة عملية عن الأسلوب ~~الأفضل للمواجهة الدائمة مع الشيطان ، ليكون استعداده الجديد ، من خلال ~~التجربة الحية ، لا من خلال الفكرة المجردة ، وليفهم معنى العداوة في ~~النتائج السيئة التي انتهى إليها في إطاعته للشيطان. # وقد يثور أمامنا هنا سؤال : إننا نعرف في قصة خلق آدم ، في حوار الله مع ~~الملائكة ، أن الله قد خلقه للأرض ولم يخلقه ابتداء ليعيش في الجنة ، فكيف ~~نفسر هذا الأمر الذي ms0184 يوحي بأن الجنة كانت المكان الطبيعي له لولا العصيان؟ # والجواب عن ذلك ، هو أن هذا الأمر الإلهي كان جزءا من عملية التدريب ~~الإلهي المرتكزة على فكرة الربط بين الجنة والطاعة في وعي الإنسان ، PageV01P266 # مع علم الله بأنه لن ينجح في الامتحان ، فكان تقديره في خلقه للأرض ~~لاشتراط بقاء آدم عليه السلام في الجنة بشرط غير متحقق ، فلا منافاة بين ~~الأمرين. # وقد نستوضح الصورة في إطار الفكرة الأصولية التي يبحثها علماء الأصول في ~~موضوع صيغة الأمر ، وهي أن دوافع الأمر قد تختلف ، فقد يكون الدافع له هو ~~إرادة حصول الفعل من المأمور ، وقد يكون الدافع هو امتحان إخلاص المأمور ~~وطاعته ، أو إظهار قوة إيمانه وإخلاصه ، من دون أن يكون هناك أي غرض يتعلق ~~بالفعل ، كما نلاحظه في أمر الله لإبراهيم بذبح ولده ، لا لأن الله يريد ~~ذلك ، ولذلك رفعه قبل حصوله ، بل ليظهر عظمة التسليم المطلق لله في سلوك ~~الأب والابن ، ليكونا مثلا وقدوة للناس ، وقد يكون الداعي أمرا آخر ، وهو ~~تدريب الإنسان على مواجهة حالات السقوط بتعريضه لتلك التجربة لينتبه إلى ~~أمثالها في المستقبل كما في حالة آدم عليه السلام . # ونحن لا نجد أي مانع عقلي في ذلك ، بل هو واقع كثيرا في أفعال العقلاء ~~وأساليبهم في الأوامر والنواهي. # ولا مجال للاعتراض هنا بأن الله كلف آدم بما يعلم أنه لا يمتثله من خلال ~~الظروف الموضوعية المحيطة به ؛ أولا ، لأن العلم بعدم الامتثال لا يمنع من ~~التكليف أساسا باعتبار أن العلم معلول للمعلوم وليس الأمر بالعكس. وثانيا ، ~~لأن التكليف لم يستهدف حصول الفعل بل استهدف وعي التجربة المستقبلة من خلال ~~التجربة الحاضرة. # وعلى ضوء هذا ، نجد أن الأمر هنا يشبه الأمر في قصة إبراهيم عليه السلام ، ~~ولكن بطريقة متعاكسة في الموضعين. # * * * PageV01P267 ### ||| ** مدلول التوبة في حياة الإنسان # ( @QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) لعل ~~في هذه الآية بعض الدلالة على أن الموقف كله في قضية آدم كان تدريبيا من ~~أجل أن يعي الإنسان في مستقبل حياته ms0185 كيف تتحرك الخطيئة في نفسه وكيف تدفعه ~~بعيدا عن الله. فقد عالجت هذه الآية قضية التوبة ، ووضعتها في نطاق الأشياء ~~المتلقاة من الله ، مما يوحي بأن آدم لا يحمل أية فكرة فطرية عنها ، فكان ~~الإيحاء والإلهام من الله من أجل أن يتعلم كيف يتراجع عن الخطأ ، فلا يستمر عليه. # أما طبيعة الكلمات ، فقد اختلف المفسرون فيها ، ولكن الأقرب إلى الذهن هو ~~ما حدثنا عنه القرآن في سورة الأعراف في قوله تعالى : ( @QUR@012 قالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [الأعراف : 23]. # إنه الشعور العميق بطبيعة الخطأ ، وعلاقته بنفس الخاطئ وحياته ، ~~وانعكاساته على قضية مصيره ، فليست القضية متصلة بالله باعتبارها شيئا يسيء ~~إليه أو يمس سلطانه ، ولكنها متصلة بالموقف الإنساني من الله بقدر علاقة ~~الإنسان بموقفه من مصلحة نفسه ، مما يجعل من بقاء الذنب في موقعه ، خسارة ~~كبيرة للإنسان في الدنيا والآخرة ، ويكون طلب المغفرة والرحمة منطلقا من ~~الرفض الكبير للمصير الخاسر. فلا خسارة أعظم من خسارة الإنسان في علاقة ~~القرب بالله ، لأنه يخسر بذلك امتداده الإنساني في الطريق المستقيم. # * * * PageV01P268 ### ||| ** خطيئة آدم أمام عقيدة الفداء # ما هي علاقتنا بخطيئة آدم؟ هل يحمل الإنسان عبء خطيئته ، فتتحول إلى هاجس ~~يعيشه في دمه وفي حياته؟ ذلك هو ما يظهر من المسيحية المعروفة الآن التي ~~اعتبرت الخطيئة منذ آدم لازمة لأولاده. ولما كانت الخطيئة تستوجب العقاب ، ~~كان لا بد من مخلص طاهر من الذنب ، يخلص البشرية منه ، فيتحمل الآلام ~~والعذاب من أجلها ، « وهكذا أظهر الله رحمته بتجسد الكلمة الأزلية ، فلبس ~~هذا الجسد ، وكان يلزم أن يكون هذا الفادي طاهرا قدوسا منزها عن النقص حتى ~~يفي للعدل الإلهي حقه ويخلص الخاطئين ، فالمسيح يسوع قام بهذا الأمر وقدم ~~نفسه فداء عنا ، فالعدل الإلهي كان يستوجب عقابنا وموتنا ، فمات الفادي ~~عوضا عنا ووفى للعدل الإلهي حقه ». # إننا كمسلمين لا نقر هذه الفكرة ، أولا : لأننا لا نرى أي ارتباط بين ~~خطيئة آدم وخطايانا من ناحية ذاتية ، بل القضية كلها هي أن التكوين ~~الإنساني بطبيعته يفسح ms0186 في المجال لنوازع الخطيئة لأن تبرز وتعبر عن نفسها ~~بالعصيان. فلآدم أسبابه الطبيعية المستمدة من تجربته في ما عمل ، ولنا ~~أسبابنا الطبيعية في ما عملنا وفي ما نعمل ، فلا ربط لنا بخطيئته من قريب ~~أو بعيد. # ثانيا : إن التفكير الإسلامي يعتبر الخطيئة حالة طارئة في حياة الإنسان ، ~~ويرى أن من الممكن أن تزول بالجهاد النفسي وبالمعاناة والتكفير عنها ، كما ~~يمكن أن تزول آثارها ونتائجها الأخروية من العقاب والغضب الإلهي بالندم ~~والتوبة والإنابة إلى الله. وهذا ما عبر عنه القرآن في قوله تعالى : ( ~~@QUR@021 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [الزمر : 53]. وبذلك يتحول ~~الإنسان إلى صفحة بيضاء ناصعة لا ظلمة فيها ولا سواد ، فأية حاجة بعد ذلك ~~إلى المخلص ، فضلا عن أن PageV01P269 # يكون المخلص هو الله نفسه الذي يتحمل العذاب الجسدي بتجسده ليستوفي حقه ~~وعدله. إنه كلام لا نفهم له أساسا معقولا من خلال وعينا لعظمة الذات ~~الإلهية واستحالة التجسد فيها من جهة ، أو من خلال اعتبار المغفرة موقوفة ~~على استيفاء الله لحقه من نفسه بشكل مادي ، مع أنه الجواد الكريم الذي يفيض ~~بجوده وكرمه على جميع خلقه. # ثالثا : ما معنى أن يتحمل شخص العذاب والآلام ليفدي بذلك خطايا البشرية ~~القليلة والكثيرة ؛ إذا لا نعقل معنى لاستيفاء الحق بذلك. فإن الفكرة ~~الطبيعية المعقولة هي أن يتحمل الإنسان مسئولية خطئه ، فيجني ثمارها بنفسه ~~، وهذا ما ركزه القرآن في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ~~[الأنعام : 164]. # وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى أن مثل هذه الفكرة وهي فكرة التكفير عن ~~خطايا الآخرين بالآلام التي يتحملها شخص معين عظيم يقف ليفدي الناس بذلك قد ~~انتقلت إلى بعض الأساليب الشائعة في عرض قضية الإمام الحسين في ثورته ~~واستشهاده. فإن بعض القارئين للسيرة يحاولون أن يذكروا أن الحسين فدى بنفسه ~~ذنوب شيعته وخطاياهم ، مما يقتضي غفران تلك الذنوب بتضحيته إما بشكل مباشر ~~، كما في التفكير المسيحي ، أو بشكل غير مباشر ، باعتبار ms0187 أنه يشفع لهم من ~~خلال هذه الشهادة. إننا نحب أن نسجل ابتعاد هذه الأساليب عن التفكير ~~الإسلامي ، وعن الطابع الإسلامي للثورة الحسينية التي انطلقت من أجل إقامة ~~الحق وإزهاق الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بعيدا عن أية حالة ~~فداء لذنوب الآخرين ، بل هو الفداء والتضحية للحق وفي سبيل الله. # * * * PageV01P270 ### ||| ** وقفة أمام مفردات التفسير # هذه هي بعض القضايا العامة التي تواجهنا في قضية آدم وخروجه من الجنة ، ~~وتبقى أمامنا بعض اللمحات المتعلقة بمفردات التفسير. # ( @QUR@01 الجنة ) هل هي الجنة التي وعد الله بها المتقين ، أم هي جنة ~~أخرى من جنان الأرض مشابهة للجنة الموعودة؟ لا نريد أن نخوض في الجدل الذي ~~وقع فيه المفسرون ، لأن ذلك لا يتصل بالفكرة الأساسية للتفسير ، وإن كان ~~الأقرب لجو الآيات التي تحدث فيها القرآن عن الجنة أن تكون هي نفسها الجنة ~~الموعودة. وقد يسبق إلى الذهن أنها غيرها ، لأن جنة الله تمثل الطهر كله ، ~~في التفكير ، وفي الممارسة ، وفي الجو العام ، فلا مجال فيها للانحراف ، ~~ولا مجال فيها للخطيئة. ولكننا نحسب أن ذلك لا يمنع أن تكون جنة آدم هي ~~الجنة ، لأن قضية آدم تمثل تجربة تدريبية في ضمن الجو الذي أريد له أن يعيش ~~فيه مع أولاده من خلال العمل الصالح ، فلا يتنافى ذلك مع الأجواء العامة ~~الطبيعية التي أرادها الله للجنة كدار للثواب وللنعيم الخالد. # ( @QUR@01 اهبطوا ): هل هو الهبوط المكاني المادي من السماء إلى الأرض ، ~~أم هو الهبوط المعنوي في المنزلة والمكانة والنعيم؟ الظاهر من الكلمة هو ~~الجو المادي ، إلا أن يثبت غيره ، ولم يثبت لنا ذلك. # ( @QUR@03 بعضكم لبعض عدو ): إن هذه التجربة ركزت العداوة وعمقتها ~~وأوضحت خطوطها الكاملة ، فلم يعد هناك أي مجال للالتباس ، فعلى الإنسان أن ~~يعي دوره الجديد في الأرض ويتعرف إلى أساليب هذا العدو الجديد الذي أخرجه ~~من الجنة ، وأهبطه إلى الأرض ، ويريد من جديد أن يبعده عن الجنة PageV01P271 # التي تمثل رحمة الله وغفرانه ليشفي غيظه وعقدته الذاتية من تفضيل الله ~~لآدم وتكريمه. # ( @QUR@07 ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ms0188 حين ) إن الأرض هي المجال ~~الجديد الذي يتحرك فيه آدم من موقع التجربة الحية التي انطلقت في حياته بما ~~يشبه الصدمة ، فهزت أعماقه وفجرت فيها الروح الجديدة الخاشعة لله ، فانطلقت ~~تكتشف الآفاق الرائعة التي يمكن أن تفقدها إذا ابتعدت عن طاعة الله ، ~~والآفاق التي يمكن أن تحقق لها الانسجام مع هواه ، فكانت التوبة يقظة الروح ~~الخاشعة المنسابة في أجواء العبودية ، ليبدأ آدم من خلالها دوره الجديد في ~~خلافته لله في الأرض ، من موقع الوعي والطهارة والشعور العميق بالمسؤولية ، ~~والحذر من الألاعيب والملابسات التي يلعب من خلالها إبليس لعبة الإغراء ~~والإغواء التي تهيئ أجواء الخطيئة لتنحرف بالإنسان عن دوره الأصيل ، ولم ~~تكن التوبة حالة فريدة في التجربة الأولى لآدم ، بل كانت سبيلا عاما يلجأ ~~إليه الإنسان لتصحيح نفسه كلما انحرف عن الطريق واستسلم لإغواء إبليس ، ~~ليعيش الانفتاح على أجواء الطهارة في كل مجال يحس فيه بالحاجة إلى التطهر. # وقد وصف الله تعالى نفسه في هذه الآية بأنه التواب الرحيم ، ليشعر ~~الإنسان بعمق مبدأ التوبة وامتداده في علاقته بالله ، باعتبار أنها من صفات ~~الله المرتبطة برحمته ، التي لا تنفصل عن حياة الإنسان ، ولذا تحدث الله ~~عنها بصفة المبالغة التي تعني الكثرة. فقد خلق الله الإنسان وعرف أن غرائزه ~~قد تثور وتنحرف وتقوده إلى غير ما يرضي الله ، فأراد أن يفتح للناس أبواب ~~الرجوع إليه في كل وقت ، ليستقيموا على طريقه ، ويرجعوا إلى شريعته. # ( @QUR@015 قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم ولا PageV01P272 # @QUR@012 هم يحزنون* والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون ). # وهنا حدد الله القضية وخط السير للإنسان ، المتجسد بالهدى والعمل الذي ~~ينزله على عباده ، فهو الذي يحدد له دوره ، وهو الذي يقرر له مصيره. إنه ~~الهدى الذي تتضح فيه الرؤية للبداية والنهاية في خط السير ؛ الهدى في الفكر ~~، وفي العمل ، وفي الوسيلة ، وفي الغاية ، وفي جميع مجالات الحياة ، فلا ~~لبس ولا غموض في ذلك كله. إنه النور الذي يغدقه الله على روح ms0189 الإنسان وفكره ~~من خلال ألطافه ومن خلال آياته ، لتكون إرادته حرة في الحركة من خلال وضوح ~~الرؤية ، فلا تتجمد أمام عوامل الشك والغموض ، وليكون المصير الإنساني في ~~الآخرة خاضعا لإرادة الإنسان واختياره بعد قيام الحجة عليه من عند الله ، ~~وليشعر الإنسان أولا وأخيرا بأن الحياة الدنيا تعني مواجهة المسؤولية من ~~خلال الرسالات ، وأن الدار الآخرة تعني مواجهة نتائج المسؤولية من خلال العمل. # هذه هي بعض ملامح القضية في ما تتسع له سورة البقرة ، وسنعود إلى هذه ~~القصة في السور الأخرى التي تتحدث عنها إن شاء الله. # * * * ### ||| ** خلاصات عملية من هذه الآيات # أما حصيلتنا من هذه الآيات في الخط العملي لحياتنا فهي أن نستفيد من ~~تركيز الله على عداوة إبليس لآدم ، لإثارة عمق الإحساس بالعداوة في حياتنا ~~إزاء إبليس وجنوده ، مما يجعلنا نعيش الحذر في الفكرة ، وفي الكلمة ، وفي ~~الخطوات العملية ، وذلك ، بأن ننفذ إلى أعماق ذلك كله في شهواتنا وخلفياتها ~~الذاتية ، لأن الدوافع الشريرة قد تختبئ وراء ستار كثيف من PageV01P273 # الانطباعات السطحية الخفيفة الكامنة في زوايا النفس ، وقد تتلون ببعض ~~الألوان المحببة إلى النفس في ما تقبله أو ترفضه. ثم نلتفت إلى ما حولنا من ~~الأشياء التي تثيرنا نحو التحرك ، وإلى من حولنا من الناس الذين نختلف معهم ~~في جوانب العقيدة والحياة عند ما نلتقي بهم في بعض مراحل الطريق ، أو نتفق ~~معهم في بعض خطط العمل ، لندرس كل علاقة فكرية أو عملية ، بروح الحذر الذكي ~~الذي لا يتجمد ليشل في الإنسان جانب الحركة في جو الشك ، بل يتحرك ليبحث عن ~~كل السلبيات الكامنة في خلفيات الأشياء والنفوس ، فقد تكون هناك بعض الأمور ~~السيئة الكامنة خلف واجهات الإغراء. # إن علينا أن نضع أمامنا حقيقة العداوة مع الأعداء ، فلا نستسلم لحالات ~~الاسترخاء الطيب في نفوسنا للعلاقات الطارئة التي تعيش في جو حميم ، لأن ~~العدو الذي يعيش الإحساس بالفواصل الفكرية والروحية والعملية التي تفصله ~~عنا ، لا بد له من التخطيط الفكري والعملي الذي يشل معه قدراتنا عن التحرك ~~، ويوحي لنا بالانحراف من ms0190 حيث لا نريد أو لا نشعر ، فنستسلم للسذاجة الطيبة ~~، وللكلمات المعسولة ، وللأجواء الحميمة التي يتنامى فيها الشعور بحسن الظن ~~، إن علينا أن نستحضر هذا الإحساس بالفواصل الفكرية والشعورية لنخطط لعملية ~~الثبات على الإيمان من خلال الثبات على القواعد الفكرية والعملية ، لنحفظ ~~خطواتنا من الزلل ، ومشاعرنا من الذوبان ، وأفكارنا من الانحراف ، ولا سيما ~~في مثل هذه الأوقات التي يكثر فيها أعداء الإسلام ، وتتنوع أساليب الإغراء ~~التي تقتطع من الإسلام قطعة من هنا وقطعة من هناك ، لحساب قضية من القضايا ~~غير الإسلامية ، ليتجمع الناس حولها فيحسبوها من الإسلام ، وما هي من ~~الإسلام ، إن هي إلا الكفر المقنع خلف الواجهات الإسلامية. # إن الله يريد من الإنسان أن يعيش الوعي العميق الممتد في كل خطواته PageV01P274 # من خلال وعيه لتجاربه في ما حوله وفي من حوله ، ليسير إلى غاياته على ~~أساس الرؤية الواضحة ، والإرادة الحرة ، لينتهي إلى رحاب الله من موقع ~~الطاعة الواعية المستقيمة. # * * * PageV01P275 ### | الفهرس # مقدمة الطبعة الثانية تأملات في المنهج البياني ~~للقرآن.................................. 5 # مقدمة الطبعة ~~الأولي............................................................. 23 # تفسير سورة الفاتحة [1 7] # مدخل ~~عام............................................................... 31 # الآيات 1 [1 الي ~~7]........................................................... 35 # ذكر ~~الله.................................................................. 35 # بين الارتباط بالله والثقة ~~بالنفس............................................. 37 # البسملة في إطار المنهج التربوي ~~الإسلامي..................................... 39 # بسم ~~الله................................................................. 40 # الرحمن ~~الرحيم............................................................. 41 # الوجود مظهر الرحمة ~~الإلهية.................................................. 41 # المفسرون والفرق بين الرحمن ~~والرحيم.......................................... 42 # نقاش رأي السيد الخوئي ~~(قده).............................................. 44 # موقع البسملة في ~~القرآن.................................................... 45 # الحمد لله رب ~~العالمين..................................................... 47 # لماذا الحمد لله ~~وحده!....................................................... 48 # الله هو ~~المربي.............................................................. 49 PageV01P277 # التازر والتاخي بين مفردات ~~الوجود........................................... 50 # مالك يوم ~~الدين........................................................... 52 # إياك نعبد وإياك ~~نستعين.................................................... 54 # مفهوم ~~العبادة............................................................. 55 # مقياس ~~التوحيد............................................................ 57 # التوحيد والشرك في الجانب ~~التطبيقي.......................................... 59 # الحوار ~~المطلوب............................................................ 61 # بين عبادة الأصنام واحترام ~~الأولياء........................................... 62 # ضرورة ~~التوازن............................................................. 64 # الدوافع الروحية ~~للعبادة..................................................... 65 # ثمرات ~~عملية.............................................................. 68 # التوحيد في الاستعانة ~~بالله.................................................. 69 # التوحيد والحاجة إلي ~~الناس.................................................. 70 # لا واسطة بين العبد ~~وربه.................................................... 72 # الشفاعة لا ~~الوساطة....................................................... 73 # إيحاءات الدعاء ودوره ~~التربوي............................................... 75 # الصراط ~~المستقيم.......................................................... 79 # طريق ~~الأنبياء............................................................. 82 ms0191 # مستحقو ~~النعم............................................................ 85 # المغضوب عليهم ~~والضالون.................................................. 86 # الثقافة ~~المتحركة............................................................ 87 # من هم المغضوب عليهم ~~والضالون!.......................................... 88 # موقع الفاتحة من ~~الصلاة.................................................... 92 # دور ~~الصلاة.............................................................. 91 PageV01P278 # تفسير سورة البقرة [1 39] # سورة البقرة بين الاسم ~~والمسمي.............................................. 95 # مواضيع ~~السورة............................................................ 97 # الآياتان [1 ~~2]............................................................... 99 # معاني ~~المفردات............................................................ 99 # الحروف المقطعة في ~~القرآن................................................. 100 # ذلك الكتاب لا ريب فيه................................................ 103 # القرآن كتاب ~~هداية...................................................... 104 # الطابع الفريد للهدي ~~القرآني............................................... 105 # المتقون هم المنفتحون علي ~~الحق............................................ 106 # هل القرآن هدي للمتقين فقط!........................................... 106 # [الآيات 3 ~~5].............................................................. 108 # معاني ~~المفردات.......................................................... 108 # المعرفة بين اتجاهات العقل ~~والحسن.......................................... 109 # الإيمان ~~بالغيب.......................................................... 113 # هل الدين غيب كله!.................................................... 114 # تجليات العقيدة في الممارسة ~~الإنسانية....................................... 116 # الإيمان بالرسالات السماوية، شرط ~~أساس................................... 119 # دور الاعتقاد ~~بالآخرة..................................................... 121 # وقفة مع صاحب ~~الميزان................................................... 122 # الآيتان [6 7]......................................................... 125 # معاني ~~المفردات.......................................................... 125 PageV01P279 # نموذج آخر ... ~~الكافرون................................................. 129 # الآيتان في حركة الواقع ~~المعاصر............................................. 128 # الآيتان في إطار الجبر ~~والاختيار............................................ 129 # الكفر ~~والعصبية......................................................... 133 # الآيات [8 ~~15]............................................................. 135 # معاني ~~المفردات.......................................................... 135 # لمنافقون أخطر فئة علي ~~الأمة.............................................. 137 # القرآن ~~دليلنا............................................................ 139 # نماذج علي ~~المشرحة...................................................... 140 # ظاهرة النفاق: عللها ~~وأسبابها.............................................. 141 # النفاق في سياق قانون ~~السببية............................................. 142 # المنافقون والإفساد عن طريق التظاهر ~~بالإصلاح.............................. 143 # المنافقون والشعور ~~بالاستعلاء.............................................. 146 # المنافقون هم ~~السفهاء..................................................... 147 # بين الإفساد ~~والسفه...................................................... 148 # المنافقون والتظاهر ~~بالتدين................................................. 149 # الله يستهزئ ~~بهم......................................................... 151 # الآيات [16 ~~20]........................................................... 154 # المنافقون اشتروا الضلالة ~~بالهدي............................................ 154 # مفهوم الشراء كمقوم لكل عمل إنساني..................................... 155 # ما ينبغي للدعاة ~~استيحاؤه................................................. 157 # حالة المنافقين في ~~مثلين................................................... 158 # الآيتان [21 ~~22]........................................................... 165 # دعوة إلي ~~التأمل......................................................... 165 PageV01P280 # خطاب القرآن بين «يا أيها الناس»، و «يا أيها الذين ~~آمنوا».................. 168 # اعبدوا ~~ربكم............................................................ 169 # الآيتان [23 ~~24]........................................................... 171 # بلاغة القرآن طريق لإثبات نبوة محمد صلي الله عليه وآله ~~وسلم................ 171 # القرآن يقطع، في تحديه، أعذار ~~الكفار...................................... 173 # القرآن يتحدي الكفار ~~وآلهتهم............................................. 175 # الإعجاز البياني، سر التحدي ~~القرآني....................................... 176 # معاني القرآن أكبر من اللغة ~~وقواميسها...................................... 177 # ضرورة انسجام التحدي وإبداعات ~~المجتمع................................... 178 # القرآن والجوانب الإعجازية غير ~~البلاغية..................................... 180 # وقفة مع السيد ms0192 ~~الخوئي.................................................... 186 # الآيات [25 ~~28]........................................................... 189 # مناسبة ~~النزول........................................................... 190 # بشارة ~~الآخرة............................................................ 190 # اللذة الحسية لا تتنافي والسمو ~~الروحي...................................... 191 # الدنيا والآخرة ليستا عالمين ~~متضادين....................................... 193 # للذين آمنوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار................................... 193 # الأمثال في ~~القرآن........................................................ 195 # قيمة الوفاء بالعهود في ~~الإسلام............................................ 199 # نقض العهد والفساد في الإرض خسران للنفس.............................. 203 # البداية من الله والنهاية ~~إليه................................................ 204 # الآية ~~[29].................................................................. 207 # معاني ~~المفردات.......................................................... 207 # هو ألذي خلق لكم ما في الإرض.......................................... 208 PageV01P281 # السماوات السبع والمراد بها في ~~القرآن....................................... 209 # ضرورة عدم تكلف معرفة ما لا حاجة له.................................... 211 # الآيات [30 ~~33]........................................................... 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 213 # حوار الله ~~والملائكة....................................................... 215 # تزويد الله الإنسان بكل مستلزمات ~~الخلافة.................................. 217 # تسبيح الله بالوعي والمعرفة والعمل ~~والإبداع.................................. 217 # مسألة المسميات في خصائصها وحقائقها وقفة مع ~~الطباطبائي.................. 219 # ما معني هذا الحوار ألذي أجراه الله سبحانه وتعالي مع ~~الملائكة!................ 224 # ما هو معني الخلافة التي جعلها الله ~~للإنسان!................................ 227 # كيف نفهم طبيعة الخلافة عن ~~الله!........................................ 229 # من هو الخليفة آدم أم النوع الإنساني ~~كله!................................... 230 # ما هي الأسماء التي علمها الله ~~لآدم!........................................ 231 # آدم يعرض الأسماء علي ~~الملائكة........................................... 233 # الملائكة يشهدون بعجزهم................................................ 234 # عبر ودروس ~~للعاملين..................................................... 235 # الآية ~~[34].................................................................. 237 # معاني ~~المفردات.......................................................... 237 # إبليس يأبي ~~ويستكبر..................................................... 238 # كفر إبليس............................................................. 239 # خرافة مأساة ~~إبليس...................................................... 241 # الملائكة تسجد لآدم تكريما ~~له............................................. 245 # المستكبرون ومشكلة تضخم الذات........................................ 245 PageV01P282 # الآيات [35 ~~39]........................................................... 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # آدم في ~~الاختبار......................................................... 248 # آدم وإبليس في الإرض................................................... 250 # آدم يتوب إلي الله ~~تعالي.................................................. 251 # وقفة مع صاحب ~~الميزان................................................... 252 # الكلمات التي تلقاها آدم عليه ~~السلام...................................... 254 # مناقشة السيد ~~الطباطبائي................................................. 255 # توبة آدم عليه السلام بين ~~مرحلتين......................................... 257 # الله هو التواب ~~الرحيم.................................................... 258 # آدم عليه السلام في الإرض بين الهداية ~~والضلالة............................. 258 # خلاصات وتساؤلات من وحي قصة الخلق.................................. 259 # تجربة الإنسان ~~الأولى..................................................... 260 # خطيئة آدم وعلاقتها بعصمة ~~الأنبياء............................................. 263 # المعصية بين المولوية ~~والإرشادية............................................. 263 # المعصية بين دار التكليف ودار ~~النعيم....................................... 265 # ضرورة التجربة ~~للإعداد................................................... 266 # مدلول التوبة في حياة ~~الإنسان............................................. ms0193 268 # خطيئة آدم أمام عقيدة ~~الفداء............................................. 269 # وقفة أمام مفردات ~~التفسير................................................ 271 # خلاصات عملية من هذه الآيات.......................................... 273 PageV01P283 ![](https://books.rafed.net/Books/3259_tafsir-men-wahi-alquran-02/images/image001.gif) PageV02P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3259_tafsir-men-wahi-alquran-02/images/image002.gif) PageV02P003 ### | سورة البقرة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مئتان وسبع وثمانون PageV02P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) @QUR@018 وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ~~ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ~~@QUR@08 ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) @QUR@07 ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) @QUR@010 أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بعهدي ): العهد : حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ، وسمي ~~الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا (1). PageV02P007 # ( @QUR@01 فارهبون ): الرهبة : الخوف ، وتقابلها الرغبة. # ( @QUR@01 فاتقون ): التقوى في تعارف الشرع : حفظ النفس عما يؤثم ، وذلك ~~بترك المحظور. # ( @QUR@02 ولا تلبسوا ): لا تخلطوا. # * * * ### ||| ** في أجواء هذا الفصل # هذا فصل جديد من فصول السورة ، يخاطب به الله سبحانه بني إسرائيل الذين ~~وقفوا أمام الرسالة والرسول ، ليعطلوا المسيرة ويشوهوا الصورة ويخلقوا ~~البلبلة والارتباك في الذهنية المسلمة ، من أجل أن يزلزلوا عقيدة المسلمين ~~ويهزوا قناعاتهم. وفي هذا الجو ، يدخل القرآن في قضية الصراع الفكري مع ~~اليهود من أهل الكتاب ، الذين كانوا يمثلون القوة الكبيرة في المنطقة التي ~~انطلق فيها الإسلام ، وكان لهم من خلال ذلك التأثير الكبير على المجتمع ، ~~باعتبار أنهم القوة الدينية المرتبطة بالكتاب ، الحاملة للرسالات. # وقد كان اهتمام الإسلام بالحوار معهم لتحقيق هدفين : # الأول : بيان الأسس التي تجمع بين الإسلام وبين غيره من الديانات ، ~~للانطلاق من ذلك إلى إقامة الحجة على اليهود ، من خلال القواعد والقضايا ~~المشتركة المسلمة لديهم ، مما يفسح المجال لارتكاز الحوار على أسس واضحة ~~وعملية ، ويوفر المناخ الملائم له. هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، لتصحيح ~~الانحرافات الطارئة التي أدخلها اليهود في الكتاب مما لم ينزل به وحي الله. PageV02P008 # الثاني : تعرية هؤلاء اليهود من خلال كشف الواقع العملي الذي يعيشون فيه ~~، وذلك بفضح أساليبهم الملتوية ، وتوضيح انحرافهم عن الخط الذي يدعون الناس ~~إليه ويهملونه في سلوكهم العملي. ms0194 # وربما يثأر هنا سؤال : # لماذا هذا التركيز في القرآن الكريم بالكلام على اليهود وبني إسرائيل ، ~~على نحو لا نجده مع عموم أهل الكتاب؟ # وفي الجواب يمكن الإشارة إلى ما يلي : # أولا : إن اليهود كانوا يمثلون القوة الدينية الكبرى المتحركة التي وقفت ~~ضد الإسلام منذ انطلق كقوة في حياة الناس في المدينة. أما النصارى من أهل ~~الكتاب ، فلم يكن لهم دور كبير في مواجهة الإسلام من ناحية عملية ، بل ربما ~~كان لهم دور إيجابي في بداية عهد الدعوة ، إذا لاحظنا هجرة المسلمين ~~الأولين إلى الحبشة ، واحتضان ملكها النجاشي المسيحي لهم ، وانسجامه مع ~~الآيات القرآنية التي تلاها المسلمون المهاجرون عليه في ما يتعلق بشأن ~~المسيح وأمه ، فلم يبق هناك إلا المشكلة الفكرية في موضوع فهمهم للتوحيد ~~ولشخصية السيد المسيح وعلاقته بالله ، فكانت مساحة الحوار بالمستوى الذي ~~تمثله المشكلة الفكرية من خطورة. # ثانيا : إن المستقبل الذي سيتحرك فيه الواقع اليهودي ، يمثل الخطر ~~السياسي والاجتماعي والأمني والثقافي على واقع المسلمين ، من خلال أطماعهم ~~في الأرض الإسلامية من جهة وفي الثروات الإسلامية من جهة أخرى ، لأن ~~طريقتهم في التفكير والحركة سوف تؤدي إلى الكثير من المشاكل الصعبة للعالم ~~الإسلامي ، الأمر الذي يفرض على المسلمين التفكير في عناصر الشخصية ~~اليهودية الاستعلائية وخططها العدوانية. PageV02P009 # ثالثا : التأكيد على المسلمين رفض موالاة اليهود بالمعنى الروحي والسياسي ~~، واعتبار ذلك بمثابة ارتداد عملي عن الإسلام يوحي بتراخي الالتزام العقيدي ~~الداخلي للمسلمين ، بما من شأنه أن يؤسس لتمكين اليهود من إسقاطه في ~~الواقع. ثم التركيز على تحذيرهم من الاتصاف بصفاتهم كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@044 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون* وإذ أخذنا ميثاقكم لا ~~تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) ~~[البقرة : 83 84]. # * * * ### ||| ** القضايا المثارة مع اليهود غيرها المثارة مع المشركين # وقد ينبغي لنا أن نلفت النظر إلى الفارق في طبيعة الحوار وأهميته ، بين ~~حوار ms0195 الإسلام مع اليهود وحوارة مع المشركين ، فقد لا نجد في تفاصيل القضايا ~~المثارة مع اليهود ما يتناسب والقضايا المثارة مع المشركين. # * * * ### ||| ** الشرك ليس فكرا دينيا # ولعل الفارق في ذلك ، هو أن الإسلام لا يعتبر المشركين قوة دينية ، لأن ~~الشرك ليس فكرا دينيا ، بل هو ضد المنهج التوحيدي للدين ، فليس هناك أية ~~قواسم مشتركة بين الإسلام والشرك حول المفاهيم العامة عن الكون والحياة ، ~~وحول القيم التاريخية المنطلقة من خلال الرسالات ، أو تلك الحاضرة PageV02P010 # المطروحة في ذلك الوقت ، أو التشريعات المتعلقة بحياة الفرد والجماعة ، ~~ولذلك ، لا يجد الإسلام أية قضايا مشتركة مع الشرك يتحرك الحوار في ~~تفاصيلها ، فلم يبق إلا مواجهة الشرك في جانبه الفكري من أجل إرجاع ~~المشركين إلى عقلهم وتفكيرهم ، بدعوتهم إلى استخدام واستثمار كل ما رزقهم ~~الله من وسائل التفكير ، سواء منها الأدوات التي تصنع مادة الفكر أو ~~الأدوات التي يبدع منها الفكر الجديد. ثم تمتد المواجهة القرآنية معهم في ~~الفكرة والحركة والأسلوب. # * * * ### ||| ** المسلمون في مواجهة اليهود # أما بالنسبة لليهود ، فهناك التاريخ المشترك بين الرسالات السماوية التي ~~يؤمن بها الإسلام ، كما تؤمن بها اليهودية ، مما يستدعي التوفر على إثارة ~~خطوات هذا التاريخ في التصور المنحرف والمستقيم ، وعلى إثارة القضايا ~~الأساسية في العقيدة والأسلوب والتشريع والأشخاص ، من أجل البقاء على أرض ~~مشتركة وتصور موحد ، الأمر الذي يخلق كثيرا من التشابك والتعقيد بين ~~الفريقين ، ويفرض بعضا من المرونة والحساسية في مواجهة الحوار ، تبعا ~~للحاجة إلى الانفتاح على أهل الكتاب في الوصول معهم إلى مواطن اللقاء. # * * * # تحدث القرآن في هذا الفصل عن اليهود وحياتهم وممارساتهم الاجتماعية ~~وأوضاعهم ومواقفهم التي اتخذوها من دعاة الإصلاح من الأنبياء وغيرهم ، ~~وبلغت آيات هذا الفصل أكثر من مائة ، نظرا إلى أن هذه السورة من السور ~~المدنية التي أريد لها أن تنظم للمسلمين في المدينة طريقة حياتهم PageV02P011 # وتفكيرهم وأساليبهم في الصراع ، مما يجعل من القضايا المثارة فيها نموذجا ~~حيا يحتذي في كل زمان ومكان. # * * * ### ||| ** العمق الإنساني للأسلوب القرآني # ونلاحظ في هذا الفصل روعة الأسلوب القرآني في عمقه الإنساني ms0196 وامتداده ~~الروحي والفكري ، فلم يلجأ إلى المواجهة الشديدة القاسية التي تهاجم خصومها ~~من موقع العداوة ، ولم يتعقد من الأساليب الملتوية التي كانوا يمارسونها ضد ~~الرسالة والرسول ، بل انطلق من موقع القاعدة الإسلامية الصلبة التي تحاكم ~~أعداءها من خلال خطواتهم العملية ومواقفهم العدوانية في التاريخ ، وتمتد ~~هذه المواقف إلى بدايات الرسالات السماوية التي انطلقت في حياة الناس لتجعل ~~من بني إسرائيل الأنبياء والرسل ، مما يحقق لهم الفضل الكبير والميزة ~~الفضلى ، لكنهم لم يشكروا ولم يتحركوا في هذا الخط المستقيم ، بل تمردوا ~~وانحرفوا وقتلوا الأنبياء بغير حق ، وعاثوا في الأرض فسادا ، وظنوا أن هذه ~~الامتيازات مرتكزة على أساس مقوماتهم الذاتية التي يتميزون بها عن بقية ~~الشعوب ، باعتبارهم الشعب الأقرب إلى الله ، المختار لديه ... ثم تلتفت ~~الآيات القرآنية إلى الحاضر ، لتحصي عليهم زلاتهم وجرائمهم ووقوفهم في ~~الواجهة العريضة من خصوم الدعوة وأعدائها. # ونجد ، في هذه المحاكمة الطويلة ، الروح السمحة التي تنفتح على هؤلاء ، ~~لتدعوهم ، بكل حنان ، إلى التراجع عن الموقف الخطأ ، والرجوع إلى الموقف ~~الصحيح ، والانفتاح على تقوى الله بكل وداعة وحنان وواقعية ، للإيحاء بأن ~~الإنسان مهما ابتعد عن الله ، ومهما انحرف عن خطه المستقيم ، فإن الله لا ~~يهمله ولا يتركه لهواه ، بل يتعهده بالرعاية ، فيدعوه إليه ليفتح قلبه ~~وروحه على الحق. PageV02P012 # ونحن ، هنا ، في محاولة دراسية لهذه الآيات ، لنبحث فيها عن دور بني ~~إسرائيل ، وملامحهم ، وأساليبهم الملتوية ، وعقدهم النفسية العميقة ، ثم ~~نتوقف عند المواقف النبوية العظيمة التي كانت تواجه هذا الواقع المملوء ~~بالتحديات والصعوبات بصبر الرسول وقوة الرسالة ووعيها العميق ، ونحاول ~~الاستفادة منها في أسلوبنا العملي في دعوتنا إلى الله. # * * * ### ||| ** اذكروا نعمة الله وأوفوا بعهده # إن الله يريد في هذه الآيات أن يذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ، ليقودهم ~~إلى الشعور بمسؤوليتهم إزاءها ، فيقفون منها موقف الشاكر للنعمة في مجالها ~~العملي بطاعة الله ، ويقدمون للرسالات الإلهية الدعم والقبول والانقياد. ( ~~@QUR@08 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) لتعرفوا أن سلوككم ~~المتعنت مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس موقف الشاكر ، بل ms0197 هو موقف ~~الكافر للنعمة ، لأنكم تعرفون أنه رسول الله حقا. أما ما هي النعم التي ~~أنعمها الله عليهم ، فهذا ما تحدثت عنه سورة البقرة في ما يأتينا من آيات. # ( @QUR@02 وأوفوا بعهدي ) إن هذه الفقرة توحي بأن ثمة عهدا بين الله ~~وبينهم ، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وأن ينسجموا مع الخط الذي يريده ~~للإنسان ، بتصديق رسله ونصرهم ، ولكن ، هل هو عهد خاص بين الله وبين بني ~~إسرائيل ، لتنطلق المطالبة من خلال هذه الخصوصية التي تميزهم عن الآخرين؟ ~~الظاهر أن القضية أوسع من ذلك ، فنحن لا نلمح وجود عهد خاص ببني إسرائيل ، ~~بل هو عهد الله مع كل عباده في كل زمان ومكان ، في ما أخذه الله عليهم من ~~خلال فطرتهم التي تدعوهم إلى عبادته. وقد تحدث الله في أكثر PageV02P013 # من آية عن هذا العهد والميثاق فيما بينه وبين عباده ، ولم يكن الحديث عن ~~العهد مع بني إسرائيل ، إلا لأن القصة تتضمنهم وتسير في اتجاه تاريخهم. # وهناك عهود أخرى ذكرها القرآن في ما أخذه الله عليهم مثل قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ) [البقرة : 63] وقوله تعالى : ( @QUR@023 ~~ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني ~~معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ... ) ~~[المائدة : 12]. # ونستوحي من مفردات هذا الميثاق تأكيدا على ما ذكرناه من أنه ليس هناك عهد ~~خاص بهم ، بل هو العهد الذي أخذه الله على عباده كافة. # ( @QUR@02 أوف بعهدكم ) لقد تعهد الله لعباده بأن ييسر لهم سبل الحياة ، ~~ويسخر لهم ما فيها من نعم وطاقات ، ويدخلهم جنات عدن التي وعد بها عباده ~~المتقين. ونخرج من هذه الفقرة بفكرة حاسمة ، وهي أن الله عند ما وعد عباده ~~بالجنة في الآخرة ، وبالنصر ، والمعونة ، والرعاية ، وبجميع المعاني ~~الكبيرة ، اعتبر ذلك في مقابل عهد عباده له في ميثاقه الذي أخذه عليهم ، ~~بأن ينسجموا مع خط الإيمان والعمل الصالح ، فليس لهم أن يطالبوه بشيء ما لم ~~يقدموا في مقابل ذلك وفاء بالعهد والميثاق. وينبغي أن نلاحظ في هذا ms0198 المجال ~~، أن العباد لا يستحقون على الله شيئا أي شيء لأنهم مخلوقون مملوكون له ، ~~ولكنهم استحقوا ذلك بوعده ولطفه ورحمته ، فهو استحقاق بالوعد والتفضل له ~~بالذات. # ( @QUR@02 وإياي فارهبون ) فإذا كنتم تخافون وتنحرفون عن الخط خوفا من ~~الناس ، ورهبة من فقدانكم لامتيازاتكم في ما تحصلون عليه من مال وشهوة ~~ونفوذ ، فاعلموا أن أحدا لا يستطيع أن يضركم إلا بإذن الله ، فلتكن الرهبة ~~له في قضايا الدنيا والآخرة ، لأنه هو مالك الدنيا والآخرة جميعا ، فهو وحده PageV02P014 # الذي يرهب من سطوته وعقابه. وقد قدم المفعول هنا لإفادة الحصر كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين ) [الفاتحة : 5]. # * * * ### ||| ** لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا # ( @QUR@06 وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ) آمنوا بما أنزلت على محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته وفي قرآنه ، الذي يصدق ما معكم من التوراة ، ~~لأن الأنبياء لا يأتون ليكذبوا من قبلهم ، بل ليصدقوه وليكملوا ما نقص بفعل ~~تقدم الحياة وتطورها وحاجتها إلى الأشياء الجديدة. ( @QUR@05 ولا تكونوا ~~أول كافر به )، لأن الكفر به لا ينسجم مع معرفتكم بصحة دعوته ورسالته ، من ~~خلال البراهين التي تملكونها في ما بين أيديكم من الدلائل والبراهين. # وقد يسأل سائل : كيف يقول الله سبحانه : ( @QUR@05 ولا تكونوا أول كافر ~~به )، مع أنهم ليسوا أول الكفرة به ، لأن مشركي قريش قد سبقوهم إلى الكفر ~~والإنكار؟ # والجواب : إن من الممكن ورود هذا التعبير على سبيل المبالغة لتأكيد ضرورة ~~الإيمان بالقرآن قبل الآخرين ، وربما كان الأساس في ذلك ، أن المشركين لا ~~يملكون القوة الفكرية المؤثرة في المجال العملي للدعوة الإسلامية ، ~~بالمستوى الذي يملكه الكتابيون من التأثير ، مما يجعل لهم أهمية بالغة ~~بالنسبة إلى غيرهم ، حتى أن كفر غيرهم ممن سبقهم إلى الكفر بمنزلة العدم ~~لقلة أهميته. # ( @QUR@05 ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا )، الشراء هنا بمعنى البيع ، ~~كقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله ~~رؤف بالعباد ) [البقرة : 207] ( @QUR@02 ولا تشتروا ) وذلك بأن لا تتركوا ~~الآيات الحقة في مقابل ما تحصلون PageV02P015 # عليه من الآخرين من امتيازات مالية أو ms0199 معنوية ، فإن هذا الثمن الذي ~~تأخذونه في مقابل محاربتكم للإسلام لا يمثل شيئا أمام المكاسب الدنيوية ~~والأخروية التي تحصلون عليها بالسير مع آيات الله وشرائعه. ( @QUR@02 وإياي ~~فاتقون ) أي لا تخافوا غيري ، لأنه لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ، بل اتقون في ~~ما تفعلون وفي ما تتركون ، لأني القوة الوحيدة التي تملك مصير الإنسان في ~~دنياه وفي آخرته. پوالتقوى ليست هي الخوف ، كحالة طارئة تعيش في مشاعر ~~الإنسان الداخلية ، بل هي ملكة في وجدانه وضميره ، توجهه نحو الانضباط أمام ~~أوامر الله ونواهيه ، فإذا انفتح له باب من الحرام لم يدخل فيه ، وإذا ~~انفتحت له أبواب الطاعة سار إليها بإخلاص وإيمان. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل بين الخديعة وكتمان الحق # ( @QUR@08 ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ). # كان اليهود يتبعون في مواجهة الإسلام أسلوبين : # الأول : أسلوب الخداع والتمويه ، وذلك بتلبيس الحق بالباطل ، وإثارة ~~الشبهات والالتباسات في قضايا الإيمان والتشريع ، حتى يجعلوا الحق خفيا على ~~الناس ، بحيث يقف الإنسان بين الحق والباطل ، فلا يقدر على التمييز بينهما ~~... وهذا ما يحاول الكثيرون إثارته وممارسته في حياتنا الآن ، في ما ~~يحركونه من أساليب التشكيك في فكر الإسلام وطبيعته ، وفي انتصار الإسلام ~~وإمكانيات وصوله إلى الهدف الكبير في الحياة ، وقد مارسه اليهود في الماضي ~~ولا يزالون يمارسونه في الحاضر بأساليبهم المتنوعة. # الثاني : أسلوب كتمان الحقيقة وإخفائها ، فقد كانوا يملكون الكثير من PageV02P016 # المعلومات والأدلة التي تؤكد صدق الرسول في رسالته ، ولكنهم كانوا ~~يخفونها عن الناس لأنهم لا يريدون للإسلام أن يأخذ مكانه الطبيعي كقوة ~~رسالية إلهية في الحياة ، حسدا وبغيا من عند أنفسهم. وهذا الأسلوب هو ما ~~نواجهه تماما في صراعنا مع الكفر والإلحاد ، عند ما ينكرون كثيرا من دلائل ~~الحق التي يعلمونها ، لئلا يكون منه حجة عليهم في ما يقبلونه وفي ما ~~يرفضونه منه. # ولا بد لنا من الإشارة إلى نقطتين لتوضيح معنى الآية : # النقطة الأولى : إن الفرق بين حالة كتمان الحق وحالة تلبسه بالباطل ، هو ~~أن هناك قضايا لا يستطيعون اللعب عليها ، لعدم قابليتها لذلك في مدلولها ms0200 ~~الفكري والعملي ، فكانوا يلجأون إلى كتمانها عن الناس لئلا يعرفوا وجه الحق ~~فيرتبطوا به ، وهناك قضايا لا تخلو من الغموض والخفاء في تفاصيلها الدقيقة ~~، فكانوا يلجأون إلى خلطها بالباطل من عند أنفسهم ، ليلبسوا على الناس ~~دينهم ، ويلعبوا من خلال ذلك في ما يريدون من شؤون اللعب بالحق والباطل. # النقطة الثانية : إننا نلاحظ في القرآن أنه يتوجه إلى أهل الكتاب لا إلى ~~الأمة في قضية كتمان الحق أو تلبيسه بالباطل ، مع أن من المفروض في ما يبدو ~~أن يطلب من الأمة أن تتعرف وجه الحق وخلوصه من الباطل من خلال قراءة ~~التوراة والتدبر فيها ، ولكن الظاهر أن الناس كانوا لا يملكون سبيلا إلى ~~الاطلاع على التوراة ليطلعوا على ما فيها ، لأنهم كانوا يحتكرونها ويخفونها ~~عن الناس ، ولا يظهرون لهم إلا ما يريدون إظهاره ، كما أنها لم تكن معربة ~~حتى يعرف الناس لغتها لو قدروا على الحصول عليها ، فكانت طريقة المعرفة ~~الوحيدة هي طريقة الأخذ من علماء أهل الكتاب ، ولهذا رأينا القرآن الكريم ~~يتجه إليهم ليتحداهم أن يظهروها للناس ليكشف لهم ما فيها من حقائق ، وهذا PageV02P017 # ما تظهره الآية الكريمة : ( @QUR@07 قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين ) [آل عمران : 93]. # ( @QUR@07 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ) فإن الركوع ~~هو غاية الخضوع لله الذي يجب أن تعيشه الخليقة في كل مظهر من مظاهر وجودها ~~الحي الفاعل ، لتكون الحياة كلها في خدمة الله وطوع إرادته ، فينبغي ~~للإنسان أن يكون مع الناس في ركوعهم لله ، فلا يكون في جانب والذين يسيرون ~~مع الله في جانب آخر. # * * * ### ||| ** أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟! # ( @QUR@010 أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون ). # إن هذه الآية تواجه اليهود بالواقع العملي المنحرف الذي كانوا يعيشونه في ~~عصر الدعوة ، فقد جعلوا من أنفسهم حماة الكتاب والشريعة ، ودعاة الاستقامة ~~على الحق ، وقادة الناس إلى الخير ، وذلك من خلال الدور الذي فرضوه لأنفسهم ~~، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا خائنين لهذا الدور في ممارساتهم العملية ، ~~فكانوا بمنزلة الذين ينسون أنفسهم في حساب ms0201 المسؤولية ، فلا يعيشون القلق ~~أمام قضية المصير في الدنيا والآخرة ، بينما نراهم يثيرون قلق الناس وخوفهم ~~من مواجهة ذلك في حياتهم العامة ، وتلك هي الطريقة التي يفقد فيها الإنسان ~~عقلانية التحرك ويستسلم لسذاجة العاطفة والغريزة في ما يقوم به من أعمال ، ~~لأن العاقل هو الذي يفكر في نجاة نفسه عند ما يتحرك في إثارة الآخرين نحو ~~نجاة أنفسهم. إن قيمة العقل هي في إدراكه الفوارق العملية بين حسن الأشياء ~~وقبحها ، ثم الاتجاه نحو التطبيق العملي لمدركاته ، PageV02P018 # ونلاحظ في كلمة ( @QUR@03 وأنتم تتلون الكتاب ) أنها ليست مجرد جملة ~~اعتراضية يراد بها تصوير حالتهم أمام الارتباط بالكتاب ، بل هي لفتة نقدية ~~للواقع في معرض الإيحاء لهم بالاستغراق في ما يتلونه من آيات الله من أجل ~~وعي أعمق وسلوك أفضل ، لما في ذلك من التأنيب والتبكيت حيث يعيشون الغفلة ~~العميقة عن أنفسهم في الموقف الذي يملكون فيه حضور الوحي الذي يهز الغفلة ~~في أعماق النفس ، بصرخة الحق ويقظته. # ونلاحظ في كلمة : ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) أن الآية تريد أن تثير في ~~أنفسهم الشعور بأن المشكلة لديهم ليست مشكلة علم ، ليصار إلى توجيههم نحو ~~الأخذ بأسباب العلم ، بل هي مشكلة تجميد للعقل في المسائل التي تدخل في ~~حساب التمييز العملي بين الحسن والقبيح. وقد يثأر هنا سؤال : # هل نفهم من الآية أن على الإنسان الذي لا يملك الإرادة القوية في إخضاع ~~خطواته العملية لمبادئه ، أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لئلا ~~يكون ممن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه ، مما يجعل من هذه الفريضة فريضة على ~~الذين يملكون العصمة في العمل في ما يجب وفي ما يحرم؟ # والجواب : إن الآية ليست واردة في هذا الاتجاه ، بل كل ما هناك أنها تريد ~~أن تثير في نفوس العاملين في سبيل الدعوة إلى الله ، بأسلوب التوبيخ ~~والتأنيب ، الشعور بضرورة التخلص من هذه الازدواجية بين موقف الداعية وموقف ~~المؤمن ، للتوصل إلى الوحدة بين الكلمة والموقف ، لأن ذلك يتصل بنجاح ~~الدعوة عند ما يعظ الداعية الناس بأقواله وأفعاله ، وبشخصية الداعية عند ما ms0202 ~~تستقيم خطاه في اتجاه خطوات فكره وإيمانه. # أما قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهي من القضايا الواجبة التي ~~لا ترتبط بالممارسة العملية لما يأمر به الإنسان ولما ينهى عنه كشرط للوجوب ~~لتكون فريضة للمعصومين عمليا ، لأن من واجب الإنسان أن PageV02P019 # يخوض صراع الإيمان والضلال على جبهتين : داخلية يصارع فيها الانحراف في ~~خطواته ، وخارجية يصارع فيها الضلال في حياة الآخرين ، وعلى ضوء ذلك ، كان ~~الجهاد الأكبر جهاد النفس ، والجهاد الأصغر جهاد أعداء العقيدة بالحرب ، ~~يسيران جنبا إلى جنب كفريضتين شرعيتين. إن المسلمين الذين جاهدوا الكفار ~~بالسلاح وجاهدوا الكفر بالدعوة ، لم يكونوا معصومين ، بل كانوا يعصون الله ~~وينحرفون عن الخط في بعض الحالات ثم يرجعون إلى هداهم عند ما ينتبهون ~~ويتذكرون. # وخلاصة الفكرة : أن الآية ليست في معرض عدم جواز الجمع بين سلبية العمل ~~وإيجابية الدعوة ، بل هي في مقام التوبيخ والإثارة ضد هذا الواقع من أجل ~~تصحيح السلوك واستقامة المسيرة ، ليجتمع للداعية وعي الدعوة وسلامة التطبيق ~~، لئلا يتخذ الآخرون من انحراف الداعية مبررا للعذر في الانحراف ، ووسيلة ~~لمحاربة الدعوة. # * * * PageV02P020 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@08 واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) ~~@QUR@08 الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) (46) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالصبر ): قيل : المراد بالصبر منع النفس عن محابها وكفها عن هواها. # ( @QUR@01 لكبيرة ): الكبيرة : تستعمل في ما يشق ويصعب. # ( @QUR@01 الخاشعين ): الخشوع والخضوع معناهما التذلل والانكسار ، إلا ~~أن الخضوع مختص بالجوارح ، والخشوع بالقلب ، و «الخاشعين» ، «قال مجاهد : ~~أراد بالخاشعين المؤمنين ، فإنهم إذا عملوا ما يحصل لهم من الثواب بفعلها ~~لم يثقل عليهم ذلك ، كما أن الإنسان يتجرع مرارة الدواء لما يرجو به PageV02P021 # من نيل الشفاء ، وقال الحسن : أراد بالخاشعين الخائفين» (1). # ( @QUR@01 يظنون ): يعتقدون ، والعرب قد تسمي اليقين ظنا والشك ظنا. # * * * ### ||| ** الاستعانة بالصبر والصلاة # قد يواجه الإنسان في حياته العملية ضغط الشهوة ، التي تلح عليه في ما ~~يشبه الحريق الداخلي ، كي يستسلم لنداء الغريزة ، ويترك نداء الله. وقد يقع ~~تحت ضغط الطمع ، الذي يدعوه إلى أن يترك إيمانه ومبادئه للحصول على مال أو ~~جاه. وقد يواجه ms0203 الضغوط الخارجية التي تقتحم حياته لتهدد وجوده ، فيستسلم ~~لتأثيراتها المنحرفة بعيدا عن خط الله ... فكيف يواجه ذلك كله؟ # إن هاتين الآيتين تستثيران في الإنسان إيمانه بالله من خلال الوسائل ~~العملية للإيمان ، ليثبت الإنسان على خط الحق في المنحدر الخطر ، ويتحدث ~~الله عن وسيلتين هما : الصبر والصلاة. # أما الصبر ، فيمثل الموقف القوي الذي يحكم الإنسان فيه نفسه انطلاقا من ~~إرادته وإيمانه ، وهو من الأخلاق الإيجابية الإسلامية التي تبني للإنسان ~~القاعدة النفسية القوية المتماسكة ، التي تمنعه من الانهيار والانسحاق تحت ~~وطأة نوازع الضعف البدنية والنفسية والخارجية ، فيقوده ذلك إلى الالتزام ~~بكل متطلبات الإيمان ومسئولياته ، لأن الانحراف ينطلق غالبا من فقدان القوة ~~الذاتية للإرادة ، وقد ورد في الحديث المأثور : «إن الصبر من الإيمان بمنزلة PageV02P022 # الرأس من الجسد ، ولا جسد لمن لا رأس له ، ولا إيمان لمن لا صبر له» (1). # أما الصلاة ، فهي معراج المؤمن إلى ربه ، تعرج فيها روحه وضميره وقلبه ~~وفكره ... فتلتقي بالله في لحظات ابتهال وانفتاح ، وتتصل بالمعاني الكبيرة ~~الممتدة في رحاب الله. إن الإنسان إذا اتصل قلبه بالله انفتحت روحه على ~~أخلاقه العظيمة التي أرادنا أن نتخلق بها في الحياة ؛ ومتى تحقق للإنسان ~~هذا الانفتاح ، وعاش في هذه الأجواء الفسيحة ، انخفض عنده مستوى الاهتمام ~~بالقضايا الصغيرة ، وعندها لن تثير في نفسه أي شيء مما اعتاد الناس أن ~~يستثيروا به وجدانهم وحياتهم. # وفي ضوء ذلك ، نستوحي أجواء الآية التي تتجه إلى المنحرفين عن الخط من ~~اليهود وغيرهم لتقول لهم : إن مشكلتكم تتحدد في نقطتين أساسيتين من نقاط ~~الضعف ، فأنتم تنسون الله من جهة ، وتضعفون أمام الضغوط والإغراءات من جهة ~~أخرى ، فإذا نسيتم الله استسلمتم للشيطان وفقدتم الأجواء الروحية التي توحي ~~لكم بالخير والانفتاح على القضايا الكبيرة في الحياة ، وتحولت الحياة لديكم ~~إلى اهتمامات صغيرة محدودة تلاحق الصغائر التي تثير العداوة والبغضاء ، ~~وتبعث على الخصومة والنزاع ... وإذا ضعفتم أمام الإغراء والضغط الداخلي ~~والخارجي ، تركتم قيمكم وراء ظهوركم ؛ فإذا هاجمتكم حبائل الشيطان ومكائده ~~وعوامل الإغراء ونوازعه ، فاستعينوا بالصبر لتحصلوا من خلاله على الإرادة ms0204 ~~القوية التي تثبت أقدامكم في الأرض ، فتستقيم لكم قضاياكم ومبادئكم ~~وأخلاقكم في خط الإيمان ، وإذا نسيتم الله ، فاستعينوا بالصلاة ، لترتفعوا ~~بروحكم إليه ، فتعيشوا في أجوائه وتسبحوا في ألطافه ونعمائه. # * * * PageV02P023 ### ||| ** هل الصلاة عبء ثقيل؟! # ( @QUR@08 واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ). ~~لعل المراد أنها ثقيلة على الناس الذين لا يعيشون روح الخشوع لله والخضوع ~~لربوبيته ، لأن صلاتهم تتحول إلى عبء ثقيل لا يدركون معناه ولا يرتفعون إلى ~~آفاقه ، بل يمارسونها لو مارسوها كواجب جامد وضريبة مفروضة عليهم. أما ~~الخاشعون الذين تخشع قلوبهم لذكر الله ، وتتلذذ به ، وترتاح إليه ، فإنهم ~~يقبلون عليها بكل ما في قلوبهم من حب وطمأنينة وانفتاح ، وبكل ما في نفوسهم ~~من التطلعات الروحية التي يحملونها إلى الله سبحانه في أمر دنياهم وآخرتهم ~~، وبكل ما في ضمائرهم من شعور بالمسؤولية أمام الله في ما يفكرون به ~~ويقومون به من عمل ، وذلك عند ما يعيشون الإيمان باليوم الآخر في عمق ~~الإحساس بالعقيدة وروعة الإيمان بقضية المصير ، فيتمثل ذلك في انضباطهم ~~العملي ، لأنهم ( @QUR@08 الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ). # والحديث عن لقاء الله لا يراد منه اللقاء الحسي المادي ، لأن الله لا ~~يتجسد كما تتجسد المخلوقات بالأشكال المادية ، بل هو كناية عن يوم القيامة ~~الذي يلتقي الناس فيه بالله ، في حسابه وثوابه أو عقابه ، باعتبار أنه ~~اليوم الذي لا مظهر فيه لسلطة أحد ولو بالشكل ، إلا لله ، كما قال سبحانه : ~~( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) [الانفطار : 19] ، ~~فكأن الإنسان يلتقي بالله هناك من خلال تمثل وجوده تعالى ، من خلال الإحساس ~~، على نحو أقوى بقدرته المطلقة. # وقد يبرز أمامنا سؤال عن السر في استبدال كلمة اليقين المناسبة للمقام ، ~~باعتبار أنها تمثل وضوح الرؤية لدى الإنسان ، فتزيد من تقواه ، بكلمة ~~«الظن»؟ # والجواب : إن من الممكن إيراد الإيحاء بأن قضية الاستعداد للآخرة PageV02P024 # يكفي فيها الظن ولا يحتاج فيها إلى اليقين ، لأن الإنسان يتحرك بشكل ~~غريزي إلى دفع الضرر المحتمل أو المظنون عن نفسه ، سواء في ذلك قضايا ~~الدنيا ms0205 والآخرة ؛ وكأن الآية تريد أن تثير في الإنسان هذا الشعور بالحاجة ~~إلى الانضباط من خلال الطبيعة الوقائية للأشياء إزاء الفكرة المحتملة ، فلا ~~يقف أمامها موقف اللامبالاة ، بحيث لا يفكر في المسؤولية إلا من خلال ~~الحاضر بعيدا عن تطلعات المستقبل وإمكاناته. وربما نستوحي ذلك من بعض ~~أساليب أهل البيت في الحوار مع بعض الزنادقة حول الآخرة : «إن يكن الأمر ~~كما تقول وليس كما تقول نجونا ونجوت ، وإن يكن الأمر كما نقول وهو كما نقول ~~نجونا وهلكت» (1). يقول الشاعر : # قال المنجم والطبيب كلاهما %~% لا تحشر الأجساد قلت : إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر %~% أو صح قولي فالخسار عليكما # وقد اتبع القرآن هذا الأسلوب في أكثر من آية ، فعبر عن المؤمنين بأنهم ~~يرجون لقاء ربهم ( @QUR@08 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا .. ) ~~[الكهف : 110]. # ومن الطبيعي أن لا يكون هذا الأسلوب مقتصرا على إبقاء القضية في نطاق ~~الاحتمال ليتجه العمل على أساس الاحتياط ، بل هو وارد في اتجاه الإيحاء ~~بالانطلاق منه إلى اليقين ، من خلال إخراج الإنسان من أجواء اللامبالاة إلى ~~أجواء المواجهة المسؤولة للفكر والعمل. وقد جاء في مجمع البيان «أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أحزنه أمر ، استعان بالصلاة والصوم» (2)، ~~باعتبار أن الصوم مظهر للصبر. وجاء في الكافي عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام : كان علي عليه السلام إذا هاله أمر فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه PageV02P025 # الآية : ( @QUR@03 واستعينوا بالصبر والصلاة ) (1). # * * * ### ||| ** استفادات عملية من وحي ما تقدم # ذلك هو بعض الحديث في الجانب التفسيري للآيتين ، فما ذا عن المعطيات ~~العملية التي نخرج بها في واقعنا الإسلامي المعاصر؟ هنا يمكننا استيحاء ~~نقطتين : # النقطة الأولى : إننا نستفيد من الآية الأولى ، تأكيد الجوانب العبادية ~~كالصلاة والصوم ، والعناصر النفسية الأخلاقية كالصبر ونحوه في بناء شخصية ~~الإنسان المسلم ، من أجل إبعاده عن أجواء الانحراف الفكري والعملي ، لأن ~~ذلك ما يحقق له قوة الاندفاع في الجانب العملي ، ويعينه على مواصلة السير ~~في الطريق المستقيم. # إننا نشعر بالحاجة إلى الإلحاح على ذلك في أساليبنا التوجيهية ms0206 ، وعدم ~~الاكتفاء بالأساليب الفكرية التي تدفع الإنسان إلى الدخول في متاهات الجدل ~~الفكري من دون أن يتحرك في الاتجاه العملي ، لأن ذلك قد يفيد بالنسبة ~~للأشخاص الذين يختلفون معك في أسس الإيمان ، أما المؤمنون الذين انحرفوا عن ~~الخط ولم ينحرفوا عن الإيمان ، فإنهم يحتاجون إلى التربية العملية التي ~~تهيئ لهم سبل الانضباط في نطاق تقوية إيمانهم ، ولا فرق في ذلك بين ~~المؤمنين التقليديين الذين يعيشون الإيمان الفطري ، وبين المؤمنين الذين ~~يحملون الإيمان ، المشوب ببعض الانحرافات الطارئة .. فالأسلوب الأفضل PageV02P026 # معهم هو أسلوب التربية العملية التي تعمق ملكة الصبر والخشوع التي تربطهم ~~بالله. أما أسلوب إثارة القضايا الفكرية التي يراد من خلالها تعميق الجانب ~~الفكري من الإيمان ، فقد يعطي عكس النتيجة عند ما يؤدي ذلك إلى إثارة مشاكل ~~جديدة في الإيمان ، مما لم يكن داخلا في الحسبان ؛ ولذلك فلا بد من ~~الانتظار ريثما يقوي المؤمن ارتباطه بالله ، فلا يزلزله عن الخط شيء من ~~شبهة أو مشكلة فكرية. # النقطة الثانية : إننا نستفيد من الآية الثانية التركيز على أسلوب الوعظ ~~الذي يعتمد على التذكير بالآخرة في مجال الحث على العمل ، وإرجاع الإنسان ~~إلى الله ، لأن لدى الإنسان منطقة شعورية ترتبط بالانفعال والعاطفة ولا ~~ترتبط بالفكر المجرد ، فقد لا يكفي في إثارتها الحديث عن حل الإسلام لمشاكل ~~الحياة ، وعن طبيعة الفلسفة التي تشمل مختلف النواحي الكونية ، بل لا بد من ~~ربط ذلك كله بقضية المصير ، وموقف الإنسان من الله ، ومواجهته له في يوم ~~القيامة في لحظات الحساب الشامل الذي يحاسبه فيه على كل ما عمل من خير أو ~~شر ، فإن ذلك يحقق للنفس خشوعها الروحي بين يدي الله كوسيلة من وسائل خشوع ~~حياته لله سبحانه. # إن الدراسة الواعية للأساليب القرآنية في الدعوة ، تهدينا السبيل إلى ~~ملاحظة التركيز العميق في القرآن على هذا الأسلوب ، حيث لا نجد أية مناسبة ~~للوعظ إلا وقد انطلق القرآن في استثارتها ، والإفاضة فيها بمختلف الجوانب ~~الفكرية والعاطفية ، مما يدعونا إلى اعتباره طابعا إسلاميا مميزا في أسلوب ~~الدعوة إلى الله. # * * * PageV02P027 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 يا ms0207 بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين (47) @QUR@019 واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) (48) # * * * ### ||| ** تذكير وتحذير لبني إسرائيل # تبدأ هذه الآيات في جو رحيم نابض بالعاطفة ، يدعو فيه الله بني إسرائيل ~~إلى أن يتذكروا نعمه التي أنعمها عليهم بالرسالات الكبيرة التي جعلتهم في ~~مركز القيادة للناس ، من خلال الفكرة الممتدة في الكون امتداد الحياة ، ~~والروح المنفتحة على مشاعر الناس وآمالهم وآلامهم ، حتى تحس به يضمهم في ~~عناق حالم واحتضان لذيذ ، ليربط على قلوبهم ويخفف من عبء الحياة وجهدها ~~عنهم ، ويسير بهم إلى الجو العابق بالطهر النابض بالحنان ، المتحرك بالحق ~~والخير والجمال ، وذلك في لحظات اللقاء به. وهذا الجو الذي تثيره هاتان ~~الآيتان هو ما يجب أن تعيشه القيادة فكرا ومسئولية وقدوة ، ليتمثل في حياة ~~الآخرين حياة مليئة بالفاعلية والحركة والإيمان ، فكان الأنبياء منهم هم ~~قادة الناس وهداتهم. # ولم تقتصر النعم على ذلك ، بل انطلقت إلى حياتهم كلها لتملأها بالخير PageV02P028 # والبركة والأمن والطمأنينة والخلاص من كيد الظالمين ، من الطغاة ~~والفراعنة ، بعيدا عن كل ذل وامتهان. # إنها الدعوة إلى التذكر الواعي المنطلق من دراسة الماضي والحاضر ، في ~~واقع النعمة بجميع أشكالها وألوانها وأوضاعها التي جعلت حياتهم منفتحة على ~~الخير ، في كل شؤونهم ، وعلى الرفعة الاجتماعية في كل مظاهرها. # ( @QUR@08 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) ولا تغفلوا ~~عنها كما يعيش الناس الغفلة عن الواقع من خلال استغراقهم فيه ، فلا ~~يتحسسونه بشكل واع ، لتتعرفوا من خلال ذلك الامتيازات الحياتية التي منحكم ~~الله إياها ، ( @QUR@04 وأني فضلتكم على العالمين ) بالنعمة التي قد تتحول ~~إلى تفضيل بالقيمة ، إذا أخذتم بأسباب الاستقامة في خط الله على أساس ~~التقوى. # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن التفضيل ليس تفضيلا طبقيا يمنحهم القيمة الذاتية ~~التي يشعرون معها بالعلو على الناس ، بل هو تفضيل النعمة بما أغدقه الله ~~عليهم من ألطافه وفيوضاته ، مما يستوجب الشكر والطاعة والتقوى. ولعل هذا ~~الجو الذي يريد القرآن الكريم أن ms0208 يضع التفضيل فيه في موقع النعمة ، هو الذي ~~جعل الآية الثانية تمثل الدعوة إلى التقوى والخوف من اليوم الآخر ، الذي ~~يقف فيه كل إنسان أمام عمله ومسئوليته ، ليواجه مصيره بعيدا عن كل ~~الامتيازات الطبقية والعائلية ، وعن كل البدائل التي يمكن أن يفكر بها ~~الإنسان في التخلص من مسئوليته ... إنه الموقف الذي يحس الإنسان فيه ~~بإنسانيته في مسارها الروحي والعملي عند ما تلتقي بالله ، ليعرف أنها طريق ~~الخلاص الوحيد. # وربما كان في هذه الآية بعض الإيحاء إلى هؤلاء اليهود الذين عاشوا في ~~زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممن وقفوا ضد الرسالة ، بأن عليهم أن ~~ينسجموا مع خط الدعوة الجديدة ، باعتبارها مظهرا للتقوى والانقياد إلى الله ~~، كونها تمثل إرادته PageV02P029 # الحقيقية الأخيرة في خط الرسالات. # وهذا ما نستوحيه من الآية : ( @QUR@02 واتقوا يوما ) حاسما في مسألة ~~المصير ، وهو يوم القيامة الذي يواجه فيه الناس حساب المسؤولية عما قاموا ~~به في الدنيا ، بعيدا عن كل الذاتيات الشخصية والعلاقات الاجتماعية ( ~~@QUR@06 لا تجزي نفس عن نفس شيئا )، لأن القضية لا تتصل بأية علاقة شخصية ~~في امتيازاتها الطبقية ، مما كان الناس يتعاملون به في سلوكهم العام والخاص ~~، مثل قيام شخص بإبعاد العقاب عن شخص آخر ، بحيث يتخفف من ثقل المسؤولية ~~لقرابته له ، أو لعلاقته به ؛ ( @QUR@06 لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) ~~[عبس : 37] ، وموقع خاص يحدد له حساباته التي لن تتعداه إلى غيره. # * * * ### ||| ** هل في الآخرة شفاعة؟ # ( @QUR@04 ولا يقبل منها شفاعة ). # قد تستوقفنا هذه الفقرة من الآية الكريمة ، لأنها لا تعترف بوجود الشفاعة ~~وتأثيرها في يوم القيامة ، ولا ينسجم هذا مع الفكرة الإسلامية المعروفة ~~الثابتة في بعض الآيات الأخرى التي تتحدث عن إمكانات الشفاعة ضمن شروط ~~معينة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ~~[الأنبياء : 28] وقوله تعالى : ( @QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمن ورضي له قولا ) [طه : 109] وبعض الأحاديث المأثورة كما في ~~الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله : ~~«ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ms0209 (1)، وما جاء في روايات أصحابنا رضي ~~الله عنهم مرفوعا إلى PageV02P030 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «إني أشفع ، يوم القيامة فأشفع ، ~~ويشفع علي فيشفع ويشفع أهل بيتي فيشفعون ، وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع ~~في أربعين من إخوانه ، كل قد استوجب النار» (1). # ولكننا نرى في تحليل هذه الفقرة أن الآية لا تواجه القضية من حيث المبدأ ~~، بل تواجهها من ناحية رفض الذهنية البشرية في الدنيا التي يواجه بها ~~الإنسان قضية المصير في الآخرة ، من خلال العلاقات الذاتية والتمنيات ~~الشخصية في محاولة التخلص من نتائج المسؤولية ، تماما كما هي الحال في ~~قضايا الناس بعضهم مع بعض ، عند ما تحل المشكلة بقيام شخص مقام شخص ، أو ~~بواسطته ، أو بدفع بدل مالي أو غير مالي ، مما يدخل في حساب التسويات ~~الشخصية التي لا تعتمد على قاعدة عامة ، أو تعتبر مبررا للخروج عن القانون ~~من خلال تدخل أصحاب الشفاعة من الوجهاء والرؤساء. # أما قضية الشفاعة كمبدإ ، فإنها تبتعد عن هذا الجو ، لتدخل في جو آخر ، ~~حيث نلمح في القرآن والسنة التأكيد على وجود قواعد أساسية تحكمها ، من حيث ~~طبيعة الأشخاص والمواقع والقضايا ، مما يجعلها لا ترتبط بالعلاقات الذاتية ~~التي تتبع الحب الذاتي كما يفهمه العامة من الناس حيث يحاولون التقرب إلى ~~الأنبياء والأولياء بالمبادرات الذاتية من النذور وغيرها ، كما يتقربون إلى ~~الزعماء والوجهاء بالهدايا والمصانعات بالروحية نفسها ، من أجل الوصول إلى ~~الشفاعة ، مع فارق واحد وهو الشعور بالقداسة في عالم الأولياء والأنبياء. # ولكن هذا لا يمنع أن يطلب الناس الشفاعة من الأنبياء والأولياء من موقع ~~الطلب إلى الله بأن يجعلهم شفعاء لهم ، لقربهم من الله الذي منحهم الكرامة ~~وأراد أن يظهر ذلك. ولا يلتقي هذا الاتجاه بمعنى الوساطة التي تقف PageV02P031 # لتربط بين الله وبين عباده على أساس الفكرة التي تقول : إننا لا نقف في ~~المستوى الذي يؤهلنا للاتصال بالله مباشرة لبعدنا عن ساحة قربه وقدسه ، ~~فنحاول أن نتوسط لذلك بالاتصال بهم مباشرة ليصلونا بالله في نهاية المطاف. # إننا نتحفظ حول هذه الفكرة من ms0210 موقع الأسلوب القرآني الذي يخاطب الناس ~~بشكل مباشر ، ويدعوهم إلى الاتصال بالله من دون وساطة أحد ، كما في الآيات ~~التي توحي للإنسان بأن الله قريب إلى الناس ، وأنه أقرب إليهم من حبل ~~الوريد ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان ) [البقرة : 186]. وقوله تعالى : ( @QUR@014 لقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ق : 16]. # أما الأحاديث التي تتحدث عن الأنبياء أو الأوصياء بأنهم وسطاء بين الله ~~وبين خلقه ، فالظاهر أن المقصود بها الوساطة في حمل الرسالة وتبليغها إليهم ~~من الله لا الوساطة في الاتصال به. # * * * ### ||| ** هل هناك علاقة بين طلب الشفاعة والشرك؟ # إن قضية طلب الشفاعة لا تستدعي الكثير من الجهد والجدل الفكري الذي أثاره ~~بعض علماء المسلمين ، إذ اعتبروها ذات علاقة بموضوع صفاء العقيدة التوحيدية ~~، لأنها ترتبط بالفكرة التي كانت تحكم المشركين في علاقتهم بالأصنام ، حيث ~~برروا ذلك بقولهم في ما حدثنا الله عنهم : ( @QUR@07 ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى ) [الزمر : 3]. # أما تعليقنا على ذلك ، فهو أن القضية ليست قضية عبادة موجهة إلى الأنبياء ~~أو الأولياء ، بل تنطلق من موقع تكريم الله لهم بإظهار مكانتهم لديه. PageV02P032 # وقربهم منه ، بطريقة منحهم حق الشفاعة في حدود ما يعلمون أنه رضى لله ، ~~فتعود قضية التوسل بهم إلى الله تماما كالتوسل بأسمائه الحسنى ، في ~~اعتبارها دعاء إليه تعالى أن يجعلنا ممن تنالهم تلك الشفاعة ، وأن يغفر لنا ~~ببركتهم ، فيمن يغفر له على أساس إرادته في ذلك ، كما جرت سنة الله أن يغفر ~~لنا بسبب بعض الأعمال ، أو بعض المواقف والحالات النفسية. # إن ما ندعو إليه هو أن نلتزم بالتوحيد على أساس المفاهيم القرآنية ~~التوحيدية ، وأن نحافظ على صفائه في أجواء الصفاء التي أرادنا الله أن ~~نعيشها في الخطوط الفاصلة بين خط التوحيد وخط الشرك ، وأن لا نلجأ إلى ~~العمق الفلسفي في ما نقبله وفي ما نرفضه في هذا المجال ، بعيدا عن حدود ~~الشريعة وأحكامها. وربما نعود إلى هذا البحث في ms0211 ما يستقبلنا من آيات ~~الشفاعة إن شاء الله تعالى لنتحدث هناك عن الجوانب الفلسفية للموضوع. # ( @QUR@04 ولا يؤخذ منها عدل ) وهو البدل الذي يقوم مقام المذنب في تحمل ~~العقوبة ، كما هي الحال في الدنيا ، إذ قد يقدم الإنسان شخصا آخر بدلا عنه ~~في مواجهة نتائج المسؤولية ، بحيث ينجو من آثارها الصعبة. ( @QUR@03 ولا هم ~~ينصرون ) من قبل أنصارهم وأصحابهم وأقربائهم ، لأنهم لا يملكون شيئا أمام الله. # أما ما نستوحيه من جو الآية ، فهو الإيحاء بأن على الإنسان أن يتحرك في ~~حياته من موقع التفكير بأن خلاصة لا يرتبط بأي شيء مما تعارف عليه الناس من ~~أساليب اللف والدوران من المصانعات والمجاملات والتسويات ، بل يرتبط بالخط ~~العملي الذي يتحرك في حدود الشعور بالمسؤولية العملية ، في التصور الإنساني ~~للموقف الحاسم في يوم القيامة الذي يقف فيه الإنسان ليواجه مصيره من خلال ~~عمله ، فلا شيء إلا العمل مع رحمة الله ؛ مما يدعونا إلى التركيز في خطوات ~~الحياة ، على أساس الخط العملي المستقيم ، وعلى الرجوع الخاشع إلى الله ، ~~والارتباط الوثيق به في صفاء العقيدة وحيويتها. # * * * PageV02P033 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) @QUR@010 وإذ فرقنا بكم ~~البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) @QUR@012 وإذ واعدنا ~~موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) @QUR@08 ثم ~~عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) @QUR@07 وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون (53) @QUR@027 وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم ~~أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند ~~بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ) (54) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يسومونكم ): يكلفونكم ويذيقونكم ، وقيل معناه : يديمون ~~عذابكم. PageV02P034 # ( @QUR@02 ويستحيون نساءكم ): أي يتركونهن أحياء للخدمة من غير أن ~~يقتلوهن ؛ فالاستحياء: طلب الحياة. # ( @QUR@01 بلاء ): البلاء والنعمة والإحسان نظائر في اللغة ، ويستعمل في ~~الخير والشر. # ( @QUR@01 فرقنا ): شققنا. # ( @QUR@01 واعدنا ): واعده مواعدة : عاهده على أن يوافيه في وقت وموضع ~~معينين. # ( @QUR@01 بارئكم ): البارئ : الخالق ، من برأ يبرأ برءا ، وأصل الباب : ~~انفصال الشيء من ms0212 الشيء ، ومنه برأ الله الخلق ، أي فطرهم كأنهم انفصلوا من ~~العدم إلى الوجود. # * * * ### ||| ** نعم تتوالى ، وألطاف تتحرك في التاريخ # ( @QUR@018 وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ). # هذه إحدى النعم التي أنعمها الله على بني إسرائيل ، فقد كانوا يرزحون تحت ~~حكم الطغيان الفرعوني الذي كان يعمل على إبادة رجالهم بكل وسيلة مهما كانت ~~وحشية قاسية ، فقد كان يذبح الأولاد الذكور الذين يولدون خوفا من أن يكونوا ~~قوة مضادة ، ويبقي النساء لحاجته لهن في خدمته وخدمة قومه. وقد ذكر في كلمة ~~«يستحيون» وجهان : PageV02P035 # الأول : أنها مشتقة من الحياة بمعنى أنهم يطلبون الحياة لهن. # الثاني : أنها مشتقة من الحياء أو الاستحياء ، بمعنى أن الحياء يبعثهم ~~على الإبقاء عليهن بعلاقة المجاز ، لأن الاستحياء يمنع الإنسان عن عمل ما ~~يستحي منه عادة. # وهناك أحاديث متعددة لا نستطيع الوثوق بها لإمكان أن تكون مستمدة من بعض ~~رواة اليهود الذين جعلوا من أنفسهم مفسرين للقصص القرآني ، وهو ما نسميه ~~بالإسرائيليات ، ولا مانع من أن يكون لها نصيب من الواقع في بعض الحالات ~~... وعلى كل حال ، فإنها قد تعطينا ظلالا على الأجواء التي تحدثنا عنها ~~الآية الكريمة ، وذلك ما نحتاجه من القصص القرآني ، فإننا لسنا في حديث ~~يربطنا بالتاريخ من خلال التفاصيل ، بل نحن في حديث يربطنا بالعبرة الحية ~~من خلال التاريخ ، وبذلك فلا نخضع للقصص المروية في استيحاء الآيات ~~القرآنية ، بل نعمل على أن نعيشها ونحاكمها في الأجواء التي نستوحيها من ~~الآية في قراءتنا لها. # وخلاصة ما ترويه هذه الأحاديث ، أن فرعون رأى في منامه أنه سيموت على يد ~~شخص من بني إسرائيل ، فأراد أن يعطل مفعول المنام في المستقبل بإفناء كل ~~الذكور منهم وذلك بقتل كل وليد ذكر ، الأمر الذي أدى كما تقول القصة إلى أن ~~قومه ضجوا إليه ، فقالوا له : يوشك أن نفقد العمال ونكلف نحن بالعمل ، لأن ~~بني إسرائيل كانوا يمثلون اليد العاملة في ذلك المجتمع ، فبادر إلى ذبح ~~أبنائهم سنة وتركهم سنة. ms0213 وربما كانت قصة ولادة موسى وإلقاء أمه له في البحر ~~دليلا على صدق بعض هذه التفاصيل في القصة. # وربما كان الأساس في هذا السلوك الفرعوني ، خوف الفراعنة من تكاثر هؤلاء ~~المستضعفين من الناحية العددية ، وتطورهم في قوتهم النامية ، بحيث يتحولون ~~إلى خطر يتهدد ملكهم وجبروتهم ؛ الأمر الذي يفسر ذبح الأولاد PageV02P036 # الذين هم شباب المستقبل القوي ورجاله ، بينما لا تمثل النساء أي عنصر قوة ~~اجتماعي أو اقتصادي أو عسكري ، ولا سيما في ذلك الزمان ، بل ربما يحتاج ~~إليهن كقوة عاملة للخدمة في تقوية ملك الفراعنة. # ( @QUR@05 وإذ نجيناكم من آل فرعون ) الذين كانوا يستعبدونكم ويضغطون على ~~حريتكم ، فلا يملك أحد منكم أمامهم أي حول أو قوة ، فلا يستطيع الدفاع عن ~~نفسه أو حماية وجوده ، فكانوا ( @QUR@01 يسومونكم ) أي : يذيقونكم ( ~~@QUR@02 سوء العذاب ) أي العذاب السيئ الشديد في وحشيته وقسوته ، في ~~استخدامهم لكم في أعمالهم العمرانية والزراعية والخدماتية ، وفي فرض الجزية ~~عليكم من دون أساس. ويشتد ذلك ويتعاظم في صورة أكثر قسوة ووحشية ، فهم ( ~~@QUR@02 يذبحون أبناءكم ) ولا يبقى منكم في المستقبل شباب يملكون القوة ~~ورجال يعملون من أجل الحرية ، كوسيلة من وسائل مصادرة وجودكم القوي في ~~المستقبل ، ( @QUR@02 ويستحيون نساءكم ) فيبقونهن للخدمة وللذة ولغير ذلك. ~~( @QUR@06 وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) لأنه يمثل الموت الجسدي للذكور ~~والموت المعنوي للإناث. وقد نجاكم الله من ذلك كله ببركة موسى عليه السلام ~~الذي جاهد في رسالته جهاد الأبطال من أجل حريتكم ، التي هي رمز حرية ~~الإنسان المستضعف. # وقد جاءت هذه الآية لتقول لهم للبقية الباقية منهم في زمن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله قد رفع عنكم هذا البلاء العظيم بفضل موسى ~~عليه السلام ورسالته ، وأنعم عليكم بنعمة الامتداد في الحياة بعيدا عن كل ~~طغيان مدمر وحشي ، فلما ذا لا تشكرون؟ # * * * PageV02P037 ### ||| ** ضرورة استحضار الله في كل شيء # ويمكن لنا أن نستوحي هذه النعمة في كل موقف يقفه أفراد أي شعب من الشعوب ~~تحت سلطة الحكم الظالم الذي يقهرهم ، ويضطهدهم ، ويقتل الأبرياء من أبنائهم ~~، ويستغل خيراتهم وثمراتهم ms0214 ، ويكبت حرياتهم ، ويعطل طاقاتهم عن الحركة ~~والانطلاق ، وذلك عند ما يرتفع عنهم هذا الكابوس الثقيل بما يصنعه الله لهم ~~من الظروف والأوضاع والوسائل الداخلية والخارجية ، فلا بد لهم من الوقوف ~~أمام ذلك موقف المؤمن الواعي الشاكر لنعمة الله ، عند ما يلتفت بعمق إلى ~~ألطاف الله وآلائه ، في تيسير ذلك كله بشكل مباشر ، فيواجهون الحياة من ~~موقع إرادة الله الأصيلة العميقة في الأشياء ، لا من موقع الأسباب الظاهرية ~~فقط ، لأن ذلك ما يربطهم بالله دائما من خلال الوعي الأعمق والفهم الأرحب ، ~~فلا يتصورون شيئا إلا ويرون الله معه ، ولا يواجهون شيئا إلا ويرون الله خلفه. # * * * ### ||| ** إغراق آل فرعون وإنجاء بني إسرائيل # ( @QUR@010 وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ). # هذه هي النعمة الثانية التي أنعمها الله عليهم ، وذلك في صورة المعجزة ، ~~فقد خرج موسى ببني إسرائيل ليخلصهم من طغيان فرعون ، بعد أن أعيته الوسائل ~~الطبيعية التي حاول من خلالها إقناع فرعون بالسماح لهم بالخروج معه ، حتى ~~إذا عرف فرعون بذلك ، لحقهم بجنوده ليمنعهم من PageV02P038 # التقدم ... وهنا كانت المفاجأة الإلهية التي أنقذت الموقف بمعجزة حطمت ~~كبرياء فرعون ، كما استطاعت أن تحطم زهوه في معجزة العصا ، فشق الله البحر ~~لموسى وقومه وفتح لهم طريقا يابسا كما يحدثنا القرآن في ما نستقبله من ~~آياته وعبروا إلى الجانب الآخر ، وأراد فرعون أن يلحقهم في هذا الطريق ~~اليابس نفسه الممتد أمامه بعد عبورهم ، فدخلت خيوله البحر فغمره الماء الذي ~~غطى الطريق ، وهم ينظرون إليه في حيرته الذليلة ، زيادة في إذلاله وفي ~~إعزاز المستضعفين الذين انطلقوا في طريق الرسالة والرسول. # إن الموقف قد تحرك هنا من خلال المعجزة ، لأن الوسائل العادية قد استنفدت ~~، ولم يبق هناك من سبيل لإنقاذ الموقف الرسالي إلا ذلك ، فلو أن فرعون ~~استطاع أن يدركهم لدمرهم ودمر موسى معهم ، مما يجعل القضية تمثل انتصارا ~~ساحقا للكفر على الإيمان ، وهذا ما لا يريده الله في تلك المرحلة التي ~~تحولت إلى موقف للتحدي المباشر له. # ( @QUR@04 وإذ فرقنا بكم البحر ) أي : فلقناه وجعلنا فيه ms0215 جسرا تعبرون ~~عليه هربا من عدوكم ، ( @QUR@01 فأنجيناكم ) من ظلم فرعون وطغيانه ، ( ~~@QUR@03 وأغرقنا آل فرعون ) الذين خيل إليهم أنهم قادرون على ملاحقتكم ، من ~~خلال الأرض اليابسة التي جعلها الله بقدرته في قلب البحر ، فاندفعوا إليه ، ~~واندفع الماء إليهم ، فغمرهم بعد أن تجاوزتم البحر إلى البر ، ( @QUR@02 ~~وأنتم تنظرون ) إليهم ، وهم يلاقون جزاء طغيانهم في مصيرهم المحتوم. # وتلك هي قصة المعجزة في كل زمان ومكان في مسيرة النبوات ، فهي تأتي لتنقذ ~~الموقف حيث لا مجال للموقف البديل ، وهي ليست حدثا يوميا يأتي بمناسبة ~~وبغير مناسبة ، كما قد توحي بذلك بعض الأقاصيص المنقولة في قصص الأنبياء ~~والأئمة والأولياء ، فإن الله قد أقام الحياة على أساس السنن PageV02P039 # الطبيعية التي أودعها في الكون ، فلا يغير سننه الطبيعية إلا لأمر عظيم. # * * * ### ||| ** عفو الله عن بني إسرائيل بعد عبادتهم العجل # ( @QUR@020 وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون* ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ). # هذه هي الحادثة الثالثة التي واجه الله بها بني إسرائيل في مجال تعداد ~~ممارساتهم السيئة أمام نعمه عليهم ، فقد أراد لهم أن يبدءوا حياة جديدة في ~~ظل شريعة شاملة تنظم لهم حياتهم ، وترعى لهم شؤونهم وعلاقاتهم ، وتفتح لهم ~~أبواب الحياة الواسعة على أساس من الحكمة والمصلحة. وفي هذا الجو ، استدعى ~~الله موسى لميقاته لينزل عليه التوراة في مدى أربعين ليلة ؛ وهنا كانت ~~المفارقة المفاجأة ، فلم يكد موسى يغيب عنهم حتى نسوا الرسالة والرسول ، ~~ونسوا الله سبحانه ، فعبدوا العجل في قصة طويلة سيذكرها القرآن أكثر من مرة ~~، ولم ينفتحوا على الآفاق الواسعة التي أراد الله لهم أن ينفتحوا عليها ، ~~لينطلقوا إلى العالم كحملة للرسالة الشاملة ، فيكون لهم المركز الكبير في ~~ظل هذه الرسالة. # ولكن الله لم يعاملهم بظلمهم ، بل عفا عنهم ليفسح لهم المجال للتراجع ~~ولتصحيح الفكر والمسيرة ، ليهيئ لهم الجو الروحي والنفسي الذي يعينهم على ~~الرجوع إليه والشكر له على نعمائه من ناحية عملية. # ( @QUR@05 وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) ليتلقى الوحي الإلهي الذي فيه ~~الهدى للناس في كل ms0216 قضاياهم العامة ، في مسئولياتهم اتجاه أنفسهم ، واتجاه ~~الناس من PageV02P040 # حولهم ، واتجاه الحياة المحيطة بهم ، بالإضافة إلى مسئوليتهم في عبادة ~~الله. ( @QUR@05 ثم اتخذتم العجل من بعده )، فرجعتم إلى السلوك الوثني ~~الذي يعود إلى تاريخكم المنحرف في حياتكم مع فرعون ، مما يوحي بأنكم لم ~~تنفتحوا على الرسالة الإلهية التوحيدية من موقع العمق الفكري والروحي ~~والاستقامة العملية ، ( @QUR@02 وأنتم ظالمون ) لأنفسكم من خلال النتائج ~~السلبية للوثنية الجديدة في الدنيا والآخرة. ( @QUR@06 ثم عفونا عنكم من ~~بعد ذلك ) لتعودوا إلى الخط المستقيم واليقظة الروحية في حركة التوبة ~~النفسية والإخلاص العملي ، ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) الله على هذه النعمة ~~التي فتحت لكم الفرصة الجديدة للعودة إلى التوازن في طاعة الله ومرضاته. # وإذا كان الخطاب موجها لليهود المعاصرين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~الذين لم يعبدوا العجل ، فذلك لاعتبارهم امتدادا لأولئك كفريق واحد يمتد في ~~الحاضر من خلال امتدادات التاريخ ، مما يجعل الخصائص التاريخية لأسلافهم ~~بمثابة الخصائص الذاتية لهم. # * * * ### ||| ** إنزال الكتاب والفرقان على موسى # ( @QUR@07 وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ). # يثير الله ، في هذه الآية ، أمام بني إسرائيل مسألة إنزال الكتاب ~~والفرقان كنعمة عظيمة من النعم الكبيرة التي يمن الله بها عليهم ، باعتبار ~~أنه سبيل PageV02P041 # الهداية إلى الحق ؛ الأمر الذي يوحي بأن الاهتداء إلى الطريق القويم نعمة ~~عظيمة كبيرة ، وأي نعمة أعظم من النعمة التي تفتح للإنسان مجالات الحياة ~~السعيدة الرخية المرتكزة على قاعدة ثابتة من المبادئ الحقة والقيم الكبيرة ~~، وتسيره نحو المصير الآمن الذي لا يخاف فيه شيئا ، وتجعله يسير في النور ~~عند ما يفكر وعند ما يعمل أو يتعاون مع الآخرين. # والظاهر أن كلمة الفرقان ، التي تعبر عن الفارق بين الحق والباطل ، تعتبر ~~تفسيرا لكلمة الكتاب ، على سبيل العطف التفسيري الذي يراد به توضيح الصفة ~~العلمية للكتاب. # ( @QUR@05 وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ) الذي يفصل بين الحق والباطل ~~في مفاهيمه وشرائعه ومناهجه ، بحيث يحقق لكم الثقافة الواعية التي تعرف ~~حدود الأشياء في سلبياتها وإيجابياتها. ( @QUR@02 لعلكم تهتدون ) بآياته في ~~إيحاءاتها وأفكارها وخطوطها الواضحة للمسيرة الإنسانية في الحياة. ms0217 # * * * ### ||| ** التركيز على الجانب المعنوي في الرسالات # ونستوحي من هذه الآية أن على الدعاة أن يركزوا على طبيعة النعم التي أنعم ~~بها الله على الإنسان ، فلا يقتصرون على النعم الحسية التي يمارس الإنسان ~~من خلالها شهواته ولذاته ومطامحه الذاتية ، بل يثيرون أمامه النعم التي ~~تتصل بفكره وخطواته العملية ومصيره في الدنيا والآخرة ، في ما يتصل بقضايا ~~الحق والباطل من القيم الروحية والإنسانية الكبرى ، التي ترتفع بمستوى PageV02P042 # الإنسان الروحي والاجتماعي. وسنجد في الآيات القرآنية المقبلة كثيرا من ~~هذه اللفتات التي تركز على الجانب المعنوي في النعم المعنوية ، كما تؤكد ~~الجانب المادي في النعم المادية ، مما يدخل في طبيعة تكوين الشخصية ~~الإسلامية التي يمتزج فيها الجانب الروحي بالمادي من دون ازدواجية أو ~~انفصال. # ولعل القيمة في هذا التوجيه التربوي ، هي أنه يمنح الإنسان المسلم شعورا ~~بالغبطة والسعادة أمام الصعوبات والتحديات التي تواجهه في مسيرته نحو إقرار ~~شريعة الله في الحياة ، باعتبار أنها لا تعني شيئا أمام نعمة الله في ~~التشريع المرتكز على أساس الحق والعدل في جميع جوانب الحياة المادية ~~والروحية ، ويخلصه من كثير من سلبيات الطريق الصعبة. # * * * ### ||| ** خطورة التمرد والموقف الحاسم # ( @QUR@027 وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه ~~هو التواب الرحيم ). # لم يترك موسى القصة من دون عقاب ، لأن القضية ليست قضية طارئة بسيطة ، بل ~~هي من القضايا التي تهدد المسيرة في مجتمعها الذي يمكن أن يتلاعب به أي ~~إنسان منحرف بفعل بعض الأساليب الشيطانية الخادعة ، مما يجعل الجبهة مفتوحة ~~أمام كل القوى المضادة في أي موقف من مواقف الصراع ؛ فأراد أن يثبت الموقف ~~بتعميق الإحساس بالذنب في نفوسهم ، باعتباره ظلما للنفس وإساءة لها ~~بتحويلها من خط الإيمان إلى خط الكفر ، PageV02P043 # وتعريضها للعقوبة في الدنيا والآخرة ، وذلك هو أبشع أنواع الظلم. # وكانت الخطة في ما توحي به الآية أن يدعوهم إلى التوبة ولكن بطريقة جديدة ~~مرعبة ، وهي أن يقتلوا أنفسهم ، إما بأن يقتل كل واحد ms0218 نفسه ، وإما بأن ~~يستسلم بعضهم لبعض ، حسب اختلاف فهم المفسرين ؛ ويروون في هذا المجال ، أن ~~موسى أمرهم بأن يقوموا صفين ثم أن يغتسلوا ويلبسوا أكفانهم ، وجاء هارون ~~باثني عشر ألفا ممن لم يعبدوا العجل ومعهم الشفار المرهفة لتبدأ عملية ~~القتل ، فلما قتلوا سبعين ألفا تاب الله على الباقين وجعل قتل الماضين ~~شهادة لهم. # وإذا أردنا أن نأخذ بظاهر الآية ، ونحمل القتل على معناه اللغوي ، فقد ~~يكون السبب في هذه العقوبة الصعبة أن الموقف يمثل أول تمرد للقوم على ~~النبوة ، في بداية تحركها العملي ، من أجل الانتقال من دور الدعوة والتبليغ ~~إلى دور التنظيم والتشريع ، والاتجاه إلى بناء الفرد والمجتمع على أساس ~~المفاهيم الدينية الجديدة التي أوحى الله بها إلى موسى في صيغة تشريعية ~~متصلة لا تترك أي مجال للفراغ الفكري والعملي ، فكان لا بد من موقف يساوي ~~حجم التمرد ، ليكون ضربة قوية للطبيعة المتمردة التي بدأت تحكم مسيرة الدين ~~الجديد في مجتمعة ، وليمنع حدوث أي تحرك أو تصرف من هذا القبيل ، لأن ~~الموقف مرتبط بالتوبة ، فلا مجال لها إلا بهذا الأسلوب الصعب ، إذ إن هناك ~~فرقا بين خطأ ينطلق من الغفلة والجهل والاندفاع العفوي ، وخطأ ينطلق من ~~موقع التمرد والجحود مع وعي الموقف كله وما يترتب عليه ، لا سيما مع وجود ~~هارون واحتجاجه عليهم ومواجهته الموقف بكل قوة. # وقد أثار بعض المتكلمين من المفسرين جدالا كلاميا فلسفيا حول علاقة هذه ~~العقوبة باللطف الإلهي ، ومدى انسجامها مع مفهومه الذي يرتبط بالمستقبل لا ~~بالماضي. ونحن لا نريد الخوض كثيرا في هذا الموضوع ، ولا PageV02P044 # نظن وجود مشكلة في أساس القضية ، لأن الذي أثاروه يتصل بقضية اللطف في ~~موضوع التكليف الشرعي ، الذي يقصد من خلاله دفع المكلف إلى الطاعة وإبعاده ~~عن المعصية ، مما يقتضي تسهيل الفعل عليه بالمستوى الذي لا يقع فيه المكلف ~~في مشقة وحرج غير عادي ، أما القضية هنا فإنها تتصل بالعقوبة على المعصية ، ~~وهي حق الله يضعه أين يشاء وكيف يشاء ، ونحن لا نعقل فرقا بين الأمر للقاتل ~~بالاستسلام لولي المقتول ms0219 ليجري عليه القصاص وبين هذا الأمر الموجود في هذه ~~الآية ، كما لا نجد فرقا بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة ، فلا استبعاد ولا ~~مخالفة لرحمة الله وعدله وحكمته. # وربما يلوح للبعض أن القتل هنا لم يرد بمعناه الحقيقي ، وهو إزهاق النفس ~~، بل المراد منه قتل شهواتها المحرمة وصفاتها الذميمة وأوضاعها السيئة ، ~~تماما كما يعبر بعض المرتاضين الروحيين عنه بإماتة النفس ، ويقصد بذلك ~~إماتة كل شهوة أو كل اندفاع للشهوة المحرمة فيها ، وقد يؤيد ذلك باعتباره ~~أسلوبا من أساليب التوبة التي توحي بالندم على ما مضى والعزم على تصحيح ~~المسيرة في المستقبل ، مما يفرض وجود مجال بعد التوبة ، وربما يجد هذا ~~البعض في إلحاق صفة الرحيم بالتواب ما يوحي بأن الموقف يتناسب مع الرحمة ~~الإلهية في مفهوم العاصي ، مما لا ينسجم مع الأمر بالقتل. # أما تعليقنا على ذلك ، فهو ما ألمحنا إليه في حديث سابق ، وهو أن الخط ~~التفسيري الذي نسير عليه ، هو العمل بظاهر القرآن في ما توحيه طبيعة الكلمة ~~في معناها الموضوع لها أو في القرائن المحيطة بالكلمة ، إلى أن يثبت خلاف ~~ذلك من عقل أو نقل ، ونحن لا نجد في ما ذكره هذا البعض دليلا على إرادة ~~خلاف الظاهر ، لأن من الممكن أن تكون التوبة بالاستسلام للقتل نظير القصاص ~~، ولا ضرورة لوجود مجال للحياة في المستقبل ، لأن الحدود الشرعية في حالة ~~القتل أو الزنى للمحصن أو غير ذلك تعتبر وسيلة للتوبة PageV02P045 # وللتطهير ، أما موضوع الرحمة ، فقد تكون متصلة بقبوله التوبة وعدم إغلاق ~~وسائلها بوجه الإنسان. # * * * ### ||| ** محاورة موسى لقومه حول سلوكهم المنحرف # ( @QUR@04 وإذ قال موسى لقومه ) وهو يحاورهم حول السلبيات السلوكية ~~الصادرة منهم في انحرافهم العملي ، ليثير فيهم الشعور بعقدة الذنب الذي قد ~~يؤدي بهم إلى القيام بعملية التصحيح والعودة إلى خط الاستقامة في خط ~~الرسالة في الفكر والعمل ( @QUR@05 يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ) وورطتموها ~~في السير بها إلى مواقع الهلاك الأخروي ، وذلك بحركة التمرد على الخط ~~التوحيدي في العبادة لله ( @QUR@02 باتخاذكم العجل ) معبودا بعد أن بينت ~~لكم الأسس العقيدية ms0220 التي يرتكز عليها التوحيد في الالتزامات العملية ~~المتحركة في دائرة الالتزام الفكري في توحيد الله ، وذلك بإخلاص العبادة ~~لله وعدم الإشراك به في هذا المجال. ( @QUR@03 فتوبوا إلى بارئكم ) أي ~~خالقكم الذي يملك كل وجودكم ، الذي هو سر النعمة الكبرى في إنسانيتكم ، مما ~~يفرض عليكم العودة إليه بعد الرحلة الضالة في الابتعاد عنه ، فذلك هو الأمر ~~الطبيعي الذي تفرضه طبيعة الأشياء التي تقتضي عودة الإنسان إلى مبدع وجوده ~~، ليحصل على رحمته ويمتد معه في نعمته ، وليعبر بذلك عن شكره وانقياده له ، ~~ولا سيما أن الأمر بالتوبة ليس أمرا شخصيا من موسى ، بل هو من خلال صفة ~~الرسالة التي تجعل أمره أمرا صادرا من الله. وفي التعبير بكلمة : «بارئكم» ~~إشارة إلى عمق الموضوع ، للإيحاء بالمعنى الذي يوحي للإنسان بضرورة ~~الانضباط في خط التوبة. ( @QUR@02 فاقتلوا أنفسكم ) كعقوبة حاسمة للواقع ~~الشركي الذي ابتعدتم فيه كثيرا عن الخط PageV02P046 # التوحيدي المستقيم ، فتمردتم على الله ونسيتم نعمه ، ورجعتم إلى الوثنية ~~المتخلفة التي انطلق كل الجهاد ضد فرعون من أجل تحريركم منها ، لأن القضية ~~في حركة الرسالات التوحيدية ، ليست هي في تحرير الإنسان من الوثنية ~~الخارجية المتمثلة في الحجر أو البشر الذي يعبده الناس من دون الله ، بل هي ~~في تحريره من ذهنية الصنمية ، بحيث لا يبقى لها جذور في الوعي الفكري ~~للإنسان ، فلا يعود إليها عند توفر الظروف الملائمة لها في الواقع الخارجي. # وهذا ما جعل العقوبة على هذا الجرم الكبير قاسية متمثلة بالإعدام الجماعي ~~الذي يقتل فيه بعضهم بعضا ، بحيث يقتل المذنبون بعضهم البعض أو يقتل ~~الأبرياء المجرمين ، فذلك هو السبيل الوحيد في الشريعة آنذاك للتوبة التي ~~تتوخى غفران الله لهم وتوبته عليهم. ( @QUR@01 ذلكم ) أي القتل ، الذي هو ~~وسيلة التوبة ، ( @QUR@04 خير لكم عند بارئكم ) لأنه يحقق لكم الحصول على ~~رضاه ، من خلال دلالته على صدق التوبة في عمق الإحساس بالندم ، ويؤدي ~~بالتالي إلى السعادة الكبرى في النجاة من النار ودخول الجنة. ( @QUR@02 ~~فتاب عليكم ) بذلك ، ( @QUR@03 إنه هو التواب ) على المذنبين التائبين ، ( ~~@QUR@01 الرحيم ) بالخاطئين المنيبين. # * * * ### ||| ** هل الأمر بقتل ms0221 أنفسهم امتحاني؟ # جاء في تفسير الميزان : إن قوله تعالى : ( @QUR@02 فتاب عليكم ) يدل على ~~نزول التوبة وقبولها ، وقد وردت الرواية أن التوبة نزلت ولما يقتل جميع ~~المجرمين PageV02P047 # منهم. ومن هنا يظهر أن الأمر كان أمرا امتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا ~~إبراهيم عليه السلام وذبح إسماعيل : ( @QUR@06 أن يا إبراهيم* قد صدقت ~~الرؤيا ) [الصافات : 104 105] ، فقد ذكر موسى عليه السلام : ( @QUR@010 ~~فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) وأمضى الله ~~سبحانه قوله عليه السلام ، وجعل قتل البعض قتلا للكل وأنزل التوبة بقوله : ( ~~@QUR@02 فتاب عليكم ) ( 1). # ونلاحظ على هذا الرأي ، أن هناك فرقا بين الأمر الصادر لإبراهيم وإسماعيل ~~الذي لم يكن منطلقا من إرادة جدية في تحقيق الفعل ، بل كان وسيلة من وسائل ~~إظهار عمق الإسلام الروحي والعملي في موقف إبراهيم وإسماعيل ، الأمر الذي ~~لا علاقة له بالفعل بل بمقدماته ؛ وبين الأمر الصادر لهؤلاء الذي كان في ~~أقصى درجات الجدية ، ولذلك أريد له أن يتحول إلى واقع امتثالي ، غير أن ~~الله سبحانه اكتفى بما حصل من القتل وعفا عن الباقين الذين لم يمتثلوا ذلك ~~، فأسقط التكليف عنهم باعتبار أن المقصود هو التوبة المنطلقة من الإسلام ~~الروحي ، المنضمة إلى الفعل ، ولا معنى لأن يكون الأمر امتحانيا بالنسبة ~~إلى الباقين الذين لم يقتلوا أنفسهم ، لأن الأمر لم يصدر إليهم بخصوصياتهم ~~ليتميز أمرهم عن أمر غيرهم ، ولعلنا نستفيد من الآية السابقة ( @QUR@06 ثم ~~عفونا عنكم من بعد ذلك ) أن هناك عفوا عن الجريمة. # * * * ### ||| ** الارتباط اللاواعي # من خلال هذه الآيات المتقدمة نستطيع استيحاء موقف يرى أن قوم موسى لم ~~ينطلقوا معه من موقع الإيمان برسالته والوعي لمفاهيمها التي تفرض PageV02P048 # عليهم مسئولية الفكر والحركة ، بل كانوا يسيرون معه من موقع الانتماء ~~القومي من جهة ، ومن موقع الحاجة إلى التخلص من ظلم فرعون من جهة أخرى ، ~~ولم تكن قضية الإيمان إلا وسيلة من وسائل تأكيد هاتين الجهتين بعيدا عن كل ~~اعتبار للحقيقة في الموقف ، مما جعلهم ينحرفون عند أي منعطف للانحراف ، ~~ويبتعدون عن الجو لدى أول غياب لموسى ms0222 عليه السلام عنهم ، لأنهم كانوا خاضعين ~~للتأثير القوي لشخصيته القوية وإحساسهم بالاعتراف بالجميل ؛ وهذا ما يظهر ~~تراجعهم السريع وشعورهم العميق بالذنب عند مواجهتهم لموسى بعد رجوعه من ~~ميقات الله. # * * * ### ||| ** مهمة القيادة في دراسة خلفيات القاعدة # ومما نستوحيه أيضا من هذه الآيات درسا جديدا للعاملين في سبيل الله ، ~~وخلاصته : إن على العاملين في سبيل الله ، سواء أكانوا في موقع الدعوة ، أم ~~كانوا في موقع العمل والحركة ، أن لا يتأثروا بالمظاهر الانفعالية للإيمان ~~فيمن يتعاونون معهم أو من يتبعونهم ، بل عليهم أن يدرسوا بعمق طبيعة ~~العوامل الداخلية والمؤثرات الخلفية التي استطاعت أن تربط هؤلاء بالقيادة ~~أو بالخط العملي ، أو بالفكرة الشاملة ؛ فقد تكون المؤثرات خاضعة لطبيعة ~~القائد في قوته الفكرية ، أو جاذبيته الشخصية ، أو انتماءاته العائلية ~~والقومية أو الإقليمية ... وقد تكون الأسباب متصلة ببعض الأجواء العاطفية ~~للقضية ، أو ببعض ردود الفعل ضد حركات معينة ، أو قيادات خاصة تقف في ~~الموقف المعاكس لهذه الحركة أو هذه القيادة ، مما يجعل من الارتباط بها ~~تنفسيا عن عقدة أو تفجيرا لغيظ. وربما تكون العوامل المؤثرة مرتبطة ببعض ~~المواقف PageV02P049 # السياسية أو الاجتماعية التي تمثلها حركة الدعوة إلى الله في مسيرتها ~~الطويلة ، بحيث يعتبر الارتباط بالدعوة الإسلامية مرحليا من أجل الوصول إلى ~~الموقف السياسي أو الاجتماعي المحدد ؛ وقد لا تكون القضية نابعة من ذلك كله ~~، بل هي منطلقة من خط الإيمان الحق بالفكرة والخط والهدف ، فلا بد للعاملين ~~من دراسة ذلك كله ، لتكون مواقفهم مبنية على معرفة عميقة للأرضية التي ~~يقفون عليها ، وللمجتمعات التي يتعاملون معها ويتحركون فيها ، لأن ذلك قد ~~يكلف العمل وجوده ، عند ما تختلف حسابات الموقف أمام النماذج القلقة التي ~~تتكشف عنها التجارب في صورة غير منتظرة. # * * * PageV02P050 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون (55) @QUR@07 ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) (56) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جهرة ): علانية. # ( @QUR@01 بعثناكم ): نشرناكم بعد موتكم. # * * * ### ||| ** تمرد جديد لبني إسرائيل واستمرار نعم الله عليهم # وهذا موقف آخر يحدثنا الله فيه عن طبيعة التمرد ms0223 التي كانت طابع أفراد هذا ~~الشعب ، فلم يسكنوا إلى ما أفاضه الله عليهم من النعم ، وأراهم من الدلائل ~~والبينات ، وخلصهم من المآزق والأزمات ، مما يوحي بعظمة الله PageV02P051 # ورحمته المتمثلة في ذلك كله ، بل أعلنوا الموقف المتمرد الذي يهدف إلى ~~التحدي ولا يهدف إلى الإيمان. # ( @QUR@011 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) أي عيانا ، ~~تماما كما يشاهد # أحدنا الآخر ، وهو ما يدل على أنكم لم تنطلقوا من وعي المسألة الإلهية في ~~أبعادها الحقيقية التي لا تلتقي بالتجسيد المادي الذي يجعل الإله خاضعا ~~للحاجات الجسدية ، مفتقرا إلى عناصرها المادية ، فهو الذي ( @QUR@03 ليس ~~كمثله شيء ) [الشورى : 11] و ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) [الأنعام : 103] ~~وهو الذي تنطلق الفطرة من أعماق الإنسان لتلتقي به ، ويتحرك الوجدان في ~~بداهة العقل ليتحسس وجوده ، فيرى في كل خلق من خلقه دليلا عليه وشاهدا على عظمته. # وربما كانت مسألتكم في ما تطلبونه من رؤية الله عيانا ، أسلوبا من أساليب ~~العناء والتعجيز لموسى ، لأنكم تعرفون أنه غير قادر على الاستجابة لطلبكم ~~هذا ، لأنه طلب المستحيل ، لتبتعدوا بالبسطاء من الناس عن وعي الإيمان في ~~رسالة النبي ، من خلال الحالة الساذجة التي تلعبون عليها. # ( @QUR@02 فأخذتكم الصاعقة ) التي أرسلها الله عليكم في برقها ورعدها ~~وزلزالها ، للإيحاء لكم بأنكم إذا لم تملكوا حياتكم في مواجهة هذه الظاهرة ~~التي هي خلق من قدرة الله ، فكيف تملكون النظر إليه سبحانه لو كان ذلك ~~ممكنا. ( @QUR@02 وأنتم تنظرون ) مدهوشين مذهولين بالمستوى الذي سقطتم فيه ~~صرعى من دون حياة ولا حراك .. ( @QUR@05 ثم بعثناكم من بعد موتكم ) لتعرفوا ~~مدى قدرة الله على تحريك الحياة بإرادته ، وإنزال الموت بقوته ، وإعادة ~~الحياة بقدرته في الدنيا والآخرة ... وربما كان في هذه التجربة في إعادة ~~الحياة بعد الموت في الدنيا ما يرفع الاستبعاد عن فكرة الرجعة من حيث ~~المبدأ. # وقد حاول البعض تفسير الموت بالغيبوبة ، ليكون البعث عبارة عن PageV02P052 # اليقظة ، أو تفسير الموت بانقطاع النسل ، والبعث كثرته ، ونحو ذلك مما لا ~~دليل عليه ، مع مخالفته للظاهر القرآني. # ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) النعمة الجديدة في ms0224 البعث بعد الموت ، مما لم ~~يحدث لغيركم من الناس في التاريخ ، وتلك هي النعمة والتي لا تدانيها أية ~~نعمة مادية في الدنيا ، بحيث تفرض الشكر الذي لا يدانيه شكر. # * * * PageV02P053 ### | الآيات # ( @QUR@018 وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) @QUR@020 وإذ ~~قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) @QUR@018 فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما ~~كانوا يفسقون (59) @QUR@028 وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60) @QUR@060 وإذ قلتم يا موسى لن نصبر ~~على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها ~~وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا ~~فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون ) (61) # * * * PageV02P054 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 وظللنا عليكم الغمام ): سخرناه ليظللكم. # ( @QUR@01 المن ): أصل المن : «الإحسان إلى من لا يستثيبه ... فالمن ~~الذي كان يسقط على بني إسرائيل هو مما من الله به عليهم ، أي أحسن به ~~إليهم» (1) كما جاء في مجمع البيان. # ( @QUR@01 والسلوى ): طائر كالسماني ، طائر معروف. # ( @QUR@01 رغدا ): رغد عيشه : طاب واتسع ، فهو رغد ورغد ورغيد. # ( @QUR@01 حطة ): الحط : النزول والهبوط. # ( @QUR@01 رجزا ): الرجز هنا العذاب ، وأصله الاضطراب. # ( @QUR@01 استسقى ): الاستسقاء : طلب الماء. # ( @QUR@01 مشربهم ): مكان شربهم. # ( @QUR@01 تعثوا )؛ العيث والعبث : أشد الفساد. # ( @QUR@02 وقثائها وفومها ): القثاء : الخيار ؛ والفوم : الثوم أو ~~الحنطة ، وهو البر الذي يعمل منه الخبز. # ( @QUR@02 وباؤ بغضب ): انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال «باء» إلا موصولا إما ~~بخير أو بشر. # * * * PageV02P055 ### ||| ** نعم تتوالى وتمرد يتجدد # ( @QUR@018 وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) توحي هذه الآية أن ms0225 ~~بني إسرائيل كانوا يعانون من حر الشمس في الصحراء في رحلتهم الطويلة ، ~~فأرسل الله إليهم الغمام ليظللهم ، وأنهم كانوا يشكون من الجوع ، فأنزل ~~الله عليهم المن ، الذي قيل بأنه إما طعام يسقط على الشجر أو جميع النعم ~~التي من الله بها عليهم. والسلوى الذي قيل : إنه طائر أبيض يشبه السماني أو ~~هو السماني. ولكنهم لم يشكروا ، بل ظلوا على تمردهم وظلمهم وبغيهم الذي ~~أساؤوا به إلى أنفسهم ، لأن ذلك لا يضر الله شيئا ، فهو الذي لا تنفعه طاعة ~~من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه ... وهذا ما أراد أن يثيره القرآن في وعي ~~الناس في ما يكلفهم الله به من تكاليف في ما يفعلون وفي ما يتركون ، ~~ليعرفوا أن الشأن في ذلك كله هو هداية الإنسان لما يصلحه وإبعاده عما يفسده ~~، مما يجعل من المعصية ظلما للنفس لا ظلما لله. # ( @QUR@03 وظللنا عليكم الغمام ) في رحلتكم الطويلة في الصحراء اللاهبة ~~التي تشتد فيها حرارة الشمس ، فتثقل مسيرة السائرين وتكلفهم جهدا كبيرا ~~وعناء عظيما وآلاما شديدة ، فكان الغمام الذي يحجب حرارة الشمس ويخفف من ~~تأثيرها ، ويستبدل الجو الحار المحرق بجو ظليل منعش يمنح السائرين الإحساس ~~بالاسترخاء الجسدي من خلال برودة الهواء ووداعة الظلال. # ( @QUR@04 وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) مما تتغذون به في هذه المسيرة ~~الطويلة ، لئلا تواجهوا الجوع القاتل. والتعبير بالإنزال ، هنا ، يتضمن ~~الإيحاء بالموقع الأعلى الذي يتمثل في الله على عباده الذين هم في المنزلة ~~الدنيا ، وليس بالتالي من الضروري أن يكون تعبيرا عن الإنزال المادي وإن ~~كان محتملا. PageV02P056 # ( @QUR@05 كلوا من طيبات ما رزقناكم ) فقد هيأ الله لكم طيبات الطعام من ~~كل الأصناف الشهية مما أحله لكم ، ودعاكم إلى التمتع بها ، لأن الله لا ~~يريد لكم حرمان أنفسكم منها ، فليست القيمة في الحياة أن تجرعوا أو تظمأوا ~~أو تلبسوا اللباس الخشن ... في ذاتية الجوع والظمأ والخشونة ، بل القيمة هي ~~الإرادة الإنسانية القوية الواعية التي يملك الإنسان فيها نفسه في مواقع ~~السلب أو الإيجاب ، بحيث لا يكون عبد الطيبات والملذات ، بل يكون سيدها ms0226 من ~~حيث هو سيد نفسه في قوة إرادته. # ( @QUR@02 وما ظلمونا ) في انحرافهم عن خط الإيمان والعمل الصالح ، ~~بالمعنى الذي توحي به كلمة الظلم من النتائج السيئة التي تصيب المظلوم من ~~تصرفات الظالم ، لأن الله هو الغني بذاته الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه أو ~~إيمان من آمن به ، ولا تضره معصية من عصاه أو كفر من كفر به ، ( @QUR@04 ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) لأن الكفر والانحراف يمثلان خطين من الخطوط ~~المنحرفة عن القيمة الكبرى التي ترتفع بالإنسان إلى الدرجات العليا في ~~الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة ، مما يؤدي إلى الهلاك العاجل والآجل معا. # * * * ### ||| ** إنزال الرجز على الفاسقين # ( @QUR@05 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) والظاهر أن المراد بيت المقدس ~~الذي أريد له أن يكون المستقر الذي تتحرك فيه الرسالة من موقع القوة بعد ~~خروج موسى من مصر ، باعتبار أن وجود قاعدة الانطلاق في أي مشروع رسالي عام ~~، أمر ضروري في موازين القوى في ساحة الصراع بين الحق والباطل في واقع ~~الحياة العامة ، ( @QUR@05 فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) من خلال القوة ~~القاهرة التي تملكونها في سيطرتكم على مواقع الجبارين الذين يستضعفون الناس ~~ويبغون في الأرض PageV02P057 # يغير الحق ، لتكون لكم الحرية في الأخذ بما تشاؤون من النعم الموجودة ~~فيها والأكل مما تشتهونه من ثمارها وطيباتها في سعة من العيش الهني. # ( @QUR@02 وادخلوا الباب )، الظاهر أنه باب البلد ، ( @QUR@01 سجدا ) ~~شكرا لله على نعمته في انتصاركم على الجبارين الظالمين الذين يكفرون به ~~ويصدون عن سبيله كل المؤمنين الصالحين ؛ ( @QUR@02 وقولوا حطة ) وابتهلوا ~~إلى الله في اعتراف صادق بالتوبة والندم عن كل التاريخ الخاطئ الذي عشتموه ~~في خطاياكم ، وقولوا في ابتهالاتكم : اللهم حط عنا خطايانا ، فإن الله سوف ~~يستجيب لكم ذلك ويغفر لكم خطيئاتكم ، ( @QUR@03 نغفر لكم خطاياكم ) ~~لتتحرروا من ثقل الخطيئة وعقدة الإحساس بالذنب ؛ ولن يقتصر اللطف الإلهي ~~على غفران الخطايا ، بل يمتد إلى الزيادة لكم في أعماركم وأموالكم جزاء ~~لإحسانكم ؛ ( @QUR@02 وسنزيد المحسنين ) الذين أحسنوا القول والعمل ، ~~بالإضافة إلى الإحسان في خط العقيدة والإيمان. # ( @QUR@03 فبدل الذين ظلموا ) أنفسهم بالانحراف عن ms0227 الخط المستقيم ( ~~@QUR@05 قولا غير الذي قيل لهم ) فاستبدلوا الدعاء بالحط عن الخطايا ، ~~بإعلان الإصرار على التمرد على الله ، والتواضع للحق بالاستكبار عليه ، ~~والاحترام للرسول والرسالة وللرساليين بالسخرية والاستهزاء ، ( @QUR@07 ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء )؛ والظاهر أن المقصود به العذاب ~~، وقيل : إنه الطاعون ( @QUR@03 بما كانوا يفسقون ) لأن العذاب ، دنيويا ~~كان أو أخرويا ، لا ينطلق من فراغ ، بل ينطلق من السبب الواقعي الذي يتمثل ~~في الفسق العملي في حركة الإنسان على صعيد الانحراف. # وفي هذا إشارة إلى العلاقة الوثيقة بين العمل الشرير المنحرف عن الحق ، ~~وبين النتائج السيئة التي تطال المنحرفين الأشرار من خلال الرابطة العضوية ~~بين السبب والمسبب ، أو المقدمة والنتيجة في نطاق السنن الإلهية PageV02P058 # التي أودعها الله في حركة الواقع الطبيعي في نظام الكون. # * * * ### ||| ** استسقاء موسى لقومه # وطلب موسى الماء لقومه ، ولم يكن هناك أثر للماء ، وضاق بهم العطش ، ~~وتعرضوا للهلاك ، فدعا ربه أن يسقيهم ، واستجاب الله لطلبه بمعجزة ، وأمره ~~أن يضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، بعدد أسباط بني ~~إسرائيل ، حتى لا يختلفوا أو يزدحموا على الماء ، فاتجه كل سبط إلى العين ~~المخصصة له ، وقيل لهم : لا تسعوا في الأرض فسادا ، فإن ذلك هو الشكر ~~العملي للنعمة التي أفاضها الله عليكم ، ولكنهم لا يشكرون. # ( @QUR@04 وإذ استسقى موسى لقومه ) في مسيرة التيه ، وأرادوا منه أن ~~يسقيهم الماء في الوقت الذي لم تكن هناك أية بوادر توحي بوجود الماء في ~~المناطق المحيطة بهم ، لأنهم شاهدوا في تجربتهم معه أنه يملك الموقع المميز ~~عند الله بالدرجة التي يستطيع أن يطلب فيها من ربه الحصول على ما يريده في ~~مهمته الرسالية العامة بطريقة غيبية على أساس المعجزة ، كما حدث في عبورهم ~~البحر ونحوه ، وهكذا أرادوا له أن يحقق لهم ما يريدونه بمعجزة ، واستجاب ~~الله نداءه ودعاءه ، ( @QUR@04 فقلنا اضرب بعصاك الحجر ) أي حجر كان ، فليس ~~المراد به حجرا معينا ، وهذا ما يؤكد المعجزة ، باعتبار أن القضية ليست ~~تحديد مكان معين يوجد فيه الماء دون مكان آخر ، بل هي خلق الماء من ms0228 العدم ؛ ~~( @QUR@05 فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) لكل جماعة منهم عين معينة في ~~عملية توزيع عادلة تمنع النزاع والاختلاف ، وكانوا كما يقال اثني عشر سبطا ~~وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر. ( @QUR@05 قد علم كل أناس مشربهم ) من ~~خلال التحديد الذي حدده لهم موسى في قضية توزيع الحصص فيما بينهم. ( ~~@QUR@03 كلوا واشربوا من PageV02P059 # @QUR@02 رزق الله ) مما رزقكم الله من غير جهد وعناء ، واشكروا الله على ~~ذلك في إصلاح أمركم في الإيمان والقول والفعل ، لتوظفوا نعم الله الكثيرة ~~في هذا وفي غيره في ما يرضاه الله من إصلاح البلاد والعباد ، ( @QUR@05 ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين )، لأن الله لا يريد للإنسان أن يحرك طاقاته في ~~الفساد والإفساد في كل مجالات الحياة. # * * * ### ||| ** ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل # وبدأ الملل يتسرب إليهم ، فلم يستريحوا إلى هذه الألطاف التي أغدقها الله ~~عليهم في ما يأكلون ويشربون ، فاشتاقوا إلى طعامهم المفضل الذي كانوا ~~يأكلونه في مصر ، وفقدوا الصبر على هذه الحياة الهنيئة الرخية ، واعترض ~~عليهم موسى بأن الحياة التي يعيشونها أفضل من الحياة التي فقدوها ، لأنها ~~الحياة التي ترتاح في الأجواء الروحية الخالصة ، فكيف يستبدلون الذي هو أقل ~~بالذي هو أفضل؟!. واستجيب لهم طلبهم وقيل لهم : ( @QUR@06 اهبطوا مصرا فإن ~~لكم ما سألتم ) فيها من طعام وشراب. وفقدوا القاعدة التي ترتكز عليها ~~الحياة العزيزة الكريمة ، وهي الإيمان بالله والسير على هداه ، وفضلوا ~~الأشياء المادية الصغيرة على ذلك كله ، واستسلموا لشهواتهم والملذات ، ~~وقادهم ذلك إلى الخضوع للقوى التي تملك سبيل الشهوات والملذات ، فباعوا ~~أنفسهم وحياتهم للطغاة والمستبدين ، فأذلوهم وقهروهم ( @QUR@04 وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة )، وذلك هو سبيل كل المجتمعات التي تعيش لشهواتها وأطماعها ~~، فتستسلم لكل القوى التي تؤمن لها ذلك ، ولو على حساب كرامتها وعزتها ~~ومبادئها ، ويمتد بها هذا السلوك ، حتى تنحرف عن خط الله المستقيم ، فترجع ~~بغضب الله وسخطه ، لأن ذلك يؤدي بها إلى الكفر بآيات الله عنادا وضلالا ، ~~وإلى الوقوف ضد رسالاته ورسله ، كما فعل بنو إسرائيل الذين كانوا PageV02P060 # يقتلون الأنبياء بغير حق ، ويعصون ربهم ويعتدون على الناس ms0229 بغير حق ... ~~وتلك هي النهاية الطبيعية لكل شعب يفقد إيمانه ووعيه للقيم الروحية الكبيرة ~~التي تغمر حياته بالقوة وروحه بالسكينة وتعمر كيانه بالقوة والحياة. # ( @QUR@09 وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ) ويقال : إنه المن ~~والسلوى ، باعتبار أنه الطعام الذي لا يتغير ولا يتبدل ، مما يعطيه معنى ~~الوحدة حتى مع تعدده ، فنحن نريد التنوع أو العودة إلى طعامنا الذي اعتدنا ~~عليه بالإضافة إلى ما رزقنا الله من الطعام ، ( @QUR@010 فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها ) وهو كل ما اخضرت به الأرض من البقول ~~والخضروات ، ( @QUR@01 وقثائها ) وهو الخيار ، ( @QUR@01 وفومها ) وهو ~~الثوم ، ( @QUR@02 وعدسها و (1) @QUR@01 بصلها ) وهما معروفان. ( @QUR@05 ~~قال أتستبدلون الذي هو أدنى ) أقل مرتبة في الخصائص والعناصر الشهية مما ~~تطلبونه ( @QUR@03 بالذي هو خير ) وهو المن والسلوى ، فلا ترتفعون في ~~مزاجكم الغذائي إلى المستوى الأفضل؟ الأمر الذي قد يوحي بالجمود الذاتي في ~~عاداتكم وتقاليدكم الذي يمتد إلى أفكاركم ، فلا تتحرك نحو التطور في اكتشاف ~~الجديد في خصائصه ، أو الجديد لدى الشعوب الأخرى ، الذي قد يتميز عن القديم ~~المألوف للناس ، حتى لو كان الجديد طيبا والقديم خبيثا ، بحيث يتعقد ~~الإنسان من الطيب ويرفضه لمصلحة الخبيث الذي يطلبه ، ولكن المسألة مهما ~~كانت طبيعتها في ما تطلبون ، فإن هناك فرصة للحصول على ذلك في البلد الذي ~~تتوفر فيه هذه المآكل ، لأن الصحراء التي تتيهون فيها لا توفر لكم ذلك. # ( @QUR@06 اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) من مشتهياتكم. ( @QUR@04 وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة ) من خلال خضوعهم للأطماع الذاتية ، التي تبتعد بهم ~~عن القضايا الكبيرة في مواقع التحدي والتمرد على الذات ، الأمر الذي يجعلهم ~~مشدودين إلى الضعف النفسي والسقوط الروحي أمام الآخرين الذين يملكون ~~حاجاتهم ويفرضون عليهم سيطرتهم ، من خلال نقاط الضعف المتحكمة فيهم PageV02P061 # الكامنة في داخل شخصياتهم. ( @QUR@04 وباؤ بغضب من الله ) أي عادوا ~~بحصيلتهم العملية بغضب الله عليهم لعصيانهم له وتمردهم على رسوله ورسالاته ~~، ( @QUR@06 ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ) بعد قيام الحجة عليهم ~~وإدراكهم للحق الصادر من الله ، ( @QUR@04 ويقتلون النبيين بغير الحق ) من ms0230 ~~خلال العقدة المتأصلة في نفوسهم ضد الحق وأهله ، من الرسل الذين جاءوا ~~ليحرروا الإنسان المستعبد من عبوديته والشخص المستضعف من استضعافه ، ~~وليربطوه بالله الذي خلقه وأراد له أن يكون عزيزا حرا ، وبالقيم الروحية ~~التي أراد الله للإنسان أن ينطلق بها في كل خطواته في الحياة ليرتفع إلى ~~الدرجات العليا في الروح والفكر والحركة والحياة ، ولكن هؤلاء الناس الذين ~~تعودوا على الخضوع للاستعباد وأهله ، لا يريدون الانفتاح على الرسالة ~~الجديدة الحرة ، ولا يحترمون الرسل الذين يحملونها ، ولا يملكون في الوقت ~~نفسه مواجهتهم بالحجة ، فيعمدون إلى اضطهادهم وقتلهم لئلا يكونوا شهودا على ~~الواقع الشرير الذي يتقلبون فيه ويتحركون من خلاله. ( @QUR@03 ذلك بما عصوا ~~) ربهم وخالفوا أو امره ونواهيه في اتباع الصراط المستقيم ، ( @QUR@02 ~~وكانوا يعتدون ) أي يتجاوزون الحد في الظلم والبغي والفساد. # * * * ### ||| ** وقفة استيحاء للآيات # تستوقفنا في هذه الآيات التي تحدث الله فيها عن النعم التي أغدقها على ~~بني إسرائيل فقابلوها بالجحود والنكران ، عدة نقاط : # * * * PageV02P062 ### ||| ** اليهود المعاصرون للنبي امتداد لمن سبقهم # 1 إن الله يخاطب بهذه الآيات اليهود الذين كانوا معاصرين للنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أن هذه القضايا التي أثارتها الآيات حدثت مع ~~القوم الذين كانوا معاصرين لموسى ، فكيف يخاطب الله بها غير أصحابها؟! # والجواب على ذلك : أن الجماعة التي عاصرت النبي محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم كانت امتدادا لتلك الجماعة في مفاهيمها وقناعاتها ~~وتمردها وبغيها ، لأنها مارست الأساليب التي مارسها أولئك مع موسى من اللف ~~والدوران وارتباك المواقف. وعلى ضوء هذا ، نستفيد الفكرة التالية : إن كل ~~فئة من الفئات التي تكون امتدادا لتأريخ معين تتبناه وترضى به ، تعتبر ~~شريكة للفئات التي مارست ذلك التاريخ. وعلى هذا الأساس ، نستطيع أن نحاسب ~~أية فئة في مجتمعنا مشدودة إلى أي تاريخ انشدادا نفسيا أو فكريا أو عمليا ~~ونخاطبها تماما بكل السلبيات المتحركة فيه ، لأن الرضى والانتماء يجعلانها ~~في الموقف نفسه وفي الاتجاه ذاته ، مما يجعل الماضي قاعدة للمستقبل في مركز ~~الوحدة الفكرية والروحية للفكرة وللحركة. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل ... صورة التمرد المستمر ms0231 # 2 إنها تعطينا صورة مجملة عن بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون التمرد ~~والقلق والطفولة الفكرية التي تقفز من طلب إلى طلب ، ومن حاجة إلى حاجة ، ~~لأنهم لم يرتكزوا على قاعدة فكرية أو روحية ، بل كانوا يتحركون PageV02P063 # بوحي شهواتهم وأطماعهم ونزواتهم ، فكانوا يقدمون الطلبات التي تستجاب لهم ~~حتى على سبيل المعجزة ، لإفساح المجال لكل نقاط الضعف الكامنة فيهم أن ~~تتحرك وتظهر لتأخذ مجالها في التوجيه والتربية دون جدوى. # * * * ### ||| ** مواجهة التمرد بالهدوء والثقة # 3 إن هذه الآيات وغيرها تعطينا فكرة واضحة عن القوة الرسالية الروحية ~~التي كان يتميز بها موسى النبي عليه السلام ، حينما كان يواجه كل مواقف ~~التمرد والطغيان والدلع والطفولة الفكرية والعملية ... برحابة الصدر وهدوء ~~الرسالة الواثقة بنفسها ، ككل الأنبياء الذين حملوا الرسالة بقوة وواجهوا ~~كل أشكال التمرد والطغيان بروح واثقة برسالتها ، ومنسجمة مع مسئولياتها في ~~الأسلوب والهدف ، لأنهم يشعرون بأن دور الرسول هو أن لا يعيش لمزاجه بل ~~للرسالة ، وأن يشعر بأن عليه أن يتابع كل إمكانات الهداية ليطرحها في ~~الساحة ويجربها في مجال الدعوة والعمل. # وهذا ما نحتاجه في عملنا الرسالي عند ما تواجهنا كل مواقف التمرد ~~والطغيان ، ونكران الجميل ، والاتهام الكاذب ، والسباب ... وغير ذلك من ~~التحديات التي تقابل الرسل والرسالات ؛ أن نقف في خط الرسالات الهادىء ~~الواثق بالله ، المنطلق أبدا من موقع الرسالة لا من موقع الذات. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل أول جمهور رسالي # 4 لماذا أفسح الله لبني إسرائيل هذا المجال الواسع في النعم والألطاف PageV02P064 # والرعاية؟ والجواب : لعل رسالة موسى كانت أولى الرسالات المتحركة في نطاق ~~جمهورها ، الذي عملت من أجله على صعيد الرسالة وعلى صعيد الواقع ، فنحن ~~نلاحظ أن الرسالات السابقة كرسالة نوح وإبراهيم عليه السلام ، لا تشعرنا ~~بوجود المؤمنين كقوة تتحرك مع النبي في صراعه ، أو يتحرك معها النبي في ~~خطواته العملية ، بل كان الصراع وحده يتجه إلى الجو الذي يعيش فيه النبي مع ~~الخصوم الرئيسيين للرسالة. ففي إطار رسالة نوح ، لا نشعر بالمؤمنين إلا من ~~خلال وصف الكفار لهم بأنهم ( @QUR@03 أراذلنا بادي الرأي ) [هود : 27] ، ثم ms0232 ~~لا نجد لهم أية حركة ، بل نجد نوحا يواجه كل التحديات كما لو كان وحده. وفي ~~نطاق رسالة إبراهيم ، كان يواجه الكفار وحده ، وكان يواجه طاغية زمانه وحده ~~... وكانت القضية كلها هي قضية الإيمان والكفر في إطارهما العقيدي ، في ~~حدود المعلومات التي حدثنا القرآن عنها في شؤون الرسالتين. # أما موسى ، فقد كان يحمل قضية العقيدة في صراع الإيمان والكفر ، ويحمل ~~قضية الاضطهاد الذي يعانيه هذا الشعب من حكم فرعون ، وبهذا كانت الرسالة ~~تتحرك في اتجاهين : في صراع الإيمان ضد الكفر ، وفي صراع العدل ضد الظلم ، ~~وبهذا كان للرسالة جمهورها المتحرك ، ولكن هذا الجمهور الذي خرج من جو ~~الاضطهاد إلى جو الحرية بفضل الرسالة والرسول ، لم يكن في مستوى الرسالة ، ~~فقد كان يناصر الرسول على أساس قضيته الحياتية المباشرة ، لا على أساس قضية ~~الرسالة ، ولهذا كان لا بد للرسالة من الاحتفاظ بجمهورها أو بمقدار منه ، ~~فتمنحه مقدارا كبيرا من الأجواء الهادئة الواسعة التي يتنفس فيها روح ~~الرسالة حياتها وأهدافها ويشعر بأن الأجواء الجديدة هي أجواء الرحمة ~~والرعاية حتى مع أشد التحديات قساوة وضراوة. ولعل التجربة كانت ناجحة ، ~~لأننا رأينا انفصال مقدار كبير من الجمهور عن الخط المنحرف إلى الخط ~~المستقيم ، كما نجد ذلك في الآيات القرآنية المقبلة إن شاء الله. PageV02P065 # باختصار ، إن الخطة كانت تتلخص في أن الرسالة لا تفقد جمهورها لتجعله ~~يشعر بأنها لا تضطهده حتى في حالة تمرده ، ولهذا أعطته المجالات الرحبة ~~للالتقاء بخط الإيمان فكرا وروحا وحياة. # * * * ### ||| ** تركيز القرآن على بني إسرائيل لتبيين انحرافهم # 5 لماذا ركز القرآن كثيرا على بني إسرائيل ، بحيث شغل جو القرآن كله بهم ~~، حتى نشعر بأننا نلتقي بهم في كل سورة؟ # والجواب : إننا نشعر بأن صراع الإسلام مع التحريف في الرسالات السماوية ~~المتقدمة ومع جمهورها المنحرف ، ليس صراعا بسيطا ، بل كان يمثل الصراع حول ~~المفاهيم الأساسية لخط الإيمان العريض ، وللتفاصيل التي تتحرك في هذا الخط ~~، وكان إلى جانب ذلك يعتبر في موقع الخطورة الكبرى عند ما يواجه رسالة الله ~~التي يؤمن بها ويصدق ms0233 بأنبيائها ، وعلى ضوء هذا ، كان لا بد له من أن يعطي ~~كل الفكرة عن هذا الجمهور الضال ، باعتباره القوة الأولى التي تهدد حركته ، ~~ويعطي الفكرة من خلال ذلك للأفكار الصحيحة السليمة التي طرأ عليها الانحراف ~~، ولذلك لم تكن القضية قضية الاهتمام بهذا الشعب من خلال ما يملك من قيمة ~~ومنزلة ، بل هي قضية الاهتمام بتاريخ الرسالات السماوية في جمهورها المنحرف ~~والمستقيم ، وفي أفكارها المحرفة والخاطئة ، باعتبار أن الإسلام يمثل ~~الامتداد الحي لهذه الرسالات ، مما يجعل لحركتها وتاريخها ومفاهيمها تأثيرا ~~كبيرا على حركة الإسلام في حاضره ومستقبله. PageV02P066 # ولعل ما يؤكد الفكرة ، أننا نرى الإسلام يرفض هذا التاريخ ويحاكمه وينقده ~~، فكيف يجتمع هذا مع نظرة القداسة والتكريم التي يطرحها السؤال أو يوحي بها ~~البعض في المفهوم الخطأ؟! # * * * PageV02P067 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (62) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هادوا ): اليهود نسبة إلى يهوذا أكبر أبناء يعقوب. وإسرائيل ~~اسم يعقوب بالذات. # ( @QUR@01 والنصارى ): جمع مفرده المذكر نصران والمؤنث نصرانة ؛ كسكارى ~~جمع لسكران وسكرانة. وقيل إنها نسبة إلى بلدة الناصرة في أرض فلسطين. # ( @QUR@01 والصابئين ): الصابئون : جمع صابئ ، وهو من انتقل إلى دين آخر ~~، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر ، سمي في اللغة صابئا. # * * * PageV02P068 # ( @QUR@04 الذين هادوا والنصارى والصابئين ) # المعنى في هذه الآية واضح ، فهي تؤكد أن النجاح في الآخرة تناله كل هذه ~~الفئات الدينية المختلفة في تفكيرها وتصورها الديني للعقيدة والحياة ، بشرط ~~واحد وهو التقاؤها على قاعدة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. # وقد تعترضنا مسألة وهي : أن هذا الاتجاه المذكور في الآية يعني التنازل ~~عن الإسلام ، وهو الرسالة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~بالمعنى المصطلح ، كشرط للنجاة في الآخرة وللحصول على رضى الله ، لأنها ~~تؤكد بقاء الصفة المميزة لكل فريق كمنطلق للعمل ما دام الشرط حاصلا. # * * * ### ||| ** هل الآية منسوخة؟ # حاول بعض المفسرين الإجابة عن ذلك باعتبار أن الآية منسوخة بقوله تعالى : ~~( @QUR@013 ومن ms0234 يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين ) آل عمران : 85]. # ولكننا نتحفظ على هذا الجواب ، لأن مدلول هذه الآية لا يتنافى مع مدلول ~~تلك حتى نفرض نسخ الثانية للأولى ، لأن الظاهر إرادة الإسلام بمعناه العام ~~الشامل للرسالات السماوية في الآية الثانية ، لا الإسلام بمعناه المصطلح ~~كما يلوح ذلك من صدرها ( @QUR@05 إن الدين عند الله الإسلام ) [آل عمران : 19] ، PageV02P069 # بقرينة الآيات المتعددة التي اعتبرت الإسلام دين إبراهيم ، ( @QUR@026 إذ ~~قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا ~~بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [البقرة : 131 ~~132] ، ( @QUR@08 ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) [الحج : 78]. # أما جوابنا على السؤال ، فهو أن الآية واردة في مجال تأكيد العناصر ~~الأساسية التي تلتقي عليها الأديان واعتبارها أساسا للحصول على ثواب الله ~~ورضاه في النطاق الفكري والعملي للدين ، بحيث ترجع كل مفرداته إليها ، وذلك ~~كرد على الأجواء الاستعراضية التي يحاول كل فريق أن يعتبر نفسه في خط ~~النجاة في الآخرة بعيدا عن الالتزام الفكري والعملي بالعقيدة ، حتى كأن ~~القضية قضية أسماء وواجهات ، لا قضية عقيدة وعمل ، فهي في جوها الداخلي ، ~~واردة مورد الآية الكريمة: ( @QUR@011 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ~~من يعمل سوءا يجز به ) [النساء : 123] إنما هي واردة لمعالجة جانب واحد من ~~القضية ، وليست لمعالجة كل الجوانب ليؤخذ بإطلاقها اللفظي. وعلى هذا الأساس ~~، فلا مانع من أن تكون الآيات الكثيرة المتنوعة في القرآن مكملة لمدلول هذه ~~الآية ، باعتبار أن الإيمان بالرسول هو من شؤون الإيمان بالله بعد وضوح ~~البينات والدلائل الظاهرة ، لأن الكفر به يكشف عن فقدان الأسس القوية ~~للإيمان ؛ وهذا هو الوجه الذي يمكن أن تنسجم فيه الآية مع الآيات الأخرى ~~التي تندد بالفئات الأخرى وتعتبرهم منحرفين في جانب العقيدة والعمل ، كما ~~نلاحظه في الآيات التي تتحدث عن اليهود والنصارى وعن انحرافهم عن الخط ~~المستقيم في الفكر والعمل. # وربما يخطر في البال أن الإيمان بالرسول يختلف عن الإيمان بالله في ~~مدلوله ms0235 الإيماني وفي طبيعة موقعه من العقيدة ، فإن الإيمان بالله غاية في ~~نفسه باعتبار أن معرفته وعبادته من أسس العقيدة في ذاتها ، أما الإيمان ~~بالرسول ، فقد لوحظ من حيث هو طريق للارتباط بالرسالة والعمل الصالح ، ~~ولذلك لم PageV02P070 # يؤكده القرآن في كل دعوات الإيمان إلا في هذا النطاق ، وعلى ضوء ذلك ، ~~فقد يكون إغفاله في مجال الحديث عن الأساس في نجاة الإنسان في الآخرة ، من ~~جهة الاكتفاء عنه بكلمة الإيمان بالله والعمل الصالح ، الذي هو كناية عن ~~السير في خط الله بالعبودية له والخضوع لشرائعه وأحكامه الثابتة برسالات ~~الأنبياء. وقد تتضح الفكرة بشكل أعمق إذا لاحظنا أن الإسلام لم يعتبر وجود ~~اختلاف بين الرسالات إلا من خلال بعض الجوانب التفصيلية ، مما يجعل القضايا ~~الأساسية واحدة في الجميع ، ويكون الانسجام مع واحدة منها انسجاما مع الكل ~~، كما يكون الانحراف عن الخط في إحداهما انحرافا عن الخط في الباقي ، وبذلك ~~تعتبر النبوات منطلقة من قاعدة واحدة كما يوحي به قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~إن الدين عند الله الإسلام ) وهذا ما يجعل كل صفة طارئة تسقط وتتضاءل أمام ~~القاعدة الصلبة التي تتحرك من خلالها الرسالات. # * * * ### ||| ** من هم الصابئة؟ # أطلق هذا الاسم على فرقتين متميزتين تماما : # الأولى : «المنديا ، أو الصبوة ، وهي فرقة يهودية نصرانية تمارس شعائر ~~التعميد في العراق «نصارى يوحنا المعمدان». # الثانية : فرقة صابئة حران ، وهي فرقة وثنية بقيت أمدا طويلا في ظل ~~الإسلام ، ولها أهميتها بحكم مبادئها ، ولها أيضا شأنها لما خرج من بين ~~صفوفها من علماء. # ومن الواضح أن الصابئة الذين ذكرهم القرآن إلى جانب اليهود والنصارى من ~~أهل الكتاب يعدون من المنديا ، ولا شك في أن اسم الصابئة PageV02P071 # مشتق من الأصل العبري (ص ب أ) أي غطس ثم أسقطت الغين ، وهو يدل بلا ريب ~~على المعمدانيين ، أولئك الذين يمارسون شعائر التعميد أو الغطاس ، وربما ~~كان الصابئون الوثنيون الذين لم يعرفوا هذه الشعائر على الإطلاق ، قد ~~اصطنعوا هذا الاسم من قبيل الحيطة مبتغين أن ينعموا بالسماحة التي أظهرها ~~القرآن لليهود والنصارى. وذكر كتاب العرب منذ ms0236 القرن الرابع الهجري صابئة ~~حران في كثير من الأحيان واهتموا بهم في كل حال. وقد أفرد الشهرستاني لهم ~~ولشرح أقوالهم فصلا مسهبا غاية في الإسهاب ، وهو يسلكهم في سلك الروحانيين ~~وبخاصة روحاني الكواكب الكبرى ، والصابئة يقولون إن معلميهم الأولين هما ~~النبيان الفيلسوفان عاذيمون أي الروح الطيب وهرمس ، وقيل إن عاذيمون هو شيث ~~وإن هرمس هو إدريس. وكان أورفيوس من أنبيائهم. # ومذهب الصابئة أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان ، نعجز ~~عن الوصول إلى جلاله ، وإنما نتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم ~~الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة ، أما تقديسهم جوهرا ، ~~فيراد به تقديسهم عن المواد الجسمانية ، وتبرئتهم عن القوى الجسدية ، ~~وتنزيههم عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية ، وهؤلاء هم الأرباب ~~والآلهة والوسائل والشفعاء عند الله رب الأرباب. وأما نحن فلتحصل لنا ~~مناسبة بيننا وبين الروحانيات ، فيجب علينا أن نطهر نفوسنا من دنس الشهوات ~~الطبيعية ، ونهذب أخلاقنا من علائق القوى الشهوانية والغضبية. وأما تقديسهم ~~فعلا ، فقد قال الصابئة : الروحانيات هي الأسباب الوسائط في الاختراع ~~والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال ، يستمدون القوة من الحضرة الإلهية ~~القدسية ، ويفيضون الفيض على المخلوقات السفلية ، ويوجهون المخلوقات من ~~مبدأ إلى كمال. # ومن الروحانيات مدبرات الكواكب السبع السيارة في أفلاكها ، وهي هياكلها ، ~~ولكل هيكل فلك ، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به PageV02P072 # نسبة الروح إلى الجسد. وكانوا يسمون الكواكب أحيانا آباء والعناصر أمهات. ~~ففعل الروحانيات تحريكها ، ليحصل من تحريكها انفعالات في الطبائع والعناصر ~~، فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات في المركبات ، فيركب عليها نفوس روحانية ~~مثل أنواع النبات والحيوان ، ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني ~~كلي ، وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي ، فمع كل جنس من المطر ملك ، ~~ومع كل قطرة ملك. ومنها مدبرات الظواهر الطبيعية كالرياح والعواصف والزلازل ~~وهي مدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات ، وهذه المدبرات روحانية ~~خالصة ، تشبه في طبيعتها الملائكة. # ويذكر الشهرستاني في «الملل والنحل» ، أن للصابئة جميعا صلوات ثلاثا ، ~~وهم يغتسلون إذا لا مسوا جثة ، ويحرمون ms0237 أكل لحم الخنزير والكلاب والطيور ~~ذات المخالب والحمام ، وهم لا يختتنون ، ولا يبيحون الطلاق إلا بحكم من ~~القاضي ، وينهون عن تعدد الزوجات (1). # وقد اختلف فقهاء المسلمين في أنهم من أهل الكتاب أو من غيرهم ، بين من ~~أطلق الحكم فيهم بالإيجاب ، ومن أطلقه بالسلب ، ومن تردد فيهم على أساس ~~دراسة واقعهم العملي في التزامهم بالنصرانية في الأصول الدينية وعدمه وغير ذلك. # * * * ### ||| ** المؤمنون بالله لا خوف عليهم # ( @QUR@03 إن الذين آمنوا ) وهم المسلمون الذين اصطلح القرآن الكريم على PageV02P073 # إطلاق هذه الكلمة عليهم عند التعريف بهم والحديث عنهم وعمن يقابلهم من ~~الفئات الأخرى ، ( @QUR@02 والذين هادوا ) وهم اليهود الذين انتسبوا إلى ~~موسى عليه السلام وإلى التوراة ، ( @QUR@01 والنصارى ) الذين انتسبوا إلى ~~السيد المسيح عليه السلام ، ( @QUR@01 والصابئين ) الذين هم فئة مميزة قد ~~يلتقون باليهود أو النصارى وقد يختلفون عنهم ؛ ( @QUR@07 من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا ) من موقع الالتزام العقيدي بالإيمان بالله ~~وباليوم الآخر بكل مستلزماته الفكرية والعقيدية ، من حيث المبدأ والتفاصيل ~~الرئيسة المنطلقة منه ، ومن قاعدة العمل الصالح الذي يتحول فيه الالتزام ~~الفكري إلى التزام بالخط العملي المنفتح على أوامر الله ونواهيه ( @QUR@010 ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) في لقائهم بالله ~~وموقفهم في الدار الآخرة ، فهم الآمنون من كل خوف من تهاويل العذاب ، وهم ~~المسرورون بما أعده الله لهم من رضوانه ونعيمه ، فابتعدوا بذلك عن أية حالة ~~نفسية مضادة تجلب لهم الحزن الروحي. فليست المسألة مسألة أسماء وعناوين ~~تمثل الانتماءات الدينية ، بل هي مسألة العمق العقيدي الذي يعيشه الإنسان ~~في وجدانه الفكري وانفتاحه الروحي ، والاستقامة العملية على خط التوحيد في ~~كل التزاماته في الواقع العملي للإنسان. # * * * PageV02P074 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) @QUR@014 ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) @QUR@012 ولقد علمتم الذين ~~اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) @QUR@09 فجعلناها ~~نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) (66) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ميثاقكم ): الميثاق : العهد. ms0238 # ( @QUR@01 الطور ): الجبل الذي ناجى الله عليه موسى عليه السلام . # ( @QUR@01 بقوة ): القوة : القدرة. # ( @QUR@01 خاسئين ) مطرودين ، وقيل : صاغرين. PageV02P075 # ( @QUR@01 نكالا ): النكال : الإرهاب والعقاب ؛ وقيل : هو ما يفعل من ~~الإذلال والإهانة بواحد ليعتبر به آخرون. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل وحرفية الطاعة # في هذه الآيات ، عودة إلى بني إسرائيل ليذكرهم الله بالوضع القلق الذي ~~كانوا يعيشونه تجاه التزامات العقيدة الإيمانية والعملية ، فقد أخذ الله ~~ميثاقهم بعد إنزال التوراة ، وطلب منهم أن يتحملوا مسئولية الوحي الذي أنزل ~~عليهم ، وأن يأخذوه بقوة في الالتزام به وفي الدعوة إليه ، وأن يتذكروا ما ~~فيه فلا ينسوه مهما كانت الأوضاع ، لأن ذلك هو السبيل للحصول على ملكة ~~التقوى التي تتيح لهم الانضباط أمام الله في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه ، ~~ولكنهم أعرضوا بعد ذلك ، فلم يلتزموا بالميثاق. وربما كان هذا الخط المنحرف ~~معرضا للامتداد في حياتهم فيؤدي بهم إلى الخسران في الدنيا والآخرة ، ولكن ~~فضل الله عليهم ورحمته بهم ، أنقذاهم في آخر لحظة ، فرجعوا وتابوا إلى ~~الله. ثم يذكرهم من جديد بالقوم الذين اعتدوا منهم في قصة السبت التي ~~ابتلاهم الله بها ، كأسلوب من أساليب اختبار طاعتهم ، فحاولوا أن يتلاعبوا ~~بذلك بأن يحبسوا السمك يوم السبت ليجتمع في محل واحد ، فلا يخرج منه ~~ليصطادوه في يوم آخر ، ليحققوا بذلك حرفية الطاعة مع نتائج المعصية. فكان ~~من نتيجة ذلك أن الله مسخهم قردة صاغرين ، ليكون ذلك عقوبة وعبرة لبقية ~~المجتمعات المعاصرة لهم التي تنظر إليهم فترتدع عن السير في ما ساروا فيه ، ~~ولمن خلفها من الأمم التي جاءت من بعدهم ... وموعظة للمتقين الذين يأخذون ~~الدروس والعبرة من ذلك كله. وقد جاء ذلك في الحديث عن الإمام محمد الباقر ~~عليه السلام وولده الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنهما قالا : ( @QUR@02 ~~لما بين PageV02P076 # @QUR@01 يديها ) أي لما معها ينظر إليها من القرى ، ( @QUR@02 وما خلفها ~~) نحن ، ولنا فيها موعظة (1). # وروى العياشي في تفسيره أنه سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ) أبقوة الأبدان أم بقوة ~~القلوب؟ فقال : بهما جميعا ms0239 (2). أما طبيعة هذه القوة فهي العزيمة والجد ~~واليقين الذي لا شك فيه. أما الطور ، فهو الجبل الذي رفعه الله فوقهم ~~لإرهابهم بعظمة القدرة ، كما ورد في الميزان (3). # ( @QUR@03 وإذ أخذنا ميثاقكم ) في توحيد الله والإحسان إلى الوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين ، والقول الصالح ، وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة ، واجتناب سفك الدماء ، والانفتاح على الأنبياء جميعا ، واتباعهم ، ~~والالتزام بكتبهم وبرسالاتهم ، والابتعاد عن تشريد الناس من ديارهم والعمل ~~في سبيل الله ... وغير ذلك من الأمور التي جاءت بها التوراة في خط العقيدة ~~والشريعة ، وانطلقت بها كتب الله في الماضي والحاضر والمستقبل. # ( @QUR@03 ورفعنا فوقكم الطور ) أي الجبل الذي انتصب فوقكم ، حتى خيل ~~إليكم أنه سوف يقع فوق رؤوسكم تخويفا وإرهابا ، لتبتعدوا عن التمرد الذي ~~تحركتم فيه في أجواء العناد ، بعد قيام الحجة عليكم ، مما جعل الموقف بحاجة ~~إلى معجزة خارقة تقف بكم في خط الاستقامة لتؤمنوا بالتوراة وتلتزموا بها ، ~~ولا تنقضوا الميثاق بعد أن كنتم سائرين في هذا الاتجاه. # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن المسألة لم تكن إكراها على العقيدة كما أثاره ~~البعض لتكون قضية الإيمان بعيدة عن دائرة الحرية الفكرية والاختيار PageV02P077 # الإرادي مما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى : ( @QUR@04 لا إكراه في ~~الدين ) [البقرة : 256] وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين ) [يونس : 99]. # والوجه في ذلك ، أن العقيدة كانت ثابتة بأدلتها وبراهينها التي قدمها لهم ~~موسى عليه السلام منذ بداية صراعه مع فرعون إلى نهاية تلك المرحلة وبداية ~~مرحلة الدخول في تفاصيل الشريعة والميثاق الذي يمثل الجانب العملي للإيمان ~~، وكانت الحاجة ماسة إلى صدمة قوية تدفعهم بعيدا عن حالة التمرد التي كانت ~~تمثل التحدي العدواني ، والسلوك الطفولي في مواجهة موسى عليه السلام ، ~~ليشعروا بأن هناك خطرا يتهددهم بالمستوى الذي لا يملكون فيه مواجهته ، وهذا ~~هو إيحاء هذه الفقرة من هذه الآية ومن الآية الواردة في سورة الأعراف : ( ~~@QUR@06 وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ) [الأعراف : 171]. ( @QUR@04 خذوا ~~ما آتيناكم بقوة ) من خلال مسئوليتكم الرسالية التي حملكم الله أمانتها ~~التي لا بد من أن تؤدوها للناس بقوة ms0240 في دعوتكم إياهم للإيمان بها والسير ~~عليها ، وللجيل الذي يأتي من بعدكم في تقوية الموقع الفكري والعملي الذي ~~يتحول إلى قاعدة فكرية وعملية يرتكز عليها المستقبل الإنساني في حركته في ~~الحياة. وهذا يفرض عليكم تحريك قوتكم الذاتية ، وتنمية عناصرها ، وتقويتها ~~، وتطويرها في هذا الاتجاه ، ولا سيما أن الرسالة لا بد من أن تدخل ساحة ~~الصراع مع التيارات الأخرى المضادة ؛ الأمر الذي قد يحتاج إلى المزيد من ~~الطاقات المتحركة في ساحة المواجهة. ( @QUR@03 واذكروا ما فيه ) من ~~المفاهيم العقيدية والأخلاقية والشرائع العملية ، واحفظوه ولا تنسوه ، ~~وتدبروا معانيه ، ليكون ذلك كله حضورا لكم في وعيكم وفي الواقع ( @QUR@02 ~~لعلكم تتقون )، لأنه يرسم لكم الخط المستقيم الذي يفتح لكم أبواب التقوى ~~في الالتزام التوحيدي الذي يتحرك بكم في خط الاستقامة في جميع المجالات. ( ~~@QUR@05 ثم توليتم من بعد ذلك )، ونبذتم العهد وراء ظهوركم ، وأعرضتم عن ~~كل التزاماته ومعطياته PageV02P078 # ( @QUR@06 فلو لا فضل الله عليكم ورحمته ) بالتوفيق للتوبة من خلال تهيئة ~~الظروف الملائمة للوعي الروحي الذي جعلكم تواجهون الموضوع بالمزيد من ~~الإحساس بالمسؤولية من خلال ما ينتظركم من النتائج ، فرجعتم إليه وسلكتم خط ~~الاستقامة ، فتاب عليكم وعفا عنكم ، ولو لا ذلك ( @QUR@03 لكنتم من ~~الخاسرين ) الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، وذلك هو الخسران ~~المبين. # ( @QUR@07 ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) وتلاعبوا بأمر الله ~~ونهيه ، فابتعدوا به عن غايته وحولوه إلى مسألة شكلية لا تحمل في داخلها أي ~~مضمون ، وذلك أن الله سبحانه نهاهم عن الصيد يوم السبت ، فكانت الأسماك ~~والحيتان تأتي يوم السبت لشعورها بالأمان ، فما كان منهم إلا أن استعملوا ~~طريقة يحبسون فيها الأسماك في ذلك اليوم ، فلا تملك الخروج من الطوق الذي ~~نصبوه لها ، فيأتي يوم الأحد الذي لا نهي فيه ، فيحصلون فيه على ما أرادوا ~~الحصول عليه في يوم السبت ، فلم يعد للنهي أية قيمة عملية من ناحية النتائج ~~الواقعية. وهذا ما جعل القضية في سلوكهم هذا تتحول إلى اعتداء على الشريعة ~~، فكان عقاب الله لهم شديدا لا عهد لهم به ( @QUR@05 فقلنا لهم كونوا ms0241 قردة ~~خاسئين ) أي مسخناهم على شكل القردة ، وطردناهم من رحمة الله ، وأبعدناهم ~~عن كل مواقع الإنسانية والكرامة. # وقد اختلف الرأي في هذا المسخ هل هو حقيقي ، أم هو معنوي تمثيلي؟ ~~فالمعروف هو الأول ، لأن ظاهر القرآن هو ذلك من دون ما يمنع من إرادته من ~~اللفظ ومن دون قرينة على إرادة خلاف الظاهر ، وأما الرأي الثاني ، فهو ما ~~ذهب إليه مجاهد حيث قال : «لم يمسخوا قردة وإنما هو مثل ضربه الله كما قال ~~: ( @QUR@04 كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [الجمعة : 5] ، وحكي عنه أيضا : أنه ~~مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظا ولا تتقي زجرا». ويقول صاحب ~~مجمع البيان تعليقا على ذلك : «وهذان القولان يخالفان الظاهر الذي PageV02P079 # أكثر المفسرين عليه من غير ضرورة تدعو إليه» (1). # ( @QUR@01 فجعلناها ) هذه الجماعة الممسوخة ، أو العقوبة ، أو القرية ~~التي اعتدى أهلها فيها ، ( @QUR@01 نكالا ) أي عقوبة للتذكرة والعبرة ، ( ~~@QUR@05 لما بين يديها وما خلفها ) أي للقرى المحيطة بها من خلال ما ~~يستفيده أهلها من رؤيتهم لهؤلاء الذين كانوا بشرا فتحولوا إلى قردة كنتيجة ~~لتمردهم على الله ، وللناس الذين يأتون من بعدها أو للمناطق التي تبتعد ~~عنها. ( @QUR@02 وموعظة للمتقين ) الذين يخافون الله فيعتبرون بما يحدث ~~للمذنبين من العذاب الدنيوي ، فيدفعهم ذلك إلى الانضباط في الخط المستقيم. # * * * ### ||| ** وقفة تأمل مع هذه الآيات # ويستوقف نظرنا في هذه الآيات عدة أمور : # الأول : إن إنزال الكتاب على أية أمة من الأمم يعتبر إلزاما لها به من ~~قبل الله كميثاق بينه وبين عباده ، فيطالبهم بالالتزام به والوفاء بمضمونه ~~، كأي عهد شخصي يلزم به الإنسان نفسه تجاه الآخرين. أما عظمة هذا الميثاق ، ~~فهي أنه لا يختص بحالة دون أخرى ، بل يشمل كل حياة الإنسان في كل منطلقاتها ~~وتطلعاتها ، لأن الكتاب ينظم حياته الفكرية والعملية بمفاهيمه وتشريعاته ، ~~ولهذا يعتبر الإخلال بأي حكم من الأحكام إخلالا بالميثاق ، وربما يرشد إلى ~~ذلك تعقيبه بذكر حادثة الاعتداء على ميثاق الله في قصة السبت. PageV02P080 # الثاني : إن الأمة مخاطبة بأن تأخذ ما آتاها الله من الكتاب بقوة ، فلا ~~تستسلم للضعف الذاتي الذي ms0242 تفرضه الشهوات على الإنسان عند ما تضغط عليه في ~~الداخل ليترك الالتزام بمبادئه ومفاهيمه أمامها ، ولا تضعف أمام عوامل ~~الضغط الخارجية التي تفرض نفسها على مصالحه لتهدده بالإساءة إليها فيما إذا ~~حاول التمرد عليها لمصلحة إيمانه ، مما يجعل من قضية الموقف القوي معها ~~قضية يفرضها الوفاء بالميثاق بين الله وبين عباده. # وقد نستوحي من ذلك ضرورة أن يعمل العاملون على تحقيق القوة لوحي الله ~~المنزل في الحياة ، من خلال العمل على الدعوة إليه لتحقيق امتداده في أكبر ~~مساحة بشرية ، لأن إيجاد القوة البشرية للدعوة إلى الله يمنح الموقف قوة في ~~داخل الإنسان عند ما يشعر بالتماسك أمام الضغوط المتنوعة من خلال شعوره ~~الذاتي بالقوة المستمدة من الجو العام ، كما يعطيه قوة في ساحة الصراع حين ~~يقف المؤمنون بقوتهم الإيمانية ليرهبوا أعداء الله ويدعموا المستضعفين من ~~أوليائه. # الثالث : إن الإيمان يفرض على الإنسان مواجهة الأعمال الواجبة والمحرمة ~~في مقام الإطاعة بعمقها الفكري والروحي والعملي ، لا بشكلياتها الساذجة ، ~~مما يجعل من محاولة تطويق الفكرة بالشكليات التي تعطي للطاعة معناها الحرفي ~~على حساب أهدافها الواقعية ، قضية تشبه اللعب على الفكرة باسم الفكرة ، ~~ولهذا اعتبر الله عملهم في السبت اعتداء على الميثاق مع أنهم لم يخالفوا ~~حرفية الأمر ، فإن المطلوب هو أن لا يصطادوا في السبت ، وقد فعلوا ذلك ، ~~ولكن بعد أن طوقوه بإيجاد الطريقة التي تجعلهم يحصلون على نتيجة الصيد بشكل ~~غير مباشر ، وعلى هذا الأساس ، كانت عقوبتهم قاسية في الدنيا والآخرة ، لأن ~~هذه الطريقة التي تفرغ الطاعة من روحيتها تتحول إلى ما يشبه السخرية ~~والاستهزاء بالتشريع وصاحبه ، للإيحاء بقدرة المكلف على أن يتجاوز PageV02P081 # أهداف التشريع بالأسلوب الذي لا يستطيع المشرع معه أنه يسجل عليه نقطة ~~مخالفة قانونية. # * * * PageV02P082 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) @QUR@023 قالوا ادع ~~لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ~~ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) @QUR@018 قالوا ms0243 ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ~~قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) @QUR@017 قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ~~(70) @QUR@024 قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ~~مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) ~~@QUR@010 وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) ~~@QUR@011 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون ) (73) # * * * PageV02P083 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هزوا ): سخرية. # ( @QUR@01 فارض ): الفارض : المسنة التي انقطعت ولادتها. # ( @QUR@01 بكر ): صغيرة لم تحمل بعد. # ( @QUR@01 عوان ): وسط. # ( @QUR@01 فاقع ): شديد الصفرة. # ( @QUR@01 ذلول ): الذلول : الريض الذي زالت صعوبته ، والمراد هنا بقوله ~~( @QUR@02 لا ذلول ) البقرة التي لم تعتد العمل في الأرض. # ( @QUR@01 مسلمة ): خالية من العيوب. # ( @QUR@01 شية ): علامة. # ( @QUR@01 فادارأتم ): أصلها تدارأتم على وزن تفاعلتم ، ومعنى التدارؤ ~~التدافع. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل وقصة البقرة # في هذه الآيات ، قصة مثيرة من قصص بني إسرائيل ، وذلك من جهتين ؛ فهي من ~~جهة تشتمل على جانب من الإعجاز ، من حيث إحياء الله الميت القتيل الذي ~~انطلقت القصة في أجواء الخلاف في قاتله ؛ وهي من جهة ثانية تشتمل PageV02P084 # على صورة مجتمع بني إسرائيل من الداخل ، وتوضح لنا الطريقة التي يواجه ~~بها أفراده الأوامر الصادرة من موسى إليهم ، مما يوحي بطبيعة المشاغبة التي ~~تجعلهم يواجهون القضايا من موقع التعقيد ، لا من موقع البساطة ، فيحولون ~~مهمة النبي في قيادته الفكرية والعملية إلى مهمة صعبة ، لأن هناك فرقا في ~~حركة القيادة ، بين قيادة تتحرك في جمهور يطيع الأوامر كما ترد في صيغة ~~الأمر ، وبين قيادة يقف جمهورها ليسأل عن كل صغيرة أو كبيرة من دون أن يكون ~~ذلك داخلا في حساب مسئوليته ، فإن ذلك يعطل الحركة وينذر بالهزيمة في أصعب ~~المواقف وأكثرها تعقيدا عند ما تكون بحاجة إلى الحسم والتحرك السريع. # ولا بد لنا من وقفة أمام هذا الحوار بين موسى وبين قومه ، لنستجلي بعض ~~خصائصه الموضوعية ، فقد طلب منهم باسم الله أن يذبحوا بقرة ، فاستغربوا ms0244 ~~الطلب ، لأنهم لم يفهموا علاقته بالقضية المتنازع عليها أو هكذا حاولوا أن ~~يصوروا الموضوع فاعتبروا ذلك هزءا وسخرية بهم من موسى ، فدللوا على أنهم لا ~~يعرفون مقام النبوة ولا شخصية النبي بأبعادها الروحية التي تمنعه من أن ~~يوجه إليهم طلبا باسم الله على سبيل العبث والسخرية بهم ، فإن ذلك يعتبر ~~إساءة لله باستخدام اسمه في هذا المقام وبالكذب عليه ، لأنه يخبرهم بأن ~~الله يأمرهم بذلك من دون أساس. # * * * ### ||| ** أمر بني إسرائيل بذبح البقرة # ( @QUR@010 وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) أية بقرة ~~( @QUR@03 قالوا أتتخذنا هزوا ) لأن مثل هذا الأمر لا يخضع لأية مناسبة ~~تتصل بحياتنا في أوضاعنا الخاصة والعامة ، فليس المورد مورد قربان نقدمه ~~إلى الله في مناسباته الخاصة PageV02P085 # لنعتبرها قربانا له ، وليس المقام مقام دعوة للإطعام لنقدم لحمها للآكلين ~~الفقراء ، وليس هناك شيء آخر يدخل في دائرة التصور الواقعي المعقول. # وكان جواب موسى في مستوى المدلول السيئ لردود قومه عليه ، ولذا جاء جوابه ~~زاخرا بالمرارة ( @QUR@07 قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )، فقد ~~استعاذ بالله أن يكون من الجاهلين ، لأن مثل هذا التصرف على حسب مفهومهم ~~الخاطئ يجعل موسى في موقف الجاهل الذي لا يعرف كيف يتصرف وأين يضع كلماته ، ~~ولا يعقل مركز النبوة ومنطلقاتها العملية ، كما أنه لا يمكن أن يحدثهم عن ~~الله بما لم ينزله عليه ، ومما لم يأمرهم به ، لأن ذلك يعتبر خيانة من ~~الرسول وكذبا على الله ، وكيف يمكن أن يسخر موسى النبي بالناس الذين جاء ~~لهدايتهم وربطهم بالجانب الجدي في مواقع المسؤولية في الحياة ، لا سيما إذا ~~كانت المسألة مرتبطة بالعمل الذي يكلفهم الكثير من الجهد والمال والتعقيدات ~~الاجتماعية. # * * * ### ||| ** سؤالهم عن حقيقة البقرة # وعادوا من جديد إلى المشاغبة ، ولكن من موقع اتهامه بأنه يحمل أمرا مبهما ~~لا وضوح فيه ، فسألوه عن حقيقة البقرة ، وقد كان بإمكانهم أن يأخذوا بإطلاق ~~الكلمة في مقام البيان كما يقول الأصوليون ( @QUR@08 قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما هي ). وبدأ الموقف يتجه اتجاها آخر يشبه العقوبة ms0245 ومواجهة ~~التحدي بمثله ، فتحول الجواب إلى التضييق عليهم بفرض قيود لم تكن داخلة في ~~حساب التشريع في ذاته ... ( @QUR@07 قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ) إنها ~~بقرة لا هرمة ، ( @QUR@02 ولا بكر ) صغيرة ، ( @QUR@03 عوان بين ذلك ) وسط ~~بين ذلك ، وهي أقوى ما يكون ، ( @QUR@03 فافعلوا ما تؤمرون ) واستجيبوا ~~لهذا الأمر الإلهي في حدوده الجديدة ، PageV02P086 # مما يعني أن القضية لا تحتاج إلى سؤال جديد ، فبإمكانهم أن يكتفوا بما ~~ذكر لأنه لم يذكر لهم زيادة في التفاصيل ، وأن يسكتوا عما سكت الله عنه ، ~~لأن الله لا يحاسب العباد إلا على ما يبينه لهم ، فلا عقاب بلا بيان. # ولكنهم لم يكتفوا بذلك ، بل عادوا يثيرون كل ما يتصورونه من خصائص البقر ~~مما يمكن أن يقع موضعا للسؤال ( @QUR@08 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها ) لأن ألوان البقر تتعدد ، فهل يفرض علينا الله لونا معينا لنلتزم به ~~، لأنك لم تحدد لنا ذلك. وجاء الجواب الثاني ليحدد ويضيق ، ردا على هذا ~~الفضول الذي لا معنى له ؛ ( @QUR@010 قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين )... وعاد السؤال من جديد ، فهم لا يعرفون كيف يحصلون ~~عليها لأن أنواع البقر تتشابه ، فلا يملكون الحصول على المطلوب المحدد ، ~~فطلبوا الصفات التي يمكن أن يجدوها بسهولة ، على الطبيعة ، ( @QUR@012 ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا ) في خصائصها ~~وصفاتها الواضحة التي تجعلها أكثر وضوحا ، وكأنهم شعروا بأنهم قد ذهبوا ~~بعيدا في هذا المجال ، فابتعدوا عن الخط في هذا الإلحاح الفضولي الذي لا ~~يتناسب مع موقفهم من النبي كما لا ينسجم مع طبيعة المسؤولية ، فوعدوه بأنهم ~~سيسلكون طريق الهدى في نهاية المطاف ؛ ( @QUR@05 وإنا إن شاء الله لمهتدون ~~) بالهدى الذي ترشدنا إليه في حدود المسؤولية المتصلة بالواقع العملي ~~للطاعة في انقيادنا لأوامر الله. # وجاء الجواب أكثر تحديدا وتضييقا ( @QUR@09 قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~ذلول تثير الأرض )، لم يذللها العمل بإثارة الأرض بأظلافها ، ( @QUR@03 ~~ولا تسقي الحرث ) لا يستقى عليها الماء للزرع ، ( @QUR@01 مسلمة ) من ~~العيوب ، ( @QUR@03 لا شية فيها ms0246 ) لا علامات فيها تخالف لون جلدها. ( ~~@QUR@04 قالوا الآن جئت بالحق ) فإن هذه الأوصاف المتعددة تضعنا في موقع ~~الوضوح الذي لا مجال فيه للحيرة والاشتباه .. ولم يملكوا سؤالا جديدا ، ( ~~@QUR@01 فذبحوها ) لأنهم لا يجدون حجة على الامتناع ( @QUR@02 وما كادوا PageV02P087 # @QUR@01 يفعلون ) لأنهم لا يعيشون في أنفسهم روح الطاعة والانقياد. # * * * ### ||| ** معجزة إحياء الميت # ( @QUR@03 وإذ قتلتم نفسا ) ولم يتبين لكم القاتل ، ( @QUR@02 فادارأتم ~~فيها ) أي اختلفتم ، فكان التوجيه الإلهي لموسى عليه السلام بعد أن سألتموه ~~في إظهار الحق في القضية التي كادت أن تخلق لكم مشاكل صعبة مدمرة ، أن ~~تذبحوا بقرة ، ليظهر الحق من خلال ذلك في نهاية المطاف ، ( @QUR@05 والله ~~مخرج ما كنتم تكتمون ) من الحقيقة المعروفة لديكم في الباطن ، الغامضة في ~~الظاهر ، نتيجة كتمانكم لمعلوماتكم. ( @QUR@03 فقلنا اضربوه ببعضها ) أي ~~اضربوا القتيل ببعض البقرة ، ليحيي فيحدثهم عمن قتله ويرجع بعد ذلك ميتا ، ~~فيكون ذبح البقرة قربانا يقدمونه إلى الله ليستجيب لهم في دعائهم بأن يكشف ~~لهم سر القاتل لتحل مشكلتهم الاجتماعية بذلك ، حتى لا يتبادلوا الاتهامات ~~التي تثير الخلاف والشحناء ، وربما تؤدي إلى القتال وسفك الدماء ، وليكون ~~ذلك تقليدا دينيا لديهم في تقديم القربان إلى الله في كل حاجة يريدون ~~قضاءها ، وفي كل مشكلة يطلبون حلها ، وفي كل سر يتطلعون إلى معرفته ، ~~ولينطلقوا من خلال ذلك إلى تأكيد فكرة الحياة بعد الموت من خلال التجربة ~~الحسية التي تركز المبدأ في حياتهم ، ليزداد إيمانهم به بعد الموت. ( ~~@QUR@04 كذلك يحي الله الموتى ) كما أحيى هذا الميت ، ( @QUR@02 ويريكم ~~آياته ) ودلائل قدرته كما في هذه الحادثة التي تمثل معجزة إحياء الميت ، ( ~~@QUR@02 لعلكم تعقلون ) وتحركون عقولكم في التفكير في تخطيط المنهاج الفكري ~~العقيدي في قضية الإيمان باليوم الآخر ، على أساس المقارنة بين عملية ~~الإيجاد التي هي دليل على القدرة في عملية البحث ، وبين التجربة الحية ~~الماثلة أمامهم التي تكون دليلا على طبيعة التجربة الكبرى التي جاءت بها PageV02P088 # النبوات في قضية يوم القيامة. # وهذا تأكيد لدور العقل في مسألة العقيدة التي تستطيع أن تأخذ من حركته في ~~القضايا الفكرية الأساس القوي الذي ms0247 يركز الفكرة على قاعدة ثابتة لا تهتز ~~تحت تأثير الأهواء والعواصف. # * * * ### ||| ** من وحي الآيات # ويمكن أن نخرج من هذا الموقف القلق بانطباعين : # الأول : أنهم كانوا يبحثون عن الحجة التي تبرر لهم الامتناع عن أداء ~~الأوامر وامتثالها ، وذلك بإثارة الفضول أمام النبي مما يدخل القضية في ~~نطاق المناقشات الجدلية التي تفقد الموقف روحانيته وحيويته وجديته ، وتؤدي ~~بالنتيجة في زعمهم إلى انسحاب النبي من الساحة وإلغاء الأمر من خلال الحالة ~~النفسية التي تثيرها هذه الأجواء في نفسه. # الثاني : أن يأخذ القادة درسا عمليا في المسؤوليات العادية الموجهة إلى ~~الأشخاص ، التي لا تنطلق من حكم شرعي محدد ، بل من مهمات عملية عامة تدخل ~~في حركة العمل ، فإذا واجهتهم مثل هذه النماذج ، فإن عليهم أن يواجهوها ~~بطريقة تأديبية هادئة ، كدرس عملي لهؤلاء بأن يمتنعوا عن الأسئلة التي لا ~~معنى لها ، لئلا يعودوا إلى مثلها في المستقبل عند ما يشعرون بأن ذلك قد ~~كلفهم مسئوليات ثقيلة لم تكن واردة في الحساب .. # وهذا ما نستوحيه من الحديث المأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب أصحابه فقال : إن الله كتب ~~عليكم الحج ، فقام عكاشة (ويروى سراقة بن مالك) فقال : أفي كل عام يا رسول ~~الله؟ فأعرض PageV02P089 # عنه ، حتى عاد مرتين أو ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم ، والله ولو قلت نعم لوجبت ؛ ولو وجبت ما ~~استطعتم ، ولو تركتم كفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم ~~بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما ~~استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه (1). # * * * PageV02P090 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) @QUR@019 أفتطمعون ~~أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ms0248 من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون (75) @QUR@023 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ~~أفلا تعقلون (76) @QUR@09 أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ~~(77) @QUR@011 ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ~~(78) @QUR@024 فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) ~~@QUR@023 وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا ~~فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) @QUR@013 بلى من ~~كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) @QUR@03 ~~والذين آمنوا وعملوا PageV02P091 # @QUR@07 الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يشقق ): أصله يتشقق : وهو أن ينقطع من غير أن يبين. # ( @QUR@01 بغافل ): الغفلة : السهو عن الشيء ، وهو ذهاب المعنى عن النفس ~~بعد حضوره ، ويقال : تغافلت على عمد أي عملت عمل الساهي. # ( @QUR@01 خلا ): انفرد. # ( @QUR@01 فتح )؛ الفتح في الأصل يستعمل للشيء المغلق ، والمراد به هنا ~~الحكم ؛ يقال : اللهم افتح بيني وبين فلان ، أي احكم بيني وبينه. # ( @QUR@01 ليحاجوكم ): ليغلبوكم بالحجة. # ( @QUR@01 يسرون ): يتحدثون سرا أو يفضون إلى بعضهم البعض سرا. # ( @QUR@01 أميون ): جمع أمي ، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. # ( @QUR@01 أماني )؛ «واحدها أمنية ، ومن معانيها تمني القلب ، وهو ~~أظهرها وأكثرها استعمالا ، وتستعمل في التلاوة أيضا» (1). # ( @QUR@01 فويل ): الويل : في اللغة كلمة يستعملها كل واقع في هلكة ، ~~وأصله العذاب والهلاك ، ومثله : الويح والويس ، وقال الأصمعي : هو التقبيح ~~، ومنه : # ولكم الويل مما تصفون (2). PageV02P092 # ( @QUR@01 يكسبون ): أصل الكسب العمل الذي يجلب به نفع أو يدفع به ضرر ، ~~وكل عامل عملا بمباشرة منه له ومعاناة فهو كاسب له. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل في مراحل التحجر والتحريف والنفاق ### ||| ** مرحلة التحجر # ثم جاءت مرحلة جديدة من تاريخ بني إسرائيل ، ولكنها تختلف عن المراحل ~~السابقة ؛ فقد كانت تلك المراحل تمثل جانب التمرد الذي يلين بعد ذلك إلى ~~التوبة والإنابة والطاعة ، وتعيش طبيعة المشاغبة التي تثور ثم ms0249 تتطامن وتهدأ ~~وتفيء إلى الاستقامة. # أما هذه المرحلة الجديدة ، فإنها تمثل التحجر الذي أصاب عقولهم وأرواحهم ~~، فأغلقها عن الانفتاح على كل وحي إلهي ، أو فكر إنساني ، أو شعور روحي ، ~~فليس هناك مجال للحق ، لأن النوافذ كلها مشرعة على الباطل ، وليس هناك مجال ~~للرحمة ، لأن الآفاق كلها قد امتلأت بالحقد والعداوة والبغضاء ، وبالأنانية ~~التي لا تعرف غير الذات في أطماعها وشهواتها مجالا للتفكير وللتعاطف. # ( @QUR@011 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ). ~~ويتصاعد الأسلوب القرآني في تصوير المدى الذي بلغته القسوة التي تطبع ~~شخصيتهم بطابعها ، فلا يجد في الحجارة مثلا صالحا لإعطاء الصورة الصارخة ، ~~بعد أن بدأ الموضوع من هذا الجانب ، لأن التشبيه يفرض أن يكون وجه الشبه في ~~المشبه به أقوى من المشبه ، كما تقول : زيد كالأسد ، باعتبار أن الشجاعة ~~التي هي وجه الشبه في الأسد أقوى منها في زيد ، مما يعطي التشبيه دورا في إيضاح PageV02P093 # صورة الشجاعة في زيد بشكل أقوى ... أما هؤلاء ، فإن قلوبهم أقسى من ~~الحجارة ، ( @QUR@07 وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) فينتشر منها ~~الخصب والجمال في كل مكان ... ( @QUR@07 وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ~~) أي الينابيع الصغيرة ، التي تسقي من حولها وما حولها ... ( @QUR@07 وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله )، وهي تعبير عن انفعال هذه الحجارة التي ~~تتساقط بفعل العوامل الطبيعية ، بالخضوع التكويني لإرادة الله في إطار ~~العظمة الكونية الخاضعة له ، نظير التعبير بالطاعة في السماء والأرض ، ~~والسجود والتسبيح في سائر المخلوقات الحية والجامدة ... هذه هي قصة الحجارة ~~التي تبدو قاسية في ملامحها ، صلبة في تكوينها. أما هؤلاء ، فإن قلوبهم لا ~~تنفتح للرحمة ولا للعطاء ، فهم يقتلون الأنبياء بغير حق ، ويبخلون بأموالهم ~~وعلومهم وقواهم على المستضعفين ، ولا يعيشون الخشوع الروحي الذي تستسلم فيه ~~القلوب والأرواح والعقول لله استسلام الخاشعين. # ولعل هذه المرحلة هي مرحلة قتل الأنبياء وتكذيبهم واضطهادهم ، وتحويل ~~تاريخهم الديني إلى واجهة لاستغلال المستضعفين باسم الدين ، وهو ما يحدثنا ~~القرآن عنه في ما نستقبل من حديث. # ( @QUR@05 وما الله بغافل عما ms0250 تعملون ) في انحرافكم العملي عن خط ~~الاستقامة ، وفي تمردكم على الرسالة والرسول ، وفي وحشيتكم القاسية في قتل ~~الأنبياء بغير حق. # * * * ### ||| ** التاريخ في خطى الحاضر # وقد نستوحي من هذه الصورة القاتمة القاسية لهؤلاء ، أن علينا أن نتطلع PageV02P094 # في مسارنا العملي إلى النماذج الحية المتمثلة في واقعنا المعاصر ، ممن ~~يقفون ضد المؤمنين والمصلحين الذين يدعون الناس إلى السير في الحياة على ~~الخط المستقيم ، وضد الشعوب التي تطالب بالعدل والحق والحرية ، فيضطهدونهم ~~ويواجهونهم بالقتل والتشريد والسجن والتعذيب ، لا لشيء إلا لأنهم يخافون ~~على امتيازاتهم وأطماعهم واستغلالهم من الدعوات الإصلاحية والثورية ، سواء ~~في ذلك الفئات الحاكمة الطاغية التي تقف في مراكز الحكم ، أو الفئات ~~المترفة التي تملك زمام الثروة في المجتمع فتمنعها عن الطبقات المحرومة ~~الضعيفة ، أو الفئات الكافرة الضالة التي تملك قوة النفوذ والسلاح ... إننا ~~نستطيع أن نجد في كل أساليبهم وتصرفاتهم هذه الصورة التي يقدمها القرآن ~~لبني إسرائيل ، وبهذا لا يعود التاريخ الإسرائيلي الذي قصه علينا القرآن ~~مجرد مرحلة من مراحل الماضي ، بل يتحول في وعينا إلى صورة حية للإنسان ~~القاسي الموجود في كل زمان ومكان. أما سبيلنا إلى استحضار هذه الصورة في ~~وعي الناس ، فهو التركيز على طبيعة السلوك الإسرائيلي في المرحلة التي تحدث ~~عنها القرآن ، ودراسة الخصائص الذاتية والعملية في شخصية أولئك الناس ، ثم ~~البدء في عملية مقارنة مع النماذج المعاصرة المشابهة لها في طبيعتها ~~وخصائصها وتصرفاتها ، لتتعمق الصورة القرآنية من خلال الخطوط العامة ، لا ~~من خلال الحالة الخاصة ، لئلا نقع في ما يقع فيه الكثيرون ممن يلعنون ~~التاريخ في نماذجه الشريرة ، ثم يباركون النماذج نفسها التي تأخذ في الحاضر ~~صورة أشخاص ذلك التاريخ ، انطلاقا من الاستغراق في الشخص بعيدا عن العوامل ~~الذاتية التي تثير فينا الشعور معه أو ضده ... # إنها قصة الوعي القرآني المتحرك الذي يجعل الآية تتحرك في مدى الزمن في ~~صورها الحية ، وتطلعاتها الواسعة ، وخطواتها التي تطبع الخير والرحمة ~~والبركة في كل مكان وزمان ... # * * * PageV02P095 ### ||| ** مرحلة التحريف # ويقف القرآن مع النبي والمؤمنين معه ، في معالجة قضية الدعوة أمام ms0251 اليهود ~~؛ فقد كان النبي والمؤمنون معه يستشيرون مختلف الأساليب الفكرية والعاطفية ~~في إقناعهم بالإسلام ، من أجل أن يؤمن اليهود المعاصرون للدعوة الإسلامية ، ~~لأنهم كانوا يرون بعض ملامح الأمل في بعض كلماتهم وأوضاعهم العامة ، وكانوا ~~يبذلون في ذلك جهدا كبيرا ، لما يمثله اليهود في المدينة من قوة روحية ~~ومادية ، مما يجعل من إيمانهم بالإسلام قفزة كبيرة إلى الأمام في مجال ~~القوة الإسلامية المتقدمة. # * * * ### ||| ** الطمع في إيمان اليهود أمل ضائع # ( @QUR@04 أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ) وهذا خطاب للنبي وللمؤمنين معه الذين ~~كانوا يطمعون في إيمان اليهود في المدينة لأنهم أهل كتاب ، فقد اطلعوا على ~~ما في التوراة من حقائق العقيدة والشريعة والبشارة بالنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم مما جاء القرآن مصدقا له ، الأمر الذي يجعل الحقيقة ~~الإسلامية واضحة أمامهم بحيث لا مجال فيها لأية شبهة ، بل قد تكون المسألة ~~في الوجدان الإسلامي للمسلمين في علاقتهم باليهود أنهم قد يتحولون إلى دعاة ~~للإسلام من موقع الوعي العقيدي المرتكز على العلم الذي حصلوا عليه من ~~التوراة ، ولكن القرآن يؤكد للمسلمين أن المشكلة لدى هؤلاء ليست كالمشكلة ~~لدى غيرهم من الكافرين ، وهي مسألة جهلهم بالإسلام وبالحقائق الكامنة فيه ، ~~ليحتاج النبي إلى جهد كبير في تعليمهم الكتاب والحكمة والدخول معهم في حوار طويل ، PageV02P096 # بل المشكلة مشكلة عناد مع سبق الإصرار ، انطلاقا من أن قضية الدين لم تكن ~~لديهم قضية التزام فكري وعملي ، بل هي قضية تأكيد للذات على مستوى ذهنية ~~المهنة التي تمنح صاحبها موقعا اجتماعيا متقدما ، وربحا ماديا كبيرا ، مما ~~يؤدي بهم إلى تحريف النص الديني إلى غير ما يوحي به من الحقائق ، ليسخروه ~~في خدمة أطماعهم وشهواتهم ، ويوظفوه لهذا الطاغية وذاك المنحرف ، ويؤولوه ~~على حسب الأوضاع الطارئة الموجودة في واقعهم ، كما كانوا يقولون عن ~~المسلمين في حديثهم عن المشركين : ( @QUR@06 هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا ) [النساء : 51] مع وضوح الضلال الإشراكي في عبادتهم للأوثان ، ~~والهدى الإسلامي في توحيد الله في العقيدة والعبادة ، لذلك فإن قضية الكفر ~~عندهم لم تكن منطلقة من الفكر المضاد ، بل ms0252 من الذاتيات المنحرفة الغارقة في ~~الأطماع والشهوات ، وهذا هو النموذج الذي تمثله القوى المتقدمة فيهم. # ( @QUR@07 وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ) ويدركون معانيه ~~وإيحاءاته ودلالاته التي تقودهم إلى معرفة الحق في الدين الجديد والصدق في ~~النبي المرسل ، ( @QUR@02 ثم يحرفونه ) ويؤولونه ، ويبتعدون به عن ظاهره ~~إلى معنى آخر ، لا علاقة له بالحقائق العقيدية الإيمانية ( @QUR@04 من بعد ~~ما عقلوه ) وعرفوه في عمقه وامتداده بحيث لم تكن هناك شبهة ، ( @QUR@02 وهم ~~يعلمون ) ويجعلون الحرام حلالا والحلال حراما ، ويقولون : ( @QUR@05 ليس ~~علينا في الأميين سبيل ) [آل عمران : 75] فيحلون لأنفسهم نهب أموال العرب ~~الذين يطلقون عليهم اسم الأميين ، بحجة أن التوراة تبيح لهم ذلك. # فكيف تطمعون أن يؤمنوا لكم بعد ذلك ، لأن الإيمان لا بد من أن يتحرك من ~~موقع قلق المعرفة الباحثة عن الحق ، وإرادة الإيمان المنطلقة في خط الفكر. PageV02P097 # وقد كان هذا الاتجاه المتحرك من موقع الأمل الكبير يشكل خطورة على مسار ~~العمل الإسلامي ، لأن ذلك يضيع كثيرا من الجهود الفكرية والعملية التي ~~يحتاج الإسلام إلى بذلها في مجال آخر نافع ، باعتبار أن إيمانهم ليس واردا ~~في حسابهم في واقع الحال ، ولأن ذلك يسلم المسلمين إلى السذاجة الروحية ، ~~وفقدان الحذر اللازم ، عند ما يدخل بعض اليهود في الإسلام ، فيحصلون على ~~الثقة التي تمنحهم حرية التحرك في تخريب الإسلام من الداخل ، انطلاقا من ~~صفة الإيمان التي حصلوا عليها ، ولأن إغفال المعرفة الحقيقية لما هم عليه ، ~~يعطل على المسيرة الإسلامية التحرك الفعلي ضد المخططات التي كانوا يرسمونها ~~في الخفاء للقضاء على الإسلام والمسلمين. # وعلى ضوء ذلك ، نشعر بأن عملية تعرية الواقع الحاضر ، بعد عملية تعرية ~~التاريخ ، ضرورة لحفظ الدعوة الإسلامية والمجتمع الإسلامي من أخطار السذاجة ~~والتضليل ؛ وذلك بالالتفات إلى أن هداية أي شخص لأية فكرة تتوقف على شرط ~~الاستعداد النفسي لتقبل هذه الفكرة أو الإيمان بها ، وخاصة في الحالات التي ~~يعيش فيها البساطة الذهنية والقلق الروحي إزاء معرفة المجهول ، فعندها يكون ~~مستعدا للأخذ والرد والدخول في عمليات الحوار في مختلف الجوانب ... أما ~~هؤلاء ، فقد أغلقوا نوافذ ms0253 أفكارهم عن كل شيء جديد ، لأنهم لا يتعاملون مع ~~الحق بروحية الإيمان الذي يبحث عن الفكرة ليرتبط بها ، بل بعقلية التاجر ~~الذي يريد أن يحقق لنفسه الربح المادي الوفير من خلاله ، فإذا فقد هذه ~~الفرصة اتجه إلى التحريف ، ليستطيع أن يحقق لنفسه رغباتها على أساس ذلك ، ~~وهذا ما عرفوه من آيات الله في التوراة ، فقد عرفوا الحق من خلالها كأوضح ~~ما يكون ، ولكنهم حرفوه عند ما وجدوا أنهم لا يستطيعون أن يحققوا لأنفسهم ~~فيه مكسبا ومطمعا ذاتيا ... وفي ضوء ذلك ، لا مجال لأي تفكير أو طمع رسالي ~~بهدايتهم أمام هذه الروح الغارقة في الضلال. PageV02P098 ### ||| ** نفاق بني إسرائيل # يمكن للبعض أن يدخل في الإيمان ظاهرا من أجل التوصل إلى مكاسب ذاتية أو ~~تحقيق مخططات تخريبية ضد الإسلام والمسلمين ، وقد يدفعه ذلك إلى إبراز ما ~~تشتمل عليه التوراة من دلائل وبراهين على صدق النبي في رسالته للتدليل بذلك ~~على إخلاصه للإسلام ، حتى إذا خلا بعضهم إلى بعض ، وأفاضوا في الحديث عما ~~قالوه للمسلمين وما قاله المسلمون لهم في نطاق الخطط المرسومة لديهم ، وقف ~~أصحابهم للتنديد بهم على هذا الاسترسال في الحديث بما فتح الله عليهم من ~~التوراة ، لأن ذلك سيكون حجة للمسلمين عليهم أمام الله يوم القيامة ، ~~انطلاقا من إقرارهم بأحقية الإسلام ، وذلك خلاف الحكمة والعقل. ولكن الله ~~يواجههم بسذاجة تفكيرهم في ما يخافونه من الاحتجاج عليهم بذلك ، لأنهم إذا ~~كانوا يؤمنون بالله ، فينبغي أن يدفعهم إيمانهم إلى الشعور بأن الله مطلع ~~على سرهم وعلانيتهم ، فلا يحتاج إلى إقرارهم ليقيم الحجة عليهم. # ( @QUR@06 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) بما جاء به النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لأننا نجد صدقه في ما لدينا من التوراة التي بشرت به ~~، كما نجد فيها الكثير من تفاصيل الشريعة الإسلامية التي تلتقي مع الكثير ~~من أحكام شريعتنا ، ولذلك فإننا لا نجد أي مبرر لإنكار الإسلام ، ( @QUR@05 ~~وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) وتحادثوا بما قالوه للمسلمين من حقائق الإسلام في ~~حقائق التوراة ، ( @QUR@06 قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ms0254 عليكم ) من العلم ~~الذي يمكن أن يكون حجة عليكم ، إذا انفتح الصراع بينكم وبينهم في ساحاته ، ~~كما يكون حجة لهم عليكم عند ربكم ، من خلال إقراركم بأنهم على الحق ، على ~~أساس ما تملكونه من حقائق التوراة المصدقة لما يدعون إليه أو يؤمنون به ... ~~( @QUR@04 ليحاجوكم به عند ربكم ) إذا لم تلتزموا الدين الذي يلتزمونه ، ~~بعد إقراركم به ؛ ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) وتفكرون بالنتائج السلبية PageV02P099 # التي تحصل لكم من ذلك كله. ( @QUR@09 أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون )، فليست المسألة في قيام الحجة عليهم عند الله أنهم يحدثون ~~المسلمين بما في التوراة ، بل المسألة هي المعرفة التي يملكونها ، فيتحملون ~~مسئولياتها تجاه أنفسهم وتجاه الناس الآخرين في الإقرار بالحق ، والإيمان ~~به ، والدعوة إليه في كل مكان وزمان ... وقد جاء في مجمع البيان : روي عن ~~أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : كان قوم من اليهود ، ليسوا من ~~المعاندين المتواطئين ، إذا لقوا المسلمين ، حدثوهم بما في التوراة من صفة ~~محمد ، فنهاهم كبراؤهم عن ذلك وقالوا : لا تخبروهم بما في التوراة من صفة ~~محمد ، فيحاجوكم به عند ربكم ، فنزلت هذه الآية (1). # * * * ### ||| ** التوراة والمحرفون # ثم يتحدث الله عن بعض نماذج أهل الكتاب المعاصرين للدعوة الإسلامية ، ~~فمنهم «أميون» لم يأخذوا من العلم بشيء ، ولا يملكون أية معرفة بالكتاب إلا ~~من خلال التمنيات التي تجعلهم يشعرون بالتفوق على الآخرين في الدنيا ~~والآخرة ، لأنهم «شعب الله المختار» من دون أية معرفة يقينية ، وليس لهم من ~~ذلك إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. # ( @QUR@02 ومنهم أميون ) لا يملكون المعرفة الواسعة العميقة التي تربطهم ~~بالحقائق التي يحتويها الكتاب ، لأنهم يقفون عند المعاني الساذجة للكلمات ، ~~ولا ينفذون إلى أعماقها ( @QUR@05 لا يعلمون الكتاب إلا أماني ). ربما ~~يراد من كلمة PageV02P100 # الأماني التلاوة ، يقال : تمنى كتاب الله أي قرأه وتلاه ، وبذلك يكون ~~المراد بالكلمة أنهم لا يعلمونه إلا ألفاظا يتلونها من دون وعي المعاني ؛ ~~وربما يراد منها الأحاديث المختلقة المتضمنة للتحريف. يقال : أنت تتمنى هذا ~~القول أي تختلقه ، فيكون المقصود أنهم لا يعلمون الكتاب ms0255 إلا بنحو التحريف ~~الذي هو مجموعة من الأكاذيب التي قد تطرح كما لو كانت مدلولا للكلمات ، وقد ~~يقصد بها الأماني جمع أمنية وذلك على أساس أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم ~~، كقولهم : ( @QUR@06 لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) أو ( @QUR@04 نحن ~~أبناء الله وأحباؤه ) [المائدة : 18] ليكون المعنى أنهم لا يعلمونه إلا بما ~~يتفق مع تخيلاتهم وأحلامهم وأمنياتهم الخيالية التي لا واقع لها. وفي جميع ~~الحالات فهم لا يملكون اليقين الذي يتحرك في دائرة وضوح الرؤية الذي تسكن ~~إليه النفس وتطمئن إليه الروح ؛ ( @QUR@04 وإن هم إلا يظنون ) من خلال ~~تخرصاتهم وتخميناتهم التي لا ترتكز على أساس المعرفة اليقينية الحقة. # * * * ### ||| ** اللعنة والويل جزاء المحرفين # هؤلاء المحرفون المتاجرون بالدين بتحريف آياته ومفاهيمه ، الذين يقدمون ~~للناس الجاهلين بحقيقة التوراة الأكاذيب والتحريفات ، ثم ينسبونها إلى الله ~~ليصلوا إلى مطامعهم وشهواتهم ... إنهم سيذوقون اللعنة والويل من الله ، ~~جزاء لهم على ما حرفوه ، وما كسبوه من أعمال سيئة محرمة ومال حرام. # ( @QUR@05 فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) يحرفونه عن مواضعه ، ~~ويختلقون ما ليس فيه ، ويخلطون في أساليبهم بين الحق والباطل ليوهموا ~~القارئ أنه من الكتاب ، وجاء في الحديث عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ~~كما في مجمع PageV02P101 # البيان أنهم عمدوا إلى التوراة وحرفوا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~ليوقعوا الشك بذلك للمستضعفين من اليهود (1). ( @QUR@010 ثم يقولون هذا من ~~عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ) بحيث يعطونه قداسة الوحي الذي يخضع له ~~المؤمنون ويلتزمون به. ( @QUR@05 فويل لهم مما كتبت أيديهم ) من الباطل ~~الذي صوروه بصورة الحق ، ( @QUR@04 وويل لهم مما يكسبون ) من الخطايا ~~والأعمال الشريرة ، التي لن تجلب لهم إلا الويل ، في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** زعم اليهود عدم تخليدهم في النار # ( @QUR@023 وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) وهذه هي ~~القاعدة النفسية اليهودية المرتكزة على الذهنية المستعلية التي تنظر إلى ~~الناس من الموقع الفوقي ، باعتبار أنهم شعب الله المختار ، وأن الناس يقفون ~~في ms0256 الدرجات الدنيا ليكونوا خدما لهم يلبون حاجاتهم وقضاياهم العامة ~~والخاصة. ( @QUR@07 وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) فلن يخلدنا ~~الله في عذاب النار لأننا أبناؤه وأحباؤه وشعبه المختار ، فلا يعاقبنا إلا ~~كما يعاقب الأب أولاده ، والمحب حبيبه ، بطريقة تأديبية حميمة يمتزج فيها ~~الحب بالعقوبة بشكل خفيف لا يستمر طويلا ، لأن الرحمة تسبق الغضب عند ما ~~يتحرك في مثل هذه المواقع ، وتلك هي التخيلات النفسية التي تحول الأمنية ~~إلى حقيقة في الواقع. ( @QUR@01 قل ) يا محمد لهؤلاء اليهود ، في حوار جدي ~~يناقش القضية من منطق الحجة ، ( @QUR@04 أتخذتم عند الله عهدا ) بأن لا ~~يعذبكم إلا أياما معدودة؟ لتكون القضية قضية التزام إلهي بالعهد الذي قطعه ~~على نفسه ( @QUR@04 فلن يخلف الله عهده ) ولكن أين هو PageV02P102 # العهد؟ وما مضمونه ، وما الحجة فيه؟ ولا نجد لديكم شيئا من ذلك كله ، ( ~~@QUR@07 أم تقولون على الله ما لا تعلمون )؟ فتكذبون على الله وتنسبون ~~إليه ما لم ينزل به سلطانا ، وتلك هي الجريمة الكبرى. # * * * ### ||| ** العمل أساس الخلود في الجنة أو في النار # ( @QUR@023 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون* والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) ~~يؤكد القرآن في هاتين الآيتين القاعدة للخلود في الجنة أو في النار ، بعيدا ~~عن كل الامتيازات ، أو الاستثناءات المتوهمة للأشخاص أو للأمم ، فليس في ~~الآخرة طبقات على المستوى المعروف لدى الناس في الدنيا ، لأن الطبقية هنا ~~تنشأ من حصول الإنسان على امتياز مادي أو معنوي ، يتميز به عن غيره ، فيجعل ~~له قيمة متميزة لدى سائر الناس ؛ أما في الآخرة ، فالجميع متساوون أمام ~~الله ؛ فلا علاقة لأحد بالله أكثر من غيره ، من ناحية ذاتية ، لأنهم ~~مخلوقون له ، ومن ناحية الصفات ، لأنها هبة من الله ، فلا مجال هناك إلا ~~للعمل وحده ، فهو القيمة الأولى والأخيرة التي ترفع مستوى الإنسان عند الله ~~، ولهذا كانت قضية الجنة والنار خاضعة للعمل لجهة خلود الإنسان في الثواب ~~والعقاب ؛ فأما الخالدون في النار فهم الذين واقعوا الخطيئة من قاعدة روحية ~~وفكرية ms0257 وعملية ، فهي محيطة بهم من كل جانب وليست شيئا طارئا مما يحدث ~~للإنسان ، كنتيجة لنزوة سريعة. إنهم يعتقدونها ثم يعيشونها فكرا وشعورا ~~وعملا ، وهؤلاء هم المجرمون المتمردون الذين يواجهون الحق من موقع الوضوح ~~في الرؤية ، ولكنهم يصرون على الابتعاد عنه والتمرد عليه ، والمتاجرة ~~بكلماته بعيدا عن روحه ، والتحريف لآياته ؛ وهؤلاء هم الذين لا يتطلعون إلى ~~الإيمان بالله بروحية منفتحة تخشع أمام ذكره وتخضع لآياته ، وتستسلم ~~لأوامره PageV02P103 # ونواهيه ، بل يمرون مرورا سريعا ، تماما كأية فكرة طارئة ، أو وهم زائل ، ~~وهؤلاء هم الظالمون الذين يفسدون في الأرض ويبغون فيها بغير الحق ، ~~وينازعون الله سلطانه وكبرياءه ، عند ما يخيل إليهم أنهم آلهة صغار ، من ~~خلال نوازع الكبرياء والعظمة الذاتية ، التي توحي بها السلطة في مظاهر ~~القوة والسلطان ، أو الذين يشركون بعبادة الله غيره ، مما يصنعونه بأيديهم ~~من الخشب والحجر وغيرهما مما يصنع منه الأصنام ، أو مما يصنعونه بطاعتهم ~~وخضوعهم من أصنام اللحم والدم من الطغاة والمستكبرين الذين يصنع منهم ~~الأتباع آلهة وسادة ، ولولاهم ما كانوا شيئا مذكورا. # هذه هي النماذج التي تكسب الخطيئة من موقع القاعدة ، هم أصحاب الخلود في ~~النار ، وهم الذين تنطبق صفاتهم على هؤلاء اليهود الذين لم يتركوا خطيئة ~~إلا ومارسوها بكل قوة وعزم وتصميم ، من التمرد على الأنبياء ، وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق ، وتحريف كلام الله ، والمتاجرة بالأكاذيب والبدع ... ~~وغير ذلك ، مما يدل على وجود أساس روحي أو فكري للتمرد والطغيان ، أو يوحي ~~بأن علاقتهم بالله لا تمثل شيئا كثيرا في حياتهم ليندفعوا من خلاله في طريق ~~الطاعة والتوبة ؛ فكيف يرون لأنفسهم هذا الامتياز الإلهي الذي يؤمنهم من ~~الدخول في النار؟ # وأما الخالدون في الجنة ، فهم الذين عاشوا الإيمان في نفوسهم فكرا وشعورا ~~وروحانية ، فهم يقفون أمام الله موقف المؤمن الذي يحس وجوده بمشاعره ، كما ~~يتعلقه بفكره ، وهم الذين يعيشون الإحساس بالعبودية المطلقة التي تدفعهم ~~إلى الخضوع والخشوع والاستسلام لله في أعمالهم ، ولكنهم قد يخطئون ويتمردون ~~نتيجة نزوة سريعة أو هفوة طارئة مما يدخل في حساب الغفلة والنسيان ووسوسة ~~الشيطان ms0258 ، من دون أن يكون هناك أساس نفسي أو فكري يشجع على ذلك ويدفع إليه ~~، ولهذا نجدهم يتراجعون عند أول حالة انتباه أو تذكر أو يقظة ضمير ، كما ~~حدثنا الله عنهم في قوله تعالى : ( @QUR@01 إن PageV02P104 # @QUR@011 الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) ~~[الأعراف : 201] فهؤلاء هم أصحاب الجنة المتقون ، الذين عاشوا روحيتها في ~~روحيتهم ، وأخلاق أهلها في أخلاقهم في الأرض قبل أن ينتقلوا إليها. # ( @QUR@01 بلى ) ليس الأمر كما قالوا وزعموا زعما بعيدا عن كل حقيقة ، بل ~~المسألة خاضعة لقاعدة ثابتة في ثواب الله وعقابه ، مما لا يرجع إلى ~~امتيازات ذاتية لإنسان معين أو شعب معين. ( @QUR@03 من كسب سيئة ) عميقة ~~الجذور في ذاته بحيث كان لها الدور الكبير في تغيير كل فكره وعمله في ~~الاتجاه السلبي ، ليكون إنسانا محاصرا من كل جهة ، فلا ينفذ إلى عقله شيء ~~من الحق ، ولا إلى حياته شيء من الخير ، فقد أطبقت عليه ضلالته ( @QUR@03 ~~وأحاطت به خطيئته ) من كل جانب ، فأينما يتوجه ويتحرك فهناك خطيئة في فكره ~~وفي عمله. # ولعل الشرك الذي لا يغفره الله هو التجسيد الحي لهذه السيئة التي يكسبها ~~الإنسان فتبعده عن الله في توحيد العقيدة والعبادة ، ويستغرق في الصنمية ~~التي تحول حياته إلى جدار مسدود لا مجال فيه للأفق الواسع ، وإلى كهف مظلم ~~لا ينفذ إليه النور من أية جهة ، فيكون هذا الإنسان خطيئة متجسدة في حركة ~~الباطل والشر والفساد في واقعة الداخلي والخارجي ، ( @QUR@06 فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون ) لأن مثل هؤلاء لا يرتبطون بالله بأية رابطة تنفذ ~~منها رحمته وينفتح عليهم رضوانه ، مما يجعل الخلود في النار هو النهاية ~~الطبيعية التي ينتهون إليها. # ( @QUR@02 والذين آمنوا ) بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر ( ~~@QUR@02 وعملوا الصالحات ) التي أراد الله لعباده أن يأخذوا بها في حياتهم ~~الفردية والاجتماعية وفي علاقاتهم العامة والخاصة ، فكانوا التجسيد الفكري ~~للحق ، والواقع المتحرك للخير ، الأمر الذي يجعلهم في موقع القرب من الله ، ~~فلا يزدادون إلا خيرا وطاعة ومحبة وانقيادا له ، ( @QUR@06 أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون ) فهم ms0259 PageV02P105 # أهلها ومجتمعها وهم الذين يمثلون أخلاقيتها المنفتحة على الروح والرضوان ~~، ويجددون لها حيويتها وحركيتها في إنسانيتهم الخيرة التي عاشت مع الله ~~وانتهت إليه في مواقع القرب عنده. # * * * ### ||| ** العاملون أمام الامتيازات الطارئة # وقد ينبغي للعالمين في حقل التوعية والدعوة الإسلامية ، أن يركزوا على ~~هذا الجانب في المفهوم الإسلامي الأصيل للقرب من الله والبعد عنه ، فلا ~~يسمحوا للامتيازات الطارئة التي توزع الجنة والنار بين الناس على أساس ~~أنسابهم حتى ولو كان النسب مرتبطا برسول الله أو على أساس انتماءاتهم ~~المذهبية من دون أن يكون لذلك أي أثر في سلوكهم العملي وتطلعاتهم الروحية ، ~~لأن ذلك يتنافى مع المفهوم القرآني ، الذي يعتبر الأساس في صحة أي مفهوم ~~وفساده ، فإذا كان القرآن يطرح القضية في موقع الإيمان والعمل ، فكيف يمكن ~~أن نجرد المقياس من العمل فنعتبره ثانويا ونبقي على جانب الإيمان وحده؟! ثم ~~هل يمكن أن نكتشف الإيمان الحق إلا من خلال العمل؟! أما ما يخيل وجوده لدى ~~بعض الناس من عاطفة إيمانية ، إزاء بعض المقدسات أو الروحيات ، فإنها قد ~~تدخل في نطاق التربية العاطفية ، التي يعيشها الإنسان في طفولته أو في ~~بيئته ، بعيدا عن جانب العقيدة عنده. # وقد يحاول البعض أن يدخل قضية الاستثناءات المطروحة في باب العام والخاص ~~أو المطلق والمقيد ، مما اعتاد الفقهاء والأصوليون إثارته في كل قضية من ~~القضايا الشرعية التي يقف فيها الإنسان بين أمرين ، أحدهما يدل على الإطلاق ~~، والآخر يدل على التحديد ، فيحملون المطلق على المحدود ، فيركزون بذلك ~~الاستثناءات في القاعدة. # ونحن لا نمانع في القضية من ناحية المبدأ ، فإن هذه القاعدة اللغوية PageV02P106 # تعتبر من بين القواعد المسلمة في أساليب اللغة العربية ، لأن أي متكلم قد ~~يجري في أسلوبه على إصدار القاعدة من دون قيود لتكون أساسا عاما يرجع إليه ~~في حالات الشك ، ثم يتبعها بالاستثناءات في أدلة مستقلة لتكون دليلا على ~~التقييد. ولكن هذا لا يجري في الحالات التي تدخل في نطاق الضوابط العامة ~~التي يراد منها التحديد المطلق من أجل إعطاء المفاهيم الأساسية العامة ، ~~فقد يدخل ذلك ms0260 في سياق العموميات أو المطلقات الآبية عن التخصيص أو التقييد ~~كما يقول الأصوليون ولا سيما في أمثال هذه القضايا التي يشعر معها الإنسان ~~، بأن المفهوم المطروح في الآية ينسجم مع طبيعة العلاقة التي تربط الله ~~بعباده حيث لا أساس لأي شيء ذاتي في هذا المجال ، لما ذكرناه من تساوي ~~الخلق أمام الله في كل الامتيازات المتوهمة ، فلا يبقى إلا العمل المستند ~~إلى الإيمان. # أما حديث المغفرة في غير حالة الإشراك بالله ، فهذا لا يدخل في نطاق ~~حديثنا ، لأن حديثنا يرتكز على أساس الاستحقاق. أما المغفرة وعدمها ، فإنها ~~تدخل في نطاق التنفيذ ، فقد أخذ الله على نفسه برحمته ولطفه أن يعفو عن ~~المذنبين الذين يستحقون دخول النار أو الخلود فيها ، وذلك بلحاظ بعض ~~الأعمال أو النيات التي تجعل الإنسان موضعا لرحمة الله. # وخلاصة الحديث ، أن من الضروري التركيز على هذا المقياس في الثواب ~~والعقاب في التربية الإسلامية للمؤمنين ، ليكون ذلك حافزا لهم على تنمية ~~الإيمان والعمل في حياتهم ، ليتقربوا بذلك إلى الله طمعا في نيل رضاه ، ولا ~~يستسلموا للامتيازات الطارئة ، بحيث يتركون العمل ، أو يتهاونون فيه ~~اعتمادا على ما يخيل إليهم من أسباب الأمان. # * * * PageV02P107 ### ||| * الآيات # ( @QUR@029 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) @QUR@015 وإذ ~~أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم ~~وأنتم تشهدون (84) @QUR@049 ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا ~~منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ~~وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من ~~يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ~~وما الله بغافل عما تعملون (85) @QUR@013 أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا ~~بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) (86) # * * * PageV02P108 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ميثاق ): الميثاق : أخذ العهد ولا يكون إلا بالقول. # ( @QUR@01 والمساكين ): الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم. # ( @QUR@01 توليتم ms0261 ): أدبرتم وأعرضتم. # ( @QUR@01 معرضون ): مدبرون. # ( @QUR@01 تفادوهم ): فاداه مفاداة وفداء : أطلقه وأخذ فديته. وقيل : ~~المفاداة أن تدفع رجلا وتأخذ رجلا ، والفدى أن تشتريه ؛ وقيل : هما واحد. # ( @QUR@01 خزي ): ذل وهوان. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل والميثاق الإلهي # في هذا الفصل من حديث بني إسرائيل ، عودة معهم إلى الأصول التي ارتكز ~~عليها التشريع الإلهي في التوراة ، مما كان يدخل في حساب تنظيم الحياة ~~الاجتماعية المرتكز على أساس التوحيد الذي تلتقي عليه كل التشريعات .. ثم ~~يبدأ بالمقارنة بين الصورة كما أرادها الله ، وبين الواقع المتمثل في ~~ممارساتهم العملية وفي علاقاتهم الاجتماعية ، فنكتشف من خلال ذلك الفرق ~~الشاسع بين مستلزمات الإيمان وبين واقع الممارسة. # فقد أراد الله من بني إسرائيل أن يوحدوه فلا يعبدوا غيره ، وأن تكون ~~علاقاتهم بوالديهم وبأقربائهم وبأيتامهم ومساكينهم مبنية على الإحسان PageV02P109 # الطيب ، باعتبارهم من الفئات التي تحتاج إلى ذلك ، إما من موقع الحاجة ~~الذاتية ، وإما من موقع ارتباطها بالجانب الإنساني للعلاقات ... ثم طلب ~~منهم أن يقولوا للناس حسنا في مجال المعاشرة والمحاورة ، لأن للكلمة الطيبة ~~أثرها الكبير في انفتاح القلوب على الخير والمحبة والإخلاص ، وفي انطلاق ~~العقول مع الفكرة بعيدا عن التعصب والتعقيد والعناد والمكابرة ، مما يجعل ~~من الكلمة رسولا حبيبا إلى القلب والعقل ، فترتكز الحياة الاجتماعية من أجل ~~ذلك على قاعدة متينة من التفاهم والتحابب والتعاون. # وجاء بعد ذلك دور إقامة الصلاة ، باعتبارها معراجا لروح المؤمن إلى الله ~~، حيث ينفتح الإنسان من خلالها يوميا على المعاني الروحية الواسعة الممتدة ~~، التي لا تضيق بالأعباء الكبيرة التي تفرضها الطاعة أو يوحي بها الجهاد ، ~~ولا ترتبط بالحياة إلا باعتبارها مجالا من مجالات العمل والمسؤولية ، لأن ~~هذا اللقاء بالله يملأ النفس شعورا عميقا بجدية الحياة وبارتباطها بالحكمة ~~في كل ظواهرها وبواطنها من خلال حكمة الخالق ، مما يجعل من السير في طريق ~~الحق هدفا كبيرا لحياة الإنسان. # أما إيتاء الزكاة ، فإنه يحقق للنفس إنسانية العطاء عند ما لا تختنق في ~~دائرة حاجاتها الذاتية ومطامعها الشخصية في ما أنعم الله عليها من نعم ~~المال ، بل تعيش الشعور بآلام الآخرين وحاجاتهم ms0262 ومطامحهم ، فتعمل على تلبية ~~حاجات الآخرين ، باعتبار أن المال الذي يملكه الإنسان ليس شرفا وامتيازا له ~~، بل هو وظيفة ومسئولية في ما يحتاجه أو يحتاجه الآخرون ، وبذلك كانت ~~الزكاة عبادة اجتماعية يشترط في صحتها ما يشترط في كل عبادة من نية التقرب ~~بها إلى الله ، كما كانت الصلاة عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله في خضوعه ~~لذاته المقدسة. # وتنتهي هذه المجموعة من التشريعات في هذه الآية لتبدأ عملية PageV02P110 # المحاكمة والمحاسبة والمقارنة ، وذلك في لفتة سريعة للواقع الذين يعيشونه ~~، فنلتقي بهم وهم معرضون عن ذلك إلا القليلين منهم ممن آمنوا إيمان الوعي ~~والإخلاص ، فثبتوا على خط الإيمان واستقاموا فكرا وعملا في جانب المعاملة ، ~~أو في نطاق العلاقة العامة والخاصة. # فإذا انتهى هذا الجانب من الميثاق ، بدأ جانب آخر يتصل بعلاقاتهم ~~الداخلية. # * * * ### ||| ** حق الإنسان بالحياة والحرية # وأخذ الله عليهم الميثاق باحترام النفس ، فلا يعتدى عليها بالقتل ، ~~واحترام حرية الإنسان في بقائه في داره ، فلا يخرج منها قهرا بدون حق ... ~~أما السر في التركيز على هذين الجانبين ، فلأنهما يمثلان في الظن الغالب ~~العنصرين الأساسيين من عناصر الحريات الإنسانية ، وهما عنصر حرية الحياة في ~~امتدادها إلى ما يشاء الله من دون اعتداء ، وحرية بقاء الإنسان في أرضه ~~وداره ، لأن الحريات الأخرى متفرعة عنهما كما يظهر بالتأمل. لقد أخذ الله ~~عليهم الميثاق بالالتزام بهاتين الحريتين فيما بينهم ، فما ذا كانت ~~النتيجة؟ # إنها تماما كالنتيجة في الميثاق الأول ، فلقد انطبعت حياتهم بالعدوان على ~~النفس ، وبدأت سياسة الغلبة والقوة تتحكم بهم ، فضيقوا على حرية الضعفاء ~~الذين لا يخضعون لطغيانهم وبغيهم ، فأخرجوهم من ديارهم بالإثم والعدوان. ~~وهنا تأتي المفارقة التي تمثل ازدواجية المواقف إزاء علاقاتهم العامة ، فهم ~~في الوقت الذي يستبيحون قتلهم وإخراجهم من ديارهم ، نراهم في موقف آخر ~~يمارسون سلوكا يوحي باحترام الإنسان ، وذلك عند ما يقع PageV02P111 # هؤلاء الضعفاء أسرى في يد أعدائهم ، فإنهم يعملون على دفع الفداء عنهم ~~لينقذوهم من الأسر. إنها مفارقة تلفت النظر ؛ فإذا كانوا يؤمنون باحترام ~~الإنسان في نفسه وأرضه ، فما معنى السلوك ms0263 الأول؟ وإذا كانوا لا يؤمنون بذلك ~~، فما معنى السلوك الثاني؟ إنه السلوك الذي لا يرتكز على قاعدة فكرية ثابتة ~~، بل يخضع للعوامل الطارئة من العصبية والحمية وغيرهما من حالات الانفعال ~~الإنساني في العلاقات العامة ، ولهذا ينطلق القرآن ليشجب هذا الواقع ، كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض )، فإن ~~الالتزام بالكتاب يفرض الالتزام بمفاهيمه ومواقفه وتشريعاته ، باعتباره ~~القاعدة الأساسية للتفكير والموقف والعمل. # هذا بالإضافة إلى أن الأخذ ببعض الكتاب والكفر ببعض آخر ، يشوه الصورة ~~الحقيقية للفكرة ، وذلك كما يفعله بعض الحكام الذين يأخذون بقوانين ~~العقوبات في الإسلام كالحدود ، فيجلدون شارب الخمر ، ويقطعون يد السارق ، ~~ولكنهم لا يأخذون بالتشريعات الإسلامية في العدالة الاجتماعية ، والنظام ~~الأخلاقي ، والتخطيط الاقتصادي ، بحيث لا ينطلق السارق من حاجة اقتصادية ~~ضاغطة بل من عقدة ذاتية مستعصية ، الأمر الذي يعطي الصورة المشوهة القاسية ~~عن الإسلام من خلال الواقع الضاغط أمام التشريع الصعب. # وربما كانت المسألة تمثل الازدواجية بين العقدة الذاتية المتحكمة في ~~علاقات بعضهم ببعض ، في خلافاتهم العميقة الشديدة التي يمثلها قوله تعالى : ~~( @QUR@04 تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) [الحشر: 14] وبين الهيكلية ~~الاجتماعية في موقفهم الموحد أمام الآخر الذي يهدد وجودهم فينتصرون لبعضهم ~~البعض في مواجهته. # * * * PageV02P112 ### ||| ** ما معنى الخزي الدنيوي؟ # ثم يعقب الله على ذلك ( @QUR@011 فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في ~~الحياة الدنيا )، لأن هذا الواقع سيؤدي حتما إلى اختلال الأسس العامة التي ~~ترتكز عليها بناء المجتمع ، فإذا أصيب بالتحلل والانهيار وضعف عن الامتداد ~~والتماسك ، وقع تحت سيطرة المجتمعات الأخرى ، حيث يعاني في ذلك الخزي ~~والهوان ، فيسقطون تحت تأثير مفاهيمها الكافرة أو الضالة ، ويندمجون في ~~الاستغراق في خطوطها الفكرية والعملية ، فلا يؤمنون بالجهاد لأنه يؤدي إلى ~~تعقيد علاقاتهم بها ، ولا يدعون إلى تحكيم الله في برامجه وشريعته في ~~الحياة ، ولا يعملون على صنع القوة ، فيفقدون الإحساس بوجودهم الحي المتحرك ~~الفاعل الذي يتحول تدريجيا إلى هامش من هوامش وجود الآخرين. # أما في الآخرة ، فإنهم سيردون إلى أشد العذاب ، لأن سلوكهم يمثل التمرد ~~والطغيان على إرادة الله ، وهو ms0264 ما يعني الاستهانة به تعالى والانحراف عن خط ~~العبودية له. # ويختم الفصل بإعطاء القاعدة العامة التي تحكم مثل هذه النماذج ، فهم ~~الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلم يعتبروا الآخرة شيئا كبيرا في ~~حياتهم ليواجهوا مسئوليتهم من خلالها ، وأخلدوا إلى الأرض وارتبطوا ~~بمقاييسها ومفاهيمها من اللذة والطمع والبغي والعدوان ... وهكذا ، فإنهم لا ~~يواجهون إلا العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا. # * * * PageV02P113 ### ||| ** تفاصيل الميثاق بين الله وبين بني إسرائيل # ( @QUR@05 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) الذي أردناه الأساس لعلاقتهم ~~بالله في سلوكهم العملي في الحياة ، ليعرفوا أن وجودهم فيها يساوي التزامهم ~~بالتعاليم الإلهية كعهد وثيق بينهم وبين الله ، ( @QUR@04 لا تعبدون إلا ~~الله )، وهذا هو التوحيد الذي يمثل قاعدة الفكر في العقل وحركة الإحساس في ~~القلب ، لتكون حياتهم خط استقامة في خط التوحيد ، بحيث يصدرون في كل ~~مجالاتها عن النظرة التي تجعل كل تطلعاتهم وخطواتهم ومشاريعهم وأهدافهم من ~~خلال الطاعة المطلقة للإله الواحد ، فلا شرك في العقيدة ولا تعددية في ~~العبادة والطاعة. ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ) فهما السبب المباشر لوجود ~~الإنسان ، وعليه مبادلتهما إحسانا بإحسان ، ( @QUR@02 وذي القربى ) الذين ~~يمثلون الرحم القريب الذي هو المجتمع الأقرب للمجتمع الإنساني الأول الذي ~~يتحمل الإنسان مسئولية رعاية أفراده بالإحسان ، ( @QUR@01 واليتامى ) الذين ~~فقدوا الآباء الذين يقومون برعاية شؤونهم وحمايتهم من كل خطر أو سوء ~~وتوجيههم للحياة الطيبة الكريمة ، مما يفرض على المجتمع أن يقوم بسد هذا ~~الفراغ وتعويض هذا النقص النفسي والواقعي ، ( @QUR@01 والمساكين ) الذين ~~يعانون من الحاجة المادية ويسقطون تحت تأثيرها في دائرة المستكبرين ، ~~ليفقدوا إنسانيتهم أمام ذلك ، الأمر الذي يريد الله فيه للناس تدبير أمرهم ~~، والإقامة بإعالتهم ، وسد حاجتهم ، بالطريقة التي تحفظ لهم كرامتهم. # ( @QUR@03 وقولوا للناس حسنا ) وهذا هو خط التعامل مع الآخرين على مستوى ~~حركة العلاقات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، بحيث تكون ~~الكلمة الطيبة والقول الحسن والأسلوب الجميل ، عناوين إنسانية في انفتاح ~~الإنسان على الإنسان الآخر ، لأن القول الحسن في اللفظ والمعنى يفتح PageV02P114 # القلب ، وينعش الروح ، ويقرب الإحساس ، ويقوي الروابط بين ms0265 الناس ... وقد ~~جاء عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير هذه الفقرة قال : قولوا للناس ~~أحسن ما تحبون أن يقال لكم ، فإن الله عز وجل يبغض السباب الطعان على ~~المؤمنين ، الفاحش المفحش ، السائل ؛ ويحب الحليم العفيف المتعفف (1). ( ~~@QUR@02 وأقيموا الصلاة ) التي هي وسيلة القرب إلى الله. # ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) والزكاة هي المضمون الإنساني للتكافل الاجتماعي ~~في حركة العطاء في الشخصية المتفاعلة مع الواقع الاجتماعي في الحاجات ~~الإنسانية العامة. # وهذه هي المفردات التي تتضمن الأوامر الإلهية في حركة الإيجاب في السلوك ~~الإنساني التي أراد الله لكم إطاعتها والالتزام بمضمونها. ( @QUR@07 ثم ~~توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ) عن الوفاء بالعهد والاستجابة للأمر ~~الإلهي في ذلك كله. # وهناك مفردات تتصل بالجانب السلبي في الحياة ، بحيث لا يريد الله صدورها ~~من الإنسان ، لأنها تفسد عليه حياته العامة والخاصة ، وتحطم له نظامه ~~الاجتماعي الذي به يسعد ويتقدم. ( @QUR@03 وإذ أخذنا ميثاقكم ) في الجانب ~~السلبي من السلوك ( @QUR@03 لا تسفكون دماءكم )، لأن الله جعل للدماء ~~حرمتها وللنفوس قداستها في الواقع الإنساني ، فلا حق لإنسان في إزهاق روح ~~إنسان آخر وسفك دمه ، إلا بالحق الذي يمثل التشريع الإلهي في موارد الرخصة ~~في ذلك. ( @QUR@05 ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) لأن الله أراد للإنسان أن ~~يكون آمنا في بيته ، حرا في اختيار البقاء فيه ، فلا سلطة لأحد في إخراجه ~~منه إلا بالحق في دائرة التشريع الإلهي. ( @QUR@02 ثم أقررتم ) على أنفسكم ~~بذلك ( @QUR@02 وأنتم تشهدون ) على ما أخذه الله من الميثاق على آبائكم ~~وعليكم من خلالهم ، مما يفرض PageV02P115 # عليكم الالتزام به كما هو الأمر بالنسبة إليهم. # ( @QUR@05 ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) فيقتل بعضكم بعضا ، وهو نقض ~~للعهد المأخوذ عليكم. وفي التعبير ب «أنفسكم» إيحاء بأن المجتمع يمثل وحدة ~~قائمة بذاتها ، مما يجعل الاعتداء على أي فرد منه اعتداء على النفس كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) [النور : 61] ~~أي ليسلم بعضكم على بعض. ( @QUR@09 وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون ~~عليهم بالإثم والعدوان ) أي تتعاونون فيما بينكم في تجمع عدواني لإخراج بعض ~~الناس ms0266 في مجتمعكم من ديارهم لتشردوهم ، وهذا ما يوحي بأنكم لا تلتزمون ~~الوحدة المجتمعية القائمة على أساس التضامن والتعاون والاحترام المتبادل. ( ~~@QUR@04 وإن يأتوكم أسارى تفادوهم )، فإذا رأيتموهم أسارى لدى جماعة أخرى ~~من غير اليهود من أعدائكم ، فإنكم تفادونهم وتتحملون مسئولية تحريرهم منهم ~~، وهذا ما يوحي بالتزامكم بهم كجماعة منكم تحملون مسئوليتها الأمنية. ( ~~@QUR@04 وهو محرم عليكم إخراجهم ) فقد جاء التحريم من الله في مسألة ~~إخراجهم ، فكيف تجمعون بين العدوان الذاتي عليهم في داخل مجتمعكم ، ~~ومفاداتهم وتحريرهم من غيركم؟! ( @QUR@05 أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض ) مما لا ينسجم مع الالتزام الإيماني بالكتاب كله ، الذي يفرض الإيمان ~~به في جميع أحكامه ، باعتبار أنه الوحي الصادر من الله سبحانه. ( @QUR@011 ~~فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ) مما يفرضه هذا ~~الواقع من هزيمتكم وانقسامكم وتعرضكم للإذلال من قبل الآخرين من المسلمين ~~وغيرهم ، عند ما تتعرضون للإخراج من دياركم أو لفرض الجزية عليكم. ( ~~@QUR@06 ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) جزاء لانحرافكم عن الحق ، ~~وعدوانكم على أهله بعد إقامة الحجة عليكم من خلال رسوله ورسالته. ( @QUR@05 ~~وما الله بغافل عما تعملون ) فهو المطلع عليكم في كل سركم وعلانيتكم ، ~~والحافظ لكل نشاطاتكم ليحاسبكم عليها ويجازيكم بها. ( @QUR@06 أولئك الذين ~~اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) فاستبدلوا PageV02P116 # الباقي بالفاني ، ورضوا بالعرض المحدود الزائل من المال والجاه واللذات ~~الصغيرة ، بدلا من النعم الكبيرة الواسعة الخالدة والرضوان الإلهي العظيم ~~... ( @QUR@04 فلا يخفف عنهم العذاب ) لأنهم أصروا على العناد والاستكبار ~~على الحق ، ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) لأن الآخرة ليست فرصة الذين ينتصرون ~~لأنفسهم من عذاب الله بعلاقاتهم البشرية الدنيوية ، لأنه اليوم الذي لا ~~تملك فيه نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله. # * * * ### ||| ** من وحي الآيات # وكخلاصة ، فإننا نستوحي مما تقدم ، ما فيه فائدة لواقعنا العملي حاضرا ~~ومستقبلا ، جملة أمور أبرزها التالي : # 1 إن لكل شريعة من الشرائع خطة متماسكة ، تحكم ربط أحكامها وتوزيع ~~مواقعها ، فلا تجزئة ولا انفصال ، بل هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة يكمل ~~بعضها بعضا ، مما يجعل الالتزام الكلي بها أساسا لتحقيق الغاية التي ms0267 أرادها ~~الله منها ، ولعلنا نستوحي ذلك من الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله ~~: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» (1)، ~~والحديث الآخر المروي في نهج البلاغة : «كم من صائم ليس له من صيامه إلا ~~الجوع والظمأ ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء ، حبذا نوم ~~الأكياس وإفطارهم ...» (2). فإننا نستفيد منهما أن قيمة الطاعة PageV02P117 # تتحدد بمقدار ما تحقق من هدف الأمر والنهي ، سواء كانت الغاية مربوطة ~~بكيفية أداء الطاعة كما في الصلاة والصوم ، أو كانت متصلة بالواجبات أو ~~المحرمات المرتبطة بهدف واحد ، من حيث علاقتها بتكوين الشخصية الإنسانية ~~على قاعدة واحدة. ولعل الآية التي تحدثنا عنها أبلغ شاهد على الفكرة ، لأن ~~احترام حرية الإنسان في نفسه وفي أرضه ينطلق من فكرة الإيمان بحرية الإنسان ~~المنطلقة من الإيمان بالله في رسالته وشريعته ، فلا معنى لأن يؤمن الإنسان ~~بهذه الحرية في جانب ويكفر بها في جانب آخر ، لارتباط المواقف بعضها ببعض ~~في تحقيق هذا المعنى الكبير في الحياة. # 2 إن من الممكن استيحاء الفكرة التي ترفض ما تعارف عليه بعض المسلمين من ~~المتأثرين بالمبادئ والأفكار الأوروبية ، سواء منها الأفكار الرأسمالية أو ~~الماركسية أو غيرها من الأفكار غير الإسلامية المتعلقة ببعض الجوانب ~~العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. # وخلاصة ما يثيره هؤلاء أن بإمكاننا أن نأخذ من الإسلام الجانب الروحي ~~والأخلاقي في المفاهيم والتشريعات المتعلقة بالحياة ، ولا سيما ما يتعلق ~~منها بالجانب العبادي أو الأحوال الشخصية ، أما التنظيم الاقتصادي والسياسي ~~والتخطيط الاجتماعي ، فلا بد لنا فيه من الرجوع إلى الفكر الأوروبي ، لأن ~~هذا الفكر يرتكز على قواعد علمية مبنية على دراسة الواقع من خلال المعطيات ~~العامة التي أفرزها التطور ، ويقررون في هذا المجال أن التشريعات الإسلامية ~~التي تتصل بهذه الجوانب لا تفي بحاجة الحياة إلى التنظيم والتخطيط ، ولكننا ~~نلاحظ أن هذا اللون من التفكير محكوم بعقلية الانبهار بالفكر الأوروبي الذي ~~قد يعتبره فوق مستوى النقد ، بل هو باعث الحياة المتطورة على صورته ... ~~وربما كان من ms0268 الأجدر بهم من وجهة الإخلاص للتفكير العلمي أن يدققوا في ~~القواعد العامة الإسلامية التي تضمنتها نصوص الكتاب والسنة ، وفصلتها أبحاث ~~الفقهاء المسلمين المستمدة من المصادر PageV02P118 # الأصيلة للتشريع ، ليطلعوا على الإمكانات الفكرية والقانونية التي تستطيع ~~أن تدفع بحياة المجتمع إلى الأمام. وقد لا يكفينا في إهمال هذه الجوانب من ~~التشريع الإسلامي أن نلاحظ عدم انسجام الشكل العملي للأوضاع الإدارية ~~والسياسية والاقتصادية التي كانت في الماضي عند ما كان الإسلام يحكم الحياة ~~مع الشكل الموجود الآن ، لأن من الممكن للاجتهاد الإسلامي أن يلاحظ وجود ~~بدائل من قلب التشريع مما يملأ هذا الفراغ. # إن المسلم يحمل في وعيه الإسلامي فكرة إجمالية عن الحقيقة الإسلامية ~~التالية : وهي أن لله في كل واقعة من وقائع الحياة حكما شرعيا محددا يصيبه ~~من يصيبه ويخطئه من يخطئه ، وهذه الفكرة وإن كانت صحيحة إجمالا ، فهي لا ~~تتعارض وإمكان وجود فراغ يمارس فيه ولي الأمر حرية التحرك في بعض المجالات ~~العملية العامة ؛ كما يفرض على المفكرين المسلمين متابعة البحث عن الأحكام ~~الشرعية ، في كل ما استحدثه الإنسان من أوضاع الحياة وشؤونها وأساليبها ، ~~في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، لئلا يبقى الإنسان المسلم في ~~حيرة أمام حركة التطور العام في الحياة ، إذ يبقى هذا البحث خاضعا للمبادئ ~~العامة والتصورات الكلية للشريعة ، لا مجرد اجتهاد آخر خال من أي ضوابط ~~مقررة. من هنا ، فإننا لا نبرر اختيار أساليب الفكر المضاد في بعض الجوانب ~~، والأخذ بالإسلام في البعض الآخر ، لأننا نكون مصداقا لقول الله في حديثه ~~عن اليهود: ( @QUR@05 أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ). # 3 إن الله يعتبر الشريعة ميثاقا بين الله وبين عباده ، لأن الالتزام بها ~~يمثل الإقرار بمضمونها ، تماما كما هو الالتزام ضمن أي عهد من العهود ، ~~وبذلك يتحول العصيان والتمرد والانحراف إلى عملية خيانة للعهد ونقض له ، ~~مما يجعل الصورة قاتمة في داخل الذات ، فتوحي للإنسان باحتقار نفسه ، كما ~~في أية حالة من حالات الخيانة ، وقد يكون من الخير لنا العمل على إثارة هذا PageV02P119 # الجانب في أساليب التربية الدينية ، لأن الإنسان ms0269 قد يقبل لنفسه صفة ~~العاصي ، ولكنه لن يقبل لها صفة الخائن ، لما تحمله هذه الكلمة من إيحاءات ~~مسيئة تثقل وجود الإنسان وضميره. # * * * PageV02P120 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) @QUR@010 وقالوا قلوبنا غلف بل ~~لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) @QUR@026 ولما جاءهم كتاب من عند ~~الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) @QUR@027 بئسما اشتروا به ~~أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من ~~عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) @QUR@030 وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق ~~مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) ~~@QUR@011 ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ~~(92) @QUR@017 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم PageV02P121 # @QUR@010 العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) ~~@QUR@017 قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (94) @QUR@09 ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين (95) @QUR@025 ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين ~~أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله ~~بصير بما يعملون ) (96) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقفينا ): أصله من القفا ، يقال : قفوت فلانا إذا صرت خلف قفاه. # ( @QUR@01 البينات ): جمع بينة ، وهي الدليل والحجة. # ( @QUR@01 وأيدناه ): قويناه. # ( @QUR@02 بروح القدس ): جبرائيل ، ويطلق عليه الروح الأمين. # ( @QUR@01 غلف ): جمع أغلف ، أي عليها غشاوة. # ( @QUR@01 يستفتحون ): يطلبون الفتح ويستنصرون. # ( @QUR@01 بغيا ): عدوانا. # ( @QUR@01 فباؤ ): استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب. # ( @QUR@01 خالصة ): صافية. PageV02P122 # ( @QUR@01 يعمر ): يعيش طويلا ، يمتد عمره. # * * * ### ||| ** القرآن يفضح أساليب اليهود # في هذه الآيات ، يتابع القرآن الكريم حملة التعرية لتأريخ ms0270 بني إسرائيل ، ~~من أجل مواجهة اليهود المعاصرين للدعوة الإسلامية ، فهم يعتبرون امتدادا ~~تاريخيا وعمليا لهم ، ولهذا كان الهدف القرآني هو تعرية واقعهم الروحي ~~والفكري والعملي ... وفي ضوء ذلك ، تتلاحق الآيات الكريمة لتشرح أساليبهم ~~الملتوية مع النبي صلى الله عليه وآله ، ولتواجههم بالموقف الذي كانوا يقفونه ~~قبل الرسالة عند ما كانوا يستفتحون على الناس في المدينة بالنبي الموعود ~~الذي ينصرهم على الآخرين ، حتى إذا جاءت الرسالة التي اصطدموا من خلالها ~~بالواقع ، كانوا أول المحاربين لها والمقاومين لتقدمها. وجاء القرآن في ~~أسلوب عقلاني هادئ يفضح واقعهم وينقد المبررات والحجج التي كانوا يبررون من ~~خلالها مواقفهم المعادية للإسلام. # * * * ### ||| ** موقف اليهود من الأنبياء # ( @QUR@028 ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ). # ما هو موقف اليهود من الأنبياء؟ إن القرآن الكريم يجمل القضية في هذه PageV02P123 # الآية التي يستعرض فيها النبوات من لدن موسى الذي جاء وبيده كتاب الله ، ~~مرورا بالرسل الذين جاءوا من بعده ، وانتهاء بعيسى الذي أرسله الله ، ومعه ~~البينات التي تثبت رسالته ونبوته وأيده بروح القدس. إن الموقف الذي يحكم ~~سلوكهم من كل نبي هو موافقته لشهواتهم وأطماعهم وأهوائهم أو عدم موافقته ~~لذلك ، فإذا لم يحقق لهم ما يريدون ولم يوافق على ما يشتهون ، فإنهم ~~يستكبرون عليه بما يملكون من جاه ومال وقوة ، ومن تاريخ رسالي ، ومن كتاب ~~سماوي يتبجحون بالانتماء إليه ... ويعبرون عن ذلك بالتكذيب تارة لبعض ~~الأنبياء الذين لا يستطيعون قتلهم نتيجة الظروف الموضوعية الخاصة ، مما ~~يدخل في حساب القوة الذاتية للنبي لكثرة قومه كما في قوم شعيب ، وبالقتل ~~أخرى للأنبياء الذين لا يملكون أي نوع من أنواع القوة التي تمنحهم الحصانة ~~في نظر بني إسرائيل. وكأن القرآن يريد أن يعطي الموقف الذي يقفه اليهود من ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله بعدا تاريخيا يدخل في حساب تكوين الشخصية ، وفي ~~العقدة المتأصلة التي يعاني منها هذا الشعب بشكل عام من الأنبياء ms0271 ~~ورسالاتهم. # * * * ### ||| ** ادعاؤهم عدم الفهم # ( @QUR@03 وقالوا قلوبنا غلف ) أي مغلقة عن وعي الأفكار والدعوات ~~والتعاليم التي يدعون إليها ، وهذا ما كانوا يواجهون به الأنبياء الذين ~~يطلبون منهم الفهم والتأمل في ما يقدم إليهم من براهين وحجج وآيات ، فكان ~~رد الفعل لديهم تظاهرهم بعدم الفهم أو بعدم القدرة على الإدراك ، لأن ~~قلوبهم لا تملك الذكاء الذي تستطيع من خلاله الوصول إلى أبعاد القضية. وقد ~~يكون هذا الزعم هروبا من الدخول في عملية الحوار ، وقد يكون استهزاء وسخرية ~~بالنبي عند ما PageV02P124 # يقابلونه بهذا المنطق ، الذي يجعله حائرا لا يدري كيف يواجه الموقف ~~الجديد الذي لا يحقق أي صدى لصوته ، وهذا ما جعل التعليق القرآني عليهم ~~عنيفا قاسيا ، لأنهم لا ينطلقون من مواقع صحيحة ، ( @QUR@04 بل لعنهم الله ~~بكفرهم ) فقلوبهم كقلوب بقية الناس ، وأفكارهم كأفكارهم في إمكان التقائها ~~بالحقيقة ووعيها للمفاهيم التي تقدم إليها ، وقدرتها على الدخول في عملية ~~الحوار والمناقشة ، ولكنهم فضلوا الكفر على الإيمان. ولما لم يجدوا حجة على ~~موقفهم الكافر ، لجأوا إلى هذا المنطق ليبرروا ذلك ، فأبعدهم الله عن ساحته ~~، وهذا معنى اللعن لغة ؛ ( @QUR@03 فقليلا ما يؤمنون ) لأنهم لا يريدون ~~الإيمان. # * * * ### ||| ** كفرهم بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم # وجاء القرآن على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله يحمل في آياته التصديق ~~لما في التوراة من عقيدة ومفهوم وتشريع ، ليكون ذلك حجة عليهم من الله ، ~~لأن التوراة لم تكن منتشرة بين الناس ليتهموه بنقلها وتعلمها ، بل كانت ~~محتكرة عند اليهود بلغة غير عربية ، وكان اليهود قبل الرسالة ( @QUR@01 ~~يستفتحون ) أي يطلبون الفتح والنصر على الكافرين الوثنيين المقيمين في ~~المدينة عند اشتداد المشاكل والخلافات فيما بينهم وشعورهم بالضعف أمام قوة ~~الآخرين ، ويقولون لهم : إننا سنكون في موقف القوة عند ظهور النبي الموعود ~~في هذه البلاد ، فنقتلكم ونهلككم لأنه سيكون معنا فينصرنا عليكم. وهذا ما ~~عبرت عنه الآية الكريمة : ( @QUR@09 ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم ) لأن الرسالة الإسلامية كبقية الرسالات التي سبقتها ، لم تأت لتنسف ~~الرسالات المتقدمة أو تنسخها بل ms0272 لتكملها ، ولذا جاء الحديث المأثور عن ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله : «إنما PageV02P125 # بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (1)، وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال : جئت ~~لأكمل الناموس. ( @QUR@07 وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) بالنبي ~~وبالرسالة ، ( @QUR@04 فلما جاءهم ما عرفوا ) من الرسالة في ما سمعوه من ~~آياتها وعرفوه من شرائعها ، ورأوا الانسجام واضحا بينها وبين ما لديهم من ~~التوراة ، وأيقنوا الحق في موقف النبي ودعوته ، ( @QUR@02 كفروا به ) ~~وجحدوه بغيا وحسدا وعدوانا. ( @QUR@04 فلعنة الله على الكافرين ) لأنهم ~~ابتعدوا عن الله بعد أن عرفوا طريقه ، فأبعدهم الله عنه. # * * * ### ||| ** بيعهم أنفسهم بدون ثمن # ( @QUR@04 بئسما اشتروا به أنفسهم )؛ والشراء هنا بمعنى البيع ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@011 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله ~~رؤف بالعباد ) [البقرة : 207] ، ( @QUR@016 أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ~~أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) فهم لم يكفروا لشبهة عرضت لهم ~~أو لعدم وضوح الحق لديهم ، بل كان الكفر كفر عدوان وعناد وحسد ، لأنهم ~~عرفوا من تعاليم الإسلام ومن مواقف النبي صلى الله عليه وآله أنه لا يمنحهم أي ~~امتياز يميزهم عن سائر المسلمين ، فشعروا بأنهم سيتحولون مع هذا الدين ~~الجديد إلى أتباع عاديين ، وبذلك يفقدون المواقع التي كانوا فيها ~~والامتيازات التي حصلوا عليها. # وهنا يقف القرآن ليشجب هذا الموقف ويندد بهم ، ويقول لهم إنهم باعوا ~~أنفسهم بدون ثمن ، لأنهم لم يحصلوا إلا على البغي والحسد الذي لن يؤدي ~~بالإنسان إلى نتيجة محترمة ، بل يؤدي بهم إلى الشعور القاتل الذي PageV02P126 # يحول داخل الإنسان إلى عقدة ضاغطة تقضي عليه في نهاية المطاف. وقد أوضح ~~القرآن طبيعة هذا الحسد ، فقد كانوا يحبون أن ينزل القرآن عليهم ليكمل ~~تاريخ النبوات لبني إسرائيل ، ليعزز من مكانتهم ويرفع من امتيازاتهم ويقوي ~~من مواقفهم ... ( @QUR@04 فباؤ بغضب على غضب )؛ الغضب الأول ما واجهوه عند ~~تمردهم على موسى وعلى الأنبياء من بعده قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله ، ~~والغضب الثاني عند ما تمردوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله . ( @QUR@03 ~~وللكافرين عذاب ms0273 مهين ) في الآخرة. # ويزداد الموقف وضوحا في ما يكشفه القرآن لنا من ملامح شخصيتهم في هذا ~~الحوار : ( @QUR@07 وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله )، فهذا كتاب الله ~~أمامكم فآمنوا به. ( @QUR@05 قالوا نؤمن بما أنزل علينا ) فنحن أصحاب كتاب ~~سماوي أنزله الله علينا ، فلا حاجة لنا بغيره لأنه يحقق لنا الكفاية في ما ~~نحتاجه من أمور الدنيا والآخرة. ( @QUR@03 ويكفرون بما وراءه ) من الكتب ~~السماوية من الإنجيل والقرآن ، ( @QUR@05 وهو الحق مصدقا لما معهم ). ~~وبذلك كان الإيمان بكتابهم مستلزما للإيمان بالقرآن لأنه يصدق التوراة في ~~تعاليمها. # وهنا تتجلى عملية التعرية في أوضح بيان ؛ إن القرآن يتجه إليهم ليقول لهم ~~: هل أنتم جادون في دعوى الإيمان بما أنزل عليكم من كتاب؟ هل تنطلقون فيها ~~من مواقع الحق والإيمان ، أم أنها مجرد مبرر استعراضي تحاولون من خلاله ~~تبرير كفركم بالقرآن؟ إنكم كاذبون في ذلك ، لأن المؤمن بشيء لا بد له أن ~~ينسجم مع إيمانه في مجال العمل به من جهة ، وفي مجال التقديس لأنبياء ~~الإيمان من جهة أخرى ، ولكنكم سرتم في غير هذا الاتجاه. ( @QUR@010 قل فلم ~~تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) وهم الأنبياء الذين جاءوا من ~~بعد موسى ، يحملون رسالته ، ويدعون الناس إلى العمل بالكتاب ، ويعتبرون ~~امتدادا طبيعيا له؟ ولم يقتصر الموقف المعاند على هؤلاء الأنبياء ، فما ذا ~~عن موقفكم من موسى الذي جاء بالكتاب؟ PageV02P127 # ( @QUR@011 ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون ) لأنفسكم في عبادتكم لغير الله ، مع أن موسى قد دعاكم إلى عبادة ~~الله الواحد الأحد. ( @QUR@03 وإذ أخذنا ميثاقكم ) بعد إنزال الكتاب ( ~~@QUR@03 ورفعنا فوقكم الطور ) الجبل ، حتى ظللنا عليكم به في طريقة إعجازية ~~، وقلنا لكم في مجال دعوتكم إلى حمل المسؤولية تجاه أنفسكم وتجاه الناس : ( ~~@QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ) وقناعة ويقين وعزيمة لا ضعف فيها ( @QUR@01 ~~واسمعوا ) سماع وعي في الإيمان وطاعة في العمل ؛ فما ذا كان الجواب؟ ( ~~@QUR@03 قالوا سمعنا وعصينا )، لقد سمعنا كل ما قلت ولكننا غير مستعدين ~~للانسجام معك في واقعنا العملي ، لأننا لا نريد تغيير ms0274 واقعنا وعاداتنا ~~وأوضاعنا التي تلتقي بأطماعنا وشهواتنا ومواقعنا في الحياة ، ( @QUR@05 ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) فلا تزال ذكريات العجل تعيش في وجدانهم ~~وقلوبهم ، ولا يزال حبه يجري في مشاعرهم مجرى الدم في العروق. وهنا يوحي ~~القرآن في أسلوبه بالمرارة والسخرية منهم في دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ~~( @QUR@08 قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) فإذا كان إيمانكم ~~يأمركم بقتل الأنبياء وعبادة العجل وإنكار الحق ، فبئس هذا الاتجاه ~~الإيماني الغريب في ما يأمر به ، مما يضاد معناه وحيويته ، ولكن الحقيقة هي ~~أنكم غير مؤمنين ، لأن للإيمان وحيه الطاهر الذي يملأ روح الإنسان بالخير ~~ويحرك طاقاته في طريق الطاعة والعبادة والحق والصلاح. # ثم يعود القرآن إلى فكرة «شعب الله المختار» التي يعيشها اليهود في ~~داخلهم كحقيقة دينية عميقة ، فيشعرون معها بالاستكبار والعلو والرفعة على ~~الآخرين ، ليناقشها مناقشة تفصيلية بعد أن كان قد أشار إليها ، في ما تقدم ~~، إشارة مجملة. # ( @QUR@09 قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ) من كل محاسبة PageV02P128 # ومسئولية ( @QUR@03 من دون الناس ) الذين يحاسبون على كل ما عملوا من ~~صغيرة وكبيرة ، ( @QUR@05 فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) لأن الدار الآخرة ~~للمؤمنين في التفكير الديني نعيم لا بؤس فيه ، وسعادة لا شقاء معها ، فهي ~~الحياة المثالية التي هي أعلى مستوى للحياة ، لأنها تحقق للإنسان كل أحلامه ~~بل فوق أحلامه ؛ كما ورد في الحديث المأثور عن الجنة : فيها «ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (1). فإذا كانت لكم هذه المنزلة ~~الرفيعة ، التي تمنحكم مثل هذه الحياة عند الله ، فتمنوا الموت الذي ينقلكم ~~إليها من دون جهد أو تعب ، فإن الإنسان يتمنى المستوى الأفضل للحياة بشكل ~~طبيعي. ( @QUR@06 ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) فهم يعرفون ما قدموا ~~من جرائم يحاسبون عليها يوم القيامة ، فيتعرضون من أجلها لأقصى أنواع ~~العقاب ، فكيف يتمنون الموت بعد ذلك؟ ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ). # ( @QUR@08 ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ) أحرص الناس ~~على حياة ، مهما كانت ذليلة أو غير مسئولة ، هؤلاء الذين ms0275 يعتبرون الحياة ~~الدنيا نهاية المطاف والفرصة الأخيرة للاستمتاع ، إنهم لا يحرصون على هذه ~~الحياة كما يحرص عليها اليهود ( @QUR@06 يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) ~~ليبتعد عن أشباح الجريمة والعقاب التي تلاحقه في يقظته ومنامه ، ولكن ما ~~فائدة الألف سنة من العمر لو عمر ألف سنة؟! إن النتيجة الحاسمة ستكون أمامه ~~( @QUR@07 وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) لأنه سيلتقي بالعذاب وجها ~~لوجه على أساس ما جنته يداه ( @QUR@04 والله بصير بما يعملون ). # * * * PageV02P129 ### ||| ** الدروس والإيحاءات النماذج المعاصرة # أما ما نستوحيه من هذا الفصل من السورة ، فهو أن نتابع هذا التاريخ من ~~خلال النماذج الحية الموجودة في الحاضر التي تواجه الدعاة إلى الله ~~بالتكذيب تارة ، وبالسجن أخرى ، وبالقتل في بعض الحالات ، وذلك لعدم انسجام ~~شعارات الدعوة الإسلامية الحقة مع أهوائهم وأطماعهم وامتيازاتهم ، في الوقت ~~الذي نجد هذه النماذج تحمل مع شعاراتها الكثير من كلمات الإصلاح والخير ~~والإيمان بالرسالات السماوية ... # وقد نجد كثيرا من ظلال هذه الصورة في بعض هؤلاء الذين كانوا ينتقدون ~~الأسلوب التقليدي للعمل الإسلامي في أساليب العاملين من التقليديين ، بحجة ~~أنها لا تحقق للإنسان أهدافه في الحياة العملية الكريمة ، التي تبحث عن ~~التنظيم الواسع الدقيق لمطامحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فلا بد ~~للإسلام من أن يتحرك في هذا الاتجاه بعقلية جديدة وأسلوب جديد. فلما تحركت ~~المسيرة الإسلامية الواعية لتقدم الإسلام للناس في صورته الشاملة الكاملة ، ~~بالأسلوب الذي لا يشعرون معه بوجود فراغ في أي جانب من الجوانب ، وقفوا ~~أمامها بالعنف والتعسف والجحود والنكران .. إنهم يشبهون كثيرا اليهود الذين ~~جاءهم كتاب مصدق لما معهم ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ، على الرغم من أنهم ~~كانوا يستفتحون به على الكافرين. # وقد نجد أمامنا صورة اليهود الذين يكفرون بما أنزل الله بغيا ، وذلك في ~~صورة هؤلاء الذين يرفضون العمل لأنهم لا يؤمنون به إلا إذا كانوا على قمته ~~، ولا يتفاعلون معه إلا إذا جاء من طريقهم ، فليسوا مستعدين للإيمان إذا ~~كان من وحي الآخرين. إنهم الأنانيون الذين لا يؤمنون بالدعوة إلا إذا كانت ~~تحقق لهم امتيازاتهم ms0276 الدنيوية. ثم تمتد الصورة في حياتنا لتكشف لنا عن ~~هؤلاء الذين PageV02P130 # يدعون إلى الإسلام في عقيدته وشريعته ، فيبادرون إلى طرح الدعوات ~~المنحرفة التي تلبس لبوس الكفر تارة ولبوس الإسلام أخرى ، ويقولون إننا ~~نؤمن بما لدينا من مبادئ وأفكار ، من دون أن يكلفوا أنفسهم الدخول في حوار ~~جدي في ما يقدم إليهم من أفكار الإسلام ومفاهيمه ، ليتعرفوا من ذلك كيف ~~يستطيع الإسلام أن يحقق لهم الشعارات التي يرفعونها بأفضل صورة وأروع ~~أسلوب. إنها الصورة نفسها التي يقدمها القرآن لهؤلاء الذين يقولون : ( ~~@QUR@09 نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق ) مع تبديل في ~~المواقع وفي تفاصيل المنظر. # إن قيمة التاريخ القرآني تتمثل في ما يقدمه لنا من نماذج حية متحركة لا ~~تتجمد في زوايا التاريخ ، بل تظل تحمل للحاضر والمستقبل الغنى والامتداد في ~~ما يواجهه الإنسان في مراحل تطوره من مظاهر الانحراف والاستقامة والكفر ~~والإيمان ... وتلك هي مهمة القارئ للقرآن والدارس له ؛ أن لا يظل يدور حول ~~الصورة القرآنية للإنسان في خطوات التاريخ ، بل يحاول أن يرصد من خلالها ~~الصور القادمة في حركة المستقبل ، ليعطي الحياة للآية في وعيه وفي وعي ~~الآخرين. # * * * PageV02P131 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) @QUR@012 من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) (98) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وبشرى ): البشارة : الخبر يؤثر في البشرة تغيرا ؛ وهذا يكون ~~للحزن أيضا ، ولكن غلب استعماله في ما يفرح. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مناسبة نزول هاتين الآيتين مرفوعا إلى سعيد بن جبير ما يلي : ~~أقبلت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فقالوا : يا أبا القاسم ، نسألك ~~عن أشياء ، فإن أجبتنا فيها اتبعناك ، أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة؟ ~~فإنه ليس نبي إلا PageV02P132 # يأتيه ملك من عند ربه عز وجل بالرسالة بالوحي ، فمن صاحبك؟ قال : جبريل ، ~~قالوا : ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ، ذاك عدونا ، لو قلت ميكائيل الذي ~~ينزل بالمطر والرحمة اتبعناك ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@09 قل من كان ms0277 ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ) إلى قوله : ( @QUR@04 فإن الله عدو ~~للكافرين ) ( 1). # * * * ### ||| ** اليهود والاعتراض الطفولي # ( @QUR@05 قل من كان عدوا لجبريل ) الذي هو الملك المقرب عند الله ، ~~المكلف بنقل رسالته إلى أنبيائه ولا سيما النبي محمد صلى الله عليه وآله ( ~~@QUR@06 فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) ليكون وعيك له في عقلك فتحفظه ~~وتتفهم معانيه. ( @QUR@04 مصدقا لما بين يديه ) من الكتب المنزلة على الرسل ~~السابقين ، لأن القرآن لم يأت ناسخا لما في الكتب كلها ، ولكنه جاء معترفا ~~بها ومصدقا لما فيها ومكملا لما يحتاجه الناس مما استجد من قضايا ومشاكل ~~بعد نزولها ، فإن قيمة الرسالات الإلهية أنها في مضمونها الفكري يلتقي ~~بعضها مع بعض لتكون حقا ( @QUR@03 وهدى وبشرى للمؤمنين ) في ما ينتظرهم من ~~النتائج الطيبة بالتزامهم بما فيها في حياتهم العملية ... # فإذا كان جبريل برسالته الإلهية التي نزلها على قلبك ، مما يوحي باصطفاء ~~الله له في حمل الرسالة إليك من بين الملائكة ، وإذا كان قد جاء بها بإذن ~~الله لا من خلال نفسه ، فإن المفروض أن يكون في موقع الإعزاز والمحبة ~~والتقدير لدى المؤمنين ، لأن الإنسان المؤمن يحب من يحبه الله ويبغض من ~~أبغضه ، فكيف تجمعون بين حبكم لله وعداوتكم لحبيبه جبريل؟! PageV02P133 # ( @QUR@012 من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين ) لأن الله يريد من عباده الإيمان به وبكل ملائكته ورسله ، ~~وبجبريل وميكال ، والتقدير لهم ، باعتبار أن الإيمان بالحق يمثل وحدة في ~~المضمون ، كما أنه يمثل وحدة في الالتزام ، مما يعني أن إنكار بعض مفرداته ~~يؤدي إلى الكفر الذي يعطي صاحبه صفة الكافر الذي لا بد له من أن يعد نفسه ~~للوقوع تحت سيطرة عداوة الله له. # * * * ### ||| ** جبريل وميكال # وقد جاء الحديث عن جبريل في سورة النحل في الآية 102 بأنه «روح القدس» ( ~~@QUR@07 قل نزله روح القدس من ربك بالحق ... ) وفي سورة الشعراء في الآية ~~193 بأنه «الروح الأمين» ( @QUR@04 نزل به الروح الأمين )؛ فقد ذكر ~~المفسرون أن المراد بهاتين الكلمتين جبريل ، كما ورد اسم «جبريل» في سورة ~~التحريم الآية ms0278 (4) (1). ويتحدث التاريخ القرآني أن النبي صلى الله عليه وآله ~~شاهد جبريل مرتين في عروجه إلى السماء بهيئته الأصلية ، كما ورد ذلك في ~~تفسير سورة النجم ، وينقل صاحب «تفسير الأمثل» عن بعض المحققين أن المصادر ~~اليهودية خالية من الدلالة على خصومة جبرائيل لهؤلاء القوم (2)، وهذا يوحي ~~بأن المسألة لم تكن لدى هؤلاء المعاصرين للنبي متصلة بالجانب العقيدي ، بل ~~هي حركة طفولية مشاغبة لتبرير مواقفهم المضادة للإسلام ، وتقديم شيء أي شيء PageV02P134 # أمام ذلك. أما ميكال فقد اقتصر ذكره على هذا المورد. وفي هذه الآية دلالة ~~على قربه من الله وتعظيم الله له حتى اعتبرت عداوته كفرا. # * * * # لقد جاءت هذه الآية توبيخا لليهود على هذه العقلية الطفولية التي ~~يحملونها ، لأن جبريل إذا كان عدوا لهم ، فما دخله بما ينزل به من عند الله ~~مما يكون مصدقا لما بين أيديهم من الكتب ومتضمنا للهدى والبشرى للمسلمين ~~الذين يسلمون قلوبهم ووجوههم لله؟ وهل يكون حال هذا المنطق إلا كمنطق ~~الإنسان الذي يرفض الرسالة التي تحقق له الربح والسعادة والنجاح بحجة أن ~~الناقل لها غير محبوب له ، أو غير مرغوب لديه ... إنه منطق الطفولة الغبية ~~الذي لا يعتمد على أساس فكري ، بل يخضع للانفعالات الساذجة. # ثم أكد الله أن العداوة لله وللملائكة ومنهم جبريل وميكال ، وللرسل ، ~~تستوجب الكفر في مدلولها السلبي في رفض الالتزام بالأسس التي يقوم عليها ~~الإيمان ، وتؤدي بالتالي إلى عداوة الله لهم متمثلة في سخطه وعقابه. أما ~~بالنسبة إلى عداوة الله فواضح ، وأما بالنسبة إلى عداوة الأنبياء والملائكة ~~، فلأنهم لا يمثلون أنفسهم في ما يدعون إليه أو يفيضون فيه ، بل ينطلقون في ~~سلوكهم من موقع علاقتهم بالله وقربهم منه ، مما يجعل من عداوتهم عداوة لله وحده. # * * * PageV02P135 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) ~~@QUR@010 أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ~~@QUR@022 ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) (101) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نبذه ): طرحه ms0279 ورمى به وألقاه. # * * * PageV02P136 ### ||| ** ديدن اليهود نقض العهود # في هذه الآيات عودة إلى توضيح الصورة القلقة في سلوك المجتمع اليهودي ~~آنذاك ، فهم يكفرون بآيات الله التي أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله ، مع ~~وضوح دلائل ألوهيتها ، ونراهم في الوقت نفسه يدعون لأنفسهم الاستقامة ~~والثبات على الخط ، ويتجاهلون مدلول تصرفاتهم المتذبذبة ؛ فالذي يكفر بها ~~مع هذا الوضوح ، لا يمكن إلا أن يكون فاسقا خارجا عن خط الإيمان ، وفي هذا ~~إيحاء بأن الكفر والفسق في المدلول القرآني لا يمثلان مصطلحين متقابلين ، ~~كما هي الحال في مفهوم الفقهاء ، حيث يطلقون الفسق على ما يقابل العدالة ، ~~مع التحفظ على مبدأ الإيمان في العقيدة ، ويطلقون الكفر على ما يقابل ~~الإيمان ، مع عدم ملاحظة جانب العمل في ذلك. # ثم تكمل الآية الصورة في المجال العملي ؛ فنواجه نقض العهود التي كانوا ~~يعقدونها مع النبي محمد صلى الله عليه وآله ومع الآخرين. فهذا هو ديدنهم ~~وطريقتهم في علاقاتهم الاجتماعية ، ثم اعتبر القرآن الكريم أن الفريق الذي ~~يمارس هذا السلوك يمثل الأكثرية المنطلقة من عدم الإيمان ، لأن الإيمان ~~يدعو إلى الحق ، والحق يدعو إلى الوفاء. # وتتضح الصورة في الجانب التطبيقي للفكرة التي ألمحت إليها الآية مع بعض ~~التفاصيل ، فقد جاء رسول الله ومعه القرآن الذي يصدق ما لديهم من التوراة ، ~~حتى أنهم لا يحتاجون في التعرف على صحته إلا إلى الرجوع إلى التوراة ~~ليقارنوا بينها وبينه ، ولكنهم نبذوا التوراة التي هي كتاب الله وراء ~~ظهورهم ، فلم يعملوا بها ، لأن ذلك لا ينسجم مع عصبيتهم وأنا نياتهم ، ~~كأنهم لا يعلمون وجه الحق في ذلك ، مع أنهم يعلمونه حقا كما يعرفون أنفسهم PageV02P137 # وأولادهم ، وذلك هو الضلال الكبير. # * * * # ( @QUR@05 ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ) في هذا القرآن الذي بين يديك ، ~~في وضوح الفكرة فيها ، وعمق الحجة التي تؤدي إلى الالتزام بالإيمان ، ( ~~@QUR@05 وما يكفر بها إلا الفاسقون ) الذين يتحركون في الحياة من خلال ~~ذهنية التمرد على الله في سلوكهم العملي ، الأمر الذي يصل بهم إلى الكفر ، ~~لأن الإيمان يفرض عليهم الالتزام الدقيق بالمضمون الواسع ms0280 للتوحيد في حركة ~~الواقع ، فيكفرون هربا من الالتزام من غير عقدة فكرية تفرض عليهم ذلك ؛ ومن ~~هنا نفهم أن الكفر قد يكون نتيجة الفسق كعنصر سلبي من عناصر شخصية ~~الكافرين. # ( @QUR@03 أوكلما عاهدوا عهدا ) في ما عاهدوا الله عليه ، أو في ما ~~أبرموه مع الأنبياء أو مع الناس ، ( @QUR@03 نبذه فريق منهم ) وطرحوه ~~انطلاقا من فقدانهم للقاعدة الروحية الأخلاقية التي تدعو الإنسان إلى ~~الالتزام بعهوده ، كمظهر من مظاهر التوازن في الشخصية والاحترام للذات ~~والآخرين ، لأن الذي ينقض عهده ويتنكر لكلمته هو إنسان لا يحترم نفسه في ~~التزاماتها ولا يحترم الآخرين في علاقته بهم. ( @QUR@04 بل أكثرهم لا ~~يؤمنون ) فليست القضية في الانحراف لديهم حالة جزئية محدودة ، بل هي ظاهرة ~~بارزة في مجتمعهم في حجم الأكثرية الرافضة للإيمان والمؤثرة سلبا على ~~التزامات الإنسان في عهوده. ( @QUR@06 ولما جاءهم رسول من عند الله ) وهو ~~محمد صلى الله عليه وآله ، ( @QUR@03 مصدق لما معهم ) من التوراة في مفاهيمه ~~وشرائعه ( @QUR@06 نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ) وهم الأكثرية ، كتأكيد ~~لما ورد في الآية السابقة ، ( @QUR@04 كتاب الله وراء ظهورهم ) فلم يؤمنوا ~~به ولم يدخلوا مع النبي في حوار حوله ، ليتعرفوا بذلك الدلائل الواضحة على ~~صدقه ، ( @QUR@02 كأنهم لا PageV02P138 # @QUR@01 يعلمون ) كما لو كانوا لا يعرفون الحقائق الواضحة التي يعرفونها ~~، والمتمثلة في آياته. # وفي الآية دلالة إيحائية على أن هناك أقلية من أهل الكتاب دخلت في ~~الإسلام ، وانفتحت عليه وعلى رسوله وكتابه ، ولذلك فإنه يشير إليها ولا ~~يلغي دورها. # * * * PageV02P139 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@074 واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) @QUR@012 ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ms0281 لو كانوا يعلمون ) (103) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تتلوا ): ترويه وتخبر به. PageV02P140 # ( @QUR@01 ببابل ): بلد في العراق. # ( @QUR@01 فتنة ): بلاء. # ( @QUR@01 خلاق ): الخلاق : النصيب من الخير. # ( @QUR@01 لمثوبة ): ثواب وأجر. # * * * ### ||| ** الممارسات اليهودية المنحرفة # وهذا لون جديد من ألوان الممارسات المنحرفة الضارة ، التي كان يقوم بها ~~اليهود لتخريب حياة الناس ، فينشرون فيها الضرر والخرافة والفساد ، وهي ~~الممارسات التي تتمثل في اللعب على أعين الناس وعقولهم في تخييل ما لا ~~حقيقة له ، وفي الإيحاء بما لا واقع له ، وفي الوسائل التي تفرق الناس ~~بعضهم عن بعض. وقد جاءت هاتان الآيتان لتوضحا هذا الجانب من الصورة ، في ~~طريقة موحية تشير في مثل اللمحة الخاطفة إلى الموقف الإسلامي من السحر ~~كمبدإ ، من خلال معالجتهما للسلوك اليهودي المنحرف ، فقد اعتبر السحر الذي ~~يمارسونه لونا من ألوان البدع الشيطانية التي ينسبها الشياطين إلى ملك ~~سليمان ، من أجل أن يمنحوها جوا من القداسة النبوية لدفع الناس إلى ~~ممارستها كأسرار مقدسة. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، ليعطوا الملك سليمان ~~طابعا سحريا يضفي عليه نوعا من الغموض والإبهام الذي يبتعد به عن الجانب ~~الروحي المتجسد في شخصيته ، لتكون له شخصية الملك الساحر بعيدا عن شخصية ~~النبي المؤيد من الله. PageV02P141 # ويؤكد القرآن القضية في موقف حاسم ، أن السحر فصيلة من فصائل الكفر الذي ~~إذا لم يتصل بالجانب العقيدي في دائرة الفكر الكافر والمؤمن ، فإنه يتصل ~~بالجانب العملي الذي يقترب من الكفر بمدلوله ولوازمه ، وهذا ما يرتفع عنه ~~المستوى الروحي الإيماني لسليمان ، فليس له أية علاقة به من قريب أو من ~~بعيد ، لأنه لم يتحرك في ملكه من موقع التحكم بالناس واللعب عليهم ، بل ~~انطلق فيه من قاعدة الحكم العدل والإيمان الفصل المرتبط بالله ، ولكن ~~الشياطين هم الذين مارسوا الكفر في السحر ، فأضلوا الناس وأفسدوا حياتهم ، ~~عند ما انطلقوا يعلمون الناس السحر ، ليثيروا الخلافات والمنازعات ، ~~ويؤججوا نار العداوة والبغضاء من خلاله. # * * * ### ||| ** هاروت وماروت وتعليم السحر # وينطلق الحديث ليربطنا في السحر برافد آخر هو : ( @QUR@07 وما أنزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت )، هذان اللذان كانا يعلمان الناس السحر ~~للمعرفة ms0282 والثقافة ودفع الضرر ، لا لاستلام زمام المبادرة العملي فيه ، ~~ولهذا كانا يرشدان الإنسان الذي يتعلم منهما إلى أنهما فتنة للناس وامتحان ~~لهم على الانضباط والالتزام الديني في عدم الإضرار من موقع القدرة والمعرفة ~~لا من موقع العجز ، لأن هناك فرقا بين أن تلتزم بترك الشيء لأنك لا تعرف ~~حدوده وقواعده التي تملك من خلالها إمكانية التصرف ، وبين أن تتركه وأنت ~~تعرف كيف تتلاعب به وتوجهه الوجهة التي تريدها في طريق الخير والشر ، ولكن ~~الناس ومنهم اليهود لا ينجحون في الامتحان غالبا ، فيوجهون المعرفة التي ~~يكسبونها في طريق الإضرار بالناس ( @QUR@08 فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه ) والظاهر أن المراد من ذلك ما يستعمل لهذا الهدف ، لا ما ~~يحدث منه PageV02P142 # ذلك بشكل حتمي ، وذلك بقرينة قوله تعالى : ( @QUR@09 وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله )، ويطلق إذن الله عادة على الظروف والأسباب الطبيعية ~~التي أودعها الله في خصائص الأشياء ، مما يساهم في حدوث الظاهرة في حركة ~~الوجود الإنساني والكوني ؛ وفي هذا إيحاء بأن الإنسان لا يملكها ما لم يكن ~~ذلك بإرادة الله الذي يملك القدرة على كل شيء من خلقه. # ثم يدخل القرآن في الأجواء الروحية التي يريد للإنسان أن يستحضرها في ~~وعيه ووجدانه عند ما يواجه حدود الحلال والحرام ، فيفكر بالله وبالدار ~~الآخرة في ما ينتظره من سخط الله وعذابه ، وفي ما يخسره من حظ الدنيا ~~والآخرة ، لينفصل الإنسان عن الدوافع الذاتية الشريرة التي تربطه بالأرض ~~بعيدا عن آفاق السماء ، والتي تزين له الانحراف وتهون عليه المعصية ، طمعا ~~في إرضاء نوازعه المنحرفة الضيقة. ( @QUR@04 ولقد علموا لمن اشتراه ) أي ~~السحر في وسائله الضارة ( @QUR@06 ما له في الآخرة من خلاق ) أي نصيب ، ( ~~@QUR@05 ولبئس ما شروا به أنفسهم ) أي باعوها ، لأنه ثمن بخس لا يحصلون منه ~~على شيء ، لأنهم سيتركونه في الدنيا في عمر اللحظة ويواجهون الآخرة صفر ~~اليدين ، ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) ولكنهم لا يعلمون لغلبة الغفلة عليهم ~~من خلال سيطرة الشهوة على تفكيرهم ووجدانهم ، ( @QUR@012 ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا لمثوبة من ms0283 عند الله خير لو كانوا يعلمون ) فلو وقفوا عند حدود ما ~~أحله الله وما حرمه عليهم ، واتقوا ربهم ، فإن المثوبة تنتظرهم من عند الله ~~لو عرفوا قيمة المثوبة المنطلقة في أجواء رضاه ورحمته ، ولكنهم لا يعلمون. # * * * ### ||| ** المفسرون والسحر # هذه صورة كلامية عن أجواء هاتين الآيتين ، وقد أفاض المفسرون في PageV02P143 # عدة جوانب من الآية ، فتحدثوا عن اليهود الذين اتبعوا السحر ، هل هم ~~الذين كانوا على عهد سليمان ، أم غيرهم؟ وتحدثوا عن كلمة «تتلو» هل هي ~~بمعنى تقرأ أم تكذب أم تتبع؟ وعن كلمة «على ملك سليمان» هل هي في عهده أم ~~في ملكه نفسه؟ وعن «وما أنزل على الملكين» هل هو متعلق بكلمة «واتبعوا» أم ~~بكلمة : «يعلمون الناس السحر» ليكون معطوفا على السحر؟ وعن شخصية هاروت ~~وماروت ، هل هما ملكان أم شيطانان أم آدميان؟ وغير ذلك من الأبحاث ... # وإننا لا نجد مجالا مفيدا للإفاضة في ذلك في ما سيقت له الآية ، لأن ~~البحث عن شخصية اليهود أو شخصية الملكين لا يجدينا شيئا ما دامت القضية في ~~الآية واردة في سياق إعطاء الصورة للسلوك اليهودي كطابع عام يطبع الشخصية ~~التاريخية والمعاصرة ، أما الملكان ، فإن المقصود من حديثهما هو اعتبارهما ~~مصدرين خيرين ، أو غير شريرين على الأقل ، من دون دخل لشخصيتهما في ~~الموضوع. وقد لا نريد أن نلغي أهمية معرفة ذلك في بعض الجوانب الأخرى التي ~~تتصل بعصمة الملائكة وطبيعتهم من ناحية فكرية مجردة ، ولكن مثل هذه المعرفة ~~لا تمثل شيئا كبيرا في الطبيعة العامة للعقيدة. # أما كلمة «تتلو» ، فالظاهر بقرينة المقام ، أنها كناية عن النسبة الكاذبة ~~، إذ لا معنى للقراءة المجردة في هذا المجال ، كما أن معنى الاتباع لا ~~ينسجم مع كلمة «واتبعوا» ؛ أما كلمة «وما أنزل» فهي معطوفة ظاهرا على كلمة ~~«ما تتلو» ، لأن ذلك أقرب إلى الانسجام مع طبيعة الآية ، لأن ما أنزل على ~~الملكين ليس شيئا آخر غير السحر ، ليكون معطوفا على الكلمة نفسها. # * * * PageV02P144 ### ||| ** هل للسحر حقيقة؟ # أما عن السحر ، ما حقيقته ، وما تأثيره ، وهل له أساس من الحق ms0284 يركن إليه؟ # لا يبعد أن نستوحي من القرآن الكريم في آياته المتفرقة ، ولا سيما في ما ~~جاء من حديث موسى مع السحرة ، أن السحر عملية تخييل ولعب على الأعين ~~والحواس الأخرى ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@07 سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم ) [الأعراف : 116] ، وقوله تعالى في حديث موسى ~~معهم : ( @QUR@07 ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ) [يونس : 81] ، كدلالة ~~على أنه لا يرتكز على أساس من الحق الذي يمكن له أن يتماسك ، وقوله : ( ~~@QUR@09 إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) [طه : 69] ، لأن ~~عمله لا يؤدي إلى نتيجة حاسمة ، بل ينتهي إلى الخيبة والخسران والفشل ~~الذريع .. وقد نجد هذا المعنى في ما كان الكفار يواجهون به الأنبياء من ~~اتهامهم بالسحر ، باعتبار أنهم يفقدون الإنسان قدرته على مواجهة الدعوة ~~بحرية الإرادة والاختيار بما يملكون من وسائل السحر. # وقد وردت الأحاديث الكثيرة في التنديد بالساحر والسحر والتشديد على عقوبة ~~الساحر في الدنيا والآخرة ، فقد جاء في الحديث : «الكاهن كالساحر ، والساحر ~~كالكافر ، والكافر في النار» (1)، و «ساحر المسلمين يقتل ، وساحر الكفار لا ~~يقتل ، فقيل : يا رسول الله ، ولم ذاك؟ قال : لأن الشرك والسحر مقرونان» (2). PageV02P145 # ولعل الوجه في ذلك هو طبيعة الخطورة التي يمثلها السحر في ربط الناس ~~بالخرافة والتضليل والتمويه والابتعاد عن طبيعة الأشياء تحت ستار الأسرار ~~الغامضة المقدسة ، أو الاعتقاد ببعض المؤثرات في خصائص الأشياء بالمستوى ~~الذي يتنافى مع وحدانية الله وعظمته. # وإننا لا ننطلق ، في تحفظنا في موضوع اعتبار السحر شيئا حقيقيا ، من فكرة ~~استبعاد علاقة الأشياء غير الملموسة أو غير المادية بالتأثير بالواقع ، ~~لأننا لا نؤمن إلا بالجانب الحسي في قضايا الحياة الواقعية ، بل لأننا لا ~~نملك أدلة وجدانية أو شرعية في ما نعرفه من أدلة على ذلك ، فتبقى القضية في ~~طور الاحتمال الذي يحتاج في جميع تفاصيله إلى دليل. # وقد اختلف في ماهية السحر على أقوال. فقيل : إنه ضرب من التخييل وصنعة من ~~لطيف الصنائع ، وقد أمر الله بالتعوذ منه وجعل التحرز بكتابته وقاية منه ، ~~وأنزل فيه سورة الفلق ms0285 ، وهو قول الشيخ المفيد ... # وقيل إنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها يخيل إلى المسحور أن لها ~~حقيقة ؛ وقيل إنه يمكن للساحر أن يقلب الإنسان حمارا ويقلبه من صورة إلى ~~صورة ، وينشئ الحيوان على وجه الاختراع .. وهذا لا يجوز ، ومن صدق به فهو ~~لا يعرف النبوة ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النوع ، ولو أن ~~الساحر والمعزم قدرا على نفع أو ضرر وعلما الغيب لقدرا على إزالة الممالك ~~واستخراج الكنوز من معادنها ، والغلبة على البلدان بقتل الملوك من غير أن ~~ينالهم مكروه أو ضرر ، فلما رأيناهم أسوأ حالا وأكثرهم مكيدة واحتيالا ، ~~علمنا أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك. فأما ما روي من الأخبار أن النبي ~~صلى الله عليه وآله سحر ، فكان يرى أنه فعل ما لم يفعله أو أنه لم يفعل ما ~~فعله ، فأخبار مفتعلة لا يلتفت إليها ، وقد قال الله سبحانه وتعالى حكاية ~~عن الكفار : ( @QUR@05 إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) [الإسراء : 47]. حاشا ~~النبي صلى الله عليه وآله PageV02P146 # من كل صفة نقص تنفر عن قبول قوله ، فإنه خيرة الله من خليقته وصفوته من بريته. # وإننا نعقب على ما استفاده الشيخ المفيد من سورة الفلق ، في قوله تعالى : ~~( @QUR@05 ومن شر النفاثات في العقد ) [الفلق : 4] ، أن من الممكن أن تكون ~~الاستعاذة أسلوبا من أساليب التخلص من الحالات النفسية التي يعيشها الإنسان ~~من خوف أو قلق إزاء هذه الحالات ، وذلك بسبب العقلية الشعبية التي درجت على ~~اعتقاد وجود آثار حقيقية لمثل هذه الأمور ، وقد يكون قريبا من هذا الجو ~~الأحاديث الواردة في الاستعاذة بالله من أسباب الطيرة والتشاؤم إذا حدث في ~~النفس شيء بسببها ، مما يوحي بأن المعالجة ليست معالجة لشيء حقيقي يخاف من ~~خطره ، بل هي معالجة لحالة نفسية تحدث من خلال العقائد الموروثة ، وقد لا ~~يعني هذا أن نلغي من الحساب كل التأثيرات الروحية بسبب بعض الكلمات المقدسة ~~من أسماء الله الحسنى وآياته ، فقد ورد في كثير من الأحاديث تأثيرها في بعض ~~القضايا التي تبقى من اهتمامات الأديان ms0286 المرتكزة على وحي الله الذي يعلم ~~حقائق الأشياء في خصائصها الروحية والمادية. # ولكن هذه الأمور ليست مساحة مفتوحة للجميع ، بل هي من صلاحيات أهل ~~المعرفة الدينية الواعية الذين يميزون بين الخرافة والحقيقة ويعرفون صحيح ~~الحديث من فاسده ، فلا يأخذون من هذه القضايا إلا ما ثبت لهم صحته مما لا ~~يخالف المنطق وطبيعة الأشياء ، ولا يمكن الاستسلام فيها إلى أشباه الأميين ~~الذين لا يملكون من المعرفة إلا قليلا ، فيعتمدون على الصدفة في ربح ثقة ~~الناس ، مما لم يكن لهم فيه أي دخل من معرفة أو تأثير ، فيتبعهم الناس لذلك ~~ويعتذرون عنهم في غير ذلك مما يخطئون فيه ، لأن شأن الناس أن يحبوا التصديق ~~السهل في الأمور ، فذلك يجعلهم في حالة استسلام للحل السهل الذي لا يكلفهم ~~عناء في مواجهة الأشياء. # * * * PageV02P147 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم (104) @QUR@025 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم (105) @QUR@019 ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (106) @QUR@017 ألم تعلم أن الله ~~له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107) ~~@QUR@018 أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) @QUR@033 ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ~~فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) ~~@QUR@017 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله إن الله بما تعملون بصير ) (110) # * * * PageV02P148 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 راعنا ): أرعيته سمعي : إذا أصغيت إليه ، وراعيته بعيني : إذا ~~لاحظته. والمراعاة التفقد للشيء ونقيضها الإغفال. # ( @QUR@01 انظرنا ): أمهلنا. # ( @QUR@01 ننسخ ): نبدل ؛ وقيل : نمحو ؛ وقيل : ننقل من حكم إلى غيره ~~فنبدله ونغيره ، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي ms0287 والحظر والإطلاق والمنع ~~والإباحة ، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. # ( @QUR@01 حسدا ): كراهية النعمة للغير ، وحب زوالها عنه ، بخلاف الغبطة ~~التي تكون في تمني الإنسان ما عند غيره من نعمة دون أن يتمنى زوالها عنه. # * * * ### ||| ** وقفة مع سبب نزول الآية # لقد كانت هذه الآية في ما يقول المفسرون في أسباب النزول من أجل توجيه ~~المسلمين إلى استبدال الكلمات التي يمكن أن تعبر عن معنى سيئ في لغة أخرى ، ~~مما يمكن أن يستغله أعداء الإسلام في الانتقاص من الإسلام والمسلمين ، من ~~دون أن يكون لنا حجة عليهم في ذلك ، لأنهم يحاولون الإيحاء بأنهم يريدون ~~بها المعنى الظاهر الذي يقصده منها سائر الناس ، وهذا ما حدث في عهد ~~الرسالة الأول في المدينة في كلمة : «راعنا» التي كان المسلمون يخاطبون بها ~~النبي طالبين منه أن يصغي إليهم بسمعه ، فقد ورد في PageV02P149 # اللغة : «أرعيته سمعي» إذا أصغيت إليه ، ولكن لها معنى آخر عند اليهود ~~يوحي بالسب والانتقاص ، فقد ورد أن معنى «راعنا» لديهم من الرعونة يريدون ~~بها الوقيعة والنقيصة ، وقد جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام كما ~~في مجمع البيان أن «هذه الكلمة سب بالعبرانية ، إليه كانوا يذهبون» (1). ~~فلما عوتبوا قالوا : نقول كما يقول المسلمون ، فأراد الله للمسلمين أن لا ~~يتركوا لليهود مجالا للتنفيس عن حقدهم بهذه الطريقة ولا يدعوا لهم بابا ~~للاستهزاء ، فعلمهم أن يقولوا : «انظرنا» أي انظر إلينا أو أقبل علينا ، أو ~~ما شاكل ذلك من معان. # * * * ### ||| ** توعية القرآن للمؤمنين في حركة الواقع # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) ممن التزموا الإيمان في أقوالهم ~~وأفعالهم ، ( @QUR@03 لا تقولوا راعنا ) وأمثالها من الكلمات التي قد توحي ~~بمعنى مختلف عن المعنى المقصود ، فيوحي بالإساءة من حيث يريد المتكلم ~~الإحسان ، فإن كلمة «راعنا» التي تطلقونها في حديثكم مع النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله لتقصدوا منها معناها الظاهر عندكم في اللغة العربية ، أي ~~راعنا سمعك ، بمعنى أعطنا سمعك واسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه ، أو انظر ~~في مصالحنا وتدبير أمورنا ، فإن اليهود يقصدون بها ms0288 السب لأنهم يستقونها من ~~الرعونة وهي الجهل والحمق ، بحسب مدلولها في لغتهم كما يقال ولكن ( @QUR@02 ~~وقولوا انظرنا ) أي انظر إلينا أو انتظرنا وتأن علينا ، ( @QUR@01 واسمعوا ~~) أيها المؤمنون كلام الله بتأمل وتدبر وتفكير ، لتفهموا مقاصده ، ولتعرفوا ~~إيحاءاته ، فذلك ما يثبت إيمانكم وينطلق بكم في خط الاستقامة ، أما ~~الكافرون الذين لا يسمعون كلام الله ، وإذا سمعوه أعرضوا PageV02P150 # عن الانفتاح عليه أو حرفوه عن مواضعه ، فإنهم يسقطون في عذاب الله ، ( ~~@QUR@03 وللكافرين عذاب أليم ) جزاء لهم على جحودهم وإنكارهم بعد قيام ~~الحجة عليهم. # * * * ### ||| ** دقة المصطلحات وإيحاءاتها # وهذه قاعدة إسلامية توحي للمسلمين في كل زمان ومكان بالتدقيق في مداليل ~~الكلمات والمصطلحات التي يستعملونها ، ودراسة الآفاق التي يمكن أن تثيرها ~~في ما لها من مفاهيم ضيقة أو واسعة لدى الناس ، مما قد يلتقي بالمعنى ~~الإسلامي الأصيل ، ومما قد لا يلتقي به ، لئلا يساء استغلالها من قبل ~~الآخرين في مقاصد شريرة ضالة أو كافرة يراد بها تمييع المفاهيم الإسلامية ~~وإرباكها ، كما نلاحظ في بعض الكلمات التي أخذت في حياة الناس أبعادا معينة ~~لا تنسجم مع التفكير الإسلامي ، كما في كلمة «الحرية» التي أصبحت تحمل من ~~المعاني الكثير الكثير مما قد لا يتوافق مع الحدود التي يقف التشريع ~~الإسلامي عندها في أوضاع الإنسان وأفعاله وعلاقاته وأقواله ... فقد أخذت ~~هذه الكلمة بعضا من أفكار الاتجاه الرأسمالي الذي يعطي الفرد مساحة واسعة ~~في تصرفاته بعيدا عن كل مضمون أخلاقي أو إنساني ، فأصبح من ملامحها البارزة ~~أن يسمح الإنسان الفرد لنفسه بأن يفعل ما يشاء في علاقاته الجنسية ، أو ~~الاقتصادية ، أو السياسية ... بشرط أن لا يعتدي على حرية غيره ، بل ربما ~~امتد ذلك إلى حرية الانتحار مما لا يوافق عليه الإسلام. وهكذا القول في ~~كلمة الديمقراطية التي يستعملها بعض المسلمين في الأسلوب الذي يضاد ~~الاستبداد والفردية والتسلط في الحكم والتشريع والعلاقات العامة ، ويتناسب ~~مع الطريقة السمحة المتواضعة في صفات الناس ، فيقال : إن الإسلام PageV02P151 # ديمقراطي ، للتدليل على ما فيه من معاني الشورى والتسامح ، ويقال إن ~~فلانا ديمقراطي في أخلاقه بمعنى أنه متواضع ms0289 ؛ ولكن الكلمة تحمل في داخلها ~~معنى يختلف عن ذلك كله في حدوده الفكرية والتشريعية والاقتصادية ، مما يوجب ~~اختلالا في المفهوم الأساسي ، الأمر الذي قد يتجه بالتفكير إلى غير ما نريد ~~، فيخلق في حياتنا ذهنية غريبة لا ترتضي التشريعات أو الأفكار التي لا ~~تنسجم مع الاتجاه الديمقراطي للحكم والتشريع في ما تعنيه كلمة الديمقراطية ~~... ولهذا ، فإننا نتحفظ على مثل هذا التعبير ، ولا نرى صلاحا في استعماله ~~في حديثنا عن الإسلام وعن المسلمين. # ويمكن لنا أن نضيف إلى هاتين الكلمتين كلمة «الاشتراكية» ، التي شاع ~~استعمالها في أحاديثنا عن الإسلام في مفهومه لحل مشكلة الفقر وفي تشريعاته ~~المالية ، فقد رأينا البعض يعطي الإسلام صفة الدين الاشتراكي كطريقة من طرق ~~إعطاء الإسلام طابعا إنسانيا عادلا ، ولكن هذه الكلمة تحمل في داخلها معنى ~~آخر يختلف مع الإسلام في حدوده التشريعية والعملية ، لأنه يلتقي باعتبار ~~الدولة صاحبة الحق الشرعي في ملكية وسائل الإنتاج وتحديد الملكية في ~~مصادرها ومواردها وغير ذلك مما قد لا يتفق الإسلام معه في أكثر مجالاته. # إن القضية التي نستوحيها من الآية ، هي أن علينا أن لا نفسح في المجال ~~لاستغلال الكلمة # في غير مدلولها الذي نؤمن به ، حتى لو كان المدلول المضاد مرتبطا بها من ~~خلال لغة أخرى أو عرف آخر ، أو أجواء معينة تضفي عليها طابعا خاصا ، كما في ~~كلمة السلام أو «أنصار السلام» ، التي حملت جوا حزبيا يوحي بالانتماء إلى ~~بعض المبادئ على أساس اعتبارها مصطلحا جذابا للكسب والاستغلال الحزبي ، وإن ~~لم يكن للكلمة هذا المعنى بحسب طبيعتها ومعناها اللغوي. # * * * PageV02P152 ### ||| ** عقدة الكافرين من المسلمين # ( @QUR@025 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم ~~من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) في هذه ~~الآية يريد الله أن ينفذ بالمسلمين إلى أعماق الكفار من أهل الكتاب ~~والمشركين ، ليعرفهم أن القضية قد تحولت في وعي هؤلاء إلى عقدة ذاتية ~~مستعصية يختلط فيها البغي والحسد ، فلم تعد القضية لديهم قضية الإيمان ~~والكفر كشيء يتصل بالحقيقة ms0290 في العقيدة والحياة ، بل عادت مجرد حالة نفسية ~~معقدة ضد المسلمين كجماعة تواجه جماعة من مواقع السلطة والغلبة ، فلا ~~يريدون لهم أن ينزل عليهم خير من الله ، ولا سيما النبوة التي ورد في بعض ~~الروايات تفسير الخير بها ، ولكننا نعتبر ذلك من التفسير التطبيقي الذي ~~يراد به الإيحاء بأفضل المصاديق أو أبرزها في الدلالة على المعنى ، فإن من ~~البديهي هنا اعتبار النبوة من أبرز مجالات الخير النازل من الله عليهم إن ~~لم يكن أبرزها ، لأنها تمثل المركز الأسمى الذي يعتبر فيه الإنسان الرسول ~~صلة الوصل الروحي والرسالي بين الله وبين عباده ، كما تتحول الجماعة ~~المؤمنة من خلاله إلى قائدة للمجتمعات الأخرى وشاهدة على الناس. أما في ~~مجال الحياة الواسع ، فإنها تجمع للإنسان كل خطوات الخير ووسائله وموارده ~~ومصادره مما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة ، وهذا ما لا يريده الكفار ~~للمسلمين بفعل حقدهم وعداوتهم وحسدهم ، ولكن الله لا يتبع أهواءهم في ما ~~يريد وفي ما لا يريد ، بل هو الحكيم الرحيم الذي يجري الأمور على وفق الحق ~~ويختص برحمته من يشاء ، فلا ينسى عباده المؤمنين من فضله ، والله ذو الفضل ~~العظيم. # ( @QUR@07 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ) والمراد بهم هنا اليهود ، على PageV02P153 # حسب ما ورد في أسباب النزول ، ومن خلال الأجواء الإسلامية المتحركة في ~~واقع المسلمين في مرحلة نزول الآية التي كانوا يواجهون فيها الصراع مع ~~المنطق اليهودي الذي كان يعمل على إرباك الدعوة ، ( @QUR@02 ولا المشركين ) ~~الذين كانوا يتربصون بالإسلام وبالمسلمين الدوائر ليكيدوا لهم ، وليسقطوا ~~مواقعهم ، وليدخلوهم في أجواء الاهتزاز والزلزال النفسي الذي يؤدي بهم إلى ~~التراجع عن دينهم ، ( @QUR@07 أن ينزل عليكم من خير من ربكم )، لأن ~~المسألة لم تنطلق لديهم من حسابات فكرية دقيقة ، ولا من شبهات معقدة ، ولا ~~من موقع يوحي بالرفض ، بل كانت منطلقة من عقدة مرضية مستعصية ، لأنهم ~~اتخذوا منكم موقف العداء ؛ الأمر الذي جعلهم يحسدونكم على ما أنعم الله به ~~عليكم من رسالته التي أنزلها على رسوله ليبلغها لكم ، ( @QUR@05 والله يختص ~~برحمته من يشاء ms0291 )، فهو يملك العطاء والمنع وهو يعلم مصالح عباده في ما ~~يعطيهم أو يمنعهم ، ويطلع على خصائص أوضاعهم الداخلية والخارجية ، فيصطفي ~~من رسله من يشاء وينزل رسالته على من يشاء ، تفضلا منه وكرما ، في خط ~~الحكمة الإلهية التي يختص بها عباده ( @QUR@04 والله ذو الفضل العظيم ) ~~الذي لا ينكر أحد فضله في كل نعمه التي يفيض بها على عباده الصالحين. # * * * ### ||| ** من وحي الآية في حركة الحاضر والمستقبل # وإذا كان لنا استيحاء شيء من هذه الآية يتصل بحياتنا العملية في الحاضر ~~والمستقبل ، فقد نجد أن بإمكاننا الانطلاق إلى الواقع الذي يواجهه المسلمون ~~في كل زمان ومكان في صراعهم مع الفئات الأخرى ممن ينتمون إلى الأديان ~~الأخرى أو إلى المبادئ الكافرة الملحدة ، فنلاحظ أن علينا النفاذ إلى ~~الأعماق في دراستنا للحالة النفسية التي يعيشونها تجاهنا ، ومدى ما تمثله PageV02P154 # من مواقف عملية في السر والعلن ، مما يدخل في عداد المخططات التي تعد ضد ~~تقدم المسلمين وتطورهم وامتدادهم في الآفاق الواسعة الصاعدة في الحياة ، ~~وبذلك نستطيع الوصول إلى النتائج الملموسة التي توضح لنا كيف يشعر الآخرون ~~بالخطورة من قوة الإسلام والمسلمين ، لما في ذلك من انعكاسات خطيرة على ~~موقعهم الفكري والسياسي وعلى النطاق الحضاري بشكل عام ، تماما كما هي الحال ~~في الكفار القدامى من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يخافون من قوة ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وتعاظم الإسلام ، على امتيازاتهم الذاتية ~~والطبقية ومواقعهم الفكرية. # وفي هذا الجو ، نشعر بالحاجة إلى الحذر الإيجابي الواعي إزاء كل الأساليب ~~المتنوعة المغلفة بغلافات ناعمة من اللطف والرقة والعاطفة ، الملونة بألوان ~~من الحضارة والتقدم والتنمية والتطوير ... وما إلى ذلك من الأساليب التي ~~يريد الآخرون من المستعمرين والكافرين ، بشكل عام ، أن ينفذوا منها إلى ~~حياة الأمة ، ليدمروا قيمها الروحية من الداخل ، وليسيطروا على مقدراتها ~~المادية والمعنوية كسبيل من سبل إضعاف كل طاقاتها الحضارية التي تتحرك من ~~أجل صنع حضارة إسلامية جديدة في المستقبل ، كما صنعت حضارة الإنسان في ~~الماضي البعيد. # ومن النقاط المهمة التي ينبغي التركيز عليها في هذا المجال ms0292 ، هي أن الحذر ~~لا يعني السلبية التي تبعدنا عن الارتباط بالعالم من حولنا ، بل يعني ~~اليقظة والوعي والمراقبة لكل الأساليب والأوضاع والتحركات المحيطة بنا ، ~~بعين يقظة نفاذة ناقدة ، وبروح واعية لا تعيش بساطة الفكر وسذاجته في عالم ~~لا يتعامل مع الحياة إلا من خلال التعقيد ، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نعيش ~~عفوية الروح وبساطتها في جو يحقق للإنسان معنى إنسانيته في رحاب الله. PageV02P155 ### ||| ** كيف نفهم النسخ؟ # ( @QUR@019 ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير ) تدل هذه الآية على أن الله عند ما يرفع آية أو ~~يزيلها لفظا أو حكما أو تلاوة حسب اختلاف أنواع النسخ وأشكاله ، أو عند ما ~~ينسيها فلا يتذكرها الناس ليبعدها عن الوجدان الفكري لهم ، لانتهاء دورها ~~في المرحلة الجديدة ، لأن مضمونها كان صالحا لفترة سابقة على صعيد التشريع ~~والتوجيه ؛ فإنه لا يترك الناس بدون هداية جديدة ، ولا يفوت عليهم ما فيها ~~من فوائد ومصالح ؛ بل يأتي بخير مما رفعه عنهم أو أنساهم إياه ، أو يأتي ~~بمثلها في ما تفتح لهم من أبواب المعرفة ، لأنه قادر على كل شيء. # ذلك هو المفهوم الحرفي من اللفظ ، ولكن ماذا وراء ذلك؟ وما المناسبة فيه؟. # قد تكون القضية واردة في الأجواء الفكرية التي كان يعيشها اليهود في ~~استنكارهم لنسخ الكتب والشرائع السماوية بكتاب جديد أو شريعة جديدة ، كما ~~ينادي به أتباع عيسى ومحمد عليهما السلام ، في ما جاء به عيسى من كتاب ، وفي ~~ما جاء به محمد من كتاب وشريعة ، وكانوا ينطلقون في ذلك مما زعموه أساسا ~~لاستحالة النسخ ، لأن ذلك يؤدي إلى نسبة عدم الحكمة إلى الله إذا رفع الحكم ~~أو الآية مع بقاء الموضوع على ما هو عليه من المصلحة ، أو يؤدي إلى نسبة ~~الجهل إليه إذا كان يرى دوام المصلحة فتبين عدم دوامها في حالة ارتفاع ~~المصلحة السابقة. وعلى هذا الأساس ، كانوا يستنكرون فكرة النسخ بشكل كلي ، ~~فجاءت هذه الآية لتبين لهم وللمسلمين أن الله ms0293 يمكن أن يجري التشريع على ~~مراحل ، فيجعل الحكم على أساس مصلحة موقتة بزمان من دون أن يبين PageV02P156 # ذلك للناس ، بل يتركهم لتصورهم ليتخيلوا استمراره لحكمة في ذلك ، ثم ~~تنتهي المصلحة السابقة لتبدأ مصلحة جديدة بحكم آخر ، أو لينزل آية أخرى ~~مماثلة لما سبق في المصلحة أو أفضل منها فيرفع ما كان ، وذلك على قاعدة ~~الحكمة البالغة التي اقتضت الجعل في البداية والنهاية. # وربما تكون الآية واردة في نطاق الأجواء الإسلامية في نسخ آيات القرآن ، ~~بإزالتها حكما وتلاوة كما يدعيه البعض ، أو تلاوة لا حكما كما يدعيه بعض ~~آخر في آيات الرجم ، أو حكما لا تلاوة كما ورد في بعض الآيات التي ادعي ~~نسخها في القرآن ؛ وعلى هذا تكون الآية واردة في تبرير ذلك ، وبيان أن الله ~~بيده رفع الآيات ووضعها ، وأن الذي أنزل الآية قادر على أن ينزل مثلها أو ~~أفضل منها. # ونحن لا نوافق على نسخ التلاوة مع نسخ الحكم أو بدونه ، لأن ذلك يؤدي إلى ~~الالتزام بتحريف القرآن ونقصانه ، كما أنه لم يثبت إلا بخبر الواحد الذي لا ~~يثبت النسخ به على ما هو رأي جمهور المحققين مما هو مذكور في محله. # أما نسخ حكم الآية ، فهو ممكن في ذاته ، ولكن هناك كلاما بين العلماء في ~~وقوعه في القرآن وعدمه ، وهذا ما لا مجال لتفصيل الحديث فيه هنا لأن مجاله ~~في أبحاث علوم القرآن لا تفسيره ، ويمكن للقارىء الرجوع إلى كتاب «البيان ~~في تفسير القرآن» لأستاذنا المحقق السيد أبي القاسم الخوئي ، فقد وفى هذا ~~الموضوع حقه. # * * * PageV02P157 ### ||| ** علاقة الآية بالعصمة في سهو الأنبياء # وقد ثار جدل كلامي حول الجانب المتعلق بالنسيان في الآية ، فتباينت ~~الآراء ، بين رأي لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى التنفير عنه وعدم الثقة بكلامه ~~، لإثارته الاحتمال في كل ما يبلغه للناس ، فلا يبقى مجال للطمأنينة به ، ~~وهذا ما ذهب إليه المحقق الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في تفسيره ~~«التبيان» ، على ما نقله صاحب «مجمع البيان» (1)؛ وبين رأي يجوز ذلك ، وهو ~~رأي جماعة من ms0294 المحققين ، فقد قالوا إن من الممكن أن يكون النسيان لحكمة ~~واستدلوا عليه بقوله تعالى : ( @QUR@013 سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله ~~إنه يعلم الجهر وما يخفى ) [الأعلى : 6 7] أي إلا ما شاء الله أن تنساه ... ~~وهذا بحث من أبحاث الكلام المتصلة بعصمة النبي عن الخطأ والسهو والنسيان في ~~الموارد التي أريد له أن يزيلها من التشريع في حياة الناس ، ونحن لا نريد ~~الخوض في هذا البحث ، لأن له مجالا آخر. أما رأينا في هذا الموضوع ، فهو أن ~~الآية بعيدة عن هذا البحث ، لأن النسيان وارد هنا على سبيل الكناية في ما ~~يريد الله أن يزيله من التشريع بشكل غير مباشر ، في مقابل ما يريد إزالته ~~بشكل مباشر ، وهو إبلاغ النبي بذلك عن طريق الوحي ، ولهذا فإن إنساء الله ~~إياه ، ليس فيه محذور حتى على رأي من يرى عصمة النبي عن السهو والنسيان ، ~~لأنه يعتقد ذلك في الموارد التي تدخل في نطاق الشريعة والحياة العامة ~~الطبيعية ، لا في ما يدخل في نطاق الإرادة الإلهية التي تتدخل في نسخ الحكم ~~بهذه الطريقة ، مما يعد جزءا من حركة الرسالة وطريقتها في إبلاغ الشريعة ~~سلبا أو إيجابا. # وهناك قراءة أخرى : «أو ننسأها» ، من الإنساء وهو التأجيل والتأخير إلى PageV02P158 # أجل معين ، وهذا ما نستبعده لأنها واردة في سياق الاستبدال الذي يعني ~~الإزالة في المبدل منه أساسا ؛ والله العالم. # وقد يخطر بالبال أن المراد بالآية في هذا الموضوع ، هو الآية التكوينية ~~مما يدخل في عداد الظواهر الكونية ، أو المعاجز الإلهية التي يرسل بها ~~الأنبياء. وربما يكون ذلك أوفق بمفهوم الآية عرفا ، وأقرب إلى مدلول كلمة ~~النسخ من حيث تعلقها بالذات بينما هي متعلقة بالحكم على المعنى المتقدم مع ~~فرض بقاء الآية في موقعها من القرآن ، كما أنها أكثر صلة بقدرة الله التي ~~كانت ختام الآية ... وعلى ضوء هذا ، يكون مدلول الآية هو أن الله قادر على ~~أن يزيل الآيات التي يخلقها أو يرسل بها رسوله ويأتي بخير منها أو مثلها في ~~الكون ، أو على يد الرسل ms0295 ؛ وبذلك تكون بعيدة عن جو النسخ بمعناه المصطلح ، ~~ولكن كلمة «ننسها» قد لا تتناسب كثيرا مع هذا التفسير إلا ببعض الوجوه ~~البعيدة ؛ والله أعلم بمعاني آياته. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في تفسير الآية # وهناك وجه آخر في فهم الآية يرتكز على شموليتها للجانب التشريعي ~~والتكويني والإنساني ، فقد جاء في تفسير الميزان في تفسير كلمة الآية ، قال ~~: «إن كون الشيء آية يختلف باختلاف الأشياء والحيثيات والجهات ، فالبعض من ~~القرآن آية لله سبحانه ، باعتبار عجز البشر عن إتيان مثله ، والأحكام ~~والتكاليف الإلهية آيات له تعالى ، باعتبار حصول التقوى والقرب بها منه ~~تعالى ، والموجودات العينية آيات له تعالى ، باعتبار كشفها بوجودها عن وجود ~~صانعها وبخصوصيات وجودها عن خصوصيات صفاته وأسمائه سبحانه ، وأنبياء الله ~~وأولياؤه تعالى آيات له تعالى ، باعتبار دعوتهم إليه بالقول والفعل ، PageV02P159 # وهكذا ، ولذلك كانت الآية تقبل الشدة والضعف ، قال الله تعالى : ( ~~@QUR@06 لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) [النجم : 18]. # ومن جهة أخرى ، ربما كانت الآية ذات جهة واحدة ، وربما كانت ذات جهات ~~كثيرة ، ونسخها وإزالتها كما يتصور بجهته الواحدة كإهلاكها كذلك يتصور ببعض ~~جهاتها دون بعض إذا كانت ذات جهات كثيرة ، كالآية من القرآن تنسخ من حيث ~~حكمها الشرعي وتبقى من حيث بلاغتها وإعجازها ونحو ذلك. # وهذا الذي استظهرناه من عموم معنى النسخ هو الذي يفيده عموم التعليل ~~المستفاد من قوله تعالى : ( @QUR@08 ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير )، ~~( @QUR@08 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ) ( 1). # وهذا المعنى طريف في ذاته ، ولكن إرادته من هذه الآية غير ظاهر ، لأنها ~~واردة في الأشياء التي هي في معرض النسخ والإزالة مما يتعلق بحياة الناس ، ~~بالمستوى الذي يثير الجدل فيما بينهم ، كما جاء الحديث به عن اليهود في ~~حركة التشريع ، أو في تأكيد قدرة الله في خلقه بحيث لا تجري الحياة على شكل ~~واحد ، بل يمكن أن تتغير وتتبدل لتتحرك ظاهرة في مرحلة معينة لتحل محلها ~~ظاهرة أخرى مماثلة لها أو أفضل منها انطلاقا من قدرة الله. # وقد لا نجد مناسبة للتعبير عن الأشخاص ms0296 بالآية من خلال نشاطهم ودعوتهم أو ~~الحديث عنهم بعنوان النسخ ونحوه. # إنها والله العالم إشارة إلى ما يكون في معرض الثبات والاستمرار ، ليكون ~~النسخ مفاجئا للناس ، فيحتاج إلى إزالة مضمون المفاجأة من أذهانهم ، لأن ~~الله الذي يملك القدرة على الإيجاد قادر على التبديل ، ولا دلالة في PageV02P160 # التعليل على ما ذكره ، لأن الحديث عن قدرة الله يكفي في مناسبته وجود ~~موضوع له في مسألة التشريع أو التكوين. # * * * ### ||| ** نسخ الآيات للإتيان بخير منها # ( @QUR@04 ما ننسخ من آية ) أي نزيلها من التشريع ، باعتبار أن تبديل ~~مضمونها من التداول في حياة الناس إلى مضمون آخر وحكم آخر يمثل إزالة عملية ~~للآية حتى لو بقيت في القرآن لفظا ، لأنها خرجت منه عملا ، لتبقى في ~~مضمونها مجرد تاريخ في التشريع ؛ أو نزيلها من الوجود كظاهرة كونية تتبدل ~~بظاهرة أخرى ، أو معجزة تنتهي لتأتي مكانها معجزة أخرى. أما معنى «الآية» ، ~~فهو العلامة الظاهرة وحقيقته لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره ، ~~فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته ، إذ ~~كان حكمهما سواء ، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات ، فمن علم ملازمة ~~العلم للطريق المنهج ، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق ، وكذا إذا علم ~~شيئا مصنوعا علم أنه لا بد له من صانع ، كما جاء في مفردات الراغب ~~الأصفهاني (1). # وقد تطلق على كل جملة من القرآن دالة على حكم أية سورة كانت أو أي فصل من ~~فصول السورة ، وقد يقال لكل كلام منفصل بفصل لفظي ، وعلى هذا ، اعتبار آيات ~~السورة التي تعد بها السورة ؛ وقد تطلق على المعجزة وعلى الظواهر الكونية ~~الدالة على وجود الله والمعاد وعلى الأشياء البارزة الملفتة للأنظار. PageV02P161 # ( @QUR@02 أو ننسها ) أي نهملها من الذاكرة أو نتركها ، فلا يكون لها أي ~~أثر أو اعتبار في الواقع. ( @QUR@03 نأت بخير منها ) في العناصر التشريعية ~~التي قد تمنح الناس نتائج أكبر من الأولى على مستوى حياتهم العامة أو ~~الخاصة في التسهيل أو التيسير ، أو في ملاءمتها للمرحلة الثانية بشكل أفضل ~~من ms0297 الأولى التي كانت تنسجم مع المرحلة الأولى ، ( @QUR@02 أو مثلها ) في ~~مستوى العناصر الكامنة في الآية الأولى ، وإن اختلفت في طبيعتها من حيث ~~خصائصها ، كأي شيئين متماثلين في الدرجة مختلفين في الخصائص. # وبهذا يجاب عن السؤال الذي يفرض نفسه أمام الكلمة ، وهو أنه إذا كان هناك ~~تماثل بين الحكم الناسخ والمنسوخ فما فائدة التغيير ، بأن الخصائص قد تختلف ~~لتكون في زمن منتجة للغاية التي كانت من أجلها ، وغير منتجة في زمن آخر ~~لحاجتها إلى خصائص أخرى ، لأن للزمن دورا في فعلية الخصائص مع وحدة الغاية. ~~( @QUR@08 ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) فمن يخلق الآية ويحركها في ~~الوجود أو في التشريع الإنساني لمصلحة معينة في فترة معينة ، ومن يبدع آية ~~أخرى في مكانها بعد إزالة الأولى ، أو يشرع حكما تضمنته الآية بعد نسخ ~~الحكم الأول؟! فإن الله لا يعجزه شيء في خلقه ، فإذا كان قادرا على الإيجاد ~~، فهو القادر في الوقت نفسه على إعدام فعلية الوجود وتبديله بوجود آخر ، ~~فإن الموجودات خاضعة له في البداية في أصل وجودها ، كما هي خاضعة في ~~النهاية بعد وجودها ، فلا يعطل الوجود قدرته. # * * * ### ||| ** الحضور الدائم لله في حياة الإنسان # ( @QUR@016 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا PageV02P162 # @QUR@01 نصير ) ربما كانت هذه الآية تأكيدا للجو الروحي الإيماني الذي ~~يريد القرآن ملء نفس الإنسان المؤمن به ، في ما جاء في الآية السابقة من ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير )، فكانت هذه ~~الآية من أجل دفع الإنسان إلى عيش هذه الحقيقة الإيمانية ، من خلال توجيهه ~~إلى التفكير في ما حوله وفي ما فوقه من السماوات والأرض ، ليعرف أنها ملك ~~الله الذي يحب أن يذعن له العباد ، ويخضعوا له ، ويرجعوا إليه في كل أمورهم ~~، ولا يتمردوا عليه ، ولا ينحرفوا عن سبيله مهما كانت درجة قوتهم ومهما ~~كانت قوة الآخرين ، لأنهم سوف يواجهون الحقيقة الصارخة ، وهي أنهم لا ~~يملكون من دون الله وليا يرعاهم ويقوم بأمورهم ، لأنه ms0298 القائم على الخلق كله ~~، ولا يملكون من دونه نصيرا ينصرهم منه ، لأنه خالق القوة كلها ، فلا قوة ~~أمامه مهما بلغت ... وهذه طريقة قرآنية جديرة بالوعي والتأمل ، وهي الإيحاء ~~الدائم بعظمة الله ، بالإفاضة في ذكر صفاته المليئة بأجواء العظمة في كل ~~مورد يذكر فيه اسمه في القرآن ، ليظل الإنسان مشدودا إلى عظمته في عملية ~~تفكير وتدبر وتأمل ، وليعيش الحضور الروحي الدائم ، فلا ينفصل عنه في أية ~~حالة من الحالات. # ( @QUR@02 ألم تعلم ) يا محمد ، أو أيها الإنسان المؤمن ، ( @QUR@06 أن ~~الله له ملك السماوات والأرض ) من موقع أنه الخالق لها والمدبر لأمورها ~~والمهيمن عليها ، فهو وحده الذي يملكها بالخلق والسيطرة والقدرة المطلقة ~~التي تحتويها وتحيط بها من كل جانب وتملك كل حركتها وكل ما فيها من ~~المخلوقات ... فكيف تعصونه وتعبدون غيره وتتمردون عليه أيها الناس ولا ~~تخافون عقابه كأنكم تملكون الولي الذي يتولى حمايتكم ، والناصر الذي ينصركم ~~إذا أراد الله أن يأخذكم أخذ عزيز مقتدر؟! ألم تعلموا أيها الناس أنه ما ~~لكم من إله إلا الله ( @QUR@09 وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير )؟! # * * * PageV02P163 ### ||| ** الطلبات التعجيزية ظاهرة تاريخية للكفر # ( @QUR@01 أم ) هنا منقطعة بمعنى «بل» ، في مقابل المتصلة التي لا بد من ~~أن تعادلها الألف ، لتكون واردة في مجال التسوية بين شيئين. وتدل الآية على ~~أن قوم الرسول محمد صلى الله عليه وآله سألوه شيئا مشابها لما سأله قوم موسى ، ~~ولكنها تجمل طبيعة ذلك الشيء ، فهل هو أن يروا الله جهرة كما عن بعض ، أم ~~هو أن يضع لهم إلها على صورة آلهة الكفار كما ذكره بعضهم ، أم أن يحقق لهم ~~بعض الطلبات التعجيزية التي لا تبلغها قدرته الذاتية ، أو مما يستحيل حدوثه ~~بصفة طبيعية ، كما حدثنا الله عن ذلك في بعض الآيات التي أفاضت في الحديث ~~عما كان يقدم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله من طلبات تعجيزية؟. # ونحن لا نريد أن نسترسل كثيرا في ما استرسل فيه المفسرون من الحديث عن ~~هذا الأمر ، لأننا لا نجد الجانب التفصيلي في هذه ms0299 القضايا موضع أهمية ~~لاستحياء الفكرة أو أخذ العبرة ، فنجمل ما أجمله الله من القصة التي لم ~~تتحدث إلا عن طبيعة هذا السؤال ، وعلاقته باستبدال الإيمان بالكفر ، مما ~~يوحي بأن الطلبات تتحرك في اتجاه يقترب بهم إلى الكفر ، ويخرجهم من خط ~~الإيمان ، فلنأخذ منها هذه الفكرة التي يريدنا الله أن نعرفها ، لنعرف شدة ~~معاناة الرسول من قومه في ما أثاروه من قضايا تدخل في حساب الخطة الشريرة ~~التي استهدفت إشغاله عن مهمته ، وتحديهم لشخصه أمام الجاهلين الذين لا ~~يعرفون موازين الدور النبوي في حياة الناس ، أو محاولتهم السخرية منه بهذه ~~الطريقة ، ولندرك من خلال ذلك طبيعة المجتمع الذي عاش فيه النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله كما عاشه الأنبياء من قبله ، ومدى الجهد الذي بذله ~~الأنبياء في تصحيح مسار الفكر ، وتقويم منهج التفكير ، وفي رفع مستواهم ... ~~ثم نعرف مسئوليتنا ونحن نسير في طريق الدعوة إلى الله ، أن نصبر حيث صبروا ~~، وأن نعاني حيث عانوا ، وأن نواجه ما واجهوه من أساليب التعنت والتعصب PageV02P164 # والسخرية ، بالعقلية الواعية التي تدرس خلفيات المجتمع الفكرية والعاطفية ~~، لتقف أمامه من موقع هذه المعرفة بالحجة القوية ، والكلمة الحكيمة ، ~~والموقف المرن ، كما وقف القرآن أمام ذلك المجتمع ، فلم يخاطبهم في هذه ~~الآية بالحكم الذي يترتب على العقلية التي أطلقت هذه الأسئلة ، بل وضعهم ~~وجها لوجه أمام القاعدة الكلية ، وهي أن كثيرا من الخطوات التي يسير عليها ~~الإنسان في طريقة التفكير والممارسة هي خطوات تتحرك في طريق الكفر ، فلا بد ~~له أن يعي جيدا ، وهو يسير في هذا السبيل ، أن هذا يعني استبدالا للإيمان ~~بالكفر ، ولا بد له أن يعي أن من يتبدل الكفر بالإيمان في ما يوحيه كل ~~منهما أو في ما يحققه للإنسان فقد انحرف عن الطريق المستقيم وانطلق يتخبط ~~خبط عشواء في مجال لا يعرف فيه أين يقف وأين يسير. # ( @QUR@05 أم تريدون أن تسئلوا رسولكم ) محمدا الأسئلة التعجيزية التي لا ~~تمثل انفتاحا على المعرفة ، بقدر ما تمثل حركة لإثارة الغبار من حول النبي ~~صلى الله عليه وآله ms0300 ، أو لجلب الاستهزاء به وبرسالته ، أو لإعطاء المبرر ~~العلني للجحود من خلال ما يعلمونه من أن النبي لن يجيب على مطالبهم ~~بالإيجاب ، لأن الرسول لا يملك القدرة الذاتية عليه ، ولن يستجيب الله لهم ~~بذلك ، لأنه قد يكون محالا من جهة وقد يكون نوعا من العبث من جهة أخرى. ( ~~@QUR@05 كما سئل موسى من قبل ) من الأسئلة المتعلقة بالمحال انطلاقا من ~~كفرهم وعبثهم به. إن هذا يمثل انفتاحا على الكفر في إيحاءاته وطروحاته ( ~~@QUR@04 ومن يتبدل الكفر بالإيمان ) فيخرج عن خط الانتماء إلى الإيمان إلى ~~خط الكفر بشكل مباشر أو غير مباشر ، ( @QUR@04 فقد ضل سواء السبيل ) وابتعد ~~عن خط الاستقامة الذي يؤدي إلى النجاة ، ووقع في التيه الفكري والعملي الذي ~~يؤدي به إلى الهلاك في الدنيا والآخرة. # أما العبرة من ذلك ، فهي أن يدرس المؤمنون المسلمون إيمانهم في خط ~~الإسلام ، ليتعرفوا عمقه وامتداده ، وليلتزموا كل مفرداته العقيدية ~~والمنهجية والشرعية ، ليتحركوا في كل أوضاعهم من خلال هذا الوعي العميق ~~الواسع ، PageV02P165 # وليحددوا أسئلتهم في حركة المعرفة ، بحيث لا تنحرف عن أصول العقيدة التي ~~تمثل العمق الوجداني في الانتماء ، فإذا عرضت لهم شبهة طرحوها كمشكلة ~~يبحثون عن حلها بعيدا عن حالة التعنت والتمرد والاستهزاء ، لأن ذلك يمثل ~~الانتقال العملي من الإيمان إلى الكفر ، ويبتعد بهم عن صفاء إنسانيتهم في ~~التصور والمنهج ، لأن الإنسان الذي لا يتحرك من موقع الحاجة إلى المعرفة ~~بطريقة جدية ، هو إنسان لا يحترم معنى الإنسان في ذاته ، وطبيعة التوازن في حياته. # * * * ### ||| ** الموقف من حسد أهل الكتاب # ( @QUR@033 ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ~~إن الله على كل شيء قدير ). # في هذه الآية جانب من التوعية العملية ، وجانب من الأسلوب الرسالي في ~~التخطيط السليم لحركة الدعوة الإسلامية في علاقة المسلمين بأهل الكتاب ، ~~فقد أراد الله لهم أن يفهموا أن أهل الكتاب لم ينطلقوا في معارضتهم لهم من ~~موقع الشبهة الفكرية التي تجعلهم يقفون ms0301 موقف الرفض للدعوة التي يعتقدون ~~خطأها ، أو موقف الحيرة التي تجعلهم يترددون بين القبول والرفض ، بل كان ~~الدافع لذلك الحسد القاتل الذي يتحرك من موقع المحافظة على الامتيازات ~~الذاتية القديمة التي يخافون عليها من الزوال أمام قوة الرسالة الإسلامية ~~وتقدمها ، ولهذا فإنهم يودون في داخل أنفسهم لو يستطيعون إرجاعكم إلى الكفر ~~والشرك والوثنية مما يتنافى مع عقيدة التوحيد التي يزعمون الإيمان بها ، ~~فلو كانوا منسجمين مع هذه العقيدة ، لكان خط الإسلام PageV02P166 # أقرب إلى خطهم في أغلب الأمور التي يؤمنون بها ، ويؤكد القرآن في هذا ~~المجال أن الحق قد تبين لهم بأسلوب لا يرقى إليه الشك ، الأمر الذي يبطل كل ~~حجة مضادة لديهم في العقيدة. # ثم أراد الله للمسلمين أن يعفوا ويصفحوا ، وذلك من موقع التخطيط العملي ~~الذي يعتمد على سياسة المراحل في حركة القوة ، فلا يمارس القوة إلا بعد ~~استنفاد الوسائل السلمية التي تفتح للكافرين والمعارضين باب الدخول في ~~الإيمان والسير في خط السلم ، وعرفهم أن عليهم أن لا يتشنجوا ويستسلموا ~~للانفعال النفسي المنطلق من الرغبة في التدمير على أساس ما يملكون من قوة ، ~~فإن للقضية حدا لا بد أن تبلغه ، وذلك عند ما يأتي الله بأمره في تشريع ~~القتال ، سواء في ذلك المشركون وأهل الكتاب ، فإن الله لا يفوته أحد مهما ~~امتد في قوته وطغيانه لأنه على كل شيء قدير. # ( @QUR@05 ود كثير من أهل الكتاب ) من الذين لم ينفتحوا على الرسالة من ~~موقع الإيمان ، ولم يعملوا على مواجهة الوحي بذهنية الحوار ، ولم يرتاحوا ~~إلى الدين الجديد الذي لا يبقى معه مجال لدين آخر سابق ، باعتبار أنه الدين ~~الذي يجمع خلاصة الأديان السابقة ويزيد عليها بما يحقق للحياة المتجددة ~~الحل للمشاكل الطارئة التي اقتضاها تغير الزمن وتطوره ، والذي يضع حلولا ~~جديدة للمشاكل السابقة التي لم يعد الحل الموضوع لها متناسبا مع مرور الزمن ~~، الأمر الذي يفرض تغييرها إلى الأفضل ، وهذا ما يؤدي إلى زوال سلطانهم ~~وتأثيرهم على المجتمعات ، باعتبار أنهم من أهل الكتاب الذين هم المرجع ~~للناس الذين يلتزمون الدين ms0302 ممن يؤمنون بالله ، ليعودوا إليهم في كل ما ~~يجهلونه من أمور الدين الذي يملك هؤلاء علمه. وهذا ما جعلهم يفكرون ( ~~@QUR@06 لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ) لتعودوا إلى الشرك الذي كنتم ~~فيه ، لأن المسألة لديهم لا تنطلق من التزامهم الواقعي بالإيمان بالله ~~وبالرسالات وبالرسل مما يدعو إليه الإسلام ويؤمن به المسلمون ، ليكون ~~الإيمان أقرب PageV02P167 # إليهم في واقع المؤمنين من الشرك ، بل هي عقدة ذاتية تربط الإيمان بهم في ~~كل خصوصياته ؛ فمن كان معهم كان خروجه من الشرك فضيلة ، ومن لم يكن معهم ~~كان خروجه مشكلة لا بد أن يواجهوها بالرفض حتى لو كانوا مؤمنين من ناحية ~~المبدأ. # ( @QUR@04 حسدا من عند أنفسهم ) كأي شخص يجد النعمة لدى غيره فيتمنى أن ~~تكون له ، فلا يقبلون أن تنتقل النبوة إلى محمد صلى الله عليه وآله ليكون كل ~~مجدها وشرفها وحركيتها له ولأتباعه. إنها عقدة الحسد الذي ينهش قلوبهم ~~فيتحولون إلى واقع العداوة ، كما نقل في أسباب النزول عن حيي بن أخطب وأخيه ~~أبي ياسر اللذين دخلا على النبي محمد صلى الله عليه وآله حين قدم المدينة ، ~~فلما خرجا قيل لحيي : أهو نبي؟ فقال : هو هو. فقيل : ما له عندك؟ قال : ~~العداوة إلى الموت (1). وقد تطور أمره حتى أنه نقض العهد وأثار الحرب يوم ~~الأحزاب. ( @QUR@06 من بعد ما تبين لهم الحق ) مما عرفوه من دلائل نبوته في ~~التوراة ، وكانوا يستظهرون به على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ~~به. ( @QUR@02 فاعفوا واصفحوا ) ولا تدخلوا معهم في حرب ، بل سالموهم على ~~أساس السلم الذي فرضته المعاهدة التي دخلتم فيها معهم ، مما يلزمكم ~~بالتغاضي عن كل نياتهم السيئة وعقدتهم العدوانية ، على الرغم من قوتكم في ~~المجتمع المسلم المدني الذي تملكون فيه القوة التي تستطيعون من خلالها أن ~~تنتصفوا منهم. ( @QUR@04 حتى يأتي الله بأمره ) عند ما تأتي الساعة التي ~~يأذن الله فيها بجهادهم من خلال نقضهم العهد من الناحية العملية ، وإعلانهم ~~العداوة للمسلمين بالتحالف مع المشركين ضدكم ، لتكون لكم الحجة عليهم في ~~صعيد الواقع. ( @QUR@06 إن الله على ms0303 كل شيء قدير ) فهو يمهل عباده ، فلا ~~يعجل لهم العقوبة ولا يؤاخذهم بالعذاب من خلال أنه لا يخاف الفوت الذي يوحي ~~لصاحب الحق بالاستعجال ، ولأن PageV02P168 # الحكمة قد تدعو إلى ذلك من خلال المصالح العامة المترتبة على ذلك في واقع ~~التعايش الطبيعي بين المسلمين وأهل الكتاب ما داموا سائرين على العهد في ~~خطواتهم العملية ، لأن الدوافع السيئة لا تكون أساسا للعقاب. # * * * ### ||| ** أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # ( @QUR@017 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله إن الله بما تعملون بصير ) في هذه الآية ، يعقب الله على أمره ~~بالعفو والصفح عن أهل الكتاب ، بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ~~وبالوعد الحق بأنهم سيجدون عند الله كل ما يقدمونه أمامهم من خير ، فإنه ~~بصير بما يعملونه ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ~~وهذه طريقة قرآنية تربوية ، في كل مورد من الموارد التي يوجه فيها الله بعض ~~الأوامر أو النواهي للناس ، فإنه يتبع ذلك بتكاليف أخرى تؤكد جانب الشخصية ~~الإيمانية العملية في نفس المؤمن ، وبالحديث عما يلاقيه أمامه من الثواب ~~الموعود لدى الله ، من أجل أن يظل منفتحا على أعمال الخير بقوة روحية تندفع ~~إلى تحقيق إرادة الله من موقع الطاعة الواعية التي تواجه العقبات والمصاعب ~~الداخلية والخارجية بروح إسلامية تعرف النتائج سلفا ، فلا تتزعزع ولا تضعف ~~ولا تنهار. وقد لا نحتاج إلى الكثير من الجهد ، لنعرف انسجام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة مع الأمر بالعفو والصفح ، لأنهما يفتحان قلب المؤمن على الله من ~~نافذة العبادة ، وعلى الإنسان من نافذة العطاء ، فيحصل له من هنا وهناك ~~الجو الروحي الداخلي الذي يعرف كيف يعفو ويصفح ويتسامح قربة إلى الله تعالى. # ( @QUR@02 وأقيموا الصلاة ) التي تقوي عنصر الخير وتدفعكم إلى الصبر ، ~~وتفتح عقولكم وقلوبكم على الانقياد لله في ما يأمركم به من العفو والصفح ، لأن PageV02P169 # الصلاة هي معراج روح المؤمن إلى الله ، فيلتقي به في روحانية العبودية ~~الخالصة التي تقربه منه ، وترتفع به إلى الدرجات العلى ، وتسمو به في آفاق ~~الله حيث يتخفف ms0304 من كل المشاعر الذاتية الانفعالية ، ليعيش التأمل والتفكير ~~في تركيز العلاقات مع الآخرين على القاعدة الروحية الثابتة. ( @QUR@02 ~~وآتوا الزكاة ) التي تعيشون فيها روحية العطاء في تأكيد العلاقات المسؤولة ~~بالآخرين ، في مواجهة المشاكل الصعبة التي يعانون منها ، فتزدادون وعيا ~~لمتابعة الواقع العام من حولكم في نظرتكم إلى هؤلاء ، فلا تتحركون من داخل ~~العقدة بل من داخل المصلحة العامة في مواقع رضى الله ؛ وذلك هو ما تقدمونه ~~بين أيديكم لله امتثالا لأوامره ، ( @QUR@05 وما تقدموا لأنفسكم من خير ) ~~من الطاعة والإحسان والخير المتحرك في الإنسان الآخر ، ( @QUR@03 تجدوه عند ~~الله ) ثوابا ورضوانا وجنة ونعيما. ( @QUR@05 إن الله بما تعملون بصير ) ~~لأنه الذي يعلم ما تسرونه وما تعلنونه من قضايا الخير في الواقع الداخلي أو ~~الخارجي من ذواتكم ، فيمنحكم جزاء ذلك خيرا وإحسانا. # * * * PageV02P170 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) @QUR@017 بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) @QUR@031 وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون ) (113) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هودا ): جمع مفرده المذكر هائد والمؤنث هائدة ، ومعنى الهائد ~~: التائب الراجع إلى الحق. PageV02P171 # ( @QUR@01 أمانيهم ): الأماني جمع واحدها أمنية من التمني. # ( @QUR@04 من أسلم وجهه لله ): أخلص له في العمل. # * * * ### ||| ** أهل الكتاب بين الأماني والحقائق # هذا فصل جديد من السورة ، يدخل فيه القرآن معهم في حوار غير مباشر ، أو ~~يوحي للنبي بالدخول معهم في ذلك ، وهو جزء من حملة التوعية العملية ~~للمسلمين لمعرفة ما حولهم ومن حولهم ، وأسلوب من أساليب التعرية للواقع ~~الداخلي لهذه الجماعات من خلال الأوهام الساذجة التي يحملونها عن مصيرهم ~~ومصير غيرهم من الناس من دون استناد إلى ركن وثيق ، فهم يحسبون أن الجنة ~~محجوزة لليهود وللنصارى ، فهذا هو ما يقوله اليهود عن أنفسهم ، وما يقوله ~~النصارى عن أنفسهم. # * * * ### ||| ** طلب البرهان على صدق ms0305 دعواهم # ( @QUR@010 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) ولكن القرآن ~~يواجه هذه الأوهام بتعليق ساخر مهذب : ( @QUR@02 تلك أمانيهم )، ولكل ~~إنسان مطلق الحرية في تمني ما يشاء لنفسه ، فإن مساحة الأماني الذاتية ~~واسعة سعة الخيال ، فإذا كانت كلماتهم هذه من وحي التمنيات ، فلتكن لهم ~~حريتهم في إطلاقها كما يريدون ، وإذا كانت من وحي العقيدة التي تحدد ~~للإنسان مصيره الذي يبني PageV02P172 # عليه حياته ، فلتكن المواجهة من باب النصيحة والتحدي. ( @QUR@03 قل هاتوا ~~برهانكم ) على ذلك ، بتقديم الأسس العقيدية التي تحدد للإنسان قضية المصير ~~في الآخرة من الجنة والنار ، ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في هذه الدعوى ، ~~لأن الصدق يتطلب الإثبات الذي ترتكز عليه القناعة العقلية والوجدانية ، ~~وهذا ما يفقده هؤلاء في ما يملكونه من وسائل الإقناع والإثبات. # ثم يتابع القرآن تحديد الأسس التي تنطلق من خلالها الحجة : ( @QUR@01 بلى ~~)، ليس الأمر كما تقولون يا أصحاب الأماني ، فلستم أهل الجنة ، لكن أهلها ~~( @QUR@04 من أسلم وجهه لله ). فالآمنون يوم القيامة هم الذين يسلمون ~~وجوههم لله في الفكر والعقيدة والعبادة ، فلا ينطلقون في فكر أو عقيدة إلا ~~إذا كان ينسجم مع الحقيقة المنسابة من وحي الله ، ولا يدخلون في عبادة إلا ~~من خلال تجسيدها للمعنى الحق لعبودية الإنسان لله ، فلا يشركون بعبادته ~~غيره ولا يعبدون سواه. ( @QUR@02 وهو محسن )، وهم الذين لا يعيشون هذا ~~الإسلام في حياتهم الداخلية فحسب ، ليتجمد في لحظات التأمل والفكر والخشوع ~~الروحي المناسب في أجواء صوفية غامضة حالمة ، بل يتحول في حياتهم العملية ~~إحسانا للحياة وللآخرين في كل ما يستطيعون أن يقدموه من أعمال وخدمات ، وفي ~~كل ما يملكون تفجيره من طاقات ، فلا يعيشون الأنانية في قواهم التي ~~يملكونها ولا في فكرهم الذي يعيشونه ، بل يعتبرونها ملكا لهم وللحياة ~~والإنسان ، لأنها هبة الله ونعمته الملتزمة بحدود المسؤولية ، فلا بد من أن ~~تتصاعد في حياتهم صلوات عملية خاشعة في رحاب الله. ( @QUR@010 فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) بما قدموه من عمل ، وبما عاشوه من إيمان ~~، لأن الإنسان الذي يسلم وجهه ms0306 لله في كل توجهاته في الحياة ، وفي كل ~~تطلعاته المستقبلية ، وفي كل علاقاته الإنسانية ، يرتبط بالله بأوثق ~~الروابط ، ويرتفع إليه بأعلى درجات PageV02P173 # القرب ، مما يجعله محبوبا من الله ، قريبا إليه ، مرضيا عنده ؛ وهذا ما ~~يشكل الأساس لكي لا يخاف الإنسان من أي شيء مما يخافه الناس عادة ، ~~فالمتقون في حرز من الخوف في الدنيا والآخرة معا ، كما أن الحزن لا معنى له ~~في وعي الإنسان الذي تتجمع في روحه كل عناصر السرور والفرح الروحي ، ~~انطلاقا من حصوله على رضوان الله الذي هو مصدر كل سعادة من خلال خوفه من ~~الله وحده دون سواه ، فحصلوا من ذلك على محبته ورضاه ونعيمه ، ولعل التعبير ~~بعبارة : ( @QUR@06 ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) بدلا من لا يخافون ، ~~للإيحاء بأن الخوف لا وجود له في ذاته بعيدا عن الجانب الذاتي للشخص. وقد ~~يستوحي الإنسان من إحساس المؤمن بمستقبله البعيد عن الخوف والحزن أمام واقع ~~المصير بالآخرة ، أن ذلك يزيده قوة واطمئنانا ، فلا يخاف ولا يحزن من ضغط ~~الآخرين في ساحة الصراع ، لأنه يملك الثقة بالله في خط رعايته له ، على هدى ~~الآية الكريمة في الحديث عن مشاعر النبي محمد صلى الله عليه وآله في ليلة ~~الهجرة : ( @QUR@08 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) [التوبة : 40] ~~وفي الحديث عن المسلمين : ( @QUR@017 الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) [آل ~~عمران : 173]. # فهل يملك هؤلاء الذين يحتكرون لأنفسهم الجنة مثل هذه الركائز الفكرية ~~والعملية ، أم ماذا؟ إن القرآن يوحي للإنسان بكل ما تحمله كلمة «ماذا» من ~~استفهام إنكاري يبحث عما يطرح عليهم ، فلا يجد له جوابا إلا الصمت المشبع ~~بالشعور العميق بالذنب في أعماق المجرمين. # * * * PageV02P174 ### ||| ** نظرة اليهود والنصارى بعضهم لبعض # وتستمر عملية التوعية والتعرية ، ليعرف المسلمون طبيعة العلاقات الداخلية ~~التي تربط بين أفراد الجبهة المضادة ، فليست هناك وحدة في المواقف ، ولا ~~وحدة في المشاعر ، بل هناك التناقض والتنافر الذي تشعر فيه كل فئة منهم ~~بالذاتية المطلقة التي تفصلها عن ms0307 الفرقاء الآخرين. وتقف الفواصل الفكرية ~~والشعورية لتشكل حاجزا معنويا داخليا يفصل كل فريق عن الآخر ؛ فلا أرض ~~موحدة يقفون عليها ، ولا قواسم مشتركة يلتقون عليها ، مما يجعل كل فريق ~~منهم يجرد الفريق الآخر من كل الصفات أو الأفكار التي تبعث على الاحترام ~~والتقدير ، سواء في ذلك اليهود والنصارى والمشركون الذين وصفهم القرآن ~~بكلمة «الذين لا يعلمون» ، للإيحاء الدائم بأن الجهل هو أساس كفرهم وشركهم ~~... وهكذا يعرض القرآن هذه الصورة القلقة للواقع الذي يعيشه هؤلاء ، ليعرف ~~المسلمون كيفية مواجهة كل فريق بمفرده ، والاستفادة من ذلك في اتباع سياسة ~~المراحل في قضايا الصراع بتفجير الخلافات فيما بينهم والتعامل معهم من ذلك ~~الموقع ، وليشعر المسلمون في هذا الاتجاه بالقوة الذاتية المتفوقة أمام قوة ~~الآخرين ، فلا يستسلمون للرهبة التي توحيها الكثرة ، لأنها كثرة ممزقة ~~مبعثرة ، وليست وحدة متماسكة تثير الرعب والخوف في النفوس. # ثم يختم القرآن الآية بإعطاء الصورة مزيدا من الوضوح في ما يوحيه من الجو ~~الذي نشاهد فيه كل هؤلاء الفرقاء وقد اجتمعوا بين يدي الله في موقف الخلاف ~~والنزاع والخصومة ، حيث يدلي فيه كل واحد بحجته ، ليثبت أنه على الحق وأن ~~الآخرين على باطل ... ويختصر الموقف ويسدل الستار على الصورة ( @QUR@09 ~~فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )، فليس المجال PageV02P175 # مجال إعطاء الحكم وتحديد الموقف ، بل هو مجال التوعية والتعرية الذي ~~يكتفى فيه بالصورة الواضحة التي يبصر فيها المؤمنون مواقع أقدامهم في ~~الطريق الطويل. وقد نجد في كلمة : «وهم يتلون الكتاب» إشارة إلى التنديد ~~بهم بأنهم يصدرون الأحكام بالتخطئة والرفض لبعضهم البعض ، مع أنهم يؤمنون ~~بالكتاب الواحد ويتلونه ، ويمكنهم الرجوع إليه بإخلاص لتدبر الحوار في ~~آياته ، وللوصول إلى النتيجة الحاسمة فيما هو الحق لأي واحد منهما أو ~~لغيرهما مما يمكن أن يحكم الكتاب له. # وهذا ما يجب أن يفهمه المسلمون الذين يتلون القرآن الذي يؤمنون به جميعا ~~، ولكنهم يكفر بعضهم بعضا من دون تدبر في آياته ، بسبب افتقادهم الروحية ~~التي تضفي على الخلاف جوا من السعي إلى الحقيقة للوقوف معها ms0308 مهما كانت ~~النتائج ، بعيدا عن كل تعصب وتعقيد. إن الموقف هو الموقف نفسه ، والنتائج ~~السلبية والإيجابية هي النتائج ذاتها ، لأن الإطار في الحالتين واحد. # ( @QUR@06 وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) فهم لا يؤمنون بالسيد ~~المسيح ورسالته ، ولا يرون أن الإنجيل كتاب الله الذي ترتكز عليه النصرانية ~~في شرعية معتقداتها ، فهم في نظر اليهود مزيفون ، من خلال الادعاء بأن عيسى ~~عليه السلام ليس المسيح الموعود بل هو شخصية مزيفة ، ولذلك فإنهم ليسوا على ~~شيء من الدين الحق. ( @QUR@06 وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) لأنهم ~~ينكرون السيد المسيح عليه السلام ورسالته ، فلا ينفعهم إيمانهم بالتوراة ~~وبموسى ، لأن المؤمن الحق من يؤمن بالكتاب كله توراة وإنجيلا ، مما يجعلهم ~~مثل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، لتكون المسألة في طريقة ~~تدينهم هي الخلط بين الإيمان والكفر ، ( @QUR@03 وهم يتلون الكتاب ) الذي ~~يجسد الحقيقة في آياته ، فيزيل الشك ويرفع الشبهة ، ليكون الخط الفاصل بين ~~الحق والباطل ، فيمكن لهم أن يدخلوا الحوار من خلاله ويديروا الجدل حول ~~تفسيره وتأويله ، PageV02P176 # ليعرفوا أن التوراة تبشر بالسيد المسيح وبكتابه ورسالاته ، وأن الإنجيل ~~يتحدث عن التوراة وعن النبي موسى عليه السلام ، مما يجعل الدينين منطلقين من ~~قاعدة واحدة ، لو درسوهما دراسة دقيقة واعية. # ( @QUR@05 كذلك قال الذين لا يعلمون ) وهم المشركون الذين انطلق شركهم من ~~موقع جهلهم ( @QUR@02 مثل قولهم ) في احتكارهم الحق لأنفسهم وإبطالهم قول ~~النبي صلى الله عليه وآله بأنه ليس على شيء ، بل هو ساحر أو كاهن أو شاعر ، أو ~~نحو ذلك من الاتهامات التي وجهت إليه فأنكرت رسالته ، ووجهت إلى القرآن ~~فأنكرت نزوله من عند الله كوحي يوحى وقالوا عنه إنه ( @QUR@08 أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) [الفرقان : 5]. # وربما كانت مشكلة هؤلاء جميعا أنهم ليسوا مستعدين للدخول في نقاش فكري ~~وحوار علمي ، ليصلوا من خلال ذلك إلى العقيدة المشتركة والموقف الواحد ، ~~لأن الانتماء إلى عقيدتهم لم يعد حالة فكرية ، بل تحول إلى حالة ذاتية ، ~~مما يجعل التنازل عنها تنازلا عن الذات نفسها ، وهذه سمة من سمات التعصب ms0309 ~~والتخلف والجهل ، ولذلك فإن من الصعب الوصول إلى مواقع اللقاء حتى في ~~التفاصيل الصغيرة ، وهذا ما يجعل حوار الأديان من أكثر أنواع الحوار صعوبة ~~، لانطلاقه من حالة شعورية لا من حالة فكرية ، فلا مجال للوصول إلى موقع ~~تحكيم يحدد لكل منها مواقعه من ناحية الواقع. ( @QUR@05 فالله يحكم بينهم ~~يوم القيامة )، ويعرفهم الحقيقة الحاسمة ( @QUR@04 فيما كانوا فيه يختلفون ~~)، فقد يرى بعضهم كالمشركين أنهم ليسوا على شيء في المبدأ والتفاصيل ، وقد ~~يرى بعضهم كاليهود والنصارى أنهم يملكون بعض الحقيقة بطريقة مختلفة ، وأنهم ~~ليسوا على الخط المستقيم في إنكارهم الإسلام وشرعيته. # * * * PageV02P177 ### ||| ** من وحي الآية # ونستطيع أن نستوحي من هذه الآية في حياتنا معطيين : # أولا : التركيز الواعي على دراسة طبيعة العلاقات التي تحكم الفئات ~~المعادية للإسلام والمسلمين ، في نظرة كل منها إلى الأخرى ، للاستفادة من ~~ذلك في عملية المواجهة التي يقوى فيها الموقف أو يضعف تبعا لتماسك القوى ~~المضادة أو اهتزازها ، حتى نعي طبيعة عناصر القوة عندنا وعناصر الضعف عندهم ~~، ليتوازن الموقف لدينا في حركة واقع الصراع بيننا وبينهم ، فننفذ إلى ~~داخلهم لنرى أن اجتماعهم لم ينطلق من قاعدة فكرية واحدة ، فهم يكفر بعضهم ~~بعضا ، بل هو يتحرك من خلال المصالح المشتركة المضادة للإسلام والمسلمين ، ~~لنحدد موقفنا منهم ، فلا نتخذهم أولياء وإن اختلف اليهود عن النصارى في ~~مستوى عداوتهم للإسلام ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) [المائدة : 51] في ~~مواجهتهم للإسلام والمسلمين ، الأمر الذي يفرض علينا الوعي العميق للساحة ~~وللقوى المضادة فيها ، لنحمي أنفسنا من الخطط التي يعدونها في مواجهة ~~واقعنا كله. # ثانيا : استيحاء الآية في محاولة الاستغراق الذاتي داخل العلاقات الفكرية ~~والعملية بين المسلمين الذين قد يختلفون كما اختلفوا في أكثر من جانب من ~~جوانب العقيدة والتشريع ، وقد يتبادلون النظرة السلبية كما تبادلوها ، ~~فيشعر كل فريق منهم بالفواصل الجزئية التي تفصله عن الآخرين كما لو كانت ~~فواصل كلية ، لا يصيرون فيها إلى اجتماع ، ولا ينتهون إلى لقاء ، لنعرف من ~~ذلك كله الأساس القوي الذي يجمعهم ms0310 ويوحدهم ، لتبقى الخلافات PageV02P178 # في نطاقها الجزئي ، وتتحدد النظرة السلبية في تلك الحدود الضيقة التي لا ~~تعزل أي فريق عن الفرقاء الآخرين ، بل تشير إلى الأفق الواسع الذي تتحرك ~~فيه الخطى المؤمنة نحو الهدف الكبير في رحاب الله. # * * * PageV02P179 ### ||| * الآيات # ( @QUR@030 ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم (114) @QUR@012 ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله إن الله واسع عليم (115) @QUR@014 وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ~~ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) @QUR@011 بديع السماوات والأرض ~~وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) (117) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 المشرق والمغرب ): الشرق والمشرق معناهما واحد ، وهو مطلع ~~الشمس والقمر ؛ والغرب والمغرب والمغيب بمعنى واحد أيضا وهو موضع الغروب. # ( @QUR@01 تولوا ): توجهوا وجوهكم. # ( @QUR@01 سبحانه ): تنزيها له ، وحاشا له. PageV02P180 # ( @QUR@01 قانتون ): دائمو الطاعة والانقياد. # ( @QUR@01 بديع ): خالق على غير مثال سبق ؛ ومعنى المبدع : المنشئ ~~والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. # * * * ### ||| ** أبشع الظلم الاعتداء على مساجد الله # إن من أبشع أنواع الظلم هو الاعتداء على مساجد الله وعلى حرية المؤمنين ~~فيها ، وذلك بمنعهم من الصلاة والدعاء وذكر اسم الله. ( @QUR@010 ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) في منع المصلين من الصلاة فيها ( ~~@QUR@03 وسعى في خرابها ) ماديا بتهديمها أو معنويا بالمنع من عمارتها ~~بالعبادة. # أما أنه من أقوى أنواع الظلم ، فلأنه يجمع بين الاعتداء على حرمة الله ~~بالاعتداء على بيوته وإبطال دورها في العبادة ، وبين الاعتداء على حرمة ~~الإنسان بالاعتداء على حريته في ممارسة شعائره وعباداته ؛ ( @QUR@08 أولئك ~~ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) وقد أراد الله للمسلمين أن يأخذوا ~~بموقف القوة ضد هذا الظلم والظالمين ، فيمنعوهم من دخولها إلا كدخول ~~الخائفين ، وذلك على سبيل الكناية في تدمير قوتهم وإضعافهم ، حتى يتحركوا ~~في المجتمع تحرك الخائف الذي إذا أراد أن يدخل المسجد ، فلا يدخله إلا ~~خائفا ، ثم يتوعدهم الله الذي يملك القوة في ms0311 الدنيا والآخرة بالخزي في ~~الدنيا ( @QUR@04 لهم في الدنيا خزي ) وذلك من خلال ما يصيبهم فيها من ضعف ~~وهوان وذل بسبب تصرفاتهم الظالمة الباغية ، ( @QUR@05 ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم ). # * * * PageV02P181 ### ||| ** ما معنى خراب المساجد؟ # وللمفسرين خلاف في هؤلاء المقصودين بالآية ؛ هل هم الروم الذين «غزوا بيت ~~المقدس وسعوا في خرابه ، حتى كانت أيام عمر ، فأظهر الله المسلمين عليهم ~~وصاروا لا يدخلونه إلا خائفين» ، كما روي عن ابن عباس ومجاهد ؛ أم أنهم ~~قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة والمسجد الحرام ، كما ~~روي عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام ، وبه قال البلخي والرماني ~~والجبائي؟ (1). # وقد علق الطبري في تفسيره على هذا الرأي بأن قريشا لم يسعوا في تخريب ~~المسجد الحرام ، وبأن هذا لا يتناسب مع الآيات المتقدمة الواردة في سياق ذم ~~أهل الكتاب ، بينما ينسجم الرأي الأول معه (2). ولكننا نرى مع صاحب مجمع ~~البيان ، أن من الممكن أن يكون المراد من خرابها تعطيل دورها في العبادة ، ~~لأن ذلك هو الأهم في وجودها ، وهذا ما نستوحيه من التركيز على المنع عن ذكر ~~اسم الله فيها في بداية الآية ، مما يوحي بأن القضية تعيش في هذا الجو. وقد ~~ورد في التفسير في قوله تعالى : ( @QUR@09 إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر ) [التوبة : 18] ، أن المقصود بالتعمير ، هنا ، تعميرها ~~بالعبادة. وقد جاء في بعض الكلمات المأثورة في أخبار آخر الزمان في صفات ~~الناس آنذاك : «مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى» (3)، مما يقرب إرادة هذا ~~المعنى في نطاق هذا التعبير. PageV02P182 # وربما كان من القريب أن يكون السعي بالخراب لا يعبر عن واقع مباشر في ~~حياة قريش في مكة ، بل يعبر عن نتائج السعي في تخريب الإسلام وتدميره بما ~~أثاروه من حروب ضده وحاولوه من إضعاف لقوته ، وقد يتأيد ذلك بالتعبير بكلمة ~~«المساجد» بصيغة الجمع ، مع أنها ليست متعددة في مكة أو في بيت المقدس ، ~~مما يرجح أن الآية لم تجر مجرى الحديث عن القصة في نطاقها الخاص ، بل جرت ~~مجرى ms0312 الانطلاق منها كنموذج للتحدث عن الفكرة العامة ، مما يجعل أجواء الآية ~~قريبة من التعبير عن الروح التي يعيشها أمثال هؤلاء ممن يحملون عقلية قريش ~~وروحيتها ، فتدفعهم إلى خنق حرية المؤمنين وإلى السعي في خراب المساجد. # وقد روى صاحب مجمع البيان ، أن الرواية قد وردت بأن القرشيين قد قاموا ~~بهدم مساجد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يتخذونها أماكن للصلاة لما ~~هاجر النبي إلى المدينة ، وبذلك لا يبقى مجال لاعتراض الطبري (1). # ولكننا لا نستقرب هذا الوجه ، لأن الآية تتحدث عن حالة قائمة يتحرك فيها ~~هؤلاء القوم للمنع من ذكر اسم الله والسعي في خراب المساجد ، لا تخريبها ~~بعد رحيل المسلمين إلى المدينة. أما قضية الانسجام مع سياق الآيات المتقدمة ~~، فإننا لا نرى رأيه في اختصاص الحديث بأهل الكتاب ؛ بل الظاهر أن الحديث ~~قد تعداه إلى غيرهم من المشركين ، لأن السياق قد تحرك في اتجاه توعية ~~المسلمين في ما يتعلق بأوضاع الفئات التي تقف ضدهم ، كما لاحظناه في الآيات ~~التي تحدثت عن المشركين وأهل الكتاب معا. # ونلاحظ في الآية أنها لم تتحدث عن دخولهم خائفين كواقع حي ليشار إلى ~~القصة في تفسير الآية ، بل إنها تحدثت عما ينبغي أن يبلغه المسلمون من ~~القوة التي تخيف الكافرين ؛ فإذا جاءوا إليها وهي مراكز المسلمين القيادية PageV02P183 # والاجتماعية دخولها دخول الخائف ، سواء كان مجيئهم إليها لأجل الدخول في ~~الإسلام أو لغير ذلك من الأغراض الأخرى. # * * * ### ||| ** لله المشرق والمغرب # ( @QUR@012 ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع ~~عليم ) إن الآية تعبر عن حقيقة توحيدية ، وهي أن الله ليس جسما ليوجد في ~~مكان دون مكان كما توجد الأجسام ، بل هو فوق المكان والزمان ، مالك كل شيء ~~وخالقه ، فلا يختص به مكان أو جهة ؛ فله المشرق والمغرب ، فأينما وجهتم ~~وجوهكم فإنكم ستجدون الله أمامكم ماثلا في خلقه من خلال دلالة الخلق على ~~عظمة الخالق. فإن الله واسع في ملكه وقدرته ، عليم بما في قلوبكم حيث تتوجه ~~في عبادتها وإخلاصها. # هذا هو الجو الذي توحيه الآية ms0313 ، ولكن ماذا خلفها ، وماذا في مجالاتها من حدود؟ # هل نزلت في توجه الإنسان إلى الصلاة ، لتكون واردة في مورد تحديد القبلة ~~كما ينقل عن ابن عباس ، فقد روي عنه أنها نزلت في اليهود الذين أنكروا ~~تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، أم أنها نزلت في صلاة التطوع على ~~الراحلة ، كما روي عن أئمة أهل البيت عليه السلام ، أم نزلت في حالات الجهل ~~والتحير إذا صلى المصلون إلى جهة غير القبلة باعتقاد أنها القبلة ، كما روي ~~عن جابر في قصة حدثت في زمن النبي محمد صلى الله عليه وآله ؟ (1). # ليس في الآية ما يدل على اختصاصها بحالة الصلاة أو صلاة معينة ، PageV02P184 # ولكن جوها يوحي بذلك ، وبأن هناك حديثا دار بين المسلمين ، فجاءت الآية ~~لتضع القضية في نطاقها الطبيعي الذي يلغي أسس الخلاف ؛ فإذا كان الله قد ~~أراد منا التوجه إلى جهة من الجهات في وقت ما ، فإن بإمكانه أن يوجهنا إلى ~~جهة أخرى في وقت آخر ، لأن الجهة الأولى لم تشرع باعتبارها مكانا لله ، بل ~~لحكمة يعلمها الله في ذلك ، فلا مانع من أن تكون هناك حكمة أخرى في جهة ~~أخرى. أما قضية الاختصاص بصلاة معينة ، فإنها تخضع للتدقيق في المقارنة بين ~~الآيات والروايات التي عرضت لتشريع القبلة في قضايا الإطلاق والتقييد ، مما ~~يختص الحديث التفصيلي عنه في البحث الفقهي ، وربما كان لنا أن نسجل في لفتة ~~سريعة ، أن الآية مطلقة في جواز التوجه إلى الله في أي مكان في كل مورد من ~~الموارد التي يشترط فيها التوجه إليه ، إلا ما دل الدليل على اختصاصه بجهة ~~معينة كصلاة الفريضة مثلا. فيبقى الباقي كصلاة التطوع ونحوها في مجرى ~~الإطلاق ؛ وبهذا تفسر الروايات الواردة في اختصاصها بصلاة التطوع أو بحالة ~~الشك. وعلى أي حال ، فإن هذا لا يمنعنا من التأكيد على ما ذكرناه في بداية ~~الحديث من أن الآية واردة في مقام التعبير عن حقيقة توحيدية عامة والتركيز ~~على الانطلاق منها في مقام الالتزامات التشريعية العملية. # * * * ### ||| ** وقالوا اتخذ الله ولدا # ( @QUR@025 وقالوا اتخذ ms0314 الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل ~~له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ). ~~في هاتين الآيتين معالجة ومناقشة للفكرة الخاطئة التي سيطرت على تفكير ~~اليهود والنصارى والمشركين عن علاقة الله ببعض مخلوقاته ، فقد حكى لنا ~~القرآن في PageV02P185 # آيات لاحقة أن اليهود يعتقدون أن عزيرا ابن الله ، وأن النصارى يعتقدون ~~أن المسيح ابن الله ، كما حكى لنا عن المشركين أنهم يرون الملائكة بنات ~~الله ؛ ولعل السر في هذه العقائد هو استغراقهم في صفات العظمة لهذه ~~المخلوقات ، من خلال ما لاحظوه من قيامهم ببعض الأعمال التي قد لا يستطيعها ~~غيرهم ، أو ما اعتقدوه فيهم من قدرتهم على الأشياء التي لا يقدر عليها ~~الآخرون ، مما أوحى إليهم بأنهم يمتازون على المخلوقات الأخرى ، لأن فيهم ~~سرا ليس موجودا فيها ، ولولا اعتقادهم بوحدانية الله في الوجود ، لخيل ~~إليهم أنهم شركاء الله في الألوهية ، ولكنهم وضعوهم في مرتبة قريبة منه ~~بالمستوى الذي يجعلهم أقرب من غيرهم ، وهل هناك قرابة أقرب من علاقة ~~الإنسان بأولاده؟! إذا فلا بد أن يكونوا أبناء الله ، ليكون ذلك مبررا لهذا ~~الامتياز الذي منحهم إياه ، وهكذا انطلقت هذه العقيدة في تاريخ هذه الشعوب ~~في تعقيد فكري لدى البعض ، وفي سذاجة فكرية لدى البعض الآخر. # ( @QUR@01 وقالوا ) أي اليهود والنصارى وقد يشمل مشركي العرب ( @QUR@03 ~~اتخذ الله ولدا ) كما يتخذ الإنسان ولدا ليأنس ويقوى به ، فيمنحه ~~الامتيازات الكبرى التي لا يمنحها لغيره ، فتكون له القداسة التي قد تبلغ ~~درجة الألوهية. وجاء القرآن ليناقش هذه العقيدة ببساطة ، فبدأ الحديث ~~بالتسبيح والتنزيه لله وذلك بكلمة ( @QUR@01 سبحانه ) أي تنزيها له عن هذه ~~العلاقات ، لأنها تعني الحاجة ، باعتبار أن البنوة تمثل في وعي الآباء ~~تلبية لرغبة ذاتية ، كنتيجة للشعور بالفراغ الداخلي من هذه الجهة ، كما ~~تمثل الحاجة إلى المرور بمراحل زمنية وعملية ، في سبيل الوصول إلى هذه ~~النتيجة ، لو أريد للنسبة أن تتحقق بشكل طبيعي كما تتحقق في سائر الأشياء ، ~~وهذا يعني العجز إلى جانب الحاجة ، مما يستحيل على ms0315 الله ويتنزه عنه. # ثم يناقش القضية من موقع الحقيقة الإيمانية التوحيدية ، ( @QUR@08 له ما ~~في السماوات والأرض كل له قانتون ) مطيعون خاشعون ، فلا يملك أحد منهم أي PageV02P186 # تفوق ذاتي في نفسه ، أو أية علاقة بالله تميزه عن العلاقة بالآخر من حيث ~~طبيعة الخلق. فما حاجة الله إلى الولد ، وهو مالك السماوات والأرض وما ~~فيهما من مخلوقات ، ولكل من هذه المخلوقات خصائص وميزات ، ولكنها لا تخرج ~~بذلك عن مملوكيتها ومخلوقيتها لله ، من دون أن يكون أحد منها أقرب من الآخر ~~من حيث جهة الملك أو الخلق ، أو يكون انتسابها إلى الله بمستوى أعلى من ~~الآخر ، وأضاف إلى ذلك أنه : ( @QUR@03 بديع السماوات والأرض ) ومنشئها من ~~خلال إرادته التي لا تختلف في كل شيء يريده ، من دون حاجة إلى توسط شيء بين ~~الإرادة والمراد ، فإذا أراد شيئا خلقه. # ( @QUR@08 وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) قول الإرادة لا قول ~~الكلمة ، على هدى # ما جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية : ~~«فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة ، وبإرادتك دون نهيك منزجرة». # وقد جاء المفسرون ليناقشوا الوجه في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@08 وإذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) وذلك من منطلق القاعدة الفلسفية التي ~~تمنع من مخاطبة المعدوم ؛ فكيف يخاطب الله الشيء قبل وجوده ليطلب منه أن ~~يوجد؟! فقال بعضهم : إنه بمنزلة التمثيل ؛ وقال بعض آخر : إنه رمز بين الله ~~وبين الملائكة في الدلالة على أن هناك شيئا جديدا قد خلق ؛ وقال آخرون : إن ~~المعدوم لما كان معلوما عند الله صار كالموجود. # والذي يبدو لنا ، أن إثارة هذه المشكلة في وعي هؤلاء ينطلق من محاولة ~~تفسير القرآن في كلماته ، تفسيرا حرفيا يستنطق الكلمة من خلال معناها ~~اللغوي من دون ملاحظة للجانب البلاغي الذي تتسع له اللغة العربية في ~~مرونتها التعبيرية التي تشتمل على الحقيقة والمجاز والكناية ، وهذا ما درج ~~عليه القرآن الكريم في توضيح الصورة للناس بطريقة الحوار ، لأنها أقرب ~~الوسائل في الإيضاح ، كما ورد في قوله تعالى : ( @QUR@09 فقال لها وللأرض ms0316 ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا PageV02P187 # @QUR@01 طائعين ) [فصلت : 11] وقوله تعالى : ( @QUR@018 إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) [الأحزاب : 72] وغير ذلك من الآيات ، فلن ~~نحتاج إلى مثل هذا التكلف في توجيه الآية ، بل الظاهر أنها واردة على سبيل ~~تقريب الفكرة بطريقة الحوار. # * * * ### ||| ** معنى «كن فيكون» # ولا بد من الملاحظة في حكمة «كن فيكون» ، فقد يخيل إلى البعض أن المقصود ~~هو أن الشيء يوجد فورا إذا أراد الله وجوده ، ولكن ذلك غير المراد ، لأن ~~بعض الأشياء قد تكون لها شروط توجب تأخيرها ، ولذلك فإن المقصود هنا ، أن ~~مراد الله لا يختلف عن إرادته ، فإذا أراد الله للإنسان أن يوجد بعد تسعة ~~أشهر من الحمل ، فهو الذي يتحقق لا وجوده كيفما كان. # * * * PageV02P188 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ~~(118) @QUR@010 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم ~~(119) @QUR@031 ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير (120) @QUR@015 الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك ~~يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121) @QUR@012 يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) @QUR@018 ~~واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون ) (123) # * * * PageV02P189 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بشيرا ): مبشرا بالخير. # ( @QUR@01 ونذيرا ): منذرا ومحذرا من العاقبة قبل حلولها. # ( @QUR@01 ملتهم ): الملة : الديانة ، ومثلها النحلة. # * * * ### ||| ** طلبات المشركين التعجيزية للنبي صلى الله عليه وآله # اختلف المفسرون في طبيعة الفئة التي عبر عنها القرآن بالذين لا يعلمون ، ~~فقال بعضهم : إنها النصارى ، وقال بعضهم : إنها اليهود ، وهو قول ابن عباس ~~، وقال بعضهم إنهم مشركو العرب ، كما عن الحسن وقتادة (1)، ولعله الأقرب ، ~~لأنه أشبه بالمصطلح القرآني في الحديث عنهم كما ms0317 جاء في الآية السابقة ( ~~@QUR@07 كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ) وقوله تعالى : ( @QUR@018 وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون ) [التوبة : 6]. وقد يتأكد ذلك من خلال دراستنا ~~للطلبات التعجيزية التي كانت تقدم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله في ~~استحداث آيات جديدة مقترحة من قبل المشركين ، مما يلتقي بهذه الطلبات ~~المذكورة في هذه الآية ، وهي أن يكلمهم الله وجها لوجه أو تأتيهم آية من ~~الآيات التي كانوا يسمعون عنها في قصص الأنبياء. PageV02P190 # ( @QUR@08 وقال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله ) لنسمع كلامه ، فنؤمن ~~به من خلال حاسة السمع ، إذا لم نتمكن من معرفته من خلال حاسة البصر ، ( ~~@QUR@03 أو تأتينا آية ) معجزة لا يقدر البشر عليها لنعرف أن محمدا رسول من ~~الله ، وليس بشرا عاديا كبقية بني البشر. ( @QUR@07 كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم ) كما حدث ذلك لليهود ، ( @QUR@02 تشابهت قلوبهم ) في ~~الكفر والتعنت والعناد والمشاعر القلقة ، التي لا تنفتح على الحقائق من ~~موقع الجدية الواعية التي تثير علامات الاستفهام في هذا الجانب أو ذاك ~~للوصول إلى الحقيقة ، بل تتحرك من العقدة المرضية التي تعمل على التنفيس عن ~~ذاتها بالأساليب التعجيزية ، لأنهم لو عقلوا المسألة بطريقة واعية ، لعرفوا ~~أن الله لا يستجيب للهو اللاهين ، أو عبث العابثين الذين يقدمون الاقتراحات ~~من دون حاجة إليها في المجرى الكوني العام ، أو في الخط الرسالي الشامل ، ~~لأن خرق القوانين المألوفة مخالف لحكمة الله المتحركة في السنن الطبيعية ~~التي أودعها الله في الكون ، أو في الوسائل الضرورية لإثبات صدق الأنبياء ~~مما لا مجال فيها للتصديق العام. # فقد حفل تاريخهم بمثلها ، إذ قال الذين من قبلهم من اليهود لموسى : ( ~~@QUR@03 أرنا الله جهرة ) [النساء : 153] وغير ذلك ، ويضيف الله إلى ذلك ~~قوله : ( @QUR@05 قد بينا الآيات لقوم يوقنون )، ليثير أمامنا القضية ~~التالية : وهي أن المشكلة التي تواجه الأنبياء أمام شعوبهم ، هي أنهم أي ~~شعوبهم لم يكونوا في موقف الذين يريدون الحصول على القناعات الذاتية في ~~قضايا الرسالة ms0318 الإلهية ، ولهذا كانوا لا يفكرون في ما يقدم إليهم من آيات ~~وبينات وبراهين ، بل كانوا ينتقلون من طلب إلى آخر في عملية الهاء وإشغال ~~وتحديات لا معنى لها ، لأن النبي لم يأت ليغير ناموس الكون في قوانينه ~~المودعة في الآفاق ليكون دوره الاستجابة لهم في كل ما يقترحونه عليه من هذه ~~الأمور ، ولم تجعل له هذه القدرة الذاتية لو أراد ذلك ، بل الأمر لله في ما ~~يفعل وفي ما لا يفعل تبعا لما يعلمه من الحكمة في ذلك كله ، بل كان دور ~~النبي الأساس هو أن يكون بشيرا PageV02P191 # ونذيرا بالحق ليهتدي الناس من خلال التبشير والإنذار ، وليس عليه إلا أن ~~يقدم للناس ما فيه الحجة على الحق ثم يتجه إلى الحق في كل تفاصيله بشيرا ~~ونذيرا ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ) ~~وتلك هي مهمته ، وتلك هي مسئوليته ، فإذا استجاب الناس له ، فذلك هو ما ~~يريده ويتمناه ، وإذا انحرف الناس عنه فاختاروا الجحيم على النعيم ~~باختيارهم الضلال على الهدى ، فلا ( @QUR@04 تسئل عن أصحاب الجحيم )، فهذا ~~ما لا يسأل عنه النبي لأنه لم يحدث عن تقصير منه ، بل عن عناد منهم واختيار ~~للطريق السيئ في قضية المصير. # * * * ### ||| ** حدود المسؤولية # وقد حاول المفسرون أن يعتبروا هذه الآية وأمثالها تسلية للنبي ، كما جاء ~~في مجمع البيان ، حيث قال تعليقا على الآية : وفيه تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وآله ، إذ قيل له إنما أنت بشير ونذير ولست تسأل عن أهل الجحيم ~~وليس عليك إجبارهم على القبول منك ، ومثله قوله : ( @QUR@05 فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات ) [فاطر : 8] وقوله : ( @QUR@03 ليس عليك هداهم ) [البقرة : ~~272] (1). # أما نحن فلا نرى هذا الرأي ، بل نعتقد أن هذه الآيات واردة في مورد وضع ~~القاعدة الثابتة للمسؤولية التي يتحملها النبي من حيث هو رسول وداعية ، ~~وتحديدها بالعناصر الاختيارية لأساليب الدعوة ووسائلها التي يملكها ، من ~~حيث طبيعة الفكرة والكلمة والأسلوب والجو العام ؛ أما الجوانب الأخرى التي ~~تخرج عن اختياره ، وترجع إلى أشياء ذاتية في حياتهم النفسية ، أو إلى ظروف PageV02P192 # موضوعية أخرى ، فهذا ms0319 ما لا يدخل في حساب مسئوليته ، وبذلك فلا مجال لأي ~~حزن أو خوف أو حسرة ، لأن الله لم يرسل رسوله ليغير الكون تغييرا تكوينيا ~~بشكل غير طبيعي ، بل كل مهمته هي السير في عملية التغيير من خلال وسائلها ~~الطبيعية التي لا يملك كل عناصرها ، فلا يكلف إلا بما يملكه في نطاق قدرته ~~، وليس هذا مختصا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله أو بالأنبياء من قبله ، بل ~~يشمل كل داعية إلى الله ، في أي موقع من مواقع الدعوة ، فليس عليه إلا أن ~~يفجر كل طاقاته ويستخدم كل الأساليب والوسائل التي يملكها للوصول إلى قناعة ~~الآخرين وتغيير الواقع ، فإذا فعل ذلك فقد قام بمسؤوليته ... وتلك هي ~~الطريقة الواقعية العملية التي تفرغ داخله من كل انفعال غير طبيعي ، مما ~~يجعله يواجه الفشل والهزيمة مواجهة هادئة لا تنسحق أمام نتائج الهزيمة ~~وعناصرها ، بل تقف في ساحة الواقع لتجمع العناصر الجديدة الممكنة التي يمكن ~~لها أن تحول الهزيمة إلى نصر ، والفشل إلى نجاح ، من خلال دراسة الأسباب ~~الواقعية لما حدث ومحاولة التغلب عليها في حركة المستقبل. # * * * ### ||| ** وعي هوية الصراع # ( @QUR@031 ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير ) قال المفسرون في أسباب نزول هذه الآية : إن النبي كان ~~مجتهدا في طلب ما يرضيهم ليدخلوا في الإسلام ، فقيل له : دع ما يرضيهم إلى ~~ما أمرك الله به من مجاهدتهم. وقالوا في مجال آخر : كان اليهود يسألون ~~النبي صلى الله عليه وآله الهدنة ويرونه أنه إن هادنهم PageV02P193 # وأمهلهم اتبعوه ، فآيسه الله تعالى من موافقتهم (1). # إننا نعتقد أن ما يذكره هؤلاء المفسرون هو نوع من أنواع الاجتهاد في ~~استيحاء القصة التي يفرضون وجودها في كل آية من الآيات التي يخاطب الله ~~فيها نبيه في كل قضية من القضايا المتعلقة بموقف النبي من العلاقات المتصلة ~~بالآخرين ، ولكننا لا نرى ضرورة في ذلك ، بل الظاهر هو أن الله ms0320 كان يريد أن ~~يقدم للمسلمين من خلال النبي الوعي العميق للواقع الذي يحيط بهم ، سواء في ~~ذلك الواقع المتمثل بالأشخاص الذين يخالفونهم في الدين ، أو المتمثل ~~بالأحداث والأوضاع المحيطة بهم ، ليكونوا على معرفة عميقة شاملة لما حولهم ~~، مما يجنبهم خطر الوقوع في تجربة المعرفة التي قد تعرضهم للهلاك ، وتدفعهم ~~إلى السير في وضوح الرؤية بعيدا عن الانفعالات السريعة والأوهام الطائرة. # وقد يكون الأساس في اختيار النبي للخطاب ، ثم اتباع أقسى الأساليب شدة في ~~خطاب الله له ، هو الإيحاء بأن هذه القضية هي من القضايا التي تبلغ مرحلة ~~كبيرة من الأهمية والخطورة ، بالمستوى الذي لا يمكن فيها مراعاة جانب أي ~~شخص ، وإن كان في مستوى عظمة النبي محمد صلى الله عليه وآله ، لأن عظمة ~~الأشخاص وقداستهم مستمدة من طاعتهم لله في ما يريد وفي ما لا يريد ، فإذا ~~انحرفوا عن الخط ولن ينحرفوا عنه سقطت عظمتهم وتحولوا إلى أشخاص عاديين ~~خاطئين ، لا يملكون لأنفسهم من دون الله وليا ولا نصيرا. # ويعتبر هذا الأسلوب من الأساليب البارزة في القرآن في القضية التي تتخذ ~~جانب الخطورة على أساس العقيدة وصدقها وسلامتها من الانحراف ، وذلك كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) [الزمر : 65] ، وقوله ~~سبحانه وتعالى : ( @QUR@011 ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه ~~باليمين* ثم لقطعنا منه PageV02P194 # @QUR@07 الوتين* فما منكم من أحد عنه حاجزين ) [الحاقة : 44 47]. # أما هذه الآية ، فقد عالجت قضية من أخطر القضايا التي قد تواجه العاملين ~~في سبيل الله في علاقتهم بالكافرين والمنافقين والفاسقين ، فقد يستسلم ~~العاملون لحالة نفسية طاهرة يعيشون فيها الأمل الكبير بهداية هؤلاء ~~المعادين للإسلام من خلال الأساليب التي يتبعونها إزاء المسلمين في ما ~~يقدمونه من تبريرات ، وفي ما يثيرونه من انفعالات وعواطف ، وفي ما يوحون به ~~من أفكار حميمة توحي بقربهم إلى الحق ، وذلك من خلال بعض المواقف التي ~~يتقدمون بها في بعض مراحل الطريق ، مما يخلق انطباعا بأنهم يتقدمون إلى ~~الحق ، وقد تخلق هذه الحالة حالة أخرى ، وهي الرغبة في إرضاء هؤلاء ببعض ~~الكلمات والمواقف ms0321 طمعا في الحصول على صداقتهم أو رضاهم ، مما يستدعي من ~~المسلمين تقديم تنازلات فكرية أو عملية في حالات معينة. # وقد وقع الكثيرون من العاملين في هذا الشرك الشيطاني الذي ينصبه أعداء ~~الله ، فاستطاعوا أن يجروهم إلى تقديم بعض التنازلات على حساب سلامة ~~الإسلام في عقيدته وشريعته ومواقعه ، مما أعطاهم في نظر البسطاء من ~~المسلمين صفة الشرعية لمبادئهم ، وأغراهم بالتالي بالمطالبة بتنازلات جديدة ~~تبعا لحاجة الظروف الموضوعية لذلك ، وكانت النتيجة هي إعطاء أعداء الدين ~~فرصة للتقدم وللحصول على الشرعية ، وخسارة المسلمين لكثير من المواقع ~~الفكرية والعملية ، من خلال الفكرة التي أوحت بها هذه التنازلات ، وهي أن ~~من الممكن للمسلم المحافظة على إسلامه ، مع التنازل عن بعض جوانب عقيدته ~~وشريعته. وما زال الأعداء يساومون ، وما زال الكثيرون منا يقدمون التنازلات ~~، ليحصلوا على رضاهم من أجل الحصول على هدايتهم ، ثم تحولت القضية إلى ~~الهزيمة النفسية التي عاشها المسلمون ، من خلال الهزيمة الفكرية والسياسية ~~والعسكرية ، مما جعلنا نلهث في سبيل الحصول PageV02P195 # على رضاهم ، كما يلهث الضعفاء في الحصول على رضى الأقوياء للحصول على ~~الحماية والمكاسب والحاجات الصغيرة في الحياة. # وتلك هي النتيجة التي حذر منها القرآن في أسلوبه الحاسم في خطابه للنبي ~~محمد صلى الله عليه وآله : ( @QUR@09 ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم )، إن عليك يا محمد أن لا تجعل هدفك في مسيرتك هو الحصول على ~~رضاهم ، لأن القضية ليست قضية خصومة شخصية طارئة ليمكنك الوصول إلى تبديل ~~حالة الخصومة بحالة الصداقة من خلال بعض التنازلات الشخصية ، بل هي قضية ~~اعتبار هؤلاء أنهم على الحق وأنك على الباطل ، مما يجعل من تقديم التنازلات ~~تشجيعا لهم على موقفهم وإغراء لهم بالثبات على عقيدتهم ، ليجروك إلى مواقع ~~جديدة من التنازلات ، وهكذا ، لارتباط الحصول على رضاهم بالوصول إلى ~~التنازل الأخير وهو اتباع ملتهم ، فذلك هو السبيل الوحيد لربح ثقتهم بك ... # ثم يثير الله القضية من قاعدة المبدأ الذي لا يحتمل مساومة أو مجاملة أو ~~تنازلا ( @QUR@06 قل إن هدى الله هو الهدى ) وهي الصراحة في ms0322 الإعلان عن ~~الحق والهدى والإيحاء إلى الآخرين بأنه لا مجال لطريق غير طريق الله ، ~~ولهدى غير هدى الله الذي يجب أن يتبع وحده ، ليعرفوا أن الموقف حاسم لا ~~مجال فيه للتراجع وللتنازل ، مهما كلف ذلك من خصومات ومن عداء ومن انفصال ~~في العلاقات العامة والخاصة. # ثم يتصاعد الأسلوب قوة وشدة ، ليخاطب الأمة من خلال النبي بأسلوب القسوة ~~الذي يوحي بالحسم في ما لو استسلم لنقاط الضعف النفسية ، ( @QUR@03 ولئن ~~اتبعت أهواءهم ) فانجذبت إلى جو الإغراء العاطفي الذي يثيرونه في نفسك ، ~~وسرت معهم في ما يريدونه ( @QUR@05 بعد الذي جاءك من العلم ) بأنك على الحق ~~وأنهم على الباطل ، ( @QUR@08 ما لك من الله من ولي ولا نصير ) وإذا فقد ~~الإنسان رعاية الله ونصرته PageV02P196 # فمن ذا الذي ينصره من الله ، ومن ذا الذي يرعاه بعده؟! # * * * ### ||| ** القراءة الواعية # ( @QUR@015 الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن ~~يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) يختلف المفسرون هنا ، كما اختلفوا في آيات ~~مشابهة في من هم المقصودون بهذه الآية ؛ فقال بعضهم : إنهم الذين قدموا مع ~~جعفر بن أبي طالب من الحبشة ؛ وقيل : هم من آمن من اليهود كعبد الله بن ~~سلام وغيره ؛ وقيل : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، على أن يكون المراد ~~بالكتاب القرآن ، بينما يكون المراد منه في القولين الأولين التوراة ، كما ~~جاء في مجمع البيان (1). # ولكننا نحسب أن هذه الآراء المذكورة اجتهادية تنطلق من الاستنتاجات ~~والملاحظات الذاتية لأصحابها ، وليست نقلية كما نلاحظ من الآراء ؛ ولعل ~~الأغلب في الظن أنها ليست في مورد التركيز على جماعة معينة ، بل هي في مجال ~~التنبيه على قاعدة أساسية عامة في باب الإيمان والكفر ، وهي تلاوة الكتاب ~~حق تلاوته التي يريد بها القراءة عن تدبر وتفكير وروحية واعية تتحرك من ~~موقع البحث عن الحق لا من موقع التعصب الأعمى ، فإن ذلك هو سبيل الانفتاح ~~على آيات الله وما تشتمل عليه من دلائل الحق وبراهينه ، حيث يقود ذلك إلى ~~الإيمان. # ومن خلال ذلك ، نفهم أن الكفر لا ينشأ من حالة ms0323 فكرية مضادة ، بل من حالة ~~اللامبالاة والغفلة الناشئة من عدم التوفر على القراءة الواعية والفكر ~~المسؤول ، مما يجعل من الإنسان إنسانا يتحرك في جو التعنت والتعصب PageV02P197 # والعناد الذي لا يملك معه الانفتاح على الحق من قريب أو بعيد. وقد اكتفى ~~القرآن بالحديث عن خسارة الكافرين ولم يتحدث عن السبب في كفرهم ، لأن ذلك ~~كان واضحا في الحديث عن سبب الإيمان ، وذلك كمحاولة للإيحاء لهم بضرورة ~~التوفر على السير في خط القراءة الواعية للحصول عي فرص النجاح في الدنيا ~~والآخرة. # ( @QUR@03 الذين آتيناهم الكتاب ) وانطلقوا من خلاله إلى آفاق المعرفة ، ~~وتحركت علامات الاستفهام في وجدانهم ، ليلاحقوا كل مفردات القضايا الفكرية ~~والعملية ، ليحصلوا على الأجوبة الشافية من خلال القراءة الواعية : ( ~~@QUR@03 يتلونه حق تلاوته ) في فهم عميق للمضمون الفكري ، وفي استيحاء ~~للمشاعر الروحية ، وفي دراسة لكل جوانبها المتصلة بالله وبالحياة والإنسان ~~، ليحصلوا من ذلك على الثقافة الإيمانية في أجواء الإيمان المنفتح الباحث ~~عن الحقيقة ، لا الإيمان الأعمى الغارق في ضباب التقليد ، فلا يقتصرون على ~~الأداء اللفظي الذي يشغل البعض من الناس أو على العنصر الأدبي البلاغي ، بل ~~يتحركون معه ككتاب عمل ووعي وحركة ومنهج للحياة ، كما جاء في الإرشاد ~~للديلمي «يرتلون آياته ، ويتفقهون به ، ويعملون بأحكامه ، ويرجون وعده ، ~~ويخافون وعيده ، ويعتبرون بقصصه ، ويأتمرون بأمره ، وينتهون بنواهيه ، ما ~~هو والله حفظ آياته ، ودرس حروفه ، وتلاوة سوره ، ودرس أعشاره وأخماسه ، ~~حفظوا حروفه ، وأضاعوا حدوده ، وإنما هو تدبر آياته ، والعمل بأركانه ، قال ~~الله تعالى : ( @QUR@06 كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ) [ص : 29]. # وربما كان المراد بالكتاب التوراة ، وربما كان المراد به ما يشمل القرآن. ~~وعلى كل حال ، فإن الفكرة تنطلق من وظيفة الكتاب في الوعي الإيماني الذي ~~يخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، فلا فرق في ذلك بين كتاب وكتاب ، فإن ~~كل كتاب يصدق الكتاب الذي بين يديه والرسول الذي أنزل به. ( @QUR@03 أولئك ~~يؤمنون به ) لأن القراءة الواعية للكتاب الذي يتضمن إشراقه المفاهيم PageV02P198 # الروحية والفكرية والعملية ، لا بد أن تعود إلى الإيمان للذين يتطلعون ~~إلى حقائقه وآفاقه ms0324 ، ليلتزموها عقيدة وسلوكا وانتماء. ( @QUR@03 ومن يكفر ~~به ) من الناس الذين لا يعيشون مسئولية المعرفة ، ولا جدية الحوار ، ولا ~~وعي القراءة ، بل يعيشون الحياة على أساس الغفلة واللامبالاة واللاانتماء ، ~~ويسيرون مع كل ريح ، فلا يتدبرون الكتاب ، ولا يتفهمون آياته ، ( @QUR@03 ~~فأولئك هم الخاسرون ) الذين خسروا الدنيا التي يخطط الكتاب لها في خط ~~التوازن الفكري والعملي ، وخسروا الآخرة التي يريد الكتاب للإنسان أن ~~يجعلها الهدف في حركته في الدنيا ، لينال الدنيا والآخرة معا. # * * * ### ||| ** تذكير الله بني إسرائيل بنعمه عليهم. # ( @QUR@030 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا ~~تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ) تقدمت هاتان الآيتان في ما سبق وتقدم الحديث ~~عنهما ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو السبب في إعادتهما وتكرارهما ، ~~والظاهر هو أن الحديث الذي بدأه القرآن مع بني إسرائيل كان محاولة لتذكيرهم ~~بالميثاق وبنعم الله عليهم وبمسؤوليتهم عن هذه النعم بالسير مع الإسلام في ~~دعوة النبي ، وكانت الآيات المتتابعة بمثابة استعراض للنعم وانحرافهم عن ~~الخط المستقيم للمسؤولية ، من أجل تعميق الشعور بالمسؤولية في داخلهم في ~~استحضار التاريخ الطويل المفعم بالحركة ، ومن الطبيعي أن ختام هذا الفصل ~~بالتركيز على هذا الجانب يعتبر عنصرا فعالا في تحقيق ذلك ؛ والله العالم ~~بحقائق آياته. # * * * PageV02P199 ### | الفهرس # تفسير سورة البقرة [40 123] # الآيات [40 ~~44].............................................................. 7 # معاني ~~المفردات.............................................................. 7 # في أجواء هذا ~~الفصل........................................................ 8 # القضايا المثارة مع اليهود غيرها المثارة مع ~~المشركين.............................. 10 # الشرك ليس فكرا ~~دينيا..................................................... 10 # المسلمون في مواجهة ~~اليهود................................................. 11 # العمق الإنساني للأسلوب ~~القرآني............................................ 12 # اذكروا نعمة الله وأوفوا ~~بعهده................................................ 13 # لا تشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا............................................... 15 # بنو إسرائيل بين الخديعة وكتمان ~~الحق......................................... 16 # أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم!؟...................................... 18 # الآيتان [45 ~~46]............................................................. 21 # معاني ~~المفردات............................................................ 21 PageV02P201 # الاستعانة بالصبر ~~والصلاة.................................................. 22 # هل الصلاة عبء ثقيل!؟.................................................. 24 # استفادات عملية من وحي ما ~~تقدم........................................... 26 # الآيتان [47 ~~48]............................................................. 28 # تذكير وتحذير لبني ~~إسرائيل.................................................. 28 # هل في الآخرة ~~شفاعة!..................................................... 28 # هل هناك علاقة ms0325 بين طلب الشفاعة ~~والشرك!.................................. 32 # الآيات [49 ~~54]............................................................. 34 # معاني ~~المفردات............................................................ 34 # نعم تتوالي، وألطاف تتحرك في ~~التاريخ........................................ 35 # ضرورة استحضار الله في كل ~~شيء........................................... 38 # إغراق آل فرعون وإنجاء بني ~~إسرائيل.......................................... 38 # عفو الله عن بني إسرائيل بعد عبادتهم ~~العجل.................................. 40 # إنزال الكتاب والفرقان علي ~~موسي........................................... 41 # التركيز علي الجانب المعنوي في ~~الرسالات..................................... 42 # خطورة التمرد والموقف ~~الحاسم............................................... 43 # محاورة موسي لقومه حول سلوكهم ~~المنحرف.................................... 46 # هل الأمر بقتل أنفسهم ~~امتحاني!............................................ 47 # الارتباط ~~اللاواعي......................................................... 48 # مهمة القيادة في دراسة خلفيات ~~القاعدة...................................... 49 # الآيتان [55 ~~56]............................................................. 51 # معاني ~~المفردات............................................................ 51 # تمرد جديد لبني إسرائيل واستمرار نعم الله ~~عليهم............................... 51 # الآيات [57 ~~61]............................................................. 54 # معاني ~~المفردات............................................................ 56 PageV02P202 # نعم تتوالي وتمرد ~~يتجدد..................................................... 56 # إنزال الرجز علي ~~الفاسقين.................................................. 57 # استسقاء موسي ~~لقومه..................................................... 59 # ضرب الذلة والمسكنة علي بني ~~إسرائيل....................................... 60 # وقفة استيحاء ~~للآيات...................................................... 62 # اليهود المعاصرون للنبي امتداد لمن ~~سبقهم...................................... 63 # بنو إسرائيل ... صورة التمرد ~~المستمر......................................... 63 # مواجهة التمرد بالهدوء ~~والثقة................................................ 64 # بنو إسرائيل أول جمهور ~~رسالي............................................... 65 # تركيز القرآن علي بني إسرائيل لتبيين ~~انحرافهم.................................. 66 # الآة : ~~[62].................................................................. 68 # معاني ~~المفردات............................................................ 68 # الذين هادوا والنصاري والصابئين لهم ~~أجرهم................................... 69 # هل الآية ~~منسوخة!........................................................ 69 # من هم ~~الصابئة!.......................................................... 71 # المؤمنون بالله لا خوف ~~عليهم............................................... 73 # الآيات [63 ~~66]............................................................. 75 # معاني ~~المفردات............................................................ 75 # بنو إسرائيل وحرفية ~~الطاعة.................................................. 77 # وقفة تأمل مع هذه ~~الآيات.................................................. 80 # الآيات [67 ~~73]............................................................. 83 # معاني ~~المفردات............................................................ 84 # بنو إسرائيل وقصة ~~البقرة.................................................... 84 # أمر بني إسرائيل بذبح ~~البقرة................................................. 85 # سؤالهم عن حقيقة ~~البقرة.................................................... 86 PageV02P203 # معجزة إحياء ~~الميت........................................................ 88 # من وحي ~~الآيات.......................................................... 89 # الآيات [74 ~~82]............................................................. 91 # معاني ~~المفردات............................................................ 92 # بنو إسرائيل في مراحل التحجر والتحريف ~~والنفاق.............................. 93 # مرحلة ~~التحجر............................................................ 93 # التاريخ في خطي ~~الحاضر.................................................... 94 # مرحلة ~~التحريف........................................................... 96 # الطمع في إيمان اليهود أمل ~~ضائع............................................ 96 # نفاق بني ~~إسرائيل.......................................................... 99 # التوراة ~~والمحرفون.......................................................... 100 # اللعنة والويل جزاء ~~المحرفين................................................. 101 # زعم اليهود عدم تخليدهم في ~~النار.......................................... 102 # العمل أساس الخلود في الجنة أو في ~~النار..................................... 103 # العاملون أمام الامتيازات ~~الطارئة............................................ 106 # الآيات [83 ms0326 ~~86]........................................................... 108 # معاني ~~المفردات.......................................................... 109 # بنو إسرائيل والميثاق ~~الإلهي................................................ 109 # حق الإنسان بالحياة ~~والحرية................................................ 111 # ما معني الخزي ~~الدنيوي!.................................................. 113 # تفاصيل الميثاق بين الله وبين بني ~~إسرائيل.................................... 114 # من وحي الآيات......................................................... 117 # الآيات [87 ~~96]........................................................... 121 # معاني ~~المفردات.......................................................... 122 # القرآن يفضح أساليب ~~اليهود.............................................. 123 PageV02P204 # موقف اليهود من ~~الأنبياء................................................. 123 # ادعاؤهم عدم ~~الفهم...................................................... 124 # كفرهم بدعوة النبي محمد صلي الله عليه وآله ~~وسلم.......................... 125 # بيعهم أنفسهم بدون ~~ثمن.................................................. 126 # الدروس والإيحاءات النماذج ~~المعاصرة....................................... 130 # الآيتان [97 ~~98]........................................................... 130 # معاني ~~المفردات.......................................................... 132 # مناسبة ~~النزول........................................................... 132 # اليهود والاعتراض ~~الطفولي................................................. 133 # جبريل وميكال.......................................................... 134 # الآيات [99 101].................................................... 136 # معاني ~~المفردات.......................................................... 136 # ديدن اليهود نقض العهود................................................ 137 # الآيتان [102 ~~103]........................................................ 140 # معاني ~~المفردات.......................................................... 140 # الممارسات اليهودية ~~المنحرفة............................................... 141 # هاروت وماروت وتعليم السحر............................................ 142 # المفسرون ~~والسحر........................................................ 143 # هل للسحر حقيقة!...................................................... 145 # الآيات [104 ~~110]........................................................ 148 # معاني ~~المفردات.......................................................... 149 # وقفة مع سبب نزول ~~الآية................................................. 149 # توعية القرآن للمؤمنين في حركة ~~الواقع...................................... 150 # دقة المصطلحات ~~وإيحاءاتها................................................ 151 # عقدة الكافرين من ~~المسلمين............................................... 151 PageV02P205 # من وحي الآية في حركة الحاضر ~~والمستقبل................................... 154 # كيف نفهم النسخ!...................................................... 156 # علاقة الآية بالعصمة في سهو ~~الأنبياء....................................... 158 # مع صاحب الميزان في تفسير ~~الآية.......................................... 159 # نسخ الآيات للإتيان بخير ~~منها............................................. 161 # الحضور الدائم لله في حياة ~~الإنسان......................................... 162 # الطلبات التعجيزية ظاهرة تاريخية ~~للكفر..................................... 164 # الموقف من حسد أهل الكتاب............................................ 166 # أقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة................................................. 169 # الآيات [111 ~~113]........................................................ 171 # معاني ~~المفردات.......................................................... 171 # أهل الكتاب بين الأماني ~~والحقائق.......................................... 172 # طلب البرهان علي صدق دعواهم......................................... 172 # نظرة اليهود والنصاري بعضهم لبعض....................................... 175 # من وحي ~~الآية........................................................... 178 # الآيات [114 ~~117]........................................................ 180 # معاني ~~المفردات.......................................................... 180 # أبشع الظلم الاعتداء علي مساجد ~~الله...................................... 181 # ما معني خراب ~~المساجد!.................................................. 185 # لله المشرق ~~والمغرب....................................................... 184 # وقالوا اتخذ الله ~~ولدا...................................................... 185 # معني «كن فيكون»..................................................... 188 # الآيات [118 ~~123]........................................................ 189 # معاني ~~المفردات.......................................................... 190 # طلبات المشركين التعجيزية للنبي صلي الله عليه ~~وآله.......................... 190 PageV02P206 # حدود ~~المسؤولية......................................................... 192 # وعي هوية الصراع....................................................... 193 # القراءة ~~الواعية........................................................... 197 # تذكير الله بني إسرائيل بنعمه ~~عليهم......................................... 199 PageV02P207 ![](https://books.rafed.net/Books/3260_tafsir-men-wahi-alquran-03/images/image001.gif) PageV03P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3260_tafsir-men-wahi-alquran-03/images/image002.gif) PageV03P003 ### | سورة البقرة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مئتان ms0327 وسبع وثمانون ### ||| * (124 178) PageV03P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@019 وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (124) # * * * ### ||| ** نموذج الشخصية النبوية # يدور الحديث هنا ، عن بعض الجوانب الحية من شخصية إبراهيم عليه السلام في ~~رسالته ، حيث نلاحظ في هذه الشخصية التي يصورها القرآن طابعا مميزا في ما ~~يتحدث الله عنه ، في صفاته الذاتية من الملكات الروحية التي تزخر بها روحه ~~وتتحرك بها حياته ، وفي مواقفه الإيمانية الرسالية المتمثلة في هذا ~~الاستسلام المطلق لله في أشد المواقف صعوبة وحراجة ، سواء في ابتلاء الله ~~في ذبح ولده أو في موقفه من أبيه ومجابهته PageV03P007 # لقومه ومواجهته لطاغية زمانه ، من دون أن نلمح في أي موقف من هذه المواقف ~~شعورا بالضعف أو الإحراج أو الصعوبة ، بل هو الانسجام القوي مع المهمة ~~والمسؤولية ، والانطلاق معها في قوة وإخلاص ، والانسياب الروحي في عمق ~~الإيمان الكبير بالله الذي يتفايض بالحب والوداعة والحياة في كل كلمة وفي ~~كل موقف ، فلا نجد ، حتى في أشد المواقف صعوبة وخطورة ، أي ابتعاد عن جو ~~الإيمان ، أو أي غياب عن الله ، بل هو الحضور الدائم الذي يشعر معه بوجود ~~عين نفاذة في القلب والضمير واللسان والفكر والشعور والوجدان وهي تحدق ~~بالله هنا وهناك ، في كل مظهر من مظاهر الخلق وفي كل سر من أسرار الوجود. # وفي هذا الجو الرائع من ملامح شخصيته ، يمكن للعاملين ، في كل زمان ومكان ~~، استيحاء هذا النموذج النبوي الرسالي في وداعة الروح الرسالية وصفائها ، ~~وفي استغراقها في الله في حضور روحي منفتح لا في غيبوبة صوفية غارقة في ~~الضباب. # وقد لا تكون شخصية النبي إبراهيم عليه السلام هي النموذج الأوحد للأنبياء ~~في هذا الفيض الروحي من الإيمان والوداعة والصفاء ، ولكن القرآن لم يفض في ~~الحديث عن نبي من الأنبياء كما أفاض في الحديث عن إبراهيم عليه السلام في ~~التأكيد على ملامح الشخصية الواحدة المتنوعة في مجالاتها مع وحدة المشاعر ~~وطهارتها وصفائها ، فإننا نلاحظ ، في ما يأتي من حديث التفسير ms0328 ، أنه أثار ~~أمامنا قضية إيمانه في حوارة مع نفسه ومع قومه ومع الله ، فنجد أنه يأخذ ~~مساحة كبيرة من قصته ، وقد لا يكون من الضروري أن تتحرك القصة من موقع ~~المعاناة الذاتية لإبراهيم عليه السلام في كل ما قاله ، فربما كانت بعض ~~الأحاديث أسلوبا من أساليب الرسالة في عرض الفكرة بطريقة الحوار .. ولكنها ~~لا تخلو من إيحاء بالروح التي توحي بهذه الكلمة أو تلك ، أو بهذا الأسلوب ~~أو ذاك ، فإن للكلمات وللأساليب روحا لا تختفي في المعنى اللغوي للكلمات ، أو في PageV03P008 # القواعد الفنية للأساليب ، بل تنطلق من عمق الروح التي تنطق بالكلمة ~~وتتحرك في الأسلوب. # وربما كان للأبوة النسبية للرسل من بعده ، وللأبوة الروحية للرسالات ~~المتأخرة التي يمتاز بها إبراهيم في شخصه ورسالته ، أكبر الأثر في ذلك ، ~~انطلاقا من الشعور الذاتي الذي يربط كل أتباع الديانات به ، مما يجعل ~~للإيحاء بملامح الشخصية عمقا يتصل بالمشاعر الحميمة من جهة ، وبالقداسة ~~الإيمانية من جهة أخرى ، ولا سيما أننا لا نجد في التفاصيل التي نقلها ~~القرآن لنا من رسالته أي اختلاف مع الرسالات الأخرى ، في التفاصيل التي ~~تختلف فيها الرسالات حسب اختلاف المراحل الزمنية التي تؤدي إلى ذلك في حدود ~~المفهوم والتشريع ، فقد يكون ذلك سببا في تأكيد شخصيته باعتباره ملتقى ~~للرسالات من جهة ، وللرسل من جهة أخرى ، فيمكن اعتبار رسالته حكما في مواضع ~~الاختلاف بين أتباع الرسل ، كما يمكن أن تكون شخصيته نموذجا موحدا في ما ~~يتنازعون فيه من شخصيات الأنبياء. # وعلى أي حال ، فإننا نشعر بالحاجة الرسالية إلى الامتداد في الأجواء ~~الرحبة لهذا النبي العظيم ، لنستعين بذلك على صنع الشخصية الإسلامية في ~~النماذج الرائعة من مواقفه وأساليبه وإيمانه. # * * * ### ||| ** اختبار الله لإبراهيم # ونلتقي في هذه الآية بإبراهيم ، في موقف الإنسان الذي يتعرض للابتلاء ~~والاختبار ليظهر ، من خلال ذلك ، ما يملك من طاقات كبيرة تؤهله لحمل ~~الرسالة وللقيادة ، ونلاحظ أن القرآن قد أجمل الكلمات التي كانت PageV03P009 # وسيلة للابتلاء فلم يفصح بالحديث عنها ، ولكنه حدثنا عن إتمامها من دون ~~أن يتضح هل كان الإتمام ms0329 من إبراهيم عليه السلام أو من الله في ما يحتمله ~~الضمير في الكلمة ، ولم يفصل لنا كيف كان هذا الإتمام ، هل هو في وعي ~~إبراهيم عليه السلام للكلمة وحفظها في فكره في مقابل النسيان ، أم في ~~تجسيدها العملي في الواقع التطبيقي للحياة ، لأن القضية لا تختلف باختلاف ~~التفاصيل في ما يريد القرآن أن يفيض فيه أو يفصح عنه من انطلاق العهد ~~الإلهي من موقع الاختبار والكفاءة لا من موقع الاختيار التلقائي ، فإن ذلك ~~هو ما نحتاج أن نتعرفه ، أما التفاصيل ، فقد يحتاج المؤمنون الذين عاشوا في ~~عهد إبراهيم أن يعرفوها لأنها تتصل بخطواتهم الفكرية والعملية في الحياة ، ~~ولا بد أن يكونوا قد عرفوها في ما دعاهم إليه من أحكام وتعاليم. # * * * ### ||| ** نجاح إبراهيم في الاختبار وجعله إماما للناس # ( @QUR@04 وإذ ابتلى إبراهيم ربه ) أي اختبره في حركته في خط المسؤولية ~~الرسالية التي تعمل على تغيير الحياة ، من الواقع الكافر الضال إلى الواقع ~~الإيماني المستقيم في الخط الذي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة ، ~~ليظهر إخلاصه لله وقدرته على تحمل المسؤولية ، كما يختبر الله رسله وعباده ~~الصالحين في المواقع الصعبة التي تتحدى طاقاتهم لتعبر عن نفسها بقوة وصلابة ~~وإخلاص ، ( @QUR@01 بكلمات ) مما أوحى به إليه من آياته في الصحف التي ~~أنزلها عليه ، وفي المسؤولية المتنوعة التي حمله إياها ، ( @QUR@01 فأتمهن ~~) ووفاهن حقهن بالدعوة تارة وبالانقياد أخرى ، وبالحركة المتحدية في مواجهة ~~الكفر والاستكبار ثالثة ، فلم ينقص شيئا من دعوته ، ولم يهمل موقفا من ~~مسئوليته ، ولم يبتعد خطوة واحدة عن ساحات التحدي الكبير ، وبذلك استحق درجة PageV03P010 # القدوة الحسنة الكبيرة التي يراد للناس الأخذ بها وموقع الولاية التي ~~هيأه لها ، لتفتح النبوة المنطلقة في خط التبليغ على الإمامة المتحركة في ~~خط الواقع ، مما يوجد تكاملا بينهما لا انفصالا. وهناك وجه آخر لتفسير ( ~~@QUR@01 فأتمهن ) بإرجاع الضمير إلى الله في إتمام كلماته ، ( @QUR@05 قال ~~إني جاعلك للناس إماما ) في تطور النبوة الدعوة إلى الإمامة الحركة. # وربما كانت المسألة كناية عن الرسالة كلها في خطها الفكري والعملي ، بحيث ~~يكون الاختبار الإلهي بالكلمات ms0330 واستيعاب إبراهيم لهن في موقع التكليف ~~بالرسالة ، حركة مترتبة متدرجة ، إذ لا دليل على أن الجعل كان بعد النبوة ، ~~بل كل ما هناك أن الآية توحي بأن ثمة هناك إيحاء من الله بالكلمات الرسالية ~~، وإعلانا له بأنها تمثل خط الإمامة بمعنى الولاية النبوية والقدوة الحركية ~~في حياته. وقد لا نجد في القرآن الكريم أي شاهد على أن الإمامة تحمل مفهوما ~~مقابلا للنبوة في مفهومها الواقعي العام ، لأن الوحي الذي ينزل على النبي ~~أو الرسالة التي يحملها الرسول ، ليسا تعبيرا عن حالة ثقافية في وعي النبي ~~ترتبط بذاته أو تنفتح على غيره في عملية سماع مجرد لآياتها ، بل هما معنيان ~~حركيان في عملية الاهتداء والاقتداء والمتابعة ، مما تختزنه كلمة الإمامة ~~في مضمون الائتمام الذي يعني الاقتداء والمتابعة ، مما تختزنه كلمة الإمامة ~~تعالى : ( @QUR@015 وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) [الأنبياء : 73]. وقوله ~~تعالى : ( @QUR@010 وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون ) [السجدة : 24]. فإن الصفات المذكورة للأئمة هي صفات ~~الأنبياء في مهمة نبوتهم ورسالتهم ، من الهداية بأمر الله والوحي المنفتح ~~على فعل الخيرات ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، من خلال وعيهم اليقيني ~~لآيات الله ، وصبرهم الحركي في مواجهة التحديات والعقبات من قبل أعداء ~~الله. وأما ما استدل به البعض أن مورد الآية قد جاء في أواخر عهد إبراهيم ~~عليه السلام بعد كبره وولادة إسماعيل وإسحاق له ، PageV03P011 # وذلك لكونه لم يكن يعلم عليه السلام أنه ستكون له ذرية تخلفه إلا من بعد ~~ما بشرته الملائكة بالأولاد ، مما يلزم عنه أن الإمامة المجعولة لإبراهيم ~~عليه السلام هي غير النبوة ، لا يصلح دليلا على الموضوع ، إذ من الممكن ~~للإنسان أن يتحدث عن مستقبل أولاده الذين يرجو أن يرزق بهم بحسب طبيعة ~~الأنبياء لاهتمامه بامتداد الخط في ذريته ، ولا سيما إذا عرفنا أنه لم ~~يتحدث عن ذريته بشكل مباشر بل كان يتحدث عن الأجيال القادمة من أولاده ممن ~~لم يكونوا موجودين. # وقد نستوحي من القرآن أن إبراهيم كان ms0331 عارفا بطبيعة المهمة ومطمئنا إليها ~~، فلما أتم الكلمات ، أو أتم الله له الكلمات ، ونجح في الامتحان ، لم ~~يفاجأ بالعهد الإلهي في قوله تعالى : ( @QUR@04 إني جاعلك للناس إماما ) ~~فلم يصدر عنه أي رد فعل في ما واجهه من مسئولية جديدة في نطاق ذاته ، بل ~~كان رد فعله منطلقا من التفكير في مستقبل العهد وامتداده ، فهل هو من ~~العهود التي تقتصر عليه من خلال المهمة المحدودة بالزمان والمكان والشخص ، ~~أم هو من العهود التي تمتد بامتداد الذرية في مدى الزمن ، فتساءل : ( ~~@QUR@02 ومن ذريتي ) في استفهام متطلع مستشرف يحمل طابع الأمنية التي ~~يحملها الإنسان في فطرته لذريته في كل خير يحصل له. وكان الجواب حاسما ~~ينطلق في عملية تحديد للقاعدة الرسالية التي تبرر إعطاء العهد لأي إنسان في ~~كل زمان ومكان ( @QUR@05 قال لا ينال عهدي الظالمين )، فليست القضية ~~امتيازا إرثيا أو تكريما شخصيا يتصل بالذات ، كما هو شأن الملوك الذين ~~يعيشون هاجس وراثة الملك عند ما يفكرون في الذرية ، بل القضية مسئولية ~~رسالية تتصل بحياة الناس في ما يفكرون وفي ما يعيشون ، وبخلافة الله في ~~الأرض في ما يريد من تنظيم وتدبير ، وبعبادة الله الواحد الأحد في ما تحقق ~~من وحي وما تثير من روحانية ، فلا بد لمن يحملها من كفاءة روحية وفكرية ~~وعملية في ما تمثله الكفاءة من معاني الاستقامة والانسجام مع الخط العام ~~للرسالة وللدعوة ، فهي PageV03P012 # عهد الله الذي يجعله للصالحين من عباده المنسجمين مع خط العدل في أنفسهم ~~من أجل أن يقوم الناس بالقسط ، فلا ينال عهده الظالمين الذين يظلمون من ~~فوقهم بالمعصية ، ومن دونهم بالغلبة ، ويظاهرون القوم الظلمة ، كما جاء في ~~نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام في الكلمات القصار : للظالم من ~~الرجال ثلاث علامات : يظلم من فوقه بالمعصية ، ومن دونه بالغلبة ، ويظاهر ~~القوم الظلمة» (1)، ويظلمون أنفسهم في ذلك كله ، وهكذا كان الجواب دستورا ~~عمليا لكل رسالة ورسول. # * * * ### ||| ** بين الابتلاء والتكريم # وتستوقفنا في التفاصيل التفسيرية للآية نقاط عدة .. # 1 إن الابتلاء في كل ما أمر الله به عباده ms0332 أو نهاهم عنه ومنه ابتلاء الله ~~لإبراهيم لا يراد منه الاختبار من أجل المعرفة ، لأن الله عالم بكل ما سيقع ~~من عباده ، فلا يحتاج إلى أية وسيلة للمعرفة ، بل المراد منه إظهار ذلك ~~ليكون حجة عليهم في ما لله من حجة ، وتكريما لهم في ما يريد الله لهم من ~~إظهار التكريم. # 2 اختلف المفسرون ، تبعا لاختلاف الروايات ، في معنى الكلمات التي أبقاها ~~القرآن غامضة ، وقد جاء في بعض الأحاديث عن أحد أئمة أهل البيت ، وهو ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام : «أنه ما ابتلاه الله به في نومه من ذبح ~~ولده إسماعيل أبي العرب فأتمها إبراهيم وعزم عليها ، وسلم لأمر PageV03P013 # الله ، فلما عزم قال الله ثوابا له لما صدق وعمل بما أمره ( @QUR@04 إني ~~جاعلك للناس إماما )، ثم أنزل عليه الحنيفية وهي الطهارة» (1). وقد يبعث ~~هذا الحديث على التأمل في تفسير الإمامة بالنبوة كما يوحي به جو الآية في ~~ما نرى من حديث ، لأن ابتلاء الله لإبراهيم بذبح ولده كان متأخرا عن النبوة ~~، لأن الله رزقه به في آخر أيامه ، كما يتحدث القرآن عن ذلك في بشارة ~~الملائكة له به وبأخيه بعد اليأس .. وقد نلتقي بتفسير آخر للإمامة ينسجم مع ~~الحديث في الفقرة الثالثة منه. # * * * ### ||| ** معنى الإمامة # 3 للإمام معنيان : أحدهما ما يوحي به المعنى اللغوي ، وهو : «المقتدى به ~~في أفعاله وأقواله ، والثاني : إنه الذي يقوم بتدبير الأمة وسياستها ~~والقيام بأمورها ، وتأديب جناتها ، وتولية ولاتها ، وإقامة الحدود على ~~مستحقيها ، ومحاربة من يكيدها ويعاديها» ، وغير ذلك مما يرادف السلطة ~~الكاملة في خطواتها التنفيذية. # «فعلى الوجه الأول ، لا يكون نبي من الأنبياء إلا وهو إمام ، وعلى الوجه ~~الثاني ، لا يجب في كل نبي أن يكون إماما ، إذ يجوز أن يكون مأمورا بتأديب ~~الجناة ، ومحاربة العداة ، والدفاع عن حوزة الدين ومجاهدة PageV03P014 # الكافرين ، فلما ابتلى الله سبحانه إبراهيم بالكلمات فأتمهن ، جعله إماما ~~جزاء له على ذلك» (1)، هذا ما ذكره صاحب مجمع البيان. # وقد يكون لهذا الحديث صلة بالحديث عن دور النبوة ، ولا سيما دور أولي ~~العزم ms0333 من الأنبياء ، فهل هو مجرد التبليغ أم يمتد إلى دور التنفيذ؟ ربما ~~يخطر بالبال من خلال متابعة الآيات القرآنية أن الدور النبوي في حياة الناس ~~هو التبليغ والتنفيذ معا ، لأن مهمة النبوات هي تغيير العالم والإنسان على ~~الصورة التي يريدها الله في مسيرته ونظامه ، ومن الطبيعي في مثل هذا ~~الاتجاه ، أن يكون النبي هو القائد التنفيذي لعملية التغيير بطريقة مباشرة ~~أو غير مباشرة ، لأنه الإنسان الوحيد الذي يملك الوعي الكبير المنفتح على ~~تفاصيل عملية التغيير من خلال وعيه للرسالة التي يحملها ويبلغها كأساس ~~للتغيير. # وقد تتضح الصورة أمامنا أكثر إذا تابعنا الآيات القرآنية التي تتحدث عن ~~دور النبوات في حياة الناس ، وذلك بملاحظة عدة آيات : # ( @QUR@049 كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ~~[البقرة : 213]. # ( @QUR@028 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) [الحديد : 25]. # ( @QUR@030 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم PageV03P015 # @QUR@01 الحساب ) [ص : 26]. # فقد نلاحظ أن قيام الناس بالقسط والحكم بين الناس بالحق ، والحكم بين ~~الناس في ما اختلفوا فيه ، من أجل إلغاء الاختلاف على صعيد الواقع ، لا ~~يتحقق بالتبليغ المجرد ، بعيدا عن التحرك العملي للتنفيذ ، ثم إن التركيز ~~على اعتبار الحكم متفرعا عن جعل الخلافة يوحي باتجاه الخلافة التي تعني ~~النبوة إلى الجانب العملي في الحياة. # * * * ### ||| ** المدلول القرآني # 4 إن ملاحظة كلمة الإمام في القرآن قد تعطي المعنى المرادف للنبوة في ~~حديث الله عن الأنبياء ووصفهم بالأئمة ، مما يجعل من الكلمتين تجسيدا لمهمة ~~واحدة في حركة ms0334 الرسالة ، وهذا ما نلمحه في الآيات التالية : # ( @QUR@015 وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) [الأنبياء : 73]. # ( @QUR@024 ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل* وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون ) [السجدة : 23 24]. # وربما نستوحي من ذلك إرادة الإمامة بمعنى القدوة في الأقوال والأفعال ، ~~وذلك من خلال التركيز في الآيتين على كلمة : ( @QUR@02 يهدون بأمرنا ) في ~~جانب التبليغ ، والتركيز على كلمة : ( @QUR@02 لما صبروا ) في الآية ~~الثانية في جانب الشخصية القيادية التي تمثل الثبات في مواجهة المزالق ، PageV03P016 # مما يجعلها في موقع المسؤولية والقدوة العملية. # وقد تلتقي هذه الفقرة بالآية التي نحن بصدد تفسيرها ، حيث عقب الابتلاء ~~بجعل الإمامة ، وقد يؤكد انسجام الإمامة مع طبيعة النبوة إلحاق الوحي بها ~~في قوله تعالى : ( @QUR@04 وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) وبذلك تكون الإمامة ~~صفة لحركة النبوة في الحياة من خلال طبيعة الشخصية التي يملكها النبي ، مما ~~يجعله قدوة في نفسه وموضعا للتوجيه الإلهي للناس بالاقتداء به في قوله ~~وفعله ، أما الإمامة بالمعنى الآخر ، فلا نجد في الآية أساسا لاستفادته ~~بتفاصيله المذكورة في علم الكلام ، ولكننا نستطيع استيحاءه من طبيعة المهمة ~~الموكلة إلى النبي كما ألمحنا إلى ذلك في الفقرة الثانية من الحديث. # وقد نستطيع التأييد لالتقاء كلمة الإمامة المجعولة لإبراهيم بالنبوة في ~~معناها الواسع ، بالتساؤل الصادر من إبراهيم حول إعطاء هذا الامتياز لذريته ~~، فإن الظاهر أنه كان يقصد النبوة التي منحها الله له ، وذلك من خلال ~~الجواب بأن عهد الله لا ينال الظالمين ، وذلك لأننا نلاحظ أن كثيرا ما يعبر ~~عن النبوة بأنها عهد الله لرسله ولأنبيائه. # 5 تؤكد بعض الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت عليه السلام أن مرحلة ~~الإمامة كانت متأخرة عن مرحلة النبوة ، فقد ورد في حديث : «عن محمد ابن ~~سنان ، عن زيد الشحام ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إن الله ~~تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، وإن الله ~~اتخذه ms0335 نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ~~، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما ، فلما جمع له الأشياء قال : ( ~~@QUR@04 إني جاعلك للناس إماما )، قال : فمن عظمها في عين إبراهيم ~~عليه السلام قال : ( @QUR@07 ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ). قال : ~~لا يكون السفيه إمام PageV03P017 # التقي (1). ومثله ما رواه سهل بن زياد عن محمد بن الحسين عن ابن أبي ~~السفاتج ، عن جابر ، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (2) # . وقد نحتاج إلى زيادة التأمل في هذه الأحاديث بعد التأكد من صحتها (3) ~~فإنها جارية على أساس الترتيب بين الصفات المجعولة لإبراهيم عليه السلام ، ~~ولكن قد يكون المراد منها تعدد جوانب الشخصية في شخصية إبراهيم في ما أولاه ~~الله من ألطاف وامتيازات نابعة من امتداد المعاني الروحية في حياته ، وعلى ~~ضوء ذلك يكون الترتيب بينها منطلقا من طبيعة العلاقة التي تجعل بعضها ~~متوقفا على توفر البعض الآخر من دون أن يكون هناك ضرورة لوجود فترة زمنية ~~بين هذه الأمور ، ولعل عظمة الإمامة في وعي إبراهيم كانت منطلقة من شعوره ~~بضخامة الموقع الذي وصل إليه حيث جعل إماما للناس في كل أقواله وأفعاله ، ~~فأصبح يمثل القاعدة التي ينطلق من خلالها الناس إلى القيم التي يؤمنون بها ~~، لتكون حياته الوجه الأمثل للقيمة الروحية للحياة ... وبهذا تفترق الإمامة ~~عن النبوة في مفهومها الداخلي ، فإن النبوة تعتبر منطلقا للدعوة على أساس ~~الوحي والرسالة ، بينما تعتبر الإمامة قاعدة للاقتداء والاتباع على أساس ~~الطاقات الفكرية والروحية والعلمية التي يملكها ، فكأن النبوة صفة تأتيه من ~~الخارج ، أما الإمامة فهي صفة ترتبط بالذات من خلال المعاني الكامنة في ~~الداخل. PageV03P018 # وهناك وجه آخر نحتمله في استيحاء معنى إمامة إبراهيم التي جاءت بعد ~~النبوة في ما تدل عليه الروايات التي تفسر الابتلاء بقضية ذبح إسماعيل ، ~~وهو أن إمامة إبراهيم ليست محدودة بزمنه كبقية الأنبياء الآخرين ، بل هي ~~إمامة تتعداه إلى ما بعد ذلك من المراحل الزمنية التي عاش فيها الأنبياء ~~الآخرون ، حتى أن الشرائع المتأخرة عنه كانت ms0336 مطبوعة بطابع الشريعة ~~الإبراهيمية ، وقد نستوحي ذلك من الآية الكريمة : ( @QUR@010 وتركنا عليه ~~في الآخرين سلام على إبراهيم* كذلك نجزي المحسنين ) [الصافات : 108 110]. # وخلاصة الفكرة ، أن الإمامة تعتبر الصفة المتحركة للنبي في حياته ، فكانت ~~النبوة والرسالة تنطلقان في اتجاه المهمة التي كلفه الله بها ، بينما كانت ~~الإمامة تتحرك في اتجاه اعتباره قدوة وقاعدة لمن أراد الاقتداء به ~~والانطلاق من القاعدة الإيمانية المتجسدة ، وبذلك يظهر كيف تتأخر الإمامة ~~عن النبوة عند ما يعبر النبي عن طاقاته وملكاته في خطواته العملية في ~~الحياة ، في جهاده من أجل الرسالة ، وفي صبره أمام التحديات الداخلية ~~والخارجية ... والله هو العالم بحقائق أحكامه وآياته ، وليس لنا إلا إثارة ~~الاحتمال من أجل الوصول إلى حقيقة الحال ، ولو بعد حين. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # أما ما نستوحيه من هذه الآية ، فهو قضيتان أساسيتان : PageV03P019 ### ||| ** المسؤولية تمنح بعد الاختبار # 1 إن المسؤولية لا تمنح إلا بعد الابتلاء والاختبار ، ولا سيما إذا كانت ~~تتعلق بالأمر الذي يستدعي تغيير الأمة في حاضرها ومستقبلها ، فلا يمكن أن ~~تجعل على أساس انطباعات عامة ، أو على أساس المجاملات والمحسوبيات الخاصة ... # وإن القدوة في الأفعال والأقوال لا يمكن أن تجعل لإنسان إلا بعد أن تثبت ~~كفاءته في مجال الإخلاص في السلوك والتعامل والعلاقات ، لأن معنى القدوة ، ~~أن يكون الشخص هو الوجه الذي يتجه الناس إليه والقاعدة التي يتحرك المجتمع ~~منها ، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك من دون الابتلاء والخبرة الطويلة؟! # * * * ### ||| ** الظالمون لا يصلحون للقيادة # 2 إن القائمين على شؤون الأمة لا بد أن يكونوا بالمستوى الذي يرتفعون به ~~عن صفة الظلم في حياتهم ، لأن الإنسان الذي يعيش الظلم في حياته لا يمكن أن ~~ينطلق بعيدا في محاربة الظلم ورفعه عن حياة الناس. وقد وردت الأحاديث ~~الكثيرة عن أئمة أهل البيت عليه السلام توضح من خلال هذه الآية أن الخلافة ~~لا يمكن أن تجعل للظالمين أنفسهم بالمعصية وبالكفر حتى قبل حصولهم على ~~الخلافة ، لأن قضية المسؤولية ترتبط بالتاريخ العميق للشخصية ، بالإضافة ~~إلى الحاضر الذي يمثل الانضباط في PageV03P020 # مواقع المسؤولية. ms0337 وقد أفاض علماء الكلام من الشيعة في كتب الكلام ~~والتفسير الحديث حول هذه القضية ، فليراجعها المفكرون في مظانها. # * * * PageV03P021 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود (125) @QUR@030 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله ~~من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126) @QUR@014 وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) @QUR@017 ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم (128) @QUR@016 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) (129) # * * * PageV03P022 ### ||| ** شخصية إبراهيم النبي امتداد للإسلام # ويتابع القرآن حديث إبراهيم في قصة جديدة تتصل بالتاريخ الديني في قصة ~~النبوات من جهة ، وترتبط بعلاقة الإسلام بالامتداد الرحب لشخصية إبراهيم في ~~تطلعاتها المستقبلية من جهة أخرى ، وتلك هي قصة بناء البيت الكعبة الحرام ~~الذي أراده الله مرجعا للناس يرجعون إليه ويثوبون ، كقاعدة روحية يعيشون ~~فيها الشعور بالوحدة الروحية التي تربط بعضهم ببعض بين يدي الله ، ويطوفون ~~به في إحساس عميق بعبوديتهم لله ، وفي استيحاء الفكرة الإيمانية المتحركة ~~حيث يستلهمون منه أن يكون طوافهم في الحياة حول كلمات الله وتعاليمه ~~ومفاهيمه ، ويشعرون في ظلاله بالأمن الذي أراده الله طابعا مميزا لهذا ~~البيت في ما أوحى به إلى الأنبياء في شرائعهم ، من حرمة الاعتداء على الناس ~~والإساءة إليهم حتى في الحالات المشروعة في ذاتها. فقد ورد في بعض الأحاديث ~~عن أئمة أهل البيت عليه السلام ، أن الحد لا يقام على الجاني في مكة إلا إذا ~~كانت جنايته في مكة بالذات (1)... وكأن الله أراد أن يجعل من هذا البيت ~~قاعدة سلام يجتمع إليها الناس من دون إحساس بالخوف وبالمشاعر المضادة التي ~~تمنعهم من اللقاء. ثم أراد الله أن يكرم جهد نبيه # وقال أبو حنيفة : لا يجوز قتل من ms0338 التجأ إلى الحرم ، واستدل بقوله تعالى : ~~( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) نقلا عن مغنية ، محمد جواد ، تفسير ~~الكاشف ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ط : 4 ، حزيران ، 1990 ، م : 1 ، ص ~~: 200 201. PageV03P023 # إبراهيم في بناء البيت وفي إخلاصه العميق له ، فطلب من الناس أن يتخذوا ~~من مقام إبراهيم موضعا للصلاة ، تخليدا لإيمانه وتحية لإخلاصه لله في سره ~~وعلانيته ، ولاستجابته لله في ما يريده منه. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ~~ليعيش الناس في أجواء إبراهيم كقدوة في كل المعاني الروحية الكبيرة ، ~~فتمتزج صلاتهم بصلاته ، ودعواتهم بدعواته وابتهالاتهم بابتهالاته في تفاعل ~~روحي عظيم. # ثم عهد إليه وإلى ولده إسماعيل ، أن يجعلا هذا البيت طاهرا من كل دنس ~~سواء كان ذلك من مظاهر الشرك والوثنية ، أو من عناصر القذارة والنجاسة ، أو ~~من الأشخاص الذين يدخلون فيه من حيث نظافتهم من القذارات المادية والمعنوية ~~، ليعيش الناس الذين يطوفون به ، أو يقيمون فيه للاعتكاف ، أو يصلون فيه ~~فيركعون ويسجدون ، في أجواء روحية طاهرة مادية ومعنوية. # وربما استفاد الإنسان من الأمر بتطهير بيت الله من كل رجس ، أن يكون ~~البناء على هذا الأساس ، وذلك بتشييده على هذه الصفة ، لا بتطهيره بعد ~~بنائه ، كما قد يتوهم ، لأن ظاهر الآيات هو أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان ~~قاما ببناء البيت. # * * * ### ||| ** إبراهيم في تطلعاته المستقبلية # ويثير القرآن أمامنا تطلعات إبراهيم المستقبلية ، فهو لا يريد لعمله هذا ~~أن يظل في نطاق هذا البناء المتمثل بالكعبة ، بل يريد له أن يتحول إلى بلد ~~واسع كقاعدة بشرية للسلام ، ولهذا نجده يدعو الله أن يجعله بلدا آمنا يجتمع ~~فيه المؤمنون بالله حول هذا البيت ، فيلتقون على طاعة الله وعبادته ، وتمتد ~~بهم الحياة في مجتمع إنساني آمن ، ويفكر فيهم كيف يعيشون في هذا الجو الذي لا PageV03P024 # ينبت الزرع ولا يقدم للإنسان أي شروط من شروط الحياة الكريمة ، فيلجأ إلى ~~الله لكي يرزق أهله من المؤمنين الثمرات ، أما الكافرون فلم يلتفت إليهم ~~ولم يشعر بضرورة الاهتمام بهم ، لأنه لا يريد لهم أن يعيشوا في أجواء هذا ms0339 ~~البيت ، خوفا من أن يشوهوا روحيته ويعطلوا دوره ، ولأنه لا يجد أي أساس ~~للاهتمام بالكافرين الذين يكفرون بنعمة الله ويجحدونها ويفسدون في الأرض ، ~~فتركهم لله ، فهو الذي خلقهم ، وهو أعلم بما تقتضيه الحكمة في ذلك كله. # ويستجيب الله دعاءه كما توحي هذه الآيات ، فقد تحدث الله عن الكافرين ~~الذين لم يذكرهم إبراهيم في دعائه ، فأراد الله أن يكمل الصورة ، فأوحى ~~إليه أنه لا يستثني الكافرين من متع الحياة الدنيا ، لأن عطاءه لا يختص ~~بأحد دون أحد في الدنيا ، فهو يعطي الكافرين كما يعطي المؤمنين ، لأن ~~العطاء في الدنيا لا ينطلق من فكرة الثواب والتكريم ، بل ينطلق من الإمداد ~~للكافرين ، والبلاء للمؤمنين ، ولكن الدار الآخرة هي التي يختص فيها ~~المؤمنون برحمة الله ولطفه ورضوانه ، بينما يقف الكافرون هناك ليضطرهم إلى ~~عذاب النار ، وبئس المصير ، جزاء لكفرهم وجحودهم ، ولم يتحدث عن المؤمنين ~~إيذانا بأن دعاء إبراهيم قد صادف موقعه. # * * * ### ||| ** إبراهيم وإسماعيل يعملان على تأسيس الروح المؤمنة المسلمة # وتتجسد الصورة أمامنا ، ويبرز المشهد واضحا في قوة وحياة ، كما لو كنا ~~ننظر ونستمع ، فهذا هو إبراهيم وولده إسماعيل يقفان ليرفعا قواعد البيت في ~~عمل يستغرق كل جهدهما واهتمامهما ، ويشعران في هذا الجو بعبادية العمل ، ~~تماما كأية فريضة عبادية ، وو نستمع إليهما كما لو كان الصوت يهز PageV03P025 # أسماعنا في لهاث العاملين الخاشعين المجاهدين ، ونصغي بقلوبنا إلى ذلك ~~الدعاء الخاشع الذي ينساب من أعماق الأعماق في روحية طاهرة ، كأنها هينمات ~~الفجر عند ما يتنفس في الفضاء ، فتتصاعد أنفاسه نورا وسلاما وحياة وروحانية ~~وبركة. إنها الروح المؤمنة الصافية ، تعبر عن نفسها في ابتهالات حبيبة ~~خاشعة ، فتحتضن في تطلعاتها كل انطلاقات الحياة الوديعة السابحة في بحيرات ~~الصفاء ... # وهو بعد ذلك دعاء العاملين الذين يتحرك الدعاء لديهم من مواقع العمل لا ~~من حالات الاسترخاء ، فتحس مع الدعاء كما لو كانا يقدمان تقريرا لربهما ~~يحمل معه شظايا الروح وخفقات القلب وهدهدات الشعور في أحلام المستقبل ... ~~إنهما يتطلعان إلى أن يعرفا في خطوات عملهما رضى الله وقبوله ، فليس المهم ~~أن ينجحا ms0340 في عيون الآخرين أو يكونا مقبولين لدى المجتمع الذي يعيشان فيه ، ~~بل المهم أن يعيشا الشعور بالرضى والقبول من الله ، فهو الغاية في كل عمل ~~... إنهما يطلبان من الله أن يتقبل منهما هذا العمل ، فهو السميع الذي يسمع ~~طلبات عباده ويعلم ما في قلوبهم في ما يعملون ويتركون .. ويتجاوزان هذا ~~العمل فيمتدان إلى كل مجالات حياتهما العملية في حاضرها ومستقبلها ، ~~ويبتهلان إليه أن يجعلهما يعيشان إسلام القلب والفكر والجوارح واللسان لله ~~، لتكون حياتهما صورة متجسدة لإرادة الله وأمره ... # وينتقلان في تطلعاتهما وتمنياتهما إلى ذريتهما ، فلا يريدان لهذه الذرية ~~أن تنحرف عن الله سبحانه ، بل يتطلعان إلى أن تعيش الإسلام لله ، فتولد ~~منها الأمة المسلمة الممتدة التي تحول الحياة كلها إلى إسلام يتحرك في كل ~~اتجاه ، لتتجسد عبودية الإنسان لله في صدق وإخلاص. ويختمان هذه التطلعات ~~بالرغبة إلى الله أن يعرفهما أصول مناسكهما أو مواضعها ، وأن يتوب عليهما ~~لأن التوبة تجسد المعنى الذي يوحي برضى الله وثوابه ورحمته ، وليس من PageV03P026 # الضروري أن تكون مسبوقة بالذنب في أي حال من الأحوال. # * * * ### ||| ** إبراهيم وولده يخططان للإسلام الحركي # ثم يتجه الدعاء اتجاها آخر ، فقد لا يكفي أن يسلم الفرد وجهه لله ، أو ~~يسلم المجتمع حياته لله إذا لم يكن هناك مضمون فكري وعملي يحقق للإسلام ~~المعنى الحي المتحرك الذي يحقق للحياة أن تكون صورة لإرادة الله في ما ~~يفعله الإنسان أو يتركه ، وذلك من خلال الرسالات التي تضع للإنسان الخطوط ~~التفصيلية الواضحة المحددة لحركته في الحياة ، وتشير إلى الأهداف الكبيرة ~~التي تحكم مسيرته في الكون ، لتكون الصلة بالله عميقة ، منفتحة في نطاق ~~الوسيلة والهدف ، فلا لبس هناك ولا غموض ولا انحراف ، بل هو الوضوح في ~~الرؤية والاستقامة في الخط والانفتاح الواعي على الله في كل إرادته .. فكان ~~الدعاء الأخير أن يبعث الله في أفراد هذه الأمة التي تعيش في هذا البلد ~~رسولا منهم ، فيعرف كل نوازعهم وأوضاعهم وتطلعاتهم وعقلياتهم ... فيتلو ~~عليهم آياته بالأسلوب الذي يتناسب مع عقلياتهم وأفكارهم ، ويعلمهم الكتاب ~~الذي أنزله الله عليهم ms0341 والحكمة التي يتضمنها ذلك الكتاب ، ويزكيهم بمواعظه ~~ونصائحه وسيرته ، لتتحول الأمة إلى خط الوعي والريادة التي تعيش المسؤولية ~~في حمل الرسالة بعيدا عن كل النوازع الذاتية والآفاق الضيقة. ### ||| ** الكعبة مثابة وأمن # ( @QUR@03 وإذ جعلنا البيت ) الكعبة الحرام ( @QUR@02 مثابة للناس ) ~~مرجعا ومآبا يثوبون إليه ويقصدونه من كل مكان ، فيكون موقعا لحركتهم ~~العبادية ومناسبة لاجتماعهم PageV03P027 # من خلال قدومهم إليه ورجوعهم منه ، وقيل : مكانا للثواب يثيب الله فيه ~~عباده على حجهم إليه وعبادتهم له ، كما في مفردات الراغب الأصفهاني (1). ( ~~@QUR@01 وأمنا ) يأمن فيه الناس على أنفسهم من الظلم والاضطهاد والقتل ، ~~لأن الله جعله ساحة للسلام ، فلم يرخص لأحد في الاعتداء على أحد ، ليعيش ~~الناس هذه التجربة الروحية التي يتمردون فيها على غرائزهم ونوازع الانتقام ~~في ذواتهم ، وينمون عناصر الخير والعفو والتسامح في أخلاقهم من موقع الجهاد ~~النفسي الذي يفرض فيه الإنسان على نفسه الصبر على المشاعر الانتقامية. # وقيل : إن هذا التشريع تحول إلى واقع حي في حياة الناس الذين يعظمون ~~البيت الحرام ويقدسونه ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه فلا يتعرض له. وقد ~~تحدث الله عن ذلك في آية أخرى في قوله تعالى : ( @QUR@015 أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون ) [العنكبوت : 67]. ولا يخفى ما في ذلك من النعم والبركات ~~الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. # ثم أمر الله المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم ، الملاصق للبيت أو ~~الواقع خلفه مصلى ، فقال : ( @QUR@05 واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) أي ~~مكانا يصلون فيه ، وقد فرض الله على الحجاج والمعتمرين الإتيان بركعتي ~~الطواف بعد الطواف بالبيت ، خلف مقام إبراهيم ، مهما أمكن. ( @QUR@04 ~~وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) اللذين أوكل الله إليهما مهمة بناء البيت ( ~~@QUR@03 أن طهرا بيتي ) الذي أردته مكانا للطواف والاعتكاف والركوع والسجود ~~، ولغير ذلك من ألوان العبادة لله ، فكان لا بد من أن يكون طاهرا من ~~الأصنام التي تمثل الشرك (2) PageV03P028 # الذي ينافي التوحيد ، ومن كل القذارات (1) المادية والمعنوية والقولية ~~التي تتنافى مع أجواء العبادة. والمقصود من هذا العهد الإلهي لهما أن ~~يؤسساه على الطهارة ms0342 الكاملة ( @QUR@01 للطائفين ) الذين يطوفون بالبيت ، ( ~~@QUR@01 والعاكفين ) أو المعتكفين الذين يقومون بالمسجد ويلازمونه ويجاورون ~~فيه للعبادة ، ( @QUR@02 والركع السجود ) الذين يركعون ويسجدون لله في ~~صلاتهم. # * * * ### ||| ** رب اجعل هذا البلد آمنا # ( @QUR@03 وإذ قال إبراهيم ) الذي أراد للبيت أن يكون مركزا لبلد يسكنه ~~الناس ويجتمعون فيه للحصول على ضروراتهم العامة والخاصة ، ( @QUR@03 رب ~~اجعل هذا ) المكان الذي يضم البيت الحرام ( @QUR@02 بلدا آمنا )، يعيش ~~الناس فيه الأمن والطمأنينة ، ( @QUR@02 وارزق أهله ) المقيمين فيه ( ~~@QUR@02 من الثمرات ) التي يحتاجون إليها في غذائهم ، ( @QUR@06 من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر )، من هؤلاء الذين أخلصوا لله إيمانهم وانفتحوا ~~عليه وعاشوا الاستعداد للقاء به في اليوم الآخر الذي يخضعون فيه للحساب ، ~~لأن الكافرين لا يستحقون الخير الإلهي. ولكن الله الذي استجاب له دعاءه ، ~~أعلن له أن الرزق الذي يمثل متاع الحياة الدنيا لا يختص بالمؤمنين فقط ، بل ~~يشمل الكافرين ، ( @QUR@05 قال ومن كفر فأمتعه قليلا ) مما أرزقه من متاع ~~الحياة الدنيا في حاجاته المادية والمعنوية ، لأني أعطي الناس جميعا ما ~~يحتاجونه في وجودهم الدنيوي ، سواء المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي ، لأن الدنيا PageV03P029 # ليست هي الأساس في قرب الناس وبعدهم في قضايا العطاء والمنع ، بل هي ~~الدار الآخرة التي تمثل المكان الفصل في اليوم الفاصل الذي تتحدد فيه ~~المواقع ونتائج المصير بين المؤمن والكافر ، فيلقى المؤمن جزاء إيمانه ، ~~أما الكافر فإني أترك له الفرصة في الدنيا ، ( @QUR@07 ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير ) في الخلود في العذاب من خلال سخط الله وغضبه. # * * * ### ||| ** إبراهيم وإسماعيل يبنيان المسجد على أساس التقوى # ( @QUR@07 وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) ويقيمان الأسس ~~التي يرتكز عليها البناء ، في روحية خاشعة منفتحة على رضى الله في مواقع ~~القرب إليه ، من بناء بيته وتهيئة الأجواء التي تقرب الناس منه وتبعدهم عن ~~مجالات سخطه ، لأن المسجد هو المكان الذي يهيئ للناس الفرصة للاجتماع في ~~العبادة والاندماج في روحية الدعاء وخشوع الابتهال ، فكانا يبنيان البيت ~~كما لو كانا في حالة صلاة أو موقف طاعة يبتهلان إلى الله فيها أن يتقبل ~~منهما ذلك : ( @QUR@03 ربنا تقبل منا ms0343 )، قرباتنا وابتهالاتنا وأعمالنا ، ( ~~@QUR@04 إنك أنت السميع العليم ) الذي يسمع نجوانا ويعلم ما في خفايا ~~ضمائرنا ونياتنا من المحبة لك وإخلاص القرب إليك ، ( @QUR@04 ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ) ( 1) لنسلم لك في كل أقوالنا وأفعالنا PageV03P030 # وعلاقاتنا ومواقفنا ومواقعنا وأفكارنا ومشاعرنا ، لنذوب في عمق رضاك ~~ومحبتك ، فلا يكون لنا شيء إلا ما يرضيك في ذلك كله ، ليكون إسلامنا حركة ~~في وجودنا كله في الباطن والظاهر. وإذا كان الإسلام هو ما نتطلع إليه في ~~منهج حياتنا ، فإننا ننطلق به من خلال إيماننا بأنه هو الصراط المستقيم ~~الذي ينتهي إليك في مواقع رحمتك ورضاك ، ولذلك فإننا نريد له أن يمتد في ~~ذريتنا ، ( @QUR@05 ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) تتحرك في كل حركتها في ~~الحياة في خط الإسلام لك ( @QUR@02 وأرنا مناسكنا ) من شرائع عباداتنا أو ~~حجنا ، والنسك هو غاية الخضوع والعبادة ، وشاع استعماله في عبادة الحج ~~وأعماله. # * * * ### ||| ** رأي العلامة الطباطبائي ومناقشته # وقد حاول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان أن يفرق بين الإسلام ~~المتداول عندنا وبين الإسلام المسؤول في الآية ، فإن المتداول منه مما ~~يتبادر إلى الأذهان ، هو «أول مراتب العبودية ، وبه يمتاز المنتحل من غيره ~~، وهو الأخذ بظاهر الاعتقادات والأعمال الدينية ، أعم من الإيمان والنفاق ، ~~وإبراهيم عليه السلام وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم ، صاحب الملة ~~الحنيفية ، أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد نالاه إلى هذا الحين ، ~~وكذا ابنه إسماعيل رسول الله وذبيحة ، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما ~~بذلك ، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك ، وهما في ما هما فيه من ~~القربى والزلفى». PageV03P031 # ويضيف إلى ذلك قوله : «على أن هذا الإسلام من الأمور الاختيارية التي ~~يتعلق بها الأمر والنهي ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ) [البقرة: 131] ، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى ~~الله سبحانه أو مسألة ما هو فعل اختياري للإنسان من حيث هو كذلك من غير ~~عناية يصح معها ذلك» (1). # أما الإسلام المطلوب ، فهو «تمام العبودية وتسليم العبد كل ما له ms0344 إلى ربه ~~، وهو ، وإن كان معنى اختياريا للإنسان من طريق مقدماته ، إلا أنه إذا أضيف ~~إلى الإنسان العادي وحاله القلبي المتعارف كان غير اختياري ، بمعنى كونه ~~غير ممكن النيل له ، وحاله حاله ، كسائر مقامات الولاية ومراحله العالية ، ~~وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الإنسان المتعارف المتوسط الحال بواسطة ~~مقدماته الشاقة ، ولهذا يمكن أن يعد أمرا إليها خارجا عن اختيار الإنسان ، ~~ويسأل من الله سبحانه أن يفيض به ، وأن يجعل الإنسان متصفا به. على أن هنا ~~نظرا أدق من ذلك ، وهو أن الذي ينسب إلى الإنسان ، ويعد اختياريا له ، هو ~~الأفعال ، وأما الصفات والملكات الحاصلة من تكرر صدورها فليست اختيارية له ~~بحسب الحقيقة ، فمن الجائز أو الواجب أن ينسب إليه تعالى ، وخاصة إذا كانت ~~من الحسنات والخيرات التي نسبتها إليه تعالى أولى من نسبتها إلى الإنسان» (2). # ونلاحظ على كلام العلامة الطباطبائي أنه ينطلق من التفسير الحر للكلمة ~~التي تتضمن الإيجاد بعد العدم ، الأمر الذي يجعل المعنى المطلوب غير حاصل ~~في حال الطلب ، ولذلك اضطر إلى تكلف التفرقة بين «الإسلامين» ، وفي مناقشته نقول : PageV03P032 # أولا : إن إبراهيم وإسماعيل كانا في ذلك الحين مسلمين بالمعنى الشامل ~~للإسلام المنطلق من المعرفة العميقة الواسعة بالله ، مما نستوحيه من حوار ~~إبراهيم مع نفسه ومع قومه ومع أبيه ، وانفتاحه على الله في كل شؤونه ~~وتسليمه له في كل أموره ، ومن الموقف الإيماني الرائع الذي وقفه مع ولده ~~إسماعيل عند ما أمره الله أن يذبح ولده الذي يعني أمر إسماعيل بتسليم نفسه ~~لأبيه ، فإن الظاهر أن هذه الحادثة كانت قبل بناء البيت ، كما هو ظاهر ~~القرآن الذي يوحي بأن التجربة الصعبة كانت عند ما بلغ معه السعي الذي يمثل ~~أوائل مشيه ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@029 فلما بلغ معه السعي قال يا ~~بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) [الصافات: 102] وقد جاء عن الفراء : «كان ~~يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة» ، ومن المعروف أنها ليست ms0345 السن التي يتمكن فيها من ~~أن يكون شريكا لأبيه في بناء البيت ، فلا بد من أن يكون ذلك متأخرا عنه. # وفي ضوء ذلك ، لا يكون إسلام إبراهيم وإسماعيل آنذاك هو الإسلام التقليدي ~~الظاهري ، ولا سيما إذا عرفنا أن إبراهيم كان نبيا في ذلك الوقت ، فكيف ~~يتفق هذا مع تفسير العلامة الطباطبائي ، فإن ما هو مطلوب حسب هذا الرأي كان ~~حاصلا آنذاك. # وثانيا : إن الاختيارية في الفعل مشتركة بين نوعي الإسلام ، فإن الإسلام ~~الذي يمثل تمام العبودية أمر ممكن للإنسان العادي الذي يعيش عمق المعرفة ~~لله ، ولولاه لما كلف الإنسان به. # وثالثا : إن الحديث عن أن الصفات والملكات الحاصلة من تكرر صدورها ليست ~~اختيارية بحسب الحقيقة ، ليس دقيقا ، لأن الله عند ما ربط الملكات والصفات ~~بأسبابها ، كانت اختيارية تماما كما هي اختيارية الأفعال ، ولا فرق بينهما ~~إلا أن تلك كانت بالواسطة ، أما الأفعال فهي بدون واسطة. PageV03P033 # ( @QUR@02 وتب علينا ) من موقع الإخلاص لك والاندماج في الإحساس بعظمتك ، ~~حتى يخيل إلينا أننا لم ننسجم مع كل ما يرضيك في الوقت الذي لم يصدر منا ~~شيء من شؤون سخطك ، ( @QUR@04 إنك أنت التواب الرحيم ) الذي يتعهد عباده ~~بالمحبة والعفو والرضوان ، فيغفر للعاصين منهم ، ويزيد الطائعين من رضاه ~~انطلاقا من رحمته التي وسعت كل شيء. # ( @QUR@05 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) من داخل مجتمعهم يعيش كل أوضاعهم ~~ويطلع على كل مشاكلهم ، ويعرف كل حاجاتهم الروحية والفكرية والعملية ، فإن ~~قضية أن يكون الرسول من داخل الأمة التي يتحرك منها نحو العالم هي قضية ~~الرسول الذي يعي كل الواقع ، وكل الآفاق الواسعة التي ينطلق بأمته فيها ، ~~يحاكي شجونها وقضاياها قبل أن يصل إلى مرتبة النبوة والرسالة. ( @QUR@03 ~~يتلوا عليهم آياتك ) التي توحي إليهم بكل الشرائع والمفاهيم والأفكار ~~والمناهج والأساليب والأهداف ، التي تمثل إرادتك في حياة خلقك لتكون طوع ~~رضاك ، ( @QUR@02 ويعلمهم الكتاب ) الذي يمثل خط النظرية العام في المنهج ~~الرسالي للإنسان والحياة ( @QUR@01 والحكمة ) التي تمثل حركة التطبيق ~~العملي للنظرية فيضعون الأشياء في مواضعها ، ويتحركون بها في مسارها ~~الطبيعي ، ( @QUR@01 ويزكيهم ) فيطهر نفوسهم ms0346 من الشرك ، ومن كل القذارات ~~الروحية الأخلاقية التي تشوه إنسانيتهم ، وتربك خطواتهم ، وتبتعد بهم عن ~~نظافة التصور والسلوك ، ( @QUR@04 إنك أنت العزيز الحكيم ) الذي لا ينتقص ~~أحد من عزته ، الذي جعل لكل شيء قدرا ووضع كل شيء في موضعه انطلاقا مما ~~يصلح الحياة والإنسان ويجنبهما المفاسد في كل حركة الواقع. # * * * # أما ما نستوحيه من هذه الآيات فهو عدة أمور : PageV03P034 ### ||| ** الجو الروحي في بناء المؤسسات # 1 الجو الروحي الذي ينبغي للعاملين الإسلاميين أن يعيشوه ، وهم يعملون في ~~بناء المؤسسات ، فلا تشغلهم التزامات العمل وقضاياه المادية التي تفرضها ~~طبيعة هذا النوع من العمل ، عن البقاء في الخط الروحي الواعي الذي ينفتح ~~فيه الإنسان على الله الذي كان العمل من أجله ، ليبقى للعمل جو العبادة ~~والواجب والمسؤولية ، فلا يتحول إلى غاية بعد أن كان وسيلة ، كما نشاهده في ~~كثير من المؤسسات الدينية التي انطلق أصحابها من موقع الفكرة الرسالية في ~~البداية ، حتى إذا اندمجوا فيها وعاشوا في الأجواء المادية التي تفرضها ~~العلاقات والالتزامات ، تحولوا إلى أشخاص جامدين لا يملكون أية حيوية روحية ~~في هذا المجال ، بل ربما تبدأ العقلية الفردية الضيقة في التحكم بطبيعة ~~المؤسسات وخطواتها العملية ، فتتحول إلى شيء يخص الشخص أو الجهة ، في ما ~~يفرضه المزاج أو تدعو إليه المصلحة الخاصة ، وقد يحدث في هذا الجو أن يبدأ ~~الصراع بين مؤسسة وأخرى من خلال تعارض المصالح الفردية للقائمين عليها ، أو ~~لتصادم الخطوط التي يسير عليها هذا أو ذاك ، وبذلك تصبح المؤسسات الدينية ~~خطرا على العمل الديني بما تثيره من أجواء الحقد والبغضاء والتنافس الفردي ~~على الأطماع والامتيازات ، وبما تتحرك فيه من أساليب وشعارات تستخدم القيم ~~الدينية للمحافظة على أطماع الدنيا وشهواتها ، وربما كان السر في ذلك هو ~~ابتعاد الأجواء عن الله واستغراقها في ظلمات الذات ، خلافا لما نستوحيه من ~~أجواء إبراهيم وإسماعيل في روحيتهما الفياضة الدافقة في بناء البيت الحرام. # * * * PageV03P035 ### ||| ** التفكير بإيمان الأجيال # 2 وقد نستوحي من ذلك أن يعيش العاملون بالله الحلم الكبير في ما يحلمون ~~به لمستقبل أولادهم ، وذلك بالتركيز ms0347 على أن يكونوا مؤمنين بالله ، عاملين ~~في سبيل إيجاد القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم والأمة المسلمة ، فتتحول ~~التربية ، في هذا الجو ، إلى التخطيط العملي ، الأمر الذي يجعل ارتباط ~~الإنسان بأولاده ارتباطا رساليا يتحرك في نطاق الحركة الرسالية ، لا في ~~موقع العاطفة الذاتية التي تحلم وتفكر لهم بالنجاح المادي في الدنيا بعيدا ~~عن النجاح الروحي في الدنيا والآخرة ، وهذا ما نلمح مظاهره وخطواته في سلوك ~~بعض الدعاة إلى الله الذين يفصلون بين أولادهم وبين الآخرين ، فيعملون على ~~أن يضمنوا لأبنائهم المزيد من الأمن والبعد عن الأخطار التي يفرضها العمل ~~على السائرين في الطريق ، ولكنهم لا يعيشون هذا الاهتمام بالآخرين من الناس ~~وأولادهم ، فيدفعونهم إلى اقتحام الخطر في سبيل الله ويحشدون في سبيل ذلك ~~كل ما يملكونه من أساليب الإثارة والانفعال ... إنها الازدواجية في الفكر ~~والعاطفة والعمل ، التي تجعل للعاملين شخصيتين مختلفتين تتحرك إحداهما في ~~النطاق الذاتي بعيدا عن الرسالة ، وتنطلق الأخرى في نطاق الآخرين لتثير كل ~~الأجواء من خلال شعارات الرسالة ، خلافا لما توحيه الآية من وحدة الشخصية ~~التي يحلم بها إبراهيم وإسماعيل لأولادهما بما يحلمان به للذات ولأولاد ~~الآخرين ، لأن المسؤولية تتحرك في داخلهم من موقع واحد نحو هدف واحد. # * * * PageV03P036 ### ||| ** بين الرسالة والقيادة # 3 ويستوحي المتأمل من هذه الآيات ، أن يفكر المسؤولون عن العمل الإسلامي ~~في مسئوليتهم الرسالية في تهيئة الأجواء الإسلامية للناس من خلال وجود ~~مسئولين دينيين في حياة المجتمع ، باعتبارهم الذين يملكون قدرة قيادة الناس ~~في خطوات الفكرة على أساس تفصيلي واضح ، فلا يغرقون في الشموليات التي ~~تفقدهم الرؤية الواضحة للطريق ، ولا يضيعون في الطريق بين العلامات ~~المتنوعة أو الرمال المتحركة. # إن هذا الدعاء الأخير الذي يطلب من الله إرسال الرسول ، يوحي لنا بالحاجة ~~إلى الرسالة والرسول في كل عمل تغييري يستهدف تغيير المجتمع من الجذور ، ~~فلا قيمة للقيادة بدون رسالة ، ولا قيمة للرسالة بدون قيادة تدل الناس على ~~مواضع الطريق ... وقد يجدر بنا أن نشير ، في نهاية الحديث ، إلى الحديث ~~المأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله ms0348 وسلم ، وهو يعلق على هذه الآية : ~~«أنا دعوة أبي إبراهيم» (1). # * * * PageV03P037 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) @QUR@09 إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين (131) @QUR@017 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) @QUR@027 أم كنتم ~~شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) ~~@QUR@015 تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون ) (134) # * * * ### ||| ** إبراهيم يطرح دعوة الإسلام # وتبدأ مسيرة الرسالات الواحدة من إبراهيم ، فليس هناك تناف بين طبيعة ~~رسالة ورسالة ، بل هو التنوع في التفاصيل في النطاق الموحد الذي تمثله كلمة ~~الإسلام ، فكل الرسالات السماوية التي جاءت من بعد إبراهيم تعتبر خطوة ~~متقدمة في طريق إبراهيم نحو الهدف الواحد ، لأن الحياة لا بد من أن تخضع ~~لله في كل مجالاتها وخطواتها وتطلعاتها ، ولا بد للإنسان من PageV03P038 # أن يخشع لله في قلبه وفي فكره وحياته ، فيسلم كل وجهه لله ، فلا كلمة له ~~أمام كلمة الله ، ولا شريعة له أمام شريعة الله .. # إنها الإيجابية الإيمانية التي ترتكز على السلبية المطلقة أمام الله ، ~~لأنها تتمثل في تركيز الإرادة على ما يريده الله ، لا على ما تريده النفس ~~الأمارة بالسوء ، إنها الانتظار الدائم لاستقبال كلمة الله ورسالاته ، كلما ~~غابت كلمة أو انتهت مدة رسالة ، فلا عصبية لشخص حتى لو كان نبيا على حساب ~~نبي آخر ، ولا استغراق في الارتباط برسالة على حساب رسالة أخرى ، فإن ~~الإسلام لله يمثل مواجهة الإنسان للحياة من خلال خضوعه لله في كل أمر ، ~~فالقضية كل القضية لديه هي أن يثبت له أن هذه هي رسالة الله ، وأن هذا رسول ~~الله ، ليؤمن بالرسالة وبالرسول ، ويخضع لكل ما يفرضه عليه ذلك من أقوال ~~وأفعال ... # وفي ضوء ذلك ، نفهم التقاء الأديان كلها على القاعدة الأساسية في ملة ~~إبراهيم ms0349 ، التي تمثل الموقف الداخلي للإنسان المنفتح على الله في استسلام ~~إيماني خاشع ، ونكتشف في هذا الخط معنى الإيمان بجميع الأنبياء في العقيدة ~~الإسلامية ، لأنهم يمثلون العقيدة الواحدة في خط الإسلام الحق لله ، فلا ~~معنى للإيمان ببعضهم والكفر بالبعض الآخر ما دامت الرسالات واحدة في جميع ~~الحالات. # * * * ### ||| ** الراغب عن ملة إبراهيم سفيه كافر # ولعل هذا ما توحي به هذه الآيات ، التي تعتبر الإنسان الذي يرغب عن ملة ~~إبراهيم أو يرفضها سفيها يقود نفسه إلى السفه ، لأن إبراهيم لا يمثل نفسه ~~في ما يدعو إليه ، كمن ينطلق من الشعور بالكفاءة الذاتية في دعوته PageV03P039 # وقيادته العامة ، بل يمثل الإنسان الذي اصطفاه الله واختاره في الدنيا من ~~بين الناس ليكون رسولا له يحمل رسالته ويبلغها للناس ليهديهم إلى صراطه ~~المستقيم ، وجعله في الآخرة من الصالحين الذين ينالون رضاه ، جزاء لعمله ~~وجهاده في سبيله واستسلامه له في كل شيء. # ( @QUR@05 ومن يرغب عن ملة إبراهيم ) التي ترتكز على التوحيد الخالص ~~والإسلام الشامل لله المنفتح على كل قيم الروح ، وخصال الخير ، واستقامة ~~الخط ، وطهارة القلب ، وصفاء السريرة ... والتي تلتقي مع كل الرسالات في ~~خطوطها العامة ، لأنها أصل الرسالات ، فكل رسالة منفتحة على ملته وكل نبي ~~يستوحي منه ، فهل يبتعد عنها ويعرض عن الالتزام بها ( @QUR@04 إلا من سفه ~~نفسه ) من هؤلاء الجاهلين الذين لا يميزون بين الحسن والقبيح والخير والشر ~~، فينحرفون بها عن خط الاستقامة إلى خط الانحراف. # ( @QUR@04 ولقد اصطفيناه في الدنيا ) نبيا ورسولا وإماما وداعيا إلى الحق ~~، واخترناه من بين الناس لذلك كله ، لتميزه عنهم في عقله وروحه واستقامته ~~وإخلاصه لله ... وهكذا أردنا له أن يملك الموقع القوي الذي يملك زمام ~~الحياة في مسئوليته الشاملة ، ليكون رسول الله إلى الإنسان ليخرجه من ~~الظلمات إلى النور ( @QUR@05 وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) فهو في هذه ~~الزمرة الطيبة الطاهرة التي انطلقت في الدنيا لتجسد الصلاح في روحيتها ~~وتفكيرها وسلوكها واستقامتها على خط الله ، وقد تمنى وهو في الحياة أن ~~يلحقه الله بهؤلاء لينال الدرجة العليا التي ينالونها ، وليعيش القرب إلى ms0350 ~~الله الذي عاشوه وليبلغ النعيم الذي بلغوه. وهذا هو التعبير الكنائي عن ~~صلاحه في الدنيا الذي يجعله من الصالحين في الآخرة ، وقد ارتفع في هذه ~~الدرجة حتى جعله الله خليلا. # ( @QUR@05 إذ قال له ربه أسلم ) ربما كان القول وحيا أو إلهاما ، وربما ~~كان فكرا وشعورا وإحساسا يتحسس الإنسان فيه من داخل روحيته الذاتية وفكره PageV03P040 # الإيماني أن الله يريد منه أن يسلم أمره إليه ، فلا تكون له كلمة أمام ~~كلمته ، ولا خط غير خطه ، ولا قضاء إلا قضاؤه ، ولا منهج إلا منهجه ، فإن ~~ذلك من وحي الإيمان الصافي النقي ، والعقل المنفتح على الحقيقة ، الذي يسمع ~~من خلاله أوامر الله ونهيه ووحيه إليه ، وقد عبر في بعض الكلمات عن العقل ~~بأنه «الرسول الباطني» ، ( @QUR@04 قال أسلمت لرب العالمين ). فعاش ~~الإسلام لله بكل عمق الإيمان ، وبكل استقامة الطريق ، ووضوح المنهج وصفاء ~~الشعور ، وانفتاح الروح ... ولم يكن إسلامه إسلام الكلمة المنطلقة من ~~اللسان البعيدة عن القلب ، أو إسلام الرغبة والرهبة من دون قناعة ، أو ~~إسلام الشكل من غير مضمون ، فذلك هو الإسلام الذي لا يعيش حركة الوجود في ~~الذات ... إنه الصورة في الظاهر لا الحقيقة في الباطن ، إنه الإسلام الكلي ~~، لأن الله يريد من الإنسان أن يخلص له بكله ، ويستغرق في عبوديته له حتى ~~لا يبقى لأحد منه شيء ، حتى لنفسه ، ليكون محياه لله ومماته له. # * * * ### ||| ** استنطاق الآية لغويا # وهناك سؤال : هل كان الاصطفاء قد تم بعد أن أمره الله بأن يسلم ، باعتبار ~~أن كلمة «إذ» هي في موضع نصب باصطفينا؟ # قد يكون الأمر كذلك على أساس الجانب التعبيري ، ولكن ذلك ليس ضروريا ، ~~فربما كانت المسألة منطلقة من الإشارة إلى السبب في هذا الاصطفاء من خلال ~~إخلاصه لله في إسلامه المطلق له ، لأن الله يختار لرسالته الإنسان الذي ~~يعيش عمق الصفاء الروحي الذي يؤهله لاحتضان روح الرسالة بفكره ، وكل كيانه. ~~وربما كان ذلك بداية للحديث عن حركته PageV03P041 # الرسالية التي ابتدأت من إحساسه الذاتي لتمتد في بنيه ، مما يوحي بأنه ~~استطاع أن يجذرها في الجيل الذي ms0351 جاء بعده من خلال تجذرها في مهمته ~~الرسالية. # * * * ### ||| ** وصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهما # ولم يقتصر على نفسه في إسلامه هذا ، بل وصى بها بنيه ، لأن الإسلام هو ~~الذي اصطفاه الله للناس ، فلا بد لهم من أن يحيوا بالإسلام ويموتوا وهم ~~يحملون كلمته ... وحملها يعقوب حفيد إبراهيم وصية يختم بها حياته ، فلم يقف ~~في اللحظات الأخيرة منها ليتحدث عن شؤونه الحياتية في ما يخلفه لهم من إرث ~~مالي ، كما يتحدث الناس إلى ورثتهم في ذلك عند ما يفكرون بالوصية إليهم ، ~~بل وقف ليطمئن على انسجامهم مع الخط العبادي المتمثل في هذا الإسلام لله. # ( @QUR@05 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) فقد انطلقت هذه التجربة في ~~حياة الجد في حديثه مع بنيه وفي حياة الحفيد في وصيته لأولاده ، في دلالة ~~رسالته على أن الرسالة كانت كل اهتماماتهما الروحية ، فلم يكتفيا بالجهاد ~~في سبيلها في حياتهما ، بل انطلقا ليدفعا بها للاستمرار في الجيل الجديد ~~بعد وفاتهما ، لأن الوصية تعبر في مضمونها عن القلق النفسي الذي يشعر به ~~الإنسان تجاه ما أوصى به ومن أوصى له. # ( @QUR@07 يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ) واختاره منهجا للنجاة في ~~الحياة ووسيلة للسعادة في الآخرة من خلال برامجه التي تكفل لكم العيش ~~الرغيد والسلامة المريحة ، وانفتاحه على معرفة الله وطاعته للوصول إلى ~~رضوانه ، وذلك من قاعدة واحدة ، وهي إسلام القلب والوجه والحياة كلها لله ، ليلتقي PageV03P042 # الإسلام بمعنى العبودية الحقة الخاضعة للألوهية المطلقة ، فليكن هذا ~~الدين الإسلام هو الخط المستقيم الذي تتحركون فيه في كل حياتكم فلا تنحرفوا ~~عنه ، أو تتركوه إلى غيره ، مهما اشتدت الضغوط واهتزت الأرض من تحت أقدامكم ~~وتنوعت الإغراءات حتى نهاية حياتكم ، ( @QUR@05 فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~) لتلتقوا بالله على خط الإسلام عند ما يقوم الناس لرب العالمين. # ( @QUR@03 أم كنتم شهداء ) أيها الناس ، قال في مجمع البيان إن «أم» ها ~~هنا منقطعة ، وهي لا تجيء إلا وقد تقدمها كلام لأنها التي تكون بمعنى «بل» ~~وهمزة الاستفهام. كأنه قيل: بل أكنتم شهداء ، ومعنى «أم» ها هنا الجحد ، أي ms0352 ~~ما كنتم شهداء ، وإنما كان اللفظ على الاستفهام والمعنى على خلافه ، لأن ~~إخراجه مخرج الاستفهام أبلغ في الكلام وأشد مظاهرة في الحجاج ، إذ يخرج ~~الكلام مخرج التقرير بالحق فيلزم الحجة أو الإنكار له فتظهر الفضيحة» (1)، ~~( @QUR@04 إذ حضر يعقوب الموت ) واجتمع إليه بنوه الاثنا عشر وهم الأسباط ( ~~@QUR@03 إذ قال لبنيه ) سائلا سؤال الإنسان الذي يبدي لهم رغبته الأخيرة في ~~سلوكهم مستقبلا في الخط الذي بدأه أبوه النبي إبراهيم في إسلام الروح لله ~~وحمله كمسؤولية رسالية يبلغه للناس كافة ( @QUR@04 ما تعبدون من بعدي ) هل ~~تتراجعون عن الخط المستقيم لتتبعوا مجتمعاتكم الوثنية ، أم تستمرون في ~~السير عليه لتنسجموا مع آبائكم وأجدادكم من الرسل؟ فكان الجواب الذي يبعث ~~الاطمئنان في نفسه ليموت وهو قرير العين ، باستمرار الخط الرسالي في ~~التوحيد الخالص من بعده. # ( @QUR@010 قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ) فلن نشرك بعبادة غيره ، ولن نؤمن بإله سواه. فهي العبادة الخالصة ~~لله الواحد PageV03P043 # الأحد التي تجعل الحياة في نطاق الإسلام ، ليكون الإسلام هو الطابع الذي ~~يطبع شخصيتهم في كل مجالاتهم العملية ... ( @QUR@03 ونحن له مسلمون ) في ~~أقوالنا وأفعالنا وعلاقاتنا ومواقعنا وفي جميع مجالات حياتنا العامة ~~والخاصة. # * * * # ( @QUR@04 تلك أمة قد خلت ) # وتنتهي قصة التاريخ في هذه الآيات ، بالآية التي تتوجه إلى الناس بالنداء ~~التالي : إن هذا التاريخ هو تاريخ الأمم السابقة في ما عملت وفي ما كسبت ، ~~ولستم مسئولين عن كل أعمالهم في قليل أو في كثير ، بل هم المسؤولون عن ذلك ~~كله في ما استقاموا به وفي ما انحرفوا عنه ، أما أنتم فلكم تاريخكم المستقل ~~المتمثل في أعمالكم التي تكسبون بها الجنة أو النار ، فعليكم أن تواجهوا ~~مصيركم من خلال ذلك وتحددوا خطواتكم العملية من خلال دراستكم للنتائج ~~المصيرية لخطوات الآخرين ، لتأخذوا منها العبرة في طبيعة الأشياء ونتائجها ~~في كل المجالات. # ( @QUR@04 تلك أمة قد خلت ) وذهبت مع التاريخ بعد أن عاشت تجاربها وقامت ~~بمسؤولياتها ، وأدت رسالاتها ، وتحركت في الدروب التي فتحتها أو كانت ~~مفتوحة لها ، ( @QUR@03 لها ما كسبت ) من نتائج أعمالها ، ( @QUR@03 ولكم ms0353 ~~ما كسبتم ) مما تحملون من مسئوليتكم في كل التكاليف الموجهة إليكم ، ~~والمهمات الموكولة إليكم في ساحات الخير والشر ، والحق والباطل ، وفي كل ~~مجالات حركية الصراع مع الآخرين ، ( @QUR@05 ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) ~~لأن الجيل الجديد لا يتحمل أوزار الجيل القديم ولا علاقة له بحسناته ، لأن ~~التجربة السلبية أو الإيجابية PageV03P044 # مختصة به من خلال حركة إرادته الذاتية. وفي ضوء هذا لا معنى للقول بأن ~~الأبناء يتحملون المسؤولية السلبية تجاه ما قام به الآباء من السيئات. ~~وربما يطرح سؤال : لماذا لم يتحدث الله عن مسئولية الآباء عن عمل الأبناء؟ # والجواب : إن الخطاب هو للأبناء الذين يراد لهم أن ينفتحوا على التاريخ ~~كعبرة يعتبرون بها ، لا كمسؤولية يتحملونها ، مع ملاحظة أخرى ، وهي أن ~~الآباء قد يتحملون مسئولية الأبناء عند ما يتحركون ببعض الأوضاع التربوية ~~أو البرامج التعليمية التي قد تؤدي إلى ضلال الأبناء بنحو التسبيب العملي. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # وفي هذه الآية إيحاء بأن على الأمة في أجيالها الجديدة أن لا تستغرق في ~~تاريخها القديم ليغيب وعيها في داخله ، وليشغلها ذلك عن عملية صنع التاريخ ~~في الحاضر ، كالكثيرين الذين يتحدثون عن أمجاد الآباء القديمة من دون أن ~~يشغلوا أنفسهم بصنع الأمجاد الجديدة ، لتعرف أن الماضي لا يمثل مسئوليتها ~~بل مسئولية الذين صنعوه ، وعليها أن تأخذ منه الدروس والعبر ، ثم تتابع ~~سيرها وتتحرك تجربتها في صنع التاريخ الجديد الذي تتحمل مسئولية إيجاده ~~ومسئولية كل تفاصيله أمام الله. # وفي ضوء ذلك ، لا تكون الأمة مشدودة إلى الماضي لتتابع خلافاته وأحقاده ~~ومشاكله ، لتكون أحقادا وخلافات ومشاكل لها في الحاضر ، فتتجدد الحروب ~~والنزاعات ، على أساس حروب الماضي ونزاعاته ، بل تكون المسألة مسألة قضايا ~~الواقع الجديد في ما يتحرك به الإنسان في أفكاره PageV03P045 # وهمومه وغاياته ، سواء كانت متأثرة ببعض ما في الماضي من خطوط ومبادئ ~~عامة ، أو كانت منطلقة من خلال مبادئ الحاضر وخطوطه. # * * * PageV03P046 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (135) @QUR@031 قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل ms0354 إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) @QUR@019 ~~فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) @QUR@010 صبغة الله ومن أحسن من ~~الله صبغة ونحن له عابدون (138) @QUR@014 قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا ~~وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (139) @QUR@030 أم تقولون ~~إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم ~~أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما ~~تعملون (140) @QUR@015 تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون ) (141) # * * * PageV03P047 ### ||| ** الإسلام يجادل اليهود والنصارى # في هذا الفصل من السورة ، يلتفت القرآن إلى تحديد الخط المستقيم الذي ~~أراد الله للحياة أن تسير فيه في العقيدة والعمل ، ويشجب الخطوط المتعرجة ~~المنحرفة في صعيد الواقع الذي يسير عليه الناس ، فقد واجه هؤلاء الذين ~~ينغلقون على أنفسهم ليجعلوا من الدين انتماء فئويا لا ينفتح إلا على جماعة ~~معينة وأفق ضيق ، فكانوا يقولون للناس إن طريق الهدى لا يتسع لغير اليهود ، ~~في ما يقوله اليهود ، أو لا يتسع لغير النصارى في ما يقوله النصارى ، وكان ~~الجواب أن طريق الحق أوسع من ذلك ، فإذا كان اليهود والنصارى يؤمنون ~~بإبراهيم وملته ، فإن ملة إبراهيم هي الملة التي تلتقي عليها كل الخطوط ، ~~باعتبارها تمثل خط التوحيد الخالص الذي يستوعب كل الرسالات ويحتضن كل ~~الأنبياء ، فلا يضيق عن أحد ولا ينغلق على فئة ، فهو الدين الحق الذي يهتدي ~~المؤمنون به ، أما الذين يعرضون عنه ، فهم الذين لا يريدون للحياة أن تهدأ ~~وتطمئن وتسير في الطريق المستقيم ، بل يثيرون فيها الشقاق والخصام الذي لا ~~ينتهي إلى أية نتيجة مما يحاولونه من الأهداف الشريرة ، مهما عملوا ومهما ~~امتدوا في أساليبهم ، لأن الله سيتكفل بهم في الدنيا والآخرة ، فقد وعد ~~نبيه بأنه سيكفيه عدوانهم وشرهم ، وهو السميع لكل ما يفيضون فيه ms0355 من قول وما ~~يثيرونه من مشاكل وهو العليم بسرهم وعلانيتهم. # ويلاحظ في هذه الآيات أن القرآن يعتبر القياس في صحة سلوكهم هو انسجامهم ~~مع ملة إبراهيم ، باعتبار أن رسالة موسى وعيسى كانت سائرة في هذا الاتجاه ، ~~فإذا كان هناك انحراف عنها ، فمعنى ذلك أنهم يسيرون على غير هدى هاتين ~~الرسالتين. PageV03P048 # ثم يعود الحديث عن الإسلام باعتباره الصفة التي لا تعادلها صفة والميزة ~~التي لا تقاربها ميزة في ما تشتمل عليه من المعاني الكبيرة التي ترفع مستوى ~~الإنسان في الدنيا والآخرة ، لأنها تمثل خط العبادة لله سبحانه في أصدق ~~معانيها وأوضح خطوطها في استقامة وإيمان ، ثم يواجههم بالحقيقة التي أرادوا ~~أن يتهربوا منها ، وهي أن الله لا يكون لجماعة دون جماعة ، ولا لشعب دون ~~شعب ، بل الخلق كلهم متساوون أمامه في عبوديتهم له وربوبيته لهم ، فلا معنى ~~لمحاجتهم في الله على أساس ما يزعمونه من العلاقة الخاصة التي تربطهم به ~~وتشدهم إليه في ما يعبرون عنه بأنهم «شعب الله المختار» ، وفي ما يتخيلونه ~~من أن الطريق إليه لا بد من أن تمر بهم ، فهو ( @QUR@02 ربنا وربكم )... # وفي هذا الاتجاه تتحرك الحقيقة الثانية من خلال الحقيقة الأولى ، وهي أن ~~الأعمال هي القاعدة التي ترتكز عليها العلاقة القوية بين العبد وربه ليواجه ~~فيها الإنسان مسئوليته أمام الله من خلالها من دون أن يتحمل أحد مسئولية ~~أحد في عمله ، فلكل عمله ، ولكل مسئوليته في هذا الاتجاه ، ( @QUR@04 ولنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم ) ثم يحدد الموقف الحق الذي يلتزم به المسلمون كطابع ~~بارز للشخصية التي تتميز بالإخلاص لله في النية والعمل. # ويعود الحديث من جديد إلى شخصية إبراهيم ، فاليهود يعتبرون أو هكذا يوحي ~~أسلوبهم العملي بأن إبراهيم كان يهوديا ، والنصارى يعتبرون أو هكذا يوحي ~~أسلوبهم العملي أن إبراهيم كان نصرانيا ... ويحسم القرآن الموقف بإثارة ~~التساؤل في معرضالإنكار ، فينفذ إلى مواجهة معلوماتهم عن إبراهيم ليتساءل ~~في إنكار : هل أنتم أعلم أم الله؟ ... ومن البديهي أنهم لا يستطيعون إلا ~~الإقرار بأن الله أعلم من خلال إيمانهم الذي يزعمون ... وفي ms0356 هذا الجو يتحرك ~~الموقف من حركة الرسالة في الحوار ، ليوحي بأن الله قد عرفنا ، بما لا ~~يقترب منه الشك ، أن إبراهيم لم يكن PageV03P049 # يهوديا ولا نصرانيا ، بل كان حنيفا مسلما ، وما كان من المشركين. # ثم يواجههم بالحقيقة الصارخة ، وهي أنهم يعرفون ذلك تمام المعرفة ، ~~ولكنهم يكتمون هذه المعرفة ويمتنعون عن أداء الشهادة وهذا يعتبر من أشد ~~أنواع الظلم ، لأنه تمرد على الله ، وظلم للحقيقة واعتداء على الناس وعلى ~~الحياة. ثم يختم الآية بما يشبه التهديد ، فإن الله ليس بغافل عما يعملون ، ~~فهو الرقيب عليهم في الدنيا والحاكم عليهم في يوم القيامة .. # وتصل القصة إلى نهايتها لتواجه المسلمين بالفكرة الأساسية التي يتحرك في ~~نطاقها التاريخ في حياة الناس ، فإن التاريخ لا يحمل الفئات اللاحقة ~~مسئولية الفئات التي عاشت فيه ، كما أن الفئات السابقة لا تتحمل وزر الفئات ~~اللاحقة ، لأن المسؤولية لا تتحرك إلا في المجال الذي يتحرك فيه العمل ~~وتنطلق معه الحياة ... أما التاريخ ، فهو كتاب الحياة الذي يحمل الدروس ~~والعبر من جيل لآخر ، لتعيش الأجيال الفكرة الحقة من خلال تجاربها وتجارب ~~الآخرين في السير الواعي لحركة الحضارات ... # * * * ### ||| ** ملة إبراهيم من الإسلام # ( @QUR@01 وقالوا ) أي اليهود والنصارى : ( @QUR@05 كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا )، فقد انطلق كل فريق من أتباع هذين الدينين ليؤكد صحة دينه في ~~مقابل الإسلام الذي دخل فيه الناس هناك ، على أساس أن اليهودية من وجهة نظر ~~اليهود ، أو النصرانية من وجهة نظر النصارى ، هي الوسيلة الوحيدة التي تقود ~~إلى الهدى في قضايا الدنيا والآخرة انطلاقا من دعواهم بأنهم هم الذين ~~يمثلون شريعة إبراهيم في خصوصياتهم العقيدية والشرعية والأخلاقية التي PageV03P050 # أصبحت جزءا من هذا الدين أو ذاك ، مما يختلف عن خصوصيات الدين الإسلامي ~~الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ( @QUR@01 قل ) يا محمد ، أو ~~من يقف مثل هذا الموقف في ساحة المواجهة من المسلمين : ( @QUR@04 بل ملة ~~إبراهيم حنيفا ) التي تمثل الملة المستقيمة على منهج الله في امتداد وحيه ، ~~المائلة عن كل الاتجاهات الباطلة من الأديان المنحرفة بسبب الأهواء ms0357 ~~والأغراض والأطماع الإنسانية ... ومن المبادئ التي أبدعها الإنسان من فكره ~~الذاتي وتجربته الشخصية مما لا علاقة له بالله ورسله. # وقد اختلف المفسرون في تفسير «الحنيفية» التي هي ( @QUR@02 ملة إبراهيم ) ~~بين تفسير يحصرها في دائرة تشريع معين ، وبين قائل : بأنها حج البيت كما عن ~~ابن عباس والحسن ومجاهد (1)، وبين قائل : إنها الطهارة وهي عشرة : خمسة في ~~الرأس ، وخمسة في البدن ، فأما التي في الرأس فأخذ الشارب وإعفاء اللحى وطم ~~الشعر «جزه وتوفيره» والسواك والخلال ، وأما التي في البدن ، فأخذ الشهر من ~~البدن والختان وقلم الأظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء ، وهي ~~الحنيفية الطاهرة التي جاء بها إبراهيم فلم تنسخ ولن تنسخ إلى يوم القيامة ~~، كما عن تفسير القمي (2)، وبين تفسير يتسع بها إلى أي موقع يمثل «اتباع ~~الحق» أو ينفتح بها على الإخلاص لله وحده في الإقرار بالربوبية والإذعان ~~بالعبودية ، مما يختزن في داخل مفهومه كل المفردات التي تفرضها حركة ~~العبودية في الإنسان أمام الربوبية الإلهية. # وهناك القول الذي يتسع لكل الشريعة التي جاء بها إبراهيم عليه السلام ، ~~مما يتصل بالحياة الروحية العقيدية أو الحياة العملية السلوكية ، وكما جاء ~~عن الإمام محمد الباقر عليه السلام : «ما أبقت الحنيفية شيئا ، حتى أن منها قص PageV03P051 # الشارب ، وقلم الأظفار ، والختان» (1). # والظاهر أن القول الأخير هو أقرب الأقوال إلى المنهج الرسالي الذي يتصل ~~بالحياة الروحية والمادية للإنسان مما يعتقده أو يعمله أو ينفتح عليه ، ~~والله العالم. # وهكذا يريد الله للنبي ولمن اتبعه أن يؤكد لهم أن ملة إبراهيم الحنيفية ~~هي الملة الجامعة التي تمثل الخط العريض المستقيم للهدى ، فمن اتبعها اهتدى ~~، وليس الهدى بالأهواء والخصوصيات الذاتية أو الفئوية التي تؤدي إلى ~~التفسيرات والتأويلات والتخييلات التي تتحول إلى طوائف ومذاهب ، فقد أنزل ~~الله على إبراهيم رسالته التوحيدية التي تعبر عن توحيد الله في كل شيء ، في ~~العقيدة والشريعة والعبادة والحياة مما فصله الأنبياء من بعده ، من خلال ~~وحي الله الذي يعطي كل مرحلة حاجاتها ، التي مهما تنوعت فإنها تلتقي على ~~التوحيد الذي آمن به إبراهيم ( @QUR@04 وما ms0358 كان من المشركين ) فلا مجال لكل ~~هذه الزوائد التي استحدثوها مما قد يلتقي بالشرك من قريب أو من بعيد ، فإن ~~كل ما عدا الله مما يلتزمه الناس هو عنوان من عناوين الشرك. # * * * ### ||| ** المسلم مؤمن بكل رسالات الله # ( @QUR@01 قولوا ) أيها المسلمون لكل الذين يجادلونكم في الدين : ( ~~@QUR@013 آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط ) فنحن نؤمن بالله الواحد ونؤمن بكل ما أنزل إلينا وإلى ~~هؤلاء ( @QUR@04 وما أوتي موسى وعيسى ) من التوراة والإنجيل ( @QUR@05 وما ~~أوتي النبيون من ربهم ) مما أنزله الله PageV03P052 # عليهم وكلفهم به ( @QUR@05 لا نفرق بين أحد منهم )، لأننا نؤمن بالرسل ~~كلهم مهما اختلفت خصوصياتهم ومراحلهم ، كما نؤمن بالكتاب كله مهما تنوعت ~~آياته ، ( @QUR@03 ونحن له مسلمون )، فإننا نسلم إلى الله كل حياتنا وكل ~~أمورنا ، لأن الإسلام هو دين الله في كل مواقعه في حركة الرسل في التاريخ. # * * * ### ||| ** الحوار المنفتح على القلب ومواطن اللقاء # ولنا في التعليق على هذه الآية كلمتان : # الأولى : أنها تمثل أنموذجا لأسلوب الحوار في الإسلام ، وخلاصته البحث عن ~~مواطن اللقاء في بداية الحديث من أجل الإيحاء بوجود قاعدة مشتركة للفكر ~~المتنوع ، وأرض مشتركة للموقف المتعدد ، مما يوحي للآخر بأنك إذا اختلفت ~~معه في إيمانك بما أنزل إليك من القرآن ، فإنك لن تختلف معه في إيمانك بما ~~يؤمن به من ناحية المبدأ من التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم ، وتعاليم ~~النبوات المشتركة بين الأديان من خلال الأنبياء الذين يلتقون على رسالات ~~الله ، فيلتقي المؤمنون على الإيمان بهم. # وهذا الأسلوب من أوضح الأساليب وأكثرها حكمة وانفتاحا ، لأنه يخلق جوا ~~نفسيا ملائما يؤدي إلى حالة حوارية حميمة تفتح العقل من خلال النافذة ~~المطلة على القلب ، باعتبار أن أقرب طريق إلى عقل الإنسان هو الطريق الذي ~~يؤدي إلى قلبه ، لأنه إذا أحبك أحب فكرك ، وإذا انفتح عليك من الناحية ~~الشعورية انفتح عليك من الناحية العقلية. # ولعل مشكلة الكثيرين من الناس أنهم يركزون على مواقع الخلاف التي تغلق ~~القلوب بدلا من مواقع الوفاق التي تفتحها ، لأنهم لا يعيشون المحبة للآخرين ms0359 ~~في الرسالة ، بل ينطلقون بها من موقع العقدة والحقد PageV03P053 # والانفعال ، حتى أعطوا الحقد الذي لا قداسة له معنى القداسة. # * * * ### ||| ** بيان إنزال الرسالات وإيتائها # الثانية : إن هناك اختلافا في التعبير في الآية ، فقد عبر عما عندنا وعما ~~عند إبراهيم وإسحاق ويعقوب بالإنزال وعند موسى وعيسى والنبيين بالإيتاء وهو ~~الإعطاء ، كما أشار إلى ذلك في تفسير الميزان ، فهل هناك نكتة في ذلك؟ # يذكر العلامة الطباطبائي أن النكتة هي أن اليهود والنصارى يعتبرون ~~«إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من أهل ملتهم ، فاليهود من ~~اليهود ، والنصارى من النصارى ، واعتقادهم أن الملة الحقة من النصرانية أو ~~اليهودية هي ما أوتيه موسى وعيسى ، فلو كان قيل : وما أوتي إبراهيم ~~وإسماعيل ، لم يكن بصريح في كونهم بأشخاصهم صاحب ملة بالوحي والإنزال ، ~~واحتمل أن يكون ما أوتوه هو الذي أوتيه موسى وعيسى عليهما السلام نسب إليهم ~~بحكم التبعية ، كما نسب إيتاؤه إلى بني إسرائيل ، فلذلك خص إبراهيم ومن عطف ~~عليه باستعمال لفظ الإنزال ، وأما النبيون قبل إبراهيم فليس لهم فيهم كلام ~~حتى يوهم قوله : وما أوتي النبيون شيئا يجب دفعه» (1). # وخلاصة الفكرة هي أن المطلوب هو بيان استقلالية إبراهيم ومن بعده عن موسى ~~وعيسى ، مما يفرض اختلاف التعبير الذي يوحي بتعدد المواقع. PageV03P054 # ولكننا نلاحظ أن ذلك لا يدل على اختلاف فريق الإيتاء وفريق الإنزال في ~~طبيعة الرسالة ، فلا مانع من أن يكون ما أوتيه إبراهيم وفريقه هو نفسه الذي ~~أوتيه موسى وعيسى مع إنزال الوحي على هذا أو ذاك مع وحدة المضمون الرسالي ~~في تنوع الخصائص ، وهذا ما يريد الله تأكيده في القرآن من الإيمان بالكتاب ~~كله وبالرسل كلهم الذين يلتقون على الخطوط العامة ، حيث يكون الإيمان ~~بأحدهم إيمانا بالآخر. # هذا مع ملاحظة أخرى ، وهي أن فريق إبراهيم لم يعلم أنه أوحي إليه غير ما ~~أنزل على إبراهيم ، ولا سيما الأسباط الذين ذكر أن المراد بهم يوسف وإخوته ~~الذين لم يكونوا أنبياء ، لأن الذين تآمروا على يوسف لا يمكن أن يكونوا في ~~مستوى النبوة ، فيكون الإيتاء لهم باعتبار ms0360 أنهم من الأمة التي يؤتى نبيها ~~الرسالة التي تؤمن بها. إننا لا نرى في اختلاف التعبير إلا التنوع فيه الذي ~~يمنح الكلام حيوية وحركة مع اتحاد الفكرة. # * * * ### ||| ** الله يكفي نبيه والمؤمنين معه شر الكافرين المعاندين # ( @QUR@06 فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ) من الشمولية في الإيمان للأنبياء ~~كلهم وللكتاب كله ، ( @QUR@02 فقد اهتدوا ) إلى الطريق الحق الذي يؤدي بهم ~~إلى الجنة. وربما كان التعبير بكلمة «مثل» مع أن المقصود المضمون الإيماني ~~نفسه بالمحافظة على شخصية المحاور الآخر الذي لا يريد أن يلغي ذاته بالسقوط ~~تحت تأثير الآخر للإيحاء بأن المسألة مسألة توافق في الرأي الواحد بحيث ~~يصدر من كل واحد منهما بشكل مستقل ، على نهج توارد الأفكار أو الخواطر ، ( ~~@QUR@02 وإن تولوا ) وأعرضوا عن الإيمان وأنكروا مضمونه الحق وجحدوه ، ( ~~@QUR@04 فإنما هم في شقاق ) ونزاع لإثارة الجدال المعقد الذي لا يريد أن PageV03P055 # يصل بالحديث إلى نتيجة حاسمة ، بل يريد أن يربك الأجواء بالمزيد من عناصر ~~الفرقة والاختلاف ، للإبقاء على خط الكفر من دون أن يتحول السائرون عليه ~~إلى خط الإيمان. ( @QUR@02 فسيكفيكهم الله ) ويحميك من شرهم وينصرك عليهم ~~لتكون كلمتك التي هي كلمة الله هي العليا ، وكلمتهم التي هي كلمة الشيطان ~~السفلى. ( @QUR@03 وهو السميع العليم ) الذي يسمع أقوالهم ويعلم أعمالهم ، ~~فلن يصلوا إليك بسوء ما دمت في حماية الله ورعايته. # ( @QUR@02 صبغة الله ) إنه الإيمان الذي يمنح صاحبه اللون المميز ، الذي ~~يطبع الذات بطابعه في جميع خصائصها ، تماما كما هو الصبغ عند ما يطبع الثوب ~~أو الجسد فيلون كل جزئياته. # ( @QUR@05 ومن أحسن من الله صبغة ) لأنه الخالق الذي يعطي الإنسان وجوده ~~ويمنحه أفضل الامتيازات المعنوية والروحية التي تمنحه حسنا وإشراقا. ( ~~@QUR@03 ونحن له عابدون ) وسائرون على النهج الذي أرادنا أن ننهجه في ~~الحياة في تأكيد معنى عبوديتنا له التي هي سر التوحيد والفطرة التي تنطلق ~~في الذات بالإسلام في جميع إيحاءاتها وألوانها ، وذلك خلافا لمن يرون ~~الصباغ أمرا ماديا ، كما هي المعمودية لدى النصارى ، في دخول الإنسان في ~~دين الله. # * * * # ( @QUR@03 أتحاجوننا في الله؟! ) # ( @QUR@04 قل أتحاجوننا في الله ms0361 ) لأنكم الأقرب إليه دوننا ، باعتبار ~~أنكم شعب الله المختار ، أو أبناء الله وأحباؤه ، أو لأن لكم إلها يختلف عن ~~إلهنا ، وكل ذلك باطل ، ( @QUR@03 وهو ربنا وربكم ) فهو رب العالمين جميعا ~~لا فرق في موقع ربوبيته بين إنسان وآخر ، ولا ميزة لأحد على أحد إلا ~~بالأعمال. وهو الذي PageV03P056 # يحدد للناس وظائفهم ومهماتهم ومسئولياتهم في تدبير أمورهم وأمور من حولهم ~~وما حولهم ... ( @QUR@04 ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) فهي التي تحدد لكل ~~منا موقعه منه وقربه إليه ، ( @QUR@03 ونحن له مخلصون ) في إيماننا به ~~وتوحيدنا له وعبادتنا إياه ، وهذا ما يجعلنا في الخط المستقيم الذي أرشدنا ~~إليه وهدانا له. # ( @QUR@012 أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى ) لتؤكدوا بذلك شرعية أوضاعكم بانتساب خطكم إلى خط إبراهيم ، ~~الذي كان الرمز العظيم للقاعدة الرسالية الممتدة في حركة الرسل والرسالات ، ~~لتحصلوا على غطاء رسالي لانحرافاتكم الفكرية والعملية. ( @QUR@05 قل أأنتم ~~أعلم أم الله )، وقد أخبركم بأن التوراة والإنجيل اللتين تنتمي إليهما ~~اليهودية والنصرانية قد أنزلنا من بعدها ، فكيف يكون انتماؤه إليهما من ~~خلال الصفتين اللتين تلصقونهما به ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@016 يا ~~أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ~~أفلا تعقلون ) [آل عمران : 65]. وهذا الاستفهام للتوبيخ لا للحقيقة ، إذ لا ~~معنى لها في الموضوع ، فوزانه وزان قوله تعالى : ( @QUR@06 أأنتم أشد خلقا ~~أم السماء بناها ) [النازعات : 27]. # ومعناه كما يقول صاحب مجمع البيان : قل يا محمد لهم : أأنتم أعلم أم الله ~~، وقد أخبر سبحانه أنهم كانوا على الحنيفية وزعمتم أنهم كانوا هودا أو ~~نصارى فيلزمكم أن تدعوا أنكم أعلم من الله وهذا غاية الخزي (1). # * * * ### ||| ** كتمان الشهادة ظلم وبهتان # ( @QUR@08 ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) مما يعلمه من شؤون الرسل PageV03P057 # والرسالات ، لأن ذلك يؤدي إلى تشوية الحقيقة وتزييف الواقع وإيقاع الناس ~~في الضلال ، وهو من أبشع أنواع الظلم ، لأنه يسلب الإنسان حقه في وعي ~~الحقيقة الرسالية التي تتوقف عليها استقامة الإنسان في حياته ، ( @QUR@05 ~~وما الله بغافل عما تعملون ) من كل ms0362 هذه الانحرافات الفكرية والعملية ، ~~فيحاسبكم عليها تبعا للنتائج السلبية التي تترتب عليها في حياتهم وحياة ~~الناس من حولهم ، ( @QUR@07 تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ) من أعمالها التي ~~تتحمل مسئولياتها ، ( @QUR@03 ولكم ما كسبتم ) من أعمالكم التي تواجهون ~~حساباتها يوم القيامة ، ( @QUR@05 ولا تسئلون عما كانوا يعملون ). إن ~~القاعدة الإسلامية ، تفرض المسؤولية الفردية في حركة الإنسان كما جاء في ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى ) [النجم : 38 39]. # وقد كرر الآية ليؤكد بعد كل قصة من قصص التاريخ هذه الحقيقة الحضارية ~~القائمة على خط التوازن العملي في مضمون العدل الإلهي في حياة الإنسان ، ~~ليمنع الإنسان من الاستغراق في كهوف الماضي وفي خلافاته ، لتكون حياته ~~انفتاحا على مسئولية الحاضر والمستقبل اللذين يصنعهما بفكره وعمله في دوره ~~في بناء الحياة على أساس متين. # * * * PageV03P058 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) @QUR@045 وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ~~وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن ~~الله بالناس لرؤف رحيم (143) @QUR@034 قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما ~~يعملون (144) @QUR@032 ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم ~~من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) @QUR@014 الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون (146) @QUR@01 الحق PageV03P059 # @QUR@06 من ربك فلا تكونن من الممترين (147) @QUR@019 ولكل وجهة هو ~~موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل ~~شيء قدير (148) @QUR@017 ومن حيث ms0363 خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) @QUR@031 ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ~~ولعلكم تهتدون (150) @QUR@017 كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) ~~@QUR@06 فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) (152) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 السفهاء ): الناقصو العقول ، الحمقى الذين يفتقدون الميزان ~~الصحيح في النظرة إلى الأمور والأحداث ، وقال ابن عربي في تفسيره : «إن كل ~~من لم يدرك حقيقة دين الإسلام فهو سفيه ، لأنه خفيف العقل» (1). # ( @QUR@01 ولاهم ): ولاه عنه : صرفه وفتله. وولى عنه خلاف ولي إليه ، ~~مثل قولك : عدل عنه وعدل إليه وانصرف عنه وانصرف إليه. فإذا كان الذي يليه PageV03P060 # متوجها إليه فهو متول إليه ، وإذا كان متوجها إلى خلاف جهته فهو متول عنه. # ( @QUR@01 وسطا ): الوسط : السواء والعدل والنصفة ، لأن الوسط عدل بين ~~الأطراف ، ليس إلى بعضها أقرب من بعض ، وقيل الخير. قال صاحب العين : الوسط ~~من كل شيء أعدله وأفضله (1). فكون الأمة وسطا بناء على هذا لما تملكه من ~~موقع أصيل يجعلها مرجعا وميزانا يؤهلها لممارسة دور الشهادة والقيادة ، ~~وقيل في صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : كان من وسط قومهم أي من ~~خيارهم. # ( @QUR@01 شهداء ): من الشهادة التي هي الحضور مع المشاهدة ، إما بالبصر ~~أو بالبصيرة ، والشهداء إما من شهادة الأعمال أو من الحجة والبينة. قال ~~العلامة الطباطبائي في الميزان : «معنى الشهادة غاية متفرعة في الآية على ~~جعل الأمة وسطا ، فلا محالة تكون الوسطية معنى يستتبع الشهادة والشهداء» (2). # ( @QUR@01 القبلة ): مأخوذة من الاستقبال ، وهي كل جهة يستقبلها الإنسان ~~فيقابل غيره عليها ، ثم صارت علما على الجهة التي تستقبل في الصلاة. # ( @QUR@01 عقبيه ): العقب : مؤخر القدم. والانقلاب على العقبين كناية عن ~~الإعراض ، فإن الإنسان وهو منتصب على عقبيه إذا انقلب من جهة إلى جهة انقلب ~~على عقبيه ، وقد أستعير هنا لمن يكفر بالله ورسوله ms0364 ، لأن المنقلب على عقبيه ~~يترك ما بين يديه ويدبر عنه ، وحيث إن تارك الإيمان هو بمنزلة المدبر عما ~~بين يديه ، وصف بذلك. PageV03P061 # ( @QUR@01 لكبيرة ): ثقيلة وشاقة. قال الراغب : تستعمل الكبيرة في ما ~~يشق ويصعب (1). # ( @QUR@01 لرؤف ): الرأفة أشد الرحمة. رأف به : أشفق عليه من مكروه يحل به. # ( @QUR@01 تقلب ): التحرك في الجهات. قال الزمخشري : « ( @QUR@02 تقلب ~~وجهك ) تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء» (2)، ( @QUR@02 فلنولينك قبلة ~~) أي : صيرناك تستقبلها بوجهك. # ( @QUR@01 شطر ): جهة ، ونحو ، وشطر المسجد الحرام نحوه وتلقاءه ، قال ~~صاحب العين: شطر كل شيء نصفه ، وشطره نحوه وقصده (3). # ( @QUR@01 الممترين ): الشاكين المترددين. قال الراغب : «المرية : ~~التردد في الأمر وهو أخص من الشك ... والامتراء والمماراة المحاجة في ما ~~فيه مرية ... وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب» (4). قال صاحب ~~العين : المري مسحك ضرع الناقة تمريها بيدك لتسكن للحلب (5). # ( @QUR@01 حجة ): الحجة : الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم ، ~~( @QUR@08 قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ). [الأنعام : ~~149]. قال الراغب في الآية : «يجوز أنه سمي ما يحتجون به حجة» (6). ولهذا ~~فقد يراد من الحجة البينة الواضحة أو ما يحتج به ولو كان غير مبين ، أو ~~المحاجة والمنازعة. PageV03P062 # ( @QUR@01 تخشوهم ): الخشية : خوف يشوبه تعظيم. # ( @QUR@01 ويزكيكم ): ينمكم ويطهركم ، قال الراغب : «أصل الزكاة النمو ~~الحاصل عن بركة الله تعالى ، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. يقال ~~: زكا الزرع يزكو إذا حصل منه نمو وبركة» (1)، ولهذا تشمل التزكية إزالة ~~العقائد الفاسدة كالشرك والكفر ، والملكات الرذيلة كالكبر والشح ، والأعمال ~~الشنيعة كالقتل والزنى وشرب الخمر. # ( @QUR@01 والحكمة ): قال الراغب : «إصابة الحق بالعلم والعقل ، فالحكمة ~~من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام ، ومن الإنسان ~~معرفة الموجودات وفعل الخيرات وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عز وجل : ( ~~@QUR@04 ولقد آتينا لقمان الحكمة )» (2). [لقمان : 12] قال الطبرسي : ~~«الحكمة هي العلم الذي يمكن به الأعمال المستقيمة» (3)، وربما كانت الحكمة ~~توحي بانسجام التطبيق العملي في حركة الإنسان مع النظرية التي تمثل الخط ~~الفكري الذي يؤمن به. ويلتقي هذا بالمأثور عن الحكمة بأنها وضع الشيء في موضعه. # ( @QUR@01 أذكركم ): قال الراغب : «الذكر ms0365 ذكران : ذكر بالقلب وذكر ~~باللسان ، وكل واحد منهما ضربان ، ذكر عن نسيان ، وذكر لا عن نسيان بل عن ~~إدامة الحفظ» (4). فذكر الله للناس هو أن يذكرهم بتسديده وتوفيقه وعفوه ~~وغفرانه بعد ما يذكرونه في الألسن والقلوب والمواقف. # ( @QUR@01 واشكروا ): الشكر ثلاثة أضرب : شكر القلب ، وهو تصور PageV03P063 # النعمة ، وشكر اللسان ، وهو الثناء على المنعم ، وشكر سائر الجوارح ، وهو ~~مكافأة المنعم بقدر استحقاقه. والشكر تصور النعمة وإظهارها ، ويضاده الكفر ~~وهو نسيان النعمة وسترها. # * * * ### ||| ** المسلمون وتحدياتهم لليهود والنصارى # في هذا الفصل الذي يبدأ به الجزء الثاني من القرآن الكريم ، يريد الله ~~سبحانه أن يربي المسلمين في المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه في المدينة ، ~~على مواجهة التحديات الآتية من الآخرين حول بعض التشريعات الإسلامية ~~الصادرة من رسول الله أو بعض الأوضاع العامة التي كانت تواجه المسلمين ~~آنذاك ، وتثير بعض التساؤل والحيرة واللغط ، مما قد يؤثر على تماسك الجماعة ~~المسلمة ويفسح في المجال لمزيد من الارتباك والاهتزاز. # وقد تبرز أهمية هذا الاتجاه في الملاحظة التالية ، وهي أن التحديات ~~الكافرة قد تحدث في المراحل التي يعيش فيها المسلمون البساطة في الوعي ~~والثقافة ، والسذاجة الروحية والفكرية في مواجهة المشاكل المستجدة ، ولا ~~سيما إذا كانت نظرتهم إلى تلك الفئات المتحدية ، نظرة تتسم بالاحترام ~~الداخلي لمعلوماتهم العامة ، من خلال الاعتقاد بأنهم يملكون المعرفة ~~الشاملة بالكتاب المتضمن لأحكام الله وآياته ، باعتبارهم أهل الكتاب ، فقد ~~يترك ذلك تأثيرا كبيرا على نظرتهم إلى القضايا المثارة أو المشاكل المطروحة ~~، عند ما يواجهون ذلك كله من خلال العجز الفكري عن المناقشة والتحليل. PageV03P064 # أما القضية التي انطلقت هذه الآيات لمعالجتها ، فقد شغلت المجتمع ~~الإسلامي والمجتمع الكافر المضاد ، لأنها كانت صدمة لهم جميعا ، وذلك لأن ~~المسلمين كانوا يتجهون في عباداتهم منذ بداية الدعوة ، إلى بيت المقدس الذي ~~يتجه إليه اليهود والنصارى من أهل الكتاب ، فجاء التشريع الجديد لينسخ ذلك ~~ويحول القبلة إلى الكعبة ، فأدى ذلك إلى إثارة أهل الكتاب لأنهم كانوا ~~يجدون في صلاة المسلمين إلى بيت المقدس نوعا من أنواع التبعية العملية لهم ~~، وسبيلا من سبل ms0366 إضلال البسطاء من المسلمين بالإيحاء إليهم بأن ذلك يدل على ~~أن الحق معهم ، كما أنهم اعتبروه خسارة لأحد مواقعهم العملية التي تؤكد ~~أصالتهم ومواقعهم المتقدمة من الكتاب والنبوات. # أما المسلمون فقد عاشوا صدمة ذاتية ، لاشتمال ذلك على أسلوب جديد غير ~~مألوف لديهم في التعامل مع التشريع الذي ساروا عليه مدة طويلة ، بإلزامهم ~~بالوقوف منه موقف الرفض العملي الذي يستبدل موقفا بموقف ، فيعتبر السير على ~~التشريع على أساس ذلك انحرافا عن الخط الصحيح ، مما لم يكن لهم سابق معرفة ~~به ، ولم يكونوا في إعداد نفسي له ، بل جاء مفاجأة كبيرة لهم ، وصدمة نفسية ~~إيحائية من خلال أساليب اليهود الذين حاولوا أن يثيروا أمامهم المشكلة ~~الفكرية في النسخ ، فإذا كان حكم الله هو التوجه إلى بيت المقدس ، فمعنى ~~ذلك أنه الحق وأن غيره هو الباطل ، فكيف يتغير حكم الله إلى شيء آخر لتنقلب ~~النظرة إليه في النظرة إلى الحق والباطل في القضية نفسها ، وكيف يمكن أن ~~ينسب ذلك إلى الله الحكيم في كل ما يفعله من أفعال وما يشرعه من أحكام ما ~~دامت المصلحة لازمة للأشياء وما دام الحكم تابعا للمصلحة التي تمليه؟! ولم ~~يكن لدى المسلمين من المعرفة بأسس التشريع وطبيعة مساره ما يمكنهم من ~~الدخول في جدل أو مناقشة حول ذلك مع هؤلاء .. وهكذا عاش المسلمون جوا من ~~الريب والحيرة ، وبدأوا يواجهون حالة متوترة من الضوضاء والقيل والقال ، ~~بالمستوى الذي تحول الموقف فيه PageV03P065 # إلى عقدة كبيرة تهدد المسيرة الإسلامية في ذلك المجتمع. # وكان القرآن بالمرصاد لذلك ، فقد خاض المعركة بكل الأساليب الضرورية التي ~~يحتاجها الموقف ، سواء في ذلك الأساليب الفكرية التي تواجه طبيعة التشريع ، ~~أو الأساليب العاطفية التي تخاطب مشاعر المسلمين وعواطفهم ، أو الأساليب ~~العملية التي تواجه المسلمين بالواقع الداخلي لأهل الكتاب في ما يمارسونه ~~من أساليب اللف والدوران والتضليل ضد المسلمين ، وتعرفهم الموقع الذي يريد ~~الله للأمة أن تقفه في الكون في قيادة العالم إلى الشاطئ الأمين ، مما يجعل ~~من القضية مدخلا قرآنيا لتربية المجتمع المسلم على مواجهة التحديات ms0367 بالفكر ~~والعاطفة والواقعية ، ولتأكيد الخط القرآني الذي لا يترك المسلمين في حيرة ~~أمام علامات الاستفهام التي تثور في وجدانهم حول قضايا العقيدة والتشريع ، ~~بل يعمل على أن يجد لهم الأجوبة التي ترضي قناعاتهم الفكرية ، وتمنحهم ~~الشعور بالرضى والاطمئنان والثقة بما يعتقدون ويعملون ، من أجل تركيز هذا ~~التشريع في وعي الناس ، وتربية المجتمع المسلم على الانطلاق إلى الحياة من ~~خلال القواعد الثابتة المنطلقة من أمر الله ونهيه في كل ما يريد الله أن ~~يغيره أو يبدله من تشريع أو غيره ، ليعي المجتمع من خلال ذلك طبيعة علاقته ~~بالله وحدودها ، ويعرف أن المسلم لا يملك أمام كلمة الله أية إرادة تقوده ~~إلى الرفض أو التشكيك ، بل هو التسليم المطلق في كل شيء كما توحي به الآية ~~الكريمة : ( @QUR@024 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ~~[الأحزاب : 36]. # وقد حدثنا الله في هذا الفصل عن الكلمات التي يمكن أن تقال ، وعن ~~التصورات التي ينبغي للمسلم أن يعيشها أمام تلك الكلمات ، وعن طبيعة هذا ~~التبدل في التشريع ، في حكمة الله ، وفي نتائجه العملية على سير الدعوة ، ~~وعن التصورات والاهتمامات النفسية التي كانت تشغل بال النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم قبل PageV03P066 # ذلك ، وعن الدور الكبير الذي أعده الله لهذه الأمة في حملها للرسالة ~~وشهادتها على الناس وشهادة الرسول عليها أمام الله. # وفي هذا الجو المتنوع ، ينطلق القرآن ليربط المسلمين بالخط الأصيل الذي ~~يسيرون عليه ، فلا يتزحزحون ولا ينحرفون عن الخط الإسلامي الحق إلى خطوط ~~الآخرين ، بحجة أن يجلبوا الآخرين إلى صفوفهم ، مهما كانت نسبة الانحراف ~~ضئيلة ، وذلك بالعمل على الانطلاق بعيدا في تحليل واقع المجتمع المضاد ~~بالمقارنة مع الواقع الذي يعيشه النبي والمسلمون إزاء عقيدتهم ، وتحليل ~~طبيعة العلاقة التي تشدهم إلى الله وتربطهم به ، فهو الذي يجب أن يخشوه ~~ويلجأوا إليه ويطلبوا رضاه. # ثم يتابع التأكيد في تكرار ملحوظ على المسلمين بالالتزام بهذا التشريع ، ~~ليكون ذلك رمزا لوحدتهم ms0368 في الموقف والشعور ، لأنه يمثل القاعدة الروحية ~~التي يرتبطون بها ويتجهون إليها ، وهي هذا البيت الذي انطلق بالتاريخ ~~الديني الرسالي الأول من أجل أن تبدأ الرسالة منه من جديد في عهدها المحمدي ~~الجديد. # هذه هي بعض الأفكار التي نقدمها أمام الآيات الكريمة في هذا الفصل ، ~~كمقدمة للمزيد من الشرح والتفصيل. # * * * ### ||| ** السفهاء يثيرون المشكلة # تصور الآية الأولى الحالة النفسية والذهنية التي كان يعيشها فريق من PageV03P067 # الناس من أهل الكتاب إزاء هذا التشريع الجديد ، مما يدفعهم إلى أن يطرحوا ~~مثل هذا التساؤل في مرارة وإنكار ... وفي ذلك إيحاء بانخفاض المستوى ~~الثقافي الذي يمكنهم من خلاله مواجهة الأمور التشريعية من جانبها الفكري ~~على أساس الركائز الثابتة التي تقدم عليها قضايا التشريع. # وقد صاغت الآية الفكرة المضادة بصيغة التساؤل الذي يشوبه الاعتراض ~~والإنكار ، كأسلوب من أساليب إثارة الجو ضد التشريع بشكل بريء ، فهي لا ~~تطرح الفكرة بصورة الرفض المطلق لتوحي للآخرين بالموقف المضاد الذي تستثيره ~~حالة المعارضة ، بل تطرحها بصورة السؤال لتستطيع إثارة الشك والبلبلة في ~~أذهان المسلمين ، تماما كأية قضية من القضايا التي يدور فيها الجدل من أجل ~~الوصول إلى نتيجة حاسمة ، في أسلوب إيحائي بإخراج الموضوع من جو القداسة ~~التي تفرض الالتزام والتسليم المطلق. # وهذا ما نواجهه في كثير من الأساليب التي يستعملها الأعداء ضد الأحكام ~~الشرعية من أجل وضعها في مواقع الشك والريب ، وذلك بإثارة الجوانب السطحية ~~التي تبتعد بالإنسان عن التعمق في خلفيات التشريع البعيدة المدى ، ليكون ~~ذلك بداية للانفتاح على حالات الشك التي تبعد المسلم تدريجيا عن روحية ~~التسليم المطلق لله ... # وقد لا يظهر الجانب السلبي في هذا العرض الاستفهامي ، باعتبار أن الإسلام ~~لم يتنكر للشك كأساس للوصول إلى الحقيقة ، ولم يواجه التساؤلات التي كان ~~المسلمون يثيرونها أمام بعض الأحكام الشرعية بالرد والرفض العنيف ، بل عمل ~~على أن يواجه الإنسان ، كافرا أو مؤمنا ، الفكرة العقيدية والفرعية ، من ~~موقع التساؤل البريء ، لتتكون القناعة الفكرية في العقيدة والتشريع على ~~أساس متين. PageV03P068 # ( @QUR@04 سيقول السفهاء من الناس ) الذين لا يفكرون في الأمور بطريقة ms0369 ~~متوازنة ، ولا يميزون بين الوحي الإلهي في تشريعه المنطلق من المصلحة التي ~~تتغير حسب تغير الأزمان والأحوال ، مما يجعل الشيء ذا مصلحة اليوم بلحاظ ~~عنوان أو ظرف معين ، ولا يكون ذا مصلحة في يوم آخر بلحاظ عنوان جديد أو ظرف ~~طارئ ، وبين الرغبة الذاتية التي تتحرك من موقع الأهواء التي لا تخضع ~~لقاعدة. # ( @QUR@07 ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) في صلاتهم ، فكيف تتغير ~~القبلة بين وقت وآخر ، وكيف يتبدل التشريع الإلهي إذا كانوا ينسبون القبلة ~~إلى وحي الله ، وهل يمكن أن يبدل الله شريعته وهو العالم بحقائق الأشياء ~~بعيدا عن كل الحالات الطارئة؟ فإذا كان التوجه إلى الكعبة مصلحة ، فكيف كان ~~بيت المقدس قبلة في التشريع الأول؟ # ولكننا لو دققنا في هذا الموقف ، لاكتشفنا الاتجاه السلبي الذي يتحرك من ~~خلاله السؤال ، ولرأينا أن السلبية تكمن في إعطاء الموقف جوا من الإثارة ~~التي تدفع للاعتراض ، بالإضافة إلى أنه يسيء إلى الجانب التربوي الذي ترتكز ~~عليه الشخصية الإسلامية التي تعتبر تكوين الأساس العقيدي منطلقا للالتزام ~~الفكري والعملي بالتشريع ، باعتباره صادرا من خالق الإنسان الذي يعرف ما ~~يصلحه وما يفسده أكثر من الإنسان نفسه ، وبذلك كانت الفكرة المطروحة ~~إسلاميا لمن يحاول فهم الأحكام الشرعية : التزم واعمل ثم ناقش واسأل. # إنهم يتساءلون عن الأساس الذي صرف المسلمين عن قبلتهم ، ويثيرون أمام هذا ~~التساؤل نقطتين : # الأولى : إنهم يوجهون الحديث إلى المسلمين كما لو كانت القضية تعني سلوكا ~~شخصيا لهم. PageV03P069 # الثانية : إنهم لا يحاولون التدبر في طبيعة التشريع الأول والثاني ، ~~ليجدوا أنهما ينطلقان من الله في تعيين أية جهة من الجهات ليتوجه الناس ~~إليها في عبادتهم ، وليستا منطلقتين من خصوصية ذاتية لهذه الجهة أو تلك ~~ليمتنع الانتقال من جهة إلى جهة على أساس ذلك. # وعلى ضوء ذلك ، فلا مجال لأي اعتراض ، فإن الله يملك المشرق والمغرب معا ~~وليس له اختصاص بجهة دون جهة ، فله أن يعين المشرق لنتوجه إليه ، وله أن ~~يعين المغرب لنتوجه إليه ، وذلك ضمن الخطة التي يضعها للإنسان في تنظيم ~~عباداته ومعاملاته ms0370 ، مما يمكن أن يختلف فيه وجه الحكمة والمصلحة حسب اختلاف ~~الخطة الموضوعة ، فقد يكون في الاتجاه إلى جهة ما مصلحة في داخل خطة معينة ~~، وقد لا يكون فيه مصلحة بلحاظ خطة أخرى .. # ( @QUR@04 قل لله المشرق والمغرب ) فهو الذي يوجه عباده إلى هذه الجهة أو ~~تلك ، ليمنحها القداسة من خلال ذلك ، فلا قداسة لجهة دون جهة بعيدا عنه ، ~~وهو الذي يعلم صلاح عباده في كل مرحلة من المراحل ، فيوجب عليهم شيئا في ~~وقت ليبدله بشيء آخر في وقت آخر ، تبعا للمصالح التي تتبدل مع التغيرات ~~الظرفية المتنوعة ، وإذا كان بيت المقدس متميزا بأنه موطن الأنبياء ، فإن ~~الكعبة هي أول بيت وضع للناس بأمر الله نبيه إبراهيم عليه السلام ببنائه ~~وبدعوة الناس إليه للحج ، فقد تتعلق حكمته بإبقاء بيت المقدس قبلة للمسلمين ~~كما كان قبلة لغيرهم في الماضي ، للتدليل على اعتراف الدين الجديد بأهمية ~~هذا المكان المقدس في وعي المسلمين ، ليؤكد هذا التعبير في خطهم الفكري ، ~~ثم يأتي التشريع الجديد ليجعل الكعبة قبلة جديدة من أجل تأكيد الخصائص ~~العبادية التي تختزنها في وجودها القدسي ، بالأمر الإلهي المباشر الصادر ~~إلى خليله إبراهيم مما لا تملكه القبلة القديمة. PageV03P070 # وخلاصة القضية أن على الإنسان أن يعرف أن الله لا يريد له إلا الخير ولا ~~يأمره إلا بالسير على الخط المستقيم ، في ما يهديه إليه من تشريعات وأحكام ~~، مما يقتضيه التسليم والإذعان المطلق لله ، فإن الله الذي يملك المشرق ~~والمغرب هو الذي يختار لعباده ما يصلحهم ( @QUR@03 يهدي من يشاء ) منهم ( ~~@QUR@03 إلى صراط مستقيم )، وهو الدين الحق الذي يؤدي بالناس إلى مواقع ~~رضاه وإلى الجنة الموعودة لديه. # * * * ### ||| ** لماذا وصفهم القرآن بالسفهاء؟ # وقد قدم القرآن أمام عرض الفكرة سؤالا وجوابا ، صورة عن طبيعة تكوينهم ~~الداخلي ، مما يوحي بأن الفكرة لم تنطلق من أساس مشكلة فكرية لتبعث على ~~الاحترام ، بل انطلقت من واقع ذاتي منحرف يواجه فيه هؤلاء كل القضايا من ~~موقع السفه الذي يعني فقدان الميزان الصحيح ، الذي يستطيع الإنسان من خلاله ~~أن يزن الأمور ويحاكمها في جانب ms0371 الفكرة والممارسة معا ، مما يبعث على النظر ~~إلى الفكرة بعيدا عن الاحترام. # وقد يثور أمامنا سؤال : # إن استباق المناقشة بإعطاء مثل هذه الصفة يبعد الموقف عن الحياد الفكري ~~الذي يفرضه الأسلوب العلمي في الحوار والمناقشة ، لأنه يخلق جوا نفسيا ~~مثيرا ضد أصحاب الفكرة في ما يشبه أسلوب القهر على طريقة حرب الأعصاب. # والجواب عن ذلك ، إن الموقف ليس موقف مواجهة المشكلة من موقع فكري فحسب ، ~~بل الموقف هو موقف إبعاد هؤلاء عن التدخل في PageV03P071 # حياة المجتمع المسلم من خلال الخطة المرسومة لديهم في زلزلة المسلمين ~~وإبعادهم عن الخط المستقيم ، مما يستدعي العمل على إبعاد المسلمين عنهم ~~نفسيا قبل إبعادهم عنهم فكريا ، ليواجهوا الموقف في المستقبل من موقع ~~النظرة غير المحترمة عندهم ، ليبتعد الجو بذلك عن الاهتزاز والارتباك ، وقد ~~لاحظنا في هذا النطاق الأسلوب الأمثل الذي يركز على تصوير طبيعة هؤلاء ~~الذين يثيرون السؤال بصورة غير محترمة ، ليبعد الفكرة عن جانب التأثير ~~الشخصي بالجماعة ، إلى مواجهة الفكرة في نطاقها الفكري. # أما كيف وصفهم القرآن بالسفهاء ، فلأن شخصية السفيه تتمثل في عدم استقامة ~~العقل وعدم توازن الرأي ، مما يجعل التصرفات العملية في الفكر والعلاقة ~~والمعاملة بعيدة عن الاستقامة والاتزان ، ولا شك في أن الانحراف عن خط الله ~~الذي يؤدي إلى سلامة المصير في الدنيا والآخرة ، لا يمثل الاستقامة في أي ~~خط من خطوطها ، بل هو على العكس من ذلك يمثل اختيار الخط الملتوي الذي يضر ~~بالإنسان في كل مجالاته. # * * * ### ||| ** الأسلوب القرآني في صراعنا الحاضر # وقد نشعر بالحاجة إلى اعتماد هذا الأسلوب في الواقع العملي ، الذي يخوض ~~فيه الإسلام صراع التحديات الفكرية والعملية مع التيارات الكافرة والمنحرفة ~~، عند ما تلجأ إلى مواجهة الإسلام بأساليب الإثارة ، التي تعمل على خداع ~~المسلمين وإضلالهم وإبعادهم عن الخط المستقيم ، فنحاول أن نواجه الموقف كما ~~واجهه القرآن ، بالتركيز على الصفات الواقعية التي تكشف حقيقتهم ، وتبعد ~~المسلمين عن التأثر بهم والخضوع لأساليبهم ، ثم PageV03P072 # مواجهة القضية من جانبها الفكري بعيدا عن التأثيرات الذاتية الضاغطة. ولا ~~بد لنا ونحن نثير هذا ms0372 اللون من الأسلوب من التدقيق جيدا في طبيعة الواقع ~~الموضوعي الذي تنطلق فيه المشكلة وتتحرك فيه عمليات الإثارة ، لئلا نخطئ في ~~استعماله في ما لا ينسجم مع المصلحة الإسلامية العليا في الدعوة والعمل. # * * * ### ||| ** الأمة المسلمة هي الأمة الوسط # ( @QUR@04 وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) تقف في الموقع المميز بين سائر الأمم ~~من خلال الموقع القيادي للرسالة القائدة والدور القائد في الدعوة والحركة ، ~~كما كان الرسول كذلك بالنسبة إليهم في تبليغه وهدايته وقيادته. ( @QUR@04 ~~لتكونوا شهداء على الناس ) بفعل المهمة الموكولة إليكم في حركتكم القيادية ~~في اتجاه الناس مما يستدعي المواكبة والمراقبة والمتابعة بالمستوى الذي ~~يؤهلكم للشهادة عليهم من موقع الإشراف على حركتهم في الخط الفكري والعملي ، ~~( @QUR@04 ويكون الرسول عليكم شهيدا ) لأنه هو الذي صنع الأمة في وجودكم ~~عند ما أطلق الرسالة لتكون عنوانا لكم ، وحملكم مسئوليتها لتحدد لكم الدور ~~القيادي ، ليشهد عليكم أمام الله كيف كانت مواقعكم ومواقفكم وأوضاعكم ~~ودعوتكم إلى دينه. # في هذه الآية حديث عن الأمة المسلمة بأنها «وسط» في ما جعله الله ~~للمسلمين من موقع قيادي في الحياة ، وأنها شاهدة على الناس ، وحديث عن ~~الرسول بأنه شاهد على الأمة .. فكيف نفهم هذه «الوسطية» وهذه الشهادة؟ PageV03P073 # جاء في مجمع البيان : «الوسط : العدل ، وقيل : الخير ومعناهما واحد ، لأن ~~العدل خير والخير عدل ، وقيل : أخذ من المكان الذي يعدل المسافة منه إلى ~~أطرافه ، وقيل : بل أخذ من التوسط بين المقصر والغالي فالحق معه ، قال مؤرج ~~: أي وسطا بين الناس وبين أنبيائهم ، قال زهير : # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم %~% إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم # قال صاحب العين : الوسط من كل شيء أعدله وأفضله ...» (1). # وقد جرى بعض المفسرين في تفسير هذه الآية مجرى التفسير اللغوي البحت ، ~~فأخذوا منه معنى العدل والتوازن على أساس ما تمثله الشريعة الإسلامية من ~~الوسطية بين الاتجاه الروحي المتطرف الذي يمثله النصارى ، وبين الاتجاه ~~المادي المتطرف الذي يمثله المشركون واليهود ، لأن الإسلام يأخذ من الروح ~~جانبا ومن المادة جانبا ، لتكون الحياة كما خلقها الله نتيجة التزاوج بين ~~الروح والمادة ، وتتمثل في ms0373 التوازن بين الاتجاه الجماعي المتطرف الذي يلغي ~~دور الفرد ، والاتجاه الفردي المطلق الذي يلغي دور المجتمع في الحياة ، ~~فأعطى للفرد دوره في ما يحقق ذاته من دون أن يغمط (2) حق الجماعة في نطاق ~~قضاياها العامة ، وأعطى للجماعة دورها في ما لا يلغي للفرد نوازعه الذاتية ~~الطبيعية. ويمتد الخط الوسطي إلى التوازن بين الدنيا والآخرة ، فللمسلم أن ~~يقبل على الدنيا ويستمتع بطيباتها من دون أن يسيء إلى خط الآخرة في السير ~~مع شريعة الله في ما يفعل وفي ما يترك ، وله أن يستغرق في الآخرة بما لا ~~يمنعه من بناء الحياة والاندفاع معها على الأسس التي يريدها الله .. ويمضي ~~الكثيرون في استيحاء الكلمة من خلال ما في الإسلام من توازن PageV03P074 # في مختلف جوانب الحياة من حيث العاطفة والعقل ، ومن حيث التفكير العقلي ~~والطرق التجريبية ، ومن حيث الزمان والمكان ... وهكذا ... # وفي ضوء ذلك ، يمكن للأمة أن تؤدي دور الشهادة على الناس باعتبارها تقف ~~في نقطة التوازن التي ترجع إليها بقية الأطراف ، كما يكون النبي شهيدا على ~~الأمة لأنه المثال الأكمل الذي يوزن به حال الآحاد من الأمة. # ويعلق صاحب تفسير الميزان على هذا التفسير للآية بأن هذا المعنى «هو في ~~نفسه معنى صحيح لا يخلو من دقة إلا أنه غير منطبق على لفظ الآية ، فإن كون ~~الأمة وسطا إنما يصحح كونها مرجعا يرجع إليه الطرفان ، وميزانا يوزن به ~~الجانبان ، لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين أو تشاهد الطرفين ، فلا تناسب ~~بين الوسطية بذلك المعنى والشهادة ، وهو ظاهر على أنه لا وجه حينئذ للتعرض ~~بكون رسول الله شهيدا على الأمة ، إذ لا يترتب شهادة الرسول على الأمة على ~~جعل الأمة وسطا كما يترتب الغاية على المغيا (1) والغرض على ذيه» (2). # وإننا نتفق مع صاحب الميزان في هذه الملاحظة ، لأن قضية التفسير هي أن ~~يدرس المفسر الكلمة من خلال الجو الذي تعيش فيه ، ليتحقق الترابط بين ~~الآيات في كلماتها وأجوائها. ونحن نرى أن هذه الآيات تتحرك في نطاق الإيحاء ~~للمسلمين بأصالة موقعهم في الحياة من ms0374 خلال الدور الذي أعده الله لهم في ~~قيادة البشرية إلى الأهداف الكبيرة التي تتمثل بالإسلام ، الأمر الذي ~~يجعلهم يتحركون في الحياة من هذا الموقع ، ليكونوا شهداء على الناس في ~~أفكارهم وأعمالهم باعتبار أنهم يدخلون في ضمن مسئوليتهم ، كما كان الرسول شهيدا PageV03P075 # على المسلمين من خلال مسئوليته الرسالية عنهم في ما بلغهم إياه وفي ما ~~أرشدهم إليه ... وفي هذا الجو لا نجد للوسطية معنى في ما حاوله هؤلاء ~~المفسرون من الحديث عن التوازن الفكري والتشريعي في المواجهة الإسلامية ~~للحياة ، لأن القضية ليست قضية المضمون الإسلامي في صياغة الشخصية للإنسان ~~المسلم ، بل هي قضية الإيحاء للمسلمين بأن عليهم أن لا يستسلموا للآخرين في ~~الحصول على الثقة بالتشريع وبالمسار العملي ، لأنه لا يمثلون التبعية ~~للآخرين في مواقعهم ، بل القضية هي أن الآخرين يدخلون في نطاق مسئوليتهم ~~باعتبار أنهم يحملون الرسالة القائدة ، والدور القائد في التبليغ والتنفيذ ~~، كما كان الرسول بالنسبة إليهم في ما يبلغه وفي ما يهدي إليه ... # إننا نتصور الآية في هذا الموقع من خلال الأجواء العامة التي وردت فيها ، ~~مما يجعل من ذكر كلمة الوسط مقدمة لتقرير فكرة الشهادة ، ويوحي بأن معناها ~~يدخل في معنى العدل والفضل انطلاقا مما ذكره صاحب كتاب العين : «إن الوسط ~~من كل شيء أعدله وأفضله» فكأن هذه الكلمة استعيرت للأمة المسلمة من أجل ~~تأكيد الثقة في نفوسهم ، على أساس ما حباهم الله من هداية إلى سبيله ، لئلا ~~ينهاروا أمام تضليل المضللين وتشكيك المشككين ... وقد يوحي بذلك وقوع هذه ~~الصفة بعد الحديث عن هداية الله لمن يشاء إلى صراط مستقيم ، للتدليل على أن ~~الله أراد لهم هذه الهداية التي جعلتهم في هذا الموقع ... ولعل طبيعة ~~الشهادة على الآخرين أمام الله تقتضي أن يكون الشاهد في الموقع الأفضل من ~~حيث الدور الذي أوكل إليه ، ومن حيث السلوك الذي سار فيه كما هي حال ~~الأنبياء بالنسبة إلى أممهم. وهذا ما يؤكد المعنى الذي ألمحنا إليه ، وربما ~~يؤكد ذلك ويوضحه ما ورد في الآية الكريمة : ( @QUR@032 وجاهدوا في الله حق ~~جهاده ms0375 هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس PageV03P076 # @QUR@012 فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم ~~المولى ونعم النصير ) [الحج : 78]. # فإننا نلاحظ تفريع شهادة الرسول عليهم وشهادتهم على الناس إنما هي على ~~أساس اجتباء الله لهم وانضباطهم على الخط وقيامهم بالدور الموكل إليهم في ~~العمل لأنفسهم وللآخرين ، أما الحديث عن التوازن في الإسلام ، فهو حق ، ~~ولكن ذلك لا يعني أن الآية تسير في هذا الاتجاه في مضمونها الفكري. # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان في معنى «الوسط» : «أن كون الأمة وسطا إنما ~~هو بتخللها بين الرسول وبين الناس» (1). ولكننا قدمنا أن الوسطية هنا لا ~~يراد بها ذلك بل يراد بها في ما نفهمه الموقع الأفضل الذي وضع الله فيه ~~الأمة بالنسبة إلى الناس ، والله العالم بحقائق آياته. # * * * ### ||| ** شهادة الأمة كيف نفهمها # أما الشهادة ، فقد ذكر لها عدة معان ، منها : أن المعنى : لتشهدوا على ~~الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة. كما قال : ( ~~@QUR@03 وجيء بالنبيين والشهداء )، [الزمر : 69] وقال : ( @QUR@03 ويوم ~~يقوم الأشهاد ) [غافر : 51] ، وقال ابن زيد : الأشهاد أربعة ، الملائكة ~~والأنبياء وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجوارح. كما قال : ( @QUR@06 ~~يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ) [النور : 24] الآية. PageV03P077 # ومنها : أن المعنى : لتكونوا حجة على الناس ، فتبينوا لهم الحق والدين ، ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا مؤديا للدين إليكم ، وسمي الشاهد شاهدا لأنه يبين ~~، ولذلك يقال للشاهدة بينة. # ومنها : أنهم يشهدون للأنبياء على أممهم المكذبين لهم بأنهم قد بلغوا ~~وجاز ذلك لإعلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياهم بذلك (1)... # وإننا نستقرب من هذه المعاني المعنى الأول ، لأن الاتجاه العام في آيات ~~الشهادة هو الإيحاء للناس بأنهم مطوقون في يوم القيامة بالشهادة على ما ~~فعلوه في الدنيا من جميع الجهات ، وذلك من الجهات المألوفة لديهم في ~~الشهادة في ما يشهد به الأنبياء والمبلغون ، أو من الجهات غير المألوفة ~~لديهم وهي شهادة الله والملائكة ms0376 والجوارح ، ليشعروا في الدنيا بالحاجة إلى ~~الانضباط في كل ما يعملونه أو يتركونه ، وليتعمق إحساسهم الداخلي بالرقابة ~~الموجهة إليهم من جميع الجهات. وقد جاءت آيات الشهادة في سياق واحد حتى لا ~~يشعر الإنسان بوجود فارق بين واحدة وأخرى مع اختلاف شخصية الشهود ، كما ~~نلاحظه في الآيات التالية : # ( @QUR@012 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ~~[النساء : 41]. # ( @QUR@014 ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون ) [النحل : 84]. # ( @QUR@015 وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ~~وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) [الزمر : 69]. PageV03P078 # ( @QUR@029 ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد ) [المائدة : 117]. # وهكذا نلاحظ أن القضية تتجه إلى يوم القيامة بين يدي الله ، للإيحاء ~~بالإحاطة الكاملة بالإنسان من جميع الجهات التي يتصور حضورها لديه من خلال ~~المعاينة أو من خلال الإيمان ، وذلك على أساس أن الشهادة في تجربة الشهداء ~~تتحرك في الدنيا في الموقع القيادي الذي يتمثل فيه الشاهد الواقع كله في ~~حركة الناس في الحياة ومدى التزامهم بالوحي الإلهي في خط الرسالات في دائرة ~~السلب والإيجاب ، ليقدموها بين يدي الله في موقف الحساب ، فلا تنافي بين ~~مفهوم الشهادة في واقع الدنيا التي يتحرك فيها الشهداء بين الناس وبين ~~حركتها الفعلية الأدائية في موقف القيامة أمام الله. # وفي ضوء ذلك نفهم أن المعنيين الآخرين لا ينسجمان مع الأجواء العامة ~~للآيات ، ولا سيما المعنى الثالث الذي يركز على حاجة النبي للشهادة على ~~الأمم بأنه بلغهم ، إذا أنكرت الأمم ذلك ، إذ لا معنى لحاجة النبي لذلك مع ~~اعتباره شاهدا أساسيا تطلب شهادته بشكل أصيل ، مما يعني اعتبار شهادته ~~قاعدة للحكم على الأمم من خلال دخولهم ضمن مسئوليته التي منحه الله الثقة ~~في القيام بها بكل أمانة وصدق. # * * * ### ||| ** اعتراض وجواب # وقد أثار المفسرون اعتراضا في هذا المجال ، وخلاصته أن الشهادة تفرض ~~الموقع المتميز للشاهد ms0377 على المشهود عليه ، ونحن نعلم أن الأمة PageV03P079 # تضم في جماعتها المطيع والعاصي والجاهل والعالم ، فكيف يمكن أن يكون ~~الجميع شهودا في موقع الشهادة؟ والجواب أن الأسلوب القرآني قد جرى على ~~الحديث عن البعض بصفة الكل ، باعتبار اشتمال الكل عليه ، تماما كما قد ~~حدثنا عن بني إسرائيل ، مع أن الصفات التي ذكرها كانت صفات البعض ... وعلى ~~هذا ، فإن كون الأمة شاهدة يتحرك في نطاق وجود العناصر الكثيرة في داخلها ~~ممن يصلحون لمثل هذا الموقع الكبير ، وهم الطليعة الواعية المؤمنة التقية ~~المنضبطة التي تفهم الإسلام حق الفهم ، وتعيه حق الوعي ، وتمارسه حق ~~الممارسة ، وتحمله بروح رسولية رائدة. إنها النخبة الواعية الموجودة في كل ~~زمان ومكان ، التي يقف في طليعتها الأئمة الطاهرون والعلماء الواعون ~~والأولياء الطيبون والمجاهدون العاملون الذين يحملون هذه الشهادة إلى الله ~~لأنهم يعيشون روح الرسالة ، ويعيشون من خلالها الوعي لكل حياة الناس ، كما ~~هو الرسول في رسالته وفي وعيه لأمته. # * * * ### ||| ** تشريع القبلة امتحان لطاعة الأمة # ويستمر الحديث عن هذا التشريع الجديد من خلال التركيز على الطبيعة ~~التربوية التي تحكم هذا التنوع في التشريع من موقع للقبلة في بداية الدعوة ~~إلى موقع جديد في امتدادها الطويل .. ويتجه الخطاب إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أنه رسول الله إلى الأمة ، المكلف بتوضيح ~~الصورة لهم : ( @QUR@06 وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ) وهي بيت المقدس ~~، ( @QUR@05 إلا لنعلم من يتبع الرسول ). # فقد أراد الله أن يختبر المسلمين ليربيهم على الطاعة المطلقة له ، التي ~~تتمثل في التسليم لأحكامه من دون أي ريب واعتراض ، فأمرهم في البداية PageV03P080 # بالتوجه إلى بيت المقدس ، ثم حولهم عنها ليبرز الأشخاص الذين يعيشون ~~الإسلام فكرا وشعورا وممارسة وطاعة مطلقة ... وليتميزوا عن الأشخاص الذين ~~يعيشون الاهتزاز في إيمانهم ، ويواجهون الرسالة كأية فكرة بشرية قابلة ~~للأخذ والرد ، ويفهمون الإيمان ارتباطا شكليا بالله وبالرسول ، حتى إذا ~~وقفوا في مواقع البلاء ، تحولوا عن مواقفهم ومواقعهم الإيمانية إلى مواقع ~~الكفر والنفاق. ولا نريد أن نخوض طويلا في ما خاض فيه المفسرون من إثارة ~~التساؤل حول ms0378 كلمة ( @QUR@05 إلا لنعلم من يتبع الرسول ) في الآية ، حيث إن ~~الله لا يحتاج إلى أية وسيلة عملية لمعرفة طبيعة الأشخاص ، لأن هذا التعبير ~~جار على الأسلوب القرآني الذي يتحدث عن الوسائل التي توضح الأشياء الخفية ~~وتظهرها باعتبارها أساسا للعلم الذي يريد الله أن يحصل عليه من خلال ذلك ، ~~وذلك على سبيل الاستعارة لقيام الحجة على الإنسان بذلك ، للتدليل على أن ~~الله لا يعاقب الناس ولا يحاسبهم إلا على أساس ما يظهر له من أفعالهم ~~وأقوالهم ، وهذا ما عبر عنه قوله تعالى : # ( @QUR@022 الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ~~[العنكبوت : 1 3]. # وهكذا كانت القبلة الجديدة اختبارا للإيمان المستقر في قلوب المؤمنين ~~الذين يسلمون أمرهم لله فلا يعترضون على ما يأتيهم الرسول به من تشريعات ، ~~لأنهم يؤمنون بأنه ( @QUR@010 وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) ~~[النجم : 3 4] ، ليتميز هؤلاء عن غيرهم ... # ( @QUR@04 ممن ينقلب على عقبيه ) هذا كناية عن الذين يتراجعون عن خط ~~الإيمان ويسقطون أمام التجربة وتثيرهم الشكوك وتنحرف بهم عن الخط ، لأنهم ~~لا يعيشون الإسلام تسليما فكريا وروحيا وعمليا ، ولا ينفتحون على الرسول ~~التزاما وطاعة. PageV03P081 # ( @QUR@08 وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ). الظاهر أنها إشارة ~~إلى هذه الحادثة التي تتمثل في تحويل القبلة إلى الكعبة ، باعتبار أنها هزت ~~المجتمع المسلم من ناحية فكرية وعملية ، فأثارت في داخله الشعور باهتزاز ~~التشريع وعدم ارتكازه على أساس متين من المصلحة والحكمة الثابتة التي لا ~~تغيرها الظروف والأحوال في ما كان يوحيه اليهود للمسلمين من نظريتهم حول ~~النسخ ، كما كانوا يوسوسون لهم بأن صلاتهم التي كانوا يتوجهون بها إلى بيت ~~المقدس قد ضاعت عليهم ، لأنها كانت إلى غير القبلة الحقيقة ، فأشبهت حالهم ~~حال الذين لا يتوجهون في صلاتهم إلى الكعبة الآن ، ولكن الذين هداهم الله ~~وعرفهم حقيقة شريعته وطبيعة ارتباط التشريع ، وهو الذي يعرف وجه الحكمة في ~~ما يحرم وفي ما يحلل ، انطلاقا من اختلاف المصلحة في ms0379 بعض الأشياء حسب ~~اختلاف الظروف والأحوال ، انطلقوا في الموضوع انطلاق تسليم وانقياد وطاعة ~~مطلقة ، ووعي منفتح على خلفيات التشريع الحكيمة. # أما قضية ضياع إيمان المؤمنين ، في ما تمثله الصلاة من روح الإيمان ، ~~فليس واردا في حساب الله ، ( @QUR@05 وما كان الله ليضيع إيمانكم )، لأنهم ~~قاموا بالصلاة على أكمل وجه ، فإن العبرة بحصول الشروط في حال القيام ~~بالصلاة ، فلا يتبدل الحال من هذه الجهة إذا تبدلت الشروط ، لأن الشرط ~~الجديد لا يترك أثرا رجعيا على الأعمال السابقة ، بل يقتصر تأثيره على ~~الصلوات المقبلة ، وهذا ما ينسجم مع رأفة الله ورحمته بعباده ، حيث يحفظ ~~لهم أعمالهم ويثيبهم عليها إذا كانت واجدة لشروطها الكاملة ( @QUR@05 إن ~~الله بالناس لرؤف رحيم ). # وقيل : إن المراد «بالقبلة التي كنت عليها» هي الكعبة ، «لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة ~~بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود ، ثم حول إلى الكعبة ، فيقول : وما جعلنا PageV03P082 # القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة ، يعني وما ~~رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء ، لنعلم الثابت على الإسلام الصادق ~~فيه ، ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد» (1). # وفي ضوء هذا ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورا بالتوجه إلى ~~الكعبة ، ثم حول إلى بيت المقدس ، ثم أعيد إلى الكعبة ، فكان الابتلاء ~~موجها إلى العرب أو إلى قريش الذين كانوا متعلقين بالكعبة ، مما يجعل من ~~تحويلهم إلى بيت المقدس اختبارا لهم ، باعتبار أن ذلك يصطدم بمشاعرهم ~~الحميمة تجاه الكعبة. # ولازم ذلك أن الله جعل الكعبة قبلة مرتين ، ونلاحظ على ذلك : # أولا : إنه لا دليل على تشريع الصلاة إلى الكعبة في البداية ، ولا ظهور ~~في الآية على ذلك. # وثانيا : إن الظاهر من قوله تعالى في الآية التالية : ( @QUR@09 قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ) أن الكعبة كانت تمثل رغبة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أن يوجهه الله إليها لتكون قبلة المسلمين في ~~صلاتهم مما ms0380 يوحي بأنه لم يسبق لها أن كانت قبلة سابقا. # وثالثا : إن عملية التشريع أولا ، ثم النسخ ، ثم التشريع ثانيا لا يتناسب ~~مع طبيعة استقامة التشريع. # ورابعا : إن تشريع الكعبة كقبلة كان مقدرا له أن يستقر في نهاية التشريع ~~، ولكن الله أخر ذلك للحكمة المذكورة في هذه الآية ، وهي أن تكون المسألة ~~مادة اختبار وامتحان للمسلمين ، من دون أن تكون هناك أية سلبية في طبيعة ~~الصلوات التي صلوها إلى بيت المقدس ، لأنها كانت القبلة PageV03P083 # الشرعية قبل النسخ مما يجعل الحكم مطابقا للواقع ، لأن النسخ لا يرفع ~~الحكم من أصله ، بل يرفعه من وقته. # وخامسا : إن الظاهر من الآية أن التجربة كانت تتحرك نحو المنافقين ~~الخاضعين لليهود ، في إثارتهم للمشاكل الفكرية ضد الإسلام وأهله ، وليست ~~متحركة في الواقع العربي أو القرشي الذي كان لا يمثل مشكلة كبري في الواقع ~~الإسلامي ، ولذلك لم نجد هناك أي حديث تاريخي عن مسألة العلاقة الحميمة ~~بالكعبة التي كانت تمثل الخط الفاصل بين الثبات على الإيمان والانحراف عنه ~~على أساس تشريع القبلة. # وسادسا : روى علي بن إبراهيم بإسناده عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ~~قال : تحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ~~ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس ، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلى إلى بيت ~~المقدس سبعة أشهر ، قال : ثم وجهه الله إلى الكعبة ، وذلك أن اليهود كانوا ~~يعيرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون له : أنت تابع لنا تصلي إلى ~~قبلتنا ، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك غما شديدا ، وخرج في ~~جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر من الله تعالى في ذلك أمرا ، فلما ~~أصبح وحضر وقت صلاة الظهر ، كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين ، ~~فنزل عليه جبرائيل عليه السلام ، فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة ، وأنزل عليه ~~: ( @QUR@014 قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام ) وكان صلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين ms0381 إلى الكعبة ، ~~فقالت اليهود والسفهاء : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (1)؟. # * * * PageV03P084 ### ||| ** الامتحان وسلامة المسيرة # وقد نستوحي من هذه الآية أن اختبار القاعدة الإسلامية في حركتها في ~~الواقع مع القيادة ، من حيث صدق انتمائها وجدية إيمانها وصلابة التزامها ، ~~قد يكون حاجة مهمة لسلامة المسيرة الإسلامية ونجاح الخطط المرسومة ، ~~باعتبار أن ذلك يتكفل بمعرفة القوى المنحرفة التي قد تدخل في الحركة ~~الإسلامية أو في جهاز المرجعية ، أو في المواقع الاجتماعية الحساسة ، ليرصد ~~كل خطواتها ويعريها ويفضحها حتى لا تكيد للمسيرة ، ولا تربك الواقع ، ولا ~~تعبث بالطيبين الساذجين من الناس المؤمنين لتوظفهم بطريقة سلبية ضد الأهداف ~~الإسلامية ، ولا تعيث في الأرض فسادا ، وذلك بالطريقة التي جرى عليها ~~التشريع في القبلة بأن تتحرك التعليمات الحركية بالأسلوب الذي يثير ~~الارتباك والتعقيدات ، ولكن مع الحذر في اختيار المضمون والأسلوب والمرحلة ~~، بالمستوى الذي لا يؤدي إلى النتائج السلبية على الحركة في الوقت الذي ~~تتحرك فيه للحصول على إيجابيات الواقع. وهذا ما عبرت عنه الآية. # * * * ### ||| ** وحدة القبلة : وحدة الأمة والاتجاه # كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما توحي به الآية الكريمة وفي ما تتحدث ~~به الروايات ، يعاني أزمة نفسية في موضوع القبلة ، فقد كان يواجه التحدي ~~اليهودي للمسلمين ، الذي يتمثل في تعييرهم لهم بتبعية قبلتهم وفي تفاخرهم ~~بذلك عليهم ، مما كان يترك تأثيرا سلبيا على نفسية المسلمين. ولم تكن ~~القضية قضية انفعال مضاد ضد التشريع بالتوجه إلى بيت المقدس ، بل كان PageV03P085 # تطلعا روحيا إلى قبلة جديدة تنسجم مع أجواء الرسالة الإسلامية التي ~~انطلقت من البلد الحرام والمسجد الحرام ، واعتبرت امتدادا للخط الإسلامي ~~الذي بدأه إبراهيم في منطلقة الروحي من الكعبة ... وكانت مشاعره تتصاعد في ~~ابتهال داخلي كمثل الدعاء الصامت الذي يعبر عن نفسه بالنظرات الخاشعة التي ~~توحي وكأنها تنتظر شيئا كمثل الهاجس الداخلي الذي يشبه الوحي. # ( @QUR@06 قد نرى تقلب وجهك في السماء ) في تطلع ابتهالي ينفتح في روحية ~~دعائية على ربه ، في تعبير عن الرغبة العقلية التي تنطلق من حسابات دقيقة ~~في مصلحة الرسالة ومن ms0382 إيحاءات شعورية في وعي التحدي اليهودي ضد الإسلام ، ~~وذلك في دعاء هادئ يرتفع إلى الله ، من دون اعتراض على تشريعه للقبلة ~~الأولى ، وتوسل إليه أن يبدلها إلى القبلة الجديدة وهي الكعبة التي تنسجم ~~مع موقع الرسالة الذي يتجذر في حركة الأمة ، من خلال الإحساس بأن الدين ~~الجديد بحاجة إلى قبلة جديدة تمثل رمز الوحدة الحركية للأمة. # فإن الله الذي أراد لإبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج إلى الكعبة ، أعطاها ~~معنى الطهارة والقداسة والخصوصية المميزة في اعتبارها بيته المحرم الذي ~~طهره من خلال إبراهيم للطائفين والعاكفين والركع السجود ، كما جعله مثابة ~~للناس وأمنا ، وغير ذلك من الخصوصيات الداخلية والخارجية التي تميزه عن بيت ~~المقدس. فقد صنعت الكعبة على عين الله ولم يكن ذلك لبيت المقدس .. وهكذا ~~تقبل الله ابتهالاته ودعواته ، وجاء الوحي ليقرر التشريع للقبلة الجديدة ~~التي يرضاها الله كما رضيها رسوله : ( @QUR@05 فلنولينك قبلة ترضاها فول ~~وجهك ) يا محمد ( @QUR@03 شطر المسجد الحرام )، أي حول نفسك في توجهاتك ~~العبادية نحو المسجد الحرام الذي يحتوي الكعبة القبلة باعتبارها جزءا منه ، ~~( @QUR@03 وحيث ما كنتم ) أيها المسلمون ، ( @QUR@03 فولوا وجوهكم شطره ) ~~وتوجهوا إليه ، ليكون PageV03P086 # رمز وحدتكم في اتجاهكم نحو بيت الله الذي هو المسجد العالمي ، سواء كنتم ~~في البحر أو في البر ، أو في السهل أو في الجبل ، أو في الجو أو في الشرق ~~أو في الغرب ، ولا تنحرفوا عنه إلى غيره يمينا أو شمالا ولا تستدبروه. وقد ~~انطلق التدقيق بالقبلة من خلال التحديد الصريح في ضرورة التوجه إلى المسجد ~~الحرام حتى أصبح هناك ما يقارب تأسيس علم القبلة. # وهكذا كانت القبلة الجديدة في حركة التشريع استجابة للتطلعات الروحية ~~النبوية بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من المصالح الإلهية التي يريد الله ~~للناس أن يحصلوا عليها من خلال ذلك ... وهكذا وجه الله نبيه إلى جهة المسجد ~~الحرام لاشتماله على الكعبة ، وهو قائم يصلي في مسجد بني سالم في ما تنقله ~~روايات أسباب النزول ، ودعا المسلمين إلى التوجه إليه في أي مكان كانوا ... ~~وأثار أمامه قضية أهل الكتاب ms0383 الذين لا ينطلقون من الواقع في ما ينطلقون فيه ~~من حديث وإثارة ، بل ينطلقون من العناد والمكابرة والكذب ... # ( @QUR@04 وإن الذين أوتوا الكتاب ) ولا سيما اليهود الذي بادروا ~~بالاعتراض وأوحوا للمنافقين أن يرفعوا الصوت عاليا بذلك ، بعد أن كانوا ~~يتحدون النبي ويستعلون عليه لتوجهه إلى قبلتهم نحو بيت المقدس ، ( @QUR@05 ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم ). قال في مجمع البيان : «أي يعلمون أن تحويل ~~القبلة إلى الكعبة حق مأمور به من ربهم ، وإنما علموا ذلك لأنه كان في ~~بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبي من صفاته كذا وكذا ، وكان في صفاته أنه ~~يصلي إلى القبلتين. وروي أنهم قالوا عند التحويل : ما أمرت بهذا يا محمد ~~وإنما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك مرة إلى هنا ، ومرة إلى هنا ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ، وبين أنهم يعلمون خلاف ما يقولون» (1). وربما كان ~~وصفهم بأهل الكتاب في الآية إيحاء PageV03P087 # بأن تحويل القبلة موجود في الكتاب ، لأنهم يعلمون أن الخط الذي تسير عليه ~~في العقيدة وفي التشريع هو الحق من ربهم ، وذلك في ما تحدثت به التوراة ~~التي يعرفونها جيدا ويخفونها عن الناس ، وهم يظنون أن الله يغفل عنهم في ما ~~يدبرون من مكائد ، ولكن الله لا يغفل عنهم وعن أعمالهم في أي حال ، ( ~~@QUR@05 وما الله بغافل عما يعملون ) من الخطط التخريبية العدوانية التي ~~يخططونها في حركتهم المضادة للنبي ، من أجل أن يصدوا عن سبيل الله ويفتنوا ~~الناس عن دينهم الحق. # فهو المطلع على كل شيء من أمور عباده. # * * * ### ||| ** موقف العناد والجهود الضائعة # ( @QUR@014 ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت ~~بتابع قبلتهم ) لأنهم لا يريدون الانفتاح على رسالتك ، فقد أغلقوا كل ~~النوافذ الروحية والفكرية التي تطل على الحق ، ولذلك فإن الجهد الذي تصرفه ~~معهم من أجل أن تقنعهم بالحق الذي معك ، هو جهد ضائع لا يؤدي إلى النتيجة ~~المطلوبة ، فالقضية ليست قضية الدلائل والبينات التي تقدمها إليهم كثرة أو ~~قلة ، بل هي الباب المغلق الذي يقفون خلفه ولا يريدون الخروج منه ms0384 ، فلو أنك ~~قدمت لهم كل الآيات ما اتبعوا قبلتك. # كما أنك من خلال الحق الذي تؤمن به لا تتبع قبلتهم. ثم إن القضية ليست ~~قضية العناد الذي لا يلين للحق معك ، بل إن الموقف الذي يحكم علاقة بعضهم ~~ببعض يتخذ الأسلوب نفسه ، فإن اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدس PageV03P088 # أينما كانوا ، أما النصارى فيستقبلون المشرق أينما كانوا دون أن يتنازل ~~أحدهم للآخر ، ( @QUR@05 وما بعضهم بتابع قبلة بعض ). # وتنطلق الآية أخيرا في مواجهة الموقف بأسلوب التهديد لأية حالة من حالات ~~الاستسلام للضغوط المتنوعة التي يمكن أن يخضع لها المسلمون في مثل هذه ~~المجالات ... وتزداد المواجهة حدة وتأكيدا بتوجيه الخطاب إلى النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم كأسلوب من أساليب القرآن في الإيحاء للأمة بخطورة ~~القضية ، فإن القوم لا ينطلقون من موقف فكري للحق بل يتحركون من خلال ~~أهوائهم. # ( @QUR@013 ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين ) الذين يظلمون أنفسهم فيبتعدون بها عن الحقيقة الأصيلة التي ~~انفتحوا عليها من خلال المعرفة العميقة الواسعة ، ويظلمون العقل الذي يمثل ~~القاعدة لوجودهم الإنساني ، الذي يركز لهم كل خطواتهم في الحياة ويضعها على ~~الدرب المستقيم ، ويظلمون مصيرهم الذي يتحركون به إلى النار بدلا من الجنة. # فكيف يمكن لمن يملك وضوح الرؤية للموقف أن يستسلم لأهواء الآخرين؟! إن ~~النتيجة ستكون استسلاما لنوازع الظلم للذات وللقضية وللأمة ، مما يجعل ~~المصير في اتجاه مصير الظالمين. # * * * ### ||| ** أهل الكتاب يعرفون النبي ورسالته حق المعرفة # ويؤكد القرآن من جديد أن أهل الكتاب لا يعيشون حالة جهل للنبي PageV03P089 # ولرسالته ، فقد عرفتهم التوراة صفاته جيدا ، فعرفوه في وضوح من الرؤية ~~كما عرفوا أبناءهم ، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمونه نتيجة عنادهم وتمردهم ~~وضلالهم. ويختم الموقف من مواقف التحدي الذي يمارسه الباطل ضد الحق ، ثم ~~يحدد القضية بشكل حاسم ، فلكل إنسان وجهة في حياته يصرف وجهه إليها ويتجه ~~نحوها ، فأهل الباطل يتجهون إلى رموز الباطل وعلاماته ، وأهل الحق يتجهون ~~إلى رموز الحق وعلاماته. ولكل واحد منهم عمل ، فأهل الخير يتحركون في ms0385 اتجاه ~~الخير ويتسابقون نحوه ، وأهل الشر يتحركون في اتجاه الشر ويستبقون إليه. # ثم يطرح النداء الحاسم للمؤمنين أن يستبقوا الخيرات في كل موقف وفي كل ~~منعطف ، ليعرفوها ويعيشوها فكرا وشعورا وعملا ، وستكون نهاية الجميع عند ~~الله ، فإن الله لا يفوته أحد ولا يعجزه مطلوب ، مهما ابتعد ومهما نأى ، ~~فسيأتي به الله لأنه على كل شيء قدير. # ( @QUR@03 الذين آتيناهم الكتاب ) وهم العلماء منهم ، ( @QUR@01 يعرفونه ~~) أي رسول الله في صدقه في نبوته ، ( @QUR@03 كما يعرفون أبناءهم ) في وضوح ~~الرؤية وإشراقة اليقين من خلال بشارة التوراة والإنجيل به ، وحديثهما عنه ~~بأوصافه ودلائله التي تشيز إليه ، وقد جاء الحديث في القرآن الكريم عن ذلك ~~في قوله تعالى : ( @QUR@043 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون ) [الأعراف : 157] ، وقوله: ( @QUR@032 وإذ قال عيسى ابن مريم يا ~~بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا ~~برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) ~~[الصف : 6]. PageV03P090 # واحتمل بعضهم أن يكون الضمير في ( @QUR@01 يعرفونه ) عائدا إلى الكتاب ، ~~ولكنه غير ظاهر لأنه لا مناسبة له في السياق العام في موضوع الجدال الذي ~~يدور حول النبي والنبوة أمام مفردات التشكيك التي توجه إليه ، كما أن تشبيه ~~هذه المعرفة بمعرفة الأبناء قد يوحي بذلك ، فإنه يقال في الإنسان إن فلانا ~~يعرفه كما يعرف ولده ولا يقال ذلك في الكتاب. # ( @QUR@05 وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ) الذي قامت الحجة عليهم به ~~بمعرفته اليقينية ( @QUR@02 وهم يعلمون ) لأنهم لا يملكون أساسا لأية شبهة ~~في ذلك. # ( @QUR@03 الحق من ربك ) الذي أنزله إليك وبينه لك في وضوح الوحي ~~وإشراقته ، ( @QUR@04 فلا تكونن من الممترين ) الشاكين في أي شأن من شؤونه. # والظاهر أن الخطاب كما ذكرنا موجه لرسول الله الذي جاء بالصدق وصدق به ، ~~وهو جار على أسلوب ms0386 خطاب الأمة من خلال خطاب الرسول ، مما يوحي بأن على ~~الأمة أن لا تقع تحت تأثير عناصر الشك التي يحاول الكافرون من أعداء ~~الإسلام إثارتها في وجدانهم الفكري. # ( @QUR@04 ولكل وجهة هو موليها ) أي أن لكل قوم وجهة يتجهون إليها من ~~خلال القاعدة الفكرية الإيمانية التي يرتكزون عليها في ما يأخذون به أو ~~يتركونه ، أو ينطلقون به من مواقع ومواقف وعلاقات بالحياة وبالإنسان ، سواء ~~في ذلك الأنبياء الذين ينطلق كل واحد منهم بملته ووجهته التي تختلف في ~~خصوصياتها فتتعدد جهاتها ، ولكنها تلتقي في الإسلام الذي يجمع الرسالات ~~كلها عند الانقياد لله في كل شيء ، وهذا هو ما ينبغي للمسلمين أن يتحركوا ~~فيه في انفتاحهم على الكعبة التي أراد الله لهم أن يتوجهوا إليها ، بعيدا ~~عن كل عناصر الشك التي يثيرها اليهود والمنافقون في عملية تحويل القبلة ~~التي شرعها الأنبياء من قبلهم ، لأنه من الممكن أن يختلف اتجاه القبلة بين ~~رسالة وأخرى ، وبين PageV03P091 # نبي وآخر ، ( @QUR@02 فاستبقوا الخيرات ) فهذا هو الوجه الذي أراد الله ~~لكم أن تستقبلوه في كل مواقع حياتكم في رسالتكم التي حملكم الله إياها من ~~خلال رسوله بالمسارعة إلى الخيرات التي تمثل حركة الحياة في إيجابياتها ~~الروحية والأخلاقية في الإنسان بعلاقته بالإنسان الآخر ، وبالكون من حوله ، ~~عند ما يقدم من عقله وقلبه وروحه وجهده الكثير من الأفكار والمشاعر ~~والعواطف والأعمال التي تفتح آفاته على عوالم جديدة كما توجه خطواته إلى ~~دروب جديدة ، وترتفع بحياته إلى الدرجات العليا على مستوى تطوير طاقاته ~~وتنميتها وتحويلها إلى عناصر حية في كل اتجاه من اتجاهات الحركة في الحياة. # إنها الخيرات ، العنوان الكبير لاستقامة الحياة على الخط الصالح الذي ~~يربط بين الله والإنسان والحياة في دائرة المسؤوليات العامة التي يريدها ~~الله للحياة من خلال الإنسان ، لتكون على الصورة التي أراد لها أن تتمثل ~~فيها على أساس الحق الذي أقام عليه الكون كله. وهذا ما ينبغي للمسلمين أن ~~يتنافسوا فيه ويلتقوا عليه ليواجهوا مسئوليتهم أمام الله غدا ، فيحاسبهم ~~على ما قدموه من الخيرات التي أمرهم الله ms0387 بالسعي إليها والعمل بها ، عند ما ~~يقوم الناس لرب العالمين. # ( @QUR@02 أين ما ) في أي مكان وموقع ( @QUR@04 تكونوا يأت بكم الله ) ~~حيث يبعثكم كما خلقكم ، وأماتكم ( @QUR@07 جميعا إن الله على كل شيء قدير ) ~~فلا شيء ، خارج قدرة الله تعالى ، وليس البعث بأصعب من الخلق ، وليس الجمع ~~بأصعب من التفريق. # * * * ### ||| ** لا مجال للتراجع # وتعود الآيات مع التشريع الجديد في خطاب حاسم للنبي ، لتؤكد له PageV03P092 # أنه الحق من ربه ، فلا مجال للتراجع عنه مهما حشد اليهود من ضغوط ومهما ~~اتبعوا من أساليب التضليل ، فإن الله لا يغفل عما يعمله عباده إزاء تكاليفه ~~من طاعة أو معصية ... ويعود الخطاب من جديد ، للنبي أولا وللمسلمين ثانيا ~~بالقوة الآمرة نفسها ، وبتعليل جديد ، فإن بعض الأحاديث الواردة في تفسير ~~الآية تتحدث عن تعاليم واردة في الكتب الدينية السابقة التي تذكر أن النبي ~~سيصلي إلى الكعبة ، مما يجعل من الانحراف عن ذلك حجة للآخرين على المسلمين ~~لأنه يكشف أنهم ليسوا الأمة الموعودة في الكتب السماوية ... # ثم استثنى من هؤلاء الناس الظالمين الذين لا يريدون أن يستسلموا للحق ~~الذي يعرفونه في كتبهم بل يسيرون في طريق العناد والظلم للحقيقة وللمؤمنين ~~، فلا تخشوهم أيها المؤمنون ، لأنهم لا يستطيعون أن يوقفوا المسيرة ولا ~~يملكون أن يضروكم شيئا ، بل اجعلوا خشيتكم من الله الذي يملك لكم كل شيء ... # وتلتقي الآية بالنعمة التي يريد الله أن يتمها على المسلمين من جهة إكمال ~~التشريع الذي يبني لهم حياتهم على أساس من الاستقرار والطمأنينة والسعادة ~~الروحية والمادية. وفي هذا دلالة على أن تدرج التشريع وتطوره يعتبر تدرجا ~~بالنعمة ، فكأن الله لا يريد أن يعطي النعمة دفعة واحدة ، بل يريد أن يجعل ~~من كل نعمة ينزلها على الإنسان في تشريعه إعدادا لنعمة جديدة في الطريق ~~الأرحب نحو التكامل. # ( @QUR@03 ومن حيث خرجت ) من أي موقع من البلدان التي تبتعد بك عن المسجد ~~الحرام أو عن مكة ، ( @QUR@05 فول وجهك شطر المسجد الحرام ) في صلاتك وفي ~~كل عمل مشروط باستقبال القبلة ، ( @QUR@04 وإنه للحق من ربك ) فهو القبلة ~~التي شرعها ms0388 الله وجعلها القاعدة التي تتوحدون فيها وتتوجهون إليها في موقع ~~من مواقع الإلزام الشرعي الذي لا مجال للانحراف عنه تحت تأثير أية حالة ذاتية PageV03P093 # أو أي ضغط خارجي ، ( @QUR@05 وما الله بغافل عما تعملون ) فلا تغفلوا عن ~~الحقيقة الإيمانية في مراقبة الله لكم في كل الأمور. # ( @QUR@08 ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فهذا هو التشريع ~~المؤكد الذي يزداد تأكيدا على مستوى الفريضة اليومية التي يجب عليكم أن ~~تنفتحوا عليها في وعي الفكرة ، وتلتزموا بها في وعي العمل ، لتتحول لديكم ~~إلى عادة جديدة تنسخ العادة السابقة ، لتشعروا بأن التشريع الجديد قد تحول ~~إلى واقع جديد ، وتلك هي مهمة التشريع في حياة المسلمين ، بأن يتحول إلى ~~حالة تغييرية في حياة الأمة لتكون في حجم العادة التاريخية المتجذرة في ~~وجودها العملي ، لا مجرد حالة طارئة في الواقع ، ليلتقي الخط في فريضة ~~النبي الذي لا بد من أن يكون أول مسلم في وعي التشريع وحركته ، وفي فريضة ~~الأمة ( @QUR@06 وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) في صلاتكم وعباداتكم ~~الأخرى المشروطة بالتوجه إلى القبلة ، وعليكم أن تتابعوا ذلك وتلتزموه ~~دائما ، ( @QUR@05 لئلا يكون للناس عليكم حجة ) من خلال التاريخ الذي كان ~~يتحدث به اليهود كما روي أن النبي الموعود يصلي إلى قبلتين ، أو ما كان ~~يتحدث به المشركون كما قيل ويتساءلون كيف ترك محمد الكعبة وهو المؤهل كما ~~يقول لإحياء ملة إبراهيم التي سار عليها ، فإذا التزمتم بالكعبة قبلة ~~أبطلتم حجة هؤلاء المضادة ممن ينفتح على الحوار ويقف أمام الحجة ، ( ~~@QUR@04 إلا الذين ظلموا منهم ) ممن يعيش في مواقفه المضادة على أساس ~~العناد الذي لا ينطلق من حجة أو برهان ، بل من ذهنية العدوان الذاتي من ~~خلال العقدة المستحكمة في نفسه ضد الحق وأهله. فليست المشكلة عندهم نوعية ~~الاتجاه إلى بيت المقدس أو الكعبة ، بل المشكلة هي التزامكم بالدعوة ~~الجديدة والدين الجديد الذي يلغي امتيازاتهم الناشئة من الفكر الباطل والخط ~~المنحرف ، فهم الظالمون في مواقفهم وفي كل اتجاهاتهم الفكرية والعملية ، ( ~~@QUR@02 فلا تخشوهم ) لأنهم لا يملكون لكم ضرا ms0389 ولا نفعا ، ( @QUR@01 ~~واخشوني ) لأني ربكم الذي يملك وجودكم ومصيركم PageV03P094 # كله ، مما يفرض عليكم الالتزام بالدين الذي أنزلته والرسول الذي أرسلته ، ~~( @QUR@03 ولأتم نعمتي عليكم ) في استقامة التشريع على الخط الذي تتكامل ~~فيه قضاياكم ومواقفكم وخطواتكم في الحياة ، باعتبار أن الله يريد للناس أن ~~يتابعوا نعمه في تشريعاته ، كما يتابعونها في أوضاعهم العامة والخاصة ، ( ~~@QUR@02 ولعلكم تهتدون ) بما يوفره الله لكم من وسائل الهداية في امتحانه ~~لكم واختباره لثباتكم على الإيمان ، وذلك إذا أخذتم بأسباب الهدى في ما ~~يشرعه الله لكم من أحكامه ويوضحه لكم من مفاهيمه. # * * * ### ||| ** الرسول الكريم نعمة عظيمة # ثم يعطي للمسلمين الصورة الكاملة المتجسدة للنعمة التامة الشاملة في هذا ~~الرسول العظيم الذي جاء من أجل أن يرفع مستوى الإنسانية في ما يتلوه من ~~آيات الله ، ويزكي ضمائر الناس وحياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وما لم ~~يعلموه من حقائق الحياة في الدنيا والآخرة ... وينتهي الفصل بأمرهم لأن ~~يذكروا الله في وجدانهم وفي ألسنتهم ، وفي وعيهم لمسؤوليتهم أمامه في ~~الحياة ليذكرهم بنعمه وعفوه وغفرانه ، ودعاهم إلى أن يشكروا نعمته عليهم ~~ولا يكفروا بها ويجحدوها لئلا يعاقبهم الله بإزالتها عنهم. # ( @QUR@05 كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) فهذه هي النعمة الكبرى التي ~~تتفرع عنها كل النعم الصغيرة في تفاصيل التشريع ، لأنه يفتح لكم الأفق ~~الكبير الذي يطل بكم على كل جمالات الحق وروائع الإيمان ، ( @QUR@03 يتلوا ~~عليكم آياتنا ) التي توحي إليكم بكل الحقيقة الصافية ، وترتفع بكم إلى ~~الدرجات العليا من المعرفة ، وتمهد لكم سبل الحياة القويمة ، وتعرفكم ما ~~يصلح أمركم PageV03P095 # أو يفسده ، وتقربكم إلى الله وإلى الخط المستقيم للسعادة في الدنيا ~~والآخرة. # ( @QUR@01 ويزكيكم ) وينمي أرواحكم بالخير ، ويربي نفوسكم على الطهر ~~والنقاء ، ويبتعد بكم عن كل الرذائل والنقائص الأخلاقية. # ( @QUR@02 ويعلمكم الكتاب ) الذي أنزله الله على رسوله ليكون المنهج الذي ~~تأخذون به في كل خطواتكم في الحياة ، ( @QUR@01 والحكمة ) التي تعرفكم كيف ~~تركزون أقدامكم على الصراط المستقيم وتضعون كل شيء في موضعه ، فلا تخطئون ~~في موقع ، ولا تنحرفون في طريق ، ( @QUR@05 ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) ~~من فنون المعرفة في عالم ms0390 الغيب والشهادة ، مما لم يسبق لكم معرفته في ~~تجاربكم الماضية. # ( @QUR@01 فاذكروني ) في كل ما يفتح عقولكم وقلوبكم على معنى الألوهية ~~والربوبية في ذات الله ، ليدفعكم ذلك إلى الوعي العميق للحضور الشامل لله ~~في كل حياتكم العقلية في معنى الفكر ، وفي حياتكم العملية في خط الواقع ، ~~لتذكروا كل صفاته العليا ، وأسمائه الحسنى ، ونعمه الوافرة ، وآياته ~~الكثيرة ، ولتتحركوا في اتجاهه في كل موقع وموقف ، فهو الذكر الذي يخرجكم ~~من الغفلة ويفتح لكم أبواب المعرفة ، لتعيشوا معه في عالم الشهود من خلال ~~الوعي الروحي المنطلق من عالم الغيب ، وهو الذكر الذي يجعل الإنسان قريبا ~~إلى الله بروحه وجسده ، ليكون الله معه في كل حال وليراه مع كل شيء وخلف كل شيء. # ( @QUR@01 أذكركم ) بالرحمة والنعمة والمغفرة والرضوان ، مما يجعلكم تحت ~~رعايتي بشكل مباشر أو غير مباشر ، ( @QUR@02 واشكروا لي ) نعمتي التي أنعمت ~~عليكم بالكلمة والفعل والموقف ، ليكون الشكر باللسان في الكلمة المعبرة ، ~~وبالفعل في الطاعة لله وامتثال أوامره ونواهيه ، وبالموقف في موالاة ~~أوليائه PageV03P096 # ومعاداة أعدائه وإعزاز الحق وإذلال الباطل ، وفي غير ذلك مما يكون موقعا ~~لرضوان الله. # ( @QUR@02 ولا تكفرون ) ولا تجحدوا النعمة بأساليب التمرد والطغيان ~~والمعصية ، فإن ذلك يعرضكم للغضب الإلهي والعذاب الشديد ، بينما يؤهلكم ~~الشكر للزيادة في أعماركم وأرزاقكم وكل أوضاعكم المتصلة بكل شؤونكم في ~~الحياة. # * * * ### ||| ** الذكر والشكر بين الكلمة والموقف # وقد جاء كثير من الأحاديث المأثورة إلى جانب المدلول الحي للآية في ~~الموقف القوي أمام الكافرين والمنافقين من خلال الموقف الخاضع لله لتخرج ~~الذكر لله والشكر له من مدلوله اللفظي إلى موقف عملي يتمثل فيه ذكره ~~بالانضباط العملي في حالات الاهتزاز النفسي التي يتعرض فيها الإنسان لضغوط ~~الانحراف الروحية والعملية ، فيكون الشعور العميق بحضور الله في نفسه ، من ~~خلال الإحساس بحضوره المهيمن على الكون كله ، دافعا للإنسان إلى الالتزام ~~بأوامره ونواهيه ، ومانعا له عن الانسياق وراء تيارات الضلال والانحراف ، ~~وهذا ما عبر عنه الحديث المروي في عدة الداعي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه خرج على أصحابه ، فقال : «ارتعوا في ms0391 رياض الجنة ، ~~قالوا : يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال : مجالس الذكر ، اغدوا وروحوا ~~واذكروا ، ومن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله ، فلينظر كيف منزلة الله ~~عنده ، فإن الله تعالى ينزل العبد حيث أنزل العبد الله من نفسه ، واعلموا ~~أن خير أعمالكم عند مليككم وأزكاها وأرفعها في درجاتكم ، وخير ما طلعت عليه ~~الشمس ذكر الله PageV03P097 # تعالى ، فإنه تعالى أخبر عن نفسه فقال : أنا جليس من ذكرني ، وقال سبحانه ~~: ( @QUR@02 فاذكروني أذكركم ) [البقرة : 152] ، يعني اذكروني بالطاعة ~~والعبادة أذكركم بالنعم والإحسان والرحمة والرضوان» (1).. # وعن الحسن البزاز قال : «قال لي أبو عبد الله عليه السلام : ألا أخبرك ~~بأشد ما فرض الله على خلقه (ثلاث)؟ قلت : بلى ، قال : إنصاف الناس من نفسك ~~، ومواساتك أخاك ، وذكر الله في كل موطن ، أما إني لا أقول : سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وإن كان هذا من ذاك ، ولكن ذكر ~~الله في كل موطن إذا هجمت على طاعة أو على معصية» (2)... وليس معنى ~~التأكيد للجانب العملي للذكر ، هو التهوين من الجانب الآخر الذي يتمثل في ~~الذكر باللسان في كلمات التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار ، بل قد يكون ~~هذا مقدمة لذاك ، لأن الاستمرار في ذكر آلاء الله ونعمائه وعظمته يخلق لدى ~~الإنسان حالة رائعة منفتحة على الله حتى ليحس به في كل شؤون حياته ، مما ~~يؤدي به إلى الإحساس بضرورة طاعته في كل شيء ... # وفي ضوء ذلك كله ، نفهم أن المقابلة بين ذكر الله لعبده وبين ذكر العبد ~~لله تعطينا الفكرة الإسلامية التي توحي للعبد بأن استحقاقه لرعاية الله له ~~بنعمه وألطافه ، مشروط بانضباطه العملي أمام أوامره ونواهيه كما هي الحال ~~في ميثاق الله لعباده ، وعهد العباد أمام ربهم في قوله تعالى : ( @QUR@014 ~~يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون ) [البقرة : 40]. # وإننا نشعر في هذا التأكيد على ذكر الله في الكلمة والموقف ، بأن حركة PageV03P098 # الإيمان في داخل نفس المؤمن وحياته ، تحتاج إلى الارتباط العميق بالله ، ~~ليكون للإيمان أصالته في نفسه ms0392 ، فتتركز القاعدة على أساسه ، وتنطلق الأعماق ~~من خلاله بعفوية وبساطة ووعي. # * * * ### ||| ** ذكر الله وشكره في أساليب التربية الإسلامية # وقد نحتاج ، في سبيل الوصول إلى هذا الهدف ، إلى إفساح المجال للأساليب ~~التربوية التي تريد صنع الشخصية الإسلامية لدى الأطفال والشباب والشيوخ ، ~~لنؤكد ذكر الله من خلال الكلمة في إطار من الوعي لمعانيها ، وذكره من خلال ~~الموقف في تدريب الإنسان المسلم على أن يمارس التجارب اليومية لأوضاع حياته ~~في هذا الجو المنفتح على ذكر الله ، وذلك بإعطاء الدروس الفكرية والعملية ~~من خلال موجهين واعين يعرفون كيف يحركون الكلمة في اتجاه الموقف ، ويدفعون ~~الموقف نحو الإحساس بالله ... # أما الشكر ، فهو الدعوة الثانية التي يختم بها الله هذه الآيات ، ليوجه ~~الناس إلى أن يشكروه ولا يكفروا به ، وليست الدعوة لكلمة الشكر ، بل هي ~~دعوة إلى موقف الشكر ، وذلك بأن يقوم بالطاعة ويجتنب المعصية ، ويعبد الله ~~كما ينبغي له ، وهذا هو ما نستوحيه من الحديث المأثور عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال : ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ليلتها ، فقالت : يا رسول ~~الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : يا ~~عائشة ألا أكون عبدا شكورا؟ قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم ~~على أطراف أصابع رجليه ، فأنزل الله سبحانه : ( @QUR@03 طه* ما أنزلنا PageV03P099 # @QUR@03 عليك القرآن لتشقى )» (1) [طه : 1 2]. # وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «شكر النعمة اجتناب المحارم ، ~~وتمام الشكر قول الرجل : الحمد لله رب العالمين» (2)، وروي عنه ، في ما ~~رواه أبو بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : «هل للشكر حد إذا ~~فعله العبد كان شاكرا؟ قال : نعم ، قلت : ما هو؟ قال : يحمد الله على كل ~~نعمة عليه في أهل ومال ، وإن كان في ما أنعم الله عليه في ماله حق أداه» ~~(3)... وهكذا يلتقي الشكر في الكلمة بالشكر في الممارسة ، لتأكيد الأسلوب ~~الإسلامي ms0393 التربوي الذي لا يحول العلاقة بالله إلى كلمات تقليدية ربما ينتهي ~~الأمر فيها إلى الجمود ، بل يبعث فيها الروح الذي يجعل منها تجسيدا حيا ~~للمبادئ الروحية في خطوات الإنسان العملية في كلماته وأفعاله. # وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن شكر الله يمتد حتى يتمثل في شكر ~~الإنسان للناس على ما قدموه له من خدمات في حياته الخاصة والعامة ، حتى أن ~~الإنسان الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله ، فقد جاء في الحديث عن الإمام ~~علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنه قال : «إن الله يحب كل قلب حزين ~~، ويحب كل عبد شكور ، يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة : ~~أشكرت فلانا؟ فيقول : بل شكرتك يا رب ، فيقول : لم تشكرني إذ لم تشكره ، ثم ~~قال : أشكركم لله أشكركم للناس» (4). # ولعل من المعروف لدينا أن هذا الاتجاه التربوي في اعتبار شكر الإنسان على ~~عمله شكرا لله ، يتحرك في الخط الإسلامي الذي يدعو الناس إلى تشجيع PageV03P100 # المحسنين على إحسانهم ، لأن من طبيعة الإنسان العامل في الخير أنه يحب أن ~~يجد صدى عمله في مواقف الآخرين منه ، وإن لم يكن ذلك عن عقدة ذاتية ، فإذا ~~لم يحصلوا على ذلك ، بل وجدوا إهمالا وجحودا ، كان هذا موجبا لتثبيطهم عن ~~السير بعيدا في هذا الاتجاه ، وقد ورد في وصية الإمام علي عليه السلام لمالك ~~الأشتر (رض): «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإن في ذلك ~~تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان» (1)... # ولا يتنافى ذلك مع الروح الإسلامية التي تدعو الإنسان إلى أن يعتبر الله ~~هو السبب الأعمق في الأشياء ، فلا يملك العبد من أمره إلا ما ملكه ، لأن ~~الله يريد في الوقت نفسه أن لا يغفل الإنسان دور الواسطة التي جعلها الله ~~أداة لإيصال نعمه إليه ، ولهذا أمر الإنسان بأن يشكر والدية كما يشكر ربه ~~في قوله تعالى : ( @QUR@017 ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) [لقمان : 14] .. # وقد يكون من أسباب التركيز ms0394 على هذا الجانب ، أن الإنسان عادة يحس بتأثير ~~الأشياء المحسوسة لديه أو القريبة من إحساسه ، فإذا لم يتأثر أو ينفعل ~~بالخدمات المباشرة المحسوسة لديه ممن يعيش معهم ، فإن ذلك يكشف عن فقدان حس ~~الشكر لديه ، الأمر الذي يؤدي إلى أن يفقد روح الشكر لله سبحانه في نهاية ~~المطاف. # * * * PageV03P101 ### ||| ** الإيحاءات والدروس # وفي ختام هذا الفصل ، نقف عدة وقفات لنتأمل الأفكار الأساسية فيه في عدة نقاط: # 1 إن أعداء الله في بداية الدعوة كانوا يحاولون إثارة كل نقاط الضعف لدى ~~المسلمين من أجل أن يدفعوهم نحو الانحراف عن الإسلام ... # 2 إن الإسلام في القرآن الكريم قد واجه القضية المثارة أمام التشريع ~~الجديد مواجهة حاسمة في ما حشده من الأساليب المتنوعة التي تكشف الخلفيات ~~الذاتية والفكرية المنحرفة الكامنة وراء ذلك كله. # 3 إن الفصل بأكمله وحدة متكاملة ، نجد فيها القرآن يتحرك في اتجاه تشوية ~~صورة أعداء الله من جهة وتحليل طبيعة التشريع من جهة ، ثم يدفع بالأمة إلى ~~الواجهة ليوحي لها بموقعها من بقية الأمم ، ومنهم اليهود الذين يستدعي منهم ~~التحرك من موقع الفعل لا الانفعال ... وتتحرك من جديد لتفلسف التشريع ~~ولتربطه بالجانب التربوي للأمة وبالتطلعات الروحية للنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وتتنوع الأساليب التي تكشف للنبي الصورة الحقيقة ~~للموقف اليهودي بالمستوى الذي لا يبقى معه مجال للتجربة ... ويظل الفصل ~~مشدودا للتشريع في عملية إصرار وتأكيد ، ليظل المسلمون معه بعيدا عن كل ~~اهتزاز وارتباك. # 4 إن المسيرة الإسلامية المعاصرة تلتقي بكثير من الأساليب المماثلة التي ~~يثيرها خصوم الإسلام وأعداؤه ضد التشريعات الإسلامية في بعض الحالات وضد ~~الأساليب العملية المتنوعة المتغيرة للعالمين في سبيل الله ، PageV03P102 # حسب حاجة العمل إلى التغيير والتبديل ، مما يشابه كثيرا من هذه الأجواء ~~التي كان يثيرها اليهود أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # 5 إن علينا التوفر على دراسة هذا الفصل كنموذج للأساليب الإسلامية ~~العملية في مواجهة حالات التشكيك والتضليل والإثارة ، واعتباره أسلوبا ~~رائدا في هذا المجال من خلال التأكيد على ملاحظة الطبيعة المشابهة للظروف ~~الموضوعية هنا ms0395 وهناك ، بالمقارنة مع الظروف المختلفة في كلتا الحالتين. # 6 إن دراستنا لأسلوب المعالجة للحالة الصعبة التي عاشها المسلمون أمام ~~هذا التحدي الكبير ، تؤدي بنا إلى التركيز على حيوية الأسلوب الإسلامي ~~للعمل ومرونته الحركية ، فلا يقف أمام عنصر واحد من عناصر المواجهة ، ولا ~~يتجمد عند حالة عاطفية أو عقلانية واحدة ، بل يحاول أن ينتقل من جو إلى جو ~~ومن عنصر إلى عنصر ، لتتكامل كل العناصر وتتجمع كل الأجواء التي تساعد على ~~حل المشكلة ومواجهة التحدي. # وفي ضوء ذلك ، يمكننا أن نقرر خطأ الفكرة التي تعمل على إخضاع أسلوب ~~الدعوة أو أسلوب المواجهة للقواعد الفنية الموضوعة للأسلوب من وحدة الموضوع ~~ووحدة الجو ، وما إلى ذلك مما قد يتفق مع الموضوعات التي تريد أن تعالج ~~فكرة واحدة أو موضوعا محددا ، ولكنه لا يتفق مع القضايا التي يراد من ~~خلالها التأثير على الحالة الداخلية المعقدة للإنسان وعلى الأجواء الخارجية ~~المحيطة به. فإن مشكلة التعامل مع الإنسان تختلف عن التعامل مع الفكرة ~~المجردة لأن الإنسان كائن متغير متنوع في عواطفه وتأثراته ، مما يقتضي منا ~~التحرك معه في كل الاتجاهات التي يمكن أن تهب منها الريح ، أو تتأثر بها ~~الأجواء. PageV03P103 # 7 إن الطابع العام لكل هذا الفصل هو التذكير الدائم بموقع الإنسان في كل ~~أعماله وأقواله من الله في ثوابه وعقابه ، مما يعطي الموقف جوا روحيا يتحرك ~~فيه الإنسان في مواجهة الحالة من موقع المسؤولية الإيمانية ، لا من موقع ~~التفكير المجرد الذي يخاطب فيه الإنسان الحالة كقضية موضوعية مجردة لا مجال ~~فيها إلا للحسابات الفكرية الجافة .. # * * * PageV03P104 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين (153) @QUR@013 ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ~~ولكن لا تشعرون (154) @QUR@012 ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) @QUR@010 الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) @QUR@09 أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) (157) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالصبر ): الصبر : الإمساك في ضيق ، قال الراغب : «والصبر : ~~حبس النفس على ما ms0396 يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه ، فالصبر ~~لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه ، فإن كان حبس PageV03P105 # النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير ويضاده الجزع ، وإن كان في محاربة سمي ~~شجاعة ويضاده الجبن ، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر ، ~~وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا ويضاده المذل. # ( @QUR@01 سبيل ): طريق ، وسبيل الله : طريق مرضاته ، وإنما قيل للجهاد ~~سبيل الله ، لأنه طريق إلى ثواب الله عز وجل . # ( @QUR@01 تشعرون ): الشعور : هو ابتداء العلم بالشيء من جهة المشاعر ~~وهي الحواس ، ولذلك لا يوصف الله بأنه شاعر ، ولا بأنه يشعر ، وإنما يوصف ~~بأنه عالم ويعلم. وقيل : إن الشعور هو إدراك ما دق للطف الحس ، مأخوذ من ~~الشعر لدقته ومنه الشاعر لأنه يفطن من إقامة الوزن وحسن النظم لما لا يفطن ~~له غيره. # ( @QUR@01 ولنبلونكم ): البلاء : الاختبار ، يكون بالخير والشر. # ( @QUR@01 الخوف ): انزعاج النفس لما يتوقع من الضرر. # ( @QUR@01 والجوع ): ضد الشبع ، وهو المخمصة والمجاعة ، عام فيه الجوع ، ~~وحقيقة الجوع الشهوة الغالبة إلى الطعام ، والشبع زوال الشهوة. # ( @QUR@01 ونقص ): النقص : نقيض الزيادة ، والنقيصة : الوقيعة في الناس ~~، والنقيصة : انتقاص الحق ، وتنقصه : تناول عرضه ، وأصل النقص : الحط من ~~التمام. # ( @QUR@01 والثمرات ): الثمرة : أفضل ما تحمله الشجرة. # ( @QUR@01 مصيبة ): المصيبة : المشقة الداخلة على النفس لما يلحقها من ~~المضرة ، وهو من الإصابة ، كأنها تصيبها بالنكبة. # ( @QUR@01 راجعون ): الرجوع : مصير الشيء إلى ما كان ، يقال : رجعت الدار PageV03P106 # إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية وهو نظير العود. # ( @QUR@01 المهتدون ): الاهتداء : الإصابة إلى طريق الحق. # * * * ### ||| ** الثبات أمام التحديات # ربما يوحي جو هذه الآيات وأسلوبها ، بالتفاتة قرآنية توجه الإنسان المسلم ~~إلى استثارة إيمانه الكامن في أعماقه في حركة معاناة عميقة تتصل بالواقع ~~الذي يضج بالتحديات والمشاكل والمآسي المتنوعة التي تقتحم حياته فتهزها في ~~دائرة القلق والاهتزاز ، فيقف أمام ذلك كله وقفة إيمان واع يعرف قصة الحياة ~~على أساس السنن التي أودعها الله فيها ، فليست هي عسرا كلها وليست يسرا ~~كلها ، بل هي العسر في طريق اليسر ، واليسر في نهايات العسر ونتائجه. فإذا ~~واجه ms0397 الإنسان بعضا من العسر في طريقه إلى الله ، أو ثقلت عليه الأعباء في ~~دروب الأهداف ، فلا بد له من الاستعانة بالصبر ليدعم إرادته ويقويها ويبعث ~~فيها روح التماسك والصلابة من أجل الحصول على الموقف الصلب والشخصية ~~المتماسكة ، ولا بد له في نطاق ذلك من الاستعانة بالصلاة ، لأنها تفتح ~~للقلب النوافذ الواسعة المضيئة على الله القادر الحكيم الرحيم ، الذي تنطلق ~~حكمته لتخطط للإنسان حياته على أساس من المصلحة والحكمة ، وتتحرك رحمته ~~لترفرف على روحه بالرضى واللطف والحنان ، فلا يثقله البلاء بالمستوى الذي ~~لا يستطيع احتماله ، بل يظل الإنسان معه في جو رحيب يستريح فيه إلى التجربة ~~ويعيش آفاق الأمل ، وتحتضن قدرته الحياة بكل ما فيها من طاقات وقوى لتذلل ~~كل صعب ، وتقهر كل قدرة ، فيخرج الإنسان من ذلك كله إلى الأجواء الرحبة ~~التي لا تضيق معها الروح بالمشاكل ، ولا PageV03P107 # تنهزم أمام التحديات ، ولا تضعف أمام العقبات ، بل تظل في أمل حي متفجر ~~بالتفاؤل ، يملأ الإرادة بالحياة ، والحركة بالقوة والإيمان. # وبذلك تتحول القيم الروحية ، كالصبر ، والأعمال العبادية ، كالصلاة ، إلى ~~قوى فاعلة يستعين بها الإنسان على تقوية نقاط ضعفه ، تماما كما يستعين ~~بالقوى الخارجية عند ما تهجم عليه قوى الأعداء ، بدلا من أن تكون عناصر ضعف ~~وتخدير ، كما يحاول البعض من الناس أن يفسرها ، أو عناصر تجميد وتأخر ، كما ~~يحلو للبعض أن يعالجها ، باعتبار أن الصبر يمنع الإنسان من الحركة ويجمده ~~في نطاق الإذعان للأمر الواقع ، وأن الصلاة تغرق الإنسان في غيبوبة صوفية ~~حالمة يدخل معها الإنسان في غياهب الغيب ، فينسى دوره ومسئوليته في حركة ~~الواقع ، فتتخدر أحاسيسه وتضعف تطلعاته المندفعة نحو الحياة. # إننا نستوحي ذلك كله من إثارة الخطاب في جو صفة الإيمان ، للإيحاء بأن ~~المضمون الحي العميق للإيمان يحمل للإنسان كل عوامل الوعي والامتداد ، ومن ~~الدعوة إلى الاستعانة بالصبر والصلاة لتأكيد الطبيعة المتحركة للقيم ~~الخلقية وللتعاليم الإلهية العملية في صنع القوة لحياة الإنسان ، فإن ~~الكثيرين من الناس قد يغفلون عن الطاقات الروحية الكامنة في القيم التي ~~يؤمنون بها وفي الأعمال التي ms0398 يمارسونها ، فيستسلمون إلى حالات الضعف في ~~الوقت الذي تضج فيه الحياة من حولهم بالقوة ، لو أرادوا أن يستثيروها بذكاء ... # ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر ) الذي هو من عزم الأمور ~~من خلال ما يؤكده في الذات من القوة في الموقف والموقع أمام التحديات ~~والزلازل ، انطلاقا من التحمل القاسي الذي يفرضه الإنسان على نفسه أمام كل ~~حالات الحرمان الروحي والجسدي ، لذلك كانت له الأهمية الكبرى في القرآن حتى ~~تكرر فيه إلى ما يقارب السبعين موضعا ، وقد أطلق الله ثوابه ، فلم يجعل له PageV03P108 # حدا معينا فقال : ( @QUR@022 قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب ) [الزمر : 10]. # والاستعانة به ، هي اللجوء إلى القوة الأخلاقية الكامنة في أعماق الذات ~~من أجل استنفارها للسيطرة على كل المشاعر السلبية التي يمكن أن تثير ~~الاهتزاز في الموقف أو الموقع ، للحصول على الأرض الصلبة في ساحات الصراع ~~حيث الأهوال الشديدة والمعارك الحاسمة. # ( @QUR@01 والصلاة ) التي هي معراج روح المؤمن إلى الله ، فهي التي تفتح ~~قلبه على ربه وتشده إليه وتربطه به ، حتى يحس أن الله معه في كل مواقفه ، ~~فلا يخاف ، ولا يحزن ، ولا يضعف ، ولا يتزلزل ، ولا يعيش الاهتزاز النفسي ، ~~والقلق الروحي في وجدانه الإنساني ، وهكذا يعطي الصبر للصلاة قوة الإرادة ، ~~وتعطيه الصلاة قوة الروح ، فيتكاملان في حماية إنسانية الإنسان من السقوط ، ~~في آفاق الصبر الممزوج بالصلاة في حركة عروج الإرادة إلى الله لتلتقي به في ~~الثبات على رسالته. # وقد ختم الله الآية بقوله : ( @QUR@04 إن الله مع الصابرين ) ليؤكد لهم ~~أن الله لا يترك الصابرين وحدهم في مواجهة التحديات والأهوال والعقبات ، بل ~~يقف معهم ليمنحهم من روحه الروح الطيبة ، ومن قوته القوة الكبيرة ، ومن ~~رحمته اللطف والرضوان والحب والسلام. # ( @QUR@04 إن الله مع الصابرين ) الذين يحركون الإيمان في عقولهم في خط ~~الوعي والإرادة وفي كيانهم في خط القوة ، والثبات في أقدامهم في خط ~~التوازن. وروي أن عليا عليه السلام كان إذا هاله أمر ، قام إلى الصلاة ms0399 ثم ~~تلا هذه الآية : ( @QUR@03 استعينوا بالصبر والصلاة ). # * * * PageV03P109 ### ||| ** الشهادة امتداد للحياة # ( @QUR@08 ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ) من خلال الصورة ~~الظاهرية التي تتطلع إلى الجانب المادي في الجسد من حيث دوران الحياة مدار ~~حركته وحيويته ، فإذا فقدهما فقد الحياة ، فإن ذلك شأن الماديين الذين لا ~~يتصورون وجود حياة خارج نطاق هذا العالم في غيب الله ، الذي أكد في كتابه ~~أن الإنسان لا يموت موتا أبديا عند ما تنطفئ الحياة في الجسد ، ولكنه يحيى ~~بعد ذلك ليعيش حياة جديدة في عالم الآخرة الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ~~، لينالوا جزاء أعمالهم من خير أو شر ، أما المؤمنون الذي يؤمنون بالغيب ~~وبالآخرة ، فإنهم يواجهون الموت وفي وجدانهم التطلع إلى ما بعده من الحياة ~~، ولذلك فلا ينبغي لهم أن يطلقوا كلمة «الأموات» على الشهداء الذين يقتلون ~~في سبيل الله ، بما يوحي بالفناء المطلق ويؤدي إلى الإحساس بالمرارة في ~~شعور المجاهدين أو أهلهم وإخوانهم ، ( @QUR@02 بل أحياء ) تضج الحياة في ~~وجودهم الجديد في عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، لأنه غريب عن عالم ~~الشعور. ولذلك فإنكم لا تملكون القدرة على إثباته من ناحية التجربة الذاتية ~~لافتقادكم وسائل الإحساس بهذا النوع من الحياة ( @QUR@03 ولكن لا تشعرون ) ~~من خلال هذا العالم الذي ينطلق فيه الشعور من موقع الحس لا من موقع الغيب ~~في علم الله. # وقد تكون هذه الآية واردة في نطاق تفريغ النفس من المشاعر الإنسانية ~~الساذجة بالوحشة القاسية أمام حالة الموت التي تمثل فقدان الحياة ، مما ~~يؤدي إلى الموقف السلبي إزاء الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله في مجالات ~~الصراع مع الكفر والطغيان والانحراف ، لأن النفوس مجبولة على حب الحياة ~~والامتداد فيها والرغبة في كل ما يتصل بها ، والبعد عن كل ما يسبب فقدانها ... PageV03P110 # وهكذا كانت هذه الآية للإيحاء بامتداد الحياة للشهداء الذين يقتلون في ~~سبيل الله ، ولكنها تتحرك في أجواء غير الأجواء التي يعيشها الناس في هذه ~~الحياة ، ولذلك فإنهم لا يشعرون بها ولا يتحسسونها ، لأن الإنسان لا يملك ~~الوسائل الحسية التي ms0400 يمكنه من خلالها أن يدرك طبيعة الحياة الأخرى. وتلتقي ~~هذه الآية بسياق آيات أخرى واردة في موردها ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@043 ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع ~~أجر المؤمنين ) [آل عمران : 169 171]. # فقد نلاحظ أن الاتجاه في هذه الآيات هو إثارة الرغبة في الجهاد في سبيل ~~الله ، وذلك من خلال إثارة الإحساس بامتداد الحياة في السير في هذا الطريق ~~بشكل أفضل وأوسع مما في هذه الحياة الدنيا ... وقد يلاحظ الاختلاف بين آية ~~سورة البقرة وبين آية سورة آل عمران من حيث التركيز هناك على أصل المبدأ ~~وهو الحياة هنا ، بينما كان التركيز هناك على طبيعة الحياة عند الله وما ~~فيها من نعيم وفرح وفضل واستبشار. وربما كان السبب في ذلك. ن الاية هنا ~~واردة في سياق الآيات التي تدعو إلى التماسك والصبر ، مما يقتضي مواجهة ~~الحالة النفسية التي يثقلها الشعور بالموت ، بالحالة التي تنفتح أمامها ~~نوافذ الحياة ، تماما كما هي القضية في تبديل صورة قاتمة بصورة مضيئة من ~~دون حاجة إلى الدخول في التفاصيل ، لأن الموضوع الذي يلح على النفس هو قضية ~~الظلمة والضياء ... # أما الآية الأخرى ، فقد انطلقت في سياق آيات الجهاد التي كانت تواجه ~~المنافقين الذين كانوا يثيرون نوازع القلق والحيرة والخوف في نفوس المؤمنين ~~المندفعين إلى الجهاد ، ويحشدون أمامهم صورة القاعدين الذين يستمتعون ~~بالحياة في مواجهة صورة المجاهدين الذين استسلموا لظلام العدم ووحشته PageV03P111 # عند ما اندفعوا للموت والقتال ، فكانت المناسبة أن يفيض القرآن الحديث ~~حول تفاصيل الحياة التي تنتظر المجاهدين لدى الله ... # * * * ### ||| ** ما معنى الحياة للشهداء؟ # وقد حاول بعض المفسرين أن يدخل في تفاصيل هذه الحياة ، وقد برز في هذا ~~المجال اتجاهان : ### ||| ** الاتجاه الأول : الذكر الجميل : # باعتبار أنه يمثل امتداد الحياة في الدنيا في وعي الناس وتفكيرهم على ~~الطريقة التي يفكر بها بعض ms0401 الشعراء ، حيث يقول : # دقات قلب المرء قائلة له %~% إن الحياة دقائق وثواني فاحفظ لنفسك بعد موتك %~% ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني # ويفلسفون هذا الرأي بأن الخطاب في هذه الآية للمؤمنين الذين يعتقدون ~~بالحياة الآخرة ، فلا معنى لإثارة ذلك في وجدانهم في أسلوب الرد على فكرة ~~انتهاء الحياة بالموت ، لأن ذلك لا يتناسب مع حقيقة الإيمان ... ويضيفون ~~إلى ذلك أن الآية مختصة بالشهداء مع أن الحياة في الآخرة حقيقة شاملة ~~للجميع ، فلا بد من أن تكون الحياة متناسبة مع طبيعة الإيمان وموضوع ~~الاختصاص ، وليس هناك إلا الذكر الجميل الخالد على مر العصور والأزمان. ### ||| ** الاتجاه الثاني : الحياة البرزخية : # وهناك فريق آخر يراها إشارة إلى الحياة البرزخية ، وهي ما بين الموت ~~والحشر ، لأنها مما يمكن أن يغفل عنها المسلمون ، لأنها ليست من ضروريات PageV03P112 # الدين ، كأصل عقيدة البعث في الحياة الأخرى ، فهناك من ينكرها من ~~المسلمين حتى اليوم ممن يعتقد كون النفس غير مجردة عن المادة وأن الإنسان ~~يبطل وجوده بالموت وانحلال التركيب ، ثم يبعثه الله إلى القضاء يوم ~~القيامة. # * * * ### ||| ** مناقشة الاتجاهين # ولكننا نرى أن الآية ليست في سياق التركيز على طبيعة الحياة لننطلق في ~~الاتجاه الذي ذهب إليه هؤلاء المفسرون ، بل هي واردة في سياق تفريغ النفس ~~من الشعور بالوحشة القاتلة أمام ظلام الموت ، ليملأها الشعور بالحياة الذي ~~يحشد الوجدان بالفرح والرضى والاطمئنان ، في أسلوب قرآني يجدد للإنسان ~~طاقته على الصبر والامتداد. # وقد نجد من المناسب أن نناقش التفسير الأول للحياة ، بأن اعتبار الذكر ~~حياة لا يتناسب مع طبيعة معنى الحياة الذي يقهر الشعور بالموت في نفس ~~الإنسان ، بل هو نوع من أنواع الخيال الروحي الذي يتخذ صفة الإيحاء للنفس ~~بامتداد الاسم الذي يحمله الإنسان في قافلة الأسماء التي يتداولها الناس ، ~~مما قد يدفع الإنسان إلى بعض الأعمال التي تشارك في ذلك ، ولكنه لا يستطيع ~~أن يزيل مرارة الموت من النفس ووحشة الإحساس بالعدم ، بل كل ما هناك أنه ~~يمثل أسلوبا من أساليب الهروب من قسوة هذه الحقيقة لدى الغافلين عن الإيمان ~~بالله ms0402 واليوم الآخر في عملية تعويضية. # وإننا لا نجد في التراث التشريعي الإسلامي مثل هذا التأكيد على الاهتمام ~~بامتداد الذكر للإنسان في ما بعد الموت ، إلا بالمقدار الذي يكون العمل ~~الذي يمتد به الإنسان مفيدا ونافعا للبشرية بالمستوى الذي يعتبر امتدادا PageV03P113 # لحياته العملية بعد الموت ، فيستحق عليه الثواب الكبير من الله ، كما في ~~الحديث المأثور عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «لا يتبع الرجل بعد موته ~~إلا ثلاث خصال : صدقة أجراها لله في حياته فهي تجري له بعد موته ، وسنة هدى ~~سنها فهي يعمل بها بعد وفاته ، وولد صالح يدعو له» (1). فليست القضية قضية ~~ذكر صالح خالد ، بل القضية هي العمل الصالح الذي لا يمتد في حياة الناس ~~كامتداد عملي لحياتهم. # وإذا كان البعض يرتكز في قيمة الذكر الخالد على بعض الآيات القرآنية ، ~~فإننا لا نجد فيها دلالة على ذلك ، فقد أشير إلى قوله تعالى حكاية عن ~~إبراهيم : ( @QUR@06 واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) [الشعراء : 84] ، ~~ويذكر في تفسيرها أن إبراهيم يدعو الله أن يخلد له ذكره من ناحية الطموح ~~الذاتي للخلود في الحياة ، ولكننا نلاحظ أنه كان يتحدث عن لسان الصدق الذي ~~يتضمن رسالته ودعوته الشاملة إلى الإسلام لله ، فليست القضية لديه قضية ~~رغبة في خلود الذكر ، بل في خلود الرسالة التي تمثل كل اهتماماته حتى بعد ~~الموت مما يجعله يوصي أولاده بذلك. # ومن هذه الآيات قوله تعالى : ( @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك ) [الانشراح : 4] ~~فقد يستدل بها على الاهتمام بالذكر الخالد بعد الموت ، ولكن الظاهر أنها ~~واردة في الحديث عن نعمة الله على نبيه في رفع ذكره وانتشار رسالته ، وعلو ~~موقعه في الحياة ، بعد أن كان إنسانا عاديا في مجتمعة ، فلا تعرض فيها لما ~~بعد الموت ، ومنها : ( @QUR@05 سلام على نوح في العالمين ) [الصافات : 79] ~~، أو ( @QUR@03 سلام على إبراهيم ) [الصافات : 109] ، وهما لا يدلان إلا ~~على أن الله ترك السلام عليهما في الحياة لتبقى الروح الإيمانية الرائعة ~~والصبر العظيم عنوانين كبيرين لكل من أراد الاقتداء بهما والسير على ~~منهاجهما. PageV03P114 # وقد لا يتناسب هذا التفسير مع ms0403 كلمة ( @QUR@03 ولكن لا تشعرون ) لأن قضية ~~الذكر الجميل هي مما يلتفت إليه الناس ويعرفونه ويحسبون حسابه في كثير من ~~أعمالهم كما أشرنا إليه ، كما أنه لا يتناسب مع آية سورة آل عمران ، التي ~~تتحدث عن الحياة الحقيقية في ما بعد الموت. # أما التفسير الآخر الذي يربط الحياة بالحياة البرزخية ، فقد لا نجده ~~منسجما مع سياق الآية التي في سورة آل عمران ، لأنها تتحدث عن نوع الحياة ~~التي وعد الله بها عباده المؤمنين في الجنة في الدار الآخرة ، في مقابل ~~الحياة الدنيا التي يعيشون فيها الآن ، وإذا فرضنا أن القضية ليست بهذه ~~المثابة ، فلا نتصور ظهورا للآية في ما ذكره ، لأنه انطلق في ذلك من ~~استبعاد إرادة الحياة الآخرة من كلمة «الحياة» ، لأن الخطاب للمؤمنين الذين ~~يؤمنون بها ولا يتصور فيهم غفلتهم عنها .. وقد ذكرنا أن القضية ليست قضية ~~عقيدة مضادة ، بل القضية هي الشعور الداخلي المضاد الذي يراد تحويله إلى ~~شعور آخر منفتح ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الآية وتجرد النفس # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان ، أن الآية تدل على «تجرد النفس ، بمعنى ~~كونها أمرا وراء البدن وحكمها غير حكم البدن وسائر التركيبات الجسمية ، لها ~~نحو اتحاد بالبدن تدبرها بالشعور والإرادة وسائر الصفات الإدراكية» (1). # ولكننا لا نتفق معه في هذا الاستدلال ، لأن الآية لا تزيد على تقرير مبدأ PageV03P115 # الحياة للشهداء في ما بعد الموت ، ولكنها لا تدل على أن الحياة هل تبقى ~~للنفس فلا تموت بموت البدن ، أم أنها تبعث من جديد في بدن مماثل أو مغاير ~~للبدن السابق في ما بعد الموت ، بل ليس هناك إلا الإشارة البعيدة التي لا ~~تثبت حقيقة العقيدة وأصالتها ، فلا بد لنا من البحث عن ذلك في آيات أخرى أو ~~براهين عقلية في ما ليس مجال بحثه الآن ، فليطلب في مظانه من التفسير في ~~مواضع أخرى من القرآن أو من كتب علم الكلام والفلسفة ، لأننا لسنا في مقام ~~البحث في تجرد النفس من الناحية الفكرية ، بل في مقام بيان عدم دلالة الآية ~~على ذلك من خلال المفردات ms0404 التعبيرية الخاصة. # * * * ### ||| ** البلاء مدرسة وامتحان # ويتصاعد الجو وتتحدد الأوضاع القلقة التي تحكم حياة الإنسان ومسيرته ، ~~فتبعث فيها الاهتزاز في المشاعر والمواقف ، والارتباك في الخطى والخطط ~~العملية ، ويطرح القرآن للإنسان المشكلة التي تتحداه في قوة إنسانيته ~~وصلابتها ، ويشير إلى الموقف الذي يخلق الجو الملائم للحل في نطاق من الروح ~~الإيمانية التي لا تنسى الله في المواقف الحرجة والتحديات الصعبة ، بل تعيش ~~حضوره المهيمن العميق في فكرها ووجدانها وتطلعاتها للحياة ، لتلتقي به من ~~خلال هذا الجو الروحي فتجد لديه الصلوات الإلهية التي تغدق الرحمة والمغفرة ~~والرضوان على الإنسان الذي يعرف الهدى في طريقه ويسير عليه .. # ( @QUR@01 ولنبلونكم ) أي نختبركم في حجم الإرادة التي تملكونها وصلابتها ~~أمام المخاوف والأهوال لتعيشوا التجربة الصعبة التي ينجح فيها الأقوياء في ~~عزيمتهم وإرادتهم وإيمانهم ، ويفشل فيها الضعفاء الذين لا يملكون عناصر PageV03P116 # الوعي للواقع ، والتوازن للحركة ، والإرادة للقرار ، ( @QUR@03 بشيء من ~~الخوف ) الذي يتحدى عنصر الأمن الداخلي في نفوسكم فلا تملكون الطمأنينة ~~الروحية والأمن الخارجي في حياتكم ، فتعيشون الاهتزاز الجسدي في كيانكم ~~والخطر السياسي والاقتصادي والعسكري في نظامكم ، حيث تفقدون أمامه التوازن ~~في المواقف ، والانسجام في الخطى ، والثبات في المواقع ، الأمر الذي قد ~~يدفعكم بفعل ضغط الذين يصنعون الخوف في الواقع إلى تقديم التنازلات من ~~إيمانكم والتزامكم وحريتكم واستقلالكم وإنسانيتكم ، ( @QUR@01 والجوع ) ~~الذي يمثل الحرمان من الغذاء الضروري في الحاجات الطبيعية للإنسان كشرط ~~لاستمرار حياته مما يؤدي إلى إضعاف قوته وضراوة الآلام في جسده ، ووصوله ~~إلى مرحلة الخطر على حياته ، ( @QUR@03 ونقص من الأموال ) في الخسائر ~~المتنوعة التي تؤدي إلى ذهاب الأموال ونقصها بفعل الحوادث الاجتماعية ، ~~والكوارث الطبيعية ، والحروب الشديدة ، ( @QUR@01 والأنفس ) من رجالكم ~~ونسائكم وأطفالكم الذين تقتضي عليهم الحروب والأمراض والزلازل والبراكين ~~والفيضانات ونحوها ، ( @QUR@01 والثمرات ) قيل : إن المراد بها ذهاب حمل ~~الأشجار وقلة النبات وارتفاع البركات ، وقيل : أراد به الأولاد لأن الولد ~~ثمرة القلب ، وعلله بعضهم بأن تأثير الحروب في قلة النسل بموت الرجال ~~والشبان أظهر من تأثيره في نقص ثمرات الأشجار ، ولكن الظاهر من الآية أنها ~~غير مختصة بحالات الحرب ، بل ms0405 هي عامة لكل واقع البلاء في حياة الإنسان. # وإذا كان الهدف من الآية هو توجيه المؤمنين إلى أن يتحملوا نتائج الدعوة ~~إلى الله والجهاد في سبيله بما يؤدي إلى النتائج السلبية على حياتهم العامة ~~والخاصة ، فإن ذلك لا يعني الاختصاص بهذا الجو الخاص ، بل المقصود هو الصبر ~~في الخط العام للوصول إلى النتائج الإيجابية في الصبر في المورد الخاص. ( ~~@QUR@02 وبشر الصابرين ) الذين يعيشون صلابة الموقف ، وقوة التحمل ، ~~والتمرد على الحرمان والثبات في مواقع الزلازل ، حيث تبقى PageV03P117 # إنسانيتهم في صمود عزيمتهم ، ليتابعوا رسالتهم في الحياة من دون تراجع أو ~~انهيار أو انحراف. # إن الله يمتحن إيمان الإنسان في ما يمر عليه من الخسائر والمصائب والمحن ~~، ليرى كيف يواجه ذلك كله ، أبالصبر أم بالجزع ، أبالرضى أم بالاحتجاج؟ .. ~~وكيف يفهم البلاء الذي ينزل به في مختلف صوره وجهاته ، هل هو عذاب وانتقام ~~، أم رحمة إلهية في نطاق النظام الكوني الذي يربط المواقف بأضدادها من خلال ~~التحديات الصعبة التي تواجه العاملين السائرين على الخط المستقيم في ~~الحياة؟ فإن للاستقامة ضرائبها الثقيلة في مختلف جوانب الحياة حيث تتحرك ~~قوى الانحراف وعوامله لتقف حاجزا بين الخط المستقيم وبين الامتداد في اتجاه ~~السليم .. وهنا يأتي دور الصبر الذي يمنح الإنسان قوة الثبات والصمود ~~والتماسك أمام العقبات التي تقف في مجالات التحدي ، فلا ينهار ولا يتخاذل ~~ولا يضيع ولا تتبعثر خطاه في الرمال المتحركة للبلاء ، بل يمتص ذلك كله ~~بروحه الرسالية الإيمانية التي تنفتح على الواقع لتعرف أن الطريق ليس ~~مفروشا بالورود ، فتتعلم كيف تتعامل مع الأشواك الحادة في لغة الجراح ~~النازفة ، وفي أسلوب الآلام العميقة ، فلا تسمح للجراح بأن تبكي ولا ترضى ~~للآلام بأن تصرخ ، بل تحاول أن تعلمها كيف تبتسم في فرح الرسالة وهي تتقدم ~~على الرغم من كل الأشواك والآلام. # وهكذا أراد الله للمؤمنين الذين ينطلقون في رسالتهم أن يقفوا أمام قوى ~~الكفر والشر والطغيان في العالم من أجل أن يغيروا العالم على أساس شريعة ~~الله وتعاليمه ، فدعاهم إلى أن لا يواجهوا البلاء الذي يصيبهم ms0406 بنقص ( ~~@QUR@04 من الأموال والأنفس والثمرات ) مواجهة الأشياء المفصولة المعزولة ~~عن جذورها وأسبابها ، بل يواجهونها من خلال طبيعة حركة التغيير التي تنطلق ~~في حياة الناس لتكون اختبارا لقوتهم الذاتية ولمبادئهم ولمواقفهم العملية ~~عند ما تتعرض PageV03P118 # للتحدي من القوى المضادة ، فإن من الطبيعي أن يتحرك الآخرون ليدمروا ~~وليقتلوا وليضغطوا ويحرقوا الأخضر واليابس انتقاما وثأرا وحقدا ، ولكن ~~خطوات الحقد والثأر والانتقام ليست طويلة ، بل هي قصيرة جدا ، لأنها تعبر ~~عن ردات انفعالية حماسية لا تلبث أن تتبخر في الهواء ، فلا بد من الصبر ~~الذي يدفع المؤمنين إلى المقاومة والتحمل والثبات من أجل أن يصلوا إلى ~~نهاية المطاف ، ليصعدوا إلى القمة عند ما تتهاوى دعوات الباطل على أقدام ~~السفوح. # * * * ### ||| ** البلاء ونسبته إلى الله # وقد يتساءل البعض : هل البلاء الذي يتحدث الله عنه في هذه الآية وغيرها ~~فينسبه إلى نفسه ويعتبره اختبارا وامتحانا لإيمانهم وثباتهم على الخط ، هو ~~من صنع الله بشكل مباشر بحيث إن الله يوجهه إلينا من دون أن تكون هناك ظروف ~~موضوعية تقتضيه ، أم القضية هي أن يكون امتحانا تماما كما هي الأعمال التي ~~يكلف بها الناس في فترات التدريب والامتحان؟ # وقد نستطيع الجواب عنه ، بالقول إن الحياة في كل ما يحدث فيها ، من أرباح ~~وخسائر وأفراح وآلام ، مشدودة إلى إرادة الله وقضائه وقدره من خلال الأسباب ~~والقوانين الطبيعية التي أودعها الله في الكون ، فلكل عمل من الأعمال التي ~~يقوم بها الإنسان في هذه الحياة نتائج سلبية أو إيجابية على مستوى حياته ~~الفردية أو الاجتماعية ، سواء في ذلك جانب الممارسات الذاتية أو العلاقات ~~الخاصة والعامة ، فلا بد للإنسان من أن يتألم إذا عاش في الظروف التي تفرز ~~مثل هذه الآلام ، ولا بد له من أن يجوع إذا تحركت الأسباب التي تنشر ~~المجاعة في الكون ، ولا بد له من أن يخاف إذا عاشت الحياة أجواء PageV03P119 # الخوف ... فليست النتائج معزولة عن مقدماتها ، بل هي وليدة تلك المقدمات. # * * * ### ||| ** ما معنى البلاء في الأوضاع الطبيعة؟ # وهنا يثور سؤال : إذا ما معنى أن يكون مثل ذلك ابتلاء ms0407 بعد أن كان أمرا ~~طبيعيا تماما كما هي مظاهر الطبيعة الكونية الموجودة في الحياة؟ # والجواب عن ذلك : إن القضية ، كل القضية ، هي في موقف الإنسان أمام هذه ~~الظروف الطبيعية التي تفرزها حركة المبادئ والرسالات في الحياة ، فذلك هو ~~سر البلاء في حياته. فهل يتجاوز المرحلة التي تتحرك فيها الآلام والخسائر ~~والمخاوف بأعصاب هادئة ومواقف ثابتة بعيدا عن كل اهتزاز وانحراف ، أم يسقط ~~صريعا أمام ذلك كله لتسقط معه رسالته ومبادئه كنتيجة لاهتزاز نقاط الضعف في ~~كيانه وانسجامها مع قوى الانحراف والتحدي المضاد؟ إن الواقع بأسبابه ~~الطبيعية يعتبر امتحانا واقعيا للإنسان ، تمتحن به إرادته ورسالته. وقد ~~نستوحي من كلمة ( @QUR@01 ولنبلونكم ) في ما تعطيه كلمة البلاء من معنى أن ~~الموقف يحمل للإنسان قيمة التجربة في تركيز شخصيته وتقوية إرادته ، في ما ~~يثيره لديه من مشاعر القوة في داخله من خلال الإيحاء له بما يحمله الامتحان ~~له من نتائج على مستوى الدنيا والآخرة ، ولا سيما إذا لاحظنا أن طبيعة هذا ~~الامتحان ليست شكلية يمكن للإنسان أن يقوم فيها بدور تقليدي ساذج من دون ~~وعي أو روح ، بل هي طبيعة حقيقية أساسية تقتحم كل حياته الداخلية والخارجية ~~لتحولها إلى ما يشبه حالة الطوارئ في ما تثيره من نقاط الضعف والقوة ، وفي ~~ما تخلقه من عوامل الإثارة والتحدي ، وبذلك PageV03P120 # تتحول نتائج الامتحان من عملية اكتشاف للقدرات الذاتية إلى عملية تنمية ~~هذه القدرات وتقويتها في خطة عملية لصنع الإنسان. # * * * ### ||| ** الصابرون وعلاقتهم بالحقيقة الإيمانية # وتنطلق الآيات لتثير أمام الصابرين الذين لا تهتز مواقفهم أمام التحديات ~~، البشارة من الله من دون أن تدخل في تفاصيل البشارة في البداية ، إمعانا ~~في الإبهام الذي يثير المشاعر في عملية انفتاح على ألوان متنوعة من ألطاف ~~الله ورضوانه ، ثم تحدد لنا بعض ملامح الصابرين لتربط الصبر بالوعي للعقيدة ~~والإيمان بالله ، فلا يخضع لضغط الأمر الواقع في عملية استسلام للمصائب من ~~دون رضى واقتناع ، بل يرتفع في إيمانه ليثير في نفسه الحقيقة الإيمانية ~~الكونية التي تربط الخلق كله بالله ، فالخلق كله ملك الله ms0408 ، والإنسان هو ~~بعض من هذا الخلق الذي يملكه الله ، مما يجعلنا نحس أننا لا نملك من أمرنا ~~شيئا ، لأن الملك كله لله ، فله الحق كل الحق في أن يبتلي خلقه بما يشاء ، ~~وعليهم أن يشعروا أن في ذلك كله المصلحة كل المصلحة والخير كل الخير ، لأنه ~~الحكيم الرحيم الذي يدبر أمر عباده بالحكمة والرحمة .. # ثم يثير في نفوس هؤلاء الصابرين بعد ذلك الحقيقة الكونية الإيمانية ~~الأخرى ، وهي أن العباد سيرجعون إلى الله وستنتهي الحياة كلها ليعود الملك ~~إليه تعالى من دون أن يملك الإنسان أي نوع من أنواع القدرة على مواجهة هذا ~~المصير .. فإذا كان الإنسان ملكا لله فما معنى الاعتراض؟ وإذا كانت الحياة ~~ستنتهي بكل آلامها إلى الله ليلتقي الإنسان برضوانه وثوابه ، فما معنى ~~السقوط والجزع؟ لا بد من الصبر والرضى والقناعة بقضاء الله ليلتقي الإنسان PageV03P121 # بالله عند رجوعه إليه ليلقى عنده الرحمة والمغفرة والثواب الجزيل ، حيث ~~الصلوات التي تمثل الحنو والعطف والرأفة ، وحيث الرحمة المنسابة في مشاعر ~~الإنسان وحياته انسياب الضوء في قلب الكون ، وحيث تنطلق الشهادة التي تعبر ~~عن حقيقة إنسانية هي أن الصبر الواعي الذي يعرف قيمة الرسالة والإيمان وما ~~تتطلبه من تضحيات وآلام وما تنتجه من خير وبركات على صاحبها في الدنيا ~~والآخرة ، هو السبيل الحي للهدى كل الهدى الذي يمنح أتباعه ذلك الوسام ~~الرائع ( @QUR@03 وأولئك هم المهتدون ) الذين عرفوا الطريق من خلال الرسالة ~~، وذلك هو سبيل الذين يسيرون وعيونهم تحدق بالشمس المتدفقة بالدفء والحياة ~~والضياء (1). # ( @QUR@04 الذين إذا أصابتهم مصيبة ) من مصائب الحياة في أنفسهم وأموالهم ~~وأوضاعهم ، ( @QUR@03 قالوا إنا لله ) فنحن ملك الله من موقع أننا خلقه ، ~~فله أن يتصرف بنا كما يشاء وعلينا أن نتقبل ذلك بكل رضى من دون اعتراض ، ~~وأن نؤمن بأنه في موقع رحمته لا يريد بنا إلا خيرا مما يقربنا إلى المصلحة ~~ويبعدنا عن المفسدة ، ( @QUR@03 وإنا إليه راجعون ) فسنصير إلى الله في ~~نهاية المطاف ونتخفف من كل هذه الآلام ، فنجد عنده الخير الكثير الذي نحصل ~~فيه على كل السعادة التي ms0409 يذوب معها كل حزن وألم مما عشناه في الحياة ، ~~وبذلك لا يبقى لآلام الحياة قيمة في إحساسنا الذاتي ، لأن انتظار لقاء الله ~~في روح رضوانه ونعيم جنته يطرد كل المشاعر الذاتية الخائفة والحزينة ~~والقلقة في أجواء المصائب. وقد جاء عن الإمام علي عليه السلام في نهج ~~البلاغة : «إن قولنا : ( @QUR@02 إنا لله ) إقرار على أنفسنا بالملك ، ~~وقولنا : ( @QUR@03 وإنا إليه راجعون ) إقرار على أنفسنا بالهلك» (2). # ( @QUR@06 أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) والصلاة من الله لعباده على PageV03P122 # ما قيل الانعطاف إلى العبد بالرأفة وذلك بالمغفرة والرعاية له ، والتفريج ~~لكربته وقضاء حاجاته ، وشفاء مرضه ، مما يدخل في الحنو والتعطف الصادر من ~~الله الذي يوحي بالشمول الرعائي للعبد بكل ما يخفف عنه قلقه وحزنه ليمنحه ~~الطمأنينة الروحية في الدنيا والآخرة. وقد ورد الحديث عن صلاة الله ~~وملائكته على عباده في قوله تعالى : ( @QUR@013 هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) [الأحزاب : ~~43] وفي هذا دلالة على أن الصلاة تفتح حياة الإنسان المؤمن على النور بعد ~~أن تحاصره الظلمات لينقذه منها برأفته وعطفه وحنانه ورحمته ، وهي العطية ~~الإلهية المطلقة ، والموهبة العامة الربانية التي انطلقت من ذات الله ~~وصفاته العليا ، فأعطت الإنسان كما أعطت الكون وجوده ، وأفاضت عليه بالنعم ~~، وفتحت له أبواب الهداية ، ووجهته إلى الأخذ بأسباب السعادة للحصول على ~~رضوان الله ونعيمه في جنته ، ( @QUR@03 وأولئك هم المهتدون ) الذين اكتشفوا ~~طريق الحق وساروا فيه ، وتحملوا كل مصاعبه وآلامه ، وتقربوا إلى الله في ~~ذلك كله ليصلوا إلى مواقع القرب عنده ، ومواطن الرضى لديه ، وذلك هو الهدى ~~كل الهدى الذي لا يضل سالكه ولا يخيب المنطلق إليه. # * * * ### ||| ** ومما نستوحيه من هذه الآيات : ### ||| ** القيم الأخلاقية قوة روحية # 1 إن القرآن يعتبر القيم التي يؤمن بها الإنسان ، لونا من ألوان القوة ~~الروحية التي يمكن للإنسان أن يستثيرها ويستعين بها عند ما تثور أمامه ~~نوازع الضعف ... وبذلك يوجه الإنسان إلى أن يدرس كل خصائصه الروحية PageV03P123 # والفكرية في عملية إحصاء دقيقة ، ليعرف مقدار القوة التي يملكها في ~~مواجهة القوى ms0410 الشريرة الأخرى ، سواء في ذلك القوى المضادة الكامنة في داخل ~~نفسه كالشهوات والأطماع ، أو القوى البارزة على ساحة الصراع في الحياة. ثم ~~يمتد الموقف في إثارة إيحائية ليعرف من خلال ذلك أن القوة لا تنحصر في ما ~~تعارف عليه الناس من القوة المادية المتمثلة بالسلاح والرجال والمال ~~والمراكز وغيرها ، بل هناك القوة الروحية التي تتمثل بالقيم والتعاليم ~~الكبيرة التي يؤمن بها الإنسان في داخل ذاته ، فهي التي تحميه من نقاط ~~الضعف في نفسه ، كما تحميه من وسائل القوة التي يثيرها الآخرون ضده لتجتاح ~~إيمانه ورسالته وموقفه ، حيث تتحفز تلك القيم لتوحي له بالثبات مع الخط ~~مهما كانت السلبيات والخسائر الصعبة. # * * * ### ||| ** دور الشعور بالآخرة في تربية الوجدان # 2 إن من الأساليب القرآنية المرتكزة على أساس من العقيدة الإسلامية الحقة ~~في ما بعد الموت ، محاولة إثارة الشعور بالحياة الآخرة كحالة وجدانية في ~~نفس المؤمن ، من أجل تفريغ الفكر والقلب والوجدان من الإحساس بالخوف ~~والوحشة من ظلام الموت وهوله الذي يمنع الإنسان من الحركة في ما يعرض ~~الحياة للخطر ، وذلك في حالات الجهاد في سبيل الله ، ولا بد لنا من التركيز ~~على هذا الأسلوب لتحقيق هدفين : # الأول : تنمية العقيدة في داخل المؤمن بتعميق الإحساس بتفاصيلها ، ~~بالأسلوب الذي يجعلها حالة وجدانية كما لو كان الإنسان يواجه الموقف ~~بالإحساس البصري المباشر ، فيحولها أي القرآن الكريم عن الحالة الفكرية ~~المجردة التي قد لا تثير المواقف الحاسمة في أغلب الحالات. PageV03P124 # الثاني : التغلب على نقاط الضعف التي تثور في داخل الإنسان من خلال ~~النوازع النفسية الذاتية المتصلة بحب الحياة ، ومن خلال الأجواء الخارجية ~~التي يثيرها الآخرون في مجالات الصراع من حالات الخوف والفزع ... # وفي ضوء ذلك ، يتحرك الأسلوب القرآني في إحساس عميق بالحياة كأفضل ما ~~تكون الحياة في كل ما تجسده من المتع واللذات الحسية والمعنوية ، فيتحول ~~الموقف من حالة الهروب من الموت إلى شوق كبير له ولما يحمله من فرصة الحياة ~~الأفضل والأنقى والأصفى. # * * * ### ||| ** البلاء للمؤمن عامل تنمية واختبار # 3 التركيز على إثارة روح التحدي للبلاء والمصائب ms0411 في نفس المؤمن من خلال ~~اعتباره تجربة حية من تجارب الحياة الطبيعية بعيدا عن كل إحساس سلبي بالألم ~~والعذاب ، والنظر إليها كمظهر من مظاهر العقوبة الإلهية كما هي في عقيدة ~~بعض المؤمنين الساذجين ، وبذلك يبتعد الإنسان عن الشعور بالانسحاق أمام ~~البلاء ليكون ، بدلا من ذلك ، عامل تنمية واختبار للقوة من أجل الحصول على ~~النتائج الكبيرة في مجال تربية الشخصية الإسلامية ، وارتفاعها في منازل ~~القرب من الله سبحانه. # وهذا ما نحتاجه في الصراعات التي يخوضها العاملون في سبيل الله ضد قوى ~~الكفر والانحراف في كل المجالات ، حيث يتعرض هؤلاء لما كان يتعرض له ~~المسلمون الأولون في بدايات الدعوة الإسلامية من النقص في الأموال والأنفس ~~والثمرات ليصبروا على ذلك كما صبر أولئك ، وليحصلوا PageV03P125 # على نتائج النصر في الدنيا والسعادة في الآخرة ، لأن ذلك هو سبيل الوصول ~~إلى الأهداف الكبيرة التي يستهدفها أصحاب الرسالات السماوية. # * * * ### ||| ** علاقة الصبر بالجانب الروحي للعقيدة # 4 إن الدعوة إلى الصبر في الشدائد والأهوال لا تشبه الدعوات التي يوجهها ~~الآخرون في أساليبهم المتنوعة حيث تؤكد المعاني الإنسانية الذاتية في ~~الحديث عن النتائج السلبية والإيجابية ، بينما نجد القرآن يربط الموضوع ~~بالعقيدة ودلالتها وإيحاءاتها وعلاقة ذلك كله بالجو الروحي الذي يتطلع إلى ~~رضى الله ومحبته ورحمته ، لئلا يتجمد الإنسان في مواقفه على النوازع ~~المادية التي تربطه بالحياة الدنيا ، فيخلد إليها في استسلام مهين ، ويبتعد ~~بذلك عن أخلاقية الإسلام المتصلة بالحياة من خلال اتصالها بالله ، المرتكزة ~~على الأسلوب الإسلامي التربوي الذي يجعل الهدف الإنساني مرتبطا بالعلاقة ~~الحميمة بالله ، في سير الإنسان الأخلاقي ، الأمر الذي يدفعه إلى التغلب ~~على كل النتائج السلبية على مستوى الحياة الدنيا إذا كانت النتائج إيجابية ~~على مستوى الحياة الأخرى في رضوان الله وعفوه وغفرانه ، لتبقى الحوافز ~~الدافعة إلى الالتزام والانضباط حية قوية في مختلف الظروف والأوضاع من دون ~~الاستسلام لأية نقطة من نقاط الضعف الإنساني. # * * * PageV03P126 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله ms0412 شاكر عليم ) (158) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 الصفا والمروة ): الصفا : في الأصل الحجر الأملس ، مأخوذ من ~~الصفو ، واحده صفاة. والمروة : في الأصل الحجارة اللينة ، وقيل : الحصاة ~~الصغيرة ، وقد صارا علمين لجبلين صغيرين في مكة يفصل بينهما 430 مترا ~~تقريبا ، وارتفاع الصفا خمسة عشر مترا ، والمروة ثمانية أمتار. # ( @QUR@01 شعائر ): جمع : شعيرة ، وهي العلامة ، وشعائر الله العلامات ~~التي تذكر الإنسان بالله وتوحي إليه بالمشاعر الروحية ، وجاء في مجمع ~~البيان : «والشعائر : المعالم للأعمال ، وشعائر الله : معالمه التي جعلها ~~مواطن للعبادة ، وكل معلم لعبادة من دعاء أو صلاة أو غيرهما فهو مشعر لتلك PageV03P127 # العبادة» (1). # ( @QUR@01 حج ): الحج القصد على وجه التكرار ، وفي الشريعة عبارة عن قصد ~~البيت بالعمل المشروع من الإحرام ، والطواف والسعي ، والوقوف بالموقفين ، ~~وغير ذلك. # ( @QUR@01 اعتمر ): العمرة الزيارة ، أخذ من العمارة ، لأن الزائر يعمر ~~المكان بزيارته. وهي في الشرع زيارة البيت بالعمل المشروع. # ( @QUR@01 جناح ): الجناح : الميل عن الحق. يقال جنح إليه جنوحا إذا مال. # ( @QUR@02 أن يطوف ): الطواف الدوران حول الشيء ، ومنه : الطائف. وفي ~~الشرع : الدوران حول البيت. # ( @QUR@01 تطوع ): التطوع : التبرع بالنافلة خاصة ، والطاعة والتطوع ~~أصلهما من الطوع الذي هو الانقياد. ولعله المقصود بالكلمة هنا. # * * * ### ||| ** لقطات من التشريع # الصفا والمروة جبلان في مكة فرض الله على حجاج البيت الذين يقصدون أداء ~~فريضة الحج ، وعلى المعتمرين الذين يقصدون أداء العمرة التي يراد بها زيارة ~~البيت ضمن مناسك مخصوصة ، أن يسعوا بين هذين الجبلين. وقد كان المسلمون في ~~بداية عهد التشريع يشعرون بالحرج من ذلك ، لأنهم يرون فيه مخالفة لعقيدة ~~التوحيد في الفكر والممارسة ، لأن PageV03P128 # الأصنام كانت منصوبة عليهما كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام . حيث ~~روى عنه بعض أصحابه قال : «سألته عن السعي بين الصفا والمروة فريضة هي أم ~~سنة؟ قال : فريضة. قلت : أليس الله يقول : ( @QUR@06 فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما )؟ قال : كان ذلك في عمرة القضاء وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام فتشاغل رجل من أصحابه ~~حتى أعيدت الأصنام. قال : فأنزل الله : ( @QUR@017 إن الصفا والمروة من ms0413 ~~شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) أي : ~~والأصنام عليها» (1). # وجاء في حديث آخر يرويه صاحب الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام أن ~~المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون ، ~~فأنزل الله عز وجل : ( @QUR@014 إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه )» (2). # وفي الدر المنثور عن عامر الشعبي قال : «كان وثن بالصفا يدعى إساف ووثن ~~بالمروة يدعى نائلة ، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ~~ويمسحون الوثنين ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : يا رسول ~~الله ، إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين ، وليس الطواف ~~بهما من الشعائر! فأنزل الله : ( @QUR@03 إن الصفا والمروة ) الآية. فذكر ~~الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه ، وأنثت المروة من أجل الوثن الذي كان ~~عليه مؤنثا» (3). # وهكذا نجد أن القضية تتصل باعتبار هذه الفريضة بعيدة عن خط الإيمان ، ~~لأنها امتداد لأجواء الشرك والأصنام ، فجاءت هذه الآية لتضع PageV03P129 # القضية في موقعها الطبيعي من عقيدة التوحيد وشريعة ، لأن وجود الأصنام ~~وعدم وجودها لا يضر بذلك شيئا ما دامت العبادة مرتبطة في وعي المسلمين ~~وتفكير بالله ، ومنطلقة من أمر الله ورسوله ، كما كانت الكعبة البيت الحرام ~~مطافا للمسلمين قبل أن يفتح الله عليهم مكة مع وجود الأصنام التي نصبها ~~المشركون فيها ، لأن المسلمين لم يحسبوا لها أي حساب في طوافهم وفي ~~عبادتهم. أما إذا كانت العقدة ناشئة من أنها من شعائر المشركين ومناسكهم ، ~~فلا تضر شيئا ، لأن مناسك الحج لم تكن تشريعا جاهليا إشراكيا ، بل كانت ~~تشريعا إلهيا على يد إبراهيم عليهم السلام ورسالته ، كما نلاحظ ذلك في آيات ~~الحج وأحاديثه ، ولم يكن من الإسلام ، إلا أنه أقرها وزاد عليها بعض ~~التفاصيل. # وهكذا عرفنا أن كلمة ( @QUR@02 فلا جناح ) لا تعطي معنى الرخصة بمعنى ~~الإباحة ، بل تعني عدم الحرج في ما اعتقدوه من منافاته لخط التوحيد كتأكيد ~~لهم لعدم المنافاة. لذلك كما أشرنا إليه ، فإنها ms0414 ليست من شعائر الشرك وإن ~~نصبت الأصنام عليها ، بل هي من شعائر الله التي جعلها للمؤمنين لتكون موضعا ~~لعبادته ومقصدا للقرب إليه ، فكأنه قال إن وجود الأصنام لا يمنع من ~~العبادة. ثم ختم الله هذه الآية بأن الله يشكر للمتطوعين بفعل الخير علمهم ~~، وإن كانوا لا يستحقون على الله ذلك ، فإن الله فرض على نفسه أن يشكر ~~الطائفين والعاكفين والركع السجود ، ثم يوحي إليهم بأنه عليم بنواياهم ~~ومقاصدهم عند ما يقصدون الله في عبادتهم هذه. ويقصدون غيره. وبهذا تلتقي ~~الرغبة في عمل الخير في نفس المؤمن وإحساسه بشكر الله له على ذلك ، بالحذر ~~من وجود بعض الحالات النفسية المنحرفة التي تفسد العمل في دوافعه ونتائجه ، ~~ليقف المؤمن من ذلك موقف الإنسان الذي يفحص عمله فحصا دقيقا ، لتتم له ~~جوانبه الإيجابية التي به إلى رضوان الله وغفرانه. PageV03P130 # وقد يثير البعض ، في الجانب الفقهي من الآية ، أنها تتحدث عن التطوع الذي ~~يعني الإتيان بالعمل من خلال الحوافز النفسية من دون أن يكون هناك إلزام ~~قانوني ، فلا ينسجم مع اعتباره فريضة ، ولذا ذهب بعض فقهاء المسلمين إلى ~~استحبابه وعدم وجوبه. ولكننا نعتقد أن هذه الكلمة لا تفيد المعنى الذي ~~يقابل الإلزام ، بل المعنى الذي يقابل الإكراه والإلجاء والضغط الخارجي ، ~~فيكون معناها العمل المأتي به طواعية واختيارا كنتيجة للشعور بالمسؤولية ~~الناتجة عن الواجب إن كان هناك وجوب ، أو عن المستحب إن كان هناك استحباب ، ~~فلا تدل على نفي الوجوب ، كما لا تدل على تأكيد الاستحباب ، والله العالم ~~بأسرار أحكامه وآياته. # * * * ### ||| ** الصفا والمروة من شعائر الله # ( @QUR@03 إن الصفا والمروة ) وهما الجبلان الصغيران الواقعان في الضلع ~~الشرقي للمسجد الحرام في الجهة التي يقع فيها الحجر الأسود ومقام إبراهيم ( ~~@QUR@03 من شعائر الله ) التي أراد الله للمؤمنين أن يتعبدوا فيها ، فجعلها ~~من مواضع نسكه وطاعته ، ومن أعلام متعبداته التي يعيش فيها المؤمنون ~~الأجواء التي تنفتح بهم على الله في مواسم عبادته ( @QUR@03 فمن حج البيت ) ~~قاصدا أداء الفريضة الشرعية ذات المناسك المخصوصة ، ( @QUR@02 أو اعتمر ) ~~أي أتى بالعمرة بالطريقة المعروفة ms0415 في الشرع ، ( @QUR@06 فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ) بأن يأتي إلى الصفا تارة وإلى المروة أخرى في عملية دوران ~~بينهما ، فلا إثم عليه في ذلك من خلال وجود الصنمين عليهما ، في عهد نزول ~~الآية كما يقال مما تركه المشركون هناك ولم يرفعوه عن المكان ، أو في أي ~~زمان آخر من خلال التاريخ الوثني في PageV03P131 # عبادة الأصنام المنصوبة عليهما ، لأن المسألة هي إطاعة الله في الطواف ~~بهما تقربا إليه في مناسك الحج والعمرة التي جعلت السعي شرطا فيهما ، تماما ~~كما كان المسلمون يطوفون بالبيت الحرام مع وجود الأصنام عليه من دون أن ~~يترك ذلك تأثيرا على طبيعة العبادة وروحيتها لتقومها بالقصد إلى امتثال ~~الأمر الإلهي في الطواف ، أو السعي بعيدا عن كل الأشياء الوثنية الطارئة ~~عليه ، وعن الانحرافات العبادية من الوثنيين ، فليس لما أحدثه الناس في ~~أماكن العبادة أي أثر سلبي في طبيعة المكان وفي العبادة. # ( @QUR@03 ومن تطوع خيرا ) أي جاء بالعمل من خلال اختياره الامتثال للأمر ~~الإلهي واجبا أو مستحبا كتعبير عن روحية الانقياد إلى الله في فعل الخيرات ~~التي يحبها الله ، والقيام بالطاعات التي أمر بها ، وربما حمل البعض كلمة ~~التطوع على العمل الذي يؤديه الإنسان تبرعا من دون إلزام إلهي ، وذلك في ~~فعل النافلة بعد أداء الواجب أو في غياب وجوبه ولكنه غير ظاهر ، لأن الآية ~~، كما بينا قبلا ، ليست في مجال الحديث عن الواجب والمستحب ، بل في مجال ~~الحديث عن الطبيعة العبادية للسعي الذي لا إثم على فعله من خلال ما أحدثه ~~المشركون من وضع الأصنام على موقعه وعبادتهم لها فيه ، وأن الآتي به مستحق ~~للثواب لما يعبر عنه ذلك من معنى العبودية لله التي هي محل الشكر الإلهي ~~لعبادة ، ( @QUR@04 فإن الله شاكر عليم ) فهو الذي يشكر لعباده انقيادهم له ~~من دون حاجة إليه ، ويجزيهم على ذلك أحسن الجزاء ، وذلك هو التعبير الحي عن ~~الشكر الذي هو مقابلة من أحسن إليه بإظهاره قولا وعملا ، وهو الذي يعلم ما ~~في نفوسهم من الإخلاص له. # * * * PageV03P132 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 إن الذين يكتمون ms0416 ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) @QUR@011 إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) (160) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يكتمون ): الكتمان : ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه ، وحصول ~~الداعي إلى إظهاره ، وما لم يكن كذلك لا يعد كتمانا. # ( @QUR@01 البينات ): جمع : بينة ، وهي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو ~~حسية ، والمراد بها هنا كما قيل الآيات الشاهدة على أمر محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@01 والهدى ): الهداية : دلالة بلطف. وهو الخط الذي يمثل وعي ~~الفكرة في امتدادها في حياة الإنسان ، وانفتاحها على الخط المستقيم. # ( @QUR@01 ويلعنهم ): اللعنة : الإبعاد عن الرحمة. PageV03P133 # ( @QUR@01 تابوا ): التوبة : هي الندم الذي يقع موقع التنصل من الشيء ، ~~وذلك بالتحسر على مواقعته ، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة. # ( @QUR@01 وأصلحوا ): إصلاح العمل : هو إخلاصه من قبيح ما يشوبه. # ( @QUR@01 وبينوا ): التبيين : هو التعريض للعلم الذي يمكن به صحة ~~التمييز. # * * * ### ||| ** الحقيقة أمانة الله لدى العلماء # ربما يكون المقصود بهؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله ، أهل الكتاب أو ~~اليهود منهم خاصة ، كما في بعض الأحاديث المأثورة أو التفاسير المتنوعة ، ~~كما عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأكثر أهل العلم. ولكن الآية لا ~~تتجمد عند النماذج التي نزلت فيهم أو انطلقت منهم ، لأن أسباب النزول تعتبر ~~منطلقا للفكرة من خلال النموذج الحي في عصر نزول الآية ، لتتحرك الفكرة من ~~خلال الواقع الذي يقتحم على الناس حياتهم في نطاق المشكلة الحية البارزة. ~~وفي ضوء ذلك ، نقرر أن الآية واردة لتقرير المبدأ العام الشامل لكل الناس ~~الذين يملكون المعرفة بحقائق الأشياء ، وآفاق البينات ، وسبل الهدى ، في ما ~~بينه الله للناس في كتابه ، سواء كان من الكتب الأولى التي أنزلت على ~~إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ، أو كان المراد به الكتاب الأخير الذي هو ~~القرآن ، فإن الإنسان الذي يملك المعرفة يحمل مسئوليتها أمام الله بأن ~~يبينها للناس إذا طلبوها منه ، أو إذا غفلوا عنها فلم يلتفتوا إليها ، فلا ~~يجوز له أن يخفيها عنهم أو يكتمها ، لأن في ذلك ms0417 إخفاء للحقيقة ، وكتمانا ~~للرسالة ، مما يوجب وقوع الناس في الضلال أو انحرافهم عن خط الحق وضياعهم ~~في متاهات الجهل والحيرة. وهذا مخالف للسنة الإلهية التي درجت على إرسال ~~الأنبياء ، وإنزال الكتب ، ليفتحوا عيون الناس وقلوبهم على الحقيقة ، PageV03P134 # وليخططوا لهم درب الحياة على أساس المنهج الواضح المستقيم. ولما كانت ~~أعمار الأنبياء محدودة ، وكانت وسائل وصول الرسالات والكتب السماوية مرتبطة ~~بالظروف الموضوعية التي تتحرك فيها الرسالات ، كان لزاما على أتباع ~~الأنبياء والرسالات أن يحملوا هذه الأمانة التي حملها الأنبياء ، ويبلغوها ~~من جيل إلى جيل لتتصل الحلقات في سلسلة واحدة ، ولترتكز المراحل المتعددة ~~على أساس خطة ثابتة ممتدة ، ولتتحرك الحياة في خطوات الرسالات خطوة خطوة. ~~ولولا ذلك لماتت الرسالات بموت أصحابها ، إذا لم تسمح الصدفة بانطلاقة مصلح ~~أو متحمس تدفعه نزعته الإصلاحية أو حماسته الإيمانية إلى حمل الرسالة من ~~جديد ، وهذا هو ما توحي به الآية الكريمة. # * * * ### ||| ** لعنة الله على كاتمي بيناته # ( @QUR@07 إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ) الدالة على نبوة النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى كل الحقائق العقيدية والشرعية والمنهجية ، ~~التي أراد الله للناس أن يعتقدوها ، أو يعملوا بها ، أو ينفتحوا عليها ، ~~مما يمثل صلاح دنياهم وآخرتهم ، ( @QUR@01 والهدى ) وهو الخط الذي يمثل وعي ~~الفكرة في امتدادها في حياة الإنسان وانفتاحها على الخط المستقيم ، الذي ~~أنزله الله على رسله ( @QUR@07 من بعد ما بيناه للناس في الكتاب )، وهو ~~التوراة والإنجيل ، وقيل : في الكتب المنزلة من عند الله الشاملة للقرآن ، ~~فإن القضية المطروحة لدينا هي أن الوحي يبين الحقيقة للناس ليحملوها ~~ويبلغوها إلى من حولهم ومن بعدهم حتى تنتشر في الوجدان العام للناس من جيل ~~إلى جيل ، لأن الله لم ينزل وحيه لجماعة معينة أو لمرحلة معينة ، بل أنزله ~~للحياة كلها في كل زمان ومكان. PageV03P135 # ولا معنى لأن تكون القضية خاضعة لسؤال السائلين وفحص الباحثين ، لأن ~~الناس قد يخضعون لغفلة مطبقة أو لتوجيه سيئ يبعد التفكير عن مساره الطبيعي ~~بما يثير من قضايا أو يواجه من علامات الاستفهام ، ولهذا فإننا نعتقد ms0418 أن ~~مسئولية العلماء بالله وبشريعته الإسلامية كبيرة جدا في مجالات التبليغ ~~الإسلامي ، تبعا للحجم الذي يمثلونه في المعرفة العلمية وفي المساحة ~~الإعلامية التي يملكونها في حياة المجتمع ، وفي القوة الاجتماعية التي ~~يستطيعون أن يستخدموها في مجال الدعوة إلى الله ، ولا سيما في الحالات التي ~~يتعرض فيها الفكر الإسلامي أو الشريعة الإسلامية للخطر من قبل أعداء الله ، ~~فإن الاستسلام للاسترخاء الفكري والعملي الذي يغريهم بالبحث عن المبررات ~~للتقاعس عن الانطلاق ، ولكتمان الحق عمن يحتاجه من الجاهلين والغافلين ، ~~يعتبر خيانة للإسلام وللمسلمين ، ومصداقا لقوله تعالى في هذه الآية ، ( ~~@QUR@03 أولئك يلعنهم الله ) وذلك بأن يبعدهم عن رحمته ويطردهم من ساحة ~~رضوانه. # ( @QUR@02 ويلعنهم اللاعنون ) بالدعاء عليهم بإبعاد الله لهم عن الرحمة ، ~~لأن ذلك هو الذي تقتضيه خيانتهم لأمانة المعرفة الرسالية من خلال ما توحيه ~~من ابتعادهم العملي عن خط المسؤولية ورغبتهم عن مواقع رضوانه ، واستهانتهم ~~بالرسالة التي يريد الله لها الانتشار والشمول في الناس جميعا. # وقد يؤكد ذلك الحديث الشريف المأثور : «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر ~~العالم علمه وإلا فعليه لعنة الله ...» (1). وجاء عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : «قرأت في كتاب علي عليه السلام : إن الله لم يأخذ على ~~الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال ، PageV03P136 # لأن العلم كان قبل الجهل» (1). وجاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ~~«من كان عنده علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» (2) وهو قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ). # * * * ### ||| ** الله يقبل من التائبين توبتهم # وقد جاءت الآية الثانية لتوحي للسائرين في هذا السبيل بالتراجع عن هذا ~~الخط المنحرف وبالعودة إلى الله والتوبة عن هذا الخطأ الكبير ، وذلك بالسير ~~من جديد في طريق الإبلاغ والدعوة والبيان ، ولتعرفهم أن الله يتقبل ~~التائبين الصالحين المصلحين ، فيقبل توبتهم ويجزل ثوابهم على العمل الصالح ~~الجديد ، لأنه التواب الذي لا يحرم أي تائب من قبول التوبة ، ولا يمنع أحدا ~~من رحمته التي سبقت غضبه وأحاطت بكل شيء. # ( @QUR@03 إلا الذين تابوا ) وأنابوا ms0419 إلى الله ، وغيروا ، وبدلوا ، ~~وبدأوا بحمل الرسالة والدعوة إليه تعالى ، ( @QUR@01 وأصلحوا ) أمرهم في ~~سرهم وعلانيتهم ، فكان الصلاح في النية والعمل هو الطابع الجديد للحياة ~~التي يعيشونها ، ( @QUR@01 وبينوا ) للناس الحقائق الإلهية التي كتموها ~~وانطلقوا من جديد في خطوة تصحيحية ليكونوا الدعاة إلى الله ، الأدلاء على ~~دينه ، القادة إلى سبيله ، ( @QUR@03 فأولئك أتوب عليهم ) فأغفر لهم ما ~~أسلفوه من الذنوب ، ( @QUR@02 وأنا التواب ) على المذنبين ( @QUR@01 الرحيم ~~) للخاطئين المنيبين. PageV03P137 ### ||| ** المعرفة مسئولية لا امتياز # وهكذا نقف في هاتين الآيتين على أحد المبادئ الإسلامية التي تعتبر ~~المعرفة مسئولية وليست امتيازا ، وتدعو الناس إلى أن يخلصوا لهذه المسؤولية ~~بالعمل على أن تتحرك المعرفة في كل المجالات الإنسانية ، فلا إخفاء لحقيقة ~~ولا كتمان لأي حق ، بل هو الوضوح الكامل من خلال الدعوة الشاملة ، والله ~~العالم. # * * * PageV03P138 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين (161) @QUR@09 خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينظرون ) (162) # * * * ### ||| ** الكفر انحراف لا موقف فكري # إن الكفر في نظر الإسلام لا يرتكز على حجة ، بل يمكن أن يخضع في بعض ~~الحالات إلى شبهة طارئة ، أو شك سريع مما يمكن معه الوصول إلى قناعة تزيل ~~الشبهة وتذهب بالشك ، وذلك من خلال الفكر الهادىء العميق ، والحجة العقلية ~~القوية ، وفي ضوء ذلك يعتبر الكافرون الذين يستمرون على الكفر حتى يموتوا ، ~~من المعاندين المتمردين الذين لا يريدون أن يواجهوا القضية من موقع البحث ~~والتحليل الذي يقود إلى الإيمان ، لأنهم لا يشعرون بأهمية قضية الإيمان ~~والكفر في حياتهم. # ثم إنها من القضايا التي تتصل بموقف الإنسان من الله خالق الحياة في ~~الكون والإنسان ، وبشكر نعمه من خلال السير في خطه المستقيم ، وليست من ~~القضايا الطارئة التي تقف على هامش حياة الإنسان ، وليست من القضايا PageV03P139 # الفردية التي تتصل بحياة الإنسان كفرد ، بل هي من القضايا العامة التي ~~تبني المجتمع أو تهدمه ، مما يجعل من الاستهانة بها دليلا على الاستهانة ~~بالحياة العامة للناس. وفي هذا النطاق ، نجد الكافرين بالله يحملون في ~~شخصيتهم الكفر بالنعمة إلى جانب الكفر بالله ms0420 ، ويعيشون اللامبالاة بقضايا ~~الحياة من خلال طبيعة اللامبالاة التي يواجهون بها قضايا الإيمان. # ومن هذا المنطلق ، كانت هذه الآية نذيرا للذين يكفرون ولا يتراجعون عن خط ~~الكفر بل يموتون وهم كفار ، بأنهم يواجهون اللعنة من الله والملائكة والناس ~~أجمعين ، جزاء لما يتضمنه الكفر من الإساءة إلى قداسة الله وقيمة الحياة ~~والإنسان. ولا تكتفي الآية الثانية بهذا المقدار من الجزاء الذي تضمنته ~~الآية الأولى ، بل تؤكد خلودهم في النار حيث يلاقون العذاب الشديد الذي لا ~~يخفف عنهم منه شيء ، ولا يمكن أن يعطوا مهلة يقدمون فيها الاعتذار ، لأن ~~عظمة الجريمة لا تسمح بذلك. # * * * ### ||| ** كفر الجحود لا حجة له يركن إليها # ( @QUR@06 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) من دون حجة على كفرهم ، لأن ~~الكفر المتمثل بالجحود والتكذيب لا يملك أية حجة علمية أو عقلية ، فليس ~~هناك أي أساس للنفي الفكري للألوهية أو للرسول ، بل كل ما هناك مما قد يحصل ~~لبعض الناس ، الشك الذي يمنع الإنسان من أن يدين بدين الحق لعدم تبينه له ~~وثبوته عنده ، فيكون حاله حال الذين لا يجحدون بالحق ولا يؤمنون به. # وفي ضوء ذلك ، كان الكفر المعاند دليلا على إرادة العناد والتمرد ~~والمواجهة للحق ، وهكذا يكون المراد بالكافرين المكذبين المعاندين الذين PageV03P140 # يتعمدون الإيحاء بواقعية الباطل في خط الكفر ، وبطلان الحق في خط الإيمان ~~، كما يعملون على إخفاء ما يعلمونه من الحق إمعانا في التضليل والتخريب ~~والتشويه ، وبهذا لا يتحول موقفهم إلى موقف فكري مضاد ، بل يتحول إلى موقف ~~عدواني ضاغط على الواقع كله ، إيحاء وعملا ، الأمر الذي يبلغ فيه مستوى ~~الجريمة التي يستحق صاحبها اللعن الحاسم : ( @QUR@07 أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ) لأنهم ابتعدوا عن الله فأبعدهم عن رحمته ، ~~وانحرفوا عن الحق الذي قامت السماء والأرض عليه ، وانطلقت الملائكة في ~~تسبيحها وتقديسها من خلاله ، وفطر الناس على السير عليه ، والأخذ به ، كشرط ~~لسعادتهم في انتظام حياتهم ، وتوازن وجودهم ، لذلك كانت لعنة الملائكة ~~والناس أجمعين مسألة طبيعية في هذا الواقع الكافر ، ( @QUR@02 خالدين فيها ~~) في اللعنة التي تختزن ms0421 العذاب في مضمونها العملي على مستوى النتائج ، ~~وتوحي به ، ( @QUR@07 لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) فليس هناك أية ~~مهلة للاعتذار أو للتبديل والتغيير. # * * * PageV03P141 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@09 وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) @QUR@043 ~~إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون ) (164) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 واختلاف الليل والنهار ): بالذهاب والمجيء ، والزيادة ~~والنقصان. # ( @QUR@01 والفلك ): السفينة والسفن ، تطلق على المفرد والجمع. # ( @QUR@01 وبث ): نشر وفرق فيها. # ( @QUR@01 دابة ): كل ما دب من الحيوان على الأرض ، وغلب على ما يحمل ~~ويركب عليه. PageV03P142 # ( @QUR@02 وتصريف الرياح ): تقليبها جنوبا وشمالا ، حارة وباردة ، ~~وتوجيهها إلى الجهات المطلوبة. # ( @QUR@01 والسحاب ): الغيم. # ( @QUR@01 المسخر ): المذلل بأمر الله تعالى ، يسير إلى حيث شاء الله. # * * * ### ||| ** توحيد الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 وإلهكم ) الذي خلقكم ورزقكم وأبدع الكون كله وأوجده من العدم ، ~~ومنحه نظامه البديع في دقته ، المتنوع في أشكاله وألوانه وخصائصه وآثاره ، ~~وجعل الفطرة الكامنة في وجودكم العقلي والروحي دليلا عليه وعلى وحدانيته ، ~~( @QUR@02 إله واحد ) لا مجال لتعدده في الاثنينية التي قد يعتقدها البعض ، ~~أو في الآلهة التي قد يتصورها بعض آخر بأنها الوحدة التي لا تقبل التجزئة ~~ولا يمكن أن تنفتح على حركة العدد في امتداده ، بل تنفتح على أعمق أعماق ~~معنى الوحدة في العقل والإحساس والوجود. # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فهذه هي الحقيقة التفصيلية للتوحيد التي لا بد ~~لكل مؤمن من أن يختزنها في وجدانه الإيماني من أجل نفي الألوهية عن كل ما ~~يعتبره الناس إلها ، أو ما يمكن أن يمنحوه هذه الصفة في المستقبل ~~كاستغراقهم في خصائص الموجودات الذاتية مما تمثل فيها من عناصر العظمة التي ~~توحي إليهم بالاعتقاد المنحرف ، والتصور المشرك ، وإثبات الألوهية لله وحده ~~في تعينه في ذاته ، بحيث تنفي وحدته غيره من دون حاجة إلى نفي الغير بطريقة ~~خارجية. PageV03P143 # ( @QUR@02 الرحمن الرحيم ) الذي أوجدكم برحمته ، وأنعم عليكم بنعمه ms0422 ، ~~وهداكم إلى الحق بهدايته ، ووعدكم برضوانه وجنته على امتداد الوجود كله. # وهذا هو التصور الإنساني للتوحيد في مضمونه الذاتي في معنى الله ، وفي ~~حركته العامة في مواجهة الآلهة المدعاة معه ، أو من دونه ، للدخول في عملية ~~مقارنة بين الله وبين الآخرين للوصول إلى النتيجة الطبيعية في احتقارهم في ~~حجم وجودهم ، وفي قدراتهم الذاتية ، وفي كل ما يتمثل فيهم ، أمام عظمة الله ~~المطلقة ، فيتخفف الإنسان من الشعور بأية علاقة كبيرة بهم من خلال المعرفة ~~العقلية والشعورية بأنهم مجرد موجودات عادية لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ~~إلا بالله ، وهذا ما جعل شهادة التوحيد ممثلة بكلمة «لا إله إلا الله» دون ~~غيرها من الكلمات. # * * * ### ||| ** الحقيقة الإلهية بأجلى تعبيراتها # إن الآية تطرح الحقيقة الإلهية ببساطة وعفوية ، لا مجال فيها للتكلف ~~والتعقيد ، فها هي وحدانية الله تبرز واضحة جلية لكل من كان له فكر ونظر ، ~~عند ما يدرس وحدة النظام الكوني وتناسقه ووحدة الرسالات السماوية وارتكازها ~~على قاعدة واحدة ، وضعف القوى المنتشرة في الكون وسيرها إلى الفناء مما لا ~~يجعل لأية قوة مجالا للاستعلاء الذي يرتفع إلى مستوى الألوهية. أما رحمته ~~تعالى ، فإنها تنساب في كل مظهر من مظاهر النعمة والرعاية والعناية ~~بالإنسان ، وفي كل ما يحيط به من أوضاع تتصل بحياته ومماته ، ويقظته ومنامه ~~، وأكله وشربه ، وملبسه وملذاته ، وهكذا فإنها تعطي الصورة الواضحة على ~~انطلاق الخلق كله من موقع الرحمة التي تريد PageV03P144 # أن تبني الإنسان على أساس الرحمة ليعمل الناس على الوصول إلى هذا الهدف ~~الكبير في نهاية المطاف. # * * * ### ||| ** القرآن والمنهج الفكري للإنسان # وتأتي الآية الثانية حاملة دعوة إلى العقل لأن يتحرك في أجواء الكون ~~ليكتشف الله من خلال اكتشافه لأسرار خلقه ، وتأكيدا على أن قضية الإيمان هي ~~قضية عقل وفكر لا قضية مزاج وعاطفة ، وإشارة ذكية موحية بأن غفلة الناس عن ~~الله وابتعادهم عن سبيله ينطلقان من تعطيل العقل عن الحركة في اتجاه ~~المعرفة بالابتعاد عن الأجواء والوسائل الطبيعية للمعرفة والإيمان ، ولا ~~يرتبطان بواقعية الفكرة المضادة وقابليتها للامتداد في وجدان الإنسان ~~كحقيقة ms0423 فكرية حاسمة. # * * * # ونلاحظ في تفسير هذه الآية عدة ملاحظات : ### ||| ** حركة العقيدة في الظواهر الطبيعية : # 1 إن الملحوظ في مفردات القضايا والظواهر التي أثارتها الآية الكريمة ~~أمام الإنسان هو أنها تواجه الناس في حياتهم اليومية ، فتلفت أنظارهم بشكل ~~طبيعي ، إلى أن الطريق إلى معرفة الله لا يتوقف على الاستغراق في الأجواء ~~الفلسفية المجردة التي تبتعد بالإنسان عن حياته ، ليضيع في متاهات الفرضيات PageV03P145 # المتنوعة والأساليب المتضادة ، ولا يخضع للانطلاق إلى أجواء بعيدة عن ~~أجوائه الطبيعية المادية ، بل كل ما هناك هو الالتفات الواعي إلى ما حوله ~~من ظواهر الطبيعة ومفردات الحياة التي تحيط به. # ( @QUR@04 إن في خلق السماوات ) التي ترتفع فوقه بكل ما فيها من كواكب ~~ونجوم خاضعة لنظام دقيق محكم رائع ، يدركه الناظر إليه بعفوية في ما يشاهده ~~من نتائجه وظواهره المتصلة بحياته في نظام الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب ~~، ويعرفه المتأمل الباحث الذي يعرف ما وراء هذه الظواهر من قوانين طبيعية ~~حكيمة تضع كل شيء في موضعه ، وتعطي كل قضية أسبابها ، ( @QUR@01 والأرض ) ~~التي يعيش الإنسان عليها في ما يتمثل فوقها من أسباب الحياة ، وفي ما يكمن ~~في أعماقها من الطاقات التي تساهم في نمو الحياة واستمرارها في ما تحشده من ~~شروط الحياة للإنسان في نظام دقيق يعيش الإنسان عظمته من خلال مشاهداته ~~ومعاناته وإحساساته العميقة التي تقتحم عليه كيانه ، لتوحي له بعظمة الخالق ~~الذي يصنع ذلك كله. # ( @QUR@03 واختلاف الليل والنهار ) في الزيادة والنقصان ، ( @QUR@08 ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) والقوانين التي تحكم مسيرة ~~الفلك في البحر ، وهي التي تحمل ما ينتفع به الناس في معاشهم ، ( @QUR@012 ~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها )، الماء الذي ~~ينزل من السماء ليرتوي به الإنسان في شرابه ، وترتوي به الأرض من خلال ما ~~يتساقط عليها ، وما يختزن في أعماقها مما تتفجر منه الأنهار والينابيع ، ( ~~@QUR@05 وبث فيها من كل دابة )، والدواب التي بثها الله في الأرض مع ~~اختلاف أنواعها وأدوارها ومنافعها ، ( @QUR@07 وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض )، أما ms0424 تصريف الرياح فهو تحريكها وتفريقها في ~~الجهات بين حارة وباردة ، ولينة وعاصفة ، وعميقة ولاقحة ، تبعا للحكمة ~~الإلهية التي تحركها من خلال مصلحة النظام الكوني في حاجات الأرض والإنسان ~~والحيوان والنبات والبحار والأنهار ، أما حركة السحاب المسخر بين PageV03P146 # السماء والأرض فإن لها أكثر من سر ومنفعة في النظام العام للحياة. # وهكذا نجد أن في هذه الظواهر الكونية ( @QUR@03 لآيات لقوم يعقلون ) من ~~خلال ما يدركه العقل من دلالتها على الله ، فكأن الآية تريد أن تقول لنا : ~~إن بإمكانكم اكتشاف الله في ما تشاهدونه من آياته التي لو فكرتم بها بما ~~أوتيتم من عقل لوصلتم إلى النتيجة الحاسمة وهي الإيمان بالله. # إن التفكير بالله والوصول إليه لا يكلفكم جهدا في السفر والتنقيب في ~~الأرض أو النزول إلى أعماق البحار ، أو الصعود إلى آفاق الفضاء ، بل يكفيكم ~~التعامل مع حياتكم اليومية ، لتفكروا في ما يمر أو يحيط بكم ، لتكتشفوا ~~الله الذي يطل عليكم من خلال ذلك ، بحكمته ورحمته وعظمته ، حيث يقودكم ~~الفكر العميق إلى أن الصدفة لا يمكن أن تصنع نظاما ، وأن القوة العمياء ~~الجامدة لا يمكن أن تخلق عقلا ورؤية وامتدادا ، وأن الموت الراقد في أعماق ~~العدم لا يفجر الحياة ، بل لا بد من العقل المنظم القادر الحكيم الذي يبعث ~~ذلك كله في قدرته التي لا يعجزها شيء مهما كان عظيما. # * * * ### ||| ** الأسلوب التربوي للدعوة في الآية # 2 إننا نستطيع أن نأخذ من الآية أسلوبا عمليا في التربية ، وخلاصته أن ~~ينطلق الدعاة إلى الله في دعوة الناس إلى التفكير من خلال حياتهم العامة في ~~كل تفاصيلها اليومية لجعلهم يفكرون به في كل نعمة يعيشونها ، أو ظاهرة ~~يشاهدونها ، أو قانون طبيعي أو حياتي يلمسونه في حياتهم ، فذلك هو السبيل ~~الأمثل للوصول إلى قناعاتهم الفكرية والروحية بواقعية وعمق وصفاء ، بعيدا ~~عن كل الحذلقات الفلسفية المعقدة ، لأن الإنسان يحب أن يتعامل مع الأشياء PageV03P147 # الحسية التي تحيط به أو تكون قريبة من حياته. # ولعل قيمة هذا الأسلوب تتمثل في فكرتين : # الأولى : إننا نربط وجود الله بكل ما يحيط ms0425 بنا ، فيكون كل شيء في الكون ~~دليلا على وجوده. # الثانية : إننا لا نشعر بابتعاد الله عنا ، فنحس بالجو الحميم الذي ~~يغمرنا بروح الله ، والسر في ذلك أنك عند ما تريد إثبات وجود الله من خلال ~~أشياء بعيدة عن حس الإنسان ووعيه وحياته ، فكأنك توحي له بأن الله حقيقة لا ~~تدرك ، ولا يمكن أن تقترب من حياته ، ككل شيء عظيم عميق مقدس يحوطه الغموض ~~من كل جوانبه ، فلا تشعر به إلا كما تشعر بالأشياء البعيدة في الأفق الغارق ~~في الضباب ... أما إذا ربطته بالفكرة من خلال حياته اليومية ، فإنه سيشعر ~~بوجوده معه في كل التفاصيل التي تمر به ... وبهذا ، لا تقتصر النتائج على ~~حصول الإيمان بالله كعقيدة تعيش في الوجدان ، بل هناك الشعور بحضور الله في ~~حياته ، وهذا ما يهدف إليه الإسلام في ما نعتقد ، أن لا يبقى وجود الله ~~مجرد فكرة كامنة في وعي الإنسان ، أو إيمان ساذج مستقر في قلبه ، بل يتحول ~~إلى فكرة في العقل ، وإحساس في المشاعر ، وحضور قوي مهيمن في الحياة ~~والوجدان. # * * * ### ||| ** الآية لا تفرض فكرا بل تخطط له # 3 إن هذه الآية تمثل خطا واضحا في المنهج الفكري الذي يريد الإسلام أن ~~يصنعه للإنسان في محاولته الدائمة للوصول إلى الحقيقة ، فقد لا نجد في ~~القرآن الكريم الكثير من التحليل والتفصيل لأسرار الكون وقوانين PageV03P148 # الخلق ، التي تضع فكر الإنسان في قوالب جاهزة من الفكر العلمي في أسلوب ~~يعتمد على التلقين الجامد الذي لا يحرك الفكر إلا بمقدار ما يطوف بالفكرة ~~المطروحة ، بل كل ما نجده في الغالب من آياته ، أنه يدعو إلى التفكير ~~والتدبر والتأمل واستثارة الطاقات الحسية والعقلية من أجل أن تسير في ضمن ~~الاتجاه السليم الذي يصنع للمعرفة ظروفها الطبيعية ، وآفاقها الواسعة ، ~~ووسائلها الصحيحة ، لتفود الإنسان إلى تحصيل الحقائق التفضيلية للحياة ~~بنفسه ، في ضمن أفكار متعددة ، ونظريات متنوعة ، تتحفز للصراع في مجال ~~البحث ، لتكون النتيجة للفكرة التي تملك الحجة الأقوى. # وبهذا استطاع الإسلام أن يبني للإنسان فكره على أساس من الاستقلال ~~والحرية ، والثقة بقدرته ms0426 على الإبداع والاكتشاف والامتداد ، فأوحى له أن ~~المساحات التي يمكنه التحرك فيها لا تنحصر في حدود ضيقة ، بل تتسع لكل ~~جوانب الحياة في ظواهرها الكونية والإنسانية والحياتية ، وليس عليه إلا أن ~~يعرف كيف يسير على المنهج الإسلامي المتكامل الذي لا يطرح أمام الإنسان إلا ~~شعار التفكير الذي يعيش مسئولية المعرفة بالتزام وإيمان. # * * * ### ||| ** هل نشأت الأديان من جهل الإنسان؟ # 4 إن بعض الناس من الباحثين في تاريخ نشأة الأديان ، يحاولون أن يرجعوا ~~بتاريخها إلى بدايات وجود الإنسان ، ويعودوا بأسبابها إلى الجهل بقانون ~~السببية في الكون الذي يرجع كل ظاهرة إلى أسبابها الطبيعية ، مما دعا ~~الإنسان الأول إلى أن يخترع في وهمه ، وجود قوى غير منظورة خارج PageV03P149 # نطاق الطبيعة ، فيعتبرها السبب الأعمق لوجود الكون ، وأدى هذا الاتجاه ~~إلى اعتبار القوى الخفية أساسا لكل ظاهرة من الظواهر. # وخلاصة هذه الفكرة : أن فكرة الله انطلقت من الجهل بالأسباب الطبيعة ~~للكون. ويرون ، من خلال ذلك ، أن الاكتشافات التي توصل إليها الإنسان ~~فاستطاع أن يعرف من خلالها القوانين الطبيعية التي تحكم الأشياء ، تلغي ~~مبدأ الحاجة إلى هذه الفكرة ، لأنها أجابت عن كثير من الأسئلة الغامضة التي ~~كانت تشغل تفكير الإنسان وتدعوه إلى فرضيات ما وراء الطبيعة ، فلا حاجة إلى ~~جواب الغيب بعد أن حصل الإنسان على جواب الحس والواقع. ولكن ، ما صحة هذه ~~النظرية؟ # للإجابة عن ذلك نثير الأسس الفكرية من زوايا ثلاث : # 1 أما الناحية التاريخية. 2 الأسس الفكرية للإيمان بالله. 3 أسلوب القرآن ~~في معالجة الإيمان. وسنرى أننا سنصل إلى خطأ هذه النظرية التي ألمحنا إليها. # * * * ### ||| ** التحليل الشامل للفكرة # 1 أما الناحية الأولى ، فإننا نجد الوحدانية التي تتمثل في عقيدة التوحيد ~~سابقة على الوثنية في ما يوحيه تاريخ الديانات من جهة ، وفي ما يراه بعض ~~الباحثين في نشأة الدين من جهة أخرى. ونلاحظ في هذا المجال ، أن الإنسان في ~~مراحله المتقدمة كان لا يجهل كل أسرار الكون ، بل كان يعرف بعضها في ما ~~استطاع أن يخوضه من تجارب عملية وأفكار عقلية ، فلم يمنعه ذلك ms0427 من الإيمان ~~بالله ، أو السير بعيدا في خطى هذا الإيمان ، ثم نلاحظ مراحل نمو PageV03P150 # المعرفة الإنسانية ، وازدهار عصر الفلسفة ، وتقدم الفكر الإنساني في ~~مجالات الحياة ، فنجد أن قضية الإيمان كانت تقدم تبعا لتقدم الفكر وتطور ~~المعرفة ، وهو ما يعني أن القضية لا تتعامل مع الجهل ، بل تتحرك في مواكب العلم. # وجاء عصر الاكتشافات العلمية ، التي استطاعت أن تضع أقدام الإنسان على ~~سطح الكواكب ، وبقي الإيمان يفرض نفسه على تفكير كثير من هؤلاء العلماء ~~الذين سجلوا الكثير من الاكتشافات العلمية ، أو ساعدت نظرياتهم على هذه ~~الاكتشافات ، ما يعني أن اتساع نطاق التجربة ، وسعة أفق المعرفة ، لا يغلق ~~على الفكر باب الإيمان ، بل يفتحه على أوسع آفاقه ، لدرجة نستطيع معها ~~تقرير فكرة حاسمة محددة ، وهي أن تحول الجهل إلى علم ، قد يرفع قيمة ~~الإيمان ومستواه وإمكانياته لدى العلماء ، لأنه يمنحهم وسائل جديدة وأدوات ~~جديدة للتجربة الحية والفكر الواسع. # 2 وأما من الناحية الثانية التي ترتبط بالأسس الفكرية للإيمان ، فإننا ~~نلاحظ أن الإلهيين الذين قالوا بوجود قوة وراء الطبيعة ، انطلقوا من الأدلة ~~العقلية القطعية المرتكزة على أساس أن الأسباب الطبيعية للوجود لا يمكن أن ~~تكون نهائية ، بل لا بد من أن تنتهي إلى السبب الأعمق ، لأنها لا تحمل بذور ~~الحتمية في داخلها ، بل تتصارع فيها قابلية الوجود والعدم ، من دون وجود ~~مرجح ذاتي لأحدهما على الآخر ، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى علة خارجة عنها ~~من أجل أن ترجح جانب الوجود على العدم ، ويظل عنصر الحاجة هو الأساس الذي ~~يحكم قانون تسلسل العلل والمعلولات حتى ينتهي إلى العلة التي تحمل بذور ~~الحتمية في الداخل ، وهي التي نعبر عنها ب «واجب الوجود». # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن العلماء الذين آمنوا بالألوهية في ما وراء الطبيعة ~~لم يغفلوا عن قانون السببية في الكون ولم يجهلوا طبيعة الأسباب PageV03P151 # المباشرة التي تستند إليها الأشياء ، ولكنهم كانوا يتساءلون عن السبب ~~الأول الذي أعطى للأشياء المباشرة قوة السببية ، فلم تكن القضية لديهم ~~منطلقة من مشاهدات ساذجة ، أو حالات جهل بسيط ms0428 ، أو انفعالات طارئة ، بل ~~انطلقت من دراسة فكرية عميقة وتأملات ذاتية دقيقة. # 3 أما الناحية الثالثة ، وهي أسلوب القرآن في معالجة الإيمان ، فإننا نجد ~~القرآن الكريم في حديثه عن ظواهر الكون ، ينسب الفعل إلى الله ، ولا يغفل ~~دور الإنسان في النسبة في ما يتعلق بالأفعال التي تتصل بإرادته بشكل مباشر ~~، وذلك بالتعبير نفسه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 والله خلقكم وما ~~تعملون ) [الصافات : 96] فقد أسند العمل إلينا بالأسلوب نفسه الذي أسند فيه ~~الخلق إلى ذاته المقدسة ، فنحن الذين قمنا بالعمل ، وبذلك صحت نسبة العمل ~~إلينا ، أما نسبته إلى الله فلأنه أعطانا الحياة والقوة والأدوات التي ~~يحتاجها العمل ، ومنحنا الإرادة التي تتحرك نحو العمل بشكل مباشر ، للإيحاء ~~بأنه السبب الأعمق الذي تنتهي إليه الأشياء في سلسلة الأسباب ، وهذا ما ~~نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@021 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ) ~~[الأنفال : 17] ، فهو ينفي عن الإنسان استقلاله بالفعل بالمستوى الذي يرجع ~~إليه كل شيء ، ولا ينفي عنه قيامة بالفعل ، وهكذا تتنوع الآيات القرآنية ~~التي تتحدث عن الأفعال والظواهر الطبيعية في الكون ، وفي حركة الحياة ~~والإنسان ، ليتحدث بأسلوب واحد عن السبب المباشر والأعمق الذي يوحي للإنسان ~~بالمنهج الحق للمعرفة التي تواجه الأسباب المباشرة التي تعطينا الأسس ~~للنظام الكوني ، وتربطنا بالله في النطاق الغيبي لوجوده. # * * * PageV03P152 ### ||| ** بين الإيمان بوجود الله والاكتشافات العلمية # ومن خلال هذا العرض الواسع ، نستطيع التعرف على خطأ الفكرة التي تربط ~~الإيمان بجهل الإنسان بالأسس الطبيعية ، التي يرتكز عليها نظام الكون ، ~~ليكون الإلحاد منطلقا من وعي الكائن للطبيعة ، ونصل إلى النتيجة الصحيحة ، ~~وهي أن القضية ليست قضية خوف يجعل الإنسان يتعلق بأي شيء ، ولكنها قضية فكر ~~يحاول أن يواجه الظواهر والمشاكل والقضايا بالفكر الذي يتساءل ويفتش عن ~~جواب للسؤال حتى يصل إلى السؤال الذي لا يحتاج إلى سؤال مثله. ولهذا نذهب ~~إلى أن قضية الإيمان لا تنفصل عن السببية المودعة في الكون وعن تطور العلم ~~وتقدمه ، بل إننا نرى ms0429 في كل اكتشاف علمي جديد دليلا جديدا على وجود الله ، ~~لأن العلم لا يكتشف شيئا إلا ليكتشف وراءه حكمة ونظاما وقانونا يتصل ~~بالظواهر الأخرى للكون ، ويوحي لنا بوحدته التي نكتشف من خلالها حكمة ~~الخالق ووحدته ، لأنها ، وإن اختلفت في مظاهرها وأشكالها ، إلا أنها تتحد ~~في قوانينها الأساسية التي تحكم الكون كله ، وهذا ما تثيره أمامنا هذه ~~الآيات الكريمة لتخطط لنا المنهج التأملي للعقيدة والإيمان ، كما توحي به ~~الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@019 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) [فصلت : 53]. # جاء في تفسير الكاشف : «إن في السماء من النجوم ما يفوق على حبات الرمل ~~عددا ، وإن أصغر نجم لهو أكبر حجما من الأرض بأكثر من مليون مرة ، وإن كل ~~مجموعة من النجوم تؤلف مدينة عظمي ، اسمها المجرة ، تضم أكثر من مائة مليون ~~نجمة ، وإن عدد هذه المدن أكثر من مليوني مدينة تبعد الواحدة عن الأخرى ~~مسافة رسالة لاسلكية تصل بعد ثلاثة ملايين من السنين ، أي أن PageV03P153 # نسبة هذه المدن بمجموعها إلى الفضاء الخالي ، تماما كنسبة ذبابة تائهة في ~~الكرة الأرضية ، وكل هذه النجوم والمجرات تسير بتوازن وانتظام» (1). # أما الأرض ، فهي «كرة معلقة في الهواء تدور حول نفسها مرة واحدة كل 24 ~~ساعة ، فيكون تعاقب الليل والنهار ، وتسبح حول الشمس مرة كل عام ، فيكون ~~تعاقب الفصول الأربعة ، ويحيط بالأرض غلاف غازي يشتمل على الغازات اللازمة ~~للحياة ، ويحفظ هذا الغلاف من الغازات درجة الحرارة المناسبة للحياة ، ~~ويحمل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات حيث يتكاثف المطر. # ثم لو كان قطر الأرض أصغر مما هو عليه ، لعجزت عن الاحتفاظ بالتوازن ، ~~ولصارت درجة الحرارة بالغة حد الموت ، ولو كان قطرها أكبر مما هو لزادت ~~جاذبيتها للأجسام ، تؤثر هذه الزيادة أبلغ الأثر في الحياة على سطح الأرض. ~~ولو بعدت الأرض عن الشمس أكثر من المسافة الحالية لنقصت كمية الحرارة التي ~~تتلقاها من الشمس ، ولو قربت منها أكثر مما هي الآن ms0430 لزادت الحرارة ، وفي ~~كلتا الحالتين تتعذر الحياة على الأرض. # فكروية الأرض ، والفراغ الذي يحيط بها ، ودورانها حول الشمس ، وإحاطتها ~~بالغلاف الجوي ، ووضعها في مكانها الخاص ، وكون قطرها بهذا المقدار الخاص ، ~~كل ذلك يهيئ للإنسان أسباب الحياة على الأرض ، ولو فقد وصف واحد من هذه ~~الأوصاف ، كما لو كانت الأرض مسطحة ، أو أصغر ، أو أكبر ، أو أبعد أو أقرب ~~إلى الشمس ، أو فقد الغلاف ، لاستحال أن يكون الإنسان ابن الأرض بشهادة ~~العلماء» (2). # * * * PageV03P154 ### ||| * الآيات # ( @QUR@031 ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب (165) @QUR@012 إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) @QUR@023 وقال الذين اتبعوا ~~لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم وما هم بخارجين من النار ) (167) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 من دون الله ): من غير الله. # ( @QUR@01 أندادا ): أمثالا ، قال الطبرسي : «الأنداد والأشباه والأمثال ~~نظائر ، واحدها : ند ، وقيل : هي الأضداد ، وأصل الند : المثل المناوئ» (1). وقال PageV03P155 # الراغب : كل ند مثل وليس كل مثل ندا (1)، باعتبار أن نديد الشيء مشاركة ~~في جوهره وذلك ضرب من المماثلة ، فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت. # ( @QUR@01 تبرأ ): التبرؤ : التولي والتباعد للعداوة ، وأصله من ~~الانفصال ، ومنه : برأ من مرضه. # ( @QUR@01 الأسباب ): والأسباب : الوصلات ، واحدها : سبب ، قال الطبرسي ~~: «السبب الوصلة إلى المتعذر بما يصلح من الطلب ، ومنه يسمى الحبل سببا ~~لأنك تتوصل به إلى ما انقطع عنك» (2)، وقال الراغب : «السبب الحبل الذي ~~يصعد به النخل ... وسمي كل ما يتوصل به إلى شيء سببا» (3). # ( @QUR@01 حسرات ): ندامات ، قال الراغب : «والحسرة : الغم على ما فاته ~~والندم عليه ، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه ، أو انحسر ~~قواه من فرط غم» (4)، وقال الطبرسي : «الحسرة أشد الندامة ... وأصل الحسر ~~: الكشف» (5). # * * * ### ||| ** الإسلام بين الالتزام العاطفي والانحراف فيه # في هذه الآيات ، يتحرك القرآن في واقع الحياة ليقدم إلينا نموذجا من PageV03P156 # نماذج الانحراف العاطفي والعملي ms0431 في واقع الناس في الحياة ، وهو النموذج ~~المتمثل في أتباع الظلمة وأشياعهم حسب التفسير الوارد عن بعض أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام في قوله تعالى : ( @QUR@011 ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله )، فهم يجمعون بين الإيمان بالله ومحبته ، ~~وبين حب الظالمين من أسيادهم وكبرائهم ، تماما كما يحب الإنسان شخصين ~~متساويين في جميع الخصائص والصفات. ولعل هذا الاتجاه في تصوير حالة التسوية ~~في المشاعر بين الله وبين أئمة الظلم ، كان منطلقا من الأساس العملي للواقع ~~الذي يعيشونه ، فإن الحب الذي تتحدث عنه الآية ليس الحب الداخلي الانفعالي ~~الذي يتحرك في الجانب الشعوري العاطفي للإنسان ، لأن الجو هنا هو جو الحديث ~~عن الخطوات العملية التي تحكم حياتهم ، بل الظاهر أن المراد من الحب هو ~~الحب العملي إن صح التعبير وهو الذي يتمثل بالاتباع والتأييد والمشاركة ~~والطاعة لما يريدون ولما يخططون من دون قيد أو شرط ، تماما كما هي الحال في ~~محبة الإنسان لله بمعنى طاعته المطلقة ، وذلك هو التطبيق العملي للإشراك ~~بالله ، لأن مثل هذه الإطاعة التي لا تنبغي إلا لله ، عند ما يقدمها ~~الإنسان لغيره بالمستوى ذاته ، فمعنى ذلك أنه قد جعل ذلك المطاع ندا ونظيرا ~~لله في ما يمثله ذلك من إخلاص العمل ، وهذا هو الشرك الواقعي الذي لا يرتبط ~~بتعدد الآلهة على مستوى العقيدة الإلهية ، بل يتصل بتعددها على مستوى ~~الطاعة ، انطلاقا من العوامل الذاتية المتصلة بالشهوات والأطماع والمنافع ~~التي يحصلون عليها لدى هؤلاء ، أو التي يأملون الحصول عليها منهم. # * * * ### ||| ** معنى الحب لله في القرآن # وهنا يلتفت القرآن في عملية مقارنة سريعة بين هؤلاء وبين المؤمنين ، PageV03P157 # في قوله تعالى : ( @QUR@05 والذين آمنوا أشد حبا لله ) فإن معرفة المؤمن ~~بربه ووعيه لعظمته ، تجعلانه ينفتح على الله انفتاحا يملأ كل كيانه في ~~أفكاره ومشاعره ، في جوارحه وجوانحه ، فلا يبقى هناك مجال لأية قوة ، مهما ~~عظمت ، أن تحتل ولو مساحة صغيرة من نفسه في المستوى الذي يلتقي فيه بالله ، ~~فلا ولاء لغيره ، ولا طاعة إلا له ، لأن معنى التوحيد ms0432 أن يخلص كل شيء فيك ~~للإله الواحد ، وهذا هو معنى الحب لله في القرآن الذي يريد للمؤمنين أن ~~يعيشوه ويتمثلوه في وجدانهم ، بعيدا عن الاستغراق في ذاته ، أو التغزل ~~بصفاته ، في ما يشبه بعض أساليب المتصوفة في تعبيرهم عن المحبة بمظاهر ~~العشق والوله والانجذاب الجسدي والروحي ، مما يجعل من حياتهم امتدادا للخط ~~الذي أرسل الله به رسوله في طاعة مطلقة ، في فكره وإرادته وكلامه. # * * * ### ||| ** التبعية هي أساس الحب # أما كيف نستفيد ذلك ونقرره ، فهذا ما يبدو لنا من جو الآية من جهة ، ومن ~~طبيعة الرسالة من جهة أخرى ، فنحن نلاحظ في الآية أنها تثير في نهاية ~~المطاف قضية التابعين والمتبوعين وحوارهم في يوم القيامة ، مما يوحي بأن ~~الأساس في قضية الحب هو التبعية لا العاطفة المجردة ، كما أننا نستوحي ذلك ~~من قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@014 قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) [آل عمران : 31] حيث جعل ~~اتباع النبي من علامات الحب ونتائجه. # أما طبيعة الحب من ناحية الرسالة ، فنستطيع أن نفهمه من خلال الاطلاع على ~~تخطيط الله لنا أسلوب التعامل معه في الوقوف بين يديه ، وفي ممارستنا ~~للمسؤولية أمامه ، وفي الانضباط في الخط المستقيم العملي لديه ، وفي كيفية PageV03P158 # العمل من خلال رسالاته في الحياة ، مما يعني أن يكون التعبير عن الحب ~~بالعمل الصالح الذي يحبه ويرضاه. # وفي ضوء ذلك ، نفهم الاتجاه القرآني الذي يدعو الإنسان إلى التفكير في ~~خلق الله وفي صفاته ، ونفهم الأحاديث التي تدعو إلى التفكير في خلق الله ~~وتنهى عن التفكير في ذاته ، لأن التفكير في ذاته يغرق الإنسان في متاهات ~~واسعة من الفكر التجريدي الذي لا ينتهي إلى نتيجة ، ومن المشاعر السلبية ~~التي لا تؤدي إلى أساس معقول ، بينما ينطلق التفكير في خلقه ليقود الإنسان ~~إلى العقيدة المرتكزة على أساس واقعي ، يربط العقيدة بالخط المعقول ~~والمشاعر الطبيعية الإيجابية التي ترتبط بالله من خلال ما تعيشه من نعم ~~وأوضاع ، وما تشاهده من ظواهر وآيات ، فكأنها ترى الله في ما ms0433 تراه وتتعاطف ~~معه من خلال التعاطف مع عظمة الخلق وإبداعه وروعته. # ولعل الأحاديث الكريمة التي تدعو إلى أن نتخلق بأخلاق الله ، تتحرك في ~~هذا الاتجاه الذي يريد أن يجعل العلاقة خاضعة للخط الواقعي العملي في ~~الأخلاق والصفات ، ليحب الإنسان الله من خلال صفاته التي تتحول في حياته ~~إلى عيش وإيمان وحياة ، ليبتعد بذلك عن الاستغراق في الأجواء الضبابية التي ~~تعزله عن ذاته وعن مسئوليته العملية أمام الله. # * * * ### ||| ** القرآن ومعالجته لأسباب الحب المنحرف # وقد عالج القرآن هذا الحب المنحرف لغير الله بالبحث عن جذوره في نفس ~~الإنسان ، فقد يكون من أسبابه شعوره بالقوة التي يملكها هؤلاء الظالمون ~~والمنحرفون في ما يملكون من شؤون الملك والسلطان في الدنيا ، فيخيل PageV03P159 # للناظر أنهم يتمتعون بالقوة المطلقة التي تهيمن على كل الأمور ، مما يخلق ~~في أعماق النفس شعورا بالإعجاب الذي يتحول إلى المحبة في كثير من الحالات ، ~~ثم تتحول المشاعر إلى رغبة عميقة في الحصول على رضاهم بالعمل بما يريدون في ~~ما يأمرونه به أو ينهونه عنه. # فكانت هذه الآيات التي تكشف ضعفهم الذاتي الذي قد تحجبه مظاهر السلطان في ~~الدنيا ، ولكنه يبدو على حقيقته في الآخرة ، ( @QUR@07 ولو يرى الذين ظلموا ~~إذ يرون العذاب )، وذلك عند ما يقف الظالمون ليروا العذاب المعد لهم من ~~الله ، فيعرفون أن كل مظاهر القوة التي يتمتعون بها أو يتمتع بها غيرهم من ~~الناس ، لا قيمة لها ولا أساس. فها هم يعانون من العذاب الذي يقفون أمامه ~~موقف الذالة المطلقة ، والضعف المطلق ، فلا يملكون لأنفسهم معه ضرا ولا ~~نفعا ، وتنكشف أمامهم الحقيقة المطلقة ، وهي ( @QUR@04 أن القوة لله جميعا ~~) فهو الذي يعطي القوة ، وهو الذي يمنعها ، أو يسيرها ، أو يوقفها عند ~~حدودها التي يريد لها أن تقف عندها ، وهكذا يتعمق الشعور وهم أمام الحقيقة ~~الأخروية الحاسمة في مصيرهم النهائي ، ( @QUR@04 وأن الله شديد العذاب ) ~~فالعذاب يقتحم عليهم موقفهم المخذول فيرون الله شديد العذاب للمتمردين ~~والعاصين والمنحرفين والكافرين. # ثم يحدثنا الله عن مصير هؤلاء الذين يتبعون الظالمين فيشعرون بحمايتهم ~~لهم عند ما يوحون ms0434 لهم بأنهم يتحملون مسئوليتهم في كل ما يتعرضون له من ~~صعوبات الحياة ومشاكلها ، وذلك في ما ينقله لنا من مشاهد القيامة ( @QUR@09 ~~إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ) فالمتبوعون من ~~الظالمين والكبراء يتهربون من المسؤولية ، فلا يشعرون بأية علاقة تربطهم ~~بهم ، وذلك عند ما رأوا العذاب ماثلا أمامهم وهو يقتحم الجميع بمستوى واحد ~~من دون تفريق ، ( @QUR@03 وتقطعت بهم الأسباب ) التي كانت بينهم ، في كل ما ~~تمثله من PageV03P160 # على أساس متين من الله ، بل كانت خاضعة للأوضاع الطارئة التي تزول لدى ~~أول تحد من تحديات المصير التي تواجه المسؤولين بطريقة حاسمة ليس فيها أي ~~انحراف أو لف أو دوران ، أو وساطة في ما تعارف عليه الناس من أساليب ~~الوساطة في الدنيا. # وهنا وقف التابعون ليطلقوا التنهدات والحسرات على كل المواقف الخاضعة ~~الخانعة التي كانوا يقفونها لمصلحة هؤلاء في الدنيا ، فيجعلون مصيرهم تبعا ~~لإرادة الآخرين وشهواتهم وأطماعهم. وانطلقت التمنيات التي تعبر عن التمزق ~~النفسي الداخلي ، والحيرة القاتلة ، والشعور بالخيبة الكبيرة للآمال التي ~~تعيش في نفوسهم من خلال العلاقة بهم ، والحقد العميق الذي يحرق الروح بحثا ~~عن الثأر. ( @QUR@012 وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرؤا منا ) إنهم يبحثون عن رد الفعل الذي يقابل البراءة ببراءة مماثلة تمس ~~الظالمين في مصالحهم في مواقعهم في الدنيا ، فيتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ~~كرة أخرى ، ولكنها تمنيات تضيع في الهواء. # ( @QUR@06 كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) عند ما ترجع بهم الذكرى ~~إلى حياتهم التي كانوا يسيرون فيها في ركاب هؤلاء الظالمين ، ليبنوا حياة ~~الظلم والطغيان بسواعدهم وجهودهم في كفاح متواصل طويل. إنهم يواجهون الموقف ~~ليروا كل تلك الأعمال والجهود تتحول في مصيرهم إلى حسرات لا تنفعهم ، فقد ~~وقعوا في النار ( @QUR@05 وما هم بخارجين من النار ) مهما احتجوا ومهما ~~برروا أو تنهدوا ، فقد كان لهم مجال كبير في دراسة الواقع ومعرفته من خلال ~~وعي الرسالة والمبدأ ، وقامت عليهم الحجة من الله في ذلك كله. # * * * PageV03P161 # وبناء على ما تقدم ، نستطيع أن نستوحي من ms0435 هذه الآيات عدة نقاط ، أهمها ~~التالي: # * * * ### ||| ** الالتزام الفكري يقود إلى الالتزام العاطفي # 1 إن الالتزام بالعقيدة لا يتمثل في الالتزام الفكري الذي يمثل الموقف ~~الفكري للإنسان ، بل يمتد إلى الالتزام العاطفي والروحي مع خط الفكر في ~~حركة الحياة إزاء العلاقات الإنسانية الموافقة أو المضادة ، فإن التقاء ~~الجانب العاطفي بالجانب الفكري في شخصية الإنسان المسلم يمثل وحدة الشخصية ~~، بينما يكون اختلافهما مظهرا من مظاهر ازدواجيتها وتمزقها الذاتي ، مما ~~يترك آثارا سلبية على استقامتها على الخط الإسلامي المستقيم. # وإذا كانت العواطف غير الإسلامية تنطلق من مفاهيم غير إسلامية ، باعتبار ~~أن العاطفة هي نتيجة المفهوم الكامن في الذات ، فإن ذلك يؤدي إلى التناقض ~~بين الالتزام الفكري الذي يوحي بعاطفة إيجابية ، والعاطفة السلبية الناتجة ~~عن مفهوم مضاد ، فكيف يمكن اجتماعهما في الذات في الوقت الذي ينفي فيه ~~أحدهما الآخر؟! # * * * ### ||| ** الحب موقف لا عاطفة مجردة # 2 إن الحب في المفهوم القرآني لا يتمثل في العاطفة المجردة ومظاهرها ~~الساذجة ، بل يتمثل في العاطفة التي تتحول إلى مواقف عملية في PageV03P162 # اتجاه خط الحب ، وقد يتطور المفهوم في اعتبار المواقف العملية المضادة ~~دليلا على ضعف الحب أو عدم جدية العاطفة وصدقها. # * * * ### ||| ** الدعوة إلى اكتشاف ضعف الأقوياء # 3 إن القرآن يوجه الإنسان إلى اكتشاف ضعف الأقوياء من الطغاة بالبحث عن ~~نقاط الضعف الكامنة في داخلهم ، وبالانطلاق في التصور الديني بعيدا إلى يوم ~~القيامة ، حيث يقف الأقوياء في موقف الضعف والانسحاق أمام عذاب الله ~~وعقابه. # وهكذا ينطلق المنهج التربوي القرآني في عملية إيحائية ترتبط بالسلب من ~~حيث فقدان الطغاة والمستكبرين للقوة التي تبرر للناس الارتباط بهم في ~~أمورهم الخاصة والعامة وفي قضايا المصير ، وترتبط بالإيجاب من خلال الحقيقة ~~التوحيدية التي تؤكد «أن القوة لله جميعا» «وأن العزة لله جميعا» في خطاب ~~الذين يريدون الاعتزاز بغير الله ، فقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@014 ~~الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا ) [النساء : 139] وقوله تعالى : ( @QUR@024 من كان يريد ~~العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ms0436 الصالح يرفعه والذين ~~يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ) [فاطر : 10] على أساس ~~ملكية الله للقوة كلها ، والعزة كلها ، فالله هو مصدر القوة والعزة ، ما ~~يفرض على الناس أن يطلبوها منه ، ويرتبطوا بقوته وعزته. هذا هو الخط الأصيل ~~في التوحيد الحركي للإنسان المسلم في العمل والوجدان. # * * * PageV03P163 ### ||| ** المسؤولية الفردية في الإسلام # 4 إن الآيات توحي للمؤمنين الضعفاء بأن المسؤولية في الإسلام فردية ، ~~يتحملها الإنسان من خلال عمله ، وأن الضغوط الخارجية التي تنطلق من الشعور ~~بسيطرة الأقوياء على الموقف ، وحاجة الضعفاء إليهم في ما يملكونه من مال ~~وجاه وسلطة ، لا تمثل أي مبرر شرعي للانحراف عن الخط ، ثم تبين لهم أن ~~الأساليب التي يتبعها هؤلاء الأقوياء في الإيحاء لهم بالحماية في مواقف ~~الشدة ، ليشعروا بالأمن من خلال هذه العلاقة ، هي أساليب تضليلية لا تثبت ~~أمام الواقع الذي يفرض نفسه ، وهو أن هؤلاء ليسوا قادرين على حماية أنفسهم ~~، فكيف يقدرون على حماية غيرهم من عذاب الله؟! وسينكشف الواقع المرير عن ~~إعلان براءتهم من كل تبعة أو مسئولية من كل هؤلاء عند ما يرون العذاب ~~ويواجهون الموقف في الدنيا قبل الآخرة ، ليبدأوا هنا بالبراءة من هؤلاء ~~المتبوعين ، فلا ينفذون مخططاتهم الشريرة التي لا ترضي الله ، ولا يطيعونهم ~~في معصية الله ، ليتفادوا الموقف الخاسر هناك ، وليحصلوا على ما يتمنونه من ~~العودة إلى الدنيا ليعلنوا البراءة كرد فعل لبراءة هؤلاء منهم. إن الآيات ~~التي تتحدث عن خيبة الضعفاء في الآخرة لا تتحدث عن القضية كقصة للإثارة ، ~~بل كأسلوب من الأساليب الوقائية التي توجه الإنسان كي يتفادى الوقوع في هذه ~~المواقف الحرجة هناك ، فيكون أكثر وعيا للواقع وللمصير ، وبهذا يتحول ~~القرآن إلى كتاب يرصد لنا المستقبل من خلال الحديث عن نماذج الماضي التي لا ~~تعيش في إطاره المحدود ، بل تعيش في نطاق الحياة كلها ، والله العالم ~~بأسرار آياته. # * * * PageV03P164 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@017 يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) @QUR@011 إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما ms0437 لا تعلمون ) (169) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حلالا ): جائزا ، وأصله : الحل : نقيض العقد ، وإنما سمي ~~المباح حلالا لانحلال عقد الحظر عنه ، والحلال إطلاق في الفعل لمن يجوز ~~عليه المنع ، ولهذا لا يسمى كل حسن حلالا ، لأن أفعاله تعالى حسنة ، ولا ~~يقال : إنها حلال. # ( @QUR@01 طيبا ): خالصا من شائب ينغص ، قال الطبرسي : «وهو على ثلاثة ~~أقسام : الطيب المستلذ ، والطيب الجائز ، والطيب الطاهر» (1). وقال PageV03P165 # الراغب : «أصل الطيب ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس. والطعام الطيب ~~في الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز ، وبقدر ما يجوز ، ومن المكان الذي ~~يجوز» (1). # ( @QUR@01 بالسوء ): كل فعل قبيح يزجر عنه العقل أو الشرع ، وساء : قبح ~~، وأفعل التفضيل منه أسوأ ، ومؤنثه السوأى. # ( @QUR@01 والفحشاء ): ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال ، وأصل الفحش ~~الزيادة والكثرة ، وكل ما تجاوز قدره فهو فاحش. وقيل : الفحشاء ما يجب الحد ~~فيه ، والسوء : ما لا حد فيه. # * * * ### ||| ** الرزق الحلال والتحذير من اتباع خطوات الشيطان # في هاتين الآيتين نداء رباني للناس ، يستشعر فيه الإنسان الرحمة في وحيه ~~له بأن الله لا يريد أن يضيق عليه سبل الحياة ، بل يريد أن يوسع له آفاقها ~~الرحبة ومواردها الخصبة ، فقد خلق له الأرض في كل ما تنتجه من رزق ، وفي ما ~~تحتوي عليه من نعم ، وأباح له التمتع بالرزق الطيب الحلال ، والنعم الكثيرة ~~الخالصة ، فلم يحرم عليه شيئا من طيباتها مما يحتاجه في استمرار حياته ونمو ~~جسمه ، بل دعاه إلى أن يأكل منها ما يشاء ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@09 يا ~~أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ). # ولكنه حذره من خطوات الشيطان التي تتجه به إلى ما فيه فساد حياته ، وضرر ~~جسمه وعقله ، بالاستمتاع بالشهوات المحرمة ، والأكل من الخبائث المضرة ، ~~مما يزين له فعله ويغريه بالإقبال عليه ، بما يثيره أمامه من PageV03P166 # الأجواء الحميمة ، والإغراءات اللذيذة التي يدعوه إليها بلهفة شديدة ، ~~وشوق حميم ، بطريقة تحجب عنه ما في الداخل من خسارة وضرر وفساد ، ويبرر ~~القرآن للإنسان كل هذا الحذر بالحقيقة الدينية الحاسمة التي توضح عداوة ~~الشيطان الواضحة البينة للإنسان ، ليشعر بأن هذه ms0438 الخطوات التي يثيرها أمامه ~~ليست في مصلحته مهما أظهر له من إخلاص أو مودة. # ( @QUR@04 ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) في إيحاءاته ووساوسه وخططه ~~الإغوائية الإغرائية مما يزين به للإنسان من أقوال وأفعال وأفكار بعيدة عن ~~خط الاستقامة ، وعن مواقع رضى الله ، وقريبة من موارد سخطه التي تؤدي إلى ~~عذابه وإبعاده عن رحمته. ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) فقد أخرج أبويكم من ~~الجنة ، وأعلن عزمه على أن لا يدخل أحد من بني آدم الجنة من خلال أساليبه ~~الضالة ووسائله المنحرفة ، ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [فاطر : 6]. # ثم يفصل القرآن للإنسان في الآية الثانية بعضا مما أجمله في الآية الأولى ~~من خطوات الشيطان : ( @QUR@011 إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون ) فيعدد لنا نماذج ثلاثة من أوامره : فهو يأمر الإنسان ~~بالسوء الذي يمثل كل فكر سيئ أو عمل شرير ، وبالفحشاء التي تتمثل فيها ~~الأعمال المنكرة التي تجاوزت الحد الطبيعي للأشياء ، سواء كانت من المنكرات ~~المتعلقة بالعلاقة بين العبد وربه في معاصي الله ، أو كانت من المنكرات ~~المتعلقة بين الناس وبين الشخص ، في الجوانب المالية أو الاجتماعية أو ~~السياسية والاقتصادية والأخلاقية ، ولا سيما في ما يتعلق بالعرض وبالخيانة ~~والكذب. # أما الأمر الثالث ، فهو نسبة الأحكام أو العقائد أو الأعمال إلى الله ~~باعتبارها شيئا موحى به من قبله ، وثابتا في وحيه ، مع أنهم لا يعلمون شيئا ~~من ذلك ، لأنهم لا يملكون طريقا إلى المعرفة في هذا الاتجاه. ولعل من PageV03P167 # الطبيعي ، في مثل هذه الحالة ، أن يؤكد القرآن خطورة مثل هذا الواقع على ~~مسيرة الإنسان المسلم في الحياة ، لأنه يغريه بالزيف والنفاق والكذب ~~والخيانة في ما يوحي إليه به من أساليبه الذكية الشيطانية ، ويدفعه إلى ~~الارتباك في مواجهة خط الانحراف لاختلاط الحق والباطل أمامه ، مما يعطل ~~عليه طريق الوصول إلى الهدى الحق ، ويجعله يتقلب في أجواء غامضة من الضباب ~~الكثيف. وقد ينطلق التعبير القرآني بهذا الأسلوب ليريد به الشرك وأمثاله من ~~العقائد المضادة للحق مما ثبت ms0439 بطلانه بالدليل والحجة ليدلل بكلمة : ( ~~@QUR@04 السفهاء ولكن لا يعلمون ) [البقرة : 13] ، أو ( @QUR@05 وما ليس ~~لهم به علم ) «ما ليس له به علم» ، أو بكلمة : ( @QUR@04 قال الذين لا ~~يعلمون ) [البقرة : 113] ، التي يصف بها المشركين للإيحاء بأن هؤلاء لا ~~ينطلقون من موقع الحجة والبرهان في ما يعتقدونه من عقيدة ، وفي ما يحملونه ~~من صفات وأخلاق ، كأسلوب من أساليب إثارتهم نحو البحث عن الحقيقة والخروج ~~من أجواء الغفلة ، بالطريقة التي هي أحسن ، حيث لم يعبر عنهم بتعابير توحي ~~بالجحود والإنكار والعناد الذي يربطهم بجو التعصب ويخرجهم عن أجواء التفاهم ~~ويبعدهم عن روحية الحوار. # * * * ### ||| ** الحوار والهدف الرسالي # وهذا هو الأسلوب القرآني الذي يجب أن نتعلمه ، وهو أن نختار الكلمات ~~الخفيفة بدلا من الكلمات الثقيلة في المجالات التي نشعر فيها بالحاجة إلى ~~أن نقود الأفكار المضادة إلى ساحة الحقيقة والحوار ، لأن الهدف الرسالي من ~~الحوار مع الناس هو الوصول إلى عقلهم بالطريقة التي يدخل فيها PageV03P168 # إساءة حادة ، أو انفعال شديد ، أو قسوة عنيفة ، مما يهيئ الجو النفسي ~~للاستماع إلى وجهة النظر المخالفة وإلى الدخول في حوار هادئ حول القضايا ~~المختلف عليها ، وربما كانت المشكلة الصعبة التي يقع فيها بعض الدعاة ، في ~~جدالهم مع الآخرين ، أنهم ينطلقون من عقدة ذاتية ، لا من ذهنية رسالية ، ~~الأمر الذي يدفعهم إلى المزيد من كلمات السباب والفحش ونحوهما من خلال ~~الزعم بأن ذلك هو الطريقة الشرعية للتعبير عن رفض الباطل وتحقيره من دون ~~دراسة للنتائج السلبية على أجواء الحوار وأساليبه ، حيث تزيد هذه العقدة في ~~عداوة الطرف الآخر الذي يراد الدخول معه في الحوار ، فيبتعد عن الاستجابة ~~لعملية الأخذ والرد ، أو يدخل معنا في أجواء التشنج والانفعال التي تسقط كل ~~النتائج الإيجابية على مستوى المقدمات والنتائج. # * * * PageV03P169 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) (170) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ألفينا ): وجدنا وصادفنا. قال الزمخشري : «وألفينا بمعنى ~~وجدنا ، بدليل قوله : ( @QUR@06 بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) ( 1) ~~[لقمان : 21]. # * * * ### ||| ** التعصب الأعمى للماضي ms0440 # وهذا نموذج من نماذج الناس الذين يتبعون خطوات الشيطان في منهج التفكير ~~وفي طبيعة الفكرة ، فإنهم لا ينطلقون ، في ما يعتقدون وفي ما PageV03P170 # يتبعون من نهج في الحياة ، من موقع القناعة الفكرية المرتكزة على أساس ~~البحث والتأمل والتفكير ، بل يتحركون من عاطفة ساذجة وعصبية ذاتية تدفع ~~الإنسان إلى تقديس الماضي الذي ينتسب إليه في عاداته وتقاليده وأفكاره ~~ومقدساته ، مما يجعل من ذلك أساسا للقناعة الفكرية والسلوك العملي في ما ~~يتفق معه ، وللرفض الفكري والعملي في ما يختلف عنه ، بالمستوى الذي لا يقبل ~~فيه الدخول في أي حوار أو نقاش حول تلك القضايا ، كما لو كانت من البديهيات ~~والمسلمات الفكرية. # وقد كان هذا المنهج في طبيعة سلوك الشخصية سببا من أسباب التعقيد الذي ~~يواجه أصحاب الرسالات من الأنبياء ومن السائرين في خطهم في الدعوة إلى الله ~~، لأنه يغلق على الإنسان نوافذ التفكير ، ويحوله إلى إنسان منغلق على ذاته ~~، بعيد عن التفاعل مع الآخرين في ما يثيرونه من قضايا ويدعون إليه من أفكار ~~ومبادئ ، ويدفع المجتمع إلى أن يبقى مشدودا إلى عجلة الماضي من دون أن يفكر ~~في الانطلاق إلى المستقبل بأجنحته الطائرة إلى العلاء ، مما يجعله يبتعد عن ~~تطوير حياته ، وتغيير مسيرته نحو الأفضل في جميع شؤون الحياة ، ويتجمد في ~~عملية تقديس للأخطاء وللانحرافات الفكرية والعملية باسم الإرث المقدس ~~للآباء والأجداد. وقد حارب القرآن بقوة هذا الاتجاه في مواجهة القضايا ~~والأفكار ، فدعا إلى الانطلاق في الفكر ، وفي العمل ، من قاعدة فكرية ثابتة ~~ترتكز على الحرية الفكرية البعيدة عن الضغوط العاطفية على أساس الدعوة إلى ~~دراسة شخصية هؤلاء الآباء في مستواهم العقلي ، وفي مسيرهم العملي ، ليكتشف ~~الإنسان أن كثيرا من هؤلاء لا يعقلون شيئا ، ولا يهتدون ، لأنهم عاشوا في ~~ظل العقليات الخرافية المشبعة بالخرافات والأساطير ، وانطلقوا في ظل أمية ~~الحرف والثقافة ، ليخططوا لحياتهم في جميع ألوانها وقضاياها ، فكيف يمكن ~~للإنسان الذي يحترم فكره PageV03P171 # يجعل حياته تحت رحمة أفكار هؤلاء ومسيرتهم في الحياة؟ # * * * ### ||| ** دعوة القرآن إلى عقلية الموقف من الماضي # ( @QUR@03 وإذا قيل لهم ms0441 ) للكافرين الذين انطلقت الدعوة الإسلامية ~~الرسالية لتفتح عقولهم على الإسلام فكرا وعقيدة ومنهجا للحياة ، ( @QUR@04 ~~اتبعوا ما أنزل الله ) من الآيات التي تخطط لكم منهج المعرفة ، ومنهج ~~الحركة في الحياة ، وشريعة السلوك العملي في أوضاع الإنسان في قضاياه ~~العامة والخاصة ، وحاجاته الأساسية ، ونظرته إلى الواقع ، وتطلعه إلى الأفق ~~الأعلى في الإيمان بالله والالتزام بشرائعه وأحكامه ، واتباع رسله ~~والانفتاح على الإيمان باليوم الآخر ، والقيام بمسؤولية الإنسان في الخلافة ~~عن الله في إدارة الواقع الكوني المتحرك ، وتفجير طاقات الحياة في نفسه ، ~~وفي الأرض التي يسير عليها ، والأجواء التي يعيش في داخلها ، ليكون الإنسان ~~سيد الكون في دوره القيادي من أجل تحقيق إرادة الله في حركته في كل عمره ، ~~( @QUR@01 قالوا ) في موقف احتجاج واستنكار للدعوة التي تفصلهم عن الماضي ~~الجاهل المتخلف لتدفعهم إلى الحاضر الواعي المنفتح على تطلعات المستقبل ~~للتقدم والنمو والازدهار ، ومن موقع إصرار على الواقع الجامد الذي يعيشون ~~في داخله : ( @QUR@06 بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) من أفكار وعادات ~~وتقاليد ومنهج للعلاقات وللمشاعر والمواقف ، مهما كانت طبيعته وقيمته ~~وصلاحه وفساده ، لأن المسألة هي مسألة الإرث المقدس الذي يأخذ قداسته من ~~قداسة الآباء في وجدان الأبناء ، ويثير القرآن التساؤل أمام هذا الموقف ~~الجامد الذي يفتقد المنطق العقلاني الذي يحترم الإنسان فيه عقله ووجوده ، ( ~~@QUR@08 أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) فليدرسوا المستوى ~~العقلي لهؤلاء الآباء ، وليدرسوا طبيعة PageV03P172 # المرتكزات الفكرية التي استندوا إليها في ما اختاروه وساروا عليه ، فقد ~~يكتشفون أنهم لا يملكون عقلا ، ولا ينفتحون على هدى ، بل ربما كانت عقول ~~الأبناء أكثر انفتاحا وقوة من عقول الآباء ، فكيف يتبع العاقل من لا عقل له ~~، وكيف يسير الضال وراء من لا هدى له؟! # إنه سؤال للتحدي وللمعرفة وللوصول بالقضية إلى الموقف الإنساني الذي ~~ينطلق من البعد المعرفي للإنسان في حياته وفي حركة الانتماء عنده. # * * * ### ||| ** بين الحق والصلات العاطفية # وهكذا نرى أن القرآن يريد أن يقرر للإنسان المنهج في الوصول إلى القناعات ~~الفكرية ، ويريد أن يثير قضية الارتباط بالآباء كنموذج من نماذج الضغوط ms0442 ~~العاطفية التي تضغط على الإنسان لتقوده إلى الخضوع للخط الذي يسير عليه ~~الأشخاص الذين يرتبط بهم عاطفيا ، سواء كانوا آباء أو أبناء أو أصدقاء أو ~~غيرهم ممن تشدهم إليهم الصلات العاطفية الحميمة. تلك هي القضية. إن الصلات ~~العاطفية لا تعني الحق ، ولا تمثل التبرير للارتباط الفكري ، مهما كانت ~~الظروف والأوضاع والأشخاص. لأن هذه «الظاهرة الآبائية» التي تضغط على ~~الوجدان العام في الجانب الفكري مما اختزنه الآباء من أفكار ، أو في الجانب ~~الشعوري مما عاشوه من مشاعر العداوة والصداقة والحب والبغض ، لا تمثل أي ~~بعد عقلاني في الاختيار الإنساني ، باعتبار أن المسألة العاطفية في الرابطة ~~الإنسانية قد تتدخل في بعض العلاقات الذاتية في نطاق العلاقات الاجتماعية ~~أو الذكريات التاريخية من خلال الأجواء الحميمة التي تترك آثارها في النفس. ~~أما المسائل الفكرية فإنها تتحرك من موقع الأسس PageV03P173 # العلمية والمفردات الموضوعية التي قد تختلف نتائجها وأبعادها باختلاف ~~المراحل الزمنية أو الخصوصيات المكانية أو المؤثرات الذاتية ، أو الضغوط ~~الاجتماعية المحيطة بالإنسان والواقع ، مما يفرض التبدل في طبيعتها بين وقت ~~وآخر ، أو بين بيئة وأخرى ، هذا إلى جانب المستوى الثقافي الذي قد يجعل ~~النتيجة متخلفة من خلال ذهنية التخلف ، أو متقدمة من خلال عناصر التقدم ، ~~الأمر الذي يفرض إعادة النظر دائما في كل الأمور الخاضعة لتلك المؤثرات ، ~~بل قد تفرض على الإنسان في بعض الحالات إعادة النظر في قناعاته الفكرية أو ~~الشعورية بين وقت وآخر عند ما تكون الأمور خاضعة للحالات الطارئة في حياته ~~، ليجدد نظرته فيها لاكتشاف ما يمكن أن يجد فيها من ضعف أو خطأ أو انحراف ، ~~فكيف إذا كان الموضوع متصلا بقناعات الآخرين. # وإذا كان القرآن يركز على المسألة في نطاق الآباء ، فليس ذلك من أجل ~~اختصاص الظاهرة بهم ، ولكن الواقع الذي يعيشه الناس غالبا في الاتباع ~~الأعمى في تقليد الماضي هو واقع اتباع الآباء والأجداد الذين يمثلون في ~~الوجدان العائلي أو العشائري العمق الذاتي للإنسان في جذوره التاريخية ، ~~بالدرجة التي يشعر معها بأن امتداداتهم الفكرية في حركته تمثل العنوان ~~الكبير لوجوده ms0443 ، فتكون القضية الحالة الشعورية في طبيعة الانتماء الفكري ، ~~وقد تكون القضية في بعض نماذجها متمثلة في الآباء الحزبيين أو القوميين أو ~~المذهبيين أو الطائفيين الذين يرتبط بهم الإنسان من خلال الحزب أو القومية ~~أو المذهب أو الطائفة ، بحيث تكون أفكارهم عنوانا مقدسا للدائرة التي ~~تحركوا فيها ، حتى أن أي ضعف في مفردات هذه الأفكار قد ينعكس على ضعف عنوان ~~الانتماء. # إنها مسألة العصبية التي لا ترى الأشياء إلا من خلال ذاتية النسب أو ~~العنوان الذي يطبع الناس بطابعه ، لتكون القداسة للعنوان بعيدا عن المضمون ~~في قيمته الفكرية والحضارية. وهذا ما يعطل عملية التجديد والتغيير ويحبس PageV03P174 # الفكر في دائرة ضيقة تتصل بالماضي ولا تنفتح على الحاضر والمستقبل ، ~~الأمر الذي يجعل منها سجنا للعقل وللحركة وللحوار ، وخنقا للحرية في كل ~~الموارد التي يختلف فيها قادة الحاضر عن قادة الماضي. # وقد رأى القرآن في هذه «الظاهرة الآبائية» الممتدة إلى كل العناوين ~~المتصلة بالرموز التي يخضع الإنسان لها عاطفيا ويرى أن فكرها يمثل فكره ، ~~وعنوانها يمثل عنفوانه ، وأن الانتقاص من قيمتها الفكرية يمثل انتقاصا من ~~مجده ، رأى فيها خطرا كبيرا على حركة الرسالات التي تصطدم دائما بذهنية ~~التخلف في تقديس الماضي بما يؤدي إلى التعصب له ولكل مفاهيمه وعاداته ~~وتقاليده ، وإلى تجميد الفكر الذي يمنعه من التحرك بعيدا عن المفردات ~~الكامنة في وجدانه التاريخي الموروث ، فيمتنع عن الاستماع إلى أي فكر جديد ~~فضلا عن التفكير فيه بأسلوب المناقشة والحوار ، ويتحول الموقف في رموز هذا ~~الاتجاه إلى حالة طاغوتية تعمل على قهر كل حركة جديدة في أفكارها ورموزها ، ~~لأنها تخاف منها على الامتيازات الشعبية التي اكتسبتها من خلال التخلف ~~الشعبي ، وعلى المقدسات السخيفة التي لا تملك أية قيمة مقدسة. # * * * ### ||| ** القرآن ومعالجة «الظاهرة الآبائية» # وقد نستوحي من الآيات القرآنية الواردة في هذا الموضوع بعض خصائص هذه ~~الظاهرة في جمودها الفكري ، وفي ذهنيتها العدوانية ، وذلك كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@021 وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ms0444 على آثارهم مقتدون ) [الزخرف : 23] ~~وقوله تعالى : ( @QUR@02 قل ادعوا PageV03P175 # @QUR@024 الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ) [سبأ : 22] ( ~~@QUR@021 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) [لقمان : 21]. وقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) [الشعراء : 74] ~~وقوله تعالى : ( @QUR@016 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ~~وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ) [يونس : 78] وقوله ~~تعالى : ( @QUR@022 قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ) [هود : 62] ، ~~وقوله تعالى : ( @QUR@024 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ~~ولا يهتدون ) [المائدة : 104]. # إن المنطق الذي يحكم تفكير هؤلاء هو اعتبار الطريقة التي جرى عليها ~~الآباء من العبادة والعادات والتقاليد أساسا للاقتداء ، وللاهتداء ، من دون ~~أن يقدموا أي أساس فكري على شرعية ذلك من الناحية الفكرية ، بل كل ما هناك ~~أنهم يتعقدون من دعوة التغيير لأنها تخرجهم من دائرتهم التي عاشوا فيها ~~واستغرقوا في خصوصياتها ، ولذلك فإنهم لم يدخلوا مع الطرح القرآني في جدل ~~فكري حول الموضوع في مضمون عقيدة الآباء مقارنا بمضمون الدعوة القرآنية ، ~~بل أطلقوا كلمة الإصرار الجامد ، والاستغراب القاسي للمحاولة الرسالية في ~~إبعادهم عما وجدوا عليه آباءهم وعما يعبد آباؤهم ، وأطلقوا كلمة الجمود ~~التي تريد أن تختصر حركة الحياة في الماضي فلا مجال لأية حركة جديدة في ~~الحاضر والمستقبل ، لأن مسئوليتهما أن يعيشا في إرث التاريخ الذي تركه ~~الآباء ، فالزمن وقف عندهم ، والتطور انتهى إليهم ، وهذا ما تعبر عنه ~~كلمتهم التي نقلها الله عنهم : ( @QUR@016 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) [المائدة : 104] فلن ~~نفكر في أي شيء خارج تلك الدائرة من أية جهة كانت ، ومن أي ms0445 شخص كان. إنه ~~منطق التعصب الأعمى الذي يواجه الأشياء بالنظرة العمياء. PageV03P176 # أما القرآن الكريم فقد أطلق الحوار معهم من موقع عقلاني متحرك فقال في ~~آية موحية في قوله تعالى : ( @QUR@08 أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ~~يهتدون ) [المائدة : 104] وفي الآية التي نحن بصدد تفسيرها : ( @QUR@022 ~~وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) [البقرة : 170] فإن مسألة ~~الاقتداء والاهتداء لا بد لها من أن تنطلق من الموقع الذي يملك أساس القدوة ~~من خلال أنه يملك مسئولية الفكر وقوته ، ويلتزم أساس الهدى من خلال العلم ~~الواسع العميق ، والعقل المنفتح الدقيق ، والرؤية الواضحة الواسعة ، والهدى ~~المشرق ، تماما كما هو الرجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة الذين تطمئن النفس ~~إليهم ، ويستريح العقل والعلم والهدى عندهم ، بل ربما كان آباؤهم أكثر علما ~~وأوسع عقلا وأكثر تجربة منهم ، ما يجعل من تقليدهم واتباعهم لهم أمرا لا ~~يرتكز على أساس ما يرتبط بالشكل لا بالمضمون ، وهذا ما نستوحيه من الآية ~~الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@032 ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [يوسف : 40] فهي ~~مجرد أسماء ترن في أسماعكم بعيدا عن مضمونها الحقيقي الذي تناقشه عقولكم. # وهكذا نجد أن القرآن لا يطرح عليهم الرفض المطلق لعقائد آبائهم في ~~البداية ، بل يقول لهم في عملية دعوة للدخول في مقارنة بين ما يعبد آباؤهم ~~، وما يفكرون به ويسيرون عليه ، ودعوة النبي للإسلام في عقيدته وفكرته ~~وعبادته ومنهجه وذلك قوله تعالى : ( @QUR@014 قال أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) [الزخرف : 24]. # إنه يدعوهم لمناقشة هذا المنهج المتعالي في الهداية والوعي ليرفضوا الفكر ~~الأدنى وليختاروا الفكر الأهدى. وهكذا أراد القرآن لهم أن يفكروا ويحاوروا ~~ويختاروا من موقع ذلك ، لكن التعصب الأعمى أغلق عقولهم PageV03P177 # وجمد حركتهم وجعلهم يغرقون في الظلام والجهل ms0446 والتخلف. # إن المنهج القرآني يرتكز على حرية الإنسان في تفكيره من خلال مسئوليته عن ~~قناعاته التي يريد الله له أن ينطلق بها من قاعدة فكرية صلبة ، فلا ضغط من ~~موقع العاطفة والقوة ، ولا خضوع للعاطفة وللمصالح ، بل هي الحقيقة التي ~~تدعو الإنسان إلى ملاحقتها بالتأمل والتفكير والبحث ، بعيدا عن تراث الماضي ~~وعن هيمنة الحاضر. # * * * ### ||| ** موقف الإسلام من المسلمين الذين يقلدون الآباء في إسلامهم # وقد يثير البعض في هذا المجال سؤالا حول الاتجاه الديني في حياة الناس ، ~~فإن من الملحوظ أن التدين عند أغلب الناس لا ينطلق من فكر يبحث ويتأمل ~~ويدقق ، بل يعيش في وجدان أتباعه كعقيدة مقدسة من تراث الآباء والأجداد ، ~~ولهذا نرى الكثيرين من المتدينين يرثون الدين يعتنقه آباؤهم ويخلصون له ، ~~من دون أية دراسة للمضمون ، أو وعي للتفاصيل في ما هو الحق والباطل ، تماما ~~كما هو الانتماء النسبي أو وعي للتفاصيل في ما هو الحق والباطل ، تماما كما ~~هو الانتماء النسبي أو القومي ، عند ما يمنح الإنسان شخصية لا يملك معها ~~إرادة واختيارا ، بل هي مفروضة عليه من خلال الظروف الموضوعية أو الطبيعية ~~المحيطة به. وقد يجد هذا تشجيعا لدى المؤسسات الدينية المتنوعة التي تحولت ~~إلى كيانات رسمية لا تسمح للفكر أن يتحرك ، وللحوار أن يطرح علامات ~~الاستفهام أمام مواطن الشك. # والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هو الفرق بين واقع الناس الديني الآن ، ~~وبين واقع الناس الذين يتحدث عنهم القرآن في هذه الآية؟ PageV03P178 # والجواب : إن المنهج القرآني يوجه الناس إلى اعتبار الفكر أساسا للعقيدة ~~بعيدا عن الطرق غير العلمية مما يعتمد على الحدس والتخمين والاحتمال. وعلى ~~ضوء ذلك ، فهو يعتبر الاتجاهات المعتمدة على التقليد في العقيدة انحرافا عن ~~الخط الإسلامي في طريق الوصول إلى الحق ، ولهذا فإن الإسلام لا يعتبر ~~الإنسان معذورا أمام الله إذا قاده هذا الطريق إلى الخطأ في العقيدة ، ~~بينما يرى الإنسان الذي يستفرغ وسعه وجهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة ~~معذورا إذا لم يصل إلى الحق كنتيجة للظروف الخارجة عن إرادته ، ولكنه ms0447 في ~~الوقت نفسه يرحب بالإنسان الذي يلتقي بالحق كنتيجة للطرق التقليدية المشار ~~إليها في السؤال ، كأي دين يريد أن يمتد في حياة الناس لتمتد قيمه ومفاهيمه ~~من خلال قناعاتهم الفكرية ، بل ربما نجد أنه يشجع الكثيرين الذين دخلوا فيه ~~رغبة أو رهبة في عهد الدعوة الإسلامية الأول ، لأنه يشعر بأن دخولهم في ~~مساره وأجوائه يمنحهم الفرصة للتفكير من جديد ، وللعيش في الواقع الإسلامي ~~الذي يفتح لهم مجالات اكتشافات الإسلام من الداخل بدون أي تعقيد أو حواجز ~~نفسية سلبية ، ليتعرفوا من خلال ذلك على خط الحوار في الإسلام في آيات ~~القرآن وحركة الشريعة في الحياة. # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن الإسلام لا يشجع التقليد في العقيدة عند ما يشجع ~~الآخرين على الدخول فيه بدون استدلال برهاني ، بل يعمل على أن يحقق هدفين : # أحدهما : تحطيم الحواجز النفسية التي تفصل النفس عن الانفتاح على الإسلام ~~، وذلك بإيجاد روح الألفة بين الإنسان وبين الأجواء الدينية في الإسلام ، ~~ليستطيع من خلال ذلك أن يلتقي بالمفاهيم الإسلامية ببساطة خالية من ~~التعقيد. # ثانيهما : التخطيط للتربية الفكرية من الداخل لتعميق العقيدة من موقع ~~الشعور بالحاجة إلى العمق كنتيجة لتعميق الانتماء إليها على أساس من جدية PageV03P179 # الإحساس ومسئولية التفكير في نطاق الشخصية الإسلامية التي تعيش في داخله ~~، وتمتد في حياته. ومن خلال ذلك ، نعرف الفرق بين الموقف الذي ترفضه الآية ~~لأنه يسجن الإنسان في نطاق العصبية العمياء ، وبين الموقف الذي يشجع عليه ~~الإسلام لأنه يفتح الطريق للالتزام الفكري في نطاق خطة مدروسة ثابتة. # * * * PageV03P180 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) (171) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كمثل ): المثل : قول سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول. # ( @QUR@01 ينعق ): النعيق : التصويت ، يقال : نعق الراعي بالغنم إذا صاح ~~بها زجرا ، ونعق الغراب : إذا صوت من غير أن يمد عنقه ويحركها. ونغق بالغين ~~بمعناه ، فإذا مد عنقه وحركها ثم صاح قيل : نعب. # ( @QUR@01 دعاء ): الدعاء : طلب الفعل من المدعو. # ( @QUR@01 ونداء ): النداء : مشتق من ندى الصوت ms0448 ناداه أي دعاه بأرفع صوته. # * * * PageV03P181 ### ||| ** الصورة الداخلية الحقيقية للكافر # هذا مثل للكافرين يستهدف كشف الصورة الداخلية الحقيقية للكافر في مواجهته ~~للفكر الذي يقدم إليه ، وللإيمان ، الذي يدعى إليه ، فهو لا يحمل في نفسه ~~مسئولية الفكر والإيمان ليفكر ويناقش ويدير الحوار الذي يرتكز على أن يسمع ~~وجهة نظر الآخرين ، ويفهم طبيعتها وخصائصها وتفاصيلها ، ثم يفكر فيها من ~~حيث هي خطأ أو صواب. إنه خاضع لتسلط الفكرة المنحرفة على وجدانه وضميره ، ~~فهي تملأ كل جوانب ذاته ، لا يسمح لأية علامة استفهام أن تهز هذه القناعة ~~المضللة عنده ، ولا يستمع لأي صوت هدى يقتحم عليه ضلاله. ولهذا فهو لا ~~يواجه أصوات الحق والخير والهدى ، إلا كما تواجه الأنعام أصوات الرعاة ، ~~فلا تفهم من أناشيدهم أي شيء مما تجيش به صدورهم وتنفعل معه مشاعرهم ، بل ~~لا تعي إلا الصوت الذي يرن في أسماعها لتتحرك معه. # وتزيد الآية الصورة وضوحا في طبيعة الحالة العامة التي تمنعهم من مواجهة ~~الإيمان بالجد والإيجابية ، فقد عطلوا أسماعهم وأغلقوها عن آيات الله ، ~~فمثلهم مثل الذين لا يملكون قوة السمع ، وقد عطلوا ألسنتهم عن الجواب ، في ~~ما يوجه إليهم من كلمات الله بما يحتج عليهم به أو يسألهم عنه ، فكأنهم لا ~~ينطقون ، وقد أغمضوا عيونهم عن النظر إلى آيات الله في خلقه بما تجسده من ~~مواطن العظمة ، فكأنهم لا يبصرون. ومن خلال ذلك كله ، عطلوا عقولهم عن ~~التفكير بما جمدوه من أدوات الفكر المسموعة والمنظورة والمنطوقة ، فكأنهم ~~لا يعقلون. # وقد نجد في هذا المثل الحي الفكرة التي يعمل القرآن على تقريرها وتأكيدها ~~في قضية الكفر والإيمان ، وهي أن الكفر ليس مشكلة فكرية تواجه الإنسان في ~~ما يواجهه من مشاكل الفكر المعقدة ، بل هي مشكلة ذاتية تنطلق PageV03P182 # من خلال العقدة النفسية التي يعيشها الإنسان إزاء ارتباطه بفكرة معينة ~~مما لا يبقي له مجالا للانفتاح على أي شيء آخر مضاد لها. # * * * ### ||| ** الكافرون يعطلون حواسهم عن العمل # ( @QUR@03 ومثل الذين كفروا ) في دعوتك إياهم إلى الإيمان ( @QUR@03 كمثل ~~الذي ينعق ) أي يرسل الصوت ( @QUR@06 بما لا ms0449 يسمع إلا دعاء ونداء ) ~~كالبهائم التي تسمع أناشيد الرعاة التي تتضمن معاني عدة ، ولكنها لا تفهم ~~معناها ، ولا تنفتح بها إلا على الصوت فهم لا يفهمون من كلامك الرسالي ~~معناه ، بل يقتصرون من ذلك على الصوت المجرد الذي يشق طريقه إلى السمع من ~~دون أن يدخل في العقل ، لأنهم ذاهلون عن دعوتك ، منصرفون عن معناها ~~لاستغراقهم في التفكير الذي وورثوه عن آبائهم ، فهم متعبدون بها لا ينحرفون ~~عنه إلى غيره حتى لو كان صوابا ، لأن الصواب لا يمثل اهتماماتهم في ~~الانتماء والاقتناع ، بل هو امتداد الماضي في عقولهم وأفكارهم. ويقول صاحب ~~الكشاف : «ويجوز أن يراد بما لا يسمع : الأصم الأصلح الذي لا يسمع من كلام ~~الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير ، من غير فهم للحروف ، وقيل ~~معناه : ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع ~~إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته ، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ، ~~ولا يفقهون أهم على حق أم على باطل» (1). # ( @QUR@01 صم ) عن استماع الحجة كمن لا يسمعون. ( @QUR@01 بكم ) عن النطق بها PageV03P183 # كمن لا ينطقون. ( @QUR@01 عمي ) عن رؤية الحقائق البارزة فيها كمن لا ~~يبصرون. # ( @QUR@03 فهم لا يعقلون ) لأنهم لا يستعملون عقولهم في إدراك الحق. # * * * ### ||| ** أفكار من وحي الآية : ### ||| ** العقل أساس المعرفة والمسؤولية # ونستطيع أن نستوحي من الحديث في الآية السابقة التي تتساءل عن اتباعهم ~~آباءهم حتى لو كانوا لا يعقلون شيئا ، وفي هذه الآية التي تؤكد أنهم لا ~~يعقلون ، أن المشكلة في هؤلاء أنهم لا يملكون حركة العقل في وجدانهم حتى ~~يميزوا به الخط المستقيم من الخط المنحرف ، ولا يفرقون بين الجهة التي لا ~~تعقل شيئا ولا تهتدي طريقا ، وبين الجهة التي تملك العقل والوعي والهدى ، ~~فيتبعون تلك ويتركون هذه. # ومن هنا ، فإن فقدانهم حيوية العقل وجرأته ، جعلهم يقلدون من لا عقل له ~~في حقائق الأشياء. ومن جهة أخرى ، فهي تدل على أن العقل هو الأساس في حركة ~~المعرفة الصحيحة ووعي المسؤولية ، فمن لا يعتمد العقل وسيلته إلى المعرفة ~~في ms0450 مسئولياته الفكرية فلن يصل إلى الحقيقة في عمقها الإيماني. # * * * PageV03P184 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن ~~كنتم إياه تعبدون (172) @QUR@025 إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم ) (173) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أهل ): الإهلال في الذبيحة : رفع الصوت ، وكانوا إذا ذبحوا ~~لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها ويقولون : باسم اللات أو باسم العزى ، قال ~~الراغب : «الإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لكل صوت» (1). # ( @QUR@01 اضطر ): الاضطرار : كل فعل لا يمكن المفعول به الامتناع منه ، PageV03P185 # وذلك كالجوع ، فلا يمكن الامتناع منه. قال الطبرسي : «والفرق بين ~~الاضطرار والإلجاء أن الإلجاء قد تتوفر معه الدواعي إلى الفعل من جهة الضرر ~~والنفع ، وليس كذلك الاضطرار» (1). # ( @QUR@01 باغ ): البغي : تجاوز الاقتصاد في ما يتحرى ، وبغى : تكبر ، ~~وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له. قال الطباطبائي : «غير ظالم ولا متجاوز ~~حده» (2). # ( @QUR@01 عاد ): العدو : التجاوز ، ومنافاة الالتئام ، فتارة يعتبر ~~بالقلب ، فيقال له : العداوة والمعاداة ، وتارة بالمشي ، فيقال له : ~~العدوان ، والعدو ، وقيل : غير باغ على الإمام ولا عاد في المعصية طريق ~~المخبتين. # * * * ### ||| ** التشريع لم يمنع طيبا # في هذه الآية نداء للمؤمنين بإباحة طيبات الرزق ، والدعوة إلى شكر الله ~~على ذلك ، وتحريم بعض الأشياء عليهم ، لأن ذلك كله من نتائج الإيمان بالله ~~، فإن المؤمنين بالله هم الذين يقبلون على ما رزقهم الله من طيبات الحياة ~~إقبال الواعين لمصدر الرزق ، العارفين بما يشتمل عليه من نعمة وافرة وفضل ~~عظيم بما توفره له من رخاء الحياة ولذتها وسعادتها ، فيندفعون من عمق ~~إيمانهم إلى الشكر العظيم لله ، باعتبار أن الشكر العملي يمثل التجسيد الحي ~~للشعور العميق بعبوديتهم لله وخضوعهم له ، وإيمانهم بأنه أهل للعبادة ، ~~لأنه مصدر الخير كله للإنسان في وجوده الممتد بكل النعم والألطاف. وقد يوحي أسلوب PageV03P186 # الآية الأولى بضميمة الآية الثانية ، بأن الله قد أباح للإنسان كل ~~الطيبات ، فلم يحرم عليه شيئا منها مما اعتاد الناس أن يأكلوه ويستطيبوه ~~ويتلذذوا به ، فكأنه ms0451 يقول لهم إن بإمكانهم أن يمارسوا حريتهم في الأكل من ~~هذه الطيبات فلا يحرموا أنفسهم شيئا منها ، لأنها من رزق الله الذي أراد ~~منه أن يبني للإنسان حياته ، ثم عدد المحرمات وحصرها في هذه الأربع انطلاقا ~~من الأضرار الجسدية والروحية المترتبة عليها ، كما ذكر المختصون بأن في ~~الثلاثة الأولى : ( @QUR@04 الميتة والدم ولحم الخنزير ) أضرارا صحية تفسد ~~على الإنسان سلامة بدنه ، أما الرابعة منها ، والمقصود منه ما ذبح على غير ~~اسم الله ، كالمذبوح على الأصنام ، أو لها ، فهو لا يتناسب مع المعنى ~~الروحي الذي يريد الإسلام للإنسان أن يعيشه في مأكولاته التي يريدها أن ~~تكون على اسم الله ولا تكون على غير اسمه ، لأن في ذلك تأثيرا على جانب ~~الإحساس الروحي بالانتماء إلى الله في ما يأكل الإنسان أو يشرب ، مما يوجب ~~أن يكون في الذبيحة معنى روحي ينطلق من حصول الذبح على اسم الله. وإذا كان ~~التحريم والتحليل يتحركان في خط مصلحة الإنسان الروحية والمادية ومراعاة ~~حاجاته الأساسية في ما يجلب له الراحة في حياته ، فمن الطبيعي أن يكون ~~للتشريع في حالات التحريم حد يقف عنده ، وذلك في حالة الاضطرار التي لا ~~يملك الإنسان معها سد رمقه بالمحلل من المأكولات لعدم وجودها أو لتعذر ~~حصوله عليها ، فكانت الإباحة في هذه الحالة منسجمة مع خط السماحة والسهولة ~~في الشريعة الإسلامية ، ولكنها ليست لكل مضطر ، بل هي للمضطر الذي لا يكون ~~باغيا ولا عاديا. # وقد اختلف المفسرون في ما هو المراد من هاتين الكلمتين : ( @QUR@04 غير ~~باغ ولا عاد )، فاختار بعضهم أن تكون حدا للمدى الذي يحل فيه الأكل وهو أن ~~لا يتجاوز حالة الضرورة فيكتفي بسد رمقه ، فلا يزيد على ذلك انطلاقا من ~~القاعدة المعروفة «الضرورات تقدر بقدرها». PageV03P187 # واختار بعضهم أن تكون تمييزا بين نوعين من المضطر ، فهناك النوع الذي ~~يحصل له الاضطرار في الحالات الطبيعية التي يعيشها الناس في أوضاع اليسر ~~والعسر من دون أن يكون الاضطرار ناشئا من حالة بغي أو عدوان ضد الآخرين ، ~~وهناك النوع الذي يضطر إلى ذلك ms0452 في ظروف البغي والعدوان التي سعى إليها ~~بنفسه. وذلك كما في اللص والظالم والغاصب والخارج على الإمام وغير ذلك. # فالنوع الأول هو الذي لا يكون آثما في تناوله للمحرم ، بينما يظل الإثم ~~ثابتا في فعل الثاني لأن مقدماته غير شرعية ، فلا يتناول العذر في ما لو ~~توقفت الحياة على ذلك. # ولعل الوجه الثاني أقرب إلى جو الآية ، لأن طبيعة الاضطرار لا توحي ~~بتناول الزائد عن مقدار الحاجة ، ولا سيما في مثل هذه الأمور التي لا تهش ~~لها نفس المؤمن ، كما أن الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت قد ركزت على ~~المعنى الثاني ، وقد جاء ختام الآية بصفة الغفور الرحيم للتدليل على أن ~~علاقة الله بعباده في ما يحله لهم أو يحرمه عليهم وفي ما يرتكبونه منها في ~~ظروف طبيعية أو غير طبيعية ، هي علاقة المغفرة والرحمة التي تشمل العاصين ~~والمطيعين لأنه الغفور الرحيم. # * * * ### ||| ** بين الحلال الطيب والمحرمات # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) فقد أحل الله ~~لكم كل طيب تستلذونه وتنتفعون به من اللحوم وغيرها ، مما يشتمل على اللذة ~~في المذاق والطيب في خصائصه وعناصره بما تستطيبه حياتكم في نموها وقوتها ، PageV03P188 # ( @QUR@02 واشكروا لله ) على هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى مما يبني ~~لكم أجسادكم وعقولكم ويسهل لكم حياتكم ويكفل لكم الاستقرار ( @QUR@04 إن ~~كنتم إياه تعبدون ) لأن من وسائل العبادة التعبير عن الشكر للنعم الإلهية ~~بمختلف الوسائل التي تمثل الاعتراف بالمنة الإلهية في ما أعطاه سبحانه. # ( @QUR@04 إنما حرم عليكم الميتة ) أي : أكلها ، والظاهر أن المراد ~~بالميتة ما مات حتف أنفه بقرينة مقابلته في هذه الآية بما أهل به لغير الله ~~مما هو داخل في التذكية غير الشرعية لفقدانه للتسمية ، أو للتسمية عليه ~~بغير اسم الله ، كما أن الميتة ذكرت في سورة المائدة في مقابل ما أهل لغير ~~الله به ، والمنخنقة وهي التي ماتت بالخنق والموقوذة وهي المضروبة بخشب أو ~~حجر والمتردية أي : التي تردت من علو إلى بئر فماتت والنطيحة وهي التي ~~تنطحها أخرى فتموت وذلك هو ms0453 قوله تعالى : ( @QUR@061 حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا ~~بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) [المائدة : 3] وهذا هو ما ~~يستفاد من الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تحليل السر ~~في تحريم الميتة قال في ما روي عنه : «أما الميتة فإنه لم ينل منها أحد إلا ~~ضعف بدنه ، ووهنت قوته ، وانقطع نسله ، ولا يموت آكل الميتة إلا فجأة» (1) ~~. فإن هذه الخصائص السلبية من مستلزمات الموت حتف الأنف لا من خصائص الفاقد ~~لبعض شروط التذكية الشرعية ، أما إلحاق غير المذكى بالميتة في الحرمة ، فهو ~~من خلال ما قد يستفاد من آية المائدة ، أو من الأحاديث الواردة في السنة ~~الشريفة. PageV03P189 # ( @QUR@01 والدم ) وقد ذكر البعض أن الدم وسط مستعد لتكاثر أنواع ~~الميكروبات ، فالميكروبات التي تدخل البدن تتجه أول ما تتجه إلى الدم ، ~~وتتخذه مركزا لنشاطها ، ولذلك اتخذت الكريات البيضاء مواقعها في الدم ~~للوقوف بوجه توغل هذه الأحياء المجهرية في الدم المرتبط بكل أجزاء الجسم ، ~~وحين يتوقف الدم عن الحركة وتنشل الحياة فيه ، يتوقف نشاط الكريات البيض ~~أيضا ، ويصبح الدم بذلك وسطا صالحا لتكاثر الميكروبات من دون أن تواجه عقبة ~~في التكاثر. ولذلك نستطيع أن نقول : إن الدم حين يتوقف عن الحركة يكون أكثر ~~أجزاء جسم الإنسان والحيوان تلوثا. # ومن جهة أخرى ، ثبت اليوم في علم الأغذية ، أن الأغذية لها تأثير على ~~الأخلاق والمعنويات عن طريق التأثير في الغدد وإيجاد الهرمونات. ومنذ ~~القديم ثبت تأثير شرب الدم على تشديد قسوة الإنسان ، وقد جاءت الرواية عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : «أما الدم فإنه يورث أكله الماء ~~الأصفر ، ويبخر الفم ، وينتن الريح ، ويسيء الخلق ، ويورث الكلب والقسوة في ~~القلب ، وقلة الرأفة والرحمة ، حتى لا ms0454 يؤمن أن يقتل ولده ووالديه ، ولا ~~يؤمن على حميمه ، ولا يؤمن على من يصحبه» (1). # ( @QUR@02 ولحم الخنزير ) وقد ذكر أنه يشتمل على بعض الديدان الخطرة على ~~الصحة العامة للإنسان من خلال طبيعتها الضارة ، ومنها «دودة التريشي التي ~~تعيش في لحم هذا الحيوان وتتكاثر بسرعة مدهشة ، وتضع في الشهر خمسة عشر ألف ~~بيضة وتسبب للإنسان أمراضا متنوعة كفقر الدم ، والغثيان ، والحمى خاصة ، ~~والإسهال ، وآلام المفاصل ، وتوتر الأعصاب ، والحكة ، وتجمع الشحوم داخل ~~البدن ، والإحساس بالتعب ، وصعوبة مضغ الطعام وبلعه والتنفس و...» ، وقد ~~يوجد في كيلو واحد من لحم الخنزير (400) PageV03P190 # مليون دودة من هذه الديدان. ويضيفون إلى مضاره تأثيره في التحلل الجنسي ~~للإنسان. # ( @QUR@05 وما أهل به لغير الله ) وهو الحيوان الذي يذبح على اسم غير اسم ~~الله ، كالأصنام ونحوها مما يعبده المشركون. ولعل التحريم في هذا النوع ~~ناشئ من العناصر الروحية التربوية ، لأن الله يريد للإنسان أن ينطلق في ~~استحلاله للحيوانات من خلال اسم الله ليعيش في نفسه أن الانطلاق من اسم ~~الله تعالى هو الأساس في كل حركته الغذائية في الحياة. ( @QUR@02 فمن اضطر ~~) بأن توقفت حياته على أكل هذه المحرمات ، أو استلزم تركها الوقوع في حرج ~~شديد لا يتحمل عادة في الواقع الطبيعي للإنسان مما يصدق عليه مفهوم ~~الاضطرار عرفا ، ( @QUR@02 غير باغ ) أي ظالم سائر في طريق البغي ، أو ~~متجاوز للحدود المرسومة له في حركته في سفره أو حضره ، أو باغ على السلطة ~~الشرعية ، ( @QUR@02 ولا عاد ) أي غاصب أو سارق أو عاص آخذ بالمعصية أو ~~معتد على العباد ، ( @QUR@03 فلا إثم عليه ) لأن الله أحل الحرام للمضطر ، ~~ولم يجعل في دينه حرجا على الناس. # والوجه في استثناء الباغي والعادي هو أن الإباحة للمضطر تمثل لطفا من ~~الله بعباده ورحمة لهم ، فلا ينالها إلا الإنسان الذي لا يحارب الله ورسوله ~~، ولا يتعدى حدوده في طريق اضطراره ، فلو كان اضطراره في خط البغي والعدوان ~~لم يكن معذورا ، بل يزداد إثما ، وهذا كما في وجوب الإتمام في السفر على من ~~كان عاصيا في سفره ، لأنه لا يستحق ms0455 اللطف بالتخفيف في الصلاة بالقصر في السفر. # ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) فالرخصة فيه مظهر لعفوه ومغفرته من باب ~~رفع موضوع الذنب بالطريقة التي تلتقي فيها بالمغفرة ، والله العالم. # * * * PageV03P191 ### ||| ** كيف نفهم حصر المحرمات في الأربعة؟ # وقد يثور أمامنا سؤال : ما معنى هذا الحصر للمحرمات في هذه الآية ، التي ~~تلتقي بالآية الأخرى في سورة الأنعام : ( @QUR@039 قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ~~فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم ) [الانعام : 145] ، مع أن المحرمات ولا سيما في اللحوم كثيرة جدا ، ~~كما في الكلب والحشرات والسباع ، وغيرها. # والجواب : أن القضية قد تكون واردة في مورد الحصر الإضافي الذي ينظر إلى ~~بعض الأمور التي كان يثيرها أهل الكتاب مما هو حلال في شرع الله ، فيحكمون ~~بتحريمها ، غير مستندين في ذلك إلى حجة صحيحة. فهي واردة في مجال نفي تحريم ~~ما حرموه وإثبات تحريم هذه الأمور التي كانوا يأكلونها عند قلة الطعام ، ~~كما قيل : فكأنه يقول إن المحرمات هي هذه لا ما حرموه من اللحوم الطيبة ، ~~وليس المقصود أن هذه المحرمات هي وحدها التي تعلق بها التحريم لا غيرها ، ~~مطلقا ، كما هو الحصر الحقيقي. # فكانت هاتان الآيتان من أجل إيضاح الحق في ما هو حلال وحرام مما أوحى ~~الله به إلى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وهذا لا ينفي أن تكون هناك ~~محرمات أخرى لم تقع موضوع النزاع والخلاف بينهم ، فلذلك لا مجال للدخول في ~~عملية النفي والإثبات من جهتها. # ولعل هذا الجواب أفضل مما ذهب إليه البعض من المفسرين الذين اعتبروا ~~الأسلوب القرآني واردا في مورد العام والخاص ، حيث يأتي المتكلم بلفظ عام ~~مثبت أو منفي ، ثم يتبعه بالتخصيص في دليل آخر ، لأن طبيعة PageV03P192 # الجو في هذه الآية أو تلك لا توحي بوجود حالة منتظرة في ما بعد ذلك ، ~~والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV03P193 ### ||| * الآيات # ( @QUR@029 إن الذين يكتمون ما ms0456 أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) @QUR@011 أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) @QUR@014 ذلك بأن الله ~~نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ) (176) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بطونهم ): البطن : خلاف الظهر. والبطن : الغامض من الأرض ، ~~والبطن من العرب دون القبيلة. # ( @QUR@01 اختلفوا ): الاختلاف : الذهاب على جهة التفرق في الجهات ، ~~وأصله من اختلاف الطريق ، ثم استعمل في الاختلاف في المذاهب تشبيها ~~بالاختلاف في الطريق من حيث إن كل واحد منها على نقيض فاعلية الآخر من ~~الاعتقاد. PageV03P194 # ( @QUR@01 شقاق ): الشقاق : والمشاقة : انحياز كل واحد عن شق صاحبه ~~للعداوة له ، وهو طلب كل واحد منهما ما يشق على الآخر لأجل العداوة. # * * * ### ||| ** كتمان الوحي والاتجار بالدين # قد يكون في الحديث عن أهل الكتاب وعن كتمانهم ما أنزل الله فيه من حلاله ~~وحرامه إيحاء بما ذكرناه في تفسير الآيات السابقة في تحليل حصر المحرمات ~~بما ذكر ، على أساس الرد على ما أثاره الآخرون من المحرمات من عند أنفسهم. ~~وقد أفاض القرآن الكريم الحديث عن كتمان الوحي ، وإخفاء الحقائق الإلهية ، ~~والاتجار بالدين ، واستغلال جهل الجاهلين ، وشدد على استحقاق هؤلاء الذين ~~يمارسون هذه الأمور ، عقابا أليما ، لأنهم لا يسيئون بذلك إلى أنفسهم فقط ، ~~بل يسيئون إلى الحياة وإلى الناس كافة ، لأن الحقيقة إذا انطلقت في الحياة ~~فكرا وممارسة ، فسوف تفتح للناس أبواب الخير والتقدم ، وتدفع الحياة إلى ~~النمو والازدهار وتخرجها من الظلمات إلى النور. # وهذا ما نلمحه في هذه الآيات التي تتحدث عن الذين يكتمون وحي الله ، ~~ويتاجرون به بطريقة تحريفية ، فتتوعدهم بأن هذا الذي يأكلونه ثمنا للتحريف ~~سوف يتحول إلى نار تحرق أجسامهم وبطونهم ، وسوف يقفون يوم القيامة موقف ~~الخزي عند ما يواجهون إعراض الله عنهم المتمثل في عدم التفاته إليهم ~~بالكلام ، وعدم تزكيته لهم بالرحمة والرضوان واللطف العميم ، وفي إردائهم ~~في العذاب الأليم. # ثم تثير انحرافهم عن الخط المستقيم الذي يسير عليه ms0457 الناس في PageV03P195 # مواجهتهم لقضايا المصير في حسابات الربح والخسارة ، انطلاقا من الشعور ~~الداخلي بالحاجة إلى النجاة من كل العواقب الوخيمة التي تعرض الإنسان ~~للهلاك والعذاب. # فقد واجه هؤلاء قضية الهدى والضلال كخطين متعاكسين في الحياة ، وكان ~~بإمكانهم اختيار خط الهدى الذي يجلب لهم الخير والنور والفلاح ، ولكنهم ~~استبدلوا به الضلالة التي توقعهم في الشر والظلام والخسران ، كما أنهم ~~واجهوا قضية أسباب العذاب وأسباب المغفرة ، وكان من الممكن أن يأخذوا ~~بأسباب المغفرة في طاعة الله ومحبته ، ويتركوا الأخذ بأسباب العذاب في ~~معصية الله وسخطه ، ولكنهم فضلوا العذاب على المغفرة. # ثم يتعجب في معرض الإيحاء ، بأنهم لا يطيقون ذلك ( @QUR@04 فما أصبرهم ~~على النار ) كأنه يريد أن يوحي بأن الذي يختار هذا المصير هو الذي يملك ~~الطاقة الكبرى من الصبر على حرارة النار وعذابها ، مع أنهم لا يملكون مثل ~~ذلك ، فكيف اختاروا لأنفسهم هذا المصير؟. # ثم تختم الآية الأخيرة هذا الجو بتوضيح صورة الضلال الذي يتخبط فيه هؤلاء ~~أمام الهدى الذي يمثله خط الرسالات. فقد أنزل الله الكتاب بالحق الواضح ~~الذي لا لبس فيه ولا اختلاف ، أما هؤلاء الذين اختلفوا في الكتاب في ألفاظه ~~ومعانيه وفي طبيعة المسير الذي تتحرك فيه مفاهيمه في خطوط الحياة ، فإنهم ~~في شقاق بعيد ، لا يملك أحد فيه العوامل الإيجابية التي تقرب وجهات النظر ~~وتجمعها في مسار واحد ، لأن القضية ليست قضية فكر يبحث عن الحق أين يجده ، ~~بل هي قضية أطماع وشهوات وامتيازات تبحث عن نفسها في الخلافات المتحركة في ~~المواقع والأشخاص في كل اتجاه ، ولذلك فإنها لا تقترب إلا لتبتعد ، ولا ~~تهدأ إلا لتثور من جديد ، لأنها لا تلتقي بالقاعدة الصلبة للقاء أو للهدوء ~~، بل تظل مع الرمال المتحركة التي تجر الخطى إلى أعماق PageV03P196 # الهاوية ، وذلك هو الضلال البعيد ، وذلك هو الخسران المبين. # * * * ### ||| ** جزاء الذين يكتمون الدين ويتاجرون به # ( @QUR@08 إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) وهم أهل الكتاب من ~~اليهود ، أو جماعة منهم ممن كانوا يبشرون الناس بالنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms0458 باعتباره الرسول المرتقب الذي بشرت به التوراة وحددت ~~صفاته أملا في أن يكون منهم ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعرفوا ~~أنه من غيرهم تراجعوا عن كل ما قالوه وغيروه وبدلوه ، وبدأوا يتحركون على ~~أساس كتمان الحقيقة التي عرفوها ، لئلا يكون ذلك حجة عليهم من قبل ~~المسلمين. # وإذا صح نزول الآية في هذه الجماعة ، فإن الآية مطلقة لكل الذين يكتمون ~~الحق الموجود في الكتاب المنزل توراة أو إنجيلا أو قرآنا ، في ما تضمنه من ~~الحقائق المتصلة بالعقائد أو الشرائع أو مناهج الحياة ، لأن الكتاب يمثل ~~رسالة الله المتحركة في خط النبوات ، وهو ينطلق من وحدة على مستوى القضايا ~~الكلية في موقع القاعدة مع تنوع التفاصيل ، فلا يريد الله لأهله أن يكتموه ~~عن الناس ، بل يريد لهم أن يبلغوه بالمبادرة تارة على مستوى الدعوة ~~والتبليغ ، وبالجواب عن السؤال أخرى ، على مستوى الاستجابة لعلامات ~~الاستفهام لدى الناس ، ( @QUR@04 ويشترون به ثمنا قليلا ) أي يعملون على ~~الاتجار به وتحويله الى سلعة للتجارة فيحتكرونه لأنفسهم ، ولا ينشرونه بين ~~الناس ، ليحصلوا على الثمن الذي يدفعه الآخرون المحتاجون إليه في مقابله ، ~~مما لا يتفق مع الحقيقة المنزلة ، بل ينطلق في خط التحريف ، ولكنهم مهما ~~حصلوا عليه من المال كبدل للكتاب ، فإنه لا يمثل إلا ثمنا قليلا ، لأن ~~الكتاب أكبر من PageV03P197 # كل ثمن ، فلا يساويه أي شيء مما يتداوله الناس من الأثمان ، ولو أنهم ~~أخلصوا لله في حفظ كتابه وإظهاره لعباده لحصلوا من ذلك على خير كبير لا ~~يقاس به هذا العرض الزائل من تجارتهم الخاسرة. # ( @QUR@017 أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) فما حصلوا عليه واكتسبوه بالإثم ~~واشتروا به طيبات الحياة وشهواتها من كل ما يستطيبونه وسيتلذونه ويأكلونه ، ~~سوف يتحول إلى نار تحرقهم في عذاب الله في جهنم ، وسيفقدون رعاية الله حيث ~~يبعدهم الله عن رحمته ، فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين ، ولا يخاطبهم ~~بالرحمة واللطف والرضوان كما يخاطبهم. ولا ريب أن في ذلك إشارة إلى ms0459 أن من ~~مظاهر رحمة الله تعالى في الآخرة هي التفاته إلى المؤمنين بالكلام معهم ، ~~مما يعبر عن إظهار خاص لرعايته وعنايته واهتمامه بهم ، في حين أنه يحرم غير ~~المؤمنين من هذه الرحمة فالله ( @QUR@02 لا يكلمهم )... ( @QUR@02 ولا ~~يزكيهم ) بالثناء عليهم وامتداحهم كما يثني على عباده المؤمنين أو ( ~~@QUR@02 لا يزكيهم )، من التزكية بمعنى الطهارة ، أي لا يطهرهم من ~~القذارات المعنوية بالمغفرة ، بل وأكثر من ذلك ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) ~~موجع مؤلم بما تمردوا على الله في انحرافهم عن الحق موقفا وإظهارا وإعلانا ~~، بكفرهم بالرسول وكتمانهم لدلائل رسالته. # ( @QUR@05 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) عند ما استبدلوا الإيمان ~~بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بالحقائق الإلهية بالكفر به أو بها ، ~~فانطلقوا في خط الضلال بدلا من خط الهدى ، ( @QUR@02 والعذاب بالمغفرة ) ~~فأخذوا العذاب الذي يترتب على الكفر ، وتركوا المغفرة التي تتأتى من ~~الإيمان ، فاستحقوا النار ( @QUR@04 فما أصبرهم على النار ) أي ما أجرأهم ~~على النار التي لا يمكن أن يجرأ على اقتحامها أو التسبيب للوقوع بها أي ~~عاقل ، مما يوحي بجهلهم بالنتائج على مستوى وعي الأعمال التي قدموها أمامهم ~~من معاصي الله ، وسفاهتهم الذهنية والعملية ، وهذا ما يوحي بالتعجب من ~~هؤلاء في حركتهم السائرة إلى الهلالك الأبدي في PageV03P198 # نار جهنم كيف ارتضوا لأنفسهم هذا المصير الأسود. # ( @QUR@01 ذلك ) العذاب الذي أنزله الله بهم لا ينطلق من غير سبب يوجبه ، ~~بل يتحرك من قاعدة ثابتة في الخط الإلهي في مجازاته لعباده على أعمالهم في ~~الدنيا ، ( @QUR@05 بأن الله نزل الكتاب بالحق ) فقد أراد للحق الكتابي أن ~~يكون القاعدة للحركة الإنسانية في الحياة ليتكامل الإنسان في ذلك مع الكون ~~الذي أقامه الله على أساس الحق ، فقد خلق الله السماوات والأرض بالحق ، ومن ~~الطبيعي أن ذلك لن يتحقق إلا إذا بلغ الكتاب أهله ليقرأه الناس ، وليفهموه ~~، ويعرفوا حقائقه ، وليتحركوا من خلاله ، فإذا كتمه أهله وحرفوه ، واشتروا ~~به ثمنا قليلا ، فلا يمكن للناس أن يلتقوا بالحق ، وهو ما يؤدي إلى الوقوع ~~في الباطل والابتعاد عن الله ، وبالتالي إلى الإساءة للحياة ، والإنسان ms0460 ، ~~وتوازن العلاقة بين الكون والإنسان من جهة ، وبين الله من جهة أخرى ، وهذه ~~جريمة كبيرة متعددة الأبعاد. # ( @QUR@05 وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) في تحريفه وتأويله وتحريكه في ~~الواقع تبعا لأهوائهم التي لا تنطلق بهم من موقع وحدة ولا تسير بهم إلى ~~قاعدة من اللقاء ، ( @QUR@03 لفي شقاق بعيد ) فهم قد يلتقون على إخفاء الحق ~~وكتمان الحقيقة والكفر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبرسالته ، ولكنهم ~~، في داخلهم ، في حالة نزاع وشقاق بعيد ، لا يقترب بهم إلى الحق ، لأن لكل ~~منهم هوى يتحرك في خدمة أطماعه وشهواته ، وخطا يسير به إلى مصالحه بعيدا عن ~~خط الآخر ، الأمر الذي يجعل حياتهم مفتوحة على أكثر من نزاع أو خلاف يبتعد ~~بهم عن الخط المستقيم. # * * * PageV03P199 ### ||| ** مناقشة مع صاحب الميزان # وقد جاء في تفسير الميزان أن «في الآية من الدلالة على تجسم الأعمال ~~وتحقق نتائجها ما لا يخفى ، فإنه تعالى ذكر أولا أن اختيارهم الثمن القليل ~~على ما أنزل الله ، هو أكل النار في بطونهم ، ثم بدل اختيار الكتمان وأخذ ~~الثمن على ما أنزل الله في الآية التالية من اختيار الضلالة على الهدى ثم ~~من اختيار العذاب على المغفرة ، ثم ختمها بقوله : ( @QUR@04 فما أصبرهم على ~~النار )، والذي كان منهم ظاهرا هو الإدامة والكتمان والبقاء عليها فافهم» (1). # ونلاحظ على ذلك أن هذه الدلالة التي لاحظها العلامة الطباطبائي ارتكزت ~~على استنطاق المدلول الحرفي للكلمة ، بعيدا عن الأساليب البلاغية في ~~الاستعارة والكناية التي قد تعبر عن أكل النار في بطونهم تعبيرا عن ~~استحقاقهم الدخول في النار والسقوط في عذابها جزاء على عصيانهم وكفرهم ، ~~تماما كما لو كانوا يأكلونها في بطونهم. والله العالم. # * * * PageV03P200 ### ||| * الآية # ( @QUR@051 ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) (177) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 البر ): التوسع ms0461 في فعل الخير. # ( @QUR@02 وابن السبيل ): المسافر المنقطع إذا كان في سفره محتاجا وإن ~~كان في بلده ذا يسار. قال الزمخشري : وجعل ابنا للسبيل لملازمته له (1). # ( @QUR@01 والسائلين ): المستطعمين الطالبين للصدقة. ويعبر عن الفقير ~~إذا كان مستدعيا لشيء بالسائل. PageV03P201 # ( @QUR@02 وفي الرقاب ): جمع رقبة ، وهي أصل العنق ، ويعبر به عن جميع ~~البدن ، يقال : أعتق رقبته ، ومنه : ( @QUR@021 والذين يظاهرون من نسائهم ~~ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله ~~بما تعملون خبير ) [المجادلة : 3] ، قال الطبرسي : ( @QUR@02 وفي الرقاب ) ~~فيه «وجهان : (أحدهما) عتق الرقاب بأن يشتري ويعتق ، (والآخر) في رقاب ~~المكاتبين» (1). وقال الزمخشري : «وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم ~~وقيل : في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل : في فك الأسارى» (2). # ( @QUR@01 البأساء ): الفقر والشدة. # ( @QUR@01 والضراء ): المرض والسقم والوجع. # ( @QUR@02 وحين البأس ): وقت القتال وجهاد العدو ، فالبأس : الشدة في ~~الحرب ، ورجل ذو بأس : شجاع. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان ، في سبب نزول هذه الآية : «لما حولت القبلة وكثر ~~الخوض في نسخها ، وصار كأنه لا يراعى بطاعة الله إلا التوجه للصلاة ، وأكثر ~~اليهود والنصارى ذكرها أنزل الله سبحانه هذه الآية ...» (3). # * * * PageV03P202 ### ||| ** البر كملمح أساس في الشخصية الإسلامية # وفي أجواء الآية التي تشير إلى بعض هذا الجو ، نستوحي ملامح الشخصية ~~الإسلامية في ما ترتكز عليه من فكر وإيمان وممارسة في السلوك الذاتي ، وفي ~~العلاقة بالناس ، وبالمواقف الصعبة في الحياة ، وذلك من خلال تحديد طبيعة ~~البر الذي يعني التوسع في الخير والإحسان ، كما يذكر أهل اللغة ، لأنه يمثل ~~سر الشخصية لدى المؤمن في ما تنفتح عليه من آفاق التصور ، وبما تتحرك فيه ~~من مجالات عملية. # ولعل القيمة في مضمون هذه الآية أنها تجاوزت المفهوم الضيق الذي يتحرك ~~فيه البر ليرتبط بالجانب العملي للحياة ، فانطلقت به ليشمل الجانب الفكري ~~والروحي الذي يحتضن الفكر والإيمان ، فيعتبر من خلال ذلك أن في الفكر خيرا ~~وشرا ، تماما كما هو العمل خير وشر ، بل ربما كان الأساس في البر العملي ، ~~البر الفكري والعقيدي ، لأنه هو الذي يعطي العمل دوافعه ونوازعه ، وهو الذي ~~يحدد ms0462 له مضمونه وطبيعته. ولهذا انطلق القرآن ليحدد للإنسان شخصيته من خلال ~~تحديد ملامحه الفكرية والعملية ، فلم يكتف بالعمل وحده في مجال التقييم ~~بعيدا عن الإيمان ، كما لم يكتف بالإيمان بعيدا عن العمل ، فبالإيمان ~~والعمل تتكامل الشخصية وتنطلق. # * * * ### ||| ** بين البر والإيمان # ( @QUR@08 ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) لأن قضية النفس ~~الخيرة لا ترتبط بالشكل بعيدا عن المضمون ، فما قيمة الصلاة إلى القبلة ، ~~أية قبلة PageV03P203 # كانت ، إذا لم تتحرك من إيمان عميق بأصول الإيمان ، ولم تنطلق في حركة ~~الإيمان سبيلا وغاية ، لأنها إذا لم تكن كذلك تتحول إلى إحساس يطفو على ~~السطح ولا يلامس الأعماق ، مما يجعل من الموقف موقف استعراض لا موقف ارتكاز ~~، وبهذا ، فليس من الضروري أن يثور هذا اللغط الكثير حول تغيير طبيعة ~~القبلة إلى الشرق أو إلى الغرب ، فهي لا تزيد عن أن تكون مجرد تشريع جزئي ~~كبقية التشريعات الجزئية المتعلقة بأحكام العبادة في تفاصيلها الخاصة ~~الكثيرة ، ومن الطبيعي أن يخضع المؤمنون للتشريع في سلبياته وإيجابياته ، ~~فلا يعترضوا عليه في قليل أو كثير إذا أحرزوا انطلاقه من مصدر التشريع وهو ~~الله ، بل لا بد من أن يتركز الاهتمام والجدل حول الأسس التي يرتكز عليها ~~البناء الداخلي للنفس البارة الخيرة التي تعيش البر موقفا شاملا لجميع ~~مجالات الحياة. # ونلاحظ في هذا المجال أن الآية قد غيرت أسلوبها التعبيري ، فبينما كان ~~النفي يتجه إلى استبعاد الشكل عن معنى البر نرى الإثبات ينطلق في الحديث عن ~~شخصية البار وصفته ، للتدليل على أن الإسلام ينظر إلى الفكرة من خلال ~~المفكر ، وإلى الخير من خلال النموذج الحي المتجسد بالفكرة شكلا ومضمونا ، ~~ليبتعد الجو النفسي عن التركيز على المفهوم النظري بعيدا عن الواقع ~~التطبيقي للنظرية ، وهذا هو ما نلمحه في تكملة الآية في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) فلا بد من الإيمان بالأسس ~~العامة للعقيدة ، وهي الإيمان ( @QUR@06 بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين ) لأنها تمثل الحقائق الدينية التي لا يمكن أن يجهلها أو ~~يهملها أي إنسان مؤمن ، لأن ms0463 جميع الرسالات السماوية قد قررت ذلك. # * * * PageV03P204 ### ||| ** الإيمان العميق قاعدة الشخصية الإسلامية # وقد لا نحتاج إلى تحليل واسع لنعرف أن هذا الإيمان الذي تعتبره الآية ~~أساسا للبر الروحي والفكري ، يمثل الامتداد والحركة في الشخصية الإسلامية ~~للإنسان المسلم ، لأن الإيمان بالله يتصل بالشعور العميق بانطلاقة الحياة ~~من قوة حكيمة رحيمة عادلة تخطط للإنسان حياته كما تخطط للكون قوانينه ، ~~وبذلك يشعر الإنسان بمسؤوليته أمام هذه القوة الخالقة التي تربي له وجوده ، ~~وتنمي له جسده وعقله وروحه ، ويعيش الإحساس بارتباطه الدائم بالله من خلال ~~حاجته المطلقة له في كل شيء ، وتتساقط أمام هذا الإيمان كل مشاعر الانسحاق ~~والضعف والضياع واليأس والفراغ وعدم الانتماء ، لأن مثل هذا الإيمان ، يملأ ~~في حيويته المتحركة ، حياة الإنسان بكل المفاهيم الإيجابية المضادة لتلك ~~المفاهيم السلبية لما يوحيه من الشعور بأنه يعيش في كون يرعاه خالقه في ~~رحمته وحكمته وقوته المطلقة ، وينتمي إليه كل ما فيه من مفردات الوجود. # وبذلك نستطيع أن نقرر أن المؤمنين الذين يعيشون المفاهيم السلبية التي ~~تغرق شعورهم بالضياع والفراغ واللاانتماء ، يعيشون في غفلة من إيمانهم ~~ويقعون تحت تأثير أجواء البيئة المنحرفة التي تحتضن هذه المفاهيم. أما ~~الإيمان باليوم الآخر ، فيثير في داخله الشعور بالمسؤولية وما يترتب عليها ~~من ثواب أو عقاب ، مما يجعل الإنسان واعيا لحياته بشكل أعمق ، فلا يعتبرها ~~رحلة ساذجة تخضع للمزاج الذاتي وللشهوة الطارئة ، بل يراها خطا مستقيما ~~تحكمه بداية المسؤولية ونهايتها في نتائجها العامة والخاصة. # وفي هذا الجو من الإيمان ينتفي من داخل الشخصية الإسلامية للإنسان PageV03P205 # المسلم الشعور بالعبث في مسار حياته عند ما يواجه كثيرا من الأوضاع التي ~~توحي بمثل هذا الشعور إذا انفصلت عن طبيعة النتائج العملية عند الله ، ~~فيتحول الموقف إلى إحساس عميق بالجدية المرتبطة بالهدف في كل شيء حوله ، ~~وهذا ما تمثله الآية الكريمة ( @QUR@08 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون ) [المؤمنون : 115]. # أما الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين ، فيمثل الإيمان بالحقائق ~~الروحية التي ترتبط بالغيب من جهة وتواجه الواقع من جهة أخرى ، وذلك من ~~خلال التصور الإسلامي ms0464 للموجودات غير المرئية المتمثلة في الملائكة عند ما ~~يشعر بحفيف أجنحتها في وعيه الديني وهو يتصورها في حركة دائبة في أجواء ~~السماء والأرض ، وخضوع مطلق لله في ما يوكله إليها من مهمات كونية تتصل ~~بالحياة والإنسان ، فيتعاظم الإحساس بعظمة التدبير من خلال الأشياء المرئية ~~وغير المرئية ، وبروعة هذه الصورة الملائكية التي تمنح الوجود معنى روحيا ~~ينساب فيه انسياب اللطف والرحمة في المشاعر والأعماق. # والإيمان بالكتاب يعني الإيمان بالرسالة الإلهية الواحدة التي تنزلت في ~~كل عهود النبوات ، في كتاب واحد بمفاهيمه التوحيدية العامة ، وإن اختلفت ~~تفاصيله تبعا لاختلاف حاجة كل عصر إليها. فالوحدة تبقى أساسا للتصور الديني ~~في معنى الكتاب والإيمان به وبالنبيين ، كل النبيين ، منذ آدم حتى محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، أي الإيمان بوحدة المسيرة في طريق الرسالة الطويلة ، ~~فلا اختلاف بين الرسل في الفكر وفي الهدف ، لأن الفكرة واحدة ، وهي الإيمان ~~بالله الواحد ، والهدف واحد هو الحصول على رضاه في ما يحبه وفي ما لا يحبه ~~، وهذا ما يحكم الطريق الذي يسيرون فيه ، ولكن مراحل الطريق تختلف ، ~~ومواقفه تتنوع ، فلا بد لكل مرحلة من رسولها الذي ينسجم مع طبيعتها ، ولا ~~بد لكل موقف من دور يجسده السائر الذي يقود الناس إليه ، PageV03P206 # وبذلك كانت الفكرة الإسلامية عن الأنبياء فكرة متكاملة من خلال الشعور ~~بأن بعضهم يكمل دور البعض الآخر ولا يعارضه ، تماما كما هي الخطوات ~~المتلاحقة في الدرب الواحد نحو الهدف الكبير. # أما اختلاف الأديان الذي يحكم عالمنا هذا ، فإنه يمثل الخطأ في فهم ~~المرحلة ، حيث يعتبر ما هو مرحلة في طريق الغاية ، غاية بذاته. # ويبقى الإسلام في كل آياته يجسد هذه الحقيقة التوحيدية للرسالات حيث يدعو ~~إلى الإيمان بالكتاب الواحد الذي يجمع الكتب ، والإيمان بالنبوة الواحدة ~~التي تحتضن جميع الأنبياء : ( @QUR@027 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) [البقرة : 285]. وتظل ~~الشخصية الإسلامية مع هذا التصور الإيماني بعيدة عن ms0465 التشنج إزاء أي كتاب أو ~~رسول ، فكلها وحي الله ، وكلهم رسل الله. # * * * ### ||| ** العطاء أحد عناصر الشخصية الإسلامية # ( @QUR@013 وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب ) والعطاء ، أحد عناصر الشخصية الإسلامية ، ~~ونموذج حي للبر العملي ، فإذا كان الإنسان يملك المال ، فإن الإسلام يعتبر ~~الملكية وظيفة ومسئولية ، لا امتيازا وشرفا ذاتيا ، ولذلك جعل العطاء سر ~~الشخصية لأنه يعني انفتاحها على آلام الحياة ومشاكلها وحالاتها الصعبة ~~وتطلعاتها الكبيرة ، في محاولة متواضعة ، فردية أو جماعية ، لإعطاء بعض ~~الحلول وتسهيل بعض الصعاب وتحقيق بعض التطلعات ، في شعور بأن ذلك هو من حق ~~الآخرين عليه في ما يتحمله من مسئولية الآخرين. PageV03P207 # وجاءت كلمة ( @QUR@02 على حبه ) لتؤكد عمق هذا العطاء في النفس ، على أي ~~المعنيين كان مرجع الضمير ، فإذا أردنا من الحب ، حب الله فإنه يمثل العطاء ~~من أجل الله بعيدا عن المنافع الذاتية الطارئة ، وإذا أردنا منه «حب المال» ~~فإنه يمثل العطاء من موقع الانتصار على الذات عند ما يبذل الأشياء التي ~~يحبها ويتعلق بها فلا يمنعه ذلك من العطاء في سماح ومحبة. # أما الذين يستحقون العطاء ، فهم ذوو القربى لأن صلة الرحم توجب على ~~الإنسان التعبير عنها في أسلوب عملي ، وهو أسلوب العطاء الذي يعني المشاركة ~~، واليتامى الذين هم في كفالة المجتمع الإنساني بعد غياب الكافل المباشر ~~لهم ، والمساكين الذين لا يجدون الفرصة الكريمة للعيش الكريم فلا يملكون ~~قوت سنتهم قوة وفعلا ، وابن السبيل الذي انقطعت به الطريق فلم يجد من المال ~~ما يكمل به سفره ، وإن كان غنيا في بلده ، والسائلين الذين لم يتخذوا ~~السؤال حرفة ومهنة ، بل انطلقوا به من واقع الحاجة إلى ذلك ، وفي الرقاب ~~التي أثقلها الرق وضغطت عليها العبودية ، فأراد الإسلام ، للذين يجدون ~~المال ، أن يصرفوا أموالهم في طريق تحريرها لتعيش الكرامة في الحرية ~~الإنسانية والقانونية .. وتلك هي الفئات المسحوقة التي يعتبر العطاء ~~بالنسبة إليها مسئولية إنسانية وإسلامية ليعيش المجتمع في نظام إنساني ~~متوازن طبيعي شامل. # * * * ### ||| ** الصلاة تفجر المعاني الروحية في الإنسان # ( @QUR@02 وأقام الصلاة ) فإن ms0466 الصلاة تفتح قلب الإنسان ووجدانه على الله ~~سبحانه ، لتشرق في داخله كل المعاني الروحية الطاهرة التي تحوله إلى كائن ~~حي ، تتفجر مشاعره بالخير ، وتنبض بالطهر ، وتنطلق أفكاره بالحق ، PageV03P208 # فيعيش مع الناس والحياة ، من خلال ذلك كله ، إنسانا يشعر بمسؤوليته عن ~~الناس والحياة من خلال انفتاحه على الله سبحانه. # * * * ### ||| ** الزكاة عطاء عبادي عملي # ( @QUR@02 وآتى الزكاة ) التي تمثل العطاء من حيث هو عبادة عملية لله ، ~~وقد يلفت النظر أن يذكر الله إيتاء الزكاة بعد إيتاء المال على حبه ، وقد ~~يفسرها البعض بأنها إجمال بعد التفصيل ، ولكن الظاهر أنه عموم بعد التخصيص ~~، لأن موارد الزكاة أشمل مما ذكر في الفقرة السابقة ، لا سيما إذا فسرنا ~~الزكاة بكل الضرائب الشرعية المفروضة ، بما فيها الخمس ، كما هو رأي البعض ~~من المفسرين ، فإنها تتسع لكل سبل الخير في الحياة. # * * * ### ||| ** العهد ومسئولية الكلمة # ( @QUR@04 والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) فإن الوفاء بالعهد الذي يلتزم به ~~الإنسان في نفسه يمثل الشعور بمسؤولية الكلمة ، في صدق الالتزام الداخلي ، ~~وفي الوقوف مع العلاقات القائمة على التعاقد موقف الانضباط والاتزان ، وذلك ~~هو سر سلامة المجتمع في العلاقات الخاصة والعامة التي تحكم أفراده ، سواء ~~في ذلك العلاقات القائمة على التعاقد الشخصي ، أو العلاقات القائمة على ~~التعاقد في نطاق المبادئ العامة والنظام الكلي للمجتمع وللأمة ، ومن ~~الطبيعي للمؤمن أن يخلص لالتزاماته لأنه يعتبرها مظهرا حيا من مظاهر إيمانه ~~باعتبارها عهدا وميثاقا بينه وبين الناس أمام الله. PageV03P209 ### ||| ** الصبر أساس تماسك الشخصية وثباتها # ( @QUR@03 والصابرين في البأساء ) وهي حالة الضيق والفقر ، ( @QUR@01 ~~والضراء )، وهي حالة المرض والألم ، ( @QUR@02 وحين البأس ) حالة الحرب ، ~~فإن الصبر. كما ورد في بعض الآيات ، هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ~~كما جاء في حديث الإمام علي عليه السلام (1). وهو العنصر الأساس في تماسك ~~الشخصية وثباتها أمام التحديات ولا سيما التحديات التي تواجه الإنسان في ~~عقيدته والتزامه بالخط العملي الإيماني في الحياة ، فإن الضعف الذي يقود ~~إلى الجزع والانهيار في الموقف قد يقود إلى الانحراف ، ويبعث على الاهتزاز ~~ويدفع بالتالي ، إلى إعطاء صورة مشوهة عن ms0467 طبيعة المجتمع المؤمن في قوته ~~وصموده ، مما ينعكس سلبيا على صورة الإيمان نفسه في نفوس الآخرين. # وقد يتساءل عن الوجه في نصب كلمة : ( @QUR@01 والصابرين ) مع أنها معطوفة ~~على كلمة : ( @QUR@04 والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) مما يفرض الرفع فيها؟ # وأجاب صاحب مجمع البيان على ذلك فقال : «وأما قوله : والصابرين فمنصوب ~~على المدح أيضا لأن مذهبهم في الصفات والنعوت إذا طالت أن يعترضوا بينهما ~~بالمدح أو الذم ليميزوا الممدوح أو المذموم ، وتقديره : أعني الصابرين. قال ~~أبو علي : والأحسن في هذه الأوصاف التي اتقطعت للرفع من موصوفيها والمدح أو ~~الغض منهم والذم ، أن يخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفيها ~~ليكون ذلك دلالة على هذا المعنى وانفصالا لما يذكر للتنويه والتنبيه أو ~~النقص والغض مما يذكر للتخصيص والتمييز بين الموصوفين. # . PageV03P210 # المشتبهين في الاسم المختلفين في المعنى» (1). # * * * ### ||| ** الصدق من لوازم الإيمان # ( @QUR@03 أولئك الذين صدقوا ) في عقيدتهم وفي كلماتهم ، وفي التزاماتهم ~~، وفي علاقاتهم وفي مواقفهم العملية في الحياة ، وفي مواجهتهم لقضايا ~~الحاضر والمستقبل في ما يؤيدون وفي ما يرفضون وفي ما يتحركون على المدى ~~الطويل في حياة الفرد والمجتمع والأمة كلها ، فإن الإيمان هو صنو الصدق ، ~~لأن الإيمان يرتبط بالحق ، والصدق يجسد الحقيقة ، ولهذا ورد في بعض الكلمات ~~المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، بأن المؤمن قد يكون جبانا أو ~~بخيلا ولكنه لا يكون كذابا. وقد ورد في كلمات أخرى ، ان طريق اختبار ~~الإيمان هو النظر إلى صدق الإنسان في كلماته. ولذلك جاءت هذه الصفة لتكون ~~أساسا للشخصية الإسلامية الصادقة. # وربما كان اختصار كلمة الصدق لكل تلك الصفات انطلاقا من أن حركة هذه ~~الصفات المتصلة بالجانب الإيماني والعملي ، كانت نتيجة للجدية التي تفرضها ~~الشخصية الإسلامية في انفتاحها على الحقيقة في الفكر والسلوك بحيث يكون ~~الموقف متطابقا مع الخط المستقيم في دائرة الحق ، وذلك هو سر اتصاف الشخصية ~~في هؤلاء بكلمة الذين صدقوا. والله العالم. # * * * PageV03P211 ### ||| ** المتقون هاجسهم رضى الله دوما # ( @QUR@03 وأولئك هم المتقون ) الذين يخافون الله ويخشونه بالغيب فتتحول ~~خشيتهم له إلى خط عملي في ms0468 حياتهم وفي حياتهم وفي دوافعهم ، فيقفون عند ما ~~حرم الله عليهم من مال حرام ، أو أكل حرام ، أو شرب حرام ، أو لعب حرام ، ~~أو عرض حرام ، أو علاقة محرمة ، أو غير ذلك مما نهى الله عنه ، ويندفعون ~~بالتزام مؤكد في ما فرضه الله عليهم وألزمهم به من الواجبات في عباداتهم ~~ومعاملاتهم وعلاقاتهم في البيت وفي العمل وفي الحياة الاجتماعية والسياسية ~~والاقتصادية ، فيخلصون لله في ذلك كله ، ولا يستسلمون لشهواتهم ، ~~وأنانياتهم ، وأطماعهم ، بل يبقى رضى الله هو الهاجس الدائم الذي يعيش في ~~داخل نفوسهم ، يقظة في الضمير ، والتزاما في القلب والفكر ، وانضباطا في ~~الخطى العملية في الحياة. # تلك هي عناصر الشخصية الإسلامية التي تمثل الخير كله في مجال الفكر ~~والعمل. وتلك هي الأسس الثابتة التي تنطلق من خلالها قضايا الحياة الخيرة ~~في كل تطلعات الإنسان وتوجهاته في حركة الحياة. # * * * PageV03P212 ### ||| * الآية # ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (178) @QUR@09 ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) (179) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كتب ): فرض ، وأصل الكتابة : الخط الدال على معنى ، فسمي به ~~ما دل على الفرض ، قال الشاعر : # كتب القتل والقتال علينا %~% وعلى الغانيات جر الذيول # ( @QUR@01 القصاص ): يقال : قص أثره : أي تلاه شيئا بعد شيء ، ومنه : ~~القصاص لأنه يتلو أصل الجناية ويتبعه. وقيل : أن يفعل بالثاني مثل ما فعله ~~بالأول مع مراعاة المماثلة ، ومنه أخذ القصص كأنه يتبع آثارهم شيئا بعد شيء. # ( @QUR@01 الحر ): نقيض العبد ، والحر من كل شيء أكرمه. PageV03P213 # ( @QUR@01 عفي ): العفو : الترك ، عفت الدار : تركت حتى درست ، والعفو ~~عن المعصية: ترك العقاب عليها ، وقيل : معنى العفو ها هنا : ترك القود ~~بقبول الدية من أخيه. # ( @QUR@01 أخيه ): الأخوة إذا كانوا ينتسبون لأب ، أو لأم. # ( @QUR@01 وأداء ): التأدية تبليغ الغاية. # * * * ### ||| ** في القصاص حياة # في هذا الفصل من القرآن ، نلتقي بالجو التشريعي الذي بدأه القرآن في هذه ~~السورة ms0469 ليشرع للناس الأحكام التي تتصل بحياتهم العامة في الواقع الجنائي ~~وفي واقع العلاقات المتنوعة التي تحكم تصرفاتهم تجاه أنفسهم ، وتجاه ربهم ، ~~وتجاه غيرهم من الذين يرتبطون بهم في الحياة. # فمن هذه الأحكام ، حكم القصاص ، الذي تعرضت له هاتان الآيتان في موضوع ~~جناية القتل ، التي تعتبر من الجرائم الكبيرة في حياة الناس لأنها تمثل ~~الاعتداء على الحياة ، وبذلك كانت تشكل خطرا عظيما على مسار الوجود ~~الإنساني ، مما جعل من قضية معالجتها ومواجهتها قضية حيوية في مجالات ~~النظرة الواقعية للمشكلة في إطار التشريع ، ليمكن من خلالها المحافظة على ~~سلامة الفرد والمجتمع .. فكان القصاص هو العلاج الحاسم للجريمة من وجهة ~~النظر الإسلامية ، كحق يملكه ولي المقتول ، فله أن يقتل القاتل جزاء على ~~جريمته ، وله أن يعفو عنه في مقابل الدية التي يدفعها إلى أولياء المقتول ، ~~وله أن يعفو عنه بدون مقابل. ويلتقي الجانب التفسيري بنقطتين : PageV03P214 ### ||| ** التماثل في القصاص هل يؤكد الطبقية؟ # 1 إن الآية قد أكدت أن القصاص يعتمد على قاعدة التماثل ، فالحر يقتل ~~بالحر ، والعبد يقتل بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، لأن ذلك ما ترتكز عليه ~~القاعدة الإسلامية في التماثل في الاعتداء ورد الاعتداء بمثله. وربما تكون ~~القضية مرتكزة على أن الناس عند ما تختلف أوضاعهم القانونية تبعا لاختلاف ~~صفاتهم الجسدية أو المعنوية ، فإن ذلك يفرض الاختلاف في تقييم العقوبة ، ~~وإلا كانت القضية تمثل إلغاء للاختلاف في الوضع التشريعي القانوني ، وليس ~~معنى هذا التأكيد على الطبقية في القصاص ، لأن هذا ليس واردا في الحساب ، ~~فإن الغني يقتل بالفقير والشريف يقتل بالحقير ، والقوي يقتل بالضعيف ، أما ~~الحرية والعبودية والذكورة والأنوثة ، فإن لها أحكاما خاصة في التشريع فلا ~~بد من مراعاتها في هذا الجانب ، ففي مثل الرجل إذا قتل المرأة ، يمكن ~~لأولياء المرأة القتيل أن يقتلوا الرجل بها مع دفع نصف ديته انطلاقا من ~~مبدأ التصنيف في القضايا المالية في موضوع الرجل والمرأة ، وكذلك الحر إذا ~~قتل العبد ، فإنه يمكن أن يقتل به إذا كان ذلك أمرا معتادا له ، ولسنا ، ~~هنا ، في مجال التفصيل الفقهي لهذه ms0470 الأحكام ، ولكننا في مجال الإشارة إلى ~~طبيعة التركيز على المماثلة لدى من يقول بها من المسلمين ، فقد نجد في بعض ~~الاجتهادات الإسلامية من لا يقول بها استنادا إلى اعتبار هذه الآية منسوخة ~~بالآية الكريمة : ( @QUR@031 وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به ~~فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [المائدة : 45]. # حيث لم يفصل بين الحر وعبد وذكر وأنثى. ولكن هذا الرأي قابل PageV03P215 # للمناقشة ، وسنتعرض له في تفسيرنا لتلك الآية إن شاء الله تعالى. # 2 إن الآية تؤكد إفساح المجال للعفو عن القاتل من قبل ولي المقتول ، ~~وتعتبر العفو ملزما له في نطاق العلاقة المرتكزة على المعروف والوفاء بالحق ~~الذي يتمثل بالدية ليؤدي إليه بإحسان ، فلا يجوز له العودة إلى المطالبة ~~بحقه بالقصاص لأن الحق قد سقط بالعفو فلا يرجع من جديد ، فإذا عاد ولي ~~القتيل للانتقام فإنه يعتبر قاتلا معتديا ، ويستحق العذاب الأليم في الدنيا ~~والآخرة .. وتشير الآية الكريمة إلى أن تشريع العفو في موقع تشريع القصاص ، ~~تخفيف من الله لعباده ، ورحمة بهم حيث لم يحصر التشريع في زاوية ضيقة لا ~~يملك الإنسان معها أمر التحرك بمرونة. # * * * ### ||| ** بين القصاص والعفو # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) فقد فرضه ~~الله عليكم قانونا يحفظ لكم قوة احترام حياتكم ليخلصكم من شريعة الغاب التي ~~تتحول الحياة معها إلى فوضى لا يأمن الإنسان فيها على حياته ، أو يعيش ~~الناس بعيدا عن الضوابط القانونية في شريعة الأخذ بالثأر التي قد يقتل فيها ~~أولياء المقتول عددا كبيرا من الناس لا سيما إذا كان المقتول شريفا في ~~الموقع الاجتماعي ، وكان القاتل وضيعا حيث لا يرضى الأولياء بأن يكون ~~القاتل بدلا من القتيل ، وربما أدى الواقع غير المتوازن إلى حروب طاحنة بين ~~القبائل يسقط فيها الكثير من القتلى ، الأمر الذي يجعل إيجابيات هذا ~~التشريع أكثر من سلبياته ، بينما تكون السلبيات في إهماله وإلغائه كبيرة ~~جدا ، فلا تمثل الإيجابيات أمامها ms0471 شيئا. PageV03P216 # ولا بد في القتل الذي يستوجب القصاص من أن يكون القتل عمدا بحيث يقدم ~~القاتل عليه قاصدا له ، سواء كان قاصدا للفعل القاتل والقتل ، أو كان قاصدا ~~للفعل القاتل وإن لم يقصد القتل بعنوانه ، كمن طعن إنسانا في قلبه ، ولكنه ~~لم يقصد قتله ، فإن طبيعة السبب القطعي للموت تمثل قصدا للقتل بشكل ذاتي من ~~خلال ما يختزنه الفعل في علاقة السبب بالمسبب. # ( @QUR@04 الحر بالحر والعبد بالعبد )، فهذا هو الخط القانوني الذي ~~يراعي التماثل في الخصوصيات الإنسانية بحسب التعدد في مفردات التشريع ~~وخطوطه في هذا الجانب بعيدا عن المسألة الطبقية أو الانتقاص من إنسانية ~~الإنسان في معناه الإنساني ، ( @QUR@02 والأنثى بالأنثى ) فالمرأة تقتل ~~بالمرأة ، وفي الآية إيحاء خفي بأن الحر لا يقتل بالعبد ، وأن الرجل لا ~~يقتل بالمرأة ، ولكنه ليس صريحا في ذلك ، ولهذا انطلق بعض المفسرين ~~ليستفيدوا حكم التخالف في الصفة ، في الحرية والعبودية والذكورة والأنوثة ~~من أدلة أخرى من السنة أو الإجماع ، وقد نقل الخلاف فيه بين المسلمين ، ~~فقال مالك والشافعي وابن حنبل إن الحر لا يقتل بالعبد. وقال أبو حنيفة : بل ~~يقتل الحر بعبد غيره ولا يقتل بعبده ، واتفق الأربعة على أن الرجل يقتل ~~بالمرأة وبالعكس ، وقال الإمامية : إذا قتل الحر عبدا لا يقتل به ، بل يضرب ~~ضربا شديدا ، ويغرم دية العبد ، وإذا قتلت المرأة رجلا عمدا كان ولي ~~المقتول بالخيار بين أن يأخذ منها الدية إن رضيت هي ، وبين أن يقتلها ، فإن ~~اختار القتل فلا يغرم أهلها شيئا وإذا قتل الرجل امرأة كان وليها بالخيار ~~بين أن يأخذ الدية إن رضي القاتل وبين أن يقتله الولي ، على أن يدفع لورثة ~~القاتل نصف دية الرجل خمسمائة دينار. # ( @QUR@011 فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) ~~وهذا هو السلوك البديل الذي شجع عليه القرآن بطريقة الإيحاء ، وهو عفو PageV03P217 # صاحب الحق عن حقه من موقع قدرته من خلال التشريع ، ليكون من باب العفو ~~عند المقدرة ، باعتبار أن القضية إذا انطلقت من اختيار أولياء الدم فإنها ~~لا تضعف ms0472 الهدف ، ولا تلغيه ، على أساس انطلاقه من تأكيد المبدأ في الوقت ~~الذي يمكن للعفو أن يحقق نتائج إيجابية في المسألة الاجتماعية ، وفي القيمة ~~الأخلاقية التي ترتفع بصاحب الحق إلى مستوى الإنسان الذي يملك القوة ~~الروحية في الانتصار على نوازعه الذاتية أو العائلية ، فيتحرك للانفتاح على ~~القاتل من موقع المحبة الإنسانية التي تتجاوز الجريمة لتتذكر أخوة هذا ~~الإنسان من الناحية الإيمانية مما يوحي به التعبير بكلمة ( @QUR@01 أخيه ) ~~في الآية ، لتكون النتيجة عفوا بدون بدل ، وهذه هي قمة العطاء والسمو ~~الروحي ، أو المطالبة بالدية ، وهي تمثل التعبير عن هبة الحياة للقاتل بعد ~~أن ملكها ولي الدم في التشريع ، والاكتفاء بالتعويض عما لحق بالخسارة من ~~جهة ، وإيجاد بدليل واقعي يمتص المشاعر السلبية من جهة أخرى ، لينطلق الصلح ~~من خلال الواقعية الذاتية الإنسانية. # وقد أراد الله لمن عليه الحق أن يؤدي الحق من دون مماطلة ولا تعقيد ~~ليتحسس المعروف في العفو عنه وينطلق الأداء بإحسان ، كما ينبغي لمن يملك ~~الحق أن لا يعسر أخاه إذا كان قد اتفق معه على الدية ، وقد جاء هذا التفسير ~~في رواية الكافي عن الحلبي عن الصادق عليه السلام قال أي الحلبي : «سألته عن ~~قول الله عز وجل : ( @QUR@011 فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان ) قال : ينبغي للذي عليه الحق أن لا يمطل أخاه إذا قدر على ما ~~يعطيه ويؤدي إليه بإحسان» (1). # ( @QUR@05 ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) والإشارة إلى تشريع العفو بدلا من PageV03P218 # القصاص ، فقد أراده الله تخفيفا على الناس ، فلا ينغلقوا على الأخذ بحقهم ~~في قتل القاتل بعيدا عن التسامح والعفو اللذين قد يفتحان للإنسان أكثر من ~~نافذة على الحلول الهادئة السلمية التي تنزع عن النفس كل المؤثرات السلبية ~~في عملية احتواء لكل الآثار النفسية المؤلمة ، لتلتقي الأوضاع الاجتماعية ~~على الطريقة الحكيمة التي يتخفف فيها الإنسان من ذاتيات الألم والانتقام في ~~شخصيته ، وذلك هو التخفيف الإلهي من حدة الحل الحاسم ( @QUR@01 ورحمة ) لهم ~~في هذا الأسلوب الرحيم في العفو ، واستبدال القتل بالتعويض المادي ، ~~والاكتفاء به ms0473 عن العنف القاسي. ( @QUR@07 فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ~~) ربما كان ذلك حديثا عما كان يفعله بعض أهل الجاهلية في الانتقام من ~~القاتل بقتله بعد العفو وأخذ الدية ، حيث يجمعون بين التعويض المادي ~~والقصاص الجسدي كتعبير عن الثأر المزدوج الذي يؤكد عنفوان ولي الدم وإخلاصه ~~للقتيل ضد القاتل وأهله ، ليكون ذلك انتقاما منه ومن أهله ، مما يحقق لهم ~~شفاء الغيظ بأعمق المشاعر الداخلية. وهذا يمثل حالة من حالات الاعتداء على ~~النفس كما لو كان عدوانا ابتدائيا ، لأن العفو الذي يرتكز الصلح عليه مع ~~الدية أو بدونها يمثل محو آثار الجريمة واعتبارها شيئا لا امتداد له في ~~المستقبل في آثاره المضادة على طريقة رد الفعل ، مما يجعل من هذا القتل ~~عدوانا غير مسبوق بشيء ، فلولي الدم قتله قصاصا ، أو العفو مع الدية أو ~~بدونها. # ( @QUR@01 ولكم ) أيها الناس ( @QUR@02 في القصاص ) الذي يجتث جذور ~~الجريمة من عمق النفس المفجوعة في الحالة الشعورية التي تتطلب الثأر ~~وتستسقي الدم ، لتقتصر على التنفيس عن مشاعرها بقتل القاتل وعدم تجاوزه إلى ~~غيره ، وليكون ذلك عملية ردع لكل من تسول له نفسه أن يقوم بجريمة جديدة ضد ~~إنسان جديد عند ما يجد أن التشريع يفسح في المجال لولي الدم أن يقتص منه ، ~~وليحمي المقتص من أي أثر سلبي. PageV03P219 # وهذه هي الوسيلة المثلى للسيطرة على الجريمة المستقبلة التي يختزنها ~~الواقع الاجتماعي في تعقيداته الفردية والاجتماعية بشكل جنيني ، من دون أن ~~يكون المال أو السجن كافيا في تحقيق ذلك. # ( @QUR@01 حياة ) من خلال حصول الحياة على رصيد كبير في المستقبل ~~الإنساني حيث يغلق على الموت العدواني أبواب النوازع الذاتية في حرية ~~الحركة للعدوان ، مما يفسح في المجال لامتداد الحياة بشكل طبيعي حتى يكون ~~قتل القاتل بمثابة المنتج للحياة التي لولا ذلك لماتت وسقطت تحت تأثير ~~الجريمة المرتقبة. # إنها العملية الجراحية التي تستأصل العضو الذي يشكل الخطر على الحياة ، ~~لتمتد الحياة من خلاله ، ولو ببعض النقصان في مفردات الواقع ، ( @QUR@05 يا ~~أولي الألباب لعلكم تتقون ) أي يا ذوي العقول الذين لا تفكرون ms0474 بعواطفكم ~~ومشاعركم ، بل تفكرون بعقولكم التي تدفعكم إلى الدخول في عملية الموازنة ~~والمقارنة بين المصالح والمفاسد في الجوانب السلبية والإيجابية. # * * * ### ||| ** القصاص في خط سير الديانات # ولم يكن هذا الحكم بالقصاص ، حكما إسلاميا في خط سير الديانات ، بل هو ~~حكم ديني تلتقي فيه كل الديانات ، وقد جاء القرآن ليحدثنا في آيات أخرى أن ~~هذا التشريع من أحكام التوراة وذلك في قوله تعالى : # ( @QUR@010 وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف PageV03P220 # @QUR@021 والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة ~~له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [المائدة : 45]. # وقد أعطى الفكرة حجمها الطبيعي في تعليقه على قصة ابني آدم قابيل وهابيل ~~في قوله تعالى : ( @QUR@040 من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في ~~الأرض لمسرفون ) [المائدة : 32]. # فقد نستوحي منها أن القاعدة التي تحكم التشريع هي إبعاد الحياة عن مواقع ~~الخطر ، فلا مجال للتلاعب بالحياة كمبدإ ، وذلك بالمستوى الذي يجعل ~~الاعتداء على حياة الفرد اعتداء على حياة الناس كلهم ، لأنه يمثل الاعتداء ~~على المبدأ ، فلا فرق في قيمة الحياة وقدسيتها بين فرد وآخر ، كما أن ~~الحفاظ على حياة الفرد يمثل في القيمة المحافظة على حياة الناس جميعا ، ~~لأنه يمثل احترام الحياة كمبدإ مما يؤدي إلى امتداده في حياة الآخرين. # أما المسيحية فقد يخيل للبعض أنها لا تعترف بالقصاص كمبدإ ، بل إنها شرعت ~~بدلا منه العفو والتسامح ، فقد ورد عن السيد المسيح عليه السلام أنه قال : ~~«من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر» وقد نقل بعض المفسرين أن ~~النصرانية قد فرضت الدية كفريضة حتمية بدلا من القصاص. # * * * ### ||| ** موقع العفو في المفهوم المسيحي للتشريع # ولكن هذه النسبة غير دقيقة في ما نظن ، لأن الحديث عن التسامح والعفو في ~~المسيحية لم ينطلق ليكون قاعدة وحيدة في التعامل الاجتماعي ms0475 مع PageV03P221 # الجريمة والمجرمين ، بل انطلق من أجل أن يخفف الجو القانوني المادي الذي ~~سار عليه الناس في ذلك العصر الذي رافق إرسال السيد المسيح ، فاعتبرت ~~العلاقات القائمة بين الناس خاضعة للعوامل الذاتية التي لا تجد في الساحة ~~أي أساس روحي للتنازل عن الحق ، لأن المقاييس الروحية لم تكن واردة في حساب ~~العلاقات الخاصة والعامة ، كما حدثنا القرآن في أكثر من حديث عن واقع بني ~~إسرائيل ، فكانت شريعة التسامح تحاول أن لا تجعل الإنسان ذاتيا في المطالبة ~~بحقوقه ، فلا تكون القيمة كل القيمة أن يأخذ الإنسان بحقه ، سواء في ~~المطالبة بالحق من خلال كون الشريعة مرتكزة على أساس تشريع الحق ذلك ~~الميزان الفردي أو الاجتماعي ، بل تريد التأكيد على أن القيمة الروحية ~~الكبرى هي أن يتنازل عن حقه ليتحقق للإنسان التوازن الداخلي والعملي بين ~~أسلوب المطالبة بالحق من خلال كون الشريعة مرتكزة على أساس تشريع الحق ~~القانوني ، وبين أسلوب التنفيذ للحق ، من خلال اعتبار التسامح قيمة روحية ~~في حساب علاقة الإنسان بالله والإنسان. ولا تختلف المسيحية في هذا عن ~~الإسلام الذي شرع الحقوق في جميع المجالات الإنسانية للعلاقات العامة ~~والخاصة ، ولكنه قرن ذلك بالدعوة إلى التسامح والعفو والصبر ، معتبرا ذلك ~~خيرا وأقرب للتقوى. # * * * ### ||| ** النظرة الخاطئة إلى الدين اليهودي والمسيحي # ومن هذا المنطلق نريد أن نشير في هذا الاتجاه إلى رفض التحليل الذي يتحدث ~~به بعض الكتاب الإسلاميين عن اعتبار اليهودية قريبة إلى المادية في التشريع ~~في مقابل اعتبار النصرانية قريبة إلى الروحية في المفهوم ، ليخلص من ذلك ~~إلى الحديث عن عظمة الإسلام ، لأنه حقق التوازن التشريعي والمفهومي PageV03P222 # والعملي بين المادة والروح فلم يمل إلى أحدهما أكثر من الآخر انطلاقا من ~~واقعية الإنسان الذي كان كيانه مزيجا من المادة والروح. # إننا نرفض هذا الاتجاه التحليلي في تقييم الديانات ، لأننا نلاحظ في حديث ~~القرآن عن الرسالات السابقة أنها تسير في خط واحد من ملاحظة مصلحة الإنسان ~~، وذلك من خلال التركيز على علاقته بالله التي تمثل الجانب الروحي الذي ~~يلتقي في نطاقه بالإنسان في ms0476 جانبه المادي ، فلا يبتعد أحدهما عن الآخر في ~~قليل أو في كثير. وقد نستفيد ذلك من الآية الكريمة التي يقدم الله إلينا ~~فيها صورة عيسى ابن مريم عليهما السلام في بيانه الذي قدمه إلى بني إسرائيل ~~في بداية رسالته : ( @QUR@032 وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي ~~اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) [الصف : 6] # وجاء في آية أخرى قوله تعالى : ( @QUR@019 ومصدقا لما بين يدي من التوراة ~~ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ) ~~[آل عمران : 50]. # فإن هاتين الآيتين تؤكدان على أن النصرانية لم تأت لتنسخ الخط العام الذي ~~ارتكزت عليه شريعة التوراة ، بل تحركت في اتجاه إقرارها بشكل عام مع بعض ~~الاستثناءات في جانب التحليل والتحريم مما اقتضاه التطور الزمني لمواجهة ~~المشاكل المستجدة مما لم يعد التشريع فيه عمليا في مستوى الحل الواقعي ~~للأشياء. # وقد نستطيع استيحاء الفكرة التي قررناها في شمولية هذا التشريع لكل ~~الديانات من خلال الآية الكريمة التي أرادت أن تفلسف التشريع بالتأكيد على ~~قيمة الحياة في جانبها السلبي والإيجابي ، فإن مثل ذلك لا يختص بزمان أو ~~بمكان ، بل إنه يشمل الحياة كلها ، فلا بد منه في كل موقف يراد من خلاله PageV03P223 # تعميق الإحساس بقيمة الحياة في الجانب الفكري والعملي من حياة الإنسان ، ~~وفي ضوء ذلك لا نستطيع الموافقة على أن النصرانية تكتفي بالدية فلا ~~تتجاوزها إلى القصاص لأن الدية لا تنجسم مع تقرير مبدأ احترام الحياة كحل ~~للمشكلة ، بل يمكن أن تكون كما شرعها الإسلام بديلا عن القصاص في مجالات ~~العفو والتسامح ، لا بديلا مطلقا في كل الأحوال. # وقد يتحدث البعض عن وجود هذا التشريع في غير الديانات من الشرائع التي ~~كانت مطروحة لدى بعض الشعوب ، كشريعة حمورابي وغيره ، ولكننا لا نستبعد أن ~~كثيرا من تلك الشرائع كانت مستمدة من الرسالات السماوية التي حدثنا القرآن ~~أنها كانت السباقة في معالجة قضايا الإنسان ms0477 ومشاكله العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** فلسفة التشريع في القصاص # ونحن هنا ، في حركة التفسير ، نريد دراسة التشريع في الإطار الإسلامي ، ~~من خلال امتداده في الحياة ، هل هو من التشريعات الصالحة للحياة ، مع ~~التطورات الجديدة التي طرأت على أساليب العقوبات ، وعلى تطور الحياة في ~~مواجهة العلاقات الاجتماعية والتكوين الجديد للمجتمعات ، أم أنه من ~~التشريعات التي تجاوزها الزمن فلم تعد صالحة لمعالجة مشاكله المتنوعة ~~المعقدة؟ # ربما يحتاج الجواب إلى مزيد من التفصيل والتبسيط في آن. # لا بد لنا عند دراسة أي حكم شرعي ، من الانطلاق من نقطة أساسية ، PageV03P224 # وهي أن التشريعات الإسلامية لا تتحرك من قاعدة القيم التي تعيش في السماء ~~، بعيدا عن الأرض ، لأن الإسلام ليس دينا مثاليا يطرح القيم العليا ~~والأهداف الكبيرة التي يتطلع إليها الناس وهم مسحورون بها من دون أن ~~يستطيعوا الاقتراب منها فضلا عن الوصول إليها ، تماما كأية لوحة فنية لا ~~يمل الإنسان من التطلع إليها والتحديق بها في وقفة جمالية رائعة ، بل هو ~~دين يتحرك من قاعدة القيم التي تعيش في التي تعيش في الأرض في ساحة الواقع ~~الإنساني الذي يتعامل مع الإنسان كبشر يملك في داخله الكثير من الغرائز ~~والشهوات والعناصر المتضادة ، لا كملاك يحلق في أجواء الروح المتحركة في ~~نطاق التجريد والمجردات. # إنه يتعامل معه كبشر ليقربه من أجواء الملاك من دون أن يفقده خصائص ~~بشريته ، ليبقى يعيش مع الأرض حتى وهو يتطلع إلى السماء ، وإذا كانت الأرض ~~ليست سماء وإذا كان الإنسان يعيش في الأرض ، فلا بد للتشريع من أن يكون ~~للأرض لا للسماء ، وبذلك فلا بد له من أن يتأثر في طبيعة تكوينه من مراعاة ~~النوازع الأرضية في طبيعتها المادية ، وملاحظة الأساليب الواقعية في الوصول ~~بالإنسان إلى القيم الروحية. # تلك هي النقطة التي ينبغي لنا أن نواجهها في فهم التشريع ، وهي النزعة ~~الواقعية في طبيعته وحركته ، التي تواجه الإنسان من موقع نقاط الضعف ونقاط القوة. # وفي ضوء هذا نتحرك في اتجاه معالجة الجريمة في شريعة القصاص ، فنبدأ ، ~~أولا في تقديم الصورة التوضيحية ، وذلك بأن ms0478 نتصور مجتمعا لا قصاص فيه ، ~~فنجد القتلى تتساقط كنتيجة لعقدة أو نزوة أو مزاج أو خلاف طارئ ، ويقف ~~المجتمع جامدا أمام القاتلين ليحمي لهم حياتهم فلا يمكن أحدا من الاعتداء ~~على حياتهم ، بل يكتفي المجتمع بالسجن والغرامة وغير ذلك ، كما PageV03P225 # تفعل بعض المجتمعات الأوروبية التي ألغت عقوبة الإعدام. إننا نريد أن ~~نتصور هذا المجتمع ، ونتصور إلى جانب ذلك ، أن المجتمع يريد أن يضمن حياته ~~وسلامته ونظامه ، فهل يستطيع تحقيق هذا الضمان بإلغاء عقوبة الإعدام أو ~~بتثبيت هذه العقوبة وتأكيدها؟. # إن الجواب في نظرنا هو في التأكيد على النقطة الثانية من السؤال ، وهي ~~اعتبار الإعدام للقاتل أساسا لمنع الجريمة ، وذلك من دون حاجة إلى فلسفة ~~فكرية مجردة ، بل يكفي لأجل ذلك القيام بعملية مسح ميداني للجريمة في حياة ~~الناس ، وذلك من خلال القيام بعملية استقرائية لتبين الأمر. # * * * ### ||| ** عقوبة الإعدام ودورها في تخفيف الجريمة # من الناحية الاستقرائية نلاحظ أن البلدان التي تطبق عقوبة الإعدام ، تمنع ~~الجريمة في مجتمعاتها بنسبة كبيرة جدا قد تقارب المائة في المائة ، في ~~الوقت الذي قد تكون متخلفة أو بدائية في ثقافتها أو في نظامها ، بينما نجد ~~بلدانا أخرى بلغت الحد الأعلى من الحضارة والرقي في المقياس العام المعاصر ~~، وشرعت إلغاء عقوبة الإعدام ، ومع ذلك لا تزال ترزح تحت عبء الجرائم ~~اليومية التي تتصاعد وتتنوع باستمرار في دوافعها الذاتية والاجتماعية ~~والسياسية والاقتصادية. وقد نلاحظ في هذا المجال ، أن القضية قد تتطور إلى ~~الحياة العامة للمواطن من خلال اهتزاز حالة الأمن جراء نمو الجريمة التي ~~تصاعدت كنتيجة واقعية لشعور المجرم بالأمن ، فنجد الإنسان لا يستطيع التجول ~~في بعض الساعات في بلد مثل أميركا إلا إذا كان مسلحا أو خاضعا لحراسة PageV03P226 # مشددة ، بينما نجده يشعر بالأمن المطلق في بلدان متخلفة كبلدان الخليج ~~التي تطبق عقوبة الإعدام بنسبة جيدة. # إننا نضع أمامنا مجتمعا متحضرا ومتقدما في أرقى مجالات التقدم المعاصرة ، ~~ومضمونا بكل أنواع الضمان الصحي والاجتماعي والثقافي وغير ذلك ، ونضع إلى ~~جانبه مجتمعا متخلفا بدائيا لا يملك الفرد فيه أي نوع ms0479 من أنواع الضمان ، ثم ~~نجد الجريمة تتسع في المجتمع الأول حتى تصل إلى مستوى الكارثة ، مع إلغاء ~~عقوبة الإعدام ، ونجدها تتقلص في المجتمع الثاني وهي لا تصل إلى أي مستوى ~~مهما كان متدنيا على أساس تنفيذه لعقوبات الإعدام. فما ذا يفسر لنا ذلك؟ # * * * ### ||| ** الإنسان عقل وإرادة # أما من الناحية الفكرية التي تنفذ إلى دراسة الإنسان من موقع إنسانيته ~~الواقعية فنلاحظ أن الإنسان ليس مخلوقا على أساس هندسي في عواطفه ومشاعره ~~وأفكاره ونوازعه ، كما هو الحيوان الأعجم الذي خلق الله له غرائز منظمة ~~بشكل دقيق لا يملك فيه أي لون من ألوان الاختيار في أغلب الحالات ، بل إن ~~الإنسان مخلوق على أساس ما لديه من غرائز وشهوات متحركة متنقلة في أكثر من ~~اتجاه بحيث يستطيع أن يوسعها ويضيقها ويعمقها ، مما يجعل منه مخلوقا معقدا ~~في أغلب القضايا ، فإذا كان الإنسان كذلك ، فما الذي يحتاجه لكي ينطلق في ~~الحياة ويمارس عملية الانضباط في انطلاقته تلك؟. # إننا نشعر بحاجته إلى عنصرين ، هما العقل والإرادة ، ولا بد للعقل من ~~العلم والتجربة والمعاناة ، ولا بد للإرادة التي تحول الفكر إلى ممارسة من PageV03P227 # تربية داخلية وخارجية. فإن من الملحوظ أن المجتمع يحتاج إلى جهد كبير في ~~هذا السبيل ، لأن حركة الإرادة ترتبط بالحرمان الذي يحتاج الفرد إلى أن ~~يتحمله ، وتلتقي بالصعوبات التي يواجهها ، وبالتحديات التي تواجهه ، وبكثير ~~من المشاكل التي تتجمع في أجواء العمل ، مما يسبب للإنسان الكثير من الجهد ~~والمشقة والتعب ، فلا بد من التربية الطويلة المستمرة التي تدفعه إلى أن ~~يقف المواقف الصعبة التي ترفضها نفسه ، وذلك بالتركيز على العامل الداخلي ~~الذي يوحي للذات بالمفهوم في نطاق القيمة ، لتكون القيمة عنصرا ذاتيا تندفع ~~الذات إليه بعفوية وبساطة في حركة تلقائية ، وليكون ذلك بمثابة القاعدة ~~النفسية التي تلتقي فيها العاطفة بالفكر. # * * * ### ||| ** لا بد للإرادة من العوامل الخارجية # ولا بد بالإضافة إلى ذلك من العامل الخارجي الذي يحمي الإرادة من نقاط ~~الضعف الداخلية ، لأن الإنسان قد يستسلم إلى حالات الضعف التي تهزم إرادته ~~في مجالات الصراع ms0480 ، في ما لو ترك الإنسان لمفاهيمه بعيدا عن النتائج ~~السلبية والإيجابية التي تترتب عليها. # ومن هنا ، كان للثواب والعقاب دور كبير في إيجاد الضوابط الفردية ~~والاجتماعية ضد الانحراف ، سواء منه الثواب والعقاب في الإطار الاجتماعي من ~~خلال التقاليد الضاغطة على الفرد التي قد توقف الإنسان عند حد معين من ~~السلوك في حالة توجه الإرادة إلى الانحراف لأنه يخاف من سطوة المجتمع ، أو ~~ما كان منهما في الإطار القانوني في ظل سيطرة القانون ، أو في الإطار ~~الأخروي في ظل ثواب الله وعقابه ، وذلك باعتبار أن المفاهيم والقيم ~~المعنوية PageV03P228 # قد تسقط أمام نوازع الذات الداخلية ، أو مطامعها الخارجية ، فتأتي ~~الضوابط الاجتماعية والقانونية والأخروية لتحفظ الإرادة من الانسحاق ~~والانهيار في مواطن الضعف ، لأنها تخلق في داخل النفس جوا داخليا وخارجيا ~~يفسح لها المجال الطبيعي للنمو والقوة والحركة ، ولا فرق في الحاجة إلى ذلك ~~بين الشعوب المتخلفة والشعوب المتحضرة ، لأن التخلف والتحضر لا يختلفان في ~~هذا المجال ، وإنما يختلفان في طبيعة الوعي للحياة والحركة ، وفي أسلوبهما ~~العملي. أما الانحراف ، وأما الجريمة والضعف الذاتي فإنهما يلتقيان فيه ~~ولكن بأسلوب مختلف. # فللحضارة أساليبها المتقدمة في الانحراف وفي الجريمة ، وللتخلف أساليبه ~~البدائية في ذلك ، وقد يختلفان في طبيعة مواطن الانحراف تبعا لحاجتهما إلى ~~ذلك ، ولكن الإنسان يظل في حاجة إلى السوط الذي يلوح له بالعقوبة ، ليستقيم ~~على الخط ، وليبقى في الجو الطبيعي السليم ، ولسنا نقرر ذلك من وجهة نظر ~~فكرية مجردة ، ولكن القراءة الواعية لتأريخ الشعوب المتحضرة ، ولحركتها ~~المعاصرة تعرفنا أن الحضارة قد استطاعت أن تعطي الجريمة مفهوما حضاريا ~~بأساليب حضارية لا يرقى إليها ما تعارف لدى الشعوب المتخلفة من مفاهيم ~~وأساليب. # وعلى ضوء ذلك ، أقامت المدنيات نظاما تفصيليا للعقوبات بالمستوى الذي لا ~~تعرفه قوانين الشعوب البدائية تبعا للطبيعة المعقدة المتنوعة لجرائم ~~الحضارة. إذا فلا بد من العقوبة ، ولكن كيف نعاقب القاتل ، بالسجن ، أم ~~بالضرب ، أم بالقتل؟ من خلال كل ذلك نعرف أن موقع التشريع الإسلامي هو في ~~حركة العدالة في الحياة. # * * * PageV03P229 ### ||| ** شبهات حول تشريع الإعدام للقاتل ms0481 # ربما يطرح البعض من المفكرين أفكارا حول رفض عقوبة الإعدام كحل للمشكلة ~~من خلال التساؤل عن إنسانية هذه العقوبة وانسجامها مع الخط الأفضل للحياة ، ~~ويمكن أن نثير هذه الأفكار ضمن نقاط : # 1 فهم يقولون : إنه لا يجوز أن نعالج الجريمة بجريمة مماثلة ، أو نحل ~~المشكلة بمشكلة مثلها ، فإذا كانت فظاعة الجريمة الأولى ناشئة من فظاعة ~~فكرة إعدام الحياة ، فإن العقوبة تتحرك في الاتجاه نفسه ، فإننا نقوم حينئذ ~~بالعمل نفسه الذي يتمثل في إعدام حياة ثانية ، تفرض قدسية الحياة حمايتها ~~والمحافظة عليها في كل موقع من مواقعها مهما أمكن ذلك. # 2 إن عقوبة القصاص لا تنسجم مع النتيجة التي نخرج بها في دراستنا لشخصية ~~المجرم ، فإن الجريمة لا تنشأ من عقدة متأصلة ذاتية في نفسه ، بل تنشأ من ~~خلال ظروف داخلية وخارجية طارئة في محيط حياته فتشكل لديه عقدة نفسية تتحكم ~~في سلوكه وتضغط على واقعة الفردي والاجتماعي. وفي جميع الأحوال تعتبر ~~الجريمة لدى المجرم حالة مرضية ، وإذا كانت كذلك فلا بد للمشترع من ~~مواجهتها في هذا الموقع تماما كما يواجه حالة مرضية نفسية أو جسدية ، ~~وعلاجها بقتل المرض لا بقتل المريض ، وذلك باتباع الأساليب التي تشفيه من ~~مرضه ليتحول إلى عنصر صحيح فاعل يشارك في خدمة المجتمع. # 3 إن الرحمة التي انطلق الإسلام بها من خلال رسوله وفي رسالته ، فكان ~~الرسول رحمة للعالمين ، وكانت الرسالة بابا من أبواب الرحمة ، ومن فوق ذلك ~~كانت الصفة البارزة التي يصف الله بها نفسه هي الرحمن الرحيم ، PageV03P230 # إن هذه الرحمة التي تعبر عن عمق المعاني الإنسانية للشريعة لا تتناسب مع ~~عقوبة الإعدام للقاتل ، بل المناسب أن يفتح أمامه باب العفو والتسامح ~~والتراجع عن الخطأ. # * * * ### ||| ** مناقشة هذه الشبهات # لعل هذه النقاط من أبرز الأمور التي أثيرت حول الموضوع ، أما تعليقنا ~~عليها فبتأكيد عدة ملاحظات : # 1 إن الكثير من هذه الأفكار كان نتيجة للتربية الفردية الخاضعة للفكر ~~الرأسمالي الذي يستغرق في الفرد ليعتبره كل شيء ، فهو الأساس الذي يحصل ~~المجتمع على سلامته وتطوره من خلاله ، وبذلك ms0482 كان التركيز على سلامة القاتل ~~كفرد لا بد لنا من أن نحمي حياته ، أو كمريض لا بد لنا من معالجته ، أو ~~كإنسان لا بد لنا من أن نرحمه. وتبقى النتائج العملية الخطيرة التي تنعكس ~~على حياة المجتمع من خلال تصرفات هذا الفرد وأمثاله ، تتفاعل من دون أن ~~تثير اهتماما أو تحرك واقعا في مجال التشريع أو في مجال العمل. # 2 إن الإسلام يتحرك في مفاهيمه وتشريعاته من موقع التفكير الإنساني ~~الواقعي الذي يعمل على حماية الفرد ، حتى من نفسه ، وعلى حماية المجتمع ، ~~حتى من أفراده ، فلم يترك للفرد الحرية حتى في مجال الإساءة إلى حياته ~~الخاصة ، ولم يعط المجتمع حرية الاعتداء على الفرد. وعلى ضوء ذلك ، كان ~~احترامه للفرد في المجالات التي لا تهدد المجتمع في سلامته ، لأن سلامة ~~المجتمع أكثر أهمية من سلامة الفرد في حالات التزاحم ، وبذلك كان إعدام ~~القاتل عقوبة ذات اتجاهين ، فهي من جهة ترتبط بحصر المشكلة في إطارها PageV03P231 # المحدود بالنسبة إلى أولياء المقتول ، لأنها تنفس عنهم المشاعر الحادة ~~التي يمكن أن تنفجر في مساحة أكبر ، وهذا ما نستوحيه من الآية الكريمة في ~~قوله تعالى : ( @QUR@022 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) ~~[الإسراء : 33]. وهي من جهة أخرى تمثل عنصرا رادعا للآخرين الذين يفكرون في ~~القيام بجريمة القتل ضد أفراد آخرين ، أو الذين يستسلمون لبعض حالات ~~الانفعال التي يفقدون معها التوازن في التصرف ، فإن هذه العقوبة تصلح لأن ~~تدفع بالإنسان إلى التفكير طويلا قبل الإقدام على الجريمة. # وربما نضيف إلى الموضوع بعدا ثالثا ، وهو التشديد على الموقف المبدئي ضد ~~الظلم بالتحرك لمعاقبة الظالمين كأسلوب عملي من أساليب إزالته من الأرض. # 3 إن التركيز على العقلية الفردية في العمل وفي التشريع ، يجعلنا نعيد ~~النظر في كثير من المبادئ التي يسير عليها الناس في مختلف أوضاعهم ، فنحن ~~نرى أن الأمة تضحي بالآلاف من الجنود من أجل الحفاظ على عزتها وكرامتها ~~وسلامتها ، وذلك في الحالات ms0483 التي تتعرض فيها للخطر من القوى الظالمة ~~الغاشمة التي تريد أن تستعبدها وتستعمرها. # ولا يمكن الانسجام مع ذلك إلا على أساس التفكير الاجتماعي الذي يفرض نفسه ~~على الحياة في حالات الحرب والسلم ، لأن التفكير الفردي لا يوافق على أن ~~تضحي بنفسك من أجل الآخرين ، ولا فرق في هذا المجال بين أن يضحي الإنسان ~~بنفسه في سبيل الآخرين باختياره ، وبين أن يضحي المجتمع بالفرد إذا كانت ~~التضحية به شرطا لسلامة المجتمع في ما إذا كان عنصرا فاسدا أو عضوا مشلولا. ~~أما السلبيات التي تحدث من خلال ذلك فإنها طبيعية في كل تشريع تتقدم فيه ~~الإيجابيات على السلبيات ، لأننا لا نجد أي حل لأية PageV03P232 # مشكلة إلا ونجد هناك مشاكل صغيرة تتجمع في طريق الحل. # الإسلام يرى القضية ، على النحو التالي ، إن إعدام القتال قد يفقدنا عدة ~~أفراد من المجتمع ، ولكنه يحمي لنا حياة المجتمع كله في الحاضر والمستقبل ، ~~سواء منهم الذين يفكرون في القتل ، أو الذين يفكر الآخرون في أن يقتلوهم ، ~~مما يجعل المعادلة سليمة من ناحية العدالة. وهذا ما عبرت عنه الآية تعبيرا ~~دقيقا في قوله تعالى : ( @QUR@04 ولكم في القصاص حياة ). # 4 إن الفكرة التي تقول : إن إعدام القاتل يضيف إلى الجريمة جريمة ثانية ، ~~لأننا نقوم بما يقوم به المجرم من الاعتداء على الحياة ، فهو قد أعدم حياة ~~المقتول ، ونحن نعدم حياة القاتل ، إن هذه مغلوطة لسبب بسيط جدا ، وهو أن ~~القاتل قد أعدم حياة المقتول بغير حق لأن هذا هو المفروض في موضوع القصاص ، ~~فقد كانت تلك الحياة ووديعة مسالمة بريئة ، فهي حياة محترمة تبعث على ~~الاحترام ، أما حياة القاتل فهي حياة باغية ظالمة معتدية. فليست القضية ~~واحدة في الحساب ، لأن مثل هذه الحياة لا تبعث على الاحترام والتقدير. # ولعل من الطريف أن ننقل في هذا المجال الحوار الذي دار بين شاعر مشكك ~~وشاعر مؤمن حول موضوع قطع يد السارق ، وقطع يد غير السارق ، فإن الأولى ~~تقطع بسرقة ربع دينار بينما تدفع دية الأخرى خمسمائة دينار. # قال الأول : # يد بخمس ms0484 مئين عسجد وديت %~% ما بالها قطعت في ربع دينار تحكم ما لنا إلا السكوت له %~% وأن نعوذ بمولانا من النار # فأجابه الثاني : # عز الأمانة أغلاها ، وأرخصها %~% ذل الخيانة فانظر حكمة الباري # 5 أما الفكرة التي تنظر إلى الجريمة من حيث هي مرض نفسي يحتاج PageV03P233 # إلى علاج ، كأي مرض آخر من الأمراض النفسية ، التي قد تفرض علينا أن نفتح ~~مصحات للعلاج النفسي ، هذه الفكرة غير دقيقة أولا ، وغير مانعة من البقاء ~~في نطاق هذا التشريع كعلاج حاسم يفرض نفسه على الواقع. # أما أن الفكرة غير دقيقة ، فلأن الجريمة ليست نتيجة مرض نفسي في كل ~~حالاتها ، بل قد تكون ناشئة من حالات طارئة ، كوضع انفعالي يتحرك في اتجاه ~~العدوان ، أو من أوضاع لا شعورية ، وقد تكون استهتارا بالحياة وبالآخرين ، ~~كنتيجة لفقدان الضوابط الرادعة في المجتمع ، وقد تكون كما تفرض الفكرة ~~ناشئة من عقدة في الطفولة أو في العلاقات العامة والخاصة التي قد تترك ~~آثارها السلبية على حياة الفرد ونفسيته. # وأما أنها غير مانعة من بقاء التشريع كحل يفرض نفسه ، فلأننا في مواجهتنا ~~للعقدة النفسية المرضية نقف أمام طرحين للحل ، الطرح الفردي ، والطرح ~~الاجتماعي. أما الطرح الفردي فإنه ينظر إلى حالة الفرد كحالة تستوجب العلاج ~~من أجل الحصول على الصحة النفسية التي تبقيه في المستقبل كعنصر حي فاعل في ~~الحياة ، وربما كان هذا أمرا سليما جدا من وجهة نظر إنسانية فردية ، ولكنه ~~لا يعتبر سليما من ناحية اجتماعية ، لأن هذا الأسلوب سوف يشجع المجرمين على ~~الجريمة بشكل عام ، لأنه يعلم مقدما أنه سيواجه الكثير من أسلوب الرعاية ~~والحماية والتكريم مما يدفعه إلى المزيد من الاستهتار بالجريمة وإلى العزم ~~على مواصلتها. # وقد لا نحتاج في تأكيد هذا الموضوع إلى المزيد من التحليل الفكري ، بل ~~يكفينا الالتفات إلى الحالات التي تطبق فيها قواعد العلاج النفسي في بعض ~~السجون الحديثة في الدول المتقدمة ، فقد كانت برامجها مليئة بالأجواء ~~التربوية التي تشتمل على المحاضرات والأساليب الحديثة في علم النفس بإشراف ~~علماء النفس والاجتماع ، في الوقت الذي كان ms0485 المجرم يبادر إلى إعادة الجريمة ~~فور خروجه من السجن ، لأن الجانب الفكري ليس كل شيء في حياة PageV03P234 # الإنسان ، بل هناك أكثر من عامل داخلي أو خارجي يعتبر نقطة ضعف في حياة ~~هذا الشخص أو ذاك ، ولعل طبيعة التعقيد الاجتماعي في العلاقات تفرض كثيرا ~~من التأثيرات ، مما يجعل من عملية التوجيه بعيدا عن هذه الأجواء ، جهدا ~~ضائعا ، لأن المناعة التي يشعر بها الإنسان خارج نطاق التجربة لا تفيده عند ~~ما يعيش في قلب التجربة التي توحي بالانحراف. # وعلى ضوء هذا ، فإن الطرح الفردي للحل لا يعتبر سليما من ناحية اجتماعية. ~~أما الطرح الاجتماعي ، فإن قيمته أن يجعل الحق للمجتمع ممثلا بأولياء ~~المقتول ، أو بالسلطة الشرعية في الاقتصاص من القاتل ، من دون أن يغلق ~~الباب عن البدائل السلمية للقضية ، وذلك بالعفو من دون مقابل ، أو بالعفو ~~على أساس دفع الدية ، لتكون بمثابة التعويض المادي عن الخسارة التي تلحق ~~بالورثة من خلال ضياع الفرصة التي كانت تمنحهم الاكتفاء المادي بوجود ~~القتيل ، وبذلك استطاعت العدالة الإسلامية أن تقف في الموقع المتوازن الذي ~~لا يتنكر للسلامة العامة في التشريع ، ولا يلغي حق العفو وإمكانات السلامة ~~للقاتل في بعض الحالات. # 6 إن الجريمة قد تكون مرضا ، ولكنه لا يلغي طبيعة الاختيار في التصرف ، ~~لأن العقد النفسية قد تشكل لونا من ألوان الدوافع الشريرة في النفس ، ~~ولكنها لا تسيطر على الإنسان بالمستوى الذي يفقد معه إرادته واختياره ، ~~وإذا وجدت الإرادة وجدت المسؤولية التي تفرض نفسها عليه ، مما يجعل للفعل ~~الصادر عنه صفة الجريمة الخاضعة للعقاب. ولكن ما هو مستوى العقوبة؟ # إننا نعتقد أن المعالجة المرضية لن تنفع في هذا المجال بالنسبة إلى ~~المجرم ، بل لا بد لنا من الانطلاق في المعالجة في جوانب أخرى لدى غير ~~المجرمين ، فنربي أفراد المجتمع على الأسس الصحيحة التي تمنع من وجود أفراد ~~مجرمين. أما المجرم ، فلا مجال لإلغاء مسئوليته في العقوبة الشديدة PageV03P235 # التي هي الإعدام ، لأن الإلغاء إذا كان يعتمد على الناحية المرضية فينبغي ~~أن نلغي العقوبة رأسا ، على أساس أن ms0486 العقدة تعفي من المسؤولية وقد تمتد ~~القضية إلى أبعد من ذلك فنقرر إلغاء العقوبات رأسا. لأن أي انحراف في أي ~~جانب من الجوانب لا بد من أن ينشأ من انحراف مرضي في داخل النفس ، من دون ~~فرق بين الجريمة الكبيرة والجريمة الصغيرة ، حتى الحبس لا يعود له مجال في ~~هذا المقام بل لا بد من إدخاله المصح ، كأي مريض آخر. إنها مشكلة التفكير ~~الفردي الذي لا ينظر إلى المشكلة من خلال حجمها الكبير ، بل ينظر إليها من ~~خلال النطاق المحدود الذي تتحرك فيه. # 7 إن الرحمة التي يثيرها الإسلام في مفهومه الروحي والعملي ، لا تعني ~~الانفعال الذي يرتبط بالشفقة ، بل تعني مواجهة الواقع بما يحقق مصلحة ~~الإنسان في المستوى الشامل ، تماما كما هي الحال عند ما يضطر الجراح إلى ~~بتر أحد الأعضاء لحماية الحياة للجسد كله ، فإن ذلك يمثل الرحمة للإنسان ~~المريض. إن الرحمة للذين يعيشون الحياة من موقع الرحمة لحركة الحياة ، لا ~~للذين يقضون على الحياة ويطعنونها في الصميم. # إن التشريع لا يتعامل مع العاطفة ، بل يتعامل مع المصلحة العامة للإنسان ~~، ولهذا جاءت الآية لتقرر الحقيقة الشاملة في قوله تعالى : ( @QUR@09 ولكم ~~في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ). # ولعل في الإشارة إلى أولي الألباب دعوة إلى العقل لكي يتحرك في داخل ذوي ~~العقول ، ليعرف كيف يحفظ التشريع حياة الناس على أساس من التقوى والإيمان ، ~~بعيدا عن كل عاطفة وانفعال ذاتي. # هذا ما أردنا الإشارة إليه في تفسير هاتين الآيتين ، والله أعلم بحقائق ~~أحكامه وأسرار آياته ، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * PageV03P236 ### | الفهرس # تفسير سورة البقرة] 124 178[ # الآية : ~~[124].................................................................. 7 # نموذج الشخصية ~~النبوية...................................................... 7 # اختيار الله ~~لإبراهيم.......................................................... 9 # نجاح إبراهيم في الاختيار وجعله إماما ~~للناس................................... 10 # بين الابتلاء ~~والتكريم....................................................... 13 # معنى ~~الإمامة.............................................................. 14 # المدلول ~~القرأن............................................................ 16 # من وح الأة............................................................ 19 # المسؤولية نمنح بعد ~~الاختبار................................................. 20 # الظالمون لا يصلحون ~~للقيادة................................................ 20 # الآيات [125 ~~129]......................................................... 22 # شخصية إبراهيم النبي امتداد ~~للإسلام........................................ 23 PageV03P237 # إبراهيم في تلطلعاته ~~المستقبلية................................................ 24 # إبراهيم وإسماعيل يعملان على تأسيس الروح المؤمنة ~~المسلمة..................... ms0487 25 # إبراهيم وولده يخططان للإسلام ~~الحركي....................................... 27 # الكعبة مثابة ~~وأمن......................................................... 28 # رب اجعل هذ البلد ~~آمنا.................................................... 29 # إبراهيم وإسماعيل يبنيان المسحد على أساس ~~التقوى............................ 30 # رأي العلامة الطباطبائي ~~ومناقشته............................................ 31 # الجو الروحي في بناء ~~المؤسسات.............................................. 35 # التفكير بإيمان ~~الأجيال..................................................... 36 # بين الرسالة ~~والقيادة........................................................ 37 # الآيات [130 ~~134]......................................................... 38 # إبراهيم يطرح دعوة ~~الإسلام................................................. 38 # الراغب عن ملة إبراهيم سفيه ~~كافر........................................... 38 # استنطاق الآية ~~لغويا....................................................... 41 # وصية إبراهيم ويعقوب ~~لأبنائهما............................................. 42 # تلك أمة قد ~~خلت......................................................... 44 # من وحي ~~الآية............................................................ 45 # الآيات [135 ~~141]......................................................... 47 # الإسلام يجادل اليهود ~~والنصارى............................................. 48 # ملة إبراهيم من ~~الإسلام.................................................... 50 # المسلم مؤمن بكل رسالات ~~الله.............................................. 52 # الحوار المنفتح على القلب ومواطن ~~اللقاء...................................... 53 # بين إنزال الرسالات ~~وإيتائها................................................. 54 # الله يكفي نبيه والمؤمنين معه شر الكافرين ~~المعاندين............................. 55 PageV03P238 # أتحاجوننا في ~~الله؟!......................................................... 56 # كتمان الشهادة ظلم ~~وبهتان................................................. 58 # الآيات [142 ~~152]......................................................... 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 60 # المسلمون وتحدياتهم لليهود ~~والنصاري......................................... 64 # السفهاء يثيرون ~~المشكلة.................................................... 67 # لماذا وصفهم القرآن ~~بالسفهاء؟.............................................. 71 # الأسلوب القرآني في صراعنا ~~الحاضر.......................................... 72 # الأمة المسلمة هي الأمة ~~الوسط.............................................. 73 # شهادة الأمة كيف ~~نفهمها؟................................................. 77 # اعتراض ~~وجواب........................................................... 79 # تشريع القبلة امتحان لطاعة ~~الأمة............................................ 80 # الامتحان وسلامة ~~المسيرة................................................... 85 # وحدة القبلة : وحدة الأمة ~~والاتجاه........................................... 85 # موقف العناد والجهود ~~الضائعة............................................... 88 # أهل الكتاب يعرفون النبي ورسالته حق ~~المعرفة.................................. 89 # لا مجال ~~للتراجع........................................................... 92 # الرسول الكريم نعمة ~~عظيمة................................................. 95 # الذكر والشكر بين الكلمة ~~والموقف.......................................... 97 # ذكر الله وشكره في أساليب التربية ~~الإسلامية.................................. 99 # الإيحاءات ~~والدروس...................................................... 101 # الآيات[153 ~~157]........................................................ 105 # معاني ~~المفردات.......................................................... 107 # الثبات أمام ~~التحديات.................................................... 107 PageV03P239 # الشهادة امتداد ~~للحياة.................................................... 109 # ما معنى الحياة ~~للشهداء؟.................................................. 112 # مناقشة ~~الاتجاهين........................................................ 113 # الآية وتجرد ~~النفس........................................................ 115 # البلاء مدرسة ~~وامتحان.................................................... 116 # البلاء ونسبته إلى ~~الله..................................................... 119 # ما معنى البلاء في الأوضاع ~~الطبيعية؟........................................ 120 # الصابرون وعلاقتهم بالحقيقية ~~الإيمانية...................................... 121 # القيم الأخلاقية قوة ~~روحية................................................. 123 # دور الشعور بالأخرة في تربية ~~الوجدان....................................... 124 # البلاء للمؤمن عامل تنمية ~~واختبار.......................................... 125 # علاقة الصبر بالجانب الروحي ~~للعقيدة...................................... 126 # الآية ~~[158]................................................................ 127 # معاني ~~المفردات.......................................................... 127 # لقطات من التشريع...................................................... 128 ms0488 # الصفا والمروة من شعائر ~~الله................................................ 131 # الآيتان : [159 ~~160]...................................................... 133 # معاني ~~المفردات.......................................................... 133 # الحقيقة أمانة الله لدى ~~العلماء............................................. 134 # لعنة الله على كاتمي ~~بيناته................................................. 135 # الله يقبل من التائبين ~~توبتهم............................................... 137 # المعرفة مسؤولية لا ~~امتياز.................................................. 138 # الآيتان : [161 ~~162]...................................................... 139 # الكفر انحراف لا موقف فكري............................................ 139 PageV03P240 # كفر الجحود لا حجة له يركن ~~إليها........................................ 140 # الآيتان [163 ~~164]........................................................ 142 # معاني ~~المفردات.......................................................... 142 # توحيد الله الرحمن ~~الرحيم.................................................. 143 # الحقيقة الإلهية بأجلي ~~تعبيراتها.............................................. 144 # القرآن والمنهج الفكري ~~للإنسان............................................ 145 # حركة العقيدة في الظواهر ~~الطبيعية.......................................... 145 # الأسلوب التربوي للدعوة في ~~الآية.......................................... 147 # الآية لا تفرض فكرا بل تخطط ~~له.......................................... 148 # هل نشأت الأديان من جهل الإنسان!..................................... 149 # التحليل الشامل ~~للفكرة................................................... 150 # بين الإيمان بوجود الله والاكتشافات ~~العلمية................................. 152 # الآيات [165 ~~167]........................................................ 155 # معاني ~~المفردات.......................................................... 155 # الإسلام بين الالتزام العاطفي والانحراف ~~فيه................................. 156 # معني الحب لله في ~~القرآن.................................................. 157 # التبعية هي أساس الحب.................................................. 158 # القرآن ومعالجته لأسباب الحب ~~المنحرف.................................... 159 # الالتزام الفكري يقود إلي الالتزام ~~العاطفي................................... 162 # الحب موقف لا عاطفة مجردة.............................................. 162 # الدعوة إلي اكتشاف ضعف الأقوياء........................................ 162 # المسؤولية الفردية في ~~الإسلام............................................... 164 # الآيتان [168 169].................................................. 165 # معاني ~~المفردات.......................................................... 165 PageV03P241 # الرزق الحلال والتحذير من اتباع خطوات ~~الشيطان............................ 166 # الحوار والهدف ~~الرسالي.................................................... 168 # الآية [170]........................................................... 170 # معاني ~~المفردات.......................................................... 170 # التعصب الأعمي للماضي................................................ 170 # دعوة القرآن إلي عقلية الموقف من ~~الماضي................................... 172 # بين الحق والصلات ~~العاطفية.............................................. 173 # القرآن ومعالجة «الظاهرة ~~الآبائية».......................................... 175 # موقف الإسلام من المسلمين الذين يقلدون الآباء في ~~إسلامهم................. 178 # الآية ~~[171]................................................................ 181 # معاني ~~المفردات.......................................................... 181 # الصورة الداخلية الحقيقية ~~للكافر........................................... 182 # الكافرون يعطلون حواسهم عن العمل...................................... 183 # أفكار من وحي الآية: العقل أساس المعرفة ~~والمسؤولية.......................... 184 # الآيتان [172 173].................................................. 185 # معاني ~~المفردات.......................................................... 185 # التشريع لم يمنع ~~طيبا...................................................... 186 # بين الحلال الطيب ~~والمحرمات.............................................. 188 # كيف نفهم حصر المحرمات في الأربعة!..................................... 192 # الآيات [174 ~~176]........................................................ 194 # معاني ~~المفردات.......................................................... 194 # كتمان الوحي والاتجار ~~بالدين............................................. 195 # جزاء الذين يكتمون الدين ويتاجرون ~~به..................................... 196 # مناقشة مع صاحب الميزان................................................ 200 PageV03P242 # الآية ~~[177]................................................................ 201 # معاني ~~المفردات.......................................................... 201 # مناسبة ~~النزول........................................................... 202 # البر ms0489 كملمح أساس في الشخصية الإسلامية.................................. 203 # بين البر ~~والإيمان......................................................... 203 # الإيمان العميق قاعدة الشخصية ~~الإسلامية.................................. 205 # العطاء أحد عناصر الشخصية الإسلامية.................................... 207 # الصلاة تفجر المعاني الروحية في ~~الإنسان.................................... 208 # الزكاة عطاء عبادي ~~عملي................................................. 209 # العهد ومسئولية ~~الكلمة................................................... 209 # الصبر أساس تماسك الشخصية وثباته...................................... 210 # الصدق من لوازم ~~الإيمان.................................................. 211 # المتقون هاجسهم رضي الله ~~دوما........................................... 212 # الآية [178]........................................................... 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 213 # في القصاص حياة........................................................ 214 # التماثل في القصاص هل يؤكد ~~الطبقية!..................................... 215 # بين القصاص والعفو..................................................... 216 # القصاص في خط سير الديانات........................................... 220 # موقع العفو في المفهوم المسيحي ~~للتشريع..................................... 221 # النظرة الخاطئة إلي الدين اليهودي ~~والمسيحي................................. 222 # فلسفة التشريع في القصاص............................................... 224 # عقوبة الإعدام ودورها في تخفيف ~~الجريمة..................................... 226 # الإنسان عقل ~~وإرادة...................................................... 227 PageV03P243 # لا بد للإرادة من العوامل ~~الخارجية.......................................... 228 # شبهات حول تشريع الإعدام للقاتل........................................ 230 # مناقشة هذه الشبهات.................................................... 231 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV03P244 ![](https://books.rafed.net/Books/3261_tafseer-abi-alsaud-04/images/image001.gif) PageV04P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3261_tafseer-abi-alsaud-04/images/image002.gif) PageV04P003 ### | سورة البقرة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مئتان وسبع وثمانون ### ||| * (180 252) PageV04P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) @QUR@014 فمن بدله بعد ما سمعه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) @QUR@016 فمن خاف من ~~موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) (182) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالمعروف ): المعروف : هو المعروف المتداول من الصنيعة ~~والإحسان. # ( @QUR@01 خيرا ): الخير : ضد الشر ، وهو ما يرغب فيه الكل لما يشتمل ~~عليه من المنفعة ، والمراد به هنا : المال. قال الراغب : «المال ربما يكون ~~خيرا لزيد PageV04P007 # وشرا لعمرو ، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين ، فقال في موضع : ( @QUR@03 ~~إن ترك خيرا ) وقال في موضع آخر : ( @QUR@014 أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [المؤمنون : 55] ، وقوله تعالى ~~: ( @QUR@03 إن ترك خيرا ) أي : مالا ، وقال بعض العلماء : لا يقال للمال ~~خير حتى يكون كثيرا ومن مكان طيب» (1) # ( @QUR@01 جنفا ): الجنف : الميل عن الحق على جهة الخطأ ، وأصل الجنف ~~ميل في الحكم. # ( @QUR@01 إثما ): الإثم : الميل عن الحق على وجه العمد. # * * * ### ||| ** الوصية .. الصوم ms0490 .. الدعاء .. # هذه إحدى آيات الأحكام التي تضمنتها هذه السورة كجزء من تنظيم المجتمع ~~المسلم في المدينة في علاقاته الإنسانية ، وذلك في نطاق مبدأ الوصية ~~للوالدين والأقربين ، فقد أراد الله للإنسان أن يعبر عن شعوره بالمسؤولية ~~تجاه أرحامه بعد الموت ، كما أراد له أن يصلهم في حال الحياة ، وذلك بأن ~~يوصي لهم ببعض من ماله في ما إذا ترك شيئا منه ليدلل على عاطفته نحوهم ، ~~مما يحقق لرابطة القرابة أساسا يمتزج فيه الجانب الروحي بالعطاء المادي في ~~عملية إنسانية هادفة. # ولعل هذا ما يميز الوصية عن الإرث ، فإن الإرث ، يمثل وضعا تشريعيا لا ~~تتدخل فيه إرادة الإنسان وعاطفته ، لأنه حكم شرعي لا خيار للإنسان فيه فهو PageV04P008 # من فرض الله الذي يجب أن يخضع له. أما الوصية ، فإنها تنطلق من إرادة ~~الموصي وتفكيره بحالة الموصى له بعد الموت ، ومحاولته إيجاد فرصة مادية له ~~في ما يوصي له به. ويأتي التشريع بعد ذلك ليؤكد هذه الإرادة ، وليفرض ~~تنفيذها على المكلفين بشكل دقيق لا مجال فيه للتغيير والتبديل تحت طائلة ~~الإثم والعقاب. # * * * ### ||| ** هل الآية منسوخة؟ # وقد حاول بعض الفقهاء والمفسرين أن يعتبر الآية منسوخة بآية الإرث. وقيل ~~في وجه ذلك: «إن الميراث في أول الإسلام لم يكن ثابتا على الكيفية التي ~~جعلت في الشريعة بعد ذلك ، وإنما كان الإرث يدفع جميعه للولد ، وما يعطي ~~الوالدان من المال فهو بطريق الوصية ، ولكن هذا الرأي غير دقيق من وجهين : # الوجه الأول : لأن آية الإرث قد رتبت على عدم الوصية ، الأمر الذي يجعلها ~~مؤكدة لشرعية الوصية بدرجة متقدمة ، فكيف يمكن أن تتضمن إلغاءها ونسخها ~~الذي يتوقف على أن يكون الناسخ منافيا للمنسوخ في دلالته؟! # الوجه الثاني : لأن النسخ يفرض تأخر الآية الناسخة عن المنسوخة ، ولم ~~يثبت ذلك بدرجة قطعية ، لأن الخبر الدال على ذلك من أخبار الآحاد التي لا ~~تفيد علما ، مع أن النسخ يحتاج إلى الدليل القطعي. # ونضيف إلى ذلك أنه لا يمكن أن تكون ناسخة للوصية للأقربين ، لأنهم لا ~~يرثون مع الولد ليكون الإرث بديلا ms0491 عن الوصية. PageV04P009 # وحاول البعض اعتبارها منسوخة بالحديث المروي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «لا وصية لوارث» (1).. ولكن ذلك لا يتم لوجوه ذكرها ~~أستاذنا السيد الخوئي قده في كتابه «البيان في تفسير القرآن» وهي : # 1 إن الرواية لم تثبت صحتها ، والبخاري ومسلم لم يرضياها. وقد تكلم في ~~تفسير المنار على سندها. # 2 إنها معارضة بالروايات المستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام الدالة على ~~جواز الوصية للوارث. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : ~~سألته عن الوصية للوارث فقال: تجوز. قال : ثم تلا هذه الآية : ( @QUR@06 إن ~~ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) وبمضمونها روايات أخرى. # 3 إن الرواية لو صحت وسلمت عن المعارضة بشيء ، فهي لا تصلح لنسخ الآية ، ~~لأنها لا تنافيها في المدلول. غاية الأمر أنها تكون مقيدة لإطلاق الآية ، ~~فتختص الوصية بالوالدين إذا لم يستحقا الإرث لمانع ، وبمن لا يرث من ~~الأقربين. وإذا فرض وجود المنافاة بينها وبين الآية ، فقد تقدم أن خبر ~~الواحد لا يصلح أن يكون ناسخا للقرآن بإجماع المسلمين فالآية محكمة وليست ~~منسوخة» (2). # وقد يخطر في البال ، أن ظهور الآية في أن الوصية فرض على الإنسان لا ~~يتناسب مع فريضة الإرث ، لأن الاهتمام بالإيصاء ينطلق من مبدأ الحرص على ~~مساعدة الموصى لهم بعد الموت ، نظرا إلى فقدان رعايته الثابتة لهم حال PageV04P010 # الحياة. وهذا ما يمكن أن يحققه مبدأ الإرث. قد يخطر ذلك في البال على ~~أساس الاستبعاد ، لا على أساس الحجة والاستدلال. # وفي ضوء ذلك ، يمكن أن يستوحي الإنسان منها أجواء النسخ ، ولكن في ما تدل ~~عليه الآية من الوجوب ، فلا تنافي ثبوت الجواز في ما تدل عليه الأحاديث عن ~~أهل البيت عليهم السلام ، ولكننا ألمحنا في بداية الحديث عن الآية ، إلى أن ~~دور الوصية في مدلوله الإنساني ، يختلف عن مدلول تشريع الإرث ، ونضيف إلى ~~ذلك أن موارد الوصية لا تلتقي دائما مع موارد الإرث ، فقد تحدث بعض الحالات ~~التي لا مجال للإرث فيها ، مما يجعل للوصية دورها الفاعل الكبير ، وقد تحدث ms0492 ~~بعض الأوضاع التي يحتاج فيها الوارث إلى مزيد من الرعاية المادية التي لا ~~يحصل عليها من خلال نصيب الإرث ... وعلى كل حال ، فإن الاستبعاد لا يصلح ~~أساسا لتقرير فكرة أو رفضها في أي مورد من الموارد القرآنية التي لا بد لنا ~~فيها من الاعتماد على الأسس الدقيقة للتفسير. # * * * ### ||| ** جولة مع مفردات الآية # ولا بد لنا بعد ذلك من جولة تفسيرية تفصيلية مع الآية في مفرداتها ~~ومضمونها العام. # ( @QUR@01 كتب ) بمعنى قضي من القضاء ، وهو الحكم الذي قد يوحي بالإلزام ~~، فلا بد من الالتزام به إلا أن يدل دليل من كتاب أو سنة أو إجماع على خلاف ~~ذلك ، لأن اللفظ لا يخلو من قابلية لذلك ، فالحكم بشيء على شخص قد يقترن ~~بالظروف التخفيفية التي تجعل المضمون اختياريا ، وقد لا يقترن بذلك فيبقى ~~على حاله. ولما كان إجماع المسلمين قائما على عدم وجوب الوصية للوالدين ~~والأقربين ، فلا بد من أن نلتزم بذلك فنحمل الكتابة على أصل PageV04P011 # التشريع والجعل. # وعلى هذا يكون قوله تعالى : ( @QUR@06 كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) ~~أي : سجل عليكم تأكيد الوصية ( @QUR@03 إن ترك خيرا ) مالا معتدا به. # والخير : كناية عن المال. وقد اختلفت الروايات في تحديده ، ولكن الظاهر ~~منها هو المقدار المعتد به ، الذي يمكن أن يبقى منه مقدار زائد على حصة ~~الإرث حسب حالة الورثة كما ورد في الحديث عن علي عليه السلام ، أنه «دخل على ~~مولى لهم في الموت وله سبعمائة درهم ، أو ستمائة درهم ، فقال : ألا أوصي؟ ~~قال : لا ، إنما قال الله تعالى : ( @QUR@03 إن ترك خيرا ) وليس لك كثير ~~مال ، فدع مالك لورثتك» (1). والظاهر منه المقدار الذي يتناسب مع طبيعة ~~واقع الحال للموصي والموصى له والورثة ، ( @QUR@01 الوصية ) وهي التحليل ~~لما بعد الموت ( @QUR@03 للوالدين والأقربين بالمعروف ) الذي يحسن الإنسان ~~فيه إلى أقربائه. # ( @QUR@01 حقا ) ثابتا ( @QUR@02 على المتقين ) لأن التقوى تفجر في ~~الإنسان طاقات الخير بما توحي به من الحصول على محبة الله ورضاه ، ~~والابتعاد عن غضبه وسخطه ، مما يدفعه إلى القيام بالأعمال المحبوبة له ، ~~واجبة كانت أو مستحبة ، لأن ms0493 ذلك هو سبيل القرب إليه والنجاة من عذابه. # ( @QUR@010 فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) إن ~~تنفيذ الوصية وتحولها إلى واقع عملي هي مسئولية الوصي ، في ما سمعه وعرفه ~~من الوصية تحت طائلة العقاب في حالة التبديل والتغيير. وقد أكد الله على ~~ذلك وشدد الأمر فيه ، لأن غياب الموصي بالموت يجعل الوصي في أمن من جهته ، ~~على أساس أن الإنسان لا يلتزم عادة بتنفيذ إرادة الآخرين ، إلا إذا كانوا ~~في وضع خاص من القوة المادية أو المعنوية التي تستتبع الحساب أو العقاب أو ~~العتاب. PageV04P012 # فلهذا أراد الله أن يثير القضية في نطاق عذاب الآخرة ، كوسيلة من وسائل ~~التنفيذ الحاسمة. ( @QUR@04 إن الله سميع عليم ) لا يعزب عن سمعه وعلمه أي ~~شيء مما يخوض الناس فيه في ما يريدون وما يفعلون ... وفي الآية دلالة على ~~أن الميت لا إثم عليه في تبديل الوصي للوصية ، لأنها مسئولية الوصي لا ~~مسئوليته. # ( @QUR@012 فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه ) ربما ~~تفسر هذه الآية بما قبل موت الموصي ، وذلك في الحالة التي يتصرف الموصي ~~تصرفا جائرا وهو معنى الجنف أو منحرفا عن خط الحق وهو معنى الإثم الذي يوحي ~~بتعمد الظلم فإن للوصي أن يتدخل لإصلاح الأمر بين الموصي وبين الوالدين ~~والأقربين ، وذلك بإرجاعه عن الخطأ وإعادته إلى الحق ، لئلا يحصل الخصام ~~والنزاع من جراء ذلك ، كما نشاهده في بعض الأوضاع الخاصة ، عند ما يحاول ~~الموصي أن يحرم بعضا ويعطي بعضا كنتيجة لبعض الدوافع الذاتية. # وربما تفسر بما بعد الموت ، وذلك على أساس الاستثناء من حرمة التبديل ، ~~فإن للوصي أن يبدل الوصية من حالة الباطل إلى حالة الحق ، لأن الإثم هو في ~~تغيير الوصية المنسجمة مع خط الحق ، لا المنحرفة عنه. # كما إذا كانت الوصية بما يزيد على الثلث للورثة ، فللوصي إرجاعه إلى ~~الثلث إذا رفض الورثة ذلك ، أو إذا أوصى بتوزيع جميع ثروته على غير الورثة ~~الشرعيين ، فلا بد من ردها إلى الثلث ، وإذا كان في الوصية ms0494 ما يؤدي إلى ~~الظلم كإعانة مراكز الفساد أو فعل حرام أو ترك واجب ، أو إذا أدت الوصية ~~إلى نزاع أو فساد يوجب إزهاق الأرواح ، فللوصي أن يتدخل لمنع ذلك بنفسه أو ~~بالاستعانة بالحاكم الشرعي. # وربما يوحي سياق الآية بالتفسير الثاني ، لأنها وقعت بعد الآية الأخرى PageV04P013 # التي تتحدث عن التبديل بعد الموت ، باعتبار أن التصرف من صلاحية الوصي. ~~أما حالة ما قبل الموت ، فلا يملك الوصي أية صلاحية فيها. # ولكن دراسة الآية بدقة ، توحي بالمعنى الأول ، لأنها واردة في تخطيط خط ~~الوصية في ما هو تكليف الموصي في ما ينبغي أن يوصي به مما لا يتناسب مع خط ~~الجور أو الظلم ، فإذا انطلق في هذا الاتجاه الذي يثير الخصومة والنزاع ، ~~فإن للوصي باعتبار علاقته الأكيدة بالموضوع لأنها مهمته في المستقبل أن ~~يتدخل للإصلاح من موقع الإصلاح ، لا من موقع السلطة ليقال كما سبق إنه لا ~~يملك صلاحية في الموضوع. وهذا التفسير هو المروي عن الإمامين الباقر ~~والصادق عليهما السلام في ما ذكره صاحب مجمع البيان (1)... # وقد جاء في كلمة الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة : «يا بن آدم كن ~~وصي نفسك واعمل في مالك ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك» (2). # إنها توحي بأن الإنسان قد يفكر بالخير في وصيته بماله بعد الوفاة سواء ~~أكان ذلك في ما يتعلق بقضاياه الخاصة في عباداته أو معاملاته أو صدقاته ، ~~أم في ما يتعلق بالآخرين ، وهذا عمل جيد يدل على روح الخير في نفسه. ولكن ~~هناك مسألة مهمة في عمق القيمة الروحية الأخلاقية في النظرة الواقعية إلى ~~الأمور ، فإنه عند ما كان يوصي بماله بعد الموت ، كان يودع الحياة ويبتعد ~~عن كل علاقة له بالمال ، مما لا يجعله يواجه تضحية كبري بإنفاقه في الخير ~~لنفسه أو للآخرين ، ولكنه عند ما ينفقه في الحياة مع امتداد الأمل بالبقاء ~~، فإنه يضحي به في الوقت الذي تكبر حاجته إليه ويعيش الارتباط به ، الأمر ~~الذي يؤكد عمق القيمة الإيمانية الروحية في الإخلاص لله في عمله. PageV04P014 # وقد ختم ms0495 الله له الآية بقوله تعالى : ( @QUR@04 إن الله سميع عليم ) ~~للإيحاء بأن رعاية الله له لهذا الوحي كانت بإيجاد المصلح الذي يرد الوصية ~~إلى الخط المستقيم في الصلاح والإصلاح ، من موقع المغفرة والرحمة اللتين ~~يمنحهما الله لعباده الصالحين إذا أذنبوا ، فكيف هو الحال إذا أصلحوا ولم ~~يكن هناك ذنب!؟ # * * * ### ||| ** الإيحاءات والدروس # إننا نستوحي من مبدأ الوصية في هذه الآيات أمورا : # 1 إن الإسلام يريد أن يركز على مسئولية المسلم في الاهتمام بأمور الآخرين ~~لا سيما أقربائه فيفكر بأمورهم في حالة الحياة وفي ما بعد الموت ، ويعمل ~~على تحويل التفكير إلى ممارسة عملية حقيقية بما يوصي به إليهم من مال ليضمن ~~لهم نوعا من كرامة الحياة في ما بعد الموت. # 2 إن في اعتبار هذا التوجه مظهرا من مظاهر التقوى دلالة على أن قضية ~~التقوى في الإسلام لا تتصل بالجانب الروحي العبادي فحسب ، بل تتسع لتواجه ~~حس المسؤولية في الإنسان تجاه أخيه الإنسان في الحياة وفي ما بعد الموت ، ~~مما يؤكد على تنمية الجانب الإنساني للشعور في أعماق الإنسان. # 3 ربما نستوحي من فقرة ( @QUR@016 كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ): أن الله يريد ~~للإنسان أن يستفيد من الفرصة الأخيرة في الحياة ليتقرب إليه من خلال عمل ~~الخير للناس الذين يحتاجون إليه ممن كانوا السبب في وجوده ، أو الذين ~~يرتبطون به برابطة الرحم من خلال إيحاءات القرابة التي تفتح كل مشاعر الخير ~~في نفس الإنسان في الأجواء الحميمة المنسابة في روحه ، الأمر الذي يجعله ~~يفكر بطريقة PageV04P015 # موضوعية متوازنة بعيدة عن كل نوازع الطمع والجشع والذاتية ، لأنه سوف ~~يفارق المال كله والحياة كلها بعد قليل فيفقد كل شيء ، بينما توحي الوصية ~~إليه الفرصة الإلهية في الحصول على العفو والمغفرة والرحمة في عمل الخير. # 4 إن الله لم يعط الإنسان كل الحرية في الوصية ، بل حدد له الثلث كحد ~~أقصى حتى لا يجور على ورثته ، فيتركهم في فقر وحاجة يسألون الناس إذا تجاوز ~~ذلك فخص ms0496 بعضهم بالمال كله أو أوصى به للمشاريع العامة أو لبعض الناس الذين ~~تربطه بهم علاقة خدمة أو إحسان أو نحو ذلك ، فللورثة أن يرفضوا الزيادة على ~~الثلث ، فتبطل الوصية في الثلثين. وواضح ما في هذه النظرة من مراعاة كلا ~~الطرفين : الموصي ، والموصى لهم. # فالإجازه للموصي بالتصرف بثلث التركة يشبع لديه الحاجة إلى التصرف في ~~تركته في السياق الذي يلبي شعوره بالواجب وإحساسه بالمسؤولية ، فضلا عن ~~إشباع رغبته وأحلامه ، فلا يحرم لذلك من التصرف بماله في ما بعد الموت. ~~وأما ترك الثلثين للموصى لهم فيندرج في سياق إعانتهم على تلبية حاجاتهم ~~ومعالجة قضاياهم الخاصة. وقد جاء في الحديث عن الإمام محمد الباقر ~~عليه السلام أنه قال : «من عدل في وصيته كان بمنزلة من تصدق بها في حياته ، ~~ومن جار في وصيته لقي الله يوم القيامة وهو عنه معرض» (1). # وربما كان المراد بالجور هو الوصية بأكثر من الثلث ، أو بالمقدار الذي ~~يخلق للورثة مشكلة في حياتهم لحاجتهم المال الذي أوصى به. # 5 إن الوصية ليست ملزمة لصاحبها ما دام في الحياة ، فله أن يرجع عنها أو ~~يغيرها بأي نحو كان ، فلا حق لأحد عليه في ذلك. # 6 إن على الإنسان أن يوصي بكل الواجبات والمسؤوليات المترتبة PageV04P016 # عليه ، في حقوق الناس عنده أو حقوق الله التي لا بد من قضائها ، إذا خاف ~~على نفسه الموت وفوات الفرصة في الأداء والقضاء. أما في غير ذلك فالوصية ~~مستحبة. # * * * PageV04P017 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون (183) @QUR@032 أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا ~~فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) @QUR@044 شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ms0497 على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون ) (185) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصيام ): في اللغة : الإمساك عن الفعل أو الكلام أو أي شيء ~~آخر ... وهو في الشرع : إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على ~~صفات مخصوصة في زمان مخصوص. PageV04P018 # ( @QUR@01 فعدة ): فعلة من العد ، وهي بمعنى المعدود كالطحن بمعنى ~~المطحون. # ( @QUR@01 يطيقونه ): يتحملونه بمشقة شديدة وجهد كبير ، ويؤيده قراءة ~~ابن عباس : يطوقونه : من الطاقة اي : المشقة في مثل حال الكبير الهرم ، ~~والحامل ، والمرضع ، والمريض الذي لا يرجى برؤه ونحوهم. # ( @QUR@01 فدية ): ما يقي به الإنسان نفسه من مال يبذله في عبادة قصر ~~فيها. والفدية : ما يبذل ، والفداء : اسم لذلك المبذول. # ( @QUR@01 والفرقان ): ما يفرق بين الحق والباطل ، والفرقان : كلام الله ~~تعالى. والفرقان : يوم بدر فإنه أول يوم فرق فيه بين الحق والباطل. وهذا ما ~~جاء في قوله تعالى : ( @QUR@013 إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) [الأنفال : 41]. # * * * ### ||| ** الصيام مع بعض أحكامه # وهذا تشريع عبادي جديد أراد الله لعباده أن يتعبدوا له فيه ، من أجل أن ~~يحققوا لأنفسهم البناء الروحي والعملي من خلال ذلك ، كما هو الحال في ~~العبادات الأخرى التي لم يجعلها الله استغراقا في ذاته أو غيبوبة في قدسه ، ~~ليبتعدوا بذلك عن حياتهم ، بل جعلها انطلاقه في وعي الإنسان لعلاقته بربه ، ~~من حيث هي عبودية ومسئولية وانفتاح ، لتؤكد له إنسانيته الصافية النقية ~~البعيدة عن كل خبث وزيف ورياء ، وعن كل ضعف وحقد وانحراف ، والقريبة من ~~المعاني الروحية التي تنبي للإنسان حياته على الصورة التي يحبها الله ~~ويرضاها ، فهي تلتقي بالحياة من خلال التقائه بالله. PageV04P019 # وفي هذا الإطار ، اعتبرت العبادات الإسلامية من ركائز الإسلام ، باعتبار ~~علاقتها ببناء الشخصية الإسلامية للإنسان في ما يفكر ويعمل ويمارس من ~~علاقات عامه وخاصه ، وفي ما يخطط له من غايات ، وما يستخدم من وسائل ، وذلك ~~من خلال تعدد وتنوع أساليبها وتنوعها ، وفي ما تثيره من مشاعر ، وما تحركه ~~من نوازع وأفكار. # وقد نلاحظ في روعة التشريع العبادي في الإسلام ، أنه حرك العبادة في إطار ~~العطاء فاعتبر ms0498 العطاء عبادة ، وأطلقها في الحياة فقرر أن العمل في سبيل طلب ~~الحلال عبادة ، وأثارها في خط الدفاع عن الإنسان وقيمه الكبيرة في الحياة ، ~~فالجهاد في سبيل الله عبادة يتعبد فيها الإنسان لربه ، وأفسح المجال للنية ~~الخالصة في داخل الإنسان ، لتعطي كل عمل يقصد به الإنسان وجه ربه في كل شأن ~~من شؤون الحياة الذاتية والعامة ، صفة العبادة التي تقربه إلى الله. # وكان الصوم إحدى العبادات التي بني عليها الإسلام حسب ما ورد في أحاديث ~~أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فقد فرضه الله على المؤمنين في الإسلام ، كما ~~فرضه على المؤمنين قبلهم في الشرائع السابقة ، فقد ورد في قاموس الكتاب ~~المقدس : «الصوم بشكل عام وفي جميع الأوقات كان متداولا في أوقات الأحزان ~~والنوائب بين جميع الطوائف والملل والمذاهب» (1). # ويظهر من التوراة أن موسى عليه السلام صام أربعين يوما ، فقد جاء فيها : ~~«أقمت في الجبل أربعين ليلة لا آكل خبزا ولا أشرب ماء. وكان اليهود يصومون ~~لدى التوبة والتضرع إلى الله. واليهود كانوا يصومون غالبا حينما تتاح لهم ~~الفرصة للإعراب عن عجزهم وتواضعهم أمام الله ، ليعترفوا بذنوبهم عن طريق ~~الصوم والتوبة ، وليحصلوا على رضى ضرة القدس الإلهي» (2). PageV04P020 # «الصوم الأعظم مع الكفارة كان على ما يبدو خاصا بيوم من أيام السنة بين ~~طائفة من اليهود. طبعا كانت هناك أيام أخرى مؤقتة للصوم بمناسبة ذكرى تخريب ~~أورشليم وغيرها» (1). # السيد المسيح عليه السلام صام أيضا أربعين يوما ، كما يظهر من الإنجيل «ثم ~~صعد يسوع إلى البرية ... فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا» ~~(2) ويبدو من نصوص «إنجيل لوقا» أن حواريي السيد المسيح صاموا أيضا (3). # وجاء في قاموس الكتاب المقدس «من هنا كانت حياة الحواريين والمؤمنين ~~مملوءة بالابتعاد عن اللذات وبالأتعاب وبالصوم» (4). # وقد لا نجد تفصيلات وافية عن طبيعة هذا الصوم المفروض على السابقين في ~~شرائهم ، ولكننا نجد في القرآن الكريم حديثا عن صوم الصمت في ما حدثنا الله ~~به من قصة زكريا قال : ( @QUR@020 قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ms0499 ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) [آل ~~عمران : 41] وفي ما حدثنا به من قصة مريم عليها السلام : ( @QUR@018 فكلي ~~واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا ) [مريم : 26]. وقد نجد لدى بعض المنتسبين إلى الديانات ~~السابقة من اليهود والنصارى نوعا من الصوم الذي يمتنعون فيه عن بعض ~~المأكولات كاللحوم ونحوها في بعض أيام السنة. وقد يخيل لبعض الناس أن تشبيه الصوم PageV04P021 # المكتوب علينا بما كتب على الذين من قبلنا يوحي بوحدة الصوم عندنا وعندهم ~~، ولكن ذلك غير ثابت ، لأن التشبيه يكفي فيه أن يكون واردا لبيان أصل ~~التشريع من دون دخول في تفاصيله. # * * * ### ||| ** الصوم والتقوى # وهذا ما نستوحيه من الآية الكريمة : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم الصيام ) إذ لا بد لكم من القيام به فرضا واجبا ، كعبادة شرعية ~~تتقربون بها إلى الله ، وتحققون فيها الكثير من المنافع الروحية والأخلاقية ~~والجسدية ، ( @QUR@06 كما كتب على الذين من قبلكم )، فلستم أول الأمم التي ~~يفرض عليها هذا النوع من الإمساك العملي ، لأن القضية ليست حالة خاصة في ~~ظرف خاص يتصل بكم بشكل خاص ، بل هي حالة عامة في الإنسان كله من حيث علاقة ~~الترك المخصوص لبعض الأشياء في توازن حياته ، كما هي علاقة الفعل الخاص في ~~الجوانب الأخرى منها ، وربما اختلف الصوم في طبيعته ومفرداته بين أمة وأخرى ~~، ولكن المبدأ واحد. # وقد ختمت الآية بيان الصوم ، بقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) ~~للإيحاء بأن التقوى هي غاية للصوم أو نتيجة له ، نظرا لما يثيره في داخل ~~الإنسان من الرقابة الذاتية الداخلية التي تمنعه من ممارسة كثير من الأشياء ~~المعتادة له من شهواته ومطاعمه ومشاربه ، انطلاقا من وعيه التام للإشراف ~~الإلهي عليه في كل صغيرة وكبيرة. # وهذا ما تعبر عنه مفردة «التقوى» بما تمثله من الانضباط أمام ما يريده ~~الله منه وما لا يريده ، وذلك بأن لا يفقده الله حيث يريده ولا يجده حيث PageV04P022 # ينهاه. وبذلك يكون هذا الصوم الصغير مقدمة للصوم الكبير ، وذلك ms0500 يتوافق مع ~~ما ورد به الحديث الشريف : «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم ~~حظه من قيامه السهر ..» (1)، فيمن لا يمنعه صومه من الممارسات المحرمة ~~الأخرى في شهر رمضان وفي غيره. # ( @QUR@02 أياما معدودات ) هناك قولان في المقصود بهذه الأيام : # أحدهما : إنها غير شهر رمضان ، وكانت ثلاثة أيام من كل شهر ، ثم نسخ ، عن ~~معاذ وعطا وعن ابن عباس وروي ثلاثة أيام من كل شهر وصوم عاشوراء ، عن ~~قتادة. ثم قيل : إنه كان تطوعا. وقيل : بل كان واجبا. واتفق هؤلاء على أن ~~ذلك منسوخ بصوم شهر رمضان. # والآخر : إن المعني بالمعدودات هو شهر رمضان ، عن ابن عباس والحسن ~~واختاره الجبائي وأبو مسلم ، وعليه أكثر المفسرين ، قالوا : أوجب سبحانه ~~الصوم أولا فأجمله ، ولم يبين أنها يوم أو يومان أم أكثر ، ثم بين أنها ~~أيام معلومات وأبهم ، ثم بينه بقوله : ( @QUR@06 شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن )، قال القاضي : وهذا أولى ، لأنه إذا أمكن حمله على معنى من غير ~~إثبات نسخ كان أولى ، ولأن ما قالوه زيادة لا دليل عليه» (2). # ( @QUR@011 فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) فليس على ~~المريض صيام في شهر رمضان ، والظاهر من مناسبة الحكم والموضوع أن المراد به ~~المرض الذي يضر به الصوم ، لأن ذلك ما يعتبر عسرا على المكلف ، فلا يشمل ~~الصوم الذي ينفع المريض أو الذي لا يترك أي أثر ضار على صحته. وقد وردت ~~بذلك الأحاديث الكثيرة المتعددة في هذا الشأن. # أما السفر ، فقد حددت كميته بما ورد في السنة الشريفة التي اختلفت PageV04P023 # الروايات بشأنها ، مما أوجب اختلاف المذاهب فيها بين السنة والشيعة ، مما ~~تعرضت له كتب الفقه. # * * * ### ||| ** الإفطار في السفر رخصة أم عزيمة؟ # ولكن هنا بحثا آخر لا بد من الإشارة إليه ، وهو أن الإفطار في السفر رخصة ~~أم عزيمة؟. فذهب جمع من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف ، وعمر بن الخطاب ، ~~وعبد الله بن عمر ، وأبي هريرة ، وعروة بن الزبير (1) إلى أنه عزيمة ، وهو ~~المروي عن أئمة أهل البيت عليهم ms0501 السلام (2)، وهو الظاهر من الآية الكريمة ~~في قوله تعالى : ( @QUR@04 فعدة من أيام أخر ) فإن الظاهر منها هو أن صيام ~~الأيام المعدودات فرض غير المسافر والمريض ، أما هما فان فرضهما هو أيام ~~أخر ، في غير شهر رمضان لأن السياق جرى مجرى العزيمة والفرض وذهب PageV04P024 # أكثر أهل السنة ، إلى أنه رخصة ، وقدروا في الآية كلمة : فأفطر ، فقالوا ~~، إن تقديرها فمن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ... ولكن ~~هذا ضعيف بأن التقدير خلاف الظاهر ولا يصار إليه إلا بدليل ، ولا دليل في ~~الآية عليه ، وبأن هذا التقدير لا يمنع من العزيمة لأن الحديث عن الإفطار ~~لا يعني إلا جوازه في مقابل التحريم ولا يعني ذلك في مقابل الإلزام. # * * * ### ||| ** متى تجب الفدية؟ # ( @QUR@06 وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) الإطاقة كما ذكره بعضهم ~~صرف تمام الطاقة في الفعل ، ولازمه وقوع الفعل بجهد ومشقة (1) والفدية هي ~~البدل المالي عن الصوم. والظاهر من الآية بمقتضى السياق هو حالة الذين ~~يستطيعون الصوم بجهد ومشقة وهم الشيوخ الذين يجدهم الصوم ، فإن مثل هؤلاء ~~لا يكلفون بالصوم ولا يكلفون بالقضاء ، بل يمكنهم الاكتفاء بدفع الفدية. ~~وقد ورد ذلك في تفسير العياشي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال : ~~الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش (2). # وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الفقرة تدل على الرخصة ، على أساس تخيير الله ~~للقادرين بين الصوم وبين الإفطار ودفع الفدية ، ثم نسخت بقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 فمن شهد منكم الشهر فليصمه ). ولكن ذلك مردود بدراسة الآيات التي ~~تدل على وحدة الفرض والسياق ، ولا يحتاج ذلك إلا إلى ذوق سليم وحس مرهف. PageV04P025 # ( @QUR@06 فمن تطوع خيرا فهو خير له ) ربما كان المقصود منه التطوع ~~بالزيادة على الفدية ، بأن يعطي الزيادة على ما وجب عليه ، كما ورد في بعض ~~الأحاديث أن الأفضل مدان من الطعام. وفسرها صاحب الميزان بإيتاء الصوم عن ~~رضى ورغبة (1)، لأن كلمة التطوع تعني الاختيار في مقابل الإلزام لتدل على ~~الاستحباب ، بل تدل على الطوع في مقابل الكره ؛ وذلك بأن يأتي الإنسان به ~~عن ms0502 رغبة ورضى وقناعة. ولكن هذا خلاف الظاهر لظهور كلمة التطوع في الفعل ~~الذي يأتي به الإنسان من دون إلزام باعتبار أن الإلزام يوحي بالضغط والكره ~~، بينما الاستحباب لا يوحي إلا بالتوسعة والتخفيف. وأما ما ذكره من أن ~~استعمال الكلمة في الفعل المستحب اصطلاح جديد فهو غير دقيق ، لأن القضية ~~ليست قضية استعمال الكلمة في المعنى ، بل استيحاء المعنى من معنى الكلمة في ~~ما يفهم من مدلوله الواجب والمستحب. # ( @QUR@07 وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) الظاهر منها بقرينة ~~السياق هو أنها خطاب للذين يجهدهم القضاء ، فتباح لهم الفدية لإعلامهم بأن ~~الفدية ، وإن كانت جائزة ، إلا أن الصوم خير لهم إن كانوا يعلمون لما فيه ~~من النتائج الروحية والعملية وهناك احتمال بأن الفقرة واردة في الحديث عن ~~الصوم ، بأنه خير للناس في ذاته بحسب فلسفة الصوم في تشريعه من حيث المنافع ~~الكثيرة العائدة إلى الناس ، وقد جرى أسلوب القرآن على الإتيان بهذه الفقرة ~~بعد كل تشريع ، لما ورد في قوله سبحانه بعد ذكر وجوب صلاة الجمعة : ( ~~@QUR@022 يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) [الجمعة : 9] وقوله ~~تعالى : ( @QUR@013 وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون ) [العنكبوت : 16]. # وبهذا يبطل قول من قال : إن الصوم كان في بداية التشريع واجبا PageV04P026 # تخييريا ، وكان المسلمون مخيرين بين الصوم والفدية ، ثم نسخ ذلك بعد أن ~~تعود المسلمون على الصوم فأصبح واجبا عينيا. وهو خلاف الظاهر. # * * * ### ||| ** ما معنى نزول القرآن في شهر رمضان؟ # ( @QUR@012 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان ). # في هذا التأكيد القرآني على نزول القرآن في شهر رمضان ، في هذه الاية ، ~~وفي تحديد ليلة القدر في سورتي الدخان والقدر ، إيحاء بأن عظمة هذا الشهر ~~مستمدة من مناسبة نزول القرآن فيه. وقد اختلف الحديث في تحليل نزول القرآن ~~في هذا الشهر ، فهناك من ذكر أن المراد به أول نزوله ، وهناك من ذكر ms0503 أنه ~~النزول إلى اللوح المحفوظ من البيت المعمور ، وهناك من حاول أن يجعل من ~~مفهوم الكتاب معنى غامضا لا نستطيع إدراكه ، فهو الذي نزل على قلب النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم دفعة واحدة ثم نزل عليه تدريجيا. وقد كان السبب ~~في هذا الاختلاف ، ظهور هذه الاية وغيرها في نزوله دفعة ، بينما الاية ~~الكريمة تنص على أنه نزل تدريجا : ( @QUR@016 وقال الذين كفروا لو لا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) [الفرقان : ~~32] والاية الأخرى ( @QUR@09 وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا ) [الإسراء : 106]. # كما أن هناك وجها آخر لهذا الاختلاف ، وهو أن النزول والبعثة كانا في ~~موعد واحد ، مع أن المعروف أن البعثة كانت في السابع والعشرين من شهر رجب ~~وأن أول ما أنزل : ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [العلق : 1] فكيف ~~يمكن التوفيق بين الاية وبين ذلك؟! PageV04P027 # والواقع أن الظاهر من القرآن الكريم هو أن إنزاله كان في شهر رمضان ، ولا ~~نجد هناك فرقا بين الآيات التي تتحدث عن إنزال القرآن في ليلة القدر أو في ~~شهر رمضان ، وبين الآيات التي تتحدث عن إنزاله على مكث أو تدريجيا ، ولا ~~نستطيع أن نحمل القرآن على معنى غامض خفي في علم الله ، وذلك لا من جهة ~~أننا نريد أن نفسر القرآن تفسيرا حسيا ماديا كما يفعل الحسيون ، بل من جهة ~~أنه لا دليل على ذلك في ما حاول بعض المفسرين أن يقيم الدليل عليه ، مما لا ~~مجال للخوض في النقاش فيه ، لأننا لا نجد فيه كبير فائدة. # وعلى ضوء ذلك ، فإن هذا الظهور القرآني البين يجعلنا لا نثق بالروايات ~~التي توقت البعثة في رجب أو تعين أول الآيات النازلة في سورة اقرأ ، ولذلك ~~فإن من الممكن أن يكون المراد من الإنزال هو أول الإنزال ، كما أن كلمة ~~القرآن تطلق على القليل والكثير بما يشمل السورة والاية والمجموع. والظاهر ~~أن هذا المقدار كاف في الجانب التفسيري من القضية ، لأن الباقي يدخل في باب ~~التخمين والتأويل من غير ms0504 فائدة تذكر. # * * * ### ||| ** القرآن هدى للناس # ( @QUR@06 هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ). # هذه هي قيمة القرآن وأهميته في حياة الناس ، فهو كتاب هدى يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور. وهو كتاب ~~البينات التي توضح للناس حقائق الأشياء ودقائقها بما يزيل كل شبهة ، ويفرق ~~بين الحق والباطل. وقد بينا في بداية هذا التفسير أن معنى كون القرآن هدى ، ~~هو اشتماله على أسس الهدى لمن أراد أن يهتدي بها ، فلا مجال للإشكال بأن ~~هناك من لا يهتدي بالقرآن ، لأن الهدى هنا بمعنى الشأنية لا PageV04P028 # بمعنى الفعلية ، فراجع. # * * * ### ||| ** بين القضاء واليسر # ( @QUR@015 فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر ). هذا تأكيد على الحكم الذي استفدناه من الاية السابقة ولكن ~~بشكل أوضح ، فإن المراد من الشهود الحضور في مقابل السفر. أما المريض ~~والمسافر ، فيجب عليهما الصوم في أيام أخر في غير شهر رمضان ، ولا يجب ~~عليهما في هذا الشهر ، ولا يشرع لهما وقد تقدم الحديث عن موضوع الرخصة ~~والعزيمة في صوم المسافر. # وقد ذكر البعض أن المراد بشهود الشهر رؤية الهلال ، لتكون الاية دالة على ~~أن الصوم مشروط بالرؤية ، كما جاء في الحديث الشريف عن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (1). ولكن لا دليل ~~في الاية على ذلك بل ربما كان ذكر السفر في مقابل ذلك دليلا على أن المراد ~~به الحضور في البلد. وقد جاء في رواية زرارة عن الإمام أبي جعفر محمد ~~الباقر عليه السلام أنه قال لما سئل عن هذه ما أبينها لمن عقلها قال : «من ~~شهد رمضان فليصمه ، ومن سافر فيه فليفطر» (2). وقد روي أيضا كما في مجمع ~~البيان «عن علي وابن عباس ومجاهد وجماعة من المفسرين أنهم قالوا : «من شهد ~~الشهر بأن دخل عليه الشهر وهو حاضر ، فعليه أن يصوم الشهر كله» (3) وهذا ~~دليل على أن المراد به الحضور في البلد. # ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) هذا بيان ms0505 للحكمة في تشريع PageV04P029 # القضاء على المسافر والمريض ، وأن الله أراد من خلال ذلك بناء أمر ~~الإنسان في ما يفعله وفي ما يتركه على أساس التيسير ، لأن الله قد أرسل ~~نبيه بالشريعة السهلة السمحة. وقد حاول البعض أن يستفيدوا من هذه الفقرة من ~~الاية أن الإفطار في السفر رخصة لا عزيمة ، ولكن لا دليل لهم في ذلك لأنه ~~يمكن أن يكون اليسر في إسقاط الصوم عنهم ، وإن كان ذلك إلزاميا. # وربما يستفاد من هذه الاية قاعدة فقهية حاكمة على أدلة الأحكام العامة ~~وهي قاعدة «اليسر» أو «لا حرج» ، فهي دالة على أن الله يريد في كل تشريعاته ~~أن ييسر للناس حياتهم في ما يفعلون وفي ما يتركون ، مما يوحي بأن كل حكم ~~يوقع الناس في العسر فهو غير مجعول في الشريعة ، حتى لو كان الدليل الدال ~~عليه يدل على ذلك بإطلاقه وعمومه. وهذا هو الأساس في فتاوى الفقهاء في ~~انتقال الإنسان من حالة في الصلاة إلى حالة أخرى حيث يرفع الإلزام عن ~~الحالة المستلزمة للمشقة والعسر كالقيام بالنسبة إلى الجلوس ، والوضوء ~~بالنسبة إلى التيمم ونحو ذلك. # ( @QUR@02 ولتكملوا العدة ) في صيام الأيام التي فاتت المكلف في شهر ~~رمضان ، ليكمل له بذلك الصيام الذي فرضه عليه. ( @QUR@05 ولتكبروا الله على ~~ما هداكم ) فسره المفسرون بالتكبيرات التي يكبرها المصلون في صلاة العيد ، ~~ولعل الظاهر أنها تعليل للتشريع العبادي في الصوم الذي يوحي بالتذلل ، ~~والخضوع ، والانقياد ، والوعي الروحي للربوبية الشاملة والألوهية العظيمة ~~في موقع العظمة والكبرياء ، وعلى هدايته لدينه الذي به يعرف ربه في توحيده ~~، وقدرته ، وكل مواقع العظمة عنده ، ليحس الإنسان بأن الله هو كل شيء في ~~وجوده وفي حركته ، ولا شيء لأي مخلوق إلا من خلاله ، فهو الذي يمنحهم القوة ~~والعظمة والغنى والسعة في حياتهم ، ولا يملكون ، في ذواتهم ، نفعا ولا ضرا ~~... وهذا ما يجعل المؤمن واعيا لمقام ربه ، ومنفتحا على مسئوليته في توحيده ~~في العبادة والطاعة ، فيكبر الله على ذلك كله ، في روحه وعقله PageV04P030 # وشعوره ولسانه وعمله. # ( @QUR@02 ولعلكم تشكرون ) على ما رزقكم الله ms0506 من الفرصة في طاعته وفي ~~القيام بما يصلح أمر دينكم ودنياكم ، فإن ذلك من النعم التي تستحق الشكر ، ~~وأي نعمة أفضل من النعمة التي تهيئ للإنسان سعادة الدارين. # * * * PageV04P031 ### ||| * الاية # ( @QUR@017 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (186) # * * * ### ||| ** الدعاء .. في علاقة العبد بربه # ربما كانت الأجواء التي عاشت فيها الآيات المتقدمة ، من تقوى الله التي ~~ينطلق فيها الإنسان مع الصوم ، ومن شكر الله على ما أنعم به على الإنسان من ~~نعمة الطاعة والرعاية والتيسير ... ربما كانت هذه الأجواء تحمل الكثير من ~~الإيحاءات الحميمة التي تفتح قلب الإنسان على الله في محاولة للتقرب إليه ، ~~كوسيلة من وسائل الحصول على لطفه ومحبته ورضاه في كثير مما يهم الإنسان من ~~شؤون حياته في تطلعاتها وأحلامها وآلامها ، وهذا مما يجعل القضية تلح على ~~وجدان الإنسان ، في سؤال عميق عن طبيعة العلاقة التي تشد الخالق إلى ~~مخلوقاته. فكانت هذه الاية تقريرا لروعة الألوهية التي انطلقت عظمتها ~~وقوتها في رحمتها للعباد ، فهي قريبة الى كل آمالهم وآلامهم ومطامحهم ~~ونوازعهم في شتى مجالات حياتهم ، تستمع إليهم في دعواتهم ، PageV04P032 # وتلبيهم في نداءاتهم ، وتستجيب لهم في مناجاتهم من دون وسيط أو شفيع ، بل ~~هي الكلمات التي تنطلق من القلب لترتفع إلى السماء حيث المحبة والرحمة ~~والعفو والمغفرة. # إنها دعوة الله إلى عبده أن يستجيب له ، فيدعوه لأن في ذلك خلاصا له من ~~كل سوء أو شدة ، وتحررا عن كل عبودية لغير الله عند ما يشعر أن الله هو ولي ~~حاجته ، فمنه الفرج لكل شدة ، وبه الخلاص من كل سوء ، وهو لا غيره مالك ~~الدنيا والاخرة ، وولي الحياة والموت ، وبيده مقاليد الأمور ، وذلك هو ~~سبيله الى الشعور بالأمن والطمأنينة والاستقرار ، حين يشعر بأن حاجاته ~~الصعبة هي في دائرة رحمة القادر على قضائها والعالم بما يصلحه أو يفسده ~~منها ... وهي في الوقت نفسه دعوة إلى الإيمان به ، لأنه الحقيقة الواضحة ~~التي لا يحتاج الإنسان في وعيها ، وفي الإيمان بها ، إلى مزيد من الفكر ms0507 ~~والتأمل والمعاناة ، بل يلتقي بها في كل شيء يعيش معه ، وفي كل ظاهرة من ~~ظواهر الوجود. وفي الحالين معا ، في الدعاء عند ما ينطلق ، وفي الإيمان عند ~~ما يتحرك الرشد كل الرشد في واقع الحياة وفي حركتها الصاعدة أبدا إلى الله. # * * * ### ||| ** الدعاء عبادة # والدعاء بعد ذلك كله عبادة تهز أعماق الإنسان بالشعور بوجود الله وحضوره ~~في كل ملتقى للإنسان في ما يهمه من أمور الحياة ، وفي ما يثيره من شؤون ~~الاخرة. وهي عبادة لا تفرض عليه كلماتها وأجواؤها من خارج ذاته ، من خلال ~~تعليمات مفروضة ، بل هي مشاعره وأفكاره وحاجاته وآلامه وآماله وكلماته ~~المنطلقة من ذاته في أسلوب عفوي محبب في جو حميم يفقد PageV04P033 # معه الشعور بالفواصل التي تفصله عن الله بما تمثله علاقة العبد بالسيد ، ~~أو علاقة المخلوق بخالقه ، بل هو الجو الذي يحس فيه بالانفتاح والامتداد في ~~أجواء المطلق. وتلك هي السعادة ، كل السعادة ، والروحية الفياضة بالنور ~~والعطر والحياة. # إنها عبادة الإنسان التي تتحرك معها حياته كلها بين يدي الله ، في شعور ~~بالمحبة الذاتية الخالصة التي لا يعرف روعتها إلا المخلصون من عباد الله. # وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «الدعاء مخ العبادة» (1)، وعنه ~~أيضا : «الدعاء هو العبادة» (2). # * * * ### ||| ** ملاحظات بخصوص الدعاء # ربما تثار أمام الدعاء عدة ملاحظات : أولها ما أثاره اليهود حين قالوا : ~~إن الله لما خلق الأشياء وقدر التقادير تم الأمر ، وخرج زمام التصرف الجديد ~~من يده بما حتمه من القضاء ، فلا نسخ ولا بداء ولا استجابة لدعاء لأن الأمر ~~مفروغ عنه (3). # وقد عبروا عن هذه الفكرة في الدعاء بأسلوب الاستدلال ، فقالوا في ما نقل ~~عنهم «إن الحاجة المدعو لها إما أن تكون مقضية مقدرة أولا ، وهي على الأول ~~واجبة ، وإن لم تكن كذلك فهي ممتنعة. وعلى أي حال لا معنى لتأثير الدعاء. ~~والجواب عن ذلك أن التقدير الإلهي للأشياء لا يعني تحقق PageV04P034 # الشيء بشكل مطلق من دون سبب أو علة ، بل يعني أن الله قدر لها الوجود ~~بأسبابها المادية والمعنوية ، فلا منافاة بين ms0508 تقدير وجودها وتوقفها على ~~حصول الأسباب ، وقد يكون الدعاء سببا معنويا للوجود بالإضافة إلى الأسباب ~~المادية الأخرى التي يرتبط بها ارتباطا عفويا ؛ فإذا لم يصدر الدعاء من ~~العبد لم يوجد شيئا حسب التقدير الإلهي لأن سببه المعنوي لم يوجد ، وهذا ما ~~قد تشير إليه الأحاديث المتضافرة عن أهل البيت عليهم السلام : «من القدر ~~الدعاء» (1)، لأن الله جعل له دورا في مسألة التقدير. وقد ورد في الحديث ~~عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، في رواية ميسر بن عبد العزيز عنه ، كما ~~ورد في الكافي ، «قال : قال لي : يا ميسر : ادع ولا تقل إن الأمر قد فرغ ~~منه ، إن عند الله عز وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة ، ولو أن عبدا سد فاه ~~ولم يسأل لم يعط شيئا ، فسل تعط. يا ميسر إنه ليس من باب يقرع إلا يوشك أن ~~يفتح لصاحبه» (2). # وقد جاء في بعض الأحاديث عن الدعاء أنه يرد القضاء وقد أبرم إبراما ، كما ~~جاء في رواية بسطام الزيات عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : «إن ~~الدعاء يرد القضاء وقد نزل من السماء وقد أبرم إبراما» (3). # وروى أبو همام إسماعيل بن همام عن الرضا عليه السلام قال : قال علي بن ~~الحسين عليه السلام : إن الدعاء والبلاء ليترافقان إلى يوم القيامة. إن ~~الدعاء يرد البلاء وقد أبرم إبراما (4). # وربما يفسر هذا الحديث وما قبله بأن الأسباب المادية التي تفرض وجود ~~البلاء وتهيئ الظروف لحركة القضاء ، قد تكون متوفرة في الواقع الذي يحيط ~~بالإنسان في دائرة الظروف الموضوعية المتصلة بعلاقة المسبب بالسبب ، فيأتي PageV04P035 # الدعاء ليعطل ذلك في درجة الفعلية بعد أن تكون الشأنية الذاتية مقتضية له ~~، لتكون المسألة أن الله جعلها أسبابا لو لا الدعاء ، حيث يأخذ الدعاء دور ~~المانع عن تأثير المقتضي في المقتضى. # وقد يشير إلى ذلك الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام الذي ~~رواه إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : «إن الله ليدفع ~~بالدعاء الأمر الذي علمه أن يدعى له فيستجيب ، ولو ms0509 لا ما وفق العبد من ذلك ~~الدعاء لأصابه منه ما يجثه (1) من جديد (2) الأرض» (3). # ويؤكد ذلك الحديث المروي عن أبي ولاد قال : قال أبو الحسن موسى الكاظم ~~عليه السلام : عليكم بالدعاء فإن الدعاء لله والطلب إلى الله يرد البلاء. ~~وقد قدر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه ، فإذا دعي الله عز وجل وسئل ، صرف البلاء ~~صرفه (4). # ثاني هذه الملاحظات : إن الدعاء وسيلة من وسائل التحذير الذاتي ، الذي ~~يدفع الإنسان إلى الكسل والتواكل والابتعاد عن الأخذ بالأسباب الطبيعة في ~~الأشياء ، وعن الانفتاح على حركة الحياة من أجل تنميتها وتقويتها وتطويرها ~~، ويبتعد بالإنسان عن عالم الحس إلى عالم الغيب ، ليكون غيبيا في وعيه ~~للحياة بالإضافة إلى كونه غيبيا في ما وراءها. # ونجيب عن ذلك بأن دراسة الأحاديث الواردة في الحث على الدعاء توحي بأنه ~~ليس بديلا عن الأخذ بالأسباب الطبيعية المقدورة للإنسان في الوصول إلى ~~أهدافه وحاجاته ، لأن مورده هو الحالات التي لا يملك فيها PageV04P036 # الوسائل الطبيعية لتحقيق غاياته. وهذا ما جاءت به الأحاديث المأثورة عن ~~أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق مما ~~رواه الوليد بن صبيح عنه ، كما في الكافي ، قال : «صحبته بين مكة والمدينة ~~، فجاءه سائل فأمر أن يعطى ، ثم جاء آخر فأمر أن يعطى ، ثم جاء آخر فأمر أن ~~يعطى ، ثم جاء الرابع فقال أبو عبد الله عليه السلام : يشبعك الله. ثم التفت ~~إلينا فقال : أما إن عندنا ما نعطيه ولكن أخشى أن نكون أحد الثلاثة الذين ~~لا يستجاب لهم دعوة : رجل أعطاه الله مالا فأنفقه في غير حقه ، ثم قال : ~~اللهم ارزقني فلا يستجاب له ، ورجل يدعو على امرأته أن يريحه منها ، وقد ~~جعل الله عز وجل أمرها إليه ، ورجل يدعو على جاره ، وقد جعل الله له السبيل ~~إلى أن يتحول عن جواره ويبيع داره» (1). # وفي رواية أخرى عنه مما رواه عنه جعفر بن إبراهيم قال : «أربعة لا تستجاب ~~لهم دعوة : رجل جالس في بيته يقول : اللهم ارزقني ، فيقال له : ألم آمرك ms0510 ~~بالطلب ، ورجل كان له امرأة فدعا عليها ، فيقال له : ألم أجعل أمرها إليك ، ~~ورجل كان له مال فأفسده ، فيقول : اللهم ارزقني ، فيقال له : ألم آمرك ~~بالاقتصاد ، ألم آمرك بالإصلاح. ثم قال : ( @QUR@011 والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) [الفرقان : 67] ورجل كان له مال ~~فأدان بغير بينة ، فيقال له : ألم آمرك بالشهادة» (2). وجاء عن النبي ~~صلى الله عليه وآله قوله : «لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، أو ليسلطن ~~الله شراركم على خياركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (3). # فإننا نلاحظ في الحديثين الأولين تأكيدا على عدم استجابة الدعاء ممن يملك ~~الوصول إلى غايته وتحقيق مراده بالوسائل الموجودة عنده ، ولكنه PageV04P037 # يهملها ويلجأ إلى الدعاء ، الأمر الذي يدل على أن الدعاء يمثل الوسيلة ~~التي يلجأ إليها الإنسان حيث لا وسيلة لديه ، لأن الله لا يريد للإنسان أن ~~يجعل من إيمانه بربه سبيلا للابتعاد عن سنن الله في الحياة ، التي جعلها ~~أساسا للعلاقة بين الأسباب والمسببات في الواقع الإنساني في شؤونه وحاجاته ~~وأوضاعه الاختيارية ... وهذا ما يمثله معنى التوكل في توكل الإنسان على ~~الله ، بعد استنفاد كافة الوسائل التي تحقق له غرضه ، فلا يسقط أمام حالة ~~العجز بل يترك أمره إلى الله الرحمن الرحيم القادر على كل شيء والذي يحب ~~عباده المتوكلين عليه. كما أن الحديث الثالث يؤكد أن التخلص من الأشرار ~~يفرض القيام بمواجهتهم بالوسائل الموجودة ثم الدعاء ، لا إهمال الواقع ~~الفاسد ثم الدعاء. # ومع هذه الملاحظة ، فكيف يمكن أن يدعى أحد أن الدعاء يجعل الإنسان غيبيا ~~في حياته العملية ، حتى في موارد قدرته على الارتباط بعالم الحس ، ويعزله ~~عن حركة النشاط الطبيعي في الواقع الذي يتحمل مسئوليته؟ # ثالث هذه الملاحظات : إن الدعاء يتنافى مع رضى الإنسان بقضاء الله وقدره ~~، لأنه لا يصبر على الواقع الذي يعيش في داخله مما قدره الله له. # وهذه شبهة لا معنى لها ، لأن الدعاء كما ذكرنا جزء من الوسائل التي أراد ~~الله للإنسان أن يأخذها في استكمال نظام الحياة التي جعل الله فيها لكل شيء ms0511 ~~قدرا في عناصره المادية والمعنوية. وكما أن الله لا يريد للإنسان أن يصبر ~~على البلاء الذي يقدر على دفعه عن نفسه بالوسائل المادية ، فإنه لا يريد له ~~أن يبتعد عن الرجوع إليه بالأخذ بالوسائل الروحية ، ومنها الدعاء في دفعه ، ~~مما يعني أنه يحقق إرادة الله في ذلك لأنه جعل قضاءه وقدره مربوطين بمسألة ~~الدعاء سلبا أو إيجابا. # وهذا هو الرد على من قال في الاعتراض على الدعاء : بأنه تدخل في شؤون ~~الله ، والله يفعل ما يريد مما ينسجم مع مصالحنا ، فلما ذا نطلب منه PageV04P038 # ونتضرع إليه؟! إذ إن الله يريد الأشياء بأسبابها ويحرك مصالحنا في اتجاه ~~هذه الأسباب المادية والروحية ، ونحن نطلب منه لأنه أراد منا ذلك. # * * * ### ||| ** إجابة الله دعاء عباده # ( @QUR@04 وإذا سألك عبادي عني ) في قلق المعرفة وحيرة الفكر ، انطلاقا ~~من عالم الغيب الذي لا يملكون السبيل إليه بطريقة حسية ، ومن علو الألوهية ~~وسموها وارتفاعها في آفاق العظمة التي لا يدركون كنهها وحقيقتها ، ولا ~~يعرفون الوسيلة التي ينطلق فيها الإنسان إلى ربه ، والعلاقة التي تربطه به ~~في حاجاته التي يتطلبها ، وفي مشاعره التي يحس بها ، وفي تطلعاته التي يهفو ~~إليها ، ولا يدرون كيف يتحدثون معه ، ويصلون إليه ، وهو البعيد عنهم بعد ~~السماء عن الأرض في الغموض الكثيف الذي يلف السماء في مفهومها الطبيعي في ~~أفكارهم ، الأمر الذي يخيل إليهم أنه لا مجال لأية صلة بينهم وبينه ، لأنها ~~تنطلق من مواقع القرب المكاني الذي لا دور له هنا ، والمعنوي الذي لا مجال ~~له بين العبد في حقارة موقعه وبين الرب الذي هو في العلو الأعلى الذي ليس ~~فوقه شيء. # ولكن الله ، الذي يعلم عمق أسرار عباده ، ودقة أحاسيسهم ، وضبابية الغيب ~~في تصوراتهم ، وقلق المعرفة في دائرة الحيرة في علامات الاستفهام الكامنة ~~في ذواتهم ، أراد أن يستبق السؤال في حال صدوره منهم بالجواب عن السؤال ~~المتحرك في وجدانهم الخفي. وهذا هو الفرق بين أسلوب السؤال هنا ، وأسلوب ~~السؤال في الأسئلة التي يقدمها الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله ، مما ~~حدثنا ms0512 الله عنه بعنوان ( @QUR@01 يسئلونك ) لأن هذا السؤال كان في الأعماق ~~، وفي همسات النفس ، وهواجس الفكر بحيث يمثل علامة استفهام جنينية ، فهو PageV04P039 # الحالة الشأنية في السؤال. بينما ما ورد في القرآن من أسئلة الناس كان ~~يمثل الفعلية التي تبحث عن معرفة كل ما يدور في الذهن ، مما يجهله الناس ~~ويتطلبون معرفته. # ( @QUR@02 فإني قريب ) لأني لست وجودا محصورا في المكان لتكون المسافات ~~هي التي تفصلني عنهم ، بل هو الوجود الكلي في القدرة والإحاطة والشمول ، ~~فلا يغيب عنه شيء ، فهو العالي في علوه في الوقت الذي هو الداني في دنوه ، ~~فلا شيء أقرب إلى عباده منه. ( @QUR@014 ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ق : 16] ( @QUR@021 يا أيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) [الأنفال : 24]. # إنه الحاضر الذي لا يملك أحد معنى حضوره في وجود الإنسان لأنه سر وجوده ، ~~ولهذا كان قربه إليه من خلال ارتباط ذاته به ، فهو الذي يمنحها الوجود في ~~كل آن من جهة فقره المطلق إليه. # وإذا كانت المسألة بهذا المستوى من معنى قرب الله إلى عبده ، فإن على ~~عباده أن يتعاملوا معه من موقع هذا القرب ، ليتحدثوا معه حديث القريب إلى ~~القريب ، سرا وجهرا ، في همسة الروح ، وتمتمة الشفاه ، وانفتاح القلب ... ~~ليجدوا فيه المعنى الروحي للقرب من عمق رحمته ، ليتحسسوا وجوده في وجودهم ، ~~فلا يشعروا بالانفصال عنه ، وليعيشوا لهفة الفقر في غناه ، وصرخة الحرمان ~~إلى عطائه لتكون حاجاتهم بين يديه ، فهو الذي يسمع من فوق عرشه ما تحت سبع ~~أرضين ، ويسمع الأنين والشكوى ، ويعلم السر وأخفى ، ويسمع ووساوس الصدور. # وهكذا خاطب الله كل واحد منهم بالأمل الحي ، الأخضر ، المنفتح على ~~النتائج الإيجابية لكل طلباتهم ، باعتبار أنهم عباده الذين خلقهم ، وأفاض ~~عليهم من نعمه ، وتكفل بتدبيرهم في حياتهم كلها ، وقربهم إليه. ( @QUR@02 ~~أجيب دعوة PageV04P040 # @QUR@03 الداع إذا دعان ) من كل عمق الإخلاص في قلبه ، وصدق المسألة في ~~لسانه ، وحقيقة الإحساس بالفقر والحاجة في ms0513 روحه ، وخفقة الإحساس في شعوره ، ~~ورقة الدموع في عينيه ، ورعشة الخشوع في كيانه ... إنه الدعاء الذي ينبع من ~~وجود الذات في إنسانيتها المؤمنة بخالقها ، المنفتحة عليه ، المستغيثة به ، ~~المستجيرة بقدرته ، الراجعة إليه في كل أمورها ، من دون وسيط بل ، هو العبد ~~بين يدي ربه ... # وإذا عاش الإنسان هذا الروح الإلهي في الدعاء ، كانت الإجابة قريبة منه ~~لطفا به ورحمة له. وقد يؤخر الله الإجابة لمصلحته ، لأن المسألة التي ~~أرادها لم تتوفر عناصر وجودها في هذا الوقت من خلال الظروف الخاصة أو ~~العامة ، أو لم تكن له المصلحة في الإجابة الآن ، وقد لا تتحقق الإجابة ~~أصلا لأن مضمون الدعاء لم يكن مرضيا عند الله لاشتماله على طلب حرام ، أو ~~ترك واجب ، أو مضرة إنسان لا يستحق إيقاع الضرر به ، أو لتعلقه ببعض الأمور ~~التي لا تتناسب مع حركة النظام الكوني أو الاجتماعي العام ، ونحو ذلك ... ~~فإن مسألة الإجابة ليست مطلقة من خلال رغبة الإنسان ومزاجه ، بل من خلال ~~مصلحته ، لأن الاية واردة على الظاهر في التدليل على استجابة الله لدعاء ~~الداعي من حيث المبدأ ، في مقابل عدم الاستجابة له مطلقا ، كما قد يحدث في ~~بعض الناس الذين لا يستجيبون للطلبات المقدمة إليهم تكبرا وترفعا وتجبرا ~~على الطالبين ، لتبين بأن الله يستجيب للداعين دعاءهم من موقع قربه إليهم ، ~~وإلى ما يصلح أمرهم ويحقق لهم غاياتهم ، مع عدم وجود مانع ذاتي في متعلق ~~الدعاء للإنسان أو لغيره من الناس أو للحياة من حوله. # وقد ورد أن من شروط استجابة الدعاء الإقبال على الله بقلبه ، بحيث ينفتح ~~على الله بوعي الكلمة والموقف بين يديه ، فلا يستجيب دعاء اللاهي الغافل ~~الذي يتحول الدعاء عنده إلى كلمات لا عمق لها في القلب. فقد جاء في حديث ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن سليمان بن عمرو قال : سمعت أبا PageV04P041 # عبد الله عليه السلام يقول : «إن الله عز وجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب (1) ~~ساه (2)، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن الإجابة» (3). # وجاء في بعض الأحاديث أن صاحب ms0514 اللسان البذيء ، والقلب العاتي الجبار ، ~~والنية غير الصادقة ، لا يستجاب دعاؤه. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : كان في بني إسرائيل رجل ، فدعا الله أن يرزقه غلاما ثلاث ~~سنين. فلما رأى أن الله لا يجيبه قال : يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني ، ~~أم قريب أنت مني فلا تجيبني؟! قال : فأتاه آت في منامه فقال : إنك تدعو ~~الله عز وجل منذ ثلاث سنين بلسان بذيء ، وقلب عات غير تقي ، ونية غير صادقة ~~، فأقلع عن بذائك ، وليتق الله قلبك ، ولتحسن نيتك. فقال : ففعل الرجل ذلك ~~، ثم دعا الله فولد له غلام (4). # ولعل لبذاءة اللسان أي ألفاظه ، وقسوة القلب في أحاسيسه ، دور في إبعاد ~~الإنسان عن الله ، بحيث لا يعيش روحية الدعاء في موقفه البعيد عن خط ~~التقوى. # وفي وصية الإمام علي عليه السلام لولده الحسن عليه السلام ، كما في نهج ~~البلاغة قال : «ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، ~~فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنطنك ~~إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية. وربما أخرت عنك الإجابة ، ليكون ~~ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الأمل ، وربما سألت الشيء فلا PageV04P042 # تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، ~~فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك في ما يبقى لك ~~جماله وينفى عنك وباله. فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له» (1). # ففي هذه الفقرات من الوصية أن الله ينظر إلى قلب الداعي في حجم القضايا ~~التي يحملها ويتطلع إليها في أعماقه ، مما قد لا يعبر اللفظ عنه ، لأن ~~اللفظ قد لا يدل على الافاق الواسعة التي ينفتح عليها القلب ، الأمر الذي ~~يؤكد أن الدعاء في القلب قبل أن يكون في اللسان ، وبمقدار النية قبل أن ~~تكون بمقدار المعنى المدلول عليه باللفظ ، فتكون الاستجابة على قدر النية. # وفي هذه الوصية أن الاستجابة قد لا تكون في دائرة المطلوب لأنها لا تحقق ~~مصلحة ms0515 للداعي ، أو قد تسبب مفسدة له ، ولكن الله لا يهمل للداعي تطلعاته ~~للخير من خلال ما اعتقده خيرا في دعائه ، بل يختار له في مبدأ الاستجابة ما ~~هو الأفضل والأوسع والأغنى في الدنيا أو في الاخرة. وهذا هو سر الرحمة ~~الإلهية في رعاية الله لعبده الذي يمنحه الخير من خلال دعائه وتضرعه إليه ، ~~حتى لو كان الدعاء في اتجاه آخر ، لأن المسألة هي أن يستجيب له في انفتاح ~~الخير على حياته لا في مفردات الدعاء بذاتها. # ( @QUR@02 فليستجيبوا لي ) في كل نداءاتي ودعواتي وأوامري ونواهي ... ~~التي أردت لهم من خلالها الصلاح في دنياهم وأخراهم ، لتكون حياتهم متوازنة ~~منفتحة على الخير في كل أوضاعهم ، ولتنطلق آخرتهم في خط الاستقامة المنفتح ~~على الله. # ( @QUR@02 وليؤمنوا بي ) وبربوبيتي الشاملة ، وبتوحيدي في الألوهية ~~والعبادة والطاعة ، لأن ذلك هو الذي يؤكد الصلة بين العبد وربه ، ليعيش ~~الحضور الإلهي في عقله وروحه وحياته ، وليدرك معنى القرب الذي يوحي به الله إليه ، PageV04P043 # ليكون قريبا إلى ربه بالاستجابة له والإيمان به كما أن ربه قريب إليه ، ~~وفي كلا الحالين تعود المنفعة له. # ( @QUR@02 لعلهم يرشدون ) لأنهم إذا استجابوا لله انطلقوا في خط الوعي ~~للحياة في كل قضاياها العامة والخاصة ، ولإنسانيتهم في كل خصائصها الداخلية ~~والخارجية ، وتحركوا نحو الأهداف من موقع الرشد العملي الذي يضع الأمور في ~~مواضعها. # وإذا آمنوا به الإيمان العميق الشامل الذي ينطلق من سكينة العقل وطمأنينة ~~الروح ، فإنه يقف على أرض صلبة ثابتة بعيدة عن الاهتزاز ، ويسير إلى الحياة ~~من خلال انطلاق الوجود من مبدأ الإله الواحد الذي ينطلق الخير منه ، ويقف ~~الحق عنده ، وتنطلق الرحمة منه ، مما يعني الانطلاق في خط الرشد الفكري ~~الذي ينفتح على الله الذي هو الحق ، ليكون الفكر كله حقا لا مجال للباطل معه. # وإذا كان اعتبار الرشد هدفا من الاستجابة لله والإيمان به ، فإن من ~~الممكن أن نستوحي من ذلك أن الله سبحانه يوجه عباده إلى السير على خط ~~الإيمان بالله ، الذي يجعل العقل يشرق بالنور الإلهي ، ليتأسس التوحيد على ~~قاعدة للفكر ms0516 تبتعد به عن كل الآلهة المزعومين ، ممن يؤلهون أنفسهم ، أو ~~يؤلههم الناس من دون الله ، ليستقيم لهم أن يوحدوا الخط العملي في خط ~~الاستقامة ، وإلى الاستجابة لله في خطوط الإسلام الفكرية والعملية ، حيث ~~يتحول الإنسان من خلال تأثير ذلك في الشخصية إلى إنسان رشيد في عقله وفي ~~حركته وعلاقته بالآخرين ، بحيث يحرك طاقاته في المواقع التي تمنح الحياة ~~العامة ما تحتاجه منها ، فلا يضيع منها شيء في الفراغ أو في ما لا ينفع ~~الحياة والناس ، سواء كانت الطاقات طاقات الإنسان في داخل ذاته ، أو في ~~الزمن الذي جعله الله مسئولية الإنسان في الانتفاع به في كل مفرداته ~~الصغيرة والكبيرة ، لأنه يمثل عمره في مراحله المتعددة ، أو في القوى ~~المادية التي PageV04P044 # يملكها الإنسان مما رزقه الله إياه وأعده له وسخره لخدمة حياته ، فلا ~~يريد الله لها أن تضيع في متاهات اللهو والعبث الذي لا يؤدي إلى أية نتيجة ~~في الحياة. # إن الرشد يمثل الحركة الإنسانية السائرة في النور ، لتصل بالطاقة إلى ~~أهدافها التي خلقت لها في النتائج الكبرى التي تتحقق من خلالها في الحياة ~~والإنسان ، ليكون السفه عبارة عن إهدار تلك الطاقة وتضييعها وإطلاقها في ~~صحراء الفراغ. # * * * PageV04P045 ### ||| * الاية # ( @QUR@065 أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون ) (187) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الرفث ): وأصله كلام متضمن لما يستقبح ذكره كالجماع ودواعيه ~~وجعل كناية عنه. # قال الطباطبائي في تفسيره : وهو من أدب القرآن الكريم ، وكذا سائر ~~الألفاظ المستعملة فيه في القرآن كالمباشرة والدخول والمس واللمس والإتيان PageV04P046 # والقرب ، كلها ألفاظ مستعملة عن طريق التكنية» (1). # ويمكن أن نلاحظ على ذلك ، أن التعبير بهذه الكلمات الكنائية الإيحائية ~~كان منطلقا من استعمالها في ms0517 كلام العرب للدلالة على هذه المعاني الفاحشة ، ~~تماما كما هو التعبير بالكلمات الصريحة. وقد جاء في السيرة النبوية الشريفة ~~أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتحدث عن الجماع بالكلمات الأكثر وضوحا عند ~~ما تمس الحاجة ، مما يوحي أن مسألة الاستقباح تابعة للعرف الحضاري الذي ~~يختلف بين مرحلة وأخرى ، فإن الفحش في المعنى لا في الكلمة. # ( @QUR@01 لباس ): الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان. ولعل هذا ~~التعبير ينطلق من استعارة لطيفة ، فإن كلا من الزوجين يمنع صاحبه من اتباع ~~الفجور ، فكأن كلا منهما لباس لصاحبه بحيث يواري به سوأته ، ومنه جعل ~~التقوى لباسا باعتبار أنه يمنع الإنسان من إظهار عيوبه بإبعادها عن حياته. ~~وقد يكون للتعبير وجه آخر. # ( @QUR@01 تختانون ): تخونون عن قصد واختيار. قال الزمخشري : والاختيان ~~من الخيانة ، كالاكتساب من الكسب ، فيه زيادة وشدة» (2). أما الراغب فيقول ~~في مفرداته : «والاختيان : مراودة الخيانة ، ولم يقل : تخونون أنفسكم ، ~~لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان. فإن الاختيان تحرك شهوة ~~الإنسان لتحري الخيانة» (3). # ( @QUR@02 الخيط الأبيض ): بياض النهار ، وأصل الخيط هو الخط الممتد ~~المستقيم. PageV04P047 # ( @QUR@02 الخيط الأسود ): سواد الليل. # ( @QUR@01 تباشروهن ): المباشرة الإفضاء بالبشرتين من خلال إلصاق البشرة ~~وهي ظاهر الجلد بالبشرة. وكني به عن الاتصال الجنسي. # ( @QUR@01 حدود ): الحد هو الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما ~~بالآخر ، يقال : سميت أحكام الله وشرائعه حدودا لمنعها عن التخطي إلى ما ~~وراءها. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وقد جاء في رواية علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه رفعه إلى أبي عبد الله ~~جعفر الصادق عليه السلام قال : «كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد ~~النوم ، وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان ، وكان رجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقال له مطعم بن جبير ، أخو عبد الله بن ~~جبير الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة ، ~~وفارقه أصحابه وبقي في اثني عشر رجلا ، فقتل على باب الشعب ، وكان أخوه هذا ~~مطعم بن جبير شيخا ضعيفا وكان صائما ms0518 ، فأبطأت عليه أهله بالطعام ، فنام قبل ~~أن يفطر. فلما انتبه قال لأهله : قد حرم علي الأكل في هذه الليلة ، فلما ~~أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له. ~~وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان ، فأنزل الله هذه الاية ~~، فأحل النكاح بالليل في شهر رمضان والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر» (1). # * * * PageV04P048 ### ||| ** الصوم وحدود العلاقات الجنسية في شهر رمضان # في هذه الاية تحديد للأوقات التي تحرم فيها العلاقة الجنسية على ~~الصائمين. فقد ورد في بعض الأحاديث أنها كانت محرمة عليهم في الليل والنهار ~~، وكان هذا التحريم حرجا عليهم حتى أن بعض الشباب كانوا يمارسونها سرا في ~~الليل ، فيجدون في أنفسهم الشعور المهين بالخيانة. فجاء هذا التحليل في هذه ~~الاية ليرفع ذلك عنهم ، في ما يأتي ، ويتوب عليهم ويعفو عنهم في ما مضى. # وربما كان في جو الاية كما ورد في أسباب النزول ما يوحي بالتشجيع على هذه ~~الممارسة ، من أجل أن يفرغ الصائمون أنفسهم من كل المشاعر الشهوانية التي ~~تثقل وجدانهم ، فتشغلهم عن روحانية الصوم وأسلوبه العملي في التربية على ~~التقوى ، لأن الله لا يريد للتقوى أن تتحرك في حياة الإنسان على أساس منهج ~~القسر والضغط والشدة ، الذي لا يترك مجالا للإنسان ليتنفس أو ينفتح أو ~~يواجه الموقف من موقع الطبيعة البشرية ، بل أرادها أن تنطلق على أساس ~~الإرادة المرتكزة على الانفتاح على الشهوات من بعض الجهات ، لتنغلق عنها في ~~الأخرى التي حرمها الله ، فيكون الالتزام بخط التحريم قريبا إلى طبيعة ~~الإنسان في حركته في صعيد الواقع. # وفي ضوء هذا ، كان الصوم في النهار أسلوبا واقعيا عمليا ، لأنه لا يشل ~~الحاجة الغريزية في الإنسان تماما ، بل يترك لها المجال لتشبع جوعها في ~~الليل. وبهذا جاءت الفقرة القرآنية في قوله تعالى : ( @QUR@06 هن لباس لكم ~~وأنتم لباس لهن ) للإيحاء بشدة العلاقة التي تربط الرجل والمرأة ببعضهما ~~البعض ، مما يوجب قلة الصبر عن الامتناع والاجتناب عن الحاجة الجنسية ~~لأحدهما تجاه الاخر. وقد كنى عن ms0519 الجماع بالرفث ، لأن الرفث هو الإفصاح بما يجب أن PageV04P049 # يكنى عنه ، ولا يخلو الجماع من ذلك ، كما في الكشاف (1). # ( @QUR@06 علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) أي : تنقصونها حظها من ~~اللذة بامتناعكم عن الجماع في الليل ، وخيانة النفس تكون في ظلمها بمنعها ~~عما ترتاح إليه ، أو تكون بمعنى ممارسة المعصية تمردا على التحريم الذي كان ~~مفروضا في ليالي الشهر بالإضافة إلى نهاراته ، فلا تؤدون الأمانة الإلهية ~~بالامتناع عن الجماع ، ( @QUR@04 فتاب عليكم وعفا عنكم ) تخفيفا لما اشتد ~~عليكم ، بإباحته لكم أو بالغفران لكم ( @QUR@02 فالآن باشروهن ) بالليل ~~لتحصلوا على حاجتكم الجنسية من دون تحريم ولا حرج. والأمر هنا بمعنى ~~الإباحة لا الوجوب ، لأنه وارد بعد التحريم مما يكون قرينة على أن المراد ~~به رفع التحريم ، لا الوجوب. # ( @QUR@05 وابتغوا ما كتب الله لكم ) الظاهر منه الولد باعتباره الغاية ~~من العمل الجنسي غالبا ، بالإضافة إلى قضاء الشهوة ، أو للتشجيع على ~~التناسل واعتباره غاية مطلوبة لذلك. # وهناك احتمال آخر وهو أن المراد : اطلبوا ما كتب الله لكم من الحلال الذي ~~بينه بكتابه ، فإن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. ( ~~@QUR@02 وكلوا واشربوا ) فقد أباح الله لكم ذلك في الليل ، ( @QUR@03 حتى ~~يتبين لكم ) أي : يظهر ويتميز لكم على التحقيق في وضوح الرؤية ، ( @QUR@02 ~~الخيط الأبيض ) وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود ~~، ( @QUR@03 من الخيط الأسود ) ما يمتد معه من غبش الليل ، كما في الكشاف ~~(2) ( @QUR@02 من الفجر ) الذي يبدأ طلوعه بالبياض ، الذي يبدو في الأفق. # ( @QUR@05 ثم أتموا الصيام إلى الليل ) هذا تحديد لنهاية موعد الصيام ، ~~وعدم تشريع صوم الوصال الذي يصل به الصائم ليله بنهاره بنية واحدة. ( ~~@QUR@02 ولا تباشروهن PageV04P050 # @QUR@04 وأنتم عاكفون في المساجد ) هذا استثناء من جواز الجماع والمباشرة ~~في ليل الصوم ، فإنه لا يجوز للإنسان المعتكف في المسجد أن يمارس ذلك ، ~~سواء كان ذلك في شهر رمضان أو في غيره. والاعتكاف عبادة خاصة ، يحبس ~~الإنسان فيها نفسه في المسجد للعبادة ، فلا يخرج إلا لضرورة. ومن شروطها ~~الصوم ، والاستمرار فيها ثلاثة أيام. ms0520 وأحكامها مذكورة في كتب الفقه. # * * * ### ||| ** لا تقربوا حدود الله # ( @QUR@012 تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم ~~يتقون ) إن في هذه الاية إشارة إلى أن المحرمات هي حدود الله التي يجب أن ~~يقف الناس عندها فلا يقربوها بممارستها والإقبال عليها ، وربما كان المقصود ~~بحدود الله هي شرائعه في ما أحل وفي ما حرم ، فتكون الاية كناية عن الوقوف ~~عند الحاجز بين الحلال والحرام ، لئلا يصل الإنسان إلى الانتهاك للمحرمات ~~كما ورد في بعض الكلمات المأثورة : «المحرمات حمى الله ، فمن حام حول الحمى ~~أو شك أن يرتع فيه». # وربما كان التعبير بكلمة : ( @QUR@02 فلا تقربوها ) بدلا من «ولا ~~تتعدوها» للإيحاء بعدم الاكتفاء بتركها بل بالابتعاد عنها. قال الزمخشري في ~~الكشاف : «فإن قلت : كيف قيل : ( @QUR@02 فلا تقربوها ) مع قوله : ( ~~@QUR@06 فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله )؟! قلت : من كان في طاعة الله ~~والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع ~~في حيز الباطل ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي ~~الحق والباطل لئلا يداني الباطل ، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف ~~فضلا عن أن يتخطاه» (1). PageV04P051 # ولا بد للإنسان من أن يعي جيدا كيف يثير الله أمامه حدوده التي لا يريد ~~له أن يتجاوزها ويتمرد عليها ، من أجل أن يفهمها ويعرف كيف ينفذ إرادة الله ~~في ما يرضيه وما يسخطه ، ليكون ذلك باعثا له على الالتزام والانضباط وبناء ~~شخصيته على الأسس الشرعية التي تعطيه صفة التقوى في كل مجالات حياته الخاصة ~~والعامة. وهذا ما يجب أن نتوفر عليه في مجالات التوجيه والتربية في بناء ~~الشخصية الإسلامية ، وذلك بالتأكيد على الجانب الشرعي في قضايا الإنسان ~~الصغيرة والكبيرة معرفة وتطبيقا ، لأن الاكتفاء بالمفاهيم العامة يجعل ~~الإنسان غارقا في الضباب ، بعيدا عن الحدود الفاصلة بين الحق والباطل ، ~~والكفر والإسلام. # * * * PageV04P052 ### ||| * الاية # ( @QUR@017 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) (188) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تأكلوا ): الأكل : كناية ms0521 عن الأخذ والاستيلاء ، أو مطلق ~~التصرف مجازا. # ( @QUR@01 بالباطل ): الباطل : هو الذاهب الزائل يقال : بطل إذا ذهب ، ~~وقيل : الباطل هو ما تعلق بالشيء على خلاف ما هو به خبرا كان أو اعتقادا أو ~~ظنا أو تخيلا. وربما كان إطلاق الكلمة على هذا باعتبار أن ما كان على خلاف ~~الحق والواقع لا ثبات له في مضمونه ، فهو في معرض الزوال من النفس إذا ~~انكشف الأمر على حقيقته. # ( @QUR@01 وتدلوا ): الإدلاء هو إرسال الدلو في البئر لنزح الماء ، ~~والمراد به هنا الإلقاء بالمال إلى الحكام رشوة للحصول على الحكم. وربما ~~كان وجه PageV04P053 # المناسبة بين معنى الكلمة وبين المقام وهو إعطاء المال إلى الحكام هو ~~استبطان حكمهم المطلوب بالرشوة الممثل لحال الماء في البئر بالنسبة إلى من ~~يريده ، كما يقول صاحب الميزان (1). وقال الطبرسي في مجمع البيان : «وفي ~~تشبيه الخصومة بإرسال الدلو في البئر وجهان : # أحدهما : أنه تعلق بسبب الحكم ، كتعلق الدلو بالسبب وهو الحبل. # الثاني : أنه يمضي فيه من غير تثبيت ، كمضي الدلو في الإرسال من غير ~~تثبيت (2). # ( @QUR@01 فريقا ): الفريق هو القطعة المعزولة من الشيء ، سواء كانت من ~~الناس أم من غيرهم. # ( @QUR@01 بالإثم ): الإثم : الفعل الذي يستحق به الذم ، كالظلم والتعدي ~~عن الحق ، كما في شهادة الزور واليمين الكاذبة ونحوهما. # * * * # ( @QUR@05 لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) # جاء في الكافي عن الصادق عليه السلام في الاية : كانت قريش تقامر الرجل ~~بأهله وماله فنهاهم الله عز وجل عن ذلك (3). # وفي الكافي عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله (جعفر الصادق عليه السلام ~~) قول الله عز وجل في كتابه : ( @QUR@09 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~وتدلوا بها إلى الحكام )؟ فقال : يا أبا بصير إن الله عز وجل قد PageV04P054 # علم أن في الأمة حكاما يجورون. إلا أنه لم يعن حكام أهل العدل ، ولكنه ~~عنى حكام الجور. يا أبا محمد أنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل ~~العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له ، لكان ممن ~~حاكم إلى الطاغوت ، وهو قول ms0522 الله عز وجل : ( @QUR@019 ألم تر إلى الذين ~~يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت ) [النساء : 60] (1). # وفي المجمع قال : روي عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام : «يعني ~~بالباطل اليمين الكاذبة يقتطع بها الأموال» (2). # وهذا المنهج في التفسير جاء وفق الأسلوب الذي اتبعه أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام في التفسير بالمصداق للإشارة إلى المفردات التي ينطبق عليها ~~العنوان العام ، من دون تخصيص الاية بهذا المورد أو ذاك. وهذا ما نلاحظه في ~~هذه الروايات التي فسرت الباطل بالقمار تارة واليمين الكاذبة أخرى ، كما ~~استوحت الرواية الثانية من الاية قضية التحاكم إلى حكام الجور والامتناع عن ~~التحاكم إلى حكام العدل ، لأن أولئك قد يحكمون بغير الحق بالرشوة التي قد ~~يطلبها الحاكم ويقدمها المرتشي إليه. # ( @QUR@05 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) أي : لا يتملك أي واحد ~~منكم المال الذي لا يستحقه ، وذلك من خلال الوسائل غير الشرعية التي لا ~~يرضها الشرع ولا يقبلها العقلاء ، سواء كان ذلك بالغصب والظلم أو القمار ~~ونحوه ، فإن مسألة الحق في المال خاضعة لأسباب معينة جرى عليها العقلاء في ~~الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المعاملات العامة والخاصة ، وأمضاها الشارع ~~أو لم يردع عنها ، مما يجعل الوسائل الأخرى تقع في حيز الباطل الذي يحرم أكل PageV04P055 # المال والاستيلاء عليه من جهته ، ( @QUR@04 وتدلوا بها إلى الحكام ) أي : ~~تلقوا بها إلى القضاة الذين ينظرون في قضايا الناس لإصدار الأحكام فيها ، ~~وذلك قد يكون برشوة الحاكم الجائر المنحرف للحكم بالباطل ، وقد يكون بتقديم ~~القضايا للمحاكم من خلال الحجة الباطلة ، والبينة الكاذبة ، والضغط القاسي ~~، واليمين الكاذبة ، للوصول إلى أخذ المال من غير حق بفعل الأساليب غير ~~المشروعة. وقد روى المفسرون عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال للخصمين : ~~«إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم ألحن (1) بحجته من بعض ، ~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه ~~شيئا ، فإنما أقضي له قطعة من نار. فبكيا وقال كل واحد ms0523 منهما : حقي لصاحبي ~~، فقال : اذهبا فتوخيا ، ثم أسهما (2)، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» (3). # وربما كان الظاهر من سياق الاية على ما يخطر بالبال أن المشكلة تتصل ~~بالإدلاء بالأموال إلى الحكام ، بحيث تكون المسألة اتفاقا بين الاكل ~~والحاكم للحكم بالباطل بواسطة الرشوة ونحوها ، لأن الاية تدل على الإدلاء ~~بالأموال إلى الحاكم بمعنى تقريبها منه وجعلها في تصرفه ، ليحكم بها على ~~مزاجه من خلال ما يقدم اليه منها من الحصة أو الرشوة. وهذا هو المستفاد من ~~رواية الإمام الصادق عليه السلام الثانية التي ذكرناها في صدر تفسير الاية. ~~وفي ضوء هذا لا مجال للاستدلال بالحديث المروي عن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله على عنوان الاية ، والله العالم. # ( @QUR@06 لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم ) من خلال الوسائل غير ~~المشروعة PageV04P056 # في الاستيلاء عليه ، ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) واقع الحال الذي يوحي ~~إليكم بأنكم على الباطل من دون أية شبهة ، مما يجعل جريمتكم أكبر لأن ~~ارتكاب الحرام مع العلم أكثر خطورة وأعظم قبحا من ارتكابه مع الشك. # * * * ### ||| ** بين الملكية الفردية وأكل الحرام # وهذا تشريع جديد ، يضاف إلى التشريعات الإسلامية التي يراد من خلالها ~~تنظيم الواقع الاجتماعي للمسلمين ، ولكنه تشريع يتعلق بالعلاقات المالية ~~بينهم ، فإن الإسلام يقر الملكية الفردية التي تقتضي اختصاص كل فرد بحصته ~~من المال الذي أعده الله وخلقه للإنسان ، ولكنه نظم له طريقة الاختصاص ~~والتملك بطرق شرعية خاصة ، فأحل له ذلك بأسباب وحرم عليه بأسباب أخرى ، ~~واعتبر كل سبب لا يقره الشرع باطلا لا يحقق ملكا ولا يبيح تصرفا ، ونهى ~~الإنسان عن كل علاقة باطلة بكل ما تستتبعه من أوضاع وتكاليف ، وكنى عن ذلك ~~بالأكل باعتبار أن الأكل يمثل أولى الحاجات الطبيعية التي يقبل عليها ~~الإنسان في وجوده لحفظ حياته. وربما كان التعبير ب ( @QUR@01 أموالكم ) ~~إشارة إلى أن المال للجماعة ، ولكن الله جعل لكل فرد منه حصة خاصة يتصرف ~~فيه بما يريد مما لا يسيء إلى مصلحة الآخرين ، الأمر الذي يؤكد الصفة ~~العامة للمال من موقع تأكيده على الصفة الخاصة على أساس أن ms0524 لكل منهما وظيفة ~~ودورا لا يتعداه ولا يسيء في حركته العملية للآخر. # ولا بد لنا في هذا المجال من مواجهة كل علاقاتنا المالية بالوعي الشرعي ~~الذي يميز بين الحق والباطل فيها ، في ما أباحه الله وما حرمه منها ، وذلك ~~في ما يستحدثه الناس من التشريعات المالية في توزيع المال من جهة ، وفي ~~أخذه من أصحابه من جهة أخرى ، كما نراه في تشريعات التأميم في PageV04P057 # الأوضاع الثورية التي قد تتفجر بها التطورات السياسية ، وفي ما ينحرف به ~~السلوك في مجالات التطبيق الفردي والجماعي ، فإن على المسلم أن لا يندفع مع ~~التيارات المتحركة في الساحة بعيدا عن حكم الله ، انطلاقا من الحالات ~~الانفعالية في الثورة على الظلم والظالمين ، فإن تحطيم الظلم لا يمكن أن ~~يحصل بظلم جديد آخر ، بل لا بد من أن ينطلق من موقع العدل المتمثل بالتشريع ~~الإسلامي. # وقد تعرضت الاية ، في حركة التطبيق العملي لهذا الخط ، إلى ما يتعارف بين ~~الناس من بذل الأموال لحكام الجور على طريق الرشوة ، من أجل أن يحكموا لهم ~~بالباطل في ما يتنازعون فيه من قضايا الأموال والحقوق ، وما يقدمونه ضد ~~بعضهم البعض من دعاوى باطلة ، فإن الاية تشجب هذا السلوك وتنبه الناس إلى ~~أن لا يقدموا أموالهم إلى الحكام على سبيل الرشوة ، من أجل أن يأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالطرق غير الشرعية التي لا يكسب الإنسان منها إلا الإثم ~~والعذاب عند الله ، الذي يعلمونه حقا في ما أوحاه الله إلى أنبيائه ورسله. # وفي الاية لفتة موحية إلى الحكام بطريق غير مباشر ، في أن يمتنعوا عن أخذ ~~ذلك ، باعتبار ما فيه من تزييف للحق بالباطل ومن الحكم بالمال إلى غير ~~مستحقه ، مما يؤدي بهم إلى عذاب الله من جهة وإلى ضمان المال من جهة أخرى. ~~وقد وردت الأحاديث الكثيرة التي تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ~~«لعن الله الراشي والمرتشي والماشي بينهما» (1) بالرشوة ، وفي بعضها أن ~~الرشوة كفر بالله العظيم ، وفي بعضها أنها شرك. # وقد يكون من بين الموارد التي ms0525 تشملها هذه الاية ولو بالإيحاء ما يتعارف ~~عليه بعض الناس من توكيل بعض المحامين ، ليدافعوا عن الدعاوي PageV04P058 # الباطلة ، وليجدوا لهم مخرجا من القانون يمكنهم من خلاله ربح الدعوى على ~~الإنسان البريء أو المظلوم ، وقد يكون من بينها ما يلجأ إليه بعض الناس من ~~الرجوع إلى القانون الوضعي المدني ، الذي يحلل للناس بعض ما حرمه الله ، ~~كما في القوانين التي تساوي بين الذكر والأنثى في الميراث ، وذلك للحصول ~~على الحصة التي لا يحلها الشرع من المال ، فإن ذلك أكل للمال بالباطل من ~~جهة ، وإدلاء بالمال إلى الحكام ولو بالواسطة من جهة أخرى ، في ما يتعلق ~~بالمحامين الذين يحرم عليهم أخذ الأجرة على ذلك كما يحرم على الآخرين دفعها ~~إليهم ، لأن ذلك باطل بباطل. # * * * PageV04P059 ### ||| * الاية # ( @QUR@027 يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون ) (189) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأهلة ): جمع هلال ، وهو القمر ، يبدو دقيقا في ليلتين أو ~~ثلاث من أول كل شهر ، ثم يزيد حتى يمتلئ نورا. ثم يعود كما بدأ ولا يكون ~~على حالة واحدة كالشمس. # ( @QUR@01 مواقيت ): جمع ميقات ، وهو مقدار من الزمن جعل علما لما يقدر ~~من العمل. # ( @QUR@01 البر ): النفع الحسن. # ( @QUR@01 ظهورها ): الظهر : الصفحة المقابلة للوجه. PageV04P060 # ( @QUR@01 أبوابها ): الباب : المدخل. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول في قوله تعالى : ( @QUR@03 يسئلونك عن الأهلة ) قال ~~ابن عباس : إن معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة وهما رجلان من الأنصار ، قالا يا ~~رسول الله ، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ~~ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يكون كما كان ، لا يكون على حالة ~~واحدة؟ (1) # وسيأتي الحديث في الجانب التفسيري أن هناك اعتراضا على هذا الوجه من ~~الاحتمال في الاية ، وقد ناقشنا في هذا الاعتراض. # وجاء في أسباب النزول في ما رواه السيوطي في الدر المنثور قال : كانوا ~~إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره. فأنزل الله : ( @QUR@015 وليس ~~البر بأن تأتوا ms0526 البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها ) ( 2). # وجاء في تفسير الكشاف : «كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم ~~حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب ، فإذا كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر ~~بيته منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلما يصعد فيه ، وإن كان من أهل الوبر خرج ~~من خلف الخباء ، فقيل لهم : ( @QUR@02 وليس البر ) ليس البر بتحرجكم من ~~دخول الباب ( @QUR@02 ولكن البر ) بر ( @QUR@02 من اتقى ) ما حرم الله» (3). PageV04P061 # وقد لا نجد مانعا من التسليم بنزول الاية في هذا المورد ، ولكن سبب ~~النزول لا يحدد مفهوم الاية بمورد نزولها ، بل يكون منطلقا للفكرة العامة. # * * * ### ||| ** الإسلام ينفتح على الاستجابة أمام إثارة التساؤلات # وهذا أسلوب جديد من أساليب القرآن في التربية ، وهو أسلوب إثارة السؤال ~~من خلال ما يقدمه الآخرون من القضايا التي تدور في تفكيرهم ، فيحاولون ~~معرفتها بهذه الطريقة ، وقد أراد الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يهتم ~~بكل الأسئلة التي تطرح عليه ، لأن من حق الناس عليه أن يبتدئهم بالمعرفة ~~إذا لم يسألوه ، وأن يجيبهم إذا توجهوا إليه بالسؤال ، لأن الله قد أرسله ~~من أجل أن يزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويفتح لهم أبواب المعرفة على ~~أوسع مدى وأرحب مجال. # وقد يكون هذا التأكيد على الأسئلة التي كانت توجه إلى النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين ، والأجوبة التي كان يقدمها إليهم ، ونقل ~~ذلك في القرآن ، إيحاء بأن الإسلام ينفتح على كل علامات الاستفهام التي ~~تدور في أذهان الناس في القضايا التي تشغل تفكيرهم في حياتهم الخاصة ~~والعامة ، فمن حق الناس أن يطلقوا كل الأسئلة أمام القيادة الإسلامية ، حتى ~~إذا كانت في مستوى النبوة المتمثلة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن ~~ذلك هو الذي يحرك الإنسان في خطوات المعرفة. # فقد ترد هناك بعض العناوين التي لا يملك الإنسان وضوح الفكرة فيها ، وقد ~~تنطلق بعض الأفكار المضادة للعقيدة ، أو للشريعة ، أو للموقف القيادي ، أو ~~للواقع العام ، مما يثير ms0527 التساؤل أو الرفض ... ولا بد للقيادة الفكرية ~~والسياسية من الاستجابة لذلك كله بكل انفتاح ورحابة صدر وسعة أفق ، بعيدا PageV04P062 # عن كل تشنج أو انفعال ، فليست هناك محرمات أمام أي سؤال لأن التحريم يعني ~~سد باب المعرفة لدى الناس ممن لا يملكون الوضوح فيه ، فيتحول الإسلام إلى ~~حالة معينة ، متخلفة بعيدة عن أية إمكانات للتقدم والتطوير ، ويجعل الناس ~~يعيشون حالة التعبد في خطوط الفكر في الوقت الذي يقتصر فيه التعبد على ~~الجانب العبادي وبعض الجوانب العملية في التشريع ، مع بعض الملاحظات التي ~~تتحرك لتتحدث عن أسرار العبادة أو التشريع بطريقة قريبة إلى الوجدان. # إن الله سبحانه يتحدث دائما لنبيه عن أنه أنزل الكتاب عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليبين للناس : ( @QUR@014 وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) [النحل : 64] ، ( ~~@QUR@019 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) [إبراهيم : 4] ( @QUR@011 ليبين لهم ~~الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) [النحل : 39]. ~~وذلك يعني أن على النبي أو الإمام أو العالم الداعية ، أن يدخل مع الناس في ~~التفاصيل التي يختلفون فيها فتتعدد آراؤهم حولها ، ليعطيهم الحكم الفاصل في ~~ذاك الموضوع أو ذلك ، لينطلق الناس في المعرفة على أساس من الوضوح في ~~المبدأ والتفاصيل. # إننا نلاحظ في الأسئلة التي بدأها القرآن في هذا الفصل ، أنها لا تقتصر ~~على جانب واحد ، بل تتنوع فيها الموضوعات ، فقد سألوا عن الأهلة ، وماذا ~~ينفقون ، وعن القتال في الشهر الحرام ، وعن الخمر والميسر ، وعن اليتامى ، ~~وعن المحيض ، وعما أحل لهم وأمثال ذلك مما يتصل بملاحظاتهم التأملية ، ~~وبأوضاعهم الإنفاقية والقتالية ، وبما يشربون وما يلبسون ، وبما يطرأ عليهم ~~من حالات جسدية ، وبما يتفشى بينهم من حالة اليتم والحرمان ... # وسألوا عن الساعة وعن توقيتها ، وعن الأنفال من يملكها ، وعن الروح ما هي ~~، وعن الجبال كيف يكون مصيرها عند نهاية الكون مما يتصل بالجو PageV04P063 # التأملي ، وعن القلق المستقبلي والأشياء الموجودة في الطبيعة وعمق الذات ~~الإنسانية ms0528 ... # فلا بد من أن تكون هناك حالات وأوضاع وأشياء أثارت هذه الأسئلة في ~~أذهانهم مما بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن واضحا في تفاصيله ، أو ~~مما لم يبينه مما ترك للناس أمر السؤال عنه ليبين لهم ذلك في الجواب. # وإذا كان الله سبحانه يولي مثل هذه الأمور البسيطة الأهمية البالغة ، ~~فينزل على نبيه الأجوبة عنها على حسب المستوى الذهني الذي كانوا يتمتعون به ~~ليستريحوا إليه في ما يتأملونه أو يتعلمونه ، فهل يمكن أمام ذلك ، أن لا ~~يحمل الله رسله والدعاة إلى دينه المسؤولية في أن يستجيبوا للأسئلة الصعبة ~~التي تتصل بالعقيدة في أصولها وتفاصيلها ، وعلى الخطوط العامة للمفاهيم ~~الإسلامية لا سيما في الحالات التي يعيش فيها الواقع الإسلامي الصراع بين ~~الإسلام والتيارات الأخرى المضادة أو في داخل الإسلام في اختلاف المذاهب ~~الكلامية والفقهية ، بحيث تتحرك من خلالها علامات الاستفهام في أكثر من ~~موقع أو قضية مما يثيره الآخرون أو تفرضه أجواء الخلافات التي تثير الحيرة ~~والقلق الفكري والروحي؟ # إن حركة الجواب في السؤال تستطيع أن تؤصل للإنسان عقيدته وتفكيره ، وتملأ ~~بالصفاء روحه وعقله ، وتقوي قدرته على المواجهة والدخول في ساحات الصراع ، ~~ليحمي مواقعه عند ما تحتدم الأفكار وتعنف الكلمات. # * * * ### ||| ** السؤال والجواب أسلوب تربوي # وقد نلاحظ أن أسلوب السؤال والجواب هو من أفضل الأساليب التربوية PageV04P064 # في تعميق الفكرة في وجدان الإنسان ، لأنك في الجواب تحدث السائل عن نفسه ~~عند ما تعالج أسباب حيرته ، فتفتح له أبواب المعرفة في ما يجهله ، مما ~~يجعله ينجذب إلى الكلمة انجذابا وجدانيا بفكره وشعوره ، لأنها تمثل رد ~~الفعل لكلمته ، ومفتاح الحل لمشكلته ، فلا يستسلم في انفتاحه على الجواب ~~لأية حالة شرود أو ذهول أو غفلة ، لأن الإنسان لا يسأل عادة إلا عن الأشياء ~~التي تضغط على وجدانه وتنطلق من عمق اهتماماته ، بينما نجد هذا الإنسان لا ~~يندفع بمثل هذا المستوى لسماع محاضرة أو درس أو نقاش بين اثنين ... فقد يقف ~~موقف اللامبالاة ، أو يستسلم لبعض الشرود الفكري أو الذهول الروحي ، أو ~~يبتعد عن ms0529 الجو كليا من خلال قضايا أخرى أكثر أهمية من هذه القضية أو تلك. # ولهذا نجد أن القرآن لم يكتف بالجواب عن الأسئلة التي يقدمها الناس إلى ~~النبي ، بل بادر إلى أن يطرح الأسئلة على الآخرين ، فقد تعددت الآيات التي ~~فرضت الأسئلة التي لو أطلقت أمام الناس الذين قد يكفرون أو يشككون ، لانطلق ~~الجواب من عمق الفطرة في إجابة حاسمة تؤكد أصالة الإيمان في الفطرة كقاعدة ~~للمنهج في حركة التفكير ، وذلك في قوله تعالى : # ( @QUR@013 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون ) [العنكبوت : 61]. # وقوله تعالى : ( @QUR@022 ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به ~~الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) ~~[العنكبوت : 63]. # وقوله تعالى : ( @QUR@023 قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ) ~~[الأنعام : 46]. # وقوله تعالى : ( @QUR@026 قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار PageV04P065 # @QUR@014 سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ~~أفلا تبصرون ) [القصص : 71 72]. # وقوله تعالى : ( @QUR@010 قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء ~~معين ) [الملك : 30]. # إنها الأسئلة التي تقتحم على الإنسان ذاته في الحالة التي لا يعيش فيها ~~العقدة المرضية التي توحي له بالجحود والعناد ، بل يعيش فيها عفوية حركة ~~ذاته مع الآخرين ، لينطلق الجواب مع عفوية الحقيقة في أعماقه من خلال فطرته ~~التي ترى الله في كل شيء. # وتحدثنا بعض الآيات كيف يطرح الله الجواب التفصيلي عن علاقته بعباده ~~انطلاقا من السؤال الذي يفرض أنهم يقدمونه إلى النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى كل داعية ، لأن طبيعة الأمور في إيمانهم بالله ~~تدعو إلى مثل هذا السؤال الذي يحاول أن يستشرف أسرار الغيب في الذات ~~الإلهية المقدسة في ما لا يملكون الوسائل العادية للوصول إلى معرفته ، وهو ms0530 ~~قوله تعالى : ( @QUR@017 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) [البقرة : 186]. # ولا بد للعاملين في حركة التربية والدعوة الإسلامية من أن يأخذوا بهذا ~~الأسلوب التربوي في مناهجهم وأساليبهم ، انطلاقا من المنهج القرآني الذي ~~ينفتح على أقرب الطرق للوصول إلى عقل الإنسان وروحه في الدعوة والحركة. # وقد اختلفت وجهة النظر عن المسؤول عنه في الآية ، فاختار أكثر المفسرين ~~أن مورده هو حالات القمر المختلفة ، فإنه يبدو صغيرا ثم يكبر ، ثم يصغر بعد ~~ذلك ، فأرادوا أن يفهموا السر في ذلك الاختلاف الذي يلفت النظر لدى كل ~~إنسان. ولكن الجواب لم يكن على وفق السؤال ، بل اتجه اتجاها PageV04P066 # آخر ، وهو الحديث عن فوائد هذا الاختلاف ، لأنه يحدد للناس مواقيتهم ~~ومواعيدهم في ما يحتاجون إليه من تحديد الوقت في قضاياهم العامة والخاصة ، ~~ولا سيما في موضوع الحج الذي له موعد خاص وقد ركز عليه لأهميته عندهم وقال ~~بعض المفسرين في التعليق على ذلك : إنهم لم يكونوا في مجال الاستفادة من ~~المعرفة الفلكية ، مما يجعل الدخول في ذلك اقتحاما في عملية لا تتسع لها ~~أفكارهم من جهة ، ولا تخدم حياتهم من جهة أخرى ، ولهذا أعرض عن الجواب حول ~~الموضوع ، لينتقل إلى السؤال عن فوائد ذلك وحكمته في الحياة ، من حيث إنها ~~تضبط لهم مواقيتهم في أعمالهم ، وتحدد لهم وقت الحج بالخصوص في الوقت الذي ~~تتميز فيه عن الشهور الشمسية بسهولة تناول التاريخ القمري لكل الناس ، لأنه ~~لا يحتاج إلا إلى النظر والملاحظة ، بينما يتوقف التاريخ الشمسي على الحساب ~~، فلا يعرفه إلا الحاسبون. ويعقبون على ذلك بأن من مهمة الموجه والمرشد أن ~~لا يجيب عن كل الأسئلة ، لأن بعضها لا يتصل بحياة الناس بالمستوى الكبير ، ~~بل ينبغي له أن يوجههم إلى القضايا المهمة التي يجب أن يسألوا عنها ~~ليستفيدوا منها بشكل مباشر ، وفي ضوء ذلك كان تفسيرهم للتعقيب القرآني ~~اللاحق للجواب : ( @QUR@019 وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن ~~البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ms0531 الله لعلكم تفلحون ) فقد ~~ذكروا أنه دعوة إلى أن يواجه الإنسان القضايا من أبوابها ولا يواجهها من ~~ظهورها ، بالأسلوب الكنائي الذي عبر فيه عن ذلك بالبيوت. # وقد انطلق هؤلاء المفسرون في هذه الاستفادة من الاية إلى ما روي «أن معاذ ~~بن جبل وثعلبة بن غنم (1) الأنصاري قالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ~~دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى PageV04P067 # يعود كما بدأ ، لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت» (1). # * * * ### ||| ** مع صاحب تفسير الميزان # وذهب بعض المفسرين ومنهم صاحب تفسير الميزان إلى أن السؤال لم يكن عن ~~ماهية القمر واختلاف تشكلاته ، إذ لو كان كذلك ، لكان الأنسب أن يقال : ~~يسألونك عن القمر لا عن الأهلة. وأيضا لو كان السؤال عن حقيقة الهلال وسبب ~~تشكله الخاص ، لكان الأنسب أن يقال : يسألونك عن الهلال ، إذ لا غرض حينئذ ~~يتعلق بالجمع ، ففي إتيان الأهلة بصيغة الجمع دلالة على أن السؤال إنما كان ~~عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالا بعد هلال ورسمه الشهور القمرية ، ~~وعبر عن ذلك بالأهلة لأنها هي المحققة لذلك ، فأجيب بالفائدة» (2). # أما تعليقنا على ذلك ، فإننا لا نرى رأي صاحب الميزان في ما استفاده ، ~~لأنه استند إلى إتيان ( @QUR@01 الأهلة ) بصيغة الجمع ، بدعوى أنها لا ~~تتناسب مع السؤال عن القمر أو الهلال ، ولكننا نرى أنه يكفي في ذلك تكرر ~~الظاهرة في الزمن ، بحيث إنها تلفت النظر دائما ، مما يجعل السؤال عنها ~~كشيء متكرر بصيغة الجمع ... ويؤكد ذلك أن السؤال كان عن الظاهرة ، لا عن ~~حقيقة القمر كما يوحي به كلامه في ما يستفيده من وجهة نظر الآخرين ونحن ~~نستقرب ما ذكروه ، لأنه هو المناسب للسؤال ، وهو المتبادر من الاية. فإن ~~اختلاف الشهور وتعددها لا يلفت أنظارهم كحالة ذهنية صعبة ، لأنه من الأمور ~~التي يسيرون عليها في حياتهم ، بل الذي يلفت النظر هو اختلاف حالات القمر PageV04P068 # كما ورد في الرواية أما لماذا كان الجواب بما يعرفونه ، فلأن الاية أرادت ~~أن ترشدهم إلى ما يجب أن ms0532 يهتموا به من تنظيم أوقاتهم على حسب ما أراه الله ~~لهم في ذلك ، بما أوجده لهم من هذا التنظيم الكوني للوقت ليسيروا على هداه ~~بطريقة منظمة مركزة ، والله العالم بحقائق آياته. # * * * ### ||| ** يسألونك عن الأهلة # ( @QUR@03 يسئلونك عن الأهلة ) في اختلاف أشكال القمر منذ خروجه من ~~المحاق إلى أن ينتهي إليه ، كيف كان صغيرا ثم يكبر ثم يعود صغيرا كما كان ، ~~كيف ذلك؟ ولماذا؟ وما الفرق بين القمر في هذا التنوع في حجمه وبين الشمس في ~~بقائها على حالة واحدة في الوضع الطبيعي في القانون العام؟ ( @QUR@05 قل هي ~~مواقيت للناس والحج ) فللشمس وظيفة واحدة في النظرة العامة في رؤية الناس ~~الحسية ، وهي تحديد الليل في عملية الغروب والشمس. أما القمر ، فإن وظيفته ~~هي التوقيت المتحرك على مستوى الأيام في بداية الشهر ونصفه وآخره ، وعلى ~~مستوى الشهور ، مما يفرض هذا النوع من الاختلاف ، فهي مواقيت للناس في كل ~~قضاياهم المتصلة بنظام حياتهم ، وهي ميقات للحج الذي يمثل الاهتمام في ~~الواقع الإسلامي وفي منطقة الدعوة. # وهذا ما يفرض اختلاف الأوقات الذي يمكن أن يشير إليه اختلاف الشكل للقمر ~~، والله العالم. # * * * ### ||| ** البر من اتقى # ( @QUR@07 وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) فإن ذلك يخالف الوضع ~~الطبيعي الذي تقتضيه الفطرة الإنسانية في حركتها في الواقع على حساب PageV04P069 # الخصائص الذاتية المتمثلة في عناصر وجوده ، إذا أراد الإنسان أن يدخل ~~بيته أو بيوت الآخرين ، فإن من الطبيعي بحسب نظام البيت أن يدخله من بابه ~~الذي هو المدخل له. # وإذا كان هذا هو المفروض في الواقع المادي للبيوت والأبواب ، فإن من ~~الممكن الاستيحاء المعنوي في القضايا الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية ~~، بأن ندخل إليها من مداخلها التي يمكن أن تكون نقطة البداية في التحرك ~~نحوها ، إن من جهة طبيعة القضية أو من ناحية الوسيلة التي توصل إليها ، ~~والأسلوب الذي يتمثل في طريقة التعامل معها. # وربما كانت الفقرة المذكورة «كناية عن النهي عن امتثال الأوامر الإلهية ~~والعمل بالأحكام المشرعة في الدين ، إلا على الوجه الذي شرعت عليه ، فلا ~~يجوز الحج ms0533 في غير أشهره ، ولا الصيام في غير شهر رمضان ، وهكذا ... وكانت ~~الجملة على هذا متممة لأول الاية ، وكان المعنى : إن هذه الشهور أوقات ~~مضروبة لأعمال شرعت فيها ، ولا يجوز التعدي بها عنها إلى غيرها ، كالحج في ~~غير أشهره ، والصوم في غير شهر رمضان ، وهكذا ، فكانت الاية مشتملة على ~~بيان حكم واحد» (1). ولكننا نلاحظ على هذا الاحتمال أن الحديث عن الالتزام ~~بالمواقيت لا يمثل أية مشكلة في الذهنية العامة للناس ، فلا يفكر أحد أن ~~يقوم بالعمل في غير وقته ، كما لا يفكر مسلم بالإتيان بالحج في غير شهره ، ~~وبالصيام في غير شهر رمضان ، الأمر الذي يجعل من إثارة هذا الموضوع في ~~خصوصيته إثارة لأمر غير ذي موضوع ، فيدخل في دائرة العبث تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا . # ( @QUR@04 ولكن البر من اتقى ) حيث تتحول التقوى إلى صورة إنسانية ~~نموذجية في الواقع الإنساني ، لينطلق الإنسان في مبادراته وأوضاعه وعلاقاته ~~بالحياة PageV04P070 # وبالإنسان من موقع الخط الإسلامي المنفتح على وحي الله في أوامره ونواهيه ~~التي تحمي الإنسان من نفسه ، كما تحمي غيره منه ، فيكون البر عنوانا ~~للإنسان قبل أن يكون عنوانا للعمل ، لأن قيمة العمل تتحدد بمقدار ما يكون ~~تجسيدا للإنسان. # ( @QUR@04 وأتوا البيوت من أبوابها ) التي تفتح لكم كل مواقعها وجنباتها ~~، سواء في ذلك البيوت المادية أو الروحية والعملية. وربما كان من أظهر ~~مصاديقها الأبواب التي تفتح شخصيات الناس ، لأن لكل إنسان بابا تدخل منه ~~إلى عقله وقلبه وحياته ، مما يجعل من الضروري أن ندرس المدخل إلى عمق ~~الشخصية في نقاط ضعفها وقوتها ، وفي مستواها الثقافي ، وتطلعاتها الروحية ~~والمادية. فقد نلاحظ أن الكثير من المشاكل في المجتمعات الإنسانية انطلقت ~~من عدم اكتشاف الأبواب الثقافية والروحية والاجتماعية التي تمثل المداخل ~~الطبيعية إلى الواقع الداخلي للناس ، مما يجعل الإنسان بعيدا عن الفهم ~~الحقيقي لإنسانية الآخرين في أوضاعهم الخاصة والعامة. # ( @QUR@02 واتقوا الله ) وراقبوه في كل أموركم في ما تفعلون وتتركون ، ( ~~@QUR@02 لعلكم تفلحون ) لأن التقوى التي تربط الإنسان بالله هي سبيل الفلاح ~~في الدنيا والاخرة. # * * * ### ||| ** من وحي الاية # يمكننا ms0534 أن نستوحي من الاية الفكرة التالية : وهي أن على الإنسان الذي ~~يريد أن يجعل حياته في طريق البر ، أن ينظر إلى الأشياء الأساسية التي ~~ترتكز على دراسة واعية لخط التقوى الذي يدفع الإنسان إلى الانطلاق في مجال ~~الالتزام بأوامر الله ونواهيه والوقوف عند حدوده. وفي ضوء ذلك ، PageV04P071 # يمكنكم أن تتجاوزوا هذا العمل الذي ألزمتم أنفسكم به بالدخول إلى البيوت ~~من ظهورها في حال الإحرام ، لأنه ليس أمرا مفروضا عليكم من الله ، فيمكنكم ~~أن تأتوا البيوت من أبوابها من دون أي خوف أو حرج إذا التزمتم بالتقوى في ~~ما حرمه الله عليكم أو في ما أوجبه الله عليكم ، ولكن التأمل في الاية ~~يجعلنا نتجاوز ما ورد في هذه الروايات التي لم تثبت عندنا. # إن الظاهر في قضية قوله : ( @QUR@04 وأتوا البيوت من أبوابها ) أنها ليست ~~واردة في مقام الرخصة بذلك ، بل هي واردة في مقام تحديد الخط العام الذي ~~يسير عليه الإنسان في حياته في كل ما يفيض فيه من حديث ، أو يسأل عنه من ~~أمر ، أو ينطلق فيه من عمل ، أو يتحرك نحوه من هدف ... وبذلك يكون مفاد ~~الاية التأكيد على أن يتحرك الموقف العملي للإنسان من الوجه الذي يجب أن ~~ينطلق منه ، فإن الله قد جعل لكل شيء في الحياة بابا يدخل منه ، فلكل غاية ~~وسيلة معينة تنسجم مع طبيعتها وواقعها ، ولكل فكرة أجواؤها التي تتحرك فيها ~~، ولكل حركة قيادتها التي تتحرك من خلالها ... وبذلك تلتقي فكرة إتيان ~~البيوت من أبوابها مع خط التقوى ، كما أن إتيانها من ظهورها كناية عن ~~الانطلاق من غير مواردها الشرعية بعيدا عن خط التقوى ، ويكون البر وعدمه ~~تابعا لذلك. # ويؤيد هذا المعنى ما روي عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام في ~~كتاب المحاسن للبرقي في قوله تعالى : ( @QUR@04 وأتوا البيوت من أبوابها ) ~~قال : يعني أن يأتي الأمر من وجهه ، أي الأمور كان (1) ويمكن أن يكون ذلك ~~على سبيل الاستيحاء أو التطبيق لا على سبيل التفسير. ولعل هذا هو الأقرب ~~إلى الأجواء القرآنية العامة. ms0535 وهو الذي يجب أن نستوحيه في حياتنا العملية ~~عند ما نريد أن ننطلق في أي مجال للدعوة ، فنتحرك معه بالأسلوب الذي يمكن ~~أن يؤدي إلى الغاية ، ويوصل إلى المطلوب من خلال دراسة الواقع PageV04P072 # الفكري والعملي والمؤثرات التي تساهم في طبيعة الشخص أو الحالة ، أو عند ~~ما نريد أن نعمل في أية حركة ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية ... ~~فإن علينا أن نواجه القضايا من بابها الذي ندخل من خلاله إلى كل المجالات ~~التي تخلق من التحرك حالة واقعية تساهم في تحقيق فرص النجاح وتبتعد عن كل ~~أسباب الفشل ، سواء في ذلك جانب الفكرة ، أو الوسيلة ، أو الأسلوب ، أو ~~القيادة ، أو طبيعة الساحة التي تنطلق فيها الحركة ، أو الظروف الموضوعية ~~التي تحيط بها ، أو الخلفيات التي تكمن وراءها وهكذا في كل العناصر الحية ~~التي تجعلنا نواجه الموقف من وجهه لا من ظهره. وذلك هو سبيل التقوى الذي ~~يجعلنا نحسب حساب كل خطوة نخطوها على أساس رضى الله ، الذي هو سبيل الفلاح ~~في الدنيا والاخرة. # * * * PageV04P073 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين (190) @QUR@025 واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) @QUR@06 فإن انتهوا فإن ~~الله غفور رحيم (192) @QUR@015 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ~~فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) (193) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقاتلوا ): القتال والمقاتلة : محاولة الرجل قتل من يحاول قتله. # ( @QUR@02 ولا تعتدوا ): الاعتداء : مجاوزة الحد. يقال عدا طوره : إذا ~~جاوز حده. # ( @QUR@01 ثقفتموهم ): أي : وجدتموهم وأدركتموهم على نحو الأخذ والغلبة. PageV04P074 # ( @QUR@01 والفتنة ): أصلها الاختبار ، ثم ينصرف إلى معان منها : ~~الابتلاء ، نحو قوله تعالى : ( @QUR@02 وفتناك فتونا ) [طه : 40] أي : ~~ابتليناك ابتلاء على أثر ابتلاء. ومنها : العذاب ، كقوله : ( @QUR@015 ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) ~~[العنكبوت : 10] ومنها : الصد عن الدين ، نحو قوله : ( @QUR@09 أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك فإن ) [المائدة ms0536 : 49] والمراد بها في الاية : ~~الشرك بالله ورسوله. # * * * ### ||| ** تشريع القتال في الخطوات الأولى # في هذه الآيات ، يضع القرآن الخطوات الأولى لتشريع القتال في الإسلام ، ~~ويثير أمامنا الفكرة التي يستند عليها هذا التشريع في بداياته. فقد كانت ~~قريش هي البادئة بالقتال والعدوان على المسلمين ، فليس من الطبيعي أن يقفوا ~~مكتوفي الأيدي أمامها ، ينادون بالسلام والمحبة والعفو والمغفرة ، لأن مثل ~~هذه المفاهيم الروحية الأخلاقية لا يفهمها المعتدون الذين يحركون سيوفهم في ~~هوى أطماعهم وشهواتهم وظلمات أنفسهم ، فلا بد من الحديث معهم باللغة التي ~~يفهمونها جيدا ، من موقع الجو الذي يعيشونه في اعتبار القوة أساسا للحق ~~وللسيطرة. وكان الإسلام واقعيا في نظرته إلى طبيعة الموقف ، فأذن للمسلمين ~~في القتال في سبيل الله لمن يقاتلهم. # ( @QUR@06 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) فلم يأذن لهم أن ~~ينطلقوا من موقع الثأر الشخصي الذي يستجيب للنوازع الذاتية ، التي قد تضعف ~~وقد تقوى تبعا للحالة النفسية التي تحكم الواقع الداخلي للإنسان ، بل أذن ~~لهم أن يعتبروا الخط القتالي سائرا في سبيل الله ، لأن هؤلاء يعملون على ~~أساس إبعاد الناس PageV04P075 # عن الله وعن سبيله ، ومجابهة المؤمنين به ، العاملين بطاعته ، وأرادهم أن ~~لا يعتدوا ، بل أن يواجهوا الموقف بروحية الدفاع عن الحق وعن أصحابه ، ~~ليكون الإسلام هو القوة البديلة ، لأن قوته لا تمثل خطرا على الحياة. بل هي ~~على العكس من ذلك تدفع الخطر عن القيم الأصيلة للإنسان ابتداء من الحفاظ ~~على وجوده الخير إلى كل خطوة من خطواته العملية الخيرة في بناء الحياة. # ( @QUR@07 ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) إن الكافرين هم الذين ~~بدأوا العدوان والقتال ، فليتحملوا نتائج أعمالهم وعدوانهم ، وليتحرك ~~المسلمون في اتجاه تهديم القوة الطاغية ، وصنع القوة البديلة من مواقع الحق ~~، وليلاحقوهم حيث وجدوهم ، لأن ذلك هو السبيل لإذلالهم وإضعافهم والسيطرة ~~عليهم ... ( @QUR@03 واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي : وجدتموهم ، وأدركتموهم ، ~~وتمكنتم من السيطرة عليهم. # فكل الساحات التي يوجدون فيها هي ساحات حرب شرعية ضدهم ، فلا مأمن لهم في ~~أي مكان ، ولا ملاذ لهم في أي ملجأ ليعيشوا الخوف الدائم ms0537 الذي لا يترك لهم ~~مجالا للشعور بالأمن في أي موقع من مواقع وجودهم ... إنه قانون المعاملة ~~بالمثل. ( @QUR@04 وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) فقد اضطهدوا المسلمين ~~وأبعدوهم عن مكة حتى تفرقوا في بلاد الله في هجرات متعددة. فللمسلمين الحق ~~في أن يعاملوهم بمثل ما عاملوهم به ، ولم تكن قضيتهم قضية قتال للمسلمين ~~وإخراجهم من ديارهم ، بل كانت القضية هي ممارسة أقسى أنواع الضغوط ضد ~~المسلمين من أجل فتنتهم عن دينهم تحت تأثير الضغوط الصعبة من التهديد ~~والتعذيب والإغراء والإبعاد والتشريد. # * * * PageV04P076 # ( @QUR@04 الفتنة أشد من القتل ) # ( @QUR@01 والفتنة ) عن الدين في نظر الإسلام ( @QUR@03 أشد من القتل )، ~~لأن القتل يعني الموت الجسدي ، بينما تمثل الفتنة عن الدين الموت الروحي ~~الذي يفقد الإنسان معه نفسه ، ويتحول إلى عنصر ضار للحياة بدلا من أن يكون ~~عنصرا نافعا لها ، مما يجعل من الجريمة جريمة تتصل بالجانب الشخصي للإنسان ~~، وبالجانب العام لحياة المجتمع كله. # وعلى ذلك الأساس أعطاها الإسلام طابع التحدي للحياة ، لأنها تحمل التحدي ~~لكل ما تحمله الحياة التي يريدها الله للإنسان من الخير الشامل ، والمحبة ~~المرتكزة على العدل ، والتصور الإيجابي لكل ما يواجه الإنسان من مشكلات على ~~أساس الفكر الواقعي الإنساني المسؤول الذي لا يهرب من المشكلة بل يواجهها ~~بشجاعة ، ولا يخضع للتاريخ بل يناقشه بمسؤولية ، ولا يتعبد للمحدود ، بشرا ~~كان أو حجرا ، بل يتمثل فيه سر إبداع الخالق المطلق بعيدا عن كل نظرة ذاتية ~~خاشعة للمخلوق ... وهكذا يتحرر الإنسان في أجواء الدين السمح الذي يبني ~~للإنسان شخصيته على أساس الحرية أمام كل شيء حوله ، ليجعله عبدا لله وحده ، ~~ويركز للحياة قواعدها على أساس العدل الذي يتجاوز الطبقية للمساواة ، ~~والتمييز بين الناس للتنوع ، ولتوزيع الفرص على أساس الأدوار التي تحتاجها ~~الحياة .. وفي هذا الجو ، أراد الإسلام للإنسان أن يقاتل الذين يحاربون فيه ~~هذا التوجه الحر للحياة وهذه الحرية الخاشعة في محراب عبوديتها لله. ولا ~~يعتبر الإسلام مثل هذا القتال عدوانا على الآخرين ، بل دفاعا عن الإنسان ~~والحياة ضد الذين يريدون قتل إنسانية الحياة في الإنسان. # وإذا كانت الفتنة ms0538 وهي الصد عن الدين تتمثل بالضغط النفسي ، PageV04P077 # والتعذيب الجسدي ، والتجويع الغذائي ، والحصار الاقتصادي ، ونحو ذلك مما ~~مارسته قريش وحلفاؤها ضد المسلمين الذين دخلوا في الإسلام آنذاك من النساء ~~والرجال ، وكانت قمة ذلك ما قامت به ضد آل ياسر وبلال الحبشي وبني هاشم في ~~حصار الشعب ، وإلجاء المسلمين إلى الهجرة فرارا من شدة التعذيب ، فإنها قد ~~تتمثل في الأوضاع الفاسدة الضاغطة على الجو الأخلاقي العام ، المانعة من ~~السعي نحو إيجاد المجتمع المسلم في أخلاقيته وروحانيته ومناهجه الإسلامية ~~بمختلف وسائل الاضطهاد الروحي ، مما يدفع بالناس إلى الانحراف عن الحق ، ~~وقد يتمثل بمصادرة الحريات الفكرية والسياسية والإعلامية من قبل القوى ~~المستكبرة لمصلحة تيارات مضادة كافرة ، تتحرك في حرياتها الضاغطة على الدين ~~وأهله ، بحيث تمنع الجيل الجديد من الثبات على الإسلام ، وتنحرف بالجيل ~~الحاضر عن الخط المستقيم ، سواء كان ذلك على مستوى الحكومات أم الشخصيات أم ~~الأحزاب المستبدة. # * * * ### ||| ** القتال في المسجد الحرام # ( @QUR@014 ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) وجاءت هذه الآية لتدل على أن للمسجد الحرام ~~حرمته الكبيرة عند الله ، لأن الله جعله قاعدة السلام للإنسان في الأرض ، ~~فلا يحل فيه القتال مهما أمكن الامتناع عن ذلك ، ولا يجوز لأحد أن يبدأ ~~أحدا بقتال فيه ، ولكن الدفاع عن النفس حق مقدس ، فللإنسان حق الوقوف بقوة ~~ضد الذين يقاتلونه في هذا المكان الآمن ، لأن انتهاك الحرمة لم يكن من قبل ~~المدافعين ، بل من جانب المهاجمين ، ولذلك فإن على المسلمين أن لا يشعروا ~~بالحرج أمام حالة اضطرارهم للدفاع عن أنفسهم بقتال المشركين في المسجد ~~الحرام ، لأن ذلك PageV04P078 # هو السبيل لحماية المسجد الحرام من القوة الطاغية الباغية التي تشوه ~~روحية المعاني الكبيرة في المسجد ، وتهدم أجواء السلام في داخله ، فلا بد ~~من قتالهم وإبعادهم عنه حتى يخلو الجو للخير والمحبة والتقوى والسلام في ~~نهاية المطاف ، ليستمر قاعدة للأمن لكل الناس في ظل الدعوة التي تؤمن بهذه ~~الحقيقة ، انطلاقا من إيمانها بالله في شريعته الممتدة في رحاب الحق والعدل ~~والأمان. ms0539 # وقد كان المسلمون يتحرجون من ذلك في بعض المواقف التي كانت تتفجر بالحرب ~~بينهم وبين قريش ، وذلك في ما روي في مجمع البيان عن ابن عباس في قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 وقاتلوا في سبيل الله ) الآية نزلت هذه الآية في صلح ~~الحديبية ، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج هو وأصحابه في ~~العام الذي أرادوا فيه العمرة ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، فساروا حتى نزلوا ~~الحديبية ، فصدهم المشركون عن البيت الحرام ، فنحروا الهدي بالحديبية. ثم ~~صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه ، ويعود العام القابل ، ويخلوا له مكة ~~ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء ، فرجع إلى المدينة من فوره. فلما ~~كان العام المقبل تجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لعمرة القضاء ~~وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن البيت الحرام ، ويقاتلوهم ، ~~وكره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم ، فأنزل الله هذه الآية (1).. # ومن خلال هذه الآية نعرف واقعية الإسلام في التشريع في ما يحرمه ويحلله ~~من أشياء ، فإن حرمة الأشخاص والأمكنة والأزمنة تفرض نفسها على واقع ~~التشريع والممارسة ، ما دامت في حدودها الخاصة التي لا تصطدم بحرمة أشياء ~~أعظم منها في مقياس القضايا الكبيرة ، فإذا اصطدمت بها في بعض المواقف ، ~~بحيث كان الحفاظ عليها موجبا لسقوط الحرمة الأعظم وهي حرمة PageV04P079 # الإنسان المؤمن في نفسه ودينه ، كان للمسلمين الحق في تجاوز الحرمات ~~العظيمة أمام الحرمة الأعظم ، على ما هي القاعدة الإسلامية التي يغلب فيها ~~الجانب الأقوى في المصلحة على الجانب الأضعف. ومن هنا تأتي الاستثناءات ~~التي تخرج بعض الأمور من القاعدة العامة في أي حكم شرعي. ولو لا ذلك لأمكن ~~للفئات الباغية أن تستغل حرمة بعض الأمكنة والأزمنة ، لتحارب الإسلام في ~~قوته انطلاقا من عدم قدرة المسلمين على الرد نظرا لحرمة الشهر أو المكان ، ~~مما يوجب تقدم تلك الفئات في مواقع القوة على الإسلام والمسلمين. وهذا ما ~~عبرت عنه الآية الكريمة : ( @QUR@014 ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ms0540 جزاء الكافرين ). # ولما كانت هذه الحالة التي يمارس فيها المسلمون القتال في المسجد الحرام ~~دفاعا عن أنفسهم ، استثناء ، فلا بد من أن تقدر بقدرها وذلك في مجال ~~عدوانهم على المسلمين. ( @QUR@02 فإن انتهوا ) وكفوا عن القتال في هذا ~~المكان المقدس ، فيجب أن يتوقف القتال عند ذلك لزوال السبب الذي أباحه في ~~هذا المكان الحرام. ويمكن أن يكون التعليل بقوله : ( @QUR@04 فإن الله غفور ~~رحيم ) على أساس وضع السبب موضع المسبب إعطاء لعلة الحكم كما في تفسير ~~الميزان (1) فإن غفران الله ورحمته هما الأساس في جواز أي عمل يريده الله ~~في أي شأن من شؤون الحياة. أي يجوز لكم الامتناع عن قتالهم ، لأنه لا يبقى ~~بعد ذلك أي سبب له ، فكان الله يغفر لكم ويرحمكم بالكف عنهم والله العالم. ~~وربما فسر قوله : ( @QUR@02 فإن انتهوا ) بالانتهاء عن الكفر بالتوبة منه ، ~~فيكون قوله: ( @QUR@04 فإن الله غفور رحيم ) دالا على أن الله يقبل توبة ~~المشرك ويغفر له ذلك ويرحمه بعده ، ويكون مسلما ، له ما لهم وعليه ما عليهم. # * * * PageV04P080 ### ||| ** كيف نفهم القتال من موقع الجهاد؟ # ثم انطلقت الفكرة ، لتجعل من قضية القتال ضد الشرك والمشركين قضية تدخل ~~في حساب تهديم الأسس التي يرتكز عليها الفكر في قوته التي يحارب من خلالها ~~الإسلام ، ويضغط بها على حرية المسلمين ليفتنهم عن دينهم ، ويقف على أساسها ~~ضد كل تحرك للإسلام في العالم. إن القضية ليست نزاعا على مستوى الأشخاص أو ~~القبائل أو الفئات المتخاصمة ، لتحل على أساس الهدنة أو إنهاء النزاع في ~~نطاق المعاهدات القائمة على التجميد المؤقت للمشكلة ، بل هي نزاع على مستوى ~~رسالة الله التي أراد أن تقوم الحياة على قاعدتها الصلبة الممتدة بالحق ~~والعدل ، ولذا فإن وجودها يعتبر نقيض وجود الكفر الذي يعمل على العدوان ~~والبغي والطغيان ... ولذلك فلا بد من قتال الشرك والمشركين ، حتى لا يبقى ~~هناك أساس للضغط الذي يفتن المؤمنين عن دينهم ، وحتى يكون الدين كله لله ، ~~فلا يبقى للشيطان وللطاغوت موطئ قدم في الأرض. ( @QUR@08 وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين لله ) من ms0541 دون أي ضغط أو تهديد أو مصادرة للحرية ، ~~مما يمنع المسلمين عن ممارسة دينهم براحة وطمأنينة. # إن القضية هي قضية مصلحة الإنسان ، فلا بد من الجهاد الشامل بشروطه ~~الإسلامية الشرعية من أجل أن تبقى للإنسان حريته الحقيقة في الحياة القائمة ~~على الحق والعدل ، بعيدا عن أوهام الحرية في ظل سيادة الكفر والظلم ~~والعدوان باسم حرية الفكر والموقف. ومن الواضح أن قضية الجهاد ليست قضية ~~سيطرة سلطة غاشمة تضغط على إرادة الإنسان ، فلا تمنحه الحرية ليناقش أو ~~يحاور أو يسأل من أجل الوصول إلى الحقيقة الإيمانية ، بل هي قضية PageV04P081 # تحديد حرية الكفر وتجميد دوره ، وذلك بإعطاء الإنسان الحرية في الوصول ~~إلى القناعة من خلال الحوار الإيجابي المنفتح في نطاق خاص. فإذا تمرد كان ~~الحق للحياة الرسالية أن تعبر عن نفسها بفرض سلطتها على الواقع من أجل ~~الإنسان. وقد نعرف ، من خلال دراسة الشروط الشرعية للجهاد ، أنه لا يهدف ~~دوما إلى تغيير عقيدة الإنسان بالقوة ، بل نراه يحافظ على إبقاء الآخرين ~~على عقيدتهم في ما يتصل بالديانات السماوية الأخرى إذا حافظوا على شروط ~~العهد والذمة ، أو في ما يتصل بالفئات الأخرى غير المؤمنة في بعض الحالات ~~في نطاق المعاهدات التي تقتضي مصلحة الإسلام إقامتها معهم. إن القضية هي أن ~~لا تكون هناك فتنة ، وأن يكون الدين كله لله ، بحيث تكون له الكلمة العليا ~~في الأرض ، فلا تبقى هناك كلمة للكفر في موقع السيادة الشاملة. وتلك هي ~~قضية كل فكر ودين يريد أن يجعل الحياة على صورته. # ( @QUR@07 فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ). فسر الانتهاء في ~~هذه الآية بإيمانهم بالإسلام والابتعاد عن خط الكفر ، فإنهم إذا أسلموا كان ~~لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، وذلك في ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «إن ربي أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله ~~إلا الله ، فإن قالوها اعتصموا مني دماءهم وأموالهم» (1).. وفي ضوء ذلك ، ~~يعتبر القتال بعد الإسلام مخصوصا بالظالمين الذين يعتدون على الناس ويبغون ~~عليهم بغير الحق. # ويمكن أن ms0542 تكون الآية واردة في اتجاه آخر ، وهو التأكيد على تحطيم قوة ~~الكفر ، وتركيز سيادة الدين وقوته من خلال القتال الذي يحقق هذا الهدف ، ~~بالمستوى الذي لا يستطيع المشركون والكافرون معه الممارسة العدوانية على ~~المسلمين ، وذلك إما بالإيمان بعد الكفر ، وإما بالمعاهدات التي تنظم قواعد ~~السلام القائم على احترام حرية المسلمين في دينهم وفي الدعوة إلى الدين. PageV04P082 # وعلى ضوء ذلك ، لا تكون الآية واردة في مجال انتهائهم عن الكفر ، بل عن ~~الظلم والعدوان. وليس معنى ذلك أن الإسلام لا يبرر الجهاد من أجل تحطيم ~~واقع الكفر في الحياة ، بل كل ما نريد أن نقرره هو إمكانية أن يكون للآية ~~معنى غير ما يذكره المفسرون. # * * * PageV04P083 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ~~(194) @QUR@014 وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) (195) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 الشهر الحرام ): هو الذي يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه. # ( @QUR@01 الحرام ): هو القبيح الممنوع من فعله ، ويقابله الحلال المطلق ~~المأذون فيه. # ( @QUR@01 والحرمات ): جمع حرمة ، وهي ما يجب حفظه ويحرم هتكه. # ( @QUR@01 قصاص ): الأخذ للمظلوم من الظالم لظلمه إياه. # ( @QUR@01 التهلكة ): التهلكة والهلاك بمعنى واحد ، وقيل : التهلكة : كل ~~ما يصير عاقبته الهلاك ، وأصل الهلاك : الضياع ، وهو مصير الشيء بحيث لا ~~يدرى أين هو. # * * * PageV04P084 ### ||| ** القتال في الشهر الحرام # كان الحديث في الآية المتقدمة حول القتال في المسجد الحرام الذي كان ~~المسلمون يتحرجون منه ، فأباحه الله لهم دفاعا عن النفس. وفي هذه الآية ~~يتحدث الله عن القتال في الشهر الحرام الذي كان المسلمون لا يجرءون على ~~القتال فيه احتراما لحرمته ، فأباح الله لهم ذلك على أساس المقابلة بالمثل ~~، في الوقت الذي لا يملك الإنسان فيه أي خيار ، لأن القضية قضية حياة أو ~~موت بالنسبة للأمة وللرسالة. وهذا هو قوله تعالى : ( @QUR@04 الشهر الحرام ~~بالشهر الحرام ). # وإذا كانت قريش قد انتهكت حرمة هذا الشهر ، فلم يحترموا حق الإنسان فيه ~~بالسلام ، فللمسلمين الحق ms0543 في أن لا يحترموهم فيه. وعقب على ذلك بقوله : ( ~~@QUR@02 والحرمات قصاص )، فلكل إنسان الحق في أن يقتص لحرمة ما انتهكه ~~الآخرون منه ، وذلك بانتهاك حرمتهم. وأوضح الفكرة بأن من حق المعتدى عليه ~~أن يرد العدوان بمثله ، فلا يتجاوزه إلى أكثر من ذلك التزاما بخط العدل ~~الذي يتركز على المماثلة في العقاب : ( @QUR@09 فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) أي : عاملوه بالمثل ، جواز لا إلزاما. ولا بد ~~من أن يلاحظ أن رد الاعتداء ليس اعتداء ، لأنه من حق المعتدى عليه ، ولكنه ~~سماه باسمه ، لأنه مجازاة اعتداء ، باعتبار أنه مثله في الجنس وفي المقدار ~~، ولأنه ضرر كما أن ذلك ضرر ، والمماثلة تقتضي عدم تجاوز حجم العدوان ~~وطبيعته. # ( @QUR@02 واتقوا الله ) ثم أمر بالتقوى تدليلا على أن الوقوف أمام حدود ~~الله والالتزام بالخط الفاصل بين العدل والظلم يرتكز على أساس التقوى ~~الداخلية ، التي يشعر الإنسان معها بالمسؤولية الدائمة أمام الله في كل ~~مواقفة العامة والخاصة ، في ما له من الحق وما عليه ، فيقف حيث يريد الله ~~منه أن يقف ، PageV04P085 # ويتحرك حيث يريد الله منه أن يتحرك. فإن الإنسان الذي لا يعيش حس التقوى ~~في نفسه ، قد ينجرف أمام نوازع النفس الذاتية التي توحي بالعصبية والانتقام ~~والتشفي والحقد ، وغير ذلك مما يجعل الإنسان يأخذ أكثر مما له من الحق أو ~~يعطي أقل ما عليه من الحق ... ثم حددت للمؤمنين الموقع الذي يحصلون عليه مع ~~التقوى ( @QUR@05 واعلموا أن الله مع المتقين )، فإن الله مع المتقين ~~الذين يخشون ربهم بالغيب ويراقبونه في كل صغيرة أو كبيرة في السر ~~والعلانية. # * * * ### ||| ** الإنفاق في سبيل الله وحفظ النفس # ثم انطلق القرآن في مجال آخر يتصل بأجواء القتال والجهاد في سبيل الله ، ~~وهو الإنفاق في هذا السبيل ، فإن للجهاد تكاليفه ونفقاته المالية التي ~~يحتاجها المقاتلون في ما يأكلون وما يركبون وما يتسلحون به ضد العدو ، فلا ~~بد من الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس. ( @QUR@04 وأنفقوا في سبيل الله ) ~~أي : أنفقوا من أموالكم في الجهاد وطريق الدين ، وكل ما أمر به ms0544 من الخير ~~وأبواب البر ، فهو سبيل الله ، لأن السبيل هو الطريق ، فسبيل الله هو ~~الطريق إلى الله وإلى رحمته. وعقب ذلك بالنهي عن إلقاء الإنسان نفسه ~~بالتهلكة ( @QUR@05 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) أي : بأنفسكم. وجاء ~~التعبير باليد ، باعتبار أنها مظهر القوة للذات. فكأن الإنسان عند ما يلقي ~~بنفسه إلى التهلكة يسقط قوته التي تتمظهر في يديه. وهذا التوجيه يتناول ~~المجالات الفردية أو الجماعية التي يعرض فيها نفسه للخطر ، من دون أن يكون ~~هناك أي تكليف ملزم من الله بالتضحية والاستشهاد ، وذلك بأن يندفع الإنسان ~~في المواقف التي لا يضمن فيها السلامة بنحو معقول على المستوى الفردي ، أو ~~تندفع الجماعة في المواقف الصدامية مع الأعداء ، من دون إعداد سابق للخطة ~~الحكيمة التي تضمن تحقيق الأهداف الكبيرة ، فإن PageV04P086 # الانتحار الفردي أو الجماعي محرم عند الله ، في غير المواقف الشرعية التي ~~تفرض ذلك. # وقد ورد في بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يوحي بأن ~~الآية واردة في الانتحار المالي إذا صح التعبير وذلك بأن ينفق الإنسان ما ~~لديه من المال بحيث لا يبقى معه شيء. فقد جاء في كتاب الكافي عن الإمام ~~جعفر الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة ) قال : لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل الله ما كان ~~أحسن ولا وفق. أليس تعالى يقول : ( @QUR@010 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) يعني المقتصدين» (1). # والظاهر أن الحديث المشار إليه وارد في مورد التطبيق لا التعيين ؛ فإن ~~الآية مطلقة لكل عمل يؤدي إلى التهلكة ، سواء من ناحية الخطر على الحياة ، ~~أو من ناحية الخطر على حاجاتها الطبيعية التي قد تؤدي إلى الخطر على الحياة ~~في نهاية المطاف. # وهناك تفسيران آخران يربطان الإلقاء في التهلكة بالجانب السلبي في حركة ~~الإنسان ؛ الأول : أن يكون ترك الجهاد موجبا للتهلكة ، وذلك في ما روي في ~~الدر المنثور بطرق كثيرة عن أسلم أبي عمران ، قال : «كنا بالقسطنطينية ، ~~وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ms0545 ، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد ؛ فخرج صف عظيم ~~من الروم فصففنا لهم ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، ~~فصاح الناس وقالوا : سبحان الله ، يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا أيها الناس ، إنكم تتأولون ~~هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، إنا لما ~~أعز الله دينه وكثر ناصروه ، قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : PageV04P087 # إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ؛ فلو أقمنا ~~في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا ( ~~@QUR@09 وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فكانت ~~التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» (1). # ونحن نلاحظ أن الآية يمكن أن تنطبق على هذا المورد ، وهو ترك الجهاد ، ~~والاستسلام للدعة والاسترخاء ، والإقبال على إصلاح الأموال كهدف كبير ~~للحياة ... فإن المجتمع عند ما يعيش مثل هذا الجو السلبي أمام قضايا المصير ~~، فلا بد من أن يقع في التهلكة ، لأن العدو سوف يتغلب على المسلمين ويسيطر ~~على مقدراتهم الاقتصادية والأمنية ، ويحتل أرضهم ، ويهزم جمعهم ، ويحطم ~~قوتهم ، الأمر الذي يؤدي إلى هلاك الأمة سياسيا واقتصاديا وأمنيا. وهذا ما ~~لا يرضاه الله ، ولكن من المستبعد أن تكون الآية دالة على ذلك بخصوصه ، فإن ~~الظاهر منها الربط بين الإنفاق والإلقاء في التهلكة ، ومع الإغضاء عن ذلك ، ~~فإنها تكون مطلقة لكل الموارد الإيجابية والسلبية في الأشياء كلها. # أما التفسير الثاني ، فيرى أن «الإنفاق بشكل عام يؤدي إلى نجاة أفراد ~~المجتمع من الهلاك ، وبالعكس ، حينما يترك أفراد المجتمع الإنفاق وتتراكم ~~الثروة في أحد أقطاب المجتمع ، تنشأ أكثرية محرومة بائسة ، ولن يلبث هذا ~~المجتمع حتى يحدث انفجار عظيم فيه يحرق الأثرياء وثروتهم ، ويتضح من ذلك ~~ارتباط الإنفاق بإبعاد التهلكة» (2). # ونلاحظ على هذا الوجه ما لاحظناه على الوجه الأول ، مع ملاحظة بعده عن ~~السياق العام للآية ، وهو حالة الجهاد ، مما يبعد ms0546 معه إرادة الخصوصية PageV04P088 # السلبية ، ولكن علاقة ترك الإنفاق بالإلقاء في التهلكة يمكن أن يكون ~~مصداقا للخط العام الشامل لجميع موارده. # * * * ### ||| ** مع صاحب مجمع البيان في دلالة الآية # هذا وقد اعتبر صاحب المجمع ، بعد أن عرض لأكثر من وجه يضع الآية في دائرة ~~خصوصية معينة ، أن الأولى حمل الآية على جميع الوجوه ولا تنافي فيها. وفي ~~هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس وعلى جواز ~~ترك الأمر بالمعروف عند الخوف ، لأن في ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة. ~~وفيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو ~~على المسلمين ، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية ، ~~وفعله أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ، وفعله الحسن عليه السلام مع معاوية ~~من المصالحة لما تشتت أمره وخاف على نفسه وشيعته. # فإن عورضنا بأن الحسين عليه السلام قاتل وحده ، فالجواب أن فعله يحتمل ~~وجهين : # أحدهما : أنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # والآخر : أنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا ~~كما فعل بابن عمه مسلم ، فكان القتل مع عز النفس والجهاد أهون عليه (1). # ونلاحظ على هذا المنهج في معالجة المسألة في مفهوم الإلقاء في التهلكة ، ~~أن القضية في الصلح وعدمه ، سواء أكان ذلك في صلح رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في عام الحديبية ، أم في طريقة الإمام علي عليه السلام ~~في مواجهة الموقف PageV04P089 # بصفين ، أم في صلح الإمام الحسن عليه السلام ، فهذا التوجه لم يكن منطلقا ~~من هذا المبدأ الذي تقرره الآية ، بل من خلال مراعاة المصلحة الإسلامية ~~العليا التي تفرض ذلك ، كالاستعداد لفتح مكة من خلال التخطيط النبوي الذي ~~كان يفرض تبريد الجو. أما موقف الإمام علي عليه السلام من التحكيم ، فقد كان ~~منطلقا من النتائج السلبية في انقسام جيشه ووصول معاوية إلى غايته في السلم ~~بما لم يستطعه في الحرب انتظارا لفرصة أخرى لم تأت ms0547 من خلال الظروف الطارئة. ~~أما صلح الإمام الحسن عليه السلام ، فقد كان من أجل الإبقاء على المعارضة ~~للتخطيط للمستقبل الذي يكشف طبيعة الحكم الأموي من خلال حركة معاوية في ~~بيعته ليزيد وتجربة يزيد ومن بعده. # إننا نلاحظ أن المسألة لم تكن من باب الخوف على النفس أو على الجيش من ~~الهلاك ، بل كانت من أجل النتائج السلبية الطارئة للحرب على مستوى القضايا ~~الكبرى. # وإذا أردنا أن نتحرك مع المبدأ العام في انطلاقه في تشريع الصلح مع ~~الكفار ، فإن المسألة لا بد من أن تخضع لدراسة الجانب السياسي على مستوى ~~الحاضر والمستقبل بالإضافة إلى الجانب الأمني ، ولا يمكن الاقتصار على ~~الجانب الأمني ، لأن المسألة الجهادية تتحرك من أجل دفع المجاهدين إلى ~~التضحية بأنفسهم في سبيل الله. وربما كانت طبيعة الظروف العسكرية توحي بأن ~~السلامة غير محتملة للكثيرين من أفراد الجيش ، بحيث كان المطلوب منهم أن ~~يلقوا بأنفسهم إلى الموت ، لينالوا شرف الشهادة والقتل في سبيل الله. # أما قضية الإمام الحسين عليه السلام ، فقد انطلقت من موقع الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والإصلاح في أمة جده ، مما يجعل من حركته جهادا في سبيل ~~الله يتجاوز النصر فيه الجانب المادي إلى الجانب المعنوي ، ولينطلق في مدى ~~المستقبل في تأثيراته لعدم وجود أية فرصة للنصر في الحاضر. وهذا ما نستوحيه ~~من كلماته التي قال في بعضها على ما روي عنه : PageV04P090 # «إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب ~~الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن ~~المنكر» (1). # «ألا إن الداعي ابن الدعي قد ركز بين السلة والذلة ، وهيهات ما آخذ ~~الدنية ، أبى الله ذلك ورسوله ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حمية ~~ونفوس أبية ، لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام» (2). # فلم تكن المسألة لديه دائرة في نطاق احتمالات السلامة ، لأن الظروف كلها ~~لا توحي بأي احتمال لذلك أمام رفض الاستسلام لما يفرضونه عليه ، كما أنها ~~لم تكن اعتقادا بأنهم سيقتلونه على كل ms0548 حال ، حتى لو استسلم إليهم ، بل كانت ~~المسألة هي التحرك من موقع العناوين الإسلامية الكبرى التي تتحرك في خط ~~التضحية والشهادة في الواقع الذي يحيط به والذي قد يفرض الصدمة الروحية ~~الجهادية التي تهز أعماق المسلمين في الاتجاه الذي يضع الثورة في المستقبل. # إن هذا المبدأ الذي تقرره هذه الآية ينطلق في دائرة الحالات الفردية التي ~~يتحرك فيها الإنسان في حياته الخاصة لأهدافه الذاتية ، ولا يقترب من ~~العناوين الكبرى القائمة على أساس الخطر كالجهاد الذي لا ينفصل عن تعريض ~~النفس للتهلكة على المستوى الفردي ، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~القضايا العامة في الظروف المشابهة لحركة الإمام الحسين عليه السلام التي ~~تواجه السلطة الحاكمة من موقع الشخصية التي يعتقد الناس قيادتها الشرعية ، ~~كما هي كذلك على أساس طبيعة الأمور ، مما يجعل التكليف الشرعي يتحرك في ~~دائرة الخطر في نطاق الظروف الموضوعية. # ولذلك فلا بد من دراسة المسؤوليات الشرعية الكبرى في قضايا الحرية PageV04P091 # أمام المحتل ، والعدالة أمام الظالم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~أمام الأوضاع الاجتماعية والسياسية المنحرفة التي يتمثل فيها الخطر على ~~الواقع العام ، ودراسة الموازنة بين النتائج الإيجابية في مواجهة الأخطار ~~بما يؤدي إلى الخطر على الفرد أو المجموع من الناحية الذاتية والمالية وما ~~إلى ذلك ، وبين النتائج السلبية من جهة التضحيات بالنفس والمال والعرض ، ~~فذلك هو الذي يحدد للفرد أو المجتمع أو الأمة مجابهة الأخطار أو عدمها. # * * * ### ||| ** بين التهلكة وصراع الاستكبار # وقد أدى فقدان الدراسة المقارنة بين الإيجابيات والسلبيات إلى إيجاد حالة ~~من الضعف أو الانهيار النفسي أو الهزيمة العملية أمام القوى الظالمة أو ~~المحتلة في الداخل والخارج ، تحت تأثير عنوان الإلقاء للنفس في التهلكة ~~بالدرجة التي سقطت فيها عناوين الجهاد ، والحرية ، والأمر بالمعروف ، ~~والنهي عن المنكر ، حتى استطاع الكفر والاستكبار العالمي السيطرة على ~~البلاد الإسلامية كلها. # وهناك مسألة لا بد من الإشارة إليها في هذا السياق لكثرة الجدل حولها من ~~خلال تطبيق هذه الآية عليها ، وهي العمليات الاستشهادية التي قام بها بعض ~~المجاهدين في عصرنا الحاضر ms0549 في مواجهتهم للصهيونية وللاستكبار العالمي ، حيث ~~يقوم أحد المجاهدين بتفجير نفسه من خلال ربط جسده بحزام من المتفجرات أو ~~الانطلاق بسيارة مملوءة بالقنابل المتفجرة ، فيفجر نفسه بمركز من مراكز ~~العدو أو بمجموعة من جنوده ، فقد أخذ بعض الفقهاء أو المتفقهين يصدر ~~الفتاوى بحرمة هذا العمل ، لأنه انتحار وإلقاء للنفس بالتهلكة. PageV04P092 # ولكننا لا نرى فرقا بينه وبين اقتحام المجاهد ساحة الحرب الجهادية مع ~~علمه أو غلبة ظنه بالقتل ، إلا في أن القتل هناك بيد العدو ، وفي هذه ~~القضية بيده ؛ ولكن هذا الفرق ليس بفارق من حيث الحكم الشرعي ، ما دامت خطة ~~الجهاد تفرض ذلك من خلال حاجة المعركة للوصول إلى النتائج الإيجابية على ~~مستوى المرحلة في خط الاستراتيجية والهدف النهائي الكبير. وما ذا يقول ~~هؤلاء في حاجة الحرب إلى اقتحام المجاهدين للأرض المزروعة بالألغام التي ~~تتفجر بالأشخاص الذين يمرون عليها؟ فإنه قد يجوز لهم أو يجب عليهم القيام ~~بذلك إذا توقف النصر عليه. # وربما كانت مشكلة هؤلاء أنهم لا يؤمنون بالجهاد من حيث المبدأ في هذه ~~المرحلة من عمر الإسلام ، ويرون أن التكليف الشرعي يفرض عليهم القعود ~~والانتظار إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، ليبرروا لأنفسهم الابتعاد ~~عن ساحة المعركة ، وليثيروا النكير على المجاهدين في كل ساحات الصراع. # * * * ### ||| ** الإحسان ... شريعة أخلاقية # ( @QUR@05 وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) وهذه شريعة أخلاقية قرآنية ~~يؤكد عليها القرآن في أكثر من آية ، وهي شريعة الإحسان في كل الأعمال التي ~~يقوم بها الإنسان في علاقاته مع الآخرين في حالة السلم وفي حالة الحرب. وقد ~~جاء في آية أخرى : ( @QUR@016 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) [النحل : ~~90]. أما قيمة الإحسان فتتمثل في السلوك العملي الذي ينفتح فيه الإنسان على ~~الجانب الخير في الحياة ، وهو العطاء السمح الذي ينساب من روح الإنسان وشعوره PageV04P093 # الحي ، فيدفعه إلى أن يحترم مشاعر الآخرين وظروفهم ، فلا يثير معهم ~~القضايا الصعبة من موقع صعوبتها ؛ بل يحاول أن ينفتح معهم على جانب السهولة ~~في الحياة ، من ms0550 جهة ، في ما يأخذه من الحق الذي له ، وينطلق مع خط العفو ~~والتسامح من جهة أخرى. وبذلك يتحرك الإحسان كخط أخلاقي إسلامي من مواقع ~~الإرادة الطوعية الطبية في الإنسان ، فيخفف من شدة العدل وقسوته ، ليعيش ~~الإنسان بين العدل والإحسان في الأجواء التي تبعث الطراوة حتى في أشد ~~المواقف صعوبة وقساوة ، انسجاما مع التركيب الداخلي للإنسان في شخصيته ~~الباحثة أبدا عن العدل والرحمة في مواقع الحياة. # وكما هو الحال في الآية الأخرى ، عند ما أراد الله أن يرغب في التقوى بأن ~~الله مع المتقين ، كانت هذه الآية ترغيبا في الإحسان من موقع أن ذلك يحقق ~~للإنسان محبة الله ، فإن الله يحب المحسنين. # * * * PageV04P094 ### ||| * الآيات # ( @QUR@073 وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ~~أن الله شديد العقاب (196) @QUR@030 الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) @QUR@026 ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) @QUR@012 ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) @QUR@024 ~~فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) @QUR@06 ومنهم من ~~يقول ربنا آتنا في PageV04P095 # @QUR@08 الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) @QUR@08 ~~أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) @QUR@025 واذكروا الله ~~في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم ms0551 عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن ~~اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) (203) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أحصرتم ): الإحصار : المنع. يقال للرجل الذي قد منع منه الخوف ~~أو المرض عن التصرف قد أحصر فهو محصر. ويقال للرجل الذي حبس : قد حصر فهو محصور. # ( @QUR@01 الهدي ): في أصل الهدي قولان : أحدهما : إنه من الهدية. يقال ~~: أهديت الهدية إهداء ، وأهديت الهدي إلى بيت الله إهداء ، فعلى هذا إنما ~~يكون هديا لأجل التقرب به إلى الله ، والآخر : أنه من هداه إذا ساقه إلى ~~الرشاد. # فسمي هديا ، لأنه يساق إلى الحرم الذي هو موضع الرشاد. # ( @QUR@01 تحلقوا ): الحلق : إزالة شعر الرأس للتحلل. # ( @QUR@01 أذى ): الأذى : كل ما تأذيت به. وأصله الضرر بالشيء. # ( @QUR@01 نسك ): النسك : جمع نسيكة وهي الذبيحة ، والنسك : العبادة. ~~ومنه رجل ناسك ، أي : عابد. # ( @QUR@01 تمتع ): التمتع : أصله الالتذاذ والاستمتاع ، ومتعة الحج هي ~~أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحل ، ويتمتع بالإحلال بأن يفعل ما يفعله المحل ، ~~ثم يحرم PageV04P096 # بالحج من غير رجوع إلى الميقات ، فهو إحلال بين إحرامين. # ( @QUR@01 رفث ): الرفث : أصله في اللغة الإفحاش في النطق. وقيل : الرفث ~~بالفرج : الجماع ، وباللسان : المواعدة للجماع. # ( @QUR@01 فسوق ): الفسوق : الخروج على الطاعة. # ( @QUR@01 جدال ): الجدال في اللغة ، والمجادلة ، والمنازعة ، والمشاجرة ~~، والمخاصمة نظائر ، وقيل : إن المراد به هنا قول : لا والله وبلى والله. ~~وقيل : المراد اللجاج. # ( @QUR@01 الزاد ): الطعام الذي يتخذ للسفر. وكل من انتقل بخير من عمل ~~أو كسب فقد تزود. # ( @QUR@01 الألباب ): اللب : العقل سمي بذلك لأنه أفضل ما في الإنسان ، ~~وأفضل كل شيء لبه. # ( @QUR@01 جناح ): الجناح : الحرج في الدين ، وهو الميل عن الطريق ~~المستقيم. # ( @QUR@01 تبتغوا ): الابتغاء : الطلب. # ( @QUR@01 أفضتم ): الإفاضة : مأخوذة من فيض الإناء عن امتلائه ، فمعنى ~~أفضتم : دفعتم من عرفات إلى المزدلفة عن اجتماع وكثرة. ويقال : أفاض القوم ~~في الحديث : إذا اندفعوا فيه وأكثروا التصرف. # ( @QUR@01 عرفات ): اسم للبقعة المعروفة بحدودها ، ويوم عرفة يوم الوقوف ~~بها. وهي على بعد أربعة فراسخ من مكة. # ( @QUR@01 المشعر ): المزدلفة ، سميت مشعرا لأنه معلم للحج والصلاة ~~والمقام والمبيت به والدعاء عنده من أعمال الحج ، وهو على بعد فرسخين ms0552 PageV04P097 # ونصف تقريبا من مكة. # ( @QUR@01 واستغفروا ): الاستغفار : طلب المغفرة ، والمغفرة : التغطية ~~للذنب. وهو كناية عن العفو عنه وزواله. # ( @QUR@02 من خلاق ): الخلاق : النصيب من الخير. وأصله التقدير ، وهو ~~النصيب من الخير على وجه الاستحقاق. # ( @QUR@01 وقنا ): الوقاء : أصله الحجز بين الشيئين. والوقاء الحاجز ~~الذي يسلم به من الضرر. # ( @QUR@01 نصيب ): النصيب : الحظ ، وحده الجزء الذي يختص به البعض من ~~خير أو شر. # ( @QUR@01 كسبوا ): الكسب : الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر. # ( @QUR@01 سريع ): السريع من العمل : القصير المدة. # ( @QUR@01 معدودات ): تستعمل كثيرا في اللغة للشيء القليل ، وكل عدد قل ~~أو كثر فهو معدود ، ولكن معدودات أدل على القلة لأن كل قليل يجمع بالألف ~~والتاء. # ( @QUR@01 تحشرون ): الحشر : جمع القوم من كل ناحية إلى مكان. والمحشر : ~~المكان الذي يحشرون فيه. # * * * ### ||| ** جولة في أفاق الحج # في هذه الآيات يبدأ القرآن جولة في بعض أحكام الحج ، وهو فريضة فرضها ~~الله على عباده منذ رسالة إبراهيم عليه السلام ، وقد كان معروفا بين أهل PageV04P098 # الجاهلية ، وأقره الإسلام وزاد فيه بعض المناسك. والحج لغة هو القصد ، ~~ويقصد به هنا القصد إلى النسك المخصوص. أما العمرة فهي زيارة البيت الحرام ~~على نحو خاص. # ( @QUR@04 وأتموا الحج والعمرة لله ) لا بد للإنسان من إتمام الحج ~~والعمرة إذا بدأهما بالإحرام لهما ، وذلك بالإتيان بكل الواجبات التي تدخل ~~في نطاق تكوين الفرض في الحالات الاختيارية أو الاضطرارية. وإذا كانت الآية ~~تؤكد على أن يكون هذا الإتمام لله ، فمعنى ذلك أنهما من العبادات التي لا ~~بد من أن يقصد بها وجه الله ، فيشعر الإنسان معها بالحاجة إلى القرب من ~~الله من خلال ما يؤديه من الأعمال التي تتضمن في داخلها أقوالا أو أفعالا ~~أو أفكارا يتعبد فيها الإنسان إلى ربه ... # ولعل القيمة الكبرى للعبادات الإسلامية ، أنها لا تمثل مجرد حالة وجدانية ~~ذاتية غارقة في ضباب المحبة وغيبوبة الخشوع ، ليبقى الإنسان بعيدا عن حركة ~~الحياة عند ما يقف بين يدي الله ، بل هي تعبير عن الخط الإسلامي العملي في ~~علاقة العبد بربه ، حيث يلتقي الجانب الروحي بالحياة في ms0553 أوسع مجالاتها ~~وأرحب آفاقها ، ليتصور معها حياته التي تضج فيها الحركة ، فنجد في الصلاة ~~الكلمات التي تمثلها سورة الفاتحة بالإضافة إلى السورة الأخرى التي يختارها ~~المصلي تبعا لحاجته الروحية والفكرية ، فنلتقي بالتصور الإسلامي لله في ~~صفاته المتصلة بحركة الحياة في مخلوقاته من التربية والرعاية والرحمة ، ~~وبطبيعة العلاقة التي تشد الإنسان إلى الله ، وبالتوجه إليه في مجال الصراع ~~الذي تزدحم فيه التيارات الضالة والجاحدة في مقابل الخط المستقيم ... وهكذا ~~تتحرك الصلاة في كيان الإنسان ، فتتحرك الأفكار والتصورات الإسلامية في ~~وجدانه ليستقيم له من خلالها الوعي الروحي والفكري والعملي في كلمات وأفعال ~~يتحرك فيها المضمون في روح نابضة بالحياة. # فإذا التقينا بالحج ، فإننا نلتقي بالعبادة الزاخرة بأكثر من معنى ، فهي PageV04P099 # تلتقي بالصلاة في أجواء الطواف والسعي ، والوقوف بعرفات والمزدلفة ، ~~والمبيت بمنى ، حيث يعيش الإنسان أعمق حالات التأمل وأصفى مشاعره ، وأرفع ~~درجاته. أما الإحرام ، فإنه يمثل الالتقاء بالصوم حيث يفرض على الإنسان ~~الالتزام الطوعي الاختياري بكثير من الأشياء التي تتصل بشهواته وعاداته ~~وأخلاقه ، فتمثل مرحلة تدريبية صعبة يتعلم فيها الصبر والخشونة واحترام ~~مشاعر الآخرين ، واحترام كل شيء محترم حوله حتى الحيوان والنبات. إلى جانب ~~دقة الملاحظة عند ما يراقب كل حركة من حركاته حتى سقوط الشعر وحك البدن ~~والنظر في المرآة. أما رمي الجمار ، فإنه يمثل الرمز العملي للصراع مع ~~الشيطان ، في ما تمثله الجمرات من رمز. # وهكذا يتحرك الإنسان من عمل إلى عمل ليحقق لنفسه البناء الروحي والفكري ~~والعملي في أجواء العبادة التي يعيش في داخلها اللقاء بالله. وبذلك لا ~~تشارك العبادة في عزل الإنسان عن الحياة ، بل هي على العكس من ذلك تدفعه ~~دفعا إليها بكل قوة من موقع الروحية التي تعطي المادة معناها دون أن تفقدها ~~صفاتها المادية. # وقد لا يكتفي الإسلام في تحقيق معنى العبادة بما افترضه وشرعه من أشكالها ~~، بل يمتد بها حتى يجعل كل عمل محبوب لله عبادة إذا قام به الإنسان لوجه ~~الله. وقد كثرت الأحاديث التي ترى في طلب العلم ، وفي العمل في سبيل العيال ms0554 ~~، وفي العفاف وقضاء حاجة المؤمن ، وتفريج كربته ، عبادة يكسب الإنسان بها ~~رضى الله كأي عبادة من العبادات المعروفة. # وفي ضوء ذلك كله ، نجد في كلمة : ( @QUR@04 وأتموا الحج والعمرة لله ) ~~إيحاء بالإتمام من الناحية الروحية التي يعيش الإنسان فيها أجواء الحج ، ~~بالمستوى الذي يرتفع فيه إلى الآفاق العالية التي تمثلها هذه الفريضة ، ~~ويتحرك معها بأخلاقية إسلامية كاملة ، فلا يكتفي بالشكل ويبتعد عن المضمون ~~، لأنه يمثل في هذه الحالة الإتمام الشكلي إلى جانب النقص الواقعي المضموني ، PageV04P100 # مما يجعل العمل غير مقرب لله وغير مقبول عنده ، لأن الله لا يقبل من ~~الأعمال إلا ما أقبل الإنسان فيها بكل كيانه وروحيته. # * * * ### ||| ** الإحصار في الحج # ( @QUR@013 فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله ). # إذا حصل للحاج أو المعتمر مانع يمنعه من إتمام الحج ، فكيف يمكن أن يحل ~~من إحرامه الذي لا يحصل الإحلال منه إلا بالإتمام؟؟ إن الآية تفرض عليه ، ~~مع ملاحظة التفسير في السنة من خلال التحديد للمحل في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 حتى يبلغ الهدي محله )، أن يرسل هديا إلى مكة إن كان معتمرا ، ~~وإلى منى إن كان حاجا ، ليذبح هناك. فإذا بلغ محله ، أمكنه أن يحلق رأسه ~~ويتحلل من إحرامه. هذا إذا كان المانع هو المرض ، أما إذا كان المانع هو ~~العدو ، فإن بإمكانه أن يذبح الهدي في مكانه كما يروى أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك في الحديبية عند ما منعه المشركون عن العمرة. # ( @QUR@016 فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك ). # هذا استثناء من النهي عن حلق الرأس قبل بلوغ الهدي محله ، فإذا كان ~~الإنسان مريضا يتضرر فيه من إبقاء الشعر على الرأس ، أو كان في رأسه بعض ~~الحشرات التي تمثل أذى في رأسه ، فيجوز له أن يحلق على أن يقوم بالصيام ~~ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة. وهو ما عبر عنه بالنسك كما ~~جاء ذلك في السنة الشريفة. # وقد روي عن أبي ms0555 عبد الله عليه السلام أنه قال : مر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على كعب بن عجرة والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم ، ~~فقال له : أتؤذيك هوامك؟ PageV04P101 # فقال : نعم ، فأنزلت هذه الآية : ( @QUR@016 فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فأمره رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يحلق رأسه ، وجعل الصيام ثلاثة أيام ، والصدقة على ~~ستة مساكين مدين لكل مسكين ، والنسك شاة (1). # * * * ### ||| ** حج التمتع # ( @QUR@025 فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ). # في هذه الآية إشارة إلى حج التمتع ، الذي يجمع الحج والعمرة في فريضة ~~واحدة ، ولكنه يستمتع بعد الإحلال من العمرة بما كان محرما عليه إلى حين ~~الإحرام بالحج. وإنما سمي بالتمتع بالنظر إلى أن وحدة الفريضة في العملين ~~تجعل الإنسان كما لو كان قد مارس التمتع في أثناء الحج. ويقابله حج القران ~~والإفراد الذي لا تدخل العمرة فيه ، وقد أشارت الآية إلى خصوصية حج التمتع ~~بوجوب ذبح الهدي فيه ، بعيدا عن حالة الإحصار المشار إليها في الفقرة ~~السابقة ، لوجوبه في حالة الأمن كما يشير إليه قوله تعالى : ( @QUR@011 ~~فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) وهذا هو ~~الفارق بين هذا النوع من الحج وبين النوعين الآخرين لعدم وجوب الذبح فيهما ~~كجزء من الفريضة ، وإن كان القرآن يشتمل على سياق الهدي بإشعاره أو تقليده ~~كفصل من فصول الإحرام ، لا كواجب من واجبات الحج. وقد تعرضت الآية إلى حالة ~~العجز عن الهدي في حج التمتع ، ( @QUR@014 فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ). فأوجبت صيام عشرة أيام ، موزعة ~~بين وقت الحج ووقت الرجوع ، و ( @QUR@08 ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام ). PageV04P102 # هذا تحديد للمكلف الذي يجب عليه حج التمتع بالنائي عن مكة ، وقد كنى عنه ~~ب ( @QUR@07 لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ms0556 الحرام ) وقدر في السنة الشريفة ~~بمن كان بينه وبين المسجد الحرام أكثر من اثني عشر ميلا. ويقول صاحب ~~الميزان في استيحاء ذلك : «وفيه إيماء إلى حكمة التشريع وهو التخفيف ~~والتسهيل ، فإن المسافر من البلاد النائية للحج وهو عمل لا يخلو من الكد ~~ومقاساة التعب ووعثاء الطريق لا يخلو عن الحاجة إلى السكن والراحة. ~~والإنسان إنما يسكن ويستريح عند أهله ، وليس للنائي أهل عند المسجد الحرام ~~، فبدله الله سبحانه من التمتع بالعمرة إلى الحج والإهلال بالحج من المسجد ~~الحرام ، من غير أن يسير ثانيا إلى الميقات» (1). # ( @QUR@07 واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ) يذكر صاحب الميزان ~~في التعليق على هذه الفقرة من الآية أن «التشديد البالغ في هذا التذليل ، ~~مع أن صدر الكلام لم يشتمل على أزيد من تشريع حكم في الحج ينبئ عن أن ~~المخاطبين كان المترقب من حالهم إنكار الحكم أو التوقف في قبوله ، وكذلك ~~كان الأمر ، فإن الحج خاصة من بين الأحكام المشرعة في الدين كان موجودا ~~بينهم من عصر إبراهيم الخليل ، معروفا عندهم ، معمولا به فيهم ، قد أنسته ~~نفوسهم وألفته قلوبهم ، وقد أمضاه الإسلام على ما كان تقريبا إلى آخر عهد ~~النبي ، فلم يكن تغيير وضعه أمرا هينا سهل القبول عندهم ، ولذلك قابلوه ~~بالإنكار. وكان ذلك غير واقع في نفوس كثير منهم على ما يظهر من الروايات ، ~~ولذلك اضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يخطبهم ، فبين لهم أن الحكم ~~لله يحكم ما يشاء ، وأنه حكم عام لا يستثني فيه أحد من نبي أو أمة ، فهذا ~~هو الموجب للتشديد الذي في آخر الآية بالأمر بالتقوى والتحذير من عقاب الله ~~سبحانه» (2). PageV04P103 # أما تعليقنا على ذلك ، فهو أن الأمر بالتقوى ، انطلاقا من العلم بأنه ~~شديد العقاب ، أسلوب قرآني درج عليه القرآن في ما يريد الله أن يثيره أمام ~~الإنسان من قضايا الحياة والتشريع ، ليقف الإنسان فيه عند حدود الله من ~~موقع النفس التقية التي تراقب الله وتخاف عقابه. أما مناسبة ذلك ، هنا ، ~~فهو الحديث عن تفصيلات تشريع ms0557 الحج والعمرة من إتمامها ، والحديث عن الحكم ~~في حالة الإحصار وفي حالة الأمن ، وعن الحكم في حج التمتع في حالة التمكن ~~من الهدي والعجز عنه ، فإن ذلك كله مما يوحي بالحاجة إلى الانضباط ~~والالتزام والتقوى في حدود هذه الأمور ومواردها الشرعية ، ويكفي ذلك ~~مناسبة. # * * * # ( @QUR@08 فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) # ( @QUR@03 الحج أشهر معلومات ) الأشهر التي يجوز فيها الإحرام للحج ثلاثة ~~: شوال وذو القعدة وذو الحجة في العشر الأول منه ( @QUR@04 فمن فرض فيهن ~~الحج ) فإذا فرض الإنسان فيها على نفسه الحج بالإحرام ، فيجب عليه أن يلتزم ~~بمحرمات الإحرام التي تقف في مقدمتها هذه الثلاثة التي فسرت في السنة ~~الشريفة ، ( @QUR@02 فلا رفث ) الذي كني به عن الجماع ، ( @QUR@06 وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله ) الذي فسر بالكذب ، ( @QUR@02 ولا فسوق ) الذي ~~فسر بقول : لا والله وبلى والله ، وذلك لأهميتها في المجال التربوي في حياة ~~الإنسان. # ( @QUR@06 وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) وختمت هذه الآية بالتذكير بأن ~~الأعمال الخيرة التي يقوم بها الإنسان لا تغيب عن علم الله الذي لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة ، وذلك من أجل أن يشعر بالحاجة إلى الإخلاص في عمله عند ما ~~يحس بأنه موضع رقابة الله. ومن أجل أن يعينه ذلك على الاستمرار والزيادة ، PageV04P104 # لأنه بعين الله الذي يقدر لكل إنسان جهده وعمله ، لأن الله لا يضيع عمل ~~عامل من الناس من ذكر أو أنثى ، فيدفعه ذلك إلى تحمل الصعوبات والمشاق ~~الكثيرة في سبيل الله طمعا في ثواب الله ورضاه. # ( @QUR@05 وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) فهو الذي يبقى للإنسان من بعد ~~موته فيجده عند الله محضرا ، وقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@013 المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا ) [الكهف : 46] وهو الذي تلتقي فيه الدنيا والآخرة في التقاء العمل ~~الصالح بعواقبه الطيبة ، والمسؤولية بنتائجها الخيرة ، ثم أكد الموضوع ~~بكلمة تحمل الكثير من المعاني الحميمة التي تربط الخالق بالمخلوقين ، لأنها ~~تمثل دعوته الرحيمة في أن يعيشوا الجو الحميم بالحاجة إلى الإحساس بوجود ~~الله ms0558 وحضوره في وعيهم ، الذي يؤدي إلى الالتزام بخط التقوى عندهم. ( ~~@QUR@04 واتقون يا أولي الألباب ). وكان هذا النداء انطلاقة رائعة توحي ~~للإنسان بأن كل هذه القضايا هي من وحي العقل الذي لا يدعو إلا إلى ما فيه ~~الخير كل الخير في الدنيا والآخرة ، ليستنفر الإنسان عقله في كل وقت فلا ~~يغيب عنه في أي مجال حتى لا تنهار حياته في لحظات الجنون. # * * * ### ||| ** لا جناح في ابتغاء الفضل بعد إتمام الحج # ( @QUR@08 ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) ورد في بعض الأحاديث ~~المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن هذه الفقرة واردة لبيان الرخصة ~~للمؤمنين في ممارسة الأعمال التجارية بعد فراغهم من الحج ، لأنهم كانوا ~~يشعرون بالحرج في ذلك ، وربما كانوا يعانون من الشعور بعقدة الذنب في حال ~~ممارستهم لها. وهذا المعنى ظاهر من الآية من خلال التعبير بعبارة : PageV04P105 # ( @QUR@03 ليس عليكم جناح ) المشعرة بأن هناك إحساسا لديهم بوجود شيء من ~~هذا القبيل ، ولأن التعبير عن السعي في طلب الرزق ، بالابتغاء من فضل الله ~~، هو من التعابير القرآنية المألوفة كما ورد في قوله تعالى في سورة الجمعة ~~: ( @QUR@015 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) [الجمعة : 10]. وربما يكون في هذا ~~التعبير إشارة إلى أن طلب الرزق لا يتنافى مع الأجواء النفسية الروحية التي ~~يحصل عليها من العبادة ، لأنه طلب من فضل الله ، كما أن العبادة انطلاق في ~~آفاق الله. وقد أشرنا في ما تقدم إلى الأحاديث الواردة في اعتبار طلب ~~الحلال عبادة تقرب الإنسان إلى الله ، بل ورد في بعضها أن العبادة سبعون ~~جزءا أفضلها طلب الحلال. # وفي ضوء ذلك ، يمكننا فهم الواقعية الإسلامية في خط التشريع العبادي في ~~امتثال الحج الذي يختلف عن الصلاة والصوم ، بأنه عبادة متحركة في انطلاق ~~الناس من كل مكان في العالم إلى البيت الحرام الذي يؤدون فيه أو قريبا منه ~~مناسك حجهم في أعمال معينة ، وأوقات محدودة لا تتنافى مع القيام بنشاط آخر ~~يتصل بالجانب الاقتصادي الذي قد ms0559 تتاح فيه للناس هناك أكثر من فرصة لإقامة ~~علاقات تجارية مع بعضهم البعض ، بحيث توفر عليهم قطع المسافات البعيدة التي ~~قد يضطرون إلى الذهاب إليها في مجال آخر ، كما يمكنهم فيه ممارسة التجارة ~~الفعلية مستفيدين من هذا الموسم العالمي الذي يلتقي فيه الناس من سائر ~~أنحاء العالم ليشتروا ما يحتاجون إليه من الأغذية والألبسة والهدايا التي ~~يأخذونها معهم إلى أهلهم ... وهكذا نجد أن موسم الحج يساهم في إيجاد سوق ~~«إسلامية» منفتحة على النشاط التجاري الفعلي ، والعلاقات الاقتصادية بين ~~رجال الأعمال من مختلف الشعوب الإسلامية التي قد تتحول إلى علاقات سياسية ~~وأمنية وثقافية في تطورها العملي في نهاية المطاف ... # وقد جاء في رواية هشام بن الحكم عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ما PageV04P106 # يشير إلى ذلك ، فقد سأله هشام عن الصلة التي من أجلها كلف الله العباد ~~الحج والطواف بالبيت ، فقال عليه السلام «.. أمرهم بما يكون من أمر الطاعة ~~في الدين ، ومصلحتهم من أمر دنياهم ، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ~~ليتعارفوا ، ولينزع كل قوم من التجارات من بلد إلى بلد ، ولينتفع بذلك ~~المكاري والجمال ، ولتعرف آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعرف أخباره ~~، ويذكر ولا ينسى ، ولو كان كل قوم [إنما] يتكلمون على بلادهم وما فيها ~~هلكوا ، وخربت البلاد وسقطت الجلب والأرباح ، وعميت الأخبار» (1). # وهذا ما يؤكد خط التوازن الإسلامي في وعي مسألة الدنيا في حاجاتها ~~والآخرة في غاياتها. فليس هناك تناقض بينهما ، بل إن السير في خط التشريع ~~الإسلامي يضمن للإنسان الدنيا والآخرة ، فتكون الدنيا مزرعة للآخرة ، وتكون ~~الآخرة غاية تحقق للدنيا طهارتها وصفاءها وحركيتها في طريق الله. # * * * ### ||| ** في عرفات .. والمشعر الحرام # ( @QUR@04 فإذا أفضتم من عرفات ) من أعمال الحج أن يقف الناس في عرفات من ~~الزوال إلى الغروب وقفة خاشعة فيها الكثير من العبادة والتأمل والنفاذ إلى ~~أعماق الروح في لحظة صفاء ونقاء ... إنها وقفة الحياة أمام الله تستلهمه ~~وتستهديه وتفتح قلبها أمامه في آلامها وآمالها من أجل أن يلهمها الصواب في ~~ما تفكر ، ويهديها الصراط المستقيم ms0560 ويجعل لها من أمرها يسرا فيكشف عنها ~~آلامها ويحقق لها أحلامها ... PageV04P107 # وقد نستوحي كل ذلك من ملاحظة أن النسك هنا الوقوف في عرفات ، تماما كما ~~لو أن الإنسان يعيش في رحلة طويلة تجهده ، وتتعبه ، وتكلفه الكثير من ~~الخسائر ، وتواجهه بالكثير مما يقوم به من أعمال ومشاريع ... فيشعر بالحاجة ~~إلى وقفة يتخفف فيها من متاعبه ، ويراجع فيها حساباته ، ويعرف فيها ماذا ~~بقي له من الرحلة وما مضى منها ، ليبدأ من موقع التجدد الروحي الذي يملأ ~~كيانه في رحلة جديدة واعية لكل أوضاع الحاضر والمستقبل. # ويفيض الحاج من عرفات بعد أن يستكمل هذا الموقف الروحي في التأمل الخاشع ~~، والدعاء المنفتح على الله ، والصلاة السابحة في آفاقه ، لينتقل إلى فريضة ~~أخرى مماثلة ، ولكن في مكان آخر : ( @QUR@05 فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام ) الذي يجب فيه الوقوف من جديد من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس على ~~مذهب الإمامية وفي ما بين الطلوعين على رأي الآخرين وهي وقفة جديدة في وقت ~~جديد ، يعيش الإنسان فيها ذكر الله الذي هدانا إلى طريق الحق بعد أن كنا من ~~قبله من الضالين ( @QUR@09 واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ~~)، فنعرف بذلك نعمة الهدى ونتلمس فيه معنى النعمة في ما يوحيه للإنسان من ~~معاني الرضى والروح والطمأنينة ، ويبعده عن نوازع الشك والقلق والضياع ، ~~ويوجهه إلى الحياة الرحبة الطاهرة الخالية من كل دنس أو رجس أو التواء ، ~~والقريبة إلى الحب والخير والسلام. أو يؤدي به في نهاية المطاف إلى عفو ~~الله ورضوانه في جنة عرضها السماء والأرض أعدت للمتقين ، مما يضمن له خير ~~الدنيا والآخرة ، وينطلق ليتعرف في مقابل ذلك النتائج السلبية للضلال في ~~داخل النفس وخارجها ، في الحياة الفردية والاجتماعية في الدنيا وفي الاخرة ~~... وبذلك يحس بالشكر العميق لنعمة الهدى ، ويعيش الشعور بالامتنان لله ~~الذي وهبه هذه النعمة بأكثر مما يحس به إزاء النعم المادية التي وهبها له ~~في هذه الحياة. # ولعل في التذكير بحالة الضلال دعوة إلى أن يدخل الإنسان في عملية PageV04P108 # مقارنة بين حياته في داخل ms0561 أجواء الضلال وبين حياته في أجواء الهدى ، ~~ليعرف نعمة الهدى من مواقع حياته الطبيعية لا من مواقع الفكر والنظرية فحسب. # * * * ### ||| ** إلغاء النوازع الطبقية # ( @QUR@06 ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) يقال : إن قريش كانت لا تفيض من ~~حيث يفيض الناس ، لأنها تشعر بموقعها المميز الذي يختلف عن مواقع الناس من ~~حيث العلو والرفعة والكبرياء ، فكانت لا تقف بعرفات. وقد جاء في ما رواه ~~ابن جرير الطبري عن ابن عباس : «كانت العرب تقف بعرفة ، وكانت قريش تقف دون ~~ذلك بالمزدلفة ، فأنزل الله : ( @QUR@06 ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) ( 1). # لقد جاءت هذه الآية لتلغي من نفوسهم كل هذه النوازع الطبقية التي تدفعهم ~~إلى الاستعلاء على الآخرين ، لا سيما في مثل هذا الموقف الذي أراده الله من ~~أجل إلغاء كل الفوارق التي تميزهم عن بعضهم البعض ، ليشعروا بالصفة الواحدة ~~التي تجمعهم أمام الله ، وهي أنهم عباد الله الواحد الأحد ؛ فلا فضل لأحد ~~على أحد إلا بالتقوى ، فلا معنى بعد ذلك لأن يميز أحد نفسه عن أخيه في موقع ~~أو في ظرف انطلاقا من الشعور بالتفوق والكبرياء. # وهناك تفسير آخر للآية : وهو «أن المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى ~~يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر عن الجبائي قال : والآية تدل عليه ، ~~لأنه قال : ( @QUR@04 فإذا أفضتم من عرفات ) ثم قال : ( @QUR@02 ثم أفيضوا )، PageV04P109 # فوجب أن يكون إفاضة ثانية ، فدل ذلك على أن الإفاضتين واجبتان ، والناس ~~المراد به إبراهيم ، كما أنه في قوله : ( @QUR@04 الذين قال لهم الناس ) ~~[آل عمران : 173] نعيم بن مسعود الأشجعي» (1). # ولعل الوجه الأول أقرب وأظهر ، لأن إرادة شخص واحد من الناس خلاف الظاهر ~~، فلا يصار إليه إلا بدليل. ولا دليل هنا على ذلك ، كما لا دليل فيها على ~~أن هناك إفاضتين ، لأن كلمة الإفاضة من عرفات ذكرت لبيان التشريع. أما ~~الآية الثانية فربما وردت لبيان الطريق الذي يسلكه الحجاج في الإفاضة وهو ~~الطريق العام. # ( @QUR@02 واستغفروا الله ) ودعاهم بعد ذلك إلى أن يستغفروه من كل ما ~~يمكن أن يحدث في أنفسهم من المشاعر السلبية ms0562 البعيدة عن خط الإيمان وروحيته ~~ووعدهم بالمغفرة والرحمة ، ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) لأن الرحمة ~~والمغفرة من صفاته الذاتية التي امتن بها على عباده ليدخلهم في رحمته ~~ورضوانه. # * * * ### ||| ** الدعاء بين نموذجين من الناس # ( @QUR@010 فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ) ~~يقال : إن الناس كانوا إذا قضوا مناسك حجهم ، جلسوا يسمرون ، ويمتد بهم ~~الأمر إلى أن يثيروا أحاديث آبائهم ، فيتذكروا مواقفهم وأوضاعهم وأمجادهم ~~... وبذلك ينفصلون عن الجو الروحي الذي كانوا يعيشونه من PageV04P110 # خلال الحج ، ولكن الله يريد منهم أن لا يجعلوا الحج مجرد موسم أو مناسبة ~~يذكرون فيها اسم الله ، ثم تقف القضية عند هذا الحد فلا يبقى لله أي حضور ~~في نفوسهم أو ألسنتهم ، بل يكون دوره أن يفتح قلوبهم على الله في امتداد ~~روحي مستمر ، لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد ، حتى يصبح ذكر الله بعد الحج ~~ملحا بالمستوى الذي لا يدانيه ذكر أي إنسان آخر حتى في مستوى الآباء. # ونقف في هذا المجال على نموذجين من الناس ؛ أحدهما : الذي يصدق عليه قوله ~~تعالى : ( @QUR@014 فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في ~~الآخرة من خلاق ) النموذج الذي إذا ذكر الله وأراد أن يدعوه في موقفه هذا ، ~~لم يذكر إلا حياته الدنيا ، وشهواته فيها ، ومطامعه ، ومطامحه ... من دون ~~أن يفكر في الآخرة من قريب أو من بعيد. فهو يطلب من الله أن يؤتيه الدنيا ~~ويقف عندها جامد الإحساس ، جائع الأحلام ، ظامئ المشاعر ... ولا نصيب لهذا ~~في الآخرة لأنها ليست واردة في حسابه على كل حال ، ولذلك فإن الله لا يحسب ~~حسابه في ثوابه ورضوانه. # ثانيهما : هو مصداق قوله تعالى : ( @QUR@014 ومنهم من يقول ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) النموذج الذي يتمسك بالخط ~~الإسلامي المتوازن الذي يجمع بين الدنيا والآخرة ، فهو يعتبر الدنيا حقلا ~~من حقول العمل التي أراد الله للإنسان أن يعيش فيها حياة طيبة ، يمارس فيها ~~الطيبات ويقبل فيها على ما أحله الله له من شهوات وملذات ؛ ولهذا فهو ms0563 يطلب ~~من الله أن يؤتيه في الدنيا حسنة ، ثم يرى أن الآخرة هي نهاية المطاف ، فهي ~~دار المصير الذي يجد فيه كل إنسان دار خلوده في الجنة أو في النار ، ولذلك ~~فهو يطلب من الله أن يؤتيه فيها حسنة. ومثل هذا النموذج قريب إلى الله ، ( ~~@QUR@05 أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) ولذلك فإن له نصيبا مما كسبه من عمله ~~الصالح في الدنيا ، فيجد أمامه الجزاء الكبير في دنياه وآخرته. والله سريع ~~الحساب ، PageV04P111 # يعلم ما يستحقه عباده نتيجة أعمالهم ، فيعطي كلا منهم الجزاء العادل في ~~جانب الخير أو في جانب الشر. # * * * ### ||| ** الجانب التربوي في الدعاء # وفي هذا الجو الذي تثيره الآيتان ، نستوحي الجانب التربوي في الدعاء ، ~~حيث ينبغي أن يعيش الإنسان فيه كل قضاياه الملحة التي يعيشها في فكره ~~ووجدانه وحياته ، بحيث يكون الدعاء صورة حية لكل منطلقاته في الحياة ، ~~فيلتفت إلى شؤون الآخرة كما يلتفت إلى شؤون الدنيا ، ليطلع الله على قلبه ~~فيجد فيه صدق التوجه إلى الإسلام في أمور حياته من خلال وعيه لكل الجوانب ~~التي تحكم شؤون الحياة ؛ فيطلبها منه كما يطلب الإنسان الأشياء الضرورية ~~التي لا غنى له عنها. وفي ضوء ذلك يزداد إحساسه بالآخرة كما لو كانت حاجة ~~مهمة من حاجاته الذاتية ، بحيث يتفجر الشعور بها في دعاء خاشع متضرع بين ~~يدي الله. # وهذا ما نجده في الأدعية القرآنية ، وأدعية النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من أهل بيته عليهم السلام ، ولا سيما أدعية ~~الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية وفي غيرها ... فإنها ~~جامعة لمطالب الدنيا والآخرة في جو واحد ، كتدليل على وحدة الانطلاقة فيهما ~~معا. والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * PageV04P112 # ( @QUR@05 واذكروا الله في أيام معدودات ) # ( @QUR@05 واذكروا الله في أيام معدودات )، الظاهر أن الأيام المعدودات ~~هي أيام التشريق من ذي الحجة ، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر منه ~~، وهي التي فرض فيها المبيت في منى ، ( @QUR@07 فمن تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه )، بأن ينفر في اليوم الثاني عشر ، ( @QUR@05 ومن تأخر فلا ms0564 إثم عليه ~~)، كما لا مانع من البقاء إلى اليوم الثالث عشر. وليس في الآية ما يدل على ~~شرط البقاء أو شرط التخيير ، أما كلمة ( @QUR@02 لمن اتقى ) فقد ورد في ~~الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام في هذه الآية : قال : «يرجع مغفورا له ~~لا ذنب له» (1)، وفي حديث آخر عن الباقر عليه السلام : ( @QUR@02 لمن اتقى ~~) منهم الصيد ، واتقى الرفث والفسوق والجدال وما حرم الله عليه في إحرامه» ~~(2)، وبذلك يكون هذا التخصيص بمن اتقى بلحاظ حالة المغفرة المستفادة من ~~سياق الكلام. # ( @QUR@02 واتقوا الله ) وعادت الآية من جديد للدعوة إلى التقوى بقول ~~مطلق في جميع أعمال الإنسان في حال الحج وغيره ، والتأكيد على ذلك بالإعلام ~~بالحقيقة الإيمانية ، ( @QUR@04 واعلموا أنكم إليه تحشرون ). # فإن الخلق كلهم يحشرون إلى الله ، ليواجهوا جزاء أعمالهم من خير أو شر. ~~فإن استثارة هذه الحقيقة في وعي الإنسان يعتبر عاملا كبيرا في تنمية روح ~~التقوى في نفسه وحياته. # ولعل البقاء في منى هذه الأيام أو الليالي بعد انتهاء أعمال الحج يعتبر ~~انطلاقة روحية تأملية ، يعيش فيها الإنسان حضور الله في نفسه بما يثيره من ~~ذكر ، وبما يهجس فيه من فكر ، وبما يعيشه من تأملات ، وذلك في عملية مراجعة ~~لحسابات أعماله في الماضي والحاضر في طريق تنمية أعمال PageV04P113 # المستقبل ، وليحصل له من خلال ذلك النتائج الروحية والعملية من خلال ~~أفعال الحج عند ما يستحضرها في نفسه في عملية تقويم تفصيلية يدرك فيها ~~طبيعة هذه الأفعال في ما أخلص فيه ، وما أتمه منها وما قصر فيه ، ليرجع من ~~حجه واثقا بالنتائج الكبيرة على مستوى الإيمان في الدنيا والآخرة ، ونعم ~~أجر العاملين. # * * * PageV04P114 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام (204) @QUR@014 وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) @QUR@012 وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) @QUR@011 ومن الناس ~~من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد ) (207) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ألد ): شديد عنيد في ms0565 خصومته وجدله ، واللدد : شدة الخصومة. ~~يقال : رجل ألد وقوم لد ، والألد : الخصيم الشديد التأبي وجمعه لد. قال ~~الراغب : وأصل الألد الشديد اللدد ، أي: صفحة العنق ، وذلك إذا لم يمكن ~~صرفه عما يريده (1). PageV04P115 # ( @QUR@01 الخصام ): المخاصمة ، يقال : خاصمته وخصمته مخاصمة وخصاما. ~~قال الزمخشري : وإضافة الألد بمعنى في ، كقولهم : ثبت الغدر ، أو جعل ~~الخصام ألد على المبالغة ، وقيل : الخصام : جمع خصم كصعب وصعاب ، بمعنى : ~~وهو أشد الخصوم خصومة (1). وقال الراغب : أصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد ~~بخصم الآخر ، أي جانبه (2). # ( @QUR@01 الحرث ): إلقاء البذر في الأرض وتهيؤها للزرع ، ويطلق على نفس ~~الزرع قائما كان أو حصيدا ، ويطلق على النساء تشبيها : ( @QUR@016 نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ~~ملاقوه وبشر المؤمنين ) [البقرة : 223]. وأصل الحرث: الكسب والجمع. # ( @QUR@01 والنسل ): الأولاد ، قال الراغب : النسل : الولد لكونه ناسلا ~~عن أبيه (3)، وأصل النسل : الانفصال عن الشيء أو الخروج. # ( @QUR@01 العزة ): القوة التي يمتنع بها عن الذلة ، وقيل في معنى ( ~~@QUR@02 العزة بالإثم ) قولان : أحدهما : حملته العزة والحمية الجاهلية على ~~فعل الإثم ودعته إليها ، كما يقال : أخذته بكذا أي ألزمته. والثاني : أخذته ~~العزة من أجل الإثم الذي في قلبه. # ( @QUR@01 المهاد ): الوطاء من كل شيء. وكل شيء وطئته فقد مهدته. والأرض ~~مهاد لأجل توطئته للنوم والقيام. # ( @QUR@01 يشري ): يبيع ، أخذ الثمن ، ودفع المثمن ، قال الراغب : لفظ البيع PageV04P116 # والشراء يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر (1). # * * * ### ||| ** مع نموذجين من الناس في مواقف الحياة # في هذه الآيات صورة معبرة عن نموذجين من الناس ، لا يخلوا منهما زمان ولا ~~مكان أمام مواقف الحق والعدل والإيمان ، فهناك النموذج المنافق الذي يحاول ~~أن يستغل طيبة الناس وبساطتهم وصدقهم حيث يوحي إليهم بأن الذي يعايشونه طيب ~~وصادق ونظيف ، فيستسلمون لكلماته الحلوة ، وأساليبه الناعمة ، ومواثيقه ~~المؤكدة التي يحاول من خلالها أن يوحي للناس بأنه يحمل في قلبه كل النوايا ~~الخالصة والأفكار الخيرة التي تبني للناس حياتهم وتوجهها إلى الطريق الحق ~~والسعادة الكبيرة : ( @QUR@08 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) ~~في دلالته على إخلاصه وأمانته وتخطيطه ms0566 للعمل الصالح الذي يتصل بحياة الناس ~~في قضاياهم العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية ، ( @QUR@06 ~~ويشهد الله على ما في قلبه ) بالأيمان المغلظة والتأكيدات الحاسمة ، ليخضع ~~الناس له من باب قداسة الشهادة وعظمة الميثاق. # ويكمل القرآن الصورة من جانبها الآخر عند ما ينفذ بنا إلى حياته الداخلية ~~: ( @QUR@03 وهو ألد الخصام ) أي : شديد الجدال والعداوة للمسلمين وللحق. ~~ذلك هو واقعه في منطلقاته الفكرية والروحية الذي لن يتعرف الناس عليه إلا ~~من خلال التجربة المرة التي تظهر كل ما يحمله من المعاني السيئة الشريرة ~~التي تختبئ خلف قناع الوجه الذي يمثل الصدق والوداعة ، أو الكلمة التي تمثل PageV04P117 # الحق والبراءة ، ليتوصل من خلال ذلك إلى ما يريده من جاه ومال وشهوة ، ~~حتى إذا استقام له الأمر ، وانفصل عن جو التمثيل ، انطلق بعيدا عن كل ما ~~كان يقوله ويؤكده ويظهر به ، ليتحرك في الأجواء الحاقدة الطاغية الباغية ~~التي يهلك فيها الحرث والنسل. # ( @QUR@02 وإذا تولى ) ووصل إلى الموقع القيادي الذي يطمح إليه من أجل ~~الحصول على النتائج المعنوية والمادية لحساباته الخاصة ، واكتسب ثقة الناس ~~به وتأييدهم له ، فأصبح رمزا دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا يشار إليه ~~بالبنان ، ويجري الناس من خلفه تابعين له ، ( @QUR@08 سعى في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل ) بما يثيره في المجتمع من المشاكل والمنازعات ~~والوسائل المدمرة التي تحطم كل ما في الحياة من ثروة ، ومن بشر ... وينطلق ~~في المجالات التي تفسد واقع الناس الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي ~~، ويمتد في طغيانه بعيدا عن رضا الله ومحبته. # وقد اختلف المفسرون في كلمة ( @QUR@02 وإذا تولى ) فقال بعضهم : إنها ~~الإعراض والإدبار في مقابل إقباله على الناس بكلامه المعسول ، وقال بعضهم : ~~إنها الولاية ، أي : إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في ~~الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، كما يقول صاحب الكشاف (1). ولعله الأقرب ، ~~لأن تلك الصفات توحي بالسلطة الكبيرة التي تمكنه من ذلك ، وتبرر له ~~الاستعلاء على الوعظ والنقد والأمر بالتقوى ... والله العالم بأسرار آياته. # ( @QUR@04 والله لا يحب الفساد ) فإنه سبحانه يريد للحياة أن تعيش في ms0567 ~~أجواء الخير والصلاح التي تنمي خيراتها ، وتطور مجتمعاتها ، وترتفع فيها ~~بالإنسان إلى الدرجات العلى في عقله وروحه وحركته. ولذلك أرسل رسله ~~بالرسالات PageV04P118 # المتنوعة التي تخطط للحياة الإنسانية ، لتسير في الاتجاه الصحيح الذي ~~ينسجم مع عناصر الحياة المودعة في شخصية الإنسان ، وفي حركة السنن الكونية ~~في الحياة. وربما كان هذا ما استوحى منه الإمام الصادق عليه السلام في ما ~~روي عنه أن المراد بالحرث هنا الدين ، وبالنسل الإنسان ؛ باعتبار أن الله ~~زرع الدين في نظام الإنسان في الحياة ، تماما كما هو الزرع في نظام الأرض ؛ ~~الأمر الذي جعل من هذا النموذج الذي يتولى المسؤوليات العامة في المجتمع ، ~~مشكلة للناس في منع انطلاقة الدين في خط الاستقامة الذي يؤدي إلى الصلاح ، ~~وذلك هو هلاك الحرث الاجتماعي في نظام الحياة ، على سبيل الاستيحاء لا على ~~سبيل المعنى. والله العالم. # وقد تكون كلمة ( @QUR@03 ويهلك الحرث والنسل ) واردة على نحو الكناية ، ~~لأن الطغاة المنافقين الذين يتولون أمور الأمة يعملون على إبادة حضارتها ~~الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية ، بحيث لا تبقى هناك ~~أية قوة لأي وجود ، ولا أية ثروة لأية جماعة ؛ فكأنه يهلك الحرث والنسل ، ~~لأنه يهلك الواقع السليم كله. وهذه عبارة تتكرر في الأساليب الأدبية في ~~مقام التعبير عن الإنسان الذي يخرب الواقع كله. # ( @QUR@05 وإذا قيل له اتق الله ) ووقف أمامه الناصحون والناقدون لينصحوه ~~، ويبينوا له خطأ السبيل التي يسير فيها ، وليعظوه ، ويوجهوه إلى خط التقوى ~~الذي يدفعه إلى مراقبة الله في كل شؤون الحكم والحياة ( @QUR@03 أخذته ~~العزة بالإثم )، فتمسك به والتزمه اعتزازا به ، فلم يستمع للنصائح ، ولم ~~يأخذ بالمواعظ ؛ بل امتد في طغيانه واستعلى واستكبر في عملية إيحاء كاذب ~~بأنه فوق مستوى النقد والشبهات ، فهو الذي يعطي للآخرين برنامج العمل ويحدد ~~لهم مسيرة الحياة ، فلا يجوز لأحد أن يحدد له برنامجه ومسيرة حكمه. # وتختم الآية الصورة بالمصير الذي ينتظر مثل هذا الإنسان ( @QUR@01 فحسبه PageV04P119 # @QUR@01 جهنم ) يعذب فيها أشد العذاب ، ( @QUR@02 ولبئس المهاد ) الذي ~~مهده لنفسه بعمله وجريمته. # تلك هي صورة هذا النموذج الذي يتمثل بشخصية المنافق ms0568 الذي يتحرك في حقول ~~الدين والسياسة والاجتماع في كل زمان ومكان ، هذا الذي يبيع نفسه للشيطان ~~في كل ما يمثله من التواء وانحراف وإغراء وإغواء ، من أجل أن يؤدي بنا إلى ~~الانهيار والدمار من حيث لا نشعر ولا نريد. # وهناك صورة أخرى لنموذج جديد مشرق في داخل الحياة وخارجها ، تتمثل ~~بالإنسان الذي شرى نفسه لله من أجل الحصول على رضاه (1). # ( @QUR@08 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) الأمر الذي يجعله ~~يشعر أنه لا يملك نفسه ولا يرى لها حرية مطلقة بعيدا عن إرادة الله وطاعته. # ولذلك فهو يعيش الإحساس العميق بأن عليه أن يبذل كل طاقاته الفكرية ~~والروحية والجسدية في سبيل الله ، فلا مجال للترف الفكري في الأجواء التي ~~تتحرك فيها التحديات الفكرية ضد الفكر الحق ، ولا موقع للخيال أمام حاجة ~~الواقع إلى التعامل مع الظروف الموضوعية المطروحة في الساحة ، ولا وقت ~~للفراغ في المجالات التي يشعر فيها الإنسان والحياة. وهكذا تنطلق حياته ~~لتتحرك من موقع الحق المتحرك في أكثر من اتجاه ضد خطوات الباطل التي تطلق ~~التحدي في أكثر من مجال. # إنه نموذج الرساليين الذين يعيشون رسالتهم في كل مظهر لحركة الحياة من ~~حولهم ، ويعيشون حياتهم من أجل رسالتهم في الخط المستقيم ؛ فلا ينحرفون ~~أمام كل محاولات الإغراء ولا يستسلمون لكل عوامل الضغط ؛ بل PageV04P120 # يظلون في الموقع الصلب ، في ساحات التحدي الصعب ليشهدوا الله على أنهم ~~صدقوا العهد وأكدوا الميثاق بجهادهم وتضحياتهم في سبيله ، ولم تأخذهم فيه ~~لومة لائم. # ( @QUR@03 والله رؤف بالعباد ) فهو الذي يتقبل منهم هذه النفوس المجاهدة ~~التي تستقبل الموت بكل رضى واطمئنان ، انطلاقا من خط الواجب الذي تلتقي فيه ~~الرسالة بالشهادة والشهادة بالنصر ، ويجزل لها الثواب في مستقر رحمته ~~ورضوانه ، وهو الذي يجازيهم الثواب الكثير بالعمل القليل. # وقد يمكن لنا استيحاء الصورة في مجالها المتجسد في صورة الإمام علي بن ~~أبي طالب عليه السلام في ما يذكره الرازي في تفسيره في ما نقله عنه صاحب ~~تفسير الكاشف قال : جاء في سبب نزولها ثلاث روايات ، منها ms0569 أنها «نزلت في ~~علي بن أبي طالب عليه السلام بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليلة خروجه الى الغار ، ويروى أنه لما نام على فراشه ، قام جبريل ~~عليه السلام عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ من مثلك ~~يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة» (1). # وقد جاء في التفاسير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة إلى ~~المدينة ، خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه وأداء الودائع التي كانت ~~عنده ، وأمره ليلة خروجه إلى الغار ، وقد أحاط به المشركون بالدار ، أن ~~ينام على فراشه ، وقال له : اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ونم على فراشي ، ~~فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إن شاء الله تعالى. ففعل ذلك علي ، ويروي ~~الثعلبي في تفسيره كما ينقلها البحراني هذه الرواية ثم يقول «فأوحى الله ~~تعالى إلى جبرائيل وميكائيل : إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من ~~عمر صاحبه ، PageV04P121 # فأيكما يؤثر أخاه؟ فكلاكما آثر نفسه على صاحبه : ألا كنتما مثل وليي علي ~~بن أبي طالب عليه السلام ؛ آخيت بينه وبين محمد نبيي ، فآثره بالحياة على ~~نفسه ، ثم رقد على فراشه ، يقيه بمهجته. اهبطا إلى الأرض جميعا واحفظاه من عدوه. # فهبط جبرائيل فجلس عند رأسه وميكائيل عند رجليه ، وجعل جبرائيل يقول : بخ ~~بخ ، من مثلك يا بن أبي طالب؟ والله يباهي بك الملائكة ، فأنزل الله ( ~~@QUR@05 ومن الناس من يشري نفسه ) الآية (1). # ولم تركز الآية على شخصية علي عليه السلام ، بل أطلقت التعبير ( @QUR@02 ~~ومن الناس ) لأن القضية هي أن الله يريد للنموذج الفكرة أن ينطلق ليكون ~~عاما في حياة الناس ، وذلك من خلال النموذج الأمثل في مقابل النموذج السيئ ~~الذي لا يفكر إلا بذاته وشخصه. # إننا نجد في حياة الإمام علي عليه السلام حركة الصورة في الحياة في ما ~~يمثله هذا الإمام العظيم من طاقات رائعة في الفكر والتقوى والشجاعة ~~والإبداع ، حيث فجرها بأجمعها في خدمة الإسلام والمسلمين ، بعيدا عن كل ~~مصلحة ذاتية ، حتى قال : «ما ترك ms0570 الحق لي صديقا» .. ولم يبدد أي واحدة منها ~~في الترف أو الفراغ أو خدمة الذات ... # * * * PageV04P122 ### ||| ** ماذا نستوحي من هذين النموذجين؟ # أما ما نستوحيه من هذه الآيات فهو عدة أمور : # 1 أن نتعلم كيف نمنح الآخرين الثقة والتأييد والدعم ، من خلال المواقف لا ~~من خلال الكلمات والمظاهر ، لأن الكلمات قد تخدع ، والمظاهر قد تغش ، ولكن ~~المواقف التي تتحرك من خلال التجربة المريرة الصعبة لا تنطلق إلا من قاعدة ~~الحق والإخلاص. ويبقى للآيات إيحاؤها العميق الذي يريد أن يعطي الفكرة من ~~خلال عرض الصورتين المتقابلتين ، ليشعر الإنسان بأن للحياة أكثر من وجه وأن ~~ظاهر الصورة قد لا يعبر عن واقعها في كثير من الحالات. # 2 أن نلاحق هذين النموذجين في حركة الواقع ، من أجل أن نتابع الأول ~~بالرفض والمواجهة من أجل إزاحته من واجهة الصورة في الحياة ، لتخليص الناس ~~من فساده وبغيه وطغيانه واستكباره ، أما النموذج الثاني فنحاول متابعته ~~بالتأييد والدعم والرعاية من أجل تقويته وتثبيته وتشجيع الإنسان على أن ~~يحتذيه ويقتدي به في كل مواقفه ومنطلقاته ، لإفساح المجال أمام القيم التي ~~يحملها والمواقف التي يمثلها أن تتحرك على الساحة بالخير والإصلاح والمحبة ~~والإنسانية الودية الذكية. # 3 أن نتمثل في وعينا المبادئ السلبية من الإفساد في الأرض ، وإهلاك الحرث ~~والنسل ، لنجعل منها أساسا للتعامل السلبي مع كل البرامج السياسية ~~والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية ، لنجابهها في ما نملكه من مواقع ~~المجابهة كما نتمثل المبادئ الإيجابية التي تتلخص في أن يبيع الإنسان نفسه ~~لله ابتغاء مرضاته ، لنؤكد الخط الإيجابي في الحياة السائر على هذا النهج ~~في عملية تقوية وتأييد وتنمية ، مهما كانت الصعوبات التي تتحدانا ، ~~والمشاكل PageV04P123 # التي تحتوينا ، فإن ذلك هو الذي يحقق لنا معنى الالتقاء برضى الله في ما ~~يحبه ، والابتعاد عن سخطه في ما يكرهه ؛ حتى نفهم من معنى الحب وعدم الحب ، ~~الجانب العملي الإيجابي والسلبي من خط العمل ، لا الجانب الوجداني الداخلي ~~الذي لا يلتقي إلا بالعاطفة الذاتية الواقعة في خط الانفعال. # * * * PageV04P124 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا ms0571 تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) @QUR@012 فإن زللتم من بعد ما جاءتكم ~~البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) @QUR@017 هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) ~~@QUR@020 سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ~~ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) @QUR@020 زين للذين كفروا الحياة ~~الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق ~~من يشاء بغير حساب ) (212) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كافة ): جميعا ، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشيء في آخره. ~~ومن ذلك : كفة القميص لحاشيته ، لأنها تمنعه من أن ينتشر ، وكل شيء جمعته ~~فقد كففته. PageV04P125 # ( @QUR@01 زللتم ): تنحيتم عن القصد وعدلتم عن الطريق القويم. والزلة في ~~الأصل : استرسال الرجل من غير قصد ، وقيل للذنب من غير قصد : زلة ، تشبيها ~~بزلة الرجل. # ( @QUR@01 ينظرون ): النظر هنا بمعنى الانتظار. وأصل النظر : الطلب ~~لإدراك الشيء. وإذا استعمل بمعنى الانتظار ، فلأن المنتظر يطلب إدراك ما ~~يتوقع. وإذا كان بالعين فلأن الناظر يطلب الرؤية. # ( @QUR@01 ظلل ): جمع ظلة ، وهي ما يستظل به من الشمس ، وسمي السحاب ظلة ~~لأنه يستظل به. # ( @QUR@01 الغمام ): السحاب الأبيض الرقيق ، سمي بذلك لأنه يغم أي يستر. # * * * ### ||| ** الدخول في السلم : المعاني والإيحاءات # في هذه الآيات دعوة للمؤمنين بأن يدخلوا في الجو الإيماني الذي يحفظ لهم ~~في الحياة الوحدة التي لا خلاف فيها ، فلا نزاع ولا خصام على أساس من ~~تعاليم الإسلام وتوجيهاته ومفاهيمه وأحكامه. ولكن كيف نستفيد ذلك منها؟! ~~هذا ما نحاول أن نعرضه ونستوحيه بتفصيل. # ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ) فإن الإيمان يفرض على ~~صاحبه الالتزام بالخط الإلهي الذي رسمه الله في دينه ، في مناهجه وشرائعه. # وقد انطلقت الكلمات المفسرة في تحديد معنى كلمة ( @QUR@01 السلم ) بين ~~ثلاثة اتجاهات ، فقد فسرها الكثيرون بالإسلام ، وفسرها البعض بالصلح أو ترك ~~المنازعة والخلاف ، وفسرها آخرون بالطاعة التي تختزن معنى الاستسلام ، ~~ويقصد بها استسلام الإنسان لربه بطاعته له وانقياده لأوامره ونواهيه ، بحيث PageV04P126 # يبتعد عن الاستغراق في ذاته ، باستغراقه بالخضوع ms0572 لربه. وهذا ما يؤدي إلى ~~السلام مع نفسه ومع ربه ومع الناس ومع الطبيعة والحياة كلها. # وبذلك اختلف مفهومهم لكلمة : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا )، لأن ~~التفسير الأول لكلمة السلم يخلق مشكلة بيانية ؛ فإذا كانوا مؤمنين ، فكيف ~~يطلب منهم أن يدخلوا في الإسلام؟! فحاول بعضهم أن يفسر ( @QUR@02 الذين ~~آمنوا )، بمن آمن قولا لا عقيدة وهم المنافقون ، وبذلك تكون الدعوة في ~~الآية إلى الالتزام العملي بالإسلام والإيمان به. # وذكر الطبرسي في تفسيره أن المراد به : دوموا في ما دخلتم فيه كقوله : ( ~~@QUR@08 يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب ) ( 1) [النساء : 136]. # وحاول البعض أن يفسره بأهل الكتاب ، فتكون دعوة إلى دخولهم في الإسلام. ~~ولكننا لا نجد في جو الآية ما يوحي بأي من المعنيين ، بل ربما نلاحظ في ~~استعراضنا للآيات التي استعملت فيها كلمة السلم أن الأقرب إلى الجو هو ~~المعنى الثاني. كما نلاحظ على التفسيرين لكلمة ( @QUR@02 الذين آمنوا )، ~~أن الظاهر من الآية الكريمة : ( @QUR@014 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) [الحجرات : 14] هو إرادة ~~الإيمان الذي يطابق فيه القول الفعل ، فكيف نحمل الكلمة على خلاف ذلك؟ أما ~~حملها على أهل الكتاب ، فيتنافى مع المصطلح القرآني الذي جعل كلمة ( ~~@QUR@02 الذين آمنوا ) مقابلة لأهل الكتاب والمشركين ، كما توحي به الآية ~~الكريمة : ( @QUR@07 إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ) ~~[الحج : 17] وفي ضوء ذلك ، لا نجد هناك وجها يبرر إرادة معنى الإسلام من ~~كلمة ( @QUR@01 السلم )، مما يعني عودة المشكلة البيانية من جديد ، كما أن ~~حمل كلمة الدخول على الدوام في ما دخلتم فيه خلاف الظاهر من دون قرينة. PageV04P127 # وفي هذا الجو ، يمكننا أن نؤكد ثانيا إرادة المعنى الثاني ، لأن ذلك ما ~~نفهمه من كلمة ( @QUR@01 السلم ) التي تعني الوفاق الاجتماعي الذي يبتعد عن ~~جو الصراع والخلاف والقتال ، فكأن الآية تدعو إلى الدخول في أجواء السلم ~~التي تلتقي بالوقوف على الخط الواحد الذي تجتمع عليه الأمة بعيدا عما ~~يفرقها ويوزعها أشتاتا متنازعة مختلفة ، تماما كما هو جو الآية الكريمة : ( ~~@QUR@06 واعتصموا بحبل الله ms0573 جميعا ولا تفرقوا ) [آل عمران : 103]. # ثم نلاحظ التركيز في أكثر من آية من آيات القرآن على التحدث عن الأمم ~~السابقة التي جاءها العلم ، ولكنها اختلفت في ما بينها فضلت وأضلت ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ~~) [الأنعام : 159] وقوله تعالى : ( @QUR@014 ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) [آل عمران : 105] ~~وغيرهما من الآيات التي توحي بالخط القرآني الذي يؤكد على عدم الخلاف بين ~~أبناء الأمة الواحدة في قضايا دينها وحياتها ، ويعمل على أن يجعل من بني ~~إسرائيل النموذج الحي الذي دمرته الفرقة الخاضعة لأهواء التيارات الذاتية ~~والفئوية المدمرة ؛ وذلك من أجل الحفاظ على سلامة المجتمع الذي يبني له ~~السلم حياته في سائر جوانبها العامة والخاصة ، وهذا ما يدفعنا إلى استيحاء ~~هذا المعنى من الكلمة في نطاق الجو القرآني العام. فإذا أضفنا إلى ذلك ~~انسجامه مع استعمال كلمة السلم في الآيات القرآنية في هذا المعنى ، أمكننا ~~أن نقترب من الاطمئنان للفكرة ، وذلك كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 وإن ~~جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ) [الأنفال : 61] وقوله تعالى : ( ~~@QUR@012 فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم ) [محمد : 35]. ومن خلال ذلك نستوحي انطلاق الآية في هذا الاتجاه ~~الذي هو الشرط الأساسي لسلامة استمرار الخط الإسلامي في الحياة. فعلى ~~المؤمنين أن يعيشوا في أجواء السلم في علاقاتهم ببعضهم البعض ، في المجالات ~~الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ، فلا يفسحوا المجال للخصومة PageV04P128 # والنزاع أن يحكما حياتهم ، لا سيما الخلافات المذهبية في داخل الدين ~~الواحد ، فإنها تفرق الناس ، وتجعل من كل فئة من الفئات قوة تخاصم الفئة ~~الأخرى ؛ فيؤدي ذلك إلى ضعف الدين ، لأن كل طاقة دينية تضرب طاقة دينية ~~أخرى ، تساهم في النتيجة في إهدار الطاقات الدينية لمصلحة القضايا الشخصية. # ولعل من الطبيعي أن يكون الاتجاه إلى السلم مرتبطا بالانسجام مع المفاهيم ~~الإسلامية التي تحكم حياة الناس ، وذلك من خلال الأساس الفكري الذي يجمعها ~~ويوحد خطأها ويشعرها بأنها تلتقي عنده. وفي ms0574 هذا النطاق يمكننا أن نستوحي من ~~الدخول في السلم الالتقاء على خط الإسلام الواحد ، لا كمفهوم من الكلمة ، ~~بل كنتيجة للمفهوم المرتكز على الوفاق ؛ فإن السلم الذي يقوم على المجاملة ~~والعاطفة ، وينطلق من إخفاء العقد الذاتية ، ومن الهروب بعيدا عن المشكلة ، ~~لا يمكن أن يثبت أمام التجربة ، ويصمد أمام الرياح والعواصف. # وهكذا يفهم الإسلام قصة السلم في الواقع ، وذلك في نطاق الوحدة الفكرية ~~والشعورية التي تتحرك نحو الوحدة العملية الواقعية. وربما كان ابتداء الآية ~~بقوله تعالى : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا )، إيحاء بذلك ، لأن الإيمان ~~يوحي للمؤمنين بوحدة المنطلق والطريق والهدف ؛ الأمر الذي يربط الوحدة ~~بالجذور العميقة للانتماء ، ويبعدها عن الارتماء في أحضان الكلمات السطحية ~~الغارقة بالضباب ، فيفجر كل الأشياء في الداخل ، لتتحول إلى الهواء الطلق ~~والنور الباهر. # والمراد بكلمة ( @QUR@01 كافة ) جميعا ، بمعنى أن لا يبتعد أي واحد منهم ~~عن الدخول في هذا العنوان الكبير. وهناك احتمال بأن المقصود به ادخلوا في ~~السلم كله ، أي في جميع شرائع الإسلام ، ولا تتركوا بعضه. ويؤيد هذا القول ~~ما روي أن قوما من اليهود أسلموا وسألوا النبي أن يبقي عليهم تحريم السبت PageV04P129 # وتحريم لحم الإبل ، فأمرهم أن يلتزموا جميع أحكام الإسلام كما جاء في ~~مجمع البيان (1). ولكن هذا خلاف الظاهر ، كما ذكرناه من استبعاد إرادة ~~الإسلام من كلمة ( @QUR@01 السلم ) أولا ، وثانيا لأن كلمة ( @QUR@01 كافة ~~) لا تستعمل ، غالبا ، إلا في موقع الكلمة الدالة على الجمع لفظا ومعنى ، ~~مع أن كلمة ( @QUR@01 السلم ) ظاهرة في المفرد ، وتقدير كلمة الأحكام خلاف ~~الظاهر. # * * * ### ||| ** خطوات الشيطان تصادر خطوات السلام # ( @QUR@04 ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) فإنه يبعد المؤمن عن خط إيمانه ~~بالاستغراق في أجواء اللهو والغفلة ، فيتجمد إيمانه في داخل ذاته بعيدا عن ~~حركة الحياة من حوله ، ليجعل كل الخطوات متحركة في طريقه السائر نحو الضلال ~~والكفر والانحراف ... وذلك بما يثيره في النفس من وساوس الشر ، ونوازع الشك ~~، وعوامل الانحراف ؛ فيفقده وعي الإيمان ، فيرى الحق باطلا والباطل حقا ، ~~وتضطرب مقاييسه عند ما يختلف لديه ميزان الرؤية للأشياء. ولعل من بين هذه ~~النتائج ms0575 السلبية لذلك ، هو ما نواجهه من حرب المؤمن للمؤمن باسم الإيمان ، ~~بتسويل الشيطان له بأنه يحارب الانحراف لدى المؤمن ، ولكنه لو دقق النظر ، ~~لاكتشف أنه يعاديه على أساس مزاجه الشخصي وهواه الذاتي. # وربما كان من مظاهر ذلك ما نواجهه من إثارة الخلافات المذهبية والطائفية ~~بين المسلمين ، بالمستوى الذي يؤدي إلى التخاصم والتنازع في المجالات ~~العامة ، بحجة الدفاع عن الحق ، في ما يوحيه الشيطان للمعتدي ، PageV04P130 # بينما تكون الساحة مثارا لخطط كافرة جهنمية تتحرك من مواقع الاستعمار ~~تارة ، وقواعد الكفر أخرى ، مما يجعل من إثارة هذا الجو أساسا لتنفيذ كل ~~مخططاته القريبة والبعيدة من دون شعور وانتباه ؛ تماما ككثير من كلمات الحق ~~التي يقصد بها الباطل أو تتحرك في خدمته. # وفي ضوء ذلك ، كان التأكيد الدائم من الله في آياته على مراعاة الدقة في ~~التعامل مع الشيطان في كل خطواته ، لأنه يسلك أخفى الطرق وأدق الوسائل في ~~النفاذ إلى وعي الإنسان وفكره ، بحيث يتركه ضائعا بين طريق الحق والباطل ~~لتشابه المعالم والملامح بين الطريقين. وهذا ما نجده في بعض الآيات الكريمة ~~كقوله تعالى : ( @QUR@016 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ ~~بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) [الإسراء : 53]. فقد كان ~~التأكيد على القول الأحسن منطلقا من استغلال الشيطان لكل الثغرات الموجودة ~~في جو الكلمة غير المدروسة ومدلولها وحروفها ، مما يمكن أن يثير بعض ~~المشاعر والأحاسيس الذاتية المعقدة التي يمكن أن يتفاداها الإنسان بلباقة ، ~~باستعمال كلمة أخرى تؤدي الفكرة نفسها بعيدا عن كثير من السلبيات بأسلوب ~~أفضل وجو أحسن. # ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) فهو لا يريد لكم الخير في وساوسه وتسويلاته ~~وتزيينه ، بل يريد لكم الشر من خلال استغلال نقاط الضعف الكامنة في ~~شخصياتكم ، ليستثير غرائزها في اتجاه الانحراف ، وأحلامها في الخطوط ~~البعيدة عن الواقع ، سواء كان ذلك من الناحية الفكرية ، أم من الناحية ~~العلمية ، فيصور لكم الباطل بصورة الحق لتتبعوه ، ويصور الحق بصورة الباطل ~~لتتركوه ، لأنه يحسن تجميل الصورة القبيحة ببعض وسائله ، كما يتقن تقبيح ~~الصورة الجميلة ببعض ألاعيبه. وهذا ms0576 هو العنوان القرآني العام في كل حديث له ~~عن الشيطان ، كما في هذه الآية. PageV04P131 # وربما كان التعبير ب ( @QUR@02 خطوات الشيطان ) يختزن في مضمونه الإيحاء ~~ولو من بعيد بالتدريجية في طريقة الشيطان في أساليبه الخداعة المغرية ، ~~بحيث يتحرك مع الإنسان خطوة خطوة ، ليؤدي به إلى الهلاك في نهاية المطاف ، ~~إذ إن الإنسان إذا استغفر في الاندفاع في الطريق بالخطوة الأولى ، فإنها ~~تجتذب الخطوة الثانية والثالثة إلى نهاية الطريق ، مما يفرض على الإنسان أن ~~يعي الخطة الشيطانية منذ البداية عند ما يبدأ حركته في الطريق ، فإن الوعي ~~في نقطة الانطلاق هو الذي يحمي الإنسان من نقطة النهاية ، لأن الوعي في ~~الحركة الأولى يجتذب وعي الحركة في آخر الطريق. # وفي آية أخرى : ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [فاطر : 6]. فقد نجد في هذا التركيز على ~~العداوة إشارة إلى طبيعة الحاجز النفسي الذي يجب أن يعيشه الإنسان في كيانه ~~ضد كل إيحاءات الشيطان ، ليثير من خلاله الريبة والشك وعدم الثقة ، من موقع ~~العداوة المتأصلة ، ليفكر طويلا قبل أن يستسلم لأية كلمة أو فكرة أو حركة ~~مهما كانت ظاهرة الصدق والبساطة والإيمان ، ليكتشف طبيعة الزيف أو الإخلاص ~~في داخلها تبعا لوعي الفكر وذكاء الشعور ، ليرفض أو يؤيد من موقع المعاناة ~~والتأمل العميقين. # وجاءت هذه الفقرة في هذه الآية ( @QUR@04 ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) ~~لتوجه الإنسان إلى دراسة الطريق جيدا في كل خطواته ، لا سيما إذا كان الجو ~~جو الدعوة إلى السلام ؛ فإن الشيطان يعرف كيف يسخر الخطوات الساذجة لتسير ~~في الاتجاه الذي يريده ، من أجل تخريب خطوات السلام وإضاعتها في مهب الرياح ~~الذاتية والحزبية والعصبية وغير ذلك من الأمور التي تفرق الناس وتشتتهم ~~شيعا وأحزابا بمختلف الأسماء والألوان والأشكال ، كما ألمحنا إليه في بداية ~~الحديث ، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نحدد الخط الفاصل بين أهداف الشيطان ~~وأهداف الرحمن ، لنكتشف طبيعة الخطوات من خلال اكتشاف طبيعة PageV04P132 # الأهداف وقد تحدثنا بعض الحديث عن هذه الفقرة في ما تقدم من أحاديث هذا ms0577 ~~التفسير في آية سابقة . # ( @QUR@07 فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ) فليس الزلل ، عند ~~انسجامكم في خطوات الشيطان ، ناشئا من جهل أو عدم وضوح في الرؤية ؛ فقد ~~قامت الحجة عليكم من الله في ما أقامه أمامكم من بينات ودلائل ، بما منحكم ~~من عقول ، وربما أرسله إليكم من رسالات. وبذلك كان الخطاب إليهم بأن عليهم ~~مواجهة الحقيقة الحاسمة ، وهي ( @QUR@03 أن الله عزيز ) لا يستطيعون ~~الانتقاص من عزته مهما عملوا وانحرفوا ، ( @QUR@01 حكيم ) لم يترك الأمور ~~لتسير في أجواء العبث والفوضى ؛ بل جعل لكل شيء ثوابا كان أو عقابا حدا لا ~~يتجاوزه في ما يفعل أو يدع. # * * * ### ||| ** المنحرفون ... ماذا ينتظرون ليستقيموا؟ # ( @QUR@011 هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ). ~~ماذا ينتظر هؤلاء المنحرفون الذين زلت بهم القدم ليستقيموا؟! فقد جاءتهم ~~البينات التي تشير إلى خط الاستقامة مما يحقق لهم القناعة لو أرادوها ، فما ~~ذا يريدون؟ هل ينتظرون العذاب ، الذي جاء ذكره هنا على سبيل الكناية ، لأن ~~العذاب كان ينزل على الأمم السابقة من خلال النار التي تنزل عليهم من ~~السماء ، أو من خلال العواصف والصواعق التي تتمثل فيها كل ألوان العذاب؟ # أما التعبير بإتيان الله ، فقد يكون المراد منه إتيان أمره وإرادته ، أو ~~إتيانه بلحاظ وجوده الحاضر في الكون ، باعتبار أنه المظهر لوجوده ، لأن كل الوجود PageV04P133 # منبثق منه ومنطلق عنه. أما الملائكة ، فهم الذين يحملون العذاب عند ما ~~يصدرون به عن أمر الله. هل ينظرون إلا أن يأتيهم العذاب؟! فإذا كانت هذه هي ~~رغبتهم وتفكيرهم ، فهل يعرفون النتيجة؟ هل يعتقدون أن إتيان الله والملائكة ~~في ظلل من الغمام كما يتصورون يترك مجالا للانتظار وللمراجعة؟ هل يعرفون أن ~~معنى حدوث ذلك هو وصول الأمر إلى درجة الحسم النهائي الذي لا رجعة فيه؟. # ( @QUR@02 وقضي الأمر ) أي فرغ منه ، وهو المحاسبة وإنزال أهل الجنة في ~~الجنة وأهل النار في النار ، وقيل : معناه وجب العذاب ، أي : عذاب ~~الاستئصال ، وهذا في الدنيا ، كما في مجمع البيان (1). # ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور ) في الثواب أو في العقاب ms0578 ، كما كانت ~~الأمور كلها إليه في الابتداء ، لأنه المهيمن على الأمر كله في الدنيا ~~والآخرة. # وقد نستوحي من هذه الفقرات المثيرة في الآية ، أن القرآن يريد أن يثير ~~أجواء الخوف في داخلهم من خلال هذا التساؤل : ( @QUR@011 هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ). # جاء في تفسير الكشاف : «فإن قلت : لم يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت : لأن ~~الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ؛ لأن الشر ~~إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب ~~كان أسر ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؟! ولذلك كانت الصاعقة من ~~العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث. ومن ثمة اشتد على المتفكرين ~~في كتاب الله قوله تعالى : ( @QUR@08 وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون )» (2) [الزمر : 47]. PageV04P134 # ( @QUR@06 وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ) فإن كل هذه المفاهيم توحي ~~بالهول ، بما يثيره التأكيد على عزة الله واستبدال إتيان إرادة الله ~~بإتيانه بالذات ، مما يعمق الشعور بعظمة الموقف ودقته. وهذا من الأساليب ~~المتعارفة في القرآن في كل ما يستعمله من أساليب حذف المضاف وإبقاء المضاف ~~إليه في موضعه ، كما في قوله : ( @QUR@02 وسئل القرية ) [يوسف : 82] وقوله ~~: ( @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا صفا ) [الفجر : 22] فكأن القرية بكل ~~أحجارها وأشخاصها ومعالمها تعيش الحقيقة المتمثلة فيها ، حتى كأنه في مواقع ~~السؤال تماما كأي مظهر عاقل من مظاهر الكون ، وكأن القيامة تلتقي بالله ~~والملك الذين يقفون صفوفا بين يديه. فإن هذا الإيحاء بحضور الله بنفسه يوحي ~~بالهول فوق الهول والرهبة فوق الرهبة ، بما لا يمكن أن يستوحيه الإنسان من ~~خلال تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية بالأسلوب العادي البسيط. وإذا حدث ~~مثل هذا الإحساس العميق بالرعب في نفسه ، كان الانضباط العملي منسجما مع ~~المستقبل الحي الذي يريده الله للإنسان بعيدا عن كل انحراف والتواء وتمرد. # وقد تشير الآية إلى سنة من سنن الله التاريخية في المجتمعات والأمم التي ~~تعيش التمزق الداخلي ، والتمرد العملي ، والانحراف عن خط الله ms0579 ، فإن الله ~~بمقتضى سنته في عباده ينزل العذاب عليهم ، مما يعني أن هؤلاء القوم الذين ~~يريدون تمزيق الأمة ، ويرفضون الدخول في السلم ، سوف يصيبهم العذاب كما ~~أصاب الآخرين. # وقد ذكر بعض المفسرين أن الاستفهام هنا إنكاري ، فإن الآية تخاطب الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتقول معقبة على الآيات السابقة : أليست كل هذه ~~الدلائل والآيات والأحكام الواضحة كافية لصد الإنسان عن الانزلاق وإنقاذه ~~من براثن عدوه المبين «الشيطان»؟. # هل ينتظرون أن يأتي الله إليهم مع الملائكة في وسط غمام ذي ظل ليطرح ~~عليهم دلائل أوضح ، أو ليواجهوا الغيب في رؤية حسية تمنحهم وضوح PageV04P135 # الرؤية ، وهذا محال : ولكن المسألة لو كانت كذلك أي في استحالة مجيء الله ~~لما كان هناك وجه لذكر الملائكة ، فإنه لا استحالة في إتيانهم ، لأنهم ~~أجسام تروح وتجيء ، كما أنه لا معنى لكلمة : ( @QUR@02 وقضي الأمر ) إلا أن ~~يكون المراد به كما قال. # وإن افترضنا بالفرض المحال تحقق هذا الأمر ، فما الحاجة إليه ، بينما قضي ~~كل شيء ولم يترك أي شيء؟! وهذا خلاف الظاهر ، لأنه يقتضي فرضا جديدا ، ~~بينما ظهور الآية يدل على وحدة الموضوع والسياق ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** سل بني إسرائيل # قد يكون الحديث عن المستقبل في واقع هؤلاء الذين يتحدث الله عنهم بالزلل ~~والانحراف ، غير كاف في إبعادهم عن ضلالهم ، فربما يكون للحديث عن الماضي ~~كتجربة حية للآخرين من موقع التجربة نفسها التي يعيشها هؤلاء بعض الأثر. ~~فقد كان تاريخ بني إسرائيل ماثلا أمام الناس في كل ما واجههم من قضايا ~~الكفر والإيمان مع أنبيائهم ، وفي كل ما فعلوه ضد مسيرة النبوة في تاريخهم ~~القلق الدامي ؛ فلعل هذه الآية أرادت أن تطلب من هؤلاء الناس ، بأسلوب ~~الطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجلسوا إلى بقاياهم ويسألوهم ، هل ~~كان هناك نقص في البينات التي أنزلها الله عليهم؟! وليس المراد به ~~الاستفهام ، بل المقصود هو تقرير الحقيقة من خلاله ، فإن الله قد أرسل ~~إليهم رسلا كثيرين بالحجج الواضحة ، فكذبوا واستكبروا وواجهوا عقاب الله. PageV04P136 # ثم تعطي الآية ms0580 الإيحاء بأن البينة التي توضح للإنسان طريق الحق ، هي من ~~نعم الله التي أنعمها على الإنسان ، وأراد منه أن ينسجم معها ، ويستجيب لها ~~، ولا يبدلها بالضلال في القول والعمل ، فإنه إذا بدل الحق الذي توحي به ~~الحجة بالباطل الذي لا حجة عليه ، فعليه أن ينتظر عقاب الله ، فلا يستسلم ~~للاسترخاء بالشعور برحمة الله ، فإن الله شديد العقاب في موضع النكال ~~والنقمة ، كما هو أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة. وربما تكون الإشارة ~~إلى بني إسرائيل وتاريخهم المتمرد ، لونا من ألوان الحديث عن خطوات الشيطان ~~في إضلاله وفي إغوائه. # ( @QUR@03 سل بني إسرائيل ) هؤلاء الذين يمثلون نموذجا من الأمم التي ~~تعيش التمزق الروحي والاجتماعي والضلال الديني ، ( @QUR@05 كم آتيناهم من ~~آية بينة ) من البينات التي توضح لهم الحقيقة وتقودهم إلى الإيمان؟! وتلك ~~هي النعمة التي ينبغي لهم أن يشكروها ، وينفتحوا على الله من خلالها ، فلا ~~يكفروها. ( @QUR@04 ومن يبدل نعمة الله ) في الإيمان ( @QUR@04 من بعد ما ~~جاءته ) في وحي الله وفي حركة الرسل ؛ ( @QUR@04 فإن الله شديد العقاب ) في ~~الدنيا من خلال السنة التاريخية التي تربط النتيجة بالمقدمات. فالكفر بنعمة ~~الإيمان يجتذب النتائج السلبية على واقع الإنسان ، لأنه يبتعد به عن الخط ~~المستقيم الذي يؤدي إلى الخير والسعادة والاطمئنان ، وذلك من خلال ما أودعه ~~الله في الحياة الإنسانية من سننه التاريخية التي لا بد للناس من أن يأخذوا ~~بها ليتعرفوا من منهج الحياة في ما يقبلون عليه من خير أو شر. وهو شديد ~~العقاب في الآخرة جزاء على كفرهم بالحق لما جاءهم ، وانحرافهم عما يفرضه ~~عليهم في سلوكهم في أنفسهم وفي واقع الناس ومع الله. # * * * PageV04P137 ### ||| ** الفوقية الزائفة والفوقية الحقيقية # في موقف المؤمنين والكافرين في هذه الحياة ظاهرة بارزة ، وهي طغيان ~~الكافرين واستسلامهم للحياة الدنيا بما زين لهم من شهواتها ورغباتها ~~وطيباتها ، ( @QUR@05 زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) بالمستوى الذي ~~يشعرون معه أنهم يملكون الأمر كله فيها ، وبذلك تمتلئ قلوبهم بالكبر ~~والشعور بالفوقية تجاه غيرهم من الذين يعيشونه الحياة من خلال قيمها ~~ومبادئها وارتباطها بالله ... ( @QUR@04 ويسخرون من ms0581 الذين آمنوا ) ويتحول ~~هذا الشعور إلى سخرية من المؤمنين في ما يفعلون وما يقولون وما يواجهونه من ~~تضحيات لحساب إيمانهم ، وفي ما يقدمونه من جهد كبير في سبيل الله لا يريدون ~~به جزاء ولا شكورا ، فيخيل إليهم أن ذلك كله مظهر سذاجة وغفلة ، لأنهم لا ~~يفهمون معنى التضحية في سبيل الله ، لأنهم لا يعرفون معنى ثواب الله. # وربما يحدث من خلال ذلك حالة ضعف نفسية لدى المؤمنين لما يواجهونه من ~~واقع الفوقية والدونية بين الكافرين وبينهم ؛ فيوحي الله إليهم أن قضية ~~الدونية والفوقية ليست شيئا مهما في ما تمثله قيم الحياة ، لأن ذلك عرض ~~زائل لا بقاء له ، فلا يوجب ارتفاع الإنسان فيه رفعة حقيقية ، ولا اتضاعه ~~ضعة حقيقية ، بل المهم كله هو الرفعة في الدار الآخرة التي يمنحها الله ~~للمؤمنين ، لأنها من الله ، وما كان منه ، فهو الخير كله والمجد كله. وعلى ~~هذا الأساس ، ( @QUR@05 والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) فإن الله عند ما ~~يجعل المؤمنين فوق الكافرين يوم القيامة ، فإنه يجعل لهم كل القيمة الكبرى ~~التي يرتفعون بها إلى أعلى الدرجات ، فلا يضعف المؤمنون ولا يستسلمون ~~للشعور أمام الاضطهاد ، PageV04P138 # بل ينبغي لهم أن يفكروا بما أعد الله لهم من ثواب وعقاب ، فإن ( @QUR@06 ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب )، لأن الأمر بيده في ما يعطي أو يمنع ، وهو ~~ولي المؤمنين. # جاء في تفسير الميزان حمل كلمة ( @QUR@02 للذين كفروا ) على الأعم من ~~الكافرين بالكفر الاصطلاحي ، وهو الكفر بالله ، أو الكفر المطلق ، في مقابل ~~الإيمان المطلق بحيث يعد الانحراف عن كل حقيقة من الحقائق الدينية من ~~تفاصيل العقيدة ، أو تغيير أية نعمة دينية ، كفرا ، وذلك من جهة ظهور كلمة ~~«الكفر» بالستر الذي يعم المعنيين ؛ ولذلك اعتبر من مصاديق هذه الآية ~~المؤمنين بالله الذين زينت لهم الحياة الدنيا فدعتهم إلى اتباع هوى النفس ~~وشهواتها ، وأنستهم كل حق وحقيقة ، فلا يريد الإنسان إلا نيلها ، من جاه ~~ومقام ومال وزينة ، فلا يلبث دون أن يستخدم كل شيء لأجلها وفي سبيلها ، ومن ~~ذلك الدين ، فيأخذ الدين ms0582 ، وسيلة يتوسل بها إلى التميزات والتعينات ، ~~فينقلب الدين إلى تميز الزعماء والرؤساء وما يلائم سؤددهم ورئاستهم ، وتقرب ~~التبعة والمقلدة المرؤوسين ، وما يجلب به تماثل رؤسائهم وساداتهم كما ~~نشاهده في أمتنا اليوم ، وكما شاهدناه في بني إسرائيل من قبل (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن الكلمة قد تكون ظاهرة في الستر بحسب المعنى اللغوي ، ~~ولكنها ظاهرة في السياق القرآني ، كما هي في الاستعمالات العرفية ، بالكفر ~~المصطلح ، ولا سيما في الآيات التي يذكر فيها ( @QUR@02 الذين آمنوا ) في ~~مقابل ( @QUR@02 للذين كفروا )؛ فإنها واضحة الدلالة على الكفر الذي يقابل ~~الإيمان من ناحية المبدأ. وإذا كانت بعض آيات القرآن ظاهرة في ما يشمل ~~الكفر ببعض الحقائق الدينية أو الانحراف العملي عنها ، فإنها جاءت ، والله ~~العالم على سبيل المجاز ، لتنزيل الكفر بالحقيقة الدينية الخاصة أو ~~الانحراف السلوكي عنها ، PageV04P139 # منزلة الكفر بالمبدأ ؛ لأن من آمن بشيء ، فلا بد من أن يؤمن بكل تفاصيله ~~ويلتزم بكل التزاماته ... وهذا مما يحتاج إلى قرينة تدل عليه بشكل خاص أو ~~من خلال السياق العام ، وهي غير موجودة في هذه الآية ، إن لم يكن الظهور ~~على خلافها. # * * * PageV04P140 ### ||| * الآية # ( @QUR@049 كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (213) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أمة ): الأمة : وردت في القرآن في أكثر من معنى : # 1 الجماعة الذين يرتبطون برابطة واحدة. # 2 الملة ، أي : العقائد وأصول الشريعة. # 3 الزمن ، وذلك من قوله تعالى : ( @QUR@07 ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة معدودة ) [هود : 8] أي مدة معدودة. # 4 الإمام وهو قوله تعالى : ( @QUR@011 إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~حنيفا ولم يك من المشركين ) [النحل : 120] أي : إماما جامعا لصفات الخير. PageV04P141 # والمراد بها هنا ، على رأي الكثيرين من المفسرين ، الملة ، وقيل : إنها ~~الجماعة. # ( @QUR@01 البينات ): الحجج الظاهرة على حقائق العقيدة. # * * * ### ||| ** الرسالات ودورها في الاختلافات # ( @QUR@04 كان الناس أمة ms0583 واحدة ) كان الناس أمة واحدة في ما يحملون من ~~فكر ، فلم تكن لهم أفكار متعددة في شؤون الكون والحياة ليختلفوا فيها ، ولم ~~تكن لديهم اهتمامات في نظام الحياة وقانونها ليتنازعوا فيها ، بل كانوا ~~يعيشون مشاكلهم الخاصة في حاجاتهم في الحياة اليومية ؛ فيتنازعون في ما ~~يأخذه بعضهم أو يدعه ، أو ما تتصرف به جماعة لا توافقها عليه الجماعة ~~الأخرى ، الأمر الذي يؤدي إلى وقوع الاختلافات بينهم ، ويوجب انتشار الظلم ~~عندهم ، وابتعاد الواقع عن خط العدل .. فكانت الرسالات الإلهية التي اتخذت ~~أسلوب التبشير والإنذار ، السبيل الوحيد لحل هذه المشاكل والاختلافات ، من ~~أجل تركيز الحياة في قضاياها اليومية على قاعدة ثابتة من العدل الإلهي ، ~~ليشعر الإنسان بقداسة الحلول وواقعيتها ، فيستسلم لها في خضوع واقتناع. # ولكن بعض الناس الذين أوتوا الكتاب بالحق لم يستريحوا إلى ذلك ، لأنهم ~~كانوا يعيشون على حساب تلك الخلافات ، فنقلوها إلى الكتاب نفسه بما أثاروه ~~من تأويلات وتفسيرات وتطبيقات ، مما جعل القضية في حياتهم موضع خلاف فكري ~~في أمر الكتاب ، فيأخذ جماعة بتأويل يختلف عما يأخذه الآخرون ، ويتعصب فريق ~~لتفسير يختلف عما يتعصب له الفريق الآخر. ولم يكن اختلافهم نتيجة اختلاف في ~~الاجتهادات ، في ما تنطلق فيه من سبل PageV04P142 # الوصول إلى الحق التي قد تتنوع تبعا لتنوع الثقافة أو النظرة إلى الأمور ~~، بل كان اختلافهم نتيجة البغي والحقد والعداوة في ما بينهم كنتيجة طبيعية ~~للعلاقات المتأزمة الخاضعة لأسباب غير شرعية. وهكذا امتد هؤلاء في خلافاتهم ~~حتى حولوا الساحة البشرية إلى قاعدة للتنازع والتجاذب والخصام. # أما المؤمنون ، فلم يستسلموا للخلافات ولم يركنوا إليها ، بل عملوا بكل ~~ما لديهم من جهد وقوة على اكتشاف الحق من خلال علاماته التي هداهم الله ~~إليها في ما أنزله من الحق والهدى ، فساروا في طريقه ، واستسلموا له ، ~~وتركوا كل فئات البغي والفساد تتخبط في ضلالها ، بعد ما حاولوا القضاء ~~عليها فلم يتمكنوا من ذلك ، فأقبلوا على ما هم فيه مما أوكله الله لهم من ~~شؤون المسؤولية في طاعته في ما يتعلق بقضاياهم وقضايا الناس ، وذلك هو ms0584 شأن ~~الله في هدايته للناس لمن يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، فإنه يهيئ لهم ~~كل وسائل الهداية من داخل أنفسهم ومن خارجها ليختاروا السير معها من موقع ~~قناعتهم القائمة على الوعي والإيمان والإرادة. # وهكذا ( @QUR@04 كان الناس أمة واحدة ) أي على ملة واحدة ، أو جماعة ~~واحدة مرتبطة بالفطرة التي لا تنطلق في خط التفاصيل الفكرية المنفتحة على ~~المنهج العملي في الخط الواحد ، بل كانت تتحرك من خلال العفوية الطبيعية في ~~حركة الفعل ورد الفعل ، فلم يكونوا مهتدين أو ضالين في مصطلح الهدى والضلال ~~في الرسالات ، لأنهم لم يكونوا قد التقوا بها ؛ فلم تكن هناك نبوات تحمل ~~كتبا سماوية لأن آدم عليه السلام لم يكن صاحب رسالة تفصيلية في نبوته ، ~~لكنهم كانوا ضلالا بالمعنى السلبي ، بمعنى فقدانهم للهداية الرسالية ~~التفصيلية التي تنظم لهم القواعد والمفاهيم والشرائع والمناهج ، وتخطط لهم ~~الوسائل والأهداف ، على طريقة قوله تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) ~~[الضحى : 7] فإن المراد من الضلالة هو عدم الاهتداء لفقدان الهدى الرسالي ~~في التفاصيل ، لا الضلال بالمعنى الإيجابي المضاد ، لأن النبي محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ضالا بهذا المعنى ، PageV04P143 # وهذا ما عبر عنه الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام الذي نقله ~~الطبرسي في مجمع البيان فقال : «وروى أصحابنا عن أبي جعفر الباقر ~~عليه السلام أنه قال : كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله ، لا مهتدين ~~ولا ضلالا ، فبعث الله النبيين. ويتابع صاحب المجمع هذا الحديث فيعلق عليه ~~قائلا : وعلى هذا ، فالمعنى أنهم كانوا متعبدين بما في عقولهم ، غير مهتدين ~~إلى نبوة ولا شريعة ، ثم بعث الله النبيين بالشرائع لما علم أن مصالحهم ~~فيها» (1). وهذا ما عبر عنه الإمام جعفر الصادق ، حسب الرواية المروية عنه ~~، بطريقة أخرى قال : في ما نقله يعقوب بن شعيب الذي سأله عن قول الله : ( ~~@QUR@04 كان الناس أمة واحدة ) كان هذا قبل نوح أمة واحدة عند الله فأرسل ~~الرسل قبل نوح ، قلت : أعلى هدى كانوا أم على ضلال؟ قال : بل كانوا ضلالا ، ~~كانوا لا مؤمنين ولا كافرين ms0585 ولا مشركين (2). # وفي ضوء ذلك ، فإن هذه الحالة الفطرية الطبيعية التي يستوحيها الناس في ~~ما يفكرون به أو ما يعملونه بطريقة ضبابية ، لا بد من أن تخلق المشاكل ~~للمجتمع ؛ لأن الخلافات الناشئة بين أفراده من خلال تشابك العلاقات وتعقيد ~~الأوضاع في حاجاتهم المشتركة ، وأعمالهم المتنوعة التي تمثل حاجة بعضهم إلى ~~البعض الآخر ، واستخدام بعضهم بعضا ، وخلافاتهم المختلفة ، لا بد من أن ~~تخلق المشاكل الكثيرة لديهم لفقدان الحلول التفصيلية التي تضع الأمور في ~~نصابها الصحيح ، وتفتح المشاكل على الحلول الواقعية ؛ الأمر الذي جعل إرسال ~~الأنبياء ضرورة حية لتحقيق التوازن الاجتماعي على قاعدة ربط الدنيا بالآخرة ~~، واعتبار الجزاء في يوم القيامة في ثوابه وعقابه حافزا للناس للانضباط على ~~الخط المستقيم ، ليستقيم الهدى على قاعدة ثابتة في منهج الرسالة وفي التطلع ~~إلى اليوم الآخر. PageV04P144 # ( @QUR@04 فبعث الله النبيين مبشرين ) المؤمنين الطائعين بالجنة ، ( ~~@QUR@01 ومنذرين ) الكافرين والعاصين بالنار. ( @QUR@04 وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ) الذي يعطي للأشياء حدودها ، وللقضايا مناهجها ، وللمشاكل حلولها ، ~~وللمنازعات والخلافات خطوطها التي يتميز فيها الحق عن الباطل ، فيكون ~~الكتاب هو المنهج الواضح الذي ينهج بالناس إلى الصواب في أمورهم ، والحكم ~~العدل الذي يسير بالمجتمع إلى ساحة العدل في ميزان القضاء ، ( @QUR@06 ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) من الحق قبل إنزال الكتاب ، لأنهم ~~كانوا لا يرتكزون في أحكامهم على قاعدة ، مما جعلهم لا يقفون على أساس واضح ~~للوصول إلى النتائج الحاسمة التي تحدد لهم الحق والباطل. وهنا يأتي الكتاب ~~بالحق النازل من الله الذي لا يقترب إليه الباطل في عملية اختراق وامتزاج. # وهكذا أراد الله للحق الرسالي الكتابي أن يكون هو المرجح للناس كافة ، ~~لأنه الذي قرره الله ، وما يقرره الله رب العالمين لا يجوز لأي إنسان أن ~~يناقشه أو يعارضه أو يتمرد عليه. ولكن المشكلة التي واجهت هذا الحق ، أن ~~نقاط الضعف الإنساني قد اندفعت إليه لتثير حوله الضباب النفسي الذي يغطي ~~الحقيقة ، ويمنع الوضوح ، ويبتعد بالفهم عن منهجه الصحيح ؛ فبدأ الاختلاف ~~في الحق الذي جاء به الكتاب ( @QUR@06 وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ms0586 ) أي ~~: ما اختلف في الحق الذي أنزل الكتاب به إلا الذين آتاهم الله الكتاب ~~وأنزله عليهم ليهتدوا به. ولم يكن ذلك عن شبهة أو اجتهاد مختلف ، بل كان ~~ذلك بعد الوضوح الكامل ( @QUR@05 من بعد ما جاءتهم البينات ) وهي الأدلة ~~والبراهين الواضحة التي لا مجال فيها لإنكار منكر أو لاعتذار معتذر ، ( ~~@QUR@02 بغيا بينهم ) مما يمثله البغي من خلفيات نفسية سلبية كالحسد ~~والعداوة الذاتية ، وحب الرئاسة وغيرها مما يجعل الإنسان يحرف الكلم عن ~~مواضعه ، فيؤول ما لا يقبل التأويل ، ويثير الشبهة في ما لا مجال فيه ~~للاشتباه ، ويجتهد في ما لا موقع فيه للاجتهاد على طريقة الاجتهاد في مقابل ~~النص. وهذا هو شأن المنافقين الذين لم يتعمق PageV04P145 # الإيمان في قلوبهم إخلاصا. # أما المؤمنون المخلصون ، فهم موضع عناية الله ورعايته وهدايته ، لأنه ~~اهتدوا بهداه وأخلصوا له الإيمان : ( @QUR@010 فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه )، فلم تكن المسألة عندهم موضع شبهة ، بل كانت ~~تملك الوضوح كله من خلال طبيعة الوضوح في الآية ، وفي خط الرسول ، وفي حركة ~~الرسالة على صعيد النظرية والتطبيق. وهكذا اكتشفوا الحق في ذلك كله ، فلم ~~يقع بينهم أي اختلاف فيه. وتلك هي سنة الله في عباده ، فإنه يمنح الذين ~~يعيشون الهدى في وجدانهم ، والإخلاص في إيمانهم ، والقدرة على الاهتداء ~~التفصيلي في ألطافه التي يتفضل بها عليهم وفي الإشراقة التي يفتح بها ~~عقولهم. وهذا ما أشار إليه في قوله تعالى : ( @QUR@07 والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم ) وهو الصراط الذي يمثل الحق في العقيدة والشريعة والمنهج ~~وفي حركة الحياة. # ويمكن أن نستوحي من هذه الآية عدة نقاط : # * * * ### ||| ** التشريع يشمل كل مجالات الحياة # 1 إن الرسالات الإلهية لم تنزل لتعرف الناس شؤون العبادة والأخلاق العامة ~~، بل نزلت لتكون حكما بين الناس في ما اختلفوا فيه من أمور الحياة الخاصة ~~والعامة ، سواء كان ذلك في نطاق العلاقات الشخصية أو في نطاق العلاقات ~~الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو غيرها ، مما يدحض الفكرة القائلة ~~بأن الدين علاقة شخصية بين العبد وربه ms0587 ، فلا تتحرك في حياة الناس العامة ، ~~بل تنحصر في نطاق الذات وفي أجواء المعبد. فإن طبيعة الدور الذي PageV04P146 # تتحدث عنه الآية يفرض أن يشمل التشريع كل جوانب الحياة التي تكون مثارا ~~للاختلاف ، وأن يكون لكل مشكلة حلها العادل الذي تستقيم له الحياة وتخضع له. # * * * ### ||| ** البغي كان أساس الاختلاف # 2 إن الاختلاف الحاصل بين الناس ، لا سيما في نطاق الاختلافات الدينية ، ~~لم ينطلق غالبا من اختلاف في الاجتهاد ، بل من البغي الذي يعيش في نفوس ~~الناس ، مما يدفعهم إلى استغلال الغموض في بعض المفاهيم أو المواقف الدينية ~~لخدمة مصالحهم الخاصة ، مما يجعل من هذه الخلافات حالة مرضية ، لا حالة صحية. # * * * ### ||| ** الذين يحبون الحقيقة ينفتحون على الحوار # 3 إن الآية الكريمة تقرر أن الذين يواجهون الحقيقة من موقع إخلاصهم لها ، ~~يعملون بكل قوة من أجل الوصول إليها ، فيفتحون على أجواء الحوار ، ويستمعون ~~لوجهة النظر المعارضة ، ويدفعون الفكر في اتجاه التعمق في دراسة الفكرة ~~لمعرفة كل سلبياتها أو إيجابياتها ، ويتحملون كل الجهد اللازم من أجل ذلك ~~حتى يصلوا إليها ليرتبطوا بها ، وهذا ما عبرت عنه الآية بقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ). فإن ~~طبيعة الإيمان تفرض على الإنسان أن لا يستسلم إلى حالات الاسترخاء الفكرية ~~التي تتقبل الأفكار الموروثة من دون أن تكلف نفسها عناء التعب في إعادة النظر PageV04P147 # فيها من موقع الفكرة والمعاناة ، لأنه يعتبر الإيمان بالحق مسئولية ~~الإنسان المؤمن بالبحث عن قواعده وآفاقه ، كما أنه يجد في الفكرة الذي ~~يحمله منطلق المسؤولية في كل قناعاته وأفكاره. أما معنى «إذن الله» في ~~الهداية ، فلعله السنن الإلهية في أسباب الهداية وعواملها ، مما إذا أخذ به ~~الإنسان اهتدى إلى الحق ، ككل سبب يحصل بحصول مسببه ، ولا ينافي ذلك ~~الاختيار ، لأن إرادة الإنسان ووعيه وإقباله على الأخذ بهذه العوامل ، هو ~~أحد مظاهر هذه السنن الإلهية في عالم الهداية. # وفي ضوء ذلك ، يمكننا أن نستوحي الفكرة التالية ، وهي أن استمرار ~~الخلافات يرجع إلى ابتعاد الناس عن الأخذ بأسباب الهداية ، والتزامهم ms0588 موقف ~~التزمت والتعصب في ما يعتقدون ، وعدم إقبالهم على أجواء الحوار لمصلحة الحق ~~، الأمر الذي يمثل حاجزا نفسيا ضد الالتقاء بالحق ، لأن للحق دلائل وعلامات ~~لا بد للإنسان من أن يذعن لها إذا التقى بها أو بحث عنها في الطريق. ولا ~~يمكن للإنسان أن يدعي عدم التمكن من الوصول إليه من موقع فقدان الوسائل ، ~~بل لا بد له من أن يبحث عن ذلك في تجميده لطاقاته عن الحركة ، وفي إغفال ~~وعيه عن البحث والدخول في مجالات الحوار ، فقد تكفل الله بهداية الذين ~~يتحركون في خط الهداية من خلال وسائلها الطبيعية. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في تفسير الاختلاف # قال صاحب الميزان في تفسير الآية : «الآية تبين السبب في أصل تشريع أصل ~~الدين ، وتكليف النوع الإنساني به ، وسبب وقوع الاختلاف فيه ببيان أن ~~الإنسان وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون كان في أول اجتماعه أمة واحدة ~~، ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية ، PageV04P148 # فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة ، والمشاجرات في لوازم ~~الحياة. فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين ، وشفعت بالتبشير والإنذار ~~بالثواب والعقاب ، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين وإرسال ~~المرسلين. # ثم اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدأ والمعاد ، فاختل بذلك أمر ~~الوحدة الدينية ، وظهرت الشعوب والأحزاب. وتبع ذلك الاختلاف في غيره ، ولم ~~يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيا من الذين أوتوا الكتاب ، وظلما وعتوا ~~منهم بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه ، وتمت عليهم الحجة. # فالاختلاف اختلافان : اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون ~~فطرتهم وغريزتهم ، واختلاف في أمر الدنيا وهو فطري وسبب لتشريع الدين. ثم ~~هدى الله سبحانه المؤمنين إلى الحق المختلف فيه بإذنه» (1). # ويفسر السيد الطباطبائي الاختلاف الأول على أنه كان في شؤون الدنيا على ~~أساس اقتناء المزايا الحيوية في ذاته ، من خلال حركة القوة والضعف التي ~~تقود إلى الاختلاف والانحراف عما يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل ~~الاجتماعي ، فيستفيد القوي من الضعيف أكثر مما يفيده ، وينتفع الغالب من ~~المغلوب من غير أن ينفعه ، ويقابله ms0589 الضعيف المغلوب ما دام ضعيفا مغلوبا ~~بالحيلة والمكيدة والخديعة ، فإذا قوي وغلب قابل ظالمة بأشد الانتقام ، ~~فكان بروز الاختلاف مؤديا إلى الهرج والمرج وداعيا إلى هلاك الإنسانية ، ~~وفناء النظرة وبطلان السعادة. # وخلاصة ذلك ، أن المراد من الاختلاف الأول هو الاختلاف الواقعي ، بينما ~~يمثل الاختلاف الثاني الاختلاف الفكري أو ما يشبه ذلك ، وأن الأول تفرضه ~~طبيعة حركة الفطرة في انفتاح الإنسان على ذاتياته ، بينما ينطلق الثاني PageV04P149 # من البغي الذي يختلف فيه الناس حول الكتاب. # ونلاحظ على ذلك ، أن اختلاف الناس في الواقع في موازين القوة والضعف لم ~~يكن منطلقا من الغريزة العمياء ، بل من القيم المتفق عليها في ما بينهم ، ~~والمفاهيم المزروعة في داخلهم ، الناشئة من الضبابية الفكرية في إيحاءات ~~الفطرة ، ومن التنوع في التجربة الإنسانية في هذا الموقع أو ذاك. فهناك ~~فريق من الناس يتحرك في حياته من ناحية القيمة الأخلاقية القائمة على ~~احترام الإنسان وحقه في الحياة وفي الحصول على النتائج الإيجابية من خلال ~~جهده ، وهناك فريق آخر يرى ضرورة حصول الناس على النتائج الإيجابية أو ~~السلبية بشكل متساو وإن كان جهدهم مختلفا ، وهناك الناس الذين لا يؤمنون ~~بالله أو يشركون بعبادته غيره ، وهناك الناس الذين يلتزمون الخط الإيماني ~~التوحيدي. # وهذا ما لاحظناه في قصة قابيل وهابيل التي سبقت عهد النبوات الكتابية ، ~~التي يمكن أن تكون نبوة نوح هي البداية لها ، وذلك من خلال قوله تعالى : ( ~~@QUR@038 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) [الشورى : 13]. ~~فقد نلاحظ أن هابيل كان يحمل الفكرة الإيمانية المنفتحة على احترام حياة ~~الآخرين وإن أساؤوا إليه في وداعة الروح وسماحة الوجدان ، بينما نجد أن ~~قابيل يمثل الإنسان العدواني الذي لا ينظر إلى الأشياء نظرة متوازنة ، بل ~~ينظر إليها من ناحية ذاته ، لأن القيمة عنده هي قيمة الذات ، فهو لا يريد ~~لأخيه أن يتميز عنه ms0590 ولو كان الأمر بعيدا عن اختياره لارتباطه بالله في ~~تمييزه عن أخيه. # وهذا هو قوله تعالى : ( @QUR@043 واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل ~~الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ~~إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن PageV04P150 # @QUR@045 تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابا يبحث في ~~الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ) [المائدة : 27 31]. # فإننا نستوحي من هذه الآيات أن قابيل وهابيل كانا يعيشان معا المفاهيم ~~الأخلاقية التي تدفعهما إلى احترام الإنسان في كل واحد منهما من قبل الآخر ~~، ولكن قابيل عاش الصدمة القاسية في عدم قبول قربانه الذي لم يكن لأخيه يد ~~فيه ، ولكن الحسد القاتل دفعه إلى البغي على أخيه فقتله بغيا وحسدا ، تماما ~~كما هي المسألة في الذين اختلفوا ( @QUR@07 من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم ) فليس هناك فرق بين الأولين والآخرين في هذه المسألة ، لا سيما إذا ~~عرفنا أن آدم الذي كان في موقع النبوة على الرأي المشهور لا بد من أن يكون ~~قد بلغ أولاده العناوين الكبرى للقيم الروحية الأخلاقية التي تمثل الخط ~~الإلهي الذي يقود إلى رضوانه ويؤدي إلى دخول جنته ، لا سيما بعد التجربة ~~الصعبة التي خاضها مع إبليس في إخراجه من الجنة وإنزاله إلى الأرض ، وإعلان ~~الله له ولزوجه ولإبليس في قوله تعالى : ( @QUR@027 قلنا اهبطوا منها جميعا ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [البقرة : 38 39]. # فإننا نفهم ، من هاتين الآيتين أن الله تحدث لآدم وحواء عن النتائج ~~الإيجابية أو السلبية التي يحصل عليها المؤمنون والكافرون في دخول الجنة ~~للمهتدين ودخول النار للضالين الكافرين ms0591 ، الأمر الذي يوحي بأن آدم قد عاش ~~المسؤولية المنفتحة على البرنامج العملي الذي لا بد من أن يأخذ به في سلوكه ~~المستقبلي في الدنيا مع ذريته ، ومن الطبيعي أن يكون قد تلقى من ربه كلمات ~~وكلمات تحدد له الخط المستقيم حتى لا يعيش التجربة الضائعة من جديد في PageV04P151 # الأرض على الطريقة التي عاشها في الجنة. # وإذا كان الأمر جاريا في هذا المجرى ، فلا بد من أن تكون ذريته قد انفتحت ~~على قيم الخير وقيم الشر ، وخط الإيمان في طريق الاستقامة ، وطريق الكفر في ~~خط الانحراف ؛ فسقط بعضهم كقابيل واستقام بعضهم كهابيل وشيث. ولا بد من أن ~~يكون ذلك قد انعكس على الواقع الاجتماعي المتطور في وجود نظام متحرك محدود ~~في حجم طبيعته المحدودة ، ولكن الفرق بين آدم ومن بعده ، أنه كان رسولا من ~~دون كتاب ، لأن تجربة الواقع من حوله لم تكن بحاجة إلى المزيد من التفاصيل ~~، بينما كان لبعض الأنبياء كتاب لحاجة البشرية في عهده إلى النظام الكبير. # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن الاختلاف الأول كان على الحق في خلافهم حوله ، ~~بينما كان الاختلاف الثاني في فهم الكتاب وتنويع الخطوط من خلاله ، في ~~الوقت الذي كانت فيه مفردات الحياة في البداية والنهاية خاضعة للخطوط التي ~~ينطلق بها الحق في الرسالة الأولى والرسالات التالية ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** مع العلامة الطباطبائي في الاستدلال بالاية على عصمة الأنبياء # جاء في تفسير الميزان في بحث عصمة الأنبياء : «أما العصمة عن الخطأ في ~~تلقي الوحي وتبليغ الرسالة ، فيدل عليه قوله تعالى في الآية : ( @QUR@019 ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا (1) @QUR@019 الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه ) فإنه ظاهر في أن الله سبحانه إنما بعثهم بالتبشير PageV04P152 # والإنذار وإنزال الكتاب وهذا هو الوحي ليبينوا للناس الحق في الاعتقاد ~~والحق في العمل. وبعبارة أخرى ، لهداية الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل ، ~~وهذا هو ms0592 غرضه سبحانه في بعثهم ، وقد قال تعالى : ( @QUR@05 لا يضل ربي ولا ~~ينسى ) [طه : 52] ، فبين أنه لا يضل في فعله ولا يخطئ في شأنه. فإذا أراد ~~شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ ، وإذا سلك بفعل إلى ~~غاية ، فلا يضل في سلوكه ، وكيف لا ، وبيده الخلق والأمر ، وله الملك ~~والحكم ، وقد بعث الأنبياء بالوحي إليهم وتفهيمهم معارف الدين ، وبالرسالة ~~لتبليغها للناس. وقال تعالى أيضا : ( @QUR@010 إن الله بالغ أمره قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا ) [الطلاق : 3] ، وقال أيضا : ( @QUR@04 والله غالب على ~~أمره ) [يوسف : 21]» (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن ما ذكره لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في ~~التبليغ ، فإن هداية الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل ، كما أن الحديث عن ~~«أن الله إذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ وإذا ~~سلك بفعل إلى غاية ، فلا يضل في سلوكه» لا يقتضي إلا أن يصل الوحي إلى ~~الناس لهدايتهم كاملا غير منقوص ، وهذا ما يؤكد وصوله عن طريقه من غير خطأ ~~، ولا ملازمة بين ذلك وبين العصمة ، فإن من الممكن من الناحية التجريدية أن ~~يخطئ النبي في تبليغ آية أو ينساها ، في وقت معين ، ليصحح ذلك ويصوبه بعد ~~ذلك ، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة. وإذا قيل : إن احتمال الخطأ ~~والنسيان إذا كان واردا في الحالة الأولى ، فهو موجود في الحالة الثانية ، ~~مما يؤدي إلى فقدان الأساس الذي يحصل من خلاله الإيمان بواقع الآية في ~~الوحي المنزل ، فلا يصير الإنسان إلى يقين بذلك؟! فإن الجواب هو : من ~~الممكن تقديم القرائن القطعية في الحالة الثانية ، التي تؤدي إلى اليقين ، ~~تماما كما قيل في مسألة سهو النبي ، في رأي الشيخ الصدوق على أساس بعض ~~الروايات التي أوضح النبي فيها القضية من دون لبس بالطريقة التي اقتنع فيها PageV04P153 # الناس بأن المسألة كانت سهوا كأي سهو آخر مما يحدث للناس لو صحت الرواية. # إن قضية الغرض الإلهي في وصول الوحي إلى الناس ، لا يستلزم إلا الوصول في ~~نهاية المطاف من ms0593 غير خطأ ، ولكن لا مانع من حدوث بعض الحالات التي يقع فيها ~~الخطأ ، لا ليستمر ، بل لينقلب إلى صواب تؤكده القرائن القطعية التي توحي ~~بالحقيقة في وجدان الإنسان. ويتابع العلامة الطباطبائي حديثه في العصمة ~~ليشمل في استيحاء هذه الآية مع آية ثانية العصمة عن المعصية في العمل فيقول ~~: «يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضا بأن الفعل دال كالقول ~~عند العقلاء. فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسنا جائزا كما لو قال : ~~إن الفعل الفلاني حسن جائز ، فلو تحققت معصية من النبي وهو يأمر بخلافها ، ~~لكان ذلك تناقضا منه ، فإن فعله يناقض حينئذ قوله ، فيكون حينئذ مبلغا لكلا ~~المتناقضين. وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ للحق ، فإن المخبر بالمتناقضين ~~لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلا للآخر ؛ فعصمة النبي في تبليغ رسالته لا ~~تتم إلا مع عصمته عن المعصية وصونه عن المخالفة كما لا يخفى» (1). # ونلاحظ على ذلك أن ما ذكره من دلالة الفعل على نهج دلالة القول صحيح من ~~ناحية المبدأ وذلك في الحالة العادية الطبيعية للتعبير الإنساني بواسطة ~~النقل ؛ ولكن قد ينطلق الفعل من الإنسان على أساس الواقع العملي الذي قد ~~يتحرك فيه من خلال أوضاعه الشخصية الخاضعة لبعض النزوات الطارئة بفعل ~~الضغوط الداخلية أو الخارجية ، الحسية والمعنوية ، فيتراجع عنها لمصلحة ~~المبدأ الذي كان قد بينه للناس من موقع الوحي أو نحوه ، تماما كما هي ~~الحالة الجارية في سلوك المصلحين والرساليين حتى الأتقياء منهم في PageV04P154 # انحراف خطواتهم العملية عن الخط الرسالي أو الإصلاحي أو التقوائي بشكل ~~طارئ لا يتحول إلى إصرار ، على هدى ما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@012 إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : ~~201]. أو على ما حدثنا الله به عن آدم عليه السلام في معصيته ، ولو كان ذلك ~~على طريقة عصيان الأمر الإرشادي ، ثم توبته بعد ذلك ؛ فإن مثل هذا لا يوحي ~~بالتناقض ، لأن الفعل لم يتحرك في أجواء الدلالة التعبيرية عن الفكرة التي ~~عبر عنها القول ، لأن مقامه ليس ms0594 هذا المقام. وفي هذه الحال ليست هناك طريقة ~~عقلائية في موضوع الدلالة. # إننا نتصور أن هذا الأسلوب الاستدلالي في تقرير العصمة في القول والفعل ~~لا يملك القوة في الاستدلال من خلال المناقشات المذكورة وغيرها ، فلا بد من ~~اللجوء إلى أدلة أخرى قد يكتشف الإنسان فيها أن النبوة حدث غير عادي في ~~معنى الرسالة ، لأنها حركة إلهية في هداية البشرية إلى الله وتغيير الحياة ~~على صورة أخلاق الله ؛ مما يفرض إنسانا يعيش الرسالة في عمقه الروحي ، ~~وتأمله الفكري ، وأخلاقيته العظيمة في صدقه مع ربه ونفسه ومع الناس ، ~~وأمانته في ماله ودينه ومسئوليته وإنسانيته ، بحيث تكون الرسالة التي ~~يحملها منسجمة مع الروح التي يتجسد فيها ، لتكون الرسالة جسدا يتحرك ، ~~ويكون الجسد رسالة تنفتح على الله وعلى الإنسان والحياة في اتجاه التغيير. # إن هذا الدور التغييري ، الذي يستهدف تغيير الإنسان بالكلمة والقدوة ، ~~بحاجة إلى الإنسان الصدمة الذي يصدم الواقع الفاسد بكل قوة ، الأمر الذي ~~ينفتح فيه اللطف الإلهي على إعطاء المزيد من القوة الروحية والأخلاقية ~~والفكرية والعصمة العملية لهذا الإنسان ، سواء أكان ذلك بالطريقة التي يبقى ~~فيها عنصر الاختيار له لسلوك الاتجاه المضاد أم كان بطريقة أخرى ، لا يبقى ~~فيها له ذلك العنصر ، لأن القضية هي حاجة البشرية إليه ، أما قضية الثواب ~~وعلاقتها بالاختيار ، فهي مسألة لا تعقيد فيها ، لأنها في جميع الأحوال PageV04P155 # تفضل من الله ، حتى رأينا البعض يتحدث عن الاستحقاق بالتفضل. # إننا نعتقد أن العصمة ترتبط في طبيعتها بالدور الذي تتمثل فيه النبوة في ~~حركة الإنسان والحياة ، ولذلك لا بد من دراسة الموضوع بطريقة أكثر عمقا مما ~~تداوله علماء الكلام الذي رأينا بعض ملامحه في تفسير الميزان. # * * * PageV04P156 ### ||| * الآية # ( @QUR@030 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب ) (214) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 البأساء ): الشدة والمكروه. قال الراغب : البؤس والبأس ~~والبأساء : الشدة والمكروه ، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر ، والبأس ~~والبأساء في النكاية ms0595 (1). وقال الطبرسي : البأساء نقيض النعماء ، والضراء ~~نقيض السراء (2). # ( @QUR@01 والضراء ): يقابل السراء والنعماء ، والضر يقابل النفع ، وهو ~~سوء الحال إما في النفس أو البدن أو حالة ظاهرة في قلة حال أو جاه. قال ~~العلامة الطباطبائي ، في الفرق بين البأساء والضراء : البأساء هو الشدة ~~المتوجهة إلى PageV04P157 # الإنسان في خارج نفسه كالمال والجاه والأهل والأمن الذي يحتاج إليه في ~~حياته ، والضراء هي الشدة التي تصيب الإنسان في نفسه كالجرح والقتل والمرض (1). # وقال بعضهم : إن البأساء هي البؤس الثابت من داخله ، من الشدائد في العيش ~~والابتلاءات النفسانية ، والضراء : الحادثة من الخارج. # ( @QUR@01 وزلزلوا ): حركوا وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة بما ~~أصابهم من الأهوال. وأصل الزلزلة : من زل ، كررت اللفظة للدلالة على ~~التكرار. # * * * ### ||| ** الجنة لا تنال بالاسترخاء أو بالتمنيات # هذه الآية من آيات الدعوة الموجهة إلى العاملين في سبيل الله ، الذين قد ~~تضغط عليهم تحديات الكفر والانحراف ، فيتراجعون ، أو ينهزمون ، أو يضعفون ~~أمامها ، أو يسقطون تحت عوامل اليأس. وربما كان جو الآية يوحي بأن شيئا من ~~هذا القبيل قد حدث لبعض المسلمين الأولين في صدر الدعوة ، أو في ما بعد ذلك ~~في الأجواء التي كان يخوض فيها الإسلام معركته المسلحة مع الشرك ، فربما ~~يكون قد صدر من بعض المسلمين ضعف أو تذمر ، وربما كانوا يفكرون بإمكانية ~~الحصول على الجنة من خلال الأعمال الخفيفة التي تدخل في نطاق العبادات أو ~~ما أشبهها ، مما لا يكلف الإنسان تضحية كبيرة في النفس والمال ... فكانت ~~هذه الآية توجيها حاسما يضع القضية في نطاقها الطبيعي من حركة العقيدة في ~~الحياة ، فإن الجنة لا تنال بالتمنيات ، ولا تعطى بحالات الاسترخاء ~~الإيماني الذي يعيش أحلام الجنة من دون أن يعمل لها ، PageV04P158 # وإن الانتصارات في ساحة التحدي لا بد من أن تنطلق من السنن الطبيعية ~~لحركة الصراع الإنساني في قضايا النصر والهزيمة ، ومن الشروط الموضوعية ~~للنتائج الإيجابية في هذه الأمور ، ليتعرفوا أن مجرد الانتماء إلى الإسلام ~~الذي هو دين الله لا يكفي في تحقيق النصر لهم ما لم يأخذوا بأسباب النصر ~~التي يفتح الله ms0596 من خلالها ألطافه ، فلا يمكن أن يكونوا استثناء من سنن الله ~~الثابتة في الكون. # ولكن الجنة تنال بالمواقف الصعبة التي يواجه فيها المؤمن القوي الطاغية. ~~وقد جاءت هذه الآية لتعبر للمسلمين عن هذه الفكرة ، من خلال المثل التاريخي ~~للرسالات السابقة التي عاش فيها المؤمنون الأولون مع أنبيائهم التحديات ~~الصعبة ، التي جعلتهم يواجهون حالة الزلزال النفسي والروحي ، وربما الزلزال ~~الفكري ، من خلال صعوبة ما واجهوه من مشاكل وتحديات ؛ فقد ( @QUR@03 مستهم ~~البأساء والضراء ) مست أنفسهم وأموالهم ومصالحهم العامة والخاصة ، وحاولت ~~مجتمعات الكفر لديهم أن تضعفهم وتقهرهم ، فاستخدمت كل الأساليب التعسفية في ~~مجال القهر الجسدي والروحي والفكري حتى تهز قناعاتهم ، وتحطم مواقفهم ، ~~وترجعهم إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الإيمان .. # وكان الزلزال ، فقد بدأ الرسول والذين آمنوا معه يتساءلون : ( @QUR@03 ~~متى نصر الله ) فقد وعدنا الله بالنصر على قوى الكفر. ولم يكن هذا التساؤل ~~منطلقا من حالة شك في وعد الله ، بل الظاهر أنه منطلق من حالة استعجال له ~~وترقب لتنفيذه ، وتساؤل عن موعده بعد أن أصبح الموقف شبه يائس من الوجهة ~~الواقعية. فالكفر في موقع القوة المتنامية المتصاعدة ، والإيمان في موقع ~~الضعف المستمر المتزايد ، والأوضاع المحيطة بالواقع لا تبعث على التفاؤل ~~الكبير ، فلم يبق لهم إلا الغيب المودع عند الله. ومن خلال ذلك ، نفهم أن ~~الزلزال يتحرك من طبيعة الظروف التي تتحفز لتثير في النفس الشعور السلبي PageV04P159 # الخائف الفزع ، لا من ضعف الإيمان. ولذلك لم يعاتبهم الله على ذلك ، ولم ~~ينقص من قدرهم. بل ربما نستوحي من الآية أنها تؤكد على القيمة الإيمانية ~~لموقفهم الجهادي الصعب الذي جعلهم في موقع الزلزال الداخلي ، ولذا وعدهم ~~الله بالنصر القريب كدلالة على سلامة عملهم وتقييم جهادهم. # ( @QUR@02 أم حسبتم ) هل ظننتم أيها المسلمون ، الذين تتحركون في دروب ~~الدعوة ، وتعيشون أمام ساحات التحدي والاستفهام استنكاري أو تعجبي ( ~~@QUR@03 أن تدخلوا الجنة ) التي تتمنونها كهدف لكل نشاطاتكم وحركتكم في ~~الحياة ، لتكون النهاية السعيدة للمصير الذي ينتظره الجميع؟! ولكن هل تنال ~~الجنة بالتمنيات ، والأحلام الطائرة في الهواء ، الغارقة في الضباب أو ms0597 ~~بالاسترخاء الذاتي الذي يبتعد فيه الإنسان عن أي جهد فكري أو جسدي ، مما ~~يتحرك فيه الناس لتحقيق الأهداف الكبرى في الحياة ، أو بالأعمال العبادية ~~التقليدية التي لا تحمل أية حرارة روحية ، وأي ابتهال نفسي ، وأي انفتاح ~~على الله في الأفق الممتد في اللانهاية من أجل القرب منه في رحاب القدس ~~والرضوان ، ولا تكلف أي جهد أو أية خسارة من مزاج الإنسان وطريقته في ~~الحياة؟!. # إن الآية تختزن الرفض لذلك ، والاستنكار أو التعجب من هذا اللون من ~~التفكير ، أو الفهم لمسألة الجنة في علاقتها بحركة الإنسان في الدنيا ، لأن ~~الجنة كما جاء في الحديث محفوفة بالمكاره والصبر (1)، مما يجعلها نتيجة ~~للحركة المتنوعة الخطوات ، المتعددة الأبعاد ، القاسية في آلامها ، الشديدة ~~في أحزانها ، الضاغطة في زلزالها ، الهائلة في مخاوفها ، بحيث يعيش الإنسان ~~في توتر دائم من خلال التحديات الصعبة في ساحة الصراع بما يعانيه من خطورة ~~الجهاد النفسي والعسكري ونحوه ، بحيث يكون إنسان الجهاد والتحدي والصراع ~~الذي يفتح الحياة على آفاق النصر ، فلا مجال لكم أيها PageV04P160 # المسلمون أن تتحدثوا عن دخول الجنة قبل أن تعرفوا الثمن الكبير لها. # ( @QUR@07 ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) من أتباع الرسالات الذين ~~واجهوا الكافرين بكل قوة ، وحاربوا المستكبرين بكل ثبات ، فكانت النتيجة ~~الصعبة أنهم ( @QUR@03 مستهم البأساء والضراء )، وواجهتهم المشاكل الصعبة ~~، والآلام الحادة ، والأوضاع القاسية في أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، ~~وأحوالهم العامة والخاصة ، ومواقعهم الصغيرة والكبيرة ... ( @QUR@01 ~~وزلزلوا ) ففقدوا الثبات في مواقفهم وأوضاعهم ، بحيث عاشوا الزلزال النفسي ~~الذي ينطلق من حالة نفسية صعبة تثير القلق في الداخل لا شعوريا ، وتصنع ~~الزلزال الشعوري من دون اختيار. # وبدأ اليأس يدب في النفوس ، والخوف يزحف إلى القلوب حتى في مستوى القاعدة ~~والقمة : ( @QUR@06 حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ) أمام هذا الزلزال ~~النفسي الذي لم يتحول إلى زلزال فكري لأن الرسالة في وعي الرسول ، والإيمان ~~في وجدان المؤمنين ، لا يزالان منفتحين على الله ؛ ولكن طول الأمد وقسوة ~~البلاء أطلقا الصرخة التي تستعجل النتائج وتترقب النصر : ( @QUR@03 متى نصر ~~الله )؟ في سؤال ابتهالي يتطلع فيه ms0598 الرسول والمؤمنون إلى الله في عالم ~~الغيب الذي لا يدركون تفاصيله ، ويأتي الجواب في إحساسهم أو في وحي الله : ~~( @QUR@05 ألا إن نصر الله قريب ) ولكن هناك شروطا موضوعية ، وسننا تاريخية ~~، وقوانين اجتماعية مما أودعه الله في نظام حركة المجتمعات الإنسانية ... ~~لا بد من توفرها في فعلية النصر الذي بدأت ملامحه تقترب من الواقع كله. # وهكذا ينبغي لكم أيها المسلمون أن تواجهوا الموقف على مستوى الصبر في ~~الواقع الصعب والأمل بنصر الله في المستقبل القريب. # * * * PageV04P161 ### ||| ** وقفة أمام مفهوم النصر القريب # وقد نحتاج إلى أن نقف بعض الوقفات أمام مفهوم النصر القريب الذي تتحدث ~~عنه الآية ، هل هو النصر الكامل الذي يستقطب كل جوانب الموقف ، أو هو النصر ~~الذي تسمح به الظروف الموضوعية المتوفرة في الساحة ، ولو كان ذلك في مستوى ~~المرحلة؟! قد لا نستطيع استيحاء المعنى الدقيق لذلك من الآية نفسها ، لأننا ~~لا نعرف طبيعة النصر الذي كان ينشده الرسول والمؤمنون ، هل هو نصر الغلبة ~~ليتمثل في هزيمة الكافرين أمام المؤمنين في موقع الصراع بين قوة الكفر وقوة ~~الإيمان ؛ أو هو النصر بإنزال العذاب على الكافرين ليتمثل في زوالهم عن ~~الساحة بواسطة العذاب المتنزل عليهم من الله؟! وربما كان المعنى الثاني هو ~~الأقرب ، لأن ذلك هو شأن الأمم التي كانت تكفر بالله ، وتتحدى رسله ، وتسخر ~~برسالاته ، وتتنكر لها ، فيرسل الله عليها العذاب في نهاية الأمر ، كما ~~فعله في قوم صالح وهود ولوط وشعيب عليهم السلام وغيرهم ، وبذلك يكون النصر ~~قائما على أساس الانتقام من القوم الكافرين. وهناك عدة شواهد على إطلاق ~~كلمة النصر على حالة العذاب الذي ينزله الله على الكافرين انتصارا لمن كذب ~~من الأنبياء. وفي ضوء ذلك ، يكون المراد من قرب النصر ، القرب الزماني الذي ~~طال انتظاره عليهم. # وربما يكون النصر المراد نصر الغلبة ، لما قد توحيه من وجود قوة متحفزة ~~للصراع ، في ما توحيه كلمة : ( @QUR@04 الرسول والذين آمنوا معه )، وفي ~~هذه الحال يمكن أن يكون القرب في النصر خاضعا للجانب المرحلي في نطاق النصر ~~الجزئي ، الذي قد يتمثل ms0599 في زيادة قوة المؤمنين من خلال الفئات التي تدخل في ~~الإيمان ، أو في هزيمة بعض المواقع القوية للكافرين أمام المؤمنين ، أو في ~~غير ذلك من الموارد. وليس من الضروري أن يكون النصر حاسما كليا ، PageV04P162 # لأن الظاهر أن الموقف كان جامدا في مواقعه الأولى في جانب المؤمنين ، حتى ~~انتهى إلى حالة الاستغاثة اليائسة أو القريبة من اليأس ، بحيث كانت القضية ~~هي أن يتحرك الموقف إلى ساحل الأمل. أما حدود ذلك ، فهي الظروف الموضوعية ~~المحيطة بالقضية في حركة الواقع في ما يتوفر من أدوات النصر من المكان ~~والزمان والأشخاص والأوضاع العامة القادمة من الواقع الإنساني العام ... # وهذا ما ينبغي لنا أن نستوحيه في ما ننتظره من النصر في مواقعنا المتحركة ~~للعمل الإسلامي ، فقد نشعر في بعض المراحل بالجمود المسيطر على الساحة من ~~خلال الضغوط التي تتوالى على الساحة ، ومن خلال الضعف الذي تخضع له الطاقات ~~الفاعلة ، مما قد يوحي باليأس أو بما يشبه اليأس ... ويتطلع العاملون إلى ~~المستقبل يستشرفون فيه بعض بوادر الأمل ، ويبتهل المبتهلون إلى الله يطلبون ~~منه أن يحقق لهم النصر ، ثم تلوح في الأفق بارقة أمل تجرح حاجز الظلام ، ~~وذلك بانطلاق بعض الخطوات المتقدمة إلى الأمام ، وبانتقال بعض الفئات من ~~جانب الكفر إلى جانب الإيمان ، أو بالحصول على مواقع جديدة في نطاق الزمان ~~والمكان والظروف الخاصة والعامة ... ويجد بعض العاملين أن الموقف لا يزال ~~بعيدا عن النصر وإن حصل على بعض جوانبه ويجد البعض الآخر أن الموقف موقف ~~نصر ، ولكنه النصر المتحرك الذي يأخذ من كل مرحلة قوة جديدة للمرحلة ~~الأخرى. ويرى هذا البعض أن قضية النصر في الدعوة تختلف عن قضية النصر في ~~الموارد الأخرى ، لأن قضية الدعوة تتناول داخل الإنسان في فكره وشعوره ، ~~كما تتناول الجانب الخارجي من حياته ؛ ولذا فإنها قضية متحركة في أكثر من ~~اتجاه تبعا للحركة المتنوعة التي تتمثل في كيان الإنسان ، مما يقتضينا ~~السير في هذا المجال خطوة خطوة ، على النهج الذي سار عليه الأنبياء في ~~دعوتهم وجهادهم ... # وفي ضوء ذلك ، تتحول المواقف ms0600 المتقدمة إلى انتصارات ، ويتمثل PageV04P163 # قرب النصر في قرب انفتاح الطريق على خطوات النصر ولو كان الطريق طويلا. ~~أما قضية النصر في الموارد الأخرى ، فإنها قد تمثل الحسم في ما تتمثل فيه ~~المواقع الذاتية في أرض نستولي عليها ، أو في موقف نتحكم فيه ، أو في شخص ~~نهزمه ، أو في غير ذلك من الأمور التي تتجمد في حدود الزمان والمكان. # ولعل هذا التفكير هو الأقرب في ما تحتاجه حركة العمل الإسلامي الآن ، فإن ~~التخطيط الدقيق يفرض علينا انتظار الهدف البعيد من خلال الوسائل العملية ~~الحاضرة الموجودة في أيدينا الآن والتي نحاول تحريكها من أجل صنع أدوات ~~جديدة للمستقبل في شعور عميق بالانتصارات المتلاحقة في كل مرحلة من مراحل ~~الطريق ، وفي وعي كبير للحاجة إلى التوقف بعض الوقت في بعض المراحل من أجل ~~استجماع قوة مشتتة ، أو تقوية طاقة ضعيفة ، أو انتظار طاقة قادمة ، من دون ~~أي شعور سلبي بالهزيمة النفسية ، حتى في حالة الوقوع تحت ضغط الهزيمة في ~~مرحلة معينة. # إن الإيحاء الدائم بأن أية خطوة متقدمة تمثل نصرا جديدا في حجم تلك ~~الخطوة ، يملأ العاملين بالمشاعر الإيجابية القوية المتعاملة مع المستقبل ~~دائما. وذلك هو سبيل الدعوة المتطلعة دائما إلى الله في شعور عميق بالإيمان ~~، بأن ( @QUR@07 الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) [الأعراف : 128]. ~~وذلك ما نستوحيه من النداء الإلهي : ( @QUR@05 ألا إن نصر الله قريب ) ~~بعيدا عما قد يستفيد البعض من القرب الزماني للنصر على مستوى الهدف الكبير ~~، ومنسجما مع طبيعة العمل من القرب الزماني للنصر على مستوى المرحلة ~~المتحركة في اتجاه هذا الهدف على أسس واقعية موضوعية حاسمة. # وقد يكون من الضروري أن نتوقف طويلا أمام هذه الآية ، لنعرف أنها تريد أن ~~تهز حركتنا في اتجاه الصبر الإيماني الإيجابي والصمود القوي أمام صعوبة ~~التحدي ، لتعرفنا بأن علينا أن نصبر كما صبروا ، ونتحرك كما تحركوا ، PageV04P164 # ونتطلع إلى الله في وعي بأنه سيمنحنا النصر إن عاجلا أو آجلا من خلال ~~مواقعنا القادمة إلى خط النصر وأنه ولي النصر ، أولا وأخيرا ، فنحصل على ~~الجنة ms0601 كما حصلوا عليها في أجواء لطفه ورضوانه. # وعلى هدي ذلك ، يمكننا أن نثير الآية في حياتنا ، عند ما نتطلع إلى ~~المسلمين الأولين في صدر الدعوة الإسلامية عند ما ( @QUR@04 مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا ) في أكثر من موقف ، لا سيما في ما حدثنا عنه القرآن في ~~سورة الأحزاب : ( @QUR@019 هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) ~~[الأحزاب : 11 12] ولكنهم انتصروا على كل نقاط الضعف ( @QUR@05 وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا ) [الأنعام : 115] ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح ) ~~[النصر : 1] في نهاية المطاف. # قد يكون من الضروري أن نثيرها في حياتنا وإن لم تكن نازلة فيهم ، لأنها ~~توحي بذلك من خلال الفكرة التي تعتبر المناسبة القرآنية في النزول نموذجا ~~للفكرة وليست جامدة في نطاق الزمان والمكان والأشخاص. ولهذا فإنها تجري ~~مجرى الليل والنهار في حركة دائمة واستيعاب شامل. # إن علينا أن نشعر دائما بالحقيقة الإسلامية التالية : وهي أن الإيمان ~~والإسلام يمثلان خطا واحدا يحكم الحياة في بداياتها ونهاياتها على أساس ~~خصوصيات المراحل الواقعة على منازل الطريق ، وأن المؤمنين الآن يمثلون ~~الامتداد للمؤمنين في الماضي ، بما يواجهونه من تحديات وعقبات ومتاعب ، وما ~~يتحملونه من البأساء والضراء ، وما يتجهون إليه من أهداف ، فهم يتألمون في ~~المواقع التي تألم فيها الأولون ، ويجاهدون في المجالات التي جاهدوا فيها ، ~~ويتحملون قسوة الضغوط بالمستوى الذي تحمله أولئك ، ليظل التاريخ في حركة ~~دائمة يدفع فيها الماضي القضية إلى الحاضر ، ويقودها الحاضر بكل أمانة نحو ~~المستقبل ، في جهاد وإيمان ، وصبر ، ونداء دائم يقاوم كل نوازع الزلزال ~~النفسي في داخل المسيرة : ( @QUR@08 ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على PageV04P165 # @QUR@022 الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) [البقرة : 286] ~~ليجيء الجواب الحاسم من قبل الله ، فيزرع الأمل في النفوس ، ويحيي القوة في ~~المواقف : ( @QUR@05 ألا إن نصر الله قريب ). # * * * PageV04P166 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى ms0602 والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم ) (215) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يسئلونك ): السؤال : طلب الجواب بصيغة مخصوصة من الكلام. # ( @QUR@01 ينفقون ): النفقة : إخراج الشيء من الملك ببيع أو هبة أو صلة ~~ونحو ذلك ، وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال من عين أو ورق. # ( @QUR@01 فللوالدين ): الأب والأم ، والجد والجدة وإن علوا. # ( @QUR@01 والأقربين ): أرحام المعطي. # ( @QUR@01 واليتامى ): اليتيم : كل من لا أب له مع صغره. PageV04P167 # ( @QUR@02 وابن السبيل ): المنقطع به في السفر. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور للسيوطي عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا ~~من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى ~~قبض ، كلهن في القرآن ، منهن : ( @QUR@04 يسئلونك عن الخمر والميسر ) ~~[البقرة : 219] ، و ( @QUR@04 يسئلونك عن الشهر الحرام ) [البقرة : 217] ، ~~و ( @QUR@03 ويسئلونك عن اليتامى ) [البقرة : 220] و ( @QUR@03 ويسئلونك عن ~~المحيض ) [البقرة : 222] ، و ( @QUR@03 يسئلونك عن الأنفال ) [الأنفال : 1] ~~، و ( @QUR@04 ويسئلونك ما ذا ينفقون ) [البقرة : 219] ، ما كانوا يسألون ~~إلا عما كان ينفعهم (1). # ونلاحظ في هذه الرواية ، أولا : أن ابن عباس يؤكد على تحديد الأسئلة ~~بالثلاثة عشر سؤالا ، فلم يسألوا عن شيء آخر غيرها ، وهو أمر يثير الغرابة ~~باعتبار أن طبيعة القضايا التي طرحتها الدعوة الإسلامية ونوعية التحديات ~~التي أطلقتها في الواقع ، والمشاكل التي أثارتها ، لا بد من أن تثير علامات ~~استفهام كثيرة تتصل بالعقيدة والتشريع والحرب والسلم ونحو ذلك من الأمور ~~الخاصة والعامة ، هذا بالإضافة إلى أن الآخرين من المشركين واليهود كانوا ~~يثيرون أكثر من مسألة حول أكثر القضايا ، مما ينعكس على تصور المسلمين ~~للإسلام في مفاهيمه ، كما أن الذين يدخلون في الإسلام لا بد من أن يحملوا ~~في ذهنيتهم أكثر من علامة استفهام في الدين الجديد الذي دخلوا فيه. # وثانيا : إن رواية ابن عباس توحي بالذهنية الواقعية الجدية في الأسئلة PageV04P168 # التي يثيرونها أمام القضايا التي يجهلون تفاصيلها ، أو تقع مثارا للجدل ~~بين الناس ، فلا يسألون عن الأمور التجريدية التي لا علاقة لها بالعقيدة أو ~~بالعمل ، لأنها لا تنفعهم في حياتهم الدنيوية والأخروية ms0603 ، بل يسألون عما ~~ينفعهم في ما يعتقدون أو ما يعملون ؛ حتى يكون للأفكار الجديدة في الأجوبة ~~دور فاعل في إغناء التجربة الثقافية التي تبني لهم شخصيتهم الإسلامية ~~الإنسانية ، وتركزها على قاعدة ثابتة من حقائق الدين والحياة. # وجاء في الدر المنثور عن ابن المنذر عن ابن حبان ، قال : «إن عمرا بن ~~الجموح سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ ~~فنزلت : ( @QUR@04 ويسئلونك ما ذا ينفقون ) الآية. فهذا مواضع نفقة ~~أموالكم» (1). # ونلاحظ أن الرواية ضعيفة كما جاء في تفسير الميزان وأنها لا تنطبق على ~~الآية ، حيث لم يوضع فيها إلا السؤال عما يتصدق به دون من يتصدق عليه (2). # وقد جاء في الدر المنثور أيضا ، الرواية عن ابن جرير ؛ وابن المنذر عن ~~ابن جريج قال : «سأل المؤمنون رسول الله أين يضعون أموالهم؟ فنزلت : ( ~~@QUR@09 يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ) الآية فذلك النفقة في ~~التطوع ، والزكاة سوى ذلك كله» (3). # ونظيرها ، كما جاء في الميزان ، ما رواه عن السدي ، قال : يوم نزلت هذه ~~الآية لم يكن زكاة ، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله ، والصدقة يتصدق بها ~~، فنسختها الزكاة» (4). PageV04P169 # ولكن هذا الاتجاه في الروايتين يوحي بوجود منافاة بين آية الصدقة وهذه ~~الآية وآية الزكاة حتى تكون آية الزكاة ناسخة لها ، أو شيئا آخر يختلف عنها ~~، بينما نجد أن المسألة تمثل تنوعا يكتفي فيه الإنفاق بالصدقة والزكاة معا ~~في مسألة العطاء الإنساني كقيمة أخلاقية في وحي الله. # وفي ضوء ذلك كله ، نجد في هذه النماذج المتعددة في تحديد المناسبة التي ~~نزلت هذه الآية فيها ، تأكيدا على أن أسباب النزول كانت تمثل لونا من ألوان ~~الاجتهاد الذاتي ، الذي يستوحيه هذا الراوي أو ذاك ليحوله إلى رواية عن ~~الواقع القرآني في زمن الدعوة ، مما يجعلنا لا نجد في الكثير من روايات ~~أسباب النزول منطلقا للفهم القرآني في الاستيحاء والتفسير. # * * * ### ||| ** السؤال باب للمعرفة والعمل # كان المسلمون يسألون النبي عن بعض القضايا التي تشغل تفكيرهم في تفاصيل ~~بعض الواجبات أو المحرمات ، وكانت في غالبها ms0604 كما ينقل عن ابن عباس خفيفة لا ~~تعقيد فيها ، عملية لا ترف فيها ولا تكلف ، انطلاقا من شعورهم بأن دور ~~السؤال هو أن يحل للإنسان مشكلة يواجهها في حياته العقيدية أو العملية. ~~فإذا لم تكن هناك مشكلة مطروحة في ساحة اهتماماته الطبيعية ، فلا معنى لأن ~~يبادر بالسؤال الذي يتحول إلى تكلف لا فائدة فيه ، وعبث لا معنى له ، ~~وإضاعة لوقت السائل والمسؤول في ما لا جدوى منه ... # وهكذا نفهم الدور المطلوب للسؤال في الإسلام ، أن يكون نافذة فكرية تطل ~~على ما ينبغي للإنسان معرفته من شؤون الكون والحياة في ما يتعلق بأمر ~~الدنيا والآخرة. وهذا ما نستوحيه من الحديث القرآني عن الأسئلة التي لا يريد PageV04P170 # الله للإنسان أن يخوض فيها لأنها لا تتصل بالمعرفة المرتبطة بالمسؤولية ، ~~فلا تضيف للإنسان جديدا في حياته كقوله تعالى : ( @QUR@017 يسئلونك عن ~~الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من ~~يخشاها ) [النازعات : 42 45]. فقد أغلق القرآن باب السؤال عن توقيت يوم ~~القيامة ، لأنه لا يعود بفائدة عقيدية أو عملية ، لأن من واجب الإنسان ~~الاستعداد لها بعيدا عن أي توقيت معين من خلال مسئوليته أمام الله ، كما أن ~~مهمة النبي هي الحديث عما يحدث فيها لا عن وقتها الذي قد لا يكون محيطا ~~بعلمه ، كما توحي به بعض الآيات التي تقول : ( @QUR@037 يسئلونك عن الساعة ~~أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في ~~السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها ~~عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [الأعراف : 187] ونلاحظ ذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم ) [المائدة : 101] # وفي بعض الأحاديث التي تقول : «سل تفقها ولا تسل تعنتا» (1). وفي الجانب ~~المقابل ، نجد أمامنا قول الله تعالى : ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون ) [النحل : 43]. # وهكذا نستوحي الدور الإسلامي للسؤال الذي يجب أن يكون نافذة للمعرفة ~~المتصلة بالعقيدة والعمل والحياة. # وكان النبي يستجيب ms0605 لكل ما يوجه إليه من أسئلة ، فلم يكن ليضيق في الرد عن ~~أي سؤال مما يريد المسلمون معرفته ، لأنه يشعر أن مهمته الأساسية هي أن ~~يعلم الناس الكتاب والحكمة في ما يجهلونه من شؤونهما المتصلة بحياتهم. ~~ولكنه كان دقيقا في الإجابة من موقع رسالته ، فيختار الجواب الذي يتناسب مع ~~حاجاتهم ، وإن كان بعيدا عن النص الحرفي للسؤال ، لأن دوره هو دور الموجه ~~للسائل ؛ فيوحي له من خلال الجواب بما ينبغي له أن يسأل PageV04P171 # عنه ، لا بما يحب أن يعرفه. وهذا ما نستشعره من الجواب النبوي الذي علمه ~~الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه أجاب عمن يلزمهم الإنفاق عليهم من ~~الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ، بدلا من الجواب عما ~~سألوا عنه مما يلزمهم الإنفاق منه من أنواع الطعام ، فقد نلاحظ أنه مر بها ~~مرورا خاطفا ، ولم يتوقف عند التفاصيل ، فقد يكون الأساس في ذلك هو الإيحاء ~~إليهم بأن نوع الطعام الذي يقدم ليس مشكلة تبحث عن حل ، باعتبار أنه لا ~~يقدم ولا يؤخر شيئا في هذا المجال ما دام خيرا ونافعا ، بل القضية هي نوعية ~~الناس الذين يتصدق عليهم ، من حيث علاقاتهم القريبة به التي تجعل من صلته ~~لهم صلة رحم ، ومن حيث حاجتهم التي تجعل من صلتهم إنفاقا في حل المشكلة ~~الاجتماعية ؛ فإذا خلا الأمر عن هذين النحوين ، أصبح شيئا لا معنى له أو لا ~~منفعة له. ولذا كان التركيز الكبير على ذلك باعتبار أنه هو الخير ، لأن كون ~~الإنفاق خيرا لا يتصل بطبيعة المال الذي ينفقه ، بل يتصل بطبيعة الحالة أو ~~المشكلة التي عالجها ، والإنسان الذي أعانه .. # ثم انطلقت الآية في أسلوب تشجيعي للخير القائم على الإنفاق في موارده ~~التي يحبها الله ، لتقرر الحقيقة الإلهية في قوله تعالى : ( @QUR@08 وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) [البقرة : 273] ، الأمر الذي يوحي إلينا ~~بالاندفاع في هذا الاتجاه ، لأنه لا يضيع عند الله الذي يعلم ما نعمل بكل ~~دوافعه ونتائجه الخيرة. # * * * ### ||| ** من هو الأولى بالإنفاق؟ # ( @QUR@01 يسئلونك ) يا محمد في ms0606 حركة المعرفة التفصيلية في وجدان ~~المسلمين الذين اتبعوك وتابعوا معك الوحي الإلهي في العقيدة والشريعة ~~والحياة ، وواجهوا من خلال ذلك أكثر من علامة استفهام حول هذا PageV04P172 # الموضوع ، أو هذه القضية ، أو ذاك الواقع ، ليحصلوا على الطمأنينة ~~الفكرية الوجدانية أمام الأسئلة الكثيرة عندهم ، ( @QUR@03 ما ذا ينفقون ) ~~من أنواع الأموال التي يملكونها في حياتهم من ألوان الطعام والشراب ~~والألبسة والنقود وغيرها؟ هل هناك شيء معين يلتزمونه في إنفاقاتهم؟ وهل ~~هناك فريضة محددة في نوعية خاصة منها؟ لأنهم يريدون أن تكون التزاماتهم ~~العملية حتى في العطاء خاضعة لتعليماتك الرسالية التي تمتد إلى كل شؤون ~~الإنسان في الواقع. ( @QUR@01 قل ) لهم يا محمد جوابا عن هذا السؤال الذي ~~لا يختزن في داخله أية أهمية في المفهوم الإنساني لقضية العطاء ، إنه من ~~الطبيعي أن ينفق الناس مما لديهم من الأموال التي تمثل حاجات الناس ~~المتنوعة ، ليكون الإنفاق على كل شخص بما يحتاجه في حياته الخاصة بالطريقة ~~المألوفة في هذا السلوك الإنساني الذي يتصل بالآخرين ، إلا أن الأهمية ~~لتحديد الناس الذين نعطيهم من خلال تحديد الأولويات في الإنفاق ، لأننا لا ~~نملك الإنفاق على كل الناس ، فهناك الناس الذين لا يجدون أية فرصة للحياة ~~الكريمة وتأمين ما يحتاجونه من الطعام والشراب واللباس والمسكن وغيرها ، ~~لأن أبواب الحياة أغلقت عليهم ، ولأن الطرق التي يتحركون عليها إلى حاجاتهم ~~سدت في وجوههم ؛ وهكذا عاشوا في حصار الظروف القاسية الخانقة التي منعتهم ~~من أن يتنفسوا الهواء الطلق الذي يكفل لهم استمرار الحياة فالسؤال ينبغي أن ~~يكون عمن هو الأولى بالإنفاق بين الناس ، ولذلك كانت الحكمة الإلهية توحي ~~إليك بالجواب عن السؤال الذي ينبغي لهم أن يسألوه ، لا عما سألوه. # ( @QUR@04 ما أنفقتم من خير ) من المال الذي تملكه وتعطيه ، ليتحول إلى ~~خير للناس لأنه يلبي لهم حاجاتهم ، ويحقق لهم مشتهياتهم ، ويبلغ بهم ~~أهدافهم من أي نوع من هذه الأنواع التي تمثل حاجة الناس باعتبار أن الخير ~~هو عنوان العطاء في دلالاته الروحية المنفتحة على إنسانيته القيمة في خط ~~التكافل الاجتماعي لرعاية الحالات الصعبة ms0607 أو المتصلة بالعاطفة الإنسانية. PageV04P173 # وهذا ما تؤكده الفقرة التالية في الآية حيث الدعوة إليه كعنوان لا بد ~~للناس من أن يحركوه في قضية الإنفاق ، ف ( @QUR@05 ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين ) اللذين هما سر حياة الإنسان في وجوده الحي ، مما يفرض عليه ~~الاهتمام بهما ورعايتهما في شيخوختهما ومرضهما وتعبهما ، والإحسان إليهما ~~في كل أوضاعهما في الحياة كبادرة عرفان الجميل لما قاما به ، على هدى ما ~~جاء في قوله تعالى ، في إثارة ذكريات الطفولة الأولى في وجدان الإنسان في ~~شبابه عند ما يتذكر ذلك كله : ( @QUR@025 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ~~ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ) [الإسراء : 23]. # ( @QUR@01 والأقربين ) من أرحامكم الذين يتصل نسبكم بنسبهم ، وتجري في ~~عروقكم دماؤهم ، أو تجري دماؤكم في عروقهم ؛ هؤلاء الذين يمثلون المجتمع ~~الأول الذي ترتبطون به من الداخل في حركة الوجود ، مما يجعل منه الخلية ~~الاجتماعية الأولى التي تمنحكم الكثير من عناصر شخصيتكم وملامحها الداخلية ~~والخارجية ، وهذا ما أكد الله فيه شريعته في اعتبار صلة الرحم قيمة أخلاقية ~~إيجابية ، وقطيعة الرحم قيمة سلبية ، لأن ذلك يوثق الرابطة الاجتماعية ~~الإنسانية الأقرب في الواقع الإنساني بما يؤهل المجتمع لتوثيق الروابط ~~الأخرى. # ( @QUR@01 واليتامى ) الذين فقدوا الآباء في طفولتهم ، فلا يجدون الإنسان ~~الذي يرعاهم ويحضنهم ويمنحهم الحب والحنان ، ويضمهم إلى صدره ، ويفتح لهم ~~روحه ، فيشبع جوعهم ويروي ظمأهم ويكسو عريهم ، بما يجعل من الإنفاق عليهم ~~تحصينا للمجتمع من ضياع الفئة الضعيفة فيه في متاهات الحياة ، لتستند إلى ~~قوة المجتمع في مسئوليته المجتمعية بعد أن فقدت قوة الأب أو الأم ، فيمنحها ~~الثقة بالذات وبالحياة. # ( @QUR@01 والمساكين ) الذين ضاقت بهم سبل الحياة ، فلم يحصلوا على العيش PageV04P174 # الكريم من خلال الظروف القاسية التي مرت بهم ، والضغوط الصعبة التي أطبقت ~~عليهم ، والأوضاع المعقدة المتحركة في داخل حياتهم ، الأمر الذي يجعل من ~~الإنفاق عليهم إيجاد حالة من التوازن الاجتماعي وتحقيق نوع من التكافل ~~الإنساني بما يحقق للمجتمع الظروف الطبيعية في سلامته واستقامته وقوته ms0608 ، ~~بدلا من الاهتزاز الواقعي الناشئ من اختلال الأوضاع الاقتصادية للناس بين ~~إنسان يموت من التخمة وآخر يموت من الجوع. # ( @QUR@02 وابن السبيل ) الذي انقطع به الطريق ، فلم يكن معه مال يستخدمه ~~لقضاء حاجات السفر ، ولم تكن له فرصة في الحصول عليه بأية طريقة ؛ الأمر ~~الذي يفرض على الواقع الإسلامي أن يجد له حلا في إدخاله في دائرة الكفالة ~~الاجتماعية في الحياة العامة. # ( @QUR@04 وما تفعلوا من خير ) مما يمثله فعل الخير من انفتاح الإنسان في ~~حياته على تفجير طاقاته في اتجاه حل مشكلة إنسان هنا وقضاء حاجته هناك ، ~~ورفع مستواه المادي والمعنوي ، وتهيئة الظروف الملائمة لإيجاد واقع الخير ~~والعدل للإنسان ... ( @QUR@04 فإن الله به عليم ) فلا يخفى عليه شيء مما ~~يقوم به عباده في السر والعلانية. # * * * PageV04P175 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (216) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كره ): الكره بالضم : المشقة التي تنال الإنسان من ذاته ، ~~والكره بالفتح : المشقة التي تحمل عليه من الخارج. وقيل : الكره : الكراهة ~~، والكره : المشقة. وقد يكره الإنسان ما لا يشق عليه ، وقد يشق عليه ما لا ~~يكرهه. وقيل : الكره والكره آفتان مثل : الضعف والضعف. # وقد جاءت في القرآن الكريم كلمة الكره في قوله تعالى : ( ي @QUR@035 ~~أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) [النساء : 19] ~~وقوله تعالى : ( @QUR@01 ثم PageV04P176 # @QUR@015 استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين ) [فصلت : 11] والمراد بالكلمة ، كما هو ظاهر ، ~~الإجبار. # ( @QUR@01 خير ): نقيض الشر ، وهو النفع الحسن. # ( @QUR@01 شر ): الشر : الضرر القبيح. # * * * ### ||| ** لماذا لم يشرع القتال في بدء الدعوة؟ # لم يكن القتال مفروضا على المسلمين ، أو مأذونا فيه لهم في صدر الدعوة ~~الإسلامية في مكة ، فكانت وصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين الذين ~~يضطهدون ويعذبون ، تتلخص ms0609 بالصبر ، والهجرة ، والتحمل ، والتضحية ... بل قد ~~تصل إلى الإذن لهم بأن يقولوا ما يراد منهم أن يقولوه من كلمات الكفر تحت ~~ضغط التعذيب والإكراه ، كما حدث لعمار الذي نزلت فيه هذه الآية : ( ~~@QUR@024 من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) [النحل : ~~106] بعد أن قال كلمة الكفر أمام حالة العذاب الصعبة. # ويمكن التوقف عند احتمالات أربعة حالت دون تشريع القتال في هذه المرحلة : # الأول : ربما كان ذلك خاضعا للمرحلة الأولى التي أراد الله لدينه أن ~~ينطلق منها في حياة الناس ، فقد يبدو من الضروري أن يعيش المؤمنون الأولون ~~المعاناة الداخلية والخارجية في ما يتعرضون له من ضغوط نفسية وحياتية من ~~قبل المشركين. وقد يساهم ذلك في خلق جو من التساؤل والاهتمام والتطلع ~~والتعاطف لدى الناس الآخرين من خلال المؤثرات المتنوعة PageV04P177 # التي تحكم حالة السلم في الدعوة. # الثاني : قد يكون الدخول في صراع عنيف مع قريش أمرا غير عملي من خلال ~~حسابات توازن القوى ؛ باعتبار أن الدعوة الجديدة انطلقت من المركز الخاضع ~~لسيطرة قريش ، مما يجعل من العسير أو المستحيل الدخول في صراع القوة معها. # الثالث : حاجة الدعوة إلى الأجواء التي تسمح بالكلمة الهادئة التي لا ~~تضيع في صخب القتال والسلاح لتترك تأثيرها الإيجابي في داخل النفوس ، ولو ~~من خلال المواقف السلبية ضدها. فإن أية دعوة تحتاج إلى فترة من الهدوء الذي ~~يحملها إلى الأسماع والأفكار ، بعيدا عن أية عناصر أخرى ضاغطة ، لأن عظمة ~~الدعوة الإسلامية أنها جاءت لتخاطب العقول فتفرض عليها قناعاتها بالحجة ~~والحوار بدلا من القوة والضغط. وذلك ما يفرض أن تعمل على تهيئة الوسائل ~~العملية التي تكفل ذلك كله. # ولعل هذه النقطة هي التي فرضت هذا الأسلوب السلمي الصابر المهاجر في ~~أجواء مكة ، باعتبارها المكان الأمثل الذي يمكن فيه للدعوة أن تصل إلى كل ~~قلب وإلى كل أذن ، لأنها عاصمة الجزيرة العربية الثقافية والدينية ، مما ~~يجعلها مركزا للتجمع في المواسم الثقافية والدينية كموسم ms0610 عكاظ والحج ، أو ~~في المواسم التجارية عقيب رحلة الشتاء والصيف ، الأمر الذي لا بد فيه ~~للدعوة من أن تحافظ على وجودها في مكة أطول مدة ممكنة لاستغلال ذلك في ~~تحقيق الهدف الكبير ، بحيث نستطيع الوصول إلى بعض الأجواء العربية التي لا ~~يمكن أن تصل إليها لو لا ذلك. # الرابع : لعل هدف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منع المؤمنين في مكة من ~~الدخول في صراع مسلح مع قريش ، هو إعطاء المؤمنين الذين يدخلون في الدين ~~وهم ضعفاء الفرصة للحصول على القوة بطريقة تدريجية خالية من الفروض PageV04P178 # الصعبة الضاغطة على إرادتهم وحيلتهم ، لئلا يشعروا بالحرج في البداية ~~بالتكليف في القتال ، وبذلك يستطيعون أن يتعمقوا أكثر في إيمانهم ، ويسيروا ~~في مدارج النمو في العقيدة والعمل بأسلوب واقعي متحرك يوحي لهم بالامتداد ~~والحركة في جو من الفكر الهادىء والخطوات الهادئة الواقعية. # وهكذا استطاع الإسلام أن يركز قواعده بخلق جيل من الدعاة الذين عاشوا ~~المعاناة بأعمق معانيها وأرحب مجالاتها وأشد ظروفها ، فانطلقوا مع النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، ليركزوا قواعد المجتمع الإسلامي ~~الجديد. وبدأت المرحلة الجديدة للإسلام في عملية التقدم إلى الأمام من خلال ~~صنع القوة الذاتية التي تواجه التحدي بمثله ، وتخترق الحواجز الموضوعة ~~أمامها في الطريق من أجل أن تمنعها من التقدم. وكان القتال شريعة هذه ~~المرحلة. # وبدأت الصعوبات النفسية تقف أمام هذه الشريعة في نفوس بعض المسلمين الذين ~~استراحوا أو هكذا توحي الآية للدعوة المسالمة التي تتلقى الضربات دون أن ~~ترد عليها ، فإن الجهد الذي كانوا يلاقونه من خلال الاضطهاد لم يكن ليعرضهم ~~للخطر الكبير الذي يتعرضون له من خلال القتال ، بل كل ما هناك أنه يثير ~~فيهم حالات نفسية صعبة ضاغطة كانوا يتحملونها بصبر وإيمان ، مع الاحتفاظ ~~بخط السلامة الوديع في الحياة. وقد يبدو أنهم تأففوا من هذه الفريضة الصعبة ~~، أو اعترضوا ، أو حاولوا التخلص منها ، كما توحيه كلمة كما ( @QUR@03 وهو ~~كره لكم )، لأنه كان يعني السير إلى الموت باختيار ، كما يعني الاستمرار ~~فيه مدى استمرار ms0611 التحديات الكافرة المشركة. # وكانت طريقة الإسلام أن يدفع المسلمين إلى الممارسة العملية من خلال ~~القناعة الفكرية والاستجابة الروحية ، بالإضافة إلى الاستسلام الإيماني ~~الذي تفرضه العقيدة الإسلامية المرتكزة على التسليم لله في كل الأمور ، ~~فكانت هذه الآية من أجل تقرير الحقيقة الواقعية في ما يحبه الإنسان مما لا ~~يكون فيه كبير مصلحة له ، أو في ما يكرهه الإنسان مما لا يكون فيه أية مضرة ~~له ، الأمر PageV04P179 # الذي يوحي للإنسان بأن الحالات النفسية الانفعالية لا يمكن أن تكون ~~مقياسا للحركة السلبية أو الإيجابية في الحياة ، لأن الانفعال منطلق من ~~السطح لا من العمق ، باعتباره يمثل حالة رد فعل لصدمة طارئة ، أو نزوة ~~سريعة ، أو عاطفة ساذجة فلا بد من التعمق في دراسة القضايا والمواقف ~~والأشياء ، من أجل النفاذ إلى واقعها لمعرفة طبيعة المصالح والمفاسد ~~الواقعية الكامنة فيه ، لينتهي إلى النتيجة الحاسمة التي تبعده عن ~~الاستسلام لانفعالاته السريعة. # وقد يستطيع الإنسان اكتشاف ذلك من دراسة تاريخ حياته الشخصي في ما واجهه ~~من حوادث الانفعال ، وما اكتشفه من خطأ الاعتماد عليها في ظهور السلبيات في ~~ما إذا كان الانفعال يتجه إلى الإيجابية ، أو ظهور الإيجابيات في ما إذا ~~كان يتجه إلى السلبية. فليست الكراهة مؤشرا لضد الحق في ما يكرهه ، وليست ~~المحبة مؤشرا للحق في ما يحبه. إنه شيء يكتشفه الإنسان من خلال تجاربه ~~الشخصية. فإذا تحرك في خط الإيمان فإنه يكتشف ، من خلال النافذة التي تطل ~~به على الحقيقة الإيمانية ، أن الله يعلم حقائق الأشياء ، ويعلم ما يضر ~~الإنسان وما ينفعه منها ، ويعرف كيف يشرع للإنسان ما ينسجم مع مصلحته على ~~أساس الحكمة والرحمة. أما الإنسان فهو لا يعلم إلا القليل القليل منها ، ~~ولذلك نراه يتمرد ، ويشك ، وينفعل. ومن خلال ذلك ، انطلق القرآن في معالجة ~~الموقف من ناحية فكرية ترتكز على التجربة ، ومن ناحية إيمانية ترتكز على ~~العقيدة. فطريقة القرآن ، في حلوله لمشاكل الإنسان الداخلية ، تتمثل في ~~قيادته إلى القناعة من خلال الواقع والإيمان. # ويبقى أن الآية توحي بأن هناك سؤالا مكبوتا يتحرك ms0612 في الداخل بعد تشريع ~~القتال ، أو سؤالا مطروحا بطريقة مليئة بالمرونة والاستيحاء ، فكانت الآية ~~جوابا عن ذلك كله. # * * * PageV04P180 # ( @QUR@06 كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) # ( @QUR@03 كتب عليكم القتال ) أي : فرض الله عليكم القتال في فريضة ~~الجهاد في سبيل الله ، بعد أن منعكم منه مدة من الزمن في مرحلة قاسية كانت ~~مصلحة الدعوة فيها الأخذ بأسباب الصبر ، والدفع بالكلمة الطيبة ، والبعد عن ~~رد التحدي بمثله حتى يمتد الإسلام في ساحته ، ويستعد لتركيز قواعده في موقع ~~قوة جديد ، بحيث لا يملك الآخرون إسقاطه بقوتهم ، لأنه يملك آنذاك قوة الرد ~~في ساحة المجابهة ، ( @QUR@03 وهو كره لكم ) من خلال الطبيعة الإنسانية ~~التي لا تنسجم مع كل الأعمال الشاقة أو الخطرة التي قد تؤدي إلى الألم أو ~~الجرح أو الموت. فإن الإنسان مفطور على حب الراحة والحياة ، فيكره بطبيعته ~~كل ما يسلبه ذلك. # وفي ضوء ذلك ، فإن هذه الكراهة الذاتية لا تتنافى مع رغبة المؤمنين ~~بالجهاد طلبا لمرضاة الله ، وطمعا في الحصول على ثوابه ، لأن الإنسان يرغب ~~في الأعمال الشاقة ، أو الأسفار الخطرة ، أو نحو ذلك ، من أجل تحصيل المزيد ~~من المال أو الجاه أو السلطة ، أو القرب من الله تغليبا للمصلحة الراجحة أو ~~الملزمة على المفسدة المرجوحة أو غير الملزمة. ( @QUR@04 وعسى أن تكرهوا ~~شيئا ) من خلال بعض المشاكل التي يثيرها في حياتكم كالمخاطرة بالروح في ~~الجهاد ، والمشقة في السفر في التجارة ، والسهر في الليل لطلب العلم ، ( ~~@QUR@03 وهو خير لكم ) لما يترتب عليه من النتائج الكبيرة المتصلة بالدرجات ~~الرفيعة التي تبلغونها في الأخذ بما تكرهونه. فإن الجهاد يضع المؤمنين بين ~~خيارين كلاهما خير : إما النصر ، الذي يؤدي إلى الكثير من امتداد الإسلام ~~في حركة الإنسان في الحياة وسيطرته على الواقع مما يجعل المسلمين في الموقع ~~الكبير في الناس ، وإما الشهادة التي ترفع درجة المؤمنين عند الله ، ~~فيحصلون من PageV04P181 # خلال ذلك على رضوانه وعلى جنته. # ( @QUR@07 وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) لأن النتائج السلبية التي ~~تحصل لكم ، من خلال ذلك ، قد تكون أشد خطورة ، وإيلاما ، مما ms0613 تأملونه ، أو ~~تحبونه منه ، من النتائج الإيجابية. فإن القعود عن الجهاد انطلاقا من حب ~~الحياة يؤدي إلى سيطرة الكفر على الإسلام ، وخضوع المسلمين للكافرين ، مما ~~يوجب الذل والهوان والسقوط المعنوي والسياسي والأمني والاقتصادي ، والحرمان ~~من جانب آخر من ثواب الله ونعيمه في جنته. # ( @QUR@02 والله يعلم ) ما يصلحكم ويفسدكم ، مما قد تكون بداياته سيئة ~~ونهاياته حسنة ، أو بالعكس ، لأنه يعلم عمق الأمور وجوهرها. ( @QUR@03 ~~وأنتم لا تعلمون ) إلا السطح البارز منها فتقبلون على البداية الحلوة في ~~غفلة عن النهاية المرة ، وتتحركون نحو الأمور من خلال ظواهرها ، ولا تبحثون ~~عن بواطنها ، فتقعون في الشر وأنتم تريدون الخير ، أو تخسرون الخير حيث ~~يخيل إليكم أنه الشر. ولذلك فعليكم أن تنطلقوا إلى ما يأمركم به لأن فيه ~~الخير كله في الدنيا والآخرة ، وأن تبتعدوا عما ينهاكم عنه لأن فيه خسران ~~الدنيا والآخرة. # قال الطبرسي في مجمع البيان : «أجمع المفسرون إلا عطاء أن هذه الآية دالة ~~على وجوب الجهاد وفرضه ، غير أنه فرض على الكفاية حتى أن لو قعد جميع الناس ~~أثموا به ، وإن قام به من في قيامه كفاية وغناء سقط عن الباقين. وقال عطاء ~~: إن ذلك كان واجبا على الصحابة ، ولم يجب على غيرهم ، وقوله شاذ عن ~~الإجماع» (1). # * * * PageV04P182 ### ||| ** الإيحاءات والدروس # أولا : لا بد للعاملين في سبيل الله من استيحاء هذه الآية في غير هذا ~~الجانب من قضايا التشريع أو العمل في سبيل الله ، مما قد يثير احتجاج البعض ~~، واستنكار البعض الآخر ، أو يدفعهم إلى التمرد وعدم الانضباط ، وذلك بأن ~~تنطلق التربية الإيمانية على أساس الإحساس بضرورة التحرك من واقع التجربة ، ~~وحركة العقيدة ، ليستوحيهما الإنسان في كل أموره العملية قبل أن يندفع في ~~اتخاذ المواقف السلبية والإيجابية. وبذلك تتأكد الشخصية الإسلامية في ~~مواقعها الصلبة الواعية ، فلا تهتز أمام حالات الانفعال ، ولا تسقط تحت ~~تأثير ردود الفعل الطارئة السريعة ، ولا تندفع في طريق لا تعرف نهاياته ~~وأبعاده ؛ بل تقف أمام الأشياء وقفة تأمل وتفكير من دون فرق بين حالات ~~التحدي أو حالات الاسترخاء لتدرس كل شيء ms0614 من مواقعه الذاتية بكل تجرد ~~وموضوعية ، فلا يمكن للأعداء أن يقودوها إلى معركة لم تحدد مسارها ~~ومنطلقاتها وأوقاتها ، ولا يمكن للأصدقاء أن يدفعوها في طريق لا تعرف كيف ~~تتعامل معه في خطواته البطيئة والسريعة ، بل تقف وسطا بين الخطوط لتختار ~~الخط الذي يناسبها من خلال دراسة موضوعية واعية مبنية على العلم والإيمان. # ثانيا : إن الإسلام يواجه الواقع في تشريعاته ، فهو يعترف بالواقع الصعب ~~والتجربة المرة ، ولكنه يوحي للإنسان بالأسرار العميقة ، والأرباح الكبيرة ~~، والنهايات السعيدة التي تكمن في القضية التي يعالجها التشريع ، بحيث تحقق ~~للإنسان رغباته المادية أو المعنوية التي يتجاوز من خلال الانفتاح عليها كل ~~الصعوبات والمرارات ، فيرحب بها بدلا من أن يتعقد منها. # ثالثا : أن تتحرك حسابات الخير والشر لدى الإنسان على أساس النظرة PageV04P183 # الواسعة العميقة لما عند الله ، مما يدركه العقل بالتأمل أو يكشفه الوحي ~~، لتكون الموازين لدى الإنسان المؤمن منطلقة من موازين السماء ، فلا تستغرق ~~في خصوصيات موازين الأرض. # رابعا : الاطمئنان إلى حكمة التشريع الإلهي من خلال الحقيقة الإيمانية ، ~~وهي أن الله هو الذي يعلم خفايا الأمور وبواطنها ونهاياتها ، فلا بد من ~~الثقة بالتشريع بأنه يختزن الخير كله للإنسان بعيدا عن المشاعر والانفعالات ~~الذاتية التي يثيرها في النفس سلبا أو إيجابا ، فلا يرفض الحكم الشرعي لعدم ~~انسجامه مع رغباته ، لأن عنصر الرغبة لا يتصل بالعمق من المصالح والمفاسد ، ~~بل يتصل بالجانب السطحي من حياة الإنسان. # * * * PageV04P184 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@057 يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة ~~أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) @QUR@016 إن الذين آمنوا والذين ~~هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ) (218) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وصد ): الصد : يقال : صد عن الشيء : إذا أعرض وعدل عنه ، وصد ~~غيره : إذا عدل به عنه ms0615 ومنعه. # ( @QUR@01 حبطت ): الحبط في الأصل : فساد يلحق الماشية في بطونها PageV04P185 # لأكل الحباط. وهو ضرب من الكلأ. يقال : حبطت الإبل تحبط حبطا ، إذا ~~أصابها ذلك. ثم سمي الهلاك حبطا. والمراد بها ، في الآية ، بطلان العمل ~~وفساده في الدنيا والآخرة ، فلا قيمة له ولا ثواب عليه. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل جماعة من ~~المسلمين في بداية عهد الهجرة ، قبل موقعة بدر ، ليعرضوا لبعض قوافل قريش ~~كوسيلة من وسائل الضغط عليهم ، في عملية عرض للقوة الجديدة لإضعاف قريش ~~اقتصاديا وعسكريا ، في مجتمع يتعامل أفراده ويتحركون من خلال موازين القوى ~~المطروحة في الساحة ، فيتحالفون ويخضعون للأقوى ، ويتخاذلون أمام دعوة ~~الأضعف ، فكانت هذه السرية الأولى بقيادة عبد الله بن جحش ، وأمر القوم ~~بالسير معه من دون أن يعرفهم مهمة القافلة ، بل قال لهم : ائتمروا بأمره ~~عند ما تصلون إلى مكان معين. فلما اصطدموا بالقافلة ، طلب منهم القتال ، ~~فاستعد بعضهم له تنفيذا للأمر ، وامتنع البعض الآخر تقديسا للشهر الحرام ~~الذي كان قد دخل آنذاك ، ووقع القتال بينهم وبين القافلة ، فقتل نفر من ~~هؤلاء ونفر من أولئك. # ولما رجعوا إلى المدينة ، خطأهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدخول في ~~القتال في الأشهر الحرم ، لأنه كان خطأ حقيقيا ، لأنهم لم يكونوا واعين ~~لطبيعة الأمر التي تفرض عليهم أن لا يتجاوزوا جوانب التحريم الأخرى ، فلم ~~يكن من المفروض عليهم أن يتأخروا إلى الشهر الحرام. # وكانت هذه الحادثة فرصة ذهبية لقريش للتشهير بالمسلمين في الأوساط PageV04P186 # العربية من جهة انتهاكهم لقدس من أقداس الأوضاع المحترمة لديهم ، كما ~~أنها أو جدت بلبلة في أوساط المسلمين لأن الإسلام لم يعترض على تحريم ~~القتال في الأشهر الحرام الذي كان سائدا في المجتمع العربي ، بل أقره ~~انطلاقا من اعتباره شريعة دينية مستمدة من الشرائع السابقة ككثير من ~~العادات العربية الدينية التي كانت من بقايا رسالة إبراهيم عليه السلام ، ~~الذي كانوا يعظمونه ويحترمونه ، لا سيما قريش التي كانت ترى نفسها من ذريته. # وكان لا ms0616 بد للمسلمين من أن يفهموا طبيعة الحدود التي تجاوزها هذا الفريق ~~منهم ، ويعرفوا ما إذا كان هذا التصرف بداية لإلغاء هذا التشريع ، أو أنه ~~يمثل تغليبا لجهة غالبة على جهة أقل منها مصلحة. وكان لا بد للإسلام من أن ~~يجيب عن هذه التساؤلات ليوضح الحقيقة للمسلمين من أجل تركيز إيمانهم ، ~~وليقف ضد حملة التشهير بالإسلام التي قادتها قريش ضده ، فكان هذا السؤال ~~الذي أفسح القرآن المجال له في آياته (1). # * * * ### ||| ** القتال في الشهر الحرام # ( @QUR@06 يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ). فقد انطلق السؤال عن ~~الشهر الحرام من جهة شريعة القتال فيه ، هل هو محرم كما كان أو أنه حلال في ~~تشريع جديد؟! وكان الجواب : ( @QUR@04 قل قتال فيه كبير ) إنه أمر كبير في ~~ما يمثله من انتهاك حرمة من حرمات الله ، التي أراد أن تحفظ وتصان لما ~~يترتب عليها من المصالح العامة للأمة من خلال الحاجة إلى فترة سلام تستريح ~~فيها من الخلافات ، وتعيش من خلالها تجربة الأمن والطمأنينة. ويضيف القرآن إلى PageV04P187 # ذلك : ( @QUR@08 وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ) وربما كان ~~ذلك إشارة إلى بعض أشهر الحج التي كان يريد للناس أن يمارسوا شعائر الحج ~~فيها ، من أجل الرجوع إليه في هذه العبادة التي تفتح قلوبهم على معنى الخير ~~وإرادته ، وإلى شهر رجب الذي أراد الله للناس أن يعتمروا فيه فيرجع إليه ~~المذنب ، ويلجأ إليه الخائف في طريق التوبة والإيمان. فكأن الله يحب للناس ~~أن يحافظوا على حرية الوصول إلى المسجد الحرام من أجل تحقيق المعاني ~~الروحية والاجتماعية التي تحصل لهم من خلال الحج والعمرة ، وبذلك يكون ~~القتال صدا عن سبيل الله وكفرا به وبالمسجد الحرام في ما يقتضيه من ~~الانحراف عن خط الله. وقد يعبر الله عن الانحراف العملي بالكفر حيث إن ~~الإيمان الذي لا يتمثل في العمل يعتبر بمنزلة الكفر ، كما جاء في قوله ~~تعالى : ( @QUR@025 فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني ms0617 عن العالمين ~~) [آل عمران : 97] وبهذا المعنى جاءت الأحاديث التي تسمى تارك الصلاة كافرا. # * * * # ( @QUR@04 الفتنة أكبر من القتل ) # ثم تدخل الآية في عملية مقارنة بين ما حدث من القتال في الشهر الحرام ، ~~وبين ما قامت به قريش من إخراج أهل المسجد الحرام منه وفتنتهم عن دين الله ~~بكل ما يملكون من وسائل الضغط والتهديد : ( @QUR@06 وإخراج أهله منه أكبر ~~عند الله ) فإن ما قام به المسلمون على سبيل الخطأ كان اعتداء على حرمة زمن ~~ما ، بينما كانت قريش تعتدي على حرمة المؤمنين وتخرجهم من مكة التي هي ~~بلدهم بمختلف وسائل الضغط الجسدي والمعنوي الموجهة إليهم ، PageV04P188 # وتحارب الله في دينه فتفتن المؤمنين عنه ، وتمنعهم من السير في طريق ~~الله. ثم تتحدث الآية عن خطورة ما تقوم به قريش ، وتعتبر أنه أكبر من القتل ~~الذي قام به المسلمون في الشهر الحرام : ( @QUR@04 والفتنة أكبر من القتل ) ~~، لأن ذلك يمثل الاعتداء على حرية الدين الذي يريد الله أن تحفظ وتحترم ، ~~وعلى حرية الإنسان في السير في خط الله دون ضغط ، وبذلك يكون اعتداء على ~~الحياة في ما يمثله الدين من حماية لها ورفع لمستواها ، فلا يقاس به القتال ~~في الشهر الحرام الذي لم ينطلق من جانب ذاتي ، بل انطلق من محاولة لحماية ~~المسيرة التي بدأها الإسلام في مكة ، ووقفت قريش حاجزا بينها وبين الامتداد ~~، فكان القتال ردا للعدوان بشكل غير مباشر وليس عدوانا ابتدائيا. # ثم تتوجه الآية إلى المسلمين لتعرفهم طبيعة الصراع الذي يدور بينهم وبين ~~قريش ، فليس هو صراعا تفرضه الخلافات الطارئة التي تحدث بين الناس في ~~المجتمع العربي ، على طريقة الخلافات العشائرية الخاضعة لمصالح خاصة ، ~~ليكون لها فترة معينة وتسوية خاصة ، بل هو صراع على العقيدة التوحيدية التي ~~تمثل خطأ ممتدا في الحياة ، يختلف اختلافا كبيرا عن عقيدة الشرك التي تمثل ~~خطأ مباينا لا مجال للالتقاء به في أية مرحلة من مراحل الطريق ، ولذا كان ~~الموقف حاسما لا يخضع لأنصاف الحلول. # وهذا ما فهمته قريش من واقع هذا الصراع ، وهذا ما يجب أن يفهمه ms0618 المسلمون ~~في ما يستقبلون من قضايا الصراع ، فإن قريشا ، وكل قوى الشرك والكفر ، لن ~~تهدأ ولن تستريح إلا بعد أن يتم القضاء على الإسلام بالقضاء على المسلمين ~~أو على العقيدة في داخلهم ، وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى ~~: ( @QUR@09 ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ). ~~وبذلك كان القتال مفروضا على المسلمين ، وكانت الساحة مفتوحة على مستوى ~~الزمان والمكان ، فلا خيار لهم في التوقف ، بل لا بد لهم من أن يتحركوا على ~~كل المحاور والاتجاهات والأوقات ، وإن أدى ذلك إلى اختراق حرمة الشهر PageV04P189 # أو المكان ، لأن حرية الدين في التحرك وفي حماية نفسه لا تحتمل المساومة ~~والاسترخاء والوقوف عند أي حاجز من الحواجز المطروحة في الطريق في غير هذا ~~المجال. # * * * ### ||| ** الارتداد يحبط الأعمال # ثم تتوجه الآية إلى المسلمين الذين قد يستسلمون للضعف أمام الضغط الهائل ~~الذي تمثله قوى الشرك ، فيرتدون عن دينهم ، فتعرفهم خطورة الارتداد في حساب ~~المصير ، تبعا لأهمية الإيمان بالله في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة : ( ~~@QUR@020 ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) فتقرر الآية في هذا ~~الجو أن الإنسان الذي يموت كافرا في خط الارتداد يسقط من حساب الله في كل ~~المجالات ، لأن قيمة أي عمل من أعمال الإنسان تتحدد بالانطلاق به من خلال ~~الإيمان بالله ، فلا قيمة لأي عمل لا ينطلق من تلك القاعدة. ولذا فإن ~~الارتداد يحبط أعمال الإنسان في الدنيا والآخرة ، ويؤدي به إلى الخلود في ~~النار. وعلى ضوء ذلك ، كان الإسلام يلغي كل الأعمال السيئة المتقدمة عليه ، ~~كما ورد «أن الإسلام يجب ما قبله» (1)، وكان الكفر يلغي كل الأعمال ~~الصالحة المتقدمة عليه ، لأن الإسلام يتعامل مع الأعمال من موقع القاعدة ~~التي ينطلق منها العمل لا من موقع العمل نفسه ، لأن القاعدة الفكرية هي ~~التي تعطي العمل معناه الإيجابي أو السلبي في خط الاستقامة والانحراف. وفي ~~هذا الإطار ، يحدد القرآن الموقف للاتجاه المعاكس لخط الكفر والارتداد ، وهو ms0619 خط PageV04P190 # المؤمنين الذين عاشوا الإيمان بالله في موقف الهجرة والجهاد في سبيل الله ~~، وتحركوا من القاعدة الصلبة التي تحرك خطواتهم في الحياة. # ( @QUR@013 إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمت الله ) فهم يرجون رحمة الله التي لا تنال الكافرين البعيدين عن ~~أجواء الإيمان. فإذا أخطأ هؤلاء المؤمنون في بعض ممارساتهم وكلماتهم ، ~~فإنهم يرجون في عمق إيمانهم أن ي رحمهم الله ، ويغفر لهم ذنوبهم ، ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، انطلاقا من إيمانهم بالحقيقة ~~الإلهية ( @QUR@03 والله غفور رحيم ). # * * * ### ||| ** تفسير الميزان وحبط الأعمال # هناك عدة أحاديث تثيرها كلمة : ( @QUR@02 حبطت أعمالهم ) في مقام الجدال : # 1 تناول صاحب الميزان المسألة في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@05 حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة ) فقال : «الذي ذكره تعالى من أثر الحبط : بطلان ~~الأعمال في الدنيا والاخرة معا. فللحبط تعلق بالأعمال من حيث أثرها في ~~الحياة الآخرة ، فإن الإيمان يطيب الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة ، ~~قال تعالى : ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [النحل : 97] ، وخسران ~~سعي الكافر ، وخاصة من ارتد إلى الكفر بعد الإيمان ، وحبط عمله في الدنيا ~~ظاهر لا غبار عليه ؛ فإن قلبه غير متعلق بأمر ثابت ، وهو الله سبحانه ، ~~يبتهج به عند النعمة ، ويتسلى به عند المصيبة ، ويرجع إليه عند الحاجة. قال ~~تعالى : ( @QUR@01 أو PageV04P191 # @QUR@018 من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها ) [الأنعام : 122] ، تبين الآية أن للمؤمن في ~~الدنيا حياة ونورا في أفعاله وليس للكافر ، ومثله قوله تعالى : ( @QUR@019 ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى ) [طه : 124 125]. حيث يبين أن معيشة الكافر وحياته في ~~الدنيا ضنك ضيقة متعبة ، وبالمقابل معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة. # وقد جمع الجميع ودل على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ms0620 ) [محمد ~~: 11] فظهر مما قربناه أن المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان ~~بها سعادة الحياة ، لا خصوص الأعمال العبادية والأفعال القربية ، التي ~~عملها المرتد وأتى بها حال الإيمان ؛ مضافا إلى أن الحبط وارد في مورد ~~الذين لا عمل عبادي ولا فعل قربي لهم ، كالكفار والمنافقين ، كقوله تعالى : ~~( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ~~والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم ) [محمد : 7 9] ، وقوله تعالى : ( @QUR@029 إن الذين يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ~~بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ~~) [آل عمران : 21 22] إلى غير ذلك من الآيات. # فمحصل الآية كسائر آيات الحبط هو أن الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن ~~أن يؤثر في سعادة الحياة ، كما أن الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها ~~أثرها في السعادة ، فإن آمن الإنسان بعد الكفر ، حييت أعماله في تأثير ~~السعادة بعد كونها محبطة باطلة ، وإن ارتد بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا ~~وحبطت ، فلا تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أخروية ، لكن يرجى له ذلك إن هو ~~لم يمت على الردة وإن مات على الردة ختم له الحبط وكتب PageV04P192 # الشقاء» (1). # ونلاحظ على هذا التحليل الدقيق ، أن ما ذكره في تفسير الإحباط في الدنيا ~~والآخرة ببطلان تأثير الأعمال ، مع الكفر أو الارتداد في سعادة الإنسان في ~~الدارين صحيح ، ولكن تفسيره السعادة في الدنيا بالحياة الروحية التي يعيش ~~الإنسان المؤمن فيها النور في أفعاله ، دون الكافر الذي يفقدها لفقدان صلته ~~بالله الذي يدخل البهجة إلى قلبه ، والسلوة عند حزنه ، والاكتفاء عند حاجته ~~ليس دقيقا. فإن ذلك قد يحقق للإنسان الشعور بالسعادة والطمأنينة من حيث ~~تأثير الإيمان في ذلك ، كما هو مدلول الآيات التي استشهد بها ، ولكن الظاهر ~~من الأعمال ، في هذه الآية ، الأعمال التي يستحق بها الإنسان العناية من ~~الله بما يمنحه من الثواب عليها ، أو يدفع بها عنه شرا ، أو ms0621 يجلب له خيرا ، ~~فإن الله يعطي عباده المؤمنين النتائج الإيجابية في أعمالهم الخيرة وإن لم ~~يتقربوا بها إليه ، بل كانت جارية على حسب الخط الإيماني الذي تتحرك فيه ~~حياته من خلال انتمائه إلى رسالات الله. # ولذلك ، فإن المقصود من حبط الأعمال بالكفر وبالارتداد هو بطلان تأثيره ~~في العطاء الإلهي في الدنيا والآخرة ، هذا العطاء الذي يجريه الله لعباده ~~جزاء للأعمال الصالحة بشرط الإيمان ، لأن الإيمان هو الأساس في استحقاق ~~الثواب على العمل. وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@012 فمن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ) [الأنبياء : 94]. ~~وقوله تعالى : ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [النحل : 97] فإن ~~الظاهر من الآيتين ، أن العمل الصالح في دائرة الإيمان ، هو الذي يمنح ~~الإنسان حق الأجر الذي يمنحه الله له في الدنيا والآخرة ، وهو الذي يمنع من ~~كفران سعيه PageV04P193 # الذي يلتقي مع معنى الحبط والبطلان. # وفي ضوء ذلك ، يكون الحبط كناية عن أن هذه الأعمال مع الكفر صارت بمنزلة ~~العدم ، لأن الإيمان هو الذي يعطي العمل قيمته ونتائجه الإيجابية. فليست ~~السعادة التي يتطلبها الإنسان شيئا يعيشه في حياته الداخلية من موقع الثقة ~~التي يفرضها الإيمان ، بل هو شيء يحصل عليه من خلال عطاء الله له ، لأن ~~الله يعطي الثواب في الدنيا كما في الآخرة ، وسينزل العذاب في الدنيا كما ~~ينزله في الآخرة. وهذا هو جو الآية ، والله العالم. # * * * ### ||| ** هل الأعمال يبطل بعضها بعضا؟ # 2 هناك خلاف فكري بين المؤمنين : هل أن الأعمال يبطل بعضها بعضا بحيث ~~تبطل الحسنة السيئة ، أو السيئة الحسنة ، أو يبقى كل واحد منهما على حاله ~~في قضية الجزاء؟ # فهناك قائل ببطلان الإحباط. # أولا : لأنه ظلم مستحيل على الله سبحانه. وهذا ما ذكره نصير الدين الطوسي ~~في تجريد الاعتقاد ، قال : إن الإحباط نوع من الظلم ، فلو أن شخصا قلت ~~حسناته وكثرت ذنوبه ، فسيكون الإحباط بالنسبة إليه أن يصبح شخصا لم يعمل ~~حسنة قط ، وهذا ظلم ms0622 بحقه. # وثانيا : الآيات الدالة على أن الإنسان يجزى بعمله مطلقا ، سواء لحقه شيء ~~مضاد له أو لم يلحقه كما في قوله تعالى : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7 8]. وقوله تعالى : ( ~~@QUR@017 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن ~~يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) [التوبة : 201] وظاهر هذه الآية أن الأعمال ~~تبقى على حالها في نتائجها الإيجابية والسلبية حتى تأتيهم التوبة من الله ~~سبحانه. PageV04P194 # وثالثا : إنه لا موجب للإحباط بعد انطلاق كل منهما من موقعه الداخلي في ~~النفس الإنسانية ، مما يفرض أن يأخذ كل واحد منهما دوره في واقع الإنسان من ~~خلال عدم ارتباط أحدهما بالآخر ، أو غلبته عليه. فلا وجه لإلغاء أحدهما ~~الآخر. وهذا هو المنهج العقلائي الذي جرى عليه العقلاء بفطرتهم التي خلقها ~~الله فيهم في الجزاء على الحسنة بشكل مستقل كما لو لم تكن هناك سيئة ، ~~والجزاء على السيئة بشكل مستقل ، كما لو لم تكن هناك حسنة ، وذلك من خلال ~~السيئات والحسنات التي لا تحمل مدلولا مميزا ، بحيث يلغي الأساس للآخر كله ~~، أما في العمل الذي يقطع العلاقة بين الإنسان وربه كالكفر والارتداد ، ~~فإنه يقطع المسألة من جذورها التي لا تبقي للحسنة أية قابلية للبقاء في ~~حساب الأعمال. # وهناك قائل بأن الأعمال تبقى على حالها في آثارها العامة والخاصة ، ولكن ~~الحسنة قد تكفر السيئة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@019 يا أيها الذين ~~آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ~~ذو الفضل العظيم ) [الأنفال : 29] ، وقوله تعالى : ( @QUR@012 إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) [النساء : 31] ~~وقوله تعالى في تبديل السيئة بالحسنة : ( @QUR@016 إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) ~~[الفرقان : 70]. وقوله تعالى : ( @QUR@014 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) [هود : 114]. وهذا ~~أمر قريب إلى المنهج الإسلامي الذي يلتقي بالعفو والمغفرة والتوبة التي قد ~~تكون ms0623 كلامية ، وقد تكون عملية بتبديل الخط العملي من السلب إلى الإيجاب. # وذهب صاحب البحار العلامة المجلسي في بحار الأنوار إلى ثبوت سقوط الثواب ~~بكفر يستمر إلى نهاية العمر ، وسقوط العقاب بإيمان يستمر حتى الموت. ~~والأخبار كثيرة بشأن هبوط كثير من الطاعات عن طريق كثير من PageV04P195 # المعاصي ، وغفران كثير من المعاصي عن طريق كثير من الطاعات. وذلك كما جاء ~~في القرآن الكريم في قوله تعالى : ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) [الحجرات : 2] وكما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@032 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين ~~لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) [محمد : 32 33]. فإن المقابلة ~~بين الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النهي عن المشاقة. كما ~~جاء في تفسير الميزان (1). # وقد جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : «إياكم والحسد ، فإن الحسد ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (2). # ولكن يمكن مناقشة بعض هذه الشواهد. أما الآية التي تتحدث عن رفع الصوت ~~فوق صوت النبي ، فليست واردة في مقام بيان فعلية إحباط هذا السلوك لأعمالهم ~~السابقة ، بل هي واردة والله العالم في التحذير من فعل الإساءة إلى النبي ~~بعدم احترامه في درجة نبوته ، من خلال الاستهانة به وبأمره ونهيه ، فيقودهم ~~ذلك إلى الابتعاد عن خط الإيمان بطريقة تلقائية لا شعورية في ما يجر بعض ~~الأوضاع السلبية بعضا آخر ، وتؤدي بالتالي إلى لون معين من الانحراف في ~~اتجاه آخر. ولعل قوله سبحانه : ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون )، إشارة إلى ذلك من خلال الوصول إلى الكفر وما ~~يشبه الكفر من دون شعور. # أما آية المشاقة ، فإن الظاهر من المشاقة مع الرسول ، هو ما يحصل من PageV04P196 # الكافرين في مواجهتهم ms0624 للنبي من خلال معطيات الكفر والصد عن سبيل الله ~~ولذلك ذكر هذه المشاقة في سياق صفات الكافرين وذلك بإعلان الحرب عليه ، ~~والابتعاد عن دينه ، والمخالفة له في العقيدة والشريعة والاستهزاء. وأما ~~الفقرة التي تليها فإنها تتحدث عن ضرورة الانسجام مع خط الإيمان بإطاعة ~~الله ورسوله ، وعدم الانحراف عن هذا المنهج الإيماني الذي قد يؤدي إلى ~~بطلان الأعمال من خلال انهيار القاعدة الأساسية للأعمال ؛ والله العالم. # أما الحديث عن الحسد في أكله للحسنات ، فقد يكون ناشئا من الروحية التي ~~تتمثل في الحاسد الذي قد ينطلق إلى القيام بكثير من الأعمال الباغية التي ~~قد تطغى على حياة الإنسان ، بحيث لا تكون هناك أية قيمة لما قام به من ~~الأعمال الصالحة أمام ما يقع فيه من الأعمال السيئة ، حتى كأنها لا شيء ، ~~وذلك بأسلوب الكناية أو المبالغة. وهكذا لا نجد في مثل هذه الشواهد دليلا ~~على ما ذكره من إبطال بعض السيئات للحسنات ، وربما كان السبب في بعض هذه ~~التفاسير التعامل مع النص بحرفيته ، لا بإيحاءاته وأساليبه البلاغية ~~القائمة على الكناية تارة وعلى المبالغة أخرى ، والله العالم. # * * * ### ||| ** بين الردة والموت كافرا # 3 لا شك أن المسلمين متفقون على أن الردة تحبط العمل وتفسده ، ولكن هل ~~يحدث ذلك بمجرد الردة ، فلا قيمة للعمل حتى لو آمن بعد ذلك ، أو أنه مشروط ~~بالموت كافرا؟ ذهب الشافعي إلى أن إحباط الردة للعمل مشروط بالموت كافرا ، ~~وذلك من خلال الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@011 ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ) فلا إحباط للعمل إذا تبدل الكفر ~~قبل الموت بحيث مات مؤمنا. PageV04P197 # وذهب أبو حنيفة ومالك إلى الرأي الأول ، فتكون الردة محبطة للعمل ولو رجع ~~صاحبها إلى الإسلام ، وذلك من خلال قوله تعالى : ( @QUR@014 ولقد أوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) [الزمر : ~~65] وقوله تعالى : ( @QUR@016 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) [الأنعام : 88] وقوله تعالى : ( ~~@QUR@043 اليوم أحل لكم الطيبات ms0625 وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) [المائدة : 5] فقد علق فيها ~~الحبوط بمجرد الشرك. وإذا كان الخطاب الأول للنبي ، فإن المقصود به أمته ~~لاستحالة ذلك عليه. وناقشوا الاستدلال بالآية بأنها واردة في بيان حكمين : ~~الحبوط والدخول في النار ، فلا تكون دليلا على شرطية ذلك للحبوط في ذاته ، ~~وقد رد الشافعي على الاستدلال بآية الشرك بأنها واردة في باب التغليظ على ~~النبي كما غلظ على نسائه في قوله تعالى : ( @QUR@017 يا نساء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ) ~~[الأحزاب : 30]. # وتظهر ثمرة الخلاف في من حج ثم ارتد ثم أسلم. فقال مالك وأبو حنيفة : ~~عليه الحج لأن ردته أحبطت حجه. وقال الشافعي : لا حج ، لأن حجه قد سبق. ~~والردة ليست محبطة إلا إذا مات على كفره. # ونحن نلاحظ أن الآيات التي تحدثت عن الشرك كانت تتحدث عن المبدأ كعنوان ~~للإحباط ، بقطع النظر عن التفاصيل ، أو ربما يستفاد منها أن يكون مشركا في ~~مقابل المؤمن بما يوحي بالاستمرار ، أما آية : ( @QUR@03 فيمت وهو كافر ) ~~فهي متعرضة للحبط ، أما الخلود في النار فهو حكم آخر وليست المسألة على ~~أساس القيد والمقيد ؛ والله العالم. # وقد نستفيد احتفاظ الإنسان بعمله الصالح حتى لو أعقبته السيئة من قوله ~~تعالى : ( @QUR@015 فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى بعضكم من PageV04P198 # @QUR@028 بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من ~~عند الله والله عنده حسن الثواب ) [آل عمران : 195] فإن في إبطال العمل ~~بفعل عمل سلبي آخر إضاعة للعمل من خلال إبطال نتائجه الدنيوية والأخروية. # * * * ### ||| ** نظرة الإسلام إلى المرتد في قبول توبته # 4 ما هي نظرة الإسلام إلى المرتد في قبول توبته من ms0626 حيث المبدأ ، من خلال ~~هذه الآية وغيرها؟. # إن هذه الآية توحي بأن العذاب الموعود به والحبط المذكور فيها يرتكزان ~~على الارتداد المستمر إلى الموت ، أي الارتداد الذي لا توبة بعده ، وهذه هو ~~ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@020 ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) فإن ~~تعليق النتائج السلبية على الموت كافرا يوحي بأنه لو تاب قبل موته ، فمات ~~وهو مؤمن ، فلا حبط لعمله ولا خلود في النار. وهذا المضمون يلتقي ، من ~~ناحية إيحائية ، مع قبول التوبة في الدنيا ، بمعنى دخوله من جديد في دائرة ~~رحمة الله ورضوانه كجزء من المجتمع الإسلامي. # وجاء في سورة آل عمران قوله تعالى : ( @QUR@061 كيف يهدي الله قوما كفروا ~~بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم ~~الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ) [آل عمران : 86 90]. PageV04P199 # فإن هذه الآيات تشير إلى المؤمنين الذين كفروا بعد إيمانهم ، وازدادوا ~~كفرا بحيث امتد كفرهم إلى نهاية حياتهم ، وتتحدث عن عذابهم الذي ينتظرهم في ~~الآخرة ، وعن عدم قبول توبتهم لعدم جديتهم فيها ، أو في إيمانهم بالآخرة ، ~~بمعنى عدم حصولهم على نتائج التوبة ظاهرا ، وتستثني آية ( @QUR@011 إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) ~~[البقرة : 160] فتتحدث عن غفران الله لهم ورحمته ، وهذا دليل على قبول ~~توبتهم. وإذا كانت الروايات تختلف بين رواية تحملها على أهل الكتاب ، ~~ورواية تحملها على المرتدين من المسلمين ؛ فإن الظاهر منها هو الإطلاق الذي ~~يشمل حالة الارتداد بعد الكفر. # وربما كان مبدأ قبول توبة المرتد ، من ناحية إيحائية ، واضحا في الآية ~~التالية وهي قوله تعالى : ( @QUR@024 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن ~~يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ms0627 أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين ) [آل عمران : 91] حيث مضمونها يلتقي بمضمون آية البقرة في اعتبار ~~العذاب الأخروي ، الذي ينطلق من واقع الإنسان في الدنيا ، مشروطا بالموت ~~كافرا ، الأمر الذي يوحي بأن هناك فرصة للتوبة. وإذا كانت هناك فرصة للتوبة ~~، فهناك فرصة للاستتابة من قبل الحاكم الشرعي ، لأنه لا معنى لتشريع المبدأ ~~من دون أن يأخذ طريقه في حياة الناس. # وقد جاء في سورة النساء قوله تعالى : ( @QUR@020 إن الذين آمنوا ثم كفروا ~~ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~سبيلا ) [النساء : 137] وفي هذا إيحاء بأن المشكلة في مصير هؤلاء هو إصرار ~~هم على الكفر في الدنيا حتى الموت ، فإذا رجعوا عن الكفر وآمنوا من جديد ، ~~فلا مشكلة لهم عند الله في الدنيا والآخرة. ولا فرق في ذلك بين المرتد ~~الفطري الذي ولد على فطرة الإسلام من أبوين مسلمين ، والمرتد الملي الذي ~~كان كافرا ثم أسلم ثم كفر ، فإن الآيات بأجمعها توحي بقبول التوبة منهم من ~~قبل المجتمع الإسلامي PageV04P200 # الذي يدعوهم إلى الرجوع إلى الإسلام من جديد. # وقد لا نستطيع أن نتعقل رفض الله إسلام المرتد ، بعد رجوعه عن الارتداد ، ~~لا سيما إذا كان ارتداده لشبهة أو لنزوة أو لخضوعه لضغط عام أو خاص ، فإن ~~الله يريد للناس أن يرجعوا إليه ، ويؤمنوا به ، ويلتزموا خطه في جميع ~~الحالات ، ولا معنى للحديث عن قبول التوبة في الآخرة وعدم قبولها في الدنيا ~~، لأن التوبة في الدنيا هي الأساس في نتائج الآخرة ، حسب المستفاد من ~~المنهج العام في القرآن في هذه الأمور. # وقد جاءت في السنة أحاديث كثيرة تدل على عدم قبول توبة المرتد إذا كان ~~فطريا وقبولها إذا كان مليا ، وهناك نظرية فقهية تقول بعدم سقوط الحد عن ~~المرتد الفطري ، حتى مع قبول توبته ، لأن ذلك مرتبط بفعلية ثبوت الحد عليه ~~، فيمكن إبقاء مسألة بينونة زوجته وتقسيم تركته وقتله على حالها حتى بعد ~~التوبة ، فلو بقي على قيد الحياة ولم ينفذ فيه الحد ، كان ms0628 له ما للمسلمين ~~وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات. وهناك قول بقبول توبته ، بعد استتابته ~~، سواء كان فطريا أم مليا ، ويبقى إجراء الأحكام عليه في حال الإصرار على ~~الارتداد ، وهذا بحث فقهي لا بد من أن يرجع فيه إلى الفقه ، فنحن هنا بصدد ~~البحث التفسيري الذي يحاول استنطاق القرآن في المفهوم الإسلامي في هذه ~~المسألة أو غيرها. # * * * ### ||| ** الدلالات والإيحاءات # ونريد هنا في نهاية المطاف أن نستوحي بعض ما يمكن استيحاؤه من هاتين ~~الآيتين ، لتتحرك الفكرة في حياتنا كما تحركت في حياة المسلمين الأولين ، ~~وذلك في ضمن نقاط : PageV04P201 ### ||| ** زمن السلام # 1 إن الإسلام قد أقر فكرة «زمن السلام» كحقيقة دينية مقدسة ، لتكون واحة ~~زمنية يستريح فيها الناس من المشاكل والخلافات والحروب ، ويعيدون النظر في ~~ما عاشوه ومارسوه في ضوء النتائج المرعبة التي تؤدي إلى إزهاق النفوس ، ~~وتلف الأموال ، وتحطيم العلاقات الإنسانية على أساس الحقد والبغضاء. وبذلك ~~، تنفتح هذه العلاقات في اتجاه سليم يركز قواعد المحبة والسلام ما أمكن ذلك ~~، وهكذا يمكن لهم أن يحصلوا في فرص السلام على ما لم يحصلوا عليه في فرص ~~الحرب. ولا بد للمسلمين من أن يأخذوا بهذا التشريع في علاقات الحرب والسلام ~~في المجالات التي يملكون فيها أمر تقرير أحدهما في المعركة ، ما لم يكن ~~هناك ظروف ضاغطة تفرض فيها طبيعة الموقف أن يستمر القتال من أجل الوصول إلى ~~نتائج حاسمة في نطاق القضية الإسلامية الكبرى. # * * * ### ||| ** التزاحم بين الحكمين # 2 إن القاعدة العقلية التي أقرها الفكر الإسلامي الفقيه ، انطلاقا من ~~آيات الله وسنة رسوله ، تفرض اختيار الجانب الأهم في حسابات المصالح ~~والمفاسد إذا تعارض حكمان شرعيان يأمرنا أحدهما بشيء وينهانا الآخر عنه ولم ~~يكن هناك مجال لامتثالهما معا ، لأن الحكم الشرعي ينطلق من المصلحة ~~الأساسية للإنسان ، من خلال ما ثبت لدينا من أن الأحكام تابعة للمصالح ~~والمفاسد في متعلقاتها. فإذا رأينا المصلحة الأهم في جانب ، فمعنى ذلك أن ~~الحكم الذي لا يصل الموقف فيه إلى هذا المستوى من الأهمية ، يفقد معناه في PageV04P202 # حدود ذلك ، وتكون النتيجة ms0629 تقييد فاعلية الحكم الشرعي وحركته في غير هذا ~~المجال. # وهذا ما واجهناه في الآيات السابقة التي تتحدث عن القتال في المسجد ~~الحرام في ما إذا قاتل المشركون المسلمين فيه ، وفي هذه الآية التي تتحدث ~~عن القتال في الشهر الحرام في صور مبرراته الإسلامية. فلو دار الأمر بين أن ~~تهتك حرمة الشهر أو المكان وبين أن تهتك حرمة الإسلام ويسقط صريعا أو ~~مهزوما أمام ضربات الكفر ، فإن من الممكن أن نتجاوز حرمة الشهر والمكان ~~لمصلحة حرمة الإسلام العليا ، بل قد يجب ذلك في بعض المجالات ، إذ وإن كانت ~~حرمتهما جزءا من التشريع الإسلامي ، لكن لا يمكن أن تتقدم على سلامة ~~الإسلام نفسه. وهذا ما يعبر عنه علماء الأصول ، بحالة «التزاحم بين ~~الحكمين» ، وقد نجد هذه القاعدة متمثلة في أكثر من مسألة فقهية في نطاق ~~المحرمات الشرعية ، التي جاءت الرخصة فيها في بعض مواردها ، وقد تعددت ~~نماذجها حتى أصبحت بمثابة «القاعدة الثانوية الاستثنائية» ، حتى قال ~~الأصوليون : «ما من عام إلا وقد خص» ، مما يوحي بأن التخصيصات الواردة في ~~العموميات القرآنية والنبوية تحولت إلى ظاهرة شرعية من خلال تزاحم المصالح ~~العامة ، والتي يعبر عنها بالخاص في دائرة الخصوصيات الحاكمة على العنوان العام. # وهذا ما نراه في الغيبة التي جاء الاستثناء فيها في قوله تعالى : ( ~~@QUR@014 لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا ~~عليما ) [النساء : 148] فجعل حالة الظلم استثناء من حرمة الغيبة التي جاء ~~فيها قوله تعالى : ( @QUR@032 يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) [الحجرات : 12] فأطلق ~~للمظلوم الحرية في أن يتحدث عن ظالمة بالسوء من أجل الضغط عليه لرفع ظلمه ، ~~باعتبار أن مصلحة رفع الظلم عن المظلوم أكبر من مفسدة PageV04P203 # الغيبة في إظهار عيب الظالم ، كما جاء الاستثناء في مقام النصيحة ~~للمؤمنين ، لأن إغلاق باب النصيحة في التحدث عن عيوب الإنسان الذي قد يقع ms0630 ~~الناس في مشاكل كثيرة نتيجة كتمان عيوبه ، أكثر من مشاكل الحديث السلبي عنه ~~، وفي مقام تجاهر الإنسان بالفسق الذي تمثل الغيبة وسيلة من وسائل الضغط ~~عليه ، وإبعاد الناس عن التأثر به من أجل إصلاحه أو إنقاذ الناس من أضراره ~~، وفي مقام تترس الكفار في الحرب بأسرى المسلمين ، ليمنعوهم من الهجوم ~~عليهم ، خوفا من تأدية ذلك إلى قتل إخوانهم ، وبذلك يفقد المسلمون فرصة ~~النصر ، فأجاز الإسلام قتل الأسرى المسلمين إذا توقف النصر أو الدفاع على ~~ذلك ، وهكذا نجد ذلك في كثير من الموارد الشرعية. # وهذا باب ينفتح على أكثر من قضية من قضايا الناس العامة والخاصة ، التي ~~قد تؤكد الكفرة القائلة بأن الغاية الكبرى تبرر الوسيلة المحرمة ، بمعنى ~~أنها تجمدها وتنظفها من خلال ارتباطها بسلامة الخط العام ، فلا يتجمد ~~الإنسان المسلم في أخلاقياته إذا تحولت إلى خطر على حياته أو على مصير ~~الإسلام والمسلمين ، كما لو أريد له أن يتحدث ، وهو في سجن الكافرين ~~والمستكبرين ، عن أسرار المسلمين السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمثل ~~إظهارها خطرا على السلامة العامة ، فيجب عليه في هذه الحالة ، أن يكذب من ~~أجل حماية القضية الكبرى ، ويحرم عليه الصدق الذي يؤدي إلى السقوط الكبير ، ~~لأن الكذب يمثل القيمة السلبية الأخلاقية ، كما يمثل الصدق القيمة ~~الإيجابية الأخلاقية في الخط العام. # لا يجوز للإنسان أن يكذب باختياره ، بل يجب عليه أن يأخذ بالصدق في ~~أحاديثه في الحالة الطبيعية العامة ، لكن الحالات الطارئة الضاغطة تفقد ~~الكذب سلبيته ليكون قيمة إيجابية كما تفقد الصدق إيجابيته ليكون قيمة سلبية ~~، لأن المسألة في السلب والإيجاب لا تنطلق من الطبيعة الذاتية للصدق والكذب ~~، بحيث يكون علة تامة للسلب هنا أو للإيجاب هناك ، بل تنطلق من PageV04P204 # الحالة الاقتضائية المنفتحة على النتائج بشكل عام ، ولكنها قد تصطدم ببعض ~~الموانع التي تمنعها عن التأثير في المقتضى بدرجة فعلية. وهذا ما يجعلنا ~~نؤكد أن الأخلاق في الإسلام لا تمثل قيمة إيجابية ، بل تمثل قيمة سلبية ~~قابلة للتغير في حركتها في الواقع الإنساني تبعا للعناوين الثانوية الطارئة ~~التي تختلف ms0631 الأحكام الشرعية باختلافها. # ولا بد في هذه الحالة من التدقيق كثيرا في المواقف والقضايا قبل الدخول ~~في عملية الموازنة بين الأحكام ، لأن المسألة تحتاج إلى وعي عميق واسع في ~~فهم أسس الحكم الشرعي وفي فهم الواقع الذي يتحرك فيه ، ولا يمكن إخضاعها ~~للأفكار السريعة الانفعالية في مواجهة الواقع في ضغوطه العملية على حركة ~~الإنسان في الحياة. # * * * ### ||| ** صراع المسلمين مع قوى الكفر مستمر # 3 إن الآية توحي للمسلمين بأن عليهم أن ينطلقوا في الحياة على أساس وعي ~~الحقيقة التالية ، وهي أن قوى الكفر والشرك تخطط لإخراج المؤمنين عن دينهم ~~بكل الوسائل والقدرات التي يملكونها ، بحيث انهم يبادرون إلى الدخول في ~~قتال مستمر لتحقيق هذه الغاية ، ( @QUR@09 ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ~~عن دينكم إن استطاعوا ) فلا بد لهم من أن يستعدوا لمواجهة هذه الخطط ~~بالوسائل الوقائية والدفاعية ، ليحفظوا إيمانهم الذي يمثل القاعدة الصلبة ~~لنجاتهم في الدنيا والآخرة ، لأن القضية التي يعالجها القرآن ليست قضية ~~تاريخية تخضع للظروف المحدودة الموجودة في التاريخ ، بل هي قضية مستمرة ما ~~دام هناك كفر وإسلام ، وحق وباطل ، وما دامت التحديات تفرض نفسها على ~~الساحة ، مما يجعل من هدف إضعاف الكفار للدين بإضعاف PageV04P205 # القاعدة الدينية ، وبإخراج الناس من دينهم وإضلالهم وإبعادهم عن الخط ~~المستقيم ، هدفا يوميا لكل القوى المعارضة للدين ، من خلال الوسائل ~~المتنوعة المادية والمعنوية ، مما يجعل من عملية الاستعداد للمواجهة عملا ~~يوميا للمؤمنين لا مجال فيه للشعور بالأمن ، ولا للاستسلام والاسترخاء ، ~~ولا للوقوف فيه على موقع هدنة. # وهذا ما واجهه المسلمون ، ولا يزالون يواجهونه ، من مخططات الكفر الذي ~~يستهدف عزتهم وكرامتهم ومواردهم الطبيعية وثقافتهم ووعيهم الشامل للامتداد ~~الديني في خط الحياة ، بمختلف الوسائل الثقافية والتربوية والسياسية ~~والاجتماعية والعسكرية. وقد ساهم ذلك في كثير من الفجوات الواسعة في حاضر ~~المسلمين ومستقبلهم ، وأدى إلى إحداث بعض الأوضاع الشديدة الباعثة على ~~الاهتزاز والانحراف. # وقد يختلف الحال ، في ما لدينا من وسائل العمل ، عما كان الأمر عليه في ~~صدر الدعوة الإسلامية ، ولكن المبدأ لا يزال واحدا من حيث الدوافع ~~والأعمال. ms0632 وذلك هو سبيل الوعي الإسلامي الذي ينطلق من فهم المسؤولية وفهم ~~الواقع الذي يحيط به ، في ما يريده الله لعباده المؤمنين في الحياة. # * * * ### ||| ** الإيمان قيمة كبري # 4 إن قضية الإيمان والكفر هي قضية الحياة الواسعة بكل امتدادها وعمقها ، ~~فلا يمكن للإنسان أن يتسامح بها ، أو يعيش أجواء اللامبالاة معها ، أو ~~يعتمد على عمل صالح بعيد عن خط الإيمان ، كما يفعله البعض ممن ينطلقون في ~~تقييم الأعمال من موقعها الذاتي لا من موقعها الإيماني ، فيتحركون على أساس ~~اعتبار الإيمان شيئا غير ذي قيمة كبيرة ، وقد يدفعهم PageV04P206 # ذلك إلى تفضيل الكافرين على المؤمنين لبعض الأعمال الصالحة عند أولئك ، ~~ولبعض الأعمال السيئة عند هؤلاء ، مع أن القضية لا تسير في هذا الاتجاه ~~إسلاميا كما توحيه الآية . # لا بد من دراسة إيحاءات الأسلوب الذي واجه به المشركون من قريش قتال ~~المسلمين لبعض المشركين في الشهر الحرام ، بالدعاية المضادة التي حاولوا ~~فيها تشوية صورة المسلمين بأنهم لا يرعون للمقدسات حرمة ، فيسفكون الدم ~~الحرام ، وينتهكون حرمة الشهر الحرام بالعدوان على الناس بأخذ الأموال وأسر ~~الرجال ونحو ذلك. # فقد نلاحظ أن أعداء الله من الكافرين والمستكبرين يعملون على الاستفادة ~~من بعض الأخطاء التي يقع فيها المسلمون من خلال الغفلة ، أو الظرف الضاغط ~~عليهم الذي يفرض عليهم الوقوع في الخطأ ، أو الاجتهاد الحركي في النظرة إلى ~~الواقع في مواجهة القوى الطاغية التي تصادر حرياتهم ، وتضعف مواقعهم وتهدد ~~وجودهم ومصالحهم ومواقعهم ، وتعمل على أن تحشرهم في الزاوية الحرجة ، ~~فيلجئون إلى تجاوز الأساليب المألوفة في الصراع إلى أساليب أخرى لا تمثل ~~قيمة أخلاقية في المطلق ، ولكنها تمثل قيمة أخلاقية في الحالة الطارئة في ~~الخط العام باعتبار أن التخفف من خطر الضغط الكافر أو الاستكباري لا يمكن ~~الوصول إليه إلا بهذه الطريقة. # وهنا يقف الاعلام الكافر أو المستكبر ليثير حربا إعلامية شعواء على ~~الإسلام والمسلمين ، على أساس إلصاق تهمة الإرهاب الوحشية والإساءة إلى ~~حقوق الإنسان ، وليخفي كل الظروف التي فرضت عليهم ذلك ، مما يمثل تبريرا في ~~الواقع الإنساني في العام ، لأن ms0633 القضية عندهم أن يشوهوا الصورة العامة ~~للإسلام والمسلمين ، بعيدا عما هي الحقيقة في طبيعة الملامح الحقيقية لحركة ~~الصورة في الواقع. PageV04P207 # إنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الدفاع عن الحرمات والمقدسات ، وذلك ~~في دائرة حرماتهم ومقدساتهم ، ولا يسمحون لأحد بالحديث عن انتهاكهم لحرمات ~~المستضعفين من المسلمين وغيرهم بل يحاولون تبريرها بعنوان الدفاع عن ~~الحضارة والإنسان ، لأنهم يرون أنهم وحدهم أصحاب الحق الحضاري في الوجود ، ~~أما الآخرون فهم الهوامش التي لا ضرورة لها في أكثر الحالات إلا بالمقدار ~~الذي يحفظ حياتهم. # إن علينا أن نستوحي من الآية الكريمة الثقة بالموقف ، والابتعاد عن كل ~~الحرب النفسية التي يشنونها علينا باسم القيم الإنسانية الكبرى ، بل أن ~~نواجه ذلك بكل قوة ، انطلاقا من وعي الأسس التي يرتكز عليها العاملون في ~~سبيل الله في خط المواجهة والوقوف عندها ، في دراسة دقيقة للسلبيات ~~والإيجابيات ، والاقتصار بها على ظروفها الخاصة ، لنؤكد للجميع أن الإسلام ~~لا يريد للعدوان أن يأخذ حريته في الاعتداء على الناس من دون أن يقفوا بقوة ~~للرد عليه ، ويطوروا أساليبهم في هذا الاتجاه ، فلا يقتصروا على وسيلة ~~واحدة ، بل يمكن لهم أن يستوحوا الشرع في تنويع الوسائل ، حتى التي لا تملك ~~شرعية في ذاتها ، ولكنها تملكها بلحاظ حالات الطوارئ الضاغطة. فإن الإسلام ~~يؤكد القيمة ما دامت في مصلحة الإنسان. فإذا تحولت إلى خطر عليه ، أسقطها ~~وجعل القيمة في الاتجاه الآخر. # ولا بد للعاملين في الدعوة إلى الله في دائرة الاعلام السياسي والثقافي ~~من توعية المسلمين ، لا سيما البسطاء والساذجين منهم ، حتى لا يقعوا في ~~قبضة الاعلام الاستكباري باستثارة القيم الروحية والأخلاقية الإنسانية في ~~وجدان المسلمين ، ليقفوا ضد إخوانهم المجاهدين عند ما يقومون ببعض الأعمال ~~التي ينطلقون بها في خط الشرعية على أساس فهمهم للواقع ، فيتهمونهم ~~بانحرافهم عن الإسلام ، كما يحدث ذلك في مرحلتنا الحاضرة ، التي يعيش فيها ~~المسلمون الحركيون في صراع دائم مع القوى الاستكبارية في PageV04P208 # الداخل والخارج ، ويعيشون الضغوط الهائلة التي تضغط على حرياتهم وحركتهم ~~لمنعهم من أن يؤكدوا القوة الإسلامية التي تجعل الإسلام قاعدة ms0634 للفكر ~~والعاطفة والحياة ، من دون أن يفهم المسلمون خلفيات هذه الأعمال ، لأن ~~الاعلام المستكبر هو الذي يتولى مهمة توزيع الاتهامات وإصدار الأحكام. # إن من واجب القائمين على شؤون الدعوة الإسلامية أن يقوموا بتثقيف ~~المسلمين بالحدود الفاصلة بين الحالات الطبيعية ، في العناوين الأولية في ~~الأحكام الشرعية ، والحالات الاستثنائية الصعبة في عناوينها الثانوية التي ~~قد تحلل ما كان محرما ، وقد تحرم ما كان حلالا ، فإن التوعية الإسلامية ~~الثقافية قد تفوت على المستكبرين والكافرين كل الفرص التي يستغلونها ~~للإضرار بالإسلام والمسلمين ، بينما يتحرك الجهل ، والسذاجة ، والخواء ~~الثقافي ، ليمنحهم أكبر فرصة للوصول إلى أهدافهم الشيطانية على ~~الاستكبارية. # * * * PageV04P209 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@027 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون (219) @QUR@026 في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ) (220) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الخمر ): أصله الستر ، ومنه : الخمار للمقنعة. ودخل في خمار ~~الناس ، أي : في كثير الذي يستتر فيهم. ويقال : خامرة الداء : إذا خالطه ، ~~وخمرت الإناء : إذا غطيته. وفي الشرع : كل مائع مسكر ، سواء أخذ من العنب ~~أو الزبيب أو التمر ، وكل مشروب كحولي. وربما كان إطلاق الخمر على المسكر ~~بلحاظ تغطيته على العقل وسلبه القدرة على التمييز بين الضرر والنفع. PageV04P210 # ( @QUR@01 والميسر ): القمار. اشتق من اليسر ، وهو وجوب الشيء لصاحبه ، ~~من قولك : يسر لي هذا الشيء. ييسر يسرا وميسرا إذا وجب ذلك ، والياسر : ~~الواجب بقداح وجب لك أو غيره. يقال : يسرته ، إذا قمرته. واشتقاقه من اليسر ~~، لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد أو تعب ، أو من اليسار ، لأنه ~~سلب يساره. # وكانت صفة على الميسر ، في الجاهلية ، أنهم كانت لهم عشرة أقداح ، وهي ~~الأزلام والأقلام : الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، والنافس ، والمسيل ~~، والمعلى ، والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، لكل واحد منها نصيب معلوم من ~~جزور ينحرونه ويجزءونه عشرة أجزاء ، وقيل : ثمانية وعشرون جزءا إلا لثلاثة ms0635 ~~، وهي المنيح والسفيح والوغد. للفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، ~~وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسيل ستة ، وللمعلى سبعة ، يجعلونها في ~~الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل ، ثم يجلجلها ويدخل يده ، فيخرج ~~باسم رجل قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء ، أخذ النصيب الموسوم ~~به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له ، لم يأخذ شيئا وغرم ثمن ~~الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ، ~~ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم. # وقد تطورت آلات القمار وتنوعت وسائله ، وقد عد منها الشطرنج والنرد ~~اللذان كان الناس يلعبون بهما بطريقة القمار ، بحيث كان للرابح فيهما عوض ~~معين. وهكذا نجد أن مفهوم الميسر يلتقي مع كل لون من ألوان اللعب بالآلات ~~القديمة والجديدة ، على أساس أن يكون للرابح عوض يدفعه الخاسر. وجاء عن ابن ~~سيرين : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر. PageV04P211 # ( @QUR@01 إثم ): الإثم يقارب الذنب وما يشبهه معنى ، وهو حال في الشيء ~~أو في العقل يبطئ الإنسان عن نيل الخيرات. فهو الذنب الذي يستتبع الشقاء ~~والحرمان في أمور أخرى ، ويفسد سعادة الحياة في جهاتها الأخرى. # قال الراغب : الإثم والآثام اسم للأفعال المبطئة عن الثواب .. وقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) أي في تناولهما إبطاء عن ~~الخيرات (1). وأصل الإثم البطء والتأخر. # ( @QUR@01 العفو ): مأخوذ من الزيادة. ومنه قيل : حتى عفوا ، أي : ~~ازدادوا على ما كانوا عليه من العدد. والمراد به : ما يسهل إنفاقه فلا يبلغ ~~الجهد وهو التوسط في الإنفاق وقيل : هو مأخوذ من الترك من قوله : ( @QUR@06 ~~فمن عفي له من أخيه شيء ) [البقرة : 178] أي : ترك. ومنه : عفوت لكم عن ~~صدقة الخيل ، أي : تركتها ، فيكون العفو لمتروك لغني عنه. # ( @QUR@01 تخالطوهم ): المخالطة : مجامعة يتعذر معها التمييز ، كمخالطة ~~الخل للماء وما أشبهه. والخليطان : الشريكان لاختلاط أموالهما. والخليط : ~~القوم أمرهم واحد. والمراد بها في الآية: المعاشرة على نحو التداخل في ~~الواقع الاجتماعي. # ( @QUR@01 لأعنتكم ): الإعنات : الحمل على مشقة لا تطاق ثقلا ، وعنت ~~العظم عنتا : أصابه وهن ms0636 أو كسر بعد جبر. وأصل الباب : المشقة والشدة. # * * * PageV04P212 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في المجمع : إن الآية : «نزلت في جماعة من الصحابة أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : أفتنا في الخمر والميسر ، فإنها مذهبة للعقل ~~، مسلبة للمال ، فنزلت الآية» (1). # قد نستوحي من هذه الرواية أن التحريم لم يكن واردا في التشريع آنذاك ~~وأنهم كانوا يعيشون في وجدانهم الشرعي أجواء التحريم من خلال طبيعة النتائج ~~السلبية التي يعرفونها في الخمر والميسر مما يختزنانه من فساد للعقل والمال ~~، وذلك من جهة ما عرفوه من دروس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ما كانوا ~~يسمعونه منه من آيات الله وأحاديثه ، أن الله يريد بالناس الخير في ~~تشريعاته الإلزامية على أساس المصالح والمفاسد الكامنة في الأفعال ، فهم ~~يتحسسون حرمة الأشياء المضرة في وجدانهم الديني ، فيتطلعون إلى النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم سائلين عن الحرام في هذا أو ذاك. # وهناك رواية في الكافي توحي بأن تحريم الخمر بشكل صريح حاسم سابق على هذه ~~الآية ، فقد جاء عن علي بن يقطين ، قال : سأل المهدي أبا الحسن موسى ~~الكاظم» عليه السلام عن الخمر : هل هي محرمة في كتاب الله عز وجل فإن الناس ~~إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها؟ فقال له أبو الحسن ~~عليه السلام : بل هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا أمير المؤمنين. فقال له: ~~في أي موضع هي محرمة في كتاب الله جل اسمه يا أبا الحسن؟ فقال : قول الله ~~عز وجل : ( @QUR@014 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق ) [الأعراف : 33] ... إلى أن قال : وأما الإثم ، فإنها PageV04P213 # الخمرة بعينها ، وقد قال الله تعالى في موضع آخر : ( @QUR@010 يسئلونك عن ~~الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) فأما الإثم في كتاب الله ~~فهي الخمرة والميسر وإثمهما أكبر كما قال الله تعالى. الحديث (1). # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان : أن آية الأعراف سابقة في النزول على آيتي ~~البقرة وآيتي المائدة ، فإنهما تدلان على ms0637 النهي الخاص بعد ورود النهي ~~المطلق ، على أنه ينافي التدريج المفهوم من هذه الآيات ، فإن التدريج سلوك ~~من الأسهل إلى الأشق لا بالعكس (2). # ولكننا لا نجد في رواية الكافي دلالة على سبق آية الأعراف على آية البقرة ~~، بل قد تدل على تأخرها عنها وذلك لأن الإمام ، في الرواية ، استشهد بآية ~~البقرة على انطباق عنوان الإثم بشكل واضح على الخمر ، مما يجعل كلمة الإثم ~~في آية الأعراف متعلقا للتحريم ، بدلالة على أن المراد به الخمر ، فكأن آية ~~البقرة مهدت لبيان تحريم ، من حيث كون الخمر مصداقا للإثم. والتعبير عن ~~الخمر بالإثم لا يخلو من غموض في فهم المعنى المعين من اللفظ. # وربما يقال : إن الخمر يسمى إثما في اللغة ، كما قال الشاعر : # شربت الإثم حتى ضل عقلي %~% كذاك الإثم يصنع في العقول # والجواب : أولا : إن الإمام استدل على إرادة الخمر من الإثم في آية ~~الأعراف بآية البقرة التي وصف فيها الخمر والميسر بالإثم ، ولم يستشهد ~~بكلام أهل اللغة في تسمية الخمر بهذا الاسم ، مما يوحي بأن ذلك ليس معروفا ~~في زمن الإمام الكاظم عليه السلام . PageV04P214 # وثانيا : من الممكن أن يكون هذا الشاعر قد استوحى القرآن في هذا التعبير ~~، أو استوحى الكلمة الدالة على أن مضمون الإثم هو حالة في الشيء أو في ~~العقل يبطئ الإنسان عن نيل الخيرات ، فأطلقها عليه من باب إطلاق المفهوم ~~على المصداق ، لاشتمال الخمر على ما يوجب فساد العقل ، لا من باب إطلاق ~~الكلمة على معناها. # وثالثا : إن ملاحظة صاحب الميزان في إثبات سبق آية الأعراف غير دقيقة ، ~~لأن النهي المطلق في آية البقرة وآيتي المائدة كان واردا بالأسلوب الذي ~~يركز على الأساس السلبي للخمر في العناوين المذكورة التي توحي بالحرية ~~وتأمر بالاجتناب ، بحيث يعيش فيها القارئ الجو الفكري في الخط التشريعي ، ~~بينما لا توحي آية الأعراف إلا بالتشريع فقط في الحديث عن تحريمه إلى جانب ~~المحرمات الأخرى ، فلا مانع من أن تكون تلك الآية مقدمة لآية الأعراف ، ~~باعتبار أنها جاءت حاسمة في بيان الحرمة بلفظها من ms0638 دون لبس أو إشكال بعد ~~إعداد الجو النفسي المتنوع للمسلمين في هذه المسألة. # ويؤيد ما ذكرناه الرواية الأخرى الواردة في الكافي ، بطريق مرسل ، فقد ~~روى عن بعض أصحابنا مرسلا قال : إن أول ما نزل في تحريم الخمر قول الله ~~عز وجل : ( @QUR@014 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )، فلما نزلت هذه الآية أحس القوم بتحريمها ~~وتحريم الميسر ، وعلموا أن الإثم مما ينبغي اجتنابه ولا يحمل الله عز وجل ~~عليهم من كل طريق ، لأنه قال : ( @QUR@02 ومنافع للناس ) ثم أنزل الله ~~عز وجل آية أخرى : ( @QUR@012 إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) [المائدة : 90] فكانت هذه الآية أشد ~~من الأولى ، وأغلظ في التحريم ، ثم تلت آية أخرى فكانت أغلظ من الأولى ~~والثانية وأشد ، فقال الله عز وجل : ( @QUR@019 إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم PageV04P215 # @QUR@01 منتهون ) [المائدة : 91] فأمر عز وجل باجتنابها ، وفسر عللها التي ~~لها ومن أجلها حرمها. ثم بين الله عز وجل تحريمها ، وكشفه في الآية الرابعة ~~مع ما دل عليه في هذه الآية المذكورة المتقدمة بقوله عز وجل : ( @QUR@014 قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ) ~~[الأعراف : 33] وقال الله عز وجل في الآية الأولى : ( @QUR@010 يسئلونك عن ~~الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) ثم قال في الآية الرابعة : ~~( @QUR@011 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ) فخبر ~~الله عز وجل أن الإثم في الخمر وغيرها ، وأنه حرام ، وذلك أن الله عز وجل إذا ~~أراد أن يفترض فريضة أنزلها شيئا بعد شيء ، حتى يوطن الناس أنفسهم عليها ، ~~ويسكنوا إلى أمر الله عز وجل ونهيه فيها ، وكان ذلك من فعل الله عز وجل على ~~وجه التدبير فيهم أصوب وأقرب لهم إلى الأخذ بها ، وأقل لنفارهم منها (1). # وإذا كانت هذه الرواية مرسلة ، فإن مضمونها يتناسب مع مضمون الآيات ، مما ~~يبعث على ms0639 الثقة بصدورها ، فتكون حجة على أساس المبنى الذي قررناه في علم ~~أصول الفقه ، وهو أن السيرة العقلائية التي هي الأساس في حجية الأخبار ~~جارية على اعتبار الخبر الموثوق به لا خبر الثقة بالخصوص ، بل إن اعتباره ~~من أجل كونه سببا للوثوق. # * * * ### ||| ** القرآن والتصدي لقضايا الواقع # في هاتين الآيتين معالجة لعدة قضايا دار الحوار حولها بين المسلمين وبين ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأمور التشريعية مما كان يبتلى به الناس ~~، فقد سألوا PageV04P216 # عن الخمر والميسر ، وهما من العادات المتأصلة الجذور في حياة الناس آنذاك ~~، مما يجعل من تحريمهما ، أو الاتجاه نحوه ، مشكلة اجتماعية صعبة. وكانوا ~~يعتقدون ، أو يخيل إليهم ، أن التحريم لا يخضع لمصلحة الناس الحياتية ، لأن ~~شرب الخمر يخفف كثيرا من أثقال النفس وهمومها ، ويبعد بها عن أجزائها ~~وواقعها السيئ. وربما يجدون في أنفسهم بعض الحاجة إلى الهروب من الواقع ~~المرير إلى واقع لا أثر فيه للمرارة أو للمشاكل ، تماما كما هو النوم في ~~حياة الإنسان ، حيث تستريح فيه الأعصاب ، ويهدأ معه الفكر ، وتتجدد فيه القوى. # * * * ### ||| ** طريقة القرآن في إثارة القضايا # وحاول القرآن الكريم في جوابه عن ذلك أن لا يتنكر لهذه التصورات ، ولا ~~يتعسف في توجيه الحكم الشرعي إليهم ، فبدأ بإثارة الجوانب السلبية بإزاء ~~الجوانب الإيجابية ليفكروا فيها بهدوء ، ليتحقق لهم التوازن في تصورهم ~~للأشياء وحكمهم عليها ، لأن ذلك هو السبيل القويم في سلامة المعرفة من ~~الانحراف تحت ضغط العادة أو المنفعة أو الشهوة ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@033 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) [المائدة : 49] فإنه يضع أمامهم ~~التأثيرات السلبية في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة ، وفي الحياة ~~الروحية التي يعيش فيها الناس مع الله في لحظة العبادة والتأمل ، لأن الخمر ~~يذهب بالعقل ، فيتصرف الإنسان معها بفعل الغريزة التي تجمع الأحقاد وتفجرها ~~في طريقة لا شعورية ، PageV04P217 # بينما يساهم القمار في ms0640 شعور الخاسر بالحقد تجاه الرابح ، لأنه قد أخذ منه ~~ماله دون مقابل. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يشارك الخمر والقمار من خلال ~~الإدمان عليهما ، في إبعاد الإنسان عن الذكر وعن الصلاة ، وعلى هذا وجه ~~القرآن الكريم سؤالا ، يقصد منه الاستنكار وطلب الكف عن هاتين العادتين ~~بقوله تعالى : ( @QUR@020 إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~) [المائدة : 91] كإيحاء خفي بأن العاقل هو الذي يبادر بنفسه ، من دون حاجة ~~إلى تعليمات خارجية ، لترك ما يفسد عليه أمر حياته وقضية مصيره. # * * * ### ||| ** القرآن والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات # ثم أراد القرآن الكريم أن يوازن بين الإيجابيات والسلبيات ، فيحضرهما في ~~وعي الناس في البداية ، ثم يرشدهم إلى الحقيقة الموضوعية ، وهي زيادة نسبة ~~الجوانب السلبية في ممارستهما على الجوانب الإيجابية ، ويترك للعقل الواعي ~~عملية استخلاص النتيجة التي ستكون إلى جهة التحريم ، لأن العقل لا يقبل ~~للإنسان أن يرتكب الفعل الذي يضره بنسبة كبيرة ، لتحصيل منفعة ليست بذاك ~~المستوى من الأهمية. أما كيف ذلك؟ فإننا قد نجد إلى جانب منفعة الخمر ~~والقمار مفاسد لا تمثل المنفعة القليلة معها شيئا ، فهناك المشاكل الصحية ~~والمشاكل الاجتماعية التي قد تحدث كنتيجة طبيعية لغياب العقل في بعض ~~الحالات مع بقاء الإنسان جزءا من الحياة الاجتماعية في تصرفاته وحركاته ، ~~مما يسبب كثيرا من الجرائم والانحرافات العامة والخاصة ، إذ ليس في المجتمع ~~محاجر عقلية تحجر على المدمن حريته في حال سكره ، فلا تدعه PageV04P218 # يمارس قيادة السيارة أو غيرها ، أو يحمل السلاح ، أو يعيش في بيته مع ~~أطفاله ، ليتجنب المجتمع من نزوات السكير وانحرافاته ، كما تفعله مع الذين ~~يفقدون عقلهم نهائيا ، في مدة قليلة أو كثيرة. هذا في الخمر. # وأما القمار ، فقد نجد فيه إلى جانب ما ذكرته الآية السابقة انحرافا ~~اجتماعيا خطيرا ، عند ما يتحول الإنسان إلى كسب قوته من طريق القمار تاركا ~~العمل وراء ظهره ، مما يفقد المجتمع معه طاقة كبيرة أو صغيرة نافعة ، ويؤدي ~~بالتالي إلى تدمير حياة المقامر ms0641 وحياة أسرته ، لأنها لا ترتكز على أساس ~~متين لاعتمادها على «الشطارة الذهنية» للمقامر أو على غباء ملاعبه. # وهكذا تنتهي عملية التوازن بين الربح والخسارة إلى انخفاض نسبة الربح ~~بشكل كبير جدا ، بإزاء ارتفاع نسبة الخسارة بشكل مماثل أو أكبر ، ليضع ~~القرآن الناس أمام الحقيقة الكبيرة التي غفلوا عنها ، تماما كما يفعل الذين ~~يتذوقون حلاوة السم ، فينشغلون بلذة الحلاوة عما في السم من خطر مميت على ~~الحياة. ثم يوحي من خلال ذلك إليهم ، بأن التشريع ، في ما يخطط من تحريم ~~وتحليل ، لا ينطلق من نقطة العبث والالتذاذ بتقييد حرية الآخرين ، بل تبدأ ~~انطلاقته وتنتهي في حدود مصلحة الإنسان الخاصة والعامة. فلا تحريم إلا عند ~~ما تكون المفسدة أقوى من المصلحة ، ولا تحليل إلا عند ما تكون القضية على ~~العكس ، سواء في ذلك ما اعتاده الناس وما لم يعتادوه ، لأن الحرية في ~~التشريع الإلهي ليست مزاجية تخضع لانفعالات المزاج في حالات اللذة والألم ، ~~بل هي واقعية أساسية تخضع للمصالح والمفاسد الحيوية للإنسان في حركة الحياة ~~وقاعدتها الرئيسية. # وعلى ضوء ذلك ، فإن القرآن لم يزد شيئا على تقرير هذه الحقيقة الواقعية ~~في الخمر والميسر ، فلم يقل لهم ما يجب عليهم أن يفعلوه بل ترك الأمر ~~للإحساس الفكري الصافي ببداهة النتيجة التشريعية التي تلتقي بالحكم PageV04P219 # الإسلامي الحاسم بتحريم الخمر والقمار بشكل أساسي ونهائي ، في هذه الآية ~~الكريمة. # * * * ### ||| ** ما موقف الإسلام من الخمر والميسر؟ # ( @QUR@04 يسئلونك عن الخمر والميسر ) هل للإسلام موقف محدد منهما؟ وهل ~~هذا الموقف سلبي ينطلق في خط التحريم ، أو إيجابي في خط التحليل؟ لأن هناك ~~عادة عامة في أوساط الناس في الأخذ بهما ، في الوقت الذي يتحسسون حدوث أكثر ~~من مشكلة اجتماعية منهما ، ( @QUR@04 قل فيهما إثم كبير ) فهما يختزنان في ~~خصوصياتهما الذاتية معنى الذنب ، في مضمونه الذي يوحي بالنتائج السيئة التي ~~تؤدي إلى فساد في العقل أو في المال يعطل الوضع الطبيعي المتوازن في الحياة ~~، من خلال الضرر الذي يحدثه في واقع الإنسان في التعقيدات السلبية التي ~~تصيب روحه وعقله ، فتقعد به ms0642 عن الحصول على النمو العقلي والروحي والتوازن ~~في حركته في الحياة. # فإن الخمر يترك تأثيراته على عمر الإنسان ، من خلال الأضرار التي يحدثها ~~في الجسد ، وقد يؤدي إلى الضرر على الجنين الذي يولد من أبوين مدمنين ، ~~وإلى الكثير من المفاسد الأخلاقية والأضرار الاجتماعية والاقتصادية ، حسب ~~الدراسات الطبية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. كما أن القمار يترك ~~تأثيره الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي على واقع المدمنين له ، فيبعدهم عن ~~العمل المنتج ، الذي يحرك طاقة الإنسان نحو الإنتاج في المجالات التي تمثل ~~حاجات الناس في حياتهم العامة والخاصة. # وفي ضوء ذلك ، فإن كلمة الإثم تختزن في داخلها معنى الضرر. PageV04P220 # والظاهر أن المراد بها الضرر الدنيوي لا الأخروي ، لأنه تابع للتحريم ~~الذي تستوجب مخالفته العقاب في الآخرة. وهذا مما لم يكن معهودا قبل الآية ، ~~ليتحدث الله عنه كشيء وجداني معلوم للناس في ذهنيتهم الشرعية ، لأن الغرض ~~أنهم في موقع السؤال عن التحريم كموقف إسلامي فيه الأمر الذي يجعل الضرر ~~الأخروي نتيجة للآية ، لا تحليلا للمسألة وتقريبا للصورة. # وربما يستفاد ذلك من «مقابلة في قوله تعالى : ( @QUR@02 ومنافع للناس )، ~~فإن النفع في مفهومه يقابل الضرر ، فهما يتواردان في الأشياء التي يتطلبها ~~الناس لخصائصها الإيجابية أو يكرهونها لخصائصها السلبية ، مما يجعل من ذكر ~~أحدهما في مورد قرينة على إرادة مقابلة في مجال المقارنة بين الخصائص ~~الكامنة في الشيء. # وربما كان المراد من المنافع حالة الفرج النفسي الذي يحدث في حالة السكر ~~عند ما يدخل الإنسان في غيبوبة ذهنية ضبابية ، توحي له بالمرح واللهو ~~والعبث ، بحيث يتخفف من قيوده الاجتماعية التي يفرضها عليه عقله ، فيبتعد ~~بذلك عن ضغط المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية ونحوها ، مما يجعل من ~~الخمر سببا في الهروب من الواقع ، بدلا من أن يكون حلا للمشكلة وتركيزا ~~للواقع. أما في القمار ، فقد تكون المنافع متمثلة في الأرباح التي يحصل ~~عليها المقامر في بعض الحالات بيسر وسهولة ، فلا يتكلف في سبيل الحصول ~~عليها أي جهد أو تعب مما يتكلفه الناس في حركتهم المعاشية في الأسفار ~~البعيدة والأخطار الكثيرة ، بالإضافة إلى ms0643 ما يستتبع ذلك من الحالة النفسية ~~المرحة في حركة اللعب الذي يؤدي إلى الربح. # ( @QUR@04 وإثمهما أكبر من نفعهما ) فإن الأضرار التي تحدث للحياة ~~الإنسانية الفردية والاجتماعية في جميع مجالاتها ، في الخمر والميسر ، أكبر ~~من المنافع الحاصلة منهما ، لأن الهروب من الواقع ، ونسيان المشاكل في ~~لحظات السكر ، قد يخدر الآلام الكامنة في الواقع ، من خلال مشاكل الإنسان ~~الخاصة والعامة ، PageV04P221 # ولكنه لا يلغيها ، بل قد تعود بعد الإفاقة منه بقسوة أكبر وألم أعمق. ~~تماما كما يحدث للمريض الذي يصرخ من الألم ثم يهدأ بتناول المخدرات ، ليعود ~~إلى آلامه بإحساس أكثر قسوة عند انتهاء مفعول التخدير. كما أن النتائج ~~السلبية الصحية والعقلية والاجتماعية الناتجة من السكر تدخله في أكثر من ~~مشكلة تتعب حياته ، وتدمرها ، وتؤدي بها إلى الهلاك في بعض الحالات. # وهكذا نجد القمار ، في قضية المنفعة التي يحصل عليها المقامر في الأرباح ~~الطارئة ، فإنها لا بد من أن تلتقي في التجربة الثانية والثالثة وغيرها في ~~اللعب بالخسائر المدمرة التي تجعل الربح الذي حصل عليه لا معنى له أمام ~~خسارته الجديدة التي قد لا يبقى له معها أي شيء. # وإذا كانت المضار أكبر من المنافع ، فمن الطبيعي أن يحرمهما الله ، ولا ~~يمكن له أن يحللهما من خلال لطفه بعباده الذي يقربهم إلى ما يصلح أمرهم في ~~الحياة ، ويبعدهم عما يفسدها في أوضاعهم العامة والخاصة ، لأن التشريع ~~وسيلة من الوسائل لإدخال الإنسان في ما يحبه الله من الخير وابعاده عما ~~يبغضه من الشر ، ويتصل بالسلامة العقلية والروحية والجسدية للإنسان على ~~الصعيد الفردي والاجتماعي ، فالشريعة هي عناوين المصالح والمفاسد الكامنة ~~في أفعال الإنسان ، فلا يأمر الله إلا بما فيه صلاح الإنسان ، ولا ينهى إلا ~~عما فيه فساد حياته. # ولعل هذه المسألة ، وهي تغليب الجانب الأقوى على الجانب الأضعف في مسألة ~~التشريع في التحريم والتحليل ، هي الطريقة العقلائية التي يجري عليها ~~العقلاء في قضاياهم السلبية والإيجابية. فإذا كانت المصلحة أقوى من المفسدة ~~في الفعل ، كان الموقف إيجابيا لحساب المصلحة ، وإذا كانت المفسدة أقوى من ~~المصلحة ، كان ms0644 الموقف سلبيا لحساب المفسدة. ونلاحظ في هذا المجال أنهم ~~يقبحون للإنسان اختيار ما كان ضرره أكبر من نفعه ، PageV04P222 # ويذمونه على ذلك ، ويعتبرونه سفيها ، ولهذا يحجرون على أموال السفيه وعلى ~~تصرفاته العقدية ، لأنه لا يدرك الفاصل بين المضار والنفع ، ولا يتحرك في ~~اتجاه اختيار النفع على الضرر. # وفي ضوء ذلك ، نستفيد من هذه الفقرة ، أن الله ، سبحانه ، أراد بيان ~~التحريم بهذه الطريقة ، انطلاقا من الارتكاز العقلائي الذي يتحرك تلقائيا ~~لتقرير النتيجة من خلال هذه القاعدة بتحريم ما يتمثل فيه ذلك في حركة ~~الواقع أو في خصائصه الذاتية. # * * * ### ||| ** وقفة مع آراء المفسرين في هذه الآية # وقد ذكر بعض المفسرين ، في ما نقله العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ~~، أن آية البقرة ما كانت صريحة في الحرمة. فإن قوله تعالى : ( @QUR@04 قل ~~فيهما إثم كبير ) لا يدل على أزيد من أن فيه إثما. والإثم الضرر. وتحريم كل ~~ضار لا يدل على تحريم ما فيه مضرة من جهة ومنفعة من جهة أخرى ، ولذلك كانت ~~هذه الآية موضعا لاجتهاد الصحابة ، فترك الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون ~~، كأنهم رأوا أنهم يتيسر لهم أن ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها. فكان ذلك ~~تمهيدا للقطع بتحريمها ، فنزل قوله تعالى : ( @QUR@073 يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) [المائدة ~~: 90 94] إلى قوله : ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من ~~الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن PageV04P223 # @QUR@06 اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) [المائدة : 90 94]. # وقد رده العلامة الطباطبائي ، «أولا : إنه أخذ الإثم بمعنى الضرر مطلقا ، ~~وليس الإثم هو الضرر. ومجرد مقابلته في ms0645 الكلام مع المنفعة ، لا يستدعي كونه ~~بمعنى الضرر المقابل للنفع. وكيف يمكن أخذ الإثم بمعنى الضرر في قوله تعالى ~~: ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) [النساء : 48] ، وقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 فإنه آثم قلبه ) [البقرة : 283] ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 أن تبوء بإثمي وإثمك ) [المائدة : 29] ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 ~~لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) [النور : 11] ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 ~~ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ) [النساء: 111]. إلى غير ذلك من ~~الآيات. # وأما ثانيا : فإن الآية لم تعلل الحكم بالضرر ، ولو سلم ذلك فإنها تعلل ~~فعلية الضرر على المنفعة ، ولفظها صريح في ذلك حيث يقول : ( @QUR@04 ~~وإثمهما أكبر من نفعهما ) وإرجاعها مع ذلك إلى الاجتهاد ، اجتهاد في مقابل النص. # وأما ثالثا ، فإن الآية في نفسها قاصرة الدلالة على الحرمة ، لكنها صريحة ~~الدلالة على الإثم وهي مدنية قد سبقتها في النزول آية الأعراف المحرمة ~~للإثم صريحا ، فما عذر من سمع التحريم في آية مكية ، حتى يجتهد في آية ~~مدنية؟! (1). # * * * ### ||| ** ملاحظة على رأي الطباطبائي # ونحن نوافق العلامة الطباطبائي على تأكيده على دلالة الآية على PageV04P224 # التحريم ، ولكن بطريقة إيحائية بلحاظ الفقرة الأخيرة ( @QUR@04 وإثمهما ~~أكبر من نفعهما ) بالتقريب الذي ذكرناه ، ولكننا لا نوافقه على إنكاره ~~إرادة الضرر من كلمة الإثم ، باعتبار أن مقابلته بالنفع لا يصلح أن يكون ~~قرينة على ذلك ، مع عدم إمكان إرادته من الآيات التي ذكرها. فإننا لا ندعي ~~أن كلمة الإثم مرادفة للضرر ولكنها كما ذكره العلامة الطباطبائي في تفسير ~~الآية : «حال في الشيء أو في العقل يبطئ الإنسان عن نيل الخيرات» وبذلك فإن ~~مصداقها يختلف حسب اختلاف موارد استعمالاتها ، فقد يراد منها الضرر كما في ~~هذه الآية ، وقد يكون المراد منها المعصية أو الذنب الذي يستحق العقوبة ~~ونحو ذلك. فالمعنى واحد ، ولكن حركته في الموارد متنوعة ، وقد بينا في ما ~~ذكرناه آنفا ، الوجه في حمل الكلمة على معنى الضرر ، كما أننا لا نوافقه في ~~تقدم آية الأعراف تاريخيا على آية البقرة ، بل الظاهر العكس ، كما ذكرناه. # إن الآية توحي بالتحريم ولكنها لا تدل عليه بشكل صريح ، فهي ms0646 أسلوب تربوي ~~من أساليب إعداد النفس لتقبل التحريم ، بإثارة الأجواء الفكرية الداخلية ~~للانفتاح عليه ، كما لو كان أمرا طبيعيا يختاره الإنسان بنفسه. # * * * ### ||| ** الآية في مستوى القاعدة الفقهية # وقد نستطيع استيحاء هذه الفقرة ، لتكون قاعدة فقهية تقتضي تحريم كل ما ~~كان ضرره أكبر من نفعه ، حتى لو لم يرد فيه نص ، باعتبار أن القضية قد تكون ~~عقلية يحكم العقل بها ، ويدرك وجود الملاك الشرعي للتحريم في مواردها ، ~~لقبح ارتكاب ما يكون ضرره أكثر من نفعه ، لأنه ظلم للنفس على PageV04P225 # مستوى الحالة الفردية ، وقد يكون ظلما للمجتمع بما يحدثه من الأضرار ~~الاجتماعية ، كما أنها عقلائية من خلال السيرة العقلائية الجارية في أمورهم ~~العامة على الخاصة على ترك ما كان ضرره أكثر من نفعه. # فإذا كان ما يحكم به العقل يحكم به الشرع ، وإذا كانت السيرة العقلائية ~~محترمة لدى الشارع في القضايا العامة التي لا تخضع للتعبد من خلال ~~الخصوصيات الخفية التي لا يدركها الناس ، بل تخضع للمصالح والمفاسد ~~المعروفة لديهم ، وإذا كانت الآية قد أكدت المسألة بحيث يمكن القول بأنها ~~تؤكد حكم العقل وتمضي سيرة العقلاء وبناءهم ، فإن النتيجة لا بد من أن تكون ~~في مستوى القاعدة لا في مستوى الحكم الخاص. وإذا كان البعض يثير احتمال أن ~~الآية واردة على نحو الحكمة لا على نحو العلة ، فإننا نرد عليه بأن الحكمة ~~النوعية تمثل علة للتشريع العام ، على أساس تحقيق المصالح الكبرى للإنسان ~~وإبعاد المفاسد النوعية المهمة عن الواقع ، بحيث تنعدم المصالح أو المفاسد ~~الصغيرة أمام ذلك. # وفي ضوء ذلك ، نستطيع استيحاء ما ذكر في حكمة تشريع العدة ، أنه عدم ~~اختلاط المياه في عملية النكاح من حيث التناسل والتوالد ، لأن الزواج بعد ~~الطلاق قد يؤدي إلى الحيرة في إلحاق الولد بالزوج الأول أو الثاني. فإذا ~~كانت هذه الحكمة واردة في التشريع ، فيمكن أن تسري إلى كل ما كان من هذا ~~القبيل. # وربما نستوحي ذلك في مسألة تعليل حرمة الخمر بالإسكار ، فإنها واردة على ~~أساس المسألة النوعية ، من جهة الإسكار الفعلي ، ولذلك قرر ms0647 الفقهاء بأن «ما ~~أسكر كثيره فقليله حرام» ، كما قرروا حرمة شرب الخمر في الموارد التي يملك ~~الإنسان فيها المناعة من السكر ، لاعتياده عليه بالمستوى الذي لا يؤثر فيه ~~كما في بعض المدمنين ونحو ذلك. PageV04P226 # وعلى هذا ، فيمكن الحكم بتحريم التدخين الذي ثبت علميا بأن ضرره أكثر من ~~نفعه ، بل ربما يكون مما لا نفع فيه ، وقد يتحدث الأطباء الاختصاصيون بأنه ~~، في المسألة النوعية ، يؤدي إلى التهلكة لعلاقته بالسرطان أو ببعض أمراض ~~الرئة ونحوها بالدرجة التي يغلب فيها الموت ، ويمكن الحكم بتحريم المخدرات ~~كالأفيون والحشيشة والهيرويين ونحوها مما ثبت علميا وحسيا أنها تدمر حياة ~~الإنسان ، لأنها تقود إلى الإدمان الذي يتحول فيه الإنسان في أغلب الحالات ~~إلى إنسان مشلول الفكر والحركة والإنتاج ، وقد نجد أن أضراره من الناحية ~~النفسية والعملية والاجتماعية أكبر من أضرار الخمر بكثير. وهكذا نستطيع ~~بفضل هذه القاعدة أن نحكم بتحريم الكثير من الأشياء والأفعال التي تشتمل ~~على هذه الخصوصية التي قررها القرآن في هذه الآية. # إننا نثير هذه الملاحظة الفقهية للمناقشة العملية ، لما تمثله من نتائج ~~مهمة في الشريعة. # * * * ### ||| ** الاية في خط الدعوة والتربية # وقد نستطيع استيحاء هذا الأسلوب في حركة الدعوة ، بأن نثير أمام الناس ~~إيجابيات القضايا بالإضافة إلى سلبياتها ، سواء كان ذلك في المسائل التي ~~يطرحها الإسلام في مفاهيمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، أو التي ~~يؤمن بها الآخرون مما لا يؤمن به الإسلام في شريعته. فإن التأكيد على ~~الإيجابيات في جانبنا ، والسلبيات في جانب الآخرين ، يوحي بالتعصب للموقع ~~الذاتي ضد مواقع الآخرين ، بينما يمثل التوازن بين الخطين الاعتدال ~~والموضوعية والعدالة في النظرة إلى مواقع الخلاف ، الأمر الذي يجتذب الناس PageV04P227 # إلى الإسلام ، انطلاقا من أسلوبه العقلائي الموضوعي القائم على احترام ~~عقل الآخر وموقعه وانتمائه بحيث تكون قضية الصراع قضية تجاذب فكري ، وحركة ~~إنسانية في دارسة الأفكار المختلفة ومناقشتها ، والتأكيد على أن الحوار ~~الموضوعي هو الأسلوب المنتج في إيصال الناس إلى مواقع الحق في قناعاتنا ~~الفكرية. # وهو أسلوب تربوي لا بد من تحريكه في خط المنهج التربوي ، الذي ms0648 يربي ~~الإنسان المسلم على أن لا ينظر إلى الأمور من جانب واحد ، لتكون الحياة ~~دائرة بين الأبيض أو الأسود بشكل مطلق ؛ فلننظر إليها من كل جوانبها ، ~~فهناك الواقع الذي يحمل اللونين معا ، اللذين قد يلتقي أحدهما مع الآخر ~~بدرجة متساوية ، وقد يغلب أحدهما الآخر فيعطي للفعل أو للشيء صورته الغالبة ~~، الأمر الذي يفرض على الإنسان أن يوازن بين الجوانب ، ليكون اختياره ~~منطلقا من دراسة مقارنة ، فلا يخضع للحالات الانفعالية السريعة ولا للنظرة ~~الارتجالية العابرة ، بل يخضع للعمق الفكري الذي ينفذ إلى جوهر الشيء ولا ~~يقتصر على سطحه ، فيكون اختياره خاضعا للنتيجة الحاسمة في هذه الموازنة بين ~~الأمور. # وهذه الآية توحي بفكرة عامة وهي أنه ليس هناك إيجاب مطلق أو سلب مطلق في ~~الحياة ، لأن كل ما في الكون من موجودات وأفعال هو محدود بحدوده الذاتية ~~والزمانية والمكانية. والله وحده هو المطلق ، لذلك ليس هناك خير لا شر فيه ~~، ولا شر لا خير فيه. فقد يختزن الخير بعض الشر في ذاته ، وقد يختزن الشر ~~بعض الخير في مورده ، لأن طبيعة الحدود تفرض ذلك ، فتكون خيرية الشيء ~~برجحان جانب الخير فيه كما تكون غلبة الشر برجحان جانب الشر فيه ، ولا قيمة ~~للعنصر المغلوب أو الضعيف هنا في مسألة التشريع. # إن هذه النقطة لا بد من التركيز عليها في ما يواجهه المسلمون من النقد ، PageV04P228 # الذي قد يوجهه الكافرون من إثارة النقاط السلبية في بعض المفاهيم أو ~~التشريعات الإسلامية ، مما قد يجعل الدعاة والمبلغين في موقف حرج شديد ~~الصعوبة ، عند ما يجدون صحة هذا النقد في واقع الإسلام في مفاهيمه وأحكامه ~~، ولكننا أمام الملاحظة المذكورة نجد أن اعترافنا بوجود السلبيات في ~~التشريع أو في المفهوم الإسلامي ، لا يعني سقوط التشريع أو خطأ المفهوم ، ~~لأن ذلك يمثل واقع الحياة في كل حقائقها الفكرية أو العملية ، ولذلك فإن ~~علينا مواجهة المسألة بالحديث عن الإيجابيات الكامنة في داخل الحقيقة ~~الإسلامية ، مع غلبة هذا الجانب الإيجابي على الجانب السلبي. وبهذا نتفادى ~~الكثير من المآزق الجدلية ومن ضعف الموقف ms0649 ، لنحوله إلى مأزق للآخرين وإلى ~~موقع قوة يرتكز على النظرة العلمية الموضوعية للأشياء والمواقف. # * * * ### ||| ** العفو من الإنفاق # ( @QUR@04 ويسئلونك ما ذا ينفقون ): جاء في الدر المنثور في قوله تعالى ~~: ( @QUR@04 ويسئلونك ما ذا ينفقون ) عن ابن عباس : «أن نفرا من الصحابة ، ~~حين أمروا بالنفقة في سبيل الله ، أتوا النبي فقالوا : إنا لا ندري ما هذه ~~النفقة التي أمرنا بها في أموالنا ، فما ننفق منها؟ فأنزل الله ( @QUR@06 ~~ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو ) وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما ~~يتصدق به» (1). # وسألوه عما ينفقون من أنواع الأطعمة والألبسة والأموال ، فلم يحدد لهم ~~شيئا في الجواب ، لأن تعيين ذلك لا يمثل شيئا في حساب القيمة الأخروية عند PageV04P229 # الله ، ما دامت القضية ترتكز على حل مشكلة الفقير من خلال التكافل ~~الاجتماعي من جهة ، وعلى تربية المؤمن على روح العطاء من جهة أخرى. ولذلك ~~اكتفى بكلمة ( @QUR@01 العفو ) التي تعني الفضل. # ( @QUR@02 قل العفو ). وقد اختلف المفسرون في تطبيق هذه الكلمة على ~~الواقع العملي ، فقال بعضهم : إنه ما فضل عن الأهل والعيال ، أو الفضل عن ~~الغنى. وقال بعضهم : إنه الوسط من غير إسراف ولا إقتار ، وهو المروي عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام . وقال بعضهم : إنه ما فضل عن قوت السنة (1) ~~، وهو المروي عن الإمام محمد الباقر صلى الله عليه وآله وسلم وقد تلتقي هذه ~~المعاني حول معنى واحد ، وهو أن لا يترك تأثيره على حاجاته الأساسية مما ~~يتصل بمسؤولياته عن نفسه وعياله على النحو المتعارف. # ( @QUR@05 كذلك يبين الله لكم الآيات ) الدالة على حقائق الأشياء مما ~~يتعلق بالتشريع في مسئولياتكم العامة والخاصة ، فتتعرفون حكمة الله في ~~تشريعاته في أقوالكم وأفعالكم ، ليظهر لكم كيف يريد صلاحكم. كما يبين لكم ~~الآيات المنتشرة في الكون في كل مخلوقاته الجامدة والنامية والحية التي ~~تكشف لكم عن عظمة الإبداع وسر الخلقة ، ( @QUR@02 لعلكم تتفكرون ) وتهتدون ~~بالفكر المتحرك الباحث عن كل حقيقة في الأرض وفي السماء وفي الحياة ~~والإنسان ، فتحصلون على الثقافة العلمية التي تنمي مدارككم وفهمكم ~~وانفتاحكم على حقائق العقيدة والإيمان ms0650 ، ( @QUR@02 في الدنيا ) ليتعرفوا ~~كيف هي الدنيا في نطاق مسئولياتكم من حيث هي دار ممر لا دار مقر ، وساحة ~~عمل لا ساحة لهو وعبث ، ومزرعة للآخرة لا غاية في ذاتها ، لتتحركوا فيها في ~~ما تفعلون وتتركون في هذا الاتجاه لتحقيق تلك الغاية. ( @QUR@01 والآخرة ) ~~التي هي دار الحيوان والخلود ، فسعادتها هي السعادة وشقاؤها هو الشقاء ، ~~فلا بد لكم من الاستعداد لها لتواجهوا نتائج المسؤولية بين يدي الله. PageV04P230 # وهذا هو الإيحاء الإيماني الدائم ، الذي يوحي به الله للإنسان ، ليكون ~~على وعي دائم لنفسه ولحركته في الحياة في الدنيا والآخرة ، بعيدا عن أية ~~حالة غفلة أو نسيان. # وهناك نقطة ثانية ، لا بد من الانتباه إليها ، وهي أن الدعوة إلى التفكير ~~التي تشمل العمل على أساس الوصول إلى معرفة حكمة التشريع وعلل الأحكام ، ~~توحي بأن الإسلام لا يريد للإنسان أن يبتعد عن السعي للتعرف على المفاهيم ~~الإسلامية والعقائد الإيمانية والأحكام الشرعية ، وذلك كي يصل إلى حقائقها ~~وأسرارها بالفكر العميق ، ليزداد بذلك إيمانا وهدى ، فلا يكلف الإنسان ~~الإنفاق من ضرورياته المعاشية ، بل يكفيه في إطاعة هذا التشريع أن ينفق مما ~~يزيد عن حاجاته الأساسية ، وبذلك كان الإسلام منسجما مع الطبيعة البشرية ~~التي قد لا تستجيب للإيثار دائما ، وإن كانت قد تسير معه في بعض مراحل ~~الحياة. وقد كان ختام الآية دعوة للتفكير في آيات الله التي يبينها للإنسان ~~، ليفكر فيها فيهتدي بها إلى سواء السبيل. # * * * # ( @QUR@03 ويسئلونك عن اليتامى ) # ( @QUR@03 ويسئلونك عن اليتامى ) كيف تكون علاقاتهم معهم ، في ما يفعلونه ~~في أموالهم وتربيتهم ورعايتهم؟ فقد كانوا يمثلون مشكلة أساسية في الضمير ~~الديني للإنسان المسلم ، فقد يتحرج الكثيرون من التعامل معهم خوفا من الإثم. # فقد جاء في الدر المنثور ، قال ابن عباس : لما أنزل الله ( @QUR@08 ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) [الأنعام : 152] و ( @QUR@05 إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ) PageV04P231 # [النساء : 10] الآيتين ، انطلق كل من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من ~~طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيجلس له حتى يأكله أو ~~يفسد فيرمي به ms0651 ، فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله : ( @QUR@010 ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم (1). # فكان الجواب تحديدا للخط العام والإطار الشامل لذلك : ( @QUR@04 قل إصلاح ~~لهم خير ) فلا بد من دراسة كل أمورهم في نطاق الإصلاح لدنياهم وآخرتهم ، ~~لأنهم أمانة الله لدى المجتمع ، فعلى أفراده أن يراعوا جانب الصلاح معهم ، ~~كما يراعون ذلك في جانب الأمانة العادية في ما يتعلق بحفظها ورعايتها. وقد ~~تكون القضية أبعد عمقا وتأثيرا في جانب اليتامى ، لأن إصلاح أمر الإنسان ~~الذي لا يملك تدبير شؤونه ورعايتها قد يدخل في تعقيدات كثيرة تحتاج إلى ~~المزيد من الدقة والتأمل والإيمان ، لئلا يفسد الإنسان الأمر من حيث يريد ~~إصلاحه ، أو يفسد الأمر الصالح من حيث لا يريد إفساده. # ثم أكد القضية من جهة أخرى ، فأثار أمامهم موضوع المخالطة لهم ( @QUR@03 ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم )، وأراد من المسلمين أن يخالطوهم من موقع الشعور ~~بأنهم إخوة في الدين ، كما يخالط الأخ أخاه في النسب من حيث احترامه له ~~ورعايته لأموره ، وحفظه لماله على هدى قوله تعالى : ( @QUR@016 وآتوا ~~اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~إنه كان حوبا كبيرا ) [النساء : 2]. وأن لا ينظروا إليهم نظرة فوقية ~~إشفاقية من خلال ضعفهم الطبيعي وحاجتهم الملحة إليهم ، فإن ذلك يثقل على ~~نفوسهم ، ويهدم معنوياتهم ، ويعقد حياتهم ، ويعطل نموهم الطبيعي في الحياة. ~~وربما كانت هذه الفقرة واردة في الإذن لهم في ما كانوا يتحرجون فيه من ~~مخالطتهم في المأكل والملبس والمشرب ونحو PageV04P232 # ذلك ، ورخصة لهم في ذلك إذا تحروا الصلاح بالتوفير على الأيتام. وعن ~~الحسن وغيره. وهو الوارد والمروي في أخبارنا كما في مجمع البيان (1). # وتختم الآية الجواب بتعميق الإحساس بقضية الممارسة الواعية لإصلاح أمر ~~اليتامى ، ( @QUR@05 والله يعلم المفسد من المصلح )، وذلك بالإيحاء بأن ~~الله يراقب عمل الإنسان في داخل النفس وخارجها ، ويعلم المفسد من المصلح في ~~ما يقومان به من الإفساد والإصلاح ، ويحاسب كلا منهما على ما عمله ms0652 من خير أو شر. # ثم أكد عليهم بأن الله يريد للناس من خلال تشريعاته أن يحقق لهم الانسجام ~~والراحة والطمأنينة ، فتلك هي مشيئته في ما يريد للناس من حياة ، ( @QUR@04 ~~ولو شاء الله لأعنتكم ) لأوقعهم في العنت ، وهو المشقة. وفي ضوء ذلك ، لا ~~بد للإنسان من أن يفهم التشريع في كل ما يحلله وما يحرمه من أمور الحياة ، ~~حتى في الأمور التي يشعرون معها بالتعب والمعاناة ، فإن نتائج ذلك لا تبتعد ~~عن مصالحهم الحقيقية. # وكانت خاتمة الآية ( @QUR@04 إن الله عزيز حكيم ) باعتبار أن عزته توحي ~~بقوة مشيئته ، كما أن حكمته توحي بارتباط التشريع بمصلحة الإنسان. # وقد يستوحي الفقيه من قوله سبحانه : ( @QUR@04 قل إصلاح لهم خير ) أن ~~التصرف في أمر اليتيم ، سواء كان متعلقا بماله أو بحياته الخاصة والعامة ، ~~لا بد أن تكون فيه مصلحة له ، لأن ذلك هو الذي يتبادر من قوله : ( @QUR@02 ~~إصلاح لهم ) كما يتبادر ذلك من قوله تعالى : ( @QUR@035 ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) [الأنعام : 152] فلا يكفي في شرعيته أن لا ~~يكون ذلك مفسدة له ، ولا بد من التأمل في ذلك ، وفي PageV04P233 # كل مورد من موارد الولاية الشرعية المجعولة للإنسان على القاصر الذي لا ~~يملك إدارة شؤون نفسه وتدبير أموره ، فإن القضية تتصل بإصلاح أمره ، وتنمية ~~ماله ، وتوجيه حياته نحو النتائج الجيدة التي تحقق له المصلحة في كل أموره. # * * * PageV04P234 ### ||| * الآية # ( @QUR@039 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون ) (221) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تنكحوا ): قال الراغب : أصل النكاح العقد ، ثم أستعير للجماع ~~، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم أستعير للعقد ، لأن أسماء الجماع كلها ~~كنايات ، لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ، ومحال أن ms0653 يستعير من لا يقصد ~~فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه (1). # والظاهر أن المراد بالعقد هو علاقة الزوجية ، لا العقد اللفظي المعهود PageV04P235 # كما ذكر في الميزان (1). # ( @QUR@01 المشركات ): اسم فاعل من الإشراك ، بمعنى اتخاذ الشريك لله ~~سبحانه ، وهو ذو مراتب مختلفة من حيث الظهور والخفاء. # ( @QUR@01 ولأمة ): الأمة : المملوكة التي تقابل الحرة ، وقيل : المرأة ~~لأنها أمة الله. # ( @QUR@01 أعجبتكم ): راقت لكم ، وعظمت بعيونكم لجمالها أو مالها أو ~~حسبها. والعجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء ، ولذلك قيل ~~: إذا عرف السبب بطل العجب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مناسبة النزول كما في مجمع البيان أنها «نزلت في مرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي ، بعثه رسول الله إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين ، وكان قويا ~~شجاعا ، فدعته امرأة يقال لها عناق إلى نفسها ، فأبى وكانت خلة (2) في ~~الجاهلية ، فقالت : هل لك أن تتزوج بي؟ فقال : حتى أستأذن رسول الله. فلما ~~رجع ، استاذن في التزوج بها ، فنزلت الآية» (3). # * * * PageV04P236 ### ||| ** الزواج بين الرغبة العاطفية والمصلحة الواقعية # في هذه الآية تأكيد على الأساس التشريعي للحكم بحرمة تزويج المشركات ~~للمؤمنين وحرمة تزويج المؤمنات للمشركين. وهو التباين في النظرة بين ~~المؤمنين وبين المشركين ، مما يوجب التباين في السلوك وفي الهدف ، فينعكس ~~على الحياة الزوجية التي يجب أن تخضع للمودة والرحمة القائمة على وحدة ~~التصور ، ووحدة الشعور بالهدف. فالمؤمنون يسيرون في اتجاه دعوة الله إلى ~~الجنة ، التي تقتضي نمطا في السلوك وفي التفكير يختلف مع النمط في السلوك ~~والتفكير الذي تقتضيه دعوة المشركين إلى النار. فكيف يمكن أن يتحقق الإخلاص ~~للحياة الزوجية مع الالتزامات الروحية والفكرية والحياتية التي تفرضها ~~العقيدة؟. # وقد يجدر بنا أن نفهم من الآية الكريمة ، أنها لم تجعل النهي عن الزواج ~~هنا على أساس التعسف ، كما ربما يتوهمه بعض الناس ، حيث جعل الحكم ثابتا ~~حتى لو كان على خلاف رغبة الناس وإعجابهم ، بل حاولت أن تقود الإنسان إلى ~~الموازنة بين الرغبة العاطفية وبين المصلحة الواقعية للعقيدة والحياة ، ~~لينتهي بالنتيجة إلى الاقتناع بأن الرغبة لا تمثل شيئا كبيرا بإزاء قضية ms0654 ~~المصير للإنسان في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** من هم المشركون في الآية؟ # والظاهر أن المراد بالمشركين ، هم الذين يشركون بالله بشكل مباشر ، فلا ~~يشمل الذين يتصفون به بشكل غير مباشر ، كما يذكر عن أهل الكتاب الذين PageV04P237 # يقولون بربوبية عيسى ، أو أن الله ثالث ثلاثة ، ولكن بطريقة لا تتنافى مع ~~التوحيد في زعمهم ، فإن المصطلح القرآني جرى على التفريق بين المشركين وأهل ~~الكتاب في ما فصل من أحكام ، وما أطلقه من لفظ ، فقد ورد في قوله تعالى ، ~~في سورة البينة : ( @QUR@012 لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة ) [البينة : 1] وقوله تعالى ، في سورة البقرة : ( ~~@QUR@025 ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من ~~خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) [البقرة : ~~105] فإن العطف يدل على المغايرة بين الفريقين. وفي ضوء ذلك ، لا تدل الآية ~~على حرمة التزاوج بين المسلمين وأهل الكتاب ، فلا بد من التماس دليل ذلك في ~~غير القرآن ، في ما أجمع عليه المسلمون من حرمة زواج المسلمة بغير المسلم ~~من كتابي وغيره ، وما اختلفوا فيه من زواج المسلم بالكتابية بين محلل ومحرم. # وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة ، وهي قوله تعالى ~~: ( @QUR@043 اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) [المائدة : 5]. # وقد تبين فساد هذا القول مما ذكرناه في تحديد المراد من لفظ المشركين في ~~القرآن وعدم شمولها لأهل الكتاب ، فلا تكون هناك علاقة بين الآيتين في ~~مدلوليهما ، لأن آية البقرة واردة في حرمة نكاح المشركات اللاتي يشركن ~~بالله غيره بشكل مباشر ، بينما كانت آية المائدة واردة في حلية نكاح ~~الكتابيات دون غيرهن. # فليطلب ذلك من مظانه في الكتب الفقهية التي عالجت هذه المسائل بتفصيل. ~~وتبقى لنا هذه الآية لتركز ms0655 الخط الإيماني ، الذي تقوم عليه العلاقات PageV04P238 # الزوجية ، من أجل أن تكون أساسا لبناء بيت إسلامي يقوم على المحبة ~~والمودة المرتبطة بالله في أجواء الإيمان والإسلام. # * * * # ( @QUR@05 ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) # ( @QUR@05 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) فإن الله لا يريد للمسلمين ~~الزواج من النساء اللاتي يعبدن الأصنام ويعتبرنها شركاء لله في حق العبودية ~~، لأن العلاقة الزوجية قائمة على الاتحاد الروحي ، والانسجام الفكري بين ~~الزوجين ، بالإضافة إلى الاتحاد الجسدي. وهل يمكن قيام اتحاد بين الفكر ~~التوحيدي والفكر الإشراكي ، أو حصول انسجام بين قيم الوحدانية وقيم ~~الوثنية؟!. فإذا تبدل الشرك بالإيمان وانفتحت قلوبهن على الله وعلى دينه ، ~~فلا بأس عليهم من الزواج بهن ، من خلال الانسجام الفكري المنفتح على اللقاء ~~الروحي في الحياة المشتركة بينهم. # ( @QUR@07 ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) المشركة بالصفات ~~المتنوعة التي تجذب اهتمام الرجل وإعجابه ، كالمال ، والذكاء ، والجمال ، ~~والحسب ، والموقع الاجتماعي ، والشرف العائلي ، لأن الإيمان يتميز على ذلك ~~كله ، لأنه ينفذ إلى عمق الوجدان الإنساني في تصوراته وتطلعاته ومشاعره ~~وأفكاره وعاداته وتقاليده وروحيته ، مما يترك تأثيره على العمق الداخلي ~~للشخصية الإنسانية ، بحيث ينفتح العقل على العقل ، والروح على الروح ، ~~والقلب على القلب ، والحياة على الحياة ، فتتداخل الشخصيتان ، لتؤلفا شخصية ~~واحدة متنوعة الخصوصيات. # إن القيمة الإيمانية بكل عناصرها وامتداداتها وروحياتها ، هي الأساس في ~~ثبات الحياة الزوجية بين المؤمنين والمؤمنات. وقد جاء في الحديث PageV04P239 # النبوي الشريف ، أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأمره في ~~النكاح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم ، انكح وعليك بذوات ~~الدين تربت يداك (1). # ( @QUR@05 ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) لأن المؤمنة لا ترتاح لدين ~~المشرك في شركه ، ولا تأمن على دينها معه ، ولا تجد في الزواج به السكينة ~~والطمأنينة الروحية والفكرية ... ( @QUR@07 ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم ) المشرك في صفاته الجسدية ، والمالية ، والاجتماعية ، للأسباب ~~ذاتها التي ذكرناها في الفقرة السابقة. وقد جاء في الحديث الشريف : «إذا ~~جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه وإن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد ms0656 ~~كبير» (2). # وللأسرة والأولاد الدور الكبير في علاقة الإنسان بالسلامة الروحية في ~~الدائرة الزوجية الإيمانية. إن الزوج المؤمن يمنعه إيمانه من الإساءة إلى ~~زوجته ، كما أن الزوجة المؤمنة يمنعها إيمانها من خيانة زوجها ، لأن ~~الإيمان يمثل الالتزام العميق بالقيمة الأخلاقية والمسؤولية الشرعية ، ~~بينما لا يملك المشرك أو المشركة مثل هذه القيمة في أخلاقيات الشرك ، لأن ~~الوثنية تغرق صاحبها في المنفعة المادية التي تتحرك بالإنسان هنا وهناك من ~~دون ضوابط ، الأمر الذي يجعل العلاقة الزوجية في حالة اهتزاز دائم ، حيث ~~تخضع المسألة للأخلاقيات الفردية الطارئة لدى هذا الإنسان أو هذه الإنسانة ~~، وذلك أن الزوج المشرك أو الزوجة المشركة قد يتميزان ببعض الأخلاقيات ~~الذاتية بمحض الصدقة للحالة الطارئة بعيدا عن العمق الروحي. # إن العلاقة الزوجية هي علاقة من الداخل قبل أن تكون من الخارج. وقد ~~أقامها القرآن على المودة والرحمة ، فلا بد لها من قاعدة في الروح تنتج ~~هذين العنصرين الروحيين اللذين يحميان الحياة الزوجية من الاهتزاز ~~والانهيار ، PageV04P240 # ولذلك كان من الضروري أن يفكر المسلم أو المسلمة بالعناصر الروحية ~~الداخلية التي تثير الإعجاب الإيماني والعقلي بالإضافة إلى العناصر ~~الخارجية. # ( @QUR@04 أولئك يدعون إلى النار ) لأنهم يدعون إلى الشرك في العقيدة أو ~~العبادة ، الذي لا يغفره الله لصاحبه إلا إذا تراجع عنه ، ويتحركون في ~~حياتهم من دون أية قاعدة فكرية عاصمة من الانحراف الأخلاقي أو الاجتماعي ، ~~مما يدفعهم إلى التمرد على كل القيم الإنسانية المنفتحة على التعاليم ~~الإلهية ، التي ترتفع بالإنسان إلى الدرجات العليا في السمو الروحي الذي ~~يقترب به الإنسان من الله ، وبذلك يستحقون دخول النار فيجرون معهم أزواجهم ~~وذرياتهم وكل الناس الذين يعيشون معهم ، ويلتزمون بخطهم الذي يقودهم إلى ~~الضلال المندفع نحو النار. # ( @QUR@04 والله يدعوا إلى الجنة ) أي بأمره ، من خلال معنى الإيمان الذي ~~ينفتح على الله ، وعلى كل مواقع رضاه ومواقع القرب منه ، الأمر الذي يقود ~~إلى المغفرة في خط التوبة ، وإلى الجنة في خط الإيمان والعمل الصالح ، ~~فيلتقي عليه الناس الذين يلتزمون الإيمان ، ليدخلوا في رحمة الله وجنته ، ~~كما قال الله ms0657 سبحانه ( @QUR@022 جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ~~فنعم عقبى الدار ) [الرعد : 23 24]. وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أو ~~الإنسانة المؤمنة مراعاته في اختيار الزوجة أو الزوج ، حتى تقوده أو يقودها ~~إلى الجنة لا إلى النار ، ليقتربا من الله سبحانه الذي يهديهم سواء السبيل. # ( @QUR@05 ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) ليقربهم إليه من خلال ~~تقريبهم إلى الإيمان به من خلال آياته الظاهرة البينة التي تؤدي إلى ~~القناعة ، وترتكز على الحجة الواضحة التي لا تسمح لأي لبس أو اشتباه. وذلك ~~هو دور الآيات ، فإنها تنقذ الإنسان من غفلته ، وتدفعه إلى أن يتذكر كل ~~القضايا الحية PageV04P241 # المتصلة بحياته وبمصيره ، ليتوازن في نظراته إليها وفي التزامه بها في ~~الواقع العملي. # * * * ### ||| ** الفارق بين أهل الكتاب والمشركين # وقد يستدل بعض الفقهاء بكلمة ( @QUR@04 أولئك يدعون إلى النار ) على حرمة ~~الزواج بغير المسلمين ، لأن أي دين أو اتجاه آخر غير الإسلام ليس مقبولا ~~عند الله وهو خاسر في الآخرة ، مما يعني أنه يدعو إلى النار. وفي ضوء ذلك ، ~~فإنها تدل على حرمة الزواج بأي كافر أو كافرة ، سواء كان كفرا بالله أو ~~بوحدانيته أو برسوله أو باليوم الآخر ، حتى لو كان الكافر كتابيا. # ولكن الظاهر من الدعوة إلى النار ، أنها منفتحة على الشرك الذي لا يغفره ~~الله وعلى الخط الفكري الذي لا يؤمن باليوم الآخر. وهذا قد لا ينطبق على ~~الكافرين بالرسول الذين يلتزمون دينا آخر كاليهود والنصارى ، لأن لديهم ~~عناوين توحيدية دينية خاضعة للإيمان باليوم الآخر ، الذي تتحدد فيه مواقع ~~أهل النار وأهل الجنة عندهم ، مما لا يجعل الموقف لديهم مصداقا للدعوة إلى ~~النار ، بقطع النظر عما إذا كانت دعوتهم الدينية مقبولة عند الله أو غير ~~مقبولة. ولعل ذلك هو ما جعل الإسلام يفرق في أحكامه بين المحلدين والمشركين ~~من جهة ، وأهل الكتاب من جهة أخرى ، لوجود كلمة سواء مع أهل الكتاب ليست ~~موجودة عند الملحدين والمشركين ، وهي توحيد الله والإيمان بالرسالات ، مع ~~الاختلاف في ms0658 بعض التصورات اللاهوتية والمفاهيم العقيدية والأخلاقية. # * * * PageV04P242 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@027 ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين (222) @QUR@016 نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ) (223) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المحيض ): المحيض : كالمعيش ، أي : العيش. وهو لغة : السيلان. ~~وشرعا الدم الخارج من أقصى الرحم في وصف مخصوص في زمن مخصوص. وقد يراد به ~~مكانه ، كما قد يطلق على زمانه ، وذلك من خلال تفسير المحيض في قوله تعالى ~~: ( @QUR@04 فاعتزلوا النساء في المحيض ) بذلك. # ( @QUR@01 أذى ): الأذى : الضرر النفسي أو الجسدي ، الدنيوي أو الأخروي. ~~قال الراغب : فسمي المحيض أذى باعتبار الشرع وباعتبار الطب (1)، وربما كان PageV04P243 # ذلك باعتبار القذارة والرائحة الكريهة. # وقد ناقش العلامة الطباطبائي في إطلاق الضرر على الأذى ، قال : فإنه لو ~~كان هو الضرر بعينه ، لصح مقابلته بالنفع ، كما أن الضرر مقابل النفع ، ~~وليس بصحيح. يقال : دواء مضر وضار ، ولو قيل دواء مؤذ أفاد معنى آخر. وأيضا ~~قوله تعالى : ( @QUR@011 لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم ~~لا ينصرون ) [آل عمران : 111] ، ولو قيل : لن يضروكم إلا ضررا لفسد الكلام ~~، وأيضا كونه بمعنى الضرر غير ظاهر في أمثال قوله تعالى : ( @QUR@014 إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا ) [الأحزاب : 57] ، وقوله تعالى : ( @QUR@024 وإذ قال موسى لقومه يا ~~قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين ) [الصف : 5] ، فالظاهر أن الأذى هو ~~الطارئ على الشيء غير الملائم لطبعه ، فينطبق عليه معنى الضرر بوجه (1). # وقد يخطر في البال أن الترادف بين الألفاظ لا يوجب استعمال أحد اللفظين ~~في مقابل الآخر ، لأن من الممكن أن يكون للمعنى الواحد في لفظ بعض ~~الخصوصيات التي لم تلاحظ في اللفظ الآخر الذي يختزن خصوصية أخرى ، كما في ~~كلمة إنسان التي تقال في مقابل الحيوان أو الجن ، وكلمة بشر التي تقال في ms0659 ~~مقابل الملك ، مع ملاحظة أن الأذى يمثل جانبا من الضرر ، وذلك من خلال ~~النتائج النفسية والجسدية. # ( @QUR@01 فاعتزلوا ): اجتنبوا. والاعتزال : أخذ العزلة ، والتجنب عن ~~المخالصة والمعاشرة ، والمراد به في الآية : ترك الاتصال الجنسي بالحائض. # ( @QUR@01 يطهرن ): التطهر : النقاء وانقطاع الدم. أما على قراءة ~~التشديد (يطهرن) فقد تعني الغسل. PageV04P244 # ( @QUR@01 تطهرن ): قد يراد به النقاء : من الحيض ، باعتبار أنه يؤدي ~~إلى طهارتها منه ، وقد يراد به : الاغتسال بعد النقاء. # ( @QUR@01 حيث ): ظرف مكان يوضحه ما بعده. واختلف في تشخيص المراد ، هل ~~هو المكان الذي أمر الله بتجنبه وهو الفرج ، أو الجهات التي يحل فيها ~~مقاربة المرأة في مقابل الجهات التي لا يحل فيها مقاربتها كما إذا كن ~~محرمات أو صائمات. # ( @QUR@01 أنى ): من أين شئتم ، أو متى شئتم. فإن ( @QUR@01 أنى ) من ~~أسماء الشرط ، الذي يستعمل في المكان ، ويستعمل في الزمان. وذكر الراغب في ~~مفرداته أنها تأتي للبحث عن الحال والمكان ، ولذلك قيل : هو بمعنى أين وكيف ~~(1). وأضاف إليها في تاج العروس (حيث) وذكر احتمال الآية للوجوه الثلاثة (2). # ( @QUR@01 حرث ): موضع الحرث كالأرض التي تستنبت. شبهت بها النساء ، ~~لأنها منبت الولد كالأرض للنبات : فبالنساء زرع ما فيه بقاء الإنسان كما أن ~~الأرض زرع ما فيه بقاء أشخاصهم. قال الراغب في المفردات : الحرث : إلقاء ~~البذر في الأرض وتهيؤها للزرع ، ويسمى المحروث حرثا. قال الله تعالى : ( ~~@QUR@07 أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) ( 3) [القلم : 22]. # * * * PageV04P245 ### ||| ** مناسبة النزول # روى مسلم والترمذي ، عن أنس بن مالك ، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة ~~منهم أخرجوها من البيت ، ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ، ولم يجامعوها في ~~البيوت ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، فأنزل الله عز وجل : ~~( @QUR@03 ويسئلونك عن المحيض ) الآية ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «جامعوهن في البيوت ، واصنعوا كل شيء إلا النكاح» (1). # وروى الشيخان البخاري ومسلم وأبو داود الترمذي عن جابر قال : كانت اليهود ~~تقول : إذا جامعها من ورائها ، أي يأتي امرأته من ناحية دبرها في قبلها : ~~إن الولد يكون أحول ، فنزلت : ( @QUR@03 نساؤكم حرث لكم ) الآية وقال ms0660 مجاهد ~~: كانوا يتجنبون النساء في الحيض ، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض ، ~~فنزلت الآية. وروى الحاكم عن ابن عباس قال : إن هذا الحي من قريش كانوا ~~يتزوجون النساء ، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات. فلما قدموا المدينة ، ~~تزوجوا من الأنصار ، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة ، فأنكرن ~~ذلك وقلن : هذا شيء لم نكن نؤتى عليه ، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله تعالى في ذلك : ( @QUR@03 نساؤكم ~~حرث لكم ) الآية (2). # وربما اختلف الفقهاء والمفسرون في استيحاء الآية في مسألة الوطء في الدبر ~~، من ملاحظة روايات سبب النزول ، بالإضافة إلى ما فهموه من كلمة ( @QUR@01 ~~أنى ) أو كلمة ( @QUR@01 حرث )، لأن الآية نزلت من أجل معالجة الواقع ~~اليهودي ، مما كان يعتقده اليهود من إتيان المرأة في القبل من جهة الدبر ، ~~أو الواقع PageV04P246 # القرشي المكي من إتيان النساء في أدبارهن زمن الحيض ، فإن استيحاء الآية ~~في هذا الجانب أو ذاك على نحو التعيين ، يتوقف على تحديد سبب النزول ، وليس ~~ذلك من جهة أن أسباب النزول تحدد مدلول الآية ، بل لأنها في بعض الحالات قد ~~تفسر بعض إجمالها كما في مثل هذه الآية. # * * * # ( @QUR@03 يسئلونك عن المحيض ) # كانت هناك مشكلة تراود المسلمين في علاقتهم بالنساء في حالة الحيض ، وهو ~~الدم الذي تراه المرأة بشكل دوري في موعد معين من الشهر فقد كانت هناك بعض ~~التصورات والعادات التي تعتقد أن المرأة تتحول في هذا الوقت إلى إنسان نجس ~~، فكانوا يمتنعون عن مخالطتها ومؤاكلتها ومشاربتها ... مما يجعل منها عنصرا ~~معزولا عن المجتمع ، في ما تذكره بعض الأخبار ، وقد كان هذا مصدر حرج شديد ~~على الناس. وجاء الإسلام بتشريعاته المتنوعة في شؤون الحياة ، وعاش ~~المسلمون هذه المشكلة في هاجس يلح على الحل الأمثل الذي يخلصهم من هذا ~~الإزعاج ، فكان هذا السؤال تعبيرا عن ذلك. # ( @QUR@03 ويسئلونك عن المحيض ) عن الموقف الذي يتخذونه من هذا الدم ، ~~الذي تراه المرأة ، الخارج منها في العادة الشهرية المعروفة لدى سائر ~~النساء ، وهو الدم الذي يتجمع شهريا في العروق الداخلية ms0661 للرحم من أجل تقديم ~~الغذاء للجنين المحتمل ، ذلك لأن مبيض المرأة يدفع كل شهر بويضته إلى الرحم ~~، وفي الوقت نفسه تمتلئ عروق الرحم بالدم استعدادا لتغذية الجنين ، فإذا ~~انعقد الجنين ، يستهلك الدم لتغذيته وإلا يخرج بشكل دم حيض. # هل تتحول المرأة إلى إنسان قذر لا بد من اجتنابه والابتعاد عنه من PageV04P247 # خلال قذارة الدم؟ وكيف يعالجون أوضاعهم مع نسائهم في مثل هذه الحال؟. # فقد كان اليهود يتشددون كما ذكرنا في أول الفصل ويفارقون النساء في ~~المحيض في عملية عزل ومقاطعة في المأكل والمشرب والمجلس والمضجع. وهناك في ~~التوراة أحكام شديدة في أمرهن في هذه الحال ، وحرمت التقرب منهن في المجلس ~~والمضجع والمس ونحو ذلك ... وأما النصارى فلم تكن لديهم مشكلة في أي جانب ~~من هذه الجوانب بل يجدون حالهن في هذه الحال كبقية الحالات الأخرى. # وجاء الجواب حاسما يضع القضية في نطاقها الطبيعي ( @QUR@03 قل هو أذى ) ~~فإن هذه الحالة لا تزيد عن أية حالة طبيعية من حالات الجسم التي يقتضيها ~~نظامه المحدد ، ولكنها تختلف عن الحالات الأخرى بأنها تتمثل في نزول الدم ~~الذي يحدث حالة من الأذى ، التي تلتقي ببعض آلام العادة الشهرية من جهة ، ~~وبالقذارة التي تصيب الجسد في هذه الحالة ، وببعض الجوانب النفسية الأخرى ~~... ولذلك فإنها لا تحدث أي تأثير سلبي في الوضع العام للمرأة في المجتمع ، ~~فلا توجب نجاسة جسدها ، ولا تؤثر في الجو الذاتي لشخصيتها ، بل كل ما هناك ~~أنها تجعل من العلاقة الجنسية شيئا غير مرغوب فيه ، من خلال قذارة المحل من ~~جهة ، أو من خلال استعداد الجسد لدخول الميكروبات كما يقول البعض من جهة ~~أخرى ... وربما كانت هناك جوانب أخرى تتصل بالحالة النفسية غير المريحة في ~~هذا الوقت. وقد أجمل القرآن هذه المعاني بكلمة ( @QUR@01 أذى ) التي تشير ~~إلى الجوانب الصحية والمعنوية. # فقد ذكر البعض في الطب المعاصر أن المقاربة ، في حال الحيض ، قد تؤدي إلى ~~عقم الرجل أو المرأة ، وإلى إيجاد محيط لتكاثر جراثيم الأمراض الجنسية مثل ~~السفلس والالتهابات الداخلية للأعضاء التناسلية للرجل والمرأة ms0662 ، ودخول مواد ~~الحيض المليئة بميكروبات الجسم في عضو الرجل. هذا بالإضافة إلى أن الحيض ~~يحدث آلاما والتهابات حادة في أعضاء التناسل لدى PageV04P248 # الأنثى ، مما يجعل من الجماع إيذاء لها من خلال ما يضفيه من الآلام وغير ذلك. # وعلى هذا الأساس ، كان الأمر الإلهي باعتزال النساء في حالة الحيض : ( ~~@QUR@04 فاعتزلوا النساء في المحيض )، لأن المقاربة بين الزوج وزوجته لا ~~بد من أن تكون في وضع طبيعي من الناحية الجسدية بحيث لا تؤدي إلى ضرر لأي ~~منهما ، ومن الناحية الروحية بحيث تنفتح على الراحة النفسية المزاجية في ~~انفعال كل منهما بأجواء الرغبة الجنسية ، من دون أية حالة منفرة. وهذا مما ~~لا يتناسب مع حالة النساء في حال الحيض التي تترك أكثر من تأثير سلبي على ~~الطرفين معا. # ( @QUR@02 ولا تقربوهن ) وهو كناية عن الترك بأسلوب أكثر تأكيدا ، لأن ~~النهي عن القرب أمر ضمني بالابتعاد الذي يوحي بالمقاطعة ، ولكنها ليست ~~القطيعة الكلية في عزل المرأة عن المجتمع ، بل الاجتناب عن مواقعتها في ~~العلاقة الجنسية ، فليس لهم أن يمارسوا العلاقة معهن. وبذلك فقد اقتصر ~~الإسلام على تحديد هذه العلاقة من خلال هذا الأذى الطبيعي ، الذي قد يتحول ~~إلى أذى جسدي ومعنوي للرجل والمرأة ، وأبقى للمرأة وضعها الاجتماعي مع ~~زوجها وأولادها وسائر الناس ، فاحترم إنسانيتها لأن هذه الحالة لا تترك أي ~~تأثير على أي عنصر ذاتي من عناصر شخصيتها الفردية والاجتماعية ، لأن قذارة ~~عضو في الجسد لا تعني قذارة الإنسان في تفاعله مع المجتمع وتفاعل المجتمع ~~معه ، لا سيما في الحالات الطبيعية التي لا تمثل أية حالة سلبية في الإنسان ~~من حيث عقله وحركته الخاصة والعامة ... # فليس هناك إلا الاعتزال لهن في حال الحيض في العلاقة الجنسية ( @QUR@02 ~~حتى يطهرن ). والطهر : النقاء من الدم ، باعتبار زوال المسبب بزوال السبب ~~، فإذا كان دم الحيض هو الأساس في حرمة الجماع ، فلا بد من زوال الحكم ~~بنقاء المرأة من الدم. ( @QUR@02 فإذا تطهرن ) وقد يراد به تأكيد القضية ~~الواردة في الفقرة PageV04P249 # السابقة باعتبار أن نقاء المرأة من الدم طهور لها ، فكأنها ms0663 تتطهر بالنقاء ~~كحالة طبيعية في الواقع الجسدي وبذلك يجوز للإنسان ، على هذا الوجه ، ~~مقاربة زوجته بعد النقاء وقبل الغسل. وربما يراد من التطهر الغسل ، غسل ~~الحيض ، أو غسل الفرج لإزالة القذارة. ولكن الأقرب إلى أجواء الآية ، هو ~~المعنى الأول ، باعتبار أنها ظاهرة في الرخصة بعد المنع على أساس ارتفاع ~~المانع الموجب للحرمة. أما مسألة غسل موضع الفرج أو الاغتسال ، فقد ~~تقتضيهما طبيعة الحالة النفسية التي لا تقبل على الموضع القذر إلا بعد ~~غسله. لأن الناس قد يتعاملون مع آثار القذارة في المحل كتعاملهم مع القذارة ~~نفسها ، لذلك تراهم يعملون على إزالة الأثر حتى بعد زوال العين. وفي ضوء ~~ذلك ، يمكن أن تكون إرادة هذا المعنى على التقدير الآخر مطلقة من الحالة ~~الطبيعية للإنسان ، لا من خلال الشرط الشرعي للرخصة. وعلى كل حال ، فإن ~~الحرمة ترتفع بارتفاع هذا الأدنى وزوال تلك القذارة ، فيمكن للناس العودة ~~إلى الوضع الطبيعي في علاقتهم بالنساء. # ( @QUR@05 فأتوهن من حيث أمركم الله ). وهذا أمر وارد على سبيل رفع ~~الحرمة ، فلا دلالة فيه على الوجوب ، تماما كما في كل أمر وارد بعد الحظر ~~أو في مقام توهمه. أما تحديد الإتيان بكونه ( @QUR@04 من حيث أمركم الله ) ~~فقد يكون المراد منه الإشارة إلى الفرج الذي أمر بتجنبه ، وقد يفسر بأنه ~~إشارة إلى طبيعة الجماع الذي أمر الله به في تقرير النظام في حياة النوع ~~الإنساني ، فليس هو من قبيل الأفعال التي تعيش في هامش الوجود الإنساني ، ~~كبعض الأفعال الصادرة منه على سبيل اللغو واللهو ، باعتبار أن امتداد هذا ~~الوجود وحيويته متوقفان على ذلك فهو من النواميس الكونية. وفي ضوء ذلك ، ~~يكون المراد بالأمر بالإتيان في الآية ، الأمر التكويني المدلول عليه ~~بتجهيز الإنسان بالأعضاء والقوى الهادية إلى التوليد ، كما ذكره صاحب ~~الميزان (1). وقد يراد به كما عن ابن PageV04P250 # الحنفية من قبل النكاح دون الفجور. وقال الزجاج : معناه ، من الجهات التي ~~يحل فيها أن تقرب المرأة. ولا تقربوهن من حيث لا يجب. أي لا تقربوهن وهن ~~صائمات أو محرمات أو معتكفات. وقال ms0664 الفراء : ولو أراد الفرج ، لقال : «في ~~حيث». فلما قال : ( @QUR@02 من حيث ) علمنا أنه أراد من الجهة التي أمركم ~~الله بها. وقال غيره : إنما قال : ( @QUR@02 من حيث ) لأن (من) لابتداء ~~الغاية في الفعل نحو قولك : ائت زيدا من مأتاه ، أي من الوجه الذي يؤتى منه (1). # وربما كان هذا الاختلاف في تفسير القيد ناشئا من قابلية التعبير لأكثر من ~~وجه ، مما جعل للاجتهاد في استيحاء الآية مجالا واسعا. ولكننا نلاحظ ، في ~~هذه المسألة ، أن القيد لا بد من أن يكون واردا لإفادة معنى جديد مما لا ~~يلتفت الناس إليه غالبا ، أو مما يحتاج الناس إلى معرفته ويقتضي التنبيه عليه. # وفي ضوء ذلك ، نجد الحديث عن «الفرج» كموضع للإتيان ليس من الأمور التي ~~تمس الحاجة إلى تقريره ، لأنه المكان الطبيعي للجماع في الواقع الإنساني ~~العام ، سواء كان ذلك من جهة الحصول على اللذة أو جهة طلب الولد ، فهو ~~المكان الذي يتجه إليه الناس بفطرتهم وطبيعتم الذاتية. أما القول بأنه وارد ~~في مورد التحذير عن «الإتيان في الدبر» ، فهو غير دقيق ، أولا : لأن ذلك ~~موقوف على ورود التعبير بأسلوب الحصر ، الذي لا دليل عليه في هذه الفقرة ، ~~لا من اللفظ ولا من السياق ، فهي واردة على أساس هذا الاحتمال للرخصة بعد ~~زوال المانع في الإتيان في الفرج الذي هو موضع الحيض. # وهذا لا مفهوم له ، لأن الأمر بشيء لا يقتضي النهي عن غيره. وقد قرر ~~علماء الأصول أن اللقب لا مفهوم له ، وأن الأمر بشيء لا يدل على النهي عن PageV04P251 # الضد الخاص. # وثانيا : فإن الحديث عما أمر الله به لا بد من أن يكون على تقدير إرادته ~~إشارة إلى أمر سابق بالإتيان في الفرج لا في الدبر ، وهو مما لا دلالة عليه ~~في القرآن. أما ما ذكره العلامة الطباطبائي من إرادة الأمر التكويني في ~~نظام النوع الإنساني في تقرير الزواج ، فليس للفظ ظهور فيه ، ولا باعتبار ~~أن هذا النظام جار على سبيل الفطرة الإنسانية الذي ينطلق الناس إليه ~~ويأخذون به من خلال الحاجة الطبيعية ms0665 التي يريدون تحقيقها في حياتهم لإرادة ~~الشهوة ولطلب الولد ، تماما كما يأكلون ويشربون ويلبسون ، لا من خلال اللهو ~~واللغو الذي لا معنى له ، مما يجعل الحديث عنه لغوا لا فائدة منه ، لأنه ~~تقرير لحقيقة واضحة لدى الناس أكثر من وضوح الكلمة في الآية. # وثالثا : استبعاد إرادة الأمر التكويني في نطاق السياق التشريعي الذي ~~يتحدث عن الأمر والنهي ، من الناحية المتصلة بالتشريع في الرخصة والمنع كما ~~هو سياق الآية ، بل الظاهر منه الأمر المتصل بالنظام الشرعي للعملية ~~الجنسية. # وربما كان الاحتمال الثالث هو الأقرب إلى الاعتبار وإلى الظهور من خلال ~~القرينة السياقية ، وذلك لأن الآية واردة في بيان الحدود التي فرضها الله ~~في علاقة الرجال بالنساء من الناحية الجنسية. فإذا كان الله قد حرم إتيانهن ~~في حال الحيض ، وأمر باعتزالهن ، وأراد للناس أن يقفوا عند هذا الحد ، فإنه ~~يريد لهم ، بعد زوال الحيض ، أن يعودوا إلى حالتهم الطبيعية السابقة التي ~~وضع الله لها نظاما في أوامره ونواهيه ، فلا يبتعدوا عن نهج الله في شرعه ، ~~فيدخل في مدلول الفقرة كل الأوامر المتعلقة بالأفعال والتروك. أي : فأتوهن ~~من الجانب المرتبط بأمر الله ، وليس لكم إتيانهن من طريق الحرام. ولعل ~~الفقرة التالية التي تتحدث عن التوابين والمتطهرين توحي بذلك ، ولو من بعيد ~~، والله العالم. PageV04P252 # ( @QUR@04 إن الله يحب التوابين ) الذين إذا وقعوا في المعصية وطاف بهم ~~الشيطان فأبعدهم عن الله ، ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، وتابوا منها ، ~~وأنابوا إليه ، ولم يصروا على ما فعلوا ... فهؤلاء هم الذين يختزنون في ~~أعماقهم الإيمان بالله والمحبة له والالتزام بطاعته ، من دون أية حالة ~~للتمرد التي تتنافى مع الإحساس بالعبودية. وهم الذين لم تنطلق معصيتهم في ~~خطيئاتهم من جحود بالله ، ولا استهانة بعقوبته ، ولا تهاون بوعيده ، ولا ~~استخفاف بأمره ونهيه ... بل انطلقت من غفلة العمل وثورة الغريزة ، ونداء ~~الجسد ووسوسة الشيطان ، فهي حدث عارض في حركة العمق الإيماني في الذات ، ~~وليست حالة عميقة مستقرة. ولذلك كانوا أهلا لمحبة الله من خلال محبتهم له. ~~( @QUR@02 ويحب المتطهرين ) الذين يتطهرون من قذارة الكفر ms0666 والضلال والذنوب ~~الكبيرة والصغيرة ، فيلتقون بالتوابين الذين تمثل التوبة لديهم حالة من ~~التطهر الروحي ، الذي يتحول إلى حالة من التطهر الجسدي. # والله يريد للإنسان أن يعيش حالة التطهر الجسدي كما يريد له أن يعيش حالة ~~التطهر الروحي ، لأن الحياة المستقيمة الطاهرة في نظامها الطبيعي المتوازن ~~في الجانب الفردي والاجتماعي ، بحاجة إلى الطهارتين معا ، ولذلك أمر الله ~~بهما معا ، فقد تحدث عن الطهارة المادية في أكثر من آية : ( @QUR@02 وثيابك ~~فطهر ) [المدثر : 4] ، وقوله : ( @QUR@011 وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) [الأنفال : 11] ، وقوله : ( @QUR@011 ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله )... # وعن طهارة القلب في قوله : ( @QUR@044 يا أيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين ~~هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله PageV04P253 # @QUR@024 فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) [المائدة : 41]. ~~وعن الطهارة الروحية والنفسية : ( @QUR@025 وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) [الأحزاب : 33]. # وعن طهارة المال : ( @QUR@016 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ) [التوبة : 103] ، وطهارة المسجد ~~من الأوثان والشرك : ( @QUR@016 وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) [الحج : 26] ، ~~وطهارة الماء : ( @QUR@013 وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [الفرقان : 48] ، وطهارة الشراب : ( ~~@QUR@013 عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا ) [الإنسان : 21] ، وغير ذلك ، مما يوحي بأن الله يريد للإنسان ~~أن يعيش في حياته الطهارة المادية التي تتحول إلى حالة نفسية ترفض القذارة ~~الخبيثة ، وتتحول إلى حالة عبادية ترفض ms0667 التأثيرات المعنوية السلبية الناتجة ~~عن الحدث الأكبر والأصغر ، وإلى محيط طاهر نظيف يبتعد به الإنسان عن ~~الأمراض والأوضاع المنفرة الناشئة من القذارات في جسده وفي طعامه وشرابه ~~وملبسه ومسكنه وفي ما حوله ومن حوله ... كما يريد له أن يعيش الطهارة ~~الروحية في الفكر الطاهر ، والقلب الطاهر ، والعمل النظيف ، والقول الطاهر ~~... لتجتمع له في وجدانه الحضاري ، وفي نظامه الفردي والاجتماعي كل عناصر ~~الطهارة. وفي ضوء ذلك ، كانت محبة الله للمتطهرين ، لأنهم أخذوا بأسباب ~~الطهارة التي أمرهم بها في حياتهم الداخلية والخارجية ، مما يوحي بأنهم ~~يعيشون في عمق الحب لله ، من حيث يتحركون في خط طاعته وموقع رضاه. # ولعل مناسبة الحديث عن التوابين والمتطهرين في هذه الآية ، في سياق PageV04P254 # الحديث عن اعتزال النساء في الحيض ، هو أن لا يتعقد الناس مما قد تدفعهم ~~إليه الغريزة من إتيان النساء في حال الحيض ، فيرتكبون ما حرمه الله ، ~~فيسقطون تحت تأثير الذنب كما لو كان ذنبا لا يغتفر. فانطلقت الآية ، لتؤكد ~~لهم أن الله قد فتح لهم باب التوبة ، فإذا ندموا على ذلك وعزموا على عدم ~~العودة إليه ، فإنه يمنحهم محبته التي تنفتح على مغفرته وعفوه ورضوانه. ~~وإذا تراجعوا عن البقاء في القذر المادي والروحي ، أحبهم الله ومنحهم ~~مغفرته. # وإذا تحقق للمرأة الطهر ، وهو النقاء في تفسير البعض ، والاغتسال في ~~تفسير آخرين ، فيمكن الرجوع إلى العلاقة الجنسية من حيث أمرهم الله. ويختلف ~~المفسرون في هذه الكلمة ، فيرى البعض أن ذلك إشارة إلى المكان الطبيعي ~~للجماع ، ويرى البعض أنه يعني الوجه الذي أمر الله أن يؤتى منه ، من دون ~~ملاحظة لموضوع المحل الخاص ، بل يتصل بالحدود التي جعلها الله لذلك. وتختم ~~الآية الحكم الشرعي بالإيحاء بضرورة التوبة في حالة الانحراف عن الخط ~~الإسلامي في الأحكام الشرعية ، وبضرورة التطهر بالابتعاد عن كل الأوضاع ~~التي توجب القذارة الجسدية والروحية ، وذلك للحصول على محبة الله الذي يحب ~~التوابين ، باعتبار أن التوبة تمثل الشعور بالحاجة إلى رضى الله بعد التعرض ~~لغضبه ، ويحب المتطهرين الذين يريدون أن يعيشوا الحياة في طهر ms0668 جسدي وروحي ، ~~ليحصلوا على رضى الله في ذلك. # * * * ### ||| ** المفسرون والفقهاء واختلافهم في كلمة «الحرث» # ( @QUR@07 نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ). أثار المفسرون ~~والفقهاء في هذه الآية موضوع إباحة العلاقة الجنسية الشاذة بين الرجل ~~والمرأة في نطاق العلاقة الزوجية ، فأباحه بعضهم انطلاقا من هذه الآية التي ~~تبيح إتيان النساء في أي PageV04P255 # مكان أرادوه ، على أساس تفسير كلمة ( @QUR@01 أنى ) بمعنى من أي مكان ، ~~ومنعه آخرون. واختلفوا في وجه المنع ، فذهب بعضهم إلى أن كلمة ( @QUR@01 ~~أنى ) بمعنى متى ، فتكون واردة لإطلاق الإباحة من ناحية الزمان ، بعد أن ~~جاء المنع في زمن معين. # ولكن بعض أهل اللغة يدعي أن هذه الكلمة لم تأت إلا بمعنى من أين. وذهب ~~بعضهم إلى اعتماد كلمة الحرث دليلا على أن الإباحة مختصة بالمكان الطبيعي ، ~~لأن هذه الكلمة توحي بالزرع الذي يعني الولد في هذا المجال. وحمل كلمة «من ~~أين» التي هي معنى ( @QUR@01 أنى ) على إرادة إتيان المرأة في المحل ~~الطبيعي ، ولكن بطريقة معاكسة من الخلف ، كما روي أن اليهود كانوا يعتقدون ~~أن الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها ، خرج الولد أحول ، فكذبهم الله ~~عن ابن عباس وجابر. وناقشهم بعض الفقهاء في ذلك ، فقالوا إن استعارة كلمة ~~الحرث لا تتعين بالحمل على الجماع لطلب الولد ، فيمكن أن يكون لها معنى آخر. # واختلفت الروايات المفسرة لهذه الآية ، واختلفت آراء الفقهاء تبعا لذلك ~~... ولا يملك الإنسان حجة واضحة في الجانب التفسيري للآية بين هذين ~~الاتجاهين ، وإن كان من الممكن أن توجه دلالة المنع في الآية الأولى ، على ~~أن القضية في المنع والإباحة هي قضية الزمان لا المكان ، لأنه لم يكن مشكلة ~~في هذا الموضوع ، إن كانت الآية الثانية مرتبطة بالآية الأولى كما يبدو ... ~~إنه مجرد احتمال نثيره ، وربما يخطر في البال أن كلمة ( @QUR@01 أذى )، ~~التي كانت عنوان المنع في الجماع في الحيض ، قد تكون أكثر صدقا وتأثيرا في ~~الوطء في الدبر من حيث الإيحاء بالقذارة من جهة ، وإيذاء المرأة من جهة ~~أخرى ، فإن الله لم يجعله في تكوينه ms0669 العضوي معدا لذلك من خلال عضلاته ، كما ~~هو الحال في الفرج. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن وجه الشبه لا بد من أن يكون PageV04P256 # ملحوظا في المشبه والمشبه به في أسلوب الاستعارة. وهذا غير متحقق إلا في ~~الموضع الطبيعي ، لأنه موضع النطفة ، تماما كما هي الأرض موضع البذرة ، مما ~~يوحي بالإعداد النوعي بعيدا عن الغرض الشخصي للرجال. فإن المسألة المطروحة ~~ليست في إرادة الرجل للولد وعدم إرادته له من خلال عملية الجماع ، ليقال إن ~~الجماع أعم من ذلك ، فيمكن على هذا إرادة الحرث بمعنى حركة المحراث في ~~الأرض المستعارة لحركة الذكر في الفرج ، بعيدا عن النتائج ، بل المسألة هي ~~في طبيعة كلمة الحرث التي تختزن معنى إلقاء البذر في المحل ، من حيث وضعها ~~اللغوي ، مما لا ينسجم إلا مع الموضع الطبيعي للجماع ، فلا انسجام من ~~الناحية البلاغية للاستعارة بدونه. # أما توجيه كلمة : ( @QUR@02 أنى شئتم ) على هذا الاحتمال ، فقد يكون ~~المراد به «من أين». أي : من أية جهة شئتم ، في مقابل قول اليهود على ما ~~جاءت به رواية سبب النزول المتقدمة ، وقد يكون المراد به «كيف شئتم» ، أي : ~~على أية حالة تحبونها في كيفية الجماع ، من الخلف ، أو الأمام ، أو بأسلوب ~~معين ... يتنوع حسب تنوع الأوضاع التي قد تتعدد بأشكال مختلفة لدى الناس ، ~~الذين يعملون على تطوير أساليب الجماع بطريقة بأخرى ، مما يتفنن الناس في ~~اختراعه طلبا لتجديد فيه. وقد يكون المراد به «حيث شئتم» ، بمعنى في أي ~~مكان شئتم ، على أساس حرية الإنسان في ممارسة هذا العمل في أي مكان. ويجمع ~~هذه الوجوه إطلاق الحرية للإنسان في اختيار الوضع الذي يحبه ، أو الجهة ~~التي ينطلق منها ، أو المكان الذي يمارس فيه ، بعيدا عن موضع الجماع لأنه ~~مما لا يحتاج إلى بيانه في المجرى العملي العام ، باعتبار أن الحالة الشاذة ~~قد تكون موضع رغبة ، ولكنها لا تمثل الرغبة العامة في الوضع الطبيعي. والله ~~العالم. # * * * PageV04P257 ### ||| ** المرأة بين الوطء والحرث # وربما يوحي هذا التعبير عن المرأة بأنها «حرث للرجل» بعض الشعور ~~بالانزعاج ms0670 لدى النساء ، لأنه يصورها بصورة الأرض التي تتلقى البذور من خلال ~~آلية الزرع ، فتكون البذور هي سر الحياة ، بينما لا دور للأرض إلا الانفعال ~~الذي لا يعبر عن ذاتية حيوية في تلك العملية. # وقد يتحدث البعض عن التعبير عن عملية الجنس بالوطء كما هو التعبير الفقهي ~~للمسألة الذي يوحي بأن المرأة موطوءة تماما كما هي الأرض التي توطأ ~~بالأقدام ، لتكون صورتها صورة المنسحقة تحت الرجل ، مما يحمل أكثر من إيحاء ~~بالمهانة المعنوية ، فهي شيء «يحرث» و «يوطأ» ويبقى «تحت الرجل». # ولكننا نتصور ، في التعليق على ذلك ، أن المسألة التعبيرية لا تتجه هذا ~~الاتجاه ، لأن القضية تتصور بالصورة في تشبيه المرأة بالأرض التي تتلقى ~~البذور ، لتمنحها كل عناصرها الحية في عملية تفاعل حي ، فتتحول البذور إلى ~~كائن يمتلئ بالحياة وبالنمو المتحرك الفاعل الذي يتطور في الأرض ، ليكون ~~شجرة تنتج ما لذ وطاب من الفواكه والثمار ، ويتحرك في المرأة ليكون إنسانا ~~سويا ممتلئا بالحيوية والحركة والإرادة والعطاء المميز للحياة. فليس ~~الإنسان وليد البذرة التي يضعها الرجل في رحم المرأة ، بل هو وليد المزيج ~~من نطفة الرجل وبويضة المرأة ، ثم الغذاء المتنوع الذي تمنحه المرأة ~~للمخلوق المتحرك في رحلة الحياة ، تماما كما هي الأرض في عطائها المستمر ~~للنبتة الوليدة حتى تكون شجرة. ويبقى العطاء بعد ذلك للشجرة. # كما يبقى العطاء للوليد بعد الولادة من خلال إرضاع الأم له ، الأمر الذي ~~قد يوحي بأن الأم هي التي تعطى الوليد الإنسان أكثر عناصر وجوده ولذلك فإن ~~عملية «الحرث» لم تكن عملية انفعال ، بل هي عملية تفاعل بين PageV04P258 # الرجل والمرأة. مما يجعل من كلمة «الحرث» تعبيرا عن هذا المزيج المركب من ~~عنصر الحياة في الرجل والمرأة. # وربما كان من الضروري أن ندرس الكلمة في إيحاءاتها الإيجابية في المضمون ~~والمعنى ، بدلا من الإيحاءات السلبية في الشكل والصورة. # أما كلمة «الوطء» أو «تحت الرجل» ، فإنها تمثل الوضع الطبيعي لعملية ~~الجماع الذي ينحني فيه جسد الرجل على جسد المرأة ، فليست القضية قضية وطء ~~للإنسانية ، أو تحتية معنوية للمرأة ، بل ms0671 هي قضية شكل عادي من أشكال ~~العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة من خلال الخصوصيات الذاتية للمسألة ، من ~~دون أن يكون لذلك أي مدلول سلبي في المسألة الإنسانية المعنوية التي تنتقص ~~من مكانة المرأة ، فربما يكون «الفوق» في المادة «تحتا» في الروح وفي ~~المعنى ، بينما يكون «التحت» في الواقع «فوقا» في القيمة ، وقد يتساويان. # إن قيمة النص القرآني ، هو أنه يعمل على أن يسمي الأشياء بأسمائها ، ~~تدليلا على واقعية الحياة الإنسانية بصورتها الطبيعية في حركة الإنسان في ~~نفسه وفي العلاقات الإنسانية بين الناس. فهو يتحدث عن الجنس كما يتحدث عن ~~الطعام والشراب ، مع بعض ألوان الاستعارة والكناية في أسلوب التعبير ، ~~للتخلص من بعض المشاعر الحادة السلبية في بعض التعابير. # ولكن بعض الكتاب يحاولون التفلسف في بعض الإيحاءات التي لا توحي بها ~~الكلمة ، من خلال العقدة اللاشعورية تجاه الدين. # إننا نحب أن نقول لهم : إن الكلمة عند ما تنطلق من وجدان قائلها ، فقد ~~ينفتح على أفق معين في بعض الحالات ، كما ينفتح على أفق آخر في حالة أخرى ، ~~فلا بد في استيحاء الكلمة من قراءة الكلام من الأفق الذي ينطلق من عمق ~~الوجدان النفسي والفكري للمتكلم ، لا من الأفق المملوء بالضباب في وجدان ~~القارئ أو السامع الذي ينتقل من عقدة إلى عقدة في الفهم ، حتى PageV04P259 # يحول المعنى البسيط إلى معنى معقد. # ولا بد في هذه الأمور من الرجوع إلى السنة والتمييز بين صحيح الحديث ~~وضعيفة ، لنخلص إلى النتيجة الحاسمة في معرفة الحكم الشرعي ، والله أعلم ~~بحقائق أحكامه. # * * * ### ||| ** بين الأسلوب القراني وصلة الإنسان بالله # ( @QUR@09 وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ~~) لا يبعد أن تكون هذه الفقرة من الآية جارية على الأسلوب القرآني ، الذي ~~جرى في أكثر من مجال ، على اتباع الحكم الشرعي بالإيحاء للإنسان بالجانب ~~الروحي الأخروي الذي يتعلق بقضية المصير ، من أجل أن يتحقق له إلا الانضباط ~~الواعي ، الذي يدفعه إلى مواجهة الطاعة بقوة وإيمان ووعي وامتثال ... فقد ~~تحدثت الآيتان عن بعض جوانب التحليل والتحريم ، فكان من المناسب أن ms0672 يطلب من ~~المكلف أن يقدم لنفسه ما يشاء من الأعمال الصالحة التي ترفع درجته عند الله ~~، وأن يتقي الله في نفسه فلا يرتكب ما حرمه الله عليه ، وأن يعلم أنه ~~سيلاقي الله غدا ليحاسبه على ما عمل من خير أو شر. # ثم أطلق البشارة للمؤمنين ، لأنهم الذين استطاعوا أن يسيروا على الخط ~~المستقيم في عقيدتهم ، وعملهم فحصلوا على خير الدنيا والآخرة. وذهب البعض ~~إلى أن معنى التقديم هنا طلب الولد ، فإن في اقتناء الولد الصالح يكون ~~تقديما عظيما لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إذا مات المؤمن ، انقطع عمله ~~إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له» (1). ~~وذهب بعض آخر إلى غير ذلك ، مثل الدعاء عند الجماع ، أو التسمية عنده ، أو التزوج PageV04P260 # بالعفائف ... ولكن جو الآية في ما نفهم بعيد عن ذلك كله ، والله العالم ~~بأسرار آياته .. # إن المنهج القرآني التربوي يؤكد دائما على صلة الإنسان بالله ، حتى لا ~~تكون له صلة بأحد أكثر من صلته بربه. لأن الله هو الذي خلقه ورزقه ورعاه في ~~حياته ، ويرعاه بعد موته ليمنحه رضوانه وليدخله في نعيم جنته ؛ ولأن ~~الإنسان لا يمكن أن يستغني عن ربه في أية لحظة من عمره وفي أية مرحلة من ~~مراحل حياته ، مما يفرض عليه أن يستجيب له ، ويخضع له ، ويطيعه ويذوب في ~~حبه وفي ربوبيته ، فذلك هو سبيل سعادته. # ومن هنا أراد الله للإنسان ، في هذه الآية المشتملة على بعض أوامره ~~ونواهيه ، أن يقدم لنفسه عملا يرفعه إلى المقامات العليا من رضوانه ، وأن ~~يلتزم خط التقوى الذي يمثل شمول الإسلام في مفاهيمه وأحكامه المنفتحة على ~~وحي الله. فإن خير الزاد الذي يحمله الإنسان بين يديه ، ويقدمه لآخرته هو ~~التقوى التي يلتزمها أولو الألباب الذين يعرفون ، بوعي الوجدان الفطري ~~العقلي ، أن الخوف من الله هو الذي يمنح الإنسان الانضباط في خطواته ، لأنه ~~ليس الخوف الذي يسحق الإنسان في ذاته ، بل هو الذي يرتفع بإنسانيته إلى ~~السموات العلى التي تحلق آفاقها في رحاب ms0673 الروح. فإن الإنسان يولد من جديد ، ~~عند ما يذوب في الله ويغيب في أعماق الخوف الحب ، لا الخوف الخوف. وهذا هو ~~الفرق بين الخوف من الناس والخوف من الله ، فإن الأول يوحي للإنسان بالضعف ~~والجفاف ، ولكنه في الثاني يوحي له بالقوة والحيوية والعنفوان. # ثم أراد له أن يذكر نفسه دائما بأنه سيلاقي الله ، وسيقدم حسابه بين يديه ~~مما أسلفه من أعماله وأقواله في الدنيا ، ليعمق مثل هذا الإيمان الداخلي ~~العميق بلقاء الله الذي يملك الأمر كله : ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا والأمر يومئذ لله ) [الانفطار : 19] حيث ينادي المنادي: ( @QUR@07 يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله PageV04P261 # @QUR@08 منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [المؤمن : 16] ~~ليأتي الجواب حاسما : ( @QUR@015 يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [المؤمن: 16] يوم : ( @QUR@015 تبلوا ~~كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ~~[يونس : 30]. # فإذا عاش هذا اليقين العقيدي كما لو كانت الآخرة ماثلة بين عينيه ، فإنه ~~سوف يحرك خطواته في الخط المستقيم الذي يبدأ من الله وينتهي إليه ، فيعيش ~~إيمانه فكرا وعقيدة وقولا وعملا وحركة ... في الاتجاه الصحيح والصراط ~~القويم ، ليتلقى البشارة من الله ، على لسان الملائكة ، مع المؤمنين : ( ~~@QUR@03 ادخلوها بسلام آمنين ) [الحجر : 46]. # * * * PageV04P262 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم ) (224) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عرضة ): حاجزا ومانعا ، من الاعتراض ، أي : ما يجعل معرضا للشيء. # ( @QUR@01 لأيمانكم ): الأيمان : جمع يمين ، وهو الحلف والقسم. مأخوذة ~~من اليمين بمعنى الجارحة ، لكونهم يضربون بها في الحلف والبيعة ، للملازمة ~~بينهما. وقيل : أخذ من القوة لأنه يتقوى على ما يحلف عليه. # ( @QUR@02 أن تبروا ): أن لا تبروا ، بتقدير لا ، وهو شائع مع أن ~~المصدرية كقوله تعالى : ( @QUR@031 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما PageV04P263 # @QUR@019 ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر ms0674 مثل حظ الأنثيين يبين ~~الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) [النساء : 176] ، ويمكن أن لا يكون ~~بتقدير لا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قيل : إن الآية نزلت في عبد الله بن رواحة الذي حلف أن لا يدخل على ختنه ~~(1) ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته ، فكان يقول : إني حلفت بهذا فلا ~~يحل لي أن أفعله فنزلت الآية (2) وقال المفسرون : إن كلمة ( @QUR@02 عرضة ~~لأيمانكم ) تحتمل عدة معان : # أحدها : المانع والحاجز من الاعتراض بين الأشياء ، فتكون نهيا عن جعل ~~اليمين حاجزا بين الإنسان وبين البر والتقوى والإصلاح. # ثانيها : الحجة والمبرر عن الامتناع عن هذه الأمور ، باعتبار اضطرار ~~الإنسان إلى الالتزام بيمينه. # وثالثها : المعرض ، بمعنى أن تكون اليمين عادة تجعل الله معرضا للحلف به ~~دائما في الحق والباطل. وقد قيل إن من أكثر ذكر شيء ، فقد جعله عرضة له (3). # وقد يبدو لنا أن الآية لا تبتعد عن الأجواء الثلاثة ، من خلال اختيار ~~المعنى الثالث ، الذي يوحي بأن الابتذال والإكثار من اليمين في كل شيء قد ~~يؤدي إلى المنع من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، لأن العادة قد تجعله PageV04P264 # يحلف على ترك هذه الأمور في بعض الأوضاع الانفعالية التي يمر بها ، فيجعل ~~ذلك حجة للانحراف عن خط البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، ومانعا عن السير ~~في هذا الاتجاه. ولا يبعد أن لا تكون هذه المعاني التي يذكرها المفسرون ~~مدلولا للفظ ، بل هي استيحاء من جو الكلمة ، ومعناها أن المعنى الثاني يرجع ~~إلى الأول ، لأن كونه حجة في المنع يجعله حاجزا عنها عن البر والتقوى. ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** اليمين : دوره ومعطياته # ( @QUR@05 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ). أي : لا تندفعوا أيها ~~المؤمنون في هذا الأسلوب اللاإنساني المغلف بغلاف إيماني ، كما لو كان ~~إيمانكم بالله الذي لا بد من أن يطل بكم على الخير والبر والإصلاح بين ~~الناس ، حركة في الكلمة التي تؤدي إلى حركة سلبية في الواقع فتلجأون إلى ~~الحلف بالله ، تقدمونها أمامكم لتتخذوها حاجزا بينكم وبين الانطلاق مع البر ~~في الحياة ، والتقوى في الموقف ، والإصلاح بين الناس ms0675 ، في حاجة الحياة ~~إليكم في عملية الانفتاح على الناس والالتزام بالخط ، وحل المشاكل ... ~~لتجعلوا حلفكم بالله حجة لكم على هذه السلبية ، ليقول بعضكم لبعض : إنني لا ~~أملك الدخول في عملية السلام الاجتماعي ، أو في تقديم الخير لهذا أو ذاك ، ~~أو الالتزام بهذا الخط أو ذاك ، لأني حلفت بالله على الامتناع عن ذلك ، ~~ولليمين قدسيتها لأنها تمثل قدسية الإيمان بالله ، الذي يعني الحلف باسمه ~~أن يكون الشاهد علينا في التزاماتنا بما نفعل أو نترك أو نتخذ من مواقف ~~وعلاقات. # إن مثل هذا الفهم الخاطئ لليمين ، في خط الإيمان ، يمثل خطورة كبري على ~~حركة الإنسان في مقدساته ، لأنه يهدم القيم الإنسانية والروحية التي PageV04P265 # يحبها الله باسم الله. وهذا هو الإخلال بالتوازن في حركة الإنسان ~~والإيمان. # إن الله لا يريدكم أن تحولوا اسمه إلى كلمة مبتذلة تكررونها في تغطية ~~العقد النفسية ، والأحقاد الذاتية ، والمشاعر السلبية ، والانحرافات ~~العاطفية ... ليكون حجة لكم ومانعا عن ( @QUR@02 أن تبروا ) بما يمثله البر ~~في معنى الخير في داخل الذات وفي خدمة الإنسان والحياة ، ( @QUR@01 وتتقوا ~~) الله بالسير على منهاجه في تأكيد القيم الروحية والأخلاقية التي تمنح ~~الأرض ، في إنسانها ، انضباطا وتوازنا وقوة في حساب المسؤولية ، ( @QUR@03 ~~وتصلحوا بين الناس ) عند ما يختلفون أو يتنازعون أو يتحاربون ، فإن الإصلاح ~~يمثل عمق الصلابة في ثبات الواقع الإنساني ، وابتعاده عن الضياع والاهتزاز. # لا تجعلوا اسم الله يعترض هذه القيم الأخلاقية ، لتمنعوها من الانطلاق ، ~~ليكون حاجزا بينكم وبين تأكيدها في حياتكم. ولا تبتذلوا اسمه بالحلف الكثير ~~، فإذا دعيتم لمثل هذه الأمور ، بادرتم بفعل العادة أو السرعة الانفعالية ~~إلى الحلف ، الذي يوحي بالابتعاد عن حركة هذه القيم في حياة الناس. فإن ~~الله هو إله البر ، ورب التقوى ، الذي يوحي لرسله ولعباده بالإصلاح بين ~~الناس ، فكيف تجعلون اسمه ضد ذلك كله؟ وكيف تغفلون عنه وتتحدثون في ما ~~بينكم بمختلف الأمور والأساليب من دون الالتفات إليه؟! # ( @QUR@02 والله سميع ) يسمع كل ما تتكلمون به ، وما تهمسون به حتى وساوس ~~النفس في هينمات الشعور ، ( @QUR@01 عليم ) يعلم خائنة الأعين وما تخفي ms0676 ~~الصدور. فكيف لا يعلم حواراتكم وكلماتكم يا أيها المؤمنون؟! وهذا يفرض ~~عليكم أن تستحضروا رقابة الله في كل ما تفيضون فيه من كلمات وأفكار ، مما ~~لا يتناسب مع الخط الإلهي في ما يريد للإنسان أن يفعله أو يتركه ، حتى ~~ينضبط الإنسان في وسائل التعبير ومنطلقات الفكر ، فلا يبتعد عن مواقع رضى ~~الله في حياته العامة والخاصة. PageV04P266 # وقد نستطيع أن نفهم من هذه الآية دور اليمين في الإسلام ، فإن اليمين ~~تعني التزام الإنسان بفعل شيء وتركه من خلال إدخال الله كعنصر شاهد ومؤكد ~~على صدق هذا الالتزام وعلى توثيقه ... وبذلك يستمد الحالف من قداسة اسم ~~الله المبرر والحجة على تأكيد موقفه في الالتزام العملي بالحلف ، في ما إذا ~~طلب منه التراجع عنه. وهذا ما درج عليه الناس في حالات الانفعال الشديد ، ~~حيث نراهم يحلفون بالله على ترك كثير من الأشياء التي لا يحسن بهم تركها ، ~~أو يحلفون به على فعل بعض الأشياء التي لا ينبغي لهم فعلها ، فيبتعدون بذلك ~~عن خط البر والتقوى والإصلاح بين الناس في ما إذا تعلق الحلف ببعض الأمور ~~التي تبتعد عن هذه الخطوط ... # وقد شددت الآية على رفض ذلك ، فلا يجوز للإنسان أن يتلاعب باسم الله ~~ويبتذله ويتخذه حجة في ما لا يرضي الله. فلا قداسة لأي يمين لا يجد الإنسان ~~صلاحا فيه باسم قداسة اسم الله ، لأن تقديس الله الحقيقي لا يتحقق إلا ~~بامتثال أوامره ونواهيه في ما يصلح به أمر الحياة والإنسان. فلا يمكن أن ~~يلزم الله الإنسان بالسير على يمين تضاد أمر الله ونهيه في ما يحبه أو ~~يبغضه ... # وقد ورد في الحديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، في ما رواه أبو أيوب ~~الخزاز ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : سمعت أبا عبد الله ~~عليه السلام يقول : لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين ، فإنه عز وجل يقول : ~~( @QUR@05 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) (1). # وعن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد الله «جعفر الصادق» عليه السلام في قوله ~~الله عز وجل : ( @QUR@011 ولا ms0677 تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس ) قال : إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين ألا PageV04P267 # أفعل (1). وقد أفتى الفقهاء بأن من حلف على شيء ، فرأى خيرا منه ، فله ~~أن ينقض يمينه ويفعل الذي هو خير. # ومن خلال ذلك ، يتحدد دور اليمين ، ليتمثل في الحالات التي يريد الإنسان ~~أن يلزم نفسه بفعل طاعة أو ترك معصية أو عادة سيئة ، أو الدخول في شأن من ~~شؤون الدنيا التي لا تنفعه في إيمانه ولا في حياته ... ففي مثل هذه الحالات ~~، يتحول اليمين إلى عنصر يدعم الإرادة ويقويها وينميها ، من خلال ما يمثله ~~من الالتزام بالشيء على أساس اسم الله ، في ما يمثله هذا الاسم من قداسة ~~وعظمة واحترام ... فيجتمع للإنسان ، من خلال يمينه ، شيئان ، أحدهما : ~~قداسة المضمون ، باعتباره شيئا يريد الله فعله أو يريد تركه في ذاته. ~~ثانيهما : قداسة الالتزام ، باعتبار ارتباطه باسم الله ، وبذلك يتحول ~~اليمين إلى عنصر تربوي ضاغط يستفيد منه الإنسان في دنياه وفي آخرته. # * * * PageV04P268 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم والله غفور حليم ) (225) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 باللغو في أيمانكم ): اللغو : الكلام الذي لا فائدة فيه ، وما ~~لا يعتد به. ومنه : اللغو في الأيمان ، أي : ما لا عقد عليه في القلب. وهو ~~ما يجري على عادة الناس من قول : «لا والله» و «بلى والله» من غير عقد على ~~يمين يقتطع بها ولا يظلم بها أحد. # * * * ### ||| ** اليمن بين اللغو والجدية # وقد قررت هذه الآية أن الإنسان لا يتحمل مسئولية مثل هذا اليمين ، لأن ~~الله لا يؤاخذ الناس على أعمالهم ، إلا من خلال الالتزامات والدوافع PageV04P269 # الداخلية التي تمثلها الأعمال أو تدل عليها الكلمات. ولا بد في الالتزام ~~من نية وعمل أو كلمة تظهر منها النية ، فلا قيمة لنية بدون عمل ، ولا قيمة ~~لعمل لا ينطلق من نية ... وقد يتوهم البعض من الآية ، أن الله يؤاخذ ~~الإنسان بما كسبته القلوب من النوايا ، وإن لم تتمثل في عمل أو في كلمة. ~~وربما يؤكدون ms0678 ذلك بالأحاديث الشريفة التي جاء في بعضها : «فإنما الأعمال ~~بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى». (1) وجاء في بعضها الآخر : «إن الله ~~يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة» (2). ولكن الآية لا تفيد ذلك ، لأنها ~~في مجال التمييز بين اليمين اللغو الذي لا ينطلق من النية القلبية ~~والالتزام الداخلي ، وبين اليمين الجدي الذي يرتبط بالنية والالتزام ، ~~وليست في مجال الحديث عن النية المجردة. # أما الحديثان المذكوران ، فإنهما ينطلقان من موقع الحديث عن اختلاف ~~مسئولية العمل من خلال اختلاف النية الدافعة له ، لأن النية تنوع العمل ~~وتلونه بلونها ، فيختلف حسنه وقبحه حسب اختلاف النية ، كما يذكرون ذلك في ~~ضرب اليتيم الذي يختلف حاله بين التحريم والتحليل حسب اختلاف القصد. فإذا ~~كان الضرب للتأديب ، كان حلالا ، وربما يصل إلى حد الوجوب. وإذا كان للتشفي ~~والانتقام والعبث ، كان محرما. وإذا كان الله لا يؤاخذ الإنسان باللغو في ~~يمينه ، فلا يمنعنا ذلك من القول : إن الإكثار من اليمين يعتبر من العادات ~~السيئة المرغوب عنها في الشرع ، لأنها تمثل إساءة غير مقصودة لاسم الجلالة ~~في ما يمثله ذلك من التلاعب والاستهانة به ... # * * * PageV04P270 # ( @QUR@06 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) # ( @QUR@06 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) التي لا توحي في مدلولها ~~النفسي بأي شيء ، لأنها جرت على سبيل العادة التي يعتادها الناس في التلفظ ~~بصيغة اليمين ، من دون أن ينطلق من أي التزام عقدي بالإتيان بمتعلقه ، كما ~~جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام تعليقا على هذه الآية قال : هو ~~: «لا والله» و «بلى والله» و «كلا والله» ، لا يعقد عليها أو لا يعقد على ~~شيء (1). وعلى هذا فلا مسئولية على الحالف ، لأنه لم يقصد الحلف ، بل تكلم ~~باليمين من دون شعور كأية لازمة في اللفظ يعتادها الإنسان من دون قصد. # ( @QUR@05 ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) أي : عقولكم أو نفوسكم ، أو ~~المنطقة الداخلية في الرأس التي تنتج الفكرة ، وتبدع النية ، وتحرك الإرادة ~~... وبذلك كانت الأفكار والنيات والإرادات حركة كسب في الذات ، منطلقة من ~~اختيار الإنسان الذاتي ، مما يفرض ms0679 عليه أن يتحمل مسئولية هذا الكسب ، ~~باعتبار أنه إنتاجه العملي في الداخل الذي ينعكس ، سلبا أو إيجابا ، على ~~إنتاجه الخارجي في عمله. # ( @QUR@03 والله غفور حليم ) لما يصدر من المؤمن من هذا اللغو الذي أراد ~~له أن يعرض عنه لكراهته له ، ولكن بالدرجة التي لم تصل بها إلى حد الإلزام. ~~وفي ضوء ذلك ، قد نستوحي من هذه الفقرة أن الإتيان بالمكروهات قد يلتقي ~~بالحاجة إلى المغفرة والرحمة ، لما في ذلك من الحزازة العملية ، التي لا ~~يحب الله للإنسان أن يقوم بها ، باعتبار أن المنهج التربوي القرآني يؤكد ~~على الهدف الإيماني في تحرك الإنسان. # * * * PageV04P271 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور ~~رحيم (226) @QUR@07 وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) (227) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يؤلون ): الإيلاء : الحلف المانع من مقاربة المرأة. وحقيقة ~~الإيلاء : هو الحلف المقتضي للتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. # ( @QUR@01 تربص ): التربص : الانتظار بالشيء أمرا ينتظر زواله أو حصوله ~~، أو سلعة يقصد بها غلاء أو رخصا. # ( @QUR@01 فاؤ ): رجعوا. والفيء والفيئة : الرجوع إلى حالة محمودة. # ( @QUR@01 عزموا )، العزم : هو العقد على فعل شيء في مستقبل الأوقات ، ~~وهو إرادة متقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد. # ( @QUR@01 الطلاق ): حل عقد النكاح بسبب من جهة الرجل. # * * * PageV04P272 ### ||| ** مناسبة النزول # قال ابن عباس : كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ، ~~فوقت الله أربعة أشهر ، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر ، فليس بإيلاء ~~(1). وقال سعيد بن المسيب : كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية ، كان الرجل ~~يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره ، فيحلف أن لا يقربها أبدا. وكان ~~يتركها كذلك ، لا أيما ولا ذات بعل ، فجعل الله تعالى الأجل الذي نعلم به ~~ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر ، وأنزل الله تعالى : ( @QUR@04 للذين ~~يؤلون من نسائهم ) الآية (2). # * * * ### ||| ** الإيلاء بين خيارين # ( @QUR@02 للذين يؤلون ) الإيلاء : هو الحلف على ترك مقاربة الزوجة ، ~~كوسيلة من وسائل المضارة. أي : يحلفون على ترك وطء نسائهم للإضرار بهن ، ~~لتبقى المرأة في حالة تجميد من ناحية العلاقة الجنسية في الزواج ، ~~لارتباطها بزوجها ms0680 لبقاء الزواج ، وانفصاله الجسدي عنها ، الأمر الذي يؤدي ~~إلى مشكلة إنسانية معقدة ، لأن الله لا يريد للمرأة الذي أن تعيش في حالة ~~اضطهاد نفسي وجسدي في نطاق الزواج ، الذي قد يحوله الرجل بهذه الطريقة إلى ~~سجن ، ولذلك أراد الله أن يضع لهذه المسألة حدا معقولا ، فهو لا يريد إلغاء ~~الحلف كلية ، باعتبار أنه حالة طبيعية قد تمس الحاجة إليها من خلال غضب PageV04P273 # جامح أو انفعال شديد ، لا يملك فيه الإنسان نوازعه النفسية ، فترك له ~~التنفيس عن ذلك بهذه الطريقة ، ليأخذ وقته في التأمل والتفكير واتخاذ ~~الموقف المناسب بعد سكون غضبه وهدأة انفعاله ، من دون أن تكون المدة ~~المفروضة بالغة الضرر بالنسبة إلى المرأة ، وذلك هو ( @QUR@03 تربص أربعة ~~أشهر ) فله الاستمرار في يمينه في نطاق هذه المدة. فقد أمهل الزوج الحالف ~~مدة أربعة أشهر ، فلا سبيل للشرع عليه هذه المدة ، لأن الزوجة لا تملك عليه ~~في حق الاتصال في تلك المدة. فإذا بلغت المدة أربعة أشهر ، وقد جاء في ~~الحديث عن الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام ، كما في الكافي ~~، أنهما قالا : إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ، فليس لها قول ولا حق في ~~الأربعة أشهر ، ولا إثم عليه في كفه عنها في الأربعة أشهر ، فإن مضت ~~الأربعة أشهر قبل أن يمسها ، فسكتت ورضيت فهو في حل وسعة. فإن رفعت أمرها ~~قيل له : إما أن تفيء فتمسها وإما أن تطلق وعزم الطلاق أن يخلي عنها. فإذا ~~حاضت وطهرت طلقها ، وهو أحق برجعتها ما لم يمض ثلاثة قروء. فهذا الإيلاء ~~الذي أنزله الله تبارك وتعالى في كتابه (1). # فإذا بلغت المدة أربعة أشهر ، ( @QUR@02 فإن فاؤ ): أي رجعوا إلى أمر ~~الله بإعطاء المرأة حقها الجنسي إذا كان قادرا على ممارسته ، أو تراجعه عن ~~التزامه بالترك إذا لم يكن قادرا عليه في ذلك الوقت ، ( @QUR@04 فإن الله ~~غفور رحيم ) يغفر لهم يمينهم ولا يحاسبهم عليها ، لأن المولى لا يعاقب على ~~هذا السلوك اللاأخلاقي ، باعتبار صدوره عن إرادة للإضرار بالزوجة ، وهو أمر ~~لا يرضاه الله ms0681 ، لأنه لا يريد للمؤمن أن يفكر بالإضرار بأي إنسان ، لا سيما ~~زوجته ، ولا يريده أن يحول التفكير على تقدير صدوره إلى ضرر فعلي ، ولذلك ~~كان الرجوع إلى الوضع الطبيعي بمثابه الكفارة عن هذا الفعل المبغوض له ، ~~وإن كان ذلك بدرجة لا تصل إلى حد التحريم. ( @QUR@03 وإن عزموا الطلاق ) ~~وأكدوه ونفذوه بإطلاق PageV04P274 # صيغة الطلاق بشروطه الشرعية ، لأن الزوج لم يجد صلاحا لنفسه أن يستمر على ~~الحياة الزوجية مع هذه الزوجة ، ولا يملك أن يبقى معها في حالة التجميد ~~بمقتضى يمينه ، لأن الشريعة لا تسمح له بذلك ، ( @QUR@03 فإن الله سميع ) ~~لما اتفقا عليه ، فهو الذي يسمع الكلمات التي تحل المشكلة بالطلاق أو بغيره ~~، ( @QUR@01 عليم ) بما تضمره صدورهم ، وعليم بأسرار الواقع كله. # وهذا التفصيل بين حالة الرجوع وحالة عزم الطلاق ، خاضع للتخيير بين ~~الأمرين ، فلا يسمح له بالبقاء على يمينه وتجميد الحياة الزوجية ، كما ~~تفيده الآية. وهناك أحكام تفصيلية في موضوع الإيلاء وحدوده وشروطه ، يرجع ~~إليها في الفقه ... أما ما نريد الإشارة إليه ، فهو أن الله قد فرض على ~~الإنسان أن يتراجع عن يمينه في الحالة التي يتحول فيها اليمين إلى عنصر ~~مضاد للحكم الشرعي ، وإلى وسيلة من وسائل الضغط النفسي على الآخرين ~~بالاعتداء على حقوقهم الشرعية ، وبذلك كانت هذه الآية نموذجا تطبيقيا للآية ~~السابقة : ( @QUR@05 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم )... إلخ. # * * * ### ||| ** مدلول الأربعة أشهر # ويبقى هناك سؤال : ما خصوصية الأربعة أشهر؟ # ذكر مالك بن أنس في الموطأ ، عن عبد الله بن دينار قال : خرج عمر بن ~~الخطاب من الليل ، فسمع امرأة تقول : # تطاول هذا الليل واسود جانبه %~% وأرقني أن لا خليل ألاعبه PageV04P275 فو الله لو لا الله أني أراقبه %~% يحرك من هذا السرير جوانبه # فسأل عمر ابنته حفصة : كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت : ستة ~~أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر : لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك. # ولكننا لا نستطيع تأكيد حد المرأة في المسألة الجنسية في مدة زمنية معينة ~~من خلال تجربة امرأة واحدة في حاجتها الغريزية ، بلحاظ ms0682 أقصى ما تصبر عليه ~~من الحرمان ، لأن النساء يختلفن في ذلك من حيث النوع ، كما أن الرجال ~~يختلفون فيه ، ولا سيما إذا لا حظنا الأحاديث التي تدل على أن قوة شهوة ~~المرأة بأضعاف شهوة الرجل ، وأنها لو لا الحياء الذي ركب فيها ، لاندفعت في ~~اتجاه هذه الشهوة إلى درجة الانحراف. # وجاء في الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، في رواية صفوان ~~بن يحيى أنه سأله عن الرجل يكون عنده المرأة الشابة ، فيمسك عنها الأشهر ~~والسنة لا يقربها ، ليس يريد الإضرار بها يكون لهم مصيبة ، أيكون في ذلك ~~آثما؟ قال : إذا تركها أربعة أشهر ، كان آثما بعد ذلك (1). # وفي ضوء هذا ، أفتى العلماء في المذهب الإمامي ، أن المرأة لا تملك حقا ~~على الرجل في الجماع إلا مرة في الأربعة أشهر ، استنادا إلى هذه الرواية ~~واستيحاء من حكم الإيلاء. # ولكن يمكن للفقيه أن يستفيد من قوله تعالى : ( @QUR@011 ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ) [البقرة : 228] ، أن ~~حق المرأة في الوقاع كحق الرجل فيه ، بحيث يجب عليه الاستجابة لحاجتها ~~الجنسية إذا PageV04P276 # طلبت ذلك منه ، كما يجب عليها الاستجابة له في حال طلبه ذلك منها ، لأن ~~الدرجة التي ذكرت قد يكون المراد بها القوامة التي يملك بها حق الطلاق مما ~~يميزها عنه ، لأن طبيعة الزواج من الناحية الشرعية يفرض إشباع الغريزة لدى ~~كل من الطرفين في نطاقه ، لئلا يضطر إلى الانحراف بالبحث عن ذلك خارج ~~نطاقها. وقد تكون المرأة أكثر إلحاحا وحاجة من الرجل ، في نطاق التشريع ، ~~لأن الله أباح للرجل الزواج بأكثر من واحدة ، كما أباح له المتعة في رأي ~~الشيعة الإمامية ، ولم يبح ذلك للمرأة ، فكيف يمكن أن تعصم نفسها وتشبع ~~غريزتها في مستوى ثلاث مرات في السنة؟ وقد جاء في الرواية عن الإمام جعفر ~~الصادق في رواية بعض رجاله ، قال : من جمع من النساء ما لا ينكح ، فزنى ~~منهن شيء ، فالإثم عليه (1). # وقد يخطر بالبال ، أن الأربعة أشهر تمثل الحد الأقصى الذي يمكن للرجل ms0683 أن ~~يقف عنده في الأوضاع الطارئة ، كما في حال اليمين على الترك أو المصيبة أو ~~السفر ، على بعض الآراء ، أو نحو ذلك ... لا في الحالات الطبيعية ، ولعل ~~تشريع القسمة للزوجات ، بل للزوجة الواحدة ، يوحي بالتأكيد على تهيئة ~~الأجواء المناسبة التي تقود الزوجين إلى الاستمتاع الدائم في مدى أربعة ~~أيام ، على الأكثر ، باعتبار أن المبيت إذا لم يكن مشروطا ، في القسم ، ~~بالجماع ، كما هو منطوق بعض الأخبار وفتوى المشهور من الفقهاء ، فهو منفتح ~~عليه من خلال طبيعة الغريزة في أجواء الإثارة الطبيعية بالمضاجعة الليلية ~~في حياة الزوجين. # إننا نريد إثارة هذه المسألة ، من أجل التنبيه إلى ضرورة التوفيق بين ~~العناوين القرآنية للحياة الزوجية وبين طبيعة الفتاوى والروايات الواردة في ~~هذا المجال ، وإلى الانطلاق من ارتكاز الزواج في الرجل والمرأة على تحصين PageV04P277 # النفس ضد الانحراف لمصلحة العفة الجنسية ، وهذا مما لا يتفق مع الحدود ~~التي وضعها الفقهاء لحق المرأة في الجنس ، فلا بد من ملاحظة ذلك في مسألة ~~الاجتهاد ، والله العالم. # * * * PageV04P278 ### ||| * الآية # ( @QUR@040 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~والله عزيز حكيم ) (228) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قروء ): جمع قرء ، وهو يطلق على الطهر والحيض معا. قال الراغب ~~: القرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر ، ولما كان اسما جامعا ~~للأمرين الطهر والحيض المتعقب له ، أطلق على كل واحد منهما (1). # وقال الطبرسي في مجمع البيان : «أصله في اللغة يحتمل وجهين : أحدهما : ~~الاجتماع ، ومنه قرأت القرآن لاجتماع حروفه .... الوجه الثاني : PageV04P279 # أن أصل الوقت الجاري في الفعل على عادة» (1). # ( @QUR@01 وبعولتهن ): أزواجهن. والبعل هو الذكر من الزوجين ، وسمي بذلك ~~لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها. وقوله : أتدعون بعلا؟ أي : ربا. ~~والبعل : النخل لأنه مستبعل على شربه. وبعل الرجل بأمره : إذا ضاق به ذرعا ~~، لأنه علاه منه ما ضاق به ذرعه ، وبعل الرجل : بطر ، واستعلى تكبرا. ~~وامرأة بعلة ms0684 : لا تحسن لبس الثياب ، لأن الحيرة تستعلي عليها فتدهشها. # ( @QUR@01 وللرجال ): الرجال : جمع رجل ، يقال : رجل بين الرجلة أي : ~~القوة. وهو أرجلهما أي أقواهما. وفرس رجيل : قوي على المشي. وسميت الرجل ~~رجلا لقوتها على المشي. والرجل الذي يمشي على رجله. # ( @QUR@01 درجة ): الدرجة : المنزلة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # «أخرج داود ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه ، عن أسماء بنت يزيد ابن ~~السكن الأنصارية قالت : طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ~~يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله تعالى حين طلقت العدة للطلاق : ( @QUR@05 ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )، فكانت أول من أنزلت فيها العدة ~~للطلاق» (2). # * * * PageV04P280 ### ||| ** بين الطلاق والإصلاح # ( @QUR@01 والمطلقات ) اللائي انفصلن عن أزواجهن بالطلاق ( @QUR@04 ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فلا يتزوجن بأي رجل آخر قبل انتهاء مدة ~~الانتظار ، وهي ثلاثة أطهار بما فيها الطهر الذي جرى فيه الطلاق ، بناء على ~~تفسير القرء بالطهر ، أو ثلاث حيضات التي تبدأ بعد انتهاء الطهر الأول بناء ~~على تفسير القرء بالحيض ، فهي في هذه المدة المصطلح عليها بالعدة ، بمنزلة ~~الزوجة في كل الأجواء المنفتحة في العلاقة الزوجية ، فتكون المسألة زواجا ~~مجمدا ، أو طلاقا مع وقف التنفيذ. # ( @QUR@010 ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن )، لأن ~~اختصاصها بالمعرفة في البداية للحبل ، على تفسير أو للدم في العادة الشهرية ~~على تفسير يجعل المسألة أمانة لديها كأي شيء لا يعرف غالبا إلا من قبل ~~الشخص المعني ، لأن القضية في دائرة الحق لا تتصل بها في نتائجها الشرعية ، ~~بل تشمل الزوج في أكثر من جهة ، الأمر الذي يجعل الكتمان وإخفاء الحقيقة ~~خيانة للأمانة الشرعية ، فلا يجوز لها أن تخفي الحمل الذي تطول العدة إلى ~~نهايته وتدعي الحيض ، لتقصير مدة العدة ، أو تدعي الحمل لإطالتها لحاجة في ~~نفسها ، لأن في ذلك تجاوزا لحدود الله وانحرافا عن خط المسؤولية الشرعية ، ~~( @QUR@06 إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) فإن الإيمان بالله يمنع المؤمن ~~من التعدي على حدود الله ، من موقع إحساسه بالعبودية لله ، كما أن إيمانه ~~باليوم الآخر يدفعه إلى اختيار الأعمال التي ms0685 تؤدي به إلى النجاة من عذاب ~~الله والحصول على جنته ورضوانه. وقد جاء في المجمع عن الصادق عليه السلام في ~~هذه الآية : الحبل والحيض (1). PageV04P281 # ( @QUR@05 وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) لأنها لم تخرج من حكم الزوجة ، ~~مما يجعل اختيار الزوج للرجعة والعودة إلى الحياة الزوجية من جديد ، تماما ~~كما لو أخرج الزوجة من بيته ثم قرر استعادتها إليه ، لأن المبادرة في ~~الطلاق الرجعي كانت من خلاله ، فله أن يصحح الخطأ الذي وقع منه ، ويتراجع ~~عن القرار الذي شعر بالندم عليه. وهذا هو المنهج الإسلامي التربوي في ~~العلاقات الإنسانية ، الذي يفتح أكثر من نافذة للإنسان للتراجع عن قراره ~~الذي يشعر بالخطإ فيه ، ( @QUR@03 إن أرادوا إصلاحا ) بحيث كان الأساس في ~~الرجوع إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح من أجل إصلاح المسألة إذا ما اكتشف ~~الزوج خطأه تجاه الزوجة ، أو اكتشفت الزوجة خطأها تجاه الزوج سواء أكان ذلك ~~بمبادرة ذاتية أم كان من خلال تدخل المصلحين بينهما. # أما إذا كان الهدف من الرجعة أن يستزيد الزوج في الإمعان في تعذيبها ~~وإيلامها وإرباك حياتها ، للإضرار بها حتى تبقى في حالة اهتزاز دائم ، من ~~أجل ابتزازها للحصول منها على تنازلات مادية أو معنوية ، وكان الزوج إنسانا ~~مضارا ، فإن الظاهر من الآية أن الحق الذي للزوج في الرجعة لن يكون له أية ~~شرعية في حالة إرادة الإضرار ، بحيث لا تصح الرجعة من الناحية الوضعية ~~القانونية ، كما لا تحل من الناحية التكليفية. ولكن الفقهاء لم يلتزموا ~~بذلك ، لأنهم اعتبروا الزوجة في العدة زوجة أو بحكم الزوجة ، فتكون الحالة ~~تماما كما هي حالة الزوجة إذا أراد الإضرار بها في نطاق الحياة الزوجية. # وجاء في مجمع البيان : إن الشخص في الجاهلية كان إذا أراد الإضرار ~~بامرأته طلقها واحدة وتركها [مدة] ، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ~~وتركها مدة ثم طاقها أخرى وتركها مدة ، كما فعل في الأولى ، ثم راجعها ~~وتركها مدة ثم طلقها أخرى. فجعل الله الزوج أحق بالمراجعة على وجه الإصلاح ~~لا على وجه الإضرار. وإنما شرط الإصلاح في إباحة ms0686 الرجعة لا PageV04P282 # في ثبوت أحكامها ، لإجماع الأمة على أن مع إرادة الإضرار يثبت أحكام ~~الرجعة» (1). # * * * # ( @QUR@04 ولهن مثل الذي عليهن ) # ( @QUR@05 ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ). هل المراد من هذه الفقرة أن ~~حقوق الزوجة كحقوق الزوج ، بطريقة شمولية ، بمعنى أنه إذا كان للزوج حق ~~الاستمتاع بالزوجة ، فإن للزوجة حق الاستمتاع به. فليس له أن يمنعها من ذلك ~~عند حاجتها ، كما ليس لها أن تمنعه عند حاجته ، وهكذا في الجوانب الأخرى ، ~~فالحق مشترك بينهما كما أن الواجب مشترك بينهما ، إلا في ما دل الدليل عليه ~~كالنفقة التي تجب على الزوج دون الزوجة ، لتمنحه الدرجة التي تقررها الفقرة ~~التالية؟! # أو أن هذه المساواة جاءت لتقرير المبدأ ، من خلال أن أحدهما لا يملك حقا ~~مطلقا على الآخر ، بل إن لكل منهما حقا على الآخر يقابله واجب تجاهه. فلا ~~ينافي ذلك أن يزيد حق أحدهما على الآخر ، كما يقرره الفقهاء في حديثهم عن ~~أن حق المرأة في الاستمتاع لا يساوي حق الرجل فيه ، لأن حقه في ذلك مطلق ، ~~بينما حق المرأة فيه بحدود تكاد تلحقه بالعدم؟ ربما كان هذا الاحتمال هو ~~الأقرب لدى الكثيرين من المفسرين. # وقد جاء في المجمع أن المراد بذلك ، في الآية ، «ما يرجع إلى حسن العشرة ~~وترك المضارة والتسوية في القسم والنفقة والكسوة ، كما أن للزوج حقوقا ~~عليها مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له ، وأن لا تدخل فراشه غيره ، PageV04P283 # وأن تحفظ ماءه فلا تحتال في إسقاطه» (1). ونستفيد من ذلك ، أن الآية لم ~~تقرر الحق ، بل هي إشارة إلى ما ثبت من الحق في السنة فلا مجال للاستدلال ~~بها على ذلك. # ولكننا نستقرب الاحتمال الأول بلحاظ الفقرة التالية : ( @QUR@03 وللرجال ~~عليهن درجة ) فإن الحديث عن امتياز الرجال بالدرجة المميزة ، والمنزلة ~~المحددة يدل على أن الفقرة السابقة واردة لتقرير المساواة في الحقوق ~~الزوجية الطبيعية التي شرع الزواج على أساسها ، مثل إرادة العفة وتحصين ~~الإنسان نفسه بالزواج ، ليملك الحصول على إشباع غريزته من دون حاجة إلى ~~البحث عنها في مكان آخر لدى إنسان آخر. فلا ms0687 معنى لأن يأخذ الرجل كل حقه إلى ~~حد التعسف ، بينما لا تحصل الزوجة من ذلك إلا على مثل رشفة الماء السريعة ~~في أجواء العطش الشديد في الصيف الحارق. وهكذا في مسألة حقه في منع زوجته ~~من الخروج من بيتها بغير إذنه ، حتى لو لم يكن هناك سبب يدعوه إلى ذلك إلا ~~الحالة المزاجية الذاتية التي تتعمد الإضرار بها. # وإذا كنا في مجال الحديث عن الدرجة أو المنزلة المميزة ، فإننا نتصور ~~أنها إشارة إلى القوامة التي يملك الرجل من خلالها حق الطلاق ، دون أن ~~تملكه الزوجة ، في مقابل قيامه بالمسؤولية المادية عن الحياة الزوجية ، ~~ووجود بعض العناصر المميزة في شخصيته ، مما يجعل إدارته للعلاقة الزوجية ~~أكثر توازنا وواقعية من خلال ظروفه التي تسمح له بحرية الحركة أكثر منها ، ~~في تكوينها الجسدي وفي دور الأمومة ونحوها. # إنها أفكار نثيرها ، في الجانب التفسيري ، من أجل توجيه التفكير نحو ~~المناقشة الفكرية التي تتحرر من المألوف إلى الفهم الجديد المنفتح على ~~الآيات بكل موضوعية وعمق. PageV04P284 # ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) فهو العزيز في ذاته ، من خلال أن القوة له ~~جميعا لتكون له العزة جميعا ، وهو الحكيم في تقديره للأمور وتدبيره لشؤون ~~خلقه ، فلا ينتقص أحد من عزته في ما يقرره من التشريع ، ولا يشك أحد في ~~حكمته في تقرير مصالح عباده في كل حركة التشريع والتنفيذ. # * * * ### ||| ** مع بعض الأحاديث في حقوق المرأة والرجل في الزواج # جاء في الكافي بسند صحيح عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ، قال : جاءت ~~امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ما حق الزوج ~~على المرأة؟ فقال لها : أن تطيعه ولا تعصيه ، ولا تصدق من بيته إلا بإذنه ، ~~ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه ، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ، ولا ~~تخرج من بيتها إلا بإذنه ، وإن خرجت من بينها بغير إذنه لعنتها ملائكة ~~السماء ، وملائكة الأرض ، وملائكة الغضب ، وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى ~~بيتها. فقالت : يا رسول الله ، من أعظم الناس حقا على الرجل؟ قال : والده. ms0688 ~~فقالت : يا رسول الله ، من أعظم الناس حقا على المرأة؟ قال : زوجها. قالت : ~~فما لي عليه من الحق مثل ما له علي؟ قال : لا ولا من كل مائة واحدة. قال : ~~فقالت : والذي بعثك بالحق ، لا تزوجت زواجا أبدا. وفي رواية لا يملك رقبتي ~~رجل أبدا (1). # ولا بد لنا من أن نحمل هذا الحديث على الإشارة إلى الحق المعنوي الذي ~~يفرض على المرأة من ناحية روحية أن تنفتح على زوجها انفتاح الإنسان المؤمن ~~على الإنسان الذي حمله الله مسئوليته ، من أجل إيجاد PageV04P285 # الضوابط النفسية للالتزام بالحدود التي فرضها الله عليه ، وذلك بتقوية ~~الطاقة الروحية في خلفيات سلوك المرأة مع الرجل ، لتعتبر حياتها معه جهادا ~~على هدى الحديث المأثور : «جهاد المرأة حسن التبعل» (1)، أو عبادة تتقرب ~~إلى الله لتصبر على المشاكل المتنوعة التي تحصل في الحياة الزوجية ، وليكون ~~ذلك أساسا للانسجام مع متطلباتها في موقع الرجل القيادي في هذه الخلية ~~الاجتماعية الإنسانية لتحقيق التوازن من خلال العنصر الروحي والعاطفي الذي ~~يشد المرأة إلى زوجها ، لأن ذلك هو الذي يحميها من الانحراف وفقدان التوازن ~~والسقوط تحت تأثير العوامل الطارئة. # ولعل وقوع الحديث عن حقوق الزوج على الزوجة ، في سياق الحديث عن حقوق ~~الوالد على ولده ، يشير إلى ذلك باعتبار أن الله يريد للولد أن يتحسس حق ~~والده عليه من الناحية المعنوية والروحية ، التي تتحول إلى ناحية شعورية ~~تؤدي إلى إيجاد قاعدة للتوازن في داخل الحياة العائلية بعيدا عن الحسابات ~~المادية ، فإن للجانب الشعوري دورا في العلاقات الإنسانية أقوى من الجانب ~~المادي ، لأنه هو الذي يقوي عنصر التضحية في حركة الإنسان تجاه الإنسان ~~الآخر ، ويتعاظم هذا الجانب في الحديث المأثور عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال : «ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد ، لأمرت المرأة أن ~~تسجد لزوجها» (2)، فإن الكلمة توحي بالروحية الانقيادية للموقع القيادي ~~للزوج ، لا للذات في طبيعتها الإنسانية. # ولو لا هذه الملاحظة الإيحائية في فهمنا للمسألة ، لكان هذا الحديث غير ~~منسجم مع الآية الكريمة : ( @QUR@03 وللرجال عليهن درجة ) فإننا لا ms0689 نستطيع ~~التوفيق بين الدرجة التي يتميز بها الرجل عن المرأة ، وبين المائة بالمائة ~~في ميزته عليها حتى لا حق لها معه بنسبة الواحد بالمائة ، مما لا يجعل ~~الحديث موافقا PageV04P286 # لكتاب الله الذي هو الأساس في قبول الحديث من حيث انسجام الحديث مع ~~المفاهيم العامة للقرآن. # وفي ضوء ذلك ، يختلف اتجاه الآية عن اتجاه الرواية ، فإن الآية تؤكد على ~~الحقوق القانونية الشرعية ، بينما تؤكد الرواية على الحق المعنوي الروحي. # أما مسألة عدم خروج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها ، فإننا لا نحتمل أن ~~يكون ذلك حكما مستقبلا بذاته إلى جانب الأحكام الأخرى كما هو المشهور بين ~~الفقهاء بل أستقرب ما ذهب إليه أستاذنا السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله ~~من اعتباره حكما مرتبطا بحق الرجل في الاستمتاع كلما أراد منها ذلك ، فليس ~~للمرأة الحرية في الخروج من بيتها في أي وقت شاءت ، بل لا بد لها من ~~استئذان زوجها في ذلك ، للتعرف على حاجاته وللتفاهم على تنظيم مسألة البقاء ~~في البيت والخروج منه ، لتركيز الحقوق الزوجية على قاعدة صلبة قائمة على ~~التنسيق بينهما ، بعيدا عن حركة التمرد على الزوج من جهة الزوجة ، لأن ذلك ~~ما تفرضه التزاماتها العقدية التي يفرضها عقد الزواج في التشريع الإسلامي. # وإننا نرتكز في هذا الفهم الاجتهادي على عناوين «المعاشرة بالمعروف» ~~و «الإمساك بالمعروف» ونحو ذلك ... فإنها لا تنسجم مع إعطاء الزوج الحق ~~المطلق في منع الزوجة من الخروج من البيت إلا بإذنه ، الذي يملك بمقتضى هذه ~~الفتوى المشهورة أن يحركها من خلال مزاجه الذاتي ، لا من خلال دراسة المرأة ~~في حاجاتها الذاتية أو الاجتماعية أو الإنسانية ، بحيث يكون له الحق في ~~تحويل البيت إلى سجن دائم من حين العقد إلى حين الوفاة لمجرد رغبته الشخصية ~~أو عقدته الذاتية ، دون أن يكون في ذلك أي إثم أو خطيئة من ناحية الحكم ~~الشرعي. فله أن يسافر مدة طويلة من دون أن يأذن لها في الخروج من بيته ، مع ~~توفير حاجاتها المادية من النفقة الواجبة ، وله أن PageV04P287 # يفصلها عن ms0690 المجتمع كليا وعن جذورها العائلية ، وعلاقاتها الاجتماعية ... ~~فيمنعها من الخروج في الوقت الذي يكون مشغولا عنها بعمله أو بعلاقاته ~~الاجتماعية العامة والخاصة. # إن هذا لا يصدق عليه «المعاشرة بالمعروف» أو «الإمساك بالمعروف» وربما ~~كان مصداقا للظلم في النظرة العامة بلحاظ الارتكاز الإنساني للعدل في وعي ~~الناس للعلاقات الزوجية التي هي جزء من العلاقات الإنسانية. فإن المرتكز في ~~الذهنية العامة ، أن حبس إنسان في البيت بشكل دائم ، من دون ذنب جناه سوى ~~كونه مرتبطا بالزوج في عقد الزواج ، يعتبر تصرفا غير عادل ، كما أنه يتنافى ~~مع الخط العام الذي ارتكز عليه التشريع الإسلامي في قوله تعالى : ( ~~@QUR@044 وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) [الحج : 78] أو : ( @QUR@044 ~~شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون ) [البقرة : 185] أو في الحديث النبوي : «لا ضرر ولا ~~ضرار» (1) فإن هذا الحكم الشرعي على أساس الفتوى المشهورة من أوضح مصاديق ~~الحرج والعسر والضرر ، بحسب المفهوم العرفي أو العقلائي لهذه العناوين. # وقد يستدل بعض الفقهاء على حرية الزوج المطلقة ، في منع زوجته من الخروج ~~بغير إذنه ، بالحديث المعروف الذي رواه في الكافي بسنده عن PageV04P288 # عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال : «إن ~~رجلا من الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج في بعض حوائجه ~~، فعهد إلى امرأته عهدا ألا تخرج من بيته حتى يقدم ، قال : وإن أباها مرض ، ~~فبعث المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : إن زوجي خرج وعهد ~~إلي أن لا ms0691 أخرج من بيتي حتى يقدم ، وإن أبي قد مرض ، فتأمرني أن أعوده؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك. ~~فثقل فأرسلت إليه ثانيا بذلك ، فقالت : فتأمرني أن أعوده؟ فقال : اجلسي في ~~بيتك وأطيعي زوجك. قال : فمات أبوها ، فبعثت إليه : إن أبي قد مات ، ~~فتأمرني أن صلي عليه؟ فقال : لا ، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك. قال : فدفن ~~الرجل ، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله قد غفر لك ~~ولأبيك بطاعتك لزوجك» (1). # فإنهم يرون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منع هذه المرأة من الخروج من ~~بيتها لعيادة أبيها أولا ، ولحضور جنازته ثانيا إطاعة لزوجها. فلو كان لها ~~الحق في الخروج في مثل هذه الحالة التي كان فيها زوجها في السفر ، بحيث لا ~~حاجة له بها من ناحية الاستمتاع ، لكان خروجها أمرا راجحا في نفسه لقضاء حق ~~أبيها ، من دون الابتعاد عما لزوجها من الحق. ولكننا نلاحظ أن المورد من ~~موارد الحق الزوجي الطبيعي ، لأنه أراد منها أن تكون على استعداد دائم ~~لاستقباله ، لأن من الممكن أن يأتي في أية لحظة فيجدها في البيت. # كما أن هناك نقطة أخرى ، وهي أن الزوج الذي يكون على علاقة طبيعية مع أهل ~~زوجته ، أو الذي لا يكون على مثل هذه العلاقة ، لا يمكن أن يمنع زوجته من ~~عيادة أبيها أو حضور جنازته ، لأنه من الحقوق الاجتماعية أو العائلية ~~العامة في نظر الناس ، بحيث يعد الإنسان الذي لا يقوم بها ، أو الذي يمنع ~~منه ، خارجا عن المألوف وبعيدا عن الحس الإنساني مما لا يقبله أي PageV04P289 # إنسان لنفسه. ولذلك نجد أن الأشخاص المعقدين من أهل زوجاتهم لا يمانعون ~~في ذهاب زوجاتهم إلى آبائهن أو أمهاتهن ، وربما يبادرون هم إلى الذهاب ~~للعيادة أو لحضور الجنازة ، مما يعني أن المورد هو مورد إحراز رضى الزوج في ~~الخروج لعدم شمول المنع لمثل هذه الحالة ، الأمر الذي يجعل أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لها في البقاء في ms0692 البيت وعدم الخروج ، واردا على سبيل ~~الاستحباب لإفهامها أن طاعتها لزوجها ، حتى في مورد عدم الوجوب ، أفضل عند ~~الله من عيادة أبيها وحضور جنازته ، لا سيما أن ذلك يؤكد الانسجام بينهما ، ~~ويعمق الإحساس بالمودة والرحمة بينهما. فإذا رأى الزوج أن زوجته تلتزم ~~بأمره ، حتى في مثل هذه الحال الصعبة القاسية من الناحية العاطفية ، فإن ~~علاقته بها ستزيد وستمتد إلى أبعد من الحالة الطبيعية في العلاقة الزوجية ، ~~مما يؤدي إليه ذلك من عمق المحبة لها ، فينعكس ذلك إيجابا على ثبات الزواج. # وربما نستوحي ذلك من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها إن الله غفر لها ~~ولأبيها بطاعتها لزوجها للتدليل على فضل مبادرتها تجاه زوجها ، بحيث حصلت ~~على غفران الله لها ولأبيها ، فكانت حصة أبيها من امتناعها عن زيارتها له ~~وحضور جنازته أكثر من حصته على تقدير حضورها عنده أو بعد وفاته ، مما يوحي ~~بالاستحباب لا بالوجوب ، والله العالم بحقائق أحكامه. # وبعد ، فإن هناك عدة أحكام ومفاهيم في هذه الآية ، تتعلق ببعض أوضاع ~~المطلقات التشريعية ، ولا بد لنا من الحديث عنها في عدة نقاط ... # * * * ### ||| ** ضرورة العدة # 1 إن المطلقة التي قاربها زوجها ، لا بد لها من العدة قبل أن تتزوج ~~إنسانا آخر. والعدة أن تنتظر مدة ثلاثة قروء ، فإذا خرجت من القرء الثالث ، PageV04P290 # جاز لها الزواج. وقد اختلف في معنى القرء ، فقال بعضهم : إنه الحيض وعلى ~~هذا ، فلا بد لها من انتظار الحيضة الثالثة ، واستشهدوا بقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (1)، والصلاة إنما تترك ~~في أيام الحيض وقال بعضهم : إنه الطهر. فلا بد في حلية تزويجها من انقضاء ~~الطهر الثالث ، فيجوز لها الزواج في بداية الحيضة الثالثة. وروي عن زرارة ~~قال : سمعت ربيعة الرأي وهو يقول : إن من رأيي أن الأقراء التي سمى الله في ~~القرآن ، إنما هي الطهر في ما بين الحيضتين وليس بالحيض. قال : فدخلت على ~~أبي جعفر عليه السلام فحدثته بما قال ربيعة ، فقال : كذب ولم يقل برأيه ، ~~وإنما بلغه عن علي ms0693 عليه السلام . فقلت : أصلحك الله ، أكان علي عليه السلام ~~يقول ذلك؟ قال : نعم ، كان يقول : إنما القرء الطهر ، فتقرأ فيه الدم ~~فتجمعه. فإذا جاءت قذفته. قلت : أصلحك الله ، رجل طلق امرأته طاهرا من غير ~~جماع بشهادة عدلين؟ قال : إذا دخلت في الحيضة الثالثة ، فقد انقضت عدتها ~~وحلت للأزواج. قال : قلت : إن أهل العراق يروون عن علي عليه السلام أنه كان ~~يقول : هو أحق برجعتها ، ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة؟ فقال : كذبوا (2). # * * * ### ||| ** حرمة الكتمان # 2 لا يجوز للمرأة أن تكتم ما خلق الله في رحمها في أثناء العدة ، والظاهر ~~منه بادئ ذي بدء الولد. وقد وردت بعض الروايات عن بعض أئمة أهل البيت ، أنه ~~الأعم من الولد والدم ، وهو أشمل. وقد يؤيد ذلك ، بأن الله قد فوض إلى ~~النساء ثلاثة أشياء : الحيض والطهر والحمل ، كما روي عن PageV04P291 # الإمام جعفر الصادق عليه السلام . وقد فسر حرمة الكتمان ، بأن ذلك يوجب ~~منع الزوج عن المجامعة فيكون ظلما له ، أو بنسبة الولد إلى غيره كما كان ~~يفعل في الجاهلية. وقد أثارت الآية الجانب الإيماني في التشديد على ~~الالتزام بالحكم الشرعي ، فربطت الموضوع بالإيمان بالله واليوم الآخر ، ~~للإيحاء بأن قضية الإيمان تفرض الالتزام ، فلا إيمان بدون التزام. # * * * ### ||| ** حق الرجعة # 3 إن للزوج حق الرجعة في أثناء العدة ، في غير موارد الطلاق البائن ، من ~~دون حاجة إلى عقد جديد ، ولا حق لها في الامتناع عن ذلك. وقد ورد أن ~~المطلقة الرجعية بمنزلة الزوجة في أثناء العدة ، ولذا وجبت لها النفقة ، ~~وثبت التوارث بينها وبين الزوج ، وحرم عليها الخروج بغير إذنه ... إلى غير ~~ذلك من الأحكام التي تدل على أن الطلاق الرجعي بمنزلة تجميد حالة الزوجية ~~في زمن معين ، وليس إلغاء لها. وقد قيدت أحقية الرجعة بإرادة الزوج الإصلاح ~~من خلال ذلك ، وعدم قصده المضارة. والظاهر أنه قيد للتكليف بالجواز لا لصحة ~~الرجعة ، فقد ثبت نفوذها حتى في غير حالة القصد الطيب ... فهو أشبه ~~بالإرشاد منه بالتقييد ، للإيحاء بأن الرجوع مما ينبغي أن يكون بقصد ~~الإصلاح ms0694 لا بقصد المضارة ، انطلاقا من حكمة التشريع المرتكزة على علاج ~~المشاكل لا تعقيدها. # * * * PageV04P292 # ( @QUR@03 وللرجال عليهن درجة ) # 4 في أجواء الحديث عن الطلاق ، جاءت هذه اللفتة القرآنية : ( @QUR@08 ~~ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ... ) لتضع العلاقة بين ~~الرجل والمرأة في نطاقها الإسلامي ، الذي يرتكز على الأسلوب الواقعي الحكيم ~~، من خلال تشريعه لبناء الأسرة في حياة المجتمع. # فالرجل والمرأة يلتقيان في خط المسؤولية على صعيد واحد ، فليس هناك أي ~~انتقاص من شخصية المرأة كإنسان في ما أوجبه الله وما حرمه ، وفي ما أباحه ~~وما دعا إليه ... فالمرأة الزانية والسارقة في نص القرآن ، كالرجل الزاني ~~والسارق في ما ألزمهما به من حد وعقوبة ، والمرأة الصالحة كالرجل الصالح في ~~ما أعد الله لهما من ثواب. فلا زيادة لثواب الرجل على صلاته وصومه وصدقه ~~وعفته على ثواب المرأة في ذلك كله. وهذا ما نصت عليه الآية الكريمة : # ( @QUR@030 إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) [الأحزاب : 35]. # فإننا نستشف من هذه الآية وغيرها أن الرجل والمرأة سواء في التقييم من ~~حيث طبيعة المسؤولية كمبدإ ، ومن حيث نتائجها العامة والخاصة ... ما يعني ~~تسوية مطلقة في هذا المجال. وتبقى القضية ، في مجال العلاقات بينهما ، تتخذ ~~سبيلا آخر في حساب المسؤولية المشتركة ، من حيث توزيع الأدوار في نطاق نظام ~~العائلة وفي غيره. فقد جعل الإسلام للرجل امتيازا نابعا من بعض PageV04P293 # الخصائص الذاتية التي قد تجعله أكثر قدرة على الممارسة ، ومن تحمله ~~المسؤولية المالية للعلاقة ، وذلك على أساس تنظيمي لقانون الأسرة ، وذلك ما ~~أوضحته الآية الكريمة : # ( @QUR@014 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم ) [النساء : 34]. # فإن الآية تحدد الموقع للرجل في نطاق العائلة ، في مركز القوامة التي ~~تعني الإدارة والرعاية والإشراف ... أما خارج نطاق العائلة ، فلا قوامة ولا ~~رعاية ولا تمييز ، فللمرأة الحرية في أن تمارس كل ما تستطيع ممارسته في ms0695 ~~الحياة كإنسانة في حدود التشريع الإسلامي العام ، كما كان للرجل أن يمارس ~~الدور نفسه من غير فرق في ذلك بين مجالات العلم والعمل ومراكز المسؤولية في ~~الحياة ، مع بعض الاستثناءات التي تقتضيها طبيعة الاحتياط للعدالة وذلك في ~~مجالات القضاء والشهادة والحكم ... وربما كانت الدراسة لهذه الاستثناءات ~~تضع القضية في الموضع الدقيق للفكرة الإسلامية ، التي يلاحظ الإنسان معها ~~أن بعض هذه الاستثناءات قد وردت في نطاق مسئولية الرجل من حيث صفاته ~~الأخلاقية والعلمية والعملية ، على أساس الاحتياط لحقوق الناس في شهادة ~~أمينة ، وقضاء متزن ، وحكم قوي عادل ... # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن الدرجة ، التي جعلت للرجل في نطاق التشريع ~~الإسلامي العام ، لا تعتبر امتيازا للرجل على حساب كرامة المرأة وإنسانيتها ~~، بالمستوى الذي يبرر هذا التمايز الاجتماعي الذي يضغط على المرأة لحساب ~~الرجل ، بحيث تتحول إلى أداة للمتعة ، أو كمية مهملة لا تمثل شيئا كبيرا في ~~مقياس الإنسانية ... فإن دراسة المساحة الواقعية بين ما هو التشريع ~~الإسلامي في عدالته وإنسانيته ، وبين ما هي الممارسة العملية في ظلمها ~~وانحرافها ، تبين لنا البون الشاسع بين معنى الإسلام ، وبين سلوك المسلمين ~~الذي لا يتحمل الإسلام سلبياته في أي حال. PageV04P294 ### ||| ** موقع الطلاق من التشريع الإسلامي # 5 ربما يثير البعض اعتراضا على التشريع الإسلامي للطلاق ، لأنه يسيء إلى ~~استقرار الحياة الزوجية عند ما يفسح المجال لفسخها في أية لحظة ، ولو من ~~دون مبررات معقولة ، مما يسبب الكثير من المشاكل الاجتماعية للزوجة ~~وللأولاد بشكل خاص ... ولا يزال علماء الاجتماع يتابعون الحديث عن المشاكل ~~الصعبة الناتجة عن ذلك ، من تعقيد لأولاد الطلاق في نطاق الإحصائيات ~~الكثيرة البالغة الدلالة على النتائج الوخيمة للطلاق. # ولكننا نريد هنا أن نؤكد على أن تشريع الطلاق ينسجم مع طبيعة الأشياء ، ~~ومع طبيعة العلاقات الإنسانية التي تمثل العلاقة الزوجية إحدى مظاهرها ، ~~لأنها مثل العلاقات التي تجمع الناس مع بعضهم تحت تأثير أي عنصر من العناصر ~~المتنوعة : اجتماعية ، وفكرية ، وعاطفية ، واقتصادية ، ودينية ، وسياسية ~~... وقد يكون من الطبيعي أن يخضع استمرارها وامتدادها للظروف النفسية ~~والحياتية التي يعيشها ms0696 الطرفان ، فإن من الصعب بقاء أية علاقة بشكل طبيعي ~~ومعقول في حالة فقدان العناصر التي تكفل الاستمرار. # ولنتصور في هذا المجال شريكين في علاقة مادية ، اختلت ثقتهما ببعضهما ~~البعض ، أو اكتشفا اختلاف أفكارهما أو مزاجيهما بالمستوى الذي تتحول فيه ~~الشركة إلى مشاكل وحوادث يومية ... فإن الحل المعقول لذلك أن تفسخ الشركة ~~لئلا تتحول الحياة بينهما إلى جحيم لا يطاق لكل من الطرفين. فإذا انتقلنا ~~إلى العلاقة الزوجية ، رأيناها ترتكز على عنصري المودة والرحمة ، وذلك في ~~قوله تعالى : ( @QUR@020 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) [الروم : 21] PageV04P295 # فإذا استمرت الحياة بينهما على هذا الأساس ، أمكن لها أن تكون طبيعية ~~مستمرة ، سواء كان الاستمرار ناشئا من التعاون بينهما في تحقيق ذلك ، أو من ~~تضحية أحدهما بمزاجه وسلوكه لمصلحة الفريق الآخر ... أما إذا تحطم هذا ~~الأساس ، فحدثت العداوة بدلا من المحبة ، والقسوة بدلا من الرحمة ، أو ~~اكتشف أحد الطرفين أو كلاهما أن الانسجام مفقود في أكثر من جهة ... فإن ~~أمامنا أحد حلين : إما أن نقول لهما : استمرا على هذه العلاقة وليصبر كل ~~منكما على صاحبه ، وليضح كل منكما بمزاجه وذوقه وطريقته في الحياة ... وهذا ~~حل غير عملي ، لأن الزواج من العلاقات المستمرة المتصلة بكل جوانب الحياة ~~اليومية للإنسان بشكل متداخل ، فليس من الطبيعي أن يفرض على الإنسان ~~الاستمرار في الخضوع للضغط النفسي إلى ما لا نهاية ، بل قد يؤدي ذلك إلى ~~الانفجار ولو بعد حين كنتيجة للحياة الرتيبة التي تخلق المزيد من المشاكل ~~على أساس حالة التماس الدائم. # ولعل من أوضح الدلائل على صعوبة هذا الحل وعدم واقعيته ، أن الفئات التي ~~حرمت الطلاق لجأت إلى حل الانفصال الجسدي والهجران ، لإدراكها أن الاستمرار ~~غير عملي. ولكنها وقعت في مشكلة أخرى ، وهي الإحساس بالارتباط الذي لا يمثل ~~أي شيء للطرفين ، في الوقت الذي لا يستطيعان معه التخلص منه ، ليتفرغا ~~لعلاقة جديدة ناجحة بدلا من العلاقة القديمة الفاشلة ، مما يجعل الحياة ~~لديهما جحيما لا ms0697 يطاق ، أو طريقا للانحراف ... فلم يبق إلا الحل الثاني ، ~~وهو أن نقول لهما : إن بإمكانهما أن ينفصلا ويبحثا عن تجربة جديدة ، ~~باعتبار ذلك ضرورة حياتية ، فيكون أبغض الحلال إلى الله ، تماما كما هي ~~العملية الجراحية عند استفحال المرض. # وفي ضوء هذه الفكرة ، لا ينبغي للمؤمن أن يلجأ إلى الطلاق إلا بعد ~~استنفاد كل الوسائل المفضية إلى استمرار الحياة الزوجية ، حيث يكون الطلاق ~~حلا لمشكلة المرأة والرجل معا. أما الأولاد ، فقد لا يكون الطلاق هو PageV04P296 # المشكلة الكبيرة في حياتهم ، نتيجة ما يحصل لهم من تعقيد ، بل هي المشاكل ~~الحاصلة من الخلافات والمنازعات بين آبائهم ، فإن تأثيرها عليهم أشد من ~~تأثيرات الطلاق ، بل ربما يكون الطلاق حلا ضروريا للجزء الكبير من المشكلة ~~، وتخفيفا للكثير من السلبيات. # وقد قرأت للدكتور بروتللي أحد الأطباء النفسيين الفرنسيين في إحدى ~~المجلات النسائية المصرية «لا يوجد ما يسمى ابن الطلاق ... إن ذلك مجرد عذر ~~سهل وتبرير غير واع لكل حماقات سوء التربية ولعدم كفاية النصح والعجز عن ~~التفتح ، ولكن ما يوجد حقا هو الصراع بين أبوين متنافرين ، فالطلاق إذا لا ~~يخلق حالة ، ولكنه يعمل على تسوية مشكلة. والصراع هو الذي لا يتحمله الطفل ~~، فحين يتفتح الطفل يكون محتاجا إلى الدفء والحنان والاستقرار والأمانة ، ~~وكلها مستوحاة من الأب والأمام معا ...». # إن مشكلة الطفل في الطلاق هي أنه لا يعيش جو الحنان الطبيعي بين أبويه ، ~~ولكن هذا الجو لم يكن موجودا في ظل المشاحنات الزوجية ، بل قد يكون الموجود ~~شيئا مضادا له في ما يستتبعه من التأزم والتعقيد ... وربما يحصل على ~~العاطفة في خارج الحياة الزوجية بعد الطلاق أكثر مما فقده في داخلها ، ~~بالمستوى الذي يعتبر تعويضا كاملا عما فقده .. # ولا بد لنا من الإشارة إلى حقيقة أساسية في كل قضايا التشريع الإسلامي في ~~الحياة ، وهي : أن أي تشريع في جانب السلب والإيجاب لا يمكن أن يكون حلا ~~مطلقا للمشكلة ، بل كل ما هناك ، أنه يمثل الحل النسبي الذي يجمع إلى ~~الإيجابيات بعض السلبيات. ففي جانب الإلزام بالفعل ، لا ms0698 بد من أن تكون ~~إيجابيات الفعل أكثر من سلبياته ، وفي جانب الإلزام بالترك ، يكون الأمر ~~بالعكس ، فتكون إيجابيات الترك أكثر من سلبياته ... وهكذا تكون النتيجة ~~الحاسمة في موضوعنا هذا ، وهي أن الطلاق يعتبر عملا إيجابيا في حركة ~~العلاقة الزوجية في الحياة ، ولكنه في الوقت نفسه لا يخلو من بعض PageV04P297 # السلبيات في نتائجه العملية بالنسبة إلى الزوجين والأولاد وإلى المجتمع ~~بشكل عام ... # * * * ### ||| ** الطلاق بيد من؟ # 6 لماذا جعل الإسلام الطلاق بيد الزوج ، ولم يجعله بيد الزوجة بمفردها أو ~~بالإضافة إلى الزوج؟ والجواب عن ذلك هو : أن الإسلام حمل الزوج مسئولية ~~الحياة الزوجية في المهر والإنفاق على الزوجة والأولاد ، فهو الذي يخسر في ~~انهدام العلاقة أكثر مما تخسره الزوجة من ناحية مادية ومعنوية ، فقد دفع ~~المهر والنفقة الزوجية من دون أي تعويض ، وهو الذي يتابع تحمل المسؤوليات ~~المالية للأولاد ، ويواجه بناء بيت زوجي جديد على أساس نفقات جديدة ، بينما ~~لا تتحمل الزوجة أية مسئوليات مادية تجاه زوجها ، ولا تواجه أية خسارة في ~~زواجها الجديد لو تزوجت بل الأمر بالعكس. نعم قد تواجه بعض المشاكل ~~الاقتصادية إذا كانت فرص الزواج قد ضاعت منها ، ولكن ذلك لا يمنع من وجود ~~بعض فرص العمل التي يمكن أن تعوضها عما فاتها من الاكتفاء الاقتصادي في ~~فرصة الزواج من قبل الزوج ... # وفي ضوء ذلك ، لا يمكن أن نعطي الزوجة حق إنهاء العلاقة بطريقة طبيعية ~~أصلية ، لأنها لا تتحمل مسئولية الحياة الزوجية من جميع الجهات ... وقد ~~نلاحظ في هذا المجال أن الإسلام لم يسد الباب أمام الزوجة في أخذ المبادرة ~~في طلاق نفسها لبعض الأسباب ، فرخص لها أن تجعل لنفسها الوكالة من قبل ~~الزوج في طلاق نفسها في ضمن العقد على رأي بعض الاجتهادات الفقهية ، أو أن ~~تكون العصمة بيدها على بعض الاجتهادات الأخرى وهناك حالات أخرى يمكن للحاكم ~~الشرعي أن يتدخل بها في PageV04P298 # الطلاق ، كما إذا رفض الزوج الطلاق والإنفاق ، فإن للحاكم الشرعي أن ~~يطلقها. وهناك بعض الحالات الأخرى التي يختلف فيها المجتهدون ، ومجالها ~~البحث الفقهي لا ms0699 التفسيري. # * * * ### ||| ** ما الحكمة في العدة؟ # 7 ما الحكمة في العدة بعد الطلاق ، الذي يكون على المرأة فيه العدة ، وهو ~~ما يسمى بالطلاق الرجعي؟. # قد تكون الحكمة في المحافظة على عدم اختلاط الأنساب كما يعبر الفقهاء ~~ليظهر من خلال هذه الفترة ، ما إذا كانت المرأة حاملا أو غير حامل ، فلا ~~يبقى هناك مجال للاشتباه ، بينما يؤدي الزواج المباشر بعد الطلاق إلى ~~اشتباه المولود بين أن يكون ثمرة الزواج الأول ، وبين أن يكون ثمرة الزواج ~~الثاني على أساس أقل الحمل وهو ستة أشهر. # وقد يكون هناك جانب آخر من الحكمة وهو أن يفسح الإسلام المجال للزوجين ~~للتفكير الهادىء في إيجابيات العلاقة الزوجية وسلبياتها ، بعيدا عن الأجواء ~~المتوترة في داخل هذه العلاقة ، لأن الإنسان الذي يعيش في الأجواء المحمومة ~~للمشكلة ، لا يستطيع أن يفهم طبيعتها الحقيقة بشكل سليم. أما إذا انفصل ~~عنها ولو قليلا فإنه يستطيع أن يحصل على وضوح الرؤية ، الذي يساعده على ~~التفكير الهادىء والقرار المتزن. # وفي ضوء ذلك ، كانت العدة الرجعية تجميدا للعلاقة الزوجية باسم الطلاق. ~~فقد جعل الشارع للمرأة في هذه الفترة حق النفقة والسكنى على الرجل ، وجعل ~~للرجل الحق في الرجوع من دون أية اتفاقات جديدة من المهر PageV04P299 # ونحوه ، ومن دون عقد جديد ، بل يكفي أن يعبر عن رجوعه بأية طريقة ، وبأي ~~أسلوب لتعود العلاقة الزوجية كما كانت ... وجعل الإرث بينهما ثابتا في هذه ~~الفترة ، فلو مات أحدهما ورثة الآخر ، كتأكيد لبقاء العلاقة في بعض أحكامها ~~القانونية ، وإن كانت منحلة قانونا. # وقد يعترض بعض الناس على ما ذكرناه ، بأن العدة شرعت في حالات إمكانات ~~الحمل ، وأما في حالات عدمها ، كما إذا كانت المرأة عقيما ، أو كان الزوج ~~عقيما ، أو غائبا عن المرأة غيبة لا مجال فيها للحمل ... وما إلى ذلك من ~~الموارد التي تقطع فيها بعدم الحمل ، فقد أثبتت الشريعة الإسلامية العدة من ~~دون أن تتحقق العدة في نطاقها الطبيعي. # ولنا أن نجيب عن ذلك ، بأن الشارع في تشريعه للأحكام يتحرك من خلال الصفة ~~النوعية للأشياء ، فيلاحظ الأوضاع ms0700 العامة ، فيوجب الفعل فيه أو يحرمه ، وإن ~~كانت بعض خصوصياتها لا تخضع للحكمة النوعية ، وذلك كوسيلة احتياطية للحصول ~~على الغاية ، ولإمكانية وجود حالات نادرة تحدث في بعض هذه الخصوصيات كما ~~يمكن للعاقر أن تحمل صدفة لبعض الطوارئ ، أو للغائب أن يعود من دون أن يشعر ~~به أحد ... وما شاكل ذلك ، مما يخلق جوا من الارتباك والاختلاف حول تحقق ~~الشرط وعدمه. فربما أراد الشارع أن تسير الأمور بشكل منضبط ، ولو على حساب ~~بعض الحالات الجزئية ، هذا مع ملاحظة الجانب الثاني المتمثل في إفساح ~~المجال للرجوع بعد الطلاق ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الرجوع بيد من؟ # 8 لماذا جعل الرجوع حقا للرجل ، ولم يجعل حقا مشتركا بينهما مع PageV04P300 # أن المشكلة قد تكون في حياة المرأة ، لا في حياة الرجل؟ # لعل السر في ذلك ، أن العلاقة الزوجية هي مسئولية الرجل في الإدارة ~~والإنفاق ، ولذا جعل الطلاق بيده ، الأمر الذي يجعل قضية الرجوع بيده. ~~لأننا ذكرنا في حديثنا المتقدم أن الطلاق الرجعي يعتبر تجميدا للحياة ~~الزوجية في الحكم ، وليس إلغاء نهائيا ، وقد نستوحي ذلك من اعتبار الرجوع ~~امتدادا للحياة الزوجية ، لا علاقة جديدة. فلو طلقها الزوج بعد الرجوع من ~~دون أن يدخل بها ، لا يكون طلاقه هذا طلاقا قبل الدخول ، بل يكون طلاقا بعد ~~الدخول لأنه استمرار للعلاقة السابقة. ولم يترك القرآن الكريم القضية لمزاج ~~الزوج ونزوته ، بل أراد أن تكون خاضعة لإرادة الإصلاح المشتركة التي ترتكز ~~على أساس القيام بالحقوق والمسؤوليات اللازمة على الطرفين. وعلى أي حال ، ~~فإن المشكلة التي تثار في جعل الرجوع بيد الزوج ، هي المشكلة نفسها المثارة ~~في جعل الطلاق بيده ، وبذلك يكون التفسير هو التفسير في ما تعالج به قضية ~~تنظيم العلاقة الزوجية ، والله العالم بحقائق أحكامه. # * * * PageV04P301 ### ||| * الآيات # ( @QUR@046 الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك ms0701 هم الظالمون (229) @QUR@030 فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا ~~أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) (230) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فإمساك ): الإمساك : خلاف الإطلاق. # ( @QUR@01 بمعروف ): أي : على وجه جميل سائغ ، وذلك بالإصلاح وحسن ~~المعاشرة لا على وجه الإضرار. قال تعالى : ( @QUR@019 وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم PageV04P302 # @QUR@01 نفسه ) [البقرة : 231] فإن الرد إلى حبال الزوجية للإضرار منكر ، ~~وليس معروفا. # ( @QUR@01 تسريح ): مأخوذ من السرح ، وهو الإطلاق. وسرح الماشية في ~~المرعى سرحا : إذا أطلقها. والسرحة : الشجرة المرتفعة لانطلاقها في جهة ~~الطول. والمسرح : المشط لإطلاق الشعر به. # ( @QUR@01 بإحسان ): بمعروف ، وذلك بأداء حقوقها المالية دون أن يذكرها ~~بعد المفارقة بسوء. والإحسان يطلق على وجهين : الأول : الإنعام على الناس ، ~~والثاني : الإحسان في فعله. # ( @QUR@01 يخافا ): معناه : يظنا. وقال أبو عبيدة : معناه : يوقنا. ( ~~@QUR@02 فإن خفتم ) ها هنا بمعنى: أيقنتم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في المجمع : «روى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن امرأة أتتها ~~فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها يضارها بذلك ، وكان الرجل في الجاهلية إذا ~~طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك ، وإن طلقها ألف مرة ~~لم يكن للطلاق عندهم حد. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزلت ~~( @QUR@02 الطلاق مرتان ) فجعل حد الطلاق ثلاثا» (1). # «وروي أنه قيل للنبي : ( @QUR@02 الطلاق مرتان )، فأين الثالثة؟ قال : ( ~~@QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ). وقوله : ( @QUR@03 إلا أن يخافا ~~) فأنزل في ثابت بن قيس بن شماس وزوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي ، وكان ~~يحبها وتبغضه ، فقال لها : PageV04P303 # أتردين عليه حديقته؟ قالت : نعم ، وأزيده. قال : لا ، حديقته فقط. فردت ~~عليه حديقته فقال: يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها. ففعل ، فكان أول ~~خلع في الإسلام» (1). # وأخرج داود في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس قال : «كان الرجل يأكل من مال ~~امرأته نحلته عطاءه الذي نحلها وغيره ، لا يرى أن عليه ms0702 جناحا ، فأنزل الله ~~: ( @QUR@08 ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا )» (2). # ولنا ملاحظة ، وهي أن هذه الروايات ، وغيرها مما ورد في تحديد أسباب ~~النزول ، تدل على أن حركة التشريع كانت تنطلق من حاجة الواقع إلى معالجة ~~المشاكل المتحركة فيه ، فيأتي الحكم الشرعي في صعيد الحاجات الإنسانية ~~الصعبة التي يتطلع المسلمون إلى حلها ، ليكون تأثيره أكثر عمقا مما لو كان ~~منطلقا من تشريع ابتدائي. وهذا مما يوحي بأن الإسلام كان واقعيا في تشريعه ~~للإنسان ، من خلال نظرته إلى واقع حياته ، بحيث يجد الإنسان سر الحكم ~~الشرعي في معاناته للواقع المعاش في حياته الخاصة والعامة. # وفي ضوء ذلك ، لا بد للاجتهاد الفقهي أن لا ينظر إلى الحكم الشرعي الوارد ~~في النصوص في دائرة التجريد ، بل في دائرة الواقع. فربما نستوحي من ذلك ~~الكثير ، مما يجعل فهم النص أكثر سلامة واستقامة في وعي الشريعة ، لأنها ~~جاءت لخدمة الإنسان ولحل مشاكله ، لا لتعذيبه وتقييد حاجاته بلا معنى. # * * * PageV04P304 ### ||| ** حدود الله في تشريع الطلاق # ( @QUR@02 الطلاق مرتان ) هذا تحديد للطلاق الذي يملك فيه الرجل حق ~~الرجوع للمرأة المطلقة من دون حاجة إلى إجراءات جديدة ، ولهذا فرع عليه ~~قوله : ( @QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فإن هذا هو الخيار الذي ~~يملكه في وقت العدة. # وقد روى الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» ، عن الحسن بن علي بن فضال ~~عن أبيه قال : سألت الرضا علي بن موسى عليه السلام عن العلة التي من أجلها ~~لا تحل المطلقة للعدة لزوجها حتى تنكح زوجا غيره فقال عليه السلام : إن الله ~~عز وجل إنما أذن في الطلاق مرتين ، فقال عز وجل : ( @QUR@07 الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) يعني في التطليقة الثالثة فلدخوله في ما ~~كره الله عز وجل له من الطلاق الثالث حرمها عليه ، فلا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره ، لئلا يوقع الناس الاستخفاف بالطلاق ولا يضاروا النساء (1). # وفي هذا التعبير إيحاء بطبيعة الموقف الذي ينبغي له أن يتخذه في كلتا ~~الحالتين ، فلا يبتعد عن الجو الحميم الذي تقتضيه العلاقة ms0703 ، ولا يتنكر ~~للكرامة التي تطلبها المرأة ... فإذا كان هناك رجوع وعودة وإمساك ، فينبغي ~~أن يكون بالمعروف في الروحية والدوافع والأسلوب. وإذا كان هناك انفصال ~~وتسريح ، فلا بد من أن يكون بالإحسان في الكلمة والمعاملة والجو اللطيف ، ~~حتى يتمثل كل منهما في نفسه روحية الخلق الإسلامي الذي يحب الله للناس أن ~~يتصفوا به. # ( @QUR@08 ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) فليس للرجل أن يستغل PageV04P305 # قوته ، فيغتصب من المرأة حقوقها الشرعية من مهر ونحوه. وهذا دليل على ~~احترام الإسلام لملكية المرأة للمال الذي تملكه ، باعتبار أنها شخصية ~~قانونية شرعية مستقلة. فلها الحرية في التصرف بمالها كما تشاء ، وليس ~~للآخرين أن يأخذوه منها في أية حالة ، حتى زوجها الذي بذل لها المهر في عقد ~~الزواج ، فإنها قد ملكته بذلك وأصبح ملكا لها كبقية أموالها ، فليس له ~~استرجاعه منها بعد الطلاق. # وليس له أن يأخذ منها أي شيء عوضا عن الطلاق بوسيلة غير مشروعة ، ( ~~@QUR@07 إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) فتشعر المرأة بأن لا مجال ~~للعيش مع زوجها على أساس الالتزام بالحكم الشرعي ، ويشعر الرجل بالشعور ~~نفسه بالنظر إلى كراهيتها ونفورها منه. فيمكن لهما في هذه الحال أن يتفقا ~~على أن تتنازل له عن مهرها أو عن شيء آخر ، كتعويض له عما يفقده من هذه ~~العلاقة الزوجية ، مما يدخل في حساب الخسائر المادية والمعنوية ، وذلك في ~~سبيل أن يطلقها طلاقا بائنا ، لا مجال له معه في الرجوع ، بل يكون لها ~~الأمر في ذلك. # فإن رجعت في ما بذلته في أثناء العدة ، كان لها ذلك وثبت لها الحق في ~~إرجاع ما بذلته ، وكان له في مقابل ذلك أن يرجع بالطلاق. وإن بقيت على ~~البذل ثبت الطلاق واستمر من دون أي مبرر شرعي للرجوع. وهذا ما يسميه ~~الفقهاء «بالطلاق الخلعي» ، للتعبير عنه بصيغة الخلع في مقام الإنشاء ~~الإيقاعي. وفي هذا الحال ، يجوز للرجل أن يأخذ ما بذلته له من دون حرج ، ~~لأنه منطلق من موقع الاتفاق على ذلك ، على أساس التبادل في الخسارة والربح. ms0704 ~~وهذا ما عبر عنه الله سبحانه في قوله تعالى : ( @QUR@06 فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به ) ويلاحظ في هذا التعبير «الافتداء» معنى التعويض عن حريتها ~~التي قيدها الزواج. # وإنما نسب نفي الجناح إليهما ، مع أن الإباحة للزوج لأنه هو الذي يأخذ ~~المال ، باعتبار قيام الأمر بالزوجة من جهة ، لأن لها التخلص منه بدفع ~~الفدية ، PageV04P306 # وبالزوج لأن له الأخذ للمال. # وقد جاء عن الصادق عليه السلام : الخلع لا يكون إلا أن تقول المرأة : لا ~~أبر لك قسما ، ولأخرجن بغير إذنك ، ولأوطئن فراشك غيرك ، ولا أغتسل لك من ~~جنابة. أو تقول : لا أطيع لك أمرا. فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يأخذ منها ~~جميع ما أعطاها وكل ما أقدر عليها مما تعطيه من مالها. فإذا تراضيا على ذلك ~~، على طهر بشهود ، فقد بانت منه بواحدة ، وهو خاطب من الخطاب ، فإن شاءت ~~زوجته نفسها ، وإن شاءت لم تفعل. فإن تزوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين ، ~~وينبغي له أن يشترط عليها كما اشترط صاحب المبارأة ، إن رجعت في شيء مما ~~أعطيتني ، فأنا أملك بضعك. وقال : لا خلع ولا مبارأة ولا تخيير إلا على طهر ~~من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ، والمختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها ~~تحل للأول أن يتزوج بها ، وقال : لا رجعة للزوج على المختلعة ولا على ~~المبارأة إلا أن يبدو للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها (1). وقوله : ( ~~@QUR@011 فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) يعني الطلاق ~~الثالث ، وقوله : ( @QUR@05 فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) في الطلاق الأول ~~والثاني. # ثم يؤكد القرآن على اعتبار هذا التشريع حدا من حدود الله التي ينبغي ~~للمؤمن أن يقف عندها ولا يتعداها ، لأن ذلك هو معنى الالتزام بخط الإيمان ، ~~فيقف حيث يريد الله منه أن يقف ، ويتحرك حيث يريد الله منه أن يتحرك. ( ~~@QUR@012 تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ~~) لأنفسهم في ما يتعلق بحياتهم الخاصة ، ولغيرهم في ما يتصل بحياة الآخرين ~~... وقد جعل الله للظلم عقابه ms0705 الذي ينال الظالمين وغيرهم في يوم القيامة. # وعلى ضوء هذا ، يمكن للزوج أن يرجع في طلاقه الأول ، فتعود العلاقة ~~الزوجية كما كانت. فإذا طلقها للمرة الثانية أمكنه الرجوع في طلاقه PageV04P307 # الثاني ، وتعود العلاقة من جديد ( @QUR@02 فإن طلقها ) للمرة الثالثة ، ( ~~@QUR@03 فلا تحل له ) بأية وسيلة من رجوع أو عقد جديد ، فقد حرمت عليه ~~بالطلاق الثالث ، فلا مجال للعودة إليه ( @QUR@04 حتى تنكح زوجا غيره )؛ ~~وذلك بالعقد والدخول معا ، لما ورد في الحديث المأثور الذي يقول : «حتى ~~تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها» (1) وهو كناية عن الالتذاذ بالجماع وعدم ~~الاكتفاء بالعقد. # ( @QUR@02 فإن طلقها ) من جديد ، أمكنه أن يرجع إليها تماما كما هو الحال ~~في الطلاق الأول. ( @QUR@011 فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله )، ولعل في هذا التقييد إشارة بأن المؤمنين لا يحاولون إعادة ~~التجربة على أساس مزاج شخصي أو شهوة طارئة ، بل ينطلقون في ذلك كله من موقع ~~الدراسة الواعية للموقف ، والاستفادة من تلك التجارب السابقة الفاشلة ، ~~والشعور بضرورة عدم تكرارها إلا إذا أيقنا بإمكانية النجاح في ذلك ، مما ~~يجعل الظن غالبا في إقامتهما لحدود الله من جديد ، لأن اليقين بذلك لا ~~يتحقق في حسابات المستقبل ... ( @QUR@03 وتلك حدود الله ) في الطلاق ~~والرجوع ( @QUR@01 يبينها ) ويوضحها ( @QUR@02 لقوم يعلمون ) فيتحملون ~~مسئولية العلم فكرا وعملا في كل ما يريده الله منهم وما لا يريده. # وفي هذا إشارة إلى أن أحكام الله ، في ما أحله أو حرمه ، هي الحدود التي ~~يقف الإنسان عندها في حركته في الحياة ، لأن في تجاوزها خطرا على مصيره في ~~الدنيا والآخرة ، لما في ذلك من الوقوع في المفاسد ، ومن خسران المصالح في ~~الدنيا ، باعتبار ارتكاز التشريع عليها في الجانب الإيجابي أو السلبي ، ~~ولما فيه من التعرض لغضب الله الذي يؤدي إلى عقابه في الآخرة. فلا حرية ~~للإنسان في معنى عبوديته لربه أن ينطلق في حياته تبعا لهواه ، وانفعالا ~~بمزاجه الذاتي ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@024 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ~~إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن ms0706 يعص الله ورسوله ~~فقد ضل ضلالا مبينا ) [الأحزاب : 36]. PageV04P308 # ( @QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ): قاعدة فقهية # * * * # هل هذه الفقرة التي تكررت في أكثر من آية ، متصلة ببعض الجزئيات في أحكام ~~الطلاق من خلال تأكيد البقاء على الزوجية ، أو الخروج منها بالطلاق أو ~~بانتهاء العدة ، أو هي قاعدة فقهية تحدد الطابع الإسلامي العام للعلاقة ~~الزوجية ، بحيث يدور الأمر بين السلوك الأخلاقي الشرعي في علاقة الزوج ~~بزوجته بحيث يصدق عليه المعاشرة بالمعروف ، و «الإمساك بالمعروف» ، وبين ~~إنهاء الحياة الزوجية ب «التسريح بإحسان» بالطريقة التي لا يتعسف الزوج ~~فيها على الزوجة بالطلاق ، بحيث لا مجال لتجميد الحياة الزوجية في حالة ~~إساءة الزوج لزوجته ، ومنعها من حقوقها الشرعية كالنفقة والقسم والجماع في ~~حدوده الخاصة ... فإذا امتنع الزوج من تطبيق أحكام الشرع في حقوقها الخاصة ~~، أنذر بالطلاق من قبل الحاكم الشرعي ، فإذا امتنع عن ذلك ، طلقها الحاكم ~~الشرعي؟ # ربما يجد الفقيه نفسه أمام هذه الفقرة في دائرة واحدة ، وذلك في الآيات ~~التالية : # 1 ( @QUR@07 الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) # وظاهره أن على المكلف ، إذا طلق في المرة الثانية ، أن يبقي على زوجته ~~بالرجوع إليها في أثناء العدة ، أو ينتظر انتهاء العدة ، أو يطلقها في ~~المرة الثانية على الاحتمالين في تفسير التسريح بإحسان. فلا علاقة لها على الظاهر PageV04P309 # بالحديث عن طابع الحياة الزوجية في علاقة الرجل بامرأته. # 2 قوله تعالى : ( @QUR@045 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم ~~نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ). # 3 وقوله تعالى : ( @QUR@030 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) [الطلاق : 2]. # وظاهرهما هو أن المطلقة ، إذا بلغت نهاية العدة فلم يبق منها إلا القليل ~~، فلا بد لزوجها أن ms0707 يقف بين أمرين : إما مراجعتها لتستمر حياتهما بالمعروف ~~، وإما أن يبقى على الطلاق فيفارقها نهائيا بإحسان. وأن عليه أن لا يجعل من ~~رجوعه إليها وإمساكه بها وسيلة إضرار بالزوجة ، من أجل تطوير العدة أو ~~التضييق بالنفقة أو الابتزاز لها ، لتفتدي نفسها منه بما تبذله من مال أو نحوه. # وفي ضوء ذلك ، قد يلاحظ الفقيه أن الآية مختصة بأجواء الرجوع في العدة أو ~~الاستمرار بالطلاق. # ولكن قد نلاحظ أن الفقهاء قد حكموا ، تبعا للأخبار الواردة عن أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ، بأن الرجل إذا امتنع عن النفقة وعن الطلاق ، طلقها ~~الحاكم الشرعي. وربما أوحت بعض هذه الأخبار بأن الأساس في ذلك هو هذه ~~الفقرة : ( @QUR@07 الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان )، فقد ~~جاء أن أبا القاسم الفارسي قال : قلت للرضا عليه السلام : جعلت فداك ، إن ~~الله يقول في كتابه : ( @QUR@05 فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان )، ما يعني ~~بذلك؟ قال : أما الإمساك بالمعروف فكف الأذى وإجباء النفقة ، وأما التسريح ~~بإحسان ، فالطلاق على ما PageV04P310 # نزل به الكتاب (1). فإنها توحي بأن الأمر دائر بين الأمرين ، فلا تجميد ~~للوضع السلبي. فلا بد من # التسريح بإحسان إذا لم يكن هناك إمساك بالمعروف. ولا يضر بذلك اقتصار ~~الحديث على كف الأذى وإحياء النفقة ، لأن من الممكن أن يكون ذلك على سبيل ~~المثال ، لأن هناك حقوقا أخرى للمرأة على الزوج كما هي النفقة ، كالقسم في ~~بعض الآراء أو بعض الحالات والجماع في الحدود الشرعية المعينة. # وإذا كان الحديث ضعيف السند ، فإنه لا يخلو من إيحاء بالمضمون في الآية ، ~~مع ملاحظة أننا لا نقتصر في حجية الخبر على خبر الثقة ، بل نضيف إلى ذلك ~~الخبر الموثوق به نوعا ، لأن سيرة العقلاء أو بناءهم هو الأساس في حجيته ، ~~وربما كان ضعف احتمال الكذب ، لعدم وجود أساس لرغبة الناقل في تعمده هو ~~القرينة الطبيعية على وثاقة الحديث. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن المورد الذي نزلت الآية ، من خلال مناسبته ~~، لا يخصص الوارد إذا كانت الفقرة تشمل أكثر من ذلك المورد. ms0708 فإن إيحاء هذه ~~الفقرة يدل على أن الله لا يريد للمرأة في علاقتها بالرجل في الزواج أن ~~تسقط تحت تأثير تعسفه ، وأن تتجمد حياتها في دائرة وحشيته. فليس له أن ~~يمسكها ضرارا من دون فرق بين الإمساك بها في مدى الحياة الزوجية الطبيعية ، ~~أو في الرجعة بها بعد طلاق. بل لا بد له ، في حال إصراره على الإساءة أو ~~الإضرار بها ، من أن يطلقها أو يسرحها بإحسان ، لا سيما إذا دققنا في الآية ~~الكريمة : ( @QUR@045 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم )، والآية ~~الكريمة : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا PageV04P311 # @QUR@026 النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا ) [النساء : 19] فإن الآية الأولى ترفض الإمساك ~~للإضرار ، لأن ذلك يمثل لونا من دون ألوان العدوان عليها. فلا يمكن اختصاص ~~النهي عن الإضرار بها بصورة الإمساك في حالة العدة بالرجعة ، فلا مانع من ~~الإضرار في الحياة الزوجية في أوضاعها العادية التي لا طلاق فيها. # أما الآية الثانية ، فإنها تأمر بالمعاشرة بالمعروف ، وإن بدا للرجل بعض ~~ما يكرهه من زوجته ، لأن الكراهة النفسية قد لا تتفق مع واقع الإنسان الذي ~~نكرهه ، فربما كان له في الجانب الخفي من عناصر شخصيته الكثير مما يحببنا ~~به لو اطلعنا عليه ، مما يعني أن على الزوج معاشرة زوجته بالمعروف حتى في ~~حال كراهته لها. # والسؤال الذي يفرض نفسه علينا : هل هي نصيحة من الله للأزواج ، أو هي ~~برنامج عملي للزواج كطابع عملي له ، من خلال ما يريد الله للزوجة أن تعيشه ~~مع زوجها في زواجها به؟؟ وهل نتصور أن الله يريد للمرأة أن تخضع للمعاشرة ~~بغير المعروف ، بحيث يكون ذلك ms0709 ضريبة مفروضة عليها من الله ، فلا فرصة لها ~~في التخلص من ذلك ، مهما فعل الزوج ومهما أساء ، ما عدا النفقة ، تماما كما ~~لو كان كل شيء للمرأة أن تحصل على ما يقيم جسدها ويكسو عورتها في بيت ~~زوجها؟. # إن السؤال يفرض نفسه ، وإن القرآن يجيب عن ذلك بأن للمرأة الحق بأن تعيش ~~مع زوجها بمعروف وسلام ، أو أن تفارقه بإحسان وسلام. وفي ضوء ذلك ، فإن ~~للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا منعها أي حق من حقوقها الشرعية في ~~النفقة والمضاجعة بالمبيت معها ، والجنس الكامل في وقته. فإذا لم يستجب ~~لذلك ، فلها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي الذي جعل الله له الولاية على ~~طلاقها. PageV04P312 # إنها أفكار نثيرها ، في نطاق استنطاق الآيات الكريمة ، ليدور هناك ~~التفكير حولها ، لا سيما إذا عرفنا أن الإجماع لم يقم ضدها ، لأن هناك من ~~العلماء من يوافق على هذا الرأي. # * * * ### ||| ** لماذا التحجير في حدود الطلاق؟ # ويبقى أمامنا سؤال يفرض نفسه : # لما ذا هذا التحجير على الإنسان في حدود الطلاق ، والوقوف به عند حد ~~الثلاث ، فإذا تجاوزه ، فلا مجال لإعادة الزواج إلا على أساس زواجها بإنسان ~~آخر ، الأمر الذي يعقد القضية ، انطلاقا من أن الإنسان الذي يرغب في العيش ~~مع زوجته ، لا يرضى بأن تعقد علاقة ، ولو شرعية ، مع إنسان آخر في امتداد ~~علاقته بها؟ .. # والجواب عن ذلك : إن الله عند ما أحل الطلاق من خلال الأسباب الشخصية ~~والاجتماعية المترتبة على ذلك ، أراد أن ينزل بالزواج إلى المستوى الطبيعي ~~في العلاقات الإنسانية الواقعية ، فلا يجعله غارقا في أجواء القداسة ~~المثالية ، فأباح للزوجين أن ينفصلا عند ما يريان المصلحة في ذلك ، وجعل ~~للزوج الحق في إيقاع الطلاق تبعا لما جعله الله له من حق القوامة والإشراف ~~على البيت الزوجي ... ولكنه لا يريد أن يجعل الحياة الزوجية تهتز أمام ~~الرياح ، فتتلاعب بها الخلافات اليومية بالمستوى الذي يجعل لكل يوم طلاقا ~~أو لكل شهد طلاقا ؛ مما يجعل من العلاقة مأساة وكارثة لهما وعبثا بحياتهما ~~، بدلا من أن تكون خيرا ms0710 وبركة وسعادة .. فأراد أن يحدد الموضوع بالحد الذي ~~تعاف النفس معه العودة إلى الحياة الزوجية إن كان لهما رغبة في ذلك PageV04P313 # ليفكر الإنسان تفكيرا عميقا في الموضوع في المرة الثالثة ، إذا لم يكن قد ~~وقف طويلا أمام الطلاق في المرة الأولى أو الثانية ... ولتكون القضية في ~~الثالثة بمثابة الصدمة القوية التي تجعله يعيد النظر في كل حساباته ~~المستقبلية ، لتكون العودة بعد الزواج الجديد بالآخر مرتكزة على قاعدة ~~ثابتة من التأمل والتفكير والمعاناة والمسؤولية ... وفي ذلك درس عملي ~~للإنسان في طريقة ممارسته للعلاقة الزوجية بوعي وبإنسانية. # * * * PageV04P314 ### ||| * الآية # ( @QUR@045 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) (231) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أجلهن ): الأجل : آخر المدة وعاقبة الأمور. # ( @QUR@01 بمعروف ): المعروف : في الآية : الحق الذي يدعو إليه العقل أو ~~الشرع ، للمعرفة بصحته ، خلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل أو السمع ، ~~لاستحالة المعرفة بصحته ، فما يجوز المعرفة بصحته معروف ، وما لا يجوز ~~المعرفة بصحته منكر ، كما في المجمع (1). # ( @QUR@01 ضرارا ): بقصد الإضرار بهن. PageV04P315 # ( @QUR@01 هزوا ): أي : مهزوءا بها بالإعراض عنها والتهاون في الحفاظ ~~عليها ، أي : يتعامل معها تعامل الهزء والسخرية ، لا تعامل الشيء الجدي ~~الذي يملك الاحترام والرعاية. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال : كان الرجل يطلق امرأته ، ثم ~~يراجعها قبل انقضاء عدتها ، ثم يطلقها ... يفعل ذلك ، يضارها ويعضلها ، ~~فأنزل الله هذه الآية (1). # وأخرج الطبري عن السدي قال : نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت ابن يسار ~~، طلق امرأته ، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة ، راجعها ، ثم ~~طلقها ففعل ذلك بها حتى مضت له تسعة أشهر مضارة يضارها ، فأنزل الله تعالى ~~ذكره : ( @QUR@04 ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) ( 2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تتخذوا آيات الله هزوا ). أخرج ابن أبي عمر ~~في مسنده ، وابن مردويه عن أبي الدرداء ، قال : كان الرجل ms0711 يطلق ، ثم يقول : ~~لعبت ويعتق ، ثم يقول : لعبت. فأنزل الله : ( @QUR@05 ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طلق أو أعتق ، فقال : لعبت ، ~~فليس قوله بشيء ، يقع عليه ويلزمه» (3). وقال صلى الله عليه وسلم : «ثلاث ~~جدهن جد وهزلهن جد : الطلاق PageV04P316 # والنكاح والرجعة» (1). # * * * ### ||| ** إمساك الضرر ظلم للنفس واستهزاء بآيات الله # في هذه الآية نداء للأزواج الذين يستغلون الحق في الرجوع في العدة ، ~~كوسيلة من وسائل الإضرار بالزوجة ... فهو لا يريد أن يرجع إليها ليساكنها ~~ويعاشرها بالمعروف ، كما يعيش الزوج مع زوجته بالطريقة الإنسانية السمحة ، ~~بل يحاول أن يضارها ليجعلها في ما يشبه السجن من الحياة الزوجية المضغوطة ~~بضغوط العدوان والحقد ، وليمنعها من أن تجد لنفسها السبيل في حياة جديدة ، ~~في تجربة أخرى مع زوج آخر ... وهكذا يتصرف لينفس عما يحمله في داخله من ~~عوامل الحقد. إن الله يخاطب من يفعل ذلك ، بأنه ممن ظلم نفسه بمعصيته ربه ، ~~لأن في ذلك إثما وانحرافا عن خط الله ، واستهزاء بآيات الله من ناحية عملية ~~، وإن لم يكن كذلك من ناحية شكلية. فإنه لا فرق بين من لا يحترم آيات الله ~~بالكلمة ، وبين من لا يحترمها بالعمل. # ثم يذكرهم الله بنعمته عليهم في ما أولاهم إياه من ضروب النعم ، ويثير ~~أمامهم التفكير الواعي في ما أنزله الله عليهم بواسطة أنبيائه من الكتاب ~~الذي يهدي الإنسان السبيل إلى النور ويبعده عن الظلمة ، ومن الحكمة التي ~~تخلق للإنسان الرؤية الواضحة والفهم المستقيم والوقوف عند العلامات الثابتة ~~للأشياء ... ففي ذلك كله الموعظة ، كل الموعظة ، التي تدعو إلى التقوى ، ~~وتدفع إلى النجاة ، وتبعث على الشعور العميق بالرقابة الشاملة الواعية من ~~قبل الله الذي لا بد للعباد من أن يعلموا بأنه عليم بكل شيء ، فهو الذي لا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقد يكون في هذا التأكيد في PageV04P317 # ترديد الكلمات التي تعبر عن ضرورة الالتزام من الوجه الإيجابي والسلبي ، ~~والدعوة إلى التجاوب مع موعظة الله للإنسان في ذلك كله ms0712 ، والدعوة إلى ~~التقوى واستشعار أثر النعمة في نفسه وفي ما أنزله الله عليه ... قد يكون في ~~هذا التأكيد إشارة إلى أن مثل هذه الأمور التي تدخل في النوازع النفسية ~~المعقدة التي تلتقي بالقيم المنحطة للإنسان ، قد تحتاج إلى جهد كبير في ~~أساليب المعالجة والإصلاح لقوة تأثيرها على النفس الإنسانية بالمستوى ~~الكبير. # ( @QUR@05 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ) أي : وصلن إلى نهايته ، فلم ~~يبق منه إلا القليل الذي انتهى ، وخرجت المرأة من العدة ( @QUR@02 فأمسكوهن ~~بمعروف ) وذلك بالرجوع إليهن من أجل العودة إلى الرابطة الزوجية ، بعد هذه ~~الفقرة التي كانت فترة تأمل ودرس للإيجابيات والسلبيات واكتشاف الخطأ في ~~الطلاق ، لتكون العودة منطلقة من القناعة في ضرورة الدخول في تجربة جديدة ~~مع الزوجة ، فيعاشرها بالمعروف الذي يعبر عن الأخلاق الحسنة ، والرعاية ~~الطيبة ، والعاطفة الحميمة ، والرحمة الكريمة ، والمودة الروحية ... ( ~~@QUR@03 أو سرحوهن بمعروف ) وأطلقوا لها حريتها ، التي تتحرك من خلالها في ~~حياتها بعيدا عن قيود الزواج ومسئولياته ، ولتعود كما كانت قبل الزواج ~~إنسانة حرة في نفسها أو أمام الآخرين. وليكن ذلك بالأسلوب الإنساني الذي ~~يمثل الإحسان في المعاملة ، الذي يجعل للطلاق ذكرى طيبة ، كما يحدث ذلك في ~~مشروع الزواج. # ( @QUR@03 ولا تمسكوهن ضرارا )، أي قصد الإضرار بهن من أجل ابتزازهن ~~ماليا أو الضغط عليهن عاطفيا ، لمنعهن من الارتباط بعد الطلاق بشخص آخر ، ~~أو لتحويل الزواج إلى سجن دائم ، أو غير ذلك مما ينطلق من موقع العقدة ~~الذاتية العدوانية ... ( @QUR@01 لتعتدوا ) لأن ذلك يمثل الاعتداء على حرية ~~المرأة وكرامتها وإنسانيتها ... وهذا مما لا يرضاه الله للإنسان ، فلم يسلط ~~الإنسان على الإنسان إلا بالحق. PageV04P318 # ( @QUR@06 ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه )، لأنه يدفع بها إلى الكثير من ~~التعقيدات التي قد تعقد له حياته. فإن الكثير من الحالات التي يوجه فيها ~~الإنسان الضرر للآخرين ، قد تنقلب لتؤدي إلى الإضرار به ، على طريقة «من ~~حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه» ، ولأنه يعرضها لغضب الله. ( @QUR@05 ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا ) في الابتعاد عن روحها ومضمونها الإنساني ، وحركتها ~~في تحقيق السلام للحياة الزوجية ، لتحولوها إلى ms0713 وسائل للإضرار بالآخرين ، ~~باستغلال الأشكال القانونية التي تمنحهم الشرعية لما يريدون الوصول إليه ، ~~كما لو كان الوضع طبيعيا جديا ، لا مجال فيه لأية مسئولية سلبية ضدهم ، ~~تماما كما لو كانوا في مقام الاستهزاء ، وذلك بالإيحاء بأنهم منسجمون مع ~~شريعة الله ، في الوقت الذي يسقطون كل مضمونها الروحي وبعدها الإنساني. # ( @QUR@010 واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ) ~~الذي يمثل الإسلام في الخط الفطري والبعد التطبيقي ، فيؤدي بالإنسان إلى ~~الارتفاع إلى المستوى الأعلى في روحيته ، وإنسانيته ، وفي سعادته في توفير ~~الاستقرار في حياته الفردية والاجتماعية في داخل الحياة الزوجية أو الحياة ~~العامة ، وتحقيق الخير والرفاه والسلام له ... ( @QUR@02 يعظكم به ) في ~~الالتزام بأوامره ونواهيه ووصاياه ونصائحه ومناهجه في كل قضاياكم العامة أو ~~الخاصة. # ( @QUR@08 واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) فهو العالم بالغيب ~~، المطلع على السرائر ، الذي يعرف ما تخفي الصدور ، مما قد يفكر فيه ~~الإنسان بالطريقة التي يختلف فيه الباطن عن الظاهر ، فيكون ظاهره الأخذ ~~بأسباب الشريعة وباطنه الإضرار بالمرأة الزوجة. فليكن لكم الحس الإيماني ، ~~الذي تلتفتون فيه إلى حضور الله معكم ورقابته عليكم ، لتتوازنوا في خطواتكم ~~في الدنيا ، ولتربحوا جنة الله في الآخرة. # * * * PageV04P319 ### ||| * الآية # ( @QUR@033 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ~~إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (232) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تعضلوهن ): تمنعوهن ظلما وقسرا. وهو مأخوذ من العضلة ، وهي كل ~~لحم صلب في عصب. وعضلته : شددته بالعضلة ، مثل عصبته : شددته بالعصب. ~~ويستعمل في كل منع شديد ، ومن هنا قيل : داء عضال للمرض الذي يصعب برؤه. ~~وعضل المرأة يعضلها عضلا ، إذا منعها من التزويج ظلما. # ( @QUR@01 أزكى ): أصلح وأنمى وأحرى أن يجعلكم أزكياء. وأصل الزكاة : ~~النمو الحاصل عن بركة الله تعالى ، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. # ( @QUR@01 وأطهر ): أطهر للقلوب والنفوس ، وأسلم للأخلاق. والطهارة PageV04P320 # ضربان : طهارة جسم ، وطهارة نفس ، وحمل عليها عامة الآيات. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # روى البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم ms0714 عن معقل بن يسار ، قال : «كانت لي ~~أخت ، فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه ، فكانت عنده ما كانت ، ثم طلقها ~~تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة ، فهويها وهويته ، ثم خطبها مع الخطاب ، ~~فقلت له : يا لكع أكرمتك بها ، وزوجتكها ، فطلقتها ثم جئت تخطبها؟ والله لا ~~ترجع إليك أبدا. وكان رجلا لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، ~~فعلم الله حاجته إليها ، وحاجتها إلى بعلها ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@010 وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) ~~قال : ففي نزلت هذه الآية. فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. وفي لفظ : فلما ~~سمعها معقل ، قال : سمعا لربي وطاعة ، ثم دعاه فقال : أزوجك وأكرمك» (1). # * * * ### ||| ** لا تمنعوا المطلقات من العودة # وهذا نداء آخر للأشخاص الذين يملكون أمر الضغط على النساء ، من الآباء ~~والأمهات والإخوة والأعمام والأخوال ... وغيرهم ، ممن جرت عادتهم بالتدخل ~~في أمورهن الخاصة والعامة ، انطلاقا من الضعف الطبيعي للمرأة الذي يبرز ~~خضوعها للاضطهاد وانسحاقها تحت ضغط إرادة الآخرين. فلا يكون لها أي موقف في ~~حياتها العملية ، ولا يسمح لها بإبداء أي رأي في علاقاتها PageV04P321 # الزوجية أو المالية أو الاجتماعية. # ( @QUR@03 وإذا طلقتم النساء ) من خلال بعض الحالات الانفعالية الطارئة ~~التي تحولت إلى عنصر ضغط سلبي نفسي ضد الزوجة ، أو شقاق بينهما ، أو من ~~خلال بعض المصالح الآنية التي فرضت ذلك عليكم ... ( @QUR@02 فبلغن أجلهن ) ~~أي : انتهت العدة ، فلم يعد لكم حق شرعي في الرجوع بطريقة تلقائية ، ( ~~@QUR@02 فلا تعضلوهن ) وتمنعوهن عن العودة إلى الزواج من جديد ، ( @QUR@03 ~~أن ينكحن أزواجهن ) استجابة للرغبة النفسية التي عاشتها المرأة وعاشها ~~الرجل بعد تجربة الطلاق الذي شعرا فيه أنهما لا يستغنيان عن بعضهما ، وأن ~~ما حدث لهما كان صدمة لهما هزت أعماقهما ، فرأيا أن الانفصال ليس من ~~مصلحتهما ، وذلك ( @QUR@04 إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) وأرادوا الدخول في ~~ميثاق جديد وشروط جديدة ، تمنح العلاقة الزوجية قوة وثباتا وصلابة حتى لا ~~تهتز بفعل الحالات الطارئة ، كما حدث سابقا ، فإن التجربة الصعبة قد ~~أعطتهما درسا جديدا للمستقبل. # وقد نستوحي من الآية ، أن القضية ms0715 لا تقتصر على التحذير من المنع ، بل ~~تتعداه إلى التشجيع على العودة ، فإن النهي عن شيء قد يختزن في داخله ~~الدعوة إلى الأخذ بالخيار الآخر ، باعتبار أن الله يريد للإنسان أن يستفيد ~~من تجربته ، فيتراجع عن الخطأ الذي وقع فيه ، لا سيما في مسألة الزواج ~~والطلاق التي قد تكون لها علاقة بالحياة الروحية والعملية للزوجين ، بحيث ~~يتحول الطلاق إلى عقدة نفسية لدى أي واحد منهما ، أو أزمة عملية ، أو يؤدي ~~إلى مشاكل صعبة في أوضاعهما الخاصة والعامة ، أو يترك تأثيره على أولادهما ~~الذين قد يتعرضون للضياع أو للتعقيد النفسي أو للسقوط في أوحال الجرائم ~~الاجتماعية ، مما يجعل من العودة إلى الحياة الزوجية ضرورة نفسية وعملية. # وخلاصة النداء ، أن على هؤلاء أن لا يمنعوا المطلقات من العودة إلى ~~أزواجهن من جديد بالعقد بعد العدة إذا تراضوا بينهم بالمعروف ، بل يتركون ~~لهن الحرية في ذلك ، لأن القضية هي قضيتهن الخاصة المتعلقة بحياتهن PageV04P322 # الحاضرة والمستقبلة ، فمن حقهن أن يملكن الإرادة في ما يريدون وما لا يردن. # * * * ### ||| ** الأخذ بموعظة الله أزكى وأطهر لمن يؤمن # ( @QUR@010 ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) وتلك هي ~~موعظة الله لمن يخافون الله ويخافون حساب الآخرة ، انطلاقا من الإيمان ~~بالله واليوم الآخر الذي يدفع الإنسان إلى التفكير في الأمور من خلال ~~الآفاق الرحبة التي تتجاوز الزوايا الضيقة التي تحاصره ، فتضعه في دائرة ~~معزولة عن الأفق الواسع. فإن قيمة الإيمان بالله ، أنه يدفع الإنسان ~~للتفكير بالأشياء من خلال ما يحبه الله له في حياته ، لأنه الأعلم بما ~~يصلحه ويفسده. أما قيمة الإيمان باليوم الآخر ، فتتمثل في الرغبة في الحصول ~~على ثواب الله والابتعاد عن عقابه ، من خلال ما يأخذ به أو يترك من الأقوال ~~والأعمال والمواقف والعلاقات. # ( @QUR@04 ذلكم أزكى لكم وأطهر ) فهو الذي يحقق لكم التوازن النفسي ~~والعملي ، ويربطكم بالواقع الذي تتحركون فيه ، لتنظروا إليه من خلال حركة ~~النمو الروحي في وجدانكم بما يفتح لكم من الآفاق الواسعة التي تتحسس ~~النتائج الإيجابية في الأمور من أكثر من ms0716 موقع ، ومن خلال الطهارة الفكرية ~~والعملية التي تجعلكم تبتعدون عن كل قذارات الجاهلية في أنانياتها ~~وعصبياتها وآفاقها الضيقة وعنفوانها الكاذب ... ( @QUR@02 والله يعلم ) كل ~~أسرار الحياة الخفية الكامنة في الواقع الفردي والاجتماعي للناس ، فيأمركم ~~وينهاكم تبعا لذلك. ( @QUR@03 وأنتم لا تعلمون ) حقائق الأشياء ، فتتحركون ~~من خلال الحالة الانفعالية الضبابية التي تحجب عنكم وضوح الرؤية للأشياء ، ~~فتتخبطون في مشاكلكم من خلال الجهل الضاغط على حياتكم كلها. # وبذلك يتحقق لهم النمو والطهارة بشكل أفضل وأعلى ، لأن ذلك يحفظ PageV04P323 # للمجتمع شرفه وعفته وانسجامه مع خطه المستقيم في الحياة ، بينما يستلزم ~~الضغط والمنع عن ممارسة الحق الطبيعي للإنسان في تقرير مصيره في الوقوع في ~~الانحراف. فلا بد للإنسان من الالتزام بتوجيهات الله ووصاياه وتعاليمه ، ~~لأنه الذي يعلم مصلحة الإنسان أكثر مما يعلمها الإنسان نفسه. # * * * ### ||| ** الآية وحرية الاختيار عند المرأة # وإذا كانت هذه الآية تتحدث عن المنع من عضل النساء في العودة إلى أزواجهن ~~من جديد ، فإن هذه المسألة ليست هي كل شيء في خط الفكرة ، بل هي جزء من ~~الخط العام الذي يمنح المرأة الحرية في الاختيار بما يتصل بحياتها الخاصة. ~~فليس لأحد من أقربائها ، ولا لأي شخص من رموز المجتمع ، ولا للمجتمع نفسه ، ~~الحق في الضغط على حريتها في اختيار ما تريد ، لأنها إنسان كامل في عقله ، ~~ومستقل في قراره ، وحر في إدارة شؤونه الذاتية والمالية والاجتماعية ... ~~فلا سلطة لأحد عليه ، إلا بالحق المنفتح على شريعة الله في أوامره ونواهيه. # * * * PageV04P324 ### ||| * الآية # ( @QUR@064 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا ~~تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا ~~عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا ~~جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير ) (233) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والوالدات ): الأمهات. # ( @QUR@01 يرضعن ): الرضع : مص الثدي لشرب اللبن منه. # ( @QUR@01 حولين ): سنتين. والحول : السنة ، مأخوذ من الانقلاب في قولك ms0717 : # حال الشيء عما كان عليه يحول. ومنه : الاستحالة في الكلام لانقلابه عن PageV04P325 # الصواب. وقيل : أخذ من الانتقال من قولك : تحول عن المكان. # ( @QUR@01 وكسوتهن ): الكسوة : مصدر كسوته ثوبا ، أي : ألبسته. والكسوة ~~: اللباس. # ( @QUR@01 تكلف ): التكليف : الإلزام الشاق. وأصله من الكلف ، وهو ظهور ~~الأثر لأنه يلزمه ما يظهر فيه أثره. وتكلف أي : تحمل. والكلف بالشيء : ~~الإبلاغ به. # ( @QUR@01 وسعها ): الوسع : بمعنى الطاقة ، مأخوذ من سعة المسلك إلى ~~الفرض فيمكن لذلك ، فلو ضاق لأعجز عنه. والسعة فيه بمعنى القدرة ، فلذلك ~~قيل : الوسع بمعنى الطاقة. # ( @QUR@01 فصالا ): الفصال : الفطام ، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي ~~أمه إلى غيره من الأقوات. وفصيلة الرجل : بنو أبيه ، لانفصالهم من أصل واحد. # ( @QUR@01 وتشاور ): التشاور : مأخوذ من الشور ، وهو اجتناء العسل. # والمشورة : استخراج الرأي من المستشار ، لأنها تجتنى منه. # ( @QUR@01 تسترضعوا ): أن تطلبوا مراضع غير الوالدات. # * * * ### ||| ** الرضاع : أهميته ، مدته ، حقوقه # وهذا تخطيط شرعي لموضوع الرضاع في ما يخضع له من تحديد وما يترتب عليه من ~~مسئوليات ، سواء في ذلك حالة بقاء العلاقات الزوجية أو حالة انقطاعها ~~بالطلاق. وهذا أمر تفرضه الحاجة إلى رعاية الطفل في فترة الرضاع ، وإلى ~~الحقوق العاطفية والمادية التي تحكم علاقة الأم والأب في رعايتهما له. PageV04P326 # ففي مجال التحديد الزمني ، تطرح الآية الحولين كفترة طبيعية للرضاع ينبغي ~~للوالدين أن يراعياها في تغذية الطفل وتنميته جسديا. فربما كان في ذلك ~~الكثير الكثير من العناصر الأساسية التي تبني له قوته وتمنحه الحيوية ~~والمناعة. # ( @QUR@03 والوالدات يرضعن أولادهن ) وقد أثبتت الأبحاث الطبية المعاصرة ~~أن الفترة الطبيعية النموذجية للرضاع هي سنتان ، كما أثبتت أن الإرضاع من ~~الثدي يملك الكثير من الخصائص التي تترك تأثيراتها الإيجابية على صحة الطفل ~~الجسدية والنفسية. وقد ثبت أن لحليب الأم خصوصيات كثيرة في عناصره الغذائية ~~التي تتطور تبعا لتطور حاجات الطفل في عملية نموه ، مما يفرض على الأبوين ~~عدم اللجوء إلى أنواع أخرى من الحليب الصناعي أو الطبيعي الحيواني ، كما ~~اعتاده الناس. # وهناك نقطة لا بد للأبوين من مراعاتها في مسألة الرضاع ، فإنه يمنح الطفل ~~شعورا بالأمان في عملية الاحتضان في ms0718 حال الرضاع ، كما يعطيه الإحساس ~~بالامتلاء العاطفي الذي يتحول ، تدريجيا ، إلى حالة من الاسترخاء اللذيذ ~~والقوة الداخلية. # ( @QUR@02 حولين كاملين ) وقد لا يجب أن تكون هذه الفترة هي حدود الرضاعة ~~التي لا تجوز بعدها ، لأنه قد ثبت حلية ذلك. ولكن التحديد قد يخضع ~~لاعتبارات شرعية خاصة ، كالتحريم الحاصل في العلاقات الرضاعية المستند إلى ~~ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب» (1) الذي يختص أثره بالحولين ، فلا تحريم بالرضاع الحاصل بعدهما. # وقد يرجع التحديد إلى حق الأم في الإرضاع ، الذي يتحقق من خلاله حق ~~الحضانة للولد الذي قد يكون تابعا لحق الرضاع في بعض الاتجاهات PageV04P327 # الفقهية ، وقد يتحدد فيه استحقاق الأم للأجرة على الرضاع. وفي جميع ذلك ، ~~لا بد لنا أن نفهم ارتباط ذلك كله بمصلحة الطفل ، باعتبار أن أيا من هذه ~~الحقوق لا يقف عند حاجة الأم والأب إلا من خلال ارتباطها الطبيعي بحاجة ~~الطفل إلى أن يعيشا المسؤولية تجاهه في فترة رضاعه ... وفي قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 لمن أراد أن يتم الرضاعة ) بعض الإشارة إلى أن هذه الفترة هي ~~الفترة الطبيعية التي تتم بها الرضاعة لمن أراد أن يصل بها إلى تمامها. # والولد في حساب المسؤولية المادية هو ابن الأب ، فهو الذي يكون النسب ~~إليه ، وهو الذي يجب عليه تربيته ورعايته وحفظه من كل سوء ... أما الأم ، ~~فلا يجب عليها من ذلك أي شيء ما عدا الأمور التي تتوقف عليها الحياة مما لا ~~يمكن لغيرها أن تقدمه. فإذا أرادت أن تقوم بشيء من ذلك ، كان لها الحق في ~~طلب النفقة من رزق وكسوة كأجرة على خدماتها الرضاعية وغير الرضاعية. ولعل ~~التركيز على الرزق والكسوة من جهة ما يمثلان من حاجة طبيعية للوالدة في ما ~~تحتاجه مما تصرف فيه الأجرة التي تستحقها ، لا لخصوصية فيها بالذات. # ولا بد من أن تكون النفقة في حدود المعروف الذي يتمثل بما تحتاجه مما ~~يتناسب مع وضعها الاجتماعي من ناحية مادية ، وذلك بالمستوى الذي لا يزيد ~~على طاقة ms0719 الرجل في الإنفاق. فلا بد من مراعاة مستواه المادي ، ليتناسب مع ~~طاقته ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@011 وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها ) وبذلك يتحقق التوازن الإنساني في ~~المسؤولية المادية. فإذا كان الرجل غنيا في ماله ، وكانت المرأة في مستوى ~~معين من الحاجة ، وكانت رعايتها للطفل تفرض عليها التفرغ له كما يوحي به جو ~~الآية فقد يكون من الطبيعي أن يراعي المشرع حالة المرأة التي لا تضيق بها ~~حالة الرجل. أما إذا كانت موارده محدودة ، بحيث لا يستطيع مواجهة حاجات ~~المرأة بشكل كامل ، فإن الواجب عليه أن يعطيها جهده وطاقته في ما يملك من ~~جهد الطاقة ، PageV04P328 # لأن من غير الطبيعي أن يكلف غير ذلك مما لا تستطيعه موارده المالية ... # وقد نستوحي هذا التوازن ، الذي يلاحظ فيه التشريع الحالة الطبيعية لكلا ~~الطرفين في قوله تعالى : ( @QUR@08 لا تضار والدة بولدها ولا مولود له ~~بولده )، فقد نفهم منه أن لا يحاول كل من الطرفين أن يمارس ضغطا على الآخر ~~بسبب ولده ، كوسيلة من وسائل اعتبار الولد أداة ضغط. وقد تعددت الآراء ~~والأحاديث في تفسير هذا الضغط الذي يراد منه الإضرار من جانب الزوج الأب ~~كأن يحول بين الوالدة وولدها بمنعها عن حضانته أو رؤيته أو ما أشبه ذلك ... ~~فإن ذلك حرج ومضارة عليها. وأما من جانب الزوجة بأن تمنعه عن رؤيته ... # وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير الآية ، قال : كانت ~~المرأة ممن ترفع يدها إلى الرجل إذا أراد مجامعتها ، فتقول : لا أدعك ، إني ~~أخاف على ولدي ، ويقول الرجل للمرأة : إني لا أجامعك إني أخاف أن تعلقي ~~فأقتل ولدي. فنهى الله عن أن يضار الرجل المرأة والمرأة الرجل (1). وقد ~~يكون مثل هذا التفسير واردا مورد التطبيق ، وليس جاريا في مجرى التحديد ، ~~كما هو الحال في أسباب النزول التي يتحرك فيها المفهوم من خلال النموذج ، ~~ولا يتجمد عنده بل يمتد في كل مورد فيه للمفهوم مجال. # وفي ضوء ذلك ، نستوحي من هذه الفقرة من الآية التركيز على ms0720 التحذير عن ~~العلاقة المعقدة التي يتحرك فيها كل طرف من الزوجين من خلال العقد الداخلية ~~السلبية المنطلقة من الحالة المتأزمة الكامنة في طبيعة علاقتهما الخاصة ، ~~فيحاول كل منهما أن ينفس عن عقدته تجاه الآخر بما يملكه من وسائل الضغط ~~الطبيعية ، فيحرمه من بعض المجالات التي تتصل بعاطفته وتقترب من مسئوليته ، ~~أو يعطل عليه فرصة مناسبة كان من الممكن أن يحصل PageV04P329 # منها على خير كبير ، ولا سيما في ما يتعلق بأمر الولد الذي تلتقي فيه ~~العاطفة بالمسؤولية ، مما يجعل من الإضرار المتبادل فرصة لاستغلال الجانب ~~العاطفي في وضع مضاد ، أو الاستفادة من طبيعة المسؤولية في المواقف السلبية ~~الصعبة. # * * * ### ||| ** لا ضرر ولا ضرار # وفي ضوء ذلك ، قد نستفيد منها قاعدة فقهية «جزئية» من خلال القاعدة ~~الكبرى «لا ضرر ولا ضرار» تتصل بحق الوالد في ولده بأن تكون له الفرصة في ~~تلبية حاجاته الأبوية العاطفية. فليس للأم التي قد يكون لها الحق في حضانته ~~أن تمنع والده من رؤيته أو رعايته في تلك الحال تحت تأثير عقدة خاصة ناشئة ~~من الطلاق أو غيره ثأرا منه ، لأن ذلك ، وأمثاله ، يمثل حالة الضرار به. ~~وهكذا الحال في سلوك الأب مع أم الولد بعد انقضاء حضانتها له أو انفصالها ~~الواقعي عنه ، فليس له أن يضارها بمنعها من رؤية ولدها ورعايته العاطفية في ~~وقت معين ، بالدرجة التي تلبي فيها حاجة الأمومة في نفسها ، بقدر ما يتسع ~~له الوضع الطبيعي في أمثال تلك الحالات. # وقد يكون لهذا التوافق الوالدي بين الوالد والوالدة تأثير كبير على روحية ~~الطفل ونفسيته وشعوره بالأمان بينهما. وربما هذا ملحوظ في هذا التشريع لأن ~~مضارة كل منهما للآخر في الولد يجعل الولد ممزقا بينهما في مشاعره وتصرفاته ~~، بحيث يؤدي ذلك ، إلى تكوين عقدة خطيرة في نفسه قد تترك تأثيرها السلبي ~~على مستقبل حياته في ذاته ، وفي واقع حياته مع الآخرين. # * * * PageV04P330 ### ||| ** مسئولية الوارث # ( @QUR@04 وعلى الوارث مثل ذلك ) اختلف المفسرون في تحديد المراد من كلمة ~~الوارث في هذه الفقرة ، وأفاضوا الحديث في ذلك ، وأشكلوا على الحكم ms0721 الذي قد ~~يستفاد من ظاهرها ، واعتبرها مالك في ما نقل عنه من الآيات المنسوخة ، مما ~~يتسع له البحث الفقهي ... ونحن لا نريد أن نفيض في نقل الأقوال كثيرا ، ~~ولكننا نستوحي من جو الآية ، أنها في مجال الحديث عن مسئولية الوارث ، ~~باعتبار أن مال الطفل موجود لديه للتأكيد على ضرورة استمرار الإنفاق عليه ~~بالإنفاق على أمه ، باعتبار أن الإرضاع من شؤونه التي لا بد من مواجهتها ~~بما تحتاجه من النفقة ... وليست في مجال الحديث عن مسئوليته الذاتية في ما ~~يملكه من مال شخصي. # ولعل صفة «الوارث» تعطي الإيحاء بالعلاقة المالية التي تمتد إلى الطفل. ~~وقد نستفيد بعض ملامح هذا المعنى مما ورد في تفسير العياشي عن بعض أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ، فقد ورد فيه عن أحد الإمامين الباقر أو الصادق ~~عليهما السلام ، في قوله تعالى : ( @QUR@04 وعلى الوارث مثل ذلك )، قال : ~~«هو في النفقة ، على الوارث مثل ما على الوالد» (1)، وقد ورد فيه عن ~~الإمام جعفر الصادق في الآية قال : «لا ينبغي للوارث أن يضار المرأة ، ~~فيقول : لا أدع ولدها يأتيها ، ويضار ولدها إن كان لهم عنده شيء ، ولا ~~ينبغي له أن يقتر عليه» (2). فإن الرواية الثانية ظاهرة في أن القضية ~~مرتبطة بالوارث من حيث وجود مال الطفل لديه وقيامه برعايته بولاية أو وصاية ~~أو نحوهما ، لا من حيث تعلق الحكم به بشكل مستقل. # * * * PageV04P331 ### ||| ** التراضي بين الوالدين على الفطام # ( @QUR@03 فإن أرادا فصالا ) فطاما ، ( @QUR@04 عن تراض منهما وتشاور ) ~~فللزوجين أن يتفقا على اختصار مدة الرضاع ، إذا تراضيا وتشاورا في الموضوع ~~، ورأيا المصلحة للطفل في ذلك ، باعتبار أن القضية لا تعدوهما في نطاق ما ~~لهما من الحق في رعاية شؤون الطفل في هذين الحولين ، على أساس حق الولاية ~~للأب وحق الحضانة للأم. فإذا حصل الرضى منهما ، ( @QUR@03 فلا جناح عليهما ~~) فلا مجال للمنع. ( @QUR@013 وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) ويمكن للأم أن تتنازل عن حقها في ~~إتمام الرضاعة ، وقد تطلب أجرا أكبر من الأجر المتعارف الذي تطلبه ms0722 بقية ~~المراضع ... فللأب أن يطلب لولده رضاع امرأة أخرى ، بعد أن يدفع للأم حقها ~~في رضاعها السابق ، لأن الحق له في ذلك بعد سقوط حقها بإسقاطها إياه ، أو ~~بتجاوزها الحد المعقول للأجر ... فله أن يتصرف بما يشاء في حدود مصلحة الطفل. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # وقد نستوحي من هذه الآية أمرين : # الأول : إن الله أراد للأبوين أن يتشاورا في القضايا المتصلة بالولد ، ~~وأن يحاولا تحويل هذه الشورى إلى نقاط حاسمة إيجابية يتراضيان عليها. فلا ~~يريد لأحدهما أن يتحدث مع الآخر من موقع عقدة ، أو بذهنية تشنج نفسي ، بل من PageV04P332 # موقع تعاون على مصلحة الطفل. فإذا واجها مشكلة تختلف نظرة أحدهما عن ~~الآخر فيها في تحديد ما هو الأصلح للطفل ، فعليهما معالجتها بطريقة لا تضر ~~به ، ولا بهما ، وذلك بالبحث عن البدائل التي تتجاوز الرأي الذي اختلفا فيه. # وإذا كانت الآية تتحدث عن التشاور والتراضي في دائرة رضاع الطفل ، فإنها ~~توحي بأن هذا هو الأسلوب الذي ينبغي للأبوين أن يمارساه في رعايتهما للطفل ~~في أموره الخاصة المتعلقة بجسده وروحه وشعوره وعقله وحركته في الحياة. # الثاني : إن الله جعل للمرأة الحق في طلب التعويض عن عملها المنزلي ، فلم ~~يلزمها الشارع ببذل عملها حتى إرضاع ولدها مجانا في النطاق القانوني ، بل ~~ألزم الزوج الأب بأن يقدم لها أجرا على ذلك ، ولها الأولوية على غيرها في ~~إرضاع ولدها ، إلا إذا طلبت أجرا زائدا على المقدار المتعارف بين الناس. # * * * ### ||| ** دعوة للتقوى # ( @QUR@08 واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) وكان ختام ~~الآية دعوة للتقوى ، وتذكيرا بأن الله خبير بما يعمله الإنسان ، بصير بكل ~~حركاته وتصرفاته في نطاق ذاته أو في علاقته بالآخرين ، وذلك لإيقاظ الروح ~~الواعية المحاسبة في الوقوف عند حدود الله في ما أحله وما حرمه ، ليعيش ~~الإنسان الجو الإسلامي المنضبط في حياته العامة والخاصة على هدى أحكام الله ~~وشرائعه. # وفي هذا إيحاء للأبوين أن تنطلق تصرفاتهما ومبادراتهما من روح PageV04P333 # التقوى المنفتحة على الوعي الإيماني في رقابة الله على ما يسرانه ~~ويعلنانه ، لا من روح ms0723 الانتقام ، حتى يتوازنا في نظرتهما إلى الأمور وفي ~~معالجتهما لأوضاع طفلهما بما يحقق له المصلحة على خط المسؤولية التي ~~يحملانها من خلال أوامر الله ونواهيه. # * * * PageV04P334 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير ) (234) # * * * ### ||| ** معاني المفردا # ( @QUR@01 يتوفون ): يموتون ، بأن يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم. # ( @QUR@01 ويذرون ): يدعون ويتركون. # ( @QUR@01 أجلهن ): غاية الوقت في محل الدين ونحوه لتأخيره إلى ذلك ~~الوقت. والأجل : نقيض العاجل لتأخره عن وقت غيره. # ( @QUR@01 خبير ): الخبير : العالم بمخبر الخبر ، وأصله : من السهولة. ~~والخبار : الأرض السهلة. أخبرت بالشيء : فيه تسهيل لطريق العلم به. # * * * PageV04P335 ### ||| ** عدة الوفاة والتوازن العاطفي الاجتماعي # في هذه الآية حديث عن عدة الوفاة ، للمرأة التي يموت زوجها ، فعليها ~~الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام ، وعليها في ما جاءت به الأحاديث أن تجتنب ~~عن كل مظاهر الزينة التي تدعو إلى الرغبة بها. فإذا انتهت العدة ، كان لها ~~أن تتصرف في حياتها بما تشاء في ما يصلح أمرها من شؤون العلاقة الزوجية ~~الجديدة بالمعروف ، الذي يبني لها مستقبلها على أساس من المصلحة المرتكزة ~~على حدود الله في ما يأمر به وينهى عنه. فإن الله خبير بما يعمله الناس في ~~سرهم وعلانيتهم ، مما يدفع بهم إلى مراقبته في ذلك كله. # وهناك أحاديث فقهية ، أثارها الفقهاء في أجواء هذه الآية حول شمول هذه ~~العدة للنساء مطلقا في ما عدا الحامل. أما الحامل ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ~~من أهل السنة إلى أن عدتها وضع الحمل ، انطلاقا من الآية الكريمة : ( ~~@QUR@028 واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له ~~من أمره يسرا ) [الطلاق : 4]. وذهب فقهاء الإمامية ، إلى أن عدتها أبعد ~~الأجلين من وضع الحمل ومن الأربعة أشهر وعشرة. فقد كانت المرأة الأرملة قبل ~~الإسلام لا تمس طيبا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة ، حمار أو شاة أو طير ، ~~فتقتض به فقلما تقتض ms0724 بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ، ثم ~~تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. والاقتضاض بالقاف هو : التمسح بها قيل : ~~كانت تمسح به جلدها ، قال ابن قتيبة : سألت الحجازيين عن الاقتضاض ، فذكروا ~~أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا ، ثم تخرج بعد ~~الحول بأقبح منظر ، ثم تقتض أي تكسر ما كانت فيه من العدة بطائر تمسح به ~~قبلها ، فلا PageV04P336 # يكاد يعيش ما تقتض به. انتهى ، والمراد أنه يموت من نتنها. # فقد نجد في هذا وأمثاله كيف انطلق الإسلام بالتشريع ليراعي الجانب ~~العاطفي والاجتماعي للمرأة دون أن يفقدها إنسانيتها من موقع الحرية في أن ~~تمارس حقها في الحزن بشكل طبيعي ، كما تمارس حقها في الممارسات الطبيعية ~~للحياة بطريقة معقولة لا تتنكر لمظاهر الحزن ومشاعره ... ثم أعطاها المجال ~~الكبير لتصنع بنفسها ما تريد في الاقتران بإنسان آخر في ما تفرضه عليها ~~الحاجة إلى الزواج ، بعيدا عن كل التقاليد الظالمة التي تنكر عليها الزواج ~~باسم الوفاء للزوج. فإنه لا معنى للوفاء في هذا المجال لإنسان تحول إلى ~~عالم آخر ، لا يفكر فيه بأي شيء يحدث في هذا العالم من سرور وحزن ، أو لذة ~~وألم ... ولهذا فإن للمرأة أن تتزوج بعد انتهاء العدة من دون أن تشعر بأي ~~تأنيب ضمير من وجهة نظر إنسانية إسلامية. # ولعل من الواجب على العاملين في الحقل الإسلامي أن يعمدوا إلى مواجهة هذه ~~التقالية التي درجت عليها بعض المجتمعات في منع الزوجة من الزواج بعد وفاة ~~زوجها ، وذلك من موقع الالتزام الأخلاقي ، فيثيروا حولها الشجب والإنكار ~~لتتغير إلى تقاليد إيجابية جديدة من خلال التشريع القرآني العادل. # وقد يجب علينا أن نبادر إلى مواجهة بعض مظاهر الحزن التي تفرض على المرأة ~~من موقع التقاليد الاجتماعية ، في ما يزيد على المقدار المتعارف الذي ~~تقتضيه العاطفة الهادئة ، وذلك باللجوء إلى صبغ الوجه بالسواد أو لطم ~~الصدور ، وما أشبه ذلك مما لا يرتضيه الإسلام ، ويعتبره من مظاهر الجزع ~~المحرم الذي يريد للمرأة حفظا لكرامتها ms0725 وإنسانيتها أن لا تنسحق تحت ووطأة ~~الحزن المريض. # وقد كانت بعض الأمم تقضي بإحراق الزوجة الحية مع زوجها الميت PageV04P337 # ودفنها معه ، وهناك من يحكم بعدم زواجها بعده إلى آخر عمرها. # * * * ### ||| ** بين التشريع ورقابة الله على الإنسان # ( @QUR@05 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) من زوجاتهم الباقيات على ~~قيد الحياة بعدهم ، ( @QUR@05 يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ). جاء في ~~كتاب الكافي عن الإمام أبي جعفر محمد الجواد عليه السلام ، مما رواه محمد بن ~~سليمان عنه ، قال : قلت له : جعلت فداك ، كيف صارت عدة المطلقة ثلاثة حيضات ~~أو ثلاثة أشهر ، وصارت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا؟ فقال : ~~أما عدة المطلقة ثلاثة قروء ، فلاستبراء الرحم من الولد. وأما عدة المتوفى ~~عنها زوجها ، فإن الله عز وجل شرط للنساء شرطا وشرط عليهن شرطا ، فلم يحابهن ~~في ما شرط لهن ولم يجر في ما اشترط عليهن. شرط لهن في الإيلاء أربعة أشهر ، ~~إذ يقول الله عز وجل : ( @QUR@07 للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) ~~[البقرة : 226] فلم يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر في الإيلاء ، لعلمه تبارك ~~وتعالى أنه غاية صبر المرأة من الرجل. وأما ما شرط عليهن ، فإنه أمرها أن ~~تعتد إذا مات عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. فأخذ منها له عند موته ما أخذ ~~لها منه من حياته عند إيلائه قال الله تبارك وتعالى : ( @QUR@05 يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا )، ولم يذكر العشرة الأيام في العدة إلا مع ~~الأربعة أشهر ، وعلم أن غاية صبر المرأة الأربعة أشهر في ترك الجماع ، فمن ~~ثم أوجبه عليها ولها (1). # ( @QUR@04 والله بما تعملون خبير ) فهو المطلع عليكم في كل أعمالكم ~~وأوضاعكم ، فاتقوه في ذلك كله. PageV04P338 # وهذه الملاحظة في الآية وفي غيرها من الآيات ، وهي اختتام الجملة ~~المتضمنة للتشريع بالتأكيد على رقابة الله على الإنسان من خلال خبرته ~~المطلقة بكل خفاياه وقضاياه ، تمثل أسلوبا تربويا في ربط المكلف بالحكم ~~الشرعي على أساس الوعي لموقعه من ربه وموقع ربه منه ، حتى لا يكون التكليف ~~مجرد مادة قانونية جامدة يتلقاها الإنسان بشكل عادي ، بحيث ms0726 لا تثير في نفسه ~~أي معنى يربط الإلزام بالخط الإيماني الروحي المنفتح على إشراف الله عليه. # وقد يكون من الضروري أن ينطلق الدعاء والمبلغون للأخذ بهذا الأسلوب في ~~نطاق التبليغ للأحكام الشرعية الإسلامية ، والدعوة إلى الالتزام بها في ~~حياة المسلمين. # * * * PageV04P339 ### ||| * الآية # ( @QUR@047 ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ~~ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم ) (235) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عرضتم ): التعريض : ضد التصريح ، وهو أن تضمن الكلام دلالة ~~على ما تريد. وأصله : من العرض من الشيء الذي هو جانبه وناحية منه. وقيل : ~~من عرض ، جعله عريضا ، فهو ما توسع في دلالته فصار له وجهان : ظاهر وباطن. ~~والفرق بين التعريض والكناية ، أن التعريض هو تضمين الكلام دلالة على شيء ~~ليس فيه ذكر ، والكناية العدول عن الذكر الأخص بالشيء إلى ذكر يدل عليه. ~~فالأول كقول القائل : ما أقبح البخل ، تعرض بأن المخاطب بخيل ، والثاني ~~كقولك : كثير الرماد دليل على أنه سخي. والمراد به هنا ، مثل PageV04P340 # قول القائل : عسى الله أن ييسر لي امرأة مثلك. # ( @QUR@01 خطبة ): الخطبة : طلب المرأة للتزوج ، من الخطب. والمخاطب ~~والتخاطب : المراجعة في الكلام. والخطبة تختص بالموعظة ، والخطبة بطلب ~~المرأة. وأصل الخطبة : الحالة التي يكون عليها الإنسان إذا خطب ، نحو ~~الجلسة والقعدة. # ( @QUR@01 أكننتم ): أسررتم وأضمرتم في أنفسكم. والإكنان من الكن ، ~~بمعنى الستر ، لكن يختص الإكنان بما يستر في النفس ، والكن بما يستر ببيت ~~أو ثوب وغير ذلك من الأجسام ... ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 كأنهن بيض ~~مكنون ) [الصافات : 49]. # ( @QUR@02 ولا تعزموا ): العزم : عقد القلب على أمر تفعله. # ( @QUR@01 عقدة ): العقدة : من العقد وهو الشد. والتعبير في الآية وارد ~~على تشبيه عقد النكاح بالعقدة التي يعقد بها أحد الخيطين بالآخر ، بحيث ~~يصيران واحدا بالاتصال. وكأن علاقة الزواج تصير الزوجين واحدا متصلا. # * * * ### ||| ** الخطبة بين التعريض والتصريح # في هذه الآية معالجة واقعية للموقف الشرعي أمام المرأة ms0727 المطلقة ، التي قد ~~يرغب بعض الناس في الزواج منها ، فربما تظهر هذه الرغبة على فلتات النفس في ~~ما يعبر به الإنسان عن إرادته المستقبلية للخطبة من أجل خلق جو طبيعي ~~للعلاقة على أساس إبعاد الموانع والحواجز التي قد تحدث من خلال رغبة أخرى ~~لشخص آخر ، وربما تبقى هذه الرغبة حديثا مكتوما في النفس ، فليس في القضية ~~أي إثم ما دامت في الحدود الشرعية التي تبقي الموقف في PageV04P341 # نطاق المشاعر الداخلية أو الرغبة المستقبلية ، بعيدا عن أجواء المواعدة ~~السرية التي قد تفضي إلى أجواء حميمة تؤدي إلى الانحراف. # أما إذا كانت تتمثل في القول المعروف ، فلا جناح على الإنسان فيه. وتبقى ~~القضية في نطاق الإعلان عن مشروع زواج ، أما الزواج نفسه الذي عبرت عنه ~~الآية الشريفة ب ( @QUR@02 عقدة النكاح ) فلا يجوز للإنسان أن يحققه إلا ~~بعد بلوغ الكتاب أجله ، وهو انتهاء مدة العدة ، لأنه غير مشروع في أثنائها. ~~ويأتي ختام الآية ، ليثير في داخل الإنسان الشعور العميق برقابة الله ~~الخفية ، التي تطلع على ما في النفس فترصده ، وتتابع حركته في ما يحل وما ~~يحرم مما يوجب على الإنسان الحذر من الله بالحذر من عقابه ... ثم يوحي من ~~جديد بأن الله غفور رحيم ، إذا أخطأ العبد وتجاوز حدوده ، ثم رجع إلى الله ~~وتاب عليه ، لأنه لا يترك الإنسان واقعا تحت ضغط الخطيئة ، لتعيش كعقدة ~~متأصلة في نفسه ، بل يريد له دائما أن يتحرر منها بالشعور بزوالها عن حياته ~~بزوالها عن داخل ضميره. وهذا هو الأسلوب القرآني الحكيم الذي لا يريد أن ~~يعقد الإنسان أمام رغباته الذاتية في ما لا ضرر منه. ولذلك فقد أثار أمام ~~الإنسان أن الله يعلم أنه سيذكرهن ، فلا ينبغي له أن يشعر بالإثم من ذلك. ~~ثم أكد عليه كيف يقف عند حدود الله في ما يعلم أن الله مطلع عليه ، في موقف ~~يدعوه إلى الالتزام ، ولكنه لا يغلق عليه باب المغفرة على تقدير الخطأ ، ~~والله العالم. # ( @QUR@03 ولا جناح عليكم ) أي : لا حرج عليكم أيها الرجال ( @QUR@06 ~~فيما عرضتم به ms0728 من خطبة النساء ) اللاتي تنفصلن عن أزواجهن بالطلاق في أوقات ~~العدة ، وذلك بالحديث عن الرغبة بالزواج بهن ، من ناحية المبدأ ، بطريقة لا ~~صراحة فيها في الدلالة على الفكرة ، بل على سبيل التعريض الذي لا يحرج ~~الموقف ولا يسيء إلى الجو ، وذلك بالحديث عن صفاتها الحسنة التي تجعلها محل ~~رغبة للرجال في اتخاذها زوجة ، أو بالتنديد بقضية طلاق زوجها لها بأن مثلها ~~لا يمكن أن PageV04P342 # يستغني عنها الزوج الذي يريد أن يحقق لنفسه السعادة في الحياة الزوجية ، ~~ونحو ذلك من الأساليب التي تتنوع تبعا للأوضاع وللظروف وللتقاليد ~~الاجتماعية ... ولا حرج عليكم في ذلك ( @QUR@04 أو أكننتم في أنفسكم ) وذلك ~~بأن أضمرتم وأسررتم التخطيط لمشروع الزواج بعد العدة ، من خلال الرغبة ~~الدفينة ، فلم تظهروه لأحد ، إذ لا فرق في الرخصة بين إضمار الرغبة في ~~النفس أو التعبير عنها بأسلوب التعريض. # ( @QUR@04 علم الله أنكم ستذكرونهن ) لأن طبيعة أية حالة نفسية كامنة في ~~الذات تفرض التعبير عنها بطريقة أو بأخرى ، إذا كانت مرتبطة بحياة الإنسان ~~في مستوى الأهمية الكبرى في أوضاعه الخاصة والعامة. ( @QUR@04 ولكن لا ~~تواعدوهن سرا ) لأن أجواء الاجتماعات السرية على أساس المواعدة بينها ~~وبينكم قد يفسح المجال لبعض الوساوس الشيطانية التي تطوف في الخيال ~~الغريزي. # فإن التقاء ذكر وأنثى في مثل ظروفهما ، ربما يثير الرغبة الكامنة في ~~النفس لدى الرجل ، والحرمان العميق في جسد المرأة بانفصالها عن الفرصة التي ~~كانت تهيئ لها إشباع غريزتها مع زوجها ، فيؤدي إلى الانحراف والوقوع في ~~المعصية. # وربما كان هذا هو مدلول الحديث الذي رواه أبو بصير ، عن الإمام جعفر ~~الصادق عليه السلام قال : هو الرجل يقول للمرأة قبل أن تنقضي عدتها : أوعدك ~~بيت أبي فلان أوعدك بيت فلان لترفث ويرفث معها (1). فقد لا يكون الحديث ~~المذكور إشارة إلى فعلية ذلك في سلوكهما العملي ، بل ربما كان المقصود منه ~~أداء الجو إلى ذلك. # ( @QUR@05 إلا أن تقولوا قولا معروفا ) فلا يتخلل الحديث أي كلام فحش ، ~~بما يتصل بالعملية الجنسية التي قد يتحدث بها بعض الرجال مع بعض النساء ، PageV04P343 # للتدليل ms0729 على قدرته على إشباع المرأة بطريقة فريدة أو ما أشبه ذلك ، بل ~~يتحدث معها عن صفاته الذاتية ، وعن احترامه للحياة الزوجية وللمرأة ، وعن ~~أوضاعه المادية التي ترغبها في الارتباط به ... بالمستوى الذي تشعر فيه بأن ~~الحياة معه قد تحقق لها السعادة ، فقد يكون من حقها أن تتعرف طبيعة هذا ~~الرجل الذي يريد أن يتزوجها ، وقد يكون من حقه أن يسألها عن نفسها ، وعن ~~نظرتها إلى الحياة الزوجية ، وعن طبيعة الظروف التي فرضت عليها الطلاق ... # وقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 إلا أن تقولوا قولا معروفا ) قال : «يقول الرجل للمرأة وهي في ~~عدتها : يا هذه ما أحب لي ما أسرك ، ولو قد مضى عدتك لا تفوتي إن شاء الله ~~، فلا تسبقيني بنفسك» (1). # * * * ### ||| ** بين إباحة التعريض بالخطبة والعودة إلى الزوج الأول # ( @QUR@08 ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) فلا بد من ~~البقاء في حالة الانتظار ، التي تفرضها العدة في تشريعها بالامتناع عن ~~الزواج في مدتها حتى تنقضي أيامها. فإذا بلغ الكتاب وهو الفرض الإلهي ~~الإلزامي بالتربص والامتناع عن الزواج الأجل المضروب في العدة ، فلهما أن ~~يتزوجا. # وقد يثأر أمام مدلول هذه الآية سؤال : وهو أن إباحة التعريض بالخطبة لذات ~~العدة قد يبعد الفرصة التي استهدفها التشريع في إيجاد الظروف الملائمة ~~لعودة الزوجين إلى حياتهما الزوجية ، باعتبار أن العدة تمثل فرصة PageV04P344 # تدبر وتفكير وإعادة النظر في العودة إلى الزواج من جديد ، من خلال ~~السلبيات التي يكتشفانها في تجربة الانفصال. فإذا أفسحنا المجال لإنسان ~~جديد ليغري المرأة بتجربة جديدة ، فقد لا تفكر في العودة إلى زوجها. # ويمكن الرد على ذلك ، بأن هذه الفرصة الجديدة المطروحة أمام الزوجة قد ~~تجعلها في الوضع الطبيعي المميز ، الذي تدخل فيه في مقارنة بين الزوج ~~القديم والزوج المنتظر ، فلا تسقط في حصار ظروفها الصعبة التي قد تفرض ~~عليها العودة إلى زوجها الأول ، لأنها تفقد الخيارات الأخرى. فإذا جاء ~~الخيار الجديد ، أعطاها الحرية في دراسة المسألة بدقة وانفتاح ومقارنة بين ~~سلبيات العودة وإيجابياتها ms0730 ، من خلال المقارنة بين سلبيات الأول ~~وإيجابياته. لأن قصة العودة ليست مستحبة أو مرغوبة بقول مطلق ، بل هي ~~مطلوبة في نطاق النتائج الإيجابية التي يمكن اكتشافها في مدة العدة من قبل ~~الزوجين. فإذا كان الأمر بالعكس ، فعليهما الاستمرار في الانفصال حتى لا ~~يواجها تجربة جديدة فاشلة. # * * * ### ||| ** الحذر من الله العليم الخبير # ( @QUR@07 واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ) من الدوافع التي تدفعكم ~~إلى خطبة هذه المرأة ، من استغلال ظروفها الصعبة ، أو الرغبة في الحصول على ~~أموالها إذا كانت غنية أو إبعاد الزوج السابق عن العودة إليها بفعل العداوة ~~بينهما ، أو للإضرار به أو بها ، أو الوصول إلى بعض الغايات السيئة في ~~الواقع الاجتماعي الذي قد يسيء إليها أو إلى أحدهما ... أو غير ذلك من ~~الدوافع الخيرة الطيبة المنطلقة من الرغبة فيها من خلال القناعة بصلاحيتها ~~لإسعاده ، وبقدرته على إسعادها وتخليصها من تعسف زوجها الأول ، أو التقرب ~~إلى الله بذلك بلحاظ وجود بعض عناوين القربى في الموضوع. فلا بد لكم من أن PageV04P345 # تفحصوا ما في أنفسكم من خير أو شر أمام الله ، الذي يعلم كل شيء ( ~~@QUR@01 فاحذروه ) في كل خطواتكم ، ولا تأمنوا مكره ، ولا تستهينوا بعقابه ~~، ( @QUR@05 واعلموا أن الله غفور حليم ) فهو الذي يغفر لكم إذا أخطأتم في ~~هذا وغيره ، وتراجعتم عن الخطأ قبل أن يتحول إلى جريمة في حق الآخرين من ~~الأبرياء ، وهو الذي يحلم عنكم ، حتى كأنه لا ذنب لكم في كل ما تتحركون فيه. # * * * PageV04P346 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين ) (236) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تمسوهن ): أي : تجامعوهن. والمس : كناية عن الاتصال الجنسي بهن. # ( @QUR@01 ومتعوهن ): أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به في حاجاتهن كبديل عن المهر. # ( @QUR@01 الموسع ): الذي يكون في سعة لغناه. # ( @QUR@01 المقتر ): الذي يكون في ضيق لفقره. PageV04P347 # ( @QUR@01 قدره ): مقداره الذي يطيقه هو الذي يختص به. # * * * ### ||| ** وقوع الطلاق قبل المس # ربما يتبادر إلى الوهم أن الطلاق لا يكون قبل الدخول ، على ms0731 أساس أن ~~الزواج لا يكون كاملا بدون الدخول. وقد يظن أنه لا يتحقق في صورة إغفال ذكر ~~المهر في العقد ، فنزلت هذه الآية لتدل على أن ذلك لا علاقة له بالعلاقة ~~الزوجية التي تتحقق بالعقد. أما الدخول فإنه من نتائجها لا من مقوماتها. ~~وأما المهر ، فهو تابع للشرط ، ولا علاقة له بصحة العقد ، فقد يصح العقد ~~الخالي منه وهذا ما يؤكد على أن الجانب المالي لا يعتبر أساسا في الزواج ، ~~بل هو رمز محبة ومودة ، وعطية لا تخضع لطبيعة المعاوضة ... ولكن الله أراد ~~للإنسان أن لا ينهي العلاقة بالطلاق من دون أن يقدم لها إمتاعا ماليا ~~بالمستوى المعروف بين الناس بحسب حالة من الإقتار أو اليسار ، كنوع من ~~أنواع التعويض المعنوي. وهو أمر واجب ينطلق من موقع الحق الذي أراده الله ~~منطلقا من روح الإحسان الذي يتحرك فيه الطلاق ، وبهذا لا يتنافى جانب ~~الإحسان مع جانب الوجوب. وهذا مختص بالطلاق قبل الدخول ... أما إذا كان ~~هناك دخول من دون فرض فريضة ، فإن الحكم هو دفع مهر المثل كما ذكره ~~الفقهاء. # ( @QUR@013 لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ) لأن العقد بين الزوجين هو الذي يحقق العلاقة الزوجية بينهما ، من ~~خلال مدلوله الذي يجعل أحدهما مرتبطا بالآخر من خلال التراضي بينهما ، وليس ~~للدخول وعدمه تأثير فيه ، إيجابا أو سلبا ، فإن الدخول متفرع على شرعية ~~العقد وليس قيدا في PageV04P348 # الشرعية ، كما أن المهر لا علاقة له بصحته ، كما في المعاوضات المالية ~~التي لا تصح إلا مع ذكر العوض ، فلا يصح البيع بلا ثمن ، والإجارة بدون ~~أجرة ... فإن الزواج يمثل ارتباطا بين شخصين من خلال إرادتهما الحرة ~~القائمة على التراضي ، بحيث يعطي كل منهما الآخر من نفسه ، في مقابل ما ~~يعطيه الآخر من نفسه في نطاق الدائرة التي يملك فيها أحدهما الآخر من خلال ~~الحقوق المفروضة بالعقد أو بالشرط ، فلا علاقة للمال في الموضوع ، ولذلك ~~عبر الله عن المهر بأنه «نحلة» ، وهي العطية من دون مقابل في قوله ms0732 تعالى : ~~( @QUR@014 وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا ) [النساء : 4]. وإذا كان قد عبر عنه في بعض الآيات بالأجر ، ~~فإنها واردة على سبيل المجاز أو المسامحة ، من حيث إيحاء الجانب الشكلي ~~بذلك عند ما يذكر في المهر أو يتحقق الاستمتاع بالمرأة. # وفي ضوء ذلك ، لا مانع من الطلاق حتى في حالة عدم المواقعة وعدم فرض ~~المهر ، لأنه يتضمن فسخ العقد الذي شرع العلاقة في الواقع ، ( @QUR@01 ~~ومتعوهن ) أي : أعطوهن من مالكم ما يفتح قلوبهن ، ويوحي إليهن بالمحبة ، ~~تماما كما هي الهدية التي يقدمها الإنسان للإنسان تدليلا على اهتمامه به ، ~~فلا يشعرن بأن هذه العلاقة التي بدأت من موقع الإخلاص للأشخاص الذين ارتبطن ~~بهم ، ولذلك لم يشترط المهر في العقد ، فأقدمن على زواج لا مهر فيه ، سوف ~~تنتهي من دون أن يقدم لهن هؤلاء الرجال أي شيء يوحي بعرفان الجميل ، ولو ~~كان ذلك بشكل رمزي. # وهكذا أراد الله لهذه العلاقة أن تنتهي بمبادرة إنسانية ، يقدمها الزوج ~~لزوجته بعد الطلاق كهدية يمتعها بها روحيا وماديا ، بحسب الحجم المادي ~~للزوج ، ( @QUR@06 على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) فيعطي بالكمية التي ~~تتناسب مع إمكاناته المادية الجيدة ، ( @QUR@02 متاعا بالمعروف )، فتكون ~~المتعة رمزية في دلالتها على الاهتمام بها تبعا لحاله ، ( @QUR@01 حقا ) ~~مفروضا ( @QUR@02 على المحسنين ) الذين عاشوا PageV04P349 # الإحسان في حياتهم ، فهم يتحركون من موقع الإحسان الذي يتقربون به إلى ~~الله في علاقتهم بعباده بما الزمهم الله به أو استحبه لهم من ذلك كله. # * * * PageV04P350 ### ||| * الآية # ( @QUR@035 وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) (237) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الفضل ): التفضل والإحسان. والفضل : هو الزيادة كالفضول ، غير ~~أن الفضل هو الزيادة في المكارم والمحامد ، والفضول هو الزيادة غير ~~المحمودة. # * * * ### ||| ** لهن نصف ما فرضتم # إذا كان الطلاق قبل الدخول ، وكان العقد مشتملا على المهر ، فإن PageV04P351 # الحكم الشرعي أن ينتصف بالطلاق ، فيجب عليه ms0733 أن يدفع لها نصف المهر إلا ~~إذا أسقطت المرأة حقها بالإبراء أو الهبة أو غيرهما ، أو عفا ولي العقد ، ~~من الأب أو الجد ، أو من فوضت إليه المرأة أمرها في هذا الموضوع بشكل مطلق ~~... وقد اعتبر البعض الزوج داخلا فيمن بيده عقدة النكاح ، باعتبار أنه يملك ~~أمره بالإبقاء أو بالإنهاء ، وبذلك تكون الآية متضمنة لعدم رجوع الزوج ~~عليها بالنصف في حال قبضها للكل إذا عفا عن حقه. وهذا أمر محتمل ، ولكن ~~الظاهر أنه في مقام الحديث عن حق الزوجة في ما يجب على الزوج دفعه لها ~~بلحاظ حالة الطلاق. وقد عقب الله على ذلك بالتشجيع على أخذ المبادرة بالعفو ~~، باعتبار أنه أقرب للتقوى. وربما يدل عليه من روحية العطاء من جهة ، ومن ~~روح التقرب إلى الله من جهة أخرى ، ومن إبعاده الموقف عن طبيعة الخلاف ~~والمشاحنة التي تستدعيها حالة استيفاء الحق وإقراره وإعطائه. ثم يدعو ~~الأزواج إلى عدم نسيان الفضل في ما بينهم عند إنهاء العلاقة ، لتبقى لهم ~~علاقة الصداقة والفضل إذا انقطعت علاقة الزواج. وذكرهم بعد ذلك بأن الله ~~بصير مطلع على كل ما يعملونه ، أو يقومون به من حسنات تقرب إليه في ~~علاقاتهم مع بعضهم ، أو سيئات تبعد عنه ، لأنه العالم بكل الأمور. # ( @QUR@06 وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) بحيث كان الطلاق قبل الاتصال ~~الجنسي ، ( @QUR@04 وقد فرضتم لهن فريضة ) فكان العقد مبنيا على المهر ، ( ~~@QUR@03 فنصف ما فرضتم ) من المهر ، باعتبار أن الزواج لم يكن من ناحية ~~واقعية عملية كاملا ، فلم يحدث هناك أي استمتاع للرجل بزوجته بإزاء ما قدمه ~~من المهر ، كما أن لها الحق عليه من خلال ما ملكته نفسها بالعقد ، فكان ~~التنصيف جمعا بين الحقين ، فلا يشعر أي واحد منهما بالغبن. وهذا هو حق ~~المرأة الذي يجب على الرجل أن يدفعه إليها بعد الطلاق لأنها استحقته بالعقد ~~، لكن الطلاق كان بمنزلة الفسخ بالنسبة إلى النصف. # * * * PageV04P352 ### ||| ** العفو تقوى وانتصار على الذات # ( @QUR@03 إلا أن يعفون ) أي : المطلقات ، بحيث تسامح الرجل بما تستحقه ~~عليه بشكل مباشر ، ( @QUR@06 أو يعفوا الذي ms0734 بيده عقدة النكاح ) وهو الذي ~~يملك الولاية بالذات من خلال التشريع كالأب أو الجد ، أو الذي يملكه من ~~خلال تولية المرأة أمر العقد إليه ، كالوكيل المفوض سواء أكان قريبا أم ~~بعيدا فإن له أن يعفو عن الزوج إذا رأي ذلك مصلحة للمولى عليه ، أو كان ~~التفويض شاملا لذلك. # ( @QUR@04 وأن تعفوا أقرب للتقوى ) فإن الله يريد للإنسان أن ينتصر على ~~حب المال في نفسه ، وأن يتنازل عن حقه من خلال إرادة القرب من الله ، وأن ~~لا يرتبط بالأمور من خلال الحسابات المادية التي تضع المال في مقابل المال ~~، والمصلحة في مواجهة المصلحة. لأن ذلك قد يحقق للإنسان الدقة في حساباته ~~في شؤون حياته ، ولكنه لا يحقق له السمو الروحي الذي يتعالى فيه على الذات ~~، فيبقى مشدودا إلى النوازع الذاتية والوساوس الشيطانية والهواجس المرضية ، ~~مما يبعده عن دائرة التوازن في نطاق المادة والروح. # ولذلك كان العفو عن الآخر وسيلة من وسائل تحصيل القوة ضد الذين يريدون ~~إثارته في انفعالاته من أجل إيقاعه في الخطأ والخطيئة ، فيملك من خلال ذلك ~~نفسه ، فلا يستطيع الآخرون إبعاده عن الخط المستقيم. # إن أي انتصار على الذات في جانب ما يمنح الإنسان قوة في الانتصار عليها ~~في الجوانب الأخرى ، ولذلك يتحول العفو ليكون حركة تدريبية في تجربة ~~الإنسان على تجاوز نفسه إلى الانفتاح على مواقع رضى الله ، مما يقربه من ~~الانضباط الواعي في آفاق التقوى التي تمثل الثبات على المبدأ والإصرار PageV04P353 # على البقاء في الخط. وهكذا نجد أن العفو هو السلوك العملي ، المنطلق من ~~عمق روحي في داخل الشخصية التي تتعالى عن الأخذ بالحق لنفسها ، مما يجعلها ~~أكثر قدرة على التعالي عما ليس لها بحق ، وعلى الانضباط في ما يلزمها من ~~الحق لله وللناس. # * * * # ( @QUR@04 لا تنسوا الفضل بينكم ) # ( @QUR@04 ولا تنسوا الفضل بينكم ) في علاقاتكم ببعضكم وفي معاملاتكم ~~الدائرة بينكم ، ليكون الحق هو الحد الفاصل مما تأخذون به أو تتركونه ، ~~لتستوفوا الحق الذي لكم بكل دقة وشمولية بعيدا عن القيم الروحية والأخلاقية ~~التي تمثل حركة العلاقات الإنسانية في ms0735 خط الخير والمحبة والانفتاح ، فتنسوا ~~الأوضاع الحميمة التي عشتموها في ما استلفتموه من الصلة بينكم ، وتهملوا ~~الفضل الذي قدمه بعضكم لبعض من عمق الخير في النفس ، والمحبة في القلب. # وعلى ضوء ذلك ، فليكن العنصر الإنساني هو الذي يحدد لكم علاقاتكم التي ~~تستقبلونها في الحقوق التي يملكها بعضكم على البعض الآخر ، من دون أن تؤثر ~~السلبيات التي فصلت بينكم على ذلك ، وليكن الفضل القائم على روحية العطاء ، ~~المنفتح على الذكريات الطيبة في الماضي ، هو العنوان لما تأخذونه أو ~~تتركونه ، ولتنفصلوا على وفاق لا يتعقد من الفراق. # ( @QUR@04 إن الله بما تعملون ) مما تقدمونه من أعمالكم في اتجاه ~~مسئولياتكم ( @QUR@01 بصير ) لأنه العليم بكل شيء من شؤون خلقه ، فلا يعزب ~~عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. PageV04P354 # وجاء في المجمع أنه «روي عن سعيد بن المسيب ، أن هذه الآية ناسخة لحكم ~~المتعة في الآية الأولى ، وقال أبو القاسم البلخي : وهذا ليس بصحيح ، لأن ~~الآية تضمنت حكم من لم يدخل بها ولم يسم لها مهرا إذا طلقها ، وهذه تضمنت ~~حكم التي فرض لها المهر ولم يدخل بها إذا طلقها ، وأحد الحكمين غير الآخر» (1). # * * * PageV04P355 ### ||| * الآية # ( @QUR@08 حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) (238) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حافظوا ): الحفظ : خلاف النسيان. وأحفظه : أغضبه ، لأنه حفظ ~~عليه ما يكرهه. ومنه الحفيظة : الحمية. والحفاظ : المحافظة. # ( @QUR@01 الوسطى ): تأنيث الأوسط ، وهو الشيء بين الشيئين على جهة ~~الاعتدال. والمراد هنا الوسطى بين الصلوات. # ( @QUR@01 قانتين ): القنوت : الدوام على أمر واحد ، وقيل : أصله ~~الطاعة. وقيل : أصله الدعاء حال القيام. وقال علي بن عيسى : والأول أحسن ~~لحسن تصرفه في الباب ، لأن المداوم على الطاعة قانت ، وكذلك المداوم في ~~صلاته على السكوت إلا عن الذكر المشروع ، وكذلك المداوم على الدعاء. ويقال ~~: فلان يقنت عليه ، أي : يدعو عليه دائما. PageV04P356 ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج أحمد والبخاري في تاريخه ، وأبو داود ، والبيهقي ، وابن جرير الطبري ~~، عن زيد بن ثابت «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة ، ~~وكانت أثقل الصلوات على أصحابه ، فنزلت : ( @QUR@05 حافظوا على الصلوات ms0736 ~~والصلاة الوسطى )» (1). وهذا يدل على أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وأخرج ~~أحمد ، والنسائي ، وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت «أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر بالهجير ، فلا يكون وراءه إلا الصف ~~والصفان ، والناس في قائلتهم وتجارتهم ، فأنزل الله : ( @QUR@08 حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم» (2). وفي روايته ~~كما في المجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لقد هممت أن أحرق على ~~قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم» (3). # ونلاحظ تعليقا على هذه الرواية ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يؤكد ~~على حضور صلاة الجماعة ، حتى في الحالات التي يكون الحضور فيها ثقيلا على ~~المصلين لشدة الحر أو لانشغالهم عنها بأعمالهم وتجاراتهم ، بحيث يتمثل هذا ~~التأكيد في تهديد المتخلفين بإحراق بيوتهم عليهم. # * * * PageV04P357 ### ||| ** صلاة الجماعة وأثرها في حياة المسلمين # ونستفيد من ذلك قيمة صلاة الجماعة في الإسلام وأثرها في حياة المسلمين ، ~~فإن الإسلام يعطي أهمية للجانب الاجتماعي في الواقع الإسلامي ، ليتشاوروا ~~بينهم في كل أمورهم ، وليتعاونوا على البر والتقوى ، وليتحركوا في خط ~~الجهاد في سبيل الله ، فذلك ما يمنحهم صفة «المجتمع الإسلامي» في مرحلة ، ~~و «الأمة الإسلامية» في مرحلة أخرى. # وقد تكون صلاة الجماعة من أقوى المناسبات التي تحقق هذا الهدف ، وتؤكد ~~هذا العنوان ، وتقوي هذه الروح ، لأنها تجسد الاجتماع بين المسلمين أمام ~~الله في الأجواء الروحية ، التي توحي بها الصلاة التي أراد الله لها أن ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وأن تكون معراج المؤمن بروحه إلى الله ، وبذلك ~~يتحسس المسلمون الجانب الاجتماعي في دينهم من خلال الله في مضمون صلاتهم ، ~~كما يتمثلون في نظام الإمامة في الصلاة والمأمومين فيها معنى القيادة التي ~~لا بد للمسلمين من أن يطيعوها ، فيتحركون عند ما تتحرك ويقفون عند ما تقف ، ~~كما تتمثل القيادة معنى أتباعها لتحفظ لهم أوضاعهم ، فلا يطيل الإمام صلاته ~~رحمة بالمأمومين. # وهذا ما ينبغي للمسلمين أن يحافظوا عليه في جميع صلواتهم ، لأنه ms0737 هو الذي ~~يمثل الإيحاء اليومي الدائم بالمعنى العميق للرابطة الاجتماعية بينهم ، ~~ويدفعهم إلى الاستفادة من هذه المناسبة العفوية العبادية للتشاور في أمورهم ~~، وللتعاون في ما بينهم ، في ما يتصل بقضاياهم العامة أو الخاصة ، ~~وليستمعوا إلى الإمام الواعي للإسلام وللواقع بما يحدثهم عن مشاكل الواقع ~~الإسلامي وأخطاره ، ليكون لهم وعي المسؤولية في ذلك. وربما كان هذا هو السر ~~في زيادة ثواب صلاة الجماعة على صلاة الفرادى ، حتى ورد في بعض الأحاديث : PageV04P358 # أنها إذا زاد المصلون فيها على العشرة ، لا يحصي ثوابها إلا الله. # * * * ### ||| ** المحافظة على الصلاة # ( @QUR@05 حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) إن في الآية دعوة إلى ~~المحافظة على الصلاة بشكل عام ، وذلك بالقيام بأدائها في أوقاتها. وأكد ~~الله على ( @QUR@02 والصلاة الوسطى ) للدلالة على أهميتها في حساب القرب ~~إلى الله والدخول في رحمته. واختلف في تعيينها بين المفسرين ، فقيل : إنها ~~صلاة الظهر باعتبار أنها في وسط النهار كما أنها واقعة بين صلاتين في ~~النهار ، وهما الصبح والعصر ، كما هو المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ~~في ما رووه عن صلاة رسول الله (1)، ورواه جماعة عن زيد بن ثابت كما عن ~~تفسير الدر المنثور (2). وقيل : إنها صلاة الصبح لتوسطها بين الليل ~~والنهار ، أو بين صلاتين من النهار وصلاتين من الليل. وقيل : إنها صلاة ~~العصر ، للسبب نفسه في صلاة الصبح. وقيل : إنها صلاة المغرب. كما قيل : ~~إنها صلاة العشاء ... وقيل: إن الله أخفاها كما أخفى ليلة القدر ، ليهتم ~~الناس بها. وربما ذكر أنها الجمعة (3)... والخلاف يرجع إلى الخلاف في ~~الروايات ، أو في الاجتهاد في تطبيق المعنى اللغوي على المناسبات الواقعية ~~للتسمية. # ( @QUR@03 وقوموا لله قانتين ) القنوت في اللغة هو الدعاء ، أو مطلق ~~العبادة في حال القيام. وربما يطلق على مطلق الطاعة. وقد روي عن الإمامين PageV04P359 # الباقر والصادق عليهما السلام ، أن المراد به هنا الدعاء في الصلاة حال ~~القيام (1). # وهي دعوة للمؤمنين بأن يكون قيامهم ، في حياتهم ، لله لا لغيره ، لتكون ~~حياتهم في كل منطلقاتها ومعطياتها لله سبحانه ، بحيث يتحركون في خط الله ~~ولأجله في ms0738 كل أعمالهم وأقوالهم ، وأن يداوموا على الطاعة في صلاتهم وفي ~~دعائهم وفي كل مواقع الطاعة ، في كل قضايا الحياة التي يتعلق بها حكم لله ~~من حرام أو واجب. # وجاء عن زيد بن أسلم قال : كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الصلوة ، يكلم الرجل منا صاحبه ، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت : ( ~~@QUR@03 وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام (2). # * * * PageV04P360 ### ||| * الآية # ( @QUR@015 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ~~ما لم تكونوا تعلمون ) (239) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فرجالا ): جمع راجل ، وهو الكائن على رجله ، واقفا كان أو ماشيا. # ( @QUR@01 ركبانا ): جمع راكب. والركاب المطي. وركبت الرجل : أي ضربته ~~وأصبت ركبته. # * * * ### ||| ** لم صلاة الخوف؟ # ( @QUR@05 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا )، إذا خاف الإنسان على نفسه من لص ~~أو سبع أو غير ذلك ، جاز له أن يصلي راجلا أو راكبا بما يستطيع من الصلاة ، ~~ولو بالإيماء ، وتلك هي صلاة الخوف من العدو التي تقصر في الحرب PageV04P361 # والسفر ، إلا في المغرب فإنها ثلاث ركعات. # فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى يوم الأحزاب إيماء كما رواه في ~~المجمع (1) وقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : فات الناس ~~مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين ، يعني صلاة الظهر والعصر ، والمغرب ~~والعشاء الآخرة ، فأمرهم علي أمير المؤمنين عليه السلام فكبروا وهللوا ~~وسبحوا رجالا وركبانا ، لقول الله : ( @QUR@05 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) ~~فأمرهم علي عليه السلام فصنعوا ذلك. (2) وروى عنه عبد الرحمن بن أبي عبد ~~الله ، قال : سألته عن قول الله تعالى : ( @QUR@05 فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا ) كيف يفعل ، وما يقول؟ ومن يخاف سبعا ولصا كيف يصلي؟ قال : يكبر ~~ويومئ إيماء برأسه (3). # ( @QUR@02 فإذا أمنتم ) فإذا ارتفع الخوف وحصل الأمان ، ( @QUR@02 ~~فاذكروا الله ) بالثناء عليه ( @QUR@06 كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) من ~~شرائعه وعودوا إلى ما وجب عليكم من الصلاة. # وقد يبرز سؤال ، لماذا هذا الإلحاح على أداء الصلاة بطريقة معينة حتى في ~~حالات الخوف ، التي قد يشغل ms0739 الإنسان فيها بالأخطار المحدقة به ، فلا يكون ~~له مجال للتفكير بأي شيء خارج الواقع الصعب المحيط به؟ أليس ذلك حرجا في ~~التكليف؟! # والجواب عن ذلك : إن الله يريد للإنسان أن يبقى معه في وجدانه الروحي ، ~~وفي وعيه لعبوديته لله وربوبيته له ، وارتباطه به ، وحاجته إليه ، وتوكله ~~عليه في كل أموره ... حتى يكون مع ربه دائما ، ليعصمه ذلك من السقوط تحت ~~تأثير الضعف والانحراف تحت تأثير الغفلة ، والاهتزاز النفسي PageV04P362 # والعملي تحت ضغط الهزاهز الروحية والواقعية ... ولذلك أراده أن يأتي ~~بالصلاة في جميع الأحوال ، حتى في حالات الخوف التي تتجمع فيها الأخطار من ~~حوله ، لأن ذلك ما يثبته ويقويه ، ويوحي إليه أن الله فوق ذلك كله ، لأن ~~القوة له جميعا. # وهذا ما نستوحيه من قول الله تعالى في حديثه عن الرسول محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@043 إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) [التوبة : 40] ، وفي حديثه عن ~~المؤمنين المجاهدين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@017 الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل ) [آل عمران : 173]. # إن اللجوء إلى الصلاة في حالات الخوف يمنح الإنسان قوة روحية معنوية ~~تمنعه عن الضعف ، والاهتزاز ، والسقوط تحت تأثير الضغوط القاسية التي ~~تفرضها عناصر الخوف عليه. وبذلك قد نجد تشريع الصلاة في هذه الحالات أشد ~~ضرورة من تشريعها في الحالات الأخرى ، لأنها هي الحالات التي يشعر الإنسان ~~فيها بالحاجة إلى قوة غير عادية تحميه وتخلصه مما فيه ، أو تعينه على ~~الثبات في خط المجابهة عند ما تضعف قوته الطبيعة. ولعل هذا ما يلتقي ~~بالطبيعة الإنسانية التي يلجأ الإنسان من خلالها إلى الله في حالات الخوف ~~من الغرق عند اشتداد الأمواج واهتزاز السفينة ، وذلك هو قول الله تعالى : ( ~~@QUR@041 هو الذي ms0740 يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم ~~أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ~~) [يونس : 22]. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الله الذي شرع الصلاة خمس مرات في اليوم ~~ليرتبط الإنسان به في كل أوقاته ، وليبقى في وجدانه الروحي دائما ، PageV04P363 # أراد لهذه الصلاة أن تبقى في مسئولية الإنسان حتى في أشد الحالات صعوبة ، ~~لأن كل شيء من أنواع المسؤوليات يمكن تمجيده أو تأجيله ، إلا الصلاة التي ~~تمثل سر العلاقة بالله ، فلا مجال لتجميدها أو تأجيلها ، لأن اللقاء بالله ~~لا بد من أن يكون شاملا لكل مواقع حياة الإنسان اليومية من خلال شمولية ~~الحاجة إلى الله والعبودية له في جميع الأحوال ، ولذلك فإن الصلاة لا تسقط بحال. # وقد يلفت النظر ورود هاتين الآيتين في سياق أحكام الطلاق والعلاقة ~~الزوجية ، ولكن قد يكون السبب في ذلك بعض مناسبات الحديث عن الطاعة في ما ~~تقدم من الآيات ، لأن الصلاة هي الوجه البارز في خضوع الإنسان لله وطاعته ~~له ، والله العالم. # * * * PageV04P364 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ~~والله عزيز حكيم ) (240) # * * * ### ||| ** وصية الزوج لزوجته # كانت النساء في الجاهلية يقعدن حولا كاملا بعد وفاة أزواجهن ، وربما كان ~~هذا هو السر في تعريف الحول ، باعتبار أنه من الأمور المعروفة لديهم ، ~~فجاءت هذه الآية لتوصي الأزواج بأن يتركوا لهن على سبيل الوصية ما يقوم ~~بشؤونهن من النفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك ... من أجل إعانتهن على ~~الاستمرار في العدة من دون جهد ومشقة. فإذا خرجهن بإرادتهن طوعا ، فلا حق ~~لهن بعد ذلك ( @QUR@07 في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) لأن ذلك بمثابة ~~إسقاط لحق ... وقد ذكر في مجمع البيان أن العلماء اتفقوا على أن الآية PageV04P365 # منسوخة بآية الربع والثمن ، وبآية تحديد العدة بأربعة أشهر ms0741 وعشرا (1). # وروي عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام «كان الرجل إذا مات ، أنفق ~~على امرأته من صلب المال حولا ، ثم أخرجت بلا ميراث ، ثم نسختها آية الربع ~~والثمن ، فالمرأة ينفق عليها من نصيبها» (2). # ( @QUR@03 والذين يتوفون منكم ) أي الذين يكونون على مشارف الموت (3)، ~~بقرينة توجيه الخطاب إليهم بالتكليف بالوصية ( @QUR@02 ويذرون أزواجا ) من ~~بعدهم ، فعليهم أن لا يهملوهن بتركهن بدون مال يستعن به على إدارة أمورهن ~~وقضاء حاجاتهن ، بل لا بد لهم من التفكير بهن من بعدهم بتخصيص مقدار من ~~المال ، ( @QUR@05 وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ) مما ينتفعن به من ~~النفقة والكسوة والسكنى ، حتى يتدبرن أمرهن ريثما يتخففن من ثقل الواقع ~~الاجتماعي الذي يفرضه المجتمع عليهن من الإقامة سنة ، بدون زواج ، أو في ~~دائرة احترام ذكرى الزوج. # ( @QUR@02 غير إخراج ) فلهن الحق بالبقاء في بيوت أزواجهن ، ( @QUR@02 ~~فإن خرجن ) PageV04P366 # واخترن الحرية في المسكن وغيره ، ليمارسن حياتهن بعيدا عن أجواء أهل ~~الميت ، ( @QUR@010 فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) ~~والظاهر أن الخطاب لأهل الميت ، أو هو كناية عن أنه لا حق للميت في بقائها ~~في البيت من بعده. فليس لأحد حق التدخل في قرارهن ولذلك فلا مسئولية على أي ~~إنسان ، بقدر ما يتعلق الأمر به ، في خروجهن وتصرفهن في أنفسهن ما دمن ~~يتحركن في دائرة المعروف ولا يبتعدن عن خط الشرع. # وقد اختلف المفسرون في متعلق رفع الجناح ، فقال بعضهم إنه قطع النفقة ~~والسكنى ، وهذا ما ذهب إليه الحسن والذي قال على ما نقله صاحب المجمع وهذا ~~دليل على سقوط النفقة بالخروج ، وأن ذلك كان واجبا لهن بالإقامة إلى الحول. ~~فإن خرجن قبله ، بطل الحق الذي وجب لهن بالإقامة. وقال بعضهم : لا جناح ~~عليكم في ترك منعهن من الخروج ، لأن مقامها سنة في البيت غير واجب ، ولكن ~~قد خيرها الله في ذلك ، عن الجبائي. وقيل : لا جناح عليكم إن تزوجن بعد ~~انقضاء العدة. وهذا ما اختاره الطبرسي ، فقال : وهذا أوجه وتقديره إذا خرجن ~~من العدة بانقضاء السنة ، فلا جناح إن ms0742 تزوجن. وقوله : ( @QUR@02 من معروف ) ~~يعني طلب النكاح والتزين (1). # * * * ### ||| ** مع تفسير الأمثل # وقد ذهب بعض المفسرين المتأخرين إلى أن الآية متعرضة لدفع نفقات المعيشة ~~لمدة سنة ، باعتبار أنه من حقوق المرأة على ورثة زوجها. فإذا رفضته مختارة ~~، ولم تبق في بيت زوجها المتوفى ، فلم تعد هناك مسئولية على أحد ، PageV04P367 # ولها أن تتزوج. # ويتابع هذا المفسر فيقول : إن هذا المعنى لا يستوجب نسخا ، لأن هذه الآية ~~تقول بأن مدة العدة سنة كاملة بشرط الاستفادة من النفقة والمسكن في تلك ~~المدة ، كما أعطيت المرأة الحق إن شاءت أن تبقى في بيت الزوج ، وأن تأخذ ~~النفقة حسب وصية الزوج مدة سنة وفاته. أما إذا لم ترغب في ذلك ، فلها بعد ~~أربعة أشهر وعشرة أيام أن تخرج من بيت زوجها وتتزوج من جديد. وبخروجها من ~~بيت زوجها المتوفى ، تنقطع عنها النفقة. # إن فترة الأربعة أشهر وعشرة أيام عدة إلزامية لا تتأثر برغبة المرأة ، ~~ولكن إدامتها حتى نهاية السنة حق من حقوق المرأة ، ولها أن تستفيد منه ~~بالبقاء في بيت الزواج والحصول على نفقة أو أن تترك بيت زوجها وتتزوج ثانية (1). # ونلاحظ على هذا الرأي أن هذه الآية اقتصرت في حديثها على وصية الزوج ~~لزوجته بالنفقة والسكنى بعد موته لمدة سنة حقا على أولياء الميت وورثته ، ~~من خلال ما تركه من مال ومسكن ، من دون أن تتحدث عن أي حق لهم في بقائها ~~وخروجها من المنزل. فالأساس في القضية هو أن لا يخرجوها ، ولذلك كانت مسألة ~~خروجها أمرا متعلقا بها في أي وقت شاءت ، فلها أن تختار الخروج بعد موته ~~مباشرة أو قبل انتهاء الحول بمدة قليلة أو كثيرة ، ولذلك تحدثت عن نفي ~~مسئوليتهم عنها في أي شأن من شؤونها ، فهم لا يملكون أي وضع خاص أو عام ~~للسيطرة عليها ، فمن أين جاءت مسألة اشتراط تحديد العدة بالسنة باختيارها ~~البقاء في البيت ، واعتبار الأربعة أشهر وعشرة أيام مشروطة بعدم رغبتها ~~بالبقاء؟ ثم الحديث عن اشتراط خروجها من البيت بمضي الأربعة أشهر وعشرة ~~أيام ، فإن بقاء المرأة ms0743 في بيت زوجها في العدة رخصة لا عزيمة. ثم إن الحديث ~~عن عدتين في التشريع مختلفتين في الشرط PageV04P368 # وجودا وعدما أمر غريب عن الجو الشرعي الفقهي والتفسيري. فلم يعهد من أحد ~~من الفقهاء أو المفسرين أنه التزم بدوران عدة المتوفى عنها زوجها بين مدتين ~~، تبعا لاختيار الزوجة وبقاء هذا الحكم حتى الآن ، لأن هذا المفسر يرى أن ~~هذا المعنى يخرج الآية عن فرضية النسخ. # وقد جاءت الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن ابن أبي عمر ، عن ~~معاوية بن عمار قال سألته عن قول الله : ( @QUR@010 والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول )؟ قال : منسوخة ، نسختها ~~آية : ( @QUR@05 يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) ونسختها آية الميراث (1). # * * * PageV04P369 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@06 وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) @QUR@07 كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) (242) # * * * ### ||| ** إمتاع المطلقات # ( @QUR@03 وللمطلقات متاع بالمعروف ) هل يجب إمتاع المطلقات في جميع ~~الحالات ، بما في ذلك حالة فرض المهر لهن في العقد ، أو يختص ذلك بصورة عدم ~~فرض المهر مع عدم الدخول ، بقرينة الآية السابقة التي اشترط فيها ذلك ، أو ~~يستحب ذلك في الجميع بقرينة ربط ذلك بالتقوى؟ .. وربما قال البعض : إنها ~~منسوخة ، ولكن قد يبدو لنا أن المراد بالمتاع هو الحق الثابت لها في ما ~~تستحقه من مهر أو نفقة أو إمتاع ، وليس المراد شيئا خاصا في مقابل المهر ~~والنفقة ، ولا دلالة للتقوى على الاستحباب بل هي أعم. # إلا أن هذا الاحتمال يتنافى مع الأحاديث الواردة عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@03 وللمطلقات متاع بالمعروف ) قال : ~~متاعها بعد ما تنقضي عدتها ، ( @QUR@06 على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) ~~فأما في عدتها فكيف PageV04P370 # يمتعها وهي ترجوه وهو يرجوها ، ويجري الله بينهما ما شاء (1). # وفي ضوء ذلك ، يكون المتاع المشار إليه في هذه الآية بمثابة هدية الفراق ~~التي يقدمها الزوج للمرأة المطلقة ، للتدليل على أن انفصالهما لا يمثل عقدة ~~في ذاته تجاهها ، ولا عداوة لها ، بل هو أمر فرضته التعقيدات التي أحاطت ~~بها. وربما كان هذا النهج الإسلامي ms0744 حركة في إبقاء الذكريات المتبادلة بعد ~~الفراق حية بطريقة حميمة بالرغم من سلبياته. وقد اعتبرته الآية : ( @QUR@03 ~~حقا على المتقين ) الذين عاشوا التقوى في ذواتهم رؤية تنفتح على الله ، ~~فتنفتح على الناس بالخير كله ، مما يلزمهم أو لا يلزمهم من أفعاله وأوضاعه. ~~لأن من أحب الله أحب الناس ، فأحب تقديم كل ما ينفعهم في أمورهم العامة ~~والخاصة ، وبذلك المحبة لهم في عمق مشاعرهم العاطفية. # ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون )، وتختم الآية الفصل ~~بالإشارة إلى أن بيان الله لآياته في تشريعاته يستهدف ربط الحياة بالخطة ~~المعتمدة على التأمل والعقل ، الذي هو هدف الرسالات جميعا في ما تدعو إليه ~~من مفاهيم وحلول. # * * * ### ||| ** إيحاءات الآية # وربما نستوحي من ذلك ، أن الله يريد للعقل أن يتحرك في عملية استلهام ~~لآيات الله في الكون وفي نظام الإنسان وحركة الحياة ، ليتفهم من خلال ذلك ~~القوانين والسنن الكونية والاجتماعية والحياتية التي أودعها الله في هذا ~~النظام الكوني والإنساني ، كما يتفهم من خلاله آيات الله التي تنظم PageV04P371 # للإنسان حياته القانونية في تشريعاته التي أوحى بها إلى رسله ، فوضع له ~~القواعد التي يستطيع من خلالها أن يحقق التوازن في شؤون حياته الفردية ~~والاجتماعية. فليس العقل حركة في التجريد الذهني الذي يتأمل في أجواء ~~المطلق ، بل هو حركة في كل ما يتصل بالحياة الزوجية والعملية للإنسان ، لأن ~~لكل شيء عقله الذي يوازن الأمور على أساس الحسابات الدقيقة في فهم الظاهرة ~~والحركة والقانون. # وقد نستوحي منها الدعوة إلى مواجهة التشريعات الإلهية بالفكر الذي ينطلق ~~نحوها ليبحث في خلفياتها ومعطياتها وحدودها ، ولا يكتفي بالتعبد الجامد ~~الذي يتقبل الأشياء من دون أن يحاول إدراك خصائصها في حياة الإنسان ، لأن ~~المكلف الذي يتحرك في امتثال التكليف ، يتحرك من موقع الوعي لمضمونها ~~الروحي والعملي في المصالح والمفاسد النوعية. # * * * PageV04P372 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@028 ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون (243) @QUR@09 وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله ms0745 سميع عليم ) (244) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ألم تر ): ألم تعلم. فالرؤية هنا بمعنى العلم. عبر بذلك لدعوى ~~ظهوره ، بحيث يعد العلم فيه رؤية ، وأصله : ألم ترأ ، وأسقطت الهمزة ~~للتخفيف. # قال الزمخشري : ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع ، لأن هذا الكلام ~~جرى مجرى المثل في معنى التعجب. # ( @QUR@01 ألوف ): ألوف كثيرة العدد. # * * * PageV04P373 ### ||| ** مناسبة النزول # يذكر المفسرون لهذه الآية ، قصة من قصص الأمم السالفة ، ففي الكافي في ما ~~رواه بسند ضعيف عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام وعن أبيه أبي جعفر ~~محمد الباقر عليه السلام في قول الله تعالى : ( @QUR@017 ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم )، ~~فقال : إن هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام ، وكانوا سبعين ألف بيت ، وكان ~~الطاعون يقع فيهم في كل أوان. فكانوا إذا أحسوا به ، خرج من المدينة ~~الأغنياء لقوتهم ، وبقي فيها الفقراء لضعفهم ، فكان الموت يكثر في الذين ~~أقاموا ويقل في الذين خرجوا. فيقول الذين خرجوا : لو كنا أقمنا ، لكثر فينا ~~الموت. ويقول الذين أقاموا : لو كنا خرجنا ، لقل فينا الموت. قال : فاجتمع ~~رأيهم جميعا ، أنه إذا وقع الطاعون فيهم وأحسوا به ، خرجوا كلهم من ~~المدينة. فلما أحسوا بالطاعون ، خرجوا جميعا ، وتنحوا عن الطاعون حذر الموت ~~، فساروا في البلاد ما شاء الله. # ثم إنهم مروا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون ، فنزلوا ~~بها. فلما حطوا رحالهم واطمأنوا بها ، قال لهم الله عز وجل : موتوا جميعا. ~~فماتوا من ساعتهم ، وصاروا رميما يلوح. وكانوا على طريق المارة ، فكنستهم ~~المارة فنحوهم وجمعوهم في موضع. فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل ، يقال ~~له حزقيل ، فلما رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال : يا رب لو شئت لأحييتهم ~~الساعة كما أمتهم ، فعمروا بلادك ، وولدوا عبادك ، وعبدوك مع من يعبدك من ~~خلقك. فأوحى الله إليه : أفتحب ذلك؟ قال : نعم يا رب ، فأحيهم. قال : فأوحى ~~الله عز وجل إليه أن قل كذا وكذا. فقال الذي أمره الله عز وجل أن ms0746 يقوله فقال ~~أبو عبد الله عليه السلام ، وهو الاسم الأعظم ، فلما قال حزقيل PageV04P374 # ذلك الكلام ، نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض ، فعادوا أحياء ينظر ~~بعضهم إلى بعض ، يسبحون الله عز ذكره ، ويكبرونه ، ويهللونه. فقال حزقيل ~~عند ذلك : أشهد أن الله على كل شيء قدير (1). # وقد أورد الطبري في تفسيره ، والسيوطي في الدر المنثور عدة روايات تشبه ~~هذه الرواية ، مع بعض الاختلاف في التفاصيل (2). وقد ذكر بعض المفسرين أن ~~الآية واردة مورد المثل. وحاول بعضهم أن يوجه الحياة والموت إلى الجانب ~~المعنوي منهما بما يقرب من العز المتمثل في مواجهة الأعداء ، والذل الذي ~~يتمثل في الوقوع تحت سيطرتهم. واعتبر الأحاديث الواردة في هذا الباب من ~~الإسرائيليات التي لا يعتمد عليها في تفسير القرآن أو في تقرير أية حقيقة ~~من حقائق الإسلام ... ونحن لا نريد أن نتوقف طويلا أمام هذه الروايات لنحقق ~~صحة سندها وضعفه ، ولنجمع بينها في ما تتفق فيه ، ولنعالجها في ما تختلف ~~فيه ، لأن ذلك كله لا يقدم شيئا ولا يؤخر في ما نحن بصدده من فهم معنى ~~الآية واستيحائها. # * * * ### ||| ** الأمة والتحديات : بين الهروب والمواجهة # ( @QUR@017 ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم )... فإنها تحدثنا عن جماعة من الناس خرجوا من ~~ديارهم خوفا من الموت ، دون أن تعرفنا ظروف هذا الخوف ، هل هو العدو ~~المتربص بهم ، أو هو المرض الذي يوشك أن يحل بهم أو هو شيء آخر ... ولم يرض PageV04P375 # الله لهم بهذا الخروج ، لأن ذلك لن يحل لهم المشكلة ، فللموت أسباب كثيرة ~~تنتظر الناس في الطريق. فإذا هربوا من سبب التقوا بسبب آخر ، فكأن الله ~~يريد لهم أن يواجهوا الموقف من موقع الصمود الواعي الذي يتعامل مع الحياة ~~والموت بإرادة واعية ، لا تبتعد عن الواقع عند ما تقترب من الإيمان ... ~~فأماتهم الله جميعا ( @QUR@04 فقال لهم الله موتوا )، ليعرفهم أن الموت ~~بيده ، فهو الذي يحدد وقته من خلال حكمته في الكون بشكل مباشر أو غير مباشر ~~، فقد يأتي الموت ms0747 للإنسان من حيث لا يحتسب ، وقد يتركه من حيث يرى أنه قادم إليه. # ( @QUR@02 ثم أحياهم ) بما يملكه من القدرة على الإحياء ، لأنه مالك ~~الحياة والموت ليأخذوا العبرة من ذلك في ما يستقبلون من حياة جديدة ، فلا ~~يهربون من الموت عند ما تدعوهم المسؤولية إلى مواجهة الخطر الذي يقترب بهم ~~من الموت ، بل يقبلون عليه إقبال الإنسان الواثق بأن قضية الحياة والموت ~~بيد الله ، ولا راد لقضاء الله تماما كما هو وحي الآية الكريمة في قوله ~~تعالى : # ( @QUR@022 يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) [آل عمران : 154] ... # وقوله تعالى في آية أخرى : # ( @QUR@010 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) [آل عمران ~~: 145]. # وهكذا كانت الآية تعبر عن صورة من صور الواقع بما توحيه من حكاية التاريخ ~~في مدلولها اللفظي. وربما كان قوله تعالى لهم : ( @QUR@03 موتوا ثم أحياهم ~~). دلالة واضحة على أن للقضية وجها ماديا في ما تعنيه كلمة الحياة والموت ~~، لا سيما بعد حديثه عنهم بأنهم خرجوا من بيوتهم حذر الموت. فكأنه أراد أن ~~يأخذهم بعكس ما قصدوه ، فقد فكروا بأن الخروج يحقق لهم النجاة من الموت ، ~~فإذا به يلقيهم في منتصف الطريق. PageV04P376 # وفي هذا الجو ، نفهم من الإحياء بعد ذلك معنى يلتقي بالعبرة التي أراد ~~الله لهم أن يأخذوها من ذلك كله. ولعل في ابتداء الآية بكلمة ( @QUR@02 ألم ~~تر ) ما يوحي بأن القصة كانت معروفة بشكل واضح ، أو هكذا تريد الآية أن ~~توحي ، مما يؤكد الطبيعة الواقعية للقصة ، ولهذا كله فإننا نتحفظ بشدة في ~~تأويل كلمات الآية إلى غير ما هو الظاهر من معناها اللغوي ، لا لأننا نرفض ~~الاستعمالات المجازية في القرآن ، بل لأن جو الآية لا يسمح بذلك ... ولكن ~~هذا لا يمنع من أن يستوحي القارئ للقرآن من هذه الآية المعاني الكبيرة التي ~~تربط الناس بالفكرة. # * * * ### ||| ** اتجاهان متعاكسان في التفسير # وقد يكون من المناسب في هذا السياق أن نشير إلى قضية حيوية في ms0748 التفسير ~~القرآني المشتمل على قصص التاريخ في ما يتحدث لنا به عن الأمم السابقة التي ~~عاشت في إطار النبوات وفي غيرها ... وهي أن البعض يحاول أن يندفع إلى الأخذ ~~بكل أقاصيص الرواة ، من دون تمييز بين الصحيح والفاسد منها ، ولا بين ~~المعقول وغير المعقول ، ولا بين الموضوع وغير الموضوع ... لأنه يعتقد أن ~~مجال ذلك هو الأحكام الشرعية التي تتمثل بالحلال والحرام ، فلا بد فيها من ~~التدقيق في الروايات من خلال سند الرواية ومضمونها ، لئلا نحكم بحلية ما ~~حرمه الله ، أو بحرمة ما أحله الله ، فنستحق بذلك عقاب الله عند ما ننسب ~~إلى الله ورسوله شيئا لم يقله أو لم يشرعه. # أما الأقاصيص ، فإنها لا تمثل أي جانب سلبي من هذه الجهة ، لأنها مما لا ~~يترتب عليها أي أثر في الشرع وفي الحياة ، كما في هذه القصة التي رواها PageV04P377 # المفسرون في تفسير هذه الآية ، فما الذي يترتب من الأثر السلبي على مثل ~~هذا التفسير سواء أكان خطأ أم كان صوابا فالفكرة هي الفكرة من حيث العبرة ~~والإيحاء ، فلا ضرورة للتدقيق والأخذ والرد من المناقشات ، التي قد ترد في ~~هذا الباب. # وهناك من يحاول أن يقف في الخط المعاكس لهذا الاتجاه ، فيرى أن علينا أن ~~نثير الكثير الكثير من علامات الاستفهام أمام ما ورد من روايات القصص ~~القرآني في التفسير ، لأن الإسرائيليات قد اقتحمت علينا الساحة بما أثاره ~~الرواة الذين تتلمذوا على كعب الأحبار ووهب بن منبه ، من قضايا أراد اليهود ~~أن يدخلوها في الفكر الإسلامي في ما يتصورونه للحياة وللتشريع وللتاريخ من ~~تصورات لا تتفق مع مع المفاهيم الأصيلة للتصور الإسلامي الصحيح ... # ولذلك ، فإن علينا أن نواجه الموقف بطريقة الرصد الواعي لكل رواية نحتمل ~~فيها السير في هذا الاتجاه ولو من بعيد. وقد يؤكد هذا البعض على رفض ~~الروايات التي تدخل عنصر الغيب في القصص والأحداث ، فتكثر من ربط الحياة ~~بالغيب ، من خلال التفسير الغيبي للمفاهيم القرآنية التي لا تبتعد كثيرا عن ~~الواقع في طبيعتها الواقعية الأصيلة ... وقد يحاول مثل هؤلاء ms0749 أن يفسروا هذه ~~الغيبيات تفسيرا ماديا خالصا ، لأنهم يستبعدون الغيب كفكرة ، وإن كانوا لا ~~يكفرون به كعقيدة ، وبذلك اعتبروا كثيرا من التعابير القرآنية أدبا رمزيا ~~يعتمد على الرمز في ما يريده ، ولا يرتكز على الوضوح والبيان ... # أما نحن ، فنقف موقفا وسطا بين هذين الاتجاهين ، فلا نوافق الاتجاه الأول ~~في الأخذ بكل الأقاصيص والتخفيف من خطورة السلبيات الناشئة من الأقاصيص ~~التي قد تكون مكذوبة ، لأن ذلك يمثل مسئولية شرعية في القول في القرآن بغير ~~علم ، بل ربما كان ذلك أعظم إثما من تفسير القرآن بالرأي الذي رفضته ~~الأحاديث الشريفة المتواترة. وثانيا ، إن طبيعة التصور الذي PageV04P378 # تحدثه القصة في النفس يخلق لدى الإنسان مفهوما معينا من خلال القصة ، ~~الأمر الذي قد يترك تأثيرات سلبية على طبيعة الممارسة العملية لكثير من ~~قضايا الواقع والحياة. ولعل الأثر الذي تحدثه القصة في تربية المفاهيم ~~السلبية أو الإيجابية في عمق الشخصية ، أكثر من الأثر الذي يحصل من خلال ~~أسلوب فكري أو تحليلي مجرد ، وهذا ما نعرفه في مهمة الأسلوب القصصي في ~~التربية العامة والخاصة. # وفي ضوء ذلك ، فإننا نؤكد على ضرورة التدقيق في سند القصة التفسيرية ~~ومضمونها ، من أجل أن نعرف صحيح الحديث من فاسده على أساس الموازين العلمية ~~الصحيحة ، فلا نأخذ بحديث إلا بعد أن تثبت لنا صحته وواقعيته وأصالته ، ~~وبهذا نستطيع أن نكتشف زيف الإسرائيليات الموضوعة التي لا أساس لها في كتب ~~الله ورسالاته. وقد نتعرف في بعض هذه الإسرائيليات التي رواها علماء اليهود ~~، ما قد يكون صحيحا في فكرته وأسلوبه ، لأن وجود الوضع والدس والافتراء لا ~~يعني أنه يمثل ظاهرة شاملة في كل هذه الأحاديث. # أما وجود الغيب في بعض القصص والأحاديث ، فلا يكون دليلا على الضعف. ~~لأننا لا نستطيع أن نمنع ما في الغيب من أصالة الإيمان والحقيقة ، فإن ~~الإيمان بالغيب عقيدة إسلامية إيمانية أصيلة. ولكننا لا نوافق في الوقت ~~نفسه على أن الغيب ظاهرة شاملة في كل الواقع ، فإن الله قد أقام الحياة على ~~أساس القوانين الطبيعية المودعة في الكون ، وأراد ms0750 منا أن نفهم الحياة من ~~خلالها من خلال ربط المسببات بأسبابها ، مع إعطاء فسحة للغيب في بعض ~~المجالات. # ولهذا فإننا قد نقبل التفسير الغيبي في بعض الموارد التي لا نجد لها ~~أساسا معقولا للتفسير الطبيعي للأشياء ، ونتحفظ في بعض الموارد التي نجد ~~لها أسسا واقعية تربط القضية بالقوانين الطبيعية للأشياء ، فنستبعد الجانب PageV04P379 # الغيبي ، لأنه لا يقدم لنا تبريرا لإنكار السبب الواقعي واستبداله بالسبب ~~الغيبي ، من دون أن يضر ذلك بقضية الإيمان بالغيب ، لأنه لا يرفض الغيب ~~كعقيدة تعيش في الحياة وفي الإيمان ، ولكنه يتحفظ فيه كظاهرة شاملة ترفض ~~الأسباب الواقعية للأشياء. # * * * ### ||| ** القتال في طريق الحياة # ( @QUR@09 وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ) وهذا نداء ~~للمؤمنين ، بالاندفاع في مواجهة الموت ، وعدم الخوف منه بالتراجع عن ~~المسؤوليات الجهادية التي تفرض عليهم القتال في سبيل الله ، فإن ذلك هو ما ~~يحقق لهم سبيل الحياة القويمة الحرة الكريمة. فإننا نستوحي ، من ذكر هذه ~~الآية ، بعد القصة المتقدمة التي خرج أشخاصها من ديارهم حذر الموت فماتوا ~~ثم أحياهم الله ، أن الأمة التي تفر من الموت لتفرض على نفسها الهزيمة لا ~~تستطيع تفادي الموت ، وأن الأمة التي تموت في خط العزة والجهاد قد يعيدها ~~ذلك إلى الحياة. # وهو إعلان لهم بأن الله يسمع كل ما يفيضون به من حديث في ما يتحركون فيه ~~من الإقبال على الجهاد أو الإدبار عنه ، ويعلم كل ما يضمرونه وما يعملونه ~~من طاعة ومعصية. وفي هذا التأكيد على هاتين الصفتين من صفات الله ، إيحاء ~~بالرقابة الشاملة لله على الإنسان في كل ما يضمره أو يقوله وما يفعله ، ~~ليتعمق في داخله الشعور بالانضباط الواعي أمام مسئولياته. # * * * PageV04P380 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ) (245) # * * * ### ||| ** الإنفاق والتجارة # هذه دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله ، سواء في مواقع السلم أو في مواقع ~~الحرب. فإن كل واحد من هذه المواقع يحتاج إلى المال الذي ينفقه المؤمنون ~~لبناء القوة الذاتية للأمن ، من خلال السيطرة على ms0751 كل نقاط الضعف الذاتي ... # وقد أراد الله أن يوحي للإنسان بأن ذلك لا يمثل أي نوع من أنواع خسارة ~~المال ، كما قد يخيل للبعض ، عند ما يفكرون بأنه لا يستتبع تعويضا ، ( ~~@QUR@07 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) بل هو نوع من القرض الحسن الذي ~~يقرضه المؤمن لله مالك السماوات والأرض ، باعتبار أن الجهات التي يصرف ~~المال في سبيلها هي لله مالك السموات والأرض في ما يحبه ويرضاه ويريده ... ~~وقد وعد المنفقين بأن يعطيهم ثواب القرض الحسن ، ( @QUR@04 فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة ) ويرد إليهم ما أنفقوا مضاعفا أضعافا كثيرة ، فعليهم أن PageV04P381 # يراقبوه في حالة الإنفاق وعدمه ، ( @QUR@03 والله يقبض ويبصط ) لأنه الذي ~~يقبض يده عند ما يريد ويبسطها عند ما يريد ، في ما يعطي وما لا يعطي ( ~~@QUR@02 وإليه ترجعون )، وإليه يرجع الناس كلهم فيجدون لديه نتائج أعمالهم ~~في ما يجدون من ثوابه وعقابه. # وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : لما نزلت هذه الآية على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله خير منها ) [النمل ~~: 89] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم زدني. فأنزل الله تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [الأنعام : 160] قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم زدني ، فأنزل الله عز وجل : ( ~~@QUR@011 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة )، فعلم ~~رسول الله أن الكثير من الله عز وجل لا يحصى وليس له منتهى (1). # * * * PageV04P382 ### ||| * الآيات # ( @QUR@054 ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي ~~لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246) @QUR@043 وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله ms0752 ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله ~~واسع عليم (247) @QUR@030 وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ~~فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ~~ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) @QUR@032 فلما فصل طالوت بالجنود قال إن ~~الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من ~~اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو PageV04P383 # @QUR@028 والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) @QUR@015 ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا ~~أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) @QUR@028 ~~فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) @QUR@09 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ~~) (252) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الملإ ): أشراف القوم ووجوههم ، سموا بذلك لأنهم يملأون ~~العيون رواء ومنظرا ، والنفوس بهاء وجلالا. # ( @QUR@01 بسطة ): سعة ، من بسط الشيء : نشره وتوسعه وامتداده. # ( @QUR@01 التابوت ): روي أنه الصندوق الذي أنزله الله على أم موسى ~~فوضعت فيه ابنها وألقته في البحر ، وقد وضع فيه موسى الألواح ودرعه ، وما ~~كان عنده من آثار النبوة. PageV04P384 # ( @QUR@01 سكينة ): السكينة : الهدوء وطمأنينة القلب. وأصله : السكون ~~الذي هو ثبوت الشيء بعد تحرك. # ( @QUR@02 دفع الله ): الدفع : الرد بقوة. وهو هنا بمعنى قانون الصراع ~~التاريخي في حركة المجتمعات. # * * * ### ||| ** قصة طالوت وجالوت : درس في الثبات والنكوص # وهذه قصة أخرى من القصص القرآني ، الذي أريد به التأكيد على بعض المفاهيم ~~التربوية العامة في الحياة العملية للإنسان ، وقد أفاض المفسرون فيها بما ~~رووه من التفاصيل المتعلقة بالأشخاص والأحداث والأشياء. ولكننا نتبع ~~الأسلوب القرآني في طريقة تناولنا للقصة ، فنجمل في ما أجمل ونفصل في ما ~~فصل فيه الحديث ، لأن القضية في هذه القصة وفي غيرها من ms0753 القصص هي قضية ~~الفكرة التي توحي بالهدف ، لا السرد الذي يدفع إلى أجواء الملهاة ، فلا بد ~~من أن نتناول منها الإنسان النموذج والحدث النموذج ، في ما نتناوله من ~~تفاصيلها ... # إنها قصة نبي من أنبياء بني إسرائيل مع قومه. ولا يهمنا معرفة اسمه ، لأن ~~ذلك لا قيمة له في ما نحن بصدده من الانفتاح على الفكرة التي نريد أن نخرج ~~بها من الحوار القصصي في هذه القصة القرآنية. # ( @QUR@010 ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ) الذين كانوا ~~يشعرون بالفراغ في جانب الواقع الاجتماعي من حولهم ، فقد ابتعدوا عن حركة ~~الصراع ، وأصبحوا على هامش مواقع القوة في الناس. لأن الذي يربح الموقع ~~المتقدم ، هو الذي يقاتل الآخرين الذين يملكون السيطرة الكبيرة بين الناس ، ~~فيفرضون PageV04P385 # كلمتهم ورأيهم وسلطتهم على الفئات المستضعفة في المجتمع كما هو واقعهم ~~آنذاك ولهذا جاؤوا إلى نبيهم الذي أرسله الله إليهم في سلسلة النبوات ~~الرسالية ليتحدثوا معه حول المستقبل الذي يتطلعون إليه في حركة القوة ~~كأصحاب رسالة مفتوحة على قضايا الإنسان والحياة. فقد انطلقت التوراة في عهد ~~موسى ، لتكون قاعدة للتشريع والحكمة والحركة والقوة ، مما يجعل القائمين ~~عليها في موقع الامتياز الكبير على المستوى المادي والروحي. # ( @QUR@04 إذ قالوا لنبي لهم ) اختلف المفسرون في اسمه ، فقال بعضهم : ~~إنه صموئيل وهو بالعربية إسماعيل ، وقيل شمعون ، وقيل يوشع وغير ذلك مما لا ~~جدوى من الحديث فيه. ( @QUR@07 ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ). وقد ~~جاء عن الإمام الصادق عليه السلام كما في المجمع كان الملك في ذلك الزمان هو ~~الذي يسير بالجنود ، والنبي يقيم له أمره ويثبته بالخير من عند ربه (1). ~~ولعل هذا ما دعاهم إلى طلب تعيين الملك ، لأن النبي لم يكن في هذا الموقع ~~من الناحية الفعلية. وقد أعطوا حركتهم المبتغاة عنوان القتال في سبيل الله ~~، لأن هذا العنوان هو الذي يمنح الصراع قدسيته ويخرجه من ماديته إلى عنوان ~~الروح ، وهو الذي يستثير النفوس ويحولها إلى طاقة عظيمة منفتحة على الإيمان ~~بالله ومنطلقة في سبيله ، فكأنها تؤدي ms0754 واجبا دينيا في الحرب الدفاعية ، لا ~~حاجة ذاتية في الواقع. # إن الظاهر في هذه المرحلة أو في ما قبلها من مراحل النبوة في بني إسرائيل ~~هو توزيع الأدوار ، بين النبوة والملك ، فللنبي دور التوجيه والتربية ~~والدعوة إلى الله والإشراف على تعيين المراكز القيادية ، وللملك دور الحرب ~~والقتال والممارسة العملية للقيادة. ولهذا لم يطلب هؤلاء القوم من نبيهم أن ~~يقودهم للقتال ، كما هو الحال في الإسلام عند ما كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام هو الذي يقود الجيوش في المعارك الكبيرة ، ~~بل طلبوا منه أن يعين لهم ملكا ، PageV04P386 # يشعر الجميع بأن له حق الأمر ، ليكون عليهم حق الطاعة. # ( @QUR@09 قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ) وكان هذا ~~النبي في شك من جدية هذا الطلب ، فقال لهم : إنه يخشى أن لا يستجيبوا ~~للقتال إذا فرضه الله عليهم ، ( @QUR@08 قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل ~~الله ) فأعلنوا في جوابهم له تصميمهم على القتال ( @QUR@05 وقد أخرجنا من ~~ديارنا وأبنائنا ) انطلاقا من واقع الاضطهاد الذي تعرضوا له ، من إخراج ~~الظالمين لهم من ديارهم وأهاليهم ، مما يجعل من قضية القتال قضية ترتبط ~~بالذات من جهة ، وبالعقيدة من جهة أخرى. ( @QUR@011 فلما كتب عليهم القتال ~~تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ) الذين ينكصون عهدهم ... # وبدأت التجربة : ( @QUR@010 وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا ) فقد عين النبي القائد ، وأوضح لهم أن التعيين من الله لا منه ، ( ~~@QUR@06 قالوا أنى يكون له الملك علينا ) ولم يخفوا اعتراضهم على ذلك ، لما ~~يحسبونه أساسا للملك أو للقيادة ، ( @QUR@09 ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت ~~سعة من المال ) وهي القدرة المالية الواسعة التي لا يملكها هذا القائد ~~المعين ، في الوقت الذي كانوا يأملون أن يكون القائد أحدهم ، لأنهم يرون ~~أنفسهم حائزين على هذا الامتياز ، مما يجعلهم أحق منه بالملك. # ( @QUR@010 قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ) ووقف ~~النبي ليشرح لهم أن المال لا يمثل قيمة مميزة في الملك القائد ، لأن ~~القيادة تحتاج إلى ms0755 قوة يقاتل بها ، وعلم يخطط به خطط الحرب والقتال. ~~وكلاهما موجودان في هذا الإنسان الذي زاده الله بسطة في العلم والجسم ، ( ~~@QUR@08 والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ) فالقضية ، أولا وأخيرا ~~، قضية الإرادة الإلهية التي تتحرك من موقع الحكمة. # ثم شرح لهم علامة ملكه : ( @QUR@013 وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن ~~يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ) وهي أن يأتي حاملا الصندوق الذي فيه ~~السكينة ، وهي الإيمان في ما روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ، PageV04P387 # ( @QUR@05 وبقية مما ترك آل موسى ) من مواريث العلم والحكمة. # ( @QUR@04 فلما فصل طالوت بالجنود ) وانطلق طالوت ، وهذا هو اسم الملك ~~الذي عينه النبي ، ومضى معه جنوده. ( @QUR@05 قال إن الله مبتليكم بنهر ) ~~وبدأت التجربة بين القائد وجنوده ، فقد أعلن لهم أن الله قد ابتلاهم ~~وامتحنهم ليختبر انقيادهم بالنهر الذي يمرون به ، ( @QUR@015 فمن شرب منه ~~فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ) فعليهم أن لا ~~يشربوا منه إلا بمقدار غرفة مهما بلغ عطشهم. # وسقط الأكثرون في الامتحان ، ووهنت عزائمهم ، ودب الضعف فيهم. ووقف ~~المؤمنون المخلصون ، ليكون النصر لهم في نهاية المطاف. # * * * ### ||| ** إيحاءات ودروس # تلك هي خلاصة القصة ، فما الذي نستوحيه منها لحركة الدعوة إلى الله في ~~الحياة ، وما الذي نستفيده منها من نقاط توضيحية للواقع الذي كان يعيشه ~~هؤلاء القوم آنذاك؟. # هذا درس للعاملين في سبيل الله أن يقفوا موقف الحذر من كثير من المتحمسين ~~والمندفعين الذين يطرحون الشعارات الحادة ، ويعلنون في حماس زائد استعدادهم ~~للجهاد والقتال في ما إذا حصلت لهم القيادة الحكيمة الصالحة وهم يظنون أو ~~يأملون في أنفسهم أن لا تحصل. # إن علينا أن نستفيد من هذه القصة ، بالطريقة التي يمكننا فيها التفاهم ~~معهم ، من أجل اكتشاف ما هم عليه من جدية وتصميم ، لتتميز العناصر المخلصة ~~من العناصر المزيفة سواء في وضعهم أمام التجربة العملية في ما يريدون ، أم ~~في إدارة الحوار معهم في بعض القضايا التي توضح لنا الفرق بين الجوانب ~~المرتبطة بالذات وبين الجوانب المرتبطة بالعقيدة. ms0756 PageV04P388 # إن قضية النصر والهزيمة ليست بالقلة والكثرة ، بل هي بالإيمان والتخطيط ~~والتنظيم ، والأخذ بأسباب القوة ، مما يجعل النصر في جانب القلة المؤمنة ~~المنظمة ، على الكثرة التي تفقد الإيمان والتنظيم والتخطيط ، انطلاقا من ~~الشعار الذي طرحه هؤلاء المؤمنون الذين واجهوا المعركة بقلوب مؤمنة واثقة ~~بالله : ( @QUR@012 كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين ). الأمر الذي يجعل العاملين في موقع الثقة ، مهما كانت قوة ~~الخصوم كبيرة. # إن قيمة الحوار ، في هذه القصة ، هو أننا استطعنا أن نتمثل كل المشاعر ~~والأجواء التي كان يعيشها هؤلاء من خلال مواقفهم القلقة في جانب ، والثابتة ~~في جانب آخر ، مما لا يتسنى لنا معرفته لو كانت القضية تعيش في إطار ~~التقرير العادي للقصة. إنه الفرق بين أن يحكى لك الموقف من خلال الآخرين ، ~~أو ينقل لك الموقف بنفسه وتتمثله بنفسك. # أن يبقى المؤمن المجاهد في موقف الاستعانة بالله ، والشعور بالحاجة إليه ~~في ما يحصل عليه من قوة ، وما يحتاج إليه من مواقف الصبر والصمود والثبات ، ~~وما يتطلع إليه من نصر لاعتقاده بأن النصر من عند الله أولا وأخيرا ، فلا ~~يدفعه الشعور بالقوة إلى الغرور والتعالي ونسيان الله ، ولا يمنعه الشعور ~~بالضعف من التماسك إزاء قوة الله ، كما يحصل لكثيرين من الذين ينسون الله ~~في مواقف الحرب والسلم ، فينسيهم أنفسهم ، فيخيل إليهم أنهم على شيء ، ~~وليسوا بشيء. # إنه الفرق بين المؤمن الذي يشعر بالقوة الروحية والمعنوية التي تمتد من ~~الأرض إلى السماء فلا تقف عند حد ، فيتحول إلى قوة تدمر كل قوة تقف أمامها ~~، وبين غير المؤمن الذي يستمد قوته من الأرض ، ومما يحوطه من إمكانيات ~~محدودة ، فيبقى حيث هو في إطار محدود. PageV04P389 # إن إيتاء الله الملك لمن يشاء ، لا تعني رضى الله عن كل هؤلاء الذين ~~يملكون زمام الأمور في الحياة ، فإن فيهم الكافرين والظالمين والمنحرفين ، ~~بل قد تعني خضوع الحوادث في الكون لمشيئة الله التي قد تتعلق بالأشياء ~~بطريقة مباشرة ، كما في الأمور التي يحدثها الله من خلال إرادته التكوينية ~~المباشرة ، كما ms0757 في خلقه للكون في ابتداء الخلق. وقد تتعلق بالأشياء بطريقة ~~غير مباشرة ، وذلك من خلال القوانين العامة التي أودعها في حدوث الأشياء ~~وحركة المجتمعات وسير التاريخ ، انطلاقا من حكمته النوعية في ما يصلح أمر ~~الحياة ويبنيها على أساس متين. وقد جعل إرادة الإنسان ، فردا أو جماعة ، ~~قانونا طبيعيا يحرك الحياة في اتجاه النمو والتطور والاستقامة والانحراف. ~~وفي ضوء ذلك ، لا مانع من أن نلتزم بأن الله لا يرضى عن ملك كثير من ~~الأشخاص في ما يمارسونه من أعمال الكفر والانحراف ، ولذلك نهاهم عنها أشد ~~النهي ، ولكنه في الوقت نفسه ليس بعيدا عن سلطة الله وإرادته في الكون ، ~~فإن من الممكن لله أن ينزع ملكه قهرا بإرادته التكوينية ، ولكن حكمته اقتضت ~~أن يملي للإنسان في ما يعيش وما يعمل ، ليقرر مصيره بإرادته واختياره. # إن الآية تؤكد بأن الإخراج من الديار والأموال يشكل عدوانا على الإنسان ~~الفرد والمجتمع ، وذلك لو قام بها إنسان فرد أو جماعة ، وبذلك يعتبر مبررا ~~للدخول في قتال ضد المعتدي ، بحيث يعتبر ذلك شرعيا عند الله. وهذا ما ~~نستظهره من خلال التركيز على هذا المبرر ، مما يعطينا الفكرة الواضحة ~~بتقرير النبي لهم على ذلك. ولا بد لنا ، في هذا المجال ، في أن نحدد ~~الموضوع في نطاق الإيمان الذي يتعرض لعدوان الكفر ، كما حدث في المبررات ~~التي سبقت الإذن للمسلمين بالقتال ، لأنهم ( @QUR@036 الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز ) [الحج : 40]. PageV04P390 # قوله تعالى : ( @QUR@015 ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين ). # ربما نستوحي من هذه الفقرة من الآية ، أن هناك قانونا طبيعيا فطريا في ~~حركة الحياة الاجتماعية التي يعيشها الناس ، في ما أودعه الله في الحياة من ~~قوانين تنظم لها سيرها ، وتدفع بها إلى المجالات الكبيرة التي تحقق لها ~~أهدافها العليا ... وخلاصته : إن كل ms0758 إنسان منا يعمل في اتجاه الأشياء التي ~~يألفها ويريدها ويؤمن بها ، وفي اتجاه مقاومة الأشياء التي يكرهها ويرفضها ~~أو يكفر بها ، لأنها تعطله عن الحصول على ما يريد ... وربما يتحقق ذلك في ~~الأفكار ، وربما يتحقق في الأشياء العامة ، وقد يحصل في القوى التي تحيط ~~به. فإذا لا حظ أن هناك فكرا يقاوم فكره ، أو شيئا يواجه بعض الأشياء التي ~~يحبها ، أو قوة تريد أن تصادم قوته فتصرعها وتهزمها ... فإنه يبادر إلى ~~الوقوف أمام تلك الأفكار والأشياء والقوى ، ليحمي فكره وأشياءه وقوته ... ~~وهكذا تسير الحياة في أجواء الصراع ، فيتولد من ذلك الفكر المتنوع المتحرك ~~، والقوة المتجددة بما تملك من أساليب الحرب وأدواتها ، والأوضاع المختلفة ~~المحيطة بالأشياء في وجوهها المختلفة ... # إن الله يريد أن يشير إلى هذا القانون الفطري الذي سارت عليه الحياة ، ~~ولا تزال تسير ، في حركتها الاجتماعية ، فيقرر لنا قيمة هذا القانون ودوره ~~في إصلاح الحياة ، فلولاه لفسدت الأرض ، لأن الإنسان الذي يبلغ مقدارا ~~كبيرا من القوة ، يستطيع من خلاله أن يفرض رأيه وموقفه وذاته على الآخرين ، ~~لا بد له من ممارسة السيطرة عليهم من خلال قوته. فإذا وقفوا منه موقفا ~~سلبيا ضعيفا وتركوه يفعل ما يشاء ، كانت النتيجة أن يمتد في قوته وفساده ، ~~ولا يفسح المجال للخير وللحق أن ينمو أو يعيش. ولما كان الله يريد للحياة ~~أن تزدهر وتصلح ، كان الصراع في عملية دفع الناس بعضهم ببعض يفسح المجال ~~لقوى الخير أن تؤكد وجودها ، ولو في نهاية المطاف ، عند ما PageV04P391 # تتحرك نحو أهدافها لتقاوم كل الموانع والقوى التي تقف ضد الأهداف ، فيحصل ~~من خلاله ما يصلح الأرض من قوى جديدة تنشأ بفعل الصراع ، وأفكار كبيرة ~~تندفع من خلال النزاع ، وخطوات عملية تنطلق في حياة الناس ، وتلك هي قصة ~~الصراع ، في ما يريد أن يوحيه لنا القرآن الكريم ، فهو لا يمثل مزاجا ~~للتحكم وللسيطرة ، وإنما يمثل دفع سيطرة الشر على الخير ، والحق على الباطل ~~، والعدل على الظلم والطغيان ... من أجل أن تعيش الأرض في بعض مراحلها ، أو ~~المرحلة الأخيرة ms0759 منها ، الجو الإنساني المنفتح الذي يحصل فيه الإنسان على ~~ما يوجب له الطمأنينة والراحة والكرامة ... وتلك هي قصة الدوافع الفطرية ~~التي أودعها الله في تكوين الفرد والمجتمع. فهي التي تقود الإنسان إلى ما ~~يبني له حياته ويصلحها ويرفع مستواها في جميع مجالاتها ، وذلك هو فضل الله ~~على العالمين. # ( @QUR@06 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ) ويختم الله هذا الفصل ، ~~وهذا الجزء ، بالإشارة إلى آيات الله في الكون وفي الوحي لتكون دليلا ~~للإنسان على الله الذي يفتح له آفاق الوعي في ما يفتح له من آفاق المعرفة ~~بالحق. فلا بد للإنسان من أن ينفتح عليها ويسير في هداها ليحصل على المصير ~~السعيد. ثم يؤكد للنبي ، بعد ذلك أنه من المرسلين ، ( @QUR@03 وإنك لمن ~~المرسلين ) ليؤكد في نفسه الشعور بالرسالة بعمق من أجل تعميق الشعور ~~بالمسؤولية تجاهها ، وليؤكد في نفوس الناس الشعور الحي بضرورة اتباع الرسول ~~في ما بلغهم وما دعاهم إليه ، عند ما يعرفون أنها رسالة الله على لسان رسول ~~الله ، مما يجعل طاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله. # * * * ### |||| * والحمد لله رب العالمين PageV04P392 ### | الفهرس # تفسير سورة البقرة [180 252] # الآيات [180 ~~182]........................................................... 7 # معاني ~~المفردات.............................................................. 7 # الوصية .. الصوم .. ~~الدعاء.................................................. 8 # هل الآية ~~منسوخة!.......................................................... 9 # جولة مع مفردات ~~الآية..................................................... 11 # الإيحاءات ~~والدروس........................................................ 15 # الآيات [183 الي ~~185]....................................................... 18 # معاني ~~المفردات............................................................ 18 # الصيام مع بعض ~~أحكامه................................................... 19 # الصوم ~~والتقوي............................................................ 22 # الإفطار في السفر رخصة أم ~~عزيمة!.......................................... 24 # متي تجب ~~الفدية!.......................................................... 25 # ما معني نزول القرآن في شهر ~~رمضان!........................................ 27 # القرآن هدي ~~للناس........................................................ 28 # بين القضاء ~~واليسر........................................................ 29 # الاية ~~[186].................................................................. 33 PageV04P393 # الدعاء .. في علاقة العبد ~~بربه............................................... 32 # الدعاء ~~عبادة............................................................. 33 # ملاحظات بخصوص الدعاء................................................. 34 # إجابة الله دعاء ~~عباده...................................................... 39 # الاية ~~[187].................................................................. 46 # معاني ~~المفردات............................................................ 46 # مناسبة ~~النزول............................................................. 48 # الصوم وحدود العلاقات الجنسية في شهر ~~رمضان.............................. 49 # لا تقربوا حدود ~~الله........................................................ 51 # الاية ~~[188].................................................................. 53 # معاني ~~المفردات............................................................ 53 # لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل............................................ 54 # بين الملكية الفردية وأكل ~~الحرام.............................................. 57 # الاية ~~[189].................................................................. 60 # معاني ~~المفردات............................................................ 60 # مناسبة ~~النزول............................................................. 61 # الإسلام ينفتح علي الاستجابة أمام ms0760 إثارة ~~التساؤلات............................ 62 # السؤال والجواب أسلوب ~~تربوي.............................................. 64 # مع صاحب تفسير ~~الميزان................................................... 68 # يسألونك عن ~~الأهلة....................................................... 69 # البر من ~~اتقي.............................................................. 69 # من وحي ~~الاية............................................................ 71 # الآيات [190 ~~193]......................................................... 74 # معاني ~~المفردات............................................................ 74 # تشريع القتال في الخطوات ~~الأولي............................................. 75 # الفتنة أشد من ~~القتل....................................................... 77 PageV04P394 # القتال في المسجد ~~الحرام.................................................... 78 # كيف نفهم القتال من موقع ~~الجهاد!......................................... 81 # الآيتان : [194 ~~195]........................................................ 84 # معاني ~~المفردات............................................................ 84 # القتال في الشهر ~~الحرام..................................................... 85 # الإنفاق في سبيل الله وحفظ ~~النفس.......................................... 86 # مع صاحب مجمع البيان في دلالة ~~الآية....................................... 86 # بين التهلكة وصراع ~~الاستكبار............................................... 92 # الإحسان ... شريعة ~~أخلاقية............................................... 93 # الآات : [196 ~~203]....................................................... 95 # معاني ~~المفردات............................................................ 96 # جولة في أفاق ~~الحج........................................................ 98 # الإحصار في ~~الحج........................................................ 101 # حج التمتع............................................................. 102 # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج..................................... 104 # لا جناح في ابتغاء الفضل بعد إتمام ~~الحج.................................... 105 # في عرفات .. والمشعر ~~الحرام............................................... 107 # إلغاء النوازع ~~الطبقية...................................................... 109 # الدعاء بين نموذجين من ~~الناس............................................. 110 # الجانب التربوي في ~~الدعاء................................................. 112 # واذكروا الله في أيام ~~معدودات............................................. 113 # الآيات [204 ~~207]........................................................ 115 # معاني ~~المفردات.......................................................... 115 # مع نموذجين من الناس في مواقف ~~الحياة..................................... 117 # ماذا نستوحي من هذين النموذجين!....................................... 123 # الآيات [208 ~~212]........................................................ 125 PageV04P395 # معاني ~~المفردات.......................................................... 125 # الدخول في السلم: المعاني ~~والإيحاءات....................................... 126 # خطوات الشيطان تصادر خطوات السلام................................... 130 # المنحرفون ... ماذا ينتظرون ~~ليستقيموا!..................................... 133 # سل بني ~~إسرائيل......................................................... 136 # الفوقية الزائفة والفوقية ~~الحقيقية............................................. 138 # الآية ~~[213]................................................................ 141 # معاني ~~المفردات.......................................................... 141 # الرسالات ودورها في ~~الاختلافات.......................................... 142 # التشريع يشمل كل مجالات ~~الحياة.......................................... 146 # البغي كان أساس الاختلاف.............................................. 147 # الذين يحبون الحقيقة ينفتحون علي ~~الحوار.................................... 147 # مع صاحب الميزان في تفسير الاختلاف..................................... 148 # مع العلامة الطباطبائي في الاستدلال بالاية علي عصمة ~~الأنبياء................ 152 # الآية ~~[214]................................................................ 157 # معاني ~~المفردات.......................................................... 157 # الجنة لا تنال بالاسترخاء أو ~~بالتمنيات...................................... 158 # وقفة أمام مفهوم النصر ~~القريب............................................ 162 # الآية ~~[215]................................................................ 167 # معاني ~~المفردات.......................................................... 167 # مناسبة ~~النزول........................................................... 168 # السؤال باب للمعرفة ~~والعمل............................................... 170 # من هو الأولي ~~بالإنفاق!.................................................. 172 # الآية ~~[216]................................................................ 176 # معاني ~~المفردات.......................................................... 176 # لماذا لم يشرع القتال في بدء ~~الدعوة!........................................ 177 PageV04P396 # كتب عليكم القتال ms0761 وهو كره لكم......................................... 181 # الإيحاءات ~~والدروس...................................................... 183 # الآيتان [217 ~~218]........................................................ 185 # معاني ~~المفردات.......................................................... 185 # مناسبة ~~النزول........................................................... 186 # القتال في الشهر ~~الحرام.................................................... 187 # الفتنة أكبر من ~~القتل..................................................... 188 # الارتداد يحبط ~~الأعمال................................................... 190 # تفسير الميزان وحبط ~~الأعمال.............................................. 191 # هل الأعمال يبطل بعضها بعضا!.......................................... 194 # بين الردة والموت ~~كافرا.................................................... 197 # نظرة الإسلام إلي المرتد في قبول ~~توبته....................................... 199 # الدلالات ~~والإيحاءات..................................................... 201 # زمن ~~السلام............................................................. 202 # التزاحم بين ~~الحكمين..................................................... 202 # صراع المسلمين مع قوي الكفر مستمر...................................... 205 # الإيمان قيمة ~~كبري....................................................... 206 # الآيتان [219 ~~220]........................................................ 210 # معاني ~~المفردات.......................................................... 210 # مناسبة ~~النزول........................................................... 213 # القرآن والتصدي لقضايا ~~الواقع............................................ 216 # طريقة القرآن في إثارة ~~القضايا.............................................. 217 # القرآن والموازنة بين الإيجابيات ~~والسلبيات.................................... 218 # ما موقف الإسلام من الخمر ~~والميسر!....................................... 220 # وقفة مع آراء المفسرين في هذه ~~الآية........................................ 223 # ملاحظة علي رأي الطباطبائي............................................. 224 PageV04P397 # الآية في مستوي القاعدة ~~الفقهية........................................... 225 # الاية في خط الدعوة ~~والتربية............................................... 227 # العفو من ~~الإنفاق........................................................ 229 # ويسئلونك عن اليتامي................................................... 231 # الآية ~~[221]................................................................ 235 # معاني ~~المفردات.......................................................... 235 # مناسبة ~~النزول........................................................... 236 # الزواج بين الرغبة العاطفية والمصلحة ~~الواقعية................................. 237 # من هم المشركون في ~~الآية!.................................................. 37 # ولأمة مؤمنة خير من ~~مشركة............................................... 239 # الفارق بين أهل الكتاب ~~والمشركين......................................... 242 # الآيتان [222 ~~223]........................................................ 243 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # مناسبة ~~النزول........................................................... 246 # يسئلونك عن المحيض................................................... 247 # المفسرون والفقهاء واختلافهم في كلمة ~~«الحرث»............................. 255 # المرأة بين الوطء ~~والحرث................................................... 258 # بين الأسلوب القراني وصلة الإنسان ~~بالله.................................... 260 # الآية ~~[224]................................................................ 263 # معاني ~~المفردات.......................................................... 263 # مناسبة ~~النزول........................................................... 264 # اليمين: دوره ~~ومعطياته.................................................... 265 # الآية ~~[225]................................................................ 269 # معاني ~~المفردات.......................................................... 269 # اليمن بين اللغو ~~والجدية................................................... 269 # لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم.......................................... 271 PageV04P398 # الآيتان 226 ~~227]......................................................... 272 # معاني ~~المفردات.......................................................... 272 # مناسبة ~~النزول........................................................... 273 # الإيلاء بين ~~خيارين....................................................... 273 # مدلول الأربعة ~~أشهر..................................................... 275 # الآية ~~[228]................................................................ 269 # معاني ~~المفردات.......................................................... 279 # مناسبة ~~النزول........................................................... 280 # بين الطلاق والإصلاح................................................... 281 # ولهن مثل الذي ~~عليهن.................................................... 283 # مع بعض الأحاديث في حقوق المرأة والرجل في ~~الزواج......................... 285 # ضرورة ~~العدة............................................................ 290 # حرمة ~~الكتمان........................................................... 291 # حق الرجعة............................................................. 292 # وللرجال عليهن ~~درجة.......................................................... 293 # موقع الطلاق من التشريع ~~الإسلامي........................................ 295 # الطلاق بيد ms0762 ~~من!......................................................... 298 # ما الحكمة في ~~العدة!..................................................... 299 # الرجوع بيد ~~من!......................................................... 300 # الآيات [229 ~~230]........................................................ 302 # معاني ~~المفردات.......................................................... 302 # مناسبة ~~النزول........................................................... 303 # حدود الله في تشريع ~~الطلاق.............................................. 305 # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان: قاعدة فقهية........................... 309 # لماذا التحجير في حدود ~~الطلاق!........................................... 313 # الآية ~~[231]................................................................ 315 PageV04P399 # معاني ~~المفردات.......................................................... 315 # مناسبة ~~النزول........................................................... 316 # إمساك الضرر ظلم للنفس واستهزاء بآيات ~~الله.............................. 317 # الآية ~~[232]................................................................ 320 # معاني ~~المفردات.......................................................... 320 # مناسبة ~~النزول........................................................... 321 # لا تمنعوا المطلقات من ~~العودة.............................................. 321 # الأخذ بموعظة الله أزكي وأطهر لمن ~~يؤمن.................................... 323 # الآية وحرية الاختيار عند ~~المرأة............................................. 324 # الآية ~~[233]................................................................ 325 # معاني ~~المفردات.......................................................... 325 # الرضاع: أهميته، مدته، ~~حقوقه............................................. 326 # لا ضرر ولا ضرار....................................................... 330 # مسئولية ~~الوارث.......................................................... 331 # التراضي بين الوالدين علي ~~الفطام.......................................... 332 # من وحي ~~الآية........................................................... 332 # دعوة ~~للتقوي............................................................ 333 # الآية ~~[234]................................................................ 335 # معاني ~~المفردات.......................................................... 335 # عدة الوفاة والتوازن العاطفي ~~الاجتماعي..................................... 336 # بين التشريع ورقابة الله علي ~~الإنسان....................................... 338 # الآية ~~[235]................................................................ 340 # معاني ~~المفردات.......................................................... 340 # الخطبة بين التعريض ~~والتصريح............................................. 341 # بين إباحة التعريض بالخطبة والعودة إلي الزوج ~~الأول.......................... 344 # الحذر من الله العليم ~~الخبير................................................ 345 PageV04P400 # الآية ~~[236]................................................................ 347 # معاني ~~المفردات.......................................................... 347 # وقوع الطلاق قبل ~~المس................................................... 348 # الآية ~~[237]................................................................ 351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 # لهن نصف ما فرضتم..................................................... 351 # العفو تقوي وانتصار علي ~~الذات........................................... 353 # لا تنسوا الفضل ~~بينكم................................................... 354 # الآية ~~[238]................................................................ 356 # معاني ~~المفردات.......................................................... 357 # مناسبة ~~النزول........................................................... 357 # صلاة الجماعة وأثرها في حياة ~~المسلمين...................................... 358 # المحافظة علي ~~الصلاة..................................................... 359 # الآية ~~[239]................................................................ 361 # معاني ~~المفردات.......................................................... 361 # لم صلاة الخوف!........................................................ 361 # الآية ~~[240]................................................................ 365 # وصية الزوج ~~لزوجته...................................................... 365 # مع تفسير ~~الأمثل........................................................ 367 # الآيتان [241 ~~242]........................................................ 370 # إمتاع ~~المطلقات.......................................................... 370 # إيحاءات ~~الآية........................................................... 371 # الآيتان [243 ~~244]........................................................ 373 # معاني ~~المفردات.......................................................... 373 # مناسبة ~~النزول........................................................... 374 # الأمة والتحديات: بين الهروب ~~والمواجهة..................................... 375 PageV04P401 # اتجاهان متعاكسان في ~~التفسير............................................. 377 # القتال في طريق ~~الحياة..................................................... 380 # الآية ~~[245]................................................................ 381 # الإنفاق ~~والتجارة......................................................... 381 # الآيات [246 ~~252]........................................................ 383 # معاني ~~المفردات.......................................................... 384 # قصة طالوت وجالوت: درس في الثبات والنكوص............................ 385 # إيحاءات ودروس......................................................... 388 PageV04P402 ![](https://books.rafed.net/Books/3264_tafsir-men-wahi-alquran-05/images/image001.gif) PageV05P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3264_tafsir-men-wahi-alquran-05/images/image002.gif) PageV05P003 ### | سورة البقرة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مئتان وسبع وثمانون ### ||| * 253 286 PageV05P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@052 تلك الرسل فضلنا ms0763 بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) (253) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بروح القدس ): قد يعني اللطف الإلهي والتأييد ، وقد يعني ~~جبرائيل ، وقيل غير ذلك. قال الطبرسي : وأقوى الأقوال والوجوه قول من قال ~~هو جبرائيل عليه السلام ، وإذا قيل لم خص عيسى عليه السلام من بين الأنبياء ~~بأنه مؤيد بجبرائيل وكل نبي مؤيد به؟ فالقول فيه إنه إنما خص بذلك لثبوت ~~اختصاصه به من صغره إلى كبره (1). # * * * PageV05P007 ### ||| ** تفضيل الرسل بعضهم على بعض لا يعني اختلاف الهدف # في الآية حديث عن تفضيل الله لبعض الرسل على بعض ، وحديث عن اختلاف أممهم ~~من بعدهم واقتتالهم ، فكيف نفهم ذلك؟ # 1 أما التفضيل ، فقد يخطر في البال ، أن المراد به تفضيل القيمة ، لما ~~توحي به الكلمة من الأفضلية ، ولكن التدبر في الآية يوحي أنه بمعنى الميزة ~~والخصوصية التي يمنحها الله لبعض الناس دون بعض الحكمة يراها ، من دون أن ~~تعني امتيازا ذاتيا. وهذا ما نستوحيه من الآيات التي تحدث عن تفضيل بني ~~إسرائيل على العالمين ، حيث إن البارز فيها هو تفضيل النعمة لا تفضيل ~~القيمة ، ولهذا لم يمنع لذلك من ذمهم ولعنهم في آيات كثيرة من القرآن ، ~~وربما يؤكد ذلك ، أن الله عند ما فصل التفضيل ، جعل منه تكليم الله لبعضهم ~~، وجعل منه رفعه لبعضهم درجات ، الأمر الذي نستوحي منه ، أن التفضيل قد ~~يأتي بمعنى لا يفرض ارتفاع المنزلة. وبهذا نرد على من تساءل أن فقرة ( ~~@QUR@03 ورفع بعضهم درجات ) بمثابة تكرير لما تفيده كلمة التفضيل. فإن ~~المعنى الذي أشرنا إليه يبتعد بالآية عن ذلك كما هو واضح. # ولكن ذلك لا ينفي انطلاق القيمة في التفضيل من تفاضل العناصر الذاتية ~~الموجودة في كل واحد منهم ، كما قد تكون من الألطاف الإلهية التي اختص بها ~~الله بعضهم ms0764 ببعض الامتيازات والمهمات ، انطلاقا من الظروف الموضوعية ~~المحيطة بالمرحلة الزمينة ، والتحديات المتنوعة ، والأوضاع الاجتماعية أو ~~بعض القضايا الخفية التي اختص الله بعلمها ، مما يفرض الحاجة إلى معجزة ~~معينة في مجتمع ما ، ومعجزة أخرى في مواجهة هذا التحدي ، وصفات مميزة في ~~هذا النبي أو ذاك تبعا للدور الذي أوكل إليه أو المهمة التي كلف بها. PageV05P008 # وقد يطرح سؤال : كيف نوفق بين تفضيل بعض الرسل على بعض ورفع بعضهم درجات ~~، وبين قوله تعالى : ( @QUR@06 لا نفرق بين أحد من رسله ) [البقرة : 258] ~~التي قد يستوحي منها البعض المساواة؟ والجواب عن ذلك ، أن تلك الآية واردة ~~في مسألة الإيمان بالرسل وأن الله يريد للمؤمنين أن يؤمنوا بجميع الرسل ، ~~فلا يؤمن أحدهم برسول لينكر الرسول الآخر ، كما يحدث لدى اليهود الذين ~~أنكروا رسالة عيسى عليه السلام والنصارى الذي أنكروا رسالة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وليست واردة في الحديث عن الخصائص النبوية في مسألة ~~التفاصيل في المساواة أو الفضل. # وقد يطرح سؤال ثان ، لماذا تحدث القرآن عن تفضيل الرسل بعضهم على بعض ~~ليتحدث بعد ذلك عن اختلاف أتباعهم واقتتالهم؟ # وربما يجاب عن ذلك بما أجاب به صاحب الميزان ، بأن الآية في مقام دفع ما ~~ربما يتوهم ، أن الرسالة ، خاصة من حيث كونها مشفوعة بالآيات البينات ~~الدالة على حقية الرسالة ، ينبغي أن يختم بها بلية القتال : إما من جهة أن ~~الله سبحانه لما أراد هداية الناس إلى سعادتهم الدنيوية والأخروية بإرسال ~~الرسل وإيتاء البينات ، كان من الحري أن يصرفهم عن القتال بعد ويجمع كلمتهم ~~على الهداية ، فما هذه الحروب والمشاجرات بعد الأنبياء في أممهم ، وخاصة ~~بعد انتشار دعوة الإسلام الذي يعد الاتحاد والاتفاق من أركان أحكامه وأصول ~~قوانينه؟ وإما من جهة أن إرسال الرسل وإيتاء بينات الآيات للدعوة إلى الحق ~~لفرض الحصول على إيمان القلوب ، والإيمان من الصفات القلبية التي لا توجد ~~في القلب عنوة وقهرا ، فما ذا يفيده القتال بعد استقرار النبوة؟ # ويتابع السيد العلامة الطباطبائي الحديث ، فيجيب عن هذا التوهم : إن الذي ~~يجيب تعالى ms0765 به : أن القتال معلول الاختلاف الذي بين الأمم ، إذ لو لا PageV05P009 # وجود الاختلاف لم ينجر أمر الجماعة إلى الاقتتال ، فعلة الاقتتال ~~الاختلاف الحاصل بينهم ، ولو شاء الله لم يوجد اختلاف فلم يكن اقتتال رأسا ~~، ولو شاء لأعقم هذا السبب بعد وجوده ، لكن الله سبحانه يفعل ما يريد ، قد ~~أراد جري الأمور على سنة الأسباب ، فوجد الاختلاف ، فوجد القتال فهذا إجمال ~~ما تفيده الآية. # ويقول في سياق الحديث : وعلى هذا ، فصدر الآية لبيان أن مقام الرسالة على ~~اشتراكه بين الرسل عليهم السلام ، مقام تنمو فيه الخيرات والبركات وينبع منه ~~الكمال والسعادة ودرجات القربى والزلفى ، كالتكليم الإلهي ، وإيتاء البينات ~~، والتأييد بروح القدس ، وهذا المقام على ما فيه من الخير والكمال لم يوجب ~~ارتفاع القتال لاستناده إلى اختلاف الناس أنفسهم (1). # وهو توجيه متين ، ولكن قد نستوحي من الآيات أن الله قد أرسل الرسل ~~ليبلغوا الناس رسالات الله ، التي ترجع في عمق مضمونها إلى رسالة واحدة وهي ~~الإسلام لله ، فلم تختلف رسالاتهم مع اختلاف خصائصهم التي يفضل بعضهم على ~~بعض بها ، سواء كانت متصلة بالذات في عناصرها المميزة أو بالدور ، أو ~~بالمعجزة ، أو بالصلة المباشرة بالله أو نحلة الله له ، أو بشمولية الرسالة ~~وخاتميتها ، ليكون الرسول خاتم النبيين الذي يجمع الكتاب كله والرسالة كلها ~~في رسالته ، فقد كانوا موحدين يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض ، لأنهم ~~انطلقوا من الروحية النقية الصافية المنفتحة على الله وعلى كل سننه ، ومن ~~إدراك الحاجة الإنسانية لكل رسالاتهم من خلال ارتباط مسيرة الإنسان بعضها ~~ببعض ، فإن لكل مرحلة حاجاتها وقضاياها وتحدياتها ، الأمر الذي يفرض ~~التكامل والتواصل ، لتستقيم الحياة كلها في PageV05P010 # الطريق الواحد الذي يصل بالإنسان إلى الله في كل مراحله المتنوعة. # وقد عرفوا الناس هذه الحقيقة الواحدة التي وحدت بينهم عند ما التقى الخط ~~عندهم على الدعوة إلى عبادة الله وحده التي تختصر كل تفاصيل الرسالات. # فكان من المفروض لأتباعهم أن يستجيبوا لهم في حركة الوحدة الإنسانية على ~~خط الرسالات التي جاء بها الرسل ، وأن تكون وحدة الأتباع من ms0766 خلال وحدة ~~المتبوعين ، ولكن المشكلة أن الله لم يخلق الناس على طريقة واحدة ومزاج ~~واحد وذهنية واحدة ، لأن طبيعة اختلافهم في مواقعهم ومؤثراتهم وأوضاعهم ، ~~تؤدي إلى اختلاف الأفكار ، وتنوع المصالح ، وانحراف السلوك ، وطغيان ~~المنافع والمطامع ، فلا تكون الرسالة هي العنوان الكبير لالتزاماتهم ، بل ~~تكون الذات هي الخلفية اللاشعورية أو الشعورية لتصرفاتهم ، فيجعلون الدين ~~وسيلة من وسائل تحقيق مآربهم ، فتشتد الحساسيات وتصطدم المصالح وتضرى ~~الأنانيات التي تطل بهم على ساحة القتال الذي يتحرك بضراوة ، لأن ما ~~يختلفون فيه ، وهو الدين ، يمثل معنى القداسة العميق في عمق الذات ، مما ~~يجعل حرارة التحرك باسمه أكثر تأثيرا من أي موقع أو فكر آخر ، ولم يعطل ~~الله فيهم هذه الحالة الإنسانية المتحركة في اندفاع الغرائز الذاتية التي ~~لا يخضع فيها الإنسان لعامل واحد ، ولوجه واحد ، بل يخضع لتأثيرات أكثر من ~~عامل في أكثر من وجه ، مما يدخل في تنوع موارد الحياة ومصادرها في حركة ~~الإنسان في داخلها وخارجها ، ويحقق لها الإيجابيات الكبيرة إلى جانب ~~السيئات ، فإذا كان هذا الاختلاف سلبيا في جانب ، فإن له أكثر من إيجابية ~~في الجوانب الأخرى التي يتنوع فيها الإنسان تبعا لتنوع حاجاته ومطامعه ~~وتطلعاته وأفكاره. # وهكذا أراد الله للرسالات أن تنطلق من موقع الرسل الذين يبلغونها من PageV05P011 # دون أن يفرضوها ، لتتجه إلى مواقع الناس الذين ينطلقون في عملية الاختيار ~~نحو الإيمان هنا ، ونحو الكفر هناك ، لتتطور الأمور إلى الاقتتال الذي ~~يحاول فيه كل فريق أن تكون الساحة له من موقع القوة الراغبة في السيطرة ~~لمصلحة الإيمان أو لمصلحة الذات. # وربما حاول البعض من هؤلاء أن يجعلوا من تفضيل بعض الرسل على بعض وسيلة ~~من وسائل الوقوف عند هذا الرسول ، فلا يتعداه للإيمان بالرسول الآخر ، ~~بالإضافة إلى إيمانه به ، فيثور الخلاف والنزاع الذي يعدد الأديان ليدعي ~~أحدهم أن دينه هو دين الحياة الأخير ويدعي الآخر الدعوى نفسها في دينه. # إنها إرادة الله في حركة التكوين في خضوعها للأسباب والمسببات الطبيعية ~~التي أودعها في الكون ، القائمة في الإنسان على أساس حرية الإرادة ms0767 وحيوية ~~الاختيار ، في الوقت الذي كانت إرادته التشريعية تدعوه إلى أن يمتنع عن ~~القيم السلبية ليلتزم بالقيم الإيجابية في الدين والحياة ، لأن الله يريد ~~لدينه ولشريعته ولحركة الحياة في الإنسان أن تنطلق من موقع الحرية لا من ~~خلال الجبر ، لأن المصلحة تقتضي ذلك في عمران الكون القائم على التنوع ~~والصراع والتوازن. # * * * ### ||| ** الآية ظاهرة بشمولها ولا اختصاص لها # 2 وقد استقرب المفسرون أن المراد بقوله : ( @QUR@03 من كلم الله ) موسى ~~عليه السلام بقرينة قوله تعالى : ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) [النساء ~~: 164] وأن المراد بقوله ( @QUR@03 ورفع بعضهم درجات ) نبينا محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لما ثبت من PageV05P012 # تفضيله على جميع الأنبياء. وذكروا أن القرينة على ذلك ذكر عيسى ~~عليه السلام ، مما يدل على أن الحديث كان يتركز على الأنبياء الثلاثة الذين ~~لا يزال لهم أتباع يتقاتلون ويختلفون. ولكن هذه أمور لم يثبت الدليل عليها ~~، لأن من الممكن أن يكون هناك ممن كلمهم الله كما يمكن أن يكون هناك ارتفاع ~~في الدرجات لبعض الأنبياء على بعض ، وليس في الآية ظهور في رفع الدرجة ~~المطلقة على الأنبياء لينطبق ذلك على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~الذي يملك الدرجة العليا التي تميزه عن الأنبياء في شمولية رسالته لجميع ~~الخلق وفي جعله رحمة للعالمين وخاتم النبيين وامتداد معجزته إلى نهاية ~~الحياة ، وباليدين القيم الذي يشمل صلاح الإنسان ، في الدنيا والآخرة في ~~انفتاح الشريعة على كل حاجاته وشؤونه وقضاياه وتطلعاته في امتداد نوعي وكلي ~~لم يسبق لنبي من قبله ، فهذه هي الحقيقة البارزة في رسالته ودوره بالإضافة ~~إلى صفاته المميزة في كل مواقع الكمال ، لا سيما خلقه العظيم الذي انفتح ~~فيه على كل الناس ، ولكن إرادة هذا من الآية بالخصوص لا دليل عليه. # والظاهر من الآية أنها شاملة لكل الرسل ولا اختصاص لها بمن ذكر في القرآن ~~، لأنها واردة في مورد إعطاء الفكرة العامة عن الرسل ، مما لا يجعل لفريق ~~منهم دون فريق خصوصية عن الفريق الآخر ما دامت مسألة التفضيل وارتفاع ~~الدرجة سارية في كل ms0768 مواقع الظاهرة الرسولية. # أما تخصيص عيسى عليه السلام ، فللتدليل على ميزته في ذاته من خلال كونه ~~مظهرا لقدرة الله في خلقه في ما يوحي به اسمه ، وللإيحاء بصفة الرسالة في ~~شخصه من خلال البينات التي جاء بها من أجل أن يقيم الحجة على الناس في ذلك. ~~من دون أن يكون في ذلك أي معنى إلهي يمكن في ذاته ، بل هو منطلق من تأييد ~~الله له بروح القدس ، الذي قد يعني جبرائيل فيما يفسره به البعض وقد يعني ~~اللطف الإلهي الذي يمنحه الله لعباده في ما PageV05P013 # يلهمهم إياه وفي ما يقدرهم عليه ويؤيدهم به من مواقف ... وتلك من ميزات ~~عيسى عليه السلام التي قد يشاركه فيها غيره من الأنبياء الذين أرسلهم الله ~~بالبينات ، وأنزل الملائكة بالروح عليهم وعلى غيرهم في ما حدثنا الله عنه ~~في القرآن. # * * * ### ||| ** معنى كلام الله # 3 وقد أفاض المفسرون وعلماء الكلام ، الحديث حول كلام الله ، لأن الكلام ~~في ما يعنيه من مدلول ، لا يتناسب مع الخالق ، فلا بد من أن يراد به معنى ~~آخر على نحو المجاز ، ولكن الظاهر أن الكلمة واردة بمعناها الحقيقي ، وهو ~~التعبير عن المعنى باللفظ ، من دون حاجة إلى صدوره من اللافظ بأدوات اللفظ ~~المتعارفة من اللسان ونحوه ، بدليل ما حدثنا الله عنه من تكلم الأيدي يوم ~~القيامة في قوله تعالى : ( @QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) [يس : 65]. وفي ضوء ذلك ، يكون نسبة ~~الكلام إليه تعالى من خلال أنه يخلق أصواتا في ضمن ألفاظ بصيغة المتكلم ~~بحيث يسمعها النبي أو غيره ، ولهذا قيل بأن صفة التكلم من أفعال الله التي ~~تتوقف على وجود الذات ، وليست من صفاته التي توجد بوجود ذاته ، لأنها عين ~~ذاته ، فإنه سبحانه يخلق الكلام ، كما يخلق الإنسان والأرض والسماء ~~والأشياء الأخرى ، وهذا ما وردت به الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ~~، فقد جاء في أمالي المفيد عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله جعفر ~~الصادق عليه السلام يقول : لم يزل الله جل ms0769 اسمه عالما بذاته ولا معلوم ، ولم ~~يزل قادرا بذاته ولا مقدور ، قلت : جعلت فداك ، فلم يزل PageV05P014 # متكلما؟ قال : الكلام محدث ، كان الله عز وجل وليس بمتكلم ثم أحدث الكلام ~~(1)... # وفي الاحتجاج : عن صفوان بن يحيى قال : سأل أبو قرة المحدث عن الرضا ~~عليه السلام فقال : أخبرني جعلت فداك عن كلام الله لموسى ، فقال : الله أعلم ~~بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية ، فأخذ أبو قرة بلسانه فقال : إنما ~~أسألك عن هذا اللسان ، فقال أبو الحسن عليه السلام : سبحان الله عما تقول ~~ومعاذ الله أن يشبه بخلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون ، ولكنه سبحانه ليس ~~كمثله شيء ولا كمثله قائل فاعل ، قال : كيف؟ قال : كلام الخالق لمخلوق ليس ~~ككلام المخلوق لمخلوق ، ولا يلفظ بشق فم أو لسان ، ولكن يقول له كن ، فكان ~~بمشيته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردد في نفس الخبر (2). # وخلاصة الفكرة : أن الكلام هو التعبير عن المعنى باللفظ من دون أن يكون ~~لوسائل التعبير وأدواته مدخل في طبيعة المدلول. فالاستعمال على هذا حقيقي ~~لا مجازي. # * * * ### ||| ** التفاضل بين الرسل لم يمنع من اللقاء # 4 ولكن ما هو مغزى هذا الحديث ، هل هو مجرد تقرير الفكرة ، أو هو تمهيد ~~لفكرة أخرى؟ الظاهر بقرينة السياق هو الثاني. فإن القضية هي حركة الرسالة ~~في حياة الناس الذين عاشوا مع الرسل أو جاؤوا بعدهم ، PageV05P015 # فاختلفوا وتقاتلوا حولهم وحول رسالتهم ، في طريقة الإيمان بها ، أو في ~~أصل الإيمان بها ... فلعل الآية كانت تريد أن توحي بالتقاء الرسل على رسالة ~~الله ، باعتبارها سر شخصيتهم الرسالية ، وبأن تفضيل الله لبعضهم على بعض لم ~~يمنع من هذا اللقاء ، لأن جهات التفضيل لا توجب الخلاف فيما بينهم ليختلف ~~من بعدهم على هذا الأساس ، بل هي من مميزات شخصيتهم ورسالتهم في ما تحتاج ~~إليه من مميزات. # * * * ### ||| ** كيف حدث اختلاف أممهم؟ # 5 كيف حدث الاختلاف والتقاتل بين أمم الأنبياء ولماذا؟ # لقد قرر الله أنه كان قادرا على أن يمنع الاقتتال والاختلاف بين الأمم ~~بالقوة القاهرة ، التي ms0770 تجعل من وحدة الإيمان عنصرا من العناصر الذاتية ~~للإنسان كما هو لونه وصفات جسده الأخرى ، ولكنه أراد للإنسان أن يتحرك نحو ~~الإيمان أو الكفر بإرادته واختياره ، من خلال السنة الكونية التي أراد أن ~~يربط فيها الأسباب بمسبباتها ، مما قد يفرض الكفر إذا تحقق سببه كما يفرض ~~الإيمان إذا تحقق سببه ، الأمر الذي قد يؤدي إلى التقاتل والتنازع في ~~الأجواء الحادة التي تتجمع ظروفها الموضوعية في هذه الساحة أو تلك. وهذا ما ~~جرت عليه سنة الحياة في ما سن الله للحياة من خطط أو قوانين ، ولكن ذلك لا ~~يعني أن الله يرضى به أو يريده في الإطار التشريعي ، بل كان ينهى عنه في ~~هذا الإطار من أجل أن يقود الإرادة الإنسانية للاختيار الأفضل من موقع ~~القناعة الذاتية ، وهذا هو معنى أن الله يفعل ما يريد ، من دون أن يكون ذلك ~~منطلقا من فكرة الجبر ومبتعدا عن فكرة الحرية والاختيار. PageV05P016 # وقد يقول قائل : لماذا أقدر الله الإنسان على الشر وهو قادر على أن يشل ~~قدرته عنه؟ والجواب : أن السر في ذلك ، هو السر في خلق الإنسان على أساس ~~الاختيار الذي قد يحصل من خلال المنفعة للإنسان أو للوجود أكثر مما يحصل له ~~من مضرة ، وليس في ذلك أي قبح في فعل الله ، ما دام الله سبحانه لا يعطي ~~الإنسان قدرة عمياء لا تستطيع أن تعرف طريقها جيدا عند اختلاف الطرق ، بل ~~أعطاه قدرة مفتوحة الأعين على كل خير وعلى كل شر ، واعية لكل ما حولها من ~~خلال الفكر الذي تملكه ومن خلال الرسالات التي أرسل الله بها رسله ليوجهوا ~~الناس إلى استخدام الإرادة الواعية المنفتحة على الحق والخير ، في ما توعد ~~الله عليه من عقاب في جانب السلب ، وما وعد به من ثواب في جانب الإيجاب ، ~~ولذلك كان القرآن الكريم يكرر في أكثر من آية قوله تعالى : ( @QUR@05 وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) [هود : 101]. # * * * ### ||| ** هل الدين أساس الحروب بين الناس؟ # 6 ربما يثير الكثيرون من الناس أن الدين هو العنصر الحاد السريع الاشتغال ms0771 ~~في الوجدان الإنساني لما يتضمنه من حس القداسة الغيبية التي تدفعه إلى ~~التحرك من أجل إلغاء الآخر ، لأن هذا الجو الغيبي المنفتح على الإيمان ~~بالله يمنع الوصول إلى أية تسوية مع الكفر به ويجعل من الإنسان الكافر ~~إنسانا لا يستحق الوجود ، فلا بد من إزالته من الحياة ليبطل تأثيره في ~~إضلال الناس عن خط الإيمان ، لتكون مواجهته ثأرا لله وللرسول وللدين ، فلا ~~مجال للحوار معه ، لأن القضية تفرض نفسها على الواقع الحي من خلال وضوحها ~~الذي لا يلتقي بأية شبهة في احتمالات الخطأ ، ليكون هناك مجال للجدل من ~~خلالها ، وبذلك يتحول المؤمن بالدين إلى شخصية عدوانية PageV05P017 # ساحقة ضد الإنسان الآخر الكافر ، وإلى نار محرقة لكل وجوده ، وهذا ما ~~يجعل من الحروب الدينية أمرا طبيعيا أمام الخلافات الدينية ، سواء كانت ~~منطلقة من عمق الإيمان ، أو من استغلال الشعار ، ولهذا ، بدأ البعض يدعو ~~إلى إلغاء الدين من حياة الإنسانية لتستطيع الإنسانية أن تحصل على السلام. # ونلاحظ على ذلك ، أولا : إننا لا ننكر أن للدين تأثيرا على الوجدان ~~الإنساني أكثر من أي فكر آخر ، لأن القداسة التي يختزنها في مضمونه الإلهي ~~والتي تجعل المؤمن في حالة ذوبان في الله وإخلاص عظيم له ، قد تثير في ~~النفس الكثير من المشاعر والانفعالات الحادة التي تنطبع في السلوك العام ~~والخاص في علاقته بنفسه أو بالآخر. # ولكن ، ليس معنى ذلك أن الروح الدينية تنطلق من فكرة إلغاء الآخر ، بل هي ~~، في مضمونها الرسالي ، تدفع بأتباعها إلى الانفتاح على الآخر بالدعوة ~~القائمة على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن بالأسلوب الذي ~~يعمل على الدخول إلى عقله وقلبه والنفاذ إلى واقع حياته ، ومناقشة فكره ~~باحترام في عملية أخذ ورد ، بالطريقة التي يملك فيها حرية المناقشة بلا ~~حدود أمام الهدف الذي يحول الأعداء للرسالة والقضية والموقع والموقف إلى ~~أصدقاء لها. وهذا هو شأن الواعين من المؤمنين الذين يعيشون الإيمان حركة ~~دعوة منفتحة على الإنسان كله والحياة كلها من أجل هدايته وهداية الحياة في ~~حركته ووجوده. # ولكن الجهل والتخلف اللذين ms0772 يسيطران على بعض المجتمعات المتدينة أو ~~الأشخاص المتدينين ، هما اللذان يدفعان بالإنسان إلى مواجهة الفكر الآخر ~~بالانفعال والحماس المضاد والأسلوب العاطفي الذي لا يفكر بعقل واتزان لأنه ~~لا يملك العقل الذي يواجه العقل الآخر والاتزان الذي يلتقي من خلاله ~~بالخلفيات التي تكمن في قناعات الفئات المضادة ، فلا PageV05P018 # يملك في هذا الجو شجاعة المجابهة العقلانية ، فيحول الموقف إلى المجابهة ~~العدوانية. # ويمكن أن تتحرك الحرب من خلال الطرف الآخر الذي يعمل على العدوان على ~~الموقع الديني ، وذلك من خلال عملية احتلال عسكري أو سيطرة اقتصادية أو ~~سياسية ، مما يجعل القضية دفاعا عن النفس ، أو وقاية من العدوان المحتمل ، ~~وذلك من خلال روحية منفتحة على القضايا الكبرى في عناوينها الحيوية التي ~~يرى فيها المحاربون فريضة إلهية لا تحمل عقدة في الذات الطائفية ، بل علاجا ~~للواقع الصعب الذي يختزن الأخطار على مصير الدين والمستضعفين وعلى حرية ~~المؤمنين في الدعوة إلى الله. # وهكذا نجد أن الحرب الدينية ليست حركة عدوانية ضد الإنسان الآخر ، بل هي ~~حركة دفاعية أو وقائية من أجل المحافظة على الذات والموقع والإنسان. # ثانيا : إننا لا نرى في الحديث عن مسئولية الدين عن الحرب في حياة ~~الإنسان حديثا واقعيا دقيقا ، بحيث يكون السبب الرئيسي في حركة الحرب في ~~الواقع ، فهناك الحروب العرقية والقومية والاقتصادية والسياسية التي قد ~~تختبئ وراء الشعارات الدينية في بعض الحالات ، وقد تكشف عن وجهها الحقيقي ~~في حالات أخرى ، مما يجعل من هذه الأمور أساسا للحرب الدائبة بشكل مباشر أو ~~غير مباشر. # ثالثا : إن الدين الذي ألغى الفروق العرقية والعنصرية والجغرافية ، يمثل ~~العنصر الحيوي في تجفيف منابع الحرب وإلغاء أسبابها ، لأنها حرب قائمة على ~~العصبية ، وهي مرفوضة من الدين ، لا سيما في الإسلام ، جملة وتفصيلا. فقد ~~جاء في الحديث : من تعصب أو تعصب له ، فقد خلع ربقة PageV05P019 # الإيمان من عنقه (1). وعلى ضوء هذا ، فإن الحروب ناشئة غالبا من انعدام ~~الدين ، لا من الدين نفسه. # رابعا : إن الدين قد طرح القضايا الإنسانية للطبقات المضطهدة أو المحرومة ~~أو المستعبدة ، كعناوين كبري ms0773 لحركته في ساحة الصراع ، مما يجعل من الحرب ~~التي يخوضها المؤمنون حربا جهادية إنسانية لا دينية ، بالمعنى المباشر ~~التقليدي للدين وهذا ما نراه في الحرب التي يخوضها الإسلاميون في هذا العصر ~~ضد المستكبرين والمستغلين والظالمين ، بحيث نجدهم يتعاونون مع غير المسلمين ~~من أتباع الديانات الأخرى أو التيارات الأخرى في مواقع اللقاء على طريق ~~الأهداف المشتركة. # * * * ### ||| ** لا مجال لليأس أمام السلبيات # 7 أما ما نستوحيه من ذلك ، فهو التأكيد على العاملين في الاستمرار على ~~الخط الرسالي في الدعوة إلى الله من دون أن يقعوا في قبضة اليأس تحت تأثير ~~الأجواء السلبية التي تواجههم في طريق العمل ، عند ما تواجههم الخلافات ~~الدينية بين الأديان المتعددة ، أو الخلافات المذهبية بين أبناء الدين ~~الواحد ، أو الخلافات الشخصية بين أتباع المذهب الواحد ، أو غير ذلك من ~~الأوضاع التي تدعو إلى التشنج وتقود إلى اليأس ، وقد تؤدي إلى التشكيك في ~~أصل الفكرة لدى بعض الناس ، لأن قضية الاتفاق المطلق بين الناس في أي شأن ~~من شؤون الحياة ؛ دينا أو غيره ، هو مما لم يتعهد به الله في ما تعهده من ~~الأمور التكوينية التي تتعلق بطبيعة وجود الأشياء وخصائصها PageV05P020 # الذاتية ، بل القضية بالعكس ، وهي أن الله أجرى الحياة على أساس قد يدعو ~~إلى الاختلاف والتنازع والتقاتل من خلال تنوع الإرادات وتمايز عناصر ~~الاختيار. # وهذا ما يفرض على العاملين أن يجاهدوا كما جاهد الأنبياء ، من قبلهم في ~~سبيل توفير الأجواء الملائمة للناس لكي تتحرك إرادتهم في طريق الخير بدلا ~~من أن تتحرك في طريق الشر ، سواء اتفقت خصائص العاملين أو درجاتهم أو ~~اختلفت ، ما دام الخط يسير على هدى الغاية المثلى ، وهي إعلاء كلمة الله في ~~الأرض ، فإن الاختلاف في الخصائص قد يغني التجربة من خلال تنوع جوانبها إذا ~~عرف العاملون كيف يثيرون ذلك كله في الساحة بصدق وأمانة. # * * * ### ||| ** اختلاف الخصائص لا يثير التحدي # 8 وهناك نقطة أخرى نستوحيها من الآية ، هي أن الله قد تحدث عن اختلاف ~~الخصائص والدرجات في هذه الآية من دون أن يثير أية ms0774 حالة من حالات التحدي ~~التي تربط القضية بالجانب الذاتي للنبي ، بل اعتبرها أمورا واقعية يتميز ~~بها الرسل في حركتهم الرسالية. # وفي ضوء ذلك ، لا بد لنا من أن نلتفت إلى الجهود الكلامية المضنية التي ~~يبذلها علماء الكلام وغيرهم في إقامة البراهين ، على أن هذا النبي لا سيما ~~نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من هذا النبي أو ذاك أو من كل ~~الأنبياء ، كما لو كانت القضية من القضايا الأساسية التي تتعلق بالجانب الحيوي PageV05P021 # للعقيدة ، وقد يتصاعد الخلاف ويتجه اتجاهات غير دقيقة ، ثم يتحول إلى أن ~~يكون صفة لازمة للشخصية ، بحيث يفرض على الفكر أن يلاحق كل الشخصيات ~~الدينية أو السياسية أو الاجتماعية في نطاق عمليات التفضيل الذي يراد به ~~إرضاء الزهو الذاتي الذي يرتاح إليه الإنسان تحت تأثير الشعور بأفضلية ~~الشخص الذي ينتمي إليه ، وقد يتطور الأمر ، فينتقل إلى البحث عن النقائص ~~والعيوب المتمثلة في شخصية الشخص الآخر ، وقبول ما ينقل إليه منها ، وإن لم ~~يكن ثابتا بطريقة شرعية ، وقد لا يكون لهذا كله أي أثر عملي في جانب ~~العقيدة والعمل ، كما هي القضية في فكرة تفضيل نبي على آخر ، أو تفضيل إمام ~~على نبي ، كما قد يثأر ذلك لدى بعض الفرقاء ، أو في ما يثأر من تفضيل فاطمة ~~الزهراء عليها السلام على مريم أو العكس .. فإن هذا حديث لا يجني منه الخائض ~~فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا ، سوى إتعاب الفكر أو إرضاء الزهو ~~الذاتي ، فإن الأنبياء السابقين قد مضوا إلى ربهم بعد أن أدوا رسالتهم ~~كاملة غير منقوصة ؛ ونحن نؤمن بهم ، كما أمرنا الله بذلك من دون أن يكون ~~لنا أي تكليف خاص متعلق بشريعتهم ، كما أننا ملزمون بالسير على شريعة ~~الإسلام التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من دون أن يكون ~~لمنزلته بالنسبة إلى بقية الأنبياء أي دخل في ذلك ، وإن كنا نؤمن بالمنزلة ~~العظمى التي جعلها الله له من خلال ملكاته وجهاده وامتداد رسالته. # إن علينا أن نتعلم ms0775 من القرآن أسلوب التعامل مع القضايا الفكرية والعملية ~~وكيف نجمل الأشياء التي لا تحتاج إلى تفصيل ، ونفصل الأمور التي تحتاج إلى ~~ذلك في نطاق العقيدة والعمل. # * * * PageV05P022 # ( @QUR@05 ولكن الله يفعل ما يريد ) # ( @QUR@05 ولكن الله يفعل ما يريد ) إن هذه الفقرة من الآية تحمل الحقيقة ~~العقيدية الإيمانية في النظرة إلى مقام الله في وعي الإنسان المؤمن ، ~~وموقعه منه ، فإن الله الذي يملك العبد بكل وجوده ، فله كل شيء فيه ، وليس ~~له من ربه شيء ، ليس من شأنه أن يقدم أي تفسير لأفعاله وأوامره ونواهيه ~~أمام عباده ، بل إن الواجب عليهم أن يخضعوا له في ذلك كله ، فهم لا يملكون ~~حرية الاختيار معه ، وهذا هو قوله تعالى : ( @QUR@016 وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) [الأحزاب : ~~36] وقوله تعالى : ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) [الأنبياء : ~~23] ، فهو الرب الخالق المهيمن على الكون كله والإنسان كله ، الحكيم في ما ~~يقول ويفعل ، وهم المربوبون له ، فعليهم أن يسلموا له كل أمورهم في الوعي ~~انسجاما مع حركة هذا الخط في التكوين ، وهذا هو معنى الإيمان الحق في أصالة ~~العقيدة في الذات والفكر والشعور. # وليس معنى ذلك أن لا يتطلبوا المعرفة في أسرار أفعاله وأقواله المتعلقة ~~بهم وبالحياة من حولهم ، فإن الله قد وجههم ليعلموا علم ذلك ، ولكن من باب ~~المعرفة التي تبحث عن وعي الكون والحياة في تقدير الله وتدبيره وقضائه ~~وقدره ، لا من باب البحث عن أساس الشرعية في انسجامهم مع إرادات الله ~~وأفعاله ، فهو الذي يفعل ما يريد ، لأن الوجود كله صنع إرادته ، فله أن ~~يصنع فيه ما يشاء لتكون مشيئته هي الأساس ، بعيدا عن أية مشيئة أخرى ، وهذه ~~هي العبودية الحقة في موقف العبد أمام ربه ، المتمثلة بالتسليم المطلق ( ~~@QUR@05 ولو شاء الله ما اقتتلوا ) ( @QUR@010 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين ) [هود : 118] ، لأن حكمته اقتضت ذلك ، وهو أعلم ~~بأسرارها ، ولأن إرادته فرضت ذلك. # * * * PageV05P023 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل ms0776 أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) (254) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا بيع ) البيع هو استبدال المتاع بالثمن ، والبيع نقيض الشراء ~~، والبيع ، أيضا ، الشراء ، لأنه تارة عقد على الاستبدال بالثمن وتارة على ~~الاستبدال بالمتاع ، والبيع ، الصفقة على إيجاب البيع ، والبيعة الصفقة على ~~إيجاب الطاعة ، والبيعان : البائع والمشتري. # ( @QUR@02 ولا خلة ) الخلة خالص المودة ، والخلل الانفراج بين الشيئين ، ~~وخللته بالخلال أخله إخلالا إذا شككته به ، واختلال الحال انحرافها بالفقر ~~، والخليل الخالص المودة ، من الخلة ، لتخلل الأسرار بينهما ، وقيل : لأنه ~~يمتنع من الشوب بينهما. # * * * PageV05P024 ### ||| ** الإنفاق من رزق الله # ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ) ثم تتعرض هذه الآية ~~إلى توجيه النداء إلى المؤمنين ، في ما يفرضه عليهم الإيمان من أفكار ~~للحياة وانسجام معها في الخط العملي ، بالإنفاق مما رزقهم الله على كل من ~~يحتاج إلى ذلك من الفئات المحرومة والمستضعفة من أجل تحرير هؤلاء من سيطرة ~~القوى الطاغية الغاشمة عليهم من خلال حاجاتهم التي قد تستعبدهم بفعل ~~الضرورة ، وإنقاذ واقعهم من الانهيار المادي الذي قد يتحول إلى سقوط روحي ~~أو معنوي تحت تأثير الضغط الجسدي في إلحاح الجوع والعطش والعري والتشريد ~~على الإنسان في واقعه المرير ، حتى لا يدفعهم ذلك إلى الانحراف والاختلاف ~~المرضي الذي يؤدي إلى الاقتتال ، ويدفع بهم إلى مواقع الضعف أمام ضغط القوي ~~الذي قد يتحول إلى ضغط على قناعاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية. وبهذا ~~نعرف أن مسألة الإنفاق لا تنحصر في قاعدتها الشرعية من الناحية الفكرية في ~~سد حاجات الفقراء والمعوزين ، بل تمتد إلى تحرير حاجاتهم من ضغط الأغنياء ~~والمستكبرين ليتحركوا في مواقعهم وموافقهم من خلال حريتهم في القناعة ~~والإرادة والحركة. # وربما كان في التعبير ب ( @QUR@02 مما رزقناكم ) إيحاء بأن الإنسان لا ~~ينفق مما يملكه ، بل ينفق مما أعطاه الله ؛ الأمر الذي لا يجعل له الحرية ~~في الإنفاق وعدم الإنفاق ، بل هو مسئول أن ينفق منه على نفسه ، ثم ينفق ما ~~يفضل عنه على الآخرين من موقع إنفاق مال الله على عباد الله. # ( @QUR@010 من قبل ms0777 أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ) وقد أثار الله أمام ~~الإنسان قضية الإنفاق من موقع المصير الذي يقدم عليه يوم القيامة ، حيث لا ~~يجد الإنسان أية وسيلة للخلاص في ما اعتاده من وسائل الخلاص في الدنيا ، ~~فهناك لا مجال للبيع الذي يحاول الإنسان فيه أن يطرح ما يملكه من السلع ليحصل PageV05P025 # من خلال ذلك على ما يحتاجه مما لا يملكه عن طريق المعاوضة ، ولا مجال ~~للصداقات التي يتوسل بها الإنسان ويلجأ إليها لتدعم موقفه ولتقضي له حاجاته ~~، ( @QUR@02 ولا شفاعة ) يقدمها الإنسان أمام ما ينتظره من عقاب وما يواجهه ~~من نتائج المسؤولية الصعبة ، لأن يوم القيامة قد ألغى ذلك كله ، وأبقى ~~وسيلة واحدة وهي أعمال الإنسان التي يقف في مقدمتها الإنفاق على السائل ~~والمحروم ... ثم لا شيء إلا رحمة الله ، فهذه هي الفرصة الوحيدة التي يحصل ~~عليها في الدنيا ليستكمل استعداده للوصول إلى رضوان الله والحصول على ثوابه ~~في الآخرة ، فإذا كان يريد بيعا في حركة الربح ، فالله هو الأفضل في ما ~~يقدمه له من أرباح الدنيا والآخرة ، وإذا كان يريد الحصول على صداقة خالصة ~~تفتح له قلبه وتقوي له موقفه ، فالله هو الخليل الصديق الأعظم الذي أعطاه ~~وجوده بكل تفاصيله من خلال رحمته ولطفه به وإخلاصه لمصيره في الدنيا ~~والآخرة. # ( @QUR@03 والكافرون هم الظالمون ) ثم يعقب على ذلك بأن الكافرين الذين ~~لا يعيشون الإيمان عقيدة ، ولا يمارسونه عملا في ما تفرضه العقيدة من عمل ، ~~هم الظالمون ، لأنهم يظلمون أنفسهم بالمعصية ، ويظلمون الحياة بالسير على ~~الخط المنحرف بعيدا عن الخط المستقيم ، وبذلك تبرز معادلة ثانية في الخط ~~المعاكس ، وهي أن المؤمنين هم العادلون ، الذين يسيرون على خط العدالة في ~~الفكر والعاطفة والحياة ، وذلك من خلال ارتباط العدل بالله في صفاته الحسنى ~~، وبالإنسان في مسئوليته عنه أمام ربه ، فإن الإيمان في أساس حركة الرسالات ~~في وحي الرسالة وميزان الحق ، هو حركة عدل مع النفس ومع الله ومع الإنسان ~~الآخر والحياة. # * * * PageV05P026 ### ||| * الآية # ( @QUR@050 الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ms0778 ولا نوم له ما ~~في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) (255) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 القيوم ): مبالغة بالقيام ، وهو الدائم القيام بتدبير الخلق ~~وحفظه. والقيام هو حفظ الشيء وفعله وتدبيره وتربيته ومراقبته والقدرة عليه ~~، قال الراغب : القيوم أي القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه ، ~~وذلك هو المعنى المذكور في قوله : ( @QUR@07 الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~) (1) [طه : 50]. # ( @QUR@01 سنة ) السنة : النعاس والغفلة والغفوة ، وهو مصدر وسن يوسن ~~وسنا وسنة. قال الشاعر : في عينه سنة وليس بنائم. PageV05P027 # ( @QUR@01 يؤده ) يشق ويثقل عليه ، يقال : آده يؤوده أودا إذا ثقل عليه ~~وأجهده وأتعبه. # * * * ### ||| ** مما جاء في فضل آية الكرسي # جاء في تفسير العياشي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : قال أبو ذر ~~: يا رسول الله ما أفضل ما أنزل عليك؟ قال : آية الكرسي ، ما السموات السبع ~~والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، ثم قال : وإن فضل ~~العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة (1). # في الدر المنثور أخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال : قلت : يا رسول ~~الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال : ( @QUR@07 الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~)، آية الكرسي (2). # وقد وردت أحاديث كثيرة ، بهذا المعنى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وباستحباب قراءتها في كل ليلة ، وفي مناسبات كثيرة. # فقد جاء في أمالي الشيخ الطوسي عن أبي أمامة الباهلي أنه سمع علي بن أبي ~~طالب عليه السلام يقول : ما أرى رجلا أدرك عقله الإسلام أو ولد في الإسلام ~~يبيت ليلة سوادها ، قلت : وما سوادها؟ قال : جميعها حتى يقرأ هذه الآية : ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقرأ الآية إلى قوله : ( @QUR@06 ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم ) قال : فلو تعلمون ما هي أو قال ما فيها ، ما ~~تركتموها على حال : إن رسول الله صلى الله عليه ms0779 وآله وسلم قال : أعطيت آية ~~الكرسي من كنز PageV05P028 # تحت العرش ، ولم يؤتها نبي كان قبلي ، قال علي : فما بت ليلة قط منذ ~~سمعتها من رسول الله إلا قرأتها ، الحديث (1). # ولعل السر في هذا الاهتمام بها هو أنها تتحدث عن التوحيد الخالص بالمستوى ~~الذي يعيش فيه الإنسان حضور الله في وجدانه ، في كل ما يعنيه هذا الحضور من ~~عظمة وسيطرة وإحاطة حقيقية بالأشياء كلها ، ورعاية لكل شؤونها الخاصة ~~والعامة ، وتفرد بالقدرة على كل شيء ، فلا شيء هناك غير الله ، لأن كل ~~المخلوقات ظل لوجوده ، ولا قيمة لأي علم أمام علم الله ، ولا سلطة غير ~~سلطته ، وأن الخط الذي يرسمه للناس هو الخط الواضح المستقيم الذي لا التباس ~~فيه ولا شك ولا ظلمة ، وأنه هو الذي يفتح للمؤمنين أبواب النور في المعرفة ~~والحياة ، من خلال الإيمان الواعي المنفتح ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~، بينما يقف الكافرون أمام الطاغوت الذي يرتبطون به ويعبدونه ويتبعونه من ~~دون الله ، ليخرجهم من النور ، الذي يقتحم عليهم وعيهم ووجدانهم ، إلى ~~الظلمات التي يحملها الكفر إلى داخل حياتهم ، فيحول النور في حياتهم إلى ~~ظلمة بما يخلقه من حواجز تحجزهم عن الله. وهذا ما توحي به الآية التالية ~~بعدها التي تمثل الامتداد المعنوي لها. # وبذلك كانت قيمة هذه الآية أنها تركز في أعماق الإنسان المؤمن التوحيد ~~الخالص بأسمى خصائصه وعناصره ، وتوحي له بأن الخط الفاصل بين منهج الله ~~ومنهج الطاغوت هو الخط الفاصل بين النور والظلمة .. وهذا ما نريد أن ~~نستوضحه من خلال مفردات الآية. # * * * PageV05P029 ### ||| ** آية الكرسي والتوحيد الخالص # ( @QUR@05 الله لا إله إلا هو ) هذه الكلمة علم لذات واجب الوجود ، فلا ~~تطلق على غيره ، ومن هنا كان الفرق بينها وبين كلمة إله ، لأن كلمة إله ~~عامة شاملة لكل ما يفرض مستحقا للعبودية ، ولذلك أمكن الاستثناء منها ، ~~وكانت كلمة لا إله إلا الله ظاهرة في التوحيد باعتبار دلالتها على انحصار ~~المستحق للعبودية في الذات المقدسة ، ولو كانت هذه الكلمة تطلق على غيره ~~لما كان لها ظهور في ذلك. # ( @QUR@01 الحي ) الذي ms0780 لا يشوب حياته عدم من قبل ولا من بعد ، لأنها لا ~~تخضع لفرضية القبل والبعد ، فهو القديم الذي لا أول له ولا آخر ... وفي هذا ~~الجو الممتد للحياة ، يمكن للإنسان أن يعيش الشعور بامتداد الارتباط بالله ~~ما امتدت بالإنسان حياته ، لأنه يسبق حياة الإنسان ، فيعطيها معنى الحياة ~~ويمتد معه ويبقى بعد فنائه ، بينما لا يشعر بهذا الارتباط مع غيره من أفراد ~~الإنسان ، مما يوحي له بعمق العلاقة التي ينبغي أن تشده إلى الله من موقع ~~الحاجة الفعلية الدائمة إليه. # ( @QUR@01 القيوم ) مبالغة في القائم على الشيء ، المشرف والمسيطر عليه ~~والمدبر والحافظ له ، على ما جاءت به الآية الكريمة : ( @QUR@08 أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت ) [الرعد : 33]. وقوله تعالى : في آية أخرى ، ( ~~@QUR@011 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ) [آل ~~عمران : 18]. # وذلك من خلال ما يعنيه القيام على الشيء من معنى الإشراف عليه ، في مقابل ~~القاعد والنائم ، فاستعير للسيطرة ، للمناسبة بين المعنيين ... وهذه الصفة ~~تعني إشراف الله الذي يملك العطاء والمنع من خلال ما يعلمه من استحقاق ~~الموجودات في وجوداتها من العطاء هنا ، والمنع هناك ، من خلال PageV05P030 # التوازن في النظام الكوني والإنساني الذي أبدعه في عمق الوجود ، لتستمر ~~الحياة من خلال شروطها الطبيعية ، وتعني تسلطه على الأشياء ، مما يعني ~~التدبير والرعاية والحفظ في ما يستتبعه المعنى بنحو لا يكون لغيره في ما ~~توحي به كلمة المبالغة. وفي هذه الصفة إيحاء بضرورة الرجوع إلى الله في كل ~~شيء باعتبار حاجة الأشياء كلها إليه. # ( @QUR@05 لا تأخذه سنة ولا نوم ) السنة النعاس الذي يقترب من النوم ، ~~والنوم هو الذي يغلب على السمع والبصر ، وفي هذا تعميق للمعنى الذي توحيه ~~كلمة القيوم في ما تستتبعه من الرعاية الدائمة التي لا مجال فيها للتوقف ~~والغياب بالنوم أو بالنعاس الذي تسترخي معه الحواس فتفقد الإحساس الواعي ~~للأشياء ... ومن البديهي أن ذلك مستحيل على ذات الله ، لأنه من شؤون الجسد ~~، فلا تفرض لمن يتعالى عن الجسمية في ذاته المقدسة. # وربما يتساءل البعض كيف قدم ms0781 السنة على النوم على خلاف الطريقة البلاغية ~~التي يترقى فيها التعبير ، في مقام الإثبات ، من الأضعف إلى الأقوى ، وفي ~~مقام النفي من الأقوى إلى الأضعف ، وبناء عليه ، كان ينبغي أن يقال : لا ~~يأخذه نوم ولا سنة. # والجواب أن المطلوب هنا هو نفي تأثير أي عامل خارجي يضعف قيوميته على ~~الموجودات ، فلا يملك الأضعف الذي هو النعاس الاقتراب منه ، بل لا يملك ~~الأقوى وهو النوم النفاذ إليه ، لأنه فوق ذلك كله ، فهو الذي يؤثر في ~~الأشياء ويحيط بها ويسيطر عليها ويقهرها ، ولا يملك شيء منها ، مهما كان ~~حجمه في الماديات والمعنويات ، التأثير عليه ، فليس حاله كحال المخلوقين ~~الذين يقترب منهم النعاس ليأخذهم عن اليقظة إلى الخدر والغفلة ، ثم ليزيد ~~في التأثير على أجسادهم ، فيقودهم إلى النوم الذي يعطل فيهم الإحساس ~~بالأشياء من حولهم. PageV05P031 # ( @QUR@07 له ما في السماوات وما في الأرض ) هو المالك للأشياء كلها ، ~~فليس لغيره ملك بإزاء ملكه ، فهو المالك الحقيقي ، أما الآخرون ، فإنهم ~~يملكون بالملك الاعتباري في ما ملكهم إياه. فهو المالك لهم ولما ملكهم ... ~~وبذلك كان قيامه عليها قياما كاملا لا نقص فيه ولا حدود ، لأن هناك فرقا ~~بين قيامك على الشيء الذي هو تحت سيطرتك وملكك وبين قيامك على ما لم يكن ~~كذلك ، وهذا هو ما تريد الآية أن تؤكده ليشعر الإنسان بالاطمئنان لكمال ~~التدبير الإلهي للإنسان وللأشياء ، وليعي ارتباط كل الموجودات بالله ارتباط ~~الملك بالمالك ، فتفقد قيمتها وعظمتها في وعي الإنسان ، عند ما يشعر أنها ~~مثله في عبوديتها ومملوكيتها لله ... فكيف يمكن أن يجعل منها شركاء لله كما ~~توحي به الآية الكريمة : ( @QUR@08 إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم ) [الأعراف : 194]. # ( @QUR@07 من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) ليس هناك إلا كلمته وإرادته ~~، فلا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من مصير محتوم ، أو رفعه إلى درجة ~~عالية من خلال قوة ذاتية أو موقع مميز خاص ، إلا بإذنه الذي يلقيه إلى بعض ~~عباده المقربين في ما يريد وفي ما لا يريد ، وبذلك يمكن لنا أن ms0782 نقرر مبدأ ~~الشفاعة في نطاق الخط الذي يريد الله للشافعين أن يسيروا عليه في ما يريد ~~الله أن يكرمهم بالمغفرة لبعض المذنبين ، أو برفع الدرجة لبعض المطيعين من ~~دون أن يتنافى ذلك مع مبدأ التوحيد في ما يتوسل به الناس من شفاعة. # وفي هذا الجو ، يمكن لنا أن نستوحي طبيعة ما يملكه الشفعاء من ميزة ~~الشفاعة من حيث ارتباطها بإرادة الله وبإذنه ، فالمغفرة التي تنال المذنبين ~~من الله ، والبلاء الذي يرفع عن المبتلين من الله ، والمثوبة التي تحصل ~~للمطيعين منه جل شأنه يمنحها لهذا ولذاك ، بكرامة هذا النبي أو هذا الولي التي PageV05P032 # أراد أن يكرمهم بها. ولهذا فلا معنى لأن يتوجه العباد إليهم حتى عبر ~~الواسطة ، بل يكون التوجه إلى الله بأن يجعلنا ممن يشفعهم بهم ، لأنهم لا ~~يملكون الشفاعة بأنفسهم ، بل يملكونها من خلال وحيه وإذنه وتعليمه ، وبذلك ~~نتخلص من هذا الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء والأولياء بالمستوى الذي ~~قد ينسى فيه الطالب ربه في استغراقه العميق في ذات النبي أو الولي ، إذا لم ~~يكن واعيا بالدرجة التي يستطيع من خلالها أن يضع الأشياء في مواقعها ~~الصحيحة من العقيدة والشريعة. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في شموليته للشفاعة التكوينية # وقد ذكر صاحب الميزان في حديثه عن الشفاعة في هذه الآية أن «الشفاعة هي ~~التوسط المطلق في عالم الأسباب والوسائط أعم من الشفاعة التكوينية ، وهي ~~توسط الأسباب في التكوين ، والشفاعة التشريعية ، أعني التوسط في مرحلة ~~المجازاة التي يثبتها الكتاب والسنة في يوم القيامة ... وذلك أن الجملة ، ~~أعني قوله تعالى : ( @QUR@05 من ذا الذي يشفع عنده ) مسبوقة بحديث القيومية ~~والملك المطلق الشاملين للتكوين والتشريع معا ، بل المتماسين بالتكوين ~~ظاهرا ، فلا موجب لتقييدهما بالقيومية والسلطنة التشريعيتين حتى يستقيم ~~تذييل الكلام بالشفاعة المخصوصة بيوم القيامة. # فمساق هذه الآية في عموم الشفاعة مساق قوله تعالى : ( @QUR@023 إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ~~ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) [يونس : 3] ، وقوله تعالى : ( @QUR@022 الله ~~الذي خلق السماوات والأرض ms0783 وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) [السجدة : 4] ، وقد عرفت في البحث عن ~~الشفاعة أن حدها كما ينطبق على الشفاعة PageV05P033 # التشريعية كذلك ينطبق على السببية التكوينية ، فكل سبب من الأسباب يشفع ~~عند الله لمسببه بالتمسك بصفات فضله وجوده ورحمته لإيصال نعمة الوجود إلى ~~مسببه ، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام الشفاعة كما ينطبق على نظام ~~الدعاء والمسألة» (1). # ولكننا نلاحظ على هذا الكلام ، أن حمل الشفاعة على ما يشمل السببية التي ~~عبر عنها بالشفاعة التكوينية ، خلاف ظاهر الكلمة من الناحية اللغوية في ~~معنى المصطلح ، لأنها ظاهرة في حركة الإنسان في التوسط لإنسان آخر لإيصال ~~الخير إليه أو دفع الشر عنه من خلال استحقاقه للمنع عن الخير وللوقوع في ~~الشر جزاء لعمله ، وبهذا يكون دور الشفيع الذي يتمتع بالاستقلال في حركته ~~مع المشفوع عنده ، أنه يملك التأثير عليه من ناحية مادية أو معنوية ، بحيث ~~لا يملك ذاك رده أو يصعب عليه دفعه عما يريده أو يطلبه ، وذلك إما لكونه في ~~الموقع الذي يساويه أو يتقدم عليه في المنزلة الاجتماعية أو الاقتصادية أو ~~السياسية في مدارج السلطة ، أو في الموقع العاطفي الذي ينفذ من خلاله إلى ~~مشاعره العاطفية التي لا يستطيع معها أن يتنكر لمطالبه. # وهذا هو المعنى الذي يريد الله أن ينفيه عن نفسه ، لأنه يتنافى مع ~~قيوميته في ذاته على الوجود كله وعلى الناس كلهم ، فليس كمثله شيء حتى ~~يساويه أو يتقدم عليه ليفرض إرادته على إرادته ، وليس موقعا للانفعالات ~~العاطفية أو غيرها ليتأثر بها ، فهو الغني بذاته عن كل خلقه ، فلا يملك أحد ~~عنده أي شيء ، بل هو المالك لهم في كل وجودهم ، فلا معنى للشفاعة بالمعنى ~~الذاتي للشفيع. # ولذلك كان النفي عن ملكية أحد للشفاعة عنده مساوقا لنفي مساواة PageV05P034 # غيره له أو تأثيره عليه ، باعتبار ارتباط ذلك بمواقع القوة في ذاته ~~المقدسة التي لا يملك أحد الاقتراب منها أو التأثير عليها ، لأن الخلق هم ~~الفقراء إليه وهو الغني عنهم ms0784 ، فوجودهم هو وجود الحاجة إليه ، أما وجوده ، ~~فهو وجود الغني المستقل في كل شيء عن كل الموجودات. وهذا ما يجعل التعبير ~~بنفي الشفاعة عن كل أحد إلا بإذنه ، مناسبا للحديث عن قدرته المطلقة في ~~تدبيره الأمور بعد خلقه لها واستقلاله بها ، بعيدا عن أي تأثير ذاتي لغيره ~~مما يريد إصداره من قرارات في مجال العقاب والثواب. # وهذا هو الذي يجعلنا لا نفهم معنى للسببية في الشفاعة والدعاء والمسألة ~~بالمعنى الذاتي لارتباط المسبب بسببه ، بل نفهمها بالمعنى الجعلي الإذني ~~للشفعاء والداعين والسائلين الذين يسألون ويشفعون ويدعون ، فيمنحهم الله ما ~~يريدون من خلال إذنه لهم بالقيام بهذه الأمور ، فلا استقلال لهم في شيء ، ( ~~@QUR@09 بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء: ~~26 27]. # وفي ضوء ذلك ، فإننا لا ننفي اعتبار السببية التكوينية في ارتباط الأشياء ~~بأسبابها ، على أساس ما أودعه الله فيها من خصائص في داخل وجودها ، مما ~~يعني سر السببية أو العلية ، لتكون حركتها بإذنه في الجانب الوجودي المتحرك ~~بقدرته التي تحرك السبب في اتجاه المسبب ، مما يمكن التعبير عنه بالأول ~~التكويني ، ولكن هذا لا علاقة له بمصطلح الشفاعة كما بيناه. # * * * ### ||| ** مع تفسير الأمثل في موضوع الشفاعة # وقد ذكر بعض المفسرين ملاحظة حول العلاقة بين الشفيع والمشفوع PageV05P035 # له فقال : «الشفاعة تستلزم نوعا من العلاقة المعنوية بين الشفيع والمشفوع ~~له ، لذلك ، فإن على من يرجو الشفاعة ، أن يقيم في هذه الدنيا علائق روحية ~~مع من يتوقع شفاعته. إن هذه العلائق ستكون في الواقع وسيلة من وسائل تربية ~~المشفوع له ، بحيث إنها تقربه من مدرسة أفكار الشفيع وأعماله ، وهذا ما ~~سيوصله إلى أن يكون مؤهلا لنيل تلك الشفاعة. # وبناء على ذلك ، فالشفاعة عامل تربوي ، وليست نوعا من المحسوبية ~~والمنسوبية ، ولا ذريعة للتنصل من المسؤولية. # ومن هذا يتضح أن الشفاعة لا تغير إرادة الله بشأن العصاة المذنبين ، بل ~~إن العاصي أو المذنب بارتباطه الروحي بشفيعه يحظى بتربية تؤهله لنيل عفو ~~الله تعالى (1). # ولكننا نلاحظ على ذلك أن الشفاعة لا ترتبط بعلاقة المشفوع له ms0785 بشفيعه ، بل ~~ترتبط بعلاقة الشفيع بالله ، فلا ضرورة فيها للصلة الروحية بالشفيع ، لأنه ~~لا يمثل في معناها القرآني واسطة ذاتية بحيث يتوجه الإخلاص إليه وينفتح ~~الحب عليه ، بل هو في هذه الدائرة من شؤون الإخلاص لله والحب له الذي ~~يتمظهر بحب أوليائه والانسجام معهم ، باعتبار أنه من شؤون الارتباط بالله. # وفي ضوء ذلك ، لا علاقة للمشفوع له بالشفيع من ناحية ذاتية ، بل لا بد له ~~من أن يوثق علاقته بالله ويعزز ارتباطه به ، وليكون طلبه للشفاعة تعبيرا عن ~~الدعاء لله بأن يجعل بعض أوليائه شافعا له من خلال توسله به عنده في ما ~~يريده من تكريمه له بشفاعته لبعض المذنبين. # ولذلك ، فإنها تكون عاملا تربويا يقربه من الله الذي ارتفع الشفيع عنده PageV05P036 # لقربه منه ، لأن أفكاره ومدرسته ليست هي خصوصياته الذاتية ، بل هي رسالة ~~الله التي أمره بإبلاغها وحمله مسئولياتها ، ولعل هذا ما تعبر عنه الفقرة ~~التالية في دعاء يوم الخميس من أيام الأسبوع حيث تقول : «صل على محمد وآل ~~محمد واجعل توسلي به شافعا يوم القيامة نافعا» حيث إن الدعاء مرفوع إلى ~~الله في جعل التوسل إليه برسوله محمد «شافعا يوم القيامة نافعا» ولم يجعل ~~توسله بالشفيع المباشر ، أي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تبرز ~~الفكرة بشكل واضح في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ~~[الأنبياء : 28] ، حيث يدل على أن أساس الشفاعة هو أن يكون للشخص علاقة ~~بالله بحيث يرضى الله الشفاعة له. # وإذا كان هذا القائل يقول : إنه لا فرق بين الارتباط بالله والارتباط ~~بالشفيع ، باعتبار أنه يبلغ عن الله ويدعو إليه وإلى رسالته ، مما يجعل ~~الارتباط بالشفيع ارتباطا بالله ، فإننا نجيب عن ذلك بأن القضية ترتبط ~~بالشكل في إيحاءاته السلبية عند ما يأخذ الشفيع دور الواسطة من قبل طالب ~~الشفاعة لا دور المكلف الذي رضي الله له بالشفاعة من خلال إرادته في ~~المغفرة عن هذا الشخص والعفو عنه # * * * ### ||| ** قدرة الشفيع من قدرة الله # ( @QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) فكل الأشياء حاضرة عنده ms0786 ، لا ~~يغيب شيء منها عن علمه ، لأن الأشياء مكشوفة لديه ، فلا مجال لاختباء ~~الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه ، أو سر يكتمه ، أو خطأ يستره ، لأن PageV05P037 # الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين ~~الشيء وبين ظهوره ، مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور ، ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من خلال ~~حركة إيمانه ، فيمنعه عن الجريمة الخفية ، والمعصية المستورة ، والنيات ~~الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور. # ( @QUR@08 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) وتلك هي قصة الخالق في ~~علمه غير المحدود بالنسبة إلى المخلوق المحدود في وجوده المستمد من وجود ~~الله ، وعلمه المستمد من علم الله ، في ما أعطاه وفتح له من مجالاته وهيأ ~~له من أسبابه ، فليس للمخلوق أن يحيط بشيء من علم الله في عالم الشهود وفي ~~عالم الغيب إلا بما شاء الله ، حتى الأنبياء ، فإنهم لا يملكون علم الغيب ~~في تكوينهم الذاتي ، بحيث إن الله خلق فيهم الطاقة التي تكشف لهم عالم ~~الغيب بشكل مطلق ، فينفتحون عليه باستقلالهم بعد ذلك ، بل إن الله هو الذي ~~يفيض عليهم من هذا العلم بما يحتاجون إليه من ذلك في شؤونهم الرسالية من ~~خلال طبيعة الدور الذي يقومون به والتحديات التي تواجههم ، وهذا هو ما ~~نستوحيه من قوله تعالى في الحكاية عن النبي نوح في خطابه لقومه على ما قصه ~~الله من ذلك في سورة يونس : ( @QUR@010 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ) [الأنعام : 50] ، وقوله تعالى : ( @QUR@033 عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا* إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) ~~[الجن : 26 28] فإنها ظاهرة في أن الله يمنحهم علم الغيب بما يهيئ لهم ~~السبيل لاستقامة أمرهم وسلامة دورهم وحمايتهم من كل ما بين أيديهم وما ~~خلفهم مما هو حاضر عندهم أو غائب عنهم ، تأكيدا لبقاء ms0787 الإشراف الإلهي ~~والسيطرة الربوبية عليهم ، بحيث يحتاجونه في كل شيء مما يحدث لهم أو يطرأ ~~عليهم ، وهذا ما قد يوحي ببطلان نظرية الولاية التكوينية التي يراها بعض ~~العلماء للأنبياء PageV05P038 # وللأئمة عليهم السلام . # إن الله يريد أن يؤكد في هذه الفقرة من الآية ، إحاطته بكل شؤون خلقه في ~~علمه بكل ما يفيضون فيه ، وما يتحركون به ، في الوقت الذي لا يملكون ~~الإحاطة بأي شيء من علمه من خلال قدراتهم الذاتية ، فهو الذي يعطيهم ما ~~يريده لهم من العلم بشكل مباشر أو غير مباشر. وبذلك يشعر المخلوق بالتضاؤل ~~أمام الكثير الكثير جدا مما يجهله ومما لا طريق لديه للعلم به ، فيتواضع ~~لله الذي خلقه ويبتهل إليه في ما علمه الله من ابتهالات العلم ( @QUR@04 ~~وقل رب زدني علما ) [طه : 114]. # ( @QUR@04 وسع كرسيه السماوات والأرض ) قال في الكشاف : «الكرسي ما يجلس ~~عليه ، ولا يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله : ( @QUR@02 وسع كرسيه ) أربعة ~~أوجه : أحدها أن كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلا ~~تصوير لعظمته وتخييل فقط لا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد ، كقوله ( @QUR@013 ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه ) [الزمر : 67] ، من غير تصور قبضة وطي يمين ، وإنما هو تخييل لعظمة ~~شأنه وتمثيل حسي. ألا ترى إلى قوله ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ). ~~[الأنعام : 91] والثاني : وسع علمه وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو ~~كرسي العالم. والثالث وسع ملكه ؛ تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك. والرابع ~~: ما روي أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض ، وهو إلى ~~العرش كأصغر شيء» (1). # وربما كان الأنسب بجو الآية المعنى الثالث ، الذي يعطي معنى السلطنة ~~المطلقة التي تتمثل في التدبير والإشراف ، وبذلك تتخذ كلمة PageV05P039 # ( @QUR@01 وسع ) معنى «الإحاطة» والحفظ ، فتنسجم مع قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 ولا يؤده حفظهما ) أي لا يجهده حفظهما ؛ وتكون خلاصة المعنى ، أن ~~ملك الله وسلطته تسع السموات والأرض ، فهو الذي يدبرهما ويرعاهما ويحفظهما ~~من دون جهد ولا تعب ، لأن قوته لا تقف عند حد ms0788 ، فلا معنى للجهد وللتعب معها ~~في أي حال من الأحوال ، وفي أي موقع من المواقع. # ( @QUR@03 وهو العلي العظيم ) الذي لا يمكن أن يقترب إليه أحد من ~~مخلوقاته ، لأنه العلي الذي لا تستطيع هذه المخلوقات أن تبلغ مداه الذي لا ~~يحد في علوه ، والعظيم الذي تصغر كل الأشياء أمامه مهما بلغت من عظمة وحجم ~~، لأن عظمتها مستمدة من سر العظمة في خلقه ، الذي يعيش الحاجة المطلقة إليه ~~، وهذا ما عبر عنه الإمام علي بن الحسين زين العابدين في دعاء يوم الجمعة ~~والفطر : «كل جليل عندك صغير وكل شريف في جنب شرفك حقير» (1). # * * * ### ||| ** الإيحاءات والدروس # قد تكون قيمة هذه الآية في الجانب الإيحائي من القرآن أنها تمثل وعي ~~العقيدة في العقل والروح والإحساس بالبساطة التوحيدية التي لا تدخل الإنسان ~~في التعقيدات الفلسفية ، بل تقدم له الصورة الإلهية واضحة بسيطة ينفتح فيها ~~التصور على الله في وحدانيته في شمول ربوبيته لكل شيء ، بكل ما تعنيه كلمة ~~الربوبية من الخلق والتدبير والإمداد الغيبي والشهودي والقيام على الخلق ~~كله بالمطلق واليقظة الدائمة التي لا مجال فيها لأي غياب PageV05P040 # في وعي الخلق كله ، فوجوده هو الوعي كله ، فلا سنة تصيبه ولا نوم يأخذه ، ~~وهو المحيط في علمه بكل شؤون خلقه ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة ولا يملك ~~أحد منهم أي شيء من علمه إلا من خلال مشيئته في إعطاء العلم لمن يشاء ، ~~فكما أن كل وجودهم مستمد من وجوده ، فإن كل علمهم مستمد من علمه ، ولا ~~شفاعة لأحد عنده من خلال ما يملك من قدرة أو تأثير أو دلالة عليه من خلال ~~ذاته ، فمنه الشفاعة ، فهو الذي يأذن بها ، وهو الذي يختار نتائجها من خلال ~~حكمته العميقة الشاملة ، وهو الذي اتسع ملكه وامتدت قدرته ، وانفتح حكمه ~~على السموات والأرض ، فلا يضيق عنه شيء منها أو مما فيها ، فهو الذي ~~يحتويها ويحتوي ما زاد عنها ، وهو الذي يملك العلو في أعلى درجاته ، فلا ~~درجة أعلى من موقعه في ذلك ، وهو الذي انطلقت عظمته ، فلا عظيم أمامه ms0789 ، لأن ~~عظمة الأشياء هبة منه ، وخلق من خلقه. # وهكذا يعيش الإنسان مع ربه في هذا التصور الفطري البسيط ، ليبقى في دائرة ~~الوضوح الذي لا يحتاج معه إلى أية شروح وتفسيرات مما يلجأ إليه الفلاسفة في ~~تعقيداتهم الفكرية على أساس الفلسفات الأخرى المرتكزة على القواعد البعيدة ~~عن أجواء العقيدة الإسلامية ، بحيث يجد الإنسان المسلم نفسه ضائعا بين الجو ~~الإسلامي للعقيدة ، والجو غير الإسلامي للفلسفة ، الأمر الذي يؤدي إلى ~~الكثير من الضبابية في عالم التصور. # إننا لا ننكر وجود قيمة فكرية في الأسلوب الفلسفي في معالجة قضايا الدين ~~والعقيدة ، مما يمنح الفكرة شيئا من العمق الذي يؤكد قوتها أمام الأفكار ~~الأخرى في مجالات الصراع الفكري بين الإسلام وخصومه ، ولكننا نعتقد أن ~~للقرآن أسلوبه الفطري في إثارة مفردات العقيدة على أساس الإيحاء الدائم ~~بالبساطة الروحية في الوجدان الإسلامي ، فلا بد من ملاحظة هذا الجانب في ~~دراسة الفلسفة الإسلامية. PageV05P041 # إن الحديث عن استحباب قراءتها ، يوحي بالمسألة التربوية في تعميق التصور ~~الإسلامي للعقيدة في المفردات القرآنية ، ليقرأها المسلم في كل يوم أو في ~~كل ليلة ، كمنهج تربوي إسلامي في تثبيت العقيدة في نفس المسلم ، فإن قراءة ~~القرآن اليومية تنطلق من تحريك الآيات القرآنية في الوجدان الإنساني ، بحيث ~~يكون نموه في هذا الجو الذي يحقق الصفاء الفكري للتنشئة الفكرية والروحية ، ~~حتى لا تختلط عليه الأمور التي تشوش عليه الصورة من خلال القراءات المتنوعة ~~، فلا تبقى لديه صورة واضحة عن إسلامه ، لذلك كانت القراءة اليومية وسيلة ~~من وسائل إعادته إلى الينابيع الإسلامية الصافية للعقيدة وللمفاهيم العامة ~~للحياة ، بالطريقة الذاتية التي يواجه فيها الإنسان قضيته العقيدية من ~~موقعه الإنساني في تجربته الذاتية ، فهو الذي يقرأ الآية التي قد تثير لديه ~~الكثير من التساؤلات ، وذهنية اللامبالاة ، أمام التيارات الأخرى إذا ~~اندفعت إلى ساحته العامة أو وجدانه الخاص. # إن الإنسان في هذه الحال يمارس رياضة تربوية يومية تقوي عضلاته الروحية ~~والفكرية بالطريقة التي يحصل فيها على المناعة القوية ، فلا يزحف الضلال ~~إليه بسهولة ، ولا تقتحم الحيرة طمأنينته النفسية. # * * * PageV05P042 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 لا ms0790 إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) (256) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 إكراه ) الإكراه : الإجبار والحمل على الفعل من غير رضا. # ( @QUR@01 الرشد ): خلاف الغي ، وهو إصابة وجه الأمر ومحجة الطريق ، ~~ويستعمل استعمال الهداية. يقول صاحب تفسير الميزان : إن معنى الرشد والهدى ~~معنيان مختلفان ينطبق أحدهما بعناية خاصة على مصاديق الآخر ... وكذلك القول ~~في الغي والضلال (1). # ( @QUR@01 بالطاغوت ) كل متعد ، وكل معبود من دون الله ، كالأصنام ~~والشياطين وأئمة الضلال من الناس ، وكل متبوع لا يرضى الله سبحانه باتباعه. ~~والطاغوت مبالغة في الطغيان والتجاوز عن الحد. PageV05P043 # ( @QUR@02 بالعروة الوثقى ): العصمة الوثيقة ، وهي استعارة تصريحية ~~تمثيلية ، فقد شبه من يسلك سبيل الله بمن أخذ بحبل وثيق مأمون لا ينقطع. # ( @QUR@01 انفصام ): انقطاع ، من الفصم وهو الكسر. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، في قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) قال : كانت المرأة من الأنصار لا ~~يكاد يعيش لها ولد ، فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه ، فلما أجليت بنو ~~النضير إذا فيهم أناس من الأنصار ، فقالت الأنصار : يا رسول الله أبناؤنا ، ~~فأنزل الله تعالى ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) قال سعيد بن جبير : فمن ~~شاء لحق بهم ، ومن شاء دخل في الإسلام. # وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له ~~صبيح ، وكان يكرهه على الإسلام. وقال السدي : نزلت في رجل من الأنصار يكنى ~~أبا الحصين ، وكان له ابنان ، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، ~~فلما أرادوا الرجوع من المدينة ، أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى ~~النصرانية فتنصرا وخرجا إلى الشام ، فأخبر أبو الحصين رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أطلبهما ، فأنزل الله عز وجل ( @QUR@04 لا إكراه ~~في الدين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أبعدهما الله هما أول من كفر. # وقال مسروق : كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان ، فتنصرا قبل ~~أن ms0791 يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى ~~يحملون الطعام ، فأتاهما أبو هما فلزمهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما ~~، فأبيا أن PageV05P044 # يسلما ، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا رسول الله ~~أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله عز وجل : ( @QUR@09 لا إكراه في ~~الدين قد تبين الرشد من الغي ) فخلى سبيلهما. # وعن مجاهد ، قال : كان ناس مسترضعين في اليهود ، قريظة والنضير ، فلما ~~أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإجلاء بني النضير ، قال أبناؤهم من الأوس ~~الذين كانوا مسترضعين فيهم : لنذهبن معهم ولندينن بدينهم ، فمنعهم أهلهم ~~وأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) (1). # فإذا صحت هذه الروايات التي اختلفت في مواردها واتفقت في مضمونها ، فإنها ~~تشير إلى أن مدلول الآية يوحي بالمنع من إكراه الإنسان الذي انتقل إلى دين ~~آخر ، أو كان فيه من خلال البيئة التي عاش فيها ، بالرجوع عنه والعودة إلى ~~الإسلام ، أو الانتقال إليه انطلاقا من إرادة الله للإنسان بالالتزام ~~بالإسلام في مرحلة الحدوث أو البقاء من خلال التأكيد على حريته في الانتماء ~~الديني. # وهذا ما قد يتنافى مع المشهور بين العلماء من حكم المرتد بإكراهه على ~~العودة إلى الإسلام أو منعه من الانتقال عنه ، فلا بد من دراسة هذه المسألة ~~بالمقارنة مع هذه الروايات ، ولكن لم تثبت لنا صحتها. # * * * ### ||| ** ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) مدلولها ومغزاها # ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) ما الذي تعنيه هذه الكلمة؟ هل تعني نفي ~~الإكراه PageV05P045 # من خلال إعطاء الإنسان الحرية في أن يؤمن أو لا يؤمن ، على أساس أنها ~~قضيته الشخصية التي لا تستتبع أية مسئولية ، تماما كما هي قضية أن يأكل ~~الإنسان أو لا يأكل في ما يباح للإنسان أن يفعله أو يتركه ، أو أنها تعني ~~نفي الإكراه من خلال إعطاء فرصة الاختيار للإنسان على أساس تقديم البراهين ~~على ما في الدين من الحق ، وما في الكفر من الباطل ، مع التأكيد على أن ~~الاختيار المضاد يستتبع المسؤولية بالعقاب في ms0792 الآخرة ، بالنظر إلى وضوح ~~الرؤية في الحق الذي يمثله الدين ، وفي الباطل الذي يمثله الكفر ، فلا شبهة ~~ولا ريب ، لأن كل ما يثأر من عناصر الريب والشبهة لا يمثل قيمة كبيرة في ~~حساب الفكر والوجدان ، لضعف الحجج المضادة ، وقوة الأدلة الموافقة ، ولعل ~~هذا ما يظهر من ختام الآية. # ثم يبرز سؤال آخر : هل الفقرة واردة في مورد الإخبار ، أو هي واردة في ~~مورد الإنشاء والتشريع؟ # ربما يبدو للبعض الفرض الأول ، باعتبار أن قضية الدين تتعلق بالقناعة ~~الداخلية الفكرية للناس ، وهي من الأمور التي لا تقع تحت طائلة الإكراه ، ~~ويرى هذا البعض في قوله تعالى : ( @QUR@05 قد تبين الرشد من الغي )، دليلا ~~على هذا الفرض ، لأن معنى هذا في ما يراه هو أن هناك ما يدعم حجة الدين من ~~خلال وضوحه في مقابل الكفر ، فلا معنى للإكراه على أي حال ، لأن الدعوة ~~إليه تنسجم مع الطبيعة الذاتية لعلاقة الفكر بالقناعة الدينية. # وهناك من يرى في هذه الفقرة حكما شرعيا يدعو النبي إلى عدم إكراه الآخرين ~~على الدخول في الدين ، بل كل ما هناك أن يدعوهم إليه بالحجة والبرهان ~~والحكمة والموعظة الحسنة ، فيعرض أمامهم الرشد الواضح في مقابل الغي الواضح ~~، ويترك لهم المجال لكي يتحملوا مسئولية مصيرهم في الدنيا والآخرة من موقع ~~الإرادة السلبية أو PageV05P046 # الإيجابية. # ويذكر أصحاب هذا الرأي ، أن مثل هذه الكلمة قد وردت في أكثر من موقع ~~تشريعي ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~) [البقرة : 197] أو في الحديث الشريف : «لا ضرر ولا ضرار» (1)، وغيرهما ، ~~فإن مفادها هو نفي تشريع مثل هذه الأمور ، ويرون في آية ( @QUR@05 قد تبين ~~الرشد من الغي ) أساسا لهذه الفكرة ، باعتبار أن الاعتماد على البلاغ ~~والدعوة من موقع الوضوح في القضية هو الذي يخدم الدين أكثر مما يخدمه ~~الإكراه ، فإذا كان الله قد خلق الإنسان مختارا في ما يأخذ وفي ما يدع من ~~موقع التكوين ، لأنه يريد للحياة الإنسانية أن تتحرك في خط الاختيار على ~~أساس المسؤولية ، فإنه يريد لرسالاته من ms0793 خلال رسله أن لا تفرض على الناس من ~~موقع التشريع ، وعلى هذا ، فتكون الآية واردة في أسلوب الدعوة من جهة ، وفي ~~خط مهمة النبي الداعية من جهة أخرى. ففي الخط الأول ، ينطلق الأسلوب في ~~إطار الوضوح الذي هو سمة الدين الحق ، وفي الخط الثاني ، يتحرك النبي ~~الداعية في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر ... وفي هذا الخط ، ~~تلتقي الآية ، في ما توحيه ، بقوله تعالى : ( @QUR@010 وقل الحق من ربكم ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) [الكهف : 29] ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 ~~فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) [الغاشية : 22 21] ، وقوله تعالى : ~~( @QUR@06 أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) [يونس : 99]. # وربما كان هذا الاتجاه في تفسير الآية أقرب إلى هذه الأجواء القرآنية من ~~الاتجاه الأول ، بل ربما نستطيع أن نؤكد ذلك على أساس أنه لا معنى لسوق ~~الآية مساق الإخبار ، لأن عدم قابلية الدين للإكراه من حيث هو فكر ، PageV05P047 # من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى المزيد من التوضيح والاهتمام. # * * * ### ||| ** موقع القتال من قضية الإكراه في الدين # وهنا قد يطرح السؤال الآتي : # كيف نفهم القتال في الإسلام ، ألم يكن جهادا من أجل الدعوة؟ وكيف نفهم ~~تخيير المشرك بين الإسلام وبين السيف ، أليس هذا إكراها في الدين؟ فإذا لم ~~يكن كذلك ، فما معنى الإكراه؟ # ونجيب على ذلك ، أن القتال في الإسلام ، كما ألمحنا إليه ، لم يستهدف ~~إجبار الناس على الدخول في الدين ، بل هو خاضع للأنساب والمبررات الواقعية ~~التي تفرضها طبيعة الساحة من خلال الأهداف الدفاعية أو الوقائية ... أما ~~الجهاد من أجل الدعوة ، فليس هدفه إكراه البلاد على الدخول في الإسلام ، بل ~~هدفه إيصال الدعوة إلى كل إنسان من قاعدة «إن الدين لله ...» فلا بد من ~~إيصاله إلى كل عباده ليعبده الناس كما يريد ، وإن الله أرسل رسوله برسالته ~~للناس كافة ، فلا بد من أن يعرفه كل الناس ... وإذا كان هناك من يقف بين ~~الإسلام وبين حريته في ذلك ، فله الحق في أن يواجه هؤلاء بمختلف الأساليب ~~السلمية وغير السلمية ... # فإذا وصلت الدعوة إلى الناس من ms0794 خلال الدعاة ، وقامت الحجة بهم على الناس ~~بما يقدمونه من أدلة وبراهين ، فهناك فريقان من الناس ؛ فريق أهل الكتاب ~~الذين يطرح عليهم الإسلام التعايش في ضمن شروط الذمة التي تكفل لهم حرية ~~المعتقد والعبادة والشؤون الشخصية في نطاق مجتمعهم الخاص ، وبذلك يمكنهم أن ~~يعيشوا مع المسلمين وفي حمايتهم مما يحمي به المسلمون دماءهم وأموالهم ~~وأعراضهم ، دون أن يتكلفوا بأية مسئوليات في الحرب والقتال ، لا سيما إذا ~~كان القتال لأشخاص يدينون بدينهم ... PageV05P048 # فإذا لم يستجيبوا لذلك ولا للإسلام ، فإن معنى ذلك إعلان الحرب والتمرد ~~الذي يبرر للإسلام أن يدافع عن نفسه ضد كل محارب له ومتمرد على سلطته. # أما الفريق الثاني ، فهو فريق المشركين والملحدين الذي يمكن للمسلمين أن ~~يدخلوا معهم في معاهدة ضمن المصلحة الإسلامية العليا ، على رأي فقهي خاص ، ~~أما إذا لم يكن هناك مصلحة في ذلك ، فليس هناك إلا الإسلام لقيام الحجة ~~عليهم ، ولأن الإسلام لا يعتبر الشرك والإلحاد دينا يبعث على الاحترام ، بل ~~هو ضد مصلحة الإنسان والحياة ، بل إن الإسلام قد جاء من أجل أن يزيل كل ~~عوامل الشرك والإلحاد في دعوته التوحيدية ، فلا معنى لأن يسمح بالتعايش ~~معهما على أساس الاحترام المتبادل ، لأنه يعني إعطاء الحرية لنقيضه ، مع أن ~~هذا يعتبر في نظر بعض المفكرين تأكيدا لسلطة الإسلام على هؤلاء ، لا إكراها ~~لهم على الدين ، لأن السبيل الوحيد لممارسة هذه السلطة عليهم هو ذلك ، لأنه ~~الذي يمنعهم من ممارسة الكفر من ناحية عملية. وهذا ما جعل القرآن يفرق في ~~المصطلح بين الإسلام الذي يعني الخضوع لسلطة الإسلام في الجانب العملي من ~~دون دخل للجانب العقيدي ، وبين الإيمان الذي يعني إسلام القلب والوجه ~~واللسان ، إلى جانب إسلام العمل ... وبذلك جرى اعتبار المنافقين من ~~المسلمين ، مع أن القرآن يعلن أن الله يشهد إنهم لكاذبون. # وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام ، وهي أن هذا الموضوع خاضع في حركيته ~~للمتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي قد تفرض بعض العناوين ~~الثانوية التي يتبدل فيها الموضوع الذي يتبعه الحكم الشرعي ، فيمكن للدولة ~~الإسلامية ، أو ms0795 للمجتمع الإسلامي ، إبقاء الملحد أو المشرك على عقيدته في ~~نطاق القوانين والأنظمة العامة ، ومنحه الحرية في بعض شؤونه الثقافية ليدخل ~~في حوارات متنوعة مع المراكز الثقافية الإسلامية حول PageV05P049 # عقيدته الإلحادية أو المنحرفة أو الإشراكية من أجل الوصول معه إلى الوضوح ~~في المسألة الفكرية في هذا الجانب أو ذاك ، خصوصا أنه من الصعب أن تلتقي ~~إنسانا يؤمن بالإلحاد بمعنى اعتقاد النفي ، لأن النفي يحتاج إلى دليل لا ~~يملكه النافي ، كما هو الإثبات بحاجة إلى الدليل ، بل كل ما هناك ، أن ~~الإنسان يشك في الله وفي الرسالة وفي اليوم الآخر ، وفي بعض المفاهيم ~~الإسلامية الثابتة كضرورة في الدين ، وفي هذه الحالة لا يعتبر الشاك كافرا ~~إذا لم يتحول الشك إلى جحود لا يملك الدليل عليه ، وفي ضوء هذا ، لا ينطبق ~~عليه حكم الكافر الذي لا يسمح الإسلام له بالحرية من ناحية المبدأ في ~~الظروف الطبيعية. # * * * ### ||| ** الآية ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # وقد يشكل البعض على الجانب الخاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والمتمثل بفرض التغيير بالقوة لجهة اعتباره نوعا من أنواع الإكراه ، كما ~~حاول البعض أن يهاجم هذا الأسلوب المتبع في المجال التطبيقي للإسلام في ~~المجتمع بهذه الحجة ، فطرح فكرة ( @QUR@04 لا إكراه في الدين ) التي تتنافى ~~مع كل أساليب العنف والضغط في كل أعمال الإنسان وأقواله. ونجيب على ذلك ، ~~بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل في نطاق تطبيق النظام على الفرد ~~والمجتمع ، أو ما يسمى بتنفيذ القانون ، ولا معنى لأن يمنح القانون للناس ~~حرية التمرد عليه أو تعطيله. ونحسب أن هؤلاء الذين أثاروا هذا الجانب من ~~الاعتراض ، يعتقدون بأن للفرد حرية من نوع خاص ، PageV05P050 # فهم يرون الإنسان حرا في مأكله ومشربه وألعابه وشهواته التي لا تسيء إلى ~~الآخرين ... كما يرون الإنسان حرا في أن يعبد الله أو لا يعبده ، ولكن ~~الإسلام لا يؤمن بهذه الحرية للفرد ، بل هو يشرع للفرد في حياته الخاصة كما ~~يشرع له في حياته العامة ، ويتدخل في شؤونه الذاتية حتى في أشد الأشياء ~~خصوصية له ... وبذلك ms0796 يتسع القانون حتى يشمل ذلك كله ، ويتسع تبعا لذلك ~~تنفيذه حتى يسيطر على ذلك كله. وعلى ضوء هذا ، فإن الاختيار لا يمنح في هذه ~~الدائرة ، بل يمنح في دائرة اختيار الطريق في ما يعتقد وفي ما لا يعتقد ، ~~كما أشرنا إلى ذلك آنفا. # ( @QUR@05 قد تبين الرشد من الغي ) إن الإسلام هو دين الفطرة في تقريره ~~الإيمان بالله ، وفي ما يأمر به وينهى عنه ، ولذلك فإن الإنسان لا يحتاج في ~~إيمانه بالله وبالإسلام إلا أن ينفتح على الفكرة ويرجع إليها ليلتصق بها ~~... وهذا ما عبرت عنه بعض الآيات كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 أفي الله ~~شك فاطر السماوات والأرض ) [إبراهيم : 10] وذلك بأسلوب الاستفهام الإنكاري ~~الذي يوحي بأن الموضوع غير قابل للشك جملة وتفصيلا. أما الذين كفروا ، أو ~~عاشوا في أجواء الشك ، فإنهم أغلقوا عيونهم عن النظر ، وآذانهم عن السماع ، ~~وعقولهم عن التفكير ( @QUR@020 لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ) [الأعراف : 179] ، ~~إن قضية الإيمان والكفر لدى الإنسان هي قضية استعمال أدوات المعرفة التي ~~تفتح قلبه على الحقيقة وعينه على الحياة أو عدم استعمالها ، وليست قضية فكر ~~معقد يحتاج إلى تحليل وتفسير ، تماما كما هي الشمس عند ما تغمض عينيك ، ~~وتبادر إلى إنكارها ، إن ذلك لا يعني وجود إشكال في وجود الشمس ، بل كل ما ~~يعنيه هو وجود مشكلة في طريقة مواجهتك للحقيقة من خلال أدوات المعرفة التي ~~تستخدمها للكشف عنها. # * * * PageV05P051 ### ||| ** الكفر بالطاغوت وعلاقته بالإيمان # ( @QUR@015 فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها والله سميع عليم ). # إن حبل الإيمان بالله قوي وشديد ومتماسك ، وإن جذور الإيمان عميقة عمق ~~الحياة الممتدة في الكون ، فمن آمن بالله ، فقد استمسك حينئذ بالقوة التي ~~لا مجال فيها لضعف أو انحلال ، ومن يكفر بالطاغوت ، فقد انفصل عن كل عوامل ~~الضعف والفساد والخذلان ، لأن الطاغوت يمثل ما يعنيه الطغيان من معاني ~~الانحراف والانهيار المنفصلة عن كل ما تمثله الإنسانية من قوة وعمق ~~وامتداد. ms0797 # إنها دعوة موحية للكفر بالطاغوت في جميع مجالاته التي يتحرك فيها في حياة ~~الناس في مجال الفكر والعقيدة والحكم والسياسة والاجتماع ، فالقوى التي ~~تمثل الفكر الباطل أو الحكم الباطل أو السياسة الباطلة أو القوة الغاشمة ~~المعتدية ، هي قوى طاغوتية في مفهوم الإسلام ، لأنها تتنافى مع الفكر الحق ~~والحكم الحق والسياسة الحقة والقوة العادلة المنفتحة على كل حركة الإنسانية ~~في الحياة ، وبذلك فهي ضد الإيمان بالله في ما يعنيه هذا كله. # وربما كان التركيز على الطاغوت الحاكم من الأمور الحيوية في هذا الرفض ~~للطاغوت ، لأن خطورته تتمثل في سيطرته على مقدرات الواقع كله من الناحية ~~الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأمنية ، من خلال أن ~~ذلك يمكنه من احتواء الساحة كلها في جميع جوانبها ، لأن ذلك PageV05P052 # هو الذي يؤكد حاكميته في الخط الذي جعله لحكمه وموقعه الطاغوتي بتأكيد ~~المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تفتح له آفاق الذهنية ~~العامة للناس في عناصر الفساد المتنوعة الداخلية والخارجية ، بحيث يتحركون ~~تبعا لإيحاءاتها ومعطياتها ونتائجها. # فإن الحاكم الطاغوتي الذي يرتكز حكمه على قاعدة ثقافية ذهنية عامة ، أكثر ~~قوة من الحاكم الذي ينطلق بالقوة وحدها في فرض سيطرته على الناس. # وبذلك يقف الإنسان المسلم في الحياة أمام خيارين لا ثالث لهما ، الإيمان ~~بالطاغوت الذي يعني الارتباط بخط الكفر والباطل ويؤدي إلى الكفر بالله ، ~~والإيمان بالله الذي يعني الانطلاق في حركة الحياة من موقع الحق في ما ~~يمثله من امتداد ومسئولية وشمول ، ويمثل في مدلوله العميق الكفر بكل ما عدا ~~الله ، ومن عداه من خطوط الباطل وقواه. فلا يمكن أن يجتمع في قلب إنسان ~~مؤمن وحي الله ووحي الطاغوت ، وفي حركة إنسان مؤمن ، خطوات الحق وخطوات ~~الباطل ، لأن آفاق الإنسان لا تتحملهما معا إذا كان الإنسان يتحرك في ~~الحياة من موقع الجدية والمسؤولية في ما تعنيه كلمة الإنسان المسؤول. # وربما ينطلق التساؤل ، لماذا هذا الحديث عن الكفر بالطاغوت قبل الإيمان ~~بالله في هذه الآية كما هو الأسلوب نفسه في قوله تعالى : ( @QUR@010 والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن ms0798 يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ) [الزمر : 17]. # والجواب عن ذلك : أن الإيمان ينطلق من انفتاح القلب أو العقل على الله ~~بحيث لا يكون في داخله أي موقع لغيره ، حتى يكون الإيمان صافيا نقيا خالصا ~~في إيحاءاته وخلفياته ومعطياته ، لئلا يسيء الجو الداخلي في زحف المشاعر ~~الخفية السلبية إليه ، فتختلط الصورة ، ويرتبك الإحساس ، ويمتزج PageV05P053 # الحق بالباطل ، ويعيش الإنسان الازدواجية بين بقايا الطاغوت في الفكر ، ~~وحركة الإيمان في الذات ، وبذلك تضطرب الخطوات وتنحرف يمينا وشمالا. # ولهذا كانت الخطة الإلهية في تعميق الإيمان وتصفيته أن يطرد الطاغوت من ~~عقيدته كوسيلة من وسائل طرده من حياته ، ليكون القلب فارغا من كل المؤثرات ~~السلبية ، ليدخل الإيمان فيه ، فيستولي على الذات كلها ، ولعل هذا ما توحيه ~~كلمة الإيمان التي هي أساس الإسلام وهي شهادة التوحيد : «لا إله إلا الله» ~~التي تتضمن مفهوما سلبيا وهو نفي أي إله غير الله ممن يتخذهم الناس آلهة في ~~الذهن وفي الواقع ، ومفهوما إيجابيا ، وهو إثبات الألوهية الواحدة لأن ~~الوحدانية هي ذلك في العمق ، لأنها تعني سلب العدد الآخر والاقتصار على ~~الواحد. # ولا بد لنا في هذا الاتجاه من تخطيط منهجية تربوية تنطلق في حركتها من ~~تفريغ ذهنية الإنسان الذي ندعوه إلى الله أو نهديه إلى الإسلام وإلى التقوى ~~من الأفكار الضارة والمشاعر السيئة والانطباعات الشريرة ، ونعزل ذاته عن كل ~~شخص طاغ أو منحرف أو ضال ، حتى لا يؤثر على نفسيته أو يشوش خاطره ، فإذا ~~طهرنا ذاته من ذلك كله ، أمكننا أن نزرع فيها الإيمان والخير والتقوى في ~~أسلوب صاف بعيد عن التأثر والامتزاج بأي شيء مضاد ، والله العالم. # * * * PageV05P054 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون ) (257) # * * * ### ||| ** جدل النور والظلمات أو الإيمان والكفر # ما الذي يعنيه الإيمان في حياة الإنسان المؤمن ، وما الذي يمثله الله في ~~حركة حياته؟ هل الإيمان بالله مجرد فكرة تجريدية ترتبط بالجانب الفكري ~~التجريدي من الإنسان ، تماما كما هو الفكر ms0799 الفلسفي الذي يتحرك في نطاق ~~التصورات المجردة التي تفلسف الواقع في ما هو يتحرك بعيدا عن كل فلسفاتها ~~... فالواقع يتقدم ، وهي تلهث خلفه لتفهمه وتعطيه صورة من صور الفكر أو ~~الخيال؟ أو أنه يمثل الفكرة التي تدخل في عمق وجدان الإنسان وتتحرك في ~~كيانه من حيث إنها تمثل التحديد لخط المسير في نقطة البداية والنهاية ~~وتنطلق بعيدا في حياته لتغييرها على صورتها ، فيتغير مصيره تبعا لتغيير ~~الصورة؟ PageV05P055 # إن الجواب عن ذلك ، هو أن نختار الفرض الثاني. ففي الإيمان تلتقي خطوط ~~الحياة العملية المسؤولة التي تقف بحساب وتتحرك بحساب وتخطط على أساس أن ~~الله موجود من حيث هو خالق ومن حيث هو رازق ومن حيث هو رب الوجود ومالكه ~~ومنه كل شيء وإليه المصير ، وإن وجود الإنسان يمثل الظل لوجوده ، فهو مفتقر ~~إليه في كل شيء ، كما أن الله مستغن عنه في كل شيء ... فقضية الإيمان بالله ~~مرتبطة بوجود الإنسان ، بأعمق ما تمثله الرابطة العضوية بين شيء وآخر. # وهذا هو معنى ما يمثله الله في حركة حياته ، فهو الذي يفتح للناس آفاق ~~النور من خلال هدايته ، في ما يوحي إليهم من آياته ، وفي ما يشرع لهم من ~~شرائعه ، وفي ما يقودهم إليه من مصير ، وفي ما يثيره في أفكارهم من مفاهيم ~~مضيئة ... وبذلك لا يمكن أن يعيش المؤمن معاني القلق والضياع والحيرة ، ولا ~~يشعر بالجو الضبابي يغلف رؤيته للأشياء التي حوله ، ولا يتخبط في ظلمات ~~الريب والشك والشبهة ، ولا يتعقد أمام الأزمات التي تختنق في داخله لتخنق ~~له حياته ، لأنه يعرف من خلال إيمانه كيف يخطط لطريقه الذي لا التواء فيه ~~ولا انحراف ، ويشعر بالنور يقتحم عليه وعليه للأشياء من حوله ، ويزيل عنه ~~كل ريب وشبهة ، ويشعر في الوقت نفسه ، أن الكون يتحرك بالقوة الحكمية ~~الرحيمة القادرة التي تسيطر على كل شيء وتضع كل شيء بحساب وتقضي كل شيء ~~بحساب ، وبذلك لن تكون الحياة خشبة في مجرى التيارات ، بل هي سفينة تسير ~~بقيادة مدبر حكيم .. حتى الموت في وعي المؤمن ليس ms0800 ظلاما وليس نهاية كل ~~معاني الحياة ، بل هو انفتاح على الله في حياة جديدة يواجه فيها الإنسان ~~نتائج مسئوليته ، كما كان يواجه في الدنيا حركة المسؤولية ، فهو يعيش في ~~وضوح الرؤية في الدنيا ، وينطلق مع وضوح الرؤية في الآخرة ، وفي ضوء ذلك ، ~~نفهم كيف يخرج الله الذين آمنوا من الظلمات إلى النور. PageV05P056 # أما الذين كفروا بالله ، فهم الذين أغلقوا عيونهم عن النور المتدفق من كل ~~جانب من جوانب الحياة ، وأخلدوا إلى الأرض ، وعاشوا للحظة الحاضرة ، وغرقوا ~~في ظلام الشك والشبهة ، فهم يتنقلون من ظلمة إلى ظلمة ، ومن مشكلة إلى ~~مشكلة ، ووقفوا أمام قضايا المصير في الطريق المسدود ، فلا فكرة تنير لهم ~~الطريق ... وبذلك عاشوا القلق والضياع والإحساس بعبث الحياة وتفاهتها ، ~~وتحركوا مع أطماعها وشهواتها وسكراتها ، يغرقون فيها آلامهم ، ويغيبون فيها ~~مع أوهامهم ... وإذا كانت الأطماع هي سر حياة الإنسان ، فهناك التخبط ~~والقفز على المواقع ، والانتقال من طريق إلى طريق من دون قاعدة ومن دون ~~أساس ... إنهم لم يملكوا القاعدة التي تتفجر بالنور وتفجر النور من حولهم ، ~~وهي الإيمان بالله ، فساروا مع الطاغوت الذي يمثل الظلم والظلام والجحود ~~والنكران ، فوقعوا في الظلمات ، ظلمة الكفر والشرك والعصيان ، فكان جزاؤهم ~~النار خالدين فيها ، بعد أن وضح الطريق أمامهم ، فانحرفوا عنه ، وذلك هو ~~جزاء الكافرين الجاحدين ... # * * * # ( @QUR@04 الله ولي الذين آمنوا ) # ( @QUR@04 الله ولي الذين آمنوا ) فهو ربهم الذي خلقهم ورزقهم ورعاهم ~~ورباهم ودلهم على مواقع هدايته وسبل رشده ، وأفاض عليهم من نور علمه وزودهم ~~بوسائل معرفته ، وأنزل عليهم وحي رسالاته ، وفتح قلوبهم على نور البصيرة ، ~~فكانوا منه على نور في العقل والروح والشعور والحركة ، بحيث لا تلتقي بهم ~~ظلمة في أي طريق يسلكونه ، وفي أي فكر يفكرون به أو أي أفق يتطلعون إليه ، ~~إلا وأعطاهم من خلال كل ما وهبهم من ألطافه نورا PageV05P057 # وإشراقا يمنحهم من كل نور نورا جديدا ومن كل إشراقة وعيا جديدا. وهكذا ~~تنطلق ولاية الله للإنسان المؤمن لتحتضن روحه وعقله وحياته وتوجه خطواته ~~إلى الصراط المستقيم الذي يفتح لهم كل نوافذ ms0801 النور التي تطل بهم على ~~السعادة في الدنيا والآخرة. # ومن خلال ذلك فإنه ( @QUR@03 يخرجهم من الظلمات ) بما تمثله كلمة الظلمات ~~من ظلمة الكفر والشرك والجهل والتخلف والشر والظلم والباطل ، وكل الأخلاق ~~والأعمال التي تؤثر في ظلمة العقل والقلب والروح والحركة والشعور والحياة ~~بشكل عام ، ( @QUR@02 إلى النور ) الذي يتمثل في وحي الله وتعاليم رسله بما ~~يقرب الناس من مصالحهم في الدنيا والآخرة ويبعدهم عما يفسد أفكارهم ~~ومشاعرهم وأوضاعهم الخاصة والعامة في الحياة. # والظاهر من هذا التعبير الذي يلتقي بأكثر من آية مماثلة في القرآن لهذه ~~الآية ، أن هذا الإخراج وارد على سبيل الاستعارة المجازية في استعارة ~~الكلمة الموضوعة للمعنى المادي للنور والظلمة للصورة المعنوية لها ، وهي ~~الهداية للإيمان التوحيدي والنهج التشريعي والمنهج الأخلاقي الذي يتحرك فيه ~~الإنسان في حالة من الصفاء الروحي والنقاء الفكري والاستقامة العملية ، ~~ونحوها مما يشبه حركة الإنسان في النور في صفائه ونقائه واستقامة طريقه ، ~~فيكون السائر معها كالسائر على النور ، في مقابل الكفر والشرك والنهج ~~الشرير في الجانب الأخلاقي والشرعي الذي يعيش الإنسان فيه التخبط الفكري ~~والعملي في أكثر من طريق. # ولكن العلامة الطباطبائي يرى أن هذا الإخراج وما شاكله من المعاني ، أمور ~~حقيقية غير مجازية ... غير أنها لا تفارق أعمالنا وعقائدنا ، بل هي لوازمها ~~التي في باطنها (1). PageV05P058 # ونلاحظ على ذلك أن هذا الاتجاه في فهم الكلمات وفي توسعة مفاهيمها ، تشمل ~~المعاني الاعتيادية التي يدركها الناس في وعيهم للألفاظ عند سماعها ، وغير ~~الاعتيادية مما لم يألف الناس وسائلها ، أو لم يعرفوها في واقعهم الوجودي ~~الكلامي ، لتكون الكلمة منفتحة على المعنى الممتد في الوسائل المادية وغير ~~المادية. # إننا نلاحظ على هذا الاتجاه أنه لا ينطلق من حالة لغوية بل من حالة عقلية ~~تحليلية ، بينما نجد أن الكلمات ترتبط بالتصورات الذهنية المألوفة لدى ~~الواضع إن كان هناك واضح أو المستعمل ، أو السامع الذي يعيش في أجواء ~~اللغة. إن من الممكن توسعة معاني الكلمات على مستوى المجاز أو الحقيقة ~~الادعائية ، ولكن ذلك لن يغير شيئا من المسألة اللغوية التي لا ms0802 تجعل ~~الاستعمال حقيقيا في نطاق المعنى الحقيقي الذي وضع اللفظ فيه. # وفي ضوء هذا ، فإننا لا نستطيع موافقة السيد الطباطبائي على هذا الفهم ~~العقلي للكلمة ، بالرغم من دقته وطرافته ، بل إن دراسة الآيات المتعددة ~~التي ورد فيها هذا التعبير ، تشير إلى المقصود بهذه الكلمات ، فنقرأ قوله ~~تعالى في سورة المائدة : ( @QUR@039 قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) [المائدة : 15 16] ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@012 الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم ) [إبراهيم : 1] ، وقوله تعالى : ( @QUR@011 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ) [إبراهيم : 5] ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) ~~[الأحزاب : 43] ، وقوله تعالى : ( @QUR@09 هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من PageV05P059 # @QUR@03 الظلمات إلى النور ) [الحديد : 9] ، وقوله تعالى : ( @QUR@020 قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) [الطلاق : 10 11] ، فنحن ~~نلاحظ أن النور الذي يدخل المؤمنون إليه ، هو كتاب الله الذي عبر عنه ~~بالنور في الآية الأولى ، من خلال ما يوحي به للإنسان من حقائق العقيدة ~~والشريعة والحياة ، كما في الآية الثانية ، وهذا ما توحي به الآية الثالثة ~~التي جعلت الرسالة التي كلف الله بها موسى أن يحملها ليخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور ، باعتبار أنها تتحرك في خط التوراة التي هي النور ، كما ~~جاء في قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا ) وقد جاء التعبير بالنور عن الإنجيل في الحديث عن ~~عيسى عليه السلام : ( @QUR@06 وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا ) ~~[المائدة : 46] ، وهذا ما نستوحيه من الحديث عن الآيات البينات التي تخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور. # وخلاصة ذلك كله ، أن النور هو الكتاب المنزل والرسول المرسل ، فكيف يمكن ~~أن يختزن ms0803 المعنى الذي تدل عليه الكلمة من مدلولها اللغوي؟! وهذا ما تنطلق ~~ولاية الله في حياة الإنسان لترسم له الطريق الواضح والخط المستقيم في كل ~~حياته ، ليعيش في وضوح الرؤية الذي يشمل كل منطلقاته وتطلعاته وأعماله ~~وأقواله وعلاقاته ومواقفه في نفسه ومع الناس والحياة ، تماما كما هو الوضوح ~~الذي يعيشه الإنسان الذي يتحرك في الطريق المنفتح على إشراقة النور في ~~السماء. # * * * ### ||| ** الطاغوت ولي الذين كفروا # ( @QUR@02 والذين كفروا ) وابتعدوا عن خط الإيمان وروحه وفكره وحركته PageV05P060 # ( @QUR@02 أولياؤهم الطاغوت ) الذين يقدمون لهم فكرا بعيدا عن وحي الله ~~ومنهجا لا يلتقي بالمنهج الحق الصادر عن رسل الله ، وأخلاقا لا تتصل بالخط ~~الأخلاقي الذي شرعه الله ، ومواقف ومواقع وأوضاعا لا تخضع لأحكام الله ~~وشريعته ، فأفسدوا عليهم وجدانهم وأفكارهم ومشاعرهم وحياتهم وحياة الآخرين ~~، فهم ( @QUR@05 يخرجونهم من النور إلى الظلمات )، لأنهم ينتقلون بهم من ~~دائرة الإيمان بالله والحق والخير والمحبة والسلام والطهارة والصفاء ~~والنقاء ، إلى دائرة الكفر به والباطل والشر والحقد والعداوة والحرب ~~والقذارة والرجاسة ، فهم يتخبطون في الظلمات في كل يوم يبتعدون فيه عن نور ~~الحق ، وبذلك استحقوا غضب الله وسخطه ( @QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون )، لأنهم تمردوا على الله بعد أن قامت عليهم الحجة من قبله ، وليس ~~لهم حجة يقدمونها بين أيديهم ، فكان جزاؤهم النار وبئس القرار. # * * * PageV05P061 ### ||| * الآية # ( @QUR@043 ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) (258) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ألم تر إلى ): الهمزة للاستفهام التعجبي ، ألم ينته علمك ~~ورؤيتك. قال صاحب المجمع: دخلت (إلى) من بين حروف الجر ، لأنها لما كانت ~~بمعنى الغاية والنهاية ، صار الكلام بمنزلة : هل انتهت رؤيتك إلى من هذه ~~صفته ، ليدل على بعد وقوع مثله على التعجيب منه (1). PageV05P062 # ( @QUR@01 حاج ): غالب خصمه بالحجة ، والمحاجة ، أن يطلب كل واحد أن يرد ~~الآخر عن حجته ومحجته. ويسمى ما يحتجون به ms0804 حجة وإن كانت داحضة ( @QUR@013 ~~والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ، حجتهم داحضة عند ربهم ) ~~[الشورى : 16] ، ( @QUR@04 قل فلله الحجة البالغة ) [الأنعام : 149]. # ( @QUR@04 أن آتاه الله الملك ) لأن آتاه ، فهي واردة مورد التعليل ، لأن ~~إيتاء الملك أبطره. # ( @QUR@01 فبهت ): دهش وتحير وانقطع ، فالبهت الحيرة عند استيلاء الحجة. # * * * ### ||| ** تربية القرآن للإنسان # ثلاث آيات تتلاحق الواحدة تلو الأخرى نلتقي فيها بالحديث عن فكرة إحياء ~~الله للأشياء التي تدب فيها الحياة ، ولكن بطريقة لا تعتمد الاستدلال ~~بالبراهين العقلية ، بل بطريقة إيحائية ، توحي بالفكرة من خلال القصة ~~الخاطفة ، من خلال حوار يدور بين إبراهيم عليه السلام وبين طاغية زمانه ، ~~فيصور لنا الفكرة كحقيقة لا تحتمل الريب ، في تمثلها في العقيدة بالله ~~الواحد ، فلا يملك الطاغية مجالا للهروب منها إلا بالتلاعب بالألفاظ والضحك ~~على قول السذج من البسطاء ... # ونتمثلها في قصة الإنسان الذي وقف مدهوشا أمام القرية التي يغمرها الموت ~~بكل أفكارها ، فيتساءل ... فيموت ... ثم يبعث في الدنيا ... وتتمثل الفكرة ~~أمامه في كيانه الذي دبت الحياة فيه من جديد ، وفي حماره الذي PageV05P063 # شاهده تتجمع أعضاؤه أمامه في عملية الحياة. # ثم يعود إبراهيم من جديد ليتساءل كيف يحيي الله الموتى ، وتعيش التجربة ~~في نطاق عملية خارقة للعادة يستجيب الله فيها لرغبته ... # إن كل هذه القصص الثلاث التي تتصل بالجانب الغيبي من التفكير الديني ، ~~توحي لنا بالفكرة في أسلوب تقريري يجعل الفكرة والشعور يحملانها في جو من ~~التفكير ، تضج فيه غرابة لا تبتعد عن جانب الإيمان في الإنسان الذي يخشع ~~إيمانه أمام الحق الذي ينزله الوحي في القرآن ، وأمام القدرة التي لا ~~يعجزها شيء في الإيمان بالله ، وأمام الإيمان بالغيب الذي هو من أركان ~~العقيدة في ما تقرره من الانطلاق مع حقائق الوجود الذي يهيمن عليه الله ~~خالقه في عالم الشهود وفي عالم الغيب ، وذلك هو أحد إثارات القرآن أمام ~~الإنسان بغية إرشاده وتربيته روحيا وفكريا. # * * * ### ||| ** إبراهيم يتحدى الطاغوت # لقد واجه إبراهيم النبي في حياته طاغية من أكثر الطغاة تمردا ، حيث بلغ ~~به الطغيان حدا خيل إليه معه ms0805 أنه الإله الذي يجب على الناس أن يعبدوه من ~~دون الله ، ولم يحدثنا القرآن عن اسمه ، ولكن تاريخ القصص الديني للأنبياء ~~يعطيه اسم النمرود ، ولا يهمنا ذلك في قليل أو كثير ، لأن القيمة تتمثل ~~بالمناذج الحية في ما تمثل من مواقف حاسمة وتجارب رائدة. # وقد وقف إبراهيم معه ، في قصة الحوار ، موقفا حاسما قويا ، حاول أن يثير ~~فيه قضية الألوهة وارتباطها بالقدرة المطلقة التي لا يملكها هذا الطاغية ، ~~فطرح فكرة الحياة والموت ، وأن الله رب إبراهيم هو الذي PageV05P064 # يحيي ويميت ، ووجد هذا الطاغية الفرصة لاستغلال سذاجة أتباعه البسطاء في ~~أسلوب التمويه الذي يعتمد التلاعب بالألفاظ ، فأجاب إبراهيم ، بأنه يحيي ~~ويميت ، لأنه يستطيع أن يبقي المحكوم عليه بالموت ، فيهبه الحياة ، وأن ~~يعدمه فيقضي عليه بالموت ، فيكون مالكا لأمر الحياة والموت ... وإذا ، فهو ~~يملك صفة الإله الذي يحيي ويميت ، فيحق له أن يكون إلها. # ولم يترك إبراهيم له الفرصة الذهبية التي يأخذ بها زهو طغيانه وتمرده ، ~~فتحداه بالظواهر الكونية الثابتة التي خلقها الله في الكون ، وطلب منه ~~تغييرها إذا كان إلها حقا ، وقدم له عرضا بالشمس التي خلقها الله لتشرق من ~~جهة المشرق ، وطلب منه أن يحول طلوعها إلى جهة المغرب ، ( @QUR@03 فبهت ~~الذي كفر ) ولم يملك جوابا لهذه الحجة المفاجئة ، ( @QUR@05 والله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) لأن طبيعة الانحراف عن خط الله الذي هو خط العدل والسير ~~مع خط الظلم الذي هو خط الكفر ، يبعد الإنسان عن الرؤية الواضحة الصحيحة ~~للأشياء ، فيتخبط في الضلال على غير هدى ، ويتركه الله لضلاله ، بعد أن كان ~~قد أقام عليه الحجة فلم يهتد بها ولم يخضع لها في ما يريد الله له من هداية وخضوع. # ويلاحظ في قوله تعالى : ( @QUR@04 أن آتاه الله الملك ) الواردة في موارد ~~التعليل لما قاله هذا الطاغية لإبراهيم ، أن السبب في هذه الدعوى وفي هذا ~~الطغيان هو رؤيته لنفسه في موقع الملك الذي أعطاه الله إياه في ما يعطيه ~~الله لعباده من الفرص التي يختبرهم ويبتليهم بها في الحياة ، وذلك من خلال ~~الأسباب ms0806 الطبيعية المودعة في الكون لحدوث الأشياء وفنائها ... وقد تعاظم ~~هذا الشعور في نفسه من خلال مظاهر القوة التي يحدثها الملك وينميها ، فتملأ ~~نفس الإنسان بالزهو والإحساس بالعظمة ، لا سيما فيما إذا رأى الآخرين ~~يتصاغرون أمامه من موقع إحساسهم بالضعف والانسحاق PageV05P065 # بالمستوى الذي يتحول خضوعهم له إلى عبادة ، تماما كما هي عبادة العبيد ~~للرب ، فيخيل لنفسه أنه في هذا المستوى ، وتبدأ التصورات الذاتية تتجمع في ~~كيانه ، فتغشي عينيه وتسد نوافذ الوعي المنفتح عن قلبه ، فيتحول إلى نصف ~~إله في بعض الأحيان ، ويتحول إلى ما يشبه الإله في أكثر الحالات لدى ذاته ~~ونفسه ، ثم يتطور الأمر به إلى أن يدعو الآخرين إلى الاعتراف بذلك من مواقع ~~الإقرار والإيمان ، بعد أن كان الأمر لديهم مجرد ممارسة لا ترتقي إلى درجة ~~الاعتراف. # وربما كان في هذا الإيحاء بعض التوجيه للإنسان بخطورة المواقع المتقدمة ~~التي يحصل عليها في الدنيا ، من ملك أو جاه أو مال ، على نظرته إلى نفسه ~~وموقفه منها ، فقد تنحرف به هذه النظرة إلى أن يخرج بها عن حدود التوازن ، ~~فتصل به إلى حدود الطغيان ، مما يدفعه إلى مراقبة نفسه دائما لتقف عند ~~حدودها في ما يريد الله منها أن تقف عنده. # * * * ### ||| ** ما نستوحيه من الحوار # أما فائدتنا من هذا الحوار ، فهي مواجهة الكثيرين ممن يحاولون أن يموهوا ~~على البسطاء من الناس ، باللجوء إلى الأساليب الساذجة التي يخدعونهم بها ، ~~سواء في ذلك ما يتعلق بشؤون العقيدة وما يتصل بأمور الحياة ، فنعمل على أن ~~نستلهم أسلوب إبراهيم النبي في الانتقال إلى التحديات الواضحة التي لا تخفى ~~ولا تنطلي بالنتيجة على أحد ، مما يعطل خطة التمويه والتضليل. PageV05P066 # ولا بدلنا في سبيل الوصول إلى ذلك أولا : من النفاذ إلى واقع الأساليب ~~المضللة التي يخضع لها البسطاء من الناس ، والأساليب الصارخة التي تملك قوة ~~التحدي ، من دون أن يستطيع الآخرون ردها أو مقاومتها على الأقل ، وهذا ما ~~يفرض على العاملين أن يقوموا به من أجل أن يلاحقوا الواقع وأساليبه التي ~~تحكمه وتوجه خطواته ، بكل وعي ودقة ms0807 وشمول وانفتاح. # ثانيا : القيام بالتوعية الثقافية للناس البسطاء من جهة التأكيد على ~~الواقع الموضوعي للأشخاص الذين يملكون بعض مواقع القوة كالسلطة والمال ~~والجاه ونحوها ، ليواجه الناس نقاط ضعفه إلى جانب نقاط قوته ، وليتوازنوا ~~في تقدير الجوانب الإيجابية في شخصيته من خلال المقارنة بالجوانب السلبية ~~فيها ، حتى لا تتضخم ذاته في وجدانهم ، بحيث يرتفعون بها إلى الدرجة التي ~~لا تستحقها ، كما لا ينتفخ هو عند نفسه في نظرته إلى موقعه إذا اندفع الناس ~~نحوه من خلال هالة التقديس والتعظيم ، لأن السبب في الكثير مما ينطلق به ~~الواقع البشري من ظواهر الشخصيات التي تؤله نفسها أو يؤلهها الناس هو فقدان ~~التوازن في نظرة الناس إلى هؤلاء الأشخاص ، وفي نظرتهم إلى أنفسهم. وفي ضوء ~~ذلك ، لا بد من الابتعاد عن أساليب التزلف والمبالغة والاندفاع العشوائي في ~~قضايا المدح والتعظيم في الواقع الاجتماعي والسياسي العام. # إننا نريد التنبيه على هذه النقطة من خلال ظاهرة النمرود الذي حاج ~~إبراهيم في ربه في نظرته إلى نفسه من موقع الربوبية للناس ، فإن ذلك لم يكن ~~إلا من جهة الإخلال بتوازنه في نفسه وتوازن الناس معه ، فلو لا ذلك PageV05P067 # لما كان هناك مجال للمسألة ، لأنه سوف يتحول في نظر الناس وفي نظر نفسه ، ~~إلى شخص عادي ، كسائر الناس الذين يملكون بعض الصفات الإنسانية الإيجابية ~~والسلبية. # * * * PageV05P068 ### ||| * الآية # ( @QUR@067 أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) (259) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خاوية ) ساقطة. أصل الخواء الخلاء. قال الراجز : يبدو خواء ~~الأرض من خوائه ، والخواء : الفرجة بين الشيئين ، وخوت الدار تخوي خواء فهي ~~خاوية ، إذا باد أهلها لخلوها منهم ، والخوي الجوع ، خوى يخوي خوى لخلو ms0808 ~~البطن من الغذاء (1). PageV05P069 # ( @QUR@02 على عروشها ): سقوفها و ( @QUR@03 خاوية على عروشها ) ساقطة ~~على أبنيتها وسقوفها ، كأن سقوفها سقطت ثم وقع البناء عليها. # ( @QUR@02 لم يتسنه ): أي لم يتغير بمرور السنين عليه ، ولم تذهب ~~طراوته. # ( @QUR@01 ننشزها ): نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب من النشز ، وهو ~~المرتفع من الأرض ، ويعبر عن الإحياء بالنشز والإنشاز ، لكونه ارتفاعا بعد ~~اتضاع ، ونشوز المرأة بغضها لزوجها ورفع نفسها وتكبرها. # * * * ### ||| ** قدرة الله في إحياء الموتى # وهذه قصة من قصص القرآن التي تدخل في نطاق الغيب ، باعتبار أنها تتحدث عن ~~حوادث خارقة للعادة ، وذلك في ما تحدثنا به عن إنسان ، يجمل القرآن اسمه ~~ويهمل الحديث عن طبيعته الذاتية ، من حيث هو نبي أو إنسان عادي مؤمن أو ~~مرتاب ، لأن ذلك كله لا يدخل في القيمة الإيحائية للقصة ، وهي التأكيد على ~~قدرة الله على إحياء الموتى من خلال تجربة عاشها هذا الإنسان بشكل خارق ~~للعادة ، فقد مر على قرية متهدمة خالية من أهلها ، ليس فيها شيء يوحي ~~بالحياة. لا شيء هناك إلا الموت والصمت ، ومرت في ذهنه خاطرة ، وقفز إلى ~~فكره تساؤل ، تماما ، كما يخطر للإنسان السؤال الحائر من دون اختيار ، أو ~~مع الاختيار ، انطلاقا من صراع الإنسان الدائم بين ما يوحي به العقل من ~~إمكان كل شيء لم تثبت استحالته ، حتى لو لم يكن مألوفا ، وبين ما تفرضه ~~الألفة من استبعاد كل شيء لم يمر على حواس الإنسان في ما يراه أو يلمسه أو ~~يسمعه ، فتساءل : كيف يحيي هذه الله بعد موتها ، فهل هذا التساؤل مظهر ~~إيمان يبحث عن المزيد من طمأنينة الحس ، PageV05P070 # أو مظهر ريبة وتشكيك يبحث عما يؤكد شكه ، أو ما يزيله؟! والذي نفهمه هو ~~أن الآية لا تحدد شيئا من هذا أو ذاك ، لأن القصة في ما توحيه ، لا تتأثر ~~بشيء منهما ، ولهذا ، فلا مجال لإطالة الحديث في ذلك. # هذا من ناحية طبيعة الآية في مدلولها اللفظي ، ولكن هناك نقاطا توحي بأن ~~هذا الرجل كان نبيا أو عبدا صالحا مقربا إلى الله ، فقد روي عن الإمام أبي ms0809 ~~عبد الله جعفر الصادق عليه السلام أنه (عزير) وروي عن علي عليه السلام كما في ~~مجمع البيان أن عزيرا خرج من أهله وامرأته حامل وله خمسون سنة ، فأماته ~~الله مائة سنة ، ثم بعثه ، فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة له ابن له مائة سنة ~~فكان ابنه أكبر منه ، فذلك من آيات الله ، وقيل : إنه رجع وقد أحرق بختنصر ~~التوراة ، فأملاها من ظهر قلبه (1). وقيل : هو (إرميا) عن وهب ، وهو ~~المروي عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام وقيل : هو الخضر ، عن ابن إسحاق (2). # وذكر البعض وجوها في تأكيد نبوته أو إيمانه بالدرجة العليا منه ، أولا ، ~~لأنه كان ممن يوحى إليه بقرينة تكليم الله له في قوله : ( @QUR@02 كم لبثت ~~) وثانيا : قوله : ( @QUR@03 ولنجعلك آية للناس ) مما يوحي بأنه من آيات ~~الله للناس ، وهذه هي صفة الأنبياء الذين يقدمون أمام نبوتهم آية للناس ~~ليؤمنوا بها. وثالثا : قوله : ( @QUR@07 أعلم أن الله على كل شيء قدير ) ~~مما يوحي بأنه رجوع إلى علمه السابق. # ولكن هذه الوجوه الاستيحائية لا تدل على ذلك : # أما الأول ، فلأنه لم يعلم أن هذا القول من الله ، فقد ذكر صاحب مجمع ~~البيان أنه سمع نداء من السماء : كم لبثت ، يعني في مبيتك PageV05P071 # ومنامك ، ولم يعلم أن الله هو المنادي. وقيل : إن القائل له نبي ، وقيل ~~ملك ، وقيل : بعض المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه (1). # وأما الثاني ، فيحتمل أن المراد بكونه آية للناس ، أي عبرة لهم ودليلا عن ~~أن الله قادر على إحياء الإنسان بعد الموت من دون أن يكون هناك أي شيء ~~يتعلق بذاته. وأما الثالث ، فالظاهر منه هو الحديث عن علمه الآن بعد هذه ~~التجربة الحية التي عاشها ونظر إليها ، لا أنه رجوع منه إلى العلم. # وأما الروايات ، فلم يثبت صحتها من ناحية السند ، فلا تكون حجة على ~~المدعى. وعلى هذا ، فإن ما ذكره صاحب الميزان (2) من تأكيد نبوته ليس واضحا ~~من حيث الظهور اللفظي ومن حيث الدليل الحاسم ، والله العالم. # وهكذا انطلق هذا الرجل في تساؤله من خلال الخاطرة ms0810 الطارئة التي خطرت له. # وكان الجواب يحتاج إلى أن يحس هذا الإنسان بطعم الموت ، فيستمر معه الموت ~~مائة عام ، ثم يبعثه الله من جديد ، فلا يتذكر من أمره شيئا ، ويشعر بأنه ~~نام لبعض الوقت فقط ، يوما أو بعض يوم ، وهذا ما يجيب به السؤال الموجه ~~إليه : كم لبثت؟ وتعقل لسانه المفاجأة ، كما يبدو ، عند ما يعرف أنه لبث في ~~رقدته هذه مائة عام ، ليجد الجواب الحي متجسدا في هذه الحياة المتجددة بعد ~~موت طويل ... وتشتد الدهشة في عينيه عند ما ينظر إلى طعامه وشرابه لم ~~يتغيرا كما هو معنى لم يتسنه ليكون مظهرا من مظاهر القدرة المعجزة في بقاء ~~الطعام طيلة هذه المدة ، مع أنه معرض للفساد في ساعات أو أيام ... # ثم تبرز الحقيقة أمام عينيه ، فهذا هو حماره الذي كان يركبه قبل مائة PageV05P072 # عام ، وقد تحول إلى عظام ، وهذه هي عظامه تتلاحق وترتفع فترتبط ببعضها ~~البعض ثم تدب فيه الحياة عند ما تكتسي هذه العظام باللحم بقدرة الله. ووضحت ~~القضية لديه كأعظم ما يكون الوضوح ، وعاش الشعور بالإيمان في موقع اليقين ، ~~فقال معبرا عن ذلك ( @QUR@07 أعلم أن الله على كل شيء قدير ). # وقد أثار بعض المفسرين أمام هذه القضية بعض التأويلات لأنه درج على ~~استبعاد الأشياء الغيبية في قصص القرآن ، أو في بعض رموزه كالملائكة ~~ونحوها. وقد تحدثنا في بعض أبحاث هذا التفسير عن هذا الاتجاه ، وقلنا إن ~~الإقرار بمبدإ الغيب في العقيدة يفرض علينا القبول بالأمور المرتبطة به ~~وعدم استبعاد خضوعها لهذا المبدأ ، فلا يجوز حملها على خلاف ظاهرها إلا إذا ~~كان هناك دليل يدل على ذلك ، ومن المعلوم أن الاستبعاد لا يصلح دليلا على ذلك. # * * * ### ||| ** قصة الذي مات ثم عاد إلى الحياة # ( @QUR@05 أو كالذي مر على قرية ) وهي بيت المقدس لما خربه بختنصر كما ~~قيل أو الأرض المقدسة ، في قول آخر ، أو هي القرية التي خرج منها الألوف ~~حذر الموت في احتمال ثالث ، وهي خاوية على عروشها ، فلا أثر فيها للحركة ~~والحياة والعمران ، فقد مات أهلها وسقطت ms0811 سقوفها وأبنيتها ، فهي قرية ميتة ~~في جميع مظاهرها وأوضاعها ، فانطلقت أفكاره في قضية الحياة والموت كأية ~~ظاهرة للموت في هذا الحجم يلتقي بها الإنسان ، فيطرح السؤال الكبير الذي قد ~~ينطلق من فضول المعرفة ، أو من خاطرة الشك الطارئ السريع الذي لا يبتعد عن ~~أجواء الإيمان ، لأن المؤمن قد يطوف به طائف من الشيطان في حالة الاستغراق ~~الفكري ليتذكر بعدها. ( @QUR@04 قال أنى يحيي هذه ) القرية بأهلها وبنيانها ~~( @QUR@03 الله بعد موتها ). كيف يحدث ذلك؟ وهل PageV05P073 # يمكن للحياة أن تتجدد بعد الموت؟ ومن أين يحدث ذلك؟ وفي أى زمان؟ وكيف ~~يكون ذلك من دون أن يعرف طعم الموت. فلم يكن قد دخل تجربة الموت ليعرف ~~تجربة الحياة بعدها ، وكأنه أراد أن يعرف سر الظاهرة في إمكانات التغيير ( ~~@QUR@04 فأماته الله مائة عام ) تماما كما تموت الحياة بالكلية في إشباع ~~عميق بالموت ، بحيث يزول الإنسان من حركية الحياة كما يزول من خاطر الوجود ~~من خلال هذا التقادم في السنين ، كما هي هذه القرية التي ربما كانت عاشت ~~تجربة الموت في الزمن السحيق ، مما جعل تجربة الموت في جسده ، مماثلة ~~لتجربة الذين ماتوا فيها. ( @QUR@02 ثم بعثه ) حيا كما كان. # وبدأت الحياة تضج في جسده كما لو كانت حالة طبيعية مستمرة في حياته ~~اليومية ، لأن الإنسان لا يشعر بثقل الموت عليه في داخل تجربته ، فإذا عادت ~~إليه الحياة ، فلا مجال للإحساس بشيء جديد في طبيعة ذاته ، إلا كما يحس ~~الإنسان الذي يستيقظ بعد الموت ، ولذلك فلم يشعر بمرور الزمن عليه ( ~~@QUR@03 قال كم لبثت ) هل هذا القول حقيقي كما هو ظاهر الكلمة أو هو شيء ~~يخاطبه من داخل نفسه ، أو هو شخص مر عليه في حالته هذه ممن سمع عن هذا ~~الإنسان منذ زمن بعيد ، وهل هو حديث مع الله أو مع النفس أو مع الناس ، وهل ~~تكون نسبة البعث إلى الله دليلا على أن القائل هو الباعث؟ كل ذلك محتمل ( ~~@QUR@06 قال لبثت يوما أو بعض يوم ). وما هو سر الغرابة في هذه التجربة ~~العادية في حياة الإنسان ms0812 اليومية ليطرح هذا السؤال بهذه الطريقة؟ فليست ~~المسألة إلا ظاهرة نوم طبيعي قد يستغرق الإنسان فيه فيشمل اليوم كله أو ~~يقتصر على بعضه. ( @QUR@05 قال بل لبثت مائة عام ) وهنا كانت المفاجأة ~~الصاعقة ، فليست القضية قضية سبات طبيعي ، بل قضية موت محقق في مدى القرن ~~من الزمان وبعث جديد ، إذا فهذه هي التجربة التي كان السؤال يدور حولها ، ~~فقد انطلقت في داخل ذاته ، لقد مات كل هذا الزمن الطويل وأحياه الله من ~~جديد ، وكان هو الجواب الحاسم عن سؤاله الكبير ، فلم PageV05P074 # تعد القضية قضية الظاهرة في خارج ذاته ، بل في عمقها وامتدادها. ويمتد ~~الوضوح به ليجسد له معنى المعجزة الإلهية في المسألة التي تؤكد فعلية ~~الحياة بعد الموت من خلال ذلك. # ( @QUR@04 فانظر إلى طعامك وشرابك ) الذي كان معك ( @QUR@02 لم يتسنه ) ~~لم تغيره السنون ، فبقي في حيوية خصائصه وعناصره من دون أن يستهلكه أو ~~يبدله مرور الزمن ، فإن الذي أبقاه هو الذي منحك البقاء في الحياة من جديد ~~، ( @QUR@03 وانظر إلى حمارك ) الذي كان معك كيف تفرقت أجزاؤه ، وتقطعت ~~أوصاله ، وتبددت عظامه ، وكيف نعيدها من جديد. ( @QUR@03 ولنجعلك آية للناس ~~) يعتبرون بها في إيمانهم بالله وبقدرته على إعادة الحياة كقدرته على ~~إيجادها ، ويؤمنون من خلالها بالبعث في اليوم الآخر ، فيرتفع عن أفكارهم ~~استبعاد ذلك ( @QUR@05 وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) ونرفعها على الأرض ~~لتنضم إلى بعضها البعض ، في عملية إعادة الحياة إلى الجسد ؛ جسدك أو جسد ~~حمارك ، لترى التجربة الحية أمامك ، فتعيش المسألة التي كانت مجرد فكرة ~~تبعث على التساؤل في وضوح من الرؤية الباعثة على اليقين ( @QUR@03 فلما ~~تبين له ) الموضوع الجديد الغريب بكل تفاصيله ( @QUR@08 قال أعلم أن الله ~~على كل شيء قدير ) فهذه هي الحقيقة التي انضم فيها الحس في تجربتي هذه ، ~~إلى العقل في قضية الإيمان ، فلا مجال لسؤال جديد ، إذ لا غموض ولا شبهة في ~~أي شيء ، بل هو الوضوح كله. # * * * PageV05P075 ### ||| * الآية # ( @QUR@039 وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من ms0813 الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) (260) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليطمئن ): ليحصل الاطمئنان المطلق الذي لا مجال فيه للشك ، ~~والطمأنينة والاطمئنان سكون النفس بعد انزعاجها واضطرابها ، وأصلها من ~~الأرض المطمئنة إذا كان فيها انخفاض بحيث يستقر فيها الماء إذا سال إليها. # ( @QUR@01 فصرهن ): فأملهن واضممهن إليك فقطعهن ، من صار يصور إذا أمال ~~أو قطع. # ( @QUR@02 يأتينك سعيا ): أي يأتينك مشيا على أرجلهن. وذكر عن النضر بن PageV05P076 # شميل ، قال : سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى : يأتينك سعيا ، هل يقال ~~للطائر إذا طار سعى ، فقال : لا ، قلت : فما معناه؟ قال : معناه يأتينك ~~وأنت تسعى سعيا (1). # * * * ### ||| ** إبراهيم عليه السلام باحث عن الحقيقة # وهذه قصة من قصص الحوار القرآني في حياة إبراهيم عليه السلام ، الذي أبرز ~~لنا القرآن في شخصيته الإنسانية النبوية ، شخصية الباحث عن الحقيقة بأسلوب ~~الحوار ، سواء منه الذي كان يثيره مع نفسه ، في تصوير العقيدة الصحيحة حول ~~ذات الخالق ، أو الذي كان يثيره مع الناس في تحطيم عقيدة الأصنام في نفوسهم ~~، أو الذي كان يثيره مع ربه في مناجاته له ... وقد تمثل هذا اللون الأخير ~~في هذه الآية ، فقد سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ، فقد كان ~~يريد أن يشاهد عملية الإحياء على الطبيعة ، وكان الجواب سؤالا تقريريا : أو ~~لم تؤمن؟ فإن مثل هذا السؤال قد يصدر ، في صورته هذه ، من غير المؤمن ، ~~فكيف يصدر من إبراهيم الذي جاء من أجل أن يقود الناس إلى الإيمان؟! وكان ~~جواب إبراهيم عليه السلام بتأكيد إيمانه ، فلم يكن السؤال منطلقا من ذلك ، ~~بل من أجل الحصول على حالة الاطمئنان القلبي الذي يتحرك من مواقع الحس في ~~الحياة ، بما لا يحصل من خلال القناعة الفكرية التي تعتمد على المعادلات ~~العقلية التي تصنع للإنسان إيمانه ، ولكنها لا تمنع الهواجس الذاتية من أن ~~تتحرك في النفس في نطاق الأوهام الطارئة. ولهذا كانت الرغبة في المشاهدة من ~~أجل تذويب كل ما يخطر في البال من أوهام. ms0814 وأخيرا ، نفذ الله له رغبته ، ~~فطلب منه أن يواجه التجربة بنفسه ، وذلك بأن PageV05P077 # يأخذ أربعة من الطير ، فيضمهن إليه ، ثم يجزئهن ويفرق أجزاءهن على الجبال ~~، ثم يدعوهن فيأتين ساعيات مسرعات في طيرانهن ، أو في مشيهن على أرجلهن. ~~ويقول صاحب الكشاف متسائلا ؛ فإن قلت : ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن ~~يأخذها؟ قلت : ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحالاتها لئلا تلتبس عليه ~~بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ، ولذلك قال : ( @QUR@02 يأتينك سعيا ) ( 1). # ( @QUR@05 واعلم أن الله عزيز حكيم ) فلا ينقص من عزته شيء إزاء زوال أي ~~شيء من مخلوقاته ، حكيم يضع كل شيء في موضعه في قصة الحياة والإحياء. # * * * ### ||| ** الفرق بين الإيمان والاطمئنان القلبي # وقد أثار المفسرون حديثا طويلا حول ما يمثله سؤال إبراهيم عليه السلام ~~للحصول على الاطمئنان القلبي من حيث إن ذلك لا يتناسب مع مقامه النبوي الذي ~~ينطلق من أجل تحصيل الطمأنينة للآخرين لا لنفسه. فقال بعضهم إن السؤال هو ~~عن كيفية حصول الإحياء دون مشاهدة كيفية الإحياء وإن الجواب لا يدل على ~~أزيد من ذلك ، وإن القضية لم تعرض على هذا الأساس ، بل عرضت على أساس توضيح ~~الفكرة ، تماما كما يقول قائل : كيف يصنع الحبر؟ فتقول : خذ كذا وكذا تصير ~~حبرا ... وأفاض الحديث في تقريب ذلك. ولكن هذا يتنافى مع ظاهر الآية الذي ~~يدل على أن إبراهيم طلب المشاهدة الحسية ، كما توحي به كلمة : أرني ، وقوله ~~: كيف تحيي الموتى ، مما يدل على أن السؤال هو عن كيفية الإحياء. PageV05P078 # ولعل الدافع لأمثال هؤلاء هو الانطلاق من فكرة إبعاد الغيب عن ساحة ~~الأنبياء في معاجزهم واستبعاد تحقق الحياة من خلال كلماتهم التي لا تحمل أي ~~شيء من القوة في هذا الجانب ، ولكن القضية كما ألمحنا إليه ، أن هذا ~~الاتجاه يدفعنا إلى التحفظ في الغيب كمبدإ ، لأن المبدأ إذا كان واردا في ~~العقيدة ، فلا قيمة للتفاصيل بعد ذلك ، لأن بإمكاننا أن نتساءل : ما هو ~~المانع من أن يبعث الله الحياة في هذه الطيور بقدرته بمجرد دعوة إبراهيم ~~عليه السلام ؟ ولا ms0815 يملك هؤلاء دليلا على تعزيز مثل هذا الاتجاه في حمل اللفظ ~~على خلاف ظاهره ، ولسنا هنا في معرض استعراض ما قاله المفسرون من وجوه ~~عديدة في تفسير السؤال ، بل كل ما نريد إثارته ، هو أن السؤال لا يمثل أية ~~مشكلة فكرية ، لأن قضية الإيمان تتصل بالقناعة الفكرية المنطلقة من مصادره ~~العقلية وغير العقلية. أما الاطمئنان ، فإنه يمثل سكون القلب وهدوءه ، بحيث ~~لا يعيش أي خاطر مضاد ولو في جولة الأوهام ، مما يفرض أن تكون مصادره واضحة ~~للحس أو ما يقرب الحس ، وهذا لا يعتبر منافيا للإيمان. وربما كان أي واحد ~~منا يعيش الكثير من الخطورات الذهنية المضادة لما يؤمن به في الأمور التي ~~تدخل في نطاق الحس ، بينما لا يحس بمثل ذلك في ما يكون الحس مصدره الأساس ، ~~فلا مانع من أن يكون سؤال إبراهيم واردا في هذا النطاق. # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من الآية؟ # أما ما نستوحيه من هذه الآية ، فهو ما ألمحنا إليه في كتابنا «الحوار في ~~القرآن» : PageV05P079 # «وقد نجد في حوار إبراهيم مع ربه تجربة رسالية رائعة في أسلوب العمل ، ~~فقد طلب من ربه أن يريه المعجزة التي يطمئن بها قلبه ، في مشاهدته عملية ~~إحياء الموتى على الطبيعة ، فقد نستوحي منها أسلوبا عمليا جديدا في مواجهة ~~ردود فعل الآخرين على ما نقدمه إليهم من أفكار ، وذلك بأن نضع في حسابنا ~~الحقيقة التالية وهي : أن الأفكار التي نقدمها للآخرين في إثبات قضايا ~~العقيدة ، قد تقنعهم فكريا ، ولكنها لا توصلهم إلى مرحلة الإيمان الروحي ~~العميق الذي يلتقي فيه العقل والقلب ، في عملية يمتزج فيها الفكر بالشعور ~~فيتحول إلى طمأنينة روحية يشعر فيها الإنسان بالسكون والاطمئنان الذي يغمر ~~فكره وروحه ، في سلام روحي عظيم. # ولهذا ، فإن علينا أن لا نستنكر عليهم هذا الطلب ، تماما ، كما لم نجد ~~هناك أي إنكار من الله على نبيه عند ما قدم هذا العرض له من أجل الحصول على ~~الطمأنينة القلبية بعد حصول الإيمان الفكري. ومن البديهي ، أننا لا نستطيع ~~تقديم المعجزة للآخرين ، كما قدمها لنبيه ، ولكننا ms0816 نستطيع تقديم الأفكار ~~الواضحة القريبة من حياتهم ، حتى يحسوا أن قضية الإيمان تتحرك معهم في كل ~~ما يعملونه أو يمارسونه ، من علاقات» (1). # * * * PageV05P080 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) ~~@QUR@024 الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ~~ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) @QUR@011 ~~قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) @QUR@039 يا ~~أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء ~~الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل ~~فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) @QUR@025 ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ~~والله بما # * * * PageV05P081 # @QUR@02 تعملون بصير (265) @QUR@035 أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ~~ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون ) (266) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سنبلة ): على وزن فنعلة ، كقولهم أسبل الزرع ، بمعنى سنبل إذا ~~صار فيه السنبل ، والأصل فيه الإسبال ، وهو إرسال الستر ونحوه ، فكما ~~يسترسل الستر بالإسبال ، يسترسل الزرع بالسنبل ، ولأنه صار فيه حب مستور ~~كما يستر بالإسبال. # منا : المن : ذكر ما ينغص المعروف بأن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ~~ويريه أنه أوجب عليه حقا له ، وأصل المن القطع ( @QUR@04 لهم أجر غير ممنون ~~) [فصلت : 8]. # ( @QUR@01 أذى ): الأذى : الضرر العاجل أو اليسير ، في النفس أو الجسم. # ( @QUR@01 خوف ): الخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة. # ( @QUR@01 يحزنون ): الحزن : الغم من مكروه واقع أو كالواقع. # ( @QUR@01 رئاء ): مراءاة وتظاهرا ، من الرؤية ، كأنه يعمل ليري غيره ~~ذلك أو يري الناس أعماله حتى يروه الثناء عليه والاحترام له. # ( @QUR@01 صفوان ): الحجر الأملس ومفرده صفوانة. # ( @QUR@01 وابل ms0817 ): مطر ثقيل غزير عظيم القطر ، ولمراعاة الثقل ، قيل للأمر PageV05P082 # الذي يخاف ضرره وبال ، والوبيل الشديد. # ( @QUR@01 فطل ): الطل : أخف المطر وأضعفه ، وقيل : الرذاذ أقوى منه ثم ~~الهطل ثم الوابل. # ( @QUR@01 جنة ): البستان الكثير الشجر ، لأن الشجر يجنه بكثرته فيه. # ( @QUR@01 إعصار ): ريح تثير الغبار ، سميت بذلك لأنها تلتف كما يلتف ~~الثوب المعصور. # ( @QUR@01 بربوة ): الربوة : الأرض التي تزيد وتعلو في نموها ، من الربا ~~بمعنى الزيادة. # * * * ### ||| ** الإنفاق في سبيل الله : فكر ومثل # للإنفاق في سبيل الله ، دور كبير في مفاهيم الإسلام وتشريعاته ، من حيث ~~قيمته الكبرى في الحياة وثوابه العظيم عند الله. وقد تنوعت الآيات الكريمة ~~في أكثر من سورة في تصوير أهميته ، والحديث عن أبعاده وحدوده ، ودعوة ~~الإنسان إلى الإقبال عليه كما يقبل على قيمة روحية وعبادة إسلامية في ما ~~فرضه الإسلام من عبادات ، لأن الله لم يقتصر في العبادة على ما يؤديه ~~الإنسان من صلاة في ما يقوم به من حركات ، أو يتكلم به من أذكار وابتهالات ~~، بل انطلق ليجعل الإنفاق عبادة مفروضة لا بد من أن يؤديها الإنسان بقصد ~~القربة كما يؤدي صلاته في ما افترضه من خمس وزكاة وصدقة ، وذلك في نطاق ~~التخطيط الشامل للعبادة التي تتسع حتى تشمل الحياة كلها في خضوعها لله في ~~ما يريده وفي ما لا يريده. # وفي هذه الآيات جولة في أفق الإنفاق في سبيل الله ، في ثوابه عند الله ، ~~وفي قيمته وحدوده وطبيعته ، في ما تتحدث عنه الآيات من تفاصيل. PageV05P083 ### ||| ** الإنفاق بين القيمة الذاتية والقيمة الاجتماعية # وقد يبدو لنا في بداية الحديث أن نتساءل عن المعنى الذي يمثله الإنفاق في ~~سبيل الله في تخطيط حركة الإنسان في الحياة. فهل هي القيمة الذاتية التي ~~تتمثل في الدوافع والأجواء النفسية التي يعيشها المنفق ، ليكون الثواب جزاء ~~على ما يجسده العمل من معنى روحي إنساني ، بعيدا عن أية حالة إنسانية عامة ~~تتصل بالواقع الاجتماعي للمجتمع ككل ، أو هي القيمة الاجتماعية في ما يحققه ~~الإنفاق من رعاية المجتمع في حاجاته العامة والخاصة؟ # والجواب عن ذلك ، أن التشريع الإسلامي الذي ms0818 أنزله الله للحياة لا ينحصر ~~في جانب واحد ، بل يشمل الجوانب كلها ، لأن الحياة لا تمثل في مسيرتها ~~الإنسانية جوانب منفصلة عن بعضها البعض ، بل تمثل التشابك والارتباط بين ~~مختلف الجهات ، فلا نتصور الجانب الذاتي الروحي منعزلا عن الجانب الاجتماعي ~~، لأن قوة الروح الاجتماعية في الإنسان تكمن في القيمة الروحية الذاتية ~~لشخصيته ، كما أن للأعمال المنطلقة من خلال الدوافع الروحية في حركة ~~الإنسان في المجتمع تأثيرا كبيرا في نموها وسلامتها وتطويرها ... وهذا ما ~~نلاحظه في الصلاة التي هي عبادة روحية ، فإنها تشتمل على بعد ذاتي روحي ، ~~يحقق معنى العبودية لله في أعماق النفس ، وعلى بعد أخلاقي اجتماعي يحقق ~~إبعاد الإنسان عن الفحشاء والمنكر في ما يعنيه من قيمة فردية واجتماعية ، ~~بل قد يكون للبعد الأول أثر كبير في تعميق البعد الثاني ، باعتبار أن ~~عبودية الإنسان لله تمثل مسئوليته العملية في الانضباط أمام إرادة الله في ~~ما يحبه وفي ما لا يحبه ، في حياة الفرد والمجتمع ... ونلاحظه في الصوم ~~الذي أريد له أن يحقق للإنسان معنى PageV05P084 # العبودية لله الذي يلتقي بالإرادة الصلبة المبنية على التقوى ، كما يلتقي ~~بالروح الإنسانية في مشاعرها الطاهرة إزاء مظاهر البؤس والجوع والعطش في ~~حياة الناس الآخرين بما يثيره الصوم من هذه المشاعر من خلال إثارته للجوع ~~والعطش والحرمان في داخل النفس والجسد ، فتلتقي فيه القيمة الفردية ~~والاجتماعية. # ومن خلال ذلك ، نستطيع أن نقرر الفكرة التالية ، وهي أن التشريعات ~~الإسلامية بما فيها التشريعات العبادية قد لاحظت جميع الأبعاد الإنسانية في ~~ما تشتمل عليه من جوانب روحية ومادية في آفاق الفرد والمجتمع ، انطلاقا من ~~أن الإنسان كل مترابط الأجزاء في ما ينطلق فيه من إيجابيات وسلبيات. وعلى ~~ضوء ذلك ، نجد أن الإنفاق يمثل النموذج الحي لهذا الخط في التشريع ، فإن ~~القيمة فيه لا تتمثل في الحجم المادي له ، بل تتمثل في تحقيق الشخصية ~~الإنسانية الإسلامية في ما تعيشه من روح العطاء الذي تنساب معه كل المشاعر ~~الإنسانية التي تلتقي بالهموم الكبيرة للإنسان في الحالات الفردية الصعبة ~~التي يعاني ms0819 فيها الفرد آلام الحرمان ، وفي الحالات الاجتماعية القاسية التي ~~يفقد فيها المجتمع عوامل الكفاية والاستقرار الاقتصادية والحياتية ، وفي ~~الحالات العامة التي تعيش فيها الأمة الاهتزاز المادي والسياسي والاقتصادي ~~والأمني ، وفي الأمور الأخرى التي تتصل بالعناصر التي تمنح الإنسان قوته ~~واستقراره وكرامته الإنسانية. وبذلك يتحرك الإنفاق ، من خلال روح العطاء ، ~~في بعدين : البعد الروحي الذاتي الذي يدخل في تكوين شخصية الإنسان في ~~دوافعه وحركاته من موقع القيمة الروحية الفردية في ما تمثله من خصائص الذات ~~في حساب التقويم الإنساني ، والبعد الاجتماعي ، في ما تحققه من عناصر ~~الاستقرار والأمن والقوة للمجتمع وللأمة. # إن القرآن الكريم في منهاجه التربوي للإنسان يريد أن يصنع الإنسان PageV05P085 # الذي يعيش هموم المجتمع ، بحيث يشعر أنها همومه الذاتية ، ويتحمل ~~مسئوليته ، في قضاياه الاجتماعية ، على أساس أنها مسئوليته في قضاياه ~~الخاصة ، ليتم الاندماج بين الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية في عملية ~~تكامل إنساني روحي عملي. ولهذا كان العطاء الذي يتمثل في روح الإنفاق ، ~~يحقق للإنسان هذه الشخصية ، الأمر الذي يجعل القيمة للمبدأ بدلا من أن ~~يجعلها للمقدار ، وهذا هو ما نفهمه من الآيات الآتية التي تحدثت عن الثواب ~~من خلال المبدأ والنوعية في الإنفاق ، ولم تتحدث عنه من حيث المقدار ~~والكمية ، كما أثارت موضوع المضاعفة للثواب من دون تحديد ، للإيحاء بتصاعد ~~القيمة النوعية للإنفاق الذي يستوجب التصاعد في الثواب والقرب من الله. # وإذا كانت قيمة الإنفاق تتمثل في هذا الجو الروحي والعبادي والاجتماعي ، ~~فلا بد من أن يكون متحركا في خط المفاهيم الإسلامية التي يعيشها الإنسان ~~المسلم في حياته العامة ، لأن ذلك هو الذي يحقق الهدف في تربية الشخصية ~~الإسلامية ونموها الروحي والعملي. ولهذا أكدت الآيات على خط سبيل الله الذي ~~يمثل الأعمال والأجواء والأهداف التي يحبها الله ويرضاها ويريد للإنسان أن ~~يحققها ويحياها ، فالإنفاق في الجهاد سبيل من سبل الله ، لأن الجهاد فرض ~~فرضه الله على عباده ، والإنفاق في سبيل رفع المستوى الثقافي والصحي ~~والاجتماعي والديني لعباد الله سبيل من سبل الله ، لأن الله أراد للإنسان ~~أن ينفع عباده ms0820 في ما يملكه من طاقات ، والإنفاق في سبيل إعانة السائل ~~والمحروم واللهفان ، هو سبيل من سبل الله ، لأن الله أراد للإنسان أن يحمل ~~هم الضعيف والمحروم والملهوف. وهكذا يتسع سبيل الله ليشمل كل عمل خير ينفع ~~البلاد والعباد في شؤون الدنيا والآخرة. # إن التأكيد على خط سبيل الله ، يمثل الفكرة التي تربط القيمة الإنسانية ~~في العمل الإنساني بالخط الذي يتحرك فيه العمل ، لا في ذات العمل بعيدا PageV05P086 # عن حركة الخط الرسالي. ومن هنا نفهم الأحاديث التي تتحدث عن الكرم ~~والسخاء من حيث تمثيلها لروح العطاء التي تصب في مجرى الحياة الاجتماعية في ~~ما تسد به خلة أو تقضي به حاجة أو تغيث به ملهوفا أو تطعم به جائعا أو تكسو ~~به عريانا ، وما إلى ذلك من قضايا الإنسان المحروم أو الضعيف. فليست هناك ~~قيم مطلقة في حساب الإسلام ، بل كل ما هناك هو انطلاق القيمة من المواقع ~~الإسلامية في حياة الإنسان. # وفي هذا الإطار ، نعرف أن الإنفاق من أجل الحاجات الذاتية ؛ المادية ~~والمعنوية ، أو من أجل العصبيات الفردية الضيقة ، تتحول إلى عمل تجاري يبحث ~~فيه الإنسان عن العوض لما يقدمه للآخرين ولا يعيش الروح الإلهي في ما يعطيه ~~، وبذلك يبتعد عن سبيل الله ، الذي يريد للإنسان أن ينفق طلبا لمرضاة الله ~~، ولما عند الله من ثواب. # وإذا كان الإنفاق في سبيل الله ، فلا معنى للمن والأذى على الإنسان ~~المنفق عليه ، لأن ذلك هو شأن الإنفاق الشخصي الذي ينطلق من عوامل ذاتية ~~تتعلق به ، أما سبيل الله ، فيجعل العمل من أجل الله ، بحيث لا يكون للشخص ~~دخل فيه إلا على أساس ارتباطه بالفكرة العامة والعنوان العام ، من حيث هو ~~مسئولية وفريضة وحق للآخرين عليه ، في ما يطرحه الإسلام من مفهوم المال ~~بأنه مال الله الذي آتاه للإنسان واستخلفه عليه وأمره بأن ينفق منه على ~~نفسه وعلى الآخرين ، مما يبعد الإنفاق عن معنى المبادرة الذاتية ، ويحوله ~~إلى وكالة عن صاحب المال في إيصاله إلى مستحقيه ، الأمر الذي يرفع القضية ~~عن دائرة المن ms0821 في الأساس. وقد أفاضت هذه الآيات بأكثر من أسلوب في اعتبار ~~ذلك مبطلا للصدقة في معناها وفي ثوابها ، تماما كصدقة المرائي الذي لا ~~يستهدف من صدقته إلا رضا الناس عنه ، لأن القضية واحدة في النتيجة في كلا ~~الحالين. PageV05P087 # أما كيف عالجت الآيات هذه المعاني ، فهذا ما سنعرض له في الوقوف أمام ~~مفردات الآيات. # * * * ### ||| ** جزاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله # ( @QUR@017 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) إن الآية تتحدث عن الجزاء على الإنفاق في ~~سبيل الله ، بأسلوب ضرب المثل بالصورة الحسية التي يواجهها الإنسان في ~~حياته ، وهي صورة الحبة البذرة التي يلقيها الزارع في الأرض ، فتنبت سبع ~~سنابل تشتمل كل واحدة منها على مائة حبة. وهكذا يتحول كل مورد للإنفاق من ~~الإنسان إلى سبعمائة حسنة له قابلة للزيادة عند الله ... والحديث عن الثواب ~~في مجال الترغيب في العمل أسلوب ديني ينطلق من فطرة الإنسان على محبة الذات ~~في ما تحصل عليه من الربح والخسارة ، وقد أبقاها الله فلم يكبتها في داخله ~~عند ما كلفه بما كلفه مما قد يؤدي إلى الخسارة المادية ، ولكنه وجهها ~~توجيها صالحا يدفع الإنسان إلى طلب الربح في ما عند الله بدلا من الاقتصار ~~على ما في الحياة الدنيا ، وذلك من خلال حركة الإيمان بالله واليوم الآخر ، ~~فيبتعد بذلك عن ووساوس الشيطان التي تثير أمامه احتمالات الخسارة عند ما ~~يريد ممارسة الإنفاق. # وقد يتساءل بعض الناس ، أنه لا يوجد في العالم سنبلة تحمل مائة حبة ، فإن ~~أكثر الأرقام التي شوهدت هو ثمانون حبة. فكيف نفهم وقوع هذا الفرض غير ~~الموجود في الآية الكريمة؟ والجواب : أولا ، إن عدم الوجدان لا يدل على عدم ~~الوجود ، فلا مانع من وجود مثل هذه السنبلة في ما لم نعثر PageV05P088 # عليه. وثانيا ؛ إن أسلوب ضرب المثل لا يفرض واقعية الصورة ، بل كل ما ~~هناك هو تقريب الفكرة من خلال الصورة التي تنقل الموضوع من الواقع إلى ~~المثال ، فإن المقصود هنا هو ms0822 الحديث عن حجم ثواب الله على الإنفاق في سبيله ~~بالمستوى الذي يبلغ فيه هذا الرقم ، ولكن بأسلوب مؤثر في صورة الواقع ~~المحسوس. # * * * ### ||| ** علاقة الثواب بحجم العمل # وقد يتساءل الإنسان عن طبيعة هذا الجزاء أو تفسيره ، هل هو مجرد تفضل من ~~الله على عبده ، أو أن هناك سرا يقترب فيه حجم الثواب من حجم العطاء؟ # وقد يبدو لنا في الجواب عن هذا التساؤل أنه تفضل من الله ينطلق من سر في ~~نتائج العطاء ، فإن قيمة العطاء تتمثل في الحل الذي يقدمه لمشاكل الفرد ~~والمجتمع والأمة ، مما يعني أن استمرار هذه المشاكل يخلق للحياة مشاكل ~~جديدة ومآسي كثيرة ، لأن المشكلة إذا امتدت في الزمن ، أحدثت أوضاعا سلبية ~~على حياة الإنسان الذي يعيشها ، مما يوجب خللا كبيرا في توازن الحياة ، ~~وبذلك يعمل الحل على تفادي أكثر من مشكلة ، كما أنه يؤثر في الجانب ~~الإيجابي ويعطي دفعة جديدة للحركة المبدعة في حياة الإنسان ونموه وتطوره ، ~~مما يعني أن العطاء المادي يفسح المجال للعطاء الروحي من جانب الإنسان ~~المحروم بطريقة منتجة واسعة ... وهذا ما نستوحيه من الأحاديث التي تتنوع ~~فيها كمية الثواب تبعا لنوعية الحرمان PageV05P089 # وتأثيره على طاقة الإنسان وحياته العامة والخاصة ... # وهناك نقطة أخرى ، قد تضاعف الثواب على العمل من حيث دلالتها على عمق ~~المعنى الروحي الذي يتمثل في إخلاص المؤمن لربه ، فإن للنية قيمتها ~~الأساسية في طبيعة العمل وفي نوعية المعنى المتمثل فيه ، بل هي روح العمل ، ~~وهذا ما وردت به الأحاديث الكثيرة القائلة «فإنما الأعمال بالنيات ، وإنما ~~لكل امرئ ما نوى» و «يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة» وغيرها الكثير. وفي ~~ضوء هذا ، قد تلتقي النية الطيبة المخلصة المنفتحة على إنسانية الإنسان من ~~خلال انفتاحها على الله في ما يحبه ويرضاه ، بالحل الأمثل للمشكلة ~~الاجتماعية الخانقة في حياة الفرد والمجتمع ، مما يعزز الجانب الذاتي ~~الروحي بالجانب الموضوعي الاجتماعي ، ولعل كلمة ( @QUR@02 سبيل الله ) ~~تختصر الأمرين معا ، فإن العمل الذي ينطلق من الإنسان في سبيل الله ، هو ~~العمل الذي يريد الله للحياة أن تحققه ms0823 في واقع الناس من خلال الإنفاق ونحوه ~~، وهذا ما يجعل مضاعفة الثواب مرتبطة بمشيئة الله التي تراقب الإنسان في ~~دوافعه وتنظر إلى العمل في نتائجه المؤدية إلى حل المشكلة الفردية ~~والاجتماعية من خلال الخصوصيات التي تتنوع هنا وهناك في الحجم والعمق ~~والإخلاص. # ومن خلال ذلك ، نعرف أن حجم الثواب كان منطلقا من حجم النتائج الإيجابية ~~التي يحققها العطاء والنتائج السلبية التي يمنعها ، بعيدا عن طبيعة الرقم ~~الذي يتمثل فيه العطاء في ذاته. وفي ضوء ذلك ، نعرف معنى الفقرة التالية في ~~الآية ( @QUR@04 والله يضاعف لمن يشاء ) على أساس ما ينتجه العطاء من نتائج ~~وما يكشف عنه الموقف العملي في دوافعه وأهدافه من معان قريبة إلى الله ~~حبيبة إليه ( @QUR@03 والله واسع عليم ) لا يضيق بأي عطاء ، وهو العالم ~~بنواياكم وأفكاركم في ما تعطون وتمنعون. PageV05P090 # ( @QUR@024 الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) هؤلاء الذين ~~ينفقون من موقع مسئولية العطاء أمام الله ، ويشعرون أنهم قاموا بواجبهم ~~الملقى عليهم ، فلا مجال عندهم للمن على أحد ممن أنفقوا عليه ، لأن القضية ~~لا تتعلق بهم كأشخاص ، بل كمورد من موارد الإنفاق الواجب والمستحب ، كما أن ~~القضية لا تمثل موقفا شخصيا يرتبط بالذات ليتحول إلى موقف من مواقفها ~~الخاصة. وبذلك يريدون لعملهم أن يستمر في روحه المنطلقة من محبة الله ، فلا ~~يسمحون لأنفسهم بأية كلمة تؤذي مشاعر من أنفقوا عليه ، هؤلاء الذين يعيشون ~~القيم الروحية والعملية التي أراد الله للإنسان أن يعيشها في برنامج حياته ~~اليومية كخط عملي مستقيم ، هم الآمنون عند الله ، الفرحون بما أفاض عليهم ~~من قربه ورضاه ، المتقلبون في نعمائه يوم القيامة ، بما أغدقه عليهم من ~~نعمه وألطافه. # ( @QUR@06 ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). هل الآية في أجواء الحديث عن ~~نفي الخوف والحزن عن الإنسان في الآخرة جزاء لعمله ، باعتبار أن الغاية ~~التي يبتغيها المؤمن في كل أعماله في الدنيا هي الأمن والراحة والطمأنينة ~~والفرح في الآخرة ، أو ms0824 أنها شاملة للدنيا والآخرة معا ، لأن الله سبحانه ~~جعل للالتزامات الشرعية التي ألزم عباده بها أو استحبها لهم ، نتائج ~~إيجابية على مستوى الدنيا من خلال الخصائص المميزة التي تؤدي إلى الخير في ~~حياتهم الخاصة والعامة ، وتبتعد بهم عن حالات الخوف من الأخطار ، والحزن من ~~المصائب؟ # إن الجواب عن ذلك ، هو أن السياق العام لهذا التعبير القرآني في أكثر ~~استعمالاته يوحي بأجواء الآخرة ، لأنها غاية الغايات في وعي الإنسان ، ولكن ~~لا مانع من أن تطل المسألة على أبعاد الخوف والحزن في الدنيا من PageV05P091 # ناحية المبدأ. # ( @QUR@012 * قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ) ~~. إن الله يقول لأولئك الذين يتصدقون وتتحول صدقتهم إلى عقدة ذاتية في ~~أنفسهم تجاه الإنسان الذي أعطوه ، وتنطلق العقدة لتلاحقه بالكلمة التي تسيء ~~إلى كرامته في ما يثيرونه معه من الإيحاء بالفوقية في إحساسهم تجاهه ، ومن ~~التذكير الدائم له بحالة الحرمان التي كان يعيشها وبفضلهم عليه في إنقاذه ~~من نتائجها الوخيمة مما يجعله مسحوقا من الناحية النفسية أمام ذلك كله. إن ~~الله يقول لأولئك : إن هناك من يعيش حس الكرامة في نفسه بالمستوى الذي يفضل ~~فيه أن يجوع بدلا من أن يشبع على حساب كرامته ، ويحب أن يعاني الحرمان ~~المادي الذي يشعر معه بالكرامة بدلا من أن يتقلب في الرخاء على حساب عزته ~~ومكانته. فإذا كنتم تريدون أن تهدروا كرامته بالعطاء من خلال كلمة المن ~~والأذى ، فوفروا عليه ذلك ، واحملوا إليه الكلمة الطيبة والقول المعروف ~~والمغفرة الروحية ، فإن ذلك أفضل من صدقاتكم التي يتبعها الأذى ، ( @QUR@02 ~~والله غني ) عنكم لا يحتاج إلى أعمالكم التي تسيء إلى الآخرين ( @QUR@01 ~~حليم ) لا يعجل للمذنب عقوبته ، بل ربما يغفر له إذا استقام على الخط ~~المستقيم. # * * * ### ||| ** إبطال الصدقات بالمن والأذى # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ). إن ~~الفكرة تتحول إلى نداء إلهي يستثير صفة الإيمان في نفوس المؤمنين ، ليعرفهم ~~أن المن والأذى ، لا يتناسب مع طبيعة هذه الصفة التي توحي للمؤمن بأن يحفظ ~~لعمله روحانيته ومعناه ، ويصون لأخيه ms0825 المؤمن كرامته ، ويحذرهم بأن ذلك PageV05P092 # يبطل صدقاتهم في ما يريدونه من ثواب ، لأنه يكشف عن طبيعة الدوافع ~~الكامنة في داخل النفس ، البعيدة عن خط التقرب إلى الله في العمل ، تماما ~~كما هو عمل المرائي في إنفاقه لماله على الناس من أجل أن يحصل مدحهم له ~~ورضاهم عن سيرته ، مما يجعل عمله بعيدا عن المنطلقات الخيرة التي تربطه بالله. # إن الإنفاق يفقد قيمته ، في هذه الحال ، كقيمة روحية ترتفع بالإنسان إلى ~~خط السمو الروحي ، في أجواء القرب من الله ، ويتحول إلى عمل مادي لا يستهدف ~~الإنسان فيه إلا الحصول على عوض مادي مماثل أو مضاعف ، أو التنفيس عن عقدة ~~مرضية ذاتية ضد الآخرين ... # ( @QUR@010 كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ). ~~يصف الله هؤلاء المتصدقين المنانين المرائين ، بأنهم لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ، لأن الإيمان ليس مجرد كلمة يقولها ، أو عمل يعمله ، بل هو ~~موقف يستمد حركته من الإيمان بالله كحقيقة تحرك كيانه بالدوافع الروحية ، ~~وتدفع خطواته إلى الآفاق الرحبة في مجالات القرب من الله ، فلا قيمة للكلمة ~~الحلوة الخاشعة إذا لم تنطلق من قاعدة الإخلاص في أعماق النفس ، ولا قيمة ~~للعمل الكبير أو الصغير إذا لم يكن ممتدا في الخط المستقيم الذي يحبه الله ~~ويرضاه مما يحقق للحياة سلامتها وكرامتها وانطلاقها في الأهداف العظيمة ~~الكبيرة. وبذلك يفقد الإنسان حركة الإيمان في داخله ، فلا تكون أعماله صدى ~~لنداء الإيمان هناك ، لأنها تحركت من موقع الإخلاد إلى الدنيا ، ولم تتحرك ~~من موقع الرغبة في الآخرة من خلال ثواب الله. # ( @QUR@020 فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون ~~على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ). إن الله يضرب لهؤلاء ~~المثل ليعمق الفكرة من خلال الصورة الحسية ، التي توحي بالعمل المتعب الذي PageV05P093 # يفقد نتائجه بسرعة في نهاية المطاف. فكيف نتمثل الصورة ، لنضع أمامنا ~~صخرا أملس ينزلق عنه الماء بسهولة ونضع فوقه طبقة رقيقة من التراب ، ثم ~~نلقي البذور فيه ونتابعها بالرعاية والخدمة حتى تنمو وترتفع أغصانها في ms0826 ~~الهواء ، بحيث توحي للناظر بالامتداد والثبات والبقاء ، ثم يهطل المطر ~~الغزير ... ويهطل ، فيجرف التربة التي تحمل الزرع ، فلا يبقى لزارعها شيء ~~مهما بذل من جهد ، لأن الزرع لا يملك عمقا له في التربة التي لم تمتد في ~~أعماق الأرض ، فإنها تقف على الصخر الأملس الذي لا عمق له مما ينفذ فيه ~~الزرع والماء. # إن ذلك هو مثل الكافرين الذين يسيرون في خط الضلال ، فلا يفسحون المجال ~~لأعمالهم أن تنبت في الأعماق البعيدة من نفوسهم ليضمنوا لها البقاء ~~والامتداد ، بل يظلون في دوافعهم على السطح الذي لا يحتضن إلا الدوافع ~~الساذجة التي تعيش في نطاق الشهوات بعيدا عن عمق الإيمان. # ( @QUR@027 ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ~~والله بما تعملون بصير ) إن الصورة هنا تختلف تماما ، فهؤلاء هم الذين ~~ينفقون أموالهم طلبا لرضا الله عنهم ، لأنهم يحسون بالحاجة إلى ذلك في ما ~~تفرضه عليهم مشاعر الإيمان في حركتها العملية نحو الوصول إلى خط التكامل في ~~الحياة ، وهؤلاء هم الذين ينفقون انطلاقا من قيمة عميقة داخل النفس ثابتة ~~في طبيعة تكوينها ، وليس مجرد خطرات سريعة تأتي وتزول لدى أول رجفة أو هزة. ~~أما الصورة التي تعطي الفكرة الحسية بوضوح ، فهي أن تتمثل بستانا في ربوة ~~مرتفعة ، والربوة تختلف عن المكان المنخفض في ما يتعلق بطبيعة السلامة ~~للزرع ، لأن المنخفضات قد تشتمل على أشياء وخيمة تضر بالزرع من خلال ~~المستنقعات التي تتجمع فيها وتحمل الكثير من ذلك ، بينما لا يصل ذلك إلى ~~المرتفعات. PageV05P094 # إننا نتمثل هذا البستان الذي تحتضنه هذه الربوة وتحمل جذوره إلى الأعماق ~~البعيدة في الأرض ، فتكفل لها القوة والامتداد والثبات ، فإذا جاء المطر ~~الغزير ، أعطاها ازدهارا ونموا ونتاجا مضاعفا ، أما إذا نزل المطر رذاذا ~~يندي الأرض فيعطيها الاهتزاز والنضرة والنمو الهادىء. وفي كلا الحالين ، ~~تخضر الأرض وتنتج وتعطي البركة والحياة. وكذلك حالة الإنسان الذي ينفق ماله ~~في سبيل الله ، فإن العطاء يمتد في حياته ms0827 عند الله كما يمتد في حياة الناس ~~بالخير والبركة وفي داخل ذاته بالجذور العميقة من الروح والإيمان. إن ~~القرآن يعرض أمام الإنسان هاتين الصورتين المختلفتين ، ليواجه عمله من ~~خلالهما ، فيختار أقربهما إلى البقاء والربح والثبات من خلال العقل الذي ~~وهبه الله إياه ليختار به أكثرهما ربحا في الدنيا والآخرة ، وهو الإنفاق في ~~سبيل الله من خلال النفس الواثقة بربها وبخطها المستقيم في الحياة. والله ~~بصير بما يعمل الإنسان ، في ما يسره وفي ما يعلنه ، لأنه يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور. # * * * ### ||| ** القرآن يوضح الصورة بالمثل # ( @QUR@035 أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ). # إن الله يقدم لنا صورة أخرى تربطنا بالجانب الإيجابي الخير من الإنفاق ~~وتبعدنا عن الجانب السلبي الشرير ، وذلك من خلال الإيحاء بالحاجة الملحة PageV05P095 # الشديدة للارتباط بالجانب الإيجابي على أساس ارتباطه بقضية المصير الذي ~~يفرض علينا الوقوف مع العمل النابع من وعي الإنسان لموقفه من الله ومن ~~شريعته المثلى في خطه العملي في الحياة ، وتلك هي الصورة الحية تتمثل ~~أمامنا بوضوح ، إنها صورة شيخ كبير بلغ من العمر عتيا وضعفت قواه حتى لم ~~يستطع أن يعمل أو يكسب لقمة عيشه بيده ، وله ذرية ضعفاء لا يقدرون على ~~العمل ، إما لصغر السن ، أو للمرض ، أو لشيء آخر. # وإلى جانب هذه الصورة ، تقف صورة أخرى تدخل في أمنيات هذا الشيخ الكبير ، ~~وهي أن تكون له ( @QUR@013 جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له ~~فيها من كل الثمرات )، بحيث تستطيع أن تكفل له عيشه وتؤمن له حياته وحياة ~~ذريته الضعفاء الذين لا يستطيعون أن يقوموا بمسؤولية أنفسهم ولا بمسؤوليته ~~، كما لا يستطيع هو أن يقوم بمسؤوليتهم ومسئولية نفسه. كيف نتصور قيمة هذه ~~الأمنية في حياته إذا تحققت وكيف يكون موقفه منها وشعوره تجاهها؟ # إنها تمثل في حياته الأمل حيث لا أمل ، وتبدع له ms0828 الشروق حيث لا مجال إلا ~~للظلام ، فيستريح لها ويسترخي ويغلق عينيه من خلالها على أطياف الرخاء ~~تتفجر من ينابيعها وتتساقط من ثمارها ، ويأخذ من ضعفه قوة للمستقبل ~~وللحياة. فقد أصبح لا يحمل هما للحياة في كل مسئولياتها ومشاكلها ، لأن هذه ~~الجنة تخفف عنه كل المسؤوليات وتحل له كل المشاكل المادية في ما يحفل به ~~العيش من مشاكل. # وتتبدل الصورة فجأة ، فإذا بالنيران التي يحملها الإعصار تلتهم كل هذه ~~الثمرات ، وتحرق كل النخيل والأعناب ، ويقف هذا الشيخ الكبير ومعه ذريته ~~الضعفاء أمام هذا المشهد بمشاعر لا يستطيع أن يصورها قلم أو تحددها كلمة. ~~إنه اليأس القاتل الذي لا يترك للحياة أي معنى في أعماق الإنسان ، PageV05P096 # لما يحمله في داخله من معاني الضياع الهائل في بيداء الرمال المتحركة ~~أمام الرياح العاصفة في الليل البهيم. # وتقفز لنا من خلال هذه الصورة صورة المرائي الذي ينفق ماله رئاء الناس ~~وصورة الإنسان الذي يتبع ما أنفق منا وأذى ، إنه يحلم بالنتائج الكبيرة ~~التي تكسبه النجاح والقرب من الله ، لكثرة ما أنفق ، وقيمة ما أعطى ، مما ~~يؤمن له مصيره. إنه سيواجه في نهاية المطاف الصورة المرعبة التي تتمثل له ~~من خلالها أعماله كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف في الوقت الذي لا يملك ~~فيه القيام بأي عمل جديد يقوي فيه موقفه وينقذ به مصيره المحتوم. # ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) إنها ليست للروعة ~~الفنية يقف الإنسان أمامها خاشعا لروعة الإبداع ، وليست للحفظ ليحصل منها ~~الإنسان على مزيد من البركة ، بل هي للعبرة وللعظة وللتفكير ، من أجل أن ~~يحدد الإنسان على هداها حياته ليسير بها على الخط المستقيم الذي يحبه الله ~~ويرضاه ، فيختار أقرب الوسائل التي توصله إلى النجاح في الدنيا والآخرة ، ~~وذلك هو سبيل المؤمنين في ما يفعلون وفي ما يتركون. # * * * ### ||| ** الإنفاق كحل في التخطيط الاقتصادي العام # ربما يطرح سؤال في أجواء الحث القرآني والنبوي على الإنفاق في سبيل الله ~~، والتشجيع الأخلاقي على الصدقات ، هل هذا هو الحل الإسلامي للمشكلة ~~الاقتصادية بحيث تكون ms0829 حركة في المسألة الاجتماعية في خط التعاليم الدينية ، ~~أو أن للمسألة وجها آخر؟ والجواب : إن الاقتصاد في حياة PageV05P097 # الناس ليس عنوانا بسيطا يمكن تحريكه في المبادرات الفردية أو الاجتماعية ~~في تقديم العطاءات المادية الخيرية للفئات المحرومة في المجتمع على أساس ~~مسئولية الناس عن بعضهم البعض في مسألة التكافل الاجتماعي ، لأن ذلك لن ~~يساهم في أي حل متوازن للمشكلة الاقتصادية التي تتمثل في تعقيدات عملية ~~الإنتاج والتوزيع والتنظيم الدقيق لحركة تداول الثروة وتحريكها في الداخل ~~والخارج وما يتفرع عنها من النظرة الواقعية العادلة في دراسة المسألة ~~الطبقية على مستوى التقارب بين الطبقات أو إلغاء الفوارق بينها ، وغير ذلك ~~من العناوين الكلية والجزئية في الساحة الاقتصادية. # وفي ضوء ذلك ، فإن المشروع الإسلامي الاجتماعي في استحباب الإنفاق على ~~أساس نظام الصدقات الفردية أو المبادرات التطوعية في هذا النشاط الاجتماعي ~~أو ذاك ، لا يمثل الخطة الاقتصادية التي لا بد فيها من شمولية النظرة إلى ~~الواقع لتحديد نوع المشكلة وحجمها وامتداداتها فيه ، ومن التخطيط العملي ~~للحلول العملية من خلال القوانين التفصيلية الموضوعة لتحقيق الهدف الكبير ، ~~بل يمثل نوعا من أنواع الحركة الاجتماعية التي يتداخل المجتمع فيها في ~~علاقات أفراده ببعضهم البعض من أجل إيجاد البنية الاجتماعية القومية الصلبة ~~التي تمثل القاعدة الإنسانية الواسعة في تكوين الهيكلية الشعبية في حل ~~المشاكل الطارئة السريعة ، وفي مواجهة الحالات المعقدة التي لا تملك الدولة ~~معالجتها في نطاق مرحلي ، أو في المستوى الخاص الذي قد لا يحقق للفرد ~~حاجاته الخاصة والعامة ، بحيث لا تقف الدولة حائرة أمام ذلك ، كما لا يواجه ~~الناس المشكلة من دون الحصول على حل ، وبهذا يتميز التنظيم الإسلامي ~~للمجتمع عن ألوان التنظيم الأخرى التي تعطي الدولة المركزية المطلقة في ~~المسألة الاقتصادية ، لتكون للدولة دائرتها القانونية في التخطيط العام ~~للمشكلة من خلال الحلول العملية التي تقدمها في التقنين التشريعي ، وليكون ~~للمجتمع دوره في مسئوليته الأخلاقية الدينية PageV05P098 # عن الحالات الكثيرة التي يتداولها الواقع الاجتماعي للناس ، ولتنطلق ~~الخطة العامة في عملية تنسيق متحرك بين الدولة والمجتمع الأهلي ، لا يتجمد ms0830 ~~في الصيغ القانونية ، ولا يضيع في متاهات الأوضاع العامة الباحثة عن الحدود ~~المتوازنة للأشياء. # وفي ضوء هذا ، يمكن للواقع الإسلامي أن يعيش من خلال المبادرة الفردية ، ~~ذهنية الدولة في المسؤوليات المحدودة في الدوائر الصغيرة حتى في غياب ~~الدولة ، ليكون التكافل الاجتماعي عنوانا من عناوين وجوده الحركي ، كما ~~تشعر الدولة بأنها لا يمكن أن تترك القاعدة الشعبية غارقة في مشاكلها ~~المعقدة عند ما تتعقد الحلول ، بل تعمل على التكامل معها في المسألة ~~الاجتماعية والاقتصادية كما في المسألة السياسية والأمنية. # وهكذا يتحول المجتمع إلى قوة تعيش روحية الدولة في مسئولياتها ، كما ~~تنطلق الدولة لتكون عنوان المجتمع في تطلعاته وخططه وأهدافه. وهذا ما يبتعد ~~بالمسؤولية عن حالة الجمود القانوني ، ويدفع الإنسان الفرد والإنسان ~~المجتمع إلى أن يكون عنصرا حيا في التفاعل مع الآخرين ، من أهله وأبناء ~~أمته ، من موقع الحالة الإيمانية التي تتحرك في الجانب الشعوري كي تتمثل في ~~الجانب العملي ، ليلتقي الجميع على صعيد توفير الخير للإنسان كله في الساحة كلها. # * * * PageV05P099 ### ||| * الآيات # ( @QUR@030 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~واعلموا أن الله غني حميد (267) @QUR@013 الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268) @QUR@016 يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب (269) @QUR@015 وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ~~وما للظالمين من أنصار (270) @QUR@020 إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما ~~تعملون خبير (271) @QUR@022 ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما ~~تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من PageV05P100 # @QUR@06 خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272) @QUR@030 للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله ms0831 ~~به عليم (273) @QUR@017 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (274) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تيمموا ): تقصدوا وتتعمدوا ، وسمي المقصود المتعمد بالإمام. # ( @QUR@01 الخبيث ) الرديء من كل شيء ، وخبث الفضة والحديد ، ما نفاه ~~الكير لأنه ينفي الرديء. # ( @QUR@01 تغمضوا ): تتساهلوا وتتغافلوا وتتسامحوا ، من الإغماض ، وهو ~~إطباق الجفن على الجفن ، والإغماض في البيع الحط من الثمن لعيب فيه ، ويكون ~~المعنى : ولستم بآخذيه لو أعطي لكم ، لخبثه ورداءته ، إلا أن تتسامحوا ~~وتتساهلوا في أخذه. # ( @QUR@01 بالفحشاء ): الفحش ، والفاحش البخيل. قال علي بن عيسى : ~~الفحشاء المعاصي ، وإنما سمي البخيل فاحشا ، لأنه مسيء برده الأضياف ~~والسؤال (1). PageV05P101 # ( @QUR@01 فنعما ): نعم شيء ، ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح و (ما) ~~نكرة تامة بمعنى شيء والفاعل ضمير مستتر مفسر ب (ما). # ( @QUR@01 أحصروا ): منعوا وحبسوا لأسباب ظاهرية أو باطنية. قال الراغب ~~: الإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو ، والمنع الباطن كالمرض. والحصر لا ~~يقال إلا في المنع الباطن (1). # ( @QUR@01 ضربا ): مشيا وذهابا وتصرفا ، من الضرب بالأرجل. # ( @QUR@01 الجاهل ): الجاهل بحالهم وباطن أمورهم لأنهم غير متظاهرين ~~بالفقر ، يتجملون كي لا تظهر حاجتهم ، فلا يسألون الناس شيئا ، فذكر الجاهل ~~هنا ليس على سبيل الذم. # ( @QUR@01 بسيماهم ): علاماتهم ، من السيماء ، وهي العلامة التي نعرف ~~بها الشيء ، وأصله الارتفاع. فهؤلاء تعرف حالهم من الأمور التي لا سبيل لهم ~~إلى سترها من علائم الفقر والمسكنة البادية في طبيعة لباسهم وبيوتهم ~~وأجسامهم. # ( @QUR@01 إلحافا ): إلحاحا في السؤال ، ومبالغة فيه. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الكافي بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله ~~الله عز وجل : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من PageV05P102 # @QUR@06 الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر بالنخل أن يزكى ، يجيء قوم بألوان من ثمر وهو ~~من أردى التمر يؤدونه من زكاتهم تمرا يقال له الجعرور والمعافارة قليلة ~~اللحي عظيمة النوى ، وكان بعضهم يجيء بها عن التمر الجيد ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ms0832 وسلم : لا تخرصوا هاتين التمرتين ولا تجيئوا منها بشيء ، ~~وفي ذلك نزل ( @QUR@011 ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه ) والإغماض أن تأخذ هاتين التمرتين (1). # وروى زرارة عن أبي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام في قول الله : ( ~~@QUR@05 ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) قال : كانت بقايا في أموال الناس ~~أصابوها من الربا ومن المكاسب الخبيثة قبل ذلك ، فكان أحدهم يتيممها ~~فينفقها ويتصدق بها ، فنهاهم الله عن ذلك (2). # وعنه أيضا : إن الصدقة لا تصلح إلا من كسب طيب (3). ولعل هذا من باب ~~الاستيحاء. # * * * ### ||| ** القرآن يخطط للإنفاق : النوعية والمورد والكيفية # وهذه جولة جديدة في تفاصيل المفهوم الإسلامي للإنفاق من حيث نوعية المال ~~الذي ينفقه الإنسان ، والأشخاص الذين يستحقون ذلك ومن حيث جانب السر ~~والعلانية في الإنفاق. فإن الحديث في مثل هذه الأمور يوحي بالخط المستقيم ~~الذي ينبغي للمؤمن أن يسير عليه من أجل أن يكون PageV05P103 # منتجا في طبيعته وغايته. # إن هذه الآيات تدعو المؤمنين إلى الإنفاق من الطيبات مما يملكونه من ~~المال ليكونوا النموذج الإيجابي المنفتح على العطاء من قاعدة الخير الكافي ~~في ذاته على أساس حبه له وللناس الذين يعانون الحرمان في ظروفهم الحياتية ~~الصعبة. وهي تصور لنا نموذجا من الناس ، يحاولون أن يختاروا ما ينفقونه من ~~الأموال المستهلكة التي لا يرغبون فيها لقدمها ، أو لخبث طعمها أو شكلها ، ~~مما يجعلهم يودون التخلص منها بأية طريقة ممكنة ، بحيث إنهم قد يلقونه ~~جانبا في النفايات إذا لم يجدوا أحدا يأخذه منهم ، ولو عرض عليهم من ~~الآخرين لما قبلوه إلا بالإغماص فيه بالتساهل والتسامح. ( @QUR@05 أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم ) وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) ~~اعملوا على أن يتمثل الإيمان في حياتكم روحا في الوعي ، وعاطفة في القلب ، ~~وحركة في الواقع ، وقيمة في الذات ، لتنطلقوا مع الآخرين من خلال إيحاءاته ~~الفكرية والعملية. # ( @QUR@05 أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) من جهدكم المتحرك في تجارتكم من ~~مصادر الحلال الذي تستطيبونه في طعامكم وشرابكم وأوضاعكم الحياتية ( ~~@QUR@05 ومما أخرجنا لكم من الأرض ) من الثمرات ms0833 التي تستلذونها وتتنافسون ~~في الحصول عليها ، فذلك هو المظهر الحي للقيمة الإنسانية في العطاء في ~~سلوككم الإنساني تجاه الآخرين ، لتكون القضية عندكم ما هي حاجة الآخرين مما ~~تملكون تقديمه لهم ، لأنكم تفكرون فيهم كما تفكرون في أنفسكم ، لا ما هي ~~طبيعة المال الذي تقدمونه لهم لتختاروا الرديء على الجيد حتى لا تكون ~~خسارتكم بالعطاء كبيرة. # ( @QUR@03 ولا تيمموا الخبيث ) لا تقصدوا إعطاء المال الخبيث الذي يرفضه ~~الناس وترفضونه لرداءته وقلة الانتفاع به ( @QUR@02 منه تنفقون ) كوسيلة من وسائل PageV05P104 # التخلص منه مع الحصول على عنوان الخير في الإنفاق منه ، مما يمكن أن ~~يذكركم الناس به ، في الوقت الذي تنطلق فيه دوافعكم بعيدا عن الخير ، لأنكم ~~لا تقبلون أن تأخذوا هذا المال من الآخرين في عطائهم لكم ( @QUR@06 ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) وتتسامحوا في صفاته ، بعدم التدقيق بألوان ~~الرداءة في خصائصه الذاتية من خلال الظروف التي تفرض عليكم أخذه. # لقد أراد الله أن يوحي لهؤلاء بأن ذلك ليس من شأن الإيمان به تعالى ، لأن ~~الإنفاق في هذه الصورة ، لا يمثل روح العطاء المنفتحة على القيم الروحية ~~المستمدة من محبة الله ورضاه ، بل يمثل وجها من وجوه التخلص من المال ~~الخبيث بعنوان الإنفاق من باب اللعب على القيم ومخادعة النفس في ذلك. # ( @QUR@05 واعلموا أن الله غني حميد ) فليس عطاؤكم الذي يدعوكم إليه ~~بالإنفاق من أموالكم الطيبة في سبيله منطلقا من حاجته إليكم ، فالمال ماله ~~، وأنتم ملكه ، وهو الغني عنكم ، الحميد في كل صفات الحمد في ذاته ، ولكنه ~~يريد بذلك صلاحكم وإصلاح أموركم في حياتكم الاجتماعية القائمة على العطاء ~~والتكافل الاجتماعي الذي يكفل فيه الناس بعضهم بعضا ، فيعطي كل واحد منهم ~~ما يملكه للآخر ، تماما كما لو كان مسئولا عنه بشكل خاص ، لأن المجتمع في ~~نظر الإسلام بمثابة عائلة واحدة ، أو جسد واحد ، فإذا تألم منه عضو تداعى ~~له سائر الأعضاء بالحمى والسهر. # * * * ### ||| ** الله هو الرازق لعباده # وينطلق القرآن ليعلل ذلك بأنه من خدع الشيطان وأضاليله التي يسول PageV05P105 # فيها للإنسان بالبخل حذرا من الفقر الذي ms0834 يعده به إذا أنفق ما عنده من ~~طيبات الرزق في ما اكتسبه الإنسان وفي ما زرعه. # ( @QUR@03 الشيطان يعدكم الفقر ) لأنه يربطكم بالمال الموجود لديكم ~~لتستغرقوا فيه كما لو كان هو الضمان الأول والأخير لقضاء حاجاتكم ، فإذا ~~ذهب بالعطاء ، افتقرتم وفقدتم قدرتكم على الحصول على غيره ، لتنظروا إليه ~~نظرة ذاتية من الزاوية الضيقة المادية ، بعيدا عن الواقع الحركي العام في ~~حركة الإنسان في الفرص المتنوعة المطروحة أمامه ، بحيث إذا ضاقت به فرصة ، ~~كانت هناك أكثر من فرصة مما يتسع لحاجاته في انتظاره ، فليس ذهاب المال في ~~مرحلة ، نذير فقر دائم ، كما أن الحصول عليه في مرحلة ، لا يعني الغنى ~~الدائم. # ( @QUR@02 ويأمركم بالفحشاء ) لأنه يخطط للانحراف الفكري الكلي الذي ~~تتفرع عنه كل الانحرافات الجزئية ، فإذا انطلق الإنسان من فكرة تجاوز حدود ~~الله وخروجه عن خط التوازن الذي قرره له في سلوكه العملي ، ابتعد عن ~~الاستقامة في حياته ، وانفتحت له أبواب الضلال ، فامتنع عن الإنفاق من ~~قاعدة البخل الذاتي في علاقته بالمال وبالناس ، وتحرك نحو الفحشاء ~~الأخلاقية. فباع نفسه وعرضه بالمال ، وكف عن التحرك بالخير في حياته العامة ~~والخاصة ، فإن الشيطان إذا امتد في أوامره في وجدان الإنسان ، فإنه يحول ~~حياته إلى سلبيات متلاحقة يتبع بعضها بعضا ، ويرتبط أحدها بالآخر ، فيأخذه ~~من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ... ولكن الآية تثير أمامه ~~إيمانه بالله ، وتذكره بوعد الله للإنسان بالمغفرة للذنب ، وبالفضل ~~والتعويض في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@05 والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) من رزقه ، فإن الله هو الذي ~~يرزقكم من حيث تحتسبون ومن حيث لا تحتسبون ويعوض عليكم من واسع فضله PageV05P106 # أضعاف ما أنفقتموه ، وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض. هذا بالإضافة ~~إلى أن الإنفاق هو الحسنة التي يغفر الله ذنوب العاملين بها ، وبهذا يحصل ~~لهم العفو عن ذنوبهم والزيادة في أموالهم ، ولذلك ، ينبغي للمنفق أن لا ~~يستريح للشيطان في ما يأمره به من إنفاق الخبيث وترك الطيب ، وفي ما يوحي ~~إليه من الشح والبخل ، ثم يذكر له أن الله غني عن الإنسان ms0835 في ما يأمره وفي ~~ما ينهاه ، فإن المصلحة في ذلك له من دون أن يزيد في ملكه شيئا مهما قل. # ( @QUR@03 والله واسع عليم ) فالله واسع الفضل والملك ، فلا يضيق عليه أي ~~رزق أو عوض مما يمنحه لعبده من الخيرات جزاء لعمله الخير ، عليم بكل ما ~~تكنه صدورهم وما يقومون به من عمل في طاعة الله أو في معصيته. # وجاء في الدر المنثور : أخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة : ~~فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك ، فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ومن ~~وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ، ثم قرأ : ( @QUR@05 الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء ) ( 1). # وقد جاء في حديث الصدوق بسنده إلى أبي عبد الرحمن قال : قلت لأبي عبد ~~الله (جعفر الصادق عليه السلام ): إني ربما حزنت ، فلا أعرف في أهل ولا مال ~~ولا ولد ، وربما فرحت ، فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد ، فقال : إنه ليس ~~من أحد إلا ومعه ملك وشيطان ، فإذا كان فرحه كان دنو الملك منه ، وإذا كان ~~حزنه كان دنو الشيطان منه ، وذلك قوله الله : تبارك PageV05P107 # وتعالى : ( @QUR@013 الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ) ( 1). # وفي تفسير العياشي عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ~~قلت له : إني أفرح من غير فرح أراه في نفسي ولا في مالي ولا في صديقي ، ~~وأحزن من غير حزن أراه في نفسي ولا في مالي ولا في صديقي ، قال : نعم ، إن ~~الشيطان يلم بالقلب فيقول : لو كان ذلك عند الله خيرا ، ما أوال عليك عدوك ~~ولا جعل بك إليه حاجة ، هل تنتظر إلا مثل الذي انتظر الذين من قبلك؟ فهل ~~قالوا شيئا ، فذاك الذي يحزن من غير حزن ، وأما الفرح ms0836 ، فإن الملك يلم ~~بالقلب فيقول : إن كان الله أوال عليك عدوك وجعل بك إليه حاجة ، فإنما هي ~~لأيام قلائل ، أبشر بمغفرة من الله وفضل ، وهو قول الله ( @QUR@010 الشيطان ~~يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ). # ( @QUR@04 يؤتي الحكمة من يشاء ) فهو الذي يعطي عباده النعم الباطنة في ~~الوجدان الداخلي للإنسان ، فيلهمه الصواب في الفكرة ، والسداد في الرأي ، ~~والمنهجية في طريقة التفكير ، وفي النظرة إلى الأمور ، وهذا ما تمثله ~~الحكمة في مضمونها الفكري على مستوى المنهج والوسيلة والفكرة ، فيدرس ~~القضايا من خلال سلبياتها وإيجابياتها ومقدماتها ونتائجها والظروف ~~الموضوعية المحيطة بها على مستوى الدنيا والآخرة. # ثم يثير أمام الإنسان طريق الحكمة في الحياة في ما تمثله هذه الكلمة من ~~تنظيم أعمال الإنسان وتخطيط أوضاعه على حسب الموازين الدقيقة للأشياء ، ~~بحيث يضع كل شيء في موضعه ، فلا يمنع شيئا ينبغي له أن يعطيه ، ولا يعطي ~~شيئا ينبغي له أن يمنعه ، ولا يضع شيئا موضع شيء آخر ، ولا يزيد ولا ينقص ~~في ما يراد منه التوازن في جانب الزيادة والنقيصة ... PageV05P108 # ويؤكد الله على أن الحكمة نعمة كبيرة يمنحها لمن يشاء من عباده ، لأنها ~~تهدي الإنسان إلى التوازن الدقيق في الحياة ، فهي القيمة الكبيرة في شخصيته ~~، التي تفوق الجاه والمال والجمال ، لأنها هي التي توجه ذلك كله إلى الوجهة ~~التي ينبغي أن تقف عندها الأشياء. # ( @QUR@07 ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) لأنها التي تفتح للإنسان ~~أبواب الخير في الدنيا والآخرة ، فتصرفه عن طريق الخطأ وتقربه إلى طريق ~~الصواب ( @QUR@05 وما يذكر إلا أولوا الألباب ) أي العقول ، فإن الله هو ~~قلب كل شيء ومركزه ، ولذلك أطلق على العقل ، فلا بد للعاقل من أن يتذكر ذلك ~~كله في ما يقرره ويستوحيه ، لأن العاقل هو الذي تنطلق الذكرى في حياته ~~لتضيء له السبيل ، ولتربطه بالغاية ، وهي رضا الله ومحبته. والتذكر هو حركة ~~العقل في دراسة الأشياء التي تربط بين المقدمات ونتائجها ، أو بين الشيء ~~ونتائجه ، ليحصل الإنسان على الفكرة الجديدة من خلال مفردات المعلومات التي ~~يختزنها في ms0837 وجدانه ، فتكون الذكرى لونا من ألوان اليقظة الوجدانية للوعي ، ~~التي توحي له بشيء جديد ، وهذا هو المنهج الذي قرره القرآن الكريم في مسألة ~~الإيمان التي هي حركة تذكر الله في عبادته وطاعته من خلال التذكر لآلائه ~~ونعمه وأسرار مقامه الربوبي وعلاقة الناس به. # وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في رواية سليمان بن ~~خالد عنه قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله الله : ( @QUR@07 ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) فقال: إن الحكمة المعرفة والتفقه في ~~الدين ، فمن فقه منكم فهو حكيم ، وما أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس ~~من فقيه (1). # وجاء عن محمد بن يعقوب الكليني مرفوعا قال : قال PageV05P109 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما قسم الله للعباد شيئا أفضل من العقل ~~، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل ، ~~ولا بعث الله نبيا ولا رسولا حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من جميع ~~عقول أمته ، وما يضمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه أفضل من اجتهاد ~~المجتهدين ، وما أدى العبد فرائض الله حتى عقل عنه ، ولا بلغ جميع العابدين ~~في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل والعقلاء ، هم أولو الألباب ، الذين قال الله ~~تبارك وتعالى : ( @QUR@05 وما يذكر إلا أولوا الألباب ) ( 1). # وفي هذه الأحاديث نوع من الإيحاء التفصيلي بالجانب الفعلي للحكمة في حركة ~~المعرفة من خلال المفردات العملية والفقهية والتجارب العملية ، وفي قاعدتها ~~الإنسانية في قيمة العقل في تأثيره في تصورات الإنسان وممارساته ، مما يجعل ~~من الحكمة قوة في العقل وحركة في المعرفة وانفتاحا على توازنات الواقع. # ( @QUR@011 وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ) فإن ~~الله يعلم ما ينفقه العبد من النفقات ، وما ينذره من النذور التي يتقرب بها ~~إلى الله ، فيعطيه أجره على ذلك ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار )... أما ~~الظالمون الذين يظلمون أنفسهم بالبخل والشح الذي يعتبر معصية لله في ما ~~يمنعونه من مال الله الذي آتاهم ويظلمون الفقراء والمساكين ms0838 في ما يأكلونه ~~من حقوقهم التي جعلها الله لهم ، أما هؤلاء ، فلا نصير لهم في الدنيا ~~والآخرة ، لأن الله لا ينصر التائهين عن هداه ، والمنحرفين عن طريقه. # وقد يستوحي الإنسان من ذلك ، أن قضية الإنفاق هي قضية حق اجتماعي عام ~~للمحرومين على القادرين من الأغنياء لا بد لهم من أن يؤدوه إليهم كما يؤدى ~~الحق إلى صاحبه ، وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة ( @QUR@01 وفي PageV05P110 # @QUR@04 أموالهم حق للسائل والمحروم ) [الذاريات : 19]. وعلى هذا الأساس ~~، فإن الممتنعين عن الإنفاق الواجب ، يظلمون الفقراء في أكل أموالهم التي ~~جعلها الله لهم في شريعته ، فيعاملهم الله في الآخرة معاملة الظالمين الذين ~~يقفون وحدهم يوم القيامة أمام الله ليواجهوا الحكم الصارم عليهم بالعذاب ، ~~فلا شفيع لهم لديه ، لأن الشفعاء لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، ولا ولي لهم ~~ولا نصير من الله ، لأنه لا تملك نفس لنفس شيئا في ذلك الوقت العظيم ، ~~والأمر يومئذ لله وحده. # أما إسرار الصدقات وإعلانها ، فلا مانع منه في أي جانب كان ، إذا كانت ~~هناك مصلحة في ذلك ، فقد تكون المصلحة في الإعلان إذا كان ذلك موجبا لتشجيع ~~الآخرين على الإنفاق ، وذلك من خلال طبيعة المنافسة الموجودة لدى بعض ~~الأشخاص الذين لا يقومون بأعمال الخير إلا إذا قام بها أحد من نظرائهم ، أو ~~من جهات أخرى تتصل بالمنفق أو بالمنفق عليه أو بالآخرين ... وقد تكون ~~المصلحة في الإسرار إذا كان المنفق عليه من أهل الستر والعفة الذين قد لا ~~يريدون الظهور بمظهر المحتاج لما في ذلك من إساءة إلى كرامتهم ومكانتهم ، ~~فلا بد في مثل هذه الحال من حفظ هذا الجانب من شخصيتهم في حالات العطاء ... ~~وربما كان في الإسرار جانب تربوي يتصل بشخصية المنفق ، لما في ذلك من ~~الدلالة على إخلاصه وقربه من المعنى العميق للقيمة الروحية البعيدة عن كل ~~ما يشوبها من الرياء بابتعادها عن كل شيء يوحي بمعرفة الآخرين. وقد رجح ~~الله في نهاية الآية جانب السر ، فإنه الأصل في الصدقة من حيث هي عبادة ~~مقربة إلى الله ، مما يجعل ms0839 جانب الإخلاص فيها مرتبطا بالبعد عن كل ما ~~يربطها بالمعاني الذاتية للإنسان. # ( @QUR@03 إن تبدوا الصدقات ) وتعلنوها أمام الناس لتكونوا قدوة لهم في ~~الإنفاق ، ليكون سنة اجتماعية من خلال تكاثر الذين يتحركون في هذا PageV05P111 # المجال ، ( @QUR@02 فنعما هي )، أي فنعم الشيء هو الصدقات الظاهرة ~~البارزة للعيان التي تحمل معنى الخير في مضمونها ، وسر الإظهار لها في ~~النتائج الإيجابية الاجتماعية ، ( @QUR@02 وإن تخفوها ) وتستروها عن ~~الأنظار والأسماع لتكون من صدقة السر التي هي الرسالة الخفية التي يوجهها ~~العبد إلى خالقه بالإحسان إلى بعض عباده لحل مشكلتهم بطريقة سرية تحفظ لهم ~~ماء وجوههم ، وتخفف عنهم الإحراج في الإعلان عن فقرهم وحاجتهم بما يتنافى ~~مع كرامتهم ، وهكذا تنطلقون بالمسألة في أجواء الكتمان لتحركوها في سلوككم ~~العملي ( @QUR@05 وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم )، لأنه الأقرب لإخلاص ~~النية بالبعد عن أجواء الرياء التي قد تتحرك في حالة الأعمال العلنية التي ~~قد تثير في الإنسان الوساوس الشيطانية التي توحي له بالرغبة في إظهار النفس ~~بالطريقة التي يعبر فيها عن حبه للخير ورغبته في الإحسان ليمدحه الناس على ~~ذلك وليرفعوا مكانته لديهم ، لترتفع درجته الاجتماعية عندهم ، فيفقد إخلاصه ~~لله ، وتتحول القضية لديه إلى ما يشبه الشرك الخفي الذي يدفع العمل ليكون ~~للناس من دون الله ، وهكذا يكون الخفاء وسيلة من وسائل تهيئة الأجواء ~~الروحية التي تجعل العمل خالصا لله ، لأنه هو الذي يطلع عليه من دون ~~الناظرين ، وهذا هو الذي يؤدي إلى محبة الله لكم وقربكم إليه ، لتكونوا في ~~موقع الحظوة عنده ، فيغفر لكم ( @QUR@04 ويكفر عنكم من سيئاتكم ) فإنه لا ~~شيء يوجب تكفير السيئات أقرب من الصدقة على الفقراء ، لأنها تقع في يد الله ~~قبل أن تقع في يد الفقير ، مما يجعل منها إحسانا لربه كما هي إحسان للفقير ~~( @QUR@04 والله بما تعملون خبير )، فهو الخبير بكل ما تفيضون فيه مما ~~تبدونه وتكتمونه ، وهو الذي يملك الثواب الذي يقدمه لعباده المحسنين ، ~~فلتكن النظرة إلى رضاه ، ولتكن الرغبة في الحصول على موقع القرب عنده ، ~~فإنه غاية الغايات لعباده المؤمنين. # وقد جاء في الحديث ms0840 عن الإمام الصادق عليه السلام ما رواه أبو بصير عنه PageV05P112 # في قول الله عز وجل : ( @QUR@012 إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) قال : ليس من الزكاة ، وصلتك قرابتك ليس من ~~الزكاة (1). # وفي رواية العياشي بسنده عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@07 وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) فقال : ~~هي سوى الزكاة ، إن الزكاة علانية غير سر (2). # * * * # ( @QUR@05 ولكن الله يهدي من يشاء ) # وهنا تلتفت الآية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتخفف عنه بعض الحالات ~~السلبية التي قد تطوف في خاطره وهو يشاهد بعض أوضاع المؤمنين من حوله ، إذ ~~ينحرفون عن الخط الذي يأمرهم به وينهاهم عنه من شؤون الإنفاق ، فقد كان ~~يريد من المؤمنين أن يرتفعوا إلى مستوى إيمانهم في الانضباط والسير على هدى ~~الله في جميع أمورهم. فأراد الله أن يضع له القضية في مكانها الطبيعي ، من ~~أن دور النبي هو أن يفتح لهم أبواب الهدى ، ويهيئ لهم أجواء الفلاح ، ~~وتنتهي مهمته عند استنفاد كل الأساليب في ذلك. وتبقى للأسباب الأخرى ~~الخارجة عن إرادة رسول الله واختياره ، نتائجها السلبية والإيجابية في ما ~~تقتضيه من حالات الهدى والضلال ... وهذا هو مدلول نسبة هدايتهم إلى الله ، ~~باعتبار ارتباط الأسباب العادية للأشياء بخالقها ومسببها ، مما يوحي أن هذه ~~النسبة لا تمنع نسبتها إلى العباد من حيث إنهم PageV05P113 # السبب المباشر للأشياء. ثم تلتفت الآية إلى المؤمنين لتدلهم على طريق ~~الهدى وتدعوهم إلى سلوكه ، وتوحي إليهم بالفكرة التي ترجع فوائد العمل ~~للعامل من دون أن يرجع إلى الله منها شيء ، وتهيب بهم أن يبتغوا وجه الله ~~في إنفاقهم إذا أنفقوا لأن ذلك هو الذي يجعل منه معنى يتصل بالله ويرتبط ~~بالآخرة ، وهو الذي يستحق العبد من خلاله العوض من ربه في الدنيا والآخرة ~~من دون ظلم ولا حيف ولا نقصان. # ( @QUR@04 * ليس عليك هداهم ) في إلزامهم القسري بطريقة غير عادية ~~بالاستقامة على المنهج الأخلاقي في سلوكهم العملي في الإنفاق وغيره بالسير ms0841 ~~على خط الإخلاص وعدم المن على الفقراء في العطية والابتعاد عن التثاقل ~~والتلكؤ في دائرة مسئولياتهم العامة والخاصة ، فإن دورك الرسالي هو إبلاغ ~~الرسالة في تفاصيلها بكل جهدك في طرح الفكرة وتنويع الأسلوب ، وإيجاد ~~الأجواء الملائمة التي تنفذ من خلالها الفكرة إلى عقولهم لتكوين قناعاتهم ~~على أساس ذلك كله ، فتلك هي قدرتك البشرية التي تتحرك الرسالة في نطاقها ~~الخاص الطبيعي ، فلا تملك أي وضع آخر غير عادي ، لأن المعجزة ليست سبيلك في ~~الهداية ، بل هي سبيلك بإذن الله في رد التحدي ( @QUR@05 ولكن الله يهدي من ~~يشاء ) بما أودعه في الإنسان من عناصر الهداية في أسبابها الوجودية ، وبما ~~يمنحه من ألطافه الخاصة لبعض عباده الذين يريد أن يقربهم إلى دينه من خلال ~~حكمته ورحمته التي يختص بها من يشاء. وبذلك تكون المهمة النبوية في الهداية ~~مهمة تشريعية ، بينما تكون الخصائص التكوينية للهداية لله سبحانه بشكل ~~مباشر أو غير مباشر. وفي ضوء ذلك ، كان نفي الهداية عن مسئولية النبي تتصل ~~بالهداية الفعلية الوجودية وإثباتها لله في هذا الجانب ، لتكون المسؤولية ~~النبوية منحصرة في تهيئة الوسائل المتنوعة في نطاق القدرة البشرية التي ~~يقنع فيها الإنسان إنسانا ليهديه إلى الإيمان بما يريد له الإيمان به. PageV05P114 # ( @QUR@05 وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) لأنكم أنتم الذين تحصلون على ~~نتائجه في الدنيا والآخرة ، وليس لله من ذلك شيء ، لأن الغني عنكم وعن كل ~~عباده ( @QUR@06 وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) فهو الذي ينبغي أن يتوجه ~~الناس إليه في صدقاتهم وفي كل أعمالهم ، لأنه هو الذي يملك المصير كله ~~والثواب كله ، فله الأمر ، فلا بد للعباد من اتباع مواقع رضوانه للحصول ~~عليه ( @QUR@04 وما تنفقوا من خير ) في وجوه البر ( @QUR@02 يوف إليكم ) ~~أجره كاملا غير منقوص ( @QUR@03 وأنتم لا تظلمون )، فإن الله لا يضيع عمل ~~عامل من ذكر أو أنثى ، فالله لا يظلم أي عبد من عباده حقا من حقوقه التي ~~يستحقها من خلال ما جعله له من ذلك في وعده له بالثواب على العمل الصالح ، ~~ولا ينقص منه شيئا. # * * * ### ||| ** المستحقون ms0842 للنفقة # ولكن من هم هؤلاء الذين يستحقون الإنفاق ، في ما يدعو إليه الله من ~~الإنفاق في سبيله ، هل هم الذين لا يتركون مجالا للمسألة إلا وانطلقوا فيه ~~، ممن تحول السؤال عندهم إلى مهنة للتعيش ، الأمر الذي قد يجعل من هذا ~~التشريع تشجيعا للبطالة والامتناع عن العمل والإخلاد إلى الراحة في الكسب السهل؟ # أو هم الذين ضاقت بهم سبل العيش بعد أن سلكوا ما قدروا عليه منها ، فلم ~~يحصلوا من ذلك على نتيجة ، ووقفوا أمام ما لا يقدرون عليه منها عند حدود ~~العجز؟ أو الذين فرضت عليهم ظروف الالتزام بالإسلام الخروج من ديارهم ، ~~والابتعاد عن مواقعهم الطبيعية فيها للكسب الحلال بفعل ضغط PageV05P115 # القوى الكافرة المشركة التي منعتهم من الحصول على حاجاتهم الخاصة. وقد ~~يتمثل هؤلاء بالمجاهدين الذين شغلهم الجهاد عن الكسب ، والمستضعفين الذين ~~اضطهدهم المستكبرون فضيقوا عليهم سبل الرزق ليسقطوا تحت تأثير ضغوطهم ~~الفكرية أو العملية ، وطلاب العلم الذين تفرغوا للعلم من أجل الدعوة أو ~~بلوغ المستوى الذي يؤهلهم لسد حاجات أمتهم منه ، فلم يملكوا الجمع بينه ~~وبين الكسب المادي لتحصيل ضرورات المعاش ، فعاشوا الجهد والفقر والعوز ، ~~ولكنهم لم يقفوا على أبواب الأغنياء ليسألوهم ، لأن عفتهم وكرامتهم تأبى ~~عليهم ذلك ، بل حاولوا أن يظهروا بمظهر الغني القادر على إعالة نفسه من ~~خلال ما يظهرون به من مظاهر الاكتفاء في ما يأكلون ويلبسون؟ # وتجيب الآية على هذا السؤال ، فتحدد الفئة الثانية كمورد للإنفاق ، لأن ~~الله لا يريد للناس القادرين على العمل أن يستسلموا للسؤال طلبا للعيش ~~السهل ، لأن ذلك يحول المجتمع إلى مجموعات من العاطلين الذين يعيشون كلا ~~على غيرهم وهو ما يبغضه الإسلام ويحاربه ، بل يريد لهم الحصول على حاجتهم ~~بعرق جبينهم وكد سواعدهم. أما الفئات العاجزة التي لا تملك وسائل العيش ~~الكريم ، فإن المجتمع بكامله مسئول عنها في ما يستطيعه من الإنفاق عليها ~~ورعاية أمورها ورفع مستواها المادي والمعنوي. ثم تبشر الآية الآخرين الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله سرا وعلانية ، بالأمن عند الله والسرور برضاه ~~وثوابه ، جزاء لهم على ms0843 ما قدموه لله من طاعة وللمجتمع من خدمات كبيرة. # ( @QUR@06 للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) ومنعوا من ممارسة حرياتهم ~~في التحرك العملي من أجل كسب العيش بفعل الظروف السياسية والأمنية ~~والاجتماعية الخانقة ، والضغوط الخارجية القاسية ، فلم يملكوا سبيلا إلى ~~تلبية حاجاتهم الضرورية. وقد جاء في أسباب النزول ، في PageV05P116 # الحديث عن الإمام محمد الباقر عليه السلام وعن ابن عباس في ما رواه الكلبي ~~عنه ، أن الآية نزلت في أصحاب الصفة ، وهم نحو من أربعمائة رجل لم يكن لهم ~~مساكن بالمدينة ، ولا عشائر يأوون إليهم ، فجعلوا أنفسهم في المسجد وقالوا ~~: نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله ، فحث الله الناس عليهم ، فكان الرجل ~~إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى (1). # وقد ذكرنا في أكثر من موضع من التفسير أن أسباب النزول لا تحدد المضمون ~~القرآني في نطاق مناسباتها الخاصة ، لأنها تمثل المنطلق الذي انطلقت منه ~~الفكرة في الآية ليمتد في أمثاله وأجوائه في موارد أخرى متحركة في الأوسع ~~منه في صعيد الزمان والمكان ، لأن القرآن يجري مجرى الشمس والقمر والليل ~~والنهار ، فلا يتجمد في مورد ، ولا ينحصر في زمن ، كما جاء في الحديث عن ~~أئمة أهل البيت عليهم السلام (2). # وفي ضوء هذا ، فإن كلمة ( @QUR@06 للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) ~~تشمل كل الذين توفرت فيهم هذه الصفة على مدى الزمن ممن لم يكن شأنهم في ترك ~~العمل المعيشي من باب الكسل والاسترخاء والبعد عن المسؤولية ، بل من باب ~~القيام بمسئولياتهم العامة التي توحي بها كلمة ( @QUR@02 سبيل الله ). ( ~~@QUR@05 لا يستطيعون ضربا في الأرض ) ليسافروا إلى هذا المكان أو ذاك مما ~~تتوفر فيه الوسائل الطبيعية للحصول على الرزق ، وذلك من جهة الموانع ~~الخارجية أو الداخلية المحيطة بأوضاعهم الخاصة والعامة التي تضغط على ~~حرياتهم في الحركة في الذهاب والتصرف ، فلم تكن المسألة عجزا طبيعيا في ~~الذات ، بل من خلال الأجواء المتنوعة. PageV05P117 # ( @QUR@05 يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) فهم لا يظهرون بمظهر الفقير ~~المسكين المحتاج في صرخات الجوع أو العطش ، أو في مظاهر البؤس في الثياب ms0844 ~~والمنازل ، بل يحاولون الظهور بمظهر الغني القادر ، حفاظا على كرامتهم ~~والتزاما بعفتهم وانتظارا للفرج الإلهي الذي يخرجهم من مشاكلهم ، فهم ~~يتمردون على الجوع والعطش والحاجة من موقع قوة الإرادة في عمق إيمانهم ~~بالله الذي يرعى عباده المؤمنين ويجعل لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا ~~يحتسبون. # ( @QUR@02 تعرفهم بسيماهم ) أي بعلاماتهم الظاهرة من خلال النظرة إلى ~~وجوههم ، لترى المعاناة القاسية المتمثلة في ملامحهم ، ولتتمثل فيها ~~العنفوان النفسي الذي يوحي بالتمرد على كل أوضاع الألم المنبعث من الجوع ~~والعطش والحاجة الملحة. # ( @QUR@04 لا يسئلون الناس إلحافا ) أي ليسوا من الذين لا يصبرون على ~~حاجاتهم فيسألون الناس بطريقة الإلحاح في المسألة ، فيكررونها مرة بعد أخرى ~~ويتوسلون للحصول على ما يريدون من ذلك بمختلف الوسائل والأساليب ، ولكنهم ~~يواجهون الموقف من موقع الشخصية العزيزة العفيفة المتعففة عن الناس ~~المترفعة عن الشكوى للآخرين ، مما يعني أن المقصود بكلمة ( @QUR@04 لا ~~يسئلون الناس إلحافا ) أنهم لا يسألون الناس أصلا ، فلم يكن النفي متوجها ~~إلى القيد ليكون المدلول اللفظي أنهم قد يسألون الناس بدون إلحاح ، بل كان ~~موجها إلى النموذج الواقعي الذي يستخدم الإلحاح من خلال ضغط الحاجة عليه ، ~~لأن طبيعة الحاجة تفرض ذلك ، لأنها من نوع الحاجات التي تفرض نفسها على ~~الإنسان ليتخلى عن كثير من شؤون كرامته ، وهذا التعبير يشابه القول : ما ~~رأيت مثله ، وأنت لم ترد أن له مثلا ما رأيته ، وإنما تريد أنه ليس له مثل ~~فيرى ، فمعناه لم يكن سؤال PageV05P118 # فيكون إلحاح ، كقول الأعشى : # لا يغمز الساق من أين ومن نصب %~% ولا يعض على شرسوفه الصفر # ومعناه ليس بساقها أين ولا نصب فيغمزها ، ليس أن هناك أينا ولا يغمز ، ~~كما جاء في مجمع البيان (1). وقد ذكر صاحب الميزان ، أنه لا يبعد أن يكون ~~المراد نفي الإلحاف لا أصل السؤال ، ويكون المراد بالإلحاف ما يزيد على ~~القدر الواجب من إظهار الحاجة ، فإن مسمى الإظهار عند الحاجة المبرمة لا ~~بأس به ، بل ربما صار واجبا ، والزائد عليه وهو الإلحاف هو المذموم (2). # ولكننا نلاحظ أن الآية ليست في مقام ms0845 بيان التفاصيل من حيث الإشارة إلى ما ~~هو واجب أو راجح أو غير واجب وراجح في السؤال ، بل في مقام بيان الطبيعة ~~القوية لهؤلاء ، بحيث يتمردون على آلام الحاجة وقد يموتون تحت تأثير ذلك ، ~~فهي من نوع الحاجة الملحة القاسية التي قد تدفع الآخرين إلى أن يسألوا ~~الناس إلحافا ولكنهم لا يفعلون ذلك ، مما يفرض على الناس اكتشافهم وسد ~~حاجتهم بالصدقات ، لأنها شرعت لأمثال هؤلاء من أجل حل مشكلتهم الضاغطة ~~الصعبة. ( @QUR@04 وما تنفقوا من خير ) في الموارد التي أرادكم الله أن ~~تنفقوا فيها من الخير المنفتح على حاجات الناس والحياة ( @QUR@04 فإن الله ~~به عليم ) فهو يجازيكم عليه. # ( @QUR@05 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ) بحيث يتحول الإنفاق في ~~حياتهم إلى نهج في حركة الشخصية من خلال ما يتمثلونه في نظرتهم إلى الواقع ~~في مشاكله ومآسيه ، وفي مسئولياتهم تجاه ذلك ، مما حملهم الله من واجبات ~~وحقوق للناس المحرومين ، فلا يتركونه في أي وقت ، حتى أنهم PageV05P119 # يبادرون إلى السير في الليل ليتحركوا من أجل سد حاجة النائمين ، فيطرقون ~~عليهم بيوتهم ، أو يرسلون إليهم من يحمل إليهم الصدقات من موقع الاهتمام ~~المستمر ( @QUR@02 سرا وعلانية ) تبعا للطبيعة الاجتماعية للمسألة بالنظر ~~إلى مواقع الناس أو مواقع الخير في مناسبات الإسرار والإعلان ( @QUR@010 ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) لأن الله يحب عباده ~~الذين يتحركون في حل مشاكل خلقه من أجل إيجاد التوازن الاجتماعي في الحاجات ~~، الذي يتحول إلى توازن عملي في المواقف ، وهؤلاء هم الذين يتطلعون إلى ~~الله في كل ما يفيضون به من عطاء ، وما يقفونه من مواقف ، طلبا لما عنده من ~~الأجر ، فلا تثقلهم خسائر الدنيا مما يفقدونه من المال في العطاء ، لأنهم ~~يستهدفون بذلك الحصول على أرباح الآخرة في رضوان الله والوصول إلى ~~الطمأنينة الروحية والسرور القلبي والنعيم الخالد. # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ # وبعد ذلك كله ، ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ # إننا نلاحظ فيها إلحاحا كبيرا على قيمة الإنفاق في الإسلام في حدوده ~~الإنسانية التي تثير في داخل الذات مشاعر ms0846 الخير في علاقتها بالآخرين ، بحيث ~~تحفظ لهم حقوقهم في العيش الكريم الذي يلتقون فيه بحاجاتهم الأساسية في ~~نطاق التعاون الإيماني ، وتحافظ على كرامتهم في إبقاء إنسانيتهم حرة كريمة ~~أمام ضغوط الحرمان والحاجة إلى الآخرين. ذلك هو خط الإسلام في الحياة ، أن ~~تعيش العطاء السمح من موقع إنسانيتك التي PageV05P120 # تحمل مسئولية الحفاظ على إنسانية الآخرين ، وذلك هو ما نستوحيه من حديث ~~أمير المؤمنين عليه السلام : «إن الله يحب المرء المسلم الذي يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه» (1). وبذلك يمكن للفكرة أن تتسع لكل ~~طاقة تملكها ، ولا يملك الآخرون مثلها ، مما يجعلك موضع حاجة الآخرين إليك ~~، سواء في ذلك طاقة المال والقوة والخبرة والعلم بجميع مجالاته ، فإن عليك ~~من قاعدة إسلامك ، أن تقدمها إليهم في نطاق مشاعر الرحمة الإنسانية التي ~~ترى في الطاقة المميزة نعمة من الله عليك ، ومسئولية تحملها لمن يحتاج إليك ~~من دون أن تخلق عندك عقدة الفوقية التي تثير في نفسك الشعور بالاستعلاء ، ~~لأن القضية هي أنها ملك الله وهبته ، كما أنك ملك الله وعطيته ، فلا فضل لك ~~في أن تعطي ملك الله لعباده. وتلك هي قصة الطاقات الحية في المجتمع المسلم ~~، في حركة العطاء السمح الذي تتحرك فيه المسؤولية والإنسانية والنعمة ~~والإيمان في مسار واحد يلتقي فيه الإنسان بالله عند ما يلتقي بالحياة. # * * * PageV05P121 ### ||| * الآيات # ( @QUR@045 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) @QUR@011 يمحق الله الربا ~~ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) @QUR@019 إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (277) @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) @QUR@017 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ~~من الله ورسوله وإن تبتم فلكم ms0847 رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) ~~@QUR@014 وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (280) @QUR@015 واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون ) (281) # * * * PageV05P122 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الربا ): هو الزيادة على رأس المال ، لكن خص في الشرع ~~بالزيادة على وجه دون وجه ، من الإرباء ، وهو الزيادة على الشيء ، وربا ~~الشيء يربو إذا زاد. # ( @QUR@01 يتخبطه ): الخبط : المشي على غير استواء. ويقال للذي يتصرف في ~~أمر ولا يهتدي فيه ، هو يخبط خبط عشواء. # ( @QUR@01 المس ): الجنون ، ويقال : المس في كل ما ينال الإنسان من أذى. # ( @QUR@01 سلف ): تقدم ومضى ، من السلوف وهو التقدم. والأمم السالفة أي ~~الماضية. # ( @QUR@01 يمحق ): يهلك ويتلف ، من المحق ، وهو نقصان الشيء حالا بعد حال. # ( @QUR@01 ويربي ): ينمي ويزيد. # ( @QUR@01 عسرة ): تعسر وجود المال. والعسر نقيض اليسر. وأعسر أضاق. # ( @QUR@01 فنظرة ): فأنظروه وأمهلوه من النظرة وهي التأخير. فالمديون ~~المعسر ينظر حتى يوسر. # ( @QUR@01 ميسرة ): اليسار ، «مصدر ميمي» ، أو وقت اليسار «اسم زمان». # * * * PageV05P123 ### ||| ** أكل مال الربا # الحديث في هذه الآيات عن الربا من خلال الواقع المتمثل في شخصية المرابي ~~واختلاط الصورة في ذهنه ، من جهة ، وفي حركة الربا في حياة المرابي مقارنا ~~بالصدقة في حياة المتصدق في حساب الله من جهة أخرى ، ثم الملاحقة لهذا ~~الواقع من أجل الدعوة إلى التخلص منه وتغييره بالموعظة الحسنة ، والترغيب ~~بما عند الله من ثواب للسائرين على خط التقوى ، الذين لا يريدون أن يظلموا ~~أحدا كما لا يريدون أن يظلمهم أحد ، فإذا لم ينسجموا مع هذا الخط ولم ~~يتوبوا إلى الله الذي يقف بهم عند خط العدل في الأشياء ، فليتحملوا مسئولية ~~إعلان الحرب عليهم من الله ورسوله ، مما يعني المواجهة بالعنف في خطوات ~~الشريعة في الدنيا ، وفي عذاب الله في الآخرة ، حيث يوفي الله كل نفس بما ~~كسبت وهم لا يظلمون. # تلك هي الصورة الإجمالية المتحصلة من هذه الآيات المتحدثة عن الربا في ~~خطوات الواقع ، الذي كان البعض من المؤمنين مستمرين عليه ، بعد نزول آيات ~~التحريم ، التي ربما كانت من ms0848 الآيات الواردة في سورة آل عمران ( @QUR@013 ~~يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون ) [آل عمران : 130] ، واستمرار هذا الواقع الربوي ، بعد نزول آيات ~~التحريم ، قد يكون ناتجا عن طبيعة النظام الاقتصادي الذي كان يسود المجتمع ~~العربي ، لا سيما مجتمع المدينة الذي كان خاضعا للسيطرة المالية للمرابين ~~اليهود ، كما هو شأنهم في كثير من المجتمعات التي يعيشون فيها ، فكان لا بد ~~من الحملة المشددة التي تواجه هذا الواقع بأسلوب عنيف لتكون عنصرا رادعا ~~للانحراف عن الخط المستقيم. PageV05P124 # وربما كان ترتيب آيات الربا إلى جانب آيات الإنفاق في سبيل الله ، من أجل ~~الإيحاء بالجو الطيب الطاهر الذي يعيشه الإنسان المتصدق في مشاعر الخير ~~المنسابة مع مشاعر الإيمان في إنسانيتها الباحثة أبدا عن مواقع الخير في ~~حياة الناس الذين يحتاجون إلى الإعانة والهداية والقوة والتسديد. فقد يشعر ~~الإنسان الذي عاش أجواء الانحراف ، بالحاجة إلى أن يعيش الأجواء الأخرى ~~التي توحي له بالتغيير من ناحية الإحساس المرهف الجديد الذي يتنفسه في تلك ~~الأجواء. # ولعل هذا الأسلوب القرآني يمثل الطريقة العملية الروحية للهداية من خلال ~~المقارنة بين النموذجين بالكلمة ، مما يوحي بالحاجة إلى المقارنة بينهما في ~~حركة الواقع في الحياة ، كما يمكن الاستفادة من ذلك في حركة الفن التمثيلي ~~المسرحي الذي يحاول أن يعرض صورة الإنسان الطيب الذي يعيش روح العطاء ~~والرحمة إزاء الآخرين ، إلى جانب صورة المرابي الشرير الذي يتغذى على آلام ~~الآخرين ويتاجر بمآسيهم ، حيث يتمثل لنا الوجه المشرق الجميل للإنسان في ~~مقابل الوجه المظلم البشع له ، وذلك في الأجواء التربوية التي نريد إثارتها ~~أمام الأجيال الطالعة من وحي القرآن الكريم. # والآن لا بد لنا من وقفة قصيرة مع الربا ، ما شأنه؟ وما هي مضاره ~~الأخلاقية والاجتماعية؟ وما هي كلمات المدافعين عنه؟ ثم الانطلاق بعد ذلك ~~في وقفات متنوعة مع الآيات الكريمة في أسلوب تفسيري تفصيلي ... # * * * PageV05P125 ### ||| ** الربا في سلبياته الأخلاقية والاجتماعية # الربا ، هو الزيادة والنمو للأشياء ، ويراد به هنا ، بيع المتماثلين جنسا ~~وكمية بزيادة في أحدهما ، أو إقراض ms0849 مال بزيادة مادية عينية ، كإقراض عشرة ~~في مقابل خمسة عشر أو بزيادة معنوية أو حكمية ، كإقراض عشرة بعشرة بشرط ~~صياغة خاتم أو خياطة ثوب ، ولكل منهما حكمه المتنوع في تفاصيله في كتب ~~الفقه مما لا شأن لنا به الآن ... # أما مضاره الأخلاقية ، فقد أراد الله للإنسان أن يتفاعل مع أخيه الإنسان ~~، لا سيما إذا كان أخاه في الإيمان ، وذلك بأن يصنع المعروف إليه في ما ~~يحتاجه من شؤون العيش وفي ما يواجهه من مشاكل الحياة ، فيشاركه آلامه ~~وهمومه ويحاول أن يخففها عنه بالكلمة والبسمة والحركة والعمل ، لتنفتح ~~الحياة الإنسانية على البعد الروحي الذي يغني إنسانية الإنسان ويرفع من ~~مستواها الروحي ، فلا تعود العلاقات مجرد مبادلات تجارية تقوم على استغلال ~~فرص الربح في كل شيء مهما كانت الأوضاع والظروف ، وترتكز على قاعدة المنفعة ~~المادية ، بل يبقى لله حساب في داخل هذه العلاقات ، بحيث يفكر الإنسان ~~بالثواب من عنده وبالعمل على الحصول على رضاه ، بعيدا عن رضا طرف العلاقة ~~الآخر وعدم رضاه ، مما يجعل التضحية مكسبا ، والخسارة المادية ربحا. فنحن ~~نعطي ، لأن الله هو الذي يدفع لنا الثمن من ثوابه في الدنيا والآخرة ، ونحن ~~نتجاوز الربح ، لأن الله هو الذي يعوضنا عنه ثوابا مضاعفا في مستقر رحمته. # وقد أطلق الإسلام هذه الروح في اتجاهين : # الأول : اتجاه العطاء الذي لا يبحث عن البدل حتى في الحساب PageV05P126 # المماثل للعطاء من ناحية مادية ، بل يبحث عن الانطلاق من العطاء في ذاته ~~كقيمة روحية يريد بها ما عند الله ، لا ما عند الناس ، وذلك هو ما يتمثل في ~~الصدقة التي تقوم على العطاء دون مقابل قربة إلى الله ، وبذلك كانت عبادة ~~كبقية العبادات التي تقرب الإنسان إلى الله ... # الاتجاه الثاني : هو اتجاه القرض الذي يتمثل في دفع المال المقترض على أن ~~يكون مضمونا عليه بمثله ، فيجب عليه أن يدفعه للمقرض عند حلول الأجل. وفي ~~هذا المجال ، يلتقي العنصر المادي الذي يفكر فيه الإنسان بحفظ ماله في ذمة ~~المقترض ليرجع إليه بعد حين ، بالعنصر الروحي الذي يفكر ms0850 فيه الإنسان ~~بالتضحية بالزيادة التي قد يأخذها الآخرون في مقابل تجميد هذا المال مدة من ~~الزمن ، وحرمانه من منافعه التجارية التي يمكنه أن يحركها في طريق تحصيل ~~الربح ، وذلك هو مورد القربة إلى الله في هذا العمل الذي عبر عنه في القرآن ~~وفي الحديث بالقرض الحسن ... فإن ذلك هو سبيل الوصول إلى محبة الله ورضاه ، ~~لما يشتمل عليه هذا العمل من حل لمشكلة هذا الإنسان الواقع تحت ضغط الحاجة ~~إلى المال الذي يسد به خلته. # وقد وردت الأحاديث المتنوعة التي تتحدث عن القرض الحسن في أسلوب تشجيعي ، ~~يجعله أفضل من الصدقة في بعض المجالات ، فقد ورد أن درهم الصدقة بعشرة ، ~~أما درهم القرض فبثمانية عشر ... وربما كان ذلك من أجل مواجهة نزعة الربح ~~التي قد تدفع إلى الربا وذلك بتحويلها إلى التفكير بالربح في الدار الآخرة ~~، بالإيحاء بأنها ترقى إلى أعلى من مستوى الصدقة ، مما يرضي طموح المقرضين ~~الذين قد لا يستريحون للصدقة من ناحية ذاتية. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، ~~ربما كان درهم القرض متحركا في حل أكثر من مشكلة لأكثر من شخص ، مما يعطيه ~~معنى الامتداد والنمو ، عند ما يعود من يد المقترض ليتحول إلى مقترض آخر ، ~~مما يوجب تضاعف جانب العطاء في المسألة ، بينما يذهب درهم الصدقة ليحل ~~مشكلة واحدة PageV05P127 # لإنسان واحد ، ثم لا يعود. # إن الإسلام أراد للإنسان أن يعيش حس العطاء في نوعيه ، بعيدا عن التفكير ~~المادي ، لتعيش العلاقات الإنسانية في نطاق البعد الروحي ، كما تعيش حركتها ~~في نطاق البعد المادي. وهذا ما لا يتحقق في المعاملات الربوية التي تخلق في ~~داخل نفس المقرض شعورا بالجشع والاستغلال والفرح بآلام الآخرين ومشاكلهم ~~والعمل على زيادة الأزمات المادية والمعنوية التي تساعد في شدة حاجتهم إليه ~~... أما المقترض ، فإنه يشعر بالحقد إزاء المرابي من خلال المشاكل التي ~~يخلقها الربا في حياته ، ويتنامى هذا الحقد حتى يتحول إلى عقدة نفسية ضاغطة ~~، كما يعيش الإحساس بالقهر والحرمان والجدب العاطفي أمام الناس الذين لا ~~يتعاطفون معه ، بل يعملون على زيادة ms0851 آلامه ومشاكله ، مما يجعله واقعا تحت ~~ضغط الشعور بالغربة والوحدة الروحية في الحياة. # * * * ### ||| ** الربا في سلبياته الاقتصادية # أما الجانب الاقتصادي في الموضوع فيتمثل في عدة نقاط سلبية : # 1 إن الزيادة التي يأخذها المرابي هي في مقابل لا شيء ، لأن المفروض في ~~ربا البيع ، التماثل في النوع وفي الكم ، فلا يحقق التبادل منفعة لكل منهما ~~زائدة على ما يملكه من منفعة سلعته ، لتكون الزيادة في مقابل تلك الخاصة ~~الزائدة على ما يدفعه للآخر. أما ربا القرض ، فكذلك ، في ما عدا الأجل ~~وسنرى في ما يأتي أن الأجل لا يصلح أن يكون أساسا للزيادة PageV05P128 # في القرض فإذا كان الأمر على هذا الشكل ، فإن الزيادة تكون أكلا للمال ~~بالباطل ، لأنه مال يكسبه من دون أن يقدم في مقابله عملا أو خدمة أو ~~إنتاجا. # 2 إن الربا يؤدي إلى زيادة فقر الفئات المستضعفة ، وتضخم ثروات الفئات ~~الغنية التي تملك رؤوس الأموال ، لأن الفقير ينطلق في استقراضه من موقع ~~حاجته إلى هذا المبلغ ، فإذا انطلق في مجالات العمل ، فإن الحاجة ستتضاعف ، ~~بينما يواجه العامل عبء الزيادة التي يضطر إلى اقتطاعها من أرباحه ليوفرها ~~للدائن. وهكذا يأخذ الزيادة من حاجاته الأساسية إذا اضطر إلى أن يضغط على ~~تلك الحاجات أو تضيف إلى دينه دينا جديدا وزيادة جديدة إذا لم يستطع أن ~~يقلص حاجاته إلى المستوى الأدنى. وهكذا ، حتى يسقط في قبضة المرابي حقيرا ~~ضعيفا ، مما يسيء إلى طبيعة العلاقات في المجتمع ويحولها إلى ما يشبه ~~الثورة ، إن لم يكن إلى ثورة تأكل الأخضر واليابس ، كما نشاهده في وقتنا ~~المعاصر. # 3 إن الربا عادة ، يؤدي إلى تجمع الثروات المادية في أيدي جماعة من الناس ~~، وهم أصحاب الأموال الضخمة الذين يستغلون حاجات المجتمع ، فيفرضون لأنفسهم ~~النسب المئوية على رأس المال ، مما يؤدي إلى نمو رأس المال على حساب حاجة ~~المستضعفين الذين يمثلون الفئة المنتجة في المجتمع. وفي هذا الحال ، يتحول ~~العامل إلى إنسان يكدح لمصلحة الرأسمالي من دون مقابل ، مما يوجب استنزاف ~~الطاقة المنتجة لغير مصلحتها. كما يؤدي ms0852 بالأغنياء إلى السيطرة على الحياة ~~الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمحافظة على الظروف الموضوعية لحرية ~~الاستغلال ، ولحماية حركة رأس المال في التزايد والتضخم بلا عمل أو جهد ، ~~الأمر الذي يؤدي إلى استضعاف الشعوب من قبل الطغاة والمستكبرين ، ويهيئ ~~للاستعمار الذي ينهب ثروات المستضعفين ، ويحولهم إلى طاقة استهلاكية لا PageV05P129 # مجال لها إلا الاستقراض الدائم على حساب حاجاتها الحيوية وعزتها ~~وكرامتها. وهذا ما نواجهه في كثير من الأوضاع السياسية والاقتصادية للشعوب ~~الضعيفة التي تعيش تحت ضغط الشركات الاحتكارية في العالم. وفي هذا يقول ~~الدكتور شاخت ، الخبير الاقتصادي المعروف ، في ما ينقله عنه صاحب تفسير ~~الكاشف ، في محاضرة ألقاها في دمشق عام 1953 م : «يمكننا بعملية رياضية أن ~~نعلم أن جميع المال في الأرض سوف ينتهي إلى عدد قليل جدا من المرابين ، ~~وذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية ، بينما المدين معرض للربح ~~والخسارة ، ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد أن يصير إلى الذي يربح ~~دائما ، وهذه النظرية في طريقها إلى التحقيق الكامل ، فإن معظم ملاك المال ~~يملكه بضعة آلاف ، أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من ~~البنوك والعمال وغيرهم ، فليسوا سوى أجراء ، يعملون لحساب أصحاب المال ، ~~ويجني ثمرة كدهم أولئك الآلاف ..» (1). # * * * ### ||| ** شبهات حول تحريم الربا # ربما يطرح إنسان بعض الأفكار حول تحريم الربا. # 1 إن الزيادة في القرض حق للمرابي ، لأن المال الذي يدفعه للمقترض يتيح ~~له الفرصة للعمل وللربح ، تماما كما هو حال صاحب الدار الذي يتيح لمستأجر ~~فرصة الانتفاع بالسكنى ، فيأخذ الأجرة في مقابل ذلك ، PageV05P130 # فالقضية في مجملها ، هي أن تكون الزيادة في مقابل المنفعة ، فكيف يكون ~~ذلك أكلا للمال بالباطل؟ ونجيب على ذلك ، بأن المنفعة في الدار هي أمر ~~حقيقي قائم بالدار ، وهي ملك لصاحبها كما هي الدار ملك له ، فيستحق العوض ~~عليها من مستثمرها الذي لا يتحمل أية مسئولية في ما يحدث للدار إذا لم يكن ~~هناك اعتداء من قبله ، فإذا تلف شيء من الدار من دون تعد ولا تفريط ، فإن ~~المالك هو الذي ms0853 يتحمله وحده ، أما رأس المال في القرض ، فإن العامل يتحمل ~~مسئوليته ، بالإضافة إلى الزيادة ، من دون أن يتحمل صاحب المال شيئا ، فهو ~~رابح دائما ، بينما يكون العامل معرضا للربح والخسارة ، مما يعني أن القضية ~~ليست انتفاعا بمال الآخرين في مقابل أجرة ، بل القضية هي الانتفاع بماله ~~الذي يتملكه بالقرض في مقابل ضمانه له وتحمله لمسؤوليته ، مما يجعل بين ~~الأمرين فرقا كبيرا. # 2 إن الزيادة المأخوذة في معاملة الربا ، ليست زيادة في الحقيقة ، بل هي ~~تعويض لصاحب المال عن الخسارة الطارئة بسبب ضعف القوة الشرائية للعملة على ~~مرور الزمن. وربما تكون الخسارة أكثر من التعويض ، كما نشاهده في العملات ~~التي تهبط إلى أكثر من النصف ، بينما تكون الزيادة بنسبة خمسة بالمائة أو ~~أكثر أو أقل قليلا ، وذلك من خلال الأوضاع الاقتصادية المرتبكة. # ونجيب على ذلك : أن القضية إذا كانت على هذا الأساس ، فكيف نصنع بالحالة ~~الاقتصادية التي تساهم في رفع سعر العملة ، فهل يتوقف الدائن عن طلب ~~الزيادة ، أم يظل على موقفه في حالة الزيادة والنقصان؟ إن فكرة التعويض لا ~~تنسجم مع طبيعة قانون الربا الذي لا يراعي الدقة في هذا الجانب في ما يفرضه ~~من زيادة ثابتة في جميع الأحوال. # هذا مع ملاحظة مهمة ، وهو أن الواقع الربوي يتحرك في تحديد الزيادة PageV05P131 # بالمستوى الذي يتناسب مع الواقع الاقتصادي ، بحيث يضمن الربح لنفسه في ~~حالة ضعف القيمة للنقد ، فيحقق التوازن من خلال الفائدة الممددة ، وإذا كان ~~انخفاض القوة الشرائية مشكلة للدائن ، فإنها تتحول إلى مشكلة للمدين الذي ~~لا ينتفع بما أخذه من المال إلا في نطاق الوضع الاقتصادي ، مما يجعله خاسرا ~~في الحالين ، مما يدفعه من الفائدة ومما ينقص من قيمة المال الذي أخذه. # ولو كانت المسألة كما يقول السؤال ، لا بتعد المرابون عن الأخذ بالربا ، ~~لأنه لا يمثل ربحا لهم ، بل يمثل خسارة أو بقاء للمال من دون ربح في ~~النتيجة ، ولكننا نجد أن النظام الربوي لا يزال يتعاظم على مستوى الأفراد ~~والجماعات والدول ، لأن الخلل في حجم قيمة النقد ms0854 ليس قاعدة ثابتة ، بل هي ~~خاضعة لحركة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية ، التي لا تمثل سقوطا ~~كبيرا ، بل تمثل حركة تتوازن فيها الزيادة والنقصان ، بحيث إذا ارتفعت ~~القيمة اليوم بنسبة معينة انخفضت غدا بنسبة خاصة ، مما يجعل التعويض حاصلا ~~من الحركة الاقتصادية نفسها. # وإذا كانت بعض الأوضاع الاقتصادية والأمنية تفرض سقوط العملة بدرجة قريبة ~~من الإلغاء ، فإن ذلك لا يمثل قاعدة عامة ، بل يمثل حالة طارئة لا تملك ~~الشمول في الواقع العالمي. # 3 وقد تثار في هذا الجانب قضية حيوية ، وهي أن بعض الناس قد يحتاجون إلى ~~أن يحركوا أموالهم في اتجاه الربح من دون أن يقدموا عملا عضويا أو فكريا في ~~ذلك ، إما لعجزهم عن العمل ، وإما لظروف ذاتية خاصة. فما هي الطريقة إلى ~~تحقيق ذلك ، بدلا عن الربا؟! وقد يضيف هؤلاء ، إننا نعرف أن الربح لا يتحرك ~~من خلال العمل ، بل ينطلق من عنصرين : رأس المال ، والعمل. فلو لا المال ، ~~لما تمكن العامل من PageV05P132 # التجارة ، ولما استطاع صاحب المصنع أن يصل إلى ما يريده من مستوى الإنتاج ~~، فلا بد من أن يكون لرأس المال حصة من أجل تحقيق العدالة والتوازن في هذا ~~المجال. # ونجيب على ذلك ، بأن الإسلام قد وضع حلا عمليا يرتكز على المزاوجة بين ~~رأس المال وبين العمل ، وهو المضاربة ، التي تمثل الشركة بين صاحب المال ~~وبين العمل ، بحيث تكون النتيجة لهما على حسب الاتفاق بينهما في مقدار ~~الحصة لأي منهما في حالة الربح ، كما أن الخسارة في حال حدوثها تلحق رأس ~~المال ، تماما كما يخسر العامل عمله. وبذلك يتم التوازن في حركة المال نحو ~~الربح من دون عمل ، وحركة العمل نحو الربح من دون رأس مال ، فيتحمل كل ~~منهما خسارت الجانب الذي يقدمه في حالة الخسارة ، كما يحصل كل منهما على ~~الربح في حالة الربح. فهذا هو الحل الإسلامي العملي الذي يحرك رأس المال ~~والقوى المنتجة على حد سواء على أساس العدل. # 4 هناك من يقول : إن تحريم الربا يؤدي إلى شلل في الاقتصاد على مستوى ms0855 ~~الفرد والمجتمع ، لأن معنى ذلك هو إلغاء المصارف والعلاقات الاقتصادية ~~القائمة في حياة الناس على أساس الربا ، مما يجعل من التحريم أمرا غير ~~واقعي ولا عملي ، فلا يكون صالحا للتطبيق ، فلا بد من تجميده في هذه الظروف ~~من أجل مصلحة الإنسان التي قد تواجه بعض السلبيات في مقابل الكثير من ~~الإيجابيات. # ونجيب على ذلك ، بأن كل حكم إسلامي ، تحريما أو إيجابا أو إباحة ، لا ~~يمكن أن نعرف واقعيته وعلاقته بالحل الشامل لمشكلة الإنسان ، إلا من خلال ~~مقارنته بالأحكام الأخرى التي تلتقي معه في إيجاد الحل ، لأن الإسلام يمثل ~~، في أية مشكلة من مشاكل الواقع ، كلا مترابط الأجزاء ، أو PageV05P133 # هيكلا متناسق الخصائص في ما يطلقه من تشريعات لتحقيق الحل الأفضل الشامل. ~~وهذا هو ما نفهمه في موضوع تحريم الربا ، فإننا لا نستطيع معرفة سلبياته ~~وإيجابياته في نطاق النظام الرأسمالي الذي يمثل الربا العمود الفقري له ، ~~ولا يمكن أن نفكر في إلغاء الربا ، مع إبقاء العلاقات الاقتصادية على ما هي ~~عليه ، لأننا لا نتحدث عن التحريم على أساس الأمر الواقع ، بل من موقع ~~العمل على تغيير النظام في قواعده وأسسه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ~~، الأمر الذي نعرف فيه الإيجابيات العملية لتحريم الربا في الخطة الإسلامية ~~المتكاملة. # وقد يطرح سؤال جديد في هذا المجال : هل معنى ذلك أن التحريم ينتظر ولادة ~~الدولة الإسلامية وتحقيق النظام الإسلامي الشامل ، فلا موقع للتحريم في ظل ~~النظام اللاإسلامي ، تماما كما هو الحال في التشريعات المنطلقة من مضمون ~~العقيدة الماركسية أو غيرها التي لا يدعو إليها واضعوها إلا في نطاق ولادة ~~النظام الكامل المستند إلى القاعدة الفكرية ، فلا مجال لها على المستوى ~~الفردي لأنها لا تحل أية مشكلة للإنسان؟ # ونجيب عن ذلك ، أن هناك فرقا بين النظام الإسلامي في تشريعاته العامة ~~والخاصة ، وبين الأنظمة المادية الأخرى ، فإن الإسلام قد انطلق من قاعدة ~~بناء شخصية الإنسان الفردية والاجتماعية على أساس الجوانب الأخلاقية ~~والروحية ، بالإضافة إلى الجوانب الأخرى المادية ، وفي ضوء ذلك ، لم يكن ~~الحل الشامل للمشكلة هو كل شيء في ms0856 حركة التشريع في حياته ، بل كانت هناك ~~العناصر الروحية والأخلاقية التي تبني له شخصيته لتعزله عن التيار المنحرف ~~في المجتمع ، الأمر الذي يجعل التشريع حيا في النطاق الفردي لتحقيق تلك ~~العناصر ، وإن لم يتوفر له الحركة في النطاق الاجتماعي. ولذلك رأينا ~~الأحكام الشرعية باقية في مدى الزمن خارج نطاق حكم الإسلام ، من أجل بناء ~~الإنسان المسلم على أساس الإسلام في PageV05P134 # قيمة الروحية والمادية ، ولو كان ذلك بشكل جزئي ، الأمر الذي يعيش معه ~~المسلم حياته اليومية في ما يأكل ويشرب ، ويلبس ويتعامل ، أو في ما ينشأ من ~~علاقات في أجواء إسلامية طاهرة ، يتنفس فيها جو الإسلام وروحانيته ، ويعيش ~~فيها روحية القرب إلى الله من خلال طاعته ، ويتحمل في ذلك الصعوبات النفسية ~~والعملية ، لأنه يشعر أن هدف حياته هو تحقيق رضا الله في ما يأمر به أو ~~ينهى عنه ، سواء حقق له ذلك الحل لمشكلته في إطار جزئي ، أو كلي ، أو لم ~~يحقق له ذلك. فإن الحياة كلها تتلخص عنده في كلمة واحدة هي ، أن يحقق ~~الإنسان من خلالها إرادته التابعة لإرادة الله الخالق الواحد. ولهذا كان ~~الربا محرما على المسلمين حتى في نطاق النظام الربوي ، وربما أوقع ذلك ~~المسلمين في مشاكل عملية معقدة ، وربما وضعت لهذه المشاكل بعض الحلول ~~الفقهية التي يحصل الإنسان فيها على نتائج الربا من دون أن تقترب من أجوائه ~~وأخلاقه في ما يسمى «بالحيل الشرعية» التي شرعت بوحي الحالات الطارئة ~~الضاغطة التي يراد من خلالها الفرار من الحرام إلى الحلال ، ولكن المسلم ~~كما ألمحنا إلى ذلك يشعر بالسعادة في هذه المعاناة ما دامت تحقق رضا الله ~~في أموره الخاصة والعامة ، وينطلق بعد ذلك من خلال وعيه لعمق المشكلة في ~~حياته التي يعيش فيها الازدواجية بين ما تفرضه الشريعة ، وما يطلبه القانون ~~، إلى العمل في سبيل إقامة الحكم الإسلامي الشامل الذي يقود الحياة كلها ~~إلى شريعة الله. # أما الأنظمة الأخرى ، فإنها لا تدرس الإنسان من حيث هو كائن روحي أو ~~أخلاقي ، بل كل ما عندها هو الجانب المادي ms0857 من حياته ، ولذا ، فإنها تفكر له ~~من خلال حاجاته المادية ، بل ربما يعتبر بعضها الحاجات الروحية وجها من ~~وجوه الحاجات المادية ، الأمر الذي يؤدي بها إلى أن تجد في السير على أي ~~تشريع من التشريعات عبثا لا طائل تحته في المجال الفردي إذا لم يحقق الحل ~~للحالة العامة. PageV05P135 # إن الإسلام يريد للإنسان أن يعيش في مناخ روحي وعملي في كل جوانب حياته ، ~~ليصوغ نفسه على صورة عقيدته ، فلا ينفصل عن الصورة في أي وجه من وجوه ~~الحياة ، مما يعطي للطاعة في الأمور الجزئية بعدا روحيا وعمليا في الأمور ~~الكلية على المدى الطويل. وفي هذا الإطار ، نستطيع أن نقرر الحقيقة التالية ~~، وهي أن الإسلام لم ينفصل عن خط التطبيق العملي في الحياة في حركة الإنسان ~~اليومية ، منذ انطلق ، إلى يومنا هذا ، وإن اختلف الحال بين المجالات ~~الخاصة والعامة. # هذا هو بعض الحديث عن الجانب التحليلي لتحريم الربا في القرآن ، ويبقى ~~لنا الجانب التفسيري التفصيلي لآياته الكريمة. # * * * ### ||| ** مثل آكل الربا كالممسوس # ( @QUR@013 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ). # كيف نفهم هذا التشبيه ، هل هو حديث عن حالة المرابي في يوم القيامة ، حيث ~~يقوم من قبره كما يقوم المصروع ، كعلامة على أنه من أكلة الربا كما يروى عن ~~ابن عباس (1)؟ # أو هو حديث عن جانب التخبط العملي الذي يوجب اختلاط خطواته العملية ~~بطريقة غير متوازنة كما يتخبط المصروع في خطواته عند ما يسير أو يتصرف؟ # أو هو تشبيه بحالة المصروع في السير على غير هدى لاختلاط الأمور PageV05P136 # في ذهنه مما يؤدي به إلى أن يرى الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، ويتحول ذلك ~~إلى التخبط في مجاله العملي؟ # لعل هذا هو الأقرب والله العالم لمناسبته للفقرة التالية ( @QUR@07 ذلك ~~بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) فقد جرت هذه الفقرة مجرى التعليل ~~لحالتهم في التشبيه ، إذ اختلط الأمر عليهم ، فاستنكروا الموقف السلبي ضد ~~الربا في الوقت الذي يكون الموقف فيه إيجابيا تجاه البيع ، وخيل إليهم أن ~~البيع مثل الربا ، لاشتمال كل ms0858 منهما على الربح والزيادة ، ولكن هذا الموقف ~~خاطئ ، فإن البيع يؤدي إلى تسهيل عملية التبادل في المجتمع في ما تختلف فيه ~~خصائص الأشياء ، فيدفع الإنسان إلى غيره ما يستغني عنه في مقابل الحصول على ~~ما يحتاج إليه ، لتعود المنفعة إليهما معا في ما يفترق به كل من العوضين من ~~خصوصيات متنوعة ، وبذلك تتقدم الحياة وتنمو وتزدهر. أما الربا ، فإنه لا ~~يضيف إلى المشتري الذي يأخذ مثل ما يدفع بزيادة أية ميزة تفرض ذلك ، مما ~~يجعل الزيادة أكلا للمال بالباطل من جهة ، وانحرافا عن مصلحة الإنسان الفرد ~~والمجتمع من جهة أخرى ، في ما قدمناه من حديث. # وقد يرى بعض المفسرين ، أن التخبط قد يظهر في اعتبار الأصل فرعا ، لا كما ~~هو كلام المرابين في عكس الموضوع ، وذلك بقياس البيع على الربا ، لأن من ~~المعقول أن يقول الإنسان إن الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به ، وليس من ~~المعقول أن يقول : إن الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه ، لأن معنى القول ~~الأول ، أنه يسلم أن الذي يؤمر به أصل ذو مزية يجب اتباعه ، لكنه يدعي أن ~~الذي ينهى عنه ذو مزية مثله ، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزية وإهماله كما ~~يراه الممسوس (1). # ولكن هذا المعنى غير ظاهر من اللفظ في تحديد حالة الخبط ، بل PageV05P137 # الظاهر من سياق الكلام هو إنكارهم التفريق بينهما في التشريع ، في حلية ~~هذا وحرمة ذاك ، فكأنهم يريدون أن يقولوا : إن الشيء الذي تمارسونه ~~وتستحلونه لا يختلف عن الشيء الذي نمارسه مما تستنكرونه علينا وتحرمونه على ~~أنفسكم ، فلا بد لكم من أن تحرموهما معا أو تحللوهما معا ، وما دامت ~~المسألة حاسمة لديكم في تحليل البيع ، فلا بد من أن تكون كذلك بتحليل الربا ~~، لأن وحدة العلة تقتضي وحدة المعلول. وربما يؤكد ذلك قوله تعالى في الفقرة ~~التالية من الآية : ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم الربا ) فإنه يوحي ~~بالإنكار عليهم في ما قرروه من رفض الفكرة في الفرق بينهما ، من دون تحديد ~~لخصائص التعبير وذلك من خلال دعوتهم إلى التفكير في المسألة ms0859 بشكل أعمق من ~~خلال معرفتهم بأن الله أحل البيع وحرم الربا ، مما يعني بأن هناك مفسدة ~~كبيرة في الربا ليست موجودة في البيع ، وأن هناك مصلحة في البيع لا يتضمنها ~~الربا ، لأن الله لا يشرع حكما إلا من خلال ما يحقق صلاح الإنسان أو يبعده ~~عن الفساد. # وفي ضوء ذلك يمكن فهم كلام علماء البلاغة ، من أن هذا من التشبيه المقلوب ~~، فإنهم يريدون القول : إنما الربا مثل البيع ، ليصلوا إلى غرضهم وهو ~~التحليل ، فعكسوا الكلام للمبالغة وقالوا ( @QUR@04 إنما البيع مثل الربا ) ~~الذي يوحي بأنهم يريدون تحريم البيع ، من خلال الظاهر ، فأصبح المشبه به ~~قائما بالمشبه وتابعا له ، فإن هذا النحو من القلب في الكلام لا يبتعد عن ~~تحقيق غرضهم بالطريقة التي أشرنا فيها إلى معنى الكلام المذكور. # * * * ### ||| ** معنى الذي يتخبطه الشيطان من المس # وقد عرض المفسرون لجانب آخر في تفسير هذه الفقرة من الآية ، فإننا PageV05P138 # نستفيد منها أن هناك حالة من الصرع أو الجنون تعرض للإنسان من خلال مس ~~الشيطان له ، كما تعتقد العامة في أمثال هذه الحالات أنها من عمل الجن. فهل ~~يريد القرآن أن يؤكد هذه الفكرة ويعتبرها كحقيقة دينية حاسمة في تقريره ~~لبعض حقائق الظواهر الإنسانية في الحياة ، أو أن التشبيه وارد في سياق ~~التعبير المعروف لدى الناس في ما يعتقدونه من أسباب الصرع ، فكأن القرآن ~~قصد الفكرة التي أريدت من الكلمات ، لا المدلول الحرفي نفسه لها ، تماما ~~كما هو المعنى الذي يراد الكناية عنه بلازمه في أساليب الكناية في اللغة ~~العربية ، أو أن هناك وجها ثالثا للقضية غير هذين الوجهين؟ # ربما يجد بعض المفسرين المعنى الثاني أقرب إلى عدل الله ، فإنه سبحانه ~~أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن ، ولكن صاحب ~~الميزان يرد هذا الرأي ، بأن الله تعالى أجل من أن يستند في كلامه إلى ~~الباطل ولغو القول ، بأي نحو كان من الاستناد ، إلا مع بيان بطلانه ورده ~~على قائله ، وبأن تسليط الشيطان على عقل الإنسان إذا كان منافيا للعدل ، ~~فإن ms0860 تسليط الأسباب الطبيعية عليه في ما كان منها مذهبا للعقل كذلك ، لأنهما ~~سيان في استنادهما إلى الله بالنهاية ، مع خروجهما عن إرادة الإنسان ~~واختياره ... وبأن مبدأ إذهاب العقل لا يتنافى مع العدل ، فإنه رافع ~~للتكليف من الأساس ، فلا مشكلة أمام الإنسان من هذه الجهة. ثم يضيف صاحب ~~الميزان إلى ذلك قوله : على أن استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو ~~الاستقامة ومن غير واسطة ، بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة ~~الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان ، كما أن أنواع الكرامات تستند إلى ~~الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية في البين ، وقد ورد نظير ذلك في ما حكاه ~~الله عن أيوب عليه السلام إذ قال : ( @QUR@04 أني مسني الشيطان بنصب PageV05P139 # @QUR@01 وعذاب )، وإذ قال : ( @QUR@06 أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ~~) [الأنبياء : 83] ، والضر هو المرض ، وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن ، ~~فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان. ثم يختم ~~ملاحظته بأن أسلوب القرآن في إسناد الأعمال أو الظواهر إلى الله أو إلى ~~الروح أو الملك أو الشيطان لا يعني الإسناد المباشر الذي يلغي الأسباب ~~الطبيعية ، بل ما يتناسب مع ذلك مما يجعل الفاعل في طول السبب لا في عرضه (1). # ونحن نوافق صاحب الميزان على ملاحظته بأن القضية لا علاقة لها بموضوع ~~عدالة الله ، غير أن ذلك لا يعني تأكيدنا للفكرة التي يعتقدها العامة من ~~خلال الآية ، فإن القضية متعلقة بالفهم الصحيح لمعنى الآية في ما تذكره من ~~كلمة «الشيطان». فما هو المراد منها ، هل هو المعنى الحقيقي الذي تحدث عنه ~~القرآن في أكثر من مرة الذي يعبر عن الكائن الخفي الذي أبقاه الله في ~~الدنيا ومنحه الخلود فيها من أجل أن يثير في الإنسان خواطر الشر ودوافع ~~العصيان ، وهو الذي يعطيه القرآن اسم إبليس في أكثر من مورد؟ أو هو المعنى ~~المجازي الذي يراد منه العوامل الخفية المتنوعة التي تسبب الجنون وغيره من ~~الأمراض ، وتكون العلاقة بين المعنيين عبارة عن أن كلا منهما يمثل عنصرا ~~خفيا يؤثر في الفكر والشعور تارة ms0861 ، وفي البدن والعقل تارة أخرى؟ وإذا كان ~~المراد هو المعنى المجازي ، فما هي القرينة أو الدليل على صرف اللفظ عن ~~معناه الحقيقي؟ # إننا نستقرب ورود اللفظ على أساس المجاز لا على أساس الحقيقة ، وذلك من ~~خلال دراستنا لشخصية الشيطان في القرآن وعلاقته بالإنسان في ما أعطاه الله ~~من دور فاعل في حياته ، فإننا نلاحظ محاولة القرآن للتأكيد على أن دور ~~الشيطان الأول والأخير هو إثارة وساوس الشر من خلال تزيينه في PageV05P140 # أعين الناس ومحاولة الإضلال بالأساليب التي تساهم في تحقيق الضلال ، ~~بإرادة الإنسان واختياره ، أما السيطرة عليه بالمستوى الذي لا يستطيع معه ~~الوقوف أمامه ، ولا يملك إلا الرضوخ لسلطانه ، فهذا ما نفاه القرآن في أكثر ~~من آية ( @QUR@09 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ) [الحجر : 42]. # فإننا نجد في الآية نفيا مطلقا لسلطان الشيطان على الإنسان إلا من خلال ~~الوسائل العادية التي لا تلغي عنصر الاختيار الذي تتحرك في داخله المسؤولية ~~... فإذا لم يكن للشيطان سلطان تكويني على نقل الإنسان من قناعة إلى قناعة ~~مضادة في موضوع الكفر والإيمان والخير والشر ، فكيف يكون له سلطان على ~~إلغاء عقل الإنسان بالكلية من خلال وسائل غير منظورة لا يملك الإنسان ~~أمامها القدرة على المقاومة. إن القضية ليست قضية عدالة الموضوع وعدم ~~عدالته ، بل هي قضية دور الشيطان في حياة الإنسان من خلال حكمة وجوده في ~~الأرض ، مما يوحي لنا بأنه لا يملك أي دور آخر تجاه الإنسان. # وهناك نقطة أخرى لا بد لنا من إثارتها في هذا المجال ، وهي أن ذلك قد ~~يتنافى مع الجو الذي أراد الله أن يثيره في صراع الإنسان مع الشيطان ، وهو ~~الإيحاء بكرامة الإنسان من خلال أمره للشيطان بالسجود لآدم ، وجعله خليفة ~~الله في الأرض ، مما يوجب أن لا يجعله تحت رحمته في أقدس شيء وهبه الله له ~~وميزه به على مخلوقاته الأخرى وهو العقل ، لأن ذلك يجعله ألعوبة في يده ~~يعبث به كيف يشاء من خلال الوسائل الخفية التي يملكها ضد الإنسان ... أما ~~تسليطه على ms0862 إضلاله بالوسوسة وأمثالها ، فإنها تؤكد جانب الكرامة فيه ولا ~~تنفيها ، وذلك من خلال ثقة الله بالإنسان ، بما زوده به من العقل وأرسله ~~إليه من رسل ، وفي ما أنزله عليه من كتب ورسالات ، بأنه يستطيع الانتصار ~~على الشيطان باستعمال هذه الوسائل ، ليبلغ بذلك الدرجات التي تعلو درجات ~~الملائكة في ما وردت به الأحاديث الشريفة ... إن الله PageV05P141 # سبحانه قد وضع الإنسان في ساحة المعركة التي يملك إرادة الانتصار فيها ، ~~وفي ذلك تأكيد لقدرة الإنسان على الانتصار في معركته مع الشيطان. # ومن خلال هذا العرض ، نستطيع الخروج بنتيجة حاسمة ، وهي أن كلمة الشيطان ~~هنا لا يراد بها إبليس ، كما لم يرد منها ذلك في ما حكاه الله عن أيوب ، ~~فإن الظاهر إرادة الضر والمرض منه ، لا على أساس أن الشيطان هو السبب ~~الأعمق في سلسلة الأسباب الطبيعية ، بل على أساس استعمال اللفظ في المرض ~~نفسه ونحوه. أما الدليل على هذا الاستعمال ، فهو ما قررناه من عدم وجود دور ~~للشيطان في هذا المجال ، والله العالم. # * * * ### ||| ** ( @QUR@05 أحل الله البيع وحرم الربا ... ) نظرة تفسيرية # ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم الربا ). هل الواو هنا للاستئناف لبيان ~~هذا الحكم الذي شرعه الله من قبل ، أو هي للحال؟ يذهب البعض إلى الأول ، ~~لأن الفعل الماضي الواقع في نطاق الجملة الحالية ينبغي أن يكون مصدرا بقد ، ~~ولأن الجملة الحالية واقعة في زمان الفعل ، فيلزم أن يكون قولهم وتخبطهم في ~~هذا الزمان ، مع أنه ثابت قبله وبعده ، ولكن سياق الجملة لا يناسب ~~الاستئناف ، لأنها واردة على الظاهر في مقام الرد على ما ذهبوا إليه من ~~المساواة بينهما ، أما قضية وحدة الزمان بين الفعل والحال ، فلا مانع منها ~~، وذلك على أساس بيان أن قولهم ثابت في زمان ثبوت الحكمين ، كتأكيد للإنكار ~~عليهم ، فيكون المعنى أنهم قالوا هذا القول في حال ثبوت هذا PageV05P142 # التشريع ، بمعنى أنهم لم يتأملوا فيه ليدركوا طبيعة الفارق بين الأمرين ، ~~ولم ينسجموا معه على أساس الانسجام فيه مع خط الإيمان ، لأن الحديث في ~~الأغلب مع المؤمنين الذين ينحرفون عن الإيمان ms0863 ، فيأكلون الربا كما يظهر من ~~الآيات اللاحقة ، أما التصدير بقد ، فإنه غير لازم على الظاهر ، لا سيما ~~إذا لاحظنا أن القرآن الكريم هو المرجع الأساسي في اللغة الصحيحة لا كتب ~~اللغة ؛ والله العالم. # ( @QUR@020 فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ). ورد عن الإمام محمد الباقر ~~عليه السلام في تفسير هذه الآية كما في مجمع البيان من أدرك الإسلام وتاب ~~مما كان عمله في الجاهلية ، وضع الله عنه ما سلف (1). # ( @QUR@02 ومن عاد ) إلى أكل الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله قبل ~~مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا ، ( @QUR@06 فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون ) لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للربا (2). ~~والظاهر أن المقصود من كلمة ( @QUR@03 وأمره إلى الله ) أنها واردة مورد ~~العفو عن الذنب من خلال سياق الآية التي تعني التوبة التي تستتبع قبولها ، ~~ولكن الله قد يغمض الحديث عن العفو ويبهمه ليظل العبد مشدودا إلى الله في ~~طلبه المغفرة منه ، فتكون الآية على هذا الأساس متعرضة للعفو عن المال وعدم ~~مطالبته بإرجاعه إلى أصحابه ، وللعفو عن الذنب بإرجاع أمره إلى الله الذي ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويحب التوابين. # * * * PageV05P143 ### ||| ** كيفية محق الله الربا وإربائه الصدقات # ( @QUR@011 يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ). ~~المحق هو النقص ، والربا هو الزيادة ، فكيف نفهم هذا النقص هنا ، والزيادة ~~هناك؟ هل هي في ما ينتجه الربا من نتائج سلبية في الدنيا ، بحيث يجعلها ~~الله ضد مصلحة المرابي في ما يأمله ويريده من زيادة ماله ، وذلك من خلال ~~النتائج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يؤدي إليها الربا في نهاية ~~المطاف بما يثيره من أحقاد وأضغان وثوارت تدمر كل ما بناه المرابون وتقضي ~~على كل ما جمعوه ، أما الصدقة فإنها تنتهي إلى الزيادة في مال المتصدق على ~~أساس ما تثيره الصدقة ، من محبة وحب وخير وأجواء تهيئ للنمو والازدهار؟ # أو هي في ما يواجه ms0864 به الله المرابين من العذاب والعقاب في الآخرة الذي ~~يشعرون معه بأن كل ما حصلوا عليه في الدنيا يتحول إلى هباء ، لأنهم لم ~~يجنوا من ذلك إلا الخسران الأبدي في الآخرة ، بينما يحصل المتصدق على ~~النتائج الطيبة للصدقة من الثواب الذي يتضاعف إلى عشر أمثالها؟ # أو هناك وجوه أخر تستوحي الحكم الشرعي الذي لا يعترف بشرعية الربا مما ~~يجعله رجسا محرما ، تماما كما هو الغاصب في تصرفاته ، بينما الصدقة تنمي ~~المال وتزكيه وتثبته على ملك صاحبه؟ # إننا نستقرب الوجه الثاني وذلك بشهادة بعض الأحاديث : «إن الرجل يتصدق أو ~~المرأة تتصدق بالتمرة أو بشق تمرة فأربيها له كما يربي الرجل فلوه وفصيله ~~فيلقاني يوم القيامة وهي مثل جبل أحد» (1). وقد لا يكون من البعيد أن تحمل ~~الآية على النتائج في الدنيا والآخرة ، وذلك من خلال PageV05P144 # انطلاق الحكم الشرعي من المفاسد الكامنة في موضوعه إن كان تحريما ، ومن ~~المصالح الموجودة في داخله إن كان وجوبا ، وانتهائه إلى العذاب على مخالفته ~~والثواب على موافقته في الآخرة. # وفي ضوء ذلك ، قد يكون للربا أثره الماحق على حركة المجتمعات والأفراد من ~~خلال النتائج السلبية الأخلاقية في تأثيرها على العلاقات العامة بين الناس ~~، فإن قيم المحبة والرحمة والخير والعطاء تنتج التقارب والتعاون والتواصل ~~والانفتاح العقلي والروحي والعملي على المصالح المشتركة ، مما يؤدي إلى ~~تنمية الأموال والطاقات والأوضاع للمجتمع الذي يتحرك أفراده بهذه الطريقة ، ~~أو للأفراد الذين يعيشون في هذا الاتجاه ، أما قيم الحقد والقسوة والشر ~~والبخل ، فإنها تنتج التباعد والتقاطع والانغلاق الروحي ، مما يجعل كل شخص ~~بعيدا عن الآخر ، أو يؤدي إلى التعقيد الذاتي والعملي بما يسببه من الضرر ~~للأفراد وللمجتمعات على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والأمني والسياسي ، ~~وهذا ما نراه من ثبات الأنظمة والمجتمعات القائمة على قيم العدالة والحق ~~والخير ، واهتزاز الدول والجماعات المرتكزة على قيم الظلم والباطل والشر ، ~~الأمر الذي يجعل الدولة تزول والمجتمع ينهار ، والأفراد ينكمشون. # وهذا ما لاحظناه من الاهتزازات التي تحصل للنظام الربوي في المدى البعيد ~~من خلال التراكمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية ms0865 ، وهذا ما يفسر لنا محق ~~الربا للإنسان في الدنيا ، لأنه يمحق ثروته وربما يهلك وجوده في نهاية ~~المطاف ، بينما تنطلق الصدقات لتؤسس له القوة والامتداد والنتائج ~~الإيجابية. هذا في الدنيا ، أما في الآخرة ، فإن الحكم الإلهي العادل الذي ~~يواجه الإنسان العاصي بالعقاب والمطيع بالثواب هو الذي ينتظر المرابين ~~والمتصدقين. PageV05P145 # أما قوله تعالى : ( @QUR@06 والله لا يحب كل كفار أثيم ) فالظاهر أنه جار ~~مجرى كثير من الآيات القرآنية التي تتحدث عن الانحراف عن الخط العملي ~~للإيمان بصفة الكفر ، باعتبار أنه من نتائجه الطبيعية ، لأن قيمة الإيمان ~~هي بالعمل ، فإذا ابتعد عنه صار والكفر سواء من الناحية العملية. والله ~~العالم. # ( @QUR@019 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). وهذا أسلوب قرآني مميز ~~يثير أمام الحكم الشرعي الذي يدعو الإنسان إلى السير عليه ، أجواء الآخرة ~~في ما ينتظره فيها من عقاب على تقدير المعصية ، وثواب في حالة الطاعة. وقد ~~أراد الله في هذه الآية أن يوحي للإنسان بأن قضية الربا تمثل جزءا من كل في ~~الشخصية المؤمنة المتكاملة التي تعمل الصالحات وتقوم بالصلاة وإيتاء الزكاة ~~، مما يجعل من الإيمان عنصرا حيا لا ينفصل عن العمل في نجاة الإنسان من ~~العقاب وحصوله على الثواب. # ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين ). وفي هذه الآية يتصاعد الجو الضاغط على موقف الإنسان المؤمن ~~عند ما يقع تحت تأثير الأوضاع الاقتصادية المحيطة به في المجتمع المنحرف ، ~~فينسى إيمانه ويبدأ في الإلحاح بالمطالبة في ما له على المدينين له من ~~زيادة ربوية. إن الآية تريد أن توحي للإنسان أن الموقف يتلخص في كلمة واحدة ~~، هي أن تكون مؤمنا أو لا تكون ، في موضوع المطالبة بالربا في ما بقي له منه. # وقد روي : أنه لما أنزل الله : ( @QUR@03 الذين يأكلون الربا ) الآية ، ~~قام خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا رسول الله ~~، ربا أبي في ثقيف وقد ms0866 أوصاني عند موته بأخذه ، فأنزل الله: ( @QUR@04 يا ~~أيها الذين آمنوا PageV05P146 # @QUR@07 اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ) ( 1) الآية. وروى قريبا منه ~~في مجمع البيان عن الباقر عليه السلام . # وجاء في مجمع البيان عن السدي وعكرمة قالا : نزلت في بقية من الربا كانت ~~للعباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني ~~عمرو بن عمير ناس من ثقيف ، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا ، ~~فأنزل الله هذه الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : على أن كل ربا من ~~ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب ، وكل دم من ~~دم الجاهلية موضوع ، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، كان ~~مرضعا في بني ليث فقتله هذيل (2). # ( @QUR@08 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) لأن الله سبحانه ~~يريد للقضايا المتعلقة بمصلحة الناس العليا وبالتالي بسلامة المجتمع في ~~نطاق المدلول الأخلاقي والعملي لعلاقات أفراده المادية والإنسانية ، أن ~~تكون موضوعا حاسما لا يتهاون الإنسان فيه ولا يتسامح ، لأن الانحراف لا يمس ~~الفرد ، بل يشكل خطرا على السلامة العامة للناس ، ولهذا ، فإن الإنسان الذي ~~يسيء إلى التنظيم الاجتماعي للحياة ، لا بد له من أن يواجه الدخول في حرب ~~شديدة من الله ورسوله ، الأمر الذي ينذره ، وهو الإنسان الذي لا حول له ولا ~~قوة ، بالهول والرعب والشعور بالانسحاق أمام القوة العظيمة الهائلة التي لا ~~حد لها ، والتي هي منبع كل قوة ، إن الآية تثير في الإنسان المنحرف مشاعر ~~الهلع والفرق الكبير ، كما لو أنه واقف تحت جبل عظيم شامخ يكاد يطبق عليه ~~من جميع الجهات ، حيث لا مجال له للهروب أو الاختباء ، لأنه يحيط به من بين ~~يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ... إنه الرعب والهول الذي لا يبلغ مداه ~~التصور ، فكيف PageV05P147 # يتماسك الإنسان أمامه؟ # ( @QUR@09 وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ). ويعود ~~الأسلوب الرحيم الذي يثير أمام الإنسان خط التراجع في الحل المتوازن ، ~~فهناك المجال الواسع للتوبة التي ms0867 لا يريد الله فيها للإنسان أن يخسر ماله ~~ويفقده جزاء على ما فعله من المعصية ، بل يريد له أن لا يظلم الناس ، وإذا ~~كانت القضية قد انطلقت من قاعدة رفض الظلم ضد المدين ، فلا يمكن لله أن ~~يقبل وقوع الظلم على الدائن من قبل المدين بأن يسلطه على رأس المال الذي ~~دفعه إليه. # وقد جاء في الدر المنثور : أخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ~~ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص ، أنه شهد حجة ~~الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألا إن كل ربا في الجاهلية ~~موضوع ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (1). # ( @QUR@07 وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ). أما إذا كان المدين معسرا ~~لا يستطيع أن يرجع رأس المال إلى صاحبه في الوقت الحاضر ، فإن الله يريد من ~~الإنسان المؤمن أن ينتظره حتى يتمكن من ذلك ويجعل له الله من أمره يسرا ، ~~لأن ذلك هو خط العدل والرحمة في معناهما الإنساني الواقعي ، فإذا كان العدل ~~يفرض على المدين أن يدفع ما في ذمته إلى دائنه فلا يأكله بالباطل ، فإنه ~~يفرض على الدائن أن يراعي ظروف المدين في حالة العسر ، فلا يضطره إلى أن ~~يبيع ما يحتاجه من ضرورات الحياة الطبيعية أو يرهق نفسه بدين جديد يضطر إلى ~~الخضوع فيه لشروط صعبة في ماله وكرامته وحياته ، لأن حركة العدل في الحقوق ~~والعلاقات تبقى في نطاق القدرة العادية للإنسان ، فلا تتجاوزها إلى ما يخرج ~~عن القدرة ، فإن في ذلك الحرج كل PageV05P148 # الحرج ، والعسر كل العسر ، وقد قال تعالى : ( @QUR@07 وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ) [الحج: 78] ، ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ) [البقرة : 185]. # وقد جاء في الكافي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : صعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ذات يوم ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على ~~أنبيائه (صلى الله عليهم) ثم قال : أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ~~ألا ومن أنظر معسرا ، كان ms0868 له على الله عز وجل في كل يوم صدقة بمثل ماله حتى ~~يستوفيه ، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : ( @QUR@014 وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) أنه معسر فتصدقوا ~~عليه بمالكم فهو خير لكم (1). # ( @QUR@07 وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ). ثم يثير أمام الدائن ~~القادر الموقف الروحي الذي يتسامى معه الإنسان إلى أجواء التضحية والعطاء. ~~فيبدأ بالتفكير في المكاسب التي يحصل عليها عند الله ، بدلا من الحسابات ~~المادية التي تخضع للربح والخسارة في ما يحصل عليه من ماله أو في ما لا ~~يحصل عليه منه ، فإذا كان المدين غير قادر ، وكان من حقه أن ينتظره ، فإن ~~من حق الله عليه في شكره لنعمه ، ومن حق نفسه عليه في أن يرفع درجتها عند ~~الله من خلال أعمال الخير ، أن يتصدق بهذا الدين على صاحبه قربة إلى الله ، ~~فهو خير له عند الله الذي يتقبل صدقات عباده ويعفو عنهم ويجزل لهم العطاء ~~في الدنيا والآخرة ، إن كانوا يعلمون موازين الربح والخسارة في ما يبقى ~~ويخلد ويستمر ، فلا يقتصرون على الموازين العاجلة التي يفكر فيها الغافلون. # ( @QUR@015 واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ~~لا يظلمون ). وتأتي الدعوة إلى التقوى في هذا الفصل الذي تتنوع أغراضه ، في PageV05P149 # نطاق ما يحبه الله وما لا يحبه ، لتبعث في روح الإنسان التفكير العميق في ~~ذلك اليوم العظيم الذي يمثل العودة إلى الله من هذه الدنيا الفانية التي ~~يترك فيها الإنسان كل شيء وراءه مما يتنافس عليه الناس ويتقاتلون حوله ، ~~ولا يبقى مع الإنسان إلا العمل ، في ما أعطاه وفي ما منعه من مال الله ومن ~~مال الناس ، وفي ما أطاع الله فيه وفي ما عصاه. ويقف الإنسان في الانتظار ، ~~كل ينتظر دوره ، ويحاول أن يعرف رصيده ، وتعرض الأعمال ، فلكل نفس ما كسبت ~~، تستوفيه وتأخذه لا ينقص منه شيء مهما قل ، لأن اليوم هو يوم العدل ويوم ~~الجزاء العادل الذي يحمل الشعار الخالد ms0869 العظيم «لا ظلم اليوم». وبعد ذلك ~~ماذا ينتظر الإنسان في هذه الدنيا ليسير على خط التقوى في حياته ، ما دام ~~يؤمن بالله وباليوم الآخر ويعرف أن عليه أن يوجه نفسه إلى ما يسعدها ويرفع ~~درجاتها في الآخرة ويحقق لها طموحها في السعادة ، كما يفكر في تحقيق ذلك في ~~الدنيا. # * * * ### ||| ** مع بعض الباحثين حول خصائص الربا القرآني وخصائص معاملات المصارف # ذكر بعض الباحثين في الربا القرآني عدة خصائص : # أالخاصة الأولى : أن المدين محتاج للصدقة عملا بظروف الدين ، ولذلك فهو ~~مظلوم بأخذ الربا منه. # ب الخاصة الثانية : أن الدائن ينفرد وحده بالمنفعة من الربا ، ويستغل PageV05P150 # أبشع استغلال لظروف ذلك المحتاج للصدقة ، ولذلك فهو «ظالم» قد استحق ~~الوعيد الكبير إن لم يذر الربا مع مدينه عملا بقوله تعالى : ( @QUR@08 فإن ~~لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ). # ج الخاصة الثالثة : أنه مجرد تنمية لمال الدائن في أموال المدينين ، ~~واستغلال لحاجاتهم من غير تجارة ينتفع بها الطرفان ، ولذلك شجب الله سبحانه ~~وتعالى هذه التنمية الظالمة ، فقال تعالى أولا : ( @QUR@012 وما آتيتم من ~~ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ) [الروم : 39] ، ثم أكد ذلك ~~بإعلان حرمتها بشدة ، فقال تعالى : ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم الربا ) ~~مشيرا إلى العمل التجاري الذي ينتفع به الطرفان في كلمة «البيع» وإلى فقدان ~~ذلك في الربا الذي لا ينتفع به إلا طرف واحد. # د الخاصة الرابعة : ذلك قوله سبحانه في أكلة الربا : ( @QUR@025 الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك ~~بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ) وذلك لأن ~~هؤلاء قد استعجلوا الأرباح ، فأتوها من غير طريق التجارة ، وهو طريق ~~استغلال ظروف المحتاجين للصدقة الذين قلما يستطيعون وفاء ديونهم وما تراكم ~~عليها من ربا المرابين ، ولذلك فإن هذه المقامرة في استغلال حاجة غير ~~القادر على الوفاء ومضاعفة الربا عليه كلما حل الأجل وعجز عن الوفاء ، تجعل ~~من هؤلاء المستغلين عند عجز المدين عن الوفاء كالذي يتخبطه الشيطان من المس ~~، لأنه فقد ms0870 رأس ماله فوق فقده لأرباحه الاستغلالية ، بعد أن كان ينتظر هذه ~~الأضعاف المضاعفة بفارغ الصبر. # ه الخاصة الخامسة : أنه زيادة طارئة في الدين تفرض على محتاج للصدقة ~~وتشترط عليه بعد حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء ، وتلك هي زيادة ~~بعقد جديد مستقل عن العقد الأول ، ولا يقابلها في هذا العقد PageV05P151 # الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين أي «الإنساء» ، وهو ربا النساء ~~القطعي من غير أي نفع مادي للمدين ، لأن التأجيل ليس بمال ينتفع به المدين ~~في طعامه أو تجارته ، في حين أن الزيادة في الربا للدائن كانت زيادة إليه ~~وقد اقتصرت فقط عليه من دون مقابل للمدين ، وهذا من أعظم أكل أموال الناس ~~بالباطل من غير تجارة ولا رضا ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : ( @QUR@011 ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض )، ولذلك كان ~~ظلما صريحا ، وقد حرمه القرآن الكريم في قوله تعالى : ( @QUR@09 وإن تبتم ~~فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) [البقرة : 279] ، واستحق الدائن ~~عليه الوعيد الكبير من الله سبحانه حيث قال تعالى : ( @QUR@014 يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) ~~@QUR@08 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) [البقرة : 278 279]. # * * * ### ||| ** أما خصائص معاملات المصارف فهي كما يلي # أالخاصة الأولى : إن الدائن هو دائما من «صغار المالكين لرأس المال» غير ~~أنه يملك «سيولة صغيرة» أي وفرا قليلا لا يستطيع استثماره ، وأما «المدين» ~~، فهو دائما من «كبار المالكين» لرأس المال ، غير أنه لا يملك أية سيولة ~~لتسيير أعماله الكبرى ، وذلك بسبب توظيفه لكل وفر لديه في أعماله ومشاريعه ~~الكبرى ، وهكذا يتضح هنا أن الذي يحتاج للآخرين في المعاملات المصرفية هم ~~دائما «الأغنياء الكبار» الذين يمدون أيديهم لوفر «المالكين الصغار» دون ~~العكس ، وبالنتيجة ، فإن هؤلاء الأغنياء الكبار لا تحل لهم صدقة المالكين ~~الصغار في ما لو طلبنا إلى هؤلاء الصغار أن يتوبوا ويتصدقوا برؤوس أموالهم ~~على المدينين الأغنياء كفارة لهم عما سلف ، عملا PageV05P152 # بقوله تعالى : ( @QUR@04 وأن تصدقوا خير لكم ) وهذه أولى ms0871 الخصائص في ~~المعاملات المصرفية التي تختلف تماما عن «الخاصة الأولى» في الربا القرآني ~~، حيث إن المدين في الربا القرآني محتاج للصدقة ، وينبغي التصدق عليه ~~برأسمال الدين ، بينما الأمر على العكس في المدين في المعاملات المصرفية. # ب الخاصة الثانية : وعلى ضوء ما تقدم في الخاصة الأولى في هذه المعاملات ~~، فإنه من الواضح أن الدائن هنا وهو المالك الصغير لا يختص وحده بالمنفعة ~~دون المدين كما هو الحال في الربا القرآني ، ولا يستغل مدينا محتاجا للصدقة ~~، بل يشترك مع الأغنياء من الكبار في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا ~~استغلال فيه ، وهذه أيضا ثاني الخصائص في المعاملات المصرفية التي تختلف ~~تماما عن «الخاصة الثانية في الربا القرآني» ، حيث إن المدين في الربا ~~القرآني لا منفعة له ، وإنما المنفعة قاصرة على الدائن وحده ، بينما الأمر ~~مختلف في المدين في المعاملات المصرفية ، لأن المدين وهو المالك الكبير ، ~~مشترك في المنفعة مع «الدائن» وهو المالك الصغير ، وذلك باستثماره أموال ~~الدين بما فيه مصلحة الجميع. # ج الخاصة الثالثة : «في المعاملات المصرفية». وعلى ضوء ما تقدم أيضا في ~~الخاصتين المسابقتين في هذه المعاملات ، فإن المعاملة المصرفية ليست مجرد ~~تنمية لمال الدائن وحده من أموال المدينين كما هو الحال في الربا القرآني ، ~~وإنما هي تجارة من نوع جديد جرى التعارف عليها ، ودعت إليها حاجة الناس ~~أجمعين ، حتى أصبحت مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها وينتفع بها الطرفان ~~المعطي والآخذ ، ولو لا هذه المعاملة ، لفاتت المنفعة في آن واحد على ~~المعطي والآخذ وتعطلت مصالح الطرفين ، ولذلك قال المرحوم رشيد رضا في ~~فتاواه : «ولا يخفى أن المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي ، ~~والتي لولاها لفاتتهما المنفعة معا ، لا تدخل في تعليل : ( @QUR@04 لا ~~تظلمون ولا تظلمون ) لأنها ضده ، وأن المعاملة التي يقصد بها PageV05P153 # الاتجار لا القرض للحاجة ، هي من قسم البيع ، لا من قسم استغلال حاجة ~~المحتاج ، ويشير بذلك إلى قوله تعالى : ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم ~~الربا ) ويؤيد هذا المبدأ في شرعية المنفعة التي لا ضرر بها على حد ms0872 قول ~~الإمام موفق الدين ابن قدامة في المغني ، أن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد ~~فهو جائز ، وأن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا ضرر فيها ، وإنما يرد ~~بمشروعيتها ، وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «إن كل ما لا يتم المعاش ~~إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعا». # ويؤخذ من كل ذلك أن «الدائنين» في المعاملات المصرفية إنما هم من صغار ~~المالكين ولم يستغلوا «المدينين» الذين هم كلهم هنا من كبار المالكين ، بل ~~قد يتبادلون المنافع معهم بصورة تجارية وعقد رضائي من غير أن يكون هناك ~~(ظالم) أو (مظلوم). وهذه هي أيضا ثالث الخصائص في المعاملات المصرفية التي ~~تختلف تماما عن الخاصية الثالثة في «الربا القرآني» ، حيث إن الربا القرآني ~~هو مجرد تنمية لمال «الدائن» وحده في أموال المدينين ، بينما الأمر مختلف ~~في «المدين» في المعاملات «المصرفية» ، حيث إن كلا من «الدائن والمدين» ~~مشترك في المنفعة بعقد رضائي لا إلجاء فيه ولا استغلال. # د الخاصة الرابعة : في «المعاملات المصرفية» ، فإن المتعاملين فيها معطيا ~~وآخذا كلهم مستريح البال ، وذلك لقيام إدارة المصرف نيابة عنهما باتخاذ ~~جميع الإجراءات والضمانات اللازمة لسلامة المعاملة على السواء لمصلحة ~~«الدائن والمدين» ، بينما الأمر على عكس ذلك في «الربا القرآني» القائم في ~~الأصل على توظيف أموال الدائنين لدى العاجزين عن وفاء الدين طبعا بالأضعاف ~~المضاعفة من دون أي ضامن لذلك ، ويكفي في ذلك مقامرة تجعل الدائنين لا ~~يقومون في كل ساعة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وذلك لما ~~تأتيهم الأخبار والمعلومات الأكيدة من سوء أحوال PageV05P154 # مدينيهم وعجزهم عن الوفاء ، وهذه هي أيضا رابع الخصائص في المعاملات ~~المصرفية التي تختلف فيها تمام الاختلاف عن «الربا القرآني» ، وذلك لاضطراب ~~هؤلاء كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، بينما الأمر على عكس ذلك تماما من ~~أمن وراحة بال لدى المتعاملين في المعاملات المصرفية. # ه الخاصة الخامسة : في «المعاملات المصرفية» ، فإن الزيادة فيها إنما ~~تشترط في أصل عقد الدين لأغراض تجارية مع مدينين أغنياء من رجال الأعمال ~~وليست ms0873 طارئة عند حلول الأجل مع المدين المحتاج للصدقة ، وذلك ما يجعلها في ~~الأصل ذات صفة تجارية في المعاملات المصرفية ، أي في مقابل منافع متبادلة ، ~~وهذا كما ترى هو على خلاف الزيادة في «الربا القرآني» المحرمة التي لا ~~تشترط فيه إلا على رجل محتاج للصدقة وبعد حلول أجل الدين وعجز المدين عن ~~الوفاء. # ويتابع هذا الباحث القول : وبعد هذه المقارنة الواضحة بين خصائص الربا ~~القرآني المحرم قطعا ، وبين خصائص المعاملات المصرفية ، اتضح للناظر أن ~~خصائص المعاملات المصرفية ، لا تتفق في حالة ما مع خصائص الربا القرآني ، ~~ولذلك فهي شيء جديد لا يخضع في حكمه للنصوص القطعية في «الربا القرآني» ~~المحرم ، وهذا ما يوجب علينا النظر فيها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم ~~المشروعة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إباحته «بيع السلم» رغم ~~ما فيه من بيع غير المحدود ، وبيع ما ليس عند البائع ما قد نهى عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأصل ، وقد أجمع العلماء على أن إباحة ~~«السلم» كانت لحاجة الناس إليه ، وهكذا فقد اعتمد العلماء على السلم وعلى ~~أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في ~~معاشهم إلا بها. PageV05P155 # ويخلص الباحث من خلال ذلك كله إلى أن المصارف في حالتها الحاضرة ووفقا ~~لقوانينها العالمية ، إنما هي حاجة من حاجات العباد ، ولا تتم مصالح معاشهم ~~إلا بها ، فلم يكن من الجائز التسرع والحكم عليها بأنها من الربا المقطوع ~~فيه ، وذلك لأن حظرها يوقع العباد في حرج في معاشهم لا مثيل له ، بل يهدد ~~كيان الدولة والأمة ، ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية المشروعة ، وأن ~~الحرج كما عرفت ممنوع بنص القرآن الكريم (1). # * * * ### ||| ** مناقشة النظرية # ونلاحظ على هذه الدراسة أنها انطلقت مما نقله صاحبها عن الإمام أحمد ، ~~وهو أن القرآن الكريم كلما ذكر الربا بسوء ، أوصى الدائن بالصدقة على ~~مدينه. ولهذا استفاد من الآيات أن المدين محتاج للصدقة عملا بظروف الدين ، ~~ولذلك فهو مظلوم ، كما هي الخاصة الأولى في الربا القرآني ms0874 ، ولكن المسألة ~~المطروحة في الآيات هي الحديث عن الربا باعتباره مظهرا من مظاهر الحالة ~~النفسية المعقدة التي تختزن في داخل الذات الإحساس بالذاتية في الحصول على ~~المال بأية طريقة ، فلا تنفتح على الآخرين ، وهذا ما يوحي به قوله تعالى : ~~( @QUR@013 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس )، فهو الإنسان المصروع الذي يعيش الاهتزاز النفسي أمام نوازع ~~الذات التي هي عالمه المنغلق على الآخرين ، إلا في نطاق حاجاتها PageV05P156 # وأطماعها. أما الحديث عن الصدقة ، فإنه يأخذ بعد السلوك الأخلاقي الذي ~~يعبر عن روحية العطاء في داخل النفس من خلال الإحساس بحاجة الآخر المحروم ~~إليه ، لتكون الصدقة مظهر تفاعل معه وانفتاح عليه في دائرة التكافل ~~الاجتماعي ، كخط عام في البرنامج الأخلاقي العملي الإنساني في نموذج ~~الشخصية المنفتحة على الآخرين ، في كل المجالات العامة والخاصة في الحياة ، ~~فليست القضية مقتصرة على الحالة الخاصة التي يدور الأمر فيها بين التصدق ~~على المدين وأخذ الربا منه. # أما التعبير بالظالم هنا في المرابي والمظلوم في المدين فليس ملحوظا جانب ~~انفراد الدائن وحده بالمنفعة ، بينما يخضع المدين لاستغلاله في حاجته ، بل ~~الملحوظ فيه هو عدم أخذ المدين رأس المال الذي هو ملك الدائن وإرجاع ~~الفائدة إلى المدين لأنها غير مشروعة ، فليس المراد بالظلم هنا ، الحالة ~~العملية التي تنطلق من حاجة المظلوم واستغناء الظالم ، بل المراد به عدم ~~إعطاء صاحب الحق حقه ، سواء أكان غنيا أم فقيرا ، مما يجعله مظلوما من قبل ~~المدين إذا منعه من رأس المال ، فيكون المدين ظالما له في ذلك. ومن خلال ~~ذلك ، نعرف أن الآية ليست واردة في النظرة إلى المسألة الربوية من حيث ~~المبدأ ، بل هي واردة في مرحلة تصفية المعاملة الربوية وإعادتها إلى الخط ~~الشرعي في إرجاع الفائدة إلى المدين ، وإعادة رأس المال إلى الدائن ، ~~باعتبار أن السلب هنا وهناك يمثل لونا من ألوان الظلم. # وعلى ضوء ذلك ، يمكن لنا أن نقرر المبدأ الإسلامي في تشريع العدل للناس ~~كافة من الأغنياء والفقراء ورفض الظلم للجميع من خلال ms0875 النظرة إلى طبيعة ~~السلوك بعيدا عن شخصية الظالم والمظلوم من ناحية الوضع الاجتماعي السلبي ~~والإيجابي ، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@016 يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن PageV05P157 # @QUR@012 يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ~~) [النساء : 135] ، فقد جعل المسألة منطلقة من طبيعة القضية بعيدا عن أي ~~شيء آخر في صفة الناس الذين يرتبطون بها ، فلا يشهد الإنسان لمصلحة الفقير ~~بالباطل ، ضد الغني الذي يملك الحق ، لأن مثل هذه الحالة العاطفية ~~الإنسانية لا تحل مشكلة الفقير ، بل تعقد المشكلة العامة التي قد تطال ~~الفقير في نهاية الأمر ، أما مسألة الغنى والفقر ، فإنها خاضعة للتدبير ~~الإلهي في إدارة شؤون الإنسان في الحياة. # أما الخاصة الثالثة من الربا القرآني ، وهي أن الربا مجرد تنمية لمال ~~الدائن في أموال المدينين واستغلال لحاجاتهم من غير تجارة ينتفع بها ~~الطرفان ، فإن ذلك قد لا يمثل مشكلة في ذاته إلا من خلال ما يعبر عنه من ~~حالة نفسية خانقة منغلقة ، تتصل بالواقع الإنساني في أبعاده العامة ، وقد ~~يطرح الربويون في مقابل ذلك أن المدين قد ينتفع بالمال الذي يأخذه دينا ~~للاتجار به ، باعتبار أنه يحل له مشكلة عدم وجود رأس مال للعمل والإنتاج ~~لديه ، وإذا كان الباحث يستند إلى الآية الكريمة : ( @QUR@012 وما آتيتم من ~~ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ) باعتبار أن الله يرفض ~~للإنسان أن ينمي ماله في أموال الناس ، فإننا نرد عليه بأن الظاهر من الآية ~~أن الله يريد أن يبين له أنه إذا كان يستهدف الحصول على الزيادة من خلال ~~الربا ، فإنه لن يحقق لنفسه إلا زيادة مادية لا تجديه شيئا عند الله الذي ~~هو الأساس الذي ينبغي للإنسان أن يرتكز عليه ويقصده في كل أعماله ، لأن ( ~~@QUR@07 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) فلا بد له من أن يطلب الزيادة ~~بالإقبال على دفع الزكاة التي يضاعفها له الله ، وهكذا نرى أنها ليست واردة ~~في مقام رفض ms0876 الزيادة في أموال الناس لأنها تتحقق بالتجارة ، حتى لو كان ~~الفرق بينها وبين الربا ، انتفاع الطرفين في التجارة واقتصار الانتفاع في ~~الربا على الدائن كما قيل إلا أن ذلك ليس بفارق من حيث اشتراكهما في تنمية ~~المال في أموال الناس. PageV05P158 # أما تفسيره قوله تعالى : ( @QUR@025 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ) بأنهم استعجلوا الأرباح فأتوها عن غير ~~طريق التجارة ، وهو طريق استغلال ظروف المحتاجين للصدقة الذين قلما ~~يستطيعون وفاء ديونهم وما تراكم عليها من ربا المرابين ، فإننا نلاحظ عليها ~~أن الآية بعيدة كل البعد عن هذا المعنى ، بل هي واردة في مقام الحديث عن ~~حالة التخبط الفكري والعملي التي تصيب المرابي ، كما شرحناه في أول الحديث ~~عن الآيات. # وتبقى النقطة الخامسة من خصائص الربا القرآني ، وهي أنه زيادة طارئة في ~~الدين تفرض على محتاج للصدقة وتشترط عليه بعد حلول أجل الدين وعجز المدين ~~عن الوفاء ، وتلك هي زيادة بعقد جديد مستقل عن العقد الأول ، ولا يقابلها ~~في هذا العقد الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين ، أي «الإنسان» ، وهو ~~ربا النساء القطعي من غير أي نفع مادي للمدين ... إلى آخر كلامه. فإننا ~~نلاحظ عليه ، أن هذا المنطق قد يرد عليه القائلون بحلية الربا ، من أن ~~للأجل قسطا من الثمن ، ولذلك يزاد في ثمن السلعة التي تباع نسيئة بلحاظ ~~الأجل ، كما أن المدين قد يحتاج إلى إبقاء المال لديه من أجل تطوير تجارته ~~بالاحتفاظ برأس المال مدة أخرى ، فيكون وزان الأجل الجديد وزان الأجل ~~القديم الذي لوحظ في البيع زيادة الثمن في مقابله في ضمن الثمن العام ، فلا ~~تكون الزيادة على هذا أكلا للمال بالباطل. # إننا لا نقصد تبرير كلام المرابين بما ألمحنا إليه ، بل نقصد أن مجرد هذا ~~التبرير للحرمة في كلام الباحث ، ليس بعيدا عن النقض والمناقشة من الجانب الآخر. PageV05P159 # وفي ضوء ذلك كله ، فإن الاستنتاج الذي أكده الباحث من اختلاف الربا ms0877 ~~المصرفي عن الربا القرآني ، بحيث يكون الموضوع فيه غير الموضوع في القرآن ~~فلا تشمله الحرمة ، لأن الدائنين في المصارف هم المالكون الصغار ، ~~والمدينون هم المالكون الكبار ، فلا يكون موردا للصدقة كما هو في المورد ~~القرآني ، ولأن المنفعة هنا مشتركة بين الدائن بما يأخذه من الفائدة ~~والمدين بما يستثمره من رأس المال ، بينما تختص بالدائن في الربا القرآني ، ~~ولأن المعاملة المصرفية ليست مجرد تنمية للمال في أموال الناس ، بل هي ~~تجارة من نوع جديد مما يتصل بحاجة الناس ، ولأن الدائن مضطرب الحال في ~~الربا القرآني لعجز المدين ، بينما هو مستريح البال لغناه ولكون المصرف ~~مؤسسة منظمة ترعى المال وتضمنه لصاحبه من دون خوف ، ولأن الزيادة في ~~المصارف تشترط لأغراض تجارية بينما الزيادة في القرآن لا تشترط إلا على رجل ~~محتاج للصدقة. # إننا نرفض هذا الاستنتاج من خلال الإشارة إلى الاختلاف المذكور ، لأنه ~~قائم على الاستفادة الضيقة في الربا القرآني بأنه وارد في مورد المحتاج ~~العاجز عن الوفاء ، وهو غير ظاهر كما ذكرنا ، بل هو وارد في مقام الحديث عن ~~النظام الاقتصادي الذي ينطلق فيه الناس في حياتهم العامة في معاملاتهم ~~بعيدا عن شخصية الدائن والمدين ، وهكذا في قضية اشتراك المنفعة هنا في ~~المصارف واختصاصها بالدائن في الربا القرآني ، فإن الملحوظ هو التركيز على ~~الانتفاع بالربا من دون نظر إلى ما يفعله المدين من استثمار المال في ~~حاجاته وفي مشاريع أخرى. # وهكذا تنطلق المناقشة في الإشارة إلى أن ربا المصارف يمثل تجارة ، فإننا ~~لا نفهم معنى ذلك في طبيعة المعاملة الربوية في مدلولها الموضوعي ، لأن ~~مسألة التجارة خارجة عن المعاملة ويمكن أن تحصل في الربا القرآني عند ما ~~يستثمر المدين رأس المال في أعمال تجارية صغيرة تدر عليه الربح. PageV05P160 # أما قضية راحة البال في المعاملة المصرفية واضطرابه في المعاملة الربوية ~~القرآنية ، فهو قد يكون صحيحا في الحالات العامة ، ولكن ذلك قد يحدث في ~~المصارف من خلال الاهتزازات الاقتصادية العامة والخاصة التي تؤدي إلى إفلاس ~~المصرف وعجزه عن الدفع مما يلتقي والربا القرآني. ms0878 # إن القضية التي تفرض نفسها في الآيات القرآنية ، هي أن القرآن الكريم ~~عالج المسألة الربوية من عدة جوانب وربطها بالجانب الإيماني في شخصية ~~المؤمن في الداخل إلى جانب الواقع العملي في حركته في الحياة ، ورأى أن ~~القضية تتصل بالنظام الاقتصادي العام من خلال نوعية التعامل الربوي الذي ~~إذا اختزن بعض الإيجابيات في الحياة العامة ، فإن سلبياته أكثر. هذا مع ~~ملاحظة جديرة بالاهتمام ، وهي أن مسألة الربا مرتبطة بالتخطيط الرأسمالي ~~للاقتصاد ، فلا يجوز إدخالها في التخطيط الإسلامي للحياة الاقتصادية ، لأن ~~ذلك يعني وضع التشريع المنطلق من قاعدة معينة مختلفة في داخل دائرة قاعدة ~~أخرى لا تتصل بتلك القاعدة من قريب أو بعيد. # وهناك نقطة حيوية لا بد من ملاحظتها في ربا المصارف ، وهي أنه يوجب تراكم ~~الثروة في جماعة معينة من الناس الذين قد يحركونها في المضاربات التجارية ~~التي قد تؤدي إلى الأزمات الاقتصادية من جهة وازدياد فقر الفقراء من جهة ~~أخرى ، لأن ما يأخذونه من الفائدة يفقدونه في التعقيدات الاقتصادية وغلاء ~~الأسعار ، بل ربما يخسرون رأس المال من جهة أخرى ، وهذا ما نشاهده في ~~المجتمع الربوي اليوم. # * * * PageV05P161 ### ||| ** هل الآية شاملة لربا المعاوضة؟ # الظاهر من آيات الربا ، أنها مختصة بربا القرض ، وذلك من خلال الروايات ~~الواردة في أسباب النزول التي تتحدث عن الواقع الربوي في الجاهلية المتمثل ~~بالزيادة على رأس المال في مقابل الزيادة على الأجل عند حلوله مع ملاحظة ~~مقابلة البيع للربا ، مما يوحي بأنهما معاملتان مختلفتان ، كما أن الظاهر ~~من قوله تعالى : ( @QUR@05 وذروا ما بقي من الربا ) وقوله تعالى : ( ~~@QUR@09 وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) هو الإشارة إلى ~~الزيادة النقدية على رأس المال الذي أخذه المدين. وفي ضوء ذلك ، فإن ربا ~~المعاوضة لا بد من الرجوع فيه إلى السنة الشريفة ، والله العالم. # وقد ذكر في مجمع البيان أن هذه الآية هي آخر آية نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعش بعدها إلا واحدا وعشرين يوما (1). فإذا صح ~~ذلك ، فإن معناه أن الآية ms0879 تمثل النداء الأخير الذي يوجهه الله في وحيه إلى ~~عباده ، ويلخص فيه كل مسئوليات الإنسان في الحياة بالسير على خط التقوى ~~الذي يستمد الإنسان قوة الاستمرار فيه والإلحاح عليه من التفكير في اليوم ~~الذي يرجع فيه إلى الله ، فيحصل الإنسان فيه على كل ما عمل ؛ إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر. إنه الخط والزاد ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@01 و ~~(2) @QUR@09 تزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ). # * * * PageV05P162 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@0125 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ~~وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا ~~تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله PageV05P163 # @QUR@04 والله بكل شيء عليم (282) @QUR@032 وإن كنتم على سفر ولم تجدوا ~~كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ~~ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ) (283) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يأب ): يمتنع بشدة ، من الإباء الذي هو شدة الامتناع ، فكل ~~إباء امتناع وليس كل امتناع إباء ، وسمي الممتنع من تحمل الضيم بالآبي. # ( @QUR@01 وليملل ): الإملال : الإملاء ، يقال : أمل عليه وأملى عليه. # ( @QUR@01 شهيدين ): الشاهد من شهد الشيء وحضره. # ( @QUR@01 يبخس ): ينقص ظلما ، من البخس الذين هو النقص ظلما ، وثمن بخس ~~أي ناقص عن حقه. # ( @QUR@01 تضل ): تنسى أو تخطئ فتبتعد عن خط الهداية. # ( @QUR@01 تسئموا ): تملوا وتضجروا ، من السآمة وهي الملالة ms0880 والضجر. # ( @QUR@01 أقسط ): من القسط ، وهو العدل ، أي أكثر عدلا ، وأبلغ في ~~الاستقامة. # ( @QUR@01 وأقوم ): أقرب. # ( @QUR@01 فسوق ): الفسق هو الخروج عن طاعة الله. PageV05P164 # ( @QUR@01 فرهان ): الرهان مصدر أو جمع رهن ، والرهن ما يوضع وثيقة لدين ~~المرتهن. # * * * ### ||| ** المعاملات المالية في القرآن # في هاتين الآيتين جولة تشريعية حول أحكام الدين في ما يراد توثيقه ~~وإثباته ، من أجل أن لا يكون هناك مجال لإنكاره من قبل المدين في الحالات ~~التي لا يوجد هناك أي مستند للدائن عليه ، فقد أراد الله أن يكتب الدين ~~بشكل موثق لا يدع مجالا للالتباس والإنكار ، ودعا الكاتب الذي يحسن الكتابة ~~إلى أن يستجيب لذلك إذا طلب منه ، وحث على الشهادة ، وطلب من الشهداء أن لا ~~يمتنعوا إذا دعوا إلى تحملها ، كما لا يجوز لهم الامتناع إذا دعوا إلى ~~إقامتها. ثم أشار إلى تشريع الرهن إذا لم يكن هناك مجال للكتابة ، ثم ترك ~~المجال للمسلمين أن يتعاملوا على أساس الثقة المتبادلة التي تدفعهم إلى ~~الوثوق ببعضهم البعض من دون حاجة إلى الإشهاد والكتابة. # وهكذا نجد في هاتين الآيتين برنامجا عمليا إرشاديا يريد الله من خلاله أن ~~يخطط للإنسان علاقاته المالية لئلا تدخل في أوضاع سلبية تهدم العلاقات ~~الإنسانية في نهاية المطاف ، ولكن قد يرد هنا سؤال لماذا كل هذا؟ إن الأمر ~~بالكتابة والإشهاد والرهن ، بالدقة التي تتحدث عنها هاتان الآيتان ، قد ~~يترك انطباعا سلبيا في ما يتعلق بالعلاقات ، ويلقي ظلا من الشك على تصور ~~الوثاقة في علاقات المؤمنين بعضهم مع البعض الآخر ، فإذا كانت العلاقات ~~المالية تحتاج إلى الإثبات والتوثيق ، فأين تقف ثقة المؤمنين PageV05P165 # ببعضهم البعض ، وما هو موقعها في التخطيط للمجتمع المؤمن؟ فإن الإنسان ~~إنما يحتاج إلى التوثيق بالكتابة ونحوها في حالة انعدام الثقة بالشخص نفسه. # ونجيب على ذلك ، أن الإسلام يدعو إلى حسن ظن المؤمن بأخيه المؤمن ، ويريد ~~للثقة المتبادلة أن تسود العلاقات في ما بينهم ، ولكنه يريد لذلك أن يستمر ~~ويتركز ويقوى حتى لا يتعرض للحالة الطارئة الاستثنائية التي قد تسيء إلى ~~الخط العام في كثير من المواقع ، فإن ms0881 الإيمان لا يعني العصمة التي يمتنع ~~فيها الخطأ لتكون العصمة ضمانا روحيا وعمليا من الانحرافات السلبية ، بل ~~تبقى للإنسان نقاط ضعفه التي تستيقظ في داخله ، فتضعف إرادته وتقوده إلى أن ~~ينحرف عن خط الله في ما أمره به ونهاه عنه ، فيخون الأمانة وينكر الحق ، ~~ويتنكر للمسؤولية ، إذا لم تكن هناك ضوابط مادية تواجه نقاط ضعفه بضغوط ~~عملية تحميه من الانحراف ، فتثير أمامه الصعوبات ، وتواجهه بالتحديات ، ~~ليعرف أن الخيانة تعني الفضيحة ، وأن الإنكار للحق والتنكر للمسؤولية لا ~~يثبتان أمام الدلائل الواضحة التي لا يملك الإنسان معها إلا الاعتراف ~~الحاسم ، لأنها تحيط به من بين يديه ومن خلفه. # وهناك نقطة أخرى لا بد من ملاحظتها في هذا السبيل ، وهي أن الثقة إذا ~~كانت ضمانا لعدم الخيانة من قبل المدين ، فهل هناك ضمانة دائمة لعدم ~~الخيانة من وارثه إذا مات المدين؟ فقد نجد بعض المدينين ينكرون الدين إذا ~~لم يكن للدائن مستند مادي من كتابة أو شهادة أو رهن ، كما قد نجد ورثة ~~بعضهم ينكرون وجود الدين لضعف في الدين أو لعدم علمهم بذلك من غير طريق ~~الدائن. أما إذا كان هناك إثبات مادي ، فإنه يحميهم من الإنكار ، كما يحمي ~~للدائن حقه في حال إنكاره حالة شاذة أو عقدة مستعصية. # إن الإسلام يفكر أن الإنسان لا بد له من ضوابط خارجية تحمي مسيرته على خط ~~الاستقامة ، وذلك بعد أن أطلق في حياته الضوابط الداخلية من PageV05P166 # خلال الإيمان. وفي ذلك كله تأكيد لاستمرار الثقة في العلاقات وتنمية لها ~~في مواجهة نقاط الضعف التي تزلزل قواعدها الإيمانية في الداخل. ذلك هو الخط ~~العام الذي ينبغي للمسلمين أن يتحركوا فيه في خط حياتهم الطويل ، ولا ينبغي ~~لهم أن يتعقدوا عند ما يطلب منهم ذلك انسياقا مع الهواجس التي يثيرها ~~الشيطان في نفوسهم ليسول لهم تنافي ذلك مع الشعور بكرامتهم والثقة بأمانتهم ~~، بل يجب أن يجدوا فيه الضمانة العملية لبناء المجتمع على أسس ثابتة لا ~~تقبل الاهتزاز والانهيار. وقد ترك الإسلام الساحة مفتوحة للمسلمين في هذا ~~التشريع ms0882 ، فلم يغلق عليهم الأبواب ولم يفرض عليهم ممارسة بنوده التشريعية ~~فرضا من باب الواجب ، بل كل ما هناك ، أنه أراد إثارته في حياتهم كنظام ~~اختياري ينطلق من قاعدة المصلحة العامة التي تركز حياتهم على أساس ثابت ، ~~فلهم أن يأخذوا به في نطاق التطبيق العملي الذي لا يشعرون معه بالعقدة ضده ~~، بل يتقبلونه كأسلوب واقعي حكيم ، ولهم أن يتركوه في الحالات التي يشعرون ~~فيها بالأمن على حقوقهم وأموالهم من دون أي مبرر للخوف ، فذلك هو شأنهم في ~~ما يفعلون وفي ما يتركون ، لأنه قضيتهم الخاصة في حقوقهم وأموالهم. # إن القضية هي قضية المبدأ كقاعدة وكقيمة اجتماعية ، من موقع النصح ~~والإرشاد ، لا من موقع الفرض والإلزام ، وهذا ما يعبر عنه في المصطلح ~~الفقهي الأصولي بالأمر الإرشادي الذي لا يستتبع موافقته ومخالفته ثوابا ~~وعقابا ، في مقابل الأمر المولوي الذي ينطلق في خط طاعة المكلف لله على ~~أساس الثواب والعقاب ، والله العالم بحقائق أحكامه. # * * * PageV05P167 ### ||| ** توثيق المعاملات المالية # ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ). وذلك بأن يراعي العدل في كتابته ، فيكون ~~دقيقا في كل الخصوصيات المتعلقة بالموضوع ، فلا يكتب ما لا أساس له في ~~القضية. وقد عبر بالدين ولم يعبر بالقرض ، لأن القرض هو أن يأخذ الإنسان من ~~إنسان آخر نقدا معينا أو بضاعة معينة إلى أجل ليدفعه الآخر عند حلول الأجل ~~، مثلا بمثل ، أما الدين ، فهو كل تعامل مبني على عوض أو معوض مؤجل ، كما ~~في الإجارة أو البيع أو الصلح أو نحوها ، بحيث يكون أحدهما مدينا للآخر. ~~وفي ضوء ذلك ، فإن الآية تشمل القرض كما تشمل كل المعاملات المشتملة على ~~تأجيل أحد العوضين ، وليست الكتابة واردة على سبيل الوجوب ، بل الإرشاد ، ~~على الرغم من ظهور الأمر في الوجوب ، لأن الظاهر من سياق الآية هو ورود ~~المسألة على سبيل الاستيثاق ، ولذلك قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@08 فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) مما يوحي بأن القضية ناظرة إلى ~~المستقبل الذي قد يتمخض عن بعض ms0883 الأوضاع والانحرافات التي تؤدي إلى النزاع ~~فيما بينهما ، فأريد توثيق الدين بحيث لا يستطيع المدين أن ينكره في ما بعد. # ( @QUR@08 ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ) وفي هذا إيحاء بأن ~~الثقافة مسئولية المثقف في الإسلام لمن يحتاج إليه ، فليس له الامتناع عن ~~تقديمها للآخرين الذين يحتاجون إلى خدماتها في أمورهم ، لأنها ليست شيئا ~~ذاتيا بعيدا عن المسؤولية. وقد يستوحي الإنسان منها ضرورة وجود أشخاص في ~~المجتمع يملكون مثل هذه المعرفة التي تساهم في تنظيم وثائق المجتمع في ~~معاملاته مما يحتاج فيها إلى التوثيق ، ولعل وظيفة «كاتب العدل» الذي يعمل ~~على كتابة العقود المتداولة بين الناس بما فيها الديون مستوحاة من هذه PageV05P168 # الآية ، لأن الدين لا خصوصية له في المسألة ، بل القضية تشمل كل ~~المعاملات الجارية بين الناس التي يحتاج فيها إلى التوثيق حذرا من أن ينكر ~~البائع بيعه والمؤجر إجارته والشريك شراكته ونحو ذلك ، فهي قضية عامة في ~~عمق المسؤولية ( @QUR@05 فليكتب وليملل الذي عليه الحق ) بأن يلقي عليه ~~حدود الحق الذي يلزمه للدائن ( @QUR@07 وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ) ~~فإن التقوى تفرض على الإنسان أن لا ينقص أحدا في ما يعطي وفي ما يوثق من ~~إثباتات. ( @QUR@017 فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ~~أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ) لأن الإنسان الذي لا يتمتع بصفات المسؤولية ~~التي تجعل إقراره أو تصرفه شرعيا ، أو الذي لا يستطيع ممارسة مسئوليته ، لا ~~بد من أن يكون له ولي خاص كالأب والجد بالنسبة للصغير والمجنون ، أو عام ~~كالحاكم الشرعي. # ولا بد من أن يراعي العدل في تحديد المبلغ والأجل مع كل الخصوصيات في مثل ~~هذه الحالة بشكل أكثر تأكيدا لتعلق الموضوع بالإنسان القاصر الذي لا بد ~~للولي من أن يراعي الاحتياط في المحافظة على حقه بكل دقة ، فهو الذي يتولى ~~أموره ويوثق عقوده ويرعى كل علاقاته العامة والخاصة. ( @QUR@04 واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم ) وقد جعل الله الشهادة طريقا من طرق إثبات الحق ، وذلك ~~من خلال البينة التي تتمثل ms0884 في شاهدين عدلين. ولا بد من أن يكونا بالغين ~~عاقلين راشدين حافظين مسلمين ، وهذا مستوحى من قوله : ( @QUR@02 من رجالكم ~~) أي ممن كان على دينكم. # * * * ### ||| ** لماذا شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل واحد؟ # ( @QUR@06 فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) فإنهما تقومان مقام الرجل في PageV05P169 # الشهادة. أما السبب في ذلك ، فهو ما ذكره الله سبحانه بقوله : ( @QUR@06 ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) وقد يكون الأساس فيه هو قوة الجانب ~~العاطفي الذي تقتضيه طبيعة الأمومة التي تحتاج في تحمل مسئولياتها وأعبائها ~~الثقيلة المرهقة إلى رصيد كبير من العاطفة ، كما تقتضيه طبيعة الأنوثة التي ~~توحي بالأجواء والمشاعر العاطفية المرهفة التي تثير في الجو الزوجي الحنان ~~والعاطفة والطمأنينة. وربما تتغلب العاطفة فتنحرف بالمرأة عن خط العدل في ~~الشهادة وتضل عن الهدى ، لا سيما إذا كان جو القضية المشهود بها يوحي ~~بالمأساة في جانب المشهود عليه أو المشهود له ، فتتجه العاطفة إلى مراعاة ~~مصلحته من خلال الحالة المأساوية الخاصة التي تحيط به. فكان لا بد من امرأة ~~مثلها تصحح لها الخطأ ، وتذكرها المسؤولية ، وتترك للحاكم المجال لممارسة ~~حريته في الوصول إلى الحق من خلال ذلك. وليس في القضية امتهان لكرامة ~~المرأة ، لأن العاطفة ليست شيئا ضد القيمة في شخصيتها ، بل هي قيمة إنسانية ~~كبيرة. ولكن الله أراد لها أن تعيش الضوابط الداخلية والخارجية التي تحميها ~~من الانحراف في الجانب الأقوى منها ، على أساس الاحتياط للعدالة التي أراد ~~الله للإنسان أن يبلغها في كل ما يحدث من قضايا وأوضاع على مستوى الفرد أو ~~المجتمع. # * * * ### ||| ** التشريع والخصائص النوعية العامة # وقد يتساءل بعض الناس : إننا نسلم بأن رصيد المرأة من العاطفة أقوى من ~~رصيد الرجل منها ، ولكننا نعرف مع ذلك بأن التربية الموجهة قد PageV05P170 # تضعف هذا الجانب في المرأة فتسير به إلى خط التوازن ، كما أن التربية ~~المنحرفة ، أو عدم التربية السليمة ، قد تقوي الجانب العاطفي في الرجل إلى ~~مستوى الانحراف ، وتضعف فيه الجانب العقلي إلى مستوى كبير. فكيف نواجه مثل ~~هذه الحالة؟ هل تنعكس القضية فيحتاج الرجل العاطفي إلى ms0885 رجل آخر يذكره إذا ~~ضل ، وهل يمكن الاكتفاء بشهادة مثل هذه المرأة المتوازنة العاطفة إلى جانب ~~شهادة رجل آخر؟ أم أن التشريع يبقى كما هو في ترجيح دور الرجل على دور ~~المرأة مهما كان الرجل ضعيفا ومهما كانت المرأة قوية؟ # ونجيب عن ذلك ، بأن التشريعات المتعلقة بالرجل والمرأة في توزيع أدوارهما ~~العملية في جوانب الحياة ، لا تنطلق من الخصائص الفردية التي يتمتع بها ~~الأفراد في أسباب التشريعات وحيثياتها ، لأن الخصائص الذاتية للشخصية ~~الفردية لا تخضع للضوابط العامة للأشياء ، فقد تختلف في الشخص الواحد ، حسب ~~اختلاف الظروف التي تترك تأثيراتها الإيجابية والسلبية على حركة الشخصية في ~~صعيد الواقع العملي ، بل لا بد من أن تنطلق أسس التشريع من الخصائص النوعية ~~العامة التي تتمثل البعد الإنساني التكويني للشخص ، وذلك ليمكن وضع الضوابط ~~العامة للقضايا والأشياء. # وعلى ضوء ذلك ، لا بد لنا من ملاحظة العنصر النوعي في شخصية الرجل ~~والمرأة من حيث تكوينهما الطبيعي في إيجابيات القضايا وسلبياتها ، مع ~~الاستفادة من الخصائص الذاتية للفرد في تفصيلات الموضوع في حركة العدالة في ~~مجال القضاء ... هذا بالإضافة إلى أن التربية الموجهة ، في جانبها الإيجابي ~~، أو التربية المنحرفة ، في جانبها السلبي ، قد تخلق طبيعة ثانية فاعلة أو ~~منفعلة في حياة الإنسان ، ولكنها لا تمنع من يقظة نقاط الضعف أمام بعض ~~المواقف ، مما يجعل جانب الاحتياط للعدالة منسجما مع الخط النوعي للشخصية ~~الإنسانية. PageV05P171 # ولا بد لنا من أن نشير في هذا المجال إلى أن طبيعة التشريع لا تمنع من ~~وجود سلبيات إلى جانب الإيجابيات ، لأنه ليس هناك فعل يكون خيرا كله أو شرا ~~كله ، بل هناك خير يصاحب بعض الشر أو شر يصاحب بعض الخير ، مما يجعل القضية ~~، في جانب الوجوب أو الحلية ، خاضعة لزيادة جانب الخير على جانب الشر ، أما ~~في طرف التحريم ، فتخضع للعكس ، وهو غلبة جانب الشر على جانب الخير ، فلا ~~بد من السلبيات على كل حال ، ولكنها تختلف شدة وضعفا وزيادة ونقيصة تبعا ~~لطبيعة الموضوع في أجواء التشريع ، والله العالم بحقائق أحكامه. ### ||| ** وهناك ms0886 نقطتان في التفسير : # (الأولى): قوله تعالى ( @QUR@03 فتذكر إحداهما الأخرى ). فقد وضع ~~الظاهر موقع المضمر ، وربما قيل : إن المناسب أن يقول (فتذكرها الأخرى)، ~~وأجاب صاحب الميزان عن ذلك فقال : «والنكتة فيه اختلاف معنى اللفظ في ~~الموضعين ، فالمراد من الأول إحداهما لا على التعيين ، ومن الثاني إحداهما ~~بعد ضلال الأخرى ، فالمعنيان مختلفان» (1). وهو جيد ، وربما كان ذلك ~~للتأكيد ، ولعله أقرب ، لأن كلمة إحداهما الأولى تختزن في داخلها المعنى ~~الأول الذي ذكره تفسيرا للكلمة الثانية ، فيمكن الاستغناء بها عنها ، وهناك ~~وجهان آخران ذكرهما صاحب المجمع ؛ الأول : أنه إنما كرر ليكون الفاعل مقدما ~~على المفعول ، ولو قال : فتذكرها الأخرى ، لكان قد فصل بين الفعل والفاعل ~~بالمفعول ، وذلك مكروه. و (الثاني) ما قاله حسين بن علي المغربي إن معناه أن ~~تضل إحدى الشهادتين ، أي تضيع بالنسيان ، فتذكر إحدى المرأتين الأخرى لئلا ~~يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى. ويؤيد ذلك أنه لا يسمي PageV05P172 # ناسي الشهادة ضالا ، ويقال : ضلت الشهادة إذا ضاعت (1)، وهما بعيدان. # (الثانية) أن المفسرين فسروا الضلال في قوله : ( @QUR@02 أن تضل ) ~~بالنسيان. فقد جاء في تفسير الكشاف : «أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن ~~تنساها» (2). وجاء في مجمع البيان «أي تنسى إحدى المرأتين». وعلى ضوء ذلك ~~، فسر قوله : ( @QUR@01 فتذكر )، بقوله : «قيل : هو من الذكر الذي هو ضد ~~النسيان ، الربيع والسدي والضحاك وأكثر المفسرين ، والتقدير : فتذكر ~~إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها ، ومن قرأ : ( @QUR@01 فتذكر ) ~~بالتخفيف من الإذكار ، فهو بهذا المعنى أيضا ، أي يقول لها : هل تذكرين يوم ~~شهدنا في موضع كذا وبحضرتنا فلان أو فلانة حتى تذكر الشهادة ، وهذا لأن ~~النسيان يغلب على النساء أكثر مما يغلب على الرجال» (3). # ونلاحظ على ذلك أنهم حاولوا تفسير كلمة ( @QUR@01 تضل ) من خلال كلمة ( ~~@QUR@01 فتذكر ) من جهة ما قرروه من ظهور كلمة التذكير بالعمل على إعادة ~~الفكرة إلى ذاكرة الناسي ، ولكن الأقرب هو أن تكون كلمة ( @QUR@01 تضل ) ~~مفسرة للتذكر ، لأن المطلوب في سلامة الشهادة أن لا يتأثر الشاهد بأية حالة ~~من الحالات التي تؤدي إلى الشهادة بخلاف الواقع ، سواء كان ذلك من ms0887 جهة ~~النسيان أو الخطأ الناشئ من اشتباه الأمور عنده كنتيجة للخلل في الرؤية أو ~~في فهم الموضوع من دون انتباه الى ذلك ، ولهذا ، فإن النسيان لا خصوصية له ~~في الموضوع ، بل الخصوصية للضلال ، وهو الابتعاد عن الحق من خلال أسبابه ~~الطبيعية. # وربما يقال : إن المفروض عدالة الشاهدة ، فكيف تخضع المرأة للخلل PageV05P173 # في الرؤية أو للفهم السيئ لتشهد على أساس ذلك ، في الوقت الذي تفرض ~~العدالة عليها أن تدقق في المشهود به ، فلا يتناسب الإقدام على الشهادة في ~~حالة الخطأ مع العدالة؟ والجواب عنه ، أن ذلك قد يكون من غير التفات إلى ~~أساس الخطأ كما في الكثير من حالات الاستغراق في الأشياء بحيث ينفتح ~~الإنسان فيها على جانب واحد ، فلا ينافي ذلك العدالة ، كما لا ينافيها ~~النسيان ، لأن من الممكن أن تكون الحالتان غير اختياريتين. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن التذكير قد يتمثل في الإخراج من الغفلة ~~كما يتمثل في الإخراج من النسيان ، أو من حالة الخطأ على سبيل الجهل ~~المركب. وعلى هذا جاء قوله تعالى: ( @QUR@04 فذكر إن نفعت الذكرى ) وغيرها ~~من الآيات التي تعتبر التذكير رسالة الأنبياء الذين يبلغون الناس رسالات ~~الله لإخراجهم من ضلالهم لينتبهوا إلى حقائق الأمور وقضايا المصير التي ~~كانوا يعيشون الفكرة الخطأ في طبيعتها وتفاصيلها. # ومن الغريب ما جاء في هذا الكلام من أن النساء أكثر نسيانا من الرجال ، ~~ولكن ذلك لم يثبت علميا ولا وجدانيا ، بل هما على حد سواء ، لأن أسباب ~~النسيان قد تعيش في داخل الرجال والنساء لتؤثر فيهم ، وربما تحدث للرجل من ~~خلال بعض الحالات الداخلية أو الخارجية الضاغطة المؤدية إلى ذلك بما لا ~~تحدث للمرأة. لذلك ، فإن الأقرب والله العالم أن يكون المراد من الضلال ~~معناه الواسع الذي يتمثل في الابتعاد عن الحق في الشهادة ، إما خطأ أو غفلة ~~أو نسيانا ، ليكون التذكير شاملا لأية حالة تنبيه على الخطأ. # ( @QUR@04 ممن ترضون من الشهداء ) الظاهر من ذلك هو الرضا بلحاظ حالة ~~الوثاقة التي تحصل من العدالة التي هي الاستقامة على ms0888 الخط الشرعي الذي يبعث ~~على الصدق ويمنع عن الكذب. PageV05P174 # ( @QUR@06 ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) فإن الشهادة هي مسئولية الناس ~~من أجل الوصول إلى الحقيقة التي ينبغي تركيز الحياة على قواعدها الثابتة ، ~~فلا بد من تحملها إذا دعي إلى ذلك ، لأن ذلك هو سبيل إقامة العدل ومحاربة ~~الظلم ، ولو لا ذلك لكانت إقامة البينة معتمدة على الصدفة من دون أي أساس ~~للإلزام. # ( @QUR@09 ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ). # أي لا يدفعكم الملل أو الضجر اللذان قد ينشئان من الأوضاع النفسية أو من ~~انتظار تهيئة الأجواء أو الشروط الضرورية للشهادة والكتابة ، إلى أن ترفضوا ~~الكتابة أو تمتنعوا من الدخول في تفاصيل الموضوع صغيرا أو كبيرا إلى الوقت ~~المحدد له. فلا بد من توضيح الصورة للحق مهما كان حجمها ليقف الناس عندها ~~من دون حاجة إلى الجدال والنزاع ... # * * * ### ||| ** حالات خاصة # ( @QUR@09 ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ) فإن ~~أقرب الأمور إلى العدل عند الله ، وأعظم الأشياء إقامة للشهادة ، وأكثر ~~الأساليب تأكيدا على عدم الارتياب في الوصول إلى معرفة الحق ، هو الوقوف ~~عند هذا الخط التشريعي في ما قرره الله من هذا البرنامج العملي المحدد. ~~وذلك كله في المعاملات التي تفرض تأجيل دفع أحد العوضين إلى أجل مسمى. أما ~~في المعاملات الحاضرة المبنية على الدفع نقدا في حالة الأخذ والعطاء ، فلا ~~بأس عليكم من عدم الكتابة لعدم الحاجة إليها إلا في حالات خاصة ، ولما في ~~ذلك من الحرج الشديد الذي يوجب صعوبة التعامل لما يتطلبه ذلك من PageV05P175 # تأخير في ما تقتضي المصلحة الإسراع فيه ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@012 إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها )، لأنه لا ضرر عليكم من ذلك ( @QUR@03 وأشهدوا إذا تبايعتم ) كما ~~تشهدون في حال الدين ، لتثبت من خلال ذلك ملكيتكم للأشياء التي تشترونها ~~... ( @QUR@010 ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ) لأن ~~الكاتب بالعدل والشاهد به ينطلقان من أمر الله الذي أراد به مصلحة الناس ، ~~فلا يجوز ms0889 لأحد الإضرار بهما ، فيما إذا كان الحق على خلاف رغبته ، ومن يفعل ~~ذلك ، فإنه ينحرف عن خط الله الذي أمرنا بالسير عليه وجعل الانحراف عنه ~~فسقا وضلالا وضياعا في متاهات الضلال. # وذكر بعضهم كما في مجمع البيان أن أصل (يضار) يضارر بكسر الراء الأولى عن ~~الحسن وقتادة وعطاء وابن زيد ، فيكون النهي للكاتب والشاهد عن المضارة ، ~~فعلى هذا ، فمعنى المضارة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه ويشهد الشاهد بما ~~لم يستشهد فيه أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة ، وقيل : الأصل فيه لا يضارر ~~بفتح الراء الأولى عن ابن مسعود ومجاهد ، فيكون معناه : لا يكلف الكاتب ~~الكتابة في حال عذر ولا يتفرغ إليها ولا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى ~~إلى إثبات الشهادة وإقامتها في حال عذر ولا يعنف عليهما. قال الزجاج : ~~والأول أبين لقوله : ( @QUR@05 وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ) فالفاسق أشبه ~~بغير العدل وبمن حرف الكتاب منه بالذي دعا شاهدا ليشهد أو دعا كاتبا ليكتب ~~وهو مشغول (1). والظاهر هو الوجه الثاني ، لأن الخطاب هو للناس الذين ~~يطلبون الشهادة والكتابة بقرينة قوله : ( @QUR@05 وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ~~) ولو كان على نحو المبني للفاعل كما هو الوجه الأول لكان من المفروض توجيه ~~الخطاب للكاتب أو الشهيد ، إما على نحو PageV05P176 # المفرد أو المثنى. ولعل هذا الوجه أقرب مما ذكرناه أولا في توجيه الآية ~~وإن كان محتملا لأن الملحوظ فيه هو الإضرار بالشاهد والكاتب بعد الشهادة أو ~~الكتابة من قبل الناس الذين يتضررون منهما ، بينما الظاهر أن الفقرة واردة ~~في المنع من الضغط الذي يوجه إلى الكاتب أو الشاهد عند دعوتهما إلى ذلك ، ~~فلا يجوز تعجيلهما بتعطيلهما عن أشغالهما المهمة ، أو لا يعطى الكاتب حقه ~~من الجعل أو يحمل الشاهد مؤنة مجيئه من بلده كما جاء في الكشاف والله ~~العالم (1). # ( @QUR@02 واتقوا الله ) فإنه أساس النجاة في الدنيا والآخرة ، فلا بد ~~لكم من اتباع أوامره ونواهيه وتعاليمه وتشريعاته لتحصلوا على رضوانه الذي ~~هو غاية الغايات للمؤمنين. # ( @QUR@06 ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) فهو الذي ms0890 يفتح لكم أبواب ~~المعرفة ، ويقودكم إلى الوضوح في الرؤية من خلال علمه في ما هيأه لكم من ~~وسائل العلم الذاتية ، وفي ما أوحى به إليكم من خلال رسله ، وأنتم لا ~~تعلمون شيئا من ذلك ، فاشكروه على ما علمكم وأطيعوه في ما أراد لكم من ~~العمل بما علمكم إياه. # * * * ### ||| ** الله لا يغلق أبواب الوثاقة الذاتية # ( @QUR@010 * وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) فإن الرهن ~~وثيقة للدين ، كما هي الكتابة والشهادة ، فقد تمس الحاجة إليه في بعض ~~الحالات PageV05P177 # التي لا مجال فيها للكتابة أو الشهادة ، كما في الغالب من حالات السفر في ~~المجتمع الذي يقل فيه الأشخاص الذين يتقنون القراءة والكتابة. ومن ذلك نفهم ~~أن الرهن ليس مخصوصا بهذه الحالة ، بل هي نموذج للحالات التي يطلب فيها ~~الوثيقة على الدين بالرهن ، مما قد يمكن فيه الكتابة والإشهاد ، ولكن ~~الدائن لا يريد أن يدخل في الأوضاع التي تقتضيها الدعاوي في إقامة البينات ~~، بل يحاول أن يستوثق لنفسه بالأشياء المادية التي تحت يده ، فيمكنه ~~استيفاء دينه منه عند امتناع المدين عن وفاء الدين ... وهناك أبحاث تفصيلية ~~في أحكام الدين والرهن تطلب من كتب الفقه ، فليراجعها من يشاء. # ( @QUR@08 فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) الظاهر أنها ~~واردة في الدين الذي لا يشعر الدائن فيه بالقلق على ماله ، ولا يخاف عليه ~~من الجحود والنكران لثقته بالمدين ، وفي هذه الحال لا بأس بأن يترك الإنسان ~~الكتابة والإشهاد إن شاء ذلك ، فإن الله لا يريد أن يغلق على عباده باب ~~الثقة الشخصية المتبادلة ... ثم يتوجه إلى هذا الإنسان الذي حصل على الثقة ~~من صاحبه واؤتمن على الدين أن يحافظ على هذه الثقة ويرد على صاحبه دينه ، ~~فيحفظ الأمانة ويصون العهد ، لتبقى للعلاقات الإنسانية الحميمة حيويتها ~~وقوتها وامتدادها العملي في العلاقات الإنسانية ، فإن الأمانة تعطي ذلك ~~بعدا واقعيا ملحوظا ، بينما يكون العكس موجبا للانطباع بمثالية ذلك في هذا ~~المجال ، بعيدا عن الضوابط المادية للأشياء. # * * * ### ||| ** التقوى ... في إظهار الحق # وقد ربط الله ذلك بالتقوى ، للتأكيد على ms0891 أن التقوى تنطلق في خط الأوضاع ~~المادية للإنسان ، كما تنطلق في أجواء العلاقات الروحية ، وذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وليتق الله ربه ). وفي ضوء هذا ، لا بد من حركة التربية PageV05P178 # الإسلامية في هذا الاتجاه ، كما لو كانت أمرا عباديا محضا ، ليتعلم الناس ~~أن يراقبوا الله في تفاصيل العلاقات ، كما يتعلمون أن يراقبوه في تفاصيل ~~العبادات ، فيكون ذلك مثارا للاهتمام الفردي والاجتماعي في جوانبه الفقهية ~~الشرعية. # ( @QUR@03 ولا تكتموا الشهادة ) فإن إظهار الحق مسئولية الإنسان لإقامة ~~العدل بمعاونة الجهات القضائية لتقوية فرص حركة العدالة في قضايا الناس. ~~فإنه إذا امتنع عن ذلك انطلاقا من أوضاع ذاتية معقدة ، كانت الفرص أمام ~~القضاء محدودة في الوصول إلى نتيجة جيدة حاسمة ، مما يجعل من هذه القضية ~~شيئا مرتبطا بالإيمان القلبي الذي يفرض على الإنسان الاهتمام بالقضايا ~~الحيوية للمجتمع ، من موقع مسئوليته الإيمانية في ما تمثله من خط عملي في ~~الحياة ( @QUR@05 ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) لأنه يدل على الانحراف في ~~اهتماماته وتصوراته التي تبعده عما يحبه الله ويرضاه في هذا المجال من ~~اهتمام المؤمن بأمور المؤمنين في ما يرفع مستواهم الفردي والاجتماعي في خط ~~العدالة ... # جاء في تفسير الكشاف ، «فإن قلت : هلا اقتصر على قوله : ( @QUR@02 فإنه ~~آثم ) وما فائدة ذكر القلب ، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت : كتمان ~~الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها ، فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند ~~إليه ، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول ، ~~إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ، ومما سمعته أذني ، ومما عرفه ~~قلبي ، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن ~~فسدت فسد الجسد كله ، فكأنه قيل : فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف ~~مكان فيه ، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط ، ~~وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترانه ، واللسان ترجمان عنه ، ولأن ~~أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ، PageV05P179 # وهي لها كالأصول التي تتشعب منها ، ألا ترى أن أصل الحسنات ms0892 والسيئات ~~الإيمان والكفر ، وهما من أفعال القلوب ، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام ~~القلوب ، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب (1). # وربما أريد بذلك التأكيد على عقدة الإثم الكامنة في قلبه انطلاقا من خبث ~~ذاته التي لا تفكر بالخير للناس ، لا سيما هؤلاء الذين ائتمنوه على الشهادة ~~ووجدوا فيها عونا على إثبات حقوقهم ، كما رأوا فيه الإنسان الذي يؤدي ~~الأمانة إلى أصحابها وإلى الله ، لأنها أمانة الله كما هي أمانة الناس عنده ~~، فقد يكون التعبير واردا في الإشارة إلى دلالة الكتمان على إثم القلب الذي ~~يلتقي مع خبث السريرة وفساد النية وإضمار الشر للناس ؛ والله العالم. # ( @QUR@04 والله بما تعملون عليم ) فلا يحاول أحد منكم أن يعتذر بما لا ~~مجال فيه للعذر في ما يكتمه الإنسان من الشهادة التي يحملها ، اعتمادا على ~~إنكار معرفته بذلك الموضوع من جهة ، أو على وجود ظروف شرعية تمنعه من إظهار ~~شهادته ، أو ادعاء عدم وضوح القضية بالمستوى الذي يستطيع تقرير النتائج ~~بشكل حاسم ، فإن الله عليم بكل ما يعمله الإنسان في السر والعلن. # * * * PageV05P180 ### ||| * الآية # ( @QUR@028 لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ~~) (284) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبدوا ): تظهروا ما في نفوسكم من السوء أو العزم عليه. # ( @QUR@01 تخفوه ): تستروه. # ( @QUR@01 يحاسبكم ): يجازيكم. # * * * PageV05P181 ### ||| ** رقابة الله المطلقة ومسئولية الإنسان # في هذه الآية إيحاء للإنسان بالتطلع الدائم إلى ما يشتمل عليه الكون من ~~قوى كونية تفرض على القلب سيطرتها ، أو في ما يتمثل فيه من ظواهر طبيعية ~~تأخذ بالنفس والفكر في ما يشبه الرهبة والدهشة ، أو ما تتحرك فيه من طاقات ~~متنوعة تثير في روحه الكثير الكثير من المشاعر والأحاسيس التي تربطه ~~بالأشياء ، الأمر الذي يوحي له بالخضوع والعبادة. # إن هذه الآية وأمثالها ، توحي للإنسان بدراسة القدرة الخلاقة التي تكمن ~~خلف كل هذه القوى والظواهر ، ليعرف بأن الله هو الذي يملك ما في السموات ~~وما في الأرض من هذا كله ، لأنه هو ms0893 الذي أبدعها وخلقها ، الأمر الذي يجعل ~~كل مشاعر الدهشة والتعظيم والتقديس والضالة ، موجهة إلى الله سبحانه في ذلك ~~كله ، فيشعر الإنسان أمامها بالحرية والثقة الكبيرة ، لأنه يقف أمامها على ~~قدم المساواة في عبوديته لله ، بل ربما يشعر بالتفوق عليها من خلال الفكرة ~~الدينية التي تقول له بأنها مسخرة له في حياته. # ولكن هذا الإيحاء لا يتجمد أمام هذه المشاعر ، بل ينطلق ليجعل الإنسان ~~وجها لوجه أمام حركة المسؤولية في حياته الداخلية والخارجية ، باعتباره قوة ~~من قوى الكون العاقلة المسؤولة التي يريدها الله أن تدخل في النظام الكوني ~~الشامل على أساس الإرادة والاختيار المرتبط بعبودية الإنسان لله ، فيمتد ~~ذلك في إحساسه بالرقابة الدقيقة لخلفيات الأعمال في داخل النفس ، فلا يكتفي ~~بالنظر إلى ظواهرها. وينطلق الحساب في هذا الاتجاه ، مما يجعل الإنسان ~~منضبطا أمام تكاليفه الشرعية في أعماله التي يتحمل مسئوليتها أمام الله إذا ~~عصى وتمرد ، فله تعالى الحكم الأول والأخير ، فيغفر PageV05P182 # لمن يشاء ويعذب من يشاء ، من دون أن يتدخل أحد في إرادته ، وهو القادر ~~على كل شيء في ذلك وفي غيره ، فليخضع الإنسان للقدرة المطلقة ، وليطلب من ~~الله العفو والمغفرة. # * * * ### ||| ** الحساب على ما يخفيه الإنسان # وقد أثارت هذه الآية كثيرا من الجدل بين المفسرين ، وذلك من خلال دلالتها ~~على أن الله يحاسب الإنسان على ما في نفسه مما يبديه أو مما يخفيه ، وهذا ~~ما قد لا يرتضيه الكثيرون ، على أساس أن الجزاء بالعقاب على الأعمال لا على ~~النيات. # فلذلك ذهب البعض إلى أنها منسوخة لأن ظاهرها المحاسبة ، على كل ما يرد في ~~القلب ، وهو تكليف بما لا يطاق ، مرفوع بقوله تعالى : ( @QUR@06 لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها ) [البقرة : 286]. ومنهم من ذهب الى ارتباطها بآية ~~كتمان الشهادة ، أو اختصاصها بالكفار ، ومنهم من فسر المحاسبة بمعنى ~~الإخبار لا العقاب. # وكل هذه الوجوه بعيدة ، لأن النسخ يتوقف على إمكانية التكليف بما لا يطاق ~~مما لا يقدر عليه الإنسان مطلقا ، وهو مستحيل عقلا ، فكيف يمكن أن يشرعه ~~الله ثم ينسخه ، ولأن ارتباطها بآية كتمان ms0894 الشهادة أو اختصاصها بالكفار مما ~~لا دليل عليه من اللفظ ، أما تفسير المحاسبة بالإخبار لا بالعقاب ، فهو ~~خلاف الظاهر. # وذهب صاحب تفسير الميزان إلى القول : «إن الآية إنما تدل على المحاسبة ~~بما في النفوس سواء أظهر أو أخفي ، وأما كون الجزاء في صورتي PageV05P183 # الإخفاء والإظهار على حد سواء ، وبعبارة أخرى : كون الجزاء دائرا مدار ~~العزم ، سواء فعل أو لم يفعل ، وسواء صادف الواقع المقصود أو لم يصادف ، ~~كما في صورة التجري مثلا ، فالآية غير ناظرة إلى ذلك (1). وخلاصته أن ~~الآية تتعرض للمحاسبة على ما في النفس كمبدإ من دون الدخول في شروط ذلك ، ~~فلا مانع من ورود دليل آخر يدل على اشتراط الحساب بالعمل. وهذا قريب إلى ~~الصواب ، ولكن الظاهر أن هذه الآيات واردة في سياق الحديث عن الحساب على ~~العمل من خلال نوع النية الدافعة إليه ، بعد أن قرر القرآن الكريم في أكثر ~~من آية ورود الحساب عليه تماما كما هو الحديث المشهور : «فإنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (2) أو الحديث المعروف : «إن الله يحشر ~~الناس على نياتهم يوم القيامة» (3)، والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV05P184 ### ||| * الآتان # ( @QUR@027 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير ) (285) @QUR@049 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل ~~علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 آمن الرسول ): صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قناعة ~~واعتقاد. # ( @QUR@05 بما أنزل إليه من ربه ): من القرآن. # ( @QUR@06 لا نفرق بين أحد من رسله ): فلا نؤمن ببعض دون بعض بل نؤمن ~~بهم جميعا. # ( @QUR@01 المصير ): المرجع بالبعث يوم القيامة. PageV05P185 # ( @QUR@01 وسعها ): الوسع ما دون الطاقة ويسمى ذلك وسعا بمعنى أنه يسع ~~الإنسان ولا يضيق ms0895 عنه. # ( @QUR@01 كسبت ): من الخير وثوابه. ( @QUR@02 ما اكتسبت ) من الشر ، أي وزره. # ( @QUR@02 لا تؤاخذنا ): لا تعاقبنا. # ( @QUR@01 أخطأنا ): أي كسبنا خطيئة أو تركنا الصواب لا عن عمد. قال أبو ~~عبيدة : أخطأ وخطئ لغتان ، والفرق بين أخطأ وخطئ أن أخطأ قد يكون على وجه ~~الإثم وغير الإثم ، فأما خطئ فإثم لا غير (1). # ( @QUR@01 إصرا ): الإصر هو الثقل ، وكل ما عطفك على شيء من عهد أو رحم ~~، فهو إصر ، والآصرة ، صلة الرحم للعطف بها ، وأصل الباب العطف ، فالإصر ~~الثقل لأنه يعطف حامله بثقله عليه. # ( @QUR@05 ما لا طاقة لنا به ): أي ما لا قدرة لنا عليه من التكليف ~~والبلاء ، فالتكليف بما يطاق ، هو ما يمكن الإتيان به ولو بمشقة معتادة ~~محتملة ، والتكليف بما لا يطاق ، هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وقدرته بأن ~~اقترن بمشقة زائدة غير معتادة. # ( @QUR@01 مولانا ): سيدنا ومالكنا ومتولي أمورنا. # * * * ### ||| ** تصديق الرسول والمؤمنين بما أنزل الله # في هذه الآية تصوير حي رائع للمجتمع المؤمن في المدينة ، مجتمع الرسول ~~وأصحابه ، بما يحمله من أفكار وإيمان ، وما يواجه من مسئولية PageV05P186 # ويعيشه من تطلعات بين يدي الله في مشاعره وأحاسيسه المنسابة في روحية ~~العبادة وصفاء الروح وخشوع الدعاء ، هناك عند ما يعيش الإنسان العبودية ~~الخالصة أمام الألوهية الخالقة العظيمة في الشعور بالحاجة التي تفتش عن ~~الغنى ، والذنب الذي يبحث عن المغفرة والعفو والرحمة ، وفي الإحساس بالضعف ~~من الله وحده لا من أحد غيره ، وهو ما يستدعي القوة والنصرة في كل معارك ~~الصراع في سبيل الله تعالى. # وفي هذا التصوير إيحاء بالقضايا الأساسية في العقيدة وفي الشعور والعمل ، ~~ودعوة خفية لكل إنسان أو مجتمع مؤمن بالبحث عن مقوماته وخصائصه ، في ما ~~تشمل عليه هذه الآية من خصائص ومقومات ، وبالانطلاق في روحياته وتطلعاته في ~~أجواء هذه التطلعات الروحية في الآية. والآن ، كيف نتمثل التفاصيل؟ # إن الله يحدثنا عن إيمان الرسول بما أنزله عليه من وحي ، وعن المؤمنين في ~~إيمانهم بالله وملائكته وكتبه ورسله ، من دون فرق بين رسول ورسول ، فلا ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، لأنهم يمثلون خطا ms0896 واحدا وفريقا واحدا يكمل ~~أحدهم الآخر ويؤيد كل واحد منهم صاحبه ، فيبشر به إذا كان لاحقا له في ~~الزمن ، ويدعو أتباعه إلى الإيمان به واحترام رسالته إذا كان سابقا له ، ~~فإن الرسالات لا تتناقض ولا تتنافى في نفسها وفي مفاهيمها للحياة وللآخرة ، ~~بل تختلف إذا اختلفت في مراحلها ، وفي حدود التخطيط الزمني للأشياء عند ما ~~تكون المصلحة محدودة بحدود زمنية تقف عندها لتفسح المجال لمصلحة جديدة لحكم ~~جديد ، وهذه هي عظمة الإسلام في تربيته للإنسان المسلم على احترام كل ~~الرسالات وكل الرسل ، ولذا ، فإنه يحتضن التاريخ الديني كله بفكره وقلبه ~~ووعيه ، ليستفيد منه في مجالات الحياة وتجاربها الكبيرة والصغيرة ، وذلك هو ~~وحي القرآن في ما يقص من أنباء الرسل وما يثبت به القلوب والأقدام ... PageV05P187 # وتنطلق الصورة من جو الإيمان إلى جو الممارسة ... فها هم المؤمنون يشعرون ~~بأن الإيمان موقف طاعة ، فإذا سمعوا شيئا من وحي الله في آيات القرآن ، أو ~~في شريعة الرسول في سنته ، قالوا سمعنا ، فلا ينكرون الحقيقة التي سمعوها ، ~~وقالوا أطعنا ، فلا يكتفون بالإيمان كفكر يعيش في عقولهم ، بل يعتبرونه خطا ~~للحياة العملية تتحرك فيه كل مشاريعهم ، ليكون الإيمان موقفا ، لا مجرد ~~حالة نفسية تكمن في أعماق الشعور ... إنه موقف العبودية الخالصة والخشوع ~~الكامل أمام عظمة الله ... سبحانك ربنا ... وانطلاق مع فكرة البعث الذي ~~يرجع فيه الإنسان إلى الله في خط النهاية ، ليقف أمامه وقفة العبد الذي ~~يواجه نتائج المسؤولية ... # وتتألق الصورة أكثر وتشرق في تصوير جو الابتهال الخاشع أمام الله في ما ~~يثقل ضمير الإنسان وقلبه ، وفي ما يحمل من تمنيات يقدمها إلى ربه ، فهو غير ~~معصوم عن الخطأ ، فقد يخطئ مع الله تحت تأثير نزوة أو شهوة أو غفلة ، فيحس ~~بعد ذلك بثقل الخطأ على نفسه ، وهو غير معصوم من النسيان ، فقد ينسى ~~مسئوليته أمام الله في كثير مما يفعل أو يترك ، فيقع في الانحراف عن الخط ~~العملي للشريعة ، فيثقله ذلك ويتعبه ويبعث اللوعة في نفسه ، فيتجه إلى الله ~~بالدعاء أن لا يؤاخذه على ما ms0897 خالف به ربه تحت تأثير الخطأ والنسيان ... # ويتمثل الإنسان المسلم من جديد تاريخ النبوات السابقة وكيف كان الله يحمل ~~على عباده ثقلا في ما يكلفهم به ، وهذا هو معنى الإصر ، وذلك من خلال ذنب ~~ارتكبوه ، أو عمل انحرفوا به ، فيتجه إلى الله ليجنبه الوقوع في هذه ~~التجربة الصعبة لئلا تتحول الصعوبة إلى حافز للمعصية تحت وطأة ضعف إرادة ~~الإنسان. # وكان التكليف آنذاك يتحرك بشكل تدريجي ، واستجاب الله لهم PageV05P188 # دعاءهم ، فرفع عنهم الخطأ والنسيان في ما حدثنا به رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الرفع المعروف ، كما رفع عنهم ما لا يطيقون ~~مما يثقل عليهم تحمله من خلال الوضع العادي للطاقة ولم يجعل عليهم في الدين ~~من حرج ... وينتهي الدعاء بالطلب الخاشع للعفو والمغفرة عن كل ذنب ، ~~وتستيقظ في قلوبهم الحقيقة الحاسمة المشرقة ... ( @QUR@02 أنت مولانا ) ~~فالله هو مولى المؤمنين الذي ينصرهم ويؤيدهم ليشفي صدورهم ويرعاهم برعايته ~~، فيلتفتون إلى جنود الكفر من حولهم ، في معركة الكفر والإيمان ، فيشعرون ~~بالحاجة إلى القوة التي تحميهم من نقاط الضعف ، فيلجئون إليه ليطلبوا منه ~~النصرة على القوم الكافرين ، في حربهم المقدسة التي يخوضونها ضدهم دفاعا عن ~~دينه ، وجهادا في سبيله ... # * * * ### ||| ** إيمان الرسول بما أنزل إليه من الله # ( @QUR@07 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) فهو المؤمن الأول الذي ~~انطلق برسالته التي تلقاها من ربه من خلال قناعته العميقة بأنه هو الحق ~~الذي لا يقترب إليه الشك ، لأن الله لا يريد للرسول أن يدعو الناس إلى ~~الإيمان الأعمى قبل الانفتاح على الدين في وضوح الرؤية ، وسعة الأفق ، وصدق ~~الفكر والشعور ، والتزام الموقف الحق ، فلا معنى لرسالة يشك رسولها في ~~صدقها ، وكيف يمكن لمن لا يملك القناعة أن يقنع الآخرين بقناعاته ، فإن ~~فاقد الشيء لا يعطيه. # ( @QUR@01 والمؤمنون ) الذين تلقوا الدعوة فأصغوا إليها بمسامع قلوبهم وفكروا PageV05P189 # بالرسالة فآمنوا بها ، ولذلك انطلق كل واحد منهم ليعيش إيمانه التفصيلي ~~بكل مفردات الإيمان الرسالي. ( @QUR@06 كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~) لأن الله حدثهم عن ذلك كله من خلال الوحي ms0898 الذي أنزله على رسوله ليبلغهم ~~إياه ، ولأن الرسول قد حدثهم عن كل حركة الأنبياء ، ولهذا اعتبروا الإيمان ~~بالرسل السابقين جزءا من الإيمان برسالة الرسول ، لأن الرسالات تتتابع في ~~المسيرة الإيمانية ، فكل رسالة تكمل الرسالة التي قبلها ، كما أن كل رسول ~~يصدق النبي الذي يأتي من بعده ، وهكذا أعلنوا جميعا ( @QUR@06 لا نفرق بين ~~أحد من رسله ) فهم الذين اصطفاهم الله لإبلاغ رسالاته مع اختلاف مواقعهم ~~ورسالاتهم ( @QUR@02 وقالوا سمعنا ) ما جاء به الرسول مما بلغه عن الله ( ~~@QUR@01 وأطعنا ) أوامره ، لأن الإيمان يفرض على المؤمنين الاستماع الواعي ~~والطاعة العميقة الواسعة ، ( @QUR@02 غفرانك ربنا ) اغفر لنا ذنوبنا فإننا ~~راجعون إليك ، منفتحون عليك في رجاء شديد أن تتقبلنا في ساحة رضوانك ( ~~@QUR@02 وإليك المصير ) فأنت الذي تملك أمر عبادك لتجزيهم جزاء ما عملوا أو ~~لتغفر لهم ما أسلفوا ، فيكون مصيرهم بيدك عند ما تدفع بهم إلى الجنة أو إلى النار. # * * * ### ||| ** الاستغفار من الذنب # ( @QUR@06 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) لأنه الرحمن الرحيم ، فلا يأمر ~~عباده إلا بما يستطيعون الإتيان به ، ولا ينهاهم عن شيء إلا إذا استطاعوا ~~تركه ، ( @QUR@03 لها ما كسبت ) من الطاعات التي قامت بها بجهدها الواعي ( ~~@QUR@03 وعليها ما اكتسبت ) من السيئات التي اندفعت فيها من خلال ضغط ~~الغرائز في خط الانحراف مما يجعلها تواقع معصية الله من دون وعي للنتائج ~~القاسية التي PageV05P190 # تقودها إليها. وهكذا يواجه المؤمنون المشكلة في حجم العواقب الخطيرة ، ~~فيلجئون إلى الله في ابتهال وخشوع ودعاء ( @QUR@07 ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا ) من خلال أجواء اللامبالاة التي تمنعنا من الاهتمام ~~بأوامرك ونواهيك وتسلمنا إلى السلوك العبثي الذي لا يخاف عقابا ولا يرجو ~~ثوابا ولا يحمل هم المستقبل الذي يقبل عليه ، فتوقعنا في الغفلة التي ~~تنسينا ذكرك وتبعدنا عن وعي مقامك ، وفي الخطأ الذي نتخبط في وحوله ، وفي ~~دروب الانحراف التي تضلنا عن سبيل هداك. # ( @QUR@05 ربنا ولا تحمل علينا إصرا ) ثقلا من التكاليف القاسية ( ~~@QUR@06 كما حملته على الذين من قبلنا ) من الأمم الماضية والقرون الخالية ~~، لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم ms0899 عقوبتها وحرم عليهم بسببها ما ~~أحل لهم من الطعام ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم ) [النساء : 160] ، ( @QUR@08 ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به ) من التكاليف التي تمثل العقوبة على ما فعلناه من المعاصي ~~كقتل النفس عند التوبة. الظاهر أن المراد مما لا طاقة لنا به هو الأمر الذي ~~يصعب احتماله لأنه يكلف صاحبه جهدا عظيما ، حتى يقول في معرض التعبير عن ~~ثقله الشديد عليه إنه قد حمل ما لا يطيق ، وليس المقصود به على الظاهر ما ~~لا يقدر عليه ، لأنه لا يقبل التكليف مطلقا ( @QUR@02 واعف عنا ) ذنوبنا ( ~~@QUR@02 واغفر لنا ) خطايانا ( @QUR@01 وارحمنا ) برحمتك الواسعة التي لا ~~تضيق عن أحد ، بالنعم التي تغدقها علينا ، والرضوان الذي تمنحنا إياه ( ~~@QUR@02 أنت مولانا ) وولينا الذي نعيش في رعاية ولايته التي كانت أساس ~~وجودنا وحياتنا وناصرنا في كل أمورنا ( @QUR@04 فانصرنا على القوم الكافرين ~~) بالقهر والغلبة بالحجة والفتح المبين. # * * * PageV05P191 ### ||| ** مغزى تزكية الله للرسول # وهناك نقاط لا بد من التوقف عندها للتوضيح : # 1 لماذا هذا الإعلان عن إيمان الرسول بما أنزل إليه من ربه ، بعد أن كانت ~~هذه حقيقة واضحة ، من موقع المعنى الذي تفرضه رساليته أو رسوليته ..؟ # ونجيب على ذلك ، بأن من الممكن أن يكون الأساس في ذلك هو الإيحاء بانطلاق ~~الرسالة من قاعدة الإيمان العميق بها من قبل داعية الرسالة ، الأمر الذي ~~يعني تحرك الرسول من خلال وضوح الرؤية لكل ما يدعو إليه من أفكار وما يبشر ~~به من مفاهيم للحياة ، مما يجعل للقضية بعدا روحيا ينطلق من فكره وشعوره ، ~~بالإضافة إلى مسئوليته الملقاة عليه من الله ، فإن ذلك يعطي للدعوة حرارة ~~في الكلمة والأسلوب والفكرة ، ويبعث في الموقف والحركة روحا جديدة وحيوية ~~نابضة بالإخلاص ، وبذلك يختلف الوضع عما إذا كانت الدعوة منطلقة من التكليف ~~والمسؤولية بعيدا عن الجانب الذاتي ، كما يحدث في بعض الدعاة الذين ينطلقون ~~في الدعوة من قاعدة المهنة والوظيفة من دون إيمان أو إحساس ذاتي بالحقيقة ~~التي تفرض نفسها على الفكر والشعور ، أو الذين يثيرون ms0900 الناس بالأفكار ~~والشعارات التي لا يؤمنون بها من ناحية فكرية ، فهم يتحركون في الحالة ~~الأولى من دون روح ، تماما كأية عملية جامدة ، لأن المسؤولية تقضي بذلك ، ~~فلا يستطيعون في غالب الحالات التأثير الروحي على الآخرين ، لأنهم يفقدون ~~الشعلة المقدسة التي PageV05P192 # تشرق من خلالهم في قلوب الآخرين. أما الحالة الثانية ، فتتمثل بالجوانب ~~الاستغلالية أو التجارية التي تدفع الإنسان إلى البحث عن عناصر الإثارة ~~التي لا يقتنع بها من أجل إثارة الناس بعيدا عن جانب المصلحة الحقيقية في ~~أمورهم العامة. # إن الله سبحانه يريد أن يوحي بأن الرسول كان أول مؤمن برسالته ، ليقول ~~لنا ، إن على الداعية أن يعمق الإيمان في نفسه قبل أن ينطلق في رسالته ، ~~لتكون بداية خط الإيمان منطلقة من نقطة الإيمان في روحه وفكره وحياته ، لأن ~~ذلك هو سبيل الصدق الذي ينبغي للإنسان أن يعيشه في القول والعمل ، وقد جاء ~~في بعض الآيات الكريمة التأكيد على هذا الجانب في الرسول ، وذلك قوله تعالى ~~: ( @QUR@05 والذي جاء بالصدق وصدق به ) [الزمر : 33] ، وقد درج القرآن ~~الكريم في أسلوبه التربوي على أن يقدم للمؤمنين شخصية الرسول في صفاته ~~وخطواته العملية كنموذج حي في التأكيد على عظمة بعض الأشياء وخطورتها ، ~~فكان يخاطب الأمة من خلال خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # * * * ### ||| ** المؤاخذة على النسيان # 2 لقد تحدث الله عن دعاء المؤمنين بأن لا يؤاخذهم بما أخطئوا أو عصوا فيه ~~عن نسيان ، مما يعني أن النسيان قد يقتضي المؤاخذة ، مع أن الناسي غافل لا ~~يمكن توجيه التكليف إليه ، فكيف يمكن أن يعاقب على ذلك؟! # ويجاب عن ذلك ، أن النسيان قد يصدر من حالة غير طبيعية أو اختيارية ، ~~فتلك لا يؤاخذ عليها الإنسان ، بل يؤاخذ على اللامبالاة في PageV05P193 # تكاليفه الشرعية الذي أدى إليها ترك التحفظ عن النسيان ، ففي مثل ذلك ، ~~قد يكون الترك اختياريا باختيارية مقدماته ، وذلك إذا أوجب الله عليه ~~التحفظ عن النسيان بالتحفظ عما يوجبه ، فيكون رفع المؤاخذة عنه برفع وجوب ~~التحفظ عليه ... وقد تحدث الأصوليون عن هذا الموضوع تفصيليا في مناقشتهم ms0901 ~~لحديث الرفع المشهور. # 3 كيف يطلب المؤمنون من الله أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به ، في الوقت ~~الذي نعرف فيه قبح التكليف بغير المقدور ، ولا يمكن صدور القبيح من الله ، ~~فلا يمكن أن يحملهم الله إياه ليطلبوا رفعه عنه ... # وأجيب عنه ، بأن من الممكن أن يكون المراد به ما لا يطاق بحسب العادة لا ~~بحسب الحقيقة ، وهو الذي يقترب من مفهوم الحرج الشديد ، ويمكن أن يكون ~~إشارة إلى العذاب الذي لا يطاق ، لا إلى التكليف ؛ والله العالم. # 4 إن الله قد قرر في هذه الآية بأسلوب الجملة الاعتراضية الحقيقة الإلهية ~~المستمدة من عدل الله تعالى ، وهي أن الله لا يكلف الإنسان إلا بمقدار ~~طاقته ووسعه ... وفي هذا النطاق الذي تتحرك من خلاله القدرة ، يواجه ~~الإنسان المسؤولية ، فله الثواب من الله بما كسبه من طاعة وخير ، وعليه ~~العقاب مما اكتسبه من معصية وشر. وفي ضوء ذلك ، كان الدعاء يتحرك في أجواء ~~الحالات التي يشعر فيها الإنسان بالحاجة إلى المغفرة ، أو التي يشعر فيها ~~بالحاجة إلى أن يبقى التكليف في نطاق القدرة. # 5 ربما نستوحي من هذه الآية أنها تمثل التلخيص للأجواء العقيدية PageV05P194 # والعملية والروحية التي أثارتها سورة البقرة في آياتها العقيدية والقصصية ~~والتشريعية والإيمانية ، في هدفها الكبير من صنع الشخصية المسلمة المؤمنة ~~على أساس هذه الصورة ، وبذلك يلتقي آخر السورة بأولها في الحديث عن ~~المؤمنين في صفاتهم وتطلعاتهم وأعمالهم ، وفي الإيحاء بأن الحديث عن ~~الإيمان والمؤمنين ليس مجرد حديث يعيش في الخيال الروحي والفكري ، بل هو ~~حديث عن حقيقة حية تحركت مفاهيمها في الواقع ، فاستطاعت أن تجسد الصورة في ~~الفرد وفي المجتمع ، في النموذج الأمثل الأعلى المتمثل بالرسول محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وفي النماذج المتنوعة الجيدة المتجسدة في شخصيات ~~المؤمنين الذين رافقوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الذين جاؤوا من بعده. ~~وربما كان في الحديث عن الموضوع ، كواقع حي متحرك ، إيحاء للعاملين بالتحرك ~~في دعوتهم إلى الله على الأساس الواقعي الذي يحول المفاهيم إلى مواقف ms0902 ~~ونماذج وأوضاع حية ، ولا يتركها مجرد مفاهيم تتحرك فيها الكلمات وتلتهب من ~~خلالها المشاعر ، فإن قيمة الدعوة تتمثل بمقدار ما تتجسد في الحياة عقيدة ~~وشعورا وخططا عملية لهذه الحياة. # * * * PageV05P195 ### | سورة آل عمران ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مائتان ### ||| * 1 41 PageV05P197 ### ||| ** مدخل عام # لعل قيمة هذه السورة في الجو القرآني ، أنها تنطلق في اتجاه صنع الشخصية ~~الإنسانية الإسلامية ، وهي تواجه هذا الواقع من موقع التنوع الذي يجمع جانب ~~التطلع الإيماني نحو الله في صفاته وأسمائه الحسنى التي تحيط بالإنسان ~~والكون بالقيومية والرعاية ، وجانب حركة هذا الإيمان في أعماق النفس في ما ~~يواجه الإنسان من تحديات الرغبة والرهبة ، وبذلك لا يعود الإيمان مجرد ~~خلجات في المشاعر وخطرات في الأفكار ، بل ينطلق ليكون موقفا متحركا في ~~اتجاهين ؛ اتجاه يبني النفس على الأسس الروحية الأخلاقية الصحيحة ، لتكون ~~مثالا للشخصية الإسلامية الصابرة على تحديات نوازعها الذاتية الغريزية في ~~أوضاعها المنحرفة ، واتجاه يطلق الشخصية في مواجهة الشخصيات غير الإسلامية ~~في أجواء الصراع الفكري الذي يثير الشبهات ويخلق الانحرافات ، وفي مجالات ~~التحديات العملية في حالة الحرب والسلم ، لتكون قوية في حلبة الصراع ، ~~صابرة على مواطن الإثارة والتحدي التي تختلف أشكالها وأساليبها ونوازعها ~~العامة والخاصة ... وهذا ما يريده الإسلام في ما ينطلق فيه من تقرير الصبر ~~كقيمة أخلاقية كبيرة ، فهو يريد أن يؤكد دوره الفاعل المتحرك الذي يبني ~~للشخصية روحيتها وللذات حركة مسيرتها ، لتكون مصدر إغناء للتجربة الواقعية ~~للحياة والإنسان ... # وقد أثارت السورة في هذا الجو الكثير من الحديث عن أهل الكتاب في ما ~~أثاروه أمام الإسلام والمسلمين من قضايا ومشاكل وتحديات ، كما PageV05P199 # انطلقت في أجواء التاريخ الديني في نطاق الأديان السابقة في قصص آل عمران ~~، لتواجه به النوازع السوداء لأهل الكتاب من اليهود ، وتصور لهم كيف كان ~~التاريخ الناصع المتمثل في هذه النماذج البشرية التي استطاعت أن تعيش ~~الإخلاص لله كأعمق ما يكون الإخلاص ، ليتمثلوا ذلك في واقعهم إذا كانوا ~~صادقين في ارتباطهم بذلك التاريخ. وانطلقت السورة بعد ذلك ، لتطرح على أهل ~~الكتاب دعوة اللقاء والمباهلة ليتبين لهم الحق من ms0903 الباطل. # وقد أوردت صورا عن أجواء معارك الإسلام وفي طليعتها معركة أحد التي عاش ~~المسلمون فيها زهو الانتصار في بدايتها كما عاشوا مرارة الهزيمة في نهايتها ~~... وكان القرآن الكريم في هذه السورة يضع النقاط على الحروف ليأخذ من ~~الهزيمة درسا عمليا من أجل المستقبل الذي لا يريد للمسلمين أن يعيشوا فيه ~~ثقل الهزيمة ، ليتحرروا من سلبيات الماضي بهذا الخصوص. # وأعتقد أن دراسة معركة أحد في هذا الجو القرآني يفوق أية دراسة أخرى ~~تعتمد على تفاصيل القصة في السيرة ، لأن قيمة القرآن في نقل القصة أنه يحشد ~~أمامنا الأجواء الروحية التي كان يعيشها المسلمون كما لو كنا نعيشها في ذلك ~~العصر. إنه ينقل لنا التجربة حية وينقدها وهي تتحرك في مراحلها المتقدمة. # وهكذا نجد في هذه السورة الكثير من الإيحاءات الروحية والعملية وطريقة ~~التعامل مع الآخرين من أهل الكتاب ، وذلك في ما ترصده من حركاتهم وأوضاعهم ~~، من أجل أن تخلق في نفوس المؤمنين المزيد من الوعي العملي عند ما يتحركون ~~في ساحة العمل معهم ومع غيرهم ، ثم توحي للمؤمنين بأن سبيل الانتصار ~~والنجاح في الحياة ، لا يحصل بالاسترخاء والتواكل والكسل والاستغراق في ~~غيبوبة صوفية بعيدة عن الواقع ، بل PageV05P200 # بالعمل الجاد المتحرك الذي يلاحق الحياة من خلال أسبابها الطبيعية التي ~~أودعها الله فيها في ما أودعه من قوانين الحركة في هذه الحياة. # وتبقى للآية أجواؤها الروحية القرآنية التي تجعل الإنسان في حركة مع ~~الروح وهو يفكر ، كما تدفعه إلى مرافقتها وهو يعمل ويخطط ويتعاون ويؤيد ~~ويرفض ، ليعرف أن الله يحيط به من جميع الجهات ، وأن قيمة أي عمل يعمله ~~تتمثل بمقدار ما يكون قريبا من الله ، فهو مع كل شيء وغاية كل شيء في ~~الدنيا والآخرة ، وهو ولي الأمور. # * * * PageV05P201 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) @QUR@07 الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم (2) @QUR@011 نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل (3) @QUR@018 من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين ~~كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) @QUR@011 إن ms0904 الله ~~لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) @QUR@013 هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الله ): الإله المعبود بحق. # ( @QUR@01 القيوم ): القائم على كل شيء بحفظه ورعايته. # ( @QUR@01 نزل ): النزول على سبيل التدرج كما قيل ، وقد ذكر أن القرآن ~~نزل في نيف وعشرين سنة. # ( @QUR@01 وأنزل ): النزول دفعه واحدة ، فإن التوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة. PageV05P202 # ( @QUR@01 التوراة ): كلمة عبرية كما قيل معناها الشريعة ، وتشتمل على ~~خمسة أسفار هي «سفر التكوين» و «سفر الخروج» ، و «سفر اللاويين» ، و «سفر ~~العدد» ، و «سفر تثنية الاشتراع» ، وقد يطلق عليها اسم «العهد القديم» في ~~كلمات النصارى ، وتشتمل على حكاية قصص الأنبياء وتاريخ بني إسرائيل قبل ~~المسيح. # ( @QUR@01 والإنجيل ): كلمة يونانية ، معناها التعليم الجديد أو البشارة ~~، ويسمى «العهد الجديد» ، ويتضمن سيرة المسيح وبعض تعاليمه ، موزعة على ~~أربعة أناجيل هي متى ويوحنا ومرقس ولوقا ، وعلى أعمال الرسل ورسائل بولس ~~وبطرس ويوحنا ويعقوب ، ورؤيا يوحنا ، وقد كتبت بعد قرن أو قرنين من وفاة ~~السيد المسيح ، ولم يذكر لها سند متصل بكاتبها. # ( @QUR@01 الفرقان ): ما يفرق بين الحق والباطل مما يحتاج الناس إليه في ~~عقائدهم وشرائعهم وأخلاقياتهم ، وهو عنوان تشترك فيه كل الكتب الإلهية ~~المنزلة. # ( @QUR@01 الأرحام ): جمع رحم ، وهو مستودع الجنين في المرأة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في تفسير الدر المنثور للسيوطي ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : «قدم على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وفد نجران ستون راكبا ، فيهم أربعة عشر رجلا من ~~أشرافهم ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة ، ~~والعاقب ، وعبد المسيح ، والأيهم السيد ، وهم من النصرانية على دين الملك ~~مع اختلاف من أمرهم. يقولون هو الله ، ويقولون هو ولد الله ، ويقولون هو ~~ثالث ثلاثة ، كذلك قول النصرانية ، فهم PageV05P203 # يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأسقام ، ويخبر ~~بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا ، وذلك كله ~~بإذن الله ليجعله ms0905 آية للناس. # ويحتجون في قولهم بأنه ولد الله بأنهم يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد ~~تكلم في المهد ، شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله ، ويحتجون في قولهم إنه ~~ثالث ثلاثة بقول الله : فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، فيقولون : لو ~~كان واحدا ما قال إلا فعلت ، وأمرت ، وقضيت ، وخلقت ، ولكنه هو وعيسى ومريم ~~، ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن ، وذكر الله لنبيه فيه قولهم ، فلما كلمه ~~الحبران ، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أسلما ، قال : قد ~~أسلمنا قبلك. قال : كذبتما ، منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ، ~~وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ، قالا : فمن أبوه يا محمد ، فصمت ، ~~فلم يجبهما شيئا ، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة ~~آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه ~~، وتوحيده إياهم بالخلق والأمر ، لا شريك له فيه ، ورد عليهم ما ابتدعوا من ~~الكفر ، وجعلوا معه من الأنداد ، واحتجاجا عليهم بقوله في صاحبهم ليعرفهم ~~بذلك ضلالتهم ، فقال : ( @QUR@08 الم* الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) أي ~~ليس معه غيره شريك في أمره ، الحي الذي لا يموت ، وقد مات عيسى في قولهم ~~القيوم القائم على سلطان لا يزول وقد زال عيسى» (1). # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال : «إن النصارى أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له : من أبوه؟ ~~وقالوا على الله الكذب والبهتان ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا : بلى. قال : ألستم ~~تعلمون أن ربنا حي لا PageV05P204 # يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا : بلى. قال : ألستم تعلمون أن ~~ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا : بلى. قال : فهل يملك ~~عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا : لا ، قال : أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه ~~شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا : بلى. قال : فهل يعلم عيسى من ms0906 ذلك شيئا ~~إلا ما علم؟ قالوا : لا. قال : فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، ألستم ~~تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا : ~~بلى. قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما ~~تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما تغذي المرأة الصبي ، ثم كان يأكل الطعام ، ~~ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث؟ قالوا : بلى. قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ ~~فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا ، فأنزل الله ( @QUR@08 الم الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم ) (1). # ويرى صاحب تفسير الميزان أن ما تضمنته الروايتان من نزول أول السورة ، ~~«كأنه اجتهاد منهم» (2)، لأنه استظهر «أن تكون هذه السورة نازلة دفعة ~~واحدة ، فإن آياتها وهي مائتا آية ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى ~~آخرها ، متناسبة آياتها ، مرتبطة أغراضها. ولذلك كان مما يترجح في النظر أن ~~تكون السورة إنما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد استقر له ~~الأمر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره ، فإن فيها ذكر غزوة أحد ، وفيها ~~ذكر المباهلة مع نصارى نجران ، وذكرا من أمر اليهود ، وحثا على المشركين ، ~~ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة ، وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام ~~كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامة قواهم وجميع أركانهم ، فمن ~~جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور اللذين يدبان في داخل جماعتهم بفتنة ~~اليهود والنصارى ويحاجونهم ويحاربونهم ، ومن جانب كانوا PageV05P205 # يقاتلون المشركين ويعيشون في حال الحرب وانسلاب الأمن ، فقد كان الإسلام ~~في هذه الأيام قد انتشر صيته ، فثارت الدنيا عليه من اليهود والنصارى ~~ومشركي العرب ، ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم» (1). # ونلاحظ على ما ذكره المفسر الجليل ، أن دراسة أغراض السورة وموضوعاتها ~~المتنوعة ، توحي بأن هناك أكثر من قضية كانت تواجه المسلمين في تلك المرحلة ~~مما يؤدي إلى أن تتعدد حالات النزول لمعالجة كل قضية في وقتها ، لأن ~~الطريقة التي درج عليها الوحي كانت جارية على تربية المسلمين بالوحي ، من ~~خلال المشاكل الحية على صعيد الواقع ، والتحديات الصارخة في ms0907 ساحة الصراع مع ~~الآخرين ، لتنزل الآيات في ظروف المشكلة لتعالج قضاياها ، ولتنطلق في مواقع ~~التحدي لترد الهجمات الموجهة للإسلام والمسلمين ، الأمر الذي لا يتناسب مع ~~نزولها دفعة واحدة ، ولا نجد في الاتساق والانتظام دليلا على الدفعية في ~~النزول ، لإمكان تحقق ذلك حتى مع التدرج فيها ، بحيث تتكامل الآيات في ~~تنظيم السورة بعد ذلك. والله العالم. # ونلاحظ في الروايتين اختلافهما في تصوير موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من بعض الأسئلة الموجهة إليه كالسؤال عن أب عيسى ، ففي الرواية الأولى أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم صمت ، وفي الرواية الثانية أنه تابع الحديث معهم ~~من حيث إرادته نفي الولدية لله عنه ، فلم يصمت أمامهم ، بل تابع الحجة على ~~نفي عقيدتهم لأن ذلك هو المقصود ، أما إثبات حقيقة عيسى ، فإن ذلك يأتي بعد ~~إبطال ما ذكروه ، وهي أنه ولد بقدرة الله من أم دون أب. # وإذا صحت الروايتان ، فإنهما تدلان على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يدخل في الحوار الفكري مع الآخرين ليقيم الحجة عليهم بذلك ، وهذا ما يجب ~~على الدعاة إلى الله أن يتحركوا فيه دائما في ساحات الصراع الفكري مع PageV05P206 # الآخرين ، فلا يبتعدوا عن خط المواجهة الفكرية بالحوار الموضوعي القوي ~~ولا ينعزلوا عن ساحات التحدي ، لأن الله يريد للعلماء أن يدخلوا المعركة من ~~أوسع أبوابها ليلاحقوا كل التيارات المضادة للإسلام بالحجة البالغة لأن ذلك ~~هو سبيل القوة للحق. # * * * ### ||| ** تتابع حركة الرسالات وتكاملها # في بداية هذه السورة ، يعيش الإنسان الشعور العميق بالحضور المهيمن لله ~~على كل شيء ، فهو الحي القائم على الحياة في كل حركاتها وسكناتها وحاضرها ~~ومستقبلها ، لا يغيب عنه شيء منها ، لأنه مفتقر إليه في وجوده حدوثا وبقاء ~~، ولا يهرب منه شيء ، لأنه يحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله. ~~وهو الله الذي تمثلت رحمته وربوبيته التي يربي بها عبده ، في إنزال الكتاب ~~الحق على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من أجل أن يظل الحق هو خط ~~الحياة ms0908 في فكرها وأسلوبها وخطواتها العملية ، وأن ينطلق الإنسان من خلاله ~~ليصوغ نفسه على صورته. # ولم تكن هذه الرسالة التي أنزلها الله على عبده منفصلة عن حركة الرسالات ~~وتواريخها ، فلم تأت لتبطل صدقها ورساليتها ، بل جاءت لتصدقها ، لأنها الحق ~~الذي أوحى به الله إلى رسله السابقين ، ولتكملها في ما اقتضت سنة الله في ~~الحياة تغييره وتبديله إلى شريعة أخرى تتناسب ومصلحة الإنسان المتجددة ~~المتطورة آنذاك. ولم يترك الله القضية في طور الإبهام ، فأوضحها بإعطاء هذه ~~الكتب اسمها الذي نزلت به ، فقد أنزل الله التوراة على موسى والإنجيل على ~~عيسى ، من قبل محمد ، ليكونا هدى للناس في ما PageV05P207 # يشتملان عليه من مفاهيم وتشريعات. ولا يمنع الحكم بصدقها ، أن تكون هناك ~~بعض التحريفات التي طرأت عليهما في بعض الحقائق الدينية كالبشارة بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ما حدثنا القرآن عنه. وأنزل الفرقان ، وهو ~~القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل. وهكذا كانت حركة الهدى في الكتب ~~السماوية متلاحقة الخطى في كل جيل ومع كل رسول ، ليظل النور مشرقا في قلب ~~الإنسان في كل زمان ومكان. # وإذا كان الله قد أنزل هذه الكتب بالحق والصدق والهدى ، فلا بد للناس من ~~الإيمان بما فيها والسير على هداها ، لأنها الحق الذي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه ، فكيف يمكن أن يجحدها الجاحدون ، ويكفر بها الكافرون ~~... إنه العناد والتمرد من دون أساس ، مما يجعل الكافرين مستحقين للعذاب ~~الشديد على ما كفروا وجحدوا ... ( @QUR@02 والله عزيز ) لا ينال أحد من ~~عزته بمعصية أو بغيرها ، ( @QUR@02 ذو انتقام )، لا بمعنى الحالة النفسية ~~التي يعيشها البشر أمام عصيان الآخرين ، بل بمعنى العذاب الذي يكون مظهرا ~~للانتقام ، فإنه سبحانه أعلى من أن يضعف أمام حالات الضعف ، تعالى وتقدس عن ~~كل صفات المخلوقين ... فلا بد للعباد من أن يراقبوه ويخضعوا له ، فهو الذي ~~يعلم سرهم وعلانيتهم ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وهو الذي ~~يصوركم في الأرحام فيخلق لكم السمع والأبصار والأفئدة وأنتم في بطون ~~أمهاتكم ms0909 ، ويجعل لكل واحد منكم لونه وخصائص شخصيته ، فكيف تنكرونه وتعصونه ~~وتشركون به ما ليس لكم به علم ، وهو العزيز الحكيم الذي قدر كل شيء على ~~أساس الحكمة التي تضع كل شيء في موضعه ، وتقوده إلى هداه. # في هذه البداية التي تختصر للإنسان رحلة الرسالات في الكتب التي أنزلها ~~الله على عباده ، وتثير في ذاته التصور الشامل لقدرة الله وعظمته ونعمته ، ~~وتقوده إلى مواجهة المسؤولية تحت طائلة العذاب الشديد ... في PageV05P208 # هذه البداية ، نجد الجو النفسي الذي تتنوع فيه المشاعر لتوجه الإنسان إلى ~~السورة التي تشتمل على حكايات الرسل وتفاصيل ما أنزل إليهم ، وحركة الإنسان ~~في طريق الهدى والضلال ، وحركة العقيدة وما واجهها من صراع ضد المتمردين ~~والكافرين والضالين. # * * * ### ||| ** القرآن ... الحقيقة بأصفى معانيها # ( @QUR@01 الم ) من الحروف المقطعة التي ورد الحديث عنها في أوائل سورة ~~البقرة. ( @QUR@05 الله لا إله إلا هو ) الواحد الأحد المتفرد بالألوهية ~~والربوبية المهيمن على كل شيء لأنه الخالق لكل شيء ، فلا إله غيره ولا رب ~~سواه ، ( @QUR@01 الحي ) في العمق العميق للحياة التي هي سر ذاته ، فلم ~~تحصل له من أية قوة أخرى ولا تتبدل إلى موت ، بخلاف حياة الأحياء كلها ~~المستمدة من إرادته ، فتتحرك من خلال مشيئته وتموت إذا أراد لها الموت ( ~~@QUR@01 القيوم ) القائم على كل شيء بالحفظ والتدبير والرعاية ، فله الأمر ~~كله في الوجود كله في كل شيء من شؤونه ، فهو القيم على النظام الكوني في ~~جميع مفرداته من حيث إنه الذي خلقه ودبره ونظمه وأعطاه سر التجدد والبقاء ~~من خلال علمه الذي يفيض على الأشياء بكل أسرارها ومن خلال قدرته التي تمنح ~~الوجود كل إرادتها في معنى الحكمة والتدبير. # ( @QUR@03 نزل عليك الكتاب ) وهو القرآن ( @QUR@01 بالحق ) لأنه وحيك ~~الذي يمثل الحقيقة بأصفى معانيها ، وأعمق أسرارها ، وصدق مضمونها ، وامتداد ~~إيحاءاتها ، ولأن الله هو الحق وما يدعون من دونه هو الباطل ، فلا يصدر عنه ~~إلا الحق الذي يهدي إليه من يشاء من عباده لينفتحوا عليه وليهتدوا إليه PageV05P209 # وليتحركوا إلى الحياة في مسئولياتهم من خلاله ، لتقوم حركة الإنسان في ~~علاقاته ومعاملاته ms0910 وكل أوضاعه وشؤونه على أساس الحق ، كما قامت السماوات ~~والأرض ، لأن الله خلقها به. # وقد قيل في توجيه التعبير بكلمة نزل ، بدلا من أنزل ، لأن التنزيل يدل ~~على التدريج ، فأريد التنبيه على طريقة القرآن في النزول. # وذكر صاحب الميزان الذي أورد هذه الملاحظة من النكتة التعبيرية ، أنه ~~«ربما ينقض ذلك بقوله : ( @QUR@07 لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) ~~[الفرقان : 32] ، وبقوله تعالى : ( @QUR@04 أن ينزل علينا مائدة ) [المائدة ~~: 112] ، وقوله تعالى : ( @QUR@04 لو لا نزل عليه ) [الأنعام : 37] وقوله ~~تعالى : ( @QUR@07 قل إن الله قادر على أن ينزل ) [الأنعام : 37] ، ولذلك ~~ذكر بعض المفسرين أن الأولى أن يقال : إن معنى ( @QUR@03 نزل عليك الكتاب ) ~~: أنزله إنزالا بعد إنزال ، دفعا للنقض. والجواب : أن المراد بالتدريج في ~~النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه ~~الآخر ، بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى ~~مجموع الأجزاء ، وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم ، والتعبير عنه من ~~هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى : ( @QUR@04 أنزل من السماء ماء ) [الرعد : ~~17] ، وهو الغيث. ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد ، سواء ~~تخلل بينهما زمان معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج والتعبير عنه بالتنزيل ~~كقوله تعالى : ( @QUR@04 وهو الذي ينزل الغيث ) [الشورى : 28]. # ومن هنا يظهر أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة ، فإن المراد بقوله : ( ~~@QUR@07 لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) الآية ، أن ينزل عليه القرآن ~~آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتد به ، كما كان عليه ~~الأمر في نزول القرآن في الشؤون والحوادث والأوقات المختلفة ، وبذلك يظهر PageV05P210 # الجواب عن بقية الآيات المذكورة» (1). # وخلاصة الجواب ، أن الشيء المركب من أجزاء متعددة ، قد يلاحظ من حيث ~~وحدته ، باعتبار تكامل الأجزاء في تكوين الوحدة ، فيعبر بالإنزال ، فإن ~~الدفعية تلاحظ من حيث مجموع الشيء في مقابل مجموع شيء آخر ، وقد تلاحظ من ~~حيث تتابع الأجزاء ، فيكون هناك تدرج من حيث لحوق بعضها بالبعض الآخر ، حتى ~~لو لم يكن هناك زمان متخلل بينهما ms0911 ، وبهذا صح التعبير بالتنزيل في كلامهم ~~في الاعتراض على عدم تنزيل القرآن جملة واحدة ، لأن الملحوظ فيها جانب ~~الوحدة في القرآن ، لا جانب التعدد في الأجزاء. # ونلاحظ على ذلك ، أن القضية في هذا الجواب تعني اختلاف التعبير من جهة ~~اختلاف اللحاظ ، مع وحدة المضمون ، فلا يكون هناك فرق حقيقي في النتيجة بين ~~الإنزال والتنزيل ، لأن ذلك قد يلاحظ في كل مركب حتى في التوراة والإنجيل ، ~~وربما كان اختلاف التعبير ناشئا من باب تنويع اللفظ الذي يتفق معناه ويختلف ~~مبناه من ناحية تجديد الأسلوب. # ( @QUR@04 مصدقا لما بين يديه ) من التوراة والإنجيل بقرينة قوله تعالى : ~~( @QUR@010 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ) ~~[المائدة : 48] ، في إشارة بكلمة (الكتاب) إلى التوراة والإنجيل اللذين ~~سبقت الإشارة إليهما في أول الآية. # فقد جاء القرآن مقررا للمفاهيم العقيدية والأخلاقية والشرعية التي جاء ~~بها الكتابان المنزلان من الله ، للتدليل على أن الرسالات ترتكز على قاعدة ~~واحدة من العناوين الكبيرة المتصلة بالحركة العامة للإنسان والحياة ، ليكون ~~الاختلاف بينها في الخصوصيات الطارئة التي قد تتدخل في نسخ حكم أو PageV05P211 # تغيير مفهوم أو نحو ذلك مما له علاقة بامتداد الزمن في متغيراته ، فلا ~~مجال للحديث عن نفي أصالة القرآن من حيث اشتماله على بعض ما في التوراة ~~والإنجيل ، ليستدل بذلك كما يتحدث البعض على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قد أخذ هذه الآية من هذا الكتاب وتلك الآية من ذلك الكتاب ، وقد لاحظنا أن ~~القرآن قد صرح عن وجود بعض الأحكام في التوراة ، كما في القصاص ، وهذا ما ~~يجعل من الإسلام رسالة جامعة للرسالات مع بعض الاختلاف في الحاجات الطارئة ~~التي تفرض إحداث اجتهاد جديد أو تبديل مفهوم قديم. # وربما نستفيد من الحديث عن القرآن بأنه مصدق الذي بين يديه ، أن هذا ~~الحديث موجه إلى اليهود والنصارى الذين يحتفظون بالتوراة والإنجيل ليقارنوا ~~بين القرآن وبين الكتابين ، ليجدوا صدق هذه الدعوة. فإذا عرفنا أن الكتاب ~~الذي بأيدينا من التوراة والإنجيل هو الكتاب الذي كان بأيديهم في زمن ms0912 ~~الدعوة ، فإننا نخرج من ذلك بنتيجة واضحة ، وهي أن الإنجيل أو التوراة لم ~~يحرفا بالدرجة التي لا يبقى فيها مفهوم صحيح من مفاهيم الرسالة أو آية ~~سالمة من التحريف من آياتهما ، بل إنهما يتضمنان الكثير من النصوص الصحيحة ~~والمفاهيم الحقة التي تصلح أن تكون أساسا للمقارنة بينها وبين القرآن ~~لمعرفة صدقه من خلال اشتماله على ما في التوراة والإنجيل ، ليكون التحريف ~~مختصا ببعض الجزئيات كالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك. ~~ولو لا ذلك ، لما كان هناك مجال للاحتجاج بهما على صدق القرآن لاختلاف ~~مفاهيمهما بلحاظ التحريف عن مفاهيم القرآن ؛ والله العالم. # ( @QUR@05 وأنزل التوراة والإنجيل من قبل ) إنزال القرآن ( @QUR@02 هدى ~~للناس ) الذين يريد الله لهم أن ينطلقوا في حياتهم في نور من الفكر الحق ~~مما لا يملكون الوصول إليه بعقولهم لأنها تفقد الوسيلة إليه أو لأنها لا ~~تستقيم دائما في إدراكه بالدقة والعمق ، فكانت الرسالات وسائل الهدى التي ~~تعرفهم حقائق الغيب وأسرار العقيدة ودقائق التشريع ، لتكون حياتهم صورة لما ~~أراد الله لهم PageV05P212 # أن ينهجوه ويفهموه ويعتقدوه كما أراد لهم أن يعملوه ، فلا يضيعوا في ~~متاهات الضلال التي يتخبطون فيها في دروب الضياع ( @QUR@02 وأنزل الفرقان ) ~~الذي يمثل القاعدة الفكرية التي تبين الفواصل بين الحق والباطل والخير ~~والشر من خلال الخطوط العامة والخطوط التفصيلية ، وذلك هو شأن الكتب ~~الإلهية المنزلة على الرسل التي أنزلها الله ليعرف الناس الحق من الباطل ~~وليأخذوا بهذا عن بينة ويبتعدوا عن ذاك عن بينة ، من دون لبس واشتباه. وهذا ~~هو الخط العملي للمؤمنين بالله ، المنفتحين على رسالاته ، العاملين في ~~سبيله ، السائرين على خطه ، المجاهدين من أجل الحصول على رضوانه والفوز بجنته. # * * * ### ||| ** الكافرون لهم عذاب شديد # ( @QUR@05 إن الذين كفروا بآيات الله ) الدالة على توحيده وعلى الحجج ~~القائمة على صدق رسله واستقامة شرائعه وعلى اليوم الآخر ( @QUR@03 لهم عذاب ~~شديد ) في الدنيا والآخرة ، فقد يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم وأوضاعهم ~~العامة والخاصة وعلاقاتهم بالناس والحياة ، فيعيشون الحياة حزنا وألما ~~وتعبا وكآبة ويأسا ومرضا يمنعهم من الأخذ بطيبات الحياة ms0913 وهي بين أيديهم ومن ~~الحصول على مواقعهم الكبرى وهي في متناولهم كما قال تعالى : ( @QUR@016 ولا ~~تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون ) [التوبة : 85] ، وهناك في الآخرة العذاب الأكبر في نار ~~جهنم التي يصلاها الأشقى الذي لا يموت فيها ولا يحيى ( @QUR@02 والله عزيز ~~) بقدرته على كل شيء والتي لا يمتنع منها شيء ولا يبلغ مداها شيء ، ولا ~~يغلبها شيء ، ولذلك كانت العزة لله جميعا ، فهو الذي يعطيها لمن يشاء من ~~عباده ويمنعها من يشاء ( @QUR@02 ذو انتقام ) من غير انفعال في الذات أو ~~عقدة في القلب أو تشف ، PageV05P213 # لاستحالة ذلك منه ، لعلوه عن كل الحوادث وعن كل صفات المخلوقين. # إن هذا الإحساس السلبي ينطلق بنا من رد الفعل عن الضرر الواقع من المعتدي ~~، ولكن انتقامه يتمثل في الجانب العملي في مجازاة المسيء بإساءته من خلال ~~الحكمة في ذلك ، لأن ساحته أعز وأعلى من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده. # ( @QUR@011 إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) فهو ~~المطلع على كل عباده في سرهم وعلانيتهم ، في كفرهم وإيمانهم ، في طاعتهم ~~ومعصيتهم ، كما هو مطلع على كل شيء في الكون في الأرض وفي السماء ، فلا بد ~~للناس من أن يراقبوه في كل ما يعملون ، وفي ما يسرون وما يعلنون ، وأن ~~يحسبوا حساب عذابه في ذلك كله. ( @QUR@07 هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء ) فهو الذي يبدع وجودكم بكل خصائصه ويمنحكم الصورة التي يشاؤها بحكمته ~~، وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، من ذكورية وأنوثية ، وجمال وقبح ، وطول أو ~~قصر ، أو ذكاء وبلادة ، أو حدة أو برودة ، في صورة مادية أو معنوية ( ~~@QUR@04 لا إله إلا هو ) الخالق البارئ المبدع المصور ، فلا يشاركه في خلقه ~~أحد ، ولا يساعده في إبداع الصورة غيره ( @QUR@01 العزيز ) في سلطانه ( ~~@QUR@01 الحكيم ) في أفعاله ، فلا يصدر منه إلا ما كان في عمق الحكمة التي ~~تضع الأمور في مواضعها وتبدع الأشياء بأسرارها. # وهكذا تنطلق الوحدانية الإلهية في وعي وجدان الإنسان لينفتح ms0914 على الله ~~وحده في كل أموره ، وليراقبه في كل حركاته وسكناته ، وليشكره على جميع نعمه ~~في وجوده ، فليست هناك نعمة إلا منه ، فهو الأول والآخر في كل وجود الإنسان ~~أولا وأخيرا. # * * * PageV05P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@046 هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) @QUR@015 ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) @QUR@013 ~~ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 محكمات ): المحكم مأخوذ من قولك : أحكمت الشيء إذا ثقفته ~~وأتقنته بحيث لا ينفذ الخلل إليه. والمراد بها واضحات الدلالة ، فلا مجال ~~للاشتباه فيها. # ( @QUR@02 أم الكتاب ): الأم بحسب أصل معناها ما يرجع إليه الشيء ، ولذا ~~قوله : أم الكتاب ، أصله المعتمد عليه في الأحكام. # ( @QUR@01 متشابهات ): جمع المتشابه ، الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض ، أخذ PageV05P215 # من الشبه لأنه يشتبه به المراد ، والمقصود بها الآيات التي لم يرد منها ~~المعنى الظاهر ، بل كانت الدلالة فيها مبنية على خلاف الظاهر من خلال ~~القرائن المحيطة بها. وأما الآيات المحكمات فهي التي تمثل المعنى الأم الذي ~~يفسر كل المعاني الواردة في المشتبهات. # ( @QUR@01 زيغ ) ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة ، والتزايغ : التمايل ~~في الأسنان. # ( @QUR@01 ابتغاء ): الابتغاء : الطلب. # ( @QUR@01 الفتنة ): أصلها الاختبار ، تقول : فتنت الذهب بالنار ، أي ، ~~اختبرته ، وقيل معناه ، خلصته ، والمقصود بها فتنة الناس عن دينهم ، أو ~~التلبيس عليهم لإضلالهم بالكفر ونحوه. # ( @QUR@01 تأويله ): التأويل التفسير ، وأصله المرجع والمصير من قولهم : ~~آل أمره إلى كذا يؤول أولا ، صار إليه ، والمقصود إرجاع المعنى في الآيات ~~إلى غير ما انطلق منه من الحق إلى خلافه. # ( @QUR@03 والراسخون في العلم ): الرسوخ : شدة الثبات و «الراسخون في ~~العلم» هم الثابتون والمتمكنون فيه ، المتفقهون والمتعمقون في الدين. # ( @QUR@02 أولوا الألباب ): أصحاب العقول. # * * * ### ||| ** المحكم والمتشابه والتأويل # لقد دار جدل كثير حول ms0915 المراد من كلمات «المحكم» و «المتشابه» و «التأويل» ~~الواردة في الآية الأولى موضوع النظر والتأمل ، كما تعددت وتنوعت الآراء ~~حول معانيها ، الأمر الذي أدخلها دائرة الإجمال. ونحن هنا نريد استيحاء ~~الفكرة العامة للآية من خلال الجو الذي يحيط بها والسياق الذي PageV05P216 # تتحرك فيه. # * * * ### ||| ** السياق العام للآية # فقد نلاحظ في ما سبقها من آيات ، أن الحديث انطلق في سياق اعتبار الكتاب ~~الذي أنزل على رسول الله هدى للناس كغيره من الكتب السابقة عليه ، مما ~~يجعله مبينا لكل المفاهيم الأساسية التي ذكرت في التوراة والإنجيل ، لأنه ~~مصدق لهما في ذلك كله ، ذلك هو طابعه العام في ما أريد به من تغيير المسار ~~الإنساني على صورته. أما في الآيتين اللتين بعدها ، فنلاحظ أن هناك دعاء ~~ينبع من أعماق الروح التي تعيش الإحساس بالقلق على القلب أن يزيغ في ما ~~يمكن أن يثأر أمامه من شبهات في المفاهيم التي يقررها الكتاب في ما يقرره ~~من حقائق العقيدة والحياة ، ومن إشكال في بعض الكلمات التي قد تختلف ~~دلالتها على المعنى الحقيقي ، مما يوجب السير في طريق الضلالة بعد أن ~~انطلقت الخطى في طريق الهدى. # إن الدعاء يبتهل إلى الله سبحانه أن يهب للإنسان الرحمة التي تمثل انفتاح ~~الإنسان على الحق والفهم الواعي البعيد عن تعقيدات الذات عند ما تحاول أن ~~تنحرف به عن الاتجاه الطبيعي في وعي النصوص ، لأنها قد تعمل على أن تحمل ~~اللفظ ما لا يتحمل من المعنى ، وتضعه في جو غريب عن الجو الذي يتحرك فيه ، ~~فيختلف الفهم حسب اختلاف ذلك ويبتعد كثيرا عن معناه. وبذلك كان لا بد من ~~رحمة الله التي تعطي الإنسان شعورا بالمسؤولية في مجال المعرفة ، كما هي ~~المسؤولية في مجال العمل ، حيث تتفايض في القلب كل الأفكار الطيبة البسيطة ~~التي تواجه الحقيقة ببساطتها من موقع العفوية لا من موقع التعقيد والأفكار ~~المسبقة الناشئة من أوضاع وظروف بعيدة عن إطار اللفظ والمعنى. # * * * PageV05P217 ### ||| ** تحرير فهم القرآن من الأفكار المسبقة # إننا نستلهم من خلال هذا السياق الذي يحيط بالآية ، أن ms0916 هناك خطا أساسيا ~~يجب اتباعه في طريقة الاستهداء بالقرآن إلى المعرفة الحقة ، وهو خط ~~المسؤولية الفكرية والروحية التي تواجه القرآن ، كما لو لم يكن هناك فكر ~~قبله ، لتفهمه بعيدا عن ضوضاء الأفكار السابقة. وبهذا ، نستطيع أن نضع ~~الآية في هذا الجو. # * * * ### ||| ** في القرآن نموذجان من الآيات # فهي تتحدث عن أن الكتاب يشتمل على نموذجين من الآيات ، الآيات المحكمة ~~التي تمثل الوضوح في اللفظ والمعنى بحيث لا تدع مجالا للشك والاحتمال ، ~~والآيات المتشابهة التي تمثل نوعا من أنواع الغموض فيما يمكن أن تحمل عليه ~~ألفاظها ، لأنها تحتمل بعض المعاني الواردة على خلاف ما وضعت له لغة ، مما ~~يجعل القضية مترددة بين أكثر من مفهوم ، وذلك قد يكون بملاحظة طبيعة اللفظ ~~، أو بملاحظة طبيعة المعنى. # * * * ### ||| ** نموذج القلوب الزائغة # ثم تثير أمامنا قصة أولئك الذين في قلوبهم انحراف عن خط الهدى ، فهم لا ~~يقرءون الكتاب ليتدبروه وليهتدوا به فيرجعوا متشابهه إلى محكمه ، حيث يكون ~~الإحكام هناك دليلا على تفسير التشابه هنا ، بل يحاولون أن يقرءوه قراءة ~~الإنسان المعقد تجاه الرسالة والرسول والناس الذين آمنوا بهما ، فهم يعملون ~~على إيجاد الارتباك في المفاهيم ، بالانحراف بها عن مدلولها PageV05P218 # الحقيقي ، لإفساح المجال لفتنة المسلمين عن دينهم باسم الدين. ولذلك ~~كانوا يتبعون المتشابه ، لا اتباع العمل والهدى ، بل اتباع الفرصة السانحة ~~لتنفيذ المخطط الضال ، لأنه هو الذي يمكنهم من الفتنة بما يفتحه أمامهم من ~~مجالات التفسير الذي لا تسمح به الآيات المحكمة لما تشتمل عليه من الوضوح. # ولعل ما تقدم من ذكر أسباب النزول ، بمناسبة الكلام على الآيات 1 6 ، ~~يوضح الصورة ، فقد نستوحي من القصة ، أن هؤلاء كانوا يحاولون أن يختاروا من ~~آيات القرآن ، الآيات التي تتحدث عن عيسى بأنه روح الله ، وبأنه كلمة الله ~~التي ألقاها إلى مريم ، ونحو ذلك ، مما يمكن أن يترك لهم مجالا بأن يلبسوا ~~الأمر على البسطاء في ما تعنيه هذه الكلمات من وجود جزء من الألوهية في ~~ذاته أو ما أشبه هذا من التأويلات والتعليلات. وهذا هو شأن كل صاحب ms0917 فكرة أو ~~عقيدة ، فإنه يحاول أن يجر الآخرين إليه من خلال الاستفادة من بعض الكلمات ~~التي تسمح بالتفسير الفضفاض الذي يقف الإنسان معه عند حد معين واضح ، ~~لتضليلهم عن الحق ، باسم آيات الحق. وهذا هو الذي أوجب الاختلاف في المذاهب ~~الإسلامية في الجبر والتفويض والتجسيم # ورؤية الله وغيرها من المفاهيم التي وقعت مجالا للنزاع بين المسلمين ، ~~فحاول كل فريق أن يستفيد من بعض الآيات القرآنية التي قد تفسر على هذا ~~النحو أو ذاك في ما يلائم اللفظ من تفسير. وهذا ما عبر عنه الإمام علي ~~عليه السلام في بعض كلامه : «لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه» (1). PageV05P219 ### ||| ** نموذج الراسخين في العلم # أما ( @QUR@03 الراسخون في العلم )، هؤلاء الذين أعطاهم الله الرؤية ~~الواضحة للأشياء ، فإن شأنهم شأن العلماء الذين لا يصدرون حكما في موضوع ~~إلا بعد التدبر والتأمل والبحث والتدقيق في جميع وجوهه ، الأمر الذي يجعلهم ~~يقارنون بين مفهوم وآخر ، وبين نص هنا ونص هناك ، مما قد يوحي بالتنافي ~~والتنافر ، فيحاولون الجمع بينهما من خلال اكتشاف الحقائق الأساسية الواضحة ~~، وإرجاع كل الأمور والنصوص الأخرى إليها في عملية تفسير للفظ على الأسس ~~الفنية للكلام ، بحيث لا تبتعد عن القواعد العربية ، ولا تنحرف عن المفهوم ~~السائد في فهم المعنى من اللفظ ، وبذلك لا يكون التأويل حملا للفظ على خلاف ~~ظاهره بالطريقة التي تحول الكلام إلى ما يشبه الأدب الرمزي الذي لا يكون ~~اللفظ فيه قالبا للمعنى ، بل يكون التأويل إرجاعا للفظ إلى معناه ، في ما ~~يزعمه هؤلاء من تأويلات الباطل عند ما يرجعونه إلى معانيه الباطلة ، أو في ~~ما توحي به الآيات الأخرى الواضحة الدلالة في ما تقرره من حقائق العقيدة ~~والحياة وما يكتشفه ( @QUR@03 الراسخون في العلم ) من معناه الذي علمهم ~~الله إياه. وبهذا يقترب من معنى التفسير الذي يضع اللفظ في موقعه من حيث ~~دلالته على المعنى الذي لا يختلف مع المعنى الآخر الحقيقي. # * * * ### ||| ** التأويل ليس محصورا بالله فقط # ونستطيع من خلال ذلك أن نعرف عطف كلمة ( @QUR@03 الراسخون في العلم )، PageV05P220 # على كلمة ms0918 «الله» ، خلافا لمن قال بأن الواو استئنافية واعتبار كلمة ~~«الراسخون» بداية لجملة جديدة مفصولة عن الجملة الأولى ، مع التزامه بأن ~~حصر علم التأويل بالله لا يعني عدم مشاركة الراسخين له في ذلك من خلال ~~تعليمهم إياه من عنده ، تماما كما هو علم الغيب الذي اختص به الله سبحانه ~~ولكنه أعطاه لمن ارتضى من رسول في ما خصه به من علم. # إننا نعتقد أن ورود كلمة «الراسخين في العلم» بالإضافة إلى جو الآية ، ~~يوحي بما قلناه ، وذلك لأن هذه الصفة لا دور لها إذا لم يكن للراسخين في ~~العلم من دور إلا الإعلان بأن المحكم والمتشابه من عند الله تعالى ، بل هو ~~منطلق من خلال صفة الإيمان التي تعني التسليم بكل ما جاء به الله. أما إذا ~~كانت معطوفة على كلمة الله بحيث تدل على أنهم يعلمون تأويل القرآن في ما ~~تشابه من آياته ، فإنها توحي بأن رسوخهم في العلم جعلهم يتدبرون القرآن ~~فيفهمون التناسب بين آياته في ما تمثله من حقائق العقيدة والحياة ، وبذلك ~~لا يجدون في آية واحدة منها ما يبتعد عن المعنى الذي توحيه الأخرى ، وبهذا ~~يكون للإيمان بأنها جميعا من عند الله ، معنى مناسب للتدقيق في معرفة طبيعة ~~المعنى هنا وهناك. # إن هذا الإيمان ، إذا لم يكن ممثلا لقناعة صاحبه ، فلا يفرض ضرورة للجمع ~~بين النصوص ، فيمكن في حالة اختلاف المصدر ، أن يكون المعنى هنا يختلف عن ~~المعنى هناك. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن القرآن قد جاء هدى للناس ، ~~يفتح قلوبهم على المعرفة الحقة التي يريدها الله للحياة ، فلا بد من أن ~~يكون بطبيعته هاديا للوصول إلى الحقيقة ، بحيث يكون أساسا للحجة والبرهان ~~على الحق من دون حاجة إلى وسائل غير عادية. وهذا مما لا يتناسب مع اختصاص ~~العلم بالله ليكون حاله حال العلم بالغيب الذي لا يستطيع الإنسان أن يصل ~~إليه إلا من قبل الله ، فلا يملك أية وسيلة ذاتية إليه. وهذا لا يتناسب مع ~~طبيعة القرآن ودوره في هداية الناس PageV05P221 # إلى التصور الصحيح ms0919 في ما يريد الله لهم أن يؤمنوا به أو يرفضوه. وربما ~~كان في الدعاء الذي يعيش في أعماق هؤلاء الراسخين في العلم ، دلالة على ذلك ~~، فإنه يوحي بالحالة النفسية التي يعيشها العالم الذي يعمل على اكتشاف ~~حقيقة مقدسة تتصل بوحي الله ، فهو يشعر بحركة الفكر من خلال المسؤولية في ~~جو مليء بالرهبة والخوف من الوقوع في الخطأ من حيث لا يريد ، انطلاقا من ~~حالة ذاتية لا شعورية تقوده إلى الخطأ من موقع الصواب ، فهو في هذه الحالة ~~يبتهل إلى الله أن يعصمه من حالات الزيغ والانحراف ، بأن يلهمه الفهم ~~الواعي المسؤول ويهب له الرحمة التي تفتح قلبه على الحق والخير وتجنبه ~~الوقوع في قبضة الشر والباطل. ثم يتصاعد الشعور في نفسه أمام المشهد الرهيب ~~الذي يجمع الله فيه الناس ليوم لا ريب فيه ، فإن الله قد وعد عباده بذلك ~~وهو لا يخلف الميعاد. # * * * ### ||| ** خلاصة واستنتاج # ومن خلال هذا العرض ، نستطيع أن نقرر بأن الإحكام في الآية كما هو في كل ~~شيء ، أن يكون هناك إتقان لا يسمح بأية ثغرة تسيء إلى تكامل الشيء وتوازنه. ~~ومن الطبيعي أن إحكام كل شيء بحسبه. أما المصاديق فهي خاضعة للإحصاءات ~~الدقيقة التي يكتشفها الفهم الواعي السليم. وأما التشابه ، فإنه يمثل وجود ~~حالة في اللفظ أو في المعنى توحي بحالتين متماثلتين ، بحيث لا يكون هناك ~~خصائص واضحة توضح طبيعة الصورة ، مما يثير في الجو إمكانية الالتباس ~~والتردد بين الأمرين بالنحو الذي يسمح بالاستغلال لمن يريد ذلك لمرض في ~~قلبه أو هوى في نفسه. وأما التأويل ، فإنه يعني إرجاع الشيء إلى مصدره ~~وحقيقته ، لكن لا على نحو التفسير PageV05P222 # الباطني الرمزي ، بل على نحو التفسير الذي يتناسب فيه اللفظ والمعنى ~~بالمقارنة مع نص آخر واضح الدلالة على المطلوب. # وربما أطلق التأويل والباطن على استيحاء المعنى الذي نزلت الآية فيه إلى ~~أجواء شاملة يمتد بها إلى كل ما يماثله في حركة المستقبل في حقائق الحياة. ~~وبهذا كثرت الأحاديث عن هذا الموضوع بأسلوب أن القرآن يجري مجرى الشمس ~~والقمر ms0920 والليل والنهار. # * * * ### ||| ** المتشابه والمجمل # ( @QUR@04 هو الذي أنزل عليك ) يا محمد ( @QUR@01 الكتاب ) القرآن الذي ~~أراده الله هدى للناس في انفتاح آياته على آفاق المعرفة وحقائق العقيدة ~~ودقائق الأشياء ، وفي تنوع أساليب دلالاتها على الفكرة من خلال خصائص اللغة ~~العربية التي تتنوع دلالات ألفاظها على المعاني من حيث الوضوح والخفاء تبعا ~~لحاجات التعبير التي تختلف فيها الحقيقة عن المجاز ، وتتنوع فيها عناوين ~~الاستعارة والكناية في الأساليب البلاغية التي تمنح الكلام رونقا وحلاوة ~~وحركة فنية ، قد تتعب الفكر في استجلاء المعنى ، ولكنها تبتعد به عن متاهات ~~الاحتمالات ، لأنها ترتكز على الحقيقة الواضحة في إرجاعها إلى معانيها ~~الأصلية في الحقائق القرآنية الواضحة. ( @QUR@01 منه )، أي من الكتاب ، ( ~~@QUR@02 آيات محكمات ) واضحات الدلالة على المعاني ، فلا مجال فيها لأي لبس ~~في التفسير ولأي غموض في المعنى أو أي احتمال بعيد. PageV05P223 # ( @QUR@03 هن أم الكتاب ) أي القاعدة التي ترجع إليها كل الآيات في ~~معناها ، باعتبارها تمثل الحقيقة الحاسمة التي لا ريب فيها ولا التباس يمكن ~~لأصحاب القلوب الزائغة استغلالها لحرف الناس عن جادة الحق والصواب. فعند ~~هذه الآيات الأصل تلتقي كل حقائق المعرفة ، وإليها ترجع كل الاحتمالات. ( ~~@QUR@02 وأخر متشابهات ) لا تملك من الوضوح في الدلالة على معناها ما تملكه ~~الآيات المحكمات ، فقد يتردد معناها بين نوعين من المعاني من حيث تبادر ~~المعنى الحقيقي من اللفظ عند إطلاقه ، فيخيل للسامع أنه المراد منه ، ومن ~~حيث وجود بعض القرائن الموحية بالمعنى المجازي أو الكنائي ، وذلك كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) [طه : 5] ، فإن كلمة ~~الاستواء على العرش قد توحي بالجلوس عليه والاستقرار فوقه بالمعنى المادي ~~بما يدل على التجسيم للذات الإلهية ، تماما كبقية الأجسام التي يعرض عليها ~~القيام والقعود. # وقد يكون المراد به الاستواء المعنوي بمعنى السيطرة والهيمنة على الملك ~~من حيث استعارته كلمة العرش للملك وكلمة الاستواء للسيطرة ، فيدور الأمر ~~بينهما ، فنرجع إلى الآية المحكمة التي لا مجال فيها لأي تأويل ( @QUR@03 ~~ليس كمثله شيء ) [الشورى : 11] ، التي تنفي عن الله بكل وضوح وصراحة كل ~~مماثل في الذات ، فتنفي عنه ms0921 مماثلته للمخلوقات في الجسد ، فيتعين المعنى ~~الثاني الذي يبدو واضحا محكما بلحاظ هذه الآية. # وهكذا نلتقي بقوله تعالى : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة ) ~~[القيامة : 22 23] ، فإنها توحي في البداية من خلال معنى الإبصار المنفتح ~~على الله بشكل حسي تماما كما لو كان جسما يرى ، لأن معنى اللفظ بحسب الوضع ~~هو ذلك ، ولكننا إذا قارناه بقوله تعالى : ( @QUR@06 لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار ) [الأنعام : 103] ، التي تدل دلالة واضحة على امتناع إدراك PageV05P224 # الأبصار له ، كانت مفسرة لتلك الآية بأن المراد بالنظر إلى الله ، النظر ~~العقلي أو الروحي ، لا الحسي ، أو النظر إليه من خلال النظر إلى مواقع ~~عظمته ، فيرتفع اللبس وتتضح الصورة كأي لفظ تحيط به القرينة اللفظية أو ~~العقلية على إرادة خلاف ظاهره ، ليتخذ اللفظ لنفسه ظهورا ثانويا ينسبق ~~معناه إلى الذهن ، تماما كما هو المعنى الحقيقي (1). # وهكذا نتمثل المسألة في الآية المنسوخة الظاهرة في امتداد الحكم إلى آخر ~~الزمان كحكم حاسم شامل لكل امتدادات الزمن ، فإذا جاءت الآية الناسخة ، ~~كانت دليلا على إرادة الحكم المحدود من تلك الآية ، ولكن الله أخر تحديدها ~~إلى زمن نزول الآية الأخرى ، بحيث تؤدي المقارنة بينهما إلى وضوح الدلالة ، ~~فتتحول الآية المتشابهة في ذاتها إلى آية محكمة بلحاظ الآية المحكمة ~~الأخرى. # * * * ### ||| ** معنى التشابه # وفي ضوء هذا ، نعرف أن التشابه لا يعني المجمل الذي لا يملك أي ظهور للفظ ~~في المعنى ، كالألفاظ المشتركة وضعا ، أو المحاطة بقرائن مجملة توجب ~~إجمالها ، بل المراد به اللفظ الظاهر في معنى معين في الظهور الأولي ، الذي ~~يراد به معنى آخر ببركة القرينة الواضحة التي تمنحه ظهورا ثانويا ، بحيث لا ~~يشك السامع أو القارئ في مدلوله الحقيقي بعد ذلك ، تماما كما هي قرينة ~~المجاز التي تلحق الكلام فتؤدي إلى ظهوره في المعنى المجازي الجديد. # * * * PageV05P225 ### ||| ** المراد من إحكام آيات القرآن كله # وعلى هذا الأساس ، نفهم المراد من قوله تعالى : ( @QUR@08 كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم ) [هود : 1] ، فقد وصف الله القرآن كله بأنه ~~الكتاب المحكم في جميع آياته ، فيخيل للقارىء ms0922 أو السامع أن هذا مناف للآية ~~المذكورة في عرضنا هذا ، لأنها تقسم الكتاب إلى قسمين ( @QUR@08 منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) فإن المراد من إحكام آيات القرآن كله ~~، هو مجموع الآيات التي لا تختلف مداليلها ، بل تتكامل عند ضم بعضها إلى ~~بعض ، فيكون بعضها مفسرا لبعضها الآخر وشارحا له ومبينا للمعنى الواقعي ~~الذي أريد منه ما ورد على خلاف ظاهر اللفظ في معناه الموضوع له ، مما يؤدي ~~به إلى الوضوح في النتائج الحاسمة في نهاية المطاف ، فيكون القرآن كله ~~محكما بطريقة مباشرة في بعض آياته ، وبطريقة غير مباشرة في البعض الآخر. # * * * ### ||| ** معنى قوله تعالى : ( @QUR@02 كتابا متشابها ) # وبهذا يتبين معنى قوله تعالى في وصف الكتاب في آية أخرى بأنه «متشابه» ~~وذلك قوله تعالى : ( @QUR@09 كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم ) [الزمر : 23] ، فإن المراد بالمتشابه هنا ، هو الكتاب المنسق ~~في آياته الذي يشبه بعضه بعضا في تبيان الحقائق ، وتركيز المعارف ، ودقة ~~المعاني ، وتناسق الآيات ، وبلاغة الأسلوب ، بحيث يفسر بعضه بعضا ويكمل ~~بعضه بعضا. # * * * PageV05P226 ### ||| ** آيات القرآن تتكامل فيما بينها # ولو لا هذه الملاحظة المذكورة التي ترجع المتشابه إلى المحكم ، وتجعل من ~~المحكم قاعدة فكرية تفسيرية للمتشابه ، لكان القرآن في بعض آياته مجملا ~~غامضا لا مجال للاحتجاج به ، أو للتدبر في آياته ، فكيف يكون نورا وهدى ~~وبيانا وتبيانا لكل شيء. # ولعل الدراسة الواعية الدقيقة للقرآن في كل موضوعاته الفكرية والعقيدية ~~والتشريعية ، ومفاهيمه العامة المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان ~~وعالم الغيب والشهادة ، توحي للقارىء الباحث بأن آيات القرآن تتكامل في ~~بناء الفكر الإسلامي ، فإذا كانت هذه الآية توحي بمعنى في بادئ الأمر ، فإن ~~الآية الأخرى تفسرها لتلتقي به في معنى واحد ، وإذا جاء الحكم الشرعي في ~~بعضها عاما أو مطلقا ، فإننا نلتقي في بعضها الآخر بما يخصصه أو يقيده ، ~~فلا يجد الإنسان فيه اختلافا بين أفكاره أو تنافرا بين آياته أو غموضا في ~~معانية ، بل هو الوضوح الذي يستمد طبيعته من طبيعة الألفاظ في معانيها ~~الموضوعة ، ومن عمق التدبر في ms0923 أغوارها العميقة ، ومن المقارنة الموضوعية ~~بينها في عملية التكامل في حركة الأفكار في بنيتها الأساسية ، وهذا هو الذي ~~أراده الله من عباده في الأمر بالتدبر للقرآن في قوله تعالى : ( @QUR@013 ~~أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ~~[النساء : 82] ، فإن إدراك هذه الحقيقة ، تفرض على الإنسان أن يدرس القرآن ~~كله في جميع آياته وموضوعاته ليأخذ الفكرة الكاملة ، وأن يتعمق في دراسته ~~بعيدا عن القراءة السطحية ، ليعرف كيف يجعل الآية هنا ، مفسرة للآية هناك ، ~~أو يأخذ من هذه الآية جانبا من المعنى ويأخذ من الأخرى جانبا آخر ، وذلك من ~~خلال الثقافة الواسعة العميقة في اللغة العربية التي تربي له ذوقه PageV05P227 # اللغوي ، بحيث يفهم المعاني من الألفاظ من خلال أسرار اللغة في دقائقها ~~وتنوعاتها ، ومن خلال الذهنية المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان ؛ ~~الأمر الذي يملك معه فهم القرآن في الجانب اللغوي والفكري والعملي معا في ~~كل آياته المحكمة والمتشابهة. # * * * ### ||| ** المنحرفون يفسرون القرآن بأهوائهم # وهذا ما يحمي الإنسان من الانحراف في وعي الأسلوب القرآني في الفهم ~~والتفسير ، فيبتعد به عن الطريقة التي يتأول بها اللفظ الدال على معنى في ~~غير الاتجاه الذي انطلق فيه ، من غير دليل قرآني يوحي به أو يدل عليه ، ~~لأنه يريد أن يجعل القرآن حجة على ما يفكر به أو ينتمي إليه ، فيستغل ~~قابلية اللفظ له ، فيحمله عليه ، في الوقت الذي لا يستطيع القارئ الواعي أن ~~يفهم منه ذلك بطريقة طبيعية. ( @QUR@05 فأما الذين في قلوبهم زيغ ) وميل عن ~~خط التوازن في الفكر والاستقامة في الخط ، من هؤلاء الذين يعيشون الارتباك ~~الفكري والقلق الروحي والضياع العملي ، فلا يلجأون إلى ركن وثيق من الحجة ~~القاطعة الواضحة ، ولا ينطلقون من فكر عميق واسع ، ومن خط مستقيم واضح ، ~~فهم لا يتحركون من موقع إيمانهم بالحقيقة الواقعية التي تناديهم في ~~إيحاءاتها الفكرية الإنسانية للبحث عنها والسعي إليها ، بل يتحركون من خلال ~~تلبية حاجاتهم ، وتحريك أطماعهم وتوجيه طموحاتهم نحو الأهداف الخبيثة ، ~~فيبحثون عن أي مبرر للحصول على ما يريدون ، بعيدا ms0924 عن الشروط الأخلاقية لذلك ~~، لأن المهم لديهم أن يقدموا بين أيديهم أية حجة في الصورة الظاهرة حتى لو ~~كانت غير مقنعة ، لأن قناعة الآخرين ليست الهدف لهم ، بل الهدف الأساس هو ~~تضليلهم وتوجيههم نحو الانحراف عن الخط PageV05P228 # المستقيم ، من أجل إرباك الواقع الإنساني وإبعاده عن الانسجام مع رسالات ~~الأنبياء وحركات المخلصين ، ولهذا ، فإنهم يحاولون أن يلعبوا على الألفاظ ~~ويتحركوا بأساليب الدس والتشويه والتهويل ضد الرسل والرسالات ، فيلجئون في ~~تبرير مواقفهم وأوضاعهم إلى المتشابهات التي يمكن أن تثير الجدل بين الناس ~~لقابليتها للتفسير والتأويل. # ( @QUR@04 فيتبعون ما تشابه منه ) للإيحاء بأنهم يرتكزون على القرآن في ~~ما يطلقونه من أفكار وما يخططون له من برامج ، وما يثيرونه من قضايا في ~~الساحة الإنسانية العامة ، لإخفاء نياتهم الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين ( ~~@QUR@02 ابتغاء الفتنة ) التي يحركونها في الجانب الفكري لفتنة المؤمنين عن ~~دينهم الحق لينحرفوا عن خطه المستقيم ، مما قد يؤدي إلى الفتنة الاجتماعية ~~بينهم إذا اختلفوا في فهمهم للإسلام من خلال ذلك فيتفرقون شيعا وأحزابا ~~ومذاهب وطوائف في خط العصبية التي تثير الانفعال ، وتغذي الأحقاد ، وتقود ~~إلى القتال ( @QUR@02 وابتغاء تأويله ) وإرجاعه إلى المصادر التي يرتكزون ~~عليها في أفكارهم ومعارفهم في استغلال للغموض البدوي في الآيات المتشابهة ، ~~كما فعل اليهود في محاولاتهم الدخول على النص القرآني بإثارة التفاصيل في ~~ما أجمله القرآن وتوجيه التفسير ، في ما يحتاج منه إلى التفسير ، نحو ~~العقائد التي يعتقدونها. وقد تركت هذه المداخلات اليهودية الكثير من ~~الإرباكات في التصور الإسلامي للقرآن ممن لم يملكوا المعرفة الواسعة ~~لاكتشاف مواقع الخلل الفكري فيها. وقد جاء في الحديث عن الإمام الباقر ~~عليه السلام ما مضمونه : أن نفرا من اليهود ومعهم حيي بن أخطب وأخوه ، جاءوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحتجوا بالحروف المقطعة «الم» وقالوا : ~~بموجب حساب الحروف الأبجدية ، فإن الألف في الحساب الأبجدي تساوي الواحد ، ~~واللام تساوي (30) والميم تساوي (40)، وبهذه ، فإن فترة بقاء أمتك لا تزيد ~~على إحدى وسبعين سنة ، فقال لهم رسول الله على أساس الحديث ما معناه : PageV05P229 # لماذا ms0925 حسبتم الم وحدها؟ ألم تروا أن في القرآن المص والر ونظائرها من ~~الحروف المقطعة ، فإذا كانت هذه الحروف المقطعة تدل على مدة بقاء أمتي ، ~~فلما ذا لا تحسبونها كلها؟ وعندئذ نزلت هذه الآية (1). # فإذا صحت هذه الرواية ، فإننا نستفيد منها أن هؤلاء يحاولون النفاذ من ~~بعض المواقع القابلة للتأويل إلى إيجاد بعض الأجواء النفسية اليائسة ليعيش ~~النبي والمسلمون معه الإحباط في نظرتهم إلى مستقبل الدين وامتداده في الزمن ~~، كما أنهم يحاولون في مواقع أخرى ، أن يفرضوا مفاهيمهم وأقاصيصهم وشرائعهم ~~على الذهنية الإسلامية من خلال محاولتهم إرجاع بعض الآيات القرآنية إلى ~~المصادر التي يؤمنون بها ويرتكزون في عقائدهم الدينية عليها. # وهذا ما نلاحظه في المحاولات التي حاول فيها نصارى نجران حسب الرواية ~~السابقة الاستفادة من «كلمة الله وروحه» الواردة في القرآن في الحديث عن ~~السيد المسيح ، للاحتجاج على بعض عقائدهم في «التثليث» و «ألوهية المسيح» من ~~دون ملاحظة للآيات الأخرى المصرحة بنفي الألوهية والتثليث معا واعتبار ~~الاعتقاد بهما كفرا مرفوضا في الإيمان الإسلامي ، وهذا ما يحاوله البعض من ~~علماء النصارى من اعتبار الإسلام بدعة نصرانية ، وتأويل النصوص القرآنية ~~لمصلحة العقيدة النصرانية للإيحاء بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~نصرانيا مبتدعا يستوحي الإنجيل في قرآنه بطريقة معينة لا تبتعد عن العقيدة ~~النصرانية الأم ، وذلك بالتلاعب على الألفاظ بتفسيرها بطريقة معينة أو ~~تحويرها لشكل معين. PageV05P230 # وهذا ما نلاحظه في المداخلات التي يقوم بها العلمانيون المسلمون الذين ~~يحاولون إخضاع القرآن للكثير من أفكارهم العلمانية وللخطوط الفكرية الغربية ~~الحديثة بما يبرر الكثير من التشريعات والمفاهيم والخطوط الفكرية والعملية. # * * * ### ||| ** تساؤلات حول الموقف من التأويل # وتبقى أمامنا مسألة حيوية مهمة في هذا النص القرآني في كلمة «التأويل» ، ~~فقد وردت في هذه الفقرة بطريقة سلبية من خلال ما يحاوله الذين في قلوبهم ~~زيغ من تأويل المتشابه لمصلحة أفكارهم المضادة للإسلام ، كما وردت بطريقة ~~إيجابية في الفقرة التالية ( @QUR@08 وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ~~في العلم ). مما يوحي بأن لهذه الآيات تأويلا يكشف حقائقها الغامضة. كما ~~وردت ms0926 هذه الكلمة في قصة موسى عليه السلام مع صاحبه الذي يقال إنه «الخضر» في ~~حديثه معه حول ما استغربه موسى عليه السلام واحتج عليه من أفعال صاحبه في ~~السفينة التي خرقها ، والغلام الذي قتله والجدار الذي أقامه من دون أن يأخذ ~~عليه عوضا ، فقد قال له تفسيرا لذلك ( @QUR@012 قال هذا فراق بيني وبينك ~~سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) [الكهف : 78]. وقال له بعد فراغه من ~~حديثه معه ( @QUR@07 ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) [الكهف : 82] ، وقد ~~وردت في قصة يوسف عليه السلام مع أبيه يعقوب ( @QUR@011 يا أبت هذا تأويل ~~رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) [يوسف : 100] ، وهي إشارة إلى رؤياه في ~~بداية القصة ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@016 إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) [يوسف : 4]. PageV05P231 # وهكذا نلاحظ حديثه مع صاحبي السجن عند ما طلبا منه تأويل رؤياهما ، وحديث ~~الملك عزيز مصر عن تأويل رؤياه ، وتذكر الذي نجا من السجن ليوسف ومجيئه ~~ليطلب منه تأويل رؤيا الملك التي فتحت له من خلال تأويله الباب إلى حكم مصر ~~، وقد تكررت الآيات في الحديث عن هذا العلم تأويل الأحلام الذي أطلق عليه ~~تأويل الأحاديث ، مما وهبه الله ليوسف في قوله تعالى : ( @QUR@07 وكذلك ~~يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ) [يوسف : 6] ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) [يوسف : 21] ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 وعلمتني من تأويل الأحاديث ) [يوسف : 101]. # وقد وردت الكلمة في الحديث عن يوم القيامة في قوله تعالى : ( @QUR@09 بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) [يونس : 39] وقوله تعالى : ~~( @QUR@017 هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل ~~قد جاءت رسل ربنا بالحق ) [الأعراف : 53]. # * * * ### ||| ** المراد من كلمة «التأويل» # ما هو المراد من هذه الكلمة؟ # هل هناك معنى خفي باطني يختفي في داخلها ليكون الاتجاه في تفسيرها ~~بالحديث عن المعنى الذي قد يعبر عنه في بعض الأحاديث المأثورة ب «بطن ~~القرآن» و «بطونه» من خلال ما قد يتحدث عنه من وجود أكثر من معنى ms0927 للكلمة ~~يمثل أكثر من بطن ، مما قد يتيح الفرصة لكثير من الاحتمالات والمعاني أن ~~تأخذ موقعها في الكلمة القرآنية من خلال ذلك ، إما من خلال أنها لوازم معنى ~~اللفظ بشكل تراتبي بحيث يكون للفظ معنى مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا ~~، وإما من خلال أنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره. ~~فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ PageV05P232 # وإرادة لباطنه بعين إرادته لنفسه ، كما أنك إذا قلت اسقني ، فلا تطلب ~~بذلك إلا السقي ، وهو بعينه طلب الإدراك ، وطلب لرفع الحاجة الوجودية ، ~~وطلب للكمال الوجودي ، وليست هناك أربعة مطالب وأوامر ، بل الطلب الواحد ~~المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الأمور التي بعضها في باطن بعض. الظاهر أن ~~كل هذه النصوص القرآنية ترجع بالكلمة إلى معناها اللغوي الأصيل وهو ~~«الرجوع» ، لأنها مأخوذة من «الأول» ، أي الرجوع إلى الأصل ، وذلك بإرجاع ~~الكلمات والأحداث والأشياء إلى أصولها التي انطلقت منها في الواقع مما ~~يتمثل في الحاضر أو في المستقبل. # فقد يتكلم الإنسان بكلمة تنطوي في مضمونها على أسرار وخفايا معينة في ~~خلفياتها وأهدافها ، فيكون الحديث عن ذلك كله تأويلا من خلال إعادة المعنى ~~إلى نصابه في الوجدان أو في حركة الواقع. ولذلك فإنه يصح السؤال لمن قد ~~يستنكر الكلمة ما هو تأويل كلامك ، في التعبير عما يمكن أن يختزنه من ~~خلفيات وأسرار خفية في النفس أو في الواقع. # وقد يقوم الإنسان بعمل معين كما في تجربة صاحب موسى معه ، فيحتاج إلى ~~تبريره وتفسيره من خلال السر الذي يكمن في خلفياته ، أو يرى رؤيا لا يعرف ~~مغزاها أو نتائجها ، فيكون التعبير التفسيري حديثا عما ينتظر صاحبها من ~~أحداث مستقبلية تتصل بحياته أو حياة الآخرين أو يكون الواقع المستقبلي في ~~تجسيده للصورة الرؤيوية تأويلا لذلك. # وهكذا يتحدث القرآن عن أحداث يوم القيامة التي بلغها الرسل للناس ~~فأنكروها ليرى الناس تأويلها من خلال الواقع الذي يطابقها ويوحي بها ، وهو ~~الأصل الواقعي الذي انطلق الإخبار منه في مستقبل أمرهم عند ما يقفون في ~~ساحة القيامة ليعرفوا ms0928 صدق الرسل في ما أخبروا به أو بلغوه من الحديث عن ~~الله واليوم الآخر وعن كل تفاصيل العقيدة. وهكذا نجد تأويل كل شيء PageV05P233 # بحسبه مما يمتلك الآخذون به والمتحدثون عنه معرفته تبعا لما يعلمونه من ~~أصول الأشياء ومصادرها ، فقد يختزن المستقبل بعضها مما لا يملك معرفته إلا ~~الله ، أو ممن عرفهم الله سرها إلهاما أو وحيا أو من خلال ما عرفهم من ~~علامات الأحداث وأسبابها وخلفياتها أو مما أمكنهم الاطلاع عليه بوسائلهم ~~الخاصة ، ومنه الثقافة العملية الممتدة في عمق الأمور وخلفيات القضايا ~~وأسرار النفس الإنسانية. # وفي ضوء ذلك ، يكون المقصود من تأويل هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ، هو ~~إرجاع الأمور إلى غير حقيقتها ، وتحويلها عن مصادرها الحقيقية في النفس وفي ~~الواقع ، وتحريف النص عن مساره الطبيعي في الإنسان والحياة. # وبما ذكرناه من تفسير التأويل ، يتضح صحة ما أشرنا إليه سابقا من أن ~~(الواو) في قوله تعالى : ( @QUR@03 والراسخون في العلم ) للعطف كما هو ~~الأصل فيها لا للاستئناف كما ذهب إليه جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة ~~وابن عمر ، حيث كان رأيهم الوقوف على لفظ الجلالة ، وأما «الراسخون في ~~العلم» فكلام مستأنف ، يقولون : آمنا به ، لأنه تعالى وصفهم بالتسليم ~~المطلق لله تعالى ، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض. # وقد جاء في رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ، ولكن نزل ~~يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم به فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به» (1) ~~مما قد يوحي بأن المتشابه مما لا يفهمه الناس ، فقد استأثر الله بعلمه. # * * * PageV05P234 ### ||| ** وقفة مع صاحب الميزان # وقد وافقهم في هذا الرأي صاحب تفسير الميزان ، الذي يرى أن المعنى في ~~الآية : «أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان : فمنهم من يتبع ما تشابه منه ~~ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه : آمنا به كل من عند ربنا ، وإنما ~~اختلفا لاختلافهم ، من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم» ms0929 (1). # ولكننا نلاحظ على كلامه ، بالإضافة إلى ما قدمناه في صدر تفسير الآية ، ~~أن الإشكال على حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم الناس من الكتاب إلى ~~جماعة تتبع المتشابه لاستغلاله في غير الحق ، من خلال زيغ قلوبهم وانحرافهم ~~عن خط الاستقامة ، وجماعة ثابتة على اتباع المحكم والإتيان بالمتشابه لرسوخ ~~في علمهم ، ويستفاد من الآية كما ذكرنا ذلك أن القصد الأول في ذكر الراسخين ~~في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من ~~حال الزائغين وطريقتهم وذمهم ، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ~~، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك. # ولكنه لا يمانع من أن الراسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على ~~طريقة الاستثناء من القاعدة ، فإن «العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه ~~تعالى ، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه ، كما أن الآيات دالة على ~~انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه ، كما في قوله تعالى : ~~( @QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا* إلا من ارتضى من رسول ) ~~[الجن : 26 27] ، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى «الراسخون في العلم» بعينهم ~~، إذ لا منافاة بين أن تدل هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم ، وهو PageV05P235 # الوقوف عند الشبهة والتسليم في مقابل الزائغين قلبا ، وبين أن تدل آيات ~~أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته» (1). # وخلاصة الإشكال ، أن السياق في هذه الآية يتحرك في دائرة الحديث عن ~~الكتاب وانقسام الناس حوله ، كما ذكر ولكن الظاهر أنها في مقام بيان الموقف ~~منه تؤكد أن هناك من لا يؤمن بالكتاب ويحاول إضلال الناس البسطاء باستغلال ~~المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة من دون أن ~~يملكوا علم ذلك ، لأنهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدس ~~ليتدبروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع من خلال مصادر العلم ~~لديهم ، ومنها وحي الله وإلهامه في تفسير آياته ، فهم لا يجدون أية ضرورة ~~أو أي حافز ms0930 لذلك ، ( @QUR@03 والراسخون في العلم ) فإنهم انطلقوا في ~~إيمانهم من خلال معرفتهم بالله وبكتابه ، ولذلك فإنهم يواجهون المتشابه من ~~موقع إيمانهم بأن الكتاب من عند الله ، في محكمه ومتشابهه ، فلا تختلف ~~آياته ، ولا تتنافر معانيه ، مما يجعل بعضه يفسر البعض الآخر. ولذلك فإنهم ~~يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكدوا إيمانهم وإيمان الناس به ، فيعلنونه في ~~موقع حاسم لا مجال للشك فيه ، ليقولوا آمنا به كل من عند ربنا الذي جعل ~~المحكم ، الذي «هو أم الكتاب» ومصدره ومرجعه ، دليلا على المتشابه ، ~~وجعلهما معا نورا وهدى للناس ، فليست مسألة تسليم إيماني مجرد ، بل هو ~~تسليم عقلي واع في الإيمان ، ولذلك ضم المحكم إلى المتشابه ، مع أن الإيمان ~~، به كان منطلقا من حالة وعي لا من حالة تسليم أعمى ، مما يؤكد هذا الوجه ، ~~الذي نرتأيه ويذهب إليه جمهرة من الصحابة كابن عباس وبعض القدماء والشافعية ~~ومعظم المفسرين من الشيعة. PageV05P236 # إن اعتبار التأويل في الآية مختصا بالله ، لا يتناسب مع تفسير العلامة ~~الطباطبائي للمتشابه بأنه «كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع ~~بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع محكمات الكتاب ، فتعين هي ~~معناها وتبينها بيانا ، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية ~~المحكمة ، والآية المحكمة محكمة بنفسها» (1). فإذا كان المتشابه في القرآن ~~كله محكما واضحا ببركة المحكم ، فكيف يكون مما اختص الله بعلمه ، كعلم ~~الغيب ، فإن الغيب مما استأثر الله بعلمه فلا طريق إليه إلا من خلاله. أما ~~المتشابه ، فيمكن للراسخين في العلم أن يعرفوه من خلال رده إلى المحكم الذي ~~يملكون علمه. # وقد ذكر الطبرسي صاحب مجمع البيان تأييدا للقول بالعطف : أن الصحابة ~~والتابعين أجمعوا على تفسير آي القرآن ولم نرهم توقفوا على شيء منه ولم ~~يفسروه بأن قالوا هذا متشابه لا يعلمه إلا الله (2). # وقد ذكر صاحب الميزان ، أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها ~~متشابهة ترجع إلى آية محكمة (3). # ولكن يلاحظ على ذلك ، أن ذكر التأويل السلبي لدى الذين في قلوبهم مرض ، ~~إلى جانب الحديث ms0931 عن المتشابه ، واستغلالهم التشابه الذي قد يحتمل معنى آخر ~~، بالإضافة إلى ذكر المحكمات اللاتي هن أم الكتاب باعتبارها القاعدة التي ~~يرجع إليها كل ما في الكتاب حتى المتشابه ، إن هذا يوحي بأن تأويل الآية ~~يتصل بإرجاعها إلى معناها الحقيقي الذي قد يتمثل بالمقارنة بينها وبين ~~الآيات المحكمة التي تصرف اللفظ عن ظاهره الأولي PageV05P237 # ليتخذ لنفسه ظهورا ثانويا في معناه المجازي الوارد على سبيل الاستعارة ، ~~وهذا ما يظهر من الروايات الواردة في أسباب النزول ، من محاولة النصارى ~~تأويل الآيات النازلة في عيسى لمصلحة عقائدهم ، أو محاولة المجسمة حمل ~~الآيات الظاهرة ، بدوا ، في التجسيم ، على ما يعتقدونه ، بعيدا عن المقارنة ~~بالآيات الأخرى. # وخلاصة الملاحظة ، أن التأويل الحق الذي يعلمه الله والراسخون في العلم ، ~~هو في سياق التأويل الذي حاول الذين في قلوبهم مرض الاستفادة منه لمصلحة ~~عقائدهم ، من حيث حمل اللفظ عليه. # أما علاقة ذلك بالواقع ، فمن جهة أن الواقع يدل على صدق الآية في معناها ~~عند ما يكون الحديث عن قضايا خفية أو مستقبلية. # وقد ذكر العلامة الطباطبائي ، أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل ~~لجميع القرآن تأويل ، فللآية المحكمة تأويل ، كما أن للمتشابهة تأويلا (1). # واستدل على ذلك بقوله تعالى : ( @QUR@027 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على ~~علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون* هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) [الأعراف : 52 53] ، أي بالحق ~~في ما أخبروا به وأنبئوا أن الله مولاهم الحق ، وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل ، وأن النبوة حق ، وأن الدين حق ، وأن الله يبعث من في القبور. ~~وبالجملة ، كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة وأخبارها. # وقوله تعالى : ( @QUR@019 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) [يونس : ~~39] ، والآيات كما ترى PageV05P238 # تضيف التأويل إلى مجموع الكتاب. # ولكن الظاهر أن الآيتين لا دلالة فيهما على (التأويل) في الكتاب ، لأن ~~الآية الأولى تدل في ظاهرها على علاقة المضمون بالواقع ms0932 المستقبلي ، باعتبار ~~أنهم أنكروه من حيث هو أمر غيبي لا مجال للإحساس به بشكل مباشر لغموضه في ~~وجدانهم الذي يرتبط بالحس في قناعاته ، ولا يحاول أن ينفتح على الجانب ~~العقلي في إثبات الحقائق ، وهكذا كان التأويل هنا يعني إيضاح المسألة من ~~خلال الواقع الحسي الذي يتمثل لهم يوم القيامة ، فيفرض نفسه عليهم ، فهي ~~خاصة بالأمر الغيبي الذي تحدث عنه الكتاب ، لا بكل الكتاب. # أما الآية الثانية ، فهي قد توحي بما ينتظرهم من الجزاء الذي توعدهم الله ~~به على تكذيبهم ، أو بالقيامة التي يقفون فيها ليواجهوا حساب مسئولياتهم ، ~~وربما كان قوله تعالى : ( @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) موحيا بذلك. # إن هناك فرقا بين فكرة غامضة في الوجدان تنتظر الحس ليفسرها في الوعي ~~الحسي وبين آية تنتظر الوضوح لتحديد المعنى الذي يراد منها بلحاظ مقارنتها ~~بآية أخرى ، ولعل الثاني هو الذي يراد من التأويل في الآية بالنسبة إلى ~~المتشابه الذي قد ينطلق المنافقون لاستغلال غموضه البدوي ، ولكن الله الذي ~~أنزل الكتاب هو الذي يعلمه كما يعلمه الراسخون. وقد روي عن أبي جعفر ~~«الباقر» عليه السلام أنه قال : كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم قد ~~علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل والتنزيل وما كان الله لينزل عليه ~~شيئا لم يعلمه تأويله وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله (1). والظاهر أن ~~الإمام الباقر عليه السلام كان في مقام تطبيق الآية على الرسول والأئمة ~~عليهم السلام ، وكان PageV05P239 # ابن عباس يقول : أنا من الراسخين في العلم (1)، في إشارة لانطباق الآية عليه. # * * * # ( @QUR@03 الراسخون في العلم ) # ( @QUR@08 وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) والمراد بهم ~~الذين يملكون رسوخا في العلم بالمستوى الذي يستطيعون بها أن يفهموا كتاب ~~الله ودينه وشريعته وحقائق الحياة الدالة على وجوده وتوحيده وحركة الحكمة ~~في تجربتهم العملية في الحياة ، وقد ورد هذا التعبير في آية أخرى وهي قوله ~~تعالى : ( @QUR@014 لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك ) [النساء : 162]. # وإذا كانت بعض الأحاديث قد تحدث عن ms0933 النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~والأئمة عليهم السلام ، فإن ذلك وارد على سبيل أنهم أفضل المصاديق ، لأن علم ~~النبي مستمد من وحي الله وإلهامه ، كما أن علمهم مستمد من علم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم . وقد جاء في حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ~~«أنا مدينة العلم وعلي بابها» (2)، وفي حديث الإمام علي عليه السلام قال : ~~«علمني ألف باب من العلم ، فتح لي كل باب ألف باب» (3). وقال الإمام جعفر ~~الصادق عليه السلام في ما روي عنه ما مضمونه : «حديثي حديث أبي وحديث أبي ~~حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث PageV05P240 # الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله عز وجل » (1) # . وهؤلاء هم الصفوة العليا من الراسخين في العلم وممن أخذوا من العلم ~~بقدر واسع ( @QUR@03 يقولون آمنا به ) أي بالقرآن محكمه ومتشابهه ( @QUR@04 ~~كل من عند ربنا ) فقد أنزل الله هذا القرآن ليكون هدى للناس في عقائدهم ~~وأعمالهم ومواقفهم ، فإذا كان هناك بعض المغموض والتردد بين المعاني ، فإن ~~المحكم في كتاب الله يرده إليه ويوضح معناه حتى لا يبقى فيه أي التباس ~~لتتوحد الآيات كلها في المعنى القرآني الذي يجسد في مضمونه الحقيقة ~~الإسلامية الأصيلة ، ( @QUR@02 وما يذكر ) في حركة الفكر التي تفتح آفاق ~~الإنسان على الله في مواقع ربوبيته ، وتوحي له بحقيقة عبوديته ، له وتذكره ~~بما ينتظره في الآخرة من ثواب وعقاب في خط المسؤولية التي يتمثل الإنسان ~~نتائجها الإيجابية والسلبية في الموقف بين يدي الله ، ( @QUR@03 إلا أولوا ~~الألباب ) أي أصحاب العقول الذين يعيشون مسئولية العقل في التفكير بكل ما ~~يتصل بالإنسان في مصيره في الدنيا والآخرة ومسئولياته تجاه الحياة والإنسان ~~، فيتحركون من خلال منطقه الذي يواجه الأمر من موقع الحسابات الدقيقة التي ~~تقارن بين الأشياء ، وتربط النتائج بمقدماتها ، والمسببات بأسبابها ، ~~وينفتح بالإنسان على ما يحقق له الربح والسعادة ويبعده عن الخسارة والشقاء ~~، ولهذا فإنهم ms0934 لا يسقطون تحت تأثير الغفلة ، لأنها الحالة التي تبتعد عن ~~واقع الوعي ويعيش الإنسان معها حالة عمى في القلب وغيبوبة في الإحساس ، ~~بحيث ينسى كل الأمور الحيوية المتصلة بمصيره ، بينما يؤكد العقل لهؤلاء ~~العقلاء القوة التي تزيل كل غشاوة عن الوعي وتبعد كل ضباب عن الرؤية ، ~~فينطلقون في وضوح الرؤية التي تجعلهم يذكرون الله قياما وقعودا ويخافون ~~عقابه ويرجون ثوابه ، PageV05P241 # ويتطلعون إلى هداه ، وينتظرون رحمته ، فيقولون ( @QUR@04 ربنا لا تزغ ~~قلوبنا ) أي عقولنا ( @QUR@03 بعد إذ هديتنا ) وعرفتنا الإيمان بك وبرسلك ، ~~لا تدخلنا في التجربة الصعبة التي تهتز فيها أفكارنا ، وتضطرب منها مشاعرنا ~~، وتنحرف بها خطواتنا في داخل أنفسنا ، وفي خارجها ، مما قد يدخل فيه ~~الغرور إلى ذواتنا ، فلا نتوازن في النظر إلى الواقع بمنطق الوضوح في ~~الرؤية الذي يعرف فيه الإنسان حجم فكره ، وطبيعة موقعه ، وخصوصية ذاته ، ~~فإن الغرور الفكري والعلمي والذاتي ، قد يدخل الإنسان إلى متاهات الأفكار ~~والوسائل والأهداف مما لا يلتقي بالحق ولا يقف عند قاعدة الصواب ، لأن ~~الإنسان المغرور في علمه لا يتطلع غالبا إلى وجهة نظر الآخرين في الموضوع ~~الذي يعالجه ولا يصر على نفسه ليدقق في الاحتمالات التي تخطر على ذهنه ، ~~فيميل عن الحق من دون أن يشعر ، ويبتعد عن الاستقامة من دون أن يلتفت إلى ذلك. # * * * ### ||| ** الزيغ يؤدي إلى الضلال # وقد يخضع الإنسان لتأثيرات الضلال في نفسه من خلال عناصر الإغراء ~~والإغواء أو التخويف والترهيب ، التي تضغط على نفسه وفكره وروحه ، فتؤثر ~~على موقفه وقراره ، فيبتعد عن الحق ، ويضل عن طريق الهدى. # وقد تضغط عليه الظروف الموضوعية المرتبطة بالواقع من حوله لتغير له نظرته ~~إلى الأمور بما قد تثيره في نفسه من المبررات المتنوعة التي قد PageV05P242 # تفتح له بابا على الانحراف بحجة أن التغيير في الموقف يخضع للتغيير في ~~المعطيات والمصالح والمفاسد الطارئة بفعل المتغيرات الاجتماعية والسياسية. # وهكذا تتنوع أسباب الزيغ التي تدفع الإنسان إلى الضلال. وفي ضوء ذلك ، ~~فإن الطلب إلى الله في أن لا يزيغ قلوبنا عن خط الهداية بعد التزامنا به ، ~~لا ms0935 يعني أن الله يفعل ذلك بعباده بشكل مباشر فيجعل المهتدي ضالا ، بل يعني ~~أن يبعد عنا الظروف التي قد تقودنا إلى ذلك ، ولا يكلفنا التكاليف التي ~~تضعف إرادتنا عن الحركة ، وذلك من خلال لطفه بعباده ورحمته لهم ، فإن الله ~~بحكمته ولطفه ورحمته لا يبتلي عباده بالبلاء الذي لا يتحملونه ليسقطوا ~~أمامه ، فهو الذي يشجعهم على السير في خط الهدى ، لأنه مع المحسنين الذين ~~أحسنوا الإيمان والعمل الصالح ، فيهيئ لهم سبل الثبات على الهدى ، حتى أن ~~البلاء قد يكون حركة في التجربة الهادية التي تقوى بها إرادتهم ، وتنفتح ~~بها قراراتهم على الآفاق الواسعة للحق ، ولذلك فإنهم يبتهلون إليه ويدعونه ~~: أعطنا يا رب من لطفك ما يسهل لنا سبيل الوصول إلى سعادتنا في القرب منك ، ~~( @QUR@05 وهب لنا من لدنك رحمة ) تكفل لنا بها خير الدنيا والآخرة ، ( ~~@QUR@03 إنك أنت الوهاب ) الذي تتوالى فيوضاته وهباته على عباده في أمورهم ~~الخاصة والعامة في الدنيا والآخرة ، فيثبتهم على إيمانهم الذي يقودهم إلى ~~العمل الصالح لينتهي بهم إلى جنة الرضوان. ( @QUR@08 ربنا إنك جامع الناس ~~ليوم لا ريب فيه ) حيث يقفون فيه بين يديك ليواجهوا حسابات أعمالهم في ~~الدنيا ، ليحصلوا على نتائجها السلبية أو الإيجابية في الآخرة ، لتجادل كل ~~نفس عن نفسها ، فلا تظلم نفس شيئا من أعمالها ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7 8]. # وهذا هو الذي لا بد للإنسان المؤمن من أن يعيشه في وعيه ووجدانه دائما ~~ليتذكر المستقبل الأخروي من أجل أن يتوازن لديه الحاضر PageV05P243 # الدنيوي ، فلا تؤثر عليه وسائل الزيع ، ولا تضغط عليه عناصر الانحراف ، ~~ولا تستلبه نوازع الهوى في حركة النفس الأمارة بالسوء ، فذلك هو الذي يمثل ~~القوة التي تثبته عند مزال الأقدام. ( @QUR@05 إن الله لا يخلف الميعاد ) ~~فأنت يا الله الصادق في وعدك ، تباركت وتعاليت يا رب العالمين. # * * * PageV05P244 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك هم وقود النار (10) @QUR@014 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ms0936 بذنوبهم والله شديد العقاب (11) @QUR@09 قل ~~للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) @QUR@029 قد كان ~~لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ~~رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تغني ): النفع ، والصرف والكف. # ( @QUR@01 وقود ): الحطب : والوقود إيقاد النار. # ( @QUR@01 كدأب ): الدأب : العادة ، يقال : دأب يدأب دأبا : إذا اعتاد ~~الشيء وتمرن عليه ، والدأب الاجتهاد ، يقال : دأب في كذا دأبا ودؤوبا إذا PageV05P245 # اجتهد فيه وبالغ ، ونقل من هذا إلى العادة لأنه بالغ فيه حتى صار عادة له. # ( @QUR@01 بذنوبهم ): جرائمهم ، والذنب والجرم واحد. # ( @QUR@01 وتحشرون ): الحشر الجمع مع سوق ، ومنه يقال للنبي : الحاشر ، ~~لأنه يحشر الناس على قدميه كأنه يقدمهم وهم خلفه لأنه آخر الأنبياء ، فيحشر ~~الناس في زمانه وملته. # ( @QUR@01 جهنم ): اسم من أسماء النار. # ( @QUR@01 المهاد ): القرار ، وهي الموضع الذي يتمهد فيه أي ينام فيه ~~مثل الفراش. # ( @QUR@01 التقتا ): الالتقاء والتلاقي والاجتماع واحد. # ( @QUR@01 يؤيد ): يقوي ، والأيد القوة ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~داود ذا الأيد ) [ص : 17] ، يقال ، أدته أئيده أيدا أي قويته ، وأيدته ~~أؤيده تأييدا بمعناه. # ( @QUR@01 لعبرة ): العبرة : الآية ، يقال : اعتبرت بالشيء اعتبارا ~~وعبرة ، والعبور النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر ، وسميت الآية عبرة لأنه ~~يعبر عنها من منزل العلم إلى منزل الجهل ، والمعتبر بالشيء تارك جهله وواصل ~~إلى علمه بما رأى ، والعبارة الكلام يعبر بالمعنى إلى المخاطب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول : # جاء في تفسير الدر المنثور ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس : «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أصاب ما أصاب ~~من بدر ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال : يا معشر يهود PageV05P246 # أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا ، فقالوا : يا محمد لا يغرنك ~~من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ولا يعرفون القتال ، إنك والله ~~لو ما قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ، فأنزل الله ( ~~@QUR@04 قل للذين كفروا ستغلبون ) إلى قوله : ( @QUR@02 لأولي الأبصار ) (1). # وقد لاحظ ms0937 صاحب تفسير الميزان على هذه الرواية ، أن سياق الآيات لا يلائم ~~نزولها في حق اليهود كل الملاءمة ، وأن الأنسب بسياقها أن تكون نازلة بعد ~~غزوة أحد (2). # وقد نلاحظ ، على هذه الرواية ، أن المألوف في خطاب الله لليهود هو النداء ~~لهم بصفة أنهم (أهل الكتاب) لا بصفة «الذين كفروا» ، مع نقطة أخرى ، وهي أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يستعمل مثل هذا الأسلوب في حديثه معهم ، لا ~~سيما أن المرحلة كانت مرحلة العهد والميثاق مع اليهود في المدينة ، مما ~~يجعل مثل هذا الحديث نقضا للعهد أو إيحاء بمثل ذلك ، في الوقت الذي لا ~~مصلحة للمسلمين أن يدخلوا في حرب جديدة يبتدءونها بهذا الشكل من الإثارة ، ~~كما أن اليهود آنذاك لا يتحدثون مع النبي بهذه الطريقة الفجة وجها لوجه ، ~~لا سيما بعد أن عاد منتصرا من معركته في بدر. # ولا مانع من أن تكون الآية وما بعدها واردة في سياق الجدال مع المشركين ~~بعد غزوة أحد التي انتصروا فيها بعض الشيء ، أو في مناسبة أخرى مماثلة بحيث ~~كانت مثارا للشماتة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالمسلمين ، استضعافا لهم ~~، فكانت هذه الآيات منطلقا لتذكيرهم بأن القوة المادية قد تضغط بعض الشيء ~~على الموقف في بعض المراحل ، ولكنها لا تمثل القاعدة في مسألة النصر ، لأن ~~موقف المسلمين في بدر التي لم يكن لهم فيها أية قوة مادية ، PageV05P247 # وانتصارهم على المشركين الذين كانوا يملكون السلاح الأقوى والجماعة ~~الأكثر والاستعداد الأكبر ، يدل على أن الإيمان مع بعض القوة المادية قد ~~يؤدي إلى الانتصار للمؤمنين في المستقبل ، كما في الماضي. # وهكذا ظهر صدق النبوءة القرآنية في هزيمة المشركين وغيرهم بعد ذلك حتى ~~فتح الله على نبيه مكة ، بعد أن هزم المشركين واليهود في معركة الأحزاب ~~وبني قريظة والنضير وقينقاع ، وجاء نصر الله والفتح. # * * * ### ||| ** القرآن والأسلوب الحاسم # ربما كانت هذه الآيات واردة في نطاق الخطة التربوية للمسلمين الذين كانوا ~~واقعين تحت ضغط الحالة النفسية الصعبة في ما يرونه من مظاهر القوة المادية ~~لدى الكافرين ، الأمر ms0938 الذي قد يوحي لهم بمشاعر الضعف ، كما يوحي للكافرين ~~بمشاعر القوة والكبرياء والاستعلاء ... فأراد الله أن يكشف الواقع الذي ~~يختفي خلف مظاهر القوة ، وهو واقع الضعف في طاقاتهم ، فهم لا يملكون قوة ~~تدفع عنهم العذاب ، كما أن هذه المظاهر لا تستطيع لهم شيئا ، فهي خاوية لا ~~تحوي قيمة نافعة ، ليعرف المؤمنون من خلال ذلك أن القوة لهم بإيمانهم الذي ~~يملأ حياتهم بالقوة من خلال الله ، فيواجهوا الكافرين بهذه الروح من خلال ~~هذا الموقع. # وهكذا يريد الله لهم أن يفكروا ويتعمقوا ليرتبطوا بالأشياء من خلال ~~نتائجها وعواقبها ، لا من خلال ظواهرها وأشكالها ، ليحفظوا نظرتهم للواقع ~~من السطحية ، ويصونوا خطواتهم وأفكارهم من الاهتزاز. # * * * PageV05P248 ### ||| ** قوة الكافرين عرض زائل # ( @QUR@012 إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا ) فما هي قيمة هذه القوة التي يحاولون أن يستندوا إليها ، إنها مجرد ~~عرض زائل قد يتفاخرون به أمام أمثالهم من الناس ، وقد يرتكزون عليه في ~~مجالات الصراع الإنساني ، حيث يستعين كل إنسان بماله وولده في مواجهة خصومه ~~، ولكن ماذا يمثل كل هذا أمام الله الذي خلقهم وخلق أولادهم وأموالهم؟ إنه ~~لا شيء ، فكيف يكفرون ويستكبرون ويسخرون من عباد الله المؤمنين؟! # ( @QUR@04 وأولئك هم وقود النار ) إنها صورة مليئة بالسخرية بهؤلاء الذين ~~يتظاهرون بالعظمة والكبرياء. إن كل هذه المظاهر ستتحول إلى حطب ، كأية خشبة ~~، كأي شيء توقد به النار. فما قيمة هذا الحطب؟ إنه سيتحول إلى رماد تذروه ~~الريح في يوم عاصف ، فينتهي إلى لا شيء. # ( @QUR@014 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب ) وهذه صورة حية من صور التاريخ التي يحفظها ~~هؤلاء الكافرون ، في ما يحفظونه من تاريخ عظماء الكفر والكبرياء والضلال ، ~~ليكون ذلك لهم مصدر زهو وخيلاء ، ولكن الله يريد أن يربط تصورهم لبدايات ~~الأشياء بنهاياتها ، فيحدثهم عن مسيرة آل فرعون ومن سبقهم من الطغاة ~~الكافرين بالله المكذبين بآياته ، كيف كانوا ، وكيف أخذهم الله بذنوبهم فلم ~~يغن عنهم ملكهم شيئا وذاقوا أشد العقاب ، فهل يتعظ اللاحقون بالسابقين؟ ms0939 # ( @QUR@09 قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) إن ~~الدائرة ستدور عليهم ، فالمستقبل ينتظر عباد الله المؤمنين ليكون الحكم لله ~~في دينه وشريعته ، وستكون الغلبة لهم على الكافرين ، فليراجع الكافرون PageV05P249 # حساباتهم على هذا الأساس ، وليعلموا أن سنن الله في الحياة لا تتبدل ولا ~~تتحول مهما كاد الكائدون وتمرد المتمردون ، وليرجعوا إلى صوابهم فيؤمنوا ~~بالله وبكتبه ورسله ، قبل أن يحشروا إلى جهنم ، وبئس المهاد. # ( @QUR@029 قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى ~~كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار )، إن على الإنسان الذي يسمع ويبصر ويعقل أن يأخذ العبرة من ~~الواقع ، فإن فيه دروسا كثيرة تستطيع أن تكشف له خطوات المستقبل من خلال ~~الماضي والحاضر ، والله يشير إلى معركة سابقة من معارك الإسلام التي انتصر ~~فيها الإسلام على الشرك ، قد تكون معركة «بدر» وقد تكون غيرها ، فقد وقف ~~المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته والدفاع عن شريعته ~~، ووقف الكافرون الذين يقاتلون في سبيل الشيطان ويرون المسلمين الذين هم ~~قلة ، ضعف عددهم ... وانتصر المسلمون بإيمانهم بالله وبما هيأه الله لهم من ~~أسباب النصر من دون تكافؤ في العدد أو في العدة ، مما يجعل القضية بعيدة عن ~~المنطق العادي للمعارك ويوحي للمعتبرين بالعبرة التي يعلمون من خلالها كيف ~~ينصر الله عباده المؤمنين عند ما يأخذون بأسباب النصر ويتوكلون عليه في ما ~~يريدونه من قوة وانتصار. # * * * PageV05P250 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب (14) @QUR@024 قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من ~~الله والله بصير بالعباد (15) @QUR@011 الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) @QUR@06 الصابرين والصادقين والقانتين ~~والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الشهوات ): جمع شهوة ، وهي توقان النفس إلى المشتهى ، ويقول ~~صاحب مجمع ms0940 البيان : الشهوة من فعل الله ولا يقدر عليها أحد من البشر PageV05P251 # وهي ضرورية فينا ، فإنه لا يمكننا دفعها عن نفوسنا (1). والظاهر أنها ~~التعبير عن الغرائز المودعة في الإنسان التي هي العنصر الحي لحركة الحياة ~~في جسده من أجل إثارة الإحساس الطبيعي لتحصيل شروط حياته الضرورية ~~والكمالية من حيث هي مركز الإحساس في الجسد ، فلولاها لما انطلق هذا التوق ~~في وجوده. # ( @QUR@01 والقناطير ): جمع قنطار ، وهو المال الكثير العظيم ، وأصله من ~~الإحكام ، يقال : قنطرت الشيء أحكمته ، وقيل : أصله من القنطرة ، وهو ~~البناء المعقود للعبور ، والمقنطرة : المحصلة من قناطير كقولهم : دراهم ~~مدرهمة ، أي مجعولة كذلك ودنانير مدثرة ، وقيل : إنما ذكر المقنطرة للتأكيد ~~، وقد يؤتى بالمفعول والفاعل تأكيدا ، فالمفعول مثل قوله : حجرا محجورا ~~ونسيا منسيا ، والفاعل كقولهم : شعر شاعر وموت مائت ، والمراد بالجميع ~~المبالغة والتأكيد. # ( @QUR@01 المسومة ): المعلمة بعلامات معينة ، أي ذات العلامة ، أو ~~مدربة ومعدة للركوب في ميادين القتال ، كما يقال : الإبل المسومة ، أي التي ~~رعيت ، أي تغذت بالرعي وأعدت له. # ( @QUR@01 والأنعام ): جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم من الضأن. # ( @QUR@01 المآب ): المرجع من الأوب وهو الرجوع. # ( @QUR@02 فاغفر لنا ): المغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة. # ( @QUR@01 ذنوبنا ): الذنب والجرم بمعنى واحد ، وأصله القطع ، فهو ~~القبيح الذي ينقطع به عن الواجب. # ( @QUR@01 الصابرين ): الحابسين أنفسهم عن جميع معاصي الله والمقيمين على PageV05P252 # ما أوجب الله عليهم من العبادات وغيرها. # ( @QUR@01 والصادقين ): المخبرين عن الأشياء على ما هي عليه في الواقع. # ( @QUR@01 والقانتين ): المطيعين. # ( @QUR@01 بالأسحار ): جمع سحر ، وهو الوقت قبل طلوع الفجر ، أصله ~~الخفاء ، لخفاء الشخص في ذلك الوقت ، والسحر منه أيضا لخفاء سببه. # * * * # ( @QUR@04 زين للناس حب الشهوات ) # ( @QUR@04 زين للناس حب الشهوات ) التي تجتذب الإنسان وتثيره وتأخذ بحسه ~~وتتحرك في طبيعته ، من هذه الأشياء التي تتصل بحياته في امتدادها وشغفها ~~ولذتها وشعورها بالامتلاء ، فهي قريبة إلى حاجاته الجسدية والاجتماعية ~~والروحية والغذائية ، في أجواء الجاه الذاتي والعنفوان الإنساني ( @QUR@02 ~~من النساء ) التي تمثل حاجة الرجل إلى الشريك الآخر في إنتاج اللذة الجنسية ~~المتفاعلة المندمجة ، فذلك هو الذي يحقق له عمق الإحساس الروحي بالإضافة ~~إلى ms0941 الإحساس المادي في حركية الجنس الزوجي ، باعتبار أن الجنس الذاتي في ~~العادة السرية مثلا قد يحقق له الإحساس بالشهوة من خلال تفريغ الطاقة ~~بطريقة ذاتية ، ولكنه لا يحقق له الغيبوبة الجنسية في اللذة المضاعفة التي ~~تلتقي فيها المشاعر الإنسانية المتفاعلة في اللهفة المشتركة ، بالإحساس ~~الجسدي المادي المتحرك في موسيقى حركة اللذة في الجسد. # وقد يثور سؤال : إن الحديث هنا هو عن الناس الذين زين لهم حب الشهوات ، ~~والكلمة تشمل الرجال والنساء ، فلما ذا كان الحديث عن حب الرجل للمرأة ، ~~باعتبار أنها مستودع شهوته ، ولم ينطلق الحديث عن PageV05P253 # حب المرأة للرجل ، باعتبار أنه مستودع شهوتها ، فإن الطبيعة الإنسانية ~~واحدة في ذلك ، لا سيما أن السياق جار على الحديث عن سلبية الاستغراق في ~~هذه الشهوات الذي يؤدي إلى الانحراف في مواجهة إيجابية التوازن فيها ~~للانطلاق بها نحو الله والدار الآخرة مما يلتقي فيه الناس جميعا بكل ~~أصنافهم. # وقد يجاب عن ذلك ، بأن الرجال هم الذين يتسلمون زمام المبادرة في تحريك ~~هذه الشهوات في الاتجاه المنحرف في وجوده الفساد ومعاصي الله سبحانه ، ~~كاتخاذ المعازف والأغاني وشرب المسكرات وأمور غير ذلك ، وهذا مما يختص ~~بالرجال عادة ، ولا يوجد في النساء إلا في غاية الشذوذ على حد تعبير صاحب ~~الميزان (1). # ولكننا نلاحظ أن المسألة لم تنطلق من خلال ملاحظة الغلبة الواقعية في ~~حركة الشهوات بالنسبة إلى الرجال مقارنا بالنساء ، بل انطلقت في ظاهر ~~السياق من ملاحظة الوضع العام للناس الذين ينفتحون على الجانب المادي أو ~~الحسي في الحياة ، مما يجعلهم مستغرقين في الدنيا بعيدا عن الآخرة. فإذا ~~كان الرجال يمارسون إنتاج الفساد في الواقع غالبا أكثر من النساء ، فإن ذلك ~~لا يبرر تخصيص الحديث بهم بهذه الملاحظة لأن هذا خارج عن الموضوع. # أما ملاحظتنا في الجواب عن السؤال فهو أن الخطاب القرآني في أغلب موارده ~~خطاب مذكر ، باعتبار أن المجتمعات التي خاطبها الأنبياء وعاشوا معها ~~وجادلوها وخاضوا معها الصراع في ساحة الدعوة والجهاد ، هي مجتمعات الرجال ، ~~فقد كانوا هم الذين يتحركون في الساحة ، فهم العنصر ms0942 الفاعل في حركة الواقع ~~، بحيث يكون الدور الطبيعي للنساء هو دور المنفعل ، فالمرأة هي الإنسان ~~المنفعل في الواقع الاجتماعي كما هي كذلك PageV05P254 # في واقع العلاقة الجسدية ، الأمر الذي يجعلها إنسانا تابعا للرجل من ~~ناحية واقعية ، بعيدا عن مسألة الصواب والخطأ في ذلك. هذا من جهة ، ومن جهة ~~أخرى ، فإن مجتمع الدعوة الذي نزل عليه القرآن وتحدث معه ، كان لا ينسجم مع ~~الحديث عن حب المرأة للرجل في عالم الشهوة ، فقد كان ذلك مستنكرا عند ~~الرجال والنساء معا على أساس الحياء الاجتماعي ، إلا إذا كان ذلك بشكل غير ~~مباشر في خط المسؤولية كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 وقل للمؤمنات يغضضن ~~من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) [النور : 31] ، أو قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~والحافظين فروجهم والحافظات ) [الأحزاب : 35]. # فربما كان ذلك كله هو الأساس في الحديث عن الرجال الذين هم الفئة التي ~~تقود المجتمع في حركته في نطاق الشهوات الذاتية للإنسان وفي نطاق الرغبات ~~والطموحات العامة ، بحيث يفهم وضع المرأة بطريقة غير مباشرة ، الأمر الذي ~~يجعل توجيه الخطاب إليهم منسجما مع الواقع الإنساني في مجتمع الدعوة. # وربما ذهب بعض المفسرين إلى أن السبب في الحديث عن حب الرجال للنساء دون ~~حب النساء للرجال ، هو أن الفتنة بهن أعظم كما جاء في مجمع البيان مستشهدا ~~بقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال ~~من النساء» (1). # ولكننا نلاحظ على ذلك ، أن فتنة النساء للرجال قد تكون في المستوى الكبير ~~من ألوان الفتنة للرجال ، ولكن ليس من الضروري أن تكون فتنة النساء بالرجال ~~أقل تأثيرا في حياة المرأة في الجانب الغريزي ، لا سيما إذا لاحظنا في بعض ~~الروايات أن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل بتسعة للمرأة مقابل واحدة ~~للرجل ، إلا أن درجة الحياء عندها أكبر ، ولعل PageV05P255 # محاولات النساء إغواء الرجال ناشئ من فتنتهن بهم وانجذابهن إليهم ليحصلن ~~من خلال ذلك على محبتهم وانجذابهم إليهن. وربما كان مقصود صاحب المجمع ~~بكلامه ، أن فتنتهن أعظم من الفتن الأخرى للرجال. # ( @QUR@01 والبنين ): ربما يراد بالكلمة الذكور من ms0943 الأولاد ، لأن الغالب ~~في الرجال الآباء حب الذكور دون الإناث للاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية ~~والاقتصادية ، وربما يتعقد بعضهم من البنات للسلبيات الاجتماعية المترتبة ~~على ذلك ، وربما يراد بها الأعم من الذكور والإناث على نحو التغليب. # ( @QUR@01 والقناطير ) وهو كما قيل بالاضافة الى ما تقدم في بيان ~~المفردات ، «ملء مسك أي جلد ذهبا» أو هو «المسك المملوء» وقيل : إنه يساوي ~~«سبعين ألف دينار ذهبا» ، وقال البعض : إنه مائة ألف دينار ، وقال آخرون ~~إنه يساوي «اثني عشر ألف درهم». أما كلمة ( @QUR@01 المقنطرة ) فهي اسم ~~مفعول دال على الكثرة والمضاعفة ، كما يقال : (آلاف مؤلفة) ويقصد به الكثرة ~~الكاثرة. # ( @QUR@02 والخيل المسومة ) المرسلة للرعي أو المعلمة الموسومة بالأشكال ~~والألوان التي تزيد في جمالها ورشاقتها ، أو المدربة على فنون القتال. # ( @QUR@01 والأنعام ) وهي الإبل والبقر والغنم ( @QUR@01 والحرث ) هو الزرع. # وهكذا تتحدث الآية عن متع الحياة المادية للناس ، وهي النساء والبنون ~~والأموال والخيل والأنعام والزرع ، وهذه هي التي تستقطب اهتمامات الإنسان ~~في الحياة الخاصة والعامة. # ( @QUR@04 ذلك متاع الحياة الدنيا ) الذي يستمتع الإنسان به في بعض الوقت ~~ثم يفارقه ، فلا استمرار له في حياته ، ولا جذور له في ذاته ، بل هو من ~~حاجات هذه الحياة الدنيا التي يعيش الإنسان فيها تحت تأثير ضروراته المادية ~~، فليس فيها أي سمو أو ارتفاع في درجاتها الفردية والاجتماعية ، فلا PageV05P256 # ينبغي للإنسان أن يستغرق فيها ليعتبرها القيمة كلها القيمة ، ولكنه يملك ~~أن يحركها في اتجاه الله من خلال القيم الروحية والأخلاقية المنطلقة من ~~الجذور الحقيقة للإنسان ، ليرتفع بذلك عند الله في خط طاعته ليحصل على ~~محبته ورضوانه ، فيحصل بذلك على الدرجات العليا في مواقع القرب منه ، لأن ~~كل حاجات الحياة تموت وتتلاشى تماما كما يموت الجسد ، ويبقى للروح في ~~انفتاحها الفكري والعملي على الحياة من خلال الله ، خلودها الروحي عنده ~~تعالى ( @QUR@04 والله عنده حسن المآب ) فهو المرجع الذي يرجع الناس إليه ~~جميعا ، فيجدون عنده إذا آمنوا واتقوا وأحسنوا كل الخير والسعادة والموقع ~~الطيب الذي يعيشون فيه حسن المآب في علو في المنزلة والارتفاع في الدرجة ، ~~والسمو ms0944 في سبحات الروح. # * * * ### ||| ** حدود الشهوة واللذة # إن الله يحدثنا عن الحياة وما تشتمل عليه مما تشتهيه النفوس في ما تلح ~~عليه الغرائز وتتحفز له الأطماع ، وما تحتاجه من حاجات الحياة الدنيا ، فقد ~~زين للإنسان ذلك كله ، وتحول في كيانه إلى حب يأخذ عليه مشاعره وأحاسيسه ~~ويدفعه إلى العمل الجاد في سبيل الحصول عليه ، وربما يدخل حلبة الصراع في ~~المعارك من أجل الوصول إلى شيء منه ، فإذا تطلع الإنسان إلى الناس ، فإنه ~~سيجدهم يتسابقون في حب النساء ، ليحصلوا على لذة الجنس ، وفي حب البنين ، ~~ليشعروا بالقوة والامتداد لحياتهم ، وفي الرغبة بالقناطير المقنطرة التي هي ~~كناية عن الكثرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة التي تتغذى بالرعي ، أو ~~التي تزين وتعرض بأجمل صورة ، والأنعام من الإبل والغنم والبقر والزرع ، ~~وغير ذلك من متع الدنيا وشهواتها PageV05P257 # التي قد تتبدل وتتغير حسب تغير الأوضاع والأزمان ، ولكن الحالة تبقى على ~~ما هي عليه ، فالإنسان الآن هو الإنسان قبل آلاف السنين في حبه لشهوات ~~الدنيا ، وإن اختلفت أنواع الشهوات وأشكالها ووسائلها وطريقة ممارستها ، ~~فلا يزال الناس يعيشون الحاجة إلى أمثال هذه الأمور ، من موقع الحاجة عند ~~بعض ، ومن موقع القيمة الكبيرة عند بعض آخر. # أما النظرة الإسلامية إلى ذلك ، فهي التي تعبر عنها هذه الآية وما بعدها ~~، فإن هذه الأمور لا تمثل القيمة الكبيرة التي يجعل منها الإنسان هدفا ~~عظيما لحياته ، بحيث تتحول إلى ما يشبه الرسالة التي يكافح من أجلها ويموت ~~في سبيلها ، بل هي مجرد متاع للحياة الدنيا لا يعني للإنسان إلا كما تعني ~~الحاجة الطبيعية التي يمارسها ممارسة طبيعية لا تزيد عن المقدار العادي ~~الذي يحتاجه من أجل استمرار حياته ، فيجاهد في سبيلها على أساس علاقتها ~~بامتداد الحياة واستقرارها ونموها الطبيعي ، بعيدا عن كل ما يجعلها هدفا ~~مطلوبا لذاته ، لأن الإنسان سيفارق ذلك كله إن عاجلا أو آجلا ، كما يفارق ~~الحياة نفسها ... فإذا كانت الحياة الدنيا لا تمثل الهدف الأسمى في ذاتها ، ~~فكيف بهذه المتع السريعة التي لا يمثل الإحساس بها إلا شعور اللحظة ms0945 العابرة ~~التي تلامس الغرائز ثم تذوب وتغيب وتتحول إلى مجرد ذكرى طيبة ... أما ~~القيمة التي تمثل الرسالة الخالدة الممتدة التي تملأ الحياة الداخلية ~~للإنسان بالفكر والطمأنينة ، والحياة الخارجية له بالعمل والمعاناة والجهاد ~~، فهي الإيمان بالله وطلب ما عنده ، فإن عنده حسن المآب ، فهناك يجد ~~الإنسان الرضا كل الرضا ، واللذة كل اللذة ، في ما تشتهيه الأنفس وتلذ به ~~الأعين ، حيث المشاعر تتصل بالانفعالات الخالدة الرائعة التي لا تتجمد عند ~~نداء اللحظة ، بل تستمر وتمتد ليفيض الإنسان بالسعادة الخالدة التي قد ~~تلتقي مع بعض أشكال الشهوات في الدنيا ولكنها من نوع آخر مما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من PageV05P258 # المتع الروحية والمادية للإنسان. # إن الله لا يريد للإنسان أن يترك شهوات الحياة الدنيا فيحرم نفسه منها ~~تماما ، أو يرى في حرمان نفسه منها قيمة روحية ذاتية ، بل يريد له أن ~~يعاملها كما يعامل المتاع الذي يقضي فيه حاجته من دون أن يعطيه حجما أكبر ~~وقيمة أعلى ، أما القيمة فهي التطلع لما عند الله الذي يتحول إلى عمل دائب ~~من أجل أن يجعل الحياة كلها سائرة على درب الله في ما يريده لها من نظام ~~وشريعة ، وعلى هدى العقيدة الصحيحة التي تبني الحياة على قاعدة ثابتة من ~~الإيمان بالله. وتلك هي السعادة ، كل السعادة ، أن يعيش الإنسان هم الرسالة ~~من أجل الإنسان والحياة لتحقيق رضا الله في ذلك كله ، وتلك هي النفس ~~المطمئنة الراضية المرضية التي يناديها الله للدخول في عباده وجنته ... # * * * ### ||| ** جدال المفسرين حول فاعل «زين» # وقد أثير بين المفسرين جدل كثير حول فاعل «زين» ، فإنها جاءت مبنية ~~للمجهول. فهل هو الله ، أو هو الشيطان؟ واعترض بعض على أن يكون هو الله ، ~~بأن ذلك يستتبع خلق الله الشر في نفس الإنسان ، وهو مناف لفكرة الحرية التي ~~تتناسب مع عدل الله. واعترض بعض على أن يكون الشيطان هو ذلك الفاعل ، لأن ~~الكلام في طبيعة البشر والحب الناشئ فيها ، ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال ~~، وإنما يسند إليه ms0946 ما هو من قبيل الوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا. ~~ولكننا لا نرى مجالا لهذا النزاع ، فإن الظاهر من الآية أنها واردة في ما ~~جبلت عليه طبائع الإنسان من حيث حاجته إلى مثل هذه الأمور التي تدعوه إلى ~~الإقبال عليها في مجال الزيادة ، تماما كبقية الأشياء PageV05P259 # التي تحدث عنها الله في ما زينه للإنسان ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم ) [الأنعام : 108] فإن الناس مجبولون على أن يرى ~~أي واحد منهم العمل الصادر منه عن قناعة حسنا ، لأن ذلك هو لازم قناعته به. ~~ولعل هذا الذي ذكر في الآية من طبيعة الجانب المادي في الإنسان الذي يستدعي ~~الحركة نحو هذه الأمور ، وليس في ذلك أي سوء يتنافى مقتضاه مع العدالة ، ~~لأن حب هذه الأمور لا يفرض المعصية في ممارستها ، بل يمكن للإنسان أن ~~يمارسها في موقع الطاعة ، كما يمكن أن يمارسها من موقع المعصية ، ولهذا ~~كانت الفكرة المقابلة لها منطلقة من قاعدة إثارة الاهتمام باللذات التي ~~تنتظر الإنسان في الحياة الآخرة ، لئلا يستسلم للذات الحياة الدنيا ~~استسلاما كليا ، بحيث يندفع إلى الانحراف عن خط الله في سبيل الحصول عليه ، ~~فالآية ليست واردة في مورد الرفض المطلق لهذه الشهوات ، بل هي واردة في ~~مورد الموازنة بينها وبين شهوات الآخرة الدينية والروحية ، في مجال الحاجة ~~إلى إقامة التفاضل فيما بينها ، والله العالم بحقائق آياته. # وقد أثار صاحب تفسير الميزان عدة ملاحظات للاستدلال على رأيه في أن فاعل ~~«زين» هو «الشيطان» لا «الله» ، فقال : «أما أولا فلأن المقام مقام ذم ~~الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها ~~لهم عن الله سبحانه ، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ~~ذكره أن لا ينسب إليه تعالى» (1). # ونلاحظ على هذا الكلام ، أنه لا ظهور للآية في هذا المعني ، بل هي على ~~الظاهر واردة في مقام المقارنة بين نعيم الحياة الدنيا مما يتصل بالحاجات ~~الحسية للناس ، ونعيم الحياة الأخرى والتأكيد على ما تتميز به لذات الآخرة ~~عن لذات الدنيا والحث ms0947 على التقوى وطلب ما عند الله PageV05P260 # باعتبار أن ذلك هو السبيل للحصول على الجنة ونعيمها التي لا تقاس بها ~~مواقع الشهوات في الدنيا ، ولذلك لم يذكر في هذه الآية كيف يمارس الناس هذه ~~الشهوات في خط الانحراف. # وإذا كان العلامة الطباطبائي يعتمد على السياق باعتبار أنه وارد في ~~الحديث عن الكفار ، فإن ذلك لا يوجب مثل هذا الظهور المدعى ، لأن للقرآن ~~أساليبه التي ينتقل فيها من موضوع إلى موضوع من أجل عرض الخطوط العامة في ~~ميزان القيمة الروحية ليعرف الناس فيها موازين الأمور فيأخذوا بالأفضل منها. # ومما يؤيد ذلك أن حب الشهوات ليس شيئا يختص به الكفار ، بل هو من خصائص ~~الإنسان بجميع أصنافه في وجوده الغريزي ، فقد كان الحديث حديثا عن الطبيعة ~~الإنسانية المادية التي يريد الله للإنسان أن يرتفع ويسمو بها في آفاق ~~الروح عند ما يحركها في الخط المستقيم الذي أراده الله لعباده المتقين. # وقال : «وأما ثانيا ، فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى ، ~~لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور ، فكان الأنسب ~~في التعبير أن يقال : زين للإنسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى : ( ~~@QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) @QUR@04 ثم رددناه أسفل ~~سافلين ) [التين : 4 5] ، وقوله تعالى : ( @QUR@08 ولقد كرمنا بني آدم ~~وحملناهم في البر والبحر ) [الإسراء: 70] ، الآية ، وأما لفظ الناس فالأعرف ~~منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص ~~ودناءة الفكر نحو قوله : ( @QUR@05 فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) وقوله : ( ~~@QUR@08 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) [الحجرات : 13] ، وغير ~~ذلك» (1). PageV05P261 # ونلاحظ على ذلك ، أن المسألة المطروحة هي أن التعبير بالناس لا يختص بما ~~ذكر ، بل قد لا تكون ظاهرة في ما ذكره من الميز والحقارة للشخص والدناءة ~~للفكر ، لأن الكلمة لا توحي بذلك ، بل إننا نجد في القرآن حديثا عن الحقارة ~~للإنسان كما في الآية المتقدمة ( @QUR@04 ثم رددناه أسفل سافلين ) أو قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 خلق الإنسان من عجل ) [الأنبياء : 37] ، أو ( @QUR@03 ~~وخلق الإنسان ضعيفا ) [النساء : 28] ، أو ms0948 ( @QUR@05 وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا ) [الكهف : 54]. # إن الإتيان بكلمة «الناس» قد يكون بملاحظة الحديث عن الخصائص المتحركة في ~~الإنسان ، بحيث تتوزع بين أفراده باعتبارها من الأمور الغريزية الأكثر ~~إلحاحا في حركة وجوده لاتصالها بأفعاله وأقواله ، بينما تنطلق حكمة ~~«الإنسان» أو «بني آدم» من الخصائص الذاتية التي تتصل بالنوع ، مما قد لا ~~يشمل كل الأفراد من الناحية الفعلية. وفي ضوء ذلك ، نجد أن كلمة الناس قد ~~وردت في هذه الآية للحديث عن الطبيعة الوجودية للإنسان في حب الشهوات التي ~~يتوزع أفراده الأخذ بها في مظهرها المتحرك الذي يسعى إليه الناس من خلال ~~اتصالها بالنشاط الإنساني الذي لا بد فيه من الحركة الفعلية لتحقيق أهدافه ~~النوعية في امتداد الإنسان في الحياة ، باعتبارها الحاجات الحيوية لوجوده. # وقال : «وأما ثالثا ، فلأن الأمور التي عدها تعالى بيانا لهذه الشهوات لا ~~تناسب التزيين الفطري ، إذ كان الأنسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي ~~معنى مطلق الزوجية ، ولفظ البنين بالأولاد ، ولفظ القناطير المقنطرة ~~بالأموال ، فإن الحب الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو ~~موجود في الرجال بالنسبة إلى النساء ، وكذا هو مغروز في الإنسان بالنسبة ~~إلى مطلق الأولاد ومطلق الأموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة ، ~~ولذلك اضطر القائل بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول : إن PageV05P262 # المراد حب مطلق الزوجية ومطلق الأولاد ومطلق الأموال ، وإنما ذكرت النساء ~~والبنين والقناطير لكونها أقوى الأفراد وأعرفها ، ثم تكلف في بيان ذلك بما ~~لا موجب له» (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن ما ذكره لا يصلح مؤيدا لتفسيره ، أما بالنسبة إلى ~~الحديث عن النساء بالنسبة إلى الرجال ، فقد ذكرنا الأساس في هذا النوع من ~~التخصيص مما قدمناه من حديث ، بالإضافة إلى أن حب الرجال للنساء ينطلق من ~~الجانب الغريزي للآية ، كما أن مسألة التأثير الشيطاني في التزيين لا تختص ~~بالرجال ، بل تشمل النساء بالنسبة إلى الرجال ، فالإشكال وارد على كلا ~~الاحتمالين مع وجود تفسير صحيح لما ذكرناه ، وأما مسألة البنين ، فقد يراد ~~بها الأعم على أساس التغليب ، وربما ms0949 تكون الرغبة الغريزية للبنين ، أكثر ، ~~كما هي الحالة النوعية لدى الناس ، وأما القناطير المقنطرة بدلا من الأموال ~~، فلعل الوجه فيها أن الرغبة في المال تجتذب طبيعيا الرغبة في المال ~~الكثير. # قال : «وأما رابعا : فلأن كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا ~~يلائم قوله تعالى في آخر الآية : ( @QUR@08 ذلك متاع الحياة الدنيا والله ~~عنده حسن المآب (14) @QUR@06 * قل أأنبئكم بخير من ذلكم )، فإن ظاهره أنه ~~كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله ~~من الجنان والأزواج والرضوان ، ولا معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة ، ~~فإن في ذلك مناقضة ظاهرة ، وإبطالا للأمرين معا ، كالذي يريد الشبع ويمتنع ~~عن الأكل. # فإن قلت : الآية أعني قوله : ( @QUR@04 زين للناس حب الشهوات ) إلخ بحسب ~~الملخص من معناها مساوقة لقوله تعالى : ( @QUR@08 قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده PageV05P263 # @QUR@013 والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة ) [الأعراف : 32] ، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين ~~في هذه الآية أيضا هو الله سبحانه. # قلت : بين الآيتين فرق من حيث المقام ، فإن المقام في ما نحن فيه ، مقام ~~ذم هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند الله ، ~~وحثهم على الإعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه ، بخلاف تلك الآية ~~، فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان ، وأنها للمؤمنين في هذه ~~الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة ، ولذلك بدل لفظ الناس ~~هناك بلفظ العباد وعدت هذه الزينة رزقا طيبا. # وإن قلت : إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات ، ومن ~~المعلوم أن تزيين الحب للإنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه ، أمر طبيعي وخاصة ~~ذاتية له فيؤول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق ~~الحب في قلوبهم ، ولا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه ، فهو الفاعل في قوله : زين. # قلت : لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب ~~بحيث يجذب الناس إلى نفسه ms0950 ويصدهم عن غيره ، فإن الزينة هي الأمر المطلوب ~~الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه ~~، كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها ~~الرجل بها ، فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي ~~المرأة. وبالجملة ، فيؤول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث ~~يؤدي إلى التوله فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو ~~الظاهر من معنى قوله تعالى : ( @QUR@05 * فخلف من بعدهم خلف PageV05P264 # @QUR@07 أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) [مريم : 59]» (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن سياق الآية كما ذكرناه هو الحديث عن ضرورة عدم ~~الاستغراق في هذه الشهوات واعتباره قيمة نهائية وغاية للحياة ، لأنها لا ~~تزيد عن كونها حاجة ومتاعا لا دوام لها والالتفات إلى الحياة الآخرة ~~باعتبارها هي الغاية ، الأمر الذي يجعل الإنسان ينظر الى متع الدنيا لا ~~كأمر لذاته ، وانما كأمر يتوسل به معاشه وحاجاته المتنوعة ولذلك فهي ليست ~~واردة مورد الرفض لها والصرف عنها ، بل في مورد التنبيه على ما في الآخرة ~~من متع تتجاوز هذه المتع الفانية إلى المتع الخالدة ، ليعرف الإنسان كيف ~~يحرك خطواته في الطريق إلى الآخرة من خلال ما يملكه في الدنيا. # إن الآية تتجه إلى بيان شهوات الدنيا التي خلقها الله في الإنسان من خلال ~~خصوصيته الغريزية ، مقارنة بما عند الله من حيث كون ما في الدنيا فانيا ~~محدودا في إيجابياته التي تحمل في داخلها السلبيات بطريقة وبأخرى. أما ~~الآخرة ، فإن ما فيها خالد في امتداده ، إيجابي في معطياته من دون سلبيات ، ~~الأمر الذي يريد الله فيه للإنسان أن تكون اهتماماته أخروية لا دنيوية ، ~~ليحصل على النتيجة العليا دون النتيجة السفلى ، من دون تعرض لمسألة الواقع ~~السلوكي للإنسان أمام هذه الشهوات من حيث كونها خيرا أو شرا. ومن خلال ذلك ~~نفهم أن قوله تعالى : ( @QUR@05 قل من حرم زينة الله ) [الأعراف : 32] متفق ~~مع مضمون الآية في نسبة الزينة إلى الله ، باعتبار أنه أخرجها لعباده ، ~~تماما ms0951 كما هو تزيين الله للناس حب الشهوات ، لأنه هو الذي أثارها في وجودهم ~~، مع كون السياق مختلفا من حيث انطلاقة تلك الآية لرفض فكرة حرمتها ، بينما ~~كانت هذه الآية في سياق اعتبارها حالة طبيعية من حالات الإنسان الذي يراد ~~له أن يحركها في اتجاه الآخرة لا أن يسقط أمامها PageV05P265 # في أجواء الاستغراق في الدنيا ، ولا دلالة في الآية على ما ذكره من أن ~~المراد «بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجتذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره» ، ~~فإن هذا ليس ظاهرا من الآية ، بل هو مستفاد من خلال الوجه الذي فسر به ~~الآية ، مما لا نجد للآية دلالة عليه ، والله العالم. # * * * ### ||| ** تقوى الله في حب الشهوات # ( @QUR@025 * قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ~~) إن الله يقول للمؤمنين الذين تلح عليهم شهوات الحياة الدنيا بالمعصية في ~~استجابتهم لنداء الجنس الحرام والمال الحرام والعلاقة المحرمة التي يراد ~~بها الحصول على رضا الناس بعيدا عن رضا الله : هل أعرفكم أفضل من ذلك كله ، ~~وبذلك تواجهون الموقف من موقع المقارنة الواعية التي توازن بين المال ~~الزائل والمال الخالد ، وبين الشهوة الدنسة الفانية والشهوة الطاهرة ~~الخالدة ، وبين رضا الناس الذي لا يحقق للإنسان نفعا ولا يدفع عنه ضرا على ~~المدى الطويل ، ورضا الله الذي يحيط بالإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن ~~يمينه وشماله ، القادر على كل شيء ، وخالق كل مخلوق ، ورازق كل مرزوق ، ~~مالك الحياة والموت والضر والنفع ... فهل تختارون الزائل الذي تقفون من ~~خلال نتائجه موقف الخزي والذل والعار والعذاب ، أم تختارون الخالد الذي قد ~~يفرض عليكم بعض الصبر ولكنه ينتهي بكم إلى الخير الكبير والرضوان العظيم ~~عند الله؟ إن الله يترك للعاقل أن يفكر لئلا يقع في أسر الشهوات المحرمة ~~ويفضل الدنيا على الآخرة ، والله بصير بعباده ، عارف بكل ما يسرونه وما ~~يعلنونه في مجال الطاعة والمعصية ... PageV05P266 # ( @QUR@017 الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا ms0952 عذاب ~~النار* الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) ~~إنها صفات المؤمنين المتقين في تطلعاتهم لما عند الله ، وفي خصائصهم ~~الذاتية المنطلقة في خط الإيمان بالله ... فهم يعيشون الحياة من خلال ~~الشعور بإيمانهم كحقيقة تحتوي كيانهم ، وتستوعب كل نشاطهم ، وتدفعهم إلى ~~تحمل المسؤولية بوعي كامل لنتائجها العاجلة والآجلة ، ومحاسبة دقيقة لكل ~~خطواتها العملية المستقيمة والمنحرفة ... وهذا ما يتمثل في هذا الدعاء ~~الخاشع ( @QUR@03 ربنا إننا آمنا ) بك ، فهو القاعدة الفكرية والشعورية ~~التي ننطلق منها من موقع القوة ، فليكن هذا الإيمان شفيعنا عندك في ما ~~أخطأنا فيه ، فإننا لم نخطئ جحودا بألوهيتك ولا تمردا على عبوديتنا لك ، ~~ولكنها تسويلات النفس الأمارة بالسوء التي خلقتها من ضعف وأعطيتنا القوة ~~لنستعين بها على مقاومة الضعف ، ولكنك تعلم أننا قد نضعف أمام أنفسنا ، فلا ~~تؤاخذنا ( @QUR@06 فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ) لنقف بين يديك ~~طاهرين من الدنس ، مطهرين من الذنوب ، ننتظر رضاك في دخول جنتك ... # وبعد ذلك ، فإنهم الصابرون الذين يواجهون تحديات الحياة في شهواتها ~~ومتاعبها بصبر لا يضعف ولا ينهار ، بل يحافظ على تماسك الشخصية في خط ~~الإيمان الصامد ، فيتحملون من خلال ذلك كل الضغوط ، مهما بلغت من القوة ~~والقسوة والصعوبة. وهم الصادقون مع أنفسهم ومع ربهم ومع الناس ، فقد آمنوا ~~بالحق ، ولا مجال معه للكذب ، لأن الكذب والخداع والتدليس والغش من الباطل ~~، ولا يجتمع الباطل والحق في قلب إنسان واحد. وهم القانتون العابدون لله ~~المطيعون لأمره في كل شيء ، وهم المنفقون الذين يعيشون روح العطاء في ما ~~رزقهم الله من مال وعلم وجاه وخبرة ، فلا يرون ذلك امتيازا يستعلون به على ~~الناس ، بل يعتبرونه أمانة ومسئولية يؤدونها إلى الناس ، ورسالة يعيشون ~~الحياة جهادا PageV05P267 # من أجلها للحصول على رضا الله ، وهم المستغفرون بالأسحار ، المستيقظون في ~~هدأة الليل عند ما تصفو الروح ، ويطمئن القلب ، وتخفت الأصوات ، ويرق الليل ~~في استشرافه لأجواء الفجر ، ويشعرون بالحاجة إلى أن يفرغوا لعبادة الله ، ~~ويستغفروه ، ويستلهموه الصواب ، ويناجوه مناجاة الخائف المذنب ومناجاة ~~المؤمن ، فيستريح المتعب من رحلة الذنوب إلى الواحة التي ms0953 يأوي فيها إلى ظل ~~ظليل من رضوان الله ولطفه وغفرانه ... # * * * PageV05P268 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) @QUR@026 إن الدين عند الله ~~الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) @QUR@026 فإن حاجوك ~~فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شهد ): من الشهادة ، وحقيقتها الإخبار بالشيء عن مشاهدة أو ما ~~يقوم مقام المشاهدة ، وهي الحجة والبرهان. # ( @QUR@01 بالقسط ): العدل. PageV05P269 # ( @QUR@01 الدين ): ها هنا كما في مجمع البيان ، الطاعة ، وأصله الجزاء ~~وسميت الطاعة دينا لأنها للجزاء (1). # ( @QUR@01 الإسلام ): أصله السلم ، وأصل السلم السلامة ، لأنها انقياد ~~على السلامة ، ويصلح أن يكون أصله التسليم لأنه تسليم لأمر الله ، والتسليم ~~من السلامة ، لأنه تأدية الشيء على السلامة من الفساد ، فالإسلام هو تأدية ~~الطاعة على السلامة من الإدغال. # ( @QUR@02 بغيا بينهم ): البغي طلب الاستعلاء بالظلم ، وأصله : بغيت ~~الحاجة إذا طلبتها ، والمراد به هنا الحسد ونحوه. # ( @QUR@01 حاجوك ): جادلوك في الدين ، والمحاجة هي الوسيلة التي يحاول ~~فيها صاحب الرأي رد الآخر عن رأيه من خلال الرد على حجته. # * * * ### ||| ** التوحيد حقيقة الوجود # إن القرآن الكريم يواجه المنكرين الكافرين بالله بعدة أساليب في تقريره ~~لحقيقة الوحدانية ، فقد يتمثل ذلك في طريقة الاستدلال العقلي ، وقد يتخذ ~~أسلوب الدليل الاستقرائي الذي يدعو إلى السير في الأرض والتأمل في خلق الله ~~، وقد يتمثل في الأسلوب الذي يوحي بها في مجال الإعلان بأنها الحقيقة ~~الحاضرة التي تعبر عن نفسها من دون حاجة إلى دليل ، تماما كما هي الأمور ~~الحسية التي تثبت بالحس ، كما في هذه الآية ، التي تبدأ الموضوع بشهادة ~~الله أنه الواحد الذي لا إله إلا هو في حضور الحقيقة في ذاته ، وشهادة ~~الملائكة PageV05P270 # في إدراكهم لعظمة الله من خلال منازل القرب إلى مواطن عظمته ، وأولي ~~العلم في ما يقودهم إليه العلم من ms0954 الإحساس اليقيني بهذه الحقيقة. # وفي ذلك إيحاء بأن المنكرين الذين لا يشهدون بهذه الحقيقة لا ينطلقون من ~~علم ، بل يتحركون في متاهات الجهل. والقيام بالقسط ، وهو العدل ، هو من ~~لوازم الوحدانية التي توحي بالقوة المطلقة والغنى المطلق الذي يملك كل شيء ~~، ولا يحتاج شيئا ، فكيف يمكن أن يظلم ، والظلم هو عقدة الضعيف ، كما ورد ~~في دعاء عن الإمام الباقر عليه السلام عقيب صلاة الليل : «وقد علمت يا إلهي ~~أنه ليس في نقمتك عجلة ، ولا في حكمك ظلم ، وإنما يعجل من يخاف الموت وإنما ~~يحتاج إلى الظلم الضعيف ، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علوا كبيرا» (1). ~~وعلى هذا ، فإن الشهادة بالوحدانية تستتبع الشهادة بأن الله هو القائم ~~بالقسط. وقد كررت الآية كلمة التوحيد لتقرير العقيدة الواضحة من خلال هذه ~~الشهادة العظيمة ... # وهو العزيز الحكيم ، فلا مجال للانتقاص من عزته من قبل أي أحد من خلقه في ~~كل ما يفعله وما يقوله ، ولا مجال للتشكيك في حكمته في ما خلق ودبر وفي ما ~~نظم للحياة من قوانين كونية في ظواهر الكون ومن قوانين شرعية في تشريع ~~الحياة للإنسان. # * * * ### ||| ** الشاهد والشهود على وحدانية الله # ( @QUR@07 شهد الله أنه لا إله إلا هو ) فهو الشاهد الأعظم الذي خلق ~~الوجود المتحرك في كل حقائقه وتنوعاته ، وهو الذي أعطاه مضمونه ومعناه ، وهو PageV05P271 # الشاهد في ذاته من خلال حضور الذات في الذات ، وهو الخالق للكون كله ، ~~والمطلع عليه في علمه بالنفي المطلق للشرك ، ولا يملك النفي المطلق غيره ، ~~فإن المحدود لا يمكن أن يدرك إلا الواقع المحدود ، فلا يجد سبيلا إلى ~~الحقيقة في دائرة النفي إلا من خلال العقل ، لأنه لا يملك الحس الذي يشمل ~~الوجود كله ، ليعرف من خلاله أين يكون النفي حقيقة ، وأين يقع الإثبات في ~~موقعه التوحيدي ، وهو الذي تنطلق شهادته في دائرة غناه الذاتي ، فلا يحتاج ~~إلى أن يعرفه أحد من خلقه ، لتكون الشهادة وسيلة من وسائله الحية في الوصول ~~، ذلك ؛ لأن معرفة خلقه له حاجة حيوية للاحساس بمعنى وجودهم ، والانفتاح ~~على مصدر القوة ms0955 الذي هو مصدر الوجود في حياتهم. # وتلك هي الشهادة التي تمنح الحقيقة لكل مخلوق حي ، فيحس بها في ذاتياته ، ~~حتى لتتحول في داخله إلى ما يشبه إحساس الذات بالذات في معنى الفطرة ، وقد ~~تحدث البعض عن النزاع في أن الشهادة هي بالقول أو بالفعل ، ونحن لا نرى في ~~هذا الحديث فائدة يتحرك النفي أو الإثبات نحوها ، لأن الله أعطى الكلمة في ~~الشهادة بتوحيده من خلال وحيه ، كما أعطى الواقع الشهادة الحسية المتجسدة ~~في الكون كله الناطقة في مضمون وجودها بأنه الله الذي لا إله إلا هو في ~~معنى الفطرة الوجودية للكون كله ، ولن تحتاج الكلمة إلى دليل في صدورها عنه ~~، لأن معناها في داخل ذاتها ، من حيث إن التوحيد هو حقيقة الوجود ، فهو ~~الذي يشهد للكلمة على صدقها ، وليست هي التي تؤكد صدقه في معنى الحقيقة في ذاته. # ( @QUR@01 والملائكة ) الذين عاشوا الفناء في الله والذوبان في عبادته ، ~~والخضوع لعظمته والخشوع أمام ربوبيته ، فهم ( @QUR@08 عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء: 26 27] ، ( @QUR@03 يسبحون ~~بحمد ربهم ) [الزمر : 75]. PageV05P272 # ومن خلال كل هذه الأجواء الغيبية التي عاشوها في رحاب الله في وظائفهم ~~الكونية ، وفي مسئولياتهم السماوية ، وفي شمولية التجربة في آفاق السماء ~~والأرض ، في الحدود التي أمكن لهم أن يصلوا إليها ويعرفوها ، أدركوا ~~التوحيد في حقيقته التي لا ترفض أية فكرة للربوبية بعيدا عن الله ، فهم ~~يعرفون حجم المخلوقات في دائرة تجربتهم ، ويعرفون عظمة الله في كل مظاهر ~~خلقه ومواقع قدرته ، فلا يرون له مثيلا ولا شريكا ، فيشهدون من عمق الإيمان ~~في وعيهم للحقيقة التوحيدية أنه لا إله إلا هو. # ( @QUR@02 وأولوا العلم ) هؤلاء الذين انفتحوا بعقولهم وتجاربهم على ~~الوجود في تفاصيله وفي عناصره وفي مواقع العظمة فيه وأسرار الإبداع في ~~حركته ، وتطلعوا في عملية مقارنة وتأمل وتفكير إلى كل مواقع القدرة في ~~الكون مما تتحرك به المخلوقات الكبيرة العظيمة هنا وهناك ، فرأوا أنها لا ~~تملك شيئا من معنى العظمة وسر القدرة إلا بالله ، فآمنوا أنه لا إله إلا هو ~~، ولعل من الواضح ms0956 أن المراد بالعلماء هنا كل الذين يملكون العلم الذي ينفتح ~~على توحيد الله من خلال الانفتاح على أسرار عظمته وحكمته وقدرته ، ولا ~~خصوصية لأحد في ذلك من حيث المبدأ ، ولكن هناك ما يتميز به عالم عن عالم في ~~درجة المعرفة ، الأمر الذي يجعلهم في وعي للتوحيد بطريقة أعمق وأفق أرحب. # ( @QUR@02 قائما بالقسط ) حال من فاعل قوله : ( @QUR@02 شهد الله ) فقد ~~شهد الله توحيد ذاته من خلال قيامه بالعدل الذي لا ينفصل عنه ، لأن عدالته ~~جزء من معنى الألوهية ، ومظهر لغناه عن عباده ، فلا يظلمهم ، لأن الظلم ~~دليل فقر وضعف ، وهكذا كان قيامه بالقسط في النظام الكوني بكل وجوداته ، ~~لأنه أعطى كل موجود حقه بما منحه إياه من حاجته ، فكان الوجود كله في وعيه ~~الذاتي الوجودي لربه مظهرا حيا للشهادة الكونية بتوحيده ، ولعل التركيز على PageV05P273 # القيام بالعدل ، في موقع انطلاقة الشهادة ، يوحي بأن علاقة الله بالكون ~~في وجوده الحي والجامد ، ليست علاقة سيطرة في معنى الذات كما هي علاقة ~~المخلوق القوي بالمخلوق الضعيف ، بل هي علاقة العدالة المرتبطة بالخالقية ~~من موقع الرحمة ، مما جعل عدالته مظهر رحمته ، كما هي في العمق مظهر قوته وغناه. # * * * ### ||| ** الحياة كلها لله # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فهذه هي الحقيقة التي لا بد للإنسان من أن ~~يؤكدها في نفسه لتملأ عقيدته كل وجوده ، تماما كما تؤكد نفسها في كل موقع ~~من مواقع الكون ( @QUR@01 العزيز ) الذي لا ينتقص أحد من قدرته وقوته ( ~~@QUR@01 الحكيم ) الذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويعطي لكل واحد منها ~~موقعها ودورها في حركة النظام الكوني كله. ( @QUR@05 إن الدين عند الله ~~الإسلام ) ويتمثل في الإسلام لله في كل شيء ، بحيث يفتح الإنسان قلبه لله ، ~~ليواجه الأشياء من هذا المنطلق ، الذي يدعوه إلى أن يجعل حياته كلها لله في ~~ما يأمره به أو ينهاه عنه أو يقوده إليه من أهداف كبيرة في الحياة ، وبذلك ~~لا بد له من أن ينفتح على كل الرسالات ويصدق كل رسالة ، فلا يخضع لعصبية ~~عمياء تحجب عنه إشراقة الحق فتؤدي به إلى العناد ms0957 والاستكبار والبعد عن ~~الطريق المستقيم ، فينكر الحقائق الواضحة التي لا سبيل إلى إنكارها ، ~~ويتنكر للبينات التي لا مجال للشك فيها. وهذا هو الذي يشمل كل ما جاء به ~~الرسل ، فإن كل رسالة تمثل الخط الذي يريد الله للناس أن يسيروا عليه في ~~مرحلتها ، الأمر الذي يجعل الإسلام متمثلا فيها ، لأن السير عليها هو مصداق ~~للاستسلام والخضوع لإرادة الله سبحانه ، أما إذا انتهت المرحلة لتبدأ مرحلة ~~جديدة من خلال رسالة جديدة ، فإن الإسلام يتمثل في السير على خط هذه ~~المرحلة PageV05P274 # الجديدة ، ويكون البقاء في الخط الأول منافيا للإسلام في مدلوله الروحي ~~والعملي. فالإسلام هو صفة كل الأديان ، ولكن في نطاق المرحلة التي يتسع لها ~~كل دين في ما حدد الله له من مراحل زمنية محدودة. # * * * ### ||| ** أطروحة الإسلام في الاعتقاد # وقد جاء في نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : «لأنسبن ~~الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي : الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو ~~اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو الأداء ، ~~والأداء هو العمل» (1). # وهذه هي الأطروحة التي تؤكد أن مسألة الإسلام ليست مسألة خضوع واستسلام ~~تلقائي شكلي يتحرك بطريقة آلية لا روح لها ولا عمق ، بل هي انفعال النفس ~~بالفكرة والخط ، بحيث تنحني كل حالة ذاتية أمامها ، وذلك من خلال اليقين ~~الذي يمثل وضوح الرؤية للأشياء ووعي الفكر للعقيدة ، فهو يتحرك من موقع ~~القناعة التي تخضع الذات لكل معطياتها ومتطلباتها ، مما يجعل المسألة مسألة ~~استسلام إرادي واع منفتح يعرف ما يريد وما لا يريد ، لا مسألة استسلام أعمى ~~خاضع للإرث التقليدي والانفعال العاطفي. وإذا كان اليقين هو حالة العلم ~~الذي يكتشف مفردات الحقائق ، فلا بد من التصديق الذي يجعل العلم متجذرا في ~~الذات من موقع الاعتقاد القلبي الذي يجعل العقيدة من خصوصيات الذات في الحس ~~والشعور. PageV05P275 # وإذا تحقق التصديق ، فإنه يجتذب الإقرار الذي يعني الانتماء للفكرة من ~~موقع الإقرار بها والإعلان عنها ، لأن القناعة بالانتماء تؤدي إلى شجاعة ~~الاعتراف بمقتضاه. وهكذا يتحول الإقرار الذي يمثل الالتزام الجدي الواضح ms0958 ~~الصريح إلى الالتزام بالمسؤولية وبالأداء الحركي الذي هو العمل في مظهره ~~الحي ، وهو الطاعة بامتثال أوامر الله ونواهيه ، ومن خلال ذلك ، نعرف أن ~~الإسلام ليس كلمة مجردة ، وليس عملا جامدا ، بل هو كلمة تنطلق من عقيدة ، ~~وعقيدة تنطلق من قناعة ، وموقف يتحرك في خط الالتزام بالمسؤولية وحركة ~~العمل. إن مسألة الإسلام هي مسألة روح في معنى الذات ، والتزام في خط العمل ~~، وعلم في آفاق الإيمان. # * * * ### ||| ** اختلف أهل الكتاب فضلوا # ( @QUR@013 وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم ) فقد ابتعدوا عن روحية الإسلام واستسلموا للعوامل الذاتية التي ~~تتحكم في تعاملهم مع خط العقيدة والعمل ، فانطلقوا بروحية البغي والعدوان ~~يثيرون الخلافات التي تفرق الناس عن الحق ، من دون أن يكون لهم أساس من ~~شبهة أو قاعدة من علم ، بل القضية على العكس من ذلك ، فهم يعرفون الحق على ~~أساس العلم الذي يملكونه في ما يعرفونه من كتاب الله الذي أنزله الله على ~~موسى وعيسى عليهما السلام . وذلك هو أساس التفرق في ما يتفرق به أهل الأديان ~~وأهل المذاهب في الدين الواحد ، فهم لا يسلمون فكرهم وعقلهم لله عند ما ~~يتناقشون ، ليجدوا الانفتاح الذي لا مجال معه للانغلاق على روح العصبية ~~العمياء ، ولو أسلموا أنفسهم لله ، لانطلقوا إلى الحقيقة في روح التعاون ~~على فهمها وإزالة الغموض عنها ، بحيث يتسابقون إلى اللقاء عليها بدلا من ~~التسابق إلى الوقوف عند الحدود التي كانوا فيها من دون أية PageV05P276 # رغبة في التقدم إلى موقف الآخر أو إلى منتصف الطريق حيث تنتظرهم الحقيقة ~~هناك. وبذلك ، فإن المشكلة في الخلافات الدينية في أغلب الحالات روحية ~~ونفسية أكثر منها فكرية وعلمية. ونحن نعرف أن الوصول إلى القناعات المشتركة ~~يفرض إزالة الحواجز التي تمنع من اللقاء ، وتدفع إلى التعصب والعناد ، ولن ~~يكون ذلك إلا إذا فتح الإنسان قلبه لله ، في روحية المؤمنين الذين يقولون ( ~~@QUR@015 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب ) [آل عمران : 8]. # ( @QUR@08 ومن يكفر بآيات الله فإن ms0959 الله سريع الحساب ) لأن الكفر لا ~~ينطلق من قاعدة فكرية يعذر فيها الإنسان ، بل ينطلق من الجهل والبغي ~~والعناد الذي يدفعه إلى إنكار آيات الله في وحيه الذي أنزله على رسله ، ~~وشرائعه التي ألقاها إلى أنبيائه وألهمهم تفاصيلها ، وربما كان من هذه ~~الآيات ما ورد في الكتب السماوية السابقة من أوصاف النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلاماته الدالة على نبوته ، مما بقي في تراث اليهود ~~والنصارى ، فقد أنكرها هؤلاء بغيا وحسدا وحفاظا على أوضاعهم وامتيازاتهم ~~التي حصلوا عليها بفعل التراكمات التاريخية في حركة السلطة والرئاسة في ~~مواقعهم المختلفة. # ولذلك ، فإن الله سيحاسبه حسابا عسيرا ليعرفه فقدانه للحجة في أسرع وقت ، ~~وفي ذلك إيحاء بأن على الإنسان أن يركز قناعاته على أساس متين من الحجة ~~والبرهان ليستطيع الدفاع عنها أمام الله عند ما يقف للحساب بين يديه ( ~~@QUR@08 * يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) [النحل: 111]. # * * * PageV05P277 ### ||| ** الدين عند الله الإسلام # ( @QUR@08 فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ). إن الدين هو ~~الإسلام ، هذا هو الذي ينبغي أن يعلنه النبي على الناس كافة ، لأن ذلك هو ~~سبيل الانفتاح الواعي على الحق الآتي من الله ، في مواقع الجدال والنزاع ، ~~وهذا ما أراد الله لنبيه أن يعلنه لكل من يحاجه. فقد أسلم وجهه لله ، من ~~خلال إسلامه الروحي والعملي ، كما أسلم أتباعه وجههم لله من خلال التزامهم ~~بخط الرسالة والرسول ، الذي هداهم إلى العقيدة الحقة والخط الصحيح. # وفي ضوء ذلك ، تنطلق الدعوة إلى الحوار العملي الموضوعي الذي يرتكز على ~~الحجة والبرهان لكل الذين يختلفون مع المسلمين في الدين أو في الرأي في أي ~~جانب من جوانب وعي الحقيقة المتحركة في الحياة من دون أية عقدة ذاتية أو ~~مشكلة نفسية ، لأن المسألة عندهم هو أنهم أسلموا وجوههم لله ، فهو الذي ~~يتوجهون إليه بعقولهم لتكتشف من خلال هدايته الحقيقة كل الحقيقة في قضايا ~~العقيدة والحياة. # وتبقى القضية أن على الآخرين الاستجابة لهذه الدعوة الإنسانية الحضارية ~~الحوارية من أجل الانطلاق نحو الموقف الواحد على أساس العقل ms0960 الواعي والفكر ~~الصحيح ، وهذا هو المنطق الذي أراد الله لنبيه وللمسلمين من أتباعه أن ~~يخاطبوا به أهل الكتاب ليقودوهم إلى إسلام وجوههم لله ، كما أسلم النبي ومن ~~اتبعه وجوههم له ، ليلتقي الجميع على الإسلام الذي يمثل روحية البحث عن ~~الحقيقة من خلال الفكر والحوار. # ( @QUR@05 وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ) وهم المشركون ، لأنهم لم يملكوا PageV05P278 # كتابا سماويا حتى يكون حافزا لهم على تعلم القراءة والكتابة كما قيل . قل ~~لهم ، مما تثيره أمامهم من البينات والحجج على أحقية الرسالة : ( @QUR@01 ~~أأسلمتم )؟ فإذا استجابوا لك في طريقة الحوار الخالي من التعقيد والتعصب ، ~~وفي مواجهتهم للحقائق بروح منفتحة خاشعة لله ولآياته ، فقد اهتدوا إلى الجو ~~الطاهر الذي يهديهم إلى الحق في اتباع سبيلك في ما بلغت وفي ما هديت ، ( ~~@QUR@06 فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ) وأعرضوا وانطلقوا يكيدون لك في ~~خط العناد والاستكبار ، فلا تحزن ولا تتعقد ( @QUR@03 فإنما عليك البلاغ ) ~~وتلك هي مسئوليتك التي قمت بها خير قيام ، وعلينا الحساب ، فليست مسئوليتك ~~أن تحاسبهم أو تعاقبهم ، فقد أديت ما عليك من واجب الإبلاغ والإنذار وانتهت ~~مهمتك عند هذا الحد من خلال صفتك كرسول يبلغ رسالة الله ( @QUR@03 والله ~~بصير بالعباد ) ويبقى لله أن يواجههم بنتائج أعمالهم ، فإنه بصير بعباده في ~~كل شيء. # وقد نستوحي من ذلك كيف نواجه بعض الفئات التي ندخل معها في قضايا الحوار ~~، فإن من الضروري لنا أن نواجه الموقف في داخل وجداننا من موقع الإسلام لله ~~الذي يجعل الإنسان يتقدم إلى الحوار من خلال الروح الطيبة النظيفة التي ~~أسلمت فكرها لله ، لا من خلال الأفق الضيق الذي يقوده التعصب الأعمى ، ~~فإننا نلاحظ في هذا المجال أن الدعاة إلى الله ، قد يتحركون من موقع العقدة ~~الذاتية ضد خصومهم ، فيمارسون بعض الأساليب التي لا تتفق مع خط الإيمان ~~وأسلوبه العملي في الحوار ، فيسيئون إلى الفكرة من حيث يخيل إليهم أنهم ~~يحسنون صنعا ، ولذلك ، فلا بد لهم من أن يرتفعوا إلى مستوى هذا الأسلوب ~~الذي يعلن فيه الرسول إسلامه لله ، من موقع الحاجة إلى تأكيد ms0961 هذا الإسلام ~~في العقيدة والموقف والحوار. ثم يبدأ الحوار من هذه القاعدة ، ليثير السؤال ~~أمامهم عن وصولهم إلى القناعة التي تقودهم إلى إسلام الوجه والقلب واللسان ~~والعمل لله ، ويحاول أن يقدم لهم PageV05P279 # كل الوسائل التي تقودهم إلى ذلك ، فإن لم يهتدوا بعد استنفاد كل الأساليب ~~، فلا مجال للتعقيد والانفعال واللجوء إلى السباب وغيره من الأشياء التي ~~تعبر عما في الذات من الحالات الانفعالية ، بل على الإنسان أن ينسحب بكل ~~هدوء ويترك الآخرين لضلالهم بعد أن أقام عليهم الحجة ، فقد أدى واجبه ، لأن ~~خط الدعوة إلى الله يتمثل في إقناع الآخرين بالحق ، أو في إقامة الحجة ~~عليهم ، فإذا بلغ إلى أحدهما ، فقد انتهت مهمته ، ( @QUR@03 والله بصير ~~بالعباد ). # * * * PageV05P280 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) @QUR@011 أولئك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) @QUR@020 ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى ~~فريق منهم وهم معرضون (23) @QUR@015 ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) @QUR@015 فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حبطت ): فسدت. قال الأزهري : إذا عمل الرجل عملا ثم أفسده PageV05P281 # قيل : حبط عمله ، وفي الحديث أحبط الله عمله ، أبطله. # ( @QUR@01 نصيبا ): النصيب الحظ من الشيء ، وهو القسم المجعول لمن أضيف إليه. # ( @QUR@01 يدعون ): الدعاء الاستدعاء ، ثم قد يكون بصيغة الأمر أو ~~الدلالة. # ( @QUR@02 ليحكم بينهم ): الحكم الذي يفصل بين الحق والباطل ، مأخوذ من ~~الحكمة وهي المنع. # ( @QUR@01 وغرهم ): خدعهم وأطمعهم بالباطل ، والغرور الشيطان لأنه يغر ~~الناس ويخدعهم ، والغار الغافل ، لأنه كالمغتر ، والغرارة الدنيا تغر أهلها ~~، والغر الغمر الذي لم يجرب الأمور ، ومصدره الغرارة ، لأنه من شأنه أن ~~يقبل الغرور ، والغرر الخطر ، أخذ منه. # ( @QUR@01 يفترون ): الافتراء : الكذب. # ( @QUR@01 فكيف ): موضوعة للسؤال عن الحال ، ومعناها هنا التنبيه بصيغة ~~السؤال عن حال من يشتاق إلى النار ، وفيها بلاغة واختصار ، لأن ms0962 تقديرها أي ~~حال يكون حال من اغتر بالدعاوى الباطلة حتى أدى به ذلك إلى الخلود في النار. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في سبب النزول في تفسير الدر المنثور أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بيت المدراس وهو مدرسة اليهود لدراسة التوراة على جماعة من يهود ، فدعاهم ~~إلى الله ، فقال له PageV05P282 # النعمان بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد؟ قال : «على ~~ملة إبراهيم ودينه» قالا : فإن إبراهيم كان يهوديا ، فقال لهما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : فهلما إلى التوراة ، فهي بيننا وبينكم ، فأبيا عليه ~~، فأنزل الله : ( @QUR@014 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون ~~إلى كتاب الله ليحكم بينهم ) إلى قوله ( @QUR@06 وغرهم في دينهم ما كانوا ~~يفترون ) (1). # وجاء في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا ~~وكانا ذوي شرف فيهم ، وكان في كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما ، ~~ورجوا أن يكون عند رسول الله رخصة في أمرهما ، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فحكم عليهما بالرجم ، فقال له النعمان بن أوفى وبحري ~~بن عمرو : جرت عليهما يا محمد ، ليس عليهما الرجم ، فقال لهم رسول الله : ~~بيني وبينكم التوراة ، قالوا : قد أنصفتنا ، قال : فمن أعلمكم بالتوراة ، ~~قالوا : رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا ، فأرسلوا إليه ، فقدم ~~المدينة وكان جبرائيل قد وصفه لرسول الله ، فقال له رسول الله : أنت ابن ~~صوريا ، قال : نعم ، قال : أنت أعلم اليهود؟ قال : كذلك يزعمون ، قال : ~~فدعا رسول الله بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب ، فقال له : اقرأ ، فلما ~~أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها ، فقال ابن سلام : يا رسول ~~الله قد جاوزها ، وقام إلى ابن صوريا ورفع كفه عنها ، ثم قرأ على رسول الله ~~وعلى اليهود بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما ، وإن ~~كانت المرأة حبلى انتظر ms0963 بها حتى تضع ما في بطنها ، فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم باليهوديين ، فرجما ، فغضب اليهود لذلك ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية (2). # * * * PageV05P283 ### ||| ** مع أهل الكتاب في بعض أعمالهم وأفكارهم # في أجواء هذه الآيات حديث عن تاريخ أهل الكتاب في إطار الحديث عن الحواجز ~~التي تحول بين الإسلام وبين الانطلاق بعيدا في حياة الآخرين من خلال ~~مؤامرات اليهود وانحرافهم وتعقيدهم ضد كل الرسالات التي لا تحقق لهم ما ~~يريدونه لأنفسهم من امتيازات وتمنيات وأطماع ، بل تعمل على أن تحقق للحياة ~~وللمستضعفين فيها ، الفرص الطيبة التي تهيئ لهم سبل الكرامة والنمو والرخاء ~~، فهم لا يوافقون على ذلك ، فقد تحول الكتاب عندهم إلى ما يشبه الميزة ~~القومية ، التي لا تغني لهم شيئا إلا بمقدار ما تضيف إلى رصيدهم من ~~امتيازات ذاتية في مقابل الشعوب الأخرى. وبهذه النفسية المعقدة واجهوا ~~الرسول محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته كما واجهوا بقية الرسالات ~~والرسل ، فقد انطلقت كل الرسالات لتقودهم إلى كتاب الله ، ولكنهم وقفوا ~~جميعا ليحتفظوا بالكتاب كتراث وميزة ومصدر تجارة واستغلال وابتزاز وتأكيد ~~للشخصية المستعلية التي تعتبر نفسها من شعب الله المختار ، وتلك هي قصة ~~الصراع بينهم وبين النبيين والذين اتبعوهم ممن يأمر بالقسط ، إنه الصراع ~~بين التجارة والرسالة ، وبين الشكل والمضمون ، وهذا ما جمد اليهودية عن ~~الانطلاق في الحياة كدعوة ورسالة تدعو الآخرين إلى اعتناقها والدخول فيها ، ~~بل حاولت أن تغلق الباب على الذين يدخلون فيها ، وتحولت إلى قومية تبحث عن ~~اليهودية في نقاء الدم وفي صفاء النسب بعيدا عن الجانب الفكري والعملي. # وقد أنزل الله آياته على رسوله ، ليعالج هذا الوضع المعقد ، بالحديث عن ~~التاريخ الدموي الإجرامي لهؤلاء الذين يتظاهرون بالسلام والرحمة والقيم ~~الروحية في الحياة من أجل الخداع والغش والحيلة والمكر ، وبالتأكيد على PageV05P284 # خطأ المفاهيم المنحرفة التي يوحون بها إلى أنفسهم مما لا يرجع إلى أساس متين. # * * * ### ||| ** تبشير الكافرين بالعذاب الأليم # ( @QUR@018 إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب ms0964 أليم ) إن القضية تبدأ بالعناد ~~والتعصب والتنكر للرسل ، وتتحرك بالكفر بآيات الله الذي ينطلق من الرفض ~~النفسي للاقتناع مهما كانت وسائل الإقناع التي تقدم إليهم ، وتتحول إلى ~~عقدة إجرامية ، فهم يواجهون آيات الله ، ويحسون في أعماقهم بأنها الحق الذي ~~لا جدال فيه ، ولكنهم يرفضونه بألسنتهم ومواقفهم ركونا إلى أطماعهم ~~وشهواتهم وتعقيداتهم المرضية ، ويخافون أن تنطلق الدعوة إلى الله في حياة ~~الناس الذين يشعرون بالحاجة إلى الإيمان والعدل ، ويعمدون إلى النبيين ، ~~فيطلبون منهم أن يسكتوا ويتنازلوا عما يدعون إليه على أساس الرغبة والرهبة. ~~ويمتد الأنبياء في صبر الرسالة وهدوء الإيمان ويستمرون في الدعوة وفي ~~الموقف ، ويتعاظم الخطر على المنحرفين ، فهذه الأصوات المؤمنة قد بدأت ~~ترتفع من هنا وهناك. فهذا صوت يرتفع بالإيمان ، وهذا صوت ينطلق بالعدل ، ~~وذاك صوت يهجم على الظلم والبغي والطغيان. وبدأت الأصوات تدق عليهم الأبواب ~~التي يعيشون خلفها ، وتقتحم عليهم حالة الأمن والطمأنينة والاسترخاء. ~~وارتفعت الأصوات واشتدت حتى تحولت إلى ما يشبه الثورة ، أو هكذا خيل إليهم ~~في استشرافهم للمستقبل ... فما ذا يفعلون؟ لا سبيل إلا إلى إخماد الصوت ~~الأول الذي فتح للإنسان كل هذه الآفاق ، لتخمد الأصوات الأخرى ، ولا طريق ~~إلى ذلك إلا بقتل النبي الرسول. PageV05P285 # وبدأت المذبحة ، مذبحة النبيين في كل صباح ومساء ، واختفى النبيون من ~~الساحة ولم تختف الأصوات ، فقد تحول كل واحد منها إلى آلاف الأصوات التي ~~تنطلق بالكلمة الواحدة والفكرة الواحدة والهدف الواحد ، وضجت الساحة من ~~جديد بالأمر بالعدل والإنكار على الظلم ، وأي ظلم أفظع من ظلم الذين يأمرون ~~بالقسط ، وبدأت مذبحة المؤمنين في كل يوم ، وما زال التاريخ الدامي يفرض ~~نفسه على ساحة الرسالات ، فالظلم لا يستطيع أن يدافع عن نفسه بالحجة ~~والبرهان ، لأنه يفقد المبرر لكل أفكاره وقناعاته ، والرسالات لا تستخدم ~~القوة بل الإقناع ، لأنها تريد أن تفتح قلوب الناس على الله ، وعيون الناس ~~على النور ، قبل أن تخضع الواقع لما تريد. وقد تجد في الشهادة روحا جديدة ~~تعطي الدم للرسالة ، ويظل التاريخ الدامي للرسالات ، يفتح لها آفاقا جديدة ~~قد لا ms0965 يلمحها الذين يصنعونها ، ولكنها تشرق على الذين لا يزالون يواصلون ~~الخطى من بعيد. وبعد ذلك ... ماذا استفاد هؤلاء المجرمون؟ إنها أيام ~~يعيشونها في استرخاء ، ويبدأ العذاب القاتل في الدنيا ، في ضمائرهم ، وفي ~~الآخرة ، عند الله. # ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) ونلاحظ في التعبير بالبشارة بالعذاب ~~أسلوبا من أساليب الاستهزاء بهم وبأفكارهم والتهديد لهم ، وذلك لأن البشارة ~~في مفهومها تعني الإخبار بالخبر السار الذي يرتاح إليه ويسر به. # * * * ### ||| ** افتراء اليهود وغرورهم # ( @QUR@010 أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من PageV05P286 # @QUR@01 ناصرين ). إن الجريمة بقتل النبيين وقتل الذين يأمرون بالقسط ، ~~لا ترقى إليها جريمة أو معصية ، فقد يغفر الله لعباده بعض ذنوبهم ومعاصيهم ~~، ويحتفظ لهم بأعمالهم الصالحة التي عملوها ليجزيهم عليها في الدنيا ~~والآخرة ، ولكن هؤلاء هم الذين أحبط الله أعمالهم فلم يبق لهم منها شيء ، ~~وليس لهم يوم القيامة شفيع أو ناصر. فما أشد الخسارة ، وما أعظم العذاب. # ( @QUR@050 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ~~ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون* ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون* فكيف إذا جمعناهم ~~ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ). # وهذا نموذج من النماذج السلبية للتصرفات المنحرفة المتحدية التي يمارسها ~~أهل الكتاب ضد الدعوات الإسلامية للموقف الواحد أمام القضايا المشتركة. ~~فإذا كان هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في معلوماتهم عنه ، يؤمنون به ~~، فإن هذا الإيمان يفرض عليهم الالتزام بأحكامه ، باعتباره المرجع الأول ~~والأخير لهم ، ولكنهم لا يلتزمون ولا يتعاطفون مع الدعوة المخلصة إلى أن ~~يكون هو الأساس في الحكم بينهم عند ما يكون هناك خلاف ونزاع يبحث عن أساس ~~للحل ، فيعرضون عنه عصيانا وتمردا ، مما يوحي بأن ارتباطهم به يمثل العصبية ~~ولا يمثل الإخلاص للعقيدة ، وبأنهم يستريحون إلى فكرة خاطئة ، وهي أن النار ~~لا تمس اليهودي إلا أياما معدودات ، فليس هناك زمن طويل للعذاب فضلا عن ~~الخلود فيه ، فلا مشكلة صعبة من هذه ms0966 الجهة ، ولا موجب للانضباط في خط ~~الطاعة في الدنيا على أساس التخلص من العذاب في الآخرة. # ولكن القرآن يقرر بأن هذا افتراء وغرور ، افتروه على الله وغروا به PageV05P287 # أنفسهم ، تماما كمن يكذب ثم يقنع نفسه بصدق الكذبة على امتداد الزمن ، ~~فيتحمل نتائجها السيئة بدون شعور. إن الحقيقة تفرض نفسها على علاقة الخالق ~~بالمخلوقين ، فليس هناك أحد أولى به من أحد ، ليحصل شخص ما على امتياز دون ~~آخر ، أو شعب دون شعب ، إنما القضية مسئولية وطاعة ، فمن حمل المسؤولية ~~بصدق وأطاع الله بيقين ، كان قريبا لله ، مهما كان حجمه صغيرا في الجسم ~~والموقع ، ومن لم يكن كذلك كان بعيدا عن الله ، مهما كان كبيرا في حجمه وفي ~~موقعه الاجتماعي في الحياة ... # * * * ### ||| ** ماذا ينتظر اليهود يوم القيامة؟ # ثم يوحي القرآن لهم بالصورة المرعبة الهائلة التي تنتظرهم في يوم الجمع ~~الذي يجمع الله فيه الخلائق ليحاسب كل نفس على ما عملت ، بعيدا عن أية صفة ~~أو امتياز ، إنه العمل ، ثم توفى كل نفس ما عملت من خير أو شر وهم لا ~~يظلمون ، فقد جعل الله شعار ذلك الموقف لا ظلم اليوم ، وهو سبحانه أعظم من ~~أن يظلم عباده في قليل أو كثير. # ونلاحظ أن الله عبر عن هؤلاء بقوله : ( @QUR@04 أوتوا نصيبا من الكتاب ) ~~ولم يقل : أوتوا الكتاب ، وربما كان ذلك إشارة إلى أنهم لا يملكون المعرفة ~~الشاملة للكتاب كله ، لأنهم أخذوا ما ينفعهم ويحقق لهم السيطرة على الناس ~~من خلال بعض النصوص المتشابهة التي يمكن لهم أن يؤولوها كما شاؤوا أو ~~يحرفوها كما أرادوا ، وتركوا النصوص الواضحة الصريحة التي لا مجال فيها ~~للالتباس والاشتباه والتحريف والتأويل لئلا يطلع الناس عليها فتكون حجة ~~عليهم ، وهكذا أضاعوا بعض أجزائه من خلال ذلك فلم يبق منه إلا القليل. PageV05P288 ### ||| ** دروس من وحي الآيات # ماذا نستوحي من ذلك كله فيما نواجه من واقع الحياة في حركة الدعوة إلى الله؟ # 1 إن هناك نماذج متعددة من الفئات التي تمارس الأعمال التي كان يمارسها ~~اليهود ، ومنهم اليهود الذين اغتصبوا أرض ms0967 المسلمين وشردوا أهلها وعاثوا في ~~الأرض فسادا وما زالوا يقتلون الذي يأمر بالعدل وينهى عن الظلم ... ومنهم ~~الحاكمون الذين ينتسبون إلى الإسلام بالاسم ولكنهم يحملون مبادئ وشعارات ~~غير إسلامية ، فيحكمون الناس بغير ما أنزله الله طغيانا وظلما ، ويقتلون ~~الدعاة إلى الله من دون أي أساس للعدل ، وإذا قيل لهم اتقوا الله أخذتهم ~~العزة بالإثم. ومنهم الفئات التي تملك بعض وسائل القوة التي تمكنها من فرض ~~السيطرة على منطقة معينة ، وتتحرك من موقع شعارات كافرة لا تتصل بالإسلام ~~من قريب أو من بعيد ، فتحاول أن تعتدي على العاملين للإسلام ... # وهكذا ينبغي للمؤمن أن يتلمس في النماذج الواقعية الموجودة على الساحة ~~السياسية والاجتماعية والدينية ، الأفق الواسع للآية في حركة الحياة ، فلا ~~تبقى مجرد حدث يعيش في التاريخ ، بل تكون ، كما هو القرآن في آياته ، حدثا ~~متجددا يمتد مع الحياة في المتقبل كما عاش في الماضي. وبذلك يظل الوحي ~~مشيرا بيده إلى الإنسان في عملية تجدد وانطلاق ، ويبقى لنا أن نحتفظ ~~بمشاعرنا المضادة لهؤلاء الذين يصنعون مأساة الناس الذين يأمرون بالقسط في ~~الحاضر والمستقبل ، لنستطيع من خلال ذلك أن نمنع وقوع المأساة بالمزيد من ~~الضغوط التي نملك إمكاناتها العاطفية والواقعية. PageV05P289 # 2 أن موقف هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، في امتناعهم عن الخضوع ~~إلى حكم الكتاب ، يشبه كثيرا موقف بعض المسلمين في رفضهم للتحاكم على أساس ~~حكم القرآن ، لأنه لا يتفق مع مصالحهم الخاصة ، ويتعللون لذلك بالمزيد من ~~الأسباب الواهية التي لا تثبت أمام النقد. وقد نجد بعض النماذج التي ترفض ~~الخط الذي يعمل من أجل الدعوة إلى أن تحكم الحياة شريعة الله ، فيثيرون ~~أمامه المشاكل والعقبات التي تعطل فاعليته وتشل حركته ، لأن ذلك قد يحرمهم ~~بعض الامتيازات ، أو يدفعهم لبعض التضحيات ، أو يسبب لهم بعض المتاعب ~~الذاتية. وقد يفكر مثل هؤلاء بأن المسلمين لا يخلدون في النار من جهة بعض ~~الأحاديث الواردة في هذا المجال ، وبذلك يعطون لأنفسهم الحرية في ممارسة ~~المعاصي التي سوف لا تكلفهم خسارة الجنة في نهاية المطاف. إن ms0968 الله يتحدث مع ~~هؤلاء المسلمين ، كما تحدث مع اليهود ، لأن منطقهم واحد ، والرد عليه هو ~~نفسه ؛ والله العالم. # 3 إذا صحت الروايتان اللتان تقدمتا في «أسباب النزول» ، كانتا دليلا على ~~أن الله ينزل آياته في المفاصل التاريخية التي تمثل الخلل الذي يصيب ~~المجتمع اليهودي في انحرافه عن التوراة التي هي كتاب الله في عقيدتهم ، فلا ~~يلتزمون أحكامها إذا كانت المطالبة بذلك من قبل غيرهم ، فإذا ألزمهم ببعض ~~ما فيها من الشرائع التي تفرض عليهم الحكم القاسي الذي لا يريدونه لأشرافهم ~~الذين يملكون بعض الامتيازات الاجتماعية التي تنأى بهم عن الخضوع للقانون ~~الإلهي في التوراة ، وقفوا في حالة الإحراج الديني لإخفاء الآيات التي ~~تتحدث عن ذلك. # ونجد في الرواية الأولى ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يزور مدراس ~~اليهود ليدخل في حوار معهم ، باعتبار أنها مركز الفكر اليهودي الذي يفرض على PageV05P290 # طلابه والقائمين عليه أن يؤكدوا التزامهم بالتوراة ، ليكون الحوار من ~~خلالها باعتبار أنها ملزمة لهم في مضمونها الشرعي ، ولكنهم بدلا من ذلك ~~رفضوا الاحتكام إليها للتدليل على دعواهم أن إبراهيم كان يهوديا ، عند ما ~~أراد رسول الله منهم أن يخرجوا التوراة ليقرأوها ، لأنه واثق من زيف هذه ~~الدعوى عند هم. # وهكذا نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يؤكد الانتماء إلى ملة ~~إبراهيم ودينه ليجرهم إلى الاقتراب منه ، لأنهم كانوا يؤمنون بإبراهيم كنبي ~~ويزعمون أنه يهودي ، كأسلوب نبوي في الوقوف مع الآخرين عند مواقف اللقاء في ~~العنوان العام للذين ، كما في القضايا الأخرى المشتركة بين الأديان ، ~~ولكنهم كانوا يرفضون الدخول في الحوار معه ويتهربون من ذلك. # ونلاحظ في الرواية الثانية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في حكمه على ~~المجرمين من اليهود ، يحاول أن يؤكد لهم أن حكمه الشرعي في الزنى ، لا ~~يختلف عما لديهم من أحكام الزاني المحصن ، تدليلا على مواقع الوفاق بين ~~الشريعتين ، باعتبار أن الإسلام جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب ، ولكن ~~عنادهم كان يحول بين النبي صلى الله عليه ms0969 وآله وسلم وأسلوبه في تحقيق الانفراج ~~الفكري والشرعي في علاقته بهم ، لتقريبهم إلى الإيمان بالإسلام. # * * * PageV05P291 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@025 قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) @QUR@021 ~~تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) (27) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وتنزع ): النزع قلع الشيء من الشيء. # ( @QUR@01 تولج ): الإيلاج ، الإدخال ، والوليجة ، بطانة الرجل ، لأنه ~~يطلعه على دخيلة أمره. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # ذكر صاحب مجمع البيان سببين لنزول هاتين الآيتين. # الأول : قيل : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس PageV05P292 # والروم ، قال المنافقون واليهود : هيهات ، من أين لمحمد ملك فارس والروم ~~، ألم يكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم وفارس؟ ونزلت هذه الآية ، عن ابن ~~عباس وأنس بن مالك. # الثاني : قيل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خط الخندق عام الأحزاب وقطع ~~لكل عشرة أربعين ذراعا ، فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ، وكان ~~رجلا قويا ، فقال المهاجرون : سلمان منا ، وقال الأنصار : سلمان منا ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم : سلمان منا أهل البيت. # قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان وحذيفة ونعمان بن مقرن المزني وستة من ~~الأنصار في أربعين ذراعا ، فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي ناب ، أخرج الله من ~~بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا ، فقلنا : يا سلمان ارق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة ، فإما أن نعدل عنها ~~، فإن المعدل قريب ، وإما أن يأمرنا فيها بأمره ، فإنا لا نحب أن نجاوز ~~خطه. قال : فرقي سلمان إلى رسول الله وهو ضارب عليه قبة ركية ، فقال : يا ~~رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ~~ما يحتك فيها قليل ولا كثير ، فمرنا فيها بأمرك ، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك ~~، قال : فهبط رسول الله صلى الله ms0970 عليه وآله وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على ~~شفة الخندق ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المعول من يد سلمان ~~فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى كان لكأن ~~مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر رسول الله تكبيرة فتح ، وكبر المسلمون ، ثم ~~ضربها رسول الله الثانية فكسرها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى ~~لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرة ~~فتح وكبر المسلمون ، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثالثة ~~فكسرها ، فبرق منها برق أضاء بها ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف ~~بيت مظلم ، فكبر رسول الله تكبير فتح وكبر المسلمون ، وأخذ بيد سلمان ورقي ~~، فقال سلمان : بأبي أنت PageV05P293 # وأمي يا رسول الله ، لقد رأيت شيئا ما رأيت منك قط ، فالتفت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا : نعم يا ~~رسول الله ، قال : ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور ~~الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة ~~عليها ، ثم ضربت ضربتي الثانية ، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر ~~من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ، ~~ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها ~~أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا ، فاستبشر ~~المسلمون وقالوا : الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر ، فقال ~~المنافقون. ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور ~~الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ولا ~~تستطيعون أن تبرزوا ، فنزل القرآن ( @QUR@013 وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) [الأحزاب : 12] ، وأنزل الله ~~في هذه القصة ، ( @QUR@06 قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك ) الآية. رواه ~~الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف (1). # ونلاحظ أن هذه الروايات ms0971 قد تكون واردة على سبيل الاجتهاد من قبل أصحابها ~~، ولذا اختلف هؤلاء في زمن نزولها بين من جعله بعد فتح مكة ، ومن جعله في ~~وقعة الخندق ، لأن القضية التي تتضمنها الآيتان واردة في تأكيد قدرة الله ~~وهيمنته على الأمر كله والخلق كله ، باعتبار ذلك من أسس العقيدة الإسلامية ~~التوحيدية مما لا يحتاج فيه إلى مناسبة معينة ، تماما ، كما هو التوحيد في ~~مضمونه الفكري والروحي. # ولعل الآية الثانية الواردة في سياق الآية الأولى تؤكد ذلك ، فإن الظاهر PageV05P294 # أنها نزلت في وقت واحد ، ولكنها في كل حال يمكن أن توحي ببعض الأجواء ~~التي كان يثيرها المنافقون في الساحة الإسلامية الداخلية من أجل إثارة الشك ~~في الرسالة والرسول في استغلال سيئ لبعض حالات الضعف الموجودة في الواقع ~~الإسلامي مما يتصل بالخطاب الإسلامي المستقبلي الذي لا يجد المسلمون أية ~~إشارة إليه في مجريات الواقع ، كما توحي بأن النبي كان يربي المسلمين على ~~الثقة بالله من خلال الإيمان بالغيب على أساس وعد الله في وحيه القرآني. ~~وهناك ملاحظة مهمة ، وهي أن الرواية الأولى تحدثت عن اليهود والمنافقين في ~~الوقت الذي لم يكن لليهود وجود بارز في المجتمع المدني ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أجلاهم عن المدينة. # * * * ### ||| ** الآيتان تقرير لحقيقة كونية # في هاتين الآيتين تقرير لحقيقة كونية إلهية تدخل في صلب النظام الكوني ~~للأشياء ، للإيحاء للعاملين من أجل تغيير الواقع الفاسد بأن إرادة التغيير ~~عند ما تتحرك في اتجاه الواقع العملي ، فإنها ستلتقي بالنتائج الحاسمة في ~~نهاية المطاف إن عاجلا أو آجلا ، لأن الله قد خلق الحياة في مظاهرها ~~الكونية سواء في ذلك الظواهر الكونية ، كما في الليل والنهار ، أو الحياة ~~والموت ، أو الظواهر الإنسانية الاجتماعية ، كالملك والعز والذل ، أو ~~الظواهر الحياتية في حركة الحياة ، كالرزق ، وجعلها خاضعة لسنة التغيير من ~~خلال الأسباب الطبيعية التي زود بها الكون ، فجعل بعضها خاضعا لإرادة ~~الإنسان في نطاق الظروف الموضوعية المحيطة به وبالأشياء ، بينما ظل بعضها ~~خاضعا للأسباب الطبيعية المودعة في الكون الواسع. وإذا كانت ms0972 القضية سائرة ~~في هذا الاتجاه ، فلا بد من التطلع إلى المستقبل من قاعدة PageV05P295 # خضوعه لهذه السنة التي تجعله قابلا للتغيير والتبديل ، كما تدفع الإنسان ~~إلى تحريك هذه السنة بتحريك إرادته نحو ذلك. # وهذا ما نستوحيه من هذه الآية في خطواتنا العملية نحو تغيير الحياة على ~~أساس شريعة الله ، وهذا ما استوحاه المفسرون في نزول هذه الآية في أجواء ~~المعارك الإسلامية التي كانت تستشرف المستقبل الذي تنطلق فيه الدعوة ~~الإسلامية قوية فاتحة حاكمة للأرض في ما يصل إليه الفاتحون الداعون إلى ~~الله بالحكمة والموعظة الحسنة في نطاق القوة الرحيمة الحكيمة العادلة ~~الواعية. # * * * ### ||| ** لمن نسبة الفعل الإنساني؟ # إنه سبحانه يملك الملك في كل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني القدرة ~~والسلطان والقوة ، فهو الذي يملك ذلك كله ، ولا يملكه غيره ، وهو الذي يملك ~~العطاء والمنع ، وهو الذي يمنح العزة للإنسان بمنحه أسبابها ، وهو الذي ~~يسلبها عن إنسان آخر ، بإبعاد ظروفها عنه. ولكن كيف ذلك؟ هل يتم ذلك بشكل ~~مباشر ، فيكون الملك منحة للحاكم الظالم ويكون العز عطية للإنسان الكافر ، ~~بينما يعيش المؤمن الحرمان من هذا وذاك؟ هل الظالمون والطغاة والمستكبرون ~~هم القضاء الذي لا يملك الإنسان معه أن يختار أو يتجه نحو التغيير؟ كيف ~~نفهم القصة في ما نريد أن نعيه ونفهمه من مفاهيم العدالة في الإرادة ~~الإلهية في الكون؟ # ولنا أن نجيب عن الفكرة من خلال فهمنا للأسلوب القرآني الذي PageV05P296 # يتحدث عن أفعال الله المتعلقة بحركة الإنسان في الأرض ، فقد تعرضنا في ~~هذا التفسير أكثر من مرة للحديث حول هذا الموضوع ، وقلنا إن نسبة أي فعل من ~~أفعال الإنسان إلى الله لا يمنع من نسبته إلى الإنسان ، تماما كما أن نسبة ~~الظواهر الطبيعية من الحر والبرد واختلاف الليل والنهار إلى الله لا يمنع ~~من نسبتها إلى أسبابها الطبيعية الخاضعة للقوانين المودعة في الكون ، ففي ~~كلا الموردين ، لا يقتضي ذلك المباشرة للفعل ، بل كل ما هناك هو تعلق إرادة ~~الله بوجوده من خلال سببه الذي قد يكون اختياريا كما في إرادة الإنسان ms0973 التي ~~هي إحدى الأسباب المباشرة لفعله ، وقد يكون غير اختياري ، كما في الظواهر ~~الكونية أو الأحداث التي تعرض للإنسان من خلال أوضاع غير إرادية. وفي هذا ~~الإطار ، تحدث الله عن الرزق والخلق والصحة والمرض وتغيير الواقع ، فنسبه ~~إلى نفسه كما نسبه إلى الإنسان ، كما تحدث عن الأشياء الأخرى. # * * * ### ||| ** القوانين الإلهية تحكم المسيرة الإنسانية # وعلى ضوء ذلك ، نفهم أن الله قد جعل للواقع الاجتماعي والسياسي ~~والاقتصادي قوانين تحكمه في مسيرته ، وجعل لإرادة الإنسان الدور الكبير في ~~حركة الواقع ، وذلك في ما قاله الله سبحانه في القرآن الكريم : ( @QUR@09 ~~إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما (1) @QUR@01 بأنفسهم ) [الرعد : 11] ~~، فإذا كان هناك حكم عادل ، فإنه يكون منطلقا من الظروف الموضوعية المتحركة ~~في حياة الناس وإراداتهم ، وإذا كان هناك حكم ظالم ، فإنه يكون راجعا إلى ~~الأسلوب والاتجاه نفسيهما. PageV05P297 # وهكذا الحال في تغير الأمور في الجوانب العامة والخاصة في قضايا الفرد ~~والمجتمع. وقد وردت الإشارة إلى ذلك في الحديث المعروف : «كما تكونون يول ~~عليكم ...» أو الحديث الآخر : «لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، أو ~~ليسلطن الله شراركم على خياركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (1) والحديث ~~الآخر : «من عذر ظالما بظلمه سلط الله عليه من يظلمه ، وإن دعا لم يستجب له ~~ولم يأجره الله على ظلامته» (2). # وهكذا نلتقي بالآيات الكريمة التي تقول : ( @QUR@024 وضرب الله مثلا قرية ~~كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) [النحل : 112] ، وقوله تعالى : ~~( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [الروم : 41] ، فإن الأحاديث المتقدمة لا تعني ~~أن الله يولي على الناس أمثالهم ، أو يسلط عليهم شرارهم ، أو يسلط على ~~الإنسان من يظلمه بالمعنى المباشر للكلمة التي توحي بأن ذلك يمثل جانب ~~الجزاء أو العقوبة ، بل تعني أن كثيرا من النتائج تأتي تلقائيا عند حصول ~~مقدماتها ، فإذا كان المجتمع شريرا ، فإنه ينتج الحاكم الشرير ، لأن الحاكم ~~نتاج مجتمعة في الغالب ، كما أن ترك ms0974 المنكر دون ردع سينتهي بالنتيجة إلى ~~امتداد المنكر وقوة فاعليه الأشرار وضعف الخيرين الذين يستريحون في حياتهم ~~للدعة والطمأنينة وحب الراحة ، من دون أن يعملوا على صنع القوة الخيرة ~~وإضعاف القوة الشريرة. وبذلك يكون تسلط الأشرار نتيجة حتمية لذلك .. # أما هؤلاء الذين يعذرون الظالم بظلمه ، فإنهم يسمحون للظلم بالامتداد من ~~خلال إيجاد المبررات له. وهكذا يتحول الظلم إلى قوة ترتد على PageV05P298 # المشجعين لها ، وهذا ما نستوحيه من الآيتين اللتين تحدثنا عن الأوضاع ~~القلقة للحياة في واقع الناس الفاسد من الخوف والجوع والفساد ، كنتيجة ~~طبيعية لأعمال الناس. # في هذا الجو ، يمكننا أن نقول إن الأشياء كلها ترجع إلى الله لأنه الذي ~~خلق السبب وربط بينه وبين المسبب ، ولكنه ترك للإنسان فرصة المباشرة بإيجاد ~~السبب ، فلو لا أنه خلق الإنسان وخلق معه الإرادة ، لما كانت هناك معصية ~~ولا طاعة ، ولو لا أنه خلق العلاقة بين الإرادة المحاطة بظروفها العادية ~~وبين الفعل المراد ، لما تحقق الفعل ، ولكن ذلك كله لا يمنع من نسبة الفعل ~~إلى الإنسان الذي يملك أن يريد أو لا يريد ، فيصنع المأساة ، أو يصنع الفرح ~~، وبهذا الأسلوب يؤتي الله الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، من خلال ~~الظروف السلبية والإيجابية الاختيارية وغير الاختيارية من دون أن يعني ذلك ~~موافقة على نتائج هذا أو ذاك في ما إذا كانت النتائج بعيدة عن خط الخير. ~~وهكذا إذا تحدثنا عن العز والذل ، فإن الله يذل من يذل نفسه ويعز من يعز ~~نفسه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. # ويظلل الإنسان هو الذي يصنع مصيره من خلال حسن اختياره للأسباب وسوء ~~اختياره لها ، سواء في ذلك الإنسان الفرد في القضايا المتصلة بالمصير ~~الفردي ، أو الإنسان المجتمع في القضايا المرتبطة بالمصير الجماعي ، وبعد ~~ذلك ، لا معنى للسؤال كيف يؤتي الله الظالم الملك ، وكيف ينزع الملك من ~~العادل ، فإن القضية واقعة في نطاق إرادة الله من خلال طبيعة الربط بين ~~النتائج والمقدمات ، ولكنها تنطلق في خط إرادة الإنسان من خلال ممارسته ~~للمقدمات التي توصل إلى تلك ms0975 النتائج. وقد جاءت الأحاديث المأثورة عن أئمة ~~أهل البيت عليهم السلام في موضوع العز والذل في مدلولهما الروحي والمادي ~~ورجوعهما إلى سوء اختيار الإنسان وحسن اختياره. فقد ورد في بعض الكلمات ~~المأثورة : «من أراد عزا بلا عشيرة وغنى بلا مال ، PageV05P299 # وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته ...» (1). # وفي بعض الأحاديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، أن الله فوض إلى ~~المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يذل نفسه ، قيل : وكيف يذل نفسه؟ قال : ~~يتعرض لما لا يطيق ، أو يدخل في ما يعتذر منه. وجاء في الكلمات القصار في ~~نهج البلاغة : الطامع في وثاق الذل» (2). # قل يا محمد ، أو يا كل من انفتح على التوحيد فكرا وروحا وإيمانا في وعيه ~~للذات الإلهية في المعنى المطلق لها ، المهيمن على الوجود كله ، لأنه خالق ~~الوجود في ذاته وفي كل كلياته وجزئياته. قل ، وأنت تبتهل إلى الله لتؤكد ~~إيمانك في نفسك في عملية إيحائية داخلية تنفذ الكلمة فيها إلى الداخل ، ~~بحيث يتعمق الإحساس بالفكرة كلما تكرر ذكرها في اللسان ، وأعلنه للآخرين ~~الذين يطلقون الشك من جهة ، ويحركون الحرب النفسية من جهة أخرى لإيجاد حالة ~~من الاهتزاز الروحي والفكري في إيمان المسلمين الطيبين الذين قد يعيش بعضهم ~~بساطة العقيدة وسذاجة الفكر ، بما لا يتيح لهم الدخول في متاهات الجدل ~~الفكري الذي يثيره الآخرون ، وذلك من أجل تعزيز الثقة بربهم في هذا الموقف ~~الإيحائي القوي الصادر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو من الشخص ~~المسؤول أو من المجتمع ، في ابتهال جماعي يوحي بالقوة وبإسقاط روحية ~~المنافقين والمشككين الذين يطمعون في إثارة السلبيات داخل المجتمع المسلم ، ~~ليفهموا من قوة الموقف أن خطتهم لا تؤدي إلى النتيجة التي يريدونها ، لأن ~~الواقع الإسلامي أقوى من مخططاتهم. # * * * PageV05P300 ### ||| ** الله مالك الملك # ( @QUR@04 قل اللهم مالك الملك ) إنه نداء لله الذي تحيا عقولنا وقلوبنا ~~معه وتستمد حياتنا امتدادها منه وتعيش حيويتها وحركيتها وإمكاناتها من ~~امتداد رحمته ولطفه. أنت مالك الملك كله ومبدع الوجود الذي يستمد ms0976 وجوده منك ~~، فكل الملك منك ومرجعه إليك ، سواء كان ملكا حقيقيا في معنى الاحتواء أو ~~ملكا اعتباريا كأنظمة وقوانين تحكم العلاقات بين الناس. # ( @QUR@04 تؤتي الملك من تشاء ) من خلال إرادتك التي أخضعت النظام الكوني ~~للقوانين الطبيعية والسنن الكونية وجعلت السببية أساس حركة الوجود كله في ~~الإنسان والحيوان والنبات والجماد ، فلا تتحقق النتائج إلا من خلال ~~مقدماتها ، ولا تحصل المسببات إلا بأسبابها ، وهذا ما يجعل الأمور تتحرك من ~~خلال طبيعتها الذاتية ، فقد تكون النتائج سلبية في موقع ، كما قد تكون ~~إيجابية في موقع آخر ، ولكنها في الخط العام تمثل الإيجابية النظامية التي ~~تتمثل في انتظام الوجود في خط واحد لا بد له من أن يلتقي ببعض الحدود التي ~~تمثل حاجزا أمام الخير والصلاح في جزئياته ، لأن المحدود لا يمكن أن ينتج ~~المطلق أو يتحرك من خلاله ، وتلك هي حكمتك يا رب التي يلتقي في حركتها ~~الملك الصالح والملك الفاسد ، وينطلق معها الخيرون والشريرون ، ليكون ~~الصراع هو سنة الحياة التي تتمثل في داخلها مسيرة التجربة الإنسانية التي ~~يكبر فيها الإنسان وينمو ويتطور وينطلق في اتجاه النتائج الإيجابية في ~~نهاية المطاف ، من حيث إن السلب في حركيته الصراعية قد ينتج في عناصر الضغط ~~معنى الإيجاب. # ( @QUR@04 وتنزع الملك ممن تشاء ) في إرادتك التي تتصل بالشيء مباشرة أو ~~بواسطة السنن الكونية ، لأن حكمة الله اقتضت أن لا يدوم الملك لأحد ، وأن PageV05P301 # لا تستمر الحياة على وتيرة واحدة ، لأن مسألة التغيير هي التي تمنح ~~الحياة حيويتها وتساعدها في نموها وتطورها ، وبذلك يحدث زوال الملك عن شخص ~~، كما يحدث زوال الحياة عن شخص آخر ، لأن قانون الحياة والموت يحكم ~~الموجودات في وجودها الذاتي وفي عوارض هذا الوجود ومتعلقاته. # ( @QUR@06 وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) بقدرتك الغيبية التي تعطي إنسانا ~~كل العناصر التي تجمع له ظروف العزة في الذات وفي الموقع والموقف ، كما ~~تمنع إنسانا آخر ذلك ، فيعيش الذل من خلال عدم توفر عناصر العز ، أو من ~~خلال الظروف الموضوعية التي تفرض عليه الذل من خلال اختياره الذاتي ms0977 الذي قد ~~يحسن وقد يسوء تبعا لإرادته ولحركة علاقته بالحياة وبالظروف وبالأشياء ، أو ~~من خلال الأجواء المحيطة به ، وهذا ما يجعل عبادك يتوجهون إليك في ~~ابتهالاتهم الخاشعة ودعواتهم الخاضعة لتفيض عليهم رحمتك ، فتمنحهم الملك ~~الذي يحتاجونه والعز الذي يتطلعون إليه ، وتمنع عنهم سطوة المستكبرين ~~وإذلال الظالمين. # ( @QUR@07 بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) فهو المهيمن على كل ما يكفل ~~للحياة امتدادها من خيرات ونعم ، فهي بيده لا بيد غيره ، وهو القادر على كل ~~شيء منها في جانب المنع والعطاء. # * * * ### ||| ** سنن الله في الكون والحياة # ( @QUR@015 تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج الميت من PageV05P302 # @QUR@06 الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) إن عملية إدخال الليل في النهار ~~وإدخال النهار في الليل ، تشير إلى نقصان كل منهما لحساب زيادة الآخر ، ~~وبالعكس ، حسب اختلاف الفصول ، فكأن أحدهما داخل في الآخر باعتبار أنه أخذ ~~المساحة التي كان يحتلها هذا الآخر ، وهو من دلائل قدرته المطلقة التي ~~تتصرف في خط الزمن من دون اختلال في التوازن ، بل هو التغيير الخاضع لنظام ~~الكون القائم على أساس الحكمة والتدبير. وأما إخراج الحي من الميت ، فإنه ~~يتمثل في الوضع الطبيعي في إخراج الأحياء من النبات والحيوان من الأرض ~~الميتة العديمة الشعور. وقد ورد في هذه الآية تفسير آخر ، بأن يكون المراد ~~من الميت الكافر والحي المؤمن ، باعتبار أن الله تعالى سمى الإيمان حياة ~~ونورا والكفر ظلمة ، كما قال تعالى : ( @QUR@018 أومن كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) ~~[الأنعام : 122] ، ولكن الظاهر أن التفسير وارد مورد الاستيحاء لا مورد ~~بيان المعنى من اللفظ ، فإن سياق الآية وارد في ما هو من مظهر القدرة من ~~خلال ما يشتمل عليه من عجائب الخلق مما يناسب أن يكون متعرضا للظاهرة في ~~حركتها الكونية. # ( @QUR@05 وترزق من تشاء بغير حساب ) فالله هو مصدر الرزق للناس ~~وللموجودات كلها ، فهو الذي يعطيها حاجاتها التي يتوقف عليها وجودها ~~وامتدادها ، من خلال ما أودعه ms0978 في الأرض من أنواع العناصر الساكنة والمتحركة ~~، التي تهيئ الفرص لإنتاج الحاجات وتوفير الشروط اللازمة لذلك ، من غير فرق ~~بين الإنسان المؤمن والكافر ، بل إن ذلك يمتد إلى كل الموجودات التي تكفل ~~الله برزقها في حاجاتها الوجودية منذ خلقها. # وهذه هي سنته الكونية التي أودعها في الكون ليكون منتجا لكل الحاجات ~~الوجودية من موقع المعنى الوجودي التكويني الذي تتحرك PageV05P303 # فيه الأشياء من خلال قوانينها الطبيعية التي فرضتها الإرادة الإلهية ~~الغيبية ، من دون أن يعني ذلك في سلبياته وإيجابياته ثوابا ولا عقابا ، أو ~~تحليلا أو تحريما ، لأن القضية مرتبطة بذاتيات الحركة الوجودية في النظام ~~الكوني. # * * * ### ||| ** الله يملك رزق العباد # وإذا كان الإنسان يحول عناصر الرزق المنفتحة على الخير في إمكاناتها ~~الطبيعية إلى شر ، أو الحلال إلى حرام ، فإن ذلك لا يعني أن الله يرضى ~~بالشر أو بالحرام في فعل الإنسان ، بل إنه يرفضه من خلال تشريعه الذي يحدد ~~فيه للإنسان ما يفعله أو يتركه تبعا للمصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء ، ~~فنحن لا يمكن أن ننسب إلى الله الرزق الحرام من ناحية تشريعية ، لأن الله ~~لم يخلق الرزق حراما ، بل خلقه في نطاق قابليته للخير وللشر من الناحية ~~التكوينية ، وأعطى الإنسان حريته في إدارة ذلك من موقعه الوجودي ليواجه ~~مسئولياته أمام الله في تحريكه الأمور في الاتجاه المرسوم. # وفي ضوء هذا ، نعرف أن الرزق خير كله ، ولكنه ككل وجود محدود ، يحمل في ~~داخله التنوع الذي يجعله متحركا في أكثر من بعد من أبعاد الواقع في الإرادة ~~الإنسانية. # ولعل من الواضح من خلال ما ألمحنا إليه أن الرزق لا يختص بأي جانب من ~~جوانب الحاجات الإنسانية ، بل يشمل الحاجات المادية والمعنوية معا مما يتصل ~~بحياة الإنسان الجسدية أو الروحية أو الاجتماعية أو الثقافية أو غير ذلك. ~~أما كلمة ( @QUR@02 بغير حساب ) فقد فسرها الزجاج بأن المعنى «بغير تقتير ، ~~كما يقال : ينفق بغير حساب ، لأن من عادة المقتر أن لا ينفق إلا PageV05P304 # بحساب. وقيل : معناه بغير مخافة نقصان لما عنده ، فإنه لا نهاية ~~لمقدوراته ، فما ms0979 يؤخذ منها لا ينقصها ولا هو على حساب جزء من كذا كما يعطي ~~الواحد منا العشرة من المائة والمائة من الألف» (1). وقيل كما اختاره صاحب ~~تفسير الميزان إن توصيف الرزق بكونه بغير حساب ، إنما هو لكون الرزق منه ~~تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق ، لكون ما عندهم من ~~استدعاء وطلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا ، فلا يقابل عطيته منهم شيء ~~، فلا حساب لرزقه تعالى. وأما كون نفي الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه ~~غير محدود ولا مقدر ، فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى : ( @QUR@05 إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر ) [القمر : 49] ، وقوله : ( @QUR@06 ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا (2) @QUR@021 ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن ~~الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) [الطلاق : 2 3] ، فالرزق منه ~~تعالى عطية بلا عوض ، لكنه مقدر على ما يريده تعالى» (2). # ولعل الأقرب إلى جو الآية أن تكون الكلمة كناية عن عدم محدودية رزقه من ~~حيث عدم محدودية ملكه ، فإنه يعطي كل موجود حاجاته مهما كثرت واتسعت ، ~~فكلما تطورت حاجاته ازداد رزقه ، فلا حاجة به إلى الحساب ، لأنه شأن ~~المحدود الذي قد تختل موارده باتساع الأمور والحاجات في عطائه ، أما الله ~~سبحانه فهو المطلق في ذاته والمطلق في غناه ، فلا ينفد ما عنده بالإنفاق ~~والعطاء ، لأنه لا حد له في ملكه. # وفي ضوء ذلك ، قد تكون إيحاءات هذه الفقرة أن على العباد أن يلجأوا إلى ~~الله في حاجاتهم ، فلا يتحرجوا من طلب أي شيء مهما ازدادت حاجاتهم ، لأن ~~عطاءه لا حد له ولا حساب ، وربما يلتقي هذا المعنى PageV05P305 # بالمعنى الثاني وببعض إيحاءات المعنى الأول. ولا ينافي ذلك تقدير الله ~~للأمور ومنها الرزق ، فإن تقدير كل شيء بحسبه من خلال طبيعة الحاجات في ~~تطوراتها تبعا لتطور الحياة والإنسان ، فهو الذي يقدر رزقه بحسب الحاجات ~~المتطورة والمتغيرة ، ليلاحق ذلك بحكمته ورحمته. أما ما ذكره العلامة ~~الطباطبائي ، فإننا لا نجد له وجها ، لأن مسألة العوضية ليست مطروحة في ~~الجانب ms0980 العقيدي ، ولا في المدلول السياقي ، إذ لا معنى للحديث عن أن الله ~~يعطي الإنسان بدون عوض ولا استحقاق ، لأنها من بديهيات الأمور ، من حيث إن ~~الله هو الخالق والرزاق وإن الإنسان لا يملك شيئا ذاتيا أمام الله ، ولكن ~~الحديث هو عن سعة عطاء الله وشمولية كرمه وعدم نفاد رزقه. # وربما نستوحي هذا المعنى من الآية الكريمة ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب ) [الزمر : 10] ، حيث إن المقصود منها بلا حصر ، لأن الله ~~يعطيهم ما لا يعطي أحدا من ثوابه في مقابل الطاعات التي جعل الله لها ثوابا ~~معينا ؛ والله العالم. # وهناك نقطة تفسيرية لا بد من إيضاحها ، وهي أن الآية تحدثت عن كل هذه ~~الظواهر بأسلوب يدعو إلى أن يتمثل الإنسان ذلك في دعاء خاشع يتوجه فيه إلى ~~الله ، في توجه المؤمن الذي يناجي ربه بالتأكيد على إيمانه بعظمة القدرة من ~~خلال عظمة الحق. فكيف نفهم ذلك؟ # * * * ### ||| ** الدعاء في خط التربية الإسلامية الرسالية # إن هذه الآية في عقيدتنا تمثل نموذجا من نماذج الخط الإسلامي PageV05P306 # في الدعاء الذي يستهدف تعميق الفكر العقيدي والرسالي في النفس بتقرير ~~تفاصيل العقيدة والأخلاق والمسؤوليات بأسلوب الدعاء ، فهو يتحدث عن صفات ~~الله وعن البرامج العملية الأخلاقية ليختزنها الإنسان في مشاعره كما ~~يختزنها في فكره ، فإن للدعاء الإسلامي جانبا يتصل بالشعور من جهة وبالفكر ~~من جهة أخرى. وبهذا لا ينعزل الإنسان عن فكره العملي وحياته المتحركة ، بل ~~يدخل في عمقها بأسلوب روحي فريد ... # وهذه الآية هي نموذج حي لهذا الأسلوب ، فإن انطلاق هذه الصفات بأسلوب ~~الدعاء ، يوحي للإنسان بالانتفاح على هذه الحقيقة كما لو كانت ماثلة أمامه ~~في جو شعوري رائع ينطلق من موقع الاعتراف الإنساني الذي يشعر الإنسان معه ~~بشعورين مختلفين ، ولكنهما يكملان بعضهما البعض ، فهناك الشعور بالانسحاق ~~أمام الألوهية المطلقة التي تملك الملك كله وتتصرف فيه بالإعطاء والمنع ، ~~وتملك الكون فتغيره على حسب الحكمة ، وتملك حاجة الإنسان فترزقه بغير حساب ~~من دون أن تكون لأية قوة هناك ، أي دخل في ذلك كله ، وهناك الشعور بالأمن ~~والطمأنينة ms0981 والقوة عند ما يعيش الإنسان في ظلال هذه الألوهية منسجما مع ~~ينبوع العطاء المتدفق منها بدون حدود في آفاق الرحمة الألوهية المطلقة. # وقد نحتاج إلى استيحاء هذا الأسلوب في التربية والتوجيه ، وذلك بالتأكيد ~~على المؤمنين أن يتمثلوا تفاصيل العقيدة في صفات الله التي ترتبط بها ~~حياتهم باختيار الأدعية المناسبة التي تثير في داخلهم الشعور بالامتلاء ~~الروحي والفكري إلى جانب الإحساس بالأمان في ظل الإيمان بالله من خلال ذلك. ~~وبذلك يمتزج جانب الروح بالفكر والممارسة في حركة العقيدة داخل النفس ~~الإنسانية. PageV05P307 ### ||| ** الاستخدام السيئ للآية من الظالمين # وهناك نقطة أخرى لا بد من التأكيد عليها ، وهي أن هناك فهما خاطئا للآية ~~قد يستخدمه الحكام الظالمون الذين ملكوا السلطة بأساليبهم ووسائلهم ~~المنحرفة ، للإيحاء بأنهم يمثلون القيمة الخيرة عند الله ، لأن الله آتاهم ~~الملك ، فهو حق شرعي لهم ، باعتبار أن الله هو الذي يمنح الشرعية لمواقع ~~عباده ، وذلك من خلال هذه الآية. وقد روي أن يزيد بن معاوية استشهد بهذه ~~الآية في الرد على الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في حوارة ~~معه ، فقد جاء في الإرشاد للمفيد نقلا عن كلام يزيد : «وأما قوله ، أي علي ~~بن الحسين إنه خير مني فلعله لم يقرأ هذه الآية ( @QUR@04 قل اللهم مالك ~~الملك ) الآية (1) وقد جاء في الكافي عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد ~~الله جعفر الصادق عليه السلام قال : قلت له : ( @QUR@012 قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) أليس قد آتى الله بني ~~أمية الملك؟ قال : ليس حيث تذهب ، إن الله عز وجل آتانا الملك وأخذته بنو ~~أمية ، بمنزلة الرجل يكون له الثواب فيأخذه الآخر ، فليس هو للذي أخذه ...» (2). # وقد أشرنا في ما قدمناه من حديث التفسير إلى أن الآية تتجه إلى تأكيد ~~الفكرة التي تربط الواقع الخارجي في حياة الإنسان في الماضي والحاضر ، ~~بالله في الدائرة التكوينية التي تتحرك فيها الأشياء من حيث ارتباطها ~~بأسبابها الطبيعية في وجودها العيني والحركي ، فقد تكون النتيجة خيرا عند ms0982 ~~ما تكون PageV05P308 # الأسباب الموجودة منتجة للخير ، وقد تكون شرا عند ما تلتقي بأسباب الشر ، ~~وليست واردة في مجال الحديث عن اعتبار الواقع صورة للإرادة الإلهية ~~التشريعية التي تعبر عن شرعية الواقع من حيث كونه مظهرا لرضا الله ، فقد ~~أطلق الله للناس أن يأخذوا بالعدل ، وأن يكونوا مع العادلين ، وأن يكونوا ~~مع الساعين نحو إقامة العدل وإسقاط الظلم في الأرض ، وجعل المسألة تابعة ~~لاختيارهم في حركة المسؤولية ، لأن حكمته اقتضت أن يمارس الإنسان القضايا ~~باختياره وإرادته ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) @QUR@06 ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7 8] ، وهذا هو ميزان الشرعية في ~~تقويم الواقع. # ولكن الناس تركوا هذا الخط الإلهي ، واندفعوا نحو الاختيار السيئ الذي ~~يتناسب مع أطماعهم وشهواتهم ، فخذلوا الحق ، ونصروا الباطل ، وأخذوا ~~بالأسباب الواقعية التي جعلها الله بين أيديهم في ساحة الواقع ، فاستعملوها ~~للشر بدلا من الخير ، فكانت النتائج أن الظالمين وصلوا إلى الملك من خلال ~~الوسائل الإلهية التكوينية للنجاح ، بقطع النظر عن المضمون ، فكان أن حصلوا ~~على الملك من إيتاء الله لهم من خلال الأسباب الطبيعية ، لأن الله أجرى ~~الأمور في الكون على أساس حصول المسبب عند إيجاد السبب ، ولكنه لا يمثل ~~إرادة الله في المعنى الشرعي الذي يحبه ويرضاه ، بل هو مناف لها ومنحرف ~~عنها ، ولا يعني هذا عجزا في الخالق وقدرة لدى المخلوق ، ولكنه القانون ~~الطبيعي الذي صنعه الله للوجود ، وجعل للإنسان أن يوجهه للخير باختياره ، ~~فوجهه للشر بسوء اختياره عصيانا وانحرافا ، وسيجزيه الله العقاب على ذلك كله. # وقد روى السيد ابن طاوس ، كما في تفسير الميزان أن السيدة زينب بنت علي ~~عليه السلام ردت على يزيد منطقه ، فقالت في خطابها له : أظننت يا يزيد حيث ~~أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق PageV05P309 # الأسارى ، أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة ، وأن ذلك لعظم خطرك ~~عنده ، فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك ~~مستوسقة ، والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، مهلا مهلا ، أنسيت ~~قول ms0983 الله : ( @QUR@017 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) [آل عمران : 178] (1). # فإن استشهادها بهذه الآية يمثل الفكرة بأن الله لا يترك للكافرين حريتهم ~~في العبث بالقيم الخيرة ، من خلال الرضا بذلك ، تقويما لهم في ميزان القيمة ~~الإيجابية للذات في أفعالها ، بل إن حكمته اقتضت أن يتركهم لاختياراتهم ~~السيئة لإقامة الحجة عليهم ، فيزدادوا إثما بإفاضة النعم عليهم مع ~~استمرارهم في هذا الاختيار. # وفي ضوء ذلك ، كان هذا الخط التكويني الذي يربط الأشياء بأسبابها ، ~~يجعلنا نفكر كعاملين في حقل التغيير على أساس الدعوة إلى الإسلام بأن نهيئ ~~الظروف الموضوعية للانتصار في ساحة الصراع ، لنحقق بذلك النتائج الكبيرة ، ~~حتى تلتقي لدينا الإرادة التكوينية في سنن الله بالإرادة التشريعية في ~~تعاليمه. # إن الله قد فتح لنا النافذة التي نطل بها على النصر ، فعلينا أن نعمل على ~~أن نطل منها على الساحة التي تحقق لنا الوصول إلى أهدافنا الكبرى. # * * * PageV05P310 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى ~~الله المصير (28) @QUR@022 قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ~~ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29) @QUR@026 ~~يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أولياء ): جمع ولي من الولاية ، وهي في الأصل ملك تدبير أمر PageV05P311 # الشيء ، ثم استعمل في مورد الحب والنصرة والمعونة. # ( @QUR@03 من دون المؤمنين ): من مكان دون مكان المؤمنين ، فإنهم أعلى ~~مكانا ، كما في قوله : ( @QUR@05 لا تتخذوا بطانة من دونكم ) [آل عمران : ~~118] أي ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الدين. وفي الآية نهي عن موالاة ~~الكفار ومعاونتهم على المؤمنين. # ( @QUR@01 تتقوا ): التقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف ، وحفظها مما يضر. # ( @QUR@01 تقاة ): مصدر اتقى تقية واتقاء وتقوى ، والتقية الإظهار ~~باللسان خلاف ما ms0984 ينطوي عليه القلب للخوف على النفس. وعن الإمام الباقر ~~عليه السلام : التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له (1). # ( @QUR@01 ويحذركم ): الحذر : هو الاحتراز من أمر مخيف ، وقد حذر الله ~~عباده بقوله : ( @QUR@05 إن عذاب ربك كان محذورا ) [الإسراء : 57] ، وحذر ~~من المنافقين ( @QUR@03 هم العدو فاحذرهم ) [المنافقون : 4] ، كما وحذرهم ~~من نفسه ، لأنه تعالى هو المخوف الواجب الاحتراز ، فلا عاصم بين الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وبين عذابه وعقابه ، وهنا يبدو عظم ~~المعصية وكبر الذنب ، لأنه رفض لولاية الله سبحانه. # ( @QUR@01 أمدا ): غاية ، والأمد : مدة لها حد مجهول إذا أطلق ، ويقال ~~باعتبار الغاية. أما الزمان فهو عام في المبدأ والغاية ، والأبد عبارة عن ~~مدة الزمان التي ليس لها حد محدود. # ( @QUR@01 تحبون ): المحبة هي الإرادة ، إلا أنها تضاف إلى المراد تارة ~~وإلى متعلق المراد أخرى ، تقول : أحب زيدا وأحب إكرام زيد ، ولا تقول في PageV05P312 # الإرادة ذلك ، لأنك تقول : أريد إكرام زيد ، ولا تقول : أريد زيدا ، ~~وإنما كان ذلك لقوة تصرف المحبة في موضع ميل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة ~~، فعوملت تلك المعاملة في الإضافة ، ومحبة الله تعالى للعبد هي إرادة ثوابه ~~، ومحبة العبد لله هي إرادته لطاعاته. # ( @QUR@01 أطيعوا ): الطاعة اتباع الداعي في ما دعاه إليه بأمره وإرادته ~~، ولذلك قد يكون الإنسان مطيعا للشيطان في ما يدعوه إليه وإن لم يقصد أن ~~يطيعه ، لأنه إذا مال مع ما يجده في نفسه من الدعاء إلى المعصية فقد أطاع ~~الداعي إليها. # * * * ### ||| ** الإيمان في حركة العلاقات الإنسانية # في هذه الآيات دعوة الجماعة الإسلامية ، للارتباط العضوي بين أفرادها من ~~موقع الإيمان الواحد ، وللتأكيد على الفواصل التي تفصلهم عن الكافرين ، في ~~ميزان العلاقات الحميمة التي تعبر عن الإخلاص والولاية ، لأن العقيدة لا ~~تعتبر رباطا فكريا يجمع أتباعها ، بل تمثل إلى جانب ذلك رباطا روحيا شعوريا ~~يجمع القلوب على المحبة ، ويوجهها إلى الاندماج العاطفي في علاقة روحية ~~حميمة ، ولا بد لها في هذا الجو من أن تتحول إلى حاجز يفصل الفكر والشعور ~~عن الآخرين الذين يعيشون الفكر ms0985 والشعور المضاد ، لأن اللامبالاة في هذا ~~المجال توحي بأن الإنسان لا يعيش الاهتمامات الإيمانية بالمستوى المطلوب ، ~~ولا يجد للمواقف المضادة لفكره الإيماني ، في كل ما يمثله الفكر من رموز ~~الإيمان وقضاياه وتطلعاته ، أي أثر سلبي في داخله. PageV05P313 # إن الآيات في ما نفهم تريد أن تقرر للمؤمنين قضية ترتبط بحقيقة الإيمان ، ~~وهي أن الإيمان لا بد من أن يتحول إلى موقع يحكم الفكر والعاطفة والسلوك ، ~~لئلا يبقى مجرد فكرة تعيش في زحام الأفكار الراقدة في ذهن الإنسان من دون ~~أن تمثل أي حضور وجداني في حياته الشعورية والعاطفية. # وفي ضوء ذلك ، نتعلم أن الفكرة التي تتحول إلى إيمان ، تعني انطلاق ~~الشخصية الإنسانية في خط الفكر في إيجابياته وسلبياته ، في مواقع اللقاء ، ~~وفي مواقع الافتراق ، بحيث تتحرك النظرة إلى الأحداث والأشخاص والعلاقات ، ~~تبعا لحركة الفكرة في مسارها الواقعي ، فلا معنى في هذا الجو ، للشعور ~~العميق الشخصي بالمودة والموالاة للأشخاص الذين يمثل فكرهم وشعورهم وسلوكهم ~~التحدي المضاد للفكرة ، أو للحالة النفسية المعقدة سلبيا إزاء الأشخاص ~~الذين يعيشون في حياتهم الفكرية والعاطفية والعملية ، الخط المستقيم مع ~~الفكرة. # إن المدلول الطبيعي لهذا السلوك ، هو اعتبار الصفات الذاتية التي يملكها ~~هذا الشخص في الجانب الإيجابي أو السلبي ، هي الأساس للتقييم والتفضيل ~~والاندماج بعيدا عن الجوانب الإيمانية التي لا تمثل إلا شيئا شخصيا يعيش في ~~زاوية ساذجة من زوايا الشخصية ، بحيث لا تترك أي تأثير على طبيعتها ~~ونوعيتها. وهذا ما يحاوله الكثيرون في هذا العصر ممن يعملون على أن يعزلوا ~~العلاقات الإنسانية عن الجوانب العقيدية للإنسان ، فيقررون المبدأ الذي ~~يقول : إن اختلاف الأفكار والمبادئ لا يمنع من إقامة أية علاقة طبيعية ~~حميمة يسودها الود والإخلاص. وقد عبر أحد الشعراء عن هذا الاتجاه بقوله : ~~«اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية». PageV05P314 # ولكننا نحاول في التعليق على هذا الرأي التفريق بين الخلافات الفكرية ~~التي لا تترجم خلافا في المواقف العملية ، بل تعبر عن بعض القضايا العامة ~~والخاصة التي تمثل نظرة معينة في تفسير أو تحليل حقيقة فلسفية أو اجتماعية ~~أو ms0986 سياسية أو نفسية ، وبين الخلافات الفكرية التي تتصل بالجانب الروحي ~~والفكري والعملي للإنسان ، حيث تتمثل في الصراع المتحرك في جميع الاتجاهات ~~بحيث يترك تأثيره على الفكر والشعور والممارسة ، وفي التفاعل الشعوري بين ~~الذات والفكرة ، بحيث تتحول الفكرة إلى جزء حي من الذات يحمل معنى القداسة ~~في ما توحي به من رموز مقدسة تحمل معنى الرفض الحاسم للرموز الأخرى ، بحيث ~~لا يمكن لها أن تلتقي في الموقع الواحد ، بالإخلاص لكل الرموز ، أو ~~بالإخلاص لرموز معين مع التساهل في طبيعة الموقف من الرمز الآخر ... # وذلك كما هي الحالة في قضية الإيمان والكفر ، أو التوحيد والشرك ، فإن ~~الإيمان يمثل الارتباط بالله في حضور فكري وروحي خاشع عميق ، بينما يمثل ~~الكفر النفي الحازم للفكرة ، في استهانة بكل ما تمثله من معان وقيم ، كما ~~أن التوحيد يعني فكرة الإله الواحد الذي لا شريك له. ولا بد من أن تكون ~~العبادة له وحده ، كنتيجة طبيعية لكون الإيمان به وحده. أما الشرك ، فهو ~~الذي يمثل الإخلاص لفكرة الصنمية في العقيدة ، أو في العبادة ... # وهكذا في الأفكار الأخرى المشابهة في الحقول الأخرى ، كفكرة العدل والظلم ~~، أو الحرية والعبودية ، أو الاستقلال والاستعمار ، فإن مثل هذه الخلافات ~~تفرض التزاما يحمل معنى التحدي للفكر أو للواقع الذي يمثله ، والتحرك ~~الصارخ في هذا الاتجاه ، مما يقتضي أن يعيش أصحابها مستوى كبيرا من التوتر ~~الروحي للفكرة ليتحقق لهم الارتفاع على الضغوط الكبيرة التي يواجهونها. PageV05P315 # وفي مثل هذه الحال ، لا يمكن أن تبقى العلاقات الحميمة بين الفرقاء ~~المختلفين مع إخلاص كل منهم لموقعه ومواقفه والتزاماته ... أما الخلافات ~~الفكرية المجردة التي تعيش في نطاق الحياة العلمية للإنسان ، أو في نطاق ~~الحياة العملية البعيدة عن القضايا الأساسية لديه ، فإنها لا تترك أي تأثير ~~على العلاقات ، لأنها لا تعيش في عمقها ، بل تظل بعيدة عنها في حركتها ~~الفكرية أو في مسارها العملي. # * * * ### ||| ** المؤمنون أولياء لبعضهم # وقد جاءت الآية الأولى من هذه الآيات لتعبر عن هذه الحقيقة بأسلوب حاسم ~~يضع القضية أمام علاقة الإنسان بالله بين أن تكون ms0987 أو لا تكون ، من دون أن ~~يكون هناك حل وسط ، مما يعطي القضية أهميتها الكبرى في حساب الإيمان. ثم ~~تصاعد الأسلوب في الإيحاء للإنسان ، بأن عليه أن لا يسترخي فيشعر بالأمن ~~والطمأنينة في إحسان الله إليه وترك عقوبته في الدنيا ، لأن ذلك لا يمثل ~~الرضا والتسامح في ما يتمرد فيه الإنسان على الله ، بل يجب أن يحذر ، فإن ~~الله يحذر المنحرفين عن الخط المستقيم من نفسه ، فقد يفاجئهم العذاب من حيث ~~لا يشعرون. # ( @QUR@03 لا يتخذ المؤمنون ) الذين عاشوا الإيمان عقيدة والتزموه عملا ، ~~وانفتحوا عليه روحا وعقلا وحركة حياة ، فكان الله أحب إليهم من أنفسهم ومن ~~كل شيء آخر الكفرين الذين جحدوا الله في وجوده وتوحيده ورسله ورسالاته ~~واتبعوا الشيطان في خططه وحبائله ووساوسه ، فكانت الحياة في وجدانهم الفرصة ~~الأولى والأخيرة للهو وللبعث والتمرد على الله وعلى رسوله PageV05P316 # والانحراف عن القيم الأصيلة في الإنسان الواعي ، وكانت دروبهم دروب ~~المتاهات الصحراوية التي لا تأوي إلى ظل ولا تسكن إلى واحة ، أوليآء يلقون ~~إليهم بالمودة ويمحضونهم الإخلاص ، ويتبعونهم في أوامرهم ونواهيهم ، ~~ويتحركون معهم في خططهم وتعاليمهم ، ويعادون من عادوا ويوالون من والوا ، ~~فيكونون طوع إرادتهم في السراء والضراء ، حتى يذوبوا فيهم وفي كفرهم ~~وانحرافهم عن الصراط المستقيم ، ويفضلونهم على المؤمنين ، فلا ينفتحوا ~~عليهم ( @QUR@03 من دون المؤمنين )، بل لا بد لهم من تفضيل المؤمنين على ~~غيرهم في كل الأمور ، فإن ذلك هو علامة الإيمان الحق الذي يوالي أولياء ~~الله ويعادي أعداء الله. # ( @QUR@03 ومن يفعل ذلك ) أي يوالي الكافرين من دون المؤمنين ( @QUR@05 ~~فليس من الله في شيء ) فلا علاقة بينه وبين الله في دائرة ولاية الله تعالى ~~، فإن الله بريء منه ، فلا يعتبره من أوليائه ما دام وليا لأعدائه وعدوا ~~لأوليائه ، وتلك هي قمة السقوط والشقاء ، لأن ذلك يفصله عن الأساس الذي ~~انطلقت منه حياته ، وامتد به وجوده. # * * * ### ||| ** أسلوب التقية في الخط الإسلامي الحركي # ( @QUR@05 إلا أن تتقوا منهم تقاة ) وذلك بإظهار الانسجام معهم في ~~الالتزام بما يريدونه ويفرضونه من أوامر ونواه وتعليمات وأوضاع ، والإيحاء ~~لهم ms0988 بأنهم معهم في خطهم الفكري والعملي ، وذلك تحت ضغط التهديد الخفي أو ~~المعلن ، والتعسف السلطوي الذي يمارسونه ضدهم في أساليب الظلم والعدوان ~~التي يوجهها المستكبرون ضد المستضعفين ، فإن الله قد رخص للمستضعفين الذين ~~( @QUR@06 لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) [النساء : 98] ، أن يدرسوا ~~ظروفهم الموضوعية في عملية مقارنة بين واقعهم الضعيف وموقع الأقوياء ~~الظالمين القوي ، ليتعرفوا المواقف التي تفرض عليهم إظهار الالتزام PageV05P317 # بما يريده المستكبرون ، مع الرفض لهم في العمق الخفي من شخصيتهم ، حفاظا ~~على وجودهم وعلى حريتهم في الحركة في الجوانب الأخرى ، وليتعرفوا المواقع ~~التي يملكون فيها التخفف من الضغوط والابتعاد عن مجال التعسف ، واكتشاف ~~الثغرات التي تتيح لهم مجال الهرب ، ليعيشوا التزاماتهم ، ويهربوا من ~~التزامات المستكبرين ، فإن الله لا يريد أن يجعل الناس المستضعفين في حرج ~~من أمرهم ولا يفرض عليهم أن يتحملوا عناء الضغوط التي لا يتحملونها جسديا ~~أو معنويا ، فإنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر. # وفي ضوء هذا ، نعرف أن التقية ليست سقوطا تحت تأثير المستكبرين والتزاما ~~بأوضاعهم وانسجاما مع انحرافاتهم ، بحيث ينتقلون من الهدى إلى الضلال ، بل ~~هي عملية ظاهرية شكلية مرحلية تنطلق من المرونة العملية في مواجهة التحديات ~~الكبرى التي تطبق على الإنسان الضعيف بحيث تتحدى وجوده أو ما يمثل المصادرة ~~لحريته الإنسانية في وجوده ، ويبقى يعيش في نفسه الرفض للظلم وأهله ، ~~وللكفر ودعاته ، وللاستكبار وقادته ، رفضا يثير في نفسه المواجهة النفسية ~~العقلية التي تكبر في عقله لتعود حية فاعلة في حركته عند ما تتبدل الظروف ~~وتتغير المواقف والمواقع. # إنها الأسلوب الواقعي العملي في حماية الموقف الكبير على مستوى الهدف على ~~حساب الموقف الصغير في حركة الوسيلة ، وهذا أسلوب إنساني عقلائي يرخص ~~للإنسان الوقوع في المفسدة المهمة إذا عارضتها المصلحة الأهم ، على قاعدة ~~التزاحم التي تقرر تقديم الأهم في الحسابات العملية وإسقاط المهم وتجميده ~~في مرحلة معينة. # وفي هذا الجو ، نعرف أن التقية تتحرك حيث يشتد الضغط ليصل إلى المستوى ~~الأعلى ، وتكبر المصلحة في موقع الأهمية ، وتتجمد حيث تكون PageV05P318 # الأمور في مستوى عادي ms0989 لا يمثل أية مشكلة كبيرة أو أية أهمية عظمي ، من ~~دون فرق بين أن تكون التقية في العقيدة أو الشريعة أو في الموقف السياسي أو ~~الاجتماعي أو نحو ذلك. # لكن الرخصة في التقية لا تعني فقدان الموقف الواضح الصريح المتحدي ~~المنفتح على التضحية ، للشرعية ، فإن الله قد رخص للناس أن يأخذوا بها ، ~~كما جعل لهم الحرية في الأخذ بموقف القوة والتحدي في مواجهة الأعداء ووعدهم ~~الثواب الكبير على ذلك ، لدلالته على مدى الإخلاص لله ورسوله ولدينه في ~~الالتزام بالقضايا الكبرى. # وقد تمثل التقية الموقف المتنوع ، فقد مارسها عمار بن ياسر حين نطق بكلمة ~~الكفر ، فأنزل الله فيه ( @QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ~~[النحل : 106] ، وفي موقف أبويه ياسر وسمية اللذين استشهدا تحت التعذيب ~~وصبرا فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر عليهما ويقول : صبرا آل ياسر إن ~~موعدكم الجنة. وهكذا نجد أن الإسلام يستجيب لرغبة الإنسان المسلم بالشهادة ~~كما يستجيب لرغبته بالحياة. # ولا بد للإنسان المستضعف في هذا المجال من أن يدرس دائما في موقفه العملي ~~بين الأخذ بالرخصة أو الاندفاع في التحدي ، مصلحة الأمة أو المجتمع أو ~~الدين ، لأن التحدي قد يؤدي إلى مشاكل كبيرة وسلبيات كثيرة على المصلحة ~~العليا ، وربما كانت التقية سببا في ذلك عند ما توحي بالسقوط الكبير للموقف ~~الرسالي ، وللأمة في مرحلتها الحساسة ، ليراعي ذلك بشكل واع ، لأن التقية ~~تمثل الموضوع المتحرك في ساحة المصالح والمفاسد ، ولا تمثل الموضوع الثابت ~~الذي يخضع لحكم واحد وخط واحد ، بل إنه يتغير بتغير الظروف والأوضاع ومستوى ~~تأثيره على المصلحة العليا في القضايا الكبرى سلبا أو إيجابا ، فإذا كان ~~الإقدام على التحدي يؤدي إلى إبادة للأمة PageV05P319 # أو للمعارضة أو للخط ، فإن التقية هي الخيار الذي يجب على الناس أن ~~يلتزموه ، وإذا لم تكن التقية تؤدي إلى السقوط الكبير ، فإن المواجهة هي ~~الموقف الذي يجب عليهم أن يقفوه ، وإذا لم تكن المسألة بهذا المستوى ، ~~فإنهم مخيرون بين التقية والتحدي حتى الشهادة ، ولا بد لولي الأمر من أن ~~يتخذ الموقف ms0990 المناسب في وعيه للواقع وتحريكه الأمة باتجاه الحركة الواعية ~~السليمة. # * * * ### ||| ** التقية في الخط الواقعي المشروع # وقد جاء استثناء التقية التي تعبر عن حالة الاضطرار التي لا يكون ~~الانسجام فيها مع الخط عملا واقعيا ، ليدلل على أن الموالاة لا تعبر عما في ~~الداخل من العاطفة الحميمة ، بل تتجسد في الموقف العملي الذي يتمثل في ~~الالتزام بالمودة ، ليكون الاستثناء ، متصلا أو منقطعا ، منسجما مع جو ~~المستثنى منه. # وفي هذا الاستثناء نعرف شرعية التقية في ظروفها الموضوعية التي يخضع لها ~~الإنسان من خلال الضغوط الصعبة التي تشل حياته فتعرضها للخطر ، من دون فرق ~~بين أن يكون الجو هو جو الكفر أو جو الانحراف عن الإسلام ضمن الصيغة ~~الإسلامية ، لأن القضية هي قضية إعطاء المجال للإنسان لكي يحافظ على نفسه ~~أو على قضيته بالأسلوب الذي يوحي للآخرين بأنه معهم ، خلافا لما يعتقد من ~~فكر أو سلوك. # وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في الحث PageV05P320 # على التقية للمحافظة على خط المعارضة للانحراف ، من وجهة النظر الإسلامية ~~التي يرونها ممثلة للخط الإسلامي المستقيم ، وذلك من خلال الضغوط الشديدة ~~التي كان يمارسها الحكم الأموي والعباسي ضدهم ، ليمنعهم من الامتداد في ~~مسيرتهم ، وقد شنع بعض المسلمين على الشيعة الإمامية في ذلك ، حتى نسبوا ~~إليهم ما لم يقولوه في هذا المجال ، في سعة موارد التقية وطبيعتها ، ولكنهم ~~لو بحثوا عن ذلك في كتب الشيعة التي عرضت للتقية بإسهاب وتحقيق ، لعرفوا ~~أين تبدأ وأين تنتهي بعيدا عن أجواء الحقد والضوضاء. # ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) من الانحراف عن صراطه المستقيم في رفض ~~ولاية الكافرين والالتزام بولاية المؤمنين ، فلا تستهينوا بعقابه ، ولا ~~تستسلموا لإمهاله لكم وعدم الأخذ بالعقاب الفعلي ، لأنه قد يمهل ولكنه لا ~~يهمل ، فإذا كان هو الرحمن الرحيم ، فإنه القوي العزيز الجبار. # ( @QUR@03 وإلى الله المصير ) وهكذا ينطلق الإيحاء باليوم الآخر الذي ~~يرجع فيه الناس إلى الله ، ليكون إيحاء بالحذر الذي يتحرك في خط الالتزام ~~في طريق الحصول على رضا الله. # * * * ### ||| ** التقية ليست وسيلة لتجاوز حدود الله # ويمتد ms0991 الأسلوب القرآني الذي يحشد أمام الإنسان الأجواء الروحية التي يشعر ~~معها بأن عين الله تحدق فيه وهو يخفي في نفسه الفكر السيئ والشعور الشرير ، ~~وتنظر إليه ، وهو يبديه ، لأن الله يلاحق الإنسان في خلواته ، فهو PageV05P321 # يعلم كل شيء يصدر من الإنسان ، فكرا وعملا ظاهرا أو خفيا ، ولا يقف علمه ~~عند حدود الإنسان ، فإنه يعلم ما في السماوات والأرض ، فكل شيء مكشوف لديه ~~، وكل شيء حاضر عنده ، فكيف يمكن للإنسان ، الذي يعي هذه الحقيقة وعيا ~~وجدانيا عميقا ، أن يستسلم للغفلة ، وأن يلعب لعبة اللف والدوران ~~والاستخفاء بعلاقاته المحرمة وصداقاته المنحرفة التي يحاول أن يعطيها صفة ~~الاستقامة والإخلاص ، وهو يعلم أن الله محيط بكل شيء في علمه وقدرته ، وأن ~~المصير إليه ، مهما امتدت الحياة به ، ومهما استسلمت خطواته للانحراف. # وربما كان في هذا الحديث تذكير للذين يمارسون التقية ، بأن عليهم أن لا ~~يتخذوا من الرخصة فيها وسيلة لتجاوز الحدود المرسومة في دائرتها ، فقد ~~تجتذب أوضاع المستكبرين والكافرين مطامعهم وأحلامهم فيندفعوا في السير معهم ~~بأكثر مما تفرضه القضية المرحلية ، فيؤدي بهم ذلك إلى الانحراف. وهذا ما لا ~~بد للإنسان من الانتباه إليه حتى لا يقع في أحابيلهم وأساليبهم الإغرائية ، ~~وذلك بأن يأخذ من تذكره لرقابة الله عليه وعلمه المطلق بالسر والعلن ، ~~وسيلة لتقوية إرادته في موقف الحق. # وهذا ما نلاحظه في الكثير من الشخصيات والأحزاب والحركات السياسية ، التي ~~تحمل الكثير من الشعارات الكبيرة على مستوى قضايا الحرية والعدالة ، فتنطلق ~~بفعل الظروف المعقدة لتقديم التنازلات للمستكبرين من مواقفها والتزاماتها ~~باسم المرونة الحركية والواقعية السياسية التي قد تلتقي مع مضمون التقية ، ~~فتستريح للنتائج الإيجابية في الحصول على المغريات ، ويمتد بها ذلك إلى ~~التحول نحو المواقع المنحرفة البعيدة عن الخط المستقيم. # * * * PageV05P322 ### ||| ** مشروعية التقية في مواجهة الاستكبار # إننا نجد في التوجه القرآني لتشريع التقية في المواقف الصعبة حركة في ~~الواقعية الإسلامية في السلوك العملي في مواجهة التحديات على مستوى التعامل ~~مع خط الاستكبار العالمي الذي قد يطبق بالضغوط الهائلة على مواقع التحرك ~~الإسلامي للإجهاز عليها وعلى قيادتها ms0992 ، ولإسقاط جمهورها ومحاصرة مواقعها ، ~~بما يملكه من وسائل الضغط السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري والثقافي ، ~~مما قد لا يسمح بالتوازن في المواقف الاعتيادية ، أو لا يتيح الفرصة ~~للمواجهة المباشرة ، بحيث لا تكون الشهادة حلا عمليا للوصول إلى النتائج ~~الحاسمة ، الأمر الذي قد يبرر للقيادات الواعية ، أن يأخذوا بالرخصة لإبداء ~~بعض المرونة السياسية العملية في خط التقية ، للتخفف من الضغط الهائل من ~~أجل الاستعداد للمواجهة المستقبلية على أساس المتغيرات الجزئية أو الكلية ~~للظروف الموضوعية التي تؤذن بالتحرك الجديد في الخطة الجديدة للمواجهة ~~الحاسمة في طريق تحقيق الأهداف. # وهذا ما يوحي لنا بالفكرة التي تؤكد واقعية الإسلام في حركة الإنسان أمام ~~التحديات ، بحيث تكفل له الاستمرار في أسلوب المرونة ، والثبات في خط ~~المبدأ ، لأن القضية في شرعية الأسلوب ، مرتبطة بعلاقة القضية بالهدف ، فهي ~~التي تمنحه السلب في المورد السلبي للنتائج ، والإيجاب في المورد الإيجابي ~~لها ، وليست جامدة في الموقف الواحد الذي قد يحصر الإنسان في زاوية مغلقة ، ~~أو يدخله في دوامة لا يعرف كيف يخرج منها في قضاياه الكبيرة أو الصغيرة. PageV05P323 # وهذا هو وحي التقية في عطائها الإيجابي في حياة الإنسان وتحركاته في ~~ضرورات الحفاظ على الحياة للذات وللخط وللدين وللمذهب وللواقع. # * * * ### ||| ** المسؤولية أمام قدرة الله # قل يا محمد ، لكل هؤلاء الذين لا يعيشون وعي الإيمان بالله بالدرجة التي ~~يتحسسون فيها الشعور بالرقابة الدائمة الخفية عليهم في كل أوضاعهم السرية ~~والعلنية ، فيتصورون الله في حالة الغفلة وموقع اللاشعور ، كما يتصورون أي ~~إنسان مثلهم يعلنون له ما يريدون إعلانه ، ويخفون عنه ما يريدون إخفاءه ، ~~اعتمادا على ما يملكون من عناصر الشخصية في إخفاء السر عن الآخرين ، ~~فيتصرفون في السر بحرية في معصيتهم لله وانحرافهم عن خطه ، في إحساس منهم ~~بالأمن بأن أحدا لا يراهم ، باعتبار أن عوامل الإخفاء عن الأنظار والأسماع ~~تحيط بهم ، قل لهؤلاء ( @QUR@05 إن تخفوا ما في صدوركم ) من أسرار الفكر ~~والشر والجريمة ، فلا تتحدثون به لأحد ( @QUR@02 أو تبدوه ) للناس ( ~~@QUR@02 يعلمه الله ) الذي ( @QUR@06 يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) ~~[غافر : 19] ، ولا يخفى ms0993 عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ( @QUR@031 ~~وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~) [الأنعام : 59] ، ( @QUR@07 ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ) ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف القدير ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) فعلى ~~الناس أن يتحسسوا معنى قدرته في مسئولياتهم أمامه ، لأنهم لا يملكون في كل ~~مواقع قدرته لأنفسهم نفعا PageV05P324 # ولا ضرا ، إلا من خلاله ، ليأخذوا بأسباب رضاه ، ويبتعدوا عن مواقع غضبه. # * * * ### ||| ** الحذر من عذاب الله # ( @QUR@09 يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ) وتأتي الآية الثانية ~~لتجسد لحظة المصير في كلمات تختصر النتائج وتصور الحالة النفسية للعاملين ~~والمنحرفين في ذلك اليوم الذي يواجه فيه الإنسان العامل للخير كل أعماله ~~الخيرة أمامه محضرة جاهزة بما يقدم إليه من رحمة ولطف ورضوان ونعيم ، فكأن ~~القضايا قد أعدت له قبل أن يقف في موقفه هذا ما يشبه حالة الانتظار التي ~~ينتظر فيها الإنسان الذي يستحق الكرامة ، مظاهر الإكرام والإنعام. ولعل هذا ~~هو الوجه في العدول عن التعبير بكلمة «حاضرا» بدل الكلمة التي جاءت في ~~القرآن لتوحي بالاستعداد ، وهي كلمة ( @QUR@01 محضرا )... ( @QUR@011 وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) أما الإنسان الذي عمل ~~السوء وامتد فيه ، فإن الموقف يختلف لديه كليا ، فهو يعيش حالة الرغبة في ~~الهروب منه ، تماما كمن يود لو أن الزمان الطويل يقف فاصلا بين هذا العمل ~~السيئ في ما يجسده من عواقب سيئة ، وبينه ، لما يعانيه أمامه من حالة ~~الضياع والتمزق والفرار. # وقد يوحي هذا التأكيد على الفاصل الزمني الذي يحول بينهم وبين عملهم ~~السيئ ، في نتائجه السيئة ، بدلا من الفاصل المكاني ، بأن الزمن لا يتأتى ~~معه الحضور واللقاء ، بينما يمكن ذلك في الفاصل المكاني ، وهذا أبلغ تعبير ~~عن الإحساس بالقلق والخوف والضياع ، لأن الإنسان يريد للزمن أن يتباعد عنه ~~حتى لا يلتقي به في كل حياته ، فلا يعيش ms0994 الكابوس الجاثم على PageV05P325 # صدره الذي يريد أن يطبق على كل وجوده ومصيره بعذاب الله. # * * * ### ||| ** ويحذركم الله نفسه # وتنتهي الآية بالحقيقة الإلهية التي يجب أن ينتبه إليها العباد ، وهي عدم ~~الاستسلام لحالة الاسترخاء التي يعيشها الإنسان في ظل العافية من البلاء في ~~الدنيا ، فيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب ، وأن التمرد على الله لا ~~يستتبع مسئولية ، بل ليس هناك إلا العفو والمغفرة. # إن الآية ، هنا ، كالآية الأولى ، تدعو الإنسان إلى الحذر من عذاب الله ، ~~بأسلوب ينطلق فيه التحذير من الله ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) لأن الله ~~يرحم حيث تكون الرحمة حكمة ومصلحة في موضع العفو والرحمة ، ويعاقب ~~بالاستحقاق حيث يكون العقاب حكمة ومصلحة ، في موضع النكال والنقمة. فما ~~الذي يؤمن الإنسان من عذاب الله عند المعصية ، إذا كانت القضية خاضعة ~~لإرادة الله وحكمته التي لا يعلمها إلا هو ... # ثم تكون المفاجأة التي تختم الآية بإثارة المشاعر المشبعة بالرأفة ~~والرحمة في علاقة الله بعباده ، ( @QUR@03 والله رؤف بالعباد ) فإنه ~~يعاملهم بالرأفة والرحمة ، حتى في الحالات التي يحذرهم ويتوعدهم فيها ، ~~لأنه يريد بذلك إصلاحهم وإيصالهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، ~~ليظل الإنسان مشدودا إلى رحمة الله ، حتى وهو ينتظر العذاب ، فيقوده تفكيره ~~إلى أن يتصور العذاب رأفة ، لو أمكنه أن يمتد بعيدا في هذا التصور ~~والتفكير. # * * * PageV05P326 ### ||| ** هل في الآية دلالة على تجسيد الأعمال؟ # حاول بعض المفسرين أن يجد في هذه الآية وأمثالها من الآيات دليلا على ~~نظرية تجسد الأعمال وحضورها في صورة معينة حسية في يوم القيامة ، بحيث ~~يواجه الإنسان واقع عمله الصالح في الدنيا صورة جميلة مشرقة أو نورا يضيء ~~له ذاته ، كما يضيء له الطريق أمامه ، بينما يواجه في عمله السيئ ، صورة ~~قبيحة منفرة أو ظلمة تظهر على وجهه وتحيط به من كل جوانبه ، فلا يرى أمامه ~~أية علامة على الطريق. # وقد ارتكز في ذلك على أن الآية ظاهرة في أن الإنسان يجد عمله الحسن أو ~~القبيح يوم القيامة ماثلا بطريقة حسية ، فإذا حدق بعمله السيئ ورأى صورته ~~المشوهة التي تبعث ms0995 على النفور وتدعو إلى التقزر ، تمنى لو أن الزمن كله ~~يكون فاصلا بينه وبينه ، ويلاحظ أنه لم يتمن زواله وغيابه ، لأنه لا مجال ~~لذلك باعتبار وجوده الحسي الماثل أمامه. # وتلتقي هذه الآية في هذه الدلالة بقوله تعالى : ( @QUR@08 ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) [الكهف : 49] ، وقوله تعالى : ( @QUR@012 ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7 8]. # فإن هذه الآيات تنسب الحضور للعمل نفسه ، كما تدل على أن فاعل الخير أو ~~الشر يرى عمله الخير أو الشرير ماثلا أمامه بنفسه. # فإذا انتقلنا إلى قوله تعالى : ( @QUR@016 من كان يريد حرث الآخرة نزد له ~~في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) [الشورى : 20] فإننا نستوحي ~~منها أن الإنسان في عمله ينثر البذر في الأرض فينمو ويتكاثر كأية حبة تنبت ~~سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فيكون حصاده في الآخرة مضاعفا من خلال ~~حرثه في الدنيا ، وكما يجد الإنسان الحب الكثير من خلال زراعة الحبة PageV05P327 # الواحدة في الدنيا ، كذلك يحصد الإنسان في الآخرة ما زرعه في الدنيا ، ~~ولكن مع بعض التبدل والتغيير الذي يتناسب مع الجو هناك. وقد يؤكد هذا الجو ~~قوله تعالى : ( @QUR@013 والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ~~يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ) [التحريم : 8]. وقوله تعالى في حديث ~~المنافقين مع المؤمنين : ( @QUR@04 انظرونا نقتبس من نوركم ) [الحديد : 13] ~~، فيقال لهم : ( @QUR@04 ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) [الحديد : 13]. # وهكذا تلتقي هذه الآيات في الظهور بأن العمل المتجسد هو الذي يبدو ~~للإنسان بشكل حسي ، وربما يتحدث بعضهم عن الأفاعي والعقارب كنموذج لصورة ~~الأعمال السيئة ونحو ذلك. # * * * ### ||| ** مناقشة الاستدلال على التجسيم # ونلاحظ على هذا الاستدلال أنه ناشئ من الجمود على حرفية اللفظ في دلالته ~~على المعنى الموضوع له ، الذي هو المعنى الحقيقي للفظ ، باعتبار أن إرادة ~~غيره على نحو التقدير أو المجاز يحتاج إلى دليل مفقود في المقام ، وبذلك ~~تتأكد النظرية المطروحة في المقام من خلال هذا النهج الحرفي لفهم القرآن وغيره. # ولكننا نلاحظ في هذه الاستعمالات المذكورة في التصور ms0996 المطروح ، أن الكلام ~~وارد على سبيل الاستعارة التي تعبر عن جزاء الأعمال برؤيتها ، باعتبار أن ~~الإنسان يتحسس عمله في حياته على مستوى النتائج السلبية أو الإيجابية ، ~~فيرى عمل الشر في النتائج الشريرة ، كما يرى عمل الخير في PageV05P328 # النتائج الخيرة ، لأن العمل يختزن في داخله آثاره التي إذا شاهدها على ~~صعيد الواقع فكأنه شاهد العمل نفسه. وليس المراد رؤية صورة العمل التي ~~يتجسد فيها في النهاية بطريقة حسية ، ولعل هذا التعبير وارد على نحو الجزاء ~~في الدنيا ، مع أنه لا معنى للتجسد في الدنيا ولا واقع له ، ولا التزام به ~~من قبل أحد ، فقد يمكن لنا أن نطلق آيتي الزلزلة على واقع الأعمال في ~~نتائجها على صعيد الواقع الدنيوي كما نطلقها على صعيد الواقع الأخروي. # وهكذا نفهم أن حضور العمل وتحضيره وارد بأسلوب الكناية ، للإيحاء بعدم ~~نسيانه وعدم الغفلة عنه بمرور الزمن ، بل يجده الإنسان حاضرا أمامه في ~~عملية الإحصاء الدقيقة التي يتضمنها الكتاب ، وربما نستفيد هذا المعنى في ~~قوله تعالى : ( @QUR@028 ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ~~يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) [الكهف : 49] ، فإن الظاهر أن المراد ~~حضوره في الوعي من خلال تذكره ، وفي الحساب عند ما يقف المرء ليحاسب عليه. # وهكذا نلاحظ الاتجاه الاستعمالي نفسه في الحديث عن حرث الآخرة في الدنيا ~~، فإن المقصود به حصاد النتائج المترتبة على الأعمال الخيرة على هدى القول ~~المأثور : «إنما يحصد ابن آدم ما يزرع» (1) والمثل المشهور : «من يزرع ~~الريح يحصد العاصفة». وأما النور الذي يتمثل في وجوه المؤمنين والمؤمنات ، ~~فقد يكون ثوابا على أعمالهم ، باعتبار أن الله يمنحهم إشراق الوجه والطريق ~~من خلال ما قدموه من عمل ، كما يمنحهم النعيم في الجنة ، بل هو نوع من ~~ألوان النعيم الجمالي التي يتحسس الإنسان لذتها الروحية والمادية في إحساسه ~~بذاته كما يتحسس الجميل في الدنيا لذة جماله ، وليس من الضروري أن يكون ذلك ~~صورة العمل المتجسدة في الواقع. ms0997 ولعلنا PageV05P329 # نستوحي ذلك من قولهم في ما حكاه الله عن حديثهم معه ( @QUR@04 ربنا أتمم ~~لنا نورنا ) [التحريم: 8] ، فكأنهم يستزيدون ثواب العمل بزيادة النور الذي ~~هو مظهر ذلك ، ولو كانت المسألة مسألة صورة العمل ، لكان هذا النقصان ~~طبيعيا ناشئا من الواقع المادي للعمل الذي يستتبع صورته العادية بشكل طبيعي. # وخلاصة الكلام ، أن فكرة تجسيد العمل لا تتناسب مع طريقة التعبير البلاغي ~~للأسلوب القرآني ، كما أنها من الأفكار التي لا دليل عليها من الواقع ~~الإنساني على هدى الحديث عن «صورة دنيوية للعمل ، هي التي نراها ، وصورة ~~أخروية كامنة في باطن ذلك العمل. وفي يوم القيامة ، وبعد أن تكون قد طرأت ~~عليه تحولات كثيرة ، يفقد صورته الدنيوية ، ويظهر بصورته الأخروية ، فيبعث ~~على راحة فاعله وسكينته ، أو شقائه وعذابه» (1). # إن مثل هذا الكلام ، لو كان صحيحا على مستوى كونه أمرا ذاتيا للعمل بحيث ~~تكون له صورة داخلية كامنة في ذاته ، لكان له ظهور في واقعه الحركي الذي ~~تتمثل فيه صورة أعماله في ذاتياتها الطبيعية ، بحيث يحسها الإنسان في وجوده ~~، ولكننا لا نرى لذلك أثرا عنده إلا بلحاظ نتائجه السلبية أو الإيجابية في ~~الحاضر والمستقبل ، أو بلحاظ ذكرياته الذهنية ، ليعيش إيحاءاته في الصورة ~~التي يتذكرها من خلال الإحساس بآثاره. ومن الطريف أن القائل بهذا القول يرى ~~بناء على ذلك «أن أعمال الإنسان وهي مظاهر مختلفة من الطاقة لا تفنى بموجب ~~قانون بقاء «المادة / الطاقة» وتبقى أبدا في هذه الدنيا ، على الرغم من أن ~~الناظر السطحي يظنها قد تلاشت». # إن هذا النوع من الاستنتاج يقترب من الخيال الذهني ، لأن قصة «بقاء ~~المادة / الطاقة» قد تكون في جانبها الجوهري الحسي الذي يختزن الطاقة PageV05P330 # حتى بعد تحوله إلى تراب ، باعتبار أن التراب يختزن في داخله العناصر ~~الذاتية فيه ، ولكن ذلك قد لا يكون له واقع في الجانب العرضي الآتي ، وهو ~~الحركة الطارئة التي هي عبارة عن معنى العمل الصادر من الإنسان فإنها تماما ~~كمثل النفس الذي يتنفسه ، والإحساس الذي يحسه ، ونحو ذلك مما يذهب بذهاب ~~وقته من دون ms0998 أن يبقى منه شيء إلا الذكرى ، لأنه ليس متجذرا في الجسد ، بل ~~هو مظهر من مظاهر حركته الإرادية. # إننا لا ندعي استحالة ذلك من خلال إرادة الله في خلقه مما يمكن أن يخلقه ~~في الإنسان في الدنيا والآخرة خلقا جديدا ، ولكن الحديث عن بقاء «المادة / ~~الطاقة» لا يقتضي ذلك حتى بلحاظ ما ذكره استشهادا بقوانين الفيزياء التي ~~تقول «إن المادة تتحول إلى طاقة» ، وذلك لأن «المادة» و «الطاقة» مظهران ~~لحقيقة واحدة ، كما تقول أحدث النظريات بهذا الخصوص ، وأن المادة طاقة ~~متراكمة مكثفة ، تتحول إلى طاقة في ظروف معينة. وقد تكون الطاقة الكامنة في ~~غرام واحد من المادة ، تعادل في قوة انفجارها أكثر من ثلاثين ألف طن من ~~الديناميت. فإن هذا قد يصدق في المادة الذات ، لا المادة العرض الذي لا ~~وجود له في الواقع ، بل هو أثر الطاقة الموجودة في المادة بشكل طارئ من ~~خلال اقتضاء الحركة الإرادية ذلك ، وليس هو المادة الطاقة نفسها. # إننا نتصور أن الفكرة انطلقت في بعدها القرآني من الاستغراق في حرفية ~~النص بعيدا عن الأسلوب البلاغي الذي يتميز به القرآن في عملية التخييل ~~الذهني الذي يوحي بالمعنى كما لو كان في عالم الحس ، ليزيده عمقا في الفكر ~~، وليتمثله الإنسان في صعيد النتائج الحاسمة كما لو كان ماثلا أمامه ؛ ~~والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV05P331 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~والله غفور رحيم (31) @QUR@011 قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله ~~لا يحب الكافرين ) (32) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : قال الحسن وابن جريج : زعم أقوام على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يحبون الله ، فقالوا : يا محمد إنا نحب ~~ربنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وروى جويبر عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : وقف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام ، وقد نصبوا أصنامهم ~~وعلقوا عليها بيض النعام ، وجعلوا في آذانها الشنوف ، وهم يسجدون لها ، ~~فقال : يا معشر قريش ، لقد خالفتم ms0999 ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ، ولقد كانا ~~على الإسلام ، فقالت قريش : يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى ~~الله زلفى ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 قل إن كنتم تحبون الله ) وتعبدون ~~الأصنام لتقربكم إليه ( @QUR@03 فاتبعوني يحببكم الله )؛ فأنا رسوله إليكم ~~وحجته عليكم ، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. PageV05P332 # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، أن اليهود لما قالوا : نحن أبناء ~~الله وأحباؤه أنزل الله تعالى هذه الآية ، فلما نزلت ، عرضها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود فأبوا أن يقبلوها. # وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : نزلت في ~~نصارى نجران ، وذلك أنهم قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما ~~له ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم (1). # * * * ### ||| ** حب الله ... منهج عمل # إن هذه الروايات التي تنوعت في الحديث عن المناسبة التي رافقت نزول هذه ~~الآية ، قد تمثل بعض الوقائع التي تتناسب في طبيعتها المضمونية مع الموقف ~~الذي تؤكده الآية في إعطاء الميزان الدقيق للحب لله في معناه العملي ، ولكن ~~من الصعب أن نطمئن لها كمنطلق لنزول الآية ، لأن مثل هذا الخط الفكري ~~المتصل بقضية التوحيد في دلالاته الفكرية والعملية ، ينطلق من الأفق الواسع ~~للعقيدة في كل تفاصيلها الفكرية والروحية والشعورية ، في عملية تثقيف الناس ~~بالجذور العميقة لحركة الإيمان في العقل والروح والشعور. # ومن الطبيعي أن تكون العلاقة بالله هي الأساس الذي ترتكز عليه الثقافة ~~القرآنية ، الأمر الذي يفرض أن تكون منطلقة من موقع التأسيس الثقافي لا من ~~موقع ردة الفعل المناسبة التي تجعل للظرف الموضوعي دور المنطلق لحركة ~~الفكرة التي تنتظره لتنزل وحيا على الناس. # ثم إن هذه المفردات المذكورة في الروايات لا تمثل حالة غير عادية ، PageV05P333 # بل هي أمر طبيعي في عقيدة اليهود أو النصارى أو المشركين أو غيرهم. # * * * ### ||| ** فهم محبة الله من ناحية عملية # وهذا أسلوب قرآني يوجه المؤمنين للانسجام مع الخط العملي للإسلام في ~~مفاهيمه وأحكامه ، من خلال الإيحاء بالمضمون العاطفي للعقيدة ودلالته ~~الروحية في حياة المؤمن ms1000 ، فإن الإيمان بالله لا يعبر عن موقف فكري مجرد من ~~قضية وجود الله ، بل يعبر عن موقف تمتد فيه الفكرة إلى عمق الشعور ، فتتحول ~~إلى إيمان يستجلي عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته ونعمه وكل صفاته ، ~~في إحساس حميم يفيض بالحب العميق ، ويتدخل بالروحية الفياضة ، مما يجعل من ~~العقيدة ، علاقة حميمة بين العبد وخالقه ، لا تستغرق في عمق الذات فحسب ، ~~بل تتحرك في واقع الحياة لتعبر عن نفسها في جو من المعاناة الروحية ~~المتمثلة بالعمل الجاد والانضباط الواعي والسير المتواصل في خط الله ، لأن ~~ذلك هو التعبير الدقيق عن صدق الحب. ولكن أين هو الخط الذي يتجسد فيه الحب ~~بالعمل ، ما دامت علاقتنا بالله لا تشبه العلاقات الإنسانية التي تخضع ~~للمواجهة والمكالمة والتعليمات المباشرة ، لأنها علاقة تتصل بالروح في حضور ~~الغيب الذي يقتحم على الإنسان وجدانه وإحساسه بعيدا عن السمع والبصر؟! # إن الآية تطرح الجواب بشكل حاسم ، فإن الخط هو خط الرسالة التي جاء بها ~~الرسول ليخرج الله بها الناس من الظلمات إلى النور ، فهو الذي يتجسد فيه ~~رضاه ومحبته التي يبادل بها عباده ، محبة بمحبة ، ومن الطبيعي أن محبة الله ~~لنا ، ليست عاطفة وانفعالا ، ولكنها الرحمة والرضا والمغفرة ، كما أن محبة ~~الناس لله ، في ما تريد أن تثيره الآية ، لا بد من أن تكون إيمانا PageV05P334 # وعملا وانسجاما مع خط الرسالة والرسول ، فإذا تحقق ذلك منهم ، باتباع ~~النبي الذي يجسد ذلك كله ، فإن الله سيمنحهم حبه ورضاه ، وهو الرؤوف بعباده ~~الرحيم بهم. # ثم تأتي الدعوة إلى إطاعة الله والرسول ، كخط عريض للعمل ، وللدخول في ~~محبة الله ، تأكيدا للفكرة من جانبها الإيجابي ، توضيحا لمدلولها الذي يجمع ~~طاعة الله وطاعة الرسول في دعوة واحدة ، للتدليل على وحدتهما المضمونية في ~~خطوات الإيمان وبيانا للفكرة من جانبها السلبي المتمثل بهؤلاء الذين يعرضون ~~عن دعوة الحق والطاعة ، وينحرفون عن الخط المستقيم ، وهم الكافرون ، عقيدة ~~أو عملا ، فهؤلاء هم الذين لا يحصلون على محبة الله في كل ما تمنحه المحبة ~~من معاني الرضا والمغفرة ، فإن الله ms1001 لا يحب الكافرين. # * * * ### ||| ** حب الله باتباع رسالته # قل يا محمد ، لهؤلاء الذين يتحدثون عن حب الله بطريقة ساذجة عاطفية ، كما ~~يحب أحدهم صاحبه أو فتاته من خلال معناه الشعوري المتحرك في الإحساس ، نبضة ~~في القلب ، وخفقة في الإحساس ، واهتزازا في الشعور ، فتكون المسألة لديه أن ~~يعبر عنه بالكلمة أو البسمة ، أو الحركات الحميمة في تعابير الجسد نحو الآخر. # قل يا محمد بأسلوب تثقيفي يضع الأمور في نصابها الصحيح ، ويوحي بالفكرة ~~في منطلقاتها الحقيقية ، ويحول الحب لله إلى منهج عملي يتصل بالواقع الحي ~~المتحرك المسؤول في علاقة الإنسان بالله في كل وجوده ، في الخطوط العامة ~~والخاصة ، من خلال الرسول الذي يفتح للناس أبواب الله في PageV05P335 # دائرة شريعته ودينه. # ( @QUR@05 قل إن كنتم تحبون الله ) فكرا في العقل ، وانفتاحا في الروح ، ~~ووعيا في القلب ، وإخلاصا في الواقع ، بحيث تكون القضية في عمق الذات ، لا ~~في سطح العاطفة ، في الآفاق التي تؤكد المضمون في النفس. ( @QUR@01 ~~فاتبعوني ) في رسالتي التي بلغتكم إياها ، وفي الشريعة التي أمركم الله ~~باتباعها ، وأراد لكم أن تصوغوا إنسانيتكم في الحياة على صورتها وفي ~~المفاهيم العامة عن الإنسان والكون والحياة ، وفي النهايات المصرية التي ~~تطل بكم على الدار الآخرة ، فإنها ليست شيئا ينطلق من صفتي الشخصية ، ولا ~~من مبادراتي الذاتية ، فإني لا أمثل في موقعي عندكم إنسانا ينتسب إلى عائلة ~~وينتمي إلى مكان ، بل إني أمثل الرسول الذي أرسله الله إليكم ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور ويهديكم إلى الصراط المستقيم ، ويفتح لكم أبواب الجنة ~~بالدعوة إلى طاعته ، ويغلق عنكم أبواب النار بالدعوة إلى البعد عن معصيته ، ~~فكلماتي كلماته ، وأفكاري إيحاءاته ، وطاعتي طاعته ، ومعصيتي معصيته ، ~~والراد علي راد عليه والمنفتح علي منفتح عليه ، لأن الرسول في صفته ~~الرسولية لا يمثل نفسه ، بل يمثل صاحب الرسالة ، وهو الله ، فإذا اتبعتموني ~~في كل تعاليمه التي أعلمكم إياها ، فإنكم بذلك تؤكدون اتباعه ، وأي حب أعظم ~~من الذوبان في طاعة من تحب ، وأي إخلاص أكبر من الانحناء أمام إرادته ، ~~فإذا رأى الله منكم هذا الحب الواقعي ms1002 المتمثل بالعمل الرسالي الخاضع لله ~~ورسالاته ( @QUR@02 يحببكم الله )، لأنه يحب الصادقين المتقين المحسنين ~~الخاشعين ، لأن صدقهم وتقواهم وإحسانهم وخشوعهم له دليل واضح على حبهم له ، ~~وبذلك يمحضهم حبا بحب. # وإذا كان حب العبد لله طاعة له ، فإن حب الله للعبد مغفرة له ورضوان ، ~~هذا ما عبرت عنه الآية التالية ( @QUR@03 ويغفر لكم ذنوبكم ) التي أسلفتم في PageV05P336 # غفلاتكم وضياعكم وحيرتكم في متاهات الطريق ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) ~~فالغفران شأنه والرحمة صفته ، لأنه الرب الكريم الذي لا يتعاظمه غفران ~~الذنب العظيم. # * * * # ( @QUR@03 أطيعوا الله والرسول ) # ( @QUR@01 قل ) يا محمد ، للذين تدعوهم إلى الله ليدخلوا في ساحة رحمته ~~وغفرانه ، فينتقلوا من الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ( @QUR@02 ~~أطيعوا الله ) الذي خلقكم ورزقكم ومنحكم الحياة في وجودكم الحي المتحرك ، ~~وهو الذي يملك موتكم وبعثكم في يوم القيامة الذي يقودكم إلى الجنة في خط ~~الطاعة ( @QUR@01 والرسول ) فإن من أطاع الرسول فقد أطاع الله ، وهذا هو ~~الإيمان في الخط العملي ، فإنه ليس كلمة تقال ، ولكنه إقرار بالقلب واعتراف ~~باللسان وعمل بالأركان ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا عنك وعن دعوتك ~~وتمردوا على الله وكفروا به ، فلا تلتفت إليهم ، واتركهم لضلالهم وكفرهم ~~بعد إقامة الحجة عليهم من قبلك ، ولن يحصلوا على حب الله لهم لأنهم لا ~~يفهمون عناصر الحب الحقيقي الظاهر ، لا سيما المنفتحة على حب الله ( ~~@QUR@05 فإن الله لا يحب الكافرين ) الذين ابتعدوا عن الفطرة وعاشوا في ~~متاهات الضلال ، ولم يعرفوا في أجواء حقدهم إلى الحب سبيلا. # تلك هي بعض إيحاءات هذه الآيات في الأجواء العملية التي تتحرك فيها ~~العاطفة المضادة في مشاعرها المنحرفة ، والعاطفة الملائمة في أحاسيسها ~~الطبيعية ، سواء في ذلك في مسارها في حياة الناس أو في علاقتها بالله في ~~النطاق الروحي والعملي. وبذلك نخرج بنتيجة حاسمة في انطلاقة الشخصية ~~الإسلامية ، حيث لا تجزيئية ولا ازدواجية ولا انقسام ، بل هي الشخصية ~~الواحدة التي يلتقي فيها الفكر بالعاطفة ، وتمتزج فيها العلاقات PageV05P337 # الفكرية والروحية بالمواقف العملية في خط العلاقات الإنسانية ، وتنطلق ~~فيها المشاعر بالخطوط المتحركة في المجال الحياتي الذي يحكم الموقف والسلوك ms1003 ~~، وتتحول علاقة الإنسان بالله إلى علاقة حب من نوع جديد لا يخضع للانفعال ~~الساذج ، بل يعيش مع الخط المستقيم الذي يواجه الإنسان بالنتائج الإيجابية ~~في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** التربية على حب الله # أما المعطيات التي يمكن الاستفادة منها في خطواتنا الإسلامية العملية ، ~~فيمكن أن نلخصها في نقاط : # 1 التأكيد على المؤمنين بأن الفواصل الفكرية ، تمثل عناصر أساسية في ~~تكوين الشخصية وتميزها ، وتخلق في داخل الإنسان جوا عاطفيا جديدا ، يحدد ~~نوع العلاقات تبعا لانسجامها مع الخطوط الفكرية وابتعادها عنها ، من دون أن ~~يعني ذلك عقدة سلبية ضد اللقاء في المواقف المشتركة أو في المصالح المشتركة ~~في المجتمعات المتعددة الاتجاهات ، لأن هناك فرقا بين تحطيم الحواجز ~~النفسية أمام الأفكار المتعددة ، وبين تحطيمها أمام المواقف الموحدة ، فإن ~~الأول يمثل ضياع خطوط الفكرة وتمييعها ، بينما يمثل الثاني حركة الفكرة ~~ومرونتها وإيجابيتها في خطواتها العملية نحو الهدف الكبير في مراحله ~~المتنوعة. # 2 الاستفادة من الأسلوب القرآني الوعظي الذي لا يقدم الفكرة مجردة عن ~~دلالاتها الإيمانية ، بل يحشد في داخلها وفي خطواتها ، كل الأجواء التي ~~يلتقي فيها الإنسان بالله واليوم الآخر في أساليب تحذيرية PageV05P338 # وتصويرية تتنوع فيها منابع الإيحاء وموارده أمام الترغيب والترهيب ، مما ~~يجعل الفكرة في خطها المستقيم أو المنحرف جزءا من هذا الجو المليء بالروعة ~~والرهبة ، فقد نجد أن مثل هذا الأسلوب يساهم في تحقيق هدفين : # الأول : أن تبقى الفكرة مشدودة إلى أجوائها الروحية ، فلا تبقى مجرد فكر ~~جامد يطرح القضية في ظروفها الموضوعية التي تبعدها عن مسارها الطبيعي ... # الثاني : أن تظل الفكرة في حالة حركة إيجابية في داخل الشخصية المؤمنة ، ~~فلا تتجمد في زاوية من زواياها ، بل تتسع لتشمل كل الجوانب ، فتحرك الفكر ~~والمشاعر والخطى لتهزها بعنف نحو الممارسة والمعاناة ، فتبعدها عن ~~الاسترخاء والسلبية التي قد تصيب المؤمنين من خلال بعض النوازع الخاصة. # 3 الإيحاء بأن العلاقة بين الله والناس هي علاقة حب من نوع جديد ، ~~ومحاولة تربية الشخصية الإسلامية على أساس الحب لله ، بعيدا عن الأجواء ~~الذاتية التي تستغرق في الأفكار والعواطف في ms1004 ما يشبه الغيبوبة ، وقريبا من ~~الأجواء التي تقترب بالإنسان من الأعمال التي تحقق رضا الله ، الذي هو ~~تعبير إيماني عن محبة الله للإنسان. وفي هذا الاتجاه ، يمكن للتربية ~~الإسلامية أن تصنع الشخصية الإنسانية الجديدة التي تهتز فيها المشاعر ~~بالفكر والعمل ، قبل أن تهتز بالتنهدات والتمنيات. # وربما يصبح ذلك طابعا للعلاقات الإنسانية التي تربط الشخصية بالآخرين ، ~~فتتحول إلى الروابط العملية الروحية بدلا من الروابط العاطفية الذاتية ، ~~ويتجه الإنسان من خلال ذلك إلى علاقات أعمق وأقوى لا يحكمها المزاج ~~بالانفعالات الطارئة ، بل يسيطر عليها العقل بالخطوات PageV05P339 # الهادئة الحكيمة. وفي هذا الجو ، يمكن للإنسان أن يشعر بأن الإيمان ~~الواحد يستطيع أن يصنع العلاقات الأخوية بين الناس الذين يجتمعون عليه كما ~~أراده الله سبحانه في قوله تعالى : ( @QUR@03 إنما المؤمنون إخوة ) ~~[الحجرات : 10]. # * * * PageV05P340 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~(33) @QUR@07 ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اصطفى ): اختار واجتبى ، والاصطفاء تناول صفو الشيء ، كما أن ~~الاختيار تناول خيره ، والاجتباء تناول جبايته ، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ~~وتخليصه مما يكدره ، فهو قريب من معنى الاختيار. والاصطفاء على العالمين ، ~~نوع اختيار وتقديم لهم عليهم في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم. # * * * ### ||| ** الله يصطفي أولياءه # في بداية هذا الفصل من السورة ، ينتقل بنا القرآن الكريم إلى الحديث عن ~~بعض جوانب التاريخ الديني ، في أجواء قصصية من قصص أنبياء الله PageV05P341 # وأوليائه ، فنلتقي معها بهذه الشخصيات العظيمة ، وهي تعيش مع الله في ~~روحية صافية خاشعة ، فتبتهل إليه تعالى عند ما تتعقد أمامها الأمور ، وترجع ~~إليه عند ما تطبق عليها المشاكل ، وتنفتح عليه في ما تحمل من هموم وأسرار ، ~~في عمق العبودية وصفاء الإخلاص ، ونشعر في هذا الجو بأن الله سبحانه يعامل ~~هؤلاء معاملة مميزة تنطلق من رضاه عنهم وتقديره لروحيتهم بالمستوى الذي ~~يظهر لنا منه ما يوحي بالقرب الكبير. ولهذا ، فإننا عند ما نحاول متابعة ~~هذه القضايا ، لا نريد أن تشغلنا أجواء القصة وتفاصيلها عن فهم الجوانب ~~العميقة التي تتمثل في ms1005 حركات القصص وشخصياتها التي تحمل من المعاني الروحية ~~الشيء الكبير ، لنستفيد منها في علاقتنا بالله ، وفي استثمار هذه العلاقة ~~في مواجهة كثير من مشاكلنا المعقدة ، بالرضا والاطمئنان الروحي. # * * * ### ||| ** اصطفاء الله لبعض أنبيائه # ( @QUR@012 * إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين ) الاصطفاء يعني الاختيار الذي يوحي بالتفضيل ، انطلاقا من ~~الملكات والصفات الذاتية التي أودعها الله فيهم ، فقد اختار الله آدم لدور ~~الخلافة الأولى في الأرض ، من أجل أن يبدأ الرحلة الإنسانية التي تبني ~~الأرض وتعمرها على أساس التخطيط الإلهي ، واختار نوحا ليكون أول الأنبياء ~~أولي العزم الذي يعطي المثل في الصبر أمام التحديات والدأب في مواجهة الكفر ~~والضلال ، حتى لا يبقى هناك مجال للتجربة ، لأنه استنفد كل التجارب ، مما ~~يعطي الدلالة على مدى الروحية الواسعة العميقة الممتدة في رحاب الله ، ~~واختاره الله بعد الطوفان من جديد ، ليبدأ التاريخ الجديد للبشرية من خلال ~~النماذج التي سارت معه ، واختار إبراهيم الذي أسلم وجهه لله وعاش التجربة الصعبة PageV05P342 # بالقلب المطمئن الراضي الذي احتضن في داخله كل التطلعات الإنسانية ~~الروحية نحو الله ، وانطلق الإسلام من خلاله كخط عريض للحياة في الفكر ~~والأعمال والمشاريع والأهداف ، فقد أوصى بنيه به وعاش بنوه الطيبون ، الرسل ~~الكرام الذين اختصهم الله بنعمته ، فاصطفاهم لرسالاته ، من لدن إسحاق ~~وإسماعيل إلى نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ... ولم تكن القضية ~~قضية نسب يعطي الامتياز ، بل هي قضية رسالة واتباع يشير إلى الخط ، كما قال ~~الله سبحانه : ( @QUR@010 إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا ) [آل عمران : 68] ، ولهذا ، فلا مجال لتعميم الحكم على جميع ~~من انتسب إلى إبراهيم عليه السلام . # أما آل عمران ، فقد نلتقي بالنسب الذي ينتمي إليه موسى ، وقد نلتقي ~~بالنسب الذي تنتمي إليه مريم ، وبذلك يلتقي به نسب عيسى عليه السلام ، لأن ~~النسب ليس واحدا فيهما ، لوجود فترة زمنية كبيرة بين موسى ومريم. ويرى بعض ~~المفسرين أن المراد منهم هنا مريم وعيسى عليه السلام ، لأن موسى لم يذكر في ~~القرآن بنسبه ، بل ذكره ms1006 باسمه مجردا عن ذلك ، مما يوحي بأن القرآن يتحدث ~~عنه بصفته الشخصية ، ولأن هذه السورة قد تعرضت لقصة مريم وعيسى بشكل تفصيلي ~~، بينما لم تتعرض لقصة موسى إلا بطريقة مجملة ، ولا يخلو هذا الرأي من قرب ~~؛ والله العالم بحقائق الأمور. # وكان الاصطفاء لحمل هذه الرسالة من أجل أن يكونوا رسلا ودعاة وهداة ~~للعالمين ، ولا بد في سبيل ذلك من أن يكونوا في تفكيرهم وشعورهم وسلوكهم ~~نماذج متفوقة في هذا المجال ، ليكونوا القدوة المثلى في القول والعمل ~~وليستطيعوا أن يعطوا الناس من روحيتهم الفياضة بالإيمان المنطلقة في خط ~~المسؤولية روحا جديدة عالية ترفع من مستواهم الفكري والروحي والعملي. PageV05P343 # فإن قضية الرسالة ليست مجرد فكر يقدم للناس من أجل هدايتهم ، وليست مشاعر ~~تنبض في القلب لتعطي الناس رصيدا كبيرا من العواطف ، ولكنها القوة التي ~~تتحرك من أعماق الروح لتغير الواقع وفق التخطيط الإلهي للحياة في كل ما ~~يعنيه من تغيير للإنسان في الداخل والخارج. ومن هنا ، نستطيع أن نقرر أن ~~الرسول لا بد من أن يكون شخصا غير عادي في ملكاته الروحية ليستطيع القيام ~~بهذه المهمة الكبيرة ، ولن يعرف ذلك إلا خالق الإنسان ، في ما أودعه في ~~داخله من قدرات روحية وفكرية. إنه البشر النموذج والرسول الإنسان بكل ما ~~يوحي به مدلول الرسالة في عمق مدلول الإنسان. # ( @QUR@04 ذرية بعضها من بعض ) تتتابع في حمل الرسالة كما تتلاحق في ~~ارتباط النسب ( @QUR@03 والله سميع عليم ) يسمع ما يقوله هؤلاء ويطلع على ~~ما يسرونه ويعلنونه ، وبذلك كانت الرقابة على ما في القلب واللسان ، تفتح ~~قلب النبي وكيانه على آفاق المسؤولية في عملية تدقيق ومتابعة وإبداع ، ~~ليعلم أنه قد أبلغ رسالات ربه كما يريده الله وكما يحبه ويرضاه. # * * * PageV05P344 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم (35) @QUR@024 فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها ~~أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها ~~بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) @QUR@035 فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وأنبتها ms1007 نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 محررا ): مطلقا ، بحيث لا يكون خاضعا لأية سلطة بشرية ، سواء ~~في ذلك سلطة والديه أو الآخرين ، وخادما أمينا لله. # ( @QUR@01 مريم ): في لغتهم العابدة والخادمة على ما قيل ولهذا بادرت ~~إلى تسميتها بذلك عند الوضع ، فكأنها أعدتها بالتسمية للعبادة. PageV05P345 # ( @QUR@01 وأنبتها ): أنشأها ونماها كما تنبت البذرة الطيبة في الأرض ~~الطيبة الخصبة. # ( @QUR@01 المحراب ): محراب المسجد ، قيل سمي بذلك لأنه موضع محاربة ~~الشيطان والهوى ، ويقال لكل محل من محال العبادة محراب. # ( @QUR@01 أنى ): اسم استفهام عن الحال والمكان بمعنى أين وكيف لتضمنه ~~معناهما. # * * * ### ||| ** التطلعات الروحية لامرأة عمران # إن القصة هنا تختصر الحوادث ، فليست هناك ملامح شخصية لهذه الإنسانة ~~«امرأة عمران» ؛ من هي؟ وما هو اسمها ، وما هي صفاتها الذاتية؟ لأن ذلك كله ~~لا يمثل شيئا في ما تهدف إليه القصة من الحديث عن الروحية التي كان يعيشها ~~آل عمران وعن إخلاصهم العظيم لله ، وعن النمط المميز من التفكير الذي كان ~~يطبع وعيهم ، فقد فقدت هذه المرأة زوجها بعد أن حملت منه ، وربما كان ~~إنسانا صالحا يعيش في خدمة بيت الله ، وبدأت تفكر في مستقبل هذا الولد ، ~~ولم تفكر تفكير ذاتيا أنانيا كما يفكر الكثيرون في الانتفاع بأولادهم من ~~ناحية مادية أو معنوية في ما يكسبه من مال وفي ما يحصل عليه من جاه ، بل ~~فكرت في أن يكون خادما لله ، وهذا ما تعنيه كلمة ( @QUR@01 محررا ) بحيث لا ~~يكون خاضعا لأية سلطة بشرية ، سواء في ذلك سلطة والديه أو سلطة الآخرين. ~~فهو لا يعمل لأحد ولا يدخل في خدمة أحد ، بل يعمل لله ويخدم بيته ، فيكون ~~حرا أمام الآخرين في ما يملكه من سلطان نفسه تجاههم وعبدا أمام الله ~~باعتباره خادما أمينا له ، فنذرته لله ، PageV05P346 # وكان هذا النذر مشروعا في شريعتهم ، وأرادت من خلاله أن تتقرب إلى الله ، ~~لأنها لا تملك شيئا تقدمه إليه ms1008 غير ذلك. إنه نوع من القربان الحي المتحرك ~~الذي تقدمه الأم إلى خالقها ليظل في طاعته وخدمته ... وابتهلت إليه أن ~~يتقبله منها ، فإنه السميع الذي يسمع دعوات عباده المخلصين له ، العليم ~~الذي يعلم إخلاصهم الروحي في عبادته. # وبقيت هذه المرأة الصالحة في أجواء هذه الروحية طيلة أيام الحمل ... وجاء ~~اليوم الموعود الذي انتظرته ليتحقق حلمها ، وكانت المفاجأة غير المنتظرة ، ~~فالمولود أنثى ، والأنثى لا تصلح للخدمة في بيت المقدس ، لأنها من شؤون ~~الذكور ، فهتفت هتاف اليائس المعتذر الخائب ، لتعلن أن الحلم لم يتحقق ، ~~ولم تكن بحاجة إلى هذا الإعلان ، فإن الله أعلم بما وضعت ، لأنه هو الذي ~~خلقه وصوره ، وليس الذكر كالأنثى ، فلو كان المولود ذكرا لكان شأنه أن ~~ينتهي إلى خادم بسيط في بيت المقدس ، ولكن هذه الأنثى التي وضعتها ستكون ~~مؤهلة لكرامة الله حيث تظهر من خلالها قدرته في ولادة عيسى منها من دون أب. # وبدأت المرأة تفكر من جديد في ما توحي به الآية فهي لا تريد أن تبتعد عن ~~الله في أحلامها الروحية ، فإذا لم يقدر لها أن تلد ذكرا خادما لبيت المقدس ~~، وولدت بدلا منه أنثى ، فإنها تعود لتناجي الله في أمنياتها الجديدة ، فقد ~~أسمتها «مريم» التي تعني العابدة في لغتهم ، كما يقال لتكون إنسانة عابدة ~~لله مطيعة له في ما يأمر به وينهى عنه ، ثم طلبت من الله أن يعيذها وذريتها ~~من الشيطان الرجيم ، فيجيرهم من وسوسته وتثبيطه ومكره وخدعه ومكائده ، ~~ليستطيعوا السير في خط الطاعة من دون أي انحراف أو زلل. # إننا نكتشف في هذه المرأة إنسانة تعيش العلاقة بالله كأروع ما تكون PageV05P347 # العلاقات وكأصفى ما تكون المشاعر ، وكأعظم ما تتحرك الأفكار ، فهي تفكر ~~في مستقبل ذريتها من خلال الله ، لتقربهم إليه وتبعدهم عن الشيطان. # واستجاب الله دعاءها الصادق ( @QUR@04 فتقبلها ربها بقبول حسن ) يمثل كل ~~معاني الرعاية لها في الحاضر والمستقبل ، ( @QUR@03 وأنبتها نباتا حسنا ) ~~فهيأ لها البيئة الصالحة التي تكفل لها النمو الطبيعي ، تماما كما تنبت ~~البذرة الطيبة في الأرض الطيبة الخصبة ، فتحاول أن ms1009 تعزل عنها كل الجراثيم ~~التي تؤخر نموها أو تعطله. ( @QUR@02 وكفلها زكريا ) هذا العبد الصالح الذي ~~وقف مع بقية المؤمنين وألقوا أقلامهم أيهم يكفل مريم ، لأن أباها كان ميتا ~~، وخرجت القرعة باسم زكريا ، الذي كان شيخا جليلا صالحا مؤمنا ، فهيأ لها ~~الجو التربوي الصالح الذي جعلها تؤمن بالله وتحبه وتعبده حتى بلغت المستوى ~~العظيم الذي جعلها في المركز الذي يوحي بالمعجزة ، فكانت تتعبد الله في ~~المحراب ويأتي وقت الطعام ، ويغلبها إحساسها بالجوع ، وتأبى أن تفارق ~~محرابها لتأكل ، لأنها لا تريد أن تفارق مناجاتها الحبيبة لله ، فيرسل الله ~~إليها برزقه المتمثل بالطعام الذي تفوح منه الرائحة الطيبة كما تقول بعض ~~الأحاديث ، وقد يدخل عليها زكريا في بعض هذه الحالات فيفاجأ بذلك ويتساءل ~~في ما حدثنا الله عنه ( @QUR@014 كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يا مريم أنى لك هذا ) من أين لك هذا؟ من الذي صنعه لك ، مع أننا ~~لم نقدم لك شيئا من هذا القبيل؟ وكانت لا ترى في هذا شيئا عجيبا؟ فهي تؤمن ~~أن الرزق من الله ، سواء جاء من خلال الأسباب العادية المألوفة أو من خلال ~~الأسباب غير العادية ، فلما ذا التعجب والاستغراب ( @QUR@07 إن الله يرزق ~~من يشاء بغير حساب ). وهكذا تكاملت أمامنا الصورة المشرقة لهذه الأنثى ~~التي لم تعش الحياة في جانبها الأنثوي الذي يتهالك أمام الملذات والشهوات ، ~~بل عاشت الحياة في جانبها الإنساني الإيماني الذي يوحي لها بالإخلاص لله في ~~نفسها وفي علاقتها PageV05P348 # بالآخرين في ما يوحيه معنى عبادة الله ، وبذلك حققت أمنيات تلك الأم ~~الطاهرة التي أرادت من الله أن يجعل منها ابنة عابدة بعيدة عن رجس الشيطان. # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من الآيات؟ # وقد نستوحي من هذه الآيات في تطلعات امرأة عمران وفي حركة القصة في ألطاف ~~الله بالسيدة مريم : # 1 إن قوله تعالى : ( @QUR@03 وليس الذكر كالأنثى ) ليس واردا في مقام ~~تفضيل الذكر على الأنثى في القيمة الإنسانية الدينية ، لتكون دليلا على ~~الفكرة التي تؤكد ذلك ، بل الظاهر أنها واردة في المورد الخاص وهو مسألة ms1010 ~~خدمة بيت المقدس التي كانت مخصصة للذكور دون الإناث من خلال التوزيع ~~الطبيعي للمهمات بين الذكور والإناث ، مما يعني توزيع الأدوار باعتبار أن ~~كل واحد ميسر لما خلق له. # 2 إن هذه الأم الصالحة كانت واعية للدور الذي تقوم به المرأة في الحياة ~~في حاجتها إلى أن تكون الإنسانة المؤمنة المتحررة من كل وساوس الشيطان ~~الرجيم وحبائله ، المنفتحة على طاعة الله وعبادته ، لتشارك في المهمات ~~الموكولة إليها من موقع الأمانة الفكرية والروحية والعملية التي تجعلها ~~أمينة على بيتها وزوجها وأولادها ومجتمعها ، تماما كما هو الرجل في المهمات ~~الموكولة إليه ، وهذا ما جعلها تتوجه إلى الله أن يعيذها من الشيطان الرجيم ~~، ولم تقتصر في تمنياتها عليها بالذات ، بل تطلعت إلى أن يعيذ ذريتها في ~~امتداد الأجيال في الزمن من الشيطان ، لتعيش في أحلامها الكبيرة هذا ~~الاستشراف الإيماني للمستقبل ، لتكون ذريتها ذرية صالحة ، لأنها PageV05P349 # لا تريد لنفسها أن تشارك ، ولو بشكل غير مباشر ، في إنتاج الجيل الفاسد ~~الذي يكفر بالله وبرسله ويتبع غير سبيل المؤمنين من التقوى والاستقامة في ~~الخط الصحيح. # وهذا ما ينبغي لنا أن نستوحيه في تطلعاتنا المستقبلية بما يتصل بأولادنا ~~الذين نأمل أن يكونوا المؤمنين الصالحين ، بحيث يرتبط ذلك بهمومنا ~~واهتماماتنا العملية ، مما يجعلنا نبتهل إلى الله في ذلك ونتحرك في اتجاه ~~تحقيقه من الناحية العملية ، فإن هذا الاهتمام الفكري والروحي بصلاح ~~الأبناء في المستقبل يؤدي إلى تحويل ذلك إلى واقع حي في حركة التربية ، ~~والتماس الأساليب الصحيحة ، ومتابعة الموقف بالحذر الدقيق الواعي الذي ~~يراقب المؤثرات السلبية أو الإيجابية التي تترك تأثيراتها عليهم في البيئة ~~التي ينتمون إليها والمدارس التي يتعلمون فيها ، والرفاق الذين يصاحبونهم ، ~~والدروس التي يتعلمونها ، وغير ذلك ، بينما يؤدي عدم الاهتمام بذلك إلى ~~واقع اللامبالاة التي تترك الأمور بعيدة عن التخطيط الدقيق. # 3 إن الله تقبلها بقبول حسن ، واستجاب دعاء أمها الصالحة ، وأعاذها من ~~الشيطان الرجيم بطريقة واقعية عملية ، وذلك من خلال تهيئة الجو الطيب ~~الطاهر الذي يجعل نموها نموا طبيعيا من دون تأثيرات سلبية منحرفة ms1011 ، وذلك من ~~خلال كفالة زكريا الذي كان من الأنبياء الصالحين ، وقد حضنها وتعهدها ~~بالتربية والتوجيه والإعداد الروحي والعملي لتكون الإنسانة غير العادية في ~~المستقبل من خلال الطاقات الروحية غير العادية التي تحركت فيها للحصول على ~~محبة الله ورضاه في ممارساتها العبادية التي جعلتها موضع رعاية الله ~~وعنايته بشكل غير عادي. # إن هذه الألطاف الإلهية التي أحاطت بمريم استجابة لدعاء أمها PageV05P350 # الصالحة وابتهالها الصادق ، قد تحدث لأي إنسان يفتح قلبه لله في الدعاء ~~الصادق بأن يرعى أولاده ويعيذهم من الشيطان الرجيم ويهيئ لهم من غامض علمه ~~الفرص الجيدة للحصول على الدرجات العالية في الإيمان والتقوى ، فإن الله قد ~~تكفل لعباده المؤمنين باستجابة دعائهم بما فيه المصلحة لهم ، الأمر الذي ~~يدفعنا إلى أن نلجأ إليه في مهماتنا الحاضرة واهتماماتنا المستقبلية في ما ~~يتعلق بحياتنا وحياة أولادنا ، ليبقى الأمل حيا في نفوسنا من خلال الثقة ~~بالله ، ويزول الخوف من قلوبنا مما ينتظرنا في المستقبل من التهاويل ، ~~اعتمادا على أمنه ، فهو الذي يستجيب دعاء الراجي ويؤمن الخائفين. # * * * PageV05P351 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعاء (38) @QUR@020 فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) ~~@QUR@017 قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك ~~الله يفعل ما يشاء (40) @QUR@020 قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) (41) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هنالك ): اسم إشارة للمكان البعيد ، وقد يستعمل للزمان ، ~~ومعناه في الآية : عند ذلك. # ( @QUR@01 وسيدا ): الذي يتولى أمر سواد الناس وجماعتهم ، ولهذا قيل لكل ~~من كان فاضلا في نفسه إنه سيد ، وغلب استعماله في شريف القوم. # ( @QUR@01 وحصورا ): الذي يحصر نفسه عن الشهوات ، فلا يدعها تتحرك في PageV05P352 # مجال الإشباع والارتواء ، ولهذا قيل في تفسيره : الذي لا يأتي النساء ~~والذي يجتهد في إزالة الشهوة ، والذي لا يدخل في اللعب واللهو والأباطيل ، ~~والممتنع عن مشتهيات النفس ms1012 زهدا. # ( @QUR@02 بلغني الكبر ): أصابني الشيب ونالني الهرم ، فإن الكبر بمنزلة ~~الطالب. ويروى عن ابن عباس أن زكريا يوم بشر بالولد كان ابن عشرين ومائة ~~سنة ، وامرأته بنت ثمان وتسعين سنة. # ( @QUR@01 آية ): علامة دالة على شيء ، وهو هنا ، أنه لا يقدر على تكليم ~~أحد ثلاثة أيام ويعتقل لسانه إلا بذكر الله وتسبيحه. # ( @QUR@01 عاقر ): التي لا تلد ، ويقال للرجل الذي لا يولد له ، مشتق من ~~العقر وهو القطع لقطعه النسل. # ( @QUR@01 بالعشي ): آخر النهار ، وقال صاحب الكشاف : من حين نزول الشمس ~~إلى أن تغيب (1). # ( @QUR@01 والإبكار ): أول النهار. وقال صاحب الكشاف : من طلوع الفجر ~~إلى وقت الضحى (2). # * * * ### ||| ** زكريا يدعو ... والله يستجيب # وكانت هذه الكرامة العجائبية التي حدثت لمريم في بيت زكريا دليلا واضحا ~~على أن الله يرعاها بعنايته وبرحمته ، فهذه أجواء الرحمة تطوف في PageV05P353 # البيت ، والفرصة سانحة أمام الحاجة الملحة التي كان يعانيها زكريا ، ~~ويريد أن يدعو الله فيها ، ولكنه في ما يبدو لا يجد الأمل الكبير باستجابة ~~الدعاء ، وهي الذرية الطيبة. ( @QUR@04 هنالك دعا زكريا ربه ) وهو يشعر أن ~~الإجابة قريبة منه لتحقق له حلمه الكبير الذي يكفل له الامتداد الذاتي ~~والرسالي في خط الحياة الطويل ، فإن الولد يمثل امتداد الظل لأبيه. وكان ~~يفكر كما فكرت امرأة عمران بالذرية الطيبة التي تملأ الحياة خيرا وبركة ~~وهدى ونورا ومحبة وسلاما ولم يفكر كما يفكر كثير من الناس بالذرية التي ~~تمثل حاجة ذاتية تملأ فراغ الإنسان العاطفي وتحقق له زهو الامتداد والكثرة ~~من دون هدف كبير على مستوى الحياة. ( @QUR@011 قال رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة إنك سميع الدعاء )... واستجاب الله له دعاءه كأفضل ما تكون الاستجابة ~~، وأراد أن يبشره بذلك في جو من الإعزاز والتكريم ، فأرسل إليه الملائكة ~~لتزف إليه البشارة بالوليد المنتظر الذي أراد الله له أن يكون في المستوى ~~العظيم في الطهارة والنقاوة الرسالية والروحية المتحركة في خط النبوة ... # ( @QUR@020 فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) إن البشارة ~~تتحدث ms1013 عن الحلم المنتظر كما تتحدث عن الواقع الحي. إنها تعين له اسمه وصفته ~~المميزة ، التي جعلها الله «سمة» للأنبياء ، فقد جاء مصدقا لما أنزل الله ~~من رسالات ، ولما أرسل من رسل ، وتلك صفة لا يوصف بها إلا الذين يريد الله ~~لهم أن يكملوا الطريق التي بدأها الآخرون من قبله ، من الأنبياء الذين شقوا ~~للناس طريق الحق المستقيم ... # وسيدا لنفسه كما هو شأن عباد الله الذين يحكمون أنفسهم من خلال إيمانهم ~~ويسيطرون على شهواتهم من خلال عقولهم ويسودون الناس في نطاق مبادئهم الحقة ~~، ولا يخضعون لأية سلطة غير سلطة الله في ما يريد وفي ما لا يريد ، فهم ~~أحرار أمام أنفسهم وأمام الآخرين ، يملكون كلمة الرفض PageV05P354 # من موقع القناعة ويملكون كلمة القبول من موقع الاختيار ، وعبيد أمام الله ~~الواحد لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. # ( @QUR@01 وحصورا ) حصر شهواته ، فلا يدعها تتحرك في نطاق الإشباع ~~والارتواء. وكان ذلك من القيم الكبيرة في ذلك الوقت لما يدل عليه من الطاقة ~~الروحية العظيمة التي تدفع الإرادة إلى الصلابة والتضحية ( @QUR@03 ونبيا ~~من الصالحين ) الذين أراد الله لهم أن يتقبلوا وحيه بأرواحهم ويحملوها ~~للناس رسالة وهدى وإيمانا. # وقد أكد الله له في هذه البشارة ، أن ذلك قد كان بكلمة منه ، والكلمة ~~تعني القدرة التي لا تحتاج في تعلقها بالأشياء إلى أسباب مألوفة مما تعارف ~~عند الناس من أسباب. # ووقف زكريا مدهوشا مما يسمعه ، وأخذته الحيرة من ذلك كله ، هل هو في حلم ~~أم يقظة؟ هل هي كلمات الرحمن أم هي شيء من التخييل؟ إنه يفكر في الحواجز ~~الطبيعية التي تحول بينه وبين ذلك ، لقد مضى عليه مدة طويلة حتى بلغ مبلغ ~~الشيخوخة وامرأته عاقر لا تحمل ، ولم يرزق بولد ، فكيف تحدث تلك المفاجأة ~~بمثل هذا التفصيل. تحدث في ما يشبه الاستغاثة التي تريد أن تخرجه من الحيرة ... # ( @QUR@011 قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ) وجاء ~~الجواب ، إنك تتحدث مع الله الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون ، ~~فهو الذي خلق ms1014 الأشياء وخلق معها القوانين والأسباب الطبيعية ، وهو القادر ~~على أن يغيرها في أي وقت يريد في ظل قوانين جديدة ، فما قيمة الحواجز ~~الطبيعية أمام قدرة الله المطلقة حتى يفكر فيها الإنسان المؤمن؟ ( @QUR@06 ~~قال كذلك الله يفعل ما يشاء )، ( @QUR@08 وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون ) [البقرة : 117] ، وكأن زكريا PageV05P355 # قد اقتنع بذلك ورجع إلى ما يوحيه إيمانه من التسليم لله في كل شيء ، ~~ولكنه يريد آية. # واختلف المفسرون في معنى هذه الآية ، فقال بعضهم إنها العلامة التي يعرف ~~من خلالها أن ما سمعه هو من وحي الله ، وذلك بأن يجعل الله له ما يشبه ~~المعجزة ، وأوحى الله إليه بأن الآية هي أن يعتقل لسانه ، فلا يستطيع أن ~~يتكلم ، ولا يملك أن يخاطب الناس إلا رمزا مدة ثلاثة أيام ، وقال بعضهم : ~~إنها علامة الشكر على هذه النعمة غير المترقبة ، فأوحى الله إليه كما أوحى ~~إلى مريم بصوم الصمت الذي كان مشروعا آنذاك ، ولعل هذا هو الأقرب ، لأنه لا ~~معنى للارتياب بعد أن جاءه الجواب بالتذكير بقدرة الله ، ولأن الظاهر أن ~~الوحي كان بالامتناع الاختياري عن الكلام مع الناس وبذكر الله كثيرا ~~وبالتسبيح الدائم بالعشي والإبكار. # ( @QUR@020 قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) ولكن هذا الذي ذكرناه ، مما ~~فهمناه من الآية على وجه الترجيح ، لا يلتقي بما رواه العياشي في تفسيره عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : «إن زكريا لما دعا ربه أن يهب له ولدا ~~فنادته الملائكة بما نادته به ، أحب أن يعلم أن ذلك الصوت من الله ، فأوحى ~~إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام ، فلما أمسك ولم يتكلم ~~علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله» (1). فإذا صح هذا الحديث ، فإن الآية ~~تقتضي اعتقال لسانه إلا عن ذكر الله والتسبيح ، مما يكون وجه جمع معقول بين ~~الأمرين ، والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV05P356 ### ||| ** أمور لا بد من التوقف أمامها # وهنا أمور تستدعينا لأن ms1015 نتوقف عندها : # الأمر الأول : إن العلامة الطباطبائي يستوحي من طلب زكريا الذرية الطيبة ~~بعد ما رآه من أمر مريم وكرامتها على الله وامتلاء قلبه من شأنها ، أنه ~~أراد ولدا له من الكرامة عند الله ما لمريم ، وكانت استجابة الله له مطابقة ~~لما سأله ، فوهب له يحيى وهو أشبه الأنبياء بعيسى وبأمه مريم عليهما السلام ~~، فقد روعي فيه ما روعي فيهما من عند الله سبحانه ، وقد روعي في عيسى كمال ~~ما روعي في مريم ، فالمرعي في يحيى هو الشبه التام والمحاذاة الكاملة مع ~~عيسى فيما يمكن ذلك ، ولعيسى في ذلك كله التقدم التام ، لأن وجوده كان ~~مقدرا قبل استجابة دعوة زكريا في حق يحيى ، ولذلك سبقه عيسى في كونه من ~~أولي العزم صاحب شريعة وكتاب وغير ذلك لكنهما تشابها وتشابه أمرهما فيما يمكن. # ثم استعرض الآيات المتعلقة بيحيى وعيسى وحاول اكتشاف بعض الخصائص ~~المشتركة بينهما من خلال أن الله آتاه كما آتى عيسى الحكم صبيا ، وعده ~~حنانا من لدنه وزكاة وبرا بوالديه غير جبار كما كان عيسى كذلك ، وسلم عليه ~~في المواطن الثلاث كعيسى ، وعده سيدا كما جعل عيسى وجيها عنده ، وجعله ~~حصورا ونبيا ومن الصالحين مثل عيسى ، كل ذلك استجابة لمسألة زكريا ودعوته ~~حيث سأله ذرية طيبة ووليا رضيا عند ما امتلأ قلبه بما شاهد من أمر مريم ~~وعجيب شأنها وكرامتها على الله. # وفي قوله : ( @QUR@04 مصدقا بكلمة من الله ) دلالة على كونه من دعاة عيسى ، PageV05P357 # فالكلمة هو عيسى المسيح ، كما ذكره تعالى في ذيل هذه الآيات في بشارة ~~الروح لمريم (1). # ونلاحظ على ما ذكره أن الحديث عن التشابه بين يحيى وعيسى في الصفات حديث ~~لا يخلو من طرافة وصواب ، ولكن ليس من الضروري أن تكون المسألة منطلقة من ~~الحالة النفسية التي عاشها زكريا في ابتهاله لله في طلب الولد في أن يكون ~~مشابها لمريم وابنها في الأجواء الغيبية المتصلة بالمولود ، فإن ذلك ليس ~~ظاهرا من الآية في هذه السورة ، فقد تكون المناسبة هي إحساسه بالحاجة إلى ~~أن تكون له ذرية ms1016 يمتد بها نسبه ويتحرك فيها تراثه العائلي من آل يعقوب في ~~خط الرسالة ، لأنه رأى في مريم عليها السلام مثال الولد الصالح الذي يتمناه ~~كل إنسان صالح ، بحيث أحس بالوحشة من حالة العقم عنده الذي ينقطع فيها ~~امتداده في الزمن بما تمثله الذرية من امتداد الإنسان في الحياة ، فكانت ~~كلمة ( @QUR@01 هنالك ) تمثل اللحظة الزمنية التي تعاظم فيها شعوره بالحلم ~~الكبير في أن يكون له ولد من دون دخول في التفاصيل الغيبية ، فقد استغرق في ~~المسألة في ذاتياتها ، ولذلك كانت الاستجابة له الصدمة التي أعادته إلى ~~واقعه في إحساس بشريته ، فتساءل ( @QUR@011 قال رب أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر ) مما يوحي بأن المسألة كانت نداء حاجة لا ~~انفتاحا على أجواء تلك الحاجة في خصوصيات الجانب الغيبي فيها. # ثم ما علاقة عيسى بالموضوع في وجدان زكريا ، ولم يكن عيسى قد ولد في ذلك ~~الوقت ، ولم تكن هناك أية أمارات توحي به حتى لدى أمه الصديقة الطاهرة؟ ~~فكيف أقحم العلامة الطباطبائي اسمه في الجو التفسيري للآية في تطلعات زكريا ~~ليدخل في موضوع التشابه بين عيسى ويحيى في سياق الموضوع في الآية. هذا من جهة. PageV05P358 # ومن جهة أخرى ، فإن الحديث عن قصة زكريا في سورة مريم يوحي بأن القضية ~~التي كانت تشغل ذهن زكريا هي الامتداد الذاتي في ولده ، وهذا حق طبيعي له ، ~~والامتداد الرسالي في تراث آل يعقوب في الولد ، النبي الذي يملك الولاية ~~الشرعية ، وهذا هو قوله تعالى : ( @QUR@035 قال رب إني وهن العظم مني ~~واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا* وإني خفت الموالي من ورائي ~~وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا* يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب ~~رضيا ) [مريم : 4 6]. فإنه ظاهر في أن الدعاء كان يستنزل الغيب في أن يرزقه ~~الله ولدا لا في خصوصياته. # وبكلمة واحدة ، لقد كانت مريم وحدها في وجدانه ، عند ما دعا ربه ، وكانت ~~الحاجة انطلاقا من إحساسه بالفراغ عند رؤيته لمريم لولد يرثه ويرث من آل ~~يعقوب ، ليكون ms1017 وليا يلي من أبيه ما يليه الأبناء من شؤون آبائهم ، وهذا ما ~~يجعل البحث التفسيري في استيحاء الآية في غير محله بالرغم من طرافته. # الأمر الثاني : لقد تحدثت الآية عن يحيى أنه «حصور» كميزة أخلاقية ليحيي ~~، كما تحدثت آية أخرى بالصفة نفسها في الحديث عن عيسى عليه السلام ، وقد ~~فسرت الكلمة بأن الحصور «هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن ~~تعففا وزهدا. فهل الامتناع عن العلاقة الجنسية مع النساء في دائرة الزواج ، ~~يمثل قيمة أخلاقية كبري أو لا؟ # الظاهر أن الكلمة لا تختزن في ذاتها معنى الامتناع عن الزواج ، فهو سنة ~~الله في الحياة التي أقام عليها امتداد الإنسان في حركة وجوده كما جعله ~~عنوانا للحياة الطبيعية في حاجاتها المتوازنة التي تطمئن إليها نفسه وتسكن ~~فيها روحه ، ولكن المقصود منها ، هو القوة الروحية التي تنطلق من صلابة ~~الإرادة التي تتمرد على الشهوات ، فتبلغ درجة المناعة الأخلاقية التي يملك PageV05P359 # فيها الإنسان نفسه بحيث يحكم عليها ولا تحكم عليه ويقودها ولا تقوده ، ~~فلا ينجذب إلى الاندفاع في حاجاتها انجذاب من لا يملك القدرة على التماسك ~~أمامها. # ولعل التفسير الأقرب لها أنه الذي يحصر نفسه عن الشهوات ، فلا يدعها ~~تتحرك على هواها ، وربما كانت كلمة الحصر موحية بذلك ، لأنها تحمل معنى ~~المقاومة الإرادية التي تحصر الحركة الجسدية في دائرة معينة ولا تدعها ~~تتفلت بعيدا عن الخط العملي ، فهي مسألة تتصل بحركة الإرادة في الذات ولا ~~ترتبط بحركة الفعل السلبي في معناه. هذا من جهة. # ومن جهة أخرى ، فقد يكون الامتناع عن النساء في ذلك الوقت قيمة أخلاقية ~~لمن يحمل المسؤولية الرسالية ، باعتبار أن ذلك يجعله متفرغا لله ولأداء ~~الرسالة ، فلا يشغله عنها شاغل الزوجة والأولاد ، فكأنه يجعل حياته كلها ~~لله بعيدا عن ضغط حاجاته الجسدية والعائلية ، وليست القضية خطا عاما لكل ~~الناس ، وهذا ما جعل عيسى حصورا ، لأن مهمته غير عادية ، كما جعل يحيى ~~حصورا للمعنى نفسه ، فربما كانت هناك خصوصية للزمن وللشخص أو للدور ، لأن ~~النبوة لا تفرض ذلك ، فقد ms1018 رأينا أنبياء الله يأخذون بالزواج في حياتهم وقد ~~يعددون الزوجة ، كما في إبراهيم عليه السلام ، والله العالم. # ثم إن الآيات توحي بأن الأنبياء يعيشون الحاجات الذاتية في مسألة الأولاد ~~، كما يعيشها الآخرون ، ويتطلعون إلى الولد الذكر كما يتطلع الآخرون ، لا ~~من جهة أن الذكورة تمثل القيمة الإنسانية الإيجابية بينما الأنوثة تمثل ~~القيمة الإنسانية السلبية ، بل لأن الذكر يتحمل المسؤوليات المتصلة بالدور ~~الفاعل في عملية امتداد النسب وحركة الرسالة بما لا تتحمله الأنثى ، بلحاظ ~~طبيعة الواقع الاجتماعي أو التكوين النوعي للإنسان ، وهذا ما يؤكد بشريتهم ~~في الإحساس بما لا يبتعد عن القيمة. PageV05P360 # وربما كان من مظاهر الضعف البشري الذي لا ينافي العصمة ، هو هذه الصدمة ~~المفاجأة التي هزت أعماقه بالبشارة بالولد وقد بلغا هو وامرأته ما بلغا من ~~الكبر وهو ما لا يتناسب مع واقعية إنجاب الولد ، فقد انطلقت بطريقة عفوية ~~كأية حالة إنسانية في الظروف المماثلة ، في الوقت الذي كان يعيش الثقة ~~بالله من خلال إيمانه عند ما دعاه أن يرزقه وليا يرثه ويرث من آل يعقوب ، ~~لكنها الحالات الإنسانية اللاشعورية تماما كما هي التقلصات الجسدية التي ~~تحدث للإنسان عند حصول أية حالة من الخوف أو الضعف أو الرغبة أو الرهبة من ~~دون اختيار له ، ثم ينطلق الوعي الفكري أو الروحي أو الشعوري لينظم حركة ~~هذا الشعور ، وليعالج الصدمة ، ويستكين للإيمان الواعي الذي يفلسف الأمور ~~ليرجعها إلى أسبابها وطبيعتها في قدرة الله في الأشياء التي تملك في ذاتها ~~قابلية حركة القدرة فيها. # ولعل هذا هو تفسير العجب الذي استولى على زكريا مع إيمانه العميق بالقدرة ~~الإلهية التي لا يعجزها شيء ، والذي كان وراء الدعاء الخاشع الصادر منه لله. # وليس من الضروري أن ندخل في تفسير القضية بأنه يريد أن يعيش حالة الشهود ~~والمشاهدة ، لأن الإيمان يمثل حالة في الفكر ، فلا يملك العمق الشعوري الذي ~~ينزل إلى أغوار الذات فيهزها في لهفة الوعي الحسي ، بينما يمثل الشهود حالة ~~الطمأنينة الروحية والسكنية الشعورية التي لا يعرض عليها القلق مهما كان ~~ضعيفا ، وهذا ms1019 ما لاحظناه ، كما يقول أصحاب هذا التفسير ، في تجربة إبراهيم ~~عليه السلام الذي لم يكتف بإيمانه بالمعاد من ناحية فكرية ، فأراد أن يشاهد ~~مظهر الخلق ليحصل على المستوى الأعلى للإيمان في الطمأنينة القلبية. وهذه ~~حالة طبيعية لكل إنسان أن يعيش في فكره التساؤل عن تفسير المعجزة الخارقة ~~بالطريقة الحسية. PageV05P361 # إننا نلاحظ على هذا ، أن هناك فرقا بين تجربة إبراهيم وموقف زكريا ، فقد ~~كان إبراهيم يريد أن يستزيد في ثقافته الإيمانية التي حصل عليها من خلال ~~تأملاته الفكرية بالحصول على مضمونها الحي من خلال الحس ، وهكذا كانت ~~القضية لديه قضية ثقافية ليس فيها أي مظهر للصدمة التي تطلق السؤال في ~~أسلوب الاستغراب ، كما فعل زكريا الذي كان يطرح الموانع الحسية التي تدفعه ~~إلى استبعاد القضية ، ولم يكن في أجواء التساؤل الثقافي الهادىء الذي يريد ~~أن يضيف إلى عمله عنصرا جديدا يزيد في الطمأنينة الإيمانية. # ولا ينافي هذا عصمة الإيمان لدى الأنبياء. والظاهر أن زكريا فهم بحسب ~~المضمون القرآني ، أن العصمة تضاد الانحراف الفكري والعملي ولا تنافي ~~الحالات المرتبطة بالتركيب النفسي العصبي الذي يهتز للمفاجاة بفعل الصدمة ~~غير المنتظرة ، ولكنه يرجع إلى القاعدة الإيمانية من خلال الألطاف الإلهية ~~التي تحيط به. # ولعل التجربة الإبراهيمية التي تمثلت في البشارة التي حملها الملائكة ~~إليه بالغلام الحليم ، حيث كان رد فعله الأولي رد فعل زكريا نفسه كما حدثنا ~~الله عن ذلك في القرآن الكريم في سورة الحجر في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) @QUR@09 إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا ~~منكم وجلون (52) @QUR@07 قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) @QUR@08 ~~قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) @QUR@07 قالوا بشرناك ~~بالحق فلا تكن من القانطين (55) @QUR@08 قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون ) [الحجر : 51 56]. # وجاء في سورة الذاريات قوله تعالى : ( @QUR@09 فأوجس منهم خيفة قالوا لا ~~تخف وبشروه بغلام عليم (28) @QUR@09 فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت ~~عجوز عقيم (29) @QUR@08 قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم ) ~~[الذاريات : 28 30]. PageV05P362 # فنحن نجد النبي إبراهيم عليه السلام ms1020 يخضع لعنصر المفاجأة الغريبة في طبيعة ~~مضمونها الذاتي بطريقة عفوية من خلال الضعف البشري العادي ، ليعود في يقظة ~~الوعي الشعوري إلى الانفتاح على القدرة الإلهية التي تجعل الأمل حيا حتى في ~~المورد الذي يكون الشيء فيه مستحيلا عاديا ، فلا يستسلم لأي يأس ، لأن ~~الذين يخضعون للقنوط هم الضالون لا المهتدون ، فإنهم يقفون مع الله في ما ~~يقوله ويفعله في شؤون عباده ، من دون أن يكون في ذلك أية منافاة للعصمة ~~وللدرجة العالية في نبوته. # الأمر الثالث : جاء في مجمع البيان أنه ذهب جميع المفسرين وأهل التأويل ~~أن المراد بقوله تعالى : ( @QUR@04 مصدقا بكلمة من الله ) أنه مؤمن بعيسى ~~ومصدق له ، فقد أراده الله أن يكون المؤيد لعيسى عليه السلام ، باعتبار ~~معرفة الناس له وتصديقهم به ، وقد جاء التعبير عن عيسى بأنه كلمة الله ، ~~مما يجعل هذا اللفظ بمثابة الاسم المختص به كما في الآية الآتية في قوله ~~تعالى : ( @QUR@015 إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم ) [آل عمران : 45] ؛ وقوله تعالى في سورة النساء : ( ~~@QUR@011 إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ) ~~[النساء : 171]. # ولكن أبا عبيدة على ما حكي عنه قال : معناه بكتاب الله ، كما يقولون : ~~أنشدت كلمة فلان أي قصيدته وإن طالت ، وإنما سمي المسيح كلمة الله لأنه حصل ~~بكلام الله من غير أب ، وقيل : إنما سمي به لأن الناس يهتدون به كما يهتدون ~~بكلام الله. # ويذكر صاحب مجمع البيان تأييدا للقول المشهور أن يحيى كان أكبر سنا من ~~عيسى بستة أشهر وكلف التصديق به ، فكان أول من صدقه وشهد أنه كلمة الله ~~وروحه ، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى عليه السلام وأقوى الأسباب لإظهار أمره ، ~~فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه PageV05P363 # وزهده (1). # ولكننا نلاحظ على ذلك أن أمر عيسى ، في ولادته العجائبية وفي معجزاته ~~الخارقة ، أكثر قوة من أمر يحيى ، لا سيما أن يحيى لا يزيده كثيرا في العمر ~~بالدرجة التي يتقدم فيها اجتماعيا ليكون عيسى بحاجة إليه في ms1021 تأييد رسالته ~~ودعم موقفه. # كما أن الحديث عن عيسى لم يكن معروفا في تلك المرحلة ، لأنه ليس واردا في ~~الذهنية العامة ، حتى أن والدته السيدة مريم كانت تجهل كل شيء من أمره ، ~~ولذلك كان حملها وولادتها وكل ما حدث لها يمثل الصدمة العنيفة التي هزت كل ~~كيانها ، ولذلك فإن الكلام عن تصديقه بعيسى كلمة الله ليست له أية مناسبة ~~واقعية في وجدان زكريا ، ولهذا لم يثر ذلك أي سؤال في نفسه عن طبيعة الشخص ~~الذي يصدقه ولده بصفة أنه كلمة الله ، ولهذا ، فإننا نستقرب أن المقصود من ~~( @QUR@03 بكلمة من الله )، الكلمة الإلهية الرسالية المتمثلة بكتاب الله ~~وهو التوراة أو نحوها ، وقد درج التعبير في القرآن بكلمة الله بمعنى وحيه ~~أو رسالته كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 وكلمة الله هي العليا ) [التوبة : ~~40] ، وعن كتبه ورسالته بكلمات الله كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 ويحق ~~الحق بكلماته ) [الشورى : 24] ، وفي قوله تعالى في حديثه عن مريم : ( ~~@QUR@03 وصدقت بكلمات ربها ) [التحريم : 12]. فلا مانع من أن يكون المراد ~~بتصديق يحيى بكلمة من الله ، الوحي النازل من الله على رسله بكلمته لعباده ~~، لأنه دليل على اختصاص اللفظ بعيسى عليه السلام ، باعتبار أن إطلاق الكلمة ~~عليها جاء من خلال المعنى العام لخصوصية ذاتية ، بلحاظ أنه خلق بكلمة الله ~~المتمثلة بإرادة التكوين من خلال كلمة «كن» المستعملة في القرآن تعبيرا عن ~~ذلك كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من PageV05P364 # @QUR@06 تراب ثم قال له كن فيكون ) [آل عمران : 59]، وهذا ما يجعلنا ~~نتابع الكلمة في مضمونها مفردا كانت أو جمعا بحسب مناسباتها السياقية التي ~~قد تحدد معناها. # وهناك ملاحظة أخيرة ، وهي أن كلمة التصديق التي ينطق بها نبي لرسالة نبي ~~تأتي غالبا للتعبير عن تصديق رسالة سابقة ، أو كتاب متقدم ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ) [الأنعام ~~: 92] ، والمقصود به ما سبقه من الكتب الإلهية ، وقوله تعالى : ( @QUR@09 ~~ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ) [البقرة : 101] ، أي من ~~التوراة ، وقوله تعالى ms1022 في حديث عيسى عليه السلام : ( @QUR@06 ومصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ) [آل عمران : 50] ، وعلى ضوء هذا ، فلا بد من أن يكون قوله ~~تعالى عن يحيى : ( @QUR@04 مصدقا بكلمة من الله ) منطلقا من تصديقه بكلمة ~~الله الرسالية في وحيه ؛ والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV05P365 ### | الفهرس # تفسير سورة البقرة [253 286] # الآية [253]........................................................... ~~......... 7 # معاني ~~المفردات.............................................................. 7 # تفضيل الرسل بعضهم علي بعض لا يعني اختلاف الهدف........................ 8 # الآية ظاهرة بشمولها ولا اختصاص ~~لها........................................ 12 # معني كلام ~~الله............................................................. 14 # التفاضل بين الرسل لم يمنع من ~~اللقاء......................................... 15 # كيف حدث اختلاف أممهم!............................................... 16 # هل الدين أساس الحروب بين ~~الناس!......................................... 17 # لا مجال لليأس أمام ~~السلبيات............................................... 20 # اختلاف الخصائص لا يثير التحدي......................................... 21 # ولكن الله يفعل ما ~~يريد.................................................... 23 PageV05P367 # الآية ~~[254].................................................................. 24 # معاني ~~المفردات............................................................ 24 # الإنفاق من رزق ~~الله....................................................... 25 # الآية ~~[255].................................................................. 27 # معاني ~~المفردات............................................................ 27 # مما جاء في فضل آية ~~الكرسي............................................... 28 # آية الكرسي والتوحيد ~~الخالص............................................... 30 # مع صاحب الميزان في شموليته للشفاعة ~~التكوينية............................... 33 # مع تفسير الأمثل في موضوع ~~الشفاعة........................................ 35 # قدرة الشفيع من قدرة ~~الله................................................... 37 # الإيحاءات ~~والدروس........................................................ 40 # الآية ~~[256].................................................................. 43 # معاني ~~المفردات............................................................ 43 # مناسبة ~~النزول............................................................. 44 # لا إكراه في الدين مدلولها ~~ومغزاها........................................... 45 # موقع القتال من قضية الإكراه في ~~الدين....................................... 48 # الآية ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر................................ 50 # الكفر بالطاغوت وعلاقته ~~بالإيمان........................................... 52 # الآية ~~[257].................................................................. 55 # جدل النور والظلمات أو الإيمان ~~والكفر...................................... 55 # الله ولي الذين ~~آمنوا........................................................ 57 # الطاغوت ولي الذين ~~كفروا.................................................. 60 # الآية ~~[258].................................................................. 62 # معاني ~~المفردات............................................................ 62 # تربية القرآن ~~للإنسان....................................................... 63 PageV05P368 # إبراهيم يتحدي ~~الطاغوت.................................................. 64 # ما نستوحيه من ~~الحوار...................................................... 66 # الآية ~~[259].................................................................. 69 # معاني ~~المفردات............................................................ 69 # قدرة الله في إحياء ~~الموتي..................................................... 70 # قصة ألذي مات ثم عاد إلي ~~الحياة........................................... 73 # الآية ~~[260].................................................................. 76 # معاني ~~المفردات............................................................ 76 # إبراهيم عليه السلام باحث عن ~~الحقيقة....................................... 77 # الفرق بين الإيمان والاطمئنان ~~القلبي.......................................... 78 # ماذا نستوحي من ~~الآية!.................................................... 79 # الآيات [261 ~~266]......................................................... 81 # معاني ~~المفردات............................................................ 82 # الإنفاق في سبيل الله: فكر ~~ومثل............................................ 83 # الإنفاق بين القيمة الذاتية والقيمة ~~الاجتماعية................................. 84 # جزاء الذين ينفقون أموالهم ms1023 في سبيل ~~الله....................................... 88 # علاقة الثواب بحجم ~~العمل.................................................. 89 # إبطال الصدقات بالمن ~~والأذي............................................... 92 # القرآن يوضح الصورة ~~بالمثل................................................. 95 # الإنفاق كحل في التخطيط الاقتصادي ~~العام.................................. 97 # الآيات [267 ~~274]........................................................ 100 # معاني ~~المفردات.......................................................... 101 # مناسبة ~~النزول........................................................... 102 # القرآن يخطط للإنفاق: النوعية والمورد ~~والكيفية............................... 103 # الله هو الرازق ~~لعباده...................................................... 105 PageV05P369 # ولكن الله يهدي من يشاء................................................ 113 # المستحقون ~~للنفقة........................................................ 115 # ماذا نستوحي من هذه الآيات!............................................ 120 # الآيات [275 ~~281]........................................................ 122 # معاني ~~المفردات.......................................................... 123 # أكل مال ~~الربا........................................................... 124 # الربا في سلبياته الأخلاقية ~~والاجتماعية...................................... 126 # الربا في سلبياته ~~الاقتصادية................................................ 128 # شبهات حول تحريم ~~الربا.................................................. 130 # مثل آكل الربا ~~كالممسوس................................................. 136 # معني ألذي يتخبطه الشيطان من المس...................................... 138 # أحل الله البيع وحرم الربا ... نظرة ~~تفسيرية.................................. 142 # كيفية محق الله الربا وإربائه ~~الصدقات....................................... 144 # مع بعض الباحثين حول خصائص الربا القرآني وخصائص معاملات المصارف.... 150 # مناقشة ~~النظرية.......................................................... 156 # هل الآية شاملة لربا ~~المعاوضة!............................................. 162 # الآيتان [282 ~~283]........................................................ 163 # معاني ~~المفردات.......................................................... 164 # المعاملات المالية في ~~القرآن................................................. 165 # توثيق المعاملات ~~المالية.................................................... 168 # لماذا شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل ~~واحد!................................ 169 # التشريع والخصائص النوعية ~~العامة.......................................... 170 # حالات خاصة.......................................................... 175 # الله لا يغلق أبواب الوثاقة ~~الذاتية........................................... 177 PageV05P370 # التقوي ... في إظهار ~~الحق................................................ 178 # الآية ~~[284]................................................................ 181 # معاني ~~المفردات.......................................................... 181 # رقابة الله المطلقة ومسئولية ~~الإنسان......................................... 182 # الحساب علي ما يخفيه ~~الإنسان............................................ 183 # الآيتان [285 ~~286]........................................................ 185 # معاني ~~المفردات.......................................................... 185 # تصديق الرسول والمؤمنين بما أنزل ~~الله........................................ 186 # إيمان الرسول بما أنزل إليه من ~~الله........................................... 189 # الاستغفار من ~~الذنب..................................................... 190 # مغزي تزكية الله ~~للرسول................................................... 192 # المؤاخذة علي ~~النسيان.................................................... 193 # تفسير سورة آل عمران [1 41] # مدخل عام............................................................. 199 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 202 # معاني ~~المفردات.......................................................... 202 # مناسبة ~~النزول........................................................... 203 # تتابع حركة الرسالات ~~وتكاملها............................................ 207 # القرآن ... الحقيقة بأصفي ~~معانيها......................................... 209 # الكافرون لهم عذاب شديد................................................ 213 # الآيات [7 ~~9].............................................................. 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # المحكم والمتشابه ~~والتأويل.................................................. 216 PageV05P371 # السياق العام ~~للآية....................................................... 217 # تحرير فهم القرآن من الأفكار ~~المسبقة....................................... 218 # في القرآن نموذجان من ~~الآيات............................................. 218 # نموذج القلوب ~~الزائغة..................................................... 218 # نموذج الراسخين في ~~العلم................................................. 220 # التأويل ليس محصورا ms1024 بالله ~~فقط............................................. 220 # خلاصة واستنتاج........................................................ 222 # المتشابه ~~والمجمل.......................................................... 223 # معني ~~التشابه............................................................ 225 # المراد من إحكام آيات القرآن ~~كله.......................................... 226 # معني قوله تعالي: ( @QUR@02 كتابا متشابها ) ~~........................................ 226 # آيات القرآن تتكامل فيما ~~بينها............................................ 227 # المنحرفون يفسرون القرآن ~~بأهوائهم......................................... 228 # تساؤلات حول الموقف من التأويل......................................... 231 # المراد من كلمة ~~«التأويل»................................................. 232 # وقفة مع صاحب ~~الميزان................................................... 235 # الراسخون في ~~العلم....................................................... 240 # الزيغ يؤدي إلي ~~الضلال.................................................. 242 # الآيات [10 ~~13]........................................................... 245 # معاني ~~المفردات.......................................................... 245 # مناسبة ~~النزول........................................................... 246 # القرآن والأسلوب ~~الحاسم................................................. 248 # قوة الكافرين عرض ~~زائل.................................................. 249 # الآيات [14 ~~17]........................................................... 251 # معاني ~~المفردات.......................................................... 251 PageV05P372 # زين للناس حب الشهوات................................................. 253 # حدود الشهوة ~~واللذة..................................................... 257 # جدال المفسرين حول فاعل «زين»......................................... 259 # تقوي الله في حب الشهوات............................................... 266 # الآيات [18 ~~20]........................................................... 269 # معاني ~~المفردات.......................................................... 269 # التوحيد حقيقة ~~الوجود.................................................... 270 # الشاهد والشهود علي وحدانية ~~الله......................................... 271 # الحياة كلها ~~لله........................................................... 274 # أطروحة الإسلام في ~~الاعتقاد.............................................. 275 # اختلف أهل الكتاب فضلوا............................................... 276 # الدين عند الله ~~الإسلام................................................... 278 # الآيات [21 ~~25]........................................................... 281 # معاني ~~المفردات.......................................................... 281 # مناسبة ~~النزول........................................................... 282 # مع أهل الكتاب في بعض أعمالهم وأفكارهم................................ 284 # تبشير الكافرين بالعذاب ~~الأليم............................................ 285 # افتراء اليهود ~~وغرورهم.................................................... 286 # ماذا ينتظر اليهود يوم ~~القيامة!............................................. 288 # دروس من وحي الآيات................................................... 289 # الآيتان [26 ~~27]........................................................... 292 # معاني ~~المفردات.......................................................... 292 # مناسبة ~~النزول........................................................... 292 # الآيتان تقرير لحقيقة ~~كونية................................................. 295 # لمن نسبة الفعل ~~الإنساني!................................................. 296 PageV05P373 # القوانين الإلهية تحكم المسيرة ~~الإنسانية...................................... 297 # الله مالك ~~الملك.......................................................... 301 # سنن الله في الكون ~~والحياة................................................. 302 # الله يملك رزق ~~العباد...................................................... 304 # الدعاء في خط التربية الإسلامية ~~الرسالية.................................... 306 # الاستخدام السيئ للآية من ~~الظالمين........................................ 308 # الآيات [28 ~~30]........................................................... 311 # معاني ~~المفردات.......................................................... 311 # الإيمان في حركة العلاقات ~~الإنسانية........................................ 313 # المؤمنون أولياء ~~لبعضهم................................................... 316 # أسلوب التقية في الخط الإسلامي ~~الحركي.................................... 317 # التقية في الخط الواقعي ~~المشروع............................................. 320 # التقية ليست وسيلة لتجاوز حدود ~~الله...................................... 321 # مشروعية التقية في مواجهة ~~الاستكبار....................................... 323 # المسؤولية أمام قدرة ~~الله.................................................... 324 # الحذر من عذاب ~~الله..................................................... 325 # ويحذركم الله ~~نفسه....................................................... 326 # هل في الآية دلالة علي تجسيد ~~الأعمال!.................................... 327 # مناقشة الاستدلال علي التجسيم.......................................... 328 ms1025 # الآيتان [31 ~~32]........................................................... 332 # مناسبة ~~النزول........................................................... 333 # حب الله ... منهج عمل................................................. 334 # فهم محبة الله من ناحية ~~عملية............................................. 332 # حب الله باتباع ~~رسالته.................................................... 335 # أطيعوا الله ~~والرسول...................................................... 337 PageV05P374 # التربية علي حب ~~الله..................................................... 338 # الآيتان [33 ~~34]........................................................... 341 # معاني ~~المفردات.......................................................... 341 # الله يصطفي ~~أولياءه...................................................... 341 # اصطفاء الله لبعض ~~أنبيائه................................................. 342 # الآيات [35 ~~37]........................................................... 345 # معاني ~~المفردات.......................................................... 345 # التطلعات الروحية لامرأة ~~عمران............................................ 346 # ماذا نستوحي من الآيات!................................................ 349 # الآيات [الآيات 38 ~~41].................................................... 352 # معاني ~~المفردات.......................................................... 352 # زكريا يدعو ... والله ~~يستجيب............................................. 353 # أمور لا بد من التوقف ~~أمامها............................................. 357 # والحمدلله رب العالمن PageV05P375 ![](https://books.rafed.net/Books/3265_tafsir-men-wahi-alquran-06/images/image001.gif) PageV06P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3265_tafsir-men-wahi-alquran-06/images/image002.gif) PageV06P003 ![](https://books.rafed.net/Books/3265_tafsir-men-wahi-alquran-06/images/image003.gif) PageV06P004 ### | سورة آل عمران ### ||| * مدنية ### ||| * وآاتها مئتان PageV06P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين (42) @QUR@08 يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ~~(43) @QUR@020 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اصطفاك ): اختارك للكرامة الربانية. وقد مر الاصطفاء سابقا. # ( @QUR@01 اقنتي ): أديمي الطاعة لله سبحانه. ومعنى القنوت : دوام ~~الطاعة. # ( @QUR@01 أقلامهم ): أقواسهم وسهامهم التي يقترعون بها ، وإلقاء ~~الأقلام طريقة خاصة كانت تمثل عملية الاقتراع آنذاك. وقيل : أقلامهم التي ~~يكتبون بها التوراة حيث ألقوها في النهر. # * * * PageV06P007 ### ||| ** أجواء مغمورة باللطف الإلهي # ... وتبقى مريم في أجواء روحية مغمورة باللطف الإلهي ، فقد أراد الله لها ~~أن تعيش في حياتها السر الكبير الذي تتجلى فيه قدرة الله بأسلوب جديد لم ~~يألفه البشر ، ولا بد لهذه الإنسانة التي اختارها الله من بين الناس ، من ~~أن تعد نفسها لذلك إعدادا روحيا مميزا يوحي بالطهر والقداسة والاطمئنان ، ~~وذلك في نطاق المشاعر العميقة برعاية الله لها وعنايته بها وحمايته لها من ~~كل سوء ؛ فكان لها ذلك الجو الذي عاشته في حضانة زكريا وكفالته .. وامتد في ~~حياتها بما أنزل الله لها من رزق يوحي بالكرامة في أجواء الغيب الذي ترفرف ~~فيه الملائكة من خلال ما تحس به هذه الإنسانة الطاهرة ، مما قد يبعث في ~~داخلها الدهشة والطمأنينة معا .. وبدأت الملائكة تحدثها ، في اللحظات التي ms1026 ~~أريد لها أن تقترب من موعد السر الكبير ، لتشعر بالحماية الإلهية قبل أن ~~تدهمها المفاجأة التي تدخلها في التجربة الصعبة .. # وأخبرتها الملائكة بأن الله اختارها لكرامته وجعلها طاهرة من الدنس ، ~~ليتعمق في إحساسها الشعور بالطهر فلا يداخلها أي وهم طارئ بسبب ما ينتظرها ~~من موقف غير مألوف ، لأن ذلك هو معنى عملية الاصطفاء من خلال ما توحي به من ~~التميز والتقدم ... وربما كان في تكرار كلمة «الاصطفاء» تأكيد للفكرة ~~وإيحاء بأن ما يحدث لها لم يحدث ولن يحدث لغيرها من نساء العالمين ... فهن ~~لا يحملن إلا بالوسائل الطبيعية للحمل ، أما هي فستحمل بوسيلة جديدة من ~~وسائل القدرة الإلهية لولادة الإنسان ، الذي سيكون مميزا ومعجزة في طريقة ~~خلقه ونموه العقلي والروحي. # وربما أثار هذا النداء في نفسها شعورا بالحيرة أمام هذا السر الخطير الذي ~~يلفه الغموض والإبهام ، فهي تعرف أنه سر عظيم ، ولكنها تجهل كنهه ، وتريد ~~أن تعي ماذا يجب عليها أن تفعله من فروض الشكر له على هذه الكرامة الخفية؟ # ... وحدثتها الملائكة أن عليها أن تبقى في أجواء عبادة الله لتبقى في PageV06P008 # الأجواء الروحية التي تبتعد بها عن حدود المادة ، فتقنت في ما يمثله ~~القنوت من معنى الطاعة عن خضوع ، وتركع وتسجد لله ، في ما يمثله هذا ~~الانحناء من الشعور بالانسحاق الذاتي أمام عظمة الله ... فذلك هو الذي ~~يحميها من كل مشاعر الضعف والقهر والاضطهاد مع الآخرين ، وهو الذي يساعدها ~~على الانتظار في ظل الغموض الشاحب. # وتتوقف الآيات هنا ، لتلتفت إلى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فتوحي ~~إليه بأن ما قصه الله عليه من قصة مريم هو من أنباء الغيب التي أوحى بها ~~الله ، فهو لم يعشها ولم يعرفها عن حس ومشاهدة ، ولم يقرأها ، لأنه لم ~~يمارس القراءة والكتابة ... وربما لم تكن بعض تفاصيلها معروفة حتى عند أهل ~~الكتاب ، لأنها غير مذكورة بدقائقها في الإنجيل. وقد يكون في قوله تعالى : ~~( @QUR@03 وما كنت لديهم ) إشارة إلى أن المراد بالغيب عدم الحضور ، في ذلك ~~الوقت الذي وقف فيه القوم ليلقوا ms1027 أقلامهم وهي القداح والسهام التي يقترعون ~~بها عند ما اختصموا في كفالة مريم لمن تكون. ولعل في التأكيد على ذلك ما ~~يوحي بقيمة هذه الحادثة لعلاقتها بالنمو الروحي لمريم عليها السلام . # ( @QUR@03 وإذ قالت الملائكة ) الذين أراد الله لهم أن يبلغوا إلى مريم ~~رسالة روحية تفتح قلبها وتقوي روحيتها ، وتبلغ بها قمة السعادة المنفتحة ~~على حب الله ، ( @QUR@02 يا مريم ) أيتها الروح الملائكة في صورة إنسان ، ~~التي تحررت من ضغط الشهوة فتمردت على كل عناصر الإغراء والإغواء ، فكانت ~~السيدة على نفسها قبل أن تكون السيدة على الآخرين ، أيتها الإنسانة الطاهرة ~~التي عاشت في شخصيتها طهارة العقل والروح والجسد ، أيتها العابدة التي عاشت ~~العبادة في حياتها انطلاقة عبودية لله في عمق إحساسها بمعنى الربوبية ، ~~وخفقة روح بحب الله ، ونبضة قلب يحمده ويشكره ، وهزة شعور ينفتح عليه ... ~~أيتها الضعيفة في جسدها ، القوية في روحها ، الكبيرة بإيمانها ، أيها الطهر ~~الذي لا يقترب إليه دنس ، والنقاء الذي لا يصيبه كدر ، والصفاء الذي لا ~~يطوف به العكر ... ( @QUR@03 إن الله اصطفاك ) لتكوني محل كرامته ومظهر ~~قدرته ومعجزة إرادته ، ( @QUR@01 وطهرك ) PageV06P009 # من كل رجس معنوي ، لتكوني رمز الطهر الأبيض بياض الثلج ، النقي نقاء ~~النور ، ( @QUR@01 واصطفاك ) من بين خلقه ( @QUR@03 على نساء العالمين ). ~~فقد أعدك إعدادا روحيا أخلاقيا لتكوني القدوة للجميع ، فلم تحصل امرأة من ~~كل جيلك من النساء على ما حصلت عليه من الملكة الروحية والكرامة الإلهية ، ~~وأنبتك نباتا حسنا في حركة النمو الطبيعي الواعد بأفضل النتائج وأطيب ~~الثمار. ف ( @QUR@04 يا مريم اقنتي لربك ) واستمري في خط الطاعة ، فلا بد ~~من أن تبقي معه في صوفية الروح ، وعبادة الذات ، وخشوع الإحساس ، وحركية ~~الكيان ... فإنك كلما عبدت الله وأطعته أكثر كلما فاضت ألطافه عليك أكثر ، ~~وأحبك أكثر ، ( @QUR@01 واسجدي ) في حالة انسحاق الذات أمامه كتعبير عن ~~ذوبان الوجود في وجوده ، ( @QUR@03 واركعي مع الراكعين ) بما يمثله الركوع ~~من انحناء الإرادة أمام إرادة الله من خلال انحناء الجسد أمامه ؛ فإن قصة ~~العبودية في حضرة الألوهية هي قصة الذوبان الروحي والجسدي في معنى الانسحاق ~~الكلي في ms1028 السجود لله والانحناء الكلي في الركوع له ، ليعيش الإنسان مع كل ~~الراكعين في انحناء وجودي شامل يقف فيه الإنسان بكل وجوده خاضعا لله في ~~عملية تكامل في معنى العبودية بين يدي الرب (1). # ( @QUR@06 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) لتعيش التاريخ الرسالي في ~~حركته الروحية وفي نماذجه المميزة ، كما لو كنت في زمانه ، فتنطلق التجربة ~~الحية في رسالتك لتكون منطلقا للسمو والصفاء ، وانفتاحا على العبرة الواعية ~~التي تمنح الحاضر درسا متحركا في تجربته من خلال الماضي في عملية تواصل بين ~~الزمانين كمظهر للتواصل بين الرسالات ( @QUR@06 وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم ) التي يكتبون بها ، أو أقواسهم التي كانوا يقترعون بها بما جعلوه ~~عليها من PageV06P010 # علامات يعرفونها بها ( @QUR@03 أيهم يكفل مريم ) ويرعاها ويحفظها ويربيها ~~بعد أن فقدت أباها وأمها ، ( @QUR@05 وما كنت لديهم إذ يختصمون ) فقد كان ~~التنافس بينهم شديدا حتى بلغ حد الخصومة ، لأن الظاهر أن كفالة مريم كانت ~~تمثل لهم امتيازا يمنحهم الشرف ، وينفتح بهم على الخير ، وهكذا كانت ~~النتيجة خروج القرعة على اسم زكريا عليه السلام ، الذي أراد الله له أن يكون ~~الكفيل لمريم عليها السلام ، لأنه يمثل الإنسان النبي الصالح الذي يمكن أن ~~يحقق لها النمو الطبيعي والتربية الصالحة. # * * * ### ||| ** شرعية القرعة # وقد نستفيد من هذه الآية شرعية القرعة كحل للمنازعات التي قد تحدث بين ~~الناس إذا لم يكن هناك أساس معتبر للجد ، أو فرصة مناسبة للتفضيل في الواقع ~~، وأريد العدل في التحديد أو في القسمة بحسب حالة النزاع التي لم يتفق فيها ~~الأشخاص المعنيون على شيء معين بالتفاهم والتوافق ، كما في هذه القضية التي ~~وقعت موضعا للخصومة الشديدة ، فلم يجد القوم سبيلا للوفاق إلا الأخذ ~~بالقرعة التي ارتضوا بها باعتبار أنها الطريقة المعروفة لديهم في مثل هذه ~~الأمور. وهذا هو ما حدث ليونس عند ما اقترع الركاب في السفينة لتحديد الشخص ~~الذي يقدم للحوت الذي يهدد السفينة بالغرق إلا إذا قدم إليه أحدهم ليلتقمه ~~؛ وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@04 فساهم فكان من المدحضين ) [الصافات : ~~141]. وروي أن النبي محمد صلى الله ms1029 عليه وآله وسلم اقترع بين نسائه عند ما كان ~~يريد السفر لاختيار واحدة منهن لصحبته ، كما أنه أمر بها في بعض الموارد ، ~~وقد أقرها علماء الإمامية من ناحية المبدأ ، استنادا إلى ما ورد في الكتاب ~~والسنة ، وما أثر عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام في ذلك ، فقد ورد عن ~~محمد بن حكيم قال : سألت أبا الحسن موسى الكاظم عليه السلام عن شيء فقال : ~~«كل مجهول ففيه القرعة ، قلت له : إن القرعة تخطئ وتصيب ، فقال : كل ما حكم PageV06P011 # الله به فليس بمخطئ» (1)، وقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه ~~قال : ما تقارع قوم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق ، وقال : «وأي ~~قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله عز وجل ؟ أليس الله تبارك ~~وتعالى يقول : ( @QUR@04 فساهم فكان من المدحضين )» (2) [الصافات : 141] ، ~~وقد تعددت الروايات عن علي أنه استعملها في كثير من أقضيته. # أما أبو حنيفة وأصحابه ، فقد استبعدوا الأحاديث الواردة فيها ، واعتبروها ~~تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. # وقد أثير خلاف حول ما إذا كانت القرعة تحدد الواقع المجهول إذا اشتبه ~~أمره بين شيئين ، بحيث يختص موردها بما إذا كان الحق معينا في الواقع ~~واشتبه علينا ظاهرا لعارض ، أو يشمل ما كان مرددا بين شيئين أو أكثر ولم ~~يكن معينا في الواقع أيضا ويطلب فيه الشيئان ، ومن هذا القسم ما كان من ~~الأمور المشتركة بين ذوي حقوق ولم يتراضوا بسهم عينه بعضهم بغير معين. ~~والظاهر أن القرعة قاعدة عقلانية جرى عليها العقلاء في أمورهم العامة ~~والخاصة كوسيلة من وسائل حسم الأمور المتنازع فيها ، إذا لم يكن هناك وسيلة ~~خاصة معتبرة للوصول إلى نتيجة حاسمة ، وذلك من خلال ما ينطلقون به في تنظيم ~~أمورهم في النظام العام الذي يلتزمونه بشكل عام ، بحيث يلومون ويؤنبون ~~الخارج عن هذا النظام. وقد درج العقلاء على الرجوع إلى أمارات خاصة ووسائل ~~معينة لتحديد القضايا وحل المشكلات ، مما قرروه من وسائل الإثبات في القضاء ~~وغيره ، ولكنهم قد يواجهون في حياتهم بعض ms1030 المواقف التي لا يملكون فيها أية ~~وسيلة معينة للتعيين أو للتحديد ، فكانت القرعة حلا حيث لا حل ، من دون فرق ~~بين ما إذا كان هناك واقع يراد تعيينه ، أو كانت المسألة موضع إشكال أو PageV06P012 # تنازع للأخذ بخيار خاص ، لأن الأساس فيها هو أن لا تبقى القضية بعيدة عن ~~الحسم الذي يحل به النزاع ويرتفع به الإشكال. # وفي ضوء ذلك ، فإن القضية من القواعد العقلانية الإنسانية التي لا يختلف ~~فيها شعب عن شعب ، فهي من القضايا التي تدفع إليها الحاجات البشرية العامة ~~في حل المنازعات على قاعدة يرضى بها الجميع. # وربما كان أخذ الأنبياء والأئمة عليهم السلام بها منطلقا من صفتهم ~~العقلائية ، إما من باب الإمضاء للبناء العقلائي الذي يعني إقرار العقلاء ~~على ما يسيرون عليه في نظام حياتهم ، فيكون الحكم الشرعي إمضائيا ، وإما من ~~باب أن الشريعة لا تحتاج إلى التشريع في مثل القرعة لأن للعقلاء شريعة ~~منطلقة من فطرتهم الصافية بإلهام من الله ، فتكون القضية تماما كالقضايا ~~الأخرى في طريقة طعامهم وشرابهم ولباسهم وسكنهم التي لم يحدد الله للناس ~~فيها طريقة معينة ، بل ترك الأمر لهم في خط النظام العام من دون أن يصدر ~~فيه حكما شرعيا خاصا ، إذ لا مقتضى له بعد أن كان الواقع العقلاني واقعا ~~موافقا للمصالح العامة للناس. # * * * ### ||| ** القرعة : عبادة وابتهال # وقد جاءت الأحاديث عن أئمة أهل البيت لتجعل للقرعة معنى دينيا في أسلوب ~~دعائي ابتهالي ، يرجع فيه المقترعون إلى الله ، طالبين منه أن يلهمهم ~~الصواب ويخرج لهم الحق ، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في ~~الصحيح في رواية الفضيل بن يسار المروية في الكافي والتهذيب ، قال : سألت ~~أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ليس له ما للرجال ولا ما للنساء؟ قال : ~~يقرع الإمام أو المقرع يكتب على سهم (عبد الله) وعلى سهم (أمة الله)، ثم ~~يقول الإمام والمقرع : اللهم أنت الله لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك ما كانوا فيه يختلفون ، فبين لنا أمر هذا المولود ms1031 كيف ~~يورث ما PageV06P013 # فرضت له في الكتاب؟ ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة ، ثم يجال السهام على ~~ما خرج ، وورث عليه (1). # وهكذا تتحول القرعة في مضمونها الديني الجديد إلى عملية تتضمن معنى ~~العبادة والدعاء ، فهي في هذا الجو وسيلة من وسائل تفويض الأمر إلى الله ، ~~عند ما تتعقد الأمور وتدفع إلى الشلل والحيرة ، وتخرج بذلك عن دائرة ~~الأزلام المعروفة في الجاهلية التي كانوا يستقسمون بها ، وهذا ما يجعل ~~للطمأنينة النفسية في نتائجها أساسا في العقيدة التوحيدية التي تدعو الناس ~~إلى التفويض إلى الله والرضى به. ولهذا فإنها لا يمكن أن تقع على سبيل ~~التجربة التي لا تنطلق من الجدية في الوصول إلى الحل ؛ وهذا ما رواه في ~~التهذيب صحيحا عن جميل قال : قال الطيار لزرارة : ما تقول في المساهمة ~~«القرعة» أليس حقا؟ فقال زرارة : بل هي حق. فقال الطيار : أليس قد رووا أنه ~~يخرج سهم المحق؟ قال : بلى. قال : فتعال حتى أدعي أنا وأنت شيئا ثم نساهم ~~عليه وينظر هكذا هو ، فقال زرارة : إنما جاء الحديث بأنه ليس قوم فوضوا ~~أمرهم إلى الله ثم أقرعوا إلا خرج سهم المحق ، فأما على التجارب فلم يوضع ~~على التجارب ، فقال الطيار : أرأيت إن كان جميعا مدعيين ادعيا ما ليس لهما ~~من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة : إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح ، فإن ~~كان ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح (2). # وهذه الثقة بالنتائج ليست منطلقة من طبيعة العملية كلعبة خاصة يحاول ~~اللاعبون أن يجربوا فيها حظهم ، بل هي قضية إخلاص روحي في الرجوع إلى الله ~~، ليختار لهم ما فيه صلاحهم أو ما فيه تعيين الحق في الواقع ، مما يجعل ~~للمسألة بعدا إيمانيا في الروح ، لا مجرد بعد إلهي في الوسائل. # * * * PageV06P014 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) @QUR@07 ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) @QUR@023 قالت رب أنى يكون ~~لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك ms1032 الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون ) (47) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بكلمة منه ): بإرادة الله التكوينية المعبر عنها بالأمر ~~الإلهي في كلمة (كن)، لما لولادته من خصوصية عدم وجود المقتضى وهو الزوج ~~والاقتراب. # ( @QUR@01 المسيح ): عيسى عليه السلام قيل : سمي بذلك لأنه كان مسيحيا ~~باليمن والبركة ، أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب ، أو لأنه كان يمسح ذوي ~~العاهة فيبرءون ، إلى ما هناك من وجوه أخرى. والأقرب أن كلمة المسيح معربة ~~، وتعني المبارك أو الملك أو ما شبه ذلك ، قال تعالى : ( @QUR@05 وجعلني ~~مباركا أين ما كنت ) [مريم : 31] ومهما كان المعنى الأصلي في اللغة ، فإن الكلمة PageV06P015 # تحولت إلى علم على السيد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ، وغلبت عليه ~~بحيث لم يلتفت أحد إلى المناسبة بين المعنى اللغوي وبينه. # ( @QUR@01 وجيها ): ذا جاه وقدر وشرف ومنزلة في الدنيا من خلال واقعه ~~الرسالي ، وفي الآخرة جزاء لجهاده وعطائه. ويقال : له وجاهة عند الناس وجاه ~~، أي منزلة رفيعة. والوجيه الكريم على من يسأله فلا يرده لكرم وجهه عنده ، ~~خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد ، ويطلق الوجه على صدر الشيء وأوله ، أو ~~على الشيء الذي يتوجه إليه. # ( @QUR@01 المهد ): ما يهيأ للصبي من الفراش ، ويمهد لنومه. # ( @QUR@01 وكهلا ): الكهل : ما بين الشاب والشيخ ، والكهولة : ما بين ~~الشباب والشيخوخة ، وهو ما يكون الإنسان فيه تاما وقويا .. يقال : اكتهل ~~النبت إذا طال وقوي والمرأة كهلة. وقيل : الكهولة بلوغ أربع وثلاثين سنة ، ~~ومنه الكاهل ما فوق الظهر إلى ما يلي العنق. # * * * ### ||| ** وجود يمثل إرادة التكوين # ( @QUR@015 إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم ). # ... وتأتي البشارة المفاجأة من الله على لسان الملائكة بالإنسان الكلمة ، ~~ولكنها ليست كلمة من نوع الحروف التي تتألف منها الكلمات ، بل هي الوجود ~~المتفجر بالحياة ، النابض بالحركة ، الذي يمثل إرادة الله في التكوين ~~المعبر عنها لإيضاح الفكرة بالأمر الإلهي في كلمة «كن» ، وبذلك تتحول ~~الكلمة الإرادة إلى إنسان اسمه المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام . وإذا ~~كانت الوجودات كلها ms1033 خاضعة لإرادة التكوين ، فإن خصوصية الوجود هنا أنها لا ~~تخضع للأسباب الطبيعية في ولادة الأشياء ، بل PageV06P016 # هي مرتبطة بالإرادة بشكل مباشر أو غير مألوف ؛ لأمر الذي يجعل نسبته إلى ~~الكلمة أقرب من نسبة سائر الأشياء إليه. أما كلمة المسيح فالأقرب أنها ~~معربة ، وتعني المبارك أو الملك أو ما يقرب من ذلك ، وذلك ما ينقله ~~المفسرون ، وربما يوحي بذلك ما ورد في آية أخرى ، في ما حكاه الله عن قول ~~عيسى : ( @QUR@05 وجعلني مباركا أين ما كنت ) [مريم : 31] وقد نسب إلى أمه ~~للإيحاء بأنه بلا أب. # ويثير المفسرون في هذا المجال مشكلة الحديث عن الملائكة بصيغة الجمع ... ~~مع أن سورة مريم تتحدث عن ملك واحد وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@07 فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ) [مريم : 17] ، ولكن هذه الآية لا توحي ~~أنه كان وحده ، فربما كان هو الشخص الرئيس والآخرون معه كأتباع. وربما كانت ~~هناك وجوه أخرى تبرر ذلك مما لا نطيل الحديث فيه. # ويفيض الملائكة الحديث عن صفاته ، للإيحاء بأهمية هذا المولود وما يحققه ~~للحياة من خير وبركة ، وما يمنحه لأمه من شرف ورفعة : ( @QUR@03 وجيها في ~~الدنيا ) فستكون له الوجاهة في الدنيا من خلال موقعه الرسالي في ما يثيره ~~من قضايا ومواقف ، ومن خلال إيمان الناس بنبوته ورسالته ، وتبجيلهم ~~وتقديسهم له ، ( @QUR@01 والآخرة ) وسيحصل على الوجاهة في الآخرة في ما ~~يرفعه الله من درجات جزاء لجهاده وتضحياته وآلامه القاسية التي تحملها في ~~سبيل الله ( @QUR@02 ومن المقربين ) وسيكون من المقربين إلى الله ، انطلاقا ~~من قربه الروحي والفكري والعملي إلى الله في خشوع العبادة وخضوع العمل ... # وتتجسد المفاجأة أمامها وتأخذها الدهشة حتى لا تكاد تصدق ما تسمع من ~~الملائكة ، فهم يقولون لها : ( @QUR@04 ويكلم الناس في المهد ) ويحدثهم ~~ويحاورهم ، مما لم يألفه الناس في أولادهم ... ويسترسلون في الحديث ، كأنهم ~~لم يتحدثوا بشيء غريب يفرض التوقف على المتكلم والسامع من أجل الخروج من جو ~~الدهشة والغرابة : ( @QUR@01 وكهلا ) فإنه سيعيش إلى عمر الكهولة ، ( ~~@QUR@02 ومن الصالحين ) يعيش حياة متحركة مع الناس ، وسيبقى رمزا للصلاح في ~~خطواته وأعماله ms1034 كما يعيش الصالحون في الحياة. PageV06P017 # وتقف العذراء عليها السلام للتساؤل ، بعد أن عاشت غيبوبة روحية لذيذة ~~خاشعة مع هذه البشارة الكبيرة ومعناها. وكيف يكون لها ولد ؛ وهي بعد لما ~~تتزوج ولم يمسها بشر لتتحقق من خلال ذلك الوسيلة الطبيعية لولادة هذا ~~المولود العجيب؟ ( @QUR@09 قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ) في ~~مناجاة تشبه الاستغاثة وتتوسل في جلاء غموض هذا السر. ويأتيها الجواب من ~~الله : ( @QUR@05 كذلك الله يخلق ما يشاء ) فليست هناك حدود للوسائل التي ~~تحقق الوجود ، لأن مشيئته هي كل شيء في الخلق ، فإذا أراد الشيء وجد ، فليس ~~هناك إلا مشيئته فهي سر الوجود وسر الحياة ( @QUR@08 إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون ). وترجع إلى إيمانها في هدوء واستسلام ، ولكنها تظل في ~~جو الأسرار الذي يحيط بها من كل جانب ، فهي تؤمن أن القضية كل القضية هي ~~مشيئة الله ، ولكنها لم تعرف حتى الآن كيف تتحرك المشيئة في ولادة هذا ~~المولود العجيب. # * * * ### ||| ** إشكالات وملاحظات # وهنا ملاحظة ، وهي أن الآية تحدثت عن امتداد عمر عيسى عليه السلام إلى ~~مرحلة الكهولة ، ولكن الأناجيل تصرح أنه لم يعش في الأرض أكثر من ثلاث ~~وثلاثين سنة ، وقد حاول البعض أن يتحدث عن بلوغه السن المذكورة بعد نزوله ~~من السماء ، ويتحدث بعض آخر عن أن عيسى عليه السلام بلغ أربعا وستين سنة ~~خلافا للأناجيل. # وربما أول بعض المفسرين الآية بأن المراد بها هو أن عيسى عليه السلام يكلم ~~الناس في المهد بالطريقة التي يكلمهم فيها كهلا ، لأن قضية تكليمه للناس في ~~المهد وهي مرحلة السنة الثانية ليس أمرا عجيبا ، لأن أغلب الأطفال يتكلمون ~~بطريقة طفولية معينة ، ولكن العجيب أن يكلمهم كلاما تاما يعتني به العقلاء ~~من الناس كما يعتنون بكلام الكهل ، فهذا هو الخارق للعادة. PageV06P018 # وقد يلاحظ على ذلك بأن عيسى عليه السلام تكلم بكلام مفيد بالطريقة ~~العقلانية شكلا ومضمونا في أول ولادته ، وذلك هو قوله تعالى في سورة مريم : ~~( @QUR@033 فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا* يا ms1035 أخت ~~هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا* فأشارت إليه قالوا كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا ) [مريم : 27 29]. # وهناك ملاحظة أخرى ، وهي أنه قد يقال : إن الله عبر بكلمة «يخلق» هنا ، ~~بينما جاء التعبير في قصة زكريا بقوله : ( @QUR@05 كذلك الله يفعل ما يشاء ~~)، فما هو وجه الاختلاف؟ # وقد يجاب بأن حالة زكريا ليست حالة غير طبيعية في علاقة المسبب بالسبب ، ~~لأن الولادة على تقديرها تحصل بالطريقة الطبيعية للتناسل ، لكن هنا مانعا ~~يمنع من فعليتها وهو الشيخوخة والعقم ، أما حالة مريم فإنها تخالف طبيعة ~~القانون العام لولادة الإنسان لأنها بلا زوج ، مما يجعل القضية لديها قضية ~~«خلق» ، بينما هي في قضية زكريا قضية «فعل» من خلال رفع المانع ، ولكن في ~~هذه الملاحظة تأملا ، لأن مسألة الخلق صادقة على وجود الإنسان ، سواء كان ~~ذلك بالطريقة الطبيعية في القانون العام أو بالطريقة الخارقة للعادة ، فقد ~~عبر الله عن خلق آدم عليه السلام وعيسى عليه السلام كما عبر به عن خلق ~~الإنسان بالطريقة العادية ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@015 إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [آل عمران : 59]. # * * * PageV06P019 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@05 ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) @QUR@045 ورسولا ~~إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأكمه ): هو الذي ولد أعمى ، وقد يطلق على من فقد بصره. ~~والكمه : العمى. # ( @QUR@01 والأبرص ): من أصيب بمرض البرص ، وهو مرض يصيب الجلد. # * * * PageV06P020 ### ||| ** معجزات إلهية # ويستمر الحديث عن خصائص هذا الإنسان الكلمة : ( @QUR@03 ويعلمه الكتاب ~~والحكمة ) فإن الله سيعلمه الكتاب المتمثل بالوحي الذي ينزله على رسله في ~~ما يمثله من التقاء الرسل على صعيد واحد في قضايا الإيمان والعقيدة والحياة ~~... وربما كان يعني الكلمة المكتوبة في ما تمثله من وعي للكتابة والحكمة. ~~ويعلمه ms1036 الحكمة التي تصنع للشخصية قوة الميزان الصحيح الذي يزن به الفكرة ~~والكلمة والخطوة ، فلا يضع الفكرة إلا في الإطار المناسب ، ولا يحرك الكلمة ~~والخطوة إلا في الموقع الملائم ؛ فلا اهتزاز في الموقف ولا انحراف عن الخط. # وقد قيل : إن الحكمة هي المعرفة النافعة المتعلقة بالاعتقاد والعمل. وقيل ~~: إنها الفقه وعلم الحلال والحرام عن ابن عباس (1). والظاهر أنها تمثل ~~المصاديق أو الوسائل التي يملك الإنسان من خلالها القوة الذهنية واللباقة ~~العملية التي يستطيع من خلالها وضع الأشياء في مواضعها ، وتقدير الأمور ~~بمقاديرها. # ... وينتقل الحديث من التعميم إلى التخصيص .. ( @QUR@02 والتوراة ~~والإنجيل ) من خلال ما يخططان له من شريعة الله ، وما يرسمانه من حدود ~~لمفاهيم الحياة في تصوراتها وتطلعاتها وأهدافها ، مما يجعل من قضية العلم ~~لديه أمرا لا يرتبط بالترف الفكري الذي يعيش مع الإنسان في نطاق التجريد ، ~~بل يتصل بالحياة في شمولها وامتدادها وحركتها وعمقها في الفكر والأسلوب ~~والعمل ... فيجعل منها رسالة تنتظر في فاعليتها حركة الرسول وموقفه ؛ فيبدأ ~~بالحديث عن نفسه ليقدم رسوليته التي تبتعد به عن فكر البشر لتقترب به إلى ~~وحي الخالق ( @QUR@04 ورسولا إلى بني إسرائيل ). # وتنتقل العجائبية من ذات الإنسان في ولادته ، إلى طبيعة الممارسات في ~~حياته ، فقد أرسله الله إلى بني إسرائيل الذين تمردوا على الله ، وكذبوا رسله PageV06P021 # وقتلوهم وواجهوهم بمختلف التحديات الصعبة ، فلا بد من مواجهتهم بأسلوب ~~حاسم يقهر تمردهم ، ويفضح أساليبهم ويوقفهم عند حدهم ، تماما كما فعل موسى ~~عليه السلام مع السحرة فوقعوا له ساجدين. وأي أسلوب أعظم من المعجزة التي ~~تتحدى قدرات المجتمع في ثقافته وفعاليته : ( @QUR@019 أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله )؟! # ( @QUR@07 وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ) وكان الطب هو ~~الغالب عليهم في ما يقال وماذا يستطيع الطب أن يصنع للإنسان إلا أن يعالج ~~حركة الحياة لتتوازن ، ويخفف الآلام لتهدأ ، ويبلسم الجراح لتلتئم ... ~~ولكنه لن يستطيع أن يعطي الحياة للجماد ، أو يمنح البصر لمن يولد بلا بصر ~~وها هو ms1037 معنى الأكمه أو يشفي الأبرص بمجرد اللمس ، أو يعيد الحياة إلى ~~الموتى من جديد ... ولكن المسيح عليه السلام يستطيع ذلك بإذن الله الذي ~~أعطاه من قدرته التي تمثل الإذن التكويني في حركة القدرة بالأسلوب غير ~~المألوف ... ولا يقف عند ذلك ، بل يتقدم في المعجزة ليخبرهم عما يأكلون ~~ويدخرون في بيوتهم مما لا يحيط به الإنسان من وراء الغيب الذي يختفي خلف ~~الصدور والجدران ( @QUR@07 وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) ومن ~~المعروف لديهم أن عيسى عليه السلام لم يستند إلى أية ثقافة خاصة أو عامة في ~~ذلك ، أو في بعض ذلك ، لا سيما في الأمور التي لا تصل إليها القدرات ~~الإنسانية مهما ارتفعت ، ولذلك أكد لهم أن في هذه الظواهر الخارقة للعادة ~~آية لهم ( @QUR@08 إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) بالآيات التي تقدم ~~إليكم ، من أجل أن تركز لكم قناعاتكم على أساس البراهين الواضحة التي لا ~~يملك الإنسان معها إلا أن يرضخ للإيمان في كل مفاهيمه وحقائقه ومتطلباته ~~... وتلك هي قصة النبوات ، فهي تقود الإنسان نحو الإيمان بالمعجزة التي لا ~~تقبل الشك من قريب أو من بعيد. # * * * PageV06P022 # ولنا هنا ملاحظات : ### ||| ** رسول لبني إسرائيل أم للبشر؟ # هل كان عيسى عليه السلام رسولا لبني إسرائيل دون غيرهم؟ # ربما توحي فقرة : ( @QUR@04 ورسولا إلى بني إسرائيل ) بالخصوصية ، وربما ~~ينافي ذلك ما هو المشهور من أن عيسى عليه السلام من أنبياء أولي العزم الذين ~~يتميزون بأن رسالتهم تمثل دينا جديدا ينتهي إليه الدين الذي جاء قبله ، مما ~~يعني بالصفة العالمية لهم ، لأن الدين الجديد لا يأتي لجماعة خاصة من الناس. # وربما يجاب بأن هناك فرقا بين الرسول والنبي ، فإن «النبوة هي منصب البعث ~~والتبليغ ، والرسالة هي السفارة الخاصة التي تستتبع الحكم والقضاء بالحق ~~بين الناس ، إما بالبقاء والنعمة ، أو بالهلاك كما يفيده قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ) [يونس : 47]. ~~وبعبارة أخرى ، النبي هو الإنسان المبعوث لبيان الدين للناس ، والرسول هو ~~المبعوث لأداء بيان خاص يستتبع رده الهلاك وقبوله ms1038 البقاء والسعادة» (1). # وخلاصة الفكرة أن لعيسى عليه السلام صفتين ، النبوة العامة من حيث هو صاحب ~~دين ، والرسالة من حيث هو حاكم وقاض بين الناس. وربما كان المراد من كونه ~~رسولا إلى بني إسرائيل ، أنهم الجماعة الذين يواجههم بالرسالة في حركته ~~الأولى ، باعتبار أن لكل دين منطلقا من الموقع والأشخاص الذين تبدأ الرسالة ~~من ساحتهم ، وتتحرك في قضاياهم ، لترتكز على قاعدة متينة ثابتة يجمع فيها ~~النبي المؤمنين به ، ويلتقي بحوارييه ويثقف الدعاة إلى دينه والمجاهدين في ~~سبيله ، ليكون دوره فيهم دور التجربة الأولى التي يبدأ بها خط تجاربه ~~الأخرى في المستقبل. وفي ضوء ذلك لا يكون الحديث عن رسالته إلى بني إسرائيل PageV06P023 # حديثا عن الدائرة المحدودة التي يتحرك فيها عيسى عليه السلام في حركته ~~الدينية الرسالية ، بل يكون حديثا عن المنطلق الذي تبدأ به المهمة الرسالية ~~حركيتها في الحياة ، والله العالم. # * * * ### ||| ** هل صدرت المعجزة عن عيسى عليه السلام ؟ # هل قام عيسى عليه السلام بالمعجزات في حياته بطريقة فعلية ، أم أنه كان ~~يتحدث عن قدرته على ذلك في دائرة الشأنية من دون أن يمارس ذلك فعلا؟ # ذكر بعض المفسرين ومنهم صاحب المنار أن المسيح اكتفى بمجرد الادعاء بأنه ~~يفعل كذا وكذا بإذن الله ، ولكنه لم يفعل منها شيئا أبدا. # وربما كان الأساس في هذا الرأي ، هو استبعاد حدوث المعجزات في طبيعتها ~~العجائبية الخارقة للعادة ، مما يفرض على الباحث تأويلها بالطريقة التي ~~تتوافق مع القوانين الطبيعية بشكل وبآخر ، وهذا ما درجت عليه بعض المدارس ~~الإسلامية الفكرية أو التفسيرية التي حاولت أن تقدم المضمون القرآني أو ~~الديني بشكل عام بطريقة عقلية لا تتنافى مع التصور العام الذي ينفتح على ~~الأمور بطريقة الحسابات المادية. # ولكننا نلاحظ أن بعض هذه المعجزات ، كما في عصا موسى عليه السلام ، لا ~~مجال لتأويلها وتفسيرها طبيعيا. # ثم إن إطلاق السؤال عن السبب الذي يفرض مثل ذلك ، أيعني استبعادا لخرق ~~قوانين الطبيعة من قبل الأنبياء؟ ولكن المسألة تتصل بإذن الله وقدرته التي ~~تحول العصا ثعبانا والنار بردا وسلاما ، وتحيي الموتى وتبرئ ms1039 الأكمه والأبرص ~~، وتمنح الإنسان القدرة على اختراق حواجز الأسرار الذاتية الراقدة في عالم ~~الخفاء. # أليس الدين بذاته حالة غيبية تنطلق من الأسلوب غير العادي في إنزال الوحي ~~على النبي؟ PageV06P024 # وما المشكلة في أن يحرك الله قدرته ليهيئ السبل لرسله في الوقوف أمام ~~التحديات بقوة ، ليكونوا في الموقع الأعلى لا الأسفل ، من أجل أن تكون كلمة ~~الله العليا وكلمة الكافرين السفلى ، كما قال الله سبحانه لموسى عليه السلام ~~: ( @QUR@06 قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) [طه : 68] فكانت المعجزة خلقا ~~جديدا للأسباب الخفية في مواجهة الأسباب الأخرى الظاهرة. # إن الغيب من أمر الله كما هو الشهود من أمره ، والله يحرك غيبه في مواقع ~~إرادته كما يحرك الشهود ، لأنه يتساوى لديه عالم الغيب وعالم الحس ، ولهذا ~~فلا بد لنا من أن نتقبل المعجزة في عنوانها الغيبي الإلهي بإيمان وتسليم ، ~~كما نتقبل الأمور الطبيعية الأخرى. # وإذا كان الآخرون لا يقبلون التسليم بالأمور الغيبية في الدنيا من خلال ~~المعجزة التي يجريها الله على أيدي رسله ، أو الكرامة التي يكرم الله بها ~~أولياءه ؛ فيحاولون إنكارها لننطلق إلى إقناعهم بها بطريقة مادية ، فكيف ~~يمكن إقناعهم بالغيب في عالم الألوهية ، أو في عالم الآخرة؟! # هذا من الناحية العامة ، وفي الجانب الخاص فإن النص القرآني يؤكد حدوث ~~هذه الأمور من النبي عيسى عليه السلام وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@012 إذ ~~قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك )، إلى أن قال : ( ~~@QUR@020 وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني ) [المائدة : 110]. # والقضية كما أشرنا لا تمثل أي انحراف عن خط العقيدة التوحيدية التي تجعل ~~الله وحده مصدر كل خلق ، والفاعل لكل شيء ، لأن النبي لا يملك شيئا من كل ~~ما يصدر عنه من معاجز وكرامات بنفسه ، لأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا ~~بالله ، بل إن الله هو الفاعل لذلك كله ، الذي أجرى الأمور على يد نبيه أو ~~وليه من خلال المصلحة التي يحددها بحكمة ويؤكدها ms1040 بقدرته. # * * * PageV06P025 ### ||| ** الولاية التكوينية # ربما يتصور بعض العلماء أن هذه الآية تدل على أن الله جعل لأنبيائه ورسله ~~ولاية تكوينية ، يتصرفون من خلالها بالكون ، فيغيرون الأشياء وينقلونها من ~~حال إلى حال ، ويجمدون الأسباب ويصنعون أسبابا جديدة للأشياء بإذن الله من ~~خلال ما أعطاهم الله من السلطة على الكون في حركة التكوين ، كما أعطاهم ~~السلطة الشرعية في إدارة شؤون الناس وحكمهم وبث قوانين الشريعة بينهم ~~وهدايتهم إلى دينه. # وقد أخذت نظرية (الولاية التكوينية) بعدا عقائديا حاسما متنوعا في تضييق ~~المسألة لتبقى في دائرة المعجزة ، وفي توسيعها لتشمل كل الكون ، حتى أن ~~البعض يرى أن الله فوض للأنبياء وللأئمة عليهم السلام أمر التصرف في الكون ~~في حركته الخفية والظاهرة ، بحيث إنهم يملكون القدرة على تغيير ما يريدونه ~~في الكون وفي الإنسان ، من دون أية قدرة ذاتية مستقلة ، بل من خلال القدرة ~~التي مكنهم الله منها وأعطاهم إياها ؛ فهم القادرون بقدرة الله ، الأولياء ~~على الكون بولايته ، وهذا ما يبعد المسألة عن الشرك والغلو والانحراف عن خط ~~العقيدة المستقيم. # * * * ### ||| ** إمكان الولاية التكوينية وضرورتها # ونحن نريد أن نناقش المسألة من ناحيتين : الناحية الأولى ، وتنقسم إلى ~~نقطتين : # النقطة الأولى : جانب الإمكان ، ولا إشكال في إمكان هذا الجعل من ناحية ~~المبدأ ، لأن الله القادر على الوجود كله والكون كله ، يملك في مضمون ~~ألوهيته المطلقة أن يمكن بعض خلقه من بعض مواقع القدرة ووسائلها ، فهو PageV06P026 # الذي جعل لهم القدرة في دائرة إنسانيتهم في أوضاعهم الخاصة والعامة ، من ~~خلال ما أوكل الله إليهم من مهمات تتصل بالمسؤوليات الملقاة على عواتقهم ، ~~والحوافز المرتبطة بتطلعاتهم وحاجاتهم ، ولا بد من أن يكون له القدرة على ~~توسيع هذه الإمكانات لأكثر من مهمة جديدة في الكون. ويبقى الله مسيطرا ~~ومهيمنا على الأمر كله ، فله أن يبقيها لهم في مدى حكمته ، وله أن يسلبها ~~عنهم في مدى قدرته ، وليس في ذلك أية منافاة أو انحراف عن العقيدة ~~التوحيدية التي ترتكز على أن الخلق والأمر له في كل شيء ، فلا يملك أحد من ~~أي شيء إلا ما ms1041 ملكه الله ، لأن القضية قضية عطاء إلهي يتحرك في الدائرة ~~الخاصة التي يحددها الله لعباده من خلال إرادته المطلقة التي لا يعجزها شيء. # النقطة الثانية : جانب الحاجة أو الضرورة لذلك ، والسؤال : لماذا يجعل ~~الله لهم هذه الولاية التكوينية؟ هل هناك مهمة تتوقف على ذلك ، بحيث تكون ~~المسألة هي أن يملكوا القدرة الفعلية الشخصية بحيث يصدر الفعل منهم فلا ~~يتحقق الهدف إلا من خلال ذلك ، أم هي قضية تشريف إلهي لهم حيث يمنحهم هذا ~~الموقع الكبير الذي لا يملكه أحد في الوجود غيرهم؟ # هذه علامات استفهام تطوف في الذهن ، فلا نجد لها جوابا إيجابيا يؤكد ~~النظرية ، فنحن نعلم أن دور الأنبياء هو دور تبشير وإنذار وتبليغ ، وإذا ~~كان لهم دور تنفيذي فإنهم يتحركون فيه من خلال الوسائل العادية المطروحة ~~بين أيديهم في الحالات العادية. فإذا جاء التحدي الكبير الذي يحول الموقف ~~إلى خطر كبير على الرسالة والرسول ، بحيث كانت الوسائل العادية ذات مردود ~~سلبي على الموقف والموقع ، لأنها تجعل القضية في حالة الضعف الشديد ، فإن ~~المعجزة عندئذ تتحرك لتحفظ توازن الرسالة في موقع الرسول ، وتصدم واقع ~~الكافرين بالصدمة القوية القاهرة التي ترد كيدهم وتهدم كيانهم وتؤدي بهم ~~إلى الضعف والهزيمة ، كما في طوفان نوح عليه السلام ، ونار إبراهيم ~~عليه السلام ، وعصا موسى عليه السلام ، أو يده البيضاء وفلق البحر له ، ~~وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لدى عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وتنتهي المسألة عند هذا PageV06P027 # الحد ، فتكون بمثابة قضية في واقعة ، وتعود الرسالة إلى مجراها الطبيعي ، ~~ويعود الرسول إلى الوسائل العادية ، ويتحرك الصراع من جديد ليعيش النبي هنا ~~وهناك أكثر من مشكله وهم وبلاء ؛ فيتحمل الألم القاسي ، ويواجه التحديات ~~الصعبة كأي إنسان آخر من دون أن يبادر إلى أية وسيلة غير عادية للتخلص من ~~ذلك كله. # أما التشريف ، فإنه لا يتمثل في إعطاء القدرة من دون قضية ، أو توسيع ~~السلطة من دون مسئولية ، والله يشرف أنبياءه من خلال رفع درجتهم عنده من ~~خلال تقريبهم إليه ومحبته ms1042 لهم وعلو مقامهم في الآخرة ، أما الدنيا فلا قيمة ~~لها عنده ، ولذلك لم يجعلها أجرا لأوليائه بل أتاح الفرصة الكبرى فيها ~~لأعدائه. # إننا لا نجد أية ضرورة أو حاجة تفرض إعطاء الولاية التكوينية المطلقة لهم ~~إلا بالمقدار الذي تحتاجه الرسالة في أصعب أوقات التحدي مع احتمال أنها ~~ليست من قدرتهم ، ولكنها قدرة الله بصورة مباشرة. ثم ما معنى هذه الولاية ~~التي لا أثر لها في حياتهم من قريب أو من بعيد ، ولا دخل لها في حماية ~~رسالتهم ، فلم يستعملوها في إذهاب الخطر عنهم ، ولم يتحركوا بها في ~~الانتصار لرسالاتهم ، وذلك من خلال قراءة تاريخهم الصحيح كله؟ # * * * ### ||| ** أدلة الولاية التكوينية # الناحية الثانية ناحية الدليل على ثبوتها من خلال النص القرآني في نطاق ~~المعاجز الخارقة في حياة الأنبياء ، فنلتقي في البداية بالنبي نوح في قوله ~~تعالى : ( @QUR@029 * كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون ~~وازدجر* فدعا ربه أني مغلوب فانتصر* ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر* ~~وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) [القمر : 9 12] وهي ~~واضحة الدلالة على أن المسألة كانت دعاء نوح PageV06P028 # واستجابة ربه له بإغراق الكافرين بالطوفان ، من دون أن يكون لنوح أي دور ~~عملي فيه. # فإذا انتقلنا إلى إبراهيم عليه السلام فنجد قوله تعالى : ( @QUR@020 قالوا ~~حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين* قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم* وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ) [الأنبياء : 68 70] إنه ~~اللطف الإلهي بنبيه إذ أرادوا إحراقه ، فأنجاه الله من النار فحولها إلى ~~عنصر بارد. فإذا انتقلنا إلى الطلب الذي قدمه النبي إبراهيم عليه السلام إلى ~~ربه أن يريه كيف يحيي الموتى وذلك قوله تعالى : ( @QUR@039 وإذ قال إبراهيم ~~رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) [البقرة : 260]. فإننا نرى أن دور إبراهيم ~~في المسألة هو أن يأتي بالطيور ويذبحها ويقسمها إلى أجزاء ثم ms1043 يدعوهن ~~لتأتينه سعيا ، لنشاهد الصورة الواضحة في كيفية إحياء الله الموتى ، فإن ~~الله هو الذي أحياها بطريقة مباشرة ولم يكن لإبراهيم دور في ذلك. # ونصل إلى موسى عليه السلام الذي تمثلت المعجرة لديه أولا في مجلس فرعون ~~الذي قال كما جاء به قوله تعالى : ( @QUR@023 قال إن كنت جئت بآية فأت بها ~~إن كنت من الصادقين* فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين* ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين ) [الأعراف : 106 108] ثم في ذروة التحدي الذي واجهه في ~~صراعه مع السحرة ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@011 وأوحينا إلى موسى أن ألق ~~عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ) [الأعراف : 117]. ونحن لا نرى أي جهد لموسى ~~في الموضوع ، فإنه كان يعيش دور المنفعل الذي يحول الله يده السمراء إلى ~~بيضاء ، ويحول العصا التي يمسكها إلى ثعبان ، وكان خاضعا للخوف من تجربة ~~السحرة ، وللحيرة في ما يمكن أن يقوموا به ردا للتحدي ، لأنه كان ينتظر ~~تدخل الله غير العادي في المسألة ، وذلك هو قوله تعالى : « ( @QUR@029 ~~فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى * وألق ما في يمينك ~~تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) [طه : 67 69]. PageV06P029 # ثم نلتقي بالنبي سليمان عليه السلام الذي قال : ( @QUR@014 رب اغفر لي وهب ~~لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) [ص : 35] واستجاب الله ~~دعاءه : ( @QUR@023 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب* والشياطين ~~كل بناء وغواص* وآخرين مقرنين في الأصفاد* هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير ~~حساب ) [ص : 36 39]. فليس في القصة إلا دعاء واستجابة ربانية أعطته ما يريد ~~من دون أن يكون له أي دور عملي أو قدرة واقعية في تحقيق ذلك. # ونصل بعد هذه الجولة الطويلة إلى عيسى عليه السلام الذي قد يدعى ظهور ~~الآية في صدور المعجزة عنه من خلال جهده الذاتي الذي اكتسبه بإذن الله ، ~~وهذا هو ما جاء في الآية الكريمة : ( @QUR@027 أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه ms1044 والأبرص وأحي الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) فنلاحظ أنه ينسب ~~الخلق إلى نفسه ، كما يتحدث عن عملية إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ~~والإخبار بالغيب في أوضاع الناس الخاصة إلى جهده وفعله الشخصي ، ولكن بإذن الله. # وربما يجد القائلون بالولاية التكوينية الحجة الدامغة في هذه الآية ~~الكريمة ، ولكننا نستوحي من كلمة : ( @QUR@02 بإذن الله ) في هذه الآية ، ~~أو كلمة : ( @QUR@01 بإذني ) [المائدة : 110] أن دور عيسى كان دور الآلة ~~التي تتحرك لتصنع شيئا كهيئة الطير وتنفخ فيه ، فيبعث الله فيه الحياة. ~~وهكذا يضع يده على الأكمه والأبرص وعلى الميت ، فتحدث العافية في الأولين ، ~~وتنطلق الحياة في الثالث من خلال إرادة الله. # من هنا ، فإن كلمة ( @QUR@02 بإذن الله ) لا تعني معناها الحرفي اللغوي ، ~~بل تعني معنى القوة التي تنطلق لتحقق النتائج الحاسمة التي لا يملك عيسى ~~عليه السلام أية طاقة خاصة به فيها. # وهكذا نرى أنه لا دليل في كل هذه المواقع على الولاية التكوينية في PageV06P030 # النص القرآني ، بل ربما نجد الدليل على خلافها من خلال الآيات التي تدل ~~على أن النبي لا يملك شيئا من ذلك كله ، وأن مهمته الأولى والأخيرة هي ~~الرسالة في حركتها في الإبلاغ والتبشير والإنذار وهداية الناس إلى سبل ~~السلام في الطريق إلى الله ، بل إن القرآن يؤكد وجود عناصر الضعف البشري في ~~ذات الرسول ، ولكن في المستوى الذي لا ينافي العصمة ، فنقرأ في سورة ~~الإسراء قوله تعالى : ( @QUR@059 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت ~~من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) [الإسراء : 90 93]. فنحن نلاحظ أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحدث عن رفضه للمعجزات الاقتراحية التي يوجهها ~~الناس الكافرون للأنبياء كوسيلة للتحدي والتعجيز مما يرفضه الأنبياء ms1045 ، لأن ~~مهمة النبي ليست هي إشغال نفسه بتنفيذ هذه الطلبات التي لا معنى لها بعد ~~إقامة الحجة عليهم من قبله ، بل تحدث عن أن ذلك لا يدخل في مهمته الرسالية ~~، كما أنه لا يملك هذه القدرة باعتبار بشريته التي تختزن في داخلها الضعف ~~البشري. # وإذا كان بعض الناس يتحدثون عن أن القائلين بالولاية التكوينية يؤكدون أن ~~النبي لا يختزن في مضمون بشريته أية قدرة ذاتية ، بل إن الله هو الذي يمنحه ~~ذلك ، فإننا نجيب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان يتحدث عن الواقع ~~الفعلي الذي تمثله طاقته في دوره ، فإن الله أعطاه الطاقة المرتبطة بحركية ~~الرسالة في الناس ، ولم يعطه الطاقة حتى بإذنه لمثل هذه الطلبات الصعبة. # وقد نستوحي من هذه الآيات ومن غيرها أن المعجزة الوحيدة للنبي هي القرآن ~~الكريم ، فلم يقم النبي بمعجزة أخرى كانشقاق القمر ، بحيث لو كانت منه ~~لكانت أكثر استجابة للتحدي الذي واجهه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ~~المشركين ، كما أنها أكثر صعوبة من هذه الاقتراحات. وقد تحدث المشركون عن ~~هذه المسألة وهي عدم قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة ~~المماثلة لما قام به الأنبياء PageV06P031 # السابقون وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@020 وقالوا لو لا نزل عليه آية من ~~ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) [الأنعام : ~~37] وقوله تعالى : ( @QUR@016 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ~~ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) [الرعد : 7] فقد يظهر من هذه الآية ، أن ~~إنزال الآيات ليس أمرا ضروريا للنبوة إلا في حالات التحدي الكبير الذي يهدد ~~حركتها في ساحة الصراع والمواجهة ، ولذلك لم ينزل الله على النبي آية ، لأن ~~التحدي لم يصل إلى هذه المرتبة الحاسمة. وقوله تعالى : ( @QUR@021 وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة ~~فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [الإسراء : 59]. وظاهرها نفي ~~الإرسال بالآيات بالرغم من أنها كانت مطلبا ملحا للمشركين ، كما جاء ms1046 في آية ~~أخرى في قوله تعالى : ( @QUR@021 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) ~~[الأنعام : 109]. فإن المسألة لم تكن في مستوى الضرورة ، ولم تكن في واقع ~~الحاجة للمهمة الرسالية. # ونلتقي في آيات أخرى ببعض مظاهر الضعف البشري الفعلي للأنبياء ، وذلك كما ~~في قصة موسى الذي خرج من المدينة خائفا يترقب ، وكان يعيش الخوف من قتل ~~فرعون وقومه له : ( @QUR@06 ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ) [الشعراء : 14] ~~والخوف في ساحة التحدي مع السحرة : ( @QUR@012 فأوجس في نفسه خيفة موسى * ~~قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) [طه : 68] ونجد ذلك في قصة إبراهيم عند ما ~~دخل عليه الملائكة : ( @QUR@06 فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ) [الذاريات : ~~28]. ونلاحظ ذلك في خطاب الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كيف يقدم ~~نفسه للناس : ( @QUR@021 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) [الأنعام : 50] ، وقد ورد ~~هذا المضمون في سورة هود في آية : ( @QUR@022 ولا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم ~~الله خيرا ) [هود : 31] ، فإن هذه الآية ظاهرة في تأكيد بشرية الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وبأن كل ما لديه إنما هو من الله سبحانه وتعالى ، ~~يمنحه إياه PageV06P032 # بقدر حاجة الرسالة إليه في حركتها في الحياة. وثمة اشارة في الآية إلى أن ~~الغيب الذي قد يعلمه الله للنبي إنما ينزل عليه بطريق الوحي كما جاء ~~التصريح به في آية أخرى : ( @QUR@06 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) [آل ~~عمران : 44] وقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@028 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ~~إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) [الأعراف : 188] ، وهذه الآية تدل على ~~نفي الفعلية في وجود الطاقة التي تدفع عن الإنسان الشر وتجلب له الخير ، ~~بحيث ms1047 إنها تأتي تدريجا بمشيئة الله لا بنحو خلق الطاقة في الكيان النبوي ~~ليتحرك من خلالها إراديا ، ويؤكد ذلك أنه يتحدث عن الواقع الذي كان يصيبه ~~بالسوء بمختلف ألوانه ، أو يمنع منه الكثير من الخير. فكأنه يريد الإيحاء ~~بأن ذلك لا يتصل بدوره لأن دوره البشارة والإنذار لقوم يؤمنون مما لا يحتاج ~~فيه إلى علم الغيب إلا بما يرتبط بحركة الرسالة في تاريخ الرسالات في الأمم ~~السابقة. وهذا مما يوحيه الله إليه في القرآن الكريم من أنباء الغيب ، في ~~التاريخ الذي لا يعلمه هو ولا قومه. # وقد ورد في بعض الآيات الحديث عن أن الله يظهر رسله على الغيب ، وذلك هو ~~قوله تعالى : ( @QUR@033 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا* إلا من ارتضى ~~من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) [الجن : 26 28] ، فقد استند ~~إليها القائلون بأن الله قد أعطى رسوله وأولياءه العلم بالغيب إما بطريق ~~الفعلية الاستحضارية وإما بطريق القوة ، بمعنى أنه لو شاء أن يعلم لعلم. ~~وذكروا أن ظاهر الاستثناء في قوله تعالى : ( @QUR@05 إلا من ارتضى من رسول ~~) هو الإطلاق الذي لم يتقيد بشيء مما يوحي بأن المسألة تشمل كل شيء يريد ~~الرسول أن يعلمه من الغيب ، ويفسرون ما حكي من كلامه تعالى من أن إنكارهم ~~العلم بالغيب أريد به نفي الأصالة والاستقلال دون ما كان يوحى. ولكننا ~~نحتمل أن يكون قوله تعالى : ( @QUR@08 فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ~~) إشارة إلى الغيب الذي يظهر عليه من ارتضى من رسله ، وهو الجو الملائكي ~~الذي يحميه من الشياطين ، PageV06P033 # فيطردهم عنه ويعصمه من وساوسهم وتخاليطهم ، حتى يبلغ ما أوحي به إليه ؛ ~~فليست الآية في مقام الحديث عن علم الرسول للغيب بل عن حمايته بطريق الغيب ~~، فكأنه بداية كلام جديد في الحديث عن مهمة الرسل في إبلاغهم رسالات ربهم ~~واطلاعه عليهم وحمايته لهم ، وذلك على أسلوب الاستثناء المنقطع ، لأن مثل ~~هذا الاستثناء على حسب ما ms1048 يرى هؤلاء يتنافى مع الأسلوب القرآني الذي يؤكد ~~نفي علم الأنبياء بالغيب ، الذي لم يكن واردا على سبيل نفي الاستقلال كما ~~ذكر بل على نفي الفعلية بحسب الواقع الفعلي الذي يعيشه في حياته وفي مهمته ~~الرسالية. # وخلاصة الفكرة أن هناك فرقا بين علم الغيب كملكة تدخل في نطاق التكوين ~~الذاتي للنبي في خصوصية نبوته وهذا ما ينفيه الظاهر القرآني ، سواء ذاك ~~المتصل بأخبار الماضين ، والذي يمكن إدراجه تحت عنوان علم الغيب ، حيث ثمة ~~إشارة واضحة في القرآن الكريم أن أنباءه هي من وحي الله تعالى ، أو ذاك ~~المتصل ببعض موارد الحاجة إليه في موارد معينة ، فيلهمه الله تعالى إياه ~~إلهاما ، فهذا ما لا ينفيه النص القرآني ، بل قد تؤكده بعض الآيات. وقد ~~وردت أحاديث متنوعة في علم الأنبياء والأئمة بالغيب ، وهي موضع جدل علمي ، ~~وربما نتعرض لها في ما يأتي في حديث الغيب في آيات القرآن. # ومن خلال هذا الحديث الطويل نستطيع أن نخرج بالفكرة التي تنفي الولاية ~~التكوينية بمعناها التكويني الذي منحه الله للأنبياء وللأئمة ، لأن الدليل ~~لم يدل عليه حسب فهمنا القاصر ولكن يبقى في المسألة أن الله يمنح الأنبياء ~~الفرصة التي يواجهون فيها تحديات الكفر بالمعجزات عند الحاجة إليها ؛ والله ~~العالم. # * * * PageV06P034 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) @QUR@08 إن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) (51) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ومصدقا ): قال في مجمع البيان : «الفرق بين التصديق والتقليد ~~أن التصديق لا يكون إلا في ما تبرهن عند صاحبه ، والتقليد قد يكون في ما لا ~~يتبرهن ، ولهذا لا نكون مقلدين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كنا مصدقين ~~له» (1). # ( @QUR@01 ولأحل ): التحليل : هو الإطلاق للفعل بتحسينه. # ( @QUR@01 حرم ): التحريم : هو حظر الفعل بتقبيحه. PageV06P035 # ( @QUR@01 مستقيم ): الاستقامة : الاعتدال وهي خلاف الاعوجاج. # * * * ### ||| ** حلقة في سلسلة مباركة # ... ويتابع عيسى حديثه في التدليل على طبيعة مهمته ورسالته ، فيعتبرها ~~كما هي عند الله حلقة في السلسلة المباركة النبوية. # ( @QUR@06 ومصدقا لما بين يدي من ms1049 التوراة ) فإن النبوة الجديدة لا تلغي ~~النبوة القديمة ، لأن النبوات ليست منطلقة من شخص النبي في ذاتياته الفكرية ~~، بل من وحي الله الذي يشرع للحياة كلها وللإنسان كله ، في الخط العام الذي ~~تتكامل فيه الرسالات وتتوزع فيه الأدوار ، إلا ما يختص بمرحلة النبي في ~~الزمن الذي يعيش فيه الناس الذين أرسل إليهم والأوضاع التي قد يعرض عليها ~~التغيير ؛ وهكذا كان كل نبي مصدقا لمن قبله في رسالته وفي الكتاب الذي أنزل ~~عليه ، ومنهم النبي عيسى عليه السلام . # ... فهو أحد الأنبياء الذين اختصهم الله برسالاته ، فقد جاء بعد موسى ~~عليه السلام وأقر الكتاب الذي أنزل عليه من التوراة وصدق به ، لأن أحكامه لم ~~تنسخ في الأغلب ولأن مفاهيمه لم يتجاوزها الزمن فلا تحتاج إلى تجديد ... ~~وفي ضوء ذلك ، فإن موقفه الرسالي لا يمثل تحديا للمفاهيم والأحكام التي ~~يؤمن بها هؤلاء الذين بعث إليهم من بني إسرائيل ، لأنه تركها على حالها ، ~~ما عدا بعض الأحكام التي حرمت عليهم كنتيجة لتمردهم ، فأراد الله أن يؤدبهم ~~بالتشريع الصعب الذي يثقل عليهم مسئولياتهم ، حتى إذا انطلق الزمن في مدار ~~جديد ، رفع الله عنهم ذلك كله ببركة هذا الرسول الجديد الذي جاء رحمة لهم ~~وبركة عليهم : ( @QUR@010 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ~~ربكم ). PageV06P036 # وهكذا كانت الرسالات السماوية تدفع الإنسان إلى السير مع خط الرسالة في ~~ما أوحاه الله لرسوله من كتاب ، وإلى السير مع الرسول في ما يلهمه الله من ~~شؤون الحركة الإسلامية في قضايا الناس اليومية في ما يأمرهم الرسول به أو ~~ينهاهم عنه ، مما يحدث لهم في كل أمورهم ... # ويتصاعد الأسلوب ليضع قضية الإيمان بالله وعبادته في نطاقها الطبيعي ، ~~فهي ليست مجرد فكرة طارئة ، تأخذ جانبا من جوانب الفكر كأية فكرة أخرى ، بل ~~هي خط للحياة يفرض نفسه على الفكر والممارسة والشعور. # ( @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) وهكذا دعاهم إلى تقوى الله في الوقوف ~~عند حدوده من خلال ما أوجبه وما حرمه عليهم ، وإلى طاعته في ما يريد أن ~~ينظم لهم من حياتهم ms1050 في مسارها الجديد الذي يخلق لنا أوضاعا جديدة في حركة ~~الإيمان نحو أهدافه الكبيرة في الحياة. فإن التقوى والطاعة لله مظهر ~~الاعتراف بالربوبية الشاملة في تأكيدها المضموني الإيحائي على العبودية ~~الخالصة في خضوع الإنسان لربه ، وهما الخطان اللذان يتحرك فيهما المبدأ ~~العام في امتداده الحركي ، كما تنطلق فيهما المفردات التفصيلية التي ترتبط ~~بالعقيدة كلها في مضمونها العملي : ( @QUR@08 إن الله ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم ). # فإن الإيمان بربوبية الله للنبي وللناس الآخرين يمثل بداية للتصور ~~والحركة من خلال ما يعنيه الإيمان من حركة الحياة على الصراط المستقيم ، ~~لذلك فإن الدعوة إليه هي دعوة للاستقامة على المنهج الإيماني الحق في بداية ~~المرحلة ونهايتها. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # وهذا ما يجب أن نستوحيه في المنهج التربوي الذي يطرحه العاملون في سبيل ~~الله ، من أجل بناء الشخصية الإسلامية والقاعدة الإسلامية الواسعة الممتدة PageV06P037 # في الحياة ؛ فإن عليهم أن لا يقعوا في الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون ، ~~الذين لا يرون في الإيمان إلا حالة خاصة من حالات النفس الإنسانية التي لا ~~يستوقفها ذلك كثيرا ... فلا قيمة كبيرة له خارج هذا النطاق ، بل هو الحياة ~~كلها في حالاتها المتنوعة وفي مواقفها المختلفة ، فإن القضية بين خيارين ~~وبدايتين ؛ فإذا كانت البداية هي الاعتراف بربوبية الله الواحد ، فإن حركة ~~الحياة تتجه إلى الآخرة عبر الحياة الدنيا ، في خط مستقيم تحكمه القيم ~~الروحية ، وتنطلق في تصور متوازن لا تتعدد فيه العبادة تبعا لتعدد الآلهة ، ~~بل يتوحد فيه الإله وتتحد فيه العبادة. وإذا كانت البداية هي إنكار الإله ~~في وجوده وفي وحدانيته ، فإن حركة الحياة تتثاقل إلى الأرض لتشدها الأرض ~~إلى شهواتها وغرائزها وأطماعها ، وتدخل بها في منعطفاتها الضاربة في خطوط ~~التيه ، وتتنوع فيها العبادة ليعيش الإنسان فيها عبوديته لكل شيء من حوله ، ~~ويفقد بذلك حريته في الموقف وفي الإرادة والحياة. # * * * PageV06P038 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) @QUR@09 ربنا ~~آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ms1051 (53) @QUR@06 ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين (54) @QUR@031 إذ قال الله يا عيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أحس ): الإحساس : الإدراك بالحاسة. وقوله تعالى ( @QUR@05 ~~فلما أحس عيسى منهم الكفر ) إشارة إلى ظهور الكفر منهم ظهورا بينا إلى درجة ~~الإحساس به من الآخرين ، رغم كونه أمرا قلبيا. PageV06P039 # ( @QUR@01 أنصاري ): الأنصار : جمع نصير. # ( @QUR@01 الحواريون ): أصل الحواري : الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه ~~الحواري من الطعام لشدة بياضه ، ومنه قيل للحضريات : الحواريات لخلوص ~~ألوانهن ونظافتهن. وحواري الرجل صفوته وخالصته. وقد جاء في إنجيل متى ولوقا ~~الباب السادس ذكر تعدادهم : 1 بطرس ، 2 أندرياس ، 3 يعقوب ، 4 يوحنا ، 5 ~~فيلوبس ، 6 برتولولما ، 7 متى ، 9 يعقوب بن حلف ، 10 شمعون الغيور ، 11 ~~يهوذا أخو يعقوب ، 12 يهوذا الأسخريوطي الذي خان السيد المسيح. # وقد جاء في مجمع البيان : «روي أنهم اتبعوا عيسى ، وكانوا إذا جاعوا ~~قالوا : يا روح الله جعنا. فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا ، فيخرج ~~لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما ؛ وإذا عطشوا قالوا : يا روح الله عطشنا ، ~~فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا ، فيخرج ماء فيشربون. قالوا : يا ~~روح الله من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا ، وإذا شئنا سقيتنا ، وقد آمنا بك ~~واتبعنا؟ قال : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه ، فصاروا يغسلون ~~الثياب بالكراء». (1) وهكذا أعطاهم درسا اجتماعيا دينيا أن القيمة هي ~~للإنسان الذي يعطي الحياة من جهة ، في مقابل ما يأخذ منها. # ( @QUR@01 الشاهدين ): جمع الشاهد ، وهو المخبر بالشيء عن مشاهدة ، وهذا ~~هو المعنى الحقيقي ، وقد يتصرف فيه فيقال : قولهم شاهد بحق ، أي : هو ~~بمنزلة المخبر به عن مشاهدة. ويقال : هذا شاهد ، أي : معد للشهادة. # ( @QUR@01 الماكرين ): المدبرين للإيقاع بالآخرين في خفية ، والله خير ~~المدبرين لأنه الذي يملك زمام الحياة والإنسان. والمكر كما يقول الراغب ~~«صرف الغير عما يقصده بحيلة» ، وذلك ضربان : مكر محمود ، وذلك أن يتحرى ~~بذلك فعل ms1052 جميل ، وعلى ذلك قال : ( @QUR@03 والله خير الماكرين )، ومذموم ~~وهو أن يتحرى به PageV06P040 # فعل قبيح» (1)، وفي الآية النوعان من المكر ، والمكر : الالتفاف ، ومنه ~~: قولهم لضرب من الشجر مكر لالتفافه. والفرق بين المكر والحيلة كما في مجمع ~~البيان «أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار ~~بالعبد ، والمكر حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق (2)» (3). # ( @QUR@01 متوفيك ): آخذك بصورة تامة ووافية من عالم الأرض ، والتوفي : ~~أخذ الشيء أخذا تاما ، ويستعمل في الموت باعتبار الأخذ من عالم الحياة ، ~~وفي النوم باعتبار الأخذ من عالم اليقظة ، وفي رفع المسيح عليه السلام إلى ~~السماء باعتبار الأخذ من عالم الأرض. ولهذا فإن التوفي أعم من الموت. قال ~~تعالى : ( @QUR@03 حتى يتوفاهن الموت ) [النساء : 15]. # * * * ### ||| ** أسلوب نابض بالمحبة # ... واستمر عيسى عليه السلام في دعوته إلى الله بأسلوبه الوديع النابض ~~بالمحبة ، من أجل أن يقودهم في رحلة الإيمان إلى الله في العقيدة والشريعة ~~، ليعيشوا قصة الإيمان فكرة وشعورا وممارسة ... ولكنهم أغلقوا آذانهم عن ~~الاستماع إليه ، وأغمضوا أعينهم عن النظر إلى عجائب معجزات الله على يديه ، ~~وعطلوا عقولهم عن التفكير في ما يدعوهم إليه من خير الدنيا والآخرة ، لأن ~~القضية الأساس عندهم هي أنهم يرفضون الإيمان ، كموقف سلبي ضد الرسول ، عبر ~~قرار للكفر بالرسالة. # ( @QUR@05 فلما أحس عيسى منهم الكفر ) وذلك من خلال طريقتهم في التعامل PageV06P041 # معه ، في محاولة الضغط عليه بمختلف الوسائل التي يملكونها ، ورفضهم ~~الاستجابة له وإعراضهم عن الانفتاح على دعوة الإيمان في دعوته ، فلم يدخلوا ~~في حوار معه ولم ينفتحوا على آفاق رسالته ؛ بل أصموا أسماعهم عن كل نداء ~~للداعية ، فما كان منه إلا أن أخذ زمام المبادرة في تحويل الموقف إلى خط ~~جديد للحركة الفاعلة من موقع التحدي الذي يعلن عن نفسه في ابتداء المسيرة ~~نحو الله. # * * * ### ||| ** طريق طويلة شاقة # ودرس عيسى عليه السلام الموقف ، وأدرك طبيعته من خلال نوعية القرار ، وعرف ~~أن القضية ميؤوس منها ، ما عدا الطليعة المؤمنة الواعية من حوارييه الذين ~~استجابوا لدعوته وأقبلوا على ندائه ؛ فأطلق الدعوة في شكل ms1053 نداء يوجهه إلى ~~الجميع ، وهو يعرف من الذي يستجيب له ، ليتميز المؤمنون من الكافرين ، ~~ولتتم عملية الفرز على أساس طبيعة الموقف : ( @QUR@05 قال من أنصاري إلى ~~الله ). إن الرحلة طويلة معقدة شاقة ، ولا بد للسائرين فيها من طاقة ~~إيمانية عظيمة ، تثبت أمام الشدائد والأهوال ، وتصمد أمام التحديات ، ~~وتواجه العقبات بعزم وصبر وإيمان ... لأن المعركة قد تسلب من الإنسان أمنه ~~وثروته وراحته ، وربما تسلب منه حياته في بداية الشوط أو نهايته ، والمطلوب ~~أن لا تسلبه إيمانه حتى يواجه به العقبات بعزم وصبر. # وكان الفرز الإيماني جاهزا في الساحة ، فها هم الحواريون الذين فتحوا ~~قلوبهم للرسول ، وعاشوا حركة رسالته في روحانية وفكر ومعاناة ، وأدركوا ما ~~ينتظرهم من نعيم الآخرة ورضوان الله أمام ما ينتظرهم من عقبات وشدائد ~~وأهوال ... استجابوا في كلمات حاسمة تهز الساحة بالعزم والتصميم والإرادة : PageV06P042 # ( @QUR@05 قال الحواريون نحن أنصار الله ) الذين يعرفون طبيعة التحدي ~~وخطورة الموقف ودرجة التضحية ، فهي بحاجة إلى العقل والحركة والوعي ~~والإرادة القوية. # * * * ### ||| ** أنصار الله # .... ويتابعون الحديث عن منطلقات هذه النصرة ... فهم قد آمنوا بالله ... ~~( @QUR@02 آمنا بالله ) والإيمان يعني التسليم ، والتسليم يعني التصميم ~~والقناعة واليقين في الخط الذي يبدأ من الله وينتهي إليه ، لأن الإيمان هو ~~موقف للحياة يستوعب كل التفاصيل من خلال ما يواجهه الإنسان من أوضاع ، وما ~~يقوم به من أعمال ، وما يرتبط به من علاقات ، وما ينطلق فيه من تطلعات ~~للمستقبل ... ليكون الخط الفاصل بين الإيمان والكفر فاصلا على مستوى ~~الممارسة لا على مستوى النظرية والكلمة. وبهذه الروح ، وفي أجواء هذا ~~التصور ، كانوا يريدون التأكيد الحي لموقفهم الصلب بشهادة الرسول لهم ~~بإسلام الكلمة والقلب والعمل لله الواحد ، في ما يريد وما لا يريد : ( ~~@QUR@03 واشهد بأنا مسلمون ) وهذه الشهادة تعطي للموقف بعدا مهما على صعيد ~~حركة الإسلام في داخل النفس ، فإن الفكرة قد تضعف إذا بقيت مجرد فكر وشعور ~~، ولكنها تشتد كلما تحولت إلى معاناة في الروح وإعلان في حركة الإنسان في ~~الحياة ، لأن الموقف يتخذ لنفسه معنى المسؤولية المتحركة أمام الله والناس ~~، من خلال الإيحاء ms1054 بإلزامه بما التزم به. وربما كان هذا هو السر في أن ~~إعلان الشهادة من قبل المسلم يعتبر عنصرا أساسيا في إسلام المسلم ، فلا ~~يكتفي بما يربط قلبه عليه من عقيدة وإيمان ... # ولم يقف الحواريون عند هذا الحد في التعبير عن إسلامهم وإيمانهم ، فهم ~~يعرفون أن الرسول بشر يوحى إليه من الله ، وأن الله هو الذي تقدم إليه ~~الشهادة للتعبير عن عمق الإخلاص في العقيدة والعبادة ، وأن الشهادة للرسول لا PageV06P043 # تمثل إلا الإعلان له بأنه ليس وحده في الساحة ، وليس وحده في المعركة ، ~~وأن صوته لم يذهب في الفراغ ، كما تذهب الأصوات الضائعة في أجواء الجحود ~~والكفران ... فهناك المؤمنون الذين يتقدمون معه في خط الجهاد والدعوة إلى ~~الله ، وهناك أصواتهم الهادرة التي تشهد الرسول بإسلامها ، ليسمع الجاحدون ~~كيف تحول الإيمان إلى قوة لا تخاف من الإعلان عن مواقفها المضادة لقوة ~~الكفر. إنهم يشهدون الرسول ، ولكنهم في نهاية المطاف يقفون بين يدي الله ~~الواحد الذي آمنوا به ، وآمنوا برسوله من خلال الإيمان به ، وأسلموا له على ~~أساس خط الإيمان الفاعل في الحياة ، ليعبروا له عن هذا الإيمان العميق ~~الممتد في وجدانهم وفكرهم ، وعن خطواتهم العملية التي تحرك الإيمان من ~~خلالها إلى حركة واعية تتمثل في اتباع الرسول ... وليستلهموا منه القوة على ~~مواجهة التحديات لئلا يضعفوا أمام نقاط الضعف التي تواجههم في الداخل ~~والخارج ؛ فإن الشعور بحضور الله في حياة الإيمان ، من خلال المناجاة ~~الذاتية التي يقدمها المؤمن لله ، يمنح المؤمن شعورا بالرضى والطمأنينة ~~والقوة الواثقة بربها وبنفسها ... في الصعب من مواقف الحياة. # وهكذا وقفوا أمام ربهم ، ولكن لا ليشهدوه على إيمانهم لأن الله يعلم ما ~~في الصدور ، بل ليرفعهم إلى مستوى الدعاة إليه ، المجاهدين في سبيله الذين ~~يشهدون على الناس في خط الرسالات الكبيرة في الحياة. فإن الله قد جعل ~~للطليعة الواعية المجاهدة دور الشاهدة على الناس كما جعل للرسل الدور الأول ~~في هذا المجال ... ( @QUR@09 ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا ~~مع الشاهدين ) الذين يشهدون للمؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول دعوته ms1055 ، ~~وحملوا على الكافرين الذين رفضوا الإيمان فكرا وحركة ومنهجا ، فانفتحوا على ~~كل المشاكل المتناثرة في صعيد الساحة العامة ، بحيث إنهم يملكون القدرة على ~~تقديم تقرير واف شامل لكل مفردات الرسالة وخصومها. # * * * PageV06P044 ### ||| ** بذور رسالية # واستجاب الله لهم ذلك الدعاء كما يوحي الجو الذي تتحرك فيه الآيات ، وخاض ~~الحواريون بقيادة عيسى عليه السلام المعركة مع الكافرين وعاشوا الاضطهاد. ~~وبدأ الكافرون يدبرون المكائد والحيل في عملية مكر خفي حاقد ليطفئوا نور ~~الله بمكرهم ، ولكن الله شاء غير ما يشاءون ودبر غير ما يدبرون ، فقد أراد ~~الله لرسالته أن تنطلق من مواقع اضطهاد الكافرين لرسله ، لأن الاضطهاد يعطي ~~للرسالة قوتها وثباتها وعمقها وامتدادها في مشاعر الناس وأفكارهم ... فهم ~~قد يستسلمون لسلطة الكافرين ، وقد يعاونونهم في اضطهاد الرسل وأتباعهم من ~~المؤمنين ، وقد يخضعون لما يقدم لهم من إغراءات السلطة فيعلنون الحرب على ~~الرسالة ... ولكنهم في الوقت نفسه يختزنون في منطقة إلا شعور عمق الاحترام ~~لهؤلاء الدعاة الذين يتمردون على العذاب ، ويسخرون من الاضطهاد ، وينتصرون ~~على كل نوازع الضعف في نفوسهم ، ويحولون الحزن والألم في داخلهم إلى فرح ~~كبير ... # ثم تبدأ البذور الرسالية تتناثر في أعماقهم من خلال كلمة يسمعونها هنا ، ~~ولفتة يشاهدونها هناك ، وموقف يواجهونه ويقفون فيه مع رسالاتهم ... وتنمو ~~البذور بعد ذلك لتتحول إلى عشب إيماني ، وخضرة روحية يانعة تهتز بها الروح ~~ويزهو بها الشعور. وتكون المفاجأة ، فهؤلاء الجلادون يتحولون إلى مؤمنين ~~خاشعين يطلبون من الله التوبة ومن الرسول وأتباعه العفو. وهؤلاء المتفرجون ~~الذين يصفقون للسلطة عند ما تضطهد الرساليين يتحولون إلى عاملين في ساحة ~~الإيمان ... ويتحول التصفيق في أكفهم إلى الجانب الآخر ، فيصفقون لمواقف ~~الجهاد في نهاية المطاف ... وهكذا كان تدبير الله لحركة الرسالات في تخطيط ~~بعيد المدى. وإذا دبر الله أمرا فإنه خير من يدبر ، لأنه هو الذي يملك زمام ~~لحياة والإنسان في كل مصادره وموارده ... ( @QUR@06 ومكروا ومكر الله والله ~~خير الماكرين ) وقد أشرنا في المفردات إلى أن المكر لا ينحصر في التحرك الخفي PageV06P045 # السيئ كما هو المعروف لدى الناس بل هو ms1056 الطريقة الخفية التي يراد منها ~~تعطيل مبادرات الآخرين عما يريدونه على مستوى الفكرة والواقع ، سواء كان ~~ذلك خيرا أو شرا ، وفي ضوء هذا جاء وصف المكر بالسيئ في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) [فاطر : 43]. مما يوحي بأن هناك ~~مكرا سيئا ومكرا حسنا ، ولهذا أمكن نسبة المكر إلى الناس الذين دبروا لعيسى ~~عليه السلام المكائد في خططهم الشيطانية التي حاولوا فيها إسقاط رسالته ~~وإبطال دعوته وإبعاده عن ساحة التغيير الرسالي للواقع وتهديد حياته بالقضاء ~~عليه وهذا هو المكر السيئ كما أمكن إسناد المكر الحسن إلى الله سبحانه ~~وتعالى الذي خطط ودبر لحفظ حياة نبيه وصون دعوته وإعداد الفرص الكفيلة ~~بإنجاح رسالته في مدى الامتداد الزمني. وإذا كان الله هو الذي يدبر بمكره ~~الحسن ، فهل يملك أحد أن يقف أمامه أو يأمن مكره؟ إنه الذي يملك الأمر كله ~~، ويحيط به من كل جهاته ، ويحركه من خلال حكمته ، بينما لا يملك الآخرون من ~~الكافرين إلا القليل القليل مما مكنهم الله به من القوة التي أراد لهم أن ~~يوجهوها في طريق الخير فوجهوها في طريق الشر. وهكذا نستوحي من هذه المقابلة ~~بين مكر الله ومكر الناس كيف يتحرك الصراع بين الحق والباطل ، والإيمان ~~والكفر ، والخير والشر ، لتكون النتيجة في نهاية المطاف للحق والإيمان ~~والخير ، لأنها إرادة الله التي لا بد من أن تصل إلى غاياتها ولو بعد حين. # * * * ### ||| ** ما معنى الوفاة في قصة عيسى عليه السلام ؟ # ... أما عيسى فإن الله أراد له أن لا يقع في قبضة الكافرين الذين جاؤوا ~~به ليصلبوه وليقتلوه. وتحركت الإرادة الإلهية الخفية ، في ما أعلنه الله ~~لعيسى عليه السلام : ( @QUR@07 إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ). PageV06P046 # وحار المفسرون في تحديد معنى هذه الكلمة ؛ فهل تعني الموت أم تعني بلوغ ~~الحد الذي حدده الله له في الأرض في ما توحيه كلمة «التوفية» من معنى بلوغ ~~الحد؟!. ويرى البعض أن إطلاق الوفاة على الموت كان على أساس هذه الملاحظة ، ~~باعتباره نهاية حد الحياة من دون أن يكون لموت ms1057 الحياة في الجسد مدخلية في ~~طبيعة المعنى ، فذهب البعض إلى أن الله قبضه إليه بضع ساعات ثم أحياه ، ~~وذهب آخرون إلى أن الله رفعه إليه من دون أن يقبض روحه ، لأنه سيعيش إلى ~~نهاية الحياة الدنيا. # وقد انطلقت الفكرة التي ترى في مادة الوفاة معنى لا ينطبق على الموت من ~~خلال القول : إن «التوفي أخذ الشيء أخذا تاما ، ولذا يستعمل في الموت لأن ~~الله يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه ، قال تعالى : ( @QUR@02 توفته ~~رسلنا ) [الأنعام : 61] أي أماتته ، وقال تعالى : ( @QUR@08 أإذا ضللنا في ~~الأرض أإنا لفي خلق جديد ) إلى أن قال : ( @QUR@07 قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم ) [السجدة : 11] ، وقال تعالى : ( @QUR@017 الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~) [الزمر : 42]. والتأمل في الآيتين الأخيرتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في ~~القرآن بمعنى الموت ، بل بعناية الأخذ والحفظ ؛ وبعبارة أخرى إنما استعمل ~~التوفي بما في حين الموت من الأخذ ، للدلالة على أن نفس الإنسان لا يبطل ~~ولا يفنى بالموت الذي يظن الجاهل أنه فناء وبطلان ، بل الله تعالى يحفظها ~~حتى يبعثها للرجوع إليه» (1). # ولكن الظاهر أن كلمة «الوفاة» استعملت في الأخذ الخاص وهو الموت ، وأما ~~في الآية الثانية فلمقابلة الكلمة بقوله : ( @QUR@03 والتي لم تمت ) مما ~~يوحي بأن المراد بالوفاة الموت ، ولكنه استعمل هذه الكلمة تفننا في التعبير ~~، كما في الآية الثانية ، وأما في الآية الأولى ، فلأن الإشارة في كلمة ( ~~@QUR@01 يتوفاكم ) إلى الوفاة الخاصة التي تنفصل فيها الروح عن الجسد الذي ~~هو المصداق الحقيقي PageV06P047 # للمعنى ، وهو «أخذ الشيء أخذا تاما». أما ملاحظة أنه استعمل كلمة ~~«التوفي» للدلالة على أن نفس الإنسان لا تبطل ولا تفنى بالموت فلا قرينة ~~عليه من اللفظ ، بل الظاهر من الحديث عن وفاة النفس ووفاة الأشخاص هو ~~التأكيد على المعنى الطبيعي للموت الذي يسند إلى النفس أو الإنسان من خلال ~~دلالتهما على الذات ، وليس هناك أية إشارة إلى مسألة فناء النفس وعدم ~~فنائها ، من حيث هي موضع الجدل بين ms1058 المثبتين والمنكرين. # ... وقد جاء التعبير عن النوم بكلمة «التوفي» كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) [الأنعام : 60] ~~وهذا ما اعتبره البعض بأن الكلمة استعملت في معناها المطابقي وهو الأخذ ، ~~لا في معناها المتعارف وهو الموت ؛ لكن يمكن أن يرد هذا بأن «التوفي» ~~استعمل في الموت بطريقة المجاز بمعنى تنزيل النوم منزلة الموت بلحاظ أنه ~~موت مؤقت ، وأن النائم كما يقول البعض ميت يتنفس ، وربما كان هذا ظاهرا من ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل ~~مسمى ) فكأن النفس تموت في النوم موتا مؤقتا قد يمتد في الزمن وقد يتحول ~~إلى حياة ، ولعل الكلمة النبوية الشريفة المشهورة توحي بذلك ، وهي «لتموتن ~~كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون» (1) والله العالم. # وقال بعض المتأخرين من المفسرين : إن الله أخفاه عن أعين الناس ، فعاش ~~عيشة طبيعية بعيدا عن أنظارهم حتى قبضه الله ورفعه إليه كما يرفع كل عباده ~~إليه بروحه. وهذا حديث لا نريد أن نفيض فيه كثيرا ، لأنه قد يدخل في باب ~~الرجم بالغيب في بعض تفاصيله ، وقد لا نصل فيه إلى نتيجة محددة حاسمة ، ولا ~~نجد فيه كبير فائدة في ما يتصل باستيحاء القرآن لحياتنا الفكرية والعملية ~~... فإننا نعلم أن الله سبحانه قادر على كل شيء في أصل الخلق وفي أشكاله ~~وأوضاعه وطريقة بقائه وفنائه ، فليس هناك حد لقدرته وإرادته ، فالله PageV06P048 # القادر على أن يرفع الإنسان بروحه قادر أن يرفعه بجسده ، والله الذي يريد ~~للإنسان أن ينهي حياته في الأرض بالموت هو الذي يريد له أن ينهيها بغير ~~ذلك. وهذا ما نريد أن نجمله من التفصيل الذي خاضه المفسرون في قوله تعالى : ~~( @QUR@06 ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ) فإن الفكرة كل الفكرة هي أن ~~الله قد دبر بحكمته وبخطته الخفية خلاص عيسى عليه السلام من اضطهاد اليهود ~~ومن محاولتهم قتله. أما ماذا فعل ، وما الخطة؟ فذلك مما اختص الله بعلمه ، ~~فلنرجع الأمر فيه لله ، في ما يريد أن يعرفنا إياه ، وما لا يريد أن ms1059 يعرفنا ~~سره ... # ولكن هنا ملاحظة تفسيرية ذكرها العلامة الطباطبائي (قدسسره) في تفسير ~~الميزان حول كلمة ( @QUR@02 ورافعك إلي ) حيث قال : «إن المراد بالرفع ~~الرفع المعنوي دون الرفع الصوري ، إذ لا مكان له تعالى من سنخ الأمكنة ~~الجسمانية التي تتعاورها الأجسام والجسمانيات بالحلول فيها ، والقرب والبعد ~~منها ، فهو من قبيل قوله تعالى في ذيل الآية : ( @QUR@03 ثم إلي مرجعكم )، ~~وخاصة لو كان المراد بالتوفي هو القبض لظهور أن المراد حينئذ هو رفع الدرجة ~~والقرب من الله سبحانه ، نظير ما ذكره تعالى في حق المقتولين في سبيله : ( ~~@QUR@03 أحياء عند ربهم ) [آل عمران : 169] وما ذكره في حق إدريس ~~عليه السلام : ( @QUR@03 ورفعناه مكانا عليا ) [مريم: 57]. # وربما يقال : إن المراد برفعه إليه رفعه بروحه وجسده حيا إلى السماء ، ~~على ما يشعر به ظاهر القرآن الشريف ، أن السماء أي : الجسمانية هي مقام ~~القرب من الله سبحانه» (1). # وإننا نرجح الوجه الثاني ، من خلال ظاهر الآية ، لأن التعبير بالرفع إليه ~~يوحي من الناحية التعبيرية بالجانب المكاني الذي يختص به ويمثل موقع العلو ~~لديه الذي يتناسب مع علو مقامه وسمو شأنه ، حتى أن كلمة : ( @QUR@03 أحياء ~~عند ربهم ) توحي بذلك من خلال الذهنية الإيمانية التي تختزن في داخلها معنى PageV06P049 # اعتبار السماء بمعناها المادي الذي يجعلهم يتطلعون إليها ، هي المنطقة ~~التي تمثل درجة العلو التي تنتسب إلى الله في مقابل الأرض التي هي دونها في ~~درجة القرب المكاني ، ولو أراد الرفع المعنوي لكان الأقرب التعبير بالرفع ~~بشكل مطلق ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات ) [المجادلة : 11] ، أو في قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 ورفعناه مكانا عليا ). # أما قوله تعالى : ( @QUR@04 ومطهرك من الذين كفروا ) فقد يعني إبعاده عن ~~مواقع القذارة النفسية والروحية والأخلاقية التي يمثلها المجتمع الكافر في ~~عاداته وتقاليده وقيمه المادية التي تلوث روح الإنسان وعقله وعمله ، وذلك ~~من خلال اللطف الإلهي الذي أغدقه الله عليه ، فجعله إنسانا طاهرا في ذاته ، ~~يعطي للآخرين طهارة الفكر والروح والقلب والشعور والحياة. # * * * ### ||| ** وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا # واختفى عيسى عليه السلام عن ms1060 الأنظار ولم تختف دعوته ، وغاب عن الساحة ولم ~~يغب أتباعه ، بل اندفعوا بكل صبر وإيمان ، يركزون الأساس ، ويرفعون البناء ~~ويصنعون للمستقبل فكره وروحيته ونظامه ... وكانت رعاية الله لهم في كل ~~خطواتهم العملية ، فبدأ الإيمان يتقدم ليتخذ مواقعه الثابتة في حياة الناس ~~، وبدأ الكفر ينحسر تدريجيا. # وكان وعد الله لعيسى حقا : ( @QUR@06 وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ~~) فها هم اليهود يقفون في الدرجة السفلى أمام أتباعه ، ولكن كيف ذلك؟ ومن ~~هم أتباعه؟ هذا ما خاض فيه المفسرون كثيرا ، وهذا ما يجب أن نتوقف أمامه ~~قليلا لنفهم معنى هذه الفقرة من الآية. فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد ~~بالذين اتبعوه ، هم أهل الحق من النصارى الذين ساروا على دعوته الحقيقية ، ~~ومن المسلمين الذين اتبعوه باتباعهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي ~~بشر به وبرسالته ، وأن PageV06P050 # معنى الفوقية هنا هو الفوقية في الحجة والبرهان ، لأن حجة عيسى ~~عليه السلام وأتباعه في نبوته وصحة دعوته ظاهرة بينة كلما تقدم الزمن وخفت ~~الضغوط ، بينما كانت حجة الكافرين الذين خالفوه وعاندوه غير مستندة إلى ~~أساس ، فهي لا تزداد على مرور الأيام إلا انحسارا وضعفا ... ولكن هذا الوجه ~~مما لا تساعد عليه الآية لا بلفظها ولا معناها كما يقول صاحب تفسير الميزان ~~«فإن ظاهر قوله : ( @QUR@011 إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ~~وجاعل الذين اتبعوك ) أنه إخبار عن المستقبل ، وأن التوفي والرفع والتطهير ~~والجعل سيتحقق في المستقبل ، على أن قوله : ( @QUR@03 وجاعل الذين اتبعوك ) ~~وعد حسن وبشرى ، وما هذا شأنه لا يكون إلا في ما سيأتي ، ومن المعلوم أن ~~ليست حجة متبعي عيسى عليه السلام إلا حجة عيسى عليه السلام نفسه ، وهي التي ~~ذكرها الله تعالى ضمن آيات البشارة ، أعني بشارة مريم ، وهذه الحجج قائمة ~~حين حضور عيسى قبل الرفع وبعد رفع عيسى ، بل كانت قبل رفعه عليه السلام أقطع ~~لعذر الكفار ومنبت خصومتهم ، وأوضح في رفع شبههم ، فما معنى وعده ~~عليه السلام أنه ستفوق حجة متبعيه على حجة مخالفيه؟ ثم ما معنى تقييد ms1061 هذه ~~الغلبة والتفوق بقوله : ( @QUR@03 إلى يوم القيامة )، مع أن الحجة في ~~غلبتها لا تقبل التقييد بوقت ولا يوم ...» (1). # ويرى صاحب الميزان ، أن المراد بالذين اتبعوه هم النصارى ، وبالذين كفروا ~~اليهود ، فإنه يكفي إطلاق هذه الصفة على المتأخرين منهم ، وإن خالفوه في ~~بعض تفاصيل رسالته. إنهم يعتبرون امتدادا للذين اتبعوه حقيقة في عصره وبعد ~~عصره ، في مقابل اليهود الذين كفروا به في حياته قبل رفعه وبعد رفعه على ~~امتداد الزمن. وبذلك تكون الآية في مقام «بيان نزول السخط الإلهي على ~~اليهود وحلول المكر بهم وتشديد العذاب على أمتهم ...» (2). PageV06P051 # «وهاهنا وجه آخر ، وهو ، أن يكون المراد بالذين اتبعوا هم النصارى ~~والمسلمون قاطبة ، وتكون الآية مخبرة عن كون اليهود تحت إذلال من يذعن لزوم ~~اتباع عيسى إلى يوم القيامة ... وهذا أحسن الوجوه في توجيه الآية عند ~~التدبر ...» (1) كما يقول صاحب الميزان. # وربما كان جو الآية يوحي بالوجهين الأخيرين ، انطلاقا من أن الآية واردة ~~في مقام إعطاء الفكرة ، بأن الذين يضطهدون الأنبياء وأتباعهم لا يحصلون على ~~الامتداد في الزمن في عملية ممارسة القوة والغلبة ، لأن رسالات الله سوف ~~تتقدم وتفرض نفسها على الساحة إن عاجلا أو آجلا على أساس سنة الله في خلقه ~~، من أن الحق لا بد من أن يفرض نفسه في نهاية المطاف ؛ والله العالم بحقائق ~~آياته ... # * * * ### ||| ** الله الحكم العدل # وتلك هي قصة الصراع بين الكفر والإيمان ، وبين الحق والعدل في حساب ~~الدنيا ؛ أما إذا رجع الناس إلى الله ووقفوا بين يديه ليحكم بينهم ، فهناك ~~الحكم العدل الذي يضع الحق في ميزانه الصحيح ، ويظهر الباطل في حجته ~~الضعيفة التي لا تثبت أمام النقد ، ( @QUR@09 ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون ) وهذه اللفتة القرآنية تنقل الناس من أجواء الحياة ~~الدنيا التي يتخبط فيها الناس في الضلال من خلال ما يخوضونه من صراع الحق ~~والباطل ، إلى أجواء الآخرة التي يسود فيها العدل في حسابات الصراع الفكري ~~والعملي ... فلا مجال إلا للحق الذي يقف فيه المحق رافع الرأس عاليا ، لأنه ~~لا يخاف من ms1062 الاضطهاد الذي يمارسه ضده أهل الباطل في خنق صوت الحق في الحياة ؛ PageV06P052 # ويقف فيه المبطل مهزوما ذليلا ، لأنه لا يملك في ذلك الموقف الوسائل ~~الكفيلة بإعطاء الباطل صورة الحق من خلال ما يحشده من الألوان المزيفة ~~والأساليب المضللة المستندة إلى القوة الغاشمة ... وربما كانت القيمة في ~~هذه اللفتة أنها توحي للمحق بالقوة في موقفه ، لأنها تبعد عنه كل المشاعر ~~السلبية التي قد يخضع لها الإنسان تحت ضغط الاضطهاد الذي قد يقوده إلى ~~اليأس ؛ كما توحي للمبطل بأنه مهما استطاع أن يصنع القوة المبطلة لمواقفه ~~فإنه لا يستطيع ذلك إلى نهاية الشوط ، فإن النهاية ستكون في موقف الجميع ~~عند الله ، ليكون هو الحكم في ما يختلفون فيه ، وهنالك يخسر المبطلون. # * * * PageV06P053 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما ~~لهم من ناصرين (56) @QUR@011 وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) @QUR@07 ذلك نتلوه عليك من الآيات ~~والذكر الحكيم ) (58) # * * * ### ||| ** جزاء الكافرين والمؤمنين # وتلك هي نهاية الصراع عند ما تبدأ عملية الجزاء عند الله. فأما الكافرون ~~الذين لا يستند كفرهم إلى أساس من علم أو واقع ، بل كل ما هناك العناد ~~والمكابرة والكبرياء ... أما هؤلاء فسيلاقون جزاءهم في الدنيا من خلال ما ~~يعذبهم الله به من صنوف البلاء الذي يتحول في كيانهم إلى عذاب نفسي وجسدي ~~مدمر ... وفي الآخرة من خلال ما يواجهونه من جحيم النار وبئس القرار ... ~~وسيتطلعون في هذا الموقف أو ذاك ، إلى من اعتادوا الاستغاثة بهم طلبا ~~للنصرة ، فلا يجدون أمامهم أحدا ، لأن الله سبحانه يملك الأمر كله ، فهو PageV06P054 # الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ... وأما المؤمنون الذين اعتبروا ~~الحياة موقف إيمان وعمل وكدح إلى الله ، فآمنوا به وعملوا لما عنده وكدحوا ~~في سبيله ؛ فاستحقوا الأجر منه على ذلك كله ، من خلال وعده لهم بالجزاء ~~الأوفى عنده ، والثواب العظيم لديه ، فقد جاء وقت الوفاء بعد انتهاء وقت ~~العمل ، والله عند وعده لعباده ، أما هؤلاء فيوفيهم أجورهم كاملة غير ~~منقوصة ، فإنه يحب المؤمنين العاملين ms1063 ، ولا يحب الظالمين الذين يظلمون ~~أنفسهم بالكفر والمعصية والانحراف عن خط الله المستقيم في العقيدة والعمل. # ( @QUR@03 فأما الذين كفروا ) الذين ابتعدوا عن الله ، وانحرفوا عن خط ~~الإيمان المستقيم بسبب الهوى الذي يزين لهم الضلال ويقودهم إلى مواقع ~~السقوط الفكري ، ( @QUR@05 فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا ) بما يلاقونه من ~~ألوان العذاب المتمثل بالبلاء الذي يعيبهم في أجسادهم وأهليهم وأموالهم ~~وعقولهم ومواقعهم ، ( @QUR@01 والآخرة ) بما يواجهونه من عذاب النار ، ( ~~@QUR@04 وما لهم من ناصرين ) ومن الذي ينصرهم من الله؟ # ( @QUR@05 وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) لأنهم انفتحوا على الله في ~~وحيه من خلال آياته ، واتبعوا رسله في خط الرسالات الذي يهدي إلى الصراط ~~المستقيم ويدلهم على الله ، ( @QUR@02 فيوفيهم أجورهم ) لأن الله لا يضيع ~~عمل عامل من ذكر أو أنثى ، ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفر يدخل ~~قلبه ، ( @QUR@04 والله لا يحب الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم وربهم بالكفر ~~والمعصية ، وظلموا الناس بالبغي والعدوان ، وهذا هو الخط الفاصل بين مواقع ~~الكفر والإيمان. # ( @QUR@01 ذلك ) إشارة إلى أخبار الأنبياء عيسى ويحيى وزكريا عليهم السلام ~~وغير ذلك من شؤون العقيدة ( @QUR@04 نتلوه عليك من الآيات ) التي توضح لك ~~كل الخطوط العامة والخاصة التي تتصل بحركة المسؤولية في حياة الناس ، ( ~~@QUR@02 والذكر الحكيم ) الذي ينزل عليك وحيا من الله ليوضح لك سبيل النجاة ~~في الدنيا والآخرة. # وفي هذه الجولة التي أراد الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يجولها ~~في تاريخ PageV06P055 # النبوات السابقة والأنبياء السابقين وأتباعهم ، يريد الله أن يظهر له ~~آياته التي تفتح له أبواب المعرفة فيها ، وأن يجولها في ذكره الحكيم الذي ~~يضع الأشياء في مواضعها من دون زيادة أو نقصان. # * * * PageV06P056 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون (59) @QUR@07 الحق من ربك فلا تكن من الممترين ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كمثل ): المثل : ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول. # ( @QUR@01 الممترين ): الشاكين المترددين. # * * * ### ||| ** موقف الناس من المألوف # إن الناس في أغلب أحوالهم يتعاملون مع المألوف في ما يقبلونه وما يرفضونه ~~، فيعتبرونه القاعدة ms1064 الأساس في إمكان الخلق واستحالته ، فيقبلون ما يتفق مع ~~قوانينه وسننه ، ويرفضون ما لا يتفق معها. وعلى هذا الأساس أنكر الكثيرون ~~المعاد ، لأنهم لم يألفوا أن يتحول التراب إلى عنصر حي ، وأن يعود PageV06P057 # الإنسان إلى الحياة بعد أن تحول إلى عظام نخرة. وذلك ما حكاه الله عنهم ~~في قوله تعالى : ( @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ) ~~[المؤمنون : 82] ( @QUR@02 أوآباؤنا الأولون ) [الصافات : 17]. ولكن القرآن ~~يريد أن يوجههم إلى ضرورة التعامل مع الأشياء من خلال القاعدة التي تحكمها ~~وترتكز عليها في ضوء المنهج العقلي الذي يوحد بين النظائر والأمثال في قضية ~~الإمكان إذا كان الأساس الذي ترجع إليه واحدا ... ففي قضية المعاد ، جاءت ~~الآية الكريمة التي تساوي بين الخلق والإعادة في قدرة الله ، وذلك قوله ~~تعالى : ( @QUR@056 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم* ~~قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم* الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون* أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم* إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون ) [يس : 78 82]. # * * * ### ||| ** عقلية إيمانية # ... وهكذا أراد الله للإنسان أن يخرج من جو الألفة إلى جو التفكير ، لأن ~~الإخلاد إلى المألوف يبعد الإنسان عن النفاذ إلى عمق الأشياء ، ويربطه ~~بالجانب السطحي منها ، لتنطلق الحياة في أفكاره من موقع الفكر والتأمل. ~~ولما كانت قضية خلق عيسى عليه السلام من القضايا التي أثارت كثيرا من الجدل ~~والدهشة ، بادر قوم إلى إنكار ولادته من دون أب ، فاتهموا مريم عليها السلام ~~بالسوء والفحشاء ؛ وحاول قوم أن يرفعوه إلى مرتبة الألوهية ، فجاءت الآية ~~لتقول لهؤلاء الذين استغربوا ذلك ، إن ارتباط تفكيركم بطريقة خلقكم من خلال ~~عملية التناسل الطبيعية ، أبعدكم كمؤمنين بالله عن خلق آدم الذي ترجعون ~~إليه في النسب ، فإنه انطلق بقدرة الله بشكل مباشر. فكيف تم خلقه ، وكيف ~~أمكن أن يتحقق بغير الطريقة الطبيعية؟ هل هناك شيء غير قدرة الخالق PageV06P058 # سبحانه؟ فإذا كانت القدرة هي ms1065 السبب في خلق إنسان بلا أب وأم ، فكيف ~~تستبعدون أن تتحرك القدرة في خلق إنسان بلا أب؟ فكلما كان الخلق الأول ~~ناشئا من إرادة الله التي تمثلها كلمة «كن» فكذلك خلق عيسى عليه السلام ، ~~حتى خلق الإنسان بالشكل الطبيعي ، فإذا ابتعدنا عن الألفة وتجردنا عن جوها ~~، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ، كيف تم ذلك؟ ومن الذي ربط بين السبب ~~والمسبب؟ وهل هناك إلا قدرة الله التي أعطت السبب قوة السببية في حركة ~~الوجود؟ # * * * ### ||| ** عيسى كآدم من خلال قدرة الله # وهذا ما جاءت به الآية الكريمة لتأكيده كحقيقة عقلية في الإمكان ، ~~إيمانية في الوقوع : ( @QUR@07 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) في التدليل ~~على قدرة الله التي لا يعجزها شيء ، مهما تنوعت خصائصه وأشكاله ، ( @QUR@03 ~~خلقه من تراب ) أي : آدم ، ( @QUR@05 ثم قال له كن فيكون ) من خلال ما ~~تمثله الكلمة من معنى الإرادة في كلمة التكوين. # وهذه قاعدة عامة في التفكير الديني في ضوء المنهج العقلي ، الذي يضع قدرة ~~الله في الحساب ، ويحرك التفكير في هذا الاتجاه ليربط بين الأشياء كلها من ~~خلال ذلك. وهذا ما يجب أن تتركز التربية الإيمانية عليه ، لئلا يستسلم ~~الإنسان إلى القضايا العادية في مشاهداته وتجاربه الحسية ، فينكر كثيرا من ~~قضايا الغيب من خلال استسلامه للحس. # ثم يؤكد الله حركة الحقيقة في نفس الرسول ، فيؤكد ثباتها لأنها مستمدة من ~~الله خالق الأشياء ، فلا يمكن أن يقترب إليها الريب ، أو يطرأ عليها الشك : ~~( @QUR@03 الحق من ربك ) أي : هذا هو الحق من ربك ، فهو مصدر الحق في كل ~~مفرداته ، لأنه مصدر الخلق كله والوجود كله ، فكل شيء مربوب له ، وكل PageV06P059 # شيء مكشوف عنده ، ( @QUR@04 فلا تكن من الممترين ) أي الشاكين المترددين ~~، لأنه لا معنى للشك في ما أنزله الله من الحق في وحيه. # وتلك هي قصة اليقين في الإيمان لدى المؤمنين ، فليس بين المؤمن وبين أن ~~يعيش اليقين في قلبه إلا أن يعرف أن هذا هو الحق من عند الله ، مهما أثار ~~الآخرون أمامه من شكوك وشبهات ... وهكذا أراد الله ms1066 للمؤمنين من خلال خطابه ~~للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يكونوا من المرتابين في أمر عيسى ~~عليه السلام ، في ما حكاه الله عنه من آياته وبيناته. # * * * PageV06P060 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين (61) @QUR@015 إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن ~~الله لهو العزيز الحكيم (62) @QUR@06 فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) (63) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تعالوا ): أصله من العلو. يقال : تعاليت أتعالى أي : جئت ، ~~وأصله : المجيء إلى ارتفاع ، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلم ~~كما ذكر صاحب مجمع البيان (1). # ( @QUR@01 أبناءنا ): الذين ولدوا منا ، وقد طبقه النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الحسن والحسين عليهما السلام باعتبار أنهما ابناه ، ~~وقال أبو بكر الرازي : هذه الآية دالة على PageV06P061 # أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~، وعد أن يدعو أبناءه ، فدعا الحسن والحسين ، فوجب أن يكونا ابنيه ... فثبت ~~أن ابن البنت قد يسمى ابنا (1). # ( @QUR@01 ونساءنا ): اللاتي ينتسبن إلينا ، وقد أراد بها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من ناحية تطبيقية فاطمة الزهراء عليها السلام باتفاق ~~المفسرين. # ( @QUR@01 وأنفسنا ): والمقصود بالكلمة الذين يجسدون الذات في معنى ~~التمثل الحي لكل ما يمثله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صفات روحية ~~وأخلاقية وعملية ، بحيث تكون الذات هي الذات حتى لتكاد تكون هي في المعنى ~~والصورة من الداخل ؛ وقد طبق النبي هذا العنوان على علي بن أبي طالب ~~عليه السلام فلا أحد يدعي دخول غيره مع زوجته وولديه. # ( @QUR@01 نبتهل ): نتضرع ونجتهد ويخلص كل منا في الدعاء إلى الله أن ~~يلعن الكاذب منا. # وقال صاحب مجمع البيان : قيل في الابتهال قولان : أحدهما : أنه بمعنى ~~الالتعان ... والآخر : أنه بمعنى الدعاء بالهلاك ، قال لبيد : # نظر الدهر إليهم فابتهل # أي : دعا عليهم بالهلاك. فالبهل : كاللعن ، وهو المباعدة عن رحمة الله ~~عقابا على معصيته ، ولذلك لا ms1067 يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيم أو ~~نحوهما (2). وقال صاحب لسان العرب : المباهلة : الملاعنة ، يقال : باهلت ~~فلانا ، أي : لاعنته. ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء ~~فيقولوا : لعنة الله على الظالم منا (3). PageV06P062 # وذكر بعضهم أن المباهلة من البهل ، بمعنى الترك ورفع القيد. والباهل ، ~~أيضا ، هي الناقة المخلى ضرعها مكشوفا يرضع منه وليدها كيفما يشاء ، ~~والابتهال في الدعاء : الاسترسال فيه والتضرع إلى الله. # وربما كان تفسير الكلمة باللعن والموت والبعد عن الله من خلال مناسبة ذلك ~~للكلمة ، لأن هذه المعاني من نتائج ترك الله العبد وشأنه ، وهذا هو المعنى ~~الأصلي للكلمة ، ثم غلب على تبادل الدعاء لله تعالى بلعن الكاذب كما هو ~~المفهوم من الآية. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # ورد في قصة الحوار الذي أداره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع بعض ~~النصارى من أهل الكتاب ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد سلك مسلكا جديدا ~~في معاجلة الموقف معهم بعد وصول الحوار إلى الطريق المسدود ، وهو أسلوب ~~المباهلة ، الذي حدثتنا عنه هذه الآية الكريمة. # أما قصة هذه الآية فتشرحها لنا عدة روايات قد تختلف في طولها وفي قصرها ، ~~ولكنها تتفق في الفكرة العامة التي نريد أن نستخلصها منها ؛ ولذا فإننا ~~سنكتفي بذكر بعضها ، وهي رواية المحدث الجليل علي بن إبراهيم القمي التي ~~رواها في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، قال : إن نصارى نجران ~~لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان سيدهم الأهتم والعاقب ~~والسيد وحضرت صلواتهم ، فأقبلوا يضربون الناقوس وصلوا ، فقال أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله ، هذا في مسجدك؟ فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم : دعوهم. فلما فرغوا دنوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : إلا م تدعو؟ فقال : إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله ، وأني رسول الله ، وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث ، PageV06P063 # قالوا : فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله ms1068 عليه وآله وسلم فقال : ~~قل لهم : ما تقولون في آدم ، أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ ~~فسألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : نعم. قال : فمن أبوه؟ فبهتوا ~~، فأنزل الله : ( @QUR@010 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ) ~~الآية ، وقوله : ( @QUR@09 فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) إلى ~~قوله : ( @QUR@05 فنجعل لعنت الله على الكاذبين ). # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فباهلوني ، فإن كنت صادقا أنزلت ~~اللعنة عليكم ، وإن كنت كاذبا أنزلت علي. فقالوا : أنصفت ، فتواعدوا ~~للمباهلة ، فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم : إن ~~باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبيا ، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله ~~، فإنه لا يقدم أهل بيته إلا وهو صادق. فلما أصبحوا جاءوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ~~، فقال النصارى : من هؤلاء؟ فقيل لهم : هذا ابن عمه ووصيه وختنه علي بن أبي ~~طالب عليه السلام ، وهذه ابنته فاطمة عليها السلام ، وهذان ابناه الحسن ~~والحسين عليهما السلام ، ففرقوا فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على الجزية وانصرفوا» (1). # * * * ### ||| ** أسلوب الحوار الاسلامي # ولعل قيمة هذه القصة ، أنها تجسد لنا الأسلوب الإسلامي في الحوار ؛ حين ~~يريد الاحتجاج لفكره من جهة ، ومواجهة الأفكار المضادة من جهة أخرى ، ~~وتعرفنا مبلغ التسامح الإسلامى الذي يريد لأتباعه أن يمارسوه مع الآخرين ، ~~انطلاقا من الممارسات النبوية الرائعة ، من مركز القوة لا من مركز الضعف. PageV06P064 # فقد قدم هؤلاء إلى مركز الإسلام القوي ، من أجل أن يناقشوا الدين الجديد ~~، فأعطاهم النبي كل الحرية في ذلك ، إلى مستوى السماح لهم بأداء طقوسهم ~~وعباداتهم في مسجد النبي تحت سمعه وبصره في مجتمع المسلمين الكبير ، حتى أن ~~النبي لم يستجب لتساؤلهم وإنكارهم لذلك ، بل طلب منهم أن يتركوا لهم الحرية ~~في ذلك ، ليشعرهم على الطبيعة كيف يحافظ الإسلام على مشاعر الآخرين ~~وحرياتهم في ms1069 الإطار العام للنظام الكامل ، وليعطيهم انطباعا ذاتيا ، أنه لا ~~يؤمن بالقوة كسبيل من سبل إدخال الآخرين في الإسلام من دون اقتناع منهم ~~بذلك ... # وهكذا كان ، وبدأ النبي حوارة معهم من موقع الدليل والحجة والبرهان ، كما ~~تنقله لنا القصة ... سؤالا وجوابا في حوار هادئ قوي ، يستجيب للسؤال في ~~البداية ، ثم يطرح السؤال عليهم من جديد ليلزمهم بالحجة من خلال ذلك. # وقد نفهم من الآية الكريمة ، أن الحوار لم يقتصر على هذا الجانب فحسب ، ~~بل تعداه إلى جميع الجهات التي يختلف فيها المسلمون والمسيحيون في نظرتهم ~~إلى عيسى عليه السلام ، وإلى الطبيعة الاعتقادية ، لأن الآية تتناول المحاجة ~~فيه بكل ما جاءه من العلم. ويظهر من الآية ومن جو القصة أن هؤلاء لم يريدوا ~~الاقتناع ، بل دخلوا في جدل عقيم لا يحقق أي هدف ، ولا يصل إلى أية نتيجة ؛ ~~مما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى طرح المباهلة عليهم ، كأسلوب من ~~أساليب التأثير النفسي الذي يشعرهم بالثقة المطلقة بالعقيدة الإسلامية ~~وبمفاهيم الدعوة الجديدة ... حتى أن النبي كان مستعدا لأن يعرض نفسه للموقف ~~الصعب عند ما يقف مع أهل بيته ليواجهوا الآخرين بالوقوف بين يدي الله في ما ~~تنازعوا فيه ، فيطلبون منه سبحانه أن يجعل اللعنة على الكافرين. # وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يزيد الموقف تأثيرا في الإيحاء ~~النفسي لدى الآخرين بالثقة ، فلم يقتصر على تقديم نفسه للمباهلة والملاعنة ~~، بل طرح القضية على أساس اشتراك أهل بيته معه في ذلك ، مع أن بإمكانه أن ~~يحصر الأمر بنفسه ، دون أن يترك ذلك أي تأثير سلبي في الموقف. PageV06P065 # ولكنه كما أشرنا أراد أن يعطيهم الإيحاء بالاطمئنان الكامل بصدق دعواه ، ~~لأن الإنسان قد يعرض نفسه للخطر ، ولكنه لا يعرض أبناءه وأهل بيته لما يعرض ~~له نفسه مما يمكن أن يتفاداه. # ولهذا أدرك القوم الموضوع وأبعاده ، فاهتزت أعماقهم بالخوف من الخوض في ~~هذه التجربة التي تستتبع اللعنة الفعلية التي تتجسد في عذاب الله وعقابه ، ~~فأقلعوا عن الأمر وقبلوا الصلح. # * * * ### ||| ** موقع التحدي الكبير ms1070 # ( @QUR@03 فمن حاجك فيه ) في عيسى في أنه «هو الله» ، وأنه «ابن الله» ، ~~«وأن الله ثالث ثلاثة» ولم يبلغ الحوار نهايته الفكرية في قناعتهم ~~الوجدانية ، أو أنه عبد الله ورسوله ، وأن الله لا إله إلا هو الأحد ، ( ~~@QUR@09 لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد ) [الإخلاص : 3 4] ، ( ~~@QUR@06 من بعد ما جاءك من العلم ) الذي قدمته إليهم من القرآن والآيات ~~البينات على الحق ، فليكن للمحاججة أسلوب آخر حاسم تنطلق فيه من موقع ~~التحدي الكبير الذي يقف فيه الإنسان بين يدي الله في مواجهته للإنسان الآخر ~~في قضية العقيدة المرتبطة بقضية الإيمان بالله في مضمونه التوحيدي الحقيقي ~~، وهو الأسلوب الذي أخلص الإنسان في الأخذ به والاستعداد لنتائجه السلبية ، ~~التي قد تمثل الخطر عليه وعلى من يتصل به ممن يقدمهم أمامه من أهله ليكونوا ~~طرفا في المباهلة ، فهذا ما يمثل النهاية الحاسمة التي تتمثل في الواقع ~~الإيجابي المنفتح لصاحب الحق والواقع السلبي المنغلق في حياة المضاد للحق ( ~~@QUR@02 فقل تعالوا ) يا نصارى نجران ، هلموا إلى موقف آخر يتمثل فيه العمق ~~العميق للرأي القوي والعزيمة الحازمة ، ( @QUR@02 ندع أبناءنا ) الذين ~~يجسدون أعمق علاقة حميمة يعيشها الإنسان في علاقته بالناس ، بحيث تتصل ~~حياته بامتداد حياتهم وعاطفته بالمعنى العميق لوجودهم ؛ PageV06P066 # فيتعب ليرتاحوا ، ويجوع ليشبعوا ، ويظمأ ليرتووا ، ويضحي بحياته ليعيشوا ~~بعده ... وها أنا أقدم بين يدي للمباهلة ولدي الحسن والحسين اللذين يمثلان ~~كل حبي في العاطفة ، وكل شعوري في المحبة وأملي بمستقبل الرسالة ، فهما ~~سيدا شباب أهل الجنة ، وريحانتاي في الدنيا. # قال صاحب مجمع البيان : «أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن ~~والحسين عليهما السلام ، قال أبو بكر الرازي : هذا يدل على أن الحسن والحسين ~~ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن ولد الابنة ابن في الحقيقة. وقال ~~ابن أبي علان وهو أحد أئمة المعتزلة : هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا ~~مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين ، وقال أصحابنا ~~: إن صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل ms1071 ، وإنما جعل ~~بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية ، وقد كان سنهما في تلك الحال سنا لا ~~يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات ~~للأئمة ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم ، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد ~~في تلك السن ، لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم ودلالة على مكانهم من ~~الله تعالى واختصاصهم ، ومما يؤيده من الأخبار قول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا» (1). # ونلاحظ على هذا الحديث حول البلوغ وكمال العقل كشرط للمباهلة ، أن مثل ~~هذا الحديث في الجدل الدائر فيه ، يتوقف على أن يكون الحسنان عليهما السلام ~~طرفين مستقلين في المباهلة ، كما لو كانا هما اللذان يتوليانها في مقابل ~~نظائر هما من الآخرين ليباهل الرجال الرجال والنساء النساء والأبناء ~~الأبناء ؛ ولكن يمكن أن تكون المسألة واردة على أساس أن يقدم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو واثق بأن الحق معه وأن النتيجة الحاسمة الإيجابية ~~ستكون له ابنيه وابنته وابن عمه ، ليكونوا طرفا في الابتهال وفريقا في ~~النتائج الحاسمة الأخيرة ، بعيدا عما إذا كانوا مشاركين في التحدي ؛ والله ~~العالم. PageV06P067 # ( @QUR@01 وأبناءكم ) ممن تختارون منهم للحضور والابتهال في هذا الموقف ~~الصعب ، ( @QUR@01 ونساءنا ) اللاتي يمثلن أقرب موقع للانتماء الإنساني ~~الروحي من النساء في حياتنا الخاصة ، وها أنا أقدم بين يدي ابنتي فاطمة ~~سيدة نساء العالمين ، التي هي بضعة مني ، يريبني ما رابها ويغضب الله ~~لغضبها ويرضى لرضاها ، لأن غضبها في مواقع غضب الله ورضاها في مواقع رضاه. ~~إنني أقدمها في هذا التحدي الكبير للدلالة على أنني على يقين من صدق دعوتي ~~، لأن الإنسان لا يقدم أحب الناس لديه في مواقع احتمال الخطر إلا إذا كان ~~واثقا من النجاة. # ( @QUR@01 ونساءكم ) ممن تختارون من النساء في مجتمعكم الخاص ( @QUR@01 ~~وأنفسنا ) ممن هم في موقع النفس من حيث المنزلة والمحبة والإعزاز ، وهو علي ~~عليه السلام لأنه يمثل الصورة الحية الصادقة لكل الكمالات والتطلعات ~~والسلوكيات والملكات التي أمثلها ، لأنني ربيته وأنشأته منذ ms1072 طفولته على ~~صورتي في أخلاقي وروحياتي وأقوالي وأمثالي ، فكان مني بمنزلة النفس من ~~النفس ، والذات من الذات ، والروح من الروح ، والعقل من العقل ... وليس ~~هناك في الساحة غير علي عليه السلام الذي عاش معي كما لم يعش أحد غيره معي ، ~~وكان مني «بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» (1)، ( @QUR@01 ~~وأنفسكم ) ممن يمثلون وجودكم وذواتكم في حياتكم الخاصة ، ( @QUR@02 ثم ~~نبتهل ) وندعو الله ونجتهد في الإخلاص له والخضوع بين يديه ، ( @QUR@05 ~~فنجعل لعنت الله على الكاذبين ) منا ومنكم ، فذلك هو الذي ينتهي بالأمور ~~إلى نهاياتها الأخيرة من دون نزاع ولا خصام. # وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري «وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله ، ~~ثم جاء الحسين فأدخله ، ثم فاطمة ، ثم علي ، ثم قال : ( @QUR@08 إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) (2) [الأحزاب : 33]. «فإن قلت : ما كان ~~دعاؤه إلى PageV06P068 # المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه ، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه ~~، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله ~~واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده (1) وأحب الناس ~~إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له ، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك ~~خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء ~~لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم ~~حتى يقتل ، ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من ~~الهرب ، ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق ، وقدمهم في الذكر على ~~الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنهم مقدمون على ~~الأنفس مفدون بها. وفيها دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ~~عليهم السلام . وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك» (2). # وقال صاحب التفسير الكبير الفخر الرازي : «واعلم أن هذه ms1073 الرواية أي رواية ~~المباهلة كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث» (3). # * * * ### ||| ** علامة استفهام حول نزول الآية # وقد أثار بعض المفسرين علامة استفهام حول نزول هذه الآية في أهل البيت ~~بلحاظ صيغة الجمع الواردة في ( @QUR@03 أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ) التي لا PageV06P069 # تصدق إلا على ما زاد عن اثنين ، فكيف تنطبق الأولى على الحسن والحسين ~~عليهما السلام ، والثانية على سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام ، والثالثة ~~على أمير المؤمنين علي عليه السلام ؟ # والجواب : إن القيمة التكريمية المميزة كانت من خلال تطبيق الجمع على ~~هؤلاء واقتصاره عليهم ، في الوقت الذي يمكن للكلمة في ذاتها أن تنطبق على ~~أكثر من ذلك ، فلم تكن الكلمات المذكورة واردة في هؤلاء على نحو اختصاص ~~المضمون اللغوي بهم بل من خلال اختصاص الاختيار النبوي بوحي الله بهم ، ~~وهذا أمر وارد في أكثر من آية ، حيث تأتي الآية بصيغة الجمع لتأكيد المبدأ ~~العام الشامل لكل الأفراد من حيث القاعدة مع أن المصداق واحد كما ورد ذلك ~~في قوله تعالى : ( @QUR@010 الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم ) [آل عمران : 173]. فقد ذكر فريق من المفسرين أن القائل هو نسيم ~~ابن مسعود ، لأنه كان قد أخذ أمرا من أبي سفيان لتخويف المسلمين من ~~المشركين ، وقوله تعالى : ( @QUR@011 لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء ) [آل عمران : 181]. فقد ذكر في كلام المفسرين أن القائل ~~هو حيي بن أخطب أو فنحاص ، وذلك باعتبار أن اليهود الآخرين يتفقون معه في ~~هذا القول أو يرضون به مما يجعل قوله قولهم ، ونحو ذلك من الآيات والكلمات ~~المروية عن كلام العرب التي تنطلق في موقع الفرد الواحد ليتحدث عنها بصيغة ~~الجمع من أجل الإيحاء بأن المسألة لا تقتصر عليه بل تتعداه من خلال الذهنية ~~المشتركة بينه وبين فريقه إلى الفريق كله. # أما في هذه الآية ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيه من الله تعالى ~~له ، أراد له أن يؤكد المباهلة في خط التحدي الكبير في موقع الاستعداد ~~لتعريض أعز الناس عليه للخطر ms1074 الآتي من النتائج السلبية المطروحة في ساحة ~~المباهلة بهلال الكاذب ، وأطلق الحديث عن الأبناء والنساء والأنفس ممن يختص ~~به لإطلاق المبدأ في هذه العناوين ، فكأنه يريد أن يقول لهم إنه على ~~استعداد لدعوة هؤلاء بكل ما يمثلونه من عمق عاطفي في نفسه إلى المباهلة ، ~~للتدليل على صدق PageV06P070 # دعوته من دون التحديد في عنوان الدعوة ، ولكنهم كانوا محددين في نفسه ~~بأشخاص معينين ، لأنهم هم المفضلون لديه ، القريبون إليه ، الأثيرون عنده. # * * * ### ||| ** استواء النسب من جهة الولد والبنت # ونلاحظ هنا إقرار المضمون النسبي الذي يجعل أبناء البنت منتسبين إلى ~~أبيها باعتبار استواء النسب من جهة الولد والبنت إليه ، فلم يفرق القرآن ~~الكريم بين أبناء الابن وأبناء البنت ، وأبطل النظرة الجاهلية التي كانت ~~تعتبر أبناء الابن وحدهم هم الأبناء ، بينما لا تعتبر أبناء البنت أبناء ، ~~وذلك ما عبر عنه الشاعر : # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا %~% بنوهن أبناء الرجال الأباعد # لأنهم يرون المرأة الأم مجرد وعاء لا دور لها في الانتساب من حيث ~~التكوين. وهذا خطأ في التحليل الواقعي ، فإن الولد ذكرا كان أو أنثى يولد ~~من خلال نطفة الأب وبويضة الأم ، بحيث يكون نسبته إليهما على حد سواء في ~~طبيعة خلقه وتكوينه. # وقد جاء في القرآن الكريم اعتبار عيسى عليه السلام من ذريته إبراهيم ~~عليه السلام مع أنه يرتبط به وينتسب إليه من خلال أمه مريم عليها السلام وذلك ~~هو قوله تعالى : ( @QUR@028 ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا ~~من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ) [الأنعام : 84 85]. ~~كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@02 وحلائل أبنائكم ) [النساء : 23] الذي ~~استفاد منه العلماء حرمة زواج الجد بزوجة حفيده وابن الابن ، وسبطه ، وابن ~~البنت ، لصدق كونها حليلة الابن في الجميع على حد سواء. # * * * PageV06P071 ### ||| ** المباهلة في الخط الإسلامي العام # 0 وإذا كانت الآية مختصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الواقعة ~~الخاصة مع وفد نصارى نجران ، فإنها لا تختص ظاهرا به ، بل يمكن أن ms1075 تنطلق في ~~كل مورد مماثل لم يصل فيه الحوار إلى نهاية حاسمة لعدم استعداد الطرف الآخر ~~للاقتناع بالحجة بعد إقامتها عليه فتكون المباهلة هي الخيار الأخير في ساحة ~~التحدي ، فإن الله قد طرح المسألة على رسول صلى الله عليه وآله وسلم من خلال ~~أنها وسيلة من وسائل المواجهة لإسقاط موقف الآخرين في خط الباطل لمصلحة ~~موقف الحق ، لا لخصوصية في المورد الخاص. وقد ورد في الرواية عن الإمام ~~جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : إذا كان ذلك أي إذا لم يقبل المعاندون ~~للحق فادعهم إلى المباهلة قلت : وكيف أصنع؟ فقال : أصلح نفسك ثلاثا ، وأظنه ~~قال : صم واغتسل وابرز أنت وهو إلى الجبان ، فشبك أصابعك من يدك اليمنى في ~~أصابعه ، وابدأ بنفسك فقل : اللهم رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع ، ~~عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ؛ إن كان (فلان) جحد حقا وادعى باطلا ~~، فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما ، ثم رد الدعوة عليه. فإنك ~~لا تلبث أن ترى ذلك فيه (1). # * * * ### ||| ** القصص الحق # ( @QUR@05 إن هذا لهو القصص الحق ) الذي يقص عن الحق ، ويؤكد مفاهيمه ~~ويقود إلى الهدى ، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وذلك هو دور ~~القصة في حياة الإنسان ، فليست لهوا ولا عبثا ولا حاجة لملء الفراغ ، بل هي ~~خط للوعي ، ومنطلق للهدى ، وحاجة للانفتاح على حقائق العقيدة والحياة في ~~واقع المعرفة الإنسانية ، حيث يؤكد القرآن للرسول وللمؤمنين ، أن قصة PageV06P072 # عيسى عليه السلام التي أوضحها الله سبحانه في كتابه ، في موضوع بشريته ~~التي تبتعد به عن الألوهية في أي جانب من الجوانب ، هي الحق الذي لا مجال ~~لإنكاره ، لأنه يرتكز على منطق العقل ومنطق الوحي. فإن الله هو الإله ~~الواحد الذي لا شريك له ، وهو العزيز الذي لا ينال أحد من عزته في أي شأن ~~من شؤون القوة ، لأن القوة له في كل شيء ، وهو الحكيم في ما يقدره في خلقه ~~من تنوع الأسباب في مظاهر قدرته في خلق الإنسان في نموذج آدم وعيسى وبقية ~~أفراد الإنسان ms1076 ، فإن هذا هو الحق ، فادع إليه يا محمد وأثر لهم كل أساليب ~~الإقناع في ما ألهمك الله من الحجة والبرهان. # ( @QUR@05 وما من إله إلا الله ) فهذه هي الحقيقة التوحيدية التي تنفي كل ~~ربوبية لغيره ، لأنه وحده الخالق لكل شيء ، فكيف يكون المخلوق له شريكا في ~~ربوبيته ، ( @QUR@05 وإن الله لهو العزيز الحكيم ) الذي تنطلق عزته من قوته ~~وقدرته ، فلا يملك أحد أن ينقص منها ، وتتحرك حكمته من علمه فلا يعزب عنه ~~شيء. وقد تحدث الله عن عزته وحكمته هنا للتدليل على أن الإله لا بد من أن ~~يكون العزيز في كل مواقع العزة ، فلا يملك أحد القوة معه أو فوقه ، ولا بد ~~من أن يكون الحكيم لينطلق خلقه في السنة الإلهية التي تعطي كل موجود حاجته ~~وتضع كل شيء موضعه ، لينتظم الوجود كله بكل موجوداته في النظام الكوني الذي ~~تتكامل فيه الأشياء ، فلا ينحرف بعضها عن الخط بحيث يؤدي إلى اختلال الخلق كله. # ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا فلم ينفتحوا عليك من خلال الدعوة ، ولم ~~يستجيبوا لك في خط الحوار الذي يوصل المتحاورين إلى الحقيقة ، وذلك بالهروب ~~منه ، أو بالدخول في الجدل الفارغ والمهاترات وغير ذلك مما لا يؤدي إلى ~~نتيجة. فلا تلتفت إلى إعراضهم ، ولا تضعف أمام ذلك كله ، فإن ذلك سوف يعبر ~~عن حقيقة سلبية في مضمون إنسانيتهم في الطاقات التي منحهم الله إياها ، ~~وجعلها في تصرفهم وطوع إرادتهم ، ليوجهوها إلى الصلاح ليقوموا بإصلاح ~~أنفسهم في معنى العقيدة ، وحياتهم في خط الشريعة ، وعلاقاتها بالكون ~~والحياة وببعضهم البعض ، في امتداد الحياة ، وإصلاح الواقع من حولهم من ~~خلال دورهم الفاعل PageV06P073 # في الحركة والبناء ، ووجههم إلى توحيده باعتباره الفكر الذي يمثل إشراقة ~~الوعي الكامل في وجدانهم ، لينطلقوا ، في وجودهم من معنى الوحدة في الإله ~~إلى الوحدة في المسؤولية من خلال وحدة الإنسان في دوره الريادي في الأرض ، ~~ليتجه الكون كله ولا سيما الكون الحي في وجود الإنسان إلى غاية واحدة ، ~~وشريعة واحدة ، ونهج واحد ، من خلال الله الذي يقف الناس كلهم في موقع ~~الطاعة ms1077 له والعبودية له ، والسير في طريقه المستقيم ، لأن ذلك هو سبيل ~~الإصلاح ، فإن تعدد الآلهة يؤدي إلى فساد الذهنية الحركية في الواقع كله ، ~~فإذا واجهت أمثال هؤلاء الذين لا يعيشون الفكر مسئولية ، والصلاح هدفا ~~ودورا ، ورأيتهم غافلين عما فيه نجاتهم وصلاح أمرهم ، فأعرض عنهم واترك ~~أمرهم لله ، ( @QUR@04 فإن الله عليم بالمفسدين ) الذين يفسدون الأرض بعد ~~إصلاحها بإفساد العقيدة وإفساد الحياة من خلال ما يثيرونه من عقائد الباطل ~~وأساليب الضلال ، وهو قادر على أن يعاقبهم بما يستحقون بعد أن قامت عليهم ~~الحجة من جميع الجهات ، والله لا يحب المفسدين. # * * * ### ||| ** الدرس الذي نأخذه من هذا الأسلوب # أما الدرس الذي نستفيده من ذلك كله ، فهو العمل على توظيف الجانب ~~الإيماني ، بعد ممارسة الجوانب العملية والفكرية ، في الحوار الهادىء ~~العميق بين الإسلام وخصومه ، انطلاقا من الفكرة الحاسمة الواقعية التي تقول ~~: إن على الداعية أن لا يهمل أي عنصر من عناصر التأثير على الآخرين في ~~إيصالهم إلى الحقيقة ؛ أو في الإيحاء إليهم بالاطمئنان إلى قوة هذه الحقيقة ~~.. حتى ليقف الإنسان في أشد المواقف حراجة في مجالات التحدي لثقته بأن ~~الدعوة في المستوى القوي لمواجهة التحدي بأقوى منه. # وقد أثار علماء التفسير حديثا مطولا حول دلالة هذه الآية على بعض الجوانب ~~الخلافية التي وقعت مجالا للأخذ والرد. وذلك مثل مصداقية كلمة PageV06P074 # ( @QUR@01 أبناءنا ) على الحسن والحسين عليهما السلام ، مما يوحي بأن ولد ~~البنت يعتبر مصداقا لمفهوم الابن ... ودلالتها بلحاظ التطبيق ، على أن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام هو نفس النبي ، لأن النبي قدمه في المباهلة من خلال ~~هذه الصفة. ثم يتفرع الحديث في اتجاه دلالة الآية على أن هؤلاء الذين قدمهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمباهلة لهم علاقة بحركة الدعوة ، ولو في ~~نطاق الوصية والتبليغ ، إذ إنه اعتبرهم معه فريقا في النتيجة الحاسمة على ~~تقدير الصدق أو الكذب ، ولذا جاء بكلمة ( @QUR@01 الكاذبين ) بصيغة الجمع ... # وقد كثر الحديث والجدال في هذا الموضوع في بعض كتب التفسير ، كتفسير ~~المنار الذي كان يدافع عن فكرة عدم ms1078 دلالتها على أي شيء يتعلق بموضوع ~~الإمامة ، وكتفسير الميزان الذي يدافع عن فكرة دلالتها على هذا الموضوع ~~ويعالجها بأسلوب علمي دقيق. ونحن لا نريد الخوض في هذا المجال ، بل نكتفي ~~بالإشارة إلى ذلك ليرجع إليه القارئ في مظانه ، لأن منهج التفسير لدينا ~~يتحرك في إطار الوحي القرآني لحركة الدعوة في الحياة. # * * * PageV06P075 ### ||| * الآية # ( @QUR@032 قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كلمة ): قال الزجاج : معنى كلمة : كلام فيه شرح قصة وإن طال ، ~~ولذلك تقول العرب للقصيدة : كلمة (1). # ( @QUR@01 سواء ): عدل ، أي : كلمة عادلة لا ميل فيها ، وقيل : سواء : ~~مستو ، هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل ، ومعناه : إلى كلمة مستوية بيننا ~~وبينكم ، يقف الجميع أمامها على قاعدة واحدة من حيث طبيعة الفكرة التي ~~ترتبط بالخطوط التي يلتزم بها الجميع. # * * * PageV06P076 ### ||| ** مناسبة النزول # قيل في سبب النزول أقوال : (الأول): إنها نزلت في نصارى نجران ، ~~(الثاني): إنها نزلت في يهود المدينة ، (الثالث): إنها نزلت في الفريقين ~~من أهل الكتاب (1)؛ وربما كان هذا أولى لشموله لكل الذين يلتقي الإسلام ~~معهم في القاعدة التوحيدية من دون اختصاص بفريق دون فريق. # * * * ### ||| ** منهج الحوار والعمل # في هذه الآية حديث مع أهل الكتاب في أسلوب جديد من أساليب الحوار التي ~~أراد الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ما خاطبه به في وحيه ، أن ~~يواجه به هؤلاء الذين يريد الإسلام الوصول معهم إلى نقطة اللقاء على أساس ~~القناعة في الفكرة الواحدة ، أو التعايش في موقف التفاهم وإقامة الحجة ~~الواضحة التي لا ريب فيها ولا التباس ... # ولعل قيمة هذه الآية في ما تعالج من أسلوب ، أنها تمثل للإنسان الداعية ~~منهجا للحوار والعمل في كل مواقفه العملية في الحياة ، فإن القرآن عند ما ~~يطرح أية قضية في أي مجال من مجالات الحوار مع الآخرين ، سواء أكانوا من ~~المشركين أم كانوا من أهل الكتاب ، لا يتحدث ms1079 عن التاريخ لمجرد حكاية ~~التاريخ ، بل يريد أن يفسح المجال للمفاهيم العامة الحية كي تتحرك في ~~الساحة من خلال النموذج الحي ، الذي ينقل إلينا الفكرة والتجربة معا ، ~~لتكون الفكرة جاهزة للحياة وللحركة في ضوء حركتها الفاعلة في التاريخ. وتلك ~~هي قصة التاريخ في الإسلام في سلبياته وإيجابياته في ما نأخذ منه من عبرة ~~للحاضر على أساس حركة الواقع في الماضي بعيدا عن كل لهو بالقصة ، أو ~~استرخاء مع الحدث الغارق في ضباب الماضي. PageV06P077 # والآن ، نحن مع الآية في هذا الأسلوب الجديد من منهج الحوار. # إنها تطرح مع أهل الكتاب فكرة اللقاء على قاعدة مشتركة ، لنتمكن من خلال ~~ذلك من اكتشاف وجود لغة وقناعات مشتركة ومشاعر قريبة إلى بعضها البعض ، مما ~~يوحي بوجود أساس واقعي للتفاهم ، لأن القضايا المسلمة لدى كل فريق يمكن أن ~~تتدخل لتحسم الخلاف في القضايا المتنازع فيها ، فهي تدعونا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ، فنحن نؤمن بالوحدانية كما تؤمنون ، وبذلك نلتقي معا في نطاق ~~عبادة الله الواحد فلا نشرك في العقيدة ولا نشرك في العبادة. وعلى ضوء ذلك ~~نلتقي على عدم اتخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، لأن ذلك يعني الشرك ~~لله في خلقه ، فلا مجال لأن نحل ما حرمه الله علينا ، أو نحرم ما أحله الله ~~لنا ، إذا أمرنا هؤلاء بذلك ، فإن ذلك يعني الخضوع والعبادة اللذين يؤديان ~~إلى الشرك في نهاية المطاف. # وهذا ما استوحاه أحد أئمة أهل البيت عليهم السلام في هذه الفقرة في ما ~~يروى عنه في الجواب عن سؤال قدم إليه ، وخلاصته : إن اليهود لا يتخذون ~~بعضهم بعضا أربابا من دون الله فكيف يطرح عليهم هذه الصيغة التي تشعر بوجود ~~شيء لديهم من هذا القبيل ، فيريد الله أن يخلصهم منه ويفرض عليهم منهجه ~~الحق؟ وكان الجواب يتلخص في التأكيد على هذا الجانب ، فإنهم أحلوا لهم ~~حراما وحرموا حلالا فاتبعوهم في ذلك ، فكانت تلك ربوبية عملية. وهذا ما ~~نواجهه ، في ساحة العمل المنحرف ، في التزامنا بما تصدره بعض المؤسسات أو ~~الحكومات من ms1080 قوانين تتنافى مع قوانين الإسلام ومفاهيمه ، فإن ذلك يمثل ~~إشراكا في جانب العمل وإن لم يكن إشراكا في خط العقيدة. # * * * ### ||| ** الدعوة إلى مواطن اللقاء في الحوار والعمل # ( @QUR@04 قل يا أهل الكتاب ) الذي أنزله الله ليكون هدى ونورا للناس ~~يقفون عند مفاهيمه وينطلقون منه ويتحركون في خطوطه ويرجعون إليه ، ويلتقون ~~عليه إذا PageV06P078 # تنازعوا ، ليكون المرجع لهم في كل ذلك ... فنحن نؤمن به كما تؤمنون به ، ~~لأننا نؤمن بالكتاب كله فلا نفرق بين كتاب وكتاب ، باعتبار أنه كلمة الله ، ~~ولا بين رسول ورسول لأن الجميع رسل الله ( @QUR@06 تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ) لتكون قاعدة اللقاء على الأرض الفكرية العقيدية المشتركة ~~التي نلتزمها معا ، على أساس وحدة المبدأ من دون الدخول في التفاصيل التي ~~تثير النزاع في الجزئيات هنا وهناك. وإذا شئتم المبدأ العام في اللقاء فإنه ~~قد يحدث جوا نفسيا إيجابيا ملائما ، يفسح المجال للانفتاح على الآخر من ~~موقع الإيحاء بأن هناك فرصة للقاء في ما يختلف فيه ، على أساس واقعية ~~اللقاء من خلال ما اتفق عليه ، ليكون الحوار من مواقع اللقاء أقرب إلى حل ~~المشكلة الفكرية والعملية من الانطلاق من مواقع الاختلاف ، ( @QUR@04 ألا ~~نعبد إلا الله ) فهذه هي القاعدة المشتركة في خط عبادة الله الواحد بعيدا ~~عن عبادة أي موجود آخر ، لننطلق في كل طقوسنا وعاداتنا وتقاليدنا من ذلك ، ~~فلا نأخذ بأية وسيلة من وسائل التعبير عن العادة مما يشير إلى الشرك أو ~~يلتقي به مهما كانت ، ( @QUR@04 ولا نشرك به شيئا ) في الفكر والعمل ، ~~بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، وهذه هي العقيدة التوحيدية التي توحي بأننا ~~نتوحد بالله ، لأنه ربنا جميعا ، بقطع النظر في البداية عن خلافاتنا في ~~شخصية الإله وإذا ما كان تجسد في عيسى ، وغير ذلك من الخلافات الجزئية في ~~العناوين التفصيلية للعقيدة ، ( @QUR@08 ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله ) فلا يكون الإنسان ربا للإنسان مهما علا شأنه ، وتضخمت قوته ، وامتدت ~~سلطته ... لأن ذلك كله لا يرفعه إلى درجة الربوبية ، فهو مخلوق من مخلوقات ~~الله ، كما أن ms1081 ما يملكه من مال وجاه وقوة وسلطان ، هو نعمة من نعم الله. # وفي ضوء ذلك ، لا مجال لأي خضوع لذاته ، ولا طاعة لأوامره ونواهيه ، ولا ~~التزام بخطه في حركة الحياة والإنسان على مستوى الانتماء إليه في ذلك كله ، ~~لأنه يمثل الانحراف عن الحقيقة التوحيدية ، التي تؤكد وحدانية الله في ~~الربوبية ووحدة الإنسان في عبوديته لله ، وفي مساواة كل تنوعاته على صعيد PageV06P079 # الإنسانية ؛ فليست هناك إنسانية في الدرجة الفوقية وأخرى في الدرجة ~~التحتية من حيث الذات ، بل إن التمايز ينطلق من الصفات المكتسبة أخلاقا ~~وفكرا وعملا. # ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا عن هذا الخط المشترك ، ولم ينسجموا مع هذه ~~الروح التي تجمع ولا تفرق وتقرب ولا تبعد ؛ فلا تتشنج منهم ولا تحقد عليهم ~~، بل حاول أن تواجههم بالموقف النفسي الحاسم ، ( @QUR@04 فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون ) وذلك بالإعلان عن الموقف الحق ، الذي يحملهم المسؤولية من ~~خلال تحميلهم مسئولية الشهادة أمام الله ، بأن النبي وأتباعه مسلمون في كل ~~ما يعتقدون وما يقولون وما يفعلون ، فلم ينطلقوا من عقدة الذات أو الحقد ، ~~أو اللعب بالكلمات والمواقف ... بل انطلقوا في هذا الموقف الصلب من موقع ~~إسلامهم لله في الفكر والقول والعمل ... هذا الإسلام الذي يفتح قلوبهم على ~~الحياة وعلى الإنسان من خلال انفتاحه على الله سبحانه .. وربما كانت قيمة ~~هذا الأسلوب في الإعلان عن الموقف بعد إقامة الحجة على الطرف الآخر ، هو ~~الإيحاء بقوة الموقف ، وعدم الانهزام أمام الحالات السلبية أو الأوضاع ~~الاستعراضية التي يقوم بها الطرف الآخر من أجل تحطيم أعصاب الداعين إلى ~~الله والعاملين في سبيله. # وهكذا يعطي الإسلام للحوار خاتمته من دون أن يغلق بابه أو يسيء إلى ~~الآخرين ، بل كل ما هناك أنه يحاول التأكيد لهم بأن إعراضهم لا يغير من ~~الموقف شيئا لأنه لم ينطلق من خلال قناعات الآخرين وتشجيعهم ، بل من داخل ~~القناعة الذاتية المرتكزة على وضوح الرؤية ، مما يجعل من استمراره نقطة تحد ~~حاسمة. وفي ضوء ما قلنا آنفا ، ليس هذا الطرح في أسلوب الحوار منطلقا من ~~خصوصية أهل الكتاب ، بل ms1082 هو مستمد من المنهج العام للأسلوب الإسلامي الذي ~~يؤكد على نقاط اللقاء في رحلة الوصول إلى الحقيقة ، ولا يؤكد على نقاط ~~الخلاف إلا في نهاية المطاف. # * * * PageV06P080 ### ||| ** الأسلوب والممارسة المعاصرة # وعلى هذا الأساس ، فلا بد للدعاة إلى الله في حركتهم نحو الهدف الكبير من ~~الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان ، وذلك بأن يتلمسوا بأيديهم وأفكارهم ~~المجالات المشتركة في العقيدة والأسلوب والحياة التي تربط المسلم بالآخرين ~~وتربطهم به ، لتقربهم إليه ، ولتوحي لهم بأن هناك مرحلة من الطريق يمكن أن ~~تمثل وحدة السبل في المرحلة الأولى أو الثانية ، فإن ذلك كفيل بإلغاء ~~الكثير من التعقيدات ، وتجميد الكثير من الحساسيات ، وتقريب الكثير من ~~الأفكار ... حتى إذا انتهى الأمر إلى نقطة الافتراق ، كانت الطريق ممهدة ~~أمام الطرفين للوصول إليها كمقدمة للسير عليها من موقع القناعات المشتركة ~~التي تصنع الأرض المشتركة ... # ولعل من الضروري أن يتحرك العاملون في هذا الاتجاه ، على أساس صنع ~~شخصيتهم الإسلامية ، بحيث تلتقي المواقف لديهم من خلال الطابع الذي يميز ~~شخصيتهم ، لا كحالة طارئة يمكن أن تأتي وتزول من دون قاعدة ثابتة. فيتحرك ~~المسلم في هذا الجو ويمارسه مع اختلاف الأديان الموجودة في الساحة الدينية ~~، واختلاف المذاهب التي تعيش في الساحة الإسلامية ، واختلاف المبادئ ~~والأفكار السياسية والاجتماعية والفلسفية في الساحة الفكرية العامة ، ليصل ~~إلى النتائج الحاسمة بأفضل طريق وأروع أسلوب ... # وكمثال على ذلك خلافات الساحة الإسلامية ، كما في الخلافات بين السنة ~~والشيعة ، فقد لا يكون من الحكمة أن نبادر إلى طرح قضايا الاختلاف بينهما ~~في بداية الحوار ، سواء ما يتعلق منها بتفاصيل العقيدة أو بموضوع الخلافة ~~أو بمفردات الشريعة ، بل علينا أن نعمل على طرح موارد الوفاق ، لأننا إذا ~~اتبعنا الأسلوب الأول ، فإننا نوحي إلى الطرف الآخر بأن الموقف هو موقف ~~صراع يبحث فيه كل طرف عن أدواته التي يحارب بها الطرف الآخر ، أو عن ~~الكلمات والمواقف التي يحاول أن يسجل من خلالها نقطة على حساب الفريق PageV06P081 # الثاني ، فتكون الروح التي تحكم الساحة هي روح المعركة الحادة. أما إذا ~~اتبعنا الأسلوب ms1083 الآخر بأن آثرنا القضايا المتعلقة بأسس العقيدة والشريعة ، ~~وأكدنا عليها في استعراض شامل يستوعب أكثر هذه الجوانب ، فإننا سنعيش الجو ~~الروحي الواقعي الذي ننفتح من خلاله على القاعدة الإسلامية التي نقف عليها ~~من خلال الأسس التي ترتكز عليها القاعدة ، مع إثارة الأجواء الروحية التي ~~تفتح أمام الإنسان آفاق التقوى ، وتحريك الأجواء الحميمة التي تثير المشاعر ~~الإنسانية بالعاطفة ... مما يحقق للموقف مزيدا من المرونة والشعور ~~بالمسؤولية ، فيساعد على الوصول إلى القناعة الموحدة أو المتقاربة ، لأن ~~هذا الأسلوب يجعل القضية سائرة في الاتجاه الفكري الذي يلاحق أدوات الفكر ~~وروحياته وأساليبه ، ولا يجعلها سائرة في الاتجاه الانفعالي الذي يعتمد على ~~عناصر الإثارة في المشاعر والأفكار والكلمات ... وبذلك نبتعد عن أجواء ~~التعصب الذي يتجمد فيه الإنسان أمام قناعاته ، ولا يتحرك خطوة واحدة إلى ~~الأمام في مجال المناقشة والحوار ، بل يعمل على المحافظة بكل ما في طاقته ~~على مواقعه الفكرية والعملية ، بروح متزمتة حاقدة. ويمكننا في هذا الاتجاه ~~أن نلتقي بالأساليب الهادئة المتزنة التي تحتفظ بأفكارها من موقع الانفتاح ~~على الأفكار الأخرى ومناقشتها وتحصيل القناعات من خلال ذلك كله. # * * * PageV06P082 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) @QUR@020 ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما ~~لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~(66) @QUR@014 ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين (67) @QUR@013 إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ~~النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) (68) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تحاجون ): قال الطبرسي في مجمع البيان : «الفرق بين الحجاج ~~والجدال أن الحجاج يتضمن إما حجة أو شبهة في صورة الحجة ، والجدال هو فتل ~~الخصم إلى المذهب بحجة أو شبهة أو إيهام في الحقيقة ، لأن أصله من الجدل ~~وهو شدة الفتل ، والحجة هي البيان الذي شهد بصحة المقال ، وهو PageV06P083 # والدلالة بمعنى واحد» (1). # ( @QUR@01 حنيفا ): من الحنف وهو الميل من شيء إلى شيء ، وهو في المصطلح ~~القرآني الميل من الضلال إلى الهدى. # ( @QUR@01 أولى ms1084 ): هو بمعنى أفعل من غيره ، لا يثنى ولا يجمع لأنه يتضمن ~~معنى الفعل والمصدر على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه ، ومعنى ~~قولنا : هذا الفعل أولى من غيره ، أي : بأن يفعل ، وقولنا : زيد أولى من ~~غيره معناه : أنه على حال هو أحق بها من غيره (2). # ( @QUR@01 اتبعوه ): الاتباع : جريان الثاني على طريقة الأول من حيث هو ~~عليه ، كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق ، أو في التصحيح ، لأنه ~~إن صح الدليل صح المدلول عليه بصحته ، وكذلك المأموم الذي يتبع طريقة ~~الإمام. # * * * ### ||| ** أسلوب التأنيب الهادىء # وهذا أسلوب آخر في حوار القرآن مع أهل الكتاب ، يستهدف كشف الزيف الذي ~~كانوا يمارسونه في تضليل الناس باستغلال الصفة الروحية الكبيرة والموقع ~~القدسي العظيم لبعض الشخصيات النبوية ، فيسبغون عليه انتماءهم الديني ~~ليوحوا للبسطاء بقداسة مواقعهم ، وسلامة طروحاتهم الفكرية والعملية ، من ~~أجل كسب هؤلاء البسطاء إلى صفوفهم وتحويلهم عن السير في خط الإسلام. وقد ~~أراد القرآن الكريم أن يواجههم بأسلوب التأنيب الهادىء الوديع الذي يطرح ~~التساؤل في أسلوب الاستفهام الإنكاري ، كأسلوب لمواجهة الإنسان نفسه ~~بالحقيقة في تسجيل نقطة هنا تدفع نحو التفكير ، ونقطة هناك تدفع نحو PageV06P084 # التأمل من خلال إثارة المنهج في ملاحقة الحقيقة ، وتقرير المبدأ في ~~مواجهة الواقع. وهذا ما نحاول أن نتلمسه في دراستنا لهذه الآيات. # فقد طرح أهل الكتاب شخصية إبراهيم النبي الذي يعتبر من الشخصيات النبوية ~~المحترمة لدى كافة الناس ، بما فيهم مشركي مكة ، الذين ينتسبون إليه ~~باعتبار أن قريش من ولد إسماعيل ، وكان لهذا الاحترام دوره الكبير في ~~ارتباط الناس بالفكر أو الدين الذي ينتسب إليه هذا النبي العظيم. ولهذا حدث ~~التنافس في نسبته إلى هذا الفريق أو ذاك من الديانات المطروحة في الساحة ~~الدينية ، فقد كان اليهود يقولون : إنه يهودي ، ويريدون من خلال ذلك أن ~~يدفعوا الناس إلى اعتناق اليهودية ، على أساس اعتناق إبراهيم لها. وكان ~~النصارى يقولون : إنه نصراني ، ليقودوا الناس إلى النصرانية من خلال ~~ارتباطه بها. ولم تكن القضية لدى الطرفين مطروحة للمناقشة حتى يفيض الناس ~~فيها ms1085 بالحوار والنزاع ، بل كانت مطروحة للإيمان الأعمى الذي يقبل كل شيء من ~~دون معارضة ، انطلاقا من الفكرة القائلة بأن الإيمان فوق العقل. # وجاء القرآن ليفضح اللعبة ويضع النقاط على الحروف ، فطرح القضية للمناقشة ~~في جانبها التاريخي الزمني ، ودعاهم إلى استنطاق عقولهم في ذلك ، فإن ~~اليهودية انطلقت من التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام بعد وقت طويل ~~من عهد إبراهيم ، كما أن النصرانية استندت إلى الإنجيل المنزل على عيسى ~~عليه السلام بعد ذلك الزمن بوقت بعيد جدا ؛ فكيف ينتسب إبراهيم إلى هذا أو ~~ذاك في الوقت الذي يسبق زمانه زمانهما؟! وكيف يمكن أن ينتسب السابق إلى ~~اللاحق ، في ما يوحي به العقل من موازين ومقاييس؟! # ( @QUR@07 يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) لتقدموه كشخصية يهودية ~~أو نصرانية تجتذب الناس إليكم من خلال ما يتميز به من تقديس واحترام ~~والتزام بنبوته في وجدان الناس ، ( @QUR@03 وما أنزلت التوراة ) التي ينتسب ~~اليهود إليها في دينهم ، ( @QUR@01 والإنجيل ) الذي ينتسب إليه النصارى في ~~التزامهم الديني ، ( @QUR@03 إلا من بعده ) فهناك فاصل زمني كبير بين ~~إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، فكيف PageV06P085 # يمكن انتسابه إليها ، ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) ذلك ، لتتحركوا في دائرة ~~تقديم الحجة من منطق العقل الذي يضع الأشياء في مواضعها الطبيعية من الزمان ~~والمكان عند ما يدخل في المقارنة بين الأشخاص والأشياء؟! وهذه إشارة إلى أن ~~القرآن الكريم يقدم العقل كأساس في مجال الجدال بين الناس والاحتجاج ~~للعقائد وللأفكار ، فلا ينطلق الموضوع الذي يقع محلا للنزاع من حالة عاطفية ~~أو مزاجية أو استعراضية بقصد التأثير على الجو النفسي بعيدا عن المحاكمة ~~العقلية. # * * * ### ||| ** الآية في حركة الواقع # ونلتقي في خط هذا الأسلوب بالكلمات التي تثار أمام البسطاء من خلال ما ~~يطرحه الكفر والانحراف من مبادئ ، كالشيوعية والاشتراكية والديمقراطية ~~وغيرها من المبادئ الفلسفية والاقتصادية والسياسية ، فيحاولون الإيحاء ~~للمسلمين البسطاء بالتقاء الإسلام بها وانتمائه إليها في مفاهيمه وتشريعاته ~~من أجل أن يضللوهم ويسدوا عليهم طريق الاعتراض والمناقشة. وقد يضيفون إلى ~~ذلك الحديث عن انتماء الإمام علي عليه السلام وأبي ذر ms1086 الغفاري إلى ~~الاشتراكية لأنهما كانا ينطلقان في كلماتهما من موقع المواجهة للواقع ~~الاقتصادي الاستغلالي الفاسد ، مما يحاول البعض تفسيره بما توحي به هذه ~~المبادئ من شعارات وأفكار. ولكن القضية لا بد من أن تعالج بما عالج به ~~القرآن الكريم قصة مزاعم أهل الكتاب في قضية إبراهيم عليه السلام ، بالتأكيد ~~على الفرق الكبير في الفاصل الزمني بين الإسلام وشخصياته ، وبين مبتدعي هذه ~~المبادئ ، ثم بمحاولة إيضاح المفاهيم الإسلامية والاقتصادية والاجتماعية ~~بالمقارنة مع مبادئ الكفر والانحراف المتمثلة في تلك المبادئ ، والإعلان ~~لهم بأن عليا وأبا ذر لم يطرحا في معارضتهما للواقع الفاسد إلا المنهج ~~الإسلامي الذي يعالج المشكلة الواقعية بالحل الإسلامي لا بغيره. PageV06P086 # وهكذا نجد في هذه الآية الكريمة خطا إسلاميا ممتدا في حياتنا الرسالية في ~~مجال الدعوة والعمل ، وحركة الوعي المنفتح على الواقع والإنسان. # * * * ### ||| ** لم تحاجون في ما ليس لكم به علم؟! # ( @QUR@03 ها أنتم هؤلاء ) يا أهل الكتاب ( @QUR@05 حاججتم فيما لكم به ~~علم ) مما تملكون علمه من دينكم من خلال ما قرأتموه في التوراة أو الإنجيل ~~وهذا من حقكم ، كما هو حق كل إنسان ينتمي إلى فكر يملك علمه ليجادل الناس ~~فيه. وربما كان هذا الكلام إشارة إلى الجدل الواقع بين اليهود والنصارى في ~~تأكيد كل منهما عقيدته ونفي العقيدة الأخرى ، كما كان يفعله اليهود في ~~إنكار أن يكون عيسى عليه السلام ربا أو ابنا لله ، أو ما كان يفعله النصارى ~~من نفي امتداد اليهود إلى ما بعد السيد المسيح عليه السلام . وربما تكون ~~مسألة العلم هنا تعبيرا عن الثقافة ، بعيدا عن فرضية الصواب باعتبار أنهم ~~يملكون الجدال حوله من خلال ذلك. # ( @QUR@07 فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ) لأنه لا يمثل أية حقيقة ~~دينية أو تاريخية. وهذا ما لا ينبغي للإنسان العاقل أن يفعله ، لأنه يؤدي ~~إلى التخبط في مواقع الجهل والابتعاد عن الحقيقة ، والاستغراق في متاهات ~~الضلال. ( @QUR@05 والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) فهو المحيط بكل شيء ، الذي ~~لا يغرب عن علمه مثقال ذرة ، فأرجعوا الأمر إليه في ما أنزل ms1087 من وحي يتضمن ~~الحقائق ويشير إلى خط اليقين ، أما أنتم فلا تملكون العلم إلا من خلال ما ~~يسر لكم من سبله ، فلا تندفعوا في طريق لا تعرفون طبيعته ولا تبلغون مداه. # * * * PageV06P087 ### ||| ** الآية في منهج الحوار # ويتحرك الحوار في استعراض المنهج الذي ينبغي للحوار أن يسير عليه ، فلا ~~بد للمتحاورين في أي موضوع ، من أن يكونا محيطين به من جميع جوانبه ، ~~لينطلق الحوار من منطق الفكر فيصل بهما إلى النتيجة الحاسمة ، ويساعدهما ~~على الهدوء في الكلمة ، والحكمة في الأسلوب ، والعمق في الفكرة ، فإن ذلك ~~هو سبيل العلماء الواعين للعلم ولرسالته ... أما إذا كان الطرفان لا يملكان ~~المعرفة في ما يتحاوران به ، فإن الموقف سيتحول لديهما إلى حوار بالشتائم ~~والكلمات اللاذعة والاتهامات الفارغة التي يحاول الضعيف أن يغطي بها ضعفه ، ~~ليربح القضية بالباطل إذا لم يتمكن من الحصول عليها بالحق ... وبذلك لن ~~يؤدي الحوار إلى نتيجة طيبة ، بل يؤدي بدلا من ذلك إلى المزيد من التعقيد ~~والعداوة والخوض بالباطل. وعلى ضوء ذلك ، فلا بد للأجهزة أو القيادات ~~المشرفة على حركة الدعوة إلى الله ، من أن تختار العناصر الجيدة التي تملك ~~كفاءة الفكر والأسلوب والرؤية العميقة المنفتحة على الواقع ، لتستطيع أن ~~تربح الموقف لصالح الإسلام من موقع قوة الفكر والحجة وعمق النظرة ، فتحقق ~~للإسلام هدفه في الوصول إلى قناعات الناس من جهة ، وتعطي للدعوة الوجه ~~القوي المنفتح من خلال ما تبرز به للناس من سماحة الحوار وقوته ... # ولعل ذلك هو السبب في ما كان يقوم به الإمام جعفر الصادق عليه السلام من ~~نهي بعض أصحابه عن الكلام ، ودعوة بعض آخرين إلى الخوض فيه ، لضعف أولئك ~~وقوة هؤلاء ، فإذا خاض الضعيف الحوار ، كان ضعفه حجة للمبطل على المحق ، ~~فيؤدي ذلك إلى ضعف موقف الحق وانهزام المؤمن نفسيا أمام ذلك. أما إذا خاض ~~القوي الموقف ، فإنه يعطي الحجة من موقع الحق ، ويمنح الحق قوة الموقف. # وقد لا يكفي في هذا المنهج أن يملك الداعية قوة الحجة على سبيل PageV06P088 # الجدل ولو بالباطل ، فإن القضية ليست قضية ms1088 ربح الساحة على كل حال ؛ بل لا ~~بد من أن يملك قوة الحجة بالحق ، لأن الهدف هو الوصول إلى خط الهدى في حياة ~~الإنسان ، وذلك بأن نقوده إلى الموقف الحق في العقيدة والشريعة والحياة ... # وهذا ما دعا الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلى نقد أحد أصحابه الذي كان ~~يجادل خصمه بالحق والباطل والإمام يستمع إليه فقال له : «يمزج الحق بالباطل ~~، وقليل من الحق يكفي عن كثير من الباطل» (1). # وقد خاطب الله أهل الكتاب في هذا الخط المنهجي بأنهم انحرفوا عن الخط ~~الصحيح في نهاية المطاف ، فقد كانوا يحاجون في ما يملكون أمر المعرفة به ~~مما اطلعوا عليه من التوراة أو الإنجيل ، وليس في ذلك أي بأس ، ولكن الأمر ~~تطور عندهم في خط منحرف إلى أن بدأوا يجادلون في ما لا يملكون العلم به ، ~~إما لأنه لا يخضع لأي أساس ، ولا يقف مع أية حقيقة ، وإما لأنهم لا يملكون ~~أمر الإحاطة به والوصول إلى نهاياته. وهذا أمر لا يسمح به منطق العلم ~~والحوار ، فإن عليهم إذا لم يحيطوا بعلم شيء ما ، أن يحاولوا الوصول إليه ~~بالمعرفة من خلال وحي الله ، فإن الله يعلم بحقائق الأشياء ، وأنتم لا ~~تعلمون إلا البسيط الذي علمكم إياه ... # وهذا ما ينبغي لنا أن نخاطب به الآخرين من خصوم الإسلام الذين يوجهون ~~إليه الاتهامات الباطلة عن غير علم ، ويثيرون الشبهات حوله من موقع الجهل ، ~~لنقودهم بمختلف أساليب الإنكار والإحراج التي تكشف عن جهلهم ، وتخبطهم ~~بالباطل إلى السير في خط المعرفة الإسلامية من مصادرها الأصيلة ، ولندفعهم ~~إلى الاستماع إلى الحجة والبرهان بأقرب طريق ... # ولا بد لنا إلى جانب ذلك من الالتفات إلى العاملين في سبيل الله ، ~~وتوجيههم إلى دراسة مبادئ خصومهم ، بالإضافة إلى مبادئ الإسلام ، PageV06P089 # لينطلقوا في الحوار عن علم بكل مجالات الأخذ والرد ، لئلا يخوضوا في ما ~~لا علم لهم به ، كما أشرنا إلى ذلك في صدر الحديث. # * * * ### ||| ** إبراهيم حنيف مسلم # ( @QUR@04 ما كان إبراهيم يهوديا ) فلا يمكن أن يكون إبراهيم يهوديا لأن ~~اليهودية تحركت مسيرتها في مواقع ms1089 الشرك ، وانحرفت عن خط الرسالة التي جاء ~~بها موسى عليه السلام ، ( @QUR@02 ولا نصرانيا ) إذ لا يمكن أن يكون نصرانيا ~~، لأن النصرانية انطلقت في تفاصيل وأجواء ابتعدت بها عن القواعد الصحيحة ~~التي جاء بها عيسى عليه السلام ... ( @QUR@04 ولكن كان حنيفا مسلما ) ولكنه ~~كان حنيفا مائلا إلى الحق عن الباطل مخلصا لله ، في كل ما يعنيه الإخلاص ~~لله من صفاء التوحيد في العقيدة والإسلام لله في كل شيء ؛ وذلك من خلال ما ~~حدثنا الله به في آية أخرى : ( @QUR@026 إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [البقرة : 131 132]. ومنه انطلقت صفة ~~المسلمين لكل من أسلم وجهه وحياته لله ، فاتبع أمر الله ونهيه في كل شيء ، ~~ولم يشرك بعبادة ربه أحدا ؛ وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@08 ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) [الحج : 78] وبذلك كان انتماء إبراهيم ~~الأصيل إلى الإسلام الحق الذي يمثل الخط العريض لكل الديانات السماوية من ~~قبله ومن بعده ، لأنها تدعو إلى عبادة الله والإسلام إليه وحده ... وهكذا ~~كانت رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إسلاما لله لأنها تمثل الدعوة الخالصة ~~إلى التوحيد في كل مجالات العقيدة والعاطفة والعمل ... # وربما كان قوله تعالى : ( @QUR@04 وما كان من المشركين ) إشارة إلى ما ~~كان يدعيه المشركون من عرب الجاهلية ، ولا سيما من كان منهم في مكة من ~~القرشيين ، أنهم على دين إبراهيم والدين الحنيف ، حتى كان أهل الكتاب ~~يسمونهم PageV06P090 # بالحنفاء ، وبهذا اتخذت كلمة الحنفاء معنى مغايرا للمعنى الحقيقي ، ~~فأصبحت تدل على الاتجاه الباطل الذي يميل فيه الناس عن الحق إلى الباطل ~~باعتبار أن العرب كانوا يلتزمون «الحنيفية الوثنية» ، فجاءت هذه الآية ~~لتنفي هذه النسبة إلى إبراهيم عليه السلام ، فهو لم يكن يهوديا يحمل خطه ~~انحراف اليهودية ، ولم يكن نصرانيا يلتزم انحراف النصرانية ، ولم يكن مشركا ~~ينسجم مع طريقة أهل الشرك في عبادة الأصنام بحجة أنها تقربهم إلى الله زلفى ~~، بل كان حنيفا بالمعنى ms1090 الأصيل لهذه الكلمة التي تعني في كل مضمونها ~~الاستقامة على طريق الحق في العقيدة ، والعمل بالميل عن خط الانحراف إلى خط ~~الاستقامة ، وكان مسلما بالمعنى الشامل للإسلام الذي يعني إسلام الفكر ~~والقلب والحركة والحياة لله في كل أموره ... وهو الخط التوحيدي في العقيدة ~~والعبادة والطاعة الذي يمثل إبراهيم عليه السلام عنوانه في كل كلماته ~~ومواقفه ومنطلقاته. # * * * ### ||| ** الاتباع يحدد العلاقة # ( @QUR@06 إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ). ثم يطرح الله سبحانه ~~علاقة إبراهيم بالناس وعلاقة الناس به ، فليست العلاقة بأصحاب الرسالة ~~علاقة نسب تمنح الآخرين أولوية به ، وتعطيهم امتيازا على بقية الناس في ~~رابطة القرب به ، لأن هؤلاء العظماء يفقدون خصوصياتهم باندماجهم بالقضايا ~~العامة ، فتتحول علاقتهم بالآخرين إلى علاقة رسالة وفكر وعمل ، ويتحول ~~الانتماء إليهم إلى الانتماء لما يمثلونه من رسالة الفكر والعمل ، لأنها ~~أصبحت كل حياتهم. وفي ضوء ذلك ، يقرر الله لأهل الكتاب القول الفصل في خط ~~هذه الحقيقة ، فليس أولى الناس بإبراهيم عليه السلام هم الذين ينتمون إليه ~~بالنسب ، بل هم الذين ينتمون إليه في العقيدة والعمل من الذين اتبعوه في ~~حياته وبعد مماته ، ( @QUR@02 وهذا النبي ) الذي يحمل رسالة الإسلام التي ~~أوحى بها الله إليه سائر على الخط نفسه PageV06P091 # الذي سار عليه إبراهيم عليه السلام ، وبعمق الروح التي انطلق معها ، إن لم ~~تكن أعمق ، ( @QUR@02 والذين آمنوا ) بهذا الرسول ، لأن الإيمان به إيمان ~~بالخط الرسالي الإسلامي الذي يمثله إبراهيم عليه السلام في رسالته وفي حياته ~~، ويلتقي الجميع في خط الولاية لله ، ( @QUR@03 والله ولي المؤمنين ) بما ~~يرعاهم برعايته ، ويهديهم بهدايته ، ويمنحهم لطفه ورحمته ورضوانه. # ويعلق الإمام علي عليه السلام في ما روي عنه على هذه الآية بقوله : إن ولي ~~محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته ، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت ~~قرابته (1). وبذلك يعطي الإمام علي عليه السلام امتداد في ما يستوحيه من ~~الآية ، فإذا كان أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا ، فإن ذلك لا يقف أمام شخص إبراهيم عليه السلام ، بل يمتد مع كل نبي ms1091 ~~أو رسول أو عامل في سبيل الله ، في ما تمثله القرابة في حياته في خطوط ~~القرب والبعد ، من حيث علاقة ذلك بالسير على خط الرسالة والابتعاد عنه. ~~ولهذا أمكن أن نستوحي الآية في كل شخص تمتد حياته إلى أبعد من حدود ذاته ، ~~كما أكد رسول الله من خلال القرآن الكريم على بعد أبي لهب عنه مع قربه من ~~نسبه ، وأثار قرب سلمان الفارسي منه ، من خلال الحديث المأثور عنه : «وإنما ~~صار سلمان من العلماء لأنه امرؤ منا أهل البيت فلذلك نسبه إلينا» (2) مع ~~بعده عن نسبه. وهذا هو الأساس الذي تتحرك فيه العاطفة الإسلامية ، وتنطلق ~~منه الروابط الإسلامية ، فيكون الإسلام هو الذي يربطك بالآخرين ، كأقوى ما ~~تكون الرابطة ، بحيث تعلو عن سائر الروابط الأخرى من عائلية أو إقليمية أو ~~قومية ، في كل ما تفرضه الرابطة القوية من نصرة وتأييد وحركة وانتماء. وهذا ~~هو المفهوم الإسلامي الذي نستوحيه من الآية في ضوء ملاحظة الإمام علي ~~عليه السلام . # * * * PageV06P092 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون (69) @QUR@09 يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) ~~@QUR@011 يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) (71) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ودت ): تمنت. قال صاحب مجمع البيان : لما كان لفظ ودت بمعنى ~~تمنى صلح للماضي والحال والاستقبال ، فلذلك جاز ب «لو» ، وليس كذلك المحبة ~~والإرادة لأنهما لا يتعلقان إلا بالمستقبل ، فلا يجوز أن يقال أرادوا لو ~~يضلونكم ، لأن الإرادة تجري مجرى الاستدعاء إلى الفعل أو مجرى العلة في ~~ترتيب الفعل ، فأما التمني فهو تقرير شيء في النفس يستمتع بتقريره ؛ والفرق ~~بين «ود لو تضله» وبين «ود أن تضله» أن «أن» للاستقبال وليس كذلك «لو» (1). PageV06P093 # ( @QUR@01 تلبسون ): تخلطون وتضللون بأن تجعلوا الباطل لباسا على الحق ~~تسترونه به تمويها ومخادعة ، وهو ما يسمى ب «التضليل الإعلامي». # ( @QUR@01 وتكتمون ): تخفون في أنفسكم ولا تعلنون. والكتمان هو الشر ~~والإخفاء ، وهو ما يسمى ب «التعتيم الإعلامي». # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي أن الآية نزلت ms1092 في معاذ بن جبل وعمار بن ياسر ~~حين دعاهما اليهود إلى دينهم (1). # * * * ### ||| ** أسلوبا اللبس والكتمان # ( @QUR@05 ودت طائفة من أهل الكتاب ) وذلك من خلال تمنياتهم التبشيرية ~~بأفكارهم التضليلية وأساليبهم الملونة ، ( @QUR@02 لو يضلونكم ) وذلك من ~~خلال ما يملكونه من وسائل التضليل الفكري بالشبهات المتنوعة ، التي تثير في ~~عقولكم الريبة ، وتحرك الشك في عملية استغلال للطهارة الذاتية المتمثلة في ~~أخلاقكم الطبية التي قد تشعر بالثقة بالآخرين ، فتستسلم لها في حركة ~~العلاقة الإنسانية ، فتقع تحت تأثير مكائدهم الشيطانية من دون شعور ، فإن ~~الطيبة قد تصنع للإنسان الغفلة عن تعقيدات الواقع الذاتي لهذا الشخص أو ذاك ~~، أو لهذا الاتجاه أو ذاك ، ولهذا لا بد للإنسان المؤمن من أن يكون الإنسان ~~الواعي الذي يدرس PageV06P094 # الواقع في ساحته ، من خلال طبيعة الظروف الموضوعية المتصلة بالأشخاص ~~والأحداث والأوضاع والأشياء ، حتى يعرف كيف يحرك مواقعه ومواقفه في علاقته ~~بالناس وبالحياة في عالم الصراع بين الأفكار أو بين الناس. # ( @QUR@04 وما يضلون إلا أنفسهم ) لأنهم يستغرقون في تأكيد خطتهم في ~~إضلال الآخرين بالأوهام التي يختلقونها ، والأكاذيب التي يحركونها ، ~~والأوضاع المنحرفة التي يصنعونها ... فتتحول بفعل الحالة الاستغراقية إلى ~~قناعات ذاتية تجعلهم يستغرقون في الضلال في تأثيراته اللاشعورية ، ( ~~@QUR@02 وما يشعرون ) تماما كالكثيرين من الناس الذين يعيشون الغفلة عن ~~ذواتهم عند ما يلتقون ببعض الأشياء التي تترك آثارها في نفوسهم بغير اختيار ~~، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@07 يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) ~~التي أنزلها على محمد في القرآن ( @QUR@02 وأنتم تشهدون ) من خلال ثقافتكم ~~التوراتية أو الإنجيلية التي تؤكد صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ~~دعوته ، وذلك من خلال البشارة بنبوته ، ومن خلال الحجج الكثيرة الدالة على ~~ذلك التي استمعتم إليها من رسول الله. # ( @QUR@07 يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ) وتلعبون على الموقف ~~فتقومون ببعض الأساليب التي قد تخلط الحق بالباطل ، للإيحاء بالاستبعاد عن ~~الالتزام بالإسلام ، وذلك كما في تحريفكم التوراة والإنجيل ، فتقدمونهما ~~إلى الناس باعتبار أنهما من وحي الله ، ولكن من دون تقديم الصبغة الأصلية ~~للآية هنا أو هناك ms1093 ، وكما في تقديم التوراة أو الإنجيل مع تحريف الكلم عن ~~مواضعه من حيث وضع الكلمة في غير موضعها ، أو إبعاد الكلام عن معناه ~~بالإيحاء بأن المراد به معنى آخر ، أو بإخفاء بعض الآيات المبشرة بالنبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار أن التوراة خالية من ذلك ، أو بالدخول في ~~الإسلام صدر النهار والخروج منه آخره ، لإيجاد حالة من الاهتزاز العقيدي في ~~نفوس المسلمين ، لما يثيره ذلك في نفوسهم من الشك ، باعتبار دلالته على ~~أنهم اطلعوا على ما يوجب اعتقادهم بالبطلان ، مع أنهم كانوا مقبلين على ~~الإسلام بإخلاص ، أو غير ذلك ( @QUR@01 وأنتم PageV06P095 # @QUR@01 تعلمون ) الذي تعرفونه فلا تبينونه للناس فأنتم على علم بأنه ~~الحق من ربكم ، وقد أراد الله من كل عالم بالكتاب أن يبينه للناس ، لأن ~~الحق أمانة الله عندهم ، بحيث تكون عملية الإخفاء والكتمان خيانة للأمانة. # لقد وقف المعقدون الحاقدون من أهل الكتاب موقف الحقد والعداوة من الإسلام ~~والمسلمين في كيدهم المستمر للإسلام من خلال ما يثيرونه من أفكار الضلال ~~وأساليب التضليل ، وذلك من أجل أن ينحرفوا بالمسلمين عن الخط المستقيم ، ~~انطلاقا من العقدة ، لا من القناعة المرتكزة على وضوح الرؤية ... وبذلك ~~كانت القضية تمثل لديهم أمنية ، فهم يودون للمسلمين الضلال ، فيتحينون ~~الفرصة لإثارة التشكيك لديهم في شؤون العقيدة والشريعة والحياة ... وليست ~~القضية لديهم أنهم يريدون تحويلهم إلى صفوفهم ، بل كل ما هناك أنهم يضلونهم ~~عن طريقهم الحق ... # * * * ### ||| ** وما يضلون إلا أنفسهم والبسطاء # ... ويؤكد القرآن بأن هذه المحاولات لن تنجح ولن تصل إلى أهدافها ~~الشيطانية ، بل سترتد ضلالا على أصحابها ، لأنهم كلما أمعنوا في أساليبهم ~~تلك ، كلما ابتعدوا بأنفسهم عن خط الهدى ، فإن السائر على خط الضلال ~~والعامل على إضلال الآخرين ، لا بد له من العمل على الامتداد بعيدا في ~~أجواء الضلال ، ومن ابتداع أفكار وأساليب متنوعة للضلال بحيث يختزنها في ~~أعماقه ، ويؤمن بها في فكره ، ويعيشها في حياته وخطواته ، الأمر الذي ~~يجعلهم يمتدون في الضلال والانحراف من ناحية ذاتية ... وبذلك يضلون أنفسهم ~~، ولا يضلون المؤمنين الواعين الذين يرصدون ms1094 خطوات الأعداء جيدا فيتنبهون ~~لما يحاولونه من إبعادهم عن دينهم الحق ... بينما يكون أولئك مندمجين في ~~اللعبة ، غارقين في الحقد ، فلا يشعرون بنتائجها الوخيمة عليهم. PageV06P096 # ثم إن الله يخاطب أهل الكتاب الذين أنكروا رسالة النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيواجههم بآياته البينات التي يشهدونها ويرونها رأي ~~العين ، ويعيشونها في أفكارهم بعمق ، ليتساءل بتأنيب وإنكار وتوبيخ : لماذا ~~هذا الكفر بالحقائق الواضحة التي لا لبس فيها ولا ارتياب؟ كيف يمكن للإنسان ~~أن يكفر بما يشهد به وجدانه ثم يؤكده مجددا ، عند ما يقف وقفة صراحة أمام ~~الوجدان؟ وهذا فيه إشارة إلى الأساليب التي كانوا يمارسونها ضد الرسول ، ~~فهم يعرفون الحق من خلال ما تصرح به التوراة من صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنهم يكتمونه عن الناس ، فإذا ظهر للناس شيء من ~~ذلك أو أقبلوا عليه ، حاولوا أن يضيفوا إليه بعض الباطل من أجل أن يجعلوا ~~القضية في موقع الالتباس والشك لدى البسطاء من الناس الذين لا يستطيعون في ~~كثير من الحالات تمييز الحق من الباطل في مواقع الشبهات ... # * * * ### ||| ** المستشرقون وأساليب اللبس والتضليل # وقد لاحظنا في خطوات أهل الكتاب من اليهود والنصارى في حركة التبشير التي ~~قادها المبشرون والمستشرقون الذين ساروا في الكتائب الأولى للاستعمار ، ~~أنهم حاولوا أن يثيروا الأكاذيب والافتراءات ضد الإسلام ورسوله ، وعملوا ~~على تشوية وجه الصورة الحقيقية بما يضيفونه من شبهات تبعث الريب في ما لا ~~ريب فيه ، وتثير الشك في ما لا يترك مجالا للشك. وما زالت الإثارة الحاقدة ~~تتنوع وتتلون بأساليب مختلفة ، من خلال ما يحققونه من نصوص ، وما يفسرونه ~~من تفسيرات ، وما يطلقونه من أبحاث ودراسات يلبسون فيها الحق بالباطل ~~معتمدين على الأوضاع السلبية التي يمر بها المسلمون ، وعلى الثقة العلمية ~~التي يحصلون عليها من خلال أكذوبة الحياد الفكري ، والموضوعية العلمية التي ~~يتظاهرون بها بإزاء الضعف النفسي والفكري والروحي PageV06P097 # لدى الجمهرة المثقفة والمتعلمة من المسلمين ، مما يجعلهم لا يلتفتون إلى ~~الخديعة العلمية ، في ما ينطلق به هؤلاء من بعض قضايا الحق في ms1095 الإسلام التي ~~لا تمس الجوهر ، بينما يعملون في مقابل ذلك على تشوية القضايا الأصيلة ~~الحية ، بكثير من ألوان الباطل وأساليبه. # وربما كانت هذه الآية من خلال ما توحيه إلينا تمثل أسلوبا من أساليب ~~التوعية القرآنية التي تفتح أعين المسلمين على ما حولهم من خطوات الضلال ~~ومؤامرات التضليل ، وعلى من حولهم من فئات الضلال التي تختبئ وراء الحكم ~~تارة ، وخلف المراكز العلمية أخرى ، وفي إغراءات المال والشهوات والأطماع ~~ثالثة ، ليخرجوا من جو السذاجة في تعاملهم مع الآخرين ، فيكون الحذر هو ~~الذي يطبع علاقاتهم في ما يسمعونه ويتحركون فيه من علاقات ومعاملات ومشاريع ~~للثقافة وللحياة ، فإذا تم لهم ذلك أمكنهم أن يحققوا الحماية لأنفسهم من ~~كيد الكائدين وحقد الحاقدين ، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. # * * * PageV06P098 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) @QUR@032 ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) @QUR@08 ~~يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (74) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طائفة ): الطائفة : الجماعة ، وفي أصلها كما يقول صاحب مجمع ~~البيان قولان : أحدهما : أنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في ~~السفر الذي يقع عليه الاجتماع ، والآخر : أنها جماعة يستوي بها حلقة يطاف ~~حولها (1). PageV06P099 # ( @QUR@02 وجه النهار ): أوله ، وسمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه ، كما ~~يقال لأول الثوب : وجه الثوب ، وقيل : لأنه كالوجه في أنه أعلاه وأشرف ما فيه. # ( @QUR@01 يرجعون ): يعودون ويرتدون عن دينهم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول ، للواحدي ، «قال الحسن والسدي : تواطأ اثنا عشر ~~حبرا من يهود خيبر ، وقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول النهار ~~باللسان دون الاعتقاد ، واكفروا به في آخر النهار ، وقولوا : إنا نظرنا في ~~كتبنا وشاورنا علماءنا ، فوجدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بذلك ، وظهر لنا ~~كذبه وبطلان دينه ، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم ، وقالوا ms1096 : إنهم أهل ~~كتاب وهم أعلم به منا ، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم ؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ، وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # قال مجاهد ومقاتل والكلبي : هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ~~ذلك على اليهود لمخالفتهم ، قال كعب بن الأشرف وأصحابه : آمنوا بالذي أنزل ~~على محمد من أمر الكعبة ، وصلوا إليها أول النهار ، ثم اكفروا بالكعبة آخر ~~النهار ، وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة ، لعلهم يقولون : هؤلاء أهل كتاب وهم ~~أعلم منا ، فربما يرجعون إلى قبلتنا ؛ فحذر الله تعالى نبيه مكر هؤلاء ، ~~وأطلعه على سرهم ، وأنزل : ( @QUR@05 وقالت طائفة من أهل الكتاب ) الآية» (1). # ونلاحظ أن هؤلاء المتحدثين عن أسباب النزول لم يستندوا في ذلك إلى رواية ~~، بل انطلقوا في اجتهاداتهم في فهم الآية ومحاولة تطبيقها مما يفهمونه من ~~الجو العام لليهود في الوقوف المضاد للإسلام ، أو مما جاء في آية تحويل القبلة PageV06P100 # إلى الكعبة ، ولذلك فإننا ننقل كلامهم من خلال تقديم صورة تفسيرية ~~إيحائية اجتهادية لا من خلال توثيق الرأي للاعتماد على حجة شرعية من رواية ~~معتبرة أو نحوها. وعلى كل حال فإن الأقرب إلى جو الآية الوجه الأول لا ~~الأخير ، لأن الظاهر أن القضية واردة في مسألة الإيمان بالإسلام والكفر به ~~، لا في مورد خاص كالقبلة ونحوها. # * * * ### ||| ** أسلوب جديد للتضليل وزعزعة عقيدة المسلمين # وهذا أسلوب جديد من أساليب التضليل والتشكيك التي كان بعض أهل الكتاب ~~يمارسونها ضد الإسلام والمسلمين ، فقد طلبوا من بعض جماعتهم أن يدخلوا في ~~الإسلام في أول النهار ، ليحرزوا الثقة لدى المسلمين بذلك ، لأنه يدل على ~~عدم التعصب لليهودية ، بل يوحي بالحياد الفكري الذي يجعل الإنسان مستعدا ~~للانتماء إلى غير دينه وفكره من موقع الحجة والقناعة. ( @QUR@011 وقالت ~~طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ) وهم المسلمون ( ~~@QUR@02 وجه النهار ) أي : أوله ، ( @QUR@04 واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) ~~عن دينهم من خلال حالة الاهتزاز التي تثيرها هذه الحركة في وجدانهم الديني ~~، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي : لا ~~تطمئنوا إلا ms1097 لليهود في الحديث عن قضاياكم الخاصة وأسراركم الخفية ، لأن ~~الوثوق بالآخرين قد يفضح الكثير من الأوضاع الداخلية الذاتية أو الخطط ~~الخفية التي يدبرها اليهود للمسلمين مما يؤدي إلى انكشاف السر ، وإحباط ~~الخطط ، وسقوط الموقف. # فإذا حصلوا على هذه الثقة وأحرزوها ، وضمنوا لأنفسهم امتدادا روحيا وجوا ~~حميما في علاقتهم بالمسلمين ، قاموا بتغيير الموقف في آخر النهار ، فرجعوا ~~إلى ما كانوا عليه من رفض للإسلام ، للإيحاء للمسلمين بأنهم اطلعوا على ~~عقيدة الإسلام من خلال دخولهم فيه ، فظهر لهم بحسب دعواهم ما فيه PageV06P101 # من نقائص ومفاسد وقضايا باطلة ، لم يكونوا مدركين لها من قبل ، ولهذا ~~كفروا به بعد أن آمنوا به ، لأنهم طلاب حق وصدق ، ولو لا ذلك لما انحازوا ~~إلى خط المؤمنين في البداية ، ليدفع ذلك المؤمنين إلى التراجع عن الإسلام ، ~~أو يدعوهم إلى الشك فيه على أبعد التقادير. ولما كانت هذه الخطة التي ~~وضعوها ، بحاجة إلى السرية التي تحمي لها نجاحها ، كان لا بد من أن يضرب ~~حولها نطاق من السرية ، ولهذا انطلقت التوجيهات اليهودية لجماعتهم الذين ~~يراد منهم تنفيذ الخطة ، أن لا يؤمنوا ، أي : لا يطمئنوا بقرينة التعدي ~~باللام إلا لليهود التابعين ، لأنهم الذين يحافظون على السر بإدراكهم ~~خطورته عليهم وعلى طبيعة الخطة الموضوعة. # وهذا ما نستظهره من الآية ، بأن تكون الجملة تابعة لما قبلها لأنها من ~~مستلزمات نجاح الخطة ؛ وربما كانت جملة مستقلة تدعو اليهود إلى الحذر من ~~غيرهم في ما لديهم من أسرار في هذا الموضوع وغيره ... وهذه من خصال اليهود ~~في سائر العصور من خلال ما يمثلونه من المجتمع المنغلق على قضاياه الذي وضع ~~بينه وبين الآخرين حاجزا نفسيا وماديا من موقع الشعور بالرفعة على من عداه ~~ومن موقع الإخلاص لسلامة القضايا التي يعملون من أجلها ... # * * * ### ||| ** إشراقات إلهية # ذلك هو حديثهم في ما أرادوه من الكيد للإسلام ، ولكن الله يريد لرسوله أن ~~يرد عليهم بالكلمة الحاسمة التي تضع القضية في نصابها الصحيح. فليس الهدى ~~حالة طارئة يحصل عليها الإنسان بأي ثمن ، بل هو الينابيع الروحية التي ~~تتفجر ms1098 في قلب الإنسان ، فتملأ حياته خصبا وحيوية وإيمانا ، والإشراقات ~~الإلهية التي تفتح قلبه على الحق وتضيء له طريق الهدى ، والفكر النير ~~المنفتح الذي PageV06P102 # يحلق نحو الحقيقة لينطلق معها في رحاب الله. ( @QUR@05 قل إن الهدى هدى ~~الله ) فمن الذي يستطيع أن يقف أمامه ، أو يطفئ نوره؟! # ويقول الرسول كلمته ، أو هكذا يريد الله منه أن يقول إذا قام هؤلاء بما ~~يريدون القيام به. ثم يتابع الحديث في ما يتناجون به ، فقد كانوا يقولون ~~لأتباعهم : لا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تحدثوهم بما لا ينبغي ~~الحديث عنه مما تعرفونه من قضايا الحق والباطل ، فإذا حدثتموهم به ، فقد ~~يكون ذلك عليكم حجة عند ربكم يحاجوكم به ، لأنكم أقررتم به. وقد أشار ~~القرآن إلى أن من جملة ذلك هو الإقرار بأن يؤتى أحد من غير بني إسرائيل مثل ~~ما أوتيتم من النبوة والرسالة ( @QUR@010 أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو ~~يحاجوكم عند ربكم )، فقد أريد لهم أن ينكروا ذلك ، وهم يعرفونه ، ولذا ~~كانوا يزعمون بأن النبوة مختصة ببني إسرائيل ، فينكرون رسالة الرسول من ~~خلال ذلك (1). ولكن الله يريد من رسوله أن يرد عليهم كيدهم وضلالهم ، ~~فيعرفهم أن القضية ليست بيدهم ، فالله هو الذي أعطى الرسالة لأنبياء بني ~~إسرائيل ، وهو الذي أعطاها لمحمد رسوله ... ( @QUR@08 قل إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء )، ويعطيه لمن يريد ( @QUR@02 والله واسع ) في عطائه الذي ~~لا يضيق فضله عن أحد ، ( @QUR@01 عليم ) يعرف ما يصلح الإنسان وما PageV06P103 # يفسده ، فيوجهه إلى ما فيه الخير له في الدنيا والآخرة ، انطلاقا من ~~رحمته التي وسعت كل شيء ، فهو الذي ( @QUR@04 يختص برحمته من يشاء ) بحسب ~~حكمته ( @QUR@04 والله ذو الفضل العظيم )، وهو صاحب الفضل العظيم على ~~الناس كافة ، وليس لأحد غيره أي فضل. فمنه الفضل وإليه يرجع كل شيء سبحانه ~~وتعالى عما يشركون. # * * * ### ||| ** الآية في حركة الدعوة إلى الله # أما ما نستوحيه من هذه الآيات فهو التحرك الواعي من أجل رصد النماذج ~~المماثلة في الساحة الدينية والاجتماعية والسياسية ، فقد يحاول الكثيرون أن ~~يخلقوا الارتباك والتشويش ms1099 والبلبلة في صفوف المسلمين بالأساليب المماثلة ~~لهذا الأسلوب ؛ فلا بد لنا من الوقوف أمام ذلك كله بالمنطق القرآني الذي ~~يبعث الثقة في نفوس المؤمنين ويوجههم إلى الاعتماد على الله في ذلك كله ، ~~ويوحي إليهم بأن هذه الأساليب لا تضر أحدا إذا كان على بينة من أمره ، ~~ويدفعنا إلى التأكيد على أسلوب التوعية للمسلمين في عقائدهم ومفاهيمهم لئلا ~~يضلوا من حيث لا يعلمون. # وقد نستطيع أن نستفيد من هذا كله أن أعداء الله قد يكتمون كثيرا من حقائق ~~الإيمان الموجودة في الساحة من أجل أن لا تكون حجة عليهم في الدنيا والآخرة ~~، أو لا يبرز لخطوط الإسلام فضل من فكر أو عمل ؛ ليظهروا أمام الناس أنهم ~~أصحاب الفضل ، فلا فضل لغيرهم في أي جانب من جوانب الحياة. وفي هذه الحالة ~~لا بد لنا من أن نحتفظ لأنفسنا بجو الثقة الذي نستطيع من خلاله أن لا ننهزم ~~نفسيا أمام هذا الإنكار للخصائص الذاتية الكامنة فينا ، عند ما نلتفت إلى ~~الله ، فنعرف أنه صاحب الفضل علينا وعلى الآخرين ، فهم لا يستطيعون أن ~~يقدموا أو يؤخروا شيئا في الموضوع ، ولا يمكنهم إخفاء ما يريد الله إظهاره ~~، أو إظهار ما يريد الله كتمانه ؛ فإنه ولي الأمر في كل شيء. # * * * PageV06P104 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@036 ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) @QUR@09 بلى ~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) (76) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بقنطار ): مال كثير وعظيم. وقد مر سابقا. # ( @QUR@01 بدينار ): كناية عن المال القليل ، والدينار : مثقال شرعي من ~~الذهب يساوي نحو نصف ليرة عثمانية. # ( @QUR@01 قائما ): في المطالبة والحجة والمقاضاة ، مستمرا وملحا في ~~مطالبته. # ( @QUR@01 الأميين ): غير الإسرائيلي ، أو غير أهل الكتاب باعتبارهم ~~يعيشون الهمجية والأمية والتخلف كما تنظر الدول الكبرى اليوم للآخرين. # ( @QUR@01 سبيل ): حجة ، فلا سبيل لغير أهل الكتاب على أهل الكتاب ، ~~فلهم أن يحكموا في غيرهم ما شاءوا من قتل ms1100 ونهب وسلب. # * * * PageV06P105 ### ||| ** مناسبة النزول # قال صاحب مجمع البيان : عن ابن عباس قال : يعني بقوله : ( @QUR@06 من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ) عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ~~ذهب فأداه إليه ، فمدحه الله سبحانه. ويعني بقوله : ( @QUR@07 من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك ) فنحاص بن عازوراء ، وذلك أن رجلا من قريش استودعه ~~دينارا فخانه ، وفي بعض التفاسير أن الذي يؤدي الأمانة النصارى ، والذين لا ~~يؤدونها اليهود (1). # * * * ### ||| ** مفهوم خاطئ عند أهل الكتاب # في هذه الآيات تقرير عن مفهوم خاطئ يحمله أهل الكتاب عن طبيعة النظرة إلى ~~أموال الآخرين من غيرهم من الشعوب في ما يضعونه عندهم من أمانات ، أو ما ~~يقع تحت أيديهم من أموالهم ، وخلاصتها أن الله قد رخص لهم في استحلال هذه ~~الأموال لأنفسهم ، فيجوز لهم الامتناع عن إرجاع الودائع إلى أصحابها ، كما ~~يجوز لهم أخذها غيلة وسرقة وبغير ذلك من الأساليب ... وذلك انطلاقا من ~~المفهوم العام الذي يعيشونه في داخل أنفسهم من احتقار الأميين ، وهم العرب ~~على تفسير ، أو غير اليهود على تفسير آخر ، مما يعني عدم احترام دمائهم ~~وأعراضهم وأموالهم ... وفي ضوء ذلك ، لا يمكن أن تأتمن أحدا منهم على شيء ~~من مالك ، لأن الائتمان يتحرك من خلال المفهوم النفسي والروحي والأخلاقي ~~الذي يعتبر الأمانة في داخل الذات في مركز القاعدة الروحية والأخلاقية التي ~~تتفرع عنها الممارسات ، فإن الأخلاق ليست عملا طارئا يمارسه الإنسان في ~~مظاهر معينة من أفعاله ، بل هو ملكة نفسية دافعة للعمل ، فإذا كانت القاعدة ~~لديهم عدم احترام أموال الآخرين فكيف يمكن أن يتحقق الائتمان بشكل طبيعي؟! PageV06P106 # ولكن ليس معنى ذلك أن أهل الكتاب بأجمعهم هم ممن يخونون الأمانات ولا ~~يؤدونها ، بل ربما تجد بعض النماذج الأمينة من موقع تربية ذاتية معينة ، ~~تغرس في داخله روح الأمانة بعيدا عن مفهوم الرخصة الدينية المتوهمة. فإذا ~~ائتمنته على قنطار وهو المال الكثير أداه إليك ، كما تجد النموذج الذي لا ~~تستطيع أن تأتمنه على أي مال مهما كان قليلا كالدينار ، لأنه سوف ينكره ولا ~~يؤديه ms1101 إلا إذا كنت قائما عليه ، بكل ما تملكه من أساليب الضغط والمقاومة ~~والمحافظة على المال. فإن مثل هذا النموذج لا يشعر بعقدة الذنب في ممارسته ~~هذه ، لاعتقاده بأن ذلك حق له وحلال عليه ، ولكن الله سبحانه ينكر عليهم ~~هذا الزعم وهذه الرخصة ، لأنه سبحانه يعتبر الأمانة عهدا بين الأمين وصاحب ~~الأمانة ، وبذلك يكون استحلالها خيانة لها والله لا يحب الخائنين ، فكيف ~~إذا جمعوا في أنفسهم الخيانة والكذب على الله في ما ينسبونه إليه من قول ~~باطل يعلمون بطلانه. إن الله لا يحب هؤلاء ، بل إنه يحب المتقين الذين ~~يعتبرون العهد مسئولية في أي جانب من جوانب الحياة ، سواء كان ذلك في المال ~~أو في الشؤون الأخرى الحياتية ، فيرون الوفاء بعهده جزءا من مسئوليتهم ~~تجاهه ، وتجاه الناس من خلال ما يكلفهم به من شؤون الناس. # وذلك هو الأساس في حب الله لعباده ، في ما ينطلقون فيه من أعمال ، وما ~~ينطلقون منه من ملكة التقوى في ما يريد وما لا يريد ، وتلك هي قصة الأمانة ~~في التشريع الديني ، أي تشريع كان ، فإن الله لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث ~~وأداء الأمانة إلى البر والفاجر. حتى الكافر الذي يحل لك قتاله لكفره ~~وعدوانه ، لا يحل لك خيانة أمانته. وقد ورد في حديث الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام : ثلاثة لا عذر لأحد فيها : أداء الأمانة إلى البر والفاجر ~~والوفاء بالعهد للبر والفاجر ، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين (1). # * * * PageV06P107 ### ||| ** الأمانة التزام ذاتي داخلي # ( @QUR@09 ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) من خلال التزام ~~ذاتي لا علاقة له بالخط الديني الذي ينتمي إليه ، بل قد تكون المسألة ناشئة ~~من بعض المؤثرات البيئية الاجتماعية التي قد تربي الإنسان على بعض المفاهيم ~~الإيجابية في قضايا الأمانة المالية ، بحيث تتحول القضية لديه إلى ما يشبه ~~الخلق الراسخ في شخصيته. وقد تكون ناشئة من مصلحة اقتصادية في الحركة ~~التجارية العامة ، باعتبار أن الإنسان الأمين في معاملته مع الآخرين يحصل ~~على الثقة العامة في الوسط الاقتصادي ، الأمر الذي يمنحه ms1102 أكثر من فرصة ~~للحصول على الأرباح من خلال المبادرات التي يقدمها إليه الآخرون من أصحاب ~~رؤوس الأموال في استثمار أموالهم عنده ، وفي الدخول معه في شركة تجارية أو غيرها. # ( @QUR@08 ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) إذا طالبته به لأنه ~~لا يملك أي التزام نفسي في موضوع الأمانة ، فليست القضية لديه قضية مصلحة ~~اجتماعية تتصل بمصالحه ليلتزم على أساس ذلك ، بل القضية قضية عقدة ذاتية ~~تدفعه للخيانة الصغيرة والكبيرة ، ليحصل على بعض المكاسب المادية من خلال ~~ذلك ، مستغلا غفلة الآخرين عنه وثقتهم به ؛ ولذا فإنه يبقى في عملية انتهاز ~~للفرص السانحة ، فلا يمتنع عن الخيانة لك ( @QUR@05 إلا ما دمت عليه قائما ~~) بحيث تلازمه وتراقبه وتتقاضاه وتلح عليه ، فلا تترك له أية فرصة للهروب ~~أو للإنكار ، بل يبقى في حصارك الذي يطبق عليه من خلال شهادة الناس من حوله ~~أو نحو ذلك ، ( @QUR@07 ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ) وهم غير ~~اليهود ، ( @QUR@01 سبيل ) أي : مسئولية دينية في أخذها عدوانا وخيانة ، ~~لأن القانون الديني لم يجعله الله ليقيد اليهود في التزاماتهم ومعاملاتهم ~~مع غيرهم ، فقد أباح الله لهم أموال الآخرين ممن لا يدينون بدينهم ، فهم ~~الشعب المختار لله الذي جعل الدنيا امتيازا لهم ، وأراد للناس أن يكونوا ~~خدما لهم في مواقع الاستغلال المشؤوم. فلهم الحرية في تصرفاتهم بأن يأخذوا ~~ما يريدون ويدعوا ما لا يريدونه تبعا PageV06P108 # لمصالحهم الذاتية بعيدا عن مسألة القيم الأخلاقية ، لأنها لا تحكمهم في ~~علاقاتهم بغير اليهود ، بل تحكمهم في المجتمع اليهودي في الداخل. # ( @QUR@04 ويقولون على الله الكذب ) في نسبتهم له هذا التشريع الظالم ~~وهذه الإباحة للخيانة المالية للآخرين ( @QUR@02 وهم يعلمون ) أن الله ~~أمرهم بأن يكونوا مثال الأمانة مع الناس كلهم ، لأن القيمة الأخلاقية لا ~~تتجزأ لتكون إيجابية مع جماعة من الناس وسلبية مع جماعة أخرى ، لأن علاقتها ~~إنما هي بذات الإنسان في التزاماته الأخلاقية في نفسه بقطع النظر عن ~~العناوين الأخرى المتصلة بالناس ؛ فالله أراد للإنسان أن يكون صادقا ، لأنه ~~أراد له الارتباط بالحق ، فليس له أن ms1103 يكذب على الكافرين ، كما لا يجوز له ~~الكذب على المؤمنين. # ( @QUR@01 بلى ) إنهم يتحملون المسؤولية كاملة في الالتزام بالوفاء ~~للآخرين بأداء الأمانة ، ولا يملكون الحجة في الخيانة بحجة شرعته كما ~~يقولون ، ( @QUR@03 من أوفى بعهده ) أي أن الإنسان الذي وفي بعهده من خلال ~~مراقبته لله ( @QUR@01 واتقى ) الله في أموره كلها ، بحيث كان يعيش الإحساس ~~بالرقابة الإلهية الضاغطة على قراراته وحركاته ، هو الذي يحصل على محبة ~~الله ورضوانه ، ( @QUR@04 فإن الله يحب المتقين ) الذين يتحركون في الحياة ~~على أساس أنهم عباد الله ، الذين يلتزمون أوامره ونواهيه ، ويخشون عقابه ، ~~ويرجون ثوابه ، ولذلك كانت التقوى في التزاماتها الروحية والعملية هي مضمون ~~حياتهم. # * * * ### ||| ** الآيات في خطى الحاضر # ولا بد لنا في هذه الآيات من أن نقف وقفة قصيرة أمام المفهوم الذي ~~نستوحيه منها : # أولا : وهو أن الثقة بالإنسان ، أي إنسان كان ، لا بد من أن تستند إلى ~~القاعدة الفكرية والروحية والأخلاقية الموجودة في نفسه ، لأن الإنسان ليس هو PageV06P109 # ما يتحرك فيه من أعمال ، بل هو ما ينطلق منه من منطلقات ، لأنها هي التي ~~تكون الدوافع القوية الضاغطة بشكل شعوري أو غير شعوري عليه ؛ فعلينا أن ~~ندرس منطلقات كل إنسان قبل أن نتعامل معه ، أو نتعاهد معه ، أو نأتمنه على ~~مال أو نفس أو عرض أو قضية من قضايا الحياة العامة والخاصة ، لأن العهد لا ~~يمثل شيئا لدى الذين لا يرون الوفاء بالعهد مع بعض الناس قيمة أخلاقية مهمة ~~، مما يجعل من التعاهد لديهم أسلوبا من أساليب استغفال البسطاء والوصول إلى ~~استغلالهم من خلال الثقة الساذجة. # وهذا هو الأساس في ما يجب أن يسير عليه المسلمون في علاقاتهم مع الأفراد ~~والدول والشعوب ، لئلا يقعوا تحت تأثير القيم التي يؤمنون بها بحجة أن ~~الآخرين لا يمكن أن ينفصلوا عنها. فقد لا يؤمن الآخرون بشيء ، ولكنهم ~~يرفعون شعاره ، ليكون ذلك هو الطعم الذي يصطادون به الشعوب الضعيفة الفقيرة ~~؛ كما نجده في الدول الكبرى التي تعتبر المعاهدات وسيلة لاستغلال الدول ~~الصغرى ، لتحصل على ما تريده من ثروات ومواقف ، ثم عند ما ms1104 يأتي وقت الوفاء ~~بالتزاماتها الذاتية تجاه تلك الدول الصغيرة ، تبدأ في خلق المشاكل ~~والمعوقات والأوضاع السياسية والاقتصادية الاستثنائية التي تجعلها في حل من ~~الوفاء. إن هذه الآيات تتحرك في خط التوعية التي تفتح عيون المؤمنين على ~~الحياة ، ليكونوا في موقع القوة من الوعي ، ولا يكونوا في موقف الضعف من ~~الغفلة. # ثانيا : ربما نستوحي من تنديد الله باليهود في نظرتهم إلى الآخرين وعدم ~~مسئوليتهم عن أموال الآخرين ، فلهم أخذها من دون مقابل ، أن الله سبحانه لا ~~يريد للمسلمين أن يأخذوا بهذه النظرة في تعاملهم مع غير المسلمين ، فيحللوا ~~لأنفسهم مصادرة أموالهم وسرقتها بحجة عدم احترام الكافر ، من حيث المبدأ ، ~~في نفسه وماله ، إلا أن يكون ذميا أو معاهدا ، بلحاظ قانون الذمة والعهد ، ~~وهذا ما درج عليه بعض الفقهاء الذين لا يرون العنوان الحربي أساسا لحلية ~~أموال الكافرين للمسلمين ، بل يرون الأصل عدم الاحترام إلا في صورة الذمة ~~والعهد ، أخذا ببعض الإطلاقات المتضمنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «من قال ~~لا إله إلا الله محمد PageV06P110 # رسول الله ، حقن بها ماله ودمه وعرضه» ، وأمثال ذلك من الأحاديث التي ~~تربط الاحترام بالإسلام ، مما يجعل الكافر ممن لا حرمة له لكفره ، ولكننا ~~ذكرنا في أبحاثنا أن هذه الإطلاقات ليست واردة في مقام البيان من هذه الجهة ~~ليؤخذ بمضمونها الإطلاقي ، بل هي واردة في مقام بيان إهدار الإسلام مال ~~الكافر ونفسه وعرضه بالحرب عن طريق الغنائم التي يحصل عليها المسلمون من ~~الأموال المنقولة وغير المنقولة ، وعن طريق الأسر والاسترقاق ، أو القتل في ~~حالة الحرب وفي الجرائم التي تتصل بها ... فإذا نطق الكافر بالشهادتين فليس ~~للمسلمين سبيل عليه في نفسه وماله وعرضه ، فالقضية حسب فهمنا تتحرك في ~~دائرة إعلان الحرب عليهم في حالة البقاء على الكفر ، وترك إعلانها ضدهم في ~~صورة الإسلام ، وربما يتأيد هذا الرأي في قوله تعالى : ( @QUR@042 لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين* إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم ms1105 في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون ) [الممتحنة : 8 9] ؛ فإن الظاهر من هاتين ~~الآيتين أن الكافر الذي لم يعلن القتال على المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم ~~، بل كان موقفه موقف اللاحرب في خط السلام الطبيعي الذي يعيشه الناس مع ~~بعضهم البعض من دون معاهدة أو ذمة بالمعنى المصطلح العقدي للمسألة يستحق ~~التعامل معه بالبر في تقديم الخير له بكل ألوانه ، وبالعدل بمفهومه العام ~~الذي يقتضي أن له الحق في ذلك ، باحترام ماله ونفسه وعرضه وعدم الاعتداء ~~عليه إلا بالحق ، ومقتضى ذلك أن الكفر لا يساوي عدم الاحترام ، بل الحرب ~~بمضمونها المباشر وغير المباشر هي التي تقتضي ذلك. # وهذه الآية تحمل الكثير من الإيحاء بأن الخلاف في الدين لا يبرر بمجرده ~~إهدار حرمة الآخرين ، فإن الله ذم اليهود على ذلك ، وربما يرى بعض الفقهاء ~~أن الآية لا تدل على أكثر من وجوب أداء الأمانة لا وجوب احترام المال ، ~~ونحن نرى للأمانة خصوصية في المسألة لأنها تتضمن التزاما عقديا من PageV06P111 # الشخص المؤتمن بأن يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه عليه من خلال مبدأ الوفاء ~~بالالتزام العقدي مع الآخر ، ولهذا فإنا لا نجد علاقة بين موضوع الآية ~~وإهدار احترام مال الكافر. # والجواب عن ذلك أن الأمانة لم تذكر موضوعا في الآية بلحاظ خصوصيتها ~~العقدية ، وإنما لوحظت في سلوك اليهود من حيث إنهم لا يحترمون أموال غير ~~اليهود بقرينة قوله تعالى : ( @QUR@08 ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل )، فهم يخونون الأمانة على أساس عدم احترامهم أموال الآخرين ~~لا على أساس أنهم لا يقومون بالوفاء بالتزاماتهم العقدية ، فإذا قام ~~المسلمون بمثل ذلك في سلوكهم استحقوا الذم على ذلك. وربما نلاحظ في هذا ~~المجال أن هناك عقدا إنسانيا بين العقلاء يلتزمونه في سلوكهم الاجتماعي ~~وسيرتهم العملية أن لا يأخذ الإنسان مال غيره بدون حق ، لأن مبدأ احترام ~~الأموال لديهم من أكثر الالتزامات قوة وقداسة وتأثيرا في العلاقات العامة ، ~~ولذلك نراهم يذمون الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويعاقبون اللصوص ms1106 ، ~~ولا يخرجون عن ذلك إلا في حالة الحرب من دون فرق بين الناس الذين يدينون ~~بدين واحد أو بأكثر من دين. # ثالثا : إن هذه النظرة الفوقية الاستعلائية التي يمارسها اليهود على ~~غيرهم من الناس قد أصبحت تتحرك في نظرة الاستكبار العالمي الذي تمثله دول ~~الغرب إلى العالم الثالث ، وهو عالم المستضعفين الذي يضم الدول العربية ~~والإسلامية وغيرها ، فهي لا تنظر إليها نظرة إنسانية تحفظ لها حقوقها في ~~ثرواتها الطبيعية ، وفي حريتها في تقرير مصيرها ، وفي استقلالها السياسي ، ~~ونحو ذلك ... بل تحاول أن تفرض عليها نظامها العالمي الذي يملك السيطرة على ~~مقدرات الشعوب ، وتعمل على أن تجعل لنفسها الحق في ما لا تجعله لها. فهي في ~~الوقت الذي تتحدث فيه عن حقوق الإنسان ، لا تحترم إنسانية المستضعفين في ~~ذلك ، بل تحترم مصالحها في الدول التي تطالب فيها بتطبيق هذه الحقوق بما ~~ينسجم مع مصالحها ، ولا ترى لهذه الشعوب الحق في أن PageV06P112 # تطالب لنفسها بتلك المطالب بعيدا عن المصالح الاستكبارية. وهذا مما ينبغي ~~للمسلمين وللمستضعفين في العالم أن يدرسوه ويفهموه ويتعرفوا على خصائصه ~~وعناصره ، من أجل حماية أنفسهم من أخطاره وخططه ، والحصول على المكاسب ~~الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية في حركتهم الواعية القوية ~~المتمردة على منطق الاستكبار في واقع المستضعفين في الأرض. # رابعا : إن الآية تؤكد على أن الوفاء بالعهود والالتزام بالتقوى هما ~~اللذان يمكن لهما أن يؤكدا ثبات المصلحة الإنسانية في حركة الإنسان في ~~الواقع ، ولذلك يحصل السائرون في اتجاههما على محبة الله ، لأن الله يحب ~~الناس الذين يحبون إخوانهم ويحبون الحياة باسم الله. وهذا ما يوحي بشمولية ~~القيمة الإيجابية في شخصية الإنسان المسلم ، الذي ينظر إلى الناس بعين ~~واحدة بعيدا عن الازدواجية والاهتزاز ، فإذا دخل المسلمون في معاهدة مع ~~الآخرين ، فإن الآخرين يشعرون بالأمن في علاقاتهم بالمسلمين ، ويضمنون ~~لأنفسهم الثبات في المواقع التي تثبتها هذه المعاهدة. # * * * PageV06P113 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق ~~لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ms1107 ولهم ~~عذاب أليم ) (77) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأيمانهم ): أقسامهم وحلفهم. جمع يمين ، وهو الحلف والحلف ، ~~مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد والحالف. # ( @QUR@01 خلاق ): نصيب وحظ من الخير ، والخلاق كما يقول الراغب «ما ~~اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه» (1). # ( @QUR@02 ينظر إليهم ): يعطف عليهم ويرحمهم ، يقال : انظر إلي ، أي : ~~ارحمني. # قال صاحب المجمع : «وفي هذا دلالة على أن النظر إذا عدي بحرف «إلى» لا ~~يفيد الرؤية ، لأنه لا يجوز حملها هنا على أنه لا يراهم بلا خلاف» (2). PageV06P114 # ( @QUR@01 يزكيهم ): يطهرهم وينميهم نموا صالحا. والتزكية هي الإنماء ~~نموا صالحا. وأصل الزكاة كما يقول الراغب «النمو الحاصل عن بركة الله ~~تعالى. ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية» (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي «قال الكلبي : إن ناسا من علماء اليهود أولي ~~فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة فسألهم كعب : هل ~~تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟ قالوا : نعم ، وما تعلمه أنت؟ ~~قال : لا ، فقالوا : فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله. قال : لقد حرمكم الله ~~خيرا كثيرا ، لقد قدمتم علي وأنا أريد أن أميركم وأكسو عيالكم ، فحرمكم ~~الله وحرم عيالكم. قالوا : فإنه شبه لنا ، فرويدا حتى نلقاه. فانطلقوا ~~فكتبوا صفة سوى صفته ، ثم انتهوا إلى نبي الله فكلموه وساءلوه ثم رجعوا إلى ~~كعب ، وقالوا : لقد كنا نرى أنه رسول الله ، فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت ~~الذي نعت لنا ، ووجدنا نعته مخالفا للذي عندنا ، وأخرجوا الذي كتبوا ، فنظر ~~إليه كعب ، ففرح ومارهم وأنفق عليهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال عكرمة : نزلت في أبي رافع ، ولبابة بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب ، ~~وغيرهم من رؤساء اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد ~~وبدلوه ، وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ~~والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم» (2). PageV06P115 # وفيه أيضا عن سفيان عن الأعمش عن عبد الله ، قال : «قال رسول الله : من ~~حلف على يمين ، وهو فيها فاجر ، ليقطع بها مال امرئ مسلم ، لقي الله وهو ~~عليه ms1108 غضبان ، فقال الأشعث بن قيس : في والله ، كان بيني وبين رجل من اليهود ~~أرض ، فجحدني ، فقدمته إلى النبي ، فقال : لك بينة؟ قلت : لا ، فقال ~~لليهودي : أتحلف؟ قلت : إذن يحلف ، فيذهب بمالي. فأنزل الله عز وجل : ( ~~@QUR@08 إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) الآية» (1). # إننا في منهجنا التفسيري لا نجد لدينا أية نصوص موثقة كثيرة مما رواه ~~الرواة في أسباب النزول ، لضعف أسانيد بعضها وإرسال بعضها الآخر فيمكن أن ~~تكون أمورا اجتهادية طرحت بشكل رواية ، وأن تكون منطلقة من أجواء معينة ، ~~لذلك فإننا لا نعتمدها كموثقة تفسيرية في تفسير القرآن ولكننا نقف عندها ، ~~باعتبارها نموذجا من نماذج ذهنية بعض المفسرين القدامى في فهم النص القرآني ~~وتحليله. ومن خلال هذه الملاحظة نجد أن الروايتين الأوليين أقرب إلى جو ~~النص في الآية من الرواية الثالثة ، لأن سياق الآيات هو سياق الحديث عن أهل ~~الكتاب في موقفهم من الرسالة الإسلامية ومن نبوة النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنكارهم ما جاء في صفته في التوراة في محاولتهم ~~لإخفاء ذلك كله ، خلافا لما عاهدوا الله عليه في إيمانهم الديني من تبيانهم ~~الحق الذي أوصى الله به وعدم كتمانه ، وهو مظهر لتمردهم على الله في ~~أيمانهم المغلظة ضد النبي والقرآن ، ليحصلوا من خلال ذلك على الموقع المميز ~~بين اليهود ، لأن دخلوهم في الإسلام وإقرارهم بالحث قد يعرضهم لفقدان ذلك ، ~~لأن جماعتهم سوف يرتبطون بالنبي بشكل مباشر دون غيره من هؤلاء الزعماء الذي ~~عرفوهم بالانحراف والخداع ؛ والله العالم. # * * * PageV06P116 ### ||| ** الإسلام ونقض العهود # إن الحياة الاجتماعية ، في كل مجالاتها الحيوية ، ترتكز على أساس ~~المواثيق والعهود التي يفرضها الفرد على نفسه من خلال قناعاته ومرتكزاته ~~وحاجاته ، أو تفرضها المجتمعات على نفسها للآخرين ، في نطاق الدول أو ~~المؤسسات أو الجماعات ... وليس لهذه المواثيق والعهود قيمة في الوصول إلى ~~توازن الحياة من خلالها ، إلا في نطاق الالتزام بها والوفاء بمقتضياتها. ~~وقد أكد الله على ذلك في هذه الآية باعتبارها عهدا لله ، فمن ينقض أي ~~التزام في يمين أو عهد ، فإنه ms1109 ينقض عهد الله وذلك من خلال ما أمر الله به ~~من الوفاء بالعقود في قوله تعالى : ( @QUR@02 أوفوا بالعقود ) [المائدة : ~~1] وقد كنى عن نقض العهد واليمين بالاشتراء بهما ثمنا قليلا ، لأن الإنسان ~~لا ينقض عهده إلا لمصلحة مالية أو ذاتية في نطاق آخر ، فكأنه يأخذ عوض ~~العهد واليمين ثمنا من مال أو جاه أو شهوة أو غير ذلك مما يريده الناس من ~~عرض الحياة الدنيا ... # ونلاحظ اهتمام الإسلام الكبير بالعهد أنه في سورة براءة أعلن البراءة من ~~المشركين كافة ، واستثنى المعاهدين منهم ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 ~~إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) [التوبة : 4] وقوله تعالى : ( @QUR@019 كيف ~~يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ~~فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) [التوبة : 7] مما يوحي بأن قضية الوفاء ~~بالعهد في الإسلام لا تنظر إلى طبيعة من عاهدته من حيث عقيدته أو التزامه ~~أو سلوكه ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@03 لا خلاق لهم )، بل تنظر إلى ~~طبيعة التزام المسلم به كخلق إسلامي أصيل يفرض عليه مسئولية لا بد له من ~~القيام بها والوقوف عندها ؛ مما يعني أن معنى أن تكون مسلما هو أن تلتزم ~~بعهدك لأي إنسان كان. فإذا لم تفعل ذلك ، فإن عليك أن تتلقى هذا التنديد من ~~الله ، فتكون ممن لا خلاق لهم ولا نصيب في الآخرة ، لأن نصيب الآخرة هو ~~للذين حملوا مسئولية الإيمان في الدنيا في PageV06P117 # ما للناس عليهم من حقوق وواجبات ، وتكون ممن لا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ، بل يطردهم من رحمته ، ولا يزكيهم لأنهم لا يملكون ~~أساسا للتزكية ، بعد أن كانت نفوسهم غارقة في أجواء الخيانة ، ولهم عذاب ~~أليم بما قاموا به من أعمال وجرائم في نقضهم عهد الله وخيانتهم له. # * * * ### ||| ** تجارة خاسرة # ( @QUR@06 إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ) الذي عاهدوا الله عليه ~~من حيث إعلانهم التزام الدين الذي آمنوا به من خلال أخلاقيته في الوقوف مع ~~الحق ، وإبلاغه للناس ، وعدم ms1110 كتمانه على أساس العقدة الذاتية والطائفية ( ~~@QUR@02 ثمنا قليلا ) فاختاروا المتاع الزائل من المال أو الجاه وغيرهما من ~~متاع الدنيا الفانية ، وفضلوه على الوفاء بعهد الله والالتزام بالتقوى ، ~~لأنهم لم يفكروا تفكيرا دقيقا في نتائج هذا الموقف وتأثيراته السلبية على ~~مستقبلهم في علاقاتهم بالله في الدنيا والآخرة ، وأقبلوا على شهواتهم ~~وأطماعهم في عملية استغراق في الذات بعيدا عن الله وميثاقه ، مما لا يتناسب ~~من حيث حجمه في ذاته مع نعيم الآخرة ولذاتها ، لأن ما عند الله خير وأبقى ، ~~ورضوان الله أكبر. ولهذا عبر عن خيارهم الفردي بأنهم أخذوا به الثمن ~~القليل. ولعل التعبير بالاشتراء في اختيارهم جاء على سبيل الكناية من حيث ~~مشابهة ذلك الموقف لعملية البيع والشراء ، وإن لم يكن ذلك واردا بالمعنى ~~المصطلح ، ( @QUR@01 أولئك ) الناس الموجودون في كل زمان ومكان ( @QUR@03 ~~لا خلاق لهم ) في سلوكهم العملي المنحرف على مستوى العقيدة أو على مستوى ~~القضايا العامة والخاصة في العلاقات المالية والاجتماعية بين الناس ، ( ~~@QUR@02 في الآخرة ) أي في الدار الآخرة التي يحصل كل إنسان فيها على نتائج ~~مسئوليته في عمله في الدنيا ، إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر ، أي لا ~~نصيب لهم ولا حظ في يوم القيامة ، مما يحقق للإنسان سعادته وراحته ، لأن ~~ذلك هو الجائزة التي ينالها الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق على هدى PageV06P118 # قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا يكلمهم الله )، فلا يكرمهم بالتكلم معهم ~~بالطريقة الحميمة التي يكلم بها أولياءه ، فربما كان التعبير واردا على ~~سبيل الكناية ، لأن الكلام مع الشخص يعبر عن الإقبال عليه والاهتمام به ، ~~بينما يمثل ترك الكلام معه إهماله واعتباره شيئا مهملا لا يوحي بأية عناية ~~أو رعاية ؛ بل قد يكون مظهرا من مظاهر السخط والعقاب ، ( @QUR@05 ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ) أي لا يلتفت إليهم التفات المحب لمن يحبه ، لأن النظر ~~يمثل الانفتاح على المنظور إليه والاعتناء به ، فالفقرة واردة مورد الكناية ~~للتعبير عن الاستهانة بهم والسخط عليهم كما تقول : فلان لا ينظر إلى فلان ، ~~تريد بذلك نفي الاهتمام والاعتناء به والاعتداد بوجوده ms1111 ، تماما كما لو لم ~~يكن موجودا كليا. # وقد أثار صاحب تفسير الكشاف سؤالا حول الموضوع ، باعتبار أن الله لا يجوز ~~عليه النظر كما يجوز على الإنسان لأنه ليس جسدا بالمعنى الحسي للجسد ، قال ~~: «فإن قلت : أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز ~~عليه؟ قلت : أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية ، لأن من اعتد بالإنسان ~~التفت إليه وأعاره نظر عينيه ، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان ~~، وإن لم يكن ثم نظر ، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان ~~مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر» (1). # ( @QUR@02 ولا يزكيهم ) أي : لا يثني عليهم ، لأن الثناء على المؤمنين ~~العاملين بطاعة الله في خط الاستقامة ، وربما جاء في كلام بعض المفسرين أن ~~المراد من التزكية المعنى العملي ، أي : لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة ~~، بل تبقى هذه القذارة عليهم ليتحملوا نتائجها السيئة ، ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب أليم ) في الدنيا والآخرة. # * * * PageV06P119 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون ) (78) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلوون ): يميلون عن الاستقامة إلى الاعوجاج من خلال التحريف ~~في التفسير والزيادة والنقصان ، وأصل اللي : الفتل ، من قولك : لويت يده ~~إذا فتلتها ، ومنه : لويت الغريم لويا وليانا إذا مطلته حقه ، ومنه الحديث ~~: «لي الواجد ظلم». قال الراغب : «ولوى لسانه بكذا كناية عن الكذب وتخرص ~~الحديث» (1). # ( @QUR@01 ألسنتهم ): الألسنة : جمع اللسان على التذكير ، كحمار وأحمرة ~~، ويقال : ألسن على التأنيث ، كعناق وأعنق. PageV06P120 # ( @QUR@01 لتحسبوه ): أي : لتظنوه ، والفرق بين حسبت وزعمت ، أن زعمت ~~يحتمل أن يكون يقينا وظنا. وحسبت لا يحتمل اليقين أصلا كما جاء في مجمع ~~البيان (1). # * * * ### ||| ** انحراف عملي عند أهل الكتاب # ( @QUR@02 وإن منهم ) أي : من اليهود ، ( @QUR@01 لفريقا ) أي : طائفة لا ~~كلهم ، ( @QUR@06 يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ) من خلال ~~محاولة إيجاد بعض عناصر الشبه به في اللفظ أو المعنى ، ( @QUR@014 وما هو ~~من الكتاب ويقولون هو من عند ms1112 الله وما هو من عند الله ). # وهذه ظاهرة من ظواهر الانحراف العملي لدى أهل الكتاب ، من خلال ما كانوا ~~يقومون به من تحريف كلام الله ، وهو الذي أشارت إليه الآية بكلمة : ( ~~@QUR@03 يلوون ألسنتهم بالكتاب ) فإن اللي هو عطف الشيء ، ورده عن ~~الاستقامة إلى الاعوجاج على سبيل الكناية عن التحريف ... وذلك بالأساليب ~~الفنية التي يتقنونها ، بحيث يعطون الكلمة المحرفة بالزيادة أو النقصان ، ~~جوا يقترب بها من أجواء التوراة ، فيخيل للسامع أنها من الكتاب لشبهها ~~بكلماته وأجوائه ، ولكن المتأمل المتدبر الذي يعرف كتاب الله في أسلوبه ~~ومضمونه ومقاصده يستطيع أن يجزم بأن ذلك ليس من الكتاب ، لأنه يبتعد عنه في ~~ما يثيره من قضايا أو ما يتجه إليه من أهداف. وتلك هي طريقة القرآن في ~~توجيهه للمسلمين ولغيرهم لاستيعابهم للقرآن ، ليستطيعوا أن ينطلقوا من خلال ~~ذلك في معرفة معانيه من جهة ، وفي التمييز بين كلام الخالق وكلام المخلوق ~~من جهة أخرى. وفي ضوء ذلك يمكننا أن نلاحظ أن التحريف الذي ينسبه البعض إلى PageV06P121 # القرآن لم يتقبله إلا الذين أغلقوا عقولهم عن التفكير انطلاقا من قداسة ~~لا قداسة لها ، أو من رواية لا أساس لها ، أو من غفلة مطبقة لا يقظة بها ~~... أما المفكرون الذين يحللون الفكرة والكلمة والأسلوب فإنهم يكتشفون ~~الزيف بعقولهم من أقرب طريق ، لأن الفكر يقود إلى النور الذي يفضح كل ضباب ~~الشك والوهم المتحرك في العيون والأفئدة والأعماق ... # ... وتتحرك الآية في رصدها للظاهرة ، وفي تأكيدها على زيف مضمونها ؛ ~~فتكرر الفكرة بأسلوب آخر : ( @QUR@05 ويقولون هو من عند الله ) وتنفي ما ~~قالوه بتأكيد : ( @QUR@05 وما هو من عند الله ). ويتحول التأكيد إلى ~~مهاجمة للشخصية الكاذبة التي تختبئ خلف قناع من الصدق : ( @QUR@06 ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون ). ولا شيء أعظم خطرا من الكذب على الله ، لأنه ~~يجعل الحياة السائرة في طريقة تحت رحمة المفاهيم المزيفة المنحرفة المتحركة ~~في مسيرة البسطاء باسم الله وأنبيائه ورسله. # * * * ### ||| ** التحريف في آفاق المعنى # وقد ذهب بعض المفسرين إلى تفسير الآية بوجه آخر ، فاعتبر التحريف الذي ~~تشير إليه ms1113 الآية ، تحريفا في المعنى والتفسير وإعطاء اللفظ معنى غير المعنى ~~المراد. ولكن هذا غير ظاهر من اللفظ ، وإن كان الوجه صحيحا في نفسه ، فإن ~~التحريف في التفسير وإبعاد الكلمة عن معناها وصرفها عن وجهها ، لا يقل ~~خطورة عن التحريف في الكلمة ذاتها ، بالنظر إلى وحدة النتيجة في ما يريده ~~الله سبحانه من وضع الكلمة في موضعها ، من حيث اللفظ والمعنى ، من أجل أن ~~يصل الإنسان إلى وعي الحقيقة الدينية التي أوحى بها الله إلى رسله ، في ~~صفاء ونقاء ، وليرتبط بها من منطق الصدق والواقع ، لا من موقع الكذب ~~والباطل ... PageV06P122 # وقد عانت الكتب السماوية من المحرفين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، ممن ~~يسيئون إلى الدين بالإساءة إلى صفاء معانيه الأصيلة ، فيحملون اللفظ غير ما ~~يتحمل ، ويضيفون إلى الكلام ما لم يوح به الله. # ومن خلال ذلك ، انطلقت المذاهب الفكرية المتنوعة من التفسير المنحرف ~~والتأويل بالباطل ، فحاولت كل فئة أن تجعل الكتب السماوية دليلها على ما ~~تحاولها من فكر وسلوك ، وذلك بالأساليب الخادعة التي تستغل غموض الكلمة ~~وقابليتها للحمل على أكثر من معنى ، فتبعدها عن معناها الأصيل ومصاديقها ~~الصحيحة ... وقد عاش القرآن الكريم هذه المشكلة ، كما عاشتها الكتب ~~السماوية الأخرى ، فقد تحول لدى البعض من الناس من المتقدمين والمتأخرين ~~إلى معرض للأفكار المختلفة ، فحاول كل فريق أن يحمله على ما يريد ، وذلك ~~بالتحوير والتغيير والتأويل في المعنى ، إذا لم يستطع ممارسة ذلك باللفظ. # ولا تزال القضية المشكلة تفرض نفسها على الساحة القرآنية الإسلامية في ما ~~يعانيه المسلمون من حركة المبادئ المنحرفة عن خط الإسلام ، التي تحاول أن ~~تدخل إلى حياة المسلمين وأفكارهم على أساس تضمين القرآن الكريم في آياته ~~بعضا من أفكارها الضالة ، للإيحاء لهم بأن الإسلام يتبنى مثل هذه الأفكار ~~ويتعاطف معها ، فيكون ذلك لهم حجة على صحة ما يذهبون إليه من خط سياسي أو ~~اجتماعي أو اقتصادي في الحياة ، فينبغي للمسلمين أن يدققوا النظر في ذلك ~~ويتأملوا فيه ، على أساس القواعد اللفظية اللغوية والفكرية في فهم القرآن ~~في حقائقه ومجازاته. ms1114 فإن المجازات تحتاج إلى المناسبة القريبة بين المعنى ~~الذي وضع له اللفظ وبين المعنى الجديد الذي يراد استعمال اللفظ فيه مجازا ، ~~ولا يجوز استعمال اللفظ فيها من دون مناسبة ، أو بمناسبة لا يتحملها الذوق ~~السليم. # * * * PageV06P123 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@028 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) @QUR@013 ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) (80) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لبشر ): البشر : يقع على القليل والكثير ، فهو بمنزلة المصدر ~~مثل الخلق. تقول : هذا بشر ، وهؤلاء بشر ، كما تقول : هذا خلق وهؤلاء خلق ، ~~وإنما وقع المصدر على القليل والكثير لأنه جنس الفعل ، فصار كأسماء الأجناس ~~، مثل : الماء والتراب ونحوه. # ( @QUR@01 ربانيين ): الرباني : هو الرب يرب أمر الناس بتدبيره وإصلاحه ~~إياه يقال : رب فلان أمره ربابة وهو ربان ، إذا دبره وأصلحه ، ونظيره نعس ~~ينعس وهو نعسان. وأكثر ما يجيء فعلان من فعل يفعل فيكون العالم ربانيا لأنه بالعلم PageV06P124 # رب الأمر ويصلحه ، وقيل : إنه مضاف إلى علم الرب ، وهو علم الدين الذي ~~يأمره به إلا أنه غير في الإضافة ليدل على هذا المعنى ، كما قيل في الإضافة ~~إلى البحرين بحراني ، وكما قيل للعظيم الرقبة : رقباني ، وللعظيم اللحية : ~~لحياني ، فقيل لصاحب علم الدين الذي أمر به الرب : رباني (1)؛ وقيل : هو ~~الشديد التمسك بدين الله وطاعته. # ( @QUR@01 تدرسون ): تديمون القراءة والدرس والحفظ ، وأصله من : درس ~~الدار إذا بقي أثرها. وبقاء الأثر كما يقول الراغب «يقتضي انمحاءه في نفسه ~~، فلذلك فسر الدروس بالانمحاء ، وكذا درس الكتاب ، ودرست العلم : تناولت ~~أثره بالحفظ» (2). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : «قال الضحاك ومقاتل : نزلت في نصارى نجران ~~حين عبدوا عيسى ، وقوله ( @QUR@01 لبشر ) يعني : عيسى ، ( @QUR@04 أن يؤتيه ~~الله الكتاب ) يعني : الإنجيل. وقال ابن عباس في رواية الكلبي وعطاء : إن ~~أبا رافع اليهودي والرئيس من نصارى نجران قالا : يا محمد ، أتريد أن نعبدك ~~ونتخذك ربا؟ فقال رسول الله : معاذ الله أن يعبد غير ms1115 الله أو نأمر بعبادة ~~غير الله ، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني. فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ~~الحسن : بلغني أن رجلا قال : يا رسول الله ، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على ~~بعض ، أفلا نسجد لك؟ قال : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن ~~أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله. فأنزل الله تعالى هذه الآية» (3). # * * * PageV06P125 ### ||| ** ظاهرة التأليه # لقد حدث في التاريخ الديني القديم ، أن بعض الناس قد تطرفوا في تعظيم ~~الأنبياء الذين كانوا يملكون طاقات روحية كبيرة ، وينطلقون في حياة الناس ~~من خلال الدور العظيم الذي أوكل الله إليهم القيام به ، مما استلزم صدور ~~المعجزات على أيديهم لمواجهة التحدي الذي كان يوجه إليهم من قبل الكافرين ، ~~ولإثبات علاقتهم بالله من خلال النبوة فنشأ من بعدهم جماعة يؤلهونهم ~~وينسبون إليهم صفات الربوبية من خلال ما يدعونه لهم من أسرار خفية في ~~طاقاتهم ترتفع بهم إلى هذا المستوى ، كما حدث ذلك بالنسبة إلى عيسى ~~عليه السلام في ظاهرة التأليه والغلو التي امتدت إلى وقتنا هذا في ما يعتقده ~~النصارى من فكرة المسيح الإله. # وقد حدثت ظاهرة أخرى للتأليه ، وهي ما كان متعارفا لدى بعض العرب أو ~~غيرهم من تأليه الملائكة ، وذلك من خلال الأحاديث الدينية التي تتحدث عن ~~طاقاتهم الخارقة وقدراتهم الكبيرة في أوضاعهم وأشكالهم وأسرارهم. # وربما يتعلل هؤلاء وأولئك بانتماء هذا الفكر إلى الأنبياء ، فهم يدعون ~~الناس إلى أن يكونوا عبادا لهم ، بتقديم فروض العبادة لهم ، وبتقديسهم ~~بالمستوى العظيم الذي يرتفع بهم إلى مستوى الربوبية. وقد يحدث ذلك من خلال ~~ما يريد النبي لنفسه من قداسة وتأليه ، وقد يحدث ذلك من خلال ما يفرضه أحد ~~الأنبياء من توجيه الناس إلى عبادة نبي آخر ، أو في تأليه الملائكة ، وذلك ~~لما يثيره الأنبياء أمام الناس من قصص وتعليمات في عظمة الملائكة وقداستهم ~~التي تصل بهم إلى مستوى التأليه والربوبية. # * * * PageV06P126 ### ||| ** النبوة والرسالة # فكانت هاتان الآيتان من أجل أن يضع الله سبحانه الفكرة في موقعها السليم ~~، ليدفعنا إلى التفكير في بطلان هذا التعلل ببطلان ms1116 الأساس الذي يرتكز عليه. ~~( @QUR@07 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ) فإذا كان الله قد أرسل بشرا ~~بالكتاب الذي يفصل للناس حقائق الأشياء في شؤون العقيدة والشريعة والحياة ، ~~ليركز لهم المفاهيم الحقة على أساس من الوحي ... ( @QUR@01 والحكم ) وأتاه ~~الحكم ليفصل بين الناس في ما اختلفوا فيه من خلال تطبيق الفكرة على حركة ~~الواقع ، لئلا يضيع الناس في متاهات النظريات بعيدا عن التطبيق ، ( @QUR@01 ~~والنبوة ) وأعطاه النبوة التي هي سفارة النبي بين الله وبين خلقه من خلال ~~الوحي الذي ينزل عليه ... ( @QUR@09 ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ) فلا يمكن أن يرسل الله مثل هذا الإنسان ويختاره من بين عباده ، إلا ~~إذا كان متمتعا بالصفات العظيمة التي تبعده عن كل انحراف في التصور والسلوك ~~، وواعيا لدوره وموقعه وامتداد خطه الرسالي ، وعظمة الله في نفسه ، وضعة ~~نفسه أمام الله ، وشعوره العميق بالعبودية المطلقة أمام الألوهية المطلقة ؛ ~~لتكون رسالته منطلق خير وصلاح وإصلاح وتأكيد على الحقيقة في كل مجالاتها ~~الفكرية والعملية ... وفي هذا الاتجاه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة ~~نفسه من دون الله ، لأنه يعرف أن قدراته كلها ، مهما كانت عظمتها ، مستمدة ~~من الله سبحانه فإنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا بالله ؛ ولا يمكن أن ~~يدعوهم إلى اتخاذ الأنبياء الآخرين والملائكة أربابا من دون الله ، لأن ذلك ~~هو الكفر الصريح الذي لا يمكن أن يصدر من النبي الذي تتلخص رسالته في تحويل ~~الناس من الكفر إلى الإسلام ، لا في تحويلهم من الإسلام إلى الكفر. # إن النبي لا يمكن أن يدعو الناس إلى ذلك ، بل لا بد من أن يدعوهم إلى أن ~~يكونوا ربانيين متألهين ، يعلمون كتاب الله ويعملون به ويعلمونه للناس ~~الآخرين ليكون العلم للعقيدة وللعمل وللهداية. PageV06P127 # إن القرآن يناقش الفكرة بهذا الأسلوب الذي يصور القضية في مقام إثارتها ~~بطريقة أن ذلك ليس من حق النبي ، وليس من شأنه ، من أجل الإيحاء بأنه لا ~~يفعل ذلك ، لأنه لا يتجاوز حده الذي حدده الله سبحانه له ؛ وليس في مقام ms1117 ~~التنديد بمن يفعل ذلك من الأنبياء ، فإن الآية واردة في مقام الكناية. # * * * ### ||| ** الأنبياء يبرزون بشريتهم # وقد نستوحي من هاتين الآيتين أن الأنبياء لا يتحدثون عن أنفسهم كثيرا ~~للناس ليثيروا في حياتهم الشعور بالتعظيم والتقديس لهم ، بل هم على العكس ~~من ذلك يعملون على تأكيد جانب البشرية في ذواتهم بشكل صريح مؤكد ، ويبرزون ~~نقاط الضعف البشري بطريقة واضحة ... كما نجد ذلك في ما حكاه الله عن رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حوارة مع المشركين ، الذين طلبوا منه فعل بعض خوارق ~~العادة التي يقترحونها للدلالة على نبوته انطلاقا من عقيدتهم فيه بأنه مزود ~~بطاقات هائلة يستطيع أن يقوم من خلالها بكل شيء يطلب منه. فقد أجابهم بقوله ~~: ( @QUR@08 قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) [الإسراء : 93] ؛ وقوله ~~: ( @QUR@010 ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) ~~[الأعراف : 188] ( @QUR@07 إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ) [الأعراف : 203] ~~؛ وهكذا نلاحظ أن القرآن لم يتحدث عن الأنبياء إلا من خلال صفاتهم الذاتية ~~المتصلة برسالتهم ، كما حدثنا عن حركة الرسالة في حياتهم وما لاقوه من عنت ~~واضطهاد وتشريد ... وعن بعض نقاط الضعف البشري التي عاشوها في واقعهم ~~الداخلي والخارجي ، من أجل إبعاد الناس عن الضلال والغلو ، ليظل التصور في ~~العقيدة مشدودا إلى الواقع ، بعيدا عن كل ضروب الخيال والمثال الذي قد يطوف ~~في أخيلة الكثيرين وأفكارهم. PageV06P128 # ( @QUR@03 ما كان لبشر ) أي : ما ينبغي له ، فليس ذلك من شأنه في ما جعله ~~الله للبشر أيا كان من الشأن والموقع والدرجة ( @QUR@04 أن يؤتيه الله ~~الكتاب ) الذي أنزله عليه وكلفه بإبلاغه للناس ، ( @QUR@01 والحكم ) الذي ~~يرد منه التحرك في الساحة العامة للناس بإدارة أمورهم ، وحل مشاكلهم وفصل ~~القضايا في منازعاتهم ، ليكون الحاكم في ذلك كله باعتبار أن الله جعل ~~الرسول حاكما بين الناس كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) [النساء : 105]. وقوله تعالى ~~: ( @QUR@09 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) [المائدة : ~~49] ( @QUR@01 والنبوة ) وهي الرسالة التي أراد الله منه أن ms1118 يحملها للناس ~~ليبلغهم كلمات الله وتعاليمه وآياته ( @QUR@09 ثم يقول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله ) لأن الله يختار هؤلاء البشر من الصفوة الطيبة الخالصة من ~~بين الناس ، بحيث يعيشون التوحيد في كل وجودهم حتى يتحول إلى عنوان للذات ~~في الفكر والعاطفة والحركة والحياة كلها ، فلا مكان لغير التوحيد في ذواتهم ~~، وينطلقون من قاعدة الصدق في التزاماتهم بالحق ، في إحساسهم به في أنفسهم ~~ومع الله ومع الناس ، فهم الصادقون مع أنفسهم وربهم والناس من حولهم ، فلا ~~يتحدثون عن الله إلا بما بلغهم إياه ، ولا يبلغونهم إلا ما أوحى به إليهم ~~من دون زيادة ولا نقصان ولا تحريف ، فلا يمكن والحال هذه أن يستغرقوا في ~~عبادتهم لأنفسهم بحيث ينحرفون في التصور ليبتعدوا عن الإحساس بعبوديتهم لله ~~وربوبيته لهم ، فيطلبوا من الناس أن يعبدوهم من دون الله ، كما هو الحال ~~عند بعض الناس الذين ينطلقون في البداية من موقع الإصلاح ورسالة تغيير ~~الواقع على أساس الحق ، ثم يكبر موقعهم ، وترتفع درجتهم في الحياة ~~الاجتماعية والسياسية أو غير ذلك ، وتتضخم شخصيتهم عند الناس وعند أنفسهم ؛ ~~فيتصورون أنفسهم أربابا من دون الله ، فيدعون الناس إلى عبادة ذواتهم بدلا ~~عن الله. PageV06P129 # إن الأنبياء لا يفعلون ذلك ، بل لا يفكرون في ذلك ، لأنهم المعصومون عن ~~الخطأ والانحراف من خلال المستوى الأرفع للإيمان والطهارة والعصمة ، مما ~~يجعلهم بشرا يرتفعون بملكاتهم الروحية العملية عن البشر. وهذا ما حدثنا ~~الله به في حوارة مع عيسى عليه السلام يوم القيامة حول العقيدة التي حملها ~~بعض النصارى في اعتبار عيسى عليه السلام ربا ، وفي التعبد لأمه مريم ~~عليها السلام ، كما لو كانت في موقع الألوهية ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@074 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت ~~لهم إلا ما أمرتني به ms1119 أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) [المائدة : ~~116 117]. # فنحن نلاحظ في هاتين الآيتين ، أن عيسى عليه السلام يؤكد أن دعوة الناس ~~إلى عبادة ذاته ليس من حقه ، لأنه عبد الله الذي هو ربه وربهم ، وهو لم ~~يفعل ذلك بل كان منطقه منطق الرسول الذي يدعو الناس إلى عبادة الله بمقتضى ~~أمره له بذلك. وهذا هو التعبير الحي عما توحي به هذه الآية ، فلا يمكن لأي ~~نبي أن يتحدث بذلك فيدعو إلى نفسه ، بل إن حديثه أن يقول لهم ( @QUR@03 ~~ولكن كونوا ربانيين ) المنتسبين إلى الرب في انفتاحهم على الإيمان به ، ~~وعلى العلم المستمد من رسالاته ، وعلى الالتزام به بعبادته وتعاليمه من ~~خلال الوعي للحق في كل بنيانهم الفكري والروحي ، وربما أريد من الكلمة أن ~~يكونوا العلماء أو الحكماء أو الفقهاء الذين يربون الناس ويدبرونهم بما فيه ~~صلاح أمرهم من خلال دعوتهم إلى الأخذ برسالة الله في ثقافتهم وفي عملهم ~~وسلوكهم الخاص والعام ( @QUR@04 بما كنتم تعلمون الكتاب ) الذي أنزله الله ~~على رسوله وتبينونه للناس وتقدمون لهم حقائقه ( @QUR@03 وبما كنتم تدرسون ) ~~أسراره ومفاهيمه من خلال ما يبينه أمر عيسى أنه عبد الله ورسوله وروح منه ~~وكلمته ألقاها إلى مريم ، وأرسله إلى الناس ليبين لهم ما اختلفوا فيه من ~~الكتاب الذي PageV06P130 # أنزله الله على موسى عليه السلام ، فتفرق الناس من بني إسرائيل في تفاصيله ~~؛ وليحل لهم بعض الذي حرم عليهم ، وليتحرك بهم في خط التغيير الرسالي ~~للحياة لتكون على الصورة التي يرضاها الله وليكونوا أنصاره إلى الله في ~~الرحلة الطويلة التي تمثل مرحلة من مراحل مسيرة الأنبياء في مدى الحياة. ( ~~@QUR@07 ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) معطوف على قوله : ~~( @QUR@02 ثم يقول ) على قراءة النصب ، فلا يمكن للنبي الذي أرسله الله أن ~~يأمر باتخاذ الملائكة أربابا كما نسب إلى بعض الناس ، أو يدعو إلى اتخاذ ~~النبيين أربابا كما هو الحديث عن أن عزيز ابن الله أو أن المسيح ms1120 هو الله أو ~~ابن الله ( @QUR@02 أيأمركم بالكفر ) المتمثل بالدعوة إلى عبادة غير الله ( ~~@QUR@04 بعد إذ أنتم مسلمون ) مما تقودكم إليه الفطرة التي تفتح عقولكم ~~وقلوبكم على توحيد الله ، فيقف بينكم وبين فطرتكم حاجزا يبعدكم عن الإسلام ~~التوحيدي الذين هو دين الله في جميع رسالاته ؛ فإن الله لا يبعث من ينحرف ~~بالناس عن فطرتهم التي فطر الناس عليها ، بل يبعث من يقويها ويدعمها ويحرك ~~فيها كل المفردات التي تجعل الإنسان مستقيما على درب التوحيد في فكره وعمله. # * * * ### ||| ** الفكرة في خط التربية الإسلامية # وقد نحتاج إلى استيحاء هذا الأسلوب التربوي في دراستنا وأبحاثنا التي ~~ندرس فيها حياة الأنبياء والأئمة والأولياء ، فنستغرق في الجوانب العملية ~~من حركة الإسلام في حياتهم الشخصية والعامة ، لنبقى في خط الارتباط بالشخص ~~من خلال الفكرة والرسالة والعمل ، فيزيدنا ذلك ارتباطا بالخط الصحيح ، ~~وابتعادا عن مواطن الخطأ والضلال في الطريق ، ولا نستغرق في الأسرار الخفية ~~الغامضة التي يثيرها البعض في حديثه عن هذه الشخصية أو تلك ممن نعظم من ~~شخصيات الأنبياء والأولياء ، لأن الاستغراق في الجوانب الضبابية الغامضة التي PageV06P131 # لا نستطيع فهمها ولا تعقلها ، قد يؤدي بنا إلى الانحراف في التصور أو ~~الوصول إلى درجة الغلو ... # إن القضية ليست في واقعية هذه الصفات الممنوحة لهذه الشخصية أو تلك أو ~~عدم واقعيتها ، ليتجه الحديث إلى إثبات صحة ذلك بالروايات الصحيحة أو غير ~~الصحيحة في عملية نقاش علمي طويل ، بل القضية هي أن ذلك الأمر ليس من ~~ضرورات العقيدة ولا من فروض العمل ، فلما ذا نكلف أنفسنا الجهد والتعب في ~~الدخول في أبحاث ليس لها قيمة عقيدية أو عملية ، بل قد تؤدي في بعض الحالات ~~إلى ما يشبه عبادة الشخصية إذا لم تؤد إلى الغلو المفرط؟ عصمنا الله من ~~الزلل ، ووقانا شر الانحراف عن الخط الإسلامي في العقيدة والعمل. # * * * PageV06P132 ### ||| * الآيات # ( @QUR@033 وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم ms1121 من الشاهدين (81) @QUR@07 فمن ~~تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) @QUR@014 أفغير دين الله يبغون وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) (83) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 إصري ): ميثاقي وعهدي ، والأصر كما يقول الراغب عقد الشيء ~~وحبسه بقهره (1). والإصر : العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب ~~والخيرات. # * * * PageV06P133 ### ||| ** النبوات حلقات متصلة في سلسلة الوحي # ليست النبوات في ما أنزله الله سبحانه حركات بشرية منفصلة عن بعضها البعض ~~في الفكر والسلوك والهدف ، لتكون مضادة لبعضها البعض في ما اختلفت فيه ، ~~وليس الأنبياء بشرا يتحركون من خلال تجاربهم الخاصة وأفكارهم المحدودة ~~ونظراتهم المتنوعة في ما حولهم من قضايا الحياة لتكون القضية عندهم تنافسا ~~على تأكيد الذات وتنافرا في قضايا الدعوة في ما يختلف فيه فكرها وأسلوبها ~~... بل القضية هي أن النبوات حلقات متصلة في سلسلة الوحي الذي يريد للحياة ~~أن تتكامل فكرا وعملا وهدفا ، من خلال هذه الحلقات التي تمثل مجموعة ~~المراحل التي يكمل بعضها بعضا ؛ فلكل مرحلة بعض من فكر ، ونوع من أسلوب ، ~~ووجه من عمل ... وقد تختلف هذه في خصائصها التي تتنوع في حساب الزمن ، ~~ولكنها تلتقي في النتيجة والهدف في نهاية المطاف تبعا لطبيعة التكامل. أما ~~الأنبياء فهم القائمون على هذه المراحل ، الذين يتلقون وحي الله في وعي ~~وانفتاح ، ويعملون على أن تكون مرحلتهم استكمالا للمرحلة السابقة في ما نقص ~~منها في حساب الزمن الجديد الذي يفرض معطيات وحلولا جديدة لمشاكل طارئة ، ~~فلا يتعقدون من الرسالة السابقة لحساب موقع رسالتهم ، ولا يعيشون الشعور ~~السلبي تجاه الرسل الذين سبقوهم ، لأن القضية لا تمثل مواقع ذاتية لديهم ~~يحاول فيها اللاحق أن يلغي دور السابق ، وتعمل الحركة الجديدة على أن تنسف ~~الحركة القديمة ، بل هي قضية الرسالة الممتدة في الزمن في خطوط متصلة في ~~مواكب الأنبياء التي ترسم للحياة حركتها التي تتكامل وتتعانق وتتصاعد لتحقق ~~هدفها الكبير في لقاء الإنسان بالله. # وهكذا رأينا السيد المسيح عليه السلام يقول : جئت لأكمل الناموس ، كما ثبت ~~عن الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «إنما ms1122 بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق» (1)، مما يوحي بالحقيقة الرسالية التي تجعل من كل رسول عنصرا PageV06P134 # متمما للرسول الآخر. وقد جاءت هذه الآيات لتعبر عن هذه الحقيقة بأسلوب ~~مميز بارز ، وذلك بالتأكيد على أن الله أخذ العهد والميثاق على النبيين ، ~~أن يؤمن بعضهم ببعض ، وأن ينصر بعضهم بعضا من خلال التصديق بالرسالة الذي ~~يعلنه اللاحق للسابق ، سواء كان ذلك في نطاق وحدة الزمن ، أو في نطاق تعدده ~~، حيث تتمثل النصرة بالأمر بتصديقه من خلال اتباعه في ما يبشرهم ويدعوهم ~~إلى الإيمان به. # ( @QUR@05 وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) الذين أراد لهم أن يتحركوا في ~~الحياة من خلال الرسالة التي حملهم مسئولية إبلاغها للناس ، على أساس الخط ~~الواحد الذي يمثل المسيرة الواحدة التي يرتبط فيها آخر الزمن بأوله ، في ~~عملية تكامل في الفكر والعمل والحركة الواعية ، ليتوزع الأنبياء الأدوار ~~تبعا للرسالة التي تحدد للإنسان حاجاته في مدى المتغيرات الحادثة في امتداد ~~الزمن ، ( @QUR@05 لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) في خط النظرية من خلال ~~الكتاب ، وفي خط التطبيق من خلال الحكمة ، ( @QUR@03 ثم جاءكم رسول ) ~~برسالة جديدة وكتاب جديد وحكمة جديدة ، ( @QUR@03 مصدق لما معكم ) لأن ~~الكتب الموحى بها من قبلي ، والرسالات المنزلة على الناس مني ، لا تتناقض ~~ولا تختلف ولا يلغي بعضها بعضا ، بل تتكامل وتنفتح في مفاهيمها المتنوعة في ~~العقيدة والإنسان والكون والحياة ، ( @QUR@02 لتؤمنن به ) لأنه يمثل ~~الحقيقة الرسولية في مسيرة الرسالات ، مما يؤكد أن الإيمان يفرض وحدة الرسل ~~في شرعية الرسالة ، ( @QUR@01 ولتنصرنه ) بالدعوة إلى الإيمان به من قبل ~~اتباعهم في الخطوط العامة لرسالاتكم ، بحيث يرون أن الإيمان به ونصرته جزء ~~من الإيمان العام الذي ينتمون إليه. # وقد أكد القرآن هذا الميثاق في الحوار الذي دار بين الله وبين الأنبياء : ~~( @QUR@06 قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) والإصر : الميثاق ، ( ~~@QUR@04 قالوا أقررنا قال فاشهدوا ) على أممكم التي بلغتموها ذلك ، ( ~~@QUR@04 وأنا معكم من الشاهدين ) عليهم وعليكم. هذا يعني أن الأنبياء ~~استجابوا لله في إقرارهم الإعلاني ليبلغوا ذلك PageV06P135 # لأممهم حتى يؤكدوا ذلك في التزامهم الديني برسلهم ، لأن ميثاق الأنبياء ~~يتحول ms1123 إلى ميثاق يلتزمه المؤمنون بهم. # ( @QUR@04 فمن تولى بعد ذلك ) وأعرض ، وكان متمردا على الميثاق ، فهو وكل ~~من سار في هذا الاتجاه ( @QUR@03 فأولئك هم الفاسقون ) الذين تجاوزوا الحد ~~في ما أراد الله لهم أن يقفوا عنده. # ثم يطرح التساؤل في معرض الإنكار : ( @QUR@04 أفغير دين الله يبغون ) في ~~ما ينحرفون به من عقائد وأفكار ، وفي ما يعبدونه من أصنام وأشخاص عند ما ~~يكذبون الأنبياء تعصبا وعنادا بالباطل ، ويبتعدون عن خط الإسلام لله ؛ فيكف ~~ينكرون رسالتك التي بشر بها النبيون الذين يؤمنون بهم من قبلك في الوقت ~~الذي عرفوا أن الدين عند الله الإسلام الذي فرض على الإنسان إسلام العقل ~~والقلب واللسان والحركة ، وذلك بالانفتاح على كل الرسالات ، ومن بينها هذه ~~الرسالة التي جئت بها تأكيدا للخط الإسلامي الممتد في دروب الرسالات والتي ~~تصدق الرسل كلهم في رسالاتهم كلها؟!! # ( @QUR@07 وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ) من خلال قناعتهم ~~وإيمانهم الذي قادهم للانقياد لله والخضوع لربوبيته ووحدانيته ، ( @QUR@01 ~~وكرها ) من خلال إخضاعهم لذلك من ناحية عملية بالسيطرة فيمن يعقل ، أو ~~بالتدبير الذاتي الذي ركب في ذواتهم في ما لا يعقل إذا كانت الآية شاملة ~~لهما ، وعبر فيها بمن يعقل على سبيل التغليب ، ( @QUR@02 وإليه يرجعون ) ~~فيعرفهم ما عملوا وما قدموا ، فيجزي كل واحد بما عمل ، والله غالب على أمره ~~في كل شيء. # * * * PageV06P136 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (84) @QUR@013 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (85) # * * * ### ||| ** لا تفريق بين الرسل # في الآية الأولى ، تأكيد على مبدأ وحدة الرسالات ووحدة الرسل في قضية ~~الإيمان في صلب العقيدة الإسلامية ، لأن ذلك هو معنى الإسلام لله ، من خلال ~~ما تعنيه كلمة الإسلام ، وذلك لأن إنكار أي نبي أو أي كتاب من كتب الأنبياء ~~يعني إنكار حقيقة ثابتة من عند الله ، مما يؤدي إلى أن يكون التمرد هو طابع ~~الإنسان ms1124 المنكر أمام الله ، فلا مجال للتفريق بينهم في الإيمان على أساس ~~العصبية التي لا تستند إلى أساس من حقيقة بل ترجع إلى نوازع ذاتية مرضية ~~معقدة ، وذلك ليس شأن المسلم. PageV06P137 # وذلك قوله تعالى : ( @QUR@01 قل ) يا محمد لكل هؤلاء الذين يثيرون ~~الخلافات في الأنبياء ليفرقوا في الإيمان بين نبي ونبي ، فيلتزمون بنبوة ~~شخص وينكرون نبوة آخر ، في الوقت الذي يفرض الإيمان بالسابق الإيمان ~~باللاحق من خلال بشارته به ، وتصديق الآخر له ، قل لهؤلاء : إن الإيمان ~~الذي تدعو إليه هو الإيمان الشامل الذي يرتكز على الحجة الشاملة للجميع ، ( ~~@QUR@05 آمنا بالله وما أنزل علينا ) من الكتاب ( @QUR@08 وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) الذين يلتزمون الوحي الإلهي ~~النازل على إبراهيم في الصحف المنزلة عليه ( @QUR@03 وما أوتي موسى ) في ~~التوراة ، ( @QUR@01 وعيسى ) في الإنجيل ، ( @QUR@03 والنبيون من ربهم ) ~~كما في زبور داود ، ( @QUR@05 لا نفرق بين أحد منهم ) فهم جميعا رسل الله ~~في معنى إيماننا ( @QUR@03 ونحن له مسلمون ) بكل عقولنا وقلوبنا وإرادتنا ~~وحركتنا ، ولذلك فإننا نؤمن بالكتاب كله فلا عقدة عندنا من أي نبي من ~~أنبياء الله ، ولا مشكلة عندنا في أي كتاب من كتبه المنزلة. والعنوان ~~الكبير الذي يجمع إيمان الرسالات في وجدان إنساني واحد ، هو الانفتاح على ~~الله بكل الذات الإنسانية فلا تنغلق عنه في معنى العقيدة والشرعية والمنهج ~~والحركة والحياة ، بل تلتزمه في ذلك كله ، فهذا هو الدين الواحد المتنوع ~~الأبعاد. # * * * ### ||| ** الإسلام لله دين إنساني # أما الآية الثانية ، فإنها تدعو إلى أن يكون الإسلام لله هو الدين الذي ~~يرتضيه الإنسان لنفسه ، ليتحقق له من خلال ذلك الانقياد لأوامر الله ~~ونواهيه ، والخضوع لرسالات الله التي أرسل بها رسله. فمن لم يتخذ لنفسه ذلك ~~الخط ... ( @QUR@08 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه )، لأن الله ~~لا يقبل من الإنسان أن يختار لنفسه ما يشتهي ويريد في ما يقبل وما يرفض ، ~~فلا قيمة لقبوله حقيقة على حساب رفض حقيقة أخرى ، كما هو شأن الذين آمنوا PageV06P138 # بموسى عليه السلام ورفضوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما السلام ، وكما هو ms1125 شأن ~~النصارى الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام ورفضوا الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ... ( @QUR@05 وهو في الآخرة من الخاسرين ) الذين لم ~~يأخذوا بأسباب الربح في قضية المصير ، فوقعوا في قبضة الخسارة الدائمة في ~~العذاب الأليم. # * * * ### ||| ** الأسلوب الواقعي في وحدة الديانات # وقد يكون من الضروري لنا أن لا نستغرق في المجالات في طرح الحقائق ~~الدينية في حركة العقيدة ، كما يفعل البعض عند ما يطرحون وحدة الديانات ~~لتبرير الانحراف البارز في بعض الرسالات ، ولتمييع المواقف الفكرية التي ~~تريد أن تضع القضايا في مواقعها الحقيقية ؛ بل الأولى بنا أن نطرح الموضوع ~~من خلال الأسلوب القرآني الذي يجمع للإنسان الإيمان كله في مستوى الرسالات ~~المترابطة التي لا تنفصل حقائقها ولا تختلف إلا بحسب اختلاف طبيعة المرحلة ~~، وفي مستوى الرسل الذين يصدق بعضهم ببعض ، ويدعو كل واحد منهم أمته ~~للإيمان بالبعض الآخر وعدم التفريق بينه وبينهم ... فذلك هو ما نؤمن به ~~وندعو له ، وندفع الحوار نحو الوصول للقناعة المشتركة على أساس ذلك. وفي ~~هذا المجال نتطلع إلى معنى الإسلام بمعناه العام والخاص ، فنجد أنهما لا ~~ينفصلان عن بعضهما البعض في حركة رسالة النبي محمد ، لأن الإسلام بمعناه ~~العام يريد للناس أن يخضعوا للحقائق الثابتة التي تقف في طليعتها رسالة ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يمكن أن يكون الإنسان مسلما ثم ينكر ~~هذه الحقيقة الثابتة من قريب أو بعيد. # * * * PageV06P139 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) @QUR@09 أولئك جزاؤهم أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) @QUR@09 خالدين فيها لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) @QUR@011 إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) (89) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خالدين ): الخلود في اللغة طول المكث ، ولذلك يقال : خلد فلان ~~في السجن. وقيل للأثافي : خوالد ما دامت في مواضعها ، وإذا زالت لا تسمى ~~خوالد ، والفرق بين الخلود والدوام أن الخلود يقتضي طول المكث في نحو قولك ~~: خلد فلان في الحبس ولا يقتضي ms1126 ذلك الدوام ، ولذلك وصف سبحانه بالدوام دون ~~الخلود ، إلا أن خلود الكفار مراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة. PageV06P140 # ( @QUR@01 ينظرون ): الإنظار : التأخير للعبد لينظر في أمره ، والفرق ~~بينه وبين الإمهال أن الإمهال هو تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي عن ابن عباس : أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق ~~بالمشركين ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@07 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم ) إلى قوله : ( @QUR@03 إلا الذين تابوا )، فبعث بها قومه إليه ، ~~فلما قرئت إليه قال : والله ما كذبني قومي على رسول الله ، ولا كذب رسول ~~الله على الله ، والله عز وجل أصدق الثلاثة. فرجع ثانيا ، فقبل منه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركه (1). # ونلاحظ في هذه الرواية نقطة مهمة وهي قبول توبة المرتد ، وربما يرى البعض ~~أن المرتد الملي تقبل توبته ، ولعل الكثيرين في زمن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم هذا الشخص كانوا من الكافرين الذين أسلموا بحيث ~~لم يكن إسلامهم فطريا ليكون ارتدادهم عن فطرة ، ولكن الظاهر أن الآية مطلقة ~~لكل مرتد ، مليا كان أو فطريا ، لأن السياق يتحدث عن المبدأ العام وهو قبول ~~التوبة إلى الله في كل مورد من موارد الكفر والتمرد. # وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام كما في مجمع البيان ~~في سبب نزول هذه الآية ... أنها «نزلت في رجل من الأنصار يقال له حارث بن ~~سويد بن الصامت ، وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا ، وهرب وارتد عن ~~الإسلام ولحق بمكة ، ثم ندم ، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : هل لي من توبة؟ فسألوا ، فنزلت الآية إلى قوله : ( ~~@QUR@03 إلا الذين تابوا ) فحملها إليه رجل من قومه ، فقال : إني لأعلم أنك ~~لصدوق ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV06P141 # أصدق منك ، وأن الله أصدق الثلاثة. ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه» (1). # * * * ### ||| ** الإيمان قضية ومصير # إن الله يفتح للإنسان أبواب الهداية من خلال البينات التي تجتمع لديه ، ~~والبراهين التي ms1127 تحصل عنده ، مما لا يبقى معه شك ولا ريب. وبذلك تنطلق ~~الدعوة إلى الإيمان ، كعقيدة وموقف ، من موقع القناعة الثابتة المرتكزة على ~~أساس الحجة الواضحة. وفي هذا الجو الذي تقوم فيه الحجة عليه ، لا يسمح الله ~~له بالسلبية واللامبالاة فضلا عن الإنكار والعناد ، فإن الإيمان يمثل قضية ~~المصير الذي لا مجال للتلاعب به ، وقضية الحياة التي يرتبط فيها سلوك الفرد ~~بسلامة المجتمع ، الأمر الذي يجعل منه شيئا أساسيا ، ويعطي صفة التمرد ~~والمكابرة لمن ينحرف عنه. وقد عالج القرآن في هذه الآيات الموقف الإلهي من ~~هؤلاء ، فتساءل في البداية عن جو الإنكار ( @QUR@011 كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ) فقد أقام الله لهم الحجة التي ~~فرضت عليهم الإيمان في أعماقهم والشهادة الداخلية في كيانهم والإعلان عن ~~ذلك بألسنتهم ؛ فقد دخلوا في الإسلام وأصبحوا جزءا من مجتمع المسلمين ، فلا ~~مجال للشك والشبهة بعد أن كانت القضية في مستوى الوضوح الكبير. ولكنهم ~~كفروا وأظهروا الكفر ، فكيف يهديهم الله ، في الوقت الذي لا يريدون فيه ~~لأنفسهم السير في طريق الهدى ، وظلموا أنفسهم بكفرهم. وقد جرت حكمة الله أن ~~يقود الإنسان إلى الهداية من طريق الاختيار والإرادة والحجة والبرهان ... ~~فإذا تمت لديه عناصرها ثم انحرف عنها غرورا وطغيانا وكبرا ، فإن الله يتركه ~~لنفسه ولا يتدخل بطريقة غيبية لفرض الهداية عليه على أساس الجبر ، ( ~~@QUR@02 وجاءهم البينات PageV06P142 # @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) بعد أن قامت عليهم الحجة من قبله. # أما جزاء هؤلاء المتمردين فتحدده الآية الثانية ( @QUR@018 أولئك جزاؤهم ~~أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين* خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون ) لأنهم تمردوا على الله الذي خلقهم ورزقهم وأفاض ~~عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، وفتح لهم أبواب الخير والهداية بأوسع مما بين ~~السماء والأرض ، فاستحقوا غضبه وسخطه واحتقار الملائكة والناس ، لأنهم هم ~~الذين قادوا أنفسهم إلى موقع الحقارة الذاتية والعملية بكفرهم بالله ؛ ولكن ~~الله لا يغلق عنهم أبواب الرجوع إليه ، فإن أبواب التوبة مفتوحة لمن أراد ~~أن يتوب إلى الله ويصلح ms1128 أمره وعمله ، لأن الكفر لا يمثل عند الله عقدة لا ~~انفكاك لها ، كما هو شأن البشر الذين تتحرك العقدة في نفوسهم فتمنعهم عن ~~العفو والصفح والمغفرة ، بل الكفر يمثل الانحراف عن خط الحق ، فإذا استقام ~~الإنسان في خطه بعد انحرافه كانت رحمة الله له بالانتظار لتشمله باللطف ~~والرضوان ؛ وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@011 إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) لأنه أهل المغفرة والرحمة ، فقد سبقت رحمته ~~غضبه في كل مجال كان للرحمة سبيل. # ونلاحظ في الحديث عن الإصلاح مع التوبة ، أن التوبة لا بد من أن تتحرك في ~~نفس الإنسان كوسيلة من وسائل التغيير الوجداني الفكري ، الذي يتحول إلى ~~حالة في التغيير الواقعي في خطوات الإنسان العملية وممارساته ، فلا بدله من ~~أن يمحو الماضي المنحرف بالحاضر المستقيم ، لتكون عملية التوبة وسيلة من ~~وسائل محو الماضي الأسود بالواقع الجديد الأبيض ، فلا تكفي التوبة باللسان ~~ما لم يصدقها العمل الصالح الذي يمثل عملية الإصلاح في الداخل والخارج. # * * * PageV06P143 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون (90) @QUR@024 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين ) (91) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قيل كما في مجمع البيان «نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد لما رجع ~~الحرث قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا ، فمتى ما أردنا الرجعة ~~رجعنا ، فينزل فينا ما نزل في الحرث ، فلما افتتح رسول الله وآله مكة ، دخل ~~في الإسلام من دخل منهم ، فقبلت توبته ، فنزل فيمن مات منهم كافرا : ( ~~@QUR@06 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) (1). # * * * PageV06P144 ### ||| ** التوبة المرفوضة # ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) بالله ورسوله واليوم الآخر ( @QUR@02 بعد ~~إيمانهم ) الذي أعلنوه فدخلوا في المجتمع الإسلامي من خلاله رغبة أو رهبة ، ~~ثم خرجوا منه بعد أن حصلوا على ما يريدون ، أو أمنوا مما يخافون منه ، ( ~~@QUR@03 ثم ازدادوا كفرا ) من خلال العقدة الحاقدة في داخل نفوسهم ، لا ~~سيما بعد ms1129 أن دخلوا من جديد في مجتمع الشرك الذي أرادوا التكفير أمامه عن ~~إيمانهم وإسلامهم ، فعملوا على التشديد في كلماتهم القاسية ضد الإسلام ~~ومواقفهم العدوانية ضده ، ( @QUR@03 لن تقبل توبتهم ) لأن مثل هذا العمق ~~العدواني ، وهذا الانتقال السريع من الإيمان إلى الكفر الذي تطور إلى زيادة ~~في مضمونه وحركته ، ويوحي بأنهم لا يملكون الجدية في إيمانهم ، فلم يدخل ~~إلى قلوبهم ، بل كانت المسألة تمثيلية للوصول إلى أغراضهم الخبيثة ، مما ~~يعني أن إيمانهم الجديد الذي تعبر عنه التوبة لن يكون بأفضل من إيمانهم ~~القديم الذي أعقبه الكفر ، فهم اللاعبون على خط الكفر والإيمان ، ( @QUR@03 ~~وأولئك هم الضالون ) التائهون في تمزقات مشاعرهم التي لا تثبت على قاعدة ~~ولا تتحرك في الاتجاه المستقيم. # أما الذين يموتون وهم كفار ، ويفاجئهم الموقف بالعذاب الشديد ، فسيحاولون ~~أن يدفعوا عن أنفسهم ذلك بكل أنواع الفدية ، أو يتمنون ذلك ، ولكن الله ~~يحسم الموقف فلا مجال للفدية مهما عظمت ، فلا يقبل منهم شيء منها حتى لو ~~جاءوا بملء الأرض ذهبا ، لأن خطيئة الكفر لا يفتديها شيء ، فإن الله ( ~~@QUR@011 لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء : 48] ، ~~فلا مفر من العذاب الذي هو جزاء الكافرين ، ولن ينصرهم أحد من دون الله ، ~~لأن الأمر كله يؤمئذ بيد الله. # ( @QUR@06 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) فلم يتوبوا عن خطيئة الكفر ~~في نهاية الحياة ، ( @QUR@010 فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى ~~به ) يوم القيامة ، لأن جريمة الكفر لا يفتديها شيء لأنها تعلو كل جريمة ، ~~فلا مجال للتخفيف PageV06P145 # عنها بأي ثمن. وما قيمة الذهب عند الله أمام تمردهم عليه ومحاربتهم له؟! ~~( @QUR@04 أولئك لهم عذاب أليم ) جزاء كفرهم بالله وبرسالته ( @QUR@04 وما ~~لهم من ناصرين ) فلا قوة لأحد أن ينصر أحدا حتى نفسه من الله الذي يملك ~~الأمر كله ، ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) ~~[الانفطار : 19]. # * * * ### ||| ** الإيمان والكفر موقفان عمليان # ومن هنا ، فإن الكفر أو الإيمان في مفهوم الإسلام ليسا شيئا يتحرك في ~~داخل النفس على أساس العقيدة الكامنة في ms1130 الأعماق فحسب ، بل هما موقفان ~~عمليان في ما يتخذه الإنسان من مواقف ، وما يمارسه من أعمال. وفي ضوء ذلك ~~يمكننا أن نفهم أن الكفر وازدياده اللذين تتحدث عنهما الآية ، لا يراد ~~منهما المعنى الداخلي فقط ، بل يتحركان من موقع العقيدة والموقف ، وبذلك ~~يتضح معنى زيادة الكفر ... أما عدم قبول توبتهم والحكم بضلالهم بشكل حاسم ، ~~فالظاهر منها والله العالم التوبة التي لا تتمثل في موقف وقناعة ، بل تتمثل ~~في المظهر الزائف الذي يحاول أن يغطي واقعه بالتوبة ليستطيع من خلال ذلك ~~الدخول في صميم المجتمع الإسلامي ، فيلعب فيه ما شاء له اللعب بعد أن يحصل ~~على ثقته بالتوبة. وتلك توبة لا يقبلها الله ، لأنها صورة توبة كجزء من خطة ~~الكفر والضلال. # أما كيف نستوحي هذا المعنى من الآية ، فتوضيحه أن الله يتحدث عن هذا ~~النموذج من الناس ، بأنهم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ، مما يدل على أن ~~حياتهم لا تسير في الاتجاه الجاد على أساس مسئولية العقيدة والإيمان ، فهم ~~يتحينون الفرص للانحراف ما امتدت لهم ولا يقفون في ذلك عند حد ، بل يتصاعد ~~الكفر العملي عندهم ويتزايد حتى يتحول إلى ظاهرة خطرة في حياة المجتمع الذي ~~يعيشونه فيه. فالموقف لديهم ليس طارئا ، بل هو كامن في PageV06P146 # الأعماق كعقدة متأصلة في الداخل بحيث تحرك الإنسان حركة مرضية في جانب ~~السلب والإيجاب. # وقد نستلهم ذلك من ملاحظة الحديث عن الفئة الأولى التي كفرت بعد إيمانها ~~، ثم تابت وأصلحت ، فقبل الله توبتها لأنه علم صدقها من خلال تعقب التوبة ~~بالإصلاح ، مما جعل الموقف موقف جد وصدق. أما هذه الفئة فإنها لم تكتف ~~بالكفر بل ازدادت كفرا وعبثا وضلالا ، مما جعل الموقف موقف تمثيل وضلال لا ~~مجال فيه للحق وللصدق. وبهذا نفهم الفرق بين الآية السابقة وهذه الآية ؛ ~~والله العالم بحقائق آياته. وربما يكون المراد من عدم قبول توبتهم في حالة ~~اليأس معاينتهم الموقف في الآخرة كما عن بعض المفسرين ولكن هذا لا يتضح من ~~ظاهر الآية ، بل يبدو أنها تتحدث عن حالتهم في ms1131 الحياة في وجودهم داخل ~~المجتمع الإسلامي ، وقبول المجتمع لهم بقبول الله لتوبتهم كما يحاولون . # * * * PageV06P147 ### ||| * الآية # ( @QUR@015 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن ~~الله به عليم ) (92) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 البر ): التوسع في فعل الخير ، ومنه البر هو خلاف البحر ، ~~لسعته. والبر : كلمة جامعة لكل صفات الخير ، قال صاحب المجمع : «والفرق بين ~~البر والخير ، أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك ، ~~والخير يكون خيرا وإن وقع عن سهو ، وضد البر العقوق ، وضد الخير الشر» (1). # * * * PageV06P148 ### ||| ** العطاء قيمة إنسانية وخلق أصيل # العطاء هو إحدى القيم الإنسانية التي أراد الله للإنسان أن يعيشها في ~~حياته كخلق أصيل من سمات الشخصية التي يتصف بها بحيث تصدر منه المواقف بشكل ~~عفوي ، فيعطي الإنسان لأنه يحس بالحاجة إلى ذلك من خلال إنسانيته التي ~~تدفعه إلى ذلك ، وإذا أعطى فإنه لا يختار الأشياء التي تعافها نفسه ويكرهها ~~طبعه فيمنحها للآخرين ، لأن ذلك ليس مظهرا للعطاء بل هو وسيلة من وسائل ~~التخلص من هذه الأشياء باسم العطاء ، بل يختار الأشياء التي يحبها ويريدها ~~مما هو أثير عنده وقريب إلى حاجاته وضروراته ، فإن ذلك يحمل معنى التضحية ~~التي يتمثل فيها روح العطاء السمح بأعلى مظاهرها. # وقد جاء في مجمع البيان ، أن عليا عليه السلام اشترى ثوبا فأعجبه ، فتصدق ~~به وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من آثر على نفسه آثره ~~الله يوم القيامة بالجنة ، ومن أحب شيئا فجعله لله قال الله تعالى يوم ~~القيامة : قد كان العباد يكافؤون في ما بينهم بالمعروف ، وأنا أكافيك اليوم ~~بالجنة» (1)، ويروى عن الحسين بن علي والصادق عليهم السلام أنهما كانا ~~يتصدقان بالسكر ويقولان : إنه أحب الأشياء إلينا وقد قال الله تعالى : ( ~~@QUR@015 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله ~~به عليم ). # * * * ### ||| ** الإنفاق والتكافل الاجتماعي # والإنفاق لا يقتصر على المال وإن كان الظاهر من الآية المال خاصة بل يريد ~~الله للإنسان أن ينفق من كل ما يحتاجه الناس مما ms1132 هو عنده من مال أو PageV06P149 # جاه أو علم أو قوة أو غير ذلك ، فإن السر في عظمة الإنفاق في الإسلام هو ~~تحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس في جميع المجالات من موقع المسؤولية ~~والرغبة في القرب من الله. وقد أراد الله سبحانه أن يعرف الإنسان بأن للبر ~~طريق رئيسي هو أن ينفق مما يحب ، كما عرفه بأن الله عليم بما ينفقه في السر ~~والعلانية ، وبالتالي لا يجب عليه أن يقف الإنسان في الإنفاق عند حد ~~الأشياء الظاهرة ، بل ينبغي له أن يراعي طبيعة الحال في ما تستلزمه من ~~إسرار أو إعلان ، فإن الجزاء يصل إليهما ممن عنده علم السر والعلانية ، إنه ~~أرحم الراحمين. # * * * ### ||| ** لا ينال البر إلا بالإنفاق # ( @QUR@03 لن تنالوا البر ) الذي يمنحه الله عباده من الرضوان ونعيم ~~الجنة ، وربما كان المراد بالفقرة أن الإنسان لا يصل إلى درجة البر بحيث ~~يكون من الأبرار ، أو إلى مستوى البر بالله وهو الطاعة والتقوى الدالان على ~~عمق الإيمان والإخلاص لله في نفسه وحياته ، ( @QUR@04 حتى تنفقوا مما تحبون ~~) من المال الطيب الذي تفضلونه ، وتحبونه ، وتميزونه عن غيره بكل درجاته ، ~~بحيث لا تنفقون قدر الحاجة بل ما يزيد عليها أيضا ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو ) [البقرة : 219] ومن اختيار الطيب ~~في مقابل الخبيث كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) [البقرة : 267] حتى تصل المسألة ~~إلى درجة الإيثار الذي يعطي الإنسان من نفسه بما قد يؤدي إلى تفضيل الآخر ~~على نفسه كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ) [الحشر : 9] ، وقوله تعالى : ( @QUR@04 ويطعمون الطعام على حبه ) ~~[الإنسان : 8] ، أي مع حاجتهم إليه وحبهم له ، وهذا هو الذي يمثل أعلى ~~درجات البر ، لأنه يوحي بأن الإنسان قد وصل إلى درجة فقدانه للإحساس بحاجته ~~واستغراقه في حاجة الآخرين من أجل رضوان الله ، وذلك في PageV06P150 # عملية مقارنة بين حاجة الدنيا إلى المال وحاجة الآخرة إلى رضوان الله ، ~~وهذا يتمثل في الشهادة التي هي أعلى درجات ms1133 البر. وقد ورد في الحديث «فوق كل ~~ذي بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله فليس فوقه بر» (1). ( @QUR@04 وما ~~تنفقوا من شيء ) سرا وعلانية ( @QUR@04 فإن الله به عليم ) لأنه الذي يستوي ~~لديه السر والعلن ، فكل الأشياء مكشوفة عنده بارزة في علمه الذي لا يغيب ~~عنه شيء ، وفي ذلك إيحاء بأن الله لا يضيع إنفاقكم بل يجزيكم عليه لأنه ~~يعلمه بكل تفاصيله. # * * * ### ||| ** دروس وعبر # وقد جاء في مجمع البيان قال : «روي أن أبا طلحة قسم حائطا له في أقاربه ~~عند نزول هذه الآية ، وكان أحب أمواله إليه ، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : بخ بخ ، ذلك مال رابح لك ، وجاء زيد بن حارثة بفرس ~~له كان يحبها ، فقال : هذه في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد ، فكأن زيدا وجد في نفسه ، وقال : إنما ~~أردت أن أتصدق به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما إن الله قد ~~قبلها منك. وأعتق ابن عمر جارية كان يحبها ، وتلا هذه الآية ، وقال : لولا ~~أني لا أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها ، وأضاف أبو ذر الغفاري ضيفا ~~فقال للضيف : إني مشغول وإن لي إبلا فاخرج وائتني بخيرها ، فذهب فجاء بناقة ~~مهزولة ، فقال له أبو ذر : خنتني بهذه ، فقال : وجدت خير الإبل فحلها ، ~~فذكرت يوم حاجتكم إليه ، فقال أبو ذر : إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في ~~حفرتي ، مع أن الله يقول : ( @QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~) وقال أبو ذر : في المال ثلاثة شركاء : القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها ~~أو شرها من هلك أو موت ، والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم ، وأنت PageV06P151 # الثالث ، فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن ، إن الله يقول : ( ~~@QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن هذا الجمل كان مما أحب ~~من مالي ، فأحببت أن أقدمه لنفسي» (1). # وجاء في تفسير أبي الفتوح الرازي ، أنه كان لزبيدة زوجة هارون ms1134 الرشيد ~~مصحف ثمين جدا ، قد زينت غلافه بأغلى أنواع المجوهرات والأحجار الكريمة ، ~~وكانت تحبه حبا شديدا وتعتز به أكثر اعتزاز ، وفيما هي تتلو القرآن في ذلك ~~المصحف ذات يوم ، مرت على قوله تعالى : ( @QUR@03 لن تنالوا البر ) فأوحى ~~لها ذلك بأن تبيع أحجاره الكريمة وجواهره النفيسة باعتبار أنها أحب شيء ~~لديها لتنفق ثمنها في سبيل الله ، وهكذا حفرت الآبار والقنوات في الصحراء ~~ليشرب الناس الساكنون في الصحراء والمارون فيها منها (2) انسجاما مع جو هذه الآية. # وهكذا نجد أن هذه الآية قد تركت أثرا كبيرا في نفوس المسلمين ، فتحولت ~~إلى ذهنية تنفتح على الخير وسلوك يتحرك في اتجاهه ، وحركت الخطط للتغيير ، ~~وهذا ما ينبغي للعاملين في سبيل الله أن يستهدفوه في حركة الدعوة باللجوء ~~إلى الأساليب الفنية التي تفتح القلب على الله من خلال الانفتاح على آياته ~~، وتقود الواقع إلى تحقيق المبادئ الخيرة في شريعة الله ، لتتحول الحياة في ~~المجتمع الإسلامي إلى حياة إسلامية حية تختزن كل الإسلام في وجدانها ~~وحركتها وسلوكها العملي. # * * * PageV06P152 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) ~~@QUR@011 فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) ~~@QUR@011 قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) (95) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاتبعوا ): الاتباع : لحاق الثاني بالأول لما به من التعلق ، ~~فالقوة للأول والثاني يستمد منه ، والتابع ثان متدبر بتدبير الأول متصرف ~~بتصريفه في نفسه. # ( @QUR@01 حنيفا ): أصل الحنيف : الاستقامة ، وإنما وصف المائل القدم ~~بالأحنف تفاؤلا ، وقيل : أصله الميل ، فالحنيف هو المائل إلى الحق في ما ~~كان عليه إبراهيم عليه السلام من الشرع. # * * * PageV06P153 ### ||| ** مناسبة النزول # في أسباب النزول في ما ورد من حديث التفسير ، أن هذه الآيات جاءت ردا على ~~اليهود الذين يحرمون لحوم الإبل وألبانها ، زعموا بأن ذلك كان محرما في دين ~~إبراهيم وأولاده ، واعتراضا منهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ~~أحلها في الوقت الذي يقول فيه إنه ms1135 على ملة إبراهيم. # فقد جاء في أسباب النزول للواحدي : «قال أبو روق والكلبي : نزلت حين قال ~~النبي : أنا على ملة إبراهيم ، فقالت اليهود : كيف وأنت تأكل لحوم الإبل ~~وألبانها؟ فقال النبي : كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله ، فقالت اليهود : ~~كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه ، فإنه كان على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. ~~فأنزل الله عز وجل تكذيبا لهم : ( @QUR@06 كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) ~~الآية» (1). # * * * ### ||| ** تحريم ذاتي لا تشريعي # كانت هذه الآيات من أجل أن تضع القضية في موضعها من الحقيقة الدينية ~~التاريخية ، وهي أن الله لم يحرم على بني إسرائيل شيئا قبل نزول التوراة ، ~~بل كانت الأطعمة كلها حلالا منذ عهد إبراهيم حتى عهد يعقوب الذي هو إسرائيل ~~، الذي منع نفسه من بعض الأطعمة لأنه يعافها أو يتضرر منها لا على أساس ~~التحريم الشرعي ، فإنه أعظم قدرا من أن يحرم على نفسه شيئا قد أحله الله له ~~، وهكذا استمرت الشريعة قبل نزول التوراة ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) لأن الله لم يحرم منه شيئا عليهم ( ~~@QUR@04 إلا ما حرم إسرائيل ) وهو يعقوب ( @QUR@02 على نفسه ) تحريما ذاتيا ~~لها من الناحية المزاجية ، فإن PageV06P154 # الإنسان قد يمنع نفسه من بعض الأشياء المحللة من أجل بعض الجوانب النفسية ~~، بعيدا عن عالم التحريم والتحليل ، وكان ذلك : ( @QUR@05 من قبل أن تنزل ~~التوراة ). # * * * ### ||| ** أساليب الزيف والمراوغة # ولما نزلت التوراة حرمت بعض الأشياء عقوبة لهم على ما قاموا به من بعض ~~المعاصي ، كما أشار إليه الله سبحانه في قوله تعالى : ( @QUR@014 فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ) ~~[النساء : 160] وحرمت عليهم أشياء أخرى منها ما ذكره الله في قوله : ( ~~@QUR@028 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ~~ببغيهم وإنا لصادقون ) [الأنعام : 146] ولم يرد في التوراة تحريم لحم الإبل ~~، فكيف يدعون تحريمها وينكرون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms1136 حليتها. ~~ثم أطلق التحدي في وجوههم : ( @QUR@07 قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين ) ولكنهم لم يثبتوا أمام التحدي لأنهم يعرفون نتيجة ذلك في إظهار ~~كذبهم وزيف دعاويهم. # وهذا أسلوب لا بد من مراعاته واتباعه مع الناس الذين ينسبون إلى الشريعة ~~تحليل شيء غير موجود فيها ، أو ينكرون وجود بعض العقائد الباطلة في كتبهم ، ~~وهي موجودة فيها ، وذلك كبعض الملحدين الذين يتحركون في وضع سياسي واقتصادي ~~معين ؛ فإذا تحدث إليهم متحدث بما عندهم من ذلك ، وخافوا أن تعطل هذه ~~القضايا بعض خططهم وأهدافهم ، أنكروا وجودها اعتمادا على أن الناس لا ~~يقرءون ، أو أنهم لا يصلون إلى هذه الكتب ، فيمكن للعاملين في سبيل الدعوة ~~إلى الله أن يطلبوا منهم إبراز كتبهم أمام الناس ليظهروا ما فيها من شؤون ~~العقيدة في عالم الإلحاد والإيمان ، ليبرز من ذلك زيفهم وبطلان PageV06P155 # أساليبهم الخادعة. فإذا وضحت الحقيقة من خلال ذلك ، أو من خلال هروبهم عن ~~إظهارها ، فلا بد من أن يقفوا وقفة الصدق أمام الحقيقة الواضحة. ( @QUR@011 ~~فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) الذين يظلمون ~~أنفسهم ويظلمون الحقيقة والناس الذين يريدون الارتباط بالحقيقة على أساس ~~الحجة والبرهان. # * * * ### ||| ** امتداد رسالي # وتنتهي الآيات بالأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤكد موقفه الذي حاول ~~اليهود أن يثيروا الريب والشكوك من حوله ، للإيحاء بأنه ليس من عند الله ، ~~ولهذا جاء التأكيد بقوله : ( @QUR@03 قل صدق الله ) فإن قول النبي هو قول ~~الله ، لذلك كان التشكيك به تشكيكا بقول الله كما أن تصديق الله يستلزم ~~التصديق به. ثم أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيف المخلص المائل عن الباطل إلى ~~الحق ، لأن ملته هي الإسلام في نطاقه الشامل الذي يستوعب كل الرسالات في ~~مراحلها المتنوعة المتدرجة. # ( @QUR@03 فاتبعوا ملة إبراهيم ) التي تمثل ملة النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما تمثله من الامتداد الرسالي لتلك الملة التي تجمع ~~في داخلها الخطوط العامة لكل ما يريد الله أن يلتزموه في المعنى التوحيدي ~~الشامل من حيث الفكر والعمل ، ( @QUR@01 حنيفا ) منفتحا ms1137 على خط الاستقامة ~~في طريق الحق المائلة عن خط الباطل ، فقد كان يمثل التوحيد الخالص عقيدة ~~ومنهجا وعبادة وحركة في الجانب العملي من الحياة ، ( @QUR@04 وما كان من ~~المشركين ) فقد كان ثورة على الشرك كله بكل قوة ، حتى أنه عادى قومه وأباه ~~في سبيل ذلك. # وقد دعا في نهاية المطاف إلى اتباع ملة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~باعتبار أنها تمثل إرادة الله الأخيرة في خط الرسالات ، مما يجعل اتباعها ~~إسلاما لله الواحد ، وتجسيدا للتوحيد الحق الذي تلتقي لديه كل منطلقات ~~الحياة الخيرة وتخضع PageV06P156 # له ، فذلك هو خط إبراهيم عليه السلام التوحيدي الذي يرفض كل شرك سواء كان ~~شركا مباشرا كشرك المشركين من قريش وغيرهم ، أو كان شركا غير مباشر كشرك ~~أهل الكتاب في عقيدتهم بالمسيح وغيره. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # وربما نستوحي من هذه الآية في خط الدعوة أن علينا مواجهة الفئات المنحرفة ~~التي تضع في عناوينها الكبرى شخصية تاريخية عظيمة أو مقدسة من الشخصيات ~~التي تحمل في واقعها الحركي القيم الكبرى في الدائرة العقيدية والروحية ~~والاجتماعية من خلال التزامها بالرسالة الشاملة ، فتتبع الأسلوب العملي ~~الذي يضع أمامها الخط العام الذي تحركت به هذه الشخصية التاريخية في ~~تجربتها الماضية في عملية مقارنة بين الواقع الذي يعيشون فيه وبين الخط ~~العام الذي تمثله في ميزان القيم المتنوعة ، وذلك من خلال تجربة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الموقع القرشي الذي كان يضع إبراهيم عليه السلام ~~عنوانا له من خلال انتساب قريش إليه ، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يعبدون ~~الأصنام خلافا لرسالة التوحيد الإبراهيمية ، فكانت هذه الآية بعد الخطاب ~~الذي وجهه القرآن إليهم إعلانا للزيف الذي يتحركون فيه على مستوى العقيدة ~~والعبادة. # * * * PageV06P157 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) ~~@QUR@025 فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) (97) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أول ): أول الشيء : ابتداؤه ، ويجوز أن يكون المبتدأ له آخر ~~ويجوز ms1138 أن لا يكون آخر له ، لأن الواحد أول العدد ولا نهاية لآخره ، ونعيم ~~أهل الجنة له أول ولا نهاية له. # ( @QUR@01 ببكة ): أي بمكة ، وأصل بكة : البك وهو الزحم. يقال : بكه ~~يبكه بكا إذا زحمه ، ويباك الناس إذا ازدحموا ، فبكة مزدحم الناس للطواف ، ~~وهو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام ، وقيل : سميت بكة لأنها تبك ~~أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم ولم يمهلوا ، والبك : دق العنق. وأما ~~مكة فيجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة وإبدال الميم من الباء كقوله : ~~«ضربة لازب PageV06P158 # ولازم» ويجوز أن يكون من قولهم : أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة : إذا مص ~~مصا شديدا حتى لا يبقى منه شيء ، ومك المشاش مكا : إذا تمشش بفيه ، فسميت ~~مكة بذلك لقلة مائها (1). # ( @QUR@01 مباركا ): البركة : الثبوت ، من قولهم : برك بروكا أو بركا ~~إذا ثبت على حاله ، فالبركة ثبوت الخير بنموه ، ومنه البركة شبه الحوض يمسك ~~الماء لثبوته فيه ، ومنه قول الناس : تبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال وحده. # ( @QUR@01 كفر ): كفر في العمل لا في العقيدة ، لأنه ترك الحج رغم ~~استطاعته واجتماع شروط الوجوب عنده ، فلم يقم بما فرضه الله عليه. قال صاحب ~~المجمع : كفر ، يعني «جحد فرض الحج ولم يره واجبا ، عن ابن عباس والحسن» ~~(2)، وعلى ضوء هذا فيكون كافرا حكما باعتبار إنكاره ضروريا من ضروريات ~~الدين وهو وجوب الحج ، مما يستلزم تكذيب الرسول الموجب للكفر. # * * * ### ||| ** تحويل القبلة إلى الكعبة # ربما تكون هذه الآيات ردا على ما حاول أن يثيره اليهود على الإسلام ~~والمسلمين من شبهات في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، لأن بيت ~~المقدس هو الذي أمر الناس بالتوجه إليه أولا لقدمه وعبادة الأنبياء فيه. ~~فجاءت هذه الآيات لتذكرهم بأن هذا البيت هو ( @QUR@04 أول بيت وضع للناس ) ~~لعبادة الله ، وليكون مصدر بركة وهدي للعالمين ، و ( @QUR@05 فيه آيات ~~بينات مقام إبراهيم ) الذي كان يتعبد فيه كدلالة على أقدميته ، لأن بيت ~~المقدس كان من بناء سليمان عليه السلام ، الذي هو متأخر بزمان كثير عن ~~إبراهيم عليه السلام. وقد ms1139 جعله الله آمنا للناس ( @QUR@04 ومن دخله كان ~~آمنا ) لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه مهما كان وضعه. وقد تعبد الله PageV06P159 # الناس بقصده والحج إليه لكل من استطاع إلى ذلك سبيلا ، مما يوحي بأنه محل ~~عناية الله ورعايته واهتمامه به ، فلا مانع من هذه الجهة أن يحول القبلة ~~إليه ، ليتوجه الناس إليه في صلاتهم كما يتوجهون إليه بالقدوم إليه في حجهم. # ربما تكون هذه الآيات واردة في هذا الجو كما عن بعض المفسرين وربما لم ~~تكن كذلك بل كانت واردة في مقام تقرير هذه الحقيقة من ناحية مستقلة ، ~~كمقدمة للحديث عن تشريع الحج من حيث إن ذلك يلتقي بقيمة هذا البيت في ما ~~استهدفه إبراهيم بأمر الله من بنائه ، بأن يكون ملتقى للناس من كل مكان ~~لعبادة الله وللتعاون في ما بينهم على الخير والتقوى ، وللنفع العميم الذي ~~تمثله كلمة البركة ، وللهدى الذي يمتد منه للعالمين من خلال ما يهتدي به ~~الناس عندهم إلى ما فيه صلاح أمر دنياهم وآخرتهم. وفي ضوء ذلك يمكن أن ~~نتوقف أمام عدة أمور في هذه الآيات من أجل أن تتضح لنا معانيها التفصيلية. # * * * ### ||| ** ما معنى أول بيت؟ # 1 إن معنى قوله تعالى : ( @QUR@07 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) ليس ~~هو أنه أول ما بني على وجه الأرض ، كما قد يتوهمه البعض ، بل المراد به أول ~~بيت وضع للعبادة والهدى والبركة للناس ... وهذا ما وردت به الرواية عن علي ~~أمير المؤمنين عليه السلام في ما نقله ابن شهر آشوب عنه ، في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) الآية ، فقال له رجل : أهو أول ~~بيت؟ قال : لا قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا ، فيه ~~الهدى والرحمة والبركة. وأول من بناه إبراهيم ، ثم بناه قوم من العرب من ~~جرهم ، ثم هدم فبنته العمالقة ، ثم هدم فبناه قريش (1)... PageV06P160 # وفي الدر المنثور عن علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله : ( @QUR@07 إن ~~أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) قال : كانت البيوت قبله ms1140 ، ولكنه كان أول بيت ~~وضع لعبادة الله (1). ونستوحي من هذا الحديث أن الأنبياء السابقين مثل نوح ~~، لم يبنوا بيوتا للعبادة ، ولذا لم يشر القرآن في آياته إلى ذلك ، ولم ~~ينقل ذلك بطريقة مفصلة في التاريخ ، وربما كان المراد بأنه أول بيت للعبادة ~~، المعنى الشمولي الذي أراده الله للناس جميعا ، فهو البيت العالمي للعبادة ~~؛ أما البيوت التي كانت قبله لو كانت هناك بيوت للعبادة قبله فهي بيوت ~~محلية خاصة بالمجتمع الذي يعيش حولها ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** لماذا سميت مكة بكة؟ # 2 ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : إنما سميت مكة بكة لأن الناس يبكون ~~فيها ، أي : يزدحمون. وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام إنما سميت مكة بكة ~~لأنه يبك بها الرجال والنساء والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ~~وعن شمالك ومعك ، ولا بأس بذلك ؛ إنما يكره في سائر البلدان (2). وقد ~~تقدمت بعض الوجوه حول الموضوع في معاني المفردات. # * * * ### ||| ** بيت الله ودوره في رسالة الحياة # 3 إن الخصائص الأولى التي ذكرها الله لهذا البيت الكعبة توحي بمعنى PageV06P161 # الشمول في ما يريده الله لبيته هذا ، كما يوحي به لبقية البيوت ، فقد ~~وضعه الله للناس ولم يجعله لفئة دون فئة ، لأنه وضع لعبادة الله التي لا ~~يختص بها أحد ، فلا معنى لاختصاصه بأحد معين. وقد نستوحي منه أن لا تشيد ~~المساجد لتكون لعائلة معينة أو لجماعة معينة ، بحيث تمنع منها بقية ~~العائلات أو الجماعات ، لأن المسجد لم يوضع ليتحدد ، بل ليكون شاملا لكل ~~الناس تبعا لشمولية دوره في أن يكون محلا لعبادة الله رب العالمين. # وقد جعله ( @QUR@01 مباركا ) والبركة هي الخير الكثير الذي تمتد منه ~~المنافع والمصالح للناس ، مما يعني أن دور المسجد لا يتحدد بالعبادة بل ~~يتسع لكل منافع الناس ، سواء كانت علمية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ~~أو غير ذلك من الأمور المتصلة بحياة الناس العامة. وفي ضوء ذلك كان الدور ~~الإسلامي للمسجد هو أن يكون الملتقى الروحي للناس ، فيعبدون الله فيه ~~ويتعلمون العلوم النافعة لهم في دينهم ودنياهم ، ويجتمعون ms1141 فيه للتداول في ~~أمورهم الداخلية والخارجية ، فكانت تنطلق من منابره التوجيهات والتخطيطات ~~المتعلقة بتنظيم حياتهم كما تنطلق منها صيحات الجهاد. وسارت حياة المسلمين ~~في مساجدهم على هذا الخط ، فكانت تجسيدا للمفهوم الإسلامي للعبادة التي ~~تنفتح على الله سبحانه ، لينفتح الناس من خلال ذلك على الحياة من مواقعها ~~المضيئة المتحركة في سبيل الخير. # وجاءت عصور التخلف التي جمدت عقول المسلمين وأفكارهم فتجمد كل شيء حولهم ~~، ونالت المساجد حصة من هذا التجميد ، فإذا بهم ، حكاما وشعوبا ، ينكرون ~~على العالمين والمصلحين أن يتحدثوا في المساجد بغير الشؤون الدينية الخاصة ~~التي تتحدث عن الجنة والنار والعبادات والأخلاقيات التجريدية ... فإذا ~~انطلقوا بالحديث إلى ما أمر الله به من مقاومة الظلم والانحراف في شؤون ~~الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، اتهموهم بأنهم يستغلون بيوت الله ~~لغير الأغراض التي وضعها ، تماما كما هي المعابد لدى اليهود والنصارى كما ~~يزعمون ؛ وأثاروا الثائرة عليهم ، بأنهم يعملون على إدخال PageV06P162 # السياسة للمسجد وتسييس الدين ، زعما منهم بأن الدين لا يلتقي بالسياسة ~~التي لا دخل لها بالدين ، مع أن الله سبحانه يصرح في أكثر من آية ، بأن ~~الله أنزل كتبه وأرسل رسله من أجل أن يقوم الناس بالقسط. # * * * ### ||| ** استيحاء كلمة «مباركا» # وقد نستوحي من كلمة ( @QUR@01 مباركا ) المعنى الممتد في حياة الناس ~~الذين يقصدون هذا البيت من سائر أنحاء العالم ، ليجتمعوا حوله على أساس ~~كلمة التوحيد التي توحدهم ، والرسالة التي تجمعهم ، والقضايا الحيوية التي ~~تتحرك في واقعهم الخاص والعام ، لا سيما القضايا المتصلة بالمصير السياسي ~~والثقافي والاقتصادي والأمني والاجتماعي أمام التحديات الكبرى التي ~~يواجهونها من قبل الكفر والاستكبار العالميين ، ليتعارفوا في ما بينهم ~~وليتبادلوا المعلومات ، وليستلهموا التجارب ، وليخططوا للوحدة في الموقف ، ~~من حيث إحساسهم بوحدة أمتهم في خطها العقيدي والعملي ، وفي مصيرها الواحد ، ~~وليتحاوروا في ما اختلفوا فيه من تفاصيل العقيدة والشريعة والمنهج ، ~~والأمور المتصلة بالواقع السياسي والأمني والاقتصادي في علاقاتهم ببعضهم ~~البعض وبالآخرين ، وليحركوا أوضاعهم الاقتصادية على أساس خطة سليمة تحقق ~~لهم الإنتاج مما يحتاجونه في حياتهم العامة ، بحيث يصلون إلى مستوى ~~الاكتفاء الذاتي ms1142 ليكونوا في موقع الاستقلال في إدارة أمورهم ، وهكذا يتحول ~~الحج إلى مؤتمر إسلامي عالمي يحقق البركة للإسلام في فكره وحركته ، ~~وللمسلمين في وجودهم وامتدادهم وأوضاعهم العامة والخاصة ، وهذا ما نستوحيه ~~من الكلمة المعبرة ( @QUR@01 مباركا ). # ولكن الأوضاع المعقدة التي طرأت على الواقع الإسلامي السياسي ، جعلت ~~مواقع المسلمين تحت سيطرة الكافرين المستكبرين ، وجمدت كل حيوية مفاهيمهم ~~في دينهم وحركتهم ، فأصبحت مجرد صور جامدة في الفكر ، PageV06P163 # وطقوس ميتة في الواقع وأبعدت الحج عن امتداده الحضاري الحركي في حياة ~~المسلمين ، فلا فرصة لأي اجتماع عام للبحث في القضايا الحيوية المصيرية ~~المتصلة بحياة الناس وللتخطيط للمستقبل في اتجاه حل مشاكل الحاضر بالطريقة ~~الحكيمة ، وذلك تحت شعار أن الحج عبادة لا سياسة ، تماما كما لو كان معنى ~~السياسة معنى بعيدا عن معنى العبادة التي أراد الله لها في الصلاة أن تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر ، بالمعنى العام للكلمتين الذي يتسع لكل مواقع الانحراف ~~في حياة الإنسان ، وفي الصوم الذي أراده الله أن يكون سبيلا من سبل تحقيق ~~التقوى الروحية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية ، ~~وفي الحج الذي أراده الله للناس ليشهدوا منافع لهم في كل الأمور التي تتصل ~~بالنفع العام لحياتهم المنفتحة على كل خير وكل جديد ، ولا يتحقق ذلك إلا ~~بالسياسة المنفتحة على أمور الناس بالحق. # * * * ### ||| ** بيت الله هدى للعالمين # وقد جعله ( @QUR@02 وهدى للعالمين ) من خلال ما يهدي إليه من سعادة ~~الدنيا والآخرة ، مما يوحي بأن مهمة المساجد للقائمين عليها هي هداية الناس ~~بالممارسة من خلال عبادة الله فيها ، وبالتوجيه من خلال توجيه الناس ~~وتعليمهم وتثقيفهم بأمور دينهم في كل ما يتصل بحياتهم ، لينطلق المسلمون من ~~المساجد إلى حياتهم من خلال الانفتاح على كل المعاني الكبيرة التي يستهدفها ~~الإسلام للحياة ، وليحمل كل واحد منهم المعرفة الشاملة لشريعة الله في كل ~~أحكامها المتصلة بالحياة الخاصة والعامة ، لتكون الشريعة ومفاهيم الإسلام ~~المنبثقة عنها في كل فكر وعلى كل لسان ، فلا تبقى محتكرة على فئة معينة من ~~الناس ، لنستطيع من خلال ذلك أن نجعل من كل مسلم إنسانا واعيا ms1143 متحركا يعمل ~~في حياته الخاصة لإسلامه من موقع الوعي ، ويدعو إليه بطريقة واعية من قاعدة PageV06P164 # الحركة. وفي ضوء ذلك ، نستطيع أن نؤكد بأن القائمين على شؤون المساجد ~~الذين يقتصرون فيها على إقامة الجماعة ، ولا يقومون بمهمة التوجيه والهداية ~~، ويحولونها إلى منطقة نفوذ يتوارثها الأبناء عن الآباء ، هم من المنحرفين ~~عن رسالة المسجد التي هي الهدى للناس بحسب ما يتسع له المسجد من ذلك ، ~~فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا. # * * * ### ||| ** ما هي الآيات البينات؟ # 4 ( @QUR@03 فيه آيات بينات ). لقد تحدثت الآية عن الآيات البينات ولم ~~تفضلها ، ولم تذكر طبيعتها ، ولم يعرف أن التعقيب ب ( @QUR@02 مقام إبراهيم ~~) هل هو ذكر نموذج منها باعتبار الأثر البارز الذي يؤكد انتساب البيت ~~لإبراهيم ، لأنه كان يصلي فيه بدلالة وجود مقامه الذي لا يشك أحد فيه ، ~~لأنه مما توارثه الأبناء عن الآباء ، فيكون التقدير : منها مقام إبراهيم ، ~~أو يكون بدلا منها فيكون التقدير : فيه مقام إبراهيم ... ويرى بعض المفسرين ~~أن الآيات هي مقام إبراهيم والأمن لمن دخله والحج لمن استطاع إليه سبيلا. # قال العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان : «ولا ريب في كون كل واحد من ~~هذه الأمور آية بينة دالة بوقوعها على الله سبحانه ، مذكرة لمقامه ، إذ ~~ليست الآية إلا العلامة الدالة على الشيء بوجه ، وأي علامة دالة عليه تعالى ~~مذكرة لمقامه أعظم وأجلى في نظر أهل الدنيا من موقف إبراهيم ، ومن حرم آمن ~~يأمن من دخله ، ومن مناسك وعبادات يأتي بها الألوف بعد الألوف من الناس ~~تتكرر بتكرر السنين ، ولا تسخ بانتساخ الليالي والأيام؟! وأما كون كل آية ~~أمرا خارقا للعادة ناقضا لسنة الطبيعة فليس من الواجب ، ولا لفظ الآية ~~بمفهومه يدل عليه ، ولا استعماله في القرآن ينحصر فيه. قال تعالى : ( ~~@QUR@06 ما ننسخ من آية أو ننسها ) [البقرة : 106] الآية ؛ PageV06P165 # وهي تشمل الأحكام المنسوخة في الشرع قطعا ، وقال تعالى : ( @QUR@05 ~~أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) [الشعراء : 128] ، إلى غير ذلك من الآيات» (1). # ولكن ذلك غير ظاهر ، وذلك بلحاظ أن الآيات البينات ليست من قبيل المظروف ~~بالنسبة إلى الظرف ، مما ms1144 يعني وجوده فيه تماما كما هو مقام إبراهيم ~~عليه السلام ، أما الأمن لمن دخل والحج إليه فهو من أحكامه وخصائصه الشرعية ... # وربما يوجه ذلك بأن الظرفية ليست واردة على سبيل الحقيقة بل على سبيل ~~المجاز ، لا سيما إذا عرفنا أن مقام إبراهيم ليس جزءا من البيت الكعبة ، بل ~~هو خارج عنها ، كما أن السياق جار على أساس بيان مميزات هذا البيت عن ~~البيوت الأخرى ، مما يحتمل معه أن تكون كلمة «في» واردة بمعنى الموازنة ~~والمقايسة ، وربما يؤكد كلام العلامة الطباطبائي ، من نفي إرادة المعجزة من ~~الآية ، أن الله أشار إلى مقام إبراهيم من دون بيان لما ذكره المفسرون من ~~تأثير قدمه في الصخرة التي وقف عليها ، بل ربما كانت الإشارة إلى القيمة ~~الإيحائية لهذا المقام الذي يمنحنا وعي الشخصية الإبراهيمية في عناصرها ~~المميزة الموحية بكل الخط التوحيدي الذي يريد الله للناس السير عليه ، مما ~~يجعل منها في موقعها العبادي آية تدل على الطريق إلى الله في الأسلوب ~~التأملي والالتزامي والعملي. وفي ضوء ذلك يمكن أن نتمثل الآية في الخصائص ~~التي جعلها الله للبيت الحرام في التشريعات التي تتحرك لتصنع واقعا يعيشه ~~الناس في أمنهم في المنطقة الحرام ، وعبادتهم المتحركة المنفتحة على أكثر ~~من أفق في حياتهم حول الكعبة الحرام ، الأمر الذي يؤدي إلى التذكير بالله ~~والارتباط به ، والدلالة عليه من خلال الوضوح في الرؤية والعمق في التفكير ~~والاستقامة في الخط ؛ والله العالم. # * * * PageV06P166 ### ||| ** الكعبة أرض سلام # ( @QUR@04 ومن دخله كان آمنا ) وهذا وارد في مقام التشريع لا الإخبار ، ~~فإن الواقع غير هذا في كثير من حوادث التاريخ التي استبيحت فيها حرمة البيت ~~، فقتل فيه ناس كثيرون من قبل الطغاة والظالمين تمردا على الأمر الإلهي ~~الذي اعتبره واحة سلام ، فلا يجوز لأحد أن يعتدي فيه على أحد حتى لو كان ~~غريما له في قتل أو مال أو عرض أو غير ذلك ، بل ينتظر حتى يخرج. وقد ورد في ~~بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أنه يمنع من السوق ولا يباع ~~ولا ms1145 يطعم ولا يسقى ولا يكلم حتى يخرج فيما إذا أحدث جريمة في غير الحرم ثم ~~فر إلى الحرم ، أما إذا أحدث جريمة في الحرم أخذ فيه ، لأنه اعتدى على حرمة ~~الحرم فلا يبقى له حرمة فيه (1). # وقد نستوحي من هذا الحكم الشرعي في حرمة هذه المنطقة المسماة بالحرام ~~التي كانت الكعبة البيت الحرام أساسا لحرمتها ، أن الله سبحانه أراد أن ~~يجعل موقعا من الأرض منطقة سلام يتخفف الناس فيها من أحقادهم وعداواتهم ، ~~ويعيشون في داخلها أعلى درجات الصبر في السيطرة على نوازع النفس الممتلئة ~~بالحقد والعداوة والبغضاء ، بحيث إن الإنسان يرى قاتل أبيه أو ولده فيقابله ~~وجها لوجه فلا يعرض له ، بالرغم من ضغط التقاليد العشائرية الجاهلية ~~القائمة على الأخذ بالثأر احتراما لله في بيته المحرم ، فلا يسيء إليه ، ~~ولا ينقص من حرمته ، مهما كانت الحالة النفسية ضاغطة عليه مما يجعل الإنسان ~~يعيش تجربة روحية فريدة تمنحه الفرصة للتأمل في النتائج السلبية المترتبة ~~على الثأر ، أو في طبيعة المسألة في خلفياتها وامتداداتها ليتعرف وجه ~~الصواب والخطأ في انطباعاته التي كونها تجاه الموضوع ، فقد تكون النتيجة أن ~~يتحول هذا السلام النفسي ولو في هذه المنطقة إلى حالة سلام في الواقع PageV06P167 # عند ما يكتشف هذا الإنسان أن العفو أقرب للتقوى ، وأن الصبر خير للصابرين ~~، وأن حل المشكلة بالوسائل السلمية هو الأفضل في مواجهة سلبيات الواقع. # وربما يحتاج الإنسان إلى أن يدخل في منطقة سلام في المواقع الحارة من ~~الصراع بموجب المعاهدات والمواثيق بين الناس ، ليعيش الناس فيها بعضا من ~~الهدوء النفسي والسلام العملي ، ليكون ذلك بمثابة المنطقة التي يستريح فيها ~~أبناء الخير من أجل تجديد الروح المندفعة نحو الخير في الدرب الطويل. # * * * ### ||| ** ما شروط الحج؟ # ( @QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ). لقد تحدثت ~~الأحاديث عن تحديد الاستطاعة بالتمكن من الزاد والراحلة في ضمن شروط شرعية ~~معينة مذكورة في كتب الفقه ، وبالقدرة البدنية على ذلك مما هو محدد في محله. # ولا بأس بالحديث عن عدة نقاط حول الموضوع : # الأولى : وردت ms1146 عدة أحاديث مأثورة عن أهل البيت عليهم السلام في عدم جواز ~~تعطيل الكعبة عن الحج ، فقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : ~~كان علي يقول لولده : «الله الله في بيت ربكم ، لا تخلوه ما بقيتم ، فإنه ~~ان ترك لم تناظروا (1). وعن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام يقول : أما إن الناس لو تركوا حج هذا البيت لنزل بهم العذاب وما ~~نوظروا (2). # وجاء عن الإمام الصادق في رواية عبد الله بن سنان قال : لو عطل الناس ~~الحج لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحج إن شاءوا وإن أبوا ، لأن هذا PageV06P168 # البيت إنما وضع للحج (1). # الثانية : يجب الحج مع الاستطاعة على الفور فيحرم تأخيره وتركه ، فقد جاء ~~في رواية معاوية بن عمار عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : قال ~~الله تعالى : ( @QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ~~قال : هذا لمن كان عنده مال وصحة ، فإن سوفه للتجارة فلا يسعه ذلك ، وإن ~~مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا ترك الحج وهو يجد ما يحج ~~به (2). # الثالثة : لا بد في تحقق الاستطاعة الموجبة للحج من القدرة عليه ماليا ~~وبدنيا مع حرية الوصول إلى المناسك ، فقد جاء عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام في ما رواه عنه محمد بن يحيى الخثعمي قال : سأل حفص الكناسي أبا ~~عبد الله جعفر الصادق عليه السلام وأنا عنده عن قول الله عز وجل : ( @QUR@09 ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ما يعني بذلك؟ قال : من ~~كان صحيحا في بدنه ، مخلى في سربه ، له زاد وراحلة ، فهو ممن يستطيع الحج. ~~أو قال : من كان له مال ، فقال له حفص الكناسي : فإذا كان صحيحا في بدنه ، ~~مخلى في سربه ، له زاد وراحلة فلم يحج ، فهو ممن يستطيع الحج؟ قال : نعم (3). # وقد اشترط في استكمال شروطه أن يكون له بالإضافة إلى ذلك مال يقوت عياله ~~حتى يرجع إليهم ، من خلال مسئوليته في الإنفاق عليهم. ms1147 فقد روي عن أبي ~~الربيع الشامي قال : سئل أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام عن قول الله ~~عز وجل : ( @QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) فقال : ~~ما يقول الناس؟ قال : فقلت له : الزاد والراحلة ، فقال أبو عبد الله : قد ~~سئل أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام عن هذا فقال : هلك الناس إذا لئن كان PageV06P169 # من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ، ينطلق ~~إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذا ، فقيل له : فما السبيل؟ قال : فقال : ~~السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضا لقوت عياله ، أليس قد فرض الله ~~الزكاة ، فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم؟! (1) # وإذا استدان الإنسان مالا وكان قادرا على الوفاء به في موعده وحج البيت ~~كان حجه حج الإسلام لتحقق عنوان الاستطاعة لديه ، مع كونه صحيح البدن بمعنى ~~القدرة على أداء المناسك بشكل طبيعي صحي ومخلى السرب ، وخالف في ذلك بعض. # وإذا بذل له أحد مصاريف حجه كان مستطيعا. # الرابعة : إن الحج واجب على الناس كلهم من دون تخصيص بجماعة دون جماعة ، ~~فوزانه في ذلك مع استجماع الشروط وزان العبادات جميعا. # * * * ### ||| ** ما معنى الوصف بالكفر لتارك الحج؟ # ( @QUR@07 ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )، الظاهر أن المراد به من ~~لم يحج كما وردت به بعض الأحاديث ، وقد تكرر فيها ذلك كما في الحديث عن ~~الصادق عليه السلام : من مات ولم يحج حج الإسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف ~~به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا (2). ~~وهذا أسلوب قرآني شائع في القرآن ، للإيحاء بأن قضية الإيمان والكفر ليست ~~قضية فكرية فحسب ، بل هي قضية عملية تتصل بالموقف العملي للإنسان ، فقد ~~يكون الإنسان مؤمنا في العقيدة ، ولكنه كافر في العمل إذا كان لا PageV06P170 # يقوم بما فرضه الله عليه من الالتزام بفعل الواجبات وترك المحرمات. وقد ~~تحدث الله عن غناه عن العالمين للإيحاء بأن الطاعة لا تزيد في ملكه ms1148 شيئا ، ~~لأن الله هو الذي خلق العبد ومكنه من الطاعة ، فهو الغني عن وجوده كما هو ~~الغني عن طاعته ، فهي مصلحة للإنسان من خلال نتائجها الإيجابية عليه في ~~حياته. كما أن هناك بعض الإيحاء من الناحية التغييرية بالسخط الإلهي لهؤلاء ~~الذين يتركون الحج فيكفرون بالله كفرا عمليا. # * * * PageV06P171 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون (98) @QUR@020 قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ~~تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عم تعملون ) (99) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبغونها ): البغية : الطلب ، يقال : بغيت الشيء أبغيه. قال ~~عبد بني الحسحاس: # بغاك وما تبغيه حتى وجدته %~% كأنك قد واعدته أمس موعدا # أي طلبك وما تطلبه ، ويقال : ابغني بكذا بكسر الهمزة أي : اطلبه لي ، ~~وأصله : ابغ لي ، فحذفت اللام لكثرة الاستعمال ، وإذا قلت : أبغني بفتح ~~الهمزة فمعناه : أعني على طلبه (1). PageV06P172 # ( @QUR@01 عوجا ): بكسر العين : انحرافا عن الحق ، وانعطافا إلى الباطل ~~، والعوج : هو الميل عن طريق الاستواء في الدين وفي القول وفي الأرض. ~~والفرق بين العوج بالفتح والعوج بالكسر أن الأول يقال في ما يدرك بالبصر ، ~~والثاني في ما يدرك بالفكر والبصيرة. # * * * ### ||| ** لوم مشوب بإنكار # في هاتين الآيتين دعوة إلى الحديث مع أهل الكتاب بأسلوب يحمل طابع العتاب ~~الهادي الذي يتحول في نهاية الآية إلى تهديد خفي حازم ، فهو يواجههم في ~~الآية الأولى بالآيات البارزة التي أقامها الله من خلال وحيه على كثير من ~~أحكامه وشرائعه في ما تحدثت به الآيات السابقة وغيرها ، ويتساءل في لهجة ~~اللوم المشوب بالإنكار على الأساس في جحودهم لها ، ثم يتركهم أمام السؤال ~~ليواجهوا أنفسهم بالجواب الذي لا بد من أن يكتشفوا من خلاله ضلالهم وتمردهم ~~وعنادهم ، لأنهم لا يجدون أساسا لذلك من خلال ما لديهم من فكر أو برهان ، ~~بل يجدون بدلا من ذلك مزيدا من الشعور بالحقارة الشديدة في داخل نفوسهم. ~~ويختم الآية بأنهم إذا استطاعوا أن يخفوا أعمالهم الباطنة عن الناس ، فإنهم ~~لا يستطيعون إخفاءها عن الله ، فإنه الشهيد على كل ما ms1149 يعلمون في سرهم ~~وعلانيتهم. وبذلك يضعهم وجها لوجه أمام مواقع المسؤولية في يوم القيامة. # ( @QUR@04 قل يا أهل الكتاب ) من اليهود الذي كانوا في المدينة في ~~مواقفهم المنحرفة المعقدة المتحركة في الخط العدواني ضد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين معه في مواجهة الإسلام ( @QUR@04 لم تكفرون ~~بآيات الله ) التي أنزلها على محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما قرأتموه في ~~التوراة أو شاهدتموه من علامات النبوة فيه ، فلم تكن لكم أية حجة في الكفر ~~والإنكار ( @QUR@05 والله شهيد على ما تعملون ) مما تكيدون فيه وتضمرونه من PageV06P173 # الحقد والعداوة والبغضاء ، فهو المطلع على سركم وعلانيتكم ، وسيجازيكم ~~على ذلك بما تستحقونه من العذاب. ### ||| ** دور تخريبي مكشوف # أما في الآية الثانية ، فتبرز لنا صورة أخرى من نشاطاتهم التخريبية ضد ~~الإسلام من خلال ما كانوا يقومون به من صد المؤمنين عن سبيل الله ، ~~لينحرفوا بهم إلى السبيل الأعوج ؛ وذلك بما يثيرونه في حياتهم من الشبهات ~~التي تربك إيمانهم ، والعصبيات القديمة التي تفسد عليهم وحدتهم وتماسكهم في ~~خط الإسلام ، والمشاكل الجزئية التي تشغلهم عن الاندفاع في العمل الجاد في ~~سبيل الله ، ثم يؤكد لهم أن هذا السلوك المضاد للحق لم ينطلق من شبهة طارئة ~~في نفوسهم ، أو من انكشاف خلاف ذلك لديهم ؛ بل القضية التي تفرض نفسها على ~~الواقع ، أنهم شهداء على الحق فهم يعرفونه في التوراة التي يقرءونها ، وفي ~~القرآن الذي سمعوه ، وفي الأساليب التي كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~يتبعها معهم في سبيل إقناعهم بالحق ... وبذلك كان دورهم التخريبي واضحا كل ~~الوضوح ، مما جعل من الموقف الإلهي في نهاية الآية تهديدا حاسما ينذرهم بأن ~~الله ليس بغافل عما يعملون ، ولا بد لذلك من نتائج عملية على قضية المصير ~~في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@011 قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ) لتنحرفوا ~~بهم عن الخط المستقيم ، من خلال الفتنة التي تثيرونها في داخل المجتمع ~~المؤمن من العصبيات العشائرية وغيرها ، أو التعقيدات الفكرية أو العملية ~~التي تحركونها ، ( @QUR@02 تبغونها عوجا ) منحرفة عن ms1150 خط الحق ، لأنكم لا ~~تريدون للإسلام مواصلة طريقه في الاتجاه الصحيح الذي يؤدي إلى تغيير الواقع ~~وتحرير الإنسان من نقاط ضعفه ، ( @QUR@02 وأنتم شهداء ) تعرفون الحقيقة ~~الأصيلة المنفتحة على المضمون PageV06P174 # الرسالي الذي يتمثل في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خلال ~~البشارة به في التوراة والإنجيل ، وتملكون الفكر الذي تتعرفون من خلاله عمق ~~الأشياء في أسرارها وخلفياتها وامتداداتها بما يجعلكم في موقع الشهادة للحق ~~من قاعدة المعرفة التفصيلية للفارق بين الحق والباطل ، مما يفرض عليكم تحمل ~~مسئولياتكم العملية في هذه القضية لتواجهوا الموقف الحاسم بين يدي الله ، ~~فإنه المطلع على سركم وعلانيتكم ، وتلك هي الحقيقة الإيمانية التي تفرض ~~نفسها على وجدان كل مؤمن بالله ، أو كل إنسان واع للمعنى الإلهي في معنى ~~الربوبية ، ( @QUR@05 وما الله بغافل عما تعملون ) الأمر الذي يجعلكم في ~~موقع الحذر من تهديده في اطلاعه على كل شيء وقدرته على كل شيء. # ومن خلال هاتين الآيتين نكتشف طبيعة الأسلوب التقريري ، الذي يريد أن ~~يقرر الحقيقة للآخرين في نوعية مواقفهم بطريقة توجيه الخطاب إليهم ، لتنكشف ~~اللعبة من خلال كشف اللاعبين أمام أنفسهم وأمام الآخرين ، في جو من التهديد ~~الخفي الذي يشعرون معه بأن عين الله النفاذة إلى الأعماق لا تغفل عن كل ذلك ~~، مهما كان حجمه ومهما كانت نتائجه ، ليعيشوا القلق الروحي الذي قد يدفعهم ~~إلى التراجع عن مواقفهم ، ويمنعهم عن الامتداد بعيدا في ما يمتدون به من ~~خطوات الغي والضلال ، أو يفضحهم في عيون الآخرين ، فلا يستطيعون أن يضللوا ~~ويفسدوا في أقوالهم وأفعالهم. # * * * PageV06P175 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) @QUR@017 وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) (101) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تطيعوا ): الطاعة : موافقة الإرادة الجاذبة للفعل بالترغيب ~~فيه ، والإجابة : موافقة الإرادة الداعية إلى الفعل ، ولذلك يجوز أن يكون ~~الله مجيبا إلى عبده إذا فعل ما دعا العبد به ، ولم يجز أن يكون مطيعا له. # ( @QUR@01 يعتصم ): يتمسك بقوة ms1151 بكل ما شرعه الله سبحانه بعيدا عن الشكوك ~~والأهواء ، ويمتنع بالله عمن سواه. والعصم : الإمساك ، والاعتصام : ~~الاستمساك ، والعصمة : هي المنع والحفظ والتوقي. # * * * PageV06P176 ### ||| ** مناسبة النزول # وقد تحدثت كتب التفسير أن لهذه الآيات قصة انطلقت منها ، في أسباب النزول ~~، فقد جاء في أسباب النزول للنيسابوري عن زيد بن أسلم ، «قال : مر شاس بن ~~قيس اليهودي ، وكان شيخا قد غبر في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على ~~المسلمين ، شديد الحسد لهم ، فمر على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس ~~والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم ~~وصلاح ذات بينهم في الإسلام ، بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة ، ~~فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا ~~اجتمعوا بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان معه ، فقال : اعمد إليهم ~~فاجلس معهم ، ثم ذكرهم «بعاث» وما كان فيه ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا ~~فيه من الأشعار. وكان «بعاث» يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر ~~فيه للأوس على الخزرج. ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، فتنازعوا وتفاخروا حتى ~~تواثب رجلان من الحيين : أوس بن قيظي ، أحد بني حارثة من الأوس ، وجابر بن ~~صخر ، أحد بني سلمة من الخزرج ؛ فتقاولا ، وقال أحدهما لصاحبه : إن شئت ~~رددتها جذعا ، وغضب الفريقان جميعا ، وقالا : ارجعا ، السلاح السلاح ، ~~موعدكم الظاهرة وهي حرة. فخرجوا إليها ، فانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى ~~بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، فبلغ ذلك رسول الله ، فخرج ~~إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم ، فقال : يا معشر المسلمين ، أتدعون ~~الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام ، وقطع به عنكم أمر ~~الجاهلية ، وألف بينكم ، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ، الله الله. فعرف ~~القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم ، ~~وبكوا ، وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين. فأنزل ~~الله عز وجل : ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) PageV06P177 # يعني الأوس والخزرج ، ( @QUR@07 إن تطيعوا فريقا من ms1152 الذين أوتوا الكتاب ) ~~يعني شاسا وأصحابه ، ( @QUR@04 يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) ( 1). # لعل جو الآية يوحي بوجود حادث من هذا القبيل ، عاش فيه المسلمون حالة ~~استسلام لبعض أساليب الإثارة من قبل اليهود ، مما كاد أن يحطم وحدتهم ~~الجديدة في نصاب أخوة الإسلام الحق ، فيثير في داخلهم عصبية الجاهلية التي ~~تذكي في داخلهم روح العداوة والبغضاء ، وتعيدهم إلى أجواء الكفر التي ~~يستسلم فيها الإنسان إلى الدوافع الشريرة من الحقد والبغض ، بعيدا عن ~~الدوافع الخيرة من المحبة والتسامح ، وقد لا يكون في هذا الحادث ما يوحي ~~بالكفر ، بل هو مجرد انحراف عن الخط ، ولكن خطورة القضية تتمثل في هذا ~~الاستسلام الساذج لأساليب اليهود ، فإنه قد يغريهم بالتقدم في خطوات جديدة ~~في عمليات تضليل في العقيدة إلى جانب التضليل في العمل ، فتكون النتيجة ردة ~~إلى الكفر بعد الإيمان ، وتلك هي الخسارة الكبرى التي ينبغي أن يتفاداها ~~المسلمون بالمزيد من الوعي والتفكير في ما يحيط بهم من أجواء الكفر ~~والكافرين ، وفي ما يسمعونه من آيات الله التي تفتح قلوبهم على الحق ، ~~وعيونهم على الواقع ، ومسيرتهم على الصراط المستقيم ، فإذا اشتبه عليهم شيء ~~من شؤون الكفر والعمل ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعيش بينهم ، ~~يحاورهم ويحاورونه ، ويشاورهم ويشاورونه من غير ضيق أو تكلف ، بل هي ~~البساطة والعفوية التي تنساب فيها الحقيقة انسياب النور في الضحى ، فكيف ~~يمكن لهم أن يكفروا مع كل هذه الأجواء والدلائل والبينات ، التي تبعدهم عن ~~خط الضياع والقلق الروحي والعملي ، لأنها تربطهم بالله الذي يعتصم به عباده ~~في حالات الاهتزاز والضياع فيقودهم في هدايته إلى صراط مستقيم؟! # ويذهب صاحب تفسير الميزان إلى أن هاتين الآيتين واردتان في سياق التحذير ~~للمؤمنين أن يطيعوا اليهود في ما يدعون إليه فيكفرون بالدين ، وترغيب PageV06P178 # وتحريض لهم أن يعتصموا بالله فيهتدون إلى صراط الإيمان وتدوم هدايتهم. ~~ويرى أن الآيات أقرب انطباقا على ما ذكره منها على الرواية كما هو ظاهر ، ~~وبذلك تكون الآيات متممة لسابقتها (1). # ولكن الظاهر من سياق الآيات المتأخرة الآتية التي تعيش في ms1153 أجواء هاتين ~~الآيتين أن هناك شيئا من الجو الذي ذكرته الرواية في ما قام به اليهود في ~~واقع المسلمين ، مما يدفع بالحياة الإسلامية إلى الحقد والعداوة والبغضاء ، ~~ويؤدي بالنتيجة إلى الكفر ، من خلال الاستسلام لمخططاتهم. وبذلك لا تبتعد ~~الآية عن الرواية كما لا تبتعد عن الآيات السابقة التي عرضت بعض النماذج ~~لأساليب أهل الكتاب في التضليل. # * * * ### ||| ** خطورة المشاعر الساذجة أمام مخططات الأعداء # في هاتين الآيتين بداية الحديث مع المؤمنين بأن يكونوا واعين للمخططات ~~التي يرسمها أهل الكتاب من أجل إضلال المسلمين عن دينهم الحق ، وذلك بإثارة ~~الرواسب القديمة الكامنة في الأعماق ، التي استطاع الإسلام تجميدها في خطة ~~طويلة لإزالتها نهائيا من النفوس ، وذلك بتأكيد الإيمان في قلوبهم ومشاعرهم ~~وخطواتهم العملية في الحياة ، بحيث يتحول إلى جزء من الذات ، بدلا من أن ~~يكون فكرة ساذجة كامنة في بعض جوانبها ... فإذا أغفل المسلمون جانب الحذر ، ~~واستسلموا لمشاعرهم الساذجة ، وشعروا بالأمن في حركات الكافرين من حولهم ، ~~أمكن لأولئك أن يجروهم إلى الوقوع في قبضة التاريخ الجاهلي من جديد ، ~~فتتحرك الرواسب وتطفو على سطح الفكر والشعور ، وتتحول إلى ممارسات خبيثة ~~تذكي نار العصبية ، وتطفئ نور الإيمان في PageV06P179 # القلوب ، وتقود الأفراد والجماعات إلى حرب تقوم على أساس العائلة الضيقة ~~، ويصبح الإسلام مجرد حالة طارئة لا تمثل أية قوة ضابطة أو محركة في ~~الاتجاه السليم ... # وربما نجد الكثير من نماذج هذا اليهودي في الواقع الذي يعيشه المسلمون ، ~~في ما يريد الكافرون والضالون أن يثيروه بين المسلمين من الخلافات القائمة ~~على العصبية العائلية والقومية والإقليمية والمذهبية ، فيعملون على استثارة ~~كل عناصر الإثارة في الماضي والحاضر من أجل خلق حالة نفسية متوترة ، توحي ~~بالحقد ، وتنذر بالشر ، وتقود إلى التصادم والتنازع في خطة خبيثة تؤدي إلى ~~الكارثة من خلال ما تؤدي إليه من التمزق والتفرق والوصول إلى مواقع الخطر ~~على عزتهم وكرامتهم وأصالتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية ... # وفي هذا الجو تتحرك الآية لتفتح عيون المسلمين في كل زمان ومكان على أن ~~يحددوا أعداءهم في العقيدة وفي السياسة وفي الحياة كلها ms1154 ... ويتعرفوا طبيعة ~~مخططاتهم في جانبي العمق والامتداد ، وطبيعة الظروف الموضوعية المتحركة على ~~الساحة ونوعية القوى المحيطة بهم ، إلى جانب معرفتهم بالأسس التي تحميهم من ~~كل هذه المخططات ، وذلك بالتأكيد على نقاط القوة لتنميتها وتحريكها في خط ~~المواجهة الصعبة ودراسة نقاط الضعف ومحاولة السيطرة عليها وتحويلها من موقع ~~المعاناة إلى نقاط قوة ، سواء كانت تلك النقاط فكرية أو شعورية أو عملية ~~... ولا بد في سبيل الوصول إلى ذلك من الارتفاع في كل زمن إلى مستوى ~~المرحلة التاريخية للأمة ، التي تفرض علينا التحرك في خط الوعي الذي يرصد ~~القوى المختلفة لئلا يختلط علينا خط الأعداء بخط الأصدقاء ، على أساس ~~انفعال طارئ أو مشاعر حادة أو نظرة خاطئة في تقييم الواقع والناس. # وقد نستوحي من هاتين الآيتين أن على المسلمين أن يعيشوا حالة عالية من ~~الوعي المتقدم للأجواء المضادة المحيطة بهم في مجتمعات الكفر PageV06P180 # والضلال ، وأن يدرسوا الأساليب المعقدة التي يتبعها دعاة الكفر والضلال ~~في تفتيت القوة الإسلامية بما يثيرونه من رواسب التاريخ وخلافاته ، وفي ~~تضليل المسيرة الإسلامية وإبعادها عن الخط المستقيم ، ليستطيعوا ، من خلال ~~ذلك ، الانفتاح على القواعد الثابتة التي تحفظ لهم وحدتهم ، وتصون لهم ~~دينهم الحق عند ما يعرفون سبيل الاعتصام بالله الذي يهديهم إلى الصراط ~~المستقيم. وبذلك نعرف أن السذاجة الفكرية والبساطة العملية اللتين تدفعان ~~المسلم إلى الاستسلام لخطط العدو من خلال الغفلة عن طبيعته ، ليستا من خلق ~~المسلم الذي يريده الإسلام واعيا للحق وللفكر وللطريق وللمجتمع الذي من ~~حوله في كل ما لديه من سلبيات وإيجابيات. # * * * ### ||| ** لا تطيعوا الكافرين # في ضوء هذا الجو نتابع هذه الآيات ، فإن الآية الأولى تدعو المؤمنين إلى ~~الامتناع عن طاعة فريق من الذين أوتوا الكتاب ، وهو الفريق الحاقد الذي ~~يتحرك ويقف في خط المواجهة للإسلام من أجل إبعاد المسلمين عن دينهم وتحطيم ~~قوتهم ، وذلك بمختلف الأساليب المتلونة التي تلجأ إلى الإسرار تارة ، وإلى ~~الإعلان أخرى ، تبعا للظروف الموضوعية الثابتة أو الطارئة ، فلا بد ~~للمسلمين من الانتباه إليه ليستطيعوا حماية أنفسهم منه ، فإن السير مع ms1155 حالة ~~الغفلة والاسترسال التي تدفعهم إلى الاندماج بالجو الحميم الذي يتظاهر به ~~هذا الفريق أو ذاك يؤدي إلى الوقوع في قبضة نواياهم الشريرة ، وينتهي ~~بالتالي إلى الخروج من الدين والسير في خط الكفر ، لأن ذلك هو النتيجة ~~الطبيعية لحركة تلك المخططات الشريرة ، فإن الهدف الكبير لهم هو إخراج ~~الإسلام عن خط الحياة بشكل مباشر أو غير مباشر ، وتجميده في حركة التاريخ ~~من خلال تجميده في نفوس أتباعه. PageV06P181 # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) بالله ورسوله ، فعاش الإيمان في وجدانهم ~~فكرا وعقيدة ومفاهيم منفتحة على الله والإنسان والكون والحياة ، وتحرك في ~~قلوبهم عاطفة متصلة بالمشاعر الروحية الخيرة في حركتها في الجانب الإنساني ~~من علاقة الإنسان المسلم بالآخرين ، وانطلق في سلوكهم حركة مستقيمة في خط ~~القيم الروحية الإنسانية على صعيد الواقع العملي في الدائرة الأخلاقية ~~العامة ( @QUR@07 إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ) وهو الفريق ~~الحاقد المعقد ، الذي يلاحق تطور الدعوة الإسلامية في اتجاه الشمولية ~~للساحة بالعمل على تخريب كل الأوضاع ، وتعقيد كل الأعمال ، وإثارة كل ~~المشاكل في وجه الإسلام وأهله ، مما يجعل من استجابتكم له وإطاعتكم ~~لتوجيهاته ونصائحه ، استجابة للضلال والانحراف الذي يجركم إلى الابتعاد عن ~~الصراط المستقيم ، لأن كل هدفهم في كل مخططاتهم أن ( @QUR@04 يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين ) ليضعفوا الإسلام بخروج المؤمنين به من الانتماء إليه ، ~~ولينفسوا عن عقدتهم الذاتية تجاهكم ، وإن كانوا لا يواجهونكم بالدعوة إلى ~~الكفر في البداية بشكل مباشر ، بل يطرحون أمامكم بعض القضايا الجانبية التي ~~تدخل في عداد الأمور المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والعصبيات العائلية ، ~~مما يجعلكم تأمنون الخطر على إيمانكم في البداية ، فإن عليكم أن تعرفوا أن ~~ذلك يمثل الخطة الدقيقة التي تتدرج في خطوطها لتأخذكم على حين غرة ، لتصل ~~بكم في نهاية الأمر إلى الوقوع في حبائلهم والسقوط في مخططاتهم في انحرافكم ~~عن خط الإيمان إلى الكفر. # ثم تأتي الآية الثانية لتثير الإنكار في صيغة الاستفهام فتتساءل : ( ~~@QUR@09 وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) لتوجه ~~المؤمنين إلى عدم الانفصال عن القرآن في مفاهيمه ودلائله وبراهينه ms1156 وخططه ~~للحياة ، وعدم الابتعاد عن الارتباط بقيادتهم الرسالية الواعية التي تفتح ~~لهم أبواب الإيمان في ما تفتح لهم من أبواب العلم بالله وبرسالته وشرائعه ، ~~فإن ذلك هو السبيل إلى الثبات على المبدأ ، والشعور بقوة المواقف وأصالتها. # * * * PageV06P182 ### ||| ** من وحي الآية # وإذا أردنا أن نستوحي الفكرة العامة من هذه الفقرة من الآية ، فإننا ~~نستطيع تلخيص ذلك في نقطتين ، تمثلان القاعدة الثابتة الأصيلة في وسيلة ~~المحافظة على تماسك الأمة في عقيدتها أمام مخططات الأعداء ، وهما : ~~الارتباط بالفكرة من خلال مصادرها النقية الأصيلة ، والارتباط بالقيادة ~~المخلصة الرسالية في تخطيطها العملي لحركة الفكرة للحياة ، لأن الفكرة ~~وحدها لا تستطيع حماية مسيرتها من الانزلاق والانحراف بدون قيادة تحرك ~~الفكرة في الخط السليم ، كما أن القيادة لا تستطيع القيام بدورها الأصيل ~~إذا لم تكن القاعدة سائرة في خط الفكرة ومؤمنة بقيمتها الفكرية والروحية في ~~الطريق الطويل. # وقد نستوحي منها ، أن على الإنسان المسلم أن يلجأ إلى آيات الله ~~ليستنطقها في عملية تحليل لكل ما يعرض عليه من دعوات وأفكار يجد فيها الهدى ~~كل الهدى ، والوعي كل الوعي ، وأن يرجع إلى حياة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وسنته ليعيش معه الروح المنفتحة على الناس في محبة ~~ممزوجة بالحذر ، وفي وعي نابض بالحياة ، وفي حياة متحركة في أكثر من اتجاه ~~على أساس من وضوح الرؤية لفكر الإنسان وواقعه في خط العقيدة والعمل ، فإن ~~ذلك هو السبيل للاعتصام بالله والسير على هداه. # * * * ### ||| ** الاعتصام بحبل الله # ( @QUR@03 ومن يعتصم بالله ) بالتمسك بكتابه ورسوله ورسالته ، والانفتاح ~~عليه بالإخلاص والتقوى والاستقامة في خط الله ، والوقوف بقوة في مواجهة ~~التحديات الكبرى التي تتحدى قضايا المصير من أجل رد التحديات بمثلها وإطلاق ~~التحدي في وجه الكفر والاستكبار ، وهو الموقف الذي يفرضه الانتماء PageV06P183 # إلى الإسلام في الفكر والعمل ، ( @QUR@05 فقد هدي إلى صراط مستقيم ) لأن ~~الله هو الحق وما يدعون من دونه الباطل ، ولذلك فإن الاعتصام به هو اعتصام ~~بالخط المستقيم الذي يحفظ للإنسان دنياه وآخرته ، ويقوده إلى النجاة في ~~نعيم الله ورضوانه. # وربما نحتاج إلى ms1157 التوقف عند كلمة الاعتصام بالله ، وعلاقته بالاهتداء إلى ~~الصراط المستقيم ، فإن الاعتصام بالله يشير إلى التمسك بكل المفاهيم التي ~~أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والسير مع كل الشرائع التي شرعها ~~للناس على لسانه ، والتحرك نحو كل الأهداف الكبيرة في الحياة التي أراد ~~للإنسان أن يسير عليها من خلال وسائله الطاهرة النظيفة ، وبذلك تستقيم ~~للإنسان الرؤية الواضحة والمنهج المحدد ، والهدف الكبير الذي يبدأ من الله ~~وينتهي إليه ، فلا يبقى لديه أي شك أو ريب أو انحراف ، بل هو الطريق ~~المستقيم الذي لا عوج فيه ولا التواء. وفي هذا الجو نفهم أن الاعتصام بالله ~~ليس كلمة تقال ، ولكنه فكر وخط وموقف وهدف يحكم حياة الإنسان في مجالاتها ~~الفكرية والعملية ؛ فإن الإنسان الذي لا يعتصم بالله يبقى عرضة للانحراف مع ~~الخطوط المتنوعة للأهواء المختلفة التي يثيرها الشيطان وجنوده في قلب ~~الإنسان. # * * * PageV06P184 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون ) (102) # * * * ### ||| ** طريقة التقى # ... ولما كانت المواقف المضادة للإسلام والمسلمين التي يقفها أهل الكتاب ~~من اليهود ومن غيرهم ، في إضلالهم عن دينهم الحق ، تتحرك في حالات الضعف ~~الداخلي ، والوهن الروحي ، والغفلة عن الله ، مما يجعلهم يندفعون للسير في ~~المخططات الخبيثة التي ترسم لهم لإبعادهم عن الإسلام ، جاءت هذه الآية ~~لتدلهم على السبيل الذي يمكنهم من خلاله أن يحصلوا على قوة الموقف في ~~العقيدة والإصرار على سلامة الخط ، وذلك بالدعوة إلى أن يتقوا الله حق ~~تقاته ، في ما توحيه هذه الكلمة من الانضباط الواعي أمام خط الله في ما ~~يأمر به وما ينهى عنه في حالات الاهتزاز النفسي أمام الشهوات ، والضعف ~~الروحي أمام التحديات ، والارتباك الفكري أمام الشبهات ... # أما كيف يتقي الإنسان الله حق تقاته؟ فقد جاء تفسيره في حديث الإمام جعفر ~~الصادق عليه السلام في ما رواه عنه أبو بصير قال : سألت أبا عبد الله عن PageV06P185 # قول الله عز وجل : ( @QUR@04 اتقوا الله حق تقاته ) قال : يطاع فلا يعصى ، ~~ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر (1). ورواه في الدر ms1158 المنثور عن ابن مسعود ~~، مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2)... وهذا المعنى هو التعبير ~~الحركي للحضور الدائم لله في وعي الإنسان ، بحيث لا يغيب عن خاطره في كل ~~شيء يحيط به ، وفي كل وجه يتوجه إليه ... ونستوحي من ذلك أن التقوى حق ~~التقوى هي السير على خط العبودية التي تعيش الحضور الدائم لله في الفكر ~~والحركة والشعور ، لأنها تنطلق في الحياة على أساس ما تمثله من ارتباطها ~~بالله ، فلا شيء فيها إلا وهو مظهر من مظاهر قدرته ، ودليل واضح على وجوده ~~، ولطف من ألطاف نعمته. فإذا عاش الإنسان ذلك في نفسه ، كانت الطاعة حركة ~~حياته تبعا للشعور العميق بالعبودية ، وكان الوعي لوجود الله شعوره الدائم ~~انطلاقا من وضوح الرؤية في وجدانه ، وكان الإحساس بالنعمة سبيلا روحيا ~~للشعور بالحاجة إلى شكره من خلال ما توحيه الإنسانية المنفتحة على الله ~~بالاعتراف الجميل بالنعمة. # وهذا هو الخط الواعي للتقوى الذي يمكن أن يكلف به الإنسان من خلال قدراته ~~المحدودة ، التي لا تستطيع أن تدرك سر الله في عمقه وامتداده ، لترتفع إلى ~~المستوى الأعلى من معرفته .. وهذا هو التكليف الذي تنوعت الآيات القرآنية ~~في التأكيد عليه من خلال ما جاء من آيات قرآنية تتحدث عن إطاعة الله ورسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن ذكر الله في جميع الحالات ، وعن استحضار نعم ~~الله في نفس الإنسان وشكره عليها بالعمل فيها بما يرضيه والابتعاد بها عما يسخطه. # * * * PageV06P186 ### ||| ** فهم الآية # وقد يجد الإنسان في بعض الكلمات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ~~وهو الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، حيث يروى عن أبي بصير قال : سألت أبا ~~عبد الله عليه السلام عن قول الله : ( @QUR@04 اتقوا الله حق تقاته )؟ قال ~~: منسوخة ، قلت : وما نسختها؟ قال : قول الله : ( @QUR@04 فاتقوا الله ما ~~استطعتم ) (1). قد يجد البعض في مثل هذه الرواية دلالة على أن هناك تنافيا ~~بين هذه الآية وبين قوله تعالى : ( @QUR@04 فاتقوا الله ما استطعتم )، في ~~اعتبار الآية الثانية ناسخة للأولى ، ولكننا ، مع التحفظ في سند ms1159 الرواية ، ~~نشعر أن النسخ هنا لا يراد به ظاهره من تبديل المفهوم إلى مفهوم آخر ، لأن ~~الآية الأولى تتحدث عن حدود التقوى التي تدفع الإنسان إلى تحويل التقوى إلى ~~موقف عملي في الحياة ، بينما تتحدث الآية الثانية عن الدعوة إلى مواجهتها ~~من موقع القدرة في كل مراحلها التصاعدية ، وهذا ما يجعل كل واحدة تتخذ ~~لنفسها مسارا غير ما تتخذه الثانية. # وقد لا نستطيع في هذا المجال أن نفهم القضية كما فهمها صاحب تفسير ~~الميزان من أن حق التقوى «ليس في وسع كثير من الناس ، فإن في هذا المسير ~~الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلا العالمون ، ودقائق ولطائف لا ~~ينتبه لها إلا المخلصون». (2) أما اتقاء الله في حدود الاستطاعة ، فإنها ~~تختلف عنده باختلاف قوى الأشخاص وأفهامهم وهممهم (3). إننا لا نفهم منها ~~هذا الفهم ، بل كل ما في الأمر أن هناك اتجاها في الدعوة إلى التقوى من ~~خلال طبيعتها ، واتجاها إلى الدعوة إليها من خلال القدرات التي نملكها ~~كقضية التحرك ، فهما بمثابة الآيتين اللتين تكلم إحداهما الأخرى بحسب ~~المعنى الذي استوحيناه ، ولا يظهر منها إرادة الحد الأقصى من التقوى. أما ~~الرواية التي أشرنا PageV06P187 # إليها فقد يمكن توجيهها بأن الآية الأولى قد توحي بما يقرب من الجو ~~الأعلى للتقوى ، وذلك من خلال الاستغراق في كلمة : ( @QUR@02 حق تقاته ) ~~التي قد تعطي الانطباع بما ينبغي لله من التقوى ، فكانت الآية الثانية ~~مفسرة لذلك بأن القضية لا تتجاوز القدرة البشرية لكل إنسان بحسب ظروفه ~~وأوضاعه ... # * * * ### ||| ** خط للحياة ومسار للنهاية # أما قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) فقد تكون نتيجة ~~طبيعية للسير على خط التقوى في الحياة ، لأن ذلك هو الذي يعمق وعي الإنسان ~~للإسلام في الداخل ، ويركز خطواته على الصراط المستقيم ، فلا يبقى في حياته ~~اهتزاز أو ارتباك يبتعد به عن الإسلام ، لأنه لا يمثل في حياته كلمة تقال ~~وتقليدا يتجمد ، بل يمثل الفكر والعاطفة والحركة التي تجعل من الإسلام ~~طابعا للحياة ومعنى يتحرك في أعماق الإنسان من خلالها في امتداد وشمول يختم ~~حياته ms1160 كما بدأها حيث يلاقي ربه بإسلام الوجه والقلب واللسان ... # إنها الدعوة إلى أن لا تكون التقوى مزاجا طارئا يمر بالحياة مرورا خفيفا ~~، بل تكون قاعدة ثابتة للفكر والحياة لتمثل خط البداية والمسار والنهاية ~~... وهذا هو ما نستوحيه من هذا النداء الإلهي الذي يحس الإنسان فيه بمعنى ~~الرحمة الذي يمتزج بأسلوب التوجيه والدعوة. # * * * PageV06P188 ### ||| * الآية # ( @QUR@034 واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) (103) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فألف ): الإلف كما قال الراغب اجتماع مع التئام (1). # ( @QUR@01 شفا ): طرف وحرف ، وشفا الحفرة حرفها ، ويضرب به المثل في ~~القرب من الهلاك ، لما كان بينهم من الحروب والمنازعات والصراعات المستمرة ~~الدامية التي تضعهم على حافة الهاوية التي تتأجج بالنار في الدنيا وفي ~~الآخرة. # * * * PageV06P189 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان ، قال مقاتل : «افتخر رجلان من الأوس والخزرج ، ثعلبة ~~بن غنم من الأوس ، وأسعد بن زرارة من الخزرج ، فقال الأوسي : منا خزيمة بن ~~ثابت ذو الشهادتين ، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح ~~حمي الدين ، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له ورضي الله بحكمه في ~~بني قريظة. وقال الخزرجي : منا أربعة أحكموا القرآن أبي بن كعب ، ومعاذ بن ~~جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم. ~~فجرى الحديث بينهما ، فغضبا وتفاخرا وناديا ، فجاء الأوس إلى الأوسي ، ~~والخزرج إلى الخزرجي ومعهم السلاح ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فركب حمارا وأتاهم ، فأنزل الله هذه الآيات (1)، فقرأها عليهم فاصطلحوا» (2). # قد تكون هذه القصة سببا للنزول ، كمنطلق للنهي عن التفرق من حيث المبدأ ~~بقطع النظر عن أسبابه الضرورية والاجتماعية ، ولكننا نلاحظ أن جو الآية ~~يوحي بأن المناسبة قد تعبر عن ظاهرة بارزة في المجتمع الإسلامي آنذاك ، ~~بحيث تؤدي إلى اهتزاز الواقع المسلم تحت تأثير المشاكل الحادة التي قد تهدم ~~الهيكل على رؤوس الجمع ، مما ms1161 يعني أن الحادثة أكبر من هذه الحادثة الفردية ~~التي لا تمثل أية مشكلة كبيرة ، لا سيما أن المتفاخرين لم يخرجا في مفردات ~~فخرهما عن الواقع الإسلامي ، باعتبار أن الأشخاص الذين تحدثوا عنهم كانوا ~~من وجهاء المسلمين ، الأمر الذي يعني أن الخلاف في داخل الجو الإسلامي ، ~~الذي يحاول فيه كل واحد أن يؤكد عمق عشيرته في الإسلام من خلال تأثير ~~الشخصيات المهمة في إغناء تجربته وثقافته ، مما لا يسبب انحرافا في الشعور ~~ولا في الموقف. PageV06P190 # وقد لا تكون هذه الآية مفصلة من مناسبة معينة ، بل ربما تكون واردة ~~للتحذير مما قد يحدث من الاهتزازات في الواقع الإسلامي على أساس العصبيات ~~المعقدة التي قد تؤدي بالمسلمين إلى الاستغراق في عصبياتهم العائلية التي ~~تؤدي إلى الحمية الجاهلية. # * * * ### ||| ** أساس الوحدة # في هذه الآية يتابع القرآن تأكيد الأساس الذي تنطلق منه الوحدة في أسلوب ~~إيحائي يربط الهدف بالقاعدة ، في مسار لا يترك مجالا للانحراف أو الضلال ~~... ثم في توجيه المجتمع المؤمن إلى أن يدخل في عملية مقارنة بين الماضي ~~وبين الحاضر ، فقد كان الماضي يحمل في داخله الحقد والعداوة والبغضاء ، ~~بينما يتحرك الحاضر على أساس المحبة والألفة والأخوة ... وكان ذلك الواقع ~~المظلم خاضعا لممارسات تقف به على مشارف النار ، فأنقذه الله منها برحمته ~~في ما أنزله من وحي ، وما أطلقه من مفاهيم ، وما وجهه من تعاليم. # وقد ورد أن ( @QUR@02 بحبل الله ) كناية عن كتاب الله الذي هو حبل ممدود ~~من السماء إلى الأرض ، مما يجعل من الدعوة إلى الاستمساك به انطلاقة ~~للاعتصام بالإسلام كأساس للوحدة بعيدا عن كل الجهات الأخرى من عائلية ~~وإقليمية وقومية. وفي ضوء ذلك نعرف أن وحدة المجتمع في الإسلام ليست مطلبا ~~فارغا من المضمون ، كما يفعله المندفعون مع الشعارات التي تلتقي مع أي ~~مضمون ، لأن القضية تتخذ لنفسها صفة الإطار الذي يعيش مع أية صورة ، أما ~~الإسلام فهو الإطار والصورة معا ، فلا مجال معه لأي طرح آخر خارج حدود ~~إطاره الطبيعي ... # * * * PageV06P191 ### ||| ** نعمة الإسلام # ( @QUR@04 واعتصموا بحبل الله جميعا ) فهو في مضمونه الشامل ms1162 الذي يشمل ~~الإسلام كله في مضمون الكتاب وحركة القيادة في خططها العملية يمثل العروة ~~الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ، فلا بد لكم من التمسك به والارتباط ~~به ، واعتباره الخط الذي يتواصل به الجميع والرابط الذي يربط بين الأفراد ~~الذين قد يختلفون في خصوصياتهم ومواقعهم ، ( @QUR@02 ولا تفرقوا ) ليقف كل ~~واحد منكم في ناحية بعيدة عن الناحية التي يقف فيها الآخر على أساس العصبية ~~الذاتية أو العائلية أو القومية أو العرقية أو الوطنية أو الإقليمية ... ~~وغير ذلك مما يختلف عليه الناس في قضاياهم العامة والخاصة ، فإن التفرق ~~والاختلاف يؤديان إلى الضعف تارة وإلى السقوط أخرى ، وإلى الابتعاد عن الخط ~~المستقيم ثالثة ، ( @QUR@04 واذكروا نعمت الله عليكم ) بالإسلام الذي هداكم ~~إليه ، وما كنتم لتهتدوا لولا أن هداكم الله وجمعكم بعد فرقة ووحدكم بعد ~~تمزق ، ( @QUR@03 إذ كنتم أعداء ) لا تلتقون على موقف ، ولا ترتكزون على ~~قاعدة ، يحقد بعضكم على بعض ، ويلعن بعضكم بعضا ( @QUR@03 فألف بين قلوبكم ~~) بما أودعه في داخلها من الإسلام المنفتح على الله الذي يشيع الألفة ~~الروحية من خلال العقيدة الواحدة والشريعة الواحدة والخط الواحد والهدف ~~الواحد ، ( @QUR@03 فأصبحتم بنعمته إخوانا ) متراحمين ، متناصحين ، مجتمعين ~~على أمر واحد ، متحابين خاضعين لعنوان واحد ، وهو الأخوة في الله التي تفتح ~~القلوب على بعضها البعض ، وتزيل الحقد والعداوة والبغضاء. # ( @QUR@06 وكنتم على شفا حفرة من النار ) أي : على حافة الهاوية التي ~~تكاد أن تسقطكم في النار ، من خلال الكفر الذي كنتم تقيمون عليه ، وتتحركون ~~في دائرته ، وتختلفون في ما بينكم من خلال نوازعه وأوضاعه ، ( @QUR@02 ~~فأنقذكم منها ) بالإسلام الذي فتح لكم أبواب الخير كله وأبواب رضوانه الذي ~~ينتهي بكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار ، ( @QUR@05 كذلك يبين الله لكم ~~آياته ) التي توضح لكم PageV06P192 # سبيل السلامة في الدنيا والآخرة وموارد الهلاك ، لتأخذوا تلك وتتركوا هذه ~~( @QUR@02 لعلكم تهتدون ) إلى الحق والصواب بالمعرفة الواضحة والحجة القوية ~~والمنهج القويم. # * * * ### ||| ** من وحي «الاعتصام بحبل الله» # وقد نستوحي من كلمة «الاعتصام بحبل الله» وإلحاقها بكلمة : ( @QUR@02 ولا ~~تفرقوا )، أن من الضروري للمسلمين أن يتلمسوا الركائز التي ms1163 ترتكز عليها ~~الوحدة من خلال ما يلتقون عليه من مبادئ الإسلام ومفاهيمه العامة ، ليشعروا ~~بالوحدة الفكرية والعملية التي تجمعهم ، ويتركوا ما اختلفوا فيه من ذلك ، ~~فيرجعوا فيه إلى الله والرسول في ما أفاض فيه القرآن من أساليب وقواعد ~~للحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة ، ويبتعدوا عن الاستغراق في خلافاتهم من ~~مواقع العقدة الطائفية المشبعة بالحقد والضغينة ومختلف عوامل الإثارة ... ~~فإن السير على هذا الخط ينطلق من الاعتصام بحبل الله ، الذي يجمع ولا يفرق. ~~وقد يبدو للبعض أن مفهوم «الاعتصام بحبل الله» يفرض الالتقاء على المبادئ ~~الأصيلة في الكتاب والسنة ، فلا يشمل الحالات التي يشعر فيها كل فريق بأن ~~الفريق الآخر لا يصدر عن الحقيقة في عقيدته وفي علمه ، مما يجعل الالتقاء ~~به على هذا الصعيد التقاء مع الانحراف والضلال ... # ولكننا نحسب أن هذه الفكرة غير دقيقة ، لأن المفهوم من «الاعتصام بحبل ~~الله» هو اعتبار الكتاب أساسا للوحدة في المبادئ المتفق عليها ، وفي أسلوب ~~الوصول إلى الوفاق في المبادئ المختلف عليها ، لأن الرجوع إلى الكتاب يعني ~~الالتزام بقواعده وتشريعاته في طبيعة الفكرة وفي أسلوب الوصول إليها. وإننا ~~نعتقد أن السبب في ما وصل إليه المسلمون من تناحر واختلاف PageV06P193 # وتفرق هو أنهم انطلقوا من موقع العقد الذاتية التي تتحكم بأعصابهم ~~وانفعالاتهم ، ولم ينطلقوا في مواجهة خلافاتهم من موقع الحوار الإسلامي على ~~هدي القرآن وطريقه ... # * * * ### ||| ** ما هو حبل الله؟ # وقد اختلف المفسرون في المراد ب «حبل الله» على أقوال : أحدها : إنه ~~القرآن ، وثانيها : إنه دين الله الإسلام ، وثالثها : ما رواه أبان بن تغلب ~~عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال : نحن حبل الله (1). والأولى كما ~~يقول صاحب مجمع البيان «حمله على الجميع والذي يؤيده ما رواه أبو سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : أيها الناس إني قد تركت ~~فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، أحدهما أكبر من الآخر ؛ ~~كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما ~~لن يفترقا حتى ms1164 يردا علي الحوض» (2). # وقد يؤيد هذا الوجه أن أهل البيت عليهم السلام قد قالوا في كثير من ~~رواياتهم ، إنا إذا حدثنا حدثنا بموافقة الكتاب ، فلا تقبلوا علينا حديثا ~~إلا ما وافق كتاب الله ، مما يعني أن كلامهم ينطلق من خلال كتاب الله لفظا ~~ومضمونا ، بحيث يكون التمسك بهم من خلال الالتزام بكلامهم تمسكا بكتاب الله تعالى. # * * * PageV06P194 ### ||| ** المقارنة الواعية بين الماضي والحاضر # ثم تنطلق الآية في تعميق الفكرة في داخلهم من خلال ربط المبدأ بالتجربة ~~الحية في حركة الواقع ، وذلك بالمقارنة بين الحياة التي كانوا يحيونها ، ~~حيث كانت علاقاتهم خاضعة للعوامل الذاتية المنطلقة من المصالح والأنانيات ~~والنوازع الشريرة ، التي يفقد الإنسان معها الحس العميق بالروابط الطاهرة ~~التي تربطه بالآخرين ، فتدفعه إلى رعايتهم والتفكير بهم والشعور بآلامهم ~~ومشاكلهم والتعاون على مواجهة الواقع ، وقد تؤدي بالإنسان إلى أن يعيش روح ~~العداوة والبغضاء تجاه إخوانه إذا اصطدمت مصالحه بمصالحهم أو مشاعره ~~بمشاعرهم ، ويتحرك نحو التقاتل والتباغض ... وبين الحياة التي يعيشونها ~~الآن حيث بدأوا يشعرون بالرابطة الوثيقة التي تحكم علاقاتهم الروحية ~~والاجتماعية من خلال العقيدة الواحدة والمصالح المشتركة والهدف الواحد ~~والمسيرة الواحدة ، فلم يعد الإنسان في ظل هذا الواقع فردا مستقلا يملك ~~مصالح خاصة تتصل بأنانيته ، بل تحول إلى جزء من أمة تتشابك قضاياها ~~ومصالحها في قضية واحدة ، وتعيش فيها المشاعر في وحدة شعورية رائعة. وهذا ~~ما عبرت عنه الآية بقوله تعالى : ( @QUR@03 فألف بين قلوبكم )، فإن هذا ~~التأليف بين القلوب لم ينطلق من حالة طارئة ساذجة في حساب العواطف ، ولم ~~يخضع لمعجزة إلهية خارجة عن النواميس الطبيعية للعلاقات ؛ بل انطلق من ~~القاعدة الفكرية الروحية الجديدة المرتكزة على أساس فكر الإسلام وروحه ، ~~وتلك هي القاعدة الأساسية التي تبني للمجتمع شخصيته الاجتماعية المتكاملة ~~على صعيد العلاقات العامة والخاصة. # إن الآية تدعوهم إلى الدخول في عملية المقارنة الواعية بين علاقات الماضي ~~والحاضر ، ليعرفوا النتائج الإيجابية والسلبية ، ليعمقوا الإيجابيات التي ~~تفرضها العلاقات الجديدة ، ويخففوا السلبيات المتحركة في حياتهم من خلال ~~علاقات الماضي ، ليكونوا على وعي كامل عميق لكل الأساليب ms1165 التي يراد منها PageV06P195 # إثارة النوازع والعصبيات القديمة من خلال الرواسب الكامنة في الأعماق ، ~~مما قد يعيد للماضي في نفوسهم ضراوته وشدته. فإن وعي الأمة للواقع من خلال ~~المبادئ العامة يمنح التحرك في نطاق العلاقات قوة كبيرة وامتدادا عميقا نحو ~~الهدف الكبير الشامل ... وهذا ما أراد الله للأمة أن تعيه جيدا لتفهم أن ~~الحالة الماضية كانت تضع المجتمع على حافة الهاوية التي تشتعل وتتأجج ~~بالنار التي تحرقهم في الدنيا والآخرة ، وأن المسيرة الجديدة في خطة ~~العقيدة الجديدة تعتبر عملية إنقاذ من ذلك كله ، ليعيش الناس روحية الجنة ~~في علاقاتهم ومصيرهم ... وتختم الآية الحديث بالإشارة إلى أن هذه هي آيات ~~الله التي يريد منها أن يضع للأمة العلامات الواضحة البينة على مفارق ~~الطريق في مسيرة الحق أو الباطل ، لتكون الهدى للناس عند ما تضيع الخطوط ~~أمام الرمال المتحركة التي تخفي عن الناس معالم الطريق ، ويريد للناس أن ~~يجدوا الهدى في خطواتهم العملية التي تحول الفكرة إلى موقف ، وتركز الموقف ~~على أساس التقوى والإيمان. # إن الآية تعود إلى الحديث عن الاعتصام بالله ، ولكن بأسلوب آخر ، وهو ~~الاعتصام بحبل الله ، لأن القضية التي تعالجها هذه الآية ليست قضية المسلم ~~الفرد في ما يلتزم به ويحقق له سلامة المصير الفردي ، كما هو الحال في ~~الآية السابقة ، ولكنها قضية المسلمين في حياتهم الاجتماعية ، في وحدتهم ~~وتضامنهم على الخط الواحد ؛ ولهذا كان الحديث ينطلق في ما تتمثل به هذه ~~الوحدة التي يرتبط بها الجميع ، أو يراد للجميع أن يعيشوا روح الارتباط بها ~~من ناحية عملية لا من ناحية فكرية مجردة ، لأن الاقتصار على الجانب الفكري ~~الذاتي لا يوحي بوحدة الحركة أو الموقف في كثير من الحالات ، بل يبقى مجرد ~~حالة فكرية توحي بالتعاطف والتلاقي في مجال الحوار والتأمل ، ولذلك كان لا ~~بد من أن يتحول الفكر إلى ممارسة ومعاناة وحركة تعيش في ساحة الواقع ، ~~وتتدخل في المشاعر والعلاقات والانتماءات والحركة ... حتى يشعر الجميع بأن ~~حياتهم تخضع للفكر في حالة اليقظة والنوم ، والحرب والسلم ، وفي الحياة ~~الفردية PageV06P196 # والاجتماعية ms1166 والسياسية ، فلا ينفصل جانب عن جانب ، كما لا يبتعد إنسان عن ~~آخر في مصالحه ومشاكله وآماله وآلامه ، فليست هناك مصلحة قومية لبعض ~~المسلمين تصطدم بمصلحة قومية أخرى ، وليست هناك مشكلة لبعضهم تصطدم بمشكلة ~~خاصة للبعض الآخر ، بل لا بد من أن تكون الخطة متكاملة في النطاق الإسلامي ~~الشامل الذي يرتفع عن الخصوصية إلى التعميم ، ويعالج الخصوصية بروح الشمول ~~؛ ولهذا كان التعبير ب «حبل الله» الذي يمثل التجسيد الحي للخط الواحد الذي ~~يتمسك به كل الذين يخافون من الوقوع في الهاوية. وقد أكد الفكرة بكلمة ( ~~@QUR@02 ولا تفرقوا ) التي هي الوجه السلبي للتعبير عن الفكرة الإيجابية ~~للوحدة. # * * * ### ||| ** الآية وواقع المسلمين الممزق # وربما نستوحي من هذه الآية في واقعنا الإسلامي ، الفكرة التي تدفع ~~المسلمين إلى دراسة الواقع الممزق الذليل الذي يجعلهم فرقا متباعدة متشاحنة ~~خاضعة لقوى الكفر والطغيان في أوضاعها الفكرية والسياسية والاقتصادية ... ~~حتى تحولوا إل لعبة بيد تلك القوى في صراعاتها مع بعضها البعض ، وفي ~~تخطيطاتها لأساليب السيطرة على ثرواتها ومواردها ، مما يحول البلاد ~~الإسلامية إلى سوق استهلاكية لمنتوجاتها ، ومن هنا تأتي الدعوة إلى الوقوف ~~ضد أية نزعة استقلالية في المجال السياسي أو الاقتصادي بل في كل المجالات ~~الأخرى ... وقد يتجه التخطيط إلى إثارة المشاكل الطائفية والسياسية بين ~~المسلمين من أجل استنزاف طاقاتهم وتعطيل فعاليتهم بغية إبقاء السيطرة كاملة ~~عليهم من خلال حاجتهم إلى الاستعانة بهذه الجهة أو تلك في التغلب على بعضهم ~~البعض ... # ربما يحتاج المسلمون إلى وقفة تأمل في هذا الواقع كله ، ليفكروا في حبل ~~الله الذي يجب أن يعتصموا به ويرجعوا إليه في هذه الفوضى الفكرية PageV06P197 # والسياسية التي يعيشون فيها ، ليعرفوا مواطن الوفاق فيلتقوا عليها ، ~~ويكتشفوا عناصر الخلاف فيتفاهموا عليها ، ويتفهموا طبيعة الساحة التي يدور ~~حولها الصراع من خلال الظروف الموضوعية المحيطة بها ، ونوعية القوى الطاغية ~~الكافرة المتحركة فيها وعلاقتها بتفجير الواقع الإسلامي من الداخل ضد ~~المصالح الحقيقية للإسلام والمسلمين ... فقد يجد المسلمون في ذلك كله سبيلا ~~للقاء على أساس الاعتصام بحبل الله ، وقد يقف الواعون منهم وقفة مقارنة ms1167 بين ~~ماضي الإسلام وحاضره ، ولكن بطريقة معكوسة ، لأن الآية تدفع إلى الإصرار ~~على الإخلاص للواقع الحاضر على أساس دراسة تجربة الماضي ، بينما يفرض علينا ~~الواقع أن نتخلص من واقعنا السيئ على أساس التجربة التي عاشها الإسلام في ~~الماضي ... # إن الاعتصام بحبل الله يمثل القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أن ~~يستندوا إليها من أجل توحيد المسيرة وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الأمة ، ~~وذلك في ظل التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات إلى الإيجابيات ، ويقف مع ~~السلبيات وقفة فكر لا وقفة عاطفة ، ويعتبر أن وضوح الرؤية لدى أية جهة لا ~~يعني وضوحها لدى الآخرين ، مما يستدعي مزيدا من الصبر والتحمل في سبيل ~~الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء وللمواقف في اتجاه وحدة الهدف الكبير ، ~~وذلك هو ما يبعدنا عن متاهات النظريات والتحليلات التي يثيرها الآخرون في ~~أجواء غير إسلامية مما استحدثوه واستنتجوه من تجارب ذاتية ، أو أهواء ~~منحرفة ... ففي القرآن الكثير الكثير مما نستطيع أن نتعلمه ونعمل به ، وفيه ~~الكثير الكثير مما يمكن أن يحل لنا مشاكلنا الفكرية والعملية إذا أحسنا ~~النظرة والأسلوب في كيفية التعامل مع الأشياء من خلال الأجواء القرآنية ~~الواقعية. # * * * PageV06P198 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون (104) @QUR@014 ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) @QUR@017 يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (106) @QUR@010 وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت ~~الله هم فيها خالدون (107) @QUR@011 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما ~~الله يريد ظلما للعالمين (108) @QUR@011 ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~وإلى الله ترجع الأمور ) (109) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أمة ): جماعة قائدة ورائدة لما يملكون من الوعي والعلم ~~والحركة والمسؤولية. قال الراغب : جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح ~~يكونون أسوة لغيرهم (1). والأمة اشتقاقها من الأم الذي هو القصد في اللغة ~~، تستعمل على PageV06P199 # ثمانية أوجه ، (منها) الجماعة ، (ومنها): اتباع الأنبياء لاجتماعهم على ~~مقصد واحد ، (ومنها): القدوة لأنه يأتم به الجماعة ، (ومنها): الدين ms1168 ~~والملة ، كقوله : ( @QUR@05 إنا وجدنا آباءنا على أمة ) [الزخرف : 22] ، ~~(ومنها): الحين والزمان ، كقوله تعالى : ( @QUR@03 وادكر بعد أمة ) [يوسف ~~: 45] وإلى أمة معدودة ، (ومنها): القامة ، يقال : رجل حسن الأمة أي : ~~القامة ، (ومنها): النعمة ، و (منها): الأمة بمعنى الأم (1). # ( @QUR@01 تبيض ): كناية عن المسرة والفرح والحبور لما يلاقون من الثواب ~~على الطاعة والإيمان. فابيضاض الوجوه : عبارة عن المسرة ، واسودادها : عن ~~الغم والمساءة. # * * * ### ||| ** مسئولية الدعوة إلى الخير # كانت الآيات السابقة دعوة للاعتصام بحبل الله في خط التقوى الذي يقتضي ~~ضبط المسيرة الذاتية للمجتمع الإسلامي ، وتأكيد الوحدة الروحية والأخوة ~~العملية في حركة هذا المجتمع ، وذلك من خلال المفاهيم الإسلامية التي تربط ~~الإنسان المسلم بالله في الفكر والشعور والعمل ... # أما هذه الآيات فقد بدأت في تحويل المجتمع إلى مجتمع منفتح على آفاق ~~الدعوة إلى الخير في الداخل والخارج ، لأن ذلك هو دور الأمة المسلمة ~~القائدة التي تقود العالم إلى ما فيه الخير والصلاح ، لأنها لا تمثل القوة ~~التي تختزن في نفسها عناصر القوة ثم تنغلق على ذاتها في عملية ذاتية محدودة ~~لا تشعر فيها بالمسؤولية عن فكرها وقيمها وأهدافها ، فلا تعمل من أجل ~~تحريكها في حياة الآخرين ، وتوسيع مداها في حركة الإنسان الصاعدة ؛ بل تمثل ~~القوة المسؤولة التي تعتبر مسئولية صنع الخير والدعوة إليه جزءا من شخصيتها PageV06P200 # الممتدة التي ترى في امتدادها في الزمن معنى وجودها في الحاضر ، وتؤمن ~~بأن حركتها بعيدا عن الحدود الضيقة هي سر حيويتها وتجددها ومعنى إيمانها ، ~~لأن الإيمان بالله وبرسالاته لا يتجمد في زمن ولا يقف عند حد ، إذ إن ~~الإنسان هو عبد الله وخليفته في دوره الإنساني في الأرض ، فلا بد له من أن ~~يستوعب كل عناصر الرسالة في كل دور من أدوار حياته ، وفي كل مجتمع من ~~مجتمعاته من خلال ما يبلغه رسل الله من رسالات. # * * * ### ||| ** من هم الأمة؟ # وإذا كانت الدعوة إلى الخير هدفا من أهداف الإسلام من أجل شمول الخير ~~للحياة ، فإن من اللازم أن تبرز من داخل الأمة طليعة واعية تتبنى خط الدعوة ~~إلى الله حسب حاجة الساحة ms1169 إليها ، فقد تحتاج إلى عدد محدود قليل ، وقد يزيد ~~هذا العدد ، وربما يشمل الأمة كلها إذا كبرت التحديات الشريرة المضادة من ~~قوى الكفر والشر. # وهذا هو معنى الأمة في قوله : ( @QUR@011 ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) أي : جماعة من المسلمين الذين يمكن ~~لهم أن يحققوا الهدف ، ويسدوا الثغرة بالجهود المبذولة في هذا الاتجاه. وفي ~~ضوء ذلك نعرف عدم إرادة «الأمة» بالمعنى المصطلح الذي يتسع ليتحدد في معنى ~~القومية الشاملة التي تنطلق من وحدة اللغة والأرض والتاريخ أو العادات ~~والتقاليد ، مما يوحي به المعنى الاجتماعي والسياسي للكلمة ، لأن ذلك لا ~~مجال له في هذه الآية ، التي تؤكد على الجماعة الآمرة بالمعروف الناهية عن ~~المنكر بحجم الحاجة ، فقد تشمل المسلمين كلهم إذا كانت التحديات الثقافية ~~والسياسية والدينية والاجتماعية بالمستوى الكبير الذي لا يكفيه أية جماعة ~~محدودة ، وقد يضيق عن ذلك إذا كان الحجم محدودا يكفيه قسم معين منهم. PageV06P201 # وقد يتنوع الموضوع حسب الحاجة الواقعية بين الجهود الفردية التي يدعو ~~فيها بعضهم بعضا بشكل فردي ، وبين الجهود الجماعية التي تنطلق لرعاية ~~الواقع كله ومراقبته وتوجيهه في القضايا العامة التي تحتاج إلى الأمة ~~الإسلامية كلها ، تبعا لاتساع حدودها وكثرة جماعتها وتنوع أوضاعها. # وقد كان الواقع التاريخي لهذه الجماعة يتمثل في الدائرة الاجتماعية في ~~البلاد الإسلامية تحت اسم دائرة الحسبة ، ويسمى أفرادها بالمحتسبين. # وقد يطلق عليهم اسم «لجنة الآمرين بالمعروف» ، وكانت مهمتهم ملاحقة ظاهرة ~~الانحراف الديني والفساد الاجتماعي والسياسي في واقع الناس والدولة ، وهكذا ~~نجد أن حجم هذه الجماعة لا يختص بعدد محدود ، فقد يشمل المسلمين كلهم في ~~الدائرة العامة للحاجة. # * * * ### ||| ** الدعوة إلى الخير مسئولية كل مسلم # ... أما حجم الخير ومداه ونوعيته ، فإنه يتسع سعة الإسلام في عقيدته ~~وشريعته وحركته الشاملة للحياة ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 يدعون إلى ~~الخير )، وبذلك كانت الدعوة مسئولية كل مسلم يحتاج الإسلام إلى فكره و. ~~أسلوبه في الدعوة ، فليس لأي إنسان من أمثال هؤلاء أن يتقاعس ويجمد نفسه في ~~دائرة ضيقة أو عزلة خانقة ، أو هروب ms1170 من خط المسؤولية ، تماما كما لا يجوز ~~له أن يفعل ذلك في ما يتعلق بعباداته وفروضه الأخرى. وقد شاركت عصور التخلف ~~في خلق ذهنية سلبية كسولة لا شغل لها إلا البحث والتدقيق في إيجاد المبررات ~~للتراجع والتكاسل والبعد عن المسؤولية ، الأمر الذي أدى إلى أن يفقد ~~الإسلام كثيرا من الطاقات والقابليات ذات الفاعلية الكبيرة في تعزيز ~~الإسلام والمسلمين ، ولا يزال بعض هؤلاء يتحرك من أجل التنديد بالعاملين ، ~~لأنهم يشكلون التحدي العملي لأمثاله في حمل المسؤولية الإسلامية في الساحة. PageV06P202 ### ||| ** مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقد يلتقيان بالدعوة إلى الخير في ~~الجانب الذي تفرضه الدعوة للمعروف وللبعد عن المنكر بالكلمة وأمثالها ، مما ~~يكون حركة إيجابية نحو الخير والمعروف وحركة سلبية ضد الشر والمنكر ... لأن ~~ذلك من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يتحركان في اتجاه ~~الخطوات العملية التي تعمل على تغيير الواقع بالمواقف الحاسمة التي يقفها ~~العاملون ضد المنكر في اتجاه المعروف ، بالثورة عليه وبمواجهته بالضغوط ~~القوية ، من أجل إزالته تارة ، أو التخفيف من غلوائه أخرى ؛ سواء في ذلك ~~العمل الفردي المنكر المتمثل في انحراف الفرد عن خط الإسلام ، أو العمل ~~الاجتماعي الذي يمثله انحراف المجتمع ككل في الخط العملي بشكل عام ، أو ~~العمل السياسي الذي يواجه في الأمة الحكم الظالم الذي يعمل على السير ~~بقضاياها المصيرية في الاتجاه المنحرف ، على غير سيرة العدل في الحاكم ~~والحاكمين ، الأمر الذي قد يسيء إلى عزتها وكرامتها وذلك بإخضاع مقدراتها ~~للكفر والكافرين بمختلف الوسائل الخفية التي تجعلها تحت سيطرة الاستعمار ~~والمستعمرين ؛ أو العمل الاقتصادي الذي ينحرف بالاقتصاد عن شريعة الله في ~~مصادر الثروة ومواردها وطريقة توزيع الإنتاج ، وإبقاء ثروة الأمة تحت سيطرة ~~الاحتكار الجشع في ما يريده وما لا يريده ... # وفي ضوء هذا المفهوم الشامل ، نكتشف الخط الإسلامي للمسيرة الإسلامية ~~تجاه رصد حركة الواقع في الجانب الإيجابي والسلبي ، فنلاحظ أن الله يريد ~~للأمة أن تتحمل مسيرة الخير بمعناه الواسع بالدعوة إليه حتى لا يبقى هناك ~~أحد لم ms1171 تبلغه الدعوة ، مما يعني أن تراقب كل المناطق والمجالات التي ليس ~~فيها دعاة أو مرشدون لسد هذا النقص الكبير فيها ، كما يريد للأمة أن ترصد ~~المعروف والمنكر في المجال التطبيقي للإسلام لتتحمل مسئولية الأمر بالأول ~~والنهي عن الثاني بكل الإمكانات المتاحة لها ، في منطقة الشعور PageV06P203 # الداخلي بالرفض النفسي للمنكر والتعاطف الروحي مع المعروف ، وهو ما يعبر ~~عنه بالتغيير بالقلب ، أو في منطقة التعبير بإطلاق الكلمة القوية التي تؤيد ~~أو ترفض وهو التغيير باللسان ، أو في مجال المواجهة بالدخول إلى صميم ~~الواقع والضغط عليه بشدة وهو ما يعبر عنه بالتغيير باليد ... فلا مجال بعد ~~ذلك للقول بأن الإسلام يوافق على السلبية الفردية والاجتماعية في هذا ~~المجال ، لأنه يعزل الإنسان في النطاق الذاتي الذي لا يخلق له أية مشكلة مع ~~الآخرين على أساس أن كل فرد مسئول عن نفسه فلا مسئولية له عن غيره إلا في ~~نطاق النصائح والتوجيهات الأخلاقية العامة التي تلامس المشكلة من بعيد ، ~~بحيث لا تثير أي شعور سلبي لدى المنحرفين والكافرين والظالمين ... # وقد ختمت الآية هذه الدعوة بإعطاء هؤلاء الذين يقومون بهذه المهمة صفة ~~الفلاح بقوله : ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) للإيحاء بأن هذه الدعوة ~~للخير والممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمثل خط الفلاح للقائمين ~~بها ، من خلال أنها تمثل قيامهم بالمسؤولية العامة في ما يريد الله منهم ~~القيام به ، مقابل الخاسرين الذين يبتعدون عن مشاكل المسؤولية وأتعابها. # * * * ### ||| ** نهي عن السير في خط الاختلاف # وينهي القرآن عن السير في خط التفرق والاختلاف الذي يؤدي إلى انهيار ~~المجتمعات وابتعادها عن خط الاستقامة ، من خلال ما يحدثه من التمزق ~~الأخلاقي والسقوط الاجتماعي ، الذي يفقد فيه المجتمع توازنه الفكري والعملي ~~، فيسيطر عليه المترفون الذين يعملون على إضلال الناس وإسقاط قيمهم الروحية ~~والأخلاقية والسياسية والاقتصادية لمصلحة امتيازاتهم الظالمة ، أو يتولى ~~أمره المستكبرون والكافرون الظالمون فيبتعدون به عن خطه المستقيم وإيمانه ~~القويم : ( @QUR@05 ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) فلم يلتقوا على ~~قاعدة فكرية PageV06P204 # واحدة على مستوى العقيدة والمفاهيم العامة والتصور الشامل الدقيق للأشياء ~~، بل أخذ ms1172 كل واحد منهم بشيء من الأفكار المختلفة التي يناقض بعضها بعضا ، ~~مما يؤدي إلى التنافر والتنازع والضلال ، ( @QUR@05 من بعد ما جاءهم ~~البينات ) فاختاروا الكفر على الإيمان بعد قيام الحجة عليهم من الله سبحانه ~~بالدلائل الواضحة والبينات القوية ، ( @QUR@04 وأولئك لهم عذاب عظيم ) جزاء ~~تمردهم على الله وانحرافهم عن خطه المستقيم. # * * * ### ||| ** دعوة عامة أم خاصة؟ # وقد نلاحظ في هذا المجال أن الله سبحانه لم يطلب من المسلمين كافة القيام ~~بهذا الدور ، بل دعاهم إلى أن يكون منهم جماعة مخصوصة لتقوم بذلك ، فكيف ~~نفهم ذلك؟ # الظاهر أن القضية ليست في مجال التحديد ، بل هي في مجال تقرير المبدأ ؛ ~~فلا بد للأمة من دعاة للخير ومن آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ، ~~بالمستوى الذي تتحرك فيه دعوة الخير ويتأكد فيه المعروف ويزول فيه المنكر ، ~~وبذلك يختلف حجم هؤلاء حسب اختلاف حاجة الساحة إلى تحقيق هذا الهدف ، فقد ~~تمر الأمة بمرحلة عادية لا تحتاج فيها إلى النشاط الطبيعي الذي تقتضيه ~~طبيعة الأشياء مما لا ضرورة فيه إلى استنفار الأمة بطاقاتها الكاملة ... ~~ولكنها قد تمر بحالة طوارئ من التحديات الصعبة العنيفة التي يثيرها دعاة ~~الكفر والضلال ، بالمستوى الذي تحتاج فيه الأمة إلى كل طاقاتها لمواجهة ذلك ~~كله ، ويتحول فيه الموقف إلى «الوجوب العيني» الذي يتوجه إلى كل فرد بنفسه ~~من دون أن يقوم فيه إنسان عن الآخرين ، بدلا من «الوجوب الكفائي» الذي إذا ~~قام به البعض سقط عن الكل ، وإذا لم يقم به الكل أثموا جميعا. # وفي ضوء ذلك ، انطلقت الآيات والأحاديث الشريفة في التأكيد على PageV06P205 # الإبلاغ والتذكير ، والدعوة إلى الله ، والتنديد بالعلماء الذين يكتمون ~~علمهم في الحالات التي تظهر فيها البدع وتتكاثر في المجتمع ، لأن ذلك هو ~~السبيل إلى استمرار الرسالة حية نامية في حياة الناس ، وقوية صلبة أمام ~~التحديات الفكرية والعملية ، مما يجعل من السكوت في حالة القدرة على الكلام ~~خيانة للإسلام والمسلمين ، لأن ذلك يفقد الموقف قوة من قواه الجاهزة في ~~صعيد الواقع ... وقد لا نستطيع اعتبار مواقف النبي والصحابة والأئمة ~~عليه السلام محصورة ms1173 في نطاق حياتهم ومرحلتهم في مجال الدعوة ، بل هي مواقف ~~ممتدة في الحياة امتداد الرسالة في الزمن ، مما يجعل من الدعوة إليها أمانة ~~الأجيال المسلمة في كل زمان ومكان. # وقد نستطيع التأكيد في هذا المجال على أن الرسالة الإسلامية لم تصل إلينا ~~بهذا المستوى الكبير من القوة والوضوح والامتداد إلا بفضل المواقف الرسالية ~~التي وقفها العلماء والمجاهدون في مراحل التاريخ في دعوتهم إلى الخير ، وفي ~~أمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، ومواجهتهم للقوى الكافرة والضالة ، ~~حتى سقط منهم الشهداء في خط المسيرة الطويل ... وهكذا يظل الإسلام دين دعوة ~~للفكر والإيمان ، وتوجيه للعمل والتطبيق في عملية توعية وانفتاح. # * * * ### ||| ** في الآخرة وجوه تبيض وأخرى تسود # ... وليست القضية قضية صفة ذاتية عادية يراد منها تقييم الإنسان من ناحية ~~ذاتية ، لأن طبيعة القضية تتصل بالجانب العام الشامل لحياة الإنسان ، أما ~~ذلك الفلاح وهذا العذاب فإنهما يبرزان بأعلى صفاتهما في مواجهة الإنسان ~~للمصير في موقفه أمام الله عند ما يتحدد للإنسان مصيره من خلال انطباع ~~أعماله على وجهه ، فهناك الناس الذين تبيض وجوههم بما عملوا من خير ، من خلال PageV06P206 # ما يمثله من صفاء ونقاء وبياض ناصع ؛ وهناك الناس الذين تسود وجوههم بما ~~عملوا من شر ، من خلال ما يمثله من سواد وظلمة وقلق ، وذلك هو قوله تعالى : ~~( @QUR@05 يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) وهذا تعبير إيحائي عن الحالة الروحية ~~التي تترك تأثيراتها على الصورة البارزة للإنسان من خلال عناصرها الخاصة في ~~الذات ، فإذا كانت الروح منفتحة على الجانب المشرق من النيات الخيرة ~~والأعمال الصالحة ، فإن ذلك ينعكس على إشراقة الوجه نورا وإشراقا وبشرا ، ~~لأن هذا الإنسان لا يشكو من عقدة تثقل روحه وتشوه صورته. وأما إذا كانت ~~الروح منغلقة على الخير ومنفتحة على الشر في الدوافع والأعمال ، فإن ~~الإنسان يبدو من خلالها شيطانا في ملامحه ، معبرا في وجهه ، مظلما في ذاته. ~~وهذا ما يوحي بالحقيقة الإنسانية في تأثير الواقع الداخلي في صورة الواقع ~~الخارجي للإنسان ، بحيث تتمثل ملامحه الداخلية في ملامحه الخارجية في ~~الصورة تارة ، وفي النظرة ms1174 العامة لحركته تارة أخرى. وقد عبر الله عن ذلك ~~بطريقة أخرى في صورة المؤمنين يوم القيامة في النور الذي يسعى بين أيديهم ~~وبإيمانهم وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@03 يوم تبيض وجوه ) وبإزاء هؤلاء ~~نرى المنافقين والمنافقات غارقين في الظلمة يستجدون النور من المؤمنين ~~والمؤمنات ( @QUR@02 وتسود وجوه ). # وتزداد الصورة وضوحا في مواجهة الموقف ، فيبدو لنا هؤلاء الذين اسودت ~~وجوههم ، فإذا بنا نلمح في أوضاعهم وتقارير أعمالهم وطبيعة السؤال الإنكاري ~~الذي يوجه إليهم : ( @QUR@07 أما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) ~~صورة الناس الذين ساروا في خط الإيمان فترة من الزمن ، ولكنهم وقعوا تحت ~~تأثير الضغوط الذاتية من الشهوات والأطماع والأضاليل فانحرفوا عن الخط ، ثم ~~تحول انحرافهم إلى مواجهة مضادة للخط نفسه عند ما فرضت عليهم ذاتياتهم أن ~~يقاوموه ليرضى عنهم أولياؤهم من الكافرين والضالين ... # وفي هذا إيحاء دقيق من بعيد بأن على الإنسان أن لا يستسلم للثقة بإيمانه ~~في استرخاء كسول ، يؤمن معه بأنه لا يتزعزع مهما كانت الظروف والضغوط ، بل ~~ينبغي له أن يحرسه بالفكر والتأمل والقراءة والحوار والعمل ، لأن الكثيرين PageV06P207 # من الناس قد ضلوا بعد الهدى وكفروا بعد الإيمان تحت تأثير العوامل ~~السلبية المتنوعة المحيطة بهم ... فحاق بهم العذاب نتيجة ذلك كله ، وواجهوا ~~النداء الحاسم من الله : ( @QUR@05 فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ). # ( @QUR@04 وأما الذين ابيضت وجوههم ) فقد عاشوا حياتهم مع الله ؛ فإذا ~~فكروا كان الله أول ما يفكرون به في عظمة خلقه وكرمه في نعمه ، وفي كل شيء ~~يحيط بهم ؛ وإذا خططوا لحياتهم كان الله هو الذي يستلهمونه في رسم تلك ~~المخططات ؛ وإذا واجهتهم الشهوات ، وقفوا منها وقفة التوازن التي تأخذ منها ~~ما يبني للإنسان روحه وجسده في ما ينفع الروح والجسد ، وترفض منها ما يهدم ~~للإنسان كيانه في ما يضرهما ؛ أما إذا عاشوا مع الناس ، فإنهم لا يفكرون ~~بأنفسهم في سجن الأنانية بل ينفتحون على الحياة الفردية والاجتماعية ~~للآخرين كمنطلق لممارسة المسؤولية المفروضة عليهم من الله في أن تكون ~~حياتهم خيرا وبركة للآخرين ، فلا يصدر منهم أي ضرر أو فساد ms1175 لأي إنسان ؛ ~~وإذا وقفوا مع أنفسهم تذكروا الله قبل ذلك فعلموا أنهم عبيد له وعرفوا أن ~~من واجبهم أن يعبدوه حق عبادته ويطيعوه حق طاعته في كل ما يستطيعونه ~~ويقدرون عليه من ذلك ... فكانوا قريبين من الله في فكرهم وشعورهم وعملهم ~~فاستحقوا رحمته الخالدة التي يمنحها للصالحين والمجاهدين من عباده ( ~~@QUR@06 ففي رحمت الله هم فيها خالدون ). # * * * ### ||| ** الشعور بالحضور الإلهي ضرورة تربوية # وماذا بعد ذلك؟ # إن الله يختم الموقف بآيتين ، ففي الآية الأولى قوله تعالى : ( @QUR@011 ~~تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ) فقد بين ~~الله للناس الأمور كلها ودلهم على العلامات التي تحدد لهم خطوط الحياة ~~والمصير على أساس الحق ، PageV06P208 # ووضع كل إنسان منهم أمام مسئوليته ، ليختار بعد إقامة الحجة عليه الخط ~~الذي يتجه به إلى الجنة أو الخط الذي يتجه به إلى النار. فإذا عاقبه ~~بانحرافه وظلمه لنفسه فإنه يواجهه بأعلى مواقف العدل ، فإن الله لا يريد ~~ظلما للعالمين ، لأنه العدل الذي تعالى شأنه عن الظلم ، فهو غني عنهم في كل ~~شيء ، فلا حاجة به إلى الظلم الذي لن يحتاجه صاحبه إلا على أساس عقدة ~~داخلية يعاني منها في ذاته ... # أما في الآية الثانية : ( @QUR@011 ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~وإلى الله ترجع الأمور ) فإنها تثير الغنى المطلق لله من جهة ما يمثله ملك ~~القوى والطاقات والأشياء الموجودة في السموات والأرض مما يجعله مهيمنا على ~~الأمر كله من دون عقدة ضعف أو حاجة ، كما تثير في داخل الإنسان الشعور ~~بعظمة الله في أسلوب تربوي يدفع الإنسان إلى التفكير بالارتباط به ، لأنه ~~مصدر القوة في كل من حوله وما هو حوله ، فإنه يملك الأمر فيها جميعا ، كما ~~أن مرجع الأمور إليه في المصير في نهاياتها ، كما كانت كذلك في بداياتها. # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أنه لا يجوز تعليل نفي إرادة الظلم من الله ~~سبحانه بغناه عنه ، لأن ظاهر الآية هو التأكيد على ملكه لما في السموات ~~والأرض ؛ لأنه إذا كان يملك جميع الأشياء من جميع ms1176 الجهات ، فله أن يتصرف ~~فيها بما يشاء فلا يتصور في حقه التصرف في ما لا يملكه حتى يكون ظلما ~~وتعديا (1). # ولكننا نلاحظ أن الله تحدث عن الظلم من حيث إنه لا يتناسب مع عظمته ~~ورحمته وانطلاق إرادته من قاعدة الحق ، لأنه ليس بحاجة إليه بالطريقة التي ~~يحتاج فيها الظالمون إلى الظلم على أساس ضعف وعقدة أو خوف أو ما إلى ذلك ~~... وليس ظاهرا في الحديث عن عدم تحقيق موضوع الظلم ، باعتبار أنه يتصرف في ~~ملكه ، وعلى ضوء هذا فإن الآية الثانية تعرضت للملك الشامل PageV06P209 # الذي يجعل الأمور في تصرفه ، مما يؤدي إلى أنه وحده المتصرف ، فيها ~~المسلط عليها مما يقتضي رجوعها إليه ، والله العالم. # وقد نلاحظ تنوع الأساليب المماثلة في القرآن الكريم من أجل تربية الشعور ~~بالحضور الإلهي في كل مظاهر الحياة المحيطة به ، مما يدخل في عملية البناء ~~الداخلي للشخصية الإسلامية ، وليس مجرد إبراز حقيقة من حقائق العقيدة وفي ~~ضوء ذلك لا بد للعالمين في حقل تربية الناشئة الإسلامية من أن يؤكدوا على ~~استثارة هذا الأسلوب في تربية العقيدة في نفس الإنسان المسلم. # * * * PageV06P210 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون ) (110) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كنتم ): قال الزمخشري في الكشاف : «كان عبارة عن وجود الشيء ~~في زمان ماض على سبيل الإبهام ، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع ~~طارئ ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) [النساء : 96] ~~؛ ومنه قوله تعالى : ( @QUR@03 كنتم خير أمة )؛ كأنه قيل : وجدتم خير أمة ~~، وقيل : كنتم في علم الله خير أمة. وقيل : كنتم في الأمم قبلكم مذكورين ~~بأنكم خير أمة ، موصوفين به» (1). PageV06P211 # ( @QUR@01 أخرجت ): أظهرت ، «ومزية هذه اللفظة أي الإخراج أن فيها ~~إشعارا بالحدوث والتكون ، قال تعالى : ( @QUR@03 والذي أخرج المرعى )» ~~[الأعلى : 4] ؛ كما قال صاحب الميزان (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال عكرمة ومقاتل : نزلت في ابن مسعود ، ~~وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وذلك ms1177 أن مالك بن ~~الضيف ، ووهب بن يهوذا اليهوديين ، قالا لهم : إن ديننا خير مما تدعونا ~~إليه ، ونحن خير وأفضل منكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2). # * * * ### ||| ** الأمة الإسلامية أمة قائدة # إن قيمة كل أمة بالنسبة إلى الأمم الأخرى ، هي في المبادئ التي تؤمن بها ~~وفي الدور الكبير الذي تقوم به في حياة الناس. وعلى هذا الأساس جاءت هذه ~~الآية لتؤكد أفضلية الأمة الإسلامية على سائر الأمم ، لا من خلال الجانب ~~الذاتي الذي يقوم على تفضيل شعب على شعب لصفاته الذاتية ، أو لامتيازات ~~غيبية خاصة كما هو شأن اليهود في اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار ، بل من ~~خلال الدور الذي أنيط بها في تغيير الواقع الفاسد بكل الوسائل الممكنة ، ~~سواء كان ذلك بالإقناع القائم على أساس المحبة ، أو بالقوة التي تحطم ~~الحواجز التي PageV06P212 # يقيمها الآخرون أمام حرية الإسلام في الدعوة ، أو التي تواجه التمرد ~~المنحرف الذي يقوم به الأفراد في المجتمعات الإسلامية ، فهي أمة قائدة ~~لمجتمعها ومجتمعات الآخرين من حيث الدور الذي أنيط بها ، بينما كانت ~~الرسالات الأخرى ، في ما حدثنا القرآن عنه من حديث الأنبياء ، تعمل على ~~أساس التغيير بالموعظة والكلمة الطيبة والأساليب الهادئة مما يجعل منها ~~رسالة دعوة مجردة ، تماما كما هي الآية الكريمة : ( @QUR@08 وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) [البقرة : 143] ؛ وإذا كانت قيمة الأمة ~~من حيث الدور لا من حيث الذات ، فإن الحكم على واقعها العملي تابع لقيامها ~~بهذا الدور ، ولكن ذلك لا يمنع من بقاء هذه الصفة من حيث الخط الذي وضع لها ... # وقد أثار المفسرون في تفسير هذه الآية الحديث حول كلمة «كان» ، هل هي ~~متضمنة للزمان في معناها ، فيكون الحديث عن التفضيل في زمان سابق ، أو هي ~~غير متضمنة له ، فتكون واردة لبيان أصل المبدأ؟! وقد اختار بعض المحققين من ~~المفسرين الوجه الأول ، واستظهر أن «الآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور ~~الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والمراد بالإيمان هو ~~الإيمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق فيه في مقابل ms1178 ~~الكفر به ، على ما يدل عليه قوله قبل : ( @QUR@03 أكفرتم بعد إيمانكم ) ~~الآية ، وكذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضا ، فيؤول المعنى إلى أنكم ~~معاشر أمة الإسلام كنتم في أول ما تكونتم وظهرتم للناس خير أمة ظهرت لكونكم ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ...» (1). # وذهب أكثر المفسرين إلى الوجه الثاني وقالوا : إن كلمة «كان» قد تتجرد عن ~~الزمان في بعض الحالات كما في الآيات التي تتحدث عن صفات الله مثل ( ~~@QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) [النساء : 96]. ولكننا نلاحظ على هذا ~~الموضوع ، أن الظاهر من الآية هو ورودها لبيان دور الأمة وقيمتها من خلال ~~ذلك ، وهذا قرينة PageV06P213 # على أن القضية لا تتصل بالزمن ، لأن خصوصية الزمان في مثل هذه الأمور ~~تابعة للجانب الواقعي العملي الذي تختلف فيه الأمة من زمن إلى زمن ، وهذا ~~غير مراد من الآية في ما يظهر . أما ما ذكره صاحب تفسير الميزان فهو مخالف ~~للظاهر ، من خلال ما استظهرناه من جهة ؛ ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت في ~~الوقت الذي كانت حركة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودة ~~مستمرة في حياة المسلمين ولم تكن منفصلة عن ذلك الجو ، فكيف يمكن أن تتكلم ~~عن الموضوع بصفة الماضي ، الذي قد يوحي بتبدل الصفة إلى نقيضها؟! أما تفسير ~~الإيمان بالله ، بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق ، فغير واضح ، بل ربما ~~كان من القريب جدا ، أن يكون المراد منه معناه الحقيقي على أساس ارتباط ~~الدور بالجانب العقيدي الفكري الذي يمثله الإيمان بالله ، وبالجانب ~~التطبيقي العملي الذي يمثله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # ( @QUR@01 كنتم ) أيها المسلمون في انطلاقكم في الحياة كجماعة موحدة على ~~أساس الخط الفكري والعملي من خلال رسالة الله التي أراد للناس من خلالها أن ~~يتوحدوا في أوضاعهم العامة والخاصة ، ( @QUR@04 خير أمة أخرجت للناس ) أي ~~خير جماعة ظهرت للناس في وجودها الحركي القيادي الذي يتحول فيه كل مسلم إلى ~~داعية لله ، وعامل في خط التغيير الفردي والاجتماعي بعيدا عن الفردية ~~الذاتية في اهتماماتها الخاصة على أساس عبادتها وأخلاقيتها في خط الإيمان ، ~~لأن الإسلام ms1179 يريد للمسلم أن يحمل في داخل شخصيته شخصية الأمة في حركة ~~مسئوليته عن الأمة كلها في حدود استطاعته ، وبهذا تكون الأفضلية أو ~~«الخيرية» مطلقة من خصوصية المضمون الفكري والدور العملي لهذه الجماعة ، لا ~~من خصوصية الذات في ذاتية الانتماء من حيث ذاته. # وقد تعددت التطبيقات في التفاسير في مصداق هذه الجماعة من حيث اختصاصها ~~بأشخاص معينين ، أو شمولها للمسلمين كلهم ، فقيل (1): هم PageV06P214 # المهاجرون خاصة ، عن ابن عباس والسدي ؛ وقيل : نزلت في ابن مسعود وأبي بن ~~كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة كما تقدم في أسباب النزول وقيل : ~~أراد بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، عن الضحاك ؛ وقيل : ~~هو خطاب للصحابة ولكنه يعم سائر الأمة ؛ وقيل كما في الدر المنثور : أخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي جعفر : ( @QUR@05 كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال : ~~أهل بيت النبي (1). وجاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس ) الآية ، عن أبي عمرو الزبيري عن الصادق عليه السلام قال : يعني ~~الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السلام ، وهم الأمة التي بعث الله ~~فيها ومنها وإليها ، وهم الأمة الوسطى ، وهم خير أمة أخرجت للناس (2). ~~والظاهر أن المراد بالكلمة : الجماعة المسلمة المميزة بالتزامها الرسالة في ~~إيمانها وفي حركية الدعوة إلى الله ، ومن الطبيعي أن يكون مصداقها منطبقا ~~على الصحابة المجاهدين وعلى الأئمة الطيبين من أهل البيت عليهم السلام ، كما ~~هي منطبقة على المسلمين السائرين في خط الإيمان بالله والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ، فيكون التفسير الوارد في هذه المصاديق تفسيرا بالمصداق ~~أو المصداق النموذجي الأعلى ، لا تفسيرا بالخصوصية المعينة المنحصرة في هذه ~~الفئة أو تلك ، لأن الصفات المتأخرة المذكورة في الآية : ( @QUR@07 تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) تشمل المسلمين كلهم. # * * * ### ||| ** هل الآية محرفة؟! # وقد جاء في بعض الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تبديل PageV06P215 # كلمة أمة بكلمة أئمة من قراءة خاصة ، فقد جاء في رواية علي بن إبراهيم ~~قال : حدثني أبي عن ابن أبي عمير ، عن ابن ms1180 سنان ، عن أبي عبد الله ~~عليه السلام ، قال : قرئت عند أبي عبد الله عليه السلام : ( @QUR@05 كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس ) الآية ، فقال أبو عبد الله عليه السلام خير أمة تقتلون ~~أمير المؤمنين والحسن والحسين ابني علي عليه السلام ؟ فقال القارئ : جعلت ~~فداك كيف نزلت؟ قال : نزلت : «كنتم خير أئمة أخرجت للناس» ، ألا ترى مدح ~~الله لهم : ( @QUR@07 تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ). ~~وجاء في تفسير العياشي عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قرأ في قراءة علي : «كنتم خير أئمة أخرجت للناس» ، قال : هم آل ~~محمد» (1). # ونلاحظ على ذلك ، أولا : سند الروايتين ، فإن المراد في الأولى بابن سنان ~~على الظاهر محمد بن سنان ، الذي لا يعتمد الأكثر على روايته ، أما في ~~الثانية فهي مرسلة. # وثانيا : أن إسناد ضمير ( @QUR@01 أخرجت ) إلى الأئمة قد يكون خطأ من ~~الناحية العربية ، لأن الجمع المذكر لا بد من أن يسند إليه الضمير في الفعل ~~بنحو المذكر لا بنحو المؤنث ، فلا بد من أن يقول : «أخرجوا» وإنما يجوز ~~الإسناد إليه بنحو التأنيث إذا كان إسناد الفعل إلى الظاهر ، كما تقول جاء ~~الأئمة بتقدير كلمة «جمع» ، وجاءت الأئمة بتقدير كلمة «جماعة» ، وإذا لم ~~يكن ذلك فليس بليغا على الأقل. # وثالثا : إنه وردت الرواية المتقدمة عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله ~~الصادق بالتأكيد على القراءة المشهورة : ( @QUR@02 خير أمة ) وتفسيرها ~~بأنها الأمة الوسطى مما يعارض القراءة المذكورة في الروايتين بكلمة «أئمة». # ورابعا : إن الرواية الأولى ضعيفة الدلالة ، لأن استنكار الصادق على PageV06P216 # تقدير صدق الرواية أن يكون الذين قتلوا عليا والحسنين عليهم السلام ~~مشمولين بهذه الآية ، وذلك من خلال ورود الصفات الثلاثة التي لا تنطبق ~~عليهم ، لا يعني عدم ملاءمة ورود كلمة «الأمة» في الآية ، لأن المفروض أن ~~هذه الصفات توحي بانحصار الأمة المفضلة بالأمة الواجدة لهذه الصفات ، ولا ~~تشمل كل المسلمين ، لأن الوصف يوحي بالتقييد ، فالتعليل لا ينطبق على ~~التبديل. # وفي ضوء هذا فقد تكون المسألة في الرواية واردة على ms1181 سبيل التفسير بأن ~~المراد بهم الأئمة عليهم السلام ومن يماثلهم من الآمرين بالمعروف والناهين ~~عن المنكر والمؤمنين بالله بمعنى التفسير بالمصداق ، ولكن التعبير ورد على ~~هذا الشكل. # وقد حاول المستشرق اليهودي «جولد تسيهر» أن يفسر مثل هذا التبديل للأمة ~~بالأئمة بأن الشيعة من خلال أئمتهم لا يوافقون على أن يكون للأمة دور في ~~القرآن ، فلذلك عمدوا إلى تبديل كل كلمة للأمة بالأئمة ، ونحن نرد على ~~كلامه بأن المسألة ليست كما يراها ، لأن الرواية الواردة بهذا المضمون قد ~~تكون واحدة أو اثنتين ولكنها ليست بهذا الشمول ، مع ملاحظة مهمة ، وهي أن ~~الشيعة لم يعترفوا بهذه الروايات ولم يلتزموها في المصاحف التي كتبوها ، ~~لأنهم بأجمعهم لا يرون صحة نسبة التحريف إلى القرآن ، بل يرون أنه هو ~~القرآن الموجود بين الدفتين الذي يتداوله المسلمون من دون أية زيادة أو ~~نقصان ، لأنه الكتاب الذي : ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه ) [فصلت : 42] ، لأن الله قال : ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون ) [الحجر : 9] وإذا كان بعض علمائهم وهو الشيخ حسين النوري ~~رحمه الله قد ألف كتابا في إثبات التحريف ، فإن العلماء المتأخرين من بعده ~~قد ردوا عليه أبلغ رد ، ومنهم السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره في كتابه ~~«البيان في تفسير القرآن» ، وقد تحدث فيه أن الروايات الواردة في هذا ~~المجال بين ضعيفة السند أو ضعيفة الدلالة ، أو محمولة على التفسير لا على ~~التنزيل ، ولعل أبلغ دليل على رفض المسلمين الشيعة وأئمتهم للتحريف أمران : ~~الأول : أن الأحاديث تواترت PageV06P217 # عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بإرجاع الناس إلى كتاب الله في توثيق ~~الروايات من حيث المضمون فقالوا : «ما خالف كتاب الله فهو زخرف» (1)، وفيه ~~توجيه إلى أن لا نقبل عليهم ما خالف كتاب الله وكانوا يشيرون إلى الكتاب ~~الموجود بين أيدي المسلمين ، فإنه ليس لدى الشيعة في كل عصورهم كتاب قرآني ~~من نوع آخر. # الثاني : إن الشيعة الذين كتبوا نسخ القرآن في الماضي أو طبعوه في ~~المستقبل لم يختلفوا في كتابتهم وفي طباعتهم ms1182 عن المسلمين ، ولذلك فإن أي ~~إنسان يملك أية قوة أو سيطرة في الاطلاع على أسرار الواقع الداخلي للشيعة ~~في عملية هجوم أو اقتحام لم يجد ولا يجد أية نسخة قرآنية مختلفة عما هو لدى الناس. # * * * ### ||| ** الأمر والنهي موقف قيادي تغييري # ( @QUR@05 تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) باعتبارهما الصفتين اللتين ~~توحيان بالموقع القيادي التغييري الذي تقف فيه الجماعة المسلمة لتعمل على ~~قيادة الناس من خلال خط الدعوة تارة والحركة أخرى والموقف ثالثة ، إلى ~~الأخذ بالمعروف والابتعاد عن المنكر ، وعدم الاكتفاء في ذلك بالكلمة ~~المعبرة ، ثم ألا ننكفئ عن الواقع إلى العزلة والبعد عن ساحة الصراع. وإذا ~~كانت الأفضلية التي توحي بالتقدم على الآخرين في الموقع والدور تنطلق من ~~هاتين الصفتين ، فلا بد من أن يكون لها دور القاعدة في استمرار هذا الموقع ~~: ( @QUR@02 خير أمة )، فإذا أهملوا ذلك فتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، سقطوا كما سقط الآخرون لأنهم لا يمثلون آنذاك أية فائدة للإنسان. # * * * PageV06P218 # ( @QUR@02 وتؤمنون بالله ) # ( @QUR@02 وتؤمنون بالله ) فإن الإيمان بالله الواحد يكون في العقيدة ~~التوحيدية التي تحرر الإنسان من عبوديته للإنسان الآخر وللأصنام وللظواهر ~~الكونية كالشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ، فيبقى في موقع إنسانيته الأصيل ~~الذي يتعامل مع الناس الآخرين ومع الكون كله كتعامل الند للند ، والمخلوق ~~مع المخلوق ، في عملية تكامل في خصوصيات الوجود التي تجعل الإنسان يسير في ~~خط الكمال الإنساني الشامل في دائرة النظام الكوني الواسع ، فيعطي الكون من ~~عقله وجهده كما يأخذ منه ، كما يقدم للإنسان الآخر جهده الذي ينتفع به في ~~مقابل ما يأخذه من جهده لحاجته في حياته الخاصة والعامة. # وقد جاء في تفسير الكشاف للزمخشري تعليق على هذه الفقرة : ( @QUR@02 ~~وتؤمنون بالله ) قال : «جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيمانا بالله ، ~~لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب ~~أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله ، ( @QUR@015 ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا* أولئك هم ms1183 ~~الكافرون حقا ) [النساء : 150 151] والدليل عليه قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~ولو آمن أهل الكتاب ) مع إيمانهم بالله ( @QUR@03 لكان خيرا لهم ) لكان ~~الإيمان خيرا لهم مما هم عليه» (1). # ونلاحظ عليه هنا أن التعايش ليس في كون الإيمان الكامل في الإسلام هو ~~الإيمان بكل التفاصيل العقيدية والخطوط العامة للإسلام ، إذ أن الآية ليست ~~على الظاهر واردة في مقام الحديث عن التفاصيل ، بل هي والله العالم واردة ~~في مقام بيان النقطتين البارزتين في الخط الإسلامي الذي يلتزمه المسلمون في ~~خطهم العملي : ( @QUR@05 تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )، باعتبارهما ~~العنوانين لحركية الإنسان المسلم في دوره القيادي ، الذي يجعله في مركز ~~القيادة PageV06P219 # للإنسان وللحياة ، وفي مركز الإشراف على الواقع لتغييره من الفساد إلى ~~الصلاح ، ومن المنكر إلى المعروف والإيمان بالله الذي يفتح عقله وقلبه ~~وحياته على الله ، ليلتزم المنهج التوحيدي في مواجهة الشرك كله. # أما الاستدلال بقوله تعالى : ( @QUR@02 وتؤمنون بالله ) فلعل المراد منه ~~إيمانهم بالله في مقابل الذين يلتزمون الكتاب اسما وانتسابا ولا يلتزمونه ~~مضمونا ممن تحدث القرآن عنهم بقوله تعالى : ( @QUR@07 ولو آمن أهل الكتاب ~~لكان خيرا لهم ) مما يوحي بوجود مثل هذه الفئة ، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى ~~في الآية : ( @QUR@04 منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) فليس المراد منهم ~~الداخلين في دين الإسلام على الظاهر المؤمنين بالله السائرين على نهجه ؛ ~~والله العالم. # أما الحديث عن أهل الكتاب فينطلق من انحرافهم عن الخط الإلهي في أكثر ~~نماذجهم ، مما يفقدهم الدور الكبير الذي يتخيلونه لأنفسهم ، بينما لو كانوا ~~منسجمين مع خط الإيمان بالرسول والرسالة ، لكانوا جزءا من هذه الأمة ~~القائدة التي أوكل الله إليها هذا الدور ، و ( @QUR@01 لكان ) ذلك ( ~~@QUR@02 خيرا لهم ) في الدنيا والآخرة ولكن القليلين ( @QUR@02 منهم ~~المؤمنون )، بينما ركبت الكثرة الكاثرة رؤوسها واختارت جانب الفسق والضلال ~~( @QUR@02 وأكثرهم الفاسقون ). # ولا تزال الآية تفرض نفسها على الساحة لتدعو المسلمين إلى أن يرتفعوا إلى ~~هذا المستوى من خلال انسجامهم مع خط الإيمان وقيامهم بهذا الدور ... ولكن ~~الواقع الإسلامي في أكثر نماذجه قد ابتعد عن ذلك بالسير مع الدعوات القومية ~~والعنصرية والإقليمية ، وغيرها من ms1184 الاتجاهات المنحرفة عن خط الإسلام ، مما ~~جعل الفكرة المطروحة في الساحة هي رفض الإسلام كأساس للشخصية ، وكنظام ~~للحياة ومنطلق للحركة ؛ والاكتفاء به كإطار للعبادات والأخلاقيات العامة ~~التي لا تلامس الحياة إلا من بعيد. وبذلك فقدت الأمة دورها الرائد ~~بابتعادها عن شخصيتها الحقيقة وخطها الأصيل. PageV06P220 # إن الآية تؤكد على جانب الخط إلى جانب الحركة ؛ فلا قيمة للحركة بدون ~~القاعدة ؛ كما أن القاعدة لا تمثل مركز قوة إذا لم تتحرك في اتجاه تحريك ~~الساحة من حولها على أساس المفاهيم الأساسية للفكر والعمل. # * * * PageV06P221 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ~~(111) @QUR@035 ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) (112) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أذى ): ضرر في النفس أو الجسم ، وجاء نكرة تصويرا لتفاهته ~~وحقارته وعدم ضرره على المسيرة الإسلامية الصاعدة ، لأنه يقتصر كما في ~~الكشاف «على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك» (1). # ( @QUR@01 ضربت ): أثبتت عليهم وأنزلت بهم ، وكتبت لهم مصيرا. والضرب ~~كما يقول الراغب : إيقاع شيء على شيء ... وضرب الخيمة : بضرب أوتادها PageV06P222 # بالمطرقة ، وتشبيها بالخيمة قال : ( @QUR@03 ضربت عليهم الذلة ) أي : ~~التحفتهم الذلة التحاف الخيمة بمن ضربت عليه (1). قال صاحب المجمع : ~~«أثبتت عليهم الذلة وأنزلت بهم وجعلت محيطة بهم ، وهو استعاره من ضرب ~~القباب والخيام» (2). # ( @QUR@01 ثقفوا ): وجدوا وظفر بهم. وقد مر سابقا. # ( @QUR@01 بحبل ): بسبب يعتصم به ، وقد أستعير كما يقول صاحب الميزان ~~لكل ما يوجب نوعا من الأمن والعصمة والوقاية كالعهد والذمة والأمان (3). ~~وسمي العهد حبلا كما يقول صاحب مجمع البيان لأنه يعقد به الأمان كما يعقد ~~الشيء بالحبل (4)، وأستعير الحبل كما يقول الراغب للوصل ولكل ما يتوصل به ~~إلى شيء (5). # ( @QUR@01 وباؤ ): بلعنة الله وعقابه ، قال الراغب : أصل البواء مساواة ~~الأجزاء في المكان ، خلاف النبوة الذي هو منافاة الأجزاء. يقال : مكان بواء ~~إذا لم يكن نابيا بنازله. وبوأت له مكانا ms1185 سويته فتبوأ (6). وقد مر سابقا. ~~وباء بغضب من الله ، أي : حل مبوأ ومعه غضب الله ، أي : عقوبته. # ( @QUR@01 المسكنة ): الذلة والخضوع والهوان والشعور بالهزيمة النفسية ~~والروحية. قال صاحب الميزان : «الظاهر أن المسكنة أن لا يجد الإنسان سبيلا ~~إلى النجاة والخلاص عما يهدده من فقر أو أي عدم» (7). # * * * PageV06P223 ### ||| ** مناسبة النزول # قال مقاتل : إن رؤوس اليهود ، كعب ويحرى والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر ~~وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # * * * ### ||| ** عقاب عادل # ( @QUR@04 لن يضروكم إلا أذى ) وتعود الآيات إلى حديث أهل الكتاب ، من ~~أجل توضيح الصورة للمسلمين الذين كانوا يخوضون معهم معركة الإسلام في قضية ~~الوجود والاستمرار ، وذلك لتفريغ أفكارهم من أي شعور بالخوف منهم ، ~~بالإيحاء لهم بأنهم لن يستطيعوا الإضرار بالمسلمين بالمستوى الذي يمثل ~~التحدي للوجود ، بل كل ما هناك أنهم يثيرون المشاكل والمنازعات الكلامية ~~والشبهات التي قد تزلزل العقيدة لبعض البسطاء ، مما يدخل في نطاق الإيذاء ~~والإزعاج في حركة الوضع الاجتماعي وملابساته ... ( @QUR@02 وإن يقاتلوكم ) ~~أما إذا امتدت القضية إلى القتال ، فلن يستطيعوا الثبات أمام قوة المسلمين ~~لأنهم يعيشون الزلزال النفسي إزاء قوة المسلمين المتعاظمة ، فينطلقون إلى ~~الحرب بهزيمة داخلية قبل الهزيمة في المعركة ، ( @QUR@02 يولوكم الأدبار ) ~~ويهربون من الساحة ، ( @QUR@03 ثم لا ينصرون ) لأنهم لا يملكون مقومات ~~النصر والغلبة. # وإذا كانوا يعيشون هذه الهزيمة النفسية في حياتهم ، فإن ذلك يوحي لهم ~~بعدم الثقة بالنفس مما يدفعهم إلى الابتعاد عن الاندماج في المجتمعات ~~الأخرى خوفا من عواقب التحدي ، فيظلون على الهامش من ناحية ذاتية ، وهذا ما ~~تعبر عنه الآية : ( @QUR@06 ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا ) أي : وجدوا ، ~~لأن قضية العز والذل PageV06P224 # لا تنبع من خارج الذات بل تنطلق من داخلها ، من خلال الشعور بالقوة ~~والاكتفاء والاستقرار الروحي ، فإذا فقدت ذلك كنت ذليلا في نفسك وإن أحاطت ~~بك مظاهر العز من حولك ، وهذا ما عاشه اليهود في مختلف العصور مع سائر ~~الأمم ، فقد كانوا يعيشون هاجس الخوف من الآخرين ، مما جعلهم يعيشون العزلة ~~، ويوحون لغيرهم ms1186 من خلال ذلك باضطهادهم نتيجة فقدان روح المقاومة التي ~~تتحدى الموت عندهم. وهكذا كانت القضية في التاريخ ، ولكن ذلك لا يمنع من أن ~~يملكوا بعض زمام القوة في مراحل أخرى من الحاضر والمستقبل ، لأن الظروف ~~الموضوعية التي تحيط بحركة الحياة ، ربما تفسح المجال للذليل أن يكون عزيزا ~~، وللضعيف أن يكون قويا ، لا من جهة العزة والقوة الداخليتين ، بل من جهة ~~ضعف الآخرين ، ووقوفهم في مواقع الذلة ؛ وبذلك تمتد لهؤلاء الفرصة ( ~~@QUR@04 إلا بحبل من الله ) في ما تقدره من ارتباط المسببات بأسبابها ، ( ~~@QUR@03 وحبل من الناس ) في ما يهيئونه لهم من وسائل القوة الخارجية ~~السياسية والعسكرية وغير ذلك. # * * * ### ||| ** بين ضرب الذلة على اليهود وسيطرتهم على مقدرات العالم # وبهذا كانت المسألة في الآية في موضوع ضرب الذلة على اليهود خاضعة للحالة ~~الذاتية التي يعيشونها على أساس عقدتهم التاريخية في الشعور بالانفصال عن ~~الآخرين ، مما يوحي بالانكماش والعزلة الروحية التي تختزن الخوف والذلة ~~النفسية ، فلا مانع من أن يحصلوا على القوة من خارج. ومن هنا ، لا تبقى ~~أمامنا مشكلة الواقع الذي يعيشه اليهود الآن في سيطرتهم على مقدرات العالم ~~السياسية والمالية من خلال ما استطاعوا أن يحصلوا عليه من مراكز القوى في ~~مختلف أنحاء العالم ، الأمر الذي أدى إلى سيطرتهم على أرض فلسطين وتشريدهم ~~أهلها منها ؛ فإن ذلك كان من خلال المعادلات السياسية العالمية التي PageV06P225 # تمكنوا من استغلالها واللعب على تناقضاتها بمختلف أساليب اللف والدوران ، ~~التي كانت تصل بهم إلى أهدافهم من مواقع إثارة حالة الاضطهاد التي عانوها ، ~~مما جعل العالم الأوروبي يعيش عقدة الذنب تجاه مشكلتهم ... هذا بالإضافة ~~إلى ضعف المسلمين وانسحابهم من الساحة وتخاذلهم وابتعادهم عن القاعدة ~~الفكرية التي تمنحهم قوة الروح والموقف ؛ مما جعل كل فئة تعيش مشاكلها ~~الخاصة بعيدا عن مشاكل بقية المسلمين ، وذلك من خلال الحدود والشخصيات ~~المصطنعة التي وضعت لكل جماعة منهم ، فلم يواجهوا المخططات اليهودية بوجه ~~واحد قوي ، بل واجهوها بالأساليب المهزومة الضعيفة ؛ وربما حاول الكثيرون ~~منهم أن يشاركوا في دعم تلك المخططات لحساب القوى الاستعمارية الكافرة ms1187 التي ~~يرتبطون بها سياسيا واقتصاديا وعسكريا ... # إن خلاصة الفكرة القرآنية هي أن اليهود شعب معقد معزول عن العالم من خلال ~~العقد التاريخية والجرائم الكثيرة التي قام بها تجاه الحياة في مقدساتها ~~وقضاياها ... فلا يمكن له أن يستقل ويتقدم ويأخذ بأسباب العزة من ناحية ~~ذاتية ، بل لا بد في ذلك من وجود ظروف للآخرين تسهل لهم مهمة القفز إلى ~~المواقع التي تركها الآخرون أو سهلوا لهم أمر السيطرة عليها ... # ( @QUR@022 وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ~~في ضعف الروح التي تعيش الهزيمة. إن السبب في ذلك هو الكفر المستمر بآيات ~~الله التي يظهرها على أيدي أنبيائه الذين لا يتعاطفون معهم ، وجرائمهم ~~الكثيرة في قتل الأنبياء بغير حق ومعصيتهم وعدوانهم الأمر الذي فرض عليهم ~~العقوبة في الدنيا والآخرة. # * * * PageV06P226 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون (113) @QUR@015 يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) ~~@QUR@09 وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) @QUR@018 ~~إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) @QUR@023 مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم ~~الله ولكن أنفسهم يظلمون ) (117) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آناء ): قيل في واحد آناء قولان : أحدهما : إني مثل نحي ، ~~والآخر : أنى مثل معى ، قال الشاعر : PageV06P227 حلو ومر كعطف القدح مرته %~% بكل إني قضاء الليل ينتعل # وحكى الأخفش أنو بالواو (1). # ( @QUR@01 يسارعون ): المسارعة : المبادرة ، وهي من السرعة ، والفرق بين ~~السرعة والعجلة أن السرعة هي التقدم في ما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة ، ~~وضدها الإبطاء وهو مذموم ، والعجلة هي التقدم في ما لا ينبغي أن يتقدم فيه ~~، وهي مذمومة ، وضدها الأناة وهي محمودة. # ( @QUR@01 يكفروه ): يمنع عنهم جزاؤه. قال صاحب المجمع : وسمي منع ~~الجزاء كفرا على الاتساع لأنه بمنزلة ms1188 الجحد والستر له (2)، وأصل الكفر ~~الستر ، وضده الشكر : وهو الإظهار ، وقد مر سابقا. # ( @QUR@01 تغني ): يقال : أغنى عنه : إذا دفع عنه ضررا لولاه لنزل به ، ~~وإذا قيل أغناه كذا عن كذا : أفاد أن أحد الشيئين صار بدلا عن الأمر في نفي ~~الحاجة. والغنى : الاختصاص بما ينفي الحاجة ، فإن اختص بمال ينفي الحاجة ~~فذلك غنى ، وكذلك الغنى بالجاه والأصحاب وغير ذلك. فأما الغنى في صفات الله ~~فهو اختصاصه بكونه قادرا على وجه لا يعجزه شيء. وقولنا فيه : إنه غني معناه ~~: أنه لا تجوز عليه الحاجة هذا ما جاء في مجمع البيان (3). # ( @QUR@01 صر ): برد شديد. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قيل كما في مجمع البيان : «سبب نزول هذه الآية أنه لما أسلم عبد الله بن ~~سلام وجماعة ، قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا شرارنا ، فأنزل PageV06P228 # الله : ( @QUR@02 ليسوا سواء ) إلى قوله : ( @QUR@02 من الصالحين ) عن ~~ابن عباس وقتادة وابن جريح. وقيل : إنها نزلت في أربعين من أهل نجران ، ~~واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم ، كانوا على عهد عيسى ~~عليه السلام فصدقوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن عطاء» (1). # * * * ### ||| ** أهل الكتاب ليسوا سواء # لقد أشار القرآن في ما سبق من آيات إلى أن هناك من أهل الكتاب فئة مؤمنة ~~استطاعت أن تتحرر من العقدة اليهودية التاريخية ضد الرسالات ، ولكنها فئة ~~قليلة وذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 ليسوا سواء من أهل الكتاب ). وفي هذه ~~الآية حديث عن خصائص هذه الفئة وعن الامتيازات التي يمنحها الله لها في ~~مقابل الفئة الأخرى المتمردة الكافرة : ( @QUR@09 أمة قائمة يتلون آيات ~~الله آناء الليل وهم يسجدون ). فهذه الفئة الطبيعة تتميز بالقيام لله في ~~عباداتها الخاشعة في جوف الليل المتمثلة في السجود الخاشع المتبتل ، ( ~~@QUR@012 يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات )، في إيمانها الحق بالله واليوم الآخر ، وفي ~~انطلاقها من موقع المسؤولية الدينية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~كما يفرضه الإسلام على الناس المؤمنين به ، وفي مسارعتها في الخيرات ~~انطلاقا من التوجيه الإلهي الذي يوحي للإنسان بأن عليه أن ms1189 يسارع إلى فرص ~~الخير باعتبارها الفرص التي قد لا تعوض. ولهذا يظل المسلم في سباق دائم ~~وسرعة مستمرة للحصول على الخير وتقديمه للآخرين في كل وقت وفي كل مكان. PageV06P229 # ويضيف القرآن إلى ذلك الصفة التي تعتبر كالنتيجة الطبيعية لهذه الأعمال : ~~( @QUR@03 وأولئك من الصالحين ) لأن الصلاح الإنساني يمثل القاعدة الفكرية ~~على الخط الصحيح ، والسلوك العملي المنسجم مع تلك القاعدة. ثم يؤكد القرآن ~~لهؤلاء أن كل أعمالهم الخيرة لن تكفر ، أي لن تجحد في النتائج الطيبة التي ~~يقدمها الله سبحانه للعالمين خيرا من الجنة والنعيم والقرب من رحمته ~~ورضوانه : ( @QUR@09 وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ) ~~الذين يعيشون الخوف من الله والحب له في أعماق وجدانهم ، فيدفعهم ذلك إلى ~~طاعته في أوامره ونواهيه ، والإخلاص له في كل أموره مما يجعلهم قريبين إلى ~~الله محبوبين عنده ، منفتحين على رضاه ، فيجزيهم أحسن جزاء المتقين. # * * * ### ||| ** الكافرون هم أصحاب النار # أما الكافرون فإنهم فقدوا الاتصال بالله من خلال كفرهم ، ففقدوا بذلك ~~موقع القوة الكبير ، فلا قيمة بعد ذلك لما حصلوا عليه من أموال وأولاد ، ~~لأنها لا تغني عنهم شيئا في مجال الإنقاذ والنصرة ؛ فإن النار تنتظرهم ~~بعذابها الخالد جزاء على كفرهم وعتوهم وطغيانهم ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@012 إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) ~~لأن الله هو الذي أعطاهم ذلك كله ، فليس لهم في ذاتهم أي دخل فيه ، ليحقق ~~لهم امتيازا ذاتيا أو قربا عمليا من الله ، فكيف يحصلون على القيمة الإلهية ~~من خلاله؟! فلا يدفع عنهم ما يملكونه من ذلك أي نوع من العذاب الذي ~~يستحقونه جزاء أعمالهم ، ( @QUR@06 وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ~~لأن ذلك هو عقوبة الكفر الذي يبعد الإنسان عن التعلق بالله بأي سبب ، في ~~الوقت الذي لا يملك فيه عذرا لذلك. # أما إذا أنفقوا في سبيل الخير ، فإن إنفاقهم لا يعود عليهم بشيء ، فمثله PageV06P230 # ( @QUR@016 مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت ~~حرث قوم ظلموا أنفسهم ) لأنه لا يرتكز على ms1190 قاعدة التقوى بالله ، فهم كمثل ~~قوم كان لهم حرث يوحي بالنتائج المثمرة وكانت آمالهم تعيش معه ، فجاءت ريح ~~فيها صر أي برد شديد ( @QUR@01 فأهلكته ) وذلك كعقاب من الله لهم على أساس ~~ظلمهم لأنفسهم بالتمرد والعصيان ، وذلك هو جزاؤهم الطبيعي الذي جعله الله ~~لكل إنسان كافر متمرد ، ( @QUR@03 وما ظلمهم الله ) لأنه جعل لهم الإرادة ~~الحرة التي يستطيعون من خلالها أن يختاروا جانب الخير ويتركوا جانب الشر ، ~~( @QUR@03 ولكن أنفسهم يظلمون ) بما اختاروه اتباعا لشهواتهم وأطماعهم ، ~~فهم لم يقصدوا بهذا الإنفاق الخير ، بل قصدوا به الوصول إلى أغراضهم ~~المنحرفة ؛ فكانت نتيجته السلبية طبيعية ، تماما كما هي قضية المقدمات ~~والنتائج. # * * * PageV06P231 ### ||| * الآيات # ( @QUR@031 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) @QUR@028 ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) @QUR@021 ~~إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) (120) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بطانة ): أولياء تختصونهم بالاطلاع على باطن أمركم ، ~~وتجعلونهم موضع ثقتكم وسركم ، والبطانة كما يقول صاحب المجمع خاصة الرجل PageV06P232 # الذين يستبطنون أمره ، مأخوذة من بطانة الثوب الذي يلي البدن لقربه منه ، ~~وهي نقيض الظهارة ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (1). # ( @QUR@02 لا يألونكم ): لا يقصرون ولا يفترون في أمركم ، فهم لا يقصرون ~~في جلب الخبال لكم ، ولا يتركون جهدا في إفساد أمركم ، ولا يدخرون وسعا في ~~الكيد والتآمر عليكم. قال صاحب المجمع : يقال : ألا يألوا ألوا إذا فتر ~~وضعف وقصر ، وما ألوته خيرا وشرا ، أي : ما قصرت في فعل ذلك (2)، وقال ~~الراغب : ألوت في الأمر : قصرت فيه ... وألوت فلانا ، أي : أوليته تقصيرا (3). # ( @QUR@01 خبالا ): شرا وفسادا واضطرابا في الرؤية والموقف ، ومنه الخبل ~~بفتح الباء وسكونها للجنون لأنه فساد العقل ، ورجل مخبل الرأي ، أي : فاسد ms1191 ~~الرأي ، ومنه الاستخبال : طلب إعارة المال لفساد الزمان. والخبال كما يقول ~~الراغب الفساد الذي يلحق الحيوان فيورثه اضطرابا كالجنون والمرض المؤثر في ~~العقل والفكر (4)، وأصل الخبال : ذهاب الشيء. # ( @QUR@01 عنتم ): أصل العنت المشقة ، يقال : عنت الرجل يعنت عنتا : إذا ~~دخلت عليه المشقة ، وأعنت فلان فلانا : حمله على المشقة الشديدة فيها. # ( @QUR@03 عضوا عليكم الأنامل ): كناية عن الغضب والحقد الكبير المتفجر ~~في صدورهم لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ووحدة صفوفهم ، وقد ~~يأتي التعبير كناية عن الندم كما في قوله تعالى : ( @QUR@012 ويوم يعض ~~الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) [الفرقان : 27] ؛ ~~وقد جرت عادة الناس عند الغيظ والندم أن يعضوا أطراف أصابعهم الأنامل والعض ~~: الإمساك القوي بالأسنان. PageV06P233 # ( @QUR@01 الغيظ ): الغضب الشديد ، من تغيظت الهاجرة : إذا اشتد حميمها. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قال صاحب مجمع البيان : «نزلت في رجال من المسلمين كانوا يواصلون رجالا ~~من اليهود لما كان بينهم من الصداقة والقرابة والجوار والحلف والرضاع ، عن ~~ابن عباس. وقيل : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين ~~ويخالطونهم ، عن مجاهد» (1). # * * * ### ||| ** وعي راصد بعيد عن السذاجة # في هذه الآيات تحذير للمؤمنين من الاستسلام للثقة الساذجة بالفئات الأخرى ~~التي تكيد للإسلام والمسلمين ، وتحمل في داخلها الحقد والعداوة من موقع ~~العقدة الحاقدة ، وذلك بالكشف عن الخصائص الذاتية لهؤلاء في مواقفهم ~~السلبية ضد الإسلام وأتباعه. والظاهر أن المراد بهم اليهود ، فهم يعملون ~~على الإضرار بالمسلمين ويجتهدون في إثارة كل عوامل الفساد والنقصان التي ~~تحجب عنهم الرؤية الواضحة للأشياء ، ويتمنون لهم التعب والمشقة في مواجهة ~~قضايا الحياة ، وتتفجر صدورهم بالحقد الكبير الذي يتجه نحو التدمير ، ~~وتنطلق ألسنتهم بكلمات البغضاء والعداوة التي يوجهونها للمسلمين عند ما ~~يتحدثون عنهم ... ولا بد للمسلمين من أن يعوا ذلك كله في حركة وعي عميق ~~راصد للواقع بعيد عن السذاجة في تقييمه للأشخاص والأشياء ، فلا يفوته شيء من PageV06P234 # الملاحظة ، ولا يغيب عنه صفة من الصفات السلبية فيمن حوله ، فإن الله قد ~~بين لهم الآيات التي يتمكنون من خلالها التمييز بين الأشياء التي تنفعهم ~~والتي ms1192 تضرهم ، من أجل أن يركز أقدامهم على الأرض الصلبة ويواجهوا الواقع من ~~منطق العقل الذي يرصد ويتأمل ويفكر ... # ثم يدخل الأسلوب القرآني في عملية مقارنة بين المشاعر الطاهرة التي يشعر ~~بها المسلمون تجاه الآخرين الذين يخالفونهم في الرأي ، وبين المشاعر ~~الخبيثة التي يشعر بها الآخرون ضدهم ؛ فالمسلمون يتحركون من موقع محبة ~~الناس الذين يعيشون معهم في الحدود التي رسمها الله لهم ، فإذا لم يصل ~~الصراع إلى نتيجة ، كان المجال واسعا للتعايش القائم على التوازن بين مصلحة ~~الحياة وبين احترام الإنسان في تحمل مسئوليته في الحدود التي لا تمثل ضررا ~~كبيرا على حركة الحياة ، وهذا ما تدل عليه المجتمعات غير الإسلامية التي ~~استطاعت العيش مع المجتمعات الإسلامية بكل احترام وعدالة ومحبة في ضمن ~~المواقع الإسلامية القانونية المنفتحة. # أما الآخرون من اليهود وغيرهم ، فإن الغالب فيهم هو الشعور بالحقد والبغض ~~للمسلمين ، فهم لا يحبونهم ولا يتعاطفون معهم ، لأنهم لا يؤمنون بالمقدسات ~~الإسلامية من الكتاب والنبي وغيرهما من الحقائق الإسلامية ، بينما يؤمن ~~المسلمون بالكتاب كله في ما أنزله الله على أنبيائه من لدن إبراهيم ~~عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فهم لا يتعقدون من شخصية أي ~~رسول ، بل يؤمنون برسالته في مواقعها التي حددها الله من الزمان والمكان ، ~~فلا يتجاوزونها إلى أبعد من ذلك ، ولا يقفون موقفا سلبيا من أي كتاب من ~~إنجيل وتوراة وغيرهما ، وإن كانوا يتحفظون في بعض النصوص التي وقع فيها ~~التحريف. وإذا التقى هؤلاء مع المؤمنين ، أعلنوا لهم الإيمان والانسجام مع ~~خط الالتزام ، وتظاهروا بكل ما يتظاهر به المؤمنون ، وإذا خلوا إلى بعضهم ~~البعض وملكوا PageV06P235 # حريتهم في التعبير عن حالتهم النفسية المعقدة عضوا أناملهم من الغيظ لما ~~يعيشونه من مشاعر الحقد للمسلمين ... # وهذه طريقة في التنفيس عن العقدة الداخلية السلبية عند ما تقف الظروف ~~حائلا بين الإنسان وبين الوصول إلى تفجير غيظه على صعيد الواقع العملي. # ولكن الله سبحانه يواجههم بأن هذا الغيظ سوف يتصاعد حتى يدمر أصحابه ، ~~لأن المسيرة الصاعدة للإسلام في قوته وانتصاره سوف ms1193 تفوت عليهم الفرصة التي ~~يستطيعون من خلالها التنفيس عما يداخلهم من حقد ورغبة في التدمير ؛ ويذكرهم ~~بأنه عليم بذات الصدور فلا يخفى على الله من أمرهم شيء. # ثم يواجه المسلمين بمشاعر هؤلاء تجاه الأوضاع السلبية والإيجابية في داخل ~~الحياة في المجتمع الإسلامي ، فإذا واجهوا انتصارا وخيرا وبركة في ذلك ~~المجتمع قابلوه بالألم والسوء ، أما إذا واجهوا الشر الذي يصيب المسلمين في ~~أنفسهم ودنياهم ، فإنهم يواجهونه بمشاعر الفرح والسرور ، ولكن الله يخاطب ~~المسلمين بأن ذلك لن يضرهم شيئا إذا وقف المسلمون في مواقعهم المتقدمة ، ~~وقابلوا التحديات والصعوبات بالصبر الواعي المنفتح ، وبالتقوى التي تجعلهم ~~يقفون عند حدود الله في العقيدة والعمل ، فإن الله محيط بما يعملونه ، عالم ~~بكل أسرارهم ، فلا يخفى عليه شيء منها ، ويكشف لرسوله منها ما يحميه من كل سوء. # وعلى ضوء هذا الاستعراض الوافي للصفات السلبية التي يتصف بها أعداء ~~الإسلام ، فإن القرآن يريد لهم أن لا يتخذوهم بطانة في ما يكلفونهم به من ~~أعمال وأدوار تتصل بالقضايا المصيرية للإسلام والمسلمين ، فيطلعون من خلال ~~ذلك على الأسرار الخفية للواقع الإسلامي ، فيستغلون هذه المعرفة في الكيد ~~والتآمر على الإسلام والمسلمين ... وهذا خط عام في حركة المجتمع الإسلامي ~~مع الفئات الأخرى المعادية من أهل الكتاب وغيرهم ، بالمحافظة على دراسة ~~الواقع الداخلي للأشخاص الذين يتسلمون مراكز المسؤولية الكبيرة في PageV06P236 # القضايا الإسلامية العامة. ولكن ذلك لا يمنع من التعايش والتعاون في ~~الأمور الأخرى التي يمكن فيها توفير بعض الحماية للأسرار ، لأنها لا تتضمن ~~سرا ولا تمثل خطرا من قريب أو من بعيد. # * * * ### ||| ** مشاعرهم ليست خالصة # ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ) واجهوا الواقع بمنطق ~~الواعين الذين يتحركون في علاقاتهم على أساس الوعي العميق لانتماءات ~~أصحابهم الذين تفرض عليهم الأوضاع العائلية والاجتماعية صحبتهم والتعامل ~~معهم ، في دراسة شاملة لكل منطلقاتهم والتزاماتهم وخلفياتهم الدينية ~~والسياسية ، لتكونوا حذرين في أحاديثكم معهم ، في أسراركم التي تتحدثون بها ~~معهم ، وفي أوضاع المسلمين التي تثيرونها معهم ، وفي الأجواء الداخلية ~~والخارجية التي يدخلونكم فيها من أجل مختلف التأثيرات السلبية ms1194 والإيجابية ~~مما يعملون على إثارته في ساحاتكم. # فإن اختلاف الانتماء لا سيما في حالات الصراع المرير قد يؤدي إلى ~~الاختلاف في النوايا والدوافع والمواقف ، الأمر الذي قد يكون موضع استغلال ~~للعلاقات الحميمة من قبل أي طرف ضد الطرف الآخر للإساءة إلى فريقه لحساب ~~الفريق الآخر. # ( @QUR@02 من دونكم ) من هؤلاء الذين يختلفون معكم في الإسلام على مستوى ~~الانتماء إلى الدين الآخر ، أو إلى الخط الآخر ممن تخوضون معهم الصراع ~~الحاد على جميع المستويات أو على مستوى انتمائهم الإسلامي الظاهري مع ~~استبطانهم الكفر ، فلا تدخلوهم في الأجواء الخفية التي يتحرك فيها الواقع ~~الإسلامي الداخلي ، ولا تفسحوا لهم المجال ليكونوا في المواقع المتقدمة من ~~الساحة الإسلامية في الوظائف التي توظفونهم فيها ، والأماكن التي تضعونهم PageV06P237 # فيها بفعل علاقاتكم الخاصة بهم ، ( @QUR@03 لا يألونكم خبالا ) فهم قد ~~يظهرون لكم المحبة بطريقة شخصية ؛ ولكنهم يخفون في أنفسهم العزيمة على ~~الإيقاع بكم ، والإضرار بمصالحكم ، وإفساد أموركم ، وتوجيه عقولكم في اتجاه ~~الغفلة والجنون الفكري والشعوري والسياسي ... لأن الخطة الموضوعة لديهم في ~~مواجهة الإسلام تفرض عليهم السير في هذا الاتجاه. # ( @QUR@03 ودوا ما عنتم ) فهم يحبون لكم الوقوع في المشقة والعناء في ~~حربكم وسلمكم ، فلا يريدون لكم الراحة في مشاريعكم الداخلية وفي أوضاعكم ~~الخارجية ، مما يجعل الصداقة غير ذات موضوع لديهم أمام الشخصية الاجتماعية ~~التي تفرض عليهم المحافظة على وجودهم وامتيازاتهم في هذا الجو الإسلامي ~~الجديد الذي قد يصادر بعض مصالحهم ويؤكد انتصاره عليهم ، بحيث يؤدي إلى ~~التعقيد في حالاتهم النفسية وأوضاعهم الخارجية ، ف ( @QUR@05 قد بدت ~~البغضاء من أفواههم ) من خلال ما يظهر من فلتات ألسنتهم المعبرة تلقائيا ~~عما يضمرونه في داخلهم ، لأنه من الصعب على الإنسان حتى في حالات الحذر ~~إخفاء ما يضمره في نفسه ، من خلال كلمة تنطلق هنا من غير شعور أو كلمة تقفز ~~هنا في موقف انفصال أو نحوه ، فتلك بعض دخائل النفس وغوامض الشعور ، وهذا ~~ما قرره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله : «ما أضمر أحد ~~شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه ms1195 وصفحات وجهه» (1). # ( @QUR@04 وما تخفي صدورهم أكبر ) من الحقد الدفين الكامن في نفوسهم ، ~~انطلاقا من إحساسهم الذاتي الفئوي بأنكم قادمون لإلغاء مواقعهم المتقدمة في ~~امتدادهم الديني في ساحة الواقع ، وتحطيم عنصريتهم المعقدة. # ( @QUR@04 قد بينا لكم الآيات ) بما أظهرناه لكم من الدلالات الواضحة على ~~الخط الفاصل بين العدو والولي ، سواء على مستوى اختلاف الانتماء الديني أو ~~اهتزاز الحالات النفاقية الشريرة ، مما يفرض عليكم الأخذ بأسباب الحذر في ~~علاقتكم بهم ، والتحرك من موقع الوعي في حركتكم معهم ، ( @QUR@03 إن كنتم ~~تعقلون ) PageV06P238 # فتتحركون في أوضاعكم وعلاقاتكم من قاعدة العقل الباحث عن أسرار الأشياء ~~بما يكتشفه من حالة العمق العميق فيها ، ليدفع الإنسان إلى التحرك في دائرة ~~دفع الضرر وجلب النفع ، فإن الإنسان السائر على هدى العقل لا يخطئ طريقه ~~غالبا ، ولا يلقي بنفسه في مواقع الهلاك. # * * * ### ||| ** حقد دفين # ( @QUR@04 ها أنتم أولاء تحبونهم ) لأن الله أرادكم من خلال الإسلام ~~المنفتح على الناس كلهم أن تفتحوا قلوبكم بالمحبة للآخرين ، لأن المسلم هو ~~الذي يتحرك في حياته مع الآخرين على أساس الإخلاص الباحث عن حركة الحقيقة ~~في الوجدان العام من مواقع التفكير والحوار ، فهو يعمل على أن يهدي الآخر ~~بالدخول إلى قلبه من خلال الشعور الطاهر ، ليدخل إلى عقله من خلال الجو ~~الملائم الذي لا يحمل في داخله أية حالة لرفض الآخر ، ( @QUR@02 ولا ~~يحبونكم ) من خلال أنهم تحركوا في تربيتهم من قاعدة العنصرية التي توحي ~~إليهم بأنهم هم الذين يملكون الدرجة العليا في الإنسانية ، وأن الآخرين لا ~~يمثلون شيئا في حساباتهم إلا كما يمثله العبد أمام سيده ، هذا من جهة ، ومن ~~جهة أخرى فإنهم لا يرون فيكم إلا الفئة المضادة لتطلعاتهم ومخططاتهم من أجل ~~السيطرة على العالم ، مما يجعلهم لا يطيقون وجودكم بالذات فكيف يمكن أن ~~يحملوا لكم الحب؟ # ( @QUR@03 وتؤمنون بالكتاب كله ) لأن القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة والإنجيل ، وداعيا كل أتباعه إلى الإيمان بالكتاب الذي أنزله الله ~~على رسوله موزعا بينهم في حاجات الناس ، بحسب المراحل ، من دون تفريق بين ~~كتاب وكتاب ، ورسول ورسول. ms1196 أما هم فلا يؤمنون بكتابكم لأنهم لا يؤمنون بأن ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله وأن القرآن وحي من الله ، ( @QUR@04 ~~وإذا لقوكم قالوا آمنا ) لتؤمنوا لهم فتعتبروهم منكم فتدخلوهم في عمق ~~خصوصياتكم ، فيطلعوا على PageV06P239 # أسراركم التي تمنحهم الفرصة لاستغلالها في الإضرار بكم وتعطيل خططكم ~~المعتمدة على بعض الأمور السرية في مواجهة العدو ، ( @QUR@07 وإذا خلوا ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) في تعبير صارخ عن الحقد الدفين في نفوسهم من ~~خلال هذا الانتصار الكبير للدعوة الإسلامية الذي أغلق عنهم الكثير من ~~الساحات التي كانوا يتحركون فيها ، محققين فيها مصالحهم ومآربهم الخاصة من ~~خلال علاقاتهم المدروسة مع أهلها. # ( @QUR@03 قل موتوا بغيظكم ) فلن ينفعكم ذلك شيئا في إنجاح ما تخططون له ~~من الكيد للإسلام والمسلمين ، ولن يضر المسلمين شيئا في رعاية الله لهم في ~~انتصاراتهم وفتوحاتهم وغلبتهم على الشرك كله ، فلن يخفى أمركم على الله ، ( ~~@QUR@05 إن الله عليم بذات الصدور ) فهو المطلع على أعماق عباده ، وهو الذي ~~يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # ( @QUR@04 إن تمسسكم حسنة تسؤهم ) وتحزنهم عند ما يرون من لطف الله بكم ~~بما تفتحونه للإسلام من ساحات جديدة وفتح جديد ، ( @QUR@05 وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها ) فإذا أصابكم العدو بسوء أو هزيمة أو حدث في داخلكم مشكلة أو ~~فتنة ، فإنهم يظهرون الشماتة والفرح بذلك ، ولكن ذلك كله لا يحقق لهم أية ~~غاية مما يريدونها ، ولا ينزل بكم شرا لأنهم لا يملكون لكم أي ضرر إلا ~~بمشيئة الله ، ( @QUR@02 وإن تصبروا ) على هذه المرحلة انتظارا للنتائج ~~الأخيرة التي أعدها الله لكم بالنصر الذي يحتاج إلى بعض الجهد والوقت ، ( ~~@QUR@01 وتتقوا ) بالالتزام بأوامره ونواهيه في حالة الحرب والسلم والشدة ~~والرخاء ، ( @QUR@04 لا يضركم كيدهم شيئا )، لأن الله هو الذي يملك النفع ~~والضرر فلا يحدث منهما شيء إلا بإذنه ، ( @QUR@05 إن الله بما يعملون محيط ~~) فلا يغيب عنه شيء من أمرهم أو مخططاتهم ، وهو القادر على دفع ذلك عنكم ~~أيها المؤمنون الموحدون. # * * * PageV06P240 ### ||| ** مفهوم إسلامي للعمل # إن فكرة هذه الآيات تعطينا مفهوما إسلاميا للعمل في نطاق العلاقات ~~الاجتماعية ms1197 ، وخلاصته أن على المؤمنين أن يدرسوا طبيعة المواقف الفكرية ~~المبدئية التي يتخذها الآخرون تجاههم ، ويعملوا على التمييز بين الخلافات ~~الطارئة والخلافات المعقدة ، وعلى التفريق بين الأشخاص الذين يعيشون الخلاف ~~الفكري والعملي كمبدإ وبين الذين يعيشونه كعقدة ، ويتابعوا التجربة في ~~دراسة المشاعر الذاتية التي تحكم تصرف هؤلاء وتصرف أولئك ، ليحددوا من خلال ~~ذلك مواقفهم ومواقعهم في الساحة العامة على المستوى الاجتماعي والسياسي ~~والفكري ، لئلا يقعوا تحت تأثير الأوضاع العاطفية التي تتمثل في البسمات ~~المشرقة ، والعيون اللامعة ، والوجوه التي تتلون بحسب الألوان المتحركة ~~تبعا للمزاج والشعور والتخيل ، فيثقوا بمن ليس في مستوى الثقة ، فيؤدي ذلك ~~إلى الوقوع في قبضة الكفر والضلال ... # وقد عاش المسلمون في تاريخهم الماضي وفي تاريخهم المعاصر كثيرا من ~~الحالات العاطفية التي تحولت إلى نكسات وهزائم اجتماعية وسياسية ، لأنهم ~~خضعوا للأجواء السطحية ، فانقادوا في خطوات المجاملة ، وتخلوا عن كثير من ~~مواقعهم انطلاقا من المحافظة على علاقات مشبوهة وصداقات كاذبة. فأساءوا ~~بذلك إلى أنفسهم وإلى الإسلام بشكل عام ... كما واجهنا ذلك في الركض وراء ~~حملة الشعارات الغائمة التي يثيرها البعض تحت ستار وحدة الأديان ، أو وحدة ~~الإنسانية ، أو الوحدة الوطنية والقومية ، وربما الإسلامية ، من أجل أن ~~يحققوا من خلال ذلك لأنفسهم ولمخططاتهم الفرص الكثيرة التي تتيح لهم القفز ~~على المواقع ، لأنهم يملكون في هذه الساحة قوة لا يملكها أهل الحق ، ولأنهم ~~يرسمون هنا خطة خفية لا يعرف أسرارها الطيبون من المسلمين ، فينفذون لهم ما ~~يريدون باسم الوحدة مما لا يتيسر لهم الحصول عليه بدون ذلك. # ولا تزال الخطة تتقدم في كثير من المظاهر التي تخفي في داخلها الكثير PageV06P241 # من سياسة اللف والدوران واللعب على الحبال الكثيرة المطروحة في الساحة في ~~حقل الدين والسياسة والاجتماع. وذلك هو ما يجب أن نستوحيه من الآيات لننطلق ~~من خلالها إلى الأفق الرحب للعلاقات الإنسانية في الحياة ، فلا نتجمد معها ~~في نماذجها الخاصة ، بل نعتبر الموضوع مجرد نموذج يفتح الطريق إلى مواجهة ~~الواقع من خلالها في كل نموذج مماثل يحمل الخصائص والسمات نفسها ، لينطلق ~~المسلمون ms1198 من نقطة الانفتاح الواعي الذي يستوعب كل التجارب ، ويرصد كل ~~النماذج ، ليأخذوا منها الفكرة القائدة الرائدة التي تقود الحياة إلى الله ~~على خط الرسالة والإسلام. # * * * PageV06P242 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ~~(121) @QUR@012 إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون ) (122) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غدوت ): خرجت من أول النهار. وقوبل الغدو بالآصال كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال ) [الأعراف : 205] ؛ وقوبل الغداة بالعشي : ( @QUR@07 ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) [الأنعام : 52]. # ( @QUR@01 تبوئ ): تعد وتهيئ ، والتبوئة : اتخاذ الموضع للغير. وفي ~~قولهم : حياك الله وبياك ، أن أصله كما يقول الراغب بوأك منزلا ، فغير ~~لازدواج الكلمة (1). وفي المجمع : يقال بوأت القوم منازلهم وبوأت لهم أيضا ~~، أي : أوطنتهم وأسكنتهم إياها ... ومنه : المباءة المراح لأنه رجوع إلى ~~المستقر PageV06P243 # المتخذ ، ومنه : بوأت بالذنب ، أي : رجعت به محتملا له (1). # ( @QUR@01 تفشلا ): تضعفا وتجبنا ، قال الراغب : الفشل ضعف مع جبن (2). # * * * ### ||| ** النبي يخطط لمعركة أحد # كانت واقعة أحد من أهم الوقائع الإسلامية الحربية التي عاش المسلمون فيها ~~حالة النصر كأفضل ما يكون ، ثم حولوها إلى هزيمة منكرة بفعل الممارسات ~~الخاطئة التي انحرف فيها الكثيرون من المقاتلين عن الهدف الذي يفرض عليهم ~~الانضباط في ما تقتضيه خطة الحرب من مواقع ومواقف ... # وفي هذه المعركة انطلقت قريش إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~هزيمتها الساحقة في بدر من أجل الثأر لكرامتها وقتلاها ، والقضاء على قوة ~~الإسلام المتنامية المتصاعدة في بداياتها. عند ما عرف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالخبر استعد لقتالهم وخرج في ألف مقاتل ، ولكن عبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين في المدينة استطاع أن يدفع ثلاثمائة منهم إلى ~~التراجع ... وحاول ذلك مع حيين من الأنصار ، وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو ~~حارثة من الأوس ، فلم يفلح بعد أن كاد يصل إلى خطته ... # ورسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخطة للمعركة ، وكان من ضروراتها سد بعض ~~الثغرات التي تطل على ms1199 أرض المعركة مما يعتبر نقطة ضعف في دفاعات المسلمين ، ~~فجعل على تلك الثغرة الواقعة في جبل خلف جيش المسلمين خمسين من الرماة ، ~~بقيادة عبد الله بن جبير وأمرهم بالثبات في كل الحالات ، سواء كانت الغلبة ~~للمسلمين أم للكافرين ... ودارت المعركة التي تروي تفاصيلها كتب PageV06P244 # السيرة ، وهزم المشركون وتغلب المسلمون عليهم واندفعوا في جمع الغنائم ~~... واعتبر الرماة الواقفون على الجبل أن المعركة انتهت ، وخافوا أن تفوتهم ~~فرصة الحصول على نصيبهم من الغنائم ، وبدأوا يخلون أماكنهم ؛ وناشدهم ~~قائدهم أن يلتزموا بأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يسمع له إلا ~~عشرة رجال منهم ... # وحانت من خالد بن الوليد التفاتة وكان من المنهزمين مع المشركين فرأى خلو ~~الثغرة ، فقصدهم بكتيبة من المشركين فقتل العشرة بأجمعهم ، وانضمت فلول ~~المشركين إلى خالد ، فانطلقوا في عملية التفاف مباغتة ، فدارت الدائرة على ~~المسلمين حتى تعرضت حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للخطر ، إذ أصابته ~~حجارة من المشركين ، فكسرت رباعيته ، وشج في وجهه ، وجرحت جبهته ، ودخلت ~~حلقتان من حلق المغفر في وجهه ... وفر المسلمون عنه ، ولم يبق معه إلا نفر ~~قليل كان في طليعتهم علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة ، وسهل بن حنيف ~~، فدافعوا عنه دفاع المستميت ... وقتل حمزة في المعركة بحربة وحشي ، وذلك ~~بإغراء هند له ، واستخرجت كبده فلاكتها ... وكان عدد القتلى من المشركين ~~اثنين وعشرين قتيلا ، وعدد شهداء المسلمين سبعين ... # * * * ### ||| ** القرآن يركز على نقاط الضعف # وقد عاجلت هذه السورة تجربة المعركة ، وتحدثت عن نقاط الضعف والقوة فيها ~~، وأثارت في وعي المسلمين الكثير من المفاهيم الإسلامية المتعلقة بحركة ~~المعركة وموقع القيادة في خط السير ومدى تأثير وجودها وغيابها ، في موضوع ~~الالتزام بالمسيرة والاستمرار على المبدأ ، وتابعت المسلمين في المعركة وهم ~~يتأملون ويخافون ويندفعون ويواجهون الأعداء وينهزمون أمامهم ... ولاحظت كيف ~~تتحكم بهم جوانب الضعف البشري ، ووقفت معهم لتدفعهم إلى مواجهتها بشجاعة ~~المؤمن الذي يعترف بها بصراحة في محاولة PageV06P245 # لتحويلها إلى نقاط قوة بالجهد والإيمان والمعاناة ... وأعطتنا درسا عمليا ~~في التأكيد على الجانب السلبي في ms1200 الشخصية التاريخية بالقوة نفسها التي تؤكد ~~على الجانب الإيجابي فيها ، على أساس الواقعية الإنسانية في الإنسان ، وعدم ~~إغفال الضعف في التجربة الحية بحجة أن ذلك يسيء إلى قداسة التاريخ وعظمة ~~أبطاله ، مما يترك انطباعا سلبيا عند الأجيال المقبلة بفقدان النماذج ~~الكثيرة التي تصلح للقدوة البشرية ، فلا يبقى لنا إلا الأنبياء والأولياء ~~الذين يتميزون بميزة العصمة في ملكاتهم وطاقاتهم الروحية ، الأمر الذي يوحي ~~للأجيال بأن تكليف الأنبياء يختلف عن تكليفهم ، فإذا تميزوا بخلق أو عمل ، ~~فليس معنى ذلك أن علينا أن نلتزم بهذا الخلق أو ذلك العمل ، لأننا لا نملك ~~ما يملكون من طاقات ... فلا بد لنا من تاريخ أبيض ناصع يؤرخ للبطولات ~~البشرية العادية التي تنطلق فيها الإيجابيات بدون سلبيات ، لتتصاعد لدينا ~~الثقة بالإمكانيات التي تكمن في داخل الإنسان العادي للارتفاع إلى المستوى ~~الأعلى ... # ولكننا نعتقد أن هذه الحجة لا ترتكز على أساس إسلامي واقعي ، وذلك من ~~خلال ملاحظتين : # الأولى : إن الفكرة القائلة بأن سيرة الأنبياء والأولياء لا تعتبر أساسا ~~للدعوة إلى القدوة لأنهم فوق مستوانا غير صحيحة ، لأن الأنبياء في ~~ممارساتهم الروحية والعملية لا يتحركون من مستوى فوق مستوى البشر ، بل ~~يعيشون في الحياة بالطاقات البشرية العادية التي تتكامل وتتصاعد بالوعي ~~والمعاناة ، وهذا ما أكده القرآن في أكثر من آية ، في حديثه عن بشرية ~~الأنبياء وخطأ العقيدة التي تفرض لهم شيئا فوق هذا في تكوينهم الذاتي ، وفي ~~هذا الاتجاه كانت الدعوة الإلهية إلى التأسي برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى : ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة ) [الأحزاب : 21]. # الثانية : إن قيمة القدوة في التجربة الإنسانية تكمن في واقعيتها التي ~~توحي بأن الخطأ والانحراف في بعض مراحل العمل ، لا يعني سقوط الإنسان ~~ونهايته PageV06P246 # في حساب العقيدة والمصير ، بل يمكن له أن يقوم من سقطته ويصحح خطأه ويقوم ~~انحرافه واعوجاجه ، ليستقيم له الطريق نحو الهدف ، مما يعني أن على الإنسان ~~السعي الدائب في خط التكامل في حالات النقصان وعدم الانسحاق أمام الحالات ~~السلبية ... وهذا ما أكده ms1201 القرآن الكريم في قوله تعالى : ( @QUR@012 إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : ~~201] ، فلا مانع من أن يطوف بك الشيطان وأنت تقي ، لأن المهم هو أن لا تظل ~~مع الشيطان في وحيه وانحرافه ؛ وبذلك يكون التاريخ تاريخا للتجربة ~~الإنسانية الناجحة التي تدفع إلى الأخذ بأسباب النجاح ، وتمنعنا من تقديس ~~الأخطاء والخطايا باسم عصمة الخاطئين المخطئين ... # لقد عالجت هذه الآية كثيرا من الجوانب الإنسانية المتحركة في المعركة ، ~~وأثارت كثيرا من الأجواء ... ونعتقد أن من واجب الباحثين الإسلاميين الذين ~~يدرسون طبائع المعارك الإسلامية أن لا يكتفوا بالتاريخ العادي الذي يدرس ~~الجوانب الظاهرة في الحادثة ولا ينفذ إلى تحليل الحالات الإنسانية الداخلية ~~في التجربة ، بل عليهم أن يحاولوا الانطلاق إلى القرآن الذي هو كلام الله ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ليعرفوا حجم المعركة ~~بأسلوب عميق شامل. وسنحاول بعون الله أن نتابع دراسة معركة أحد من خلال هذه ~~الآيات. الكريمة ... # * * * ### ||| ** معركة أحد : بين تخطيط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحركة النفاق # وتبدأ الآيات بهاتين الآيتين اللتين قدمناهما أمام الحديث : ( @QUR@08 ~~وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) لقد بدأ الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم يدبر أمر المعركة في بداية النهار ، وهو معنى الغدوة ~~الذي يمثل الفترة ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ؛ فقد انطلق ~~صلى الله عليه وآله وسلم لتحديد مواقع المسلمين في المعركة من أجل الإعداد PageV06P247 # للنصر ، ( @QUR@03 والله سميع عليم ) فهو الذي لا يعزب عن علمه شيء مما ~~يحتاج إلى أن يسمع أو يبصر ، لأنه محيط بذلك كله ... # وبدأت حركة النفاق تعمل لتخذل المؤمنين وتبعدهم عن المشاركة في القتال من ~~أجل إضعاف الجبهة الإيمانية ، كوسيلة من وسائل تقوية خط الشرك وسلطته ، لأن ~~ذلك هو الذي يمنحهم فرصة استعادة نفوذهم التي فقدوها عند ظهور الإسلام ... ~~واستطاعوا أن يزلزلوا بعض النفوس ويضعفوا بعض العزائم ... ف ( @QUR@05 همت ~~طائفتان منكم أن تفشلا ) وتتراجعا ، وقد نلاحظ في هذه الفقرة من الآية ، ~~أنها لم تتحدث عما تحدث ms1202 به المؤرخون من انسحاب ثلاثمائة رجل من الذين أعدهم ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة ، مما يوحي بأن ذلك غير صحيح ، لأن ~~الآية تحدثت عن حالة التردد ومحاولة الانسحاب كظاهرة من ظواهر الضعف ~~الموجودة في المجتمع الإسلامي آنذاك ، ولتنبه المؤمنين إلى مثل هذه الحالة ~~من أجل المستقبل. ولو كان ما نقله المؤرخون صحيحا ، لكان ذلك أشد خطورة على ~~المسيرة ، وأكثر حاجة للتأكيد عليه ، لأنه يمثل حالة التراجع التي تعني ~~الانسحاب من مسئولية الإيمان بطريقة حاسمة. # وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالتأمل ، وهي أن التعبير القرآني عبر عن ~~الانسحاب بكلمة «الفشل» ، مما يوحي بأن الجانب العملي من حياة المسلم يعتبر ~~حالة فشل بالنسبة إلى إيمان المؤمن. فالإيمان الذي لا يعبر عن نفسه بالعمل ~~في خط الطاعة هو إيمان فاشل ، لأنه لم ينجح في التجربة المرة في صراع ~~الإنسان مع الشيطان. وهذه نقطة لا بد من التركيز عليها في أساليب التربية ~~بالإيحاء بأن الإيمان يمر في الحياة بتجربة النجاح والفشل ، كما هو الحال ~~في كل قضية تستتبع المعاناة ، مما يرفع من درجة استعداد المؤمن في المجاهدة ~~من أجل الحفاظ على نجاحه في خط الإيمان. # أما كلمة ( @QUR@02 والله وليهما ) فتحمل في داخلها تعميق الشعور للمؤمن ~~بالرعاية الإلهية له في حالات الضعف والزلزال النفسي الناتج عن الضغوط ~~الصعبة المحيطة به ، مما يجعله يحس بالأمن والطمأنينة بحماية الله له في أوقات PageV06P248 # الغفلة. وربما كان في التعبير بكلمة «الولي» من الحنان والحميمية ما يملأ ~~النفس بأصفى المشاعر وأنقاها وأسماها في علاقة الإنسان بالله ... # ( @QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وهي دعوة للمؤمنين أن يتحركوا من ~~فكرة ( @QUR@03 والله ولي المؤمنين ) [آل عمران : 68] ليتوجهوا إليه في ~~حالات الضعف ، أو في الأوضاع التي يخافون أن يضعفوا أمامها مستقبلا ، فإن ~~التوكل على الله يمثل أرقى أنواع الإيمان ، لأنه يمثل الاستسلام لله من ~~خلال الثقة المطلقة به في أوقات الشدة والرخاء واليسر والعسر ، الأمر الذي ~~يزرع في نفسه الثقة بالحاضر والمستقبل في كل عمل من أعمال الدنيا والآخرة. # * * * PageV06P249 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولقد نصركم الله ببدر ms1203 وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ~~(123) @QUR@013 إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين (124) @QUR@015 بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (125) @QUR@017 وما جعله الله ~~إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ~~(126) @QUR@09 ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ) (127) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ببدر ): ما بين مكة والمدينة. # ( @QUR@01 أذلة ): ضعفاء عن المقاومة لقلة عددكم وعدتكم ، لا تملكون أية ~~فرصة عادية للقوة والعزة ، قبال ما كان عليه المشركون من القوة والشوكة. ~~وهذا لا ينافي إثبات العزة للمؤمنين لأنها مستمدة من عزة الله تعالى : ( ~~@QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) [المنافقون : 8]. PageV06P250 # ( @QUR@01 يكفيكم ): يقال : استكفيته الأمر فكفاني ، وكفاك هذا الأمر ، ~~أي حسبك. # والفرق بين الاكتفاء والاستغناء ، أن الاكتفاء هو الاقتصار على ما ينفي ~~الحاجة ، والاستغناء : الاتساع فيها ينفي الحاجة كما في مجمع البيان (1). # ( @QUR@01 يمدكم ): الإمداد : هو إعطاء الشيء حالا بعد حال ، والمد في ~~السير الاستمرار عليه ، وامتد بهم السير إذا طال واستمر ، وأمددت الجيش ~~بمدد ، وأمد الجرح فهو ممد إذا صارت فيه المدة ، ومد النهر إذا جرى ، ويقال ~~: مده في الشر وأمده في الخير. # ( @QUR@01 فورهم ) أصل الفور : القدر ، ومنه فارت العين بالماء : إذا ~~جاشت به ، ومنه الفوارة ، لأنها تفور بالماء كما تفور القدر بما فيها ، ~~وأستعير لإيقاع الأمر بسرعة من دون تريث ، ومنه جاء على الفور ، أي : على ~~ابتداء الحمى قبل أن تبرد عنه نفسه. وقيل : الفور: القصد إلى الشيء بحدة. # ( @QUR@01 مسومين ): معلمين لهم علامة تميزهم ، من السيماء وهي العلامة. # ( @QUR@01 ليقطع ): ليقضي ويهلك. والقطع : فصل الشيء مدركا بالبصر ~~والبصيرة. # ( @QUR@01 يكبتهم ): يخزيهم ويذلهم ويقهرهم. والكبت كما يقول الراغب ~~الرد بعنف وتذليل (2) # (2). وحقيقة الكبت كما يقول صاحب المجمع شدة الوهن الذي يقع في القلب (3). # * * * ### ||| ** معركة بدر في أجواء معركة أحد # في هذه الآيات حديث عن معركة بدر التي كانت أول معركة بين PageV06P251 # المسلمين والمشركين ، وقد واجه فيها المسلمون التحدي الكبير في صراع ~~القوة الذي حدد للمسيرة الإسلامية طريقها ms1204 الطويل على هدى مواجهة القوة ~~بالقوة على أساس الحق والعدل ... وكانوا في موقع الضعف من حيث العدد والعدة ~~بينما كانت قريش التي تمثل قوة الشرك ، كبيرة فيهما معا. ولكن الله أراد ~~للمسلمين النصر ، فأودع بينهم من خلال إيمانهم روح الإرادة والعزم على ~~المجابهة حتى النهاية والتضحية حتى الاستشهاد ، وأثار في جو المعركة لونا ~~من ألوان الغيب الإلهي المتمثل في نزول الملائكة بطريقة خفية من أجل دعم ~~الروح المعنوية التي كانت معرضة للانهيار بفعل الظروف الصعبة المحيطة ~~بالمعركة التي لم تكن معدة إعدادا دقيقا ... # ولكن لم هذه الإثارة لمعركة بدر في أجواء معركة أحد؟ هل المقصود هو ربط ~~الذكريات بمثلها في خلق جو من التشجيع النفسي حتى يقدم الناس على المعارك ~~الجديدة بروحية المعارك القديمة ، أو أن المقصود هو ما ذكره البعض من بيان ~~قضية حاسمة وهي أن الانتصار في معركة من المعارك لا يعد نصرا حاسما ، ولا ~~الانكسار في معركة من المعارك يكون انكسارا نهائيا ، وإنما النصر النهائي ~~للصابرين الثابتين والمتقين المخلصين ، أو أن هناك شيئا آخر ربما يكون أبعد ~~من هذا الوجه أو ذاك ، وإن كان غير مناف لهما من حيث الجو العام؟ # لعل المقصود من ذلك والله العالم هو التأكيد على ربط النصر بالله في ~~المعارك الإسلامية الفاصلة ، حتى يظل المؤمن مشدودا لله في حربه في عملية ~~تعميق الإحساس بالقوة ، وعدم الخضوع للأوضاع الاستعراضية المضادة التي يراد ~~منها هزيمة المسلمين روحيا ونفسيا ، وذلك باستحضار قوة الله وعنايته بعباده ~~المؤمنين ورعايته لهم في كل أوضاعهم ومشاكلهم ، والشعور بأن قوتهم لا تمثل ~~إلا ظلا خفيفا من ظلال قوة الله ورحمته ؛ فهم يشكلون في هذا المجال دور ~~الإرادة المنفعلة بخالقها لا دور القوة المستقلة بذاتها ... فإذا كان النصر ~~، ذكروا الله بالإحساس بالامتنان على ما هيأ لهم من أسبابه ، وإذا كانت ~~الهزيمة ، ذكروا الله معها وعرفوا بأنها كانت نتيجة طبيعية لعدم الأخذ بأسباب PageV06P252 # النصر ، ولنسيان الله في أكثر حالاتهم ... وهكذا يتأكد الإيمان بالله ~~كحقيقة تهز كيانهم بالحركة والإشراق والانفتاح على الحياة بكل ms1205 عناصرها ~~الفاعلة المتنوعة ، فلا يبقى مجرد فكرة تعيش في زاوية مغلقة من زوايا ~~الشخصية الإنسانية بشكل عادي جامد. وهذا ما يريد القرآن أن يثيره في أعماق ~~الشخصية وفي كل النشاطات الإنسانية ، بأن يظل الإنسان خاضعا لعبوديته لله ~~واستسلامه له في أموره حتى ليشعر أنه لا يستطيع أن يحرك أي شيء إلا بالله ~~ومن الله ، وهذا ما نواجهه بارزا في هذه الآيات ... # * * * ### ||| ** لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة # ( @QUR@06 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) ضعفاء لا تملكون أية فرصة ~~عادية للقوة والعزة ( @QUR@02 فاتقوا الله ) في مسيرتكم وفي وعيكم للدور ~~الذي يجب أن تقوموا به في الجهاد في سبيل الله والعمل من أجله ... ( ~~@QUR@02 لعلكم تشكرون ) لأن التدبر في آفاق نصر الله لعباده المستضعفين ~~يفرض الشكر العملي على الإنسان في كل ممارساته ومنطلقاته ... # وقد كان المؤمنون يعيشون حالة نفسية سيئة عند ما كانوا يدخلون في عملية ~~المقارنة المادية بين قوتهم وقوة المشركين ، فلا يجدون أي أساس للشعور ~~بالتكافؤ فضلا عن التفوق ، لأن أيا من هذين المبدأين يخضع في طبيعته ~~لمعادلات عددية ومادية غير موجودة لدى المسلمين. وربما أثار ذلك في نفوسهم ~~بعض المشاعر السلبية التي قد تشارك في دفعهم إلى الهزيمة ، فأراد الله أن ~~يدخل الطمأنينة إلى قلوبهم بالإيحاء لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخل ~~معهم في حوار من أجل غرس الثقة في نفوسهم. ( @QUR@013 إذ تقول للمؤمنين ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) من السماء؟! وكان ~~هذا أمرا مثيرا لهم ، فإذا كانت قريش تبلغ ألفا في عدد المقاتلين القادمين ~~إلى المعركة ، فها هم PageV06P253 # الملائكة ، الذين يتمتعون بقوة هائلة لا تصمد أمامها أية قوة إنسانية ، ~~ينضمون إليهم بثلاثة أضعاف عدد قريش. # وتبلغ الإثارة حدا تصاعديا يساهم في تقوية المشاعر إلى مستوى أفضل ، فها ~~هو العدد يتزايد ، ولكن بشرط واحد وهو الصبر على كل تحديات المعركة ، وتقوى ~~الله في كل خطواتها في ما تفرضه من انضباط والتزام بكل تعاليم الله وأحكامه ~~... ( @QUR@08 بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ms1206 ) ويعاجلوكم ~~بالحرب قبل أن يكمل استعدادكم للمجابهة ( @QUR@07 يمددكم ربكم بخمسة آلاف ~~من الملائكة مسومين ) أي معلمين من السيماء . # * * * ### ||| ** هل دخل الملائكة ساحة الحرب؟ # ولكن هل دخل الملائكة ساحة الحرب ، وهل كانت المهمة الموكولة إليهم أن ~~يقاتلوا المشركين؟ وإذا كان الأمر كذلك كما تحب بعض الروايات أن تقول فما ~~هي قيمة المسلمين ، وما هو دورهم في المعركة؟ وكيف يمكن أن يقتل من ~~المسلمين العدد الذي قتل منهم في المعركة ، في الوقت الذي يقف الملائكة ~~كشركاء معهم في القتال؟! ربما توحي الآية الآتية بأن القضية كانت إمدادا ~~معنويا يقصد من خلاله رفع الروح المعنوية لدى المسلمين بالشعور بأن ~~الملائكة يطوفون بأجواء المعركة ، فيشعرون بالأمن والطمأنينة والاندفاع نحو ~~العدو بشدة وقوة ، وهذا ما نستقربه ، وإن كنا لا نجزم به ، لأن من الممكن ~~أن يكون هناك تفسيرات تتصل بالغيب الذي لا نستطيع تفسيره بطريقة مادية. # ( @QUR@09 وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) فليست القضية ~~أن يقاتل الملائكة ليكون النصر مستندا إليه ، فإن النصر من عند الله ، ~~فالله هو الذي يهيئ للنصر أسبابه ، ويرعاه بألطافه ، ويخلق الظروف ~~الموضوعية التي تنفتح به على النتائج الحاسمة ، ( @QUR@08 وما النصر إلا من ~~عند الله العزيز الحكيم ). أما هدف ذلك PageV06P254 # فهو إسقاط قوة الكفر أو إضعافا ( @QUR@05 ليقطع طرفا من الذين كفروا ) ~~ويحطم جانبا من قوتهم العسكرية ، ويسقط مواقعهم المتقدمة وتأثيراتهم القوية ~~على الناس عند ما تنزل الهزيمة بهم. وقد ذكر صاحب مجمع البيان أن هناك ~~اختلافا في وجه اتصاله بما قبله ، «فقيل : يتصل بقوله : ( @QUR@06 وما ~~النصر إلا من عند الله )؛ ومعناه أعطاكم الله هذا النصر وخصكم به ليقطع ~~طائفة من الذين كفروا بالأسر والقتل ، وقيل : هو متصل بقوله : ( @QUR@04 ~~ولقد نصركم الله ببدر )؛ أي : ولقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا (1). # ( @QUR@02 أو يكبتهم ) بالهزيمة ( @QUR@02 فينقلبوا خائبين ) خاسرين لم ~~يحصلوا على شيء مما أرادوه وعملوا له في الدنيا والآخرة. # * * * PageV06P255 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~(128) @QUR@016 ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن ms1207 يشاء ويعذب من ~~يشاء والله غفور رحيم ) (129) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ما في السماوات ): جاء في المجمع : إنما ذكر لفظ «ما» لأنها ~~أعم من «من» ، فإنها تتناول ما يعقل وما لا يعقل لأنها تفيد الجنس ، ولو ~~قال : من في السموات لم يدخل فيه إلا العقلاء ، إلا أن يحمل على التغليب ، ~~وذلك ليس بحقيقة (1). # * * * PageV06P256 ### ||| ** مناسبة النزول # اختلف في سبب نزولها ، «فروي عن أنس بن مالك ، وابن عباس ، والحسن ، ~~وقتادة ، والربيع ، أنه لما كان من المشركين يوم أحد ما كان من كسر رباعية ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشجه حتى جرت الدماء على وجهه قال : كيف يفلح ~~قوم نالوا هذا من نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وهو مع ذلك حريص على دعائهم ~~إلى ربهم؟ فأعلمه الله أنه ليس إليه فلاحهم ، وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ ~~الرسالة ويجاهد حتى يظهر الدين ، وإنما ذلك إلى الله تعالى. # وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص ، فدعا عليه بأن لا ~~يحول عليه الحول حتى يموت كافرا ، فمات كافرا قبل أن يحول الحول وأدمى وجهه ~~رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية ، فدعا عليه ، فكان حتفه أن سلط الله ~~عليه تيسا فنطحه حتى قتله ، وروي أنه كان يمسح الدم على وجهه ويقول : اللهم ~~اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فعلى هذا يمكن أن يكون على وجل من عنادهم ~~وإصرارهم على الكفر فأخبره تعالى: أنه ليس إليه إلا ما أمر به من تبليغ ~~الرسالة ودعوتهم ، إلى الهدى ، وذلك مثل قوله تعالى : ( @QUR@06 لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) [الشعراء : 3]. # وقيل : إنه استأذن ربه في يوم أحد في الدعاء عليهم ، فنزلت الآية ، فلم ~~يدع عليهم بعذاب الاستئصال ، وإنما لم يؤذن له فيه لما كان في المعلوم من ~~توبة بعض عن أبي علي الجبائي. وقيل : أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد ، فنهاه الله عن ذلك وتاب ~~عليهم ، ونزلت الآية : ( @QUR@05 ليس لك من الأمر شيء ms1208 ) أي : ليس لك أن ~~تلعنهم وتدعو عليهم ، عن عبد الله بن مسعود. وقيل : لما رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ما فعل بأصحابه وبعمه حمزة من المثلة ، من ~~جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير ، قالوا : لئن أدالنا الله منهم لنفعلن ~~بهم مثل ما فعلوا بنا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ، ~~فنزلت الآية ، عن محمد بن إسحاق والشعبي. # وقيل : نزلت في أهل بئر معونة ، وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب PageV06P257 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأميرهم المنذر بن عمرو ، بعثهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس ~~أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم ، فقتلهم جميعا عامر بن ~~الطفيل ، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، فوجد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وجدا شديدا ، وقنت عليهم شهرا ، فنزل : ( ~~@QUR@05 ليس لك من الأمر شيء )، عن مقاتل» (1). # والظاهر كما جاء في مجمع البيان «قال : والأصح أنها نزلت في أحد ، لأن ~~أكثر العلماء عليه ويقتضيه سياق الكلام ، وإنما قال : ( @QUR@05 ليس لك من ~~الأمر شيء ) مع أن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ~~بتبليغهم لأن معناه : ليس لك من أمر عقابهم واستئصالهم أو الدعاء عليهم أو ~~لعنهم حتى تقع إنابتهم ، فجاء الكلام على الإيجاز لأن المعنى مفهوم لدلالة ~~الكلام عليه» (2). # وقد نلاحظ على هذه الروايات الواردة في أسباب النزول أنها كانت اجتهادات ~~تفسيرية من أصحابها ، فقد ركزت في أكثرها على مسألة دعاء الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الأعداء في معركة أحد ولعنهم ، أو على التمثيل بهم ~~في جولة أخرى ، بينما نجد الآيتين في مقام بيان حقيقة إيمانية كلية في سنة ~~الله في الكافرين الظالمين وفي قدرته الشاملة التي تجعل له السلطة الكاملة ~~عليهم في المغفرة أو العذاب ، للتأكيد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~ذاته وفي دوره لا ms1209 يملك من الأمر في ذلك شيئا ، لأن الأشياء في نتائجها ~~الحاسمة تنطلق من إرادة الله ، فلا دور للأنبياء إلا تهيئة الأجواء ~~الملائمة للهداية أو المتحركة في مواقع التحدي من أجل تنفيذ أوامر الله في ~~الأخذ بالوسائل التي يملكونها ، مما أعطاهم الله القدرة فيه ، لأن النتائج ~~مربوطة بالحركة العامة للأوضاع والوسائل التي قد يملك الناس بعض القدرة على ~~تحريكها بإرادة الله ، ولكنهم لا يملكون كل شيء فيها من الداخل والخارج ، ~~والله العالم. # * * * PageV06P258 ### ||| ** الأمر لله والشفاعة للرسل # ( @QUR@05 ليس لك من الأمر شيء ) في مصير هؤلاء الناس الذين حاربوك لتحدد ~~أنت ذلك بطريقتك الخاصة ، لأن الله لم يجعل للأنبياء ذلك إلا في دائرة خاصة ~~من خلال وسيلة الدعاء تارة والشفاعة أخرى ، فهما يتحركان من خلال ما حدده ~~الله لك من منهج ومواقع ، فليس لك أن تشفع إلا لمن ارتضى أو تدعو إلا لمن ~~يريد الله لك أن تدعو له ، ويبقى الأمر لله أن يعذبهم إن شاء أو يتوب عليهم ~~ويغفر لهم إذا أراد ، ( @QUR@05 أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) انطلاقا من ~~حكمته العميقة الشاملة في العذاب والمغفرة اللذين لا ينطلقان من حالة طارئة ~~أو الخضوع لضغط معين كما هو عند الناس ، بل ينطلقان من السنة الإلهية من ~~موقع الحكمة في ذلك كله ، فله أن يغفر لهم يتوب عليهم ، وله أن يعذبهم ، ( ~~@QUR@02 فإنهم ظالمون ) يستحقون العذاب ، كما يمكن أن تنالهم المغفرة عند ~~توفر عناصرها فيهم من خلال إنابتهم إلى الله وعودتهم إليه. # ( @QUR@07 ولله ما في السماوات وما في الأرض ) فله الكلمة العليا في شؤون ~~مخلوقاته ، وله الإرادة الحاسمة الفاعلة في مصيرهم في الدار الآخرة ، لأنه ~~يملك الأمر كله في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@03 يغفر لمن يشاء ) المغفرة له ~~( @QUR@03 ويعذب من يشاء ) عذابه ، ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) فقد سبقت ~~رحمته غضبه ، فيبقى الأمل لكل المذنبين في التعلق برحمته ليستريحوا في ساحة ~~غفرانه ، ولا مجال لليأس من ذلك كله ، ولكن المسألة تبقى متحركة بين الخوف ~~والرجاء ، لا سيما أن الله لم يعين مواقع المغفرة والعذاب. وقد قيل : إنما ~~علق الغفران ms1210 والعذاب بالمشيئة ، لأن المشيئة مطابقة للحكمة ، فلا يشاء إلا ~~ما تقتضي الحكمة مشيئة. وسئل بعضهم : كيف يعذب الله عباده بالإجرام مع سعة ~~رحمته؟ فقال : رحمته لا تغلب حكمته ، إذ لا تكون رحمته برقة القلب كما تكون ~~الرحمة منا (1). # * * * PageV06P259 ### ||| ** الرسول جندي خاضع لله # لقد عالجت هاتان الآيتان دور النبي في الشؤون العامة من قضايا الحرب ~~والقتال ، فليس هو قائدا يتصرف بمزاج القائد الذي يملك الأمر كله فيعفو عند ~~ما تدفعه نوازعه الذاتية إلى العفو ، ويعاقب ويعذب عند ما يوحي إليه مزاجه ~~بذلك ، بل هو رسول ينذر ويبشر ، وجندي لله في ما يأمره به وينهاه عنه ، ~~فإذا انطلق في حياته من خلال الدور القيادي ، فإنه يتسلم خطة القيادة من ~~ربه في ما يشرعه الله له من أحكام ، وما يخطط له من خطط. فهو القائد الذي ~~يتحرك من خلال دور الجندية الخاضعة للقيادة العليا ... # وفي ضوء ذلك ، لا بد للمسلمين من أن يفهموا المسألة من هذا المنطلق الذي ~~يوحي بأن الرسول لا يملك أمر التصرف من ناحية ذاتية ليمكن لهم أن يقدموا ~~إليه اقتراحات العفو من حيث يريدون العفو لبعض الأسرى ، أو يحاوروه في ~~موضوع العذاب من حيث يريدون العذاب لبعض آخر ، بل كل ما هناك أنه يتلقى ~~الأمر من الله ربه ورب العالمين فيصدر العفو عند ما يقرر الله العفو عن ~~إنسان ما ، ويقرر العذاب عند ما يقرر الله له ذلك ، لأنهم ظالمون يستحقون ~~كل ألوان العذاب بسبب ظلمهم وتمردهم وطغيانهم ... وتأتي الآية الثانية ~~لتقرر مبدأ رجوع كل شيء إلى الله ، لأنه مالك لكل ما في السموات وما في ~~الأرض ، فيغفر لمن يشاء في الدنيا والآخرة ، ويعذب من يشاء في الدنيا ~~والآخرة ... وقد سبقت رحمته غضبه ، فإنه الغفور الرحيم الذي لا ينسى أحدا ~~من غفرانه ورحمته. # * * * PageV06P260 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (130) @QUR@05 واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) ~~@QUR@05 وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ) (132) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أضعافا مضاعفة ): بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا ms1211 ~~الطلب ، وضعف الشيء مثله ، وهذه المضاعفة إما في الزيادة فقط ، وإما ~~بالنسبة إلى رأس المال كاستدانة عشرة بثلاثين. وقد وردت الكلمة على نحو ~~الإشارة إلى وصف غالب ، ونتيجة واقعية للنظام الربوي ، وليس شرطا لحكم ~~الحرمة ليقال : بأن الحرمة تختص بالربا الفاحش الذي لا يقل عن الضعف. # ( @QUR@01 تفلحون ): تظفرون وتدركون البغية في الدنيا من الإعمار والغنى ~~والعز ، وفي الآخرة من الفوز بالثواب. وأصل الفلاح : الشق ، وقيل : الحديد ~~بالحديد يفلح : أي : يشق. # * * * PageV06P261 ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : ~~كانوا يتبايعون إلى الأجل ، فإذا حل الأجل زادوا عليهم ، وزادوا في الأجل ، ~~فنزلت : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ) ( ~~1)، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء ، قال : كانت ثقيف تداين بني ~~المغيرة في الجاهلية ، فإذا جاء الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون عنا فنزلت : ~~( @QUR@05 لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ) ( 2). # * * * ### ||| ** ارتباط آية الربا بما قبلها # جاء في مجمع البيان : قد قيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان : ~~(أحدهما): لاتصال الأمر بالطاعة بالنهي عن أكل الربا ، فكأنه قال : ( ~~@QUR@02 وأطيعوا الله ) في ما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره ، و (الثاني): ~~ما قاله محمد بن إسحاق بن يسار أنه معاتبة للذين عصوا رسول الله لما أمرهم ~~به يوم أحد من لزوم مراكزهم فخالفوا ، واشتغلوا بالغنيمة ، وكان ذلك سبب ~~هزيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3). # ونلاحظ في هذا المجال ، أن القرآن لم ينزل بشكل مرتب على الطريقة الحالية ~~، بل نزل على دفعات لتربية المجتمع المسلم في كل قضاياه ومشاكله وأوضاعه ~~المتنوعة التي كانت المسيرة الإسلامية في حربها وسلمها تواجهها في مختلف ~~المراحل ، مما قد يفرض الحديث عن منهج أخلاقي تارة ، وعن PageV06P262 # نظام اقتصادي أخرى ، وعن قضايا متصلة بالسلم أو الحرب في حركة الإنسان ~~المسلم فيها ، وعن علاقة القيادة بالقاعدة وعلاقة القاعدة بها ، وغير ذلك ، ~~مما لا يفرض وجود حالة من الارتباط بين الآيات ، لأنه ليس هناك ارتباط بين ~~مواقع نزولها ومنطلقات موضوعاتها. # وتبقى ms1212 المشكلة في الترتيب القرآني عند جمع القرآن ، فإذا كان النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر بجمعه تحت رعايته ، فلا بد لنا من البحث ~~عن طبيعة الارتباط بينها ، بمعرفة المناسبة التي جعلت النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم يضع هذه الآية أو تلك في سياق تلك الآيات ، وربما كانت ~~المناسبة أن الأجواء التي تثيرها السورة هي حركة الإنسان في ساحة الصراع في ~~كل حال من أحوالها ، وفي كل شأن من شؤونها ، فمن النظام الجهادي الذي يجعل ~~الإنسان يواجه التحدي في حالات الخطر من أجل حماية الرسالة والرساليين ، ~~إلى النظام الأخلاقي الذي يواجه الإنسان فيه الموقف الحاد في جهاد النفس من ~~أجل حمايتها من الانحراف ، ويدخل في ذلك الخط الاقتصادي الإسلامي في مواجهة ~~الخط المنحرف ، وبذلك تكون المناسبة في ارتباط النشاط الإنساني في التشريع ~~الإسلامي ببعضه البعض ، باعتبار أن الإنسان يمثل وحدة تتكامل أجزاؤها في ~~مختلف جوانب نشاطه الإنساني في حركة الحياة. # * * * ### ||| ** النتائج الطبيعية للنظام الربوي # تحدث القرآن عن الربا في سورة البقرة ، وأعاد الحديث عنه في هذه الآية ، ~~للتنديد ببعض حالاته التي كانت موجودة في الجاهلية ، في ما ذكره المفسرون : ~~«يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل ، فيقول له : تقضيني أو تزيدني؟ ~~... فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل ، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا ، ~~فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين ، فإن لم يكن عنده جعلها PageV06P263 # أربعمائة ، يضعفها له كل سنة أو يقضيه» (1). ولعل هذا ما تقتضيه طبيعية ~~النظام الربوي الذي يستغل حاجة المدين وظروفه الضيقة التي قد لا تسمح له ~~بالوفاء في الموعد المحدد ، لا سيما في الأجواء الربوية التي قد تجعل ~~الإنسان يستدين أكثر من طاقته ، لأنه يجد الدين سهلا يوحي بالامتداد ، ~~فيؤدي ذلك إلى استيفاء الدائن دينه أضعافا مضاعفة ، وهذا ما نجده في ~~الأوضاع المعاصرة التي يفرضها النظام الربوي ، سواء في ذلك الديون التي ~~تحصل بين الناس على مستوى الأفراد ، أو التي تحصل على مستوى الدول ، فإن ~~المدين قد ينفق كل ms1213 عمره في الجهد والعمل من دون أن يستطيع وفاء الربا ، ~~فضلا عن أصل الدين لتضاعف ذلك عليه. وفي ضوء ذلك ، قد نفهم من الآية أنها ~~ليست واردة في معالجة هذه الحالة بالذات ، بل هي واردة في الإيحاء بالنتائج ~~الطبيعية للنظام الربوي التي تتمثل في تضعيف المبلغ الذي يستدينه الإنسان ~~إلى عدة أضعاف. # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة )؛ وبذلك ~~تبطل حجة الذين أرادوا أن يفهموا منها اختصاص حرمة الربا في الإسلام بالربا ~~الفاحش الذي تزيد به الفائدة عن مثل الشيء لتكون ضعفا له بل أكثر. وقد نضيف ~~إلى ذلك ، أن اختصاص الآية بما ذكر لا يوجب اختصاص حرمة الربا به ، لأن آية ~~سورة البقرة : ( @QUR@05 وأحل الله البيع وحرم الربا ) [البقرة : 275] كانت ~~شاملة لجميع موارده ، ولا موجب لتخصيص إحداهما بالأخرى ، لأن من الممكن أن ~~تكون هذه الآية جارية على أسلوب التشديد بهذا النموذج الفاحش من الربا ... ~~ونزيد على ذلك ، أن الانسجام مع المدلول الحرفي لهذه الآية يفرض علينا أن ~~نلتزم به ، فلا بد حينئذ من أن يكون واردا في الاتجاه الذي ذكرناه من ~~التأكيد على النتائج الطبيعية للنظام الربوي ، والله العالم بأسرار آياته ~~وأحكامه. # * * * PageV06P264 ### ||| ** كيف جاء تحريم الربا؟ # جاء في بعض التفاسير : «إن الله حرم الربا في القرآن كتحريم الخمر في ~~أربعة مواضع ، وسار التحريم في مراحل أربع ، الموضوع الأول منها مكي ، ~~والباقي مدني : # 1 ففي مكة أنزل الله : ( @QUR@012 وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال ~~الناس فلا يربوا عند الله ) [الروم : 39] ؛ وهذا يقابل آية الخمر المكية : ~~( @QUR@09 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) [النحل ~~: 67] وفي كلا الآيتين تمهيد للتحريم وتعريض به وإيماء إلى ضرورة تجنبه. # 2 ثم قص علينا القرآن في المدينة سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا ، ~~فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم ، فقال : ( @QUR@05 وأخذهم الربوا وقد نهوا ~~عنه ) [النساء : 161] ؛ وهذا نظير المرحلة الثانية في تحريم الخمر : ( ~~@QUR@014 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما ) [البقرة : 219] ؛ وكلا الآيتين إنذار بالتحريم ms1214 ، وتعريض ~~به ، وإيذان بعقوبة المخالف. # 3 ثم نهى تعالى عن الربا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة ، ~~وهو ما كان في الجاهلية : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا ~~أضعافا مضاعفة ) [آل عمران : 130] ؛ وهذا يشابه المرحلة الثالثة من مراحل ~~تحريم الخمر : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) [النساء : 43] ؛ فكلا الآيتين نهي جزئي صريح ~~، إلا أن آية الربا نهي عن الصورة الفاحشة من صور الربا وهو الربا الجاهلي ~~، وآية الخمر نهي جزئي عن تناول المسكر وقت إرادة الصلاة. # 4 ثم جاء التحريم القاطع لكل من الربا والخمر ، أما الربا فقد نهى الله ~~عن كل ما يزيد عن رأس مال الدين : ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) [البقرة : 278] ؛ الآيات. ~~وأما الخمر فقد أمر الله PageV06P265 # باجتنابه في كل الأحوال : ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) ~~[المائدة : 90]. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وحرم الربا ) [البقرة : 275] ؛ اللام للجنس ، أي ~~: حرم جنس الربا ، وليست للمعهود الذهني وهو ربا الجاهلية أو ربا النسيئة ، ~~وإنما يفيد النص وإطلاقه تحريم جميع أنواع الربا ، مثل إباحة أنواع البيع ~~في قوله تعالى : ( @QUR@03 وأحل الله البيع ) ( 1) [البقرة: 275]. # ونلاحظ على هذا الحديث أن الآيات المذكورة في ترتيب المراحل لا توحي ~~بالمرحلية ، فإننا في الآية الأولى نجد أن الآية تدل بنحو الكناية على أن ~~الربا ليس محبوبا عند الله ، بل هو مرفوض عنده باعتبار أن سياقه هو سياق ~~الترغيب في الصدقة والتنديد بالربا ، أما الآية الثانية فإن ذم اليهود ~~بأخذهم الربا ، وقد نهوا عنه ، يوحي بأن أخذ الربا من الأمور التي حرمها ~~الله في كل زمان ومكان ، ولذلك ندد بهم في مقام الإيحاء بانحرافهم عن الله ~~في ذلك ، ولذا عقبه بأكلهم أموال الناس بالباطل ، وأما الثالثة ، فإنها ~~واردة في النهي عن الربا مطلقا ، فإن ذلك الأضعاف المضاعفة وارد في النتائج ~~الطبيعية للنظام الربوي لا لتخصيص النهي به ، وهكذا فإننا لا نجد ms1215 في هذا ~~السرد القرآني للآيات دليلا على ما ذكر ، لا سيما أن هذا القائل لم يذكر ~~التاريخ التفصيلي لنزول هذه الآيات ليكون ذلك أساسا للترتيب التدريجي في ~~التحريم ، والله العالم. # * * * ### ||| ** التقوى وقضية المصير # وقد انطلق القرآن ، كعادته في آيات التشريع ، في إثارة أجواء التقوى ~~وعلاقتها بالفلاح وإطاعة الله والرسول ، وعلاقتها بالرحمة الإلهية ، ~~والتحذير من النار التي أعدها الله للكافرين لأن الكفر يمثل التمرد على الله. PageV06P266 # وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@04 واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فقد ربط الله ~~الفلاح في الدنيا والآخرة بالتقوى ، ( @QUR@05 واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين ) كما أراد لهم أن يجعلوا النار أمامهم كلما أراد الشيطان أن ~~يغويهم بوسوسته ووسائله الخفية ، ليتذكروا حريقها ولهيبها وعنف عذابها الذي ~~أعده للكافرين به أو المنحرفين عن خطه المستقيم بالتمرد على أوامره ونواهيه ~~( @QUR@05 وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ) وبين لهم أن طاعة الله ~~والرسول هي التي تجعل الإنسان موضعا لرحمة الله ، ليتحركوا في طلبهم لرحمته ~~على هذا الأساس. # ويمتد في جانبه العملي إلى انحراف الإنسان عن الخط التشريعي الذي رسمه ~~الله للناس ، مما يجعل من التمرد على أحكام الله نوعا من أنواع الكفر ~~العملي الذي يسوغ للتعبير القرآني أن يستعمل كلمة الكافرين صفة للمؤمنين ~~الذين ينحرفون عن خط الإيمان في سلوكهم العملي ، للإيحاء بالقيمة العملية ~~للإيمان في ما يريد الله للمؤمنين أن يتمثلوه في ممارستهم له في حياتهم ~~الخاصة والعامة ... # وقد يكون هذا الأسلوب من أفضل الأساليب التي تدعو إلى الاهتمام ~~بالاستقامة على خط التشريع ، لأنها لا تجعل منه مادة قانونية جامدة تلزمه ~~بالفعل أو تمنعه منه ، بل تهيئ له الأجواء الروحية الداخلية التي تربط ~~خطواته المنسجمة مع التشريع بقضية المصير في ما يريده الإنسان لنفسه من ~~الفلاح والنجاح والنجاة من الهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة والحصول على ~~رحمة الله ورضوانه ، وذلك بإطاعة الله ورسوله في ما يأمران به أو ينهيان ~~عنه. وقد يكون للتأثيرات الاقتصادية التي تتمثل في النظام الربوي سلبا أو ~~إيجابا على حركة الحياة العملية لدى الناس مدخل كبير في الإيحاء ms1216 بهذه ~~الأجواء ، ليتمكن الإنسان من خلالها من السيطرة على السلبيات التي تتحداه ~~في حياته ، على أساس الالتزام الواعي بهذا التشريع. # * * * PageV06P267 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين (133) @QUR@013 الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) @QUR@023 والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) @QUR@015 أولئك جزاؤهم مغفرة ~~من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) (136) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وسارعوا ): بادروا وامضوا واشتدوا في سرعتكم. والمسارعة : ~~المبادرة والاشتداد في السرعة. والسرعة : ضد البطء. # ( @QUR@01 والكاظمين ): الممسكين الحابسين المتجرعين. وأصل الكظم : شد رأس PageV06P268 # القربة عن ملئها كما يقول صاحب المجمع تقول : كظمت القربة إذا ملأتها ماء ~~ثم شددت رأسها. وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا حزنا وكذلك إذا كان ~~ممتلئا غضبا ولم ينتقم (1). وكظم الغيظ كما يقول الراغب حبسه (2). # ( @QUR@01 الغيظ ): هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه ، ~~بخلاف الغضب ، فهو إرادة الانتقام أو المجازاة ، ولذلك يقال : غضب الله ولا ~~يقال : اغتاظ كما جاء في الميزان (3). # ( @QUR@01 فاحشة ): أصل الفاحشة : الفحش ، وهو الخروج إلى عظيم القبح أو ~~رأي العين فيه ، ولذلك قيل للطويل المفرط : إنه لفاحش الطول ، وأفحش فلان : ~~إذا أفصح بذكر الفحش. # ( @QUR@01 يصروا ): الإصرار : أصله الشد من الصرة ، والصر : شدة البرد ، ~~فكأنما هو ارتباط الذنب بالإقامة عليه ، وقيل : أصله الثبات على الشيء. ~~وقال الحطيئة : # عوابس بالشعث الكماة إذا انتقوا %~% علالتها بالمخصرات أصرت (4) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في المجمع : «روي أن قوما من المؤمنين قالوا : يا رسول الله ، بنو ~~إسرائيل أكرم على الله منا ، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة ~~على عتبة بابه : (أجدع أنفك أو أذنك افعل كذا). فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزلت الآية ، فقال : ألا أخبركم بخبر من ذلكم؟ وقرأ ~~عليهم هذه الآية ، عن ابن مسعود. وفي ذلك تسهيل لما كان قد شدد فيه على بني ~~إسرائيل ، إذ جعل الاستغفار ms1217 بدلا منه. وقيل : نزلت في نبهان التمار ، أتته ~~امرأة تبتاع منه تمرا ، PageV06P269 # فقال لها : إن هذا التمر ليس بجيد ، وفي البيت أجود منه ، وذهب بها إلى ~~بيته فضمها إلى نفسه فقبلها ، فقالت له : اتق الله ، فتركها وندم ، وأتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكر له ذلك ، فنزلت الآية ؛ عن عطاء» (1). # * * * ### ||| ** دعوة إلهية # في هذه الآيات دعوة للمؤمنين إلى الإسراع في الحصول على المغفرة من الله ~~بالعمل على تحصيل أسبابها ، التي جعلها الله في الانسجام مع خطه المستقيم ~~في العقيدة والتشريع ، وفي الوصول إلى الجنة الواسعة التي عرضها السموات ~~والأرض في إيحاء بالامتداد الواسع ... ولعل في هذه الدعوة إلى الإسراع ، ~~بعض الإيحاء بأن العمر الذي يعيشه الإنسان فرصة سانحة قد لا تمتد طويلا ، ~~فمن الممكن أن يكون قصيرا لا يتسع للانتظار الطويل ، فلا بد من اغتنامه ~~كفرصة لا تعوض ، مما يقتضي بذلك الجهد في اتجاه الطاعة بأسرع وقت ممكن ~~للحصول على نتائجها الدنيوية والأخروية. # ( @QUR@05 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) بالسير في خط الطاعة والبعد عن خط ~~المعصية بالالتزام بأوامر الله ونواهيه من خلال الإسلام في عقائده ومفاهيمه ~~وشرائعه ، فإنه السبيل الأقوم للحصول على مغفرة الله سبحانه. # * * * ### ||| ** صفات المتقين # وقد ذكر المفسرون وجوها في تفسير المراد من قوله : ( @QUR@02 وجنة عرضها PageV06P270 # @QUR@02 السماوات والأرض ) فهل ذلك ثابت في حالة ضم بعضها إلى بعض ، أم ~~أن ذلك كناية عن السعة ، من دون أن يكون فيه نوع من الدقة في التحديد ، أم ~~أن هناك وجها آخر غير ذلك ...؟ ربما كان الأقرب أنها واردة مورد الكناية عن ~~السعة ، لأن السياق لا يقتضي أكثر من ذلك ، بل يوحي بشيء من هذا القبيل ، ~~ومع ذلك فإن تحقيق هذا غير مهم من ناحية الفكرة العامة للآية ، وهي التركيز ~~على الصفات المميزة للمتقين الذين أعدت لهم هذه الجنة ، وهي صفات خمس ثلاث ~~منها تتصل بطبيعة حركة العلاقات الاجتماعية التي تربط المتقين بالناس في ~~حيوية الممارسة وإنسانيتها وطهارتها وفاعليتها ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 أعدت للمتقين )، وتفصيل الموضوع في هذه الصفات في ms1218 عدة نقاط : # 1 ( @QUR@05 الذين ينفقون في السراء والضراء ) الإنفاق على الناس في ~~حالتي الشدة والرخاء ، مما يعني أن هذا الإنفاق ليس حالة طارئة في ذات ~~التقي ، يختص بأريحية الإنسان في حالات الرخاء ، بل هو حالة أصيلة تحرك ~~الإنسان نحو العطاء حتى في أشد حالات الضيق والضر. # 2 ( @QUR@02 والكاظمين الغيظ ) الذي يعبر عن الإرادة القوية التي يواجه ~~بها الإنسان حالات الانفعال التي تدفعه إلى الاندفاع في تفجير الغيظ الذي ~~تمتلئ به نفسه تجاه الآخرين ، فلا يسمح لها بأن تجره إلى ذلك مما لا تحمد ~~عقباه ، بل يحاول أن يحبس غيظه في صدره. # 3 ( @QUR@03 والعافين عن الناس ) الذي يمثل الروح المتسامحة الطبيعة التي ~~لا تنطلق من عقدة نفسية داخلية عند ما تكظم غيظها ، بل تعمل على التخلص من ~~كل أجواء الغيظ بتفريغ النفس من كل الحالات السلبية التي تثيره وتعقده ، ~~وذلك بأن يتلمس أسباب العفو في دراسته للنقص الذي ركب في الإنسان ، أو ~~للظروف الداخلية أو الخارجية التي دفعته نحو الخطأ ، أو بغير ذلك مما يوحي ~~بالأسباب التخفيفية الباعثة على العفو عنه ، واعتبار كأن الخطأ لم يكن ، في ~~كل سلبياته الذاتية ، وهذا ما يجعل من الأمر بالصبر وكظم الغيظ وسيلة ~~للتهدئة والتبريد الداخلي ، من أجل دفع الإنسان إلى التفكير الهادىء المتزن ~~الذي لا PageV06P271 # يتعامل مع العنف ، بل يتعامل مع الرفق واللين ، ولا يندفع في اتجاه تعقيد ~~المشاكل بل يعمل على حلها مهما أمكن ، ذلك هو السبيل الذي يجعل من العفو ~~حالة واعية واقعية بدلا من أن تكون حالة مزاجية طارئة لا ترتكز على أساس من ~~وعي وفكر وإيمان. # 4 ( @QUR@03 والله يحب المحسنين ) قد تكون هذه صفة رابعة توحي بأن العفو ~~وحده لا يكفي في إزالة النتائج السلبية إزاء الحالة النفسية التي أوجدها ~~الغيظ ، فلا بد من الإحسان لتتحول السلبيات إلى إيجابيات ... وهذا ما يمكن ~~أن تعبر عنه القصة المروية في سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين ~~عليه السلام الذي كانت إحدى جواريه تصب الماء من الإبريق على يده ، فسقط على ~~رأسه ms1219 فشجه فقالت له : ( @QUR@02 والكاظمين الغيظ )، فقال : قد كظمت غيظي ، ~~فأردفت : ( @QUR@03 والعافين عن الناس )، فقال : قد عفوت عنك ، فقالت : ( ~~@QUR@03 والله يحب المحسنين )، فقال : اذهبي فأنت حرة لوجه الله. # 5 أما الصفة الأخيرة فقد حدثنا الله عنها في قوله تعالى : ( @QUR@016 ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ) وهي تتصل بعمق الصلة الروحية بالله ، مما يجعل من ~~الأخطاء الطارئة التي يفعلها الإنسان في معصيته لله ، مجرد حدث عابر لا ~~يمتد في حياته ولا يستمر ، بل يتحول إلى ندم عميق يبعث في النفس حالة ~~الخشوع التي تدفع إلى الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله ، لأن الإصرار ~~على الذنب لا يتناسب مع الإخلاص لله والسير على خطه المستقيم ، فإن معناه ~~الإيحائي يتمثل في اللامبالاة النفسية والعملية برضى الله وغضبه ، مما يعني ~~ضعفا في الإيمان ، ونقصا في الروحية ... وقد أكدت الآية بطريقة الجملة ~~الاعتراضية ، أن الله يغفر الذنوب التي يتوب منها الإنسان ، بينما لا يواجه ~~هذا الإنسان في حياته العامة مثل هذا الفيض السمح من المغفرة لدى الآخرين ~~في ما إذا عاش بعض الأخطاء في حياته العامة أو الخاصة. # والظاهر أن المراد بالفاحشة في الآية مطلق المعصية التي تمثل تجاوز PageV06P272 # الحد الذي يجب على الإنسان أن يقف عنده في علاقته بالله ، ولا تختص بما ~~كان مرتبطا بالعرض ، لأن الآية واردة في ما هو أشمل من ذلك ، كما أن ذلك هو ~~المراد من ظلم الإنسان نفسه ، فإن المعصية تمثل ظلما للنفس في ما تستتبعه ~~من سلبيات في الحياة الدنيا وعقوبات في الآخرة ... # وتشير الآية إلى هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات التي تمثل سعة الأفق ~~ورحابة الصدر وعمق العاطفة الإنسانية ، وعظمة الشعور بالمسؤولية وقوة ~~الإرادة وامتداد الصلة الروحية في علاقتهم بالله وابتعادهم عن الإصرار على ~~المعصية ، وانسجامهم مع الخط العملي للطاعة ( @QUR@07 ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون )؛ ثم تفيض في تصوير الجزاء الأوفى الذي ينالونه عند ~~الله ( @QUR@012 أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ms1220 ) كنتيجة لما قدموه بين أيديهم من أعمال ، ( @QUR@03 ونعم أجر ~~العاملين ). # * * * ### ||| ** من وحي الآيات # ونستوحي من هذه الآيات ، أن عظمة الشخصية الإنسانية هي في امتزاج الجوانب ~~الإنسانية والعملية والروحية ببعضها البعض ، لتمثل التوازن في حركة الشخصية ~~وفاعليتها في الحياة ، بعيدا عن فكرة الجانب الواحد الذي قد يرى فيه بعض ~~الناس مظهرا حيا من مظاهر التقييم ، كما نلاحظ في النماذج التي تتميز ~~بالروحية في العبادة إلى مستوى الفناء والذوبان في محبة الله ، ولكنها ~~تتميز في الجانب السلبي بالقسوة في المعاملة والعلاقة ، أو بالبخل في جانب ~~العطاء ، أو بالانفتاح على المعاصي مع الإصرار ، أو بالانحرافات الاجتماعية ~~في نطاق الكلمة والفعل والأسلوب ... فإن ذلك الارتباك في طبيعة هذه الصفات ~~يدل على وجود خلل في عمق الصفة الواحدة المتميزة وابتعادها عن الأجواء ~~الرحبة الطاهرة ، ذلك كله في نطاق الأوضاع الإسلامية السليمة ... PageV06P273 # وتنتهي الآيات بما بدأت به من الحديث عن الجنة والمغفرة كجزاء على ما ~~قدموا من عمل في سبيل تقويم نفوسهم وتوجيهها إلى الالتزام بالخط الإيماني ~~الذي يتحول إلى معاناة وإحساس وحركة حياة من أجل الأفضل ، لتوحي للإنسان ، ~~بأن المسارعة إلى المغفرة والجنة تبدأ من تربية الذات على الصفات الأصيلة ~~التي تعمق في الإنسان معنى إنسانيته وتحوله إلى عنصر خير تتحرك فيه التقوى ~~لتربطه بالله من جهة ، وبالناس من جهة أخرى من خلال ارتباطه بالله. # * * * PageV06P274 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (137) @QUR@06 هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (138) ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خلت ): مضت. # ( @QUR@01 سنن ): جمع : سنة ، وهي الطريقة المجعولة ليقتدى بها ، ومن ~~ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وجاء في المجمع : أصل السنة ~~الاستمرار في جهة ، يقال : سن الماء إذا صبه حتى يفيض من الإناء ، وسن ~~السكين بالمسن : إذا أمره عليه لتحديده. ومنه السن واحد الأسنان لاستمرارها ~~على منهاج ، والسنان لاستمرار الطعن به ، والسنن : استمرار الطريق (1). # ( @QUR@01 عاقبة ): العاقبة : ما يؤدي إليها السبب المتقدم ، وليس كذلك ~~الآخرة ، لأنه قد كان يمكن أن تجعل هي الأولى في العدة. ms1221 PageV06P275 # ( @QUR@01 موعظة ): الموعظة : ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك بما فيه ~~من الزجر عن القبيح والدعاء إلى الجميل. وقيل : الموعظة هو ما يدعو بالرغبة ~~إلى الحسنة بدلا من السيئة. # * * * ### ||| ** عبر التاريخ في أحداثه وظواهره # في الآية الأولى لفتة قرآنية للتاريخ في كل حوادثه القريبة والبعيدة ، ~~ودعوة للناس إلى دراسة سنن الله في الأرض وقوانينه الحتمية التي تحكم ~~الواقع الإنساني في خطوات التقدم والتأخر ، والعمران والخراب ، والرقي ~~والهبوط ؛ ليأخذوا من ذلك كله العبرة والدرس ، ويعرفوا أن عاقبة التكذيب ~~للأنبياء ، والبعد عن خط الحق والشريعة ، هي الدمار والموت والانهيار ، وأن ~~الحاضر لن يكون أفضل من الماضي في هذا الاتجاه لأن سنن الله لا تتغير. وفي ~~ضوء ذلك ، نعرف أن القرآن الكريم يضع التاريخ في موضعه التربوي الذي يستطيع ~~الإنسان من خلاله أن يعرف الأسس التي كانت ترتكز عليها حركته ، والقوانين ~~الطبيعية التي تحكم أحداثه وظواهره في المجالات الاجتماعية والسياسية ~~والحربية ... ويعرف في نهاية المطاف كيف يتحول الانسجام مع خط الله عبر ~~الإيمان به إلى عنصر حضارة وتقدم وانطلاق ، وكيف يتحرك البعد عنه عبر الكفر ~~والشرك والضلال إلى عنصر تخلف وتأخر وارتباك ... وبذلك لا يعود التاريخ قصة ~~للمتعة واللهو وقتل أوقات الفراغ. # وفي الآية الثانية ، إعلان عن طبيعة الآيات المتقدمة في ما تأمر به وما ~~تنهى عنه ، وما تطرح من مفاهيم ومواعظ وإرشادات وقضايا ، ليعرف الناس أنها ~~واردة من أجل إيضاح الحقيقة وجلاء المفاهيم ، وإنارة الطريق ، وموعظة ~~الغافل التائه وتذكيره ... وقد اعتبرت ذلك كله ، موجها إلى المتقين ، من ~~خلال أن التقوى تدفع الإنسان إلى السعي نحو المعرفة باعتبارها مسئولية ~~فكرية وعملية ، PageV06P276 # وليست ترفا فكريا يمكن للإنسان أن يستغني عنه ، وبذلك يتحول البيان لديه ~~إلى وضوح فكري ، والهدى إلى حركة على الطريق المستقيم ، والموعظة إلى ~~انفتاح على آفاق الله الواسعة في رحاب الحياة ... أما غير المتقين ، فقد ~~أغلقوا عيونهم عن النور ، وأصموا أسماعهم عن كلمات الحق وجمدوا عقولهم عن ~~التحرك في اتجاه الحقيقة. # * * * ### ||| ** نظام كوني إلهي # ( @QUR@05 قد خلت من قبلكم سنن ) مضت في الزمن الماضي ms1222 الذي عاشت فيه أمم ~~متنوعة في خصائصها وأعرافها ولغاتها وألوانها ومواقعها ، في أوضاعها الخاصة ~~والعامة ، وفي صراعاتها المعنوية والمادية ، وفي مواقفها إزاء الرسالات ~~التي جاء بها الأنبياء وحيا من الله ، وتحرك فيها المصلحون في خط الرسالات ~~في تمردها الفكري والعملي عليها ، واضطهادها للرسل ودعاة الصلاح والإصلاح ، ~~فكانت لها في حركة التاريخ في الواقع الإنساني أكثر من سنة إلهية تنفتح على ~~أكثر من قانون عام تخضع له الحياة والإنسان في كل الأحداث التي تحدث في ~~الواقع ، وفي كل التطورات الإنسانية والمتغيرات الحياتية ، وذلك في النظام ~~الكوني والإنساني الذي أقام الله الحياة عليه ، فلا يختلف فيه الحاضر عن ~~الماضي ، ولا ينفصل فيه المستقبل عن الحاضر ، فهناك خط واحد ممتد في الزمان ~~في الوجود الإنساني يتحرك عليه الإنسان ، فهو الذي يضع لنفسه خيرها بإرادته ~~الخيرة ، وهو الذي يضع لها شرها بإرادته الشريرة ، وهو الذي يغير الواقع من ~~خلال تغيير فكره في تصوراته وتطلعاته وخططه للحياة وللحركة وللعلاقة ~~بالإنسان وبالوجود ، لأن الله جعل حركته مظهرا لفكره في مفرداته وأسلوبه ~~وحركته في الواقع ، وهكذا تنطلق الحضارات في عملية النباء والقوة والامتداد ~~والحيوية من خلال الانفتاح على القيم ، وانحدار الإنسان إلى الدرك الأسفل ~~في روحيته PageV06P277 # وحركته وبعده عن الخط المستقيم وقد أشار الله إلى بعض ذلك في قوله : ( ~~@QUR@018 ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا* سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) [الأحزاب : 61 62] ؛ وقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 سنة الله التي قد خلت من قبل ) [الفتح : 23]. # ( @QUR@04 فسيروا في الأرض فانظروا ) أيها المكذبون الضالون المتمردون ~~على الرسالة والرسول ، وانظروا يا أيها الذين تواجهون خياراتكم في السير مع ~~خط الرسالة والالتزام بها وفي الانفصال عنه ، ( @QUR@04 كيف كان عاقبة ~~المكذبين ) الذين كذبوا الرسل ، وأعرضوا عن الرسالات ، فابتعدوا بذلك عن ~~الحصول على مصالحهم الحيوية التي هي سر التشريعات الإيجابية ، والوقوع في ~~المفاسد التي هي سر التشريعات السلبية ، ثم طواهم الزمن من خلال العقوبات ~~التي أنزلها الله بهم أو من خلال البلاء القاسي المتنوع الذي حل بهم ، ~~لتعرفوا أن ms1223 مسألة التكذيب ليست مسألة سلبية في موقع صاحب الرسالة ، بل هي ~~كذلك في حياة المكذب نفسه لما يخسره من الخير ويقع فيه من الشر. # ( @QUR@01 هذا ) النداء الإلهي الصادر من موقع الرحمة الواسعة واللطف ~~العميم والفضل العظيم من أجل أن يدعوكم إلى ما يحييكم ويحقق لكم النتائج ~~الكبيرة في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@02 بيان للناس ) ليملكوا وضوح الرؤية ~~للمسؤولية ، ( @QUR@01 وهدى ) يهتدون به إلى الصراط المستقيم ، ( @QUR@01 ~~وموعظة ) تلين قلوبهم وتفتحها وتلطف مشاعرهم وأحاسيسهم ، وتوجه خطواتهم إلى ~~الطريق السوي ، ( @QUR@01 للمتقين ) الذين يخافون مقام ربهم ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله. # * * * PageV06P278 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) ~~@QUR@024 إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~(140) @QUR@06 وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) @QUR@013 أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ~~(142) @QUR@012 ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون ) (143) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ولا تهنوا ): لا تضعفوا ، والوهن : الضعف القلبي والروحي ~~والانسحاق الداخلي. وقد مر. # ( @QUR@01 قرح ): أثر الإصابة بجراح. والقرح كما يقول الراغب الأثر من ~~الجراحة من شيء يصيبه من خارج (1). PageV06P279 # ( @QUR@01 الأيام ): الدول والظفر والسلطنة والقهر ، على نحو الكناية ، ~~قال الإمام علي عليه السلام : «الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك» (1). ~~واليوم كما يقول صاحب الميزان هو المقدار المعتد به من الزمان اللازم لحدوث ~~الحوادث ، فيختلف باختلاف الحوادث. وقد شاع استعماله في ما بين طلوع الشمس ~~وغروبها ، وربما استعمل في الملك ، والسلطنة ، والقهر ، ونحوها بعلاقة ~~الظروف والمظروف (2). # ( @QUR@01 نداولها ): نصرفها ونداورها ونحولها. ودال يدول دولا : دار ، ~~ودالت الأيام : دارت وتحولت من قوم إلى آخرين. والمعنى : نصرفها مرة لفرقة ~~ومرة عليها. ومداولة الأيام تعاقب الشدة والرخاء ، والهزيمة والنصر ، ~~والضراء والسراء. # ( @QUR@01 شهداء ): جمع : شهيد من الشهادة بمعنى القتل في سبيل الله ، ~~في إشارة إلى من قتل من المسلمين في معركة أحد ، لأنهم كما قيل بذلوا الروح ~~عند شهود الواقعة ولم يفروا ؛ أو جمع : شاهد ، والمراد ms1224 به الشاهد على الناس ~~في ما يقومون به من الأعمال السيئة والحسنة من خلال رؤيته وموقعه القيادي ، ~~الذي يتيح له هذا الموقع المميز الذي ينفصل به عن الناس الذين يعيشون ~~التجربة الواقعية العملية. وبهذا كانت هذه التسمية لمشاهدتهم الأعمال التي ~~يشهدون بها. # ( @QUR@01 وليمحص ): ليخلص ما في قلوبكم من نقاط الضعف والعيوب ، ~~والتمحيص : التطهير والتصفية وتخليص الشيء من الشوائب ، وأصل المحص كما ~~يقول الراغب : تخليص الشيء مما فيه من عيب ... يقال : محصت الذهب ومحصته ~~إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث (3). والتمحيص يكون في القلوب والنفوس كما ~~يكون في الصفوف. PageV06P280 # ( @QUR@01 ويمحق ): يبطل وينقص ويهلك. والمحق : إنفاد الشيء تدريجيا ~~وإزالته شيئا فشيئا ، والمحق كما يقول الراغب : النقصان ، ومنه : المحاق ~~لآخر الشهر (1). والمحق يكون في النفوس كما يكون في الصفوف. # ( @QUR@01 تمنون ): من التمني. قال في المجمع : الفرق بين التمني ~~والإرادة ، أن الإرادة من أفعال القلوب ، والتمني قول القائل ليت كان كذا. ~~وقيل : إن التمني معنى في القلب يطابق هذا القول ، والصحيح هو الأول (2). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : «قيل : نزلت الآية تسلية للمؤمنين لما نالهم يوم ~~أحد من القتل والجراح ، عن الزهري وقتادة وابن أبي نجيح. وقيل : لما انهزم ~~المسلمون في الشعب ، وأقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين يريد أن يعلو ~~عليهم الجبل ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم لا يعلن علينا ، ~~اللهم لا قوة لنا إلا بك ، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة إلا هؤلاء النفر ، ~~فأنزل الله تعالى الآية ، وتاب نفر رماة (3) فصعدوا الجبل ورموا خيل ~~المشركين حتى هزموهم ، وعلا المسلمون الجبل ، فذلك قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~وأنتم الأعلون )، عن ابن عباس. وقيل : نزلت الآية بعد يوم أحد حين أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بطلب القوم ، وقد أصابهم من الجراح ~~ما أصابهم ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس ، ~~فاشتد ذلك على المسلمين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، عن الكلبي ، ودليله ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 ولا تهنوا ) في ابتغاء القوم ، الآية» (4). PageV06P281 # وقال ms1225 راشد بن سعد : لما انصرف رسول الله كئيبا حزينا يوم أحد ، جعلت ~~المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين وهي تلدم (1). فقال رسول الله : أهكذا ~~يفعل برسولك؟ فأنزل الله تعالى : ( @QUR@03 إن يمسسكم قرح ) الآية (2). ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما أبطأ على النساء الخبر ، خرجن ~~يستخبرن ، فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير ، فقالت امرأة من ~~الأنصار : من هذان؟ قالوا : فلان وفلان. أخوها وزوجها ، أو زوجها وابنها ، ~~فقالت : ما فعل رسول الله؟ قالوا : حي ، قالت : فلا أبالي ، يتخذ الله من ~~عباده الشهداء. ونزل القرآن على ما قالت : ( @QUR@03 ويتخذ منكم شهداء ) ( 3). # وقد أشرنا في أكثر من ملاحظة حول أسباب النزول ، أنها قد تكون اجتهادا من ~~رواتها ، كما أن الغالب منها غير نقي السند ، وغير واضح الحجية ، ولعل هذه ~~الروايات من أمثال تلك ، لأننا نتحفظ حول انفعال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو العارف بسنن الله في قضايا الهزيمة والنصر وحكمة ~~الله في ابتلاء المؤمنين ومدى المصلحة في ذلك لمجرد سماعه امرأة تلدم ، ~~ليقول مناجيا ربه أهكذا يفعل برسولك ، وهكذا نلاحظ على نزول القرآن على ما ~~قالت المرأة ، والله العالم. # * * * ### ||| ** وقفة نقد وتقويم # وتعود السورة من جديد إلى معركة أحد في وقفة نقد وتقويم لمواقف المسلمين ~~فيها ، فقد أدت الهزيمة في هذه المعركة إلى حالة شديدة في داخل PageV06P282 # الذات الإسلامية من الشعور بالوهن والضعف والحزن ، في تساؤل نفسي عنيف ، ~~كيف حدث كل هذا ، ولماذا؟ ... ويواجه القرآن هذا كله بالرفض لهذه الحالة في ~~موقف المؤمنين : ( @QUR@06 ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون )، لأن ~~الوهن والحزن يعبران عن انسحاق داخلي أمام الهزيمة ، في انطواء روحي يسقط ~~معه الشعور بالكرامة والإحساس بالعزة. إن الله يستثير في المؤمنين انطلاقة ~~الإيمان ودلالاته في موقع المؤمن من الحياة ، فهو الأعلى بالمقياس الحقيقي ~~للأشياء ، لأن ارتباطه بالله يشعره بالقوة العليا ، وانطلاقه من قاعدة ~~الإيمان يوحي له بالفكرة العليا ، وتحركه في خدمة الحياة يشده إلى الأعلى ~~في أهداف الحركة ... وبذلك يتحول الإيمان إلى عنصر قوة يدفعه إلى الاستعلاء ms1226 ~~على كل عوامل الضعف والخوف والحزن ليدعوه إلى الإحساس بالقوة والفرح الروحي ~~بالألم والتضحية في طريق الجهاد. # ولعل من الواضح ، أن الآية الكريمة لا تريد أن توحي للمؤمنين بالموقع ~~الأعلى في عملية استعلاء للذات على الآخرين لتصب في مجرى الأنانية الذاتية ~~، بل كل ما تريده في ما نستوحيه منها هو الاستعلاء الروحي والرسالي على قوى ~~الكفر والظلم والطغيان ، وذلك من خلال ما تعطيه كلمة ( @QUR@03 إن كنتم ~~مؤمنين ) من مفاهيم وأحاسيس وإيحاءات. # ثم تلتفت إليهم في أسلوب واقعي يريد للقضية أن تعيش في نطاق أسبابها ~~الطبيعية التي أخضع الله لها كل ما في الظواهر الكونية والإنسانية ، فإن ~~قضية النصر والهزيمة في حياة الأفراد والجماعات لا ترتبط بالجانب الغيبي ~~للحياة ليواجه الإنسان قضاياها من هذا الموقع ، فيدفعه ذلك إلى الشك في ~~منطلقات الإيمان وخطواته ، بل ترتبط بالجانب الواقعي للأشياء ؛ فإذا أخذ ~~الناس بأسباب النصر فإنهم سينتصرون وإن كانوا كافرين ، وإذا تركوها انهزموا ~~وإن كانوا مؤمنين ، لأن الله لا يريد أن يحارب بالنيابة عن المؤمنين ، بل ~~يريدهم أن يأخذوا بسننه ، ويسيروا على حسب قوانينه ، فينطلقوا إلى ساحات ~~الصراع من موقف الوعي للساحات ومتطلباتها المادية والمعنوية ... ولا مانع ~~من اقتضاء حكمة الله PageV06P283 # أن يتدخل في الحالات الصعبة التي تمثل فيها الهزيمة حالة انهيار للإسلام ~~وللمسلمين كما حدث ذلك في معركة بدر ولكنها حالات طارئة لا تصل إلى مستوى ~~القاعدة العامة الثابتة. # وهكذا خاطب الله المسلمين بعد أن نهاهم عن الحزن والوهن ودعاهم إلى ~~الشعور بالعلو في خط الإيمان ، ووضعهم في واجهة الصورة ؛ وذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) فإذا كان ~~المسلمون قد انهزموا في المعركة في أحد وأصابهم القرح فقد أصاب الكافرين ~~مثل ذلك في بدر ، فليست الهزيمة حالة ثابتة للمهزومين في بعض المعارك ، ~~وليس النصر قانونا حتميا دائما في حياة المنتصرين في حالات النصر ؛ فقد ~~ينتصر المهزوم في معركة جديدة ، وقد ينهزم المنتصر ، ( @QUR@05 وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس ) فقد تكون القوة لفريق من الناس في ما هيأ ms1227 الله لهم من ~~أسباب القوة ، وقد تتبدل الحال فتكون القوة في الجانب الآخر والضعف في جانب ~~الأقوياء ، تلك هي سنة الله في الأرض التي تدفع الحياة إلى خط التوازن ، ~~فلا ييأس المهزوم من النصر فيظل يلاحق التجربة الحية التي تقود إليه ، ولا ~~يطغى المنتصر بانتصاره ويستسلم لنتائجه ، بل يبقى في هاجس الهزيمة المرتقبة ~~فيحافظ من خلال ذلك على مواجهة المستقبل بروح متوازنة ... وفي ذلك كله ~~تتجدد الحياة وتنمو وتتكامل فرصها وتتوازن حركاتها ويتحرك خط الصراع في ~~اتجاه سليم. # * * * ### ||| ** أسلوب قرآني مميز # ( @QUR@04 وليعلم الله الذين آمنوا ) فإن المواقف الصعبة التي يواجه فيها ~~الناس الهزائم قد تزلزل النفوس وتدفع بعض المؤمنين إلى الريبة والشك ~~والتراجع ، وتزيد المؤمنين الآخرين ثباتا وقوة وتحفزا وتصميما على مواجهة ~~التحديات ، PageV06P284 # وبذلك ينكشف الإيمان المزيف من الإيمان الخالص الصحيح الثابت ؛ فإن حالات ~~الرخاء والأمن والدعة تجمع في داخلها كل النماذج الخيرة والشريرة ، لأن ~~الجو لا يفرض عملية الفرز الاجتماعي الإيماني ما دامت الفرصة تحتوي الجميع ~~وتستوعبهم من دون سلبيات ... # وقد يوحي هذا التعبير بأن التجربة تستهدف علم الله بالمؤمنين ، فهل يحتاج ~~الله في علمه بالأشياء إلى وسيلة للعلم مما يحتاجه الإنسان في ذلك؟! تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. فما معنى ذلك إذا؟! الظاهر أن هذا أسلوب قرآني ~~مميز يستعمل الأفعال المنسوبة إلى الله بالطريقة التي تنسب إلى الإنسان من ~~أجل التأكيد على ارتباط النتيجة بالمقدمات في طبيعة الأشياء ؛ وإن اختلفت ~~في طريقة نسبتها إلى الله الذي يعلم الأشياء قبل حصولها ، ونسبتها إلى ~~الإنسان الذي يحتاج إلى الوسيلة التي تؤدي إلى العلم ... # وهذا أسلوب جرى عليه القرآن في طريقة المحاكاة في الموارد التي لا يحمل ~~فيها الفعل طبيعة المعنى الذي أطلق عليه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@09 ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) [البقرة : 194] ؛ مع ~~أن انتصار الإنسان لنفسه لا يعتبر اعتداء ، ولكن المشاكلة لا تخلو من ~~المناسبة التي تعطي الفكرة بتناسب الفعل مع رد الفعل. وعلى ضوء ذلك يكون ~~المقصود : ليظهر الله الذين آمنوا من ms1228 خلال التجربة. فالقضية قضية تعبيرية ~~فنية ولا صلة لها بالمضمون ، فلا حاجة إلى ما ذكره صاحب مجمع البيان في ~~تفسيره ، قال : «... وإذا كان الله تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان ، كما ~~يعلمهم بعده ، فإنما يعلم قبل الإظهار أنهم سيميزون ، فإذا أظهروه علمهم ~~متميزين ، ويكون التغير حاصلا في المعلوم لا في العالم ، كما أن أحدنا يعلم ~~الغد قبل مجيئه ، على معنى أنه سيجيء ، فإذا جاء علمه جائيا ، وعلمه يوما ~~لا غدا ، فإذا انقضى فإنما يعلمه الأمس لا يوما ولا غدا ، ويكون التغير ~~واقعا في المعلوم لا في العالم» (1). PageV06P285 # ( @QUR@03 ويتخذ منكم شهداء ) الظاهر أن المراد منه جمع الشاهد ، لا جمع ~~الشهيد كما ذكره صاحب تفسير الكشاف (1) وقد تكرر في القرآن الحديث عن أن ~~الله جعل هذه الأمة في موضع الشهادة على الناس : ( @QUR@012 وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [البقرة : ~~143] ؛ أما علاقة ذلك بالمعركة التجربة الامتحان ، فهي تعميق الإيمان ~~وتصفيته وتنميته في نفس الإنسان المؤمن ، مما يجعله في مستوى الشهادة التي ~~تحتاج إلى عمق وصفاء وامتداد في الإيمان ... # وربما تنطلق التجربة الصعبة التي تتنوع فيها المشاكل وتتكرر فيها الحلول ~~وتشتد فيها المعاناة ، لتعمل بأجمعها على صنع الإنسان القيادي ، والمؤمن ~~الصلب الواعي المتحدي الفاعل ، لأن مسألة القيادة ليست مسألة متصلة بالجانب ~~الفكري للإنسان ، بل هي إلى جانب ذلك مسألة مرتبطة بالتجربة الحية التي ~~تتحرك في وعي الإنسان في ساحة المعاناة ومواقع الصراع ، وهذا واقع دور ~~الشهادة الذي يطل بالإنسان على واقع الأمة ليرصد كل حركتها الإيجابية أو ~~السلبية في خط الاستقامة أو الانحراف من خلال وعيه الحركي للجانبين معا ، ~~ومعاناته في الإصرار على الموقف الحق في صراع الحق والباطل. # وفي ضوء هذا ، قد نجد معنى الشاهد في الشهادة أقرب من معنى الشهيد ، لا ~~سيما أن الله قد حدثنا في القرآن في أكثر من آية عن الشهداء على الناس ، من ~~دون أن يتحدث عن الشهيد بهذا التعبير في آية واحدة ، بل لم يعهد استعماله ~~في القرآن ، وإنما هو من الألفاظ ms1229 المستحدثة الإسلامية كما يقول صاحب ~~الميزان مع ملاحظة أخرى ، وهي أن كلمة ( @QUR@01 ويتخذ ) لا تتناسب مع ~~الشهداء بمعنى قتلى المعركة. فقد لا يكون من المألوف أن يقال اتخذ الله ~~فلانا مقتولا في سبيله أو شهيدا كما يقال : اتخذ الله إبراهيم خليلا ، أو ~~اتخذ الله PageV06P286 # موسى كليما ، ومحمدا شهيدا يشهد على أمته يوم القيامة (1)، لأن التعبير ~~على الظاهر يناسب المعنى الذي يمنح صاحبه خصوصية له كالخليل والكليم ~~والحبيب ، وهذا لا ينسجم مع المعنى المذكور ، والله العالم. # ( @QUR@04 والله لا يحب الظالمين ) الذي ظلموا أنفسهم بالانحراف عن الحق ~~والتراجع عن الطريق السوي ، ( @QUR@04 وليمحص الله الذين آمنوا ) ويختبرهم ~~بما يبتليهم به ، ويقودهم إلى المواقف السليمة الثابتة ، وذلك من خلال أن ~~الابتلاء المنفتح على التجربة المتنوعة الأبعاد المتعددة الجوانب ، يمنح ~~الإنسان المؤمن وعيا جديدا صافيا بحيث تتغير نظرته إلى الأشياء وفهمه ~~للأمور لمصلحة تغيير الذهنية العامة ، والسلوك الأخلاقي ، والقيمة العملية ~~، فتتحول نقاط الضعف إلى قوة ، والجوانب السلبية إلى جوانب إيجابية ، فتزول ~~كل الشوائب التي تبتعد بالإنسان عن صفاء الحق ونقاء الحقيقة. # ( @QUR@02 ويمحق الكافرين ) وذلك بتوجيه الضربات المتتالية إليهم ، ~~وتتابع الفرص أمام المؤمنين في الاندفاع مرة بعد أخرى ، وذلك من دون فرق ~~بين المحق الفردي والجماعي تبعا للأسباب الحادثة في الواقع الذي يعيشه ~~الكافرون ، حتى يستقيم الأمر للخط الصحيح في نهاية المطاف. # * * * ### ||| ** الجنة ليست منحة مجانية للكسالى # ( @QUR@013 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين ) كان حديث الآيات الثلاث السابقة ، هو حديث التجربة الحية ~~في المعركة وكيف يمكن الاستفادة منها بالتخفيف من سلبياتها ومضاعفة ~~إيجابياتها ، ودراسة أهدافها القريبة والبعيدة ؛ أما في الآيتين الأخيرتين ~~، فنلاحظ أن الحديث يتخذ بعدا آخر ، وهو مواجهة المؤمنين في الآية الأولى ~~بالميزان الإسلامي PageV06P287 # للدخول إلى الجنة ، وهو العمل الصالح المتحرك في خط الصبر والجهاد الذي ~~يعبر عن نفسه في الممارسات الصعبة التي يخوضها المجاهدون والصابرون الذين ~~يضعون حياتهم في كفة الميزان ، وإيمانهم وعقيدتهم في الكفة الأخرى ، فترجح ~~كفة الإيمان والعقيدة على كفة الحياة ، فيقدمون حياتهم ضحية على ms1230 مذبح ~~إيمانهم وعقيدتهم ، فليست الجنة منحة مجانية يمنحها الله للكسالى الذين ~~يقضون أيامهم في استرخاء نظري كسول ، يمارسون فيه ترف الفكر وغيبوبة الروح ~~في أجواء الفراغ ، ثم يبدءون بالتنديد بالطلائع المجاهدة التي تقف في مواقع ~~الخطر في خط الجهاد ، ليحطموا معنوياتهم ويهدموا روحهم بالأساليب المتلونة ~~الخبيثة. فمن أراد الجنة ، فلا بد من أن يسعى نحوها بوسائلها التي يقف ~~الجهاد في طليعتها ليقود الإنسان إلى جنة الله ، كما تزف العروس إلى زوجها ~~في ليلة العرس. # وفي هذا الجو ، لا بد للإنسان المؤمن الذي يفكر بالجنة من أن يطلبها في ~~حركة الواقع الصعب ، وفي ساحات الجهاد المر ، لا في ساحات المساجد ~~ومحاريبها فحسب ؛ حتى المسجد كان في أيام الإسلام الأولى منطلقا لصيحات ~~الجهاد التي تختلط بآذان الصلاة لتأكيد أنهما ينطلقان من قاعدة واحدة ، وهي ~~الإخلاص في مواقف العبودية الخالصة ؛ ولكن المد الإسلامي قد انحسر عن ~~الحياة عند ما ابتعد المسلمون عن الجهاد. # وتتحرك الآية الثانية في خط التحدي للتمنيات السابقة على المعركة التي ~~كان المؤمنون يعيشونها في داخل أنفسهم : ( @QUR@08 ولقد كنتم تمنون الموت ~~من قبل أن تلقوه ). فقد كانوا يتمنون الموت قتلا في سبيل الله ليحصلوا على ~~جنته ورضوانه مما كان القرآن يحدثهم عما أعد الله للمجاهدين من فضل وكرامة ~~وسعادة في الدار الآخرة عنده ، ولكن التمنيات كانت تعيش في الفراغ خارج ~~نطاق التجربة الصعبة ، فلم يكن هناك معارك تفرض نفسها على الساحة ، ولا ~~اضطهاد وتشريد ومواجهة أخطار ، كما هي حالة الكثيرين منا عند ما يقفون خلف PageV06P288 # المنابر فيهزونها بخطاباتهم الحماسية ، وأساليبهم البلاغية ، ودعوتهم ~~للموت في سبيل الله ... # وجاءت التجربة في معركة أحد ، وكان الموت يركض في هذا الموقع ، ويقف في ~~ذلك ، ويرفرف على رأس هذا ، ويتحرك حركة صاعدة وهابطة في هذا الاتجاه أو ~~ذاك ؛ وبدأ التردد والقلق ، وانطلقت نقاط الضعف في حركة التفاف حول أحلام ~~الإنسان ونوازعه الذاتية ، وجاء القرآن ليخاطب هؤلاء ويخاطبنا من خلالهم ~~ويؤكد أن الأمنية قد تجسدت في الموقف ، فها هو الموت أمامكم ، حدقوا به كيف ~~يتحرك في ms1231 خط الشهادة ، ( @QUR@04 فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) لقد رأيتموه ، ~~فكيف تواجهون الموقف؟! ويسود الصمت فلا تتحدث الآية عن التفاصيل ، ولكنها ~~تترك للمؤمن أن يفكر ليمتد تفكيره في اتجاه المسؤولية التي تقف في الخط ~~الفاصل بين الدنيا والآخرة. # * * * PageV06P289 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ) (144) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 محمد ): قال في المجمع : محمد أخذ من الحمد ، والتحميد فوق ~~الحمد ، فمعناه: المستغرق لجميع المحامد ، لأن التحميد لا يستوجبه إلا ~~المستولي على الأمر في الكمال ، فأكرم الله عز اسمه نبيه وحبيبه ~~صلى الله عليه وآله وسلم باسمين مشتقين من اسمه تعالى : محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأحمد ، وإليه أشار حسان بن ثابت في قوله : # ألم تر أن الله أرسل عبده %~% برهانه والله أعلى وأمجد وشق له من اسمه ليجله %~% فذم العرش محمود وهذا محمد (1) # ( @QUR@01 انقلبتم ): أي رجعتم إلى الوراء ، والمقصود ، هنا رجعتم كفارا بعد PageV06P290 # إيمانكم ، وهي واردة على سبيل الاستفهام الإنكاري ؛ فإن محمدا ليس معبودا ~~لترجعوا إلى الكفر بعد غيابه ، بل الله هو المعبود الذي أرسل رسوله برسالته ~~، فلا بد لكم من البقاء على منهاج هذه الرسالة بعد غياب الرسول. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج ابن منذر عن عمر قال : تفرقنا عن رسول الله يوم أحد ، فصعدت الجبل ، ~~فسمعت اليهود تقول : قتل محمد ، فقلت : لا أسمع أحدا يقول قتل محمد إلا ~~ضربت عنقه ، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس يتراجعون ~~فنزلت هذه الآية : ( @QUR@027 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين ) الآية. # ونلاحظ أن هذه الرواية لا تنسجم مع مضمون الآية ، لأنها ليست واردة في ~~مقام الزجر عن اعتقاد موت محمد ، بل هي واردة في مقام نهي المسلمين عن ~~الكفر بعد موته ، لأن إسلامهم لم يكن مرتبطا بالنبي بشخصه ، بل كان مرتبطا ms1232 ~~بالله ورسالته التي أنزلها على رسوله. # وجاء في المجمع : «قال أهل التفسير : سبب نزول هذه الآية أنه لما أرجف ~~بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل يوم أحد وأشيع ذلك ، قال أناس : لو ~~كان نبيا لما قتل ، وقال آخرون : نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به ، ~~وارتد بعضهم وانهزم بعضهم. وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة ~~لمكانهم من الشعب ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاهم عن الإخلال ~~به ، وأمر عبد الله بن جبير ، وهو أخو خوات بن جبير على الرماة ، وهم خمسون ~~رجلا ، وقال : لا تبرحوا مكانكم ، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم. # وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بن PageV06P291 # أبي جهل ، ومعهم النساء يضربن بالدفوف وينشدن الأشعار. ثم حمل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم ، وقتل علي بن أبي طالب ~~عليه السلام أصحاب اللواء ، كما تقدم بيانه ، وأنزل الله نصرته على المسلمين ~~... فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ، ورأوا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ينتهبون الغنيمة ، أقبلوا يريدون النهب ~~واختلفوا ، فقال بعضهم : لا تتركوا أمر الرسول ، وقال بعضهم : ما بقي من ~~الأمر شيء ، ثم انطلق عامتهم ولحقوا بالعسكر. # فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ، ورأى ~~ظهورهم خالية ، صاح في خيله من المشركين ، وحمل على أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم ، ورمى عبد الله بن قيمة ~~الحارثي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحجر وكسر أنفه وراعيته ، وشجه في ~~وجهه ، فأثقله وتفرق عنه أصحابه ، وأقبل يريد قتله ، فذب مصعب بن عمير وهو ~~صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ويوم أحد وكان اسم رايته ~~العقاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قتل مصعب بن عمير ، قتله ابن ~~قمية ، فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : إني ~~قتلت محمدا ، وصاح ms1233 صائح : ألا إن محمدا قد قتل ، ويقال : إن ذلك الصائح كان ~~إبليس لعنه الله ، فانكف الناس ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ~~الناس ويقول : إلي عباد الله ، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا ، فحموه حتى كشفوا ~~عنه المشركين ... # وفشا في الناس أن رسول الله قد قتل ، فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولا ~~إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، وبعضهم جلسوا وألقوا ~~بأيديهم ، فقال أناس من أهل النفاق : إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم ~~الأول ، فقال أنس بن نضر عم أنس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فرب ~~محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وموتوا على ما ~~مات عليه. ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين ~~وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ، ثم إن PageV06P292 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ، فأول ~~من عرف رسول الله كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، ~~فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ، أبشروا فهذا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فأشار إلى أن اسكت ، فانحازت إليه طائفة من أصحابه ~~فلامهم النبي على الفرار ، فقالوا : يا رسول الله ، فديناك بآبائنا ~~وأمهاتنا ، أتانا الخبر بأنك قتلت ، فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين ، فأنزل ~~الله تعالى : ( @QUR@04 وما محمد إلا رسول ) الآية (1). # * * * ### ||| ** الرسالة أصل والقيادات حملتها # في هذه الآية تأكيد قرآني على أحد المبادئ الإسلامية الإيمانية ، وهو أن ~~غياب القيادة ، مهما كانت عظيمة ، لا يوقف المسيرة ولا يلغي الرسالة المبدأ ~~، لأن عظمة القائد في حساب الرسالات لا تجمدها عند حدود حياته لتنتهي ~~بانتهاء حياته ، بل تمثل بدلا من ذلك خطوة أولى نحو الانطلاقة المستمرة في ~~الدرب الطويل ، ومرحلة متقدمة من مراحل العمل ، ثم تتبع الخطوة خطوات على ~~الطريق ، وتنطلق ms1234 المراحل الجديدة على درب المرحلة القديمة ... فالرسالة هي ~~الأصل والقاعدة ، والقيادات المتتابعة تمثل دور الحملة لها ، فقيمتهم ~~بمقدار ما يقدمون لها من خدمات وتضحيات ، وعظمتهم بقدر ما يواجهونه من ~~مواقف الصدق والإخلاص ، الأمر الذي يلغي من المسيرة عبادة الشخصية التي ~~توحي بأن الشخص هو الأساس والرسالة شأن من شؤونه وميزة من ميزاته ، وليس ~~الأمر بالعكس ، كما هو منطق الرسالات. ولهذا كان القرآن حاسما في معركة أحد ~~عند ما تعرضت حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للخطر ، وظن بعض الناس أنه ~~قد مات ، وصاح بعضهم : إن محمدا قد قتل ، وحدثت البلبلة PageV06P293 # والارتباك وانكفأ الناس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما بقي معه ~~إلا قليل ، وقال البعض : ليتنا نجد من يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان ، وقال ~~آخرون : لو كان محمد نبيا لم يقتل ، ألحقوا بدينكم الأول ، كما يروي ~~المؤرخون ذلك وغيره ، في الخط السلبي للقضية. أما في الخط الإيجابي الذي ~~يمثل الثبات على الإسلام حتى في غياب الرسول القائد ، فتمثله لنا القصة ~~التي ينقلها الطبري في تفسيره : «أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من ~~الأنصار وهو يتشحط في دمه (1)، فقال : يا فلان ، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ ~~فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم» (2). وفي ~~رواية أخرى يرويها الطبري أيضا أن أنس بن النضر مر بعمر بن الخطاب وطلحة بن ~~عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم فقال أنس : ~~«ما يجلسكم؟ قالوا : قد قتل محمد رسول الله. قال : وما تصنعون بالحياة ~~بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله. واستقبل القوم فقاتل حتى ~~قتل» (3). # * * * ### ||| ** الارتباط بالرسالة لا بالشخص # وهكذا نجد القاعدة الإسلامية التي تربط الإنسان المؤمن بالرسالة ولا ~~تربطه بالشخص إلا من خلال الرسالة ، فلا تموت الرسالة بموته ممثلة في بعض ~~النماذج المؤمنة في ذلك الوقت. # وقد وقف القرآن الكريم موقفا حاسما كما أشرنا إلى ذلك وأكد أن الرسول ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أحد ms1235 رسل الله ، الذي جاء على فترة من الزمن ، وجاهد PageV06P294 # في سبيل تبليغ هذه الرسالة حتى يربط الناس بالله من خلالها ؛ فإذا مات ~~ميتة طبيعية ، أو قتل في أية معركة من معارك الجهاد ، كان على الرسالة أن ~~تستمر ، وعلى الناس المؤمنين بها أن يستمروا معها ، ولا يجوز لهم أن ~~ينقلبوا على أعقابهم فيكفروا أو ينحرفوا عن الخط ؛ لأنهم لم يرتبطوا ~~بالرسول كشخص ، بل ارتبطوا بالله ورسالاته من خلاله ، وذلك هو قوله تعالى : ~~( @QUR@04 وما محمد إلا رسول ) من رسل الله الذين أرسلهم الله إلى الناس ~~ليبلغوهم رسالاته ، لينطلقوا في خطها المستقيم في خط العقيدة والالتزام ، ( ~~@QUR@05 قد خلت من قبله الرسل ) فقد مضت الرسل من قبله وقاموا بمسؤولياتهم ~~الرسالية خير قيام ، وماتوا وقتل بعضهم ، وسيموت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~أو يقتل كما ماتت الرسل أو قتلت من قبله واستمرت الرسالات من بعدهم ولم ~~تتجمد عندهم ، ( @QUR@04 أفإن مات أو قتل ) من خلال سنة الله في عباده ، ( ~~@QUR@03 انقلبتم على أعقابكم ) وتراجعتم عن الالتزام بالرسالة التي هي ~~التجسيد الحي لارتباط المؤمن بالله من خلال الارتباط برسالته ، كمن يرجع ~~القهقرى في عملية تراجعية قبيحة ، في الوقت الذي كان يجب عليه مواصلة حركة ~~السير في عملية تقدم إلى الأمام ، لا سيما إذا كان الخط يمثل الامتداد في ~~انفتاح الإنسان على الحق في امتداد المستقبل في واقع الحياة الإنسانية ، ( ~~@QUR@04 ومن ينقلب على عقبيه ) فيرتد عن دينه ويعود إلى الكفر ، ( @QUR@04 ~~فلن يضر الله شيئا ) لأن الله غني عن عباده ، فلا ينفعه إيمان من آمن ولا ~~يضره كفر من كفر من ناحية الذات ، فهو الذي خلقهم من دون حاجة ، وهو القادر ~~على إزالتهم من دون نقص ، ولكنهم هم الذين يقعون في الضرر ويسقطون في هوة ~~الهلاك. # ثم يصعد الموقف الذي يؤكد المبدأ ، وهكذا قررت الآية أن الذي ينقلب على ~~عقبيه بعد موت الرسول بأن يكفر أو ينحرف عن الحق الذي بلغه الرسول وأوصى به ~~، سوف يضر نفسه لأنه يسير بها في طريق الهلاك والدمار ، ولن يضر الله شيئا ~~، لأن ms1236 رسالات الله لا تتوقف أو تتجمد عند كفر كافر أو انحراف منحرف مهما ~~كان دوره ، ومهما كانت درجته وطبقته ، فإن المسيرة تبقى وتتقدم ، وأما ~~الأشخاص فزائلون. ثم انعطفت الآية إلى السائرين على خط الحق ، فاعتبرت PageV06P295 # ذلك شكرا لله كما يجب أن يشكر ، وهو ما يمثله الشكر العملي الذي يتحول ~~إلى موقف للعمل ، ولا يظل مجرد كلمة تتحرك في الشفاه ، ووعدت هؤلاء بأن ~~الله سيجزيهم على ذلك جزاء موفورا ( @QUR@03 وسيجزي الله الشاكرين ). # * * * ### ||| ** رفض الاستغراق الذاتي في الشخصية القيادية # إن هذه الآية تؤكد الرفض الإسلامي لفكرة عبادة الشخصية بالاستغراق في ~~ذاتياتها ، بحيث يكون وجوده هو كل شيء في القضية ، وذلك من خلال ذهنية ~~التقديس للفرد التي تندفع في استيحاء العظمة للقائد بالدرجة التي تتوقف ~~فيها عنده وتنسى خط القيادة ، وتذوب في الرسول وتبتعد عن الرسالة ؛ فكأن ~~الرسالة شأن من شؤونه الخاصة لتكون العلاقة بها من خلال العلاقة به ، وليس ~~العكس ، بحيث يكون الارتباط به من خلالها ، كما نلاحظه في التأكيد القرآني ~~على صفة الرسولية في الحديث عنه لتكون الصفة حاضرة في الوجدان الديني في ~~حضور اسمه في الوعي الداخلي والالتزام العملي. # إننا لا نريد في هذا المجال أن نفصل بين شخصية الرسول وحركة الرسالة ~~لنتصور وجود فاصل خارجي بينها وبينه ، لأن عظمة الرسول الذي اصطفاه الله من ~~بين خلقه ، في أنه يجسد الرسالة في كل وجوده في ملكاته وأخلاقه واستقامته ~~وإخلاصه لله ، فهو رسالة تتحرك فيراها الناس في سيرته ، وهذا ما جاء في ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلام بعض زوجاته : «كان خلقه ~~القرآن». # ولكننا نريد من هذا الحديث أن نؤكد على عدم الاستغراق الذاتي في شخصية ~~الرسول ، لنحبه كما نحب أي إنسان من حيث خصوصيته الذاتية ، بل نعمل على ~~الارتباط به من حيث هو رسول الله الذي يحمل الرسالة في حياته وجودا متجسدا ~~، كما يحملها في عقله ولسانه دعوة إلى الله ؛ فنبتعد عن عبادة PageV06P296 # الشخصية فيه إلى عبادة الله من خلال رسالته ، ومن خلال كونه مظهرا لقدرة ms1237 ~~الله في خلق الإنسان الذي يملك أعلى صفات الكمال في شخصيته بما أفاض الله ~~عليه من ألطافه الربوبية. # ولعل مما يسير في هذا الاتجاه في حركة الدعوة إلى الإسلام ، الكلمات التي ~~يطلقها البعض عند غياب بعض العلماء العاملين عن الساحة وانتقاله إلى جوار ~~ربه ، بأن الإسلام قد مات بموته ، وأن المسيرة ستتوقف ، أو ما يقوله البعض ~~أمام دور بعض القادة الكبار الذين يمثلون القمة في المرحلة الجهادية التي ~~تمر بها الأمة ، بأن غيابه يمثل نكسة خطيرة للعمل الإسلامي الكبير الذي ~~يتحمل مسئولية قيادته ... فإننا نعتقد بوحي الآية أن هذه الكلمات تفتقد ~~الدقة والوعي والمسؤولية ، فإن الإسلام هو الذي صاغ شخصية هؤلاء وقادهم إلى ~~الطريق المستقيم ، وهو قادر في كل مرحلة أن يصنع قادة وأبطالا ومجاهدين ~~للحاضر والمستقبل كما قام بصنع ذلك في الماضي ... وإذا كان هناك من أثر ~~سلبي لذلك ، فإنه يتمثل في ضعف المرحلة مؤقتا لفقدانه إحدى الطاقات الفاعلة ~~، ولكنها لا تموت ، فقد غاب الأنبياء والأئمة والأولياء ، وبقي دين الله ~~مندفعا في الساحة من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي ~~السفلى. إن القضية هي أن نثق بالله لتدفعنا هذه الثقة إلى الإحساس بأن الله ~~ينصر دينه ولو كره المشركون في كل مرحلة من مراحل المسيرة مهما ارتاب ~~المرتابون وتقاعس المتخاذلون ... # * * * PageV06P297 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) ~~@QUR@021 وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ~~الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) @QUR@019 وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (147) @QUR@010 فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) (148) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ربيون ): إلهيون منسوبون إلى الرب ، والربي كالرباني. PageV06P298 # ( @QUR@01 وهنوا ): ضعفوا روحيا ونفسيا. وهو الضعف الداخلي القلبي ، وهو ~~الأساس في الضعف والاستكانة ، وقال بعضهم : إن الوهن هو الضعف ، وقال : وما ms1238 ~~ضعفوا من حيث إن الوهن انكسار الجسم بالخوف وغيره ، والضعف : نقصان القوة. # ( @QUR@01 استكانوا ): أي خضعوا واستسلموا لعدوهم. والاستكانة : أصلها ~~من الكنية ، وهي الحالة السيئة يقال : فلان بات بكنية أي بنية سوء ، وبخيبة ~~، أي : بحالة سوء ، وقيل: أصلها : من السكون وهو ثبوت الشيء بعد تحرك. # ( @QUR@01 ضعفوا ): ضعفت قواهم عن الاستمرار في الصراع ، ولانت عزائمهم ~~في الثبات في ساحة المواجهة. والضعف : نقصان القوة. وإن كان الضعف عاما في ~~النفس وفي البدن وفي الحال. # ( @QUR@01 وإسرافنا ): الإسراف مجاوزة المقدار ، والإفراط بمعناه ، ~~وضدهما التقتير ، وقيل : الإسراف مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة ونقصان ، ~~والأول أظهر. يقال : أسرفت الشيء : أي : نسيته ، لأنه جاوزه إلى غيره ~~بالسهو عنه. # * * * ### ||| ** الإنسان يحدد مصيره من خلال عمله # لماذا يجبن الإنسان المؤمن ، ولماذا يخاف ويتراجع عن الاندفاع في معارك ~~الحق والباطل؟ هل هو الخوف من الموت؟ ولكن الإيمان بالقضاء والقدر يتلخص في ~~الفكرة القائلة : إن ما أصاب الإنسان في هذه الدنيا لم يكن ليخطئه ، وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه ، وإن لكل إنسان أجلا محدودا لن يعدوه ، فلا يتقدم ولا ~~يتأخر مهما كانت الظروف والأخطار. إن هذه الفقرة من الآية الأولى تقرر هذه ~~الحقيقة من أجل أن يستلهمها المؤمنون عند ما يدعوهم الواجب إلى خوض الحرب ~~دفاعا عن الحق ... ( @QUR@08 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) فهو ~~الذي يملك الحياة والموت من حيث إنه خالقهما في الإنسان وفي PageV06P299 # الموجودات الحية كلها من خلال سنته في الموت في أسباب الحياة والموت ، ~~وهذا هو المراد من ( @QUR@03 إلا بإذن الله )، ( @QUR@02 كتابا مؤجلا ) أي ~~مؤقتا له إلى أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. # فلكل نفس وقت محدد خاضع للظروف الكونية المحيطة به التي قدر الله من ~~خلالها حياته وموته عند ما خلق الله الناس ، فلا يموت الإنسان إلا بإذن ~~الله الذي يمثل التعبير عن القوانين التي تحكم حياة الإنسان ، بعد أن يبلغ ~~الكتاب أجله. وإذا كان الأمر كذلك ، فلما ذا الخوف من الموت؟! # وتنطلق الآية لتحدد للإنسان مصيره من خلال إرادته واختياره في خط المسير ~~: ( @QUR@04 ومن ms1239 يرد ثواب الدنيا )، ولا يفكر بما بعدها بأن كان ممن أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه ( @QUR@02 نؤته منها ) فإن الله لا يحجب عنه ذلك بل ~~يؤتيه منها ... ( @QUR@04 ومن يرد ثواب الآخرة ) فيتحرك في الحياة بطاعة ~~الله طلبا لرضوانه وشكرا لنعمه ، في عملية تجسيد للشكر بالإيمان والعمل ~~الصالح ، بأن كان ممن ارتبط بالله في عقيدته وعمله ( @QUR@02 نؤته منها ) ~~أي كان له ذلك كنتيجة لعمله ، ( @QUR@02 وسنجزي الشاكرين ) وجزاء الله عليه ~~جزاء الشاكرين ، فلما ذا لا يغتنم الإنسان الفرصة فيفكر بالله ويعمل لما ~~عنده فيكون قريبا منه؟! # * * * ### ||| ** دروس من الماضي # ثم يطلق الحديث في تاريخ النبوات السابقة ليربط تجربة الحاضر بتجربة ~~الماضي ، وليثير أمام جيل التجربة الجديدة ما يبعث فيهم روحا حية متحركة ~~تثير فيهم قوة الاندفاع والحركة ... ( @QUR@07 وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير ) فقد كان لكل واحد من الأنبياء ربيون ، وهم الجماعات الكاملة في ~~العلم والعمل كما قيل ( @QUR@02 فما وهنوا ) أي ضعفوا داخليا وانهزموا ~~نفسيا ، ( @QUR@09 لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) أي : ~~استسلموا للعدو في ذلة وانكسار ، بل صبروا في PageV06P300 # مواقع الجهاد على الآلام والضغوط والمشاكل والتحديات ... ( @QUR@03 والله ~~يحب الصابرين ) فلما ذا لا تصبرون مثلهم؟! وكانت روحيتهم صافية منفتحة على ~~الله ؛ فإذا شعروا في داخل ذواتهم بالجفاف والقسوة ورأوا أن خطواتهم بدأت ~~تنحرف عن الطريق بفعل الأجواء الخانقة المحيطة بهم ، جلسوا بين يدي الله في ~~مناجاة روحية خاشعة : ( @QUR@013 وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ) فقد تجاوزنا الحدود المرسومة لنا من قبل رسلك ~~وابتعدنا عن الطريق طويلا ، وبدأت الأرض تهتز من تحت أقدامنا لتزلزل أقدمنا ~~في زلزال الكفر والانحراف ، ( @QUR@02 وثبت أقدامنا ) في مواقع الزلل ( ~~@QUR@04 وانصرنا على القوم الكافرين ) عند ما نجاهد في سبيلك ، فإننا لا ~~نطلب النصر إلا منك بتأييدك وعونك ونصرك. واستجاب الله لهم هذا الدعاء الذي ~~يجمع للإنسان ثواب الدنيا والآخرة : ( @QUR@010 فآتاهم الله ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) الذين يعملون له عند ما يعملون ، ~~ويتوكلون عليه عند ما ms1240 يجاهدون. # تلك هي الصورة في مجتمع النبوات السابقة ، وتلك هي الصورة التي يريد الله ~~للمجتمع المسلم أن يستعيدها في نفسه عند ما تضيق به الأمور ، وتحيق به ~~الهزائم ، وتجتمع في آفاقه الأزمات ، وتتضافر عليه قوى الشر ... فيسأل الله ~~الفرج حيث لا فرج ، والمدد حيث لا مدد ؛ فتسكن النفس ، ويرتاح اللب ، وتثبت ~~الأقدام ، وينفتح للحياة على الله درب طويل لا نهاية له ، تخضر فيه أرواح ، ~~وتنبت فيه كل الجنائن الروحية التي يزهر فيها الورد ، وتتفتح فيها براعم ~~الرياحين ... ويبدأ الإنسان حياته الجديدة الآمنة المطمئنة في آفاق الله ... # * * * ### ||| ** ما معنى حب الله؟! # وهنا ملاحظات : # الأولى : إن الله تحدث عن الصابرين ، في قوله : ( @QUR@03 والله يحب ~~الصابرين ) من PageV06P301 # موقع التعبير عن الحب الإلهي للمجاهدين الصابرين الذين عاشوا الصبر في خط ~~الجهاد ، باعتباره العمق الروحي الذي يؤكد الثبات في الموقف من خلال تحمل ~~الآلام القاسية ومواجهة التحديات الكبرى ، مما يوحي بأن الإنسان يقف في مثل ~~هذا الموقف ويعاني كل هذه المعاناة حبا بالله ورسوله ، بحيث يعيش الفرح ~~الروحي في داخل نفسه لأن الله يراه فيهون عليه كل شيء أمام ذلك ، وهذا هو ~~الذي يقوي إرادة التقوى في الإنسان ، ويحرك قدرته في اتجاه الأهداف ، لأن ~~الإنسان كلما ازداد حبا لله كلما ازداد صبرا ، وكلما ازداد صبرا كلما ازداد ~~قوة وثباتا ، فيتحول إلى أن يكون إنسان الله الذي يحب ما يحبه الله ويكره ~~ما يكرهه في الأعمال والحياة والإنسان ، فيبادله الله حبا بحب. وتلك هي ~~السعادة الكبرى التي ليس فوقها سعادة ، والغنيمة التي لا تساويها غنيمة ، ~~أن يحصل الإنسان على حب الله ، فتفيض عليه الرحمة بكل فيوضاتها ، ويحوطه ~~اللطف الإلهي بكل رعايته. # * * * ### ||| ** من هم المحسنون؟ # الثانية : إن الله تحدث بكلمة «الحب» عن المحسنين في قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 والله يحب المحسنين )، هؤلاء الذين عاشوا معنى الإحسان في أفكارهم ~~فكرا يقدم الإحسان إلى الناس الذين يبحثون عن الحلول الفكرية لمشاكلهم ~~العامة ، وعملا يقدمه إلى الناس ليحسن إلى حياتهم الباحثة عن قوة لضعفها ، ~~وغنى لفقرها ، وحيوية لحركتيها ؛ فيرفع بذلك مستواهم ، ويحقق ms1241 لهم الكثير من ~~الخير في جميع أمورهم وأوضاعهم. # وهؤلاء الذين عاشوا الإحسان لأنفسهم إيمانا في الروح ، وعقيدة في العقل ، ~~واستقامة في الطريق ، وثباتا في الخطى ، وتقوى في العمل ، وانفتاحا على ~~الله في آفاق الغيب ، وجهادا في ساحة الصراع ، وقوة في مواجهة التحديات ، ~~وإخلاصا للرسالة وللرسول ، وحبا لعباد الله ... وهذا هو الذي PageV06P302 # يمثل ارتباطهم بالله وحركتهم نحو القرب منه ، فيراهم الله في مواقع ~~الإحسان لأنفسهم وللناس وللحياة ، من خلال محبتهم له وإقبالهم عليه ، ~~فيمنحهم بذلك حبا إلهيا ليغرقهم في السعادة ، ويغمرهم بالنعيم ، ويسير بهم ~~نحو درجات القرب عنده. # * * * ### ||| ** للصابرين المحسنين ثواب الدنيا والآخرة # الثالثة : إن الله حدثنا أنه لا يكتفي بثواب الآخرة جزاء للصابرين من ~~عباده ، الثابتين في مواقع رضاه ، المحسنين في أقوالهم وأفعالهم ، بل يضيف ~~إليه ثواب الدنيا بما يسبغه عليهم من نعمه ويتفضل عليهم بآلائه ، ليتحسسوا ~~في الدنيا ثواب أعمالهم في دلالته على رضوان الله ، وليكون انتظارهم لثواب ~~الآخرة من موقع الثقة بأن الله استجاب لهم دعواتهم وتقبل أعالمهم ورضي عنهم ~~، فكانوا المرضيين عنده الراضين عنه ، وتلك هي النعمة الكبرى التي تمتد من ~~الدنيا إلى الآخرة. # وهكذا نجد من خلال هذه الملاحظات الثلاث أن الله يريد أن يعمق في شخصية ~~الصابرين إرادة الصبر ، وفي وجدان المحسنين روح الإحسان من خلال الإعلان عن ~~الحب الإلهي لهم ، ليستمتعوا بهذا الحب في وجودهم الإيماني الروحي الذي ~~يحلق في آفاق الله بكل سعادة وغبطة وانفتاح ، ثم استثارة الرغبة الإنسانية ~~الذاتية الغريزية في طلب التعويض عما يقدمه الإنسان من جهد أو موقف أو عمل ~~، وذلك بالحديث عما ينتظرهم من الثواب العظيم في الدنيا والآخرة ، ليتحركوا ~~في اتجاه قيمة الصبر وروحية الإحسان ، من موقع الروح من جهة ، ومن موقع ~~المادة من جهة أخرى. # * * * PageV06P303 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) @QUR@06 بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ~~(150) @QUR@019 سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) (151) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 إن ms1242 تطيعوا ): الطاعة : موافقة الإرادة المرغبة في الفعل ، ~~وبالترغيب ينفصل عن الإجابة وإن كان موافقة الإرادة حاصلة ، وفي الناس من ~~قال : الطاعة هي موافقة الأمر ؛ والأول أصح ، لأن من فعل ما يقتضي العقل ~~وجوبه أو حسنه كان مطيعا لله وإن لم يكن هناك أمر ، كذا جاء في مجمع البيان ~~(1)، وربما يقال : إن العقل في حكم الحسن أو الحتمية لا يكشف أمر الشارع ، فتكون PageV06P304 # الإطاعة في هذا الفرض عبارة عن موافقة الأمر ، ولكن بواسطة اكتشاف العقل له. # ( @QUR@01 الرعب ): الخوف الشديد الذي يملأ القلب بحيث يقتل القوى عن ~~الحركة والمقاومة. والرعب كما يقول الراغب الانقطاع من امتلاء الخوف ... ~~وقيل : رعبت الحوض : ملأته. وسيل راعب : يملأ الوادي (1). # ( @QUR@01 سنلقي ): الإلقاء : أصله في الأعيان يدل عليه قوله : ( ~~@QUR@02 وألقى الألواح ) [الأعراف : 150] ( @QUR@02 فألقوا حبالهم ) ~~[الشعراء : 44] ، واستعمل في غير عين اتساعا ، كالرعب في الآية. وقوله : ( ~~@QUR@04 وألقيت عليك محبة مني ) [طه : 39] ، ومثل الإلقاء في ذلك الرمي ، ~~قال سبحانه : ( @QUR@03 والذين يرمون أزواجهم ) [النور : 6] أي : بالزنا ، ~~فهذا اتساع وليس بعين. # ( @QUR@01 سلطانا ): السلطان ، هنا ، معناه الحجة والبرهان ، وأصله : ~~القوة ، والسلطان : البرهان لقوته على دفع الباطل ، والتسليط على الشيء : ~~التقوية على الشيء من الإغراء به ، والسلاطة : حدة اللسان مع شدة الصخب ~~للقوة على ذلك مع إيثار فعله ، والسليط : الزيت لقوة استعماله بحدته. # ( @QUR@01 مثوى ): المثوى : المنزل ، وأصله من الثواء ، وهو طول الإقامة ~~، وأم المثوى : ربة البيت ، والثوى : الضعيف ، لأنه مقيم مع القوم. ### ||| ** مناسبة النزول # روي عن علي عليه السلام ؛ قال : نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند ~~الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم ، وادخلوا في دينهم. وعن الحسن البصري : إن ~~تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم ، لأنهم كانوا يستغوونكم ويوقعون PageV06P305 # لكم الشبه في الدين ، ويقولون : لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه ~~وأصحابه ما أصابهم ، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم ~~عليه. وعن السدي : إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى ~~دينكم (1). # وقال السدي حول الآية (151): لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد ~~متوجهين إلى مكة ، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ، ثم ms1243 إنهم ندموا وقالوا : ~~بئس ما صنعنا ، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشرذمة تركناهم ، ارجعوا ~~فاستأصلوهم ، فلما عزموا على ذلك ، ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب حتى ~~رجعوا عما هموا به ، وأنزل الله تعالى هذه الآية (2). # * * * ### ||| ** تحذير من الاستسلام لأجواء الهزيمة # هل هناك حادثة معينة أطلقت هذا النداء القرآني بالتحذير من طاعة الكافرين ~~لئلا يردوا المؤمنين عن إيمانهم الحق بأساليبهم الخبيثة ، فينقلبوا من موقع ~~الإيمان إلى موقع الكفر فيخسروا دينهم ودنياهم؟ هل هناك حالة ضعف استنفذت ~~طاقة المؤمنين على التحمل فحاولوا الاستعانة بالكافرين من أجل الحصول على ~~أساس من القوة يستندون إليه ، حتى يأتي النداء ليؤكد لهم أن الله مولاهم ~~وناصرهم ( @QUR@03 وهو خير الناصرين ) لأنه الذي يملك الأمر كله ، والقوة كلها؟ # قد لا يبدو أمامنا شيء فعلي من هذا القبيل ، ولكن القرآن يتحدث عن ~~الحالات الوقائية بالأسلوب نفسه الذي يتحدث به عن الحالات الدفاعية. وهكذا ~~نستوحي الموقف هنا ، فإن حالة الهزيمة قد تخلق لدى الإنسان وضعا PageV06P306 # صعبا يؤدي إلى الانهيار والانسحاق والضياع في بعض الأحيان ، وقد ينتهي به ~~ذلك إلى البحث عن مخرج للمأزق الذي وقع فيه ، وقد يتمثل ذلك في الوقوع في ~~قبضة مخطط الكفر في التنازل عن بعض المبادئ الأساسية بالدخول في بعض ~~المشاريع المحرمة ، والسير في الدروب الملتوية التي لا تؤدي إلى خير وصلاح ~~، وذلك من أجل الحصول على الأمن المستقبلي من مراكز القوى المنتصرة ~~والكافرة. وربما يخيل إليه أنه يستطيع أن يجمع بين الإيمان بعقيدته ~~والانطلاق مع مبادئه ، وبين مداراة هؤلاء ومجاملتهم والسير معهم في بعض ~~خطوات الطريق. # وكانت مثل هذه الأفكار الناشئة عن هذه الحالة ، تشكل عنصر خطورة على ~~أمثال هؤلاء الطيبين والمهزومين ، لأنها تمثل النموذج الساذج من التفكير ، ~~فالكفر لا يمثل لدى الكافرين حالة مزاجية طارئة ليمكن التعامل معها بأسلوب ~~اللحظة السريعة ، بل هو لدى أصحابه فكرة وخطة عمل في إضلال المؤمنين ~~وإبعادهم عن دينهم ، وبذلك فهم يعملون على استغلال حالات الضعف من أجل ~~السيطرة على هؤلاء المؤمنين الساذجين ، كما لاحظناه لدى الكثيرين ms1244 من أصحاب ~~المبادئ الكافرة الذين يطرحون الشعارات الطيبة المضللة في عرض ذكي للقوة ، ~~وإمعان في إثارة نقاط الضعف لدى الآخرين بأساليب نفسية شيطانية ، من أجل أن ~~يقودوا الضعفاء من المؤمنين إلى ضلالهم بأقرب طريق. # ويمكن أن تكون هذه الآيات وسيلة من وسائل التوعية الوقائية لدى المؤمنين ~~المهزومين بأن لا يعطوا الموقف أكثر مما يتحمل ، بحيث يصورون لأنفسهم بأن ~~الكافرين يملكون زمام الأمر وحركة القوة ، فيقعون تحت تأثير أساليبهم ~~ومخططاتهم ويطيعونهم في المواقف والأعمال التي تؤدي إلى الكفر والضلال ~~وخسارة الدارين طمعا في النصرة وطلبا للقوة ... فليست القضية في قصة ~~الهزيمة سوى خسارة لمعركة من المعارك ، الأمر الذي يمثل ضعفا في مرحلة ~~معينة لا في المسيرة كلها ، فلا بد لهم في هذه الحالة من الرجوع إلى PageV06P307 # إيمانهم وربهم ليعرفوا بأن القوة لله جميعا ، وأن النصر بيده لا بيد غيره ~~، وأنه قد يبتلي عباده المؤمنين ببعض البلاء في بعض مراحل الطريق ولكنه ~~ينصرهم في نهاية المطاف ، فعليهم أن لا يبتعدوا عن الله حتى لا يضلوا من ~~حيث يعرفون ومن حيث لا يعرفون. # * * * ### ||| ** لا تطيعوا الكافرين # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) وعاشوا إيمانهم في عمق وجدانهم إشراقة ~~فكر ، وطمأنينة قلب ، وانطلاقة روح ، وثبات موقف من خلال الثقة بالله الذي ~~يرعى عباده المؤمنين برعايته وينصرهم بنصره ، ويقوي مواقعهم ويدعم مواقفهم ~~، لا تتراجعوا عن التزامكم بالعقيدة التوحيدية المنفتحة على وعي الساحة من ~~جهة ، ووعي ألطاف الله بالمؤمنين من جهة أخرى ، ولا تسقطوا أمام الزلزال ~~الذي يحركه الآخرون في مواقعكم ليثيروا في قلوبكم الشك والريبة بالحق الذي ~~تعتقدونه وتؤمنون به ، بالأساليب المتنوعة التي تنفذ إلى عقولكم وقلوبكم ~~ومشاعركم الحميمة ، وهذا ما يريد الله أن يحذركم منه في أسلوب التوعية ~~الفكرية والعملية في ما تأخذون أو تدعون ، ( @QUR@04 إن تطيعوا الذين كفروا ~~) من المشركين أو غيرهم بفعل الخضوع لعلاقات القرابة أو بالانسجام مع أجواء ~~المجاملة ، أو بالرغبة بالحصول على بعض المواقع عندهم من أجل ربح عاجل أو ~~شهوة طارئة ، ( @QUR@03 يردوكم على أعقابكم ) لتتراجعوا عن الدين الذي ~~آمنتم به ، والتوحيد ms1245 الذي أخلصتم له في حركة جديدة للشرك في حياتكم ، ~~وللكفر في أفكاركم بعد أن قطعتم شوطا طويلا وبلغتم درجة عالية من الإسلام ~~لله ورسوله ، ( @QUR@02 فتنقلبوا خاسرين ) لأنكم بالعودة إلى الكفر تفقدون ~~الصفاء الروحي المشرق في وجدانكم ، وتفتحون على أنفسكم الكثير من المشاكل ~~المعقدة التي تربك حياتكم ، وتقلق تصوراتكم ، وتفترس طمأنينتكم ، وتواجهون PageV06P308 # الخسارة في الدنيا والآخرة. وأي خسارة أعظم وأكبر من فقدان الإنسان ~~علاقته بربه الرحمن الرحيم ، الذي يمنح عباده برحمته كل خير ، ويفيض عليهم ~~كل نعمة ، ويعطيهم كل قوة وراحة واطمئنان ، ثم أي خسارة أعظم من خسارة ~~الإنسان مصيره في الآخرة في نهاية المطاف ، ليعيش عذاب جهنم بدلا من نعيم ~~الجنة ورضوان الله؟! # إنهم لا يخلصون لكم ولا يفكرون في إعانتكم ومساعدتكم ، فلا تحسبوهم ~~مواليكم الذين تسكنون إليهم وتسنتصرون بهم ( @QUR@03 بل الله مولاكم ) فهو ~~الذي يملك القوة جميعا ، وهو القادر على كل شيء ، ويملك الرحمة الشاملة ، ~~وهو الرحيم بعباده ( @QUR@03 وهو خير الناصرين ) فهو الناصر الذي لا يغلب ، ~~والمولى الذي لا يترك أولياءه ، ولا يمكن لأحد أن يمنعه مما يريد ، وهو ~~القادر على أن يمنع كل خلقه مما يريدون ، فهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي ~~منه شيء. فكيف يوالي المؤمن غيره ، وكيف ينتقل من ولايته إلى ولاية ~~أعدائه؟! # * * * ### ||| ** السلطان والأمر لله # ثم يوضح الله لنا الصورة بأسلوب أقوى وأكثر وضوحا ، فإن الكافرين لا ~~يعيشون عمق الشعور بالقوة ، لأن قلوبهم فارغة من الإيمان بالله الذي يمنح ~~القوة لعباده ، فهم يمارسونها بشكل استعراضي لا ينطلق من قاعدة ثابتة ، مما ~~يجعلها تذوب لدى أول بادرة جديدة للقوة ، فتمتلئ نفوسهم بالرعب وتتحول ~~أفئدتهم إلى هواء. ( @QUR@014 سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا ) فإن الشرك بالله لا يملكون أية حجة عليه في ~~خط العقيدة والعبادة ، لأن هذه الأوثان التي يعبدونها وهؤلاء الأشخاص الذين ~~يطيعونهم في معصية الله ، لا تمثل أية حقيقة في معنى الألوهية ، ولا تملك أية PageV06P309 # خصوصية في مضمون الربوبية ، فإنها لا تملك لوجودها ضرا ولا ms1246 نفعا إلا ~~بالله ، فهي من بين ما يصنعونه بأيديهم وما يماثلهم في الوجود في نقاط ~~الضعف التي يختزنونها ولا يتفوقون عليهم في شيء ، وبالرغم من هذا كله فهم ~~يعتبرونها آلهة ، ويعبدونها من دون الله ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن ~~الشرك يفرغ القلب من كل قوة ، ويعزله عن كل طمأنينة ، ويبتعد به عن كل ~~إحساس بالأمن ، لأن الله وحده هو الذي يملأ عقل الإنسان وقلبه وروحه وضميره ~~وكل حياته ، فيمنحه الطمأنينة الهادئة العميقة ، التي توحي إليه بأنه في ~~أمان من كل خوف ، لأن الله هو المهيمن على الأمر كله ، فلا يملك أي مخلوق ~~الإضرار به إذا لم يرد الله له ذلك. # ولهذا كان الإنسان الفارغ قلبه من الله هو الذي يطوف القلق في داخله أمام ~~أي طارئ من طوارئ الحيرة ، ويعيش الخوف في كيانه من خلال كل عنصر من عناصر ~~الإثارة ، حتى أن الوساوس والهواجس تنفذ إليه ، بسبب العوامل السلبية التي ~~تحيط به ، فتأكل روحه ، وتهز موقعه ، لأنه لا يجد أية قاعدة ثابتة للإحساس ~~بالقوة في نفسه ، مما يجعل حياته نهبا لأية حالة طارئة وأي شك جديد لتلعب ~~به الرياح النفسية والخارجية على طريقة قول الشاعر: # إذا الريح مالت %~% مال حيث تميل # وهذا ما يجعل الإحساس بالرعب أمرا طبيعيا في حياتهم بسبب الهواجس التي ~~تطوف في خيالهم ، وينطلق الغيب الإلهي بالقدرة الخفية ، ليثير الرعب بقوة ~~من خلال هواجس جديدة وتهاويل مخيفة في تصوراتهم للأشياء التي يدخل فيها بعض ~~عناصر الخوف ونوازع القلق. # * * * ### ||| ** دور الحالة النفسية في تثبيت المواقف # وإننا نعرف أن للحالة النفسية دورها في تثبيت المواقف وتأكيدها ، لأن PageV06P310 # الإنسان يتحرك من خلال الجو الداخلي في نفسه ، فهو الذي يمنح الخطى ~~توازنا ، والموقع صلابة ، والموقف قوة ، والإنسان صمودا ، لأنه لا يحارب من ~~موقع طاقته الجسدية المادية بل من موقع طاقته الروحية التي تنفذ إلى مفاصل ~~الجسم لتمنحه قوة من قوتها ، وثباتا من ثباتها ، وروحية من روحيتها. # وفي ضوء هذا ، فإن الرعب الذي يلقيه الله في قلوب الذين كفروا من ms1247 خلال ~~العناصر الخارجية والإيحاءات الداخلية ، في مقابل الطمأنينة والسكينة التي ~~ينزلها على رسوله والمؤمنين ، يمكن له أن يحرك الهزيمة في ساحة الكافرين ~~والنصر في مجتمع المؤمنين ، مما يفرض على المؤمنين أن يدخلوا المعركة بثقة ~~في أنفسهم من خلال الثقة بالله الذي يملك الأمر كله ، فإنهم إذا أخذوا ~~بأسباب النصر وانطلقوا في إرادة التحدي ، أعطاهم الله أسبابا خفية تبعدهم ~~عن روح الهزيمة وعن مواقع الفرار. وهذا ما ينبغي للعاملين في خط الدعوة ~~والحركة والجهاد ملاحظته في خططهم الحركية في ملاحقة كل الوسائل ~~الاستكبارية العاملة على إثارة أجواء التهويل والتخويف من القوى المضادة ~~بما يتحدث به إعلامها عن مواقع القوة لديها مقارنا بمواقع الضعف عندنا ، ~~مما يوحي بأن الطريق الوحيد للنجاة هو الاستسلام لأنه لا مجال لاختراق هذا ~~الجدار الصلب من القوة للفئات المستكبرة أو الكافرة ، فلا واقعية للمواجهة ~~ولا فرص للثبات ، وذلك من أجل إلقاء الرعب السياسي والأمني والعسكري ~~والاقتصادي والثقافي في قلوب المؤمنين ليعيشوا الهزيمة النفسية التي تهيئ ~~الظروف للهزيمة الخارجية. # إن المؤمنين الذين يأخذون بأسباب الإيمان ، ويخلصون لله ، ويعرفون سننه ، ~~ويتعرفون مواقع قدرته ووسائل لطفه ، من حيث إيحاءات العقيدة ، وواقع اللطف ~~الإلهي بعباده ... يعرفون كيف يتمردون على كل وسائل التخويف وكل أجواء ~~الرعب ، بالانفتاح على الله في مواقع غيبه ، بالإضافة إلى السير في الحياة ~~على خط سننه الكونية والتاريخة ؛ وبذلك يملكون التوازن في الموقف ، والثبات ~~في الموقع ، والقوة في ساحة الصراع للوقوف بصلابة في وجه هؤلاء الكافرين PageV06P311 # والمستكبرين الذين سيلقي الله في قلوبهم الرعب من خلال قوة أوليائه ، ~~وخفايا غيبه ، وذلك هو شأنهم في الدنيا عند ما تواجههم قوة الحق ، ( ~~@QUR@02 ومأواهم النار ) في الآخرة جزاء لهم على كفرهم وطغيانهم ( @QUR@03 ~~وبئس مثوى الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ، وظلموا الناس ~~والحياة بالعدوان. # * * * PageV06P312 ### ||| * الآية # ( @QUR@040 ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو ms1248 فضل ~~على المؤمنين ) (152) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تحسونهم ): تستأصلونهم بالقتل وتخمدون حسهم وأنفاسهم. الحس : ~~القتل على وجه الاستئصال ، وأصله من الإحساس ، ومنه : ( @QUR@05 هل تحس ~~منهم من أحد ) [مريم : 98]. وسمي القتل حسا ، لأنه يبطل الحس. # ( @QUR@01 بإذنه ): بإرادته وأمره وتأييده وعونه. # ( @QUR@01 فشلتم ): ضعفتم وجبنتم ، والفشل : الجبن. PageV06P313 # ( @QUR@01 صرفكم ): ردكم للهزيمة. # ( @QUR@01 ليبتليكم ): ليمتحنكم ويختبركم فيظهر المخلص من غيره ، ~~ليعاملكم معاملة من يختبر ويمتحن. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في المجمع : «ذكر ابن عباس والبراء بن عازب والحسن وقتادة أن الوعد ~~المذكور في الآية كان يوم أحد ، لأن المسلمين كانوا يقتلون المشركين حتى ~~إذا أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم الرسول بالمقام عنده ، فأتاهم خالد من ~~ورائهم ، وقتل عبد الله بن جبير ومن معه ، وتراجع المشركون وقتل من ~~المسلمين سبعون رجلا ، ونادى مناد : قتل محمد. ثم من الله على المسلمين ~~فرجعوا ، وفي ذلك نزلت الآية» (1). # وقال محمد بن كعب القرظي : «لما رجع رسول الله إلى المدينة ، وقد أصيبوا ~~بما أصيبوا يوم أحد ، وقال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا ~~الله النصر؟ فأنزل الله تعالى : ( @QUR@04 ولقد صدقكم الله وعده ) الآية ، ~~إلى قوله : ( @QUR@04 منكم من يريد الدنيا ) يعني الرماة الذين فعلوا ما ~~فعلوا يوم أحد» (2). # * * * ### ||| ** معركة أحد : النصر أو الهزيمة أخيرا # % ( @QUR@04 ولقد صدقكم الله وعده ) لقد وعد الله المسلمين النصر في معركة PageV06P314 # أحد ، على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه لم يكن وعدا مطلقا ~~على كل حال ، بل كان وعدا مشروطا بالسير على وفق الخطة الموضوعة التي تنسجم ~~مع الأسباب التي تهيئ ظروف النصر للمعركة ، وكان من بينها وضع الرماة في ~~الثغرة التي كانت تمثل نقطة الضعف في دفاعات المسلمين في الجبل ... وسارت ~~الخطة على ما يرام ، فقد انتصر المسلمون في بداية المعركة عند ما أخذوا ~~بأسباب النصر ، ونفذوا الخطة الموضوعة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدقة ~~وأمانة وإخلاص ، ( @QUR@03 إذ تحسونهم بإذنه )، وكان المسلمون يحسون ~~الكافرين أي يستأصلونهم بالقتل ، فكأن القاتل يبطل حس المقتول ، وكانت ~~العملية بإذن الله وتوجيهه ، ( @QUR@03 حتى إذا فشلتم ) ولكن المسلمين ms1249 ~~وقعوا في الفشل وتركوا أسباب النجاح ، ( @QUR@010 وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد ما أراكم ما تحبون ) وتنازعوا في أمرهم ، ففرقة كانت ترفض النزول ~~إلى ساحة المعركة من أجل الحصول على الغنائم ، وفرقة كانت تصر على ذلك ، ( ~~@QUR@08 منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) وتغلب الفريق المصر ~~على المعصية الذي يريد الدنيا على الفريق الذي يريد السير على خط الانضباط ~~لأنه يريد الحياة الآخرة ، وابتعد المسلمون عن خط النصر عند ما ابتعدوا عن ~~روحه وإرادته وأجوائه. # ( @QUR@04 ثم صرفكم عنهم ليبتليكم )، وصرفهم الله عن المشركين من خلال ~~الأسباب الاختيارية التي ينصرف فيها المجاهد عن صنع النصر ، ليبتلي ~~المسلمين ويختبرهم ويدفعهم إلى مواجهة الموقف بإيمان وصدق واستعداد ~~للاستفادة من هذه التجربة الصعبة في سبيل نصر جديد ، على أساس الالتزام ~~بالخطة الحكيمة. وشعر المسلمون بالخطإ الذي وقعوا فيه ، وعاشورا روح الندم ~~، وتعمقت التجربة في داخلهم ، ورجعوا إلى إيمانهم ، وعادوا إلى الله ~~يستغفرونه ويطلبون منه القوة على الانطلاق نحو المستقبل بروح إسلامية عالية ~~، وعلى صنع الموقف على أساس الإرادة. ( @QUR@08 ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين ) وعفا الله عنهم بفضله ، فإنه ذو فضل على المؤمنين وهو يحب PageV06P315 # المؤمنين لإيمانهم وجهادهم في سبيله ، ويعلم نقاط الضعف الكامنة في ~~نفوسهم والطارئة عليهم ، كما يعلم أنهم في ساعة الضعف لا يبتعدون عنه ، ~~ولكنهم يغفلون عن ذكره بفعل الضغوط الهائلة المسيطرة عليهم ، ولذلك لم ~~يعاجلهم بالعقوبة ، ولم يهملهم أو يكلهم إلى أنفسهم ، بل تعهدهم بفضله بما ~~يثيره في نفوسهم من الرغبة في العودة إليه والتوبة والاندفاع من جديد نحو ~~جولة جديدة من الجهاد في موقع جديد ، لأن الهزيمة في موقع معين لا تلغي ~~الإيمان ولا تسقط الإرادة ولا تبتعد بالمؤمن عن الله ، لأن الإيمان لا يمثل ~~حالة طارئة ، فينطلق هذا الفضل الإلهي الذي يغمر به الله عباده المؤمنين في ~~الحب الإلهي ، لهم لأنهم بادلوه حبا في حركة الإيمان والطاعة ، فبادلهم حبا ~~في إرادة العفو والمغفرة. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # وهكذا نستوحي من هذه الآية ، أن الله سبحانه قد ms1250 يطلق الوعد لعباده بالنصر ~~في مواقف المعركة ، كما يطلق الوعد لهم في أشياء أخرى ، كاستجابة الدعاء ~~عند الدعاء ، وكالمغفرة عند التوبة ... ولكن لذلك شروطا روحية وعملية لا بد ~~للإنسان من مراعاتها ودراستها وتنفيذها إذا أراد لهذه الوعود أن تتحقق ، ~~لأن الله سبحانه يريد لعباده أن يواجهوا الحياة على طريق سننه في الكون ~~ليأخذوا بأسبابها ، فإنه لم يخضع الأمور للمعجزة الخارقة للعادة إلا في ~~حالات التحدي الكبير ، فلا يستوحش الإنسان إذا دعا ولم يستجب له ، أو تاب ~~ولم يغفر له ، أو انطلق في المعركة فلم يحقق لنفسه النصر ... ولا يعتقد أو ~~يتساءل كيف لم يتحقق وعد الله؟! بل ينبغي له أن يبحث هل أنه راعى في ذلك ~~الشروط الإلهية التي ربط الله بها تحقيق وعده أم لا؟ # * * * PageV06P316 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@025 إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ~~فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما ~~تعملون (153) @QUR@075 ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة ~~منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ~~يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) (154) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تصعدون ): تبتعدون وتذهبون خوفا وهزيمة وفرارا من العدو ، PageV06P317 # والإصعاد هو الذهاب والإبعاد في الأرض ، والصعود : الارتقاء إلى مكان ~~عال. والفرق بين الإصعاد والصعود كما يقول صاحب المجمع أن الإصعاد في مستوى ~~من الأرض ، والصعود في ارتفاع. يقال : أصعدنا من مكة : إذا ابتدأنا السفر ~~منها ومنه قول الشاعر : # هواي مع الركب اليمانين مصعد %~% جنيب وجثماني بمكة موثق # وروي عن الحسن أنه قرأ «تصعدون» بفتح التاء والعين ، وقال : إنهم صعدوا ~~في الجبل فرارا ، وقال الفراء : الإصعاد : الابتداء في كل سفر ، والانحدار ~~: الرجوع عنه ms1251 (1). # ( @QUR@01 تلوون ): تلتفتون من ورائكم إلى نداء الرسول القائد وغيره ، ~~قال الراغب : يقال : فلان لا يلوي على أحد : إذا أمعن في الهزيمة (2)، وفي ~~المجمع ، «لا تلوون : أي : لا تعرجون على أحد كما يفعله المنهزم. ولا يذكر ~~هذا إلا في النفي ، لا يقال لويت على كذا ، وأصله من لي العنق للالتفات (3). # ( @QUR@01 غما ): الغم : ألم وضيق في الصدر من أمر محرج. # ( @QUR@01 أمنة ): أمنا ، وهو ضد الخوف. # ( @QUR@01 نعاسا ): النعاس : الوسن ، وناقة نعوس : توصف بالسماحة في الدر. # ( @QUR@01 يغشى ): يغطي ويستر. # ( @QUR@01 مضاجعهم ): مصارعهم قد قتلوا فيها. # * * * PageV06P318 ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج ابن راهويه عن الزبير قال : «لقد رأيتني مع رسول الله ، حين اشتد ~~الخوف علينا ، أرسل الله علينا النوم ، فما منا أحد إلا ذقنه في صدره ، فو ~~الله ، إني لأسمع قول معتب بن قشير ، ما أسمعه إلا كالحلم : لو كان لنا من ~~الأمر شيء ، ما قتلنا هاهنا ، فحفظتها منه فأنزل الله في ذلك : ( @QUR@08 ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) إلى قوله : ( @QUR@03 ما قتلنا ~~هاهنا ) ( 1). # * * * ### ||| ** من صور المعركة # وهذه صورة من صور معركة أحد ، في نهاياتها التي رافقت أجواء الهزيمة بعد ~~النصر ، وأبرزت كثيرا من السلبيات الفكرية والروحية في النماذج المتنوعة ~~المتواجدة في المعركة : ( @QUR@010 إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول ~~يدعوكم في أخراكم ) فقد انهزم المسلمون وأبعدوا في الأرض هربا من الموقف ~~الصعب الذي فرضته الهزيمة ؛ وانطلق الرسول يدعوهم في أخراهم فيقول : ارجعوا ~~إلي عباد الله ، ارجعوا إني أنا رسول الله ، من يكر فله الجنة ( @QUR@03 ~~فأثابكم غما بغم ) أي : غما أذقتموه للرسول بعصيانكم له ، أو غما مضاعفا ، ~~أي غما بعد غم ، وغما متصلا بغم ، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة ... ~~مما يوحي بأنهم كانوا ممتدين في هربهم في خط طويل ابتعد أولهم عنه ، واقترب ~~آخرون منه ؛ فقد كان يريدهم أن يتوقفوا قليلا ليدرس معهم طبيعة الموقف ، ~~ويحاول من خلاله تحويل الهزيمة إلى نصر جديد ، ولكنهم لا يلوون على PageV06P319 # أحد ، فلا يلتفتون إلى ms1252 نداء الرسول أو غيره ، فقد أخذت الهزيمة الداخلية ~~مأخذها منهم ، فهربوا من الموت ... # وعاشوا الغم النفسي الذي أثاره الله في نفوسهم في ما واجهوه من حالة ~~الانسحاق الذاتي والندم المرير على ما قاموا به ، وأفاقوا على واقع لم ~~يحسبوا له حسابا ، وذلك كرد فعل على الغم الذي جلبوه للرسول وللمسلمين ~~وللإسلام. وقد أراد الله لهم من خلال ذلك أن يعرفهم كيف يربطون بين النتائج ~~وأسبابها ، فلا يبادرون إلى الاندفاع في موقف إلا بعد التفكير والتأمل في ~~عواقبه ، لأنهم باندفاعهم يملكون الذهنية الساذجة أمام مشاكل الحياة ~~وآلامها وهزائمها ، لذا عليهم أن يملكوا الذهنية التي تجلس في كل مجال من ~~هذه المجالات ، لتحلل وتناقش وتستنتج من أجل أن تحول نقاط الضعف إلى نقاط ~~قوة ، وتغير السلبيات إلى إيجابيات. وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى : ( ~~@QUR@012 لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ) ~~فإن الظاهر منها أن الله أراد لهم أن يعيشوا الحالة النفسية التي تمثل ما ~~يشبه الصدمة في الداخل على أساس ما حدث من أجل أن تكون تجربة ودرسا يبعدهم ~~عن مشاعر الحزن إزاء الخسارة أو المصيبة. # إن الخط الإسلامي في أمثال هذه الحالات الصعبة التي يمر بها المسلمون في ~~الواقع السلبي الذي قد تتمخض عنه الحرب بالهزيمة العسكرية ، هو عدم السقوط ~~أمام التجربة المرة بالحزن العاطفي الذي يجتر معه الإنسان الآلام في حالة ~~نفسية مدمرة ، كما لو كانت الهزيمة أو الفشل نهاية المطاف في حياته ، فلا ~~يصير إلى غلبة أو نجاح بعدها أبدا. فإن الحزن عاطفة إنسانية نبيلة ، ولكن ~~لا بد للإنسان من أن يحركها في الاتجاه الإيجابي الذي يثير في النفس ~~المرارة لتدخل في هذا الجو في وعي التجربة ، لاستخلاص العبر منها ، من أجل ~~الدخول في تجربة جديدة في مستقبل جديد ، وهكذا يتحول هذا الغم الذي يمثل ~~ضيقا في الصدر ، وألما في الإحساس ، إلى انفتاح على كل مفردات القضية ~~السلبية ، من أجل أن يتفهموا طبيعتها ، وتفاصيلها ، على صعيد الخسائر ~~البشرية والمادية PageV06P320 # والمعنوية ، فالله لا يريد ms1253 للحزن أن يكون طابع المجاهدين العاملين في ~~نتائج الأوضاع المعقدة في حياتهم ، فعليهم أن يراقبوا الله في ذلك من خلال ~~إيمانهم بأنه خبير بما يفعلونه ، سواء كان ذلك من خلال باطن أفعالهم أو ~~ظاهرها ، لينفتحوا على مواقع الصواب من خلال المحاسبة الدقيقة لكل الماضي ~~المعقد في انتظار المستقبل المنفتح ، وهكذا يرتفع الحزن على الخسارة ليحل ~~محله الوعي والأمل بانتظار الربح في المستقبل الآتي. # * * * ### ||| ** الفئة المؤمنة تأخذ دروسا # ( @QUR@011 ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) وعاد ~~البعض إلى رسول الله ، وهم يعيشون هذه الصدمة الكبيرة ، ويقارنون بين أسباب ~~الهزيمة ونتائجها ، وشعروا بالتقصير والندم ، وبدأوا في التخطيط لحسابات ~~المستقبل. وكان لا بد من حالة استرخاء يستريحون فيها من متاعب المعركة ~~وانفعالات الندم ، ليملكوا زمام تفكيرهم ، فألقى عليهم النعاس ليعيشوا ~~الإحساس بالأمن والطمأنينة ، فتتجدد لهم طاقاتهم التي أتعبها الجهد ، وتصفو ~~أفكارهم التي كدرها الألم ، وترتاح أعصابهم التي أرهقها الانفعال ، فغابوا ~~في سبات عميق يفصلهم عن كل هذه الأجواء الخانقة من التوتر والرعب والانفعال ~~... وتلك هي الفئة المؤمنة التي لا تفقد صوابها ، ولا ترتاب في إيمانها ، ~~ولا تتزلزل في مواقفها أمام الصدمات والتحديات والهزائم ، بل تقف من جديد ، ~~لتفكر في المستقبل من خلال دروس الحاضر ، ولتواصل المسيرة وتعتبر أن كل ما ~~حدث ما هو إلا تجربة وامتحان واختبار قد يفشل الإنسان فيه وقد ينجح. ولكن ~~القضية في كلا الحالين تمثل العبرة التي يستفيد منها الفاشل كيف يتفادى ~~الفشل في المستقبل ، ويتعلم منها الناجح كيف يمكن أن يستزيد من فرص النجاح ~~في الحياة. # * * * PageV06P321 ### ||| ** النموذج الفاشل والهموم الذاتية # ( @QUR@04 وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) وهناك طائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم ~~، فهي المحور الذي يدورون حوله في حركة الحياة ، فهم يفكرون في سلامتها ~~وراحتها بعيدا عن أي هدف كبير يدفع الإنسان إلى الجهد والتعب والتضحية ؛ ~~فإذا فكروا بالنصر في معركة ما ، فإنهم يفكرون فيه من حيث هو وسيلة للحصول ~~على الغنائم والأسلاب ، وإذا فكروا بالهزيمة ، فإنهم يتفادونها لأنها تمثل ~~خطا أسود في تاريخ حياتهم الذاتي ms1254 ، وموقفا يسيء إلى بعض الأنانية الذاتية ~~في مواقعهم العامة. وهكذا يختنقون في سجن الذات ، فلا يتنفسون هواء ~~الإنسانية الممتد في رحاب الله ، وعلى أساس هذا المحور الذي تدور حياتهم ~~حوله ، فإنهم ( @QUR@06 يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) فلا يستسلمون ~~له استسلام العبد الواثق بربه المطيع له ، العالم بأن الله لا يريد به إلا ~~الخير ، وأن الشر عند ما يطوف بحياة الإنسان ، فإنما هو امتحان واختبار منه ~~سبحانه له ؛ بل كل ما عندهم هو أن يمنحهم الله الخير والرزق والبركة ، فإذا ~~منع ذلك عنهم تمردوا وانحرفوا ، فهم لا يتصورون الله إلا من خلال منافعهم ، ~~كما أنهم يعملون على إثارة الشك والريب بالنبي وبالإسلام إذا عرضت هناك بعض ~~الانتكاسات في ساحة السلم أو الحرب ، انطلاقا من الفكرة الخاطئة التي ~~يعتنقونها في مرادفة النصر للحق ، والهزيمة للشك والريب والتزلزل ... # وهكذا كانت ظنونهم منطلقة في الاتجاه المادي للحياة ، وهذا من ظنون ~~الجاهلية التي تبتعد عن الحق في خطها الفكري وتصورها عن الله والكون ~~والإنسان ، لأن التصور الحق ، هو أن الله يجري الأمور على أساس سننه ~~الحتمية التي ترتكز على قاعدة أساسية ، وهي ملاحظة المصلحة العميقة للإنسان ~~على مستوى الامتداد الشامل لجوانب حياته ، فقد تكون هناك مصلحة في إثارة ~~العقبات أمام شخص أو جماعة ، من أجل أن يكون ذلك وسيلة من وسائل تقوية ~~المواقف وتركيز الشخصية ونضوج التجارب ، وقد PageV06P322 # تكون المتاعب في البداية سبيلا للحصول على الراحة في النهاية مما لا يحيط ~~بعلمه إلا الله الذي ( @QUR@031 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [الأنعام: 59]. # ( @QUR@07 يقولون هل لنا من الأمر من شيء ) إنهم يثيرون هذا التساؤل أمام ~~نتائج المعركة ، ليسجلوا نقطة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عند ~~ما انطلقوا في خط المعركة ولم يستمعوا إلى النصائح التي كان يقدمها رأس ~~النفاق في المدينة في عدم الخروج إلى القتال ، فكأنهم ms1255 يقولون إنه لا رأي ~~لمن لا يطاع ، من أجل التخلص من تحمل نتائج العمل في طبيعة المسؤولية لأنهم ~~لم يشاركوا في اتخاذ القرار ، ولو لا الإحراج الذي واجهوه من قومهم ومن ~~النبي لما شاركوا في الحرب. # ويأتي الجواب حاسما : ( @QUR@05 قل إن الأمر كله لله ) فما ذا يمثل هؤلاء ~~ليكون لهم الأمر كله؟! إنهم لا يمثلون شيئا في حجم القوة والعلم والحركة ، ~~بل إن الأمر لله ، فهو الذي يخطط ويدبر ويأمر وينهى ويوجه رسوله والمؤمنين ~~نحو الوقوف في وجه الكفر والطغيان ، وهو الذي يعرف ما يصلحهم وما يفسدهم ، ~~وما يضرهم وما ينفعهم ، لأن ذلك كله بيده ، فهو الذي يملك الأمر كله ، وإذا ~~أراد شيئا فلا بد من الخضوع والطاعة والانقياد أمام إرادته. # ( @QUR@07 يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) فقد دخلوا المعركة بقلب مغلق ~~ينطوي على الشك والريب والنفاق ، ولم يدخلوها بقلب مفتوح ينفتح على الله في ~~صراحة صافية تعرف ماذا تريد ، وتصارح الأخرى بكل شيء حتى لا تعيش الزيف ~~باسم الإخلاص ، ولا تتحرك في الشك باسم اليقين ؛ ولذلك فإنهم يضمرون لك يا ~~محمد الكيد والمكر والمعصية ، ويظهرون لك الطاعة والخير والإخلاص. # ( @QUR@010 يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) فهم يعتبرون ~~أنفسهم قادرين على تغيير مسير المعركة في جميع نتائجها ، أو بالأحرى قادرين على PageV06P323 # التحكم في مصير حياة أنفسهم وموتها ، فلو ترك لهم الأمر ، ولم تفرض عليهم ~~الضغوط ، لكانوا في بيوتهم التي خرجوا منها في المدينة ، ولما تعرضوا للخطر ~~الذي تعرضوا له الآن. # وربما كان مرادهم أنهم لو كانوا كمسلمين على الحق لانتصروا وكسبوا ~~المعركة ولم يخسروا ما خسروه من أرواح وأموال ، ، كأنهم يريدون أن يبثوا ~~الريب والشك في الإسلام نفسه ، وفي نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # ولكن الله سبحانه يواجههم بالحقيقة الكونية التي لا تجعل قضية الحياة ~~والموت خاضعة لاختيار الإنسان بجميع أبعادها ، بل هناك أوضاع وظروف قد تقود ~~الإنسان إلى نهايته بعيدا عن جانب الرغبات الذاتية ، لأن الله سبحانه لم ~~يجعل الآجال تابعة ms1256 دائما لعنصر الاختيار ، فربما تتدخل فيها بعض العوامل ~~غير الاختيارية ( @QUR@012 قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم ) انطلاقا من الأجواء الداخلية أو الخارجية التي تبعث في ~~داخلهم الرغبة في الخروج تحت تأثيرات غامضة ، كما لو كانت هناك قوة خفية ~~تسيطر عليهم وتدفعهم إلى مصيرهم المحتوم ، فلا مجال بعد ذلك للتعلل ببعض ~~الجوانب الذاتية الخاصة. # * * * ### ||| ** مفهوم الابتلاء في الإسلام # ( @QUR@05 وليبتلي الله ما في صدوركم ) ويختبركم بإظهار ما تخفونه من ~~نوايا سيئة ، حتى لا ينخدع الناس بالجانب الظاهري من حياة الآخرين ~~فيستسلموا للخديعة في علاقتهم ببعضهم البعض. # ( @QUR@04 وليمحص ما في قلوبكم ) وتلك هي فائدة المحن والنكبات التي تحدث ~~للإنسان ، فإنها تمحص ما في قلبه ، فتعزل الخبيث عن الطيب ، وتكشف الإيمان ~~الثابت من الإيمان الطارئ المستودع. PageV06P324 # ( @QUR@04 والله عليم بذات الصدور ) فلا يحتاج في معرفته بدخائل الناس ~~إلى دليل لأنه المحيط بالأشياء الخفية من نوايا الإنسان ، كما هو محيط ~~بالأشياء الظاهرة منها ... # وهذا هو المفهوم الإسلامي للابتلاء الذي يبتلي به الله عباده ، فليس هو ~~في جميع مظاهره نقمة وعذابا ، بل قد يكون رحمة يبني بها الله للإنسان ~~شخصيته الصلبة من خلال المعاناة التي يعانيها أمام البلاء ، كما يكشف له ~~طبيعة المشاعر والأحاسيس والأفكار التي تعيش في داخله ، فيكتشف الزيف من ~~الإخلاص ، ويعرف الأشياء العميقة في داخل كيانه من الأشياء الطافية على السطح. # وهذا ما ينبغي للعاملين في سبيل الدعوة إلى الله وفي حقل التربية ~~الإسلامية أن يواجهوه في ما يخوضونه من تحديات ، وما يواجهونه من عقبات ~~وصراعات ، وما يدفعون إليه العاملين الآخرين من مهمات ومسئوليات ، فقد يكون ~~من الأفضل أن لا ينهزموا أمام المصاعب ، وأن لا يتعقدوا منها. كما قد يكون ~~الخير لهم أن يوكلوا إلى العاملين معهم بعض القضايا التي تثير المتاعب ~~والمشاكل في بعض مراحل الطريق من أجل بناء شخصيتهم الإسلامية بالصدمات ~~القوية التي توقظ في داخلهم حس المواجهة للأخطاء والانحرافات ، وتدفعهم إلى ~~الوقوف بقوة أمام الأعاصير القادمة من بعيد. # * * * PageV06P325 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 إن الذين تولوا منكم يوم التقى ms1257 الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ) (155) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الجمعان ): جمع المؤمنين وجمع المشركين. # ( @QUR@01 استزلهم ): طلب وتحرى زلتهم وأوقعهم في الزلل. والزلة في ~~الأصل كما يقول الراغب : استرسال الرجل من غير قصد (1). # * * * ### ||| ** علاقة المعصية بالأخلاق # ( @QUR@03 إن الذين تولوا ) وهربوا وولوا الأدبار وأعرضوا عن مسئولية ~~المعركة PageV06P326 # ( @QUR@01 منكم ) أيها المسلمون ( @QUR@03 يوم التقى الجمعان ) جمع ~~المشركين وجمع المسلمين في الحرب المستعرة بينهما ، ( @QUR@03 إنما استزلهم ~~الشيطان ) من خلال حركته في داخل حياتهم لإيقاعهم في الزلة التي تؤدي بهم ~~إلى السقوط والوقوع تحت تأثير سخط الله ورسوله ، ( @QUR@03 ببعض ما كسبوا ) ~~في نفوسهم وأعمالهم من الذنوب الصغيرة أو الكبيرة التي تترك آثارها العميقة ~~في داخل الإنسان من خلال عناصرها السلبية في تحريكها لكل نقاط الضعف ~~الإنساني في كل وضع من أوضاعهم المستقبلية مما يجعل الذنوب تتتابع ، فإن ~~الذنب يجر إلى الذنب ، من خلال القاعدة التي يركزها في الذات في الأخلاقية ~~المنحرفة للإنسان ، تماما كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة في الأخلاقية ~~المستقيمة في قاعدة الإيمان في النفس. ما هي العناصر الذاتية الداخلية التي ~~ساهمت في إعراض من أعرض وهزيمة من انهزم؟ هل هي أمور عميقة في داخل الإنسان ~~، تملي عليه أعماله وتحدد له خطواته في الحياة ، أو هي حالات طارئة لا تلبث ~~أن تذوب وتتطامى وتهدأ؟ إن الآية تجيب عن هذا التساؤل ، فتثير أمام الإنسان ~~كثيرا من أخلاقه السلبية التي اكتسبها بفعل البيئة والنزعة والشهوة ، فقد ~~كسب هؤلاء من خلال أوضاعهم وعلاقاتهم بعض الخصائص في ما يتطلعون إليه من ~~أهداف الحركة في الحياة ، وما يعيشون فيه من اهتمامات ، فقد عاشوا الاهتمام ~~بتحصيل الغنائم كهدف من أهداف المعركة ، كما استسلموا للحياة الدنيا في ما ~~يستريحون إليه من حالات الضعف أمام مطالب الجسد ونوازع النفس الأمارة ~~بالسوء ، مما أدى إلى النتيجة الطبيعية المؤلمة في إعراضهم عن الوقوف أمام ~~مسئولياتهم في الدفاع عن المواقع المتقدمة في خط المعركة امتثالا لأوامر ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ما وضعه من التخطيط ms1258 للمعركة ، فكان ذلك سببا ~~في التفاف المشركين على المسلمين وفي حدوث الهزيمة في نهاية المطاف. # وربما نستوحي من خلال ذلك مفهوما إسلاميا تربويا يتصل بحركة الإنسان في ~~خط الاستقامة والانحراف في الحياة ، وخلاصته أن المعصية تنطلق من حالات ~~فكرية أو نفسية يكسبها الإنسان من خلال بعض الأوضاع والأفكار PageV06P327 # والممارسات ... وبذلك تكون نتيجة للمفاهيم السلبية الداخلية ، ولا تكون ~~مجرد حالة طارئة ، ولذلك فإن على العاملين في حقل التربية الإسلامية أن ~~يوجهوا اهتمامهم إلى هذا الجانب في شخصية الإنسان بالنفاذ إلى طبيعة ~~المفاهيم التي يحملها ، بدلا من أن يتحرك اهتمامهم إلى مواجهة أفعاله ~~كأشياء متناثرة متفرقة لا رابط بينها. وعلى الإنسان في هذا المجال أن ينفذ ~~إلى داخل فكره ليدرس المفاهيم التي اكتسبها من خلال بيئته وعمله ، ليصلح ~~نفسه على أساس إصلاح تلك المفاهيم وتغييرها في داخله ليتحرر من حالات الضغط ~~الشعورية عليه. # * * * # ( @QUR@03 الله غفور حليم ) # ( @QUR@08 ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ) وقد كان العفو من الله ~~رحمة لهم ، لأنهم كانوا حديثي عهد بالتجربة الصعبة التي تفرض عليهم ~~الالتزام بالتخطيط العملي للرسالة ، فكان انحرافهم نتيجة طبيعية للعوامل ~~الداخلية المؤثرة في مسيرتهم ، فأراد الله لهم أن يرجعوا إلى أنفسهم من ~~جديد ليراجعوا مواقفهم ، فينطلقوا نحو التحديات المستقبلية بروح رسالية ~~صامدة ، ويمارسوا المسؤوليات بإرادة قوية منضبطة ... وهكذا كان عفو الله عن ~~عباده ، فرصة جديدة لهم من أجل تصحيح مواقفهم الخاطئة في كل موقف يشعرون ~~فيه بالحاجة إلى التوبة والمغفرة. وقد نستطيع الاستيحاء العملي من هذه ~~الآية في حركة الإنسان المسلم في أجواء المسؤوليات الإسلامية المباشرة عند ~~ما تنحرف به الخطى عن الطريق بسبب بعض الضغوط الداخلية ، ثم يندم ويتراجع ~~ليستقيم من جديد على الخط ، ويتحرر من كل المؤثرات السلبية في داخله ، فقد ~~يكون من الضروري أن لا نتعقد أمامه ، بل نفسح له المجال لتجربة المسيرة من جديد. PageV06P328 # وهناك ملاحظة تفسيرية للعلامة الطباطبائي في «الميزان» جديرة بالاهتمام ، ~~وهي متعلقة بالمقارنة بين قوله تعالى في هذه الآية : ( @QUR@08 ولقد عفا ~~الله عنهم إن الله غفور ms1259 حليم ) وبين قوله : ( @QUR@03 ولقد عفا عنكم ) وذلك ~~بالتأكيد على أن العفو المذكور في الآية الأولى هو غيره المذكور في الآية ~~الثانية ، قال : «ومن الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف ~~اللحن ، ففرق واضح بين قوله تعالى : ( @QUR@08 ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين ) ثم ذكر إثابتهم غما بغم لكيلا يحزنوا ، ثم إنزاله عليهم ~~أمنة نعاسا ، وبين قوله تعالى : ( @QUR@08 ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور ~~حليم ) حيث ذكر العفو وسكت عن جميع ما أكرم الطائفة الأولى به ، ثم ختم ~~الكلام بذكر حلمه ، وهو أن لا يعجل في العقوبة ، والعفو الذي مع الحلم ~~إغماض مع استبطان سخط. # فإن قلت : إنما سوى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعا. # قلت : معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق ، وإن صدق على الجميع ~~مفهوم العفو على حد سواء ، ولا دليل على كون العفو والمغفرة وما يشابههما ~~في جميع الموارد سنخا واحدا ، وقد بينا وجه الاختلاف» (1). # ونلاحظ على ما ذكره ، أن اختلاف النقاط التي أحاطت بكلمة العفو في ~~الموردين لا يعني اختلاف كلمتي العفو في المصداق ، بل كل ما يوحي به ذلك ~~اختلاف الحديث عن صفة العفو في طبيعته الواحدة وحركته الواقعية في صفة الله ~~التي تلتقي به ، فالله ذو فضل على المؤمنين عند ما يعفو عنهم في كل موارد ~~العفو بعد استحقاقهم للمؤاخذة من خلال ذنوبهم ، وهو الحليم بهم والغفور لهم ~~الذي يتسع حلمه في خط المغفرة ، وهكذا يكون الحلم في موقع الفضل ، كما يكون ~~الفضل مظهرا للحلم ، فهما عنوانان ينطبقان على مصداق واحد. # أما مسألة ذكر الإكرام هناك وإغفاله هنا ، فهو أمر آخر يضاف إلى العفو PageV06P329 # ولا يدخل في معناه المصداقي ، وهذا هو الأسلوب القرآني في الحديث عن صفات ~~الله ، حيث تلتقي كل صفة بصفات الله الأخرى مع اتحاد الورود والمصداق ، لأن ~~الله تحدث عن الواقعة كوحدة في أوضاعها ونتائجها مع تعدد في الوقائع ~~وتنوعها في سلوك الأشخاص الذين يمثلون فريقا واحدا ، فليس هنا فردان من ~~العفو ms1260 ؛ عفو لا ينفتح على معنى الفضل ، وعفو ينفتح عليه ، إن ذلك نوع من ~~التكلف. # * * * PageV06P330 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ~~إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل ~~الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ~~@QUR@014 ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما ~~يجمعون (157) @QUR@07 ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ) (158) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ضربوا ): سافروا وقطعوا المسافات البعيدة للتجارة أو طلب ~~العلم أو نحو ذلك. والضرب في الأرض : السير فيها ، وهو ضربها بالأرجل ، ~~وأصله : الضرب باليد ، وقيل : هو الإيغال في السير. # ( @QUR@01 غزى ): جمع غاز ، نحو ضارب وضرب ، وطالب وطلب ، والمراد به ~~غزاة من الغزو ، أي : محاربين للعدو. # * * * PageV06P331 ### ||| ** نداء إلهي تحذيرا للمؤمنين من الأساليب الانهزامية # وهذا نداء جديد من الله للمؤمنين يستهدف إفراغ مشاعرهم من السلبيات ~~العاطفية الضاغطة التي تهيمن على الروح والفكر والوجدان ، فتنحرف بها عن ~~الخط الإيماني الأصيل في التصور والشعور ، فتدفعها إلى الاستسلام لحالات ~~الضعف التي تهزم مواقفها من ناحية نفسية قبل أن تنهزم في معركتها من العدو ~~، ولذلك أراد الله سبحانه أن يعيش المؤمن في مواقعه الإيمانية فكريا وروحيا ~~وعمليا ، فيظل في وعي دائم لمقتضيات الإيمان ، بعيدا عن الضغوط العاطفية ~~السلبية ، فيرصد مشاعره في اتجاهاتها الإيجابية والسلبية ، ويراقب الكلمات ~~التي يسمعها في ما يختبئ في داخلها من خلفيات خيرة أو شريرة ، ويربط ذلك ~~كله بالموقف الإسلامي في خطواته العملية في الحياة ، ليتعرف على مدى تأثير ~~تلك الأشياء عليها في ما تستتبعه من اهتزاز أو ثبات. # إن الله يثير ذلك في ما نستوحيه في هذا النداء الذي يكشف للمؤمنين بعض ~~الأوضاع التي يعيشها الكافرون الذين يخوضون المعارك المنطلقة من حالات ~~الغزو فيفقدون فيها بعض إخوانهم في المعركة ، أو يسافرون ويضربون في الأرض ~~فيتعرضون لبعض أخطار السفر فيموتون تحت تأثيرها ؛ فإذا حدث ذلك كان رد ~~الفعل لديهم أن يطلقوا التمنيات الحزينة والافتراضات غير الواقعية ، ~~فيقولون : لو كان ms1261 هؤلاء الذين ماتوا عندنا ، فلم يخرجوا إلى الغزو وإلى ~~السفر لظلوا أحياء ، لأنهم يبتعدون بذلك عن أسباب الموت ، كما ابتعدنا عنها ~~فبقينا أحياء. وتتحول هذه الكلمات لديهم إلى مشاعر تتفاعل في وجدانهم وتملأ ~~قلوبهم بالحسرة ، في ما أودعه الله في تكوين الإنسان من ارتباط المشاعر ~~السلبية بالأفكار غير الواقعية البعيدة عن خط الإيمان. ويبتعد الإنسان من ~~خلال ذلك عن الحركة المستقبلية نحو أهدافه الكبيرة ، وتتجمد مشاريعه ، ~~فيخاف من السفر وأخطاره إذا دعته المصلحة إلى ذلك ، فيتركه استسلاما لحالة ~~الخوف من الموت ، ويخشى من نتائج المعركة التي تفرض عليه حياته أن يخوضها ، فيبتعد PageV06P332 # عنها ويجلس في بيته مهزوما ، خشية من الموت ، فتتجمد أوضاعه تبعا لذلك ... # إن هذا النداء يحذر المؤمنين الذين قد يعيشون في مجتمع الكافرين فيتأثرون ~~بأساليبهم العاطفية ، لا سيما في حالات الألم الشديد ، فتتأثر بذلك مسيرتهم ~~في الجهاد الذي يفرضه عليهم إيمانهم أمام التحديات الدائمة الحاضرة ~~والمستقبلة من قبل الكافرين ، ويفقدون حركة إيمانهم في الداخل ، فإن المؤمن ~~يعتقد أن الحياة والموت بيد الله لا بيد الإنسان ، وأن ظروف الموت وأسبابه ~~ليست محصورة في نطاق الأخطار التي تواجه الإنسان ، بل ربما يموت الإنسان في ~~حالة السلم وينجو في حالة الحرب ، وقد يخرج سليما من قبضة الخطر ويقع صريعا ~~في حالات الاسترخاء ... وبذلك كانت القضية لدى المؤمن هي أن تكون حياته لله ~~، وأن يكون مماته لله من حيث طبيعة الهدف الكبير الذي يشمل حياته ، فلا ~~مجال أمام ذلك للتراجع عن الخطر والابتعاد عن المعركة والاستسلام ~~للانفعالات العاطفية التي تصيب الإنسان عند ما يفقد حبيبا أو قريبا أو ~~صديقا ، بل هو الصبر والثبات والرضى بقضاء الله والشكر على نعمة الجهاد ، ~~والفرح الروحي الذي يستشعره المؤمن في كل هذه الحالات بأنه تحت سمع الله ~~وبصره ، فتهتز مشاعره أمام النظرة الإلهية الراحمة عند مواقف الطاعة ~~المخلصة الممتدة في خطوات الإيمان. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) الذين لا تزال الرواسب التاريخية في ~~مجتمعهم الذي كان يتخبط في تقاليد الجاهلية ويتأثر بمفاهيمها ، تفرض نفسها ~~عليهم بطريقة لا ms1262 شعورية ، أو تتحرك في الأحاديث العامة الخاضعة لأجواء ~~الحزن في مشاعره السلبية في مواجهة الإنسان للجانب العاطفي في حياته ~~المتأثر بالمصائب الطارئة عليه التي تصيبه في أقربائه وأصدقائه وأحبائه ... ~~أيها المؤمنون ، لا تتأثروا بتلك الرواسب ، واندفعوا إليها بوعي الإيمان ~~الحق المنفتح على سنة الله في الحياة وحكمته في تقديره للأمور ، من حيث هو ~~مالك كل شيء ، والمهيمن PageV06P333 # على الأمر كله ، لتطردوها من نفوسكم ، فلا تسقطوا أمامها ولا تتأثروا بها ~~بعيدا عن الخط الإيماني الشعوري والفكري والعملي ، و ( @QUR@04 لا تكونوا ~~كالذين كفروا ) بالله وابتعدوا عن وعي الحياة في كل أحداثها المتنوعة في ~~حركة الآلام في واقع الإنسان في مسيرته في الدنيا ، من خلال تعقيداتها ~~الكثيرة وتأثيراتها عليه ، فلم يتعمقوا في معناها من حيث ارتباطها بإرادة ~~الله وقدرته وتخطيطه للنظام الكوني والإنساني في سننه في الكون والحياة ~~والإنسان ، بل استغرقوا في الجانب الحسي المحدود الذي يتطلع إلى الأمور من ~~جانب واحد في الأفق الضيق ، لا من جميع جوانبها في الأفق الواسع ، وهكذا ~~واجهوا مسألة مصابهم بإخوانهم بهذا المنطق السطحي الانفعالي ، فتحدثوا ( ~~@QUR@02 وقالوا لإخوانهم ) الذين يلتقون معهم في النسب أو في النوع ~~والخصائص القريبة ، والمراد بقولهم لهم ، هو الحديث عنهم لأجل التعبير عن ~~تمنياتهم لهم بالأخذ بأسباب السلامة والتنديد باقتحامهم أخطار السفر والحرب ~~، كما لو كانوا أحياء معهم ( @QUR@04 إذا ضربوا في الأرض ) وسافروا فيها ~~وابتعدوا في قطع المسافات الشاسعة للتجارة أو غيرها ، ( @QUR@03 أو كانوا ~~غزى ) في ساحة المعركة الضارية ضد الأعداء ، ( @QUR@03 لو كانوا عندنا ) ~~مقيمين بيننا في حالة الدعة والأمن والاسترخاء والبعد عن مواقع الأخطار ( ~~@QUR@04 ما ماتوا وما قتلوا ) لأن أسباب الحياة متوفرة لدينا ، وعوامل ~~الخطر بعيدة عنا ، ولذلك امتدت الحياة بنا بكل عناصرها ولذاتها. # وهكذا كانوا يتحدثون بأسلوب المتمني اليائس الحزين الذي يتطلع إلى ~~الأحداث من مواقع انفعاله لا من موقع تفكيره ، ليوجه مشاعره نحو السقوط ~~العاطفي فيتحول ذلك إلى حالة قريبة من اليأس ( @QUR@06 ليجعل الله ذلك حسرة ~~في قلوبهم ) يجترونها في أحاديثهم الانفعالية. واللام هنا للعاقبة ، أي ~~لتكون عاقبة ذلك الحسرة ms1263 النفسية بدلا من الطمأنينة الروحية في مواجهة ~~البلاء على أسلوب قوله تعالى : ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا ) [القصص : 8]. # وفي هذا تحذير للمسلمين أن لا يقولوا مثل هذا القول ، ولا يفكروا بهذه ~~الطريقة ، لأنها تبتعد بالإنسان المؤمن عن عقيدته ، وتملأ بالحسرة نفسه ، فيسقط PageV06P334 # بروحه أمامها وتعطل حركته نحو الجهاد في مواجهة الأعداء ، وتسقط طموحه في ~~الوصول إلى المواقع المتقدمة في الحياة ( @QUR@03 والله يحيي ويميت ) فهو ~~الذي يملك أمر الحياة والموت من خلال سنته المتحركة من مواقع إرادته في خط ~~حكمته وقدرته ، فقد يموت الإنسان في داره في حالة الأمن والدعة ، وقد يعيش ~~الإنسان المتحرك في مواقع الخطر في السفر الشاق والحرب الخطرة ، ( @QUR@04 ~~والله بما تعملون بصير ) فهو المطلع على كل أعمالكم في سركم وعلانيتكم ، ~~وعليكم مراقبته في كل حركة أفكاركم ومشاعركم وأقوالكم وأفعالكم لتنسجموا مع ~~إيمانكم الذي يحقق لكم رضاه. # * * * ### ||| ** تأكيد الموقف بحقيقتين إيمانيتين # ثم يؤكد الله سبحانه للمؤمنين في هذا النداء حقيقتين إيمانيتين في ما ~~يريده لهم أن يعيشوه من حقائق الإيمان ، ليستثيروا بذلك الأجواء التي تمنع ~~العواطف السلبية المضادة من النمو والتأثير على مجرى التفكير والشعور. # الأولى : في قوله تعالى : ( @QUR@014 ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ~~لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ). # إن المؤمنين الذين يعيشون حياتهم في خط الطاعة لله والجهاد في سبيله ، ~~فيقتلون في سبيل الله أو يموتون في طريق الطاعة ، لا يعيشون الشعور ~~بالخسارة إزاء الموت ، بل يتطلعون إلى الربح الأعلى ، لأن الإيمان يخضع ~~المشاعر الإيمانية للتطلع إلى ما عند الله من المغفرة والرحمة لأنها السبيل ~~الوحيد إلى الطمأنينة والسعادة الخالدة التي تصغر أمامها كل رغبات الدنيا ~~وامتيازاتها وشهواتها وأموالها ، لأنها النعيم الزائل الذي لا يخلو من ~~الكثير من الآلام ، بينما تمثل الآخرة في نعيمها الخلود واللذة التي لا ~~يشوبها الألم من قريب أو من بعيد. وفي ضوء ذلك ، لا بد للمؤمنين من استقبال ~~أخطار الجهاد بالإقدام PageV06P335 # والإرادة القوية بعيدا عن كل السلبيات العاطفية ، ليستقبلوا ألطاف الله ~~في مغفرته ورحمته. # الثانية : في ms1264 قوله تعالى : ( @QUR@07 ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ). # إن المؤمن يعرف من خلال إيمانه أن الموت لا يمثل النهاية المحتومة التي ~~ينتهي إليها وجوده ، فيغرق في أمواج العدم الباردة التي تملأ كيانه بالصقيع ~~، حتى يعيش الحسرة أمام الموت ، لأنه يفقد بذلك قوة الحياة في نعيمها ~~ولذتها ، ولكنه يمثل الجسر الذي يلتقي فيه الإنسان بالله عند ما يحشر إليه ~~مع كل الخلائق ، فيجد عنده الأمن والطمأنينة عند ما يقدم إليه حسابه فيوفيه ~~أجره خالصا كاملا غير منقوص ، فيدفعه ذلك إلى استقبال حالة الموت بروح ~~هادئة مطمئنة تستعجل لقاء الله طلبا لما عنده ، وذلك هو الفوز العظيم ... # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من الآيتين؟ # وقد نحتاج إلى استيحاء هاتين الآيتين في واقع الجهاد الذي يخوضه المؤمنون ~~الآن عند ما يلتقون بالمشاعر السلبية الحزينة التي يثيرها المجتمع المنحرف ~~الخاضع لأساليب الكفر ، فيواجهون التجربة الصعبة عند أول حالة جهاد ~~يخوضونها ويفقدون فيها إخوانهم ، وتتحرك التأوهات والتمنيات لتثير أمام ~~المؤمنين مشاكل عاطفية ونفسية ... فقد ينبغي لنا في هذا المجال أن نثير هذه ~~الأجواء القرآنية بشكل عميق تستيقظ فيه روحية الإيمان لتحرك المشاعر ~~الإنسانية في الاتجاه الصحيح ، وتوجهها إلى الوجهة المستقيمة ، وذلك في ضمن ~~خطة تربوية مستمرة تعمل لتفريغ وجدان المسلمين من السلبيات الفكرية ~~والشعورية التي قد يلتقون بها في مجتمعاتهم ، فيفقدون من خلال ذلك أصالة ~~الشخصية وعمقها وامتدادها ، لأن مشكلة المسيرة الإسلامية في كثير من ~~مظاهرها ، هي في أن المسلمين يغفلون عن بعض مستلزمات الإيمان ، PageV06P336 # فيندمجون في تقاليد المجتمع وعاداته وتصوراته ، ويتحولون عندئذ إلى طاقات ~~تتحرك باسم الإسلام ، ولكن بمؤثرات غير إسلامية ، وتتراكم من خلال ذلك في ~~واقعهم الأوضاع والأساليب غير الإسلامية ، وتفسح المجال للأفكار المنحرفة ~~لتدخل في عمق الفكر والشعور بطريقة خفية ، فتتأثر بذلك خطواتهم لتنحرف إلى ~~خط الكفر من حيث لا يشعرون .. # * * * PageV06P337 ### ||| * الآية # ( @QUR@030 فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن ~~الله يحب المتوكلين ) (159) # * * * ### ||| ** معاني المفردات ms1265 # ( @QUR@01 فظا ): غليظ القلب جافيا سيئ الخلق ، خشن الكلام ، والفظ كما ~~يقول الراغب الكريه الخلق ، مستعار من الفظ ، أي : ماء الكرش ، وذلك مكروه ~~شربه لا يتناول إلا في أشد ضرورة (1). # قال صاحب مجمع البيان : وقيل : إنما جمع بين الفظاظة والغلظة وإن كانتا ~~متقاربتين لأن الفظاظة في الكلام ، فنفى الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه (2). PageV06P338 # ( @QUR@02 غليظ القلب ): قاسي القلب ، والغلظة : ضد الرقة ، وتستعار ~~للمعاني كما في قوله : ( @QUR@02 ميثاقا غليظا ) [الأحزاب : 7]. # قال الراغب : وأصله أن يستعمل في الأجسام لكن قد يستعار للمعاني (1). # ( @QUR@01 لانفضوا ): لتفرقوا وتباعدوا. والفض : تفريق الشيء. والانفضاض ~~: التفرق. # ( @QUR@03 وشاورهم في الأمر ): أي : اطلب ما عندهم من الرأي لتقدم لهم ~~ما عندك منه ، فإن معنى المشورة في قولك : شاورت فلانا : أظهرت في الرأي ما ~~عندي وما عنده. # ( @QUR@01 عزمت ): العزم : عقد القلب على الشيء تريد أن تفعله ، ~~والعزيمة كذلك ، قال ابن دريد : يقال : عزمت عليك : يعني أقسمت عليك. # ( @QUR@01 فتوكل ): التوكل على الله : هو تفويض الأمر إليه والثقة بحسن ~~تدبيره. وأصله : الاتكال : وهو الاكتفاء في فعل ما يحتاج إليه ممن يستند ~~إليه ، ومنه : الوكالة ، لأنه عقد على الكفاية بالنيابة ، والوكيل : هو ~~المتكل عليه بتفويض الأمر إليه. # * * * ### ||| ** بين أخلاق الرسول وأخلاق الرسالة # وتنفصل السورة قليلا عن أجواء الحرب وما يثأر فيها من سلبيات وإيجابيات ~~في الكلمة والحركة والفكرة ، لتلتقي بالصورة المشرقة المتمثلة في رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، في قلبه الكبير الرحيم الرقيق الذي يتسع لكل مشاكل ~~المسلمين وأخطائهم ، فلا يتعقد ولا يتشنج ولا يضيق ولا يقسو ، بل ينفتح ~~ويتسع ويرق PageV06P339 # ويلين ، وفي أسلوبه الرقيق الذي يتفايض بالأحاسيس الطيبة والمشاعر ~~الطاهرة والنبضات الرحيمة ، فلا تتحرك كلماته من موقع قسوة لتؤذي المشاعر ، ~~ولا تنطلق من حالة فظاظة لتدمي الإحساس ، بل هو اللين والرحمة واللطف ~~والعاطفة الحميمة التي تدخل إلى القلوب بكل عفوية وبساطة ومحبة ... # وتلك هي شخصية الإنسان الرسالي في ما يريده الإسلام للرسالة من سمات في ~~حركة الرسول والداعية ، فقد ينبغي أن نتعلم من شخصية رسول الله في خطواته ~~العملية في أسلوبه في ms1266 الدعوة ، أن علينا التوقف أمام حقيقة إنسانية إسلامية ~~، وهي أن أخلاقية الرسول أساسية في حركة الرسالة ، فلا يكفي في نجاحه أو ~~نجاحها أن يملك الفكر العميق الذي يستطيع من خلاله أن يقنع الآخرين بالحجة ~~والبرهان ، أو يملك القوة العظيمة التي يسيطر بها على خصومه بالوسائل ~~العنيفة القاسية ، بل يجب أن يتصف بالأخلاق العالية التي لا تعيش في خارج ~~ذاته بطريقة تمثيلية ظاهرية ، بل تتعمق في داخل الذات رحمة ومحبة وانفتاحا ~~على الناس ووعيا للظروف الموضوعية المحيطة بهم ، ليكون التعامل معهم من ~~موقع الفهم الواعي لمشاكلهم الحقيقية ولنوازعهم الذاتية ، فتتحرك الرحمة في ~~نفس الرسول ، في ممارسته لأسلوب رسالته ، في دراسة كل المؤثرات في ما ~~يختاره من الكلمات اللطيفة والأساليب الحكيمة والأجواء الموحية ، لتصل ~~الدعوة إلى قلوب الناس في الوقت الذي تصل فيه إلى عقولهم ، لأن قيمة ~~الرسالة في حركة الشخصية الإسلامية ، تتمثل في تحولها إلى وعي للفكرة في ~~عمق الذات وانسجام عفوي مع كل آفاقها وأفكارها ، بحيث تنطلق منها انطلاقة ~~النهر من قلب الينابيع والشعاع المتفجر من قلب الشمس. # وهكذا كان رسول الله في أسلوب رسالته الذي يمثل أسلوب شخصيته في خلقه ~~العظيم وقلبه الكبير ، فاستطاع من خلال ذلك أن يدخل الرسالة إلى كل قلب ، ~~وأن يطلق صوتها في كل فم ، وأن يحرك شريعته في قلب كل مساحة من مساحات ~~الحياة ... وهذا هو سر نجاح الداعية في الدعوة ، فليس له أن يستسلم لنوازعه ~~الذاتية ليفرضها على الدعوة ، بل ينبغي له أن يصوغ شخصيته PageV06P340 # صياغة إسلامية ، تنبع من روح الإسلام وخلقه كما تتحرك مع فكره ، ويترك ~~مزاجه الشخصي لأجوائه الفردية التي تبتعد عن جو الدعوة والعمل. # * * * ### ||| ** سر العظمة في أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@04 فبما رحمة من الله ) أي فبرحمة وما زائدة بإجماع المفسرين قاله ~~صاحب مجمع البيان قال : ومثله قوله : عما قليل ، جاءت (ما) مؤكدة للكلام ~~ودخولها تحسن النظم كدخولها لاتزان الشعر في نحو قول عنترة : # يا شاة ما قنص (1) لمن حلت له %~% حرمت علي وليتها لم تحرم (2) # ويكون ms1267 معنى الآية : أي بسبب الرحمة التي رحم الله بها المسلمين الذين ~~اتبعوك وآمنوا بك ، ما أودعه في شخصيتك الرسالية في محبتها لهم وانفتاحها ~~على قضاياهم وإحساسها بالمسؤولية في تثبيتهم على الخط الإيماني والتزامهم ~~به ، وفي إبعادهم عن حالة الاهتزاز النفسي التي قد تحركها في الذات الأجواء ~~السلبية ، التي قد تسيطر عليها من خلال ردود الفعل على قسوة هنا وغضب هناك ~~، وتشنج من الداعية في بعض المواقع ، ( @QUR@02 لنت لهم ) فكنت الرقيق في ~~أسلوبك وكلامك معهم وخطابك لهم ، والرقيق في نبضات قلبك أمام آلامهم ~~وأحلامهم ومشاكلهم ، والمتسامح معهم إذا أخطئوا ، والمتساهل معهم إذا ~~خالفوا تعاليمك ، وذلك هو سر العظمة في أخلاقه النبوية وروحيته الإنسانية ~~وسلوكيته الإسلامية التي تعمق إحساس النبي بالآخرين في خط الانتماء ، ~~وانفتاح الإنسان على الناس الذين يلتقي بهم في الخط الفكري والعملي ، ~~لتأكيد الانتماء والعلاقة القوية وحركية المسلم الداعية في تقوية روحية ~~المسلمين في مواقع الصراع. PageV06P341 # ( @QUR@03 ولو كنت فظا ) أي فظ اللسان والطباع ، خشن المعاملة ، سيئ ~~الخلق ، ( @QUR@02 غليظ القلب ) في قسوة الإحساس الداخلي في خفقاته ونبضاته ~~بالطريقة السلبية ، ( @QUR@03 لانفضوا من حولك ) أي لتفرقوا عنك ، لأن ~~الناس يبتعدون عن أي شخص يغلق قلبه عنهم ، ويقسو في المعاملة معهم ، ويضغط ~~بالخلق السيء على مشاعرهم ، لأن النفس مجبولة على النفور ممن يسيء إليها ، ~~كما هي مجبولة على حب من أحسن إليها. وهكذا كنت يا محمد تمثل الرسول القائد ~~الذي ينطلق بروحية الرسالة وعفوية الإنسانية لاحتضان الناس الذين اتبعوه ~~وعاشوا معه ، كوسيلة من وسائل تأكيد قوة الرسالة في جمهورها والتزام ~~جمهورها بقيادتهم الحكيمة الحميمة. # * * * ### ||| ** المسلمون وعفو الرسول عنهم # ولا بد للرسول في الدعوة ، وللداعية في وعيه للعمل ، من أن يعيش الأجواء ~~الواقعية للمسلمين في ما يقعون فيه من الأخطاء ، أو يتأثرون به من ~~الانحرافات ، أو يخضعون له من الضغوط الخاصة والعامة ، انطلاقا من حركة ~~الصراع في داخل النفس التي قد تؤدي إلى الحق ، وقد تقع في قبضة الباطل ، ~~وذلك بإفساح المجال لهم للتراجع عن الخطأ ، والاستقامة في مواقع الانحراف ، ~~والرجوع إلى الحق في ms1268 مواطن الباطل ... بالابتعاد عن الإيحاء الدائم بذلك ~~كعقدة مستعصية غير قابلة للحل ، أو كجريمة غير خاضعة للعفو ، فلا بد من ~~إعطاء المجال للعفو عن كل ذلك والمغفرة للفاعلين ، للإيحاء لهم بأن الخطيئة ~~ليست ضريبة مفروضة على الإنسان ، وأن الانحراف ليس قدر الإنسان في حركته في ~~الحياة ، بل يمكن له أن يتحرر من هذه أو ذاك في عملية تجديد الشخصية في خطة ~~روحية فكرية عملية ، تحتوي كل أوضاع الإنسان في كل ما يقوله وما يفعله ، ~~وهذا ما أراد الله سبحانه أن يثيره أمام رسوله : ( @QUR@01 فاعف PageV06P342 # @QUR@03 عنهم واستغفر لهم ) داعيا له إلى العفو عن المسلمين الذين يخطئون ~~في حالة السلم وفي حالة الحرب في ما يتعلق بحقوقه كرسول وقائد وحاكم ... ~~وإلى الاستغفار لهم في ما يتعلق بحقوق الله من ترك طاعته والإقبال على ~~معصيته ، ليستقيم لهم الطريق من جديد ، وتتحرك الطاعة في حياتهم على طريق الله. # * * * # ( @QUR@03 وشاورهم في الأمر ) # ( @QUR@03 وشاورهم في الأمر ) وهذا توجيه عملي آخر يوجه به الله رسوله ، ~~ويوجه الأمة من خلاله ، وهو مبدأ المشاورة في الأمور التي تمس حياتهم وحياة ~~الإسلام بشكل عام في ما يريد أن يقوم به الرسول من عمل ، أو يقرره من قرار ~~، أو يخطط له من وسائل وأهداف في حالة السلم وفي حالة الحرب ، ليحقق من ~~خلال ذلك أمرين تربويين عمليين في حركة العاملين في الحياة : # الأول : التخطيط للسلوك الفردي والاجتماعي على أساس الابتعاد عن ~~الاستبداد بالرأي في اتخاذ المواقف الحاسمة والقرارات المصيرية ، والتأكيد ~~على أن يرجع الإنسان إلى فكر الآخرين الذين يملكون الفكر السليم فيحاورهم ~~ويناقشهم ويستشيرهم في كل خطوة من خطوات العمل ، ثم يرجع إلى فكره ليقارن ~~بين الآراء ويدرس كل واحد منها بمفرده بهدوء وموضوعية ، لينتهي إلى النتيجة ~~الأخيرة بطريقة فكرية سليمة ، فيعمل على أساسها بقوة وثبات. # الثاني : إعداد الأمة التي تمثل القاعدة الواسعة لتفكر مع القيادة في كل ~~ما تريد القيادة أن تقوم به من خطط ومشاريع ، لتعرف من موقع الفكر كيف يكون ~~التحرك وأين تقع الوسيلة من خط الهدف ، فتتابع ms1269 القرارات من بدايتها بوعي ~~وتأمل وتركيز ، وتتدرب بذلك على ممارسة الدور القيادي في المرحلة الفكرية ، ~~من أجل أن تعد نفسها لاستلام القيادة في حالات الفراغ بكفاءة وقدرة على ~~اتخاذ القرارات وتخطيط المواقف ، وتتعلم كيف تراقب خطوات القيادة غير PageV06P343 # لمعصومة ، أو ترصد قراراتها ، لئلا تنحرف أو تغفل أو تخون ، فتكون ~~بالمرصاد لها من بداية الطريق ، قبل أن تتعقد المشكلة ويستفحل الأمر في ~~نهايته ، وبذلك يصعب على القيادات المنحرفة التي قد تفرض نفسها على الساحة ~~في المستقبل ، أن تمارس حريتها في التلاعب بمقدرات الأمة واللعب على ~~عواطفها ومشاعرها بالكلمات المبهمة ، لأن الأمة قد أعدت لترصد الحكم في ~~عملية محاكمة ومناقشة على أساس تحصيل القناعة من قاعدة الحجة والبرهان ~~المتمثل بحركة الحوار الفكري. # وتلك هي عظمة التربية الإسلامية التي توحي للقادة ، وإن كانوا في مستوى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يحتاج إلى فكر أحد ، بأن يبحثوا عن ~~القاعدة التي تفكر وتقتنع لتطيع من خلال ذلك ، لا عن القاعدة التي تطيع من ~~دون فهم ووعي ، وذلك كوسيلة مثلي من وسائل التحضير العملي لقيادات المستقبل ~~من بين أفراد القاعدة. # * * * ### ||| ** الآية وعلاقتها بالشورى في الحكم # وقد أثار الكثيرون من المفكرين الإسلاميين في حديثهم عن هذه الفقرة من ~~الآية ، موضوع الشورى وعلاقتها بشرعيتها كأساس للحكم الإسلامي ، فرأوا في ~~هذه الآية قاعدة التشريع التي توحي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وللأمة من ~~خلاله ، بأن يعتمد الشورى كأساس للقضايا العامة ليكون ذلك دستورا عمليا ~~شاملا ، حتى في الحالات التي لا تحتاج فيها القيادة إلى ذلك كما في حالة ~~وجود إمام معصوم. # ولكننا لا نستطيع أن نوافق على إخضاع الآية لهذه الفكرة ، فإننا لا نلمح ~~فيها مثل هذا الجو ، فقد وردت في الحديث عن السلوك العملي للرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين كوجه للصورة الإنسانية الإسلامية التي ~~تتمثل فيها إنسانية الرسالة PageV06P344 # وواقعيتها في ما يعيشه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه من الرحمة ~~في رقة القلب ولين الكلمة ، وفي ما يريد ms1270 الله له أن يعيشه معهم من العفو ~~عنهم والاستغفار لهم إذا أخطئوا ، ومن استشارتهم في الأمر كأسلوب من أساليب ~~تأكيد اهتمامه بهم وتقديره لهم ، وإعدادهم من خلال ذلك للمستقبل ليعتادوا ~~على التفكير في الأمور ، ولم تتحدث الآية الكريمة عما تفرضه الاستشارة من ~~مسئوليات على المستشير إذا لم يقتنع بالرأي المشار به ، كما هو المفروض في ~~ما تقتضيه فكرة الشورى في اعتبارها قاعدة لشرعية الحكم في الدولة الإسلامية ~~من حيث الإلزام للأمة بما تفرضه من قرارات وما تستتبعه من التزامات ... بل ~~ربما نستوحي من الفقرة التالية ( @QUR@05 فإذا عزمت فتوكل على الله ) أن ~~الاستشارة لا تفرض شيئا ، بل القضية هي إرادة الإنسان وعزمه المنطلق من ~~قناعته بعد الاستشارة سواء كانت منسجمة معها أو غير منسجمة. ويؤكد هذا ~~المعنى ، أو يوحي به ، بعض الأحاديث الواردة في هذا المجال ، فقد جاء في ~~بعضها : لما نزلت ( @QUR@03 وشاورهم في الأمر ) قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله ~~تعالى رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ومن تركها لم يعدم غيا. # وجاء عن علي بن مهزيار قال : كتب إلي أبو جعفر الإمام محمد الباقر ~~عليه السلام أن «سل فلانا أن يشير علي ويتخير لنفسه ، فهو يعلم ما يجوز في ~~بلده ، وكيف يعامل السلاطين ؛ فإن المشورة مباركة ، قال الله تعالى لنبيه ~~في محكم كتابه : ( @QUR@016 فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا ~~عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين )، فإن كان ما يقول مما يجوز ~~كنت أصوب رأيه ، وإن كان غير ذلك رجوت أن أضعه على الطريق الواضح إن شاء ~~الله» (1). وجاء عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام لبعض أصحابه ، ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد» (2). PageV06P345 # وقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم شاور أصحابه يوم بدر في الذهاب إلى ~~قافلة أبي سفيان فقالوا : يا رسول الله ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه ms1271 ~~معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماء لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم ~~موسى لموسى : ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) [المائدة ~~: 24] ، ولكن نقول : اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. # وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تربيته الناس على الشورى يحضهم على ~~التمييز ، في كل مورد يريدون أن يدلوا إليه برأيهم في بعض مسائل الحرب ~~والسلم ، بين ما هو تكليف إلهي شرعي ، وبين ما هو تدبير بشري صادر عن شخص ~~النبي ، ليشيروا عليه بآرائهم فيما لو كان رأيه صلى الله عليه وآله وسلم رأيا ~~خاصا. وهذا ما رواه كتاب السيرة في يوم بدر ، فقد نزل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في موقع هناك ، كان أدنى ماء من بدر كما يقولون فقال ~~الحباب بن المنذر يا رسول الله : أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزله الله ليس ~~لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم : بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال : يا رسول الله ، ~~ليس هذا بمنزل ، فانهش بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فينزله ثم تفور ~~ما وراءه ... فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أشرت بالرأي ، وعمل ~~برأيه. وربما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بالعمل ليستثير رأي ~~أصحابه بالمناقشة فيه ليفكروا بالرأي البديل ، فيدربهم على التفكير في ~~الأمور ، ويوجه القيادات من بعده إلى الاستماع إلى آراء القاعدة الشعبية في ~~قرارات القيادة ، من أجل تسديد الرأي وتعميق العلاقة بين القيادة والقاعدة ~~على أساس المسؤولية المشتركة في التقرير والتنفيذ ، مع الحفاظ على الموقع ~~القيادي للقيادة ، لأن مسألة الشورى تتحرك في المرحلة التي تسبق القرار ~~الحاسم في الموقف أو في المعركة. # ولا بد لنا من التدقيق في الروايات التي تتحدث عن مشاورة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين من حيث توثيق رواتها ودراسة مضمونها ، لأن ~~بعض هذه الروايات تسيء إلى صورة وعي النبي صلى الله عليه وآله ms1272 وسلم للرسالة ~~وإنسانيته في نظرته إلى الناس ؛ كما جاء في رواية أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم شاور أصحابه في يوم الحديبية في أن PageV06P346 # يميل على ذراري المشركين ، فقال له أبو بكر : إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما ~~جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال. # فنحن نلاحظ أن هذه الرواية توحي بأن أبا بكر كان أكثر وعيا للمهمة التي ~~جاء المسلمون لتنفيذها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في الوقت الذي ~~نعرف فيه أن النبي هو الذي قادهم على أساس القيام بالعمرة لا على أساس ~~القتال ، ولذلك لم يجيء مقاتلا في حال استعداد شامل للقتال ، لأنه كان يهيئ ~~الظروف والأسباب لفتح مكة. ثم كيف يفكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الإجهاز على الذراري ، في الوقت الذي لم يبدأ فيه القتال مع المشركين ~~المعاندين؟! وكيف يمكن لنا أن نقدم صورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي ~~يفكر في قتل النساء والأطفال الصغار قبل الدخول في حرب ، في الوقت الذي ~~تتمثل فيه صورة النبي الإنسان في القرآن وفي السنة في كل أقواله وأفعاله. ~~وهذا يفرض علينا أن ندرس شخصية الرواة الذين رووا هذه الرواية قبل الأخذ ~~بها ، وندقق في مفرداتها التي لا تتناسب مع صورة النبي الحقيقية الرسالية ~~في إنسانيته وأخلاقيته وحكمته وعدالته ، في النظر إلى الأشياء من مواقع ~~المسؤولية العملية مع الناس. # وإذا كنا قد لاحظنا في فهمنا للآية أنها لا تطرح الشورى كقاعدة ملزمة في ~~حركة القيادة ، فإننا نحاول أن نؤكد أن المسألة تتجاوز أخلاقية النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في صفته الإنسانية إلى موقعه في صفته القيادية ، سواء ~~من حيث سلوك القائد مع القاعدة ، أو من حيث مسئوليته في التعرف على آراء ~~الناس الآخرين في حركة القضايا المتصلة بالمسيرة الإسلامية ، لأن الإسلام ~~يرفض استبداد القائد في حركته العامة من الناحية الأخلاقية أو السياسية ، ~~ولهذا فإن الأمر بالمشاورة للناس في هذه الآية ينطلق من الخط العام ، بعيدا ~~عما إذا كان النبي محتاجا لذلك ms1273 في الواقع الخارجي أو غير محتاج ، مما يعني ~~أن على القائد أن ينفتح على شعبه من خلال الشورى ليكون حكمه منسجما مع الخط ~~الإسلامي العام في هذه القضية الحيوية المهمة ، وفي غيرها من القضايا ~~الجزئية والكلية في حياة الناس ، لأن المسألة لا تتصل بالجانب الذاتي في ~~شخصيته بل بالجانب العام في PageV06P347 # حكمه. # ولا تقتصر مسألة الشورى على الدائرة القيادية ، بل تمتد إلى الواقع العام ~~للناس لأنها من المسائل الحية التي تكفل لهم المزيد من الانفتاح على بعضهم ~~البعض في موقع الفكر المشترك في كل قضاياهم ، كما تمنع الكثير من الزلل ~~الذي يقع فيه المستبدون من خلال استبدادهم في إدارة أمورهم ، ولذلك اعتبرها ~~الإسلام عنوانا من عناوين المجتمع الإسلامي في قوله تعالى : ( @QUR@05 فإذا ~~عزمت فتوكل على الله ) فإن المؤمن ينطلق في حياته من موقع العزم المرتكز ~~على الفكر الذاتي والاستشارة ، لدراسة كل الجوانب المحيطة بالموضوع ، حتى ~~إذا استكمل كل الأسباب الموضوعية للقرار ، أعطى الموقف قوة الإلزام من ~~إرادته ، وتحرك نحو الهدف متوكلا على الله غير خائف من الطوارئ التي تعيش ~~في أجواء الغيب المجهول ، لأن الثقة بالله تدفع الإنسان إلى الثقة بالموقف ~~، فإن الله قد تكفل لعبده المتوكل عليه بأن يكفيه ما أهمه مما لم يحتسبه من ~~أوضاع إذا أعد كل ما يحتسبه من أسباب ومؤثرات ، وذلك هو معنى التوكل في ما ~~يجمعه من واقعية النظرة إلى الساحة ، وغيبية الاستسلام للمستقبل المجهول ~~بالاعتماد على الله ، ( @QUR@04 إن الله يحب المتوكلين ) لأنهم يمثلون في ~~توكلهم عليه ، قوة الثقة به والاعتماد عليه ، وينطلقون من سنته الحكيمة إلى ~~الكون في ما أراده من توفير الوسائل للحركة من خلال ما أودعه في الحياة من ~~ذلك كله ... وبذلك يخلصون له بالإخلاص لسننه ، وبالإخلاص العميق لقدرته ~~التي تحمي الإنسان من كل مفاجات المجهول. # * * * PageV06P348 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (160) # * * * ### ||| ** النصر من عند الله # ( @QUR@03 إن ينصركم الله ) بتأييده ورعايته ولطفه من خلال ما يوفره لكم ~~من ms1274 الأسباب الخفية ، بالإضافة إلى الأسباب التي تأخذون بها مما يرتبط ~~بالنتائج الطبيعية للنصر في نطاق النظام الكوني والإنساني في سنن الله في ~~الحياة ، فإن الله إذا رأى عباده المؤمنين منفتحين على مواقع محبته ورضاه ، ~~آخذين بمواقع إرادته في حركة سننه لديهم ، فلا بد له من أن يمنحهم نصره ~~بطريقة أو بأخرى ، فلا مجال لأية هزيمة في ساحتهم ، فإذا انطلقتم في هذا ~~الاتجاه ( @QUR@03 فلا غالب لكم ) لأن الله لا يغلب في إرادته مهما كانت ~~الأمور والأوضاع. # ( @QUR@02 وإن يخذلكم ) لأنكم ابتعدتم عن الطاعة لأوامره ونواهيه وفقدتم ~~الإحساس بالوحدة الإيمانية بينكم ، ورفضتم السير على وفق حركة الأسباب في ~~وجودكم ( @QUR@06 فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) من كل هؤلاء الذين يملكون القوة PageV06P349 # ممن يستعين بهم الناس على تحقيق الانتصار في ساحة الحرب أو الوصول إلى ~~الأهداف في مواقع التحدي ، فهو وحده الذي لا بد للمؤمنين من أن يلجأوا إليه ~~ويستعينوا به ويتوكلوا عليه ، ليحصلوا على النتائج الكبرى ، فلا ملجأ إلا ~~إليه ، ولا استعانة إلا به ، ولا توكل إلا عليه ، ( @QUR@04 وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون ) فهو نعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير. # * * * ### ||| ** قوة إلهية مطلقة مهيمنة # ويعود القرآن إلى المعركة من جديد ، ليقرر للمؤمنين الحقيقة الإيمانية ~~التي ينبغي لهم أن يتمثلوها في أعماقهم في كل معركة من معاركهم ، وهي أن ~~الله هو القوة المطلقة المهيمنة على الحياة في كل ما تشتمل عليه من ~~انتصارات وهزائم ، فهو من وراء ذلك كله ، فإذا شاءت إرادته لهم النصر فلن ~~تستطيع كل قوى الأرض أن تغلبهم وتهزمهم ، لأنه الذي يملك الأسباب العادية ~~وغير العادية للأشياء ، فإذا تحركت أسباب النصر من خلاله ، فكيف يمكن ~~للآخرين أن ينتصروا من دون سبب؟! وإذا شاءت إرادته الخذلان لهم ، لأنهم ~~انحرفوا عن الخط المستقيم الذي يسير بهم نحو النصر واعتمدوا على أنفسهم ~~وعلى الآخرين بعيدا عن الله ، فأدى ذلك إلى أن يفقدوا لطف الله ورحمته ~~ورعايته ، فمن هذا الذي يملك أسباب النصر من بعد الله ليحققوه من خلاله ، ~~وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ms1275 إلا بإذن الله ، فكيف يملكه للآخرين؟! # وفي هذا الجو الإيماني المتحرك في خط الواقع في ما يريده الله للإنسان من ~~خلال سنته في الكون ، تنطلق الدعوة للتوكل على الله في حياة المؤمنين ~~ليستمدوا منه القوة ، وليشعروا بالثقة من عنده ، فإنه لا مجال للقوة إلا ~~منه ولا للثقة إلا به. # * * * PageV06P350 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) (161) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يغل ): يخون. وأصل الغلول كما يقول صاحب المجمع من الغلل ، ~~وهو دخول الماء في خلل الشجر ، يقال : انغل الماء في أصول الشجر ، والغلول ~~: الخيانة لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل كالغلل ومنه ~~: الغليل : حرارة العطش ، والغلة : لأنها تجري في الملك من جهات مختلفة ، ~~والغلالة : لأنها شعار تحت البدن (1). # * * * PageV06P351 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي عن ابن عباس قال : فقدت قطيفة حمراء يوم بدر ~~مما أصيب من المشركين ، فقال أناس : لعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذها ~~فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 وما كان لنبي أن يغل ). قال حصيف وهو الراوي ~~عن عكرمة عن ابن عباس قلت لسعيد بن جبير : وما كان لنبي أن يغل. قال : بل ~~يغل ويقتل (1). # وعن مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينكر على من يقرأ ( @QUR@05 وما كان لنبي ~~أن يغل ) ويقول : كيف لا يكون له أن يغل وقد كان يقتل؟ قال الله تعالى : ( ~~@QUR@02 ويقتلون الأنبياء )، ولكن المنافقين اتهموا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في شيء من الغنيمة ، فأنزل الله عز وجل : ( @QUR@05 وما ~~كان لنبي أن يغل ) ( 2). # وروي عن وكيع عن سلمة عن الضحاك قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~طلائع ، فغنم النبي صلى الله عليه وآله وسلم غنيمة وقسمها بين الناس ولم يقسم ~~للطلائع شيئا فلما قدمت الطلائع ، قالوا : قسم الفيء ولم يقسم لنا ، فنزلت ~~: ( @QUR@05 وما كان لنبي أن يغل ) قال سلمة : قرأها الضحاك يغل. وقال ابن ~~عباس في رواية الضحاك : إن رسول الله ms1276 صلى الله عليه وآله وسلم لما وقعت في يده ~~غنائم هوازن يوم حنين غله رجل بمخيط ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال ~~قتادة : نزلت وقد غل طوائف من أصحابه. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت حين ترك ~~الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة ، وقالوا : نخشى أن يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : من أخذ شيئا فهو له ، وأن لا يقسم الغنائم كما لم ~~يقسم يوم بدر ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ظننتم أنا نغل ولا نقسم ~~لكم؟ فأنزل الله هذه الآية (3) PageV06P352 # وقيل : نزلت في أداء الوحي ، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن ~~وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم ، فسألوه أن يطوي ذلك ، فأنزل الله الآية (1). # وإننا نلاحظ على بعض هذه الروايات أنها توحي بأن هناك نوعا من عدم الثقة ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العدل في قسمة الغنائم بين أصحابه ، ~~بحيث يخاف المسلمون من تصرفه معهم بهذه الطريقة التي عبر عنها القرآن ~~بالخيانة ، ولا سيما في رواية الطلائع الذين لم يقسم لهم ، فنزلت الآية ~~لتقول : ما كان لنبي أن يعطي قوما أو يمنع آخرين ، بل عليه أن يقسم بالسوية ~~، وسمي حرمان بعض الغزاة غلولا تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر أو مبالغة في ~~النهي لرسول الله كما في قضية الرماة. وهذا مما لم نعهده في نظرة الصحابة ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشكل عام ، مما يجعلنا نتحفظ في هذه ~~الروايات ، فتكون الآية واردة في سبيل تقرير المبدأ لا في الرد على الكلمات ~~الصادرة من الصحابة في هذا المجال. والله العالم. # وربما كانت الآية واردة تعليقا على التصور الذي كان يتصوره الرماة في أحد ~~عند ما تركوا مراكزهم ، أن النبي لا يحسب حسابهم في الغنائم عند القسمة ، ~~فقد روي أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة ~~وقالوا : نخشى أن يقول رسول الله : من أخذ شيئا من الغنائم فهو له ، وأن لا ~~يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر. فقال لهم ms1277 النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ~~ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟! فقالوا : تركنا بقية ~~إخواننا وقوفا. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : بل ظننتم أننا نغل ولا نقسم لكم ~~... وذكر بعض الرواة وجوها أخرى في المناسبة التي نزلت فيها الآية ، وقد ~~تكون هذه الرواية التي ذكرناها مناسبة للجو الذي نزلت فيه الآية ، لأنها ~~واردة في سياق الحديث عن معركة أحد ... وقد لا تكون هناك مناسبة محددة ~~للآية ، ولكنها تتحرك في إثارة كل الخلفيات الفكرية التي يمكن أن تدور في ~~أذهان المقاتلين كأساس للاهتزاز الذي PageV06P353 # حدث في مواقفهم في المعركة ، وذلك من أجل توضيح الصورة الكاملة للأجواء ~~التي تسود المعركة من حيث طبيعة القيادة التي تقودها ، فهي ليست بالقيادة ~~المألوفة لهم في ما ألفوه من قياداتهم السابقة ممن كان يظلم جنودهم أو ~~يستغلهم أو يخونهم ولا يعطيهم ما يستحقونه من غنائم الحرب ؛ بل هي القيادة ~~المعصومة التي لا تتحرك إلا في النطاق الذي تعتقد أنه يرضي الله ، لأنها ~~تعيش في أجواء النبوة التي جاءت من أجل أن تقيم للناس قواعد العدل على أساس ~~الإخلاص لحياتهم ولآخرتهم ، فلا يمكن لها أن تخون قضايا الناس في الحرب ~~والسلم ، ولا يمكن أن تنقص من حقوقهم شيئا ، فهي تمثل الإخلاص كل الإخلاص ، ~~والأمانة كل الأمانة ، فمنها تستمد الحياة عدالتها وإخلاصها في كل شأن من ~~شؤونها العامة والخاصة ، وهي التي تشهد للناس وعلى الناس يوم القيامة ، ~~فكيف يمكن أن تضع نفسها في مواقع الاتهام في الدنيا والآخرة؟! # * * * ### ||| ** عصمة النبي عن الخيانة # ( @QUR@05 وما كان لنبي أن يغل ) فإن النبوة لا تجتمع مع الخيانة ، لأنها ~~لا تناسب النبوة التي هي أمانة الله عند النبي في تبليغ رسالته وفي تطبيق ~~منهجة وفي الحكم بين الناس ، فهو الذي أراد الله له أن يؤكد خط الأمانة في ~~الحياة ليكون القدوة للناس في ذلك كله في جميع أمورهم ، وربما كان من أظهر ~~مصاديق هذا المبدأ ، كتمان الوحي انسجاما مع طلب المشركين منه إخفاء الآيات ~~التي تندد بدينهم ms1278 وتسب آلهتهم كما جاء في بعض روايات النزول فهي خيانة لله ~~في رسالته ، وللأمة في إخفاء الحقيقة عنها. فلا بد من أن يؤدي الرسالة ~~كاملة غير منقوصة ، وربما قرأ بعضهم «يغل» بضم الياء وفتح الغين. فيكون ~~المعنى أنه ليس لأصحابه أن يخونوه أو يكتموه شيئا من الغم. ولكن القراءة ~~المشهورة هي الثابتة والمتبعة والمقروءة وهي التي تعلن عصمة الأنبياء عن ~~الخيانة في تقرير PageV06P354 # الخط النبوي في كل ما يتعلق بمسؤوليته في إبلاغ الوحي وتوزيع الحقوق على ~~الناس بعيدا عن أية حالة ذاتية تفرض عليه ذلك. # ربما كانت الآية كما أشرنا إليه واردة في مجال تقرير المبدأ ، ليشعر ~~المسلمون بالثقة المطلقة من خلال الثقة بعصمة القيادة ، فيكون ذلك أقرب لخط ~~الالتزام ، وأدعى للانضباط وأقوم للثبات ، وأكثر تأكيدا لنقد الموقف الذي ~~وقفوه لأنه لا يتناسب مع هذا المبدأ ... وقد نستشعر من الآية الإيحاء بأن ~~قضية رفض الخيانة من النبي ، ليست خصوصية للنبي ، بل هي قضية المبدأ الذي ~~يتحرك في خط النبوة ، مما يجعل منه شيئا غير مناسب له ، على أساس منافاته ~~للرسالة التي يدعو إليها ، وللإخلاص لله باعتبار أنها تمثل تمردا على الله ... # وفي ضوء ذلك ، أكملت الآية الفكرة بالإيحاء بالجو الشامل الذي يحكم النبي ~~ويحكم الآخرين في مواقف الحساب ، كما توحي به هذه الفقرة من الآية : ( ~~@QUR@018 وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل ~~نفس ما كسبت ) فإن الخيانة في الدنيا لا تنتهي مسئوليتها بانتهاء الدنيا ، ~~بل يقف الخائن يوم القيامة ليتحمل مسئولية ذلك كله ، فيحمل ما خانه بين ~~يديه ، وذلك على سبيل الكناية عن الإثم والتبعية والمسؤولية ، وهناك الحكم ~~الذي يمنح كل إنسان جزاء ما اكتسبه من خير أو شر ، ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ~~)... وهكذا تريد الآية ، أن توحي ، بأن المسؤولية لن تستثني أي إنسان ، ~~مهما كانت درجته ولو كان نبيا ، فكل العباد مكلفون برفض الخيانة ، بما فيهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الامتيازات ملغاة في هذا المجال ، فلا يحق ~~لأحد أن ms1279 يتمرد على القانون من خلال درجته الروحية والاجتماعية ، كما هو ~~الحال في واقع الناس المعاش ، وبذلك تتم للفكرة حركتها العملية في خط ~~العدالة في حياة الناس ، وتتوضح للقاعدة الشعبية طبيعة القيادة في أمانتها ~~وإخلاصها وعصمتها عن كل ألوان الخيانة ، على أساس النظرية والتطبيق معا. # * * * PageV06P355 ### ||| ** النبي قدوة # وقد استطاع الإسلام من خلال الوحي القرآني في نطاق هذا المبدأ الإنساني ~~المرتكز على العدالة في الفكر والسلوك ، أن يربي جيلا من الناس ، من ~~الصحابة وغيرهم ممن جاء بعدهم ، على أساس الأمانة الفكرية والروحية ~~والعملية في خط الاستقامة في جميع جوانب حياتهم ، انطلاقا من القدوة ~~النبوية ومن الإيحاءات الروحية التي تنطلق من خلال التذكير بالوقت الذي ~~يواجهه الخائنون يوم القيامة عند ما يحملون على ظهورهم كل ما خانوا فيه. # وقد جاء في تاريخ الطبري ، أنه لما هبط المسلمون بالمدائن ، وجمعوا ~~الأقباض الغنائم أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض ، فقال الذين معه ~~: ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه ، فقالوا : هل أخذت ~~منه شيئا؟ فقال : أما والله ما آتيتكم به. فعرفوا أن للرجل شأنا ، فقالوا : ~~من أنت؟ فقال : والله لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ولكني أحمد ~~الله وأرضى بثوابه. وقد رأينا في كثير من نماذج المؤمنين أن بعضهم يلتقط ~~اللقطة الملقاة على الطريق ليبقى فيعرفها سنة ، ثم يتصدق بها ، أو يدفعها ~~إلى أولي الأمر ، فإذا جاء صاحبها بعد ذلك ولم يقبل بالصدقة ، دفع إليه ما ~~يريد من ماله طلبا لثواب الله. # وقد كان بإمكانه لولا مسئولية الأمانة في دينه أن يأخذها ويتملكها بعيدا ~~عن ذلك كله ، لأن أحدا لن يسأله عنها عند ما التقطها وعند ما يأخذها. # * * * PageV06P356 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير (162) @QUR@08 هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) (163) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 باء ): أي : رجع ، يقال : باء بذنبه يبوء بوءا إذا رجع به ، ~~وبوأته منزلا : أي : هيأته له ، لأنه يرجع إليه. # ( @QUR@01 بسخط ): السخط من الله : هو إرادة العقاب لمستحقه ms1280 ولعنه ، وهو ~~مخالف للغيظ ، لأن الغيظ هو هيجان الطبع وانزعاج النفس ، فلا يجوز إطلاقه ~~على الله تعالى كما جاء في مجمع البيان (1). # ( @QUR@01 المصير ): المرجع والمنتهى ، والفرق بين المصير والمرجع كما ~~يقول صاحب المجمع أن المرجع هو انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها والمصير ~~انقلاب الشيء إلى خلاف الحال التي هو عليها ، نحو مصير الطين PageV06P357 # خزفا ، ولا يقال : رجع الطين خزفا ، لأنه لم يكن قبل خزفا (1). وقال ~~الراغب : صار : عبارة عن التنقل من حال إلى حال (2). # ( @QUR@01 درجات ): الدرجة : الرتبة ، والدرجان : مشي الصبي لتقارب ~~الرتب ، والترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة كالدرجة ~~المعروفة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج إلى ~~أحد ، قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية (3). # * * * ### ||| ** لا يتساوى الطائعون والعاصون في ميزان الحكم الإلهي # وتستمر الآيات في توضيح الميزان الذي يرفع الله به درجات عباده أو ينزلها ~~، فليس هناك إلا اتباع رضى الله والابتعاد عن سخطه ، فلا يمكن أن يتساوى ~~الطائعون والعاصون أمام الله الذي يعلم خفاياهم في صغائر الأمور وكبائرها ، ~~بل يجعل لكل منهم درجته من المغفرة أو من العقوبة على أساس علمه وعدله. # ( @QUR@04 أفمن اتبع رضوان الله ) ما أمره الله به أو نهاه عنه في الخط ~~العام للشريعة بأحكامها العامة والخاصة ، وما أمره به رسوله في خط الدعوة ~~والجهاد ، فكان PageV06P358 # همه الحصول على رضى الله والوصول إلى موقع القرب منه ، ( @QUR@02 كمن باء ~~) أي رجع من مواقعه الحركية في حركة الإسلام في ساحة التحدي والمواجهة ~~للشرك وأهله ، ( @QUR@03 بسخط من الله ) بما يمثله ذلك من إبعاده عن ساحة ~~رحمته واستحقاقه لعذابه ، لأنه لم يأخذ بأسباب الطاعة لله وللرسول في ما ~~أمراه به أو نهياه عنه في الحياة العامة وفي مواقع الجهاد ، ( @QUR@04 ~~ومأواه جهنم وبئس المصير ) أي مستقره في النار التي استحقها بكفره ونفاقه ~~وانحرافه عن الخط الإلهي المستقيم؟! # وهكذا تؤكد الآية بأسلوب الاستفهام الإنكاري تقرير الحقيقة الإيمانية ~~العملية التي ترفض ms1281 مساواة الطائعين للعاصين عند الله في المصير النهائي ~~الذي يصيرون إليه في الآخرة. # * * * ### ||| ** الناس درجات عند الله # ( @QUR@04 هم درجات عند الله ) فلكل واحد منهم منزلته ومرتبته تبعا لحجم ~~عمله في خط الطاعة وخط المعصية ، سواء في ذلك المؤمنون والكافرون ، فقد ~~يختلف المؤمنون في درجاتهم في مواقع القرب من الله والحصول على رضوانه من ~~خلال اختلافهم في درجات المعرفة به والإيمان به والعمل في سبيله ، وقد ~~يختلف الكافرون في منازل سخطه من خلال اختلاف نوعية الكفر شدة وضعفا ، أو ~~في اختلاف طبيعة التمرد العملي في مواقع المعصية ، ( @QUR@04 والله بصير ~~بما يعملون ) فهو المطلع على سرهم وعلانيتهم ، وعلى كل ما يفيضون فيه من ~~أقوال وأعمال ، وفي هذا إيحاء بأن على المؤمنين أن يتبعوا رضوان الله في ~~جميع أمورهم ويتطلبوا الحصول على الدرجات الرفيعة عنده ما دام الأمر بهذه ~~المثابة في انفتاح الفرصة على الوصول إلى أعلى الدرجات من خلال وعي العقيدة ~~وحركة العمل وامتداد الخط في آفاق الاستقامة. PageV06P359 # وهكذا يمكن أن يستوحي منها العاملون للإسلام خطا إيمانيا في تخطيطهم ~~لحساب المسؤولية في ما يمكن أن يرفعوا به الآخرين من درجات أو يضعوه منها ، ~~فيمن يعملون معهم ، فلا بد من أن تكون الدرجات خاضعة لمواقعهم في الانضباط ~~أمام أوامر الله ونواهيه ، بعيدا عن الجوانب الأخرى التي لا تلتقي بهذا ~~الخط ، وبهذا نستطيع أن نشجع السائرين على الخط المستقيم في ما ساروا فيه ، ~~ونبعد المنحرفين عن الامتداد بعيدا في خط الانحراف. # * * * PageV06P360 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين ) (164) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 من ): أنعم بنعمة ثقيلة ، وأصل المن : القطع ، يقال : منه ~~يمنه : إذا قطعه ، والمن : النعمة ، لأنه يقطع بها عن البلية. يقال : من ~~فلان علي بكذا : أي : استنقذني به مما أنا فيه ، والمن : تكدير النعمة لأنه ~~قطع لها عن وجوب الشكر عليها ، والمنة : القوة لأنه يقطع بها عن الأعمال. # * * * ### ||| ** الرسول نعمة كبري للخير والخلاص # ويبقى للفكرة جوها ms1282 الكبير الذي يحتوي كل ما في الساحة من تطلعات PageV06P361 # ومواقف ووسائل وأهداف ليدفع بالقضية إلى الواقع الجديد في حدود القضايا ~~الإيجابية التي تحكمه وتوجهه في اتجاه الأعلى والأفضل ، في مقارنة بالواقع ~~القديم في سلبياته المغرقة بالضلال ، فليست حركة التغيير من نوع الحركات ~~التي يراد منها تغيير الصورة كلها وما تشتمل عليه من ملامح الظلمة والضلال ~~والاهتزاز ، وفي ضوء ذلك كان للشخص الجديد معنى آخر ، وسر جديد يتسع للحياة ~~، حسب الدور الكبير الذي أعد له ، فهو لا يتحرك من خلال ذاته ، كمفكر يعيش ~~تجربته الشخصية ، بل هو رسول من الله يتحرك من خلال رسالته ... وليس غريبا ~~عنهم لتكون مشاعره غريبة عن مشاعرهم ، أو تكون أفكاره غريبة عن قضاياهم ، ~~بل هو من أنفسهم ، من قلب الجماعة التي ينتمون إليها ، أرسله الله إليهم ~~يتلو عليهم آياته التي تفتح قلوبهم على عظمته وخط هداه ، وليزكيهم فيطهر كل ~~ما لديهم من رذائل الأخلاق والسلوك والأفكار والعادات ، ويعلمهم كتاب الله ~~الواحد الذي تجتمع فيه كل الرسالات ويلتقي عليه كل الرسل كما يعلمهم الحكمة ~~التي تربط حركتهم بالحياة في موقعها الطبيعي الذي لا اهتزاز فيه ولا التواء ~~، لأنه لا يكفي للشخصية الإسلامية أن تلتقي بالكتاب في تفكيرها النظري ، بل ~~لا بد لها ، في طريق التكامل ، من أن تلتقي بالتطبيق السليم لأفكاره ~~وتعاليمه في خط الحكمة الذي يمثل التوازن في مواجهة الفكر والواقع معا. # إنه جاء من أجل هذا كله ، ليخلصهم من الضلال الواضح الذي كانوا يتخبطون ~~فيه ، سواء في ذلك جانب الفكر أو جانب العمل ، وتلك هي المنة التي من الله ~~بها عليهم ، لأن قضية تصحيح المسار ، وتقويم الشخصية ، وتركيز الخط ، هي ~~الخير كل الخير ، بعيدا عن كل شهوات الحياة ولذائذها وأطماعها ، فلا بد لهم ~~من أن يعيشوها في جو النعمة عند ما تتحرك بهم خطوات الحرب والسلام ، في ~~الشدة أو في الرخاء ، ليستقيم لهم كل ما يريدونه لأنفسهم من خير ومحبة وسلام. # ( @QUR@05 لقد من الله على المؤمنين ) فأنعم عليهم بالنعمة الكبرى التي ~~تتصل بحركة PageV06P362 # السعادة في ms1283 مصيرهم في الدنيا والآخرة ، وهذا هو المعنى الإيجابي للمن ~~الذي ينفتح على معنى العطاء الإلهي لعباده في النعم التي يغدقها عليهم ~~واللطف الذي يمنحهم إياه ، خلافا للمعنى السلبي للمن الذي يحصل من الناس ~~الذين يقذفون لبعضهم البعض الخدمات في قضاء حاجاتهم وحل مشاكلهم ، فيعملون ~~على استعظام ذلك بالقول وبالفعل تذكيرا لمن أنعموا عليه بما لهم عليه من ~~فضل لإذلاله وتحقيره ، من حيث إنهم في موقع التفضل وهو في موقع الحاجة. أما ~~التخصيص بالمؤمنين فلأنهم هم الذين ينتفعون بالرسالة ويهتدون بهداها ، ~~ويحصلون على نتائجها ، أما الآخرون الذين شملتهم الرسالة في دعوتها ، ~~وانفتحت عليهم في خطوطها ، فإنهم لا يعيشون الإحسان بهذه النعمة الكبرى ، ~~ولا يتفهمون إيجابياتها في وجودهم الممتد من الدنيا إلى الآخرة ، مما لا ~~يجعل للمن أثرا في شعورهم الإنساني الذي يستجيب في أحاسيسه بالنعم الموفورة ~~له من صاحبها ، ولا سيما نعمة الهداية في مضمون الرسالة. # * * * # ( @QUR@04 إذ بعث فيهم رسولا ) # ( @QUR@06 إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) أي من النوع الإنساني الذي ~~ينتمون إليه ، ومن النموذج البشري الذي يلتقي معهم في الفكر والإحساس ~~والقدرة والتطلعات ، فلم يرسله الله من الملائكة ليشعروا بغربته عنهم ~~واختلافهم عنه ، ولم يرسله من الجن الذين تبتعد طبائعهم عن طباعهم وأوضاعهم ~~عن أوضاعهم ، بل أرسله بشرا مثلهم يتكلم كما يتكلمون ، ويتألم كما يتألمون ~~، ويفرح كما يفرحون ، ويأكل ويشرب ويلبس وينام ويتحرك كما يفعلون ذلك كله ~~في حياتهم العامة والخاصة ، مما يجعلهم يألفونه ويشعرون بالقرب منه ~~والانفتاح عليه ، كما يألفون بعضهم بعضا وينفتحون بإرادة القرب من بعضهم ~~البعض في مواقع الإنسانية الحميمة المتعاونة. PageV06P363 # وهكذا يمكن لهم أن يجدوا فيه القدوة الحسنة من موقع بشريته في خصوصية ~~الملامح الذاتية في محيطه ، فلا مشكلة من الناحية النفسية أن يلتقوا ~~بفضائله الأخلاقية وممارساته الروحية ، من حيث هي جهد بشري يمكن للبشر أن ~~يتمثلوه ويقتدوه ويأخذوا به في حياتهم من ناحية المبدأ لأن سموه في نبوته ~~لا يجعل عمله عملا غير خاضع للقدرة البشرية ، بل يجعل تطلعاته وآفاقه ~~الروحية في الدرجة العليا من ms1284 أجواء الخصوصيات الحية للعمل. ولو كان من نوع ~~آخر كالملائكة والجن لكان لهم أن يعتذروا عن خط القدوة بأنهم لا يملكون ~~القدرة على القيام بمثل عمله ، لأنهم لا يتميزون بالخصائص الكبرى التي ~~تمنحهم القدرة على مثل هذا العمل أو ذاك. # * * * ### ||| ** دور الرسول البشر # فهو الرسول البشر الذي أنزل الله عليه وحيه حيث اصطفاه لإبلاغ رسالاته ~~للناس في أمورهم العامة والخاصة ، وللقيام بالمهمات المحددة في الارتفاع ~~بهم إلى الدرجة العليا من الكمال البشري مما يمكن للبشر أن يبلغوه من درجات ~~الكمال. وهكذا كان دوره : ( @QUR@03 يتلوا عليهم آياته ) ليسمعوها ~~ويتعلموها ويقرءوها ويتدبروها في وجدانهم العقلي وإحساسهم الروحي ، ليعرفوا ~~حقائقها من خلال معرفتهم بخصائصها ، ( @QUR@01 ويزكيهم ) فيطهر نفوسهم من ~~الرذائل الفكرية والروحية وينمي قدراتها في مواقع المعرفة ليتخلصوا من رجس ~~الجهل والتخلف ، ويسير بهم في خط الاستقامة التي تتوازن بها أعمالهم ~~وأقوالهم وعلاقاتهم بالآخرين وبالحياة ، ليكون الرسول في رسالته إنسان ~~التغيير الداخلي والخارجي للذين أقبلوا على رسالته في عملية إيمان وانفتحوا ~~عليه في موقف التزام وتقوى ، ( @QUR@02 ويعلمهم الكتاب ) الذي أنزله الله ~~ليكون نورا يضيء لهم الطريق ، وهدى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~، ويقودهم إلى الصراط المستقيم الذي PageV06P364 # ينتهي بهم إلى رضوان الله في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@01 والحكمة ) التي ~~تمثل خط التوازن في حركة الإنسان في نفسه ومع الإنسان الآخر ، ومع الحياة ، ~~بعد أن يكون قد انفتح على كل الحكمة في علاقته بالله ، فيضع كل شيء في ~~موضعه ، ويعطي كل إنسان حقه ، وكل شيء حاجته ، من دون زيادة أو نقصان ؛ ~~وبذلك ، أي بهذه المعرفة الكتابية التي تمثل الهدى في خط وعي النظرية على ~~مستوى القاعدة الفكرية ، والمعرفة التطبيقية العملية في معنى الحكمة على ~~أساس حركة الإنسان في هدى السلوك الواقعي ، بذلك تكمن قيمة الإسلام في ~~عطائه الفكري والعملي للإنسان المتمثل بهؤلاء الذين انطلقوا في التزامهم ~~الإسلامي في طريق الإيمان ، ( @QUR@04 وإن كانوا من قبل ) في جاهليتهم ~~السابقة على الإيمان ( @QUR@03 لفي ضلال مبين ) في المتاهات الضائعة في ~~خيالات السراب ، وامتداد الرمال إلى ما يشبه اللانهاية ms1285 ، وسيطرة الظلام ~~الروحي على كل آفاق الذات. # * * * PageV06P365 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) @QUR@09 وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ) (166) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مثليها ): مثل ما أصاب المشركين في يوم أحد من قتل سبعين منكم ~~، فإن المسلمين قد قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين. # والمثل كما يقول الراغب يقال على وجهين : أحدهما : بمعنى المثل. والثاني ~~: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان ، وهو أعم ~~الألفاظ الموضوعة للمشابهة ، وهي : الند ، والشبه ، والمساوي ، والشكل (1). PageV06P366 # ( @QUR@01 أنى ): من أين وكيف ، وهي تستعمل في الحال والمكان ، ولذلك ~~قيل : هو بمعنى أين وكيف لتضمنه معناهما كما يقول الراغب (1). # * * * ### ||| ** أسلوب تربوي لتعميق المفاهيم # وتستمر الآيات لتعمق المفاهيم الإسلامية في نفوس المسلمين من خلال معركة ~~أحد ، لأن ذلك من أفضل الوسائل التي اتبعها القرآن في أسلوبه التربوي الذي ~~يرتكز على ملاحقة التجربة ورصد خطواتها العملية ، والتعرف على ملامح الخطأ ~~والصواب فيها ، لمعالجتها من الموقع نفسه ، ليلتقي المسلمون بالمفهوم في ~~حركة الواقع عندهم ، كما هو الحال في هاتين الآيتين اللتين أشارتا إلى ~~التساؤل المرير الذي كان المسلمون يطرحونه بعد الهزيمة : أنى هذا؟ وكيف ~~حدثت الهزيمة؟ ولماذا لم ينتصروا وهم جند الله الذين يقاتلون في سبيل الله؟ ~~ولماذا لم ينصرهم الله؟ وكان هذا التساؤل مريرا مرارة الهزيمة. كانوا ~~ينطلقون فيه من مفهوم خاطئ ، وهو أن الله يكفل للمسلمين النصر ، وللمؤمنين ~~النجاح ، بعيدا عن كل الظروف الطبيعية التي تفرض النصر والهزيمة ، وذلك بأن ~~يتدخل الله بطريقة مباشرة ، بما يشبه المعجزة ، في آفاق الغيب ، كما أرسل ~~الملائكة في بدر ليكونوا معهم في المعركة. ولكنهم لم يعرفوا المفهوم الصحيح ~~الذي قرره الله في كتابه ، فإن الله لم يتعهد للمؤمنين بالنصر والنجاح ~~بطريقة غيبية ، بل تعهد لهم بذلك من خلال سننه الحتمية في الكون بالانطلاق ~~إلى الهدف من وسائله ، وإلى المسببات من خلال أسبابها ، تماما كما هو الحال ~~في الولادة والوفاة والرزق والغنى والفقر ms1286 وغير ذلك من الأمور ... التي تخضع ~~لتخطيط حكيم ينظم الواقع على أساس قانون السببية ، الذي قد يتمثل في ~~الأسباب غير المألوفة أو غير المنتظرة. PageV06P367 # وفي ضوء ذلك ، فإن المفهوم الذي يرتكز على أساس التدخل المباشر من قبل ~~الله في النصر بعيدا عن أسبابه هو مفهوم خاطئ ، لأنه يعني أن الله يلغي ~~سننه القائمة على مصلحة الحياة والإنسان ، لوضع طارئ في غير مصلحة الناس ~~الذين يطلبونه لما في ذلك من انعكاس سلبي على حياتهم ، فإن المسلمين إذا ~~استراحوا لفكرة النصر الغيبي استسلموا لحالات الاسترخاء والكسل ، وتركوا ~~الجهاد ومهماته ، وأقبلوا على اللهو واللعب ، في حين لو تعاطوا مع النصر ~~والهزيمة من موقع الأسباب الموجبة لهما ، من غير أن يتخلوا عن العمق الروحي ~~للغيب في حياتهم ، بما هو مدد رئيسي من إمدادات الطاقة المعنوية التي ترفع ~~درجة استعدادهم وطاقاتهم للبذل والتضحية ، لباتت قيمتهما في حياتهم ، بما ~~يمثلانه من يقظة ووعي للواقع وانطلاقة جديدة للاستعداد الدائم لكل الأوضاع ~~المستقبلية ، بتحضير مقدماتها وأسبابها الطبيعية ، سواء لتجاوز الهزيمة ، ~~أو للظفر بالنصر. # * * * ### ||| ** المصيبة من فعل الإنسان # وهكذا انطلقت الآية لتؤكد المفهوم بالدخول في عملية مقارنة بين ما حدث في ~~بدر وما حدث في أحد ، فقد استطاعوا أن ينتصروا في معركة بدر ويصيبوا ~~المشركين بخسارة مضاعفة لهزيمتهم في أحد ، لأنهم قتلوا منهم سبعين وأسروا ~~مثل هذا العدد ، بينما كانت خسارة المسلمين في أحد سبعين شهيدا. وليس ذلك ~~إلا لأنهم أخذوا بأسباب النصر هناك من خلال ما يتعلق بحالة الانضباط ~~والاندفاع ومراقبة الله في حركتهم في المعركة ، مما جعل الجو الروحي معدا ~~لاستقبال اللطف الإلهي بالنصر. أما في أحد ، فقد استسلموا لأسباب الهزيمة ، ~~فابتعدوا عن الله ، الذي لا يمنح الإنسان النصر من موقع الهزيمة ، كما لا ~~يجعل الهزيمة في مواقع النصر ، لأن ذلك يسيء إلى سنن الله PageV06P368 # الحتمية في الكون ، وهذا ما يتمثل في هذه الآية : ( @QUR@06 أولما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ) في بدر ( @QUR@03 قلتم أنى هذا ) كيف هذا؟ ~~( @QUR@05 قل هو من عند أنفسكم ) لأنكم عصيتم الرسول فكان جزاء ms1287 العصيات هذا ~~الواقع السلبي الذي واجهتموه اليوم ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير )؛ ~~فليس هناك شيء بعيد عن قدرته ، فهو القادر على النصر لعباده والقادر على أن ~~يبتليهم بالهزيمة من خلال قدرته على الأسباب والمسببات. # وفي هذا الجو الذي ينطلق فيه السبب من الناس ، وتتحرك السببية التي تربط ~~بينه وبين المسبب من قبل الله ؛ نلتقي بالآية الثانية التي تجعل الهزيمة ~~الحاصلة بإذن الله ، لأن ذلك يصحح نسبتها له. فلو لا هذه العلاقة بين ~~الانسحاب من الموقع وبين الهزيمة لما حدثت ، ولكن ذلك لا يلغي مسئولية ~~الناس الذين انسحبوا ، لأن الأمر كان طوع إرادتهم ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 وما أصابكم يوم التقى الجمعان ) والمراد بالجمعين : جمع الإيمان ~~وجمع الكفر. # وقد وردت كلمة ( @QUR@02 فبإذن الله ) في القرآن في عدة موارد ، لتكون ~~تعبيرا عن إرادة الله وسنته في الكون على سبيل الكناية ، لأن الله عند ما ~~أودع قانون السببية في الكون ، فكأنه أعطى الإذن للمسبب أن يحدث عند حدوث ~~السبب ( @QUR@02 وليعلم المؤمنين ) أي ليعلم الله المؤمنين من خلال المواقف ~~الصلبة التي يظهر بها المؤمن في عمقه الإيماني ويتميز بها عن غيره من ~~المنافقين ، لأن حكمة الله اقتضت أن يمتحن إيمان المؤمن بالتجربة القاسية ، ~~وذلك في لفتة إيحائية في خطة الابتلاء في الحياة ، بأن الموقف هو الأساس في ~~الإيمان وليس الكلمة. وبهذا نعرف أن الحديث عن علم الله بذلك خاضع لطبيعة ~~الأشياء في وسائل المعرفة ، فهو وارد على سبيل التقريب لا على سبيل الحقيقة ~~، لأن الله يعلم بكل شيء قبل حدوثه. # * * * PageV06P369 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@033 وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ~~يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167 @QUR@017 ) ~~الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين ) (168) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ادفعوا ): ساهموا في الدفاع عن أنفسكم وأعراضكم وأموالكم ~~ووطنكم ، فيكون المعنى : إذا لم تقاتلوا في سبيل الله ، فادفعوا العدو عن ms1288 ~~أنفسكم وأموالكم ، وقيل : قاتلوا دفاعا عن الحق والدين لا للحمية والغنيمة. # وقيل : كثروا فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم بكثرتكم. # ( @QUR@01 فادرؤا ): أي : ادفعوا وامنعوا. وأصل الدرء : الميل إلى أحد ~~الجانبين. PageV06P370 # ويقال : درأت عنهم إذا دافعت عن جانبهم. والأمر بدرء الموت هنا للتأنيب ~~والتعجيز وبيان فساد قولهم. # * * * ### ||| ** نموذج منافق # وهذا نموذج من النماذج التي كانت تتحرك في المجتمع الإسلامي لتثير فيه ~~الفتنة والخوف والتردد ، وتشوه له وجه الصورة الحقيقية للأشياء ، وتعطل ~~كثيرا من طاقاته وخطواته العملية السائرة نحو الهدف ... وقد جاء القرآن ~~ليكشف لنا عن هؤلاء في ما يذكره لنا من كلماتهم ومواقفهم ، لنتعرف من ذلك ~~على ملامحهم ، لنرصد تحركاتهم في ما نعيش الآن من حركة الحاضر وما نريد أن ~~نعايشه من أوضاع المستقبل ، لأن أسلوب القرآن من خلال ما يقدمه إلينا من ~~نماذج ، يثير أمامنا التجربة في الماضي لنتعلم من وحيها كيف نتجاوز ~~سلبياتها ونحتوي إيجابياتها في ما نستقبل من تجارب الحياة المماثلة. # لقد عاش هؤلاء المنافقون مع المسلمين كمسلمين من حيث الجانب الشكلي ~~للإسلام ، فقد أظهروا الإيمان ، في ما أظهروه من كلماته ، ولكنهم أبطنوا ~~الكفر ، وكانت خطتهم أن يفسدوا على المسلمين إسلامهم وحياتهم ليفجروا ~~الإسلام من الداخل عند ما تدب في داخله عوامل التفجير المتنوعة. أما في ما ~~يتعلق بسلوكهم وما يواجهونه من تحديات المسؤولية التي تمتحن إيمان الإنسان ~~من خلال الالتزام وعدمه ، فقد كانوا يتهربون من ذلك بإثارة التبريرات ~~والأعذار التي يبررون بها قعودهم وتراجعهم ، ويعملون على إغراء الآخرين ~~بالسير على طريقهم في ذلك. وهذا ما حدث لهم عند ما كان النبي يدعو المسلمين ~~إلى الخروج إلى المعركة في أحد ، فقد حاولوا الإيحاء باهتمامهم بالجهاد في ~~سبيل الله في كل موقف من المواقف التي تتحرك فيها المعركة للقتال ، فإذا ~~حصلت لهم القناعة بذلك فإنهم يبادرون إلى القتال في الصفوف PageV06P371 # الأولى للمعركة. وبهذا واجهوا الدعوة إلى الخروج للقتال في سبيل الله ~~والدفاع عن المؤمنين ، فقد قالوا : إنهم يعتقدون بأن الموقف ليس موقف قتال ~~، ولذلك فلا يشعرون بأية ضرورة للخروج ، ولو ms1289 اعتقدوا ذلك لخرجوا ... وقد ~~أرادوا من هذا الأسلوب أن يحققوا نقطتين : إحداهما : تبرير قعودهم عن ~~الخروج ، والأخرى : الإيحاء للمسلمين باتخاذ الموقف نفسه ، بتبريد الحماس ~~الإيماني الذي يجيش في نفوسهم ويدفعهم إلى السير نحو المعركة ... # ولكن الله يحدثنا عن طبيعة الموقف ، ليكشف زيف الواقع الذي ينطوون عليه ، ~~فهم للكفر أقرب منهم للإيمان ، لأن الإيمان ليس كلمة تمثل معنى التقوى ~~والإيمان ، بل هو موقف للتقوى يدفع الإنسان إلى أن يقف عند حدود الله ، ~~فيتحرك حيث يريد منه أن يتحرك ، ويتوقف حيث يريده أن يتوقف. ولعل من أوضح ~~مواقف التقوى أن يطيع الله ورسوله في ما يتوجه إليه من أوامر ونواه ، فلا ~~معنى للإيمان وللتقوى إذا كان الإنسان يتهرب من الاستجابة لله ورسوله في ~~دعوة الجهاد ، ويبرر ذلك بما يعلم الله أنه غير صادق فيه ، في ما يعلمه ~~الله من داخله. وذلك هو معنى الكفر كموقف ، فإن المظهر العملي للكفر هو ~~الانحراف عن طاعة الله. ولهذا وردت كثير من الآيات التي تعتبر الانحراف ~~العملي كفرا ، لأنه يلتقي مع الكفر في مظاهره. وربما كان من هذه الآيات ~~قوله تعالى : ( @QUR@016 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين )، [آل عمران : 97] ، حيث اعتبر عدم القيام ~~بالحج كفرا ، ويؤكد هذا التفسير للآية الحديث الوارد عن أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام : «من مات ولم يحج حجة الإسلام ، ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف ~~به ، أو مرض لا يطيق الحج من أجله ، أو سلطان يمنعه فليمت إن شاء يهوديا أو ~~نصرانيا» (1). # * * * PageV06P372 ### ||| ** تعرية الواقع المنافق # ( @QUR@01 وليعلم ) الله ( @QUR@02 الذين نافقوا ) وأبطنوا الكفر وأظهروا ~~الإيمان فكانوا جزءا من المجتمع الإسلامي ، فهم يتحركون في داخله كأنهم ~~جماعة إسلامية مؤمنة في اهتماماتها بالواقع الإسلامي ، وفي حديثها المتنوع ~~عن إيجابيات حركة المسلمين وسلبياتها ، في الحرب والسلم ، كما لو كانت ~~المسألة لديهم مسألة الغيرة على الإسلام والمسلمين ، وربما كان حديثهم حول ~~المصلحة الإسلامية أكثر حماسا وانفعالا من المسلمين الآخرين للتدليل على ~~إخلاصهم ، فيخدعون البسطاء الطيبين من المسلمين عند ms1290 ما يمنحونهم الثقة ~~فيستمعون إليهم ، ويأخذون بآرائهم وأفكارهم ، فيؤدي ذلك إلى اهتزاز المجتمع ~~الإسلامي بفعل خططهم الخبيثة التي تختفي وراءها أحقادهم الثقافية ، فيخيل ~~للمؤمنين أنها صادرة عن غيرة على الإسلام وإخلاص للمسلمين. # فكانت هذه الآية من أجل تعرية الواقع الذي يختزنونه في داخلهم ، وفضح ~~مخططاتهم في أساليبهم الخادعة من أجل أن يظهروا على حقيقتهم ، فيعلم الناس ~~من أمرهم ما كانوا يخفونه ، وبذلك تسقط كل خططهم في الإضرار بالمسلمين. أما ~~نسبة العلم إلى الله بصفات المخلوقين ، باعتبار أن للمعرفة وسائلها ~~الواقعية التي إذا توفرت أعطت الصورة الحقيقية للأشياء كهؤلاء المنافقين ~~الذين انفتح المسلمون عليهم في حركة المعركة ، ( @QUR@07 وقيل لهم تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله ) كما يقاتل المسلمون من أجل أن تكون كلمة الله هي ~~العليا ، ويكون الدين كله لله فتكون الغلبة للمسلمين على الكافرين من خلال ~~حشد كل القوى المسلمة المقاتلة في ساحة الحرب ليحققوا التوازن في موازين ~~القوى في المعركة ( @QUR@02 أو ادفعوا ) العدو عن ساحة المسلمين بحشد القوة ~~التي ترهبه وتخفيفه وتهزم روحه المعنوية وتكسر شوكته ، فإن الهدف الأساس في ~~ساحة التحديات هي هزيمة العدو نفسيا أو عسكريا ، كوسيلة من وسائل إضعافه ~~وإسقاط معنوياته ، لتنطلق المسيرة بقوة بعيدا عن مواقع الخطر. وهذا هو الذي ~~توحي به PageV06P373 # كلمة ( @QUR@01 ادفعوا ) التي تتضمن معنى الدفع النفسي والعملي بالوسائل ~~المتنوعة التي قد تتفادى القتال لتحقق النتائج بدونه. # وقد جاء في تفسير الكشاف ، عن سهل بن سعد ، الساعدي وقد كف بصره أنه قال ~~: «لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين ، فكنت بينهم وبين ~~عدوهم ، قيل : وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال : لقوله : ( @QUR@02 أو ادفعوا ) ~~أراد كثروا سوادهم» (1). # وهكذا نرى أن هذا الصحابي الجليل قد فهم آفاق الآية بطريقة واقعية على ~~أساس تنوع الوسائل في الصراع ، ليكون من بينها بالإضافة إلى القتال حشد ~~القوة الجماهيرية العددية للمسلمين أمام العدو ، ليشعر بثقل القوة في ميدان ~~المواجهة ، فيمنعه ذلك من الهجوم أو يدفعه إلى التقهقر. وهذا ما يمكن لنا ~~استيحاؤه في إطلاق شعارات الوحدة بين المسلمين أمام ms1291 التحديات الكبرى للكفر ~~والاستكبار ، لتكون مظهر صلابة وقوة في الساحة. # ( @QUR@05 قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) وهذا هو المنطق التبريري الذي ~~يحاول أن يجد عذرا في موقع العذر فهم يتحدثون عن تصورهم بأن المعركة سوف ~~تنتهي سلميا بالطريقة الحاسمة التي لا تنفتح على قتال ، مما لا يجعل هناك ~~حاجة لوجودنا معكم ، فليست القضية قضية انفصال عن مسئولية المسيرة ~~الإسلامية بل هي قضية فقدان الضرورة الواقعية لكثرة المقاتلين ، فلا يكون ~~البعد عن المعركة خطيئة أو مشكلة سلبية. وربما فسر البعض كلام المنافقين ، ~~أنهم قالوا : لو أننا كنا نعتبر أن المسألة مسألة قتال بينكم وبين العدو ~~بحيث يمكن لكم أن تحققوا النصر عليه ، مع احتمال أن يحقق النصر عليكم ~~لاتبعناكم ؛ ولكننا في دراساتنا للواقع نجد أن حركتكم حركة انتحارية ، لأن ~~موازين القوى وشروط المعركة لم تتوفر لديكم ، بل كنتم كمن يلقي بنفسه إلى ~~التهلكة ، PageV06P374 # فليست المسألة عقلائية يتحرك بها منطق العقل ، فإن المسلمين قد وقفوا في ~~موقع غير مناسب لحركة المعركة ، ونقطة غير ملائمة. # ومهما كان المعنى ، فقد كان موقفهم موقف الاعتذار والتعلل بالأعذار ~~الواهية التي تبرر تخلفهم حتى لا ينكشف أمرهم في نفاقهم الداخلي ، فلم تكن ~~المسألة كما تصوروها أو شرحوها ، بل كانت حربا حقيقية انتصر المسلمون في ~~بداياتها من خلال أخذهم بأسباب النصر ، مما يوحي بأن توازن القوى كان ~~لمصلحة المسلمين ، فلم ينهزموا من قلة عدد أو من عدم توازن الموقف والموقع ~~، بل كانت هزيمتهم من مخالفتهم للخطة الموضوعة ، واندفاعهم في الطمع ~~الدنيوي الذي دفعهم إلى التخلي عن مراكزهم الحيوية. ( @QUR@06 هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان ) إذ ظهرت حقيقتهم في ارتباطهم بواقع الكفر ، وذلك ~~من خلال موقفهم وكلامهم التبريري الذي يفصح عن عقيدتهم المنحرفة ، لأنه لا ~~ينطلق من حجة مقبولة ، وواقع معقول ، فكانوا مع الكافرين في الموقع والموقف ~~، بينما كانوا في الماضي أقرب إلى المؤمنين في مواقف الإيمان التي كانوا ~~يتظاهرون بها خداعا ونفاقا ، ( @QUR@06 يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) ~~فهم يتكلمون كلام المؤمنين ، ويعتقدون عقيدة الكافرين ، فلا يتجاوز إيمانهم ~~مخارج ms1292 الحروف في أفواههم ، فليس للقلوب حصة منه ، وذلك هو شأن المنافقين ~~الذين يظهرون غير ما يبطنون ، أما المؤمنون فهم الذين تلتقي الكلمة عندهم ~~في اللسان بالإيمان في الجنان ، والقرآن في ذلك يؤكد هويتهم الحقيقة. فليست ~~القضية لديهم قضية الانحراف العملي ، بل هي الانحراف في العقيدة ، لأن ~~كلمات الإيمان وأساليب التبرير التي يبررون بها مواقفهم لا تمثل الواقع ~~الداخلي عندهم ، فهي مجرد كلمات لا تعبر عما في النفس من قريب ولا من بعيد ~~، فإن الله يعلم ما يكتمون في قلوبهم من كفر ونفاق. ( @QUR@04 والله أعلم ~~بما يكتمون ) لأنه المطلع على أسرار خلقه ، فلا يخفى عليه شيء مما يبطن ~~هؤلاء المنافقون في قلوبهم ويكتمونه عن الناس. # ويتابع هؤلاء المنافقون عملية الإيحاء بالأفكار السلبية التي تملأ نفوس PageV06P375 # المؤمنين حسرة وألما وتبعدهم عن خط الإيمان في تصوراتهم الحياتية ، ويصور ~~لنا القرآن هذه العملية : ( @QUR@03 الذين قالوا لإخوانهم ) الذين قتلوا في ~~المعركة ( @QUR@01 وقعدوا ) فلم يخرجوا معهم ليقاتلوا المشركين ( @QUR@02 ~~لو أطاعونا ) في البقاء في بيوتهم والقعود عن القتال وهو ما أمرناهم به ( ~~@QUR@02 ما قتلوا ) فهم قد عرضوا أنفسهم للقتل ، أما نحن فقد استطعنا أن ~~نحفظ حياتنا بقعودنا عن الخروج ، وذلك بحصولنا على السلامة من الموت. ( ~~@QUR@01 قل ) يا محمد ( @QUR@03 فادرؤا عن أنفسكم ) أي فادفعوا ( @QUR@01 ~~الموت ) إذا كنتم تملكون أسباب الحياة والموت وتعرفون مصادر الموت وموارده ~~، فإذا كانت مسألة الحياة هي القعود عن القتال والبقاء في البيوت ، وكانت ~~مسألة الموت هي الاندفاع إلى الحرب والمشاركة فيها ، فهل تستطيعون الحصول ~~على الخلود وأنتم باقون في بيوتكم أو بعيدون عن ساحة الحرب؟! فإن قضية ~~الموت والحياة ليست خاضعة للفرص التي يوفرها الإنسان لنفسه أو يختارها في ~~بعض مجالاته ، بل هي بيد الله ، ( @QUR@08 فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون ) [الأعراف : 34] ؛ ( @QUR@012 قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) [آل عمران : 154] ؛ وهكذا أراد الله ، ~~من خلال هذا التحدي للمفاهيم التي طرحوها في الساحة ، أن يكشف كذبهم وزيف ~~واقعهم ، لأنهم لا يستطيعون مواجهة هذا التحدي في قليل أو ms1293 كثير. # ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) فهل يبعدكم البعد عن ساحة الجهاد عن الموت في ~~ما تستقبلونه من الزمان؟ إن ذلك لن يعفيكم من القضاء المحتوم الذي يجري على ~~سنة الله في الإنسان ، فكل إنسان يموت بأجله ، فلا يهرب من الحرب الجهادية ~~ليسلم ؛ فقد يلتقي بالموت وهو في راحة ودعة وأمان. # * * * PageV06P376 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون (169) @QUR@019 فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) @QUR@011 يستبشرون ~~بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) (171) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويستبشرون ): يمنحون البشرى ، وأصل البشارة كما في مجمع ~~البيان من البشرة لظهور السرور فيها ، ومنه : البشر لظهور بشرته ، ~~والمستبشر : من طلب السرور في البشارة فوجده (1). # ( @QUR@02 لم يلحقوا ): لحقته ولحقت به : أدركته ، ويقال : لحقت الشيء ~~وألحقت غيري ، وقيل : لحقت وألحقت ، لغتان بمعنى واحد. PageV06P377 # ( @QUR@01 بنعمة ): النعمة : هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت ~~خالية من وجوه القبح ، لأن المنفعة على ضربين : أحدهما منفعة اغترار وحيلة ~~، والآخر : منفعة خالصة من شائبة الإساءة. والنعمة تعظم بفعل غير المنعم ، ~~كنعمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من دعاه إلى الإسلام فاستجاب له ، لأن ~~دعاءه أنفع من وجهين : أحدهما : حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له ، ~~والآخر : بقصده الدعاء إلى حق يعلم أن يستجيب له المدعو ، وإنما يستدل بفعل ~~غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة وعظم المنزلة كما جاء في مجمع ~~البيان (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : «قيل : نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا : ~~ثمانية من الأنصار ، وستة من المهاجرين. وقيل : نزلت في شهداء أحد ، وكانوا ~~سبعين رجلا : أربعة من المهاجرين ، هم : حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن ~~عمير ، وعثمان بن شماس ، وعبد الله بن جحش ، وسائرهم من الأنصار ، عن ابن ~~مسعود والربيع وقتادة. وقال الباقر عليه السلام وكثير من المفسرين : إنها ~~تتناول قتلى بدر وأحد معا. # وقيل : نزلت في شهداء بئر معونة ، وكان ms1294 سبب ذلك ما رواه محمد بن إسحاق بن ~~يسار بإسناده عن أنس بن مالك وغيره ، قالوا : قدم أبو براء عامر بن مالك بن ~~جعفر ملاعب الأسنة ، وكان سيد بني عامر بن صعصعة ، على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وأهدى له هدية ، فأبى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبلها ، وقال : يا أبا براء ، لا أقبل هدية مشرك ، ~~فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك. وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يعد ، وقال : ~~يا محمد ، إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل ، فلو بعثت رجالا من أصحابك ~~إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك ، PageV06P378 # رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أخشى ~~عليهم أهل نجد. فقال أبو براء : أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا الناس إلى ~~أمرك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ~~ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين ، منهم الحارث بن الصمة ، وحرام بن ~~ملحان ، وعروة بن أسمى بن صلت السلمي ، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، ~~وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس ~~أربعة أشهر من أحد ، فساروا حتى نزلوا بئر معونة. # فلما نزلوا قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أهل هذه الماء؟ فقال حرام بن ملحان : أنا. فخرج بكتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عامر بن الطفيل ، فلما أتاهم لم ينظر ~~عامر في كتاب رسول الله ، فقال حرام : يا أهل بئر معونة ، إني رسول رسول ~~الله إليكم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فآمنوا بالله ~~تعالى ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح ، فضرب به في جنبه حتى خرج ~~من الشق الآخر. فقال : الله أكبر فزت ورب الكعبة ، ثم استصرخ عامر بن ~~الطفيل بني عامر على المسلمين ، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا ~~: لن نخفر (1) أبا ms1295 براء ، قد عقد لهم عقدا وجوارا. فاستصرخ عليهم قبائل من ~~بني سليم عصية ورعلا وذكوانا فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى غشوا القوم ~~فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا عن ~~آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق ، فارتث (2) بين القتلى ، فعاش ~~حتى قتل يوم الخندق ، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من ~~الأنصار أحد بني عمرو بن عوف ، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير يحوم ~~حول العسكر ، فقالوا : والله إن لهذا الطير لشأنا. فأقبلا لينظرا إليه ، ~~فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم PageV06P379 # واقفة ، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية : ماذا ترى؟ قال : أرى أن نلحق ~~برسول الله فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري : لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن ~~موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأخذوا عمرو بن ~~أمية أسيرا ، فلما أخبرهم أنه من ضمر ، أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته ، ~~وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أبيه ، فقدم عمرو بن أمية على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره الخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~هذا عمل أبي براء ، وقد كنت لهذا كارها متخوفا ، فبلغ ذلك أبا براء فشق ~~عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسببه ... # قال : وأنزل الله تعالى : ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) الآية (1). # * * * ### ||| ** صورة الموت عند الكافرين # ويستمر القرآن في هذه السورة في أجواء المعركة التي يخوضها المسلمون ضد ~~الكفر والباطل ، ليعالج بعض الحالات النفسية التي يعيشها الناس إزاء ~~الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله ، فهم يعيشون جو المأساة والحسرة والألم ~~، فقد كان هؤلاء المجاهدون بينهم في حياتهم هذه ، تتفجر الحياة في وجوههم ~~وعيونهم ونبضات قلوبهم ... وفجأة تموت الحياة ، فيخمد الإشراق في العيون ، ~~وتذبل الشفاه ، وتهدأ الحركة في القلوب ، ويتحول الإنسان إلى شيء ، مجرد ~~شيء يدفن ويتحلل ، كما يدفن كل شيء ويتحلل ... وهكذا ms1296 تعود الصورة السلبية ~~للمصير لتتفاعل في النفس يأسا وخذلانا يوحي للإنسان بالصورة القاتمة لما ~~يخلفه الجهاد في سبيل الله من آلام وأحزان ، مما يدفع إلى التقاعس عنه أو ~~الثورة عليه. PageV06P380 # ولكن هذه الصورة ، ليست من فعل الإيمان بالله واليوم الآخر ، بل هي من ~~فعل الكافرين الذين يقولون كما حدثنا الله في كتابه : ( @QUR@08 إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) [الأنعام : 29] فهم الذين يعيشون العقدة ~~من الموت ومن كل ما يقربهم إليه أو يربطهم به ، لأنه يمثل الجدار الذي ~~تتحطم عنده الحياة ، ولا شيء وراء الجدار غير الظلام الأبدي الذي لا يوحي ~~بأية إشراقة من نور ولو من بعيد ... # إنها المادية التي تخنق في الإنسان الشعور الحي بامتداد الحياة الأبدية ~~في حياته حتى ما بعد الموت ، وبذلك يفقد الإنسان حيوية الاندفاع إلى ساحة ~~الموت من خلال الرغبة الذاتية التي تتعامل فيها الذات مع طبيعة الأشياء ، ~~أما الذين يندفعون منهم للقتال من خلال المبادئ الوطنية وغيرها ، فهم لا ~~يزالون يتحركون بفعل الرواسب الروحية التي تعيش في أعماقهم ، وتحرك دوافعهم ~~لا شعوريا ، وربما يوحون لأنفسهم في بعض الحالات بحياة أخرى هي حياة الذكر ~~الخالد بعد الموت ، أو حياة أمتهم من خلالهم ، ولكنها أوهام خادعة على أساس ~~التفكير المادي الذي لا يحس الإنسان معه بأي شيء من هذا القبيل بعد الموت ، ~~فما معنى أن يعمل له ليعيش من خلاله؟! # * * * ### ||| ** نظرة إسلامية للشهادة # إن هذه الصورة هي صورة التفكير المادي في فكر الذين يؤمنون به. أما الذين ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر ، فإن الصورة عندهم تختلف كثيرا ، فها هي الحياة ~~تتفجر من جديد بعد الموت ، فليس الموت إلا سفرا كما هو السفر الذي يمثل ~~الانتقال من جو إلى جو آخر ، ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى ، وفي هذه الحياة ~~شقاء وسعادة ، وفرح وألم ، وجحيم ونعيم ... ولكن ذلك كله يمثل نتاج الحياة ~~الأولى في ما عمله الإنسان من خير أو شر ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7 8]. PageV06P381 # وتتحرك الصورة ms1297 في وعينا الإيماني من خلال القرآن الكريم ، لتقدم لنا ~~الشهداء الذين جاهدوا في سبيل الله بالصورة المشرقة ، التي تملأ الروح ~~بالفرح الكبير الذي يوحي بالشعور العميق بالسعادة الروحية ، بدلا من الصورة ~~الظاهرية القاتمة : ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون ) فهم عند الله أحياء ، تضج الحياة في داخلهم ، ~~وتشرق في عيونهم ، وتتحرك في مظاهر الحياة لديهم ... وتلك هي الحياة التي ~~لا يشوبها الكدر والألم في ما يعيشه الناس في هذه الدنيا ، ( @QUR@06 فرحين ~~بما آتاهم الله من فضله ) فهم يعيشون الفرح الروحي ، في ما أتاهم الله من ~~فضله ولطفه ورحمته ، وذلك هو الفرح الحقيقي الذي يحس الإنسان معه بالسعادة ~~المطلقة التي لا تعكر صفوها أية شائبة ، مما كان يجده الفرحون في الدنيا ~~الذين يفرحون لشهوة أو لذة أو انتصار طارئ في الأجواء التي تمزج ذلك كله ~~بالحسرة والألم من جهات أخرى : ( @QUR@013 ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ~~من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ويمنحهم الله البشرى بأولئك الذين ~~تركوهم من خلفهم في الحياة لما يريهم الله من نعمته عليهم ولطفه بهم ~~فيرتاحون لذلك. # ثم يعطينا الجو الذي يعيشه هؤلاء عند الله ، فهم يعيشون الأمن من الخوف ، ~~لأن الخوف لا يكون إلا من خلال حالة صعبة مترقبة ، يواجه فيها الإنسان ~~الألم والشقاء ، وليس عند الله للمؤمنين إلا الفرح والسعادة ، ويعيشون ~~الأمن من الحزن الذي لا ينطلق إلا من حالة صعبة يحس الإنسان بالأسف عليها ~~فيحزن ، وليس في حياة المؤمن في الدار الآخرة أي شيء أو أية خسارة يأسف ~~عليها. فما معنى الخوف والحزن بعد ذلك؟! # وقد جاء في تفسير الميزان ملاحظة دقيقة في استيحاء قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) قال : «وهذه الجملة ، أعني قوله : ( ~~@QUR@06 ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون )، كلمة عجيبة كلما أمعنت في تدبرها ~~زاد في اتساع معناها على لطف ورقة وسهولة بيان ، وأول ما يلوح من معناها أن ~~الخوف والحزن مرفوعان عنهم ، والخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل ms1298 يوجب ~~انتفاء شيء PageV06P382 # من سعادة الإنسان التي يقدر نفسه واجدة لها ، وكذا الحزن إنما يكون من ~~جهة أمر واقع يوجب ذلك ، فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم تقع ~~بعد ، فإذا وقعت زال الخوف وعرض الحزن ، فلا خوف بعد الوقوع ولا حزن قبله. # فارتفاع مطلق الخوف عن الإنسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه ~~النعم في معرض الزوال ، وارتفاع مطلق الحزن إنما يتسير له إذا لم يفقد شيئا ~~من أنواع سعادته لا ابتداء ولا بعد الوجدان ، فرفعه تعالى مطلق الخوف ~~والحزن عن الإنسان ، معناه : أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به ويستلذه ~~، وأن لا يكون ذلك في معرض الزوال ، وهذا هو خلود السعادة للإنسان وخلوده فيها. # ومن هنا يتضح أن نفي الخوف والحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند الله ، ~~فهو سبحانه يقول : ( @QUR@04 وما عند الله خير ) [آل عمران : 198] ؛ ويقول ~~: ( @QUR@04 وما عند الله باق ) [النحل : 96] فالآيتان تدلان على أن ما عند ~~الله نعمة باقية لا يشوبها نقمة ولا يعرضها فناء. ويتضح أيضا أن نفيهما هو ~~بعينه إثبات النعمة والفضل ، وهو العطية ، لكن تقدم في أوائل الكتاب وسيجيء ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 مع الذين أنعم الله عليهم ) [النساء : 69] أن ~~النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن فهي الولاية الإلهية ، وعلى ذلك فالمعنى : ~~أن الله يتولى أمرهم ويخصهم بعطية منه» (1). # ... وتتفايض البشرى وتنساب حياة وفرحا وسرورا في نفوسهم ، فهم ( @QUR@05 ~~يستبشرون بنعمة من الله وفضل ) وقد أجمل الله النعمة والفضل ليوحي بالتصور ~~المطلق الذي يلتقي فيه الإنسان بما شاء له التصور من آفاق واسعة شاملة لا ~~يصل إليه الخيال ... ويشعرون بالحقيقة التي كانت تحملها لهم رسالات السماء ~~في ما تحمله للمؤمنين من الوعد بالثواب الجزيل عند الله ، وهي ( @QUR@06 ~~وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وها هم يرونها رأي العين في ما يرونهم من ~~نعيم ، وفي ما يفيض عليهم من رحمة ولطف ورضوان. # * * * PageV06P383 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) @QUR@017 الذين ms1299 قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) ~~@QUR@015 فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ~~والله ذو فضل عظيم (174) @QUR@011 إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) (175) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استجابوا ): استجاب وأجاب بمعنى واحد ، وقيل : استجاب طلب ~~الإجابة ، وأجاب : فعل الإجابة. # ( @QUR@01 القرح ): الجرح ، وأصله : الخلوص من الكدر ، ومنه : ماء قراح ~~: أي خالص ، والقراح من الأرض : ما خلص طينه من السبخ وغيره ، PageV06P384 # والقريحة : خالص الطبيعة ، واقترحت عليه كذا : أي : اشتهيته عليه لخلوصي ~~على ما تتوق نفسه إليه ، كأنه قال : استخلصته. وفرس قارح : طلع نابه لخلوصه ~~عن نقص الصغار ببلوغ تلك الحال ، والقرح : الجراح لخلوص ألمه إلى النفس. # ( @QUR@01 أحسنوا ): الإحسان : هو النفع الحسن. # ( @QUR@01 الناس ): الناس الأولى غير الثانية ، فإن المراد بالأولى : هم ~~المثبطون المعوقون الذين يعيشون النفاق وضعف الإيمان. والمراد بالثانية : ~~هم الأعداء من المشركين وغيرهم. والناس لغة : هم الأفراد من الإنسان من حيث ~~أخذ ما يتميز به بعضهم عن البعض. # ( @QUR@02 جمعوا لكم ): جمعوا جموعهم وجنودهم وآراءهم لقتالكم ، والجمع ~~: لم الأشياء المتفرقة وضمها بعضها إلى بعض. وأكثر ما يستعمل جمع في ~~الأعيان وأجمع في الآراء. # ( @QUR@01 فاخشوهم ): خافوهم وهابوهم. والخشية كما يقول الراغب خوف ~~يشوبه تعظيم (1). # ( @QUR@01 حسبنا ): كافينا وناصرنا. وتستعمل «حسب» في معنى الكفاية ، ~~يقول صاحب المجمع : وأصل الحسب من الحساب لأن الكفاية بحسب الحاجة ، وبحساب ~~الحاجة ومنه : الحسبان وهو الظن (2). # ( @QUR@01 الوكيل ): الذي يدبر الأمر ، والناصر والمعين والكافي ~~والحفيظ. # يقال : وكل أمره إلى غيره إذا اعتمد عليه فيه ووثق به أن ينجزه. قال ~~تعالى : ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ) [النساء : 81] ؛ وأصله القيام ~~بالتدبير ، فمعنى الوكيل في صفات الله هو المتولي للقيام بتدبير خلقه ، ~~لأنه مالكهم الرحيم بهم. # * * * PageV06P385 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في المجمع : لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد فبلغوا الروحاء ، ~~ندموا على انصرافهم عن المسلمين وتلاوموا ، فقالوا : لا محمدا قتلتم ، ولا ~~الكواعب أردفتم ، قتلتموهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركتموهم ، ~~فارجعوا فاستأصلوهم. فبلغ ذلك الخبر رسول الله ms1300 صلى الله عليه وآله وسلم ، فأراد ~~أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي ~~سفيان وقال : ألا عصابة تشدد لأمر الله تطلب عدوها ، فإنها أنكأ للعدو ~~وأبعد للسمع. فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من القراح والجراح الذي أصابهم ~~يوم أحد ، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا لا يخرجن أحد ~~إلا من حضر يومنا بالأمس ، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليرهب ~~العدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة ، وأن الذي أصابهم لم ~~يوهنهم من عدوهم فينصرفوا ، فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ حمراء الأسد ، وهي ~~من المدينة على ثمانية أميال ... # وروى محمد بن إسحاق بن يسار ، عن عبد الله بن خارجة ، عن زيد بن ثابت ، ~~عن أبي السائب ، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بني عبد ~~الأشهل كان شهد أحدا قال : شهدت أحدا أنا وأخ لي ، فرجعنا جريحين. فلما أذن ~~مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج في طلب العدو ، قلنا : لا ~~تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فو الله ما لنا دابة ~~نركبها وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وكنت أيسر جرحا من أخي ، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة ، حتى انتهينا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد إلى ما انتهى إليه ~~المسلمون . # فمر برسول الله معبد الخزاعي بحمراء الأسد ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم ~~عيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتهامة ، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا ~~، ومعبد يومئذ مشرك ، فقال : يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والله لقد عز ~~علينا ما أصابك في قومك وأصحابك ، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم. ثم خرج ~~من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV06P386 # حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء ، وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله ms1301 ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : قد أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم ~~رجعنا قبل أن نستأصلهم. # فلما رأى أبو سفيان معبدا ، قال : ما وراك يا معبد؟ قال : محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، ~~يتحرقون عليكم تحرقا ، وقد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا ~~على صنيعهم ، وفيه من الحنق عليكم ما لم أر مثله قط. قال : ويلك ، ما تقول؟ ~~قال : فأنا والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال : فو الله لقد ~~أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال : فأنا والله أنهاك عن ذلك ... # قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، ومر به ركب من عبد قيس ، فقال : أين ~~تريدون؟ فقالوا : نريد المدينة. قال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة ~~أرسلكم بها إليه ، وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا ووافيتمونا؟ ~~قالوا : نعم. قال : فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة عليه وعلى ~~أصحابه لنستأصل بقيتهم. # وانصرف أبو سفيان إلى مكة ، ومر الركب برسول الله وهو بحمراء الأسد ~~فأخبره بقول أبي سفيان ، فقال رسول الله وأصحابه : حسبنا الله ونعم الوكيل ~~(1)... # * * * ### ||| ** من صور الثبات الإسلامي # وهذه صورة من صور الثبات والصمود في المجتمع الإسلامي ، في ما تمثلت به ~~أجواء معركة أحد ، فقد ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه المسلمون ~~المعركة وساروا في اتجاه المدينة ، وكان هناك إحساس بأن المشركين قد ~~يستغلون حالة PageV06P387 # الضعف الطارئة التي حدثت لهم بفعل الهزيمة ، فيهجمون على المدينة للقضاء ~~على الإسلام والمسلمين نهائيا. فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يبقي روح الاستعداد للقتال والتعبئة النفسية لدى المسلمين ، لئلا يبتعدوا ~~عن الجو ويفقدوا روح المبادرة ، في الوقت الذي أراد فيه أيضا أن يوحي للعدو ~~بالاستعداد الدائم للوقوف ضده ولمواجهته ، حتى في أشد الحالات حراجة ~~كالحالة التي كان المسلمون فيها آنذاك ، وهي حالة الخروج من الحرب ~~بالهزيمة. ولهذا طلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين أن يتجمعوا ms1302 في ~~معسكر قرب المدينة بكامل عدتهم وقواهم ، وكان فيهم في ما يقال الجرحى ~~والثكالى ، واستجابوا للنبي في ما دعاهم إليه ، واستطاعوا من خلال ذلك أن ~~يضيعوا على قريش فرصة المبادرة من جديد عند ما فكر بعض قادتهم في الهجوم ~~على أساس عنصر المفاجأة ، فتراجعوا عن ذلك عند ما علموا بحالة الاستعداد ~~القصوى لدى المسلمين في المدينة. # وقد جاءت هذه الآيات لتحدثنا عن تلك التجربة ، وعن الحالة النفسية القوية ~~التي كان يعيشها النبي والذين آمنوا معه ضد كل أساليب الانهزام الروحي التي ~~كان الأعداء يحاولون أن يثيروها في عمق مشاعرهم ، من أجل أن يهزموهم في ~~الداخل قبل أن يعملوا على هزيمتهم في المعركة. وتنطلق هذه الآيات في هذا ~~الجو لتؤكد على قيمة الجانب الإيماني الذي يربط القوة بالله ، في تأكيد هذا ~~الموقف الصلب الذي لا يخاف ولا يستكين. # ( @QUR@09 الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) وهو مفرد ~~القروح ، وهي حال خاصة تصيب الجرح ، وقد جاءت على سبيل الكناية عن حالة ~~الألم الناتج عن الهزيمة في ما كانوا يعيشون فيه من مشاعر وإحساسات عميقة ~~صعبة ، فلم تهزمهم بل صمدوا للتحديات المستقبلية التي دعاهم الله ورسوله ~~لمواجهتها ، فاستجابوا للدعوة ، لأنهم كانوا يشعرون بأن أعداء الرسالة لن ~~يكتفوا بمعركة واحدة ضد الإسلام ، ينتصرون أو ينهزمون فيها ، بل هناك حرب ~~مستمرة ، ما دامت الرسالة تتقدم في خطواتها الثابتة إلى الأمام. ولهذا كان PageV06P388 # الاستعداد النفسي للمسلمين مستمرا للدخول في المعركة الجديدة عند ما ~~تنتهي المعركة السابقة. # وقد حفظ الله لهم هذا الموقف في خط التقوى وفي روح الإحسان ، فأعطاهم ~~الأجر العظيم الذي يوازي عظمة الروح والموقف : ( @QUR@06 للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم ) وربما نستشعر من هذه الفقرة في الآية أن الله يعطي ثوابه ~~للذين يتحركون في مواقفهم من مواقع التقوى والإحسان الكامنة في نفوسهم ، ~~المتحركة في أعمالهم المستقبلية في الخط المستقيم. # * * * ### ||| ** القوة تكمن في الإيمان الراسخ # وتتجسد الصورة التي توحي بالقوة من قاعدة الإيمان ، فتهزم بروحيتها كل ~~أساليب التخويف والترهيب ( @QUR@010 الذين قال لهم الناس ms1303 إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم ) فقد انطلقت هذه الكلمات في عملية إيحاء بضخامة العدد والعدة ~~الذي يتمثل في اجتماع هذا العدد الغفير من الناس لحرب المسلمين ، بالمستوى ~~الذي لا يستطيع المسلمون مواجهته على طريقة الحسابات المادية ؛ الأمر الذي ~~يدفع بهم إلى الشعور بالخوف من المشركين ، فيتراجعون عن مواقفهم أمامهم أو ~~يخففون من اندفاعهم في التحديات التي يثيرونها في صراعهم مع الشرك ، ~~فيقبلون بالتسويات التي يأخذ فيها الإيمان حصة ليأخذ الشرك في مقابلها حصة ~~، فينتهي بهم الأمر إلى الانسحاب من مواقعهم الحقيقية في نهاية المطاف ، ~~لأن الذين يتساهلون في بعض المواقف الحيوية تحت تأثير عامل الخوف سوف ~~يتساهلون في القضايا والمواقف الأخرى للسبب نفسه في حالة أخرى. # ولكن هؤلاء المؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول كانوا يعيشون الإيمان في ~~أنفسهم كعامل من عوامل الشعور العميق بالقوة ، من خلال الشعور بالانتماء PageV06P389 # إلى الله القوي القادر ، ولهذا كان رد فعلهم على هذا التحدي مزيدا من ~~التصعيد في حركة الإيمان في الداخل ، لأن المؤمن يعيش الانتماء إلى الله ~~والاعتماد عليه واللجوء إليه في حالات التحدي بالمستوى الذي يملأ نفسه ~~بالقوة ، ويفرغ داخله من كل مشاعر الضعف التي تهزم مواقفه ... وبذلك يزداد ~~إيمانا في فكره وشعوره ، لأن التجربة الصعبة لدى الواعين من المؤمنين لا ~~تضعف الإيمان بل تنميه وتقويه ، وتربطه بالأسس الثابتة التي ارتكز عليها ~~وانطلق منها في ما يتحسسه من حركة الإيمان في خط الواقع ، وفي ما يعانيه من ~~ارتباط التجربة بقضايا الإيمان. # وهناك نقطة أخرى ، وهي أن التحديات الكافرة كلما كبرت كلما كانت دليلا ~~جديدا على مستوى الخطورة التي تمثلها حركة الإيمان ضد الكفر ، مما يمنح ~~المؤمن شعورا بقوة الموقف في قوة الإيمان ، لأن رد الفعل في حركة الكفر في ~~ما يمثله من أساليب العدوان لا يدل على قوة في الموقف ، بل يوحي بحالة ~~الضعف التي تدفع إلى التشنج والانفعال العدواني. وفي هذا الموقف يشعر ~~المؤمنون أن عليهم مواصلة الفعل من مواقعهم القوية ، ليرتفع مستوى الحركة ~~إلى أعلى ما يستطيع العاملون أن يبلغوه. ms1304 وهذا هو وحي القرآن في تصويره لهذه ~~الروح الفاعلة الصاعدة : ( @QUR@07 فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل ) فقد وازنوا بين قوة هؤلاء الناس الذين جمعوا لهم ، وعرفوا أن ~~قوتهم لا تملك عمقا ذاتيا في حسابات القوة ، ولا تملك امتدادا في التأثير ، ~~لأنها محدودة في ذاتها وفي أثرها ... وبين قوة الله المطلقة التي تمنح ~~القوة كما يشاء وتسلبها كما يشاء ، وحددوا موقفهم على هذا الأساس ، ~~فاختاروا الارتباط بالمطلق ولم يخضعوا للمحدود ؛ فشعروا بالكفاية بالله ، ~~فهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، وهو الوكيل عن عباده المؤمنين ~~في ما يقوم به من حمايتهم وحفظهم من كل سوء. # واستجاب الله لهذا الإيمان ( @QUR@08 فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء )، ورد الله كيد الأعداء إلى نحورهم ، فتراجعوا أمام حالة ~~الاستعداد PageV06P390 # القصوى للمؤمنين التي عاشها المؤمنون من خلال نعمة الله وفضله عليهم ، ( ~~@QUR@03 واتبعوا رضوان الله ) في ما يأمرهم به من الوقوف مع رضوانه في ~~مواقع الجهاد ، ( @QUR@04 والله ذو فضل عظيم ) في ما أعطاهم من قوة الموقف ~~من خلال قوة الإيمان ، فلم يستطع الناس أن يهزموهم بالكلمة ، كما لم ~~يستطيعوا أن يهزموهم بالفعل. وذلك هو فضل الله على عباده في ما يفيض عليهم ~~من نعمة القوة الروحية التي لا تقف عند حد. # ( @QUR@05 إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ) فليس الخوف الذي يحدث ~~للإنسان إلا من خلال تسويلات الشيطان الذي يوحي له بالمشاعر السلبية ، التي ~~تعطي الأشياء من حوله صورة غير واقعية ، فتضخم في وعيه القضايا الصغيرة ، ~~وتصغر القضايا الكبيرة ، وتضع أمامه صورة الموت الذي يلغي أطماعه وشهواته ؛ ~~فيضعف أمام ذلك كله ، ويتضاءل ويصغر ويتراجع عن مواقفه ، وينسحب من مواقع ~~الجهاد الصعب تحت تأثير عامل الخوف الناتج من ذلك كله ... وذلك هو شأن ~~أولياء الشيطان يصغون بمسامع قلوبهم لوسوسته. أما أولياء الله فهم الذين لا ~~يرتبطون بالحياة إلا من خلال الإيمان بالله الذي يمسك مقاليدها بيده ، ~~ويحركها بقدرته ، ويضع خططها بحكمته ، فهو الذي ينفع ويضر ، وهو الذي يحيي ~~ويميت وإليه المصير ... وليست الحياة الدنيا ms1305 نهاية المطاف ، ليسقطوا أمام ~~صورة النهاية في صورة الموت ، بل هي بداية لحياة جديدة أخرى. # ولهذا فإن الموت لا يمثل حالة سلبية في عمق الشعور الإنساني المطيع لله ، ~~بل يحدث له حالة عكسية من الشعور الإيجابي بالشوق للقاء الله للحصول على ~~رضوانه ونعيمه في الدار الآخرة. وهذا هو شعار المؤمنين في المعركة في ما ~~حدثنا الله عنه في قوله تعالى : ( @QUR@07 قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين ) [التوبة : 52] ؛ النصر أو الشهادة. ( @QUR@02 فلا تخافوهم ) ~~لأنهم لا يملكون القوة الذاتية التي تخيف المؤمنين ، ( @QUR@04 وخافون إن ~~كنتم مؤمنين ) بالوقوف أمام حدود الله في الثبات على خط الجهاد وعدم ~~الانهزام أمام تحديات الأعداء ، فإن الإيمان موقف لحساب الله ، وليس كلمة ~~عبارة تنطلق به الشفاه في حالة شعورية سلبية PageV06P391 # في حركة الذات. # * * * ### ||| ** الجهاد حركة للحياة # وقد نستوحي من هذه الآيات في أنها لم تتحدث عن التاريخ الجهادي للمسلمين ~~كتاريخ محدود يتحرك ضمن شخصيات معينة ، بل تحدثت عنه كنموذج من نماذج حركة ~~الإسلام في الحياة في حركة المؤمنين الذين يواجهون تحديات الأعداء بالقوة ، ~~فلا تصرعهم الهزيمة بل تزيدهم قوة واستعدادا للحصول على النصر من خلال ~~اختزان دروس الهزيمة في داخلهم ، وتحويلها إلى تجربة رائدة في خط السير ، ~~ليتابعوا الطريق ويستشعروا بالقوة المتجددة بقدر ما يتجدد الإيمان في ~~نفوسهم. # وبذلك تتحول هذه القصة إلى درس نتعلمه في مواقفنا عند ما نقود معركتنا في ~~صراعنا مع الكفر والظلم والاستعمار ، فيحاول الأعداء أن يستغلوا الأوضاع ~~الشاذة في مجتمعاتنا ليثيروا فينا مشاعر الخوف من خلالها. فإن المؤمن ينظر ~~بنور الله ، فيدرس الواقع لا على أساس حدوده الضيقة ، بل على أساس المعطيات ~~المستقبلية التي يمكن أن يقدمها للمستقبل ، في ما يوحي به من عملية حشد ~~القوة في الداخل والخارج من خلال الارتباط بالله ، فإن الحياة بيد الله ، ~~فلا يملك أحد أن يسلب الحياة ممن يريد الله له ذلك. وهذا هو سر القوة ~~النفسية التي يواجه بها المؤمن الحرب النفسية التي يشنها الأعداء ضده ، ~~فيتزايد لديه الشعور بأنه يقف على أرض صلبة ms1306 وأن رأسه مرفوع إلى السماء في ~~اتجاه النور المتحرك في آفاق الله. # وهذه التربية على التوكل على الله التي نشأ عليها هؤلاء المسلمون من ~~الصحابة في صدر الدعوة هي السر في الثبات على الإسلام أمام كل التحديات ~~الصعبة والأخطار الكبرى ، فقد فهموه فهما واعيا عميقا واسعا ممتدا في حركة PageV06P392 # الواقع الإنساني ، وذلك بالأخذ بالأسباب التي أعدها الله للأشياء في واقع ~~الحياة في قضايا النصر والهزيمة مما يتصل بالأسباب الطبيعية ، وبالانفتاح ~~على الله في استلهام القوة منه في الإمداد الغيبي الذي يمد به عباده ~~الصالحين في ساعات الشدة ، وفي مواقع التحدي عند ما يخضعون لبعض نقاط الضعف ~~النفسية في ضعف بشريتهم ، ووهن الإرادة واهتزاز الإحساس ، وسيطرة الخوف ~~والحزن من خلال أسبابها في الواقع ، فينطلقون إلى الله يستمدون منه القوة ~~التي تنقذهم من ضعفهم ، والأمن الذين يخلصهم من خوفهم ، والفرح الروحي الذي ~~يبعدهم عن حزنهم ؛ فتمتلئ نفوسهم بالثقة أمام الأعداء. # فإذا كانوا يمثلون القوة المادية التي تغلب قوة مادية مماثلة ، فإن الله ~~يملك القوة الغيبية التي لا تغلب ولا تقهر ، وهكذا يتحول التوكل في معناه ~~الإيماني إلى عنصر قوة في الإنسان المؤمن ، بحيث تطرد عنه كل عوامل الضعف ، ~~فينطلق إلى الحياة في كل قضاياها بثقة فاعلة ، واطمئنان عميق ، وموقف ثابت ~~، وهذا هو شأن القوة الروحية الإيمانية في الواقع الحركي للإنسان في مواجهة ~~الشدائد. # * * * PageV06P393 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) @QUR@012 إن ~~الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ~~@QUR@017 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) (178) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا يحزنك ): لا يكدرك ولا يؤلمك. # ( @QUR@01 يسارعون ): يبادرون. # ( @QUR@01 حظا ): نصيبا. # ( @QUR@01 اشتروا ): أخذوا الكفر بدل الإيمان ، كما يفعل المشتري ~~بمبادلة المبيع بالثمن. PageV06P394 # ( @QUR@01 نملي ): نمهل ونطيل المدة. والإملاء : إطالة المدة ، والملي : ~~الحين الطويل ، والملأ : الدهر ، والملوان : الليل والنهار لطول تعاقبهما. ~~والمراد من الإملاء هنا : ترك المعاجلة لعقوبتهم. ms1307 # * * * ### ||| ** لا تحزن على الكافرين # لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعيش في داخل نفسه الحزن العميق ، من ~~خلال ما يواجهه من كفر الكفار الذين لا يتوقفون أمام دعوة الإيمان ليتأملوا ~~ويفكروا ليؤمنوا من خلال ما تحمله الدعوة من براهين الحق ؛ بل يسارعون في ~~الكفر والإنكار تحت تأثير رواسبهم وتقاليدهم وشهواتهم وعلاقاتهم الحميمة ~~بآبائهم ... فقد كان يعيش الإخلاص كله لله ، ويريد للناس أن يلتقوا بالله ~~في عملية إيمان وطاعة ليتعرفوا عظمته من خلال خلقه ، ويتحركوا في طاعته ~~شكرا لنعمته. # ولكن الله سبحانه لا يريد للرسول أن يحزن ، بل يدعوه إلى أن يقابل الموقف ~~بشكل طبيعي ، فقد أقام عليهم الحجة من خلال ما طرحه عليهم من أساليب الدعوة ~~وأفكارها ، مما لا يدع لهم مجالا فكريا للإنكار ، فليس هناك تقصير من جهته ~~إذا كان حزنه خوفا من التقصير ، وإذا كان ذلك خوفا عليهم من الهلاك ، فهم ~~قد اختاروا لأنفسهم ذلك. أما إذا كان انفعالا روحيا لمعصيتهم لله وكفرهم به ~~، فإنهم لن يضروا الله شيئا ، لا بلحاظ ذاته ، لأنه الغني المطلق الذي لا ~~تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية من عصاه وكفر من كفر به ، بل هو الذي ~~يملك أمر عقابهم ، فمصيرهم خاضع لما يريده لهم بسبب كفرهم من سوء العاقبة ، ~~فليس لهم حظ في الآخرة في ما يملكه المطيعون من نعيم الله ورضوانه ، ( ~~@QUR@03 ولهم عذاب عظيم ) مما أعده الله للكافرين. وتلك هي قصة هؤلاء الذين ~~كانوا في عهد الرسالة وتمردوا على الدعوة. # * * * PageV06P395 ### ||| ** إرادة الله تتصل بإرادة الإنسان في مسئولياته # ( @QUR@02 ولا يحزنك ) يا محمد في مسيرتك الرسالية المنطلقة في اتجاه ~~إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان ، إذا رأيت في الطريق ( @QUR@04 الذين ~~يسارعون في الكفر ) في مبادراتهم الفكرية والعملية ، وفي حركتهم الواقعية ~~مما يحاولون فيه أن يحافظوا على قيم الكفر وامتيازاته ، ليعطلوا كل ~~المبادرات الإيمانية التي تقوم بها بأساليبهم المتنوعة ، ووسائلهم المختلفة ~~، فلا يثقل ذلك نفسك ولا يعطل حركتك بالطريقة التي يثقل بها الحزن النفس ~~الإنسانية فيمنعها عن الاستمرار في الخط ، ويعطل ms1308 حركتها في تنفيذ الخطة ، ~~باعتبار أن العوامل النفسية السلبية تترك تأثيراتها على الإنسان في تفكيره ~~وحركته ، فإنك إذا كنت تفكر بالموضوع من خلال فضل مهمتك ، فإنك تعرف أن ~~مهمتك تنتهي عند إبلاغ الدعوة بالوسائل الحكيمة التي تفتح فيها قلوب الناس ~~على الحق النازل من عند الله ، بحيث لا تترك أية فرصة للهداية وأي أسلوب ~~للإيمان إلا أتيت به ، فإذا بلغت البلاغ الحسن ، فقد حققت النجاح الرسالي ~~في مرحلته الأولى. # ( @QUR@05 إنهم لن يضروا الله شيئا ) لأنك اخترقت كل الحواجز التي نصبوها ~~أمام الدعوة. ويبقى الصراع بين الكفر والإيمان يفرض نفسه على الساحة لينتهي ~~في نهاية المطاف ، بعد استكمال الشروط الموضوعية ، إلى النتائج الحاسمة. ~~وإذا كنت تحزن لأجل الله لأنهم أساءوا إليه وظلموه حقه وتجرأوا على مقامه ~~وتمردوا عليه ، فعليك أن لا تشعر بالمشكلة من هذه الجهة إذ ( @QUR@08 يريد ~~الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) لأن مسألة الكفر والإيمان لا تتصل بالله ~~في حاجته إلى ذلك ، فهو الغني عن عباده في أصل وجودهم ، لأنه الذي خلقهم ~~والقادر على إزالته بكل تفاصيل وجودهم ، فهو الذي أعطاهم عقولهم وحواسهم ~~وأجسادهم وما يحتاجونه مما خلقه في الأرض وفي السماء ، مما يتوقف عليه ~~وجودهم. أما معادلة الإيمان ، فهي مسألتهم التي بها يسعدون ويغتنون ~~ويرتاحون ويفلحون ، وقد ترك الله لهم الحرية في ذلك فمن شاء فليؤمن ومن PageV06P396 # شاء فليكفر ؛ فإذا كانوا قد اختاروا الكفر وتركوا دعوة الله ، فإن الله ~~قد وكلهم إلى أنفسهم وأبعدهم عن رحمته ، ومنع عنهم لطفه ، وحكم عليهم ~~بالضلال بعد اختيارهم له. وهذا هو الذي يؤدي بالنتيجة إلى حرمانهم من كل حظ ~~في الآخرة من نعيم الجنة ومواهب الله في العالم الآخر ، وهذا هو تفسير قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) فليست القضية ~~قضية إرادة تكوينية تمنعهم من الحصول على فرصة السعادة في الآخرة فلا ~~يملكون معها أية إمكانية لذلك ، بل قضية اختيار منهم بعد أن أعطاهم الله ~~فرصة الوصول إلى إيمانه من أوسع الأبواب من خلال ما ركبه ms1309 فيهم من الإرادة ~~الحرة التي يتحملون مسئولية قراراتها ، مما يؤدي إلى النتائج السلبية. فإن ~~إرادة الله للأشياء تتصل بإرادة الإنسان في مسئولياته ، فإذا اختار الخير ~~في حركة عمله أعطاه الله الخير في نتائجه ، وإذا اختار الشر فإن الله يريد ~~لهم عند ذلك من موقع إرادته ، أن لا يكون لهم حظ في الآخرة ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب عظيم ). # وتنطلق الآية الثانية لتؤكد الفكرة في نطاق عام شامل يطرح القضية في ~~مستوى القاعدة الكلية : ( @QUR@05 إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) في ~~عملية اختيار ذاتية ، لم تفرضها عليهم شبهة فكرية ، بل كانت نتيجة حالة ~~نفسية مرضية معقدة ، فقد باعوا الإيمان بالكفر واستبدلوه به بعد وضوح الحق ~~لديهم ، ( @QUR@04 لن يضروا الله شيئا ) بل يضرون أنفسهم في ما يفقدونه من ~~نعمة الإيمان الذي يفتح آفاق الإنسان على كل المعاني الطيبة في الحياة ، ~~ويوحي له بكل الأفكار الطاهرة المنفتحة التي تثير فيه مشاعر السمو والخير ~~والانطلاق ... وماذا بعد ذلك؟ إن الإضرار بأنفسهم لن يقتصر على الجانب ~~السلبي ، بل هناك الجانب الإيجابي الذي يتمثل فيه العذاب الأليم ( @QUR@03 ~~ولهم عذاب أليم ) بما اختاروه لأنفسهم من الكفر والعصيان. # * * * PageV06P397 ### ||| ** العبرة في نهايات الأمور وعواقبها لا في بداياتها # وتمتد الحياة بالكافرين وتنفتح لهم كل الأبواب التي تكفل لهم ما يريدونه ~~من الرغبات والشهوات والفرص المادية والمعنوية ، وتطول أعمارهم ، ويتقلبون ~~في نعيم الدنيا كما يحبون ، ويحسبون أن في ذلك الخير كل الخير والسعادة كل ~~السعادة ... ولكن ما هو مقياس الخير؟ هل هو في ما يحصل عليه الإنسان من ~~النعيم في حساب اللحظات السريعة الزائلة ، أم هو في ما يعيشه من الرضى ~~والطمأنينة والنعيم في حساب الخلود الدائم في نهاية المطاف ، وإن كان ذلك ~~من خلال الأذى والتعب والشقاء في بداية الأمر؟! وفي هذا الجو يمكن أن نقرر ~~حالة هؤلاء الكافرين في ما تخضع له من خير أو شر. # ويحسم القرآن الموقف لمصلحة الفكرة التي تجعل القضية خاضعة للنتائج لا ~~للبدايات ، لأنها هي التي تعمق السعادة في حياة الإنسان ، فلا تكون مجرد ~~حالة طارئة تزول مع ms1310 الزمن. وتلك هي حالة الإحساس بالسعادة التي يعيشها ~~الكافرون في امتداد الحياة لديهم ( @QUR@09 ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم ) والإملاء : الإمهال وطول المدة ، لأنهم لا يتحركون ~~في حياتهم من المواقع الصحيحة التي تربطهم بطاعة الله وما تؤدي إليه من خير ~~كثير ، ( @QUR@05 إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) لأن الكافر كلما امتد به ~~العمر كلما ازداد معصية وإثما وتمردا على الله ... وفي ذلك الشر كل الشر في ~~ما يؤدي به إلى عذاب الله ، وما يعنيه ذلك من سوء العاقبة. واللام هنا ~~للعاقبة ، لا للغاية كما هو واضح ، فيكون وزانها وزان قوله تعالى: ( ~~@QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) [القصص : 8] ؛ فقد أخذوه ~~ليكون لهم سرورا وقرة عين ، لأنهم انفتحوا على مستقبله معهم ليكون لهم ولدا ~~في تمنياتهم العاطفية النفسية لعلاقة الولد بهم في الأجواء الحميمة بينه ~~وبين والديه ، ولكن جهلهم بأحداث المستقبل أخفى عنهم النتائج القاسية ~~المرعبة التي تنتهي إليها علاقة هذا الوليد بهم ، فسيتحول الأمر إلى أن يكون PageV06P398 # عاقبة أمره العداوة لهم من خلال عداوة الرسول للكافرين ، والحزن العميق ~~الذي تحمله المأساة التي سوف يعيشون في داخلها. # وهكذا يجد هؤلاء الذين كفروا أن هذا الترف الذي يتنعمون به ، وهذا الجاه ~~الذي يتحركون فيه ، وهذه الثروة التي يملكونها ، وهؤلاء الأولاد الذين ~~ينتسبون إليهم ويفرحون بهم ، وغير ذلك من متاع الحياة الدنيا ... سيجدون كل ~~ذلك خيرا لأنفسهم ، وأي خير في الدنيا أعظم من أن يملك الإنسان كل ما يحقق ~~رغباته وحاجاته وشهواته ولكنهم ينطلقون في ذلك من استغراقهم في الدنيا التي ~~يعتبرونها نهاية المطاف ، ولا يلتفتون أنهم سيواجهون الآخرة في كل حساباتها ~~ومواقفها التي تقف فيها كل الدنيا بكل أهلها ، لتقدم حساب مسئولياتها مما ~~قدموه من عمل خير أو شر ، ليعرفوا أن العبرة بأواخر الأمور وعواقبها لا ~~ببداياتها وأولياتها ، وسيرون أن طول المدة في الدنيا في هذا الخط المنحرف ~~الذي يتحركون فيه سوف يكون زيادة في الإثم ، وخطورة في المسؤولية ، وعذابا ~~مهينا. وهكذا نعرف أن الله لم يرد لهم أن ms1311 يزدادوا إثما ، لأنه خلقهم ~~ليطيعوه وليحصلوا على جنته من خلال الحصول على رضوانه ، ولكنهم عند ما ~~ازدادوا معصية ازدادوا إثما من خلال أن النتيجة تتبع المقدمات ( @QUR@06 ~~وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) [آل عمران : 117]. # ( @QUR@03 ولهم عذاب مهين ) يعيشون في المهانة والإذلال والانسحاق في ~~النار وبئس القرار. # * * * ### ||| ** على الداعية إخضاع انفعالاته للتفكير العقلاني # وقد نحتاج إلى إثارة هذه الصورة في أجواء الدعوة إلى الله من خلال هذه ~~الآيات ، وذلك من أجل التخفيف من الحالة النفسية السيئة التي تواجه الدعاة ~~في ما يواجهونه من كفر الكافرين والابتعاد بهم عن المشاعر الضاغطة في ما PageV06P399 # يشاهدونه من امتداد الحياة بالكافرين مما يخيل للناس أنه الخير كل الخير ~~، لا سيما في مقابل ما يشاهدونه من البلاء الذي يصيب المؤمنين في أنفسهم ~~وأموالهم ... فإن التركيز على الطبيعة الواقعية لهذا كله يربط العاملين ~~بالحقائق الأساسية لحركة العمل ، ولا يجعلهم تحت رحمة المشاعر الطارئة من ~~خلال المظاهر والأوهام. # ولعل الفكرة التي نستوحيها من الآيتين هي أن الله يريد للإنسان ، سواء ~~أكان نبيا أم وليا أم داعية إلى الله ، ممن يتحركون في خط الدعوة ، أن يجعل ~~انفعالاته النفسية خاضعة للتفكير العقلاني الموضوعي الذي يحسب حسابات ~~الواقع في حركة الناس من حولهم ، وفي طبيعة الظروف المعقدة المحيطة بهم ، ~~ليعرفوا أن الداعية لا يملك انفعاله في دائرة الذات ، بل يتحرك بها في خط ~~الرسالة التي تخطط من أجل الوصول إلى عقول الناس وقلوبهم مما قد يكلف ~~الكثير من العناء والجهد والمشاكل العملية ، وذلك من جهة أن هناك أكثر من ~~عقدة فكرية أو نفسية أو واقعية تتحكم في شخصيات أولئك الكافرين ، الأمر ~~الذي يحتاج إلى تجارب عديدة وصدمات متنوعة تؤثر تأثيرا بالغا في إزالة ~~الطبقة الصخرية المتحجرة الملتصقة بعقولهم وقلوبهم ، ولذلك فإن المسألة ~~تحتاج إلى الصبر ، والصبر يحتاج إلى الوعي المعرفي والروحي لحجم المشكلة في ~~الواقع ، ليكون الداعية منفتح العقل والروح والقلب والحركة على ذلك من أجل ~~الوصول إلى تنفيذ خطة الدعوة في تفسير الإنسان. # إن على الداعية أن يتحرك في ساحة ms1312 الصراع بمزاج الرسالة التي لا تعيش تحت ~~تأثير الانفعال ، بل تعيش في دائرة العقل المتحرك في اتجاه عناصر النجاح ~~الواقعية للدعوة. # ولعل مشكلة البعض من الدعاة أنهم يربكون حركة الدعوة بانفعالاتهم الذاتية ~~، وقد نجد البعض منهم يسقط أمام تهاويل القوى المضادة لأن ذلك يثقل نفسه ، ~~ويحطم كرامته ، ويوحي إليه بالمهانة والإذلال ، وقد يتطور الأمر ببعض هؤلاء ~~فيخضع للمشاعر المنحرفة التي تؤدي به إلى الإحساس بخذلان الله PageV06P400 # لأوليائه ونصرته لأعدائه ، مما يراه من امتداد سلطة الأعداء وانحسار ~~فاعلية الأولياء ، وذلك من خلال النظرة السطحية الانفعالية إلى الأمور ، ~~والابتعاد عن النظرة العميقة الواسعة المنفتحة على واقع الحياة والإنسان. # وهذا ما يجب على العاملين في حقل الدعوة إلى الله أن يفهموه ويتدبروه ~~ويخططوا له في تربية الدعاة ، وترشيد الحركة ، وتصويب الوسائل وتثبيت ~~المواقف والمواقع. # وفي ضوء ذلك ، فإننا لا نفهم النهي عن الحزن في مسارعة الكافرين في الكفر ~~أنه أسلوب من أساليب التسلية ، بل هو وسيلة من وسائل الوعي لحركة المفاهيم ~~العقيدية في وجدان الإنسان المسلم ، ليمنعه ذلك من الضعف والانسحاق أمام ~~مظاهر التحدي ، وذلك من خلال دراسة العناصر الموضوعية التي قد تجعل من ~~ظاهرة الهزيمة في السطح واللحظة عملية نصر في العمق والامتداد ، والله ~~العالم. # * * * PageV06P401 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله (179) ~~@QUR@011 من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليذر ): ليدع ويترك. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال السدي : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : عرضت علي أمتي في صورها ، كما عرضت على آدم ، وأعلمت ~~من يؤمن لي ومن يكفر. فبلغ ذلك المنافقين فاستهزأوا ، وقالوا : يزعم PageV06P402 # محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ، ونحن معه ولا يعرفنا ؛ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقال الكلبي : قالت قريش : تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار ، ~~والله عليه غضبان ، وأن من اتبعك على ms1313 دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض ~~، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال أبو العالية : سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن ~~والمنافق ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # ونلاحظ أن هذه الروايات كغيرها من أسباب النزول لا تستند إلى رواية متصلة ~~بالرسول أو ببعض الصحابة الموثوقين ، مما يغلب على الظن أنها كانت اجتهادات ~~شخصية ، أو قريبة من ذلك ، الأمر الذي يجعلنا لا نملك أساسا للانفتاح على ~~أجواء الآية من خلال هذه الروايات. # وربما نحتاج إلى التنبيه على ضرورة التأكيد والاستيثاق من كل الروايات ~~الواردة في هذا المجال لدراسة سندها ، لتوثيق النص في مسألة صدوره ، ~~وللتأمل في دلالته ومدى انسجامها مع جو الآيات ومع المفاهيم الثابتة في ~~الخط الفكري الإسلامي ؛ لأن اختلاط الأمور من خلال الروايات غير الموثوقة ، ~~أو الاجتهادات غير المدروسة ، قد يؤدي إلى الابتعاد عن صفاء الآية في ~~إيحاءاتها الفكرية ودلالتها المفهومية. وهذا ما قد يجب علينا أن نلاحظه في ~~كل الروايات المتصلة بالتفسير ، لأن فقدان الحجية في سندها ودلالتها يؤدي ~~إلى إرباك الفهم القرآني ، وبالتالي إلى ضياع المفاهيم الإسلامية باعتبار ~~أن القرآن هو الأساس بالإضافة إلى السنة في تقرير الجانب المفهومي الفكري ~~للإسلام في كل قضايا العقيدة والشريعة والمنهج. # * * * PageV06P403 ### ||| ** الإيمان في أجواء المعاناة # لما كان الإيمان في وعي الحقيقة القرآنية الإلهية موقفا وليس كلمة ، كان ~~من الطبيعي أن يحرك المؤمنين إلى تجسيده في حياتهم العملية ، وذلك من خلال ~~الظروف الصعبة ، والتحديات الشديدة ، والطرق الطويلة الضائعة ، التي تواجه ~~مسيرتهم في ما يأخذون به وما يتركونه ، ليتميز الطيبون الذين يعيشون ~~الإيمان فكرا وشعورا وحياة تشمل كل أوضاعهم وعلاقاتهم ، فيثبتون أمام ~~المزالق ، ولا يسقطون أمام قسوة الظروف وتحدياتها ، ولا ينحرفون تحت تأثير ~~الطرق الملتوية ؛ بل يبحثون عن الهدى في موقع الهدى ويسيرون عليه في اتجاه ~~الخط المستقيم ، وبذلك يتبين الخط الخبيث في سلوك الخبيثين الذين قد ~~يخادعون الناس في الحالات الرخية السهلة التي لا تكلف الإنسان شيئا من ~~تضحية أو ms1314 جهد ، فيمكن له أن يتخذ لنفسه مظهرا يبتعد به عن الحقيقة المرعبة ~~التي تختفي في داخله ؛ ولكنهم لا يستطيعون السير طويلا في خطة الخداع هذه ، ~~لأن المواقف التي تضع الإنسان بين اختيارين لا ثالث لهما لا تترك المجال ~~واسعا أمام اللاعبين ، بل تحدد لهم الساحة التي لا تسمح لهم باللعب فيها ~~بحرية ... وهكذا يجدون أنفسهم أمام الاختيار الصعب الذي يتحركون فيه من ~~مواقع الخبث الداخلية في نفوسهم ، فينكشف الزيف ، وتتحرك المواقف في عملية ~~فرز حقيقية ، ليميز الله من خلالها الخبيث من الطيب من حركة التجربة التي ~~لا تترك مجالا للشك عند ما يتبدد الضباب أمام إشراقة النور المتفجر من قلب الشمس. # * * * ### ||| ** حكمة الله في كشف غيبه وكتمانه على المؤمنين # وربما كان يدور في عقول المؤمنين ، أن الله يعلم غيب الناس في ما PageV06P404 # يسرون وفي ما يعلنون ، ويميز الخبيث من الطيب بما يعرفه من سرائرهم فلو ~~أطلعهم على هذا الجانب من غيبه لوفر عليهم عناء الدخول في التجربة الصعبة. ~~ولكن الله يثير أمامهم القضية الحاسمة من سننه التي أخضع لها الأشياء ، فقد ~~أجرى سنته في حياة الناس ، أن يسير بهم في أمورهم على أساس الأسباب ~~الطبيعية في المعرفة ، فإذا أرادوا المعرفة فعليهم أن يبتغوا إليها الوسيلة ~~من مصادرها الواقعية ، لأن لذلك صلة ووثيقة بالنمو العقلي والعملي لشخصيتهم ~~التي تعطيها التجربة والمعاناة انفتاحا كبيرا على الحياة ، فتلتقي المعرفة ~~بالتجربة في وحدة ذاتية غنية بالعطاء. ولا سبيل إلى المعرفة الغيبية التي ~~تنتظر النتائج من دون عناء ، لأنهم يخسرون الكثير من حياتهم في هذا المجال ~~من خلال ما يفقدونه من الوسائل الواقعية للمعرفة. ولكن الله لا يحجب الغيب ~~عن رسله الذين يجتبيهم ويختارهم من بين خلقه ليقودوا الناس إلى سواء السبيل ~~، فقد تمس الحاجة الرسالية إلى أن يكونوا على معرفة بما حولهم ومن حولهم من ~~الناس والأشياء مما لا طريق لديهم إلى معرفته ، وذلك من أجل أن يدفعوا عن ~~الرسالة شرا ، أو يجلبوا لها خيرا ، من خلال التخطيط الواعي للحركة في ~~امتداد الحياة ، مما ms1315 قد يستدعي المعرفة الخفية بحقائق الأشياء. # * * * ### ||| ** أجر التقوى عظيم # وتنطلق الآية من خلال هذه الحقيقة الإيمانية لتدعو الناس المؤمنين إلى أن ~~يعيشوا الإيمان كأعمق ما يكون ، فيتحول إلى تقوى ، ويتحركوا من التقوى في ~~مواقفهم العملية ليعطيهم الله أجر التقوى المرتكزة على الإيمان. ولن يكون ~~الأجر عاديا يشبه ما يأخذه الناس من أجر على أعمالهم ، بل هو الأجر العظيم ~~الذي يحسب حساب العمل من موقع الإيمان الذي ينطلق مع النفس الطيبة التي ~~تعيش الآفاق الرحبة بين يدي الله. PageV06P405 # ( @QUR@05 ما كان الله ليذر المؤمنين ) أي ليدعهم ويمنحهم حرية الاسترخاء ~~في نوازعهم الذاتية وأوضاعهم العادية ، فليس من شأنه في مواقع حكمته ورحمته ~~أن يهمل عباده المؤمنين ليعيشوا الحياة بعيدا عن القوة والوعي والصلابة في ~~الموقع والموقف ، ( @QUR@04 على ما أنتم عليه ) في المجتمع الإسلامي الذي ~~يختلط فيه المؤمن والمنافق ، من خلال اختفاء الملامح الحقيقية للإيمان ~~لأنها لا تظهر إلا من خلال التجربة القاسية الصعبة التي تظهر دخائل النفوس ~~وحقائق الالتزام ؛ فلا يعرف فيه المخلص من غير المخلص ، لأن السلوك العبادي ~~الظاهري مما يلتقي عليه الجميع ، وبذلك يظهر أن ما ذكره صاحب مجمع البيان ~~من أن المقصود بكلمة ( @QUR@01 أنتم ) أهل الكفر فلا يذرهم على ما كانوا ~~عليه قل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1)، فإنه خلاف الظاهر ، لأن ~~السياق يتصل بالمجتمع الإسلامي في التجربة التي عاشها المسلمون في يوم أحد ~~في اختلاط الموقف بين أهل الإيمان والنفاق ، إلا إذا كان مقصود صاحب المجمع ~~من أهل الكفر ، أهل النفاق الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان مما يسمح ~~لهم بالامتداد في حياة المسلمين والبعث بهم من خلال الشخصية الخفية التي ~~يختفون وراءها ، ولكنه هو ذكر بعد اختياره ذلك احتمال أن يكون الخطاب ~~للمؤمنين وتقديره كما يقول «ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق ، وعلى هذا فيكون قد رجع من الخبر إلى ~~الخطاب كقوله : ( @QUR@07 حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) ( 2) [يونس : 22]. # ( @QUR@03 حتى يميز الخبيث ) أي الشخص الذي يعيش الرداءة ms1316 الداخلية في ~~عناصر الشخصية الفكرية والروحية والعملية ، والعمل الرديء الذي يحمل في ~~داخله السوء والشر لمن حوله وما حوله ، فيعرف بالتجربة القوية الصعبة كل ~~حركة الخفايا السلبية في الداخل ، ( @QUR@02 من الطيب ) مقارنا بالشخص الذي ~~يعيش الطيبة PageV06P406 # النفسية والطهارة الفكرية والانتماء الروحي والاستقامة الأخلاقية أو هو ~~العمل الذي يحمل تلك المعاني كلها في ملامحه الداخلية والخارجية ، وذلك من ~~خلال المسؤوليات المتنوعة المتصلة بحركة الإنسان في ساحة الصراع بين الكفر ~~والإيمان وميدان التجاذب بين الخير والشر ، وتعقيدات الأوضاع بين الحق ~~والباطل وذلك بما يكلفهم الله من ذلك في المواقف الحاسمة التي لا مجال فيها ~~للتردد ، ولا فرصة فيها للهروب والتمييع بالأساليب الملتوية. فمن كان ثابت ~~الإيمان ثبت في المعركة من خلال إرادته ، فلا ينهزم أو يتراجع إلا من خلال ~~نقاط الضعف الطارئة ، أو الضغوط القاسية التي يصعب الابتعاد عنها. ومن كان ~~منافقا في دائرة الاهتزاز في الموقع والموقف والانتماء والالتزام لفقدان ~~القاعدة الفكرية الإيمانية التي تفرض عليه الوضوح والثبات ، ابتعد عن ~~المعركة وانهزم عن ساحتها ، وانفتح من خلال نفاقه على معسكر الأعداء للكيد ~~للإسلام والمسلمين بالتنسيق معهم لينفس عن حقده ويعبر عمليا عن عقدته ~~الخبيثة المتأصلة في شخصيته. # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن الخبث والطيبة ليسا شيئين كامنين في الذات في أصل ~~الخلق ، بل هما عنصران طارئان من خلال العوامل المتنوعة التي تتحرك في ~~إرادتهم لتضغط على القرار الذي يتحرك في مواقفهم لمصلحة الكفر والباطل والشر. # * * * ### ||| ** مسألة الاطلاع على الغيب # ( @QUR@06 وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) الذي يختص به فلا يعلم الغيب ~~من موقع الذات إلا هو ، فإن الله لا يريد للمؤمنين أن يرتبطوا بالجانب ~~السهل من وعي الواقع ، لتكون مسألة المعرفة لديهم منطلقة من الغيب الذي ~~يريدون من الله أن يطلعهم عليه من دون أن يبذلوا أي جهد شخصي في سبيل ~~الوصول إليه من PageV06P407 # خلال الوسائل التي أودعها الله فيهم في طاقة العقل ، وفي قوة الحب ، وفي ~~حركة الإرادة ، وفي المعطيات الكثيرة المتناثرة على صعيد الواقع مما يتيح ~~لهم أكثر من ms1317 فرصة للوصول إلى النتائج المعرفية على مستوى الناس أو الواقع ، ~~الأمر الذي يعمق الفكرة في الوجدان بأكثر مما يحصلون عليه من خلال المعرفة ~~الآتية من الخارج ، ولو كان ذلك من الغيب ، لأن الإنسان الذي ينتج الفكرة ~~من خلال تجربته التأملية والعملية يختلف في وعيه الفكري عن الإنسان الذي ~~يستهلكها في وجدانه ، ( @QUR@07 ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) فيختار ~~من يشاء منهم فيطلعه على الغيب من خلال الوحي النازل عليهم مما يتصل بحاجات ~~الرسالة ومنطلقات الرسول ، لأنهم لا يملكون علم الغيب من الناحية الذاتية ، ~~بل ربما نفهم من الآيات القرآنية أن الله لم يمنحهم هذه المعرفة بشكل مطلق ~~، بحيث تكون طبيعة ثانية فيهم بالإلهام الإلهي الذي يتحول فيهم إلى قوة ~~المعرفة الغيبية تبعا للإرادة أو لحاجات الذات ، بل إن الله يطلعهم على بعض ~~مفردات الغيب ، ويعلمهم إياه من خلال حكمته التي تتحرك من خلالها مشيئته من ~~خلال ما يعطي ويمنع ، حتى أن الآية التي استدل بها على علم الأنبياء بالغيب ~~لا تدل على أكثر من ذلك بمعنى المعرفة التدريجية التابعة للحاجات الرسالية ~~، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@020 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا* إلا من ~~ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) [الجن : 26 27] ؛ فإن ~~ظاهره أن المسألة مسألة إظهار على الغيب وليست مسألة إعطاء القدرة على ~~معرفة الغيب. # وربما نلاحظ أن الفقرة المذكورة لا تتحدث عن اطلاع الرسل على الغيب ، بل ~~تتحدث عن اجتباء الله من رسله من يشاء ، فهو العالم وحده بالغيب فلا يعلم ~~الغيب إلا هو ويمكن استفادة ذلك من كونه استثناء ولو كان منقطعا من جملة : ~~( @QUR@03 فآمنوا بالله ورسله ) لأن المناسبة الوحيدة التي تفرضها هي هذه ~~المسألة ، فإن الله لا يطلع عباده المؤمنين على الغيب إذ لا مصلحة لهم في ~~ذلك ، ولا دور لهم يتطلب مثل هذا العلم بالغيب ، أما الرسل الذين يصطفيهم ~~الله ، فيوحي إليهم ويخبرهم بأن في الغيب كذا ، وأن فلانا في قلبه النفاق وفلانا PageV06P408 # في قلبه الإخلاص ، فيعلم ذلك من ms1318 جهة إخبار الله له لا من جهة اطلاعه على ~~المغيبات ، لأن دوره في حركة الرسالة يقتضي ذلك لعلاقته بالمسألة في إبلاغ ~~الرسالة ، وفي تحديد بعض المواقف التي تفرضها المسألة المصيرية في موقعه ~~وموقفه ، مما يتوقف عليه معرفة بعض الأمور وبعض الأسرار بما لا يتيسر له ~~الاطلاع عليه من ناحية ذاتية. # إن علم الغيب يتحرك في شخصية الرسول من خلال الدور الذي أوكله الله إليه ~~، فيمنحه الله منه بالمقدار الذي تفرضه حاجة الرسالة إليه ، وليس امتيازا ~~ذاتيا له من موقع التشريف في الذات ، لأن اصطفاء الله له وخلافته عنه هو ~~الذروة في التشريف بحسب طبيعته ، بقطع النظر عن الجزئيات المتصلة به. وهذا ~~ما يستفاد من مجموع الآيات المتصلة بذلك ؛ فليست المسألة في موقع الإيجاب ~~الكلي لتكون الذات ذاتا تختزن الغيب في وجدانها الذاتي ، وليست في موقع ~~السلب الكلي ، فهناك الدور الغيبي في مواقع الرسالة وحاجاتها ؛ والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** بين الإيمان والتقوى # ( @QUR@03 فآمنوا بالله ورسله ) فهذا هو الذي يحقق لكم عنصر الطيبة ~~الروحية والشعورية والعملية ، لتكونوا من الطيبين الذين يتميزون بالإيمان ~~الشامل في مواجهة الخبيثين الذين يبتعدون عن أصالة الإنسان في معنى الإيمان ~~في الشخصية ، فهو الذي يحقق التوازن في الفكر والعقيدة ، فيقدرون الله حق ~~قدره ، كما يضعون الأنبياء في منازلهم التي أنزلهم الله فيها ، فهم أي ~~الأنبياء لا يعلمون إلا ما علمهم الله ، ولا يتحدثون عن الغيب إلا بما ~~أخبرهم الله ، لأنهم ليسوا من علم الغيب في شيء من ناحية ذاتية ، وهم ~~الأمناء على إبلاغ الرسالة بكل أمانة وصدق وثبات وإخلاص ، ( @QUR@06 وإن ~~تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) فلا بد من أن تجتمع لكم هاتان الصفتان ~~الإيمان والتقوى ، لأن الإيمان وحده ليس PageV06P409 # كافيا في استحقاق الثواب ، فلا بد من الانسجام مع الإيمان في خط التقوى ~~الذي يمثل الانضباط في مواقع طاعة الله في أوامره ونواهيه ، لأن قضية ~~الرسالات هي قضية حركية التغيير الإنساني على مستوى الالتزام الفكري ~~والعملي بالله ورسله ورسالاته ، فلا يكفي الإيمان وحده ، من حيث هو معادلة ~~فكرية وحالة شعورية ، بل ms1319 لا بد من أن يتحول إلى موقف في الواقع العملي ، ~~والتزام في الجانب الحركي. # * * * PageV06P410 ### ||| * الآية # ( @QUR@030 ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض ~~والله بما تعملون خبير ) (180) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يبخلون ): يمسكون أشياءهم عمن لا يحق حبسها عنهم ، والبخل كما ~~يقول الراغب ضربان : بخل بقنيات نفسه ، وبخل بقنيات غيره ، وهو أكثرهما ذما ~~، دليلنا على ذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ) ( 1) [النساء : 37]. # ( @QUR@01 سيطوقون ) أي : سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق وفي ~~أمثالهم : تقلدها طوق الحمامة ، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم ، وقيل : يجعل ~~ما بخل به من الزكاة حية يطوقها في عنقه يوم القيامة ، تنهشه من قرنه إلى ~~قدمه وتنقر رأسه PageV06P411 # وتقول : أنا مالك. وأصل الطواق : هو ما يجعل في العنق خلقة كطوق الحمام ، ~~أو صنعة كطوق الذهب والفضة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي عن جمهور المفسرين أنها نزلت في مانعي ~~الزكاة ، وروى عطية عن ابن عباس : أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ~~صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونبوته ، وأراد بالبخل : كتمان العلم الذي ~~أتاهم الله تعالى (1). # * * * ### ||| ** لله ميراث السموات والأرض # في هذه الآية بداية الحديث عن بعض النماذج البشرية الموجودة في كل زمان ~~ومكان ، وذلك من أجل أن يتعرف الإنسان على ملامح الخيرين ليعيش بينهم ~~ويتعاون معهم ، وعلى ملامح الشريرين من أجل أن يبتعد عنهم ويختلف معهم ... ~~وربما كانت النماذج التي تحدثت عنها هذه الآية من الشخصيات اليهودية ~~الإسرائيلية التي لم تتبدل في طريقة تفكيرها وأخلاقيتها طيلة القرون ، فهم ~~لا يعيشون الدين إلا على أساس عصبية خاصة في داخل مجتمعهم ، وليسوا مستعدين ~~للتعايش مع الآخرين من مواقع إنسانية عامة تدفعهم إلى البذل والعطاء ، ككل ~~مجتمع أناني منغلق على نفسه ... # وقد تكون هذه الآيات مقدمة لما يريد القرآن أن يعرضه من النماذج ؛ فإن ~~الله يريد أن يوحي بعمق النتائج السيئة التي تواجه البخلاء في ما يبخلون ms1320 به مما PageV06P412 # رزقهم الله من مال عند ما يدعون إلى الإنفاق في سبيل الله ، سواء في ذلك ~~الفئات المحرومة التي تحتاج إلى المساعدة في رعاية أمورها الحياتية الملحة ~~، أو الدعوات الدينية والاجتماعية والسياسية التي تبني للأمة حياتها العامة ~~والخاصة ، أو المشاريع الخيرية التي يحتاجها المستضعفون في قضاياهم الحيوية ~~وأوضاعهم المأساوية من يتم وحرمان وتشريد وغير ذلك ... فهم يحسبون أن البخل ~~خير لهم لما يوفره لهم من مال يختزنونه ، فلا ينقص من رصيدهم شيء. # وتلك هي النظرة الساذجة للأشياء التي تنظر إلى الأمور من خلال ظواهرها لا ~~من خلال بواطنها ويواجهون الأعمال فيحكمون عليها من موقع بداياتها لا من ~~موقع النتائج. ولو أنهم درسوا القضية من مواقعها الحقيقية ، لتغيرت نظراتهم ~~واختلفت حساباتهم. فهذا المال ليس مالهم في الحقيقة ، بل هو عطية من الله ~~الذي أتاهم إياه من فضله لينفقوه على أنفسهم في ما يحتاجونه من أمورهم ~~الحياتية ، ولينفقوه على الآخرين في ما يواجههم من حاجات الحياة مما لا ~~يملكون الإنفاق عليه ، فإذا بخل الإنسان به ، فإن ذلك يوحي بالإساءة إلى ~~الدور الذي أراد الله له أن يقوم به ، كما أنه يبعده عن السير مع مصلحته ، ~~بما يحصل عليه من نتائج جيدة لحساب دنياه وآخرته ، على تقدير الإنفاق ، ~~وبذلك لن يكون البخل خيرا له ، لأن قضية الخير والشر في أي عمل من الأعمال ~~لا تقاس على أساس البدايات ، بل على أساس النتائج الإيجابية والسلبية له. # وهذا ما أراد الله أن يثيره أمام هؤلاء الذين يبخلون بما أتاهم الله من ~~فضله ، في قوله تعالى : ( @QUR@016 ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله ~~من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ) وقد أطلق القرآن كلمة الشر فلم يحدد ~~مسارها بشكل صريح ، ليعيش الإنسان البخيل الآفاق الواسعة التي ينتظر فيها ~~النتائج السلبية من عمله في الدنيا والآخرة ... ولكنه تحدث له عن النتائج ~~الأخروية بما يوحي بضرورة الإحساس بالأهمية لقضايا الآخرة في عذابها ~~وثوابها ، عند ما تدعوه شهواته وأطماعه للانحراف عن الخط المستقيم من أجل ~~نتائج ms1321 الحياة الدنيا ، PageV06P413 # ليدخل الإنسان في عملية مقارنة دقيقة بين ربح العاجلة وخسران الآجلة ، في ~~ما يستعجله من نعيم الدنيا ، وينتظره من شقاء الآخرة ، وذلك هو قوله تعالى ~~: ( @QUR@06 سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) فإن هذه الأموال التي ~~كنزوها ستتحول إلى أغلال في أعناقهم يطوقون بها كما يطوقون بالأغلال في ~~الدنيا. وقد يكون التعبير استعارة أو كناية عن العذاب ، من خلال أن البخل ~~ينطلق من حالة داخلية يشعر الإنسان معها بما يشبه حالة المثقل بالقيود التي ~~تمنعه عن الحركة في الاتجاه الذي يريده ، لأن الأفكار السلبية الداخلية ~~تتحول إلى قيد فكري أو نفسي يمنع الإنسان عن التحركات الخيرة ليبقى محصورا ~~في المجالات الضيقة المحدودة. # ثم يثير القرآن في هذه الآية الفكرة الحاسمة أمام البخلاء : ( @QUR@08 ~~ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) وهي أن هذا المال الذي ~~تحافظون عليه وتحبسونه فلا تنفقونه ، لن يبقى لكم بل سوف تفارقونه ليبقى في ~~الأرض من بعدكم ، لأن علاقتكم به كعلاقة غيركم هي علاقة طارئة تتحدد بحسب ~~الدور العلمي الذي يمكنكم القيام به ، وذلك بأن تحركوه في المجالات التي ~~أراد الله لكم أن تحركوه فيها ، في بناء الحياة والإنسان على أساس الخير ~~الشامل ، لتبقى لكم نتائجه الطيبة عند الله ، فبذلك يتحقق لكم ربحه ودوامه. ~~أما إذا لم تقوموا بدوركم إزاءه ، وأهملتم أمره ، فسيفارقكم وتفارقونه ، ~~وتبقى أمامكم تبعاته ونتائجه السلبية ، ويبقى الأمر كله لله في ما تشتمل ~~عليه السماوات والأرض ، وما يقوم الناس به من أعمال لا يغيب عنها علمه فهو ~~خبير بكل ما يعملون ، ليجزيهم بما عملوا من خير أو شر ... # * * * ### ||| ** مع رواية ابن عباس في تفسير الآية # وهناك رواية عن ابن عباس أن الآية نزلت في كتمان العلم الذي قام به PageV06P414 # أحبار اليهود في عصر الدعوة عند ما كتموا صفة محمد ونبوته التي جاءت بها ~~التوراة. # وفي ضوء ذلك ، فإن الآية تتحدث عن العلم كطاقة معنوية فكرية من طاقات ~~الإنسانية التي وزعها الله على بني الإنسان ، ليقوم كل واحد منهم بتقديمها ~~للناس كافة من ms1322 خلال حاجاتهم المتنوعة للمعرفة المتصلة بقضاياهم العقيدية ~~والفكرية والعملية ، لأنها أمانة الله عندهم ، وليست ملكا ذاتيا لهم ~~يتصرفون فيه بحرية كما يتصرفون في خصوصياتهم ، وبذلك فإن البخل بالعلم ، لا ~~سيما الذي يتصل بقضية الهدى والضلال ، يمثل الخيانة الثقافية للأمانات ~~الإلهية عند الناس ، وبالتالي فهي أمانة الناس عندهم. وقد جاءت الآيات ~~المتنوعة التي تحذر الناس من كتمان العلم الذي يتصل بالمسؤولية العقيدية ~~للإنسان ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@020 إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون ) [البقرة : 159] ؛ وقوله تعالى : ( @QUR@029 إن الذين يكتمون ما ~~أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ~~النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) [البقرة : 174]. # وهكذا نستوحي من ذلك أن العلم أمانة الله عند العالم ، لا سيما في الظروف ~~الصعبة التي يمثل فيها كشف العلم حركة رائدة في مواجهة التحديات المضادة ~~للإسلام وأهله ، وهذا ما يوحي به الحديث النبوي المأثور : «إذا ظهرت البدع ~~في أمتي فليظهر العالم علمه وإلا فعليه لعنة الله». # ولكن الظاهر من سياق الآية بلحاظ ما بعدها من الآيات يدل على أنها واردة ~~في البخل بالمال لا بالعلم ، مما يجعل شمولها للبخل بالعلم عملية استيحائية ~~من خلال الانتقال من المادي إلى المعنوي على الطريقة التي جرى بها أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام في تفسير بعض الآيات من استيحاء المعنوي من الحديث عن ~~المادي ، كما ورد في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه ) [عبس : 24] قال : علمه. ومن المعلوم أن هذا ليس تفسيرا لكلمة ~~الطعام حتى PageV06P415 # بنحو المجاز لأن السياق في الآيات التي بعدها لا تتناسب مع ذلك ، ولكنه ~~استيحاء لفضل الله على الإنسان بالعلم بالدرجة العليا التي يتقدم بها على ~~الغذاء المادي. # * * * ### ||| ** علاقة الآية بتجسم الأعمال # وقد حاول بعض المفسرين الذين يلتزمون تجسم الأعمال في يوم القيامة ~~بالصورة المادية المماثلة لصورتها في الدنيا ، أن يجد في الآية دلالة على ~~هذه الفكرة ، فذكر أن ms1323 هذه الأموال التي لم يدفع صاحبها الحقوق الواجبة فيها ~~، ولم ينتفع بها المجتمع ، بل صرفت في سبيل الأهواء الشخصية ، سيكون مصيرها ~~مصير أعمال الإنسان ، أي أنها طبقا لقانون تجسم الأعمال البشرية ستتجسم يوم ~~القيامة ، وتتمثل في شكل عذاب مؤلم يؤذي صاحبها ويخزيه (1). # ولكننا نرى أن نظرية تجسم الأعمال انطلقت في أغلب أدلتها من الفهم الحرفي ~~للنص القرآني ، وهو أمر لا يتناسب مع القيمة البلاغية للأسلوب ، التي تنفتح ~~على الاستعارة والكناية والمجاز من خلال القرائن المحيطة بالنص ، كما في ~~هذه الآية ، فإن التطويق بالمال الذي بخلوا به كناية عن حملهم مسئوليته ~~السلبية بإيقاع العذاب بهم لعدم دفعهم لحقوق الله ، وذلك بأن يلزموا وبال ~~ما بخلوا به إلزام الطوق كما جاء في تفسير الكشاف (2) أو يعود عليهم وباله ~~فيصير طوقا لأعناقهم ، كقوله : ( @QUR@06 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ~~) [الإسراء : 13] ؛ كما عن ابن مسلم قال : والعرب تعبر بالرقبة والعنق عن ~~جميع البدن ، ألا ترى إلى قوله : ( @QUR@02 فتحرير رقبة ) ( 3)؛ والله ~~العالم. # * * * PageV06P416 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ~~ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) @QUR@09 ~~ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) (182) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سمع ): يقال : سمع يسمع سمعا إذا أدرك بحاسة الأذن ، والله ~~يسمع من غير إدراك بحاسة ، والسميع : من هو على حالة يسمع لأجلها المسموعات ~~إذا وجدت ، والسامع : المدرك لذلك. # ( @QUR@01 ذوقوا ): قال الخليل كما في مجمع البيان كل ما نزل بإنسان من ~~مكروه فقد ذاقه إلا أنه توسع ، وجاء في الخبر : «حتى تذوقي عسيلته ويذوق من ~~عسيلتك» كنى بذلك عن الجماع ، وهذا من الكنايات المليحة (1). وأصل PageV06P417 # الذوق : إدراك الطعم في الفم ، ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات كما في ~~هذه الآية. # ( @QUR@01 الحريق ): أي العذاب المحرق والمؤلم ، والحريق : اسم للملتهبة ~~من النار ، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة. ### ||| * * * * ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ~~ابن عباس قال : دخل أبو بكر بيت المدراس (1)، فوجد ms1324 يهودا قد اجتمعوا إلى ~~رجل منهم يقال له فنحاص ، وكان من علمائهم وأحبارهم ، فقال أبو بكر : ويلك ~~يا فنحاص! اتق الله وأسلم ، فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله تجدونه ~~مكتوبا عندكم في التوراة ، فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله ~~من فقر ، وإنه إلينا لفقير ، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ، وإنا عنه ~~لأغنياء ، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا ، كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن ~~الربا ويعطينا ، ولو كان غنيا عنا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر فضرب وجه ~~فنحاص ضربة شديدة وقال : والذي نفسي بيده ، لولا العهد الذي بيننا وبينك ~~لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال : يا محمد ، انظر ما صنع صاحبك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأبي بكر : ما حملك على ما صنعت؟ قال : يا رسول الله ، قال قولا عظيما ، ~~يزعم أن الله فقير ، وأنهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله مما قال ، ~~فضربت وجهه. فجحد فنحاص فقال : ما قلت ذلك ، فأنزل الله في ما قال فنحاص ~~تصديقا لأبي بكر : ( @QUR@09 لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ) ~~الآية (2) # * * * PageV06P418 ### ||| ** مفهوم الغنى الخاطئ # وهذه بعض النماذج البشرية في ملامحها الذاتية من خلال كلماتها ، وهي ~~نماذج الأغنياء الذين يعيشون المال كقيمة حياتية يرتفعون بها في ميزان ~~أنفسهم ، فهم يعانون الضعف النفسي أمام قصة الغنى والفقر ، ويحسون ~~بالانسحاق الروحي إزاء المال وبذلك تتحول نظرتهم إلى الأشياء والأشخاص تبعا ~~لمواقعها ومواقعهم من حركة المال في الحياة ، لأنهم لا يرون الحياة إلا من ~~خلاله ، فيقفون عنده ولا يتجاوزونه إلى ما وراءه من آفاق وعقائد. # وتتعاظم هذه العقدة النظرة لدى هذه النماذج فيحولونها إلى مواقف وكلمات ~~لا توحي لسامعها إلا بالسخرية ، وهذا ما عبر عنه قوله تعالى : ( @QUR@011 ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) فقد واجهوا ~~الأنبياء الداعين إلى الله ، ورأوا أنهم لا يملكون المال ؛ فخيل إليهم أن ~~فقرهم ms1325 يدل على أن الله فقير ، لأنه لو كان غنيا لتمثل غناه في غنى الذين ~~يؤمنون به ويدعون إليه ... أما هم ، فإنهم الأغنياء الذين يملكون المال ~~الكثير ، الذي يستطيعون من خلاله أن يملكوا السلطة والسيطرة والقوة. وفي ~~ذلك الجو ، لا يبقى هناك مجال لأن يسيروا مع الأنبياء ، إذ كيف يخضع الغني ~~للفقير في عالم تتحرك فيه القيم من خلال الغنى والفقر ، لأن الفقر يعني ~~الضعف على أساس الحاجة ، بينما يعني الغنى القوة على أساس عدم الحاجة. وهذا ~~هو التفسير الذي يفسرون به دعوة الله لهم للعطاء ، فإنها توحي بحاجته إليهم ~~من أجل أن يعينوا عباده ، مما يوحي لهم بالشعور بالفوقية التي تمنعهم من ~~الإيمان ، وذلك هو أعلى مظاهر الطغيان والتجبر. # وقد أثار القرآن الفكرة في أسلوب لا يعمل على مناقشتها كونها الفكرة التي ~~لا تثبت أمام الوهم فضلا عن الفكر ، بل أطلق الأسلوب في مجال التهديد. فقد ~~سمع الله قولهم وسيكتب ما قالوا ليواجههم به يوم القيامة ويعاقبهم عليه ، ( ~~@QUR@03 سنكتب ما قالوا ) فذلك هو الأسلوب الطبيعي الذي يقابل هذا PageV06P419 # المنطق ، لأنه لم ينطلق من قناعة ليقابل بقناعة أخرى ، ولم يتحرك من حجة ~~ليواجه بحجة أخرى ، بل هو ناشئ عن عقدة كبرياء وطغيان. والله لا يسمح ~~للمتجبرين والطغاة أن يأخذوا حريتهم بالحوار ، لأنهم لا يفهمون كلمة الحق ~~ولا يريدون أن يفهموها ، فقد اختاروا الباطل على أساس موقف لا على أساس علم ~~وفكر ؛ فلا بد من مخاطبتهم باللغة التي يفهمونها وهي القوة التي كانوا ~~يخاطبون بها الناس ، وذلك من أجل تحطيم كبريائهم وإضعاف زهو القوة في ~~نفوسهم. # ( @QUR@04 وقتلهم الأنبياء بغير حق ) وهذا دليل على أنهم لا يعيشون ~~مسئولية الكلمة التي يسمعونها ليفكروا بها ويعملوا على أساسها ، فقد واجههم ~~هؤلاء الأنبياء بالحقيقة ، وبلغوهم كل ما يتعلق بها ويدعو إليها من آيات ~~الله ، وفتحوا أمامهم أبواب الحوار ، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك كله ، فلم ~~يحاولوا سماع الكلمات الإلهية فضلا عن مناقشتها ، بل واجهوهم بالقتل ، كما ~~هو أسلوب الطغاة الذين يملكون المال والقوة والسلطة ، فينطلقون منها لإسكات ms1326 ~~كل أصوات المعارضة بالقوة ، ولا يسمحون لها بالدخول في حوار جدي معهم ومع ~~بقية فئات الأمة من أجل الوصول إلى القناعات من خلال الحوار. وهكذا يلتقي ~~الأسلوب القديم لطغاة المال والسلطة ، بالأسلوب الجديد لأمثالهم ، في ~~مواجهة الرسالات بالقوة ، سواء كان الذين يحملونها أنبياء أو كانوا من حملة ~~رسالتهم ، لأن القضية ليست موجهة إلى الشخص لتكون له خصوصيته الذاتية ، بل ~~هي موجهة إلى الفكرة والرسالة. # وهكذا يجب أن نقرأ هذه الآية ، فهي ليست حديثا من أحاديث الماضي ، بل هي ~~حديث من أحاديث الحياة التي ينطلق فيها الماضي ليلتقي بالحاضر والمستقبل في ~~كل التحديات التي يواجه فيها الإيمان الكفر ، فإن العقلية التي عاشت في ~~الماضي هي العقلية التي تعيش الآن ، وبذلك يجب أن يكون الأسلوب هو الأسلوب ~~والرد هو الرد. # * * * PageV06P420 ### ||| ** قانون العدالة الإلهية # ( @QUR@04 ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) فليس هناك إلا العذاب المحرق المؤلم ~~، فقد قامت الحجة عليهم واستنفدت كل الوسائل ... ( @QUR@04 ذلك بما قدمت ~~أيديكم ) من خطايا وجرائم وطغيان ، فإن الإنسان الذي يقف في خط الانحراف ~~والتمرد على الله في كل أعماله وأقواله وعلاقاته وأوضاعه. لا بد من أن ~~يواجه نتائج كل ذلك عقابا وعذابا من خلال ارتباط نتائج المسؤولية بمقدماتها ~~، فهم قد اختاروها بإرادتهم باختيار أسبابها ، فقد حذرهم الله من ذلك كله ، ~~وأنذرهم عذابه إذا خالفوا أوامره ونواهيه ؛ ولم يخافوا مقام ربهم ، وها هم ~~يواجهون الموقف من موقع قانون العدالة الإلهية ، فإنه جعل لهم حرية ~~الاختيار ، وأراد لهم اختيار خط الاستقامة ، فكانت النتائج السلبية من صنع ~~أيديهم. # وقد لا تقتصر على ذلك بالنتائج السلبية في الآخرة ، بل تتصل إلى جانب ذلك ~~بالنتائج السلبية في الدنيا ، لأن لكل عمل آثاره السلبية في حياة الناس ~~الذين يعملونه ، وقد أشار القرآن إلى ذلك في أكثر من آية ، كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [الروم : 41] # وقد جاء في حديث الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة أنه قال : «وأيم ~~الله ما كان قوم ms1327 قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها ، لأن ~~الله ليس بظلام للعبيد» (1). # ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) فهو الحكم العدل الذي لا يظلم ~~أحدا ، لأنه القوي الذي لا يحتاج إلى الظلم ، إذ لا يحتاج إليه إلا الضعيف ~~، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # * * * PageV06P421 ### ||| * الآية # ( @QUR@028 الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين ) (183) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بقربان ): مصدر على وزن غدوان وخسران ، تقول قربت قربانا ؛ ~~وقد يكون اسما كالبرهان والسلطان ، وهو كل بر يتقرب به العبد إلى الله. قال ~~الراغب : وصار في التعارف اسما للنسيكة التي هي الذبيحة (1). # ( @QUR@02 تأكله النار ): وهذا دلالة على قبول القربان ، وقد كانوا ~~يعتقدون بأن النار تأتي من السماء لتحرق وتأكل القربان الصادق الحق. # * * * PageV06P422 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ، ومالك ~~بن الضعيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن تابوه ، وفي فنحاص بن عازوراء ، وحيي ~~بن أخطب ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : تزعم أن الله بعثك ~~إلينا رسولا ، وأنزل عليك كتابا ، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا ~~نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن ~~جئتنا به صدقناك. فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # * * * ### ||| ** تشكيك جاحد # كان من بين أساليب اليهود في التشكيك برسالة النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم قولهم : إن الله عهد إليهم في ما أنزله عليهم من الكتب ~~السماوية التي تتحدث عن تاريخ الأنبياء وعلامات صدقهم في نبوتهم ، أن علامة ~~ذلك هو أن يقدم الرسول قربانا لله ، فتأكله النار السماوية القادمة من ~~السماء ؛ ولم يأت محمد بهذا ، فكيف يمكن أن نؤمن بصدقه في دعوى النبوة؟! ~~وهكذا حاولوا أن يمارسوا عملية الإيحاء بالعلم الغامض الذي يعلمونه عن ~~الدين في ما يجهله البسطاء من ذلك كله في مجتمع الرسالة الأول ، من أجل ~~المزيد من ms1328 التشكيك والتضليل ، فكيف ناقشها القرآن؟ إنه لم يناقشهم في طبيعة ~~الفكرة التي أثاروها من حيث سلامتها وعدم سلامتها ، لأن ذلك لا يحقق أية ~~فائدة في هذا المجال ، لأنهم لا ينطلقون فيها أمام البسطاء من منطلق فكري ~~موضوعي ، بل انطلقوا فيها من خلال مزاعم خاصة في ما أوحاه الله إليهم من ~~علوم خاصة بهم ، مما لم يمنحه لغيرهم ، فلا فائدة في الدخول معهم في جدل ~~مفيد ... ولذلك كان الرد يتجه في اتجاه آخر ؛ PageV06P423 # وهو العمل على تعرية مواقفهم الكاذبة من تاريخهم الأسود الذي عاشوه في ~~تاريخ الأنبياء ، فقد جاءهم الأنبياء السابقون الذين أرسلهم الله إليهم ~~بالبينات والدلائل الواضحة التي تثبت صدقهم وصحة رسالتهم من ناحية الفكر ، ~~وبالقرابين التي تأكلها النار ، فما ذا كانت النتيجة؟ لقد كانت النتيجة هي ~~أنهم اضطهدوهم وقتلوهم لأنهم رفضوا التخلي عن امتيازاتهم العنصرية في ما ~~تريده حركة الرسالات من ابتعاد الناس عن المشاعر المتعالية ضد الناس ~~الآخرين ، وانطلاقهم نحو الالتقاء على خط الإنسانية السائرة في طريق الله ~~... ومن خلال ذلك ، ينطلق الاستفهام الإنكاري الذي يعلمه القرآن للناس ~~الطيبين ليقولوا لهم : ( @QUR@05 فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين )؟ ويبقى ~~السؤال بلا جواب ، لأنهم لا يملكون الجواب عنه ، لأنهم ليسوا بصادقين في ما زعموه. # وهذا هو الأسلوب الذي كان يتبعه اليهود في إثارة التشكيك بالدعوات ~~المضادة لهم ، ثم الهروب بعد ذلك من الدخول في حوار مع الآخرين إذا ما أراد ~~الآخرون اكتشاف الحقيقة في ما أثاروه ، لأنهم يريدون أن يخلقوا الجو القلق ~~في داخل المجتمع ليعطي نتائجه الآنية. وليس من المهم بعد ذلك أن تتغير ~~الصورة ويتراجع الناس عن صورتهم التي أرادوها ، لأنهم يكونون قد فكروا في ~~أسلوب جديد للإثارة من أجل مشكلة جديدة في حركة التشكيك والتضليل. # ( @QUR@02 الذين قالوا ) في الخطة المتنوعة الأساليب المتعددة الوسائل في ~~إسقاط الإسلام في وجدان المسلمين بكل مفردات التشكيك التي تناقش الطروحات ~~الإسلامية بالأكاذيب التي تلبس لبوسا دينيا ، للإيحاء بأنهم ينطلقون في ~~مواقفهم الرافضة للرسول وللرسالة من المصادر الدينية التي يعترف بها النبي ~~محمد صلى ms1329 الله عليه وآله وسلم ، مما يجعل من المسألة مسألة إلزام له بما يلتزم ~~به من صدق التوراة التي ينسبون إليها الكلمات الموحية بالتشكيك أو التكذيب ~~للنبي ولرسالته ، ( @QUR@04 إن الله عهد إلينا ) في ما عهده في التوراة من ~~علامات النبي الصادق الذي يؤمن به الناس ، التي لا بد من الالتزام بها وعدم ~~تجاوزها ، بشكل دقيق ( @QUR@03 ألا نؤمن لرسول ) أيا كان ، وفي أي زمن كان ~~، ممن يدعو الناس إلى تصديق نبوته واتباع مسيرته PageV06P424 # ( @QUR@05 حتى يأتينا بقربان تأكله النار ) فهذا وحده هو الذي يؤكد لنا ~~ارتباطه بالله ، لأن مسألة النبوة من المسائل غير العادية ، باعتبار أنها ~~تمثل علاقة الغيب الإلهي بالشهود البشري في نزول الوحي على فرد من البشر ، ~~مما يفرض على مدعي النبوة أن يحصل على شاهد غير عادي متناسب مع طبيعة الحدث ~~والدور ، ولا يبتعد هذا الشاهد المادي عن حركة التاريخ الرسالي في مسيرة ~~النبوات ؛ فقد كان الصادق والكاذب يتباهلان في تقديم القربان كما فعل هابيل ~~وقابيل ، فقدما قربانا ( @QUR@07 فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ) ~~[المائدة : 27] ، وليست القضية التي كانت موضع النزاع بين الأخوين بأكثر ~~خطورة من القضية المتصلة بموضوع النبوة ، فإذا كنت يا محمد صادقا في دعواك ~~أن الرسالة من الله ، فقدم قربانا إلى الله ، فإذا جاءت النار الإلهية ~~وأكلته كان ذلك دليلا على صدقك ، وكان ذلك وسيلة لإيماننا بك. # * * * ### ||| ** قتل الرسل قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@01 قل ) يا محمد لهؤلاء الذين يتحدثون بهذا المنطق الذي يرى أن ~~مسألة النبوة في دعوى النبي ، تحتاج إلى دليل حاسم يثبت صدقه. ولكن لماذا ~~هذا التركيز على هذه الوسيلة القربانية كدليل وحيد على ذلك؟! فلما ذا ~~تنكرون بقية الأدلة التي قد تتصل بالجانب العقلي من المسألة كإعجاز القرآن ~~في مورد ، وقد تنفتح على الجانب الغيبي ، كالمعجزات التي قام بها الأنبياء ~~الآخرون ومنهم موسى عليه السلام في مورد آخر ، ولعل من المهم التأكيد أن ~~النبي موسى لم يأت بقربان تأكله النار كشاهد على صدقه أمام فرعون ، بل كان ~~دليله في معجزة ms1330 اليد البيضاء وتحول العصا إلى ثعبان ... ثم هناك رسل آخرون ~~جاءوا بالقربان الذي أكلته النار للأجيال التي سبقتكم من اليهود ( @QUR@06 ~~قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ) أي : بالبراهين والأدلة القاطعة من وسائل ~~الإثبات للنبوة ، PageV06P425 # ( @QUR@02 وبالذي قلتم ) أي بالقربان الذي طلبتموه في قولكم هذا ، وكان ~~من المفروض ، بناء على قولكم ، أن تؤمنوا بهؤلاء لأنهم قدموا الدليل الذي ~~ترونه بالغ الدلالة ، ولكنكم كذبتموهم وبالغتم في التكذيب فقتلتموهم ، بعد ~~أن أقاموا عليكم الحجة. # فيا أيها اليهود الذين تمثلون في خطة التحرك المنحرف المتمرد على الله ~~ورسالاته ورسله ، وحدة بين الجيل القديم والجيل الجديد ( @QUR@05 فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين ) وما هو المبرر لذلك بعد أن أثبتوا لكم أنهم ~~أنبياء صادقون ، كما حدث ذلك لزكريا ويحيى عليهما السلام وغيرهما ممن قتلهم ~~اليهود ، وإن كنتم صادقين في منطقكم الذي تزعمون أن الله عهد به إليكم في ~~التوراة ، وفي ضوء ذلك ، فإن من الممكن استنادا إلى الواقع التاريخي في ~~تجربتكم السابقة أن تكذبوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن يقدم لكم ~~القربان الذي تأكله النار ، لتزعموا في أسلوب العناد كما زعم المشركون أنه ~~سحر وليس معجزة ، مما يجعل من القضية المطروحة قضية عبث ولعب ، والله ~~سبحانه لا يأذن بالعبث برسوله ، وباللعب بحركة رسالته بالاستجابة ~~للاقتراحات المقدمة من الناس بعد إقامة الحجة عليهم بالدليل القاطع الذي ~~يثبت صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . # * * * ### ||| ** اليهود يثيرون الشبهات والشكوك في كل عصر # إن هذا الأسلوب لا يزال يطرح نفسه على الساحة في مجتمعاتهم ضد خصومهم ، ~~وقد تحول إلى أسلوب من أساليب السياسة في عالمنا المعاصر التي درجت على أن ~~تواجه الحركات الثورية والإصلاحية بإثارة الأجواء التي تخلق حولها الكثير ~~من الشبهات والشكوك ، ثم تهرب من الحوار ، لتخلق واقعا جديدا من خلال ~~علامات استفهام جديدة. وقد يكون من الضروري للمسلمين الواعين أن يلتفتوا ~~إلى الأسلوب القرآني ، ليهتدوا به من أجل الانطلاق معه في فكرة PageV06P426 # حاسمة ، وهي أن علينا مواجهة قاعدتنا بإثارة الأسئلة المحرجة لهؤلاء ~~لتحقيق هدفين : # الأول ms1331 : أن تقتنع القاعدة بصحة مسيرتها فلا تخضع لأساليب التزوير ~~والتشكيك. # الثاني : أن نحول دور القاعدة من دور سلبي يعمل على أن يهتز أمام علامات ~~التساؤل التي تتحدى يقينه إلى دور إيجابي يواجه الآخرين بهجوم مماثل من ~~علامات الاستفهام التي تعمل على تعرية واقعهم من خلال تعرية التاريخ الذي ~~يكمن خلف هذا الواقع ، كأسلوب من أساليب تعميق التجربة وتثبيت الخط الصحيح. # * * * PageV06P427 ### ||| * الآية # ( @QUR@012 فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير ) (184) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الزبر ): الكتب السماوية ، وكل كتاب فيه حكمة فهو زبور ، تقول ~~: زبرت الكتاب : إذا كتبته ، وزبرت الرجل إذا زجرته ، والزبرة : مجتمع ~~الشعر على كتف الأسد ، وزبرت البئر : إذا أحكمت طيها بالحجارة فهي مزبورة ، ~~والزبر : العقل ، وإنما جمع بين الزبر والكتاب ، ومعناهما واحد ، لأن ~~أصلهما يختلف ، هو كتاب بضم حروف بعضها إلى بعض ، وزبور لما فيه من الزجر ~~على خلاف الحق ، وإنما سمي كتاب داود زبورا لكثرة ما فيه من المواعظ ~~والزواجر كما جاء في مجمع البيان (1). # * * * PageV06P428 ### ||| ** التفاتة قرآنية # وفي هذه الآية التفات إلى الرسول ، في ما كان يواجهه من تكذيبهم له ، بأن ~~لا يحزن ولا يتعقد ( @QUR@02 فإن كذبوك ) فليس هو أول نبي كذبوه ، ولا أول ~~داعية حق وقفوا ضده ( @QUR@05 فقد كذب رسل من قبلك ) بل هناك القافلة ~~الطويلة من الأنبياء التي واجهت هؤلاء في تاريخهم الطويل ، ( @QUR@05 جاؤ ~~بالبينات والزبر والكتاب المنير ) في ما أنزله الله من التوراة والإنجيل ~~والزبور ، فكذبوه من دون حجة ولا دليل. # إنها الالتفاتة القرآنية التي تتكرر في كل آية لتربط الرسول في رسالته ~~بالخط الواقعي للعمل الذي يتحرك بالوعي ، من أجل الإيحاء له بأن الرسالة لا ~~بد لها من أن تعاني في الحاضر ما عانته الرسالات في الماضي من مشاكل ~~وتحديات ؛ ومهما كثرت المشاكل وكبرت التحديات ، فإنها لن تستطيع أن تهزم ~~الرسالة ، بل سيزيدها ذلك قوة وامتدادا وعمقا في داخل النفس الإنسانية ، ~~لأن التجربة تزداد عمقا كلما تنوعت الآفاق التي تتحرك من حولها ، والمشاكل ~~التي تعصف في داخلها ، مما يجعل من قضية ms1332 مواصلة التجربة قضية الحياة في ~~مداها الطويل. # * * * PageV06P429 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح ~~عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) (185) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زحزح ): دفع ونحي وأبعد عن مقره في النار ، والزحزحة كما يقول ~~صاحب الكشاف التنحية ، والإبعاد : تكرير الزح ، وهو الجذب بعجلة (1). # ( @QUR@01 فاز ): نجا من الهلاك وحصل على ما يحب ، يقال لكل من نجا من ~~هلكة. وكل من لقي ما يغتبط به فقد فاز ، وتأويل فاز : تباعد عن المكروه ~~ولقي ما يحب ، ومعنى قولهم: مفازة للمهلكة : التفاؤل ، وإنما المفازة : ~~المنجاة ، كما سموا اللديغ سليما والأعمى بصيرا. PageV06P430 # ( @QUR@02 متاع الغرور ): ما تشتهيه النفوس فتغتر به بحسبانه باقيا ~~خالدا ، وهو زائل فان ، وهو على نوعين : مادي كالمال ونحوه ، ومعنوي كالجاه ~~ونحوه ، والمتاع ما تستطيبه النفس في الحياة الدنيا ويأتي عليه الفناء ~~كالمال والبنين ، والغرور : كل ما يغر الإنسان ويخدعه ويغشه. # * * * # ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) # وتلتفت هذه الآية إلى الناس في لفتة روحية إلى المصير الذي ينتظر كل ~~إنسان في هذه الدنيا ، وهو الموت ، ليواجه حسابه في يوم القيامة على عمله ، ~~وليوفى أجره في كل صغيرة أو كبيرة. ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) فليس ~~ثمة فرق بين نفس ونفس ، فالجميع يواجهون هذا الحادث البغيض إلى النفس ، ~~ويسقطون تحت تأثيره فتخرج الأرواح من الأجساد ، وتتحول إلى جثث ميتة هامدة ~~لا تملك حسا ولا حركة. ولكن الموت ليس نهاية الحياة ، بل هو نهاية مرحلة ~~منها وهي الحياة الدنيا فهناك مرحلة أخرى للحياة التي لا مجال فيها للموت ، ~~وهي الحياة الآخرة ، التي يواجه فيها الإنسان عمله ، ( @QUR@05 وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة ) لأن الدنيا هي دار المسؤولية وموقع العمل ، أما ~~الآخرة فهي دار الحساب والحصول على نتائج حركة المسؤولية في الإنسان ، إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر ، فسينال كل عامل فيها أجره تبعا لنوعية عمله. # وقد جاء في الكشاف التعليق على توسط : ( @QUR@03 وإنما توفون أجوركم ) ~~بين الجملة الأولى ( @QUR@02 كل نفس ) إلخ والجملة الثانية ( @QUR@02 فمن ~~زحزح ) إلخ ، فقال : «فإن ms1333 قلت : كيف اتصل به قوله : ( @QUR@03 وإنما توفون ~~أجوركم )؟ قلت : اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بد لكم من الموت ، ولا ~~توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم ، وإنما توفونها يوم قيامكم ~~من القبور. فإن قلت : فهذا يوهم نفي ما يروى : «إن القبر روضة من رياض ~~الجنة أو حفرة من حفر النار». PageV06P431 # قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لأن المعنى أن توفية الأجور ~~وتكميلها يكون ذلك اليوم ، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور» (1). # ( @QUR@04 فمن زحزح عن النار ) وأبعد عنها ونحي عنها بسرعة فلا يعود ~~إليها ( @QUR@02 وأدخل الجنة ) من خلال إيمانه وعمله الصالح ، ( @QUR@02 ~~فقد فاز ) فقد حصل له الفوز المطلق الذي لا مجال فيه لأية فرصة جديدة ~~للخسارة والسقوط. وهذه اللفتة توحي بالنتائج الطيبة الحاسمة ، وتؤكد على أن ~~الفوز كل الفوز هو أن يبتعد الإنسان عن النار ويدخل الجنة ، لأن قضية الفوز ~~ترتبط بالمصير النهائي الذي لا تبقى عنده مرحلة منتظرة لتغيير الواقع. # ( @QUR@03 وما الحياة الدنيا ) بكل شهواتها ولذائذها ودرجاتها ومواقعها ~~وحاجاتها ( @QUR@03 إلا متاع الغرور ) لأنه الربح الذي لا يدوم لصاحبه ، بل ~~يفنى بفنائه أو قبل موته عند ما يفارقه ذلك في حياته ؛ وبذلك كان هذا يمثل ~~حالة خداعة لا مجال فيها لأية حقيقة خالدة. أما وجه الشبه للحياة الدنيا ~~بالمتاع ، فإن المتاع يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له ~~فساده ... فلا قيمة للفوز في الحياة الدنيا إذا كانت نتيجته الخسارة في ~~الآخرة بدخول النار ، لأن هذه الحياة لا تمثل في واقع الإنسان إلا متاعا ، ~~مجرد متاع لا بقاء له ، يعيش معه أجواء الخديعة والغرور من دون حقيقة ثابتة. # أما إيحاء هذه الفقرة للمؤمنين ، فهو أن يواجهوا الموقف في الحياة الدنيا ~~بالصبر على ما يصيبهم من الأذى والشدة والبلاء المتنوع في أوضاعهم المادية ~~والمعنوية من دون أن يشعروا بالإحباط والسقوط ، من خلال الحالات النفسية ~~الصعبة بفعل التعقيدات المزاجية والعاطفية والشعورية والانفعالات السلبية ، ~~لأن الدنيا ليست خالدة ، فلا دوام لمشاكلها وآلامها ، كما لا قيمة للذائذها ~~ولأفراحها ؛ أما الآخرة ، فهي ms1334 دار الحيوان ودار السعادة الخالدة ، فعليهم ~~أن يتحملوا جهد الدنيا للحصول على راحة الآخرة ، ليتحركوا في مسيرتهم من PageV06P432 # القاعدة النفسية الفكرية للاستعداد للتحمل بأقصى الدرجات ، فلا يرهقهم ~~شيء من ذلك الذي يصيبهم من المشاكل والآلام. # * * * ### ||| ** لم الحياة الدنيا متاع الغرور؟! # وقد يخطر في البال سؤال : كيف أقحم الله هذه الآية في أجواء الحديث عن ~~أهل الكتاب ، وما هي مناسبته؟ وربما يكون الوجه في ذلك ، أن الله يريد أن ~~يفرغ نفس الإنسان من كل المشاعر الضاغطة التي تقوده إلى الانخداع بأساليب ~~اليهود وغيرهم ، طمعا في ربح عاجل ، أو متعة طارئة فيوحي إليه بأن الموت ~~نهاية ذلك كله ، فينبغي له أن يفكر في هذا الاتجاه ليعرف أن الفوز هو فوز ~~الآخرة من خلال عمله الخير في الدنيا ، وليس فوز الدنيا من خلال الشهوات ~~العاجلة فيها ... وتلك هي قصة الحياة والموت في عمر الإنسان. # وقد يطوف في البال خاطر وسؤال : لماذا هذا التركيز على أن الدنيا متاع ~~الغرور؟ هل هو أسلوب قرآني للدعوة إلى رفض الدنيا في كل مجالاتها الحيوية ~~وطيباتها ولذائذها العاجلة؟ والجواب هو أن دراسة الآية وأمثالها من الآيات ~~تعطينا الفكرة الحقيقية التي تريد أن تربط الدنيا بالعمل لتجعلها موقع عمل ~~يعيش فيه الإنسان حركة المسؤولية في ما يمارسه من طيبات الحياة وشهواتها ، ~~لئلا تنحرف به عن الصراط المستقيم الذي يمثل مصيره. ولعل أروع الكلمات في ~~هذا السبيل كلمة الإمام علي (ع) عن الدنيا : «من أبصر بها بصرته ، ومن أبصر ~~إليها أعمته» (1). فإذا جعل الإنسان الدنيا طريقا إلى رؤية الحقيقة ، ~~وعينا يبصر بها فيحدق في ما خلفها وفي ما وراءها ، فإنه يستطيع أن يحقق ~~المعرفة في كل شيء من خلال ما تكشفه له من خلفيات الأمور والأشياء ، فيعرف ~~من خلال PageV06P433 # ذلك دوره وحقيقة واقعه ، أما إذا وقف أمامها مبهورا مسحورا يتطلع إليها ~~بشغف وانبهار ، فإنها تغشي بصره في كل ما تعرضه أمامه من زخارف ومتع وشهوات ~~، وتعميه عن رؤية الواقع الذي لا يمثل إلا متاعا يمارسه كما يمارس الأشياء ~~الطارئة التي ms1335 تنتقل مع الإنسان فيستهلكها ، كما في الغذاء أو اللباس أو نحو ~~ذلك ، أما الأرض ، أما البيت فلا تطلق عليه هذه الكلمة ، لأنها لا تمثل ~~ثباتا في حياة الإنسان ، فكأن الله يريد أن يقول لنا : إن الدنيا لا ترتبط ~~بنا ارتباطا عضويا لاصقا غير منفصل عن وجودنا ، بل هي مرحلة من مراحل العمر ~~التي تمر به مرورا سريعا فتخدعه وتغريه وتغره وتبعده عن الأهداف الأساسية ~~للحياة ، فلا بد من أن ننظر إليها كمرحلة ولا نستسلم إليها كنهاية ، فنتصرف ~~بها كما نتصرف بالمتاع الطارئ مع التركيز على طبيعته الذاتية من واقع ما ~~يمثله من حاجة كبقية الحاجات المادية التي ينتفع بها قليلا ثم يتركها ~~ليستقبل حاجة جديدة ووضعا جديدا ، وعلى هذا الأساس ، يستطيع الإنسان أن ~~يضبط وضعه وحياته في نظرة ثاقبة عميقة واسعة. # * * * PageV06P434 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ~~) (186) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لتبلون ): البلاء في الأموال : الإنفاق في سبل الخير وما يقع ~~فيها من الآفات ، والبلاء في الأنفس : القتل والأسر والجراح ، وما يرد ~~عليها من أنواع المخاوف والمصائب. # ( @QUR@02 عزم الأمور ): العزم والعزيمة : عقد القلب على إمضاء الأمر ، ~~يقال عزمت الأمر ، وعزمت عليه واعتزمته ، والمراد به هنا : معزومات الأمور ~~، أي : ما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم الله أن يكون ، يعني أن ذلك ~~عزمة من عزمات الله لا بد لكم من أن تصبروا وتتقوا. # * * * PageV06P435 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا ، وكان يهجو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره ؛ وكان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط ، منهم المسلمون ، ومنهم ~~المشركون ، ومنهم اليهود ، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستصلحهم ، ~~فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى ، فأمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على ذلك ، وفيهم أنزل الله ( @QUR@05 ~~ولتسمعن من الذين ms1336 أوتوا الكتاب ) الآية. # وفيه ، في رواية عروة بن الزبير ، أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية ، وأردف أسامة بن زيد ، ~~وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة بدر ، حتى مر ~~بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في ~~المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين ، عبدة الأوثان واليهود ، وفي المجلس ~~عبد الله بن رواحة. فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه ~~بردائه ، ثم قال : لا تغبروا علينا ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثم وقف ، فنزل ودعاهم إلى الله ، وقرأ عليهم القرآن ، فقال عبد الله بن أبي ~~: أيها المرء ، إنه لا أحسن مما تقول ، إن كان حقا فلم تؤذينا به في ~~مجالسنا؟! ارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة : ~~بلى يا رسول الله ، فاغشنا به في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك ، واستب المسلمون ~~والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون ، فلم يزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يخفضهم حتى سكتوا. # ثم ركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دابته وسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، ~~فقال له : يا سعد ، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي ، قال ~~: كذا وكذا ، فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله ، اعف عنه واصفح ، فو الذي ~~أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك وقد اصطلح أهل هذه ~~البحيرة على أن PageV06P436 # يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ، ~~فذلك فعل به ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله ~~تعالى : ( @QUR@012 ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا ) الآية (1) # . وقد نلاحظ على هاتين الروايتين أن الواقع الذي عاشه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه كان واقع البلاء الشديد في أنفسهم ms1337 ~~وأموالهم على مستوى التهديد المتنوع بالقتل والتشريد والتعذيب في مكة ، ~~بحيث إن المسألة لم تكن مفاجئة لهم ، ولذلك فقد كانت المعاناة هي ما كانوا ~~ينتظرونه في مستقبل الدعوة بما عاشوه في ماضيها وحاضرها ، الأمر الذي لا ~~يجعل لأية حادثة مماثلة لمثل هاتين الحادثتين أن تهز واقع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وتثقل حركتهم ، وتدفع بهم إلى الاستنفار ~~الشعوري لتنزل الآية في تأكيد على خط المعاناة وتوجيه إلى مواجهتها بالتقوى ~~والصبر ، ليكون ذلك موقف عزم إنساني حازم. # إننا لا نريد نفي العلاقة بين هاتين الحادثتين أو إحداهما وبين الآية ، ~~بل نريد أن نسجل ملاحظة استفهامية حول ذلك من حيث تاريخ النزول ، مما يرجح ~~أن تكون من الآيات المتحركة في خط التوعية العامة للمسيرة الإسلامية في ~~حركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في مواجهة التحديات المضادة من ~~قبل المشركين وأهل الكتاب ، لا سيما اليهود ، الذين يقفون ضد الرسالة من ~~أجل إسقاطها أو إضعافها ، وذلك من خلال الرفض النفسي والفكري والعملي ~~للدعوة ، بحيث يمارسون كل الأساليب الضاغطة والمتعسفة والمؤذية ضد الإسلام ~~والمسلمين ، ولكن ذلك كله لا يحقق أي شيء من أهدافهم إذا كان الصبر على ~~المرحلة الصعبة هو الطابع الحركي للمسلمين ، وإذا كانت التقوى التي تدرس كل ~~خطوات الحركة وكل ظروف المرحلة وكل مفردات القضية بمسؤولية المسلم التقي ~~الذي يتحرك من خلال أوامر الله ونواهيه في حركة الوجود والعدم ، PageV06P437 # وبذلك كانت من آيات الخط الكبير الذي يحكم الواقع الطبيعي للمسيرة الكبرى ~~، بحيث يكون الحديث عنه هو حديث المرحلة كلها لا حديث مناسبة محدودة من ~~مناسباتها المتنوعة. # * * * ### ||| ** الإيمان موقف يتخذه المؤمن في مواجهة التحديات # إن الإيمان في حياة المؤمن موقف لا كالمواقف ، لأنه يمثل التحدي الكبير ~~لما تعارف عليه الناس من اتجاهات فكرية وتيارات عملية في ما ينطلق فيه من ~~تصور شامل للكون والحياة من خلال البداية والنهاية وعلاقة ذلك بالله ، ~~وحركة دائبة في أجواء الواقع الإنساني الكبير ... وفي هذا الجو سوف يلتقي ~~بالكثيرين الذين يعيشون الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ms1338 على ~~أساس التعصب لبعض الأفكار المنحرفة والتصورات الضالة والمنطلقات الكافرة ، ~~وسيحاول هؤلاء أن يثيروا الصعوبات والعقبات في الطريق أمام المؤمنين ، في ~~ما يواجهونه من الكلمات القاسية ، والإهانات الجارحة والأوضاع السيئة التي ~~تسيء إلى أمنهم واطمئنانهم وتهدر كرامتهم ، وتعرضهم للأخطار الكبيرة في ~~أموالهم المعرضة للضياع ، وفي أنفسهم المعرضة للموت. # ( @QUR@014 لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا ) وتؤكد الآية على أهل الكتاب وعلى المشركين في ما ~~يثيرونه في هذا الاتجاه ، باعتبارهم من الفئات البارزة التي تمثل التحدي ~~الصارخ في التصور والعمل للخط الإيماني السليم الذي يتمثل في الإسلام ~~والمسلمين ، ( @QUR@02 أذى كثيرا ) فقد يتحركون في اتجاه إثارة الأذى ~~الكثير في وجه المؤمنين من خلال مسيرتهم الإيمانية ، والشكوك التي يحركونها ~~في الأذهان ، والاتهامات التي يطلقونها في الساحة ، والتحريفات التي يشوهون بها PageV06P438 # وجه الحقيقة الأصيل ، في ما يبتعدون به عن صفاء الوحي وطهر التنزيل ، مما ~~يستهدفون من خلاله إبعاد المسلمين عن الخط المستقيم في الإسلام ، وإبعاد ~~الآخرين عن الدخول في الدين الجديد ؛ لتبقى لهم حرية اللعب والعبث بمقدرات ~~أمور الناس في قضاياهم العامة والخاصة ... # ( @QUR@08 وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) ويريد القرآن ~~للمؤمنين أن يواجهوا ذلك بالصبر والتقوى ، هذين العنصرين اللذين يكون ~~أحدهما نتيجة للآخر ، فلا معنى للتقوى بدون صبر لأنها تعني الإرادة الصلبة ~~في حركة الإيمان نحو الله أمام اهتزازات الإغراءات الكثيرة المتنوعة التي ~~تعمل على أن تهز مشاعر الإنسان وأعماقه بطريقة شهوانية متحركة ، ولا بد في ~~ذلك كله من الصبر الذي يتجسد في داخل الإنسان كقوة رائدة تمثل العزم الكبير ~~في الأمور. ولا معنى للصبر بدون التقوى ، لأنه يعني الخط الإيماني الروحي ~~الذي ينطلق في الفكر والشعور ، ليثير في الإنسان الفكر الذي يهدي ، ~~والعاطفة التي تحرك ، والخشوع الذي يهز ، ويوحي بانطلاقة العبودية الخاضعة ~~في آفاق الربوبية الواسعة ، فيتحول الصبر إلى تقوى تتحرك في مواقع الإرادة ~~، وتطوف التقوى بالروح وبالفكر وبالنفس لتزرع في أعماقها غراس الصبر التي ~~تنتج الحركة المنطلقة أبدا في اتجاه الحرية الداخلية ms1339 في ما تريده من خير ~~وبركة وإيمان. # * * * ### ||| ** تمثل الصبر والتقوى عمليا # أما كيف نتمثل الصبر والتقوى في الخط التطبيقي العملي للفكرة المطروحة في ~~الآية؟ فهذا ما نواجهه في نظرة سريعة إلى واقع الحركة من خلال واقع التحدي ~~؛ فقد نجد ذلك في ما يعيشه الإنسان من المشاعر السلبية الذاتية إزاء حالات ~~البلاء الصعبة التي يمر بها في حياته العملية ، فربما تساهم هذه الحالات ~~لدى بعض الناس في هزيمتهم النفسية ، لأنهم لا يطيقون الصبر على PageV06P439 # ذلك كله من خلال الآلام المتنوعة التي تتحدى طاقتهم الروحية والجسدية وقد ~~نواجه ذلك في المواقف الانفعالية التي يقفها الإنسان في مواجهة الكلمات ~~المؤذية التي يسمعها من القوى المضادة ، سواء في ذلك ما يتعلق منها بشخصه ~~أو برسالته ، أو بالناس الذين يشاركونه خطوات الرسالة ... # وقد يخيل له أن الصبر على هذا أو ذاك يمثل موقف ضعف لا يجوز للمؤمن أن ~~يقفه ، وقد يتصور أن التقوى تتحرك في اتجاه الحركة الانفعالية لا في اتجاه ~~الحركة الصابرة العاقلة ؛ فكانت هذه الآية إعلانا بأن المسيرة تفرض على ~~المؤمن الصبر على الأذى بإيجابية ووعي وانفتاح ، وتوحي له بأن ذلك سبيل من ~~سبل التقوى ، لأن القضية التي تحكم تصرفات الإنسان المؤمن ومواقفه هي مصلحة ~~الإسلام والمسلمين من خلال ما يثيره الإنسان من ردود الفعل السلبية ~~والإيجابية في مواقف التحدي العملية. وفي ضوء ذلك ، يستطيع الإنسان أن يعرف ~~كيف يكون الصبر والتقوى من عزم الأمور التي ترتكز على الأسس القوية الثابتة ~~في شخصية الإنسان المسلم ، وذلك من خلال الحسابات الدقيقة المنطلقة من ~~مواجهة النتائج الحاسمة للأشياء ، مما يبعد المسألة عن أجواء الضعف ~~والانفعال المتحرك من ملاحظة بدايات الأمور والغفلة عن نهاياتها. # وهذا ما ينبغي للعاملين في سبيل الله والدعاة إليه أن يواجهوه في مسيرتهم ~~العملية في ما يلتقون به من الأذى في القول والعمل من قبل الكافرين من أية ~~فئة كانوا ، ومن البلاء في أموالهم وأنفسهم ، بأن لا يخضعوا للانفعالات ~~الذاتية الطارئة ، مما يجعل من تحركهم ذلك سبيلا للدخول في معارك متنوعة ~~خاضعة ms1340 لتخطيط الأعداء في وقتها ومكانها على أساس ما يتوقعونه من انفعالات ~~العاملين. # * * * PageV06P440 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) (187) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فنبذوه ): النبذ : إلقاء الشيء لعدم الاعتداد به. # * * * ### ||| ** أخذ الله ميثاق أهل الكتاب # ( @QUR@07 وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) بما عهد إليهم من ~~المسؤوليات الحركية في حركتهم الرسالية فيه ( @QUR@02 لتبيننه للناس ) لأن ~~الله أنزله للناس كافة ، من أجل أن يتحول إلى فكر في عقولهم ، وإلى عاطفة ~~في قلوبهم ، وإلى إحساس PageV06P441 # في مشاعرهم ، وإلى واقع في حياتهم العامة والخاصة ، مما يفرض على الطليعة ~~الحاملة له أن تقوم بمهمة إبلاغه للناس ودعوتهم إليه وتوجيههم إلى مفاهيمه ~~، لأن الهدف المنفتح على واقع الفكر لا يمكن أن يحصل إلا بأن ينتشر الحق في ~~وعي الناس كلهم ، باعتبار أن الوعي هو الخطوة الأولى للحركة ، ( @QUR@02 ~~ولا تكتمونه ) انطلاقا من بعض التعقيدات النفسية ، والنوازع الذاتية ، ~~والأطماع المادية ، والعلاقات الاجتماعية ... وغير ذلك من المؤثرات التي ~~تدفع الإنسان إلى إخفاء الحقيقة ، لأنها قد تربك بعض حياته ، كما في ~~الحالات التي تعمل على تأييد الظالمين ودعم مواقعهم ، وتطييب نفوسهم ، ~~وتسهيل أمورهم رغبة في الحصول على بعض امتيازاتهم وأموالهم ، لأن الكتاب ~~يشجب ذلك كله ، ويدعو إلى حماية المستضعفين من هؤلاء المستكبرين ، وإلى ~~اعتبار الإيمان قيمة تتفوق على كل قيم الثروة والجاه ونحو ذلك ، وربما يكون ~~الكتمان لبخل في العلم واستئثار به لعقدة نفسية ونحو ذلك ، ( @QUR@03 ~~فنبذوه وراء ظهورهم ) أي نبذوا الكتاب وطرحوه ، لأنهم لا يلتزمون به التزام ~~المؤمن بالنص المقدس وبالإيمان المسؤول وبالواقع المنفتح على القيم الروحية ~~والأخلاقية ، بل كانت المسألة لديهم مجرد انتساب بالاسم ، للانتفاع به في ~~مصالحهم الدنيوية ونوازعهم الذاتية ، وقد جاء في بعض التفاسير أن الضمير في ~~كلمة ( @QUR@01 فنبذوه ) يرجع إلى الميثاق كما في تفسير الكشاف حيث ذكر في ~~معناه : «فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم ، يعني لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه» ~~(1) ( @QUR@04 واشتروا به ثمنا قليلا ) فقد استبدلوا بعهد الله عليهم ~~وميثاقه ومخالفته عوضا ms1341 يسيرا من حطام الدنيا مما حصلوا عليه من مال أو جاه ~~أو شهوة لا يبقى لهم منه شيء. # ( @QUR@03 فبئس ما يشترون ) لأنهم حصلوا على أسوأ النتائج ، وأي نتيجة ~~أكثر سوءا من عذاب جهنم التي لا يمكن أن يعادلها أي نفع عاجل من حطام ~~الدنيا؟! # * * * PageV06P442 ### ||| ** العلم أمانة الله # وإذا كانت هذه الآية قد تحدثت عن ميثاق الله لأهل الكتاب في تبيانه للناس ~~وعدم كتمانه ، فإنها توحي بالخط العريض الذي يشمل العلم كله ، مما يحتاج ~~الناس إليه في كل أمور دنياهم وآخرتهم ، فإن العلم أمانة الله في عقل ~~العالم ووجدانه ، فلا بد له من أن يؤديه إلى كل جاهل يحتاج إليه في حركة ~~وجوده ، وهو أمانة الإنسان عند الذين يملكونه ، باعتبار أن طاقات الأمة ~~ليست شيئا معلقا في الفضاء ، بل هي موجودة في طاقات الأفراد الذين يتجمعون ~~ليمثلوا طاقة الأمة مجتمعة ، ولذلك فإن الذين يحجبون عن الأمة طاقاتهم ، ~~فلا يبذلونها لها ، هم من الخائنين لأماناتهم العامة. وقد جاء في الحديث عن ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : «من كان عنده علم فكتمه ألجمه الله يوم ~~القيامة بلجام من نار» (1). وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن الحسن بن ~~عمارة قال : أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث ، فألفيته على بابه فقلت : إن ~~رأيت أن تحدثني؟ فقال : أو ما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت : إما أن تحدثني ~~وإما أن أحدثك؟ فقال : حدثني. فقلت : حدثني الحكم بن عتيبة عن نجم الجزار ~~قال : سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : «ما أخذ الله على أهل الجهل ~~أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا» (2). قال : فحدثني أربعين ~~حديثا» (3). # وخلاصة الفكرة : أن العلم يمثل مسئولية العالم في بذله للناس بالطريقة ~~التي تفتح عقولهم على الله وعلى الرسالة وعلى الحياة ، بحيث يكفل لهم ذلك ~~الارتفاع إلى الدرجات العليا في الوعي الشامل وفي مواجهة حاجات الدنيا ~~والآخرة ، فلا بد له من أن يقوم بمسؤوليته في ذلك كله على أساس الحساب أمام ~~الله في ذلك كله. PageV06P443 # من هنا ms1342 ، فإن المعرفة مسئولية الأشخاص الذين يملكونها ، فقد أخذ الله ~~ميثاقهم على أن يقدموها للناس ويبذلوها ، لينطلق الناس في خط الوعي الذي ~~يفتح لهم حياتهم على قضايا الحق والهدى والإيمان ، فتتحرك من مواقع النور ~~وتبتعد عن آفاق الظلام ، بينما يتحول كتمانها واستغلالها لمطامع شخصية أو ~~فئوية ، إلى عنصر من عناصر الضلال والضياع والاستسلام للجهل والانحراف ، ~~وهذا ما لا يريده الله لعباده ، في ما يريده لهم من الانفتاح على ما فيه ~~صلاح أمورهم والابتعاد عما فيه فسادهم ... # وقد أكد الله المسؤولية على الذين أوتوا الكتاب في ما حملهم من كتابه ، ~~واعتبر قضية إبلاغه للناس ميثاقا بينه وبينهم ، وأراد لهم من خلال ذلك أن ~~لا يتاجروا به ليشتروا به ثمنا قليلا ، لأن التجارة إذا دخلت في وعي حملة ~~الكتاب وسيطرت على مسيرتهم ، كانت وسيلة من وسائل الإفساد للأمة ، ذلك ~~كونها تخضع لقانون العرض والطلب ، وأساليب الربح والخسارة ، في ما يتعامل ~~به المتاجرون من أوضاع وأساليب. # وقد أساء هؤلاء إلى أنفسهم وإلى الناس حين أساءوا إلى هذا الميثاق الإلهي ~~، فكتموا كتاب الله عن الناس ، ولم يبينوه لهم ليعرفوا من خلاله قواعد الحق ~~والباطل ، فينطلقوا مع الحق ودعاته عن معرفة ، ويبتعدوا عن الباطل وأهله عن ~~معرفة ... ونبذوه وراء ظهورهم ، فلم يحترموا مفاهيمه ، ولم يكترثوا به ، ( ~~@QUR@04 واشتروا به ثمنا قليلا ) وخانوا الميثاق ، ( @QUR@03 فبئس ما ~~يشترون )، لأن هذه الأموال التي يقبضونها لقاء انحرافهم وتحريفهم لكتاب ~~الله لإرضاء أطماعهم وشهواتهم ، سوف تفسد عليهم مصيرهم في الدنيا والآخرة ، ~~وتحرق أصابعهم ، وتعرضهم للعنة الأبدية عند الله. وذلك هو جزاء المفسدين. # وقد لا نحتاج إلى التأكيد على استيحاء المفهوم الشامل الذي لا يجعل الآية ~~في حدود هؤلاء الذين تحدثت عنهم من أهل الكتاب ، بل يمتد إلى كل من حمل ~~كتاب الله وعرف آياته وأحكامه ، سواء كان الكتاب توراة أو إنجيلا أو قرآنا ~~، لأن الفكرة هي أن الحقيقة أمانة الله عند أهلها ، فلا يجوز لهم أن PageV06P444 # يخونوها بالتحريف والكتمان والتضليل ، ولا يجوز لهم أن يتاجروا بها ~~ليحصلوا من خلال ذلك على ثمن ms1343 قليل ، سواء كان مالا أو جاها أو إرضاء لعقدة ~~ذاتية ، لأن الثمن مهما كان كبيرا ، فهو قليل أمام ما يخسرون من حياتهم ~~ومصيرهم ، ومصير الآخرين. PageV06P445 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) @QUR@09 ولله ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) (189) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بمفازة ): الفوز : الظفر بالخير مع حصول السلامة ، ومفازة : ~~مصدر فاز ، والاسم : الفوز ، أي : لا تحسبنهم يفوزون ويتخلصون من العذاب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول كما في مجمع البيان أنها «نزلت في اليهود حيث كانوا ~~يفرحون بإجلال الناس لهم ونسبتهم إياهم إلى العلم ، عن ابن عباس. PageV06P446 # وقيل : نزلت في أهل النفاق ، لأنهم كانوا يجمعون على التخلف عن الجهاد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا رجعوا اعتذروا وأحبوا أن يقبل منهم ~~العذر ، ويحمدوا بما ليسوا عليه من الإيمان ، عن الخدري وزيد بن ثابت» (1). # * * * ### ||| ** الفرح الوهمي # ربما كان ما ذكر في أسباب النزول منطلقا للآية في حركتها في حياة الدعوة ~~أمام خصومها من الكافرين والمنافقين الذين يعيشون الفرح الداخلي في ما أتوا ~~به من أعمال تتناسب مع أهدافهم ومخططاتهم المنحرفة ، لأنهم يرضون بذلك ~~نوازعهم المعقدة في الكيد للإسلام والمسلمين ، ولكنهم في الوقت نفسه يريدون ~~أن لا يعرفهم الناس بذلك لتبقى لهم امتيازاتهم الاجتماعية التي يحصلون من ~~خلالها على الثقة وحرية الحركة. # ( @QUR@06 لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ) مما لا يمنح الإنسان سعادة ~~أبدية بالعمق ، بل تمنحه الكثير من حالات الشقاء النفسي والواقعي على صعيد ~~النتائج ، الأمر الذي يجعله في وهم كبير بما يوحي به إلى نفسه من تصوير ~~الأشياء بغير صورتها الحقيقية بحيث يتمثلها في عكس الصورة ، فيكون فرحه ~~فرحا بائسا يختزن في داخله الحزن الذي يتحرك ليتجسد في مستقبل حياته عند ما ~~تفاجئه النتائج العلمية التي تشغل حياته في مستقبل عمره لتكون عاقبة أمره ~~شرا ... وهذا هو الفرح الوهمي الذي لا يتصل بالحقيقة من قريب أو بعيد ، بل ~~هو متصل بالمنطقة ms1344 السطحية من النفس ، وهو الذي يرفضه الإسلام ، فإنه لا ~~يرفض الفرح الحقيقي العميق المنفتح على الله وعلى القيم الروحية والأخلاقية ~~وعلى الحياة في جمالاتها وانطلاقاتها في سنن الله الكونية والإنسانية ، بل هو PageV06P447 # يريد للإنسان أن يعيش مشاعره الطبيعية في الحزن والفرح والألم واللذة ~~بشكل عميق متوازن لا يطغى لينحرف فيتجاوز الحد ، ولا يسقط ليتجمد الإنسان ~~أمام عناصر الإثارة في الحياة والإنسان ؛ وهكذا كانت مشكلة هؤلاء المنحرفين ~~عن الخط ، السائرين في الوهم الكبير ، أنهم يفرحون بما أتوا من السيئات ~~والأساليب الملتوية. # ( @QUR@06 ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) من الإيمان والإخلاص ~~والارتباط بالحق والسير على هداه ، فيحصلون بذلك على الأمن والطمأنينة في ~~مجتمعاتهم ، ويستسلمون للهدوء النفسي والدعة ، ويضحكون في داخل نفوسهم فرحا ~~بما حققوه من الموازنة بين الحصول على ما يريدون من خطط وأهداف ، وما وصلوا ~~إليه من امتيازات وأرباح ومواقع ، ويظنون أنهم بمفازة ونجاة من العذاب ، ( ~~@QUR@05 فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) فإن الله قد يمهلهم ويملي لهم في ~~الدنيا ليزدادوا إثما ، لينتظرهم في الآخرة الخزي والهوان ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب أليم ). # ( @QUR@04 ولله ملك السماوات والأرض ) فلا يعجزه أحد من هؤلاء لأنهم ملكه ~~، ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) فلا حد لقدرته في كل مجال يمكن للقدرة ~~أن تتحرك فيه ، فما قيمة هؤلاء؟ وما أثرهم في الساحة؟ وما تأثير ألاعيبهم ~~الصبيانية؟ إن قدرة الله تنتظرهم لتقضي على ذلك كله. # * * * ### ||| ** القرآن يعري المنافقين # ولكن الآية لا تتجمد عند هؤلاء ، بل تتحرك في الاتجاه الواسع للحياة ~~لتجعل من هؤلاء نموذجا حيا لهذه الفئة من الناس ، التي تعيش الانحراف ~~العملي فكرا وممارسة وتحب أن تذكر بالاستقامة ، وتواجه الواقع بالتآمر ~~والعدوان ، وتريد أن تمدح بالإخلاص والمحبة ، وتتحرك في طريق الضلال وترجو ~~أن يذكرها الناس بالهدى ... وهكذا تنطلق هذه الفئة في مجالات PageV06P448 # الزيف والنفاق ، لتظل في لعبها وعبثها وعدوانها من دون أن تفقد شيئا من ~~امتيازاتها. ويريد القرآن تعرية هؤلاء أمام الناس ليكتشف الناس أمرهم ~~وواقعهم ، فيبتعدوا عنهم ويحذروهم ، ولا يحققوا لهم ما يريدون من الحمد ~~والثناء لئلا يسيئوا للحياة ms1345 باسم الإحسان ؛ وذلك بالتدقيق في شخصياتهم في ~~ما يختبئ وراءها من خلفيات ، والالتفات إلى ألاعيبهم في ما يتحركون به من ~~أعمال ، والتأكيد على الموازنة في قضايا المدح بين مدلول الكلمة وصدق ~~الواقع ، على أساس أن يعيش الناس أساليب التقييم من موقع الحق والصدق لا من ~~موقع المجاملة والمداراة ، فإن ذلك هو الكفيل بإبعاد المنافقين عن ساحة ~~الواقع ، لأنها لن تحتضن اللاعبين على الحبال ، بل السائرين على الخطوط ~~الواضحة بقوة وثبات وإيمان. # وهكذا يتحول الموقف من هؤلاء إلى قاعدة صلبة للتعامل مع الناس في مجال ~~العلاقات الإنسانية ، فلا مجال للمدح إلا من خلال الفعل الذي يقوم به ~~الإنسان في حياته بالحجم الطبيعي من دون تكبير أو تصغير لأن القضية ليست ~~كلمة تقال ثم تتبخر في الهواء ، بل هي صورة الواقع في صورة الإنسان ، في ما ~~يمثله من قيمة الحقيقة في حركة الحياة في جانبها السلبي أو الإيجابي ، فإن ~~للزيف تأثيرا عكسيا يختلف اختلافا كبيرا عن تأثير الصدق والإخلاص في طبيعة ~~الموقف والإنسان. # وفي ضوء ذلك ، نستطيع أن نجد في هذا النموذج من الناس ، صورة الكثيرين ~~الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، من الشخصيات الدينية والسياسية ~~والاجتماعية ، التي تحب أن تعطي لنفسها حجما أكبر من حجمها الحقيقي وتريد ~~للناس أن يطلقوا عليها ألقابا كبيرة لا تتناسب مع دورها الطبيعي في الحياة ~~، وذلك من أجل أن ترضي زهو العظمة الفارغة في داخل ذواتها ، لتأخذ لنفسها ~~في نظر الناس مركزا بارزا ينسجم مع ما توحيه الألقاب من مشاعر وامتيازات ، ~~من دون أن تقدم للحياة أي شيء في هذا الاتجاه. # إننا نستطيع أن نجد في هؤلاء النموذج المعاصر للصورة التي تريد أن PageV06P449 # تواجهها الآية بالرفض والإنكار ، لأن الإساءة إلى صورة الواقع في قيمه ~~الحقيقية ، لا تقل شأنا عن الإساءة إلى المبادئ التي تمثلها هذه القيم ، ~~مما يكشف عن زيف ما يمثلونه من عظمة دينية أو سياسية أو اجتماعية. # * * * PageV06P450 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (190) @QUR@021 الذين يذكرون الله قياما ms1346 وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار (191) @QUR@011 ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من ~~أنصار (192) @QUR@020 ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ~~@QUR@014 ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد (194) @QUR@043 فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر ~~أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي ~~وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ) (195) # * * * PageV06P451 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 اختلاف الليل والنهار ): تعاقبهما ، ومجيء كل منهما خلف الآخر. # ( @QUR@01 الألباب ): جمع اللب ، وهو العقل. سمي به لأنه خير ما في ~~الإنسان ، واللب من كل شيء خيره وخالصة. # ( @QUR@01 جنوبهم ): أصل الجنب : الجارحة ، وجمعه : جنوب ، ثم يستعار في ~~الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين ~~والشمال ، كقول الشاعر : # من عن يميني %~% مرة وأمامي # ( @QUR@01 سبحانك ): معناه : تنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا ، ~~وبراءة مما لا يليق بصفاتك. # ( @QUR@01 أخزيته ): خزي الرجل : لحقه انكسار إما من نفسه وإما من غيره ~~، فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية ، والذي يلحقه من ~~غيره ، يقال : هو ضرب من الاستخفاف (1). ومصدره الخزي. # ( @QUR@01 الأبرار ): جمع بر ، وهو الذي بر الله بطاعته إياه حتى أرضاه ~~، وأصل البر الاتساع ، فالبر : الواسع من الأرض خلاف البحر ، والبر : صلة ~~الرحم ، والبر : العمل الصالح ، والبر : الحنطة ، وأبر الرجل على أصحابه : ~~زاد عليهم. # ( @QUR@01 الميعاد ): من الوعد يكون في الخير والشر ، يقال : وعدته بنفع ~~وضر وعدا وموعدا وميعادا. والوعيد : في الشر خاصة ، يقال منه أوعدته. ~~والموعد والميعاد يكونان مصدرا واسما. # * * * PageV06P452 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول : روي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله ، لا أسمع ~~الله ذكر النساء في الهجرة بشيء ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@013 فاستجاب ~~لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ms1347 منكم من ذكر أو أنثى ) الآية (1). وقال ~~البلخي : نزلت الآية وما قبلها في المتبعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمهاجرين معه ، ثم هي في جميع من سلك سبلهم وحذا حذوهم من المسلمين (2). # وفي الرواية الأولى دلالة على أن الناس في عهد النبي ومنهن بعض أمهات ~~المؤمنين كأم سلمة ، كن يعشن الحساسية تجاه إغفال ذكر النساء بشكل صريح في ~~القرآن الكريم ، فقد كان المهاجرون من الرجال والنساء ممن تحملوا الأذى في ~~سبيل الله لالتزامهم بالإسلام عقيدة وعملا ، فلما ذا يتحدث القرآن عن ~~المهاجرين دون المهاجرات؟ لأن الصيغة في الآيات كانت على أسلوب الجمع ~~المذكر ، ولكن الظاهر أن التذكير ليس مرادا من التعبير ؛ بل الكلمة واردة ~~على سبيل التغليب باعتبار أن صفة التذكير تغلب على صفة التأنيث عند إرادة ~~الحديث عنهما بكلمة واحدة. # وقد استجاب الله لهذه الرغبة النسائية إن صحت الرواية فتحدث عن الذكر ~~والأنثى ممن يعمل لله من المؤمنين والمؤمنات من دون فرق في القيمة ~~الإيجابية وفي الثواب ، لأن القضية في هذا الجانب هي قضية المبدأ الذي ~~يتحرك به الإنسان في سبيل الله ، وهو الإخراج من داره ، والإيذاء في سبيل ~~الله والمقاتلة أو القتل في خط الجهاد في سبيل الله. وهذا هو الذي ينبغي ~~التأكيد عليه من مساواة المرأة للرجل في القيمة الجهادية وفي الثواب الإلهي ~~، لأنها في ذلك سواء في النية والعمل. PageV06P453 # وفي الرواية الثانية : دلالة على أن الآية لا تنغلق على الناس الذين ~~عاشوا في عهد الدعوة الأول ، ولو كانت قد نزلت فيهم ، بل هي منفتحة على كل ~~السالكين في هذا السبيل الجهادي والعملي في خط الإسلام ، لأنه لا خصوصية من ~~حيث المبدأ للمرحلة الأولى إلا من خلال أفضلية الموقف في عناصره القيمية ~~بعيدا عن الزمن في خصوصياته ، فقد يكون المتأخرون متميزين ببعض الخصائص ~~التي تميزهم عن المتقدمين ، وقد تكون مرحلة التأسيس أكثر غنى في بعض ~~عناصرها من المراحل التالية بلحاظ قسوة الاضطهاد التي عاشها المسلمون في ~~بداية الدعوة. # * * * ### ||| ** العقل هو المنهج الأصيل لاكتشاف الحقيقة الإلهية # ما ms1348 هو المنهج الأصيل الذي يمكن للإنسان أن يكتشف به الحقيقة في وجود الله ~~، وفي اللقاء به ، وفي الشعور بعظمته التي تستولي على الفكر والقلب ~~والشعور؟ هل هو الفلسفة في أسلوبها التحليلي الذي يغرق الإنسان معه في ~~الآفاق التجريدية ، وفي فرضياتها التي تقترب من الخيال أو تعيش معه؟ # ( @QUR@011 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب ). إن القرآن يحدد المنهج في الفكر الذي يلاحق الظواهر الكونية في ~~عملية تأمل وتدبر وتفكير ، فليس للإنسان أن يحدق في كتب الفلسفة ، بل عليه ~~أن يحدق في كتاب الكون ، ليفكر في خلق السماوات والأرض وما يتمثل فيهما من ~~قوانين طبيعية تنظم لهما المسار ، وتربطهما بالحكمة في كل الحركات والسكنات ~~والدقائق التي تتعلق بهما ، وليرصد حركة الليل والنهار ، وكيف تختلف في ~~الزيادة والنقصان حسب اختلاف الفصول والأزمنة ، فيعرف أن هناك سرا عميقا ~~وراء ذلك كله ، فيكتشف أن هناك عقلا واسعا كاملا يخطط للكون ونظامه ، ~~وإرادة قوية فاعلة قادرة تسيطر عليه وتوجه حركته وتمسكه وتحفظه من الانهيار PageV06P454 # والضياع ، فذلك هو النهج الذي يمكن أن يكون آية للعقول التي تفكر في كل ~~ما حولها ومن حولها ، ولأصحابها الذين لا يتحركون في الحياة ولا يحكمون على ~~الأشياء سلبا أو إيجابا إلا من خلالها ؛ وبهذا يلتقي العلم والدين في وجود ~~الله ، وفي تكامل الإنسان من خلال هذا الوجود ، على أساس النتائج التي ~~يتوصل إليها في أبحاثه ودراساته ، لأن الدين لا يدعو إلى الإيمان الأعمى في ~~ما يدعو إليه من إيمان بل يعمل على خط الإيمان المنفتح الواعي المبني على ~~التفكير والتحليل الدقيق. # وفي ضوء ذلك ، نستوحي الفكرة التي تنطلق لتؤكد احترام الإسلام للعقل في ~~ما يريد له أن يقوم به من أدوار تتصل بالعقيدة الأساس فيه. فلو لا ثقته ~~بالعقل في ما يحلل وما يستنتج لما اعتبره السمة للناس الذين يتحركون في ~~اتجاه اكتشاف الحقيقة ، ليوحي إليهم بأن عظمة الإنسان في عقله ، كما أن ~~عظمة العقل في حركته في معرفة الحق من دراسته الفطرية للكون الواسع من ms1349 حوله ~~، في ما يحيط به ، وفيمن يحيطون به ... فإذا كان العقل هو القاعدة الأساس ~~في أصل العقيدة ، فكيف يمكن أن ينسب إلى الدين انطلاقه من الخرافة ~~والأسطورة والخيالات المثالية التي لا ترجع إلى قاعدة ولا تعود إلى محصل؟ ~~إن أولي الألباب لا ينطلقون في عقائدهم إلا من خلال ألبابهم وعقولهم التي ~~تلاحق الظاهرة الكونية في عملية حساب ، كما تلاحق الظواهر السياسية ~~والاجتماعية والاقتصادية في ربطها بأسبابها وأوضاعها ، لتكون العقيدة ~~محسوبة ، كما يكون الواقع العملي محسوبا في مقدماته ونتائجه. # وليست العقيدة بالله في شخصية الإنسان المؤمن حالة ذهنية مترفة مجردة ، ~~بل هي حالة فكرية واقعية ترتبط بالله لتحس به في حركة الفكر والشعور ، كما ~~لو كان ماثلا أمامها في الحس والصورة ؛ ولهذا فإنها تشعر به يحيط بها من ~~جميع جوانبها وفي جميع حالاتها ، مما يجعلها تذكره في كل صعيد ومع كل وضع. PageV06P455 # ( @QUR@07 الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) لأنهم يرونه في ~~كل ظاهرة خارج نطاق الجسم ، وفي كل حركة من حركات الجسد في داخله وخارجه ، ~~فلا يغيب عنهم لحظة واحدة لأنه يملك عليهم الحس والشعور ... وإذا ذكروا ~~الله في ذلك كله ، فإن هذا الذكر لا يتحول إلى حالة صوفية متشنجة تجعل ~~الإنسان يغرق في الذات في مثل الغيبوبة الروحية التي تربطه باللاوعي ، بل ~~يتحول إلى وعي كامل للكون من خلال الله ؛ فإن الله القادر العليم الحكيم لا ~~يمكن أن يخلق شيئا عبثا ، فكل شيء عنده خاضع لحكمة خفية أو ظاهرة. إنها ~~الفكرة الإجمالية التي تحكم التصور الإنساني في شخصية المؤمن. # ثم تبدأ التفاصيل الدقيقة تباعا في حركة الفكر الذي يلاحق الظاهرة في ~~حركة قوانين الحياة ، ( @QUR@011 ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك ) فقد انطلقت الحياة من خلال الحكمة في ظواهرها ~~الخاضعة للنظام الكوني الشامل. وهكذا أرادت للإنسان أن يتحرك على أساس ~~الحكمة في أقواله وأفعاله ، باعتباره المظهر الحي المتحرك للحياة النابضة ~~بالروح ، لتتكامل الحياة في ظواهرها الكونية والإنسانية ، فتنطلق من قاعدة ~~النظام الكامل الحكيم ... # وإذا كان ms1350 الإنسان خاضعا للنظام في الحياة من خلال ما أرادته له من سلوك ~~عملي ، وما وعدته من مصير مشرق في حالة الانسجام مع خط الطاعة ، أو مصير ~~مظلم في حالة التمرد في خط المعصية ؛ فإننا نحن الذين يؤمنون بك ويرجون ~~رضاك ويخافون عقابك ، ندعوك بأن توفقنا للسير في خط رضاك لنحصل على النجاة ~~من النار ، ( @QUR@03 فقنا عذاب النار ) التي تمثل الخزي كل الخزي للإنسان ~~في ما تمثله من أوضاع مهينة يتحول فيها إلى كمية مهملة ، وشيء حقير ، كأية ~~حجارة مرمية في أية زاوية من زوايا جهنم ؛ في الوقت الذي يواجه فيه الذل ~~والحقارة في صورة العذاب الذي يتعرض له. # * * * PageV06P456 ### ||| ** دعاء المؤمنين وابتهالهم إلى الله # ( @QUR@07 ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) ومن هو هذا الإنسان الذي ~~تدخله النار؟ ما هي صفته؟ إنه الإنسان الذي يظلم نفسه بالمعصية والتمرد على ~~الله ، ويظلم الناس بالغلبة والقهر ، فيكون في عداد الظالمين الذين لا ~~يملكون أية قوة أمام قوة الله ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ). ويقف ~~هؤلاء المؤمنون أمام الله في وقفة اعتراف وابتهال ، ليشهدوه على إيمانهم ~~الذي انطلق من وعيهم لحقيقته في ما انطلقوا فيه من فكر الحقيقة ، فاستجابوا ~~لنداء الدعوة إليه من قبل الرسل : ( @QUR@010 ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ) فلم يتطرق إلينا الشك في الله لحظة واحدة ، ~~لأننا انطلقنا في عقولنا من منطق الوعي ، فلم نجمد حركة الفكر في قضايا ~~العقيدة ، بل أطلقنا له العنان ليفتش ويفكر ويسأل ويحاور ويناقش الآخرين كل ~~الآخرين ، فوصلنا إلى القناعة من أقرب طريق. # ولكن الإيمان فكرة وعمل ، ولا بد للعمل من إرادة وعزم. وقد تضعف الإرادة ~~أمام اندفاع الشهوة ، وقد يتلاشى العزم أمام قوة التحدي ، فقد تزل بنا ~~القدم في مزالق الطريق ، وقد تنحرف بنا الخطى عن الصراط المستقيم ، وقد ~~نلتقي بالشيطان فيزين لنا المعصية ، ويشوه لنا صورة الطاعة ، ويصور لنا ~~الباطل في صورة الحق ، ثم نتراجع فنعود إلى إيماننا لنحتمي به ، ونرجع إلى ~~ربنا لنستغفره ونخضع له : ( @QUR@07 ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر ms1351 عنا ~~سيئاتنا ) فإنك تغفر الذنوب لمن تشاء وتعفو عن السيئات لمن تشاء ، ( ~~@QUR@03 وتوفنا مع الأبرار ) الذين يعيشون البر في الطاعة عند ما يطيعون ، ~~وفي التوبة عند ما يخطئون ويتراجعون عن خطئهم ( @QUR@06 ربنا وآتنا ما ~~وعدتنا على رسلك ) من المغفرة عند التوبة ، والجنة للمخلصين المطيعين لك في ~~عملهم وفي توبتهم ، ( @QUR@04 ولا تخزنا يوم القيامة ) بالوقوف موقف الذل ~~أمام أعين الناس ، لأنك لا تخزي التائبين المنيبين إليك ، وذلك هو وعدك ~~الحق ، وأنت أصدق الواعدين ( @QUR@04 إنك لا تخلف الميعاد ). # * * * PageV06P457 ### ||| ** جزاء العمل الصالح # ويتصاعد الدعاء من أعماق القلوب صافيا نقيا حارا صادقا ، ويستجيب الله ~~للدعاء ؛ ولكن القضية ليست قضية ما يتحرك في الدعاء من كلمات ، بل في ما ~~يمثله من مواقف ، فإن الله لا يتعامل مع الناس إلا من خلال العمل الذي ~~تتحرك الرحمة في داخله ومن خلاله. فالعاملون الذين يصيبون في عملهم ، أو ~~الذين يخطئون وهم يريدون الإصابة ، هم القريبون من المواقع الطبيعية ~~للاستجابة وللرحمة. أما الذين لا يعملون ، بل يعيشون الحياة عجزا واسترخاء ~~وكسلا وراحة ، فهم البعيدون عن رحمته القريبون إلى سخطه ، لأنهم تنكروا ~~لسنة الله في الحياة ولصراطه المستقيم في العقيدة والشريعة. ( @QUR@013 ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) فلكل واحد ~~جزاء عمله من دون فرق بين الذكر والأنثى ، لأن قضية العمل الصالح لا تختلف ~~في خصائص الذكورة والأنوثة ، بل تنطلق من خصائص الإنسانية في حركتها ~~الصاعدة في الحياة. وفللأنثى نصيبها من نتائج العمل الصالح ، وللذكر نصيبه ~~منه ، فربما تتفوق عليه في عملها فتنال الدرجة العليا لدى الله ، وربما ~~يتفوق عليها في عمله فينال ذلك من خلال جهده ، ( @QUR@03 بعضكم من بعض ) ~~فقد خلق الله الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر في عملية التوالد الطبيعي. # أما العمل الأفضل في حركة الدعوة ، وحماية الدين ، وابتغاء مرضاة الله ، ~~وتحمل الخروج من ديارهم ، والأذى في سبيل الله ، والقتال الذي هو السبيل ~~للتكفير عن السيئات وللدخول إلى الجنة ( @QUR@027 فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم ms1352 سيئاتهم ولأدخلنهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ). # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ # 1 قد نستطيع أن نستوحي من هذه الآيات الفكرة عن شخصية المؤمن PageV06P458 # في الإسلام ، فهي شخصية الإنسان الواعي المفكر الذي يحرك طاقته الفكرية ~~في سبيل الوصول إلى قناعاته الإيمانية من وحي التفكير والمعاناة والتجربة ~~والملاحظة ، فلا يعتقد بشيء إلا على أساس ذلك. وعند ما نلتقي بشخصية ~~الإنسان المفكر في المؤمن في خط العقيدة ، فإن من الطبيعي أن نلتقي بها في ~~خط الحياة ، فلا ينطلق مع أحداثها إلا في خط الفكر والتجربة ، لأن ملامح ~~الشخصية لا تتعدد في مضمون الأشياء. فإذا كان الإنسان عاطفيا في جانب ، ~~فإنه يتحرك عاطفيا في بقية الجوانب ؛ وهكذا تكون القضية في خط الفكر في ~~الحياة. ولكن شخصية المفكر لا تلغي شخصية الإنسان الروحاني الذي يعيش ~~الروحية العميقة تجاه الله ، من خلال ما يعيش من مشاعر روحية ، لأن الفكر ~~لا يتحرك من مواقع الجفاف النفسي ، بل ينطلق من أعماق الينابيع المتدفقة في ~~الحياة في ما تشتمل عليه من أفكار ومشاعر ... ولهذا نجد الانطلاقة الروحية ~~في هذه الآيات في حركة الانطلاقة الفكرية في هذه المناجاة الخاشعة التي ~~تلتقي بالله في مغفرته ورضوانه ورحمته لعباده المؤمنين ، ليبقى الإنسان ~~منسجما مع إيمانه في روحية اللقاء بالله والسعي لرضاه ، باعتباره هدف ~~الحياة الكبير ، كما يعيش الانسجام معه في فكره العميق الذي يطرد من حوله ~~الشكوك والشبهات ويركز الخطة الواحدة لحياته من خلاله. # 2 وقد نستوحي من هذه الآيات ، أن قضية الجنة تلتقي في حركة الإنسان ~~المؤمن في الحياة بالجانب الجهادي الذي يعيش فيه المعاناة نتيجة ما يتعرض ~~له من اضطهاد وما يتحمله من أذى ، وما يضطر إليه من الوقوع تحت ضغط القوى ~~الغاشمة التي تخرجه من داره وموطنه وتدفعه إلى الهجرة قسرا من خلال الضغوط ~~القاسية التي تمارسها ضده ، وذلك كله من أجل الله ، وابتغاء للحصول على ~~رضوانه. # ومن خلال ذلك ، ندعو أولئك الذين يعيشون الحياة في استرخاء ، ويعتبرون ~~الجنة ملتقى ms1353 للعابدين الذين يغرقون كل همومهم وآلامهم وتطلعاتهم في العبادة ~~، وينعزلون عن الحياة في عملية هروب دائمة من التعرض للخطر في PageV06P459 # المسير ، ليأخذوا لأنفسهم ولمن يتعلق بهم الأمن والراحة والطمأنينة ، في ~~الوقت الذي تهتز فيه الساحة أمام التحديات الكافرة والضالة ... إننا ندعوهم ~~إلى أن يقرءوا هذه الآيات بوعي وتأمل ، ليعرفوا جيدا أن هؤلاء الذين ~~استجابوا لداعية الإيمان فآمنوا ، لم يأخذوا الإيمان في كسل واسترخاء ، بل ~~انطلقوا فيه رسالة وجهادا ومعاناة ومواجهة قوية لكل الضغوط والتحديات ~~الطاغية ، فأوذوا في سبيل الله ولم يسقطوا تحت تأثير الأذى ، وأخرجوا من ~~ديارهم وهاجروا من دون أن يتعقدوا من الجهاد وخطواته ونتائجه ... # ولهذا كانت الجنة ثمنا لكل هذا الجهد ولكل هذا الجهاد ، وكانت دعواتهم ~~المتصاعدة من قلوبهم تمثل دعوات المجاهدين الذين يخافون على جهادهم أن يضعف ~~ويهتز وينحرف أمام بعض الخطايا التي يرتكبونها من دون قصد ، ويخشون على ~~علاقتهم بالله أن تنقطع من خلال الأوضاع التي تحيط بهم فتبعدهم عن الله ~~وتنسيهم ذكره ... ولهذا يشعر الإنسان بنبض القلوب يتحرك في كل كلمة من هذه ~~الكلمات ، حتى كأن قلوبهم تحولت إلى دعوات وكلمات ، وليست كالدعوات التي ~~تنطلق من قلوب هادئة بعيدة عن جو المعاناة ، حيث يتمثل الإيمان فيها كما لو ~~كان ترف فكر لا كخفقة روح وشعور. إن هناك فرقا بين أن تدعو الله من موقع ~~المعاناة في سبيله ، وبين أن تدعوه من موقع المعاناة في سبيل ذاتك ، وذلك ~~هو الفرق بين الذين يعيشون الإسلام فكرا واسترخاء وبين الذين يعيشونه جهادا ~~وعملا وموقف حياة. # * * * PageV06P460 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) @QUR@07 متاع قليل ~~ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) @QUR@021 لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير ~~للأبرار ) (198) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا يغرنك ): الغرور : إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه في ~~المعلوم ، وليس كل إيهام غرورا ، لأنه قد يوهمه تخوفا فيحذر منه ، فلا يقال ~~: غره. والغرر : نظير الخطر ، والفرق بينهما أن الغرر قبيح كله لأنه ترك ms1354 ~~الجزم فيها يمكن أن يتوثق منه ، والخطر قد يحسن على بعض الوجوه لأنه من ~~العظم من قولهم : رجل خطير : أي : عظيم. # ( @QUR@01 تقلب ): التقلب : التصرف مأخوذ من قلب الشيء تصريفه وصرفه عن ~~وجه ، إلى وجه كقلب الثوب وقلب الإنسان ، أي : صرفه عن طريقته. # ( @QUR@01 متاع ): المتاع : النفع الذي يتعجل به اللذة ، إما بوجود ~~اللذة أو بما PageV06P461 # يكون به اللذة ، نحو المال الجليل ، والملك ، والأولاد ، والإخوان. # ( @QUR@01 المهاد ): الذي يسكن فيه الإنسان ويفترشه. # * * * ### ||| ** الضعف طبيعة بشرية والقوة المطلقة لله وحده # في هذه الآية يريد الله سبحانه كما في أكثر الآيات القرآنية أن يفرغ نفوس ~~الناس من كل إحساس بالتعظيم والاحترام والرهبة من القوى الكافرة الطاغية ~~الباغية التي تواجه الله بالتمرد في الفكر والعمل ، وذلك من أجل إرجاعهم ~~إلى إنسانيتهم الحقيقية في الانفتاح على ما حولهم ومن حولهم بواقعية ~~وانطلاق وموضوعية ، فلا يتصورون الأشياء بأكبر من حجمها الحقيقي في طبيعتها ~~وفي تأثيرها ، لأن المشكلة التي يعيشها الإنسان في حياته ، هي أن الصورة ~~التي يواجهها في ما يشاهده من القوى المسيطرة في الكون ، تملأ نفسه بالرهبة ~~والشعور بالصغار والانسحاق أمام هذه القوى ، ويتحول ذلك إلى خضوع لكل ~~أفكارهم وأوضاعهم المنحرفة ، مما يؤدي إلى انحراف المنحرفين وتنازل ~~الكثيرين عن خطهم. # وهذا هو المنطق الذي يفرض نفسه على كثير من الساحات الإسلامية في العالم ~~، ولا يزال يفرض نفسه على ساحتنا الآن ، فنحن ننظر إلى القوى في مرحلتها ~~المتقدمة ولا ننظر إليها في حالة ولادتها ، أو في حالة انحسارها ، فنشعر ~~بالضعف أمام ذلك كله ... أما إذا تبدل هذا المنطق ، فأصبحنا ننظر إليها في ~~مراحل بداياتها أو نهاياتها ، فإننا سننظر إلى القوة كمرحلة مجردة من مراحل ~~نمو الإنسان وتطوره ، فنتعامل معها ، من خلال ذلك ، تعاملا واقعيا ليس فيه ~~الكثير من حالات الانفعال والضعف والتضاؤل ... وهذا ما أراد القرآن الكريم ~~أن يثيره أمام الإنسان في أكثر من صورة ، فنراه يعرض هؤلاء الذين يعتبرهم ~~الناس آلهة في حالات ضعفهم ولا يلتفت إلى حالة قوتهم ، لأنه يهدف إلى إبراز PageV06P462 # جوانب الضعف ، ليعيش الإنسان ms1355 الشعور بواقعية الضعف في حياتهم كشيء طبيعي ~~جدا. فإذا رأوا جانب القوة لديهم ، نظروا إليه نظرة متوازنة تثير المقارنة ~~بين الحالتين ، فتتوازن من خلال ذلك النظرة والتصرف والعلاقة والإتباع ، ~~وذلك كما في قوله تعالى : ( @QUR@022 إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب ). [الحج : 73]. # فإن الآية تواجه هؤلاء الذين يعتقد الناس أنهم آلهة معبودون من دون الله ~~في ما يثيره ذلك التصور من قوتهم وضخامة شخصيتهم ، فتضع أمامهم شخصية ~~الذباب في ضآلته وحقارته ، ثم توحي بأن هؤلاء الكبار الضخام الذين قد ~~يشيدون القصور الكبيرة والقلاع المحصنة ، لا يستطيعون خلق الذباب ولو ~~اجتمعوا له وبذلوا طاقاتهم فيه ، لأنهم لا يملكون القدرة على الخلق حتى في ~~أشد الأشياء حقارة ، فتتضاءل الصورة وتتصاغر ، ويتعمق الشعور بأن قضية ~~القوة الإلهية لا تكمن في القدرة على إعلاء البناء فقط ، بل تتمثل أيضا في ~~إبداع الروح في الأشياء مهما كانت حقيرة ، لأن ذلك هو الشيء الذي يميز ~~الخالق عن المخلوق. # وتتصاعد الفكرة في اتجاه جديد ، فهذه الذبابة الصغيرة الحقيرة تملك من ~~القدرة على أن تسلبهم بعض الأشياء من قوتهم وصحتهم ، فلا يستطيعون إرجاع ~~ذلك منها ولا يملكون استنقاذه ، فأي ضعف هو هذا الضعف الذي يتمثل في هؤلاء ~~الأقوياء الذين إذا ملكوا القوة في جانب ، فإن أكثر من جانب من جوانب الضعف ~~يتمثل في جانب آخر ، وتلك هي القصة في الأشياء التي يتمثل فيها الضعف من ~~جهة وتتحرك فيها القوة من جهة أخرى ، لتتوازن النظرة في الإنسان ، فلا يصعد ~~إلى ما لا يبلغه من الدرجة لدى نفسه ولدي الآخرين. # * * * PageV06P463 ### ||| ** صورة الكافرين في القرآن # وتنطلق هذه الآية في هذا الاتجاه. ( @QUR@07 لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~في البلاد ) فقد يخضع الإنسان للشعور بالانسحاق أمام القوة الكبيرة ~~المتمثلة في حركة الكافرين ، عند ما يفتحون بلدا أو يحكمون آخر ويسيطرون ~~على شعب من الشعوب ، وقد يغره ذلك ، فيمتد معهم في ما لا يستحقونه ، ~~ويستسلمون له استسلام الأمل الكبير ms1356 للفرص الخالدة الممتدة المتعاظمة أمامهم ~~، التي توحي إليهم بالكثير من الأطماع والشهوات ، فيستريحون إلى ذلك كله في ~~ما ينتظرهم من مستقبل الأيام الطويلة ... ولكن القرآن يريد أن يربطهم بواقع ~~الأشياء ويبعدهم عن الأجواء الخيالية المتحركة بالأحلام الضبابية ؛ فلكل ~~واحد منهم عمر محدود وطاقة محدودة ، ولكل واحد منهم نقاط ضعف في ذاته وفي ~~حكمه. إنهم مجرد مرحلة في حياة الأمة ، قد تتسع وقد تضيق ، وقد تمتد وقد ~~تنكمش ... ولكنها سوف تنتهي في وقت قصير ( @QUR@02 متاع قليل ). # وماذا بعد ذلك؟ ما قيمة ذلك كله؟ إن العاقبة الوخيمة تنتظرهم هناك عند ما ~~يفارقون هذه الدنيا ، فسيفقدون كل هذه العظمة الفارغة ويتحولون إلى غذاء ~~شهي للنار ، تماما كما هي الأخشاب والهشيم ... ( @QUR@05 ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد ) فذلك هو مأواهم ومصيرهم السيئ وبئس المهاد. إنه الدور النفسي ~~الذي يستهدف تفريغ داخل الإنسان من التأثيرات النفسية المنبهرة بمظاهر ~~العظمة المحيطة بهم ، فما قيمة ذلك كله في نطاق إدراكنا بأن هؤلاء الكافرين ~~يعيشون الحياة كمتاع؟ مجرد متاع؟ فقد لا يكون لهذه النظرة السلبية في ~~داخلنا ضدهم تأثير على القوى الطاغية والباغية بشكل فوري حاسم ، ولكنه يترك ~~الأثر الإيجابي للمستقبل ، لأن الصراع بين المستكبرين والمستضعفين ، في ~~حركة الصراع بين القوة والضعف ، لا تحكمه القوى المادية فقط ، بل تتدخل فيه ~~القوى النفسية. # فإن هناك عنصرين يساهمان في هزيمة الضعفاء أمام الأقوياء وهما : عنصر PageV06P464 # القوة المادية التي يملكها المستكبرون ، وعنصر المشاعر السلبية ~~الانهزامية التي ينسحق من خلالها المستضعفون تحت تأثير المستكبرين. وقد ~~تعامل الإسلام في ما يريده من تقوية حركة المقاومة ضد هؤلاء مع العنصر ~~الأول في ما جاءت به الآية الكريمة : ( @QUR@06 وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ) [الأنفال : 60] ، ومع العنصر الثاني في ما جاءت به هذه الآية ~~وأمثالها للدخول في عملية موازنة ومقارنة بين القوة التي تفنى وتزول ، وبين ~~القوة التي تملك أمر الحياة والموت ، فلا يستسلم الإنسان للقوة الزائلة ، ~~بل يخضع للقوة الخالدة التي تملك كل القوى المادية والمعنوية ، وبذلك يتحرك ~~في عملية تطوير القوة المضادة والانطلاق بالصراع ms1357 إلى نهايته حتى النصر ، ~~ولو بعد حين. إن الفكرة الحاسمة هي أن كل القوى لن تدوم لأنها مجرد متاع قد ~~يفنى في الدنيا ، وقد تفنيه الدنيا. وفي هذا الجو ينطلق التفاؤل بالمستقبل ~~الكبير من أجل صنع القوى الوليدة الجديدة التي تمسك بزمام الأمر كله على ~~اسم الله. # * * * ### ||| ** صورة المؤمنين في القرآن # تلك هي صورة الكافرين ، متاع قليل لا يلبث أن يتحول إلى عالم الموت ، ~~وكيان يحترق حتى يستحيل إلى رماد. ( @QUR@04 لكن الذين اتقوا ربهم ) فوقفوا ~~حيث يريد الله منهم أن يقفوا ، وتحركوا حيث يريد الله منهم أن يتحركوا ، في ~~مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية ... لأن ~~لكل جانب من جوانب الحياة تقوى تحكمها في ما يتحرك فيها من أحكام شرعية ~~ومفاهيم إسلامية تفرض على الإنسان الخضوع لها والانضباط على أساسها ؛ ~~انطلاقا من شمول الإسلام لكل نواحي الحياة ، مما يوحي لك بأن عليك أن تحسب ~~حساب الله في ذلك كله ، ولا تستسلم لنزواتك ومزاجك ، أو لما يحاول الآخرون ~~أن يهولوا به عليك ، أو يبرروه لك من دون أن تملك فيه حجة أو PageV06P465 # برهانا ، فذلك هو خط التقوى الذي يعطينا الله من خلاله فكرة عن الأجواء ~~في الآخرة التي تنتظر السائرين عليه ... ( @QUR@012 لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله ) فهو الذي ينزل رحمته على المتقين ~~في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@05 وما عند الله خير للأبرار ) فإن هذه الآفاق ~~الرحيبة التي تفتح قلب الإنسان وروحه على المتع الروحية المطلقة ، هي خير ~~من كل ما يتطلعون إليه في الدنيا أو يفقدونه فيها ، وقد ورد في بعض ~~الأحاديث المأثورة عن الجنة ونعيمها : «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ~~ولا خطر على قلب بشر». وهكذا تتقارن الصورتان أمام المؤمن ، صورة الكافرين ~~وصورة المتقين ، ليقف مع الخط الإيماني التقي الأصيل من موقع النهايات ~~السعيدة التي تنتظره في نهاية المطاف. # * * * PageV06P466 ### ||| * الآية # ( @QUR@030 وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل ~~إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ms1358 أولئك لهم أجرهم عند ~~ربهم إن الله سريع الحساب ) (199) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خاشعين ): خاضعين. وأصل الخشوع السهولة من قولهم : الخشعة : ~~وهي السهولة في الرمل كالربوة ، والخاشع من الأرض : الذي لا يهتدي لأن ~~الرمل يغطي آثاره ، والخاشع : الخاضع ببصره ، والخضوع : هو التذلل خلاف ~~التعصب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : اختلفوا في نزولها فقيل : نزلت في النجاشي ملك PageV06P467 # الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية ، وذلك أنه لما مات نعاه جبرائيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الذي مات فيه ، فقال رسول الله : ~~اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم. قالوا : ومن؟ قال : النجاشي ، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض ~~الحبشة ، فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه ، فقال المنافقون : انظروا إلى هذا ~~يصلي على علج نصراني حبشي لم يره قط وليس على دينه ؛ فأنزل الله هذه الآية ~~، عن جابر بن عبد الله ، وابن عباس ، وأنس ، وقتادة. # وقيل : نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب واثنين ~~وثلاثين من أرض الحبشة ، وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى فآمنوا ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، عن عطاء. وقيل : نزلت في جماعة من اليهود ~~كانوا أسلموا ، منهم : عبد الله بن سلام ومن معه ، عن ابن جريج ، وابن زيد ~~، وابن إسحاق. وقيل : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم لأن الآية قد تنزل في ~~سبب وتكون عامة في كل ما تتناوله ، عن مجاهد (1). # ولعل الرواية الأخيرة ، أو الرأي الأخير ، هو الأقرب إلى الجو القرآني في ~~الآية ، لأن الحديث عن أهل الكتاب يمثل الحديث العام المتحرك في ساحة ~~الواقع الديني الذي كان الإسلام يعيش فيه باعتبار أنهم الفريق الآخر ~~المعترف به إسلاميا في المجتمع المسلم ، بحيث إن الإسلام يعمل في تشريعه أو ~~في حركته على توحيد الأسس الإيمانية بينه وبين أهل الكتاب ، وذلك على أساس ~~الكلمة السواء في توحيد الله ، وفي ضوء ذلك كانت التجربة الإسلامية في خط ~~الدعوة والحوار تنفتح ms1359 على جماعة هنا وجماعة هناك من أهل الكتاب يؤمنون ~~بالإسلام من خلال البراهين الموجودة عندهم ، كما أن هناك منهم من يعيشون ~~العقدة الفئوية التي لا تريد التنازل عن موروثاتها وامتيازاتها فتبقى في ~~ساحة التحدي تواجه النبوة في عقائدها ومفاهيمها وأحكامها ومناهجها. PageV06P468 # وهكذا كانت هذه الآية حركة في المسيرة القرآنية التي توصل خطوط العقيدة ~~في الواقع الذي كانت تعيشه الدعوة في خط الإيمان والكفر ، وربما كانت ~~الاختلافات المذكورة اختلافات في الاجتهاد في تطبيق الآية على هذا أو ذاك ، ~~أو هذه الجماعة أو تلك ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** تحري جوانب الخير في أهل الكتاب # وينطلق القرآن في ساحة الصراع الفكري والعملي بين أتباع الديانات ~~السماوية ، ليؤكد حقيقة ثابتة في مجال الدعوة إلى الله ، وهي الابتعاد عن ~~خط اليأس من تغيير الواقع عند ما نواجه الكثيرين ممن يتعصبون لفكرهم ~~ويخالفون فكرنا ويحاربونه ويتعصبون ضده ، فقد نخضع في مثل هذه الحالة إلى ~~حالة نفسية سيئة ضاغطة تجعلنا نفكر بعدم الجدوى في الحديث مع هؤلاء عن ~~الإسلام ومفاهيمه وأحكامه ... ويريد القرآن أن يوحي إلينا بأن لا نيأس ولا ~~ننهزم ، بل يجب أن نتابع الطريق حتى نهاياته ، ونؤمن بأن هناك جانبا طيبا ~~في نفس كل إنسان يمكن أن يلتقي بالحقيقة ، فيؤمن بها ويتحرك معها ، فلا بد ~~لنا من أن نلاحقه ونستثيره ، ونصر على التعامل معه ، فلا نهزم أنفسنا ~~ومواقفنا قبل أن ندخل في المعركة ، بل نتابع المسيرة لنلتقي بالجانب الطيب ~~الإنساني الذي يلتقي بالإيمان في دعوتنا إلى الله. # وربما يحتاج العاملون للإسلام أن يتعاملوا مع هذه الحقيقة في مجال الدعوة ~~، في المجتمعات الضاغطة التي تخضع للسيطرة شبه المطلقة لبعض الاتجاهات غير ~~الإسلامية ، مما يوحي بأن القضية ميؤوس منها على مستوى الحاضر والمستقبل. ~~فقد يبدو لنا أن مثل هذا التفكير ينطلق من دراسة المستقبل على أساس طبيعة ~~الأمر الواقع في الحاضر ، فيتصور المستقبل في أجواء الحاضر ، ولكن هذا ~~الاتجاه خاطئ في المجال العملي ، لأن قضية النصر في أية PageV06P469 # معركة تتطلب منك أن تتصور المستقبل من خلال المعطيات الجديدة التي ms1360 تستقبل ~~الكثير من المتغيرات السياسية والعسكرية والاجتماعية ، مما يمكن أن يترك ~~أثره الإيجابي أو السلبي على حركة المعركة كما يفرض عليك التصور الواقعي أن ~~تبحث عن نقاط الضعف في الحاضر لدى خصومك من أجل أن تنميها وتطورها وتستفيد ~~منها في عملية التغيير ، وتبحث عن نقاط القوة الصغيرة لديك من أجل أن ~~تثيرها وتوجهها في الاتجاه الواسع الكبير الذي يتحول إلى القوة الكبيرة ~~الضاغطة. # * * * ### ||| ** التغيير يبدأ من الداخل # إن الشرط الأساسي في حركة التغيير يبدأ من الداخل ، وذلك بالشعور العميق ~~بإمكانية التغيير أيا تكن الصعوبات ، لأن الصعوبات لا تنطلق في حجم الحياة ~~، بل تتحرك في حجم المرحلة ، مما يجعلك تفكر في الهدف على أساس سياسة ~~المراحل. فإذا التقيت بمرحلة ضاغطة صعبة ، فإن بإمكانك أن تقفز إلى مرحلة ~~أخرى تملك زمام الأمر فيها من أجل الوصول إلى الهدف. إن التحديات الصعبة لا ~~تلغي الهدف ، بل ربما تؤخره إلى مرحلة جديدة. # وهذا ما عاشه الأنبياء في حركة الدعوة إلى الله والعمل في سبيله ، فقد ~~دخلوا المعركة والعالم من حولهم يعبد الأصنام ويكفر بالله ، ويستسلم للقيم ~~المادية التي يفرضها واقع الكفر والشرك ، ووقفوا يطلقون الصوت بقوة ، وكانت ~~الأصوات المضادة أقوى ، ولم يخفت الصوت الجديد ولم يتراجع ، بل انطلق مرة ~~ثانية وثالثة ورابعة ، واخترق الحاجز المضاد ، وبدأت الأصوات تخف ، واستمر ~~الأنبياء ، وخفتت الأصوات كلها ، وبدأ صوت الله يتحرك في كل أذن ، ويعيش في ~~كل قلب ، ويفرض نفسه على كل ساحة. لقد آمن الأنبياء بحقيقة إنسانية ثابتة ~~في الإنسان ، وهي أن في الإنسان ينابيع خير يمكن أن تتفجر ، PageV06P470 # وطاقة إيمان يمكن أن تتحرك وتتنامى فلا بد من التعامل معها بواقعية وصبر ~~، ولا بد للواقعية من أن تتحرك في ضمن خطة تحسب حساب الرواسب التاريخية ~~التقليدية والعقد النفسية الصعبة والظروف الموضوعية الضاغطة ، وتصبر على ~~ذلك كله من أجل أن تذوبه تدريجيا ، لتعود الأرض صالحة للغراس الجديدة من ~~دون عوائق أو صعوبات كبيرة. وهكذا انطلقت غراس الإيمان في أرض الإنسان الذي ~~صبر الأنبياء عليه حتى اكتشف الحقيقة. # إن ms1361 من واجبنا أن نفكر أن الحياة بحاجة إلى الإسلام ، ولكنها تحتاج إلى ~~جهد كبير لتكتشف حاجتها إليه ، ولتسعى بعد ذلك من أجل الانطلاق إيجابيا مع ~~هذه الحاجة ، ولذلك فإن علينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة بحجم الحياة وبحجم ~~العالم ، فلا نستسلم للقضايا الصغيرة في عملية ضعف واستسلام. # إن معنى أن نحمل الإسلام هو أن نشعر بأن دعوته لا بد من أن تشمل العالم ~~بعيدا عن كل الحواجز الفكرية والسياسية ، تماما كما حمله رسول الله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن مهمتنا هي أن نتقدم به نحو هذا الهدف ، ولو خطوة ~~واحدة ، أو بضع خطوات ، من أجل أن يسير الآخرون على أساس هذه الخطوات في ~~انطلاقهم نحو الهدف ، فإن الحياة مليئة بالفرص المتحركة في قضية الإيمان ~~لدى الإنسان. # وهذا ما أرادت الآية الكريمة أن توحيه من خلال ما تقدمه من نماذج أهل ~~الكتاب الذين كانوا يمثلون الخط المعادي للإسلام في فكره ومسيرته ، ولكنهم ~~انطلقوا مع حقيقة الإيمان بعيدا عن التعقيدات ، وتحركوا مع الخشوع لله الذي ~~يستدعي الخضوع لشريعته ، فآمنوا بالإسلام فكرا وشريعة وحياة ... ( @QUR@015 ~~وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله ) فقد كانوا يطلبون الوصول إلى الحق ، ولكن الطريق مسدودة أمامهم في ما ~~يعيشونه ويلتقون به من حواجز مادية ومعنوية ... إلا أنهم استطاعوا تحطيم ~~تلك الحواجز وخشعوا لله ، فخضعوا للحق الواحد الذي أوحى به الله في رسالاته ~~، ورفضوا كل الحساسيات السلبية التي تحول بينهم وبين الإيمان ... ( @QUR@02 ~~لا يشترون PageV06P471 # @QUR@04 بآيات الله ثمنا قليلا ) لأنهم يؤمنون أن قضية العقيدة هي قضية ~~الإنسان في روحيته وإنسانيته ومصيره ، فلا يمكن أن يتاجر بها لقاء دراهم ~~معدودة ، ( @QUR@05 أولئك لهم أجرهم عند ربهم ) لأنهم تمردوا على كل مشاعر ~~العصبية الضاغطة ، وتحرروا من كل الدوائر الضيقة التي تحبس فكرهم وشعورهم ~~وتسجنه في الظلام ، وعرفوا أن الحياة موقف ، وأن الموقف يجسد للإنسان معنى ~~أن يكون إنسانا أو لا يكون ... ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ). # * * * PageV06P472 ### ||| * الآية # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ms1362 واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون ) (200) # * * * ### ||| ** النداء الأخير في السورة # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) قد يكون هذا النداء الأخير في هذه ~~السورة دعوة إلى الانطلاق مع كل القضايا التي أثارها الله في السورة من ~~مواقف الصراع الصعب بين المؤمنين والكافرين من المشركين وأهل الكتاب ، لأن ~~ذلك يفرض على الإنسان الصلابة والثبات والاستمرار على الخط ، فلا يضعف ولا ~~ينحرف ولا يتزلزل ، بل يبقى في المستوى الكبير من المسؤولية إزاء إيمانه ~~ومسيرته ومصير الناس من حوله. وبهذا انطلق النداء في التركيز على جوانب ~~أربعة ذات قيمة عملية في تحقيق عملية التوازن في حركة الشخصية الإسلامية : # * * * PageV06P473 ### ||| ** 1 الصبر # ( @QUR@01 اصبروا ) وقد تحدث الله عن الصبر في القرآن الكريم من حيث ما ~~يمثله من قيمة روحية وعملية كبيرة ، في ما تتحرك فيه من تحقيق القوة ~~والتماسك أمام نوازع الضعف ، واشتداد الأزمات ، واهتزاز المواقف من خلال ~~اهتزاز الساحة ، فإن الإنسان الذي يملك طاقة الصبر على الشدائد والأهوال ~~يستطيع أن يملك أمره في كل مواقفه الخاصة والعامة ، وبذلك كان الصبر من عزم ~~الأمور كما تحدث به القرآن. وقد لا نحتاج إلى التأكيد على قيمة الصبر في ~~حياة الداعية إلى الله في ما يواجهه من انحرافات ضاغطة في الأفكار والمشاعر ~~والمواقف والأوضاع السلبية المحيطة به ، ليقابل ذلك بهدوء الرسالة وعمقها ~~وامتدادها في حركة الحياة. # * * * ### ||| ** 2 المصابرة # ( @QUR@01 وصابروا ) فسر بعضهم المصابرة بما يلتقي مع معنى الصبر ، كما ~~لو كانت كلمة مرادفة لها. وفسرها البعض ب «الغالبة في الصبر» فهو لا يطلب ~~منهم أن يصبروا في أنفسهم فقط ، ولكن أن يغالبوا أعداءهم في الصبر ؛ فالصبر ~~يكون في كل ما يصيب المرء من أزمات تقع عليه خاصة ، والمصابرة تكون في ما ~~يصيب المرء ويصيب أعداءه من شدائد في مثل الحرب والجهاد. وقد جاء الأمر ~~بالمصابرة في قوله تعالى : ( @QUR@03 إن يمسسكم قرح (1) @QUR@05 فقد مس ~~القوم قرح مثله ) [آل عمران : 140] أي : فلا يغلبوكم بالصبر على قرحهم أكثر ~~من صبركم على قرحكم ، وفي قوله تعالى : ( @QUR@013 إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ms1363 لا يرجون ) [النساء : 104] ؛ أي : ~~فعندكم سبب للتفوق والغلبة مما ليس عندهم مع استوائكم وإياهم في تحمل الأذى ~~والألم. # * * * PageV06P474 ### ||| ** 3 المرابطة # ( @QUR@01 ورابطوا ). والرباط : اللزوم والثبات ، وأصله من الربط بمعنى ~~الشد ، وهو عزيمة يعزمها المؤمن بالشيء ، فيربط الله بها على قلبه ، فلا ~~يتحول ولا يتزلزل. # ولعل المراد بها هنا هو أن يكون الإنسان مستعدا للثبات والصمود على حدود ~~الإسلام ، سواء أكانت حدودا جغرافية أم كانت حدودا فكرية أم سياسية أو ~~اجتماعية أم اقتصادية ، فيشعر أن من واجبه مراقبة تحركات العدو في كل ~~أوضاعه ، سواء كان العدو شيطانا يريد أن يغويه ، أو إنسانا يريد أن يتحداه ~~أو يتحدى أي ثغر من ثغور الإسلام ، أو فكرا من أفكاره أو شريعة من شرائعه ، ~~أو شعبا من شعوبه أو سرا من أسراره ... ليدافع عن الإسلام من مواقعه التي ~~يرابط فيها من حيث يملك إمكانات الدفاع. # وربما كانت هذه الكلمة انطلاقة إيحائية بأن على المؤمنين أن يبتعدوا عن ~~أجواء الكسل والاسترخاء واللامبالاة والابتعاد عن تحمل المسؤولية ومواجهة ~~التحديات ، لأن معنى ذلك أن تكون الساحة الإسلامية في بعض مجالاتها خالية ~~من وسائل الدفاع ، مفتوحة لكل مغامر وعدو ، فلا بد لكل مؤمن من أن يدرس ~~ساحته وطاقته وحاجة الإسلام إليه ليحدد دوره الرسالي على أساس ذلك كله. وقد ~~لا يعذر الله الكثيرين من المؤمنين الذين انعزلوا عن حركة الحياة ، وعاشوا ~~لأنفسهم ومسئولياتهم الشخصية بعيدا عن مسئولية الإسلام والمسلمين ، لأنهم ~~استراحوا للفكرة السهلة التي تخفف عنهم أثقال المسؤولية لتجعلها في حركة ~~انتظار طويلة إلى آخر الزمان ، لأننا نفهم الانتظار حركة متقدمة نحو الهدف ~~الذي ننتظر أن نصل إليه من خلال تحركنا الطويل ، وليس استرخاء وغيبوبة في ~~أجواء الراحة والفراغ. # * * * PageV06P475 ### ||| ** 4 التقوى # ( @QUR@02 واتقوا الله ) والتقوى كما ألمحنا إليها في أكثر من مرة تمثل ~~الانضباط أمام الله في ما أحله وما حرمه ، وذلك هو معنى أن تكون مسلما في ~~الخط العملي للإسلام الذي هو موقف في حركة الواقع ، وليس مجرد كلمة وشعور. # * * * # ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) # وتأتي كلمة ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) في نهاية الآية ، لتوحي ms1364 للإنسان بأن ~~السعي في تحقيق هذه المبادئ التي تضمنها هذا النداء يمكن أن يحقق لك الفلاح ~~من خلال التدقيق في الموازنة بين جانبي النظرية والتطبيق. وربما كانت كلمة ~~«لعل» واردة في الإيحاء بضرورة التركيز على طبيعة الخطوات العملية والتدقيق ~~في مراحل الطريق ، فقد يحصل للإنسان بعض المفاجآت التي لم يحسب لها حسابا ، ~~فتنحرف به عما يهدف إليه ، فلا بد من مضاعفة الجهد واستنفاد الطاقة ليضمن ~~لنفسه الفلاح حتى لا يسترخي ولا يستريح أمام الطاقات التي يبذلها في ~~المعركة ، بل يعمل على تنمية طاقات جديدة في ما يملك أن ينميه ويطوره من ~~طاقاته وطاقات الآخرين. # ورد في بعض الروايات تفسير الآية بطريقة أخرى ، فقد جاء في الدر المنثور ~~: «أخرج ابن جرير ، وابن حبان ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ، ويكفر به ~~الذنوب؟ قلنا : بلى يا رسول الله. قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة ~~الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط» (1). PageV06P476 # وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@07 اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) الآية : اصبروا على أداء ~~الفرائض ، وصابروا عدوكم ، ورابطوا إمامكم (1). # وفي رواية عن علي عليه السلام أن معنى رابطوا ، أي رابطوا الصلوات ، ~~ومعناها انتظروا واحدة بعد واحدة ، لأن المرابطة لم تكن حينئذ. # وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : معناه اصبروا على المصائب ~~، وصابروا على عدوكم ، ورابطوا عدوكم (2). # والمرابطة في اصطلاح الفقهاء هي السفر إلى ثغور بلاد الإسلام ، حيث يخشى ~~هجوم الكفار من خلاله ، والمرابطون هم الذين يمثلون جنود الحدود للبلاد ~~الإسلامية. # وقد جاء في الحديث عن سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «رباط ~~ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، فإن مات جرى عليه عمله الذي ~~كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن الفتان» وعن فضالة بن عبيدة قال : «إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : كل ميت يختم ms1365 على عمله إلا المرابط في ~~سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر» # وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «كل عين باكية يوم ~~القيامة إلا ثلاثة أعين : عين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ، ~~وعين باتت ساهرة في سبيل الله» (3). # ومن الطبيعي أن الرباط يمثل وسيلة من وسائل الجهاد ، بل هو من أكثر ~~الأعمال ارتباطا بحركيته وسلامته من حيث إنه يرصد حركة العدو ويحدد مواقعه ~~، وينذر الجيش بكل أوضاعه ، ليقف المسلمون على أهبة الاستعداد للمواجهة ~~المدروسة المنطلقة في الخطة المرسومة للوصول إلى النصر أو إلى PageV06P477 # دفع العدوان. وهذا ما جعلها من أفضل المستحبات ، بل قد تكون من الواجبات ~~التي يتوقف عليها حماية البلاد الإسلامية بطريقة أو بأخرى. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. PageV06P478 ### | الفهرس # تفسر سورة آل عمران [42 200] # الآيات [42 ~~44].............................................................. 7 # معاني ~~المفردات.............................................................. 7 # أجواء مغمورة باللطف ~~الإلهي................................................. 8 # شرعية ~~القرعة............................................................. 11 # القرعة: عبادة ~~وابتهال...................................................... 13 # الآيات [45 ~~47]............................................................. 15 # معاني ~~المفردات............................................................ 15 # وجود يمثل إرادة ~~التكوين.................................................... 16 # إشكالات وملاحظات..................................................... 18 # الآيتان [48 ~~49]............................................................. 20 # معاني ~~المفردات............................................................ 20 # معجزات ~~إلهية............................................................. 21 # رسول لبني إسرائيل أم ~~للبشر!............................................... 23 # هل صدر ت المعجزة عن عيسي عليه السلام!................................ 24 # الولاية ~~التكوينية........................................................... 26 # إمكان الولاية التكوينية ~~وضرورتها............................................ 26 # أدلة الولاية ~~التكوينية....................................................... 28 # الآيتان [50 ~~51]............................................................. 35 # معاني ~~المفردات............................................................ 35 # حلقة في سلسلة ~~مباركة..................................................... 36 PageV06P479 # من وحي ~~الآية............................................................ 37 # الآيات [52 ~~55]............................................................. 39 # معاني ~~المفردات............................................................ 39 # أسلوب نابض ~~بالمحبة....................................................... 41 # طريق طويلة ~~شاقة......................................................... 42 # أنصار ~~الله................................................................ 43 # بذور ~~رسالية.............................................................. 45 # ما معني الوفاة في قصة عيسي عليه ~~السلام!................................... 46 # وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا........................................ 50 # الله الحكم ~~العدل.......................................................... 52 # الآيات [56 ~~58]............................................................. 54 # جزاء الكافرين ~~والمؤمنين..................................................... 54 # الآيتان [59 ~~60]............................................................. 57 # معاني ~~المفردات............................................................ 57 # موقف الناس من ~~المألوف................................................... 57 # عقلية ~~إيمانية.............................................................. 58 # عيسي كآدم من خلال قدرة ~~الله............................................ 59 # الآيات [61 ~~63]............................................................. 61 # معاني ~~المفردات............................................................ 61 # مناسبة ~~النزول............................................................. 63 # أسلوب الحوار ~~الاسلامي................................................... 64 # موقع التحدي ~~الكبير...................................................... ms1366 66 # علامة استفهام حول نزول ~~الآية............................................. 69 # استواء النسب من جهة الولد ~~والبنت......................................... 71 # المباهلة في الخط الإسلامي ~~العام............................................. 72 # القصص ~~الحق............................................................. 72 # الدرس ألذي نأخذه من هذا الأسلوب....................................... 74 # الآية ~~[64].................................................................... 76 # معاني ~~المفردات............................................................ 76 PageV06P480 # مناسبة ~~النزول............................................................. 77 # منهج الحوار ~~والعمل........................................................ 77 # الدعوة إلي مواطن اللقاء في الحوار ~~والعمل..................................... 78 # الأسلوب والممارسة ~~المعاصرة................................................. 81 # الآيات [65 ~~68]............................................................. 83 # معاني ~~المفردات............................................................ 83 # أسلوب التأنيب ~~الهاديء................................................... 84 # الآية في حركة ~~الواقع....................................................... 86 # لم تحاجون في ما ليس لكم به ~~علم!؟........................................ 87 # الآية في منهج ~~الحوار....................................................... 88 # إبراهيم حنيف ~~مسلم...................................................... 90 # الاتباع يحدد ~~العلاقة....................................................... 91 # الآيات [69 ~~71]............................................................. 93 # معاني ~~المفردات............................................................ 93 # مناسبة ~~النزول............................................................. 94 # أسلوبا اللبس ~~والكتمان..................................................... 94 # وما يضلون إلا أنفسهم ~~والبسطاء............................................ 96 # المستشرقون وأساليب اللبس ~~والتضليل........................................ 97 # الآيات [72 ~~74]............................................................. 99 # معاني ~~المفردات............................................................ 99 # مناسبة ~~النزول........................................................... 100 # أسلوب جديد للتضليل وزعزعة عقيدة المسلمين.............................. 101 # إشراقات ~~إلهية........................................................... 102 # الآية في حركة الدعوة إلي ~~الله.............................................. 104 # الآيتان [75 ~~76]........................................................... 105 # معاني ~~المفردات.......................................................... 105 # مناسبة ~~النزول........................................................... 106 # مفهوم خاطئ عند أهل الكتاب........................................... 106 # الأمانة التزام ذاتي ~~داخلي.................................................. 108 PageV06P481 # الآيات في خطي الحاضر.................................................. 109 # الآية ~~[77].................................................................. 114 # معاني ~~المفردات.......................................................... 114 # مناسبة ~~النزول........................................................... 115 # الإسلام ونقض العهود................................................... 117 # تجارة ~~خاسرة............................................................. 118 # الآية [آية ~~78]............................................................... 120 # معاني ~~المفردات.......................................................... 120 # انحراف عملي عند أهل الكتاب........................................... 121 # التحريف في آفاق ~~المعني.................................................. 122 # الآيتان [79 ~~80]........................................................... 124 # معاني ~~المفردات.......................................................... 124 # مناسبة ~~النزول........................................................... 125 # ظاهرة ~~التأليه............................................................ 126 # النبوة ~~والرسالة........................................................... 127 # الأنبياء يبرزون ~~بشريتهم................................................... 128 # الفكرة في خط التربية ~~الإسلامية........................................... 131 # الآيات [81 ~~83]........................................................... 131 # معاني ~~المفردات.......................................................... 133 # النبوات حلقات متصلة في سلسلة الوحي.................................... 134 # الآيتان [84 ~~85]........................................................... 137 # لا تفريق بين ~~الرسل...................................................... 137 # الإسلام لله دين ~~إنساني.................................................. 138 # الأسلوب الواقعي في وحدة ~~الديانات........................................ 139 # الآيات [86 ~~89]........................................................... 140 # معاني ~~المفردات.......................................................... 140 # مناسبة ~~النزول........................................................... 141 # الإيمان قضية ~~ومصير..................................................... 142 # الآيتان [90 ~~91]........................................................... 144 PageV06P482 # مناسبة ~~النزول........................................................... 144 # التوبة ~~المرفوضة........................................................... 145 # الإيمان والكفر موقفان ~~عمليان............................................. 146 # الآية ~~[92].................................................................. 148 # معاني ~~المفردات.......................................................... 148 # العطاء قيمة إنسانية وخلق ~~أصيل........................................... 149 # الإنفاق والتكافل ~~الاجتماعي.............................................. 149 # لا ينال البر ms1367 إلا ~~بالإنفاق.................................................. 150 # دروس وعبر............................................................. 151 # الآيات [93 ~~95]........................................................... 153 # معاني ~~المفردات.......................................................... 153 # مناسبة ~~النزول........................................................... 154 # تحريم ذاتي لا ~~تشريعي..................................................... 154 # أساليب الزيف ~~والمراوغة.................................................. 155 # امتداد ~~رسالي............................................................ 156 # من وحي ~~الآية........................................................... 157 # الآيتان [96 ~~97]........................................................... 158 # معاني ~~المفردات.......................................................... 158 # تحويل القبلة إلي ~~الكعبة................................................... 159 # ما معني أول ~~بيت!....................................................... 160 # لماذا سميت مكة ~~بكة!.................................................... 161 # بيت الله ودوره في رسالة ~~الحياة............................................. 161 # استيحاء كلمة ~~«مباركا».................................................. 163 # بيت الله هدي ~~للعالمين................................................... 164 # ما هي الآيات ~~البينات!................................................... 165 # الكعبة أرض سلام....................................................... 167 # ما شروط الحج!......................................................... 168 # ما معني الوصف بالكفر لتارك ~~الحج!....................................... 170 # الآيتان [98 ~~99]........................................................... 170 PageV06P483 # معاني ~~المفردات.......................................................... 172 # لوم مشوب بإنكار....................................................... 173 # دور تخريبي مكشوف..................................................... 174 # الآيتان [100 ~~101]........................................................ 176 # معاني ~~المفردات.......................................................... 176 # مناسبة ~~النزول........................................................... 177 # خطورة المشاعر الساذجة أمام مخططات ~~الأعداء.............................. 179 # لا تطيعوا ~~الكافرين....................................................... 181 # من وحي ~~الآية........................................................... 183 # الاعتصام بحبل ~~الله...................................................... 183 # الآية ~~[102]................................................................ 185 # طريقة ~~التقي............................................................. 185 # فهم ~~الآية............................................................... 187 # خط للحياة ومسار ~~للنهاية................................................ 188 # الآية ~~[103]................................................................ 189 # معاني ~~المفردات.......................................................... 189 # مناسبة ~~النزول........................................................... 190 # أساس الوحدة........................................................... 191 # نعمة ~~الإسلام........................................................... 192 # من وحي «الاعتصام بحبل الله»........................................... 193 # ما هو حبل ~~الله!........................................................ 194 # المقارنة الواعية بين الماضي ~~والحاضر......................................... 195 # الآية وواقع المسلمين ~~الممزق................................................ 197 # الآيات [104 ~~109]........................................................ 199 # معاني ~~المفردات.......................................................... 199 # مسئولية الدعوة إلي ~~الخير.................................................. 200 # من هم ~~الأمة!........................................................... 201 # الدعوة إلي الخير مسئولية كل ~~مسلم........................................ 202 # مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر.................................. 203 PageV06P484 # نهي عن السير في خط الاختلاف.......................................... 204 # دعوة عامة أم خاصة!.................................................... 205 # في الآخرة وجوه تبيض وأخري تسود........................................ 206 # الشعور بالحضور الإلهي ضرورة ~~تربوية....................................... 208 # الآية ~~[110]................................................................ 211 # معاني ~~المفردات.......................................................... 211 # مناسبة ~~النزول........................................................... 212 # الأمة الإسلامية أمة ~~قائدة................................................. 212 # هل الآية ~~محرفة!؟........................................................ 215 # الأمر والنهي موقف قيادي ~~تغييري......................................... 218 # وتؤمنون ~~بالله........................................................... 219 # الآيتان [111 ~~112]........................................................ 222 # معاني ~~المفردات.......................................................... 222 # مناسبة ~~النزول........................................................... 224 # عقاب عادل............................................................ 224 # بين ضرب الذلة علي اليهود وسيطرتهم علي مقدرات ~~العالم.................... 225 # الآيات [113 ~~117]........................................................ 227 # معاني ~~المفردات.......................................................... 227 # مناسبة ~~النزول........................................................... 228 # أهل الكتاب ليسوا ~~سواء.................................................. 229 # الكافرون هم أصحاب النار............................................... 230 ms1368 # الآيات [118 ~~120]........................................................ 232 # معاني ~~المفردات.......................................................... 232 # مناسبة ~~النزول........................................................... 234 # وعي راصد بعيد عن السذاجة............................................. 234 # مشاعرهم ليست خالصة................................................. 237 # حقد دفين.............................................................. 239 # مفهوم إسلامي للعمل.................................................... 241 # الآيتان [121 ~~122]........................................................ 243 PageV06P485 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # النبي يخطط لمعركة ~~أحد................................................... 244 # القرآن يركز علي نقاط الضعف............................................ 245 # معركة أحد: بين تخطيط الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وحركة ~~النفاق........ 247 # الآيات [123 ~~127]........................................................ 250 # معاني ~~المفردات.......................................................... 250 # معركة بدر في أجواء معركة ~~أحد............................................ 251 # لقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة........................................... 253 # هل دخل الملائكة ساحة الحرب!........................................... 254 # الآيتان [128 ~~129]........................................................ 256 # معاني ~~المفردات.......................................................... 256 # مناسبة ~~النزول........................................................... 257 # الأمر لله والشفاعة ~~للرسل................................................. 259 # الرسول جندي خاضع لله................................................. 260 # الآيات [130 ~~132]........................................................ 261 # معاني ~~المفردات.......................................................... 261 # مناسبة ~~النزول........................................................... 262 # ارتباط آية الربا بما ~~قبلها................................................... 262 # النتائج الطبيعية للنظام ~~الربوي.............................................. 263 # كيف جاء تحريم ~~الربا!.................................................... 265 # التقوي وقضية ~~المصير..................................................... 266 # الآيات [133 ~~136]........................................................ 268 # معاني ~~المفردات.......................................................... 268 # مناسبة ~~النزول........................................................... 269 # دعوة ~~إلهية.............................................................. 270 # صفات ~~المتقين........................................................... 270 # من وحي الآيات......................................................... 273 # الآيتان [137 ~~138]........................................................ 273 # معاني ~~المفردات.......................................................... 275 PageV06P486 # عبر التاريخ في أحداثه ~~وظواهره............................................. 276 # نظام كوني ~~إلهي.......................................................... 277 # الآيات 139 ~~143]......................................................... 279 # معاني ~~المفردات.......................................................... 279 # مناسبة ~~النزول........................................................... 281 # وقفة نقد ~~وتقويم......................................................... 282 # أسلوب قرآني ~~مميز........................................................ 284 # الجنة ليست منحة مجانية ~~للكسالي......................................... 287 # الآية ~~[144]................................................................ 290 # معاني ~~المفردات.......................................................... 290 # مناسبة ~~النزول........................................................... 291 # الرسالة أصل والقيادات ~~حملتها............................................. 293 # الارتباط بالرسالة لا ~~بالشخص............................................ 294 # رفض الاستغراق الذاتي في الشخصية ~~القيادية................................ 296 # الآيات [145 ~~148]........................................................ 298 # معاني ~~المفردات.......................................................... 298 # الإنسان يحدد مصيره من خلال عمله...................................... 299 # دروس من الماضي........................................................ 300 # ما معني حب ~~الله!؟...................................................... 301 # من هم ~~المحسنون!........................................................ 302 # للصابرين المحسنين ثواب الدنيا ~~والآخرة...................................... 303 # الآيات [149 ~~151]........................................................ 304 # معاني ~~المفردات.......................................................... 304 # مناسبة ~~النزول........................................................... 305 # تحذير من الاستسلام لأجواء ~~الهزيمة......................................... 306 # لا تطيعوا ~~الكافرين....................................................... 308 # السلطان والأمر ~~لله...................................................... 309 # دور الحالة النفسية في تثبيت ~~المواقف....................................... 310 # الآية ~~[152]................................................................ 313 PageV06P487 # معاني ~~المفردات.......................................................... 313 # مناسبة ~~النزول........................................................... 314 # معركة أحد: النصر أو الهزيمة ~~أخيرا......................................... 314 # من وحي ~~الآية........................................................... 316 # الآيتان [153 ~~154]........................................................ 317 # معاني ~~المفردات.......................................................... 317 ms1369 # مناسبة ~~النزول........................................................... 319 # من صور ~~المعركة.......................................................... 319 # الفئة المؤمنة تأخذ ~~دروسا.................................................. 321 # النموذج الفاشل والهموم ~~الذاتية............................................ 322 # مفهوم الابتلاء في ~~الإسلام................................................ 324 # الآية ~~[155]................................................................ 326 # معاني ~~المفردات.......................................................... 326 # علاقة المعصية ~~بالأخلاق.................................................. 326 # الله غفور ~~حليم.......................................................... 328 # الآيات [156 ~~158]........................................................ 331 # معاني ~~المفردات.......................................................... 331 # نداء إلهي تحذيرا للمؤمنين من الأساليب ~~الانهزامية............................ 332 # تأكيد الموقف بحقيقتين ~~إيمانيتين........................................... 335 # ماذا نستوحي من ~~الآيتين!................................................. 335 # الآية ~~[159]................................................................ 338 # معاني ~~المفردات.......................................................... 338 # بين أخلاق الرسول وأخلاق ~~الرسالة........................................ 339 # سر العظمة في أخلاق النبي صلي الله عليه وآله ~~وسلم........................ 341 # المسلمون وعفو الرسول ~~عنهم.............................................. 343 # وشاورهم في ~~الأمر....................................................... 343 # الآية وعلاقتها بالشوري في ~~الحكم.......................................... 344 # الآية ~~[160]................................................................ 349 # النصر من عند ~~الله...................................................... 349 PageV06P488 # قوة إلهية مطلقة ~~مهيمنة................................................... 350 # الآية ~~[161]................................................................ 351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 # مناسبة ~~النزول........................................................... 352 # عصمة النبي عن ~~الخيانة................................................... 354 # النبي ~~قدوة.............................................................. 356 # الآيتان [162 ~~163]........................................................ 357 # معاني ~~المفردات.......................................................... 357 # مناسبة ~~النزول........................................................... 358 # لا يتساوي الطائعون والعاصون في ميزان الحكم ~~الإلهي......................... 358 # الناس درجات عند ~~الله................................................... 359 # الآية ~~[164]................................................................ 361 # معاني ~~المفردات.......................................................... 361 # الرسول نعمة كبري للخير والخلاص........................................ 361 # إذ بعث فيهم رسولا..................................................... 363 # دور الرسول ~~البشر....................................................... 364 # الآيتان [165 ~~166]........................................................ 366 # معاني ~~المفردات.......................................................... 366 # أسلوب تربوي لتعميق ~~المفاهيم............................................. 367 # المصيبة من فعل ~~الإنسان.................................................. 368 # الآيتان [167 ~~168]........................................................ 370 # معاني ~~المفردات.......................................................... 370 # نموذج ~~منافق............................................................ 371 # تعرية الواقع ~~المنافق....................................................... 373 # الآيات [169 ~~171]........................................................ 377 # معاني ~~المفردات.......................................................... 377 # مناسبة ~~النزول........................................................... 378 # صورة الموت عند ~~الكافرين................................................. 380 # نظرة إسلامية ~~للشهادة.................................................... 381 PageV06P489 # الآيات [172 ~~175]........................................................ 384 # معاني ~~المفردات.......................................................... 384 # مناسبة ~~النزول........................................................... 386 # من صور الثبات الإسلامي................................................ 387 # القوة تكمن في الإيمان ~~الراسخ............................................. 389 # الجهاد حركة ~~للحياة...................................................... 392 # الآيات [176 ~~178]........................................................ 394 # معاني ~~المفردات.......................................................... 394 # لا تحزن علي ~~الكافرين.................................................... 395 # إرادة الله تتصل بإرادة الإنسان في ~~مسئولياته................................. 396 # العبرة في نهايات الأمور وعواقبها لا في ~~بداياتها................................ 398 # علي الداعية إخضاع انفعالاته للتفكير ~~العقلاني.............................. 399 # الآية ~~[179]................................................................ 402 # معاني ~~المفردات.......................................................... 402 # مناسبة ~~النزول........................................................... 402 # الإيمان في أجواء ~~المعاناة................................................... 404 # حكمة الله في كشف غيبه وكتمانه علي ~~المؤمنين............................. 404 # أجر التقوي عظيم....................................................... 405 # مسألة ms1370 الاطلاع علي الغيب............................................... 407 # بين الإيمان ~~والتقوي...................................................... 409 # الآية ~~[180]................................................................ 411 # معاني ~~المفردات.......................................................... 411 # مناسبة ~~النزول........................................................... 412 # لله ميراث السموات والإرض.............................................. 412 # مع رواية إبن عباس في تفسير ~~الآية......................................... 414 # علاقة الآية بتجسم ~~الأعمال.............................................. 416 # الآيتان [181 ~~182]........................................................ 417 # معاني ~~المفردات.......................................................... 417 # مناسبة ~~النزول........................................................... 418 PageV06P490 # مفهوم الغني ~~الخاطئ...................................................... 419 # قانون العدالة ~~الإلهية...................................................... 421 # الآية ~~[183]................................................................ 422 # معاني ~~المفردات.......................................................... 422 # مناسبة ~~النزول........................................................... 423 # تشكيك جاحد......................................................... 423 # قتل الرسل قبل محمد صلي الله عليه وآله ~~وسلم.............................. 425 # اليهود يثيرون الشبهات والشكوك في كل عصر.............................. 426 # الآية ~~[184]................................................................ 428 # معاني ~~المفردات.......................................................... 428 # التفاتة ~~قرآنية............................................................ 429 # الآية ~~[185]................................................................ 430 # معاني ~~المفردات.......................................................... 430 # كل نفس ذائقة الموت.................................................... 431 # لم الحياة الدنيا متاع ~~الغرور!؟.............................................. 433 # الآية ~~[186]................................................................ 435 # معاني ~~المفردات.......................................................... 435 # مناسبة ~~النزول........................................................... 436 # الإيمان موقف يتخذه المؤمن في مواجهة ~~التحديات............................ 438 # تمثل الصبر والتقوي ~~عمليا................................................. 439 # الآية ~~[187]................................................................ 441 # معاني ~~المفردات.......................................................... 441 # أخذ الله ميثاق أهل ~~الكتاب.............................................. 441 # العلم أمانة ~~الله.......................................................... 443 # الآيتان [188 ~~189]........................................................ 446 # معاني ~~المفردات.......................................................... 446 # مناسبة ~~النزول........................................................... 446 # الفرح ~~الوهمي............................................................ 447 # القرآن يعري ~~المنافقين..................................................... 448 PageV06P491 # الآيات [190 ~~195]........................................................ 451 # معاني ~~المفردات.......................................................... 452 # مناسبة ~~النزول........................................................... 453 # العقل هو المنهج الأصيل لاكتشاف الحقيقة ~~الإلهية............................ 454 # دعاء المؤمنين وابتهالهم إلي ~~الله............................................. 457 # جزاء العمل ~~الصالح...................................................... 458 # ماذا نستوحي من هذه الآيات!............................................ 458 # الآيات [196 ~~198]........................................................ 461 # معاني ~~المفردات.......................................................... 461 # الضعف طبيعة بشرية والقوة المطلقة لله ~~وحده................................ 462 # صورة الكافرين في ~~القرآن.................................................. 464 # صورة المؤمنين في ~~القرآن................................................... 465 # الآية ~~[199]................................................................ 467 # معاني ~~المفردات.......................................................... 467 # مناسبة ~~النزول........................................................... 467 # تحري جوانب الخير في أهل الكتاب........................................ 469 # التغيير يبدأ من ~~الداخل................................................... 470 # الآية ~~[200]................................................................ 473 # النداء الأخير في ~~السورة................................................... 473 # 1 الصبر.............................................................. 474 # 2 ~~المصابرة............................................................. 474 # 3 ~~المرابطة.............................................................. 475 # 4 التقوي.............................................................. 476 # لعلكم تفلحون.......................................................... 476 # * * * PageV06P492 ![](https://books.rafed.net/Books/3268_tafsir-men-wahi-alquran-07/images/image001.gif) PageV07P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3268_tafsir-men-wahi-alquran-07/images/image002.gif) PageV07P003 ### | سورة النساء ### ||| * مدنية ### ||| * وآاتها مئة وست وسبعون PageV07P005 ### ||| ** سبب التسمية # سميت هذه السورة ب «سورة النساء» ، لا لاشتمالها على كثير من المفاهيم ~~والأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء ، التي توضح النظرة الإسلامية للمرأة ، ~~من حيث اعتبارها أحد العنصرين اللذين انطلقت منهما حركة الإنسان في الحياة ~~، ومن جهة مساواتها ms1371 للرجل في القضايا المرتبطة بالجانب الإنساني في شخصيتها ~~وفي مسئوليتها المستقلة ، من حيث إنها كائن قانوني مستقبل ، لا ولاية لأحد ~~عليها في طبيعة التكليف وفي سعة المسؤولية ، فلا حق لأحد بقهرها على ما لا ~~تريده ، ولا مجال للانتقاص من شخصيتها الحقوقية في ما تملكه من مال. كما ~~أوضحت هذه السورة حدود العلاقة الزوجية وقيمتها وتفاصيلها ، على أساس من ~~كرامة المرأة والرجل ومصلحتهما في سلامة العلاقة وحيويتها ، انطلاقا من ~~الطبيعة الخاصة لكل منهما ، بما يمثله من خصائص جسدية ، وما ينتظره من دور ~~فاعل ينسجم مع هذه الخصائص ، من دون انتقاص من الشخصية العامة التي يلتقي ~~فيها الاثنان في الجانب الإنساني. # وربما كان الحديث عن الإرث في هذه السورة ، بالطريقة التفصيلية PageV07P007 # التي جعلت لكل علاقة نسبية أو زوجية حقا خاصا في التركة ، متصلا بالنساء ~~، على أساس ما يمثله من تأكيد لشخصيتها المستقلة التي لم يهملها الإسلام ، ~~كما أهملها التشريع الجاهلي الذي اعتبرها سلعة تورث وتنتقل إلى الرجل ، مع ~~ما ينتقل إليه من أصناف المتاع ، بدلا من جعلها إنسانا يرث من موقع حقه في ~~الحياة ودوره المميز ، في ما يتميز به الناس من أدوار. # أما قصة اعتبار حصة الرجل أكبر من حصة المرأة ، فلذلك حديث مفصل ، سنعرف ~~منه أن ذلك لا ينطلق من الانتقاص من كرامة المرأة ، بل ينطلق من عملية ~~توزيع المسؤوليات التي جعل الإسلام القسم الأكبر منها على الرجل ، مما يفرض ~~من موقع العدالة أن يكون السهم الأوفر له في الإرث. # * * * ### ||| ** القرآن يتحدث عن النساء في أكثر من سورة # ولم يقتصر الحديث عن النساء على هذه السورة فحسب ، فقد سبق والتقينا به ~~في سورة البقرة ، وسنلتقي به مجددا في سورة المائدة والنور والأحزاب ~~والمجادلة والممتحنة والتحريم والطلاق. وقد عالجت هذه السورة الكثير من ~~القضايا المتصلة بالشخصية الإنسانية والقانونية للمرأة ، وتحدثت عن الحقوق ~~والواجبات الزوجية المتبادلة بين المرأة والرجل ، والذي يظهر منه جليا بأن ~~الإسلام ينظر إلى المرأة ككائن إنساني مستقل في رأيه ، وفي تصرفاته ، وفي ~~إيمانه ؛ فلا سلطة لأحد عليها ، إلا ms1372 في ما تتنازل هي عنه من ذلك. # * * * PageV07P008 ### ||| ** المفهوم الإسلامي عن المرأة في النظرة والتشريع # ومن خلال ذلك كله ، يمكن إبراز المرتكزات والمبادئ الفكرية التي ينهض ~~عليها التشريع الإسلامي الخاص بالإنسان عموما وبالمرأة تحديدا ، فهناك ~~الأحكام العامة المرتكزة على البعد الإنساني في الواحد ، والمندرجة في إطار ~~المسؤولية العامة ، للرجل والمرأة ، كتلك الخاصة بقضايا الكفر والإيمان ~~والأخلاق والمعاملات المالية والعلاقات الحياتية ، وجوانب التربية والسياسة ~~، وبذلك كانت حركة المسؤولية ممتدة في شخصية المرأة وحياتها في جانبيها ~~الإيجابي والسلبي كما هي ممتدة في حياة الرجل في كلا الجانبين ، بحيث لا ~~يلاحظ الإنسان فرقا في طبيعتها ، وإن كان هناك اختلاف في التفاصيل ~~والمفردات. وفي هذا الإطار ، تحدث القرآن الكريم عن الثواب الذي ينتظر ~~المؤمنين والمؤمنات على حد سواء في الآخرة ، وعن العقاب الذي ينتظر ~~الكافرين والكافرات ، والزانين والزانيات ، والسارقين والسارقات ، في ~~الدنيا والآخرة ، من دون تفريق بين الرجل والمرأة في خصوصيات العقاب ~~والثواب ، مما يعني اشتراكهما في المسؤولية العامة المرتكزة على اشتراكهما ~~في النوع الإنساني. # ثم انطلق الإسلام من موقع خصوصية الذكورة والأنوثة ، فجعل الأحكام الخاصة ~~التي تتناول توزيع المسؤوليات في مفردات الحياة ، بحسب الدور الذي أعده ~~الله لكل منهما ، سواء في مواقعهما داخل الحياة الزوجية ، أو في مواقع ~~الحياة الأخرى ؛ في إطار الحكم والقضاء والشهادة ، وغير ذلك من الأمور التي ~~سنعرض لها في ما ينتظرنا من حديث التفسير في الآيات الآتية ، فنتعرف من ~~خلال ذلك كيف حدد الإسلام الدور ، وكيف وزع المسؤوليات. PageV07P009 # وتشكل هذه النظرة التشريعية المتوازنة للحياة ، الأرضية التي تحكم أحكام ~~الإسلام العامة والخاصة. فالإسلام ، في كل تجلياته العقيدية والأخلاقية ~~والحقوقية ، إنما يحاكي الطبيعة الحقيقة للإنسان ، ولا يسعى للابتعاد عن ~~هذا الموقع ؛ الأمر الذي يجعل الإنسان لصيقا بواقعه الإنساني كما هو وكما ~~ينبغي أن يكون عليه ، وهذا من شأنه أن يجعل الأحكام أحكاما سمحة منيرة في ~~متناول الإمكان العملي ، لا أحكاما تضغط على حياة الإنسان بحيث تحولها إلى ~~عبء ثقيل لا يطاق ، بما ينحرف به عن المسار الحقيقي والواقعي الذي ينبغي ~~له. ولذلك ms1373 لم يطرح الإسلام المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في مفردات ~~المسؤولية ، بل ساوى بينهما في المواقع العامة للإنسانية ، وفرق بينهما في ~~خصائصها. وهكذا أراد للإنسانية الاستفادة ، في نموها وثقافتها وحقيقتها ، ~~من موقع التقاء الرجل والمرأة ، كما تستفيد من موقع اختلافهما. # ولعل التجربة الفاشلة ، في الماضي والحاضر ، من خلال ما أعطاه الإنسان ، ~~في مفاهيمه وتشريعاته ، للمرأة ، تدل دلالة واضحة على صحة النظرة الإسلامية ~~الواقعية ، لأن كلتا التجربتين دللتا من موقعين مختلفين على أن النظرة ~~الواحدة من زاوية ضيقة لا تحل المشكلة ، بل تخلق مشكلة جديدة. ففي التجربة ~~الماضية كان التركيز على الفواصل التي تفصل بين الرجل والمرأة ، مع التأكيد ~~على إثارة النقاط السلبية لدى المرأة بشكل غير واقعي. أما النقاط التي ~~يلتقيان فيها في موقع الإنسانية ، فقد حاولت الابتعاد عنها كثيرا. وكان ~~الحديث يدور لدى بعض الفلاسفة ، حول ما إذا كانت المرأة ذات روح أو لا؟! ~~وكان عقلها موضع شك ، وإنسانيتها ، في عمق القيمة ، موضع إهمال ؛ فلم ينظر ~~إليها من موقع التكامل الذاتي الذي يجمع الروح والعقل في الإطار الإنساني ، ~~بل كل ما هناك ، أنهم نظروا إليها كأنثى ، كأداة للمتعة فحسب. ولما كان هذا ~~الجانب من شخصيتها يوحي بالعار ، في PageV07P010 # ما يعيشه الناس من قيم متخلفة ، كان الموقف منها موقفا سلبيا ، يتمثل ~~بالأسى والألم والشعور بالمنقصة ، كما حدثنا القرآن عن ذلك في قوله تعالى : # ( @QUR@028 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون ) [النحل : 58 59]. # وفي هذا الجو عاشت المرأة على هامش الحياة ، كما تعيش الكميات المهملة ~~التي ليس لها قيمة بذاتها ، بل بما هي حالة تابعة للرجل ، كأي متاع من ~~أمتعة البيت لا حس له ولا روح ، وبذلك فقدت الفرصة في تنمية طاقتها ~~وتوجيهها لما ينفع الحياة والإنسان. # أما التجربة الحديثة ، فقد حاولت أن تماهي بالمطلق بين الرجل والمرأة من ~~خلال فكرة المساواة ، التي حصرت همها بالإطار الإنساني العام الجامع للمرأة ms1374 ~~والرجل ، من دون التفات إلى الجوانب الخاصة المميزة لكل منهما ، مما أبعدها ~~، أيضا ، عن مبدأ التوازن. فالنظرة المعاصرة نهضت على مفهوم المساواة بينها ~~وبين الرجل ، على ضوء فكرة الحريات ؛ فقالوا بأن المرأة إنسانة مستعبدة ~~ومقهورة ومظلومة في البيت وفي العمل وفي علاقات الحياة ، فلا بد لها من أن ~~تأخذ حريتها ، كجزء من حركة الحرية في حياة الإنسان ، لكي تفجر طاقاتها في ~~بناء الحياة والإنسان. ومن الواضح ، أن هذه النظرة هي بمثابة رد فعل على ~~الواقع القاسي الذي كانت تعاني منه المرأة ، وهي كأي رد فعل ، تفتقد ~~الاتزان والهدوء ، فكان أن منحت المرأة الحرية في كل مجال ، وطالبت لها ~~بالمساواة في كل شيء ، وبدأ السير في اتجاه الخطأ من هذا الموقع ، الذي ~~ساهم في إلغاء خصوصية كل من الرجل والمرأة ، فأبعد كلا منهما عن أن يكون ~~إنسانا من نوع خاص ، لتتكامل الإنسانية ، في نموذجها الإنساني ، في جوانب ~~اللقاء وفي جوانب الافتراق ؛ فانطلقت المرأة في محاولة الاسترجال ، وانطلق ~~الرجل في محاولات التأنث أو التخنث ، PageV07P011 # فباتت المرأة غريبة عن نفسها ، وبات الرجل غريبا عن نفسه أيضا. # وقد لا يستطيع الإنسان الإنكار أن هناك عبقريات نسائية استطاعت فرض نفسها ~~في كثير من مجالات المعرفة والتحرك ، وأن للمرأة طاقات يمكن أن تبدع فيها ~~في أكثر من موقع ؛ ولكن ذلك لا يمنع من بقاء حالة فراغ في داخل المرأة وفي ~~داخل الرجل ، أبقت المشكلة قائمة في مجال الحرية والمساواة. ولا نزال نسمع ~~الأصوات التي تنطلق بين حين وآخر ، من قبل مجموعات كبيرة من النساء ، في ~~أكثر من بلد ، للعودة إلى الأجواء العائلية المنزلية الحميمة التي فقدتها ~~المرأة بفعل صرعة المساواة ، مما يدل على أن التطور الجديد لم يحل مشكلة ~~للمرأة ، إلا بخلق مشكلة أخرى. أما الإسلام فقد أراد للمرأة أن تكون ~~الإنسان المرأة ، إلا كما أراد للرجل أن يكون الإنسان الرجل ، من خلال ~~النظرة الواقعية التي تجمع بين الخصوصية والشمول. # * * * ### ||| ** كيف نفهم موقف التشريع من شهادة المرأة؟ # وقد يثأر في هذا المجال أن الإسلام ينظر إلى ms1375 المرأة بشيء من المهانة ، ~~مما يوحي ببعض النقص في شخصيتها ، كما يلاحظ ذلك في ما يؤكد التشريع من نقص ~~اتزان في الفكر ، في مقابل الامتلاء العاطفي ، وذلك في التشريع المتمثل ~~باعتبار شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد. # ولكن ذلك في ما نفهمه لا يعني نقصا ذاتيا في المستوى العقلي لها ، بل كل ~~ما يعنيه هو الاحتياط للعدالة ، في ما قد تدفع إليه العاطفة من الانسياق ~~وراء الأوضاع المأساوية والعاطفية ، الأمر الذي يؤدي إلى الإخلال بتوازن ~~موقفها مما من شأنه أن ينعكس سلبا على صدقية شهادتها. وهذا ما PageV07P012 # أشار إليه القرآن الكريم في الآية التي عرضت للشهادة في قوله تعالى : ( ~~@QUR@0129 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ~~وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا ~~تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) ~~[البقرة : 282]. فنلاحظ أنه لم يعلل الموضوع بالنقص الذاتي للمرأة من ناحية ~~التفكير ، بل علله بإمكانية سقوطها تحت تأثير العاطفة التي عبر عنها ~~بالضلال وهو الابتعاد عن الخط المستقيم. وما يؤكد هذه الملاحظة ، أن القرآن ~~اعتبر المرأة هي التي تذكر وتهدي ، مما يدل على أن المرأة إذا ضلت ، في بعض ~~مواقفها ، فإن هناك امرأة أخرى تتدخل لتهديها إلى سواء السبيل. # * * * ### ||| ** الضعف ليس قدر المرأة الحتمي # يبدو لنا ونحن نناقش هذا الجانب العاطفي للمرأة ms1376 ، أن العاطفة ليست قدرا ~~لازما لها وضريبة مفروضة عليها ، بل هي إحدى نقاط الضعف البارزة في شخصيتها ~~، تماما ككل نقاط الضعف الأخرى الموجودة لدى المرأة والرجل ، مما نلاحظ في ~~الآيات التي تؤكد على ضعف الإنسان وعجلته في الأمور ، وانحرافه أمام ذلك ~~كله ، مما دعا القرآن إلى توجيه النداءات PageV07P013 # المتنوعة الداعية إلى العمل على خلق حالة توازن عاطفي داخل النفس ، كشرط ~~مساعد على تحقيق العدالة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@015 إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) ~~[النساء : 58] ؛ ( @QUR@027 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) [الأنعام : 152] ؛ ( @QUR@028 يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ~~إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) ~~[النساء : 135] ؛ ( @QUR@018 ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) [المائدة : 8] فهذه ~~النداءات موجهة للرجل والمرأة معا ، ليعملا على تركيز شخصيتهما على أساس ~~التوازن العاطفي المعين على إقرار العدالة في الحكم والشهادة والموقف ، ~~وذلك عن طريق المحاسبة والمراقبة والمجاهدة. # وما تقدم يعني ضمنا ، أن بإمكان المرأة تجاوز نقاط ضعفها العاطفية في ~~شخصيتها وتحويلها إلى نقاط قوة. وقد تبلغ في هذا المجال مستوى أعلى من ~~مستوى الرجل ، تبعا للجهد المبذول في قوة المعاناة والمجاهدة من قبلها ، ~~بينما لا يعمل الرجل على تركيز ما لديه من إمكانيات وقابليات وتطويرها ~~وتقويتها ، مما يجعله أكثر قابلية لحالات ضعف متلاحقة جديدة ، في الوقت ~~الذي تعمل المرأة على تفجير طاقاتها في اتجاه القوة. # * * * ### ||| ** القران يضرب المثل بالمرأة القوية # وقد حدثنا القران الكريم عن نموذج المرأة القوية ، التي استطاعت الثبات ~~أمام ضغوط وسطها الاجتماعي من دون ضعف ، في حديثه عن PageV07P014 # مريم ابنة عمران التي استسلمت ، في البداية ، لنقطة ضعف أنثوية ، في ما ~~عبر عنه الله بقوله حكاية عنها ms1377 ( @QUR@09 قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا ) [مريم : 23] ، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها وتماسك موقفها ، ~~بعد أن فتح الله أمامها أبواب الأمل والطمأنينة ، المتمثلة بحدث الولادة ~~المبارك ، ودعاها إلى الاعتصام به والثبوت أمام هجمات مجتمعها المتهمة لها ~~بالسوء ، والصوم عن الكلام تأكيدا للرفض المترفع عن دناءة التهمة ، والثقة ~~المطلقة بأنها تملك من قوة البراءة ما يجعلها فوق مستوى الاتهام. واجهت ~~قومها ، الذين جاؤوا يلعنونها ويشتمونها ويتهمونها بأبشع الاتهامات ، بكل ~~قوة وترفع ، من دون أن تنطق بكلمة ، وأشارت إلى المولود ليجيبهم عن ~~تشكيكاتهم واتهاماتهم غير مكترثة باستغرابهم ، لأنها كانت محصنة بقوة ~~الإيمان. # وثمة حديث قرآني آخر عن امرأة فرعون ، التي تجسدت في شخصيتها قوة الإرادة ~~المتحدية لإغراءات سلطة المال والجاه والسلطان فواجهت الواقع الصعب الملفوف ~~بأجواء الكفر ، والمحفوف بالآلام والأشواك ، مستعينة بالله أولا وبوعده ~~الخاص المتمثل بفيض رضوانه الأكبر أي الجنة ، غارفة من هذا كله ، القوة ~~والعون والصبر. # ( @QUR@024 وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ) ~~[التحريم : 11]. ونلاحظ أن الله أراد ضرب امرأة فرعون مثلا للذين آمنوا ~~رجالا كانوا أو نساء ؛ مما يوحي بأن المرأة الصالحة القوية تمثل دور القدوة ~~للرجال والنساء معا. وهذا من أكبر الشواهد على احترام الإسلام للمرأة ~~وتكريمه لها ، بالمستوى الذي يدعو الرجال المؤمنين إلى الاقتداء بها في هذا ~~التجسيد الحي للإيمان الرافض لكل المتع والإغراءات في أجواء السلطة ، ولكل PageV07P015 # الرموز والأعمال المتمثلة في أصحابها. # ومن هنا ، كان الوحي القرآني ، يؤكد للمرأة قدرتها على الانتصار على ~~نوازع الضعف الإنساني الأنثوي بالتربية والوعي والممارسة ، في المستويات ~~التي تساوي فيها الرجل أو تتفوق عليه. وبهذا يبطل التصور الذي يتصوره بعض ~~الرجال بأنهم أعظم قدرا من المرأة ، أية امرأة كانت ، فينظرون إليها نظرة ~~متعالية على أساس التفوق النوعي. إن القرآن يوحي بخطإ هذه النظرة ، لأن بعض ~~النساء قد تكون أعظم من بعض الرجال بعقلها الغني بالتجربة ، وإرادتها ~~الصلبة في مواقع المعاناة. # * * * ### ||| ** لماذا ms1378 هذا التأكيد على الضعف في التشريع؟ # ويثار هنا سؤال : # إذا كان الضعف الإنساني ظاهرة بشرية عامة ، وإذا كان الانتصار عليه في ~~متناول الجميع ، فلما ذا هذا التأكيد على ضعف المرأة ، في نطاق الاحتياط ~~للعدالة ، من دون الرجل ، أليس هذا تفريقا في مواقع المساواة؟ وما المانع ~~للمرأة من أن تكون قاضية أو شاهدة مستقلة ، إذا كانت صاحبة إرادة قوية وعقل منفتح؟ # ونجيب عن ذلك : بأن الإسلام لم يفرق بين المرأة والرجل في تصديه لمناطق ~~ضعفهما المشتركة ، فأوجب لكل منهما شروطا من العدالة والإيمان ، ليحجزهما ~~بها عن الانحراف. ولكن الجانب العاطفي لدى المرأة أقوى مما لدى الرجل ، لما ~~اقتضته طبيعة الأنوثة والأمومة من النوازع العاطفية التي تغذي العلاقة ~~الزوجية وعلاقة الأمومة بالأولاد. ولما كان هذا الجانب داخلا PageV07P016 # في التكوين الذاتي للمرأة ، كان من الاحتياط للعدالة دعوة المرأة إلى ~~الابتعاد عن هذه التجربة الصعبة ، التي قد توقعها وتوقع المجتمع في ~~السلبيات الكثيرة ، في ما قد تسقط فيه تحت تأثير العاطفة بعيدا عن خط العدل ~~، من دون انتقاص لكرامتها الإنسانية ، لأن قضية الكرامة لا تكون في منح ~~الإنسان كل الأدوار التي يريدها لنفسه ، بل تتمثل في منحه الدور المتناسب ~~وإمكاناته ومصالحه في الحياة. # وفي نهاية المطاف ، ربما يكون في هذا الحديث بعض الإجمال في ما يحتاج إلى ~~التفاصيل ، ولكننا لا نريد الخوض في الموضوع من جميع جهاته وجزئياته ، بل ~~كل ما نريده هو إعطاء بعض ملامح الفكرة العامة ، لنتابع التفاصيل والجزئيات ~~في تفسير الآيات مع لحظ الجوانب المتنوعة في آفاق القرآن الكريم. # * * * # وقد تعرضت السورة لمواضيع متعددة يجمعها غرض واحد يتمثل في تنظيم. واقع ~~الإنسان ، وفق خط التقوى ، والبعد عن الانحراف عن طريق الإيمان ، والارتكاز ~~على القواعد الأصلية في مصادر العقيدة والشريعة ، وعدم الاستسلام للأهواء ~~في ذلك ، وتنظيم الأسرة في علاقاتها الإنسانية المحللة والمحرمة ، والمال ~~في حدود الحلال والحرام ، ونظام الإرث كوسيلة عملية من وسائل توزيع الثروة ~~وعدم تجميعها في يد شخص واحد ، وتخطيط الأسس التي تقوم عليها الجماعة ~~الإسلامية ، وتوجيه المؤمنين الى أن ms1379 يتحملوا مسئوليتهم في الدعوة الى الله ~~ومواجهة أعداء الله ، والوقوف أمام كل التحديات الفكرية العملية ، في ما ~~تثيره القوى المضادة في وجه الإسلام والمسلمين من أكاذيب وافتراءات وشبهات ~~، من أجل أن يعيش الإسلام في PageV07P017 # الحدود الآمنة التي يرعاها المؤمنون بكل قوتهم وامتدادتهم في الحياة. ~~وهذا ما نرجو أن يوفقنا الله لتفصيله في تفسيرنا للآيات البينات التي تؤلف ~~مجموع هذه السورة. # * * * PageV07P018 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@029 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا ) (1) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زوجها ): يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في ~~الحيوانات المتزاوجة زوج ، ولكل قرينين فيها وفي غيرها زوج ، كالخف والنعل ~~، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا زوج كما جاء في مفردات الراغب (1). # ( @QUR@01 وبث ): أصل البث : التفريق وإثارة الشيء ، كبث الريح التراب ، ~~وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والسر ، يقال بثتته فانبث ، ومنه قوله ~~عز وجل : ( @QUR@03 فكانت هباء منبثا ) [الواقعة : 6] ، وقوله عز وجل : ( ~~@QUR@05 وبث فيها من كل دابة ) [البقرة : 164] ، إشارة إلى إيجاده تعالى ما ~~لم يكن موجودا وإظهاره إياه ، ومنه الآية المذكورة. PageV07P019 # ( @QUR@01 والأرحام ): الأقرباء ، والرحم في الأصل : رحم المرأة ، ثم ~~أستعير للقرابة بعلاقة الظرف والمظروف لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من ~~رحم واحدة. # ( @QUR@01 رقيبا ): جاء في مفردات الراغب : رقبته حفظته ، والرقيب ~~الحافظ ، وذلك إما لمراعاته رقبة المحفوظ وإما لرفعه رقبته (1). # * * * ### ||| ** اختلاف النداء القرآني بين ( @QUR@03 يا أيها الناس ) و ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) # تبدأ السورة ( @QUR@03 يا أيها الناس ) في نداء إلهي الانخراط في سير ~~تقواه تعالى. وذلك انطلاقا من كونه هو خالقهم ( @QUR@03 من نفس واحدة )، ~~تؤكد على وحدة نوعهم ومصدرهم ، وبالتالي على وحدة سيرهم المشترك «نحو الله ~~تعالى» ، الأمر الذي يفرض عليهم الانخراط في خط تقواه تعالى ، لما تقتضيه ~~الحاجة العميقة للمخلوق بالخالق ، في كل مجالات الحياة الروحية وغير ~~الروحية. ولعل التدقيق في هذا الجانب يؤدي الى الانفتاح على آفاق جديدة من ms1380 ~~خصائص الوحدة في هذا التنوع الإنساني ، وروعة العظمة في هذا التلاؤم بين ~~الوحدة والتنوع ، في ما يوحيه من وحدة الشعور وحيوية العلاقات الإنسانية ، ~~التي يريد القرآن تركيزها على الأسس الروحية المرتبطة بالله دائما ، ~~باعتباره القوة التي تجمعهم في ما اختلفوا فيه. PageV07P020 # ومن الممكن أن يكون هذا المعنى ، هو الذي أوجب اختلاف النداءات ، فهناك ~~النداء الذي يبدأ بكلمة ( @QUR@03 يا أيها الناس )، والنداء الذي يبدأ ~~بكلمة ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) في ما يريده القرآن من الدعوة الى ~~التقوى. فإن هناك أسلوبا يعمل على تحريك النفس الإنسانية على مشاعر الإيمان ~~والتقوى في جانبها الإنساني ، ويقابل ذلك في اتجاه المؤمنين ، أسلوب آخر ~~يخاطب به المؤمنين لاستثارة إيمانهم ، وتحويله إلى قوة فاعلة حية لا تتجمد ~~في المشاعر ، ولا تغيب في أجواء التجريد ؛ للتأكيد على تزاوج الإيمان ~~والعمل في علاقة الإيمان بالفكر والشعور بالعمل في خط الحركة. وفي هذا الجو ~~يستطيع الداعية المسلم أن يفرق في أسلوبه العملي الذي يريد من خلاله ~~استثارة الآخرين بطريقة النداء ، بين ما يرتبط بالجانب الإنساني الذي يخاطب ~~به جميع الناس ، وبين ما يرتبط بالجانب الإيماني الذي يخاطب به المؤمنين ؛ ~~فلا يخلط بينهما ، حين يفرض فيه التفريق ؛ لأن لذلك دخلا كبيرا في واقعية ~~الأسلوب ومرونته وفاعليته. وربما كان من المفيد في هذا المجال أن لا يشعر ~~بالحرج ، إذا احتاج إلى تجاوز صفة الإيمان في خطابه ، والتأكيد على الصفة ~~الإنسانية ، تبعا لاختلاف المواقف والأشخاص ، لأن ذلك لا يعني إغفالها ، بل ~~يعمل على إغنائها بعنصر إيجابي جديد. # * * * ### ||| ** مدلول التقوى في التربية الإسلامية # ( @QUR@05 يا أيها الناس اتقوا ربكم ) التقوى هي الدعوة التي يدعو الله ~~إليها عباده في أغلب الآيات ، لممارستها كأسلوب تربوي في نطاق العمل ~~الإنساني من خلال مراقبة الله والإحساس العميق بوجوده. والفرق كبير بين أن ~~تقول لإنسان ما : اعمل كذا ، وبين أن تدعوه إلى العمل تحت شعار التقوى. PageV07P021 # فالأسلوب الثاني يربط العمل بالله في دوافعه وخطواته ونتائجه ، في حين لا ~~يمثل الأسلوب الأول إلا التأكيد على طبيعة العمل ؛ مما لا يحقق للإنسان ms1381 ~~عمقا وحبا للعمل ، بينما يتحقق ذلك من خلال الفاعلية الروحية للتقوى في ~~الحياة. وهذا ما يستهدفه الإسلام في تخطيطه لبناء الشخصية الإسلامية ، في ~~تشريعه الذي يريد أن يجعل من التزام الإنسان بأحكام الله ، حركة يومية تجدد ~~في داخله الإحساس الدائم بحضور الله ومسئوليته في إطاعة أوامره ونواهيه ، ~~لئلا يكون هناك خلل في داخل الشخصية بين طبيعة الإيمان والعمل ، بل على ~~العكس من ذلك ، يقوم كل منهما لدعم الآخر. # هذا ما يجب أن يركزه في أسلوب التربية للمؤمنين ، لا سيما العاملين منهم ~~، من أجل الابتعاد عن الجفاف الروحي الذي قد يعانيه المؤمن من جراء التأكيد ~~على جانب العمل بعيدا عن روحية التقوى. وقد يكون لذلك قيمة أخرى تربوية ، ~~وهي الحفاظ على حيوية الكلمات القرآنية وتحريكها في حياة الناس ، وتحويلها ~~إلى طاقة فاعلة تمد الإنسان بالتجدد والحركة ، وإبعادها عن المفاهيم الضيقة ~~التي ربما تختزنها في الممارسات المتخلفة ، التي يمارسها المؤمنون في بعض ~~مواقع التخلف ومراحله ، كما حدث لكلمة «التقوى» التي أخذت معنى تقليديا ~~يجعلها من الكلمات المحبوسة في نطاق الأعمال العبادية والأخلاق الفردية ، ~~بعيدا عن حياة الناس العامة. وفي هذا الإطار التربوي ، تبقى الكلمات علامة ~~على الشخصية الإسلامية ورمزا من رموزها ، في حركة تأثر وتأثير في الواقع ~~الداخلي والخارجي للإنسان. # * * * # والتقوى في ما نفهمه هي الإسلام بمعناه الحي المتحرك. فقد يمكن لقائل أن ~~يقول : إنها التلخيص العملي لكلمة الإسلام ، لأنها تشمل الجانب الفكري الذي ~~يمثل العمق الداخلي ، والجانب العملي الذي يمثل PageV07P022 # الحركة الخارجية له ؛ وذلك بأن تنطلق في فكرك وعملك وعاطفتك وعلاقتك ~~وتعاملك مع الآخرين ، من خلال رضا الله في أمره ونهيه في عملية التزام ~~وانضباط ؛ «فلا يفقدك الله حيث أمرك ، ولا يجدك حيث نهاك» ؛ وأن تملك ~~إرادتك في مواقع حركة المبادئ في الحياة ، بين يدي ربك ، فلا تسقط ~~التزاماتك أمام ضغط شهواتك ومطامعك. # وقد يكون في اختيار كلمة «ربكم» بدلا من كلمة «الله» ما توحيه الكلمة ~~الأولى من معنى التربية ، التي تجعل من التقوى وجها من وجوه التربية ، ~~يلتقي فيه الإنسان ms1382 بالله من موقع النمو العملي للشخصية ، وما يستتبعه ذلك ~~من التركيز على نوعية العلاقة بين الإنسان وربه ؛ فليست هي مجرد صلة تنتهي ~~بانتهاء عملية الخلق ، بل هي علاقة متصلة بوجود الإنسان في نموه الجسدي ~~والعقلي والروحي والعملي. فإذا انسجم الإنسان مع ذلك ، من خلال ما أودعه ~~الله من عقل وأرسله إليه من وحي ، انطلقت التربية في نطاقها الطبيعي. أما ~~إذا تمرد ، وانطلق مع شهواته ، وترك نداء العقل ؛ كانت النداءات الإلهية في ~~أجواء الترغيب والترهيب له بالمرصاد ، يقربه من الجنة وتبعده عن النار ؛ ~~وكانت الاختيارات بالابتلاءات والصدمات تنتظره في كل مجال ، لترجعه الى ~~عقله وربه. # * * * ### ||| ** ما معنى النفس الواحدة؟ # ( @QUR@05 الذي خلقكم من نفس واحدة ) هذه هي الصفة التي يثيرها القرآن ~~أمام التصور الإنساني ، ليتصوره من موقع ارتباطه الوثيق به في عملية الوجود ~~، مما يجعله يعيش الشعور بالله ، في كل نبضة من نبضات قلبه ، وفي كل خلجة ~~من خلجات مشاعره ، وفي كل حركة من حركات جسمه ، وفي كل PageV07P023 # مظهر للحياة ، فيمتلئ إحساسا بالله ، كلما تعاظم إحساسه بالحياة ، حيث ~~يجد الله في ذلك كله ، لأنها وجدت به ومنه ، واستمرت من خلاله ، وتستمر ~~بقدرته. # ولكن كيف كانت هذه النفس الواحدة؟ ربما يلوح من بعض المفسرين أن ذلك ~~إشارة إلى الحقيقة الواحدة التي تتمثل في الذكر والأنثى ، لأن الله حين ~~خلقها أبدعها على أساس الزوجية ، فليس هناك حسبما تدل عليه الآية حديث عن ~~آدم في ما يمثله كشخص ووجود عيني. وقد لا يكون هذا بعيدا عن جو الآية ، ~~ولكن قد يبتعد عن ظاهرها اللفظي ، فإن الظاهر أن الحديث لم يكن عن طبيعة ~~الوجود الإنساني ، بل هو عن بدايته وطريقة استمراره ؛ فهناك مخلوق أول ، ~~خلقه الله في البداية كجسد ، وأودع فيه روحا من روحه. وفي هذا الجو كانت ~~الزوجية طبيعة ذاتية في هذا المخلوق ، ولا بد أن تكون الإشارة في هذا الى ~~آدم وحواء ، على أساس أنهما خلق الله المباشر الذي كان القاعدة الأولى التي ~~انطلق منها التكاثر ؛ وهو ما توحيه فقرة ( @QUR@08 وخلق منها زوجها وبث ms1383 ~~منهما رجالا كثيرا ونساء )؛ فإن القضية لو كانت كما ذكره ذلك البعض ، لما ~~كان هناك مكان لهذه الفقرة التي تتحدث عن عملية التكاثر من موقع الوحدة. # ( @QUR@03 وخلق منها زوجها ) كيف نتصور عملية الخلق هذه؟ # جاء في بعض الآثار المروية ، أن حواء خلقت من ضلع آدم ، ويدخل البعض في ~~حساب أضلع المرأة وأضلع الرجل ، بعد أن أكد البعض الفكرة بهذه الآية ، على ~~أساس أن المراد من كلمة (زوجها) حواء ؛ ويذهب آخرون إلى أن كلمة الزوج لا ~~يراد منها ذلك ، لأنها تطلق على الذكر والأنثى ، فيقال : فلان زوج فلانة ، ~~كما يقال : فلانة زوج فلان. وبهذا لا يكون المراد من النفس الواحدة آدم ومن ~~زوجها حواء. ولكننا استظهرنا من الآية ذلك ، PageV07P024 # باعتبار أنها واردة في مقام تسلسل الخلق ، دون أن يتم الخلق من ضلع آدم ، ~~فإن الآية لا تدل عليه ؛ بل يمكن أن يتجه النظر نحو الجزء المتبقي من ~~الطينة التي خلق منها آدم. وقد ورد ذلك في حديث عن الإمام محمد الباقر ~~عليه السلام في ما رواه في تفسير الميزان ، عن نهج البيان للشيباني ، عن ~~عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : من أي شيء ~~خلق الله حواء؟ فقال عليه السلام : أي شيء يقولون هذا الخلق؟ قلت يقولون : ~~إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم. فقال : كذبوا ، أكان الله يعجزه أن ~~يخلقها من غير ضلعه؟ فقلت : جعلت فداك ، من أي شيء خلقها؟ فقال : أخبرني ~~أبي عن آبائه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تبارك ~~وتعالى قبض قبضة من طين ، فخلطها بيمينه ، وكلتا يديه يمين ، فخلق منها آدم ~~وفضلت فضلة من الطين ، فخلق منها حواء (1). # ومما يؤكد ذلك أن الله تحدث في آيات أخرى عن الموضوع بطريقة الجمع ، مما ~~يدل على أن المراد من خلق الزوج من نوعه ومن عنصره الأصلي وذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@010 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) ~~[الروم : 21] ، وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 والله جعل لكم ms1384 من أنفسكم أزواجا ~~) [النحل : 73] ، فإن من المعلوم من خلال طبيعة التعبير ، أن المراد منه أن ~~الله خلق لكل إنسان من داخل نوعه زوجا ، لا من بعض أعضاء جسده. والله ~~العالم. # هذا في جانب ، وفي جانب آخر فإننا قد نستوحي من عنوان «النفس الواحدة» ~~الرفض القرآني لكل جوانب التمييز العنصري والعرقي واللوني واللغوي ~~والجغرافي ، فإن هذه العناصر المتنوعة لا تمثل عمقا في إنسانية PageV07P025 # الإنسان المتمثلة في نفس واحدة ، بل هي من الأمور الطارئة في حركة وجوده ~~في خط التنوع الذي يمثل قدرة الله على تنويع الشيء الواحد بألوان وخصائص ~~متعددة ومن دون أن يفقد في تنوعه هذا طبيعته الأصيلة. # وفي ذلك فلا مجال لأن يرى الناس في هذه الخصائص مميزات وأمجادا وعناوين ~~للتفاضل ، فهي ليست خصائص الوجود في العمق ، بل هي من خصائص الشكل ~~والامتداد. # * * * ### ||| ** الشيخ محمد عبده في موضوع النفس الواحدة # جاء في تفسير المنار كما نقله صاحب التفسير الكاشف أنه نقل عن أستاذه ~~الشيخ محمد عبده ، أن الله تعالى قد أبهم أمر النفس التي خلق الناس منها ، ~~وجاء بها نكرة ، فندعها نحن على إبهامها. وما ورد في آيات أخرى من مخاطبته ~~الناس بقوله : ( @QUR@03 يا بني آدم ) لا ينافي هذا؟؟ رأي لا يرفع الإبهام ~~ولا يعد نصا قاطعا في كون جميع البشر من أبناء آدم ، إذ يكفي في صحة الخطاب ~~أن يكون من وجهه إليهم في زمن التنزيل ، هم من أولاد آدم ، وقد تقدم في ~~تفسير قصة آدم في أوائل سورة البقرة أنه كان في الأرض قبله نوع من هذا ~~الجنس ، فسدوا فيها وسفكوا الدماء. # ولكننا نلاحظ على هذا الرأي ، أن الحديث القرآني عن «بني آدم» لم يكن ~~مختصا بزمن التنزيل ، بل هو شامل للإنسان كله كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) [الأعراف : 171] وقوله ~~تعالى : ( @QUR@017 ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) [الإسراء : 70] وقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ) [الأعراف : 27] فإن ms1385 هذه ~~الخطابات أو الأحاديث لم PageV07P026 # تتوجه إلى الناس في زمن الدعوة ، بل هي موجهة للإنسان كله ، الأمر الذي ~~يوحي أن هذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض هو ابن آدم ، وليس ابن نفس أخرى. # ولا ينافي ذلك ورود بعض الروايات (1) الدالة على وجود مخلوقات مشابهة ~~لهذا الإنسان قبل وجود آدم ، لأن الظاهر على تقدير صحة الرواية أن هذا ~~النوع انقرض ولم يعد له دور في الأرض ، ولذلك جعل الله الإنسان الجديد الذي ~~بدأه بآدم خليفة له في الأرض. # وقد تحدثنا في تفسير سورة البقرة أن حديث الملائكة عن مخلوق أرضي يفسد في ~~الأرض ويسفك الدماء لا يدل على وجود تجربة إنسانية سابقة ، فهناك احتمال ~~آخر في التفسير. # * * * ### ||| ** كيف بدأ التكاثر الإنساني؟ # ( @QUR@05 وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) ربما يستظهر من هذه الآية ~~الفكرة التي تقول : إن مصدر التوالد في النوع الإنساني هما آدم وحواء ، ~~وليس هناك أي عنصر آخر غير إنساني ، كما تحاول بعض الروايات الإيحاء به ، ~~من أن بداية التناسل في الطبقة الثانية كانت من حورية أو جنية تزوج إحداهما ~~بعض أولاد آدم ، وتزوج الأخرى بعض آخر. فقد يستفاد من الآية أنه لو كان هذا ~~صحيحا ، لقال : وبث منهما ومن غيرهما. ولكن هذا الاستظهار غير دقيق ، PageV07P027 # لأن هذه الفقرة تتحدث عن انطلاق التناسل منهما ، باعتبارهما المصدر الأول ~~، من دون تعرض لما حدث بعدهما في خصوصية التزاوج ؛ فلا ظهور لها من هذه ~~الجهة نفيا أو إثباتا. # وربما يتساءل البعض ما إذا كان من الممكن إثارة هذا الموضوع من زاوية ~~أخرى ، غير جهة الاستظهار من الآية ، وهي أن بداية التناسل في الطبقة ~~الثانية ، إذا كانت إنسانية بجميع عناصرها ، كانت القضية منطلقة من زواج ~~الأخ بأخته؟ وهذا أمر مرفوض في الشرائع السماوية ، بل ربما يحاول البعض أن ~~يعتبر الموضوع غير وارد حتى لدى الحيوانات. ### ||| ** والجواب على ذلك : # أن قضية شرعية أية علاقة زوجية وعدم شرعيتها خاضعة لحركة التشريع من ~~ناحية التحليل والتحريم ، من دون أية عوامل ذاتية أو فطرية. وفي ضوء ذلك ، ~~ترتكز ms1386 الحالة النفسية المضادة على عناصر التربية ، في ما يلتقي عليه الناس ~~من قيم سلبية مستندة إلى التشريع. # وإذا درسنا طريقة التشريعات السماوية ، فإننا نرى هناك قضايا محرمة في ~~الشرائع السابقة ، جاءت الشرائع اللاحقة بتحليلها ؛ كما يوحي بذلك ما نقله ~~الله لنا عن عيسى عليه السلام ، في قوله الذي نقله القرآن عنه : ( @QUR@019 ~~ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ) [آل عمران : 50] ، وربما كانت هذه الأمور ~~على العكس من ذلك ، في طروء التحريم بعد التحليل ؛ ولعل الأساس في هذا ~~الاختلاف هو انطلاق الأحكام من المصالح والمفاسد المحدودة بحدود الزمان ~~والمكان ، والظروف الموضوعية المحيطة بالمسألة المتغيرة ، تبعا للعوامل ~~المتنوعة المؤثرة. وهذا هو الذي انطلق منه مبدأ النسخ في التشريع ، في داخل ~~الشريعة الواحدة أو في نطاق الشرائع المتعددة. PageV07P028 # وفي هذا الجو ، لا نجد هناك مانعا من أن يكون الله سبحانه قد أحل للطبقة ~~الأولى من أولاد آدم أن يتزوجوا من بعضهم البعض ، وذلك من أجل الانطلاق ~~بعملية التناسل في نطاقها الطبيعي ، بعيدا عن أية مفسدة في ذلك ، لأن ~~النظام الأسري الذي يفرض بعض الحواجز النفسية في قضية تزاوج الإخوة ~~والأخوات ، لم يكن قد انطلق بعد في حركة الحياة العامة ، لأن المجتمع الذي ~~يعتبر هذا النظام جزءا من حركته ، لم يكن قد ولد بعد ، ثم جاء التحريم بعد ~~ذلك ، لأن المصلحة الداعية إلى التشريع قد انتهت عند هذا الحد ، وأصبحت ~~القضية تتحرك في أجواء المفسدة الملزمة ، التي تفرض التشريع المضاد للحكم ~~بالحلية ، لذلك يمكن اعتبار النظام الاجتماعي ، الذي ربطه التشريع بنظام ~~الأسرة ، قاعدة للحكم بالتحريم الذي قد يراد منه خلق حاجز نفسي يمنع الأخ ~~من الزواج بأخته ، ويخلق حالة شعورية مضادة في ما يتعلق بالعلاقات الجنسية ~~بينهما ، مما يمكنهما من العيش في ظل بيت واحد بشكل طبيعي ، من دون خوف من ~~الحالات السلبية في هذا النطاق. ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل تعداه إلى ~~التشريع المتحرك في نظام تحريم الزواج بالمحارم. وإذا ms1387 كان هذا الفهم هو ~~التفسير الطبيعي للموضوع ، فليست هناك مشكلة نبحث لها عن حل. # وقد أكد هذا المعنى الحديث الوارد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، في ما ~~رواه الطباطبائي في كتاب الميزان عن الإمام علي بن الحسين ، زين العابدين ~~عليه السلام في حديث له مع قرشي ، يصف فيه تزويج هابيل بلوزا أخت قابيل ، ~~وتزويج قابيل بإقليما أخت هابيل. فقال له القرشي : فأولداهما؟ قال : نعم. ~~فقال له القرشي : فهذا فعل المجوس اليوم ، قال : فقال : إن المجوس فعلوا ~~ذلك بعد التحريم من الله. ثم قال له : لا تنكر هذا ، إنما هي شرائع الله ~~جرت ، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟ فكان ذلك شريعة من PageV07P029 # شرائعهم ، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك (1). # * * * ### ||| ** مناقشة نظرية داروين في أهل الإنسان # وقد يثأر في هذا المجال نقطة ثانية ، وهي أن الإنسان لم يخلق إنسانا سويا ~~كاملا ، بل خلق في البداية حيوانا ، ثم مر في مراحل تطورية ، حتى أخذ حجم ~~إنسانيته ومعناها ، على أساس قاعدة التطور التي قررها داروين في نظريته في ~~(أصل الأنواع) التي حاول أن يؤكد فيها شمول النظرية لأبعد من موضوع ~~الإنسان. # * * * # ولكننا نرفض ذلك ، من خلال وجهة النظر الإسلامية التي يمثلها القرآن ~~الكريم ، استنادا إلى مداليل ظهور هذه الآية وغيرها من الآيات المتحدثة عن ~~بداية الخلق ، في ما حدثنا الله عنه من خلق آدم الذي هو الأب الأول للنوع ~~الإنساني ، في الصورة الكاملة ، من حيث الخلق والعقل والإدراك والمسؤولية ~~التامة عن أعماله ، مما يوحي بأن إنسانيته كانت متأصلة في حركة وجوده منذ ~~البداية. ولهذا كانت هذه النظرية منافية للنصوص الدينية القرآنية ، ولما ~~ورد في السنة الشريفة ، وما اشتملت عليه من حديث بداية الخلق. هذا من ناحية ~~إسلامية. PageV07P030 # أما من الناحية العلمية الموضوعية ، فقد لا يكون هذا التفسير هو المجال ~~الطبيعي لمناقشتها ، ولكن هناك جانبا لا بد أن نثيره هنا ، وهو أن هذه ~~النظرية قد ارتكزت على أساس التجربة المحدودة التي لا تتسع لكل النماذج ~~الإنسانية ، بل تقتصر على ms1388 نماذج معينة لا يصح معها تعميم الاستنتاج ~~وإطلاقه. ونضيف إلى ذلك أن هذه التجربة لا تنحصر في تفسير واحد ، بل ربما ~~تتسع لأكثر من ملاحظة أو تفسير يبتعد بها عن مجرى النظرية. # وربما تحدث بعض الباحثين عن وجود نماذج سابقة في الزمان ، تكشف عن أقدمية ~~الإنسان عن المدى الذي تمثله نماذج داروين ، مما يعني أن عملية الاستنتاج ~~لديه لا تخضع لحسابات دقيقة. ومهما اختلفت الفروض ، فإن هناك حقيقة أساسية ~~في ذلك كله ، وهي أن النتائج الحاصلة في هذه النظرية لا تعتبر حقائق علمية ~~، بل هي فرضيات ظنية تخضع للحدس والتخمين ، لأنها لا تمنع الاحتمالات ~~المضادة ، من خلال طبيعة التجربة ، أو من خلال الحلقات المفقودة في حركة ~~التجربة ، ولذلك ، فإنها لا تمثل أساسا علميا في مقابل الوحي الإلهي الذي ~~يمثل الحقيقة الدينية. # * * * ### ||| ** العلاقة بالأرحام في الإسلام # ( @QUR@011 واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم ~~رقيبا ) وجاءت هذه الفقرة آمرة بالتقوى ، تأكيدا للخط الذي يريد الله ~~لعباده السير عليه وينهجوا نهجه. وربما كان في إلحاق كلمة الجلالة ، بقوله ~~( @QUR@03 الذي تسائلون به ) إيحاء بالصلة الوثيقة التي تربط الإنسان بالله ~~، من جهة مناشدة الآخرين له PageV07P031 # ومساءلتهم إياه بالله ، في ما يطلبونه من حاجات وما يبتغونه من قضايا ، ~~مما يعني مزيدا من الحضور الممتد في وعي الإنسان ، ومن الشعور العميق ~~بمسؤوليته تجاهه ، حتى أن الناس يتوسلون إليه باسمه ، ويستنجحون طلباتهم من ~~خلاله ، الأمر الذي يقتضي المراقبة والمحاسبة التي تقود إلى الانضباط في ~~الانطلاق بالإرادة في خط رضاه. فإذا كانت المساءلة بالله مظهرا للتعظيم ، ~~فإن طاعته وتقواه تعتبر مظهرا أقوى وأكثر تأكيدا. # أما كلمة : ( @QUR@01 والأرحام )، فقد وردت فيها القراءة بالكسر ، وذلك ~~بأن تكون معطوفة على الضمير في كلمة «به» ، على أساس ما يتعارف بين الناس ~~في قول بعضهم لبعض : «أنشدك بالله والرحم ...» ، بحيث تكون متعلقا للمساءلة ~~والمناشدة ، كما كان الأمر كذلك بالنسبة الى الله. وذلك باعتبار أنهما أقرب ~~شيء الى الإنسان ، فإن الله سبحانه هو الخالق ، والرحم هو القريب في النسب. # ولكن الطبري في ms1389 تفسيره يقول : «وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب ، ~~لأنها لا تنسق بظاهر على مكني في الخفض إلا في ضرورة شعر ، وذلك لضيق الشعر ~~، وأما الكلام فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والرديء ~~في الإعراب منه. ومما جاء في الشعر من رد ظاهر على مكني في حال الخفض قول ~~الشاعر : # نعلق في مثل السواري سيوفنا %~% وما بينها والكعب غوط نفانف # فعطف «الكعب» ، وهو ظاهر ، على الهاء والألف في قوله (بينها) وهي مكنية» (1). PageV07P032 # ويقول صاحب الميزان ، في هذا الاتجاه : «لكن السياق ودأب القرآن في ~~بياناته لا يلائمانه ، فإن قوله : ( @QUR@01 والأرحام )، إن جعل صلة ~~مستقلة للذي ، وكان تقدير الكلام : واتقوا الله الذي تساءلون بالأرحام ، ~~كان خاليا من الضمير ، وهو غير جائز ، وإن كان المجموع منه ومما قبله صلة ~~واحدة للذي ، كان فيه تسوية بين الله عز اسمه وبين الأرحام في أمر العظمة ~~والعزة وهي تنافي أدب القرآن» (1). # وفي ضوء ذلك ، نلتقي بقراءة النصب في كلمة ( @QUR@01 والأرحام ) لنختارها ~~باعتبار أنها هي الأرجح والأقرب ، وذلك في ما رواه الضحاك أن ابن عباس كان ~~يقرأ ( @QUR@01 والأرحام ) على هذا القول : اتقوا الله في الأرحام فصلوها. ~~وعن الربيع قال : ( @QUR@06 اتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام )، قال : ~~يقول : واتقوا الله في الأرحام فصلوها (2). وجاء في الحديث عن جميل بن ~~دراج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «سألته عن قول الله عز وجل : ( ~~@QUR@011 واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ~~قال : هي أرحام الناس. أمر الله تبارك وتعالى بصلتها وعظمها. ألا ترى أنه ~~جعلها معه؟» (3). # * * * ### ||| ** السر في التأكيد على صلة الأرحام # وقد يتساءل الإنسان عن سر هذا التأكيد على الأرحام ، في ما يريد PageV07P033 # القرآن أن يوحي به من الاهتمام بصلتها وعدم مقاطعتها واعتبار ذلك قيمة ~~إسلامية. وربما يضيف البعض إلى ذلك أن هذا الاتجاه في العلاقات الإنسانية ~~قد يفسح المجال للعصبية العائلية أن تولد وتتحرك بما تمثله صلة الرحم من ~~خصوصية شرعية ترقى إلى مستوى القيمة الإسلامية الكبيرة ، وقد يؤدي ذلك ms1390 إلى ~~المزيد من الانغلاق في داخل النطاق العائلي. # ولكن القضية في ما نفهمه من حكمة التشريع لا تتحرك في هذا الجو ، بل ~~تبتعد عنه ابتعادا كليا ، لأنها تدخل في الفكرة الإسلامية التي تخطط لتعميق ~~العلاقات الإنسانية وامتدادها ، والعمل على التحرك من أجل تطويق الانفعالات ~~السلبية التي تنمو في النفس ، من خلال حالة التماس المتواصل الذي تفرضه صلة ~~القرابة ، مما قد يؤدي إلى تقاطع شديد وعداوة عميقة ، وذلك إذا حدثت بعض ~~الأوضاع الشاذة في نطاق الأقرباء ، كما نشاهده كثيرا في المشاكل العائلية ~~الصعبة التي تحدث بين ذوي القربى ، بالمستوى الذي يثير الحقد والبغضاء لمدة ~~طويلة ، فأراد الإسلام أن يجعل لهذه العلاقة قاعدتها الروحية ، بالإضافة ~~إلى القاعدة العاطفية الطبيعية التي تفرضها العوامل الذاتية المؤثرة في ~~حركة المشاعر ، حتى يكون ذلك أساسا تربويا للانسجام في خط السيطرة على ~~الأوضاع السلبية ، للحيلولة دون تدهور العلاقات الإنسانية ، لأن الإنسان ~~الذي لا يقدر على امتصاص السلبيات في نوازعه ومشاعره مع الناس الذين يرتبط ~~معهم بصلة الرحم ، فإنه قد لا يكون قادرا على مثل ذلك في علاقته بالناس ~~الآخرين الذين لا يرتبط معهم بصلة في مثل هذا المستوى. # وربما كان هذا الأسلوب الإسلامي في رعاية العلاقات الإنسانية ظاهرة في ~~التشريع ، في جميع الموارد التي تتمثل فيها العلاقات في نطاق التماس ~~المتواصل ، على أساس الرحم تارة ، أو الجوار أخرى ، أو الإيمان في حركة PageV07P034 # العقيدة الواحدة ثالثة ، فقد نلاحظ أن الأحاديث الواردة في هذه المجالات ~~تؤكد على التواصل حتى في حالات المقاطعة من قبل الآخرين ، وعلى الإحسان حتى ~~في حالات الإساءة ، وعلى العفو والتسامح واللين حتى في مجالات الاعتداء. # وإذا كان هناك من يقول : إن هذه المبادئ تمثل الطابع العام للخلق ~~الإسلامي وليست شيئا خاصا بمثل هذه العلاقات ، فإننا نجيب عن ذلك بالتأكيد ~~على أصل المبدأ ، ولكن مع الملاحظة التالية ، وهي أن إثارة هذه المبادئ في ~~حديث هذه الحالات كان بطريقة أكثر حسما وتأكيدا ، مما يوحي بأن القضية ترقى ~~إلى ما لا ترتقي إليه الأمور الأخرى من الأهمية. فقد ms1391 جاء في حديث صلة الرحم ~~عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في ما رواه السكوني قال : «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقطع رحمك وإن قطعتك» (1). وجاء في كتاب الكافي ~~، عن عنبسة العابد قال : «جاء رجل فشكا إلى أبي عبد الله عليه السلام أقاربه ~~، فقال له : اكظم غيظك وافعال ، فقال : إنهم يفعلون ويفعلون ، فقال : أتريد ~~أن تكون مثلهم ، فلا ينظر الله إليكم» (2). وجاء في الحديث عن أبي حمزة ~~الثمالي قال : «قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبته : ~~أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء ، فقام إليه عبد الله بن الكواء ~~اليشكري فقال : يا أمير المؤمنين أو يكون ذنوب تعجل الفناء؟ فقال : نعم ~~ويلك ، قطيعة الرحم ، إن أهل البيت ليجتمعون ويتواسون وهم فجرة ، فيرزقهم ~~الله عز وجل ، وإن أهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا ، فيحرمهم الله وهم ~~أتقياء» (3). # وهكذا نجد أن القضية لا تتحرك من موقع الاختناق في أجواء العصبية PageV07P035 # العائلية ، بل تتحرك في آفاق التأكيد على أصالة العلاقات الإنسانية ~~والعمل على تعميقها وامتدادها الأخلاقي في شخصية الإنسان المسلم ، فلا تخضع ~~للأوضاع السلبية الطارئة في ما تفرزه التشنجات من سلبيات. أما حدود هذه ~~العلاقات ومجالها الحركي وامتدادها في الخط الإنساني ، فتتكفل بها ~~التشريعات الإسلامية التي تضع هذه العلاقات في نطاق التفاصيل الشرعية ، من ~~حيث انسجامها مع الخطوط الأخرى التي تتحرك فيها العلاقات العامة ، كما ~~نواجه ذلك في الخط الإيماني الذي يضع للإنسان المسلم الحدود الفاصلة ~~لعلاقته بالمؤمنين والكافرين في ما يتحفظ به أو في ما ينطلق فيه ، وذلك ما ~~يمثل الضوابط الثابتة لحركة علاقة الإنسان بأرحامه. # * * * ### ||| ** نقطة منهجية في استخلاص المفاهيم القرآنية # وربما كان من الإخلاص للبحث هنا أن نشير إلى نقطة مهمة جدا في مجال ~~استنباط المفاهيم الإسلامية من المصادر الشرعية في الكتاب والسنة ، فقد لا ~~يكفي في استخلاص المفاهيم من المصادر الإسلامية أن نأخذ حدودها من حديث ~~واحد أو آية واحدة ، بل لا بد لنا من الدخول في عملية مقارنة بين الأحاديث ms1392 ~~أو الآيات التي يتعرض كل منها لجانب من جوانب الصورة ، لتكتمل الصورة من ~~خلال الموازنة بين جوانبها. وقد وقع الكثيرون في الخطأ من خلال إغفالهم ~~لهذا الجانب ، من خلال ما حاولوه من تحديد المفاهيم العامة في الإسلام ، ~~كما نواجهه في الأبحاث التي تتحدث عن رفض الإسلام للدنيا من خلال أحاديث ~~الزهد ، من دون ملاحظة للأحاديث أو الآيات التي تتحدث عن التشجيع الإيجابي ~~لانطلاق الإنسان مع طيبات الحياة ولذائذها أو بالعكس ، مما يوحي بالبعد عن ~~الصورة الواقعية PageV07P036 # للمفهوم التي تضع الزهد في نطاقه النفسي الذي يبتعد بالإرادة عن الخضوع ~~للضغوط الشديدة الناشئة من قوة الرغبة ، وتضع الإقبال على الحياة في الموقع ~~المتوازن الذي لا يفقد الحياة معناها الحسي في حساب القيمة الإسلامية ، ولا ~~يدفعها الى الانسياق مع الهوى في اندفاع التيار. # وبكلمة واحدة ، إن الأسلوب الذي جرت عليه الآيات والأحاديث يرتكز على ~~أساس القاعدة التي توحي بالفكرة في مجالها الذاتي في نص خاص ، ثم تضع لها ~~الحدود والأجواء في نص آخر ، مما يفرض الموازنة الدائمة بين النصوص. # * * * # ( @QUR@05 إن الله كان عليكم رقيبا ) أي حفيظا يحفظ أعمالكم ويراقبها ~~ويرصدها ، الأمر الذي يفرض عليكم الانطلاق في جو هذا الشعور من أجل ~~الانضباط عند خط الله ، فلا تنحرفون عنه في أجواء الغفلة. PageV07P037 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) (2) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اليتامى ): جمع يتيم من اليتيم وهو كما قال الراغب انقطاع ~~الصبي عن أبيه قبل بلوغه ، وفي سائر الحيوانات من قبل أمه (1)، وسماهم في ~~الآية يتامى بعد البلوغ مجازا ، باعتبار ما كان ، لإلفات النظر إلى ~~مداراتهم ومراعاتهم ، لأنهم فقدوا الرعاية والحماية الأبوية. # ( @QUR@01 الخبيث ): ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أو معقولا ، وأصله ~~الرديء الدخلة الجاري مجرى خبث الحديد ، ويطلق على الحرام كما في الآية. # ( @QUR@01 بالطيب ): أصله ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس ، والطعام ~~الطيب في الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز ، وبقدر ما يجوز ، ومن PageV07P038 # المكان الذي يجوز ، فإنه متى كان كذلك ms1393 كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم ، ~~وإلا فإنه ، وإن كان طيبا عاجلا ، لم يطب آجلا كما جاء في مفردات الراغب (1). # ( @QUR@01 حوبا ): إثما ، يقال : حاب يحوب حوبا ، والاسم : الحوب. وتحوب ~~من كذا إذا تحرج وتأثم منه ، والحوبة : المسكنة والحاجة ، قال الراغب : ~~وحقيقتها هي الحاجة التي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم (2). # * * * ### ||| ** كيف نتصرف مع الأيتام في أموالهم؟ # وهذه نقلة جديدة في أجواء العلاقات الإنسانية ، في ما يمارسه الإنسان من ~~المسؤولية تجاه الأيتام الذين يمثلون الفئة الضعيفة التي تعيش في ذاتها ~~معلقة في الفراغ ، لأنها فقدت القوة التي تمنحها التماسك والثبات ؛ وذلك في ~~ما يمثله الآباء للأبناء الصغار من معنى الرعاية والحماية والقوة ، في ما ~~يغدقونه عليهم من حنان وعاطفة ، وما يحيطونهم به من عناية واهتمام ، ~~فيصونونهم بذلك من كل عوامل الضعف والقهر المحيطة بهم. # وفي ضوء ذلك ، كان الإسلام حاسما في هذه المسألة التي لا تحتمل المساومة ~~والتهاون ، لأنها تتعلق بقضية الإنسان الضعيف في الأرض ، الذي أراد الله ~~منحه من عوامل القوة ، فجعل كفالته مسئولية المجتمع ، وحمل أفراده كل ~~التبعات التي تترتب على ذلك ، وحذرهم من الانسياق مع نوازع PageV07P039 # الطمع التي قد يثيرها الشعور بالأمن من العقوبة ، على أساس فقدان القوة ~~الذاتية التي يستطيع اليتيم أن يدافع بها عن نفسه ، وانعدام القوة البديلة ~~التي تتولى التعويض عن ذلك ، حتى لا يمتنعوا عن إعطاء الأيتام أموالهم ~~الموجودة لديهم ، أو يستبدلوا بالجيد الرديء ، وبالطيب الخبيث للحصول على ~~بعض المنافع والامتيازات ، أو إضافة أموال الأيتام إلى أموالهم ببعض ~~الوسائل غير الشرعية. واعتبر هذه الأعمال إثما كبيرا يستحق الإنسان عليه ~~العقاب الكبير لدى الله. # ( @QUR@03 وآتوا اليتامى أموالهم ) الذين عاشوا في حضانتكم وولايتكم ، ~~فكانت أموالهم في عهدتكم لأجل المحافظة عليها وتنميتها لتسلموها إليهم إذا ~~بلغوا سن الرشد كما يسلم كل أمين أمانته من دون تغيير أو تبديل ( @QUR@03 ~~ولا تتبدلوا الخبيث )، والرديء ، ( @QUR@01 بالطيب ) من مال اليتيم ~~لتجعلوه في حصته تحت تأثير الادعاء بأن ذلك هو الذي يضمن مصلحته ، بلحاظ أن ~~بقاءه قد يؤدي إلى ضياعه ، لأنه لا فرق ms1394 بينه وبين الدليل. وهو كناية عن عدم ~~التصرف فيه تصرفا يوجب نقصانه والإساءة إلى ماليته ، لأن الولي أمين على ~~مال اليتيم ، فلا بد له من مراعاة المصلحة في تصرفه عند استبداله بغيره ، ~~فلا يأخذ الخسيس والرديء عوضا عنه ، ( @QUR@05 ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم )، أي لا تضموها إلى أموالكم ليكون المال كله لكم ، لأنها أمانة ~~الله عندكم ، مما يجعل من ذلك خيانة للأمانة ، من دون فرق في ذلك بين ~~حاجتكم إليها واستغنائكم عنها ( @QUR@03 إنه كان حوبا )، أي إثما عظيما ، ~~وربما كان في كلمة «الحوب» التي هي على حقيقتها ، كما قال الراغب : «الحاجة ~~التي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم» ، ما يوحي بأن هذا السلوك الخياني ربما ~~كان منطلقا من حاجة الولي القائم على مال اليتيم إلى الأخذ منه ، لأن ذلك ~~هو الغالب في أمثال هذه الموارد ، وربما كانت الكلمة في استعمالاتها ~~العرفية مجردة عن خصوصية هذا المعنى لتأخذ معنى الإثم بشكل مطلق ، والله ~~العالم. PageV07P040 # ولعل هذا التأكيد القرآني على عدم الإضرار بمال اليتيم ، سواء أكان ذلك ~~بتبديله بالأدون أم بمصادرته واغتصابه ، ينطلق من إيجاد حالة من الخوف ~~الداخلي لدى الإنسان من الوقوع في الإثم الكبير الذي ينتهي به إلى عذاب ~~الله من أجل إيجاد ضمانة روحية تحمي اليتيم من ضياع ماله لدى الذين يتولون ~~أمره شرعيا أو عرفيا ، أو الذين يملكون القوة الغاشمة التي تتيح لهم ~~إمكانية التسلط على الضعفاء في أنفسهم وأموالهم. فإن التربية الإسلامية ~~تعمل على تركيز العقدة الذاتية في نفوس الناس المانعة لهم من الذهاب بعيدا ~~في الاتجاه المنحرف ، بالإضافة إلى السلطة التي يمنحها الشرع للسلطات ~~الشرعية في معاقبة هؤلاء ومنعهم من ظلم الضعفاء في الدنيا على أساس القانون ~~الإسلامي. # * * * # إن هذا التوجيه الإلهي هو أحد مظاهر التقوى العملية التي دعت إليها الآية ~~الأولى ، وذلك من خلال ما يفرضه من الوقوف عند حدود الله ، وما يدعو إليه ~~من الالتزام بأوامر الله ونواهيه ، وما يثيره في النفس من الشعور بالخوف من ~~الله ومن عقابه والرغبة في رضاه وفي ثوابه وهذا ms1395 ما يمكن أن يحقق المناعة ~~الطبيعية ضد الانحراف ، لأن مثل هذه الأمور ، التي يستطيع الكثيرون اللعب ~~على ظروفها ، قد تفسح المجال لكثير من هؤلاء الناس القيام بعملية التفاف ~~عليها ، في ما يريدونه من خيانة ، وما يعملون له من غايات وأهداف ذاتية ، ~~لا سيما في الحالات التي لا يملك فيها الأيتام أيه مستندات تثبت حقوقهم ، ~~أو أية معرفة للآخرين في ذلك ، كما قد يحدث غالبا. ولهذا كان التأكيد شديدا ~~وذلك من خلال قوله تعالى : ( @QUR@04 إنه كان حوبا كبيرا ). # * * * PageV07P041 ### ||| * الآية # ( @QUR@028 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ~~ألا تعولوا ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تقسطوا ): تعدلوا وتنصفوا ، من الإقساط وهو العدل ، وليس من ~~القسط الذي هو الجور ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا ) ففرق بين أقسط ، وقسط ، ولهذا جاءت التاء مضمومة لأنها من ~~الفعل الماضي الرباعي. # ( @QUR@01 مثنى ): اثنين اثنين ، أو ثنتين ثنتين ، لأن بناء مفعل وفعال ~~في الأعداد تدلان على تكرار المادة. # ( @QUR@01 تعولوا ): تميلوا وتجوروا ، عال يعول عولا : جار ومال عن الحق ~~وقد يكون أصلها المادي الثقل ، ومنه عال الميزان أي ثقل أحد طرفيه فمال. ~~وتأتي بمعنى أعال الرجل إذا كثر عياله. # * * * PageV07P042 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي عن عائشة في قوله تعالى : ( @QUR@04 وإن ~~خفتم ألا تقسطوا )، الآية قالت : أنزلت هذه في الرجل يكون له اليتيمة وهو ~~وليها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها ، فلا ينكحها حبا لمالها ويضر بها ~~ويسيء صحبتها ، فقال الله تعالى : ( @QUR@012 وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء )، يقول : ما أحللت لك ، ودع هذه. ~~وقال سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي : كانوا يتحرجون عن أموال ~~اليتامى ويترخصون في النساء ويتزوجون ما شاؤوا ، فربما عدلوا وربما لم ~~يعدلوا ، فلما سألوا عن اليتامى فنزلت آية اليتامى ( @QUR@03 وآتوا اليتامى ~~أموالهم ) الآية ، أنزل الله تعالى أيضا ( @QUR@06 وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى ) الآية ، يقول : كما خفتم ms1396 ألا تقسطوا في اليتامى ، فكذلك فخافوا ~~في النساء أن لا تعدلوا فيهن ، فلا تتزوجوا أكثر ما يمكنكم القيام بحقهن ، ~~لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز ، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي (1). # * * * ### ||| ** تشريع تعدد الزوجات # قبل الدخول في الحديث عن الجوانب التشريعية التي تتعرض لها الآية في ~~موضوع (تعدد الزوجات)، لا بد لنا من الوقوف أمام بحث يتصل ببعض الجوانب ~~الشكلية في طريقة تعبير الآية عن الفكرة. فقد أثير في كتب التفسير تساؤل ~~كبير حول طبيعة الارتباط بين أول الآية وآخرها ، فإن الشرط PageV07P043 # ( @QUR@06 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) يتحدث عن حالة خوف الناس من ~~عدم العدل في اليتامى ، بينما الجزاء ( @QUR@09 فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع ... ) يتحدث عن جواز الزواج بأكثر من واحدة ، ولا ~~ارتباط بين هذا وذاك مع أن الجزاء لا بد أن يكون مترتبا على الشرط ، بحيث ~~تكون نسبته إليه نسبة المسبب الى السبب أو ما يشبه ذلك ، الأمر الذي يفرض ~~أن يكون الموضوع الذي يتعرض له داخلا في نطاق موضوع الشرط. # * * * ### ||| ** اختلاف في تفسير الآية # وقد ذكر المفسرون في ذلك وجوها ، في ما رووه عن بعض الصحابة وغيرهم مما ~~لا تقوم به حجة ثابتة ، لأنه مرتكز على أساس الرأي الشخصي ، الذي لا يغلق ~~الباب على آراء أخرى مختلفة عنه ما دامت القضية في جميع وجوهها خاضعة ~~للاجتهاد القائم على الاستظهار من الآية ومناسباتها ، وقد جمعها ابن جرير ~~الطبري في تفسيره فقال : # 1 «إن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ، ألا تقسطوا في صداقهن ، فتعدلوا فيه ~~وتبلغوا بصداقهن صدقات أمثالهن ، فلا تنكحوهن ، ولكن انكحوا غيرهن من ~~الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم وطيبهن ، من واحدة إلى أربع ؛ وإن خفتم أن ~~تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فلا تعدلوا ، فانكحوا منهن ~~واحدة أو ما ملكت أيمانكم ...» (1). وقد روي هذا الوجه من التفسير عن ~~عائشة ، على أساس اجتهادها الشخصي ، من خلال ما PageV07P044 # لاحظته من وجود بعض الأوضاع العربية التي توحي بمثل هذا الاتجاه ، وذلك ~~في ما ms1397 نقله عنها عروة بن الزبير قال : سألت عائشة ، أم المؤمنين ، فقلت : ~~يا أم المؤمنين ، أرأيت قول الله : ( @QUR@012 وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء )؟ قالت : يا ابن أختي ، هي اليتيمة ~~تكون في حجر وليها ، فيرغب في جمالها ومالها ، ويريد أن يتزوجها بأدنى من ~~سنة صداق نسائها ، فنهوا أن ينكحوهن ، إلا أن يقسطوا ، فيكملوا لهن الصداق ~~، ثم أمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء إن لم يكملوا لهن الصداق». # 2 «إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها ، فلا تعدلوا فيها من أجل ~~حاجتكم إليها ، لما يلزمكم من مؤن نسائكم ؛ فلا تجاوزوا في ما تنكحون من ~~عدد النساء على أربع ، وإن خفتم أيضا من الأربع ألا تعدلوا في أموالهم ، ~~فاقتصروا على الواحدة» (1). وذلك أن الرجل من قريش كان يتزوج العشر من ~~النساء والأكثر والأقل ؛ فإذا صار معدما ، مال على مال يتيمه الذي في حجره ~~، فأنفقه أو تزوج به ، فجاءت الآية للتنديد بهذا الواقع ، والنهي عن ~~الإكثار من الزواج في ما فوق الأربع ، من أجل الابتعاد عن الوقوع في هذا ~~المأزق. # 3 «إن القوم كانوا يتحوبون (2) في أموال اليتامى ألا يعدلوا فيها ولا ~~يتحوبون في النساء ألا يعدلوا فيهن ، فقيل لهم : كما خفتم أن لا تعدلوا في ~~اليتامى ، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن ، ولا تنكحوا منهن إلا ~~من واحدة إلى الأربع ، ولا تزيدوا على ذلك ؛ وإن خفتم ألا تعدلوا أيضا في ~~الزيادة على الواحدة ، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن من ~~واحدة أو ما ملكت أيمانكم» (3). PageV07P045 # 4 وقالوا : «نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل ، هو وليها ليس لها ولي غيره ~~، وليس أحد ينازعه فيها ، ولا ينكحها لمالها ، فيضر بها ويسيء صحبتها» (1) ~~؛ فوعظ في ذلك. # فيكون معنى الآية : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ، اللائي أنتم ولاتهن ~~، فلا تنكحوهن وانكحوا ما أحل لكم ، لئلا تسيئوا صحبتهن أو تضروا بهن. # * * * # ولعل الأولى من هذه المعاني ، هو المعنى الثالث كما ذكره الطبري في ~~تفسيره ms1398 لأن السورة مسبوقة في بدايتها لحفظ مال اليتيم ، وعدم تبديل الطيب ~~منه بالخبيث ، وعدم السيطرة عليه بالأكل والتملق ، كما مر في الآية ~~السابقة. ولما كان ذلك يوحي بالتحرج في أمر اليتامى والخوف من عدم العدل ، ~~وذلك في ما دعا الله إليه من التقوى ، أراد أن يقارن ذلك بحالة مماثلة ، ~~وهي سلوك الرجال مع النساء ، مما كان السلوك فيه جاريا على التساهل ~~والابتعاد عن خط العدل ؛ ويوحي إليهم بأن التقوى التي تدفع إلى الخوف ~~والحذر من التصرف في أمر اليتامى ، على أساس واقع الضعف الذي يتمثل في ~~حياتهم ، هي نفسها التقوى التي تدفع إلى ذلك في أمر النساء ؛ فلا بد ~~للإنسان أن يطلب العدل في علاقته بهن ؛ وذلك من خلال الضعف الطبيعي الذي ~~يعانينه في واقع الحياة. وفي ضوء ذلك ينبغي للإنسان أن يدرس إمكانية العدل ~~في التعدد حتى الأربع ؛ فإذا لم يستطع العدل أو خاف من عدمه ، فعليه أن ~~يكتفي بواحدة. وربما كان منشأ هذا الالتباس الذي دعا PageV07P046 # الى كثرة الوجوه الواردة في الآية ، هو أن مقابلة الخوف من عدم العدل في ~~اليتامى لا تتناسب مع الرخصة في النكاح إلى الأربع ، ولكن التدقيق فيها ~~يوحي لنا بأن الخوف هو العنصر المقابل في الموردين ، إلا أن طريقة التعبير ~~في الفقرة الثانية لم تجعله في أول الفقرة ، بل جعلته في آخرها ؛ مما يوحي ~~بإرادة التوازن بينهما في العدل هنا وهناك ، مع الإيحاء بالحالة النفسية ~~التي تدعو إلى الالتزام. ولعل التأمل الدقيق في الآية ، يكشف للمتأمل وضوح ~~هذا الوجه ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** إشكالات على تعدد الزوجات # كيف نواجه تعدد الزوجات في نتائجه النفسية والاجتماعية والاقتصادية ، من ~~خلال السلبيات التي يثيرها الآخرون هنا وهناك ، لا سيما بعد أن حاول أعداء ~~الإسلام أن يجعلوا من هذا التشريع نقطة ضعف كبيرة ليدللوا على تخلف الإسلام ~~عن خط العدالة والمساواة ، في ما يريده للعائلة من ثبات وطمأنينة واستقرار؟ ~~فقالوا : إنه يحول المرأة إلى مجرد أداة للمتعة ، ويشجع الاتجاه الشهواني ~~للرجل ، عند ما يفتح أمامه باب التعدد والحصول على ms1399 ما طاب له من النساء ، ~~ويؤدي إلى الاستغراق في هذا الجانب ، والابتعاد عن الآفاق الروحية التي ~~ترتفع به عن حاجات الجسد ، والاقتراب من الطبيعة الحيوانية فيه. وهذا أمر ~~لا يلتقي مع روحية الدين الذي يعمل على تهذيب الغرائز الإنسانية وترويضها ، ~~والانطلاق بها إلى ما يحقق له حاجته الطبيعية من دون إفراط. # وقالوا : إنه يفقد البيت الزوجي طمأنينته واستقراره ، بسبب ما يولده PageV07P047 # من عوامل الحقد بين الزوجات ، من خلال التنافس الذي يحصل بينهن للاستئثار ~~بعاطفة الرجل ، فينتهي ذلك الى التنازع والتخاصم ، لا سيما في الحالات التي ~~قد يميل فيها الرجل إلى واحدة دون أخرى ، انطلاقا من نزوة أو رغبة أو عاطفة ~~أو مصلحة ، فيخلق لإحداهما عقدة نفسية ضد صاحبتها. وقد تتعاظم العقدة فتؤدي ~~إلى ما لا تحمد عقباه من مشاكل عامة وخاصة ؛ ولا يقتصر ذلك على الزوجات ، ~~بل يتعداه إلى الأولاد الذين قد يتعقدون ضد بعضهم البعض تبعا للعقدة ~~الحاصلة بين الأمهات. وربما تتحول عقدتهم إلى مشاعر سلبية ضد الأب ، الذي ~~تدفعه رغبته إلى إهمال أولاده من زوجته غير المفضلة لديه. # وهذا أمر لا يلتقي مع طبيعة المودة والرحمة اللتين ترتكز عليهما العلاقة ~~الزوجية في الإسلام ، ولا ينسجم مع مفهوم السكن ، الذي جعله الإسلام طابع ~~هذه العلاقة في القرآن. # وقالوا : إنه يؤدي إلى إرباك الواقع الاقتصادي للعائلة ، لأن التعدد يضيف ~~إلى الميزانية أعباء جديدة ، تبعا للحاجات المتعددة لكل واحدة من الزوجات ، ~~ويساهم في تكثير النسل الذي يربك الجانب الاقتصادي للإنسان وللأمة ، ويضعف ~~الجانب التربوي للأولاد ؛ فقد لا يستطيع الوالد أن يخطط بطريقة معقولة ~~للسير بتربيتهم في الاتجاه السليم. # وهذا أمر لا يلتقي مع المصلحة الحقيقية للإنسان ، التي تتمثل في انطلاق ~~الحياة في خط اليسر ؛ وذلك لأن العسر المالي قد يوقع الإنسان في قبضة ~~الانحراف عن الحق تحت ضغط الحاجة الى الآخرين ، كما عبر عنه في دعاء «مكارم ~~الأخلاق» في «الصحيفة السجادية» : «اللهم صن وجهي باليسار ، ولا تبتذل جاهي ~~بالإقتار ؛ فأسترزق أهل رزقك ، وأستعطي شرار خلقك ؛ فأفتتن بحمد من أعطاني ~~وأبتلى بذم ms1400 من منعني ؛ وأنت من دونهم PageV07P048 # ولي الإعطاء والمنع ...» (1). # أما الجانب التربوي ، فإنه من الجوانب الحيوية في التخطيط الإسلامي لبناء ~~شخصية الطفل ، من خلال ما حمله الله للإنسان من وجوب الاعتناء بأمر ولده ، ~~في حسن أدبه وحمايته من النار التي وقودها الناس والحجارة ؛ وذلك بالتربية ~~الصالحة التي تركز له إيمانه وأخلاقه ، وتسير به على الصراط المستقيم. # * * * # لقد قالوا ذلك ، وقالوا غير ذلك ، وأفاضوا الحديث في انعكاس تلك المشاكل ~~على الحياة الاجتماعية العامة ، لأن طبيعة العلاقات العائلية تفرض الامتداد ~~إلى كل العلاقات الأخرى المرتبطة بالعائلة من الأقربين أو الأبعدين. ~~وتحدثوا عن الجانب النفسي للمرأة ، في ما تعيشه من الشعور بالقهر والاضطهاد ~~تحت تأثير الخلل العاطفي في العلاقة الزوجية بسبب التعدد ؛ مما يرهق ~~إنسانية المرأة ويحولها إلى إنسان مقهور. وكان للمدنية والحضارة الجانب ~~الكبير من حديثهم حول الموضوع ، في ما اعتبروه انحرافا عن قيم الحضارة ~~والمدنية ، التي تلتقي بالمحافظة على حس الإنسانية في حركة التشريع في ~~الحياة. # * * * PageV07P049 ### ||| ** القرآن وتعدد الزوجات .. إشكالات وردود # ولكننا لا نجد في ذلك كله مصدر خلل في تقييم التشريع الإسلامي في تعدد ~~الزوجات ، لأننا نحاول في تقييمنا لأي حكم شرعي أن ندرس حساب المصالح ~~والمفاسد والمضار والمنافع ؛ فإذا غلب جانب المصلحة والمنفعة على جانب ~~المفسدة والمضرة ، كان المفروض فيه أن يكون في خط الإيجاب ؛ وإذا غلب جانب ~~المفسدة والمضرة على جانب المصلحة والمنفعة ، كان اللازم أن يكون في خط ~~السلب ، لأن الأحكام حسب اعتقادنا تابعة للمصالح والمفاسد الغالبة في ~~مواردها ، فلا يكفي في سلبية حكم ما أن يحتوي نقطة ضعف ، بل لا بد أن تكون ~~بدرجة غالبة على نقطة القوة فيه ، وذلك ما نستوحيه من قوله تعالى : ( ~~@QUR@027 يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون ) [البقرة : 219] وفي ضوء ذلك ، نجد أن وجود السلبيات في ~~موارد الأحكام لا يفرض إلغاء الحكم ، بل لا بد من إثبات ارتفاع نسبتها على ~~نسبة الإيجابيات. ms1401 # وعلى هذا الأساس ، يمكننا أن نضع أيدينا على طبيعة هذه المسألة ، لنرى ~~كيف تلتقي الإيجابيات بالسلبيات في عملية مقارنة ، لننتهي إلى النتيجة ~~المطلوبة. فقد ذكر الباحثون عدة حالات تفرض المصلحة في تشريع التعدد. # * * * ### ||| ** الأسباب الموجبة لتشريع تعدد الزوجات ### ||| ** أولا : لأن الوحدة قد تكون مدعاة للانحراف. # منها : إن التعدد قد يكون حاجة طبيعية في بعض الحالات عند بعض الأشخاص ، ~~مما يجعل الوحدة مدعاة للانحراف ؛ كما قد نواجهه عند PageV07P050 # كثير من الأشخاص الذين يمارسون العلاقات غير الشرعية إلى جانب العلاقات ~~الشرعية بفعل الحاجة الملحة تارة ، أو بفعل وضع طارئ طورا ، بل ربما نستطيع ~~تقرير أن التعدد يمثل وضعا تاريخيا عاما في نطاق العلاقات الشرعية وغير ~~الشرعية ، والأمر الذي يعطينا الفكرة التي تعتبره حالة إنسانية عامة ، سواء ~~في ذلك المجتمعات البدائية التي لا زالت تمارسه حتى الآن ، أو المجتمعات ~~المتحضرة التي تنكر التعدد قانونا ، ولكنها تمارسه بطريقة واقعية. # أما حكاية تشجيع الشهوانية في حركة الغريزة لدى الرجل ، والاقتراب به من ~~الحيوانية بعيدا عن الجانب الروحي ، فهي حكاية تستلهم المثالية ولا تنطلق ~~من النظرة الواقعية للأشياء ؛ فإن الإسلام لم يطلب من الإنسان خنق غريزته ~~واعتبارها شرا وعيبا وانحطاطا ، بل اعتبرها حاجة طبيعية ، تماما كحاجته إلى ~~الأكل والشرب ، وعمل على تنظيمها في حدودها الطبيعية ، فلم يرد للإنسان ~~الوقوع في الحرج ليتعقد أو ينحرف ، بل أراد له الاستقامة في وضع طبيعي من ~~خلال الممارسة المتوازنة ؛ وترك له بعد ذلك حرية الاختيار بين أن يأخذ ~~بالرخصة فيلبي نداء غريزته بشكل منظم ، وبين أن يقتصر على الحد الأدنى مع ~~قدرته على الحد الأقصى بالوسائل الشرعية ؛ فإن هناك فرقا بين أن تمارس ~~الضغط على غرائزك من قاعدة الإلزام ، وبين أن تمارسها من قاعدة الرخصة ، ~~بهدف تجنب مشاعر الحرج والضيق النفسي. # أما حكاية تحويل المرأة إلى مجرد أداة لمتعة الرجال ، فهي حكاية لا تثبت ~~أمام النقد ، لأن الجنس حاجة ذاتية لكل منهما ، في حالة التعدد أو الوحدة. ~~فإذا اعتبرنا هذه الفكرة في هذا الاتجاه ، كان لا بد لنا من إلغاء ms1402 أصل ~~الزواج. # وخلاصة الفكرة ، أن الإسلام دين واقعي يعمل على حل المشكلة وفق PageV07P051 # منطق الواقع وليس وفق منطق المثاليات ، ليرتكز الحل للمشكلة على سد ~~الذرائع على الإنسان في مواجهة الانحراف. # * * * ### ||| ** ثانيا : الأخلاق الزوجية قاعدة مواجهة أي مشكل عائلي. # أما موضوع تأثير هذا التشريع على الطمأنينة والاستقرار والمودة والرحمة ~~في البيت الزوجي ، فذلك أمر لا نجد فيه كبير مشكلة ، لأن أية مشكلة طارئة ~~في أي موضوع لا بد من بحثها من خلال وضع بديل وما قد يثيره من مشكلة أخرى ، ~~لتكون المقارنة هي السبيل لترجيح أحد الموضوعين. وهذا ما نواجهه في هذا ~~المجال ؛ فإن التعدد كما قلنا ينشأ غالبا من حاجة ذاتية ، فإذا أهملناه ، ~~فإن البديل أحد أمرين ؛ الاقتصار على الوحدة مع الحالة النفسية المعقدة ~~إزاء ذلك ، أو التعدد في العلاقات غير الشرعية ، وفي كلتا الحالتين نلتقي ~~بالقلق والتعقيد وعدم الاستقرار في داخل النفس وفي حركة العلاقة الزوجية ~~كنتيجة لردود الفعل المتنوعة على ذلك ، لأنهما ينطلقان من قاعدة غير واقعية ~~وغير مستقرة. بينما يكون التعدد على أساس شرعي بمشاكله ضمانا لضبط الحاجة ~~في نطاقها الواقعي ، وتحديد المشكلة في مجال محدود ، ومحاولة حلها على أساس ~~الأخلاقيات الإسلامية التي تخفف الكثير من السلبيات من جهة ، والاستمرار في ~~التعامل مع الأمر الواقع الذي يعتاد الإنسان معه التعايش مع المشكلة من جهة أخرى. PageV07P052 # وربما نستطيع أن نعالج المسألة من وجه آخر ، فإن أخلاقية الزوجين هي ~~الأساس في مواجهة مشاكل الحياة الزوجية حتى في حالة الوحدة ، فقد تتعقد ~~الحياة وترتبك بينهما مع الأخلاق السلبية في نطاق العلاقة الواحدة ، وقد ~~تستقيم وتستقر وتتضامن مع الأخلاق الإيجابية في نطاق التعدد. فإن الوحدة ~~والتعدد يعتبران من الحالات الخارجية للعلاقة مما يجعل من موضوع معالجتهما ~~قضية منفتحة على أكثر من حل. # * * * ### ||| ** ثالثا : ارتباك الوضع العائلي الاقتصادي ليس قاعدة عامة # أما ارتباك الواقع الاقتصادي في نطاق التعدد ، فهو أمر لا يحصل مع كل ~~الظروف والأشخاص ؛ فقد يعيش بعض الناس حالة من السير تنسجم مع مسئوليات ~~التعدد ، وقد يندفع بعض آخر إلى ms1403 تنمية موارده الاقتصادية بطريقة واقعية لا ~~حرج فيها من خلال ذلك ؛ وربما يتحرك التعدد في إنقاذ العائلة من الارتباك ~~الاقتصادي الذي تحدثه المصارف غير المحدودة التي تبذل في العلاقات غير ~~الشرعية التي تكون البديل عن التعدد الشرعي. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الإسلام ~~يدفع الإنسان إليا لاكتفاء بالعلاقة الواحدة في حالة العسر التي تجعل ~~الإنفاق على أكثر من زوجة أمرا حرجا ، وتمنعه من العدل في النفقة ، فإننا ~~نصل إلى النتيجة الحاسمة التي تضع القضية في إطارها الطبيعي الذي يعيش معه ~~الإنسان في حالة اليسر لا في حالة العسر. # * * * PageV07P053 ### ||| ** رابعا : ليست كثرة النسل قيمة سلبية دائما # أما موضوع كثرة النسل وتأثيره على الواقع الاقتصادي للعائلة وللأمة ، ~~فإنه حديث يلتقي بأكثر من جانب مع حركة الواقع ، فقد تحتاج الأمة في بعض ~~ظروفها إلى الكثرة ، وقد تفرض عليها ظروفها القلة ، وقد يأتي ظرف آخر ليفرض ~~حالة من التوازن بين الأمرين ، فليست الكثرة قيمة سلبية دائما وليست القلة ~~قيمة إيجابية دائما ؛ بل هي ، ككل القيم التي تستمد عناصرها من خارج الذات ~~، خاضعة للظروف الموضوعية المحيطة بالساحة ؛ وهذا ما نواجهه في واقعنا ~~المعاصر الذي نجد فيه بعض الدول حتى المتحضرة تمنح الامتيازات المادية ~~للعائلة الكبيرة ، انطلاقا من حاجتها إلى النمو العددي للأمة ، مع وفرة ~~مواردها الاقتصادية ، بينما نجد بعض الدول الأخرى ، الغارقة في مشاكل ~~اقتصادية كبيرة ، تمارس نوعا من الحرب على تكثير النسل لتحفظ اقتصادها من ~~الانهيار. # وهناك نقطتان لا بد من إثارتهما في هذا الجانب من الحديث : # الأولى : إن التعدد لا يلتقي أبدا مع كثرة النسل ، فقد تستوي الكثرة مع ~~الوحدة في حالات فقدان الضوابط لتنظيم النسل ؛ فإذا لاحظنا وجود الوسائل ~~الشرعية المتنوعة لتنظيم الأسرة في هذا المجال ، أمكننا السيطرة على ~~الموضوع في حالتي الوحدة والتعدد وإلغاء المشكلة من الأساس. # الثانية : إن هناك في عقيدة المؤمن ، جانبا غيبيا يلتقي فيه بالله الذي ~~يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، فإن الله ينزل المؤونة على قدر المعونة ، ~~فلا تخضع المسألة للحسابات المادية فحسب ، بل هناك ms1404 أكثر من جانب غيبي يحرك ~~الواقع إلى أكثر من حل في نطاق رحمة الله. # * * * PageV07P054 ### ||| ** خامسا : النتائج التربوية تتبع الظروف الذاتية والموضوعية # أما موضوع التربية وتركيزها في حالات القلة بخلاف حالة الكثرة ، فإنه ~~يختلف في نتائجه الإيجابية والسلبية ، تبعا لاختلاف الظروف المحيطة بالشخص ~~وبالواقع ، فقد نجد هناك انحرافا تربويا في حالة الولد الواحد يقابله ~~استقامة في التربية في حالة كثرة الأولاد ، لأن الإمكانات الذاتية تبعا لما ~~يملكه الإنسان من جهد أو مال أو جاه أو ظرف عام ، قد تتيح له التركيز في ~~التربية بما لا يتاح له ذلك في حالات أخرى ؛ مما يجعل المسألة تابعة ~~للأوضاع الخارجية المحيطة بالإنسان بحسب ظروف الواقع. # * * * ### ||| ** التعدد حل لكثير من المشاكل # وقد يثير القائلون بالتعدد مشاكل واقعية كثيرة أمام مبدأ الوحدة في ~~الزواج منها : الدعوة القائلة بأن الإحصائيات تثبت بأن عدد النساء يفوق عدد ~~الرجال طبيعيا ، مما يجعل قسما من النساء لا يملك فرص الزواج في حالات ~~الوحدة. # ومنها : الحروب التي تفني الرجال بأعداد كبيرة أكثر بكثير مما تفنيه من ~~النساء ، لأن الرجال هم الفئة المقاتلة في أغلب الظروف ، بينما تعمل النساء ~~حتى في حالات الحرب في ظروف أكثر أمنا وأقل خطورة ؛ الأمر الذي PageV07P055 # يجعل الحرب مصدرا كبيرا من مصادر المشكلة لمبدأ الوحدة ، وقد قيل إن بعض ~~الأشخاص في مجلس النواب الألماني طالب بتشريع التعدد في الزواج ، لمواجهة ~~الحالة المفجعة التي أثارتها الحرب العالمية الثانية في قلة عدد الرجال ~~بالنسبة إلى النساء. # ومنها : حالة العقم التي تكون لدى الزوجة في الوقت الذي يعيش فيه الإنسان ~~الشعور بالحاجة إلى الأبوة ، ولا يريد الانفصال عن زوجته لوجود الانسجام ~~بينهما ؛ ولا شك أن التعدد هو الحل الطبيعي لمثل هذه الحالة. # وهناك أكثر من جانب من الجوانب الواقعية التي تخلق المشاكل أمام مبدأ ~~الوحدة ، وتجعل من التعدد حلا طبيعيا أقرب إلى الطبيعة الإنسانية الخاضعة ~~في ذاتها إلى نوازع وحاجات جسدية وروحية لا بد للإنسان من تلبيتها ، فيما ~~إذا أراد الانسجام مع حالة التوازن النفسي التي تفرضها الحاجة إلى ~~الاستقرار. ms1405 # * * * ### ||| ** لماذا التعدد للرجل دون المرأة؟ # قد تثار هذه القضية من خلال سؤال يفرض نفسه هو ، لماذا أباح الإسلام ~~للرجل أن يعدد في زوجاته ، ولم يبح للمرأة أن تعدد في الأزواج؟ # ونجيب عنه في نقطتين : # النقطة الأولى : إن نظام الأسرة الأبوي ، القائم على أساس شخصية الأب ~~كوجه أصيل للأسرة ، هو نظام أساسي في الإسلام ، وربما كان أساسيا في الواقع ~~الإنساني كله ، وإذا كان التاريخ قد عرف في بعض مراحله نظام الأسرة الأمومي ~~إن صح التعبير أي النظام الذي تحكمه الأم ويكون الأب تابعا في القيام على ~~شؤون الأسرة ، فإن ذلك يعتبر حالة شاذة لا عامة. PageV07P056 # وقد تبنى الإسلام هذا النظام الأبوي ، فاعتبر الأب قواما على الأسرة ~~وأساسا للانتماء ومسئولا عن الأمور الحياتية ، وليس معنى ذلك إلغاء دور ~~الأم أو نسبها ، بل اعتباره ثانويا من هذه الجهات. وفي ضوء ذلك لا يمكن ~~الإقرار بتعدد الأزواج ، لأنه يخلق لنا مشكلة انتماء الأولاد فتضيع ~~الأنساب. # وقد جاء في الميزان عن محمد بن سنان أن الإمام الرضا عليه السلام كتب إليه ~~أي للمأمون في ما كتب من جواب مسائله : «علة تزويج الرجل أربع نسوة وتحريم ~~أن تتزوج المرأة أكثر من واحد ، لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد ~~منسوبا إليه ، والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن ~~هو ، إذ هو مشتركون في نكاحها ، وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف» (1). # أما الجواب عن السؤال التالي ، وهو لماذا يحافظ الإسلام على النظام ~~الأبوي للأسرة؟ فقد نتحدث عنه فيما يأتي من حديث ، وكنا قد ألمحنا إليه عند ~~الحديث عن بعض جوانب التفسير في سورة البقرة ؛ فإن للإسلام مبرراته ~~الإنسانية والاجتماعية المرتكزة على أساس مصلحة الوجود الإنساني في الكون. # النقطة الثانية : إن التشريع لا بد من أن ينشأ عن حاجة ملزمة في الحياة. ~~وقد تحدثنا ، في ما قدمناه من حديث ، عن الأسس التي ارتكز عليها تشريع تعدد ~~الزوجات من خلال الواقع ومن خلال نداء الطبيعة ، حتى أننا قررنا الفكرة ~~التي تقول إن ms1406 تاريخ الإنسان هو تاريخ التعدد في العلاقات الجنسية من طرف ~~الرجل ، سواء في ذلك العلاقات الشرعية وغير الشرعية ، مما يوحي بأن الوحدة ~~في ذلك لا تعتبر حلا للمشكلة ؛ فلا بد من تجاوز هذا العلاج إلى غيره. PageV07P057 # أما تعدد الأزواج للمرأة فهو حالة شاذة تاريخيا ، حتى لدى القبائل ~~البدائية التي وقف عندها التاريخ ، فلا حاجة إلى أن يقف عندها التشريع ~~ليخطط لها القوانين والأحكام. فإذا اقتربنا من مبررات التعدد ، فإننا نجد ~~من بينها أوضاع الحروب التي تفني الرجال بنسبة أكبر مما تفني النساء ، مما ~~يجعل من كثرة النساء وقلة عدد الرجال حالة طبيعية تفرض التعدد في علاقات ~~الرجل بالمرأة دون العكس ، وذلك لحل مشكلة المرأة الجنسية والروحية الباحثة ~~عن العلاقة الطبيعية بالرجل. # وهناك نقطة أخرى جديرة بالبحث والتأمل ، وهي أن غريزة الرجل تدعو إلى ~~التعدد أكثر من غريزة المرأة ، لأن عنصر الإثارة لدى الرجل أشد وأسرع من ~~عنصر الإثارة لدى المرأة ؛ فان تأثر المرأة بالعوامل التي تثير الغريزة ~~يحتاج إلى إعداد نفسي وجسدي أكثر مما يحتاجه الرجل ؛ حتى أن الرجل يبلغ ~~حاجته ، في ما يسمى بذروة الشهوة في العلاقة الجنسية ، قبل أن تبلغها ~~المرأة بوقت قصير ، مما يؤدي إلى مشاكل نفسية وجسدية للمرأة عند ما لا تحس ~~بالاكتفاء في العلاقة بالمستوى الذي يحس به الرجل. وقد نستفيد من ذلك أن ~~عنصر الإثارة لدى المرأة ليس إيجابيا بالمستوى الموجود لدى الرجل. وربما ~~نلمح في خطوات الواقع ، أن الرجل هو الذي يلاحق المرأة ، ويهيئ لها أجواء ~~الانحراف على أساس نداء الغريزة ، بينما نجد أن إغواء المرأة للرجل يخضع في ~~كثير من الحالات لعوامل اقتصادية أو غير ذلك من العوامل الخارجية. # وقد عاشت بعض البلدان الأوروبية والأمريكية ما يشبه تعدد الأزواج ~~والزوجات ، في ما يسمى بعملية الزواج الجماعي الذي يلتقي فيه عدة من النساء ~~والرجال على حياة زوجية مشتركة ، ولكن الواقع أثبت فشل التجربة ، لأنها ~~خلقت لهم أكثر من مشكلة ، ولم تستطع منحهم الشعور بالرضا PageV07P058 # والسعادة النفسية لا سيما بالنسبة إلى المرأة. # وقد نلاحظ ms1407 أن المرأة تميل إلى العلاقات الموحدة أكثر من ميلها إلى ~~العلاقات المتعددة ، ولهذا نجد ظاهرة الوفاء في العلاقات الجنسية لدى ~~المرأة أكثر منها لدى الرجل ، لأنها تشعر بالاكتفاء بالعلاقة الواحدة في ~~حالتها الطبيعية ، في ما يحققه ذلك من عوامل الإثارة لديها ، بينما لا نجد ~~ذلك الشعور نفسه لدى الرجل. وعلى ضوء ذلك كله ، نقف أمام الحقيقة الواقعية ~~التي تفرض الحاجة إلى التعدد لدى الرجل من ناحية الغريزة والأوضاع ~~الإنسانية العامة ، مما يجعل من ذلك قضية في حجم الظاهرة التي يجب أن ~~يواجهها التشريع بالحل العملي ؛ ولا نجد ذلك لدى المرأة ، بل كل ما هناك ~~وجود حالات طارئة سريعة لا تفرض الاهتمام الكبير. # * * * ### ||| ** انسجام التشريع وحاجات البشر الطبيعية # وهكذا نجد التشريع الإسلامي يواجه الواقع بحلوله للمشاكل المعقدة من موقع ~~الحاجة الطبيعية للإنسان ، لأنه لا يشرع للملائكة بل يشرع للبشر. وكان ~~التعدد حلا طبيعيا لمشكلة الرجل والمرأة معا من الناحية الجنسية ~~والاجتماعية. ولما كانت القضية تعيش في نطاق الرخصة لا في دائرة الإلزام ، ~~كان من الممكن للإنسان أن يمارس حريته من خلال ظروفه ، ليصل بذلك إلى حدود ~~التوازن في حياته ؛ فقد يجد المصلحة في الوحدة ، وقد يجدها في التعدد ، وقد ~~يجدها في عدم الزواج ، مما يجعل الإنسان يمارس واقعه على أساس شرعي ، يبتعد ~~به عن الأوضاع غير الشرعية في أي ظرف PageV07P059 # من ظروفه ، ويدفعه إلى مواجهة الواقع بإيجابيات الشريعة ، بعيدا عن ~~سلبيات الانحراف. # وقد يكون من الضروري مواجهة التقييم الفكري والعملي للعلاقات من منطق ~~الأحكام الشرعية ، فنحترم الممارسات التي تقوم على هذا الأساس ، وتنسجم مع ~~أخلاقيات الشريعة ، مهما كانت بعيدة عن التقاليد الاجتماعية المستمدة من ~~قواعد فكرية غير إسلامية ، كما نلاحظ في بعض ملامح الواقع الذي نعايشه في ~~العصر الحاضر ، تأثرا بالقيم المسيحية المثالية التي تؤكد على الرهبنة ~~والبعد عن الغرائز كقيمة روحية أساسية ، فتعتبر الإنسان الذي يخنق غريزته ~~إنسانا قدسيا ، بينما ترى في الإنسان الذي يستجيب لغرائزه بشكل طبيعي ~~إنسانا لا يرقى إلى مستوى القيمة. وعلى هذا الأساس تعتبر موضوع التعدد ms1408 في ~~العلاقات الجنسية حالة شهوانية لا تليق بالإنسان المؤمن الذي يريد أن يعيش ~~القيم الروحية في حياته ، من خلال ما تمثله قيم الزهد والترفع عن الشهوات ~~والتنكر للحياة المادية وما شابه ذلك من مفاهيم. # ولكن الإسلام لا يستجيب لهذا المنطق ، ولا يتبنى هذه المفاهيم ، فقد ~~اعتبر الغرائز التي أودعها الله في كيان الإنسان أمورا طبيعية لا بد ~~للإنسان من ممارستها بطريقة متوازنة ؛ فلكل غريزة جوع وظمأ ، وللإنسان ~~إشباع جوعه ، وإطفاء حرارة ظمئه ، تماما كما هي الحاجات الطبيعية الجسدية. ~~فلا يكون العمل على أساس ذلك ضد القيمة ، ولا تكون الشهوانية المعتدلة شيئا ~~سيئا في حياته ، ولا يعتبرها الإسلام شيئا منافيا للروحانية ، لأن روحانية ~~الإسلام لا تتمثل في ابتعاد الإنسان عن حاجات الجسد ، بل في عدم الارتفاع ~~بها إلى مستوى القيمة الأساسية في الحياة ، وفي الوقوف أمامها بإرادة حرة ~~قادرة أن تقول لا ، وأن تقول نعم ، من دون الخضوع للضغوط الدافعة إلى ~~الانحراف ؛ فلا تستعبدها الحاجات ، إذا وقفت الحياة لتخير الإنسان بين ~~السير مع مبادئه PageV07P060 # وبين الخضوع لضغط الشهوات. وهذا هو المعنى الحقيقي للزهد ، في ما يمثله ~~من مشاعر نفسية يملك فيها الإنسان التحرر من الارتباط بالمادة الذي يشبه ~~حالة الاستعباد ؛ وتلك هي الروحانية الداخلية التي تجعلك تواجه الحياة من ~~موقع القدرة على التحكم في حركتها من حولك. فليس الجوع في ذاته قيمة روحية ~~، وليس البعد عن الشهوات في ذاته معنى روحيا ، إلا في ما يمثله من حركة ~~الإرادة الواعية في رفض المنكر أو التدرب على مواجهته ، من أجل أن يقربك ~~ذلك من الله ، من خلال ما يمثله من ممارستك لحريتك بين يديه. # وعلى هذا الأساس ، نجد أن تعدد الزوجات ليس ضد القيمة ، كما أن الوحدة ~~فيها ليست هي القيمة ، بل هي حاجة طبيعية يمكن للإنسان أن يعيشها على أساس ~~ظروفه الذاتية ، في ما يحيط به من الظروف الداخلية والخارجية ؛ فله أن يعدد ~~من موقع الإرادة ، وله أن يوحد من ذلك الموقع ، ليكون بذلك قريبا من الله ~~في كلتا الحالتين ، لأنه يتحرك ms1409 على هذى التشريع الذي يرى في الأخذ بالرخصة ~~التزاما إسلاميا ، كما يرى في الالتزام بالإلزام التزاما بالخط الإلهي ~~السليم. # * * * ### ||| ** ارتكاز العلاقات الإنسانية على قيمة العدل # ( @QUR@05 فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) لا بد في كل علاقة إنسانية من ~~الارتكاز على أساس العدل ، سواء في ذلك العلاقات الزوجية وغيرها ، لأن الله ~~يريد للحياة أن تتحرك في خط العدل ؛ ولذلك كان التعدد مشروطا بالعدل في ~~مواجهة الإنسان لمسؤولياته والتزاماته تجاه زوجاته ، فليس له إهمالهن في ما ~~يجب لهن من حقوق عليه. وقد يكون من الأقرب للتقوى ، دراسة الإنسان إمكاناته ~~قبل الدخول في هذه التجربة ؛ فإذا رأى في نفسه القدرة على الوفاء ~~بالتزاماته PageV07P061 # الشرعية ، أقدم على ذلك ؛ أما إذا لم تتضح له المسألة ، وخاف أن لا يقدر ~~على العدل من خلال الظروف الخاصة والعامة ، فالأفضل له الاكتفاء بواحدة ، ~~لأن ذلك أقرب إلى التقوى وإلى الانسجام مع إمكاناته المادية ، فلا يثقل على ~~نفسه بأكثر مما يستطيع. # * * * ### ||| ** هل العدل شرط في صحة الزواج المتعدد؟ # وقد يثأر سؤال ، هل العدل أو إمكاناته شرط في صحة العلاقة الزوجية ~~المتعددة ، فلا يصح العقد على أكثر من واحدة إذا خاف الإنسان من نفسه عدم ~~العدل؟ أم أنه ليس شرطا في الصحة ، ولكنه شرط في الانسجام مع خط التكليف ~~الشرعي ، من دون مساس بالجانب القانوني للعقد؟ # ونجيب عن ذلك أن المسألة ربما تبدو ، ظاهر الأمر ، كما لو كان العدل شرطا ~~قانونيا لصحة العقد ونفوذه ، لأن الله لم يرخص في التعدد في حالة الخوف من ~~عدم العدل ؛ ولكن العلماء أقروا بصحة العقد في جميع الحالات ، ولم يحكموا ~~بفساد العقد في حالة اكتشاف عدم القدرة على النفقة التي يتوقف عليها العدل ~~، وربما كان الوجه في ذلك أن الفقرة الأخيرة في الآية ( @QUR@04 ذلك أدنى ~~ألا تعولوا ) تفيد بأن الاشتراط جار مجرى الإرشاد والنصيحة وليس جاريا مجرى ~~الإلزام الشرعي القانوني ، لأن الإقدام على التعدد مع خوف عدم العدل يعرض ~~الإنسان لمشاكل شرعية في حركة العلاقة ، ويدخله في أوضاع اقتصادية ثقلية ~~قلقة ؛ والله العالم بحقائق أحكامه. ms1410 # * * * PageV07P062 ### ||| ** كيف نوازن بين هذه الآية وبين الآية التي تنفي إمكانية العدل؟ # وقد يثأر أمامنا سؤال آخر : إن مقارنة هذه الآية بالآية الكريمة ( ~~@QUR@014 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة ) [النساء : 129] ، تؤدي إلى النتيجة التالية ، وهي أن ~~الله سبحانه قد حرم التعدد لأنه ربطه بشرط العدل الذي أفادت الآية الثانية ~~عدم استطاعة الإنسان الوقوف عند خطه في ذلك ، حتى في حالات الحرص التام على ~~القيام به ، مما يوحي بأن التشريع مقيد بقيد لا يمكن أن يتحقق ، فيكون ~~بمثابة الأسلوب اللبق في إلغاء الرخصة بطريقة غير مباشرة. # ونجيب عن ذلك : # أولا : بما ألمحنا إليه آنفا ، من أن الشرط وارد في مقام الاحتياط للوضع ~~الشرعي والاقتصادي للإنسان ، وليس واردا مورد الإلزام القانوني. # وثانيا : إن العدل ، الذي أخذ شرطا في هذه الآية يراد به العدل في النفقة ~~، بينما يراد من العدل في الآية الثانية العدل في المحبة والميل القلبي ، ~~وذلك من خلال قوله تعالى : ( @QUR@06 فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ~~... ) فإنه يمثل النهي عن الانحراف مع الحالة العاطفية ، إلى المستوى الذي ~~يصل إلى حد الهجران بحيث تصبح المرأة معلقة ، لا مزوجة ولا مطلقة ؛ بل إن ~~هذا التأكيد على طبيعة المدى ، الذي يجب أن تعيش معه العلاقة ، يمثل إقرارا ~~بشرعية العلاقة. وقد ورد هذا التفريق في تفسير كلمة العدل في الآيتين ، في ~~بعض كلمات أئمة أهل البيت عليه السلام . # جاء في تفسير العياشي نقلا عن الميزان عن هشام بن سالم عن أبي PageV07P063 # عبد الله عليه السلام في قول الله ( @QUR@08 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم ) [النساء : 129] ، قال : في المودة (1). # وفي الكافي بإسناده عن نوح بن شعيب ومحمد بن الحسن قال : سأل ابن أبي ~~العوجاء هشام بن الحكم ، فقال له : أليس الله حكيما؟ قال : بلى ، وهو أحكم ~~الحاكمين قال : فأخبرني عن قوله عز وجل : ( @QUR@014 فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) أليس هذا فرض؟ قال : ~~بلى ، قال : فأخبرني عن قوله ms1411 عز وجل : ( @QUR@012 ولن تستطيعوا أن تعدلوا ~~بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) [النساء : 129] ، أي حكيم ~~يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب. # فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله عليه السلام ، فقال : يا هشام في غير ~~وقت حج ولا عمرة؟ قال : نعم ، جعلت فداك لأمر أهمني ، إن ابن أبي العوجاء ~~سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء ، قال : وما هي؟ قال : فأخبره بالقصة. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام : أما قوله عز وجل : ( @QUR@014 فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) يعني ~~في النفقة ، وأما قوله ( @QUR@014 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) [النساء: 129] ، يعني في ~~المودة. # قال : فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب وأخبره ، قال : والله ما هذا من ~~عندك (2). # أقول : وروي أيضا نظير الحديث عن القمي ، أنه سأل بعض الزنادقة أبا PageV07P064 # جعفر الأحول عن المسألة بعينها ، فسافر إلى المدينة فسأل أبا عبد الله ~~عليه السلام عنها ، فأجابه بمثل الجواب ، فرجع أبو جعفر إلى الرجل فأخبره ~~فقال : هذا حملته من الحجاز (1). # وفي المجمع في قوله تعالى : ( @QUR@02 فتذروها كالمعلقة ) أي تذرون التي ~~لا تميلون إليها كالتي هي لا ذات زوج ولا أيم. عن ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة وغيرهم ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام (2). # * * * ### ||| ** ملك اليمين # ( @QUR@04 أو ما ملكت أيمانكم ) لما كانت الحقوق الشرعية الإلزامية ~~للزوجة تختلف عن حقوق ملك اليمين ، كان التعدد في العلاقات الزوجية موجبا ~~للخوف من الانحراف عن خط العدل ؛ ولذلك فإن بإمكان الإنسان تلبية حاجاته ~~الغريزية مع التعدد في ملك اليمين ، ليبتعد عن الانحراف عن القيام بواجباته ~~الشرعية ، لأن هذه العلاقة أكثر بساطة من علاقة الزواج. # أما الحديث عن شرعية ملك اليمين ، ودلالته على تشريع الإسلام للرق ، فإن ~~هذا كلام سوف نفيض فيه إن شاء الله في ما نستقبله من تفسير الآيات التي ~~تتحدث عن الرق للرجال والنساء ؛ وسوف نجد أن الإسلام قد جاء إلى ms1412 واقع يعيش ~~فيه نظام الرق ، كوجه من وجوه الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، فلم يجد من ~~الحكمة لسلامة التشريع أن يبادر إلى إلغائه دفعة واحدة ؛ بل عمل على تجفيف ~~منابع الرق ، ولم يبق إلا رق PageV07P065 # الحرب ، لأنه يمثل قانون المعاملة بالمثل ، مع انفتاح على إمكانات أخرى ~~تجعل لولي الأمر أن يملك الاختيار بين الاسترقاق والفداء ، في نطاق المصلحة ~~الإسلامية العليا. وعمل بعد ذلك على فتح باب العتق ، باعتباره من أفضل ~~الأعمال التي تقرب الإنسان إلى الله ، وبالإيحاء بأنه يمثل الكفارة عن ~~الذنب في صغائر الأمور وكبائرها ؛ وبالتأكيد على بعض الأوضاع القانونية في ~~علاقة الإنسان بالرقيق ، وذلك في مثل الاستيلاد للأمة التي تتحرر بذلك من ~~نصيب ولدها ، وفي مثل المكاتبة على أساس مبلغ معين يدفعه العبد ، وغير ذلك ~~من الموارد التي نجد الكثير منها في حركة الحرية في التشريع. # وقد نستطيع وضع أيدينا على واقعية التشريع ، في وصوله إلى هدفه الأساسي ~~من إلغاء الرق في حياة الناس ، وذلك من خلال ملاحظة الواقع الذي عاشه ~~المسلمون ، ولا يزالون يعيشونه في العصور المتأخرة والأخيرة. فليست لدينا ~~مشكلة رق تستدعي القيام بثورة تحرير للعبيد ، لأن التشريع الذي أطلق ~~الممارسات الشرعية للتحرير ، في نطاق العمل الفردي للإنسان ، كان ثورة ~~هادئة تتحرك في اتجاه الوصول إلى أهدافها بكل هدوء وتركيز وإيمان ، من دون ~~أية حاجة إلى القيام بالاستعراضات القانونية والاجتماعية ، كما يفعل ~~الآخرون. # إن الإسلام يتحرك في مجال تغيير الواقع ، من القاعدة الداخلية للإنسان ~~التي تربط حياته بهدف الحصول على رضا الله والرغبة العميقة في القرب منه ، ~~وتوجهه نحو تحقيق هذا الهدف في نطاق الخطوات التشريعية الواقعية التي تدخل ~~في مفردات حياته اليومية الخاصة ، لتنطلق الفكرة من خلال الممارسة الشرعية ~~في خطة حكيمة هادفة. # وربما كان الأساس في ذلك ، هو أن قيمة أي هدف تشريعي ، تتمثل PageV07P066 # الروحية التي تعيش في داخل الذات ، من أجل انطلاق التغيير من موقع ~~القناعة في عملية مساهمة ذاتية في الوصول إلى الهدف ، بعيدا عن أي ضغط ~~خارجي ، لأن الضغط وحده قد يحقق حركة ms1413 التشريع في الواقع بقوة ، ولكنه لا ~~يبني العلاقات الروحية والاجتماعية في إطار الحياة الداخلية التي يعيشها ~~الناس. وقد نستكشف ذلك من ملاحظة الروحية التي تعيشها بعض الشعوب المتمدنة ~~كأوروبا وأميركا ضد السود ، انطلاقا من الشعور بسيادة اللون الأبيض على ~~اللون الأسود ، المنطلقة من تاريخ استعباد البيض للسود ، وفقدان القناعة ~~بالواقع القانوني الذي شرع تحرير العبيد. أما الإسلام ، فقد أطلق النظرة ~~الإنسانية في المفهوم الإسلامي في قضية الرق ، فلم يفرق بين الحر والعبد في ~~الموقع الإنساني ، بل كان التفريق في حركة القانون ، فإذا فقد القانون ~~ساحته بالانتقال إلى مجال الحرية ، كانت العلاقات الإنسانية بين الناس ~~طبيعية ، لأنها لم تتحرك من عمق المفهوم الداخلي ، بل تحركت من سطح الطبيعة ~~القانونية للعلاقة. # * * * # ( @QUR@04 ذلك أدنى ألا تعولوا ) ربما كان المراد من العول هو الانحراف ~~عن خط الحق ، لأن الإنسان الذي يقف عند حدود قدراته الذاتية ، يستطيع أن ~~يستقيم على طريق الله ؛ أما الذي يتجاوز قدراته ، فإنه سوف يسقط في التجربة ~~الصعبة ويسير في النهاية على أساس خط الانحراف. ولعل هذه الفقرة تعطينا ~~الفكرة التي ألمحنا إليها ، وهي أن الاشتراط وارد على أساس الاحتياط ، ~~للانسجام مع أوامر الله ونواهيه ، وليس جاريا مجرى الإلزام القانوني ؛ ~~والله العالم. # * * * PageV07P067 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صدقاتهن ): مهورهن ، جمع صدقه ، يقال : إنه سمي بذلك لدلالته ~~على صدق الرغبة ، فهو رمز للصدق. # ( @QUR@01 نحلة ): هدية وهبة ، لأن النحلة عطية تكون على غير جهة ~~المثامنة. # ( @QUR@01 طبن ): طيبا مساغا ، من الهناء ، وهو سهولة الهضم وقبول الطبع. # ( @QUR@01 مريئا ): محمود العاقبة ، تام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي ، ~~فيكون الطعام الطيب بشرطين : الأول سهولة الهضم ، والثاني : جودة العاقبة. # * * * ### ||| ** مهور النساء # في هذه الآية يتابع القرآن حديثه عن العلاقة الزوجية ، في خط العدل ، في ~~بعض الالتزامات المالية اللازمة للمرأة على الرجل ، ليؤكد الحقيقة PageV07P068 # الإيمانية التي توجه الإنسان إلى اعتبار هذه العلاقة مسئولية شرعية ~~قانونية ، هدفها الحصول على رضا الله ؛ لئلا يخيل للرجل أن موقعه داخل ms1414 هذه ~~العلاقة يبرر له التصرف دون تحمل المسؤولية ، ليرجع إلى الإحساس بإنسانية ~~العلاقة التي تجعل لأي من الطرفين حقا لا يملك الآخر أن يعتدي عليه ، سواء ~~كان الحق مالا أو غيره ، فإذا تنازل عنه بطيب نفسه ، كان للآخر أن يتصرف ~~فيه بما يشاء. # وقد عالجت هذه الآية موضوع المهر ، فأعطته الصفة التي لا ترهق إنسانية ~~الإنسان في المرآة ، فلم تعتبرها ثمنا وعوضا كما يخيل للبعض أن يراه كذلك ~~بل اعتبرته نحلة ، وهي العطية التي يمنحها الإنسان للآخر من دون مقابل ، ~~لتكون رمزا للمحبة والمودة ؛ ولهذا لم يجعل له الإسلام الدور الكبير في ~~التقييم ، خلافا للتقاليد الاجتماعية البالية التي تحاول أن تجعل كمية ~~المهر مقياسا لقيمة المرأة ، تبعا لما تتصف به من مركز اجتماعي ، ولم يحاول ~~التدخل في ذلك ، بل ترك أمر الإنفاق عليه للزوجين بالاستناد إلى أوضاعهما ~~المالية والاجتماعية والعاطفية. فيمكن أن يكون المهر قنطارا ، كما عبرت بعض ~~الآيات ، ويمكن أن يكون سورة من القرآن ، كما فعل الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم في تزويجه لبعض أصحابه الفقراء (1)؛ ولكنه لم يترك ~~القضية على إطلاقها ، بل تدخل في المسألة ليثير فيها الجانب الأخلاقي الذي ~~يجد في كثرة المهر عملا لا يتناسب مع كرامة المرأة ، وذلك كما ورد به الحديث PageV07P069 # المأثور : «شؤم المرأة كثرة مهرها» (1). # وربما يربط بعضهم مسألة المهر بعدم الاستقلال الاقتصادي للمرأة ، فإذا ~~كانت مستقلة فلا يبقى للمهر معنى. ولكن هذه الملاحظة ليست دقيقة ، لأن ~~المهر في طبيعته المادية المتحركة ، لا يمثل الثروة التي تحصل عليها المرأة ~~لتأمين حياتها المستقبلية ، لا سيما إذا كان الغالب فيه أن المرأة تستخدمه ~~في شراء بعض حاجاتها في نطاق الحياة الزوجية في زينتها وأوضاعها الخاصة ، ~~مما يوحي بأنه مجرد رصيد مالي لتلبية حاجاتها التي ربما تدخل في ترتيب ~~البيت الزوجي تماما ، كما هو الحال في الهدايا التي يقدمها الزوج إليها قبل ~~أو بعد الزواج كتدليل على محبته لها واهتمامه بحاجاتها ، مما لا نجد هناك ~~أي رفض له على مستوى القيمة السلبية ، بل قد نجد ms1415 مطالبة له بحيث إن امتناعه ~~عنه أو لا مبالاته به يمثل نقصا في المحبة وإهمالا للعلاقة الزوجية. # إن الإسلام لم يزد على هذه الحال إلا أنه جعل الهدية ملزمة في عقد الزواج ~~كما جعل للمرأة التي لا تريد المهر ، في إيحاءاته النفسية والاجتماعية أن ~~يكون ثمنا لها أو أجرة على استمتاع الزوج بها ، الحرية في الاكتفاء بالمهر ~~الرمزي ، لأن المسألة تابعة لاختيارها. وقد لاحظنا في الحديث الشريف عن ~~الشؤم في غلاء المهر أن الإسلام يشجع على تقليل المهر لرفع العبء عن الزوج ~~من جهة ولإبقاء المهر في معناه الرمزي بدلا من المعنى الاجتماعي المتعارف. # * * * PageV07P070 # وهناك نقطة أخرى ، وهي أن الآثار المترتبة على الزواج بالنسبة للمرأة ~~كالأمومة ومتطلباتها ، قد تفرض عليها البحث عن فرصة لتحقيق نوع من التأمين ~~المادي عند ما تفقد إمكانات العمل أو تواجه التعقيدات فيها ، كما نلاحظه في ~~كثير من الحالات التي تختلف فيه أوضاع العمل للمرأة عن الرجل ، باعتبار أن ~~فرص العمل للرجل قد تكون أكثر من المرأة ، لا سيما إذا تقدمت بها السن ، ~~ولم تعد تملك المواصفات التي ترى فيها المجتمعات المنحرفة فرصة لاجتذاب ~~الزبائن أو نحو ذلك ، فقد جعل الإسلام لها الفرصة الاجتماعية لأن تطلب من ~~زوجها أن يدفع لها تأمينا مستقبليا وهو المهر المؤجل ليتفاهما عليه ، لتشعر ~~بالثقة بالمستقبل في الحالات التي تفقد زوجها بالموت أو بالطلاق من دون أن ~~يكون لها مورد اقتصادي ثابت أو متحرك في ظروفها الخاصة ، مما يمكن أن يهيئ ~~لها المجال لتبدأ العمل من خلال رأس المال الذي تملكه لرعاية نفسها أو ~~أولادها. # إن الاستقلال الاقتصادي لا ينفي الحاجة إلى تأمين المستقبل في الحالات ~~الطارئة ، وهذا ما نلاحظه في تشريع التأمين على الحياة في القوانين الحديثة ~~على أساس الحاجات لتعزيز الشعور بالثقة في المستقبل الذي قد يحمل بعض ~~التعقيدات المادية الصعبة. # ولا بد من التوقف عند الملاحظة الحيوية ، وهي أن المسألة بالنسبة إليها ~~لا تمثل إلزاما بالمهر الكثير الذي قد يوحي بالمعنى السلبي في معنى ~~إنسانيتها ، بل هو خيار ms1416 ذاتي لها ، فيكون لها اختياره عند الشعور بالحاجة ~~إليه في مستقبل أمرها ، ويمكن لها إهماله أو رفضه إذا لم تجد حاجة إليه ، ~~تماما كأية حالة اجتماعية يملك فيها الإنسان أي إنسان الحصول من الآخرين ~~على بعض الموارد المالية من خلال رغبتهم به أو حاجتهم في الأوضاع الطبيعية ~~الإنسانية. PageV07P071 # وربما علل البعض مسألة المهر بأن الطلاق بيد الرجل ، فليس للمرأة ضمان في ~~حياتها المشتركة ، وهكذا منحت المرأة حقا بمطالبة الرجل بوثيقة مالية مضافا ~~إلى ثقتها الشخصية ، فإذا ألغينا حق الرجل بالطلاق وجعلناه خاضعا لإرادة ~~مشتركة فقد المهر فلسفته الوجودية. ولكن هذا التعليل ليس واقعيا ، لأن ~~الملحوظ في المهر غالبا أن المرأة تستهلكه في بداية حياتها الزوجية لا في ~~أثنائها من خلال حاجتها الطبيعية إلى الزينة إلى تأمين بعض شؤون بيتها ، ~~لذا فهو لا يمثل وثيقة مستقبلية ، كما أنه لا يمنع الحاجة إليه بعد الطلاق ~~حتى لو كان الطلاق بيد الزوجة أو بيدهما معا. وقد نجد من الضروري أن يتدخل ~~العاملون للإسلام في الوقوف أمام التقاليد الجديدة التي تحاول رفع المهور ~~كقيمة اجتماعية ، في بعض البلدان ، لأن ذلك يساهم في تأخير سن الزواج لدى ~~بعض الفئات ، التي لا تملك إمكانيات مالية كافية بالمستوى المطلوب ، ~~ليؤكدوا على العنصر الديني والأخلاقي الذي أكد عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه المشهور : «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه ~~فزوجوه وإن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ...» (1) فهذا هو الخط ~~الإسلامي في طبيعة العلاقة الزوجية ، بعيدا عن كل عنصر مالي أو نسبي أو ~~اجتماعي أو غير ذلك. # وقد جاءت الآية لتؤكد للرجل أن يؤتي المرأة صداقها وهو مهرها ولا يستغل ~~مركزه القوي في الأسرة ليمنعها منه ، لأن ذلك يمثل عدوانا على مال الآخرين ~~بدون حق ؛ فإنه «لا يحل لمؤمن مال أخيه إلا من طيب نفس منه» (2)، من دون ~~فرق بين أن يكون استحقاقه لهذا المال ناتجا عن قرض أو معاملة بيع أو شراء ، ~~أو كان ناتجا عن التزام عقدي كعقد الزواج ms1417 ، فإذا طابت PageV07P072 # نفس المرأة وبذلت مهرها لزوجها ، انطلاقا من وضع عاطفي أو عائلي أو غير ~~ذلك ، فللرجل أن يأخذه هنيئا مريئا ، لأنه يملك الأساس الشرعي والروحي الذي ~~يبرر له ذلك. # وربما كان الأساس في تنبيه الآية إلى هذه النقطة ، هو وجود بعض النماذج ~~التي تمارس هذا النوع من الضغط على المرأة لتتنازل عن حقها ، أو تعمل على ~~إنكاره انطلاقا من بعض الفرص القانونية المتاحة ، وقد ينطلق البعض في هذا ~~الاتجاه لشعوره بفداحة المهر وكثرته ، فيحاول التخلص منه بعد الزواج بالطرق ~~غير الشرعية ، الأمر الذي يدعونا إلى اعتبار ذلك مشكلة تواجه الأسرة التي ~~ترتكز في تكوين العلاقة على أساس المهر الكثير ، ويوحي إلينا بالمبادرة إلى ~~توعية الآباء والأمهات في مواجهة هذه الحالة بكثير من الوعي والواقعية ~~والمسؤولية ، ليعرفوا بأنهم في تصرفاتهم غير المسؤولة يخلقون لأولادهم ~~وبناتهم المشاكل الصعبة في المستقبل ، فيقودهم ذلك إلى الانحراف. # * * * PageV07P073 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 السفهاء ): الذين لا يملكون الرشد الفكري والعملي ، فلا ~~يستطيعون تدبير أنفسهم وأموالهم ولا المحافظة عليها ، وأصل السلفه الخفة في ~~البدن ، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل. # ( @QUR@01 أموالكم ): لعل إضافة الأموال إلى المجتمع للإشارة إلى أن أصل ~~الأموال للمجتمع ناتج عن ارتباطها ، حتى في حركة الفرد فيها ، بالمصلحة ~~العامة ، فإذا أخل فرد في التصرف فيها حجز عليه. # ( @QUR@01 قياما ): اسم لما يقوم به الشيء ، لأن المجتمع يقوم بالأموال ~~في تدبير أموره وتركيز حياته والنهوض في شؤونه ومسئوليته. # ( @QUR@02 وارزقوهم فيها ): هو القيام بمسؤوليتنا في رعايتها وتنميتها ~~بما فيه المصلحة لهم ، ولم يقل : وارزقوهم منها ، حتى لا يكون الإنفاق ~~عليهم من رأس المال من ناحية إيحائية. PageV07P074 # ( @QUR@01 واكسوهم ): كناية عن مجموع ما ترتفع به حوائج الإنسان المادية ~~والحيوية ، فالرزق هو الغذاء ، والكسوة ما يلبسه مما يقيه الحر والبرد. # * * * ### ||| ** أموال السفهاء # ويظل عالم الأسرة ، في علاقاتها المالية ، هو الجو الذي تعيش فيه السورة ~~؛ فقد يبلغ الأيتام سن البلوغ ، ولا يملكون الرشد الفكري والعملي الذي ms1418 ~~يستطيعون من خلاله حفظ أنفسهم وأموالهم من الضياع ، ففي هذه الحالة ، لا ~~يجوز لنا نحن ولاة أمرهم أن نمكنهم من هذه الأموال التي جعلها الله لنا ~~كمجتمع من أجل تدبير أمورنا وتركيز حياتنا في الموقع القوي الصحيح ، لأن ~~المال يحرك للإنسان حياته ، ويجعلها تقف على قدميها في ما تريد الوصول إليه ~~من قضايا وأهداف. # وقد أضاف القرآن المال إلينا ، باعتبار أن للأولياء الحق في رعايتها ، أو ~~باعتبار أن مال الفرد هو مال المجموع ، في ما يريد الله أن يوحيه من وحدة ~~الأمة في جميع أمورها وشؤونها ؛ على أساس أن المال لا يمثل امتيازا ، بل ~~يمثل وظيفة ومسئولية اجتماعية وأخلاقية. ثم تدعونا الآية إلى القيام ~~بمسؤوليتنا في رعايتها وتنميتها وتدبير أمورها ، وأن نقول لهم قولا معروفا ~~، لا ينكرون منه شيئا ، لأنه لا يسيء إلى كرامتهم ولا يثقل حياتهم ، بل يصل ~~بهم الى الراحة والطمأنينة التي تدخل إلى قناعاتهم من أقرب طريق. # ( @QUR@03 ولا تؤتوا السفهاء ) الذين لا يملكون الوعي الفكري الذي يفتح ~~لهم أفاق المعرفة للموارد التي يمكن لهم أن يحركوا فيها أموالهم من أجل ~~حفظها من الضياع وتحقيق الأرباح من خلال ذلك ، ولا يتمتعون بالرشد العملي PageV07P075 # الذي يتيح لهم الممارسة العملية في الواقع التطبيقي لما يعرفون فيتركون ~~للآخرين أن يخدعوهم ويستغلوا سذاجتهم وبساطتهم الاجتماعية من أجل أن يصرفوا ~~أموالهم في غير وجهها الصحيح المنتج أو يضعوها في غير محلها تبذيرا تارة ~~وإسرافا أخرى. # والخطاب كما قيل قد يكون واردا لمن في يده المال لكي لا يمكن منه السفهاء ~~، وقد يكون واردا للآباء الذين قد يملكون أولادهم أموالهم في حياتهم ~~فيوجهونها في غير مصلحتهم ، ثم يحتاجون إليها في زمن الشيخوخة فلا يعطونهم ~~منها شيئا ، ولكن ذلك بعيد عن سياق الآية ، فهي على الظاهر موجهة للأولياء ~~الذين يتولون أمور القاصرين ويحركون أموالهم ، فلا يمكنونهم منه إذا لم ~~يكونوا في مرحلة الرشد. # ( @QUR@01 أموالكم ) الظاهر أن المراد بها أموال اليتامى لورودها في مورد ~~الحديث عنها على هذا ، وتكون المناسبة في نسبتها إلى المخاطبين بلحاظ أن ms1419 ~~الإسلام يرى في المجتمع وحدة اقتصادية باعتبار الترابط العضوي في حركة ~~المال في الواقع الاجتماعي العام ، مما يجعل من الخلل الذي يصيب جزءا منه ~~حالة سلبية تؤثر على الأجزاء الأخرى ، الأمر الذي يفرض إيجاد نظام اقتصادي ~~في تحريك المال من حيث طبيعته الاقتصادية ومن حيث الأشخاص الذين يديرونه ~~بحكمة وروية ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ضياعه أو تحوله إلى مشكلة معقدة في ~~الواقع الاجتماعي العام ، وربما كانت إشارة إلى التعامل مع السفهاء بشكل ~~عام ، فلا يسلمون الأموال التي للأولياء أو لغيرهم ، وتكون علاقة الآية ~~بالأيتام باعتبار أن الأولياء أو الناس قد يريدون مساعدتهم في حياتهم ~~بإيكال الأعمال التجارية إليهم ليستفيدوا منها بالأجرة التي يحصلون عليها ~~من خلال العمل أو الأرباح التي يجنونها من خلال المشاركة في المضاربة ، ~~فجاءت الآية لتنهى عن ذلك ، ولترشد الأولياء بالامتناع عن PageV07P076 # إعطائهم الأموال إذا كانوا لا يحسنون إدارتها ، انطلاقا من الذهنية ~~السفيهة التي تحكم ذهنيتهم كلها ، وليساعدوهم في ما يملكون إدارته من ~~الأعمال البسيطة أو بالصرف عليهم ورزقهم وكسوتهم بالمعروف. # وفي ضوء ذلك ، يمكن استيحاء الآية في كل الحالات التي توكل فيها الأعمال ~~إلى الأشخاص الذين لا يملكون توجيهها في الوجهة الصحيحة التي تنطلق نحوها ، ~~مما يؤدي إلى فساد الأموال وتضييعها وإرباك الواقع العملي المتصل بمصالح ~~الناس الخاصة والعامة ؛ الأمر الذي يحتاج إلى دراية دقيقة في قابلية الشخص ~~الذي يراد إيكال الأمر العملي إليه حتى لا يقع الناس في استعمال السفهاء في ~~قضاياهم الحيوية كلها ، ولعل ما جاء في بعض أحاديث أهل البيت ما يؤكد هذا ~~الاستيحاء ، فقد ورد في حديث الإمام محمد الباقر عليه السلام : «إن الله ~~عز وجل يقول في كتابه : ( @QUR@04 ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) فأي سفيه ~~أسفه من شارب الخمر» (1). ويمكن استيحاء ذلك في كل الناس الذين يمارسون ~~المعاصي التي يصرفون أموالهم فيها ، باعتبار أن ذلك يؤدي إلى صرف المال في ~~غير حقه وتحريكه في غير موضعه ، مما يلتقي به مع السفيه الذي لا يتصرف في ~~أمواله بحكمة ، لأن المسألة قد تتصل ms1420 بالجانب المادي في خصوصية حركة المال ~~في الوسائل المستعملة في تلبية الحاجات الخاصة ، وقد تتصل بالجانب السلوكي ~~في استعمال المال في ما يضر صحته أو عقله أو حياته العامة والخاصة ، كمن ~~يصرف ماله في القمار أو في الزنى أو في اجتذاب الناس إليه بما لا يحقق له ~~شيئا مما يريد. # وفي ضوء ذلك يمكن توسعة معنى السفيه إلى الدائرة التي يتمثل فيها التصرف ~~المالي في نوعية التصرف في حاجاته بتحديد حاجاته المشروعة التي قد لا يلتفت ~~الناس إلى سلبيات صرف المال فيها لأنهم لا يرون فيها أية PageV07P077 # مشكلة اقتصادية في حياته الخاضعة للحاجات الذاتية ، بينما يرى الشرع فيها ~~صرفا للمال في الموارد الضارة. # وإذا كانت المسألة متصلة بالواقع الخاص في المال الشخصي فقد تمتد إلى ~~المال العام ليكون تسليط السفيه عليه أكثر خطورة لاتصاله بالواقع العام ~~للناس. وتبقى مسألة التحريم والكراهية في ذلك تابعة للبحث الفقهي والله ~~العالم. # ( @QUR@01 قياما ) التي يقوم عليها أمر معاشكم وحياتكم الخاصة والعامة في ~~تلبية حاجاتكم الحيوية ، فإن قيمة المال في وظيفته العملية التي يتحرك بها ~~لتدبير أمور الإنسان التي ترتكز عليها حياته كالطعام والمشرب والملبس ~~والمسكن والملذات الحيوية ولأهدافه العامة والخاصة ، لا في ذاته ، مما ~~يجعله مسئولية للإنسان لا امتيازا له. # وهو في الوقت نفسه لا يمثل قيمة سلبية بالمعنى الديني كما يحاول أن يفهمه ~~البعض من قول السيد المسيح عليه السلام في إنجيل متى الإصحاح 23019 : «فقال ~~لتلاميذه : الحق أقول لكم إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات» ، فقد ~~فهم منه هؤلاء أن السيد المسيح يرى الغنى حاجزا بين الإنسان الغني وبين ~~دخوله ملكوت الله الذي هو كناية عن القرب إلى الله في مواقع رضوانه ، ولكن ~~الظاهر أن هذا الكلام وارد على سبيل الكناية في صعوبة الالتزامات الروحية ~~والأخلاقية في القيم التي يحبها الله مما شرعه لعباده ، لأن ضغط المال على ~~الروح والإرادة من خلال إيحاءاته ونوازعه وامتداده ، قد يشكل خطرا كبيرا ~~على واقع الإنسان الفكري والعملي ، مما يفرض عليه أن يعيش الحذر ms1421 لإمكان ~~تأثيره على نفسه وعلاقاته بالناس وبالحياة ، فلا يحركه في إفساد حياة الناس ~~، بل يعمل على الإحسان إليهم وإلى حياتهم العامة والخاصة من خلاله. PageV07P078 # وهذا ما نستوحيه في الواقع الذي يعيشه الأغنياء مما تحدث به القرآن ~~الكريم عن المترفين الذين أترفهم الله في الحياة الدنيا ، فاستخدموا ذلك ~~بعيدا عن رضوان الله وعن مصلحة الناس والحياة. وعن قارون الذي قال الله عنه ~~( @QUR@079 * إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن ~~كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال ~~إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) [القصص : 76 78] ، فقد لاحظنا أن هذا الرجل ~~الذي ملك كل هذا المال عاش الإحساس الذاتي المستغرق في عناصر قوته بأنه هو ~~الذي استطاع تحصيله بخبرته دون أن يكون لله دخل في ذلك بحيث ترك المال ~~تأثيره على سلامة تصوره للأشياء ، فلم يدرس موقعه الإنساني من ربه وقدرته ~~عليه كقدرته على الذين سبقوه في التاريخ ممن هم أشد منه قوة وأكثر جمعا ، ~~في الوقت الذي انطلق النص القرآني بلسان قومه في وظيفة المال في خط التوازن ~~بين الدنيا والآخرة. # وقد ذكر صاحب مجمع البيان حديثا عن كلمة «قياما» لا بأس بالإشارة إليها : ~~«قال أبو الحسن : في «قيام» ثلاث لغات : قيام وقيم وقوام وهو الذي يقيمك ، ~~قال لبيد: # أفتلك أم وحشية مستوعة %~% خذلت وهادية الصوار قوامها (1) # قال أبو علي : ليس قول من قال إن القيم جمع قيمة بشيء ، إنما القيم بمعنى ~~القيام ، وهو مصدر يدل عليه قوله : ( @QUR@02 دينا قيما ) [الأنعام : 161] ، PageV07P079 # فالقيمة التي هي معادلة الشيء ومقاومته لا مذهب له هاهنا ، إنما المعنى ~~دينا دائما ثابتا لا ينسخ كما نسخت الشرائع التي قبله ، فيكون ms1422 مصدر وصف ~~الدين به ولا وجه للجمع هاهنا ولا للصفة لقلة مجيء هذا البناء في الصفة ، ~~ألا ترى أنه إنما جاء في قولهم : قوم عدى ومكان سوى وفعل في المصادر كالشبع ~~والرضا ونحوهما أوسع في الوصف ، فإذا كان كذلك حمل على الأكثر» (1). # ( @QUR@03 وارزقوهم فيها واكسوهم )، واعملوا في تلبية حاجاتهم الحيوية ~~من أموالهم التي هي تحت أيديكم من موقع الولاية عليهم أو من أموالكم التي ~~تملكونها باعتبار مسئوليتكم عنهم ، إما من خلال المسؤولية الخاصة إذا كانوا ~~من أولادكم أو ممن تتصل حياتهم بمسؤوليتكم وإما من خلال المسؤولية العامة ~~بلحاظ التكافل الاجتماعي الذي يفرضه الله على المجتمع في كفالة الفئات ~~القادرة للفئات المحرومة أو الضعيفة حتى لا تجوع وتظمأ أو تعرى أو تشرد من ~~دون أن يكون هناك إنسان أو مجتمع يرعى حياته حتى لا تموت. # ( @QUR@04 وقولوا لهم قولا معروفا )، فإن الله يريد منكم أن تنفتحوا على ~~الآخرين في علاقتكم بهم وفي رعايتكم لهم سواء أكانوا من اليتامى أم من ~~السفهاء ، بالمعروف الذي يتمثل بالفكرة الطيبة والأسلوب الحسن واللفتة ~~الرحيمة والجو الحميم والحكمة التي ترعى ذهنيتهم وإحساسهم وشعورهم بالطريقة ~~الملائمة التي لا تكسر قلبا ولا ترهق عقلا ، ولا تضيع فكرا ، ولا تسقط ~~إنسانا ، وبالكلمة الناعمة الرقيقة التي تفتح القلب والروح على المحبة ~~والرحمة والخير ، لتصلح أمورهم في ما يفكرون ويعملون ولتبني مواقعهم على ~~قاعدة الثقة بالله وبالنفس وبالإنسان كله. PageV07P080 # وهكذا تمثل هذه الآية الفكرة التي تحمل الكثير من الإيحاءات الفكرية ~~والاجتماعية والنفسية والروحية والعملية في علاقات الراشدين باليتامى ~~والسفهاء بالرغم من اختصارها. # * * * PageV07P081 ### ||| * الآية # ( @QUR@037 وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وابتلوا ): اختبروا وامتحنوا ، وهذا خطاب لأولياء اليتامى ، ~~فلا بد لهم بعد البلوغ من اختبار وعيهم العملي وقدرتهم على إدارة أموالهم ~~في ما يصلحها ولا يفسدها من خلال القابلية العقلية المنفتحة ms1423 على الأشياء في ~~الواقع ، فهذا هو الشرط الشرعي لدفع أموالهم إليهم. # ( @QUR@02 بلغوا النكاح ): أي السن الذي يملكون فيه القدرة على الزواج ~~وهو النضج الجنسي. # ( @QUR@01 آنستم ): أبصرتم ، والإيناس : الإبصار من قوله : ( @QUR@05 ~~آنس من جانب الطور نارا ) أخذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يبصر بها ، ~~وأنست به أنسا : ألفته ، وفي قراءة عبد الله «أحستم» أي أحسستم ، بمعنى ~~وجدتم ، فحذف إحدى السينين نحو قوله : ( @QUR@02 فظلتم تفكهون ). PageV07P082 # ( @QUR@01 رشدا ): خلاف الغي ، والمراد به هنا العقل العملي بإصلاح ~~المال وحفظه واستثماره ، فلا يجوز الحجر على البالغ الذي يملك قابلية إصلاح ~~ماله حتى لو كان فاجرا ، بينما يحجر على السفيه وإن كان عاقلا إذا كان سفهه ~~متحركا في تجربته العملية وحركته في الواقع. # ( @QUR@01 إسرافا ): الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح ، وربما ~~كان ذلك في الإفراط ، وربما كان في التقصير ، غير أنه إذا كان في الإفراط ~~يقال منه أسرف يسرف إسرافا ، وإذا كان في التقصير يقال : سرف يسرف سرفا ، ~~ويقال : مررت بكم فسرفتكم ، يراد به : سهوت عنكم وأخطأتكم ، والمراد به هنا ~~مجاوزة الحد في التصرف في المال بحيث يعتدي على أموال اليتامى بالتجاوز عن ~~الحد المعقول في التصرف من غير حاجة واستحقاق بل إجحافا من غير مبالاة. # ( @QUR@01 وبدارا ) مبادرة ومسارعة إلى الشيء ، وأصل ذلك الامتلاء ، ومنه ~~البدر : القمر لامتلائه نورا ، والبدرة : لامتلائه بالطعام ، ومعنى قوله : ~~( @QUR@03 وبدارا أن يكبروا ) أي مسارعين في أخذ المال منهم حذرا من أن ~~يكبروا فينتزعوها منهم. # ( @QUR@01 فليستعفف ): فليطلب طريق العفة بماله ويمتنع عن أخذ مال ~~اليتيم قليلا كان أو كثيرا. # ( @QUR@01 حسيبا ): شاهدا ورقيبا ، وكفى بعلمه تعالى وثيقة. وقيل : ~~محاسبا ، فاحذروا محاسبته. # * * * PageV07P083 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : «نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه ، وذلك أن ~~رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير ، فأتى عم ثابت إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن ابن أخي يتيم في حجري ، فما يحل لي من ماله ~~، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية» (1). # وجاء في الدر المنثور : «أخرج ابن ms1424 أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إن ~~رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب ~~ماله فمنعه عنه ، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية» (2). # * * * ### ||| ** الرشد شرط في رفع الحجر عن مال اليتيم # كانت الآية السابقة واردة مورد الحديث عن الجانب السلبي في أموال الأيتام ~~الذين لم يبلغوا سن الرشد ؛ وجاءت هذه الآية لتتحدث عن الجانب الإيجابي منه ~~، الذي يحدد لنا الحدود التي يجب علينا الوقوف عندها في ذلك فقوله تعالى : ~~( @QUR@02 وابتلوا اليتامى ) من الذكور والإناث ، أي اختبروهم في عقولهم ~~وذلك من خلال التجربة الحية في ممارسة المعاملات المتعلقة PageV07P084 # بالمال تحت إشرافكم ، لتتعرفوا مدى ما يملكونه من القابلية العملية في ~~إدارة المال وملاحظة عناصر الربح والخسارة في حركته في الواقع. # ( @QUR@04 حتى إذا بلغوا النكاح ) أي السن الذي يبلغون فيه البلوغ ~~الطبيعي الذي يتحول فيه الإنسان من حالة الصبا إلى حالة النضج الجنسي ، ~~بحيث يقدر فيه على النكاح الذي يملك فيه قابلية التناسل ، وذلك في ما ~~نستقربه بالاحتلام لدى الذكر والحيض لدى الأنثى ، أما السن فقد يكون علامة ~~على ذلك ببلوغ الذكر خمس عشرة سنة ، والأنثى ببلوغ التسع كما يقولون ~~باعتبار أنها تحيض لتسع ، ولكن إذا علم عدم الحيض في تلك السن ، لم يتحقق ~~بلوغها ، والبحث موكول إلى الفقه. # ( @QUR@04 فإن آنستم منهم رشدا ) وقدرة على إدارة أموالهم بحكمة وروية ~~ودراية بحيث يملكون تنمية الأموال بالطريقة المتعارفة لدى الناس وذلك من ~~خلال التجربة تحت نظارة الولي ( @QUR@03 فادفعوا إليهم أموالهم ) ليستقلوا ~~بالتصرف فيه كأي إنسان مستقل في حياته لارتفاع الولاية عنه ببلوغه المرحلة ~~الجسدية والعقلية التي يستطيع فيها التحرك المتوازن في شؤونه كلها ، ولا بد ~~من إحراز وصوله إلى هذا المستوى من الرشد لدفع ماله إليه. # * * * ### ||| ** أكل مال اليتيم بالعدل # ( @QUR@03 ولا تأكلوها إسرافا ) أي لا تتجاوزوا الحد الطبيعي المألوف في ~~ما تأخذونه لأنفسكم من أموال اليتامى كأجرة على تفرغكم لإدارة أمورهم ~~ورعاية أوضاعهم ، فلا تأخذوا أكثر مما تستحقونه وتحتاجونه ، وقد جاء في ms1425 ~~رواية محمد بن مسلم عن أحد الإمامين «الباقر» و «الصادق» عليهما السلام قال : ~~«سألته عن رجل بيده ماشية لابن أخ له يتيم في حجره ما يخلط ، أيخلط PageV07P085 # أمرها بأمر ماشيته؟ فقال : إن كان يليط حياضها ويقوم على هنائها ويرد ~~نادتها ، فليشرب من ألبانها غير مجهد للحلاب ولا مضر بالولد» (1). ( ~~@QUR@03 وبدارا أن يكبروا ) أي مسارعة لكبرهم وبلوغهم ورشدهم حذرا من ~~انقطاع هذه المنفعة عنهم فيستغلون ولايتهم عليهم لأكل مالهم بدون تحفظ ، ~~باعتبار ذلك الفرصة التي تفوتهم فتمنعهم من الاستغلال. # ( @QUR@04 ومن كان غنيا فليستعفف ) ويمتنع عن أخذ المال من اليتيم كأجرة ~~وتعويض عن جهده ، فذلك ما تفترضه طبيعة المسؤولية الإنسانية في الولاية ~~للأيتام لأنها تتحرك من موقع الرعاية لهم والحفظ لأموالهم ، مما يستوجب ~~العفة عنها ما دام في غنى عن ذلك ، ليكون طلبه للأجر من الله أكثر من رغبته ~~في الحصول على المال الذي يقابل جهده ( @QUR@05 ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف ) وذلك بدراسة الأجرة التي يستحقها في مقابل الجهد الذي يبذله في ~~رعاية اليتيم لا سيما إذا كان متفرغا لذلك بحيث يحبس نفسه عليه ، فإن له ~~الحق في أخذ أجرة المثل ، كما هو الحال في أي عامل مماثل في غير هذه ~~الحالة. # وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال : «المعروف هو القوت ~~، وإنما عنى الوصي أو القيم في أموالهم وما يصلحهم» (2). وروى زرارة ومحمد ~~بن مسلم عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال : «قلنا له : ( ~~@QUR@05 ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال: إنما ذلك إذا حبس نفسه عليهم ~~في أموالهم فلم يتخذ لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم» (3). وفي رواية أخرى # وقوله يليط حياضها : أي يطينها ويصلحها من الإلصاق. النادة : النافرة ~~الشاردة. # غير مجهد للحلاب : أي غير مبالغ فيها. PageV07P086 # عنه في تفسير الآية فقال : «هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية ~~ويشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف وليس ذلك له في الدنانير والدراهم ~~التي عنده موضوعة» (1). # ( @QUR@06 فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) احتياطا لأنفسكم ~~أيها الأولياء القائمون ms1426 على شؤون الأيتام وأموالهم ، حتى لا تقعوا تحت ~~تأثير الاتهامات الموجهة إليكم منهم أو من غيرهم إذا جحدوا استلامهم لها ، ~~وهذا التوجيه الإلهي يتحرك في خطين : خط لليتامى لتحصيل الاستيثاق لهم ~~بتسلم أموالهم في حضور الشهود الموثوقين ، بحيث يخضع حقهم للضوابط ~~التوثيقية التي تثبت بها الحقوق لئلا يدعي الأولياء الدفع إليهم زورا ~~وبهتانا بدون شهود ، وخط للأولياء حتى لا يتهمهم اليتامى بعد بلوغهم بخيانة ~~المال بادعاء أنهم لم يدفعوه إليهم ، ( @QUR@03 وكفى بالله حسيبا ) أي ~~شاهدا ورقيبا ، فهو الذي يجسد الوثيقة الكبرى ، أو محاسبا ، فاحذروا ~~محاسبته في الآخرة كما تحذرون محاسبة اليتيم بعد البلوغ. # * * * ### ||| ** هل هذه الآية منسوخة؟ # جاء في الدر المنثور : «أخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن ~~المنذر عن طريق عطاء عن ابن عباس ( @QUR@05 ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~) قال : نسختها ( @QUR@06 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) (2) ~~[النساء : 10] PageV07P087 # وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك مثله. # ولكن يرد على هذا الكلام ، أن النسخ يفرض التنافي بين الآية الناسخة ~~والآية المنسوخة ليكون النسخ حلا للتناهي بلحاظ اختلاف الزمن ، وهذا ما لم ~~يتوفر في الآيتين ، لأن هذه الآية تؤكد على الأكل بالمعروف في مقابل الجهد ~~الذي يبذله الولي في رعاية شؤون اليتيم وتدبير أموره تماما كأية أجرة على ~~أي عمل يتصل بحياة اليتيم وإصلاح ماله في شؤونه العامة والخاصة ، أما الآية ~~الأخرى ، فإنها تنهى عن أكل أموال اليتامى ظلما أي بلا حق ، وذلك بطريق ~~الغصب والتصرف فيه بطريقة غير مشروعة. فأين التنافي لتكون الثانية ناسخة ~~للأولى؟ # * * * PageV07P088 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نصيب ): الحظ والسهم ، وأصله من النصب بمعنى الإقامة ، لأن كل ~~سهم عند القسمة ينصب على حدته حتى لا يختلط بغيره. # ( @QUR@01 ترك ): ما بقي من مال الميت بعده حتى كأنه يتركه ويرتحل ، ~~ومنه التركة. # ( @QUR@01 مفروضا ): جاء في مجمع البيان : الفرق بين الفرض والوجوب أن ~~الفرض يقتضي فارضا وليس كذلك الوجوب ، لأنه قد يجب ms1427 الشيء في نفسه من غير ~~إيجاب موجب ، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض عليه تعالى ، ولم يجز أن يقال ~~لذلك فرض ومفروض ، وأصل الفرض الثبوت ، فالفرض : الحز في سية القوس حيث ~~يثبت الوتر ، والفرض : ما أثبته على PageV07P089 # نفسك من هبة أو صلة ، والفرض : ما أعطيت من غير قرض لثبوت تمليكه. وأصل ~~الوجوب الوقوع ، يقال : وجب الحائط وجوبا إذا وقع وسمعت وجبة أي وقعة ~~كالهدة ، ووجب الحق وجوبا : إذا وقع سببه ، ووجب القلب وجيبا إذا وقع من ~~فزع وقعة (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # عن قتادة قال : كانوا أي أهل الجاهلية لا يورثون النساء ، فنزلت ( ~~@QUR@06 وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) (2) # وعن عكرمة قال : نزلت في أم كحة وابنة كحة وثعلبة وأوس بن سويد ، وهم من ~~الأنصار ، كان أحدهم زوجها ، والآخر عم ولدها ، فقالت : يا رسول الله ، ~~توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث ، فقال عم ولدها : يا رسول الله ، لا ~~تركب فرسا ، ولا تحمل كلا ، ولا تنكأ عدوا ، يكسب عليها ولا تكتسب ، فنزلت ~~: ( @QUR@019 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) (3). وقال ابن زيد : ~~«كان النساء لا يرثن في الجاهلية من الآباء ، وكان الكبير يرث ، ولا يرث ~~الصغير ، وإن كان ذكرا» (4)، فنزلت الآية. # * * * PageV07P090 ### ||| ** الإرث في الإسلام # في هذه الآية إجمال لما سيفصله القرآن في هذه السورة من النظام الإسلامي ~~للإرث ؛ وقد أكدت على خط الإسلام في إعطاء المرأة نصيبا مفروضا من التركة ، ~~كما هو الحال في إعطاء الرجل نصيبا منها قليلا كان أو كثيرا لأنه لا فرق ~~بينهما في الأساس الذي ارتكز عليه هذا النظام ، وإن افترقا في بعض التفاصيل ~~في ما سنفصله من حديث ؛ وذلك على خلاف النظام المتبع في الجاهلية من منع ~~المرأة حقها من ذلك لكونها لا تقدم شيئا للمعركة مما يقدمه الرجل في الدفاع ~~عن العشيرة ، ولا تقدم شيئا للإنتاج في ما يقدمه للعائلة من جهده الذاتي ؛ ~~فكان الإرث للأبناء ، وربما كان للولد الأكبر بالذات ، لأنه الذي يقوم مقام ~~الأب ms1428 في رعاية شؤون العائلة. في المقابل لا تنطلق النظرة الإسلامية من ~~المكاسب التي يحصل عليها الآخرون من خلال الوارث ، ليكون ذلك هو الفارق في ~~إعطاء هذا الحق ؛ بل ترتكز على أساس المفهوم الإسلامي في العلاقات ~~الإنسانية بين الأرحام ، وفي نظريته في توزيع الثروة ، مما يجعل دور المرأة ~~والرجل على حد سواء من ناحية المبدأ. # ( @QUR@02 للرجال نصيب ) أي حصة وسهم من دون فرق بين الكبار والصغار ( ~~@QUR@04 مما ترك الوالدان والأقربون ) من المال الذي بقي له من مجموع ما ~~كان عنده فتركه وارتحل ، والأقربون هم القرابة الأدنون ، ( @QUR@06 وللنساء ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) أي جميع النساء ومن غير تخصيص ، فلهن ~~الحق بالإرث كمورد خاص من التركة ، لأن موقع المرأة في الحقوق الإنسانية ~~المرتبطة بعنصر القرابة لا يختلف عن موقع الرجل ، وإذا كان للرجل دور مهم ~~في الحياة الاقتصادية ، فإن لها دورا لا ينقص عنه في الأهمية ، فلو لا ~~رعايتها للبيت في كل شؤونه وحضانتها للأولاد وعنايتها بالزوج والأب والولد والأم PageV07P091 # والأخ ، لما استطاع الرجل أن يتفرغ لعمله الإنتاجي. هذا من جهة ، ومن جهة ~~أخرى ، فإن للمرأة أكثر من فرصة للإنتاج في عملها اليدوي والذهني في مختلف ~~مجالات الواقع الاقتصادي ، كما أن لها أكثر من دور في عملية المواجهة للعدو ~~، وتحمل أثقال المسؤوليات العامة والخاصة ، في الحالات التي تتوفر فيها ~~الظروف المحيطة لتحقيق الشروط اللازمة للقيام بذلك في الحرب والسلم ، لأن ~~الواقع الذي كانت تعيش فيه المرأة أبعدها عن ساحة الحركة الفاعلة في ~~القضايا العامة ( @QUR@05 مما قل منه أو كثر ) أي من كل ما يتركه الميت من ~~قليل المال وكثيره ، لأن القضية ليست في حجم المال بل في المبدأ ، ( ~~@QUR@02 نصيبا مفروضا ) أي حطا لازما في الحدود الشرعية التي فرضها الله ~~للوارثين. # * * * # وقد أثارت هذه الآية جدلا فقهيا بين المسلمين ، فقد استدل بها على بطلان ~~القول بالعصبة كما في مجمع البيان لأن الله تعالى فرض الميراث للرجال ~~وللنساء ، فلو جاز منع النساء من الميراث في موضع لجاز أن يجري الرجال ~~مجراهن في المنع من ms1429 الميراث (1)، فكما أن الطبقة المتأخرة من الرجال لا ~~يشاركون الطبقة المتقدمة ، والإخوة لا يشاركون الأولاد ، فكذلك الأمر في ~~النساء ، فلا مجال لمشاركة إخوة الميت للبنات ، أو الأعمام والأخوال ~~للأخوات. # واستدل بها على أن ذوي الأرحام يرثون لأنهم من جملة النساء والرجال الذين ~~مات عنهم الأقربون كما استدل بها على عموم حكم الإرث للأنبياء ولغيرهم ، ~~فلا يختص غير النبي بالإرث ليخرج منه النبي ، خلافا لما ذهب إليه البعض من ~~أن الأنبياء لا يورثون أولادهم شيئا. PageV07P092 ### ||| ** وقفة تأمل أمام نظام الإرث في الإسلام # وقد يكون من المفيد في هذا المجال أن نقف وقفة تأمل ، لنفهم الأسس ~~الإنسانية والاقتصادية التي انطلق منها الإسلام في هذا النظام الاقتصادي من ~~شريعته. وهنا نتناول ثلاث نقاط : # الأولى : إن المفهوم الإسلامي لعلاقات القرابة بين الآباء والأبناء ، أو ~~بين ذوي القربى ، أو بين الأزواج ، هو أنها تمثل خلية حية من خلايا المجتمع ~~تحقق لأفراده نوعا من الترابط الروحي والعاطفي والاقتصادي ، سواء كان ذلك ~~في نطاق الحياة التي يعيشون فيها معا ، في ما تفرضه عليهم العلاقات من ~~مسئوليات ، أو كان ذلك في نطاق الذين تركوا الحياة تجاه الذين لا زالوا ~~يعيشون فيها. ففي الحالة الأولى ، هناك تنظيم لعلاقة الأب والأم بولدهما ، ~~وبالعكس ، في وجوب الإنفاق ؛ فيجب على الطرف القادر ماليا أن يعيل غير ~~القادر ، من دون اعتبار لعامل السن ؛ وكذلك الحال في علاقة الزوجة بزوجها ، ~~ولكن من طرف الزوج لا من جانب الزوجة. وفي الحالة الثانية ، هناك تخطيط ~~لتوزيع التركة على الأقرباء أو الأزواج ، من أجل إبقاء الامتداد العملي ~~للعلاقة محفوظا بعد الموت. # * * * ### ||| ** لماذا لا يكون الإرث للدولة؟ # ولكن قد يثأر سؤال في هذا المجال ، لماذا كل هذه التعقيدات والمشاكل ~~المتنوعة التي يثيرها نظام الإنفاق في داخل العائلة ، أو نظام الإرث في ~~توزيع التركة؟ ولماذا لا تكون التركة كلها للدولة ، أو يكون الإنتاج كله ~~لها ، لتضع للأمة تخطيطا تفصيليا يضع الحلول للمشاكل في النطاق الطبيعي PageV07P093 # الذي يدرس الأمور بطريقة واقعية تملك القدرة على تنفيذه ، في ما تملكه ~~الدولة من ms1430 إمكانات التخطيط والتنفيذ ، بينما نجد هذا النظام يجعل الأمور في ~~نطاق المسؤوليات الفردية المرتكزة على أساس العلاقات الخاصة ، مما يحدث ~~إرباكا في طريقة التوزيع والتنفيذ؟ # ونجيب عن ذلك أن من أهداف التشريع الإسلامي في الأمور المالية والعبادية ~~والاجتماعية ، هو تربية الإنسان على القيم التي يريد إثارتها في تكوينه ~~الإنساني ؛ الأمر الذي يجعل النتائج التربوية والعملية الحاصلة من قيام ~~الأفراد بمسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض بشكل مباشر ، لا تحصل للمجتمع من جعل ~~الأمور كلها بيد الدولة. وقد يكون من بين هذه الأهداف تعميق الروابط ~~الروحية والعملية بين أفراد المجتمع ليبنى المجتمع على أساس ثابت متين. # فإذا أعطينا الدولة كل المسؤوليات ، ولم نجعل للأفراد أية مسئولية تجاه ~~الآخرين ، فإن ذلك يسبب التقاء العلاقات كلها بالدولة ، وعدم وجود أساس قوي ~~لنشوء علاقات متينة بين أفراد المجتمع إلا بشكل جزئي ؛ فلا تبقى هناك بين ~~الأب وأولاده أو بين الزوج وزوجته ، سوى العلاقات العاطفية التي لا يتاح ~~لها الامتداد والعمق ، لفقدان عنصر المسؤولية في ذلك كله ؛ وبهذا يتحول ~~الناس إلى أفراد ترعاهم الدولة أو مجتمع تتحكم سلطتها في علاقاته ، فتتمثل ~~فيها الأوضاع الرسمية القانونية بعيدا عن الروحية الحقيقة الخالصة ؛ وهذا ~~ما كنا نشاهده في المجتمعات الشيوعية والرأسمالية التي جردت الإنسان من ~~كثير من مسئولياته الفردية تجاه الآخرين ، مما خفف روحه وعاطفته وحوله إلى ~~مجرد شيء من الأشياء ، ولم تعد العلاقات الإنسانية بالمستوى الذي يعيش فيه ~~الإنسان الشعور العميق بمسؤوليته تجاه الإنسان الآخر ، خارج نطاق المصالح ~~والأطماع الخاصة. PageV07P094 # وربما كان السر في ذلك ، أن العاطفة الطبيعية وحدها لا توحي بحركة ~~المسؤولية في الداخل في مستوى العمق ، إذا لم نمنحها الفرصة الكافية للتدرب ~~على الممارسة والتعبير في أوضاع اجتماعية متنوعة ؛ فإن الابتعاد عن ذلك في ~~أساليب التربية ، يبعد الفرد عن الإحساس المتواصل بالآخرين في آلامهم ~~وآمالهم ، أما إذا عاش المسؤولية في القضايا الصغيرة أو الكبيرة من ناحية ~~إلزامية ، من خلال ما تفرضه الواجبات والمحرمات ؛ أو من ناحية غير إلزامية ~~؛ من خلال ما تفرضه المستحبات أو المكروهات ، فإن القضية ms1431 تختلف ، لأن ذلك ~~يحقق له التنمية الروحية في صلته بالآخرين ، في ما يفكر لهم ، أو ما يخطط ~~لقضاياهم ، أو ما يمارسه معهم ، في مواقع العطاء الروحي والمادي ... فإذا ~~التقت المسؤولية بخط الإيمان بالله ، وتحركت على أساس الحصول على رضا الله ~~، بما يمثله ذلك من الشعور بالمسؤولية أمامه في رعايته لعباده ، كانت ~~النتائج أكثر عمقا وأشد تأثيرا. # وقد نضيف إلى هذا العنصر عنصرا آخر يتعلق بالطرف الآخر الذي تتعلق ~~المسؤولية بحياته ؛ فإن وجود شخص معين مسئول عنه ، يجعله يشعر بالحماية ~~والرعاية الخاصة ، مما يبعده عن مشاعر القلق والضياع والحيرة والارتباك ، ~~ويعمق العلاقة بينهما. وهذا قد لا يتحقق فيما إذا كانت المسؤولية كلها من ~~شؤون الدولة ، التي قد تضيع كثيرا من حقوق الإنسان وحاجاته ، أو تؤخرها إلى ~~وقت طويل. ولعل التجربة الإنسانية الطويلة التي عاشها الإنسان في ظل هذا ~~التشريع ، تستطيع أن تعطينا الفكرة الواضحة عن نجاح هذا الاتجاه في التشريع ~~، بالرغم من بعض السلبيات الجزئية فيه. # * * * PageV07P095 # وفي الحالة الثانية حالة العلاقة بالذين تركوا هذه الحياة تجاه الذين لا ~~يزالون أحياء من بعدهم يعيش الإنسان الشعور بامتداد العلاقة الإنسانية بينه ~~وبين أولئك الناس ، لأنه يجدها في كل هذا الإرث الذي بقي له في ما يأكله أو ~~يلبسه أو يسكن فيه أو يستمتع به. وبهذا يشعر كل جيل في عملية تعاقب الأجيال ~~بقيمة الجيل السابق بالنسبة إليه ، سواء في ذلك القيمة العلمية والسياسية ~~من خلال ما يتركه له من علم أو من موقع سياسي ؛ أو القيمة المادية من خلال ~~ما يتركه من إرث مادي شخصي أو عام ، وقد يدفع هذا الجو الذاتي الإنسان قبل ~~موته إلى مضاعفة جهوده في الإنتاج ليستطيع ضمان مستقبل هؤلاء الناس الذين ~~يعيشون بعده من أولاده أو من غيرهم ، الأمر الذي يعطي الحياة معنى أسمى ~~ويعمق التعاطف الداخلي بينه وبينهم ، ليتجاوز حالة الحياة إلى ما بعد الموت ~~، في عملية لتحريك التاريخ الشخصي في عمق الواقع الإنساني المتحرك. # * * * # النقطة الثانية : إن الإرث يعتبر إحدى الوسائل الإسلامية التي أراد منها ~~الإسلام ms1432 تفتيت الثروة لئلا تتجمع في يد شخص واحد ، خلافا للطريقة المألوفة ~~في الجاهلية عند ما كانت تفرض انتقال الثروة للولد الأكبر ، بكل ما فيها من ~~العوامل السلبية ، في ما تمثله من إفساد وظلم واستغلال للآخرين. وإذا اقتضت ~~الصدفة أن تنتقل التركة إلى وارث واحد في مرحلة من المراحل ، فإن رحلة ~~الحياة والموت في المراحل الأخرى تتكفل بتوزيعها بين أكثر من شخص ، وهكذا ~~حتى تذوب في نهاية المطاف. ولعل هذا الأسلوب يعطي نوعا من الحيوية في ~~الجانب التبادلي للقضاء أو السيطرة على تجمع الثروة في يد إنسان واحد ، ~~والعمل على أن تتحرك لمصالحة الحياة الفردية في المجتمع. # * * * PageV07P096 # النقطة الثالثة : إن نظام الإرث في الإسلام نهض على أساس التخطيط ~~للمسؤوليات وللحقوق في المجتمع ؛ وفي هذا الاتجاه كانت حصة الرجل أكثر من ~~حصة المرأة ، من دون أن يكون في ذلك انتقاص لإنسانية المرأة ، بل كل ما ~~هناك أن القضية متعلقة بحيوية نظام الأسرة في المجتمع ، في ما يريده ~~الإسلام لها من الارتكاز على الأسس العاطفية والواقعية والروحية ، من خلال ~~ما وضعه للرجل من مسئوليات ، تلتقي مع حقوق المرأة التي تفرض الأمومة عليها ~~أعباء ووظائف لا تسمح لها بتحمل المسؤولية في الإنفاق على نفسها وزوجها ~~وأولادها ، وهذا ما راعاه الإسلام في توزيع التركة ، حيث جعل للرجل حصتين ~~في مقابل حصة واحدة للمرأة ، من أجل تغطية مصاريف الرجل التي فرض عليه ~~تقديمها للمرأة ، وأضاف المهر الذي تأخذه من الرجل في عقد الزواج ؛ مما ~~يوحي بأن حصة المرأة قد تزيد على حصة الرجل في النهاية ، لأن عملية الحساب ~~في مثل هذه الأمور ، تخضع للتوازن بين الحقوق والواجبات. وعلى هذا الأساس ، ~~ينبغي لنا فهم مسألة الإرث في التشريع الإسلامي ، لنضعها في مكانها الطبيعي ~~من مصلحة الإنسان في المجتمع. # وقد جاء في المعاني بإسناده الى محمد بن سنان : إن أبا الحسن الرضا ~~عليه السلام كتب إليه ، في ما كتب ، من جواب مسائله علة إعطاء النساء نصف ما ~~يعطى الرجال من الميراث : «لأن المرأة إذا تزوجت أخذت والرجل يعطي ms1433 ، فلذلك ~~وفر على الرجال ، وعلة أخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تعطى الأنثى لأن الأنثى ~~من عيال الذكر إن احتاجت ، وعليه أن يعولها وعليه نفقتها ، وليس على المرأة ~~أن تعول الرجل ، ولا تؤخذ بنفقته إن احتاج فوفر على الرجال لذلك ، وذلك قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@014 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على ~~بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) (1). PageV07P097 # وفي الكافي بإسناده عن الأحوال قال : «قال لي ابن أبي العوجاء : ما بال ~~المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا ويأخذ الرجال سهمين؟ قال فذكر بعض ~~أصحابنا لأبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام ، فقال : إن المرأة ليس ~~عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة وإنما ذلك على الرجال ، ولذلك جعل للمرأة ~~سهما واحدا ، وللرجل سهمين». # * * * PageV07P098 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) @QUR@015 وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) @QUR@013 إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 القسمة ): من القسم : وهو إفراز النصيب ، وقسمة الميراث ، ~~تفريقه على أصحابه المستحقين له. # ( @QUR@02 أولوا القربى ) قرابة الميت ، ( @QUR@02 واليتامى والمساكين ) ~~يتاماهم ومساكينهم الذين يأملون أن تعطوهم شيئا من التركة. # ( @QUR@01 فارزقوهم ): أعطوهم. # ( @QUR@01 معروفا ): حسنا غير خشن. # ( @QUR@01 ضعافا ): وهم الذين لا ولي لهم. PageV07P099 # ( @QUR@01 سديدا ): السليم من خلل الفساد وأصله : من سد الخلل أي صوابا ~~مستقيما. # ( @QUR@01 وسيصلون ): سيلزمون السعير أي يقاسون حرها. # ( @QUR@01 سعيرا ): بمعنى مسعور ، والسعر اشتعال النار. # * * * ### ||| ** أكل أموال اليتامى ظلما # في الآية الأولى توجيه للأولياء أو الورثة في الحالة التي يجلسون فيها ~~لتقسيم التركة ، ويحضر معهم الفقراء من أولى القربى واليتامى والمساكين ، ~~بأن يمنحوهم من التركة شيئا لما في ذلك من مواجهة لحاجاتهم وتثبيت لقلوبهم ~~، وأن لا يسيئوا إلى كرامتهم بل يقابلوهم بالكلمات الطبيعة والقول المعروف ~~الذي يريد الإسلام للمسلم أن يفتح به قلب الإنسان المحروم ، ويبعث في نفسه ~~الشعور بالثقة والكرامة. # وقد اختلف المفسرون في أن الآية محكمة أو منسوخة بآية المواريث ، ولكن ~~الرأي ms1434 الأرجح هو أنها محكمة لاختلاف الموضوع في الآيتين مما لا يدع مجالا ~~لفكرة النسخ ، فإن هذه الآية ظاهرة في إعطاء هذه الفئات من التركة من قبل ~~أصحابها الورثة ، وليست واردة في منحهم ذلك على أساس أنهم أصحاب حق أصيل ، ~~واختلفوا أيضا في أن الأمر على سبيل الوجوب أو الندب ، ولكن الظاهر هو ~~الثاني من خلال سياق الفقرة الأخيرة من الآية. # ( @QUR@03 وإذا حضر القسمة ) أي قسمة التركة في حالة التوزيع على الورثة ~~( @QUR@02 أولوا القربى ) ممن لا نصيب لهم في الإرث وهم أقرباؤه الفقراء ، ~~بقرينة ذكرهم في سياق اليتامى والمساكين ، ( @QUR@02 واليتامى والمساكين ) ~~أي يتاماهم PageV07P100 # ومساكينهم الذين يأملون في اجتماعهم حول الورثة منحهم شيئا من التركة ~~بنحو الإحسان ، ( @QUR@02 فارزقوهم منه ) أي من المال الموروث. # وقد اختلف الرأي في المخاطبين بهذا الأمر ، فقيل : إن المخاطبين بذلك هم ~~الورثة الذين يريد الله منهم أن يرزقوا هؤلاء الفقراء من الأقرباء واليتامى ~~والمساكين شيئا من نصيبهم صدقة وإحسانا. وقيل إن المخاطبين الناس الذين ~~تحضرهم الوفاة فيجتمع حولهم هؤلاء ممن لا نصيب لهم في الميراث ليوصوا لهم ~~بشيء من التركة ، فأراد الله لهم منهم القيام بالإيصاء إليهم ، والظاهر أن ~~الوجه الأول أقرب للسياق لأن الحديث يتركز في حالة حضورهم قسمة التركة. ~~وهذا مما لا يتناسب مع الوجه الثاني لأن حالة الاحتضار ليست حالة القسمة ، ~~حتى لو كان الميت يريد الوصية لبعض الناس ، فهو لا ينطبق عليه عنوان القسمة ~~الواردة في حالة الشركة الحاصلة بعد الموت من خلال الإرث. ( @QUR@04 وقولوا ~~لهم قولا معروفا ) وذلك بالكلمة الطيبة التي لا ترهق كرامتهم ولا تسيء إلى ~~إنسانيتهم لأن الله لا يريد للناس الإساءة إلى هذه الفئات المحرومة بالقول ~~وبالعمل. # أما الآية الثانية ، فقد عالجت بعض الحالات القلقة ، عند ما يترك بعض ~~الناس أولادا صغارا ضعافا ؛ وربما يستغل الأولياء السلطة على الأولاد ~~بطريقة سيئة فيسيئون إليهم ، ويواجهونهم بالقهر والقسوة والإذلال ، ~~ويتصرفون في أموالهم تصرفا غير شرعي ، فجاءت هذه الآية لتعالج هذه الناحية ~~من موقع إثارة العاطفة الذاتية في ما يمكن للإنسان مواجهته في ms1435 هذه التجربة ~~في أولاده الذين قد يتركهم للآخرين ، وهم ذرية ضعاف ، كما ترك الآخرون ~~ذريتهم له ، فإذا أحسن التصرف مع أولاد الآخرين ، كان ذلك موجبا لإحسان ~~الآخرين لأولاده من بعده ، وإذا أساء ، كانت النتيجة إساءة لعقبه من بعده. ~~وقد أجملت الآية المسألة بكلمتين : التقوى ، التي تمثل PageV07P101 # الممارسة العملية على خط الله ؛ والقول السديد ، الذي يمثل الكلمات ~~الطيبة الصادقة في التوجيه والإحسان. # * * * ### ||| ** الانحراف لدى الأفراد قد يتحول إلى انحراف عام # وقد أثار بعض الناس سؤالا : إذا أساء إنسان ما التصرف في أولاد الآخرين ، ~~فما ذنب عقبه ، ليبتليه الله بأناس يسيئون التصرف معهم من بعده ، والله ~~يقول : ( @QUR@029 قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون ) [الأنعام : 164]؟ # والجواب عن ذلك : أن المسألة تنطلق من قاعدة اجتماعية ، وهي أن السلوك ~~المنحرف من بعض أفراد المجتمع ، في موقع من المواقع ، يتحول تدريجيا إلى ~~وضع اجتماعي عام ، قد ينقلب عليه أو على من يتعلق به في نهاية المطاف ، كما ~~أن السلوك الجيد المستقيم يتحرك في خط المصلحة له ولمن بعده ، من خلال ~~النتائج الإيجابية التي يحققها للمجتمع ككل. وربما كان هذا هو المعنى الذي ~~نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@013 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) [الأنفال : 25]. والحديث المأثور عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، أو ~~ليسلطن الله شراركم على خياركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (1). فإن ~~طبيعة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تؤدي إلى تسلط الأشرار PageV07P102 # على الأخيار ، لامتداد الشر ، بامتناع الناس من الوقوف بوجهه وملاحقته ؛ ~~واستسلامهم للأمر الواقع ، فيتحول الأشرار إلى قوة في المجتمع ، ويعيش ~~الأخيار في مراكز الضعف. # وقد جاء في الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، في الوجه الإيجابي ~~من المسألة : «وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم ...» (1). فإن ~~رعاية الأيتام من قبلنا يترك تأثيره على المجتمع ms1436 ، ليعود بعد ذلك في حجم ~~الظاهرة الاجتماعية التي نستفيد منها في نهاية المطاف في أنفسنا وأولادنا. ~~وربما نستوحي ذلك من الكلمة المأثورة : «كما تكونون يولى عليكم» ، فإن ~~المجتمع إذا كان خيرا ، فإن الولاة سوف يخرجون إلى الولاية متسمين بأخلاق ~~المجتمع وصفاته الحسنة ؛ أما إذا كان شريرا ، فإن أخلاق الشر هي التي تصبغ ~~شخصيتهم ، فيسيئون إلى المجتمع من خلال الجو الذي شارك في تربيتهم السلبية ~~؛ فإن شخصية القيادة هي غالبا النتيجة الطبيعية للواقع الاجتماعي في ~~المفاهيم والتربية والأوضاع ، وبهذا نفهم هذه الآية الكريمة ، على أساس أن ~~السلوك المنحرف في أيتام الآخرين يوحي للمجتمع بالسير في هذا الاتجاه ، لأن ~~الخطوة الأولى من شخص أو أشخاص تتبعها خطوة أو خطوات من غيره ، فليتقوا ~~الله في ذلك من موقع المسؤولية من جهة ، ومن موقع الشعور العاطفي تجاه ~~ذريتهم ؛ وليقدموا العمل الإيجابي من خلال الاهتمام والتحنن على أيتام ~~الآخرين ، لينعكس ذلك على تصرف الآخرين تجاه أيتامهم في المستقبل ، لما ~~يحققه ذلك من وضع اجتماعي منسجم وشامل في نهاية المطاف. PageV07P103 ### ||| ** اتقوا الله في اليتامى # ( @QUR@010 وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ) ~~ليفكر هؤلاء الذين يتولون شؤون الأيتام ممن قد تدفعهم النفس الأمارة بالسوء ~~إلى الخيانة في أموالهم والإساءة إلى مشاعرهم وتحطيم نفسياتهم بالتعسف ~~والقسوة ، ماذا لو فارقوا الحياة وخلفوا وراءهم أيتاما ضعافا لا يملكون أي ~~عنصر من عناصر القوة الذاتية في حماية أنفسهم وأموالهم؟ ألا يخشون على ~~مستقبلهم ويعيشون القلق عليهم والخوف من إهمال الآخرين من الأولياء لهم ~~وأكلهم لأموالهم مما يجعلهم في قبضة الضياع والفساد؟ فإذا كانوا يعيشون هذا ~~الهاجس النفسي وهم أحياء فإن عليهم أن يتصوروا واقع الأيتام في ولايتهم ممن ~~فقدوا رعاية الآباء فيعيشوا الرحمة لهم والعطف عليهم والتوفر على رعايتهم ~~وحفظ أموالهم من أنفسهم ومن غيرهم ، فإن للقضية بعدين. # البعد الأول : هو مسئوليتهم الشرعية الإنسانية عنهم باعتبار ارتباط ~~حياتهم في حركة طفولتهم في اتجاه المستقبل بمسؤوليتهم أمام الله والناس مما ~~يجب عليهم القيام بها بكل أمانة وإخلاص. # البعد الثاني ms1437 : أن سلوكهم في اتجاه الأمانة في العناية بالأيتام يتحول ~~بانضمام أولياء الآخرين إلى ذلك إلى سنة اجتماعية تترك نتائجها الإيجابية ~~على الواقع كله فيمتد إلى أيتامهم في المستقبل في رعاية الآخرين لهم ، ~~تماما كما هي السنة الحسنة التي يبدأ الإنسان في السير وفقها فيستفيد منها ~~في القضايا المنفتحة عليها. ( @QUR@02 فليتقوا الله ) في هذه الأمانة ~~الإلهية التي حملهم الله مسئولياتها وليراقبوه في ذلك كله إذا دعتهم النفس ~~الأمارة بالسوء إلى الخيانة ، ووسوس لهم الشيطان باستغلال قدرتهم الذاتية ~~على التصرف PageV07P104 # المطلق في أموال اليتيم ليدفعهم إلى أكلها بدون حق ، ( @QUR@03 وليقولوا ~~قولا سديدا ) منفتحا على البرنامج الشرعي في التجربة العملية والانفتاح ~~الواعي ، والعاطفة النقية والكلمة الطيبة الحلوة ، التي تغمر اليتيم ~~بالمشاعر الحميمة التي توحي له بالثقة وتدفعه إلى الاطمئنان ، وتعوضه عما ~~فقده من حنان الأبوة أو عاطفة الأمومة. # وقد جاءت الآية توجيها لكل الناس في رعاية اليتامى بأمانة وإخلاص حتى ~~الذين ليس لهم ذرية يخافون عليهم ، لأن المسألة جارية على طريقة ضرب المثل ~~في الفرضيات الواقعية في حركة الإنسان في الحياة التي تؤكد الترابط في ~~السلوك الاجتماعي من خلال التزام الناس بالقيمة الأخلاقية في العناية ~~بالفئات الضعيفة المحرومة في المجتمع من موقع المسؤولية الدينية والإنسانية ~~، فإن القضية في سلبياتها وإيجابياتها تنعكس على واقع الناس بأجمعهم سلبا ~~أو إيجابا بشكل مباشر أو غير مباشر ، الأمر الذي يوحي بأن الخير أو الشر ~~الصادر من الإنسان لا يؤثر في حياة الآخرين ، بل يمتد إلى حياة الإنسان ~~نفسه في كل واقعه وفي كل علاقاته العامة والخاصة. # * * * # وقد جاءت الآية الثالثة لتعالج هذه المسألة من زاوية أخرى ، وهي زاوية ~~الترهيب والتهديد ؛ فإن الله ينذر هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~وبدون حق ، انطلاقا من القوة التي يشعرون بها تجاه ضعف اليتيم الذي لا يملك ~~القدرة على الدفاع عن نفسه ، كما يحدث في حالات كثيرة ، بأن هذه الأموال ~~ستتحول إلى نار تحرق داخلهم ؛ وذلك على سبيل الكناية في ما ينتظرهم من ~~نتائج سلبية في الدنيا والآخرة. PageV07P105 # ( @QUR@06 إن الذين يأكلون ms1438 أموال اليتامى ظلما ) فيحوزونها لأنفسهم ، ~~ويتصرفون بها في حياتهم الخاصة مستغلين ضعف اليتيم وفقدان الجهة التي ~~تراقبهم وتحاسبهم وتمنعهم من ذلك ، فيبادرون إلى استعمالها وإبقاء اليتيم ~~من دون مال بفعل عملية النهب والاستغلال ؛ الأمر الذي يمثل أبشع أنواع ~~الظلم ، وقد جاء : أن «ظلم الضعيف أعظم الظلم». ( @QUR@05 إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا ) فإن هذا الظلم الوحشي الذي يعبر عن فقدان المشاعر الإنسانية ~~في شخصيات هؤلاء الأولياء سوف يتحول إلى نار تشتعل في بطونهم عذابا من الله ~~وعقابا لهم على ذلك ، وربما كانت المناسبة في هذه الاستعارة أن الإنسان ~~يأكل الطعام عادة ليتغذى وليقوى به وليحصل على الراحة الجسدية بفعل اللذة ~~التي يحس بها ، فجاءت الآية لتصور النتائج في أكل مال اليتيم كمن يأكل نارا ~~فتشتعل في بطنه لتحرقه وتثير فيه كل آلام الحريق. # وقد جاء في تفسير الميزان أن «الآية مما يدل على تجسم الأعمال ... ولعل ~~هذا مراد من قال من المفسرين إن قوله : ( @QUR@05 إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا ) كلام على الحقيقة دون المجاز. وعلى هذا لا يرد عليه بما أورده بعض ~~المفسرين ، أن قوله ( @QUR@01 يأكلون ) أريد به الحال دون الاستقبال بقرينة ~~عطف قوله : ( @QUR@02 وسيصلون سعيرا ) عليه وهو فعل دخل عليه حرف الاستقبال ~~، فلو كان المراد به حقيقة الأكل ووقته يوم القيامة لكان من اللازم أن ~~يقال: سيأكلون في بطونهم نارا ويصلون سعيرا ، فالحق أن المراد به المعنى ~~المجازي وأنهم في أكل مال اليتيم كمن يأكل في بطنه نارا. انتهى ملخصا. وهو ~~غفلة عن معنى تجسم الأعمال (1). # والظاهر أن ما ذكره هذا البعض هو الأقرب لأن التجسم في مضمونه الفكري ، ~~لا معنى له في الواقع الذي يعيشه الإنسان بالنسبة إلى هذه المسألة ، PageV07P106 # بل هو أمر ترك إلى يوم القيامة ، فلا معنى للحديث عنه في مرحلة الحياة ~~الدنيا حتى لو كان المراد به تجسد العمل في طبيعته إلى ذات النار. هذا من ~~جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن هذا الرأي خاضع للاستغراق في حرفية الكلام ~~القرآني بعيدا عن جانب الاستعارة والكناية ونحوهما مما ms1439 يفهمه العرب بشكل ~~طبيعي جدا بالطريقة التي يفهمون بها التعابير الفنية على أساس القواعد ~~البلاغية بنحو التبادر الذي يسبق إليه الذهن الأول مرة. وإذا كانت بعض ~~الأحاديث توحي بذلك فإن علينا أن نعرضها على القرآن الذي يؤصل المفاهيم ~~الإسلامية لتكون الأحاديث خاضعة لعناوينه وظواهره بدلا من العكس. # ( @QUR@02 وسيصلون سعيرا ) في يوم القيامة فيحترقون في النار ويقاسون ~~عذابها. وقد جاء في تفسير العياشي عن أبي عبد الله أو أبي الحسن عليه السلام ~~: إن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين اثنتين : أما إحداهما فعقوبة الآخرة ~~النار ، وأما الأخرى فعقوبة الدنيا قوله : ( @QUR@015 وليخش الذين لو تركوا ~~من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) قال: ~~يعني بذلك ليخش إن أخلفه في ذريته كما صنع هو بهؤلاء اليتامى (1). # وقد نلاحظ في هذه المتابعة القرآنية لموضوع علاقة الإنسان بالأيتام ~~بأسلوب التراغيب والترهيب ، في أكثر من آية ، أن الله يريد أن يحقق في داخل ~~كل منا حالة نفسية ضاغطة ، ضد النوازع الذاتية التي قد تدفعه إلى استغلال ~~جانب الضعف المتمثل في حياة الأيتام الذين لا يملكون أمر حماية أنفسهم من ~~الظلم والاضطهاد ، لتكون تلك الحالة سبيلا من سبل حمايتهم من نوازعنا ~~الشريرة ؛ وهذه طريقة قرآنية إسلامية مستخدمة في جميع الحالات التي نلتقي ~~فيها بواقع القوة والضعف ، في المجالات التي لا يملك فيها PageV07P107 # الضعيف أمر الدفاع عن نفسه ؛ فإن القرآن يواجه المسألة بشكل قوي جدا ، ~~ليخلق التوازن بين واقع الضعف الموجود لدى الفئات الضعيفة ، وبين واقع ~~القوة الموجود في الجانب الآخر ، ليضعف الشعور بالقوة في هذا ، ويقوي جانب ~~الضعف هناك ، فيمنع القوي من ظلم الضعيف ، أما في الحالات العادية فإن ~~القرآن يثير التهديد بشكل عادي بالأسلوب المألوف. # * * * PageV07P108 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@071 يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث فإن كان له إخوة ms1440 فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما ~~حكيما (11) @QUR@088 ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان ~~لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية ~~توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى ~~بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم ) (12) # * * * PageV07P109 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يوصيكم ): الوصية : التقدم إلى الغير بما يعمل مقترنا بوعظ. # ( @QUR@01 كلالة ): الإحاطة ، مأخوذ من الإكليل ، ويراد بها في باب ~~الإرث قرابة الإنسان غير والديه وأولاده ، كالإخوة والأعمام ، لأن الوالدين ~~والأولاد كالعمودين. وقد يوصف بالكلالة الميت المورث على معنى أنه قد ورث ~~غير أولاده ووالديه ، وقد يوصف بالكلالة الحي الوارث على معنى أن الوارث هو ~~من غير صنف الآباء والأبناء. # قال في الكشاف : فإن قلت ما الكلالة؟ قلت : ينطلق على ثلاثة : على من لم ~~يخلف ولدا ولا والدا ، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين ، وعلى ~~القرابة من غير جهة الولد والوالد. ومنه قولهم ، ما ورث المجد عن كلالة ، ~~كما تقول : ما صمت عن عي ، وما كف عن جبن. والكلالة في الأصل مصدر بمعنى ~~الكلال ، وهو ذهاب القوة من الإعياء ... فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد ~~والوالد ، لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كالة ضعيفة. وإذا جعل صفة للموروث ~~أو الوارث فبمعنى ذي كلالة ، كما تقول : فلان من قرابتي ، تريد من ذوي ~~قرابتي (1). # وقد جاءت لفظة الكلالة في آيتين من القرآن ، الآية الأولى هي هذه ، ~~والمراد بها إخوة الميت من أمه فقط ، والآية الثانية هي ( @QUR@03 يفتيكم ~~في الكلالة ) [النساء : 176] ، والمراد بها في الآية الأخيرة إخوة الميت ~~لأبيه وأمه ms1441 أو لأبيه فقط. # * * * PageV07P110 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي عن جابر قال : عادني رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان فوجداني لا أعقل ، فدعا ~~بماء فتوضأ ، ثم رش علي منه فأفقت ، فقلت : كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ ~~فنزلت : ( @QUR@04 يوصيكم الله في أولادكم ) الآية ، رواه البخاري ومسلم. # وجاء في رواية عن جابر بن عبد الله قال : جاءت امرأة بابنتين لها فقالت : ~~يا رسول الله ، هاتان بنتا ثابت بن قيس أو قالت سعد بن الربيع قتل معك يوم ~~أحد وقد استفاد عمهما مالهما وميراثهما ، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه ، فما ~~ترى يا رسول الله؟ فو الله ما ينكحان أبدا إلا ولهما مال ، فقال : يقضي ~~الله في ذلك ، فنزلت سورة النساء وفيها : ( @QUR@08 يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين ) إلى آخر الآية ، فقال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ادع لي المرأة وصاحبها ، فقال لعمهما : أعطهما ~~الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فلك (1). # وجاء عن ابن عباس قال : لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض ~~للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم وقالوا : تعطى المرأة ~~الربع والثمن ، وتعطى الابنة النصف ، ويعطى الغلام الصغير ، وليس من هؤلاء ~~أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة ... وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ، لا ~~يعطون الميراث إلا من قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر (2). # وهناك بعض الملاحظات في هذه الروايات : # 1 إن الرواية الأولى تدل على أن الآية نزلت في سؤال جابر للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم PageV07P111 # عما يصنعه في ماله وهو حي بينما تدل الآية على حكم المال بعد الموت فليس ~~له مدخلية في تقسيمه ، فكيف تكون الآية جوابا عن سؤاله؟ # 2 إن الرواية الثانية تتضمن ثبوت حكم الإرث في نزول الآية من خلال مناسبة ~~الشكوى التي قامت بها المرأة ، لأن أخا زوجها الميت أخذ المال كله ولم يجعل ~~لها ولا بنتي أخيه شيئا منه ، مما ينافي الرواية الأولى ، وربما كانت ~~الرواية ms1442 الثانية أقرب إلى المضمون لنزولها في الإرث بعد الموت. # 3 إن الرواية الثالثة توحي بأن آيات الإرث كانت تمثل صدمة عنيفة للذهنية ~~التي كانت سائدة في الواقع الإسلامي الممتد في كثير من مفاهيمه من الواقع ~~العربي الجاهلي الذي ينطلق من اعتبار مال الميت حقا لمن يحمي العائلة ~~ويقاتل في سبيلها ويحوز الغنيمة لها ويتحمل مسئوليتها ، باعتبار أنه هو ~~الذي يقوم مقام الميت ويمتد في دوره ، ليستطيع بالإرث القيام بمسؤولياته ~~التي تمثل رعاية العائلة في كل حاجاتها. وكانت هذه الذهنية متجذرة في ~~أفكارهم وتقاليدهم ، الأمر الذي لم يملك فيه هؤلاء أنفسهم من القيام بردة ~~فعل صارخة في الاعتراض على التشريع بطريقة لا شعورية أو التساؤل عن الأساس ~~في ذلك ، باعتبار أن هذا التشريع يهز قاعدة التفكير الاجتماعي ليحوله إلى ~~اتجاه آخر وقاعدة جديدة ترتكز على أن الولد الأكبر أو الشخص المقاتل لا ~~يمثل أية قاعدة في حجم الواقع الحركي العائلي في الواقع الاجتماعي العام. # * * * ### ||| ** من أحكام الإرث # وبعد ، فهذه بعض التفاصيل التي قرر فيها الإسلام حكم الإرث ، الذي ركزه ~~على أساسين : النسب ، والسبب. والسبب نوعان : زوجية وولاء. وقد PageV07P112 # عرض القرآن لبعض موارده تاركا التفاصيل الشاملة لما بينه الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه من حكم الفرائض ، ونحن نشرح ما ذكره القرآن ~~في عدة نقاط : # * * * ### ||| ** وصية الله في الأولاد # 1 ( @QUR@08 يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) أشرنا في ما ~~سبق إلى مسئولية الرجل ، داخل العلاقة الزوجية ، عن دفع المهر ، والإنفاق ~~على الزوجة والأولاد ، مما نفهمه من سر اعتبار حصة الرجل ضعف حصة المرأة ، ~~من خلال ما أراده الله من التوازن بين الحقوق والواجبات ، بعيدا عن كل ~~إساءة للمرأة في إنسانيتها وكرامتها ؛ ونشير هنا ، إلى وجوب الجهاد على ~~الرجل كفريضة ، مما قد يفرض عليه تحمل بعض مصاريف الجهاد ، إذا لم تستطع ~~الدولة أن توفر له ذلك ، كما كان يحدث في الحروف الأولى في صدر الدعوة ~~الإسلامية ، وفي دية الخطأ التي تثبت على عائلة القاتل التي يتحملها الرجل ~~بنسبة أكثر ms1443 من المرأة. # وبهذا كانت حصة المرأة من الإرث في النتيجة تفوق حصة الرجل أو تعادلها ، ~~بلحاظ ما يبقى منها بعد القيام بالالتزامات المالية الواجبة عليه. أما ~~كرامة المرأة وإنسانيتها ، فقد احتفظ الإسلام لها بهما من خلال المسؤوليات ~~العامة في التشريع ؛ فلم يجعل الإسلام للمرأة تشريعا يختلف عما جعله للرجل ~~، مما يجعل من قضية المساواة بينهما قضية تطبع أكثر جوانب الحياة ، ما عدا ~~بعض الموارد التي لاحظ الإسلام فيها الخصوصيات الذاتية للمرأة ، تماما كما ~~هي خصوصياتها في عالم التكوين ، وذلك من خلال ما اختص الله به المرأة من ~~القدرة على الحمل والإرضاع ونحو ذلك. # وينبغي لنا أن نشير هنا إلى ما نبهنا عليه في بداية السورة ، من أنه لا PageV07P113 # حل مطلقا في الحياة ، بحيث يكون إيجابيا في جميع موارده ؛ بل الحل الأفضل ~~هو الذي تتقدم فيه مسألة الإيجابيات على السلبيات ، من خلال ما يحيط ~~بالمسألة من ظروف ، وما ترتكز عليه من أنظمة وقوانين ، وفي ضوء ذلك ، كانت ~~الآية تقريرا للمبدأ ؛ فإذا ترك الإنسان أولادا ذكورا وإناثا ، فإن التركة ~~تقسيم على أساس حصتين للذكر في مقابل حصة واحدة للأنثى. # وهناك ملاحظة أشار إليها السيد العلامة الطباطبائي في الميزان قال : وفي ~~العدول عن لفظ الأبناء إلى الأولاد دلالة على أن حكم السهم والسهمين مخصوص ~~بما ولده الميت بلا واسطة ، وأما أولاد الأولاد فنازلا ، فحكمهم حكم من ~~يتصلون به ، فلبنت الابن سهمان ولابن البنت سهم واحد ، إذا لم يكن هناك من ~~يتقدم على مرتبتهم ، كما أن الحكم في أولاد الإخوة والأخوات حكم من يتصلون ~~به. وأما لفظ الابن فلا يقضي بنفي الواسطة ، كما أن الأب أعم من الوالد. # وأما قوله تعالى في ذيل الآية : ( @QUR@08 آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا ) فسيجيء أن هناك عناية خاصة تستوجب اختيار لفظ الأبناء على ~~الأولاد (1). # ونلاحظ على هذه الاستفادة ، أن الظاهر من استعمال كلمة الولد وكلمة الابن ~~أنهما بمعنى واحد في ظهورهما في المتولد من الأب بشكل مباشر بحسب المعنى ~~الحقيقي لهما. كما يمكن استعمالهما في ms1444 صيغة الجمع «الأولاد والأبناء» في ~~الأعم من ذلك ، فيمكن إطلاق الأولاد على ما يعم أولاد الأولاد ، وإطلاق ~~الأبناء على أبناء الأبناء ، بحسب المناسبة العرفية من حيث الإلحاق المجازي ~~بشكل شائع ، أما إطلاق (الابن أو الولد) بصيغة المفرد على ولد الابن أو ~~الولد ، فهو بحاجة إلى عناية مفصلة بقرينة واضحة PageV07P114 # لصرف اللفظ عن ظاهره. # وهناك نكتة تعبيرية قد توحي بها الفقرة ( @QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين ~~) وهي أن الحديث جاء عن سهم الذكر متفرعا على سهم الأنثى ، كما لو كانت ~~الأنثى هي الأصل في الإرث ، باعتبار أن حصته مثل حصة أنثيين ، وبذلك كانت ~~تقاس بها بدلا من العكس وإلا يقال : للأنثى نصف حظ الذكر. # 2 ( @QUR@09 فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) ظاهر هذه الفقرة ~~، أن المراد بها هي حالة ارتفاع عدد البنات إلى أكثر من اثنتين كما توحيه ~~كلمة (فوق)، ولكن المقصود منها هو اثنتان فما فوق ، وهذا مما جرى عليه ~~التعبير عند العرب ، فإنهم يقولون في بعض الحالات (فوق اثنتين) قاصدين ~~(اثنتين فما فوق)؛ كما يدل عليه مقابلتها بقوله : ( @QUR@05 وإن كانت ~~واحدة فلها النصف )، وقد يستفاد ذلك من الحديث عن إرث الأخوات في آخر هذه ~~السورة من حيث جعل نصيب الأخت الواحدة النصف في مقابل نصيب البنت الواحدة. ~~وجاء بعدها قوله تعالى : ( @QUR@05 فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ) مما ~~يدل على أن ذلك في مقابل سهم البنتين وهو الثلثان. وهناك وجوه أخرى في ~~تفسيرها. # وعلى كل حال ، فإن المسلمين متفقون على الحكم في صورة تعدد البنات من ~~اثنتين فما فوق ، انطلاقا من هذه الآية أو من أحاديث السنة النبوية الشريفة ~~؛ فإذا ترك الميت ابنتين فصاعدا ، ولم يكن له أولاد ذكور ، فلهن الثلثان ؛ ~~أما الثلث الباقي ، فإن كان هناك أبوان للميت ، فلكل واحد منهما السدس ؛ ~~فإذا لم يكن له أبوان ، فإن الإمامية يذهبون إلى أنه يرد إلى البنات ولا ~~يعطى إلى العصبة من إخوانه وأعمامه ؛ أما أهل السنة ، فإنهم يردونه الى ~~العصبة انطلاقا من حديث يناقش الإمامية في صحة سنده ms1445 وهو حديث طاوس اليماني ~~عن أبيه ، عن ابن عباس (رض) عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ألحقوا PageV07P115 # الفرائض فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر (1) وفي رواية أخرى : فما بقي ~~فلرجل ذكر ، وعلى هذا الأساس فقد أجمعوا على أن الرجل إذا مات عن بنت فلهما ~~النصف بالفرض ، فإن كان له أخ ، يختص بالنصف الآخر ، لأنه أقرب رجل إليه ، ~~وإذا مات ولم يكن له ولد وله أخت وعم ؛ فللأخت النصف والباقي للعم ، وكذلك ~~إذا كان له أختان فإن الثلث الباقي لأخيه أو عمه. # وقد رد الشيعة الإمامية على هذا الحديث بضعف سنده كما ذكروه فقد ذكر بعض ~~علمائهم وهو السيد محسن الأمين في كتابه «نقض الوشيعة» أن طاوس أنكر أن ~~يكون راويا لهذا الحديث وقال أي طاوس إن الشيطان ألقاه على لسان من نسب إلى ~~هذا القول (2). # وقد استدل الإمامية على بطلان التعصيب بقوله تعالى : ( @QUR@019 للرجال ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) [النساء : 7]. # وقد ذكروا في تقريب الاستدلال بها ، أن الآية قد ساوت بين الذكور والإناث ~~في استحقاق الإرث ، لأنها جعلت لكل منهما نصيبا مما ترك الوالدان والأقربون ~~في حين أن القائلين بالتعصيب قد فرقوا بين الرجال والنساء ، فورثوا الرجال ~~وتركوا النساء ، حيث التزموا صورة ما لو كان للميت بنت وأخ وأخت بأن البنت ~~تأخذ النصف المفروض لها والنصف الآخر للأخ ولا شيء للأخت مع أنهما متساويان ~~في الدرجة ، كما التزموا بأنه لو كان للميت أخت وعم وعمة ، بأن التركة ~~للأخت وللعم ترث نصفها الأخت بالفرض ويرث العم نصفها بالتعصيب ولم يجعلوا ~~للعمة شيئا مع أنها شقيقة PageV07P116 # العم وفي رتبته. # وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الميت إذا ترك بنتا أو بناتا ، ولم ~~يوجد واحد من أصحاب الفروض والعصبات ، فالمال كله للبنت ، النصف بالفرض ~~والباقي بالرد ، وكذلك البنتان تأخذان جميع التركة ، الثلثين فرضا والثلث ~~الباقي ردا ، مع العلم بأن الآية قالت : ( @QUR@09 فلهن ثلثا ما ترك وإن ms1446 ~~كانت واحدة فلها النصف ). فإذا كانت الآية تمنع أن تأخذ البنت أو البنات ~~جميع التركة في هذه الصورة ، فكذلك لا تمنع أن تأخذ البنت أو البنات التركة ~~كلها في صورة أخرى ، لأن الصورتين ترجعان في حكم الرد إلى قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) [الأنفال : 75] ، ~~و[الأحزاب : 6] ، حيث دلت على أن الأقرب أولى ممن هو دونه بالقرابة ، وليس ~~من شك أن البنت أقرب من الأخ ، والأخت أقرب من العم. # وفي ضوء ذلك تبطل حجة القائلين بالتعصيب بالآيتين ( @QUR@025 فإن كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ) وقوله تعالى : ( @QUR@024 إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان )، فقد قالوا : إن القرآن في الآية الأولى أعطى ~~النصف للبنت والثلثين للبنتين ، وفي الآية الثانية أعطى النصف للأخت ~~والثلثين للأختين ، فإعطاؤهن التركة بكاملها كما يذهب الإمامية مخالف لصريح ~~القرآن. # ويقول الإمامية في الرد : إن القرآن لم يتحدث عن النصف الآخر أو الثلث ~~الآخر ، ولم يذكر الوارث الذي يستحق الباقي ، ولم تتعرض السنة النبوية لذلك ~~، إلا ما كان من حديث طاوس اليماني الذي لم يعاصر النبي محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا أدرك الصحابة ، ولو كان الحديث صحيحا لرواه أكثر ~~الصحابة في جملة ما رووه من التشريعات ، لا سيما أن هذا الأمر مما يكثر PageV07P117 # فيه الابتلاء لاتصاله بحياة الناس بشكل عام. ولذلك فلا بد من الرجوع إلى ~~القرآن لتحديد صاحب الحصة الأخرى ، وليس هناك إلا آية ( @QUR@08 وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ). # وهناك ملاحظة أخرى في إضعاف حجة أهل السنة ، وهي أن أصحاب المذاهب ~~الأربعة الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية قد اتفقوا على أن الميت إذا ~~ترك أبا وبنتا ، كان للأب السدس بالفرض ، وللبنت النصف بالفرض أيضا ، ~~والباقي يرد على الأب وحده مع أنه من أصحاب الفروض بمقتضى ms1447 الآية ( @QUR@011 ~~ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ) فإذا كان الفرض لا ~~يمنع من رد الباقي على الأب كما يدعون فينبغي أن لا يمنع من الرد على البنت. # وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الميت إذا ترك أما وليس معها واحد من ~~أصحاب الفروض والعصبات تأخذ التركة كلها الثلث بالفرض والثلثين بالرد ، مع ~~العلم أن الله يقول : ( @QUR@02 فلأمه الثلث ). فإذا جاز للأم أن تأخذ ~~التركة كلها مع قوله تعالى ( @QUR@02 فلأمه الثلث ) جاز أيضا للبنت أن تأخذ ~~التركة كلها ، وكذلك البنات مع قوله تعالى : ( @QUR@09 فلهن ثلثا ما ترك ~~وإن كانت واحدة فلها النصف ). # وخلاصة الفكرة أن فقهاء السنة لم يعتمدوا إلا على رواية طاوس اليماني ~~التي لا تثبت أمام النقد الحديثي ، فلا يعود لهم حجة على التعصيب. كما ~~أشرنا إليه ، وتمام الكلام موكول إلى الفقه. # 3 ( @QUR@05 وإن كانت واحدة فلها النصف ... ) اتفق المسلمون على أن حصة ~~البنت الواحدة بالفرض هي النصف ؛ أما النصف الآخر ، فلم يتحدث عنه القرآن ~~بصراحة ، كما لم يتحدث عن الثلث الباقي بعد أخذ حصة البنتين أو البنات وقد ~~اختلف رأي الشيعة الإمامية مع رأي أهل السنة ، فذهب فقهاء PageV07P118 # الإمامية إلى إعطاء النصف الآخر للبنت ، انطلاقا من الآية الكريمة التي ~~وضعت القاعدة العامة لإرث أولي الأرحام : ( @QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله ) [الأنفال: 75] حيث أفادت بأن الأقرب يمنع الأبعد ~~في كل طبقة ، مما يجعل الحصة للبنت دون غيرها لأنها الأقرب ؛ وقد أقر فقهاء ~~أهل السنة هذا الحكم بشكل جزئي في مورد انعدام العصبة للميت ، فجعلوا ~~التركة كلها للبنت ، مما يوحي بأن المبدأ وارد من حيث الأساس. # 4 ( @QUR@033 ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم ~~يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين ) في هذه الفقرة من الآية ثلاثة فروض : # أأن يكون للميت أبوان وله ولد ، واحدا كان أو أكثر ؛ فللأبوين السدس ~~والباقي للولد. ويطلق ms1448 الولد على الذكر والأنثى ، لأن اللفظ مأخوذ من ~~الولادة الشاملة للابن والبنت ، وقد جاء في القرآن إطلاق كلمة الأولاد على ~~الذكور والإناث. قال الله تعالى : ( @QUR@08 يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين ) وقال تعالى : ( @QUR@07 ما كان لله أن يتخذ من ولد ) ~~[مريم : 35]. # والمراد بأبويه هنا خصوص الأب والأم ، فلا يشمل الجد والجدة ، فإذا كان ~~الميت قد ترك أبوين وأولادا ، يلاحظ أنه إن كان في الأولاد ذكر واحد أو ~~أكثر كان للأبوين الثلث والباقي للأولاد وإن كان الأولاد بنتين أو أكثر من ~~دون ذكور ، أخذ الأبوان الثلث وكان الثلثان للبنتين ، وإن كان مع الأبوين ~~بنت واحدة فلكل منهما السدس وللبنت النصف بالفرض ، ويبقى سدس يرد على الأب ~~فقط عند السنة وعلى الأب والأم والبنت عند الشيعة. # ب أن لا يكون له ولد ، فإن الأم ترث الثلث والأب يرث الباقي. # ج الصورة نفسها مع وجود إخوة للميت ، فإنهم يحجبون الأم عن PageV07P119 # الثلث ضمن شروط خاصة. واختلف علماء المذاهب الأربعة في عدد الإخوة الذين ~~يحجبون الأم ، قالت المالكية : أقل ما يحجبها اثنان من الإخوة دون الأخوات. ~~وقالت الحنفية والشافعية والحنابلة : اثنان من الإخوة والأخوات ، وقال ~~الإمامية : أخوان أو أخ وأختان ، على شريطة أن يكونوا إخوة للميت من أبيه ~~وأمه ، أو من أبيه فقط ، وأن يكونوا منفصلين عند موت المورث ولا حملا. وأن ~~يكون الأب حيا ، وهؤلاء الإخوة يحجبون عن الميراث ولا يرثون ، فترث الأم ~~سدس التركة والباقي للأب ، ولا يرث الإخوة منها شيئا. وفي جميع هذه الفروض ~~يتقدم الدين والوصية على الإرث ، فلا إرث قبل إخراجهما أو ملاحظتهما في ~~الحساب ، على تفاصيل مذكورة في كتب الفقه. # وتبقى ملاحظة أخرى وهي أن الآية لم تتضمن تقديم أحدهما الوصية والدين على ~~الآخر ، ومجرد التقديم في الذكر في الوصية لا يعني التقدم في الحكم ~~والتنفيذ ، لأن العطف يدل على المشاركة لا على الترتيب ، ولكن استفيد تقديم ~~الدين على الوصية من السنة الشريفة مما ورد عن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت ms1449 عليهم السلام وقد روي عن أمير المؤمنين ~~علي عليه السلام أنه قال : «إن الدين قبل الوصية ، ثم الوصية على أثر الدين ~~، ثم الميراث بعد الوصية ، فإن أول القضاء كتاب الله» (1). والإجماع على ~~أنه لا وصية ولا ميراث إلا بعد وفاء الدين. بالإضافة إلى ما دل على أن ~~الميت مرتهن بديونه. # 5 ( @QUR@016 آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله ~~إن الله كان عليما حكيما ). # إن الله الذي قدر الإرث وحدد ما يرثه الآباء والأبناء من بعضهم ، هو الذي ~~يعرف حدود الأشياء مما يصلح الإنسان أو PageV07P120 # يفسده ، وذلك في القوانين الحكيمة في تنظيم موضوع الإرث على سبيل الفرض ~~اللازم اتباعه ومراعاته في الواقع العملي ، لأن مصدره هو الله الذي يعرف ~~عمق الأشياء في حركة الإنسان في نفسه ، ومع الآخرين ، وهو الذي ينبغي تسليم ~~الأمر إليه في الشريعة ، لأن الإنسان لا ينظر ، في ما يعطي وما يمنع ، إلا ~~إلى ظواهر الأشياء ، مما يخضع له مزاجه أو تتأثر به عواطفه. وهذا ما نلاحظه ~~في ما يقوم به بعض الناس من حرمان البنت من الميراث بطريقة شرعية في صورتها ~~وشكلها ، ولكنها بعيدة عن الإسلام في روحها ومعناها ؛ وذلك بأن يملك الوارث ~~الذكور كل ماله في حياته ليموت بلا تركة ، فيلغي بذلك إرث البنت بشكل ~~طبيعي. وليس ذلك إلا ملاحظة للعقلية الباقية من رواسب الجاهلية في بقاء ~~الإرث في الفئة التي تحفظ اسم العائلة ، وهي فئة الأولاد الذكور ؛ أما ~~البنت ، فإنها لا تقوم بهذا الدور ، لأن أولادها هم عائلة الزوج الذي قد ~~يكون من غير عائلتها ؛ كما قال الشاعر : # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا %~% بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وهذا المفهوم بعيد كل البعد عن روح الإسلام الذي اعتبر البنت كالولد ، في ~~الأساس الذي يقوم عليه الإرث ، وهو صلة القرابة والرحم ، بعيدا عن كل عنوان ~~آخر مما يتسمى به الناس من أسماء عائلية. وعلى هذا الأساس ، كان المبدأ ~~الأخلاقي الإسلامي يتسع لكل العلاقات الرحمية من جهة الأم أو من جهة الأب ، ~~لأن الإسلام لا ms1450 يجد فرقا بينهما في ما تحققه العلاقة من معنى. وينبغي ~~للإنسان المسلم أن يصوغ تفكيره صياغة إسلامية على هدى المفاهيم الإسلامية ~~العامة المتحركة مع مفردات التشريع ، لتكون روحيته منطلقة من روحية الإسلام ~~، كما يكون إطاره العملي منطلقا من الإطار الإسلامي للعمل. PageV07P121 # 6 ( @QUR@049 ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن ~~لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون ~~بها أو دين ). # وهناك نقطة لا بد من إثارتها لأنها وقعت موضعا للجدل بين المسلمين بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي أن ظاهر إطلاق الآية عدم الفرق في ~~نظام الإرث بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الناس ، فلم يرد فيها ولا ~~في غيرها من الآيات أي تقييد يؤدي إلى خروج النبي عن هذا الحكم بحيث لا ~~يرثه أقرباؤه ، فإن هذه الآية تلتقي في هذا الإطلاق والعموم بقوله تعالى : ~~( @QUR@012 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون ) [النساء : 7] ، وربما قيل إن آيات القرآن العامة لا ~~تشمل النبي لأنها جرت على لسانه ، ولكن هذا ليس صحيحا ، لأننا نلاحظ أن ~~النبي كان مخاطبا بكل الأحكام الإسلامية العامة في القرآن ، من الواجبات ~~والمحرمات وهو أمر واضح باعتباره «أول المسلمين». وقد جرى جدال بين أبي بكر ~~والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام حول هذا الموضوع عند مطالبتها له بإرثها ~~من أبيها في قصة فدك ، فروى رواية تقول : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما ~~تركناه صدقة» (1) وقد أنكرت السيدة الزهراء صحة هذه الرواية لأن النبي لم ~~يبلغها ذلك ، مع أن القضية في هذا الحكم سلبا أو إيجابا محصورة بها لأنها ~~الوارث الوحيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # وقد أشرنا إلى هذا الموضوع استكمالا للبحث القرآني باعتبار أنه من ~~متعلقاته. PageV07P122 # وهذا هو قانون الإرث في نطاق العلاقة الزوجية ، الذي ms1451 ارتكز على أساس ~~التفريق في الحصة ، على أساس القاعدة الشرعية في الفرق في الإرث بين الذكر ~~والأنثى ، في زيادة حصته على حصتها ، مع ملاحظة حالة وجود الولد للميت ~~وعدمها ، وذلك لمصلحة الولد ، فجعل للزوج نصف التركة في حال عدم وجود الولد ~~للزوجة ، وربعها في حال وجوده ، كما جعل للزوجة ربع التركة مع وجود الولد ~~للزوج ، وثمنها مع عدم وجوده. ولا بد من التنبيه على نقطة مهمة في هذا ~~الموضوع وهي أن اعتبار نصيب المرأة الزوجة ربعا أو ثمنا مختص بما إذا ترك ~~الميت زوجة واحدة ، أما إذا ترك أكثر من زوجة ، فلا بد من تقسيم الحصة ~~«الربع أو الثمن» عليهن بالتساوي ، وهذا ظاهر من الآية ، حيث تحدثت عن ~~الحصة بطريق الجمع الذي قد يوحي بذلك. وينبغي أن يلاحظ ، في إرث الزوجين ، ~~أنهما يجتمعان مع كل الطبقات ، فيرثان حصتهما من دون نقصان ، لأن هذه ~~العلاقة تمثل أساسا مستقلا للإرث ، لا يلغي وجود أساس آخر للآخرين كالنسب. # 7 ( @QUR@039 وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى ~~بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم ). # والمراد بالكلالة ، غير الوالدين والأولاد من القرابة ، وقد قيل بأنها ~~مأخوذة من الإكليل ، بما تتضمنه من معنى الإحاطة ، باعتبار إحاطتهما به كما ~~يحيط الإكليل بالرأس ؛ وقد تكون وصفا للميت ، باعتبار توريثه لغير الولد ~~والوالدين ؛ وقد تكون وصفا للحي باعتبار أنه من هذه الفئة ، وقد جاءت هذه ~~الكلمة في آيتين من السورة ، إحداهما هذه الآية ، والثانية في آخر السورة ، ~~( @QUR@05 قل الله يفتيكم في الكلالة ) [النساء : 176]. # وقد ذكر في الفقه ، أن المراد بهذه الآية هم إخوته وأخواته لأمه ، أما PageV07P123 # في الآية الثانية ، فإن المراد بها إخوته لأبيه وأمه ، أو لأبيه فقط. وقد ~~ذكرت الآية أن للواحد من ولد الأم السدس من غير فرق بين الذكر والأنثى ، ~~على أساس أن الحصة هنا بلحاظ الأم وبشكل مستقل ، أما إذا ms1452 كانوا أكثر من ~~واحد ، فهم شركاء بالثلث على نحو التساوي. وقد عقبت الآية بما تقدم في ~~الفقرات السابقة عن أن الميراث لا يكون إلا بعد وفاء الدين وإنفاق الوصية ، ~~وقد أشارت إلى رفض الإضرار بالدين وبالوصية ، ويقصد بالأول الإقرار ~~والإيصاء بالدين الذي لا يراد منه إلا الإضرار بالورثة ، وبالثاني : ~~الإيصاء بالزائد عن الثلث ، فإن الزائد يتوقف على رضا الورثة. وقد وضع ~~القرآن هذا التشريع في الإرث في نطاق «الوصية من الله» من أجل أن يأخذ معنى ~~وروحا ، بالإضافة إلى ما فيه من مضمون مادي ، ليتحرك المؤمن على أساس الروح ~~الإيمانية التي توحي إليه بأنه ينفذ وصايا الله وينطلق في خط طاعته. # ولكن هذا التعبير لا يوحي بالرخصة كما يخيل للبعض باعتبار أن الوصية تدخل ~~المضمون في الجو الأخلاقي غير الإلزامي ، فإن مفهومها لا يحمل أي شيء من ~~ذلك ؛ بل قد نلاحظ في التخطيط الشرعي للوصية الصادرة من الإنسان ، لونا من ~~ألوان الإلزام. وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@010 فمن بدله بعد ما سمعه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) [البقرة : 181] ، ويضاف إلى ذلك دلالة ~~الآيتين اللاحقتين على الإلزام في أعلى درجاته. # * * * ### ||| ** العول # وهناك مسألة في الإرث كانت ولا زالت موضعا للجدل بين السنة والشيعة. وهي ~~مسألة العول ، ولا بد لنا من التعرض لها إجمالا لعلاقتها بالمسألة ~~التفسيرية لآيات الإرث باعتبار أنها قد توحي بعدم الدقة في أحكام الإرث. # والعول هو أن تزيد السهام على التركة ، كما لو ترك الميت زوجة PageV07P124 # وأبوين وبنتين ، فإن توزيع التركة بمقتضى قانون الإرث القرآني أن يكون ~~للزوجة الثمن وللأبوين الثلث ، وللبنتين الثلثان ، ومن الطبيعي أن التركة ~~لا تتسع لذلك ، لزيادة الثمن على التركة ، لأن الثلث والثلثين تستوعبانها. ~~ومن الملاحظ أن مورد العول هو وجود الزوج الذي يستحق الربع في الفرض ~~المذكور لو كان بديلا عن الزوجة ، ووجود الزوجة التي تستحق الثمن. # وقد اختار أصحاب المذاهب الأربعة حل المشكلة بإدخال النقص على كل أصحاب ~~الفروض من كل واحد بحسب فرضه ، تماما كأرباب الديون إذا لم يتسع مال الدين ~~لكل ms1453 حقوقهم ، ففي الفرض المذكور تصبح الفريضة من سبعة وعشرين سهما بعد أن ~~كانت أربعا وعشرين ، تأخذ الزوجة منها ثلاثة أسهم ، فيكون ثمنها تسعا ، ~~ويأخذ الأبوان منها ثمانية والبنتان ستة عشر. # أما الإمامية فقالوا إنه يدخل النقص على البنتين ، فتأخذ الزوجة حقها ~~كاملا ويأخذ الأبوان حقهما من دون نقص ويبقى الباقي للبنتين. واستدل أصحاب ~~المذاهب على دعواهم بالقصة التي حدثت في عهد عمر بن الخطاب في امرأة ماتت ~~ولها زوج يرث النصف ، وأختان ترثان الثلثين ، فجمع الصحابة وقال لهم : فرض ~~الله للزوج النصف ، وللأختين الثلثين ، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين ~~الثلثان ، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج النصف ، وأراد لهم أن يشيروا ~~عليه بالحل ، فأشار بعضهم بالعول ، وإدخال النقص على الجميع ، وأنكر ابن ~~عباس ذلك بشكل حاسم ، ولكن عمر أخذ برأي هذا البعض وترك قوله وقال للورثة : ~~ما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص ، وهكذا كان عمر ~~أول من أعال الفرائض وتبعه جمهور السنة على أساس حجية فتواه (1). PageV07P125 # أما الإمامية فقد قالوا إنه لا يمكن أن يجعل الله في الإرث نصفا وثلثين ~~أو ثمنا وثلثا وثلثين ، فإن ذلك يستلزم الجهل والعبث في التشريع ، الأمر ~~الذي يستحيل نسبته إلى الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لذلك فلا بد أن ~~يكون النقص ثابتا في أصل الشريعة بحيث كان التشريع متوازنا في الأصل ، فلا ~~يحمل أية مشكلة في ذاته. # وقد جاء في الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث قال : «كان أمير ~~المؤمنين عليه السلام يقول : إن الذي أحصى رمل عالج (1) ليعلم أن السهام لا ~~تعول على ستة لو يبصرون وجهها لم تجز ستة» (2). # وقد أخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال بأن أول من أعال الفرائض عمر : ~~لما التفت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضا ، فقال : والله ما أدري أيكم قدم ~~الله وأيكم أخر؟ وما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص ~~... ثم قال ابن عباس : وايم الله ، لو قدم من قدم الله وأخر ms1454 من أخر الله ما ~~عالت فريضة ، فقيل له : وأيها قدم وأيها أخر؟ فقال : كل فريضة لم يهبطها ~~الله عن فريضة إلا إلى فريضة ، فهذا ما قدم الله ، وأما ما أخر فكل فريضة ~~إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي ، فتلك التي أخره فأما الذي قدم ، ~~فالزوج له النصف ، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه ~~شيء. والزوجة لها الربع فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن ، لا ~~يزيلها عنه شيء. والأم لها الثلث ، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ، ولا ~~يزيلها عنه شيء ، فهذه الفرائض التي قدم الله. وأما PageV07P126 # التي أخر ففريضة البنات والأخوات ، لها النصف والثلثان ، فإذا أزالتهن ~~الفرائض عن ذلك ، لم يكن لهن إلا ما بقي ، فتلك التي أخر ، فإذا اجتمع ما ~~قدم الله وما أخر بدئ بما قدم الله فأعطي حقه كاملا ، فإن بقي شيء كان لمن ~~أخر ، وإن لم يبق شيء ، فلا شيء له (1). # وهكذا يدخل النقص في نظر الإمامية على البنات والأخوات دون الزوج والزوجة ~~والأم والأب ، لأن للبنات والأخوات فرضا واحدا ولا يهبطن من فرض أعلى إلى ~~فرض أدنى ، فيرثن بالفرض مع عدم وجود الذكر وبالقرابة مع وجوده ، وقد يكون ~~لهن منه دون ما كان لهن منفردات ، أما الزوج فيهبط من النصف إلى الربع كما ~~أن الزوجة تهبط من الربع إلى الثمن والأم من الثلث إلى السدس ، ويرث الأب ~~السدس في بعض الحالات ، فكل واحد من هؤلاء لا ينقص عن فرضه الأدنى ولا ~~يزيله عنه شيء فإذا اجتمع مع الفريق الآخر يقدم ولا يبدأ به ، وما بقي ~~للبنات أو للأخوات. # وجاء في فقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام للشيخ محمد جواد مغنية ، نقلا ~~عن كتاب «الميراث عند الجعفرية» للشيخ محمد أبو زهرة ، قال ابن شهاب الزهري ~~: «لو لا تقدم فتوى الإمام العادل عمر بن الخطاب على فتوى ابن عباس ، لكان ~~كلام ابن عباس جديرا بأن يتبعه كل أهل العلم ويصادف الإجماع عليه» (2) وقد ~~ذكرنا ms1455 أن هذا الرأي روي عن الإمام على عليه السلام وسار عليه أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام . # * * * PageV07P127 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) @QUR@013 ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حدود ): الحد الحاجز بين الشيئين ، وأصله المنع والفصل ، ~~وحدود الدار تفصلها عن غيرها. والمراد بحدود الله أحكام الإرث والفرائض ~~المبينة. # ( @QUR@01 الفوز ): الفلاح. # * * * # تضع الآية الأولى المسألة في موقعها الإلزامي من التشريع ، على أساس أنها ~~من حدود الله التي يجب على الإنسان أن يقف عندها ولا يتجاوزها ، فيكون ~~للملتزمين بها الخلود في الجنات التي تجري من تحتها الأنهار كرمز للفوز ~~العظيم. أما المتعدون لهذه الحدود ، فينتظرهم يوم القيامة PageV07P128 # الخلود في النار والعذاب المهين فيها ، لأن ذلك هو جزاء الذين يعصون الله ~~ورسوله. # ( @QUR@03 تلك حدود الله ) التي بينها في فرائض الميراث وأمر اليتامى ، ~~وفصلها بطريقة واضحة لا تحتمل اللبس ولا تدفع للخلاف ، فلا تتجاوزوها إلى ~~غيرها لئلا تنحرفوا عن الخط المستقيم الذي أراد الله لكم أن تسيروا عليه في ~~الانفتاح على مواقع طاعته. ( @QUR@04 ومن يطع الله ورسوله ) في أوامرهما ~~ونواهيهما ( @QUR@01 يدخله ) الله سبحانه ( @QUR@04 جنات تجري من تحتها ) ~~أي من تحت أشجارها وأبنيتها ، ( @QUR@01 الأنهار ) أي ماء الأنهار ( ~~@QUR@02 خالدين فيها ) فلا موقع للموت هناك بل هو البقاء والدوام في الحياة ~~، ( @QUR@03 وذلك الفوز العظيم ) أي الفلاح العظيم ، وأي فلاح أعظم من ~~الفوز بالمصير النهائي ، ليجد الإنسان نفسه في أجواء نعيم الجنة ورضوان الله. # ( @QUR@03 ومن يعص الله ) أو ينحرف عن خط العبودية له ، فيتمرد على ~~تعاليمه وأوامره ونواهيه في شؤون الفرائض وغيرها ، ( @QUR@02 ويتعد حدوده ) ~~فيتجاوزها إلى تشريعات غيره مما يشرعه المنحرفون عن الله أو توحي به النفس ~~الأمارة بالسوء من خلال وسوسات الشيطان ، ( @QUR@04 يدخله نارا خالدا فيها ~~) فلا يموت فيها فيرتاح ( @QUR@03 وله عذاب مهين ) وأية إهانة أعظم من هذا ~~النوع من الإحراق والتعذيب والإسقاط الروحي الذي لا يملك الإنسان فيه أي ~~توازن أو احترام. # أما اختلاف ms1456 التعبير بالجمع عن أصحاب الجنة في قوله : ( @QUR@02 خالدين ~~فيها ) وبالفرد عن أصحاب النار في قوله : خلدا فيها فلعل الأساس فيه أن أهل ~~الجنة ينعمون بنعيمها مجتمعين ، بينما أهل النار مشغولون بأنفسهم عن غيرهم ~~؛ فلكل واحد منهم عذابه وآلامه التي لا تتيح له التطلع أو التفكير بمن حوله ~~من الآخرين. # وقد جاء هذا التعبير ( @QUR@02 حدود الله ) في أكثر من آية من أجل ~~التأكيد PageV07P129 # على الاهتمام القرآني بالالتزام الحاسم الشرعي بالأحكام والقوانين ~~والتعاليم الاجتماعية ، لأن القضية المطروحة في حركة العقيدة في الإنسان هي ~~أن تتحول الخطوط التفصيلية في التشريع إلى خطوط عملية في السلوك الإنساني ، ~~باعتبار أن الأحكام الشرعية تمثل التجسيد الواقعي العملي للقيم الروحية ~~والأخلاقية والاجتماعية في واقع الإنسان ، الأمر الذي يفرض زيادة التأكيد ~~على الوقوف عندها وعدم تجاوزها ، لأن الالتزام بالرسالة يمثل في الإنسان ~~الانطلاق في حركته الوجودية من خلال ما أمر الله به ، وفي سلبياته الحركية ~~من خلال ما نهى الله عنه ، فذلك هو الذي يمثل شخصية الإنسان المسلم في ~~عناصرها الفكرية والعلمية ، وهذا ما أراد الله للإنسان أن يبقيه في وجدانه ~~الديني التشريعي ، ولهذا كرر مضمون هذه الآية فذكرها في سورة البقرة في ~~الآية (187) بعد الحديث عن حرمة الاتصال الجنسي بين الزوجين في الاعتكاف ، ~~وبعد الأحكام المتعلقة بالصوم ، كما ذكرت في الآيتين (229) و (230) من ~~السورة نفسها ، وفي آية (10) من سورة الطلاق ، في سياق الحديث عن أحكام ~~الطلاق ، وفي آية (4) من سورة المجادلة ، بعد بيان كفارة الظهار. # وهذا هو ما ينبغي للعاملين في حقل التربية الإسلامية أن يتمثلوه في ~~مناهجهم التربوية للإيحاء للجيل المسلم بأن الانتماء يمنع الإنسان من ~~التحرك بحرية في الساحة العملية الواسعة ليفعل ما يريد ويترك ما يريد تبعا ~~لهوى نفسه أو للبيئة المحيطة به ، فهناك حدود عقيدية لا بد أن يقف عندها في ~~حركة فكره ، وهناك حدود شرعية لا بد أن لا يتجاوزها في حركة عمله ، لأن ذلك ~~هو معنى الإيمان بالله فكرا وعملا والانفتاح على مواقع رضاه ، فإن مسألة ~~الحرية الإنسانية تتحرك في الساحات ms1457 التي منح الله فيها الإنسان الرخصة في ~~الانطلاق فيها لا في الساحات التي وضع فيها حدوده. # * * * PageV07P130 ### ||| ** هل يخلد العاصي المسلم في النار؟ # ربما توحي هذه الآية كغيرها من الآيات التي تتحدث عن عذاب المتعدي لحدود ~~الله في أجواء المعصية ، بخلود العاصي في النار ، وأن المسلم يمكن أن يخلد ~~في النار بفعل معصيته ، وهذا هو ما استدل به القائلون بأن مرتكب الكبيرة من ~~أهل الصلاة مخلد في النار ومعاقب فيها لا محالة كما جاء في مجمع البيان (1) ~~ولكنه أشكل عليهم بأن الظاهر أن قوله ( @QUR@02 ويتعد حدوده ) يراد به جميع ~~حدوده في العقيدة والعمل ، وهذه هي صفة الكفار ، لأن المؤمن يقف عند حدود ~~الله في العقيدة وفي بعض مواقع الشريعة ، ويتجاوزها في البعض الآخر ، فلا ~~تنطبق عليه الآية ؛ هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن «صاحب الصغيرة بلا خلاف ~~خارج من عموم الآية وإن كان فاعلا للمعصية ومتعديا حدا من حدود الله ، وإذا ~~جاز لهذا القائل إخراجه منه بدليل ، جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع ~~له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يتفضل عليه الله سبحانه بالعفو ، بدليل ~~آخر ، وأيضا ، فإن التائب لا بد من إخراجه من عموم الآية لقيام الدليل على ~~وجوب قبول التوبة ، فكذلك يجب إخراج من يتفضل الله عليه بإسقاط عقابه منها ~~لقيام الدلالة على جواز وقوع التفضل بالعفو ، فإن جعلوا الآية دالة على أن ~~الله سبحانه لا يختار العفو ، جاز لغيرهم أن يجعلها دالة على أن العاصي لا ~~يختار التوبة ، على أن في المفسرين من حمل الآية على من تعدى حدود الله ~~وعصاه مستحلا لذلك ، ومن كان كذلك لا يكون إلا كافرا» (2). PageV07P131 # ولكن من الممكن أن تكون هذه الآية وأمثالها واردة على سبيل تحديد ~~الاستحقاق للعذاب الخالد لا على بيان الفعلية ، فلا تنافي ما دل على عدم ~~خلود المسلم في النار ، لأن إسلامه قد يكون سببا في العفو الإلهي عنه ، ~~والله العالم. # * * * PageV07P132 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ~~فإن شهدوا فأمسكوهن ms1458 في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ~~(15) @QUR@014 والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ~~إن الله كان توابا رحيما ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واللاتي ): جمع التي ، وكذلك اللواتي ، وقد تحذف التاء من ~~اللاتي فيقال اللاي. # ( @QUR@01 الفاحشة ): كناية عن الزنى واللواط ، والفاحشة ما عظم قبحه من ~~الأقوال والأفعال ، وأصل الفحش الزيادة والكثرة ، وكثيرا ما يراد من ~~الفاحشة الزنى ، وقد أطلقت على اللواط أيضا ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) [العنكبوت : 28]. # ( @QUR@01 فأمسكوهن ): احبسوهن واسجنوهن ، قيل : لم يعبر بالحبس والسجن ~~لما في تعبير الإمساك من سماحة. PageV07P133 # ( @QUR@01 يتوفاهن ): التوفي الاستيفاء ، وهو القبض تقول : توفيت مالي ~~واستوفيته إذا قبضته ، وبذلك يكون المعنى : يقبضهن الموت. # * * * ### ||| ** النظرة الإسلامية للجنس من خلال العقوبة # وينتقل الحديث إلى موضوع آخر يرتبط بحدود الله في الجانب الأخلاقي من ~~حياة الإنسان ، فقد أراد الإسلام له الانضباط في ممارساته الجنسية ، في ~~دائرة خاصة تشبع له غريزته من جهة ، وتحفظ له توازنه من جهة أخرى ، على ~~أساس القاعدة الأخلاقية الواقعية في الإسلام ، التي تشرع للإنسان من باب ~~أنه كائن له غرائزه وميوله وحاجاته ؛ فلا تتنكر لها ، بل تعترف بها من ~~ناحية المبدأ ، ولا تمنحها الحرية المطلقة التي تلغي روحيتها. # وقد سلك الإسلام الطريق العملي في التخطيط للانضباط ، وذلك في خطين : ~~الخط الأول ، وهو خط التوعية الفكرية ، من خلال ما يثيره أمام الإنسان من ~~المصالح والمفاسد الحقيقية ، في ما يريد منه أن يفعله أو يتركه ، ليرتبط ~~الخط العملي بحسابات الأرباح والخسائر الحياتية التي يتحرك الإنسان من ~~خلالها بشكل طبيعي ؛ والخط الثاني : وهو خط العقوبات الأخروية والدنيوية ، ~~من خلال ما يريده الإسلام من حشد الضغوط المادية التي تشكل حاجزا نفسيا ~~كبيرا ضد هذا العمل أو ذاك ، لأن أكثر الناس لا يتحركون في ممارساتهم من ~~موقع القناعة الفكرية ، بل يحتاجون إلى الضغوط الخارجية والداخلية التي ~~تعطي للإرادة قوة الموقف. وقد سلك الإسلام ، في هذا المجال ، سبيل إثارة ~~العقوبات الأخروية في أغلب الأوامر والنواهي. أما PageV07P134 # العقوبات الدنيوية ، فقد ms1459 اقتصرت على الجوانب المتعلقة بالنفس والعرض ~~والمال ، في ما يمارسه الناس من أعمال متعلقة بهذه الأمور ؛ وهذا هو الباب ~~الذي عنونه الفقهاء بكتاب الحدود والقصاص والديات ؛ وربما كان الأساس في ~~ذلك ، هو اهتمام الإسلام بالجانب الذي يحفظ للفرد والمجتمع بنيانه الذاتي ~~في علاقاته الفردية والاجتماعية ، فيرتكز النظام العام للحياة على أساس قوي ~~ثابت ؛ فإذا غفل الإنسان عن جانب العقوبة في الآخرة ، باعتباره من الغيب ~~الذي لا ينفعل به الإنسان إلا من خلال شعور ضاغط ، كان الجانب الدنيوي ~~للعقوبة كفيلا بتحقيق الانضباط أمام حدود الله. # وقد جاءت هاتان الآيتان ، لتتحدثا عن التخطيط الأولي في الإسلام للعقوبة ~~على الفاحشة التي هي من المفاهيم العامة ، التي يمكن أن تنطبق على أكثر من ~~حالة من حالات الانحراف الأخلاقي ، لا سيما الأعمال المتعلقة بالجانب ~~الجنسي من علاقات الإنسان ؛ فقد أطلقت على الزنى في قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) [الإسراء: 32] وعلى اللواط في ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ) ~~[النمل : 54] ؛ كما أطلقت على بعض العلاقات المحظورة شرعا ، في قوله تعالى ~~: ( @QUR@017 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) [النساء : 22] ؛ وقد جاءت بعض الآيات للتحدث عن ~~المفهوم ، بشكل عام ، يشمل الانحرافات المتنوعة ، في قوله تعالى : ( ~~@QUR@022 وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) [الأعراف : 28] ، ~~وفي قوله تعالى : ( @QUR@08 ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) ~~[الأنعام : 151]. كما وردت كلمة الفحشاء المعبرة عن المفهوم ، في أكثر من ~~آية. ولعل الأساس في هذا الشمول في المعنى هو طبيعة المعنى اللغوي لهذه ~~الكلمة ، PageV07P135 # وهو الزيادة والكثرة ؛ وكل شيء جاوز قدره وحده فهو فاحش. فإن ذلك يعني أن ~~الإسلام يمثل ، في تشريعاته الإيجابية والسلبية ، الحد الطبيعي للأشياء ، ~~في ما يريد للمكلف أن يقف عنده ، مما يجعل من الفحشاء والفاحشة عنوانا لأي ~~انحراف وتجاوز عن الحد الشرعي للأمور ، سواء في ms1460 السلوك الأخلاقي أو ~~الاقتصادي أو الاجتماعي ، ولكن الإسلام لم يجعل العقوبة على المفهوم العام ~~للكلمة ، بل وضعها في حدود معينة من الممارسات المرتبطة بالجانب الجنسي ~~للإنسان ، كالزنى واللواط والسحاق والقيادة والقذف ونحو ذلك ... # وقد اختلف المفسرون في المراد من كلمة الفاحشة في هاتين الآيتين ، هل هو ~~معنى واحد وهو الزنى أم أن الآية الأولى تتحدث عن السحاق ، والثانية عن ~~اللواط ، أم أن المراد بالأولى الزنى ، وبالثانية اللواط. # وقد لا نجد في مدلول الآية ، من حيث منطوق الكلمات فيها ، ما يؤكد هذا ~~القول أو ذاك ، ما دامت الكلمة تتسع لأي معنى من هذه المعاني ؛ ولكن البعض ~~حاول أن يفهم منها بعض ملامح التخصيص ، فقد ذكر أن مورد الآية الأولى هو ~~المحصنات المتزوجات ، لأن كلمة النساء تطلق في أكثر من مورد في القرآن على ~~الزوجات ، كما أن العرف يساعد على ذلك ، بينما يراد من الآية الثانية غير ~~هذا المورد في الرجال والنساء ، في ما تعطيه كلمة: ( @QUR@03 والذان ~~يأتيانها منكم ) بلحاظ الحديث فيها عن الإيذاء الذي هو عنوان للعقوبات ~~المختلفة التي جعلت في هذا المجال. # وحاول البعض أن يستنطق كلمة ( @QUR@01 والذان )، ليجعلها دليلا على ~~إرادة اللواط من الآية الثانية ؛ فإن العدول عن التأنيث في الأولى إلى ~~التذكير في الثانية ، يدل على أن الحكم فيها مختلف في مورده عن الأولى ، ~~لتكون الثانية مختلفة بالانحراف المذكر من الفاعل والمفعول ، والأولى مختصة ~~بالانحراف PageV07P136 # المؤنث إن صح التعبير في ما يمثله الحديث عن ( @QUR@03 واللاتي يأتين ~~الفاحشة ) وذلك لأنه لا وجه لهذا التنوع في التعبير إلا الإشارة إلى ذلك. # أما أبو مسلم ، فقد استفاد من هذا التنويع طبيعة المقصود من الفاحشة ، ~~فقد اعتبر الحديث عن (اللاتي) في الأولى حديثا عن الفاحشة التي تكون كل ~~عناصرها من النساء ، والمتمثلة في عملية السحاق ؛ كما أن الحديث عن ~~«اللذان» هو حديث عما يكون العنصر الكامل فيه من الرجال ، وذلك هو شأن ~~اللواط. # وهكذا حاول كل فريق أن يجد في بعض الجوانب الفنية للكلمات ما يؤكد الوجه ~~الذي يذهب إليه ، ولكننا نحسب ms1461 أن ذلك كله لن يجعل المعنى محصورا في ما ~~ذهبوا إليه ، لأن أي جانب من الجوانب التي أثاروها في عملية الاستنطاق ~~للكلمات ، لا يخلو من احتمال آخر لوجه آخر ، وكمثال على ذلك نقف أمام الوجه ~~الأول الذي ارتكز على ظهور كلمة النساء في المتزوجات ؛ فإننا نواجه عدة ~~آيات في القرآن تتحدث عما يشمل غير المتزوجات بكلمة النساء ، كما في كثير ~~من آيات الإرث وغيرها ، كما أن هذا الوجه لم يتحدث عن معنى التثنية ~~المذكورة في الآية الثانية في مقابل الجمع المؤنث في الأولى ... وهكذا نجد ~~المعنى الثاني في اختصاص الثانية باللواط ، فإن كلمة «واللذان» يمكن أن ~~تكون واردة مورد التغليب على أساس إرادة الزنى منها. وهذا باب واسع في ~~التعابير القرآنية وغيرها ، مما لا يجعل المعنى مخصوصا بما ذكر ؛ وبهذا ~~يمكننا المناقشة في الوجه الثالث. # وفي ضوء ذلك ، لا بد لنا أن نقف من هذه الوجوه موقف الاحتياط ، الذي لا ~~يستطيع الجزم بشيء منها ، من خلال طبيعة المدلول اللفظي للآية ، بل يرد ~~علمه إلى أهله ، فيرجع إلى الأحاديث الواردة في التفسير ، ليحدد من خلالها ~~المعنى الذي تكون الآية فيه منسوخة أو محكمة ؛ وذلك موكول إلى PageV07P137 # الفقه ، فقد يكفينا في نطاق التفسير أن نشير إلى الوجوه المحتملة في هذا ~~الباب ، ونعرف من خلال ذلك كله ، أن الإسلام خطط للعقوبة على الفاحشة في ~~نطاق العلاقة الجنسية المنحرفة ، سواء كانت الزنى كما عليه أغلب المفسرين ، ~~أو الشذوذ الجنسي المذكر أو المؤنث كما عن أبي مسلم ، وذلك على أساس إيجاد ~~العنصر الرادع الذي يفسخ المجال في حركة الواقع لإبعاد الناس عن الانحراف ~~الخلقي. أما مفردات الآيتين ، فيمكن أن نوضحها ضمن نقاط : # 1 ( @QUR@04 فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) هذا تخطيط للشهادة في الزنى ، ~~فلا بد من أربعة شهداء ، إذ لا يثبت بغير ذلك ، ولا بد من الذكورة والإيمان ~~بالإضافة إلى شروط أخرى جاءت بها السنة. # 2 ( @QUR@03 فأمسكوهن في البيوت ) قيل في معناه : إن ذلك كناية عن ~~إبعادهن عن أجواء الانحراف وصيانتهن عن مثل فعلهن ، والأكثر أنه ms1462 على وجه ~~الحد على الزنى. وكان ذلك في أول الإسلام ، ثم نسخ بآية الجلد ؛ كما في كنز ~~العرفان (1). # 3 ( @QUR@03 حتى يتوفاهن الموت ... ) أي ملك الموت ، والتوفية بلوغ الشيء ~~حده ، ( @QUR@05 أو يجعل الله لهن سبيلا ) قيل : السبيل هو الحكم الناسخ ، ~~ولهذا لما نزلت آية الجلد ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «قد جعل الله ~~لهن سبيلا» (2). وهناك وجوه أخرى. # 4 ( @QUR@01 فآذوهما ) قيل المراد به التوبيخ والاستخفاف ؛ وبهذا لا يكون ~~منسوخا ، لأنه حكم ثابت مطلق بل المنسوخ الاقتصار عليه ، وقيل : إنه PageV07P138 # عنوان للحد الواجب في هذه المعصية. # 5 ( @QUR@05 فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) فيه دلالة على أن الزاني ~~إذا تاب قبل الرفع إلى الحاكم لا يحد ؛ وأما بعد الرفع والحضور ؛ فإن ثبت ~~بالإقرار تخير الإمام ، وإن ثبت بالبينة تحتم الحد. والمراد بالإصلاح ~~الاستمرار على التوبة. # وهناك بعض النقاط التي لا بد من إيضاحها حول تفسير الآية : # 1 إن الآية تتحدث عن الحبس المؤبد للنساء الزانيات كحكم مؤقت ، لأنها ~~أوحت في قوله تعالى : ( @QUR@05 أو يجعل الله لهن سبيلا ) بأن من الممكن أن ~~تنطلق التعاليم الإلهية في عملية تشريعية جديدة تنهي هذا الحبس المؤبد إذا ~~بقين في الحياة ، فيكتفى بذلك الحبس في الماضي لإلغائه من التشريع لمصلحة ~~تشريع آخر ، وهو الجلد لغير المحصنة أو الرجم للمحصنة ، فلا يشملها الحكم ~~الجديد ، لأن الحكم الجزائي لا يشمل الحالات السابقة على تشريعه. وبهذا ~~نفهم ما معنى كلمة السبيل التي أريد لهن انتظاره ، لأنهن يحصلن على الحرية ~~بعد ذلك وربما استفاد البعض من كلمة ( @QUR@05 أو يجعل الله لهن سبيلا ) ~~إصدار القانون بالجلد أو الرجم الذي يحدد عقوبتهن بذلك ، لأنه الطريق الذي ~~يريد لهن السير فيه ، ولكن هذا بعيد عن الظاهر من الكلمة ، لأن الظاهر من ~~كلمة السبيل ، وسيلة النجاة وطريق الخلاص ، وهذا لا ينسجم مع الجلد أو ~~الإعدام. # وربما كانت مسألة السبيل متعلقة بالعنوان العام للزانية ، لا التي سبق ~~لها الزنى في مرحلة نزول الآية ، فيكون ذلك هو السبيل الذي ينصرف إليه ~~أمرهن في تحديد العقوبة الشرعية. ms1463 ولعل هذا ما روي في مجمع البيان : «قالوا ~~: لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@08 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة ) [النور : 2] ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : خذوا عني ، ~~خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، PageV07P139 # البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. وقال ~~بعض أصحابنا : إن من وجب عليه الرجم يجلد أولا ثم يرجم. وبه قال الحسن ~~وقتادة وجماعة من الفقهاء. وقال أكثر أصحابنا : إن ذلك يختص بالشيخ والشيخة ~~، فإما غيرهما فليس عليه غير الرجم (1)، وربما نستوحي من تشريع الحبس في ~~البيوت ، أن الزانية تبقى في المحضن الطبيعي الحميم الذي عاشت فيه بين ~~أهلها ، مما يكفل لها الجو الملائم للبعد عن البيئة المنحرفة وعن المؤثرات ~~الأخلاقية السلبية التي تزيد في انحرافها ، لأن طهارة الجو قد تترك آثارها ~~على الجو النفسي الطاهر للإنسان من خلال الناس الذين يحيطون به في سلوكهم ~~المنفتح على العفة وعلى تقوى الله ؛ الأمر الذي يحصن هذه الإنسانية ويدفعها ~~إلى التوبة ويفسح لها المجال لحساب النفس ، بينما نجد من خلال التجربة ~~الطويلة المعاصرة أن السجون العامة التي تحتوي الكثيرات من المنحرفات ~~اللاتي انحرفن عن خط العفة أو عن خط الأمانة أو انفتحن على الجريمة والفساد ~~الأخلاقي والاجتماعي ، قد تتحول إلى مدرسة للانحراف وللإصرار على البقاء في ~~نفس الموقع من خلال بعض المؤثرات السلبية التي تساهم في توجيه المنحرفة إلى ~~الاستمرار في الانحراف أو زيادته لديها ، بالرغم من بعض البرامج التوجيهية ~~التي تقوم بها إدارات السجون ، بحيث نجد أن المجرم يزداد إجراما بعد خروجه ~~من هذه السجون. # * * * # 2 ربما يستفاد قيد «عدم الإحصان» في الآية الثانية من كلمة ( @QUR@01 ~~فآذوهما ) لأن الاقتصار على الإيذاء ، سواء أريد به العنوان العام للكلمة PageV07P140 # أو أريد به الجلد المذكور في الآية الثانية من سورة النور ، لا يتلاءم مع ~~عقوبة الرجم التي تمثل الإعدام ، وهذا ما جاء في البحار عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال : قلت قوله : ( @QUR@03 والذان يأتيانها منكم ) قال : يعني ~~البكر إذا أتت الفاحشة التي ms1464 أتتها هذه الثيب ( @QUR@01 فآذوهما )، قال : ~~تحبس ( @QUR@010 فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ) (1). # * * * # 3 ربما نستوحي من كلمة ( @QUR@02 فأعرضوا عنهما ) أن العاصي إذا تاب ~~وأصلح أمره فلا بد من إهمال الحديث عن معصيته وقبول توبته اجتماعيا ، ~~باعتبار قبول الله توبة التائب ، فلا يجوز تذكيره بها وتعبيره بنتائجها ~~لتكون عنوانا لشخصيته في الواقع الاجتماعي بحيث يرفضه الناس من خلال تاريخه ~~السيئ ، فإن الله إذا عفا عنه وأسقط حقه بالتوبة والإصلاح ، فعلى الناس أن ~~يمتنعوا عن الإساءة إليه ، بل لا بد من أن يعتبروا ذلك بمنزلة العدم ، فإن ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له. # وهكذا إذا طبق عليه الحكم الشرعي بالجلد أو نحوه وتاب منه بعد ذلك فإن ~~على الناس أن لا يثيروا ذلك في أحاديثهم عنه ، بل يتناسوه ليشجعوه على ~~الاستمرار في خط التوبة بالتأكيد على الواقع الجديد الصالح الذي تحول إليه. # * * * PageV07P141 # 4 هل الآية منسوخة؟ # جاء في مجمع البيان : حكم هذه الآية منسوخ عند جمهور المفسرين وهو المروي ~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام ، وقال بعضهم إنه غير منسوخ ، لأن ~~الحبس لم يكن مؤبدا ، بل كان مستندا إلى غاية ، فلا يكون بيان الغاية نسخا ~~له ، كما لو قالوا افعلوا كذا إلى رأس الشهر ، وقد فرق بين الموضعين ، فإن ~~الحكم المعلق بمجيء رأس الشهر لا يحتاج إلى بيان صاحب الشرع ، بخلاف ما في ~~الآية (1). # وقد ذكر الأستاذ المحقق السيد أبو القاسم الخوئي (قدسسره) في كتابه ~~«البيان في تفسير القرآن» في بحث «النسخ في القرآن» ، بعد إشارته إلى ما ~~ذكره الجصاص في أحكام القرآن أن الأمة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين (في ~~الآيتين) عن الزانيين ما هذا نصه : «والحق أنه لا نسخ في الآيتين جميعا ، ~~وبيان ذلك : أن المراد من لفظ الفاحشة ما تزايد قبحه وتفاحش ، وذلك قد يكون ~~بين امرأتين فيكون مساحقة وقد يكون بين ذكرين فيكون لواطا ، وقد يكون بين ~~ذكر وأنثى فيكون زنى ، ولا ظهور للفظ الفاحشة في خصوص الزنى لا وضعا ms1465 ولا ~~انصرافا ، ثم إن الالتزام بالنسخ في الآية الأولى يتوقف : # أولا : على أن الإمساك في البيوت حد لارتكاب الفاحشة. # ثانيا : على أن يكون المراد من جعل السبيل هو ثبوت الرجم والجلد ، وكلا ~~هذين الأمرين لا يمكن إثباته ، فإن الظاهر من الآية المباركة أن إمساك ~~المرأة في البيت إنما هو لتعجيزها عن ارتكاب الفاحشة مرة ثانية ، وهذا من ~~قبيل دفع المنكر ، وقد ثبت وجوبه بلا إشكال في الأمور المهمة كالأعراض PageV07P142 # والنفوس ، والأمور الخطيرة ، بل في مطلق المنكرات على قول بعض ، كما أن ~~الظاهر من جعل السبيل للمرأة التي ارتكبت الفاحشة هو جعل طريق لها تتخلص به ~~من العذاب ، فكيف يكون منه الجلد والرجم ، وهل ترضى المرأة العاقلة الممسكة ~~في البيت مرفهة الحال أن ترجم وتجلد؟ وكيف يكون الجلد أو الرجم سبيلا لها ، ~~وإذا كان ذلك سبيلا لها ، فما هو السبيل عليها؟ # وعلى ما تقدم ، فقد يكون المراد من الفاحشة خصوص المساحقة ، كما أن ~~المراد بها في الآية الثانية خصوص اللواط ، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى ، ~~وقد يكون المراد منها ما هو أعم من المساحقة والزنى ، وعلى كلا هذين ~~الاحتمالين ، يكون الحكم وجوب إمساك المرأة التي ارتكبت الفاحشة في البيت ~~حتى يفرج الله عنها ، فيجيز لها الخروج إما للتوبة الصادقة التي يؤمن معها ~~من ارتكاب الفاحشة مرة ثانية ، وإما لسقوط المرأة عن قابلية ارتكاب الفاحشة ~~لكبر سنها ونحوه ، وإما بميلها إلى الزواج وتزويجها برجل يتحفظ عليها ، ~~وإما بغير ذلك من الأسباب التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة. وهذا الحكم ~~باق مستمر ، وأما الجلد أو الرجم ، فهو حكم آخر شرع لتأديب مرتكبي الفاحشة ~~، وهو أجنبي عن الحكم الأول ، فلا معنى لكونه ناسخا له. # وبتعبير آخر : إن الحكم الأول شرع للتحفظ عن الوقوع في الفاحشة مرة أخرى ~~، والحكم الثاني شرع للتأديب على الجريمة الأولى وصونا لباقي النساء عن ~~ارتكاب مثلها ، فلا تنافي بين الحكمين لينسخ الأول بالثاني. نعم ، إذا ماتت ~~المرأة بالرجم أو الجلد ، ارتفع وجوب الإمساك في البيت لحصول غايته ، وفي ~~ما ms1466 سوى ذلك ، فالحكم باق ما لم يجعل الله لها سبيلا. # وجملة القول : إن المتأمل في معنى الآية لا يجد فيها ما يوهم النسخ ، ~~سواء في ذلك تأخر آية الجلد عنها وتقدمها عليها. PageV07P143 # وأما القول بالنسخ في الآية الثانية فهو أيضا يتوقف : # أولا : على أن يراد من الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@01 يأتيانها ) الزنى. # ثانيا : على أن يراد بالإيذاء الشتم والسب والتعيير ونحو ذلك ، وكلا هذين ~~الأمرين مع أنه لا دليل عليه مناف لظاهر الآية. # وبيان ذلك : أن ضمير الجمع المخاطب قد ذكر في الآيتين ثلاث مرات ، ولا ~~ريب أن المراد بالثالث منها هو المراد بالأولين ، ومن البين أن المراد بهما ~~خصوص الرجال. وعلى هذا ، فيكون المراد من الموصول رجلين من الرجال ، ولا ~~يراد منه ما يعم رجلا وامرأة ، على أن تثنية الضمير لو لم يرد منه الرجلان ~~، فليس لها وجه صحيح ، وكان الأولى أن يعبر عنه بصيغة الجمع ، كما كان ~~التعبير في الآية السابقة كذلك. وفي هذا دلالة قوية على أن المراد من ~~الفاحشة في الآية الثانية هو خصوص اللواط لا خصوص الزنى ، ولا ما هو أعم ~~منه ومن اللواط ، وإذا تم ذلك ، كان موضوع الآية أجنبيا عن موضوع آية الجلد. # وإذا سلمنا دخول الزاني في موضوع الحكم في الآية ، فلا دليل على إرادة ~~نوع خاص من الإيذاء الذي أمر به في الآية ، عدا ما روي عن ابن عباس أنه ~~التعيير وضرب النعال ، وهو ليس بحجة ليثبت به النسخ ، فالظاهر حمل اللفظ ~~على ظاهره ، ثم تقييده بآية الجلد ، أو بحكم الرجم الذي ثبت بالسنة ~~القطعية. # وجملة القول : أنه لا موجب للالتزام بالنسخ في الآيتين ، غير التقليد ~~المحض ، أو الاعتماد على أخبار الآحاد التي لا تفيد علما ولا عملا» (1). # ونلاحظ على كلام سيدنا الأستاذ (قدسسره)، أن استظهاره من الآية PageV07P144 # المباركة الأولى أن إمساك المرأة في البيت إنما هو لتعجيزها عن ارتكاب ~~الفاحشة مرة ثانية ، غير واضح من حيث مدلولها ، بل قد تكون ظاهرة في ~~العقوبة بالسجن المؤبد في البيت ، لأنه ليس من ms1467 الطبيعي أن يكون إبعادها عن ~~الفاحشة بهذه الطريقة ، إذ ليس من الضروري أن تكون هذه المرأة الزانية قد ~~تحولت المعصية لديها إلى حالة متجذرة في الذات ومستمرة في حركة سلوكها ، بل ~~قد يكون الزنى حالة طارئة جديدة في حياتها ؛ الأمر الذي يمكن فيه نهيها عنه ~~بالوسائل العادية للنهي عن المنكر. # أما ملاحظته حول جعل السبيل ، فإننا قد نتفق معه في رفض اعتبار الرجم أو ~~الجلد سبيلا ، على أساس تفسير السبيل بالحل الذي يتخلص به من هذا السجن ~~المؤبد ، ولكن من الممكن أن يكون المقصود منه الوسيلة التي يمكن لها فيه أن ~~تنال عقوبتها ، كالجلد الذي اقتصر القرآن عليه ، «لأن الرجم ثبت بالسنة» ، ~~فتملك بذلك حريتها في الحركة وتتخلص من سجنها ، وهذا هو الذي تؤيده الرواية ~~التي جاءت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما رواه صاحب مجمع البيان ~~حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم حسب الرواية : قد جعل الله لهن سبيلا عند نزول ~~آية ( @QUR@02 الزانية والزاني ). وعلى ضوء هذا فيمكن أن يكون الحكم ~~المذكور في هذه الآية منسوخا كما عبر به الطبرسي في مجمع البيان (1)، ~~بلحاظ أن الحكم بالإمساك بالبيوت قد ارتفع بآية النور وليس المراد بالنسخ ~~المعنى المصطلح. # وبهذا تكون الآية واردة لبيان حكم النساء بقطع النظر عن الرجال. أما ~~الآية الأخرى ، فقد تكون متعرضة لحكم الطرفين الرجل والمرأة ، وهذا هو سر ~~التثنية ، ويكون الحديث عن الإيذاء حديثا عاما لا اختصاص له بما ذكره ~~المفسرون ، وكأنه إشارة لما جاء في سورة النور ، والله العالم. # * * * PageV07P145 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) @QUR@024 وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بجهالة ): الجهل مقابل العلم. قال الراغب : الجهل على ثلاثة ~~أضرب ، الأول : خلو النفس من العلم ، وهذا هو الأصل ، والثاني : اعتقاد ~~الشيء بخلاف ما هو عليه ms1468 ، والثالث : فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل ، سواء ~~اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا. # وقد اختلف في معنى الجهالة في الآية ، كما سيأتي ، والأقرب أنها السفاهة ~~، فتشمل كل أولئك الذين ينحرفون عن الخط جهلا أو عملا من دون وعي عملي ~~داخلي للنتائج والعواقب. # ( @QUR@02 من قريب ): قبل أن يدهمهم الموت فيلاقوه وجها لوجه ، لأن التوبة PageV07P146 # حال الاحتضار لا تعبر عن موقف واع وإرادة حرة ، بل هي تعبير العلم عن ~~حالة تخلص من المأزق الصعب وهروب من حراجة الموقف. # * * * ### ||| ** لمن التوبة؟ # للتوبة في المفهوم الإسلامي القرآني معنى العمق الإيماني في الانفتاح على ~~الله بالعودة إليه في حالة الخطيئة بالإحساس العميق بالندم على التمرد ~~العملي على أوامره ونواهيه ، والإرادة القوية الواعية في تغيير المسار من ~~خط الانحراف إلى خط الاستقامة ، ومن تحويل الموقف من واقع المعصية إلى واقع ~~الطاعة في روحية إيمانية تتمثل الإخلاص في العلاقة بالله. # ( @QUR@04 إنما التوبة على الله ) الذي يتقبل التوبة عن عباده مما فرضه ~~لهم من الحق في قبولها بالعفو عن الخطيئة وغفران الذنب وإدخالهم في رحمته ~~من جديد ، ( @QUR@03 للذين يعملون السوء ) الذنب ( @QUR@01 بجهالة ) بالسير ~~في خط الانحراف عن خطه المستقيم انطلاقا من خلل في التصور ، أو في تقدير ~~الأمور ، أو في حسابات الربح والخسارة ، أو غفلة عن النتائج السلبية على ~~قضية المصير الأخروي ، أو الخضوع لسلطان الشهوة تحت تأثير النفس الأمارة ~~بالسوء مما يدخل في عنوان «السفاهة» العقلية أو العملية في غياب الوعي ~~الصافي الذي ينظر إلى الأمور بوضوح ويتحرك معها باتزان ، ( @QUR@04 ثم ~~يتوبون من قريب ) قبل أن يعاينوا الموت ، وذلك في الحالة التي يملكون فيها ~~التراجع عن الانحراف ، لأن الساحة تحمل الكثير من الفرص للتغيير ، لأن ~~التوبة في مثل هذه الحالة تعني وعي خطورة الخطيئة وإرادة العودة الواعية ~~إلى الله ، مما يوحي بأن هذا الإنسان يتحرك في نطاق العودة إلى معنى إيمانه ~~في حركة الطاعة لله. # وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بقوله ( @QUR@02 من قريب ) الزمان القريب ~~من وقت حصول المعصية ، فيكون المعنى التوبة الفورية والندم ms1469 السريع ، لأن PageV07P147 # ذلك هو الذي يمنع من زوال أثر المعصية من النفس وعدم تجذرها في عمق ~~الشخصية ، فتكون الآية واردة على سبيل الإيحاء بالتوجيه الإلهي بضرورة ~~السرعة في التوبة ، فإنها أقرب إلى القبول ، ولا يمنع ذلك من قبول التوبة ~~بعد مرور زمان على المعصية ، باعتبار أنه يؤدي دورا مهما في تصحيح المسار ، ~~لكن الحالة الأولى أقرب إلى الاستقامة. # ( @QUR@04 فأولئك يتوب الله عليهم ) من موقع رحمته التي تتسع للخاطئين ~~التائبين الذين ابتعدوا عنه بفعل نقاط الضعف التي سيطرت على شخصياتهم ~~وأرادوا العودة إليه ، بفعل التمرد على الضعف في اتجاه الانفتاح على القوة ~~، لأن الله يريد أن يمنح الإنسان الفرصة في كل وقت لتحويل نقاط الضعف في ~~ذاته إلى نقاط قوة ، فإن ذلك يوحي بأن هذا الإنسان قد بدأ الرحلة الجديدة ~~إلى الله في عملية إخلاص وتوحيد. # ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما ) بالواقع الإنساني الذي تختبئ الغرائز ~~في داخله لتقود كل حركته وتتحرك النوازع في حياته لتوجه هذه الغرائز إلى ~~دائرة الانحراف ، مما يجعل للإنسان بعض العذر في خطاياه تحت تأثير الضغوط ~~الداخلية والخارجية ، الأمر الذي يريد الله فيه أن يساعده على الوقوف في خط ~~المواجهة والانتصار على الذات. # ( @QUR@05 وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) ويستغرقون فيها ويخلدون ~~إلى الأرض في غفلة مستمرة لا تدع مجالا لأي تغيير في الداخل وتمرد على أية ~~حالة من حالات التوعية واليقظة الروحية ، لأن المسألة عندهم هي أن يعيشوا ~~العمر في دائرة الشهوات والأطماع والملذات والأنانيات بعيدا عن أية رسالة ~~وعن أية عودة إلى الله وإنابة إليه ورغبة في الحصول على رضوانه ، فهم ~~سادرون في غيهم ، مصرون على خطاياهم ، متمردون على ربهم ، غافلون عن آخرتهم ~~وعن النتائج المهلكة التي يواجهونها هناك ، فلا يفكرون في توبة ولا يعملون ~~للتراجع عن الذنب ، ( @QUR@05 حتى إذا حضر أحدهم الموت ) PageV07P148 # وعاين الأهوال القادمة ورأى تهاويل الواقع الجديد ، وعرف أن الفرصة قد ~~انتهت ، وأنه يدخل في عالم جديد يواجه فيه نتائج أعماله ، ويقدم فيه حساب ~~عمره كله ، ( @QUR@04 قال إني تبت الآن ) كوسيلة من وسائل ms1470 التجربة في ~~الخروج من المأزق والتعبير عن الإحباط ، فلم تكن المسألة لديه مسألة وعي ~~وإرادة للتغيير ، لأن الوقت قد ذهب ، بل هي مسألة اضطرار خائف لا عمق له في ~~الاختيار. ( @QUR@05 ولا الذين يموتون وهم كفار ) فلم يأخذوا من الإيمان ~~بأي سبب في كل مجالات حياتهم مع قيام الحجة عليهم في ذلك كله ، ( @QUR@05 ~~أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) في الدنيا والآخرة جزاء لتمردهم على الله ~~في الخط الفكري والعملي. # وهكذا أراد الله التوبة لعباده رحمة بهم ، وتشجيعا لهم على التراجع عن ~~مواقف الخطأ من موقع الإرادة الواعية المسؤولية ، لينفصلوا بذلك عن الأجواء ~~المنحرفة في كل ما تحتويه من مشاعر وأحاسيس وعلاقات وظروف ونزوات ونزعات ، ~~فيقف الإنسان موقف المتأمل الذي يحسب حساب ذلك كله في جميع نتائجه وآثاره ، ~~بعيدا عن كل الضغوط الحسية والمعنوية ؛ فيفكر كيف يستقبل عواقب ذلك بوعي ~~ومسئولية. وعلى ضوء ذلك ، كان لا بد للتوبة من وعي للموقف ومن إرادة ~~للتغيير ؛ فينطلق الإنسان ليدخل في عملية مقارنة بين المبادئ التي يؤمن بها ~~، من خلال ما يمثله إيمانه بالله وطاعته له ، من تخطيط للعمل في صعيد ~~الواقع ، وبين الممارسات القلقة المنحرفة التي تحركت في واقع حياته ~~العملية. وهنا تبدأ عملية الشعور بالضغط الروحي الذي يثير في داخله الإحساس ~~بالندم ، في حركة المسؤولية في فكره وضميره ، وتتحرك إرادة التحول والتغيير ~~في داخل نفسه. ولعل من البديهي أن يكون للإنسان امتداد في حياته العملية في ~~المستقبل ، ليعيش هذا الوعي وهذه الإرادة ، وليتحقق له الصدق الواعي الحر. ~~ولهذا جاءت هاتان الآيتان لتجيبا عن السؤال : «لمن التوبة»؟ # وكان الجواب ، حديثا عن نموذجين من الناس ، فهناك النموذج الذي PageV07P149 # عمل السوء بجهالة ، وربما كانت كلمة الجهالة تعطي معنى عدم العلم ، وربما ~~كانت تعبر عن السفاهة وعدم الوعي وعدم المسؤولية ، على أساس أن العلم الذي ~~لا يترك تأثيره في عملية الوعي الداخلي لا يبتعد عن الجهل في طبيعة النتائج ~~السلبية. # وقد كثر في القرآن ، وفي غيره ، استخدام كلمة الجهالة للتعبير عن ذلك ؛ ~~بل ربما قال بعض العلماء ms1471 : إن كلمة الجهالة ، تعني السفاهة بشكل أساسي. ~~وربما كان هذا المعنى هو الأقرب للفكرة التي تعالجها الآية ، لأن التوبة لا ~~تنحصر بأولئك الذين يعصون الله عن غير علم بما يفعلون ، بل تشمل كل أولئك ~~الذين ينحرفون عن الخط جهلا أو عمدا ، من دون وعي عملي داخلي للنتائج ، ~~بالمستوى الذي يحرك الإحساس والشعور ، ويحول المعرفة إلى حالة شعورية ~~داخلية قوية. فقد فتح الله لكل أولئك باب التوبة ، إذا تراجعوا عن انحرافهم ~~وتابوا عن قريب ، أي قبل أن يدهمهم الموت فيلاقوه وجها لوجه ، فإن التوبة ~~تمثل في مثل هذا النموذج الموقف الذي يعبر عن يقظة الإيمان داخل النفس ~~وحركته في آفاق الضمير ، وينطلق بالإنسان في عملية التغيير ، لأن الساحة ~~الزمنية المفتوحة أمامه تترك له المجال لتجربة جديدة وعمل جديد من أجل ~~التصحيح والتقويم. وهؤلاء الذين يمارسون موقف التوبة في هذا الاتجاه ، هم ~~الذين يتقبل الله توبتهم ويفتح لهم باب رحمته ومغفرته ، على أساس علمه بهم ~~وبمنطلقاتهم وتطلعاتهم ، من خلال ما تقتضيه الحكمة من إفساح المجال للإنسان ~~الذي يعيش حركة التجربة في حياته بين الخطأ والصواب أن يبدأ عملية التصحيح ~~في كل فرصة مناسبة لذلك. # وهناك النموذج الذي تمتد به المعصية في نطاق التمرد في عمر الزمن ؛ فهو ~~لا يفكر أبدا أن يتوقف ما دامت الحياة مفتوحة ، والفرصة متاحة له ، لأن ~~القضية عنده في كل طموحاته هي إرواء شهواته وتحقيق PageV07P150 # مطامعه الذاتية ، أما حسابات الله والدار الآخرة ، فهي مؤجلة دائما ، بل ~~ربما كانت من الأمور الثانوية المفعول عنها التي لا يدخلها في حسابه ، حتى ~~إذا واجه الموت وضاقت عليه نواحي الحياة قال : ( @QUR@03 إني تبت الآن ) ~~ولكنها ليست توبة ، بل هي محاولة هروب من حراجة الموقف بالانطلاق بالكلمة ~~السريعة التي يواجه بها الكثيرون من الناس المواقف الصعبة ، من أجل أن ~~يتخففوا بذلك من حراجة المشكلة ؛ ثم يرجعون عنها إذا كان هناك مجال للرجوع. ~~وبذلك لا تكون هذه الكلمة تعبيرا عن موقف وعي ، وإرادة تغيير ، بل تكون ~~تعبيرا عن حالة تخلص من المأزق الصعب. ويتمثل ms1472 هذا النموذج في نوعين من ~~الناس : المؤمنين الذين يعيشون الإيمان فكرا بعيدا عن الممارسة ، والكافرين ~~الذين يواجهون الموت بالكفر ، من دون عمق في الفكر والشعور وامتداد في مجال ~~الالتزام والممارسة. وقد أكدت الآية أن هؤلاء لا تقبل توبتهم بل ينتظرهم ~~العذاب الأليم. # * * * # وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبة خطبها : ~~من تاب قبل موته بسنة ، تاب الله عليه. ثم قال : إن السنة لكثيرة ، من تاب ~~قبل موته بشهر ، تاب الله عليه. ثم قال : إن الشهر لكثير ، ومن تاب قبل ~~موته بجمعة تاب الله عليه ، ثم قال : إن الجمعة لكثيرة ومن تاب قبل موته ~~بيوم تاب الله عليه. ثم قال : إن يوما لكثير ، ومن تاب قبل موته بساعة ، ~~تاب الله عليه. ثم قال : وإن الساعة لكثيرة ، ومن تاب وقد بلغت نفسه هذه ~~وأهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه (1). # وسئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@014 ~~وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) PageV07P151 # قال : ذلك إذا عاين أمر الآخرة (1). ويقول صاحب الميزان تعليقا على ذلك ~~: «والرواية الثانية تفسير الآية وتفسر الروايات الواردة في عدم قبول ~~التوبة عند حضور الموت ، بأن المراد من حضور الموت ، العلم به ، ومشاهد ~~آيات الآخرة ، ولا توبة عندئذ. وأما الجاهل بالأمر ، فلا مانع من قبول ~~توبته» (2). # وما استوحيناه من الآية أن المقصود بها التوبة التي تعبير عن موقف وعي ، ~~وإرادة تغيير في ما ينتظره الإنسان من الساحة الجديدة الزمنية التي تتحرك ~~فيها خطواته العملية في المستقبل. ولن يكون ذلك إلا في المجال الذي ينتظر ~~فيه المستقبل في انطلاقات الأمل الكبير بالحياة ؛ وفي ضوء ذلك ، لا تكون ~~أمثال هذه الروايات بعيدة عن الجو العام للآية. # * * * ### ||| ** التوبة في خط التربية الإسلامية # ومن خلال هذا العرض ، نستطيع اعتبار التوبة وسيلة عملية من وسائل التربية ~~الروحية والعملية ، لأن الإنسان قد يعيش في أغلب مواقفه الوقوع في خطأ ~~التجربة ، ويعاني من عقدة الشعور ms1473 بالنقص أمام المنحدر السحيق الذي تقوده ~~إليه أخطاؤه ؛ وربما يقوده ذلك إلى التعقيد الداخلي والضياع الروحي ، عند ~~ما يصطدم بالحقيقة ويواجه النتائج الحاسمة وجها لوجه من دون أن يتمكن من ~~تغيير الواقع ، فيبقى أسير عقدته ؛ ويتحول ذلك إلى موقف سلبي من الحياة ~~والأشخاص من حوله نتيجة ما تثيره العقدة الداخلية من أحاسيس ومشاعر وتحركات ~~وتعقيدات. PageV07P152 # وجاءت التوبة الإلهية لتقول للإنسان ، بأن الخطأ حالة طبيعية في حياته ، ~~انطلاقا من نوازع الضعف الكامنة في داخل نفسه ، التي قد يستسلم لها تارة ، ~~وقد يتمرد عليها أخرى ؛ فكان لا بد له من أن يسقط أمام حالات الضعف ... ~~ولكن ليس معنى ذلك أنها ضريبة لازمة له ، لا يستطيع الفكاك منها والتحرر من ~~عبوديتها ، بل هي قضية طبيعية ، تماما كما هي الحالات الطبيعية العارضة ~~للإنسان التي قد يحتاج إلى التعامل معها بفعالية ، ومعالجتها بحكمة وقوة ، ~~كما يحتاج إلى عدم مواجهتها باللامبالاة والسلبية والاستمرار في أجواء ~~الضياع. وهكذا كانت التوبة من أجل مساعدة الإنسان على مواجهة المعصية ~~والخطأ ، كحالة طارئة لتزول وتذهب وتذوب ، فلا تبقى في حياته كعقدة ، ~~لتتجدد له مشاعر الثقة بإنسانيته وبقدرته على رد التحدي ، وممارسة التغيير ~~، والبدء من جديد ... فلا يبقى أسير العقدة ، بل يقف أمام الله بكل حرية ~~الإرادة ، وإرادة التغيير ، في ثياب بيضاء ، وقلب مفتوح للحق والخير والأمل ~~الكبير بالمستقبل الأبيض الذي يبدأ من جديد ، تماما كما لو لم يكن هناك أي ~~ماض معقد أسود ، لأن «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ، فيخرج منه كما ~~ولدته أمه. وإذا تاب الله على الإنسان ، وعاش مشاعر التوبة ، وأحس باللطف ~~الإلهي يغمره بالمغفرة والرضوان ... فإنه يعيش الشعور الملائكي الروحي في ~~نفسه ، كما لو كان ملاكا يطير بجناحين من طهر ونقاء وفرح روحي كبير غامر ~~... فيتجدد ويتحول إلى إنسان جديد يبدأ الحياة مع الله ، في انطلاقة عمر جديد. # وفي ضوء ذلك ، لن تكون التوبة كما يخيل للبعض وسيلة من وسائل تشجيع ~~الإنسان على الامتداد في الخطأ والاستغراق في الجريمة ، لأنه يجد في التوبة ~~طريقة للهروب ms1474 كلما أراد ذلك ؛ وهكذا حتى تكون حياته كلها جريمة وتراجعا ، ~~الأمر الذي يجعل الشخصية الإنسانية في مستوى الميوعة PageV07P153 # الروحية والأخلاقية ، باسم التصحيح والتراجع. وقد أوضحنا الموضوع من خلال ~~مفهومنا للآية وقلنا بأن التوبة ليست حالة طارئة سريعة ، تتحرك في نطاق ~~الممارسة الشكلية ، بل هي موقف وعي للمبادئ وإرادة للتغيير ، ومحاولة جادة ~~لتركيز الشخصية على أساس متين ... مما يجعل من التصور الإنساني للمستقبل ، ~~تصورا للموقف الجديد الثابت الممتد في كل خطوات الزمن. وهذا ما عبر عنه ~~الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في دعاء التوبة ، في الصحيفة ~~السجادية في مناجاته لله : # «اللهم أيما عبد تاب إليك ، وهو في علم الغيب عندك فاسخ لتوبته وعائد في ~~ذنبه وخطيئته ، فإني أعوذ بك أن أكون كذلك ؛ فاجعل توبتي هذه توبة لا أحتاج ~~بعدها إلى توبة موجبة لمحو ما سلف والسلامة في ما بقي» (1). # ثم يؤكد التصميم على الثبات على التوبة الموقف فيعمل على الاستعانة بالله ~~على أن يمنحه القوة للاستمرار على هذا الخط : # «اللهم ولا وفاء لي بالتوبة إلا بعصمتك ، ولا استمساك بي عن الخطايا إلا ~~بقوتك ؛ فقوني بقوة كافية وتولني بعصمة مانعة» ... # وهذا ما أثارته الآيتان الكريمتان في تحديدهما للتوبة المقبولة وغير ~~المقبولة ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** الذنب والبيئة # ربما يثير البعض أن الإنسان خاضع في أفعاله إلى المحيط الذي نشأ PageV07P154 # فيه ، والبيئة التي ترعرع فيها ، مما يجعل المؤثرات التي تدفعه إلى ~~ممارسة الخطأ والخطيئة ضاغطة على إرادته بالدرجة التي لا يصدر العمل منه عن ~~اختيار ، فإن الأب والأم والأقرباء والمدرسة والمجتمع والمناخ ونحوها تترك ~~تأثيراتها في عناصر شخصيته فيتحرك من خلالها حركة لا إرادية ، ويبتعد ~~بسببها عن خط الاستقامة ، لذا كيف يحكم عليه بالإساءة وكيف يتصف فعله ~~بالذنب ليحتاج بذلك إلى التوبة التي تخلصه من غضب الله وعقابه ، وكيف ~~يعاقبه الله على ما لا خيار له فيه؟ # وإجابة عن ذلك نقول ، لا ريب أن للبيئة تأثيرا كبيرا على شخصية الإنسان ، ~~وعلى طبيعة عناصره التي تمثل نقاط الضعف فيه ، ولكن البيئة لا تشل ms1475 إرادته ، ~~ولا تغلق عقله ، ولا تمنعه من حرية الحركة في مواجهة الأفكار ، والخيارات ~~الأخرى ، التي يمكن أن تحرك فكره وتهز قناعاته وتدفعه إلى البحث والحوار مع ~~الآخرين ، مما يمكنه من تجاوز المؤثرات البيئية إلى قضايا أخرى ، فيملك ~~القدرة بذلك على الاختيار ويتحرر من ضغط الواقع. # وقد رأينا في صعيد الواقع أن هناك الكثير من الناس الذين عاشوا في بيئة ~~صالحة تحولوا بفعل مؤثرات خارجية إلى أشخاص شريرين ، كما أن هناك الكثيرين ~~من الذين عاشوا في بيئة فاسدة تحولوا بفعل التفكير الحر والحوار الهادف إلى ~~أناس خيرين ، بل رأينا البعض من هؤلاء الناس يتحركون للضغط على ظروفهم ~~وتغيير الأوضاع من حولهم ، وتلك هي حركة الطليعة الواعية التي تنتج من ~~الواقع الفاسد واقعا صالحا ومن قلب اليأس أملا ، ومن تهاويل الحزن فرحا كبيرا. # وإذا عرفنا أن الله خلق للإنسان عقلا متحركا لا يتجمد في حال بل ينفتح ~~على أكثر من أفق رحب ، فإننا نعرف من خلال ذلك ، أن العقل هو PageV07P155 # القوة التي تدفع الإنسان إلى التغيير من خلال إثارة الفكر المتنوع من ~~داخله وخارجه ، وعلى ضوء هذا يبقى الإنسان مع حرية الاختيار في فعل الحسن ~~تارة والقبيح أخرى بفعل جهاد النفس ، حيث يتمرد على الضعف ويتغلب على ~~الانحراف ، وهذا ما يدركه الإنسان بالحس والوجدان. # * * * PageV07P156 ### ||| * الآيات # ( @QUR@035 يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) ~~@QUR@017 وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) @QUR@011 وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ولا تعضلوهن ): أي تضيقوا عليهن لكي يتنازلن عن بعض حقهن من ~~المهر لفك عقدة النكاح. وأصل العضل : الامتناع. ويستعمل في كل منع شديد ، ~~ومنه المعضلة وهي الأمر العسير ، والداء العضال الذي يصعب برؤه. # ( @QUR@01 بفاحشة ): المراد بالفاحشة هنا : الزنى. # ( @QUR@01 قنطارا ): مالا كثيرا. مأخوذ ms1476 من القنطرة ، وقد مر سابقا في قوله PageV07P157 # تعالى : ( @QUR@03 وآتيتم إحداهن قنطارا ). # ( @QUR@01 بهتانا ): باطلا وظلما تبهتون به الزوجة وتحيرونها ، والبهتان ~~: ما بهت الإنسان وجعله متحيرا ، ويغلب استعماله في الكذب الشنيع ، وقد ~~استعمل هنا في الفعل الذي هو الإخلاص من المهر في ما يمثله من الباطل في ~~العلاقات المالية. # ( @QUR@01 وإثما ): الإثم : اسم للأفعال المبطئة على الثواب ، قال ~~الراغب : الإثم أعم من العدوان. # ( @QUR@01 أفضى ): اتصل وخلا وكشف ، من الفضاء الذي هو المكان الواسع ، ~~يقال : أفضى إليه بسره ، والآية تشير إلى ما أفضى كل من الزوجين إلى الآخر ~~في المشاعر والعواطف والهموم ، فلا يقتصر على المعنى المادي الذي هو كما ~~قيل ، كناية عن العلاقة الجنسية ، فكأن الزوج حين يباشر زوجته وسعها ووسعته ~~إلى الحد الذي ليس بعده شيء. # ( @QUR@02 ميثاقا غليظا ): عهدا مؤكدا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بسنده إلى ابن عباس قال في سبب نزول هذه ~~الآية : «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم ~~تزوجها ، وإن شاؤوا زوجوها ، وإن شاؤوا لم يزوجوها وهم أحق بها من أهلها ، ~~فنزلت هذه الآية في ذلك. رواه البخاري في التفسير ، عن محمد بن مقاتل ، ~~ورواه في كتاب الإكراه ، عن حسين بن منصور ، كلاهما PageV07P158 # عن أسباط. # قال المفسرون : كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات ~~الرجل وله امرأة ، جاء ابنه من غيرها أو قرابته من عصبته ، فألقى ثوبه على ~~تلك المرأة ، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره ، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها ~~بغير صداق ، إلا الصداق الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ ~~صداقها ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من ~~الميت أو تموت هي فيرثها. فتوفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته ~~كبيشة بنت معن الأنصارية ، فقام ابن له من غيرها يقال له محصن ، وقال مقاتل ~~: اسمه قيس بن أبي قيس ، فطرح ثوبه عليها ، فورث نكاحها ، ثم تركها فلم ~~يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه بمالها ، فأتت كبيشة إلى رسول ms1477 ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول الله : إن أبا قيس توفي وورث ~~ابنه نكاحي ، وقد أضرني وطول علي فلا هو ينفق علي ، ولا يدخل بي ، ولا يخلي ~~سبيلي ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقعدي في بيتك حتى يأتي ~~فيك أمر الله ؛ قال : فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة فأتين رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وقلن : ما نحن إلا كهيئة كبيشة غير أنه لم ينكحنا ~~الأبناء ونكحنا بنو العم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية» (1). # وجاء في مجمع البيان عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ما مفاده أن الآية ~~نزلت في الذين يحتفظون بزوجاتهم من دون أن يعاملوهن كالأزواج في انتظار أن ~~يمتن ، فيأخذوا أموالهن من بعد وفاتهن (2). # * * * PageV07P159 ### ||| ** الإسلام يضع الحدود للزوج في حقوق الزوجة # في هذه الآيات حديث عن التشريع الذي يريد الإسلام من خلاله أن يحدد للرجل ~~المؤمن حدود العلاقة الإنسانية الإسلامية ، التي تربطه بالمرأة ، في الجانب ~~المادي من الالتزامات المالية في إطار الرابطة الزوجية وغيرها ... فلا يكون ~~ضعف المرأة أساسا لحرمانها من حقها ، ومبررا لاضطهادها في ما فرضه الله ~~لها. فإن الإيمان يمنع المؤمن من الانطلاق في استغلال حالة القوة والضعف ~~لحسابات النوازع الذاتية ، ويدفعه إلى الوقوف مع خط العدل من دون مراعاة ~~لأية حسابات أخرى ، لتنمو الشخصية الإيمانية على أساس المبادئ والقيم ~~الروحية الإلهية التي تحمي الإنسان من شهواته ، وتحمي الآخرين الضعفاء من ~~انحراف قوته. وهذا هو السبيل القويم الذي يبني ، من خلاله الإسلام ، أسس ~~الأمن الاجتماعي لدى الحاكم والمحكوم في حركة العلاقات الإنسانية ، لأن ~~الرادع الداخلي هو القوة الحقيقية التي يرتكز عليها الرادع الخارجي ، في ما ~~يخطط له الإسلام من وسائل الردع المتنوعة في القانون. # وقد استطاعت هذه التربية أن تتغلب على كثير من مظاهر الظلم الذي عاشته ~~المرأة من قبل الرجل في حقوقها المادية والمعنوية ... من خلال ما درجت عليه ~~تقاليد الجاهلية ، من احتقار لها ، واضطهاد لإنسانيتها ، واعتبارها كمية ~~مهملة ومتاعا رخيصا كبقية متاع البيت الذي ينتقل ms1478 بالإرث من دون أن يملك ~~لنفسه أية إرادة للقبول أو الرفض في شؤونه الخاصة .. ، وبدأ الإنسان المسلم ~~ينظر إلى المرأة كإنسان سوي كامل ، له حقوق وعليه واجبات ، على أساس حدود ~~الله في أوامره ونواهيه. # وقد بدأت هذه الآيات بالنداء الذي يستثير الإيمان في نفوس PageV07P160 # المؤمنين ، للإيحاء بأن الالتزام بهذه التشريعات من فروض الإيمان ، وذلك ~~ضمن عدة نقاط : # 1 ( @QUR@07 لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها )... قيل في بعض كتب ~~التفسير إن ذلك إشارة إلى ما كان يحدث من انتقال المرأة بالإرث إلى الولد ~~الأكبر ، في تقاليد الجاهلية ، فكانت هذه الفقرة من أجل النهي عن ذلك. وقيل ~~: إن ذلك إشارة إلى الاستيلاء على إرث المرأة ومنعها منه ، فيكون المراد من ~~إرث النساء إرث المال ، من باب الكناية عن أخذه والسيطرة عليه ، وربما كان ~~هذا هو الأقرب ، وذلك من جهة كلمة ( @QUR@01 كرها ) التي تتناسب مع المال ~~الذي لا يجوز للإنسان أخذه من مالكه بغير رضاه ، أما الحالة الأولى ، فلا ~~تجوز في كلتا الحالتين ، والله العالم. # وفي ضوء ذلك نلاحظ أن ما ذكر في سبب النزول لا ينسجم مع ظهور الآية ، فإن ~~العادة الجاهلية تجعل النساء موضوعا للإرث بحيث تكون جزءا من المال الموروث ~~الذي يتصرف به الوارث بالرغم من إرادتهن ، بينما تظهر الآية بأن الرجال ~~يرثون المال الذي تستحقه النساء من دون رضاهن وهو أقرب إلى جو الفقرة ~~الثانية التي تتعرض لمصادرة مهورهن تحت تأثير الضغط. # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان تعليقا على الموضوع «إن قوله في ذيل الجملة ( ~~@QUR@01 كرها ) لا يلائم ذلك سواء أخذ قيدا توضيحيا أو احترازيا. فإنه لو ~~كان قيدا توضيحيا أفاد أن هذه الوراثة تقع دائما على كره من النساء وليس ~~كذلك ، وهو ظاهر ، ولو كان قيدا احترازيا أفاد أن النهي إنما هو إذا كانت ~~الوراثة على كره من النساء دون ما إذا كان على رضى منهن ، وليس كذلك» (1) ~~وهو قريب إلى سياق الآية ، مما يجعل الوجه الذي ذكرناه في تفسيرها أقرب إلى ~~الجو العام. PageV07P161 # وهذا النهي التشريعي ms1479 يؤكد على احترام المرأة في مالها فلا يجوز للرجل أن ~~يضغط عليها ليأخذ مالها بغير حق ولعل التعبير بكلمة ( @QUR@02 أن ترثوا ) ~~ينطلق من كون المال الذي يأخذه الرجل إرثا في الأصل ، فكأنه يرثها بمعنى ~~يتملك مالها في حياته كما لو كان إرثا له ، والله العالم. # 2 ( @QUR@011 ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة ) العضل : وهو المنع والتضييق ، فلا يجوز للرجل أن يضيق على المرأة ~~في معاملته لها كوسيلة من وسائل الضغط النفسي الذي يدفعها إلى التنازل عن ~~بعض حقها من المهر أو غيره لتتخلص من ذلك ، لأن مثل ذلك يعتبر إكراها لا ~~يحل معه أخذ المال ، بالإضافة إلى أنه ظلم فادح حرام ، ولكن هناك حالة ~~واحدة مستثناة من هذا الحكم ، وهي حالة إتيان المرأة بفاحشة مبينة ، ~~والظاهر أن المراد بها الزنى ، ففي مثل هذه الحالة ، يمكن للرجل ممارسة بعض ~~ألوان الضغط لتفتدي ذلك بمالها من المهر كلا أو بعضا ، كعقوبة لها على هذا ~~الانحراف من جهة ، وكتعويض للرجل نتيجة إساءتها إلى مشاعر الكرامة والشرف عنده. # وربما يثير البعض وجود تناف بين هذه الآية التي تمنع من أخذ مال الزوجة ~~تحت تأثير الضغط بالتضييق عليها وبين الآية الواردة في سورة البقرة ( ~~@QUR@027 ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) ~~[البقرة : 229]. فإنها تبيح أخذ الفداء منها للخروج من تحت سلطة الزوج ~~بالتحرر من قيد الزوجية. # ولكن المسألة ليست كذلك ، فإن هذه الآية تنهى عن أخذ المال تحت تأثير ~~الضغط بالتضييق والحبس ونحو ذلك ، بينما الآية في البقرة ترخص للرجل في أخذ ~~الفداء من المرأة التي تعيش العقدة من الرجل والكره له من خلال بعض الحالات ~~النفسية الذاتية لا من خلال الإكراه الصادر منه ، فيمكن PageV07P162 # لها في هذه الحال أن تدخل معه في مفاوضات حبية لتبذل له المال في مقابل ~~أن يطلقها ويختلعها منه ، باعتبار أن الطلاق حقه الشرعي الذي ms1480 يملك أن ~~يستعمله أو لا يستعمله. # 3 ( @QUR@02 وعاشروهن بالمعروف ) هذا هو الخط الذي انطلق منه الإسلام في ~~علاقة الرجل بزوجته ، «المعاشرة بالمعروف» التي تتمثل في احترام المرأة في ~~مشاعرها وعواطفها وشخصيتها المستقلة كإنسانة محترمة في إرادتها وتفكيرها ، ~~في ما اختصره القرآن الكريم من كلمتي «المودة والرحمة» اللتين توحيان ~~بالعاطفة الروحية العميقة ، وبالاحترام المتبادل للظروف الموضوعية الداخلية ~~والخارجية المحيطة بالطرفين. وهذا ما يحفظ للحياة الزوجية حيويتها ~~وإنسانيتها وامتدادها في أعماق الذات ، لأنها لا تلغي للإنسان امرأة كان أم ~~رجلا شخصيته في مشاعره وأفكاره ، بل تعمل على أن تجعل هناك تفاعلا بين ~~الشخصيتين من خلال التفاهم والتعاون اللذين يؤديان إلى الانسجام الفكري ~~والعملي. # * * * ### ||| ** ضرورة إخضاع العواطف للعقل # 4 ( @QUR@011 فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا ) وهذه لفتة قرآنية توحي للأزواج بالابتعاد عن الاستسلام للمشاعر ~~الطارئة السلبية تجاه زوجاتهم ، فليس من المفروض أن تصدق المشاعر ، أو ~~تقترب من الواقع ؛ فقد تنطلق المشاعر بالكراهة على أساس حالة انفعالية ~~سريعة ، ناشئة من نظرة سوداء أو كلمة حمقاء أو حركة عابرة .. ، مما يستثير ~~في الإنسان جانب الإحساس الضبابي الغامض الذي يحجب عنه جانب الوضوح في ~~الرؤية ، فيخيل له أن الخير شر ، وأن الشر خير ، فتختلط لديه المواقف ، ~~وتبتعد عن طريقه الحكمة .. ، فيتصرف تصرفا خاطئا بعيدا عن مصلحته PageV07P163 # ومصلحة الإنسان الآخر. ولهذا أراد الله أن يثير أمام الإنسان التفكير ~~العميق الذي ينفصل عن أجواء المشاعر الملتهبة ، ليقف وجها لوجه أمام ~~الحقيقة الموضوعية المرتبطة بواقع الأشياء ، ليدرس ، من موقع الفكر ، كيف ~~يمكن للحقيقة النابضة بالخير والمصلحة أن تختفي وراء كثير من الأوضاع ~~القلقة غير الواضحة للشخص ؛ فقد يكره كثيرا من الأشياء والأشخاص ، ثم ينكشف ~~له أن هناك خيرا كثيرا ، لم يكن واضحا لديه ، أو معروفا عنده. وهذا ما يجب ~~على الإنسان أن يواجهه في الحكم على كل ما حوله ومن حوله ، فيبتعد عن كثير ~~من الأجواء النفسية والعاطفية التي قد تحجب عنه صورة الواقع ، ليتمكن من ~~خلال ذلك من امتلاك ميزان العدل لنفسه ولغيره ms1481 ، ولا سيما في العلاقات ~~الزوجية التي قد تعكر صفوها بعض الحالات الطارئة من خلال ما تثيره في النفس ~~من مشاعر وأحاسيس في غير مصلحة الطرفين ؛ وعليه أن يعرف أن الشعور قد ~~يتعامل مع الخيال والأوهام ، بينما يتعامل الفكر مع المعطيات الحقيقية ~~للأشياء. # وقد يتمثل هذا الخير الكثير النتائج الإيجابية التي يحصل عليها الزوج في ~~صبره على العقدة التي يحملها والحالة النفسية التي يعيشها تجاه زوجته ، ~~وذلك في الأجواء الطبيعية التي يتحرك بها الأولاد في أحضان الأبوين اللذين ~~يمثل اجتماعهما على رعاية أولادهما وتمردهما على نوازعهما النفسية عنصرا ~~إيجابيا في انفتاح الأولاد على الجانب الحميم بالعاطفة والحنان ، بينما ~~يؤدي الطلاق أو التنافر إلى التعقيدات الصعبة في حياة الأولاد والزوجين معا. # وقد تنطلق البدايات في حركة السلب لتتحرك النهايات في حركة الإيجاب مما ~~يفرض على الإنسان انتظار العواقب النهائية لمعرفة الأبعاد الواقعية ~~للموضوع. # * * * PageV07P164 ### ||| ** وجوب حفظ الحقوق المادية للزوجة # 5 ( @QUR@028 وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ). # في هاتين الآيتين تأكيد على وجوب احترام الحقوق المادية للزوجة من قبل ~~الزوج ؛ مهما كانت الظروف والحالات الطارئة ؛ فليست هناك أية حالة مبررة ~~للامتناع عن دفع المهر أو سلبها إياه ، لأنه حق ثابت تماما كبقية الحقوق ~~الأخرى التي تستحقها المرأة من خلال معاملات مادية عادية ؛ وهناك تركيز على ~~حالة معينة ، وهي حالة الطلاق التي عبر عنها بإرادة استبدال زوج مكان زوج ~~وكلمة الزوج تطلق على الرجل والمرأة فقد يخيل للزوج أن من حقه أن يأخذ ~~المهر الذي دفعه للأولى من أجل أن يدفعه للثانية حتى لا يتعرض للخسارة ؛ ~~ويريد القرآن أن يؤكد النهي عن ذلك بعضا منه أو كلا لأنه بهتان من خلال ما ~~يمثله من الباطل في العلاقات المالية ، تماما كما هو البهتان الذي يمثل ~~الافتراء في الكلمات ، ولأنه إثم مبين ، لما يمثل من معصية واضحة لله ، ~~باعتباره اعتداء على حقوق الآخرين في ما ms1482 لا يبيح الله الاعتداء فيه. # وتتصاعد القضية في المفهوم القرآني ، لتستثير الجانب الإنساني الذاتي في ~~عمق مشاعر الإنسان ؛ فتثير أمامه الأجواء التي كانت تمثل الاتحاد الجسدي ~~والروحي ، الذي جعلهما كيانا واحدا ، مما يفرض على الزوج أن يخلص لهذه ~~العلاقة ويحترمها ويشعر بمسؤوليته تجاه هذه الإنسانة ، في كل ما تمثله ~~الوحدة من روحية العطاء ، فلا يسلبها الحق الذي اكتسبته من خلال ذلك من دون ~~مبرر. ثم يؤكد الموقف بطريقة أكثر قوة ، فيعتبر هذا التصرف PageV07P165 # نقضا للعهد وتمردا على الميثاق الغليظ المؤكد المشدد ، الذي أخذته عليه ~~من خلال عقد الزواج الذي جعل لها الحق في المهر على أساسه. وربما كان في ~~التعبير عن الزواج بالميثاق الغليظ إيحاء بالنظرة الإسلامية التي يريد ~~للزوجين أن ينظرا بها إلى علاقتهما ، فليست هي مجرد نزوة طارئة تنطلق من ~~الحاجة إلى تلبية الرغبة الجنسية ، فإذا انطفأت بالإشباع انتهى كل شيء ؛ بل ~~هي عهد مؤكد يشمل الحياة كلها في جميع التزاماتها ومسئولياتها وحقوقها ~~المتبادلة بينهما ، مما يجعل من حركة الرغبة جانبا من أجواء العلاقة ، ~~وليست هي كل شيء فيها. # وقد جاء في الكافي وتفسير العياشي عن أبي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام ~~في قول الله عز وجل : ( @QUR@04 وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) قال : الميثاق هي ~~الكلمة التي عقد بها النكاح (1). # وجاء في مجمع البيان قال : «الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج ~~حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ... وهو المروي عن أبي جعفر ~~عليه السلام » (2) وهذا المعنى كما يقول صاحب تفسير الميزان «منقول من عدة ~~من مفسري السلف كابن عباس وقتادة وأبي مليكة ، والآية لا تأباه بالنظر إلى ~~أن ذلك حكم يصدق عليه أنه ميثاق مأخوذ على الرجال للنساء ، وإن كان الأظهر ~~أن يكون المراد هو العقد المجرى حين الازدواج» (3). # ونلاحظ أنه من الممكن أن يكون المعنى الثاني في التفسير الأخير من لوازم ~~المعنى الأول ، فإن العقد الذي التزمه الزوج على نفسه وأكد التزامه به يفرض ~~عليه أن يسير على الالتزامات العقدية التي يفرضها سر الزواج من ms1483 PageV07P166 # إمساك المرأة بالمعروف إذا أراد البقاء معها على علاقة الزوجية ، أو ~~تسريحها بإحسان إذا أراد إنهاء العلاقة التي يملك خيارها بمقتضى أحكام ~~العقد فليسا تفسيرين مختلفين بل إن أحدهما لازم للآخر. # * * * ### ||| ** عقد الزواج ميثاق غليظ # وقد نلاحظ في هذا المجال أن كلمة «الميثاق الغليظ» لم ترد في القرآن إلا ~~في عقد الزواج ، مما يوحي بالأهمية الكبرى التي يوليها الله سبحانه للعلاقة ~~الزوجية بما لا يوليه لأية علاقة أخرى ، لأن أية علاقة إنسانية في الموارد ~~الأخرى تختص بجانب من جوانب الحياة الخاصة للطرفين ، بينما تمثل علاقة ~~الزواج اندماجا روحيا وجسديا في كل المدى الزمني الذي تلتصق حياتهما فيه ~~ببعضها في الليل والنهار في المفردات الصغيرة والكبيرة على هدى التعبير ~~القرآني ( @QUR@06 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) [البقرة : 187] ، فكأن كل ~~واحد منهما يلبس الآخر ويدخل في داخل شخصيته ، الأمر الذي يترك تأثيره ~~العميق الواسع على كل منهما في طبيعة حركة حياته وقرار مصيره ، مما يفرض ~~الكثير من التأكيد والتوثيق في خط الالتزام من موقع عمق الكيان لا سطح ~~الكلمة. # * * * PageV07P167 ### ||| * الآية # ( @QUR@017 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ومقتا ): المقت البغض الشديد لمن تراه تعاطى القبيح ، وكان ~~يسمى تزوج الرجل امرأة أبيه نكاح المقت كما جاء في مفردات الراغب . # ( @QUR@01 سبيلا ): السبيل : الطريق الذي فيه سهولة ، ويستعمل السبيل ~~لكل ما يتوصل به إلى شيء خيرا كان أو شرا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # في الدر المنثور : «أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله : ( @QUR@07 ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء )، قال : نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف ~~على أم عبيد بنت ضمرة كانت تحت الأسلت أبيه ، وفي الأسود بن خلف وكان خلف ~~على بنت أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، PageV07P168 # وكانت عند أبيه خلف ، وفي فاختة بنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند ~~أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية ، وفي منظور بن رباب وكان خلف على ~~مليكة ms1484 بنة خارجة وكانت عند أبيه رباب بن سيار. # وفيه أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال : كان الرجل إذا توفي عن ~~امرأة كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه أو ينكحها من يشاء ~~، فلما مات أبو قيس بن الأسلت ، قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق ~~عليها ولم يورثها من المال شيئا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك ~~له ، فقال : ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا ، فنزلت: ( @QUR@07 ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء ) الآية ، ونزلت : ( @QUR@07 لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها ). # وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية ~~يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ، فأنزل الله ( ~~@QUR@011 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وأن تجمعوا بين الأختين ) (1). # * * * ### ||| ** نكاح نساء الآباء # وهذه طريقة مذمومة ، كان أهل الجاهلية يسيرون عليها في زواج الولد بامرأة ~~أبيه ، باعتباره القائم مقام أبيه ؛ فجاءت الآية من أجل النهي عن ذلك ، ~~واعتبارها من المحارم تنزيلا لها منزلة الأم. وقد كان الأسلوب جاريا مجرى ~~التشديد ، تماما كما هو الأسلوب القرآني في رفض الزنى ، من حيث هو فاحشة في ~~ما تعنيه الفاحشة من العلاقة غير المشروعة ومن حيث هو مقت PageV07P169 # في ما يثيره في النفس من عوامل ذاتية سلبية ، وما يستتبعه من غضب الله ~~ومقته وساء سبيلا ، لأنه الطريق الذي لا ينتهي بالإنسان إلى ما فيه صلاحه ، ~~من حيث التخطيط الإسلامي للعلاقات في ما يباح للإنسان من الزواج ، وما لا ~~يباح. وقد استثنت الآية الحالات السابقة التي مارسها الناس في ذلك العهد ، ~~فأبقتها على طبيعتها من دون أن يكون لها مفعول رجعي. # ( @QUR@07 ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) فلا يحل للإنسان أن ~~يتزوج زوجة أبيه لأنها بمنزلة أمه من حيث علاقتها بأبيه ، ولأن ذلك قد يوحي ~~بالاعتداء على حريم الأب وهتك حرمته وربما يؤدي إلى النزاع بين الأولاد في ~~تنافسهم على زوجة الأب وإلى وقوع المشاكل ms1485 بينهم في ذلك ( @QUR@03 إنه كان ~~فاحشة ) في تجاوزها للحدود المشروعة ( @QUR@01 ومقتا ) تنفر منه العقول ( ~~@QUR@02 وساء سبيلا ) كأية عادة خبيثة وسلوك معيب. # وقد اتفق الفقهاء والمفسرون أن المراد بالآباء ما يشمل الأجداد للأب ~~وللأم وأن التحريم يحصل بمجرد العقد ، فلا علاقة للدخول بالتحريم ، بل يثبت ~~حتى على تقدير عدمه. # وهناك خلاف في حرمة المرأة التي زنى بها الأب على الولد ، فهناك من حرم ، ~~وهناك من حلل. # * * * PageV07P170 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@054 حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات ~~الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات ~~نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) @QUR@042 ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان ~~عليما حكيما ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وربائبكم ): بنات نسائكم من غيركم ، جمع ربيبة ، وهي بنت PageV07P171 # زوجة الرجل من غيره ، سميت بذلك لتربيته إياها ، وتسمى كذلك سواء تولى ~~تربيتها أم لم يتول ذلك ، وسواء كانت في حجره أم لم تكن لأنه إذا تزوج ~~بأمها فهو رابها وهي ربيبته ، ولهذا فإن القيد المذكور ( @QUR@03 اللاتي في ~~حجوركم ) قيد توضيحي مبني على الغالب ، لا احترازي. # ( @QUR@01 حجوركم ): ضمانكم وتربيتكم ، يقال : فلان في حجر فلان أي في ~~تربيته. # ( @QUR@01 وحلائل ): الزوجات ؛ جمع حليلة : وهي الزوجة ، مشتقة من ~~الحلال. قال الطبرسي : والذكر حليل وجمعه أحلة. # ( @QUR@01 والمحصنات ): المتزوجات ، لأنهن أحصن بالأزواج. والإحصان : ~~المنع ، وقد تطلق المحصنات على العفيفات لامتناعهن عن الفجور ، وحفظهن ~~أنفسهن ، والمقصود في الآية المعنى الأول. # ( @QUR@01 محصنين ): أعفة ، تقصرون أنفسكم على ما أحل الله ، فالمراد ~~بإحصان العفة ما يقابل السفاح ، وليس الاحتراز عن الزواج. # ( @QUR@01 مسافحين ): زناة ، والسفاح الزنى ، وأصله من السفح ، وهو صب ~~الماء ، وجمع مسافح مسافحون ، وجمع مسافحة ms1486 مسافحات ( @QUR@03 محصنات غير ~~مسافحات ) [النساء : 25]. # ( @QUR@01 استمتعتم ): أي تلذذتم وانتفعتم ، والمراد به كما عن ابن عباس ~~وأبي سعيد والسدي وجماعة من التابعين زواج المتعة ، وهو الزواج المنعقد ~~بمهر معين إلى أجل معلوم. # يقول الطبرسي : «لفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان في الأصل واقعا على ~~الانتفاع والالتذاذ ، فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين ، PageV07P172 # لا سيما إذا أضيف إلى النساء» (1). # * * * ### ||| ** المحارم في الإسلام # وهذا تشريع إسلامي يتناول المحارم من النساء اللاتي حرم الله على الرجال ~~الزواج بهن ، من خلال علاقات النسب والرضاع والزواج ... وربما كان ، في هذا ~~اللون من التشريع ، تخطيط لنظام الأسرة في إيجاد مساحة واسعة من العلاقات ~~الإنسانية بين الرجال والنساء ، التي يعيش فيها المجتمع المشاعر الطاهرة ~~التي لا تتحرك من أي إحساس جنسي ، نتيجة ما يثيره التحريم من حواجز نفسية ~~ضد ذلك الإحساس ، مما يفسح المجال لحرية الاختلاط بعيدا عن المشاكل السلبية ~~التي قد تحدث من خلاله في بقاء الرجال والنساء في حالة اختلاط ... وبذلك ~~يمكن للأسرة الصغيرة داخل البيت ، وللأسرة الكبيرة داخل العائلة ، أن تحافظ ~~على توازن العلاقات في الحياة اليومية بشكل لا يثير أية مشكلة أخلاقية. وقد ~~نستطيع اعتبار مثل هذه الحواجز النفسية وسيلة عملية من وسائل التربية ~~الإسلامية التي يراد من خلالها تركيز المناعة الأخلاقية في بعض العلاقات ~~القريبة الحميمة ، من خلال ما يوحيه للذات من مشاعر وأحاسيس تتصل بالعمق ~~الداخلي من حركة الشخصية الإنسانية ، ليتعلم كيف يقف عند حدود الله من خلال ~~جذور البناء المتماسك للذات المرتكز على الإيمان ، كما يقف عند حدوده في ~~التوجيهات PageV07P173 # العامة الآتية من أوامر الله ونواهيه ، بعيدا عن الجوانب الذاتية ~~الداخلية. # ولا بد للتربية الإسلامية من الانطلاق في الاتجاه الذي يعمل على إثارة ~~التشريع كعقدة متأصلة في الذات ، لا سيما في مثل هذه العلاقات المتصلة ~~بالجانب الجنسي من حياة الإنسان ، لينطلق الالتزام كحاجز نفسي يحول بين ~~الإنسان وبين الإقدام على الانحراف ، لأن ذلك هو الذي يحمي للتشريع قوته في ~~حركة الإنسان العملية. # وقد حاول دعاة الانحراف والضلال مواجهة ذلك بإثارة ms1487 الأجواء التي تخفف من ~~حالة الرفض النفسي للعلاقات المحرمة ، فبدأت بالقصص والأفلام والأبحاث التي ~~تحاول أن تجعل منها شيئا طبيعيا في حياة الإنسان ، وتعمل على إرجاع ~~الاستنكار إلى تقاليد وعادات قديمة ، لا ترتكز على أساس ثابت في عمق ~~المصلحة الإنسانية. وقد ساعدت هذه الأجواء في تحطيم كثير من الحواجز ~~النفسية التي تمنع الأب من إقامة علاقة مع ابنته ، أو تنكر على الأخ إقامة ~~علاقة مع أخته ، وبدأنا نقرأ في صفحات الجرائد والمجلات أخبار الجرائم من ~~هذه القضايا الأخلاقية المنحرفة التي اعتبرت لونا من ألوان الحرية الجنسية. # وقد نحتاج في مواجهة ذلك إلى التحرك على أكثر من صعيد ، من أجل تطويق هذه ~~الحملة والعودة بالإنسان إلى حالة الالتزام العملي بهذه الحدود الأخلاقية ، ~~على أساس من حركة الدين والأخلاق في فكر الإنسان وضميره ، كجزء من مواجهة ~~المفاهيم المنحرفة التي تعمل على تحويل المسيرة الإنسانية في غير الخط ~~السليم. # وقد اعتبر الإسلام علاقة الرضاع من العلاقات المحرمة ؛ فإذا تحقق الرضاع ~~ضمن شروطه الشرعية المذكورة في كتب الفقه ، فإنه يحقق ، في نطاق العلاقات ، ~~وجها من وجوه التحريم ، في ما يفرضه من عنوان الأم PageV07P174 # والأخت والبنت وغيرها من العناوين اللاحقة لذلك ... وقد تحدثت الآيات عن ~~الأم والأخت الرضاعيتين ، ولكن الاقتصار عليهما لا يعني انحصار التحريم ~~فيهما ، لأن أي عنوان من هذه العناوين يفرض حدوث العناوين الأخرى التابعة ~~لها بشكل طبيعي. وقد جاءت السنة المطهرة ، لتعطي الموضوع حجم القاعدة في ~~الحديث النبوي المأثور : «إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب» (1). # * * * # أما العلاقات المحرمة الناشئة من علاقات الزواج ، فقد تحدثت الآية عن بنت ~~الزوجة التي يطلق عليها اسم الربيبة ، بشرط أن تكون الزوجة مدخولا بها ؛ ~~أما إذا لم تكن كذلك ، فلا تحريم إلا من حيث الجمع بين الأم وابنتها ، فإذا ~~طلق الأم كان له الحق في زواج البنت. وقد ذكر الفقهاء والمفسرون أنه لا ~~يشترط كون البنت في حجر الزوج في التحريم ، بل اعتبر القيد واردا مورد ~~الغالب ، لا مورد التحديد ؛ وعن أم الزوجة بشكل ms1488 مطلق ؛ وعن زوجة الابن ~~النسبي والرضاعي ، وعن أخت الزوجة جمعا لا عينا ، فلا يجوز له الجمع بين ~~الأختين ، ولا مانع من الزواج بإحداهما إذا طلق الأخرى. وقد استثنى القرآن ~~الحالات السابقة على التشريع ، فأقرها في قوله ( @QUR@04 إلا ما قد سلف ). ~~وقد ذكر الفقهاء : أن ولد الولد وولد البنت ، في امتداد السلسلة ، يتساويان ~~مع الولد في حرمة الزوجة على الجد ، لصدق العنوان عليه. # وقد تحدثت الآيات عن تحريم المحصنات من النساء المتزوجات ، فلا PageV07P175 # يجوز التزوج بهن ؛ وبهذا أغلق الإسلام الباب في موضوع تعدد الأزواج ~~للمرأة الواحدة ، انطلاقا من التخطيط الإسلامي للأسرة في اعتبار الرجل هو ~~الأساس في النسب وفي إدارة شؤون الأسرة ، بالإضافة إلى ما ألمحنا إليه ~~سابقا من عدم وجود أسباب ضرورية في موضوع تعدد الأزواج ، كما هو الحال في ~~تعدد الزوجات. # ( @QUR@03 حرمت عليكم أمهاتكم )، فلا يجوز لكم الزواج بهن ، ومنهن ~~الجدات للأم وللأب. ( @QUR@01 وبناتكم ) وتشمل الكلمة بنات البنات والأولاد ~~وإن نزلن. ( @QUR@01 وأخواتكم ) سواء أكن للأبوين أم لأحدهما ، ولا مانع من ~~الزواج بأخت الأخ إذا لم تكن أختا له ، وأخت الأخت إذا لم تكن أختا له ، ~~كما إذا كان لأخيك من طرف الأب أو أختك من طرف الأب أو أخت من طرف الأم ~~التي كانت متزوجة بإنسان آخر غير الأب ، فولدت له بنتا ثم ولدت الأخ من ~~الأب. ( @QUR@01 وعماتكم ) والعمة هي كل أنثى أخت لرجل يرجع نسبك إليه ~~بالولادة مباشرة أو بالواسطة ، فتصدق على أخت الأب وأخت الجد ، وعلى ضوء ~~هذا تحرم عمة الأم ، لأنها أخت لجدك من أمك. ( @QUR@01 وخالاتكم ) الخالة ~~هي كل أنثى أخت لمن يرجع نسبك إليها بالولادة مباشرة أو بالواسطة ، فتشمل ~~أخت أمك وأخت جدتك وخالة أبيك ( @QUR@04 وبنات الأخ وبنات الأخت ) وتمتد ~~إلى بنات أولادهما وبناتهما في السلسلة في خط النزول ( @QUR@06 وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) بالشروط المعتبرة في تحريم الرضاع ~~الذي ورد الحديث النبوي الشريف فيه الذي عمل به الجميع : «يحرم من الرضاع ~~ما يحرم من النسب» وعلى هذا ، فإن أي عنوان نسبي ينطبق على ms1489 عنوان رضاعي ، ~~يؤدي إلى التحريم ، فكل امرأة حرمت من الرضاع تحريم مثلها من الرضاع ، سواء ~~أكانت أما أم أختا أم بنتا أم عمة أم خالة أم بنت أخ أم بنت أخت ، وإذا كان ~~القرآن لم يتحدث إلا عن الأم والأخت من الرضاعة ، فإن الباقي يفهم من طبيعة ~~المبدأ واقتضاء الأمومة PageV07P176 # والأبوة واقتضائهما العمومة والخؤولة ، واقتضاء الأخوة عنوان ابنة الأخ ~~والأخت ، وهكذا ... # وربما كان الأساس في سر تحريم الرضاع للزواج هو أن نبات لحم الرضيع ~~واشتداد عظمه بلبن الأم يجعله كأولادها من حيث إنه جزء من بدنها ، لأن نموه ~~كان من خلال عناصرها الجسدية في غذائه ، كما هو جزء من بدنها. ( @QUR@02 ~~وأمهات نسائكم ) فإن أم الزوجة تحرم على الزوج ، سواء أكانت أما بشكل مباشر ~~كالأم ، أو بالواسطة كالجدة ، من دون فرق بين الدخول بالزوجة وعدمها ، ~~وهناك قول نادر باشتراط الدخول بالزوجة في حرمة أمها. # ( @QUR@017 وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) وبهذا لم تحرم الربيبة على زوج الأم في ~~حالة عدم الدخول بالأم ، فيجوز له الزواج بها بعد طلاق الأم ، ولكن لا يجوز ~~الجمع بينهما ، أما قيد ( @QUR@02 اللاتي في (1) @QUR@01 حجوركم ) فقد ~~أشرنا أنه ليس واردا على نحو الشرطية ، بل على نحو الفرد الغالب ، لأن ~~الغالب أن تكون البنت في حجر أمها لحاجتها إليها في الحضانة والرعاية. وفي ~~ضوء ذلك تثبت الحرمة في صورة عدم كونها في حجرها. وربما كان هذا القيد ~~إشارة إلى أن الربائب تشارك سائر الأصناف من الاشتمال على ملاك التحريم ~~وحكمته ، وهو الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل وسائر الأصناف من النساء ~~والمصاحبة الغالبة بين هؤلاء في المنازل والبيوت ، «فلو لا حكم الحرمة ~~المؤبدة ، لم يمكن الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنى» (1) كما ~~يقول صاحب الميزان. # ( @QUR@05 وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) فلا تحل زوجة الابن النسبي ~~لأبيه ، ولا يشمل ذلك ولد التبني ، أما الولد الرضاعي ، فحكمه في PageV07P177 # ذلك حكم الولد النسبي انطلاقا من الحديث المأثور : «يحرم من الرضاع ms1490 ما ~~يحرم من النسب» ، فتحرم زوجته على أبيه الرضاعي ، ويلحق بالابن ابن الابن ~~إلى آخر السلسلة. # ( @QUR@08 وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف )، فلا يجوز الزواج ~~بأخت زوجته ما دامت زوجته معه أو كانت في عدة الطلاق الرجعي ، فإذا فارق ~~زوجته وانتهت عدتها الرجعية ، جاز له الزواج بأختها بعد ذلك ، وإذا طلقها ~~طلاقا بائنا ، جاز له الزواج بأختها في أثناء العدة البائنة. وربما كان ~~الأساس في حرمة الجمع بين الأختين ، هو أن الانتماء إلى زوج واحد ، يخلق ~~بينهما غالبا الكثير من التنافس عليه ، كما في سائر الضرائر ، مما يؤدي إلى ~~التنافر والتضاد الشعوري الذي يحطم العلاقة الأخوية المبنية على المودة ~~والمحبة ويحولها إلى حالة من الصراع المرير المستمر الذي ينطوي على مشاكل ~~كثيرة وتعقيدات صعبة. # أما قوله ( @QUR@04 إلا ما قد سلف ) فهو جار على غرار قوله : ( @QUR@011 ~~ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ). فقد كانوا في ~~الجاهلية يجيزون ذلك ، فيجمعون بين الأختين ، فكانت الآية تمثل الحكم ~~بالعفو عنه من حيث شرعية النتائج الناتجة عن العلاقة الزوجية السابقة من ~~انتساب الأولاد شرعا إلى آبائهم وأمهاتهم وإجراء أحكام القرابة عليهم كأية ~~ولادة شرعية ، ولكنها لا تثبت الاستمرار في شرعيته إذا كان باقيا في زمن ~~نزول الآية (1). # فقد ورد في أسباب النزول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرق بين الأبناء ~~وبين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية ، وقد احتمل صاحب تفسير ~~الميزان أن يكون قوله تعالى : ( @QUR@04 إلا ما قد سلف ) راجعا إلى جميع ~~الفقرات المذكورة PageV07P178 # في الآية من غير أن يختص بقوله ( @QUR@04 وأن تجمعوا بين الأختين )، فإن ~~العرب وإن كانت لا ترتكب من هذه المحرمات إلا الجمع بين الأختين ، ولم تكن ~~تقترف نكاح الأمهات والبنات وسائر ما ذكر في الآية ، إلا أن هناك أمما كانت ~~تنكح أقسام المحارم ، كالفرس والروم وسائر الأمم المتمدنة وغير المتمدنة ~~يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه ، والإسلام يعتبر صحة نكاح الأمم غير ~~المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم ، فيحكم بطهارة ms1491 مولدهم ويعتبر صحة ~~قرابتهم بعد الدخول في دين الحق هذا لكن الوجه الأول أظهر (1). # ( @QUR@05 إن الله كان غفورا رحيما ) فإن الإسلام يجب ما قبله ، فلا ~~مسئولية على المسلم الذي كان يمارس الانحراف عن خط الشريعة قبل إسلامه. # ( @QUR@04 * والمحصنات من النساء ) من الإحصان وهو المنع ، يقال : أحصنت ~~المرأة نفسها إذا عفت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور ، قال تعالى : ( ~~@QUR@03 التي أحصنت فرجها ) [التحريم : 12]. أي عفت ، ويقال : أحصنت المرأة ~~بالبناء للفاعل والمفعول إذا تزوجت ، فأحصن زوجها أو التزوج إياها من غير ~~زوجها ، وهذا هو المراد من الآية على الظاهر لا ما قيل من أن المراد من ~~إحصان المرأة كونها حرة ، مما يمنعها من أن يمتلك الغير بضعها ، أو منعها ~~ذلك من الزنى ، لأن ذلك كان فاشيا في الإماء كما يقولون وهكذا تكون الفقرة ~~واردة للمنع من زواج المتزوجات من أشخاص آخرين ، سواء أكانت المرأة عفيفة ~~أم غير عفيفة ، أو كانت حرة أم مملوكة ، لأن الزواج المتعدد ، ليس مشروعا ~~بالنسبة إلى المرأة ، بل تقتصر شرعيته على الرجل. # ( @QUR@04 إلا ما ملكت أيمانكم )، وقد استثنى القرآن من المحصنات ملك PageV07P179 # اليمين ؛ إذا كانت الأمة متزوجة ، ووقعت في الأسر في حرب المسلمين ~~والمشركين ، أو أراد سيدها أن يسترجعها بعد الزواج ، فيستبرئها وينال منها ~~في ما أفاض فيه الفقهاء في كتب الفقه. # ثم أكدت الآية التحريم بكلمة : ( @QUR@03 كتاب الله عليكم )، كأسلوب من ~~أساليب الإيحاء بقوة التشريع ، باعتبار أنه مما كتبه الله الذي يملك أمر ~~الإنسان في جميع مجالات حياته العملية. # ( @QUR@05 وأحل لكم ما وراء ذلكم ) لم يربط القرآن التحليل بعنوان معين ، ~~بل أطلقه في النطاق الخارج عن العناوين المحرمة ، ولكن ضمن شروط معينة ، ~~منها دفع المهر ، على أساس الأسباب الشرعية التي جعلها الشارع أساسا لشرعية ~~العلاقات كالعقود ونحوها ، مما يكون فاصلا بين العفة الزواج وما يلحق به من ~~الطرق المشروعة الذي عبرت عنه الآيات بالإحصان وبين السفاح. وقد ذكر ~~الفقهاء مخصصات لهذا العموم ، في ما جاءت به السنة المطهرة من بعض العوارض ~~الطارئة التي يمكن أن توجب التحريم في ms1492 بعض الحالات ، مما هو مذكور في كتب الفقه. # ( @QUR@06 أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ) وذلك بأن تقدموا ~~أموالكم في إقامة العلاقة بينكم وبين النساء اللاتي أحلهن الله لكم على ~~أساس النكاح الشرعي لا على أساس الزنى والسفاح ، فإن ذلك هو السبيل الوحيد ~~الذي رخص الله فيه في علاقة الرجل بالمرأة ، فلا إطلاق في الحلية أن يمارس ~~الرجل والمرأة في الجانب الجنسي بدون عقد ، لأن الممارسة لن تكون شرعية في ~~الإسلام. # * * * PageV07P180 ### ||| ** الآية وزواج المتعة # ( @QUR@07 فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) هذا تفريع على ما ~~تقدم ، وتقرير للفكرة التي تدخل إلى عمق المعنى الذي يوحيه المهر ، من خلال ~~ما يرمز إليه من اعتباره لونا من ألوان التعويض بمحبة عما يحصل عليه الزوج ~~من الاستمتاع ؛ بالإضافة إلى المعاني الأخرى التي يريدها الله للزواج ، من ~~حيث كونه مرتكزا على المودة والرحمة والوحدة الروحية بين الزوجين ... وقد ~~انطلق القرآن في إعطاء ذلك طابعا روحيا ، عند ما اعتبره فريضة من الله ، ~~على خلاف الكلمات غير الدقيقة التي تحتقر جانب الاستمتاع في الزواج وترى ~~فيه إهدارا لكرامة المرأة ، لأنه يمثل نوعا من البيع والشراء ونحوهما من ~~المعاني التي لا تقترب من احترام إنسانية المرأة ... ولكن الإسلام يريد من ~~الإنسان أن ينظر إلى الزواج نظرة واقعية تضع كل الأشياء الحسية والمعنوية ~~في نطاقها الطبيعي المعقول ، فلا تغفل أي جانب من الجوانب الطبيعية ، التي ~~يتمثل فيها الجانب الجنسي كشيء بارز كبير ، ليكون المفتاح الذي يفتح ~~للزوجين الأبواب الأخرى للزواج ؛ وبهذا لم تكن النظرة إليه سوداء ، بل كانت ~~بيضاء واضحة تتحرك في النور ، في كل ما يثأر حوله من أحاديث. وليس ذلك إلا ~~لأن الإسلام يريد من الإنسان أن يتعاطى مع غرائزه وشهواته وتطلعاته كموجود ~~حي يعيش على الأرض ، كما هو في تكوينه الذاتي ؛ فإذا أراد أن يرتفع به ، ~~فإنه يعمل على ذلك من خلال إنسانيته بكل ما تتطلبه من معطيات ، وما تفرضه ~~من حاجات ، وما تنطلق فيه من تطلعات روحية ومادية ؛ فهو لا يريده ملاكا ، ~~بل يريده إنسانا ms1493 يعيش في ماديته بعضا من وحي الملاك. PageV07P181 # وهكذا أراد القرآن أن يسمي الأشياء بأسمائها ، فهناك استمتاع ، وهناك أجر ~~على ذلك ، ولكنه قد يختلف في معطياته عن معنى الأجر في غيره من الأشياء ~~والأعمال. # هذا بعض ما نستوحيه من هذه الفقرة ، في ما تتضمنه من التعبير. ولكن ~~المفسرين لم يتوقفوا عند ذلك ، بل دخلوا في مجالات أخرى ، فتساءلوا هل هذه ~~الفقرة مجرد تأكيد لمعنى المهر ووجوب دفعه؟ أو هي بيان لزواج من نوع آخر ~~عرفه المسلمون في عصر الدعوة ثم اختلفوا بعد ذلك في حليته وحرمته ، وهو ~~«زواج المتعة» الذي هو الزواج إلى أجل مسمى ضمن شروط معينة ، تلتقي مع ~~الزواج الدائم في بعضها وتختلف عنه في بعضها الآخر؟! # المعروف بين المفسرين من علماء الشيعة وبعض علماء السنة ، أن المقصود بها ~~زواج المتعة ، وقد أوضح ذلك صاحب تفسير الميزان العلامة الطباطبائي ، فقال : # «والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك ؛ فإن الآية ~~مدنية نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة ، على ما يشهد به معظم آياتها ، وهذا ~~النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من ~~الزمان من غير شك وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك سواء كان الإسلام هو ~~المشرع لذلك ، أو لم يكن ، فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي ومسمع منه لا ~~شك فيه ، وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ ، فلا مناص من ~~كون قوله : ( @QUR@04 فما استمتعتم به منهن ) محمولا عليه مفهوما منه هذا ~~المعنى. # كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول PageV07P182 # بأسمائها المعروفة المعهودة ، كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من ~~تلك الأسماء بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي ، لم يكن بد من حمل الأسماء ~~الواردة فيها على معانيها المسماة بها ، من غير أن تحمل على معانيها ~~اللغوية الأصلية ، وذلك كالحج والبيع والربا والريح والغنيمة وسائر ما هو ~~من هذا القبيل ... فلم يمكن ms1494 لأحد أن يدعي أن المراد بحج البيت قصده ، وهكذا ~~... وكذلك ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الموضوعات الشرعية ، ثم ~~شاع الاستعمال حتى عرفت بأساميها الشرعية ، كالصلاة والصوم والزكاة وحج ~~التمتع وغير ذلك ، لا مجال بعد تحقق التسمية لحمل ألفاظها الواقعة في ~~القرآن الكريم على معانيها اللغوية الأصلية بعد تحقق الحقيقة الشرعية أو ~~المتشرعة فيها. فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح ~~المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية ، سواء قلنا بنسخ نكاح ~~المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة أو لم نقل ؛ فإنما هو أمر آخر. # وجملة الأمر ، أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة ، وهو المنقول عن ~~القدماء من مفسري الصحابة والتابعين ، كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب ~~وقتادة ومجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم ؛ وهو مذهب أئمة أهل البيت ~~عليه السلام . # ومنه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية ، أن المراد بالاستمتاع هو ~~النكاح ، فإن إيجاد علقة النكاح طلب للتمتع منها ، هذا وربما ذكر بعضهم أن ~~السين والتاء في «استمتعتم للتأكيد» ، والمعني : تمتعتم ، وذلك لأن تداول ~~نكاح المتعة (بهذا الاسم) ومعروفيته بينهم لا يدع مجالا لخطور هذا المعنى ~~اللغوي لذهن المستمعين» (1). PageV07P183 # وهكذا نجد في هذا الاتجاه ، في تفسير هذه الفقرة من الآية ، ارتكازا على ~~الكلمة المصطلح «الاستمتاع» ، من خلال ما توحيه كلمة «زواج المتعة» في ~~مفهوم الصحابة آنذاك الذي تنقله الروايات التي تحدثت عن هذا النوع من ~~الزواج ، وما فهمه منه المفسرون من الصحابة وغيرهم ، ولا سيما ما جاءت به ~~القراءة المروية : «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» ، مما يعين هذا ~~المعنى ؛ فإن هذه الكلمة إذا لم تكن جزءا من النص ، فإنها تعتبر تفسيرا له. ~~وهذا ما يجعل القوة في جانب هذا التفسير ، إذا كان الأمر دائرا بين ~~المعنيين بحسب طبيعة النص في ذاته. # * * * ### ||| ** الخلاف الإسلامي في زواج المتعة # وقد اختلف المسلمون من المفسرين والفقهاء في هذا الزواج ، بين قائل بأن ~~الإسلام قد شرعه ، من خلال هذه الآية ms1495 أو غيرها ، في فترة من الزمان ، ثم ~~حرمه بعد ذلك ، كما هو الحال في كثير من الأحكام الشرعية التي يعرض عليها ~~النسخ ، وبين قائل بأنه لا يزال مباحا كما كان ، لأن التشريع قد ثبت بإجماع ~~المسلمين في فترة من فترات التشريع ، ولم يثبت لنا النسخ ، لأن الآيات التي ~~ذكرت في هذا المجال لا تصلح للنسخ ، إما من جهة عدم منافاتها لهذه الآية ، ~~لأن نسبتها إليها نسبة الخاص إلى العام ، مما يجعل الموضوع في نطاق تخصيص ~~العام ، لا في نطاق نسخ العام للخاص ؛ وإما من جهة تأخر هذه الآية ، المدعى ~~كونها منسوخة ، عن الآيات التي PageV07P184 # اعتبرت ناسخة ، مما لا يترك مجالا لتوهم نسخ المتقدم للمتأخر. أما ~~الأخبار التي ادعي كونها ناسخة ، فقد يناقش بإسنادها أولا ، وباضطرابها ~~ثانيا ، لأنها تختلف في تاريخ التحريم ، وبأنها أخبار أحاد ثالثا. ولا بد ~~في ثبوت النسخ ، لا سيما نسخ القرآن بالخبر المتواتر. وقد استفاضت الأخبار ~~بأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو الذي نهى عنها ، من دون أن ينسب ~~التحريم إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، مما يدل على أنه من التوجيهات ~~الإدارية التي كان يصدرها ، انطلاقا من اجتهاده الخاص ، مما لا يكون ملزما ~~للمسلمين في السير عليه من ناحية شرعية بعد أن كان ثابتا بأصل الشريعة ؛ ~~ولهذا رأينا بعض كبار المسلمين من الصحابة وغيرهم من قبله ومن بعده ، ~~يمارسون هذا الزواج ويفتون به ، من دون أن يجدوا حرجا في ذلك. # وقد أجمع أئمة أهل البيت عليهم السلام على استمرار إباحته ، وتشجيع ~~أتباعهم على ممارسته من أجل بقاء هذه السنة حية في حياة الأمة ؛ وقد روى ~~الكثيرون من الثقات قول الإمام علي عليه السلام «لولا ما فعل عمر بن الخطاب ~~في المتعة ما زنى إلا شفا» (1) أي إلا قليل من الناس ؛ وروي : «إلا شقي». # وقد وقع الخلاف بين المسلمين من علماء السنة وعلماء الشيعة في أمر هذا ~~الزواج من ناحية فقهية وتفسيرية ، مما حفلت به الكتب الموسعة من التفاسير ~~وكتب الفقه. وقد أجملنا الفكرة العامة ms1496 للخلاف من خلال ما قدمناه من حديث ، ~~ونترك للقارىء أن يرجع إلى ما كتبه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ، ~~والعلامة العسكري في مقدمة كتاب «مرآة العقول» وغيرهما من الأعلام الذين ~~تحدثوا عن هذا الزواج في كتب مستقلة. PageV07P185 ### ||| ** المتعة في الجانب الاجتماعي للمشكلة الجنسية # وقد نلاحظ في هذا المجال ، أن المسألة قد تحتاج إلى دراسة من ناحية أخرى ~~، وهي أن المبررات التي ذكرها بعض الباحثين لتشريع هذا الزواج ، في بعض ~~الحالات الطارئة في عصر الرسالة ، لا تزال تفرض نفسها على الواقع الذي ~~يحتضن أوضاعا وحالات كثيرة ، قد تزيد في صعوباتها عن تلك الحالات. فإذا كان ~~ذلك هو المبرر للتشريع في نظر هؤلاء ، فلا بد من أن يبقى الحكم مستمرا ~~باستمرار مبرره ، مما يجعل من موضوع النسخ أمرا غير واضح في ملاكاته. ونحن ~~نعرف أن النسخ يعني في مفهومه العلمي انتهاء أمد الحكم الأول بانتهاء أمد ~~المصلحة التي ساهمت في وجوده ، وحدوث مصلحة أخرى في الاتجاه المعاكس من أجل ~~حكم آخر مخالف. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الإسلام ينطلق في تشريعه للأحكام ~~الشرعية من منطلق واقعي ، في ما يواجهه الإنسان من مشاكل ، لتكون الحلول ~~الموضوعة له في حجم تلك المشاكل ، لئلا يحتاج الإنسان إلى الوقوع في قبضة ~~الانحراف ، أو إلى البحث عن الحلول العملية لدى مبادئ أخرى. وعلى ضوء ذلك ، ~~يمكننا أن نلاحظ كيف يسير الزنى جنبا إلى جنب مع الزواج الدائم ، في كل ~~مراحل التاريخ في جميع بلدان الأرض ، مما يوحي بوجوده كظاهرة إنسانية ~~مستمرة. وقد لا نستطيع تفسيره دائما بأنه يمثل الرغبة في الانحراف والتمرد ~~على الشرعية والقانون ، بل ربما كان من الراجح تفسير ذلك بأن الزواج الدائم ~~لا يمثل الحل الشامل الكامل للمشكلة الجنسية ، مما يفرض تشريعا آخر يكمل ~~الحل ويلغي الحاجة إلى الانحراف ؛ وهذا هو ما نستوحيه من الكلمة المأثورة ~~عن الإمام علي عليه السلام «لولا ما نهى PageV07P186 # عنه عمر من أمر المتعة ما زنى إلا شفا» ، لأن هذا الزواج يواجه الحالات ~~التي يحاول الإنسان فيها ms1497 أن يلجأ إلى الزنى ، هربا من قيود الزواج الدائم. # ونحن لا نريد أن نعتبر مثل هذه الملاحظات أساسا فقهيا ، لإثبات هذا الحكم ~~الشرعي في مواجهة المنكرين له ، لأننا نعرف جيدا أن الأحكام الشرعية خاضعة ~~في إثباتها ونفيها للمصادر التشريعية الأساسية من الكتاب والسنة ؛ بل كل ما ~~نريد أن نقوله ، إنها تستطيع أن تعطي الوجه الإيجابي للرأي الذي يقدم ~~الإثباتات الشرعية لهذا الحكم ، ليكون ذلك مؤيدا لما ثبت بالدليل لا دليلا ~~عليه ؛ والله العالم بحقائق أحكامه. # * * * # ( @QUR@014 ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان ~~عليما حكيما ). إن المسلمين يخضعون لالتزاماتهم الشرعية في ما يتعاقدون به ~~من عقود ، انطلاقا من أن الوفاء بالعقود هو سمة الإنسان المؤمن ، ولكن ذلك ~~لا يمنعهم من أن يتفقوا على أشياء أخرى في غير الحدود المتفق عليها من ~~زيادة ونقصان ، لأن ذلك يمثل تنازل صاحب الحق عن حقه برضاه ؛ وفي ذلك تأكيد ~~للالتزام ، لا انحراف عنه ، وهذا ما عالجته هذه الفقرة من الآية ، حيث ~~أتاحت للمؤمنين المتعاقدين في عقود الزواج أن يتراضوا في ما بينهم بما ~~يشاءون من بعد الفريضة ؛ فقد يزيدون عليه ، وقد ينقصون منه ، من موقع حرية ~~الإرادة والقرار. # * * * PageV07P187 ### ||| * الآية # ( @QUR@058 ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات ~~أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك ~~لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طولا ): غنى وسعة وقدرة ، والطول الغنى والزيادة في القدرة. ~~قال الطبرسي : «وهو مأخوذ من الطول خلاف القصر ، شبه الغني به لأنه ينال به ~~معالي الأمور» (1). # ( @QUR@01 المحصنات ): المراد هنا الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات ، ~~وليس المراد به العفيفات ولا ذوات الأزواج. PageV07P188 # ( @QUR@01 فتياتكم ): إمائكم ، يقال للأمة فتاة تلطفا ، والفتى الشاب ~~والفتاة الشابة. # ( @QUR@01 أخدان ): أخلاء في السر ، جمع خدن وهو الصديق. قال الراغب : ~~«وأكثر ذلك ms1498 يستعمل فيمن يصاحب شهوة» (1) والمقصود هنا الزنى سرا في مقابل ~~السفاح الذي هو الزنى جهرا. فالمراد بقوله ( @QUR@05 غير مسافحات ولا ~~متخذات أخدان ) غير زانيات لا جهرا ولا سرا. روي عن ابن عباس أنه قال : كان ~~أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنى ويستحلون ما خفي (2). # ( @QUR@01 العنت ): الجهد والمشقة والشدة ، والمراد به هنا الزنى الذي ~~يكون جراء مشقة الشبق وشدة الشهوة. # * * * ### ||| ** الزواج من الإماء : علته ودوافعه # ( @QUR@05 ومن لم يستطع منكم طولا ) من ناحية الإمكانات المالية التي ~~تمنحه القدرة على القيام بالمسؤوليات المادية التي يفرضها عليه زواجه ~~بالحرة ( @QUR@04 أن ينكح المحصنات المؤمنات ) أي المؤمنات الحرائر ، ولعل ~~المناسبة في التعبير عن الحرائر بالمحصنات ، هو أن الحرية تحصن المرأة ~~الحرة من خلال طبيعة الواقع الاجتماعي الذي تعيشه في نطاق القيم العائلية ~~التي تربط الفرد بمجتمعه في حركة العلاقات المحكومة لاعتبارات شرف العائلة ~~وأجواء الإحساس بالكرامة ، مما يخلق لدى الفرد الحر رجلا كان أو امرأة حالة ~~نفسية منفتحة على احترام الذات والابتعاد عن الابتذال الذي يجلب العار PageV07P189 # للإنسان في وجوده الفردي والاجتماعي ، والانطلاق من الضمير الإنساني الذي ~~يخضع للحسابات الدقيقة المانعة من السقوط والانحدار ؛ الأمر الذي يجعل ~~الحرية بحسب طبيعتها الذاتية وتقاليدها الاجتماعية مرادفة للعفة ، أما ~~الأمة ، فإن انتقالها من مالك إلى مالك بحسب طبيعة الواقع التجاري الذي ~~يجعلها سلعة تتناقلها الأيدي يجعلها بعيدة عن الإحصان وقريبة إلى الابتذال ~~، بالإضافة إلى افتقادها في هذا الضياع الإنساني في مدى حركية الملكية ~~العمق الذي يشدها إلى العائلة ويربطها بتقاليدها ويحصنها بقيمها ، ويدفعها ~~إلى الالتزام بشرف العائلة وتقاليدها وعزتها ، الأمر الذي يبتعد بها عن صفة ~~الإحصان من حيث طبيعة الأمور. # ولكن ليس معنى ذلك أن الأمة لا تكون عفيفة دائما ، وأن الحرة تلتزم العفة ~~دائما ، بل المسألة تنطلق من خلال مناسبة التعبير على أساس مناسبات الواقع ~~، وهذا هو الذي يجعل من الارتباط الزوجي بالحرة ضمانة لاستقرار العفة في ~~العلاقة الزوجية بالنسبة إلى المرأة ، مما لا يتحقق في الارتباط بالأمة ، ~~ولكن ذلك لا يعني إسقاط الزواج بالأمة عن الشرعية ms1499 ، فللمؤمن الذي لا يتمكن ~~من القيام بالالتزامات المادية في الزواج بالحرة ، أن يجد الفرصة لصيانة ~~نفسه عن الحرام وللحصول على السكن الروحي والجسدي في العلاقة الزوجية في ~~الزواج بالإماء بشرط أن يكن مؤمنات ، وهذا ما قررته الآية ، فإذا لم ~~تتمكنوا من الزواج بالحرة ( @QUR@07 فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات ). والخطاب موجه إلى مجموع المؤمنين لا إلى المالكين ، لأنه لا ~~معنى لأن يتزوج الإنسان بأمته وهي ملك يمينه ، بل هي موجهة إلى الذين ~~يريدون الزواج بإماء الآخرين ( @QUR@06 والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ) ~~فإذا كن مؤمنات تعرفونهن من خلال كلامهن وسلوكهن وانفتاحهن على أجواء ~~الإيمان ، وكنتم مؤمنين في قلوبكم وألسنتكم وأوضاعكم ، فإن الإيمان يتحول ~~إلى رابطة تتساوى فيها إنسانيتكم ، فلا تعود الرقية حاجزا يقف بين PageV07P190 # الرق والحر ليمنعهما من إنشاء علاقة الزوجية التي تكون فيها الأمة زوجة ~~للحر ، فلا ميزة لأحدهما عن الآخر في الإنسانية وفي الإيمان ، مما يجعل ~~أحدهما من الآخر في عملية وحدة وتزاوج ، وإذا كانت للرق أحكام تختلف عن ~~أحكام الحر ، فإنها تمثل بعضا من الأوضاع الاجتماعية السائدة في الواقع ~~الخارجي القانوني ، ولا تمثل شيئا في العمق الذاتي للإنسان. # وفي ضوء ذلك ، يمكن أن نفهم من هذه الفقرة أن الحر والرق نوع واحد يرجع ~~بعض أفراده إلى البعض الآخر ، ولذلك ، فلا مانع من زواج الحر بالأمة في أي ~~حال من الحالات حتى في صورة قدرته على الزواج بالحرة ، لأن الاشتراط بالعجز ~~لم ينطلق من شرطية ذلك في المشروعية ، بل انطلق من طبيعة الأوضاع ~~الاجتماعية في تفضيل الحر الزواج بالحرة من خلال التقاليد الاجتماعية ~~والاعتبارات النفسية ، مما يجعل زواجه بالأمة مقتصرا على صورة عدم استطاعته ~~الزواج بالحرة. # ( @QUR@03 فانكحوهن بإذن أهلهن ) وهم مواليهن الذين يملكون زمام أمرهن ~~بمقتضى الملك ولعل في التعبير عن الموالي بالأهل إيحاء بأن الإماء جزء من ~~الأهل والعيال ، فهي من أهل البيت في اندماجها بهم على أساس مفهوم بعضكم من ~~بعض ( @QUR@03 وآتوهن أجورهن بالمعروف ) فلا بد من إعطائهن مهورهن في ~~الزواج تماما كما هي مهور ms1500 الحرائر ( @QUR@01 المحصنات ) أي عفيفات ( ~~@QUR@02 غير مسافحات ) ممن يتاجرن بأعراضهن لكل من أراد ذلك بشكل علني. ( ~~@QUR@03 ولا متخذات أخدان ) ممن يتخذن أصدقاء الفحشاء الذين يمارسون الزنى ~~معهن سرا في علاقة غير شرعية خاصة. # ( @QUR@02 فإذا أحصن ) بالزواج الذي تتعفف المرأة به عن الحاجة إلى الجنس ~~وتستغني به عن الزنى ( @QUR@03 فإن أتين بفاحشة ) وهي الزنى ( @QUR@05 ~~فعليهن نصف ما على المحصنات ) الحرائر ( @QUR@02 من العذاب ) وهو الجلد ، ~~لأن الرجم لا يتنصف. ولعل هذا التخفيف عنهن ناتج عن الظروف الخاصة التي ~~تجعلهن في موقع PageV07P191 # الضعف عن مقاومة إغراء الانحراف ، لأن الرق قد يترك تأثيره على نفسية ~~الفتاة ، فيقلل من حصانتها الأخلاقية بفعل هذا التداول بين المالكين بعيدا ~~عن علاقة الزواج ، مما يجعل من قيود الزواج حالة طارئة في حياتهن ، الأمر ~~الذي يؤدي إلى التخفيف في العقوبة من حيث التشريع ( @QUR@05 ذلك لمن خشي ~~العنت منكم ) فلم يغلق عنهم باب التعفف بالزواج بالإماء ليضطرهم إلى الزنى ~~الذي فيه هلاكهم ، ( @QUR@04 وأن تصبروا خير لكم ) ربما يكون المراد بها ~~الامتناع عن الزواج بالإماء وتحمل الحرمان الجنسي عند العجز عن نكاح ~~الحرائر ، لأن هناك أكثر من مشكلة تحيط بالزواج بالإماء اللاتي لم يزلن ~~باقيات على ملك أهلهن ، مما قد يسيء إلى طبيعة ثبات الحياة الزوجية ~~واستقرارها ، وربما يكون المراد به الصبر عن الزنى بالتأكيد على إشباع ~~الغريزة بالزواج أو بالتقوى المانعة عن ذلك عند عدم توفر الزواج ، وربما ~~يكون المراد به تربية ملكة الصبر الذي هو القيمة الأخلاقية التي تمنع ~~الإنسان من الانحراف في كل مواقع حياته في حالة الاهتزاز ( @QUR@03 والله ~~غفور رحيم ) فهو الذي يغفر لعباده كل الآثار السيئة الطارئة في نفوس ~~المؤمنين ويرحم المتقين الذين ( @QUR@09 إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون )، والله العالم بحقائق آياته. # * * * # في هذه الآية حديث عن زواج الحر بالأمة ؛ فإذا لم يجد الإنسان القدرة من ~~مال أو غيره على زواج المحصنة وهي الحرة ، لما يترتب على ذلك من تكاليف ~~وإمكانات لا يملكها ، فبإمكانه أن يتزوج من الإماء اللاتي عبرت عنهن ب ~~«الفتيات ms1501 المؤمنات» ؛ ولا يلجأ إلى الانحراف عن الشرع ، بحجة الحالة الصعبة ~~التي يواجهها في نداء الغريزة. وعلى الإنسان المؤمن أن يعتبر الإيمان ادعا ~~له عن الاستنكاف والتكبر ، في ما يتعارف عليه المجتمع من العيب في الارتباط ~~الزوجي بالإماء ، فإن الإيمان الذي تتصف به هذه PageV07P192 # الأمة يعلو على كل اعتبار اجتماعي أو عنصري. فإذا انطلق الإنسان في هذا ~~السبيل ، فإن عليه أن يلجأ إلى ذلك بالطرق الشرعية ، من استئذان الأهل ودفع ~~المهر ، لتكون العلاقة مرتكزة على أساس العفة لا على أساس الزنى الذي ~~تمارسه المومسات بطريقة علنية ، أو على أساس العلاقات السرية التي تتم في ~~الخفاء باتخاذ الصداقات الجنسية بطريقة غير مشروعة. فإذا انحرفت الزوجة ~~الأمة ، فإنها تعاقب نصف عقاب الزوجة الحرة ، لأنه يحقق معنى التوازن في ~~جانب الحقوق والمسؤوليات والعقوبات ، فإذا كانت الحقوق أقل ، فلا بد من أن ~~تكون العقوبات في المستوى نفسه على أساس العدل. # وهذا هو الحل لمن خاف المشقة على نفسه ، إذا لم يستطع الصبر ، أما إذا ~~استطاع الصبر عن زواجها ، فإنه أفضل ، حذرا من التعقيدات الخاصة والعامة ~~المترتبة على ذلك ، مما يجعل الإنسان المؤمن في حالة غير عادية ، من خلال ~~التحديات الكثيرة التي تواجهه في نوازعه النفسية ، وفي وضعه الاجتماعي ~~الخاضع لكثير من الأوضاع والتقاليد البالية التي قد لا يثبت أمامها ، وفي ~~وضعه القانوني من خلال بقاء علاقة الأمة بأهلها ومالكها ، مما يثير كثيرا ~~من الملابسات المتعبة له على أكثر من صعيد. وقد تخضع المسألة لبعض ~~التفصيلات الفقهية التي قد لا نرى ضرورة للحديث عنها ، لأن الموضوع لم يعد ~~محلا للابتلاء في واقعنا الذي انعدم الرق فيه أو كاد من حياة الناس. # * * * PageV07P193 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم (26) @QUR@013 والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) @QUR@08 يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الإنسان ضعيفا ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سنن ): طرق حياة ، ومناهج سير جمع سنة وهي الطريقة. # ( @QUR@01 تميلوا ): تعدلوا عن الاستقامة وتنحرفوا عن الخط الصحيح ms1502 ، لأن ~~الشهوات لا تخضع لميزان سليم. # ( @QUR@01 ضعيفا ): الضعف هنا من ناحية القوى الشهوية التي تنازع ~~الإنسان وتبعثه على الاندفاع في الشهوات. والضعف خلاف القوة ، وقد يكون في ~~النفس وفي البدن وفي الحال. # * * * PageV07P194 ### ||| ** فيوضات الرحمة الإلهية # إنه اللطف الإلهي الذي يفيض بالرحمة والعطف والحنان والرعاية ، في كل ~~صغيرة وكبيرة من أمور المؤمنين ؛ فهو يتعهدهم دائما ببيان الوسائل التي ~~يستطيعون من خلالها الانفتاح على الآفاق الواسعة للحياة ، في كل ما تحمله ~~من عناصر الخير والصلاح ، ويلتقوا بالينابيع الصافية المتفجرة بالماء الذي ~~ينساب في الأرض ، لينشر فيها الخصب والرخاء ؛ ويرتفعوا إلى القيم الروحية ~~التي ترتفع بالإنسان عن الحدود الضيقة للمادة الجامدة ، إلى الأجواء ~~الروحية العالية التي يحدق فيها في امتداد السماء. # ( @QUR@04 يريد الله ليبين لكم ) لينير لكم السبيل لأنكم لا تستطيعون ~~معرفة الطريق الواضح المستقيم الذي يحفظ لكم خطواتكم من الضياع ويصونها من ~~الانزلاق في منحدرات الهاوية ؛ بل الله هو الذي يهديكم ذلك ويخرجكم من ~~الظلمات إلى النور. ففي كلماته الوحي الذي يفتح القلوب ، والضياء الذي يفتح ~~العيون ، والهدى الذي يشق الطريق إلى حيث الانطلاق الكبير في رحاب الله. ~~وذلك بأن يفصل الله لكم برنامج الحياة الذي يتضمن الخلاص في معاشكم ومعدكم ~~بما يبينه من أحكام دينكم في دنياكم ، باعتبار أنه وحده الذي يحقق السعادة ~~للإنسان في دنياه وآخرته. # ( @QUR@05 ويهديكم سنن الذين من قبلكم ... ) لأن الله يريد لكل أمة أن ~~تكمل الطريق الذي بدأه الآخرون ؛ فلا تبقى الأقدام دائما متحركة في عملية ~~تراجعية إلى بداية الطريق. فقد جعل الرسالات متتابعة في حياة الأمم ، ليكون ~~كل رسول متمما لما بدأه الرسول الذي قبله ، ولتكون كل أمة امتدادا للأمة ~~التي قبلها ؛ ولهذا أراد الله سبحانه في كل كتاب جديد من كتبه أن يحدث ~~رسوله وأمته عن المناهج التي سارت عليها الأمم السابقة ، ليعتبروا PageV07P195 # ويعرفوا حركة الساحة التي يعملون فيها ، في ما عاشته من تجارب ، وما ~~واجهته من تحديات ، وما بلغته من أهداف ، لتكون الرؤية واضحة أمامهم ، فلا ~~يحتاجون إلى أن يبدءوا التجربة من جديد ، بل ms1503 كل ما هناك أن يفهموا التجارب ~~السابقة ويعتبروا بها ، في ما يستقبلون من تجارب الحياة. وتلك هي قصة ~~التاريخ في مفهوم الإسلام ؛ فلسنا مسئولين عن حركة التاريخ في كل مراحل ~~فشله ونجاحه ، أو استقامته وانحرافه ، بل أن يمتد التاريخ في وحيه العملي ~~في حركة المستقبل الجديد الذي نصنعه بإرادتنا وإيماننا. # ( @QUR@02 ويتوب عليكم ) هل التوبة التي هي إرادة الله لنا ، هي المغفرة ~~عما سلف من ذنوبنا ، لتكون الكلمة توجيها للإنسان في أن يفتش عن طريق ~~التوبة ، فيحاسب نفسه على الأخطاء التي قد ارتكبها ، ليقف بين يدي الله ~~حاملا مشاعر الندم ، ويطلب منه التوبة على ذلك كله ... أم هي أسلوب قرآني ~~في التعبير عن المعنى الذي توحي به التوبة ، وهو السير على الخط المستقيم ~~الذي يؤدي إلى رضا الله ، بكلمة التوبة ، فكأنه يقول : إن الله يريد أن ~~يرضى عنكم من خلال استقامتكم ، من خلال ما يثيره أمامكم من فرص المعرفة ~~والهداية التي تؤدي بكم إلى العمل الصالح؟ # لا نريد أن نرجح أحد المعنيين ؛ فلكل منهما أساس من اللفظ والجو والسياق ~~، وحسبنا أن نستوحي منهما الوقوف عند الحدود التي نستطيع من خلالها الحصول ~~على رضا الله في ما يحبه ويرضاه. # ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) فهو الذي يعلم ما يصلحنا وما يفسدنا في كل ~~ما خلق ومن خلق ، وهو الحكيم الذي لا يشرع لنا في كل أمورنا إلا ما يتناسب ~~مع الحكمة التي تضع كل شيء في موضعه ، في الكلمة والفعل والوجود. # ( @QUR@05 والله يريد أن يتوب عليكم ... ) وتعود كلمة التوبة في خط إرادة ~~الله ، ولكن هل هي تكرير وتأكيد؟ ربما كان الأمر كذلك ، وربما كانت التوبة PageV07P196 # في الآية الأولى بيانا للمنهج الذي وضعه الله لعباده ؛ من أجل أن تتكامل ~~لهم المعرفة والهداية والسير على الخط المستقيم ، بعيدا عن كل المقارنات ~~والمعادلات في ما حولهم ومن حولهم ... أما في هذه الآية ، فقد جاءت لتدخل ~~الإنسان في عملية موازنة ومقارنة ، في ما يواجهه الإنسان من العناصر ~~الشريرة المنحرفة التي تريد أن تضله وتبعده عن الله ؛ ليوازن بين ms1504 ما يريده ~~الله له وبين ما يريده له الآخرون ؛ فإن الله يريد أن يبلغ بالإنسان إلى ~~الدرجات العليا التي يحصل بها على رضا الله تعالى ، من خلال ما تعنيه كلمة ~~التوبة من مقدمات ونتائج. # ( @QUR@08 ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) فليس ~~لهؤلاء قاعدة أساسية ثابتة في فكر الإنسان وروحه وضميره ، وليس لهم هدف ~~كبير في حياتهم يسعون إليه ، ليكون لهم من خلال ذلك المستوى الذي يجعلهم ~~موضع ثقة الآخرين ومحل اعتمادهم ، بل كل ما هناك أنهم يعيشون للجانب الحسي ~~الحيواني في حياتهم وحياة الآخرين ؛ فالحياة عندهم لذة وشهوة ، والإنسان ~~عندهم كائن ذو شهوات ، والمبادئ لديهم تتلخص في العمل على الوصول إلى ~~الارتواء من ينابيع الشهوات ما أمكنهم ذلك. وهكذا اختصر القرآن ذلك كله ~~بقوله ( @QUR@03 الذين يتبعون الشهوات ... )، فهي القبلة التي يتوجهون ~~إليها في كل تطلعاتهم ومشاعرهم. وإذا كانت الشهوات هي التي يتبعونها ~~ويقودون الناس إليها ، فإن الغاية التي يستهدفونها هي أن يميل الناس عن ~~الخط الصحيح المستقيم ميلا عظيما ، لأن الشهوات لا تخضع لميزان دقيق متوازن ~~، يحفظ للإنسان مصلحته الحقيقية في خط الاستقامة ، بل إنها تنخفض وترتفع ~~تبعا للأجواء الحسية المحيطة بمشاعر الإنسان ونزواته ، مما يؤدي به إلى أن ~~يفقد توازنه ويميل نحو الهاوية التي تنتظره ميلا عظيما. # وماذا بعد ذلك؟ إن القرآن يتابع الخط الإلهي الذي ينطلق فيه التشريع ، PageV07P197 # فقد خلق الله الإنسان ضعيفا في بدنه ، ضعيفا في طاقاته ، وذلك لما أودعه ~~الله فيه من الغرائز التي قد تثير فيه نقاط ضعف كثيرة ؛ ولم يرد الله له أن ~~يستسلم لها في عملية سقوط وانهيار ، بل أراد له أن يرتفع إلى مستوى القوة ، ~~ولكن من خلال الوسائل الواقعية التي تثير فيه الإحساس بالقوة بطريقة ~~تدريجية ، من الأعمال والتكاليف والأجواء التي لا تثقل عليه ولا توقعه في ~~الحرج ، ولا تبلغ به حد العسر ، ولا تحمله ما لا طاقة له به ، بل تخفف عنه ~~وتربطه باليسير من التكاليف ، والخفيف من الأعمال ، ليشعر بأن المسؤولية ~~ليست شيئا ثقيلا ينوء تحته ، بل ms1505 هي شيء يتناسب مع طاقاته وينسجم مع الطبيعة ~~الإنسانية لنقاط ضعفه. وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة ؛ ( @QUR@08 يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ). ومن خلال هذا الاستيحاء للآية ، ~~نستطيع أن نواجه الفكرة الخاطئة التي يحاول البعض أن يفهمها من هذه الآية ، ~~وهي أن القرآن الكريم يعمل على أن يعمق إحساس الإنسان بالضعف ، ليشعر ~~بالانسحاق في إنسانية تحت وطأة الشعور بضعفه ، مما يعطل فيه إرادة القوة ، ~~ويشل فيه طموحه الكبيرة الأفق الواسع الذي يتسع لمواهبه الإنسانية الكبيرة ~~التي تخاطب الحياة كلها. # إن خطأ الفكرة يكمن في أن صاحبها لم يدرس أجواء الآية ، التي انطلقت ~~لتوحي بأن التشريع راعى في عملية التخطيط للإنسان ، في ما يريده له من هدى ~~وقوة ، هذا الجانب الذي تتوزعه نقاط الضعف ؛ ولهذا فقد خفف عنه ليستطيع ~~الوصول الى طموحاته في القوة والانطلاق بطريقة واقعية تتناسب مع طاقاته ~~وإمكاناته. # * * * PageV07P198 # وقد تحدث القرآن عن القوة في أكثر من آية ، في أجواء السلم والحرب ، وفي ~~حركة الفرد والمجتمع ، ووجه الإنسان إلى الأخذ بأسباب القوة التي أودعها ~~الله في نفسه وفيه الحياة ؛ وأعطاه الثقة بنفسه في الإمكانات المودعة فيه ، ~~ودفعه إلى جهاد النفس الذي يتغلب الإنسان معه على كل نقاط الضعف في الداخل ~~، وإلى مواجهة التحديات الخارجية التي تعترضه ، وأوحى إليه بأن الله جعله ~~خليفته في الأرض لقدرته على القيام بذلك من خلال عقله وإرادته ، وسخر له ~~السموات والأرض وما فيهما من قوى وظواهر وآفاق ، مما يجعل من قضية القوة في ~~حياته قضية أساسية ، تدخل في دوره الفاعل في كل مجالات الحياة. # * * * PageV07P199 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ~~@QUR@013 ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله ~~يسيرا ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تأكلوا ) ولا تتصرفوا بالتسلط ، والأكل معروف ، ولما فيه من ~~معنى التسلط والإنفاد ، يقال : أكلت النار الحطب ، وأكل فلان المال ، سمي ~~التصرف عن تسلط أكلا كما ينفذ الآكل ms1506 الغذاء بالأكل. # ( @QUR@01 بالباطل ): ضد الحق ، وهو ما لا ثبات له ، والمراد هنا ~~المعاملات غير المشروعة التي تسوق المجتمع إلى الفساد والهلاك من وجهة ~~النظر الإسلامية ، كالربا والقمار والرشوة في الحكم والسرقة والغصب ~~والخيانة ونحوها. # ( @QUR@03 ولا تقتلوا أنفسكم ): بالانتحار أو التسبب بالهلاك ، وتقتلوا بعضكم PageV07P200 # بعضا من المؤمنين ، لأن المجتمع الإيماني كنفس واحدة على طريقة قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) [النور : 61] ، ~~فلو قتل الإنسان غيره من المؤمنين فكأنه قتل نفسه. # * * * ### ||| ** ما جمع بالباطل باطل # إن القرآن يتحدث عن المجتمع كوحدة عضوية ذات أجزاء ، في ما يملكه من ~~أموال ، وما يشتمل عليه من أفراد. فإذا تحدث عن الأموال وكيفية التصرف بها ~~والتحذير من العدوان عليها ، فإنه يتحدث في خطابه للمؤمنين عنها بصفتها ~~«أموالكم» ؛ وإذا تحدث عن الأفراد الذين يتألف منهم المجتمع ، محذرا من ~~الاعتداء عليهم بالقتل والظلم ، فإنه يتحدث عنهم بصفتهم «أنفسكم» ، وذلك ~~للإيحاء بأن المؤمنين وحدة متكاملة في ما يملكون من طاقات ، وما يمثلون من ~~تجمعات. وقد تحدثت الآيتان هنا حول موضوعين : # أحدهما : طريقة التملك للأموال الموجودة في أيدي الناس. # ثانيهما : الاعتداء على الأنفس. # وقد جاءت الآية الكريمة : ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )، وحذرت من أكل ~~أموال الناس بالباطل ؛ وهي كناية عن الاستيلاء عليها بالتملك. والمقصود ~~بكلمة «الباطل» كل الوسائل التي لا ترتكز على أساس شرعي ، مما يدخل في ~~التخطيط الذي وضعه الله لعباده في معاملاتهم وعلاقاتهم. فقد أراد الله PageV07P201 # للناس السير في حياتهم على الأسس الثابتة التي تنسجم مع العقل والحكمة ~~والفكر السليم ، واعتبر كل شيء يخالف ذلك باطلا. وبذلك كان الباطل شاملا ~~للقمار ، والربا ، والسرقة ، والرشوة في الحكم ، وبيع المحرمات المضرة ~~بأبدان الناس وعقولهم وحياتهم ، ونحو ذلك مما جاء به التحريم في الشريعة ~~المطهرة. ولا تتوقف آثار صفة الباطل على جانب المسؤولية الأخروية من عقاب ~~الآخرة ، بل تمتد إلى عدم ترتب أي أثر شرعي قانوني عليه ، فلا يملك الإنسان ~~المال ، إذا نقل إليه بالوسائل المحرمة التي ms1507 لم يشرعها الله. وهذه قاعدة ~~عامة في طريقة انتقال المال من شخص إلى آخر ، أو تملكه من خلال حيازة أو ~~نحوها ، فلا بد من طريقة شرعية ثابتة في الكتاب والسنة. وقد جاء في بعض ~~الأحاديث المأثورة : «لا يحل مال إلا من وجه أحله الله ...» (1). وقد ~~تحدثت الآية عن نموذج من نماذج الوسائل المحللة وهي التجارة عن تراض ، ~~فللإنسان أن يتملك ما يشاء بما يساوي ماله أو يزيد عليه ، على أساس ~~العمليات التجارية مع الآخرين الصادرة عن اتفاق تراض بين الطرفين. # * * * ### ||| ** الحياة لله تعالى لم يسلط أحدا عليها إلا بالحق # أما الموضوع الثاني ، وهو الاعتداء على النفوس ، فقد حذرت الآية المؤمنين ~~من أن يقتلوا نفوسهم ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@03 ولا تقتلوا أنفسكم ) ~~، لأن الحياة هي ملك الله وهبها لمخلوقاته ، ولم يسلط عليها أحدا إلا بالحق ~~، فلا يجوز لإنسان أن يقتل أحدا إلا بالحق ، ولا يجوز له أن يقتل نفسه ~~بطريقة الانتحار (2). PageV07P202 # وقد تحدث الفقهاء كثيرا عن الاحتياط في النفوس والأموال والأعراض ، مما ~~يوحى بأن الأصل في هذه الأمور التوقف حتى تثبت الإباحة. وربما ناقش بعضهم ~~في بعض جزئيات ذلك كالأموال ، ولكن لم يناقش أحد في هذه القاعدة في ما يتصل ~~بالدماء. # * * * ### ||| ** الرحمة نظام شامل للحياة # وقد عقب الله على هذين التحذيرين بكلمة ( @QUR@05 إن الله كان بكم رحيما ~~)، مما يوحي لنا بالفكرة التي تجعل الرحمة نظاما عمليا شاملا لحياة ~~الإنسان في كل ما يصلحها ويبتعد بها عن الفساد ، لا مجرد عاطفة إشفاق. ~~وهكذا تمثلت الرحمة في التقنين للحياة ، في ظل نظام قائم على أساس احترام ~~الأموال والنفوس ، فلا يخاف الإنسان في المجتمع المؤمن أن يؤخذ ماله ، أو ~~يعتدى على حياته بغير حق ، بل يعيش الأمن والطمأنينة في ذلك كله. ومن خلال ~~ذلك ، يمكن لنا استيحاء الفكرة العملية ، من خلال ما تتمثله من عواطف ~~ومشاعر ، لنتوقف عند الجانب العملي الذي يركز الشعور بالموقف لا بالإحساس ~~المجرد حتى نتعلم أن تكون الجوانب العملية هي ما تستهدفه الأفكار والمشاعر ~~والعواطف ؛ فنستطيع من خلال ذلك الوصول ms1508 إلى خطوات متقدمة في الحياة في جميع ~~الميادين. # * * * PageV07P203 ### ||| ** من يتجاوز حدود الله سيصلى نارا # وجاءت الآية الثانية وهي قوله تعالى : ( @QUR@08 ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما فسوف نصليه نارا ) لتثير أمام الإنسان التحذير بالعقوبة الأخروية ، ~~إذا تجاوز حدود الله في ذلك ، فاعتدى على أموال الناس وحرماتهم ونفوسهم ، ~~أو قتل نفسه ؛ فإن جميع ذلك ظلم وعدوان عند الله ؛ وليس له إلا النار التي ~~يصلاها جزاء على ذلك. ( @QUR@05 وكان ذلك على الله يسيرا ) وهكذا ينطلق ~~الأسلوب القرآني في ربط الإنسان بالالتزام بالحكم الشرعي ، على أساس ~~الترغيب بما ينتظره من رحمة الله في الدنيا ، والترهيب بما يتخلص به من ~~عذاب الله في الآخرة. # وهنا ملاحظة تتعلق بهذا الجمع بين النهي عن الأكل للأموال بالباطل وعن ~~قتل النفس ، فالمجتمع قائم على الأمن الاجتماعي الإنساني الذي يتقوم ~~باحترام الحياة في علاقة الناس ببعضهم البعض ، وعلى الأمن الاقتصادي في ~~احترام أموال بعضهم بعضا وعدم التحرك فيها بأي تصرف تمليكي أو شخصي إلا ~~بالطرق المشروعة التي تمثل خط التوازن في سلامة الاقتصاد العام والخاص ، ~~فإذا اختل أحدهما اختل نظام المجتمع ، مما يؤدي إلى الفساد والانهيار ~~والدمار ، أما إذا سلم الواقع الاجتماعي والاقتصادي من هذا الخلل ، فإنه ~~يعيش التوازن والثبات. # * * * PageV07P204 ### ||| * الآية # ( @QUR@012 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تجتنبوا ): الاجتناب : المباعدة عن الشيء وتركه جانبا ، ومنه ~~الأجنبي ، ويقال : ما يأتينا فلان إلا عن جنابة ، أي عن بعد. # ( @QUR@01 كبائر ): واحدتها كبيرة ، هي المعاصي العظيمة في مقابل ~~«السيئات» التي هي المعاصي الصغيرة ، كما قيل ، وقد ذكرت بعض الروايات ~~الكبائر حتى وصلت إلى السبعين ، باعتبار اختلاف مراتب الكبر في المعصية ، ~~علما أن أكبر الكبائر الشرك بالله. # ( @QUR@01 نكفر ): التكفير أصله الستر ، والمراد به هنا العفو والمغفرة ~~، باعتبار أنه يستر المعصية ، فلا تظهر ، أي لا يترتب عليها أثر. # ( @QUR@01 مدخلا ): بضم الميم من أدخل وبفتحها من دخل ، وفي الحالين هو ~~اسم مكان والمراد به هنا الجنة. # * * * PageV07P205 ### ||| ** اجتناب الكبائر في طريق المغفرة # في هذه الآية حديث عن وجود كبائر ms1509 وصغائر في المحرمات الإسلامية ، ودعوة ~~إلى اجتناب كبائرها ، كشرط من شروط المغفرة والرضوان من الله ، باعتبارها ~~مظهرا من مظاهر التوبة الحقيقية التي يعبر بها الإنسان عن رجوعه إلى الله ~~وعودته إلى رحاب طاعته ، ولكن ، هل معنى ذلك التسامح في ارتكاب الصغائر أو ~~التشجيع على الاستهانة بها؟ # الظاهر أن الآية ليست واردة في هذا السياق ، بل هي واردة في مورد التأكيد ~~على الأساس الذي تنطلق منه التوبة ، لأن ذلك هو الذي يمثل القاعدة ~~الإيمانية المتحركة في عمق الروحية للإنسان ؛ فإن الاجتناب عن الكبائر ~~ينطلق من إرادة واعية ثابتة للتغيير ، بينما تمثل الصغائر غالبا حالة طارئة ~~يمارسها الإنسان بشكل سريع لا دخل لها بركائزه الفكرية ، ليكون الاجتناب ~~عنها أساسا للتوبة ، فربما تصدر من الإنسان المؤمن الصالح في بعض حالات ~~الغفلة السريعة ، وهذا ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@012 إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : ~~201] وقوله تعالى : ( @QUR@07 الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم ) [النجم : 32] من خلال التعبير بكلمة ( @QUR@03 طائف من الشيطان ) و ~~( @QUR@01 اللمم ) بما توحيه الكلمة الأولى من انطلاق الفعل من فكرة تطوف ~~بالإنسان من خارج ثم تذهب ، وما توحيه الكلمة الثانية من اعتبارها شيئا يلم ~~به الإنسان وهو في الطريق من دون أن يتوقف عنده. فإن ذلك يعني أن قضية ~~التوبة هي قضية الإرادة المتمثلة باجتناب الكبائر التي تنطلق من خلق أو ~~عادة أو وضع ثابت في حياة الإنسان ، وليست قضية الأشياء الطارئة السريعة ~~التي لا يلم بها الإنسان حتى يتركها. وربما كان اجتناب الكبائر مظهرا من ~~مظاهر القدرة على اجتناب PageV07P206 # الصغائر ، لأن القدرة على الأثقل يستلزم القدرة على الأخف بطريق أولى ~~فتكون الآية ، على هذا ، بمثابة الإيحاء بتحصيل قوة الموقف الذي يقرب ~~الإنسان إلى مرضاة الله ، من خلال ما يمثله ذلك من مناعة روحية وفكرية ؛ ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** ما الفرق بين الكبيرة والصغيرة؟ # وقد اختلف الفقهاء والمفسرون في تحديد الكبيرة والصغيرة ؛ فذهب كل واحد ~~إلى رأي على أساس اجتهادات ذاتية ، من خلال استنطاق ms1510 الكلمة ، في ما توحيه ~~بلحاظ معناها اللغوي ؛ واعتبر بعضهم أن القضية نسبية ؛ فكل معصية من ~~المعاصي يمكن أن تكون كبيرة بلحاظ بعض ، ويمكن أن تكون صغيرة بالنسبة إلى ~~بعض آخر. وقال بعضهم : إن كل المعاصي من الكبائر ، لأن كبر الحرام ليس ~~بلحاظ خصوصيته ، بل بلحاظ الجهة التي أمرت باجتنابه. فإذا كان الله هو الذي ~~نهى وأمر ، فإن كل مخالفة لذلك كبيرة ؛ وقال بعضهم : إن الكبيرة هي ما توعد ~~الله عليه بالنار. وربما يلتقي هذا الرأي مع رأي آخر أشار إليه صاحب تفسير ~~الميزان (1) بأن الكبيرة هي التي اقترنت بالتشديد والوعيد والتهديد ، وذلك ~~من خلال استيحاء كلمة ( @QUR@04 كبائر ما تنهون عنه ... )، فإن كون المنهي ~~عنه كبيرا يرتبط بخطورته على مستوى النتائج الصعبة التي تصيب الإنسان ، في ~~ما توحي به أجواء النهي. وقد لا يكون في تحديد الحدود التي يمثلها الفرق ~~بين الكبيرة والصغيرة فائدة عملية كبيرة ، لا سيما أنها تلتقي في أكثر ~~الموارد التي اعتبرها الكثيرون من الكبائر. # وقد جاءت الأخبار الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما ~~رواه أهل PageV07P207 # بيته عليهم السلام في أحاديث متنوعة عن تعداد الكبائر ، بين ما يقتصر على ~~بعض معين منها وبين ما يفيض في تعدادها إلى رقم كبير ، وربما كان الأساس في ~~تحديد ما حدد في بعض الأخبار ، أنها من الكبائر الكبيرة ، وليس ذلك من جهة ~~اختصاص الكبيرة بها ، ولعل من المفيد أن نشير إلى بعض هذه الروايات ، فمن ~~ذلك ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره عن أنس بن مالك ، قال : ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الكبائر ، أو سئل عن الكبائر ، فقال : الشرك ~~بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين. فقال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ~~قال : قول الزور ، أو قال : شهادة الزور (1). # وفي الدر المنثور ، أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم ~~، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اجتنبوا السبع ~~الموبقات. قالوا : وما هن يا رسول الله؟ قال : الشرك بالله ، وقتل ms1511 النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، ~~والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (2). # جاء في تفسير الطبري ، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة ، عن أبيه ، قال : إني ~~لفي هذا المسجد مسجد الكوفة ، وعلي رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر ، ~~فقال : يا أيها الناس ، إن الكبائر سبع. فأصاخ الناس ، فأعادها ثلاث مرات ، ~~ثم قال : ألا تسألوني عنها؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، ما هي؟ قال : ~~الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله ، وقذف المحصنة ، وأكل مال ~~اليتيم ، وأكل الربا ، والفرار يوم الزحف ، والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي ~~: يا أبت ، التعرب بعد الهجرة كيف لحق هاهنا؟ فقال : يا بني ، وما أعظم من ~~أن يهاجر الرجل ، حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه PageV07P208 # الجهاد ، خلع ذلك من عنقه ، فرجع أعرابيا كما كان (1). # * * * ### ||| ** الكبائر في كتاب الله تعالى # وفي مجمع البيان : روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن أبي جعفر محمد ~~بن علي عليه السلام ، عن أبيه علي بن موسى الرضا عليه السلام ، عن موسى بن ~~جعفر عليه السلام قال : دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد الله ، جعفر بن ~~محمد الصادق عليه السلام ؛ فلما سلم وجلس ، تلا هذه الآية : ( @QUR@05 الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) ثم أمسك ، فقال أبو عبد الله : ما أسكتك؟ ~~قال : أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله ، قال : نعم يا عمرو ، أكبر ~~الكبائر الشرك بالله ، لقول الله عز وجل : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ) [النساء : 48] ، وقال : ( @QUR@010 من يشرك بالله فقد حرم الله ~~عليه الجنة ومأواه النار ) [المائدة : 72] ، وبعده اليأس من روح الله ، لأن ~~الله يقول : ( @QUR@09 إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) [يوسف ~~: 87] ، ثم الأمن من مكر الله ، لأن الله يقول : ( @QUR@07 فلا يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون ) [الأعراف : 99] ، ومنها عقوق الوالدين ، لأن ~~الله جعل العاق جبارا شقيا في قوله : ( @QUR@06 وبرا بوالدتي ولم يجعلني ~~جبارا شقيا ) [مريم : 32] ، ومنها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ~~لأنه ms1512 يقول : ( @QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) ~~[النساء : 93] ، وقذف المحصنات ، لأن الله يقول : ( @QUR@013 إن الذين ~~يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ~~) [النور : 23] ، وأكل مال اليتيم ظلما لقوله : ( @QUR@013 إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [النساء : ~~10] ، والفرار من الزحف ، لأن الله يقول : ( @QUR@017 ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه PageV07P209 # @QUR@03 جهنم وبئس المصير ) [الأنفال : 16] ، وأكل الربا ، لأن الله يقول ~~: ( @QUR@013 الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ) [البقرة : 275] ، ويقول : ( @QUR@08 فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) [البقرة : 279] ، والسحر ، لأن الله يقول : ( ~~@QUR@010 ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) [البقرة : 102] ~~، والزنى ، لأن الله يقول : ( @QUR@013 ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ) [الفرقان : 68 69] ، واليمين الغموس ~~، لأن الله يقول : ( @QUR@014 إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) [آل عمران : 77] ، والغلول قال الله : ~~( @QUR@07 ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) [آل عمران : 161] ، ومنع ~~الزكاة المفروضة ، لأن الله يقول : ( @QUR@011 يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) [التوبة : 35] ، وشهادة الزور وكتمان ~~الشهادة ، لأن الله يقول : ( @QUR@05 ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) [البقرة : ~~283] ، وشرب الخمر ، لأن الله تعالى عدل بها عبادة الأوثان ، وترك الصلاة ~~متعمدا أو شيئا مما فرض الله تعالى ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول : «من ترك الصلاة متعمدا فقد برىء من ذمة الله وذمة رسوله» (1) ونقض ~~العهد وقطيعة الرحم ، لأن الله يقول : ( @QUR@06 أولئك لهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار ) ( 2) [البقرة : 25]. # ولعل التأمل في هذه الرواية يوحي لنا بأن الكبائر ليست مجرد أرقام في ~~حساب المحرمات ، بل هي مفهوم ينطلق من نوعية النهي الشرعي في الكتاب والسنة ~~، من حيث شدة النهي المتمثل بالوعيد الإلهي بالعقوبة في الدار الآخرة ، ~~والتشديد على الالتزام به من خلال النتائج الأخروية المتعلقة ms1513 PageV07P210 # به ؛ وربما كان في هذا المقدار كفاية. # ( @QUR@06 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) من الأعمال التي تمثل الخطورة ~~الكبرى على الواقع العقيدي والعملي للإنسان ، سواء في علاقته بنفسه أو ~~علاقته بالناس أو بالحياة من حوله ، بحيث تسيء إلى النظام الإنساني العام ~~القائم على التوازن في حركة الإنسان في موقفه من نفسه ومن الله ومن الناس. ~~وبذلك يكون الابتعاد عنها وتركها ، دليلا على وصول الإنسان إلى مستوى ~~الإخلاص لله بمجاهدته لنفسه الأمارة بالسوء لإبعادها عن خط الشيطان في ~~دائرة الانحراف وتقريبها إلى خط الاستقامة ؛ الأمر الذي يجعله في مواقع رضا ~~الله في حركته للقرب منه ، بحيث تكون النتيجة الطبيعية لذلك التطور ~~الإيماني في الحركة التصاعدية في سلوك التقوى ، هو ما وعد الله به التائبين ~~( @QUR@03 نكفر عنكم سيئاتكم ) التي ألممتم بها ، باعتبار أنها مجرد حالة ~~طارئة لا عمق لها في العمق الإنساني للملكات السيئة ، مما يجعلها من صغائر ~~المعاصي التي تذهب وتزول من دون أن تترك أي أثر سلبي في الشخصية الإنسانية. # ولعل من الضروري التنبيه على أن المعصية الصغيرة قد تتحول إلى معصية ~~كبيرة إذا أصر الإنسان عليها ، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ~~«لا صغيرة مع الإصرار» (1) وهكذا هو الحكم إذا استهان الإنسان بها ~~واستصغرها ، بحيث لم ينظر إليها من حيث كونها تمردا على الله ، فقد جاء عن ~~الإمام علي عليه السلام ، كما في نهج البلاغة : أشد الذنوب ما استهان به ~~صاحبه (2)، وكذا إذا انطلق العصيان عن عناد واستكبار متجذر في PageV07P211 # النفس ، أو كان الشخص العاصي ممن يملك مكانة اجتماعية مميزة بين الناس ~~بحيث تتحول معصيته إلى حالة من الاقتداء الاجتماعي به ، بفعل عنصر القدوة ~~في الشخصيات الكبيرة في المجتمع ، كما جاء في قوله تعالى مخاطبا نساء النبي ~~( @QUR@012 يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~) [الأحزاب : 30]. # وخلاصة الفكرة ، أن المعصية الصغيرة تمثل الذنب الذي ينطلق من الإنسان ~~كحالة طارئة لا تجذر لها في النفس ولا تأثير لها في الواقع ، فإن الله يكفر ~~هذه ms1514 الذنوب الصغيرة عن المؤمن إذا اجتنب الذنوب الكبيرة ( @QUR@03 وندخلكم ~~مدخلا كريما ) أي مكانا طيبا حسنا لا ينقصه شيء ، وربما كان المراد به ~~الجنة ، لأنها هي المكان الذي يدخل الله إليه الذين يرضى عنهم ويغفر لهم ~~ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم ، فلا يبقى هناك مجال لإدخالهم في النار. # * * * ### ||| ** القضايا الأساسية التي تمثلها الكبائر # وقد نستطيع استيحاء هذه الآية من خلال هذه الأحاديث فنجد أن القضايا ~~الأساسية التي تمثلها الكبائر في حياة الإنسان ، هي القضايا التي تتصل ~~بالمحافظة على صفاء العقيدة ، من خلال ما يمثله التصور التوحيدي للإيمان ~~بالله ، وعلى احترام الإنسان في نفسه وماله وعرضه ، في الحياة الفردية ~~والاجتماعية ، وعلى إنسانية العلاقات بين الناس ، من خلال ما يمثله ذلك من ~~الحفاظ على الفئات المقهورة والمستضعفة ، وعلى المحافظة على وعي العقل ~~لذاته ولما حوله ، من دون أية محاولة لإغراقه في غيبوبة PageV07P212 # مجنونة ، وعلى التخطيط لحركة العدل في الحياة ، في الكلمة والفعل ~~والعلاقة والحكم والمعاملة ، وعلى الوقوف مع الحق في كل موقف من مواقف ~~الصراع بين الحق والباطل ، والرجوع إلى الله والالتزام بفرائضه ، والانفتاح ~~على آفاقه الروحية التي تملأ الفكر والقلب والضمير بالخير والحب والنور ~~والإيمان ... # تلك هي الملامح الأساسية للشخصية الإنسانية الصالحة التي يريدها الإسلام ~~للإنسان ، ويرى في الانحراف عنها انحرافا عن الصورة الصحيحة للحياة النابضة ~~بما يصلح الإنسان في دنياه وآخرته. # وفي ضوء ذلك ، نعرف قيمة اجتناب الكبائر في الحصول على رضا الله ، لأنه ~~يركز القاعدة التي تصنع للإنسان مناعته الروحية والعملية في ما يستقبله من ~~قضايا الحياة ومشاكلها وخطواتها في ميدان الفكر والعمل. # * * * PageV07P213 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء ~~عليما ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تتمنوا ): التمني هو قول القائل لما لم يكن : ليته كان كذا ، ~~وليته لم يكن كذا لما كان ، وقال أبو هاشم كما في مجمع البيان في بعض كلامه ~~: التمني : معنى في القلب ، ومن قال بذلك قال : ليس هو من ms1515 قبيل الشهوة ولا ~~من قبيل الإرادة ، لأن الإرادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه ، والشهوة لا ~~تتعلق بما مضى كالإرادة ، والتمني قد يتعلق بما مضى ، وأهل اللغة ذكروا ~~التمني في أقسام الكلام (1). والمراد بالكلمة في الآية : لا تتعلقوا ~~بالأماني المريضة المنطلقة من الأنانية والجهل وضعف الثقة بالله والنفس ، ~~فتطلبوا ما عند غيركم من طاقات وإمكانات تكوينية أو امتيازات تشريعية. PageV07P214 # وقد يكون هذا التمني عاما ، وقد يكون خاصا ، كما هو ظاهر السياق ، في ~~التنافس بين الرجال والنساء ، فللمرأة طاقاتها وخصائصها وعناصر قوتها ، ~~وللرجل طاقاته وخصائصه وعناصر قوته ، وإذا اختلفت الطاقات ، اختلفت الأدوار ~~والساحات. # ( @QUR@01 اكتسبوا ): ربما قيل إنه أعم من الاكتساب من خلال العمل ، فهو ~~يشمل ما يتمتع به الرجال من طاقات تكوينية ومميزات تشريعية نابعة منها ، ~~كما أن للنساء طاقات تكوينية ومميزات تشريعية كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 وللنساء نصيب مما اكتسبن )، ولكن الظاهر من الاكتساب أنه مختص بما ~~يصدر من الشخص نفسه. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا ~~رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ، وإنما لنا نصف الميراث ، فأنزل الله ~~تعالى : ( @QUR@09 ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض )، وجاء فيه ~~بإسناده عن عكرمة قال : إن النساء سألن الجهاد ، فقلن : وددنا أن الله جعل ~~لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال فأنزل الله الآية. وقال قتادة ~~والسدي : لما نزل قوله : ( @QUR@04 للذكر مثل حظ الأنثيين )، قال الرجال : ~~إننا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في ~~الميراث ، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء ، وقالت النساء : إنا لنرجو ~~أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على ~~النصف من نصيبهم في PageV07P215 # الدنيا ، فأنزل الله الآية (1). # وقد تكون هذه الروايات ناشئة من اجتهاد شخصي في فهم الآية ، من حيث ما ~~توحيه للنساء من الاحتجاج الخفي على ما تميز به الرجال من الجهاد والإرث أو ~~ما توحيه للرجال من الشعور بالتفوق والامتياز على النساء ms1516 في الدنيا ، مما ~~يفرض امتيازهم عليهن في الآخرة ، باعتبار فهمهم للمسألة بأن ذلك ناشئ من ~~تفوقهم الذاتي عند الله ، ولا سيما أن الروايات المذكورة عن هؤلاء مرسلة ~~ليست متصلة بعهد نزول القرآن. # * * * ### ||| ** في آفاق الآية # وقد يلاحظ المتأمل في هذه الآية أنها ليست ناظرة ، بحسب المتبادر منها ، ~~إلى التفضيل في مجال التشريع ، بل التفضيل الواقعي في واقع الحياة ، من ~~خلال الأسباب الخارجية أو الداخلية الكامنة في حياة الإنسان ، لأن قضية ~~الميراث لا تمثل تفضيلا للرجال على النساء ، بل تنطلق من خلال التوازن في ~~مسألة الحقوق والواجبات ، لأن مسئولية الرجل عن المرأة في الحياة الزوجية ~~تختلف عن مسئولية المرأة فيها ، وهكذا نجد في مسألة الجهاد أنها تنطلق من ~~طبيعة العنصر المادي للقوة عند الرجل الذي لا تملكه المرأة ، الأمر الذي ~~كان تشريعه منطلقا من طبيعة الواقع الخارجي لموازين القوة ، لا من جهة ~~الجانب الذاتي للرجولة في مقابل الأنوثة. وعلى ضوء هذا ، فلا تكون المسألة ~~مسألة تفضيل ، بل مسألة توزيع الأدوار وتنظيم الواقع ، مع ملاحظة دقيقة في ~~مسألة الجهاد ، وهي أن الله لم يحرم المرأة من الجهاد بالمشاركة في الحرب ~~في الصفوف الخلفية وفي الأعمال الثانوية في تمريض الجرحى PageV07P216 # وسقي العطاشى ، كما جاء في الحديث أن «جهاد المرأة حسن التبعل» (1) الذي ~~يوحي بأن الله يمنحها أجر المجاهدين ، وربما كان الأقرب إلى أجواء الآية ما ~~رواه في مجمع البيان قال: قيل : جاءت وافدة النساء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت : يا رسول الله أليس الله رب الرجال والنساء ~~وأنت رسول الله إليهم جميعا؟ فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكرنا؟ نخشى ~~أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة ، فنزلت هذه الآية (2)، والله ~~العالم. # * * * # في هذه الآية حديث قرآني عن بعض النوازع الأخلاقية المنحرفة ، التي تمثل ~~لونا من ألوان الانحراف النفسي في بنيان الشخصية الإنسانية ، كمظهر من ~~مظاهر الأنانية المريضة الغارقة في وحول الذات. فقد يعيش الفرد في مجتمع ~~يتفاضل فيه الناس ، في ما يملكون من مال أو جاه ms1517 أو فرص متنوعة في أي جانب ~~من جوانب المعيشة ... وقد يكون هذا الفرد محروما من بعض ما يجده لدى هؤلاء ~~الناس ، فينعكس على نفسيته انعكاسا سلبيا ، تتوتر فيه أعصابه ، وتضطرب فيه ~~مشاعره ، فيتحول إلى كائن ذي أمنيات عدوانية يريد أن تنتقل إليه كل هذه ~~الامتيازات والفرص المختلفة ، ليكون هو المالك لها دون غيره ؛ وتلك هي ~~الحالة التي تحصل للإنسان ، كنتيجة لضعف الثقة بالله ، وضعف الثقة بالنفس ؛ ~~وهي التي يعبر عنها في علم الأخلاق بالحسد. # وقد جاءت هذه الآية لتعالج هذه الحالة ، بالنهي أولا عن هذه PageV07P217 # التمنيات الفارغة البعيدة عن جو الإيمان والواقعية ؛ فإذا كان الله هو ~~الذي أعطى إنسانا فرصة أو مالا أو امتيازا ، فإن ذلك ينطلق من حكمته ~~وتدبيره ، من خلال ما تقتضيه السنن الحياتية التي ركز عليها حركة الحياة في ~~الكون ، عند ما وضع القوانين الكونية التي ترتبط بها كل مفردات الأوضاع ~~والأعمال الخاصة والعامة ، من خلال حركة الأسباب والمسببات ؛ وإذا كانت ~~القضية مرتبطة بتدبير الله وإرادته غير المباشرة ، فما معنى هذه التمنيات؟ ~~وهل يمكن أن يغير الله سنته في الكون ، على أساس مزاج مريض ، أو أمنية ~~منحرفة؟ وهذا ما تعبر عنه الفقرة الكريمة : ( @QUR@09 ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض )... # وأثار القضية ثانيا في تأكيد هذا الواقع ؛ فإن للرجال ، الذين يحركون ~~حياتهم في كسب المواقف والفرص والامتيازات والمواقع والأرباح ، حظا من ذلك ~~كله ، لأن الله جعل للإنسان ثمرة جهده وكسبه ، سواء في ذلك القضايا ~~المتعلقة بأمور الدنيا أو القضايا المتعلقة بأمور الآخرة ؛ فليس لإنسان أن ~~يطلب لنفسه ثمرة جهد إنسان من دون حق ، لأنه لا يملك أساسا لهذه المطالبة ، ~~في ما يفرضه لنفسه من حق ، وليست القضية قضية الرجال ، بل هي قضية العمل ~~والكسب ؛ فللنساء كما للرجال هذا الحق ، فلهن كل النتائج التي تحصل لهن من ~~خلال جهدهن ، في أي صعيد عملي ؛ وليس لأحد أن ينكر عليهن ذلك ، أو يستأثر ~~به من دون حق. وهذا ما عبرت عنه هذه الفقرة : ( @QUR@08 للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء ms1518 نصيب مما اكتسبن )... # وهذا ما أراد الله أن يقرره للنساء كحقيقة قرآنية إسلامية ، ليعرف الناس ~~من خلالها أن الفروق التي قررها الله في بعض حقول التشريع ، من خلال ما ~~يتعلق بالرجل والمرأة ، في ما أعطاه للرجل من امتيازات ، وما منعه عن PageV07P218 # المرأة من أعمال ومواقع ، لا تمتد إلى خارج النطاق المحدود الذي وضعه ~~الله فيه ؛ بل هي أمور تخضع لمصالح معينة في حدود ضيقة جدا. أما العمل ، ~~فإنه يتجاوز كل الفروق ، ليقف الرجل والمرأة على صعيد واحد في الاحتفاظ ~~بنتائجه على مستوى الدنيا والآخرة كما جاء في آية أخرى ( @QUR@014 وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) [النجم : / ~~39 41]. # ولا بد للإنسان المسلم المؤمن من أن يضع هذه الحقيقة في حسابه ، عند ما ~~يتطلع إلى نتائج جهد الآخرين ، في ما تمثله حياتهم من مواقع وامتيازات ؛ ~~فإذا أراد لنفسه بعضا من ذلك ، فليوجه نفسه نحو العمل المماثل الذي يؤدي ~~إلى مثل نتائجهم ، ولا يكتفي بالتمنيات التي لا تحقق له إلا بعض التآكل ~~الروحي الداخلي ، الذي تمثله العقد النفسية القابعة في فكره وشعوره ؛ لأن ~~ذلك هو السبيل الذي يحقق للحياة معناها في حركة الإنسان في خط الواقع. فإذا ~~استبطأتم الحصول على ذلك في خط العمل ، فانطلقوا من خلال إيمانكم بالله ، ~~واسألوا الله من فضله ، ليهيئ لكم السبل التي قد تكون مغلقة ، ويثير أمامكم ~~الفرص التي لا تكون متاحة ، فإن الله قد يتدخل في بعض الحالات للاستجابة ~~لنداء عبده الحائر المحروم ، إذا عرف منه صدق النية والدعاء والعمل ... # وهذه هي القضية الثالثة في علاج هذه الحالة ، وهي أن يكون رد فعله ، إزاء ~~ما يتطلع إليه من حياة الناس ، الرجوع إلى الله ، واللجوء إليه والاستعانة ~~به ، والإيمان العميق بأنه صاحب الفضل الذي لا يمنع أحدا فضله ، لأنه ~~الواسع القادر على كل شيء ، الذي وسعت رحمته كل شيء ، فلا تضيق عن أحد ، ~~فكيف يفكر أحد أن يستعين بغيره ويلجأ إلى غيره ، أو يواجه الموقف بالتمنيات ~~التي ستأكل قلبه وروحه ms1519 من دون أن تحقق له أية نتيجة حاضرة أو مستقبلة؟ ~~ولماذا يضيق الإنسان المجال على نفسه ، في ما PageV07P219 # هو من آفاق رحمة الله ، ما دامت واسعة تتحرك مع كل نبضة قلب تنبض ~~بالإيمان ، ومع كل رفة فن تحرك الدموع من خشية الله ، ومع كل خطوة يخطوها ~~الإنسان في اتجاه الخير والمحبة والعطاء؟ فليفكر المؤمن أن تبقى النعم ~~لأصحابها ، وليسأل الله أن يعطيه من فضله الواسع ما يوازي هذه النعم أو ~~يزيد عليها ، من دون أن ينقص من الآخرين أي شيء. # * * * ### ||| ** تأكيد القرآن على النظر الإيجابي والدافعي في الحياة # وهكذا يقرر الله للإنسان الخط الواضح في نظرته إلى اختلاف المواقع في ~~الحياة ، فلا يتعقد أمام ذلك في نظرة سلبية يائسة خانقة ، بل يعمل على أن ~~يجعل نظرته إيجابية منفتحة ، تبحث في وعي عميق عن الأسباب الطبيعية الكامنة ~~خلف ذلك كله ، من خلال السنن الكونية التي أودعها الله في حركة الحياة ~~والإنسان ، من خلال ما تلتقي به من نتائج التفاضل في المواقع والكائنات ~~والناس ، انطلاقا من الحكمة الإلهية التي تريد أن تجعل من هذا التنوع مظهرا ~~لحيوية الحياة التي توحي بالتنافس الذي يؤدي إلى التقدم ، من خلال تفجير ~~الطاقات المبدعة في حالات الصراع ، مع تحريك الفرص في اتجاهات متنوعة لجميع ~~الناس ؛ فإذا واجهنا حالات غنى تقدم للغني فرصة الحصول على رغباته من هذه ~~الناحية ، فإننا نواجه معها فرصة ذكاء تقدم للفقير فرصة أخرى تحقق له ~~مجالات التقدم من ناحية ثانية ؛ وبذلك يتحقق التعادل في مجالات الإحساس ~~بالسعادة والشقاء ، فليس هناك سعادة مطلقة ، وليس هناك شقاء مطلق ، ولكن ~~ذلك كله لا يمنع من أن تتحرك الرسالات التي أرادها الله على أساس المساواة ~~بين الحقوق والواجبات ، فيعطي لكل طاقة فرصتها في النمو والتكامل ، ويعطي ~~لكل إنسان نتيجة عمله ، ولكل PageV07P220 # عمل قيمته في حركة الإنتاج ؛ فقد تجد عملا لا يكلف جهدا جسديا كبيرا ، ~~ولكنه يحقق إنتاجا مضاعفا عن كثير من الأعمال المجهدة جسديا. وفي هذا الجو ~~قد لا تكون مقاييس الجهد في التقييم ، هي الأكثر ms1520 عدالة في الحساب. # ولسنا هنا لنفيض في البحث عن هذا الجانب من تخطيط الإسلام للعدالة ، في ~~ما يريده للإنسان من التوازن في توزيع الحقوق والمسؤوليات ؛ بل كل ما هناك ~~، أن ننطلق من خلال هذه الآية للتأكيد على المفهوم الأخلاقي الذي يرفض ~~للناس أن يغرقوا في أجواء التمنيات الفارغة ، التي تحاول أن تصل إلى ما ~~تريد من دون جهد ولا كسب ، أو تستغرق في حياة الآخرين من الناجحين لتتعقد ~~من نجاحاتهم في حالات نفسية سوداوية ، لأن الإسلام يريد للأماني في حياتنا ~~أن تتحرك في نطاق الواقع ، فيحاول الإنسان الوصول إليها من خلال أسبابها ~~الطبيعية ؛ وبذلك لا تتحول الأحكام إلى غيبوبة روحية في أجواء الخيال ، بل ~~تتحرك في فكر الإنسان وشعوره ، لتكون حافزا للتجربة والمعاناة والحركة من ~~أجل تحقيق ما يريده على أفضل وجه ، فإذا واجه بعض الصعوبات في الطريق ، ~~وتعقدت عليه الأمور ، فإن عليه أن يلجأ إلى الله ، فيسأله من فضله ، ليسهل ~~له العسير ويذلل له الصعاب ، لأنه العليم بخفايا الأمور وظواهرها ، والقادر ~~على الوصول بها إلى ما يريد من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب ؛ وهو حسبنا ~~ونعم الوكيل. # * * * PageV07P221 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ولكل ): أي لكل واحد من الرجال والنساء. # ( @QUR@01 موالي ): أولياء في الورثة. ويطلق المولى على الحليف ، والسيد ~~المطاع ، والأولى بالشيء والأحق ، وهو الأصل في الجميع ، والعبد المعتق ~~الذي أعتقه مولاه ، لأنه أولى بميراث المعتق ، وبالعكس ، والوارث ، وهو ~~المراد بالآية. # ( @QUR@01 أيمانكم ): جمع يمين ، وهو اسم يقع على القسم والجارحة والقوة ~~، والأصل فيه الجارحة ، وذلك أنهم كانوا يضربون الصفقة للبيع والبيعة ~~بأيمانهم ، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ، ثم يتحالفون ~~عليه ، فسمي القسم يمينا. # * * * PageV07P222 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول ، للواحدي ، بإسناده عن الزهري قال : قال سعيد بن ~~المسيب : نزلت هذه الآية ( @QUR@07 ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون ) في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم ، فأنزل ~~الله تعالى ms1521 فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية ، ورد الله تعالى الميراث إلى ~~الموالي من ذوي الرحم والعصبة ، وأبي أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم ~~ويتبناهم ، ولكن جعل نصيبا في الوصية (1). # ونلاحظ على هذه الرواية ، أن الآية لا دليل فيها على الجانب السلبي في ~~نفي ميراث الأدعياء ، والجانب الإيجابي وهو جعل نصيب لهم في الوصية ، بل هي ~~ظاهرة في تقرير عناوين الإرث للأشخاص المذكورين في الآية ، ولو كانت ~~المسألة ، كما تقول الرواية ، لكان من المفروض الاقتصار على إبطال هذه ~~الطريقة الإرثية ، أما مسألة إرث الوارثين ، فلا حاجة إلى بيانها هنا ، لأن ~~آيات الإرث متكفلة بذلك ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون # في هذه الآية إجمال لما فصله الله في أول السورة من الفئات التي تستحق ~~نصيبا من تركة الميت ؛ فقد أكدت على أن لكل إنسان أولياء يرثون ، ما يتركه ~~من مال ، وهم الوالدان والأقربون الذين يتمثلون في الأبناء والإخوة ~~والأعمام والأخوال ، بحسب طبقاتهم في الإرث ؛ أما كلمة ( @QUR@02 والذين عقدت PageV07P223 # @QUR@01 أيمانكم ) فالمقصود بها الذين يرتبط الإنسان بهم من خلال العقد ، ~~الذي كان الغالب فيه أن يحصل بواسطة المصافحة باليد ، وربما كان المراد عقد ~~الزواج الذي يربط الزوجين ببعضهما. وربما ذكر بعض المفسرين أن المراد بهم ~~الحلفاء ، فقد كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل ، فيقول : دمي دمك ، ~~وحربي حربك ، وسلمي سلمك ، وترثني وأرثك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون ~~للحليف السدس من مال الحليف. ثم نسخ ذلك بقوله : ( @QUR@08 وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) [الأنفال : 75] ، وربما ذكر غير ذلك من ~~أنهم الأشخاص الذين آخى بينهم الرسول في المدينة ، وربما قيل : إن المراد ~~بهم الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية ؛ ولكن مثل ذلك لا دليل ~~عليه ، بل الظاهر أنها واردة في مقام إعطاء القاعدة العامة الثابتة التي ~~تشمل كل أسباب الإرث التي تثبت بواسطة التعاقد ، كضمان الجريرة ؛ والله ~~العالم. # ( @QUR@07 إن الله كان على كل شيء شهيدا )، وفي هذه الكلمة تعميق لإحساس ~~الإنسان بالمسؤولية ، على أساس الإحساس بأن الله شهيد عليه ms1522 في خفايا الأمور ~~وظواهرها ، لأنه شهيد على كل شيء ، فلا يغيب عنه شيء مهما كان صغيرا. وهذا ~~الإحساس ضروري للمؤمن في حياته الإيمانية ، في جميع ما فرض الله عليه من ~~حقوق وواجبات ، لأنه إذا تعمق في نفسه ، كان ذلك أساسا له من أجل تركيز ~~أفكاره على الخط المستقيم ؛ أما إذا ضعف ذلك في نفسه وفكره ، فإنه يؤدي إلى ~~فقدان حالة الانضباط. ولهذا كان الأسلوب القرآني يؤكد على إثارة هذا الجانب ~~، في أكثر الآيات التي تتحدث عن الأحكام الشرعية أو المفاهيم الأساسية ~~العامة ، وهذا هو الأسلوب الذي ينبغي للعاملين في حقل التربية الإسلامية أن ~~يثيروه في مجالات الدعوة والتبليغ ، لأن ذلك هو الذي يركز القاعدة الأساسية ~~التي ينطلق منها الشعور العميق بالمسؤولية ، مما يجعل من التشريع حالة ~~ذاتية حية ، بينما يكون الاكتفاء بالحديث عنه بشكل تجريدي ، سببا في تحوله ~~إلى حالة تقليدية لا PageV07P224 # توحي بالحركة والحياة ، وتحول الدين بالتالي إلى شيء جامد لا يحرك ~~الإنسان إلا بطريقة جامدة ، لا تلبث أن تموت وتتلاشى أمام الحالات الطارئة ~~المتصلة بحياته الخاصة الحسية ؛ كالذي نشاهده في كثير من المظاهر التقليدية ~~للدين في حياة الكثيرين من الناس. # * * * PageV07P225 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@040 الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) @QUR@022 وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن ~~الله كان عليما خبيرا ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قوامون ): قيمون بأمر غيرهم في ما تحتاجه الحياة الزوجية من ~~شؤون الإدارة والرعاية. يقال : رجل قيم وقيام وقوام ، وهذا البناء للمبالغة ~~والتكثير. # ( @QUR@01 قانتات ): أصل القنوت دوام الطاعة ، ومنه القنوت في الوتر ~~لطول القيام فيه ، والمراد بالكلمة : طائعات لأزواجهن إطاعة دائمة في ما ~~يأمرهن به الله سبحانه في مسئوليتهن تجاههم. PageV07P226 # ( @QUR@02 حافظات للغيب ): يحفظن أزواجهن في غيبتهم في ما يفرضه عليهن ~~الزواج من أمانة النفس ms1523 والمال والسر والعرض ، وغيرها من الأمور التي أراد ~~الله لها أن تحفظ وتصان. # ( @QUR@01 نشوزهن ): عصيانهن واستكبارهن وارتفاعهن على أزواجهن. قال ~~الراغب : نشوز المرأة : بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته وعينها عنه إلى ~~غيره (1)، والنشز : المرتفع من الأرض ، وكل ناب ناشز. # ( @QUR@01 واهجروهن ): الهجر : الترك عن قلى. يقال : هجرت الرجل ، إذا ~~تركت كلامه عن قلى ، والهاجرة : نصف النهار ، لأنه وقت يهجر فيه العمل. # ( @QUR@01 المضاجع ): أصل الضجوع الاستلقاء ، يقال : ضجع ضجوعا واضطجع ~~اضطجاعا إذا استلقى للنوم. # ( @QUR@01 شقاق ): خلاف وعداوة ، من الشق ، وهو الجزء البائن ، ~~فالمتشاقان كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه بالعداوة. # ( @QUR@01 وحكما ): الحكم هو الذي يفصل بين الخصمين. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال مقاتل : نزلت هذه الآية في سعد بن ~~الربيع ، وكان من النقباء ، وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي هريرة ، وهما PageV07P227 # من الأنصار ، وذلك أنها نشزت عليه ، فلطمها ، فانطلق أبوها معها إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لتقتص من زوجها ، وانصرفت مع أبيها لتقتص منه ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ارجعوا هذا جبريل عليه السلام أتاني ، وأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أردنا أمرا ~~وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير ، ورفع القصاص (1). وقال الكلبي : ~~نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن مسلمة وذكر القصة نحوها (2). # ونلاحظ على هذه الرواية أن الحكم بالقصاص لا تنفيه هذه الآية ، لأنها ~~تتعرض لمسألة دور الرجل في الحياة الزوجية في قيمومته على المرأة أو في ~~قيامة عليها ، بمعنى كونه المسؤول عنها في دائرة الزواج ، بلحاظ ما جعل ~~الله له من الحق المميز ، ولكن ذلك لا يلغي حقها في القصاص كإنسانة معتدى ~~عليها بما لا حق للرجل فيه ، ألا ترى لو أن الرجل أخذ منها مالها ألا يحق ~~لها مقاصته بماله اختيارا أو قهرا؟! والوجه في ذلك أنه لا منافاة بين ~~القوامة وبين ثبوت الحق في الاقتصاص ms1524 بفعل العدوان. وهكذا لو أن الرجل هجم ~~على زوجته ليضربها ، فهل يحرم عليها أن تقف لتدافع عن نفسها إذا توقف ذلك ~~على أن تضربه. إننا لا نرى هناك علاقة بين الآيتين من قريب أو من بعيد. ~~وربما كانت هذه الروايات المتعددة في أسماء الأشخاص الذين نزلت فيهم ، ~~دليلا على أن المسألة لم تكن حديثا عن سبب تاريخي لنزول الآية بشكل موثوق ، ~~بل كانت اجتهادا من هؤلاء المعنيين بالحديث عن أسباب النزول بطريق غير موثوق. # * * * PageV07P228 # وجاء في تفسير الميزان حول الموضوع نفسه : وفي ظاهر الروايات إشكال آخر ، ~~من حيث إن ظاهرها أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : القصاص بيان للحكم عن ~~استفتاء من السائل لا قضاء فيما لم يحضر طرفا الدعوى ، ولازمه أن يكون نزول ~~الآية تخطئة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حكمه وتشريعه ، وهو ينافي عصمته ~~، وليس بنسخ ، فإنه رفع حكم قبل العمل به ، والله سبحانه وإن تصرف في بعض ~~أحكام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضعا أو رفعا ، لكن ذلك إنما هو في حكمه ~~ورأيه في موارد ولايته ، لا في حكمه في ما شرعه لأمته ، فإن ذلك تخطئة ~~باطلة (1). # ولكن يمكن أن يرد على صاحب الميزان بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم ~~بالقصاص على تقدير صحة الرواية انطلاقا من آية القصاص التي تقتضي اقتصاص ~~المعتدى عليه من المعتدي بمثل ما اعتدى عليه ، ولكن الله أنزل آية القوامة ~~التي تنسخ حكم قصاص المرأة من زوجها في عدوانه عليها ، فلا يكون النسخ قبل ~~العمل ، باعتبار أن الحكم كان عاما معمولا به في صيغته العامة في شموله ~~للرجال والنساء معا. # * * * ### ||| ** الرجال قوامون على النساء # في هاتين الآيتين بعض الملامح البارزة للتخطيط القرآني للوضع التشريعي ~~للأسرة ، في علاقة الرجل بالمرأة كزوجين ؛ فقد أكدت الآية الأولى مبدأ ~~قوامة الرجال على النساء ، فلهم الحق في القيمومة في داخل الحياة الزوجية ، ~~في ما تحتاجه من شؤون الإدارة والرعاية ؛ وذلك على أساس نقطتين أبهمت الآية ~~إحداهما ، وأوضحت الأخرى. الأولى : تفضيل الرجال ms1525 PageV07P229 # على النساء ، من خلال بعض الخصائص الذاتية الكامنة في تكوينهما ؛ الثانية ~~إنفاق الرجال على البيت الزوجي وعلى النساء من أموالهم. والظاهر أن ~~النقطتين معا هما الأساس في الحكم ، لا كل واحدة باستقلالها. وعلى هذا ~~الأساس ، يمكننا أن نلاحظ على بعض المفسرين الذي اعتبر أمر القوامة شاملا ~~للحياة الزوجية ولغيرها ، على أساس فكرة التفضيل ، كعلة مستقلة ؛ وفي ضوء ~~ذلك اعتبر إدارة الرجل للحكم والقضاء وغيرهما من الأمور التي تمثل الهيمنة ~~على الحياة العامة ، واختصاصها به دون المرأة ، مظهرا من مظاهر القوامة ؛ ~~ولكننا لا نجد ذلك مفهوما من الآية التي يوحي جوها العام بالحديث عن البيت ~~الزوجي ، وذلك من خلال التفريع الذي لا يعتبر مجرد تفريع جزئي لأمر عام ~~شامل ، بل يمثل بحسب الظهور العرفي تفريعا ذا دلالة على نطاق الشمول في ~~الحكم. ولو لا ذلك ، لكان الحديث عن القضاء والحكم والجهاد أولى من الحديث ~~عن فرض النظام في البيت. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الآية تتحدث عن القوامة في الدور الذي ~~يقوم به الرجل إزاء المرأة ؛ لتكون القضية في كل جزئياتها التطبيقية قضية ~~رجل وامرأة. وهذا ما لا تتكفل به قضية القوامة في موضوع الحكم والقضاء ؛ ~~فإن الهيمنة فيهما على كل الناس الذين يتعلق بهم الحكم والقضاء ؛ ولكن من ~~غير الجو الذي تعيش فيه الآية بحسب مدلولها اللفظي. وقد يستوحي الإنسان من ~~الحكم في داخل الحياة الزوجية ، بعض ملامح الحكم في غيره ، بالنظر إلى ~~الأهمية في الأمور العامة بإزاء الأمور الخاصة. # وقد نستطيع تسجيل ملاحظة أخرى على بعض الكلمات التي تتحدث عن طبيعة الحكم ~~الشرعي ، في بعض الحالات التي تقوم فيها الزوجة بالإنفاق على البيت الزوجي ~~، فهل يكون لها الحق في القوامة على أساس اعتبار الإنفاق مبررا قرآنيا ~~لذلك؟ وخلاصة الملاحظة هو ارتكاز الحكم على النقطتين معا ، لا على كل واحدة ~~باستقلالها. هذا من جهة ، ومن جهة PageV07P230 # أخرى ، فإن الإنفاق الذي يتحدث عنه القرآن هو الإنفاق المرتكز على أساس ~~المسؤولية ، في ما يوجبه الإسلام من مهر ونفقة على الزوج ms1526 للزوجة لا الإنفاق ~~المبني على أساس التبرع ، فكأن الآية تريد أن تعتبر إلزام الزوج بذلك ~~وقيامه به أساسا للحكم ؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث ، التي أفتى كثير من ~~الفقهاء على أساسها ، أن الزوج إذا امتنع عن القيام بالنفقة ، أمكن للحاكم ~~الشرعي بعد تخييره بين الطلاق والإنفاق أن يطلقها من دون رضاه ، لسقوط ~~القوامة بسقوط أحد الأمرين اللذين ترتكز عليهما القوامة ؛ والله العالم. # والآن ما هي طبيعة القوامة في الحياة الزوجية ، وما هي حدودها التفصيلية؟ ~~ثم ما هو معنى التفضيل؟ ولماذا كان الإنفاق مسئولية الزوج دون المرأة في ~~التخطيط الإسلامي للحياة الزوجية؟ # * * * ### ||| ** ما هي طبيعة القوامة في الإسلام؟ # أما الجواب عن السؤال الأول ، فقد يخيل لبعض الناس أنها تعني السيادة ~~والسيطرة ، فليس للمرأة كلمة مقابل كلمة الزوج ؛ وليس لها موقف أمام موقفه ~~؛ سواء في ذلك في قضاياها الخاصة أو في القضايا العامة ، وليس لها اختيار ~~في إدارة أمورها المالية والحياتية ، وبذلك تتحول إلى كمية مهملة خالية من ~~كل سمات الشخصية الإنسانية المستقلة ، لتكون الإنسان التابع ، لا المستقل. # ولكن هذا بعيد عن الجو الإسلامي في التشريعات الخاصة بالأسرة ؛ PageV07P231 # فالزواج لا يلغي شخصية المرأة في جميع الأمور التي لا يشملها العقد ~~الزوجي ، من خلال ما تلتزم به المرأة من شؤون الحياة ، بل كل ما يلزمها به ~~من ناحية قانونية هو الجانب الذي تلزم به نفسها ؛ فإن لعقد الزواج في ~~طبيعته مفهوما محدودا من خلال ما يفرضه من التزامات ، لا بد لكل منهما من ~~الوقوف عندها تبعا للالتزام بالعقد ؛ وهو المفهوم الذي يفرض على الزوجة ~~الاستجابة لزوجها في نطاق حاجته الجنسية كلما رغب إليها في ذلك ، فليس لها ~~أن تمنعه من ذلك أو تقيم الحواجز المادية والمعنوية التي تحول بينه وبين ~~تلبية حاجاته في غير الحالات الطارئة التي تمثل مانعا شرعيا أو صحيا أو غير ~~ذلك مما يخرج عن نطاق إرادتها الطبيعية. وليس لها على هذا الأساس أن تخرج ~~من بيته بغير إذنه في الحالات الطبيعية ، إذا كان ذلك منافيا لحقه في هذا ~~المجال ms1527 ؛ وعلى الزوج أن يلبي رغبة زوجته في ذلك ، وهو ما يلتقي مع مفهوم ~~المعاشرة بالمعروف وحمايتها من الانحراف. # وربما كان التركيز على الجانب الجنسي في العلاقة الزوجية ، والتشديد على ~~الالتزام به ، منطلقا من اعتبار الحاجة الجنسية ومتفرعاتها في ما تحدثه من ~~طمأنينة ومودة وسكينة روحية ، أساسا في هذا العقد الذي أريد له أن يكون ~~قاعدة لتنظيم حاجات الغريزة في أجواء روحية ونفسية هادئة. أما هذا الإلحاح ~~على تلبية رغبة الزوج بشكل دقيق حاسم ، فلعل ذلك ناشئ من طبيعة سرعة ~~الإثارة في هذا الجانب لدى الرجل أكثر مما هي لدى المرأة التي تحتاج في ~~أغلب الحالات إلى إعداد معقد لذلك ، مما يتطلب حماية الزوج لنفسه ، لئلا ~~يبتعد عن الخط المستقيم الذي يهدم العلاقة وينحرف بها إلى مهاو سحيقة. ومع ~~ذلك ، فإن عليه أن يقابلها بالمثل في حالات الخوف من انحرافها وإمكانية ~~وقوعها في الحرام انطلاقا من اجتهادات فقهية خاصة. # وعلى الزوج أن يكفل لزوجته النفقة في المعروف بحسب إمكاناته ، في ما ~~تقتضيه حاجاتها المادية بحسب حالها. وللزوج الحق في إنهاء العلاقة PageV07P232 # الزوجية بالطلاق ، كمبدإ ، مع مراعاة الأجواء الأخلاقية التي جعلها ~~الإسلام في تخطيطه لبناء الشخصية الإسلامية على أسس أخلاقية تمنعه من ~~ممارسة التصرفات المرتجلة بلا مبرر. وهذا ما يفرضه عقد الزواج من التزامات ~~على الطرفين ، ويبقى لكل منهما الحرية في كل القضايا الذاتية المتعلقة ~~بالأعمال الأخرى ، في شؤون العمل المنزلي ، وفي حدود الشخصية المالية ~~والاجتماعية لكل منهما ، مما لا يتنافى مع الالتزامات الزوجية الخاصة ، ~~فليس للرجل أن يفرض على زوجته القيام بإدارة البيت الزوجي إلا على أساس ~~التزامها بذلك في ضمن شرط شخصي بينهما ؛ حتى في موضوع حضانة الأولاد ~~ورعايتهم ، فإنها ليست مسئولية الزوجة من ناحية شرعية قانونية ، بل هي ~~مسئولية الزوج ، ولها الحق في أن تطلب أجرا على ذلك ، باعتبار أن الإسلام ~~يحترم عملها في نطاق قيمته الإنسانية والمادية ، وليس للمرأة أن تفرض على ~~زوجها القيام بالنفقات الزائدة عن حاجتها ، أو بتلبية بعض رغباتها الذاتية ~~أو الاجتماعية في خارج نطاق ms1528 التزامات عقد الزواج. # وهكذا نجد أن الإسلام جعل لكل منهما مساحة واسعة للتحرك بحرية في ما يؤكد ~~له إنسانية إرادته ، وقيمتها في مجال العلاقة ، ولكنه لم يترك الأمر للمزاج ~~الذاتي وللرغبة الطارئة في قيام كل منهما بما لا يجب عليه تجاه الآخر ، بل ~~أوحى إليهما بأن الأساس المادي الذاتي ليس هو الأساس الذي ينبغي للزواج أن ~~يرتكز عليه ، فليس الزواج شركة مادية جامدة تخضع للحسابات الدقيقة في نطاق ~~الأرباح والخسائر ، بل هي علاقة روحية متحركة على أساس إنساني يجعل من ~~شخصية كل منهما امتدادا روحيا لشخصية الآخر ، فأراد لهما أن ينطلقا من خلال ~~المودة التي تعبر عن العاطفة الصحيحة الحميمة في شعور كل منهما تجاه الآخر ~~، ومن خلال الرحمة التي تعبر عن وعي كل منهما لظروف الآخر في أحاسيسه ~~وأفكاره وعلاقاته وتصرفه معه على هذا الأساس انطلاقا من الإرادة الإلهية. ~~وهذا ما PageV07P233 # عبرت عنه الآية الكريمة : ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) [الروم : 21] ، وقوله تعالى ~~: ( @QUR@06 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) [البقرة : 187]. # وقد اعتبر الحديث الشريف حسن معاشرة المرأة لزوجها جهادا ، كما ورد في ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «جهاد المرأة حسن التبعل ...» (1) وغير ذلك من ~~النصوص الدينية التي أرادت أن تجعل من الإخلاص لهذه العلاقة والصبر على ~~سلبياتها ، موقفا يقرب الإنسان إلى الله ، تماما كما هي العبادة والجهاد ~~ونحوهما ... # وفي ضوء ذلك كله ، تتحرك العلاقة الزوجية في وعي كل منهما من خلال روح ~~العطاء والتضحية والمحبة ، بعيدا عن الحسابات المادية الجامدة ؛ فنجد ~~المرأة تتفانى في خدمة زوجها وأطفالها في كل ما تستطيع أن تبذله أو تقدمه ~~من نفسها ومالها وحياتها ، ونجد الرجل يتحرك ليجعل كل حياته لزوجته وأولاده ~~، حتى يصل إلى حد حرمان نفسه من كثير من رغباته لمصلحة حياتهم ، وذلك عند ~~ما تسير العلاقة الزوجية في خط متوازن سليم. وقد انطلق الإسلام في ذلك ، ~~ليشعر الزوجان بأن حياتهما لا يحكمها القانون من خلال التزاماته ~~والتزاماتها ، بل يقف إلى جانب ms1529 ذلك ، الحالة الإنسانية التي تشعر الإنسان ~~بروح العطاء في سبيل الآخرين ، من خلال رغبته في الحصول على رضا الله ~~وتأكيد الجانب الروحي لإنسانيته في ذلك كله. # وبهذا نعرف أن القوامة تعني الحق في تحمل مسئولية البيت الزوجي ، من خلال ~~الالتزامات الشرعية التي يفرضها عقد الزواج ، أو التي تقتضيها الحالة ~~القانونية من خلال ما يملكه الرجل من أموال في داخل البيت الزوجي ، وفي ~~قدرته على تطبيق الشريعة في بعض الجوانب الخاصة المتعلقة PageV07P234 # بالوصول إلى حقه كما سنرى وفي أن الطلاق بيده ؛ وليس له أي جانب آخر من ~~القوامة في غير ذلك كله. # وهكذا نجد أن الموضوع لا يدخل في نطاق إلغاء شخصية المرأة ، بل في تأكيد ~~شخصيتها في إلزامها بتنفيذ ما التزمت به ، في الوقت الذي جعل الإسلام لها ~~الحق في أن تشترط لنفسها ما تشاء من شروط ضمن العقد الزوجي ، مما لا يخالف ~~الإسلام بشكل واضح. # * * * ### ||| ** حدود تفضيل الرجال على النساء # أما موضوع التفضيل الذي جاءت به الفقرة الكريمة : ( @QUR@06 بما فضل الله ~~بعضهم على بعض )، فقد ذكر الكثيرون أنه إشارة إلى تفضيل الرجل على المرأة ~~بقوة التعقل والإدراك ، مما يجعل عقل المرأة دون مستوى عقل الرجل ؛ ويؤكد ~~هؤلاء هذه الفكرة بما ورد في بعض الكلمات المأثورة عن النساء من الحديث عن ~~نقصان عقولهن. ويضيف البعض إلى ذلك ، حديثا عن الجانب الجسدي الذي يجعل ~~الرجل قادرا على القيام بالكثير من الأعمال الشاقة التي تحتاج إلى جهد عقلي ~~مما لا تستطيع المرأة القيام به ... # ولكن ، هل نستطيع إعطاء الحكم في هذا الموضوع ، بالطريقة التي يتحدث بها ~~هؤلاء؟ وهل هو من الموضوعات الغيبية التي لا تدخل تحت الملاحظة والتجربة ، ~~لترجع أمره إلى الغيب في حكم ضبابي غامض؟ الجواب : إننا نتحفظ حول ذلك ، ~~لأننا لا نملك الوسيلة لتأكيده ، بل ربما نحاول أن نفهم من مساواة التشريع ~~الرجال والنساء في أكثر الجوانب أن درجة الوعي والعقل التي ينطلق منها ~~تحديد المسؤولية في العمل والحركة PageV07P235 # واحدة لدى الفريقين ، كما أن الشواهد الحية تدل على أن الكثيرات ms1530 من ~~النساء اللاتي يعشن في ظروف مماثلة لظروف الرجال الحياتية الخاصة والعامة ، ~~قد استطعن أن يثبتن قدرتهن على التركيز والوعي والحس الدقيق لكل القضايا ~~المطروحة أمامهن من ناحية فكرية وعملية. # أما الأحاديث عن نقصان العقول لديهن ، فقد جاء في بعضها الاستشهاد على ~~ذلك بما جاء في القرآن الكريم ، من أن شهادة امرأتين في مقابل شهادة رجل ~~واحد ، مما يعني أن القضية لا تدخل في التقييم من الناحية الإيجابية ، بل ~~من الناحية السلبية. ولكن كيف نفهم ذلك؟ الجواب ربما تكون المسألة واردة في ~~ما أثير من قوة الرصيد العاطفي لدى المرأة الذي أودعه الله فيها وتأثيره في ~~شخصيتها كأنثى وكأم. وقد يكون لذلك أثر كبير في انفعالها بالأحداث ~~المأساوية ، أو بالقضايا العاطفية ، مما يوجب انحرافها عن الخط المتوازن في ~~النظرة الهادئة للأشياء ، ولا سيما في ما يتصل بالمشاكل التي قد تحدث في ~~داخل الحياة الزوجية. وهذا هو ما تمثله الآية الكريمة التي تحدث عن عدم ~~قبول شاهدة واحدة في مقابل قبول شهادة رجل واحد في قوله تعالى : ( @QUR@06 ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) [البقرة : 282] ، مما يوحي بإمكانية ~~الانحراف ، فكان الاحتياط للعدالة يفرض ضم امرأة أخرى إليها لتذكرها ~~وتهديها سواء السبيل. وقد يعني هذا أن القضية هي قضية إمكانية الانفعال ~~بالموقف لا حتميته ، بدليل أن الأخرى قد تتماسك لتصحح المسألة في حالة الخطأ. # وقد ألمحنا في بداية السورة إلى أن هذا الضعف الأنثوي العاطفي يمكن أن ~~يتوازن بواسطة التربية الطويلة ؛ ولكن التشريع يحتاط للإنسان ، فيتحرك في ~~أحكامه على أساس الطبيعة العامة للأشياء. وفي ضوء هذا ، يمكن أن تكون ~~القوامة خاضعة لضعف الجانب العاطفي لدى الرجل ، مما يجعل انفعاله بالحالات ~~الطارئة الانفعالية أقل مما لدى المرأة ، ويمكن أن PageV07P236 # تكون المسألة متصلة بالحالات الجسدية التي تتعرض لها المرأة الأم من ~~الحمل والإرضاع والتربية ونحوها ، مما لا يترك لها المجال للتفرغ والتركيز ~~لإدارة شؤون الحياة الزوجية ؛ وبذلك يكون التفضيل بمعنى الخصائص الذاتية ~~التي تجعل قدرة الرجل على مواجهة الموقف بهدوء أكثر من المرأة في قضايا ms1531 ~~الطلاق والحاجات الذاتية الخاصة ؛ ويمكن أن يكون هناك أشياء خفية لم نحط ~~بعلمها ، مما هي عند الله في تكوين الرجل والمرأة. # * * * # أما السبب في اختصاص الرجل بمسؤولية الإنفاق ، فربما يكون مرتبطا بما خطط ~~له الإسلام من تنظيم الأسرة في اعتبار دور الأمومة أساسيا في حياتها ، مما ~~يفقد المرأة الفرص الواسعة الكفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي للأسرة ؛ لأن ~~الإسلام قد يرى أن الأسرة تحصل على المكاسب الكبيرة من خلال رعاية المرأة ~~للبيت ، أكثر مما تحصل عليه من ابتعادها عنه للعمل ، بل ربما كان عمل ~~المرأة من خلال ما نشاهده من تجارب في واقعنا المعاصر موجبا لكثير من ~~النتائج السلبية الروحية والمادية للأسرة ، لا سيما للأطفال الذين يفقدون ~~رعاية الأم لتتلقفهم الخادمات ودور الحضانة ، كما أنه يؤدي إلى إرهاق الأم ~~العاملة التي تجمع بين متاعب العمل ومتاعب البيت في أغلب الأحيان. ولسنا ~~هنا لنقرر حرمة عمل المرأة ، أو لنحاربه من ناحية المبدأ ، ولكن لنؤكد على ~~الحقيقة الإسلامية التي لا تعتبر أنه الأفضل ، في حال تعارضه مع نمو وتطور ~~حياة الأسرة الروحية والمادية. # * * * PageV07P237 ### ||| ** القرآن يرسم ملامح الصورة المشرفة للنساء المؤمنات # ( @QUR@07 فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ... ) هذه صورة ~~مشرقة من صور النساء المؤمنات الواعيات ، اللاتي يفهمن مسئوليتهن الشرعية ~~تجاه أزواجهن ، في ما يفرضه الله عليهن من خلال عقد الزواج من قيود ~~والتزامات ؛ فيخشعن لله في كل موقف من المواقف التي تواجههن فيها عوامل ~~الإغراء ونوازع النفس الأمارة بالسوء ، ويقفن وقفة إيمانية خالصة قوية ~~رافضة لكل ذلك ، موقنات بأن قيمة المؤمن في إيمانه هي أن يلتزم بعهده ~~وميثاقه ، فلا يسيء إليه في قليل أو كثير ؛ وبذلك يحفظن أزواجهن في غيبتهم ~~، من خلال ما يفرضه عليهن الزواج ، من أمانة النفس والمال والسر والعرض ، ~~وغيرها من الأمور التي حفظها الله في تشريعه ، وأراد من الزوجات أن يحفظنها ~~في ممارستهن العملية ... # إن الالتزام الزوجي يحول الحياة الزوجية إلى أمانة في عنق الزوجين ، في ~~كل ما يترتب عليها من التزامات ومسئوليات ؛ وبذلك يفقد كل واحد منهما حريته ~~الفردية. ms1532 ففي ما يتعلق بالزوجة ، ليس لها الحرية في أن تهب نفسها لمن تشاء ~~، وليست حرة في أن تتصرف بأموال زوجها بما شاءت من دون رضاه ، أو تفضي إلى ~~الآخرين بما تعرفه من أسرار الحياة الزوجية أو أسرار زوجها الخاصة ، فإن ~~ذلك كله أمانة الله في عنقها ، وليس ذلك قيد عبودية ، كما يحاول بعض الناس ~~اعتباره ، مصورين مؤسسة الزواج ذروة المأساة بالنسبة إلى المرأة ، متباكين ~~على الحرية التي تفقدها المرأة من خلالها. أما السر في ما قلناه ، فلأن ~~القيود الزوجية تؤكد جانب الحرية ولا تلغيها ، لأنها انطلقت من موقع إرادة ~~المرأة الحرة التي هي شرط في صحة PageV07P238 # العقد ، ولم تنطلق من سيطرة إرادة أخرى على حياتها. إن مفهوم الحرية ~~يلتقي بالفكرة التي تجعل قرار الإنسان خاضعا لإرادته الحرة ، فبإمكانه أن ~~يتخذ قرارا أو لا يتخذه ، ولكنه إذا أراد والتزام بالقرار ، كان التزامه ~~تأكيدا لمعنى الحرية التي كان القرار أحد نتائجها الطبيعية. # * * * ### ||| ** كيف عالج القرآن مشكلة النشوز؟ # ( @QUR@03 واللاتي تخافون نشوزهن ... ) وهناك نموذج آخر من النساء يختلف ~~كثيرا عن هذا النموذج ، هو نموذج المرأة التي تتمرد على زوجها في حقوقه ~~الشرعية اللازمة عليها ، من خلال التزامها بعقد الزواج ؛ وهذا هو معنى ~~النشوز الذي يعني الارتفاع. وقد استخدمت الكلمة هنا للتعبير عن ارتفاع ~~المرأة عن طاعة زوجها ، على سبيل الكناية ؛ فإذا ظهرت أمارات ذلك على ~~الزوجة ؛ وعرف الزوج ، من خلال دراسته للحالة بذهنية عادلة ، أنه لم ينشأ ~~من ظروف صحية أو شرعية ، فلا بد له من معالجة الحالة معالجة واقعية بعيدة ~~عن الانفعال والتشنج ، وذلك من أجل حل هذه المشكلة حلا إسلاميا ، لإقامة ~~النظام داخل البيت الزوجي على الأسس التي تم الاتفاق عليها بالعقد. # وقد يطرح بعض الناس في هذا المجال سؤالا يتعلق ببعض الحالات النفسية التي ~~قد لا تكون الزوجة معها في الوضع النفسي المريح الذي يمكنها من الإقبال على ~~العلاقة الجنسية ، فكيف يمكن للتشريع أن يضغط عليها في مثل هذه الحالة ~~ويفرض عليها الاستجابة لرغبات الزوج ، مما قد يساهم في تحطيم شخصيتها ms1533 ~~وتعقيدها إزاء هذه العلاقة من حيث الأساس في المستقبل؟ والجواب : إن ~~الإسلام لا ينظر إلى هذه المسألة نظرة شاعرية ، على الطريقة التي ينظر ~~إليها السؤال ، بل يحاول أن يجعل الزواج علاقة تعاقدية مرتكزة على المصلحة ~~الحقيقية للزوجين ، يلتزمان فيها PageV07P239 # بالتنازل عن بعض حريتهما لحساب الحقوق المتبادلة التي يفرضها العقد على ~~أحدهما تجاه الآخر ، وذلك هو الفرق بين الحياة الفردية والحياة الجماعية ؛ ~~فإن معنى أن تكون جزءا من مجموعة صغيرة ، أو كبيرة ، هو أن تتصرف كجزء من ~~الكل ، لا كفرد مستقل ؛ فتتنازل عن بعض حريتك لمصلحة هذا الدور ؛ وعلى ضوء ~~هذا ، فإن الله أراد للزواج أن يعصم الزوجين من الانحراف الجنسي والبحث عن ~~وسائل غير شرعية ، فألزم الزوجة بالاستجابة لرغبات الزوج المشروعة ، واعتبر ~~ذلك من وسائل التقرب إلى الله ، ليعطي الاستجابة معنى روحيا يوفر لها ~~الحالة النفسية البديلة عن الحالة الذاتية ، لتعصم الزوجة زوجها من البحث ~~عن رغبته خارج نطاق البيت الزوجي ، مما يتسبب في هدم الزواج في نهاية ~~المطاف ... وبذلك أراد لها أن تتغلب على مزاجها لمصلحة رغبته ، لأنها إذا ~~فقدت بعضا من مزاجها ، فإنها تربح موقعا ثابتا من مواقع تأكيد مفهوم المودة ~~والرحمة في حياتهما الزوجية. # أما السبب في التأكيد على هذا الجانب لدى الرجل ، فما أشرنا إليه قبل هذا ~~الحديث ، من أن عنصر الإثارة الذي يقود إلى يقظة الرغبة الجنسية لدى الرجل ~~أكثر من عنصر الإثارة لدى المرأة ، ولهذا نلاحظ أن الرجل هو الذي يقود ~~المرأة إلى الانحراف بأساليبه المتنوعة ، بينما نجد أن انحراف المرأة ينطلق ~~غالبا من حالة مادية لا من حالة جنسية ، بينما الأمر بالعكس لدى الرجل ، ~~لأن الجنس يمثل بالنسبة إليه حالة شبه يومية ، تبعا لتوفر عناصر الإثارة لديه. # إن نظرة السؤال إلى المشكلة لا تعالج الموضوع معالجة واقعية ، لأنها تطلب ~~من الزوج أن يكبت رغبته احتراما لرغبتها ؛ وقد نستطيع أن نثير سؤالا آخر ، ~~ماذا يصنع الرجل إذا كانت الزوجة تمر بحالة برود جنسي معقد؟ وماذا يفعل إذا ~~كانت تعيش بعض الأزمات النفسية الطويلة؟ هل ms1534 نطلب منه أن يجمد رغبته لتتحول ~~القضية بعدها إلى عقدة نفسية ، أم نطلب منه أن يبحث PageV07P240 # عن ذلك في نطاق بعيد عن البيت ؛ وفي كلا الأمرين لا يكون الحل في مصلحة ~~المرأة في المستقبل القريب أو البعيد؟ # إننا لا ننكر أن هناك بعض السلبيات في الحل الإسلامي ، ولكن مستوى ~~الإيجابيات أعلى وأكثر ؛ وقد ذكرنا أكثر من مرة أن الإسلام يوازن بين ~~السلبيات والإيجابيات ، في ما يركزه من قضايا التشريع في نطاق التحريم ~~والتحليل ، لأن أي تشريع مرخص لا بد أن يختزن بعض السلبيات في الفعل ، كما ~~أن أي تشريع مانع لا بد أن يختزن بعض الإيجابيات في الترك ؛ فليس هناك ~~تشريع في العالم ، دينيا أو غير ديني ، يصل إلى نسبة المائة بالمئة في ~~إيجابياته وسلبياته ، لأن طبيعته تفرض تخطيط الحدود للإنسان ، وتحديد حريته ~~على هذا الأساس ، مما يولد الكثير من المشاكل والسلبيات. # ونحب أن نثير ، في هذا المجال ، نقطة بارزة ، وهي أن الإسلام أراد للرجل ~~الزوج أن لا يعيش العلاقة الجنسية بطريقة جافة جامدة ، بل أراد له من ناحية ~~أخلاقية تربوية أن يهيئ للمرأة الأجواء التي تثير فيها الرغبة ، فيتزين لها ~~كما يحب أن تتزين له ، ويحترم حاجتها إلى الارتواء الجنسي في طريقة ممارسته ~~للعلاقة ، فلا يحاول الانتهاء من العملية إلا بعد أن يشعر بأنها بلغت منها ~~ما تريد. وفي ضوء ذلك يمكن للرجل في هذا الجو أن يتغلب على الحالة النفسية ~~السلبية بأساليب عاطفية مدروسة ، كما يمكن للمرأة أن تتوصل إلى ذلك ببعض ~~الأساليب الإيحائية الذاتية ، أو ببعض الأجواء الروحية التي تدفعها إلى ~~الإقبال على تلبية رغبة زوجها ، من ناحية روحية ، أو تعمل على إقناعه ~~بالطريقة التي لا تحقق له شعورا بالضيق أو بالانفعال عند عدم قدرتها على ~~ذلك في وقت ما. # وقد نستوحي ، من إصدار الأمر للزوج بالمعاشرة بالمعروف ، بعض الإيحاءات ~~التي توجهه إلى أن يكبت بعض رغباته في الحالات التي تكون PageV07P241 # عملية الإلزام بتنفيذ الرغبة بشكل ضاغط ، مختلفا مع أسلوب «المعروف» الذي ~~يريده الإسلام له ؛ ولكن هذا ms1535 كله يدخل في نطاق عملية البناء الأخلاقي ، ~~الذي يبني الشخصية الإسلامية على الأسس الروحية في ما تحمله من قيم وأفكار ~~، ليكون ذلك هو الأسلوب الأفضل للإنسان الأفضل ، ولا يدخل في عملية الإلزام ~~الذي يرتكز على مراعاة المصالح والمفاسد الواقعية على الطبيعة ، من زاوية ~~دراسة الحالة الإنسانية في واقعها المادي ، لمعالجتها بطريقة واقعية ، من ~~أجل الوصول إلى المعالجة الروحية. # * * * ### ||| ** القرآن يحدد أساليب معالجة نشوز المرأة ### ||| ** أولا : الموعظة # ( @QUR@01 فعظوهن ... ) هذا هو الأسلوب الأول الذي أراد الإسلام من خلاله ~~للأزواج أن يعالجوا حالة التمرد الحاصلة من الزوجة على الحقوق الزوجية ، ~~وهو أسلوب الوعظ ، وذلك باتباع الأساليب الفكرية والروحية التي تحذرها من ~~نتائج عملها على الصعيد الدنيوي والأخروي ، فيخوفها الزوج من عقاب الله ~~سبحانه على معصيته في ما أوجبه عليها من حقوق للزوج ، ومن أداء ذلك إلى ~~تهديم الحياة الزوجية ، وانعكاسه على مستقبلها ومستقبل الأولاد إن كان هناك ~~أولاد ولا بد في سبيل تحقيق هذا الهدف من اتباع الأساليب التي تؤدي إلى ~~الهدف المنشود من رجوعها إلى الخط المستقيم وعودتها عن الانحراف ... وتختلف ~~الأساليب باختلاف ذهنية الزوجة من ناحية فكرية وروحية وعاطفية ، فلا بد من ~~دراسة ذلك كله ، مع ملاحظة نقاط الضعف والقوة في شخصيتها الذاتية والدينية ~~؛ ثم مواجهة الموقف بما يتطلبه PageV07P242 # من حكمة ومرونة وتخطيط زمني للمراحل اللازمة للوصول إلى قناعتها ~~والتزامها ، لأن بعض الحالات قد تحتاج إلى وقت طويل ؛ فلا يكتفي الإنسان ~~بالكلمة العابرة المرتجلة ، كما يفعله بعض الناس الذين يعالجون مثل هذه ~~الحالات بالكلمات التقليدية التي يطلقونها بطريقة جافة ، لا روح فيها ولا ~~حياة ، ولا معنى لها لدى قائلها وسامعها. # * * * ### ||| ** ثانيا : الهجر في المضاجع # ( @QUR@03 واهجروهن في المضاجع ... )؛ هذا هو الأسلوب الثاني الذي يريد ~~الإسلام للزوج اتباعه عند إخفاق الأسلوب الأول الوعظ وهو أسلوب التأديب ~~النفسي ، وهو الهجران في المضاجع وذلك بمقاطعتها كما عن بعض المفسرين أو ~~بإدارة ظهره إليها عند ما ينامان في مكان واحد ، أو بالإيحاء لها بطريقة أو ~~بأخرى بعدم الرغبة فيها أو بعدم المبالاة بها. ولعل هذا الأسلوب ms1536 السلبي ، ~~من أقوى الأساليب المؤثرة في شخصية المرأة ، لأن اهتمام الزوج بها يعتبر ~~عاملا مهما من عوامل إحساسها بأهميتها وبقوة شخصيتها ، وذلك ما يقرره ~~المحللون النفسيون في هذا المجال. # * * * ### ||| ** ثالثا : الضرب # ( @QUR@01 واضربوهن ... ) هذا هو الأسلوب الثالث ، وهو أسلوب الضرب ، ~~ولكنه لا يمثل الضرب اللامعقول الذي يمارسه الإنسان بطريقة انفعالية ، على ~~أساس المزاج الحاد والعقدة النفسية ، والحاجة إلى التنفيس عن الغيظ ، بل هو ~~الضرب التأديبي الهادىء الذي يوحي لها بالمهانة. وقد وردت الأحاديث التي ~~تظهر أنه الضرب غير المبرح الذي لا يدمي لحما ولا يهشم عظما ؛ مما PageV07P243 # يوحي بأنه يمثل أسلوبا نفسيا أكثر مما يمثل أسلوبا ماديا. وقد يأخذ البعض ~~على الإسلام هذا الأسلوب الذي يتنافى مع احترام المرأة وكرامتها والنظرة ~~إليها كإنسان ، ولكن القضية في نظرنا لا بد أن تواجه من ناحية ثانية ، وهي ~~هل أن أسلوب العقوبات التأديبية ، من السجن والضرب ونحوهما ، يتنافى مع ~~كرامة الإنسان كإنسان ، لتكون الدعوة إلى إلغاء العقوبات من أساس التشريع ، ~~دون فرق بين الرجل والمرأة؟ وهذا ما لا تتقبله كل الأمم والشعوب التي تريد ~~أن تحفظ حياتها ، من خلال حفظ نظامها الذي يعتبر العقوبات جزءا من الخطة ~~العامة للقانون ، باعتبارها العنصر الرادع للمجرمين والمنحرفين عن السير ~~بعيدا في ميدان الاجرام والانحراف. # وفي ضوء ذلك ، لا بد لنا أن ندرس الفكرة : إن العلاقة الزوجية هي إحدى ~~العلاقات الإنسانية التي تخضع في امتدادها لنظام محدد يحفظ لها توازنها ؛ ~~فإذا حصل التمرد على التزاماتها ، فما هو الحل؟ هل يترك للمصادفات ، أم ~~يبحث عن طريق للمعالجة؟ # لا مجال للأول ، لأن معناه جعل العلاقة في مهب الرياح ؛ فلا بد من ~~الثاني. فإذا استنفدت الطرق السلمية من الوعظ والهجران ، كان ذلك دليلا على ~~أن المرأة لا تخضع للأساليب الإنسانية العادية القائمة على الاحترام ، لأن ~~المرأة التي لا تعي الكلمة ، ولا تستجيب للضغوط النفسية ، ولا تستعد ~~لمناقشة المسألة بالحوار الهادىء من حيث سلبياتها وإيجابياتها ، هي امرأة ~~لا تريد أن تدخل في علاقات طبيعية مع الآخرين ؛ فكيف يتعامل معها الرجل ، ~~هل يطلقها ms1537 ، أم يعرض أمرها للمحاكم المختصة ، أم يحل المشكلة بطريقته ~~الخاصة؟. # إن الطلاق ليس حلا ، ولكنه يمثل الهروب من المشكلة ، بتهديم الهيكل الذي ~~يثيرها ، بينما يحاول الإسلام أن يجعل الطلاق آخر الحلول PageV07P244 # باعتباره أبغض الحلال إلى الله. أما الرجوع إلى المحاكم ، فليس عمليا في ~~مثل هذه الحوادث اليومية التي قد تفشي معها أسرارا نفسية وعملية كثيرة ، في ~~الوقت الذي لا مجال لإثبات الكثير من حوادثها بالأدلة الشرعية ، لأن ~~الممارسات الشخصية لا سيما ما يتعلق بالجانب الجنسي من العلاقة لا تتم أمام ~~الناس ، فكيف يمكن التعامل مع عملية الإثبات فيها بطريقة معقولة؟ هذا ، مع ~~ما يقتضيه ذلك من المراجعة المتكررة للمحاكم ، تبعا لتكرر مثل هذه الحوادث ~~؛ فلا مجال إلا لاعتبار الموضوع من شؤون الصلاحيات الممنوحة للزوج ، من ~~ناحية القوامة على المرأة في نطاق الحياة الزوجية ؛ تماما كما هي بعض ~~الأساليب التأديبية التي يتركها القانون للمدير في الحالات اليومية الطارئة ~~، التي ينحرف فيها بعض الموظفين بطريقة مستمرة ؛ ولكن ذلك لا بد من أن ~~ينطلق من خلال الالتزام الإيماني ، الذي يمنعه من ممارسة الضرب في غير ~~الحدود التي أباحها الله ؛ فإذا تعدى حدود الله ، كان للزوجة أن ترفع أمرها ~~إلى الحاكم الشرعي ليرجعه إلى الخط الصحيح ، لأن القضية تتخذ مجرى آخر ، ~~يفرض على السلطة التدخل لرد الاعتداء وإنقاذ المعتدى عليه. # ونحن لا ننكر أن مثل هذا الأمر قد يجعل التطبيق خاضعا لبعض ألوان ~~الاستغلال الذاتي من قبل الزوج ؛ ولكن الذنب في ذلك ليس ذنب التشريع ، بل ~~هي مشكلة المجتمع ، والذي لا يتحرك لتطبيق الخطة الشاملة بشكل متوازن ضاغط ~~؛ ولعل من أبرز الشواهد على ذلك ، ما نلاحظه من ألوان الظلم الشخصي ~~والاجتماعي على الفرد والمجتمع الذي لا ينطلق من حالة شرعية تسمح ~~بالاستغلال ، من خلال بعض الثغرات الموجودة فيها ، بل ينطلق من حالات خاصة ~~وعامة ، تشجع على ذلك كله ، من خلال ما تفرضه لعبة القوة والضعف في الحياة. PageV07P245 # ( @QUR@06 فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا )، لأن هذه الإجراءات لم ~~تفرض تنفيسا لعقدة أو تشجيعا لظلم أو ms1538 فرضا لسلطة ذاتية ، بل فرضت لمواجهة ~~مشكلة تبحث عن حل ، لتساعد البيت الزوجي على التماسك والاستمرار ، ولتدفع ~~الزوجة إلى القيام بمسؤولياتها تجاه زوجها تنفيذا لحكم الله. فإذا تحقق ~~الهدف مع أي مرحلة من مراحل الحل ، فيجب على الزوج أن يمسك عن أي تصرف سلبي ~~آخر ، لأن الله لم يجعل له أية سلطة عليها من قريب أو بعيد ، خارج نطاق ~~حقوقه الشرعية المفروضة. # * * * ### ||| ** نشوز الزوجين # ( @QUR@04 وإن خفتم شقاق بينهما ... ) وهذه حالة جديدة تحتاج إلى نوع آخر ~~من العلاج ؛ وهي حالة الشقاق المشترك ، وذلك إذا لم تكن المشكلة من طرف ~~واحد ، بل كان كل منهما ضالعا في ذلك ؛ فكيف يمكن حل المشكلة؟ # ( @QUR@07 فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ... ) إن القرآن يطرح ~~أسلوب ما سماه البعض «مجلس التحكيم العائلي» ، وذلك باختيار شخص أو أكثر من ~~أهل الزوج ، مطلع على ظروفه النفسية والعائلية والاجتماعية ؛ واختيار شخص ~~أو أكثر من أهل الزوجة ، بنفس المواصفات ؛ ثم يجتمعان في جلسة تحكيم عائلية ~~، ليدرسا المشكلة من جميع جوانبها السلبية والإيجابية ، ويتداولا في ~~إمكانيات الحل بتحديد بعض التنازلات من هذا الطرف أو ذاك ، ومحاولة التوفيق ~~بينهما للوصول إلى النتيجة المرجوة ، في العودة بالبيت الزوجي إلى حالة ~~«السلام العادل ...». وهذا ما أثارته الفقرة التالية في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ... ) وذلك للإيحاء بأن إرادة PageV07P246 # الإصلاح إذا انطلقت من موقع الإخلاص ، فإن الله يرعاها بتوفيقه ، الذي ~~يتحرك في كل المواقف التي تتحرك فيها النفوس الخيرة ، للوصول إلى نتائج ~~الخير في الفكر والعمل. ولم تتحدث الآية عن الحالة الأخرى ، وهي حالة إرادة ~~التفريق ، لأن القرآن يريد التأكيد على أن تنطلق الجهود في هذا الاتجاه ، ~~بالإلحاح على ملاحقة كل إمكانية محتملة في هذا السبيل ، وعدم الوقوع في ~~قبضة اليأس أمام بعض حالات الفشل ؛ هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فلأن موضوع ~~التفريق هو النتيجة الطبيعية لكل حالات الخلاف المستحكم التي لا تجد حلا ~~معقولا أمامها. # ( @QUR@05 إن الله كان عليما خبيرا ... ) وفي هذه الفقرة التي تثير أمام ~~الإنسان الشعور بالعلم ms1539 المطلق لله والخبرة العميقة الواسعة بكل الأمور ~~الظاهرة والباطنة ... يقف الإنسان الزوج ، والزوجة ، والحكمان ليعيش الخشوع ~~الذي يمنعه عن مواقف الانحراف الاستعراضي ، الذي يؤدي به إلى إعطاء انحرافه ~~لونا من ألوان الشرعية الظاهرية التي لا ترتكز على أساس ، مما يبعد المسيرة ~~عن السير في الاتجاه الصحيح. # * * * ### ||| ** لماذا التحكيم العائلي لا القضاء؟ # وقد نستوحي من طرح مجلس التحكيم العائلي ، أن مثل هذا المجلس يعالج ~~المسألة من موقع المسؤولية الحميمة المباشرة التي تدرس الخلاف من موقع ~~العاطفة والمحبة التي قد تكتشف بعض الأساليب والوسائل المنفتحة على عناصر ~~القضية بشكل أعمق وأوسع وأفضل ، لأن هناك خصوصيات في داخل هذه العائلة أو ~~تلك قد تؤثر في حل بعض المشاكل النفسية لدى هذا الطرف أو ذاك ، أو تجميد ~~بعض الخلافات الشخصية لديهما ، عند ما يشعران PageV07P247 # بأن استمرارها يتجاوز وضعهما إلى وضع العائلتين ، بحيث يمكن امتداد ~~المشكلة في تأثيرها عليهما إلى واقعهما الخاص حتى بعد الانفصال ، لو كان ~~الانفصال هو ما يفكران فيه كحل للخلافات العالقة بينهما. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن التحاكم لدى المحاكم القضائية العادية ~~قد يخلق الكثير من التعقيدات التي قد تترك تأثيراتها العميقة على نفسيتهما ~~حتى لو كانت النتيجة هي الصلح بينهما ، لأن مجريات المحكمة القضائية قد ~~تثير الكثير من الفضائح وتكشف الكثير من الأسرار أمام الناس ، بحيث تعمق ~~المشكلة في داخلهما بما تفتحه من الجراح العميقة في الأعماق لتتحول إلى ~~المزيد من السلبيات الواقعية في البيت ، بينما نلاحظ في التحاكم العائلي ، ~~أن إثارة الأسرار وكشف الفضائح أمام الأقرباء ، لا سيما في الدائرة الضيقة ~~في نطاق ممثل هذه العائلة من هذا الجانب وممثل تلك العائلة من الجانب الآخر ~~، لا يخلق مشكلة عميقة لديهما ، لأن أسرارهما تمثل جزءا من أسرار العائلتين ~~اللتين تحافظان على إبقائها في جو الكتمان نظرا لتأثيرها السلبي إذا كانت ~~فاضحة على سمعة العائلتين ؛ الأمر الذي لا يخلق مشكلة جديدة لهما في ~~المستقبل. # ثم إن الحكمين يتحسسان مسئولية الوصول إلى النتيجة الحاسمة من موقع ~~ارتباط القضية بهما ذاتيا ms1540 وعائليا ، مما يدفعهما إلى استعمال كل الوسائل ~~واستنفاد كل الأساليب للوصول إلى حل إيجابي يعيد السلام إلى البيت ، ولعل ~~هذا هو الذي جعل الآية تتحدث عن الصلح كخيار للحكمين في الحل ولم تتحدث عن ~~التفريق ، لأن خصوصية الحكمين هنا تتصل بالجانب النفسي لهما ، بحيث لا ~~يسمحان لهما بالتفريق ، لأنه يؤدي إلى إيجاد شرخ بين العائلتين قد ينعكس ~~سلبا على علاقتهما ببعضهما البعض مستقبلا ؛ الأمر الذي يجعل من الصلح مصلحة ~~عائلية للعائلتين ، كما هو PageV07P248 # مصلحة شخصية للزوجين. ومن الطبيعي أن مثل هذه الخصوصيات الذاتية ~~والموضوعية لا تتوفر بمثل هذه الدقة في المحاكم العادية التي قد تخلص إلى ~~الحل ، ولكنها تبقى في الدائرة الرسمية التي تعالج الواقع من الخارج لا من ~~الداخل ، لأنها لا تملك علاقة بالواقع الداخلي للشخصين بشكل حميم. # وهناك نقطة مهمة ، وهي أن المحاكم القضائية قد تكلف الشخصين بذل المال ~~الذي تفرضه إجراءات المحاكم وتحملهما بعض الجهود الإضافية الفردية ~~والاجتماعية ، مما لا يحتاجان إليه في المحكمة العائلية. # * * * ### ||| ** صفات الحكمين # وقد يكون من المفيد التنبيه على أن الحكمين العائليين لا بد من أن يكونا ~~بالغين عاقلين خبيرين بدراسة المشاكل في الجانب الخاص والعام منها ، ~~وبالتدبير المتحرك في عناصر الواقع المتشنج بين الشخصين من خلال الخبرة ~~الطويلة لهما في تجاربهما الواقعية ، ليتسنى لهما الوصول إلى نتيجة حاسمة ~~إيجابية بحكمة وروية واتزان. # * * * ### ||| ** ما هي سلطة الحكمين؟ # وقد يثور هنا سؤال عن مدى نفوذ حكم الحكمين على الشخصين ، هل هما مصلحان ~~يتوقف نفوذ حكمهما على قبول الطرفين بالنتائج المقترحة منهما ، باعتبار ~~أنهما يقدمان للزوجين ما يعتقدان أنه الحل الأفضل للمشكلة وبحيث تبقى لهما ~~حرية الرفض أو القبول ، أم هما حكمان حاكمان يملكان PageV07P249 # حق الفرض والإلزام؟ # قد يظهر من بعض الفقهاء القول بنفوذ حكمهما في أي جانب من الإصلاح أو ~~التفريق ، انطلاقا من صفة «الحكم» للشخصين الذي يعني أنهما يملكان سلطة ~~الحكم الذي يفرض بحسب طبيعة الموقع نفوذه عليهما ، ولكن المشهور بينهم ، أن ~~الحكم ينفذ في ما يريدانه ويحكمان به من الإصلاح بين الزوجين ms1541 وحل المشكلة ~~بينهما بالعودة إلى البيت في اتجاه السلام العائلي وعودة الأمور بينهما إلى ~~حالتها الطبيعية السابقة ، ليتقيدا بالحكم الصادر من الحكمين بشروطهما ~~الإصلاحية. أما الطلاق ، الذي قد يكون حلا للمشكلة ، فلا صلاحية لهما في ~~فرضه عليهما ، بل لا بد من موافقة الزوجين عليه ، لأن الأمر يتعلق بهما ~~الزوج والزوجة أو بالزوج وحده لأنه هو الذي يملك حق الطلاق. # ولعل هذا الرأي هو الأوفق بمدلول الآية الذي يشير إلى الإصلاح ، لأن ~~القضية هي قضية حل الخلاف الذي تحول إلى شقاق بينهما بتقريب وجهات النظر من ~~قبل الشخصين القريبين لهما المطلعين على أوضاعهما ، فذلك هو الذي اعتاد ~~الناس أن يلجأوا إليه كلما حدثت هناك مشكلة في الواقع الاجتماعي ، فإنهم ~~يبادرون إلى إيجاد لجنة تحكيمية تقوم بحل المشكلة لإعادة المياه إلى ~~مجاريها من دون الدخول في أي مشروع للتفريق أو للقطيعة ، لأن ذلك ليس مهمة ~~الفعاليات الاجتماعية في موقعها المميز الذي يتحرك من أجل الوصل لا الفصل ، ~~ومن أجل التقارب لا التباعد ، ولعل هذا هو الوجه في اقتصار الآية على مسألة ~~الإصلاح من دون تعرض للتفريق ، باعتبار أن ذلك هو المعتاد في مهمة التحكيم ~~الاجتماعي ، أما التفريق فهو مهمة القضاء ؛ والله العالم. # * * * PageV07P250 ### ||| ** نشوز الزوج # ولم تتحدث الآيات عن حالة نشوز الزوج وتمرده على أداء حقوق الزوجة ~~الشرعية ؛ وقد أثيرت المسألة في أبحاث الفقه ، واختلفت الآراء في موقف ~~الزوجة ، هل تكتفي برفع أمرها إلى الحاكم الشرعي ليجبره على أداء حقوقها ~~الشرعية ، أم يجوز لها أن تتصرف بأساليبها الخاصة ؛ فتمنعه بعض حقوقه عليها ~~، على أساس المعاملة بالمثل ، أم يفصل بين الحالات؟ ذهب الكثيرون ، إلى أن ~~المسألة مربوطة بقرار الحاكم ؛ لأن الله لم يجعل لها أمر تنفيذ حدوده ، كما ~~جعل للرجل ذلك من خلال صفة القوامة ؛ أما امتناعها عن أداء حقوقه فلا مبرر ~~له ، لأن معصيته لله في أمرها ، لا تبرر لها المعصية في أمره ، بعد أن كان ~~لكل واحد منهما تكليف مستقل ، لا يرتبط بالآخر. فإذا رفعت أمرها إلى الحاكم ~~، فيمكن للحاكم أن يطلق ms1542 بنفسه ، إذا امتنع الزوج من الطلاق والإنفاق ، بعد ~~تخييره بينهما ، وذلك إذا كانت الحالة حالة النشوز عن النفقة ؛ ويمكنه أن ~~يجبره في حالات أخرى ، على حسب القانون الشرعي المتبع في مثل هذه الأمور. ~~وذهب البعض إلى أن لها الحق في الامتناع ، وتحفظ بعض آخر ، فلم يجزم بأحد ~~الرأيين ، لأن القضية باقية لديه في حدود الإشكال الذي يبحث عن الوضوح ؛ ~~والله العالم بحقائق أحكامه. # * * * PageV07P251 ### ||| * الآية # ( @QUR@032 واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) ~~@QUR@015 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) @QUR@018 والذين ينفقون أموالهم رئاء ~~الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء ~~قرينا (38) @QUR@016 وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما ~~رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) @QUR@015 إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) @QUR@012 فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) @QUR@014 يومئذ يود الذين ~~كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) (42) # * * * PageV07P252 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بذي القربى ): صاحب القرابة كالأخ والعم والخال ومن إليهم. # ( @QUR@03 والجار ذي القربى ): الجار الذي بينك وبينه قرابة. # ( @QUR@02 والجار الجنب ): الجار البعيد في قرابته ، الأجنبي الذي ليس ~~بينك وبينه قرابة ، والجنب البعيد ، والجنب القريب. # قال الراغب : بني من الجنب ، والفعل على وجهين ، أحدهما الذهاب على ~~ناحيته ، والثاني الذهاب إليه ، فالأول نحو جنبته وأجنبته ، ومنه : ( ~~@QUR@02 والجار الجنب )، أي البعيد ... قال عز وجل : ( @QUR@03 فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون ) [المائدة : 90] ، وذلك أبلغ من قولهم اتركوه (1). # ( @QUR@02 والصاحب بالجنب ): الذي يصاحبك ملازما لجنبك ، مثل رفيق السمر ~~وجليس الحضر ، أو شريكا في الدرس أو في عمل ، فإن للصحبة حقوقها. # ( @QUR@02 وابن السبيل ): المسافر المنقطع عن أهله وماله ، الذي لا يملك ~~أمر تدبير أمره ماليا للوصول إلى مقصده. قال الراغب : نسب إلى السبيل ms1543 ~~لممارسته إياه (2). وقال صاحب الميزان : كأنه ليس له من ينتسب إليه إلا ~~السبيل فهو ابنه (3). PageV07P253 # ( @QUR@02 وما ملكت ): الرقيق المملوك ، ولا وجود له في واقع العصر. # ( @QUR@01 مختالا ): متبخترا يعيش الزهو والغرور والشعور بالخيلاء ، ~~والخيلاء هو التكبر ، من تخيل فضيلة أو ميزة تراءت للإنسان من نفسه. قال ~~الطبرسي : أصل المختال من التخيل ، وهو التصور ، لأنه يتخيل بحاله مرح ~~البطر ، والمختال الصلف (1) التياه ، ومنه الخيل ، لأنها تختال في مشيها ، ~~أي تتبختر (2). # ( @QUR@01 فخورا ): كثير الفخر ، وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن ~~الذات ، كالمال والجاه. وفي مجمع البيان قال : الفخور الذي يعد مناقبه كبرا ~~أو تطاولا ، وأما الذي يعددها اعترافا بالنعمة فيها فهو شكور (3). # ( @QUR@01 يبخلون ): يمنعون العطاء عن الآخرين المحتاجين ، فلا يفكرون ~~إلا في ذاتهم بعيدا عن المجتمع. قال الطبرسي : البخل : أصله مشقة الإعطاء ، ~~وقيل في معناه : إنه منع الواجب ، لأنه اسم ذم لا يطلق إلا على مرتكب ~~الكبيرة ، وقيل : هو منع ما لا ينفع منعه ولا يضر بذله ، ومثله الشح وضده ~~الجود ، والأول أليق بالآية ، لأنه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة ، ~~وقال علي بن عيسى : معناه منع الإحسان لمشقة الطباع ، ونقيضه الجود ، ~~ومعناه بذل الإحسان لانتفاء مشقة الطباع (4). # ( @QUR@02 رئاء الناس ): المراءاة. # ( @QUR@01 قرينا ): القرين : أصله من الاقتران ، ومنه : القرن لأهل العصر PageV07P254 # لاقترانهم ، والقرن المقاوم في الحرب ، والقرين : الصاحب المألوف ، وهو ~~المراد على الظاهر من الكلمة. وقال عدي بن زيد : # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه %~% فإن القرين بالمقارن يقتدي # ( @QUR@03 وما ذا عليهم ): أي شيء يضرهم ، وهو استفهام للتأسف أو التعجب ~~، ودعوة لهم إلى التأمل والتفكير في عواقب الأمور. # ( @QUR@01 يظلم ): الظلم هو الألم الذي لا نفع فيه يوفي عليه ولا دفع ~~مضرة أعظم منه عاجلا ولا أجلا ولا يكون مستحقا ولا واقعا على وجه المدافعة ~~وأصله : وضع الشيء في غير موضعه ، وقيل : أصله الانتقاص من قوله : ولم تظلم ~~منه شيئا. فالظلم على هذا انتقاص الحق ، والظلمة انتقاص النور بذهابه. # ( @QUR@01 مثقال ): أصل المثقال الثقل فالمثقال مقدار الشيء في الثقل ، ~~والثقل ما ثقل من متاع ms1544 السفر. # ( @QUR@01 ذرة ): هي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى ، عن ابن ~~عباس وابن زيد ، وهي أصغر النمل ، وقيل : هي جزء من أجزاء الهباء في الكوة ~~من أثر الشمس (1)، وقيل أيضا : إنه الغبار المتطاير من يد الإنسان إذا ~~جعلها على التراب وما شابهه ثم نفخها. وقيل : أطلقت على كل شيء صغير جدا ، ~~وتطلق الآن على ما يتكون من «الإلكترون» و «البروتون» أيضا ، لأنها إذا كانت ~~تطلق سابقا على أجزاء الغبار ، فلأن تلك الأجزاء كانت أصغر أجزاء الجسم ، ~~ولكن حيث ثبت اليوم أن أصغر أجزاء «الجسم المركب» هو «المولوكول» ، وأصغر ~~أجزاء «الجسم البسيط» هو «الذرات» ، اختيرت لفظة «الذرة» في الاصطلاح ~~العلمي ، وأطلقت على تلك الجزئيات التي لا ترى PageV07P255 # بالعين المجردة ، بل لا يمكن أن ترى حتى بأقوى «الميكروسكوبات» ~~الإلكترونية ، وإنما يحس بوجودها من خلال القوانين والمعادلات العلمية ، ~~والتصوير بآلات مزودة بأدق الأجهزة وأقواها ، كما جاء في تفسير الأمثل. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قوله تعالى : ( @QUR@05 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ). # في أسباب النزول للواحدي قال أكثر المفسرين : نزلت في اليهود ؛ كتموا صفة ~~محمد صلى الله عليه وآله سلم ولم يبينوها للناس ، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في ~~كتبهم. وقال الكلبي : هم اليهود بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ونعته في كتابهم ، وقال مجاهد : الآيات الثلاث إلى ~~قوله : ( @QUR@01 عليما )، نزلت في اليهود. وقال ابن عباس وابن زيد : نزلت ~~في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ~~ويقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ، فأنزل الله تعالى ~~: ( @QUR@05 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) (1). # * * * # ونلاحظ أن الآراء الأولى تنسجم مع الفقرة الثانية من الآية وهي ( @QUR@06 ~~ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ). أما رواية ابن عباس وابن زيد ، PageV07P256 # فهي تنطبق مع الفقرة الأولى : ( @QUR@05 الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ) وربما كان الوجهان صادرين عن اجتهاد ذاتي من المفسرين لا عن رواية ~~، والله العالم. # * * * ### ||| ** الخط الإيماني في مسئولية العلاقات الإنسانية # كان الحديث في الآيات السابقة عن الأسرة الصغيرة ؛ وفي هذه الآيات ms1545 بعض ~~الحديث عن الأسرة الكبيرة ، وهي المجتمع الذي يعيش فيه الأفراد ضمن خلايا ~~متنوعة ، ينتقل فيها الإنسان منذ طفولته من خلية إلى أخرى ، ويتحمل على ~~أساس ذلك مسئوليته تجاهه. وتلك هي النظرة الإسلامية الواسعة للحياة ، فإن ~~النمو الطبيعي للإنسان في المؤسسات الاجتماعية المختلفة التي ترعاه وتطعمه ~~وتسقيه وتعلمه وتمرضه وتدافع عنه ، يجعل للمجتمع حقا عليه في القيام ~~بمسؤوليته ، من خلال الإمكانات المالية والعلمية والبدنية التي ساهم ~~المجتمع بها في تكوينه ، وهذا ما أرادت هذه الآيات أن توجه الإنسان إليه في ~~بعض مجالاته العملية. # ولما كان الإسلام يعتقد أن على الإنسان أن يرتكز على قاعدة فكرية وروحية ~~تحدد له مواقعه ومساره في الحياة ، فقد بدأ بالنداء الذي يدعو إلى عبادة ~~الله وحده وعدم الإشراك به ، لأن ذلك هو الذي يوحد التصور والمسار والهدف ، ~~ويجعل الإنسان خاضعا في تصرفاته العملية لقوة واحدة ، هي الله باعتباره ~~النقطة الوحيدة التي تحدد له منطلقاته في الحياة ، فهو الهاجس الدائم الخفي ~~الذي يحكم كل أفكاره ومشاعره ، لأن معنى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، ~~هو أن نخشع له ونخضع لسلطته ونطيعه ونطلب رضاه ومحبته ، وبذلك نبتعد عن كل ~~الأشياء التي تبعدنا عنه ، ونجعل الحياة كلها ساحة PageV07P257 # متحركة من أجل الحصول على ثوابه والبعد عن عقابه. وهذا هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ). وفي هذا الجو ، يمكننا أن ~~نحدد علاقتنا بالأشياء والأشخاص ، لتكون بأجمعها مشدودة إلى هذا الخط ~~وسائرة في هذا الاتجاه. فإذا فكر الإنسان أن يقترب من هذا أو يبتعد عن ذاك ~~، أو يعطي هذا أو يمنع ذاك ؛ فإن مسار التفكير ينطلق في الاتجاه الذي يحدده ~~ما يرضي الله أو ما يسخطه ، وما يحبه الله أو ما يبغضه ، وهذا ما حددته بعض ~~الآيات الكريمة التي تحدثت عن صفة المؤمنين في كلمة واحدة حاسمة. ( ~~@QUR@012 الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ~~[الأحقاف : 13]. فإن الاعتراف بالله الرب الواحد ، يحدد للإنسان نقطة البدء ~~التي تنتهي إليه في نهاية المطاف. وهذا ms1546 هو معنى الاستقامة التي توجه الخطوط ~~المنطلقة من الإيمان به ، نحوه ، في مسيرة الإنسان الصاعدة إليه. # ومن هنا كانت البداية ؛ فإذا كنا نريد أن نعبد الله وحده ، فعلينا أن نحب ~~ونرعى من يريد الله منا أن نحبه ونرعاه ؛ وتلك هي بعض النماذج الإنسانية ~~التي تعيش داخل المجتمع. # * * * ### ||| ** وبالوالدين إحسانا # ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ) هذه هي الخلية الأولى من خلايا المجتمع ~~التي تحضن الإنسان ؛ وهي تضم والديه اللذين هما السبب المباشر لوجوده ، ~~وهما اللذان أعطياه من كل شيء يملكانه من دون مقابل ، وذلك هو النموذج الذي ~~يشعر معه المعطي بالعطاء ، كحالة وجدانية ذاتية تتصل بالإحساس الطاهر ~~الرفيع من كيانه. وقد أراد الله لنا أن نعيش الشعور بالحاجة إلى الإحسان ~~إليهما ، من خلال ما نقدم إليهما من خدمات ، وما نصبر عليه من سلبياتهما ~~المزاجية والعملية ، كنوع من الاعتراف بالجميل لإحسانهما الذي PageV07P258 # لن نستطيع بلوغ مداه ؛ لأنهما عاشا العطاء من موقع الإحساس الذاتي ~~بالحاجة إليه ، تماما كما هي حاجتنا إلى أن نعيش حياتنا. أما نحن ، فنعيش ~~غالبا العطاء من موقع الواجب الذي قد نحس بثقله علينا في كثير من الحالات. # ولعل الإحسان إلى الوالدين ، بما يعنيه من الاعتراف بالجميل ، يعطينا ~~درسا في الفكرة من ناحية المبدأ ، عند ما نواجه الكثيرين من الناس الذين ~~يقدمون إلينا خدمات متنوعة فيكون علينا مقابلتهم بالإحسان إليهم من خلال ~~إيماننا بالمبدأ الذي عشنا تجربته مع الوالدين ، وقد يكون في الجانب السلبي ~~من الممارسة ، في عدم الإحسان إليهما ، ما يوحي بأننا سنعيش الشعور بالجحود ~~والنكران مع الآخرين ، لأن حق الوالدين هو أعظم الحقوق بعد حق الله ، فإذا ~~أنكره الإنسان ، فإن إنكار ما هو أهون منه أسهل. وقد نلاحظ أن القرآن لم ~~يوص الوالدين بالولد كما أوصى الولد بوالديه ، وربما كان الأساس في ذلك أن ~~الفطرة التي تفجر ينابيع العاطفة الروحية لدى الوالدين ، تغني عن كل ~~النصائح والأوامر في هذا الاتجاه ، لأنهما يحققان المبدأ من ناحية فطرة ~~ذاتية ، من دون ملاحظة لأي شيء خارجي. ولكن الأحاديث المأثورة تحدثت عن بعض ~~تفاصيل حقوق ms1547 الولد على والديه ، في بعض الجوانب التربوية الفكرية والعملية ~~، لتتحرك مسئوليتهما في ذلك ، في ما لا يلتفتان إليه من ناحية العاطفة. # * * * ### ||| ** كيف نفهم الإحسان للوالدين؟ # وقد نحتاج للإشارة إلى نقطة مهمة في موضوع إطاعة الوالدين ، وهي أن ~~القرآن الكريم لم يستخدم تعبير «إطاعة الوالدين» ليكون ذلك عنوانا للخط PageV07P259 # الذي يسير عليه الولد مع والديه ، فيكون ذلك لونا من ألوان جعل السلطة ~~للوالدين بالتدخل في شؤون الولد في مسار حياته الخاصة والعامة ، وفي توجيه ~~أفكاره وانتماءاته وعلاقته بالناس والأشياء ؛ كما ربما يعتقد الكثيرون من ~~الناس ؛ بل استخدم تعبير الإحسان للوالدين وعدم محاولة إيذائهما والشكر ~~لهما على ما قاما به ، إلا في الجانب السلبي كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) [العنكبوت : ~~8] فإنهما قد يطلبان من الولد أن يجسد الإحسان إليهما بإطاعتهما في معصية ~~الله ، لأن ذلك يدخل السرور عليهما ويثبت لهما أن ولدهما بار بهما مخلص ~~لهما ، فكان النهي الإلهي له عن ذلك أن يمتنع عن إطاعتهما في هذا الموضوع ~~المضاد لمصلحته لأنه يبعده عن الله ويعرضه لغضبه ، مع الأمر بمصاحبتهما ~~بالمعروف عند عصيانهما واتباع سبيل المنيبين إلى الله. ولكن ذلك لا يعني ~~وجوب الطاعة لهما في غير مورد المعصية إذا كان مضمون الأمر الأبوي أو ~~الأمومي مخالفا لمصلحته في حياته ، لأن الإحسان إليهما يصطدم بالإساءة إلى ~~نفسه ، وهذا ليس مطلوبا منه ، بل كل ما هناك أن عليه أن يتحرك معهما بأسلوب ~~الإحسان من دون أن يقع في مشكلة في واقعه العملي. وعلى ضوء ذلك ، فإن ~~المبدأ هو الإحسان والرعاية وتجنب الإيذاء. # أما في غير هذا المجال ، فللولد أن يتبع طريقه على هدي قناعاته المستمدة ~~من الفكر والمعاناة والتجربة والإيمان ، فليس لهما أن يضغطا عليه في التخلي ~~عن قناعاته بحجة حقهما الوالدي ، وليس لهما تخريب مخططاته العملية على ذلك ~~الأساس ، إلا إذا دخلا معه في عملية حوار وإقناع ؛ ولكن لا بد لنا من إثارة ~~تحفظ في هذا المجال ، وهو محاولة الولد الابتعاد عن ms1548 مواجهتهما بالعصيان ~~بطريقة مباشرة جافة ، بل إن عليه أن يدير الأمور بطريقة لبقة ذكية تحقق له ~~مصلحته وتبتعد به عن إيذائهما ، لأن ذلك ما نفهمه من مبدأ الإحسان ، وقد ~~يفرض عليه الموقف أن يضحي ببعض مشاعره لمصلحة PageV07P260 # مشاعرهما ، في ما لا يترتب عليه مفسدة كبيرة. وعلى كل حال ؛ فإن الإنسان ~~المؤمن الواعي يعرف كيف يدير علاقاته بوالديه إدارة حكيمة ، تجمع بين ~~مصلحته وبين الإحسان إليهما. # ( @QUR@02 وبذي القربى ... ) وهم أرحام الإنسان الذين يرتبط بهم بصلة ~~النسب ، ويمثلون الخلية الثانية من خلايا المجتمع الحاضنة له ، وقد أراد ~~الله لنا أن نحسن إليهم فنصلهم ولا نقطعهم ، ونتحمل منهم الأذى ؛ لأن ذلك ~~ما يجعل العلاقة باقية في نطاقها الطبيعي ، باعتبار أن التغلب على المشاكل ~~، في المواضع الحساسة التي تثيرها تعقيدات القربى ، يتيح المجال للتغلب على ~~أمثالها في المواقع الأخرى التي هي أقل تعقيدا ؛ هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ~~فإن الله سبحانه يريد للإنسان أن يحافظ على الصلاحات التي ترتبط بالروابط ~~الطبيعية الحميمة ، كأساس من أسس التخطيط لإيجاد روابط أخرى جديدة. فإن ~~انهيار تلك الروابط يؤدي إلى فقدان الفرصة لصنع الأخرى. وقد وردت النصوص ~~الدينية الكثيرة التي تؤكد على صلة الرحم ، باعتبارها من القيم الإسلامية ~~الكبيرة التي يعتبر الانحراف عنها موجبا للدخول في النار. # ( @QUR@01 واليتامى ... ) هذه هي الفئة المحرومة من فئات المجتمع ، التي ~~بقيت معلقة بالهواء ومعرضة للضياع من ناحية ذاتية . فقد فقدت الآباء أو ~~الأمهات ، ففقدت الحاضن الذي يحضنها ، والكفيل الذي يكفلها ويرعاها ، ~~والقلب الذي يغذيها بالحنان والعاطفة ؛ فأراد الله للمجتمع بمختلف أفراده ~~أن يحمل مسئولية رعاية هؤلاء ، فيمنحهم الشعور بالحياة والقوة ، ويدفعهم ~~إلى الإحساس بالتفاؤل بالمستقبل ، وبأنهم يقفون على أرض قوية صلبة ، وذلك ~~في ما يكفله لهم المؤمنون من رعاية وعناية وإحسان. PageV07P261 # ( @QUR@01 والمساكين ... ) وهذه هي الفئة التي تعيش المسكنة الطبيعية في ~~الظروف الصعبة التي تمر بها في حياتها ؛ فليس لديها مجال للعيش الكريم ، ~~وليس عندها فرصة للعمل المنتج أو للحصول على الإمكانات المادية التي تهيئ ~~لها سبل الحياة بشكل معقول. وقد أراد ms1549 الإسلام للناس أن يكفلوا حياة هؤلاء ~~ويجنبوهم ذل السؤال ، ويحفظوا لهم كرامتهم في الغذاء والملبس والمسكن ، ~~بالطريقة العزيزة التي تتيح لهم الارتفاع إلى مستوى الحياة العادية للناس ؛ ~~وذلك من موقع الفرض لا من موقع المنة ، من خلال ما فرضه الله من فرائض ~~مالية في أموال المؤمنين. # ( @QUR@05 والجار ذي القربى والجار الجنب ) وقد أراد الإسلام منا أن نهتم ~~بالجار ، كمظهر من مظاهر الإحساس بأن الجوار يحقق علاقة ألفة ومحبة ، تفرض ~~على الإنسان حقا في القيام برعاية الجار والإحسان إليه وتحمل الأذى منه ، ~~سواء كان هذا الجار قريبا أو بعيدا ، مسلما كان أو كافرا ... وهذا أسلوب ~~إسلامي في تخطيطه للحياة ، في اعتبار المجتمعات الصغيرة المتقاربة من ~~الناحية السكنية أساسا للمجتمع الكبير ، في ما يعيشه الأفراد من علاقات ~~حميمة مسئولة ، تتجاوز المشاكل الطبيعية اليومية التي قد تحدث بفعل الاتصال ~~الشديد الذي يعقد الكثير من الأوضاع. وقد شدد على ذلك ، كما لم يشدد على ~~شيء آخر في نطاق العلاقات الإنسانية البعيدة ، حتى ورد في الحديث الشريف ، ~~«ما زال جبرائيل عليه السلام يوصيني بالجار ، حتى ظننت أنه سيورثه» (1). ~~وبذلك أعطى هذه العلاقة علاقة الجوار بعدا روحيا يمتص من خلاله الكثير من ~~المشاكل التي يريد للإنسان المؤمن أن يتجاوزها قربة إلى الله ؛ وذلك لأننا ~~إذا أردنا أن نخضع العلاقات الإنسانية إلى الجانب PageV07P262 # المادي المبني على الحسابات الدقيقة المعقدة وأغفلنا الجانب الروحي ، ~~وقعنا في أوضاع صعبة جدا ، لا سيما في مثل هذه العلاقات التي لا مجال ~~للإنسان للانفصال عنها إلا بتغيير حياته من الأساس في مسكنه أو أوضاعه ؛ ~~وتلك هي طريقة الإسلام في التعامل مع الجانب الاجتماعي من حياة الإنسان ، ~~وذلك لما يثيره في نفسه من التفاعل الروحي والمادي ؛ ليستمر الانسجام مع ~~المجتمع من موقع الروح ، إذا لم تتوفر الأرباح في الحسابات المادية. # ( @QUR@02 والصاحب بالجنب ) قيل : إنه من كان رفيقا في السفر ، أو جليسا ~~في الحضر ، أو شريكا في الدرس ، أو في حرفة وما إلى ذلك ... وهذا هو الخط ~~الإسلامي الذي يعتبر للصحبة حقا إنسانيا يوحي بالرعاية ms1550 والإحسان ، في ما ~~يحتاجه الصاحب من شؤون الحياة ، وما يواجهه من مشاكلها ، وما يحتاج إلى ~~ستره من عيوبه وخطاياه مما يمكن أن يطلع عليه صاحبه منه من خلال استمرار ~~الصحبة ، وما يتطلبه من احترام مشاعره وأحاسيسه ، في الأمور التي تثيره ~~وتغضبه ، وفي القضايا التي تفرحه وتريحه ، وغير ذلك من الأمور التي تمثلها ~~كلمة الإحسان بما توحيه من مشاعر وممارسات. # ( @QUR@02 وابن السبيل ) وهو المنقطع به في السفر ، في المواضع التي لا ~~يملك فيها تدبير أموره من ناحية مالية ؛ فإن على المسلمين أن يحفظوا عزته ~~وكرامته ، ويحسنوا إليه بما يحل له مشكلته حتى يبلغ بلده. # ( @QUR@03 وما ملكت أيمانكم ... ) من العبيد والإماء ؛ فإن على الإنسان ~~المؤمن أن لا يعتبر الرق مصدر شعور بالدونية لهؤلاء ، أو مبرر إذلال عملي ~~لهم ، بل ينبغي له أن يعترف بأن ذلك لا يلغي إنسانيتهم وحاجتهم إلى PageV07P263 # الحماية والاحترام والإحسان ، بل كل ما هناك ، أنه وضع قانوني شرعه الله ~~في نطاق المصالح العامة التي ينطلق منها التشريع ، وأراد للناس أن يعملوا ~~على اعتبار تحرير الرقيق هدفا إسلاميا من خلال الوسائل الشرعية المتاحة ~~للإنسان. # ( @QUR@08 إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) ربما كان تعقيب الآية ~~بهذه الفقرة إيحاء للإنسان بأن الانسجام مع خط الله في السلوك يفرض عليه ~~التواضع بين يدي الله ، فيحس بإنسانية الناس من حوله ؛ فلا يتكبر عليهم ، ~~ولا يأخذه الزهو والغرور والشعور بالخيلاء ، بسبب ما رزقه الله من مال وجاه ~~، أو يفخر بذلك فيحس بالاستعلاء عليهم ؛ ويمنعه ذلك من الإحسان إليهم ~~بالكلمة والنظرة والممارسة ؛ فإن الله هو الذي أعطاه كل ما لديه من النعم ، ~~وهو القادر على أن يسلبه إياها ؛ وهو الذي جعل من نعمته عليه ، حاجة ~~الآخرين إليه ، فليسلك السبيل التي يحبها الله ، من خلال ذلك ؛ فإن الله ~~يحب المتواضعين الطيبين ، ولا يحب من كان مختالا فخورا. # ( @QUR@011 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله ... ) وتلك هي صفة المختالين الفخورين ؛ فإن هاتين الصفتين الذميمتين ~~تمنعان الإنسان عن الانفتاح على الفئات المحرومة في ms1551 المجتمع التي هي أقل ~~منه مالا وجاها ، وتوحيان إليه بالحرص على ما عنده من المال الذي أوصله إلى ~~هذه المكانة ، ورفعه إلى هذه الدرجة ؛ ويتنامى لديه هذا الشعور الأناني ~~الضيق ، الذي يسجنه في داخل ذاته ، فيخيل إليه أن الدنيا تتجمع في شخصه ، ~~فلا وجود إلا له ، ولا مصلحته إلا مصلحته ؛ فالمهم عنده أن يعيش ويشبع ~~ويرتوي ويستمتع بالحياة ، ولا قيمة لحياة الآخرين ولحاجاتهم المعيشية. فلما ~~ذا يهتم بهم أو يعتني بأمرهم ، ما دامت حياتهم PageV07P264 # غير مرتبطة بحياته؟ بل ربما يمتد به الأمر إلى الإحساس بالخوف على ماله ~~منهم ، وذلك لما يخيل إليه من شعورهم بالحسد ضده. وهكذا تتحول الأنانية في ~~نفسه إلى عقدة مرضية ، تمنعه من العطاء والمشاركة والامتداد في حياة ~~الآخرين ؛ وهذا هو سر البخل الذي يتحكم في سلوكه ، في ما يحتاج الناس إليه ~~من العطاء ، لأن الكرم خلق رفيع يتحرك في داخل النفس المنفتحة الممتدة في ~~حياة الناس ، على أساس إحساسها العميق بإنسانيتها التي تتصل بإنسانيتهم ، ~~وانطلاقها الواسع في رحاب الإيمان الذي يجد في العطاء تأكيدا للثقة بالله ~~الذي منه العطاء ، وإليه يرجع ؛ فهو صاحب الفضل في ما يعطي ، وما يأخذ ، ~~وهو الذي يفيض على الإنسان نعمه في البداية ، وفي النهاية ، فلما ذا البخل ~~، ولماذا الحرص ؛ إذا كانت خزائن الله لا تنفد وكرمه لا يضيق عن أحد؟ # * * * ### ||| ** دروس من ملامح المختالين # وهكذا أراد الله أن يعطينا ملامح هؤلاء المختالين الفخورين ، من خلال ~~سلوكهم في مواقع العطاء ؛ فهم لا يكتفون بالبخل ، بل يتنكرون للعطاء من قبل ~~الآخرين الذين يعيشون العطاء كقيمة إنسانية روحية كبيرة. فيأمرونهم بالبخل ~~ويخوفونهم بالفقر ويصورون لهم الواقع الذي تعيشه الفئات المحرومة بغير ~~صورته الحقيقية ؛ فهذا الإنسان لا يستحق العطاء لكذا ، وذاك لا يستحق ~~الإكرام لكذا ... وهكذا يستمرون في إثارة الشكوك وتفويت الفرص ، وإضعاف ~~الهمم ، وتجفيف منابع الخير في قلوب الناس ، لأنهم لا يريدون أن يحرجهم ~~الآخرون في ما يعطون ، ولا يحبون للعطاء أن PageV07P265 # يمتد أثره لدى الناس ، لأنه ينعكس سلبيا على مواقعهم الاجتماعية ، بما ~~يكشفه ms1552 من أنانياتهم وضعفهم وصغارهم في أنفسهم عند ما يبدأ الناس المقارنة ~~بينهم وبين الكرماء الطيبين من الأمة. ثم ذكر لنا أنهم يكتمون ما آتاهم ~~الله من فضله ، في ما أنعمه عليهم من نعمة التي أراد لهم أن يبذلوها للناس ~~، سواء كان ذلك مالا أو علما أو جاها ، فلكل نعمة من هذه النعم مسئولية لا ~~بد أن يقوم بها الإنسان في نفسه وفي الآخرين ، ولكنهم يكتمونها ، لأن ~~إظهارها لا يلتقي مع طبيعة الأنانية المتحكمة في نفوسهم ؛ وقد يبرز ذلك في ~~أساليبهم المتنوعة التي يحاولون أن يظهروا بها أنهم فقراء لا يملكون شيئا ؛ ~~خشية أن يطالبهم الناس بالعطاء. # وإذا صح ما جاء في أحاديث أسباب النزول التي أشرنا إليها في صدر هذا ~~الحديث التفسيري عن هذه الآيات من أن المقصود بهؤلاء المختالين ، الفخورون ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل في أوضاعهم المادية ويكتمون ما آتاهم ~~الله من فضله ، مما أعطاهم الله من العلم بالنبي المبعوث في صفاته وعلامات ~~رسالته ونبوته ، فإننا نرى أنهم يمثلون النموذج السلبي في واقع الإنسان ~~الذي لا يريد الله للناس أن يقتدوه ، لأنه يريد للإنسان أن يعيش روحية ~~العطاء مما رزقه الله لمن يحتاج إلى ماله ، كما يحب له أن يقدم للناس العلم ~~الذي أتاه الله من فضله ، لأن الحقيقة كالماء والهواء ، ليست ملكا ذاتيا ~~لأي إنسان ، بل هي هبة الله للإنسان كله وللحياة كلها ، لأنها هي التي توضح ~~له الرؤية ، وتعمق له المعرفة ، وتحقق له التوازن في خطواته وعلاقاته ~~وأوضاعه العامة والخاصة في الحياة ، باعتبار أن الباطل يبتعد به عن ذلك كله ~~ويمنعه من أن يتصور الواقع في صورته الحقيقية ، مما يجعله منحرفا عن خط ~~الاستقامة في الفكر والعمل. # وعلى ضوء ذلك ، فقد نستوحي من الآية ، أن على العلماء الواعين أن PageV07P266 # يجاهدوا بعلمهم ولا يخافوا من إعلان الحق لأهله ، حتى لو كان ذلك على ~~خلاف الذهنيات الخرافية الجاهلة المنحرفة التي تقف ضد كل رأي يختلف عما هو ~~مألوف عندها من عقائد الآباء والأجداد ومفاهيمهم الخاطئة التي تسيء إلى ms1553 ~~الإسلام وإلى المسيرة كلها ، وأن لا يتعقدوا من النتائج السلبية النفسية ~~التي قد تحصل لهم إذا كان صاحب الحقيقة مختلفا معهم أو بعيدا عنهم ؛ الأمر ~~الذي لا ينسجم مع مزاجهم الذاتي في الإقرار بفضله وبكفاءته وبقيمته العلمية ~~وبصحة طريقته ورأيه العلمي في هذا الجانب أو ذاك ، وأن لا ينهزموا أمام ~~الحملات والاتهامات الظالمة التي قد توجه إليهم من الجاهلين والمنحرفين ، ~~فإن على المفكر الحر المنفتح على الحق أن يدفع ضريبة أخلاقية للحقيقة ~~وانفتاحه عليها. # * * * ### ||| ** جزاء الكافرين # ( @QUR@04 وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) وقد تحدث عن الكافرين في نطاق ~~حديثه عن المختالين ، للإيحاء بأن الإيمان لا يلتقي مع البخل ، ولا ينسجم ~~مع الأنانية والخيلاء والتجبر والتكبر والفخر ، بل يلتقي مع التواضع ~~والخشوع والرقة والقلب الكبير ، فإذا عاش المؤمن مثل تلك الصفات الذميمة ، ~~فإن ذلك يعني أنه يتحرك في أخلاقه من مواقع الخط الكافر ، لأن الشيطان هو ~~الذي يوحي للإنسان بذلك ويخوفه من الفقر ، ( @QUR@05 والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا ) [البقرة : 268]. وفي ضوء ذلك ، يلتقي الإنسان بالكفر العملي في ~~سلوكه ، في الوقت الذي يبتعد عنه في تفكيره ؛ الأمر الذي يجعل مصيره ، في ~~بعض الحالات ، مصير الكافرين في ما ينتظرهم من العذاب على ما قدموه من معاص ~~وجرائم. PageV07P267 # ( @QUR@05 والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ... ) وهذه صفة بعض النماذج ~~المنحرفة من هؤلاء المختالين الفخورين الأنانيين ، فقد تمر بهم بعض حالات ~~العطاء ، ولكن لا لتكون مظهرا من مظاهر النفس الطيبة الكريمة ، بل لتكون ~~مفتاحا لحركة الذات في خط المصالح الشخصية الأنانية ، فهم ينفقون أموالهم ~~رياء ، ليراهم الناس وليمدحوهم وليرضوا بذلك غرورهم وكبرياءهم ويظهروا ~~بمظهر المحسنين الكرماء الكبار الذين يقفون في الدرجة العلياء من السلم ~~الاجتماعي الكبير ؛ فهم يتصدقون على المحتاجين من أموالهم من موقع الرفعة ~~والعظمة والكبرياء ، وليحصلوا من خلال ذلك على بعض الامتيازات الاجتماعية ~~أو السياسية أو الاقتصادية ، عند ما يوظفون هذا العطاء في مجال الدعاية ~~والاعلام ، لخدمة تلك المواقع والامتيازات ، وللقفز منها إلى مواقع جديدة ~~متقدمة. وبذلك لا يكون الإنفاق عملية أخلاقية ، بل يتحول إلى عملية تجارية ms1554 ~~تبحث عن البدل لما تدفعه ، وتفتش عن الربح في ما تنفقه. وهذا ما نراه في ~~بعض البلاد التي يندفع فيها بعض الأغنياء للإنفاق بمستوى الملايين على ~~المؤسسات الخيرية والتربوية ، لأن ذلك يعفيهم من دفع الضرائب التي تزيد ~~كثيرا على ما ينفقون ، ويحقق لهم بالتالي وضعا اجتماعيا مميزا ، ويثير ~~حولهم هالة كبيرة من المدح والثناء الذي لا يستحقونه. # ( @QUR@06 ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... ) فإن مثل هذا الإيمان ~~يفرض على الإنسان أن يحسب حساب الرغبة في القرب من الله ، والنجاة في اليوم ~~الآخر ؛ مما يدعوه إلى أن يجعل كل غايته في عمله هو رضا الله ، وينطلق على ~~أساس ذلك في حياته للحصول على النتائج العملية التي تحقق هذا الهدف. PageV07P268 # ( @QUR@07 ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) كيف يكون الشيطان قرينا ~~للإنسان؟ إن الظاهر ورود ذلك على سبيل الكناية ، في انطلاق الإنسان في ~~حياته من خلال الأفكار الضالة المنحرفة ، والأخلاق الذميمة السيئة ، ~~والأهداف الضيقة المحدودة ، التي تجعله ينسى الله ويستسلم للدنيا في ~~شهواتها المحرمة ولذائذها الفانية. وهكذا تتمثل المسألة في العلاقات ~~الإنسانية المرتكزة على قاعدة الضلال ، من خلال ما يعيشه الإنسان من ~~علاقاته بالكافرين والمنافقين والفاسقين والضالين ، الذين يزينون له سوء ~~عمله فيراه حسنا ، ويغيرون له طريقة تفكيره ليبتعد بذلك عن الإيمان والخير ~~والصلاح. ولما كان ذلك كله من تسويلات الشيطان ، من خلال ما يزينه للإنسان ~~من شؤون الضلال وعلاقاته ؛ كان التعبير القرآني بمصاحبته للشيطان الذي هو ~~القرين السيئ لكل أصحابه ، وأي سوء أعظم وأفظع من الوقوع في جهنم وساءت مصيرا. # ( @QUR@016 وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم ~~الله وكان الله بهم عليما ) إنها الدعوة إلى الإيمان والإنفاق من موقع ~~النصيحة التي تدعو إلى التأمل والتفكير في عواقب الأمور. فما الذي يضرهم ~~إذا انفتحوا على أسس الإيمان بالله واليوم الآخر ، وفكروا وتأملوا من خلال ~~البراهين والبينات التي تقودهم إلى ذلك وتوصلهم إلى القناعة اليقينية ~~الثابتة ؛ فتدفعهم إلى الإنفاق مما رزقهم الله ؛ لأنهم إذا آمنوا بأن الله ~~هو الرزاق ms1555 الذي رزق عباده ؛ ليعودوا به على أنفسهم وعيالهم ، كان ذلك دافعا ~~لهم إلى الحصول على الثقة بالله والشعور بالمسؤولية في الإنفاق على عباد ~~الله من رزق الله ، من دون أن يعانوا أية عقدة في هذا السبيل ، لأن المؤمن ~~لا يرى لنفسه الاستقلال الذاتي في الأمور الخاصة والعامة أمام الله ، بل ~~يعتبر وجوده خاضعا لله في كل شيء ، في ما توحيه كلمة الإسلام : ( @QUR@08 ~~قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب PageV07P269 # @QUR@09 العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) [الأنعام : ~~162 163] ... هو الذي يعطي ويمنع ويأمر وينهى في ذلك كله ، ( @QUR@04 وكان ~~الله بهم عليما )، في كل ما يبدون وما يخفون من أمر السر والعلانية. # ( @QUR@015 إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما ) وهذا هو الذي يريد الله للمؤمن أن يفكر فيه ويعيشه ، في كل ما ~~يتحرك فيه من عمل صالح ، مما يشق عليه أمره ويجهده ثقله وتشتد عليه مؤونته ~~، فإن الله الذي وعد المؤمن بالأجر والثواب على ذلك كله ، لا يمكن أن يظلمه ~~مثقال ذرة مما عمله ، فلا يمنعه حقه الذي فرضه على نفسه ، بل إن الله لا ~~يكتفي بالثواب الموعود الذي يستحقه على العمل ، وإنما يضاعف الحسنات بدرجات ~~متفاوته ، تبعا لطبيعة الحسنة في حجمها ومدلولها ، ويؤتي العاملين الصالحين ~~أجرا عظيما ، لا يستطيعون أن يدركوا كنه عظمته ، لأنه العارف بما يقدر ~~للإنسان من شؤون الرزق والثواب وهو أرحم الراحمين. # أما الأساس في نفي الظلم عن الله سبحانه ، فلأنه ليس بحاجة إليه كما قد ~~يحتاجه الناس تجاه بعضهم البعض أحيانا ، لأن الظلم قد ينشأ من الجهل بحدود ~~الحقوق العامة والخاصة للناس ، وقد ينشأ عن الحاجة إلى الناس في ما يملكونه ~~، فيظلمهم باغتصابه لملكيتهم ومصادرته لها لتلبية حاجته إليها ، وقد يكون ~~ناشئا عن عقدة نقص في النفس ... وهذا كله لا معنى له عند الله ، لأنه ~~العالم بكل شيء ، فلا يغيب عنه شيء من شؤون خلقه ، لأنه المحيط بكل الخلق ~~في وجودهم وفي تفاصيل هذا الوجود ms1556 ، وهو الغني عن كل أحد ، لأنه هو الذي ~~يملك كل شيء ويكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، وهو الذي اتصف بالكمال ~~المطلق ، فلا يقترب النقص بسيطا أو مركبا من ذاته المقدسة ، وهو القوي الذي ~~يملك القوة جميعا فلا موقع للضعف في وجوده ، والظلم مظهر ضعف ، لأن القوي ~~لا يحتاج إلى أن يظلم PageV07P270 # أحدا ، فهو الذي يتصرف بكل محكمة في كل خلقه ، وهو الذي يعطي لكل ذي حق ~~حقه ، وهو الذي جعل الحق لصاحب الحق. # * * * ### ||| ** محكمة العدل # ( @QUR@012 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا .. ) ~~إنها المحكمة العادلة في يوم القيامة ، التي يقف فيها الناس أمام الله بكل ~~أعمالهم الخيرة والشريرة ليحاسبهم على أعمالهم ، وهو العالم بكل ما عملوه ~~مما أسروه وأعلنوه ، ولكنه يقدم إليهم صحائف أعمالهم وشهداء اختارهم في كل ~~أمة ، ليكونوا الشهداء على الناس في إقامة الحجة عليهم من الله في ما عملوه ~~وما لم يعملوه ، ومنهم الأنبياء والأوصياء والصديقون والعلماء والصالحون ~~المبلغون ... أما هذه الأمة المسلمة فإن الرسول محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ~~هو الذي جعله الله شاهدا على أمته ، لأنه بلغ رسالته كما لم يبلغها نبي ، ~~وجاهد من أجلها كما لم يجاهد رسول ؛ وترك للأمة من بعده من يحفظ لها أمر ~~الرسالة ، ويركز لها قواعد الدين. فما ذا يعمل هؤلاء المنحرفون غدا ، إذا ~~وقف الشهداء بين يدي الله ليشهدوا ، ووقف النبي أمام أمته ليشهد ، ليبطلوا ~~حجة كل منحرف وكافر ومنافق ، كيف يجيبون الله؟ وبماذا يدافعون عن أنفسهم؟ # وقد ذكر بعض المفسرين أن النبي يشهد على شهداء الأمم السابقة كما يشهد ~~على أمته ، وذلك بأن تكون الإشارة بكلمة (هؤلاء) إلى شهود الأمم السابقة ، ~~بمعنى أننا نجعلك شهيدا على شهداء الأمم من الأنبياء ، وفي ضوء ذلك يكون كل ~~نبي شاهدا على أعمال أمته جميعها في حياته وبعد مماته عن طريق المشاهدة ~~الباطنية والروحانية ، وهذا المعنى ينطبق على النبي PageV07P271 # محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن روحه الطاهرة ناظرة إلى أعمال أمته وجميع ms1557 ~~الأمم السابقة ، وبهذا يمكنه أن يشهد على أعمالهم وأوضاعهم ، ولكن هذا ~~الرأي خلاف الظاهر لأن كلمة (هؤلاء) ظاهرة في المسلمين الذين كانوا يمثلون ~~الحضور الوجودي أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا سيما بلحاظ ما قبلها ( ~~@QUR@012 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا )، حيث ~~إن النبي المرسل في كل أمة هو الشهيد عليها ، بحيث تكون له صفة النبوة ~~والشهادة ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دلالة الآية بدعا من ~~الأنبياء في ذلك كله ، كما أن الحوار الذي أداره الله في القرآن مع السيد ~~المسيح عليه السلام ينفي ذلك ، وذلك هو قوله تعالى في جواب سؤال الله له : ( ~~@QUR@029 ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ~~) مما يدل على أن النبي لا يقوم بالشهادة بعد وفاته ، فلا يتحمل مسئولية ~~تقديم تقرير الله بذلك. # ( @QUR@014 يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا ~~يكتمون الله حديثا ) ليس هناك مجال للدفاع ، لأنهم لا يملكون أية حجة أو ~~برهان يبررون من خلاله أعمالهم ، فلا يبقى هناك إلا التمنيات المسحوقة بأن ~~تبتلعهم الأرض ، فلا يتعرضون للوقوف طويلا في هذا الموقف لما يواجههم من ~~الإحراج والضيق والخوف ومن غضب من الإحراج والضيق والخوف ومن غضب الله ، ~~ولا يمكنهم في ذلك الموقف إلا أن يعترفوا بكل شيء ، فلا يكتموا الله حديثا ~~في كل أعمالهم الكبيرة والصغيرة. وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ~~في بعض خطبه أنه قال عن يوم القيامة : «ختم على الأفواه فلا تكلم وقد تكلمت ~~الأيدي وشهدت الأرجل ونطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا» (1). # * * * PageV07P272 # وهكذا ينتهي هذا الفصل الذي بدأه الله بالدعوة إلى عبادته وتوحيده ، ~~والعمل في اتجاه هذا الخط ، والتحذير من الكفر والإشراك به والتمرد عليه ، ~~وختمه بالموقف الشديد الذي يواجه المنحرفين أمام الشهداء بين يدي الله ؛ ~~ليفكر ms1558 الإنسان طويلا في قضية المصير ، ليحدد موقفه على هذا الأساس. # * * * PageV07P273 ### ||| * الآية # ( @QUR@049 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) (43) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سكارى ): أصل السكر ، من السكر ، وهو سد الماء ، واسم الموضع ~~السكر ، فبالسكر ينسد طريق المعرفة ، وسكرة الموت : غشيته. # ( @QUR@01 جنبا ): الجنب هو الذي أصابته الجنابة ، ويستوي فيه المذكر ~~والمؤنث ، والواحد والجمع. # ( @QUR@01 الغائط ): كناية عن العذرة ، وتغوط إذا أحدث ، وأصل الغائط ~~المنخفض من الأرض ، وجمعه غيطان ، ويقصده أهل البوادي والقرى لقضاء الحاجة ~~، ولهذا أستعير اسم المكان لما يوضع فيه. PageV07P274 # ( @QUR@02 لامستم النساء ): كناية عن الجماع ، واللمس يكون باليد ثم ~~اتسع فيه فأوقع الى غيره. # ( @QUR@01 فتيمموا ): اقصدوا وتحروا ، والتيمم أصله القصد ، وقد اختص في ~~الشرع بقصد الصعيد لمسح أعضاء مخصوصة. # ( @QUR@01 صعيدا ): وجه الأرض ؛ ترابا كان أو صخرا لا تراب فيه ، قال ~~الزجاج : لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الأرض (1). # ( @QUR@01 طيبا ): طاهرا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : نزلت أي هذه الآية : ( @QUR@09 يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) في أناس من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يشربون الخمر ويحضرون الصلاة وهم نشاوى ، فلا ~~يدرون كم يصلون ولا ما يقولون في صلاتهم. وجاء فيه بإسناده عن عطاء عن أبي ~~عبد الرحمن ، قال : صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ودعا أناسا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فطعموا وشربوا ، وحضرت صلاة المغرب ، فتقدم بعض ~~القوم فصلى بهم المغرب ، فقرأ : ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون ) فلم يقمها ~~، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) (2). PageV07P275 # وقد اضطربت الروايات حول هذا المضمون في الداعي والإمام والمأموم ، مما ~~يوحي بأنها ليست في مستوى الوثاقة ، كما أشار ms1559 إلى ذلك الشيخ البلاغي في ~~«تفسير آلاء الرحمن» (1). # وجاء في أسباب النزول حول قوله تعالى : ( @QUR@06 فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا )، بإسناده عن عائشة أنها قالت : خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء ، أو بذات الجيش ، ~~انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التماسه ، وأقام ~~الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فأتى أناس إلى أبي بكر فقالوا ~~: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبالناس ~~معه وليس معهم ماء ، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضع ~~رأسه على فخذي قد نام ، فقال : أجلست رسول الله والناس معه وليسوا على ماء ~~وليس معهم ماء. قالت : فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول ، فجعل ~~يطعن بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على فخذي ، فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ~~أصبح على غير ماء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم ، فتيمموا ، فقال أسيد بن ~~حضير ، وهو أحد النقباء ، ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت عائشة : ~~فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته (2). # ونلاحظ على هذه الرواية أنها واردة لتأكيد بركة آل أبي بكر في أمر لا ~~علاقة لهم به ، حيث إن المناسبة المذكورة لم تكن هي الأساس لنزول آية ~~التيمم ، بل هي موضوعها ، مع ملاحظة أن القصة تتحدث عن أن الإقامة في ~~المكان للبحث عن العقد كان بمبادرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~بضغط من PageV07P276 # عائشة ، فكيف يلوم المسلمون عائشة على ما لا دخل لها فيه لينقلوا إلى ~~أبيها شكواهم منها ثم كيف يحبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه والناس ~~ليفتش عن عقد في الوقت الذي يفقدون فيه الطهارة المائية من غير ضرورة ، مع ~~ملاحظة أن الآية تمثل وحدة في كل التفاصيل ms1560 الشرعية ، مما يوحي بأنها واردة ~~في تشريع تلك الأحكام لا في الحديث عن التيمم وحده بشكل خاص. # * * * ### ||| ** من أحكام الصلاة والطهارة # في هذه الآية حديث عن بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالصلاة ، في ما يتصل ~~بالأجواء الداخلية الروحية التي يجب أن تتوافر للمصلي ، وما يرتبط بالطهارة ~~من الحدث كشرط من شروط صحة الصلاة. ففي الجانب الأول ، وجه الله المؤمنين ~~إلى أن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى حتى يعلموا ما يقولون ، لأن حالة السكر ~~تذهل الإنسان عن الوعي لكل الأشياء التي من حوله ، حتى كلماته التي يتكلم ~~بها لا تنطلق من حالة وعي ، فقد يفعل الشيء وهو لا يعرف نتائجه ، وقد يتكلم ~~الكلمة وهو لا يعقل معناها. ولما كانت الصلاة في مدلولها العبادي الروحي ~~عملا يتصل بالجانب الروحي للإنسان قبل أن يتصل بجسده ، كان لا بد من الوعي ~~العميق لأفعالها وأقوالها ، مما يفرض على المصلي أن يعيش الحضور العقلي ~~والروحي لموقفه الخاشع بين يدي الله ، لتكون صلاته كما ورد في الحديث عروجا ~~روحيا إلى الله. ومن الطبيعي أن ذلك لا ينسجم مع حالة الغياب عن الوعي التي ~~يعيش الإنسان معها في سكرة بعيدة عن الواقع. # وهنا يثأر سؤال : ما هو المقصود بكلمة «سكارى»؟ هل المراد منها معناها ~~الظاهر وهو سكر الشراب؟ وحينئذ يبرز سؤال آخر : ما معنى توجيه PageV07P277 # هذا الحديث عن الصلاة في حال السكر للمؤمنين الذين حرم الله عليهم الخمر؟ ~~فكيف يطرح القرآن هذه الفرضية التي لا تتناسب مع صفة الإيمان التي يناديهم ~~بها؟ أو المراد منها «المعنى الكنائي» الذي يتحدث عن غياب الوعي الذي يشبه ~~حال السكر سواء في ذلك حالة النعاس الشديد الذي يكاد يطبق الجفون على النوم ~~الثقيل ، أو حالة الذهول المسيطر على كيان الإنسان ، انطلاقا من أزمة نفسية ~~عنيفة تشغله عن كل ما حوله من القضايا والأشياء؟ وقد استعمل القرآن الكريم ~~هذه الكلمة في هذا المعنى في قوله تعالى : ( @QUR@022 يوم ترونها تذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ms1561 ~~ولكن عذاب الله شديد ) [الحج : 2]. # والجواب أن هناك اتجاهين من خلال ما وردت به الأحاديث في تفسير معنى ~~الكلمة ؛ فهناك اتجاه يضع هذه الآية في التسلسل التدريجي لأسلوب معالجة ~~حرمة الخمر وتقريبها إلى أجواء الناس الذين كانت الخمر عادة يومية لحياتهم ~~، بحيث لا تكون مواجهتهم بالتحريم ، بشكل حاسم ، أمرا عمليا في إبعادهم ~~عنها ؛ فبدأ بالنهي عن الصلاة في حالة السكر ، ليضيق عليهم الفترة الزمنية ~~التي يتناولون فيها الخمر ، وليوحي إليهم بنتائجها السلبية على علاقة ~~الإنسان بالله. ثم انطلقت الآيات الأخرى لتشدد على الموضوع ، بالطريقة التي ~~تنتهي إلى التحريم الحاسم في نهاية المطاف. وهذا أسلوب قرآني درج عليه ~~التشريع الإسلامي في تنزيل الأحكام تدريجيا وعلى دفعات. ولا بد من التنبيه ~~على أن ذلك لا يعني الإقرار بما هم عليه من ممارسة السكر ، لأن النهي عن ~~فعل شيء في بعض الحالات ، لا يعني الاعتراف بشرعية تلك الحالات ، بل يترك ~~الأمر مسكوتا عنه في إمكانية الرضا وعدم الرضا. # وهناك اتجاه في بعض الأحاديث يفسر الكلمة بسكر النوم (1) وربما كان PageV07P278 # هذا الاتجاه أقرب إلى قوله تعالى : ( @QUR@04 حتى تعلموا ما تقولون ) مما ~~يوحي بأن الآية واردة في مجال معالجة الجو الروحي الواعي ، الذي ينبغي ~~للمصلي أن يعيشه في حال الصلاة ، بحيث تكون هذه الفقرة دليلا على صرف اللفظ ~~عن معناه الظاهر بإرادة السكر بمعناه المتصل بسكر الشراب. وعلى ضوء ذلك ، ~~فلا تختص الكلمة بسكر النوم ، بل تمتد إلى كل حالة ذهول وغياب عن الوعي. ~~وإننا لا نجد هناك كبير فائدة في الدخول في عملية الترجيح بين الاتجاهين ~~بشكل حاسم ، ما دام كل منهما منسجما مع الهدف الأساس من النهي ، وهو الوقوف ~~بين يدي الله في الصلاة في حالة جيدة من الحضور الواعي ، الذي لا يبتعد فيه ~~الإنسان عن وعي الكلمات التي يقولها ، من حيث معناها ، ومن حيث إيحاءاتها ~~الروحية التي تتصل بموقفه أمام الله. # * * * # وفي الجانب الثاني المتصل بالطهارة ؛ نهى الله عن الصلاة في حال الجنابة ~~، وفرض على الجنب الاغتسال ، لأن الطهارة من الحدث الأكبر ms1562 شرط في صحة ~~الصلاة ، فإذا اغتسل الجنب ، أمكنه أن يبدأ الصلاة ، لأن الجنابة قد تحدث ~~في نفس الإنسان بعض الظلمة الروحية ، أو بعض الشعور بالقذارة بلحاظ المني ~~الذي يخرج منه من الموضع الذي يخرج منه البول ، فكان تشريع الغسل كشرط ~~للصلاة وأمثالها ، من حيث الإيحاء بأجواء الطهارة التي يريد الله للإنسان ~~أن يعيشها أمام الله عند ما يريد أن يرتفع بروحه إليه ، فيكون في طهارة ~~بدنية تنسجم مع الحالة الروحية العميقة التي يعمل على الوصول. PageV07P279 # إليها من خلال الصلاة. # وثمة ملاحظة وقعت مجالا للأخذ والرد ، وهي كلمة ( @QUR@03 إلا عابري سبيل ~~). فقد فسرها البعض بحالة السفر. والتزم المفسر بأن للإنسان أن يصلي مع ~~الجنابة بدون الاغتسال ، ولكن المفسرين الآخرين عارضوها بأن هذا التعبير لا ~~يستخدم غالبا في السفر ؛ كما ان الصلاة مع الجنابة في حال السفر أو غيره قد ~~تحدثت عنه الفقرة التالية ، فلا معنى لأن يكون مقصودا من هذه الفقرة ، لأنه ~~تكرار لا معنى له ؛ ولهذا فسرها هؤلاء بعبور المسجد ؛ فإنه لا يجوز للجنب ~~أن يدخل المسجد إلا عابرا. وقد لوحظ على هذا التفسير بأن المسجد لم يذكر في ~~الآية ؛ وأجيب عن ذلك : بأن هذا مستوحى من الحديث عن الصلاة باعتبار أنها ~~غالبا ما تكون في المسجد ، فأمكن استيحاء المعنى من ذلك ، والله العالم. # ثم تحدثت الآية ، في نطاق هذا الشرط ، عن عدة حالات طارئة في حياة ~~الإنسان ، مما لا يستطيع معها الطهارة المائية من الوضوء أو الغسل ؛ فأشارت ~~إلى ان هناك بديلا لهذه الطهارة ، وهي الطهارة الترابية المعبر عنها ~~بالتيمم ، فيمكن للمصلي أن يعيش معها الشعور بالطهارة ، تماما كما كان ~~يعيشه مع الطهارة بالماء. وهذه الحالات أربع : # 1 ( @QUR@03 وإن كنتم مرضى ) فقد يعسر على المريض أن يتوضأ أو يغتسل ~~بالماء ، لأن ذلك قد يضر صحته. ومن الواضح أن جو الآية هو الذي يحدد لنا أن ~~المرض المذكور فيها هو المرض الذي يضر معه استعمال الماء ، لأن المرض الذي ~~لا يرتبط بذلك ، لا معنى لأن يكون مبررا للامتناع عن الوضوء ms1563 أو الغسل ، بعد ~~أن كان حال المريض والصحيح من هذه الناحية على حد سواء ؛ فإن الأعذار لا بد ~~أن تكون حالات تمنع عن الشيء الذي يطلب العذر عنه. PageV07P280 # 2 ( @QUR@03 أو على سفر ) ربما كان السفر ملازما لعدم وجدان الماء ، لا ~~سيما في المناطق الصحراوية التي كانت محل ابتلاء الناس في بدايات التشريع ؛ ~~ولذلك يكون الحديث عنه من هذه الجهة ، لا من حيث كونه عنوانا مستقلا في ~~جواز التيمم. # 3 ( @QUR@06 أو جاء أحد منكم من الغائط ) الغائط هو المكان المنخفض من ~~الأرض ، وقد استعمل هذا اللفظ كناية عما يخرج من فضلات الإنسان من الدبر ، ~~لأن الناس غالبا ما كانوا يقصدون هذه المواضع للتغوط فيها. وهذه هي إحدى ~~الحالات التي يجب على الإنسان الوضوء بعدها ، إذا أراد الصلاة أو غيرها مما ~~يشترط فيه الطهارة. # 4 ( @QUR@03 أو لامستم النساء ) الظاهر أن ملامسة النساء هنا ، كناية عن ~~الجماع ، وقد استعمل هذا اللفظ وما يرادفه من اللمس في هذا المعنى. وقد ~~حمله بعض المفسرين على معناه اللغوي من اللمس ، والتزم تبعا لذلك بانتقاض ~~الوضوء بلمس الرجل للمرأة ببعض أعضائه. وقد عقب هذه الحالات بكلمة ( ~~@QUR@03 فلم تجدوا ماء ) فلا يجوز للإنسان التيمم إلا في حالة فقدان الماء ~~، إلا في المريض الذي قامت القرينة الداخلية مما يسميه الأصوليون : (مناسبة ~~الحكم للموضوع) على أن المانع هو عدم القدرة على استعمال الماء لا عدم ~~وجدانه ، لأننا فهمنا من المرض ، أنه الذي يضر معه استعمال الماء ، كما ~~أشرنا إليه آنفا. وقد حاول بعض المفسرين أن يجعل كلمة ( @QUR@03 فلم تجدوا ~~ماء ) شاملة لعدم القدرة الصحية ، بأن يكون المراد من عدم الوجدان عدم ~~القدرة عليه ، وهو تفسير لا يقترب من ظهور اللفظ ، ولا ضرورة له. ( @QUR@03 ~~فتيمموا صعيدا طيبا ... ) التيمم : القصد ، أي اقصدوا صعيدا طيبا ، والصعيد ~~: هو الأرض. وربما فسره البعض بالتراب ، ولكن الظاهر من قوله تعالى في آية ~~أخرى : ( @QUR@08 فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل PageV07P281 # @QUR@07 عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ) [الكهف : 40] ، كما ~~أن الحديث الشريف : «جعلت لي الأرض ms1564 مسجدا وطهورا» يؤكد ذلك ؛ وبهذا احتج من ~~أجاز التيمم بالأرض الصخرية التي لا تراب عليها. وكلمة «الطيب» يمكن أن ~~يراد بها الطاهر كما هو الظاهر وقد وسعها البعض للمباح ، ولكن هذا لا يفهم ~~من اللفظ ، لأن هذه الكلمة تستعمل لما يقابل القذر الذي تعافه النفس أو ~~تستقذره. ونحن نقر بأن الإباحة شرط ، ولكنه مستفاد من السنة لا من القرآن ~~بحسب ظاهره الأولي ، إلا أن يقوم دليل على الاستعمال في الأعم. # ( @QUR@03 فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ... ) هذا هو معنى التيمم ؛ مسحة ~~للوجه ولليدين. وقد حددت كتب الفقه حدود الموضع الممسوح مع طبيعة الماسح ~~وكيفية المسح. ( @QUR@05 إن الله كان عفوا غفورا )، فإن الله يعفو ويغفر ~~للمؤمنين الذين يقفون عند حدوده ، في ما يأمر به وينهى عنه ؛ فإن الحسنات ~~يذهبن السيئات وهو أرحم الراحمين. # * * * PageV07P282 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ~~ويريدون أن تضلوا السبيل (44) @QUR@09 والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا (45) @QUR@038 من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ~~ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) (46) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بأعدائكم ): العداوة : الإبعاد من حال النصرة ، وضدها الولاية ~~، وهي التقريب من حال النصرة. وأما البغض ، فهو إرادة الاستخفاف والإهانة ، ~~وضدها المحبة ، وهي إرادة الإعظام والكرامة ، كذا في مجمع البيان (1). # ( @QUR@01 وكفى ): الكفاية : بلوغ الغاية في مقدار الحاجة ، والاكتفاء : ~~الاجتزاء PageV07P283 # بالشيء دون الشيء ، ومثله الاستغناء. # ( @QUR@01 نصيرا ): النصرة : الزيادة في القوة للغلبة ومثلها المعونة ، ~~وضدها الخذلان ، ولا يكون ذلك إلا عقوبة ، لأن منع المعونة ممن يحتاج إليها عقوبة. # ( @QUR@01 وراعنا ): ارقبنا ، كان اليهود يقصدون بها الاستهزاء والسخرية ~~لأنهم يريدون بها المعنى الذي تدل عليه الكلمة في لغتهم ، ولربما كان عندهم ~~ينسجم مع الرعونة ، بينما هي في اللغة العربية : أنظرنا من المراعاة. # ( @QUR@01 ليا ): ميلا لإظهار الباطل من كلامهم في صورة الحق ، ~~والاستهزاء في صورة التأدب ، وأصل اللي الفتل ، يقال : لويت العود ألويه ms1565 ~~ليا ، ولويت الغريم إذا مطلته ، واللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي ~~بقلبه إليها ، وألوى بهم الدهر : إذا أفناهم ، ولوى البقل ؛ إذا اصفر ولم ~~يستحكم يبسه. # ( @QUR@01 بألسنتهم ): اللسان هو آلة الكلام ، واللسان : اللغة ، ومنه ~~قوله : ( @QUR@07 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) [إبراهيم : 4]. # ( @QUR@01 وطعنا ): أصل الطعن بالرمح ، ونحوه الطعن باللسان. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وقد جاء عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@02 ليا بألسنتهم ) [النساء : 46] ، ~~«أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم ، كانا إذا تكلم رسول PageV07P284 # الله صلى الله عليه وآله وسلم لويا بلسانهما وعاباه» (1). # * * * ### ||| ** من نماذج الأساليب اليهودية في عداواتهم للمسلمين # وينطلق القرآن إلى واقع حياة المسلمين في مجتمعهم الذي يعيش فيه غيرهم ؛ ~~من اليهود الذين أوتوا الكتاب وهو التوراة ، ولكنهم حرفوه عن معانيه ~~الحقيقية ، ووقفوا وجها لوجه أمام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه ~~، ليعلنوا عليهم الحرب سرا وجهرا. وكان من بين أساليبهم استعمال التوراة ~~كسلاح ديني ، يحاولون من خلاله تضليل المسلمين وخلق أجواء الشك في داخلهم ، ~~ليبعدوهم بذلك عن حالة الإيمان والطمأنينة ، فيكون ذلك سببا في تهديم ~~القاعدة الداخلية للإسلام في المجتمع الإسلامي. # وينطلق القرآن ، ليحدد ملامح هؤلاء وليكشف أساليبهم المتلونة ، وليخلق في ~~داخل الوعي الإسلامي طرق المواجهة الواعية التي تعرف كيف تتعامل مع أعدائها ~~، كما تعرف كيف تتعامل مع أصدقائها فلا يختلط عليها العدو مع الصديق ، ولا ~~يشتبه عليها أسلوب التعامل مع الأعداء بأسلوب التعامل مع الأصدقاء. فإن ~~الله يريد للمؤمن أن ينفتح على الحياة من موقع وضوح الرؤية للناس وللأشياء ~~، لأن الإنسان الذي يتعامل مع القضايا بوضوح سيبقى في طريق النور ، ولن يضل ~~السبيل في أي مجال من المجالات. # وهكذا وجه الله الخطاب إلى النبي ، ليكون هو الذي يفتح عيون الناس على ~~الحقيقة ؛ ثم خاطب المسلمين ، ليوحي إليهم بأنه يخاطبهم من خلال رسول الله ~~، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطلق معهم من خلال ذاته ، بل من خلال ~~رسالته ، التي تحتويهم جميعا. PageV07P285 # ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) فهم ms1566 لم يحصلوا على ~~الكتاب كله ، بل على نصيب منه ؛ لم يعيشوا معه في أفكارهم ومشاعرهم ، ولم ~~يندمجوا مع خططه ومعانيه الروحية ، بل أخذوه بأطراف ألسنتهم ، ليستغلوا ذلك ~~في أطماعهم وشهواتهم. # ( @QUR@06 يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) وتلك هي ملامحهم ؛ ~~فإنهم لا يسيرون في خط الهدف الباحث عن الحقيقة ، ليرتبطوا بها ، ولينقلوا ~~خطواتهم مع خطوات الآخرين السائرين في هدى الله ، ليزدادوا هدى بهداهم ، بل ~~إنهم يسيرون على العكس من ذلك في خطوات الضلال ؛ فقد حددوا لأنفسهم هذا ~~الاتجاه ، انطلاقا من أطماعهم وشهواتهم ، وبدأوا يبحثون عن الوسائل التي ~~تمكنهم من الوصول إلى ما يريدون ، فاشتروا الضلالة بكل ألوانها ووسائلها ~~وأهدافها ، وانحرفوا عن الهدى الذي شاهدوه نصب أعينهم ، ولم يقتصروا في ذلك ~~على أنفسهم ، بل عملوا على أن يضللوا الآخرين الذين اتبعوا الهدى فكرا ~~وعملا. وهكذا خاطب الله المسلمين وحذرهم أن ينتبهوا إلى ذلك كله ، فيعرفوا ~~ملامحهم ويتعرفوا إلى مقاصدهم في تضليلهم. # ( @QUR@09 والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) فلا ~~تنظروا أيها المؤمنون إلى ظواهر أحوالهم فتنخدعوا بها ، وذلك لما يحاول ~~هؤلاء أن يصوروه لكم من مظاهر المودة والمحبة ، لتستسلموا إليهم في أساليب ~~خداعهم وتضليلهم ، بل انظروا إلى عمق مشاعرهم وتفكيرهم ، من خلال ما يظهره ~~الله لكم من أمرهم ، ويعرفكم إياه من حالهم ، فإن الله أعلم منكم ببواطن ~~الأشخاص ، لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهو أعلم بأعدائكم ، ~~فلا توالوهم ولا تركنوا إليهم ، لأن وليكم الله الذي لا ولي غيره ، وناصركم ~~الله الذي لا ناصر أقوى منه. ومن كان الله وليه ونصيره ، فإنه يكفيه PageV07P286 # كل شيء ، وينصره على كل شيء ، ولا يحوجه إلى أعداء الله لينصروه وليكفوه ~~مما يهمه من أمور الحياة. # ( @QUR@07 من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ) هؤلاء هم اليهود ~~الذين هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا. وقد حدثنا الله عنهم أنهم لا ~~يواجهون القضايا من موقع مداليلها الحقيقية بصراحة ووضوح ، ولا يستقيمون في ~~تعاملهم مع المبادئ والأشخاص والكلمات ؛ بل يعملون على تحريف الأمور ولا ~~سيما الكلمات التي ms1567 توحي بالمبادئ الصحيحة عن مواضعها ، بما يتناسب مع ~~شهواتهم وأهدافهم. ولهذا ، فإن على المؤمنين أن يحذروا منهم ، حتى في ~~الحالات التي يتحدثون فيها بكلام الله ، لأنهم سوف يستغلون أجواء قداسة ~~الكلمات ، وشعور الآخرين بأنهم أي اليهود يعرفون من كلام الله ما لا يعرفه ~~غيرهم ؛ وبذلك يضللون الناس باسم الهدى ، وهم لا يشعرون. وهذا أسلوب قرآني ~~يريد الله من خلاله أن يوحي للمؤمنين بأن يدرسوا طبيعة الأشخاص من مواقع ~~تاريخهم وانتماءاتهم وعلاقاتهم ومواقفهم ، قبل الاستماع إليهم ، ليعرفوا من ~~ذلك نوعية الأساليب التي يتبعونها في الدعوة والمعاملة والموقف ، ليحذروا ~~مما يمكن أن يكون موقفا للحذر في ذلك كله. # ( @QUR@012 ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم ~~وطعنا في الدين ... ) تلك هي حالهم في مواجهتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~؛ فقد كانوا يقولون : سمعنا وأخذنا علما بما تقول ، ولكننا لن نطيعك في ذلك ~~كله. فكأنهم يحاولون بذلك أن يثيروا حالة من الاستهزاء في إقرارهم بالسماع ~~، ويضيفون إلى ذلك قولهم : «اسمع ، لا أسمعك الله» ؛ وهو معنى قولهم : ~~راعنا في لغة اليهود ؛ وكانوا يستعملونها للتمويه ، فهم يريدون منها المعنى ~~بحسب لغتهم ، ولكن المسلمين يفهمون منها أنظرنا من المراعاة حتى PageV07P287 # يستوعبوا الكلام. وكانوا يلوون ألسنتهم بالكلام ، فيظهرون الباطل في صورة ~~الحق ، ويوحون بالازدراء والسخرية والاستهزاء ، ويطعنون بالدين بذلك ~~الأسلوب وبغيره ... ( @QUR@011 ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم ... ) إنهم لا يطلبون لأنفسهم الخير ، فلا ينفتحون على ~~دعوة الخير الموجهة إليهم بقلوب مفتوحة وأفكار واعية ، لأنهم أغلقوا مسامع ~~قلوبهم وأفكارهم عن الخير كله. ولو طلبوا لأنفسهم الخير ، لكان قولهم عند ~~ما يسمعون كلام الله : سمعنا وأطعنا ، ولكان قولهم بدل كلمة «راعنا» : اسمع ~~وأنظرنا ، حتى نتعرف عمق الكلام وسعته. ( @QUR@04 فلا يؤمنون إلا قليلا ) ~~منهم ، أو إلا قليلا من الإيمان ، في ما ألزمهم الله به من مسئوليات الكفر ~~ونتائجه ؛ والله العالم. # * * * PageV07P288 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ~~من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما ms1568 لعنا أصحاب السبت ~~وكان أمر الله مفعولا (47) @QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) (48) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نطمس ): الطمس : إزالة الأثر بالمحو ، والطامس والداثر ~~والدارس بمعنى واحد. # ( @QUR@01 أدبارها ): جمع دبر ، وأصله من الدبر يقال : دبره يدبره دبرا ~~فهو دابر إذا صار خلفه ، والدابر التابع ، وقوله : ( @QUR@03 والليل إذ ~~أدبر ) [المدثر : 33] ، معناه تبع النهار ، والتدبير إحكام أدبار الأمور ~~وهي عواقبها. # ( @QUR@01 افترى ): اختلق وكذب ، وأصله من خلق الأديم يقال : فريت الأديم PageV07P289 # أفريه فريا ، إذا قطعته على وجه الإصلاح ، وأفريته ، إذا قطعته على وجه ~~الفساد. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قال في مجمع البيان : قال الكلبي : نزلت في المشركين وحشي وأصحابه ، وذلك ~~أنه لما قتل حمزة وكان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك ، فلما ~~قدم مكة ، ندم على صنيعه هو وأصحابه ، فكتبوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنا قد ندمنا على الذي صنعناه وليس يمنعنا عن الإسلام ~~إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة : ( @QUR@017 والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) [الفرقان : 68] ~~(الآيتان)، وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا ~~، فلو لا هذه لاتبعناك ، فنزلت الآية : ( @QUR@07 إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا ) [الفرقان : 70] ، (الآيتان)، فبعث بهما رسول الله إلى وحشي ~~وأصحابه ، فلما قرأهما كتبوا إليه أن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا ~~صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية ، فنزلت : ( @QUR@04 إن الله لا يغفر ) ~~الآية ، فبعث بها إليهم فقرءوها ، فبعثوا إليه أنا نخاف أن لا نكون من أهل ~~مشيئته ، فنزلت ( @QUR@017 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) فبعث بها إليهم ، فلما قرءوها ~~دخل هو وأصحابه في الإسلام ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبل ~~منهم ، ثم قال لوحشي : أخبرني كيف قتلت حمزة ، فلما أخبره قال : ويحك غيب ms1569 ~~شخصك عني ، فلحق وحشي بعد ذلك بالشام وكان بها إلى أن مات (1). PageV07P290 # وروي في الميزان عن أبي مجلز قال : لما نزلت ( @QUR@05 قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا ) الآية ، قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فتلاها على ~~الناس ، فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله؟ فسكت ، مرتين أو ثلاثا فنزلت ~~هذه الآية : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء ) الآية ، فأثبتت هذه في الزمر وأثبتت هذه في النساء (1). # وقد جاء في الطبري عن ابن عمر ، قال : كنا معشر أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ~~، وقاطع الرحم ، حتى نزلت هذه الآية : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فأمسكنا عن الشهادة (2). # ونلاحظ في الروايتين السابقتين المزيد من التكلف ، فنحن لا نفهم كيف ~~يتابع رسول الله معهم الحديث كتابا بكتاب ليعترضوا عليه بآية لينزل الله ~~عليه آية ، كما لو كانت الآية الأولى غير كافية في بيان المفهوم القرآني ~~الإسلامي. وهكذا تتلاحق الاعتراضات لتتلاحق الآيات النازلة المتدرجة ، في ~~الوقت الذي نعرف فيه من خلال التأمل في الآيات أن كل آية تعالج جانبا يختلف ~~عن الجانب الذي تعالجه الآية الأخرى مما يجعل الآيات تتكامل من دون أي ~~نقصان أو أية ثغرة في هذه الآية أو تلك ، هذا مع ملاحظة الاختلاف في مناسبة ~~نزول الآية ، ولذلك فإننا نتحفظ في اعتبار الروايتين في مضمونهما سببا ~~للنزول. # * * * PageV07P291 # ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به ) # وتتصاعد أجواء التحذير والتهديد لهؤلاء الذين أوتوا الكتاب ، بعد أن ~~استنفدت أساليب الإقناع والعتاب ، فيأتي النداء حاسما بالاستسلام لدعوات ~~الإيمان التي تحمل في داخلها الحجة المقنعة لهم ؛ ( @QUR@011 يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ) فهذا الكتاب الذي نزله الله ~~على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، جاء مصدقا لما معهم من الكتاب ، ومنسجما مع ~~الأجواء الروحية والفكرية المهيمنة عليه ، مما يدل على وحدة المصدر والطريق ~~والهدف ms1570 ؛ الأمر الذي يفتح لهم أبواب القناعة ، ( @QUR@03 من قبل أن (1) ~~@QUR@05 نطمس وجوها فنردها على أدبارها ). فإن لم يفعلوا وساروا في طريق ~~التمرد والتحدي ، فإن الله سوف يطمس وجوههم فيردها على أدبارها ؛ وذلك ~~كناية عن العقاب الذي يغير كل ملامحهم ، حتى يتساوى وجه الإنسان مع ظهره. ~~وقد جاء عن بعض المفسرين أن المعنى : أن نطمسها عن الهدى فنردها على ~~أدبارها في ضلالتها ذما لها بأنها لا تفلح أبدا ، وقيل : إن معناه نجعل في ~~وجوههم الشعر كوجوه القرود ، وقيل : إن المراد حتى نمحو آثارهم في وجوههم ~~أي نواحيهم التي هم بها ، وهي الحجاز الذي هو مسكنهم ونردها على أدبارها ~~حتى يعودوا إلى حيث جازوا وهو الشام ، ( @QUR@06 أو نلعنهم كما لعنا أصحاب ~~السبت ) أو يلعنهم كما لعن أصحاب السبت فيمسخهم قردة وخنازير. ( @QUR@04 ~~وكان أمر الله مفعولا ) في ما يتوعد به أو يهدد المنحرفين عنه والمعاندين ~~لرسله ورسالاته. # ولقد جعل الله على نفسه المغفرة للعاصين والمنحرفين عن هداه ، من خلال ~~رحمته التي وسعت كل شيء ، ليرجعوا إليه ، وليستقيموا في طريقه ، وليبدأوا ~~حياة جديدة في خط الطهر والاستقامة والإيمان ، لأن المعصية قد تنطلق من ~~نزوة ، وقد تتحرك من هفوة ، وقد تعيش في حياة الإنسان نتيجة خطأ أو غرور أو ~~شبهة يلتبس فيها الحق بالباطل ، فيريد الله PageV07P292 # للإنسان أن لا يتعقد أمام هذه الحالات الطارئة فيبتعد عن طريق الله ، وأن ~~يرحم من خلال ذلك ضعفه ، ليستعين بذلك على تحويله إلى قوة ، لأن الله ~~الخالق يعرف الطاقات المبدعة التي أودعها فيه ، ويوحي له في كل حالة من ~~حالات الانحراف التي تجمدت في حياته ، بأن يبدأ بتفجيرها في خط الطهر ~~والخير والاستقامة والإيمان. # ولكن من هو هذا الإنسان الذي يستحق كل هذه العناية والمغفرة والرعاية ~~فيتحقق من ذلك كل ما يريده الله للإنسان من نتائج إيجابية في بناء حياته من ~~جديد؟ إنه الإنسان الذي تنطلق حياته من قاعدة الإيمان بالله ، الذي هو سر ~~تجدد الطاقات الإنسانية الروحية المبدعة في حياته ؛ فهو الذي يملأ تفكيره ~~بالخير والسلام ، ويفجر في روحه ms1571 الإحساس بالنور والانفتاح كلما اقترب الشر ~~من فكره وتحرك الظلام في روحه ، وهو الذي يجعله يتراجع عن خط الانحراف ، ~~لأنه الميزان الذي يستطيع من خلاله أن يزن كل الأشياء في نفسه وفيمن حوله ~~وما حوله ، ليعرف ما يأخذ وما يدع ، عند ما يريد أن يصحح مسار حياته من ~~جديد. أما الإنسان الذي يعيش الظلام داخل عقله ، فكرا أسود يعشش الضلال في ~~آفاقه ، فيغلق عينيه عن الآفاق المنفتحة على النور الذي يكشف أمام الإنسان ~~عن الحقيقة في الأعماق ، ويخنق في روحه الإحساس بالحاجة إلى التفكير الأبيض ~~الناصع الذي يواجه الأشياء بعفوية وبساطة وانفتاح ، فيعقد الأمور التي لا ~~تعقيد فيها ، ويحمل الأشياء أكثر من طبيعتها الذاتية ، وهو الإنسان الذي ~~يلتقي بالله في فكره وإحساسه ، فلا يدفع ذاته إلى الإيمان به ، بل يهرب من ~~الفكرة في حياته ، فيلحد بالله من دون أساس للإلحاد ، أو يشرك به غيره من ~~دون قاعدة فكرية للشرك ، بل هي الشبهات التي تضج في الفكر والإحساس من غير ~~عمق ولا امتداد ؛ إنها مجرد عقدة نفسية سوداء ، كما هي العقدة المريضة ~~المتأصلة في النفوس التي لا تحب النور ولا تؤمن بالخير. PageV07P293 # أما هذا الإنسان ، فإن الله لا يغفر له ، لأنه لا يستحق الرحمة ، فهو لم ~~يتعلق مع الله بأي سبب من الأسباب ؛ وهكذا يقف الناس أمام الله يوم القيامة ~~، بين مؤمن امتلأت حياته ببعض المعاصي ، وبين كافر أشرك بعبادة الله غيره ، ~~ممن لم يؤمن بالله ، أو آمن على طريقة أهل الشرك ، لأن ذلك شرك كله. ( ~~@QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) إن ~~المؤمن ينتظر مغفرة الله ، لأنه يعتقد أن الله قد يشاء الغفران لبعض ~~العاصين ، أما الكافر ، فلا ينتظر إلا عقاب الله ، لأنه لا مجال للمغفرة. ~~أما الذين تراجعوا عن الكفر والشرك في حياتهم عن التزام وإيمان ، فهم في ~~رحمة الله وغفرانه ، لأنهم ليسوا بكفرة ولا مشركين الآن ؛ بل هم المؤمنون ~~الموحدون في موقفهم أمام الله يوم القيامة. # ثم تعقب الآية على ذلك ms1572 بخطورة الشرك وعظمة الانحراف فيه ، وذلك في قوله ~~تعالى: ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) وأي إثم أعظم من ~~الإثم الذي يبتعد فيه الإنسان عن خط الإيمان بالله الواحد ، الذي ينطق به ~~كل شيء في الحياة ؛ في داخل نفس الإنسان وفي خارجها ، وما يستتبع ذلك من ~~نكران للجميل ، ومن تمرد على الله وانحراف عن سبيله. إنه الافتراء الذي ~~يتعلق فيه الإنسان بأي شيء مهما كان نوعه وشأنه ؛ فليعرف المشركون كيف ~~يواجهون الموقف من موقع الحق والمصير. # * * * PageV07P294 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا ~~يظلمون فتيلا (49) @QUR@010 انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما ~~مبينا ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يزكون ): يمدحون أنفسهم ويصفونها بالزكاة والطهارة ، ~~ويعتبرونها من موقع السمو والرفعة ، والتزكية : التطهير والتنزيه أو النمو. # ( @QUR@01 فتيلا ): كناية عن الشيء الحقير الذي لا يعتد به ، والفتيل هو ~~النقطة التي على النواة أو هو شق النواة أو ما في بطنها. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال الكلبي : نزلت في رجال من PageV07P295 # اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم ، قالوا : يا محمد ، هل ~~على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال : لا ، فقالوا : والذي نحلف به ما نحن إلا ~~كهيئتهم ، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل ، وما من ذنب نعمله ~~بالليل إلا كفر عنا بالنهار ، فهذا الذي زكوا به أنفسهم (1). # وقيل كما جاء في مجمع البيان : نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا : نحن ~~أبناء الله وأحباؤه ، قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى عن ~~الضحاك والحسن وقتادة والسدي ، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام (2). # ونلاحظ على الرواية الأولى ، أننا لا نفهم كيف أن اليهود المعادين ~~للإسلام وللرسول ، يأتون إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليسألوه عن ~~مصيرهم في الآخرة بلحاظ أعمالهم في النهار أو الليل بما يكفر عنهم الذنب ~~الذي فعلوه في الوقت الآخر ، لتكون النتيجة أنه لا يبقى عليهم أي ذنب في ~~نهاية المطاف ، في ms1573 الوقت الذي لا يزالون فيه على دينهم ، مما يجعل الرواية ~~بعيدة عن طبيعة الأمور. # أما الرواية الثانية فهي الأقرب إلى جو الآية ، باعتبار أن اليهود ~~والنصارى كانوا في ذلك الوقت ، وربما في مراحل أخرى ، يتحدثون بهذه الطريقة ~~التي يرون فيها أنهم ، وحدهم القريبون إلى الله وأنهم يدخلون الجنة دون ~~غيرهم ، ولكن مهما كانت المناسبة التي أطلقت حركة الآية في أجواء نزولها ، ~~فإنها لا تختص بهذه المناسبة بل تمتد إلى كل النماذج الإنسانية التي تعيش ~~في داخلها الإحساس المرضي بعقدة التعاظم الذاتي الذي يوحي إلى الإنسان ~~بالإعجاب والرضا بالمواصفات الشخصية التي يملكها في نفسه وفي PageV07P296 # حياته ، لأن سبب النزول يمثل المنطلق للفكرة لا المدى المحدود الضيق فيها. # * * * # لا تزكوا أنفسكم ، ( @QUR@05 بل الله يزكي من يشاء ) # ربما كانت هاتان الآيتان امتدادا للحديث الذي بدأه القرآن في هذا الفصل ~~عن اليهود ؛ فقد ذكر في آيات أخرى ، أنهم يدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه ، ~~وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ، وأنهم أولياء الله من دون الناس ، ~~إلى غير ذلك من الكلمات التي كانوا يزكون فيها أنفسهم ، فيعتبرونها في موقع ~~السمو والرفعة ، ليوحوا لأنفسهم بعقدة الاستعلاء ويعمقوها في وعي أجيالهم ~~المقبلة من أبنائهم وأحفادهم ، وليثيروا هذا التصور في أعماق الشعوب الأخرى ~~، لتستكين لهم ولتخضع لطموحاتهم وأطماعهم. وجاءت الآية الأولى لتوجه ~~الإنسان إلى التطلع نحوهم لمراقبتهم في كلماتهم وأوضاعهم ومواقفهم وطريقتهم ~~في ممارسة العلاقات مع الآخرين ، ليفحص هذا الزيف الذي يحاولون أن يصوروه ~~الحقيقة ؛ فهم لا يعيشون الملامح الحقيقية للصفات التي ينسبونها لأنفسهم ، ~~بل هم بشر كبقية البشر الآخرين ، بل قد يكون لغيرهم من الصفات الطيبة ما ~~ليس لهم ، ممن عاشوا الحياة من موقع الصفاء والطهر والبساطة ، ولم يعيشوها ~~من موقع الخبث والتعقيد. # وقد دعت الآية كل إنسان إلى أن يرى بعينيه الحقيقة ( @QUR@02 ألم تر ) ~~أتترك لكل فرد مجال الحكم من خلال التأمل والدراسة ، ليحصل على المعلومات ~~الحية في ما يراه ويتأمله ويقتنع به وقد نلمح في جو الآية بعض الإيحاء ~~بالأسلوب الذي يدعو الناس إلى ms1574 رفض هؤلاء الناس ومحاولة اكتشاف الزيف الذي ~~تغطيه ظواهر حالهم. # وإذا كانت النقطة التي انطلقت منها الآية تتركز على النموذج اليهودي PageV07P297 # من الناس ، فإن المبدأ لا يقف عندها ، بل يمتد إلى كل النماذج التي تحاول ~~أن تجعل لنفسها امتيازا على الناس الآخرين ، من خلال الخصائص القومية ~~والإقليمية واللونية والنسبية. وربما نستوحي من ذلك امتداد الموضوع إلى ~~أبعد من هذا ، فنلتقي بالأفراد الذين يرون لأنفسهم بعض الامتيازات التي ~~تسمح لهم بالاستعلاء على الآخرين. إن الآية ترفض ذلك كله ، ( @QUR@06 ألم ~~تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) فلا امتياز لأحد على أحد إلا من خلال الميزات ~~الحقيقية في العلم والعمل وغيرها من صفات الذات ، مما يعلمه الله ويعلم ~~مواضعه ، ( @QUR@05 بل الله يزكي من يشاء ) وبذلك فإن الله هو الذي يزكي من ~~يشاء ، لأنه هو الذي يعلم واقع الأشياء في العمق والامتداد ؛ فقد يكون لبعض ~~الأشخاص صفات لا يملكها الآخرون ، ولكن ذلك لا يبرر لهم الشعور بالامتياز ، ~~لأن هؤلاء الآخرين قد يملكون من الصفات المميزة ما لا يملكه هؤلاء الأشخاص ~~؛ فإن الله لم يجمع كل الميزات بشكل مطلق في فرد أو شعب أو عنصر أو أمة دون ~~سائر الأفراد أو الشعوب أو العناصر أو الأمم ، بل اقتضت حكمته سبحانه ~~وتعالى أن يعطي لكل أمة خصائصها التي يمكن أن لا تكون موجودة عند أمة أخرى ~~، والأمر بالعكس لدى هذه الأمة ، وعلى هذا الأساس فإننا لا نعتبر أن هناك ~~أمة أعلى من أمة أخرى ، بل إن المبدأ القرآني هو الذي عبرت عنه الآية ~~الكريمة ( @QUR@021 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) [الحجرات : 13]. # وبذلك لا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ، بل يحاول أن يقوم بواجبه في تنمية ~~صفاته الطيبة ومواقفه العملية المميزة ، ليقف بين يدي الله من موقع خصائصه ~~الذاتية الحقيقية ، لينال تزكيته ورضاه ، وليحصل على نتائج عمله ؛ ( ~~@QUR@03 ولا يظلمون فتيلا ) فإن الله لا يظلم الناس من أعمالهم شيئا ، ولو ~~بمقدار الفتيل الذي هو ms1575 عبارة عما يكون في شق النواة ، أو بطنها ، أو النقطة ~~التي تكون عليها ، بل ربما نفهم من جو الآية ، أن على الإنسان أن يتواضع في PageV07P298 # كل مجالات عمله ، وفي كل خصائصه ، ويقف موقف الناقد لكل ذلك ليستطيع ~~القيام بدور أكبر وأكثر جودة وإتقانا وتركيزا ، عند ما لا يثق بتقييمه ~~للأشياء وللأعمال ، بل يترك الأمر لله الذي يعلم من خصائص الإنسان ما لا ~~يعلمه هو عن نفسه. وهكذا تنطلق المشاعر في علاقة الناس ببعضهم البعض من ~~الجانب الإنساني الذي يحترم في كل إنسان أو شعب خصائصه الإيجابية ؛ كما ~~ينظر بواقعية إلى الأوضاع السلبية التي يعيشها في نفسه. ولعل مثل هذه ~~النظرة هي التي تبعد الناس عن الروح العدوانية المتكبرة التي تثيرها مشاعر ~~الاستعلاء والزهو الذاتي ، لينطلقوا جميعا من مواقع النشاطات والأعمال التي ~~يتدافع الناس للتسابق إليها في ميدان الحياة. # ( @QUR@06 انظر كيف يفترون على الله الكذب ) ثم تتابع هذه الآية ، ~~التأكيد على الفكرة في توجيه النظر إلى ما يتضمنه هذا الاتجاه في التزكية ~~للنفس من افتراء على الله ، لأنهم ينسبون هذا الامتياز الذي يدعونه لأنفسهم ~~إلى قول الله ووحيه ؛ ( @QUR@04 وكفى به إثما مبينا ) وأي إثم أعظم من ~~الكذب على الله ، في ما لم يقله ولم يجعله لأحد. # * * * PageV07P299 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) ~~@QUR@011 أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالجبت ): الجبت : كل ما عبد من دون الله ، وقال صاحب مجمع ~~البيان : الجبت لا تصريف له في اللغة العربية ، وروي عن سعيد بن جبير أنه ~~قال : هو السحر (أو الساحر) بلغة أهل الحبشة ، وهذا يحمل على موافقة ~~اللغتين ، أو على أن العرب أدخلوها في لغتهم فصارت لغة لهم (1). # ( @QUR@01 والطاغوت ): الطغيان في الحكم والنظام والواقع ، والحاكم ~~الظالم يسمى طاغوتا. # ( @QUR@02 لعنهم الله ): اللغة : الإبعاد من رحمة الله عقابا عليم ~~معصيته ، فلذلك PageV07P300 # لا يجوز لعن البهائم ولا من ليس بعاقل من المجانين والأطفال لأنه ms1576 سؤال ~~العقوبة لمن لا يستحقها ، فمن لعن بهيمة أو حشرة أو نحو ذلك فقد أخطأ لأنه ~~سأل الله تعالى ما لا يجوز في حكمته فإن قصد بذلك الإبعاد على وجه العقوبة ~~جاز ، كما جاء في مجمع البيان (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن عكرمة قال : جاء حيي بن أخطب ~~وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة ، فقالا لهم : أنتم أهل الكتاب وأهل العلم ~~القديم ، فأخبرونا عنا وعن محمد ، فقالا : ما أنتم وما محمد؟ قالوا : نحن ~~ننحر الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونفك العاني ، ونصل الأرحام ، ~~ونسقي الحجيج ، وديننا القديم ودين محمد الحديث ، قالا : بل أنتم خير منه ~~وأهدى سبيلا ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب ) إلى قوله تعالى : ( @QUR@07 ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ). # وقال المفسرون : خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد ~~وقعة أحد ليحالفوا قريشا على غدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينقضوا ~~العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزل كعب على ~~أبي سفيان ونزلت اليهود في دور قريش ، فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب ، ~~ومحمد صاحب كتاب ، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم ، فإن أردت أن نخرج معك ~~فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ، فذلك قوله : ( @QUR@03 يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت )، ثم قال كعب لأهل مكة : ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون ، فنلزق ~~أكبادنا بالكعبة ، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ، ففعلوا ذلك ، ~~فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ، PageV07P301 # ونحن أميون لا نعلم ، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق ؛ أنحن أم محمد؟ ~~فقال كعب : اعرضوا علي دينكم ، فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكوماء ، ~~ونسقيهم الماء ، ونقري الضيف ، ونفك العاني ، ونصل الرحم ، ونعمر بيت ربنا ~~، ونطوف به ، ونحن أهل الحرم ، ومحمد فارق دين آبائه ، وقطع الرحم ، وفارق ~~الحرم ، وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا ~~مما هو عليه ، فأنزل ms1577 الله تعالى : ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب ) يعني كعبا وأصحابه الآية (1). # ونلاحظ على هذه الرواية أن كعبا وهو اليهودي المتعصب يطرح على قريش أن ~~ينطلق ثلاثون يهوديا وثلاثون قرشيا فيلصقون أكبادهم بالكعبة ويعاهدون رب ~~الكعبة على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الذي نعرف فيه أن ~~اليهود لا يعترفون بالكعبة ولا يقدسونها ؛ الأمر الذي لا ينسجم مع الخط ~~اليهودي الذي لا يساومون عليه في العادة ، ولو في الشكل ، لأنه يخلق لهم ~~مشكلة كبيرة في مجتمعهم. هذا مع اختلاف الروايتين في بداية الحادثة. # * * * ### ||| ** اليهود يفضلون المشركين على المسلمين # وهذا لون جديد من ألوان انحراف هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ؛ فإذا ~~كانوا يؤمنون بالكتاب حقا ، فينبغي لهم أن يتوازنوا في علاقاتهم على أساس ~~قرب الناس من خط الإيمان وبعدهم عنه ، لتكون المفاهيم الكتابية هي القاعدة ~~التي ينطلقون منها في تأييد من يؤيدون ، ورفض من يرفضون ، لأن صاحب العقيدة ~~والإيمان يعمل على أساس تأكيد إيمانه في الحياة ، من خلال الالتقاء ولو في ~~خط الوسط بالذين ينسجمون مع مفاهيمه بعض الانسجام ، في مقابل الذين يبتعدون ~~عنها كل البعد. وعلى PageV07P302 # ضوء هذا ، كان من المفروض أن تكون علاقتهم بالمسلمين هي علاقة القريب ~~الذي تلتقي مفاهيمهم بمفاهيمه ، ليقفوا معهم في معركتهم ضد المشركين ، ~~باعتبار أنها معركة واحدة يقف فيها الكفر في جانب ، والإيمان في جانب آخر ؛ ~~ولكن القضية كانت على خلاف ذلك ، فقد وقفوا ضد المسلمين مع خصومهم ، ~~فتحالفوا معهم وانطلقوا يدبرون المؤامرات المشتركة ضد الإسلام والمسلمين. # ( @QUR@011 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ) عالج القرآن المسألة على أساس أن هؤلاء لا يؤمنون بالكتاب ، فقد ~~تحول الكتاب عندهم إلى مجرد شعار يستغلونه لتضليل الناس ، وسلعة يتاجرون ~~بها في أسواق الربح والخسارة ، فهم يؤمنون بالجبت الذي هو تعبير عن معبود ~~غير الله ، والطاغوت الذي هو تعبير عن الطغيان في الحكم والنظام ، فهم ~~يؤمنون بذلك ، في واقع الناس ، عند ما يتعاونون مع الطغيان والضلال ، وفي ~~ممارساتهم الخاصة ms1578 عند ما يمارسون الطغيان والإضلال في واقعهم الشخصي. ولهذا ~~كان تاريخهم تاريخ الطغيان ، في الفكر والعلاقات والعمل ، عند ما كانوا ~~يواجهون الرسالات بالجحود ، والرسل بالعدوان ، والحياة الباحثة عن السلام ~~بالحرب. # وهكذا امتد إيمانهم بالجبت والطاغوت في موقفهم الضال الجائر ، في ~~الموازنة بين المسلمين وبين المشركين ، ( @QUR@03 ويقولون للذين كفروا ) ~~فقد كانوا يقولون عن المشركين الذين يعبدون الأصنام ولا يدينون بدين الحق ~~ولا يؤمنون بالقيم الرسالية التي أنزلها الله على رسله : ( @QUR@06 هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) إنهم أهدى سبيلا من المؤمنين ؛ في الوقت الذي ~~يقف فيه المؤمنون ، ليعلنوا الإيمان بالله وبرسله وكتبه ، ويصدقوا بالتوراة ~~والإنجيل في كل شرائعهما ومفاهيمهما الأخلاقية والعملية. فكيف يمكن أن يصدر ~~مثل هذا عن أناس يعيشون الكتاب فكرا وعقيدة وشريعة؟ إنه منطق الكفر الذي PageV07P303 # يتخذ الإيمان بالكتاب ستارا يستتر وراءه ليخفي الحقد والشر والظلام ، إنه ~~إطار سقطت صورته يحتضن كل صورة جديدة باسم الصورة الحقيقية ، من خلال ~~أساليب الزيف والبهتان والضلال. # وقد نجد الكثير الكثير من هذه النماذج في الناس الذين يأخذون من المبادئ ~~والأفكار والديانات الإطار الذي يمثل الانتماء إلى الشكل ويعزلون حياتهم عن ~~المضمون ، كما هو واقع اليهود الذين يحملون في تحركهم السياسي شعار التوراة ~~، ولكنهم لا يؤمنون به جملة وتفصيلا ؛ وواقع بعض الاتجاهات المسيحية ~~السياسية التي تحاول أن تنطلق من العاطفة المسيحية كشعار ، ولكنها لا تلتزم ~~بالقيم المسيحية التي جاء بها الإنجيل في علاقاتها ومعاملاتها السياسية. ~~وقد نجده في بعض الأوضاع السياسية الإسلامية التي تتستر بالإسلام ، ولكنها ~~تخفي وراء ذلك مطامعها الشخصية والإقليمية والقومية. وعلى هذا الأساس نجد ~~أنهم ينطلقون في مواقفهم وعلاقاتهم من مصالحهم ، لا من مبادئهم ؛ ولهذا فهم ~~قد يفضلون مصالح الكافرين على مصالح المؤمنين ، تبعا لمصالحهم الذاتية ~~الخاصة ، أو للعقد النفسية المريضة التي تواجه أي معنى من معاني الإيمان أو ~~موقف من مواقف المؤمنين. # وقد وجه القرآن في هذه الآية المؤمنين إلى أن يرصدوا هذه النماذج بقوله ~~تعالى : ( @QUR@02 ألم تر ... ) للإيحاء بأن القضية لا تحتاج إلا إلى ~~التطلع إلى واقع هؤلاء ms1579 ، ليعرفوا الحقيقة القرآنية من خلال ذلك ؛ كأسلوب من ~~أساليب التربية الإسلامية التي تدفع الإنسان إلى أن يفهم الواقع ، من خلال ~~النظرة الواعية المنفتحة على الناس والأشياء ، من منطلق النظرة الإسلامية ~~إلى الحياة ؛ وبذلك تتحول الحياة لدى الإنسان المؤمن إلى ساحة للمعرفة ~~الشاملة لكل ما هو حوله ومن حوله ، ليبتعد بذلك عن جو السذاجة ، فيتطلع إلى ~~بواطن الأشياء كما يتطلع إلى ظواهرها. # ثم يتحدث القرآن في الآية الثانية عن الذين يعيشون الازدواجية PageV07P304 # بين ما يمثلون من انتماء وبين ما يمارسون في حياتهم من خطوات ؛ ( @QUR@04 ~~أولئك الذين لعنهم الله ) هؤلاء هم الذين لعنهم الله ، وأبعدهم عن ساحة ~~رحمته وغفرانه ؛ وكيف لا يبعدهم عن رحمته وساحة رضوانه ، وهم يسيئون إلى ~~المبادئ التي يقولون إنها وحي الله وكتاب الله. فإن الله لا يقرب إلا الناس ~~الطيبين الذين يعيشون الخير في أفكارهم وأفعالهم ومنطلقاتهم في الحياة. # ( @QUR@011 أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) فما ~~قيمة أن يلتف الناس من حوله ، أو يهتفوا باسمه ، أو يتجمعوا لنصرته؟ ما ~~قيمة ذلك كله إذا كان الله يريد أن يخذله؟ إنه سوف يحس بالوحشة تفترس أمنه ~~الداخلي ، عند ما يخلد إلى نفسه فيشعر بالوحدة ، لأن الله هو المهيمن ~~والمسيطر على الناس والأشياء ، بيده كل شيء ، أما الناس فإنهم لا يملكون ~~لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا إلا بالله ، ولا تنطلق علاقاتهم إلا من ~~خلال الضعف الإنساني المتحرك في نطاق الطمع والرغبة والخوف ، وما إلى ذلك ~~من نقاط الضعف الصغيرة والكبيرة ، فلا تمتلئ نفس الإنسان الذي يحترم نفسه ~~إلا من خلال قوة الله التي تفيض على حياته بالقوة النابضة بالحياة ، فإن ~~الإنسان الذي يشعر أنه مع الله ، أو أنه قريب إليه ، يشعر بأنه قوي كبير ~~بالله ، حتى لو لم يكن هناك من أحد حوله ، أو كان الناس كلهم ضده. وهذا ما ~~عبر عنه الإمام علي عليه السلام ، الذي كان يعيش الوحدة في طريق الحق وهو ~~يسير فيه بمفرده : «لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم ms1580 عني وحشة ~~...» (1)، وكان يقول لولده في وصيته له : «لا يؤنسنك إلا الحق ، ولا ~~يوحشنك إلا الباطل» (2) ويقول للناس : «أيها الناس لا تستوحشوا في طريق ~~الهدى لقلة أهله فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير ، وجوعها طويل» (3). PageV07P305 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) ~~@QUR@018 أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) @QUR@011 فمنهم من آمن به ومنهم ~~من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نقيرا ): كناية عن الشيء الطفيف وهي نقرة في ظهر النواة ، وهو ~~في الأصل من النقر وهو النكت ، ومنه المنقار لأنه ينقر به ، والناقور : ~~الصور لأنه ينقر فيه بالنفخ المصوت .. والنقير : خشبة ينقر وينبذ فيها. # ( @QUR@01 يحسدون ): يتمنون زوال نعمة الآخرين من المؤمنين عنهم ويسعون ~~في إزالتها. والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله ~~لها ، وهو خلاف الغبطة ، لأن الغبطة تمني مثل تلك النعمة لأجل السرور بها ~~لصاحبها ، ولهذا جاء الحسد مذموما والغبطة غير مذمومة. وقيل : إن الحسد من ~~إفراط البخل لأن البخل منع النعمة لمشقة بذلها والحسد تمني زوالها لمشقة ~~نيل صاحبها ، فالعمل فيهما على المشقة بنيل النعمة. وقد يتحول الحسد من ~~عقدة نفسية إلى عداوة وكيد ومكر وتآمر ، قال تعالى : PageV07P306 # ( @QUR@015 ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم ) [البقرة : 109] ، وقد حدثنا القرآن عن قصة قابيل الذي قتل ~~أخاه هابيل ، لأن الله تقبل قربان أخيه ولم يتقبل ، منه حسدا منه له. # ( @QUR@01 سعيرا ) أصلا السعير من السعر ، وهو إيقاد النار. واستعرت ~~النار أو الحرب أو الشر وسعرتها أو أسعرتها ، والسعر : سعر المتاع وسعره ~~تسعيرا ، وذلك لاستعار السوق بحماها في البيع ، والساعور كالتنور. # * * * ### ||| ** جزاء المستعلين والحاسدين # ( @QUR@010 أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) ماذا يملك ~~هؤلاء؟ لماذا يستعلون على الناس؟ ولم هذا الشعور بالفوقية؟ لماذا هذا كله؟ ~~هل هذا لأن لهم نصيبا من الملك ، فلا يعطون الناس نقيرا منه ms1581 وهي النقطة على ~~ظهر النواة انطلاقا من شعورهم بأنهم يملكون الدنيا وما فيها ، وما قيمة ما ~~يملكون ، والملك لله يؤتيه من يشاء ويسلبه عمن يشاء؟ ( @QUR@09 أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله ) أو أن موقفهم ينبع من عقدة ذاتية مرضية ~~في نفوسهم ، من كل الطيبين الخيرين الذين آتاهم الله من فضله الرسالة ~~والرفعة والدرجة العالية في الحياة؟ فهم لا يطيقون التطلع إلى الناجحين ~~وأصحاب الدرجة الرفيعة ، ولا يملكون الوصول إلى ذلك من خلال جهدهم ، لأنهم ~~لا يريدون أن يتعبوا أنفسهم أو يضحوا أو يجاهدوا للوصول إلى ما وصل إليه ~~الآخرون ، بل كل ما عندهم أن يحصلوا على المجد من دون جهد أو معاناة ، ~~تماما ككل الناس الذين يعيشون عقدة الحسد ، فيختنقون بها في شعور مرضي ~~بالقهر والمرارة ؛ وهكذا كان موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمؤمنين PageV07P307 # معه ، أو النبي وآله ، كما جاءت الرواية بذلك عن أبي جعفر محمد الباقر ~~عليه السلام (1)، في ما آتاه الله من فضل الرسالة والنبوة ، ولكن الله ~~سبحانه يذكرهم بما أنزله على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة وما آتاهم من ~~الملك ، ( @QUR@09 فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا ~~عظيما ) والله يؤتي فضله من يشاء ، فما ذا يريدون؟ وماذا يفعلون؟ فليموتوا ~~بغيظهم. واختلف الناس على الوحي الذي أنزله الله على إبراهيم وآله ، ( ~~@QUR@04 فمنهم من آمن به ) ممن انفتحت قلوبهم على الله وعلى رسالاته ، ( ~~@QUR@04 ومنهم من صد عنه ) ممن انفتحوا على وساوس الشيطان وأحابيله ؛ ( ~~@QUR@03 وكفى بجهنم سعيرا ) لمن انطلق بعيدا في خط الشرك والكفر والضلال. # * * * PageV07P308 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) @QUR@020 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ) (57) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نصليهم ): أي نشويهم. يقال : أصليته النار إذا ألقيته فيها ، ~~وصليته صليا إذا شويته ، وشاة مصلية : مشوية ، والصلاء : الشواء. # ( @QUR@01 نضجت ): احترقت وماتت بحيث لا يحس ms1582 بها ، ذلك لأن نهاية ~~الأعصاب مستقبلات الألم تكون في الجلد «الطبقة الثانية» ، ونضج الثمر أو ~~اللحم : أدرك وطاب. # ( @QUR@01 بدلناهم ): التبديل : التغيير ، يقال : أبدلت شيئا بشيء ، إذا ~~أبدلت عينا بعين ، وبدلت بالتشديد إذا غيرت هيئته ، وقد يكون التبديل بأن ~~يوضع غيره موضعه ، قال الله تعالى : ( @QUR@05 يوم تبدل الأرض غير الأرض ) ~~[إبراهيم : 48]. PageV07P309 # ( @QUR@01 ظلا ): الظل : أصله الستر لأنه يستر من الشمس ، فرؤية كل موضع ~~تكون فيه الشمس وتزول هو ظل وفيء ، وما سوى ذلك فظل ، ولا يقال فيه فيء ، ~~والظل : الليل لأنه كالستر من الشمس ، والظلة : السترة. # ( @QUR@01 ظليلا ): الظليل : الكنين ، ليس فيه حر ولا برد ، وقيل : ظل ~~دائم لا تنسخه الشمس كما في الدنيا ، وقيل : ظل متمكن قوي ، كما يقال يوم ~~أيوم وليل أليل وداهية دهياء ، يصفون الشيء بمثل لفظه إذا أرادوا المبالغة. # * * * ### ||| ** النار جزاء الكافرين وجنة الخلد جزاء المؤمنين # ( @QUR@07 إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ) هذا هو الجزاء ~~العادل لمن كفر بآيات الله ، ولمن آمن به وعمل صالحا ؛ فمن كفر بآياته في ~~كل الشرائع والمفاهيم التي أنزلها الله على عباده ، وهو يعرف أنها الحق من ~~ربه ، فإن النار تنتظره ( @QUR@06 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) ~~، حتى إذا نضجت جلودهم ، فإن الله يبدلهم بجلود غيرها ( @QUR@02 ليذوقوا ~~العذاب ) مرة بعد مرة ( @QUR@05 إن الله كان عزيزا حكيما ). # وقد جاء في مجالس الشيخ ، بإسناده عن حفص بن غياث القاضي قال : كنت عند ~~سيد الجعافرة جعفر بن محمد عليهما السلام لما قدمه المنصور ، فأتاه ابن أبي ~~العوجاء ، وكان ملحدا ، فقال : ما تقول في هذه الآية : ( @QUR@08 كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) هب هذه الجلود عصت فعذبت ، ~~فما بال الغير؟ قال أبو عبد الله عليه السلام : ويحك هي هي ، وهي غيرها. قال ~~: أعقلني هذا القول. فقال له : أرأيت لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها ، ثم ~~صب عليها الماء وجبلها ، ثم ردها إلى هيئتها الأولى ، ألم تكن PageV07P310 # هي هي ، وهي غيرها؟ فقال : بلى أمتع الله بك. ويعلق صاحب تفسير الميزان ~~على ذلك فيقول : ويعود حقيقة ms1583 الجواب إلى أن وحدة المادة محفوظة بوحدة ~~الصورة ، فبدن الإنسان كأجزاء بدنه باق على وحدته ما دام الإنسان هو ~~الإنسان ؛ وإن تغير البدن بأي تغير حدث فيه (1). وذلك هو جزاؤه ، لأنه لم ~~يتمرد نتيجة عدم وجود مجال للسير على هذا الخط أو لأنه لا مجال للإيمان ؛ ~~فإن الساحة مفتوحة للإيمان من موقع الحوار ، وللطاعة من موقع القناعة ؛ ~~فليست قضية الإيمان بالله من القضايا التجريدية التي يحملها الإنسان في ~~فكره ثم لا تؤثر في حياته شيئا ، وليست من قضايا الفلسفة الفارغة التي لا ~~يختلف حال الحياة عن نتائج السلب والإيجاب فيها ، بل هي من القضايا المتصلة ~~بحياة الإنسان وبحظه في الحياة ، وبذلك يكون الإنسان الذي يخون قضية ~~الإيمان خائنا لقضية الحياة والناس والحقيقة ؛ وبذلك كان حجم العذاب بحجم ~~خطورة القضية. # ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أما من آمن وعمل صالحا من موقع ~~المعاناة والقناعة والإيمان والسير على الخط المستقيم ( @QUR@02 سندخلهم ~~جنات )، فإن هناك الجنات التي ( @QUR@07 تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ) وهناك الخلود الأبدي الذي لا يذوق الإنسان معه طعم الموت ، ( ~~@QUR@04 لهم فيها أزواج مطهرة ) وهناك العلاقات الزوجية المتحركة في أجواء ~~الطهر ، وهناك الظل الظليل الذي يستروح فيه الإنسان الشعور بالأمن ~~والطمأنينة والسعادة في رحمة الله ورضوانه. # * * * PageV07P311 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) (58) # * * * ### ||| * معاني المفردات # ( @QUR@02 تؤدوا الأمانات ): أي توصلوها. # ( @QUR@03 نعما يعظكم به ): تقديره. نعم شيئا شيء يعظكم به. # ( @QUR@01 سميعا ): هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت. # ( @QUR@01 بصيرا ): هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يبصر المبصرات إذا ~~وجدت. والسامع هو المدرك للمسموعات ، والمبصر هو المدرك للمبصرات ، ولهذا ~~يوصف القديم فيما لم يزل بأنه سميع بصير ، ولا يوصف في القدم بأنه سامع مبصر. # * * * PageV07P312 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد ~~الدار ، كان سادن الكعبة ، فلما دخل النبي ms1584 صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم ~~الفتح ، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح ، فطلب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم المفتاح فقيل : إنه مع عثمان ، فطلب منه فأبى وقال : ~~لو علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أمنعه المفتاح ، فلوى علي بن ~~أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب ، فدخل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم البيت وصلى فيه ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن ~~يعطيه المفتاح ليجمع له بين السقاية والسدانة ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ~~ويعتذر إليه ، ففعل ذلك علي فقال له عثمان : يا علي ، أكرهت وآذيت ثم جئت ~~ترفق؟ فقال : لقد أنزل الله تعالى في شأنك وقرأ عليه هذه الآية ، فقال ~~عثمان : أشهد أن محمدا رسول الله ، وأسلم ، فجاء جبريل عليه السلام فقال : ~~ما دام هذا البيت ، فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان ، وهو اليوم في ~~أيديهم (1). # ونلاحظ على هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمثل قمة ~~المحافظة على الأمانة ، حتى أنه كان يلقب قبل النبوة بالأمين ، فكيف يمكن ~~أن يأخذ المفتاح من عثمان الذي يملك الحق في بقائه تحت يده كما تقول ~~الرواية في سبب نزول الآية بمعنى أن أخذه منه لم يكن شرعيا. أما إذا قيل ~~بأن النبي قد أخذه بحق لأنه صاحب السلطة الشرعية بصفته ولي الأمر الشرعي ~~الذي يملك الولاية على الكعبة بمقتضى صلاحياته في حاكميته بالإضافة إلى PageV07P313 # نبوته ، فكيف اعتبر المفتاح أمانة عنده لا يجوز له الاحتفاظ بها؟ هذا مع ~~ملاحظة أخرى ، وهي أن مصطلح الأمانة ، في أمثال هذا الموضوع ، أنها الوديعة ~~التي أودعها صاحبها أو صاحب الحق فيها عند الشخص ، لا التي أخذت منه ~~بالقوة. # إن هذه الرواية تسيء إلى مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى مقام ~~الإمام علي عليه السلام الذي تصرف حسب الرواية بأمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ ms1585 ما رآه من طلب النبي المفتاح من عثمان ورفض ~~الأخير لذلك لعدم اعترافه بأنه رسول الله ، فكيف اعتذر منه الإمام ~~عليه السلام ، والاعتذار كما نعرف لا يكون إلا عن ذنب ، مما يؤدي إلى أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مارس عملا غير أخلاقي بتصرفه المباشر وغير ~~المباشر. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، كان سياق الآية واردا في بيان الخط التشريعي ~~الذي أراد الله لنبيه والمؤمنين معه أن يتحركوا فيه في مسألة رد الأمانات ~~إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل ، مما يوحي بأن القضية تمثل القاعدة ~~الحيوية الإسلامية في سلوك المؤمنين في علاقاتهم بالآخرين أو ببعضهم البعض ~~في مسألة الأمانة والحكم ، مما يبعد معه أن يتأخر التشريع فيه إلى فتح مكة. ~~كما أن الظاهر أن الآية نزلت في سياق واحد ؛ الأمر الذي لا يتناسب مع وجود ~~خصوصية في الفقرة الأولى دون الثانية ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** عناصر السلامة العامة للتوازن الاجتماعي ### ||| ** أولا : أداء الأمانة # ( @QUR@08 إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وينطلق القرآن ~~في جولة جديدة مع المؤمنين ، من أجل تنظيم حياتهم الاجتماعية في علاقاتهم PageV07P314 # ومسئولياتهم ؛ وقد أكدت هذه الآية على عنصرين أساسيين من عناصر السلامة ~~العامة للتوازن الاجتماعي ، وهما أداء الأمانة ، والحكم بين الناس بالعدل. ~~فإذا انطلق الأفراد في خط الأمانة وعاشوا المسؤولية العملية ، في ما يأتمن ~~به بعضهم بعضا من الأموال التي يودعونها ليحفظوها ، أو من غير ذلك من ~~الأمانات ، التي قد تكون سرا من الأسرار ، أو عملا من الأعمال ، أو عرضا ، ~~أو نفسا ، أو غير ذلك مما يحمل الناس بعضهم بعضا مسئولية الحفاظ عليه ، فإن ~~المجتمع سيشعر بالأمن والطمأنينة على كل الأشياء التي يعتبرها أساسية ، ~~لأنه يجد الثقة التي تسود الأفراد في علاقاتهم وتحميهم من الإقدام على ~~الخيانة ، وبذلك يمكن لكل إنسان في المجتمع تجاوز الاستغراق في حاجاته ~~الخاصة إلى الشعور بالمسؤولية في ما يتعلق بحاجات الآخرين ، ليرعاها كما ~~يرعى حاجاته وأموره ؛ في مظهر من مظاهر التكامل الاجتماعي. وقد اعتبرت ~~النصوص الدينية الأمانة قمة الأخلاق الإسلامية ، وأشارت ms1586 إليها بعض الأحاديث ~~على أساس أنها الصفة التي يمكن أن يختبر من خلالها صدق إيمان الشخص ، وجاءت ~~بعض الآيات لتعبر عن المسؤولية ، التي تعني القيام بالتكليف عن إرادة ~~واختيار ، بكلمة الأمانة ؛ وذلك قوله تعالى : ( @QUR@018 إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا ) [الأحزاب : 72]. # * * * ### ||| ** ثانيا : الحكم بالعدل # ( @QUR@07 وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) وهذا هو العنصر ~~الثاني ، الحكم بالعدل ؛ فإن الله قد أنزل الرسالات كلها ليقوم الناس ~~بالقسط ، لما في ذلك من التأكيد على خط التوازن في الحياة ، الذي تستقيم به ~~الأمور وتتطور ، وترتكز على قاعدة ثابتة في واقع الأشياء ، فلا تنحرف بها ~~عاطفة ، ولا تجمح PageV07P315 # بها رغبة ، ولا تفسدها علاقة قريبة ، ولا تغيرها علاقة بعيدة ، بل كل ما ~~هناك ، أن في الساحة حقا يراد بلوغه وإعطاؤه إلى صاحبه ، من خلال المعطيات ~~الواقعية للقضية والظروف الموضوعية المحيطة بها ، فليست هناك عيون لامعة ~~متنقلة بين مزاج الإنسان ورغبته وبين مفردات الواقع ، ليحاول التوفيق بين ~~هذا وهذا ، أو تغليب هذا على ذاك ، بل هناك عين واحدة جامدة وعقل واحد هادئ ~~، يحدقان بالواقع من خلال معطياته ، بعيدا عن كل شيء آخر يمنع القضية من أن ~~تأخذ مجالها الطبيعي في الوصول إلى النتيجة الحاسمة. وهذا ما أكده القرآن ~~في أكثر من آية ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@035 ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون ) [الأنعام : 152] ، وفي قوله تعالى : ( @QUR@027 يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ~~ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) ~~[المائدة : 8] ، وفي قوله تعالى : ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ms1587 وإن تلووا أو تعرضوا ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) [النساء : 135]. # ومن الواضح أن العدل لا يختص بالمنازعات الحاصلة في مجالس القضاء ، بل ~~يتسع ليشمل كل القضايا التي يختلف الناس فيها ، في شؤون الحكم من حيث علاقة ~~الحاكم بالمحكومين ، وعلاقات الناس ببعضهم ، وفي شؤون التقييم للأشخاص ~~والأوضاع ، وفي تقديرهم للمواقف من خلال ما تختزنه من مؤثرات وما يحيط بها ~~من ظروف ... وبذلك يكون العدل هو السمة البارزة التي تطبع الواقع الإسلامي ~~في حياة الفرد ؛ العائلية أو العامة من جيران وأقارب وأصدقاء ومعارف ... ~~إلخ لا سيما الذين يتحمل مسئوليتهم ويتحملون مسئوليته ، في نظرته للأمور ، ~~وفي كلماته وأعماله PageV07P316 # وفي حياة المجتمع ، في تصرفاته وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى ، ليكون العدل ~~هو الأساس الذي يحكم التصرفات والعلاقات ، بعيدا عن موازين القوة والضعف ~~والقرب والبعد ، لتتكامل الحياة وتتوازن في أوضاعها العامة والخاصة ، ~~وتحتضن قيمها الروحية والمادية في عدالة وسلام. # ( @QUR@05 إن الله نعما يعظكم به ) وتلك هي الموعظة ، التي هي نعم ~~الموعظة ، فإن الله لا يعظ الناس بالمواعظ الفارغة التي لا تقدم لهم شيئا ~~كبيرا في بناء حياتهم وشخصيتهم ، بل في كل مواعظه الخير والبركة والإصلاح ، ~~فلا بد للمؤمنين من الارتباط بها والسير على هداها ، فإنه يسمع كل ما ~~يقولون مما يتصل بالعدل والأمانة ، ويبصر كل ما يعملونه في كل شؤون الحياة ~~العامة والخاصة ( @QUR@05 إن الله كان سميعا بصيرا ). # * * * PageV07P317 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (59) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وأولي الأمر ): أصحاب الأمر والشأن فالأمر من شأنهم وهم ~~حقيقون به فلا يخالفون أمر الله وأمر رسوله ، وهم الأئمة المعصومون ، وقيل ~~غير ذلك. # ( @QUR@01 تأويلا ): مآلا ومرجعا وعاقبة ، والمآل : المرجع والعاقبة. من ~~آل يؤول إذا رجع. وقيل المراد به التفسير. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده إلى سعيد بن جبير عن PageV07P318 # ابن عباس في قوله تعالى : ( @QUR@07 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ) قال : نزلت ms1588 في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي ، بعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية ... وقال ابن عباس في رواية باذان بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء ~~العرب ، وكان معه عمار بن ياسر ، فسار خالد ، حتى إذا دنا من القوم ، عرس ~~لكي يصبحهم ، فأتاهم النذير فهربوا عدا رجل كان قد أسلم ، فأمر أهله أن ~~يتأهبوا للمسير ، ثم انطلق حتى أتى عسكر خالد ودخل على عمار فقال : يا أبا ~~اليقظان إني منكم ، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا وأقمت لإسلامي ، أفنافعي ~~ذلك أو أهرب كما هرب قومي؟ فقال : أقم ، فإن ذلك نافعك ، وانصرف الرجل إلى ~~أهله وأمرهم بالمقام ، وأصبح خالد ، فغار على القوم ، فلم يجد غير ذلك ~~الرجل ، فأخذه وأخذ ماله ، فأتاه عمار ، فقال : خل سبيل الرجل فإنه مسلم ، ~~وقد كنت أمنته وأمرته بالمقام ، فقال خالد : أنت تجير علي وأنا الأمير؟ ~~فقال : نعم ، أنا أجير عليك وأنت الأمير ، فكان في ذلك بينهما كلام ، ~~فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه خبر الرجل ، فأمنه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير بعد ذلك على أمير ~~بغير إذنه ، قال : واستب عمار وخالد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأغلظ عمار لخالد ، فغضب خالد وقال : يا رسول الله ، أتدع هذا العبد يشتمني ~~، فو الله لولا أنت ما شتمني وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا خالد كف عن عمار فإنه من يسب عمارا يسبه ~~الله ومن يبغض عمارا يبغضه الله ، فقام عمار ، فتبعه خالة ، فأخذ بثوبه ~~وسأله أن يرضى عنه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر (1). PageV07P319 # ولنا ملاحظة ، وهي أن القضية خارجة عن موضوع الأمان والإجارة التي ليس ~~للإنسان أن يمارسها بعيدا عن الأمير المسؤول عن القيام بالمهمة الموكولة ~~إليه من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms1589 ، لأن الرجل المذكور في الرواية ~~إنسان مسلم لا يحتاج إلى أمان أو إجارة ، فهو ليس من الأشخاص الذين أرسل ~~النبي خالدا إليهم للإغارة عليهم وإخضاعهم لسيادة الإسلام بقيادة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو من المسلمين السابقين الذين أسلموا قبل هذه ~~الحادثة ، فلا ينطبق عليه ما ينطبق على الكفار من الأمر بمحاربتهم إلا أن ~~يأخذوا الأمان. وعلى ضوء ذلك ، فإن عمارا لم يخطئ عند ما أمر الرجل بالعودة ~~إلى مقره الطبيعي في موقع أهله لأنه ليس خاضعا لمسؤولية خالد العسكرية ، ~~إلا أن يقال : إن خالدا المكلف من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإغارة ~~على هؤلاء الحي من العرب ، كان لا بد أن يأخذ العلم بإسلام هذا الرجل من ~~عمار قبل أن يأذن له عمار بالبقاء في محلته ، ولكن هذا التحفظ ليس واردا ، ~~لأن خالدا كان ينكر على عمار إجارته بصفة أنه كافر لا بصفة أنه مسلم. # ومع ذلك كله ، فإن المسألة المطروحة في الخط العام صحيحة لأن المفروض أن ~~خالدا ، على تقدير صحة الرواية وهي ضعيفة كان مكلفا بالأمر القيادي من قبل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما جعله وليا شرعيا في هذه الدائرة الخاصة ، ~~فليس لأتباعه إلا الطاعة والخضوع له في أوامره ونواهيه المتصلة بحركة ~~المسؤولية ، فلا يجوز لهم الاستقلال عنه بأي عمل أو موقف ، لأن معصيته ~~معصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # لكن ذلك مختص بالقيادة الشرعية التي تملك شرعية الصفة من خلال العناصر ~~التي تؤكد ذلك ولا تمتد إلى شرعية الأمر الواقع التي تفرض PageV07P320 # سلطانها بالقوة على الناس من دون أي أساس. فلا مجال لاستغلال هذه الآية ~~وهذه الرواية لدعوة المظلومين إلى إطاعة ولاة الأمر غير الشرعيين ومنعهم من ~~مواجهتهم بالإنكار عليهم وإسقاط مواقعهم الظالمة مما حاوله البعض من أتباع هؤلاء. # * * * ### ||| ** القيادة الشرعية وحدها لها حق الطاعة # في هذه الآية ، وفي ما بعدها ، يريد الله سبحانه أن يخطط للمسلمين ~~ويدخلهم في أجواء النظام ، على أساس النظرية والتطبيق معا ، فيدعوهم إلى ms1590 ~~اعتبار الطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر قاعدة ثابتة ، ترتكز عليها الحياة ~~العامة ؛ وهذا ما عالجته هذه الآية في دعوتها إلى طاعة الله ( @QUR@06 يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله )؛ فإنها أساس الإيمان ، لأن معناه العميق ~~يتمثل في الإحساس بعبودية المؤمن لله في كل أفكاره وأقواله وأفعاله ، مما ~~يدفعه إلى السير في حياته وفق أوامر الله ونواهيه ، في ما يحبه وما لا يحبه ~~؛ وفي دعوتها إلى إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ( @QUR@02 وأطيعوا ~~الرسول ) في ما تمثله من السير على الخط الذي يرسمه الرسول في تخطيطه ~~للمسار العملي في تفصيلات الأمور ، وجزئيات القضايا ، وحركة الصراع ، ~~وقيادة الأمة إلى أهدافها وتحريك الساحة نحو المواقف الحاسمة في مواجهة ~~التحديات ، وتفجير الطاقات في سبيل الإبداع والعطاء ... وهكذا كانت سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، المتمثلة في قوله وفعله وتقريره ، الوجه ~~التفصيلي والتطبيقي للمفاهيم القرآنية العامة ؛ فلا مجال للأخذ بالقرآن ~~بشكل دقيق ، إلا بالرجوع إلى السنة لنعرف من خلالها PageV07P321 # تفصيل ما أجمله القرآن ، وإيضاح ما أبهمه ، وتخصيص ما أطلقه ، فقد أوكل ~~الله إلى رسوله أمر ذلك كله ، كما أوكل إليه القيام بإدارة شؤون الرسالة ~~وقيادة الأمة ، وذلك بما أوكله إليه من شؤون الحاكمية بالإضافة إلى الرسالة ~~، عند ما جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، واعتبره حكما وحاكما في كل ما ~~اختلفوا فيه ، لتسير الحياة على خطين : خط الرسالة ، وخط القيادة ؛ لتكتمل ~~لها شروط الثبات والتقدم والنجاح. ولهذا كان التأكيد في أكثر من آية على ~~إطاعة الرسول ، إلى جانب إطاعة الله ، لئلا يستقل الناس في قضايا التطبيق ~~والتخطيط ، بعيدا عن القيادة الأولى الرسولية ، التي تعرف من عمق المفاهيم ~~وامتدادها ، المدى الذي يمكن أن تتحرك فيه وتصل إليه. # * * * ### ||| ** الرسول جامع لصفات الحاكم والداعي # وربما نستوحي بعض ملامح ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@019 فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما ) [النساء : 65]. وهذا هو ما ينبغي لنا التعرف إليه من ~~شخصية الرسول في الإسلام ، فنجد فيه صفة ms1591 الرسول المبلغ الداعية ، كما نجد ~~فيه صفة القائد الحاكم المحارب ، الذي يخطط وينفذ ، ويمسك بيده زمام الأمر ~~كله ، خلافا لبعض الباحثين الذين حاولوا اقتصار دور النبي على مهمة التبليغ ~~والدعوة ، وذلك على أساس بعض الآيات التي تشير إلى ذلك مثل قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر )؛ [الغاشية : 21 22]. ولكن ~~غاب عن فكر هؤلاء أن مثل هذه الآيات كانت تتحدث عن الجانب الرسالي في شخصية ~~، لتحدد له دوره في إثارة الإيمان في نفوس الناس من خلال الدعوة والإقناع ، ~~لأنه لا يملك السيطرة على كل شروط PageV07P322 # الإيمان الداخلية في أفكارهم ومشاعرهم ومؤثراتها الخاصة والعامة ، بل ~~الله هو الذي يملك أمر ذلك كله ، من خلال ما يملكه من شؤون الإنسان في ما ~~يريده وما لا يريده ، ولم يكن لهذه الآيات أي اتجاه في الحديث عن الجانب ~~التطبيقي أو التنفيذي للمهمات الرسالية العملية في الحياة. # ثم تحدثت الآية عن إطاعة فئة أخرى ( @QUR@03 وأولي الأمر منكم )، الذين ~~أوكل الله إليهم أمر القيام بإدارة شؤون الناس وذلك من خلال القواعد التي ~~وضعها للقائمين على الأمر ، لما يتصفون به من صفات وما يقومون به من ~~مسئوليات ومهمات ، ولما وضعه من التسلسل في القيادة ، فقد لا يكون لأولي ~~الأمر إطاعة مستقلة إلا من خلال ارتباطها بإطاعة الرسول ، في ما جعله الله ~~له من ذلك ، لأنهم لا يملكون مهمة التشريع ، بل كل ما هناك أنهم يملكون ~~التحرك في نطاق ساحته على أساس تطبيقي. # * * * ### ||| ** من هم أولو الأمر؟ # ولكن من هم أولو الأمر؟ هل هم الذين يتصدون لولاية الأمر بطريقة واقعية ، ~~انطلاقا من الوسائل التي يملكونها ، مما يهيئ لهم الإمكانات العملية ~~للسيطرة والاستيلاء على الحكم ، بعيدا عن الشرعية الإسلامية ؛ وذلك من خلال ~~قوة السلاح والمال والرجال؟ هذا ما توهمه البعض ، ممن يسيرون في حياتهم ~~وراء الحكام ، مهما كان لونهم ووضعهم وطريقتهم في الحكم ، ويطلبون من ~~أتباعهم أن يخضعوا لهم ولا يثوروا في وجوههم مهما فعلوا أو ظلموا ، لأن ~~الله أمرنا بإطاعة أولي الأمر ، ولم يحدد لنا صفتهم ms1592 لنحدد نحن ذلك في ~~المجال العملي. وقد استطاع هذا المفهوم أن يمكن الظالمين والمنحرفين ~~والمستكبرين من السيطرة على مقدرات الأمور ، ويجمد كل PageV07P323 # إمكانات الثورة ضدهم من قبل الشعوب المسلمة المضطهدة. ونحن نعلم أن الله ~~قد أقام الولاية على أساس العدل ، وركز السلطة على أساس الأيمان والتقوى ~~والسير على الصراط المستقيم ، من خلال ما جاءت به الآيات والأحاديث ~~والروايات ؛ مما يمكن أن يكون أساسا لتقييد هذا المفهوم بذلك كله. # وقال البعض : إنه الأمة ؛ فهي التي تمثل السلطة الشرعية الصالحة للحكم. ~~وخلاصة فكرتهم أن إطلاق الأمر بالطاعة لشخص أو لجماعة يفرض العصمة فيه ، ~~لأنه إذا كان ممن يجوز عليه الخطأ ، كان الأمر بإطاعته بشكل مطلق أمرا ~~بالسير على وفق أوامره ونواهيه حتى في حالات الانحراف عن الحق ، وهو غير ~~جائز. وقد دل الدليل على عصمة الأمة ، في رأي هذا القائل ، بالحديث المعروف ~~لدى كثير من المسلمين «لا تجتمع أمتي على ضلالة ...» (1)، ولكن هذا الرأي ~~لا يرجع إلى قاعدة مركزة واضحة ، لأن هذا الحديث موضع جدل بين العلماء في ~~صحته وعدم صحته ، ولأن إجماع الأمة كلها لم يتحقق في أي وقت على أي فرد أو ~~جماعة في ولاية الأمر. وأما اعتبار قول أهل الحل والعقد ، فهو قابل للأخذ ~~والرد ، في تعيينهم ، وفي الحكم بإصابتهم في الرأي ، وفي غير ذلك من الأمور ~~التي يمكن أن تقع محلا للنقاش ، مما لا يتسع المجال لبحثه. # وقال علماء الشيعة الإمامية : إن المراد بهم الأئمة الاثنا عشر المعصومون ~~، لأنهم الذين ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأثر في ولايتهم ، ~~كما دلت آية التطهير على عصمتهم ، بعد أن كانت الآية دليلا على وجوب عصمة ~~أولي الأمر لإطلاق الأمر بالطاعة ، كما ألمحنا إليه آنفا. وقد وردت أحاديث ~~كثيرة مستفيضة في إرادة هذا المعنى من الآية. PageV07P324 # وقال البعض : إنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وقال بعضهم : ~~إنهم أمراء السرايا والجيوش والعمال الذين كان يستعملهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، على الناس. # وقد تكون ms1593 الإفاضة في تحليل الأقوال المختلفة في تفسير هذه الكلمة ، ~~تستدعي المزيد من الأبحاث الكلامية ، التي قد لا يكون مجالنا التفسيري ~~متسعا لها ، لأن القضية لا تنطلق من بحث في المفهوم ؛ فهو واضح تمام الوضوح ~~، بل البحث في المصداق ، في ما يختلف فيه المسلمون من شؤون الولاية ممن ~~يملك السلطة في أمور المسلمين ، فلنقف من ذلك عند حدود العرض الذي عرضناه ، ~~مع الإشارة إلى بعض الملاحظات القصيرة. # 1 إن الأمر بالإطاعة لا يفرض دائما عصمة الشخص المطاع ، بل ربما يكون ~~واردا في مجال التأكيد على حجية قوله ، كما في الكثير من وسائل الإثبات ~~التي أمرنا الله ورسوله بالعمل بها والسير عليها ، في الوقت الذي لا نستطيع ~~التأكيد بأنها تثبت الحقيقة بشكل مطلق ، وكما في الكثير من الأحاديث التي ~~دلت على الرجوع إلى الفقهاء الذين قد يخطئون وقد يصيبون في فهمهم للحكم ~~الشرعي ، وذلك انطلاقا من ملاحظة التوازن بين النتائج الإيجابية التي تترتب ~~على الاتباع لهم ، وبين النتائج السلبية التي تحصل من عدم ذلك ، مع غلبة ~~الجوانب الإيجابية على الجوانب السلبية. وعلى ضوء هذا ، فإننا لا نستطيع ~~اعتبار الأمر بالطاعة دليلا على تعيين المراد من أولي الأمر بالمعصومين ، ~~بعيدا عن الأحاديث الواردة في هذا المجال. # 2 إن من الممكن السير مع الأحاديث التي تنص على أن المراد من أولي الأمر ~~، الأئمة المعصومون ، مع الالتزام بسعة المفهوم ؛ وذلك على أساس الأسلوب ~~الذي جرت عليه أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ، في الإشارة إلى التطبيق ~~بعنوان التفسير ، للتأكيد على حركة القرآن المستقبلية في PageV07P325 # القضايا الفكرية والعملية الممتدة بامتداد الحياة ، لأن ذلك هو السبيل ~~الأفضل لوعي الإنسان المسلم للفكرة ، على أساس التطبيق الواضح من أجل أن ~~يرتبط بالواقع بشكل مؤكد. # 3 إن هذا الاحتمال الذي يؤكده إطلاق الآية يجعلنا قادرين على التمسك ~~بالآية ، في ما يثأر فيه الجدل كثيرا من أمر الولاية في حال غيبة الإمام ، ~~في ولاية الفقيه ، أو في ولاية أهل الشورى من المسلمين ، وذلك في الحالة ~~التي يصدق عليهم أنهم أولو الأمر ms1594 من ناحية واقعية. # إن هذه الملاحظات قد تستطيع أن تثير أمامنا بعض الأفكار حول الموضوع ، من ~~أجل الوصول إلى نتيجة حاسمة في مجال التطبيق والاستنتاج ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** ميزان فمن المنازعات في الإسلام # ( @QUR@014 فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ) فقد يتنازع المؤمنون في قضاياهم الفكرية والاجتماعية ~~والسياسية والاقتصادية ونحوها ، فكيف يجب أن يعالجوا أمثال هذه المنازعات؟ ~~ومن هو المرجع؟ أن الآية تحدد لنا الميزان الذي يزن لنا الحقيقة ، فيعرفنا ~~الخط الفاصل بين الحق والباطل ؛ فليرجعوا إلى الله من خلال كتابه المجيد ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، وليهتدوا بهدي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وسنته ، في ما لا يستطيعون فهمه من القرآن ؛ فهما ~~المصدران المعصومان اللذان نستطيع من خلالهما الوقوف عند الحق لنعمل به ، ~~والانطلاق ضد الباطل لنجتنبه ، وذلك هو دليل الإيمان بالله واليوم الآخر ، ~~في ما يفرضه على الإنسان من الالتزام PageV07P326 # بكتاب الله وسنة نبيه ؛ لأن الإنسان الذي لا يسير على هذا الخط هو إنسان ~~لا يعيش الانتماء إلى خط الله ورسوله ، لما يعنيه الانتماء من الابتعاد عن ~~كل خط آخر غيره ، سواء كان من وحي نفسه أو من وحي الآخرين. # وربما كان من الضروري لهذا الحديث ، الإشارة إلى أن الآية توجهنا إلى ~~السير في هذا الخط في اتجاهين : الاتجاه الفكري ، والاتجاه العملي. فإذا ~~اختلفنا في الخطوط الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يرتكز ~~عليها نظام المجتمع ، فيجب علينا الانطلاق إلى الله والرسول ، لنرسم الخطة ~~على أساس المفاهيم والأحكام والوسائل التي يتضمنها الكتاب والسنة ، لنحدد ~~الخط الإسلامي من غيره عند ما تشتبك الخطوط أمامنا وتشتبه ؛ فهذا هو الذي ~~يحفظ للرؤية الإسلامية وضوحها وسلامتها من الانحراف والخلل ، وهذا هو الذي ~~يؤكد للمسيرة الإسلامية أصالتها وثباتها وتوازنها ، ولهذا حضت الكثير من ~~الأحاديث المسلمين على ضرورة تقديم الأساس بين صحيح الحديث وباطله ، مما ~~يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام ، ~~بإرجاعه إلى كتاب الله ms1595 وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، مؤكدة هذه الروايات ~~بأن «كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (1) أو باطل ، وما إلى ذلك من ~~الكلمات التي تقترب من بعضها البعض. # وهذا ما ينبغي لنا مواجهته في ما يخوضه المفكرون المسلمون من صراعات ~~فكرية ، يتحرك بعضها في نطاق الإصرار على الرجوع إلى المصادر الأصيلة ~~للإسلام في الفكر والتشريع والتخطيط وبناء الدولة وإقامة النظام ، ويتحرك ~~بعض آخر ، ليوفق بين مفاهيم الإسلام القرآنية والنبوية ، وبين المفاهيم ~~الحديثة التي انطلقت في تفكير الفلاسفة الأوروبيين ، وذلك من أجل المحافظة ~~على تحديث الإسلام وعصريته حتى ينسجم مع مسيرة العصر PageV07P327 # الحضارية ، وربما يتحرك في كلا الاتجاهين متطرفون هنا وهناك ، ليتجمد ~~هؤلاء على النص في لفظه بعيدا عن روحه ، وليتحرر أولئك فيتركوا النص تماما ~~ليستلهموا روحه بطريقة مائعة ، وقد أثار هذا الاختلاف جوا سلبيا في الساحة ~~الإسلامية على مستوى الفكر والعمل. # والآية التي نحن بصددها ليست إلا نوعا من التذكرة ، بأن النزاع في فهم ~~الفكرة ، وفي طبيعة الخط ، قد يكون له مبرراته الداخلية والخارجية ، ولكن ~~ذلك لا يتأتى بطريقة ذاتية ، بل بالرجوع إلى القواعد الفكرية القرآنية ~~والنبوية لتكون هي الميزان في الفكر الإسلامي الصحيح ، في مواجهة الفكر ~~الزائف ؛ فإن ذلك هو علامة الإيمان الحق. أما في الجانب التطبيقي الذي يحكم ~~المسيرة ، فالأمر لا يختلف عن الجانب الفكري ؛ لأن قضية الإسلام ليست ~~الإيمان بالفكرة على أساس المعرفة فحسب ، بل العمل على خط الإيمان في حركة ~~الواقع ، فلا يكفي في سلامة المسيرة أن يكون الفكر صحيحا ، بل ينبغي أن ~~يكون التطبيق سليما ، لتتكامل الشخصية الإسلامية وتتوازن. وفي ضوء ذلك ، لا ~~بد أن تحل مشاكل الاختلاف في التطبيق على هدى القرآن والسنة ، ليعرف ~~الإنسان المؤمن أن حياته لم تبتعد عن فكره وإيمانه. # ( @QUR@02 ذلك خير ) للإنسان في حياته ، في ما يثيره فيها من نتائج طيبة. ~~( @QUR@02 وأحسن تأويلا ) الظاهر أن المراد منها أحسن مآلا ومرجعا ؛ وذلك ~~من خلال المصير الذي ينتهي إليه الإنسان المؤمن الذي يرجع إلى الله ، فيجد ~~عنده الرحمة والرضوان ms1596 واللطف الكبير. # * * * PageV07P328 ### ||| * الآيات # ( @QUR@030 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) @QUR@015 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) @QUR@016 فكيف ~~إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا ~~إحسانا وتوفيقا (62) @QUR@016 أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض ~~عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) @QUR@023 وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) @QUR@019 فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~(65) @QUR@027 ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا (66) @QUR@06 وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) @QUR@03 ~~ولهديناهم صراطا مستقيما (68) @QUR@012 ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين PageV07P329 # @QUR@06 والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) @QUR@07 ذلك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما ) (70) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يزعمون ): الزعم في أصل اللغة : القول حقا كان أو باطلا ، ثم ~~كثر استعماله في الظن والاعتماد اللذين يعتقد ببطلانهما ، أو يشك بصدقهما. ~~ولم يستعمل في القرآن إلا في الكذب والباطل ، فمن استعماله في الباطل قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 هذا لله بزعمهم ) [الأنعام: 136] ، ومن استعماله في ~~الكذب قوله : ( @QUR@06 زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ) [التغابن : 7]. # ( @QUR@01 الطاغوت ): ذو الطغيان ، على جهة المبالغة في الصفة ، فكل من ~~يعبد من دون الله فهو طاغوت ، وقد يسمى به الأوثان كما يسمى بأنه رجس من ~~عمل الشيطان ، ويوصف به أيضا كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله. # ( @QUR@01 ضلالا ): الضلال : الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى ~~البغية لأنه ضد الهوى الذي هو الدلالة على الطريق إلى البغية. # ( @QUR@01 تعالوا ): أصله من العلو ، فإذا قلت ms1597 لغيرك : تعالوا إلي ، ~~فمعناه ارتفعوا إلي. # ( @QUR@01 صدودا ): إعراضا ، صددت ، الأصل فيه أن لا يتعدى ، تقول : ~~صددت عن فلان أصد بمعنى أعرضت عنه ، ويجوز : صددت فلانا عن فلان بالتعدي ~~لأنه دخله معنى منعته عنه. PageV07P330 # ( @QUR@01 يحلفون ): الحلف : القسم ، ومنه الحليف لتحالفهم فيه على الأمر. # ( @QUR@01 إحسانا ): إلى الخصوم. # ( @QUR@01 وتوفيقا ): جمعا وتأليفا وقطع المشاجرة. # ( @QUR@01 بليغا ): يبلغ من نفوسهم مبلغا حسنا يوضح لهم أبعاد موقفهم ~~الخاطئ وعواقبه السيئة. وأصل البلاغة البلوغ ، يقال : بلغ الرجل بالقول ~~يبلغ بلاغة فهو بليغ إذا صار يبلغ بعبارته كثيرا مما في قلبه. ويقال : أحمق ~~بلغ وبلغ ، إذا كان مع حماقته يبلغ حيث يريد ، وقيل: معناه قد بلغ في ~~الحماقة. # ( @QUR@01 شجر ): التبس واختلط من قضايا وآراء وأحكام. والشجور الاختلاط ~~، وشجر اختلط ، ومنه التشاجر والمشاجرة ، كأن الدعاوي أو الأقوال اختلط ~~بعضها مع بعض ، وتداخل الكلام بعضه مع بعض كتداخل الشجر بالتفافه. # ( @QUR@01 حرجا ): ضيقا وامتعاضا ، وأصل الحرج مجتمع الشيء وتصور منه ~~ضيق ما بينهما ، فقيل للضيق حرج وللإثم حرج. # ( @QUR@01 تثبيتا ): ترسيخا واستقرارا لنفوسهم وقلوبهم. # ( @QUR@01 والصديقين ): الذين لا يكذبون قط ، فلا يفعلون إلا ما يرونه ~~حقا ، فهم يشهدون الحق ، ويقولون الحق ، ويفعلون الحق ، فهم شهداء الحقائق. ~~والصديق : المداوم على التصديق بما يوجبه الحق ، وقيل : الصديق : الذي ~~عادته الصدق ، وهذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل ، يقال لملازم السكر ~~سكير ، ولملازم الشرب شريب. # ( @QUR@01 والشهداء ): جمع شهيد ، وهو المقتول في سبيل الله ، وليست ~~الشهادة في القتل الذي هو معصية ، لكنها حال المقتول في إخلاص القيام PageV07P331 # قتال عدوه ، فأما الصبر على الألم بترك الأنين ، فليس بواجب ، وليس ~~الأنين بممنوع عنه ، بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله تعالى. # ( @QUR@01 والصالحين ): الصالحون : الفاعلون للصلاح ، الملازمون له ، ~~المتمسكون به ، الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين والصديقين والشهداء. # ( @QUR@01 رفيقا ): الرفيق : الصاحب ، وهو مشتق من الرفق في العمل ، وهو ~~الارتفاق فيه ، ومنه المرافقة ، والمرفق من اليد بكسر الميم لأنه يرتفق به ~~، وقوله : ( @QUR@05 ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) [الكهف : 16] ، أي رفقا ~~يصلح به أمركم. # ( @QUR@01 الفضل ): الفضل في أصل اللغة هو ms1598 الزيادة على المقدار ، وقد ~~استعمل في النفع أيضا. وأفعال الله كلها فضل وتفضل وإفضال لأنه لا يقتصر ~~بالعبد على مقدار ما يستحق بمثل عمله في ما بين الناس ، بل هو يزيد عليه ~~زيادات كثيرة ولا يجري ذلك على طريق المساواة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان أبو ~~بردة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود في ما يتنافرون إليه فتنافر إليه أناس ~~من أسلم ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين يزعمون ) إلى ~~قوله ( @QUR@01 رفيقا ). وعن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في ~~رجل من الأنصار يقال له قيس ، وفي رجل من اليهود في مماراة كانت بينهما في ~~حق تدارآ فيه ، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما وتركا نبي الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فعاب PageV07P332 # الله تعالى ذلك عليهما وكان اليهودي يدعوه إلى نبي الله ، وقد علم أنه لن ~~يجور عليه ، وجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن ~~، فأنزل الله تعالى ما تسمعون وعاب على الذي يزعم أنه مسلم وعلى اليهودي ~~الذي هو من أهل الكتاب (1): وهناك روايات أخرى بالمضمون نفسه مع اختلاف في ~~التفاصيل. # وجاء في أسباب نزول آية ( @QUR@09 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ) قال : نزلت في الزبير بن العوام وخصمه حاطب بن أبي بلتعة ، ~~وقيل : هو ثعلبة بن حاطب. وجاء عن عروة بن الزبير عن أبيه أنه كان يحدث : ~~أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~شراج الحرة ، كانا يسقيان بها كلاهما ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~للزبير : اسق ، ثم أرسل إلى جارك ، فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله أن ~~كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال للزبير : ~~اسق ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، فاستوفى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم للزبير حقه ، وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأي ms1599 أراد ~~فيه سعة للأنصاري وله ، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~استوفى للزبير حقه في صريح الحكم ، قال عروة : قال الزبير : والله ما أحسب ~~هذه الآية أنزلت إلا في ذلك ( @QUR@019 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ( 2). # * * * # وجاء في أسباب نزول آية ( @QUR@04 ومن يطع الله والرسول ) قال الكلبي : نزلت PageV07P333 # في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان شديد الحب له ، قليل ~~الصبر عنه ، فأتاه ذلك يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن ، ~~فقال له : يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي من ضر ولا وجع ، ~~غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت ~~الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك ، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين ، وأني وإن ~~دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل الجنة ، فذاك أحرى ~~أن لا أراك أبدا ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # ولنا ملاحظات : # 1 في الروايات الأولى ، حديث عن أن بعض المسلمين كانوا لا يلتزمون القضاء ~~الإسلامي الممثل لحكم الله المتمثل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فيلجئون في خلافاتهم مع الآخرين إلى كاهن جاهلي لأنهم يرون أن بإمكانهم أن ~~يصلوا إلى ما يريدونه بحكم الجاهلية ، باعتبار أن حكم الله في الواقعة ~~الفعلية الخاصة لا يمنحهم الحق ، لأن الحق للخصم الذي قد لا يكون مسلما بل ~~يهوديا كما جاء في الرواية إذ أراد التحاكم إلى النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا إيمانا بالإسلام ، بل لأنه يمثل العدل الذي يحكم ~~للكافر على المسلم إذا كان الحق معه ، ويشير ذلك إلى أن البعض من المسلمين ~~لا يعيشون الإسلام من خلال الالتزام بالحق المتحرك معه ، بل ينطلقون بعيدا ~~عنه ، إذا لم يتوافق مع مصالحهم الخاصة التي لا تلتقي بالحق. # 2 وفي الرواية الثانية ، قد نتحفظ على ما نقله الزبير ms1600 عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من رد فعله على كلام الأنصاري ، في أمره الزبير بأن ~~يحبس الماء PageV07P334 # عن الأنصاري الذي أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التوسعة عليه ، في ~~الوقت الذي لا يملك حقا فيه ، لأن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~العظيم لا يلتقي مع ذلك ، فإن بالإمكان توبيخ الأنصاري أو إرشاده إلى طبيعة ~~المسألة من حيث الحق الشرعي. # إن ملاحظتنا هذه لا تنبع من أن هذا الموقف يتنافى مع العصمة ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا صحت الرواية لم يفعل شيئا على خلاف الحق في رد ~~فعله ، ولكنها تنبع من أن الأسلوب النبوي في أخلاقه العالية يرتكز على ~~الدفع بالتي هي أحسن ، بحيث يحول العدو إلى صديق ، وعلى أنه لا يخضع لسلطان ~~الغضب عليه وهو نبي العفو والرحمة ، مما يجعلنا نشك بما روي عن الزبير ، ~~لأنه لا يتناسب مع طبيعة الواقع الأخلاقي الرفيع للشخصية النبوية العظيمة ، ~~مع التنبيه أن الزبير في هذه الرواية يتحدث عن اجتهاد شخصي في نزول الآية ~~لتأكيد هذه القصة في قوله : والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك. # 3 وفي الرواية الثالثة التي تتميز بالصورة العاطفية المتمثلة في عشق هذا ~~الإنسان المسلم (ثوبان) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وذوبانه فيه ، لا نجد ~~انسجاما بين خصوصياتها الحوارية في حوارة مع النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وبين مضمون الآية الذي يعبر عن القاعدة العامة ~~للمطيعين لله ولرسوله في منزلتهم الرفيعة التي تجعلهم مع النبيين والصديقين ~~والشهداء ، لأنهم يلتقون معهم في خط الاستقامة على السير في رضوان الله في ~~إطاعة أوامره ونواهيه ، لأن ذلك هو الأساس الذي ارتفع به أولئك عند الله ، ~~فليس هناك في الجنة حواجز بين الناس على المستوى الطبقي ، بحيث تتميز كل ~~طبقة عن غيرها في مجال اللقاء أو في الجو الاجتماعي للجنة ، حتى لو تميزت ~~الدرجات عند الله في مستوى الإيمان والطاعة والجهاد ، ولكن امتيازات الجنة ~~تختلف في طبيعتها ms1601 PageV07P335 # عن امتيازات الدنيا ، فقد يحصل عليها أصحاب الدرجات الرفيعة والمنازل ~~العليا في الأجواء الروحية في رضوان الله في النعيم الروحي الذي لا يعرف ~~مداه إلا الربانيون في مواقع القرب من الله ، والله العالم. # إننا نحاول التدقيق في روايات أسباب النزول ، لأنها تمثل تصورا ثقافيا قد ~~يخطئ في إعطاء الصورة الدقيقة الحقيقية للتصور الإسلامي وللمضمون القرآني ، ~~لأن الكثير من هذه الروايات ليس موثقا بما يضمن الوثوق بها ، كما أن البعض ~~منها يعبر عن اجتهاد الرواة والمفسرين من خلال ذهنياتهم المحدودة الخاضعة ~~لبعض المؤثرات الثقافية المتخلفة ؛ الأمر الذي يفرض علينا مناقشة ذلك كله ، ~~لأننا نخشى أن تفرض هذه الروايات بما فيها من التصورات نفسها على المفاهيم ~~القرآنية لتبتعد بها عن صفاء الفكرة وإشراقة الصورة وانفتاح التصور. # * * * ### ||| ** الخط الفاصل بين الإيمان والنفاق # ( @QUR@014 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك ) وهذا # حديث عن بعض نماذج المنافقين الذين انحرفوا عن الخط الإيماني الذي عرضت ~~له الآية السابقة ، فلم تتوافق دعواهم إلى الإيمان برسالة الرسول محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم والرسالات السابقة التي جاء القرآن وأكد على الإيمان ~~بها كجزء من الإيمان بالإسلام ، مع السلوك العملي من خلال ما يقبلون وما ~~يرفضون من الأشياء ، وما يواجهونه من مواقف عملية في التزامهم بأحكام الله ~~عند ما تقترب من مصالحهم ، وتؤثر على ما هم فيه من أطماع وشهوات. وقد PageV07P336 # حدثنا هذه الآيات حديثا وافيا عن ملامحهم الحقيقية ، فها هم يدعون إلى ~~كتاب الله ليحكم بينهم ، لأنهم يزعمون أنهم يؤمنون به وبالكتاب المنزلة ~~قبله ، ولكنهم يرفضون الانصياع إليه ، لأنه لا يؤمن لهم رغباتهم المنحرفة ، ~~( @QUR@05 يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) الذي يمثل الحكم القائم على ~~الطغيان ، في ما يرتكز عليه من التشريعات المنحرفة الباطلة ؛ ( @QUR@05 وقد ~~أمروا أن يكفروا به ) في الوقت الذي أراد منهم الإسلام الذي يزعمون الإيمان ~~به أن يكفروا به فكرا وشريعة وعملا ، فقد رأوا في حكم الطاغوت ما يؤمن لهم ~~أطماعهم وشهواتهم ، وعاشوا الحياة من أجل هذه الأطماع والشهوات ms1602 بعيدا عن خط ~~الإيمان الحق ، انطلاقا من الخضوع لإرادة الشيطان في ما وسوس لهم وما خطط ~~لحياتهم ، ( @QUR@06 ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) ليضلهم ضلالا ~~بعيدا ويبعدهم عن الارتباط بالقاعدة الفكرية والروحية التي تحدد لهم ما ~~يفعلون وما يتركون ، من موقع المصلحة الحقيقية للحياة والإنسان ، بعيدا عن ~~القضايا الذاتية ، لأنه إذا ابتعد الإنسان عن القاعدة الثابتة في حياته لم ~~يجد لحياته أساسا من الهدى ، مما يدفعه إلى الابتعاد كثيرا عن الخط ~~المستقيم ويسلمه إلى الضياع الفكري والروحي والعملي ، ليغرق في الرمال ~~المتحركة مع الرياح في الصحراء ، حيث لا أرض صلبة يقف عليها ، ولا علامات ~~واضحة تحدد له ملامح الطريق. # وقد ذكر صاحب مجمع البيان أنه «كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين ~~خصومة ، فقال اليهودي : أحاكم إلى محمد ، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ولا ~~يجوز في الحكم ، فقال المنافق : لا ، بل بيني وبينك كعب ابن الأشرف ، لأنه ~~علم أنه يأخذ الرشوة» (1). ولعل جو الآية يوحي بمثل هذه القصة. وهذا ما ~~نواجهه عند كثير من المسلمين الذين يتحاكمون إلى القوانين PageV07P337 # والشرائع الكافرة ، التي استطاع الكافر المستعمر أن يخطط لها في البلدان ~~الإسلامية وينفذها بقوة الدولة ، وذلك لإبعاد التشريع الإسلامي عن حكم ~~المسلمين كأسلوب شيطاني لإبعادهم عن دينهم ، عند ما تتحرك حياتهم العملية ~~اليومية في اتجاه غير الاتجاه الإسلامي. وقد تتمثل نماذج هؤلاء المسلمين في ~~فريقين : # الأول : الفريق الذي يرفض التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ويفضل الرجوع ~~إلى حكم القانون المدني ، عند ما يوازن بينهما بالنظر إلى ما يتحقق له من ~~إطماع وغايات شخصية ، فيجد ذلك لدى حكم الطاغوت ، فيعمل به ويدعو إليه. # الثاني : الفريق الذي يرفض العمل من أجل إقامة حكم الله ، ويعمل على ~~محاربة السائرين في هذا السبيل ، لأنه يستريح إلى الأوضاع القائمة التي ~~تجلب له الراحة ، وتؤمن له سبيل العيش الرغيد ، فيحاول تبرير التخاذل ~~والتقاعس بكل ما أوتيه من قوة ، ويشتد على المؤمنين العاملين في هذا ~~الاتجاه أكثر من اشتداده على الكافرين ، بل يبرر لهؤلاء العذر ms1603 في بعض ظلمهم ~~بما لا يبرره للمؤمنين في جهادهم ، وذلك هو الضلال البعيد الذي يريد ~~الشيطان أن يوقعهم فيه. # إن هذه الآية تحدد للمؤمنين الخط الفاصل بين الإيمان والنفاق ؛ فالمؤمن ~~هو الذي يلتزم بحكم الله وينطلق نحوه مهما كانت الظروف والنتائج ؛ أما ~~المنافق فهو الذي يلتزم بمطامعه وشهواته ، فهي التي تحدد له الالتزام ~~بالقوانين الموجودة حوله ، سواء كانت قوانين الله أو قوانين البشر ؛ وفي ~~ضوء هذا ، لا يمكن للمؤمن أن يعطي الحكم الكافر الذي هو حكم الطاغوت أي نوع ~~من أنواع الشرعية ، بعد ما أمر الله أن يكفر به جملة وتفصيلا ؛ مما يدفعنا ~~إلى إعادة النظر في كثير من الممارسات التي يمارسها PageV07P338 # البعض ممن يتولون المهمات الدينية الرسمية في بلاد المسلمين ، فيبررون ~~للحكم أوضاعه وخططه ، ويتحدثون عن شرعيته ، تماما كما يتحدثون عن شرعية ~~الإسلام ؛ مما يجعلنا نتحفظ أمام هؤلاء ، لنتعرف في ملامحهم هذه ما تؤكده ~~الآية من ملامح النفاق والمنافقين. # * * * ### ||| ** الله يكشف باطن المنافقين # ( @QUR@03 وإذا قيل لهم ) وكان المسلمون يقولون لهؤلاء : ( @QUR@07 ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ) ليحكم بينكم ، فذلك أقرب إلى خط ~~الحق ، وأبعد عن خط الضلال ( @QUR@05 رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا )، ~~ولكنهم لا يستجيبون لذلك ولا يسمحون بالدخول في مناقشة حوله ، لأن القرار ~~لم يكن صادرا عن خلل في القناعة ، بل هو عن عناد وإصرار على التمرد ، ولذلك ~~تراهم يصدون عن رسول الله صدودا غير عائبين بكل النتائج على مستوى الدنيا ~~والآخرة. # ويمتد بهم المجال في سعة من العيش وراحة في البال ، حتى ( @QUR@06 إذا ~~أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم )، ورأوا أن السير في بعض مراحل طريق ~~الضلال قد أتعبهم وأوقعهم في مشاكل كثيرة ، لجأوا إلى تبرير ما فعلوه ، ~~ليمكنهم ذلك من نيل شيء من الثقة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن ~~المؤمنين ، ليحصلوا من ذلك على بعض مكاسب الإيمان وامتيازاته ... ( @QUR@04 ~~ثم جاؤك يحلفون بالله ) جاؤوا إلى النبي يقولون : ( @QUR@05 إن أردنا إلا ~~إحسانا وتوفيقا ) إننا لم نرد من خلال ما فعلناه السوء والشر لمن حولنا أو ms1604 ~~للإسلام ، بل أردنا الإحسان والتوفيق ؛ فتلك هي نوايانا الحقيقية ، وتلك هي ~~مقاصدنا في كل التحركات التي قمنا بها. وربما خيل إليهم أن الحيلة قد تنطلي ~~على المجتمع المسلم الذي يتمتع أفراده بطيبة الإيمان وطهارته ، فيحملهم على PageV07P339 # الخير إذا كان محتملا للخير والشر ، ( @QUR@07 أولئك الذين يعلم الله ما ~~في قلوبهم ) ولكن الله يعلم ما في قلوبهم ويكشفه لنبيه وللمسلمين ، ليعرفوا ~~كيف يتعاملون مع هذه النماذج بطريقة واقعية ، وكيف يردون كيدهم في نحورهم ~~دون أن يثيروا أية سلبيات على مستوى العلاقات العامة ( @QUR@02 فأعرض عنهم ~~)؛ وهكذا أراد الله لنبيه أن يعرض عنهم ولا يبالي بهم ، فهم لا يستطيعون ~~أن يضروا الإسلام والمسلمين شيئا ( @QUR@01 وعظهم )، ولكنه أراد له في ~~الوقت ذاته أن يعظهم ويبين لهم حقائق الأمور ، ويكشف لهم باطن أمرهم ( ~~@QUR@06 وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا )، فربما كان هذا الأسلوب باعثا لهم ~~على التراجع والإقبال على حقائق الإيمان في أفكاره ومواقفه ، وتلك هي ~~الطريقة الإسلامية في التعامل مع المنافقين والمنحرفين ، فلا مجال للتهاون ~~والإهمال ، ولكن مع استمرار الرسالة في مخاطبة الجانب الطيب في الإنسان ، ~~فربما استطاعت أن توقظه من غفوته ، أو ترفع عنه الركام الهائل من الأوضاع ~~القلقة ، التي حجبت عنه الرؤية الصحيحة للحقيقة. # * * * ### ||| ** طاعة النبي من طاعة الله تعالى # ثم يتابع القرآن تأكيد الفكرة في الدور الذي أراده الله للرسول ، فلم ~~يرسل الله رسله ليكونوا مجرد شخصيات مقدسة ، يقدم لهم الناس فروض الاحترام ~~والتقديس والتعظيم في مظاهر عبادية واحتفالية ، دون أن يكون لهم أي أثر ~~عملي في حياة الناس ، كما يفعل الكثيرون من العوام في علاقتهم بالأنبياء ~~والأولياء ، عند زيارتهم لهم في قبورهم ومشاهدهم ، فليس هناك إلا تقديم ~~مراسيم الخضوع والنذور والقرابين ، من أجل العلاقة الذاتية التي تتوسل إلى ~~رغباتها بالوسائل التي يحاول الناس بها الوصول إلى أغراضهم من بعضهم البعض ~~، ثم لا شيء بعد ذلك مما يتصل بالخط الذي يتبناه هذا PageV07P340 # النبي أو الإمام أو الولي ؛ فذلك أمر لا علاقة له بالدور الذي يتمثله ~~الناس في الحضور العاطفي لهذه الشخصيات في ms1605 حياتهم. # وهذا ليس هو الدور الذي جعله الله للأنبياء في علاقة الناس بهم ، بل هو ~~دور الاتباع والطاعة لهم ( @QUR@04 وما أرسلنا من رسول ) فإن الله لم يرسل ~~أي رسول ( @QUR@04 إلا ليطاع بإذن الله ) لتكون طاعته في ما يأمر به أو ~~ينهى عنه طاعة لله ، فنحن نطيعه لأن الله أذن لنا في ذلك ، لا من خلال صلة ~~شخصية أو عاطفية. وهذا خط إسلامي يرسمه الله لنا في حركة الطاعة للأشخاص في ~~حياتنا ؛ فإن الله لم يجعل لنا حرية الطاعة لأي كان ، لئلا تختلط علينا ~~الأمور في مسيرتنا العملية ، تبعا لاختلاط أشكال الطاعة وأوضاعها في ~~علاقاتنا العامة والخاصة ، بل لا بد لنا من أن ندرس حالة أي شخص يطلب منا ~~أن نطيعه ، فإن كان يؤدي عن الله بحجة شرعية ثابتة ، فلنا أن نطيعه من خلال ~~أن الله أراد لنا ذلك ؛ وإن لم يكن ممن يؤدي عن الله في ما يؤديه من شؤون ~~الفكر والحياة ، أو لم نستوثق من ذلك من خلال ما يثبت لنا من وسائل الثقة ، ~~فإن علينا أن نتوقف أو نتحفظ لئلا نقع في أحابيل الشيطان ، من حيث نريد أو ~~لا نريد. # ( @QUR@05 ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ) ثم يثير القرآن أمام موقف هؤلاء ~~المنافقين المنحرفين الذين يحاولون أن يبرروا أعمالهم بالباطل ، إمكانية أن ~~يتراجعوا ويصححوا مسارهم الطبيعي ، من دون حاجة إلى اللف والدوران ؛ ( ~~@QUR@01 جاؤك ) وذلك بأن يقفوا أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن ~~ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لله ، وتمردهم على الرسول ، ( @QUR@05 فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول ) ليستغفروا الله ويتوبوا إليه مما عملوه حتى ~~يستغفر لهم الرسول ، ليؤكد قبوله لهم ومسامحتهم في حقه ، فيدعو الله لهم ~~بالمغفرة ، كما يدعونه ليغفر لهم ، ( @QUR@04 لوجدوا الله توابا رحيما ) ~~وسيجدون الله عند حسن ظنهم فيتوب عليهم إذا عرف منهم صدق التوبة ، ويرحمهم ~~بمغفرته وعفوه ورضوانه ، PageV07P341 # وبذلك يمكنهم أن يتخففوا من ثقل الذنوب التي أرهقت نفوسهم وظهورهم ، ~~وينطلقوا إلى الحياة خفافا من كل وزر ، أطهارا من كل رجس. # * * * ### ||| ** ميزان الإيمان الحق : الانصياع المطلق لحكم ms1606 الله ورسوله # ويعود القرآن من جديد ليحدد للمؤمنين الحد الفاصل بين الإيمان وعدمه ، ( ~~@QUR@04 فلا وربك لا يؤمنون ... ) بكلمة الإيمان التي يقولونها ، أو ~~بمظاهره وشعائره التي يحملونها ، بل لا بد من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع ~~الأمور في نصابها الصحيح ( @QUR@05 حتى يحكموك فيما شجر بينهم )؛ فإذا ~~اختلفوا في أية قضية من قضايا الحياة ، وتعددت الآراء التي يدلي بها هذا ~~الفريق أو ذاك ، فإن علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم في ما يأخذون أو يدعون ~~، وذلك من خلال صفتك الرسالية ، ليكون رجوعهم إليك وتحكيمهم لك رجوعا إلى ~~الرسالة وتحكيما لها في جميع أمورهم التي يختلفون فيها. فإن معنى ذلك أنهم ~~لا يجدون لأنفسهم الحق في الاستقلال في رأي ما ، بعيدا عن الرسول والرسالة ~~، ولا يتطلعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أي شخص آخر ، أو أي فكر آخر ، ~~وذلك هو معنى الإيمان الذي يلتزم بالقاعدة ولا يلتزم بأية قاعدة غيرها. ~~فإذا حكمت بينهم بأمر ، مما يلتقي برغباتهم الذاتية أو مما لا يلتقي بها ، ~~فإنهم سيرتفعون عند ذلك عن الخضوع لمشاعرهم الخاصة ، فلا يقومون بأي عمل ~~سلبي ضد هذا الحكم ، ولا يتعقدون في داخلهم من أجله ، بل يتقبلونه برحابة ~~صدر ورضا نفس ، ويستسلمون لحكم الله في دعة واطمئنان ، لأنه يملك منهم ما ~~لا يملكونه من أنفسهم. وهذا هو معنى قوله تعالى : ( @QUR@010 ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ). # * * * PageV07P342 ### ||| ** من علامات إيمان المؤمن # وقد نستوحي من هذه الآية ، أن من علامات إيمان المؤمن أن يقف أمام ~~المراحل الصعبة التي يقطعها في مجالات الجهاد والدعوة إلى الإسلام ، ليحدد ~~موقفه من خلال حاجة المرحلة ؛ فقد تفرض عليه أن يكبت انفعالاته ويجمد حماسه ~~عند ما تقتضي مصلحة الإسلام ذلك ؛ وقد تفرض عليه أن يتقدم في بعض المواقف ~~ويقف في بعضها الآخر ، فلا يخضع لهوى نفسه ولرغبة مزاجه ، بل يجعل الإسلام ~~نصب عينيه من خلال ما يفرضه عليه حكم الله ليسير على هدى ذلك ، باعتبار أنه ~~الحكم العدل الذي لا ينحرف ولا يزيغ. # * * * ### ||| ** الآية وعصمة النبي صلى ms1607 الله عليه وآله وسلم # وقد نستوحي من ذلك التأكيد على عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~خلال التسليم الكلي لحكمه ، سواء أكان الحكم متصلا بالخط التشريعي الذي ~~يشرعه الله في أحكام الناس في قضاياهم العامة ، أم كان متصلا بالجانب ~~القضائي في منازعات الناس في أمورهم الخاصة أمامه ، أم كان متحركا في ~~تفاصيل الواقع كله ، لأنه يمثل الحقيقة التي لا مجال فيها لأي ريب أو لأية ~~شبهة مما قد يدور في خاطر الأوهام من احتمالات الخطأ ، لا سيما أن الله ربط ~~ذلك بالإيمان بحيث يفقد المرء إيمانه إذا ابتعد عن هذا الخط المستقيم ، فلو ~~كان النبي معرضا للخطأ في أي شيء من ذلك أو واقعا تحت تأثير احتمالات ~~الخطيئة ، لكان للناس الحق أن يراجعوا أحكامه في حسابات النقد التحليلي ~~الذي يمكن أن يثير السؤال أو يبحث عن الوضوح PageV07P343 # في أجواء الغموض. # إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثل الحقيقة البيضاء الناصعة ، فلا ~~مجال لأي اجتهاد خاص أو عام في مقابل أي حديث صادر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس هناك أية فرصة للآراء الشخصية المتنوعة من أية ~~جهة أو من أي شخص. # ومن الطبيعي أن ذلك مختص بما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~بطريق اليقين أو الاطمئنان المستقر ، أما إذا لم يكن موثقا بطريقة حاسمة ، ~~فبإمكان الباحثين من العلماء الذين يملكون سعة الاطلاع واجتهاد البحث أن ~~يناقشوا ويدققوا في مضمون هذا الحديث أو ذاك في مقارنة دقيقة مع القرآن ، ~~أو يلاحقوا علامات الاستفهام في سنده ، لأن القضية هي قضية الإسلام الذي لا ~~بد أن تكون العقيدة والمفهوم والشريعة فيه منطلقة من المصادر الموثوقة ~~الخاضعة لموازين النقد العلمي الواسع العميق. # * * * ### ||| ** القرآن يخاطب المواقف الحقيقية للمنافقين # ( @QUR@016 ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ) وماذا بعد ذلك؟ إن القرآن يخاطب مواقفهم الحقيقية ، ~~ليحرك أعماقهم بما تختزنه من رواسب التمرد ومشاعر الانحراف ، فلو كانوا ~~مؤمنين ms1608 كما يزعمون ، لانطلقوا مع خط الإيمان في مواقعه المطلقة التي تعبر ~~عن الاستسلام لله في كل شيء ، ولكنهم ليسوا كذلك ، فلو أن الله دعاهم إلى ~~أن يقتلوا أنفسهم في ساحات الجهاد أو بطريقة ذاتية ، أو طلب منهم أن يخرجوا ~~من ديارهم لأي هدف كان ، لما أطاعوه في ذلك ، إلا قليل منهم ممن انفتحت ~~آفاقهم على الله فرجعوا إليه. وهذا دليل عدم الإيمان ، لأن الإسلام يعني ~~التسليم الذي تمثل في موقف إبراهيم وولده إسماعيل ، كما حدثنا الله PageV07P344 # عنه ( @QUR@049 فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين* فلما أسلما وتله للجبين* وناديناه أن يا إبراهيم* قد صدقت الرؤيا ~~إنا كذلك نجزي المحسنين* إن هذا لهو البلاء المبين ) [الصافات : 102 106]. # ( @QUR@06 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) من الخير والعمل الصالح ، ( ~~@QUR@05 لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان ، لأن ~~الإيمان يثبت بالموقف الصلب والعمل الصالح ، ولحصلوا من الله على الأجر ~~العظيم ، ولهداهم إلى الصراط المستقيم ، لأن الله يهدي الإنسان الذي يطلب ~~الهدى ويتحرك في سبيله ( @QUR@09 وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~ولهديناهم صراطا مستقيما ). # * * * ### ||| ** جزاء المطيعين # وفي ختام هذا الفصل ، تحدثنا الآية الأخيرة عن الجو الذي أعده الله في ~~الآخرة للطائعين الذين يطيعون الله ورسوله ، وعن الدرجة الرفيعة التي يضعهم ~~الله فيها ( @QUR@013 ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين ) الذين أخلصوا لله الإيمان والعمل ، ( @QUR@01 ~~والشهداء ) الذين أرادهم الله أن يكونوا شهداء الأعمال يوم القيامة ، ( ~~@QUR@01 والصالحين ) الذين ساروا في خط الصلاح والفلاح ... ( @QUR@03 وحسن ~~أولئك رفيقا )، وأي رفقة أعظم من هذه الرفقة الروحية في الجنة ، حيث ~~الكرامة الإلهية في رضوان الله ومغفرته ( @QUR@07 ذلك الفضل من الله وكفى ~~بالله عليما ) بعباده العاملين المخلصين. # * * * PageV07P345 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~(71) @QUR@017 وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي ~~إذ لم ms1609 أكن معهم شهيدا (72) @QUR@019 ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) (73) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حذركم ): حذركم وتحرزكم على خيفة من أعدائكم المتربصين بكم. ~~وقيل : ما يحذر به ، وهو آلة الحذر كالسلاح ، فعلى المعنى الأول مصدر ، ~~وعلى الثاني اسم ، وسمى الأسلحة حذرا لأنها التي بها يتقى الحذر. # ( @QUR@01 فانفروا ): اخرجوا للجهاد والقتال بسرعة وأهبة. والنفر : ~~جماعة تفزع إلى مثلها. والمنافرة : المحاكمة للفزع إليها في ما تختلف فيه ، ~~وقيل : إنما سميت بذلك لأنهم يسألون الحاكم عند التنافر : أينا أعز نفرا. # ( @QUR@01 ثبات ): مجموعات متفرقات ، فرقة بعد فرقة ، والثبة : ~~المجموعة. وهذا مقابل النفر بصورة مجتمعة (الجيش كله). ويكون ذلك بحسب طبيعة PageV07P346 # المعركة وأساليب الحرب والقتال. # ( @QUR@01 ليبطئن ): ليتثاقلن ويتأخرن عن الخروج إلى الجهاد والمعركة من ~~دون عذر. والتوكيدات المتعددة تدل على مدى اجتهاد هؤلاء في التخلف ~~والتبطئة. والتبطئة : التأخر عن الأمر. يقال : ما بطأ بك عنا ، أي ما أخرك ~~عنا ، ومثله الإبطاء ؛ وهو إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث ، وضده الإسراع ، ~~وهو قصر مدة العمل للتدبير فيه. # ( @QUR@01 شهيدا ): شاهدا وحاضرا في القتال وميدان المعركة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قال الطبرسي في مجمع البيان : قيل : إنها نزلت في المؤمنين لأنه خاطبهم ~~بقوله : ( @QUR@02 وإن منكم )، وقد فرق بين المؤمنين والمنافقين بقوله : ( ~~@QUR@05 ما هم منكم ولا منهم ). [المجادلة : 14] وقال أكثر المفسرين : ~~نزلت في المنافقين وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب لا من ~~جهة الإيمان ، وهو اختيار الجبائي (1). # * * * ### ||| ** القرآن يدعو للثبات أمام أساليب الانهزام # وهذه الآيات انطلاقة جديدة للدعوة إلى إطاعة الله والرسول ، في خط الجهاد ~~الذي فرضه على الأمة ، لتكون قادرة على مواجهة التحديات من PageV07P347 # مواقع القوة ، لأن أية أمة تريد الوقوف على قدميها ، لا بد لها من قاعدة ~~فكرية تواجه بها الفكر المنحرف الضال ، ومن قاعدة للقوة تواجه بها الفئات ~~المنحرفة الضالة ، لتستمر في رسالتها على مدى الزمن. ولهذا جاء النداء ~~للمؤمنين ليأخذوا حذرهم من كل التحديات المحتملة المحيطة بهم ، ( @QUR@06 ~~يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) فهناك أكثر ms1610 من عدو يتربص بهم ، سواء كان ~~من أهل الكتاب أو المشركين ، وهناك أكثر من جهة تعبث بأمنهم ، سواء في ذلك ~~المنافقون وغيرهم. فلا بد لهم من مواجهة ذلك كله بالاستعداد ، ( @QUR@05 ~~فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) فإذا جاء وقت النفر إلى الجهاد ، فعليهم أن ~~ينفروا متفرقين أو مجتمعين ، حسب الخطة الموضوعة للنفر في نطاق المصلحة ~~العليا للإسلام والمسلمين ؛ فقد تكون المصلحة أن يخرجوا فرقة فرقة ، وهو ما ~~يسمى بنظام السرايا ، وقد تكون المصلحة أن يخرجوا جميعا وهو ما يسمى بنظام ~~العسكر. # * * * ### ||| ** لا بد من الحذر على كل المستويات # وإذا دققنا في كلمة ( @QUR@02 خذوا حذركم ) فإننا ننفتح من خلالها على كل ~~ساحات الصراع التي يمكن أن يتواجد فيها أعداء الإسلام والمسلمين في كل زمان ~~ومكان ، ليستغلوا كل الثغرات الموجودة في المجتمع المسلم لينفذوا من خلالها ~~إليه ، للإضرار به ليعبثوا بأمنه أو ليحشدوا القوة العاتية ، ليهجموا بها ~~على الواقع الإسلامي كله ، لأن المعركة في حركة التحديات المضادة مستمرة في ~~صراع الحق والباطل والخير والشر. وإذا أردنا استنطاق كلمة ( @QUR@01 حذركم ~~) فإنها تعني مواجهة كل الأوضاع والمشاكل والتيارات المختلفة والظروف ~~المتنوعة ، بالكثير من الدراسة والتخطيط للتعرف على مخططات العدو في مواقع ~~قوته وقدرته وأساليبه واستراتيجيته ، ومداه البشري PageV07P348 # والعسكري ، ولتجميع كل نقاط القوة المتناثرة في الساحة الإسلامية ، ~~ولتوزيع الطاقات على مواقع المعركة بكل دقة وإتقان ، لأن قضية المواجهة لا ~~تسير على نهج واحد وعلى أسلوب واحد ، بل تتنوع تبعا لتنوع قدرات العدو ~~وأوضاعه. # ولا بد من التنبيه على أن كلمة «الحذر» ، تختلف عن كلمة «الخوف» فإن ~~الخوف يشل القدرة ويدفع إلى الهزيمة ، أما الحذر ، فإنه يوحي بالدراسة ~~الدقيقة الموضوعية للواقع للتعرف على أفضل الوسائل للمواجهة بطريقة حكيمة ~~واعية مدروسة. # * * * ### ||| ** المقابلة بين المؤمنين والمنافقين # ويتحدث القرآن عن بعض الفئات التي تعيش الضعف في الموقف ، بين فئة تعاني ~~من ضعف الإيمان والإرادة ، وبين فئة تعيش النفاق في داخلها ، في الوقت الذي ~~تعيش في مجتمع المؤمنين كأية فئة منهم. ( @QUR@04 وإن منكم لمن ليبطئن ) ~~وخلاصة موقفهم أنهم لا ينفرون مع ms1611 النافرين ، بل يتباطئون متعللين ببعض ~~الأعذار التي تبرر لهم ذلك ، حتى يخرج الجميع وتفوتهم الفرصة التي أرادوا ~~أن تفوتهم ، ( @QUR@03 فإن أصابتكم مصيبة ) فإذا رجع المؤمنون من الجهاد ~~وكانوا في موقع الهزيمة أو الفشل أو القتل في ما عبر عنه القرآن بالمصيبة ~~قال هؤلاء الناس ، كما لو كانوا يتحدثون عن نعمة من نعم الله عليهم : ( ~~@QUR@04 قد أنعم الله علي ) لأننا لم نشهد المعركة ، ( @QUR@05 إذ لم أكن ~~معهم شهيدا ) فلم نصب بما أصيبوا به من قتل أو جرح أو نحو ذلك ، من دون أن ~~يلتفتوا إلى الآفاق الروحية التي يعيش فيها المؤمنون الصادقون المجاهدون ، ~~الذين يعتبرون القتل والجهد والجرح في سبيل الله ربحا وسعادة ، ينالون من ~~خلالها رضا الله في الدنيا PageV07P349 # وذلك جزاء المحسنين. فليست قصة الحياة لدى المؤمنين ، قصة استمتاع ولذة ~~وامتياز ، ولكنها قصة مسئولية ومعاناة وجهاد ؛ فقد اشترى الله منهم أنفسهم ~~أن يبذلوها في سبيله ، في أي موقع من مواقع العمل والجهاد المر. # ( @QUR@019 ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ~~يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) أما إذا رجع المسلمون بالنصر ~~وبالغنائم التي غنموها من العدو ، فلم يصابوا بأي بلاء مما يصيب المقاتلين ~~، فإن الموقف يتبدل لدى هؤلاء ، ويتمثل بإطلاق التمنيات الذاتية التي لا ~~تنطلق من رغبة روحية في المعاناة مع إخوانهم المؤمنين في ما عانوه من جهد ~~في سبيل الله ، ليكون لهم فضل المشاركة في الجهاد والمؤاساة لإخوانهم ، فهم ~~لا يعيشون المودة للمؤمنين المجاهدين ولا يشعرون بالعلاقة الإيمانية التي ~~تربطهم بهم ، لتكون قضاياهم المصيرية مشتركة في الموقف والشعور ؛ بل تنطلق ~~كل تمنياتهم من النظر إلى الأرباح التي حصل عليها المجاهدون ، تماما كأي ~~إنسان بعيد عن المؤمنين عند ما يتمنى لنفسه الفضل المادي الذي حصلوا عليه ؛ ~~فيقولون وهم يعبرون عن الحسرة الداخلية لفوات الفرصة عليهم : يا ليتنا كنا ~~معكم فنفوز فوزا عظيما. # * * * PageV07P350 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ms1612 (74) @QUR@031 وما ~~لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين ~~يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا ~~واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) @QUR@020 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ~~والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا ) (76) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يشرون ): يبيعون. يقال : شريت ، بمعنى بعت ، واشتريت ، بمعنى ابتعت. # ( @QUR@01 والمستضعفين ): وهم الذين استضعفهم الحاكم المستكبر لأنهم لا ~~يملكون مقومات القوة الذاتية ، فيعيشون معذبين مقهورين ، مما يفرض على ~~الذين يملكون القوة والفرصة لإنقاذهم أن يتحركوا في هذا الاتجاه ليخلصوهم ~~من ضغط المستكبرين. # * * * PageV07P351 ### ||| ** إطلاق الدعوة إلى الجهاد # ( @QUR@09 فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) ~~وتنطلق الدعوة إلى الجهاد ، في نداء حاسم يدفع المؤمنين إلى القتال في سبيل ~~الله ، من خلال الأجر العظيم الذي ينتظرهم عند الله ، لأن الإيمان الحق ~~يمثل في عمق معناه أن المؤمن يبيع نفسه لله ولا يرى الدنيا لنفسه ثمنا ، بل ~~يشتريها بالآخرة ، فتكون هي الهدف الذي يستهدفه من كل أعماله ومواقفه ، وهي ~~المقياس للسعادة والشقاء في الجانب الإيجابي والسلبي منها. ولهذا جاءت ~~الآية لتثير هذه الحقيقة الإيمانية في ذواتهم ، ليشعروا بأن القتال في سبيل ~~الله يمثل الوجه الحقيقي لحركة الآخرة في وعي الإنسان وموقفه ؛ ( @QUR@012 ~~ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) فإن الله قد ~~أعد للمجاهدين الذين يقتلون في المعركة أو الذين ينتصرون على عدوهم الأجر ~~العظيم. ولم يتعرض القرآن لحالة الهزيمة ، للإيحاء بأن ذلك ليس واردا في ~~أجواء المؤمنين الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ويقاتلون في سبيل الله ، ~~لأن طبيعة الهدف تمنعهم من ذلك في أية حالة من الحالات. # * * * ### ||| ** الأهداف الواقعية للجهاد # وتتابع الآيات حديثها عن الأهداف الواقعية للجهاد بطريقة الإثارة ، ~~فتتوجه إلى المؤمنين بأسلوب يوحي بأن الأوضاع القلقة التي يعيشها ~~المستضعفون تجعلهم لا يجدون لديهم وليا ولا نصيرا إلا الله ، وذلك من خلال ~~حالة الاستضعاف التي يعيشونها أمام حالة الاستكبار في كل ما يملكه الأعداء ~~من ms1613 قوى مادية ومعنوية لا بد أن تفرض حلا حاسما لتغيير هذا الواقع من خلال ~~الموقف ، فكيف يواجه المؤمنون الذين يحملون لواء الدعوة إلى PageV07P352 # الله ، لتتساقط كل الأصنام الحجرية والبشرية على الأرض ولتتحطم كل القوى ~~الظالمة الباغية أمام قوة الحق والعدل؟ كيف يواجهون الموقف ، وهم يشاهدون ~~كل هذه المآسي التي تتمثل في المظالم التي يقوم بها المستكبرون ضد ~~المستضعفين ، من جلدهم بالسياط وقتلهم وسجنهم وإخراجهم من ديارهم ، لا لذنب ~~جنوه ، بل لأنهم رفضوا عبادة الأصنام وقالوا ربنا الله بكل صدق وصراحة ~~وإيمان ، ووقفوا في حالة اشتداد القهر والألم والظلم أمام الله ، ليستغيثوا ~~به ويبتهلوا إليه أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها ، وأن يجعل لهم من ~~لدنه وليا ونصيرا. إن الله يأمرهم بالقتال من أجل تحقيق الأهداف التي انطلق ~~الإسلام وكل رسالات الله من أجلها ، وهي إقامة العدل في كل أرض ، ورفع ~~الظلم عن كل إنسان ، وتوفير الأمن والطمأنينة للحياة على أساس حكم الله ~~وكلمة. وتلك هي أهداف القتال في الإسلام ، فإنه لم يدع إلى القتال للسيطرة ~~الاستعلائية التي تريد أن تحكم لتحقق للحاكم شهواته في العلو والاستكبار ، ~~أو لتفسح المجال للإفساد من خلال القوة الغاشمة التي يهيئها القتال للحكام ~~، بل دعا إليه من أجل أن يحقق للحياة رسالتها ، وللإنسان إنسانيته ، ولهذا ~~جاءت الآية لتثير في داخل المؤمنين إيمانهم وعاطفتهم ومسئوليتهم عن الناس ~~والحياة. # * * * ### ||| ** معنى القتال في سبيل الله # ( @QUR@07 وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ) الذي حدد لكم أهدافكم في ~~رسالته التي تدعوكم إلى إقامة حكم الله في الأرض وتشييد الحق والعدل وهدم ~~الباطل والظلم ، فينبغي لكم أن تنطلقوا بكل الوسائل التي تحقق للإسلام ~~حريته في الدعوة إلى الله في كل مناحي الأرض ، ( @QUR@05 والمستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان ) الذين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والقهر ~~والاستبداد ( @QUR@01 الذين PageV07P353 # @QUR@01 يقولون ) تحت وطأة الوضع الذي لا يطاق ، في ابتهال خاشع مستغيث : ~~( @QUR@05 ربنا أخرجنا من هذه القرية ) مكة ( @QUR@02 الظالم أهلها )، لكل ~~الناس الذين لا يخضعون لهم من الضعفاء الذين لا يملكون مقومات القوة ~~الذاتية ، فيلجئون ms1614 إلى الله ليجعل لهم السبيل إلى القوة حيث لا قوة ، وإلى ~~النصرة حيث لا نصرة. ( @QUR@010 واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا ) وأي دور أعظم من هذا الدور الذي جعله الله للمؤمنين ، وأي تكريم ~~أفضل من هذا التكريم الذي منحهم إياه ، في ما أراده منهم من القيام بشؤون ~~الولاية والنصرة للمستضعفين ، باعتبارهم القوة المؤمنة العادلة التي تعمل ~~لتنفيذ إرادة الله في الأرض ، وفقا لسننه في مسيرة الحياة التي جرت على أن ~~النصر الذي يمنحه الله لعباده لا بد أن يتم بالأسباب الطبيعية التي وضعها ~~بين أيديهم. # وهكذا نفهم ، من خلال هذه الآية ، رفض الفكرة التي يوجهها أعداء الإسلام ~~للإسلام بأنه دين العنف والقتال ، فإن العنف لم يكن إلا لتدمير العنف ~~الظالم الذي يتمثل في القوى الغاشمة التي تضغط على إرادة المستضعفين ، أما ~~ما عدا ذلك ، فإن الإسلام دين الرحمة والمحبة الذي يحتوي الحياة كلها بكل ~~وداعة وتسامح واطمئنان. # * * * ### ||| ** الخط الفاصل بين قتال المؤمنين وقتال الكافرين # ويختم الله هذا النداء بتقرير الحقيقة الإيمانية ، في الخط الفاصل بين ~~قتال المؤمنين وقتال الكافرين ؛ فإن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله ، فليس ~~لهم أي هدف يتصل بالحالة الشخصية للمقاتل ، أو بالنوازع الذاتية التي تربطه ~~بعلاقاته وشهواته وأطماعه ، أو بالأشخاص الذين يمثلون خط الطاغوت في الفكر ~~والعمل والموقف ، بل كل ما هناك ، أنه يقاتل في سبيل الله الذي هو PageV07P354 # الوجه المشرق لسلامة الحياة والإنسان. أما الكفار ، فإنهم يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت ، بما يمثله من الفكر الباطل والحكم الطاغي والشريعة المنحرفة ~~والأهواء الضالة والفريق الظالم والفئة الشريرة الكافرة ، وهذا ما يوحي ~~للمؤمنين دائما بتحديد الساحة التي يقاتلون فيها ، من خلال تحديد القيادة ~~التي تقود الساحة ، والحكم الذي يحكمها ، والأفكار التي تسيطر عليها ، ~~والأهداف التي تستهدفها ، والجبهة التي تعمل معها ، أو تحاربها ... # فذلك هو الذي يحقق له مصداقية شخصيته الإيمانية من جهة ، ويمنح موقفه ~~الشرعية الإسلامية ؛ فلا يمكن للمؤمنين أن يقاتلوا أولياء الله ، مهما كانت ~~الظروف والنتائج ، لأن ذلك يعني الحرب على الله بشكل غير ms1615 مباشر. وقد نحتاج ~~إلى التدقيق في تطبيق هذا الخط على مسيرتنا الإسلامية ، في مثل هذه العصور ~~التي فقد فيها المسلمون الحكم الذي ينطلق من مواقع الشرعية الإسلامية ، ~~واختلفت في الوقت ذاته الأوضاع التي تتحرك في أكثر من صيغة سياسية في ~~حياتنا ، مما يمكن معه أن يلتبس على الإنسان الحق والباطل ، ويشتبه عليه ~~المخلصون من المنافقين. # ( @QUR@015 الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان ) لأنهم الذين يمثلون الطاغوت في كل ~~جوانب حياتهم الفكرية والعملية ؛ ولا تخافوا من كيدهم وشرهم وطغيانهم ، ~~لأنهم يستمدون قوتهم من الشيطان الذي يملك قوة محدودة تتحرك من خلال ~~الوسائل المادية التي يقدمها لأتباعه ، ولكنها سرعان ما تتهاوى أمام الموقف ~~الصلب الذي يقفه المؤمنون ، انطلاقا من قوة الله المطلقة التي لا تقف عند ~~حد ( @QUR@05 إن كيد الشيطان كان ضعيفا ). # * * * PageV07P355 ### ||| * الآيات # ( @QUR@049 ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) @QUR@036 أينما ~~تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) @QUR@018 ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ) (79) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 كفوا أيديكم ): كناية عن الإمساك عن القتال ، أي أمسكوا عن ~~القتال والحرب ، لأن المرحلة لم تستوجب ذلك بعد. # ( @QUR@01 فتيلا ): كناية عن القلة والحقارة ، والفتيل هو ما تفتله بيدك ~~من الوسخ ثم تلقيه. وقيل : ما في شق النواة لأنه كالخيط المفتول. PageV07P356 # ( @QUR@02 بروج مشيدة ): الحصون المحكمة المرتفعة ، فالبرج هو البناء ~~المعمول على الحصون ، المحكم لدفع العدو. وأصل معناه الظهور ، والتشييد ~~الرفيع وأصله من الشيد وهو الجص ، وإنما قيل ms1616 للجص شيد لأنه مما يرتفع به ~~البناء. # ( @QUR@01 يفقهون ): يدركون ويعون ويفهمون حقيقة الأشياء وأبعادها ~~وحكمتها ، والفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. فهو أخص من العلم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال الكلبي : نزلت هذه الآية في نفر من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن ~~الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ، كانوا يلقون من المشركين أذى ~~كثيرا ويقولون : يا رسول الله ، ائذن لنا في قتال هؤلاء ، فيقول لهم : كفوا ~~أيديكم عنهم ، فإني لم أؤمر بقتالهم ، فلما هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين ، كرهه ~~بعضهم وشق عليهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # * * * PageV07P357 ### ||| ** من صور المتخاذلين # ولعل جو الآية يوحي بمثل هذا الجو الذي تتحدث عنه القصة ، لأن القرآن ~~يتحدث عن بعض الأوضاع القلقة التي كان يعيش فيها المجتمع المؤمن في مواجهته ~~لتحديات الكفر ، وذلك كأسلوب قرآني تربوي يعلمنا أن لا نؤكد دائما على ~~الجوانب الإيجابية في مجتمعنا ، فنتحدث عن نقاط القوة فيه والجوانب المشرقة ~~في داخله ، بل لا بد لنا من التأكيد أيضا على الجوانب السلبية ، فنتحدث عن ~~نقاط الضعف والجوانب المظلمة في داخله ، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لوضوح ~~الرؤية وسلامة المسيرة ، عند ما يتطلع العاملون إلى المجتمع ، كما هو في ~~طبيعته الواقعية ، فيعرفون كيف يتصرفون بطريقة عملية ، من خلال نقاط الضعف ~~والقوة معا ، ليخططوا للعمل على هذا الأساس. أما إذا انطلقنا في إثارة ~~الموضوع أمام أنفسنا وإخواننا من جانب واحد إيجابيا كان أو سلبيا وألغينا ~~الجانب الآخر ، فسيترك ذلك تأثيرا على سلامة الخط ويعرض المسيرة للارتباك ~~أو الانهيار. # وهذا ما أكد عليه القرآن في أكثر من آية ؛ ومن ذلك ما حدثنا الله به عن ~~هؤلاء المؤمنين الطيبين الذين التقوا بالدعوة الإسلامية في بدايتها ، ~~فآمنوا بها من خلال الإيمان بالله ، وشعروا بالقوة الروحية التي تمنحهم ~~شجاعة الموقف وقوة التحدي والمواجهة ، ففكروا باندفاع وانفعال ، تماما كما ~~يفكر الإنسان ms1617 في خوض المعركة الشخصية دون أن يحسب حسابا للساحة ، لأن هناك ~~حالة نفسية معقدة متوترة تدفعه إلى المواجهة الحادة ، وتوحي له بأن التراجع ~~يمثل الذل والانهزامية وغير ذلك من المشاعر الخاصة ، ولا تترك له مجالا ~~ليدرس الموقف من خلال النتائج المحتملة ، بما يتطلبه ذلك من استعداد عملي ، ~~ومن دراسة للعناصر المقابلة المعادية وطريقة عملها ، ليحدد PageV07P358 # ما هو المصلحة لما يؤمن به من قيم ذاتية أو عامة ، فقد يقع الإنسان في ~~قبضة الذل من خلال حركة انفعالية اندفاعية ، أكثر مما يعانيه من ذلك فيما ~~لو سيطر على مشاعره ، وتحمل بعض انفعالات الموقف ، وخطط لربح المعركة في ~~نهاية المطاف ... # بمثل هذه الحالة الانفعالية وقف هؤلاء المؤمنون الطيبون الذين كانوا ~~يعانون من اضطهاد المشركين ، حتى أنهم قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرت بعض الروايات : يا نبي الله ، كنا في عز ونحن ~~مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة (1). فواجهوا الموقف بانفعال ، تماما كأية ~~حالة ذاتية سريعة ، ولم يفكروا أن الموقف هو موقف الدعوة والحاجة إلى تخطيط ~~العمل على أساس المراحل ، فقد تكون بحاجة إلى أن يعيش أفرادها روح ~~الاستشهاد والتضحية والثبات ، ليعمقوا تأثير الدعوة في نفوس المجتمع الذي ~~يضطهدهم بشكل غير مباشر ، وليأخذوا لأنفسهم الوقت الملائم لإيصال الدعوة ~~إلى كل قلب في الجزيرة العربية من خلال الموقع المميز لمكة ، وذلك ~~بالابتعاد عن الصدمات اليومية التي قد تضيق عليهم الخناق وتمنعهم من حرية ~~الحركة ، فربما كان من مصلحة الدعوة أن لا ينتبه المشركون إلى القوة ~~الذاتية التي تملكها ، من خلال ما يملكه أفرادها المؤمنون من القوة ، وربما ~~كانت القوة التي يملكونها لا تستطيع مواجهة القوة التي يملكها المشركون ، ~~مما قد يدفع بالموقف إلى هزيمة لا تتحملها الدعوة الجديدة. # ولهذا لم يؤمر النبي بالقتال طيلة عهد ما قبل الهجرة ، وذلك من أجل تحضير ~~الأجواء لانتشار الدعوة من جهة على أيدي مؤيديها ومعارضيها ، ومن أجل إعداد ~~المجتمع الجديد الذي ينطلق من قاعدة ثابتة صلبة خارج نطاق مكة ، كما حدث في ~~المدينة ، فكانت هجرة المسلمين ms1618 إلى الحبشة ؛ PageV07P359 # وكانت مواقف الصمود والاستشهاد من قبل الذين لم يهاجروا ، حتى أذن الله ~~بالقتال. ووقف هؤلاء المؤمنون الذين قال لهم الله من خلال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@06 كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~)، فذلك ما ينبغي لكم القيام به ، على أساس ما تقتضيه المصلحة الإسلامية ~~في هذه المرحلة لأن إقامة الصلاة تمثل انفتاح الإنسان على الله للحصول على ~~القرب منه ، من حيث هي معراج روح المؤمن إلى الله ، فذلك هو الذي ينمي في ~~داخله القيم الروحية والمعاني الإنسانية ، كما أن الزكاة بمعناها الواسع ، ~~وهو العطاء ، تمثل انفتاح الإنسان على الإنسان الآخر المحروم في حاجاته ~~الخاصة والعامة لمساعدته على تجاوز حالة الحرمان التي يعانيها ؛ الأمر الذي ~~ينمي إنسانيته في علاقته بالآخر من خلال علاقته بالله ، فذلك هو الذي يقدم ~~الإنسان المسلم إلى العالم من موقعه الروحي والإنساني ، مما يترك تأثيره ~~الإيجابي على استجابة الناس للإسلام باعتباره الدين الذي يبلور للإنسان ~~إنسانيته ويحوله من إنسان مستغرق في ذاته إلى إنسان منفتح على الآخرين ~~والعالم كله من موقع المسؤولية العامة عن الإنسان والحياة ، على أساس أن ~~الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. # وقد نستوحي من هذا الخط الفاصل بين تكليف المسلمين في مكة وتكليفهم في ~~المدينة أن مكة كانت ساحة الإعداد والتعبئة الروحية والثقافية والاستقامة ~~في العمل من أجل صنع الطليعة الواعية القائدة لحركة الصراع تحت قيادة النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أما المدينة ، فهي ساحة الصراع التي تتحدى ~~وتواجه التحدي من خلال قوة المسلمين الجديدة التي تريد أن تكون رقما صعبا ~~في موازين القوة ، وهذا ما يفسر الخطوط العملية الفارقة بين الموقعين. # ولم يرتح المسلمون إلى ذلك. ومرت الأيام ، وجاءت التجربة الإسلامية ~~الجديدة في المرحلة الثانية الصعبة ، وهي مرحلة المواجهة للكفر PageV07P360 # بأسلوب التحدي والقوة. وفرض الله القتال على المسلمين. وكان هؤلاء ممن ~~كتب عليهم القتال ، ووجهت إليهم الدعوة ، فما ذا كان موقفهم؟ ( @QUR@04 ~~فلما كتب عليهم القتال ). إن القرآن يحدثنا عن لحظات الضعف التي عاشوها ms1619 ~~إزاء هذه الدعوة ، فقد واجهتهم حقيقة الخصائص الذاتية الكامنة في نفوسهم ، ~~فهم لا يعيشون القوة الروحية في المستوى الذي يجعلهم أقوياء في مواجهة ~~التحدي ، فلم تكن مواقفهم الأولى منطلقة من قاعدة صلبة في داخل ذواتهم ، بل ~~كانت منطلقة من حالة انفعالية طارئة بعيدة عن دراسة الموقف وحسابات الساحة. ~~وهكذا بدأوا يواجهون حقيقة أنفسهم ، فها هم ينهارون أمام حالة الرعب من قوة ~~الأعداء فلا يستطيعون التماسك أمامها. وهذا ما صوره القرآن لنا بهذه الصورة ~~المعبرة : ( @QUR@010 إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) ~~فهم يخافون من الناس ، كما يخافون من الله ، أو أكثر من ذلك ، ولهذا واجهوا ~~الموقف بعدم الاستجابة للدعوة إلى القتال ، خوفا من عذاب الناس ، في ما ~~يمكن أن تسفر عنه المعركة من جراحة أو قتل. # وقد دفعهم هذا الخوف إلى موقف ضعف مدمر ، عبروا به عن ضعف إيمانهم ، في ~~ابتهالهم إلى الله ، في لهجة توحي بالعتاب أكثر مما توحي بالخشوع : ( ~~@QUR@012 وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب ... ~~) إن القتال يدفعنا إلى أن نفقد حياتنا في المعركة ، ولكننا نحب الحياة ~~ونريدها أن تستمر إلى الأجل المحتوم الطبيعي الذي جعلته لكل إنسان يعيش ~~ويموت حتف أنفه ، ولكن الله يريد أن يوقظ في أعماقهم روح الإيمان ومعناه ~~وامتداده ، ويفلسف لهم قصة الموت والحياة في نفس المؤمن ووعيه ... ( ~~@QUR@011 قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ) إن ~~الإيمان يمثل انفتاح الإنسان على الله بكل كيانه ، فيحب ما أحبه الله ، ~~ويكره ما كرهه الله ، ويختار ما أراده الله ، ويجعل الحياة كلها رحلة في ~~طريق الله ، وعلى هذا فإن المؤمن يختار الموت في سبيل الله إذا اختار الله ~~له ذلك ، ويحب الحياة من أجل الله إذا اختار الله له ذلك. # * * * PageV07P361 ### ||| ** تربية المسلم على التعاطي مع واقعة الموت # ثم ما معنى الارتباط بالدنيا؟ هل هو لتحصيل المتع والشهوات الحسية؟ فما ~~عند الله خير ، وذلك لما أعده للمتقين جزاء على أعمالهم الصالحة التي ~~يثيبهم الله عليها ms1620 من دون أن ينقص منها شيئا ، فإذا وازن المؤمنون بين ~~المتاع القليل في الدنيا ، وبين ألطاف الله في الآخرة ، فسيجدون أن متاع ~~الدنيا لا يمثل شيئا. # وينطلق القرآن بأسلوب آخر يناقش فيه هذا الخوف من الموت الذي يدفعهم إلى ~~الامتناع عن القتال ، فإن ذلك لا ينجيهم من الموت ، ( @QUR@09 أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) فقد يموت الإنسان وهو في برج مشيد ، ~~وقد ينجو منه وهو في قلب المعركة ، لأن الإنسان مرهون بأجله الذي لا يتقدم ~~ولا يتأخر ولو مقدار لحظة. ثم يتحدث عن بعض ملامح النظرة التي ينظر فيها ~~البعض من هؤلاء أو من غيرهم إلى الرسول ؛ ( @QUR@08 وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله ) إذا واجهوا الحسنة في ما يحصلون عليه من راحة ورزق وأمن ~~ومتع ورغبات ، فإنهم ينسبون ذلك إلى الله ، أما إذا واجهتهم السيئة ، ( ~~@QUR@03 وإن تصبهم سيئة ) في ما يلاقون من مرض أو بلاء أو فتنة أو مشكلة ~~صغيرة أو كبيرة ( @QUR@04 يقولوا هذه من عندك )، فإنهم ينسبونها إلى ~~الرسول من باب التطير والتشاؤم ؛ كما حدثنا الله عن بعض هذه النماذج في ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 قالوا إنا تطيرنا بكم (1) @QUR@017 لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم ~~مسرفون ) [يس : 18 19] ولكن الله يرد عليهم هذه النظرة ( @QUR@05 قل كل من ~~عند الله ) إن كل الأحداث التي تطرأ على حياة الإنسان ، ترجع إلى الأسباب ~~الطبيعية التي أودعها الله في الكون ، سواء منها الأسباب الكونية ، أو ~~الأسباب العادية في حياة الإنسان النفسية والاجتماعية PageV07P362 # والجسدية ، وبذلك يرجع الأمر كله إلى الله وذلك ما يسمى بالسيئة أو ~~الحسنة ، من دون أن يلغي ذلك إرادة الإنسان واختياره ، لأن ذلك من قبيل ~~الأسباب العادية ، ولذلك فإن من الممكن أن ينسب العمل إليه بالذات بواسطة ~~مباشرته له ، ولكن هؤلاء القوم ( @QUR@04 لا يكادون يفقهون حديثا )، لأنهم ~~لا يعرفون طبيعة الأشياء ، من خلال ما أودعه الله فيها من سننه الكونية ~~والاجتماعية. # وإذا كانت هذه الآية ترجع الأمور كلها ms1621 إلى الله ، باعتبار أنه مصدر كل ~~شيء ، فإن الآية الأخيرة تنسب الحسنة إلى الله ، والسيئة إلى الإنسان وذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك )، ولعل القضية ترجع إلى اختلاف الحيثية ؛ فقد كانت الآية الأولى ~~واردة في مورد الرد على الذين يتطيرون بالرسول ، فينسبون التأثيرات السيئة ~~إليه ، فكان المناسب أن تعالج الفكرة على أساس أن العباد لا يملكون التأثير ~~في مجريات الأمور ، لأن الله هو مصدر كل شيء ، فلا يملك أحد تبديل أي شيء ~~وتغييره إلا بإذنه ؛ أما الآية الثانية ، فقد وردت في مورد الحديث عن تأثير ~~أفعال العباد في حدوث كثير من المشاكل والأزمات والآلام ، باعتبار علاقة ~~المقدمات بالنتائج ، وذلك لما أودعه الله من قانون السببية في الكون ؛ ~~وبذلك أمكن نسبة السيئة إلى الإنسان ، وهي التعبير عن مظاهر المشاكل ~~والآلام في حياة الإنسان. أما الحسنة ، فإنها إذا كانت تصدر من الإنسان ~~بشكل مباشر ، فإن نسبتها إلى الله أكثر ، باعتبار ما أعده الله من مقدمات ، ~~وما وجه إليه من أعمال ، حتى أن إرادة الإنسان الخيرة قد تحركت بفعل ~~التوجيه الإلهي ، بينما الأمر في السيئة على العكس ، لأن التوجيه كان ~~متعلقا برفض السير في هذا الاتجاه. وقد تحدث القرآن في أكثر من آية عن هذا ~~الموضوع ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ... ) [الروم : 41] ، ~~فلم يبق هناك أي تناف بين مفاد PageV07P363 # الآيتين ، من خلال اختلاف طبيعة الجهة التي تدعو إلى اختلاف النسبة ؛ ~~والله العالم. # ( @QUR@06 وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ) ربما كانت هذه الفقرة ~~تأكيدا للفكرة التي ترفض علاقة الرسول بالأحداث التي تحدث للناس من بلايا ~~وآلام ، لأن مهمته تحدد بإبلاغ الرسالة للناس ، من دون أن تترك في حياة ~~الناس أي شيء في أمورهم الحياتية من ناحية تكوينية ؛ والله العالم. # * * * PageV07P364 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا (80) @QUR@024 ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم ms1622 غير ~~الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا ) (81) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حفيظا ): رقيبا مهيمنا. # ( @QUR@01 بيت ): دبر ليلا ، من التبييت الذي هو إحكام الأمر وتدبيره ~~ليلا. ومن البيتوتة ، وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل. يقال : بات في الليل ~~وظل في النهار. # * * * ### ||| ** من يطع الرسول فقد أطاع الله # ( @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ) لما كان الرسول لا ينطلق من ~~شخصه ، في ما يأمر به الناس أو ينهاهم عنه ، بل من خلال صفته كرسول يبلغ عن الله PageV07P365 # ما يريد من الناس أن يفعلوه ويتركوه ، كانت إطاعته إطاعة الله ، ومعصيته ~~معصية لله ، وتلك هي مهمته ودوره في حياة الناس. ( @QUR@06 ومن تولى فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا ) أما حساب الناس على أعمالهم ، فليس الرسول مسئولا ~~عنه ، بل هو على الله ، لأن الله لم يكلفه ، في خط الدعوة إليه والتبليغ ~~لشريعته ، بالسيطرة بالقوة عليهم والهيمنة على أوضاعهم ؛ فإذا أعرض الناس ~~عن طاعة الرسول ، فإنهم يتحملون مسئوليتهم أمام الله. # وقد حدثنا الله عن بعض النماذج التي تظهر الاستعداد للطاعة ما دامت في ~~حضرة الرسول ، ولكنها لم تكن مخلصة في ذلك ، ( @QUR@012 ويقولون طاعة فإذا ~~برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) فإذا خرجت من عنده واجتمعت ~~بعناصر السوء التي توافقها في الرأي من المنافقين ، دبرت خطط المعصية ~~ومخالفة الرسول في ما يقوله ، ( @QUR@04 والله يكتب ما يبيتون ) ولم ~~يلتفتوا وهم يخفون خططهم آمنين من اطلاع أحد عليهم ، أن الله يكتب كل ما ~~يبيتونه للمسلمين من الخطط الشريرة فيعرفها لرسوله الذي يواجه خططهم ~~بالحكمة والتدبير الدقيق. وقد كانت المصلحة الإسلامية تفرض على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يفضحهم ويكشف أمرهم ، ( @QUR@05 فأعرض عنهم ~~وتوكل على الله ) لأن المرحلة قد لا تسمح بالدخول معهم في عملية صراع داخلي ~~قد يسيء إلى توازن المجتمع ، في الوقت الذي يخوض فيه المسلمون الحرب ~~والصراع ضد المشركين واليهود ؛ ولذلك كان الأمر الإلهي بالإعراض عنهم ، مع ~~إعداد الخطط الكفيلة لتحذير المسلمين منهم ومتابعة المسيرة من دون خوف ms1623 ووجل ~~، والتوكل على الله من أجل الشعور الداخلي بالثقة من كل الطوارئ المفاجئة ~~التي لم تدخل في الحسبان. وإذا توكل الإنسان على الله ، فإنه يكفيه من كل ~~شيء ولا يحوجه إلى غيره ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ). # وقد نستوحي من هذه الآية ، كيف يمكن أن يمارس العاملون للإسلام دعوتهم ~~إلى الله وجهادهم في سبيله بمرونة وحكمة ، فلا يصطدمون بالفئات PageV07P366 # القلقة التي قد تتواجد في داخل الساحة الإسلامية ، إذا كانت الظروف ~~الموضوعية لا تسمح بالأمر بسبب التعقيدات الصعبة الناشئة عن ذلك ، مما قد ~~يدخل الدعوة الإسلامية في معارك جانبية قد تترك أثرها السلبي على المسيرة ~~الإسلامية الطويلة ؛ ولكن ليس معنى ذلك إهمال الموقف كليا والاستهانة بهذه ~~العناصر ، بل المفروض الوعي والحذر وتطويق كل تحركاتهم ومواجهتهم بأسلوب ~~هادئ بعيد عن كل ألوان الإثارة المتعبة ، حتى إذا تبدلت الظروف ، أمكن لنا ~~حل مشاكلهم معهم بالطريقة القوية الحاسمة. # * * * PageV07P367 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتدبرون ): يتفكرون ويتأملون معانيه ، ويتبصرون ما فيه ، ~~والتدبر هو أخذ الشيء والنظر في عواقب الأمور ، والفرق بين التدبر والتفكر ~~هو أن التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب ، والتفكر تصرف القلب بالنظر في ~~الدلائل. # ( @QUR@01 اختلافا ): تناقضا في معانيه وتفاوتا في بيانه ومتانة أسلوبه ~~، والاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو ~~قوله. قال الطبرسي : الاختلاف هو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما ~~يرجع إلى ذاته كالسواد الذي لا يسد مسد البياض ، وكذلك الذهاب في الجهات ~~المختلفة (1). # * * * PageV07P368 ### ||| ** عدم الاختلاف في القرآن دليل على صدوره من الله تعالى # وهذا دليل على أن القرآن من عند الله وليس من كلام البشر ، لأن غير الله ~~يخضع في كلامه لحالات مختلفة ، في حياته المادية والمعنوية ؛ وقد يترك ذلك ~~اختلافا كثيرا في ما يصدر عنه ، فقد يكون له في هذا اليوم فكر يختلف عن ~~فكره في اليوم الآخر ، وقد يكون له موقف في بعض الحالات الطارئة يختلف عن ~~الموقف في حالة أخرى ms1624 ... أما الله سبحانه فإنه الذي يحيط بالأشياء من جميع ~~جوانبها ، فلا يختلف أمره في حال عن حال ، ولا تشتبه عليه الأمور ، لأنه ~~خالق كل شيء ، ( @QUR@07 ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك : 14] ~~، ولذلك فلا يمكن لكلامه أن يكون موضعا للاختلاف والتنافر والتنافي ، بل هو ~~الذي يصدق بعضه بعضا ، ويفسر بعضه بعضا ، ويبين أوله آخره ، وآخره أوله ، ~~وبهذا ينبغي لنا أن ندرس القرآن ونتدبره ، فنلاحظ أنه نزل في حالات متباينة ~~وأوضاع مختلفة ، في السفر والحضر والسلم والحرب ... وتعرض لأكثر من موضوع ~~وقضية ، بل ربما يتحدث عن القضية الواحدة أكثر من مرة ، في أكثر من مناسبة. # وامتدت عملية التنزيل إلى مدى ثلاث وعشرين سنة ، هي عمر النبي الرسالي ، ~~فلم تختلف فيه آية عن أخرى ، ولا مفهوم عن آخر ، مما يدلنا أنه كلام الله ~~الواحد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولكن لا بد من ~~التدبر فيه والتعمق في مداليله ، لئلا يتوهم القارئ الاختلاف في ما ليس فيه ~~اختلاف ، كما يحدث للإنسان الذي يقرأ بعض الآيات التي ظاهرها الجبر ، في ~~مقابل بعض الآيات التي يظهر منها حرية الاختيار ؛ أو الذي يقرأ PageV07P369 # الآيات التي يستفاد من ظاهرها التجسيم ، بإزاء الآيات التي يظهر منها ~~عدمه ... وهكذا في ما اختلفت فيه أساليب التعبير ؛ فقد يطلق اللفظ الظاهر ~~في معنى بحسب أصل الوضع ، ويراد منه المعنى الآخر على سبيل الكناية والمجاز ~~بسبب بعض القرائن الصارفة للفظ عن معناه الحقيقي ، فيخيل للقارىء الساذج ~~غير المتدبر أن المراد به المعنى الحقيقي ، وذلك كما في الآيات التي تتحدث ~~عن وجه الله ويده ، التي هي كناية عن ذاته وقدرته أو نعمته ، فيتوهم البعض ~~أنها تعبير عن العضو الجسدي الخاص ، فيذهب إلى التجسيم ؛ ونحو ذلك مما ~~سنتعرض له في موضعه من التفسير ، لأن للفظ العربي قواعد معينة مضبوطة في ~~طريقته في التعبير عن المعنى ، فلا يجوز إغفالها في ما نريده من فهم الكلام ~~القرآني ، لئلا نقع في الخطأ الناشئ عن عدم التدبر. # وقد يكون من المناسب أن ms1625 نذكر ما حدث للفيلسوف إسحاق الكندي فيلسوف العراق ~~الذي قيل إنه كتب كتابا في إثبات تناقض القرآن في آياته ، وشغل نفسه به ، ~~وتفرد به في منزله ؛ وعرف الإمام الحسن بن علي العسكري الإمام الحادي عشر ~~من أئمة الشيعة الإمامية الاثنى عشر بذلك ، وإن بعض تلامذته دخل على الإمام ~~العسكري عليه السلام ، فقال له : أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما ~~أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ : نحن من تلامذته ، كيف يجوز منا ~~الاعتراض عليه في هذا وفي غيره؟ فقال له أبو محمد (وهي كنية الإمام العسكري ~~عليه السلام ): أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟ قال : نعم. قال : فصر إليه وتلطف ~~في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله ؛ فإذا وقعت الأنسة في ذلك ، فقل : قد ~~حضرتني مسألة أسألك عنها ، فإنه يستدعي منك ذلك ، فقل له : إن هذا المتكلم ~~بهذا القرآن ، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به غير المعاني التي قد ظننت ~~أنك ذهبت إليها ؛ فإنه سيقول لك : إنه من الجائز ، لأنه رجل يفهم ، فقل له : فما PageV07P370 # يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه ، فتكون واضعا لغير معانيه؟ ~~فصار الرجل إلى الكندي ، وتلطف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة ، فقال له : ~~أعد علي. ففكر في نفسه ، ورأى ذلك محتملا في اللغة وسائغا في النظر ، فقال ~~: أقسمت عليك إلا أخبرتني من أين لك هذا. فقال : إنه شيء عرض بقلبي فأوردته ~~عليك. فقال : كلا ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة ، ~~فعرفني من أين لك هذا. فقال : أمرني به أبو محمد. فقال : الآن جئت به ، وما ~~كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت. ثم إنه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ~~ألفه (1). # وفي ضوء ذلك ، لا بد للإنسان الواعي من التدقيق في كل الأبحاث المنحرفة ~~التي تحاول أن تؤكد على وجود التنافي بين آيات القرآن ، ليعرف من خلال ~~التدقيق أن تلك الأبحاث لم ترتكز على أساس دقيق من قواعد اللغة ، وحركة ~~العقل السليم. # * * * PageV07P371 ### ||| * الآية ms1626 # ( @QUR@031 وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) (83) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أمر ): شأن ، والمقصود هنا إشاعة الأمن أو إشاعة الخوف التي ~~يبثها المنافقون لإحداث الخلل والاختلاف والوهن في المجتمع الإيماني. # ( @QUR@02 أذاعوا به ): الإذاعة والإشاعة والإعلان والإظهار نظائر ، ~~وضده الكتمان والإسرار والإخفاء ، ورجل مذياع لا يستطيع كتمان خبر. # ( @QUR@01 يستنبطونه ): يستخرجون الفكرة الصحيحة والموقف السليم في ما ~~يصح أن يذاع وما لا يصح ، بما تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا. والاستنباط ~~استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة ، واستنبط الرأي ~~: استخرجه بتدبر وخبرة ونظرة فاحصة ، وهو استفعال من PageV07P372 # أنبط ، والنبط الماء المستنبط. واستنبط البئر : استخرج ماءها بحفرها. # * * * ### ||| ** لا بد من إرجاع قضايا الأمن إلى أولي الأمر # ( @QUR@09 وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) تتابع السورة ~~التخطيط لإلزام المجتمع بالقواعد الأساسية للسلامة العامة ، من خلال الحديث ~~عن بعض النماذج القلقة التي انحرفت عن ذلك ، وكيف أراد القرآن لها أن تصحح ~~مواقفها العملية في هذا الاتجاه ؛ فقد كان بعض الناس في مجتمع الرسول في ~~المدينة مولعين بنشر كل ما يسمعونه وإذاعته ، من دون التدقيق في صدقه وكذبه ~~، أو في نفعه وضرره ، فيؤدي ذلك إلى إحداث حالة ارتباك في حياة المجتمع ، ~~فقد يكون الخبر متعلقا بالأمن من بعض الجوانب ، من خلال ما كان يعيشه ~~المسلمون من التحديات العسكرية أمام الأعداء ، في الوقت الذي تحتاج فيه ~~الساحة إلى الحذر واليقظة والتوتر الانفعالي والشعور بالخطر ، وقد يكون ~~متعلقا بالخوف من بعض الأوضاع ، في الوقت الذي يؤدي ذلك إلى سقوط الساحة ~~تحت وطأة الرعب ، وانهيار الروح المعنوية تحت تأثير التهاويل التي تثيرها ~~الإشاعة. # وربما تكون قضايا الأمن والخوف متصلة ببعض القضايا التي تمس جانب السلامة ~~للإسلام والمسلمين ، عند ما تتعلق بالأسرار العسكرية في الداخل والخارج ، ~~مما يكون للحديث عنها تأثير سلبي على سلامة المجتمع في حالتي السلم والحرب. ~~وقد وجه القرآن المسلمين إلى التحفظ ms1627 في ذلك من موقع المسؤولية ، لأن ~~الكثيرين منهم لا يحيطون بجوانب الأمور كلها ، فقد يلتفتون إلى جانب منها ~~فيحدث لهم نوع من الإثارة ، ويغفلون عن الجوانب الأخرى التي يمكن أن تعطل ~~مفعول الإثارة في النفس ، لأنها تمثل PageV07P373 # عنصرا من عناصر التهدئة والشعور بالسلام. وقد تكون المسألة ذات أبعاد ~~بعيدة عن الأجواء الذاتية التي يعيشها الناس ، فلا يعرفون قيمتها السلبية ~~والإيجابية على طبيعة الأحداث العامة في حياة الناس ؛ ولهذا توجه القرآن ~~إلى المسلمين بإرجاع ذلك إلى الرسول الذي يعرف من شؤون الساحة ما لا يعلمه ~~الآخرون ، في ما يضر وما ينفع ؛ وذلك من خلال وحي الله في ما يحتاج إلى ~~نزول الوحي ، ومن خلال الإحاطة الواقعية في نطاق الرؤية والتجربة ... ( ~~@QUR@08 ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ) فيمكن أن يعرفهم من ~~ذلك ما لا يعرفون ، ويبصرهم ما لا يبصرون ، أو يرجعهم إلى أهل الخبرة الذين ~~أعدهم للمسؤولية في حماية المجتمع وإدارته بقيادته ؛ وفي حالة غياب الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن عليهم إرجاعه إلى أولى الأمر الذين يملكون زمام ~~الموقف وشرعيته من خلال مواقعهم التي وضعهم الله فيها بشكل مباشر أو غير ~~مباشر ، وانطلاقا من الخطة الإسلامية الموضوعة لتحديد المسؤوليات العملية ~~في الأمة ؛ ( @QUR@04 لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فإنهم يدرسون ذلك من ~~جميع جوانبه ، ويقارنون في دراستهم له بين جميع الأمور المتعلقة بالموضوع ، ~~ويستنبطون منهما الفكرة الصحيحة السليمة التي تضع الأمور في نصابها الصحيح ~~، فيوحون بإذاعة الأخبار التي لا ضرر على الموقف منها ، ويوصون بالامتناع ~~عما يحدث الضرر للناس ، ويقودون المجتمع إلى الانضباط في ما يصلح أمره أو يفسده. # وتلك هي قضية الالتزام بالإسلام في حياة الإنسان المسلم ، فليس هو مزاجا ~~يتقلب حسب تقلب الظروف ، وليس شهوة يستسلم لها ، بل هو التزام بمصلحة الفرد ~~والمجموع معا ، وانضباط عند حدود الله في ما يأمر به وما ينهى عنه ، وإطاعة ~~للقيادة الشرعية في توجيهها وتخطيطها وقيادتها للأمة ، فلا مجال للتحرك ~~الذاتي إلا بالمقدار الذي لا يسيء إلى مصلحة حركة المجموع ، ولا مجال ms1628 ~~للذاتية في تقييم الأوضاع في علاقتها بالخطة ، بل لا PageV07P374 # بد من الرجوع إلى أولي الأمر ، لأنهم يملكون من النظرة والإحاطة والعمق ~~ما لا يملكه الفرد أو الأفراد البعيدون عن ساحة المسؤولية. وهذا ما يمكن أن ~~تقصده الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@06 ولو لا فضل الله عليكم ~~ورحمته ) في هدايتكم لدينه ، وتسديد خطاكم بوحيه ، من خلال ما رسمه لكم من ~~خط للحياة في أمورها الصغيرة والكبيرة ( @QUR@02 لاتبعتم الشيطان ) الذي ~~يقودكم إلى اتباع هوى أنفسكم والاستسلام لنوازعكم الذاتية التي لا تراقب في ~~الأشياء إلا ظواهرها السطحية ، أو نتائجها الجزئية ، لأن دوره هو أن يبعدكم ~~عن الله في حركة الفكر في الذات وفي حركتها في التطبيق على صعيد الواقع ( ~~@QUR@02 إلا قليلا ) منكم ممن يتوقفون ليفكروا وليتأملوا وليهتدوا ، ~~فيرجعوا إلى الخط المستقيم قبل أن تنحرف بهم الأهواء ذات اليمين وذات ~~الشمال. # * * * ### ||| ** التحرك من مواقع المسؤولية لا الذاتية # وقد نستوحي من هذه الآية ، أن على العاملين في سبيل الله الذين يتحركون ~~في عملهم في نطاق الخطة الشاملة ، أن يتحركوا من مواقع مسئولياتهم ، لا من ~~مواقعهم الذاتية ، فيحترمون أسرار العمل في كل شيء ، وينضبطون في أحاديثهم ~~بالتدقيق في كل كلمة من كلماتهم ، لئلا تتحرك الكلمات في غير مصلحة الإسلام ~~من دون وعي وتدبر ، ولا سيما في الظروف الصعبة التي يملك فيها أعداء ~~الإسلام الأجهزة المعقدة من المخابرات التي تحاول الاطلاع على كل شيء في ~~الساحة ، لتحوله إلى وسيلة ضغط على الإسلام والمسلمين ، كما تملك أجهزة ~~الاعلام التي تصنع الأخبار الكاذبة وتثير الإشاعات المغرضة في قضايا الأمن ~~والخوف ونحوهما ، من أجل أن تربك الساحة ، وتبلبل الذهنية المسلمة ، وتؤدي ~~بالموقف إلى حالة ضياع وارتباك. PageV07P375 # وقد لا يقتصر الأمر على المسائل المتصلة بالعمل الإسلامي ، بل يمتد إلى ~~المسائل المتصلة بكل قضايا المسلمين في العالم سواء منها الذي يتحرك في ~~نطاق إسلامي ، أو الذي يتحرك في نطاق عام ، ولكنه في نهاية المطاف يرتبط ~~بمصلحة الأمة في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ، لأن ~~من واجب المسلم أن يهتم بأمور المسلمين على ms1629 كل صعيد ، فيحفظها من كل عدو ، ~~ويصونها من كل ألوان الخطر والضياع. # وإذا كان الإسلام يرفض من المسلمين التجاوب مع الإشاعات التي يطلقها ~~الآخرون في قضايا الأمن والخوف ، فإنه يريد من خلال ذلك الإيحاء بخطورة ~~الإشاعة في الأوضاع الاجتماعية والسياسية من حيث تأثيرها على الذهنية ~~العامة في التصورات الخاطئة المضادة للحقيقة ، مما يجعلها تضغط على الواقع ~~بالطريقة التي تربك فيها حركته في الاتجاه الصحيح وتعطل خطط القيادة ~~الصالحة عن تنفيذ ما تريده وتخطط له من أجل المصلحة العامة. # ولعل من الطبيعي في هذا الاتجاه أن نقف بحزم ضد الذين يثيرون الإشاعات من ~~أجل فضح أكاذيبهم وتعطيل مخططاتهم في الإخلال باستقرار المجتمع ، لأننا إذا ~~أهملنا هذا الأمر ووقفنا منه موقف اللامبالاة فإن ذلك سيتحول إلى خطر على ~~المجتمع وعلى الوضع العام كله. # وإذا كانت الإشاعات سلاحا بيد الأعداء ، فقد تقتضي الحاجة ، من خلال ~~المصلحة الإسلامية العليا ، العمل على إلحاق الاهتزاز النفسي والسياسي في ~~داخل مجتمعاتهم لإسقاط أوضاعهم العامة والخاصة بذلك ، تفاديا للمعركة ~~الأكثر خطورة وللمشكلة الأكبر تعقيدا. ولكن ذلك يحتاج إلى المزيد من الدقة ~~ودراسة التوازنات في المصالح والمفاسد الكامنة في طبيعة الواقع لأن التسرع ~~في مثل هذه الأوضاع يؤدي بها إلى النتائج السلبية التي ليست في مصلحة ~~الجميع. PageV07P376 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله ~~أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) (84) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا تكلف ): لا تكلف أنت شيئا. والتكليف من الكلفة بمعنى ~~المشقة لما فيه من المشقة والمعاناة على المكلف. # ( @QUR@01 وحرض ): حث واستنهض ، ويتم ذلك من خلال الحديث عن قيمة القتال ~~وأهدافه وعواقبه وفلسفته. والتحريض : الحث على الشيء بكثرة ، التزيين ~~وتسهيل الخطب فيه. كأنه بالأصل إزالة الحرض ، والحرض ما لا يعتد به. # ( @QUR@01 تنكيلا ): عقوبة وانتقاما وإذلالا بحيث يكون رادعا لهم ~~ولغيرهم عن ممارسة الاعتداء. والنكول هو الامتناع للخوف ، والنكال ما يمتنع ~~به من الفساد خوفا. والنكل القيد. # * * * PageV07P377 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان ، قال الكلبي : إن أبا سفيان لما ms1630 رجع إلى مكة يوم أحد ~~وأعد رسول الله موسم بدر الصغرى ، وهو سوق تقوم في ذي القعدة ، فلما بلغ ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الميعاد قال للناس : اخرجوا إلى الميعاد ، ~~فتثاقلوا وكرهوا ذلك كراهة شديدة ، أو بعضهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~، فحرض النبي المؤمنين ، فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا ، فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سبعين راكبا حتى أتى موسم بدر ، فكفاهم الله بأس ~~العدو ولم يوافهم أبو سفيان ولم يكن قتال يومئذ ، وانصراف رسول الله بمن ~~معه سالمين (1). # * * * ### ||| ** مسئولية الرسول القيادية # إنها دعوة من الله إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يتحمل مسئولية ~~القتال في سبيل الله ، لأن دوره ليس دور الرسول الذي يبلغ رسالات الله ، ثم ~~يصبر على الأذى ، ثم يتراجع عن الساحة ويستسلم لمخططات الأعداء ، ويضعف ~~أمام تعاظم قوتهم ، ويستكين أمام شدة بأسهم ، بل إن دوره العظيم أن يغير ~~الحياة على أساس رسالة الله ، فينسف كل قواعد الواقع الفاسد ، ويحطم قوة ~~الذين كفروا ، ويضعف من بأسهم ، بكل الوسائل التي يملكها ليحركها في خط ~~المواجهة ... ولا بد له في هذا المجال أن يتقدم الصفوف ليقاتل في سبيل الله ~~، ليكون النبي المقاتل كما كان الرسول الداعية المبلغ ، لأن شخصية PageV07P378 # الرسول هي النموذج الذي ينبغي للمؤمنين أن يصوغوا شخصيتهم على صورته ، ~~فتتكامل لهم الشخصية المتوازنة التي تجمع في داخلها كل ما تحتاجه الحياة من ~~عناصر الشخصية الفاعلة المؤثرة ، التي تقود الحياة من موقع المعاناة إلى ~~أهدافها الكبيرة التي يريدها الله لها في مسيرتها إليه. وإذا كان الله قد ~~كلف الرسول بالقتال في سبيله ، فإنه لم يحمله في هذا الجانب إلا مسئولية ~~نفسه ، تماما كأي مسلم يتحمل مسئولية عمله ، دون أن يحمل مسئولية غيره في ~~ما يقوم به ، إلا بالمقدار الذي يتصل بمسؤوليته في إعداد المقدمات وتهيئة ~~الأجواء ؛ ولكن الله أراد للرسول في مسئوليته القيادية أن يحرض المؤمنين ~~على القتال ، بكل الأساليب التي تدفعهم إلى الإقبال عليه ، ليقفوا في ~~مواجهة العدو صفا واحدا كالبنيان المرصوص ms1631 ، لأن قوة الكافرين لا تضعف ولا ~~تتحطم إلا إذا وقف المؤمنون كقوة مسلحة في مواجهتهم ، فذلك هو الذي يحقق ~~للساحة توازنها وقوتها ، تبعا لما أراده الله من جريان الأمور بأسبابها ~~الطبيعية ، لأنه لم يشأ أن تتحرك قضايا النصر والهزيمة بطريقة المعجزة ، ~~ليتحول الناس إلى عناصر تجلس في الظل في استرخاء ، وتتطلع إلى العدو وهو ~~يتقدم ببلاهة ، لتنتظر المعجزة من السماء أن ترسل على العدو نارا تحرق كل ~~أفراده وأسلحته ... إن وجود القوة المستعدة للمجابهة بكفاءة ، هي التي يمكن ~~أن يرد الله من خلالها بأس الكافرين ، ومهما بلغ بأسهم ، فإن الله أشد بأسا ~~وأشد تنكيلا ، فلا ينبغي للمؤمنين أن يأخذهم الرعب والخوف والهلع ما دامت ~~قوتهم مستندة إلى قوة الله سبحانه. # * * * PageV07P379 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن ~~له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ) (85) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يشفع ): يساعد ويعاون ويحرض. وأصل الشفاعة من الشفع الذي هو ~~ضد الوتر ، فإن الرجل إذا شفع بصاحبه فقد شفعه ، أي صار ثانيه ، ومنه ~~الشفيع في الملك ، لأنه يضم ملك غيره إلى ملك نفسه. # ( @QUR@01 كفل ): نصيب من الشر ، وكأنه متكفل بوزره ، «والكفل في اللغة ~~النصيب ، وأخذ من قولهم : اكتفلت البعير إذا أردت على سنامه كساء وركبت ~~عليه ، وإنما يقال ذلك لأنه لم يستعمل الظهر كله وإنما استعمل نصيب من ~~الظهر ، وقال الأزهري : الكفل الذي لا يحسن ركوب الفرس وأصله الكفل وهو ردف ~~العجز ، ومنه الكفالة بالنفس والمال ، والكفل المثل» (1)، وقيل : إن الكفل ~~والنصيب بمعنى واحد ولكن كلمة النصيب تستخدم حين يكون الحديث عن حصة من ~~الربح والفائدة والخير ، أما الثانية فتستخدم إذا كان الكلام عن الخسارة ~~والضرر والشر. PageV07P380 # ( @QUR@01 مقيتا ): مقتدرا ، يعطي القدرة ويمنح الرزق ، وقد قيل : إن ~~المقيت بمعنى معطي القوت. وهذا الإعطاء يستدعي المقدرة ، فاستعير اللفظ لذلك. # * * * ### ||| ** أجر المحسنين وجزاء المسيئين # إن الله سبحانه قد جعل للعاملين أجرا في عملهم الصالح ، وعقابا على عملهم ~~السيئ ، كما أعد لمن يسعى في سبيل ذلك حصته من العمل ms1632 ؛ فمن يشفع شفاعة حسنة ~~يكن له نصيب منها ، والشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو أن يصير الإنسان شفعا ~~لصاحبه أي ناصرا له ، لأنه كان أحد الأسباب في حصول هذا الشيء ، وذلك لما ~~سعى فيه من تشجيع العامل للخير على عمل الخير ؛ ومن يشفع شفاعة سيئة ، بأن ~~يساعد الذين يعملون السيئات بتشجيعهم على ذلك ، يكن له كفل منها ، والكفل ~~النصيب والحظ ، ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء مقيتا ) أي مقتدرا. # وفي هذا الجو الذي توحيه الآية ، يقف المؤمنون ليعملوا على الإرشاد ~~والتشجيع والدعوة إلى الخير ، بنفس الروح التي يتحركون من خلالها لعمل ~~الخير نفسه ، لأن الإنسان الذي يؤمن بالخير يحاول أن يملأ الحياة به من ~~خلال عمله ، ولأن الثواب الذي يستهدفه من عمله ، يمكن أن يحصل على بعض منه ~~، من خلال التشجيع عليه ؛ وهكذا ينطلق في الاتجاه المعاكس ، لنبذ الشر من ~~نفسه ومحاربته في عمل الآخرين بإبعادهم عنه ما أمكنه ذلك ؛ وهكذا تتحول ~~الفكرة الخيرة أو الشريرة ، في وعي الإنسان المؤمن إلى موقف إيجابي أو سلبي ~~يتمثل في خطين : خط الدعوة ، وخط العمل ، ليتحول المسلم إلى عامل في خط ~~الدعوة وداعية في خط العمل. # * * * PageV07P381 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على ~~كل شيء حسيبا (86) @QUR@017 الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) (87) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 حييتم بتحية ): التحية السلام ، يقال حيى يحيي تحية إذا سلم. # ( @QUR@01 حسيبا ): الحسيب : الحفيظ لكل شيء حتى لا يشذ منه شيء ، ~~والحسيب : الفعيل من الحساب الذي هو الإحصاء ، يقال : حاسب فلان فلانا على ~~كذا وهو حسيبه إذا كان صاحب حسابه. ومن قال : الحسيب الكافي ، فهو من قولهم ~~: أحسبني فلان الشيء إحسابا إذا كفاني ، وحسبي كذا أي كفاني. وقال الزجاج : ~~معنى الحسيب أنه يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه أي ~~يكفيه ومنه قوله : ( @QUR@02 عطاء حسابا ) أي كافيا (1). # * * * PageV07P382 ### ||| ** تجاوب المسلم مع المبادرات الروحية # إن الله يريد للإنسان المسلم أن يعبر عن تجاوبه وتفاعله ms1633 مع كل المبادرات ~~الروحية والعاطفية ؛ فإذا حياه إنسان بتحية ، فعليه أن يردها بتحية مماثلة ~~أو أحسن منها ، لأن التحية بادرة محبة وعاطفة ، ولا سيما إذا كانت التحية ~~تحية الإسلام ، وهي كلمة «السلام عليكم» ، لأن هذه الكلمة توحي بكل ~~الأحاسيس والأفكار والأجواء التي تحملها كلمة السلام ، في ما توحيه من ~~المبادرة التي يقدمها الإنسان لأخيه ، ليعبر له فيها بأن علاقته به هي ~~العلاقة التي توحي بالأمن والطمأنينة وعدم الاعتداء ، ويطلب منه أن يبادله ~~بها ، سلاما بسلام ، ومحبة بمحبة. والله لا يريد من الإنسان أن يتنكر لهذه ~~الدعوة ولهذه العاطفة ، ولذا اعتبر رد السلام واجبا عند الفقهاء ، انطلاقا ~~من هذه الآية. وقد يكون ذلك أحد الوسائل الإسلامية التي يستهدف الإسلام ~~منها توثيق الروابط بين الناس وبين المؤمنين بشكل خاص ، وللتأكيد على أن ~~يكون الإنسان إيجابيا في هذا المجال ، فيمد اليد بكل محبة لليد التي تمتد ~~إليه لتصافحه أو لتصالحه أو لتعاهده ، في حدود العلاقات الإنسانية التي لا ~~تتنكر للمبادئ والقيم. # وقد يظهر من الآية أن التحية ، إذا استوحينا منها المعنى العام ، كما ورد ~~في تفسير علي بن إبراهيم عن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام أن المراد ~~بالتحية في الآية السلام وغيره من البر (1) تشمل كل مبادرة صادرة من ~~الإنسان تجاه الإنسان الآخر ، كالرسالة المعبرة عن الحب ، وبطاقات المعايدة ~~والهدية والزيارة ، مما يصدق عليه كلمة التحية عرفا. PageV07P383 # قال أنس : حيث جارية للحسن بن علي عليه السلام بطاقة ريحان ، فقال لها : ~~أنت حرة لوجه الله. فقلت له في ذلك ، فقال : أدبنا الله تعالى فقال : ( ~~@QUR@06 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ) (1). # ولعلنا نفهم ذلك من التركيز على نقطة حيوية ، وهي أن التحية بمعنى السلام ~~لا خصوصية لها في المعاني الإنسانية ، لأن القضية هي أن التحية تمثل مبادرة ~~إنسانية تعبر عن انفتاح الإنسان على الإنسان الآخر بعنوان المحبة ، مما ~~يفرض بحسب التخطيط الإسلامي للعلاقات الاجتماعية الإنسانية في الخط ~~الأخلاقي أن يرد عليها بمثلها أو بأفضل منها ، في كل ما يطلب فيه الرد ، ~~لأن عدم التفاعل مع ms1634 هذه المبادرة يوحي بالتنكر للمعنى الإنساني الكامن في ~~داخلها ، مما قد يؤدي إلى بعض السلبيات الاجتماعية التي تمثل انحرافا عن ~~الخط الإسلامي في ربط الناس ببعضهم البعض في القيمة الأخلاقية الإنسانية. # وقد تترتب على هذا الاستيحاء القرآني بعض النتائج الفقهية في وجوب الرد ~~على كل مبادرة تمثل معنى التحية مما يطلب فيه الرد بحسب العرف العام. # * * * ### ||| ** الإسلام وإفشاء السلام # أما بالنسبة إلى تحية (السلام) التي جعلها الإسلام عنوان التحية التي ~~يبادر بها المسلمون بعضهم بعضا أو غيرهم ممن يعيشون روح السلام مع المسلمين ~~أو لا يعيشون روح الحرب ضدهم ، أما هذه التحية ، فقد حدثنا القرآن أن ~~السلام هو التحية التي تنطلق من الله في وعي المسلم الذي يبادر PageV07P384 # بها الآخر وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@010 فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم تحية من عند الله ) [سورة النور : 61] ، مما يوحي بأن أصل عبارة ~~«سلام الله عليكم» أي ليمنحك الله السلام أو أنني أقدم لك السلام من خلال ~~تحية الله لعباده المؤمنين التي يلقيها عليهم يوم القيامة : ( @QUR@05 سلام ~~قولا من رب رحيم ) [يس : 58] ، ويعيش معها المؤمن في غرفة الجنة: ( @QUR@09 ~~أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ) [الفرقان : 75]. ~~ويحيي أهل الجنة بعضهم بعضا بها ( @QUR@03 تحيتهم فيها سلام ) [إبراهيم : ~~23]. وهكذا نرى أن الملائكة حيوا إبراهيم بها ( @QUR@09 إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ) [الذاريات: 25]. # وقد أراد الله للناس أن يجعلوها كلمتهم الأولى قبل الكلام الذي يفيضون ~~فيه ، فقد جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «من بدأ ~~بالكلام قبل السلام ، فلا تجيبوه» (1)، وجاء عن الإمام محمد الباقر ~~عليه السلام «إن الله يحب إطعام الطعام وإفشاء السلام» (2)، وعن الإمام ~~جعفر الصادق عليه السلام «البخيل من بخل بالسلام» (3) وقد جاء عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم : «خيركم من أطعم الطعام ، ~~وأفشى السلام ، وصلى والناس نيام» (4). وكان النبي يبادر الآخرين حتى ~~الأطفال الصغار بالسلام ، لأنه رسول المحبة إلى الناس. ولذلك فلا معنى له ms1635 ~~مع الفاسقين والمرابين والمنافقين الذين يرفض الإسلام احترامهم والإيحاء ~~لهم بعلاقة السلام معهم ، لأن المعركة بين الخير والشر مفتوحة معهم باعتبار ~~تجسيدهم للشر المتمثل في عقولهم وقلوبهم وسلوكهم المنحرف. وربما كان ختام ~~الآية بقوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله كان على كل شيء حسيبا ) موحيا بأن ~~القضية تخضع لحساب PageV07P385 # الله ، ليتحرك الإنسان فيها من موقع المسؤولية. # * * * # ثم انطلقت الآية الثانية ، لتملأ وجدان الإنسان وضميره بعظمة الله ، ~~كأسلوب من أساليب تربية الشخصية الإيمانية على الشعور الدائم بحضور الله في ~~داخل النفس ، بالمستوى الذي يتلاشى فيه كل حضور آخر لأي شيء آخر معه ، في ~~اتجاه حركة المسؤولية في وعي الإنسان لذاته ولدوره ( @QUR@05 الله لا إله ~~إلا هو ) فهو وحده الإله ، وكل ما هناك ومن هناك خاضع لألوهيته ، ( @QUR@07 ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) فانظروا كيف تواجهون الموقف ، في ~~لحظات الحساب الحاسمة على أعمالكم ، واعرفوا كيف تجادلون عن أنفسكم ( ~~@QUR@016 * يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا ~~يظلمون ) [النحل : 111] ، حيث لا مجال للشك في هذه الحقيقة ، ولا موقع ~~للريب ، ( @QUR@05 ومن أصدق من الله حديثا ) عند ما ينذر ويخبر ويتوعد. ~~وماذا بعد ذلك ؛ إنها الحقيقة العارية التي لا تترك أمامها أي ضباب أو ظلمة. # * * * PageV07P386 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) @QUR@028 ودوا ~~لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في ~~سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ~~ولا نصيرا (89) @QUR@036 إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا (90) @QUR@031 ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ~~كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ~~ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم ms1636 عليهم ~~سلطانا مبينا ) (91) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فئتين ): طائفتين مختلفتين ، الأولى : ترى قتالهم لأنهم ~~كافرون ، PageV07P387 # والأخرى تحرض على ترك قتالهم لأنهم مسلمون. # ( @QUR@01 أركسهم ): ردهم إلى الضلال بعد خروجهم منه ، جزاء بما كسبوا ~~من نفاقهم وتآمرهم. والإركاس الرد ، والركس : قلب الشيء على رأسه ورد أوله ~~إلى آخره. # ( @QUR@01 حصرت ): ضاقت وصارت محرجة. # ( @QUR@01 سبيلا ): طريقا وحجة للتعدي على نفوسهم وأموالهم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي أن قوما خرجوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد ، فرجعوا ، فاختلف فيهم المسلمون ، فقالت فرقة ~~: نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم ؛ فنزلت هذه الآية. # وفي رواية أخرى : إن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فأركسوا ، فخرجوا من المدينة ~~فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : ما لكم ~~رجعتم؟ فقالوا أصابنا وباء المدينة فاجتويناها ، فقالوا : ما لكم في رسول ~~الله أسوة؟ فقال بعضهم : نافقوا ، وقال بعضهم : لم ينافقوا هم مسلمون ، ~~فأنزل الله تعالى : ( @QUR@010 * فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ~~بما كسبوا ) الآية. وقال مجاهد في هذه الآية : هم قوم خرجوا من مكة حتى ~~جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا النبي ~~عليه الصلاة والسلام إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم ~~المؤمنون ، فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل PageV07P388 # يقول : هم مؤمنون ، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية ، وأمر ~~بقتلهم في قوله : ( @QUR@06 فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ) ~~فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي ، وبينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حلف وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين ، فرفع عنهم ~~القتل بقوله تعالى : ( @QUR@05 إلا الذين يصلون إلى قوم ) ( 1). # ونلاحظ على هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن من طريقته ~~قتل المنافقين ، مما يوحي بأن الآية تتحدث عن مرتدين كما تدل عليه الرواية ~~الأخيرة ، كما أن ظاهر الآية أنهم أظهروا الكفر فأصبح حكمهم حكم الكافرين ، ~~مع ملاحظة أخرى ، وهي اختلاف ms1637 الروايات الذي يوحى باختلاف الأشخاص والمواقع ~~، مما يضعف اعتماد إحداها كتفسير لنزول الآية لتكون بمثابة اجتهاد استيحائي ~~من قبل المفسرين الرواة. # * * * ### ||| ** القرآن يحدد ملامح المنافقين # كان المسلمون يختلفون في بعض المواقف التي لم ينزل الله فيها آية ولم يعط ~~النبي رأيه بها ، وكان الوحي ينزل بعد ذلك ليعطي المسألة حقها من الوضوح ، ~~وليوجه المسلمين إلى النهج الذي يجب أن ينهجوه في فهمهم للأشياء ومواجهتهم ~~للجوانب القلقة فيها. وقد كان من بين هذه الأمور ، الموقف من المنافقين ~~الذين كانوا يظهرون الإسلام في مكة في بداية عهد الدعوة ، ولكنهم يبطنون ~~الكفر ؛ ولم يهاجروا مع المسلمين عند ما هاجروا مع PageV07P389 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في الوقت الذي كانت الهجرة فريضة لازمة ~~عليهم ؛ فقد اختلف المسلمون في أمرهم بين فئتين : فئة ترى أن يعاملوا ~~معاملة المشركين في قتالهم ونهب أموالهم ، لأنهم كافرون مثلهم ، فليس لهم ~~ميزة إيمانية تخرجهم عن حكم الكفار ؛ وفئة ترى أن يعاملوا معاملة المسلمين ~~، كما هو الحال في المنافقين الذين هاجروا ، أو الذين أسلموا في المدينة ~~وعاشوا مع خط النفاق ، فلا يجوز قتلهم واستباحة أموالهم. ولم يدل النبي ~~برأي في هذا الخلاف ، وترك إعطاء الرأي فيه بانتظار الوحي ، وجاءت هذه ~~الآيات لتحسم الخلاف وتحدد ملامح الموضوع بوضوح ، من خلال ما وجهته ~~للمؤمنين من الخطاب ، ( @QUR@02 فما لكم ) أي شيء لكم أيها المؤمنون ، ~~لتختلفوا ( @QUR@01 في ) أمر ( @QUR@01 المنافقين ) وتنقسموا ( @QUR@01 ~~فئتين ) انطلاقا من المشاعر والأفكار الذاتية التي لا ترتكز على دراسة ~~الموضوع من جميع جوانبه ، مما يبعدكم عن الرؤية الواضحة ويدخلكم في أبواب ~~النزاع والخلاف ( @QUR@02 والله أركسهم )، والإركاس الانتكاس ، وهو تحول ~~الشيء من حال إلى حال أردأ منه ، وقد يكون المراد من هذه الحالة ، إلحاقهم ~~بحكم الكافرين بعد أن كانوا بحكم المسلمين في التعامل معهم ، وذلك لما ~~يترتب على وجودهم من الضرر بالمستوى الذي قد يزيد على ضرر الكفار على ~~المسلمين ، لنفاقهم وتمردهم على الأمر بالهجرة ( @QUR@02 بما كسبوا )، فإن ~~الله لا يؤاخذ الناس في الدنيا والآخرة ، إلا بسبب انحرافهم وتمردهم ~~وممارستهم للأعمال الشريرة ms1638 ، فينبغي للمؤمنين أن ينطلقوا في إعطاء الرأي من ~~هذا الموقع الذي يمثل القاعدة الإسلامية للحكم على الأشخاص ، في ما أعطاه ~~الله من الميزان الذي يزن الأشخاص بمستوى العمل ، ويحاسبهم على هذا الأساس. # * * * PageV07P390 ### ||| ** القرآن يحسم الموقف من المنافقين # ثم ينطلق القرآن في معالجة بعض الأفكار التي كانت تطوف في أذهان المسلمين ~~الذين كانوا يرون ضرورة مجاملة المنافقين والتعامل معهم معاملة المسلمين ، ~~فقد كان يخيل إليهم إمكانية الدخول في تجربة هداية هؤلاء ، بالأسلوب الطيب ~~والمعاملة الحسنة ، فربما كان ذلك سببا في انفتاحهم على الإسلام وابتعادهم ~~عن الكفر والضلال ، لأن الأجواء الطيبة قد تثير الأفكار والمشاعر الطيبة في ~~حياة الإنسان الذي قد يتأثر إيجابا أو سلبا بالكلمة واللفتة واللمسة وغير ~~ذلك مما يلامس مشاعره بخير ، أو يتحداها بشر ، ولكن الله يعرفهم أن ذلك مما ~~لا سبيل إليه ، لأن هؤلاء قد عاشوا مثل هذه الأجواء الخيرة المتسامحة ~~الحميمة بأروع ما يمكن أن يعيشه إنسان ، وذلك بما كانوا يعيشونه من خلق ~~النبي العظيم ورعايته لمن حوله ، وإعراضه عن كثير من الهفوات التي كانت ~~تصدر منهم ؛ مما حدثه الله عنه من سلوكهم وتسامحه معهم ، رغم معرفته من ~~إضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام نفاقا ، فلم يخاطبهم بذلك ، ولم يعرض لهم ~~بسوء بشكل مباشر من قبله ، أو بشكل غير مباشر من قبل أصحابه ، ثم أراد منهم ~~الهجرة كما أرادها من المسلمين الآخرين الصادقين ، للإيحاء لهم بأن لهم ما ~~للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك ، وآثروا البقاء في ~~ديار الشرك ، ليكيدوا للإسلام من ذلك الموقع ، وبذلك استنفدت كل التجارب ~~معهم ، فلم يبق هناك تجربة جديدة يمكن أن يقوم بها المسلمون في طريق ~~هدايتهم ، فكان لا بد من حسم أمرهم بالمواجهة الحازمة لهم ، بمعاملتهم ~~معاملة الكفار ، لأنهم كفار في واقع أمرهم ، متمردون في ظاهره. وعلى ضوء ~~ذلك ، جاءت الآية لتخاطب المسلمين حول هذا الموضوع بأسلوب الاستنكار. ( ~~@QUR@02 أتريدون أن PageV07P391 # @QUR@04 تهدوا من أضل الله )، وهذا أسلوب معبر يوحي بالحسم في مواجهة ~~المسألة ؛ فإذا كان الله قد أضلهم ، فما ذا يستطيع العبد ms1639 أن يقوم به في ~~هدايتهم ، وهل يستطيع الإنسان أن يتمرد على إرادة الله في الناس وفي ~~الأشياء؟ # * * * ### ||| ** معنى إضلال الله للمنافقين # وقد يوجه سؤال : ما معنى إضلال الله لهم ، وهل يعني هذا إلغاء إرادتهم في ~~قضية الهدى والضلال؟ وما معنى العذاب على ما لا اختيار للإنسان فيه؟ # والجواب ؛ أننا أشرنا أكثر من مرة في هذا التفسير إلى الأسلوب القرآني ~~الذي ينسب كل الظواهر في الكون إلى الله ، سواء كانت الظواهر كونية أو ~~إنسانية ، وذلك من خلال علاقتها بالله في ما ترتبط به من قانون السببية ~~الذي أودعه في مخلوقاته ، فللضلال أسبابه كما للهدى أسبابه ، وقد جعل الله ~~من أسباب الضلال ، إرادة الإنسان السير في هذا السبيل ، بعد قيام الحجة ~~عليه من الله من جميع الجهات ، مما يجعل من اختياره للضلال أمرا لا مبرر له ~~؛ وبذلك يكون الضلال حتميا بوجود السبب الداخلي ، وهو الإرادة المنحرفة ، ~~أما علاقة الموضوع بالله ، فتتمثل في هذا الربط الذي جعله الله بين الإرادة ~~وحصول المراد ، كأية نتيجة وسبب ، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون طرف القضية ~~بيد الإنسان ، هذا من جهة ، وأما من جهة أخرى ، فلأن الله يرفع عن الإنسان ~~رعايته وعنايته التي يمنحها للسائرين في طريق الهدى ، ويكل أمره إلى نفسه ؛ ~~وإذا فقد الإنسان رعاية الله ، كان الضلال أمامه في طريق الحياة ، وفي كلا ~~الحالين ، فإن النسبة لا تمنع من الاختيار ، ولا تمنع بالتالي من المسؤولية ~~التي تستتبع العقاب ، ولكنها تحسم الموقف في اتجاه الحتمية التي لا تترك ~~مجالا للتجربة. PageV07P392 # ( @QUR@07 ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا )، لأن عملية الإضلال تتمثل ~~في إغلاق الإنسان على نفسه كل السبل التي فتحها الله له ليسير فيها ~~باختياره ، فليس هناك وضع أو رعاية إلهية غير عادية لفرض الهدى من موقع ~~المعجزة. # * * * ### ||| ** أماني المنافقين # ويستمر القرآن في توضيح الواقع الداخلي الذي يعيش في ذواتهم ( @QUR@07 ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ... ) فهم يحملون الأماني الذاتية ~~في أن يكفر المسلمون كما كفروا ، مما يوحي بأن كل خططهم العملية في ms1640 إظهارهم ~~الإسلام وفي تقربهم من المسلمين تتحرك في هذا الاتجاه ، فكيف يمكن أن ~~يستسلم المسلمون لهم ويمحضوهم المودة والإخلاص والموالاة ، ويندمجوا معهم ~~في مشاعر أخويه حميمة ؛ في الوقت الذي يحملون فيه مثل هذه الأماني ~~والأفكار؟ ( @QUR@04 فلا تتخذوا منهم أولياء ... )، لأن ذلك يغريهم ~~بالامتداد في خطتهم ، ويجعلكم في متناول أيديهم ، بما تفرضه الولاية من ~~علاقات ومعاملات وأوضاع استرخائية يستسلم فيها الإنسان للجو الحميم ويفقد ~~معها حذره. # * * * ### ||| ** الأمر يقتل المنافقين أنى وجدوا # ( @QUR@05 حتى يهاجروا في سبيل الله ... ) لأن الهجرة تمثل لونا من ألوان ~~الخضوع للسيطرة الإسلامية ، مما يمكن المسلمين من مراقبتهم وأخذ جانب ~~الحيطة والحذر من جهتهم ، ويوحي ولو من بعض الجهات باستعدادهم للانضباط ~~الجزئي في داخل الحكم الإسلامي. وهذا هو الفرق بين المنافقين الذين هاجروا ~~، وبين المنافقين الذين لم يهاجروا ؛ فإن الإسلام قد يطمع في PageV07P393 # إصلاح حال المهاجرين منهم ، لأنهم يعيشون في الأجواء الإسلامية الروحية ~~والفكرية التي قد تنمي لهم روحيتهم وأفكارهم على أساس الإسلام ، وربما كان ~~لوجودهم في نطاق السيطرة الإسلامية بعض الأثر في الوصول إلى هذا الهدف ~~الإسلامي في هدايتهم إلى الحق ؛ أما المنافقون الباقون في مكة ، فليست هناك ~~أية فرصة معقولة لخروجهم من ضلالهم وكفرهم ، فلا مجال لإعطائهم حكم الإسلام ~~من قريب أو من بعيد. # ( @QUR@06 فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ... ) لأن هذا هو حكم ~~الإسلام في المشركين في حالة الحرب ( @QUR@06 ولا تتخذوا منهم وليا ولا ~~نصيرا )، لأنهم ليسوا من الإسلام والمسلمين في شيء ، بل هم أعداؤه ~~وأعداؤهم في كل المجالات ؛ ولكنه استثنى فريقا منهم ( @QUR@08 إلا الذين ~~يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) فإنه يجري عليهم حكم المعاهدين ، لأن ~~المعاهدة تفرض عدم الاعتداء عليهم وعلى من يجيرونه من الناس ( @QUR@09 أو ~~جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ... ) هؤلاء الذين يعيشون ~~في أنفسهم الضيق النفسي والحرج العملي في قتال المسلمين مع قومهم ، أو في ~~قتال قومهم مع المسلمين ، فيحبون أن يكونوا حياديين. وقد أراد الإسلام من ~~المسلمين انتهاز الفرصة ، فيشجعون هذا النوع من الحياة في المعركة في ~~الفئات ms1641 المحسوبة على معسكر الأعداء ، لأن ذلك سوف يفقد الأعداء قوة مقاتلة ~~، وذلك لطف من الله بالمسلمين ( @QUR@013 ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ) ونفذوا ذلك ~~بأمانة وصدق ، ( @QUR@06 فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) لأن الله لا يريد ~~في هذه المراحل أن يندفع المسلمون إلى قتال الذين يقفون على الحياة في ~~المعركة ، حتى لو كانوا كافرين. # * * * PageV07P394 ### ||| ** الموقف ممن يقاربون أهل النفاق # وهناك جماعة أخرى قريبة من هذه الجماعة ، ولكنها تختلف عنها في بعض ~~الخصائص ( @QUR@07 ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ) وهؤلاء ~~هم الذين يريدون أن يحصلوا على الأمن من كلا الطرفين ، ولكن لا عن ضيق أو ~~حرج في نفوسهم من القتال ، بل عن حب للحياة مع العمل على أن يأخذوا الحرية ~~لأنفسهم في التحرك في الفتنة ، من خلال أجواء الأمان الممنوحة لهم ، ( ~~@QUR@06 كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها )، فهم يخضعون لنوازع الفتنة ، ~~ويستسلمون لعواملها ومؤثراتها ؛ فإذا حصلت لهم الظروف المساعدة ، وقعوا ~~فيها. وقد حكم الإسلام على هؤلاء بأن يقدموا للمسلمين الدليل العملي الصادق ~~على طبيعة الأمان التي يطلبونها في ممارساتهم تجاه المسلمين ، باعتزال ~~القتال وإلقاء السلام إليهم وكف الأيدي عنهم ، وإذا تمردوا على ذلك وحاولوا ~~أن يعاملوهم وينافقوا بعيدا عن وضوح الموقف وصراحته ، كان للمسلمين أن ~~يعاملوهم معاملة المشركين ، لوحدة الموقع في المعركة مع اختلاف في الأسلوب ~~( @QUR@012 فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي أينما وجدتموهم ( @QUR@06 وأولئكم جعلنا لكم ~~عليهم سلطانا مبينا ) وحقا ثابتا من أجل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ودحر ~~الكفر والكافرين. # * * * ### ||| ** استيحاء الدروس من هذه الآيات # وقد نستوحي من هذه الآيات بعض الملامح العامة لمواقفنا العملية في PageV07P395 # ساحة الدعوة إلى الله : # 1 أن يتعمق العاملون في دراسة النماذج البشرية الموجودة في الساحة من ~~الفئات المنافقة ، ولا يستسلموا للأجواء الحميمة وتقديم التنازلات ، لمجرد ~~أن هناك هدفا لهداية الناس ينبغي للمسلم أن يستهدفه ، بل لا بد من دراسة ~~تاريخ هؤلاء في سلوكهم العملي ، والتعرف على حركتهم في الحاضر ms1642 ، لنعرف من ~~خلال ذلك ما هي الفرص التي قدمت إليهم في هذا السبيل ، وما هي الظروف التي ~~منعت من إقبالهم على انتهازها ، وما هي الإمكانات الحاضرة والمستقبلة التي ~~يمكننا من خلالها خلق ظروف جديدة لهدايتهم؟ إننا نؤكد على ذلك ، ليخرج ~~العمل الإسلامي من أجواء السذاجة المنطلقة من حالة الطهارة الروحية البريئة ~~التي يعيشها العاملون ، فيتحركون في الفراغ ، ويبذلون الجهد الضائع ، وربما ~~يستغل أولئك المنافقون هذا الإلحاح الإيماني على هدايتهم ، فيوحون للعاملين ~~بأنهم سائرون في هذا الاتجاه ، مما يفتح لهم أبواب المجتمع المؤمن من موقع ~~الثقة ، فيعبثون فيه كما يشاءون ، ثم ينقلبون إلى جماعاتهم من دون أن يحصل ~~المؤمنون على ما يريدونه منهم. # 2 أن نستوحي من الفقرة الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@011 ودوا لو ~~تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء ) أن على المؤمنين ~~أن يأخذوا الحذر في علاقتهم بالفئات التي تحمل هذا التفكير وتعمل لهذا ~~الهدف ، سواء كان ذلك على مستوى أحزاب الكفر والضلال ، أو على مستوى ~~الأفراد والجماعات المنافقة ، فعليهم أن لا يتخذوا منهم أولياء ؛ بل يعملوا ~~على أن يعاملوهم معاملة الأعداء من حيث الحذر في الموقف والعلاقة والمعاملة ~~، ليأمنوا شرهم ويحفظوا الناس من الوقوع في حبائلهم. # 3 أن ندرس حالة الحياديين ، فنميز بين الذين يحملون الحياد PageV07P396 # كموقف ينطلق من قناعاتهم النفسية ، فنحترم حيادهم تبعا لمصلحة الإسلام ~~والمسلمين في حالة الصراع بيننا وبين الفئات المعادية ؛ وبين الذين يلعبون ~~بالحياد كورقة يحصلون فيها على امتيازات من حيث الأمن ، ويمنحهم حرية ~~الحركة في اللعب على أكثر من حبل من أجل الحصول على مكاسب مادية أو في ~~إيقاد نار الفتنة من أجل الوصول إلى أهداف عدوانية لمصلحة الكفر والكافرين ~~، فنأخذ جانب الحيطة في موقفنا منهم ، بالتأكيد على إلغاء الفرص التي تسمح ~~لهم باللعب ، وتقييد حريتهم بالوسائل العملية الواقعية ؛ لنحفظ الساحة من ~~كل دعاة الفتنة والضلال. # * * * PageV07P397 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@060 وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان ms1643 من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما (92) @QUR@016 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) (93) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خطأ ): غير متعمد وقاصد. والخطأ خلاف الصواب ، وهو هنا ما ~~يقابل التعمد ، كأن يرمي إلى غرض أو صيد فيصيب إنسانا فيقتله أو يقتل شخصا ~~محترم الدم ظنا منه أنه مستباح الدم. # ( @QUR@02 فتحرير رقبة ): التحرير : تفعيل ، من الحرية ، وهو إخراج ~~العبد من الرق إلى الحرية. PageV07P398 # ( @QUR@01 مسلمة ): مدفوعة موفرة غير منقصة حقوق أهلها منها. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي أن الحارث بن زيد كان شديدا على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فجاء وهو يريد الإسلام ، فلقيه عياش بن أبي ربيعة ، ~~والحارث يريد الإسلام وعياش لا يشعر ، فقتله ؛ فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@08 وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ). وشرح الكلبي هذه القصة ~~فقال : إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه ، فخرج ~~هاربا إلى المدينة فقدمها ، ثم أتى أطما من آطامها ، فتحصن فيه ، فجزعت أمه ~~جزعا شديدا وقالت لابنيها أبي جهل والحارث بن هشام ، وهما لأمه : لا يظلني ~~سقف بيت ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتوني به ، فخرجا في طلبه وخرج معهم ~~الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة ، فأتوا عياشا وهو في الأطم ، ~~فقالا له : انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك وقد حلفت لا تأكل طعاما ولا ~~شرابا حتى ترجع إليها ، ولك الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك ~~وبين دينك ، فلما ذكرا له جزع أمه وأوثقا له ، نزل إليهم ، فأخرجوه من ~~المدينة وأوثقوه بنسع ، وجلده كل واحد منهما مائة جلدة ، ثم قدموا به على ~~أمه ، فقالت : والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ، ثم تركوه ~~موثقا في الشمس ، وأعطاهم ms1644 بعض الذي أرادوا ، فأتاه الحارث ابن زيد وقال ~~عياش : والله ، لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى ، وإن كان ضلالة ~~لقد كنت عليها ، فغضب عياش من مقاله وقال : والله لا ألقاك خاليا إلا ~~قتلتك. ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر إلى PageV07P399 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ، ثم إن الحارث بن زيد أسلم ~~وهاجر إلى المدينة وليس عياش يومئذ حاضرا ولم يشعر بإسلامه ، فبينا هو يسير ~~يظهر قبا إذ لقي الحارث بن زيد ، فلما رآه حمل عليه فقتله ، فقال الناس : ~~أي شيء صنعت ، إنه قد أسلم؟ فرجع عياش إلى رسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ~~يا رسول الله كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، وإني لم أشعر بإسلامه ~~حين قتلته ، فنزل عليه السلام قوله : ( @QUR@08 وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ~~إلا خطأ ) ( 1). # وجاء في أسباب النزول للواحدي في آية ( @QUR@04 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~... ) قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : إن مقيس بن صبابة وجد أخاه ~~هشام بن صبابة قتيلا في بني النجار ، وكان مسلما ، فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له ذلك ، فأرسل رسول الله معه رسولا من بني فهد ~~فقال له : ائت بني النجار فأقرئهم السلام وقل لهم : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى ~~أخيه فيقتص منه ، وإن لم تعلموا له قتيلا أن تدفعوا إليه ديته ، فأبلغهم ~~الفهدي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : سمعا وطاعة لله ولرسوله ~~، والله ، ما علمنا له قائلا ، ولكن نؤدي إليه ديته ، فأعطوه مائة من الإبل ~~، ثم انصرافا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب ، فأتى الشيطان ~~مقيسا فوسوس إليه فقال : أي شيء أنت صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك سبة ، ~~لقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضل الدية ، ففعل مقيس ذلك ، فرمى ~~الفهدي بصخرة فشدخ رأسه ، ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا إلى ms1645 مكة ~~كافرا : فنزلت هذه الآية ( @QUR@04 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) الآية. ثم أهدر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمه يوم فتح مكة ، فأدركه الناس بالسوق ، فقتلوه (2). # * * * PageV07P400 ### ||| ** حكم قتل الخطأ في الإسلام # لقد أعطى الإسلام للإنسان أهمية كبيرة في مفاهيمه وتشريعاته ، فاعتبر ~~الحياة الإنسانية قيمة عظيمة في وعي الإنسان المسلم ووجدانه ، مما ولد في ~~داخله شعورا باحترامها على مستوى وجوب الاحتياط في حفظها وسلامتها ، لكونها ~~ملكا لله الذي لا يبيح لأحد التصرف فيها بالقتل إلا بإذن الله ، في ما وضعه ~~الله من حدود في حالات السلم والحرب ؛ فلا حرية للإنسان في التصرف في حياة ~~الناس حسب رغباته ومزاحه بل لا بد له من أن يجعل مزاجه تابعا لإرادة الله. ~~وقد بلغ الأمر بالإسلام أن جعل حفظ الحياة واجبا على كل مسلم ، في الموارد ~~التي يحترم فيها التشريع الحياة ، بحيث إن الأمر إذا دار بين أن ينتهك ~~الإنسان حدود بعض المحرمات وترك بعض الواجبات ، وبين أن يترك إنقاذ المؤمن ~~؛ فإن التشريع الإسلامي يبيح ارتكاب الحرام لمصلحة حفظ حياة المؤمن ، لأنها ~~أكثر أهمية لدى الشرع. وإذا دار الأمر بين ترك المهم والأهم تقدم الأهم. # وقد انطلق التشريع في هذا الاتجاه من أجل حفظ التوازن في حركة الحياة في ~~العالم ، على أساس أن يشعر الناس بروح السلام في حياتهم الاجتماعية ، مما ~~يبعث في مشاعرهم الثقة والاطمئنان في نطاق حدود الله ، فلا يخاف الإنسان ~~على نفسه إزاء أي تصرف انفعالي يحدث له ، ولا يخشى من ردود الفعل الشديدة ~~التي تهدد حياته ، في ما لا يجيز الإسلام معه ذلك. وعلى هذا الأساس تكون ~~المعادلة الإسلامية التشريعية أن الإنسان كلما ازداد إيمانا ، كلما ازداد ~~بعدا عن الاعتداء على أرواح الناس واحتراما لحياتهم ؛ مما يجعل من الإيمان ~~عنصر ضمان للحياة العامة ، كما هو عنصر ضمان للحياة الخاصة. PageV07P401 # وعلى هدى هذا الاتجاه ، جاءت هاتان الآيتان لتحددا جزاء قتل المؤمن لدى ~~الله ، في ما يكون خطأ ، ( @QUR@08 وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) ~~كما إذا أطلق إنسان النار على ms1646 حيوان مثلا فأصاب إنسانا على سبيل الخطأ لعدم ~~توفر عنصر القصد لذلك ؛ وجزاء قتل العمد. # ففي حالة قتل الخطأ تحدثت الآية الأولى عن حالات ثلاث ؛ ( @QUR@014 ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ) فإن ~~كان القتيل مؤمنا من أهل مؤمنين ، فلا بد من أن يدفع إلى أهله الدية ~~المقدرة في الفقه بعدة تقديرات ، ويقوم بتحرير رقبة مؤمنة ، فكأن الدية ~~تمثل التعويض المادي عما فات أهله من الانتفاع بوجوده ، ولو بشكل جزئي ، ~~بينما تكون عملية عتق العبد المؤمن بمثابة إحياء لنفس أماتتها العبودية في ~~مقابل نفس أماتها القتل. # وإن كان القتيل مؤمنا من قوم كافرين ( @QUR@011 فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) فيكتفى بتحرير الرقبة المؤمنة ، لأن الكفر ~~يمنع من إرث المؤمن ، كما تمنع حالة الحرب مع الكفار من إعانتهم ماديا حتى ~~في مثل هذه الحالة. وإن كان القتيل مؤمنا من قوم معاهدين ( @QUR@07 وإن كان ~~من قوم بينكم وبينهم ميثاق )، فلا بد من دفع الدية إليهم ، ( @QUR@07 فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) انطلاقا من احترام عهدهم بالإضافة إلى ~~تحرير الرقبة المؤمنة ، لأن حال المعاهدين حال المسلمين من هذه الجهة. فإذا ~~لم يجد القاتل ما لا يستطيع أن يدفع منه الدية ، فإن كفارة فعله صيام شهرين ~~متتابعين ، وتلك هي التوبة العملية التي يريدها الله من عباده ، لأن ~~الإنسان الذي لم يتعمد القتل ، بل أخطأ فيه ، يحمل بعض المسؤولية في ذلك ، ~~لأن عليه التحفظ في ما حوله ومن حوله عند إقدامه على إطلاق الرصاص ؛ ولأن ~~مثل هذا التشريع الذي يفرض الخسارة المالية PageV07P402 # في نطاق الدية والعتق ، يؤدي إلى التدقيق الشديد لدى الإنسان في كل ~~الحالات التي يمكن أن تؤدي إلى الخطأ. # ولا بد أن نشير إلى ما أشارت إليه الآية في قوله تعالى : ( @QUR@03 إلا ~~أن يصدقوا ) وهو أن لأهل القتيل أن يعفوا عن الدية ، باعتبار أنها حق لهم ، ~~فيكون حالها حال أي حق من حقوق الناس التي يملكون أمر إسقاطها ، كما يملكون ms1647 ~~أمر استيفائها. # أما قتل العمد ، فلم تتعرض الآية إلى نتائجه على مستوى الجزاء الدنيوي ، ~~لأن ذلك مما تحدث عنه القرآن في سورة البقرة ؛ بل تعرضت إلى الجزاء الأخروي ~~، ( @QUR@016 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) إذ ذاك من الكبائر التي يستحق عليها الخلود في ~~النار ، لأن تعمد قتل المؤمن يدل على نفسية خبيثة حاقدة ، لا تحترم الحياة ~~ولا تحترم الإيمان. وقد وردت في السنة أحاديث تدل على أن حرمة المؤمن عند ~~الله أعظم من حرمة الكعبة سبعين مرة (1)، مما يوحي بالفكرة التي قدمناها ~~في بداية الحديث بأن قيمة حياة المؤمن عند الله في المستوى الكبير من ~~الأهمية والاحترام. # ولكن ذلك لا يمنع من قبول توبة القاتل إذا تاب لله وندم على فعله ، مع ~~الاحتفاظ بحق أولياء الدم في القصاص أو الدية ، فإن الله يغفر الذنوب جميعا ~~ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء ويقبل التوبة عن عباده ، حتى أن الشرك يمكن أن ~~يغفره الله لمن تاب عنه ودخل في الإسلام. # أما قضية الحديث عن الخلود في النار للقاتل ، فإنها تتصل بالاستحقاق كأية ~~معصية كبيرة ، ولا تتصل بالفعلية ، كأي ذنب من الذنوب التي يستحق # . PageV07P403 # الإنسان عليها العقاب ، ولكن يمكن للعفو الإلهي أن ينال المذنبين إذا ~~تابوا وإذا انفتحت عليهم رحمة الله. وعلى ضوء هذا ، فلا بد من تأويل ~~الروايات الدالة على أنه «لا توبة لقاتل المؤمن إلا إذا قتله في حال الشرك ~~ثم أسلم وتاب» كما عن ابن عباس (1) بحملها على عدم سقوط القصاص بتوبته ، ~~باعتبار أن ذلك يدخل في حقوق الناس لا في حق الله المجرد ، مما يجعل القضية ~~خاضعة لموقف أولياء الدم ، وربما تحمل هذه الروايات على سلوك سبيل التغليظ ~~في القتل ، كما روي عن سفيان الثوري أنه سئل عن توبة القاتل ، فقال : كان ~~أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له ، وإذا ابتلي الرجل قالوا له : تب. ~~وروى الواحدي بإسناده مرفوعا إلى عطاء عن ابن عباس أن رجلا سأله : القاتل ms1648 ~~المؤمن توبة؟ فقال : لا. وسأله آخر : ألقاتل المؤمن توبة؟ فقال : نعم. فقيل ~~له في ذلك ، فقال : جاءني ذلك ولم يكن قتل ، فقلت : لا توبة لك لكي لا يقتل ~~، وجاءني هذا وقد قتل ، فقد قلت : لك توبة لكي لا يلقي نفسه بيده إلى ~~التهلكة (2). وقد نقل صاحب مجمع البيان عن بعض الإمامية أن قاتل المؤمن لا ~~يوفق للتوبة (3)، بمعنى أنه لا يختار التوبة. ونلاحظ عليه أن هذا خلاف ~~الواقع ، لأننا نعرف الكثيرين من القتلة تابوا توبة نصوحا ، وندموا على ذلك. # * * * PageV07P404 ### ||| * الآية # ( @QUR@040 يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا ) (94) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ضربتم ): ذهبتم وسافرتم ، من ضرب الأقدام على الأرض. وأصل ~~الضرب : إيقاع الشيء على الشيء ، ولاختلاف ما يوقع يختلف تفسير الأرض. # ( @QUR@01 فتبينوا ): دققوا وتأنوا وميزوا لتعرفوا جيدا طبيعة الأشخاص ~~الذين يجوز قتالهم من غيرهم ، ولا تأخذكم نوازع العجلة في التشخيص ~~والتمييز. # عرض الدنيا : متاع الدنيا : فإن جميع متاع الدنيا عرض ، يقال : إن الدنيا ~~عرض حاضر ، ويقال لكل شيء يقل لبثه عرض ، ومنه PageV07P405 # العرض الذي هو خلاف الجوهر عند المتكلمين لأنه ما لا يجب له من اللبث ما ~~يجب للأجسام ، والعرض ما يعرض للإنسان من مرض أو غيره. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وذكر صاحب الميزان أنه جاء في تفسير القمي : إنها نزلت لما رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة خيبر ، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى ~~اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام ، كان رجل يقال له مرداس بن نهيك ~~الفدكي في بعض القرى ، فلما أحس بخيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، جمع ~~أهله في ناحية الجبل ، فأقبل يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله. فمر به أسامة بن زيد فطعنه فقتله ، فلما رجع إلى رسول الله ~~صلى الله ms1649 عليه وآله وسلم ، أخبره بذلك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فقال : يا رسول الله ، ~~إنما قالها تعوذا من القتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فلا كشفت ~~الغطاء عن قلبه ، ولا ما قال بلسانه قبلت ، ولا ما كان في نفسه علمت ... ~~وروى هذا المعنى الطبري في تفسيره عن السدي. كما أورد روايات مختلفة في سبب ~~نزول هذه الآية (1). # * * * PageV07P406 ### ||| ** تنبيه المسلمين من ابتغاء عرض الحياة الدنيا # وقد تبين أجواء الآية بعض الملامح التي توضح طبيعة الممارسة التي قام بها ~~هذا البعض من المؤمنين ، بأكثر مما توحيه الروايات المفسرة ؛ فإن الآية ~~توحي بأن الحادثة كانت بسبب الطمع في الغنيمة وما يملكه هذا الرجل من مال ، ~~لأن قبول الإسلام منه والعفو عنه في هذه الحال يمنع من التعرض لماله ~~فيخسرون بذلك حصتهم من الغنيمة ؛ وتلك هي إحدى نقاط الضعف الكامنة في شخصية ~~المؤمنين آنذاك ، التي كانت تستيقظ في بعض الظروف التي يغفلون فيها عن ~~إيمانهم الذي يحميهم من تأثير نقاط الضعف في حياتهم ؛ فكانت هذه الآية من ~~أجل أن تدفعهم إلى التغلب عليها ، بالالتفات إلى الخطة التي وضعها الإسلام ~~في قبول الذين يدخلونه بإعلان الشهادتين ، من دون محاولة التدقيق في صدق ~~ذلك ، فكان يقبل إسلام الذين يدخلون فيه رغبة ورهبة ، كما يقبل إسلام الذين ~~يدخلون فيه صدقا وإخلاصا ، لأن الهدف من ذلك هو تحييد الكثيرين من الكافرين ~~عن جبهة الكفر ، بإدخالهم في الجبهة الإسلامية ، في نطاق خطة من الحذر ~~والحيطة ، وتطبيق سيطرة الإسلام عليهم ، والعمل على العيش في أجواء نظيفة ~~روحية طاهرة ، من أجل الوصول إلى النتيجة الحاسمة ، وهي تعميق العقيدة في ~~نفوسهم ، وتأكيد خط الالتزام في حياتهم ، وإبعادهم عن الأجواء النفسية ~~المعقدة. # * * * ### ||| ** ضرورة التبين قبل القتل على الإسلام # وقد نجح الإسلام في ذلك ، كما دلت عليه هذه الآية في بعض ما نستوحيه منها ~~من أفكار من خلال ما نستعرضه من تفسير هذه الآية بشكل PageV07P407 # توضيحي ms1650 : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله .. ) أي ~~إذا سرتم في الأرض من أجل الجهاد ( @QUR@01 فتبينوا ) ودققوا في شخصية ~~الأشخاص الذين تقاتلونهم ، لتعرفوا هل يجوز لكم قتالهم أم لا ، ولا ~~تستسلموا لنوازع العجلة والسرعة في ذلك ، ( @QUR@06 ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام ) بإعلان الشهادتين باعتبارها رمزا للاستعداد للسلام مع ~~المؤمنين ، لأن البقاء على الكفر يعني البقاء على حالة الحرب ( @QUR@02 لست ~~مؤمنا )، لأنكم لا تملكون الدليل على ذلك ، ولا يجوز لكم الاعتماد على ~~الظن فيه ، فقد يعيش الإنسان حالة يقظة إيمانية في بعض هذه الحالات ، ( ~~@QUR@04 تبتغون عرض الحياة الدنيا ) ومتاعها الزائل ؛ وربما كانت هذه ~~الكلمة إيحاء لهم بأن عليهم أن يفتشوا في داخلهم ، ليكتشفوا دوافعهم الخفية ~~اللاشعورية ، فيعرفوا أن تصرفهم في إطلاق الحكم بنفي الإيمان عن هذا ~~الإنسان أو ذاك ، لم يكن منبعثا عن إخلاص للإسلام ، بل هو منبعث عن طمع في ~~الغنيمة كامن في أعماقهم ، الأمر الذي يجعلهم في موقع المحاسب لنفسه قبل أن ~~يقدم على أي عمل من أعمال المسؤولية. # وقد يكون هذا الاتجاه في دلالة الآية هو الذي يبعد القضية عن أن تكون قتل ~~عند يستوجب القصاص ، كما أن الحديث في سبب النزول يشير إلى ذلك ؛ ( @QUR@04 ~~فعند الله مغانم كثيرة ) فلا ينبغي للمؤمن أن يفكر بمغانم الدنيا فتضيع ~~عليه الخطوط ، بل إن عليه أن يفكر بمغانم الله الكثيرة التي. أعدها ~~للمؤمنين العاملين في سبيل الله بوعي وصدق وإخلاص ... ( @QUR@04 كذلك كنتم ~~من قبل ) مشركين كما كان هؤلاء ونطقتم كلمة الإسلام ، وقبلها الرسول منكم ~~من دون تدقيق بما تكنه قلوبكم وما تنطوي عليه ضمائركم ، ( @QUR@03 فمن الله ~~عليكم ) وأصبحتم بنعمته مسلمين في عمق أفكاركم ومشاعركم ؛ فلم لا تقبلون من ~~هؤلاء ما قبله الرسول منكم؟!. ( @QUR@01 فتبينوا ) في ما تقبلون عليه من ~~مواقف جديدة وحاولوا أن لا تقعوا في مثل هذه التجربة الخاطئة التي وقعتم ~~فيها ، وراقبوا الله جيدا في أعمالكم من PageV07P408 # خلال مراقبتكم لدوافعكم الخفية ( @QUR@06 إن الله كان بما تعملون خبيرا ) ~~فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما ظهر ومما ms1651 بطن ، في واقع الأشياء ودخائل ~~النفوس. # * * * ### ||| ** لا يحل للمؤمن أن يؤاخذ الإنسان بغير علم # وقد نستفيد من هذه الآية كيفية تعامل المؤمنين مع الناس الذين قد توحي ~~بعض ظواهرهم بأنهم ينطلقون إلى السير في ركاب الإسلام من موقع الرغبة في ~~بعض المكاسب ، أو في التوقي من بعض المشاكل ، وذلك عند ما تكون الموجة ~~الإسلامية مندفعة بقوة في حياة الأمة ، مما يحقق بعض الامتيازات المادية أو ~~المعنوية لبعض السائرين بركبها ... فقد يكون من المصلحة أن نحذر من هؤلاء ، ~~من خلال ما توحيه هذه الظواهر من أسباب للشك الباعث على الحذر ، ولكن لا ~~يجوز لنا في الوقت ذاته أن نتصرف معهم تصرفا سلبيا على هذا الأساس ، لأنه ~~لا يحل للمؤمن أن يؤاخذ الإنسان بغير علم. وهذا هو الخط الذي يحفظ للإسلام ~~مواقعه ويبعده عن حالة الخطر ، ويحمي الإنسان المعلن للإسلام من الاعتداء ~~عليه بدون حق ؛ فإن من الملاحظ أن الآية لم تنه عن الحذر ، بل نهت عن ~~التصرف السلبي بدون تدقيق وتمييز. # إن على العاملين للإسلام إفساح المجال لكل الأصوات أن تعلن الإسلام ، ~~ليرتفع صوته عاليا في الساحة كجزء من الحملة النفسية ضد كل الأصوات الأخرى ~~المضادة ؛ ولكن ذلك لن يتحقق من موقع السذاجة التي تتقبل الأشياء ببساطة من ~~دون تحقيق ، بل من موقع الوعي والحذر الذي يعطي لكل شيء دوره وحجمه ، ولا ~~يتجاوزه إلى أبعد من المصلحة الحقيقية للإسلام. # * * * PageV07P409 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@033 لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما (95) @QUR@08 درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) (96) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الضرر ): النقصان ، وهو هنا كل ما يضرك وينقصك ؛ من عمى ومرض ~~وعلة ، مما يمنع من القيام بأمر الجهاد والقتال. # ( @QUR@01 درجة ): الدرجة : المنزلة. ودرجته إلى كذا أي رقيته إليه ~~منزلة بعد منزلة ، وأدرجت الكتاب طويته منزلة بعد منزلة ، ودرج الرجل : مضى ~~لسبيله ، لأنه صار إلى منزلة الآخرة ، ومنه فلان ms1652 أكذب من دب ودرج ، أي أكذب ~~الأحياء والأموات. # * * * PageV07P410 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجتمع البيان ، نزلت الآية في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن ~~ربيع من بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية من بني واقف ، تخلفوا عن رسول الله ~~يوم تبوك ، وعذر الله أولي الضرر وهو عبد الله بن أم مكتوم ، رواه أبو حمزة ~~الثمالي في تفسيره ، وقال زيد بن ثابت : كنت عند النبي حين نزلت عليه : « ( ~~@QUR@05 لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) والمجاهدون» ، ولم يذكر أولي ~~الضرر ، فقال ابن أم مكتوم : فكيف ، وأنا أعمى لا أبصر ، فتغشى النبي الوحي ~~، ثم سري عنه فقال : اكتب ( @QUR@08 لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر ) ( 1). # ونلاحظ على الفقرة الأخيرة في سؤال ابن أم مكتوم وجواب النبي له أن من ~~البعيد جدا أن تنزل الآية مجردة عن قوله ( @QUR@03 غير أولي الضرر ) لتجتذب ~~سؤال ابن أم مكتوم ، ليكون رد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إضافة الكلمة ~~، كما لو كانت الكلمة منه بما توحي به الرواية ، لا سيما إذا لا حظنا أن ~~الآية واحدة في مضمونها ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** التفاضل في الإسلام يكون بالعمل # لا فضل في الإسلام لأحد على أحد إلا بالعمل في نطاق المسؤولية ، PageV07P411 # وأي عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله. وقد جاءت هاتان الآيتان لتؤكدا على ~~هذه الحقيقة الإسلامية بشيء من التفصيل ؛ ففي حالات التحدي التي يواجهها ~~المسلمون في معركتهم ضد الكفر والشرك والطغيان ، قد يقعد بعض الناس بسبب ~~بعض الحالات المرضية التي قد تمنعهم عن القتال ؛ وهؤلاء معذورون لا ينقض من ~~أجرهم شيء ، لأن الله لم يجعل على المؤمنين من حرج في ما يكلفهم به ، وقد ~~يقعد البعض بسبب خوف أو حالة كسل أو استرخاء أو حب للدعة والراحة ، في ~~الوقت الذي لم تصل فيه الدعوة إلى الجهاد إلى مستوى النفير العام ، بل كانت ~~واجبا كفائيا يقوم بمن تسد بهم الحاجة ، وهؤلاء مأجورون في ما يقومون به من ~~أعمال صالحة على المستوى الفردي والجماعي ، ولكنهم يخسرون الكثير الكثير ms1653 من ~~فرص الثواب الكبير الذي يحصل عليه المجاهدون في الجهاد ، الذين رفع الله ~~منزلتهم عن المسلمين القاعدين ، وأعطاهم من مغفرته ورحمته الدرجات الرفيعة ~~والأجر العظيم. # وقد تحدثت الآية عن المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، وعن ~~تفضيلهم على القاعدين بطريقة مؤكدة ، وذلك ما يوحي به أسلوب التكرار ، ~~فبدأت بقوله تعالى : ( @QUR@014 لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ... ) لتقرر التفضيل من ~~جانبه السلبي من حيث عدم المساواة بين هذا الفريق وذاك ، ثم أوضحت الموضوع ~~بخصوصيته الإيجابية ( @QUR@08 فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة ... ) والظاهر أن المراد من الدرجة ليس الوحدة في الأرقام ~~الحسابية ، بل المبدأ من حيث النوع ، وذلك ما يوحيه وقوع الكلمة بعد فقرة ~~عدم الاستواء ، لبيان أن هذا الفريق أعلى درجة من الفرق الأخرى ، فلا ~~يتنافى مع الفقرة المذكورة في الآية التالية ( @QUR@02 درجات منه )؛ ثم ~~قررت الآية أن القعود لا يمثل خطيئة في ذاته ، عند ما لا يكون هناك إلزام ~~بالجهاد ( @QUR@04 وكلا وعد الله الحسنى )؛ فلكل من PageV07P412 # القاعدين والمجاهدين أجره بحسب عمله ، ( @QUR@07 وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما ) فليست الحسنى التي وعد الله بها المجاهدين ، هي ~~نفسها التي وعد الله بها القاعدين ، لأن للجهاد مرتبة كبيرة عند الله ، مما ~~يجعل أجره في مستوى عظيم لا يرقى إليه أجر أي إنسان آخر ( @QUR@08 درجات ~~منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما )، فإن الصعوبات التي تواجه ~~المجاهدين ، والمتاعب التي يتحملونها ، ترفعهم عند الله ( @QUR@02 درجات ~~منه )، لأن علو الدرجة يتبع صعوبة المعاناة وروعة التضحية ( @QUR@02 ~~ومغفرة ورحمة ).. فإن الله يغفر لمن آمن وعمل صالحا ، وأي عمل صالح أعظم ~~من بذل النفس والمال في سبيل الله ، ( @QUR@06 إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين .... )، [الأعراف : 56] ، وأي إحسان أعظم من الذين يضحون في سبيل ~~الإسلام والمسلمين. # * * * PageV07P413 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) @QUR@012 إلا المستضعفين من الرجال والنساء ms1654 ~~والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) @QUR@010 فأولئك عسى الله ~~أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) @QUR@031 ومن يهاجر في سبيل الله ~~يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) (100) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 توفاهم ): تتوفاهم ، حذفت إحدى التاءين تخفيفا ، والتوفي هو ~~أخذ الشيء وافيا تاما ، إما من عالم الحياة ، وإما من عالم اليقظة ، وإما ~~من عالم الأرض ؛ كتوفي المسيح وأخذه ، والتوفي في الآية هو المعنى الأول. # ( @QUR@02 ظالمي أنفسهم ): بخسوا أنفسهم حقها ولم ينصفوها ، وعرضوها PageV07P414 # للهلاك في ما ساروا في طريق الانحراف في العقيدة والعمل ، فأوردوها ~~الخسارة والعقاب. # ( @QUR@02 فيم كنتم ): في أي شيء كنتم من دينكم ، وهو سؤال تقريري ~~توبيخي عن الحال التي كانوا يعيشون فيها من الالتزام الديني. وكلمة «م» هي ~~«ما» الاستفهامية حذفت منها الألف لدخول حرف الجر عليها. # ( @QUR@01 مأواهم ): المأوى المرجع من أوى إلى منزله يأوي أويا إذا رجع ~~إلى منزله. # ( @QUR@01 مستضعفين ): الاستضعاف : وجدان الشيء ضعيفا ، كالاستطراف ونحوه. # ( @QUR@01 حيلة ): الحذق في تدبير الأمور ، فهي ما يتوسل به إلى ~~الحيلولة بين شيء وشيء ، أو للحصول على شيء آخر أو حال آخر. وغلب استعمالها ~~في ما يكون خفية ، وفي الأمور المذمومة. # ( @QUR@01 سبيلا ): طريقا حسيا يهاجرون من خلاله أو معنويا ، وهو كل ما ~~يخلصهم وينقذهم من الفتنة والاستضعاف. # ( @QUR@01 يهاجر ): المهاجرة : المفارقة ، وأصله من الهجر ضد الوصل. # ( @QUR@01 مراغما ): مواضعا للهرب ترغم فيها الصعوبات والعقبات وتذلل ~~ويرغم فيها أنف القوى الطاغية ، «والمراغم المضطرب في البلاد والمذهب ، ~~وأصله من الرغام وهو التراب ، ومعنى راغمت فلانا هاجرته ولم أبال رغم أنفه ~~، أي وإن لصق بالتراب أنفه ، وأرغم الله أنفه ألصقه بالتراب ، وقيل : أصله ~~الذل والشدة ، والمراغم المعادي الذي يروم إذلال صاحبه ، ومنه الحديث : ~~«إذا صلى أحدكم فليلزم جبينه وأنفه الأرض حتى يخرج منه PageV07P415 # الرغم» ، أي حتى يذل ويخضع لله تعالى ، وفعلته على رغمه ، أي على ذلة بما ~~يكره ، وأرغم الله أنفه : أذله ، والمراغم : الموضع ، والمصدر من المراغمة» (1). # * * * ### ||| ** مناسبة ms1655 النزول # جاء في مجمع البيان : قيل : لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين ~~وهو جندع أو جندب بن ضمرة وكان بمكة فقال : والله ما أنا مما استثنى الله ، ~~إني لأجد قوة وإني لعالم بالطريق ، وكان مريضا شديد المرض ، فقال لبنيه : ~~والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها ، فإني أخاف أن أموت فيها ، فخرجوا ~~يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات ، فنزلت الآية (2). # * * * ### ||| ** الضعف الذاتي ليس مبررا للاستسلام # هل الضعف الذاتي لدى الإنسان يعتبر مبررا للاستسلام لمخططات المستكبرين ~~في العقيدة وفي السلوك ، فينحرفون معهم إذا انحرفوا ، وينفذون خطط الظلم ~~للآخرين إذا أرادوا ذلك ؛ ويمتد بهم الانحراف والضلال ، ثم يقفون بعد ذلك ~~أمام الله ليبرروا أعمالهم ، بأنهم كانوا مستضعفين في PageV07P416 # الأرض ، لا يملكون القدرة التي يستطيعون من خلالها الوقوف في وجه ~~المستكبرين؟!. # إن هذه الآيات تحدد الاستضعاف الذي يمكن للإنسان أن يجد فيه السبيل للعذر ~~أمام الله ، والاستضعاف الذي لا عذر للإنسان معه ؛ لأن القضية لا تخضع في ~~ذاتها للحالة الآنية التي يعيشها الإنسان ، بل للظروف الموضوعية المحيطة به ~~في حركة الحاضر والمستقبل ، والفرص المتنوعة المتاحة له ، للخروج من هذا ~~الجو الخانق أو ذاك ، والإمكانات المختلفة باختلاف المكان والزمان ؛ فإذا ~~كان يملك فرصة مستقبلية لعملية صنع القوة في المستقبل ، فعليه أن ينتظر تلك ~~الفرصة ، فلا يستسلم تحت ضغط الضعف الحالي إلا بمقدار ما يتمكن من ترتيب ~~عملية القفز نحو المستقبل من مواقعه الحاضرة. وإذا كان هناك مكان جديد ~~يستطيع أن ينمي قوته فيه ، بعيدا عن التحديات الضاغطة ؛ فعليه أن يهاجر ~~إليه من أجل التزود بالقوة اللازمة للتصدي لمواقع الظلم والطغيان ، والعمل ~~على تهديم كيانها ، وإضعاف قوتها ، بل إزالتها نهائيا ، بل إزالة قوتها. ~~وهذا ما عبرت عنه هذه الآيات في أسلوب يتحدث عن الموضوع من خلال علاقته ~~بالمصير الذي ينتظر الإنسان في الآخرة على أساس سلوكه في الدنيا ، وذلك ~~بتقديم أحد النماذج المستسلمة لحالة الاستضعاف مع قدرتها على تجاوزها إلى ~~حالة قوة ... # * * * ### ||| ** ظلم النفس من الكفر والضلال # ( @QUR@06 إن الذين توفاهم الملائكة ms1656 ظالمي أنفسهم ) فقد جاءتهم الملائكة ~~لتتوفاهم يأمر الله الذي أوكل إليهم أمر الموت ، وكانوا في حالة الظلم ~~لأنفسهم لأنهم انحرفوا في العقيدة والعمل. وهذا أعني ظلم النفس وهو تعبير ~~قرآني مميز عن الكفر والضلال الذي يؤدي بالإنسان إلى الهلاك ، مما يجعل السير PageV07P417 # في طريقه ظلما للنفس وتعريضا لها للعذاب الأليم ... ولم يترك الملائكة ~~هذه الحالة بدون حساب ، فقد أوكل الله إليهم أمر التحقيق في أعمال الناس ~~الذين يتوفونهم ؛ وبدأت عملية التحقيق ( @QUR@03 قالوا فيم كنتم ... ) ما ~~هي الأجواء التي كنتم تتحركون في داخلها؟ وما هي الأسباب التي أدت بكم إلى ~~هذا السلوك؟ وما هي مبرراتكم التي تقدمونها بين أيديكم لتدافعوا بها عن ~~أنفسكم؟ ( @QUR@05 قالوا كنا مستضعفين في الأرض )، فلم تكن لنا قدرة على ~~مواجهة هؤلاء الناس الذين يفرضون علينا العقيدة الباطلة والسلوك المنحرف ، ~~ولا يسمحون لنا بالتعرف على العقيدة الحقة ، لأنهم يغلقون عنا سبل المعرفة ~~من جميع الجهات ، فلا نجد أمامنا إلا الباطل الذي يحيط بنا من بين أيدينا ~~ومن خلفنا وعن يميننا وعن شمالنا ، ولا نملك في الوقت ذاته حرية الحركة ، ~~في ما نريد أن نقوم به من عمل في نطاق الحق والهدى ، لأنهم يحددون لنا ~~الساحة التي نتحرك فيها ويحيطونها بأسلاك شائكة ، تمنع النفاذ منها إلى ~~ساحات أخرى. # ( @QUR@08 قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ... )؟ ولم يقتنع ~~الملائكة بالجواب ، بل حاولوا التوسع في التحقيق ، لتحديد الحالة التي تخضع ~~لحساب المسؤولية في واقعهم الفكري والعملي ؛ فسألوهم عن إمكانيات الفرص ~~البديلة للواقع الذي عاشوه ، وعما إذا كانت هناك أرض أخرى حرة ، لا يستطير ~~عليها المستكبرون ؛ بل تنطلق فيها الحرية الفكرية والعملية بأوسع مداها ، ~~مما يتيح لها مجال المعرفة الحرة والسلوك الحر ، وكان السكوت هو الرد الذي ~~قابلوا به هذا السؤال ، لأنهم لا يملكون الإنكار أمام الحقيقة الحاسمة التي ~~كانت تتمثل في حياتهم ؛ فقد كانت لهم مجالات للهجرة إلى المواقع الجديدة ~~التي يخرجون بها من حالة الاستضعاف هذه ، ولكنهم استسلموا لحالات الاسترخاء ~~والكسل والخشية من المتاعب الجسدية والمالية ونحوها ، وعاشوا في ms1657 خدمة ~~المستكبرين ؛ وبذلك حقت عليهم كلمة الله ، PageV07P418 # وقامت عليهم الحجة ( @QUR@05 فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ... ). # أما إذا كان هذا الإنسان لا يملك الفرصة للهجرة ليتحرر من ضغط القوى ~~المستكبرة عليه ، كما في الكثير من النماذج البشرية المسحوقة التي لا تملك ~~الوسائل المتحركة لاستعمال الحيلة في الخروج من المأزق ، ولا تهتدي السبيل ~~للهجرة ، لعجز في الطاقة الجسدية ، أو لضعف في الإمكانات المادية والمعنوية ~~؛ فهؤلاء قد يجدون بعض العذر عند الله ، وهذا ما عبرت عنه هذه الآية بأسلوب ~~الاستثناء من القاعدة السابقة. # ( @QUR@022 إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا* فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ) ~~مراعاة لظروفهم الصعبة ، وربما كان التعبير بكلمة ( @QUR@01 عسى ) التي لا ~~توحي بالجزم ، ليظل الإنسان في حالة استنفار دائم لقدراته وإمكاناته ، فلا ~~يسترخي أمام حالة العجز بشكل سريع. ( @QUR@04 وكان الله عفوا غفورا ) فقد ~~سبقت رحمته غضبه ، في ما ينحرف به الناس عن الخط نتيجة هفوة أو ضعف أو عجز ~~... فإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وهو خير الغافرين. # * * * # ولا بد لنا من إيضاح ما أشرنا إليه ضمن حديثنا هذا ، وهو أن الاستضعاف قد ~~يكون في العقيدة ؛ وذلك في الحالات التي لا يملك فيها الإنسان وسائل ~~المعرفة للانفتاح على ما هناك من أفكار وأديان وشرائع ، وقد يكون الاستضعاف ~~في العمل والسلوك ، وذلك في المجالات التي تكون فيها إرادته مسحوقة تحت ضغط ~~إرادة أخرى قاهرة ؛ وفي كلا الحالين يتحدد العذر بإمكانات التخلص من الطوق ~~المضروب حول الإنسان بالهجرة إلى أماكن أخرى ، أو بالانتظار إلى وقت آخر ، ~~أو بغير ذلك من الوسائل العملية PageV07P419 # للخروج من المأزق ، فمع توفرها لا عذر للإنسان بالبقاء في حالة الضعف ، ~~أما مع عدم توفرها ، فإن الله هو العفو الغفور. # * * * # ( @QUR@011 ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) هذه ~~هي الحقيقة التي يؤكدها القرآن في هذه الفقرة من الآية ، وخلاصة فكرتها أن ~~قضية القوة والضعف لا يمكن أن تخضع للحدود الجغرافية التي تحيط بالإنسان ~~وتضغط ms1658 على حركته ، بل يمكن للإنسان أن يمتد إلى أماكن أخرى من الأرض ، ليجد ~~فيها السعة التي لا تضيق بنشاطه ، والفرص التي يستطيع من خلالها أن يرغم ~~أنف القوى الطاغية الكافرة. وتلك هي قصة كل الدعوات الخيرة والرسالات ~~الكبيرة ، التي لم تستطع أن تتقدم إلى أهدافها في المحيط الذي انطلقت منه ، ~~ولكنها استطاعت أن تمتد إلى أبعد مدى في الأرض ، فتفسح لخطواتها المجال ~~الذي تسير فيه بسرعة فائقة ، بعيدا عن كل الضغوط والتحديات ؛ وبذلك انطلق ~~الإسلام إلى خارج مكة ، بالهجرة التي كانت الحد الفاصل بين عهدين للإسلام ، ~~عاش في أحدهما الاضطهاد والضغط والتنكيل إلى ما يشبه الاختناق وتحرك في ~~ثانيهما من يثرب حتى انتشر في الآفاق الواسعة من العالم ... # إن الإسلام يريد أن يثير في نفوس العاملين أن اضطهاد الدعوة ، في أحد ~~مواقع العمل ، لا يعني استحالة الحركة ، لأن هناك مواقع أخرى للحرية يمكن ~~الانتقال إليها من أجل التحرك بالإسلام إلى آفاق جديدة وانتصارات كبيرة ... ~~إن العاملين لا يعيشون ضيق الأفق في النطاق الإقليمي الذي يتحرك فيه عملهم ~~الرسالي ، بل يعتبرون ساحتهم بحجم ساحة الرسالة ، وذلك هو حجم العالم كله ~~بكل مجالاته ووسائله وآفاقه. فليس للإنسان أن PageV07P420 # يتجمد عند فرصته ، وليس له أن يختنق في زاوية ، وليس لخطواته أن تتبعثر ~~في أية ساحة ؛ فمن حقه أن يدخل كل بلد ، ومن واجبه أن يكتشف كل أفق ، ~~لينطلق فيه إلى البعيد البعيد من أهداف الإسلام ... وفي ضوء ذلك ، لا بد له ~~من أن يحرك طاقاته وينميها بالمستوى الذي يستطيع من خلاله أن يستوعب الحركة ~~في حجم العالم ما أمكنه ذلك. # * * * ### ||| ** فلسفة الهجرة في الإسلام # ( @QUR@08 ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ... ) والهجرة إلى ~~الله ورسوله تتمثل في كل رحلة يقوم بها الإنسان في خدمة الإسلام والمسلمين ~~، وفي القيام بواجب شرعي من عبادة ونحوها ، وفي إنقاذ أية فئة محرومة أو ~~مضطهدة من الفئات التي أوجب الله علينا إنقاذها. فمن خرج ليطلب العلم من ~~أجل أن يرفع مستوى المعرفة لدى الناس ، من خلال ما ms1659 يقربهم من الله ويبعدهم ~~عن الشيطان ، وينمي لديهم القدرات العلمية التي تفتح آفاقهم على العزة ~~والحرية والكرامة التي يحبها الله لعباده المؤمنين ، فقد خرج مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ؛ ومن خرج ليجاهد في سبيل الله ، أو ليقضي حاجة مؤمن ، أو ~~ليغيث ملهوفا ، أو ليقوي مستضعفا ، أو ليهدي ضالا ، أو ليقوم بعملية إصلاح ~~بين الناس ، أو ليدخل السرور على الناس ، أو ليشارك في حكم عدل ، أو ليقوم ~~بأي عمل من الأعمال التي يحبها الله ورسوله ، أو ليحج بيت الله ونحو ذلك ~~... فهو من المهاجرين إلى الله ورسوله. وهكذا تكون حياة الإنسان في سبيل كل ~~الأهداف الرسالية الكبيرة هجرة إلى الله ورسوله ، حتى ولو كان واقفا في ~~مكانه ، لأن الهجرة ليست فكرة تخضع لحركة الإقدام من موقع إلى آخر ، بل ~~تشمل حركة العمل التي تنقل المجتمع والحياة من مرحلة متأخرة إلى مرحلة ~~متقدمة ، ومن حالة شريرة أو كافرة ، إلى حالة خيرة أو PageV07P421 # مهتدية ، لأن القضية مرتبطة بالمضمون والهدف لا بالشكل والموقع ... وإذا ~~تحققت للإنسان مثل هذه الهجرة ، بجميع أسبابها ، كانت حياته سائرة في خدمة ~~الله ، لأنه لا يعمل من أجل مطامحه الذاتية ، بل من أجل رسالة الله العامة. ~~فإذا أدركه الموت وهو في الطريق ، كان موته في خط العمل ، وبذلك كان أجره ~~على الله. وهذا ما عبرت عنه الآية في قوله تعالى : ( @QUR@012 ثم يدركه ~~الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ). # * * * ### ||| ** وجوب الهجرة من كل بلد يضعف فيه الإنسان دينيا # وربما تحدث المتحدثون ولا سيما الفقهاء منهم عن وجوب الهجرة من كل بلد ~~يضعف فيه الإنسان دينيا مما قد يؤدي به في نهاية المطاف إلى الخروج من ~~الدين ، وذلك من خلال الاستيحاء من الآية ، لأن مسألة ضغط المستكبرين لا ~~خصوصية له إلا من حيث النتيجة السلبية التي قد تترتب على البقاء في مواقع ~~سلطتهم ، فإذا عاش الإنسان في بلد تنطلق فيه قوة الكفر في امتداد فكره ~~وسيطرة قيمه وأخلاقه وعاداته بالمستوى الذي يضغط فيه على المؤمن وعلى أهله ~~ويحاصره في ms1660 أوضاعه الخاصة والعامة بحيث لا يملك التخلص من التأثر به ولو ~~بشكل لا شعوري مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ما يشبه الكفر إذا لم يؤد ~~به إلى الكفر المباشر ، وذلك في استسلامه الثقافي لثقافة الكفر وضعفه ~~الروحي أمام روحيته ، وانحرافه الأخلاقي أمام أخلاقه ، وإذا كان يمكن أن ~~يحفظ نفسه بعض الشيء من سيطرة الواقع الكافر على شخصيته ، فإنه لا يملك أن ~~يحفظ أولاده وأهله من ذلك ، لأنهم لا يملكون أية مناعة ذاتية ضد السقوط تحت ~~تأثير هذا الواقع الكافر أو الضال ، مما يجعل من بقائه في هذا البلد أو ذاك PageV07P422 # سببا في السقوط الفردي أو العائلي إسلاميا ، وانحرافا عن مدلول الآية ( ~~@QUR@023 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~) [التحريم : 6]. # ولعل هذا هو ما نشاهده في هجرة الكثيرين من المسلمين إلى بلاد الغرب الذي ~~يخضع في حضارته وقيمه وأوضاعه لفكر يختلف كثيرا عن فكر الإسلام ، ولعادات ~~وتقاليد ومناهج مضادة للإسلام في المبدأ والتفاصيل وقد انحرف الكثيرون منهم ~~فكريا وأخلاقيا وروحيا بحيث عادوا مسلمين من دون إسلام في واقع الآباء الذي ~~بقي الانتماء حيا في أشخاصهم بطريقة تقليدية ، أما الأبناء ، فقد ابتعدوا ~~ابتعادا تاما عن الإسلام حتى لم يبق لهم من الإسلام شيء إلا ما يرددونه من ~~بعض الكلمات في دائرتهم العائلية بفعل المجتمع الذي يتحركون فيه ، والمدارس ~~التي يتعلمون فيها ، والأوضاع التي يعيشون في داخلها ويتأثرون بتفاصيلها. # ونحن نوافق هؤلاء الفقهاء على هذا الحكم ، لأن قضية الهجرة الواجبة في ~~مورد الآية لا خصوصية لها إلا من خلال الضعف الذي يعيش فيه المستضعفون تحت ~~تأثير المستكبرين بما يؤدي إلى ضلالهم ، فتشمل كل حالة مماثلة من حيث العيش ~~في دائرة الاستكبار الثقافي والتربوي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي بما لا ~~يملك الإنسان المؤمن الثبات على دينه في ساحاته ، وهذا هو الذي أشار إليه ~~الحديث المأثور : «لا تعرب بعد الهجرة» (1) باعتبار أن التعرب يمثل حالة ~~البعد عن مصادر ms1661 الثقافة الإسلامية والقوة الروحية والمجتمع العاصم من ~~الانحراف ، فيتحول الإنسان بفعله إلى شخص يشبه الأعراب الجاهليين الذين لا ~~يملكون الوعي الإسلامي الثقافي والالتزام الديني والاستقامة الأخلاقية ، ~~مما تمثل الهجرة الخروج PageV07P423 # منه. وربما كان وجوب الهجرة في صدر الإسلام منطلقا من التخطيط الإسلامي ~~لبناء الشخصية الإسلامية للمسلمين في دائرة المجتمع النظيف الذي يحميهم من ~~كل قذارات الجاهلية ، ليكون نموهم بين المسلمين نموا طبيعيا يتمثلون فيه ~~فكر الإسلام وقيمه وعاداته وأخلاقياته بشكل دقيق ، هذا بالإضافة إلى ما ~~يريده الإسلام في تشريعه الهجرة من مكة إلى المدينة من تقوية المجتمع ~~الإسلامي بتجميع كل أفراده وجماعاته في الموقع الإسلامي الجديد لمواجهة ~~التحديات الكبرى التي يفرضها الشرك على الإسلام وأهله ، وقد جاء عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام «والهجرة قائمة على حدها الأول» (1)، لأن الظروف التي ~~فرضت الهجرة في صدر الإسلام ، تفرض الهجرة في المدى الزمني في حياة ~~المسلمين ، كما أن القضايا التي أريد تأكيدها وتأصيلها هي نفسها القضايا ~~التي يراد تركيزها في المراحل الإسلامية في حركة الخط الإسلامي في الواقع ، ~~وأما الحديث الذي روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم «لا هجرة بعد ~~الفتح» (2)، فالظاهر أنه مخصوص بالهجرة من مكة ، لأنها تحولت إلى بلد ~~إسلامي في مجتمعة وسلطته ، فلا مشكلة في البقاء فيه ، بل ربما كان ذلك ~~ضرورة في واقعه الجديد. # * * * ### ||| ** المستضعفون وضرورة تحريك الإمكانات المتاحة # أما المستضعفون من هؤلاء المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا إلى الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ، يضطرون بفعل بعض الضغوط ~~الساحقة البقاء في بلاد الكفر ، فيجب عليهم أن PageV07P424 # يحركوا كل إمكاناتهم لتنمية العناصر الإسلامية في مجتمعهم ، بإيجاد ~~المؤسسات الإسلامية كالمساجد والمدارس والنوادي الثقافية والرياضية ~~والاجتماعية التي تحرك الروح الإسلامية ، والتربية الدينية التي تثبت لهم ~~إيمانهم وتحمي إسلامهم ، وتصنع منهم دعاة إلى الإسلام في دار هجرتهم ، ~~ليكونوا عناصر قوة للإسلام بدلا من أن يكونوا عناصر ضعف له في استسلامهم للكفر. # ولعل من الضروري أن يبادر المسلمون من خلال قياداتهم إلى القيام ~~بالمشاريع الإسلامية الثقافية ms1662 والتربوية ومساجد العبادة وغيرها في بلدان ~~الغرب أو غيره من البلدان غير الإسلامية ، لأن الحاجة قد أصبحت ملحة لسكن ~~المسلمين فيه من خلال حاجاتهم الاقتصادية والثقافية التي تفرض الهجرة إليها ~~، بحيث تحول الوجود الإسلامي العددي في بعض البلاد الغربية إلى قوة من ~~الدرجة الثانية بالنسبة إلى الموقع الديني مقارنا بالدين الآخر. هذا مع ~~ملاحظة أن التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية أصبحت تفرض ~~على المسلمين الانفتاح على العالم كله من أجل تجميع عناصر القوة في كل ~~أوضاعهم العامة والخاصة ، مما يجعل انتقالهم إلى بلدان العالم ضرورة حضارية ~~على جميع المستويات ، لأن بعض الحالات الضاغطة في مجتمعات الكفر قد تؤدي ~~إلى عزلة المسلمين عن العالم إذا أرادوا أن يخضعوا لبعض التحفظات التي يمكن ~~إزالتها بالتخطيط لإيجاد الأجواء الإسلامية التي تؤكد حماية الواقع ~~الإسلامي من الانحراف. # * * * PageV07P425 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) ~~@QUR@062 وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) ~~@QUR@020 فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) (103) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ضربتم في الأرض ): كناية عن السفر. وقد تقدم سابقا. PageV07P426 # ( @QUR@01 جناح ): حرج دائم. وقد تقدم سابقا. # ( @QUR@01 تقصروا ): تجعلونها قصيرة بترك بعض أركانها ترخيصا ، ومعناه : ~~أن تقصروا من عدد الصلاة فتصلوا الظهر والعصر والعشاء في ركعتين. وقد جاء ~~في مجمع البيان : في قصر الصلاة ثلاث لغات : قصرت الصلاة أقصرها وهي لغة ~~القرآن ، وقصرتها تقصيرا ، وأقصرتها إقصارا (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن مجاهد ، قال : حدثنا أبو عياش ~~الزرقي ms1663 ، قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقال : ~~المشركون : قد كانوا على حال لو كنا أصبنا منهم غرة ، قالوا : تأتي عليهم ~~صلاة هي أحب إليهم من آبائهم ، قال : وهي العصر ، قال : فنزل جبرئيل ~~عليه السلام بهذه الآية بين الأولى والعصر : ( @QUR@06 وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة )، وهم بعسفان ، وعلى المشركين خالد بن الوليد ، وهم بيننا ~~وبين القبلة ، وذكر صلاة الخوف (2). # وذكر صاحب الميزان أنه جاء في تفسير القمي : نزلت يعني آية صلاة الخوف ~~لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية يريد مكة ، فلما وقع ~~الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس ليستقبل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~الجبال ، فلما كان في PageV07P427 # بعض الطريق وحضرت صلاة الظهر أذن بلال ، وصلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالناس ، فقال خالد بن الوليد : لو كنا حملنا عليهم ~~وهم في الصلاة لأصبناهم ، فإنهم لا يقطعون صلاتهم ، ولكن يجيء لهم الآن ~~صلاة أخرى هي أحب إليهم من ضياء أبصارهم ، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا ~~عليهم ، فنزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة الخوف في ~~قوله : ( @QUR@03 وإذا كنت فيهم ) ( 1). # وجاء في تفسير البيان عن مجاهد : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~بعسفان ، والمشركون بضجنان ، فتواقفوا ، فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو أربعا. شك أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم ~~معا جميعا ، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم ، فأنزل الله ~~عليه : ( @QUR@04 فلتقم طائفة منهم معك )، فصلى العصر ، فصف أصحابه صفين ، ~~ثم كبر بهم جميعا ، ثم سجد الأولون سجدة ، والآخرون قيام ، ثم سجد الآخرون ~~حين قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم كبر بهم وركعوا جميعا ، فتقدم الصف ~~الآخر واستأخر الأول ، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة. وقصر العصر إلى ~~ركعتين (2). # هذا وقد وردت روايات كثيرة في سبب نزول هذه الآية ms1664 كلها في محور قريب مما ~~أوردنا. # * * * ### ||| ** صلاة الخوف # للصلاة عند الله أهمية كبري ، لأنها معراج روح المؤمن وقلبه إلى الله ~~ولذا اعتبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمود الدين ، «فإن قبلت قبل ما ~~سواها ، وإن PageV07P428 # ردت رد ما سواها» (1). وقال الفقهاء : إنها لا تترك بحال ، بل ينتقل ~~الإنسان في حالة الضرورة من شكل إلى آخر ، فهناك صلاة المضطر والخائف ~~والمريض والغريق ... وللجهاد أهميته الكبرى عند الله ، باعتباره القاعدة ~~الصلبة التي ترتكز عليها قوة الإسلام والمسلمين ، فكيف يصلي المسلمون في ~~الأجواء التي تسبق المعركة ويسودها الحذر ويطوف في مجالاتها الشعور بالخوف؟ ~~هل يلقون السلاح ، أم يحملونه؟ وهل يملكونهم الصلاة جماعة ، أم فرادى؟ إن ~~هذه الآية تحدد لنا نوعا من أنواع ما يطلق عليه الفقهاء «صلاة الخوف» ، مما ~~فصلتها السنة في أحاديثها بأكثر من طريقة. # ( @QUR@04 وإذا ضربتم في الأرض )؛ والضرب في الأرض كناية عن السفر ، ( ~~@QUR@07 فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) وهذه كما يقول المفسرون أول ~~آية شرعت قصر الصلاة ؛ وربما يبدو من التعبير بنفي الجناح ، أنها في معرض ~~الرخصة لا الإلزام ؛ ولكن التدقيق في المسألة يوحي بأن مثل هذا التعبير قد ~~يأتي للإيحاء برفع توهم الحرمة ، في ما يتوهم المكلفون ذلك ، فلا تنافي ~~الإلزام كما جاءت به الأحاديث فعن الإمام محمد الباقر عليه السلام ، كما ~~رواه محمد بن مسلم وزرارة ، أنهما قالا : قلنا لأبي جعفر عليه السلام : ما ~~تقول في صلاة السفر كيف هي ، وكم هي؟ فقال : إن الله عز وجل يقول : ( ~~@QUR@011 وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة )، ~~فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التام في الحضر ؛ قالا : قلنا : إنما ~~قال الله عز وجل : ( @QUR@03 فليس عليكم جناح ) ولم يقل افعلوا ، كيف أوجب ~~ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال : أوليس قد قال الله : ( @QUR@017 إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما ) [البقرة : 158] ، ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض ، لأن الله ~~عز وجل ذكره ms1665 في كتابه وصنعه نبيه ، PageV07P429 # وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكره الله ~~تعالى في كتابه (1). وللفقهاء المسلمين الآخرين رأي آخر في التخيير ، ~~وفضيل ذلك في كتب الفقه. # ( @QUR@06 إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا )؛ والفتنة هنا بقرينة المورد ~~الضغط الذي يمارسونه بالتعذيب والقتل والضرب ، مما يريدون به هزيمة ~~المسلمين وفتنتهم عن الثبات على دينهم. ولعل التشريع الأول للقصر كان في ~~هذه الحال ، ثم امتد بعد ذلك إلى جميع أنواع السفر بحدوده الشرعية كما جاءت ~~به السنة الشريفة : ( @QUR@06 إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا )، فلا بد ~~من الاحتراز منهم في حالتي السلم والحرب. وقد شرع الله قصر الصلاة من أجل ~~تحقيق هذا الهدف في حالة الحرب. ( @QUR@010 وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~فلتقم طائفة منهم معك ) فيصلون صلاة جماعة ويبقى الآخرون في حالة حراسة ، ( ~~@QUR@02 وليأخذوا أسلحتهم ) في حال الصلاة ليكونوا على استعداد في حالة ~~هجوم العدو عليهم ، من دون أن يخرجهم ذلك عن جو العبادة ؛ لأن الجهاد في ~~سبيل الله وقفة مع الله ، كما هي الصلاة وقفة روحية معه. ( @QUR@02 فإذا ~~سجدوا ) وفرغوا من الصلاة بعد أن أتموها وحدهم في الركعة الثانية ، ( ~~@QUR@03 فليكونوا من ورائكم ) لأخذ مواقعهم في حراسة أرض المعركة ، ( ~~@QUR@09 ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ) من العدو ~~، بأن يكونوا في حالة استعداد دائم للدفاع والمقاومة ( @QUR@01 وأسلحتهم ) ~~ليستعملوها عند الحاجة ، لأن العدو لا يؤمن له ، فيمكن أن يستغل فرصة ~~انشغالهم بالصلاة ، فيهجم عليهم ( @QUR@012 ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) في هجوم صاعق. # ( @QUR@012 ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ) لا PageV07P430 # تستطيعون حمل السلاح في حال الصلاة ، ( @QUR@05 أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم ) لتمنعوا العدو من الهجوم عند أول بادرة عدائية من قبله ( @QUR@06 ~~إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) في الدنيا والآخرة ؛ ( @QUR@09 فإذا ~~قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم )، لأن ذلك هو الزاد ~~الروحي للمؤمن المقاتل الذي يمنحه الشعور بالقوة ، عند ما ms1666 يحس بحضور الله ~~معه في المعركة وفي كل حالات التحدي ، فيؤدي به ذلك إلى طرد كل نوازع الخوف ~~والقلق والضياع من نفسه ، ليحل بدلا منها الشعور بالأمن والثبات ووضوح ~~الرؤيا والامتلاء الروحي بعظمة الله ... ( @QUR@02 فإذا اطمأننتم ) وذهب ~~عنكم الخوف بذهاب الأسباب التي تثيره وتدعو له ، ورجعتم إلى أوطانكم كما ~~قيل ( @QUR@02 فأقيموا الصلاة ) بتمامها ( @QUR@07 إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا )؛ فقد أنزلها الله فرائض مؤقتة بأوقاتها على بعض ~~التفاسير فريضة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بحال على رأي بعض آخر وقد أكدت ~~هذا المعنى الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فقد ورد في ~~الكافي ، بإسناده عن داود بن فرقد قال قلت : لأبي عبد الله عليه السلام : ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا )؟ قال ~~: كتابا ثابتا ، وليس إن عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضيع ~~تلك الإضاعة (1). # وهناك نقطتان لا بد من الإشارة إليهما : النقطة الأولى : إن الظاهر من ~~الآية أنها واردة في صلاة الخوف مطلقا ، سواء أكان المسلمون في السفر أم في ~~غيره ، وإنما ذكر السفر من جهة أنه الحالة الغالبة في الحرب التي كان ~~المسلمون يخوضونها ، ولا اختصاص لها به ، ولذلك التزم الفقهاء بقصر الصلاة ~~في حال الحرب حتى لو كان ذلك في الحضر ، كما إذا هاجم PageV07P431 # المسلمين العدو في داخل بلادهم ، كما أنها ليست مختصة بحال الحرب ، بل هي ~~شاملة لكل حالة خوف تشغل الإنسان عن إتمام الصلاة ، وقد جاء في كتاب جواهر ~~الكلام ما يؤكد ذلك ، قال : «إذا خاف من سيل أو سبع أو حية أو حريق أو غير ~~ذلك ، جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف فيقصر عددا وكيفية لعدم الفرق في أسباب ~~الخوف المسوغة ، فقد سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عمن خاف من سبع أو ~~لص : كيف يصلي؟ قال : «يكبر ويومئ إيماء برأسه» (1). # النقطة الثانية : هل الآية دالة على وجوب قصر الصلاة للمسافر بحيث تتضمن ~~تشريع الحكم بقول مطلق ، أو هي مختصة بحالة الخوف من حيث منطوقها؟ ms1667 ربما ~~يذهب البعض إلى الوجه الأول على أساس أن يكون ذكر الخوف من الأعداء واردا ~~مورد الغالب ، بلحاظ أن الأعم الأغلب في أسفارهم الخوف من العدو ، لأنهم ~~كانوا مستهدفين من كل الواقع الكافر المشرك في تلك المرحلة ، وعلى ضوء ذلك ~~، يكون القيد في قوله تعالى : ( @QUR@04 إن خفتم أن يفتنكم ... ) واردا ~~مورد باب الغلبة ، وربما يؤكد ذلك ما ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ~~في الاحتجاج على تعين القصر في صلاة المسافر بهذه الآية وتفسيره كلمة ( ~~@QUR@03 ولا جناح عليكم ) بورودها في مقام توهم الحرمة. # وربما يرى البعض أن الآية واردة في مورد الحديث عن صلاة الخوف بقرينة ~~التفصيل في الحديث عنها مع عدم التحدث بتفصيل عن صلاة المسافر ، أما ~~الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام ، فهي واردة في تفسير صلاة القصر ولو ~~في هذا المورد. # وعلى كل حال ، فإن مثل هذا البحث يبقي في جانب الثقافة التفسيرية ، PageV07P432 # أما في مسألة الحكم الكلي في صلاة المسافر ، فإن الأمر فيها ثابت بالسنة ~~النبوية بلا إشكال ، مع الخلاف الفقهي المذهبي بين الإلزام والتخيير. # * * * # وما دام الحديث منفتحا على القصر في صلاة المسافر ، فقد يثير البعض ضرورة ~~إلغاء هذا الحكم في الوقت الحاضر ، لأن الأساس فيها حسب الظاهر هو المشقة ~~اللازمة في السفر في العصور السابقة ، لأن وسائل السفر عندهم كانت البغال ~~والحمير والجمال ونحوها ، مما يعاني معها المسافر مشقة كبري ، أما الآن ~~فيمكن للمؤمن قطع المسافة المعتبرة في تحديد مقدار السفر بوقت قصير من دون ~~أية مشقة من خلال الوسائل الحديثة ، كالسيارة والطائرة والباخرة ونحوها ، ~~والجواب ، أن المسألة تنطلق من طبيعة التسهيل ، باعتبار أن السفر يمثل حالة ~~من حالات عدم الاستقرار ؛ الأمر الذي يطلب فيه التخفيف ، ولذلك وجب التمام ~~عند الإقامة عشرة أيام ، أو إذا كان عمل الإنسان السفر ، بحيث يكون السفر ~~أمرا عاديا له ، أو نحو ذلك ، وقد ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال في موضوع قصر الصلاة : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» ~~(1)، وقد روي ms1668 عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله عز وجل تصدق على مرضى أمتي ومسافريها ~~بالتقصير والإفطار ، أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه؟ (2). # وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الصائم في السفر في شهر رمضان ~~كالمفطر فيه في الحضر ، ثم قال : إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال : يا PageV07P433 # رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال : لا ، فقال : يا رسول الله إنه ~~علي يسير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله عز وجل تصدق على ~~مرضى أمتي ومسافريها بالإفطار في شهر رمضان ، أيحب أحدكم لو تصدق بصدقة أن ~~ترد عليه؟ (1). # وهكذا نلاحظ أن المسألة لا تنطلق من حالة اختيارية تابعة لسهولة السفر ~~وصعوبته ، ومشقة الصوم ويسره ، بل هي هدية إلهية في التشريع من أجل التخفيف ~~على المسافر بطريقة إلزامية ؛ والله العالم. # * * * PageV07P434 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) (104) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تهنوا ): تضعفوا في القلب والنفس ، فتضعفوا في الحركة ~~والمقاومة ، والوهن : الضعف. # ( @QUR@01 ابتغاء ): الابتغاء : الطلب. # ( @QUR@01 تألمون ): الألم : الوجع. # ( @QUR@01 وترجون ): الرجاء : الأمل ، وقد يستعمل بمعنى الخوف ، قال ~~تعالى : ( @QUR@06 ما لكم لا ترجون لله وقارا ) [نوح : 13] والمعنى : لا ~~تخافون لله عظمة. وإنما استعمل على معنى الخوف لأن الرجاء أمل وقد يخاف أن ~~لا يتم. # * * * PageV07P435 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : قيل : نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي ~~سفيان يوم أحد ، وقيل : نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى ~~حمراء الأسد ، عن عكرمة (1)، وقيل : إن المسلمين هبوا لملاحقة العدو بعد ~~نزول الآية وتلاوتها عليهم «لأن الله تعالى أمرهم ، على ما بهم من الجراح ~~أن يتبعوهم ، وأراد بذلك إرهاب المشركين ، فخرجوا إلى بعض الطريق وبلغ ~~المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا مكة» (2) # كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى ابن عباس قال ms1669 : لما كان ~~قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصاب ، صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجبل ، ~~فجاء أبو سفين فقال : يا محمد ، لا جرح إلا بجرح ، الحرب سجال ، يوم لنا ~~ويوم لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : أجيبوه. فقالوا : ~~لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان : عزى لنا ~~ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قولوا له : الله مولانا ~~ولا مولى لكم. قال أبو سفيان : اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قولوا له : الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان : موعدنا ~~وموعدكم بدر الصغرى. ونام المسلمون وبهم الكلوم. قال عكرمة : وفيها أنزلت : ~~( @QUR@013 إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس ) [آل عمران : 140] وفيهم أنزلت : ( @QUR@017 إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) (3). PageV07P436 ### ||| ** دعوة للأخذ بأسباب القوة # إنها دعوة للأخذ بأسباب القوة ، من خلال ما يوحيه الإيمان بالله والثقة ~~بنصره وعدم الاستسلام للوهن ، وذلك لما يهوله الشيطان ويثيره من نوازع ~~الضعف. ( @QUR@02 ولا تهنوا ) أي : لا تضعفوا ، بل تابعوا الهجوم والملاحظة ~~( @QUR@03 في ابتغاء القوم ) أي : في طلب الكفار والمشركين في المعركة ، ~~فإن حالكم ليس بأسوا من حال أعدائكم ( @QUR@07 إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون )، لأن آلام المعركة تفرض نفسها على جميع المقاتلين ، ~~ولكنكم تتفوقون عليهم في نقطة مهمة ، ( @QUR@06 وترجون من الله ما لا يرجون ~~) من النصر والمعونة والتأييد والرضوان والجنة ؛ فأنتم تتحركون من موقع ~~الثقة بالله والأمل الكبير به ، بخلافهم ، فإنهم لا يتمسكون بشيء من ذلك. ( ~~@QUR@03 وكان الله عليما ) بما تعملون ، ( @QUR@01 حكيما ) في ما يفرضه ~~عليكم من المواقف. # وربما نستوحي من أجواء الآية أن القضية المطروحة هي أن يبقى المسلمون في ~~خط المواجهة للأعداء ، الذين يعملون على إسقاط الواقع الثقافي والسياسي ~~والاقتصادي والأمني ، بالرغم من اختلال موازين القوى ، ومن الآلام الروحية ~~والجسدية ، المادية والمعنوية ، لأن طبيعة الصراع في عملية الكر ms1670 والفر في ~~حركة التجاذب المتبادل بين الفريقين ، تفرض توزيع الآلام على الجميع ، فقد ~~ينتصر هذا الفريق ليجلب الآلام للفريق الآخر وقد يرد الفريق المهزوم الكرة ~~على الفريق المنتصر ليفرض عليه الآلام بشكل أقسى ، وهكذا يفرض الإسلام على ~~المسلمين أن لا يسمحوا للمأساة الذاتية أن تأكل الإرادة القوية الصلبة في ~~حركة جهادهم ، لأن لا جهاد من دون ألم ، ولا نصر من دون معاناة ، وفي ضوء ~~ذلك تتحرك الآية من أجل الدعوة إلى أن يتسلم المسلمون زمام المبادرة في ~~حركة الصراع ، لأن الذين يبادرون هم PageV07P437 # الذين يمسكون غالبا بزمام القضية ، لا أن تكون مبادرتهم الهجومية عدوانا ~~من خلال العقدة الذاتية ضد الإنسان الآخر ، بل هي مبادرة وقائية ضد الذين ~~يريدون السبق إلى الهجوم ليكونوا في موقع القوة كأي مهاجم ، لا في موقع ~~الضعف كأي مدافع. وهكذا ينطلق الموقف المتحدي في رحلة الآلام الجهادية من ~~قاعدة الإيمان بالله والأمل به ، لأنهم يجاهدون في سبيله ويعملون من أجل ~~تأكيد دينه ويستهدفون في نهاية المطاف الحصول على رضاه في كل شيء. وإذا كان ~~الرجاء ينطلق في واقع الدنيا من النصر الإلهي الذي يهيئ الله أسبابه ، وفي ~~واقع الآخرة من الشهادة التي قد تفرضها المعركة ، فإن المؤمن يعيش الرجاء ~~في كلتا الحالتين ، وكلاهما النصر أو الشهادة ربح في الدنيا وسعادة في ~~الآخرة. # * * * PageV07P438 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ~~ولا تكن للخائنين خصيما (105) @QUR@07 واستغفر الله إن الله كان غفورا ~~رحيما (106) @QUR@014 ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما (107) @QUR@021 يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ~~@QUR@019 ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم ~~يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) @QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) @QUR@011 ومن يكسب إثما ~~فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) @QUR@014 ومن يكسب خطيئة ms1671 ~~أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) @QUR@034 ولو ~~لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما ) (113) # * * * PageV07P439 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 للخائنين ): الذين يخالفون الحق بنقض العهد في السر. قال ~~الراغب : الخيانة والنفاق واحد ، إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد ~~والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ، ثم يتداخلان (1). # ( @QUR@01 خصيما ): مجادلا عنهم ومدافعا ، والخصيم هو الذي يدافع عن ~~الدعوى ، وخصمته : نازعته خصما. وأصل المخاصمة ، أن يتعلق كل واحد منهم ~~بخصم الآخر ، أي جانبه. # ( @QUR@01 تجادل ): المخاصمة والمجادلة والمناظرة والمحاجة نظائر ، وإن ~~كان بينها فرق ، فإن المجادلة هي المنازعة في ما وقع فيه خلاف بين اثنين ، ~~والمخاصمة : المنازعة بالمخالفة بين اثنين على وجه الغلظة ، والمناظرة في ~~ما يقع بين النظيرين ، والمحاجة في محاولة إظهار الحجة ، وأصل المجادلة من ~~الجدل وهو شدة الفتل ، ورجل مجدول كأنه قد جدل أي فتل ، والأجدل: الصقر ، ~~لأنه من أشد الطيور قوة. # ( @QUR@01 يختانون ): يخونون خيانة بينة. والاختيان : أشد من الخيانة. # ( @QUR@01 يستخفون ): يكتمون ويستترون. خفي الشيء : استتر ولم يظهر. # ( @QUR@01 يبيتون ): يدبرون ويزورون في الليل. والتبييت : التدبير للشيء ~~بالليل لأن ذلك يكون في وقت رواح الناس إلى بيوتهم. # ( @QUR@03 خطيئة أو إثما ): اختلف في التفريق بينهما ، فقيل : إن ~~الخطيئة هنا هي التي تكون عن قصد إلى فعلها ، والإثم يكون عن قصد وعمد وقيل : PageV07P440 # الخطيئة هي المعصية التي لا تتجاوز موردها وبالا ، والإثم المعصية التي ~~يستمر وبالها كقتل النفس من غير حق. # ( @QUR@01 لهمت ): الهم ما هممت به ، ومنه الهمة ، والهمام : الملك ~~العظيم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال : أنزلت كلها في قصة واحدة ، وذلك أن ~~رجلا من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعا من ~~جار له يقال له قتادة بن النعمان ، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق ، فجعل ~~الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها ms1672 أثر الدقيق ، ثم ~~خبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين ، فالتمست الدرع عند طعمة ، ~~فلم توجد عنده ، وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها (1) من علم ، فقال ~~أصحاب الدرع : بلى ، والله قد أدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره ~~، فرأينا أثر الدقيق ، فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا ~~إلى منزل اليهودي ، فأخذوه ، فقال : دفعها إلي طعمة بن أبيرق ، وشهد له ~~أناس من اليهود على ذلك ، فقالت بنو ظفر ، وهم قوم طعمة : انطلقوا بنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكلموه في ذلك ، فسألوه أن يجادل عن ~~صاحبهم ، وقالوا : إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي ، فهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي ، حتى ~~أنزل الله تعالى : ( @QUR@05 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ) الآيات PageV07P441 # كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين (1). # وهناك رواية أخرى ذكرها صاحب مجمع البيان قال : نزلت في بني أبيرق وكانوا ~~ثلاثة إخوة : بشر وبشير ومبشر ، وكان بشير يكنى أبا طعمة ، وكان يقول الشعر ~~يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يقول : قاله فلان ، وكانوا ~~أهل حاجة في الجاهلية والإسلام ، فنقب أبو طعمة على علية (2) رفاعة ابن زيد ~~وأخذ له طعاما وسيفا ودرعا ، فشكا ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان ، ~~وكان قتادة بدريا ، فتجسسا في الدار وسألا أهل الدار في ذلك ، فقال بنو ~~أبيرق : والله ، ما صاحبكم إلا لبيد بن سهل ، رجل ذو حسب ونسب ، فأصلت ~~عليهم لبيد بن سهل سيفه وخرج إليهم وقال : يا بني أبيرق ، أترمونني بالسرق ~~وأنتم أولى به مني وأنتم منافقون تهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وتنسبون ذلك إلى قريش ، لتبينن ذلك أو لأضعن سيفي فيكم ، فداروه ، وأتي ~~قتادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إن أهل بيت منا أهل بيت سوء عدوا على عمي فخرقوا عليه ~~له ms1673 من ظهرها وأصابوا له طعاما وسلاحا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: انظروا في شأنكم ، فلما سمع ذلك رجل من بطنهم الذي هم منه يقال له أسير ~~بن عروة ، جمع رجالا من أهل الدار ثم انطلق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا ~~لهم حسب ونسب وصلاح وأنبوهم (3) بالقبيح وقالوا لهم ما لا ينبغي ، وانصرف ، ~~فلما أتى قتادة رسول الله بعد ذلك ليكلمه ، جبهه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم جبها شديدا (4) وقال : عمدت إلى أهل بيت حسب ونسب ~~تأتيهم بالقبيح وتقول لهم ما لا ينبغي ، قال : فقام قتادة من عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ورجع إلى عمه PageV07P442 # وقال : يا ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال لي ~~ما كرهت ، فقال عمه رفاعة : الله المستعان ، فنزلت الآيات ( @QUR@04 إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب ) إلى قوله : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به )، ~~فبلغ بشيرا ما نزل فيه من القرآن ، فهرب إلى مكة ، وارتد كافرا (1). # * * * ### ||| ** ملاحظات حول روايات النزول # ونلاحظ على هاتين الروايتين أنهما لا تنسجمان مع أخلاقية النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعصمته وعدالته وابتعاده عن النطق عن الهوى ، فقد ذكرت ~~الرواية الأولى ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استجاب لأهل السارق ~~المسلم الذين كلموه في الدفاع عن صاحبهم خوفا من ثبوت الحكم عليه وافتضاحه ~~، وخوفا من تبرئة اليهودي الذي يعلمون ببراءته ، فهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل ، لأن هواه كان معهم ، وصمم أن يعاقب اليهودي ~~انسجاما مع هواه ، على حسب إيحاء الرواية ، لولا أن الله سبحانه أنقذه من ~~هذا الموقف الظالم الذي يسيء إلى موقعه الرسالي. # إن الصورة هي صورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يدقق في الدعوى ولا ~~يطلب عليها شهودا ، بل يستجيب لكلام هؤلاء الناس الذين يهواهم كما تقول ~~الرواية من دون أن يسألهم عن ms1674 طبيعة الدعوى وعن الأساس في اتهام اليهودي ~~الذي لا تمنع عداوته لله ورسوله أن يعدل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~معه ، فيسأله عن دفاعه عن نفسه وعن طبيعة اتهام الآخرين له ، والله يقول : ~~( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم PageV07P443 # @QUR@07 على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [المائدة : 8]. # أما الرواية الثانية ، فإنها تصور النبي لنا في الوهلة الأولى عند ما ~~أخبره قتادة بالحادث وقال : انظروا في شأنكم بأنه يدقق في طبيعة القضايا ~~والبحث عن وسائل الإثبات ، مما يجعله في موقع المنتظر للنتائج من حيث ~~الشهود ، ولكنه عند ما جاءه الرجل الذي هو من بطنهم ، وشكا له قتادة وعمه ، ~~لم يتثبت من صحة الحديث ولم يتأكد من طبيعة المسألة التي سبق لقتادة أن ~~حدثه عنها ، فوبخ قتادة على كلامه مع هؤلاء ، كما لو كانوا أبرياء ، من دون ~~أن يسأله عن ظروف الحديث وطبيعته ، مما جعل قتادة يتمنى موته وجعل عمه يلجأ ~~إلى الله ليستعين به ، لأنه لم يجد هناك من يثبت له حقه ، حتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حسب الرواية. # إن مثل هذا النوع من الروايات يخضع لاجتهادات المفسرين أكثر مما يخضع ~~للروايات الموثقة المباشرة التي تتحدث عن سماع ذلك ، مما يجعلنا نتصور أنهم ~~استنطقوا الآية في مدلولها الحرفي ، ففهموا منها أن الله كان يعاتب نبيه ~~على دفاعه عن الخائنين وجداله عنهم ، لا سيما أنه أمره بالاستغفار كما لو ~~كان قد صدر منه ذنب في الانحراف عن خط العدالة والتعاطف مع المنحرفين ، ~~ولكنهم لم ينفتحوا على الأسلوب القرآني الذي يخاطب الأمة من خلال مخاطبته ~~للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تماما كما لو كان هو الذي تتمثل في سلوكه ~~المفردات. # إن القضية هي أن الرواة ، أو المفسرين ، لم يدرسوا شخصية النبي الأخلاقية ~~وعدالته الرسالية التي لا يمكن أن تنجذب إلى أي شخص وضد أي شخص من خلال ~~عاطفة ذاتية متصلة بالنوازع النفسية الخاصة وهو صاحب الخلق العظيم ، ورسول ~~العدل ms1675 والإحسان ، فكيف يبتعد عن خط العدل وروحية الإحسان! # * * * PageV07P444 ### ||| ** الإسلام يرفض الدفاع عن الخائنين # نحن الآن أمام آيات كريمة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~لتعالج حالة معينة من الحالات المقلقة التي كانت تحدث داخل المجتمع ~~الإسلامي ، فتثير بعض المشاعر والانفعالات والأفكار ؛ الإيجابية منها من ~~جهة والسلبية منها من جهة أخرى. وكان القرآن ينزل من أجل مواجهة الأفكار ~~والمشاعر السلبية التي كانت تشد الناس إلى جاهليتهم ، وتربطهم بالقيم ~~الفاسدة التي أراد الله لها أن تزول من حياتهم. وتلك هي إحدى وسائل القرآن ~~التربوية ، فقد كان يرصد الوقائع والأحداث التي كانت تمر بالمسلمين ، ~~ليوجههم من خلال الوجهة الصحيحة ، فلا تغرق أفكارهم في بحار الخيال والمثال ~~، بل يحركونها في حركة الواقع ، عند ما يعيشون المشاكل كأشد ما تكون إلحاحا ~~وتأثيرا وضغطا على الكيان ، ثم تنطلق الحلول في حجم الواقع ، ليتطابق الحل ~~مع المشكلة على صعيد واحد. # ولهذه الآيات قصة ذكرها المفسرون في أسباب النزول ، وخلاصتها أن أحد ~~المسلمين سرق مالا من شخص مسلم ، وكان للسارق عشيرة تملك مواقع متقدمة في ~~المجتمع ، وكانت الدلائل التي اتبعها المسلمون أو أرادوا أن يتبعوها في ~~التحقيق تهدي إلى السارق الحقيقي ، واجتمعت عشيرته للتشاور ، وقرروا أن ~~يبعدوا التهمة عنه ، فجاءوا بالمال المسروق ووضعوه عند يهودي هناك ، لتثبت ~~الجريمة عليه ويبرأ السارق ، وحاولوا أن يخلقوا جوا يوحي بالثقة بالنتائج ~~التي أرادوها أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ظنا منهم أن يهودية هذا ~~الشخص تساهم في استبعاد دفة الاتهام عن السارق الحقيقي في التحقيق في ~~المسألة ، وتسهل بالتالي ثبوت التهمة عليه. وقد خيل إليهم أن الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ربما يميل إلى ما أرادوه أو ظنوه ، إرادة منه لتبرئة ~~المسلم على كل حال. # ولكن الله أراد أن يسدد رسوله ويطلعه على جانب الغيب في المسألة ، PageV07P445 # حتى لا يتوقف أمام الإثباتات الظاهرية للقضية ، على أساس أن القضاء في ~~الإسلام يخضع للبينات والأيمان ، فهي الوسائل المطروحة لدى القضاة ، حتى ~~ولو كان النبي هو القاضي ، ولا ms1676 مسئولية له بعد ذلك في خطأ النتيجة أو ~~صوابها ، ما دام غير مكلف بأن يعلم الغيب في حقائق الأشياء ، لأنه لا يملك ~~وسائله بشكل ذاتي ، كما أن القضاء لا يغير ولا يبدل شيئا في واقع الموضوع ، ~~فإذا لم يكن للمدعي حق في دعوى ، وكانت البينة إلى جانبه وحكم القاضي بها ، ~~فإن ذلك لا يحل له أكل الباطل في ما انتهت إليه الدعوى. ولكن ذلك جار على ~~الأوضاع العادية في مسائل التحاكم ؛ أما في القضايا التي تتعلق بالخط ~~المستقيم للعدالة بشكل عام ، فإنها ترتبط بالأجواء الداخلية والسلوكية ~~للتصور الإسلامي للعلاقات التي تعطي المسلمين الجو الرائع في الأخلاق ~~والسلوك ، في ما يجب أن يتمثلوه ويعيشوه في حياتهم ، كما حدث في هذه القضية ~~التي أراد الله من خلالها تقرير مبادئ عدة في حياة المسلمين العاطفية ~~والاجتماعية ، من أجل أن لا تنحرف عن خط العدالة في ذلك كله. # * * * ### ||| ** الحكم بما يريه الله من الحق # 1 ( @QUR@011 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله ). إن الله أنزل الكتاب بالحق ليكون هو القاعدة الفكرية والعملية ~~التي ينطلق منها المؤمنون في تسيير جميع شؤون حياتهم ، فلا مجال لاتباع ~~الآراء والأهواء التي تبتعد عنه ، لأن الله يريد للحياة أن تقوم على أساس ~~الحق الذي يواجه القضايا من منطلق الواقع ، بعيدا عن أية علاقة أو انتماء ~~أو مطمع ... وفي هذا الجو لا بد أن يحكم الحاكم ، في كل المسائل التي تثار ~~أمامه ، بما أراه الله من الحق فلا يتطلع إلى أي شيء آخر في ما يدخل في ~~حيثيات حكمه ، PageV07P446 # مهما كانت الظروف والاعتبارات ، والنتائج ، لأن ذلك يمثل انحرافا عن الحق ~~وابتعادا عنه. وهذا هو الخط الذي نستهديه في كل مجالاتنا الفكرية ~~والاجتماعية والسياسية ؛ فإذا كان الكتاب هو الذي أنزله الله بالحق ، فإن ~~علينا أن ننطلق من مفاهيمه وتعاليمه في كل شيء ، وأن ننطلق من أجوائه في ~~منهج التفكير وطريقته. # * * * ### ||| ** الاستغفار وسيلة تربوية روحية # 2 ( @QUR@07 واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ) الاستغفار من وسائل ~~التربية الروحية ms1677 التي يريد الإسلام من الإنسان أن يمارسها بوعي المؤمن الذي ~~قد يرتكب المعصية ، أو وقد يهم بها ، أو قد تطوف بخاطره ، أو يعيش في ~~مناخها ... من أجل تحقيق هدفين : # الأول : القرب من الله بعد أن أبعدته تلك الأجواء والمشاعر والأفكار عنه ~~، لأنه يمثل الإحساس بالذنب في عملية اعتراف وندم وتراجع. # الثاني : الحصول على المناعة الداخلية من خلال الإيحاء بالتأنيب الداخلي ~~للذات وهو في موقع الابتهال إلى الله. وقد يلاحظ الإنسان ويتساءل كيف يوجه ~~القرآن الخطاب إلى الرسول بالاستغفار ، وهو المعصوم الذي لا تخطر بباله ~~المعصية ، فضلا عن ارتكابها ؛ وقد يجاب عن ذلك بأن الأسلوب القرآني يوحي ~~بالخطاب للأمة من خلال خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إمعانا في تأكيد ~~الأهمية للموضوع ، وربما يخطر بالبال أن الاستغفار لا يراد منه معناه ~~الحرفي الذي يدل على وقوع الإنسان في الذنب أو حضوره في أجوائه ، بل يقصد ~~منه الابتهال إليه تعالى ليسدد الإنسان بالابتعاد عن ذلك ، من باب التعبير ~~عن عصمة الله للإنسان بتوفيقه للبعد عن الذنب ، بطريقة الطلب إلى الله أن PageV07P447 # يغفر له ذلك ، كأسلوب من أساليب التعبير عن النتائج بالمقدمات ؛ والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** الخيانة مرفوضة بكل أشكالها # 3 ( @QUR@018 ولا تكن للخائنين خصيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ~~إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ). # إن الإسلام يرفض الخيانة من الإنسان بأي شكل كانت ، وفي أي موقع وجد ، في ~~الحقوق العامة والخاصة من حياة الفرد والمجتمع ، في قضايا المال والحكم ~~والنفس والعرض والعلاقات ... ويؤكد الإسلام ، في رفضه لكل القيم الشريرة ، ~~على أن يتحرك الرفض في الفكر والشعور والعمل ، فلا يعيش الإنسان فكر ~~الخيانة كطريقة يخطط بها الخطط ، ليتحرك الفكر من هذا الموقع ، ولا يرضى له ~~بأن يتعاطف مع الخائنين بالشعور والكلمة والموقف ، لأن المؤمن لا يجتمع في ~~قلبه حب الأمانة وكره الخيانة مع محبة الخائنين ؛ وعلى هذا ، فلا بد من ~~مواجهة الخونة بالموقف السلبي الحاسم الذي يتمثل فيه موقف المواجهة لهم ، ~~وترك الدفاع عنهم ، ومناصرتهم بأية وسيلة كانت ؛ وفي ضوء ms1678 ذلك ، لا يبيح ~~الإسلام مهنة المحاماة إذا انطلقت في خط الدفاع عن المجرمين. # وقد أكد القرآن هذا الخط في عدة أساليب ، فبدأ بالنهي عن أن يكون المؤمن ~~خصيما ، أي مدافعا عن المؤمنين ، لأن الكتاب يرفض الخيانة ، فلا يجوز ~~للمؤمن أن يدافع عنها بالدفاع عن رموزها ، وإلا كان ذلك انحرافا عن الوقوف ~~عند الحق. واعتبر الخائنين خائنين لأنفسهم ، كما هو خائنون للناس من حولهم ~~، لأنهم أوقعوا أنفسهم في الهلكة بما مارسوا من الأعمال التي تعرضهم لعذاب ~~الله ، فكيف يجادل الإنسان عن هؤلاء؟ وهل يكون ذلك إلا PageV07P448 # نوعا من أنواع مساعدة الإنسان على خيانة نفسه ، بالتمرد على إرادة الله ، ~~في الوقت الذي يريد الله للمؤمن أن يساعد العصاة على أنفسهم بهدايتهم إلى ~~سبيل الله في السير على هدى أمره ونهيه؟ ثم تحدثت عن طبيعة العلاقة بين ~~الله وبينهم وبين الخائنين هؤلاء ، فهم من الأشخاص الذين لا يحبهم الله ، ( ~~@QUR@08 إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما )، فكيف يمكن للإنسان المسلم ~~أن يحب من لا يحبه الله ، مع أن علامة إيمان المؤمن هي أن يحب من يحبه الله ~~، ويبغض من يبغضه الله ؛ بحيث يكون شعوره السلبي والإيجابي تبعا لإيمانه ، ~~في ما يوحيه من مشاعر وعواطف؟! # * * * ### ||| ** الله محيط بعمل الإنسان # 4 ويطوف القرآن بالمسلمين في الآفاق الروحية للإيمان التي قد يبتعدون ~~عنها ، في ما يقتربون من أجواء العصبية الجاهلية ؛ فهؤلاء الذين اجتمعوا ~~ليلا ليتداولوا في أمر الخيانة ليبعدوا التهمة عن السارق ويلصقوها بالبريء ~~، كانوا يحاذرون أن يراهم أحد أو يستمع إليهم ، لأنهم يخشون من الناس على ~~مصالحهم وعلى مكانتهم ، ويخافون من انتقامهم عند انكشاف خطة المؤامرة ، ولم ~~يحسبوا لله حسابا في ذلك كله ، وهو الذي يعلم سرهم وعلانيتهم ، فكيف ~~يستخفون منه؟ أولا يعيشون الشعور بالحاجة إلى ذلك ، فيلح عليهم إلحاحا ~~شديدا في داخل كيانهم ، ليكتشفوا من خلال ذلك أن الإنسان لا يتمكن من أن ~~يستخفي من الله ، مما يدفعه إلى أن لا يفعل ما لا يرضاه ، لأنه مطلع عليه. ~~( @QUR@05 وكان الله بما يعملون محيطا ms1679 ) فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء. وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أن ينفتح عليه في حياته ~~، من الإحساس العميق بحضور الله في نفسه ، بالمستوى الذي يشعر بإحاطته به ~~من كل جانب ، ليمنعه ذلك من المعصية في ما يفعله أو ما يتركه. # * * * PageV07P449 ### ||| ** الآخرة يوم ظهور الحق # 5 ( @QUR@019 ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله ~~عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ). # ما هي فائدة جدالكم عنهم؟ إنكم قد تستطيعون الدفاع عنهم في الدنيا ، ~~فتنقذونهم من عقوباتهم لأنكم تملكون الوسائل المقنعة التي تثبت دعواكم ~~الباطلة بطريقة أو بأخرى ، ولا يملك الحاكم وسيلة العلم بالغيب ليكتشف ~~كذبكم ، ولكن هل ينتهي الأمر عند هذا؟ ألا تؤمنون بالآخرة وعذابها وثوابها ~~، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها؟ فهل تستطيعون أن تجادلوا عنهم هناك؟ حيث ~~لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ، ومن الذي يكون عليهم وكيلا ، ~~ليتولى الدفاع عنهم إمام الله؟ إن على الإنسان المؤمن أن يفكر بقضية الأمن ~~والمصير على مستوى الآخرة لا على مستوى الدنيا ، لأن أمر الدنيا زائل ~~بثوابها وعذابها ، أما أمر الآخرة فإلى خلود في كل أجواء النعيم والجحيم ؛ ~~وهذا هو المفهوم الإسلامي الذي يريد أن يوحي للناس ، أن يتجاوزوا حياتهم ~~إلى الحياة الآخرة ، من خلال ما يخوضون فيه من جدال حول القضايا التي يختلف ~~فيها أمر الحق والباطل ، مما يدفعهم إلى مراقبة الله في ذلك كله ، ليكون هو ~~الأساس في النظرة إلى الأشياء. # * * * ### ||| ** رحمة الله واسعة لكل تواب # 6 ( @QUR@013 ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما ). PageV07P450 # إن الله يفتح باب رحمته ومغفرته لكل خاطئ ، من مواقع الرحمة التي جعلها ~~لعباده في كل زمان ومكان ؛ وفي ذلك إيحاء للإنسان بأن الخطيئة ليست ضريبة ~~لازمة للخاطئ ، بل هي حالة طارئة يمكنه أن يتجاوزها إلى حيث الطاعة ~~والرضوان بالاستغفار الذي يعبر عن الندم والتوبة وإرادة التغيير ، والتصميم ~~على أن يصحح الإنسان نفسه وطريقه ، كوسيلة من وسائل ms1680 السمو بالنفس الإنسانية ~~إلى آفاق الله. # * * * ### ||| ** كل نفس بما كسبت رهينة # 7 ( @QUR@011 ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ). # إن الإنسان يتحمل مسئولية عمله ، في ما يكسبه من آثام وخطايا بكل ما ~~تفرضه من نتائج سلبية على مستوى حياته في الدنيا ، وعلى مستوى مصيره في ~~الآخرة ؛ فإذا كانت القضية تنعكس على شخصيته ، في ما يتصل بأمور الكرامة ~~والشرف ، فإن عشيرته وأولاده وأهل بلده لا يتحملون شيئا من ذلك ، لأن شرف ~~الإنسان يخصه ولا يخص غيره ، من خلال ممارسته. وإذا كانت القضية تنعكس على ~~مصيره في ما يتصل بعذاب الله ، فلا يعذب إنسان لعمل إنسان آخر ، لأن العذاب ~~كان نتيجة كسبه السيئ ، فهو الذي يحمل مسئوليته ؛ وعلى هذا الأساس ينبغي ~~للإنسان أن يواجه مواقفه ليعرف كيف يتحمل مسئوليته أمامها ، وليعي جيدا أن ~~الناس لا يغنون عنه شيئا في قليل أو في كثير ، كما أن أخطاء الآخرين لا ~~تلزمه بشيء ولا تخيفه في شيء ، وعليه أن يراقب الله في كل أموره ، فإنه ~~العليم الحكيم الذي يحيط بكل شيء ويدبر الأمور بحكمته. # * * * PageV07P451 ### ||| ** الإسلام يرفض الظلم والكذب والبهتان # 8 ( @QUR@014 ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا ). # ليس للإنسان المؤمن أن يبرئ نفسه باتهام غيره البريء ، بل عليه أن يتحمل ~~مسئولية عمله بالالتزام بكل النتائج المترتبة عليه ، من دون فرق بين أن ~~يكون هذا البريء الذي يراد إلصاق التهمة به مسلما أو غير مسلم ، لأن القضية ~~قضية المبدأ الذي يفرضه الإيمان كموقف في الحياة ، وهو أنه لا يجوز معاقبة ~~أي إنسان بريء بما لم يفعله ، ولا يجوز اتهامه حتى لو لم تترتب عليه أية ~~نتائج عملية ؛ لأن ذلك كذب وظلم وبهتان ، والإسلام لا يريد لمجتمعه أن يعيش ~~فيه الناس تحت رحمة الاتهامات الكاذبة والعقد النفسية ، والقوى المسيطرة ، ~~بل يريد للفرد ، مهما كان دينه وعقيدته وموقعه الاجتماعي ، أن يشعر بالأمن ~~والطمأنينة تحت ظل العدل الذي يمارسه الحاكم والمحكوم ، في حماية الحق ~~أينما كان موقعه ، وفي ms1681 مواجهة الباطل أينما كان مجاله ؛ وبهذه الروح أراد ~~الله لليهودي البريء أن يعيش في حماية الإسلام ، من دون أن يكون ليهوديته ~~أية صفة سلبية ضده في ميزان الحكم بالعدل ، كما أراد للمسلم السارق أن يأخذ ~~حصته من العقوبة في خط العدل ، من دون أن يكون لإسلامه أية صفة إيجابية في ~~الحكم له بالباطل. إن الإسلام يواجه الواقع في مجالات الحكم على أساس ما هو ~~الحق والباطل ، بعيدا عن أية نظرة إيجابية أو سلبية ، فيمن له الحق أو فيمن ~~عليه الحق. # * * * PageV07P452 ### ||| ** الله تعالى عاصم لنبيه من الضلال # 9 ( @QUR@034 ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ). # هؤلاء الناس الذين يملكون مواقع اجتماعية ، وحصلوا على الثقة لدى الناس ~~في ظاهر أمرهم ، ودخلوا في الإسلام ؛ كانوا يحاولون بمختلف أساليبهم أن ~~يصوروا الأمر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما لو كان حقيقة ، من خلال ~~البينات التي أقاموها والأجواء العاطفية التي أثاروها والضغوط النفسية التي ~~حشدوها ، والتي أرادوا من خلالها أن يقنعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ببراءة السارق الحقيقي وجريمة البريء لينحرفوا بالقضية من خط الهدى إلى خط ~~الضلال ؛ ولكن الله يلهم نبيه في الحالات الصعبة التي تمثل جانبا من ~~الخطورة في حركة الإسلام في الحياة ويعرفه واقع الأمور من خلال الغيب ، ~~ليكشف له وجه الحق ، لأن الاعتماد على الوسائل العادية التي يتبعها القضاء ~~الإسلامي من الإيمان والبينات ، قد تخطئ السبيل إلى النتائج الحقيقية ، في ~~ما يملك الناس أمر التلاعب فيه ؛ وربما كانت بعض المراحل لا تتحمل الخطأ ~~الذي قد تتحمله مراحل أخرى ، مما يستدعي التدخل الغيبي. وهكذا أوحى الله ~~لنبيه بالحق ، فلم يستطع هؤلاء القوم أن ينحرفوا بحكم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن وجه الحق ، ولكنهم هم الذين ضلوا بانحرافهم في ~~شهاداتهم الباطلة ، وفي دفاعهم عن المجرم واتهامهم للبريء ؛ وذلك من فضل ms1682 ~~الله ورحمته على رسوله وعلى الأمة ، كما كان من فضله عليه أن أنزل عليه ~~الكتاب الذي يفصل له حقائق الحياة ، في ما تريد أن تبلغه من النمو والسمو ~~والتقدم والسلام ، وأنزل عليه الحكمة ، في ما يتحرك فيه من مواقف قيادية ~~ونظرات عملية يضع فيها الأمور PageV07P453 # في مواضعها ، وألهمه وعلمه علم ما لم يكن يعلم من كل الأمور التي يحتاج ~~إليها في رسالته من الناحية الفكرية والتطبيقية ، ورفعه أعلى الدرجات ؛ ~~وكان فضل الله عليه عظيما. # وقد نستوحي من هذه الآية أن على الإنسان ، الذي يتحمل أية مسئولية في ~~حياة الناس ، أن ينتبه إلى هذه النماذج القلقة التي تعمل على تضليل القادة ~~وإبعادهم عن خط العدل بمختلف الأساليب والوسائل الضاغطة ، مما يدفعنا إلى ~~التدقيق في طبيعة الطروحات التي يطرحونها والشهادات التي يشهدونها ، ليكتشف ~~الإنسان منها بعض الخفايا الدقيقة من وسائلهم ، لا سيما في المسائل التي ~~تتصل بصورة العدالة الإسلامية ، مما هو مماثل لهذه القضية التي نزلت هذه ~~الآيات فيها ؛ فإن الناس قد يتحمسون كثيرا لاتهام الأشخاص الذين يخالفونهم ~~في العقيدة ، أو في الاتجاهات المتنوعة التي تقسم الناس إلى فرق وشيع ~~وأحزاب ، كما يعملون على تبرئة الأشخاص المرتبطين بهم بأية صلة عاطفية أو ~~فكرية أو غير ذلك ... # ولا بد لنا في الوقت ذاته أن نثق بالله عند ما نسير على الخط المستقيم ، ~~لنعرف أنه سينقذنا من ضررهم ، فلا يأخذنا الرعب والهلع من مكانتهم ~~الاجتماعية ، في مواجهة كل خططهم الشيطانية بما يحفظ للعدل قوته ودوره في ~~حفظ مصالح الناس الحقيقية. # * * * ### ||| ** هل الآية دالة على العصمة بمعناها الفلسفي؟ # جاء في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي أن الآية وهي قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ) تدل على ~~العصمة من حيث إنها توحي بأن الله سبحانه وهب نبيه العصمة ، وهي «سبب شعوري ~~علمي غير مغلوب البتة ، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام PageV07P454 # الشعور والإدراك لتسرب إليها التخلف ، وخبطت في أثرها أحيانا ، فهذا ~~العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة ms1683 التي تقبل الاكتساب ~~والتعلم ، وقد أشار الله تعالى إليه في خطابه الذي خص به نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( @QUR@010 وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ~~وعلمك ما لم تكن تعلم ) وهو خطاب خاص لا نفقهه حقيقة الفقه ، إذ لا ذوق لنا ~~في هذا النحو من العلم والشعور ، غير أن الذي يظهر لنا من سائر كلامه تعالى ~~بعض الظهور كقوله : ( @QUR@09 قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ) ~~[البقرة : 97] وقوله : ( @QUR@012 نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من ~~المنذرين* بلسان عربي مبين ) [الشعراء : 193 195] أن الإنزال المذكور من ~~سنخ العلم ، ويظهر من جهة أخرى أن ذلك من قبيل الوحي والتكليم كما يظهر من ~~قوله : ( @QUR@017 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) [الشورى : 13] وقوله : ( @QUR@010 إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) [النساء : 163] وقوله : ~~( @QUR@06 إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) [الأنعام: 50] وقوله : ( @QUR@05 إنما ~~أتبع ما يوحى إلي ) [الأعراف : 203]» (1). # ونلاحظ أن دراستنا للآيات المماثلة لهذه الآية توحي بأن المراد من العلم ~~الذي لم يكن يعلمه ، هو ما قصه عليه من أخبار الأولين والكتاب والحكمة ، ~~بحيث تكون جملة ( @QUR@05 وعلمك ما لم تكن تعلم ) بمثابة التفسير للجملة ~~الأولى ، للإيحاء بأن ما أنزله الله عليه كان جديدا على وعيه العلمي ، وهذا ~~هو ما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@015 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) [هود : 49] وقوله تعالى : ( @QUR@022 ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) [الشورى : 52] فإن الظاهر من ~~الآيتين أنهما تتحدثان عن أن هذا PageV07P455 # العلم الذي وهبه الله لنبيه مما يتعلق بأنباء الغيب والكتاب والإيمان ، ~~لم يكن مما يعلمه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك ، أما تفسير كلمة ~~( @QUR@03 روحا من أمرنا ) بروح القدس التي تسدده وتعصمه عن المعصية ~~والخطيئة ، فهو غير ظاهر من الآية ، لا سيما ms1684 أن الله جعلها موضوعا لوحيه ، ~~مما يدل على أنها من نوع المعرفة التي يلقيها الله بالوحي على نبيه من أمره ~~الذي هو سره وشأنه. وعلى كل حال ، فإنه لم يأت بدليل على أن هذا العلم الذي ~~علمه الله لنبيه من الأمور التي لا نفقهها ولا ندركها ، باعتبار أنها سر ~~الله ، الذي يختلف عن الكتاب والحكمة إلا من جهة العطف بالواو الذي يدل على ~~التغاير ، ولكنه بقرينة الآيات الأخرى ظاهر في العطف التفسيري لبيان نكتة ~~مهمة ، وهي أن ما أوحى به الله إليه لم يكن معلوما عنده. # أما الاستدلال عليه بأن مورد الآية ، قضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الحوادث الواقعة والدعاوي التي ترفع إليه ، برأيه الخاص ، وليس ذلك من ~~الكتاب والحكمة بشيء ، وإن كان متوقفا عليها ، بل هو رأيه ونظره الخاص ؛ ~~فهو غير دقيق ، لأن رأيه الخاص ليس حالة ذاتية تنطلق من علم غيبي خفي لا ~~يعلمه أحد ، لأنه لا يحكم إلا بالوسائل الشرعية التي وضعها الله بين يديه ~~مع مراعاة الخطوط التشريعية التي تمثل الأحكام المتصلة بالقضايا العامة ~~والخاصة للناس ، وهذا هو ما نستوحيه من الحديث المأثور عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «إنما أقضي بينكم بالبينات والإيمان وبعضكم ~~ألحن بحجته من بعض ، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له به ~~قطعة من النار» (1)، مما يوحي بأن ما ذكره العلامة الطباطبائي حجة على ~~اختلاف مدلول قوله تعالى : ( @QUR@05 وعلمك ما لم تكن تعلم ) عن الكتاب ~~والحكمة ، غير صحيح ، لا سيما وأننا نعرف أن القضايا التي يختلف فيها الناس ~~تتحرك في دلائلها من خلال الواقع PageV07P456 # الخارجي الذي تتناثر فيه وقائع الأمور. # إننا نؤكد عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن دوره الرسالي الذي ~~ينطلق من إرادة الله له تغيير الإنسان على أساس الحق ، لا يمكن أن يتناسب ~~مع بناء شخصية الرسول على غير الحق ، بحيث يمكن أن يعرض لفكره ولعمله. # إن الرسول ليس مجرد مصلح ينطلق من ذاته ليخضع للخطأ والصواب ms1685 ذاتيا ، بل ~~هو الإنسان التغييري على قاعدة روحية الحق كله في الوعي والممارسة. أما ~~الاستدلال عليها بهذه الآية ، فهذا مما لا نفهمه منها ولا دلالة للفظ في ~~الآية عليها ، والله العالم. # * * * PageV07P457 ### ||| * الآية # ( @QUR@026 لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) (114) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نجواهم ): إسرارهم ، والنجوى المسارة في الحديث ، وأصلها أن ~~تخلو به في نجوة من الأرض. قال علي بن عيسى : النجوى هو الإسرار عند أهل ~~اللغة ، وقال الزجاج : النجوى في الكلام ما ينفرد به الجماعة أو الاثنان ~~سرا كان أو ظاهرا. ومعنى نجوت الشيء في اللغة : خلصته وألقيته (1). # * * * ### ||| ** لا خير في كثير من نجواهم ... # لقد كانت حادثة السرقة ، التي تقدم الحديث عنها ، منطلقا للحديث عن PageV07P458 # عدة مبادئ تتصل بخصوصياتها وترتبط بالقضايا العامة للناس ؛ ومن هذه ~~المبادئ موضوع التناجي الذي يمثل الحديث بين شخصين أو أكثر ، والذي يأخذ ~~طابع السرية والتخفي حذرا من اطلاع أحد آخر عليه. وقد جاءت هذه الآية ~~لتتحدث عن الموضوع في مستوى القاعدة ، فأطلقت الحكم في البداية على سبيل ~~العموم : ( @QUR@07 * لا خير في كثير من نجواهم ... )، لأن السرية في ~~الحديث في المجتمع الذي يرتكز على أسس العصبية أو يخضع لبعض أعراف الجاهلية ~~ورواسبها ، قد تلتقي غالبا بالأفكار الشريرة التي يخشى أصحابها من اطلاع ~~الناس عليها ، فيحاولون أن يستفيدوا من أجواء السرية التي تشعرهم بالأمن ~~والطمأنينة في الحديث عن كل ما يريدون من أوضاع التآمر على الإسلام ~~والمسلمين. أما الذين يفكرون بالخير ، فإنهم لا يخافون من تحمل مسئوليته ، ~~ولا يحاذرون من الإعلان عنه أمام الناس ، لأنه يلتقي بالجانب المشرق من ~~حياة الأمة ، وبالأجواء الطاهرة من قضاياها وأمانيها. فليست هناك أية مشكلة ~~طبيعية من هذه الناحية ، إلا في بعض الحالات التي يحتاج فيها الإنسان إلى ~~الإسرار ، حذرا من أعداء الأمة الذين يريدون تعطيل فرص الصلاح والإصلاح للناس. # وهذا هو ما استثناه القرآن في قوله تعالى : ( @QUR@010 إلا من أمر بصدقة ~~أو معروف ms1686 أو إصلاح بين الناس ... ). ففي موضوع الصدقة التي تمثل جانب ~~العطاء المادي للفئات الكريمة المحرومة التي قد تجد حرجا كبيرا في الإعلان ~~عن حاجتها من خلال إظهار التصدق عليها أمام الناس ، أو التداول في الدعوة ~~إلى إعانتها بين الأغنياء ، قد تمس الحاجة إلى الإسرار بها والتناجي في ~~شأنها حفظا لكرامة الفقراء. أما المعروف ، فهو العنوان الكبير لكل أعمال ~~الخير التي يحبها الله للناس ، في ما أمر به ورغب فيه ودعا إليه ، مما يفيد ~~الفرد والمجتمع في ما يدخل في الممارسات الشخصية في شؤون الفرد الخاصة ، ~~وفي ما يندرج في الأعمال الاجتماعية التي تتحرك في نطاق العلاقات PageV07P459 # الإنسانية ، أو الأعمال السياسية التي تبني للناس حكم العدل وتهدم حكم ~~الظلم وتطور حياتهم نحو الأفضل ... فقد يكون التناجي بالقضايا المتصلة به ~~والإسرار بخصوصياته وتفاصيله ، مما تدعو إليه الحاجة ، حفاظا على سلامة ~~العمل ونجاح الخطة ، وذلك إذا كان التنفيذ خاضعا لخطة معينة ، فإن أعداء ~~المعروف لا سيما ما يتصل بالجانب السياسي منه قد يعطلون الخطة التنفيذية ~~إذا اطلعوا على أسرارها وأوضاعها. أما الإصلاح بين الناس ، فهو المبدأ الذي ~~جعله الإسلام في مقدمة النشاطات المهمة التي أرادها الله من المسلمين ، حتى ~~جاء الحديث الشريف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم «صلاح ذات البين أفضل ~~من عامة الصلاة والصيام ...» (1) فقد تمس الحاجة إلى التحرك نحوه في نطاق ~~المفاوضات السرية المعقدة والمشاورات الخاصة الخفية ، من أجل أن تتجمع كل ~~خيوط الخطة في يد القائمين بالإصلاح ، حذرا من أن يمسكها أو يمسك بعضها ~~الأشخاص الذين يكرهون ذلك ، بسبب عقدة ذاتية أو بسبب أطماع خاصة أو عامة ... # ثم تنطلق الآية في لفتة روحية تدفع الإنسان إلى أن يمارس هذه الأمور ~~الثلاثة ، طلبا لما عند الله ورغبة في الحصول على رضاه ، لئلا يكون جهده ~~ضائعا إذا سار فيها تبعا لنوازعه الذاتية ، فإن الله يعطي العاملين من أجله ~~أجرا عظيما ... ( @QUR@010 ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما ) أما الذين لا يعملون له ، فليس لهم على الله ms1687 شيء. # * * * PageV07P460 ### ||| * الآية # ( @QUR@020 ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) (115) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يشاقق ): كناية عن المخالفة مع العداوة ، وشق العصا ، أي فارق ~~الجماعة ، والشق : النصف ، وأصله من الشق وهو القطع طولا ، وسميت العداوة ~~مشاقة ، لأن أحد المتعاديين يصير في شق غير شق الآخر من أجل العداوة التي ~~بينهما ومنه الاشتقاق ، فإنه قطع الفرع عن الأصل. # ( @QUR@01 نوله ): من الولي ، وهو القرب ، يقال : ولي الشيء إذا قرب منه ~~، وكل ما يليك أي ما يقاربك ، والولي المطر الذي يلي الوسمي وهو أول مطر ~~الربيع . # ( @QUR@01 ونصله ): الصلاء لزوم النار. # * * * ### ||| ** من يشاقق الرسول ... نصله جهنم # إن الآية تتحدث عن هؤلاء الذين يثيرون الشقاق والنزاع مع الرسول أو PageV07P461 # مع الرسالة ، بعد أن قامت عليهم الحجة من الله ووضح لهم الحق ، ولم يعد ~~لهم عذر في أية شبهة أو شك أو رأي مضاد ، فإن المفروض فيهم أن ينسجموا مع ~~الدلائل التي يقدمها لهم الرسول ، وينطلقوا في خط الإيمان على النهج الذي ~~يسير فيه المؤمنون في حياتهم العملية ككل إنسان يواجه الحق في مواقع الوضوح ~~؛ فإذا انحرفوا عن ذلك ، تركهم الله لما يتولونه من نهج أو طريق ، وعذبهم ~~في نار جهنم التي تمثل سوء المصير. # وقد ينبغي لنا أن نلاحظ هذه اللفتة القرآنية المعبرة ؛ وهي أن الله لم ~~يواجه الإنسان بالعقوبة والإبعاد ، من خلال إنكاره للحق أو مخالفته للرسول ~~؛ بل واجهه بذلك على أساس وضوح الأمر لديه وقيام الحجة عليه ، بالمستوى ~~الذي لا يملك معه عذرا مقبولا في الإنكار والانحراف عنه ، مما يوحي بأن ~~لديه عقدة مرضية تتحرك في خط العناد وإثارة الفتن والمشاكل ؛ وبذلك تكون ~~العقوبة على ما يحمله الإنسان من روح التمرد على الله ، لا على مجرد ما ~~يحمله من رأي مخالف. # * * * ### ||| ** من إيحاءات الآية # وربما يستوحي البعض من هذه الآية عدة أمور. # الأمر الأول : قوله تعالى : ( @QUR@03 نوله ما تولى )، فقد يستدل بها ~~على أن الله يحمل الإنسان مسئولية اختياره ، مما يوحي بأن الإنسان ms1688 مختار في ~~فعله وليس مجبرا. # الأمر الثاني : قوله تعالى ( @QUR@06 من بعد ما تبين له الهدى ). فقد ~~يستوحى منها أن المسؤولية تنطلق من وضوح الحق للإنسان المنحرف عن الخط ~~عمليا بعد أن قامت الحجة عليه في ذلك ، وعلى ضوء ذلك ، فإن الإنسان الذي ~~حاول معرفة الحق بجهده وسعى إلى ذلك بالوسائل المتعارفة ولم يصل إلى ~~المعرفة PageV07P462 # بل بقي في حالة شك وارتياب ، لا مسئولية عليه لأن الحجة لم تقم عليه مع ~~عدم كونه في طريق التمرد. ومن خلال ذلك يمكن لنا أن نفهم أن الإنسان الذي ~~اجتهد في سبيل الوصول إلى الحق ، وأخطأ النتيجة مع المزيد من البحث الذي لم ~~يبق له معه أي أمل في الحصول على دليل آخر غير ما لديه ، فهو معذور (1). # الأمر الثالث : ذكر الرازي في تفسيره ، أن الشافعي سئل عن آية في القرآن ~~في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة ، ~~حتى وجد هذه الآية : ( @QUR@04 ويتبع غير سبيل المؤمنين ) وتقرير الاستدلال ~~أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا ~~(2)، ومن الطبيعي أن المؤمنين إذا أجمعوا على شيء ، كان ذلك مصداقا لما ~~يستفاد من الآية من ضرورة اتباع سبيل المؤمنين. # ولكن هذا الدليل غير تام ، لأن الآية تتحدث عن الذين يتبعون غير سبيل ~~المؤمنين في الإخلاص لله ولرسوله واتباع أوامره ونواهيه ، مما يكون مصداقا ~~لمشاقة الرسول التي تتطابق مع التمرد عليه الذي يلتقي مع واقع المشركين ~~والمنافقين ، وأين هذا من مسألة الإجماع الذي يمثل اتفاق المؤمنين على خط ~~عملي لم تقم عليه حجة ولم يثبت أنه صادر عن الرسول كما هو الفرض ، لأنه لا ~~طريق له غير الإجماع ، فهي تتحدث عن الواقع الذي كان يعيشه الوضع الإسلامي ~~مع القوى المضادة. وقد جاء عن الشيخ محمد عبده نقلا عن تفسير الكاشف : أن ~~الإجماع الذي يعنونه هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها ، والآية ~~نزلت في عصره ، لا بعد عصره (3). PageV07P463 ### ||| * الآية # ( @QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ms1689 ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) (116) ### ||| ** إن الله لا يغفر أن يشرك به # إن قضية التوحيد والشرك ليست قضية فقرة من فقرات العقيدة التي تتحرك في ~~نطاق محدود ، بل هي قضية منهج للحياة ، ينطلق من القاعدة التي تربط الحياة ~~بالله بكل أفكارها وقضاياها ومواقفها ، أو ينطلق من النقطة التي تربطها ~~بغير الله بكل مجالاتها الخاصة والعامة ... وبذلك يكون الشرك انحرافا عن خط ~~الله من حيث الأساس ، لأن التفاتك لغير الله ، في ما تعتبره شريكا لله ، ~~يعني استغراقك في عبادتك له ، مما يجعل العبادة لله شيئا لا معنى له في عمق ~~النفس الإنسانية ، كما نلاحظه في الكثيرين ممن يعبدون الأصنام والأشخاص ~~والكواكب والشمس والقمر وغيرها ... فإننا نجد أنهم يستغرقون فيها بحيث ~~يبتعدون عن الله ، حتى لو هتفوا باسمه ، لأن الهتاف يتحول إلى لفظ بلا معنى ~~؛ وفي ضوء ذلك لا يبقى لأعمال الإنسان أي أساس يربطها بالله ، بل تصبح ~~الحياة كلها في قبضة غير الله. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن التوحيد ~~يعتبر من وجهة النظر العقلية ، من خلال ما يوحي به القرآن ، معبرا عن ~~الحقيقة الواضحة التي لا شك فيها ولا ارتياب ، PageV07P464 # وذلك في ما يحسه الإنسان بشعوره وتفكيره ؛ وبذلك يكون إنكاره إنكارا بعد ~~تبين الحق ووضوحه ، فلا يستحق رحمة الله ومغفرته ، لأنه ابتعد عنه بالطريقة ~~التي لا مجال لأن يلتقي فيها معه من قريب أو من بعيد. أما الأشياء الأخرى ~~التي قد تتعلق ببعض تفاصيل العقيدة أو ببعض مظاهر العمل أو طبيعته ، فيمكن ~~أن تنالها المغفرة ، لأن الإنسان يتعلق بالله بركن وثيق ، لتبقى كل الأشياء ~~قضايا قابلة للمسامحة في ما يشاء الله ذلك على أساس حكمته ورحمته ، فهي لا ~~تمثل الخطأ المميت الذي يفقد فيه الإنسان روح العلاقة بالله الذي يبتعد به ~~مسافة بعيدة لا مجال فيها للهدى ، لأن أساس العلاقة بالله لا يزال قويا في ~~حركة التوحيد في الفكر والروح والشعور. # وهنا ملاحظة حول التكرار في القرآن ، فقد وردت هذه الآية ms1690 في هذه السورة ~~آية (48)، فلما ذا تكرر ذكرها؟ والجواب أن هناك نقطتين : الأولى : أن ~~القرآن كتاب توعية وتثقيف وتوجيه وموعظة وإصلاح ، ولذلك كان من الطبيعي أن ~~يكرر الفكرة الحيوية التي تتصل بأكثر من جانب من جوانب الاستقامة في الخط ~~الفكري والعملي للإنسان ، لا سيما إذا كانت في مستوى مسألة الشرك التي تضاد ~~مسألة التوحيد في العمق والامتداد ، وقد جاء الإسلام لإسقاط وثنية الشرك في ~~روح الإنسان ووجدانه وحركة حياته ، لتأكيد التوحيد في الفكر والواقع ، وذلك ~~لما يمثله الشرك من خطورة على مصلحة الإنسان العليا في العمق ، وهذا هو ~~الذي أراد الله تأكيده للمقارنة بين الشرك كجريمة عقيدية وعملية وبين ~~الذنوب الأخرى التي قد تختلف في حجمها من حيث الكبائر والصغائر ، وأن الله ~~لا يغفر الشرك لمن مات مشركا ، لأنه لا يرتكز على أي أساس وجداني أو علمي ، ~~في حين ينطلق التوحيد من الفطرة الإنسانية في العقل والروح ، بينما يغفر ~~لمن يشاء أي ذنب آخر ، لأنه يتصل بانحراف الغريزة تحت تأثير العوامل ~~والعناصر الخارجية المؤثرة في الإنسان بطريقة شعورية أو لا شعورية. PageV07P465 # النقطة الثانية : أن ذيل الآية الأولى يختلف في مدلوله عن ذلك هذه الآية ~~فقد جاء في الأولى قوله تعالى : ( @QUR@020 إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) [النساء ~~: 48] ، مما يوحي بأنها تعالج المسألة من حيث إن الشرك يمثل افتراء عظيما ~~على الله وعلى الحقيقة ، مما يتصل بعلاقة هذه القضية بالله في نطاق المعرفة ~~، أما هذه الآية ، فقد جاء في ذيلها قوله تعالى : ( @QUR@07 ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا ) مما يدل على اتصالها بالجانب الإنساني الذي يجعل ~~المشرك إنسانا ضائعا في متاهات الضلال بالمستوى الذي يعرض الإنسان للخطر ~~الذي يمثله سلوكه في الخط الضائع. وربما كان الحديث عن الشرك من حيث المبدأ ~~كمقدمة للحديث عن التفاصيل في الآية التالية. والله العالم. # * * * PageV07P466 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) ~~@QUR@08 لعنه الله وقال لأتخذن ms1691 من عبادك نصيبا مفروضا (118) @QUR@021 ~~ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) ~~@QUR@07 يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) @QUR@07 أولئك ~~مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) @QUR@021 والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله ~~حقا ومن أصدق من الله قيلا ) (122) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مريدا ): ماردا شديدا في كفره وعصيانه ، متماديا في شره ، ~~عاريا عن الخيرات ، من قولهم : شجر أمرد ، إذا تعرى من تعرى من الورق ، ~~والأمرد : المتجرد عن الشعر. والمريد والمارد والمتمرد بمعنى ، وهو العاتي ~~والخارج PageV07P467 # عن الطاعة والمتملص منها. # ( @QUR@01 لعنه ): أصل اللعن البعد ، ومنه قيل للطريد : اللعين. # ( @QUR@01 مفروضا ): أصل الفرض القطع ، والفرضة الثلمة تكون في النهر ، ~~والفرض : الحز الذي في السواك وغيره يشد فيه الخيط ، والفرض في القوس الحز ~~الذي يكون فيه الوتر ، والفريضة ما أمر الله به العباد. # ( @QUR@01 فليبتكن ): ليقطعن أو ليشققن ، قال صاحب المجمع : التبتيك : ~~التشقيق. والبتك : القطع (1). وقد كان المشركون يجدعون آذان الأنعام. # * * * # ( @QUR@01 محيصا ): معدلا ومخلصا ومهربا. ### ||| ** الشيطان يعدد بعض أضاليله # كيف يتصور المشركون شركهم ، ( @QUR@06 إن يدعون من دونه إلا إناثا ) ربما ~~كان ذلك في تصورهم للملائكة أنها بنات الله ، أو في تصورهم للأصنام عند ما ~~يطلقون عليها اسم الإناث ؛ وربما قيل إن في إطلاق اسم الإناث على ما يشركون ~~به خصوصية ، وهو الدور المنفعل للأنثى في قبال الذكر ، فكيف يمكن أن يكون ~~إلها من يكون كذلك؟ في الوقت الذي ينبغي أن يكون للإله دور الفعل ، كونه من ~~صفات الألوهية من العلم والقدرة والخلق ونحوها ... ويتابع القرآن هذا ~~التصور المنحرف ( @QUR@05 وإن يدعون إلا شيطانا مريدا )، فهم يتبعون ~~الشيطان في تفكيرهم وتصورهم ، ويعبدونه من دون الله من خلال استسلامهم ~~وطاعتهم له ... ( @QUR@02 لعنه الله )، فقد أبعده عن ساحة رحمته PageV07P468 # عند ما ارتدى رداء الكبرياء بين يدي الله ، ( @QUR@06 وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا ). فلما أمهله الله إلى يوم القيامة ، ورأى نفسه ~~مرذولا مهانا أمام تكريم الله لهذا المخلوق الجديد ms1692 آدم ، أعلن الحرب عليه ، ~~وقال : لآخذن من ذريته حصة مفروضة لي ، أقتطعها لنفسي ، فأمارس معهم كل ~~الأساليب التي تبعدهم عن الله وتنحرف بهم عن الطريق السوي ؛ ( @QUR@01 ~~ولأضلنهم ) وأقودهم إلى الضياع حيث لا يجدون أمامهم العلامات الهادية إلى ~~مقاصدهم التي تفتح لهم أبواب الهدى ؛ ( @QUR@01 ولأمنينهم ) فأغرق كل ~~تصوراتهم بالأحلام الخيالية والأماني المعسولة التي يعيش الإنسان معها في ~~أجواء مسحورة بعيدة عن الحقيقة ، مما يؤدي إلى تخبطه وإمعانه في ضلال التيه ~~، ويظل يركض وراء الأوهام فيبتعد رويدا رويدا عن نداء الحقيقة الإلهية ~~المشرقة ؛ ( @QUR@04 ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام )، وذلك بأن يشقوا ~~آذانها فتحرم بذلك في زعمهم عليهم وتكون للأصنام ؛ كما كان سائدا في الحياة ~~العربية الجاهلية. وقد أراد الله أن يبين أنه من تسويلات الشيطان ، لأن ~~التحريم والتحليل بيد الله ، فلا حرمة لما لم يحرمه الله ، فكيف يحكمون ~~بحرمتها؟ ( @QUR@04 ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ... ) فسر ذلك بالتغيير ~~الجسدي ، واعتبر حلق اللحية أحد مصاديقه ، وجعلت هذه الآية دليلا لحرمته ~~وقيل : إن من مصاديقه الخصاء الذي كان يستعمل للعبيد حتى يدخلوا على النساء ~~من دون حرج ؛ وفسره البعض بأنه التغيير المعنوي ، وهو تغيير الفطرة التي ~~فطر الله الناس عليها وهي التوحيد ، انطلاقا من قوله تعالى : ( @QUR@022 ~~فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [الروم : 30] ، وذلك بإبعادهم ~~عنها في ما يعتقدون وما يعملون وما يتصفون به من أخلاق ... # وقد جاء في تفسير العياشي بإسناده عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : أمر الله بما أمر به ، وعن الإمام أبي جعفر محمد PageV07P469 # الباقر عليه السلام قال : دين الله (1). # ويناقش المنكرون لتخصيصها بالتغيير الجسدي ، أن الآية لم تتحدث عن تغيير ~~جسم الإنسان ، بل تحدثت عن تغيير خلق الله ، فإذا أريد منه المعنى المادي ، ~~فيلزم حرمة تغيير كل ما خلقه الله من النبات والحيوان والجماد والإنسان ، ~~وهو أمر مقطوع البطلان ، لجواز التغيير في أكثر ذلك ، فإذا التزمنا ~~بالتخصيص ، لزم تخصيص الأكثر. وعلى ضوء هذا ms1693 ، فلا مانع من تحويل الإنسان من ~~جنس إلى آخر ، كتغيير الذكر إلى أنثى والعكس ، لأنه باق على أصل الإباحة ~~وتفصيل ذلك في كتب الفقه. # ( @QUR@011 ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا )، ~~لأنه ليسصادقا في وعوده ومودته للإنسان ، فكيف يأمن له ويستريح إلى كلماته؟ ~~( @QUR@02 يعدهم ويمنيهم ) ولكنه يخلف في وعوده ، ويكذبهم في أمانيهم عند ~~ما يخيل إليهم بأن الدنيا هي الفرصة الوحيدة للإنسان التي يعيش فيها مع ~~شهواته ولذائذه ، أو يوحي إليهم بأنه سينقذهم ويحميهم من كل الأخطار التي ~~تواجهه عند الله. ( @QUR@05 وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) وخداعا ؛ فإذا ~~استسلم الإنسان إليه ووقف أمام المصير المحتوم الذي يواجه فيه عذاب الله ، ~~تبرأ منه وتهرب من كل مسئولية تجاهه ؛ كما حدثنا الله عن ذلك في قوله تعالى ~~: ( @QUR@017 كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك ~~إني أخاف الله رب العالمين ) [الحشر : 16]. # ( @QUR@07 أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا )، لأن ذلك هو المصير ~~المحتوم الذي يواجهه كل إنسان يبتعد عن الله ويستسلم للشيطان بعد أن حذره ~~الله منه وأقام عليه الحجة في ذلك كله ، ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات )؛ فتحركوا في الحياة على أساس الإيمان ، ولم يكتفوا PageV07P470 # بالتصورات الإيمانية بعيدا عن خط العمل ، خلافا للذين يتصورون أن الإيمان ~~بالقلب وأنه لا ضرورة للعمل ؛ فإن ذلك يعني عدم صدق الإيمان. ولهذا عبر ~~القرآن في أكثر من آية عن الانحراف بأنه كفر ، للدلالة على أن قيمة الإيمان ~~تتحدد بمقدار ما تتحرك في خط العمل ؛ ( @QUR@012 سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ) وذلك هو الوعد الذي يجب على ~~الإنسان أن يتحمس له وينطلق معه ، لأنه الحق الذي لا مرية فيه ( @QUR@05 ~~ومن أصدق من الله قيلا )، وهذا ما عبر عنه القرآن في آية أخرى ، وهو يتحدث ~~لنا عن الحوار بين الناس والشيطان يوم القيامة. ( @QUR@044 وقال الشيطان ~~لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم ms1694 فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا ~~بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم ) [إبراهيم : 22]. # * * * PageV07P471 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) @QUR@016 ومن يعمل من الصالحات من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) @QUR@017 ~~ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا ) (125) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بأمانيكم ): الأماني جمع أمنية ، وهي تقدير الأمن في النفس ~~على جهة الاستمتاع به. # ( @QUR@01 نقيرا ): النكتة في ظهر النواة كأن ذلك نقر فيه. # ( @QUR@01 خليلا ): محبا لا خلل في مودته لكمال خلته. قال صاحب المجمع : ~~الخليل مشتق من الخلة بضم الخاء التي هي المحبة ، أو من الخلة بفتح الخاء ~~التي هي الحاجة ، وإنما استعمل بمعنى الصداقة ، لأن كل واحد من المتصادقين ~~يسد خلل صاحبه ، وقيل : لأن كل واحد منهما PageV07P472 # يطلع صاحبه على أسراره ، فكأنه في خلل قلبه ، وإنما استعمل في الحاجة ~~للاختلال الذي يلحق الفقير في ما يحتاج إليه (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال : جلس أهل الكتاب ، أهل التوراة وأهل ~~الإنجيل وأهل الأديان ، كل صنف يقول لصاحبه : نحن خير منكم ، فنزلت هذه ~~الآية. وقال مسروق وقتادة : احتج المسلمون وأهل الكتاب ، فقال أهل الكتاب ~~نحن أهدى منكم ، نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله ~~منكم ، وقال المسلمون : نحن أهدى منكم وأولى بالله ، نبينا خاتم الأنبياء ~~وكتابنا يقضي على الكتب التي قبله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ثم أفلج ~~الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان بقوله تعالى : ( @QUR@010 ~~ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) وبقوله تعالى : ( @QUR@07 ~~ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ) الآيتين (2). # والظاهر أن هذا الكلام المذكور في الروايتين يمثل اجتهادا لأصحابه من ~~خلال استيحاء الآية في مناسبتها لهذا الجدل الدائر بين هؤلاء من أهل ~~الأديان ، لأن الظاهر أن مساق الآية ms1695 هو مساق التأكيد على أن الانتماء ~~الديني لا يحمي أصحابه من التعرض لعذاب الله على السوء الذي يعملونه ، لأن ~~قضية الدين عقيدة وعمل ، فمن يعمل سوءا يجز به ، وليست المسألة مسألة ~~التفاضل بين الأديان. PageV07P473 # كما جاء في «تفسير البيان» للطبري روايات كثيرة في سبب نزول هذه الآيات. ~~منها رواية مرفوعة إلى السدي قال : التقى ناس من اليهود والنصارى ، فقالت ~~اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ~~ونبينا قبل نبيكم ، ونحن على دين إبراهيم ، ولن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ، ونبينا ~~بعد نبيكم ، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم ، فنحن خير منكم ، نحن على ~~دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فرد ~~الله عليهم قولهم فقال : ( @QUR@011 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به ) ثم فضل الله المؤمنين عليهم ، فقال : ( @QUR@013 ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) (1). # * * * ### ||| ** معنى الانتماء في الإسلام # في هذه الآيات تخطيط للتصور الإسلامي في معنى الانتماء إلى الدين ، فليس ~~معناه أن ينتسب الإنسان إليه ليمثل ذلك امتيازا ذاتيا يكتفي به في عملية ~~الالتزام ، ليباح له بعد ذلك كل شيء ، بل إن معناه ، هو الالتزام العملي ، ~~باعتباره خطأ يسير عليه في الجانب الفكري والعملي من حياته ، مما يوحي لكل ~~أتباع الأديان أن لا يستسلموا للأماني الذاتية بأن انتسابهم إليه يحقق لهم ~~النتائج الجيدة على مستوى النعيم والفوز بالجنة في الآخرة ، بعيدا عن العمل ~~في هذا الاتجاه ، فالله يريد للحياة أن تتحرك في الخطوط التي PageV07P474 # خططها في رسالاته ، ويريد للإنسان أن يكون خليفته في الأرض من خلال ما ~~يقوم به من بناء الحياة في نفسه وفي نفوس الآخرين وفي كل ما يتعلق ~~بمسؤوليته الفردية والاجتماعية ؛ فإذا لم يتحقق ذلك ، كان هذا دليلا على ~~فقدانه للصدق في الإيمان ، وبالتالي على خسرانه لكل نتائجه الإيجابية على ~~مستوى المصير. ويتفرع عن ذلك ، أن الإنسان ms1696 المؤمن لا يخضع في تقييمه ~~للعلاقات الإيمانية لمجرد الانتماء إلى الدين ، بل يحاول أن يرتكز على ~~العمل كأساس للتقييم ، لأن المبدأ الذي تتحدث عنه الآية ليس مجرد مبدأ يتصل ~~بتعامل الله مع الإنسان ، بل يتصل بالصفة الحقيقية للانتماء ؛ وفي ضوء ذلك ~~يمكن أن تكون الآية واردة في الإشارة إلى قصة المسلم الذي سرق وأراد قومه ~~تبرئته وإلصاق التهمة باليهودي ، على أساس أن انتماءه للإسلام يبرر ذلك ؛ ~~فجاءت الآيات هنا لتقول لهم : إن قيمة الانتماء إلى الإسلام تتحدد بمقدار ~~الإخلاص العملي له ، وذلك بالالتزام بالأمانة ، وعدم الدفاع عن الخائنين ، ~~وعدم اتهام الناس بدون حق ، أيا كان دينهم وعقيدتهم ... # وقد نستوحي من ذلك رفض الأساليب التي تستعملها الطوائف الدينية في ~~المجتمعات ذات التعدد الطائفي ، أو التيارات السياسية في المجتمعات التي ~~تتعدد فيها الأحزاب ، وذلك بحماية المجرمين والخونة الذين ينتسبون إليها ~~بمواجهة المظلومين والأبرياء ، على أساس أن الانتماء يجعل لهؤلاء قيمة ~~دينية وسياسية وذاتية تمنع من الاقتصاص منهم ودفع عدوانهم عن الآخرين. وقد ~~ترك هذا التصرف آثارا سلبية على طبيعة سلامة هذه المجتمعات ، عند ما انطلق ~~المجرمون والخونة يعيشون في داخلها فسادا تحت حماية النفوذ الطائفي ~~والسياسي ، في الوقت الذي تحول فيه هؤلاء إلى عناصر تمارس السيطرة على ~~مسيرة الناس الذين يعيشون معهم من دون أن يملكوا أمر مواجهتهم ، لأن ذلك ~~يكلف الناس مواجهة الطائفة أو الحزب ، مما لا قوة عندهم لتحمله ؛ وهذا هو ~~المبدأ الجاهلي الذي كان يقول «انصر PageV07P475 # أخاك ظالما أو مظلوما». # ( @QUR@02 ليس بأمانيكم ) في ما توحون به إلى أنفسكم بأن انتسابكم إلى ~~الإسلام يمنحكم الأمن عند الله من دون عمل ( @QUR@04 ولا أماني أهل الكتاب ~~) الذين يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فلهم الحرية في أن يفعلوا ما ~~يشاءون من دون خوف من عذاب الله ، لأن الله لا يعذب أحباءه. ( @QUR@05 من ~~يعمل سوءا يجز به ) مسلما كان أو كتابيا أو ملحدا ، لأن عمل السوء يوحي ~~بالروح المتمردة على الله ، الرافضة للانسجام مع طبيعة المسؤولية ؛ وهذا ما ~~يتنافى مع إخلاص الإنسان لله ، ومع ms1697 مصلحة الحياة في ما يريده الله لها من ~~انسجام مع خط الرسالات الإلهية. ( @QUR@09 ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا )، لأن الولاية لله على الحياة كلها ، فكل الخلائق خاضعة لولايته ~~باختيارها أو بحاجتها إليه في طبيعة تكوينها ، ولأن القوة لله في كل ~~وسائلها ومظاهرها وآفاقها ، فلا قوة لغيره بعيدا عن قوته ( @QUR@04 هنالك ~~الولاية لله الحق ) [الكهف : 44] ، ( @QUR@08 أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب ) [البقرة : 165] ، فمن يكون الولي والنصير من دون الله؟ إن ~~الذي يفكر بذلك يغرق حياته في بحر من الأوهام. # ( @QUR@08 ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى )، فإن العمل الصالح ~~يحقق نتائجه من أي شخص صدر ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، لأن الفوارق بين ~~الرجل والمرأة قد تجعل لكل واحد منهما دورا مميزا على الآخر في طريقة تنظيم ~~العلاقة الزوجية ، أو في بعض القضايا المتصلة بالجانب الوظيفي من حياة ~~المجتمع ؛ أما في الجانب الإنساني الذي يتمثل بالعمل الصادر من الإنسان من ~~حيث هو طاقة معينة ، فإن القيمة هي للعمل ، بقطع النظر عن شخصية العامل من ~~حيث الصفات التي لا علاقة لها بكمية العمل ونوعيته ... وبهذا كان تفضيل ~~الرجل على المرأة في نطاق العلاقات العامة والخاصة على أساس مستوى معين لا ~~يدخل في حسابات الآخرة عند الله ؛ فقد يكون الرجل أفضل من المرأة وأرفع ~~درجة عند الله ، لكن لا من حيث PageV07P476 # ذكوريته بل من خلال عمله ؛ وقد تكون المرأة أفضل من الرجل للسبب نفسه. ( ~~@QUR@02 وهو مؤمن )، لأن غير المؤمن لا يستحق على الله شيئا جزاء عمله. # * * * ### ||| ** مصير من يعمل عملا نافعا وما هو بمؤمن # وقد يخطر بالبال سؤال وهو : إن كثيرا من الناس يقومون بأعمال عظيمة في ~~خدمة البشرية ، من خلال ما اكتشفوا من اكتشفوا من اكتشافات وما حققوا من ~~مشاريع ، وما هدموا من قوى الظلم والطغيان ، ولكنهم غير مؤمنين ؛ فهل تذهب ~~أعمالهم هباء؟ وهل يكون عمل المؤمن البسيط جدا في حجمه أو في نتيجته مستحقا ~~للثواب ، بينما هذه الأعمال الكبيرة التي ترفع مستوى الناس جميعا ms1698 ، في ما ~~يتعلق بخدماتهم أو تطورهم ، لا تستحق شيئا؟ وهل يخضع مثل هذا لمقياس ~~التوازن والعدل في المقارنة بين الأشياء؟ # وقد يجاب عن ذلك بأن هناك نقطة مهمة يجب أن نركز عليها ، وهي أن للعمل ~~نظرتين أو حيثيتين في مجال عملية التقييم ؛ فهناك النظرة إلى العمل من حيث ~~طبيعته ، في حجمه وفي نوعيته وفي تأثيره في حياة الناس ، بعيدا عن شخصية ~~صاحبه ؛ وذلك من خلال كونه حقيقة موضوعية مجردة. وهناك النظرة إليه من حيث ~~انتسابه إلى الإنسان وعلاقته بتقييم الشخصية ، في دوافعه وروحيته والجو ~~المهيمن عليه ... فإذا نظرنا إليه من الحيثية الأولى ، كانت القضية قضية ~~الموازنة بين العملين في الكم والكيف والنتائج ؛ وبذلك يكون العمل المتمثل ~~في بناء مدرسة أعظم من العمل في بناء بيت شخصي لإنسان فقير ، والتصدق بألف ~~ليرة أكبر من التصدق بمائة ... # أما إذا نظرنا إليه من الحيثية الثانية ، فإن التقييم قد ينعكس إذا كانت ~~الدوافع في بناء المدرسة مربوطة بهدف شخصي أو مزاجي ، بينما كانت PageV07P477 # الدوافع لبناء البيت روحية إنسانية ، فإن العمل الصغير حينئذ يعبر عن ~~شخصية كبيرة ، تنطلق في حركتها من الأهداف الكبيرة السامية ؛ أما العمل ~~الكبير ، فإنه ينطلق من شخصية صغيرة ترتبط بالأشياء الصغيرة الحقيرة في ~~الحياة ، لأن العمل الذي يرتبط بالإنسان ، يأخذ شيئا من داخله ، ويكتسب صفة ~~إنسانية في مضمونة ؛ وبذلك تتحدد قيمته بمقدار ما يحمل من معنى الإنسانية ~~في طبيعته ، في مضمونها الروحي والأخلاقي ... وفي ضوء ذلك ، يمكننا أن نقرر ~~نظرة الإسلام إلى العمل كقيمة إنسانية روحية ، لأن اهتمام الإسلام في ~~تشريعه يتركز على الاهتمام ببناء الإنسان في روحيته وتفكيره وإنسانيته من ~~حيث ارتباطها بالله ؛ ولذلك اختلف الثواب على العمل حسب اختلاف المعنى الذي ~~يكشف عنه ؛ فهناك فرق بين العمل الصادر عن رياء والعمل الصادر عن غير ~~الواعي من موقع مستواه ، وهناك فرق بين العمل الصادر من أجل القرب إلى الله ~~، وذاك الصادر للقرب من إنسان. وهكذا تتصل القيمة بالمضمون ، ولا تتصل ~~بالشكل. # وعلى هذا الأساس ، فقد يكون العمل الصادر عن هؤلاء ms1699 الناس غير المؤمنين ~~كبيرا من حيث الحجم والنوعية والنتائج كحقيقة موضوعية ، ولكنه لا يحسب في ~~هذا المستوى في نظرة الإسلام ، إذا كانت الدوافع مزاجية أو مصلحية أو بعيدة ~~عن الله في الجوانب الأخرى ، فلا يستحق عليه ثوابا ، لأنه لا يحمل أي معنى ~~روحي أو إنساني كبير ، عند ما يبتعد عن قاعدة الإيمان التي تحرك العمل في ~~اتجاه المعاني الروحية الكبيرة التي ترتبط بالله. وقد ذكر بعض الباحثين من ~~الفقهاء ، أن الله قد يثيب الإنسان على العمل الخير في ذاته ، إذا قام به ~~الإنسان بدافع حبه للخير ، وإن لم يقصد القربة إلى الله فيه ؛ ولكننا نعلق ~~على ذلك ، بأن الإيمان هو الذي يجعل الخير حالة ذاتية للإنسان ، من خلال ما ~~يختزنه الإنسان ولو بطريقة لا شعروية من مشاعر الإيمان وإيحاءاته ، مما ~~يجعل نية القربة إلى الله مخزونة في وعي الإنسان PageV07P478 # المؤمن بطريقة ارتكازية لا شعورية ؛ ولكن لا بد من الإيمان ، فمن دونه لا ~~مجال للثواب كحق للعبد على ربه ، لكن قد يتفضل الله على بعض عباده العاملين ~~للخير حتى لو كانوا غير مؤمنين في الدنيا كما ورد في بعض الأحاديث ... ( ~~@QUR@03 فأولئك يدخلون الجنة ) بسبب علمهم ( @QUR@03 ولا يظلمون نقيرا )؛ ~~والنقير مأخوذ من النقرة الموجودة في النواة ، ويراد بها أصغر وحدة في الكم ~~، كناية عن العمل الصغير جدا في حجمه ، فإن الله لا يغفل عنه ، بل يثيبه ~~عليه مهما كان صغيرا. # وقد نستطيع أن نستوحي من التسوية بين الذكر والأنثى في نتائج العمل ~~الصالح ، أن هذه دعوة غير مباشرة للمرأة بأن تنطلق في كل عمل صالح في كل ~~مجالات الحياة من دون تحديد ، إلا ما حدده الإسلام من الحد الفاصل بين ~~العمل المشروع والعمل غير المشروع ؛ فلو كانت هناك حدود خاصة يفرضها الله ~~عليها في مجال الخدمات العامة السائرة في نطاق العمل الصالح لاستثناه ، ~~وبذلك يمكن للمرأة أن تنطلق في كل الأعمال الخيرة الصالحة في نطاق الأجواء ~~الشرعية التي أرادها الله لها كما أرادها للرجل ، لتتحقق من خلال ذلك ~~المصلحة الإنسانية. # * * * ### ||| ** أحسن الدين ms1700 السليم المطلق لله تعالى # ( @QUR@013 ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا ) هذا هو الدين الحق الذي يريد الله للإنسان أن يتحسسه في مشاعره ~~وأفكاره ، فيستسلم لله استسلاما مطلقا في جميع قضاياه وتصرفاته ؛ وهذا هو ~~ما تمثله كلمة الإسلام لله ، أو إسلام الوجه لله لأن ما تفرضه قضية ~~العبودية أمام الألوهية ، في عمق الإحساس الداخلي ، سعة الأفق الممتد في تفكير PageV07P479 # الإنسان على طريق المسؤولية ، في ما توحيه كلمة الإحسان من معنى شامل ~~يتسع للحياة وللذات وللإنسان ، لأن الإسلام في مضمونه العملي يفرض التحرك ~~في اتجاه الأعمال التي يحبها الله في عباده وبلاده ... # وذلك هو ما تعنيه كلمة ( @QUR@03 ملة إبراهيم حنيفا )... فإن إبراهيم ~~كان يمثل الخط العام لكل الرسل ، كما أن رسالته كانت العنوان الكبير الذي ~~تتحرك في داخله الرسالات الأخرى ، فهي قد تختلف في بعض التفاصيل والتشريعات ~~، ولكنها تلتقي جميعا في الخط العام والعنوان الكبير ، ولذلك كان اتباع ملة ~~إبراهيم حنيفا أي خالصا ، وجها من وجوه الالتزام بالإسلام لله ، فقد انطلق ~~النبي إبراهيم أمام الله في وقفة إسلام رائعة ( @QUR@026 إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [البقرة / 131 132] ... ~~وتحركت الرسالات في تاريخ البشرية لتحمل عنوان الإسلام ، حتى رسالة الإسلام ~~في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا كان الدين الأحسن هو الذي ~~يحمل الإنسان فيه هذه العناوين الثلاثة التي تشمل الحياة كلها : إسلام ~~الوجه لله ، والإحسان بمعناه الممتد في الحياة ، واتباع ملة إبراهيم حنيفا. # ( @QUR@04 واتخذ الله إبراهيم خليلا ) تلك الصداقة التي منحها الله لهذا ~~النبي العظيم ، تكريما لتضحيته وإخلاصه وفنائه في ذات الله ؛ وقد جاء عن ~~الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سمعت أبي يحدث عن أبيه عليه السلام ~~أنه قال : إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه لم يرد أحدا ولم يسأل أحدا قط ~~غير الله عز وجل (1). وتلك هي العلاقة التي يمنحها ms1701 الله للمخلصين من عباده ~~، وربما كان الحديث عن هذا الجانب من شخصية إبراهيم للإيحاء بأن الإسلام ~~العميق المتمثل في روحه وحياته هو الذي رفعه إلى هذه الدرجة ؛ وهو الذي PageV07P480 # ينبغي للمؤمنين أن يعيشوه ويحصلوا عليه ليصلوا إلى بعض مراقي هذا السمو ~~الذي يقربهم إلى الله في الدرجات العلى. # وذلك ما ينبغي للتربية الإسلامية أن تتجه إليه في بناء شخصية الإنسان ~~المسلم ، ليعيش الإسلام من خلال هذا المعنى العميق الممتد في الفكر والروح ~~والشعور والحياة ، لا من خلال الألفاظ الجامدة التي تؤطرها الاصطلاحات ~~بإطار لا يوحي بأية حيوية تلامس الأعماق. إنها العبودية المطلقة أمام الله ~~بإزاء الحرية المطلقة أمام عباده ؛ لتكون العلاقة بالكون والحياة والإنسان ~~تعبيرا عن العلاقة بالله ، وليكون الإحسان إلى الحياة في كل مجالاتها ~~الفكرية والعملية تجسيدا للإحسان كقيمة روحية يعبد بها الإنسان ربه في ~~المحراب الكبير في الكون كله ، بعيدا عن كل شخص وعن كل عرض زائل. # * * * PageV07P481 ### ||| * الآية # ( @QUR@012 ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ) (126) # * * * ### ||| ** الله هو المالك المطلق # إنك إذا أسلمت وجهك لله ، فإنك لا تسلمه إلى قوة محدودة في قدرتها ~~وامتدادها وعظمتها ، لتشعر بالتضاؤل والانسحاق والحرج في ذلك كله ، كما ~~يشعر الكثيرون ممن يرتبطون بالأشخاص الذين يملكون طاقة محدودة أمام الكون ؛ ~~ولكنك تسلم وجهك وحياتك إلى مالك السموات والأرض وما فيهن ... فأنت عند ما ~~تستسلم له ، فإنك لا تستسلم له وحدك بل تحس بالكون كله في جميع ما يحتويه ~~من مخلوقات حية وجامدة ، خاضعا مستسلما لسيطرته المطلقة ؛ وبذلك يتعاظم ~~شعورك بموقعك القوي الحر أمام القوى الكونية الأخرى ، لأنك ليست ظلا لها ~~ولست مسحوقا أمامها ، بل أنت وهي ظل للإرادة الإلهية المهيمنة على الكون ~~كله ، التي جعلت لكل واحد من الموجودات موقفا محددا في دوره وحركته ، فهو ~~مالك كل شيء ، وهو المحيط بكل شيء ، فلا يخفى عليه شيء في السموات والأرض. ~~( @QUR@07 ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك : 14] ، وبذلك يتعمق ~~لدى الإنسان الإحساس بالرعاية الدائمة ، من خلال إيمانه بالإحاطة المطلقة ~~التي ms1702 تحتوي كل شيء في علمها كما تحتويه في قدرتها ، وبذلك لا تكون العبودية ~~والاستسلام لله عنصر ضعف في الذات ، بل هي عنصر قوة وحرية وتوازن. # * * * PageV07P482 ### ||| * الآية # ( @QUR@040 ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما ) (127) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويستفتونك ): يسألونك الفتوى ، وهي الجواب عما يشكل من ~~الأحكام وتبيينها. # ( @QUR@01 تقوموا ): القيام هنا العناية والاهتمام. # * * * ### ||| ** ويستفتونك في النساء # كانت النساء كمية مهملة في حساب أهل الجاهلية في الميراث وفي PageV07P483 # غيره ، لأنهن لا يشاركن في تنمية المال أو تحصيله ، ولا يدافعن عن ~~العشيرة ... وجاء الإسلام بقانون الإرث وغيره من القوانين المتعلقة بحقوقهن ~~، مما تعرضت له هذه السورة في أوائلها وغيرها ، كما في سورة البقرة ~~وأمثالها ؛ وقد تكون هذه الآية سابقة على تلك الآيات ، فتكون بمثابة دعوة ~~واستفتاء لم يبينه الله فيها ؛ وربما كانت متأخرة عنها ، فتكون سؤالا عن ~~الموضوع بعد أن ثار الجدل حوله ، لاختلافه مع ما اعتادوه من عاداتهم ~~وشرائعهم ؛ فجاءت هذه الآية لتؤكد تلك الأحكام ، باعتبار أن الفتيا فيها من ~~الله سبحانه. وكلا الوجهين محتملان ، وإن كان الوجه الأول أقرب إلى مضمون ~~كلمة الاستفتاء ، التي تعني الفتيا في أمر لم يسبق لهم معرفة حكمه ؛ ولكن ~~بعض الروايات الواردة في التفاسير قد ترجح الوجه الثاني ؛ فقد ورد في تفسير ~~الميزان حديث مرفوع إلى سعيد بن جبير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي بلغ ~~أن يقوم بالمال ويعمل فيه ، لا يرث الصغير ولا المرأة شيئا ، فلما نزلت ~~المواريث في سورة النساء ، شق ذلك على الناس وقالوا : أيرث الصغير الذي لا ~~يقوم في المال ، والمرأة التي هي كذلك ، فيرثان كما يرث الرجل؟ فرجوا أن ~~يأتي في ذلك حدث من السماء ، فانتظروا ، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : ~~لئن تم هذا ، إنه لواجب ما عنه بد ، ثم قالوا : سلوا ، فسألوا النبي ~~صلى الله ms1703 عليه وآله وسلم ، فأنزل الله : ( @QUR@012 ويستفتونك في النساء قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ) في أول السورة ( @QUR@012 في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن )... ~~الحديث» (1). # ( @QUR@05 وما يتلى عليكم في الكتاب ) ربما كانت هذه الفقرة معطوفة على ~~الضمير في كلمة ( @QUR@01 فيهن )، باعتبار أن الفتيا شاملة لما سألوا عنه ~~ولما لم يسألوا عنه في ما يتعلق بالفئات التي قد يحتاج الناس إلى معرفة ~~حكمها من PageV07P484 # جهة حالة الضعف التي تغري الناس بالاعتداء وبمنعهم من حقوقهم المفروضة ~~لبعض الاعتبارات غير الإنسانية ... وعلى هذا ، فإن المراد مما جاء في قوله ~~: ( @QUR@05 وما يتلى عليكم في الكتاب ) هو ما تقدم الحديث عنه في أول هذه ~~السورة في قوله تعالى : ( @QUR@012 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء ... ) [النساء : 3] ، وفي الآيات الأخرى المتعرضة ~~لبعض ذلك ... # ( @QUR@09 في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ) من فريضة ~~الإرث ومن التصرف في مالهن ، فمنع الله من ذلك ، فلم يجعل لأحد أية سلطة ~~عليهن من هذه الجهة ، كما جعل الحرية لهن في الزواج وفي الرفض ، بعيدا عن ~~أي ضغط. وقد ذكر صاحب تفسير الميزان «أن المراد بقوله : ( @QUR@03 ما كتب ~~لهن ) هو الكتابة التكوينية وهو التقدير الإلهي ، فإن الصنع والإيجاد هو ~~الذي يخد للإنسان سبيل الحياة ، فيعين له أن يتزوج إذا بلغ مبلغه ، وأن ~~يتصرف حرا في ما له من المال والقنية ، فمنعه من الازدواج والتصرف في نفسه ~~منع له مما كتب الله له في خلقه هذه الخلقة» (1). ولكن ذلك غير ظاهر من ~~الآية ، لا سيما أن المسألة واردة في مقام بيان الجانب التشريعي من الموضوع ~~الذي قد يكون قرينة على أن المراد من ( @QUR@03 ما كتب لهن )، الكتابة ~~التشريعية ، بمعنى الفرائض التي فرضها الله لهن ؛ والله العالم. ( @QUR@03 ~~وترغبون أن تنكحوهن ). ربما قدر بعض المفسرين كما عن صاحب الميزان كلمة ~~(عن)، بأن يكون المراد منها الرغبة عن نكاحهن والإعراض عنهن (2)؛ فإن ~~التعرض لذكر الرغبة عنهن هو الأنسب للإشارة إلى حرمانهن ms1704 على ما يدل عليه ~~قوله قبله : ( @QUR@05 لا تؤتونهن ما كتب لهن ) وقوله : ( @QUR@03 ~~والمستضعفين من الولدان )... ولكننا نتحفظ في ذلك ، لأن من الممكن أن يكون ~~المراد منها الرغبة في النكاح ، مع حرمانهن من حقهن من التصرف في مالهن ~~الموروث أو التعسف في فرض الإرادة PageV07P485 # عليهن ، من دون أن يكون لهن أي دور في الاختيار ، فإن الآية مطلقة من هذه ~~الجهة ؛ والله العالم. # ( @QUR@03 والمستضعفين من الولدان ) الذين كانوا يمنعونهم من أموالهم ~~التي ورثوها ، لأنهم لا يقدمون للعشيرة أية قوة دفاعية ، ولا يمنحونها أي ~~كسب مالي بسبب ضعفهم ... ( @QUR@04 وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) ذكورا ~~كانوا أو إناثا ، لأن الله أراد العدل للضعيف الذي هو أشد حاجة إليه من ~~القوي فهو السبيل الوحيد للحصول على حقه ، بينما يملك القوي وسائل أخرى ~~للوصول إلى ذلك. # ( @QUR@09 وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ) وهذا إيحاء بأن ~~التشريعات الإلهية كانت من أجل خير الإنسان ، وأن الله أراد له أن يلتمس ~~طرق الخير ليسير عليها ، ويحصل على ثوابه من الله الذي يعلم كل شيء ، ليجزي ~~الإنسان على كل خير. # * * * PageV07P486 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا ) (128) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بعلها ): زوجها. # ( @QUR@01 نشوزا ): استعلاء وارتفاعا بنفسه عنها ، وقد مرت سابقا. # ( @QUR@01 إعراضا ) انصرافا بالوجه وهجرا وجفاء. # ( @QUR@01 الشح ): الإفراط في الحرص على الشيء ، ويكون بالمال وبغيره من ~~الأعراض ، يقال : هو شحيح على مودتك ، أي حريص على دوامها ، ولا يقال في ~~ذلك : بخيل ، والبخل يكون في المال خاصة. # * * * PageV07P487 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : كانت بنت محمد بن سلمة عند رافع بن خديج ، وكانت قد ~~دخلت في السن ، وكانت عنده امرأة شابة سواها ، فطلقها تطليقة ، حتى إذا بقي ~~من أجلها يسير ، قال : إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة ، وإن شئت تركتك. ~~قالت : بل راجعني ، وأصبر على الأثرة. فراجعها ، فذلك الصلح الذي بلغنا أن ~~الله تعالى أنزل فيه هذه الآية ms1705 عن أبي جعفر ، وسعيد بن المسيب (1). # كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى سعيد بن المسيب وسليمان ~~بن يسار قال : إن رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنها ، فتزوج ~~عليها شابة ، فآثر الشابة عليها ، فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك ، ~~فطلقها تطليقة ، حتى إذا بقي من أجلها يسير ، قال : إن شئت راجعتك وصبرت ~~على الأثرة ، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك ، قالت : بل راجعني وأصبر على ~~الأثرة! فراجعها. ثم آثر عليها ، فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى ، وآثر ~~عليها الشابة (2). # * * * ### ||| ** كيفية مواجهة المرأة لنشوز الزوج # قد تلمح المرأة في حياتها مع الزوج تغيرا في معاملتها وتمردا على حقوقها ~~وإعراضها عنها بوجهه ، وربما كان ذلك نتيجة كبر أو ميل إلى زوجة PageV07P488 # أخرى أو غير ذلك من الأسباب ... فكيف تواجه المرأة هذا الموقف؟ # من الطبيعي أن الإسلام لم يرخص للرجل في ذلك فقد أراد الله له أن يعاشر ~~زوجته بالمعروف ، ولكنه في الوقت نفسه رخص له في الطلاق ، عند ما تموت ~~العاطفة في الروح ، ويتبدل الجو الطيب إلى حالة من النفور. وقد لا تحب ~~الزوجة أن تفارق زوجها ، بسبب بعض المؤثرات الذاتية ، فلها أن تدخل معه ~~بالمفاوضات التي تنتهي إلى الصلح ، وذلك بأن تتنازل له عن بعض حقوقها ~~المالية ، أو عن حق المعاشرة الزوجية ، ليمتنع عن طلاقها وليصلح شأنه معها. ~~وقد أكدت الآية أن الصلح خير ، لأنه يفسح المجال لحل المشاكل بطريقة سلمية ~~لا تخلف وراءها مشاكل جديدة ... ( @QUR@03 وأحضرت الأنفس الشح )، أي البخل ~~، فإنه من الغرائز الإنسانية التي تكمن في داخل الإنسان فتمنعه من العطاء ، ~~وتحول بينه وبين تقديم التنازلات من أجل الوصول إلى الحلول الوسط في ~~العلاقات الإنسانية ، مما يعقد الحياة لدى جميع الفرقاء المتنازعين ويحولها ~~إلى جحيم ؛ فلا مناص من الصلح الذي يقود الطرفين إلى بعض من الحق ، بدلا من ~~حرمانه منه بأجمعه. وقد ورد في الدر المنثور ، عن علي بن أبي طالب ~~عليه السلام ، أنه سئل عن هذه الآية فقال : «هو الرجل عنده ms1706 امرأتان ، فتكون ~~إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة ، فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ~~ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها ، فما طابت به نفسها فلا بأس به ؛ فإن ~~رجعت سوى بينهما» (1)... وربما كان هذا التفسير من قبيل الحديث عن النموذج ~~، وليس من قبيل التخصيص ؛ لإمكان أن يكون هناك عدة حالات من هذا القبيل. ثم ~~انطلقت الآية إلى الرجال في ما يوحي به السياق لتدعوهم إلى الإحسان والتقوى ~~، لئلا تقودهم الحالات النفسية المعقدة إلى الانحراف عن خط الله PageV07P489 # في السلوك في داخل العلاقة الزوجية ، فيعرض نفسه لعقوبة الله الذي هو ~~خبير بكل ما يقومون به من أعمال. # وفي ضوء ذلك ، يمكننا أن نفهم أن التنازل الذي يراد من الزوجة تقديمه ليس ~~في مقابل إقناع الزوج بالقيام بحقها الشرعي الذي فرضه الله عليه ؛ فإن ذلك ~~أمر واجب لا يتحدث القرآن عن الدخول في مفاوضات الصلح من أجله ، لأن ~~الانحراف عنه غير شرعي ، بل هو في مقابل تنازل الزوج عن حقه في الطلاق ، ~~الأمر الذي يجعل الدعوة إلى الصلح ، دعوة إلى بناء الحياة الزوجية على أساس ~~التراضي والوفاق ، في الحالات التي تتحرك الظروف في اتجاه تهديمها وإزالتها ~~من حياة الطرفين. # * * * PageV07P490 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) ~~@QUR@011 وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ) (130) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تميلوا ): تجوروا وتعدلوا بأهوائكم. يقال : مال عن الحق إذا ~~عدل عنه. # ( @QUR@01 كالمعلقة ): بمعنى لا تحس بالعلاقة الزوجية ، ولا تشعر بلذة ~~الحرية التي تشعر بها غير المتزوجة في طريقة حياتها ، وكأنها ليست ذات زوج ~~ولا أيما. # * * * PageV07P491 ### ||| ** إشكالية عدم استطاعة العدل بين النساء # إنه التحديد القرآني للعدل بين الزوجات ، في ما يريده الله في قوله تعالى ~~: ( @QUR@028 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ~~ألا تعولوا ) [النساء : 3] ، فليس هو العدل ms1707 في العاطفة والمعاشرة والملاطفة ~~، في ما يدخل في نطاق الحالات النفسية العاطفية أو في طريقة التعبير عنها ، ~~لأن ذلك قد لا يكون عمليا أو ممكنا في بعض الموارد ، إذ من الصعب على ~~الإنسان أن يعمل على التسوية بين الزوجات في حجم العاطفة ، أو في نوعية ~~الشعور ، أو في أسلوب التعبير عنه ، ما دامت العناصر الجسدية الجمالية وغير ~~الجمالية أو المؤثرات الذاتية ، من خلال ما تتصف به هذه المرأة أو تلك من ~~ثقافة وأخلاق وطريقة حياة ، أو غيرها ، موجودة مما يترك في نفس الإنسان ~~تأثيرا مختلفا لا يملك الإنسان معه السيطرة على نوازعه الداخلية ؛ فلا يمكن ~~أن يكلف الإنسان بالعدل بهذا المعنى ، لأنه قد يشبه التكليف بغير المقدور ~~مهما بذل الإنسان من جهد ، أو أثار من أجواء ؛ بل القضية في العدل ، هي ~~قضية السلوك العملي في المعاملة الحياتية ؛ وذلك بأن يعاملها كزوجة في ما ~~جعل الله لها من حقوق ، بحيث تشعر بأنها تعيش معه كزوجة حقيقية ، في النفقة ~~والمعاشرة ضمن النطاق المفروض لها ، فلا يجوز له أن يهجرها هجرانا كليا ~~ويقبل على الأخرى إقبالا كليا ، بحيث لا يبقى لها من الزواج إلا الاسم ، ~~بينما تعيش في الواقع عيشة المطلقة ، فتبقى كالمعلقة التي لا تحس بمعنى ~~العلاقة الزوجية في حياتها ، ولا تشعر بلذة الحرية التي تشعر بها المرأة ~~غير المتزوجة في طريقة حياتها ؛ فإن في ذلك الظلم الكبير الذي يبغضه الله ~~لأنه يحول الزواج إلى سجن مظلم لا تملك فيه المرأة أي بصيص من النور. PageV07P492 # ويوجه الله للرجال بعد ذلك الأمر بالإصلاح والتقوى في مثل هذه الحالات ~~التي تتعرض فيها العلاقة الزوجية للانهيار أو التضعضع ، ويعدهم بالمغفرة ~~والرحمة إن كان هناك خطأ سابق في التصرف ، وذلك من خلال الإخبار بأنه كان ~~غفورا رحيما. # وهذا الحديث كله وارد في حالة إرادة الإبقاء على علاقة الزواج بينهما ؛ ~~أما إذا شعرا بأن الحياة لم تعد محتملة في هذا الجو ، ورأيا أن التجربة ~~فاشلة ، وأن النتائج لا تسير في الاتجاه السليم الذي يخدم حياتهما ~~ومسئوليتهما أمام ms1708 الله ، فإن بإمكانهما أن يتفرقا دون أن يخافا من مشاكل ~~الفقر أو الحاجة ، لأن الله الذي منحهما الغنى والاكتفاء في داخل الحياة ~~الزوجية هو الذي يمنحهما ذلك في خارجها ، لأن خزائنه واسعة لا تنفذ ؛ وكان ~~الله واسعا في ملكه وفي عطائه ، حكيما في تقديره الرزق لعباده ؛ فلا يخشى ~~أحد الضياع في كل حالاته ، لأن الله هو الذي يرعاه ويحميه ويقوده إلى كل ~~خير بكرمه ورحمته وحكمته ... # * * * # وقد تحدثنا في بداية السورة ، كيف حاول البعض أن يجعل من هذه الآية دليلا ~~على أن الإسلام يحرم التعدد في الزوجات ، لأنه اشترط العدل في البداية ، ثم ~~أعلن استحالته هنا ، الأمر الذي يدل على أن الحديث عن الإباحة المعلقة ، ~~حديث عن شيء لا يمكن تحققه. ولكننا أوضحنا هنا وهناك ، أن العدل هناك ، هو ~~العدل في النفقة وغيرها من الحقوق العملية التي فرضها الله ، أما العدل ~~المستحيل ، فهو المساواة في العاطفة والمشاعر وأساليب المعاشرة ، مع أن مثل ~~هذا الاتجاه في الفهم يجعل القرآن متحدثا عن الفرضيات غير المعقولة ، وذلك ~~سبيل لا يتناسب مع حكمة الله في كتابه. # وقد نجد في بعض أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يؤكد هذا التمايز PageV07P493 # بين مفهوم العدل في آية التعدد ومفهومه في هذه الآية ، فقد جاء في تفسير ~~العياشي بسنده عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل ( ~~@QUR@08 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) قال : في المودة (1). # وجاء في الكافي بإسناده عن نوح بن شعيب ومحمد بن الحسن قال : سأل ابن أبي ~~العوجاء هشام بن الحكم ، فقال له : أليس الله حكيما؟ قال : بلى ، وهو أحكم ~~الحاكمين ، قال : فأخبرني عن قوله عز وجل : ( @QUR@014 فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) أليس هذا فرض؟ ~~قال : بلى ، قال : فأخبرني عن قوله عز وجل : ( @QUR@012 ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) أي حكيم يتكلم بهذا؟ ~~فلم يكن عنده جواب. فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد ms1709 الله «جعفر الصادق ~~عليه السلام » ، فقال : يا هشام في غير وقت حج ولا عمرة ، قال : نعم ، جعلت ~~فداك ، الأمر أهمني ، إن ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها ~~شيء ، قال : وما هي؟ قال : فأخبره بالقصة ، فقال له أبو عبد الله ~~عليه السلام أما قوله (عز وجل) ( @QUR@014 فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) يعني في النفقة ، وأما قوله ( ~~@QUR@014 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة ) يعني في المودة (2). # * * * ### ||| ** معنى المرأة المعلقة # وهناك ملاحظة ، وهي أن التدقيق في كلمة «المعلقة» ، قد توحي بأن من ~~المفروض في علاقة الرجل بزوجته أن تحس المرأة بمعنى الزوجية في PageV07P494 # حياتها الزوجية سواء أكان ذلك في استمرار الإنفاق عليها بما يجب لها من ~~النفقة ، فلا ينفق عليها زمانا ليحرمها في زمان آخر ، أم في معاشرتها في ~~البيت من حيث تواجد الزوج معها في حياة طبيعية ، فلا يسافر عنها مدة طويلة ~~كالذين يهاجرون ويغتربون ليتركوا زوجاتهم في وحدة موحشة كما لو لم تكن زوجة ~~، أم في حقها من الجنس بحسب حاجتها إلى ذلك ، بما يلبي جوعها ويعصمها من ~~الانحراف ويحصنها بالعفة على أساس الاكتفاء الجنسي ، فيمنحها حاجتها منه ~~كلما أرادت إذا لم يكن هناك مانع صحي أو غيره مما يمنعه من القيام بذلك وفي ~~ضوء ذلك ، فإننا نتحفظ على التحديد الفقهي بانحصار حقها في كل أربعة أشهر ~~مرة ، لأن ذلك يجعلها كالمعلقة من الناحية الجنسية ، باعتبار عدم انسجام ~~هذا الحد الزمني مع العلاقة الزوجية الطبيعية ، وهكذا يجتذب الرفض الإسلامي ~~لتحول المرأة إلى شخصية (المرأة المعلقة) العنوان الإيجابي في تعميق المعنى ~~الزوجي في علاقة الرجل بزوجته. # * * * PageV07P495 ### ||| * الآيات # ( @QUR@032 ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) @QUR@010 ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) @QUR@012 إن يشأ ms1710 يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) @QUR@014 من كان يريد ثواب الدنيا ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ) (134) # * * * # ( @QUR@05 لله ما في السماوات والأرض ) # إنها الحقيقة التي تفرض نفسها على الحياة والفكر والشعور ، وتتحرك في كل ~~اتجاه في عملية تحد وإيحاء بالقوة والثقة ، ودعوة للالتزام والانضباط ~~والعمل ... ففي البداية كانت للإيحاء بالثقة بأن الله يغني كلا من سعته ، ~~لأن ملكه وسع السموات والأرض وما فيهن ، فكيف يمكن للإنسان مع هذه PageV07P496 # الحقيقة أن يخاف الفقر على نفسه في أية حالة من الحالات؟ ثم كانت الدعوة ~~إلى التقوى ومراقبة الله في كل الأمور ، والعمل بطاعته في ما يأمر به وما ~~ينهى عنه ؛ هذه الدعوة التي وجهها الله إلى أهل الكتاب وإلى المسلمين وأراد ~~منهم الالتزام بها في خط الإيمان ، وأطلق هذه الحقيقة بعد ذلك في مقام ~~التحدي لمن أراد أن يكفر بالله ولا يراقبه ، بأن الله كان غنيا عنهم حميدا ~~في كل أفعاله ، لأنهم جزء مما في السموات والأرض الذي هو ملك الله سبحانه ، ~~ثم وجههم إلى أن يعملوا ليكونوا تحت رعايته التي هي سر وجودهم ووجود كل شيء ~~في السموات والأرض ، مما يحتويه ملكه ، مما يتصرف به من دون أن تحتاج ~~الموجودات معه إلى أي مخلوق ؛ ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ) في القيام ~~بأمور عباده وشؤونهم. # ويتعاظم التحدي والإيحاء بالقوة في مقابل الإيحاء بالضعف البشري ~~للمخاطبين في قوله تعالى : ( @QUR@012 إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ). قد يكون المراد من الإذهاب الموت ~~والفناء ، كما ذكر البعض ، وقد يكون المراد منه تبديلهم بآخرين من الناس ~~ممن يتقون ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها لما نزلت ، ضرب يده ~~على ظهر سلمان وقال : إنهم قوم هذا (1) يعني عجم الفرس. # وتطوف الآية الأخيرة بالمشاعر العميقة للإنسان ، عند ما يقف وجها لوجه ~~أمام قضية المصير ؛ فقد يفكر بثواب الدنيا ، باعتبار أن ذلك هو معنى مصيره ~~في ما يتصور ، ثم يبدأ في الخضوع لهذا ولذلك ms1711 من أجل الحصول عليه ، فيشرك ~~بعبادة الله غيره ، ويبتعد عن الله سبحانه ، في الوقت الذي يريد الله منه ~~أن يقف لحظة للتفكير ، ليفكر بأن هؤلاء لا يملكون شيئا من ثواب الدنيا ~~بعيدا عن ملك الله الذي يعطيهم إياه ، فلما ذا لا يقدر الله حق قدره ، PageV07P497 # ويعرف أن الدنيا والآخرة بيده ، وأن ثوابهما بإرادته ، وأن عليه أن يتوجه ~~إلى الله ليحصل على ثواب الدنيا والآخرة منه ، فيلتقي مصير الدنيا لديه ~~بمصير الآخرة ، وذلك بأن يدعو الله في سره وعلانيته ويبتهل إليه بنبضات ~~قلبه وخفقات روحه ، ويعمل في سبيل الله في كل المجالات التي يريد الله ~~للحياة أن تتحرك فيها ... ( @QUR@03 وكان الله سميعا ) لكل كلمات الخير ~~والخشوع والخضوع التي تنطلق من قلبه وشفتيه ، ( @QUR@01 بصيرا ) بكل ~~المواقف الحقة التي يقفها من أجله. # * * * PageV07P498 ### ||| * الآية # ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~) (135) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قوامين ): المبالغة في القيام ، فالمراد بالقوامين بالقسط ~~القائمون به أتم قيام وأكمله ، بعيدا عن الأهواء والأطماع. # ( @QUR@01 بالقسط ): القسط والإقساط : العدل ، يقال : أقسط الرجل إقساطا ~~إذا عدل وأتى بالقسط. # ( @QUR@01 تلووا ): اللي الدفع ، يقال : لويت فلانا حقه ، إذا دفعته ~~ومطلته ومنه الحديث: «لي الواجد ظلم» أي مطل الغني جور (1). PageV07P499 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي روى أسباط عن السدي قال : نزلت في النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم اختصم إليه غني وفقير ، وكان ضلعه مع الفقير ، رأى أن ~~الفقير لا يظلم الغني ، فأبى الله تعالى إلا أن يقوم بالقسط في الغني ~~والفقير ، فقال : ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) حتى ~~بلغ : ( @QUR@08 إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) (1). # كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى السدي ، في قوله : ( ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ) قال : نزلت ~~في النبي صلى الله عليه وآله وسلم اختصم ms1712 إليه رجلان غني وفقير ، وكان ضلعه مع ~~الفقير ، يرى أن الفقير لا يظلم الغني ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في ~~الغني والفقير ، فقال : ( @QUR@013 إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) (2). # * * * # ونلاحظ على هاتين الروايتين أنهما لا تتناسبان مع روحية العدالة لدى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تنطلق من خلال التأكيد على إعطاء صاحب الحق ~~حقه من دون فرق في صفة صاحب الحق ، ولا معنى للقول بأن الفقير ، لا يظلم ~~الغني ، لأن الظلم لا ينطلق دائما من خلال القوة التي لا يملكها الفقير بل ~~قد ينطلق من خلال العقدة التي يحملها الإنسان للإنسان الآخر أو الحسد الذي ~~يوحي إليه بالتمرد عليه من خلال بعض الظروف الملائمة لأوضاعه ، ولذلك ، فلا ~~يمكن نسبة هذا الموقف البعيد عن خط العدل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، PageV07P500 # وهو رسول العدالة المنفتحة على الحق لا على الشخص. هذا مع ملاحظة أن ~~الخطاب موجه للناس بشكل عام ، لا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** كونوا قوامين بالقسط # وتواصل الآيات القرآنية النداء تلو النداء للمؤمنين ، لتكون خطواتهم ~~العملية في هدى الشخصية الإسلامية التي أرادها الله ، لتكون عنصرا قويا ~~ثابتا لبناء الحياة على أساس العدل الذي هو الهدف الكبير للحياة في تطلعات ~~الإسلام وأهدافه ؛ فلا بد للمؤمنين من تأكيد هذا الهدف في تكوينهم الذاتي ، ~~ليكونوا الصورة الحقيقية للواقع العملي الذي يعملون من أجله. ( @QUR@03 ~~كونوا قوامين بالقسط ) والقسط هو العدل ، أن يكونوا قائمين به ؛ أن يجعلوا ~~حياتهم قياما به من أجل أن يستوعب كل علاقاتها ومعاملاتها وأعمالها ~~وأقوالها ، بحيث تتحول كل نشاطاتهم إلى حركة دائبة في هذا السبيل ، لا أن ~~يكون ذلك جانبا محدودا من النشاطات. ( @QUR@02 شهداء لله ) لا للعاطفة ولا ~~للمزاج ؛ ولا للمصلحة ، أو للطمع ، وذلك بأن يواجه الواقع الموضوعي كما هو ~~، من خلال ما يراه وما يسمعه ، بعيدا عن أية مؤثرات أخرى ، على أساس أن دور ~~الشهادة هو أن يكشف الحقيقة لتكون أساسا للعدل الذي ms1713 هو في محتواه لله ، ( ~~@QUR@03 ولو على أنفسكم )، لأن الله أقرب إليه من نفسه ، فلا ينظر في ~~شهادته مصلحة نفسه ورضاها ، بل مصلحة العدل الذي يلتقي به رضا الله. ( ~~@QUR@03 أو الوالدين والأقربين ) فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولا ~~قيمة للعلاقات الشخصية أمام علاقته بالله ، فإنها تنتهي عند حدود رضاه. ~~وتلك هي قصة القيم الكبرى في الحياة ، فإنها تتقدم كل شيء مهما كانت عظمته ~~، لتكون الأشياء كلها في خدمتها من أجل أن تكون في خدمة الإنسان في دوره PageV07P501 # الحقيقي أمام الله ؛ وبذلك تتصاغر العواطف والمشاعر لتتحول إلى هواء ~~ودخان ، لتبقى للحياة عناصرها الأساسية الدائمة ... ( @QUR@08 إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما ... ) فلا يفكر الإنسان أمام خط العدل أن يشهد ~~لمصلحة الغني لغناه ، أو ضد مصلحته من أجل العقدة الذاتية تجاه الغني ، أو ~~يشهد للفقير على أساس العاطفة التي تتفاعل إنسانيا وعاطفيا مع مظاهر الفقر ~~وآلامه ، مما قد يوحي بالانحراف عن الحق. ( @QUR@03 فالله أولى بهما ) فإن ~~الله هو الذي يتكفل بمصالح عباده برحمته التي تشملهم جميعا ؛ وتلك هي حكمته ~~التي ارتكزت على أساس أن الانحراف عن العدل ، مراعاة لبعض الخصوصيات ، يسيء ~~إلى المستفيدين منه ، في المستقبل أكثر مما ينفعهم ، ( @QUR@05 فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا ) عن الحق ، بل اتبعوا الحق الذي يقودكم إلى العدل. وتلك ~~هي وصية الله التي يجب أن تلتزموا بها ( @QUR@02 وإن تلووا ) أي إن تنحرفوا ~~( @QUR@02 أو تعرضوا ) عن السير مع وصايا الله وتعليماته ، فستواجهون ~~الموقف الصعب أمامه غدا يوم القيامة ؛ ( @QUR@06 فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا ) فلا تحاولوا أن تعتذروا بما لا مجال لقبول العذر فيه ، لأن الله ~~يعلم واقع الأشياء ، إذا كان الناس من حولكم يعلمون ظواهرها من دون النفاذ ~~إلى الأعماق. # * * * PageV07P502 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على ~~رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) @QUR@020 إن الذين آمنوا ثم كفروا ~~ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر ms1714 لهم ولا ليهديهم ~~سبيلا ) (137) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال الكلبي : نزلت في عبد الله ابن سلام ~~وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب ، قالوا : ~~يا رسول الله ، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه ~~من الكتب والرسل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # * * * PageV07P503 ### ||| ** النداء للمؤمنين # وهذا نداء للمؤمنين الذين يدخلون الإيمان من خلال الأجواء العامة للدعوة ~~بعيدا عن التفاصيل ، أن عليهم أن يتعمقوا في معناه وفي جميع مجالاته ، لأنه ~~يمثل الخط الممتد في تاريخ الرسالات ، كما يمثل الآفاق الرحبة الواسعة التي ~~تلتقي بالله ورسوله وملائكته ، وتحمل في روحيتها مسئولية الدنيا والآخرة ، ~~في انسجام وترابط وامتداد ... فلكي يكون الإنسان مؤمنا كما يريده الله ، ~~فلا بد له من الإيمان بالله ورسوله والكتب السماوية التي أنزلها على محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سائر الأنبياء من قبله ، ولا بد له من الإيمان ~~بالحقائق التي تتضمنها هذه الكتب مما يدخل في عالم الغيب ، من الإيمان ~~بالملائكة واليوم الآخر ، فذلك هو الهدى الذي لا ضلال معه. أما الذي يكفر ~~بذلك كله أو ببعضه ، فقد ضل ضلالا بعيدا ، لأنه لا يرتكز في مسيرته على ~~قاعدة يقف عليها. وفي هذا السياق من الحديث عن الكافرين ، يحدثنا الله عن ~~بعض النماذج التي تتلاعب بقضية الكفر والإيمان في حياتها من خلال مواقفها ، ~~لأنهم لم ينطلقوا من منطلق الجدية في مسألة الالتزام بالعقيدة أو بالخط ~~الذي تسير عليه ، بل انطلقوا من اعتبارها حالة طارئة من الحالات التي ~~يتلاعب بها الناس على أساس مصالحهم ، وهؤلاء هم الذين يعلنون الإيمان ثم ~~ينحرفون إلى خط الكفر ليقفوا فيه مع الكافرين ؛ فإذا وجدوا الساحة غير ~~ملائمة لهم ؛ في ما يستهدفونه من مصالح وأطماع ، عادوا إلى خط الإيمان ~~وأظهروا الندم والتراجع ، فإذا واجهتهم صعوبة الالتزام بالحق وناداهم رفاق ~~الكفر أن يرجعوا إليهم ، رجعوا إلى الكفر وأمعنوا فيه وازدادوا كفرا ... ~~وهؤلاء لا يتعلقون بأي سبب من أسباب المغفرة لامتدادهم بالكفر ، ولا يهتدون ~~سبيلا لأنهم ابتعدوا ms1715 عن أجواء الهداية باختيارهم ؛ فكيف يهديهم الله سواء ~~السبيل؟ # * * * PageV07P504 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@06 بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) @QUR@014 الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله ~~جميعا ) (139) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بشر ): أصل البشارة الخبر السار الذي يظهر به السرور في بشرة ~~الوجه ، فإذا قال شخص لآخر : بشارة ، أو أبشرك ، دون أن يذكر شيئا فهم منه ~~على سبيل الإجمال أن هناك شيئا محبوبا ، ولا يستعمل في المكروه إلا مع ~~القرينة ، كما في هذه الآية ( @QUR@06 بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ). # ( @QUR@01 العزة ): أصل العزة الشدة ، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة ~~عزاز ، ومنه قيل : عز علي أن يكون كذا ، أي شد علي ، وعز الشيء ، إذا صعب ~~وجوده واشتد حصوله ، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به والعزيز القوي ~~المنيع بخلاف الذليل. # * * * PageV07P505 ### ||| ** ماذا ينتظر المنافقون في يوم القيامة # وهذه جولة قرآنية حول المنافقين ، تحاصرهم بالتهديد بالمصير الأسود الذي ~~ينتظرهم عند الله وتبين ملامحهم الحقيقية في مواقفهم الذاتية في أنفسهم وفي ~~الآخرين ، ليكتشفهم الناس على حقيقتهم ؛ فلا يخفى عليهم شيء من أمرهم ، من ~~خلال ما يتظاهرون به من خير وصلاح وإيمان ... وهذا ما بدأته الآية الأولى ~~بالبشارة بالعذاب الأليم ؛ ( @QUR@06 بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) ~~وربما كان استخدام هذه الكلمة «البشارة» للإمعان بالسخرية بهم ، في ما ~~كانوا يأملونه من نتائج ظواهر أعمالهم ، وما يواجههم من مصير يخالف ذلك ~~كله. أما ملامحهم ، فقد يكون في مقدمتها موالاتهم وموادتهم القلبية ~~والعملية للكافرين ، وابتعادهم عن المؤمنين ، في المشاعر والأفكار والمواقف ~~، فهم يألفون الكافرين ويرتاحون إليهم ويتعاونون معهم ، انطلاقا من وحدة ~~الموقف ، ( @QUR@07 الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) بينما ~~لا يتحركون في مثل هذه الأجواء مع المؤمنين. # وهذه صفة أساسية في الحد الفاصل بين شخصية المؤمن وبين شخصية المنافق ، ~~لأن قضية الإيمان ليست مجرد فكرة تطوف في الخيال ، كما تطوف كثير من ~~الأفكار التجريدية التي لا تمس الحياة الشخصية للإنسان في قليل أو كثير ، ~~بل هي فكرة للفكر وللشعور وللموقف ، حيث تحدد له علاقاته بالناس وبالأشياء ms1716 ~~وبالحياة ، من خلال الخط الذي ترسمه ، والجو الذي تخلقه ، والأهداف التي ~~تحددها ... فإذا كنت مؤمنا ، فإن معنى ذلك ، هو أن تحول الإيمان إلى حركة ~~للحياة في نفسك وفيمن حولك وما حولك ، فتخضع كل خطواتك وأعمالك وعلاقاتك ~~لما يتصل به من قريب أو من بعيد ، فتوالي من يوالي الله ، وتعادي من يعادي ~~الله ، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للحركة إلى الأمام ، بينما يمثل العكس خطا ~~تراجيعا إلى الوراء ؛ فإذا واليت أعداء الله PageV07P506 # وعاديت أولياء الله ، كنت سائرا في النهج الذي يضعف من موقف الإيمان ، ~~لأن مثل هذه العلاقة الشعورية والعملية تحقق للكفر قوة من خلال قوتك وتفقد ~~الإيمان بعض قوته ؛ وذلك أمر لا يلتقي بالإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين ، ~~الذي يفرض عليك أن تتحرك من خلال مزاج الإيمان ، من خلال ما يفرضه من أجواء ~~ومشاعر ومواقف ، ولا تتحرك من خلال مزاجك الخاص الذي يخضع للنوازع الشخصية ~~البعيدة عن حركة الرسالة في النفس. # ثم تطرح الآية سؤالا في معرض الإنكار : ( @QUR@03 أيبتغون عندهم العزة ) ~~لماذا يفعل هؤلاء ذلك؟ وما هو الهدف من ورائه؟ لأن موقف الموالاة لإنسان ما ~~لا بد أن يخضع لرغبة أو رهبة أو تصور معين ... فما هو هذا الهدف؟ هل يبتغون ~~العزة عندهم ، لأنهم يجدون لديهم بعض مظاهر القوة ، بما يملكونه من مال أو ~~سلاح أو عدد؟ ولكن هذا يدل على جهل بحقيقة الإيمان ، وما يوحيه من الشعور ~~بعظمة الله المطلقة التي لا حدود لها إزاء ضعف الإنسان المطلق في جميع ~~أموره وقضاياه. وما قيمة هذه المظاهر المحدودة للقوة؟ وما أهمية هذه العزة ~~المستندة إلى هذه الأمور؟ لو فكر هؤلاء فيها ، لرأوا أنها لا تمثل إلا حالة ~~محدودة طارئة لا تلبث أن تذهب وتتحول إلى هباء لدى أقل عاصفة تمر في حياتهم ~~؛ فكيف يستسلم هؤلاء الناس لمثل ذلك؟ وكيف يبنون عزتهم وقوتهم على هذا ~~الأساس المنهار؟ ( @QUR@04 فإن العزة لله جميعا )، فهو القوي الذي لا حد ~~لقوته ، وهو الغني عن كل شيء الذي يفتقر إليه كل شيء وجوده وفي استمراره ، ~~وكل شيء ms1717 خاضع له ، وكل شيء محتاج إليه ، فمن أراد العزة فعليه أن يرتبط به ~~ويرجع إليه ، ولا يتنازل عن أي موقف من مواقفه لمصلحة أي عبد من عباده ، ~~إنها الحقيقة الواضحة الممتدة التي تلتقي بالآفاق الواسعة للشخصية ~~الإيمانية ، في عملية تحديد للخطوط البارزة للفكر وللعاطفة وللحياة. # * * * PageV07P507 ### ||| * الآية # ( @QUR@033 وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن ~~الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) (140) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : «كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من ~~القرآن ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك» (1). # * * * ### ||| ** ضرورة ابتعاد المؤمن عن تجمعات المستهزئين بآيات الله # في هذه الآية تذكير بالآية الثامنة والستين من سورة الأنعام التي سبقت ~~هذه الآية في النزول ، لأنها نزلت في مكة قبل الهجرة وهي قوله PageV07P508 # تعالى : ( @QUR@023 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين ) [الأنعام : 68] ، فقد نزلت هذه الآية لتحدد للمسلمين المجالس ~~التي لا يجوز لهم الجلوس فيها ، وهي المجالس التي يدور الخوض فيها بطريقة ~~سلبية في ذم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتشكيك بالقرآن أو الإنكار ~~والاستهزاء ، في الوقت الذي لا يملك فيه المسلمون قوة تتيح لهم الرد الحاسم ~~على المشركين الذين يثيرون هذا النوع من الحديث ويخوضون فيه. فلا بد لهم من ~~الانسحاب منها إذا بدأ الحديث بهذه الطريقة ، للتعبير عن الرفض لذلك ~~والاحتجاج عليه ، لأن ذلك هو السبيل الوحيد في إظهار التصميم على الصمود في ~~خط الإيمان. # وقد واجه المسلمون هذا النوع من المجالس في المدينة ، وذلك في مجتمع ~~اليهود والمنافقين ، الذين كانوا يحاولون الخوض في آيات الله بالطريقة ~~نفسها ، وجاءت هذه الآية لتذكر المؤمنين بأن الموقف الآن في المدينة هو ~~الموقف السابق في مكة ، وفي كل موقف مماثل في كل زمان ومكان ، فلا بد ~~للمسلم أن يعبر عن رفضه لهذه الأحاديث المضادة للحق وأهله ms1718 ، إما بالرد ~~الحاسم إذا كان يملك القوة على الرد ، أو الانسحاب من المجلس إلى أن ينتهي ~~هذا الحديث وينتقل الجالسون إلى غيره. # أما إذا لم يفعلوا ذلك ، واستمروا في الجلوس في المجلس من دون خوف ولا ~~ضرورة ، فإن الموقف يتحول إلى موقف نفاق متمثل في سلوك صاحبه الذي يحاول أن ~~يظهر مع الكافرين بمظهر الراضي بكلامهم المنسجم مع أحاديثهم طلبا لمرضاتهم ~~أو طمعا في أموالهم ، وعليه أن ينتظر في نهاية المطاف في الآخرة عذاب جهنم ~~الذي أعده الله للمنافقين والكافرين ، لأن القضية تتصل بالواقع على مستوى ~~النتائج المتحركة في موقف الكفر في ساحة القوة لا على مستوى الكلمات التي ~~لا تتحول إلى موقف ، فإن الله PageV07P509 # يرفض الكفر ويرفض تشجيع الكافرين على الامتداد في كفرهم ومجاملتهم في ~~التعبير عن أحقادهم ضد الإسلام ، لأن الذين يجاملونهم ويداهنونهم يعبرون عن ~~تجاوبهم وانسجامهم مع المضمون الكافر الساخر بالإسلام وأهله ؛ الأمر الذي ~~يحمل دلالة كبيرة على أن روحية هذا الإنسان الذي يتمظهر بمظهر الإسلام ، ~~تتفق مع روحية الكفر والكافرين ، فإن المسلم الحق لا يمكن أن يتقبل الإساءة ~~إلى دينه وإلى مقدساته من دون أن يعبر عن رفضه بكل الوسائل الإيجابية ~~والسلبية الموجودة عنده. # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن الإسلام لا يريد أن يفرض على المسلمين العزلة عن ~~مجتمعات الكفر ، لا سيما إذا كانت لديهم مصالح ثقافية واقتصادية وأمنية ~~تتصل بهم ، ولكنه يريد لهم أن لا يواجهوا التحديات الكافرة بموقف ضعف ~~واستسلام واستخذاء ، بل يريد لهم أن يعبروا عن رفضهم لذلك بالطريقة ~~المذكورة ، وهي الخروج من المجلس باعتبار أنه أضعف الإيمان. # * * * PageV07P510 ### ||| * الآية # ( @QUR@036 الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن ~~معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ~~فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) (141) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتربصون ): ينتظرون. وقد مر سابقا. # ( @QUR@01 نستحوذ ): نغلب ونستولي. والاستحواذ : الغلبة والاستيلاء ، ~~يقال : حاذ الحمار أتنه ، إذا استولى عليها وجمعها ، وكذلك حازها. # * * * ### ||| ** الذين يلعبون على المواقف # وهذه ms1719 صفة أخرى من صفات النفاق ، وهي صفة الانتهازي الذي يلعب على نتائج ~~المواقف ويتخذ لنفسه الموقع الذي يلتمس الربح على مستوى الدنيا من غير ~~اعتبار للآخرة ؛ فهم يظلون في حالة انتظار وتربص بالمؤمنين ، فلا يحددون ~~موقفهم بشكل حاسم ، بل ينتظرون البوادر التي تحدد النتائج. فإن كان هناك ~~فتح للمؤمنين ، جاؤوا إليهم ليقولوا لهم في عملية تأكيد للموقف الذي يستحق ~~الحصول على بعض غنائم النصر : ألم نكن معكم؟ PageV07P511 # ويقيمون كل الدلائل على ذلك. أما إذا كان للكافرين نصيب من الانتصار في ~~المعركة ، جاؤوا إليهم ليؤكدوا لهم أنهم هم الذين ساعدوا على الوصول إلى ~~هذه النتائج ونصروهم على المؤمنين ، بعد أن ملكوا أمر السلطة عليهم ، فلم ~~يمكنوا المؤمنين من الوصول إليهم والتغلب عليهم. وقد أراد الله أن يوحي ~~لهؤلاء بالشعور بهول الموقف الذي ينتظرهم. فإذا كانوا قد استطاعوا اللعب ~~على الألفاظ والمواقف في الحياة الدنيا ، فكيف يكون موقفهم يوم القيامة ، ~~عند ما يقفون غدا مع المؤمنين ، ليكون الله هو الحاكم الذي يحكم بينهم ؛ ~~فأي جواب ، وأي دفاع في ما لا جواب له ولا دفاع عنه؟! ( @QUR@07 ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) وحجة ، لأنهم لا يملكون الحجة على ~~مواقفهم المنحرفة التي يواجهون بها خط الإيمان. # وتلك هي قضية المواقف المرتكزة على قناعات ثابتة أصيلة ، والمواقف ~~المبنية على الهوى والشبهة من دون أساس ، من حيث النتائج الأخروية في موقف ~~الحكم أمام الله ، أو من حيث النتائج الدنيوية في حركة الواقع في حياة ~~الناس. وقد جاء في كتاب «عيون أخبار الرضا» للصدوق ، بإسناده عن أبي الصلت ~~الهروي عن الرضا عليه السلام ، في قول الله جل جلاله : ( @QUR@07 ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال : فإنه يقول : ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين حجة ، ولقد أخبر تعالى عن كفار قتلوا نبيهم بغير ~~الحق ، ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا (1). # وفي الدر المنثور : أخرج ابن جرير عن علي عليه السلام ، ( @QUR@07 ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )، قال : في الآخرة (2). # وهذا هو ms1720 ما يقتضيه سياق الآية عن حكم الله بينهم وبين المؤمنين في PageV07P512 # يوم القيامة. # وقد حاول الفقهاء أن يتجاوزوا هذا الجو الذي يوحيه سياق الآية إلى أبعد ~~من ذلك ، فاعتبروا الآية دليلا على إلغاء كل الالتزامات المفروضة على ~~المسلم للكافر ، أو الأوضاع القانونية التي تمثل لونا من ألوان السلطة ~~للكافر على المسلم ... وتعدى البعض ذلك إلى عدم جواز بيع المصحف للكافر ، ~~لأن منع سلطة الإنسان الكافر على المسلم يقتضي منع سلطته على القرآن بطريق ~~أولى. وربما ناقش بعض الفقهاء في بعض ذلك ، ولا سيما بما يتعلق بالقرآن ~~الذي أراد الله للناس من الكفار والمؤمنين أن يقرءوه أو يسمعوه لأنه النور ~~الذي يضيء عقولهم بالحق ، فلا بد من العمل على تسهيل وصوله إليهم بأية ~~وسيلة ليطلعوا عليه حتى مع وجود بعض السلبيات الناشئة من ذلك بما يتصل ~~بطريقة احترامه ، فهو كتاب للهداية لا للتجميد في نطاق معين من شكليات ~~الاحترام مما نترك تفصيله لأبحاث الفقه. # وقد نستوحي من ذلك ، الموقف السياسي والاجتماعي والاجتماعي والاقتصادي ~~الذي ينبغي أن يتخذه المسلمون من سلطة الكافرين التي تحاول أن تحتويهم ~~وتسيطر عليهم وتمنعهم من الوصول إلى أهدافهم الكبيرة في إقامة سلطة حكم ~~الله على الأرض ، وتعمل على إذلالهم وتدمير روحهم المعنوية ، وتمزيق وحدتهم ~~، وإهدار ثروتهم ، ونهب مواردهم ، وتعطيل دورهم الفاعل في قيادة الحياة ، ~~وخنق حريتهم ومنعها من الامتداد في خط الدعوة إلى الله والعمل في سبيله ؛ ~~فإذا كان الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ، فإن المقتضى العملي ~~لهذه الآية هو أن يعمل المسلمون على عدم إعطاء الكفرة السبيل عليهم وعلى ~~أرضهم وأموالهم. ومن هنا كان من الضروري لهم أن يقفوا في مواقع المواجهة ~~الحادة ضد كل هذه الأعمال ، من أجل أن يعطلوا الخطة ويمنعوا عملية الاحتواء ~~والإذلال. # * * * PageV07P513 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) @QUR@016 مذبذبين ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) (143) # * * * ### ||| ** معاني المفردات ms1721 # ( @QUR@01 يخادعون ): يعملون عمل المخادع ، فيظهرون الإيمان ويبطنون ~~الكفر للحصول على ثقة المؤمنين بصدق إيمانهم وللوصول إلى أهدافهم. يقال : ~~خدعه خدعا وخديعة ، إذا أظهر له خلاف ما يخفيه ، أو أراد وقوعه في المكروه ~~من حيث لا يعلم ، وإذا أسند الخداع إلى الله سبحانه ، فهو من باب الجزاء ~~والعقاب ، فخدعتهم له تعالى هي بعينها خدعته لهم. # ( @QUR@01 كسالى ): جمع كسلان ، متثاقلين عما لا ينبغي التثاقل عنه ، من ~~غير وعي ولا قوة ولا اندفاع ، لأنهم لا يريدون إلا الرياء. وقال الراغب : ~~الكسل : التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ، ولأجل ذلك صار مذموما (1). # ( @QUR@01 مذبذبين ): قلقين مترددين مضطربين ، كحركة الشيء المعلق ، يتردد PageV07P514 # يمينا ويسارا ، وقيل : إنما سموا مذبذبين وليس متذبذبين ، لأن القهر ~~الإلهي هو الذي يجر لهم هذا النوع من التحريك الذي لا ينتهي إلى غاية ثابتة ~~مطمئنة. # * * * ### ||| ** المنافقون مذبذبون # وهذه صفة ثالثة تحدد بعض ملامح المنافقين ، فهم يحاولون في مظهرهم ~~الإيماني وأسلوبهم في الاندماج بمجتمع المؤمنين ، أن يحصلوا على الثقة بصدق ~~إيمانهم من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين معهم ، ظنا منهم بأن ~~حيلتهم تنجح وتنطلي على المجتمع الإيماني ، كمن يقوم بعملية الخداع في سبيل ~~الوصول إلى هدفه ؛ ولكنهم لم يلتفتوا إلى أنهم لا يخادعون المؤمنين ، بل ~~حاولوا خداع الله ؛ لأن المؤمنين لا يمثلون أنفسهم ، بما يثيرونه من قضايا ~~، أو يقفونه من مواقف ، أو يواجهونه من مؤامرات وتحديات ، أو يقيمونه من ~~علاقات ؛ بل يمثلون خط الله ، وهو خادعهم ، عند ما يتركهم لأوهامهم في نجاح ~~الخطة ، وامتداد الخدعة ... ثم يملي لهم في الحياة وما تحفل به من النعم ~~والملذات ، حتى يظنوا أن الله قد رضي عنهم ؛ ولكن الله يواجههم بالموقف ~~الذي يكشف به كل خفاياهم الشريرة ، بعد أن يستسلموا للشعور بالأمن ~~والطمأنينة. جاء في «العيون» بإسناده عن الحسن بن فضال قال : سألت علي بن ~~موسى الرضا عليه السلام عن قوله : ( @QUR@04 يخادعون الله وهو خادعهم ) فقال ~~: الله تبارك وتعالى لا يخادع ، ولكنه يجازيهم جزاء الخديعة (1). # وفي تفسير العياشي عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن ms1722 محمد عن أبيه : PageV07P515 # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل فيم النجاة غدا؟ فقال : النجاة أن ~~لا تخادعوا الله فيخدعكم ، فإنه من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الإيمان ، ~~ونفسه يخدع لو يشعر. فقيل : فكيف يخادع الله؟ قال : يعمل بما أمر الله ثم ~~يريد به غيره ، فاتقوا الرئاء ، فإنه شرك بالله ، إن المرائي يدعى يوم ~~القيامة بأربعة أسماء : يا كافر ، يا فاجر ، يا غادر ، يا خاسر ، حبط عملك ~~، وبطل أجرك ، ولا خلاق لك اليوم ، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له (1). # ثم تكشف الآية بعض الألوان القلقة في أعمالهم ؛ فهم قد يصلون ، ولكنهم لا ~~يملكون روحية الصلاة التي تبعث في أجسادهم النشاط والحيوية والانقطاع إلى ~~الله ، بحيث تتحول في وقفتهم هذه أمام الله إلى حركة روحية مليئة بالقوة ~~والثبات والامتداد ، بل يعيشون بدلا من ذلك الكسل الذي يبعث في أجسادهم ~~الخدر ، وفي عيونهم الشعور بالضياع ، وفي حركاتهم الشلل أو ما يشبه ذلك ... ~~( @QUR@06 وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) من غير وعي ولا قوة ولا ~~إيمان ، لأنهم لا يريدون من الصلاة إلا الرياء ، ليراهم الناس على حالة ~~الصلاة ، ليأخذوا بعضا من الثقة بذلك ، ولا يذكرون الله الذي يذكره ~~المؤمنون بشكل دائم مستمر في وعي كبير لعظمته وامتداده ، لأنهم لا يحيون في ~~أعماقهم روح الإيمان به ، إلا بما يشبه الشبح ؛ ولذلك فإنهم لا يذكرونه إلا ~~قليلا من موقع انتهاز الفرصة لا من موقع الإيمان. # وقد جاء في الكافي بإسناده عن أبي المغرا الخصاف رفعه قال : قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام : من ذكر الله عز وجل في السر ، فقد ذكر الله كثيرا ، ~~إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية وال يذكرونه في السر فقال الله ~~عز وجل : ( @QUR@07 يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) (2). PageV07P516 # وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي عن أنس قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت ~~بين قرني الشيطان (1) قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا (2). # وجاء عن الإمام ms1723 جعفر الصادق عليه السلام : للمرائي ثلاث علامات : يكسل إذا ~~كان وحده ، وينشط إذا كان الناس عنده ، ويتعرض في كل أمر للمحمدة (3). # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن الرياء يتمثل في العمل للناس من أجل أن يحصل على ~~المكانة عندهم والحظوة لديهم والثقة به في الموقع المميز فيهم ؛ من دون أن ~~يكون العنوان الذي يظهر به ممثلا لحقيقته ، فيريد أن يعتقد الناس فيه ~~الإيمان والصلاح والتقوى والإخلاص من خلال مظهره الكاذب الذي يقدمه إليهم ~~من دون أن يتصف بهذه الصفات في الواقع. # وليس من الرياء مداراة الناس في تعامله معهم ومجاملته لهم انطلاقا من حسن ~~الأخلاق وكرم السجايا ، انسجاما مع العلاقات الإنسانية العامة التي تفرض ~~على الإنسان في الدائرة الاجتماعية أن يبتسم لإنسان ليس بينه وبينه مودة ، ~~أو يحترم من لا يملك موقع الاحترام ، انطلاقا من الأوضاع الاجتماعية ~~العامة. وقد ورد في الحديث المأثور : «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني ~~بأداء الفرائض» (4). وهكذا نرى أن المرائين هم الذين يتظاهرون أمام الناس ~~بما ليس فيهم لينالوا المكانة المميزة لديهم من دون أن يكون لهم PageV07P517 # واقع يتناسب مع هذا الظاهر. # ليس لهم موقف ثابت ينطلقون منه أو يرتكزون عليه ، فهم مذبذبون مترددون ~~بين جانبين من غير ارتباط بأحدهما ؛ وذلك هو الضياع الذي لا يجد معه ~~الإنسان طريقا واضحا يسير عليه ويهتدي به للوصول إلى غايته ، لأنهم ابتعدوا ~~عن طريق الله فتركهم الله لضلالهم ، وأضلهم من خلال اختيارهم السيئ ؛ ومن ~~يضلل الله ، يغلق قلبه عن النور وفكره عن الهدى ، ويتركه للتيه والظلام ، ~~فلا يمنحه رحمته بسبب تمرده ونفاقه ، ( @QUR@04 فلن تجد له سبيلا ) إذ لا ~~سبيل في الحياة غير السبيل الذي يفتحه الله للإنسان برحمته لعباده ~~الصالحين. # * * * PageV07P518 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) @QUR@011 إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) @QUR@018 إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) @QUR@011 ما ms1724 يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ) (147) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 سلطانا مبينا ): حجة ظاهرة واضحة ، والسلطان : الحجة ، قال ~~الزجاج : وهو يذكر ويؤنث قالوا : قضت عليك السلطان وأمرك به السلطان ، ولم ~~يأت في القرآن إلا مذكرا ، وقيل للأمير : سلطان ، ومعناه ذو الحجة (1). # ( @QUR@01 الدرك ): عبارة عن الطبقة أو الدرجة من الجانب الأسفل من PageV07P519 # الشيء. قال الراغب : كالدرج ، لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود ، والدرك ~~اعتبارا بالحدور ، ولهذا قيل : درجات الجنة ودركات النار (1). # ( @QUR@01 شاكرا ): يجازي على الشكر. # * * * ### ||| ** لا تتخذوا الكافرين أولياء # كان الحديث في الآيات السابقة عن المنافقين كنموذج منحرف عن الخط الصحيح ~~في الواقع الإسلامي. وفي هذه الآيات لفتات ودعوة إلى المؤمنين بالابتعاد عن ~~أساليبهم وأعمالهم ، وذلك بأن يشعروا بأن أولياءهم هم المؤمنون ، أما ~~الكافرون ، فهم أعداء العقيدة والحياة ، فلا يتخذوا منهم أولياء بعيدا عن ~~المؤمنين ، لأن ذلك هو النفاق بعينه. والالتزام بالعقيدة يفرض الالتزام ~~بنتائجها التي تقف في مقدمتها الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله ~~، في ما يختزنه الإنسان من مشاعر ومواقف. ويتصاعد الأسلوب القرآني في الآية ~~، ليضع المؤمنين في أجواء التهديد بأن هذا الاتجاه في السلوك يجعل لله ~~عليهم الحجة التي يعاقبهم على أساسها ؛ وذلك بطريقة إثارة السؤال أمامهم في ~~إيحاء تهديدي : ( @QUR@07 أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا )؟ ~~وكأنه يقول : وهل يستطيع الإنسان الضعيف أن يتماسك أمام هذا الموقف الصعب ~~بين يدي الله ، ليفكر المؤمنون بخطواتهم قبل أن يبدءوا طريق الانحراف. # ويضع القرآن المسألة في نصابها الصحيح حول مصير المنافقين ، فهم في ~~الدرجة السفلى من النار ، مما يوحي بأن الكافرين قد يمتازون عنهم في ذلك ، ~~عند ما لا يكونون في أعماق النار ، حيث الحقارة والمهانة والعذاب PageV07P520 # الشديد والمصير المهلك الذي لا يجد معه نصيرا ... ومن يخذل الله فهل له ~~من نصير؟ # ولعل في هذا التأكيد على موقع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ~~إيحاء بأن واقع النفاق الذي يمثل الكفر في الباطن والإيمان في الظاهر ، ~~أكثر خطورة من الكفر الظاهر ، لأن هذا النوع من الاستخفاء بالإيمان الظاهري ~~يمكن ms1725 هؤلاء من الدخول إلى قلب المجتمع المسلم للاطلاع على الثغرات الكامنة ~~فيه ، مما يفسح لهم المجال للكيد والدس والتخريب بأساليبهم الملتوية التي ~~قد يغفل عنها المسلمون ، لأنهم يتحركون بينهم كجزء من مجتمعهم بحيث لا يشعر ~~المسلمون بالحاجة إلى الحذر منهم ، فيهيئ لهم ذلك الفرصة الذهبية لإرباك ~~المجتمع الإسلامي في العمق بالفتنة والانحراف والإفساد باسم الإصلاح ، ~~ولذلك كانت خطورتهم تتحرك في خطين ، بينما تتحرك خطورة الكافرين المعلنين ~~للكفر في خط واحد ، هذا بالإضافة إلى ما يدل عليه النفاق من انحطاط الشخصية ~~، وسقوط الأخلاق ، والنفسية المعقدة. # ولكن الله يفتح للمنحرفين المنافقين باب التوبة والرجوع إليه والتخلص من ~~المصير المحتوم ؛ فإذا ( @QUR@02 تابوا وأصلحوا )، فغيروا حياتهم على ~~النهج الذي يحبه الله ويرضاه ، ( @QUR@02 واعتصموا بالله )، ولم يلجأوا ~~إلى ركن غيره ، واعتبروا الارتباط بالله القاعدة التي تحدد لهم علاقاتهم ~~وسلوكهم ومواقعهم في الحياة ، ( @QUR@03 وأخلصوا دينهم لله )، فلم يحولوا ~~الدين إلى سلعة في المزاد ؛ فإن الله سيحشرهم مع المؤمنين الذين يتحركون في ~~طريق الإيمان من موقع الإصلاح في العمل ، والاعتصام بالله في جميع الأمور ، ~~وإخلاص الدين له في كل المواقف والتطلعات ، وسيجدون هناك مع المؤمنين الأجر ~~العظيم الذي يؤتيهم الله إياه برحمته ورضاه. PageV07P521 # ثم يطرح أمامهم الحقيقة التي توحي بأن قضية عذاب الله للمنافقين ليست ~~حاجة منه تعالى إلى ذلك ، فإنه ليس بحاجة إلى شيء ، من موقع غناه المطلق عن ~~كل خلقه ؛ ولكنها الحكمة التي تنظم للخلق أمور معاشهم ومعادهم للحفاظ على ~~توازنهم وتوازن الحياة من خلالهم ؛ فإذا آمنوا بالله من أعماقهم ، وشكروه ~~بمشاعرهم وأعمالهم ، وانسجموا مع إرادته في ذلك كله ، فليس هو بمعذبهم ، إذ ~~لا موجب لذلك ؛ ( @QUR@03 وكان الله شاكرا ) لمن يشكره ويؤمن به ، ( ~~@QUR@01 عليما ) بما يصلح الخلق وما يفسدهم في جميع مراحل حياتهم من ~~الناحية الفكرية والعملية. # * * * PageV07P522 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله ~~سميعا عليما (148) @QUR@014 إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن ~~الله كان عفوا قديرا ) (149) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال مجاهد ms1726 : إن ضيفا تضيف قوما فأساءوا قراه ~~فاشتكاهم ، فنزلت هذه الآية رخصة في أن يشكوا (1). # وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، في التأكيد على هذه الفكرة ~~في النموذج المذكور للمظلوم ، أنه قال : أنه قال : إن «من أضاف قوما فأساء ~~ضيافتهم ، فهو ممن ظلم ، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه» (2). # * * * PageV07P523 ### ||| ** لا يحب الله الجهر بالسوء من القول # ليس للإنسان الحرية في أن يتكلم بما يحلو له من الكلمات التي تتعلق ~~بأفعال الناس ، مما يوحي بالذم والانتقاص والسوء ، لأن ذلك يجعل الحياة ~~الاجتماعية والفردية خاضعة للانفعالات السلبية الذاتية التي يحس بها ~~الإنسان تجاه الآخرين ، فيسيء إليهم ويحطم كرامتهم من دون معنى ؛ فيفقدون ~~على أساس ذلك الشعور بالثقة والاطمئنان في مثل هذا المجتمع الذي يسمح فيه ~~للأفراد أن يتكلموا بالسوء بما شاؤوا عمن شاؤوا ولمن شاؤوا ... ولذلك فقد ~~اعتبر الإسلام ذلك منطقة محرمة على الإنسان ، لا يجوز له أن يأخذ حريته ~~فيها. وفي هذا الجو ، كانت الغيبة التي هي «ذكرك أخاك بما يكره في ظهر ~~الغيب» من الكبائر التي توعد الله عليها بإدخال صاحبها النار ، لعلاقتها ~~بالحقوق الإنسانية الإيمانية التي تفرض عليك احترام أخيك في أسراره التي ~~تطلع عليها صدفة ، فلا تذكرها للآخرين. وهذا ما أرادت الآية أن تؤكد عليه ، ~~لتربطه بالعلاقة الوثيقة بالله التي تدعو الإنسان المؤمن إلى أن يحب ما ~~يحبه الله ويكره ما يكرهه ، لأن الإخلاص له يعني ذلك في ما يتصل بالأفكار ~~والمشاعر والمواقف ؛ وذلك فحوى قوله تعالى : ( @QUR@07 لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول )، وهو الإعلان به وإظهاره بأية وسيلة من الوسائل. # وقد اختلف المفسرون في تفسير السوء من القول على أقوال : (أحدها): لا ~~يحب الله الشتم في الانتصار. (ثانيها): لا يحب الله الجهر بالدعاء على ~~أحد. (ثالثها): إن المراد لا يحب أن يذم أحد أحدا أو يشكوه أو يذكره ~~بالسوء. والظاهر أن الآية شاملة للجميع لصدق الجهر بالسوء على كل هذه ~~الموارد. # ولما كان لكل قاعدة استثناء ، جاءت الآية لترخص للمؤمنين المظلومين الذين ~~يعانون من قهر ms1727 الظلمة واستبدادهم ، في ما يتعلق بأنفسهم PageV07P524 # وأموالهم وأعراضهم ، فأباحت لهم أن يتحدثوا عن ظلامتهم وإن كان ذلك لونا ~~من ألوان الجهر بالسوء ، لأن النهي كان لمصلحة الإنسان ، حتى في احترام ~~أسراره السيئة ، فإذا كان الإخفاء ضد مصلحته ، فإن الرخصة تكون منسجمة مع ~~خط الإسلام في التشريع. وهذا ما نواجهه في موقف المظلوم من الظالم ؛ فمن ~~حقه أن يتنفس ويعبر عن مشكلته ، بالشكوى الذاتية التي ترفع عن صدره ثقل ~~الأزمة ، أو بالشكوى لمن يستطيع أن يحل له مشكلته وينصفه من ظالمة ، لأن ~~ذلك هو السبيل لمحاربة الظلم والظالمين ، فقد يرتدعون عن ذلك إذا علموا أن ~~الناس سوف يتحدثون عنهم بطريقة قاسية ، مما يسبب لهم المقت والعداوة ~~والإذلال ... وقد جاءت السنة الشريفة لتؤكد على ذلك ولتضيف إليه موارد ~~كثيرة ، مما يجوز فيه للمؤمن أن يذكر المؤمن الآخر بالسوء من خلال بعض ~~المصالح العامة التي تمس الفرد والمجتمع ، في المستوى الكبير في الأهمية ~~التي تتصاغر عندها المفسدة الناشئة من ذكر الإنسان بسوء. فإن الأحكام تابعة ~~للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، وبذلك تختلف في حال التزاحم بينها ، تبعا ~~لاختلاف درجة الأهمية في المصالح والمفاسد. ( @QUR@04 وكان الله سميعا ~~عليما )، يسمع كل أقوالنا ويعلم كل دوافعها من خير أو شر ... # وإذا كان الله لا يريدنا أن نجهر بالسوء من القول ؛ فإنه يترك لنا الخيار ~~في الحديث عن الخير ، في ما نخفيه ونبديه منه ؛ فقد تمس الحاجة إلى الحديث ~~عنه من أجل تشجيع الناس على القيام به ، وقد تكون المسألة تفرض الإخفاء ~~وترك الحديث عنه ، لعلاقة ذلك بكرامة الإنسان الذي فعل الخير معه ، لأن ~~الإعلان عنه يحرجه ويسيء إليه لاعتبارات ذاتية أو اجتماعية ، وقد تكون ~~القضية مرتبطة بإخلاص فاعل الخير الذي يجب أن لا يتحدث الناس عن عمله ، لأن ~~مثل ذلك يعرضه لبعض الحالات النفسية المعقدة التي تقوده إلى الرياء ونحوه ، ~~فعلينا أن نحترم مشاعره إن كان الفاعل غيرنا وعلينا أن PageV07P525 # نخلص لعملنا إن كنا نحن الفاعلين وقد تكون القضية منطلقة من مبدأ ~~المحافظة على عمل الخير ، لأن ms1728 الكتمان ينمي حركته ويبعد عنه التحديات ~~الصعبة ، وهكذا يختلف الموقف حسب اختلاف المصلحة العليا في ذلك كله. # وربما كانت الحالة التي تواجه الإنسان ، هي حالة إساءة الآخرين إليه ، ~~مما قد يثير في نفسه العقدة تجاه ذلك ، فتستيقظ نوازعه الذاتية لتحرك فيه ~~جانب الثأر لنفسه لاسترداد حقه والدفاع عن كرامته ، ولكن الله يريد أن ~~يوجهه وجهة أخرى ، هي الارتفاع بالمسألة إلى مستوى الروحية الإسلامية التي ~~يواجه بها كل المشاكل مع إهمال كل السلبيات الذاتية ودراسة الظروف ~~الموضوعية المحيطة بهذه المسألة لتظهر بذلك النتائج الإيجابية التي تكمن ~~خلف اختيار الوجه الإيجابي من الحل ، ليكون العفو عن الإساءة وتجاوز ~~المسألة بوعي ورحمة وانفتاح ، هو الانطلاقة التي تفتح القلب على الجانب ~~الخير من الحياة ، وتحرك الفكر والشعور في الجانب المشرق من الشخصية الطيبة ~~الواعية ، وذلك بتخلق الإنسان بأخلاق الله في العفو من موقع القدرة ، حيث ~~يريد من عباده أن يتخلقوا بها ؛ وكان الله عفوا قديرا. # وهكذا خططت هاتان الآيتان لحركة المؤمن ، في ما يريد أن يتحدث به من ~~أحاديث الخير والشر المتعلقة بالناس ، كما وجهت سلوكه للعفو عن التصرفات ~~السيئة التي يقوم بها الآخرون ضده ؛ وذلك من موقع الارتفاع إلى المستوى ~~الأعلى من روحية التصرف ، وهذا هو الطابع الإسلامي للتربية ، في ما يريده ~~للشخصية الإسلامية من تربية سليمة. # * * * PageV07P526 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) ~~@QUR@08 أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) ~~@QUR@017 والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) (152) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سبيلا ): منهجا وطريقا. # * * * ### ||| ** الذين يفرقون بين الله ورسله # هل هناك علاقة ذاتية بين الناس وبين الرسل ، في عملية الإيمان بهم واتباع ~~سبيلهم؟ ليس هناك أية علاقة بالمعنى الشخصي للعلاقة ، بل هي PageV07P527 # علاقة بين الناس وبين الله ، لأن الرسل لا يمثلون أنفسهم من خلال ما ~~يدعون الناس إليه وما يسيرون عليه ، بل هم في ذلك كله ، يمثلون ms1729 الخط الإلهي ~~الذي يتمثل في رسالة الله التي كلفهم بها من خلال وحيه ، وقد أرادنا أن ~~نؤمن برسله جميعا من دون تفريق بين رسول وآخر ، فهم جميعا رسل الله ، من ~~خلال ما يملكونه من حجج على دعواهم ؛ فكيف يمكن للإنسان أن يتجاوز الحجة ~~إلى غيرها ، وهل هذا إلا الكفر بعينه ، عند ما ينكر الإنسان رسالة أحد ~~الأنبياء بعد قيام الحجة لديه من الله على ذلك ، ويرد عليه دعوته التي هي ~~دعوة الله ، مما يجعل الراد عليه رادا على الله؟ # وقد جاءت هذه الآيات لتحدثنا عن هذه الحقيقة ، من خلال النماذج التي ~~رافقت انطلاقة الإسلام الأولى ، فقد كان اليهود ينكرون رسالة عيسى ~~عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان النصارى ينكرون رسالة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اعتبر الإسلام ذلك كفرا بالله ورسله ، وتفريقا ~~بينه وبينهم ، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، لأن كل هذه التفاصيل تلتقي ~~بالإيمان بالله ، وبذلك يكون إنكار بعضها لونا من الكفر بالله في ما أوحاه ~~من رسالة وكتاب أو أرسله من رسول. فليس هناك إلا سبيل واحد تلتقي فيه خطى ~~جميع الرسل ، وليست هناك فجوات أو طرق بين بعض وآخر ... وهكذا ينطلق القرآن ~~ليؤكد العذاب للكافرين بجميع الرسل ، وللكافرين ببعضهم ، لأن النتيجة واحدة ~~وهي الانحراف عن الخط الصحيح الذي هو الإيمان بالجميع. أما الذين ساروا على ~~الصراط المستقيم ، فآمنوا بجميع الرسالات ، وصدقوا جميع الرسل ، واعتبروا ~~أن تعدد النبوات حسب تعدد الأزمان ، يمثل في وحي الله نظام المراحل الذي ~~يعطي كل مرحلة دورها وحاجتها ونظامها الذي يكفل لها التوازن والسعادة ، أما ~~هؤلاء فإن جزاءهم على الله أن يؤتيهم أجورهم ، كما يشاء كرمه ومغفرته ~~ورحمته ، فإنه الغفور الرحيم. # * * * PageV07P528 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ~~(153) @QUR@019 ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ~~وقلنا ms1730 لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) @QUR@022 فبما ~~نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) (155) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الطور ): الجبل. # ( @QUR@02 لا تعدوا ): لا تتجاوزوا الحد ، والمراد به هنا عدم العمل يوم ~~السبت الذي حرمه الله عليهم. قال أبو زيد : تقول : عدا علي اللص أشد العدو ~~والعدوان والعدا والعدو ، إذا سرقك وظلمك ... وعدا يعدو إذا جاوز ، PageV07P529 # يقال : ما عدوت أن زرتك ، أي ما جاوزت ذلك (1)، وقرئ بتشديد الدال بمعنى ~~لا تعتدوا ، من الاعتداء. # ( @QUR@01 ميثاقا ): عهدا على الالتزام بالعهد ، والميثاق ما يشد به ~~العهد قيل : كأن الذي يعطي العهد شيء يوثق به نفسه ويلزمها ما في العهد. # ( @QUR@01 غلف ): جمع أغلف ، أي في أغشية ، تمنعها عن استماع الدعوة ، ~~يقال : غلف الشيء جعل له غلافا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال : نزلت في اليهود ، قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إن كنت نبيا فائتنا الكتاب جملة من السماء كما أتى به ~~موسى ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2). # كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى محمد بن كعب القرظي ~~قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : إن ~~موسى جاء بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك. ~~فأنزل الله : ( @QUR@09 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) ~~... إلى قوله : ( @QUR@05 وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) (3). # * * * PageV07P530 ### ||| ** أهل الكتاب وأسئلتهم التعجيزية في خط التمرد # كيف واجه أهل الكتاب وهم في هذه الآيات اليهود دعوة رسول الله إلى ~~الإسلام؟ لقد دعاهم إلى الحوار بالأسلوب الهادىء ، والفكر المتزن ، والقلب ~~المفتوح ، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك ، لأنهم لا يملكون الحجة التي تواجه ~~الحجة ، ولا يعيشون مسئولية الفكر والإيمان بوعي وانفتاح ، بل كان العناد ~~والتمرد والمناورة والمداورة هي العناصر التي تمثل أجواء الصراع التي خاضها ~~الإسلام معهم. فكيف عبروا عن ذلك؟ لقد سألوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~ينزل عليهم ms1731 كتابا من السماء ، كأسلوب من أساليب التعجيز ، لأنهم يعرفون أن ~~الله لا يستجيب للتحديات التي تطلق من أجل التعجيز والإثارة ، ويعلمون أن ~~طريق الإيمان لا يمر بمثل هذه المعاجز التي لا معنى لها ، لأنها لا تحقق ~~شيئا في مواجهة الكفر كقوة ، بل تظل تتنقل من اقتراح إلى اقتراح إلى ما لا ~~نهاية ، ولهذا ، لم يلتفت النبي إليهم ، في ما أوحاه الله إليه ، بأن هؤلاء ~~ليسوا في موقع الاقتناع ، بل هم في موقع اللجاج والعناد. # ثم بدأ القرآن يثير أمام النبي تاريخهم المتمرد الذي لم يتحرك في الاتجاه ~~الصحيح ، بل انطلق في الاتجاه المنحرف الذي يلعب ويلف ويدور ويقف المواقف ~~المضادة لكل دعوة خيرة ، ويتصرف ضد الأنبياء بكل أساليب التعسف والقتل ~~والتشريد ... فكيف يمكن أن يأمل بهدايتهم وإقبالهم على دعوة الإسلام؟ # ( @QUR@010 فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) وهو من ~~طلب المستحيل ، لأن الله ليس جسما حتى يراه الناظرون. ثم ما معنى أن يطلبوا ~~هذا الطلب؟! فإذا كان ذلك من أجل الوصول إلى قناعة الإيمان ، فإن وسائل ~~القناعة لا تقف عند حد لمن أراد الاقتناع ، أما إذا أرادوا اللعب على موسى ~~وإظهار عجزه ، فإن ذلك يوحي بالانحراف والتفاهة ... ( @QUR@01 فأخذتهم PageV07P531 # @QUR@02 الصاعقة بظلمهم ) لأنفسهم ولموسى عليه السلام في ما طلبوه ، وما ~~أثاروه كمظهر من مظاهر التحدي. # ( @QUR@08 ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات ) فلم يستجيبوا لها ~~، بل انحرفوا عنها وأقبلوا على الدعوات الكافرة التي تدعوهم إلى عبادة ~~العجل تشبها بالقوم الذين شاهدوهم يعبدون الأصنام على هذه الطريقة ، ( ~~@QUR@03 فعفونا عن ذلك ) بعد ما أنابوا إلى الله عند رجوع موسى إليهم ، ( ~~@QUR@04 وآتينا موسى سلطانا مبينا ) بما أنزله الله عليه من التوراة ، وما ~~أعطاه من الشأن الكبير. # ( @QUR@03 ورفعنا فوقهم الطور ) ثم رفع الله فوقهم الجبل بميثاقهم ، وقال ~~لهم ( @QUR@02 ادخلوا الباب ) في بيت المقدس ( @QUR@01 سجدا )، ( @QUR@06 ~~وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ) عند ما حرم الله عليهم الصيد في السبت وأخذ ~~منهم ميثاقا غليظا مؤكدا ، ولكنهم لم يلتزموا بالتعاليم ، ولم يفوا ~~بالميثاق بل نقضوه ms1732 بالتمرد على كل ما فيه من التزامات. وامتد بهم الطغيان ~~فكفروا بآيات الله الواضحة التي أظهرها على أيدي أنبيائه ، وقتلوا الأنبياء ~~بغير حق ، وأي حق يمكن أن يتصوره الإنسان في قتل الأنبياء الذين أرسلهم ~~الله رحمة للعالمين؟ وسخروا من كل الدعوات الخيرة الموجهة إليهم ، وقالوا ~~للدعاة إلى الله : إن ( @QUR@02 قلوبنا غلف )، لا تدخل إليها الكلمات ولا ~~تعي ما يلقى إليها من وحي ، ولكن الله سبحانه يرفض هذا الادعاء ، بل إن ~~قلوبهم كقلوب بقية البشر مفتوحة ، لكل أساليب الهداية ، ولكنهم أغلقوها ~~وغلفوها بالأفكار السوداء ، فطبع الله عليها بسبب ذلك ، فلا يؤمنون إلا ~~قليلا ، لأنهم لا ينفتحون على معاني الإيمان وإيحاءاته .... # وتلك هي بعض قصة هؤلاء في ما رفعوه كشعار ، وقدموه كانتماء ، وخالفوه ~~كرسالة وتعاليم ... وما زالت للقصة بقية من التاريخ ، وبقية من المستقبل ~~الذي يحفل بالكثير الكثير من جرائمهم وعدوانهم على القيم في حركة الإنسان ~~والحياة. PageV07P532 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) @QUR@034 وقولهم ~~إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا (157) @QUR@08 بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) ~~@QUR@014 وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا ) (159) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بهتانا ): أعظم الكذب وأشنعه. وهو الكذب الذي يبهت سامعه ~~ويحيره لشدته وفظاعته. وقد مر سابقا. # ( @QUR@01 شبه ): خلط ولبس حتى اشتبه بغيره. والمعنى : مثل لهم من حسبوه ~~إياه أو لبس عليهم الأمر. # * * * PageV07P533 ### ||| ** القرآن يرفض فكرة صلب المسيح # وماذا بعد ذلك؟ لقد كفروا بالله وبرسالاته ، وتقولوا على مريم ( @QUR@06 ~~وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) ونسبوا إليها الفاحشة التي نزهها ~~الله عنها ، مما يجعل من كلامهم بهتانا عظيما ، لأنها ليست كذبة بسيطة ~~تتعلق ببعض الشؤون العادية ، ولكنها كذبة تتعلق بقضية الشرف فيمن هي في ~~المستوى العظيم من الطهر والشرف ، مما يوحي بأنهم لا يتورعون عن أي شيء مما ~~يتصل بمطامعهم وأهوائهم ... وماذا بعد ms1733 ذلك؟ ( @QUR@09 وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ) لقد قالوا ، بزهو الطغاة الذين يحسون ~~بطعم النصر في المعركة : إنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم صلبا ، ( @QUR@04 ~~وما قتلوه وما صلبوه ) ولكن الله ينفي هذه الفرية فيؤكد أنهم لم يقتلوه ولم ~~يصلبوه ، ( @QUR@03 ولكن شبه لهم ) ولكنهم توهموا ذلك لأنه شبه لهم الأمر. # وقيل في تأويل ذلك إن معناه : أن الله ألقى شبه عيسى على شخص ، فكان هو ~~المصلوب لا عيسى ، وقيل : إن معناه ، أنه شبه لهم القتل ، ولكن ذلك لم يحصل ~~، بل كانت القضية مجرد تخيل ... وتحولت القضية بعد ذلك إلى مجال للخلاف بين ~~من يؤكد القتل والصلب ، وبين من ينفيهما ، ولكن القوم لم يرتكزوا في ~~إثباتهم على أساس من العلم أو الحجة ، بل استندوا إلى ظنون وتخمينات ( ~~@QUR@015 وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن ). ثم يؤكد الله أنهم لم يقتلوه يقينا ( @QUR@03 وما قتلوه يقينا )، ~~فلا شك في هذه الجهة ، ( @QUR@04 بل رفعه الله إليه ) بل رفعه الله إليه ~~بروحه وجسده ، كما قال به بعض المفسرين ، أو بروحه بعد أن قبضه الله إليه ~~بطريقة عادية غير ظاهرة للناس ؛ ( @QUR@04 وكان الله عزيزا حكيما )، في ما ~~يفعل ويقدر. # نحن لا نريد في هذا الحديث أن ندخل في تفاصيل الوجوه التي تحدث عنها ~~المفسرون ، لأن الأسلوب القرآني أجمل المسألة ولم يدخل في PageV07P534 # التفاصيل ، لأنها لا تمثل شأنا كبيرا من شؤون العقيدة والعمل ، بل كل ما ~~هناك أن الله ساقها في مقام تعداد الانحرافات التي انحراف بها اليهود في ~~إشارات خاطفة. وربما كان تصور البعض منها يحتاج إلى علم من الغيب لا نملكه ~~ولا نملك الحجة عليه ، مما تقوم به الحجة على الناس ؛ وقد يكون في هذا ~~الوقوف عند الأسلوب القرآني ، في ما أجمله وما فصله ، فائدة كبري في التخلص ~~من كثير من القصص التي دخلها الخيال من قبل الرواة والقصاصين الذين أرادوا ~~إرضاء فضول الناس ، وذلك في الدخول في تفصيل ما أجمله القرآن وما لم يبينه ms1734 ~~لهم ؛ فأدخلنا ذلك في متاهات كبيرة من الأكاذيب والأساطير. # ثم يأتي ختام الآيات ، ليؤكد الله بأن الذين كفروا به من أهل الكتاب سوف ~~يؤمنون به قبل موته ( @QUR@09 وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) ~~، وذلك كما يقول المفسرون عند ما يبعثه الله أو يظهره في آخر الزمان ، ~~فيرونه رأي العين فيواجهون الحقيقة في ظروف لا يمكنهم معها الإنكار ؛ ( ~~@QUR@05 ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) وسوف يكون عليهم شهيدا في يوم ~~القيامة ، كما يشهد كل نبي على أمته من الكافرين أو المؤمنين به. وقال ~~البعض : إن الضمير في كلمة (موته) يرجع إلى بعض أهل الكتاب الذين كفروا به ~~، فإنهم سيواجهون قبل موتهم المسيح بالصورة التي تفرض عليهم الإيمان به ؛ ~~ولكن هذا خلاف الظاهر ؛ والله العالم. # وتلك هي الصورة المظلمة التي توضح لنا طبيعة الأخلاق الشريرة التي كانوا ~~يتصفون بها في مواجهتهم للرسل والرسالات ، فلا يتورعون عن أي شيء يقولونه ~~أو يفعلونه ، ويعيشون الزهو بما ينسبونه إلى أنفسهم من الجرائم صدقا أو ~~كذبا ؛ فكيف يمكن للأمة أن تواجههم في صراع الحاضر والمستقبل؟ # * * * PageV07P535 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا (160) @QUR@014 وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) (161) # * * * ### ||| ** الله يعاقب اليهود بتحريم الطيبات # لقد كان من حكمة الله سبحانه ، أنه واجه اليهود بتحريم كثير من الطيبات ~~المحللة في ذاتها ، لهم ولغيرهم ، لا على أساس وجود ما يفرض المنع عنها ، ~~من حيث ذاتها من المفسدة المترتبة عليها ، بل على أساس التشديد عليهم ~~كعقوبة لهم ، في ما فعلوه من الأفعال الظالمة والمنحرفة عن الصراط المستقيم ~~؛ وذلك ما تحدث الله عنه في هاتين الآيتين ، فقد ظلموا أنفسهم بالمعصية ~~والانحراف عن خط الله سبحانه ، وصدوا عن سبيل الله كثيرا ، بما أثاروا من ~~شكوك وشبهات حول دعوة الأنبياء ، وما وضعوه من عقبات أمام الرسل ، وأخذوا ~~الربا الذي حرمه الله عليهم ، وأكلوا أموال الناس بالباطل ، لأنهم كانوا ~~يستحلون مال غير اليهود وذلك ما حكاه ms1735 الله عنهم في PageV07P536 # سورة آل عمران ، ( @QUR@07 بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) [آل ~~عمران : 75] ؛ وكانوا يأخذون الرشوة في الحكم ، ويشترون بآيات الله ثمنا ~~قليلا بعد تحريفها وغير ذلك ... أما هذه الأشياء المحرمة ، فهي التي أشار ~~الله إليها في قوله تعالى : ( @QUR@011 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ~~ومن البقر والغنم حرمنا )... إلخ [الأنعام : 146] هذا في الدنيا ، أما في ~~الآخرة ، فقد هيأ الله لهم عذابا أليما. # وقد نستوحي من هذا الأسلوب الذي اتبعه الله في عقوبة اليهود لونا آخر في ~~أسلوب التربية ، في بعض الأوضاع الإنسانية التي توحي بالتمرد على أساس ~~العقدة الذاتية ، فيمكن ممارسة ذلك ، لا على سبيل التشريع ، بل على سبيل ~~التحديد لبعض الحريات ، أو المنع من بعض الأمور من أجل الضغط على الانحراف ~~في وقت معين ، ليعود الأمر بعد ذلك كما كان من دون تحديد أو منع. # * * * PageV07P537 ### ||| * الآية # ( @QUR@026 لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) (162) # * * * ### ||| ** الفئة المؤمنة من اليهود # وينطلق القرآن بنا من خلال هذه الآية إلى الفئة المؤمنة من هؤلاء اليهود ~~الذين انفتحوا على الإسلام ، وابتعدوا عن العقد النفسية المتحكمة في بيئتهم ~~، وتخلصوا من كل الرواسب التاريخية التي تتجمع في أعماقهم ، فآمنوا بما ~~أنزل على رسول الله ، كما آمنوا بما أنزل على الأنبياء السابقين عليه ، ~~وتحدثت الآية عن المقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والمؤمنين بالله واليوم ~~الآخر ، وأن الله سيؤتيهم جميعا أجرا عظيما ؛ ولكن ثمة ملاحظة نحوية في ~~الآية ، وهي السؤال عن الوجه في نصب كلمة ( @QUR@02 والمقيمين الصلاة ) مع ~~أن ما قبلها وهو قوله تعالى : ( @QUR@06 لكن الراسخون في العلم منهم ~~والمؤمنون ) جار على الرفع ... وقد ذهب سيبويه والبصريون كما في مجمع ~~البيان إلى أنه PageV07P538 # نصب على المدح ، على تقدير : أعني المقيمين الصلاة ، قالوا : إذا قلت : ~~مررت بزيد الكريم ، وأنت تريد أن تعرف زيدا الكريم من زيد غير الكريم ، ~~فالوجه الجر ، وإذا أردت المدح والثناء ؛ فإن شئت نصبت وقلت ms1736 : مررت بزيد ~~الكريم كأنت قلت : أذكر الكريم ، وإن شئت رفعت فقلت : الكريم على تقدير هو ~~الكريم ... وقال الكسائي : موضع المقيمين جر ، وهو معطوف على ما في قوله : ~~( @QUR@03 بما أنزل إليك ) أي وبالمقيمين الصلاة (1). وقال قوم بوجوه أخرى. # ولكننا قد نتحفظ في ذلك كله ، لأن السؤال يبقى على وجه التفرقة بين كلمة ~~( @QUR@02 والمقيمين الصلاة ) وبين ما بعدها وهو ( @QUR@02 والمؤتون الزكاة ~~) مع أن السياق واحد ، سواء كان العطف بلحاظ التتمة للراسخين والمؤمنين في ~~مقام تعداد صفاتهم ، أو كان ذلك بلحاظ كونه من متعلقات الإيمان كما هو ~~الوجه الثاني فلما ذا نصبت كلمة «المقيمين» ورفعت بقية الكلمات من بعدها؟ ~~وقد نقل صاحب مجمع البيان ، رواية عن عروة ، عن عائشة قال : سألتها عن قوله ~~: ( @QUR@02 والمقيمين الصلاة )، وعن قوله : ( @QUR@01 والصابئون ) ~~[المائدة : 69] وعن قوله : ( @QUR@02 إن هذان ) [طه : 63] فقالت : يا بن ~~أختي ، هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب. وذكر أيضا رواية عن بعضهم : أن في ~~كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها ؛ قالوا وفي مصحف ابن مسعود ، ~~«والمقيمون الصلاة». وعلق صاحب مجمع البيان على ذلك : ان هذا «مما لا يلتفت ~~إليه ، لأنه لو كان كذلك لم يكن لتعلمه الصحابة الناس على الغلط وهم القدوة ~~والذين أخذوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم » (2). # ويمكن المناقشة في ذلك ، بأن من الممكن عدم الالتفات في البداية PageV07P539 # إلى اكتشاف الخطأ في الكتابة ، كما لم يلتفتوا إلى الكثير من الأمور التي ~~لم يشعروا بأهميتها كما نشعر الآن ، ثم امتنع الجيل الآخر عن التصرف في ذلك ~~، حذرا من الإساءة إلى طريقة الكتابة في القرآن ، لئلا يتجرأ الناس على ~~التغيير والتبديل في ما قد يسيء إلى أصل القرآن. وهذا هو ما نشاهده في ~~موضوع الطريقة الإمائية التي كتب فيها القرآن ، فقد بقيت على الطريقة ~~الأولى ، بالرغم من استلزام ذلك صعوبة في القراءة على المبتدئين في مثل ~~كلمة «الصلوة» و «الزكاة» وأمثالهما ، مما لو استبدلت فيه الواو بالألف لكان ~~أسهل للقراءة ... وإننا نسجل ذلك كملاحظة للتفكير وللتأمل ، لأننا نرى أن ~~الالتزام بالخطإ في الكتابة أقرب ms1737 إلى بلاغة القرآن من هذه الوجوه التي قد ~~تكون أساسا لصحة إعراب الكلمة. ولكنها لا تصلح أن تفسير هذا التخصيص لهذه ~~الكلمة بهذا الإعراب ، من بين الكلمات الأخرى الجارية على نسق واحد ، مما ~~يتنافى مع طبيعة التعبير من ناحية بلاغية ، مع أن القرآن الكريم قد أنزل ~~على أرفع درجات البلاغة ، في ما تقتضيه أساليب الإعجاز. وعلى أي حال ، فإن ~~الموقف لا يتعدى تسجيل الملاحظة ؛ والله هو العالم بحقائق آياته. # * * * ### ||| ** مشكلة الكثير من الكافرين في سطحية تفكيرهم # وقد نستوحي من كلمة ( @QUR@04 الراسخون في العلم منهم ) أن مشكلة ~~الكثيرين من المعاندين والكافرين ليست مشكلة فكرية عميقة ، في ما ينكرونه ~~من قضايا الإيمان وحدوده ، بحيث يتوقفون أمامها في حالة حيرة أو موقف مضاد ~~، بل هي مشكلة السطحية في الفكر التي تسمح للعقد النفسية أن تتحكم في ~~القناعات الفكرية في مسائل الكفر والإيمان ؛ لأن الفكر السطحي ، لا يستطيع PageV07P540 # مواجهة التحديات الضاغطة بقوة ، وبالتالي فإنه لا يستطيع حماية صاحبه من ~~المؤثرات الذاتية التي تترك بصماتها على طريقة تفكيره ؛ ولهذا كان الأسلوب ~~القرآني جاريا على أساس الدعوة إلى التأمل والتدبر والتعمق في القضايا ، ~~وإلى مواجهة الحجة بالحجة في أسلوب الحوار العميق المنفتح الذي يعمل على ~~فحص الأمور من أعماق الداخل لا من سطح الخارج ، ويؤدي بالنتيجة إلى تعميق ~~الذهنية الفكرية في تقييم الأشياء. # وبهذا كان التأكيد على صفة ( @QUR@03 الراسخون في العلم ) يمثل التأكيد ~~على ما لهذه الصفة من أثر بعيد في سلامة التفكير ، وسلامة الوصول إلى ~~النتائج الصحيحة ، في ما تفرضه على شخصية الإنسان من الوقوف مع المشاكل ~~الفكرية موقف الدقة في ترتيب المقدمات ومناقشتها ، وصحة النتائج ، بعيدا عن ~~كل الانفعالات والرواسب والتشنجات النفسية. # * * * PageV07P541 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داود زبورا (163) @QUR@014 ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) @QUR@015 رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان ms1738 الله عزيزا حكيما ) (165) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زبورا ): الزبور : الكتاب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى الربيع بن خثيم قال إن PageV07P542 # هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن بعض اليهود لما ~~فضحهم الله بالآيات التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك من ~~قوله : ( @QUR@09 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) فتلا ~~ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : ما أنزل الله على بشر من ~~شيء بعد موسى. فأنزل الله هذه الآيات تكذيبا لهم. # وجاء فيه أيضا حديث مرفوع إلى ابن عباس قال : قال سكين وعدي ابني زيد : ~~يا محمد ، ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله في ذلك ~~من قولهما ( @QUR@010 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~) إلى آخر. الآيات (1). # * * * ### ||| ** جولة سريعة مع الأنبياء # وهذه جولة عامة في آفاق التاريخ النبوي ، من خلال التعداد الإجمالي للرسل ~~مع الإشارة إلى بعض الشخصيات البارزة التي تركت في الواقع البشري بعض الأثر ~~، في ما يمثله تاريخها من حركة متنوعة ، أو التي توحي ملامحها الشخصية ببعض ~~العبرة في اتجاه التربية والسلوك العملي للإنسان ؛ ( @QUR@010 إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) فقد جاء الحديث عن شخصية نوح ~~والنبيين من بعده ، الذين أجمل الله ذكرهم لعدم وجود ضرورة في ذلك ، لأنهم ~~لم يقوموا بدور بارز ، بينما كان نوح الشخصية التي تمثل نهاية تاريخ سابق ~~للبشرية ، استوعب الكفر جميع جوانبه وأفراده ، وساهم نوح في الجهاد من أجل ~~تغييره بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، حتى إذا استنفد كل ~~التجارب للوصول إلى ذلك ، ولم تبق هناك تجربة واحدة ، انطلق التغيير على ~~يده بالطوفان ، ليبدأ تاريخ جديد يرتكز على PageV07P543 # أساس الإيمان بالله ؛ ولذلك اعتبر الأب الثاني للبشرية. # ( @QUR@03 وأوحينا إلى إبراهيم ) أما إبراهيم ، فهو الشخصية البارزة ~~المتحركة في هدوء وقوة ووداعة ، التي تنوعت مجالاتها في أكثر من صعيد ، ~~وكانت رسالته أم الرسالات اللاحقة ، لأنها ms1739 كانت تمثل الخطوط العامة التي ~~تلتقي بكل التفاصيل الموجودة في بقية الرسالات ؛ وبهذا كان دوره حيويا في ~~هذا التاريخ. # وتحركت القافلة من بعده لتشمل أولاده ، ( @QUR@04 وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط )، وهم أولاد يعقوب كما قيل ، ( @QUR@08 وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا )... وقد كان لكل واحد منهم بعض الخصائص ~~التي تغري بالتفصيل ، بما تشتمل عليه من العبرة ، وربما كان لبعضهم امتداد ~~في تاريخ الرسالات أكثر من بعض آخر ، فإننا قد نلاحظ اختلاف الآفاق بين ~~شخصية عيسى وشخصية الأنبياء الآخرين من أولاد إبراهيم. وقد يكون الحديث عن ~~بعضهم كالأسباط ، حديثا عن متعلقات الأنبياء ، لأنه لم يثبت ذلك ، فيمكن أن ~~لا يكون المراد بالوحي إليهم الوحي بشكل مستقل ، بل ربما كان ذلك يتبع ~~الوحي إلى آبائهم. وقد نواجه في شخصية أيوب ويونس جانب الفكرة الموحية ~~المملوءة بالعبرة أكثر مما نواجه فيها التفاصيل الرسالية الممتدة في الجانب ~~العملي الحركي من الرسالة. # أما سليمان ، فقد انطلقت شخصيته في الملك والسيطرة المطلقة التي تتحرك ~~بالوسائل الغيبية ، ولم يبرز منها الشيء الكبير في مجال الحركة الرسالية ~~على مستوى الدعوة إلى الله على طريقة الأنبياء ، وليس معنى ذلك أنها غير ~~موجودة ، ولكن القرآن لم يحدثنا عنه إلا من جانب الملك بالإضافة إلى ~~الملامح الذاتية الرسولية في إخلاصه لله وانقطاعه إليه. # وقد تحدث الله عن داود كونه صاحب كتاب أوحاه الله اليه وهو PageV07P544 # الزبور ليكون الوجه الرسالي الذي يلتقي فيه بالناس في روعة الآفاق الفنية ~~الروحية التي توحي بالخشوع ، ليعيش دور الخلافة القوي الذي يمارس الحكم في ~~حياة الناس من موقع الإرادة الإلهية. # وهكذا أجمل الله لرسوله بعد ذلك قصة الرسالات بين رسل لم يحدثه الله عنهم ~~وآخرين حدثه عنهم ، ( @QUR@010 ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك ) لأن الكتاب ليس كتاب تاريخ عادي يستعرض كل الوقائع والأشخاص ~~والمواقف ، بل هو كتاب هداية وإرشاد وتوجيه ، يأخذ من التاريخ في وقائعه ~~وأشخاصه ما يتصل بذلك الهدف ، ويترك ما عدا ذلك. وأفرد موسى بالذكر ، وأشار ~~إلى أن الله ms1740 قد كلمه بشكل مباشر ، بخلاف الأنبياء الذين كلمهم عن طريق ~~الوحي ، ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) لأن هناك حكمة في هذا الأمر ، ~~في ما يعلمه الله من مصلحة الرسالات من خلال مواجهة الرسل للتحديات الضاغطة ~~عليهم في حياتهم. وقد كثر الحديث عن شخصية موسى في القرآن ، لأنه من ~~الشخصيات النبوية المتحركة التي كانت أدوارها تضج بالحركة والحياة ، من ~~خلال ما تحمله شخصيته من القوة والحيوية والامتداد ، وما يتحرك به جوه ~~البشري من مواقف وتحديات وأوضاع معقدة في نطاق دوره ، وفي نطاق الأدوار ~~اللاحقة له من بعده. # ما هو دور هؤلاء الرسل ، ولماذا أطلقهم الله في تاريخ البشرية؟ ( ~~@QUR@011 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) إن ~~هذه الآية تحدد دورهم بالإنذار والتبشير من أجل إقامة الحجة على الناس ، في ~~ما يريد الله للناس أن يعرفوه ويعملوا به في طاعته ، من خلال القضايا التي ~~قد يحتاجون فيها إلى الوحي ، من أجل إدراك تفاصيلها ، أو من خلال المواقف ~~المتنوعة التي تواجههم ، فلا يملكون التفاصيل الواضحة الهادية إلى الصراط ~~المستقيم ، أو في ظل إخراجهم من طبيعة الغفلة التي قد تطبق على أفكارهم PageV07P545 # وعقولهم ، فتبعدهم عن التركيز والامتداد في الخط الصحيح ، إلى غير ذلك من ~~الأمور التي قد لا يكفي فيها العقل لإقامة الحجة ، بل يحتاج فيها إلى الوحي ~~الذي يهدي العقل ، في ما لا سبيل إلى الوصول إليه ، أو ما تحيط به الشبهات ~~والأضاليل فتغرقه في الأجواء الكثيفة من الضباب ؛ فقد يقول الناس غدا ، عند ~~ما يحاسبهم الله على ما انحرفوا فيه ، أو ما أخطئوا به ، إنهم لم يلتقوا ~~بالرسل الذين يبصرونهم الطريق ؛ فكان تاريخ الرسل الذي تلاحقت فيه الرسالات ~~هو الرد على كل ذلك ؛ ( @QUR@03 وكان الله عزيزا ) في قوته وقدرته ، ( ~~@QUR@01 حكيما ) في أوامره ونواهيه وتقديره في الأمور. # * * * PageV07P546 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ~~وكفى بالله شهيدا ) (166) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال الكلبي : إن رؤساء أهل مكة أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه ms1741 وآله وسلم فقالوا : سألنا عنك اليهود فزعموا أنهم لا ~~يعرفونك فائتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا رسولا ، فنزلت هذه الآية (1). # كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى ابن عباس قال : دخل على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من يهود ، فقال لهم : إني والله أعلم ~~أنكم لتعلمون أني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقالوا : ما نعلم ذلك. ~~فأنزل الله ( @QUR@013 لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا ) (2). # * * * PageV07P547 ### ||| ** الله يشهد على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم # ربما يحاول بعض اليهود ، أو غيرهم ، أن يثيروا التشكيك برسالة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، كأسلوب من أساليب الحرب النفسية ضده ليهزموا إرادته ~~، ويفقدوه الثقة بنفسه وبدوره ؛ ولكن الله أودع في نفسه الشعور العميق ~~بالثقة المطلقة بالرسالة وبالوحي المنزل إليه من ربه ، وذلك من خلال ~~التأكيد القرآني الدائم لهذه الحقيقة ، بالإيحاء بأن الله يشهد بما أنزل ~~إليه بعلمه ، وبأن الملائكة يشهدون بذلك. ومهما كانت شهادة الملائكة أو ~~غيرهم ، فإن شهادة الله كافية عن كل شهادة ، لأن كل شهادة من غير الله هي ~~مستمدة من الله سبحانه ، في ما أطلع عليه عباده من ذلك. وقد جاءت هذه الآية ~~لتؤكد هذه الحقيقة في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كرد على كل ~~الأساليب التشكيكية المضادة التي كان يقوم بها الآخرون. # * * * PageV07P548 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) ~~@QUR@012 إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ~~(168) إلا @QUR@010 طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ) (169) # * * * ### ||| ** لن يغفر الله للكافرين الظالمين # هؤلاء الكفار الذين لا يكتفون بأن يكفروا بالله ، بل يضيفون إلى ذلك ~~الوقوف كحجر عثرة أمام سبيل الله ، في كل جوانب الفكر والعمل ، ويعملون على ~~أن يمنعوا العاملين من التحرك بحرية من أجل الوصول إلى قناعات الناس ، من ~~موقع الإقناع القائم على البرهان والحجة الواضحة ... هؤلاء الكافرون تائهون ~~ضالون ms1742 ضلالا بعيدا ، لأنهم يحسبون أنفسهم في طريق الهدى جهلا واستكبارا ؛ ~~ولهذا فإنهم لا يرجعون إلى قاعدة من الهدى ليرتكزوا عليها ، بل يظلون ~~ينتقلون من ضلال إلى ضلال ، لأنهم لا يسمحون لأفكارهم أن تتحرك في داخلهم ~~بحرية ليكتشفوا الحق من ذلك الموقع. PageV07P549 # إن هؤلاء الذين كفروا وظلموا أنفسهم والمؤمنين لا يتعلقون بأي أمل يربطهم ~~بمغفرة الله ، لأنهم لا يرتبطون به بأية رابطة إيمان أو عبادة ، فلا يمكن ~~أن ينالوا هذه المغفرة ، ولا يمكن أن يهديهم أي طريق ؛ فكل الطرق مغلقة ~~أمامهم ، إلا الطريق الوحيد الذي اختاروه بأنفسهم وهو طريق جهنم خالدين ~~فيها أبدا ، لأن ذلك هو جزاء الكفر والكافرين ؛ ( @QUR@05 وكان ذلك على ~~الله يسيرا )، لأنه يملك الأمر كله يوم القيامة. # وفي هذه الآيات تصوير لهذا المصير الذي ينتظر الكافرين ، ليقف الناس منه ~~موقف المتأمل الذي يفكر كيف يختار طريقه ، على أساس من الشعور بمسؤوليته عن ~~نفسه ، في ما ينتظره من عقاب أو ثواب. # * * * PageV07P550 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ~~وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) (170) # * * * ### ||| ** قد جاءكم الرسول بالحق فآمنوا # ... ويعود القرآن ليجدد الدعوة إلى الناس في الإيمان بالحق الذي جاء به ~~الرسول ، لما يمثله ذلك من الخير الذي يحصلون عليه ، في ما يحققه لهم في ~~الدنيا من مصالح ومنافع عامة وخاصة ، وما ينتظرهم من الثواب في الآخرة. أما ~~إذا تمردوا واختاروا الكفر ، فإن عليهم أن يعرفوا أن ذلك لن يضر الله شيئا ~~، ولن ينقص من ملكه أي شيء ، فإن له ما في السموات والأرض ، وهو القادر على ~~أن يعاقبهم مهما امتد بهم العمر ؛ ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما )، في ~~ما يتعلق بكل شؤونهم وأعمالهم. # * * * PageV07P551 ### ||| * الآيات # ( @QUR@054 يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ms1743 ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) @QUR@018 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) @QUR@026 فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا ) (173) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تغلوا ): أصل الغلو : مجاوزة الحد ، يقال : غلا في الدين يغلو ~~غلوا ، أو غلا بالجارية لحمها وعظمها : إذا أسرعت الشباب وتجاوزت لداتها PageV07P552 # تغلو غلوا وغلاء ، وغلا بسهمه غلوا : إذا رمى به أقصى الغاية ، وتغالى ~~الرجلان : تفاعلا من ذلك. # ( @QUR@01 المسيح ): قال في مجمع البيان : «أصل المسيح الممسوح ، سماه ~~الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين وقيل : ~~إنه سرياني وأصله مشيحا ، فعربت كما عربت أسماء الأنبياء ، وقيل إنه ليس ~~مثل ذلك ، فإن إسحاق ويعقوب وإسماعيل وغيرها أسماء لا صفات ، والمسيح صفة ، ~~ولا يجوز أن يخاطب الله خلقه في صفة شيء إلا بما يفهم» (1). # ( @QUR@01 وكلمته ): هي كلمة (كن) التكوينية التي ألقيت إلى مريم البتول ~~المذكورة في قوله تعالى : ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون ) [آل عمران : 59]. وتمثل مظهر قدرة الله تعالى ~~وتعبر عن إرادته من دون تخلل الأسباب الطبيعية. قال تعالى : ( @QUR@08 إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) [آل عمران : 47]. # ( @QUR@02 وروح منه ): كناية عن قدرة الله التي بها يخلق ما يخلق ويبدع ~~ما يبدع فهو روح ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء : 85]. # ( @QUR@01 ثلاثة ): الأقانيم الثلاثة : الأب والابن والروح القدس. # ( @QUR@01 يستنكف ): يأنف ويمتنع. والاستنكاف : الأنفة من الشيء ، يقال ~~: استنكف من الشيء أو عن الشيء ، إذا امتنع منه وأعرض عنه أنفة واستكبارا. ~~قال صاحب المجتمع : «وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك من ~~خدك» (2). PageV07P553 # ( @QUR@01 واستكبروا ): الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق ، والتكبر ~~قد يكون باستحقاق فلذلك جاز في صفة الله تعالى المتكبر ولا يجوز المستكبر. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي في ms1744 قوله تعالى : ( @QUR@04 لا تغلوا في ~~دينكم ) نزلت في طوائف من النصارى حين قالوا : عيسى ابن الله ؛ فأنزل الله ~~تعالى : ( @QUR@010 لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ). ~~وفي قوله : ( @QUR@03 لن يستنكف المسيح ) الآية قال الكلبي : إن وفد نجران ~~قالوا : يا محمد ، تعيب صاحبنا؟ قال : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى ، قال: وأي ~~شيء أقول فيه؟ قالوا : تقول إنه عبد الله ورسوله ، فقال لهم : إنه ليس بعار ~~لعيسى أن يكون عبد الله ، قالوا : بلى ؛ فنزلت الآية ( @QUR@07 لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ) (1). # * * * ### ||| ** يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ... في شخصية المسيح # ويتابع القرآن توجيه الإنسان إلى السير في خط الحق الذي أراد منه الإيمان ~~به ، ليحصل على الخير من خلاله ؛ فأطلق النداء إلى أهل الكتاب PageV07P554 # الذين انحرفوا في تصورهم العقيدي لله وللمسيح ، فابتعدوا عن التوحيد بما ~~استحدثوه من عقيدة التثليث ، سواء في الفكرة التي تعتقد بالتثليث الإلهي ~~بشكل مباشر ، أو في الفكرة التي تعتقد بالتثليث في نطاق الوحدة ، كما هو ~~الشائع لدى النصارى من أهل الكتاب. # ودعاهم إلى عدم الغلو في المسيح باعتقاد صفة الألوهية فيه ، ( @QUR@013 ~~يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) وأراد ~~منهم أن يبتعدوا عن أي خط لا يلتقي بالحق ، وأوضح لهم شخصية المسيح بكل ~~بساطة ( @QUR@016 إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله )، فهو لا يحمل في داخل ذاته أسرارا ~~غيبية معقدة ، أو أجزاء إلهية مقدسة ، فهو بشر كبقية البشر في تكوينه ~~الجسدي وفي طاقاته الإنسانية ؛ وقد ميزه الله عنهم برسالته التي كلفه بها ، ~~كما ميز سائر الرسل بذلك ؛ ولكن له ميزة أخرى يختلف بها عن سائر الناس ~~والأنبياء ، فهو لم يولد كما ولد سائر الأنبياء والرسل والناس بالطريقة ~~البشرية الطبيعية الخاضعة لنظام التناسل الطبيعي ، بل كان كما تقول الآية ~~كلمة الله ألقاها إلى مريم ، وروحا منه أفاضها عليها ، كما أفاضها على آدم ~~من قبل ، ليكون مظهرا لقدرة الله في ولادة ms1745 إنسان بلا أب ، كما كان آدم ~~مظهرا لقدرته تعالى في ولادة إنسان من غير أب أو أم ، كما أشارت الآية ~~الكريمة إلى ذلك في قوله تعالى : # ( @QUR@015 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون ) [آل عمران : 59]. # وليست الكلمة ، أو الروح ، في الآية ، تعبيرا عن الجزء الإلهي أو الحقيقة ~~الإلهية ، لأن طبيعة الله لا تتجزأ ، فهي بسيطة كل البساطة ، ولا يمكن أن ~~تنتقل من مكان إلى آخر ، بل المراد بهما مظهر قدرة الله وسر إبداعه ، PageV07P555 # في ما أفاضه على جسد آدم الهامد الجامد الخالي من الروح ، كما أفاضها على ~~مريم الخالية عن أسباب الولادة الطبيعية ، ولهذا التقت الكلمات القرآنية في ~~التعبير عنهما ، فنقرأ مثلا في قصة آدم في حوار الله مع الملائكة في الآية ~~الكريمة : ( @QUR@018 إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) [ص : 71 72]. ونقرأ في قصة مريم ~~وابنها ، قوله تعالى : ( @QUR@011 والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنها آية للعالمين ) [الأنبياء : 91]. # أما وصف عيسى بالكلمة ، فلأن وجوده انطلق من كلمة الإيجاد المتمثلة في ~~قوله تعالى : ( @QUR@01 لكن ) المعبر عن إرادته سبحانه ، من دون تخلل ~~الأسباب الطبيعية خلافا للناس الآخرين ، مع أن الجميع خاضعون لإرادة الله ~~وقدرته التكوينية. # ولعل الخلاف بين المفسرين في ما يتعلق بالكلمة ، وبالروح خاضع لطريقتهم ~~في فهم القرآن الكريم ، على أساس الاستنطاق الحرفي لمعنى الكلمتين ، ~~والابتعاد عن الجو الذي يحكم الفكرة ، وهو الجو الذي تتحرك فيه القدرة ~~الإلهية بشكل غير مألوف ، مما يصحح الطريقة الكنائية في التعبير ، التي ~~يسوغ معها اعتباره مصداقا لروح الله ، أو نفخة من روحه تماما ، مع الفارق ~~الكبير في التشبيه ، كما يقول الأديب أو الشاعر عن القصيدة أو الأثر الفني ~~الذي يصدر عنه : بأنها قطعة من روحه ، أو أنها ذوب روحه ، أو أنه أودع فيها ~~روحه ، للتدليل على ما بذله فيها من جهد فني أو صرفه عليها من طاقة. ومن ~~الطبيعي أن ذلك لا يصلح ms1746 للانطباق على أفعال الله بشكل دقيق ، على أساس ~~المعنى الحقيقي للكلمة ، لأن الجهد لا معنى له في ما يخلقه الله ، ولكنه ~~يتجسد في مظهر القدرة وعظمة الخلق ؛ وبهذا يكون التعبير بالروح التي نفخها ~~الله في الجسد أو اعتبرها المخلوق نفسه ، كناية عن قدرة PageV07P556 # الله التي بها يخلق ما يخلق ، ويبدع ما يبدع. # تلك هي صفة عيسى عليه السلام التي يريد الله للمؤمنين أن يتمثلوها في ~~إيمانهم ، لأنها تمثل الصفة الواقعية التي ترتفع عن الغلو ، وتنسجم مع ~~طبيعة الأشياء. ثم يدعوهم من خلال ذلك إلى الإيمان بالله ورسله ، ( @QUR@03 ~~ولا تقولوا ثلاثة ) وإلى الامتناع عن القول بالتثليث ؛ ( @QUR@03 انتهوا ~~خيرا لكم ) فإن ذلك خير لهم ، لأن الله إله واحد ، تعالى عن أن يكون له ولد ~~، سواء في ذلك ما يعطيه ويدل عليه لفظ الابن في المفهوم البشري من التولد ~~عن طريق التناسل ، مما يستتبع وجود الزوجة ، أو ما يحاول بعض المتفلسفين في ~~المسيحية أن يحملوه عليه ، وهو التولد الذاتي الذي يجعل له الطبيعة الإلهية ~~المستمدة من الأب ، فإن ذلك كله مستحيل في حقه كما سنرى في الحديث وبهذا ~~تلتقي آيات التثليث بالآيات التي تجعل لله الابن ، كما في الآية الكريمة ~~المتقدمة ( @QUR@09 إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ). # ونلاحظ في هذا المجال أن القرآن اتخذ في أسلوب الرد على هذه الفكرة ، ~~طريقة التركيز على عظمة الله وتنزيهه عن ذلك بما توحيه كلمة «سبحانه» ، ثم ~~محاولة إلفات الإنسان إلى أن الله هو مالك السموات والأرض وما فيهن ، وأن ~~كل ما فيهن قانت له خاضع لإرادته ، وأنه مبدع كل شيء ، ( @QUR@010 له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) فهو لا يحتاج في إيجاد أي شيء ~~مهما عظم إلا إلى تعلق إرادته به التي تعبر عنها كلمة الإيجاد ، وهي قوله : ~~( @QUR@01 لكن ). # وإذا كانت القضية على هذا الأساس ، فأية حاجة به إلى جعل الولد بأي معنى ~~كان؟ وما معنى التثليث بعد ذلك؟ # ويلتقي هذا الأسلوب ، بالطريقة القرآنية العامة التي لا تميل إلى التعقيد ms1747 ~~في مجالات الاحتجاج ، بل تتبع سبيل التبسيط والتسهيل الذي يخاطب PageV07P557 # الفطرة الصافية عن قرب ، لأن ذلك هو السبيل الصحيح للإيمان الحق ، حيث ~~يهيئ الجو للفطرة أن تمتد وتتحرك من أجل الوصول إلى الحقيقة من أقرب طريق ~~... وبهذا ندرك أن القرآن الكريم لم يدخل مع هؤلاء في جدل فلسفي حول قضية ~~التثليث والوحدة وما يلزم ذلك أو يستتبعه من الوقوع في الفروض المستحيلة ، ~~بل اكتفى بالتأكيد على الوحدة التي يقرها هؤلاء ، وتقتضيها الأدلة ، ثم ~~أطلق النهي عن القول بالتثليث ، وأكد كفر القائلين به ، لأنه يتنافى مع ~~التوحيد الذي يرفض تعدد مظاهر الطبيعة الواحدة ، كما يفرض تعدد الطبائع ؛ ~~فإن التوحيد الإلهي ، لا يلتقي بأي معنى من هذه المعاني. وترك للفطرة أن ~~تقارن بعد ذلك وتحكيم ، دون أن يحدد لها تفاصيل المقارنة والحكم ، انطلاقا ~~من المنهج القرآني الذي يحاول أن يشق الطريق للفكر ويدله على المنهج ، ثم ~~يدع له أمر سلوكه أو الاطلاع على ما فيه ، والاستفادة من كل ذلك في كل ما ~~يريد ؛ ذلك هو الخط العريض للفكرة ، من وجهة عامة. # أما قضية المسيح عيسى ابن مريم بالذات ، فلا يمكن أن يتصور فيها ذلك ، مع ~~غض النظر عن استحالة الفكرة في ذاتها ، لأن فكرة ابن الله تلتقي مع فكرة ~~أنه الله ، كما أشرنا إلى ذلك في ما تقدم من حديث ، وكيف يمكننا أن نقر ~~بذلك في ما يتصف بكل خصائص البشرية ولوازمها ، تماما كأي بشر عادي؟ وقد ركز ~~القرآن في أكثر من آية على استعراض الخصائص البشرية في وجود عيسى منذ ~~ولادته إلى أن رفعه الله إليه ، ثم أفاض في وصف ولادته وما أحاط بها من ~~العوارض التي عرضت له في حياته ، كجسد يتأثر بكل ما يتأثر به الجسد في ~~دائرة الحياة والموت ، مما يتنافى مع أية طبيعة إلهية. # أما قصة ولادته الخارجة عن نواميس الطبيعة العادية ، وما قام به من معاجز ~~وخوارق ، فلا يمكن اعتبارها دليلا على الجانب الإلهي فيه ، لأن PageV07P558 # موضوع الولادة غير المألوفة كان متمثلا في آدم قبله ، بصورة ms1748 أكثر من ذلك ~~، إذ ليس لآدم ولادة بالمعنى الطبيعي للولادة. أما الخوارق ، فقد حدثت على ~~أيدي الأنبياء باعتراف كتب العهدين ، من دون أن يكون في هذا أو ذاك ما يوجب ~~اعتبار آدم إلها ، أو القول بألوهية الأنبياء. # ويؤكد القرآن هذه الحقيقة من خلال الحياة العادية للمسيح ، فيعلن أن ( ~~@QUR@07 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ) من خلال الالتزام والممارسة ، ~~لأنها الحقيقة الواضحة التي تفرض نفسها على كيانه. وقد كانت سيرته في حياته ~~، في الدعوة إلى الله الواحد ، وفي خضوعه العملي له ، دليلا على ذلك ، ( ~~@QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) سيستنكفون من ذلك ، بل يؤكدون هذه ~~العبودية بكل ما لديهم من وسائل التعبير المتنوعة في مظاهر العبادة ، بكل ~~ما لديهم من مشاعر الانسحاق أمام عظمة الله ... # ولا تتوقف هذه الآية عند حدود هذا التقرير للحقيقة في حياة السيد المسيح ~~والملائكة المقربين ، بل تواجه الموقف بالتهديد الإلهي لكل الذين يعيشون ~~حياتهم بعيدا عن ذلك ، من خلال ابتعادهم عن عبادة الله استنكافا وتكبرا ( ~~@QUR@08 ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) ليواجه ~~المتعبدون والمستكبرون حركة هذه الحقيقة في مصيرهم ، عند ما يحشرون إلى ~~الله ، ليروا أن القوة لله ، وأن العزة له ؛ فله الملك وله السلطة المطلقة ~~في كل خلقه ، وبيده الأمر كله. ( @QUR@010 فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله )، جزاء لإخلاصهم ولعملهم ، ( ~~@QUR@07 وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما )، لأنهم لم ~~يستسلموا للإيمان الذي يفرض نفسه على فكرهم وشعورهم ، ولكنهم يتمردون عليه ~~( @QUR@09 ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا )... # * * * PageV07P559 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا (174) @QUR@015 فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة ~~منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما ) (175) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 برهان ): البرهان : الشاهد بالحق ، وقيل : البرهان : البيان ، ~~يقال : برهن قوله أي بينه بحجة. # ( @QUR@01 واعتصموا ): الاعتصام ، اعتصم فلان بالله ، أي امتنع من الشر ~~به ، والعصمة من الله : دفع الشر عن عبده ، واعتصمت فلانا : هيأت له ما ~~يعتصم به ، والعصمة من الله على ms1749 وجهين (أحدهما) بمعنى الحفظ ، وهو أن يمنع ~~عبده كيد الكائدين كما قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@04 ~~والله يعصمك من الناس ) [المائدة : 67] ، (والآخر) أن يلطف بعبده بشيء ~~يمتنع عنده من المعاصي. # * * * PageV07P560 ### ||| ** الإيمان بالله والاعتصام به # ويتابع القرآن تأكيد الحقيقة الإلهية ، على أساس انطلاقها من موقع الحجة ~~والبرهان الذي يريد للناس أن يأخذوا به ويرتكزوا عليه ؛ ويوجه الناس إلى أن ~~يسيروا في طريق النور الواضح الذي يتمثل بالوحي الذي أنزله الله عليهم ~~بواسطة رسوله ؛ فإذا انسجموا مع أفكار الإيمان واعتصموا بحبل الله الذي ~~يمتد منه ، فسيجدون أمامهم الباب الذي يدخلون منه إلى رحمة الله ، فيعيشون ~~هناك في فضله ، وينفتحون من خلال ذلك على خط الهداية الذي يقودهم إلى ~~الصراط المستقيم ، حيث يجدون عند الله الخير والرحمة والغفران. # * * * PageV07P561 ### ||| * الآية # ( @QUR@050 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) (176) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بسنده عن جابر قال : اشتكيت ، فدخل علي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وعندي سبع أخوات ، فنفخ في وجهي فأفقت ، فقلت : ~~يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلثين ، قال : اجلس ، فقلت : الشطر ، قال : ~~اجلس ، ثم خرج فتركني ، قال : ثم دخل علي وقال : يا جابر إني لا أراك تموت ~~في وجعك هذا ، إن الله قد أنزل ، فبين الذي لأخواتك الثلثين. وكان جابر ~~يقول : نزلت هذه الآية في : ( @QUR@06 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ~~) (1). PageV07P562 # وجاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى جابر بن عبد الله قال : ~~مرضت فأتاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعودني هو وأبو بكر ، وهما ماشيان ، ~~فوجدوني قد أغمي علي. فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم صب علي من ~~وضوئه ، فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، كيف أقضي في ms1750 مالي ، أو كيف أصنع في ~~مالي؟ وكان له تسع أخوات ، ولم يكن له والد ولا ولد. قال : فلم يجبني شيئا ~~، حتى نزلت آية الميراث : ( @QUR@06 يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) ~~. إلى آخر السورة (1). # * * * ### ||| ** يستفتونك في الكلالة # لقد جاءت هذه الآية تكملة لما تقدم في بيان الفرائض في الأرض ، انطلاقا ~~من بعض الأسئلة الموجهة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فقد سألوا عن ~~الكلالة التي قدمنا الحديث عنها في أول السورة وهي اسم للإخوة أو الأخوات ~~كما في الحديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أو ما سوى الوالد والولد كما ~~عن بعض المفسرين والظاهر أن موردها في السورة هو الإخوة والأخوات ، فيلتقي ~~التفسيران على مورد الآية ، وإن اختلفا في غيرها ، إذا لم يكن التفسير ~~الوارد عن الأئمة عليهم السلام من باب التطبيق لا التحديد. # وخلاصة السؤال ، أن الميت إذا مات وليس له ولد ، سواء كان ذكرا أو أنثى ~~وله أخت ، أو أخت ماتت وليس لها ولد ، فكيف يكون الإرث؟ والجواب ، أن لها ~~نصف التركة ؛ أما هو فيرث كامل التركة ... ويأتي السؤال ليطرح فرضا آخر : ~~وهو إذا ما ترك الميت أختين؟ وجاء الجواب : إن لهما PageV07P563 # ثلثي التركة ؛ وفي الفرض الثالث ، وهو إذا ما ترك إخوة متعددين رجالا ~~ونساء؟ كان الجواب : إن للذكر مثل حظ الأنثيين. وهناك بحث يجزي في مثل هذا ~~المورد الذي حددت فيه حصة الأخت بالنصف ، والأختين بالثلثين ، كما كان ~~الأمر في البنت الواحدة أو في البنتين ... ماذا يصنع بالنصف الآخر ، والثلث ~~الآخر ، هل يعطى للطبقة الثانية ، أو يرد على الطبقة الأولى؟ وقد تحدثنا عن ~~ذلك وقلنا : إنه يرجع إلى الطبقة الأولى بلحاظ القرابة لا الفريضة ؛ والله ~~العالم. # * * * PageV07P564 ### | الفهرس # سورة النساء [1 76] # سبب ~~التسمية.............................................................. 7 # القرآن يتحدث عن النساء في أكثر من ~~سورة.................................... 8 # المفهوم الإسلامي عن المرأة في النظرة ~~والتشريع................................... 9 # كيف نفهم موقف التشريع من شهادة ~~المرأة!.................................. 12 # الضعف ليس قدر المرأة ~~الحتمي.............................................. 13 # القران يضرب المثل بالمرأة ~~القوية.............................................. 14 # لماذا هذا التأكيد علي الضعف في ms1751 ~~التشريع!................................... 16 # الآية ~~[1]..................................................................... 19 # معاني ~~المفردات............................................................ 19 # اختلاف النداء القرآني بين ( @QUR@03 يا أيها الناس ) و ( @QUR@04 يا ~~أيها الذين آمنوا ).......... 20 # مدلول التقوي في التربية ~~الإسلامية........................................... 21 # ما معني النفس ~~الواحدة!.................................................... 23 # الشيخ محمد عبده في موضوع النفس ~~الواحدة.................................. 26 # كيف بدأ التكاثر ~~الإنساني!................................................ 27 PageV07P565 # مناقشة نظرية داروين في أهل ~~الإنسان........................................ 30 # العلاقة بالأرحام في ~~الإسلام................................................. 31 # السر في التأكيد علي صلة ~~الأرحام.......................................... 33 # نقطة منهجية في استخلاص المفاهيم ~~القرآنية.................................. 36 # الآية ~~[2]..................................................................... 38 # معاني ~~المفردات............................................................ 38 # كيف نتصرف مع الأيتام في ~~أموالهم!......................................... 39 # الآية ~~[3]..................................................................... 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # مناسبة ~~النزول............................................................. 43 # تشريع تعدد ~~الزوجات...................................................... 43 # اختلاف في تفسير ~~الآية.................................................... 44 # إشكالات علي تعدد الزوجات.............................................. 47 # القرآن وتعدد الزوجات .. إشكالات ~~وردود................................... 50 # الأسباب الموجبة لتشريع تعدد ~~الزوجات....................................... 50 # أولا : لأن الوحدة قد تكون مدعاة ~~للانحراف.................................. 50 # ثانيا : الأخلاق الزوجية قاعدة مواجهة أي مشكل ~~عائلي....................... 52 # ثالثا : ارتباك الوضع العائلي الاقتصادي ليس قاعدة ~~عامة....................... 53 # رابعا : ليست كثرة النسل قيمة سلبية ~~دائما................................... 54 # خامسا : النتائج التربوية تتبع الظروف الذاتية ~~والموضوعية....................... 55 # التعدد حل لكثير من ~~المشاكل............................................... 55 # لماذا التعدد للرجل دون ~~المرأة!............................................... 56 # انسجام التشريع وحاجات البشر ~~الطبيعية..................................... 59 # ارتكاز العلاقات الإنسانية علي قيمة ~~العدل................................... 61 # هل العدل شرط في صحة الزواج ~~المتعدد!..................................... 63 PageV07P566 # كيف نوازن بين هذه الآية وبين الآية التي تنفي إمكانية ~~العدل!.................. 63 # ملك ~~اليمين.............................................................. 65 # الآية ~~[4]..................................................................... 68 # معاني ~~المفردات............................................................ 68 # مهور ~~النساء.............................................................. 68 # الآية ~~[5]..................................................................... 74 # معاني ~~المفردات............................................................ 74 # أموال ~~السفهاء............................................................ 75 # الآية ~~[6]..................................................................... 82 # معاني ~~المفردات............................................................ 82 # مناسبة ~~النزول............................................................. 84 # الرشد شرط في رفع الحجر عن مال ~~اليتيم..................................... 84 # أكل مال اليتيم ~~بالعدل..................................................... 85 # هل هذه الآية ~~منسوخة!.................................................... 87 # الآية ~~[7]..................................................................... 89 # معاني ~~المفردات............................................................ 89 # مناسبة ~~النزول............................................................. 89 # الإرث في ~~الإسلام......................................................... 91 # وقفة تأمل أمام نظام الإرث في ~~الإسلام....................................... 93 # لماذا لا يكون الإرث ~~للدولة!................................................ 93 # الآيات [8 ~~10].............................................................. 99 # معاني ~~المفردات............................................................ 99 # أكل أموال اليتامي ~~ظلما.................................................. 100 # الانحراف لدي الأفراد قد يتحول إلي انحراف ~~عام............................. 102 # اتقوا الله في ~~اليتامي....................................................... 104 ms1752 PageV07P567 # الآيتان [11 ~~12]........................................................... 109 # معاني ~~المفردات.......................................................... 110 # مناسبة ~~النزول........................................................... 111 # من أحكام الإرث........................................................ 112 # وصية الله في ~~الأولاد..................................................... 113 ~~العول.................................................................. 124 # الآيتان [13 ~~14]........................................................... 128 # معاني ~~المفردات.......................................................... 128 # هل يخلد العاصي المسلم في ~~النار!.......................................... 131 # الآيتان [15 ~~16]........................................................... 133 # معاني ~~المفردات.......................................................... 133 # النظرة الإسلامية للجنس من خلال ~~العقوبة.................................. 134 # الآيتان [17 ~~18]........................................................... 146 # معاني ~~المفردات.......................................................... 146 # لمن ~~التوبة!.............................................................. 147 # التوبة في خط التربية ~~الإسلامية............................................ 152 # الذنب ~~والبيئة........................................................... 154 # الآيات [19 ~~21]........................................................... 157 # معاني ~~المفردات.......................................................... 157 # مناسبة ~~النزول........................................................... 158 # الإسلام يضع الحدود للزوج في حقوق ~~الزوجة................................ 160 # ضرورة إخضاع العواطف للعقل............................................ 163 # وجوب حفظ الحقوق المادية ~~للزوجة......................................... 165 # عقد الزواج ميثاق ~~غليظ.................................................. 167 # الآية ~~[22].................................................................. 168 PageV07P568 # معاني ~~المفردات.......................................................... 168 # مناسبة ~~النزول........................................................... 168 # نكاح نساء ~~الآباء........................................................ 169 # الآيتان [23 الي ~~24]......................................................... 171 # معاني ~~المفردات.......................................................... 171 # المحارم في ~~الإسلام........................................................ 173 # الآية وزواج ~~المتعة......................................................... 181 # الخلاف الإسلامي في زواج ~~المتعة........................................... 184 # المتعة في الجانب الاجتماعي للمشكلة ~~الجنسية............................... 186 # الآية ~~[25].................................................................. 188 # معاني ~~المفردات.......................................................... 188 # الزواج من الإماء: علته ~~ودوافعه............................................ 189 # الآيات [26 ~~28]........................................................... 194 # معاني ~~المفردات.......................................................... 194 # فيوضات الرحمة ~~الإلهية.................................................... 195 # الآيتان [29 ~~30]........................................................... 200 # معاني ~~المفردات.......................................................... 200 # ما جمع بالباطل ~~باطل..................................................... 201 # الحياة لله تعالي لم يسلط أحدا عليها إلا ~~بالحق............................... 202 # الرحمة نظام شامل ~~للحياة................................................. 202 # من يتجاوز حدود الله سيصلي ~~نارا......................................... 204 # الآية ~~[31].................................................................. 204 # معاني ~~المفردات.......................................................... 205 # اجتناب الكبائر في طريق ~~المغفرة............................................ 206 # ما الفرق بين الكبيرة ~~والصغيرة!............................................ 207 PageV07P569 # الكبائر في كتاب الله ~~تعالي................................................ 209 # القضايا الأساسية التي تمثلها ~~الكبائر........................................ 212 # الآية ~~[32].................................................................. 214 # معاني ~~المفردات.......................................................... 214 # مناسبة ~~النزول........................................................... 215 # في آفاق ~~الآية........................................................... 216 # تأكيد القرآن علي النظر الإيجابي والدافعي في ~~الحياة........................... 220 # الآية ~~[33].................................................................. 222 # معاني ~~المفردات.......................................................... 222 # مناسبة ~~النزول........................................................... 223 # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون................................. 223 # الآيتان [34 ~~35]........................................................... 226 # معاني ~~المفردات.......................................................... 222 # مناسبة ~~النزول........................................................... 227 # الرجال قوامون علي ~~النساء................................................ 229 # ما هي طبيعة القوامة في ~~الإسلام!.......................................... 231 # حدود تفضيل الرجال علي النساء.......................................... 235 # القرآن يرسم ملامح الصورة المشرفة للنساء ~~المؤمنات........................... 238 # كيف عالج القرآن مشكلة النشوز!......................................... 239 # القرآن يحدد ms1753 أساليب معالجة نشوز ~~المرأة..................................... 249 # أولا : ~~الموعظة........................................................... 242 # ثانيا : الهجر في ~~المضاجع................................................. 243 # ثالثا : ~~الضرب.......................................................... 243 # نشوز ~~الزوجين........................................................... 246 # لماذا التحكيم العائلي لا ~~القضاء!.......................................... 247 PageV07P570 # صفات الحكمين......................................................... 249 # ما هي سلطة الحكمين!.................................................. 249 # نشوز ~~الزوج............................................................. 251 # الآية [36 ~~42]............................................................. 252 # معاني ~~المفردات.......................................................... 253 # مناسبة ~~النزول........................................................... 256 # الخط الإيماني في مسئولية العلاقات ~~الإنسانية................................ 257 # [وبالوالدين ~~إحسانا]..................................................... 258 # كيف نفهم الإحسان للوالدين!........................................... 259 # دروس من ملامح ~~المختالين................................................ 265 # جزاء ~~الكافرين........................................................... 267 # محكمة العدل........................................................... 271 # الآية ~~[43].................................................................. 274 # معاني ~~المفردات.......................................................... 274 # مناسبة ~~النزول........................................................... 275 # من أحكام الصلاة ~~والطهارة............................................... 277 # الآيات [44 ~~46]........................................................... 283 # معاني ~~المفردات.......................................................... 283 # مناسبة ~~النزول........................................................... 284 # من نماذج الأساليب اليهودية في عداواتهم ~~للمسلمين.......................... 285 # الآيتان [47 ~~48]........................................................... 289 # معاني ~~المفردات.......................................................... 289 # مناسبة ~~النزول........................................................... 290 # إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به............................................... 292 # الآيتان [49 ~~50]........................................................... 295 PageV07P571 # معاني ~~المفردات.......................................................... 295 # مناسبة ~~النزول........................................................... 295 # لاتزكو انفسكم بل الله يزكي من ~~يشاء...................................... 297 # الآيتان [51 ~~52]........................................................... 300 # معاني ~~المفردات.......................................................... 300 # مناسبة ~~النزول........................................................... 301 # اليهود يفضلون المشركين علي ~~المسلمين..................................... 302 # الآيات [53 ~~55]........................................................... 306 # معاني ~~المفردات.......................................................... 306 # جزاء المستعلين ~~والحاسدين................................................. 307 # الآيتان [56 ~~57]........................................................... 309 # معاني ~~المفردات.......................................................... 309 # النار جزاء الكافرين وجنة الخلد جزاء ~~المؤمنين................................. 310 # الآية ~~[58].................................................................. 312 # معاني ~~المفردات.......................................................... 312 # مناسبة ~~النزول........................................................... 313 # عناصر السلامة العامة للتوازن ~~الاجتماعي................................... 314 # أولا : أداء ~~الأمانة............................................................. 314 # ثانيا : الحكم ~~بالعدل.......................................................... 315 # الآية ~~[59].................................................................. 318 # معاني ~~المفردات.......................................................... 318 # مناسبة ~~النزول........................................................... 318 # القيادة الشرعية وحدها لها حق ~~الطاعة...................................... 321 # الرسول جامع لصفات الحاكم والداعي..................................... 322 # من هم أولو ~~الأمر!...................................................... 323 PageV07P572 # ميزان فمن المنازعات في ~~الإسلام........................................... 326 # الآيات [60 ~~70]........................................................... 329 # معاني ~~المفردات.......................................................... 330 # مناسبة ~~النزول........................................................... 332 # الخط الفاصل بين الإيمان ~~والنفاق.......................................... 336 # الله يكشف باطن ~~المنافقين................................................ 339 # طاعة النبي من طاعة الله ~~تعالي............................................ 340 # ميزان الإيمان الحق: الانصياع المطلق لحكم الله ~~ورسوله........................ 342 # من علامات إيمان ~~المؤمن.................................................. 343 # الآية وعصمة النبي صلي الله عليه وآله ~~وسلم................................ 343 # القرآن يخاطب المواقف الحقيقية ~~للمنافقين................................... 344 # جزاء ~~المطيعين........................................................... 345 # الآيات [71 ~~73]........................................................... 346 # معاني ~~المفردات.......................................................... 346 # مناسبة ~~النزول........................................................... 347 # القرآن يدعو للثبات أمام ms1754 أساليب ~~الانهزام................................... 347 # لا بد من الحذر علي كل ~~المستويات........................................ 348 # المقابلة بين المؤمنين ~~والمنافقين.............................................. 349 # الآيات [74 ~~76]........................................................... 351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 # إطلاق الدعوة إلي ~~الجهاد................................................. 352 # الأهداف الواقعية ~~للجهاد................................................. 352 # معني القتال في سبيل ~~الله................................................. 353 # الخط الفاصل بين قتال المؤمنين وقتال ~~الكافرين............................... 354 # الآيات [77 ~~79]........................................................... 356 PageV07P573 # معاني ~~المفردات.......................................................... 356 # مناسبة ~~النزول........................................................... 357 # من صور ~~المتخاذلين...................................................... 358 # تربية المسلم علي التعاطي مع واقعة ~~الموت................................... 362 # الآيتان [80 ~~81]........................................................... 365 # معاني ~~المفردات.......................................................... 365 # من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله............................................ 365 # الآية ~~[82].................................................................. 368 # معاني ~~المفردات.......................................................... 368 # عدم الاختلاف في القرآن دليل علي صدوره من الله ~~تعالي..................... 369 # الآية ~~[83].................................................................. 372 # معاني ~~المفردات.......................................................... 373 # لا بد من إرجاع قضايا الأمن إلي أولي ~~الأمر................................. 373 # التحرك من مواقع المسؤولية لا ~~الذاتية....................................... 375 # الآية ~~[84].................................................................. 377 # معاني ~~المفردات.......................................................... 380 # مناسبة ~~النزول........................................................... 380 # مسئولية الرسول ~~القيادية.................................................. 378 # الآيات ~~[85]................................................................ 380 # معاني ~~المفردات.......................................................... 380 # أجر المحسنين وجزاء ~~المسيئين............................................... 381 # الآيتان [86 ~~87]........................................................... 382 # معاني ~~المفردات.......................................................... 382 # تجاوب المسلم مع المبادرات ~~الروحية......................................... 383 # الإسلام وإفشاء ~~السلام................................................... 384 PageV07P574 # الآيات [88 ~~91]........................................................... 387 # معاني ~~المفردات.......................................................... 387 # مناسبة ~~النزول........................................................... 388 # القرآن يحدد ملامح ~~المنافقين............................................... 389 # القرآن يحسم الموقف من ~~المنافقين.......................................... 391 # معني إضلال الله ~~للمنافقين................................................ 391 # أماني ~~المنافقين........................................................... 383 # الأمر يقتل المنافقين أني ~~وجدوا............................................. 393 # الموقف ممن يقاربون أهل ~~النفاق............................................ 395 # استيحاء الدروس من هذه الآيات.......................................... 395 # الآيتان [92 ~~93]........................................................... 398 # معاني ~~المفردات.......................................................... 398 # مناسبة ~~النزول........................................................... 398 # حكم قتل الخطأ في ~~الإسلام............................................... 401 # الآية ~~[94].................................................................. 405 # معاني ~~المفردات.......................................................... 405 # مناسبة ~~النزول........................................................... 406 # تنبيه المسلمين من ابتغاء عرض الحياة ~~الدنيا.................................. 407 # ضرورة التبين قبل القتل علي ~~الإسلام....................................... 407 # لا يحل للمؤمن أن يؤاخذ الإنسان بغير ~~علم................................. 409 # الآيتان [95 ~~96]........................................................... 410 # معاني ~~المفردات.......................................................... 410 # مناسبة ~~النزول........................................................... 411 # التفاضل في الإسلام يكون ~~بالعمل......................................... 411 # الآيات [97 ~~100]......................................................... 414 PageV07P575 # معاني ~~المفردات.......................................................... 414 # مناسبة ~~النزول........................................................... 416 # الضعف الذاتي ليس مبررا ~~للاستسلام....................................... 416 # ظلم النفس من الكفر والضلال............................................ 417 # فلسفة الهجرة في ~~الإسلام................................................. 421 # وجوب الهجرة من كل بلد يضعف فيه الإنسان دينيا......................... 422 # المستضعفون ms1755 وضرورة تحريك الإمكانات ~~المتاحة............................... 424 # الآيات [101 ~~103]........................................................ 426 # معاني ~~المفردات.......................................................... 426 # مناسبة ~~النزول........................................................... 427 # صلاة الخوف........................................................... 428 # الآية ~~[104]................................................................ 435 # معاني ~~المفردات.......................................................... 435 # مناسبة ~~النزول........................................................... 436 # دعوة للأخذ بأسباب ~~القوة................................................ 437 # الآيات [105 ~~113]........................................................ 439 # معاني ~~المفردات.......................................................... 441 # مناسبة ~~النزول........................................................... 441 # ملاحظات حول روايات النزول............................................ 443 # الإسلام يرفض الدفاع عن ~~الخائنين......................................... 445 # الحكم بما يريه الله من ~~الحق................................................ 446 # الاستغفار وسيلة تربوية ~~روحية............................................. 447 # الخيانة مرفوضة بكل ~~أشكالها.............................................. 448 # الله محيط بعمل ~~الإنسان.................................................. 449 # الآخرة يوم ظهور ~~الحق.................................................... 450 PageV07P576 # رحمة الله واسعة لكل ~~تواب................................................ 450 # كل نفس بما كسبت رهينة................................................ 451 # الإسلام يرفض الظلم والكذب ~~والبهتان..................................... 452 # الله تعالي عاصم لنبيه من ~~الضلال......................................... 453 # هل الآية دالة علي العصمة بمعناها ~~الفلسفي!................................ 454 # الآية ~~[114]................................................................ 458 # معاني ~~المفردات.......................................................... 458 # لا خير في كثير من ~~نجواهم................................................ 458 # الآية ~~[115]................................................................ 461 # معاني ~~المفردات.......................................................... 461 # من يشاقق الرسول ... نصله جهنم........................................ 461 # من إيحاءات ~~الآية........................................................ 462 # الآية ~~[116]................................................................ 462 # إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به............................................... 464 # الآيات [117 122].................................................. 467 # معاني ~~المفردات.......................................................... 467 # الشيطان يعدد بعض أضاليله.............................................. 468 # الآيات [123 ~~125]........................................................ 472 # معاني ~~المفردات.......................................................... 472 # مناسبة ~~النزول........................................................... 473 # معني الانتماء في ~~الإسلام................................................. 474 # مصير من يعمل عملا نافعا وما هو ~~بمؤمن................................... 477 # أحسن الدين السليم المطلق لله ~~تعالي....................................... 479 # الآية ~~[126]................................................................ 482 # الله هو المالك ~~المطلق..................................................... 482 PageV07P577 # الآية ~~[127]................................................................ 483 # معاني ~~المفردات.......................................................... 483 # ويستفتونك في ~~النساء.................................................... 483 # الآية ~~[128]................................................................ 487 # معاني ~~المفردات.......................................................... 487 # مناسبة ~~النزول........................................................... 488 # كيفية مواجهة المرأة لنشوز ~~الزوج........................................... 488 # الآيتان [129 ~~130]........................................................ 491 # معاني ~~المفردات.......................................................... 491 # إشكالية عدم استطاعة العدل بين ~~النساء................................... 492 # معني المرأة ~~المعلقة......................................................... 494 # الآيات [131 ~~134]........................................................ 496 # لله ما في السماوات ~~والأرض.............................................. 496 # الآية ~~[135]................................................................ 499 # معاني ~~المفردات.......................................................... 499 # مناسبة ~~النزول........................................................... 500 # كونوا قوامين ~~بالقسط.................................................... 501 # الآيتان [136 ~~137]........................................................ 503 # مناسبة ~~النزول........................................................... 503 # النداء ~~للمؤمنين.......................................................... 504 # الآيتان [138 ~~139]........................................................ 504 # معاني ~~المفردات.......................................................... 508 # ماذا ينتظر المنافقون في يوم ~~القيامة.......................................... 506 # الآية ~~[140]................................................................ 508 # مناسبة ~~النزول........................................................... 508 PageV07P578 # ضرورة ابتعاد المؤمن عن تجمعات المستهزئين بآيات ~~الله........................ 508 # الآية ~~[141]................................................................ 511 # معاني ~~المفردات.......................................................... 511 # الذين يلعبون علي ms1756 ~~المواقف................................................ 511 # الآيتان [142 ~~143]........................................................ 514 # معاني ~~المفردات.......................................................... 511 # المنافقون ~~مذبذبون....................................................... 515 # الآيات [144 147].................................................. 519 # معاني ~~المفردات.......................................................... 519 # لا تتخذوا الكافرين ~~أولياء................................................. 520 # الآيتان [148 ~~149]........................................................ 519 # مناسبة ~~النزول........................................................... 523 # لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول........................................ 524 # وقد اختلف المفسرون في تفسير السوء من القول علي ~~أقوال................... 524 # الآيات [150 ~~152]........................................................ 527 # معاني ~~المفردات.......................................................... 527 # الذين يفرقون بين الله ~~ورسله............................................... 527 # الآيات [153 ~~155]........................................................ 529 # معاني ~~المفردات.......................................................... 529 # مناسبة ~~النزول........................................................... 530 # أهل الكتاب وأسئلتهم التعجيزية في خط ~~التمر............................... 531 # الآيات [156 ~~159]........................................................ 533 # معاني ~~المفردات.......................................................... 533 # القرآن يرفض فكرة صلب المسيح.......................................... 534 # الآيتان [160 ~~161]........................................................ 536 # الله يعاقب اليهود بتحريم ~~الطيبات......................................... 536 PageV07P579 # الآية ~~[162]................................................................ 538 # الفئة المؤمنة من ~~اليهود.................................................... 538 # مشكلة الكثير من الكافرين في سطحية ~~تفكيرهم............................... 54 # الآيات [163 ~~165]........................................................ 542 # معاني ~~المفردات.......................................................... 542 # مناسبة ~~النزول........................................................... 542 # جولة سريعة مع ~~الأنبياء................................................... 543 # الآية ~~[166]................................................................ 547 # مناسبة ~~النزول........................................................... 547 # الله يشهد علي نبوة محمد صلي الله عليه وآله ~~وسلم.......................... 548 # الآيات [167 ~~169]........................................................ 549 # لن يغفر الله للكافرين ~~الظالمين............................................. 549 # الآية ~~[170]................................................................ 551 # قد جاءكم الرسول بالحق ~~فآمنوا............................................ 551 # الآيات [171 ~~173]........................................................ 552 # معاني ~~المفردات.......................................................... 552 # مناسبة ~~النزول........................................................... 554 # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ... في شخصية ~~المسيح..................... 554 # الآيتان [174 ~~175]........................................................ 560 # معاني ~~المفردات.......................................................... 560 # الإيمان بالله والاعتصام ~~به................................................. 561 # الآية ~~[176]................................................................ 562 # مناسبة ~~النزول........................................................... 562 # يستفتونك في ~~الكلالة.................................................... 563 ### |||| * والحمد لله رب العالمين PageV07P580 ![](https://books.rafed.net/Books/3269_tafsir-men-wahi-alquran-08/images/image001.gif) PageV08P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3269_tafsir-men-wahi-alquran-08/images/image002.gif) PageV08P003 ### | سورة المائدة ### ||| * مدنية ### ||| * وآاتها مئة وعشرون PageV08P005 ### ||| ** سبب التسمية # سميت هذه السورة باسم «المائدة» من قبيل تسمية الكل باسم الجزء ، حيث لم ~~يرد ذكر «المائدة» الا في آيتين ، هما قوله تعالى : ( @QUR@022 إذ قال ~~الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ~~قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) [المائدة : 112] وقوله تعالى : ( @QUR@022 ~~قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ) [المائدة : 114] وكان ~~ذلك في سياق الحوار الطلب بين الحواريين والسيد المسيح عليه السلام ، حيث ~~طلبوا منه عليه السلام إنزال مائدة ms1757 من السماء عليهم تكون عيدا لأولهم وآخرهم ~~ليعيشوا من خلالها الشعور العميق برضى الله عنهم وتكريمه لهم فاستجاب لهم ~~المسيح ، ودعا الله لينزل عليهم هذه المائدة ، فوعده الله بذلك ، والله لا ~~يخلف وعده ، الا انه توعد أصحابها بالعذاب السريع إذا ما انحرفوا وكفروا ~~بعد أن جاءتهم البينة بإنزالها وهنا اختلف المفسرون : فمنهم من قال بأنهم ~~سحبوا طلبهم بعد هذا الوعيد ، ومنهم من قال بأنهم أصروا عليه ومن هنا نشأ ~~خلاف المفسرين حول إنزال المائدة أولا. # وقد جاءت تعليقات أهل الكتاب لتثير حول هذه القصة شكوكا تتلخص في ان ~~الإنجيل لم يتحدث عنها في قليل أو كثير ، كما لم ينقلها أحد في التاريخ ~~النصراني ، في الوقت الذي نجده يتعرض لكل كرامة مهما كانت PageV08P007 # صغيرة لتلاميذ المسيح ، فكيف بهذه الكرامة العظيمة التي جعلها القرآن ~~الكريم مناسبة عظيمة ، بحيث تعتبر أساسا لعيد جديد يعيشونه في مستقبل ~~حياتهم كمظهر للفرحة بالنعمة الكبيرة ... وسنتعرض لبعض هذه التساؤلات في ~~نهاية هذه السورة # * * * ### ||| ** أغراض هذه السورة # تهدف هذه السورة كغيرها من السور إلى تنمية الواقع الفكري والروحي ~~والعملي للإنسان المسلم سواء في نطاقه الفردي أو الاجتماعي ، وذلك من خلال ~~تصوره للآفاق العقيدية التي يطوف فيها فكره وتتحرك معها تصوراته عن الله ~~والكون والحياة ... ، أو من خلال حركة المسؤولية في حياته في علاقاته ~~بالناس والأشياء من حوله ، بكل ما تشتمل عليه من التزامات ومواثيق يفرضها ~~الله عليه أو يلزم بها نفسه ، أو من خلال الصراع الذي يخوضه المسلمون ~~والآخرون من أهل الكتاب والمشركين حيث يثيرون المشاكل والشبهات والتحديدات ~~والمواقف السلبية ضد الإسلام والمسلمين ، مبينا لهم كيف يجب عليهم أن ~~يعيشوا هذه التحديات فكريا وروحيا من خلال صفاء الفكر ووضوحه ، وقوة الحجة ~~وثباتها التي يضفيها الإسلام على معتنقيه ، حيث يزودهم بصلابة الموقف ، ~~وحيوية الروح ، وسماح الشعور. # وهكذا جاءت هذه السورة لتؤكد الخطوط الإسلامية التشريعية العامة لقواعد ~~التعامل بين الناس مع بعضهم البعض ومع الله ، إضافة إلى التشريعات الخاصة ~~التي تثير قضايا الناس في ما يأكلونه ويعيشونه ويمارسونه من علاقات ms1758 إنسانية ~~خاصة ، ولم تترك أمر العبادة غامضا مطلقا ، بل عملت على التخطيط PageV08P008 # لبعض الملامح التشريعية لأعمال الطهارة والصلاة ... وتحركت عبر خطوات ~~العقيدة في الفكر والحياة لتناقش أهل الكتاب وغيرهم في كل القضايا التي ~~كانت محلا للنزاع والخلاف والتساؤل ، ولتناديهم والمؤمنين كي يستقيموا في ~~خطا التصور والعمل ، فتعنف معهم تارة وتلين أخرى ، لأن القضية تتعلق ~~بالجانب العميق من قاعدة الحياة ، لا بالقضايا الطارئة البسيطة التي تفرض ~~نوعا من المجاملة في الأسلوب. # وأطلقت بعد ذلك للمؤمنين النداءات التي تحدد لهم خط الاستقامة في العقيدة ~~والتشريع ، لتربطهم بحكم الله كأساس للإيمان والعدل والاعتدال ، ولتوحي ~~إليهم بأن الله قد أكمل لهم الدين ، فلا مجال بعد ذلك لزيادة أو نقصان ، ~~لأن الدين هو الحقيقة ، وهو الكلمة الإلهية الفاصلة ، وهو المنهج المعصوم ~~الذي ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ~~فليس هناك فراغ ليملأه الآخرون وليس هناك خطأ ليصححه المتفلسفون ، ( ~~@QUR@06 فما ذا بعد الحق إلا الضلال ) [يونس : 32]. # وهكذا نجد في هذه السورة النموذج الإسلامي الحي للخطوط العامة التي يراد ~~من خلالها بناء الفرد والمجتمع والحياة الإسلامية على الأسس الفكرية ~~والمفاهيمية والعقيدية والتشريعية للإسلام لنلتقي في حركة الحياة بالإنسان ~~الذي يؤمن بالله من خلال الفكر والعقل ، ويتحرك في حياته من خلال الوحي ، ~~وينطلق في شجاعة الموقف الفكري والعملي ، ليدعو الناس إلى الحوار ، ويتحدى ~~الأفكار كلها بالحجة والبرهان ، ويحمل مسئولية الكون والحياة على أساس ~~الإسلام الكامل الشامل ، الذي يخطط لكل حركة ، ويحتوي كل مشكلة ، ويفسح ~~المجال أمامه لكل إبداع. # * * * PageV08P009 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآة # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) (1) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالعقود ): جمع عقد بمعنى معقود وهو أوكد العهود ، والفرق بين ~~العقد والعهد ، أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ، ولا يكون إلا بين ~~متعاقدين. والعهد قد ينفرد به الواحد ، فكل عهد عقد ، ولا يكون كل عقد عهدا ~~، وأصله عقد الشيء بغيره : أي وصله به كما يعقد ms1759 الحبل. # والمراد بالعقد هنا كل التزام جرى بين بالغين عاقلين عن طيب نفس على أي ~~شي كان ، شرط أن لا يحرم حلالا أو يحلل حراما. # ( @QUR@01 بهيمة ): البهيمة في اللغة الحيوان الذي لا نطق له لما في ~~صوته من الإبهام ، ولكن العرب لا يطلقون هذا اللفظ على الطير ، والبهيمة ~~اسم لكل PageV08P010 # ذي أربع من دواب البر والبحر. # ( @QUR@01 الأنعام ): الإبل والبقر والغنم. # ( @QUR@01 حرم ): جمع حرام ، أي متلبسين بالإحرام للحج أو العمرة. # * * * ### ||| ** مدخل عام .. دعوة المؤمنين إلى الوفاء بالعقود # جاء في تفسير الميزان : «لم يختلف أهل النقل أنها آخر سورة مفصلة نزلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر أيام حياته ، وقد ورد في ~~روايات الفريقين أنها ناسخة غير منسوخة (1) وقال جعفر بن مبشر والشعبي : هي ~~مدنية كلها إلا قوله : ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم )، فإنه نزل ~~والنبي واقف على راحلته في حجة الوداع. # وتبدأ هذه السورة بتوجيه النداء إلى المؤمنين خاصة ، لأنها تشتمل على ~~الكثير من التشريعات التي تتوقف على صفة الإيمان التي تستلزم موقفا يتجاوز ~~دائرة الالتزام الفكري المجرد ، إلى دائرة العمل والممارسة والحركة. # وجاء النداء الأول أمرا بالوفاء بالعقود ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود )، إذا لا بد للمؤمن من تحمل مسئولية التزاماته التعاقدية ~~والتعاهدية التي لا يجوز له نقضها ولا الانحراف عنها ، لأن المؤمن يرتكز في ~~حياته الذاتية والاجتماعية على قاعدة ثابتة من العهود والمواثيق التي عاهد ~~عليها الله من خلال ما ألزم به نفسه من السير على خط الإيمان ، وما يفرضه ~~من احترام PageV08P011 # التعامل والتعاون مع الآخرين مما يعجل التزامه للآخرين امتدادا لالتزامه ~~الإيماني أمام الله. وهذا ما يؤيدي إلى أن يكون الوفاء به طاعة لله بينما ~~يكون الانحراف عنه معصية له ، وذلك ما يجعل للمجتمع الإسلامي ميزته في ~~تأكيد الثقة والاحترام والثبات والكلمة القوية التي تتحول إلى قانون يلزم ~~صاحبها من موقع الطاعة لله ، بعيدا عن كل قضايا الخوف والرجاء على مستوى ~~الواقع المادي في حياة الناس. # وفي ضوء ذلك ، يمكن أن يدخل هذا الالتزام ms1760 في تكوين الشخصية الإسلامية ، ~~ليكون الالتزام بالكلمة والعهد هو المدلول الداخلي للإنسان المسلم ، مما ~~يجعل الآخرين الذين يعيشون معه ، في أمن وثقة على مصالحهم وقضاياهم ~~وعلاقاتهم. # وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : «لا دين لمن لا عهد له» (1). # وفي نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام : «فإنه ليس من فرائض الله شيء ~~الناس أشد عليه اجتماعا ، مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم ، من تعظيم الوفاء ~~بالعهود ، وقد لزم ذلك المشركون في ما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا (2) ~~من عواقب الغدر (3). # وروي عنه أنه قال عليه السلام : «إن الله تبارك وتعالى لا يقبل إلا العمل ~~الصالح ، ولا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط والعهود (4). PageV08P012 # وفي الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام «ثلاث لم يجعل الله عز وجل ~~لأحد فيهن رخصة : أداء الأمانة إلى البر والفاجر ، والوفاء بالعهد للبر ~~والفاجر ، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين (1). # وهذا من شأنه أن يركز العلاقات التعاقدية والتعاهدية بين الناس على قاعدة ~~العدل الاجتماعي ، بدلا من معادلة موازين القوة والضعف ، بحيث يلتزم ~~الإنسان بعقده وعهده إذا كان ضعيفا لا يملك التمرد على الطرف الآخر من ~~العقد والعهد ، ولا يلتزم إذا كان يملك قوة المركز الاجتماعي والموقع ~~السياسي والسلطة المالية. فالله سبحانه وتعالى يريد إخضاع مسألة العقود ~~للإيمان والتقوى امتثالا لأمره بالوفاء ، كما في هذه الآية ، وبذلك يصبح ~~العقد لا يقوم بطرفين فحسب هما العاقد والمعقود له ، بل بثلاثة أطراف هما ~~العاقد والمعقود له والله سبحانه وتعالى ، باعتباره الطرف الممتثل لأمره من ~~جهة ، والمتحضر كشاهد ورقيب من جهة أخرى ، مما يقوي أمر الوفاء ، لأن ~~المسؤولية مزدوجة : فمن جهة أمام المعقود له ، ومن جهة ثانية أمام الله ~~تعالى. وما يصح في العقود ، يصح أيضا مع العهود لجهة حفظها ومراعاتها كما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@06 وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ) [الإسراء : ~~34]. وقد بلغ من درجة حض الله تعالى على حفظ العهود أنه استثنى المعاهدين ~~من المشركين من إعلان الحرب عليهم ما داموا ملتزمين بعهدهم ، كما في ms1761 قوله ~~تعالى : ( @QUR@022 إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ) ~~[التوبة : 4]. وذلك بالرغم من أن المسلمين كانوا في ذلك الوقت في موقع ~~القوة ، بينما كان المشركون في موقع الضعف. من هنا يظهر لنا أنه لا فرق بين ~~المؤمن والكافر في الوفاء بالعهد ، كما لا فرق في الوفاء بالعقد وضرورة ~~الالتزام به في الخط الأخلاقي PageV08P013 # الإسلامي الإلزامي ، بين بقاء المصلحة الشخصية المترتبة على التعاقد أو ~~زوالها ، بل أكثر من ذلك ، حتى لو ترتب على التعاقد ضرر شخصي بفعل التطورات ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فلا يجوز نقض العهد ، الأمر الذي يؤكد ~~حرص الإسلام على قواعد الاستقرار الاجتماعي للناس كافة ، واعتبارها من ~~الأولويات الكبيرة في توجهاته الميدانية العامة. # هذا في الإطار العام ، أما على صعيد الجانب التفسيري التطبيقي ، فقد ذكر ~~صاحب مجمع البيان أربعة أقوال : # «أحدها : أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا ~~فيها على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوءا ، ~~وذلك هو معنى الحلف (1) وبذلك تكون الآية واردة لتحديد واقع عملي محدود في ~~حياة الناس الذين دخلوا الإسلام ، وكانوا قد ارتبطوا بعهود أمنية مع الفئات ~~الأخرى من قبائل وعوائل ... وربما خيل إليهم أن انفصالهم عن العقيدة ~~الجاهلية يبرر لهم نقض تلك العهود فأراد الله أن يبين لهم أن الإسلام يؤكد ~~الالتزام بالعقود حتى للكافرين ، ما دامت سائرة على النهج الذي لا يبتعد عن ~~حدود الله. # «وثانيها : أنها العهود التي أخذ الله ، سبحانه ، على عباده بالإيمان به ~~وطاعته في ما أحل لهم أو حرم عليهم (2) ويؤيدون هذا القول ، بقوله تعالى : ~~( @QUR@07 والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) إلى قوله : ( @QUR@02 ~~سوء الدار ) [الرعد : 25] وعلى ضوء هذا القول تكون الآية دعوة تأكيدية ~~للالتزام بخط الإيمان في علاقة الإنسان بالحياة وبالمفاهيم التشريعية في ~~شؤونه العلمية ، سواء تلك PageV08P014 # المتعلقة بنفسه أو تلك المتعلقة بالآخرين. # وثالثها : أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ويعقدها المرء ~~على ms1762 نفسه كعقد الإيمان وعقد النكاح وعقد العهد وعقد البيع وعقد الحلف (1) ~~فتكون الآية واردة للأمر بالوفاء بالالتزامات العقدية ، في العلاقات ~~والمعاملات الحياتية في ما بين الناس. # ورابعها : أن ذلك أمر من الله لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من ~~العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء ~~به من عند الله (2). وبذلك يكون المراد بالذين آمنوا أهل الكتاب في مقابل ~~المشركين والملحدين ، وهذا بعيد عن المصطلح القرآني. # وما نلاحظه على هذه الأقوال ، أنها عبارة عن اجتهاد ذاتي في استنطاق ~~الآيات التي جاء فيها حض على عدم نقض العهود بما جعلهم يفسرون الآية موضوع ~~الحديث بالخصوصيات الموجودة في تلك الآيات. # وهذا التخصيص لعموم الآية الشامل لجميع العقود لا وجه له بمقتضى دلالة ~~الجمع المعرف باللام على ذلك. # لذا قد تكون واردة على سبيل القاعدة العامة التي تشمل كل عقد ، ويبقى بعد ~~ذلك التدقيق في المراد من لفظ العقد ، هل يشمل العهود التي يلزم بها ~~الإنسان نفسه كما في الأيمان والنذور والعهود الذاتية ، أو الإيمان الذي ~~يمثل عهدا يعاهد به الإنسان ربه على العبودية والطاعة ، أو يختص بالعهد ~~القائم بين اثنين في ما يعبر عنه بالتعاقد؟ قد نستوحي من التفسير اللغوي ~~للكلمة بأن العقد هو العهد المؤكد ، إذ إن خصوصية التبادل في العهد القائم ~~على المقابلة في PageV08P015 # الالتزام ، والربط بين الالتزامين الذي يتمثل في التعاقد المتعارف ، لا ~~يمثل إلا نموذجا من نماذج التأكيد والاستيثاق. # لذا لا مانع من أن يكون لدينا نموذج آخر لا يقل عنه في التأكيد والتشديد ~~، بل ربما يزيد عليه من خلال إحساس الإنسان بنتائجه السلبية والإيجابية ، ~~وهو الالتزام الإيماني الذي يواجه به ربه ، ليمتد في جميع جوانب حياته من ~~خلال امتداده في فكره وشعوره وعمله أو العهد الذاتي الذي يعاهد به الله في ~~قضية فرعية عامة أو خاصة في ما يمثله اليمين والنذر والعهد ، وبذلك تكون ~~الكلمة شاملة لذلك بمدلولها اللفظي. وقد يثير البعض في هذا المجال مسألة ~~اتخاذ الكلمة ms1763 مدلولا خاصا يتمثل بالتعاقد المتعارف بين اثنين وابتعدت عن ~~المعنى اللغوي الشامل في المفهوم العرفي ، فلا يمكن الانطلاق منها في ~~المعنى الشامل الذى يشمل كل الموارد المذكورة ، ولكننا لا نجد كبير فائدة ~~في تحقيق ذلك ، لأن الأمر بالوفاء بالعهد في غير موارد التعاقد ، قد جاءت ~~به الآيات الكثيرة التي يمكن الاعتماد عليها في هذا الحكم ، فلا حاجة بنا ~~إلى استفادته من هذه الآية ، وقد نستطيع استفادة بطريقة الاستيحاء بالفحوى ~~، لأن الله إذا اعتبر العهد الذي يلزم به الإنسان نفسه في مقابل شخص عهدا ~~مؤكدا يستلزم الوفاء ، فلا مندوحة من أن العهد الذي يلزم به الإنسان نفسه ~~اتجاه ربه يصبح أكثر تأكيدا من خلال نوعية المسؤولية المترتبة على ذلك ، ~~وقد يمكن لنا من ناحية أخرى اعتبار الإيمان بلحاظ التزاماته العامة والخاصة ~~، أمرا تعاقديا بين العبد وربه في ما توحيه الآية الكريمة التي خاطب الله ~~بها بني إسرائيل بقوله ( @QUR@04 وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) [البقرة: 40] ، ~~بأن هناك عقدا بين الله والإنسان يتقابل فيه الإيمان بنتائجه ، وبذلك يدخل ~~الالتزام الإيماني في مدلول الكلمة ، بطريقة أو بأخرى. # * * * PageV08P016 ### ||| ** حرية التعاقد في الإسلام # وهناك نقطة أخرى في هذه الآية أثارها الفقهاء ، وهي قضية حرية التعاقد في ~~الشريعة الإسلامية. فهل للإسلام عقود محددة ، وأساليب خاصة للتعامل ، ولا ~~يجوز بالتالي ، العدول عنها إلى غيرها ، كما لا يجوز استحداث أشياء جديدة ~~بعيدا عنها ، أم أن الإسلام أعطى الإنسان حرية التحرك مع ما ينسجم وحاجاته ~~المتطورة بحيث يجوز له استحداث أساليب تعامل جديدة ، سواء في ما يتعلق ~~بخصوصيات المعاملات في ذاتها ، أو في أسلوب ممارستها؟ ذهب بعضهم إلى الرأي ~~الأول انطلاقا من أن هذه الآية واردة في معرض الإمضاء للعقود المتعارفة في ~~العهد الأول للإسلام ، فلا بد للعقود المستحدثة من تشريع جديد ، تماما كما ~~هو الرأي في اعتبارها واردة للحديث عن عهود أهل الجاهلية ، إذ كلا الرأيين ~~ينطلقان من نظرة الآية إلى الواقع ، لا إلى المبدأ. # وذهب بعضهم إلى الرأي الثاني انطلاقا من أن العموم في الآية يدل على ~~شمولها لكل ms1764 عقد سواء كان من العقود المتعارفة لدى الناس في العصور السابقة ~~أو من العقود المستحدثة في المعاملات الحاضرة ، أو كان من العقود التي ~~يحتاج الناس إلى استحداثها في المستقبل. # وليس هناك أي وجه لتخصيص ذلك بما ذكر ، لأن الجانب الإمضائي الذي يتحدث ~~عنه الرأي الأول ، لا يملك دليلا مخصصا بل قد يذهب البعض إلى أبعد من ذلك ، ~~فيرى أن الله ترك للناس أمر التعامل ، فلم يشرع لهم فيه شريعة خاصة من حيث ~~الشكل والمضمون ، بل كل ما هناك أنه وضع قواعد عامة للأسس التي ينبغي لهم ~~أن يسيروا عليها في ممارستهم أو استحداثهم ، فمن أخذ بهذه القواعد ، كان له ~~أن يمارس حريته في التعامل كيف شاء وبالطريقة التي تناسبه ، ونحن نميل إلى ~~هذا الرأي. وبذلك نجد أن ما يستحدثه PageV08P017 # من عقود جديدة اقتضتها التطورات الحياتية للعلاقات والحاجات الاقتصادية ~~لا يحتاج في شرعيته إلى نصوص خاصة ، أو إلى إدخاله تحت عناوين شرعية مما ~~كان متعارفا من أساليب التعامل السابقة ، فإن الآية كافية في إثبات ذلك ، ~~وعلى ضوء هذا ، يمكن لنا أن نقرر أن حرية التعاقد في الشريعة الإسلامية ~~مقيدة بالمبادئ العامة للإسلام الراسمة لحدود الحلال والحرام ، في تشريعه ~~وتطبيقه. والله العالم. # * * * ### ||| ** أحلت لكم بهيمة الأنعام # هل لهذه الفقرة علاقة بالفقرة السابقة؟ يذكر بعض المفسرين وجود علاقة ~~بينهما وذلك من خلال اعتبار الحكم بتحليل بهيمة الأنعام في حدوده المشروعة ~~، من نتائج الإيمان الذي هو أحد مظاهر التعاقد الذي يجب الوفاء به. وبذلك ~~يكون الأمر بالوفاء بالعقود أمرا بالالتزام بهذه الأحكام الشرعية. ونحن لا ~~نريد أن ندخل في تفاصيل الحديث في إثبات ذلك أو نفيه ، بل نسجل ملاحظة على ~~هذا الاتجاه في الربط بين الآيات أو فقراتها بشكل دقيق ، فقد يبدو لنا أن ~~الآيات لم تنزل لتعالج موضوعا واحدا على طريقة الأبحاث العملية التي تخضع ~~البحث لموضوع واحد تلتزم بإرجاع كل عناصره إليه ، بل إنها نزلت لتثير أمام ~~الإنسان جوانب متعددة يتعلق بعضها بتصوراته وقناعاته الفكرية ، وبعضها ~~الآخر بأفعاله وعلاقاته ومعاملاته ، منطلقا من ms1765 العام إلى الخاص في الحديث ، ~~وقد يتحدث عن الخاص ثم يعقبه بالعام ، وقد لا يكون هناك رابط موضوعي بين ~~الحديثين إلا في ما يتصل ببناء الجوانب الإنسانية على الصورة التي يريدها ~~الله للإنسان. PageV08P018 # ومن هنا كان الفرق بين البحث العلمي والحديث القرآني ، فالأول يعالج ~~موضوعا محددا ليصل إلى النتيجة المطلوبة ، بينما يعالج الثاني الإنسان في ~~مفاهيمه وأعماله ليصل به إلى درجة التكامل الفكري والعملي ، وبذلك فإن ~~الوحدة هناك هي وحدة الموضوع ، بينما تمثل الوحدة هنا وحدة قضية الإنسان ~~إنها ملاحظة نضعها في متناول التفكير لنتخلص من تكلف بعض المفسرين في ربط ~~الآيات ضمن السورة الواحدة حتى ولم يكن هناك من مبرر ظاهري لإيجاد مثل هذا ~~الترابط ، وذلك انطلاقا من فكرة لزوم أن يكون هناك ترابط فيها ، كما هو ~~الحال في النصوص العلمية ، التي يبدو الترابط المنهجي والمنطقي بين فقراتها ~~وجملها ضروريا ، وإلا لوقع في التناقض ، ولم ينته إلى النتائج الصحيحة أو ~~المفروضة ، كما لو كان القرآن كتابا منزلا بشكل كامل بينما نعرف من الوحي ~~أن القرآن أنزل بشكل متقطع ومتفرق تبعا للحاجات الإنسانية الإسلامية لذلك ، ~~ثم جمع بإشراف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتوجيهه من خلال المناسبات التي ~~تجمع الآيات والله العالم. # * * * ### ||| ** المراد من بهيمة الأنعام # وقد وقع خلاف في تفسير ( @QUR@02 بهيمة الأنعام ) فقال بعض إن المراد بها ~~الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وذكرت كلمة البهيمة للتأكيد ، كما ~~يقال نفس الإنسان ، وقال بعض آخر بأنها أجنة الأنعام التي توجد في بطون ~~أمهاتها إذا أشعرت وقد ذكيت الأمهات وهي ميتة فذكاتها ذكاة أماتها وذهب بعض ~~ثالث إلى أن المراد بها الوحشي من الأنعام كالظباء وبقر الوحش ونحوها ~~ولكننا نجد الآية عامة غير مخصصة ، حيث تشمل كلمة البهيمة كل ذي أربع PageV08P019 # من دواب البر والبحر. وقد تكون التخصيصات الواردة في كلمات الأئمة ، كما ~~في القول الثاني المروي عن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام ، واردة في ~~مقام التطبيق لا التفسير ، وذلك لأسلوبهم الخاص في توجيه الناس إلى الأخذ ~~بالقرآن والرجوع إليه في ms1766 ما يشكل عليهم أمره من قضايا الحياة. # ( @QUR@04 إلا ما يتلى عليكم ) مما حرم عليكم من الحيوانات ( @QUR@05 غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم ) تبدو هذه الجملة حالا من قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~أحلت لكم ) فكأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أطلق للمؤمنين الحرية في اصطياد ~~هذه الأنعام في جميع الحالات ، أراد استثناء حالة الإحرام للعمرة أو الحج ~~التي يحرم الصيد فيها لأنه من تروكه الملزمة ( @QUR@05 إن الله يحكم ما ~~يريد ) فله أن يشرع بما يشاء ويحكم بما يريد ، وعلى العباد الخضوع له ~~والطاعة. # * * * PageV08P020 ### ||| * الآية # ( @QUR@053 يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ~~ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ~~وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن ~~تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب ) (2) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا تحلوا ): أي لا تتصرفوا بها بكل حرية بعيدا عن قواعد الحل ~~والتحريم ، بل التزموا فيها ما ألزمكم الله به. والحلال والحل : المباح ، ~~وهو ما لا حرمة لفعله على تركه. والحرام والحرم ضده ، وحريم البئر : ما ~~حولها لأنها تحرم على غير حافرها. والحرم : الإحرام ، وأحرم الرجل صار ~~محرما ، وأحرم دخل في الشهر الحرام. # ( @QUR@01 شعائر ): جمع شعيرة ، وهي أعلام الحج وأعماله ، واشتقاقها من ~~قولهم : شعر فلان بهذا الأمر إذا علم به. والمشاعر : المعالم. الإشعار : PageV08P021 # الاعلام من جهة الجنس ، وقيل : الشعيرة والعلامة والآية واحدة ، وعلى ضوء ~~هذا ، فإنها تشمل كل علامات دينه ودلائله ومظاهر آياته. # ( @QUR@01 الهدي ): ما يهدى من الأنعام إلى الكعبة ليذبح هناك. # ( @QUR@01 القلائد ): جمع قلادة وهو ما يقلد به الهدي. والتقليد في ~~البدن أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي ، والقلد السوار لأنها كالقلادة لليد. # ( @QUR@01 آمين ): قاصدين ، الأم : القصد ، يقال : أممت كذا إذا قصدته ~~ويممت بمعناه. ومنه الإمام الذي يقتدى به ، والأمة : الدين لأنه يقصد ، ~~والإمة بالكسر النعمة لأنها تقصد. # ( @QUR@01 حللتم ): حل المحرم من إحرامه يحل حلا إذا خرج من حرمه. فأحل ~~هنا ، بمعنى ms1767 خرج. # ( @QUR@02 ولا يجرمنكم ): الجرم : القطع والكسب. ومعنى لا يجرمنكم أي لا ~~يكسبنكم ، وقيل : معناه لا يحملنكم عن الكسائي ، أو لا يبعثنكم. # ( @QUR@01 شنآن ): الشنئان : البغض ، يقال : شنئت الرجل أشناه شنأ وشنأ ~~وشنآنا ومشنأة أبغضته. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : «قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : نزلت هذه الآية ~~في رجل من بني ربيعة يقال له الحطم ، وقال السدي : أقبل الحطم بن هند ~~البكري حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، وخلف خيله خارج المدينة ، ~~فقال : إلام تدعو؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وآله والسلم قال لأصحابه : ~~يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة PageV08P022 # يتكلم بلسان شيطان ، فلما أجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أنظرني ~~لعلي أسلم ولي من أشاوره ، فخرج من عنده ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر ، فمر بسرح من سروح ~~المدينة فساقه وانطلق به ... # ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا ، فأراد رسول الله أن يبعث إليه ، ~~فنزلت هذه الآية ( @QUR@04 ولا آمين البيت الحرام )، وهو قول عكرمة وابن ~~جريج. وقال ابن زيد : نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون ~~بعمرة ، فقال المسلمون : يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء دعنا نغير ~~عليهم ، فأنزل الله تعالى الآية (1). # * * * ### ||| ** لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام # إن ما ورود في أسباب النزول يعني ضمنا ، أن الآية واردة في مقام حض ~~المسلمين على حفظ واحترام الشعائر والمواقف والأشخاص التي ترتبط ببعض ~~العبادات أو الأوضاع العامة المتعلقة بالتخطيط للسلام في الحياة أو الأماكن ~~المقدسة ، ولذا بدأ بشعائر الله التي اختلف الرأي في تطبيقها على عدة مواطن ~~ومعالم ومناسك ، باعتبار صدق هذا العنوان عليها ، كما جاء في الآية الكريمة ~~: ( @QUR@06 إن الصفا والمروة من شعائر الله ) [البقرة : 158] ، ولكن لا ~~مانع من القول بأنها شاملة لكل حرمات الله ومعالم أمره ونهيه ، باعتبارها ~~علامات على طاعة الله ، وربما يومئ إلى ذلك في الآية المتقدمة في جعل الصفا ms1768 ~~والمروة من شعائر الله ، مما يعني أن هناك غيرها من الأشياء التي يطلق ~~عليها الشعائر. ومن الواضح أن إطلاق كلمة الشعائر على الأمكنة والأشياء ليس ~~بلحاظ ذاتها ، PageV08P023 # بل باعتبار المعاني التي ترمز إليها والأعمال التي تؤدى فيها ، وبذلك ~~يكون النهي عن استحلالها ، نهيا عن تجاوز الحدود والفرائض التي أوجبها الله ~~فيها مما يدخل في طاعته والانقياد له. وأما النهي عن استحلال الشهر الحرام ~~، الذي جعله الله عنوانا للشهور الأربعة : رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم ~~، فلكي يكون للناس في حياتهم زمن سلام يسترحون فيه إلى أمنه وطمأنينته ، ~~ويعلمون فيه على الدعوة إلى تقوية أواصر السلام والمحبة فيما بينهم من خلال ~~ما يعيشون فيه من أجواء الخير والسعادة ... ولذلك أراد منهم ترك القتال فيه ~~، مهما كانت الدوافع والأوضاع ، إلا في الحالات الصعبة التي لا مجال فيها ~~إلا للمواجهة القتالية التي تمثل خط الدفاع عن القضايا. أما الهدي ، فقد ~~أراد الله للناس احترامه وعدم التعرض له بسلب ، أو باعتراض طريقه ومنع ~~وصوله إلى محله ، وكذلك الأمر بالنسبة للقلائد. # وفي ختام ذلك نهى عن الاعتداء على الذين يؤمون البيت الحرام ويقصدونه ~~ابتغاء رزق الله عن طريق التجارة ، أو الحصول على رضى الله وفق أساليبهم ~~العبادية الخاصة لله وإن كانت غير خالصة له. # ( @QUR@03 وإذا حللتم فاصطادوا ) لأن التحريم كان بسبب حالة الإحرام ، ~~فجاز للإنسان بعد زوالها العودة إلى حالة الحل التي يمارس فيها حريته في كل ~~ما أحله الله له في الأصل من صيد أو غيره. ( @QUR@02 ولا يجرمنكم ) أي لا ~~يحملنكم ( @QUR@02 شنآن قوم ) أي بغض قوم ( @QUR@02 أن صدوكم ) منعوكم ( ~~@QUR@03 عن المسجد الحرام )، فلم يمكنوكم من الدخول إليه أو البقاء فيه ، ~~( @QUR@02 أن تعتدوا ) بأن تبادلوهم المثل في وقت سلطتكم عليهم ، لأن الله ~~لا يريد لكم أن تكونوا معتدين مثلهم على حرية الناس في الدخول إليه في حال ~~كان منهم ذلك ، إذ إن المعاملة بالمثل تمثل اعتداء على المعتدي ، وذلك لو ~~كان الموضوع واردا في النطاق الشخصي ، أما إذا كان الموضوع قضية تتعلق ~~بالخط التشريعي الذي ms1769 لا يملك فيه الإنسان أمر الرد من خلالها ، فيكون رده ~~اعتداء صارخا على حدود الله من PageV08P024 # خلال الاعتداء على حرمة بيته وعباده. وهذا من الأمور التي يمكن للمؤمنين ~~أن يلتزموها كخط ممتد للحياة ، في أجواء الاعتداء الذي يتعرضون له ، فقد ~~يكون من الواجب عليهم التفريق بين الموارد الشخصية التي يملكون فيها حق ~~الرد على المعتدي ، وبين الموارد العامة التي وضع الله فيها للناس حدودا ، ~~فإنه لا يجوز رد الاعتداء بمثله ، كأن يضرب إنسانا قريبا لإنسان ، فيرد ~~بضرب قريب الضارب ، لأن الله يقول : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ~~[الأنعام : 164] إذ لا ذنب له ، فهو بريء ولا مبرر لضربه لمجرد صلته ~~بالمعتدي ، وهكذا يجب الوقوف عند حدود الله في حلاله وحرامه ، بعيدا عن ~~الانفعالات العاطفى التي تدفع إلى انتهاك الحرمات التي لا يجيز الله للناس ~~أن ينتهكوها ، حتى إذا انتهك الآخرون حرمة مماثلة ، فلا يمثل ذلك حالة ~~شخصية بل هي ملك لله ، وهذا ما يجعل للأسلوب الإسلامي في الممارسة شخصيته ~~المستقلة التي لا تتأثر بردود الفعل ولا بأساليب الآخرين. # * * * ### ||| ** التعاون أساس تحقيق البر والتقوى في حياة الناس # ( @QUR@04 وتعاونوا على البر والتقوى ) وهذا هو الشعار الإسلامي للحياة ~~والناس ، المرتكز على البر الذي يمثل الخير في العقيدة والعمل. وذلك في ما ~~توحيه الآية الكريمة : ( @QUR@051 ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين ~~وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) ~~[البقرة : 177] فإنها اعتبرت القاعدة الفكرية العقيدية مظهرا من مظاهر البر ~~، لأن الانحراف عن الخط الصحيح ، والابتعاد عن القاعدة الصلبة PageV08P025 # للفكر ، يؤديان إلى اهتزاز الحياة وتحولها عن أهدافها السليمة ، وينتهي ~~بها بالتالي إلى الوقوع في قبضة الباطل والشر ، لأن بداية الشر فكرة شريرة ~~، كما أن منطلق الباطل خاطرة فاسدة ، وبهذا كان الإيمان بالله واليوم الآخر ~~والكتاب والنبيين منطلق خير للحياة ms1770 بما يمثله من تخطيط للمشاريع الخيرة ~~المنفتحة على الله في دوافعها وخطواتها وآفاقها الواسعة ، ومن تشريع يستهدف ~~بناء الشخصية الإسلامية الإنسانية على الصورة التي يحبها الله للإنسان ، ~~ويوحي بالتالي بالاطمئنان الروحي والنفسي والثقة بالحاضر والمستقبل في حركة ~~الحياة. # ولم يقف البر عند حدود الفكر ، بل ، انطلق في خط العمل في ما تحدثت عنه ~~الآية من إيتاء المال على حبه لكل من يحتاج إليه من الفئات المحرومة ، ومن ~~إقامة الصلاة التي توصي بطهارة الروح والقلب والجسد ، وإيتاء الزكاة التي ~~تمثل روحية العطاء في شخصية الإنسان ، والوفاء بالعهد بما يمثله من ~~الالتزام بالكلمة والموقف ، والصبر في جميع الحالات الذي يرتكز على صلابة ~~الإرادة وقوة العزيمة وثبات الموقف ، والصدق الذي ينطلق من قاعدة الإخلاص ~~للحقيقة ، والتقوى التي تنفتح آفاقها على المراقبة الدقيقة لله ، وبذلك ~~ينفتح البر على آفاق حياة الإنسان الداخلية والخارجية. # أما التقوى ، فإنها الروح التي تمد الإنسان بالقلق الروحي الذي يدفعه إلى ~~متابعة العمل بدقة ، لئلا يخطئ هنا ، وينحرف هناك ، وينقلب على وجهه في ~~نهاية المطاف. # وبذلك يتحول القلق إلى عنصر إيجابي يعطي للعمل إشراقة الروح والفكر ، ~~بدلا من أن يسلمه إلى أجواء الضياع والشلل في الاتجاه السلبي. إنها ~~الالتفاتة الإيمانية التي تقود الإنسان إلى الشعور بحضور الله في سره ~~وعلانيته ، في يقظته ونومه ، حتى ليشعر معه بالإحساس الحقيقي بوجوده معه ، ~~كما لو كان يراه عيانا ، فيدفعه ذلك إلى الالتزام بكل صغيرة وكبيرة يعلم ~~بأن الله يحبها PageV08P026 # ويرضاها ، وإلى الابتعاد عن كل صغيرة وكبيرة يعلم بأن الله يكرهها ~~ويبغضها. فلا يفقده الله حيث يريد أن يجده ، ولا يجده حيث يريد أن يفقده ، ~~ويتسامى هذا الإحساس في روحه حتى لينفذ إلى دوافعه ونواياه ، فيحاول أن ~~ينظفها ويطهرها ويدفع بها إلى حيث الطهر في النية والتسامي في الفكرة. # وقد طرح الإسلام التعاون كأساس لتحقيق البر والتقوى في حياة الناس ، لأن ~~كثيرا من حالاتهما لا يمكن ، من حيث المبدأ ، تأديته بجهد فردي ، بل لا بد ~~من تضافر الجهود المختلفة لإنجازه ، لا سيما في المجالات ms1771 التي يراد منها ~~بلوغ نتائج كبيرة ، كما هو الحال مثلا في المجالات الفكرية من التفاصيل ~~والتعقيدات والانطلاقات ، مما يمكن لبعض الأفكار أن يكتشف جانبا هنا ، ~~ولبعضها الآخر أن يكتشف جانبا هناك ، ليتم البناء الفكري على قاعدة صلبة ~~ثابتة ، وقد نحتاج أن نسجل في هذا المجال أن الإنسانية لم تبلغ رقيها ~~الفكري إلا بفضل الجهود المتنوعة التي تعاونت فيها البشرية في مختلف حقول ~~المعرفة والعلوم ، متفاعلة فيما بينها أو متبادلة ، متوافقة أو مختلفة ، ~~وفي ضوء ذلك ، لا بد من أن تكون الروحية المهيمنة على ذلك هي روح الوصول ~~إلى الحقيقة ، لا روح الصراعات على المصالح الخاصة ومراكز النفوذ والقوة ~~والهيمنة باسم الحقيقة. # أما في المجال الاجتماعي ، فثمة مشاريع كثيرة لحل مشكلة البؤس والفقر ~~للفئات المحرومة ، تحتاج إلى تعاون عام ، وإلى جهود متنوعة لا تحتملها طاقة ~~فرد ، مهما كان دوره. ولذلك ، فإنها لن تتكامل بدون التعاون والتعاضد ~~والتكامل. وإذا ما انطلقنا إلى دائرة المبادئ والأخلاق ، فإننا سنلتقي ~~بحالات الضعف التي قد تسيطر على الإنسان فتفقده التزامه بالحق ، وانسجامه ~~مع الصفات الطيبة ، فإذا تعاون معه إخوانه على المسيرة المشتركة ، أمكن له ~~أن يأخذ قوة من قوتهم ، وروحا من روحهم ، ليستقيم له المبدأ ، وليتقوم لديه الخلق. PageV08P027 # وهذا ما أوحى به الله في قوله تعالى : ( @QUR@04 وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر ) [العصر : 3] ( @QUR@04 وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) [البلد ~~: 17]. وهكذا نجد التقوى كإحساس في داخل النفس ، وكموقف في ساحة العمل ، ~~تحتاج إلى مزيد من التعاون في خط التنمية الروحية التي تعمق الإحساس بالله ~~في الأعماق ، ليلتقي هناك الخوف من الله بحبه ، فيتحول إلى انضباط على ~~مستوى الفكر والموقف ، ولأن الإنسان قد ينهار أمام الإغراء أو الخوف ، أو ~~يضعف ويغيب في مجالات الضياع ، فهو يحتاج لمن يأخذ بيده فيشد عليها ، أو ~~يمد له يده لينتشله من براثن السقوط أو يذكره فلا ينسى ، أو يرشده فلا يتيه ~~أو يضيع ، أو يقيل من أمامه العثرات فلا يسقط أو يهوي. وبذلك يلتقي الجميع ~~على خط الله متآلفين متراحمين متكافلين بالصبر والحق. # وخلاصة الفكرة ms1772 ، أن الإسلام يدعو إلى إقامة الحياة على التعاون ، الذي ~~تتجمع فيه الطاقات وتتنامى فيه المواقف ، وتتضافر فيه الجهود ، لتتكامل ~~للقضايا الكبيرة عناصرها ، ولتتحقق للبر والتقوى مصداقيتهما في حياة الناس ~~، وليبتعد الإنسان عن روح الفردية التي تغذي في داخله الشعور بالزهو الذاتي ~~، فتضخم له شخصيته على حساب القيم والمبادئ العامة ، وبذلك يتحول إلى شخص ~~جديد يرى الحياة ساحة للجميع على أساس مسئوليتهم المشتركة الكبيرة بين يدي الله # * * * ### ||| ** القران وشروط التصرف # ( @QUR@05 ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) إذ يتمثل الإثم بالعمل الذي ~~يسير في غير خط الله ، انطلاقا من كل القيم الشريرة الفاسدة ، والنوازع ~~النفسية الهابطة ، PageV08P028 # كالكذب والجزع والبخل والكبر والتجبر والتمرد الروحي والفكري والعملي على ~~الله سبحانه وتعالى ... كما يتمثل العدوان بالاعتداء على أموال الناس ~~وأعراضهم ونفوسهم ، وبالتنكر لكل القيم الروحية التي تحمي الإنسان من أخيه ~~، لذا ينهانا تعالى عن التعاون ( @QUR@03 على الإثم والعدوان ) لأنهما ~~يهدمان الحياة ويضعانها في أجواء الضياع والقلق والضلال ، ويحولانها إلى ~~غابة لا تحكمها القوانين والشرائع ، بل تتحكم فيها القوة الغاشمة العمياء ، ~~ليكون الحق للأقوى بعيدا عن ميزان العدل الذي يجعل القوة للحق ، والضعف ~~للباطل. وعلى هذا الأساس ، ألغى الإسلام كل العصبيات العائلية والعشائرية ~~والإقليمية والقومية والعنصرية التي أكدتها قيم الجاهلية ، لأنها لا تمثل ~~التعاون على أساس الحق والعدل والتقوى ، وتعتبر الإطار الذي تتحرك فيه ~~العصبية أساسا لشرعية كل عمل تعاوني في مصلحتها ، أيا كان موقعه من قضية ~~الحق والباطل ، كما عبر عنه القول الجاهلي المأثور : «انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما». وفي ضوء هذا الرفض الإسلامي ، جاءت الكلمة المأثورة عن الإمام علي ~~بن الحسين عليه السلام في ما رواه الزهري عنه : «العصبية التي يأثم عليها ~~صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية ~~أن يحب الرجل قومه ، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم» (1). فالله ~~سبحانه وتعالى ، يريد للناس ألا يتعاونوا على الإثم والعدوان ، بحيث يصرفون ~~كل طاقاتهم في هذا الاتجاه ، واستلزاما لهذا الغرض يريد منهم أن يبتعدوا عن ~~الجو المحموم ms1773 الذي تخلقه مجتمعات الإثم والعدوان في نفوس الأفراد ، وذلك ~~لإضعاف الدوافع التي تقود إلى الإثم ، ولكي تتلاشى النوازع التي تعمل على ~~إثارة روح العدوان على الآخرين في النفس ، ولتتحول ، بالتالي ، الحياة إلى ~~ساحة خير وإيمان وسلام ... PageV08P029 # ( @QUR@06 واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) وجاءت الدعوة إلى التقوى ~~مقرونة بالتذكير بالصفة الإلهية التي تؤكد على أنه شديد العقاب في موضع ~~النكال والنقمة ، لتخفف من اندفاعات النفس الذاتية في خط الانحراف ، فيواجه ~~الإنسان الموقف بكثير من الشعور العميق بالنتائج المرعبة التي تنتظر ~~السائرين على طريق الضلال بعيدا عن الله ، ويتعرف كيف يتفاداها بالطاعة ~~والسير على خط العبودية المستقيم في أفكاره ومواقفه له تعالى ، وذلك هو سر ~~الأسلوب القرآني الذي لا يريد للتشريع التحليلي والتحريمي أن يتعلق بالفراغ ~~بعيدا عن حركة المسؤولية بل يعمل على إثارة المسؤولية الثقلية في وعي ~~الجميع من خلال التلويح بالعقاب الشديد # * * * PageV08P030 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@061 حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~(3) @QUR@032 يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الميتة ) الحيوان الذي مات حتف أنفه بحيث يكون موته بصورة ~~طبيعية. # ( @QUR@01 أهل ): أصل الإهلال رفع الصوت بالشيء. ومنه استهلال الصبي وهو ~~صياحه إذا سقط من بطن أمه ، ومنه إهلال المحرم بالحج والعمرة إذا لبى به ، PageV08P031 # وسمي الهلال هلالا لأنه يرفع الصوت عنده. # والمراد هنا ، بما ( @QUR@04 أهل لغير الله به ): ما ذكر اسم غير الله عليه. # ( @QUR@01 والمنخنقة ): الميتة بطريقة الخنق عموما ، يقال : خنقه خنقا ~~إذا ضغطة ومنه المخنقة للقلادة. والمنخنقة على وجه الخصوص ms1774 هي التي يدخل ~~رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق وتموت. # ( @QUR@01 والموقوذة ): الوقذ شدة الضرب ، يقال : وقذتها أقذها وقذا ~~وأوقذتها إيقاذا إذا أثخنتها ضربا. والموقوذة المضروبة بعنف حتى الموت. # وقيل : إنها التي تموت عن مرض. ونقل القرطبي في تفسيره أن أهل الجاهلية ~~كما نقل عن الضحاك كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها ~~فيأكلوها (1) ( @QUR@01 والمتردية ): الردى : الهلاك. والتردي : التهور. ~~والمراد بها التي تموت نتيجة السقوط من مكان مرتفع. # ( @QUR@01 والنطيحة ): المنطوحة التي ماتت بفعل النطح من قبل حيوان آخر. # ( @QUR@03 وما أكل السبع ): الحيوان الذي يقتل لهجوم حيوان مفترس عليه. # ( @QUR@02 ما ذكيتم ): التذكية : فري الأوداج والحلقوم لما كانت فيه ~~حياة ولا يكون بحكم الميت. وذلك بشرائطه الشرعية. # ( @QUR@01 النصب ): الحجارة التي كانوا يعبدونها ، واحدها نصب ، وتفترق ~~عن الأصنام أنها ليست لها أشكال وصور كصور الأصنام. PageV08P032 # ( @QUR@01 تستقسموا ): طلب القسمة. # ( @QUR@01 بالأزلام ): جمع زلم وزلم وهو القدح. # ( @QUR@01 مخمصة ): شدة ضمور البطن ، وهو مفعلة مثل المجبنة والمبخلة ، ~~من خمص البطن وهو طيه واضطماره من الجوع وشدة السغب دون أن يكون مخلوقا كذلك. # ( @QUR@01 متجانف ): المتجانف المتمايل للإثم المنحرف إليه ، من جنف ~~القوم إذا مالوا ، وكل أعوج أجنف. # ( @QUR@01 الطيبات ): الطيب هو الحلال ، وقيل هو المستلذ. # ( @QUR@01 الجوارح ): الكواسب من الطير والسباع ، الواحدة جارحة ، وسميت ~~جوارح لأنها تكسب أربابها الطعام بصيدها. # ( @QUR@01 مكلبين ): إكلاب الكلب : إغراؤه بالصيد ، ويحتمل أن يكون ~~المراد به الرجل الذي كثرت كلابه ، وقيل : هو الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بسنده عن أبي رافع قال : «أمرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، فقال الناس : يا رسول الله ما أحل لنا من ~~هذه الأمة التي أمرت بقتلها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي : ( @QUR@014 ~~يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ). ~~وذكر المفسرون شرح هذه القصة ، فقالوا : قال أبو رافع : جاء جبريل ~~عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستأذن عليه فأذن له فلم يدخل ، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : قد ms1775 أذنا لك يا رسول الله ، PageV08P033 # فقال : أجل يا رسول الله ، ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ، ولا كلب ، ~~فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع : فأمرني أن لا أدع كلبا ~~بالمدينة إلا قتلته حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها ~~فتركته ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأمرني بقتله ، فرجعت إلى ~~الكلب فقتلته ، فلما أمر رسول الله بقتل الكلاب ، جاء ناس فقالوا : يا رسول ~~الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها؟ فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فلما أمر نزلت أذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن إمساك ما لا ~~نفع فيه منها ، وأمر بقتل الكلب الكلب والعقور وما يضر ويؤذي ودفع القتل ~~عما سواهما وما لا ضرر فيه» (1). # ونلاحظ على هذه الرواية الارتباك في المضمون ، فإن القضية المطروحة هي أن ~~جبريل لم يدخل بيت رسول الله لأنه لا يدخل بيتا فيه صورة أو كلب ، ولم ~~تتحدث الرواية عن وجود كلب في داره ، بل تحدثت عن وجود جرو في بعض بيوتهم ~~أي بيوت المسلمين ، مما لا علاقة له بعدم دخول جبريل إلى بيت النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # ثم ما المناسبة بين عدم دخول جبريل إلى البيت وقتل كل كلاب المدينة من ~~دون تفريق بين كلب الهراش وكلب الصيد وكلب الحراسة؟ وهل أن وجود الكلاب من ~~حيث المبدأ مرفوض عند الله بحيث كان وجودها مفسدة يقتضي الأمر بقتلها ~~جميعا؟ إذا لماذا خلقها الله إذا كانت الشر كله؟ ثم إن الرواية لم تذكر أن ~~الله قد أوحى إليه بذلك مما قد يستفيد منه البعض بأنه رد فعل لعدم دخول ~~جبريل عليه كما لو كانت القضية انتقاما منها ، وذلك لا يتناسب مع روحية ~~النبي وإنسانيته ورفقه بالحيوان ، لا سيما إذا لا حظنا صدور الأمر بقتل PageV08P034 # الكلب الحارس لتلك المرأة الضعيفة التي تقول الرواية إن أبا رافع رحمها ~~ولم يرحمها ms1776 النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # وهناك ملاحظة في نهاية الرواية ، فإن المسلمين لما ضجوا من قتل الكلاب ، ~~سألوه ما ذا أحل لهم من الكلاب ، فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~انتظارا لأمر ربه ، في الوقت الذي كانت مبادرته بقتلها حسب الرواية بدون ~~انتظار لأمره حتى نزلت الآية. ولو دققنا في سياق الآية في مفرداتها التي ~~تدل على أن السؤال عن تحديد ما أحل لهم بشكل مطلق من كل شيء يتصل بحياتهم ~~لا من الكلاب لوجدنا عدم تناسب بين القضية وهذا السياق ، مما يجعلنا نستقرب ~~كون القصة موضوعة جملة وتفصيلا ، لأنها لا تتناسب مع المقام القدسي للنبي ~~محمد صلى الله وعليه وآله وسلم في روحه وإنسانيته وعدم انفعاله بأية حالة ~~نفسية أو رد فعل ذاتي ، بل إن انطلاقه من أمر الله : ( @QUR@010 وما ينطق ~~عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) [النجم : 3 4]. # وروي عن سعيد بن جبير أنها نزلت في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين ~~... فقالا : «يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، فإن كلاب آل درع ~~وآل حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب ، فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما ~~يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرم الله الميتة ، فما ذا يحل لنا منها؟ فنزلت : ( ~~@QUR@09 يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) يعني الذبائح ( ~~@QUR@04 وما علمتم من الجوارح ) يعني وصيد ما علمتم من الجوارح ، وهي ~~الكواسب من الكلاب وسباع الطير» (1). # * * * PageV08P035 ### ||| ** التقنين بين الدين والمبادئ الوضعية # ربما كان من خصوصيات الأديان ومن بينها الإسلام بالنسبة إلى المبادئ ~~الوضعية ، هذا الشمول في التشريع ، بحيث يتدخل في كل خصوصيات الإنسان ، ~~فيحدد له تكاليفه حتى في مأكولاته ومشروباته وملبوساته وزواجه .. فلم يجعل ~~له الحرية في ممارسة ذلك كله إلا في نطاق ما أحل الله ، فإذا تجاوز بعض ذلك ~~، كان عاصيا مستحقا للعقوبة في الآخرة وفي الدنيا في بعض الحالات. وربما ~~كان الفرق بين فكرة التقنين في المبادئ الوضعية أو المبادئ الشرعية ، هي أن ~~القانون الوضعي ينطلق غالبا من ms1777 دراسة الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي ، ~~يتبادل المسؤولية بينه وبين المجتمع ، فهو من جهة مسئول عن المجتمع ، ومن ~~جهة أخرى المجتمع مسئول عنه ، ولا دخل له في حياته الخاصة إلا بقدر ~~ارتباطها بسلامة المجتمع. من هنا ، فإن أي تشريع يتناول الفرد كفرد يعتبر ~~اعتداء على الحرية الشخصية ، أما الإسلام ، فإنه ينطلق من فكرة أن الإنسان ~~مخلوق لله وعبد له ، فليس له الحرية في أن يعمل أي عمل ، أو يتحرك في أي ~~مشروع ، إلا من خلال الرخصة التي يتلقاها من الله. وبذلك كان الله من خلال ~~شريعته هو الذي ينظم له حياته الشخصية والاجتماعية ، فيحدد له كل ما يتصرف ~~فيه من شؤونه الخاصة والعامة ، ولم يمنحه الحرية في الإضرار بحياته سواء من ~~ناحية الأكل والشرب ، أو غيرهما ، لأنه لا يملك نفسه ، بل هو ملك الله ، ~~فليس له أن يتصرف في ملك الله إلا بإذن منه ، وهكذا يتدخل التشريع في حياة ~~الإنسان الخاصة ، ليضغط على حريته في نطاق مصلحته الحقيقية. # * * * PageV08P036 ### ||| ** طاعة الله يجب أن تكون عمياء # وعلى ضوء هذا ، نلتقي بهاتين الآيتين في نطاق التحليل والتحريم ، فقد حرم ~~الله على الناس الميتة ، وهي ما مات حتف أنفه ، والمخنوقة ، والمتردية ، ~~وبقايا الفريسة ، وما مات بسبب الانتطاح من حيوان آخر ، وحرم إلى جانب ذلك ~~ما ذبح على الأصنام تقربا لها ، وما ذكر عليه اسم غير الله ، والدم ولحم ~~الخنزير. نحن لا نريد تبيان فلسفة هذا التشريع تفصيليا ، إنما نكتفي ~~بالإشارة إلى أن هناك أبحاثا تتحدث عن الأضرار التي قد تصيب الإنسان في ~~جسده من خلال أكل الميتة بجميع أنواعها ، كما أن هناك أفكارا تتحدث عن ~~الأثر الروحي المترتب على أكل اللحوم ، مما يجعل للذبح معنى روحيا عباديا ، ~~لأن الحيوان خلقه الله ، فليس لك أن تذبحه أو تأكله إلا على أساس اسم الله ~~، الأمر الذي قد يعطي إحساسك نبضا روحيا يوحي إليك بالطمأنينة والانفتاح ~~على معنى العبودية لله في طعامك وشرابك ، فإذا ذبحته للأصنام أو ذكرت عليه ~~اسم غير الله ، كنت بعيدا عن ذلك ms1778 الجو كله ، وتحولت حياتك إلى حياة تعيش ~~ماديتها بعيدا عن الروح ، وهذا ما لا يريده الله لعباده ، لأنه يبتعد بهم ~~عن الآفاق الروحية التي تشدهم إليه في ممارستهم لحياتهم العادية ، حيث ~~يتحول الجانب الروحي لديهم إلى زاوية ضيقة محدودة من زوايا حياتهم ، لتبقى ~~الساحات الأخرى مسرحا للشيطان. # وهذا النوع من التفسيرات لا بأس به ، لأن الله تعالى لم يمنعنا من محاولة ~~فهم أسرار شريعته ، لكن شريطة أن يظل ذلك في نطاق التأمل الذاتي الذي يحتفظ ~~به الإنسان لنفسه ، كما يحتفظ بالكثير من الانطباعات والتأملات الشخصية من ~~دون أن تترك تأثيرا على المسار العملي في ما يفعله أو يتركه. فإن الإيمان ~~يفرض على المؤمن من موقع إحساسه بالعبودية ، أن يسلم أمره لله PageV08P037 # تعالى ، وأن يعطيه إطاعة عمياء في كل أوامره ونواهيه ، سواء عرف سر ~~التشريع في موارد الطاعة والمعصية أو لم يعرفها ، فإن ذلك لا دخل له ~~بالموضوع ، وبالتالي يجب أن يكون شعار المؤمن دائما : علي إطاعة الله من ~~منطلقات الله لا سيما في ما لم أحط به علما من مصالح وأسرار. # وأحل الله للإنسان ، في ما أحله من حيوانات ، الحيوان الذي يذكيه الإنسان ~~، وذلك وفق شروط فقهية تحدد كيفية التذكية ، وهذا ما أشار إليه في قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 إلا ما ذكيتم ) أي إلا ما أدركتم ذكاته فذكيتموه من هذه ~~الأشياء ، وقد جاء عن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام : «إن أدنى ما ~~يدرك به الذكاة أن تدركه يتحرك أذنه أو ذنبه أو تطرف عينه» (1)، وخلاصته ~~أن تكون به حياة بحسب العلامات الدالة عليه. # واختلف المفسرون في الاستثناء ، هل يرجع إلى ما تقدم ذكره من المحرمات ~~غير ما لا يقبل الذكاة كالميتة والدم ولحم الخنزير ، أو يرجع إلى فقرة ( ~~@QUR@03 وما أكل السبع ) والظاهر رجوعه إلى الجميع ، وقد روي ذلك عن علي ~~عليه السلام وابن عباس وقيل كما في مجمع البيان «هو استثناء من التحريم لا ~~من المحرمات ، لأن الميتة لا ذكاة لها ولا الخنزير ، فمعناه : حرمت عليكم ~~سائر ما ذكر إلا ما ذكيتم ms1779 مما أحله الله لكم بالتذكية فإنه حلال لكم ، عن ~~مالك وجماعة من أهل المدينة واختاره الجبائي» (2). إلا أن هذا القول يناقش ~~، حيث يثأر سؤال هنا حول السر في تعداد الأنواع التالية في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ) مع دخولها في الميتة ~~التي حرمت في صدر الآية وإن اختلفت أسباب الموت من خنق ، أو ترد أو نطح ، ~~أو إهلال لغير الله به ، أو ما أكل السبع. PageV08P038 # وأجيب عنه كما في مجمع البيان «إن الفائدة في ذلك أنهم كانوا لا يعدون ~~الميتة إلا ما مات حتف أنفه من دون شيء من هذه الأسباب ، فأعلمهم الله ~~سبحانه أن حكم الجميع واحد ، وأن وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط ، ~~قال السدي : إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك ولا يعدونه ميتا ، ~~إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع» (1). # وعلى ضوء ذلك ، فإن الميتة في الآية لا تشمل إلا ما مات حتف أنفه ، أما ~~الأنواع المذكورة الأخرى ، بالإضافة إلى ما ذبح بطريقة غير شرعية ، فلا ~~يستفاد حكمها من الميتة ، بل يستفاد من التنصيص عليها وما يستفاد من حصر ~~الحل في التذكية. # ولذلك لا يمكن إلحاق الميتة مطلقا بهذه العناوين من النجاسة أو حرمة ~~البيع أو نحو ذلك ، مما جعل الميتة موضوعا له ، إلا بدليل خاص ، لأن ~~المفهوم القرآني اللغوي لا يشملها ، والله العالم. # * * * ### ||| ** هل ذبح الحيوان فعل غير إنساني؟ # وقد يثأر اعتراض إنساني على مسألة تحليل ذبح الحيوانات وأكل لحمها بأنه ~~نوع من أنواع التعذيب الذي ينافي الرحمة ويصادر حياة مخلوق حي ، الأمر الذي ~~قد لا نرى فرقا في قبحه الأخلاقي بينه وبين قتل الإنسان وأكل لحمه ، ولهذا ~~ذهب البعض إلى تحريم أكل اللحوم بلحاظ استلزامه قتل PageV08P039 # الحيوان ، ورأوا في ذلك نوعا من الوحشية الإنسانية التي لا تختلف في ~~طبيعتها وفي شكلها عن وحشية السباع. # والجواب عن ذلك ، أن مسألة الحياة لا تعالج بهذه الطريقة وأن الرحمة ليست ~~حالة شعورية تنطلق من الإحساس الساذج. فالحياة هبة الله للمخلوق الحي ، وقد ~~أراد لها الاستمرار ms1780 وفق شروط حيوية خاصة قوامها الاعتماد المتبادل فيما ~~بينها في عملية التغذي ، كما نلاحظ ذلك في عالم الحيوان غير النباتي الذي ~~لا مجال لبقاء حياته واستمرار نظامه الوجودي إلا بأن يأكل بعضه بعضا بمختلف ~~الوسائل المتنوعة ، الأمر الذي يوحي بأن نظام الخلق للحيوانات المختلفة في ~~قوتها وضعفها في أصل وجودها قائم على ذلك ، بحيث كانت سنة الكون منطلقة من ~~المصلحة العميقة في حركة الحياة. # وليس الإنسان بدعا من عالم الحيوان ، في نظام التغذية ، في حاجته ~~الوجودية إلى أكل الحيوان في نطاق خاص فإن استمرار حياته في عناصرها القوية ~~يتوقف على ذلك. # وفي ضوء ذلك ، نجد أن مسألة مصادرة الحياة ليست شرا مطلقا في ذاتها ، بل ~~هي ضرورة لاستمرار حياة أخرى يخضع لها النظام الكوني ، بحيث لو لا ذلك ~~لانهارت الحياة نفسها وفقدت القدرة على الاستمرار ، مما يجعلها داخلة في ~~عمق تنظيم الحياة نفسها تنوعا وتكاملا وترابطا متبادلا. # وهكذا نلتقي بمسألة التعذيب ، الحاصل من الذبح ، فإنه تماما كالتعذيب ~~الحاصل من الافتراس في تغذية الحيوان من الحيوان ، ولا بد من تجاوز قبحه ~~بالتركيز على أن الله جعله من شؤون الفطرة في أصل الخلق مما تتقدم فيه ~~المصلحة في جانبها الإيجابي على المفسدة في جانبها السلبي. وبذلك نعرف أن ~~الرحمة أمر نسبي إذا ما قيست إلى المصلحة المتوخاة ، بالإضافة إلى الجانب ~~الشعوري ، فقد يكون الشيء رحمة من جانب علاقته بالنظام العام وإن PageV08P040 # لم يكن كذلك في الجانب الذاتي للشخص ، وهذا أمر طبيعي في كل القضايا ~~المتصلة بالأمور الحيوية في علاقة الإنسان بمسؤولياته تجاه الإنسان الآخر ، ~~وفي نظام العقوبات التي يتوقف عليها نظام الحياة. # * * * ### ||| ** الاستقسام بالأزلام .. والقمار # وجاء الحديث في الآية الأولى عن الاستقسام بالأزلام ، ومعناه كما يقول ~~صاحب مجمع البيان «طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفاءلون بها» (1) ~~كما عن جماعة من المفسرين. وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين ~~عليه السلام : «أن الأزلام عشرة : سبعة لها أنصباء ، وثلاثة لا أنصباء لها ، ~~فالتي لها أنصباء : الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى ms1781 ، ~~فالفذ له سهم ، والتوأم سهمان ، والمسبل له ثلاثة أسهم ، والنافس له أربعة ~~أسهم ، والحلس له خمسة أسهم ، والرقيب له ستة أسهم ، والمعلى له سبعة أسهم ~~، والتي لا أنصباء لها : السفيح والمنيح والوغد ، وكانوا يعمدون إلى الجزور ~~، فيجزئونه أجزاء ، ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل ، ~~وثمن الجزور على من تخرج له التي لا أنصباء لها ، وهو القمار ، فحرمه الله ~~تعالى ...» (2) واعتبره فسقا وانحرافا عن خط إرادته. وفي ضوء هذا التفسير ، ~~يأخذ الاستقسام بالأزلام معنى القمار ، مما يجعل من تحريم القمار تحريما له ~~، ويبتعد عن معنى التفاؤل بالقداح في ما يريد الإنسان أن PageV08P041 # يفعله وما لا يريد أن يفعله. # وقد نلاحظ في هذا المجال أن تحريم مثل هذا التفاؤل لا يحمل الكثير من ~~المعنى المتصل بحياة الإنسان ، وقد حاول البعض أن يرجع سر هذا التحريم إلى ~~إبعاد الإنسان عن أسلوب المحاولة للتعرف على الغيب ، مما قد يقوده إلى ~~الخرافة ، وإلى الابتعاد عن تلمس الوسائل الطبيعية للمعرفة ، ولكن ذلك لا ~~يغير من الواقع شيئا ، لأن الناس قد يلجأون إليه في وقت الحيرة عند ما تغلق ~~عنهم كل أبواب المعرفة ، فتكون مثل هذه الطريقة أشبه بعملية الاختيار ~~العشوائي التي يمارسها كل متحير يجد نفسه ملزما بذلك على أي حال. على أن ~~قضية استعمال القداح للتفاؤل لا تتناسب مع كلمة الاستقسام التي توحي بأن ~~هناك فرزا واقعيا للاستحقاقات ، مما يبعد المعنى المذكور عن أن يكون تفسيرا ~~للكلمة. # * * * ### ||| ** هل الاستخارة من قبيل الاستقسام بالأزلام؟ # واعتبر بعض المفسرين الاستخارة في أشكالها المتعددة ، كالاستخارة بالسبحة ~~أو بالرقاع ، من قبيل الاستقسام بالأزلام ، وعليه تكون مرفوضة بنص القرآن ~~الكريم ، ولكننا نسجل عليه : # أولا : الملاحظة السابقة في أن التفسير بما ذكر لا يتناسب مع طبيعة ~~الكلمة. # وثانيا : أن الاستخارة في طبيعتها ومدلولها تمثل نوعا من الرجوع إلى الله ~~والابتهال إليه في تحديد الخيرة للإنسان الحائر في ما تحير فيه ، عند ما ~~تسد عليه أبواب المذاهب ، وتغلق عنه سبل المعرفة ، فهي من القضايا التي تدخل PageV08P042 # في الأساليب الإيمانية ، في معرفة ms1782 الخيرة ، بعد استنفاد كل وسائل الفكر ~~والمشورة ، وبقاء الموضوع على حاله من الغموض والإبهام. فما المانع من أن ~~يستجيب الله لعباده ابتهالاتهم وينقذهم من حيرتهم؟! # * * * ### ||| ** الاستخارة ليست طريقا لشل الفكر # لا نريد من خلال هذا التفسير أن نبرر للإنسان الانطلاق بعيدا في هذا ~~الأسلوب من ناحية ذاتية ، ليستحدث الناس لأنفسهم باسم الإيمان وسائل معرفة ~~المستقبل. فنحن لا نشجع ذلك كمبدإ لأنه يؤدي بنا إلى الفوضى من جهة ، وإلى ~~الوقوع في قبضة الخرافة والدجل من جهة أخرى. ولكننا نقول : أن النصوص ~~الدينية المعتمدة إذا أقرت مثل هذا الأسلوب ، فلا يكون ذلك بعيدا عن خط ~~الإيمان والإسلام ، ولا يؤدي إلى إغلاق باب الفكر والمشورة ، لتكون ~~الاستخارة بديلا عنهما ، بل يكون له مبرراته الإنمانية في حدوده المعقولة. # وفي ضوء ذلك ، نثير الملاحظات على سلوك بعض الناس الذين اتخذوا الاستخارة ~~خطا عمليا في أسلوب العمل والحركة ، فلم يسمحوا لأنفسهم بالتفكير أو ~~بالاستشارة ، بل اكتفوا بالمسبحة يستنطقونها وجه الخير لما يصنعون ، أو ~~بالرقاع ، يتعرفون من كلماتها سر الحقيقة في ما يمارسون. وهكذا حكموا على ~~أفكارهم بالشلل ، فإذا دعوت أحدهم إلى أمر بسيط لا يحتاج إلا إلى بعض ~~الحسابات البسيطة المحيطة بالموضوع ، بادرك بالاستخارة ليقطع عليك أمر ~~مناقشة القضية من جوانبها الواقعية ، وإذا عرضت لأحدهم حاجة في ما يتعلق ~~بشؤون حياته ، أو شؤون من يتصل به ، في قضية زواج أو PageV08P043 # تجارة أو غيرهما ، كانت الاستخارة هي الأساس في اتخاذ القرار ، وليس ~~الفكر الذي يلقي الضوء على طبيعة الموضوع ، مما قد يترك كثيرا من الآثار ~~السلبية على حياته وحياة الآخرين. # إننا نعتقد أن الله قد أعطى الإنسان وسائل المعرفة في ذاته ليستعملها ، ~~ودعاه إلى الاستعانة بالطاقات التي يملكها الآخرون ليستفيد منها ، فإذا ترك ~~هذه وتلك وأقبل على الاستخارة ، كان متنكرا لما وجهه الله إليه من خلال ~~إرادته ، ولذلك لن يستقبل الله حيرته بالعناية ، لأنه تعالى يستجيب لنداء ~~الحيرة التي لا تملك معرفة السبيل إلى النور ، ولا يستجيب للحيرة التي تجلس ~~بعيدا عن الحركة الإرادية الواعية ، لتنتظر الحل ms1783 من السماء ، في الوقت الذي ~~تملك فيه كل الوسائل القريبة إلى الحل ، وهذا ما يجب أن يثيره المؤمن في ~~نفسه وفي حياته ليستقيم له القصد ، ولتنفتح له آفاق النور بالمعرفة ~~الواسعة. # * * * ### ||| ** اليوم يئس الذين كفروا # ( @QUR@09 اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ) وكان ~~الكافرون يطمعون في إضلال المؤمنين في عقيدتهم وعملهم ، وهم يتحينون الفرص ~~للوصول إلى هدفهم ، فقد يلوحون بالرغبة تارة ، وقد يثيرون الرهبة في أجواء ~~الرعب أخرى .. وتقدمت المسيرة في اتجاه الثبات والصمود ، ودارت هناك معارك ~~كثيرة ، وعاش المسلمون الصراع كأقسى ما يكون ، وانتقل الإسلام من دور الفكر ~~العقيدي إلى دور الخط التشريعي الذي يدخل مع المسلمين في حياتهم الخاصة ~~والعامة ، فيعمق لهم الإحساس بالانتماء والالتزام بالله ورسوله ، ويثير في ~~أنفسهم الشعور بالقوة من خلال التخطيط PageV08P044 # للكيان المتكامل الذي لا تجد فيه أية ثغرة في فكر أو شريعة ، ويحدد لهم ~~الفواصل التي تفصلهم عن الكافرين في فكرهم وعاداتهم وتقاليدهم حتى في ما ~~يتعلق بأكلهم وشربهم ولبسهم ، وممارستهم لأساليب الحياة ... # وبدأ الكفار يشعرون باليأس ، فمحاولاتهم المتكررة وقد تحطمت على صخرة ~~الواقع الإسلامي الجديد الذي يلتقي بالصمود والثبات ، وجاء القرآن ليبشر ~~المؤمنين بتراجع الكافرين عن خططهم تحت ووطأة الشعور باليأس ، وليدعوهم إلى ~~عدم الخوف منهم في المستقبل ، وليعلموا على تعميق خوف الله في نفوسهم ، لأن ~~الخوف من الله هو الذي ركز أقدامهم على الطريق وقادهم إلى الفتح والنصر ، ~~وهو الذي يدفعهم من جديد إلى انتصارات جديدة ، وفتوحات جديدة. # * * * ### ||| ** إكمال الدين .. بولاية علي (عليه السلام) # ( @QUR@011 اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا )، هذا الدين الذي تكامل من خلال نزوله منجما على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حاملا مع كل آية من آياته المفاهيم العامة للكون ~~والإنسان والحياة. وكان التشريع يخطو خطواته الثابتة راصدا الواقع ومراقبا ~~حاجاته ليأتي في حجم المشكلة ، وكان الله رفيقا بعباده ، فلم ينزل عليهم ~~القرآن جملة واحدة ، ولم يبعث الأحكام لهم دفعة واحدة ، بل كان التدرج هو ~~الخط الذي خطه الإسلام للإنسان ms1784 ليصل به إلى التكامل ، حتى كانت نهاية ~~المطاف وأكمل الله للمسلمين دينهم ، وأتم عليهم نعمته به ، فهو النعمة التي ~~لا نعمة مثلها ، لأنها السبيل إلى النجاة في الدنيا والآخرة .. فرضي لهم ~~الإسلام دينا. PageV08P045 # ولنا أن نتساءل عما أنزله الله على رسوله فكمل به الدين ، ورضيه للمسلمين ~~دينا ، وتمت به النعمة؟ لقد اختلف المفسرون في ذلك ، فمنهم من قال : إنه ~~فرائض الله وحدوده وحلاله وحرامه ، التي أكملها الله للمسلمين في ذلك الوقت ~~بتنزيل آخر حكم شرعي ، ومنهم من قال : إنه إكمال الحج وتخصيصهم بالبلد ~~الحرام ، بعد أن كان مشتركا بينهم وبين المشركين ، ومنهم من قال : إنه ~~إكمال الدين بإكمال قوته وسلطته وكفايته الأعداء .. والمروي عن الإمام ~~الصادق عليه السلام أنه قال : «آخر فريضة أنزلها الله تعالى الولاية ، ثم لم ~~ينزل بعدها فريضة ، ثم نزل : ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ) بكراع ~~الغميم (1)، فأقامها رسول الله بالجحفة ، فلم ينزل بعدها فريضة» (2). ~~وروى صاحب «مجمع البيان» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، كما نقلها ~~الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتاب «نزول القرآن» «أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أعطى في غدير خم عليا منصب الولاية ، وأن الناس في ذلك ~~اليوم لم يكادوا ليتفرقوا حتى نزلت آية : ( @QUR@04 اليوم أكملت لكم دينكم ~~)، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلك اللحظة : الله أكبر على ~~إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، وولاية علي بن أبي طالب ~~من بعدي ، وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من ~~عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله» (3). # وما يجاري صدقية هذه الروايات ما رواه ابن جرير الطبري في كتاب الولاية ~~عن زيد بن أرقم الصحابي المعروف أن هذه الآية نزلت في يوم غدير خم بشأن علي ~~بن أبي طالب. وكذلك روى الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي هريرة ، نقلا عن ~~تفسير الأمثل ، «عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن آية : ( @QUR@04 اليوم ~~أكملت لكم دينكم ) PageV08P046 # نزلت عقيب حادثة غدير خم والعهد بالولاية لعلي ms1785 عليه السلام ، وفي هذه ~~المناسبة قال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى ~~كل مسلم» (1). # وجاء في كتاب الغدير إضافة إلى الروايات الثالث المذكورة ، ثلاث عشرة ~~رواية أخرى في هذا المجال. # وورد في تفسير البرهان وتفسير نور الثقلين عشر روايات مختلفة حول نزول ~~الآية في حق علي عليه السلام . # وهكذا نلاحظ استفاضة هذه الروايات بحيث لا يمكن تجاهلها ، أو اعتبارها ~~أخبار آحاد كما يحاول البعض مناقشة المسألة في هذا الاتجاه (2). # وقد يثور اعتراض على القول بأن هذه الآية قد نزلت في الإشارة إلى ولاية ~~علي عليه السلام ، بعدم وجود علاقة بينها بهذا المعنى ، وبين الفقرات الأخرى ~~السابقة واللاحقة المتحدثة عما يحل ويحرم من اللحوم ، الأمر الذي يبعد هذا ~~التفسير لمصلحة التفسير الآخر بأنه إشارة إلى إكمال الفرائض والحدود ~~والحلال والحرام بالتنزيل في الوحي. والجواب عن ذلك ، أن الآيات القرآنية ~~لم تجمع على أساس النزول التاريخي ، فقد نجد بعض الآيات المكية واردة في ~~بعض السور المدنية ، بل كانت تابعة للمناسبات التي لا حظها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي جمع القرآن بإشرافه ، وربما كانت المناسبة في ~~الموضوع أن الآية تتحدث عما شرعه الله في تفاصيل الأحكام الممثلة للدين ، ~~ولهذا من المناسب التحدث عن إتمام الدين الذي بدأ بالنبوة ، بقضية الولاية. ~~والله العالم. PageV08P047 # ومن هنا اعتبرت قضية الولاية من القضايا المهمة المصيرية في مستقبل ~~الإسلام وقوته ، مما يؤكد ويؤيد اعتبارها إكمالا للدين الذي يحتاج إلى ~~الرعاية من الشخص الذي عاش فكره وشعوره وجهاده للإسلام ، حتى لم يعد هناك ~~في داخل ذاته أي نوع من الفراغ الذي يحتضن اهتمامات غير إسلامية. وقد يمكن ~~للإنسان أن يفكر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن له ترك قضية ~~الولاية من بعده للاجتهادات المختلفة ، التي قد تختلف على أسس ذاتية أو ~~تقليدية ، باعتبار أنها لا تخضع لبرنامج إسلامي تشريعي محدد. فالدين الذي ~~قد تعرض لكل شيء في أحكامه وتشريعاته حتى أدق التفاصيل ، لا يتصور فيه أن ~~يترك ms1786 أمر الخلافة الكبير في أهميته ونتائجه ، لا سيما لجهة استمرار خط ~~الرسالة والنبوة ، حيث ، وكما هو معلوم تاريخيا ، لم يكن الوضع الإسلامي قد ~~وصل إلى مستوى النضوج الكامل بفعل الأحداث الصعبة ، مما يجعل تركيز مسألة ~~الخلافة والولاية وتأكيدها أمرا أساسيا في حركة التشريع. # وعلى أي حال ، فإننا نثير هذه الأفكار انطلاقا من وعينا لأهمية القيادة ~~في حياة الأمة ، ليكون هذا الاتجاه في التفكير أساسا للبحث من أجل مواجهة ~~الموقف بجدية ومسئولية من ناحية المبدأ والمنطلق. ويبقى للأدلة والحجج ~~والنصوص الشرعية الدور الأكبر الأساس في الحكم على ما حدث بعيدا عن كل ~~اجتهاد ذاتي ، أو انتماء مذهبي ، لأن القضية قضية إيمان وعلم ، فلا بد ~~للمسلمين من الارتفاع في خلافاتهم إلى هذا المستوى الذي يقودهم إلى الحقيقة ~~الدينية والتاريخية من أقرب طريق ، ويعلمهم كيف يمارسون هذا الخلاف ~~بالأسلوب الإسلامي للحوار الذي يعتمد على الإخلاص للحقيقة من خلال الإخلاص ~~لله ، ومواجهة المواقف من موقع الفكر العميق المنفتح المتأمل ، والله من ~~وراء القصد. # * * * PageV08P048 ### ||| ** حلية أكل اللحوم المحرمة عند الاضطرار # ( @QUR@011 فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) لقد ~~جاء تحريم بعض اللحوم ، حفاظا على سلامة جسد الإنسان وروحه ، فإذا طرأ عليه ~~أمر يجعل الامتناع عن أكل المحرمات موجبا للوقوع في التهلكة كالمجاعة مثلا ~~، فإن الله أباح له في هذه الحالة ما حرمة في الحالات الطبيعية ، للغاية ~~ذاتها التي كان التحريم من أجلها. وذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 غير متجانف لإثم ) أن هناك وجهين محتملين فيه : # أحدهما : أن معناه غير مائل لإثم ، أو متعمد له أو مختار أو مستحل. وذلك ~~بأن يكون القيد قيدا توضيحيا لأن معنى الاضطرار يوحي بكل هذه المفاهيم. # وثانيهما : أي غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا أو خارجا في معصية ، وذلك ~~بأن يكون الاضطرار في ظروف عادية لا أثر فيها للأجواء المنحرفة التي تتحرك ~~في طريق البغي والتمرد والعدوان ، وذلك من قبيل الاستيحاء للآية الكريمة : ~~( @QUR@013 فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله ms1787 غفور رحيم ) ~~[البقرة : 173] لورودهما في سياق واحد ، وبذلك تكون الإباحة لغير هذه الفئة ~~، فمن اضطر في مثل هذه الأجواء فلا رخصة له ، ولكنه يتناول هذه المحرمات ~~ارتكابا لأخف المحذورين ، بحكم العقل الذي يدفعه إلى ذلك. # وبعد الحديث عن المحرمات ، جاءت الآية الثانية لتتحدث عما أحل الله ~~للمؤمنين ، وذلك من خلال سؤال تقدموا به للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~لينطلقوا على أساس قاعدة شرعية واضحة ، فسألوه : ماذا أحل لهم؟ وكان الجواب ~~عاما لا تحديد فيه للتفاصيل بل للمبدأ ، فالله قد أحل للإنسان كل طيب : ( ~~@QUR@04 قل أحل لكم الطيبات ) لأن التحريم لم ينطلق كعقوبة للإنسان بل ~~لمصلحته. أما تحديد ما أحل لهم بالطيب ، فللإيحاء بطبيعة الخصائص الكامنة ~~في كل ما أحله الله PageV08P049 # للإنسان ، سواء كانت ظاهرة يحسها بحواسه أم كانت باطنة يدركها بالحس ~~الداخلي مما تشتمل عليه من منافع ، وقد يكون للإشارة إلى الجانب السلبي ، ~~وهو عدم كونه من الخبائث التي يستقذرها الحس والروح والفكر ، في الذي أشار ~~إليه تحت عنوان الخبائث. # ثم تحدث عن بعض أنواع الصيد الذي كان يتوهم فيه الحرمة ، وهو ما يصيده ~~الكلب المعلم الذي تلقى تدريبا كافيا للصيد ، بحيث لا يقبل على الحيوان ~~بغريزته الجائعة ، بل بمهمته الصائدة ، وقد كان يخيل للبعض أنه من أنواع ~~الميتة المحرمة ، خاصة عند ما يصل صاحب الكلب إلى صيده وهو ميت ، فأنزل ~~الله حليته ، لأن الكلب يعتبر أحد وسائل الصيد المتعارفة ، فيكون صيده ~~ذكاته ، وهذا هو معنى قوله تعالى : ( @QUR@05 وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~) حالة كونهم مكلبين ، أي أصحاب صيد بالكلاب. ويحتمل أن يكون المراد ~~بالكلمة ما جاء في تفسير الكشاف ، قال : «مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد ~~لصاحبها ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف واشتقاقه من ~~الكلب ، لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب ، فاشتق من لفظه لكثرته في ~~جنسه ، أو لأن السبع يسمى كلبا. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : اللهم سلط ~~عليه كلبا من كلابك» (1) ( @QUR@04 تعلمونهن مما علمكم الله ) من علم ~~التكليب لأنه إلهام من الله ومكتسب ms1788 بالعقل ، أو مما عرفكم أن تعلموه من ~~اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد ~~عليه وأن لا يأكل منه كما جاء في الكشاف (2). ( @QUR@04 فكلوا مما أمسكن ~~عليكم ) ولم تدركوا ذكاته ، ولا تتوهموا حرمته. والإمساك على صاحبه : أن لا ~~يأكل منه ، بمعنى أن لا يمسك الصيد انطلاقا من غريزته المندفعة للافتراس ~~لحاجاته الطبيعية كأي حيوان يبحث عن الفريسة ليأكلها ، بل يمسكه PageV08P050 # من خلال المهمة التي أرسله صاحبه لتحقيقها لحسابه. # وقد جاء عن ابن عباس ، كما في الدر المنثور للسيوطي ، في المسلم يأخذ كلب ~~المجوسي المعلم أو بازه أو صقره مما علمه المجوسي فيرسله فيأخذه قال : لا ~~تأكله ، وإن سميت ، لأنه من تعليم المجوسي ، وإنما قال : ( @QUR@04 ~~تعلمونهن مما علمكم الله ) (1). مما يوحي بأنه استفاد من الآية اختصاص ~~الحل بتعليم المؤمنين ، ولكن الظاهر أن الخصوصية للتعليم الذي ألهمه الله ~~لعباده ، لا لخصوصية المعلم من حيث كونه مؤمنا أو لا. ( @QUR@04 واذكروا ~~اسم الله عليه ) قبل أن ترسلوه إليه ، فإن الله أراد للإنسان أن ينطلق في ~~قتل الحيوان باسمه ، لأنه خالقه ، فليس له أن يقتله إلا على أساس وحيه ~~ورخصته به ، ليكون ذلك وسيلة للخروج من الحالة الذاتية الغريزية العدوانية ~~إلى الحالة الروحية المتحركة في دائرة أمر الله ونهيه ، بحيث يعيش الإنسان ~~معنى العبودية لله في علاقته بالحيوان في حاجاته للتغذي به. والله العالم. # ( @QUR@02 واتقوا الله ) في ذلك كله ، وذلك بالوقوف عند حدوده تعالى في ~~نوع الحيوان الذي يحل أكله ، وفي شروط الصيد ، فلا تبتعدوا عن شريعته في ~~ذلك ، فإن للأكل تقواه في الحلال والحرام منه ، كما لكل شيء تقواه في أعمال ~~الإنسان العامة ، ولا بد للإنسان من أن يحرك التقوى في كل تفاصيل حياته ~~ليكون في خط العبودية في حياته كلها. ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ) في ~~ما يحصيه من أعمال عباده ويحاسبهم عليها لموافقتها أو مخالفتها لأوامره ~~ونواهيه. هذا وقد اختلف الفقهاء في اختصاص حلية الصيد بالكلب المعلم أو ~~شموله لكل حيوان معلم ، سواء كان صقرا أو فهدا أو كلبا أو ms1789 غيرها .. فأخذ ~~بعضهم بعموم الجوارح واعتبر كلمة ( @QUR@01 مكلبين ) واردة على سبيل ~~التشبيه ، لأن الغالب في الحيوان الصائد أن يكون كلبا ، وبعضهم اعتبر هذه ~~الكلمة قيدا فقال PageV08P051 # بالخصوص ، وهذا ما روي عن أئمة أهل البيت عليه السلام ، فقد جاء في تفسير ~~علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام ، ~~قال : «سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب ، فقال : لا تأكل إلا ~~ما ذكيت ، إلا الكلاب ، فقلت : فإن قتلته؟ قال : كل ، فإن الله يقول : ( ~~@QUR@017 وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ). ثم قال عليه السلام : كل شيء من ~~السباع تمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب المعلمة فإنها تمسك على صاحبها ، ~~وقال : إذا أرسلت الكلب المعلم فأذكر اسم الله عليه فهو ذكاته ، وهو أن ~~تقول : باسم الله والله أكبر» (1). # ويظهر من هذه الرواية أن الاختصاص بالكلب ينطلق من عدم توفر الشرط وهو ~~الإمساك بالصيد على صاحبه لا على نفسه من حيث حاجته إلى الطعام ، فإن ~~الحيوانات الأخرى تملك طبيعة مفترسة تجعلها تتجه إلى الصيد من خلال شخصية ~~الحيوان المفترس الباحث عن الطعام ، فيكون إمساكها بالصيد حالة ذاتية لا ~~حالة آلية كصائدة لحساب صاحبها الذي أرسلها ، أما الكلب ، فإنه ليس حيوانا ~~مفترسا بطبيعته ، مما يجعل من تعليمه أمرا يدفع به إلى الصيد كآلة للاصطياد ~~لحساب صاحبه ، وربما يكون جائعا فيأكل من الحيوان من خلال الحاجة الطارئة ~~لا من خلال الغريزة الطبيعية كما هو الحال في الحيوانات الأخرى. # وعلى ضوء ذلك ، لا يكون التركيز في الاختصاص حسب هذه الرواية ومثيلاتها ~~على كلمة ( @QUR@01 مكلبين ) بل على كلمة ( @QUR@03 مما أمسكن عليكم ) من ~~حيث طبيعة الأمور في الكلب وغيره. # وهناك روايات أخرى معارضة لهذه الرواية وغيرها في الاختصاص بالكلب ، مما ~~جعل بعض فقهاء أهل البيت يذهب إلى الرأي القائل بالشمول لكل الحيوانات ~~المعلمة. والله العالم. PageV08P052 ### ||| * الآية # ( @QUR@043 اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ms1790 والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الطيبات ): المستلذات التي تستلذها النفس وينتفع بها الجسد ، ~~ولا يستخبثها الذوق والطبع. # ( @QUR@01 والمحصنات ): الحرائر كما قيل ، وقيل : العفيفات من الزنى وهو ~~الأقرب. وقد ذكر أن للإحصان معاني أربعة : الإسلام والتزوج والحرية والعفة. # ( @QUR@01 مسافحين ): معلنين بالزنى بهن أو مجاهرين به. والسفاح : الزنى. # ( @QUR@02 متخذي أخدان ): أي المسرين بالزنى. والمراد به الزنى بالسر ~~والخدن : الصديق ، يقع على الذكر والأنثى. PageV08P053 # ( @QUR@02 حبط عمله ): بطل ثواب عمله فلا يعتد به ولا يؤجر عليه. # * * * ### ||| ** حلية الطيبات والمحصنات للمؤمنين # ( @QUR@01 اليوم ) قيل إن المراد به يوم عرفة ، وقيل هو اليوم الذي تلا ~~فتح خيبر. وذهب بعض المفسرين المتأخرين إلى أنه يوم (غدير خم) باعتبار أنه ~~اليوم الذي برز الإسلام فيه كقوة تمتلك السيطرة على أوضاع المجتمع وتستطيع ~~بفعل ذلك إصدار مثل هذا الحكم لمصلحة أتباعه دون أن يساوره أي قلق بسبب ~~الأعداء (1)، ولكن الملحوظ أن مثل هذه الأحكام ، ليست بدعا من الأحكام ~~الإسلامية العادية التي سبق أن بينها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ~~، مما قد يكون أكثر خطورة على الواقع الاجتماعي عصر الدعوة كتحريم الخمر ~~والميسر والربا ، وغير ذلك مما يتصل بالسلوك العام للناس ، لا سيما إذا ~~عرفنا أن الآية واردة في سياق الرخصة مما كان الناس يمارسونه لا في سياق ~~التحريم ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 أحل لكم الطيبات ) حيث أكد الله ~~حليتها امتنانا على الناس وبيانا للطابع التشريعي السمح للإسلام الذي ينطلق ~~من مصلحة الإنسان في حاجاته الطبيعية ، ومن فطرة الإنسان في استطابة ~~الطيبات من الطعام واستخباث الخبائث ، والإقبال على ما يصلح بدنه مما ~~تستطيبه عناصر الجسد في المنافع الموجودة فيه حتى لو كان مر المذاق في ~~الطعام. # ( @QUR@06 وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) مما يحل لكم منه في التشريع ~~الإلهي العام ، فلا يجوز لكم أكل الطعام الذي صدر الحكم بتحريمه ، وهو ( ~~@QUR@09 الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ms1791 الله به ) أو مما لم يذكر ~~اسم الله عليه ، لأن مثل هذه الأمور لا علاقة لها بالجهة التي تقدمها ، بل ~~بالعنوان الذي تتمثل فيه. PageV08P054 # أما خصوصية أهل الكتاب فقد تتمثل في نقطتين : # النقطة الأولى : مسألة النجاسة والطهارة ، فقد يتوقف الناس في أمر الطعام ~~الذي يلامسونه بأيديهم لاحتمال نجاسته بمباشرتهم إياه ، فكانت هذه الآية ~~إعلانا تشريعيا بطهارتهم ، فتكون الآية دالة على أنه لا مانع من أكل طعام ~~أهل الكتاب الذي يباشرونه بأيديهم من هذه الجهة ، لأنهم طاهرون في ذواتهم ، ~~ولعل هذا ما نستوحيه من الأحاديث الكثيرة الواردة عن أئمة أهل البيت ~~عليه السلام بأن المراد بالطعام الحبوب وأشباهها ، في مقابل القول بأن ~~المراد به الذبائح ، فليس المقصود الحبوب اليابسة لتحمل على مسألة التعاطي ~~بالبيع والشراء ، لأن مثل هذه المسألة لم تكن واردة في حساب التحريم ولم ~~تكن مشكلة في الواقع الإسلامي الذي كان المسلمون يتعاملون فيه مع أهل ~~الكتاب في المدينة بشكل طبيعي ، بل المقصود به الطعام المطبوخ الذي يقدمونه للناس. # وقد ذهب فقهاء المسلمين السنة وبعض فقهاء الشيعة الإمامية إلى طهارة أهل ~~الكتاب في ذواتهم ، وهو الذي نرتئيه ونفتي به في نطاق الرأي الفقهي العام ~~الذي نفتي به وهو طهارة كل إنسان. # النقطة الثانية : وهي مسألة حلية ذبائحهم بلحاظ اشتراط إسلام الذابح في ~~حلية الذبيحة كما هو المشهور الذي كاد أن يكون إجماعا لدى فقهاء الشيعة ~~الإمامية ، وربما استوحى البعض ذلك من الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت ~~عليه السلام في تفسير الطعام بالحبوب وأشباهها ، وفي مقابل التفسير المعروف ~~عند أهل السنة بأن المراد به ذبائحهم. ولكننا نجد أن الحديث المفصل في هذه ~~الروايات هو ما رواه الكليني محمد بن يعقوب في الكافي عن أبي علي الأشعري ، ~~عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن النعمان ، عن ابن ~~مسكان ، عن قتيبة الأعشى ، قال : «سأل رجل PageV08P055 # أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده ، فقال : له : الغنم يرسل فيها ~~اليهودي والنصراني فتعرض فيها العارضة فتذبح أنأكل ذبيحته؟ فقال ms1792 أبو عبد ~~الله عليه السلام : لا تدخل ثمنها في مالك ولا تأكلها فإنما هي الاسم ولا ~~يؤمن عليها إلا مسلم. فقال له الرجل : قال الله تعالى : ( @QUR@010 اليوم ~~أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم )، فقال له أبو عبد الله ~~عليه السلام : كان أبي عليه السلام يقول : إنما هو الحبوب وأشباهها» (1). # وظاهر هذا الحديث أن مسألة ذبائح أهل الكتاب ليست محرمة بقول مطلق ، بل ~~بلحاظ أنه لا بد في حل الذبيحة من إحراز التسمية التي هي الشرط الأساس كما ~~في القرآن ولا مجال لإحرازها في ذبيحة الكتابي الذي لا يرى شرطيته ، فلا ~~يوثق بتوفرها لديه في الذبح. فلو أحرزنا التسمية مع شروط التذكية كانت ~~الذبيحة حلالا ، وهذا ما يفهم من التأكيد في أحاديث أئمة أهل البيت ~~عليه السلام على الاسم الذي لا بد من إحرازه في الذبح وحلية الذبيحة ، وهذا ~~ما استقربه الشهيد الثاني في المسالك وأفتى به الصدوق وابن أبي عقيل وابن ~~الجنيد وبعض الفقهاء المعاصرين ، وهو الذي نفتي به مع بعض التحفظات. # وتبقي مسألة المراد من الآية خاضعة لتفسير أهل البيت عليه السلام للطعام ~~بالحبوب وأشباهها ، وربما كان هذا التفسير متطلعا للتأكيد على أن الآية لا ~~تشمله في مسألة الحل بلحاظ عدم استكمال شروط الذبيحة فيه عندهم. والله ~~العالم. # ( @QUR@03 وطعامكم حل لهم ) فلا يحرم عليكم إطعامهم من طعامكم ، لأن ~~اختلاف الانتماء الديني لا يؤدي إلى اختلاف في العلاقات الاجتماعية ~~الإنسانية في تبادل الدعوات إلى الطعام من خلال الروابط الخاصة والمتعلقة ~~بالقربى PageV08P056 # والجوار ونحوهما. وليست المسألة كمسألة التزاوج بين المسلمات والكفار في ~~قوله تعالى : ( @QUR@015 فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن ~~حل لهم ولا هم يحلون لهن ) [الممتحنة : 10] حيث يرتفع الحل من الجانبين. # ( @QUR@03 والمحصنات من المؤمنات ) وأحل الله لكم الزواج بالعفيفات من ~~المؤمنات ، ( @QUR@07 والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) فيجوز ~~الزواج بهن لأنهن يؤمن بالله واليوم الآخر وبالتوراة والإنجيل ، مما يجعل ~~هناك قاعدة للعلاقة الزوجية باعتبار أن المسلم يؤمن بذلك كله أيضا ، خلافا ~~للكوافر اللاتي ms1793 لا يؤمن بالله بل يلتزمن الشرك ، فلا يجوز للمسلمين التزوج ~~والإمساك بعصم الكوافر أو بالمشركات حتى يؤمن. وعلى ضوء هذا ، فإن المسألة ~~في الزواج ترتكز على الإيمان حتى مع اختلاف بعض خصوصياته مما لا مجال فيه ~~للكافرين بالله والمشركين به ، وهذا ما جاءت به الآية الكريمة في قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) [الممتحنة : 10] حيث وردت في ~~سياق الزواج بالنساء الكافرات من مجتمع مكة ، فلا تشمل نساء أهل الكتاب ، ~~والآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) ~~[البقرة : 221] فإنها لا تشمل أهل الكتاب لأن مصطلح المشركين في القرآن لا ~~يشملهم ، ولا تصلح كل منهما على تقدير الشمول أن تكون ناسخة لهذه الآيات ، ~~لأنها متأخرة عنها ولا ينسخ السابق اللاحق. # وقد حاول بعض المانعين لزواج الكتابية تأويل الآية بأن المراد ب ( ~~@QUR@05 والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) اللاتي أسلمن منهن بعد كفر ، ~~والمراد بال ( @QUR@03 والمحصنات من المؤمنات ) اللاتي كن في الأصل مؤمنات ~~بأن ولدن على الإسلام ، وذلك أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت ~~عن كفر ، فبين سبحانه أنه لا حرج في ذلك ، فلهذا أفردهن بالذكر ، حكى ذلك ~~أبو القاسم النجفي. ولكن هذا القول مردود بأنه دعوى من دون دليل ، لأن ظاهر ~~المقابلة بين المؤمنات واللاتي من أهل الكتاب إرادة التنوع في واقع ~~الانتماء PageV08P057 # الديني لا في الانتماء السابق مع اتحاد الانتماء الحالي. والله العالم. # ( @QUR@03 إذا آتيتموهن أجورهن ) أي مهورهن ، ولعل التعبير عن المهور ~~بالأجور باعتبار انتفاع الرجل بالمرأة من حيث المنفعة الجنسية واللذة ~~الغريزية التي يحصل عليها منها ، فأشبه حال الزواج حال الإجارة التي يدفع ~~فيها المستأجر ماله في قبال المنفعة ، مع التأكيد على أن حقيقة الزواج ~~تختلف عن حقيقة الإجارة في الشكل والمضمون والحقوق ، مما يجعل من الزواج ~~مسألة استعارة على أساس التشبيه بالشكل فقط. وقد استخدم هذا التعبير في ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) [النساء : 24]. # ( @QUR@01 محصنين ) في العلاقة المذكورة بهن بمعنى ارتكازها على العفة ~~باعتبار العلاقة الزوجية المحللة التي هي عنوان العفة ms1794 في ارتباط الرجل ~~بالمرأة ( @QUR@02 غير مسافحين ) بالزنى ، بأن تكون العلاقة بينهما علاقة ~~الزاني بالزانية لعدم شرعية العلاقة ، ( @QUR@03 ولا متخذي أخدان ) فلا ~~تكون الرابطة بينهما رابطة الصديق بصديقته التي يستمتع بها سرا عن طريق ~~الاستمتاع الجنسي بعيدا عن الارتباط الزوجي. # وهذا هو التجسيد العملي للإيمان الذي لا يتمثل بالعقيدة والكلمة فحسب ، ~~بل يمتد إلى الجانب العملي في الوقوف عند حدود الله في الحلال والحرام ، ~~لأن ذلك يؤكد عمق الإيمان في الذات وثباته في الواقع. ( @QUR@03 ومن يكفر ~~بالإيمان ) بالتمرد عليه والابتعاد عن السير على خطه المستقيم في الالتزام ~~بحلال الله وحرامه ، فسيقع في هوة الكفر في نهاية المطاف ، لأن السير مع ~~المعصية يضعف الإيمان في النفس ، فإذا امتد في كل مواقعها ، زال كليا من ~~الذات ، ( @QUR@03 فقد حبط عمله ) كما يحبط عمل الكافر ، فلا ينتفع من ~~الإيمان بشيء ، لأن عمله لن يكون صورة لإيمانه بل يكون وجها من وجوه الكفر ~~، وهو الوجه العملي له ، ( @QUR@05 وهو في الآخرة من الخاسرين ) [آل عمران ~~: 85] ، ( @QUR@06 الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) [الشورى : 45]. PageV08P058 # وقد وردت روايات عدة في تفسير هذه الآية عن أئمة أهل البيت عليه السلام منها : # 1 ما رواه محمد بن يعقوب الكليني ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ~~، عن الحسين بن علي ، عن حماد بن عثمان ، عن عبيد بن زرارة ، قال : «سألت ~~أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@06 ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله )، قال : ترك العمل الذي أقر به ، من ذلك أن يترك الصلاة من ~~غير سقم ولا شغل» (1). # 2 وجاء في رواية أخرى عن أبان بن عبد الرحمن ، قال : «سمعت أبا عبد الله ~~عليه السلام يقول : أدنى ما يخرج به الرجل من الإسلام أن يرى الرأي بخلاف ~~الحق فيقيم عليه ، قال : ( @QUR@06 ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) وقال ~~: الذي يكفر بالإيمان الذي لا يعمل بما أمر الله به ولا يرضى به» (2). # 3 وفي رواية أخرى عن محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليه السلام في قول الله : ~~( @QUR@06 ومن ms1795 يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) قال : هو ترك العمل حتى يدعه ~~أجمع ، قال : منه الذي يدع الصلاة متعمدا لا من شغل ولا من سكر ، يعني ~~النوم» (3). # * * * PageV08P059 ### ||| * الآية # ( @QUR@062 يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 إذا قمتم ): أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة. # ( @QUR@01 المرافق ): جمع مرفق ، وهو مفصل الساعد ، أو الذراع من ~~الأعلى. # ( @QUR@01 الكعبين ): هما عظمان ناشزان يفصلان بين الساق والقدم. # ( @QUR@01 جنبا ): أصابتكم الجنابة بجماع أو إنزال مني. # ( @QUR@01 فاطهروا ): فاغتسلوا. PageV08P060 # ( @QUR@01 الغائط ): المكان المنخفض ، والمراد به هنا قضاء الحاجة من ~~المخرجين. # ( @QUR@03 أو لامستم النساء ): كناية عن الجماع ، لا مطلق الملامسة ~~الجسدية. # ( @QUR@01 صعيدا ): وجه الأرض. # ( @QUR@01 طيبا ): طاهرا. # * * * ### ||| ** كيفية الوضوء قبل الصلاة # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) ممن يتحرك الإيمان في حياتهم العملية ، ~~فلا يبقى مجرد فكرة في العقل ونبضة في القلب وكلمة في اللسان ، بل يتحول ~~إلى حركة في الواقع الإنساني في الحياة ، وهذا هو النهج الذي أراد الله لكم ~~اتباعه كي تتبينوا ما تأخذون به أو تدعونه ما يصلح أموركم أو يبعدكم عما ~~يفسدها ، ( @QUR@04 إذا قمتم إلى الصلاة ) وبادرتم إلى الاستعداد لها في ~~تهيئة المقدمات التي تؤدي إلى النتائج المطلوبة في الروح والجسد ، وكنتم في ~~حالة من الحدث ، ( @QUR@02 فاغسلوا وجوهكم ) وحد الوجه يبدأ في منطقة الطول ~~من قصاص الشعر إلى طرف الذقن ، أما في منطقة العرض فيتحدد بالمساحة التي ~~يستوعبها إصبع الإبهام والوسطى في ما دارت عليه في الغسل ، وهذا هو المفهوم ~~العرفي لهذه الكلمة. # وقد روى الكليني في الكافي بإسناده عن زرارة ، قال : «قلت له : أخبرني عن ~~حد الوجه الذي ينبغي له أن يوضأ الذي قال الله عز وجل ، فقال : الوجه الذي ~~أمر الله بغسله ms1796 ، الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه ، PageV08P061 # إن زاد عليه لم يؤجر وإن نقص منه أثم ؛ ما دارت عليه السبابة والوسطى ~~والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن ، وما جرت عليه الإصبعان من الوجه ~~مستديرا فهو من الوجه وما سوى ذلك فليس من الوجه ، قلت : الصدغ ليس من ~~الوجه؟ قال : لا» (1). # ( @QUR@03 وأيديكم إلى المرافق ) والمقصود حسب الظاهر هو تحديد المساحة ~~لليد من الأصابع إلى المرفق ، في مقابل إطلاق كلمة اليد على ما يختص بالكف ~~، وعلى ما يشمل الذراع والعضد حتى الكتف ، وهذا ما ينبغي التنبيه إليه. أما ~~بداية الغسل ونهايته ، فهو من الأمور التي تفرضها طبيعة الغسل في انتهائه ~~بالمنطقة التي يجري فيها الماء إلى خارج الجسد ، بدلا من المنطقة التي يفيض ~~فيها على الجسد مما هو غير متعارف في ممارسة الناس للغسل العادي للجسد ، ~~وبناء على ذلك ، قال فقهاء الشيعة الإمامية بوجوب الابتداء من المرفق ~~والانتهاء بالأصابع ، بينما ذهب غيرهم إلى جواز النكس بالابتداء من الأصابع ~~والانتهاء بالمرافق. # ( @QUR@02 وامسحوا برؤسكم ) اختلف في معنى الباء بين قائل : بأنها ~~للتبعيض مما يدل على أن المطلوب هو مسح بعض الرأس كما صرحت به بعض النصوص ~~المأثورة وأيده بعض اللغويين ، ويتفق هذا مع رأي الشيعة الإمامية في وجوب ~~مسح ، جزء من مقدم الرأس ، وكفاية مسح أقل ما يصدق عليه اسم المسح ، وبين ~~قائل بأنها للإلصاق أي إلصاق المسح بالرأس ، وعلى ضوء هذا قال المالكية : ~~باستيعاب الرأس أو أكثره على اختلاف الرواية عن مالك ، وقال الحنفية : يجب ~~مسح ربع الرأس ، ولكن هذا التفسير للباء لا يتنافى مع رأي الإمامية ~~والشافعية في كفاية مسح جزء من الرأس وإن قل ، لصدق المسح للرأس في ذلك ~~المقدار حسب الإطلاق العرفي. PageV08P062 ### ||| ** الاختلاف في قراءة «وأرجلكم» # ( @QUR@03 وأرجلكم إلى الكعبين ) وهما العظمان الناتئان في ظهر القدم ، ~~وقيل : إنهما عظما الساقين. وقد اختلف المفسرون في حق الرجلين في الوضوء ~~أهو المسح أم الغسل؟ فقال جمهور الفقهاء من أهل السنة بالغسل ، وقالت ~~الإمامية بالمسح دون غيره ، وبه قال عكرمة. ms1797 وقد روي القول بالمسح عن جماعة ~~من الصحابة والتابعين كابن عباس وأنس وأبي العالية والشعبي ، وقال الحسن ~~البصري بالتخيير بين المسح والغسل ، وإليه ذهب الطبري والجبائي ، إلا أنهما ~~قالا : يجب مسح جميع القدمين ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدم. وقال ~~ناصر الحق من أئمة الزيدية : يجب الجمع بين المسح والغسل. # * * * # وقد اعتمد فقهاء السنة على قراءة ( @QUR@01 وأرجلكم ) بالنصب ، لأنها ~~بذلك تكون معطوفة على ( @QUR@01 وأيديكم ) دون ( @QUR@01 برؤسكم ) المجرورة ~~بالباء. وقول القائلين بالمسح أساسه أن العطف قد يكون على المحل كما يكون ~~على اللفظ ، والمفروض أن ( @QUR@01 برؤسكم ) في محل نصب على المفعولية ، ~~فيكون العطف بالنصب عليها مبررا بحسب القواعد العربية ، كما أن هناك أكثر ~~من قارئ قرأها بالنصب ، مع ملاحظة أن العطف على الأيدي لا مبرر له من ناحية ~~بلاغة التعبير القرآني وفصاحته ، وذلك لوجود الفاصل بين الأيدي والأرجل وهو ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 وامسحوا برؤسكم )، ولو كانت معطوفة على الأيدي ~~لقال : ( @QUR@08 وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ~~) ولم يفصل بينهما بمسح الرأس. وإذا كان ما ذكر جائزا ، فإنه خلاف الفصاحة ~~القرآنية التي تجسد أعلى مستويات الفصاحة والبلاغة المعجزة. # إن قراءة ( @QUR@01 وأرجلكم ) بالنصب معطوفة على ( @QUR@01 وأيديكم ) يوجب PageV08P063 # القول بالغسل ، وأما عطفها على ( @QUR@01 برؤسكم )، فيوجب المسح سواء ~~قرئت بالجر أو بالنصب. # ويروى عن الإمام محمد الباقر عليه السلام القراءة بالجر كما جاء في رواية ~~الشيخ الطوسي بإسناده عن غالب الهذيل ، قال : «سألت أبا جعفر عليه السلام عن ~~قول الله عز وجل : ( @QUR@03 وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ) على الخفض هي أم على ~~الرفع؟ فقال : هي على الخفض» (1). # وقد سئل أئمة أهل البيت عليه السلام عن وضوء رسول الله ، كما جاء عن محمد ~~بن يعقوب الكليني بإسناده عن زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر محمدا الباقر ~~عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فدعا بطست أو تور فيه ~~ماء فغمس كفه اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على جبهته ، فغسل وجهه بها ، ثم ~~غمس كفه اليسرى فأفرغ على يده اليمنى ، فغسل بها ذراعه ms1798 من المرفق إلى الكف ~~لا يردها إلى المرفق ، ثم غمس كفه اليمنى ، فأفرغ بها على ذراعه الأيسر من ~~المرفق ، وصنع بها كما صنع باليمنى ، ومسح رأسه بفضل كفيه وقدميه ببلل كفه ~~لم يحدث ماء جديدا ، ثم قال : ولا يدخل صلى الله عليه وآله وسلم أصابعه تحت ~~الشراك قالا : ثم قال : إن الله يقول : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) فليس له أن يدع شيئا ~~من وجهه إلا غسله ، وأمر أن يغسل اليدين إلى المرفقين ، فليس له أن يدع من ~~يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله ، لأن الله يقول : ( @QUR@05 فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) ثم قال : ( @QUR@05 وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ~~إلى الكعبين ) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين أطراف ~~الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه. قالا : قلنا : أصلحك الله أين ~~الكعبان؟ قال : هاهنا ، يعني المفصل دون عظم الساق. فقلنا : هذا ما هو؟ قال ~~: من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك ، فقلنا : أصلحك الله ، فالغرفة الواحدة ~~تجزئ للوجه ، وغرفة للذراع؟ قال : نعم ، إذا PageV08P064 # بالغت فيهما ، واثنتان تأتيان على ذلك كله» (1). # * * * ### ||| ** التيمم طهارة # ( @QUR@03 وإن كنتم جنبا ) بالجماع أو إنزال المني ، ( @QUR@01 فاطهروا ) ~~وذلك بغسل البدن كله دفعة واحدة ، إن أمكن ذلك بالارتماس أو بالوقوف تحت ~~الشلال أو تحت ماء ينهمر على البدن دفعة عرفية ، أو بالترتيب بين الرأس ~~والرقبة أولا ، والبدن كله ثانيا ، وقد يكون من الأفضل الأحوط الترتيب بين ~~الجانب الأيمن والأيسر بعد غسل الرأس والرقبة. ( @QUR@025 وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) أي من هذا الصعيد الطيب ، وقد ~~تحدثنا عن تفسير هذه الفقرة في موقعها المماثل في سورة النساء في تفسير ~~الآية (47) فراجع. # ( @QUR@07 ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) في تكاليفه الملزمة ، فقد ~~أنزل الله شريعته على أساس تحقيق مصالح الإنسان في الحياة بما يأمره به من ~~الأفعال المنفتحة على الخير كله ms1799 في يسر وسهولة ، وإبعاده عما يفسد حياته ~~بما ينهاه عنه من الأعمال التي تسيء إلى حياته دون أن يثقل عليه في شيء من ~~ذلك ( @QUR@03 ولكن يريد ليطهركم ) في أجسادكم وأرواحكم بالطهارات المتنوعة ~~في الوضوء والغسل والتيمم ، التي تمثل لونا من التدريب على نظافة البدن ~~اليومية كالوضوء ، أو شبه اليومية كالغسل ، بحيث توحي بأهمية هذه المسألة ~~في التخطيط الإسلامي للتربية في حياة الإنسان ، بحيث تلزم الإنسان بغسل ~~الأعضاء الحيوية المتصلة بحاجاته اليومية ، كالوجه الذي يقابل به الناس ~~وتتحرك به أجهزة البصر والشم ، بالإضافة إلى الفم الذي يرتبط به أكثر من PageV08P065 # مسألة في الطعام والشراب والكلام .. وغير ذلك مما يحتاجه الإنسان في ~~حياته الخاصة ، وكاليدين اللتين هما الوسيلتان لأكثر من حاجة في أعماله ~~الخاصة به وبالناس ، ويبقى للمسح معنى الإيحاء بضرورة التوفر على الرأس ~~والرجلين بين وقت وآخر. # هذا في الوضوء ، أما في الغسل الذي تحدثت الآية عن سببية الجنابة له ، ~~فإن هناك أكثر من سبب له ، من غسل الحيض والاستحاضة والنفاس للنساء ، وغسل ~~مس الميت ، إلى جانب الأغسال المستحبة كغسل الجمعة ونحوه ، مما يتمثل في ~~تطهير البدن كله باعتبار أن المناسبات قد تتصل ببعض الآثار المادية ~~المنفتحة على بعض الحالات النفسية في استقذار الحديث الذي يترك تأثيره على ~~الجسد كله من ناحية معنوية أو شعورية ، أو في إزالة الخوف عند مس الميت ~~نتيجة الوهم الذاتي الذي قد يوحي بانتقال الموت إلى جسد الإنسان الماس ، ~~الأمر الذي قد يزيل الغسل إيحاءاته السلبية بالحيوية التي يمنحها للجسد ~~لجهة تجدد الحياة فيه .. وهكذا ينفتح الغسل على الجانب الذاتي والاجتماعي ~~في المناسبات العامة التي يلتقي فيها بالناس كالجمعة والعيدين .. وغيرها ~~بما يفرض عليه أن يخرج إليهم نظيفا طاهرا ، مما يجعل من الطهارة البدنية ~~سلوكا عاما متحركا في الحياة الخاصة والعامة للإنسان. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن اشتراط قصد القربة في الغسل ، الذي لا ~~يصح منه إلا إذا أتى به بقصد الطاعة لله أو محبوبية الله له ، أو بنية ~~التقرب إليه ، يوحي بأن القضية ms1800 لا تتصل بالجانب المادي الجسدي ، بل تمتد ~~إلى الجانب الروحي الذي يتمثل فيه المعنى الإيحائي بأن الطهارة البدنية ~~تقرب الإنسان إلى الله ، وترفع بمكانته عنده ، فلا تبقى مجرد حاجة جسدية ~~للنظافة ، بل تتحول إلى حاجة روحية توحي بالطهارة الروحية التي تمتزج ~~بالممارسة المادية بحيث تمثل لونا من ألوان التربية المتحركة الإيجابية ~~التي توحي للإنسان بأنه كلما ازداد نظافة ازداد قربا إلى الله ، وهذه ما ~~توحي به الأحاديث PageV08P066 # الواردة في استحباب تجديد الوضوء ، ومنها : # 1 «الوضوء على الوضوء نور على نور» (1). # 2 وعن محمد بن يحيى ، وأحمد بن إدريس ، عن أحمد بن إسحاق ، عن سعدان ، عن ~~بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : «الطهر على الطهر عشر ~~حسنات» (2). # 3 وعن محمد بن موسى بن المتوكل ، عن علي بن الحسين السعدآبادي ، عن أحمد ~~بن أبي عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن محمد بن سنان ، عن المفضل بن عمر ، ~~عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «من جدد وضوءه لغير حدث جدد الله توبته ~~من غير استغفار» (3). # وهكذا في استحباب النوم على طهارة ، أو الكون على طهارة ، كغاية مستقلة ~~في ذاتها بعيدا عن أية غاية خاصة ، بالإضافة إلى كثير من المناسبات ~~المستحبة شرعا. # إننا نفهم من ذلك كله أن الإسلام الذي جعل الطهارة عبادة تتحرك في الجو ~~الصلاتي وفي كل الأجواء المتصلة بالله ، يؤكد أن للنظافة في تخطيطه ~~التشريعي الدور الحيوي الذي يمتد حتى في نظافة كل ما يتصل بالإنسان في ~~طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وشهوته وغير ذلك. # وهذه من مميزات الإسلام في تخطيطه التشريعي الذي يؤكد على حماية الإنسان ~~من كل قذارة مادية تسيء إلى روحه وبدنه وحياة الناس من حوله ، أو قذارة ~~روحية تسيء إلى روحه وأخلاقيته وسلوكه الفردي والمجتمعي ، الأمر PageV08P067 # الذي يوحي بأن الإنسان القذر بعيد عن الله في بدنه وروحه. # أما التيمم ، فإنه يمثل البديل الإيحائي عن الوضوء والغسل عند عدم وجود ~~الماء أو عدم التمكن من استعماله ، حتى لا يبقى المكلف من دون بديل ، فكان ~~التراب ms1801 أو الأرض هو الواجب الجديد الذي يوحي بالمعنى الروحي العبادي ، على ~~أساس مسح الجبهة بالتراب ، وكذلك الكفين ، مما يدل على الخضوع لله والتواضع ~~له مع ما يمثله اشتراط الصعيد بالطهارة من إيحاءات الطهارة ، واشتراط نية ، ~~القربة فيه الذي يجعل الإنسان يفكر بأن الله خلقه من تراب ليتعبد إلى الله ~~في خلقه ، ليعبر ذلك عن إيحاء روحي ينساب في وجدانه ، ليدخل إلى الصلاة في ~~طهارة ترابية عبادية تنفتح به على سر وجوده ليتكامل في موقفه بين يدي ربه ~~في إحساسه الروحي بالأرض التي جاء الحديث النبوي الشريف فيها : # «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (1). مما يعني بأنها رمز الطهارة كما هي ~~موضع السجود. والله العالم. # وهكذا شرع الله هذه الطهارات التي لم يرد لكم أن تقفوا من خلالها في حرج ~~، بل ليطهركم في أبدانكم وأرواحكم ، ( @QUR@03 وليتم نعمته عليكم ) لما ~~يحققه لكم من المصالح المتصلة بحياتكم الروحية والمادية بحيث تحصلون من ~~خلال ذلك على السعادة والطمأنينة والاستقرار في كل أموركم العامة والخاصة ، ~~من خلال التشريع الإلهي الكامل الشامل ، ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) الله على ~~ذلك كله ليزيدكم من نعمه الوافرة بمقتضى وعده ، ( @QUR@03 لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ) [إبراهيم : 7]. # * * * PageV08P068 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 واثقكم به ): أي عاقدكم به عقدا وثيقا. # ( @QUR@02 بذات الصدور ): قال الطبرسي : «إنما قال : ذات الصدور على لفظ ~~التأنيث لأن المراد بذلك المعاني التي تحل القلوب ، ولم يقل ذوات لينبىء عن ~~التفصيل في كل ذات» (1). # * * * ### ||| ** الدعوة إلى ذكر ميثاق الله # وهذه دعوة للمؤمنين للانطلاق في إيمانهم بالله من حيث هو نعمة من PageV08P069 # خلال ما يوحيه من فكر ويتحرك به من أعمال ، ومن حيث هو ميثاق بين الله ~~وعباده ، لأن الإيمان موقف يلتزم به في مقابل ما يأمله من ربه من خلال وعده ~~له بالرضوان والمغفرة والنعيم .. ولكن ماذا عن هذا الميثاق الذي واثقهم ~~الله به ، وقالوا سمعنا وأطعنا استجابة له؟ فقد جاء في مورد الإجابة عن ذلك ~~، أقوال ms1802 : أحدها أن معناه ما أخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ~~إسلامهم وبيعتهم بأن يطيعوا الله في كل ما يفرضه عليهم مما ساءهم أو سرهم ~~... وثانيها ... ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم المحرمات ، وكيفية ~~الطهارة ، وفرض الولاية ، وغير ذلك ... وثالثها ... أن المراد به متابعتهم ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بيعة العقبة وبيعة الرضوان ... ورابعها أن ~~معناه ما أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم : ألست ~~بربكم؟ قالوا بلى .. وهذا أضعف الأقوال ، كما يقول صاحب مجمع البيان (1). # أو ربما أريد به العهد المعقود بين الله والإنسان في تكوين فطرته ~~المنفتحة على حقيقة التوحيد ومعنى الرسالة وسر العبودية مما يتوجه إليه ~~الإنسان بفطرته التي تختزن العقل والإدراك والإحساس ، وتقوده من خلالها إلى ~~تحريكها من أجل المعرفة في التزاماتها العقلية ومسئولياتها العملية التي ~~تكاد تنطق بلسان القابلية الإنسانية الواعية ، لتعبر عن خضوعها للسر الإلهي ~~المودع فيها بما ينسجم مع السمع والطاعة المتمثل بقوله : ( @QUR@02 سمعنا ~~وأطعنا ). وهذا أسلوب قرآني في استنطاق الواقع الوجودي في إيحاءاته ~~المعبرة سواء في المخلوقات الحية كالإنسان ، أو الجامدة كالسماء والأرض ~~والجبال ونحوها مما تحدث القرآن عنه بأسلوب حواري بينها وبين الله ، ~~باعتبار الحقيقة الكامنة في وجودها من حيث انفعالها بما أودعه الله فيها من ~~الخصائص. # وقد يكون هذا هو المقصود بالميثاق الإلهي في أصل الخلقة بالمعنى PageV08P070 # المتمثل بمنطق الفطرة في لسان الحال وسر الخلق لا بالطريقة المباشرة في ~~الالتزام الصادر من الإنسان أمام الله كما جاءت به بعض روايات عالم الذر. ~~وربما كان المراد به أحد هذه الوجوه ، وذلك انسجاما مع منطوق الآية الذي ~~يوحي بأن هناك ميثاقا وعهدا من المؤمنين ، ووعدا والتزاما بالسمع الطاعة ، ~~وربما كان هذا الأسلوب القرآني واردا على طريقة الإيحاء من حيث اقتضاء ~~الالتزام بالإيمان ، فيكون معناه الالتزام بالسمع والطاعة كما لو كانوا قد ~~قالوا ذلك وأعلنوه ، فكأن القرآن يذكر المؤمنين بذلك لئلا يغفلوا عنه وعن ~~نتائجه في ما يواجهونه من مشاغل الحياة ومشاكلها التي ms1803 تبعدهم عن هذه ~~الأجواء ، ليظلوا على وعي بحقيقته ومدلوله في حياتهم الخاصة والعامة ، ~~وليعرفوا بعمق المعرفة الواعية أن الميثاق الإيماني ليس مجرد التزام بالفكر ~~، ولكنه التزام عملي يتمثل بالسمع والطاعة على مستوى الممارسة والحياة. ~~ولذلك عقبه الله بالدعوة إلى التقوى التي تمثل مراقبة الله في الوصول ~~بالميثاق إلى أهدافه العملية الممتدة في حياة الإنسان ، في إيحاء ختامي بأن ~~( @QUR@04 الله عليم بذات الصدور )، ليعيش الإنسان الإحساس الداخلي بأن ~~الله يعلم بكل خفاياه وأسراره ، فيدفعه ذلك إلى الإخلاص في النية والعمل ، ~~لأن الزيف والنفاق قد يخدعان الناس من حوله ، ولكنهما لا يخدعان الله الذي ~~يعلم سر الإنسان وعلانيته ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # * * * PageV08P071 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قوامين ): قائمين به حق القيام. # ( @QUR@01 بالقسط ): العدل. # ( @QUR@02 ولا يجرمنكم ): لا يحملنكم ويكسبنكم ، وقيل : معنى لا يجرمنكم ~~لا يدخلنكم في الجرم ، كما يقال : أئمته أي أدخلته في الإثم. # ( @QUR@01 شنآن ): بغض وعداوة. # * * * PageV08P072 ### ||| ** مناسبة النزول # قيل : نزلت هذه الآية في يهود بني النضير حين ائتمروا على الفتك برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فأوحى الله إليه بذلك ، ونجا من كيدهم ، فأرسل ~~صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم بالرحيل من جوار المدينة ، فامتنعوا وتحصنوا ~~بحصونهم ، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم إليهم بجمع من أصحابه ، وحاصرهم ست ~~ليال ، اشتد الأمر فيها عليهم ، فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتفي ~~منهم بالجلاء ، وأن يكف عن دمائهم ، وأن يكون لهم ما حملت الإبل ، وكان ~~البعض من المؤمنين يرى لو يمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم ويكثر من ~~الفتك فيهم ، فنزلت الآية لنهيهم عن الإفراط في المعاملة بالتمثيل والتشويه ~~، فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود ما اقترحوه. # وقيل : نزلت في المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام عام ~~الحديبية ، كأنه تعالى أعاد النهي هنا ms1804 ليخفف من حدة المسلمين ورغبتهم في ~~الفتك بالمشركين بأي نوع من أنواع الفتك. # ونلاحظ على هاتين الروايتين أنهما لا تنسجمان مع سياق الآية الذي يوحي ~~بوجود الضوابط التي تحدد لكل فريق حقه في العلاقات المرتبطة بالآخر ، فلا ~~بد في هذه الحالة من الوقوف عند الحدود التي حددها الله لهما في المعاملات ~~، بينما نجد أن الروايتين تتحدثان عن حالة حرب بين المسلمين من جهة واليهود ~~أو المشركين من جهة أخرى خاضعة للمفاوضات التي يحدد فيها الفريق المعتدى ~~عليه شروطه على المعتدين ، الأمر الذي لا يجعل للمسألة قاعدة ثابتة تحكم ~~الطرفين ، ليكون التعدي عليه ابتعادا عن خط العدل ، مع ملاحظة أخرى وهي أن ~~المسألة لم تصل في دائرة التجاذب في المفاوضات إلى مرحلة الحديث عن التشويه ~~والتمثيل الذي لا يصار إلى الحديث عنه عادة إلا بعد القتل. والله العالم # * * * PageV08P073 ### ||| ** العدل شعار الإسلام # وفي مطلق الأحوال ، يظل العدل شعار الإسلام في الحياة ، وينطلق القرآن ~~ليؤكد عليه في بناء شخصية الإنسان المسلم بمختلف الأساليب ، من أجل إلغاء ~~كل النوازع والأفكار والمشاعر المنحرفة من تكوينه الذاتي ، لئلا تحول بينه ~~وبين الانسجام مع حركة الخط المستقيم في الحياة. # وجاءت هذه الآية لتتحدث عن ذلك من بعض جوانبه الحادة التي قد تؤدي ~~بالإنسان إلى الانحراف ، فأطلقت المبدأ الأساس في طبيعة الموقف الذي ينبغي ~~للمؤمنين أن يقفوه ، فدعتهم إلى أن يكونوا قوامين لله بحيث تكون حياتهم ~~كلها قياما له ، وانفتاحا عليه ، والتزاما برضاه ، في كل ما يفكرون به ~~ويتطلعون إليه ويقومون به من أعمال ، ويمارسونه من علاقات ، ويهتمون به من ~~قضايا ومواقف .. فليس هناك مكان في شخصيتهم ، في كل ما يختزنونه من دوافع ~~ويعيشونه من مشاعر وأحاسيس ، لغير الله ، وبذلك يصبح الإنسان خاضعا في ~~موقفه في كل العلاقات الإيجابية والسلبية لرضى الله ، وفي ضوء ذلك ، أرادت ~~منهم أن يكونوا ( @QUR@02 شهداء بالقسط ) وهو العدل لأن ذلك هو مقياس ~~الارتباط بالله والابتعاد عن غيره ، لما يستلزمه الارتباط بالحق من رؤية ~~صافية واضحة لا يحول الضباب بينها وبين واقع الأشياء ، فالمؤمن ms1805 ينظر بنور ~~الله الذي أودعه في قلبه ، ونور الله لا يخطئ ولا ينحرف عن خط الحقيقة. ~~وبذلك تكون الشهادة بالقسط حركة الإيمان الواعي في حياة المؤمن ، وبهذه ~~الروح لا مكان للعداوة والصداقة في هذا المجال ، فليس للمؤمن أن يفكر بهما ~~في ما ينطلقان فيه من مشاعر ، وما يتحركان به من مواقف ، بل كل فكره عند ~~أية قضية الله والحق ، فهما الهاجس في كل شيء. # ويؤكد الله هذا الجانب من الموقف في قوله تعالى : ( @QUR@02 ولا يجرمنكم ~~) أي لا يحملنكم. PageV08P074 # ( @QUR@02 شنآن قوم ) وبغضهم وعداوتهم ، ( @QUR@03 على ألا تعدلوا ) ~~فتشهدوا عليهم بغير الحق أو تحكموا عليهم بالباطل ، ( @QUR@01 اعدلوا ) مع ~~أعدائكم وأصدقائكم ( @QUR@03 هو أقرب للتقوى )، فالعدل يلتقي مع خط التقوى ~~الذي يراقب فيه الإنسان ربه ولا يراقب غيره مهما كانت صفته في حياته ، ( ~~@QUR@02 واتقوا الله ) في الالتزام بهذا الخط في جميع مجالات حياتكم ، فلا ~~تدعوا العلاقات السلبية والإيجابية تؤثر على طريقتكم في الحكم والشهادة ، ~~ولا تغفلوا عما توحيه فكرة الإيمان من الحقيقة الإلهية ، ( @QUR@05 إن الله ~~خبير بما تعملون ). # وهذا ما يميز المجتمع المسلم في أفراده ، سواء على مستوى الحكم أو ~~العلاقة والمعاملة ، فالإيمان يمثل الضمانة الحقيقة التي يقدمها لكل الذين ~~يلتقون معه في العقيدة أو يختلفون معه فيها ، فلا مجال مع الإسلام للظلم ~~حتى للأعداء ، لأن قضية العداوة تخضع لأوضاع ومواقف معينة تفرض نوعا من ~~السلوك السلبي الذي لا يمكن أن يبتعد عن الموازين والقوانين الشرعية ، التي ~~تعتبر أن للعداوة مساحة لا يمكن أن يتعداها الإنسان المؤمن ، وهي مساحة ~~الحقوق التي اكتسبها هذا العدو أو ذلك ، من خلال المواثيق والمعاهدات ، أو ~~من خلال الأحكام الشرعية التي أنزلها الله مما يحترم فيه بعض جوانبه ~~الإنسانية. وبناء على ذلك ، يجب على القائمين على شؤون التربية الإسلامية ~~التأكيد على هذا الجانب في بناء شخصية الإنسان المسلم والابتعاد به عن ~~الانفعالات الحادة التي قد توحي بها العداوة كي لا ينحرف عن الخط المستقيم ~~، وذلك من أجل بناء مجتمع سليم عادل على أساس تركيز الفرد المسلم العادل ، ~~وتلك مهمة صعبة ms1806 في واقع المجتمع المنحرف القائم على قواعد الانفعالات التي ~~تثيرها العلاقات السلبية ولإيجابية ، ولكنها الصعوبات التي تنتظر الدعاة ~~إلى الله الأدلاء على سبيله ، ليكونوا في مستوى مسئولية الإيمان والحياة. # * * * PageV08P075 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ~~(9) @QUR@07 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وعد ): جاء في مجمع البيان ، تقول : وعدت الرجل تريد الخير ، ~~وأوعدت الرجل تريد الشر ، فإذا ذكرت الموعود قلت فيهما جميعا : وعدته ~~وأوعدته. فقوله سبحانه : ( @QUR@04 وعد الله الذين آمنوا ) يدل على الخير ، ~~ثم بين ذلك الخير فقال : ( @QUR@02 لهم مغفرة ) (1). # * * * ### ||| ** الأجر للمؤمنين والجحيم للكافرين # يبين القرآن في هاتين الآيتين حقيقة الثواب والعقاب في نفس المؤمن ، أمام ~~أي تشريع يريد تنفيذه ، أو أي مفهوم يريد تأكيده ، لأن الإحساس بالجزاء على ~~العمل ، ثوابا كان أو عقابا ، يعمق الانضباط في خط العمل. PageV08P076 # ( @QUR@04 وعد الله الذين آمنوا ) بتوحيد الله ورسالة رسله ، وأقروا ~~بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ( @QUR@02 وعملوا الصالحات ) مما ~~أمرهم الله فقاموا به ، ومما نهاهم عنه فتركوه ، لأن الانسجام العملي مع خط ~~الإيمان في التزاماته ومسئولياته هو الذي يؤكد معناه في الواقع الإنساني ، ~~باعتباره مظهرا للصدق والجدية ، ولهذا ربط الله الإيمان بالعمل الصالح في ~~كل النتائج الإيجابية في مغفرة ورضوانه وثوابه ، ( @QUR@02 لهم مغفرة ) لما ~~أسلفوه من الذنوب ، وتكفير عما عملوه من السيئات ، لأن ( @QUR@03 الحسنات ~~يذهبن السيئات ) [هود : 114]. ( @QUR@02 وأجر عظيم ) على ما قدموه من ~~الأعمال الخيرة في عباداتهم ومعاملاتهم ومواقفهم ومواقعهم في الخير ، ( ~~@QUR@02 والذين كفروا ) بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر ، ( ~~@QUR@02 وكذبوا بآياتنا ) التي هي دلائله وبراهينه من دون حجة أو برهان ، ( ~~@QUR@03 أولئك أصحاب الجحيم ) الذين يخلدون في النار ، لأن ذلك هو جزاء ~~الكافرين بالله ، المكذبين رسله ، فلا حجة لهم أمام الله ، بل لله الحجة ~~عليهم في أمورهم كلها. # * * * PageV08P077 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اذكروا ): الذكر هو حضور المعنى للنفس ، وقد يستعمل ms1807 الذكر ~~بمعنى القول ، لأن من شأنه أن يذكر به المعنى. والتذكر طلب المعنى ، لا طلب القول. # ( @QUR@01 هم ): هم بالأمر : حدث النفس بفعله. يقال : هم بالأمر يهم هما ~~، ومنه الهم وهو الفكر الذي يغم وجمعه هموم. وأهمه الأمر إذا عني به فحدث ~~به نفسه. والفرق بين الهم بالشيء والقصد إليه ، أنه قد يهم بالشيء قبل أن ~~يريده ويقصده بأن يحدث نفسه به وهو مع ذلك مقبل على فعله. # ( @QUR@03 يبسطوا إليكم أيديهم ): أي يمدوها إليكم بالبطش والفتك بكم. # ( @QUR@01 فكف ): أي حجب ومنع. # * * * PageV08P078 ### ||| ** مناسبة النزول # أخرج ابن جرير الطبري عن يزيد بن أبي زياد قال : جاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير يستعينهم في عقل أصابه ومعه أبو بكر وعمر ~~وعلي فقال : أعينوني في عقل أصابني ، فقالوا: نعم يا أبا القاسم ، قد آن لك ~~أن تأتينا وتسألنا حاجة ، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا ، فجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ينتظرونه ، وجاء حيي بن أخطب وهو رأس ~~القوم ، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال. فقال حيي بن ~~أخطب لأصحابه : لا ترونه أقرب منه الآن ، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه ، ولا ~~ترون شرا أبدا ، فجاءوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه ، فأمسك الله عنها ~~أيديهم ، حتى جاءه جبريل صلى الله عليه وآله وسلم ، فأقامه من ثم ، فأنزل الله ~~جل وعز : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم ) الآية (1). # وأخرج عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة السابقة ، غزوة ذات الرقاع ~~فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فأرسلوا إليه الأعرابي ويعني الذي جاءه وهو نائم في بعض المنازل ، فأخذ ~~سلاحه وقال : من يحول بيني وبينك؟ فقال له : الله ، فشام السيف (أغمده) ولم ~~يعاقبه (2). # وجاء من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رجلا من محارب يقال ~~له: غورث بن ms1808 الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب : أقتل لكم محمدا ، قالوا : ~~نعم ، وكيف تقتله؟ قال : أفتك به ، قال : فأقبل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو جالس وسيفه في حجره ، فقال : يا محمد ، انظر إلى ~~سيفك هذا؟ PageV08P079 # قال : نعم ، فأخذه فاستله ، ثم جعل يهزه ويهم به ، فبكته الله عز وجل ، ثم ~~قال : يا محمد ، ما تخافني؟ قال : لا ، قال : ألا تخافني وفي يدي السيف؟ ~~قال : يمنعني الله منك ، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله صلى الله وعليه ~~واله وسلم ، فأنزل الله الآية (1). # قال القشيري : «وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لاذكار ما ~~سبق» كأنه يريد بذلك الجمع بين الروايات بإمكان صحة مضمونها بأجمعها. # * * * # ونلاحظ أن سياق الآية وارد في التحديات التي كانت تواجه المسلمين جميعا ~~في محاولات الأعداء بالهجوم عليهم ، بينما تتحدث الروايات عن محاولة ~~العدوان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، مما يفرض أن يكون الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في سورة الانفعال : ( @QUR@016 وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين ) [الأنفال : 30]. # ثم كيف لنا أن نتصور النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يذهب إلى اليهود ~~كما في الرواية الأولى ليساعدوه في بعض ما ترتب عليه من الدية باعتبار أنه ~~أحد أفراد العاقلة ، وهم المعروفون بعداوتهم للإسلام والمسلمين ، وكيف يجلس ~~في انتظار ما يتصدقون به عليه وهو الموقف الذي يجعله في موقع الذل من خلال ~~حا جته المادية إليهم؟ # وهكذا ، كيف يمكن أن يعرض نفسه للخطر بهذه الطريقة الساذجة؟ PageV08P080 # إننا نتصور أن هذه الروايات التي ذكرت في أسباب النزول تسيء إلى مقام ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتبتعد عن سياق الآية ، الأمر الذي يجعلنا نتحفظ ~~في الاستفادة منها في التفسير. # * * * ### ||| ** الخلاص من كيد الأعداء نعمة إلهية # ويبقى أن هذه الآية تشكل توجيها تربويا للمؤمنين في نظرتهم إلى المواقع ~~التي يتخلصون بها من كيد الأعداء ، وذلك بتنبيههم كي ms1809 لا ينظروا إليها كحالة ~~طارئة مرتبطة بظروفها الموضوعية ، ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمت الله عليكم ) حيث يحيط رسوله والمؤمنين معه بالرعاية واللطف والعناية ~~، لينقذهم مما هم فيه من الأزمات والأخطاء ، ( @QUR@010 إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم )، فالمسلمون قد مروا بأحداث وتحديات ~~دفعها الله عنهم بما رزقهم من قوة ، وسددهم به من رأي ، لا سيما بوجود ~~قائدهم ومرشدهم وهاديهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # ويختم الله الآية بالدعوة إلى التقوى ( @QUR@02 واتقوا الله ) هذه الدعوة ~~التي ترتكز على الشعور بإحاطته الإنسان من جميع جوانبه ، برعايته ولطفه ، ( ~~@QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) لأنه المهيمن على كل شيء ، القادر ~~على كل أمر ، فمن توكل عليه فهو حسبه. # * * * PageV08P081 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@045 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) @QUR@032 فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ~~ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن ~~الله يحب المحسنين ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ميثاق ): الميثاق : اليمين المؤكدة لأنها يستوثق بها من الأمر. # ( @QUR@01 نقيبا ): أصل النقيب في اللغة من النقب ، وهو الثقب الواسع ، ~~ونقيب القوم كالكفيل والضمين ينقب عن الأسرار ومكنون الإضمار ، ومنه PageV08P082 # نقاب المرأة ، ومنه المناقب أي الفضائل لأنها تظهر بالتنقيب عليها ، ~~والمراد به هنا من أسندت إليه أمور القوم وتدبير مصالحهم. وإنما سمي نقيبا ~~لأنه يعلم دخيلة أمور القوم ويعرف مناقبهم ، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم. # ( @QUR@01 وعزرتموهم ): العزر : الرد والمنع في قول الفراء. تقول : عزرت ~~فلانا إذا أدبته وفعلت به ما يردعه عن القبيح ، ومنه التعزيز في النصر ~~والتعظيم ، لأن ذلك يمنع صاحبه ممن أراده بسوء ، وهو المراد به هنا. # ( @QUR@01 ضل ): أخطأ طريق الحق ، والضلال : الركوب على غير هدى. # ( @QUR@01 سواء ): سواء كل شيء ms1810 وسطه. # ( @QUR@01 لعناهم ): طردناهم وأبعدناهم عن رحمتنا. # ( @QUR@01 قاسية ): شديدة جامدة لا تلين لقبول الحق والخير والإيمان. # ( @QUR@04 يحرفون الكلم عن مواضعه ): التحريف : إمالة الشيء عن موضعه ~~إلى جانب آخر ، ومصداقه هنا اليهود الذين حرفوا الكلام الذي في التوراة عن ~~مواضعه التي وضعه الله فيها ، وفسروه على غير ما أنزل ، أو غيروه إلى غير صورته. # ( @QUR@01 خائنة ): خيانة بنقض العهد وغيره. # * * * ### ||| ** اليهود ونكرانهم ميثاقهم مع الله # ويظل الحديث عن الميثاق الذي أخذه الله على عباده ، عبر تاريخ البشرية ، ~~وكيف نقضه الكثيرون ، وما كان الجزاء المترتب على ذلك ، ويخص بالحديث بني ~~إسرائيل الذين كانوا في طليعة هؤلاء الذين أخذ الله منهم PageV08P083 # الميثاق ، فتمردوا عليه ونقضوه بكفرهم وبغيهم ، فأرسل الله منهم اثني عشر ~~نقيبا ، والنقيب هو الذي يرعى أمور الآخرين ويعرف أسرارهم وأمورهم واختلف ~~المفسرون كعادتهم في تحديد هؤلاء ، فهل هم الذين أرسلهم موسى من الأسباط ~~كالطلائع ليتعرفوا أخبار الشام وأهلها الجبارين؟ أو هم الكفلاء الذين أخذهم ~~من كل سبط ليضمن التزامهم بالميثاق؟ أو هم الرسل أو الأنبياء الذين بعثهم ~~الله من بني إسرائيل ليقيموا الدين؟ وقد لا يكون هناك كبير فائدة في هذا ~~التحديد ، لأن الأساس هو في الفكرة التي تحكم الصورة ، وليست الصورة نفسها ~~من خلال استيحاء القرآن لقضايا الناس. تتجسد هذه الفكرة في الالتزام ~~بالميثاق ، لذا على المؤمنين أن لا يخافوا من مواجهة التحديات ، ولا ~~يتنازلوا عن ميثاقهم خوفا من الأعداء ، لأن الله يحميهم من كل سوء ، ويدفع ~~عنهم كل ضرر ، ويخلصهم من كل خطر ، فهو يقول لهم : ( @QUR@02 إني معكم )، ~~ومن هنا كان الالتزام بالميثاق يجسد الثبات والقوة ، والائتمار بأوامر الله ~~، وذلك عبر المحافظة على إقامة الصلاة ، التي تمثل انفتاح الإنسان على الله ~~للتعبير بها عن عبوديته المطلقة له ، وإيتاء الزكاة ، الذي يعبر عن القيام ~~بمسؤولية العطاء من أجل الحصول على القرب من الله ، والإيمان بالرسل كخط ~~للانتماء الذي يحكم الفكر والشعور والعمل ، ونصرتهم وتعظيمهم كموقف معبر عن ~~صدق الإيمان ، والإنفاق في سبيل الله من دون مقابل ، كقرض يقرضه الإنسان ~~لربه ، وتلك هي ms1811 القضايا الحيوية التي تحكم علاقة الإنسان بربه وعلاقته ~~بالناس والحياة ، مما يمثل قاعدة الانطلاق في مسيرته مع الكون. # ويأتي جزاء الالتزام من عند الله بتكفير السيئات ليقدم على ربه وهو راض ~~عنه ، فيدخله الجنات التي تجري من تحتها الأنهار كمظهر للكرامة والرعاية ، ~~أما الذي يبتعد عن التزامة بالميثاق ، فله الحكم عليه بالضلال عن الطريق ~~السوي الذي يؤدي به إلى النار. PageV08P084 # وهذا ما حصل عليه بنو إسرائيل كما تبين لنا الآية ، فهم قد نقضوا الميثاق ~~، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، فزيفوا الحقيقة وانحرفوا بالفكر عن مساره ~~الطبيعي في وحي الله ، ونسوا حظا مما ذكروا به من آياته التي تفتح قلوبهم ~~وضمائرهم على النور الآتي منه ، وبذلك لعنهم الله ، وأبعدهم عن ساحة رحمته ~~، ومنعهم من لطفه وعنايته التي تلين بها قلوبهم للخير بسبب كفرهم ونقضهم ~~للميثاق ، فأدى ذلك إلى قسوة قلوبهم ، حتى أنها لا تنبض بأي شعور للرحمة أو ~~للخير أو للسلام. ومر الزمن ، وتعاقبت الأجيال ، وما زال الخط المنحرف يفرض ~~نفسه على ساحتهم ، وجاء دور أحفادهم ممن عاصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~، ووقفوا أمام الدعوة الجديدة ، فخانوه بعد أن أعطوه العهود والمواثيق على ~~الإخلاص ، ففي كل يوم يطلع على خيانة جديدة منهم ، إلا القليلين الذين ~~عاشوا بعض الإخلاص لكلماتهم وعهدهم. وكان التوجيه للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عنهم ويصفح ويصبر ، إحسانا منه لهم ، كأسلوب ~~من أساليب احتواء الساحة بالمحبة من أجل أن تتحرك القوة من موقع القلب ~~المفتوح ، والرحمة الواسعة ، وذلك في نطاق المرحلة ، وفي خط الدعوة الذي ~~يمتد حتى لا يترك مجالا للامتداد ، ثم يتحول إلى خط المواجهة ، ( @QUR@04 ~~إن الله يحب المحسنين ). # وقد ثبت في تاريخ السيرة النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عامل اليهود بكل طوائفهم المقيمين حول المدينة أفضل معاملة ، فقد أدخلهم في ~~المعاهدة العامة التي عقدها بين طوائف أهل المدينة ، وربطهم بالواقع ~~الاجتماعي للمجتمع المسلم ، وعاهدهم على الامتناع عن حربه ومساعدة أعدائه ، ~~ليحصلوا في مقابل ذلك على الأمن على أنفسهم ms1812 وأموالهم وأعراضهم ، وليتمتعوا ~~في نطاق هذه المعاهدة بالحريات الكاملة. وقد جرت الحياة بينهم وبين ~~المسلمين على هذا الخط ، فلم يحدث بينهم وبين المجتمع المسلم أي إشكال إلا ~~ما يحدث في داخل أي مجتمع من السلبيات الجزئية الطارئة بين PageV08P085 # أفراده ، ولكنهم نقضوا ذلك كله ، واتجهوا إلى خط الخيانة ، واتفقوا مع ~~قريش وحلفائها من العرب على حرب المسلمين ، مما أدى إلى طردهم من مواقعهم ~~حماية للمسلمين منهم ، وأوصى بإجلائهم عن جزيرة العرب التي تمثل قاعدة ~~الإسلام الجغرافية لكي لا يكيدوا للإسلام والمسلمين. # * * * PageV08P086 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا ~~به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نصارى ): جمع نصراني ، وقد اختلف الرأي في تفسيرها ، فقال بعض ~~: إن المسيح تربى في طفولته ببلدة الناصرة ، وقال آخر : إن الكلمة نسبة إلى ~~«نصران» وهي قرية يوليها المسيحيون احتراما خاصا ، والمقصود بهم : الذين ~~ينتمون إلى دين عيسى عليه السلام . # ( @QUR@01 فأغرينا ): الإغراء : تسليط بعضهم على بعض ، وقيل معناه : ~~التحريش ، وأصله اللصوق ، ويقال : غريت بالرجل غريا إذا لصقت به عن الأصمعي ~~... ومنه الغراء الذي تلصق به الأشياء (1). # * * * PageV08P087 ### ||| ** النصارى يتنكرون للميثاق # لا شيء جديد في فكرة الميثاق التي تتحدث عنها الآية بخصوص النصارى غير ما ~~ذكره الله في ميثاق بني إسرائيل ، ولذا لم يتحدث عنه في هذه الآية. فقد ~~جاءتهم الآيات التي تذكرهم بالله ، وتقودهم إلى السير على الخط المستقيم ، ~~حيث اللقاء الروحي يسمو بالإنسان إلى الوحدة المنطلقة من توحيد الله ذاتا ~~وشريعة ومقصدا ، وبالتالي مصيرا ، ولكنهم نسوا ذلك كله ، وانحرفوا عن الخط ~~واتبعوا أهواءهم ، فانطلق كل واحد منهم إلى جهة ، وتنافسوا على حطام الدنيا ~~، مما سعر نار العداوة والبغضاء التي تستمر إلى يوم القيامة ، بفعل استمرار ~~الدوافع والنوازع والمطامع التي تفرق بينهم ، والتي تثير الرواسب الكامنة ~~في صدورهم ، لأن الشعلة الإلهية المقدسة إذا انطفأت في نفس الإنسان وروحه ، ~~أفسحت المجال لأفكار الظلام والشر والحقد بالسيطرة على كيانه وحياته ، ~~فيتحول إلى وحش مفترس يعيش الجوع ms1813 والعطش للدماء وللحوم الإنسانية الحية ، ~~فيقوده ذلك إلى تلمس كل الإمكانات والمواقع التي تثير الحقد والخصومة ~~والنزاع. # وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى النصارى في تاريخهم الطويل ، في صراعاتهم ~~المذهبية ، ويستمر ذلك في تاريخهم الحاضر والمستقبل في صراعاتهم السياسية. ~~أما نسبة الإغراء بالعداوة والبغضاء إلى الله ، فهو جار على ما ذكرناه أكثر ~~من مرة ، على هدي الأسلوب القرآني الذي ينسب كل شيء إلى الله ، لأنه مسبب ~~الأسباب ، ومصدر كل شيء ، لا على أساس المباشرة ، كما قد يتبادر إلى الفهم ~~البسيط ، وهكذا ينطلق القرآن ، في ختام الآية ، ليثير أمامهم الإحساس ~~بالمسؤولية في كل ذلك التاريخ الذي يبدأ من نقطة الانحراف ، وينتهي ~~بالعداوة والبغضاء ليقف أمام الله يوم القيامة ، ليستقبلوا PageV08P088 # أمامه نتائج أعمالهم السيئة في العقيدة والعمل. # ( @QUR@05 ومن الذين قالوا إنا نصارى ) معلنين انتماءهم إلى النصرانية ~~التي هي اسم الدين الذي جاء به المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، وربما ~~كانت كلمة ( @QUR@01 قالوا ) إيحاء بأنهم لا يمثلون النصرانية بل ينتسبون ~~إليها قولا لا فعلا ، ( @QUR@02 أخذنا ميثاقهم ) بالالتزام بالتوحيد ، ~~وبالإقرار بنبوة عيسى والأنبياء من قبله ومن بعده ، ومنهم محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، والسير على منهاجهم في أقوالهم وأفعالهم وعلاقاتهم. ~~وهذا هو الميثاق الذي توحي به الفطرة ، وجاءت به الرسل في رسالات الله التي ~~بلغوها لهم فالتزموها بالانتماء إلى صاحب الرسالة ، مما يدل على تحول ~~المسألة إلى عهد وميثاق بينهم وبين الله ، لأن الالتزام بالانتماء يمثل ~~التزاما بكل نتائجه وآثاره ، ( @QUR@05 فنسوا حظا مما ذكروا به )، مما ~~أنزله الله من الإنجيل الذي يحدد لهم خط السير ، ويعرفهم كيف ينفتحون على ~~الله من موقع الإيمان والمحبة ، ويوحدونه فلا يجعلون له ولدا ولا يشركون ~~بعبادته غيره ، وكيف ينفتحون على حركة المسؤولية في علاقتهم بالناس ~~وبالحياة ، ليكون الإنجيل منهجهم الذي ينتهجونه في حياتهم العامة والخاصة ، ~~وكيف يواجهون الرسالات من بعد عيسى عليه السلام ولا سيما رسالة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي بشر به السيد المسيح عليه السلام ليؤمنوا به ، ~~ويسيروا معه في منهج رسالته التي ms1814 جاءت متممة لمكارم الأخلاق مما جاءت بها ~~الرسالات السابقة ، ولكنهم نسوا ذلك ، وتعاملوا مع هذه الحقائق المذكورة في ~~الإنجيل من موقع الإهمال واللامبالاة ، والابتعاد عن مضمون الإيمان في وعي ~~الحقيقة ، ورفض الالتزام به وبنتائجه ، ولم تكن المسألة منهم نسيانا ، فقد ~~ذكرهم الله به بما سمعوه من الإنجيل الذي يتلى عليهم دائما من خلال ~~الانتماء التقليدي إليه. # * * * PageV08P089 ### ||| ** الآية وتحريف الإنجيل # وربما يستوحي البعض من هذه الآية مسألة تحريف الإنجيل ، بحيث يكون ~~النسيان كناية عن التحريف الذي ينطلق من العصبية ضد الفكر الآخر ، مما يؤدي ~~إلى تأويل الآيات النازلة التي تؤكده ، أو حذفها أو تحريفها حذرا من ~~الاحتجاج بها عليهم ، وذلك من جهة أن تاريخ تدوين الأناجيل المعروفة الآن ~~يوحي بأنها لم تدون في زمن السيد المسيح عليه السلام ، بل كتبت بعده بمدة ~~بعيدة بأيدي بعض المسيحيين ، ولهذا اختلف رؤساء الكنيسة فيما بينهم فيمن ~~كتب الإنجيل ، ومتى كتبت ، وبأية لغة ، وكيف فقدت نسخها الأصلية ، وغير ذلك ~~مما نقله صاحب تفسير المنار عن «دائرة المعارف الفرنسية الكبرى» مع ~~الملاحظات التي يسجلها الناقدون للأناجيل المعروفة في اشتماله على ما لا ~~يستسيغه العقل وغير ذلك. # ونلاحظ أن الآية ليست ظاهرة في ذلك وإن كان ذلك حقيقة لأنها واردة في ~~مقام الحديث عن الواقع المضاد للالتزام بآيات الإنجيل من خلال إنكار بعض ~~الحقائق والانحراف عن خط الاستقامة في الدين. # * * * ### ||| ** فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء # ( @QUR@07 فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) وذلك من ~~خلال المنازعات العقيدية التي تحولت في التاريخ إلى أنهار من الدماء من ~~خلال الحروب المذهبية ، التي كانت أشد قساوة من حروبهم مع غيرهم من أتباع ~~الأديان الأخرى ، والنازعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحولت ~~إلى أكثر من لون من ألوان الأوضاع المعقدة والآثار السلبية على مجمع PageV08P090 # علاقاتهم مع بعضهم البعض ، بحيث لم تعد النصرانية موقع وحدة بل تحركت ~~لتكون موقع خلاف يوحي بالتعقيدات النفسية والشعورية والثقافية التي تثير ~~العداوة والبغضاء ، لتمتد بهم امتداد الزمان إلى يوم القيامة ، لأن المذاهب ~~المختلفة قد تحولت إلى ما يشبه ms1815 الأديان المتنوعة ، ولأن الحواجز القومية ~~والعرقية والإقليمية والسياسية والاقتصادية قد أصبحت حواجز واقعية في كل ~~القضايا والأوضاع. # ولعل مثل هذه المؤثرات الداخلية ، في واقع النظرة إلى الدين ، لا تقتصر ~~على النصارى وحدهم ، بل تشمل كل الذين يحولون الانتماء الديني إلى حالة ~~ذاتية تتغذى بالأنانية الفردية أو العرقية أو القومية أو المصلحية ، مما ~~يمثل نسيانا لما ذكروا به من الوحي الإلهي والالتزام الديني بحيث يتحركون ~~في علاقاتهم ببعضهم البعض كما لو لم يكونوا أهل دين واحد ، ولعل هذا ما ~~يتمثل في واقع المسلمين اليوم الذين التصقت بهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة ، لأن المذهبية الطائفية تحولت إلى حالة متحجرة في الواقع لا يفكر ~~أي فريق في داخلها بالتحول عنها إلى الجانب الآخر. # إن القضية ليست متصلة بعقاب إلهي منفصل عن حركة الواقع في عناصره ، بل هي ~~متصلة بالذهنية التي تحكم السلوك ، والمنهج الذي يحدد العلاقات ، والمفردات ~~التي تترك تأثيراتها على الفكر والعمل ، فلا تعود العقيدة في حيويتها ~~وحركيتها وصفائها ونقائها وعناصرها الوحدوية في التي تحكم الواقع الإنساني ~~في الانتماء الديني ، بل الذات في كل ذاتياتها وتعقيداتها. ( @QUR@06 وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) من كل ما قالوه ، وما فعلوه ، مما انحرفوا ~~به عن التزامات الميثاق ، وابتعدوا عنه من خط الاستقامة في الدين. # * * * PageV08P091 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون ~~من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) @QUR@018 ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رضوانه ): جاء في مجمع البيان : «الرضوان والرضى من الله ضد ~~السخط ، وهو إرادة الثواب بمستحقه. وقال قوم : هو المدح على الطاعة ~~والثناء. وقال علي بن عيسى : هو جنس من الفعل يقتضي وقوع الطاعة الخالصة ~~مما يبطلها ، ويضاد الغضب ، قال : لأن الرضى بما مضى يصح ، وإرادة ما مضى ~~لا يصح ، إذ قد يصح أن يرضى بما كان ولا يصح أن يريد ما كان ، وهذا الذي ~~ذكره ms1816 غيره صحيح ، لأن الرضى عبارة عن إرادة حدوث الشيء من الغير ، غير أنها ~~لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها ، ولم يتخللها كراهية ، فتقف تسميتها ~~بالرضى على وقوع المراد ، إلا أن بعد وقوع المراد PageV08P092 # بفعل إرادة يسمى رضاء بما كان فسقط ما قاله» (1). # * * * ### ||| ** القرآن يهدي إلى سبل السلام # وهذا نداء إلى أهل الكتاب مشبع بعتاب هادئ يسجل الملاحظات بهدوء ، ويتحدث ~~عن أسلوب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نقد الانحراف ومواجهته. فاليهود ~~كانوا يعملون على إخفاء بعض الحقائق الكتابية التي تنزلت بها التوراة ~~والإنجيل ، ولا سيما في ما يتعلق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينبه المسلمين إلى ذلك ، ويبين لهم معرفته ~~بخطوط اللعبة التحريفية والتجهيلية عند بعض أهل الكتاب ، من خلال إعلان ~~وفضح الوسائل الخبيثة التي يلجأون إليها في التضليل من أجل أن يكشف أمرهم ~~للناس ، ثم يعرض عنهم بعد ذلك ، ويعفو عن كثير من التفصيلات الدقيقة في ~~شؤون العقيدة والتشريع مما انحرفوا به عن الخط السليم ، لأنه لا يريد ~~الدخول معهم في جدل عقيم ، وهو ألا يعمل على الإكثار من تسجيل النقاط عليهم ~~كما يفعل اللاعبون الذين لا غاية لهم إلا تحصيل النقاط المتعدة ضد الخصم ، ~~بل كان همه كنبي مرسل أن يفقدهم بالتالي الثقة الاجتماعية التي كانوا ~~يستغلونها من أجل الحصول على مكاسب مادية طارئة ، ويترك الأمر بعد ذلك ~~للظروف المحيطة بالساحة لتتفاعل القضايا معه في عملية كشف وفضح لكل ~~المخططات والأهداف الشريرة. # ثم يضع أمامهم الحقيقة الناصعة المشرقة ، المتمثلة بالكتاب الذي ينير PageV08P093 # لهم حياتهم من خلال مفاهيمه وتشريعاته ، وما يوحي به من وضوح الرؤية ~~للوسائل والأهداف ، وبه يهدي الله من اتبع رضوانه سبل السلام في الروح ~~والفكر والشعور والموقف .. فالإنسان إذا انفتح على الله انفتحت له مجالات ~~واسعة من المعاني الروحية الفياضة ، وانطلقت معه الآفاق الرحبة التي يعيش ~~معها الإحساس بالطاعة لله ، من موقع الشعور بعبوديته المطلقة له ، فيملأ ~~نفسه بالرضى والطمأنينة بقدر الله وقضائه بعيدا ms1817 عن أي قلق أو تردد أو ~~اعتراض ، فيعيش السلام مع خالقه ، ويمتد في حياته ليشمل كل مسئولياته تجاه ~~نفسه وعائلته والناس من حوله ، وذلك عند ما يتحرك إيمانه في آفاق رضى الله. ~~وهذا ما عبرت عنه الكلمة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «المسلم ~~من سلم المسلمون من يده ولسانه» (1). وهكذا يتملكه الشعور بمسؤوليته عن ~~الحياة كلها من خلال خلافته عن الله في الأرض ، حتى الحرب تتحول في مفهومها ~~الحقيقي إلى عملية صنع للسلام من أجل القضاء على أعداء السلام وتجار الحرب ~~، وتنطلق الهداية التي يفيض بها الكتاب في إشراقة النور من آياته ، إلى ~~دفقات نور طاهرة ، تخرج العاملين في سبيل الله ، والسائرين على نهجه ، من ~~ظلمات الجهل والخرافة والعبودية والحقد والعداوة .. ، إلى نور العلم ~~والحقيقة والحرية والمحبة والصداقة .. ، والانفتاح على الحياة والإنسان بكل ~~آفاق الخير ، وذلك من خلال شرائع الله وتعاليمه التي تمثل رضاه في كل ~~الميادين ، وتهديهم إلى صراط مستقيم لا ترى فيه أي انحراف واعوجاج ، بل هو ~~الوضوح والاستقامة بكل آفاقه ومعانيه. # ( @QUR@03 يا أهل الكتاب ) من اليهود والنصارى ، ( @QUR@03 قد جاءكم ~~رسولنا ) الذي أرسلناه إلى الناس كافة من أجل بيان الحقيقة الإيمانية لهم ~~بكل تفاصيلها ومفرداتها ليكون لديهم وضوح الرؤية لكل ما أوحى به للرسل من PageV08P094 # قبله ، ( @QUR@08 يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) الذي ~~احتفظتم به ولم تطرحوه للناس ليقرأوه ويتعرفوا إليه ، فلم يعرف الناس ما ~~فيه إلا من خلالكم ، فأخفيتم بعض حقائقه مما لا يتناسب مع أوضاعكم ومصالحكم ~~وتأثير المتغيرات الفكرية والعملية عليكم ، فقد كان الرسول مكتوبا عندكم في ~~التوراة والإنجيل ، ولذلك فإنكم تعرفونه ، كما تعرفون أبناءكم ، ولكنكم ~~أنكرتم رسالته ، وحاربتم دعوته ، وقد أنزل في الكتاب طهارة الأنبياء وتحريم ~~الخمر والربا ، ولكنكم حللتم ذلك. وهذا ما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بيانه لتتحرك رسالته في خط الوجدان الرسالي ، فيكون امتدادا لها في الأفكار ~~التي طرحها والأحكام التي شرعها ، فيعرف الناس أنه جاء ( @QUR@08 مصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل ) [المائدة ms1818 : 46] ، فالله لا يريد ~~لرسله ولمن جاء من بعدهم أن يحجبوا عن الناس أية حقيقة صغيرة أو كبيرة ، ~~لأن ذلك يسيء إلى سلامة التصور ونقاء الفكرة ، ولهذا كانت مهمة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يشرح حقائق الرسالات السابقة ويؤكدها ويضيف إليها ~~ما أراد الله للإنسان أن يتجدد به من الأحكام الجديدة التي جاءت بها رسالة ~~الإسلام من حيث إنه كان المتمم للأخلاق في الشرائع السابقة. # ( @QUR@03 ويعفوا عن كثير ) مما لم يجد ضرورة لبيانه من بعض تفاصيل ~~الأحكام. وقد جاء في تفسير هذه الفقرة : ويعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذكم ، ~~وهذا بعيد عن السياق. # ( @QUR@05 قد جاءكم من الله نور ) وهو القرآن الذي يعني للناس الحقائق ~~العقيدية والشرعية والروحية والعملية والحياتية في منهجها النظري والتطبيقي ~~فلا يبقي أية ظلمة في العقل ، أو ضباب في الرؤية أو غشاء على القلب أو غطاء ~~على الحقيقة ، أو أي التباس في الواقع ، ليعيش الناس إشراقة الحق بكل معاني ~~الصفاء والنقاء ، وهذا المعنى القرآن هو المراد على الظاهر من كلمة النور ، ~~لا ما ذكره قتادة واختاره الزجاج أنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي PageV08P095 # يهتدي به الخلق كما يهتدون بالنور (1)، وذلك لأننا في الوقت الذي نرى ~~فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم نورا هاديا من خلال ذاته النورانية التي لا ~~ظلمة فيها لأنها الحق كله ، فلا مجال فيها لأي باطل في الفكر ، والقول ~~والعمل ، إلا أننا لا نجد أية كلمة وردت في القرآن بهذا المعنى ، بل إنها ~~وردت بمعنى القرآن كما في قوله تعالى : ( @QUR@010 فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير ) [التغابن : 8] ، وغيرها من ~~الآيات ، وعلى ضوء ذلك جاء الحديث عن القرآن بصفته النورانية تارة ، وبصفته ~~الكتابية الموضحة ثانية كما في قوله : ( @QUR@02 وكتاب مبين ). والله ~~العالم. # ( @QUR@02 يهدي به ) أي بالقرآن ، ( @QUR@03 من اتبع رضوانه ) في حركة ~~الإيمان في وجدانه الفكري ، وفي التزامه العملي ، وفي انفتاحه على الحياة ~~من خلاله ، بحيث يكون دوره في الانتماء القرآني دور الاتباع الذي يمثل الخط ~~الحركي ms1819 الذي يفتح الإنسان أكثر من خط على الطريق المستقيم ، ( @QUR@02 سبل ~~السلام ) لأن الوحي الإلهي يمثل الدعوة إلى السلام كله في سلام الإنسان مع ~~ربه ونفسه ، ومع الإنسان الآخر ومع الحياة في مفردات الشريعة ومفاهيم ~~العقيدة ومناهج العمل ، فلا يعيش الإنسان حالة القلق النفسي والتمزق الروحي ~~والحرب الداخلية والخارجية .. وهكذا ينطلق المتبع لرضوان الله بواسطة الوحي ~~القرآني ليصنع السلام لنفسه في الدنيا والآخرة في جسده وروحه ، وللإنسان ~~كله ، وللحياة كلها ، لأن الإسلام يفرض عليه ذلك ، وهذا ما توحي به تحية ~~الإسلام التي يوجهها كل مسلم إلى الآخرين «السلام عليكم» حتى في داخل الجنة ~~، وما يتمثل في الاسم الذي جعله الله لها «دار السلام». ( @QUR@06 ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ) وعلمه وإرادته ، لأن كل ما يتعلق بأحوال ~~الإنسان خاضع لقدرته ، فيبتعدون عن ظلمة الجهل إلى نور العلم ، وعن ظلمة PageV08P096 # الكفر إلى نور الإيمان وتدبيره ، فالله سبحانه وتعالى ، هو مالك الإنسان ~~على الحقيقة ، وبالتالي مالك لكل شؤونه وأحواله ، لكن ذلك لا يخرج الإنسان ~~من حد المسؤولية في عملية اختياره ، فهو له الاختيار من ضمن ما ملكه الله ~~من القدرات والإمكانات ، وهيأ له من الأسباب والظروف ، فإذا كان لا استقلال ~~للإنسان إزاء الله تعالى ، بمعنى أنه لا يستطيع أن يتصرف خارج إرادة الله ~~تعالى وعمله ، فإن ذلك لا يخرجه من عملية الاختيار الناشئ من أسبابه ~~الطبيعية الخاضعة لله ، في حركتها العامة ، ومن ظلمة الخرافة إلى نور ~~الحقيقة ، ومن كلمة العبودية إلى نور الحرية ، ومن ظلمة البغضاء والعداوة ~~إلى النور المحبة والصداقة ، وهكذا ينطلق الناس الذين يتبعون رضوان الله ~~إلى النور المشرق في العقل والقلب والحركة والحياة من خلال إيمانهم ، وليتم ~~الله لهم نوره الذي قد تنقصه المعصية في يوم القيامة بإذنه من خلال ألطافه ~~بعباده بحيث يأذن لهم بهذا الانتقال من خلال ما يهيئه من وسائله المادية ~~والمعنوية ، ( @QUR@04 ويهديهم إلى صراط مستقيم ) الذي لا عوج فيه ولا ~~التواء ولا التواء ولا ميل ولا انحراف لأنه صراط ( @QUR@02 العزيز الحميد ) ~~[البروج : 8]. # * * * PageV08P097 # الآية # ( @QUR@042 لقد كفر الذين قالوا ms1820 إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 فمن يملك ): من يقدر أن يدفع ويمنع ، من قولهم : ملكت على ~~فلان أمره إذا اقتدرت عليه حتى لا يمكنه إنفاذ شيء من أمره إلا بك. # * * * ### ||| ** موقف القرآن من مؤلهي المسيح # ليس الكفر في مفهوم القرآن أن تنكر وجود الله كمبدإ فحسب ، بل قد يتحقق ~~بالانحراف في التصور ، كمن يؤمن بوجود الله ولكنه يعتقد تجسده في PageV08P098 # شخصية بشر ، لأن الصورة التي في ذهنه ليست هي الله ، بل غيره ، فيكون ~~الإيمان بها إيمانا بغير الله حقيقة. وفي ضوء ذلك أكدت أبحاث العقيدة على ~~صفات الله ، كمنطلق للتوحيد الخالص ، وناقشت الغلاة الذين يعتقدون بربوبية ~~بعض البشر كمن يعتقد بربوبية علي عليه السلام واعتبرتهم كفرة تماما كمن ~~يعتقد بألوهية الأصنام ، ولكنها تحفظت على المجسمة الذين يعتقدون أن الله ~~جسم ، ويفلسفون القضية ليصلوا من خلال ذلك إلى أن مثل هذا الاتجاه في تصور ~~الله كجسم يشبه أن يكون كفرا ، أو هو الكفر بعينه. وعلى هذا الأساس ، أطلق ~~القرآن على النصارى الذين قالوا : ( @QUR@08 الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم ) صفة الكفار ، مهما كانت الأساليب التي اتبعوها في صياغة هذه ~~العقيدة ، ثم ناقشهم ببساطة الكفر وعفويته ، فإذا كان المسيح هو الله ، ~~فكيف عجز عن الدفاع عن نفسه ، مع أن طبيعة الألوهية تفرض القدرة المطلقة؟ ~~والمسيح لم يستطع دفع الموت عن نفسه وعن أمه عند ما أراد الله إهلاكه ، على ~~فرض أنه مات كما يعتقد النصارى وبذلك لم يعد هناك أي فرق بينه وبين كل من ~~في الأرض الذين يموتون بإرادة الله من دون أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم ~~، مهما كانت وسائل الدفاع التي يملكونها ، وليس ذلك إلا انطلاقا من الحقيقة ~~التي تؤكد أن لله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، فكل ما فيهما ، ومن ~~فيهما ms1821 ، ملك لله ، فكيف يمكن أن يدفعوا عن أنفسهم قدر الله وقضاءه؟ فهو ~~الذي يخلق ما يشاء ويتصرف في خلقه بما يشاء ، من خلال القدرة المطلقة على ~~كل شيء ، مهما كان كبيرا وعظيما. # ( @QUR@010 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) فإن الله ~~لا يمكن أن يتجسد في أي بشر مهما كانت صفته ، لأنه مخلوق لله خاضع لما يخضع ~~له أي مخلوق في نقاط ضعفه ، مما يمتنع عليه في ذاته أن يتصف بصفات الألوهية ~~فضلا عن أن يكون هو الله ، مهما كانت الصورة التي صورنا بها هذه الوحدة بين ~~الله والمسيح التي تحولت إلى عقيدة شاملة للنصارى في PageV08P099 # تعبيراتهم الحالية مثل قولهم : «ربنا يسوع المسيح» مع التزامهم بالتثليث ~~الذي لا يعتبرونه تثليثا ماديا بالمعنى العددي المنفصل ، وهذا ما لم يقم ~~عليه دليل إلا بما يتصورونه من تفسير الإنجيل (1) وهم لا يرونه بهذه ~~الطريقة ويؤكدون بأن المسألة فيه ليست مسألة عقل يؤكد الفكرة بالدلايل ~~العقلي ، بل هي مسألة إيمان فوق مستوى العقل ، يعيشه الإنسان في حسه ~~ووجدانه. # ولما كانت هذه العقيدة بعيدة عن معنى الله في وحدانية ذاته بحيث لا تقبل ~~التجسد والتماثل في أي مخلوق أو أي بشر ، اعتبرها القرآن كفرا وجحودا ~~بالحقيقة الإلهية ، تماما كما لو كانت المسألة الاعتقاد بإله غير الله ، ~~لأن للتصور دوره في تأصيل فكرة الله في وجدان المؤمن. # وإذا كان من غير الممكن تصور الله في ذاته ، فإن ذلك لا يعني الامتناع عن ~~مناقشة التفاصيل العقيدية التي لا تلتقي بالقناعات العقلية التي ترجع إلى ~~الوجدان الإنساني في تصوراته للأشياء ، لأن هناك فرقا بين وعي الحقيقة ~~الإلهية في جوهرها الذاتي وإهمال الحديث عن كل الصفات التي لا تتناسب معها ~~، فارتفاع مضمون الإيمان عن العقل لا يعني ابتعادا ، في خصوصياته ، عن ~~الدليل العقلي ، في جانب السلب والإيجاب. # وربما كان انتماء المسيح إلى مريم في الحديث عن الموضوع ، بعض الإشارة ~~إلى أن هذه النبوة والأمومة تعني خضوعه لما يخضع له المخلوق من مرحلة ~~الجنينية في الحمل ومرحلة ms1822 الولادة وما يستتبع ذلك من حاجته إلى النمو ~~واستقراره في محيط صغير وهو الرحم ، وتعرضه للتحولات التي ينتقل بها من ~~حالة إلى حالة ، وللحاجات الجسدية الطبيعية كالغذاء ونحوه ، مما لا يتناسب ~~مع معنى الألوهية ، فكيف تلتقي مع القول بأنه هو الله؟ # * * * PageV08P100 ### ||| ** ولله ملك السماوات والأرض # قل يا محمد ، ( @QUR@06 قل فمن يملك من الله شيئا ) ويمنعه في إرادته ~~التي لا تنفك عن حصول المراد ( @QUR@08 إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ) فهل يملك هذا الإنسان الموصوف بالألوهية في اتحاد الله به وتجسده في ~~ذاته أن يدفع الهلاك عن نفسه وعن أمه ، فيموت هو وأمه كما يموت الناس؟! ( ~~@QUR@04 ومن في الأرض جميعا ) فهل يستطيعون منع الله من إهلاكهم ، فكيف ~~يمكن ادعاء الألوهية لبشر لا يقدر على الدفاع عن نفسه وعن أقرب الناس إليه ~~، في الوقت الذي لا يختلف فيه عن أي بشر في أنه مسخر مغلوب على أمره لا ~~يملك من أمره شيئا ، إلا ما ملكه الله خالقه ، ( @QUR@06 ولله ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما ) فهو وحده الذي له السلطة المطلقة على الكون كله من ~~موقع أنه المالك له بجميع موجوداته النامية والحية والجامدة ، والمدبر لها ~~والمحيط بجميع شؤونها ، والمهيمن على الأمر كله ، ( @QUR@03 يخلق ما يشاء ) ~~بإرادته التي لا يعجزها شيء ، فقد خلق آدم من طين من دون أب وأم ، وهو لا ~~يمثل النوع الإنساني كله ، وبقدرته خلق عيسى من أم دون أب ، مما يدل على ~~شمولية قدرته وتنوع إرادته ، ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ) فهو القادر ~~على الخلق لمن أراد كيف أراد ، وهو القادر على الإهلاك في أية حالة ولأي ~~مخلوق لأن قدرته لا حد لها ، فهي القدرة المطلقة على كل شيء ، وهو الله ~~وحده لا شريك له في أمره وفي قدرته. # * * * PageV08P101 ### ||| * الآية # ( @QUR@030 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأحباؤه ): الأحباء : جمع الحبيب ، والحب : المحبة ms1823 ، وقد يكون ~~بمعنى الإرادة ، وقد يكون بمعنى الشهوة ، وقد يستعمل في كل واحد منهما ، ~~يقال : أحب استقامة أمورك ، وأحب جاريتي. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي بإسناده عن ابن عباس ~~قال : «أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن أبي ، وبحري بن عمرو ، وشاس ~~بن عدي ، PageV08P102 # فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوفنا يا ~~محمد ، نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى ، فأنزل الله فيهم : ( ~~@QUR@030 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) (1). # * * * ### ||| ** زعم اليهود والنصارى أنهم أحباء الله # يزعم اليهود والنصارى أنهم أولياء الله وأحباؤه ، وأنهم شعب الله المختار ~~، وأنهم أقرب الناس إليه من دون غيرهم ، وأن الآخرة لهم وحدهم. # ويثير القرآن هذه النقطة المتأصلة في تفكيرهم ، واضعا إياها على طاولة ~~النقاش الهادىء ، فيطالبهم ، أولا ، بالبرهان على صدق دعواهم هذه ، ويؤكد ~~ثانيا ، على المقياس الذي جعله الله أساسا للقرب والبعد عنه ، وبالتالي ~~لغضبه ورضاه ، وذلك بالعمل بأوامره وترك نواهيه ، من دون فرق بين اليهود ~~والنصارى وغيرهم ، فليس لله أية علاقة خاصة بأي أحد من خلقه ، بل الناس ~~كلهم عبيد له لا يفضل إنسانا على إنسان إلا بالتقوى والعمل الصالح ، مهما ~~كانت درجته أو كان نسبه. # وقد جاءت هذه الآية لتشجب فكرتهم من خلال التساؤل عن السبب في عذاب الله ~~لهم بما اقترفوه من ذنوب إذا كانوا من أحبائه وأوليائه ، إذ إن الله لا ~~يعذب من كانت له هذه الدرجة عنده. ثم يطرح الفكرة الحاسمة التي تجعل الناس ~~سواسية أمامه في الطاعة والمعصية ، وفي العقاب والثواب ، فله السلطة ~~المطلقة في المغفرة لمن يشاء ، والعذاب لمن يريد ، من دون أن يعطي امتيازا PageV08P103 # لأي إنسان خارج نطاق إرادته وحكمته. ويقرب المحسن إليه ، فلا ولي ولا ~~نصير من دون الله لأي أحد ، مهما كانت صفته أو قيمته ، مسيحيا كان أو ~~يهوديا أو مسلما ms1824 ، تلك هي الحقيقة ، وما عداها ، كله أحلام لا أساس لها من ~~الواقع ، ولا قرابة لها بالحق. # ( @QUR@07 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) فإذا لم نكن ~~أبناءه بالجسد لأن الله لم يلدنا كما يلد الأب أولاده ، فإننا أبناؤه ~~بالمعنى الروحي (1) الذي يجعلنا أقرب إليه من غيرنا ، كما هو حال الأبناء ~~بالنسبة إلى أبيهم ، فإنه يعاملهم بما لا يعامل به الآخرين في رعايته لهم ، ~~وعطفه عليهم ، وانفتاحهم عليه ، فيتقبل منهم ما لا يتقبله من غيرهم في ~~أوضاعهم السببية معه ، ويمنحهم ما لا يمنحه لغيرهم في مبادراته الإيجابية ، ~~ولا يهملهم ، في بعض الظروف التي تدفع إلى الإهمال ، بما يهمل به غيرهم. ~~ونحن أحباؤه الذين لنا عنده منزلة خاصة من المحبة مما لا يملكه أحد غيرنا ~~من خلقه ، ولذلك فإننا لا نخاف من عذابه ، ولا نخشى نقمته ، لأن الأدب لا ~~يعذب أبناءه ، والمحب لا ينتقم من أحبائه ، فلنا الحرية في ما نفعل أو نترك ~~في الدنيا لأننا فوق القانون ، فلا نتعرض لما يتعرض له المخالفون له. # * * * ### ||| ** الله يدحض دعواهم الباطلة # ( @QUR@04 قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) فالله قد قضى بعذاب الذين ينحرفون عن ~~خطه المستقيم ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، ويتمردون على رسله ، PageV08P104 # ويعصمون أوامره ونواهيه ، ويقتلون الأنبياء بغير حق ، أيا كان الانتماء ~~الاسمي لأمثال هؤلاء ، كما قال تعالى في آية أخرى : ( @QUR@020 ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ) [النساء : 123]. وهذا هو الخط الإلهي في علاقته بعباده ، ~~فلا قرابة بينه وبين أحد منهم ، إذ لا تنال الكرامة عنده إلا بالتقوى ( ~~@QUR@05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13]. ولا فرق في قضاء الله ~~بالعذاب بين الدنيا والآخرة ، وقد عذب الله بعض أهل الكتاب وهم اليهود ~~بمختلف ألوان العذاب في أكثر من مرحلة من مراحل تاريخهم ، فقد ضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة ، وخضعوا لأكثر من سلطة ظالمة ، وقاموا بقتل أنفسهم وتخريب ~~بلادهم بأيديهم ، وهكذا عاش النصارى في أكثر من مشكلة داخلية أو خارجية من ~~البلاء المتنوع في ms1825 حياتهم العامة والخاصة. # وإذا كان مثل هذا البلاء أمرا طبيعيا ناشئا من التعقيدات المتجسدة في ~~الواقع الذي عاشوه ، ومن الظروف الموضوعية المحيطة بهم ، فإن العذاب ~~الدنيوي لا ينفصل عن أسبابه الطبيعية ، لأن الله ينزل عذابه ليذيقهم بعض ~~الذي عملوه بحسب السنة الإلهية ، في علاقة المسببات بأسبابها ، الأمر الذي ~~يجعل من البلاء في بعض الحياة عذابا إلهيا من خلال ما يقدره الله من ذلك ، ~~عند ما يترك للأسباب أن تنفتح على مسبباتها من دون أن يتدخل بشكل غير عادي ~~لرفع ذلك عنهم بما يرحم به بعض عباده في أسباب غير عادية. # وهكذا تتأكد الآية من خلال إقرارهم بأنهم معرضون لعذاب الله ، كما ينقل ~~عن اليهود بأنهم يعذبون أربعين يوما عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. # وعلى ضوء ذلك ، فإن الحجة الإلهية ترد عليهم بأن دعواهم لو كانت صادقة ، ~~فكيف يؤاخذهم الله بما يؤاخذ به بقية الناس في العذاب الذي ينزل PageV08P105 # بهم بسبب أفعالهم السيئة؟! ( @QUR@05 بل أنتم بشر ممن خلق ) فلا ميزة لكم ~~على أي إنسان آخر من خلق الله من ناحية ذاتية أو من امتيازات إلهية ، ( ~~@QUR@03 يغفر لمن يشاء ) المغفرة له بحكمته ، ( @QUR@03 ويعذب من يشاء ) ~~بحسب استحقاقه له ، ولله الأمر في ذلك كله من قبل ومن بعد ، ولا أمر لغيره ~~، ( @QUR@06 ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ) بكل ما تشتمل عليه من ~~موجودات ومخلوقات ، فليس لأحد عليه حق في ذاته ، ولا يملك أحد معه شيئا ، ~~وليس هناك أية علاقة ذاتية بينه وبين أحد من خلقه ، ليكون هذا ابنا أو ~~حبيبا من خلال طبيعته الشخصية أو العائلية أو الفئوية .. ( @QUR@02 وإليه ~~المصير ) فهو الذي يحدد للناس مصيرهم في الجنة أو النار على أساس ما ~~يحاسبهم به ، وهو الذي يتصرف في أمورهم بما يشاء ، وهو الذي يملك كل ~~مصيرهم. # * * * PageV08P106 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء ~~قدير ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فترة ): الفترة : فعلة ، من ms1826 فتر عن عمله يفتر فتورا : إذا سكن ~~فيه ، وفترته عنه. والفترة : انقطاع ما بين النبيين عند جميع المفسرين. ~~والأصل فيها : الانقطاع عما كان الأمر عليه من الجد في العمل ، وفتر الماء ~~إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة ، وامرأة فاترة الطرف ، أي ~~منقطعة عن حدة النظر. # * * * PageV08P107 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور للسيوطي بإسناده عن ابن عباس قال : «دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يهود إلى الإسلام فرغبهم فيه وحذرهم ، فأبوا عليه ، ~~فقال لهم معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب : يا معشر يهود ، ~~اتقوا الله ، فو الله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، لقد كنتم تذكرونه لنا ~~قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته ، فقال رافع بن حريمة ووهب بن يهودا : ما قلنا ~~لكم هذا ، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا ~~بعده ، فأنزل الله : ( @QUR@012 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل )» (1). # وقد نلاحظ على هذه الرواية ، أن الآية ليست ظاهرة بحسب سياقها في أسلوب ~~رد الفعل على ما قاله اليهود ، بل هي ظاهرة في التأكيد على إقامة الحجة على ~~الناس بإرسال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون بشيرا ونذيرا حتى لا ~~يقولوا ما جاءنا بشير ، فلا حجة علينا في مسألة الإيمان والعمل ، في حين أن ~~المسألة التي تثيرها الرواية تتعلق بمسألة ختم النبوة بموسى عليه السلام أو ~~عدم ختمها به. والله العالم. # * * * ### ||| ** إلقاء الحجة على أهل الكتاب بمجيء البشير والنذير # ويأتي النداء من جديد إلى أهل الكتاب تذكيرا لهم بأن الرسالات لا تتجمد ~~عند حدود فترة معينة من الزمن ، وأن الرسل لا يغيبون عن ساحة الحياة ما ~~دامت الحاجة إليهم ملحة ، وأن الله برحمته لا يغفل عباده ولا يبعدهم PageV08P108 # عن لطفه وعنايته ، إذا عاشوا بعض ألوان الضياع ، واندفعوا في أجواء ~~الغفلة عنه وعن رسالاته ، وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد غياب ~~طويل للرسل ، ليبين للناس ما جهلوه ، ويفصل ms1827 لهم إجمال ما عرفوه ، ويخطط لهم ~~الطريق إلى الله من جديد على أساس من وحي الله ، ويبشرهم ثوابه في جنته ، ~~وينذرهم عقابه في ناره ، لئلا يتعلل الناس بالفراغ من البشير والنذير ، ~~فيتمردون ويبررون كل انحراف باسم الجهل والغفلة فهذا هو البشير النذير ، ~~فاستجيبوا له ، لأن الاستجابة له تمثل الاستجابة لله الذي هو على كل شيء قدير. # ( @QUR@03 يا أهل الكتاب ) الذين تملكون في الكتاب الذي أنزله الله عليكم ~~قاعدة معرفة الحجة التي يحتج الله بها على عباده في إنزال الرسل ، مما يفرض ~~عليكم تأمله بوحي من العقل الواعي المؤمن لا بوحي من العصبية العمياء التي ~~تبادر إلى الإنكار من دون أساس ، ( @QUR@03 قد جاءكم رسولنا ) الذي أرسلناه ~~للناس كافة وأنتم من بينهم وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@02 يبين ~~لكم ) يوضح لكم أسس العقيدة وامتدادات الشريعة ومناهج الفكر والعمل ، مما ~~أنزل الله عليه من وحيه ، وحباه بعلمه ، واصطفاه لرسالته ، فكان النبي ~~المعلم المبين للحق كله ، ( @QUR@04 على فترة من الرسل ) أي على انقطاع ~~منهم ، فقد غاب الرسل عن الساحة مدة طويلة بحيث كاد الناس ينسون دين الله ~~ورسالاته. وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه المدة ، فجاء عن قتادة قوله على ~~ما روي عنه : «كان بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة وستون ، وفي رواية أخرى عنه ~~قال : وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ذكر لنا أنها ~~كانت ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك ، وقال معمر ، قال الكلبي : خمسمائة ~~سنة وأربعون سنة ، وعن ابن جريج : كانت الفترة خمسمائة سنة ، وعن الضحاك : ~~قال : كانت الفترة بين عيسى ومحمد أربعمائة سنة وبعضا وثلاثين سنة» (1). PageV08P109 # وجاء في الكافي للكليني بإسناده عن أبي الربيع قال : «حججنا مع أبي جعفر ~~عليه السلام في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك ، وكان معه نافع ~~مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد ~~اجتمع عليه الناس ، فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداك عليه ms1828 ~~الناس؟ فقال : هذا نبي أهل الكوفة ، هذا محمد بن علي. فقال : أشهد لآتينه ~~فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي. قال : ~~فاذهب إليه وسله ، لعلك تخجله. فجاءنا نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على ~~أبي جعفر عليه السلام فقال : يا محمد بن علي ، إني قرأت التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان ، وقد عرفت حلالها وحرامها ، وقد جئت أسألك عن مسائل لا ~~يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي ، قال : فرفع أبو جعفر عليه السلام ~~رأسه فقال : سل عما بدا لك ، فقال : أخبرني كم بين عيسى وبين محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم من سنة؟ قال : أخبرك بقولي أو بقولك؟ قال : أخبرني ~~بالقولين جميعا ، قال : أما في قولي فخمسمائة سنة ، وأما في قولك فستمائة ~~سنة» (1). # والظاهر من هذا الحديث أن المشهور عند المسلمين غير الشيعة رقم الستمائة. # ( @QUR@08 أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ) أي لئلا تقولوا في يوم ~~القيامة عند ما تقفون للحساب ، لم تقم علينا الحجة في الزمن الذي عشنا فيه ~~، لأن الله لم يرسل لنا رسولا يعرفنا على ما أسرفنا فيه على أنفسنا من ~~السيئات ، ( @QUR@03 فقد جاءكم بشير ) يبشركم بنعمة من الله ورضوان وجنة ~~فيها نعيم مقيم ، ( @QUR@01 نذير ) ينذركم بعذاب الله ، في ناره ، ( ~~@QUR@05 والله على كل شيء قدير ) فهو الذي يملك إرسال الرسل متى شاء ، ~~وانقطاعهم في فترة من الزمن كما يشاء. PageV08P110 # وربما يثأر سؤال : # كيف يمكن أن يترك الله الناس بدون رسول يبشرهم وينذرهم فترة من الزمن قد ~~تناهز الخمسمائة سنة أو تزيد ، وهل هذا إلا إهمال الخالق لخلقه في الوقت ~~الذي يحملهم فيه مسئولية انحرافهم عن الخط المستقيم؟ # والجواب : إن الله لم يهمل خلقه بل إنه أنزل عليهم الرسالة الشاملة وهي ~~رسالة موسى وعيسى في التوراة والإنجيل ، وأراد لهم الأخذ بها وإطاعة ~~أوامرها ونواهيها ، والتعبد له من خلالها. ولم تكن المرحلة مرحلة فراغ من ~~المبلغين والمرشدين من أوصياء الأنبياء وأوليائهم ، مما يمكن أن تقوم الحجة ~~بهم ms1829 على الناس بالدرجة التي يمكن أن يواجهوا المسؤولية فيها بحيث يستحقون ~~الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة ، ولكن المرحلة قد امتدت إلى ~~الفترة التي أرسل بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحيث تحول الفراغ ~~الرسالي إلى ما يشبه حالة النسيان للنبوات ، والضياع للناس ، فكانت الحاجة ~~ماسة إلى تجديد الرسالة بالرسول الجديد الذي جاء بالكتاب مصدقا لما بين ~~يديه من الكتب والرسل ، وأطلق البشارة والإنذار لأهل الكتاب الذين يعرفون ~~ذلك ، ولغيرهم ممن لا يعرفونه ليهتدوا به إلى الطريق المستقيم. والله ~~العالم. # * * * PageV08P111 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) @QUR@015 ~~يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) @QUR@018 قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ~~ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) @QUR@021 قال ~~رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) @QUR@017 قالوا يا ~~موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون (24) @QUR@013 قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين ~~القوم الفاسقين (25) @QUR@014 قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) (26) # * * * PageV08P112 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المقدسة ): التقديس : التطهير ، وقيل للسطل الذي يتطهر به ~~القدس ، ومنه تسبيح الله وتقديسه وهو تنزيهه عما لا يجوز عليه من الصاحبة ~~والولد ، وفعل الظلم والكذب. # ( @QUR@01 جبارين ): الجبار : هو الذي لا ينال إلا بالقهر ، وأصله في ~~النخل ، وهو ما فات اليد طولا ، والجبار من الناس هو الذي يجبرهم على ما ~~يريد ، والجبر : جبر العظم ، وهو كالإكراه على الصلاح. # والجبار في صفة الله تعالى صفة تعظيم لأنه يفيد الاقتدار وهو سبحانه لم ~~يزل جبارا بمعنى أن ذاته تدعو العارف بها إلى تعظيمها ، والجبار في صفة ~~المخلوقين صفة ذم لأنه يتعظم بما ليس له ، إذا العظمة لله ms1830 سبحانه. # ( @QUR@02 فافرق بيننا ): أي افصل بيننا وبينهم. # ( @QUR@01 يتيهون ): أصل التيه : التحير الذي لا يهتدى لأجله للخروج عن ~~الطريق إلى الغرض المقصود ، والتيهاء من الأرض : هي التي لا يهتدى فيها. # ( @QUR@01 تأس ): الأسى : الحزن. # * * * ### ||| ** صورة من صور انحراف بني إسرائيل # وهذه صورة حية من صور هذا الشعب المنحرف من بني إسرائيل ، فبعد أن خلصهم ~~الله من فرعون على يد نبيه موسى عليه السلام الذي كان واحدا منهم PageV08P113 # أرسله إليهم واصطفاه برسالته ، ليحررهم من العبودية المتعمقة في داخلهم ~~من جراء استضعاف فرعون لهم ، وذلك عبر قيم الحرية المتمثلة في توحيد الله ، ~~والكفر بكل الطغاة والجبابرة من آلهة البشر ، والشعور بالمعنى الإنساني ~~الحر لوجودهم. # وانطلق معهم نبيهم موسى عليه السلام بأسلوب الرسالة الذي يخاطب فيهم ~~إنسانيتهم ، ليوحي إليهم بحس الكرامة في ذاتهم ، ويعلمهم أن العقيدة ~~والالتزام والطاعة كلها لا تمثل تعليمات يصدرها الكبار إليهم كما تعودوا في ~~عهد عبوديتهم لفرعون ، بل هي فكرة وإرادة ومعاناة ، وحركة داخلية تنطلق في ~~رحاب الكون ، ليتحول جهدها كله إلى فعل إيمان. ولذلك كان يدعوهم إلى التأمل ~~والتفكر والتذكر والقراءة والحوار. # وهو قد خاض معهم الحوار في كل ما يطرأ عليهم من مشاكل ، ليعلمهم كيف ~~يفكرون ، وكيف يشاركونه الفكر ، ولكنهم كانوا يبتعدون عنه ، كلما اقترب ~~إليهم ، وبدأوا يتمردون عليه في أكثر من موقف ، وذلك بسبب ما اعتادوا عليه ~~من عبودية ، فكانوا ينتظرون منه عليه السلام أن يعاملهم كما عاملهم فرعون ، ~~فيستضعفهم ويستعبدهم من خلال حكمه ، كي يشعروا بالاستقرار ، وكانوا يعتبرون ~~أن معنى خلاصهم من فرعون ، هو أن يعيشوا حالة استرخاء ودعة وطمأنينة بعيدا ~~عن كل أجواء الصراع ومشاكله ، فلم يكونوا مستعدين للقتال ، بل كانوا ~~يتحفزون للهرب عند أول دعوة للمعركة ، ولكن شخصية الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا تلتقي بشخصية فرعون من قريب أو من بعيد ، فإن هناك ~~فرقا بين من يريد الناس لنفسه ، وبين من يريدهم لله ولأنفسهم من موقع ~~صلاحهم ، ولهذا لم يستطع موسى عليه السلام النجاح معهم ، ولم يكن من خطته أن ~~يحقق النجاح على ms1831 هذا المستوى ، لأنه كان يعمل على تغيير مفاهيمهم وروحيتهم ~~وطريقتهم في التفكير والعمل. ولذلك كانت الموعظة الهادئة والانسجام مع ~~مطاليبهم والعفو عن خطاياهم معه هو السبيل إلى الوصول إلى بعض هذا PageV08P114 # الهدف الذي استطاع أن يعطي الساحة بعض النماذج التي ارتفعت إلى مستوى ~~الرسالة فعاشت مع موسى آفاقه وأحلامه ... # وتمثل هذه الآيات أحد نماذج أسلوب موسى معهم في الحوار ، وأسلوبهم في ~~الهزيمة النفسية والتمرد عليه. ( @QUR@023 وإذ قال موسى لقومه يا قوم ~~اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت ~~أحدا من العالمين ) [المائدة : 20] فهو دعاهم إلى فترة من التأمل ، ~~ليستعيدوا فيها تاريخهم المظلم الغارق بالعبودية والظلام ، وليقارنوا بينه ~~وبين تاريخهم الجديد الذي منحهم الله فيه الحرية على يد رسوله بالمعجزات ~~الخارقة ، وجعل منهم أنبياء فأكرمهم برسالته وصيرهم ملوكا ، ورزقهم من ~~النعم ما لم يؤته لأحد من العالمين الذين عاصروهم. وقد كانت هذه الدعوى منه ~~كي يواجهوا الحاضر والمستقبل من هذا الموقع ، ليرتفعوا إلى المستوى الذي ~~أراد الله أن يرفعهم إليه ، فيتحملوا مسئولية الرسالة معه ، ويعلموا على ~~التحرك من أجل التغيير بقيادته. # ( @QUR@015 يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا ~~على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) وكانت القافلة تسير إلى بيت المقدس ، ولاحت ~~لهم الأرض المقدسة من بعيد ، فهي الهدف الذي عاشوا له من خلال موسى ، فطلب ~~منهم أن يدخلوها ليستقروا وليعيشوا الحكم العادل على أساس النبوة ، ولكنهم ~~رفضوا ذلك العرض ، لأن الدخول إليها سوف يكلفهم صراعا وقتالا وتضحيات لا ~~يريدونها ، ( @QUR@018 قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون )، فقد كان يحكمها قوم ~~جبارون ، ولم يكونوا على استعداد للدخول في صراع معهم. ولذلك كان رد الفعل ~~لطلب موسى أن قالوا له : إن دخولهم معلق على خروج الجبابرة بهدوء واستسلام ~~، حتى إذا خرجوا من دون أن يكلفهم ذلك نقطة دم ، كان الدخول معقولا. وكان ~~هناك رجلان لا ثالث لهما من الذين يخافون الله ، أنعم الله ms1832 عليهما بنعمة ~~الإيمان ، وعرفنا من خلال ذلك معنى المسؤولية في مواطن التحديات ، PageV08P115 # ووقفا في مواجهة هذا الجمع المهزوم ليقولا له : إننا نملك القوة التي ~~تستطيع أن تحكم الفكر والناس والحياة ، وكل هذه الأمور من وسائل القوة ~~الغالبة ، فلندخل الباب عليهم ولنهاجمهم في عقر دارهم ، ليكونوا في موقع ~~الضعف ، ونكون في موقع القوة ، فإن القوم طلاب ملك ونحن جنود رسالة ، ~~وستتغلب الرسالة على الملك إذا أخذت بأسباب القوة المادية ، مضافا إلى ما ~~تملكه من القوة الروحية : ( @QUR@021 قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله ~~عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين ) [المائدة : 23]. # ولكن هذه الكلمات ضاعت في هدير الهزيمة وضجيج التخاذل ، وانطلق الصوت ~~المهزوم يتكلم بلغة الهزيمة التي تحاول أن تعطي الكلمات صفة القرار الحاسم ~~: ( @QUR@010 قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ) تلك هي ~~الكلمة الأخيرة التي لا تقبل نقاشا ، وامتد الصوت ليعلن الانفصال عن موسى ~~عليه السلام ، فهم غير ملزمين بطاعته في القتال ، لأنهم يحبون الحياة أكثر ~~مما يحبون المقدسات. ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ~~أما إذا كان موسى عليه السلام يحدثهم عن الله ، ويستعين به عليهم ، ويملأ ~~قلوبهم بالشعور بقوته ، فليذهب هو وربه فليقاتلا إذا كانا يريان القتال ~~لازما ، ويريان المعركة منتصرة ، فتلك هي مسئوليتهما لخدمة الرسالة التي ~~أرسلها الله وحملها موسى عليه السلام ، أما هم ؛ جنوده وأتباعه ، فلا ~~مسئولية لهم في ذلك كله ، فإنهم قاعدون منتظرون للنتائج الإيجابية أو ~~السلبية. # وشعر موسى بالحرج ، فلم يعد لديه أية سلطة أو قوة يمكن أن يمارسها على ~~هؤلاء الناس ، وكان يريد أن يعذر إلى الله ليخرج من حدود المسؤولية ، على ~~رضى من الله ومحبة ، فتوجه إلى الله ليعلن إليه ما يعمله الله من ظروفه : ( ~~@QUR@08 قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي )، ولا أملك أحدا من هؤلاء في ~~ما يملكه القائد من أمر جنوده ، ( @QUR@05 فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ~~)، الذين خرجوا عن PageV08P116 # طاعتك وتمردوا على رسولك. وجاءتهم العقوبة التي يستحقها ms1833 الخائفون ~~المهزومون الذين رفضوا الهدى ، فلا يستأهلون النصر إذا لم يعملوا له ، فكتب ~~الله عليهم أن يظلوا في التيه أربعين سنة ، ( @QUR@09 قال فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) فلا يملكون دخول الأرض المقدسة ، لأنهم ~~هم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك ، وسيتحملون متاعب الضياع وأهواله ، وسيعيشون ~~آلام الاهتزاز ومشاكله. وذلك هو مصيرهم الذي استحقوه نتيجة فسقهم العملي ، ~~فلا تتألم يا موسى من موقع الرحمة في قلبك ، فإن هؤلاء لا يستحقون الرحمة ، ~~( @QUR@05 فلا تأس على القوم الفاسقين ). # * * * ### ||| ** وقفات أمام القصة # وقد نحتاج إلى بعض الوقفات في أجواء هذه الآيات # 1 ما المراد من قوله : ( @QUR@02 وجعلكم ملوكا )؟ هل المراد المعنى ~~المتبادر من الكلمة أي السلطنة والحاكمية ، وذلك مما ذكره القرآن في ملوكهم ~~من طالوت فداود إلى غيرهما ، وهذا ما لم يتحقق لبني إسرائيل إلا لفترة ~~قصيرة ، والظاهر من الآية أنه قد جعلهم بشكل شامل ملوكا في مقابل قوله ~~تعالى قبل ذلك ( @QUR@03 جعل فيكم أنبياء )، الأمر الذي يوحي بأن الأنبياء ~~فيهم معدودون ، بينما كلمة الملوك شاملة للجميع ، مما يبعد الكلمة عن هذا ~~الاحتمال ظاهرا؟ # أو أن المراد ملك المصير والأمر والموقف والموقع ، بحيث باتوا أحرارا بعد ~~أن كانوا مستعبدين ، وباتوا مستقلين بعد أن كانوا أتباعا ، وباتوا في حركة ~~من أمرهم بعد أن كانوا سادرين في الجمود؟ # وبكلمة أخرى ، باتوا يملكون شؤون أنفسهم وأمورها بعد ما كانوا PageV08P117 # مملوكين من فرعون وزبانيته يتصرف فيهم كيفما شاء ، ومتى شاء .. وبذلك ~~باتوا في مقابل الحالة السابقة التي كانوا فيها مملوكين. والذي يجعل هذا ~~المعنى محتملا ، بل وراجحا ، هو عدم المانعية من إطلاق كلمة الملك على من ~~يملك نفسه وظروفه وحركته ومصيره .. لا سيما أنها في اللغة قد تطلق على ~~السلطان ، وقد تطلق على المالك لزمام الأمور ، أو المالك لشيء خاص. # وقد جاء في تفسير الدر المنثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : ~~«كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا» (1). # وفيه : أخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في قوله ms1834 : ( @QUR@02 ~~وجعلكم ملوكا )، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : زوجة ومسكن ~~وخادم (2). # إلا أن هذا التفسير لا ينسجم وسياق الآية ، ذلك أن الآية واردة في مقام ~~الامتنان على بني إسرائيل ، والامتنان يفيد التخصيص دون الاشتراك ، ولما ~~كان اتخاذ المنازل والنساء والخدم عادة لا تخلو منها أمة من الأمم كما يفيد ~~التاريخ ، لم يعد هذا الأمر أمرا يخص بني إسرائيل حتى يكون من موارد امتنان ~~الله تعالى عليهم. هذا في جانب ، وفي جانب آخر ، فإن إطلاق «الجعل» يتنافى ~~وواقع حال بني إسرائيل أنفسهم ، إذ من البديهي أنهم لم يكونوا كلهم ذوي ~~منازل ونساء وخدم ، وإنما كان بعضهم على هذا الوصف دون البعض الآخر. # ولعل التنبه إلى ما تقدم أوجب ورود بعض الروايات التي تنسب إلى بني ~~إسرائيل أنهم أول من ملك الخدم ، كما ورد عن قتادة ، وهذا ما يتنافى ~~والتاريخ. # لكن إذا ما كانت هذه الأحاديث ناظرة إلى واقع حال بني إسرائيل الجديد ~~بعيدا عن تفسيرا الآية ثم حملت عليها ، عندها تكون في سياق تبيان PageV08P118 # المستوى الاقتصادي والاجتماعي لبني إسرائيل. # إذ من الواضح ، أن وصف الملك في الأحاديث ، وصف يحاكي مرتبة اقتصادية ~~اجتماعية ، وهو بالتالي وصف ناظر إلى الانقسام الاجتماعي داخل المجتمع ~~الإسرائيلي بين من هم ملوك ، ومن هم دونهم ، وهو بذلك ، إنما يعكس واقعا ~~اقتصاديا اجتماعيا جديدا لم يكونوا عليه ثم عملوا به ، وهذا بدوره يؤثر على ~~جانب من الاستقلالية الذاتية ذات المدخلية الاقتصادية التي تجعل الإنسان ~~مالكا لنفسه ، ولا يخفى أن الاستعباد غالبا ما يجد طريقه من بوابات الحاجة ~~إلى الآخرين لإشباع الحاجات الذاتية. # 2 ما هي الأرض المقدسة المذكورة في الآية؟ # قيل : هي بيت المقدس ، وقيل : هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقيل : هي ~~أرض الطور وما حولها ، وقيل : هي أرض الشام كلها. وربما كان هذا القول هو ~~الأقرب للواقع التاريخي ، لأنها أرض النبوات ، ومهبط الرسالات ، وساحة ~~الأديان التوحيدية الكبرى ، مما يجعل صفة القداسة التي تنطلق من طهارتها من ~~الشرك أكثر التصاقا بها. والله العالم. # 3 ما ms1835 المقصود من ( @QUR@01 جبارين ) في الآية؟ # قيل : إنهم العمالقة الذين يتميزون بضخامة الأجسام ، وطولها غير العادي ، ~~حتى وضعت الأساطير في الحديث عن أحجامهم في العرض والطول ما يشبه الخرافات ~~، وقد دخلت الإسرائيليات الخرافية في هذا الموضوع في الكتب الإسلامية ، وقد ~~ذكر المؤرخون في الحديث عنهم ، فقالوا : «كان العمالقة قوما من العنصر ~~السامي يعيشون في شمال جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء وقد هاجموا مصر ~~واستولوا عليها لفترات طويلة ودامت حكومتهم حوالي (500) عام منذ عام 2213 ~~قبل الميلاد حتى عام 1703 قبل الميلاد» كما جاء في دائرة المعارف لفريد وجدي. PageV08P119 # ويبدو أن قوم موسى كانوا يعيشون الإحساس بالقوة القاهرة لهؤلاء مما ~~يجعلهم يرتجفون رعبا من التفكير بأنهم سوف يواجهونهم في ساحة الحرب. وربما ~~كانوا يحملون بعض الإشاعات الأسطورية عنهم مما اعتاد الناس أن يتحدثوا به ~~عن أرباب القوة بطريقة المبالغة ، ولهذا كان موقفهم حاسما في رفض الدخول ~~إلى الأرض المقدسة التي يسيطر هؤلاء عليها ، من دون التفكير بما يملكونه هم ~~من عناصر القوة في مقابل ما يعيش فيه العمالقة من عناصر الضعف ، لا سيما أن ~~هؤلاء قد لا يملكون حرية الحركة في داخل المدينة كنتيجة للتعقيدات التي ~~تفرضها ضخامة أجسامهم ، كما أن الهجوم المفاجئ قد يهزمهم من ناحية نفسية. ~~وتلك هي مشكلة الذين لا يعيشون الإيمان الواعي بالله والثقة برسله ، هذا ~~الإيمان الذي من شأنه أن يوحي بالثقة بالنفس بما يفرضه من امتلاء العقل ~~والقلب والحركة بالله وتفريغ الذات من الإحساس بقوة الآخرين ، ولهذا رأينا ~~الرجلين اللذين يخافان الله ، واللذين أنعم الله عليهما بنعمة الإيمان ~~القوي ، يشجعان تلك الجماعات على الهجوم المباغت متوكلين على الله ، ~~ومنفتحين على عناصر النصر ، من خلال الإيمان به ، وبرسله ، وبنصره ، وأن ~~يكون لديهم ، بالتالي ، ثقة كبيرة بالغلبة عليهم ، لأن المسألة هي في ~~امتلاكهم لإرادة النصر والإيمان كي ينصرهم الله تعالى على الآخرين ولو بعد حين . # 4 لقد ورد في سياق قصة موسى وقومه قوله : ( @QUR@06 الأرض المقدسة التي ~~كتب الله لكم ) حيث يبرز أمامنا سؤال عن المقصود بكلمة ms1836 ( @QUR@01 كتب ) فهل ~~المراد بها القضاء بتوطينهم فيها ، أم أن المراد بها تمليكها لهم على نحو ~~ما ينادي اليهود الآن بأن الأرض المقدسة هي ملك «إسرائيل» باعتبارها وعدا إلهيا؟ # إن جل ما يمكن لنا استيحاؤه من ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@03 كتب الله لكم ) أن PageV08P120 # المراد بالكتابة هنا أن الله قد وعد بني إسرائيل بعد خلاصهم من فرعون أن ~~يسكنهم أرضا يستطيعون الحياة فيها بكرامة على أساس من الإيمان والطاعة لله ~~ورسله ، ولهذا فإن العرض الذي قدمه موسى عليه السلام إليهم هو أن يدخلوها ~~ويجاهدوا القوم الجبابرة الكفرة الموجودين فيها بصفة الحكام ، من موقع ~~إقامة حكم الله في الأرض على أيدي المستضعفين في مواجهة الجبارين. وليس في ~~الآيات ما يدل من قريب أو من بعيد على حق قانوني إلهي لهم في هذه الأرض ، ~~وبذلك يكون معنى الكتابة التقدير بأن يدخلوها ويسكنوها ويعبدوا الله فيها ~~من خلال ما تمثله من معاني القداسة المتصلة بالأجواء العبادية الروحية. ~~وربما يتساءل البعض عن الجمع بين إرادة الله لهم باستيطانهم الأرض المقدسة ~~وتحريمها عليهم أربعين سنة. # والجواب : إن الحديث في الآية لم يحدد وقتا ولا جماعة معينين ، بل كان ~~الحديث عن الأمة وعن المستقبل من حيث المبدأ وذلك باعتبارها المنطقة التي ~~أراد الله لهم الاستقرار فيها بعد خروجهم من مصر وانتهاء فترة التيه التي ~~كانت عقوبة لهم. والله العالم. # 5 نستوحي من هذه الآيات فكرة تربية الأمة على أساس ينسجم مع الآفاق ~~والأفكار التي تحملها القيادة أو تعيشها ، وصولا إلى تحقيق الأهداف ~~والغايات الكبيرة. فقد كانت مشكلة النبي موسى عليه السلام أنه يقود أمة لا ~~تؤمن بأفكاره ، ولا ترتفع إلى مستوى أهدافه ، بل كانوا يفكرون بالأمن ~~والاسترخاء والراحة ، ولو على حساب مبادئهم ، بينما كان موسى يفكر بالحياة ~~في حجم الرسالة ، وهذا هو ما تعانيه الشعوب الإسلامية بفعل تزوير أفكارها ~~وتصوراتها للواقع ، وتربيتها على أساس الارتباط بحاجاتها اليومية واعتبارها ~~الهم الكبير لها ، وابتعادها عن كل القيم الروحية الكبيرة التي تحتضن كل ~~مصالحها الحقيقية المستقبلية كأمة تعيش مرفوعة الرأس بين ms1837 الأمم ، وبذلك ~~تحولت إلى شعوب مستعمرة للكافرين والمستعمرين والظالمين من كل الأمم ، في أجواء PageV08P121 # ذليلة تنمي في داخلها قابليتها للاستعمار ، فيكون سلوكها وطريقتها في ~~الحياة بمثابة دعوة للمستعمر ليستعمرها ويحتوي بيديه كل حاضرها ومستقبلها ~~في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، لتكون لعبة لكل لاعب ، وطعمة ~~لكل طاعم ، وهذا ما يجعلنا مسئولين عن ربط الأمة بأهدافها الكبرى من أجل ~~التقاء القاعدة والقيادة في الطريق إليها على حد سواء. # 6 في مناجاة موسى عليه السلام لله في هذه الآيات لسنا أمام موقف ضعف ~~وهزيمة ، بل هو موقف الرسول الذي يقدم تقريره إلى الله من خلال شعوره ~~بالمسؤولية أمام المشكلة التي تواجهه ، وينتظر التعليمات التي تحدد له ~~موقفه ، وهذا ما نستوحيه من قوله : ( @QUR@05 لا أملك إلا نفسي وأخي ) ~~فكأنه يعرض ما يملكه أمام الله بأسلوب الإنسان الذي يقف مستعدا ليقدم كل ~~شيء ، ويستعين بالله بعد ذلك في مواجهة الصعوبات التي تحيط به في موقفه ~~الصعب ، وتلك هي صورة الشخصية القيادية الرسالية التي لا تتنازل عن دورها ~~الكبير أمام التحديات ، بل تظل ثابتة القدم في وضوح من الرؤية ، واستقامة ~~على الخط ، وثبات على الطريق في اتجاه الهدف. # 7 إن إطلاق كلمة ( @QUR@01 الفاسقين ) على تلك الجماعة التي تمردت على ~~موسى عليه السلام من جهة التمرد العملي على الأمر الذي أصدره الله إليهم من ~~خلال نبيهم عليه السلام بالدخول إلى الأرض المقدسة في تلك الفترة وطريقتهم ~~في الاستخفاف به وبالله في قولهم : ( @QUR@04 فاذهب أنت وربك فقاتلا ) ~~فكأنهم يستهينون بقدرة الله وبقدرته من خلال ربه على مواجهة الجبارين ، ~~ولعل هذا يكشف عن الضعف الإيماني بالله وبالنبي ، بحيث يشبه الارتداد على ~~أدبارهم ، فيخسرون بذلك مصيرهم في إنذار موسى عليه السلام لهم بالنتائج ~~السلبية في الواقع. # 8 لقد كان القضاء الإلهي عليهم بالتيه مدة أربعين سنة عقوبة لهم على PageV08P122 # التمرد ، وهم بذلك لم يحصلوا على الاستقرار ، ولم يطمئنوا في حياة مدنية ~~مستقرة في بلد معين ، ولم يعيشوا عيشة البدو ، بل كانوا في حالة قلق ~~واهتزاز مما يؤدي إلى حالة مدمرة ms1838 من الضياع النفسي ، والتيه الحركي ، ~~ونلاحظ أن هذه العقوبة الدنيوية لم تقتصر على الذين تمردوا أو ظلموا أنفسهم ~~بالمعصية ، بل امتدت إلى موسى عليه السلام والمؤمنين معه ، لأن البلاء إذا ~~حل بالأمة من خلال سلوكها عم جميع أفرادها حتى الصالحين. # * * * PageV08P123 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ~~(27) @QUR@016 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين (28) @QUR@013 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون ~~من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) @QUR@09 فطوعت له نفسه قتل أخيه ~~فقتله فأصبح من الخاسرين (30) @QUR@026 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قربانا ): القربان : الشيء الذي يتقرب به إلى الله من الذبائح ~~وغيرها. # ( @QUR@01 بسطت ): البسط : المد ، وهو ضد القبض. # ( @QUR@01 تبوء ) ترجع ، يقال : باء ، إذا رجع إلى الباءة : وهو المنزل. PageV08P124 # ( @QUR@01 فطوعت ): فعلت من الطوع ، والعرب تقول : طاع لهذه الظبية أصول ~~هذه الشجرة ، وطاع لفلان كذا أي أتاه طوعا ، ولا يقال : أطاعته نفسه ، لأن ~~أطاع يدل على قصد موافقة معنى الأمر ، وليس كذلك طوع ، لأنه بمنزلة انطاعت ~~له أصول الشجرة ، والمراد: زينت له نفسه. # ( @QUR@01 يبحث ): أصل البحث : طلب الشيء في التراب. # ( @QUR@01 سوأة ): أصل السوءة : النكرة ، يقال : ساءه يسوؤه سوءا إذا ~~أتاه بما يكرهه. # ( @QUR@02 يا ويلتى ): حلول الشر ، والويلة تستعمل في الفضيحة ، ولعل ~~هذا هو المراد من اللفظ هنا ، وقال سيبويه : الويل كلمة تقال عند الهلكة. # * * * ### ||| ** صراع الخير والشر في قصة قابيل وهابيل # إنها قصة قابيل وهابيل التي سنتابع مشاهدها مع هذه الآيات بتأمل واستيحاء ~~، مشهدا مشهدا ، فنقف بداية مع المشهد الأول ، لنجد فيه ابني آدم ، وقد قرب ~~كل منهما قربانا إلى الله ، أملا في قبول الله له للحصول على رضاه ومغفرته ~~، أو لتحقيق ما يطلبه كل منهما من حاجات ، فكانت النتيجة رفض قربان ms1839 أحدهما ~~وقبول قربان الآخر ، ولم يتقبل الأول رفض الله قربانه برضى وخضوع ، بل ~~واجهه بتمرد واحتجاج ، اتجه به إلى البغي والعدوان. # ثم ننتقل إلى المشهد الثاني ، فنرى فيه حوارا معبرا بين الأخوين ، بدأه ~~الذي رفض قربانه ، بالتهديد والوعيد لأخيه المؤمن الذي تقبل الله منه ~~القربان PageV08P125 # قائلا له : ( @QUR@01 لأقتلنك )، في لهجة تنضح بالحقد والحسد الطاغي ~~الذي يتفجر في صدره كالحمم ، ولم يكن هناك أي مبرر لهذا الموقف منه ، لأن ~~النتيجة ليست من صنع أخيه ليحسبها ذنبا من ذنوبه التي يستحق العقوبة عليها ~~، بل القضية من صنع الله في هذا وذاك ، فهو الذي رفض هذا وتقبل ذاك ، فليكن ~~الحساب مع الله إذا كان يمكنه ذلك أو يحق له .. ولكنه الحسد الذي يواجه فيه ~~الحاسد المحسود ، من غير ذنب جناه ، إلا أن الله أنعم عليه ولم ينعم على ~~الحاسد. # فما كانت ردة فعل الأخ المؤمن؟ # إننا نلمح الوداعة الإيمانية والصفاء الروحي ، والمشاعر الطاهرة المنسابة ~~في عروق الحياة ، كانسياب النور في عروق الصباح ، والسلام المنهمر كالشلال ~~من كل كلماته في رده على تهديد أخيه له ، من خلال ما نقله الله لنا عنه في ~~الآيات المتقدمة ، في قوله تعالى : ( @QUR@016 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما ~~أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ). # إنه موقف «اللاعنف» أو «إرادة السلام» الذي يعبر عن نفسه بهذه البساطة ~~الموحية ، فهو لم يواجه أخاه بموقف تهديدي مضاد ، لأنه لا يؤمن بالمبدأ ~~الذي يدفع الإنسان إلى قتل أخيه الإنسان قريبا كان أو بعيدا ، لمجرد نزوة ~~عارضة أو مزاج انفعالي ، بل يؤمن بإعطاء فرصة التراجع والمرونة لمن يتخذ ~~المواقف الحادة ساعة الانفعال والغضب ، بفضل هدوء فكره ، ورحابة صدره ، ~~ليسيطر على السلبيات التي تفجر الموقف وتخلق المشكلة ، ثم يحاول أن يربط ~~ذلك كله بالإيمان بالله الذي يريد للإنسان السلام في الحياة ، فيعبر عنه ~~بأنه يخاف الله رب العالمين ، الذي يطلع على كل أقواله وأفعاله ، فيحاسبه ~~على كل شيء. # إنه يقف ليحذره كي لا يحمل نفسه مسئولية إثم القاتل والمقتول ، PageV08P126 # من ms1840 أصحاب النار ، التي هي جزاء الظالمين. وهذا هو مضمون الكلمة المأثورة ~~عن الإمام محمد الباقر عليه السلام : «من قتل مؤمنا متعمدا أثبت الله عز وجل ~~على قاتله جميع الذنوب وبرىء المقتول منها» (1). ومن هنا جاء موقفه من ~~أخيه كعملية ردع في البداية وعقوبة في النهاية. # وقد يخيل لبعض الناس أن الموقف هنا يوحي بالروح الاستسلامية الانهزامية ~~التخاذلية التي تنكر على الإنسان حق الدفاع عن نفسه ، ولكن القضية ليست كما ~~يتخيل ، فقد كان الحوار يدور كما يبدو حول مبدأ العنف في مواجهة خيبة الأمل ~~وثورة الانفعال ، باعتبارها لا تبرر شيئا من ذلك ، وليس في الآية أية إشارة ~~إلى تفصيل ما حدث وكيف حدث. هل وقف المؤمن أمام أخيه الظالم موقف المستسلم ~~، أو موقف الدفاع عن نفسه ، أو أن الجريمة حصلت بفعل المفاجأة وبطريقة ~~الاغتيال؟ لقد أغفلت الآيات ذلك كله ، لأنها لا تريد الدخول في التفاصيل ~~البعيدة عن حركة الفكرة في الحوار ، بل كانت تركز على أصل الفكرة من حيث ~~طبيعتها ، أو من حيث تمثيلها لبداية الشر في الكون ، ولسذاجة المجرم الشرير ~~البدائي ، وجهله بطريقة إخفاء جريمته أو دفن ضحيته ، حتى بعث الله له غرابا ~~يعرفه كيف يواري أخاه ، مما جعله يخضع لحالات التأمل العميق التي تؤدي به ~~إلى الندم على كل ما فعله. # * * * ### ||| ** نبأ قابيل وهابيل # ( @QUR@07 * واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) التلاوة من التلو وهي ~~القراءة ، سميت بها لأن القارئ للنبأ يأتي ببعض أجزائه في تلو البعض الآخر. ~~والنبأ هو الخبر إذا كان ذا جدوى ونفع. PageV08P127 # من هنا ، فقوله تعالى : ( @QUR@06 واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق )، ~~يراد به قصة النبي آدم أبي البشر ، وتقييده ، سبحانه وتعالى ، الكلام بقوله ~~: ( @QUR@01 بالحق ) وهو متعلق بالنبإ أو بقوله ( @QUR@02 * واتل ) لا يخلو ~~من إشعار ، بأن نبأ هذه القصة كما هو معروف في الوسط الديني اليهودي لا ~~يخلو من تحريف وإسقاط ، وهذا ما هو عليه الأمر بالفعل ، إذ إن الفصل الرابع ~~من سفر التكوين من التوراة المتصدي لخبر هذه القصة ، أسقط منه الجزء ~~المتعلق ببعث الغراب ms1841 وبحثه في الأرض ، كما أن القصة كما هي واردة في ~~التوراة ، صريحة في تجسيم الرب ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ولا ريب أيضا ، ~~أن في هذا التقييد إشعارا للناس ، بأن يكون تناقلهم للأخبار دقيقا خاليا من ~~التحريف والتشويه والإسقاط أو الإضافات. # ويبقى أن قصة هابيل وقابيل التي تمثل صراع الخير والشر ، هي أول جريمة ~~تعود إلى فجر التاريخ ، حيث تشكل الإرهاصات الأولى للواقع الاجتماعي ~~وللتجارب النفسية الشخصية .. ، التي قد تسهم تعقيداتها في إيجاد الدوافع ~~الذاتية للجريمة. كما تظهر هذه الحادثة التأثيرات التي يمكن أن تتركها ~~الدعوة الدينية حتى ولو في صورتها الأولية على الإنسان الفطري الساذج ، لا ~~سيما في بعدها القيمي والأخلاقي. فموقف الأخوين صريح في الكشف عن هذا ~~التأثير سلبا أو إيجابا. # فبالرغم من أن كليهما ينتميان إلى بيئة اجتماعية ساذجة هي أقرب وألصق ~~بحياة الفطرة والطبيعة حيث لم تتعقد العلاقات على أنواعها ولم تبلغ درجة ~~عالية من التطور ، بحيث إن الأثر الاجتماعي ، في ذلك الوقت ، على سلوك ~~الإنسان ، كان لا يزال ضعيفا ، مما يترك هامشا أكبر للنوازع الذاتية على ~~الجوانب الغريزية في الإنسان في التأثير على السلوك الإنساني عموما ، لا ~~سيما إذا ما توفرت الأجواء المناسبة لها ، تماما كما هي الحالة التي تكشف PageV08P128 # عنها قصة النبي آدم عليه السلام . # فآدم عليه السلام ، وبوحي من نبوته من جهة ، ومن تجربته القريبة في الجنة ~~، التي خاض فيها تجربة مرة مع إبليس ووسوساته وإغراءاته كان الثمن خروجه ~~منها .. وهبوطه وزوجه إلى الأرض .. أراد عليه السلام بوحي من ذلك كله ، أن ~~يوفر على ولديه مثل هذه المعاناة ، فقام ، ولا ريب ، بوعظهما ونصحهما ~~وإرشادهما وتعليمهما ، بما يتناسب وإمكانياتهم الذاتية آنذاك ، من قيم ~~الإيمان وسلوكياته المتنوعة. ويبدو أنه كان هناك ، على الأقل ، قبول مبدئي ~~بهذه التصورات الدينية الأولية من كليهما ، يظهر ذلك من توجيههما معا ~~لتقديم القرابين لله تعالى ، إلا أن تقديم هذه القرابين كان بمثابة الظرف ~~المناسب لكشف عن حقيقة إيمان كل منهما .. إذ ما كاد الله تعالى يتقبل من ~~هابيل حتى انتفض ms1842 قابيل ساخطا محتجا بفعل الحسد الذي أخذ بمجامع قلبه وضميره ~~وعقله ، فكان أن هدد أخاه بالقتل. وهذا من شأنه أن يكشف لنا عن أن الإيمان ~~ليس مجرد فكرة نعتنقها أو نتبناها ، وإنما هو أولا وأخيرا ، استجابة مستمرة ~~للتحديات ، وثبات في الموقف إزاءها من موقع الإيمان نفسه. # * * * ### ||| ** التقوى هي الأصل # ولذلك أراد الله لنبيه أن يتلو على الناس خبر هذين الولدين اللذين عاشا ~~مع أبيهما آدم وتأثرا به في مسألة الإيمان ، ولكنهما اختلفا في استقامة ~~أحدهما وانحراف الآخر في نهاية المطاف ، حيث قاما بتقديم القربان إلى الله ~~ليتقربا إليه مما قد يكون في ذلك الوقت نوعا من العبادة ، ولم تكن بينهما ~~أية مشكلة قبل ذلك ، بل كانا يعيشان كأخوين في النسب والإيمان .. وكانت ~~التجربة الأولى ( @QUR@06 إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ) وهو هابيل كما ~~تتحدث الروايات ، ( @QUR@04 ولم يتقبل من الآخر ) وهو قابيل ، ربما عرفا ~~ذلك من خلال العلامة المذكورة PageV08P129 # في آية أخرى في قوله تعالى : ( @QUR@028 الذين قالوا إن الله عهد إلينا ~~ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) [آل عمران : 183] ، ~~فإن الظاهر من هذا ، أن هناك نارا إلهية يرسلها الله لتأكل القربان المقبول ~~وتترك غير المقبول ، وقد أكدت هذا المعنى الروايات الإسلامية الواردة في ~~هذا الموضوع ، كما تحدثت على الخلفيات النفسية لهذين الرجلين في الإخلاص ~~لله ، وقالت كما في تفسير القمي نقلا عن الميزان : لما قرب ابنا آدم ~~القربان ، قرب أحدهما أسمن كبش كان في صيانته ، وقرب الآخر ضغثا من سنبل ، ~~فتقبل من صاحب الكبش وهو هابيل ، ولم يتقبل من الآخر ، فغضب قابيل ، فقال ~~لهابيل : والله لأقتلنك .. إلى آخر الحديث (1). # وتكشف هذه الرواية عن الروح السمحة لهابيل في إخلاصه لربه ، فيقدم في ~~عبادته له أفضل ما عنده ، بينما يعيش قابيل روح البخل الذاتي والتلوث ~~الروحي حتى في العبادة فيقدم ما لا قيمة لا عنده ، وهكذا تقبل الله من ~~هابيل قربانه دون قابيل ، وفوجئ قابيل بالنتيجة التي ms1843 دلت على تميز أخيه ، ~~وتقدمه عليه ، في الكرامة التي حصل عليها من الله ، مما جعله يشعر بالإحباط ~~والسقوط أمام إخوته ، فتحركت في داخله عقدة الحسد التي بدأت تأكل قلبه وتقض ~~مضجعه ، وتوحي إليه بالكثير من الأفكار الشريرة ضد أخيه الذي لم يكن له يد ~~في ما حصل له من الرفض الإلهي لقربانه. # وهكذا تحول الحسد عنده إلى إرادة بغي وعدوان وتهديد لأخيه ، حتى أنه لم ~~يملك لنفسه من الإعلان عن عزمه على قتله ، مما يعني أنه كان لا يتقن أساليب ~~الإخفاء لما في قلبه من خلال السذاجة الفكرية والعملية ، فلم تكن له أية ~~معرفة بوسائل اللف والدوران التي تمثل الحيل الخفية في الإيقاع بالآخر : PageV08P130 # ( @QUR@02 قال لأقتلنك ) لأنك أصبحت تمثل الرمز الأفضل لأكون أنا في موقع ~~الرفض والإهمال من قبل الله ، وإني لا أطيق ذلك ، ولا أتحمل رؤيتك تتحرك في ~~الحياة في فضائلك الأخلاقية والروحية ، لأنك تذكرني دائما بهذا الموقف ~~المهين ، ( @QUR@06 قال إنما يتقبل الله من المتقين )، فلم تكن المسألة في ~~طبيعتها في قبول قرباني ورفض قربانك متعلقة بالجانب الذاتي في شخصك أو شخصي ~~، بل هي متصلة بالجانب الإيماني في العقل ، والجانب العملي في الواقع ، فقد ~~سرت على خط التقوى في مراقبتي لله في السر والعلن في أموري كلها ، وأطعته ~~في أوامره ونواهيه ، بينما كنت على النقيض من ذلك ، أنانيا لا تفكر إلا ~~بنفسك ، خاضعا لشهواتك ، ناسيا لربك ، جاهلا لمقامه ، الأمر الذي أدى بك ~~إلى أن تكون علاقتك بالله خارج ذاتك من دون روح ولا إيمان ، وهذا هو سر ~~المسألة ، فالله يتقبل من المتقين ولا يتقبل من غيرهم ، لأن التقوى هي التي ~~تقرب الإنسان إلى ربه من خلال تقوى العقل والقلب واللسان والعمل بالجوارح ~~كلها. فلما ذا لا تتقي الله في حاضر أمرك ومستقبله؟ فلعل ذلك يحقق لك ما ~~تريده من محبة الله لك ، فيتقبل قربانك من جديد في أجواء التقوى عندك. و ( ~~@QUR@05 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ) من خلال عقدة الحسد في نفسك التي تدفعك ~~إلى الجريمة بقتل أخيك من ms1844 دون تفكير بالأخوة التي تفرض عليك احترام رابطة ~~الدم التي تربطك به ، أو بالنتائج السلبية في غضب الله الذي يزداد عليك عند ~~ما تتحول إلى إنسان مجرم قاتل لأخيه من دون ذنب ، ( @QUR@011 ما أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) فيمنعني ذلك من نية الشر ، ~~لأن الله يبغض الذين يفكرون بالشر للناس ، ويحب الذين يفكرون بالخير ~~ويعملون له في القريب والبعيد ، ولهذا فإن إساءتك إلي في كلامك وحسدك لي في ~~نفسك ، وإعلانك عن عزمك على قتلي ، لا يبرر لي الإقدام على قتلك ، فإن الله ~~لم يأذن لي بذلك ، وهذا ما يؤدي بي إلى الامتناع عن كل ما بجلب لي سخطة ~~ويعرضني لعذابه ، ( @QUR@010 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار PageV08P131 # @QUR@03 وذلك جزاء الظالمين )، إنني لا أريد تحمل الإثم بقتلك ، فلن ~~أقتلك ، وإذا كنت أنت عازما على قتلي فستتحمل الإثم في ذلك كما تتحمل ~~مسئولية آثامك الأخرى التي لا علاقة لها بموقفك مني ، وبذلك تكون في أصحاب ~~النار التي هي العقاب الإلهي للذين يظلمون الناس بغير الحق ، بأي نوع من ~~أنواع البغي والعدوان. # * * * ### ||| ** لا استسلامية هابيل لقابيل # وفي ضوء هذا التفسير ، فإن هابيل لم ينطلق من إرادة الاستسلام لأخيه ليقع ~~أخوه في الإثم الذي يعرضه لدخول النار ، لأن ذلك يشفي غيظه منه حتي لو كان ~~ذلك على حساب حياته ، بل انطلق من المبدأ في رفض إقدامه على الاعتداء عليه ~~الذي يجعل القضية في ساحة حركة قابيل الذي سوف يرجع بإثم أخيه وإثمه هو إذا ~~بقي على عزمه في قتل أخيه ، فلم تكن الإرادة لدى هابيل في موقع الإيجاب ، ~~لأنه ليس بالإنسان المعقد الذي يفكر بتحريض أخيه على قتله ليلاقي جزاء عمله ~~، فذلك ما لا يمكن أن يفكر به عاقل فضلا عن المؤمن الواعي ، بل كانت ~~الإرادة من موقع السلب بمعنى عدم إرادة قتله لقابيل مما يجعل المبادرة في ~~اختيار أخيه. # ولم تكن المسألة استسلاما ، لأن الآية لا توحي بأن حركة القتل كانت سريعة ~~بحيث بادر قابيل ms1845 إلى قتل هابيل غدرا ، بل الظاهر من الآية التالية أن ~~القضية أخذت وقتا طويلا أو قصيرا من التفكير حتى قادته نفسه الأمارة بالسوء ~~إلى القيام بالجريمة في غفلة من هابيل. هذا في جانب ، وفي جانب آخر ، فإنه ~~ليس في كلام هابيل أخيه قابيل ما يفيد الاستسلام سواء لنية أو فعل PageV08P132 # القتل لديه ، فهو لم يقل له إنك إن أردت قتلي سأسهل عليك الأمر وأضع نفسي ~~في تصرفك ، بحيث لا أدافع عن نفسي ، ولا أتقي القتل ، وإنما قال : «ما كنت ~~لأقتلك ..» كما لم يقل : إني أرغب بأن تقتلني لتكون من الظالمين ، لأن هذا ~~من قبيل التسبيب بضلال الآخر وشقائه وهو من الظلم والضلال سواء في ناموس ~~الفطرة ، أو في أحكام الشرع ، وإنما قال : ( @QUR@05 إني أريد أن تبوء ~~بإثمي ) ذلك على تقدير بسطك يدك لي لتقتلني. فصيلة تقدير الأمر هنا هو ~~دورانه بين أن يقوم هابيل بقتل أخيه فيكون هو الظالم الحامل للإثم الداخل ~~في النار ، أو يقتله أخوه فيكون هذا مصيره .. فمع دوران الأمر بين هذين ~~الاختيارين ، كان اختيار هابيل أن يكون مقتولا على أن يكون قاتلا مأثوما ~~ظالما داخلا في النار. # وفي مطلق الأحوال لقد كان الحوار بينهما يتحرك في دائرة الحادثة ~~القربانية على مستوى تهديد هذا بقتله ورفض ذاك القيام برد الفعل في هذا ~~الاتجاه ، مما جعل الحديث عن الإثم في القتل أمرا طبيعيا في أسلوب الحوار. # * * * ### ||| ** إغراءات القتل # ( @QUR@05 فطوعت له نفسه قتل أخيه ) ليس المراد هنا أن طوعت متضمنة لمعنى ~~انقادت أو سولت ، بل إن التطويع يدل على التدريج ، كما تدل الإطاعة على ~~الدفعة ، كما هو الغالب في بابي الإفعال والتفعيل. فالتطويع في الآية ~~اقتراب تدريجي للنفس من الفعل بوسوسة بعد وسوسة ، وهمامة بعد همامة ، تنقاد ~~لها حتى تتم لها الطاعة الكاملة. فالمعني : انقادت له نفسه ، وأطاعت أمره ~~إياها بقتل أخيه طاعة تدريجية ، فقوله : ( @QUR@03 فطوعت له نفسه ) من قبيل ~~وضع المأمور به PageV08P133 # موضع الأمر ، كقولهم : أطاع كذا في موضع : أطاع الأمر بكذا. # وأما ما ذهب إليه الكشاف من ms1846 أن معنى «طوعت له نفسه» : «وسعته له ويسرته ~~من طاع له المرتع إذا اتسع» (1)، إنما يندرج في سياق ما تقدم ، لأن ~~التوسعة والتيسير إنما يتمان من خلال الأفكار التي توحي بها النفس الأمارة ~~بالسوء ، فتسهل له قتل أخيه بإبعاد المعوقات التي تمنعه ، وتهيئة الوسائل ~~التي تقربه إلى ذلك ، والإيحاء بعض النتائج الإيجابية على مستوى الواقع ~~النفسي والاجتماعي التي توحي له بما يمكن أن يحققه من الراحة النفسية ~~والميزة الاجتماعية في ذلك. وهذا هو ما تقوم به النفس في غرائزها ~~ومشتهياتها وتعقيداتها وأوضاعها الداخلية في توجيه الإنسان إلى الشر ، ( ~~@QUR@04 فقتله فأصبح من الخاسرين ) لأنه خسر الدنيا إذ خسر أخاه ، ولم يحقق ~~لنفسه ما بريده على مستوى تمنياته وأوضاعه ، وخسر الآخرة لأنه استحق بقتله ~~أخاه عذاب النار من خلال غضب الله عليه. # ومن الطريف ما نقله صاحب مجمع البيان عن استدلال بعضهم بقوله : ( @QUR@01 ~~فأصبح ) على أنه قتله ليلا ، ورده بأنه «ليس بشيء لأن من عادة العرب أن ~~يقولوا : أصبح فلان خاسر الصفقة إذا فعل أمرا كانت ثمرته الخسران ، يعنون ~~حصوله كذلك لا أنه تعلق بوقت دون وقت» (2). # * * * ### ||| ** منزلة الحس والتجربة في نظر القرآن # ( @QUR@06 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ) أي يحفر فيها كأنه يطلب شيئا ~~في أعماقها ، ( @QUR@05 ليريه كيف يواري سوأة أخيه ) أي عورته ، كناية عما ~~يمكن أن PageV08P134 # يتحول له أخوه ، فيكون جيفة نتنة ، أو يمكن أن يكون طعمة للسباع ، فيكره ~~ذلك له. # والظاهر من الآية أن قابيل كان ساذجا في معرفته للأشياء من خلال فقدان ~~التجربة العملية التي يعرف بها خصائص الأمور ، وعدم وجود أية وسائل تعليمية ~~أخرى لما يتصرف به الإنسان في قضاياه الخاصة ، وربما توحي بعض كلمات ~~المفسرين بأن هابيل كان أول ميت من الناس ، فلم يعهد في واقع ذلك المجتمع ~~الصغير أية تجربة مماثلة سابقة ، ليعرف قابيل من خلالها كيف يتعامل مع هذا ~~الحدث الجديد ، إلى أن بعث الله الغراب ليقوم بتجربة حفر الأرض ثم العودة ~~إلى طمر الحفرة بالتراب من جديد ، في الوقت الذي كان قابيل يتابع ms1847 عمل ~~الغراب. وقد ذكر بعض المفسرين ؛ اجتهادا وتفسيرا أو رواية ، أن الله بعث ~~غرابين أحدهما حي والآخر ميت ، أو كانا حيين فقتل أحدهما صاحبه ، ثم بحث ~~الأرض ودفنه فيها. # فقد جاء في الرواية العامة كما يقول صاحب مجمع البيان عن جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : «قتل قابيل هابيل وتركه بالعراء لا يدري ما يصنع به ، ~~فقصده السباع ، فحمله في جراب على ظهره حتى أروح (1)، وعكفت عليه الطير ~~والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله ، فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل ~~أحدهما صاحبه ، ثم حفر له بمنقاره وبرجله ، ثم ألقاه في الحفيرة وواراه ، ~~وقابيل ينظر إليه فدفن أخاه» (2). فإذا صحت هذه الرواية ، فإنها تدل على ~~أن المسألة كانت تعليما إلهيا من خلال الإلهام للغراب حتى يفعل ذلك مما لم ~~يكن معتادا للطيور ، وربما يؤيد ذلك ما يمكن استفادته من قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) أي كما وارى هذا الغراب PageV08P135 # سوءة الغراب الآخر ، ولكن جاء في بعض كتب التفسير أن الغراب من بين الطير ~~من عادته أنه يدخر بعض ما اصطاد لنفسه بدفنه في الأرض ، وبعض ما يقتات ~~بالحب ونحوه من الطير ، وربما بحيث في الأرض للحصول على مثل الحبوب ~~والديدان لا للدفن والادخار. والله العالم. # وفي مطلق الأحوال ، لقد عرف قابيل من خلال تجربة الغراب كيفية حفر الأرض ~~وطمرها بالتراب ، مما جعله ينفتح على فكرة الدفن الذي يحفظ به جثة أخيه من ~~السباع ، أو من التحول إلى جيفة نتنة ، وهكذا : ( @QUR@03 قال يا ويلتى ) ~~في تعبير عن الإحساس بالفضيحة أو بالهلاك. ( @QUR@06 أعجزت أن أكون مثل هذا ~~الغراب ) الصغير الحجم الذي يعرف ما لا أعرف ، ويتصرف بدراية وخبرة في ~~إدارة أموره ، وأنا العاجز عن القيام بمثل هذا الأمر البسيط الذي لا يحتاج ~~إلى المزيد من المعرفة ، أو الكثير من التفكير؟ ( @QUR@03 فأواري سوأة أخي ~~) وأدفنه في التراب لحمايته من السباع أو ظهور رائحته النتنة ، ( @QUR@03 ~~فأصبح من النادمين ) على جريمته بعد انفصاله عن الجو الانفعالي الذي عاش ~~فيه من خلال تأثير ms1848 عقدة الحسد عليه في قتل أخيه ظلما وعدوانا من دون أي ذنب ~~جناه ضده ، الأمر الذي جعله يستعيد طبيعة عمله من خلال كل النتائج السلبية ~~الحاصلة من ذلك كله على مستوى الدنيا والآخرة. وربما كان الندم خوفا من ~~افتضاح أمره لدى أهله أو نحو ذلك. # وهكذا استطاع قابيل تعلم طريقة الدفن من التجربة الحسية للغراب ، ليكون ~~ذلك منهجا للمعرفة بواسطة الحواس مما يشاهده الإنسان من فعل المخلوقات ~~الأخرى ، أو ما يسمعه أو يلمسه أو يشمه أو يذوقه ، ليكون ذلك سبيلا لحركة ~~الإدراك في إنتاج المعرفة ، ليستخدم ذلك في الحصول على أغراضه وحاجاته ~~الحيوية في الدنيا ، فإن للحس دورا كبيرا في عملية البحث العلمي ، باعتبار ~~أن الحواس تزود الفكر بالمواد الخام التي يستعملها في حركته الفكرية. PageV08P136 # وهذا ما يؤكده المنهج القرآني للمعرفة ، فلا يقتصر على الطريقة العقلية ~~التي تعتمد على التأمل والاستنتاج العقلي ، بل يمتد إلى الطريقة العلمية ~~التجريبية التي تتحرك من خلال الحس الذي يجمع للإنسان كل مشاهداته ~~ومسموعاته وملموساته ومشموماته ومذوقاته ليحركها في اتجاه الإنتاج العقلي ~~للفكرة العامة. # وهذا ما ينطلق من خلال الواقع الإنساني في أفكاره التجريدية العقلية التي ~~لا علاقة لها بالحس ، وفي نظرياته التجريبية التي تنطلق من الحس إلى العقل ~~، فلا صحة للذين ينكرون العقل ، ولا للذين ينكرون التجربة في المعرفة. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي القصة؟ # إن هذه القصة القصيرة التي رواها القرآن لنا في إطار الحوار القصير ، ~~تجسد لنا الصورة الحية لشخصيتي الإنسان الشرير والخير ، لتربطنا بفكرة ~~الخير وتبعدنا عن فكرة الشر ، في موقف يوحي للناظر والمستمع بفظاعة موقف ~~ذاك إزاء روعة موقف هذا ، حيث نرى الجريمة خالية من كل مبرراتها وحيثياتها ~~العادلة التي تجعل منها عملا عادلا ، لأنها نشأت من حالة نفسية معقدة ~~بالحسد ، إذ ليس للضحية فيها أي ذنب ، بل نجد في جو الآية أن الضحية لم ~~تحاول أن تجعل من قبول قربانها ورفض قربان المجرم لها أساسا لأي تصرف ~~استعراضي يسيء إلى كرامته ، بالشكل الذي يتبعه الرابحون أمام الخاسرين ، ~~لأن خلق الأخ المؤمن كان ms1849 بعيدا عن ذلك كل البعد. PageV08P137 # ولعل قيمة هذه القصة ، أو بالأحرى عرض القرآن لهذه القصة ، تتمثل في ما ~~تخلقه في نفس القارئ أو السامع من تأثير نفسي ضد الجريمة والمجرم ، وتعاطف ~~روحي مع الضحية ، مما يترك آثاره على السلوك الإنساني العام في ما يريد أن ~~يقدم عليه من عمل ، أو يحكم عليه من أعمال الآخرين. # أما نحن ، فنستطيع الاستفادة منها في مجالين : # 1 المجال التربوي ، الذي يعتبر القصة ووسيلة حية للإيضاح عند ما تتحول ~~إلى عمل مسرحي أو ما يشبه ذلك ، وأسلوبا من أساليب التوجيه والتربية ، فقد ~~نجد من الخير لنا ، أن نجعلها إحدى القصص الدينية التربوية التي نقدمها ~~للأطفال أو للشباب ، بالأسلوب الذي يتناسب مع ذهنياتهم في عملية تصويرية ~~حية بالكلمة أو الصورة أو التمثيل. # 2 استيحاء هذه القصة في وضع قصص متنوعة قريبة إلى مثل هذه الأجواء لتعالج ~~قضية الجريمة والمجرم ، في أي جانب من جوانبها ، سواء منها الذي يتمثل ~~بالقتل ، أو بالسرقة ، أو بالزنى ، أو بالظلم والاعتداء على الناس بشكل عام ~~، لأن دور الأسلوب القرآني هو دور تخطيط المنهج التربوي ليسير عليه الآخرون ~~في حركة اتباع أو استيحاء وإبداع ، لنكفل للعمل الإسلامي التربوي أن يعيش ~~في أجواء القرآن فكرة وأسلوبا مستوحيا أفكاره وأساليبه في حركة العمل وفي ~~فكره وأسلوبه. # * * * PageV08P138 ### ||| * الآية # ( @QUR@040 من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض ~~لمسرفون ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 من أجل ذلك ): أي بسبب ذلك. # ( @QUR@01 لمسرفون ): الإسراف : الخروج عن القصد وتجاوز الحد في كل فعل ~~يفعله الإنسان ، وإن كان يغلب عليه الاستعمال في مورد الإنفاق ، كقوله ~~تعالى : ( @QUR@011 والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما ) [الفرقان : 67] على ما ذكره الراغب (1). # * * * PageV08P139 ### ||| ** القصة .. كمنطلق لتشريع القصاص # لقد كانت قصة ابني آدم ، التي انتهت بقتل الأخ أخاه بسبب حالة الحسد التي ~~سولت له فيها ms1850 نفسه الاعتداء على حياته ، أول حادثة في تاريخ الإنسان من ~~نوعها. وقد لا حظ التشريع كيف يمكن للنوازع الذاتية المنحرفة أن تكون خطرا ~~على الحياة ، من خلال استهانتها بالقيمة الكبيرة التي تمثلها في ميزان ~~القيم الإنسانية الروحية ، التي تفرض على كل إنسان احترام حياة الآخرين على ~~مستوى الفرد والجماعة ، وذلك على أساس احترام الحياة في ذاتها من حيث هي سر ~~رباني يرجع فيه الأمر إلى الله الذي يمنح الحياة ويملك أمرها. # هذا من جانب ، وفي جانب آخر ، بما أن أفراد الإنسان يجسدون حقيقة واحدة ~~هي حقيقة هذا النوع الإنساني الذي أوجده الله سبحانه وتعالى لغرض معين هو ~~استخلافه في الأرض ، فإن الاعتداء على حياة أي فرد من أفراد هذه الحقيقة ، ~~إنما هو اعتداء على هذه الحقيقة ، وإبطال ضمني لغرض الخلقة التي تتوسل ~~طريقها بتكثير الأفراد عن طريق الاستخلاف. وهذا ما أشار إليه هابيل بقوله ~~الذي خاطب به أخاه : ( @QUR@011 ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف ~~الله رب العالمين )، فأشار إلى أن القتل بغير الحق منازعة للربوبية. # بناء على هذا كله ، لا يجوز لأحد أن يعتدي بالموت على حياة أي فرد من ~~الأفراد إلا بأمره تعالى ، كما في الحالات التي أباح الله فيها قتل القاتل ~~قصاصا ، أو المفسد في الأرض من أجل تخليص الناس من فساده ، أما في غير هذه ~~الموارد ، كما لو لم يصدر من الإنسان أي سبب يشكل خطرا على الحياة ، بل كل ~~ما هناك أنه أخطأ في كلمة أو حركة أو علاقة عادية ، فإن الله لم يبح دمه ~~لأحد. ولأجل ما تقدم ، ولأجل ما كشفته حادثة هابيل وقابيل ، ( @QUR@07 من ~~أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ) الذين بدأت معهم الشريعة التفصيلية بما ~~أنزله على PageV08P140 # موسى عليه السلام من التوراة ، ( @QUR@014 أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا )، وذلك لأن الجو الذي يراد إثارته ~~، ليس هو الحديث عن الكم ، بل الحديث عن الكيف والنوع والأساس. فإذا كنت ~~تبرر لنفسك أن تقتل إنسانا بسبب ms1851 النوازع الذاتية المنحرفة ، فإن ذلك يبرر ~~لك التصرف بالأسلوب نفسه في جميع الحالات الأخرى المماثلة ، وذلك لعدم ~~الفرق بين حالة وحالة ، أو لأن الاعتداء على الفرد هو اعتداء على النوع في ~~الحقيقة لاشتراك عموم الأفراد في هذه الحقيقة وغرضها في الحياة. ( @QUR@06 ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) لأن الشخص الذي يحترم الحياة فينقذها ~~من نفسه ، بما تدفعه إليه نوازعه الشخصية ، أو يخلصها من غرق أو من حرق أو ~~من غير ذلك ، هو إنسان يؤمن بالحياة كقيمة إنسانية كبيرة ، ويؤمن بمسؤوليته ~~عن حمايتها من الهلاك. # وتلك هي قصة التشريع الذي لا يستهدف التأكيد على الحالة الفردية في ~~نطاقها المحدود ، بل يهدف إلى أن تكون الحالة تعبيرا عن فكرة في الفكر ، ~~وقيمة في الروح ، وإحساس في الشعور ، وبالتالي أن تكون حالة إنسانية في عمق ~~المعنى الإنساني الذي يطبع الشخصية بطابعه الأصيل الممتد. وفي ضوء ذلك تبطل ~~الإشكالات التي تتساءل عن السر في تهوين قتل الناس جميعا بتشبيهه بقتل شخص ~~واحد ، إذ إن هذا التساؤل يوحي بعدم الفهم للآية ، لأنها تدل على المعنى ~~الذي يختفي وراء قتل الفرد ، وتؤكد أنه يلتقي مع المعنى الذي يختفي وراء ~~قتل الجميع ، من حيث التقائهما عند معنى الاستهانة بالحياة كمبدإ مع ~~الالتزام طبعا بأن تكرير المبدأ في عدة حالات وأفراد يثير مشاكل أكبر مما ~~يثيره وقوفه على حالة واحدة في معرض بحث التفاصيل. # وجاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام في ما رواه الكافي ، مرفوعا ~~إلى محمد بن مسلم ، قال : «سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( ~~@QUR@014 من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن PageV08P141 # @QUR@05 أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )؟ قال : له في النار مقعد لو ~~قتل الناس جميعا لم يرد إلا إلى ذلك المقعد» (1). # وفي هذه الرواية دلالة على أن الإنسان يعذب على القتل من حيث المبدأ ~~باعتباره الجريمة التي تقتل الحياة ، فيعاقب على ذلك بقطع النظر عن عدد ~~الذين يقتلهم. ولا مانع من أن يضاعف ms1852 عليه العذاب من جهة أخرى ، ولكن في ~~المكان نفسه ، كما جاء في رواية أخرى : عن حمران ، قال : «قلت لأبي جعفر ~~عليه السلام : ما معنى قول الله عز وجل : ( @QUR@027 من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )؟ قال : قلت : وكيف فكأنما قتل ~~الناس جميعا فإنما قتل واحدا؟ فقال : يوضع في موضع من جهنم إليه ينتهي شدة ~~عذاب أهلها ، لو قتل الناس جميعا إنما كان يدخل ذلك المكان ، قلت : فإن قتل ~~آخر؟ قال يضاعف عليه» (2). # وهكذا ، ختمت الآية بالحديث عن التاريخ الذي عاشه هؤلاء الذين كتب الله ~~عليهم هذه الشريعة ، ( @QUR@04 ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ) التي تفصل لهم ~~الخطط الكبيرة التي تنظم لهم حياتهم وتحفظها من كل عدوان ، ( @QUR@09 ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) قد تجاوزوا تلك الحدود وأسرفوا في ~~عصيانهم ، ولم يقفوا عند حدود الله في ما أمرهم به أو نهاهم عنه. # * * * PageV08P142 ### ||| ** كيف نستوحي الآية؟ # تحمل هذه الآية قضية مهمة ، ألا وهي قضية الحياة والموت التي قد تتمثل في ~~حياة الجسد وموته ، أو في حياة الروح وموتها في المشاعر الروحية ، التي قد ~~تستيقظ في داخل النفس على المعاني الإنسانية لتبعثها أو لتجمدها ، أو في ~~حياة الفكر وموته في ما يتعلق بضلاله وهداه ، أو بجهله وعمله ، باعتبار أن ~~الضلال موت والهدى حياة ، لما قد يعطيه الضلال من جمود ، في مقابل ما يعطيه ~~الهدى من حيوية وانطلاق ، كما أن الجهل موت لما يخلقه في النفس من معاني ~~التخلف والجمود في مقابل العلم الذي يحقق لها الانطلاق والحركة في آفاق ~~الحياة. ومن هنا ، فإنه من الممكن استيحاء الآية ، من خلال معانيها القريبة ~~والبعيدة. # جاء عن الإمام الباقر عليه السلام في ما رواه عنه الفضيل بن يسار قال : ~~«قلت لأبي جعفر عليه السلام قول الله عز وجل في كتابه : ( @QUR@014 أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ). قال ms1853 : من ~~حرق أو غرق ، قلت : فمن أخرجها من ضلال إلى هده؟ فقال : ذلك تأويلها ~~الأعظم» (1). # ثانيا : عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ~~«قلت له : قول الله تبارك وتعالى : ( @QUR@010 ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات )؟ فقال : من أخرجها من ضلال إلى ~~هدى فقد أحياها ومن أخرجها من هدى إلى ضلال فقد قتلها» (2). PageV08P143 # ثالثا : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن النضر بن سويد ، ~~عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن أبي خالد القماط ، عن حمران ، قال : «قلت ~~لأبي عبد الله عليه السلام : أسألك أصلحك الله ؟ فقال : نعم ، فقلت : كنت ~~على حال ، وأنا اليوم على حال أخرى ، كنت أدخل الأرض فأدعو الرجل والاثنين ~~والمرأة فينقذ الله من شاء ، وأنا اليوم لا أدعو أحدا. فقال : وما عليك أن ~~تخلي بين الناس وبين ربهم ، فمن أراد الله أن يخرجه من ظلمة إلى نور أخرجه. ~~ثم قال : ولا عليك إن آنست من أحد خيرا أن تنبذ إليه الشيء نبذا ، قلت : ~~أخبرني عن قول الله عز وجل : ( @QUR@06 ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ~~) قال : من حرق أو غرق ، ثم سكت ، ثم قال : تأويلها الأعظم إن دعاها ~~فاستجابت له» (1). # * * * ### ||| ** معنى التأويل # ويمكن لنا من خلال الروايات فهم «التأويل» بمعناه الحقيقي ، لا الباطني ~~كما يحاول البعض تفسيره ، فالقرآن قد أنزل على طريقة العرب في التعبير ، ~~ليفهمه الجميع بشكل طبيعي ، من دون أن تكون فيه أية إشارات رمزية ، في ما ~~تعارف عليه الأسلوب الرمزي الذي يحمل الكلمة غير معناها ، ويجري بها في غير ~~مجالها ، من دون أساس للاستعارة والكناية والمجاز ، لذا فإن التأويل ليس ~~إلا عملية استيحاء للمعنى من خلال التقاء المعاني ببعضها البعض في الأهداف ~~التي يستهدفها القرآن في القضايا التي يثيرها أمام الناس ، والمفاهيم التي ~~يوحيها إليهم ، كما في هذه الآية التي تحدثت عن الحياة والموت ، وعن الناس ~~الذي يعتدون على الحياة ، وعن أولئك الذين ينقذونها. فقد يستوحي منها PageV08P144 # الإنسان الفكرة فيمن ينقلون ms1854 الناس من الضلال إلى الهدى ، أو بالعكس ، أو ~~فيمن ينقلونهم من الجهل إلى العلم أو بالعكس ، وذلك لأن الله قد أشار إلى ~~ذلك بقوله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم ) [الأنفال : 24] ، كما عبر عن الذين يعيشون الضلال ~~في واقعهم بالموتى في قوله تعالى : ( @QUR@011 إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) [النمل : 80]. وهكذا يمكن لعملية الاستيحاء ~~هذه أن تأخذ من الحياة والموت كل الأجواء التي تشارك هذين المعنيين في ~~تحويل الإنسان من حالة الجمود والهمود ، إلى حالة اليقظة والحركة على مستوى ~~الفكر والعمل والحياة ... # * * * PageV08P145 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@034 إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) @QUR@013 إلا الذين تابوا ~~من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@06 أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ): المراد به : أنه إذا قطعت ~~اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى ، والعكس بالعكس. # ( @QUR@02 أو ينفوا ): النفي : الطرد ، وأصله : الإهلاك بالإعدام ، ومنه ~~النفاية لرديء المتاع ، ومنه النفي وهو ما تطاير من الماء عن الدلو. # ( @QUR@01 خزي ): الخزي : الفضيحة أو الذل : يقال خزي يخزي خزيا : إذا ~~افتضح ، وخزي يخزي خزاية ، إذا استحيا ، وخزا الرجل يخزوه خزوا : ساسه وقهره. # * * * PageV08P146 ### ||| ** جزاء المفسدين في الأرض # وهذا حديث عن حد من حدود الله ، وضعت الشريعة له وسائل عملية جزائية ~~حاسمة من خلال حديثها عن حدود الله تعالى ، كما في هذه الآية ، وذلك لحفظ ~~الأمن ومنع النفوس الشريرة من الاندفاع بعيدا عن نوازعها الذاتية المنحرفة ~~، التي تندفع نحو القتل والنهب وقطع الطريق وتدبير المكائد للإسلام ~~والمسلمين ، وإشاعة الفوضى والخراب والفساد في حياة الناس ، وما إلى ذلك ~~... وليتضح الأمر بالنسبة لعقاب المحاربين لله ورسوله ، علينا البحث في ~~أمور عدة : # أولا : من هو المحارب لله؟ هل هو مفهوم مطلق عام يشمل كل الموارد ، أو هو ~~من العناوين التي تنطبق على مصاديق وموارد ms1855 معينة ليس إلا ، من قبيل الإشارة ~~إلى تلك الموارد التي هي الأساس في الحكم؟ ربما كان من المناسب في بداية ~~هذا البحث أن نذكر ما رواه المفسرون في سبب نزول هذه الآية ، حيث ذكر صاحب ~~«مجمع البيان» أنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي موادعة ، فنقضوا ~~العهد وأفسدوا في الأرض ، عن ابن عباس والضحاك ، وقيل : نزلت في أهل الشرك ~~، عن الحسن وعكرمة ، وقيل : نزلت في العرنيين لما نزلوا المدينة (مظهرين) ~~(1) للإسلام واستوخموها (2) واصفرت ألوانهم ، فأمرهم النبي أن يخرجوا إلى ~~إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، ففعلوا ذلك فصحوا. ثم مالوا إلى ~~الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام ، فأخذهم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف PageV08P147 # وسمل أعينهم (1)، عن قتادة وسعيد بن جبير والسدي ، وقيل : نزلت في قطاع ~~الطريق ، عن أكثر المفسرين ، وعليه جل الفقهاء (2). # هذا هو الجو الذي عاشت فيه الآية ، في ما رواه المفسرون ، وفي ما اجتهد ~~فيه المجتهدون ، لأن أسباب النزول ليست كلها رواية بل قد تكون رأيا ~~واجتهادا ، وعلى هذا الأساس ، كان تحديد الفقهاء والمفسرين لمفهوم المحارب ~~في مورد تعيين مصداقه. وقد جاء في (مجمع البيان) المروي عن أهل البيت ~~عليه السلام : «أن المحارب هو كل من شهر السلاح وأخاف الطريق سواء كان في ~~المصر أو خارج المصر ، فإن اللص المحارب في المصر وخارج المصر سواء. وهو ~~مذهب الشافعي والأوزاعي ومالك. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المحارب هو ~~قاطع الطريق في غير المصر» (3). # وأما قوله : ( @QUR@04 ويسعون في الأرض فسادا ) فقد ذكر أبو جعفر الطبري ~~في تفسيره عن مجاهد ، قال : «الزنى والسرقة وقتل الناس وإهلاك الحرث ~~والنسل» (4). # والظاهر أن مثل هذه التفسيرات تشبه أن تكون تفسيرا للشيء ببعض مصاديقه ، ~~لا تفسيرا له بالمعنى ، وذلك لأن كلمة المحارب لا تختص في المفهوم العرفي ~~بمن شهر السلاح ، بل تشمل كل المواقف العدوانية التي تستهدف تحطيم الكيان ~~القوي للإسلام والمسلمين ، سواء بحمل السلاح ضده ، أو بتدبير المؤامرات ~~والخطط بالتعاون مع أجهزة الكفر ومؤسساته وأتباعه ms1856 ، أو بإثارة الفتن ~~والقلاقل التي تضعف من قوته ، وتضاعف من الخطر PageV08P148 # عليه ، ونحو ذلك .. فإن مثل هذه الأمور تلتقي بالمفهوم الشامل لكلمة ~~المحارب ، لصدقها على كل تلك الموارد ، لأن موارد الحرب تختلف في تحركها ~~داخل المواقع وفي تمثلها للوسائل والأساليب. وأما المفسدون في الأرض ، فهم ~~الذين يعملون على إفساد الحياة العامة للناس وذلك بإشاعة وسائله وموارده ~~سواء في القضايا المتعلقة بالجانب الأخلاقي ، أو المتعلقة بالجانب ~~الاقتصادي أو السياسي ، أو غير ذلك .. مما يجعل من الفساد حالة عامة في ~~الأرض. أما الذين يمارسونه كحالة خاصة تمس حياتهم الشخصية ، فإنهم لا ~~يحملون هذا الوصف ، بل ينطبق عليهم وصف الفاسدين ، وربما كان هذا التحديد ~~هو الأقرب إلى الذهنية العامة في فهم اللفظ عرفا ، ولا بد لولي الأمر الذي ~~يرجع إليه الحكم في التطبيق والتنفيذ من مراعاة الدقة في ذلك كله ، من حيث ~~ملاحظة طبيعة العمل في موارده ونتائجه ، ومن حيث صدق العناوين عليه ، لأن ~~القضية ترتبط في كثير من مجالاتها بالجانب التقييمي للواقع ، أكثر من ~~ارتباطها بالجانب النظري المجرد منها ، والله العالم بحقائق أحكامه. # ثانيا : هل الآية مختصة بالمحارب في دار الشرك أو تشمل دار الإسلام؟ جاء ~~في حديث الإمام الصادق عليه السلام مما رواه الكليني بإسناده عن سورة بن ~~كليب قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : «رجل يخرج من منزله يريد المسجد ~~أو يريد الحاجة فيلقاه رجل أو يستقفيه فيضربه ويأخذ ثوبه؟ قال : أي شيء ~~يقول فيه من قبلكم؟ قلت : يقولون : هذه دغارة معلنة وإنما المحارب في قرى ~~مشركة ، فقال : أيهما أعظم ؛ حرمة دار الإسلام أو دار الشرك؟ قال : فقلت : ~~دار الإسلام ، فقال : هؤلاء من أهل هذه الآية : ( @QUR@06 إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ) إلى آخر الآية» (1). PageV08P149 # ثالثا : اختلف المفسرون والفقهاء في العقوبات المذكورة ، هل هي على سبيل ~~التخيير للحاكم فله أن يختار أي واحد منها ، أو أن لكل واحد منها موضعا ~~معينا ، فيكون ذكرها على سبيل الإجمال باعتبار أنها عقوبة للمحارب وللمفسد ~~، مع إيكال التفاصيل إلى السنة النبوية؟ # ذكر صاحب ms1857 (مجمع البيان) عن الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليه السلام ~~، قال: «إنما جزاء المحارب على قدر استحقاقه ، فإن قتل فجزاؤه أن يقتل ، ~~وإن قتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب ، وإن أخذ المال ولم يقتل فجزاؤه ~~أن تقطع يده ورجله من خلاف ، وإن أخاف السبيل فقط فإنما عليه النفي لا غير ~~، وبه قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والربيع. وعلى هذا ، فإن ~~«أو» ليست للإباحة هنا ، وإنما هي مرتبة الحكم باختلاف الجناية ، وقال ~~الشافعي : إن أخذ المال جهرا كان للإمام صلبه حيا ولم يقتل ، قال : ويحد كل ~~واحد بقدر فعله ، فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه ~~ويصلب ثلاثا ثم ينزل ، قال أبو عبيد : سألت محمد بن الحسن عن قوله : ( ~~@QUR@02 أو يصلبوا ) فقال : هو أن يصلب حيا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل ، وهو ~~رأي أبي حنيفة ، فقيل له : هذا مثلة ، قال : المثلة يراد به ، وقيل : معنى ~~«أو» ها هنا للإباحة والتخيير ، أي إن شاء الإمام قتل ، وإن شاء صلب ، وإن ~~شاء نفى ، عن الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد ، وقد روي ذلك عن أبي عبد الله ~~عليه السلام » (1). # ولسنا هنا في مجال تحديد الرأي الأقرب في هذا التفسير ، ولكن يمكن أن ~~يكون الأقرب إلى ظاهر القرآن هو حمل «أو» على التخيير كما وردت الرواية في ~~ذلك عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وذلك في رواية الكافي PageV08P150 # بإسناده إلى جميل بن دراج ، قال : «سألت أبا عبد الله عليه السلام ، عن ~~قول الله تعالى : ( @QUR@017 إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ) إلى آخر الآية ، أي ~~شيء عليه من هذه الحدود التي سمى الله عز وجل ؟ قال : ذلك إلى الإمام إن شاء ~~قطع ، وإن شاء صلب ، وإن شاء نفى ، وإن شاء قتل ، قلت : النفي إلى أين؟ قال ~~: ينفى من مصر إلى مصر آخر ، وقال : إن عليا عليه السلام نفي رجلين من ~~الكوفة إلى البصرة» (1). # وجاء في رواية الكافي عن ms1858 بريد بن معاوية ، قال : «سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@06 إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ) قال : ذلك إلى الإمام يفعل ما يشاء ، قلت : فمفوض ذلك إليه؟ قال : ~~لا ، ولكن نحو الجناية» (2). والظاهر من الرواية أن اختيار الإمام لا بد ~~من أن ينطلق من دراسة طبيعة ما تقتضيه من نوع العقوبة في تأثيرها ، فلا ~~تنافي في الروايات التي عينت لكل نوع من الحرابة عقوبة خاصة. وإن كان ~~المعنى الآخر لا يبتعد عن موازين الصحة في التعبير. والذي يذهب إليه ~~أصحابنا الإمامية ، أن ينفى من بلد إلى بلد حتى يتوب ويرجع ، وبه قال ابن ~~عباس والحسن والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم ، وإليه ذهب الشافعي. قال أصحابنا ~~: ولا يمكن من الدخول إلى بلاد الشرك ، ويقاتل المشركون على تمكينهم من ~~الدخول إلى بلادهم حتى يتوبوا (3). # وقد جاء في بعض روايات أهل البيت عليه السلام أن المراد من النفي في الأرض ~~عدم الاستقرار فيها بحيث لا يكون له مقر فيها ، وذلك مما رواه في PageV08P151 # الكافي عن عبيد الله بن إسحاق المدائني عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ~~قال : سئل عن قول الله عز وجل : ( @QUR@012 إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ) الآية ، فما الذي فعله استوجب ~~واحدة من هذه الأربع؟ فقال : إذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ~~فقتل قتل به ، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت ~~يده ورجله من خلاف وإن شهر السيف فحارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ~~ولم يقتل ولم يأخذ المال ينفى من الأرض ، قال : قلت : كيف ينفى؟ وما حد ~~نفيه؟ قال : ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره ، ويكتب إلى ~~أهل ذلك المصر أنه منفي فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تؤاكلوه ~~ولا تشاربوه ، فيفعل ذلك به سنة ، فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب إليهم ~~بمثل ذلك حتى تتم السنة ، قلت : فإن توجه إلى ms1859 أرض الشرك ليدخلها؟ قال : إن ~~توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها (1). # «وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن النفي هو الحبس والسجن. واحتجوا بأن ~~المسجون يكون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعا من التصرف محولا بينه ~~وبين أهله مع مقاساته الشدائد في الحبس» (2). # وجاء في كتاب البرهان في تفسير القرآن عن أحمد بن الفضل الخاقاني ، عن آل ~~رزين قال : «قطع الطريق بجولاء على السابلة من الحجاج وغيرهم وأفلت القطاع ~~، فبلغ الخبر المعتصم ، فكتب إلى العامل بها وتأمر الطريق بذلك فقطع على ~~طرف إذن أمير المؤمنين ثم انفلت القطاع ، فإن أنت طلبت هؤلاء وظفرت بهم ~~وإلا أمرت أن تضرب ألف سوط ثم تصلب بحيث قطع الطريق. قال : وأصلهم العامل ~~حتى ظفر بهم ، واستوثق منهم ثم كتب بذلك PageV08P152 # إلى المعتصم ، فجمع الفقهاء وقال ابن أبي داود : ثم سأل الآخرين عن الحكم ~~فيهم ، وأبو جعفر محمد بن علي الرضا الجواد حاضر فقالوا : سبق حكم الله ~~فيهم في قوله : ( @QUR@024 إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ) ولأمير المؤمنين أن يحكم بأي ذلك شاء فيهم ، فالتفت إلى أبي ~~جعفر عليه السلام ، فقال له : ما تقول في ما أجابوا فيه؟ قال : قد تكلم ~~هؤلاء الفقهاء والقاضي بما سمع أمير المؤمنين ، قال : وأخبرني بما عندك. ~~قال : إنهم قد ضلوا في ما أفتوا به ، والذي يجب في ذلك أن ينظر أمير ~~المؤمنين في هؤلاء الذين قطعوا الطريق ، فإن كانوا أخافوا السبيل فقط ولم ~~يقتلوا أحدا ولم يأخذوا مالا ، يأمر بإيداعهم الحبس ، فإن ذلك معنى نفيهم ~~من الأرض بإخافتهم السبيل ، وإن كانوا قد أخافوا السبيل وقتلوا النفس ~~وأخذوا المال أمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وصلبهم بعد ذلك ، فكتب إلى ~~العامل بأن يمثل ذلك فيهم». # والظاهر من هذه الرواية أن الإمام محمد الجواد عليه السلام يفسر النفي من ~~الأرض بإدخالهم السجن بما يوافق أبي حنيفة وأصحابه ، ولعل الوجه في ذلك أن ~~النفي ms1860 من الأرض يعني إخراجهم من الأرض التي يتحركون فيها ، وهذا مما يتحقق ~~بالحبس باعتبار أنه يمثل إبعاد الإنسان عنها ، فلا يراه أحد فيها ولا يرى ~~أحدا فيها. ولكن الرواية على الظاهر ضعيفة لمعارضتها بما دل على أن المراد ~~بالنفي الإخراج من البلد إلى بلد آخر ، كما أن هذا التفسير خلاف الظاهر ، ~~إذ المتبادر من النفي من الأرض إبعاده عنها بإخراجه منها من حيث الأساس ، ~~والله العالم. # أما طريقة ثبوت التوبة التي هي الندم على الجريمة والعزم على الترك في ~~المستقبل فلا بد من الاعتماد فيها على وسائل الإثبات في أمثال هذه الأمور ، ~~ويتحقق ذلك بشهادة عدلين على إعلان التوبة من المحارب أو المفسد PageV08P153 # في الأرض في ظروف أو في أمكنة بعثه بشكل إرادي من دون ضغط أو إكراه من أحد. # وربما يثبت ذلك بظهور الصلاح في سلوكه ، وتحوله إلى إنسان صالح مسالم لا ~~يؤذي أحدا ، ولا يتعرض لأية تجربة مماثلة لما فعله ، مما يوحي بأنه تائب عن ~~الجريمة. # * * * ### ||| ** كيف نفسر «قسوة» هذا التشريع؟ # قد تثار هنا فكرة قسوة هذا التشريع بما لا يتناسب مع صفة الرحمة التي ~~يتحدث عنها الإسلام كصفة لازمة لتشريعاته ، وقد سبقت الإشارة في سياق تفسير ~~آيات القصاص إلى ضرورة دراسة «الرحمة» ضمن نطاق تحديد المصلحة الواقعية ~~لحياة الإنسان العامة ، والخاصة ، لا نطاق العاطفة المتمثلة في الشفقة ~~كإحساس ذاتي عاطفي ، الأمر الذي يجعلنا ندخل في عملية توازن ومقارنة بين ~~حجم الجريمة التي يقوم بها هؤلاء المحاربون لله ولرسوله المفسدون في الأرض ~~، وتأثيرها على سلامة المجتمع الذي يتعرض للخطر من قبل هؤلاء ، وبين حجم ~~العقاب الذي يراد منه أن يكون عنصر ردع للآخرين ، لئلا يتكرر ظهور مثل هذه ~~النماذج البشرية المجرمة المنحرفة التي تسيء إلى الناس عند ما تسيء إلى ~~حدود الله التي تنظم السلامة العامة للمجتمع. ومن هنا ، كان التشريع ~~الإسلامي في تناوله للمشكلة من جذورها يعيش ويتحرك في الواقع الإنساني بحيث ~~لا يحل جانبا من المشكلة دون آخر ، بل يضع حدا للمعاناة الدائمة التي تنتج ~~عن ms1861 مثل هذه المشكلات من خلال استئصالها ، فيعيش المجتمع بذلك في راحة ووئام. PageV08P154 # ( @QUR@05 ذلك لهم خزي في الدنيا ) تحقيرا وإبعادا لهم عن ساحة الحياة ~~الكريمة ، فيرتدع بذلك كل من يفكر في هذا الاتجاه ، ويرى لنفسه الكرامة ~~والمنزلة الرفيعة. ( @QUR@05 ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) لأنهم تمردوا على ~~الله وحاربوه في دينه وفي بلاده وعباده. ولكن الإسلام لا يغلق الباب على ~~هؤلاء ، بل يفتح لهم باب الرحمة بشكل واسع من دون أن يؤدي ذلك إلى الاجتراء ~~على سلوك هذا السبيل المنحرف. فقد فرق بين نموذجين من هؤلاء : النموذج الذي ~~لا يفكر بالتوبة إلا بعد إلقاء القبض عليه ومواجهته للعقوبة ، والنموذج ~~الذي يتوب وهو يملك حرية الحركة في الهرب ، والتخلص من العقوبة. فإن الجزاء ~~القاسي في الدنيا والآخرة ينتظر النموذج الأول ، لأن استمراره في الالتزام ~~بخط الجريمة والانحراف إلى اللحظة التي يلقى القبض فيها عليه ، يدل على ~~تأصل الانحراف في شخصيته ، ويوحي بإمكانية الامتداد في ممارستها في ~~المستقبل. أما النموذج الثاني ، وهو الذي أشارت الآية إليه بقوله تعالى : ( ~~@QUR@013 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم ) فأولئك هم الذين ينالهم الله بالمغفرة والرحمة ، لأنهم تابوا من ~~موقع القناعة الحرة التي لا تخضع لضغط ، مما يوحي بأن الجريمة لم تكن إلا ~~عرضا طارئا لا عمق ولا امتداد لها في حياته ، ولذلك يعينهم الله على ~~تجاوزها ، لئلا تبقى في داخلهم عنصر قلق وحيرة وضياع ، فيفتح لهم أبواب ~~مغفرته ، وبذلك يشعرون بأن الله يتقبلهم فيبدءون حياة جديدة في ظل المغفرة ~~والرحمة ، تبتعد بهم عن كل ما يرهق حياتهم وحياة الآخرين بالانحراف ~~والخطيئة. # * * * PageV08P155 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا ~~في سبيله لعلكم تفلحون ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 اتقوا الله ): أصل الاتقاء في اللغة : الحجز بين الشيئين ، ~~يقال : اتقى السيف بالترس ، ويقال : اتقوا الغريم بحقه ، والمراد به هنا ~~مراقبة الله واتقاء سخطه وعذابه بامتثال أوامره ونواهيه. # ( @QUR@01 الوسيلة ): من قولهم : توسلت إليه : أي تقربت ، يقال : وسل ~~إليه أي تقرب ، والمراد بها : الوصلة ms1862 والقربة ، أي ما يتوسل به إلى رضوان ~~الله أو يقربكم إليه من طاعته. # وقال الراغب : الوسيلة : التوصل إلى الشيء برغبة (1). # وقد يطلق على أعلى منزلة أو درجة في الجنة ، كما في بعض الأخبار. # وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : سلوا الله لي الوسيلة ~~فإنها درجة في PageV08P156 # الجنة لا ينالها إلا عبد واحد وأرجو أن أكون أنا (1). والرواية ضعيفة ، ~~ولا مجال لحمل كلمة الوسيلة عليه لأنها موجهة إلى الناس للحصول عليها مما ~~يمكن أن تكون لهم جميعا. # * * * ### ||| ** اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة # ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) وهذا نداء للمؤمنين كي يتقوا ~~الله ويراقبوه في داخل نفوسهم ، في حركتهم في الحياة ، ولا يكونوا كالذين ~~أغلقت قلوبهم عن الله ، وانفتحت للشيطان ، فعاشوا تحت تأثير الشعور بالحرية ~~في ما يأخذون ويدعون ، من دون رقيب ولا حسيب. وتتحول التقوى بذلك إلى خط ~~للفكر وللحياة ، وإلى طابع للشخصية ، وعنوان للحركة. ( @QUR@03 وابتغوا ~~إليه الوسيلة ) ثم عقب ذلك بالطلب إليهم بأن يبتغوا إليه الوسيلة التي تمثل ~~الوصلة إليه والقرب منه ، وهي كناية عن الطرق التي يتحرك فيها الإنسان على ~~أساس من هدى الله ، والغايات التي يدعو الله الناس إلى أن يبلغوها ، من ~~خلال ما يتعاملون به من وسائل وما يخططون له من أهداف ، وذلك بالسير على ~~منهاجه القويم وصراطه المستقيم في أحكامه التي شرعها ، والأعمال التي دعا ~~إليها ، والمواقف التي حث عليها ، وبذلك يصل الإنسان إلى طاعة ربه ، لأن ~~الله ليس جسما يحده مكان ، ليكون الوصول إليه بالوسائل المادية الطبيعية ، ~~بل هو فوق ذلك لا يحويه مكان ، ولا يحده زمان ، فلا بد للوصول إليه من ~~الاستجابة له في أوامره ونواهيه. وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في سورة ~~الإسراء : ( @QUR@015 قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا* أولئك الذين PageV08P157 # @QUR@016 يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) [الإسراء : 56 57] ، وذلك تأكيد للإنسان كي ~~يدقق ويفتش في كل ما ms1863 حوله ومن حوله من الفرض المتاحة له في علاقاته ~~بالآخرين وخدمته لهم وعمله في حياتهم ، ومن الأشخاص الذين يمثل الارتباط ~~بهم ارتباطا بخط الله لأنهم يمثلون معاني الحق والعدل والهدى ، ويتحركون في ~~خط القيادة حيث يقودون الناس إلى القرب من طاعة الله والبعد عن معصيته. إنه ~~القلق الروحي الإيجابي الذي يجعل الإنسان يتطلع إلى الله ، ليجعل الحياة ~~كلها خطوات عملية تقربه إليه وتصله به في مواطن القرب والرحمة والرضوان .. ~~هذا وقد حاول بعض المفسرين أن يستنطق كلمة الوسيلة لتشمل شفاعة الأنبياء ~~والأئمة والأولياء الصالحين ، لاعتبارها نوعا من أنواع التقرب إلى الله ~~الذي نص عليه القرآن الكريم ، وبذلك تكون داخلة في المفهوم الواسع لكلمة ~~الوسيلة. # ولكننا نلاحظ على ذلك ، أن الشفاعة حقيقة قرآنية إيمانية دلت عليها ~~الآيات القرآنية التي جعلت الشفاعة لمن ارتضى مكرمة لعباده المقربين إليه ~~الذين أراد الله أن يكرمهم بالشفاعة لمن أراد الله أن يغفر لهم ويرفع ~~درجتهم في الآخرة ، ولا قيمة للحديث عن منافاة ذلك للتوحيد واقترابه من ~~الشرك ، إذ التوسل بهؤلاء المقربين طلبا للشفاعة منهم إلى الله ليس توسلا ~~شخصيا موجها إليهم في خصائصهم الذاتية ، بل هو طلب من الله بقضاء الحاجة ~~بكرامتهم عنده وأن يشفعهم به ، بما لهم من درجة الشفاعة إليه من خلال ما ~~جعله من ذلك ، فليس للعبد وإن كان نبيا أي شأن ذاتي أو قدرة شخصية في ذلك ، ~~وليس هناك أي توجه نحوه ، إلا من خلال ما جعله الله من ذلك على طريقة ~~استغفار الرسول لهم وطلبه من الله أن يغفر لهم ويقضي حاجتهم على هدى ما ~~جاءت به الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@015 ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) ~~[النساء : 64] ، PageV08P158 # وفي طلب إخوة يوسف من أبيهم يعقوب أن يستغفر لهم : ( @QUR@018 قالوا يا ~~أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين* قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم ) [يوسف : 97 98]. # ولذلك فإن التوسل بهذا المعنى يؤكد التوحيد ولا ينافيه. وقد وردت به ms1864 ~~الروايات المتواترة من طرق الشيعة والسنة ، ولكن سياق الآية لا يشمل هذه ~~القضية ، لأنها واردة في مقام تأكيد الارتباط بالله من حيث الإخلاص في ~~العبودية له ، والاستقامة على خط العمل في مواقع رضاه والابتعاد عن مواقع ~~سخطه ، وهذا ما توحي به كلمة التقوى والجهاد في الله حق جهاده ، مما يجعل ~~المسألة منفتحة على الله في حركة الإنسان نحو السبل التي تقربه إليه ، ~~وتدفع به نحو الوصول إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. وهذا ما أشار إليه أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة في قوله : «إن أفضل ما ~~توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى ، الإيمان به وبرسوله ، والجهاد ~~في سبيله ، فإنه ذروة الإسلام ، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة ، وإقام الصلاة ~~فإنها الملة ، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنه جنة ~~من العقاب ، وحج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان (1) الذنب ، ~~وصلة الرحم فإنها مثراة (2) في المال ومنسأة (3) في الأجل ، وصدقة السر ~~فإنها تكفر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء ، وصنائع ~~المعروف فإنها تقي مصارع الهوان» (4). # وإذا كان للشخص دور في معنى الوسيلة ، فإن دوره هو أن يقرب العباد إلى ~~الله بالدعوة والموعظة والتسليم والتزكية والاتجاه بالإنسان إلى PageV08P159 # الصراط المستقيم ، ليكون التقرب إلى الله به بالعمل على طاعته ، وهذا ما ~~أشار إليه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان تعليقا على ما ورد في تفسير ~~القمي في قوله تعالى : ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) قال : فقال : تقربوا إليه ~~بالإمام. أقول : أي بطاعته فهو من قبيل الجري والانطباق على المصداق (1). ~~وعلى هذا ، فإن ملاحظته تلتقي بملاحظتنا من أنها ليست واردة في التوسل. ~~والله العالم. # وينطلق نداء الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ، ( @QUR@03 وجاهدوا في ~~سبيله ) ليكمل الصورة الحية للشخصية المؤمنة ، ليتحول خط التقوى إلى معاناة ~~شاقة وجهاد شديد ، بالمال والنفس ، وبكل الطاقات التي تتحرك في نطاق قدرته ~~بمختلف الأساليب التي يتبعها المجاهدون في جهادهم ، مما يبني حياة الإنسان ~~على ms1865 قاعدة صلبة ثابتة لا مجال فيها لاهتزاز ، ولا موضوع فيها لانحراف ، ( ~~@QUR@02 لعلكم تفلحون ) وذلك هو سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. # * * * PageV08P160 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) @QUR@012 ~~يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليفتدوا ): ليجعلوه فدية لأنفسهم ، قال الزمخشري : وهذا تمثيل ~~للزوم العذاب لهم ، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه (1). # * * * ### ||| ** لا فدية للكافرين يوم القيامة # ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) وابتعدوا عن الله بفكرهم وروحهم وحياتهم .. ~~هؤلاء الذين لم يشعروا بالحاجة إلى أن يفتحوا لأنفسهم طريقا على الله ~~ليحسوا بوجوده في داخلهم ، وليراقبوا خطواتهم العملية في الحياة ، ما ~~مصيرهم في PageV08P161 # الآخرة؟ هل ينفعهم ما حصلوا عليه في الدنيا من مال أو جاه أو شهرة؟ وهل ~~يخلصهم ذلك كله من عذاب الله كما كانوا يفعلون في الدنيا إذا وقعوا في مأزق ~~أو مصيبة حيث يفتدون ذلك بأموالهم؟ ولكن ما قيمة مالهم؟ ( @QUR@015 لو أن ~~لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ) فلا ~~قيمة له ولا نفع له ، لأن ذلك هو ما يتعامل به أمثالهم من الناس في الدنيا ~~، فيتنازلون عما لهم من حقوق في مقابل مال يحصلون عليه أو جاه يخضعون له ، ~~ولكن الله الغني عن عباده في وجودهم وفي كل شيء يحيط بهم ، لا يتعامل معه ~~بهذا الأسلوب ، إذ ليس هناك إلا طاعة والإنابة إليه ، وهما السبيل إلى ~~الحصول على رضاه والبعد عن عقابه ، ( @QUR@03 ما تقبل منهم ) مهما قدموا من ~~مغريات ، ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) فتفاجئهم النار التي كانوا في غفلة ~~عنها ، ويتعاظم لديهم الشعور بهول المصير ، ف ( @QUR@09 يريدون أن يخرجوا ~~من النار وما هم بخارجين منها ) فيلتفتون يمنة ويسرة ، لعل هناك طريقا ~~للفرار ، أو منفذا للهرب ، ولكنهم عبثا يحاولون ، لأن الطريق مسدودة من ~~جميع الجوانب ، فقد أطبقت عليهم النار من كل جهاتهم ، فتتحطم كل محاولاتهم ~~للخروج ، فهذه دار خلود ms1866 لهم وأي خلود هذا؟ إنه ليس الخلود الذي يحلم به ~~الحالمون! إذ لا مجال فيه للحياة السعيدة ، ولا للموت ، حيث يستريحون من ~~مشاكلهم وآلامهم التي تواجههم ، بل هي الحياة التي تشبه الموت في عدم ~~الإحساس بطعمها اللذيذ ، وهو الموت الذي لا يعفي الإنسان من الوقوع تحت ~~قبضة الآلام والعذابات التي تحفل بها الحياة ، ( @QUR@03 ولهم عذاب مقيم ) # * * * PageV08P162 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم (38) @QUR@014 فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) @QUR@019 ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والسارق ): السرقة : أخذ ما ليس له ، أخذه في خفاء. # ( @QUR@01 نكالا ): عقوبة تمنعهما عن الاجرام ويعتبر بها غيرهما من الناس. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي نقلا عن الكلبي أنها نزلت في طعمة بن PageV08P163 # أبيرق ، سارق الدرع (1). وأبيرق هذا ذكر قصته الواحدي وفق التالي : إن ~~رجلا من الأنصار ، يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث ، سرق درعا ~~من جار له يقال له قتادة بن النعمان ، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق ، فجعل ~~الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق ، ثم ~~خبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين ، فالتمست الدرع عند طعمة ~~فلم توجد عنده وحلف لهم : والله ما أخذها وماله به من علم ، فقال أصحاب ~~الدرع : بلى والله قد أدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره ، فرأينا ~~أثر الدقيق فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل ~~اليهودي فأخذوه ، فقال : دفعها إلي طعمة بن أبيرق ، وشهد له أناس من اليهود ~~على ذلك ، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة ، انطلقوا بنا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فكلموه في ذلك ، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم ، وقالوا ~~: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي ، فهم رسول الله ~~صلى ms1867 الله عليه وآله وسلم أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي حتى أنزل ~~الله تعالى : ( @QUR@05 إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ) [النساء : 105] ، ~~الآيات كلها ، وهذا قول جماعة من المفسرين (2). # ونلاحظ على هذه الرواية أن ما ذكر فيها من أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هم «أن يجادل عن طعمة لأن الدرع وجد عنده» ليس مناسبا ~~لمقامه العظيم في التأكيد على خط العدل ، لأن الدفاع عن طعمة لا بد من أن ~~يكون مستندا إلى حس أو قرينة قاطعة ، وهذا مما لم يتحقق حسب الرواية في ~~الحادثة ، لأن مجرد تناثر الدقيق إلى بيت زيد لا يدل على أنه هو السارق ، ~~لا سيما بعد شهادة ناس من اليهود الذين إذا لم تفد شهادتهم الوثوق ، فإنها ~~لا بد من أن تفيد الاحتمال الذي لا بد من أن يتوقف عنده الحاكم الشرعي ~~للتدقيق ، ولهذا فإن الرواية قد تكون واردة على سبيل الاجتهاد ، لا على ~~سبيل السماع. PageV08P164 # وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر «أن امرأة سرقت ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقطعت يدها اليمنى ، فقالت : هل لي ~~من توبة يا رسول الله؟ قال: نعم ، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك ، ~~فأنزل الله في سورة المائدة : ( @QUR@014 فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن ~~الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) (1). # ونلاحظ : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبرها بقبول التوبة قبل نزول ~~الآية حسب الرواية والظاهر من سياق الآية أنها نزلت مقارنة للآية السابقة ( ~~@QUR@04 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) لأن المقصود هو بيان الحكم في ~~هذه القضية من جميع جوانبه. وفي ضوء ذلك قد تكون الآية الثانية واردة لبيان ~~حكم القضية بعد التوبة من حيث إن الحد يرفع عن التائب بعد السرقة قبل ثبوت ~~الجريمة عليه لدى السلطة الشرعية على هدى ما جاء في قوله تعالى في حد ~~المحارب : ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ). والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** حد السرقة في الإسلام ms1868 # ( @QUR@013 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم ) وهذا حد آخر من حدود الله ، يبسط الله من خلاله ~~للناس الأمن على أموالهم ، كما أنه في حدوده الأخرى ، يحفظ لهم حياتهم ~~وأعراضهم. فقد يندفع بعض الناس إلى الاعتداء على أموال الآخرين تحت تأثير ~~الرغبة في الحصول على المال من دون عمل ، فكيف نواجه هؤلاء؟ هل نكتفي ~~بالسجن ، PageV08P165 # كما تفعل القوانين الوضعية ليكون السجن رادعا عن السرقة ، مع ما يمثله من ~~حجز للحرية التي يعيش الإنسان معانيها الحلوة في حياته كما يعيش الأحلام ، ~~وبذلك يكون منعها شبيها بمنع الماء والهواء عنه؟ إن تجارب عديدة في ظل هذا ~~التشريع دلت على أن السجن قد يكون مدرسة يتعلم فيها الإنسان احتراف الاجرام ~~، حيث يكون هذا التجمع الإجرامي فرصة لتبادل الخبرات والتجارب. وربما كان ~~سبيلا لتأليف عصابة للسرقة أو للقتل أو لغيرهما من الجرائم ، وذلك عند ما ~~تفتح أمامهم فرص الاجتماع بعد الخروج من السجن. # وقد يتحول جو السجن إلى عقدة توحي لهم بالتمرد والامتداد في الخط الذي ~~بدأوا به حياتهم ، انطلاقا من الرغبة في الانتقام لأنفسهم. ولهذا سلك ~~الإسلام في تشريعه طريقا آخر يردع السارق ، وذلك عن طريق تعطيل الأداة التي ~~يمارس بها هذا اللون من الاعتداء ، ليكون ذلك بمثابة المشكلة الحية ~~المتحركة المستمرة التي تذكره دائما بالجريمة في نتائجها في حياته ، عند ما ~~يريد أن يأكل أو يشرب أو يمسك أي شيء بيده ، أو عند ما تدفعه الحاجة إلى ~~العمل من أجل حياته ، أو يبعه مزاجه إلى أن يظهر للناس بمظهر جميل يثير ~~إعجابهم ، وما إلى ذلك من الأمور الذاتية التي تعتبر اليد عنصرا حيويا ~~بالنسبة إليه .. وفي الوقت نفسه ، تكون هذه المشكلة صورة إعلامية لكل الناس ~~الذين يرونه ، فيدفعهم ذلك إلى التساؤل عن السبب في ذلك من باب الفضول ككل ~~إنسان يشاهد شيئا غير مألوف أو غير طبيعي في حياة إنسان آخر ، وبذلك تعود ~~الجريمة لتثأر من جديد ، ولتتحرك في وعي الناس الذين يفكرون في جريمة ~~مماثلة ms1869 ، لتعرفهم على الطبيعة كيف تكون النتائج السلبية من خلالها على ~~حياتهم الخاصة ، بالإضافة إلى حياة الآخرين العامة. # وقد يتحدث البعض عن سلبية اجتماعية واقتصادية في هذا الحد القاسي ، لأنه ~~يحول فريقا كبيرا من أفراد المجتمع إلى فئات عاطلة عن العمل ، بعيدة عن ~~الكرامة في حياتها المستقبلية ، إذا أرادت أن تبدأ الحياة على أساس PageV08P166 # نظيف ومسئول. # * * * ### ||| ** بين حد السرقة والمصلحة العامة # ولنا أن نتساءل عن الفكرة التي تحكم طبيعة الحد من الجريمة ، فهل المفروض ~~أن نحافظ على المصلحة الخاصة للمجرم ، أو أن المصلحة العامة هي الأساس الذي ~~يجب أن نرتكز عليه ، لتكون التضحية بالمصلحة الخاصة وسيلة للوصول إلى ~~الجانب العام للمصلحة؟ # ولا بد من أن يكون الجواب في اختيار الجزء الثاني من السؤال ، وقد تحدثنا ~~عن الفكرة التي تحكم أسلوب الحدود الإسلامية في حديثنا عن القصاص ، كالحد ~~الإسلامي للقتل ، وذلك في آخر الحلقة الثالثة من هذا التفسير ، فليرجع ~~إليه. أما الحديث عن حجم المشكلة التي تحدث من خلال تطبيق هذا الحد ، فليس ~~دقيقا كما حاول البعض إثارته ، إذ إن مهمة التشريع للحد ، تتمثل في تحقيق ~~الردع عن الجريمة ، وبذلك لن تكون حوادث الجريمة كثيرة في المجتمع الذي ~~يتولى تطبيق الحد الشرعي ، وهذا ما تؤكده الإحصائيات في البلاد التي تجعل ~~هذا الحد قانونا شرعيا لها لمواجهة جريمة السرقة ، وقد نستطيع تأكيد هذا ~~الموضوع من خلال دراستنا للأجواء التي يطبق فيها هذا الحد الشرعي. فقد ذكر ~~الفقهاء شروطا معينة في هذا المجال ، منها : # 1 أن يكون المسروق في حرز ، ويخرجه السارق منه ، فمن سرق سيارة مثلا من ~~كاراج مقفل يحد ، ويرجع السيارة إلى أهلها ، ومن سرقها من الطريق ، أو من ~~كاراج غير مقفل فلا يحد ، بل يعزر بما يراه الحاكم ، ويرجع المسروق إلى ~~صاحبه ، ولا خلاف في ذلك. PageV08P167 # 2 اتفقوا على أنه لا قطع إلا في ربع دينار أو أكثر ، وقال أبو حنيفة : بل ~~في دينار. # 3 أن يكون السارق بالغا ، لحديث : «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم ، وعن ~~المجنون حتى يفيق ، وعن ms1870 النائم حتى يستيقظ» ... # 4 أن لا تكون السرقة في عام المجاعة ، فإذا سرق الجائع مأكولا ، حيث لا ~~وسيلة لسد حاجته إلا السرقة فلا حد عليه» (1). # وهكذا نجد أن المجال يضيق من خلال هذه الشروط ، لينحصر الحد في فئات خاصة ~~، وبذلك لن تكون المشكلة كبيرة ، كما يتصور البعض. # * * * ### ||| ** كيفية القطع # «أما كيفية القطع ، فقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن الكف اليمنى تقطع ~~من المفصل. وقال الإمامية : تقطع أصابعه الأربعة من الكف اليمنى ، وتترك ~~الراحة والإبهام» (2). وربما كان رأي الإمامية موجبا للتخفيف من بعض ~~المشاكل التي يحدثها الحد للسارق ، فإن بقاء الراحة والإبهام قد يحقق له ~~بعض الإمكانات لاستعمال يده في بعض المجلات. # وقد جاء عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن عامة أصحابه يرفعه ~~إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، أنه كان إذا قطع يد السارق ~~ترك له الإبهام والراحة ، فقيل له : يا أمير المؤمنين تركت عامة يده ، PageV08P168 # قال : فقال لهم : فإن تاب فبأي شيء يتوضأ» (1). # وجاء في تفسير العياشي عن زرقان صاحب ابن أبي داود وصديقه بشدة قال : رجع ~~ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم ، وهو مغتم ، فقلت له في ذلك ، فقال : ~~وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة ، قال : قلت له : ولم ذاك؟ قال : لما ~~كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير ~~المؤمنين المعتصم ، قال : قلت : وكيف كان ذلك؟ قال : إن سارقا أقر على نفسه ~~بالسرقة ، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه ، فجمع لذلك الفقهاء في ~~مجلسه ، وقد أحضر محمد بن علي فسألنا عن القطع ، في أي موضع يجب أن يقطع؟ ~~قال : فقلت : من الكرسوع لقول الله في التيمم : ( @QUR@03 فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم ) واتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق ، ~~قال : وما الدليل على ذلك؟ قالوا : لأن الله لما قال : ( @QUR@03 وأيديكم ~~إلى المرافق ) في الغسل دل على ذلك أن حد اليدين هو المرفق. # قال : فالتفت إلى محمد بن ms1871 علي فقال : ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال : ~~قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين قال : دعني بما تكلموا به ، أي شيء ~~عندك؟ قال : اعفني من هذا يا أمير المؤمنين قال : أقسمت عليك بالله لما ~~أخبرت بما عندك فيه ، فقال : أما إذا أقسمت علي بالله ، إني أقول : إنهم ~~أخطئوا فيه السنة ، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فتترك الكف ~~، قال : وما الحجة في ذلك؟ قال : قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~السجود على سبعة أعضاء : الوجه واليدين والركبتين والرجلين ، فإذا قطعت يده ~~من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها ، وقال الله تبارك وتعالى : ~~( @QUR@03 وأن المساجد لله ) [الجن : 18] يعني هذه الأعضاء السبعة التي ~~يسجد عليها ، ( @QUR@05 فلا تدعوا مع الله أحدا ) [الجن : 18] وما كان لله ~~لم يقطع ، قال : فأعجب المعتصم PageV08P169 # ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف» (1). # وإذا صحت هذه الرواية من حيث السند ، كان تفسير قول الله تعالى : ( ~~@QUR@08 وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) مختلفا عما هو المعروف ~~من كلمة المساجد بإرادة أماكن السجود لا مواضع السجود ، أي الأرض التي يسجد ~~عليها لا العضو الذي يسجد به على الأرض. # ( @QUR@014 فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور ~~رحيم )، ظاهرة هذه الآية أن الإنسان إذا سرق وتاب وأصلح أمره قبل أن تثبت ~~عليه الجريمة فإن الله يتوب عليه ، وظاهر التوبة هنا سقوط الحد عنه ، ~~بقرينة الآية السابقة. وبذلك تكون هذه الآية مشابهة للآية التي جاءت بعد ~~الحديث عن حد الحرابة : ( @QUR@08 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~). [المائدة : 34] وهذا ما ذهب إليه جمهور الإمامية ، أما المذاهب الأربعة ~~فقالت : إن توبة السارق لا تسقط عنه الحد ، لأنهم حملوا التوبة من الله ~~عليه ، برفع العذاب عنه في الآخرة ، وخالفهم في ذلك صاحب تفسير المنار ، ~~وعلى جميع الأقوال ، فإن على السارق أن يعيد المال أو بدله لصاحبه. # وجاءت الآية الثالثة ( @QUR@014 ألم تعلم أن الله ms1872 له ملك السماوات والأرض ~~يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء )، لتؤكد على الأسلوب الذي درج عليه القرآن ~~في الإيحاء بعظمة الله للناس وسلطته المطلقة في التصرف بعباده بالعذاب أو ~~بالمغفرة ، على أساس الحكمة التي أقام الكون عليها ، في إيصال الإنسان إلى ~~الأهداف الكبري التي يراد له أن يبلغها في حياته العامة والخاصة. وقد يكون ~~لهذا الأسلوب القرآني تأثير كبير على مشاعر الإنسان وتصوراته ، لتحقيق أكبر ~~قدر ممكن من الانضباط أمام حدود الله في نطاق الخضوع للقدرة الإلهية ~~المطلقة ، ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ). PageV08P170 ### ||| * الآيات # ( @QUR@068 يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم (41) @QUR@026 سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن ~~الله يحب المقسطين (42) @QUR@015 وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم ~~الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) (43) # * * * PageV08P171 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 سماعون للكذب ): أي قابلون له ، يقال : لا تستمع من فلان قوله ~~، أي : لا تقبل ، ومنه : سمع الله لمن حمده : أي تقبل الله منه حمده ، وفيه ~~وجه آخر كما في مجمع البيان وهو أن معناه أنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك (1). # ( @QUR@03 سماعون لقوم آخرين ): قيل معناه : سماعون من رسول الله لأجل ~~قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منهم. # ( @QUR@02 يحرفون الكلم ): يميلونه ويزيلونه. # ( @QUR@01 فتنته ): الفتنة : الاختبار ، وأصله التخليص ، من قولهم : ~~فتنت الذهب في النار ، أي خلصته من الغش. # ( @QUR@01 للسحت ): الحرام ، وأصل السحت الاستئصال يقال : سحته وأسحته : ~~أي استأصله. ويقال للحالف : أسحت أي استأصل ، وأسحت ماله : أفسده وأذهبه. ~~ولعل إطلاق السحت على الحرام لأنه لا بركة ms1873 فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال ~~، أو لأنه يعقب عذاب الاستئصال والبوار. # ( @QUR@02 فاحكم بينهم ): الحكم هو فصل الأمر على وجه الحكمة في ما يفعل ~~به ، وقد يفصل به لبيان أنه الحق ، وقد يفصل بإلزام الحق والأخذ به ، كما ~~يفصل الحاكم بين الخصوم بما يقطع الخصومة ويثبت القضية. # ( @QUR@01 يتولون ): التولي : الانصراف عن الشيء. والتولي عن الحق : PageV08P172 # الترك له ، وهو خلاف التولي إليه لأنه الإقبال عليه ، والتولي له : صرف ~~النصرة والمعونة إليه. # * * * ### ||| ** القران والتصدي الواقعي لظاهرة النفاق # وهذه صورة حية من صور البلبلة التي كانت تسود مجتمع المدينة ، بفعل ما ~~كان يثيره المنافقون واليهود من مشاكل وأزمات داخل المجتمع الإسلامي ، مما ~~أثقل قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حزنا وقلقا وألما رساليا إلى أقصى ~~الحدود ، فهموم النبوة لا يمكن فصلها عن هموم الرسالة ، لأن الهم الشخصي ~~والذاتي للنبوة يذوب في الهم الرسالي لدرجة أنه لا يمكن تفكيك أحدهما عن ~~الآخر. فالنبي في كل حركاته ومواقفه وتطلعاته ، في كل آماله وأشواقه ، في ~~كل آلامه وأحزانه .. في حضوره التاريخي ، إنما يفعل وينفعل بانفعالات فعل ~~الرسالة التي يحملها. فعلى صعيد النبوة ثمة تماه مطلق بين ذات النبي ~~ورسالته. ولعل هنا بالتحديد يكمن سر العصمة ومرتكزها. ولذا جاءت هذه الآيات ~~لتؤكد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الثقة بالمستقبل وبالهيمنة الرسالية ، إذ ~~قضى الله بذلك ، حتى يكون الإسلام في موقع القوة ، ويكون المنافقون في موقف الضعف. # ولكن من هم هؤلاء؟ وما قصة هذا الجو الذي أرادوا خلق البلبلة من خلاله؟ ~~وكيف واجه القرآن الموقف في ما أراد الله لنبيه أن يواجههم به؟ إنهم ( ~~@QUR@04 الذين يسارعون في الكفر ) بالرسالة والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~والذين قد يتمادون بكفرهم فيسيرون إليه بخطوات واسعة ، وذلك بإنكارهم ~~وجحدهم للخالق تبارك وتعالى ، فهم لم يؤتوا أنفسهم فرصة للتأمل والتفكر ، ~~ليكون موقفهم موقف الفكر المتأمل ، إذ القضية عندهم ليست قضية مواجهة ~~المصير بقناعة PageV08P173 # واطمئنان ، بل هي أن يحركوا عقدتهم أو حقدهم أو نفاقهم الذي انطلقوا به ~~ضد الإسلام والمسلمين ، فهم ( @QUR@05 من ms1874 الذين قالوا آمنا بأفواههم ) وذلك ~~رغبة أو رهبة أو تامرا ، ( @QUR@03 ولم تؤمن قلوبهم ) وهم المنافقون ، ( ~~@QUR@03 ومن الذين هادوا ) الذين عاشوا في تاريخهم الأسود كل ظلمات الجريمة ~~والتآمر على رسالات الله ورسله عليه السلام ، هؤلاء الذين كانوا يمثلون ~~التحالف الأسود ضد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته. # إنهم ( @QUR@02 سماعون للكذب )، احترفوه ممارسة ، وانسجموا معه كأسلوب ~~عمل ، وأصغوا إليه بمسامع قلوبهم ، فهم يقبلون على كل كلمة كذب ، لأنها ~~تمثل أداة التزييف للتصور وللموقف في حياة الناس. وذلك هو السبيل الذي تنجح ~~معه مخططاتهم الشيطانية ، وهم ( @QUR@05 سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) لم ~~يأتوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجلسوا إليه ، ممن ( @QUR@014 يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) ~~فهم يريدون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسير وفق أحكامهم وتطلعاتهم ~~الباطلة ، فإن فعل فلا مانع من الانسجام معه ، أما إذا عاش مسئوليتة كرسول ~~يحكم بالحق والعدل ، فلم يستجب لتصوراتهم المنحرفة ولأحكامهم المحرفة ، ~~فإنهم يحذرون أصحابهم ليبتعدوا ويتمردوا ويثيروا الضوضاء أمام حكم الله! # * * * ### ||| ** لا سبيل إلى هداية من لم يأخذ بأسباب الهداية # ويتابع القرآن الصورة ، بطريقة استطرادية ، للإيحاء للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأن عقدتهم ليست هي العقدة القابلة للحل ، بل هي ~~العقدة المستعصية التي انطلقت من الرفض الذاتي الراقد في أعماقهم ، لأنهم ~~لم يأخذوا بأسباب الهدى ، بل أغلقوا قلوبهم عن وعي الحق ، وعن الدخول في ~~حوار فكري من PageV08P174 # أجله ، وأصموا أسماعهم عن سماع آيات الله ، وأغمضوا عيونهم عن مشاهدة ~~دلائل الله في خلقه ، فسقطوا في امتحان التجربة الصعبة ، فحقت عليهم كلمة ~~الله من خلال الربط بين الأسباب والمسببات ، فمن يأخذ بأسباب الكفر ، ~~ويبتعد عن أسباب الهدى ، فإن إرادة الله تفرض نفسها في حصول النتائج ~~السلبية ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا ). والظاهر أن المراد منها بقرينة المورد فتنة الإنسان عن طريق ~~الحق ، وذلك بإدخاله في التجربة الصعبة التي يؤدي انحرافه عن سبيل الحق ms1875 ~~معها إلى السقوط في مهاوي الضلال. وعلى ضوء هذا ، يكون معنى ( @QUR@06 فلن ~~تملك له من الله شيئا ) أنه لا يستطيع هدايته لعدم توفر أسباب الهداية ~~لديه. والله العالم. # ويتابع القرآن الفكرة في إعطاء الصورة الحقيقية لهؤلاء ، فهم ( @QUR@08 ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) لأنهم لم يأخذوا بأسباب الطهارة ~~، في ما أنزله الله من آيات وما منحهم من فرص وخلقه لهم من أجواء ، لذا كان ~~( @QUR@09 لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ). ثم يكرر صفتهم ~~الأولى : ( @QUR@02 سماعون للكذب ) لأنها هي التي تؤدي بهم إلى الانحراف ~~والضياع والضلال ، ويضيف إليها صفة ثانية ، ( @QUR@02 أكالون للسحت )، وهو ~~الحرام ، فهم يستبيحون كل شيء في سبيل مطامعهم وشهواتهم من دون التوقف على ~~طبيعة الشيء الشرعية من حيث هو حلال أو حرام. تلك هي بعض ملامحهم الذاتية ~~والعملية التي أراد الله من خلالها إعطاء النموذج الحي لهؤلاء الناس ليكون ~~المؤمنون في وضوح من الرؤية ، عند ما يلتقون في مراحل العمل بأمثالهم ~~ليعرفوا كيف يتعاملون معهم ، وكيف يجتنبون شرهم. # أما قصة هذا الجو ، فينقلها المفسرون في أسباب النزول كما جاء في مجمع ~~البيان عن الباقر عليه السلام في تفسير هذه الآية ، أن امرأة من خبير ذات ~~شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان ، فكرهوا رجمهما ، PageV08P175 # فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعا في ~~أن يأتي لهم برخصة ، فانطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وشعبة ابن ~~عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم ، فقالوا : يا محمد ~~أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما؟ فقال : وهل ترضون بقضائي في ~~ذلك؟ قالوا : نعم ، فنزل جبرائيل بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به. ~~فقال جبرائيل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، ووصفه له ، فقال النبي: هل ~~تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدكا يقال له ابن صوريا؟ قالوا : نعم ، ~~قال : فأي رجل هو فيكم؟ قالوا : أعلم يهودي بقي على ظهر الأرض بما أنزل ~~الله على موسى ms1876 ، قال: فأرسلوا إليه ، ففعلوا ، فأتاهم عبد الله بن صوريا ، ~~فقال له النبي : إني أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على ~~موسى ، وفلق لكم البحر ، وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، وظلل عليكم الغمام وأنزل ~~عليكم المن والسلوى ، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ قال ابن صوريا ~~: نعم ، والذي ذكرتني به لو لا خشية أن يحرقني رب التوراة إن كذبت أو غيرت ~~ما اعترفت لك ، ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال : إذا شهد أربعة ~~رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم ، ~~قال ابن صوريا : هكذا أنزل الله في التوراة على موسى ، فقال له النبي : فما ~~ذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله ، قال : كنا إذا زنى الشريف تركناه وإذا ~~زنى الضعيف أقمنا عليه الحد ، فكثر الزنى في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك ~~لنا ، فلم نرجمه ثم زنى رجل آخر ، فأراد الملك رجمه ، فقال له قومه : لا ~~حتى ترجم فلانا ، يعنون ابن عمه ، فقلنا : تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون ~~الرجم يكون على الشريف والوضيع ، فوضعنا الجلد والتحميم وهو أن يجلد أربعين ~~جلدة ثم يسود وجوهما ثم يحملان على حمارين ويجعل وجوههما من قبل دبر الحمار ~~ويطاف بهما ، فجعلوا هذا مكان الرجم ، فقالت اليهود لابن صوريا : ما أسرع ~~ما أخبرته به وما كنت لما أتينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا PageV08P176 # فكرهنا أن نغتابك ، فقال : إنه أنشدني بالتوراة ولو لا ذلك لما أخبرته به ~~، فأمر بهما النبي فرجما عند باب مسجده وقال : أنا أول من أحيا أمرك إذ ~~أماتوه ، فأنزل الله فيه : ( @QUR@017 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير ). فقام ابن صوريا ~~فوضع يديه على ركبتي رسول الله ثم قال : هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر ~~لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه ، فأعرض النبي عن ذلك ثم سأله ابن صوريا ~~عن نومه فقال : تنام عيناي ولا ms1877 ينام قلبي ، فقال : صدقت ، وأخبرني عن شبه ~~الولد بأبيه ليس فيه من شبه أمه شيء أو بأمه ليس فيه من شبه أبيه شيء ، ~~فقال : أيهما علا وسبق ماء صاحبه كان الشبه له ، قال : قد صدقت ، فأخبرني ~~ما للرجل من الولد وما للمرأة منه ، قال : فأغمي على رسول الله طويلا ثم ~~خلي عنه محمرا وجهه يفيض عرقا ، فقال : اللحم والدم والظفر والشحم للمرأة ، ~~والعظم والعصب والعروق للرجل ، قال له : صدقت أمرك أمر نبي ، فأسلم ابن ~~صوريا عند ذلك وقال : يا محمد من يأتيك من الملائكة؟ قال : جبرائيل ، قال : ~~صفه لي ، فوصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : أشهد أنه في التوراة ~~كما قلت وأنك رسول الله حقا. فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه ، ~~فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير ، فقالوا : يا محمد ~~إخواننا بنو النضير ، أبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد ، إذا قتلوا منا ~~قتيلا لم يقد وأعطونا ديته سبعين ووسقا من تمر ، وإذا قتلنا منهم قتيلا ~~قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر ، وإن كان القتيل ~~امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل منهم رجلين منا وبالعبد الحر منا ~~وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فأنزل الله في ~~الرجم والقصاص الآيات (1). # * * * PageV08P177 ### ||| ** وإن حكمت فاحكم بالعدل # وإننا نرى من خلال هذه القصة التي اختلف المفسرون في بعض تفاصيلها رجوع ~~اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليتفادوا حكم التوراة بالرجم للزاني ~~والزانية المحصنين ، وذلك لتعارض هذا الحكم مع أوضاعهم الاجتماعية القائمة ~~على الطبقية المقدسة أكثر من تقديسهم لحكم الله تعالى ، وقد أجاز الله ~~لرسوله بالحكم فيما بينهم أو الإعراض عنهم ، ( @QUR@07 فإن جاؤك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم ) وذلك من أجل ملاحظة بعض الاعتبارات السلبية في هذه ~~القضية أو غيرها ، ( @QUR@06 وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ) لأنهم لم ~~يكونوا بصدد الانسجام مع الخط الذي يريدهم أن يسيروا عليه. ( @QUR@05 وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) أي بالعدل ، الذي هو حكم الله الذي لا ms1878 يتغير في ~~التوراة ، أو القرآن ، و ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ) الذين يحكمون ~~بالعدل ، بعيدا عن الاعتبارات الشخصية والاجتماعية. # ( @QUR@015 وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ~~ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) يستنكر القرآن لجوء هؤلاء إلى تحكيم الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يؤمنون به ، وهم يعرفون أنه الحكم الذي جاءت ~~به التوراة ، وهو حكم الله الذي لا يتغير ولا يتبدل مهما تغيرت الرسالات ~~واختلف الرسل ، لأنه الحكم الذي ينطلق من مصلحة الإنسان الحقيقية التي لا ~~يدخل في حسابها اختلاف الزمان والمكان ، ثم يتولون بعد ذلك عن حكم الله ~~ويعرضون عنه ، وهذه نقطة سلبية يسجلها القرآن عليهم ليقدم للمسلمين الصورة ~~القلقة التي تمثل واقع هؤلاء الذين آثروا الدنيا باسم التوراة ، ليحصلوا ~~على المواقع المتقدمة في حياة الناس باسمها ، ولكنهم كانوا أول من يتنكر ~~لحكم التوراة عند ما اختلفت مصالحهم وأطماعهم معه. # * * * PageV08P178 ### ||| ** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ # إننا نستوحي من هذه الآيات بضع نقاط : # أولا : الانطلاق من مواقع هذه الآية ، التي لم ترد أن تتوقف عند هذه ~~الحادثة ، إلى المواقع المماثلة لها ، وفي ضوء ذلك يمكن لنا أن نرصد هذه ~~النماذج في الكثير من الفئات التي لا تقف مع خط الصدق في حياتها وحياة ~~الآخرين ، بل تعمل على ممارسة الكذب في سلوكها وسلوك الآخرين ، فهي تكذب ~~وتستمع للكاذبين ، ولا تتوقف عند حدود الله في حلاله وحرامه ، بل تتجاوزها ~~فتأكل الحرام بطريقة اللامبالاة أو التمرد. وقد يدفعها هذا الموقف إلى ~~التذبذب والارتباك في المواقف ، فإذا رأت هناك حالة ضاغطة على مصالحها من ~~خلال التطبيق الدقيق لما تؤمن به من شريعة أو تسير عليه من قانون ، انحرفت ~~عنه إلى شريعة أخرى وقانون آخر ، لأن القضية عندها ليست قضية حماية المبادئ ~~من الاهتزاز والانحراف ، بل قضية حماية المصالح من الضياع ، مما يجعل ~~حياتها مسرحا لأكثر من شريعة وقانون ، مهما اختلفت قواعدها الفكرية ~~والتشريعية ، الأمر الذي يبعد المجتمع عن الاستقرار والاطمئنان. # ثانيا : وقد نستطيع استيحاء هذه الآيات في التأكيد على قيمة ms1879 الصدق ~~والالتزام بالحلول ، في الاستقامة على الخط السليم في جانب العقيدة والعمل ~~، وذلك من خلال ما يفرضه على الإنسان من التوازن والتماسك والاتزان ، ليكون ~~الأساس عنده رضى الله في ما يريده من مصلحة الإنسان العامة بعيدا عن كل ~~المحاور الشخصية والفئوية ، مما يجعله يواجه الآخرين من خلال هذا الموقع في ~~ما يتحدثون به ، ويدعونه إليه من موقف ، فلا يسمع للكاذبين ، ولا يصغي ~~للخائنين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا ينطلق في عمل أو PageV08P179 # معاملة إلا إذا عرف أنه مما أحله الله لعباده. وبذلك ينطلق الإنسان من ~~قاعدة الرسالة في قيمها الأصيلة ، لا من موقع المزاج في شهواته المضطربة. # ثالثا : إن الآيات الكريمة ، في قوله تعالى : ( @QUR@05 وعندهم التوراة ~~فيها حكم الله ) توحي بأن الشرائع الإلهية تتداخل في أحكامها ، كما تتداخل ~~في مفاهيمها ، فليس هناك تعارض واختلاف بين الرسالات ، إلا في ما كانت ~~حيثياته خاضعة لزمان أو مكان معين ، وهذا ما ينسخه الله في ما ينسخه من ~~أحكامه ، أما الذي ينطلق من حالة الإنسانية في عمقها الإنساني بعيدا عن ~~الزمن ، فهو الحكم الثابت الذي يتحرك مع الرسالات ليمثل استمرار الشريعة ~~وامتدادها مع كل الأنبياء. وفي هذا الجو ، يمكن أن نواجه الحوار حول ~~الأديان ، وذلك بالروحية التي تعيش في داخل المؤمنين لتوحي لهم بأن هناك ~~أكثر من موطن لقاء بإزاء ما يخيل إليهم من مواطن الخلاف. وإذا كان القرآن ~~قد تحدث إلينا بأن هناك تحريفا في التوراة من قبل أهلها الذين ينتسبون ~~إليها ، فقد انطلق الحديث عن قضايا خاصة ، أما في غير ذلك ، فإن القرآن قد ~~صرح بأنها الكتاب الذي يلتقي بالقرآن في أكثر الأحكام والمفاهيم. وقد كان ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحتج عليهم بالتوراة في مجال إثبات حكم الله ~~الحق الذي يلتقي فيه القرآن بالتوراة. # رابعا : إن بداية هذه الآيات التي أكدت على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأن لا يحزن من خطوات هؤلاء الذي يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود ~~وغيرهم ، توحي بأن على الداعية لله ، العامل في ms1880 سبيله ، أن لا يتعقد أو ~~يشعر بالانسحاق إزاء الحالات الضاغطة الي تواجهه في خطوات الكفر والنفاق ، ~~بل عليه العمل على تفريغ نفسيته من كل الانفعالات السلبية ليواجه الموقف ~~بالتخطيط العملي الذي يرصد السلبيات ، ليتعامل معها بروح التحدي الذي ~~يحولها إلى إيجابيات عملية لمصلحة الدعوة والعمل الرسالي ، فلا مجال للحزن ~~الذاتي في حركة الداعية إلى الله ، لأنه لا يعيش الأجواء الذاتية المجردة ~~في حياته ، لأن كل PageV08P180 # حياته للعمل ، وكل خطواته للعمل ، فهي حركة في صعيد الواقع ، لا حالة في ~~داخل الذات. # * * * ### ||| ** هل يجوز تحاكم غير المسلم عند القاضي المسلم؟ # هذا وقد أثار المفسرون والفقهاء مسألة وظيفة القاضي المسلم في النظام ~~الإسلامي إذا تحاكم لديه شخصان من غير المسلمين ، فهل يجب عليه أن يحكم ~~بينهما ، أو لا يجب عليه ذلك تعيينا ، بل هو مخير بين قبول الدعوى والنظر ~~في تفاصيلها ، وبين الإعراض عنها وترك قبوله الدعوى بحسب ما يراه من ~~المصلحة في خصوصية القضية ، أو في أصل موضوع الحكم في طبيعته؟ # وقد ذكروا اتفاق الفقهاء على أن غير الذميين إذا تخاصما لدى القاضي ~~المسلم ، فللحاكم الخيار بين الرفض للدعوى أو قبولها تبعا لما يراه من ~~المصلحة من خلال النتائج السلبية أو الإيجابية على الصعيد العام أو الخاص. # أما إذا كان المتخاصمون من أهل الذمة ، فقال علماء أهل السنة بأنه يجب ~~على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه ، لكن في رأي مالك وأبي ~~حنيفة ومحمد بن الحسن : لا يحد الذميون حد الزنى. ورأى الشافعي وأبو يوسف : ~~أنهم يحدون إن أتوا راضين بحكمنا. # وذهب أبو حنيفة والنخعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن التخيير المذكور في ~~الآية منسوخ بقوله تعالى : ( @QUR@06 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ~~[المائدة : 49] وأن PageV08P181 # على الحاكم أن يحكم بين أهل الذمة. وهو رأي ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وعكرمة. # وقال فقهاء الشيعة الإمامية : بل هو مخير إن شاء حكم وإن شاء رفض. ولم ~~يثبت نسخ الآية بالآية المذكورة أما إذا كان أحد المتحاكمين مسلما والآخر ~~غير مسلم ، فيجب على ms1881 الحاكم قبول الدعوى. # ولا بد في حالة قبول الدعوى في جميع الحالات ، من الحكم بالعدل بما أنزل ~~الله ، وربما يخطر في البال أن المسألة قد تأخذ في بعض المراحل بعيدا كبيرا ~~في مصلحة النظام الإسلامي في نطاق الدولة الإسلامية من المسلمين وغير ~~المسلمين ، حيث تفرض المصلحة العليا عدم التفرقة بينهم. # وقد تكون المصلحة في بعض الحالات إعطاء أهل الذمة أو المعاهدين الحرية في ~~أن يكون لهم نظام خاص في القضاء بحسب ما يدينون به ، لأن ذلك أقرب إلى ~~تحقيق الحل للمشاكل من خلال اقتناعهم بالأحكام الصادرة عن مرجعياتهم. # إن التخيير بين القبول والرفض قد يوحي ببعض ذلك في الحالة الجزئية ~~الواحدة ، أو في الحالات الكلية مما قد يجد فيه ولي الأمر الفرصة الشرعية ~~لإدارة الأمور بالطريقة المناسبة والمتناسبة مع المصلحة الإسلامية العليا. # * * * PageV08P182 ### ||| * الآيات # ( @QUR@041 إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) @QUR@031 وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون (45) @QUR@026 وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين ~~يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) @QUR@016 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل ~~الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47) @QUR@050 ~~وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه PageV08P183 # @QUR@01 تختلفون (48) @QUR@033 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك ms1882 عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) @QUR@010 ~~أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والربانيون ): جمع رباني نسبة إلى الرب ، أي يرضي الرب ~~بأقواله وأفعاله ، وهم العلماء البصراء بسياسة الأمور وتدبير الناس. # ( @QUR@01 والأحبار ): جمع حبر ، وهو العالم ، مشتق من التحبير وهو ~~التحسين ، فالعالم يحسن الحسن ويقبح القبيح. قال الفراء : أكثر ما سمعت فيه ~~حبر بالكسر (1). # ( @QUR@01 وقفينا ): القفو اتباع الأثر يقال : قفاه يقفوه. والتقفية : ~~الاتباع ، يقال : قفيته بكذا : أي أتبعته ، وإنما سميت قافية الشعر قافية ~~لأنها تتبع الوزن. # ( @QUR@01 آثارهم ) جمع الأثر ، وهو العلم الذي يظهر للحس ، وآثار القوم ~~ما أبقوا من أعمالهم ، والمأثرة المكرمة التي يأثرها الخلف عن السلف لأنها ~~علم يظهر فضله للنفس ، والأثير الكريم على القوم لأنهم يؤثرونه بالبر. ومنه ~~الإيثار للاختيار ، فإنها إظهار فضل أحد العملين على الآخر. # ( @QUR@01 وموعظة ): الموعظة : هي الزجر عما يكرهه الله إلى ما يحبه ~~والتنبيه عليه. PageV08P184 # ( @QUR@01 ومهيمنا ): المهيمن على شيء : القائم على شؤونه. # ( @QUR@01 شرعة ): الشرعة والشريعة واحدة وهي الطريقة الظاهرة ، ~~والشريعة هي الطريقة التي توصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة ، فقيل : ~~الشريعة في الدين : الطريق التي توصل منه إلى الحياة في النعيم ، وهي ~~الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع. # ( @QUR@01 ومنهاجا ): المنهاج الطريق الواضح ، وقال المبرد : الشرعة ~~ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستقيم. # ( @QUR@01 ليبلوكم ): الابتلاء : الاختبار. # ( @QUR@01 فاستبقوا ): بادروا. # ( @QUR@01 يفتنوك ): أي يميلوا بك عن الحق. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي ، قال ابن عباس : إن جماعة من اليهود منهم ~~كعب بن أسيد وعبد الله ، بن صوريا وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا ~~إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا ~~محمد ، قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ~~ولن يخالفونا ، وإن بيننا وبين القوم خصومة ونحاكمهم إليك ، فتقضي لنا PageV08P185 # عليهم ، ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فأنزل ms1883 الله تعالى فيهم ( @QUR@09 واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله ~~إليك ) (1). ### ||| ** التوراة والإنجيل والقرآن كتب هدى ونور # في هذه الآيات حديث تفصيلي عن الرسالات الثلاث ، التي أرسل الله بها ~~أنبياءه موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم تأكيدا على أن كل واحدة ~~منها هي خط الحق الذي رسمه الله لعباده ، وشرعة العدل التي أقامها للحياة ، ~~من أجل أن ينفتح الناس على الحول الواقعية العادلة لمشاكلهم التي يتخبطون ~~فيها. فهي الصورة الحية المشرقة لحكم الله الذي يريد الله للناس أن يحكموا ~~به في ما يتنازعون فيه من قضايا وأعمال ، فليس لهم أن يتجاوزوه إلى غيره ، ~~استجابة لأي ضغط داخلي أو خارجي ، لأن مصلحتهم في الحياة الدنيا من جهة ، ~~وعبوديتهم المطلقة لله من جهة أخرى ، تفرض عليهم الالتزام الدقيق به على كل ~~حال ، واعتبر الانحراف عنه وعدم الحكم به كفرا وفسقا وظلما. وحذر الأنبياء ~~في عملية إيحائية بخطورة القضية من أن يخضعوا للضغوط التي يمارسها الآخرون ~~عليهم ، لينحرفوا بهم عن الخط المستقيم في إقامة حكم الله بين الناس ، ~~وأمرهم بأن يعرضوا عن كل من أعرض عن حكم الله ، لأن الله هو الذي يتكفل ~~بحسابهم في الدنيا والآخرة. PageV08P186 ### ||| ** مدخل عام # ( @QUR@06 إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) مما بيناه من عقائد ~~ومفاهيم وأحكام تهديهم إلى الحق وتبعدهم عن الباطل وتنير لهم السبيل إلى ~~المعرفة الحقة الصافية التي لا ظلمة فيها ولا غموض ، وتلك هي صفة كتب الله ~~التي ينزلها على رسله ليخرجوا الناس من الضلال إلى الهدى ، ومن الظلمات إلى ~~النور ، ولتمثل القانون العادل الذي يرجعون إليه في كل خلافاتهم ونزاعاتهم ~~في شؤون الحياة العامة والخاصة ، وقد أنزل الله التوراة على موسى ~~عليه السلام هدى وأنوارا تمتد إلى مدى الزمن في شرائعها الباقية ؛ ( @QUR@05 ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) وأذعنوا له وخضعوا لوحيه بكل ما يشتمل ~~عليه ممن جاء من بعد موسى عليه السلام . # ( @QUR@02 للذين هادوا ) الذين آمنوا بموسى عليه السلام والتزموا بالتوراة ~~كتابا منزلا من الله ليفصل بينهم في ما اختلفوا فيه من ms1884 الحق في العقيدة ~~والشريعة ، لأن هؤلاء الأنبياء يملكون علم التوراة كما أنزلها الله ، فلا ~~يملك اليهود المنحرفون إخفاء ذلك أو تحريف ما فيها من أحكام لمصالحهم ~~الخاصة ، لأن الأنبياء يفضحون ذلك بما أعطاهم الله من علم الكتاب ، ( ~~@QUR@01 والربانيون ) وهم العلماء المنقطعون إلى الله علما وعملا الذين ~~يقومون بمهمة التربية للناس بما يملكون من علم ، ( @QUR@01 والأحبار ) وهم ~~الذين يملكون الحبرة من علماء اليهود السائرين على خط التوراة ، فهؤلاء ~~وأولئك يحكمون بين الناس ( @QUR@05 بما استحفظوا من كتاب الله ) الذي ~~أرادهم الله أن يحفظوه بكل حقائقه من دون تحريف أو تغيير كوديعة مضمونة ، ( ~~@QUR@03 وكانوا عليه شهداء ) من خلال المعرفة التفصيلية التي يملكونها ، ~~والمسؤولية التي يتحملونها في إبلاغها للناس فلا يكتمونها عنهم ، ( @QUR@04 ~~فلا تخشوا الناس واخشون ) في كتاب الله ورسالته لأن الله أرادكم أن تأخذوا ~~الكتاب بقوة ، وأن تبلغوا الرسالة بصلابة ، فلا تأخذكم في الله لومة PageV08P187 # لائم ، لأن ذلك هو دور رسل الله بما حملهم من رسالته ، أن يجاهدوا في ~~الله حق جهاده بلا خوف ولا وجل ، لأن الله ينصر عباده المؤمنين ، ( @QUR@05 ~~ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) أي لا تستبدلوا ولا تستعيضوا بحيث تبيعون ~~دينكم بالثمن البخس الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، أو بمال تحصلون عليه أو ~~جاه تصلون إليه ، فذلك هو دليل الإيمان بالله ورسالاته ، لأن الإيمان ليس ~~مجرد كلمة بقولها المؤمن ويتابع سيرة من دون التزام عملي ، بل هو التزام ~~حركي حاسم يقف فيه الإنسان مع أحكام الله ، فلا يقدم رجلا ولا يؤخر أخرى ~~حتى يعلم أن في ذلك لله رضى. # * * * ### ||| ** للكافر درجات ومراتب # ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) بالمعنى ~~العملي للكفر في إيحاءاته والتزاماته ونتائجه ، فإن للكفر درجات ومراتب ~~تبعا لما في الإيمان من درجات تبدأ من الإيمان القلبي لتمتد إلى الإعلان ~~عنه باللسان لتصل في الدرجة العليا إلى الإيمان العملي الذي يعمل على تغيير ~~واقع الإنسان من الضلال إلى الهدى ، ومن الانحراف إلى الاستقامة ، هذا كله ~~إذا كان عدم الحكم بما أنزل الله ناشئا ms1885 من حالة الخوف أو من حالة الطمع ، ~~أما إذا كان ذلك ناشئا من إنكار شرعيته وواقعيته أو الاستهانة به من جهة ~~عدم الإيمان بكتاب الله ورسوله ، فإنه يكون كفرا التزاميا يشمل العقل ~~واللسان والحركة. # وهذا هو الخط المستقيم الذي لا بد للدعاة إلى الله من رسل وعلماء ومفكرين ~~من أن يلتزموه ، وأن يواجهوا بالتالي ، كل التحديات الكافرة والضالة ~~والمنحرفة ، بالحقائق الإيمانية الواضحة بالقوة الفكرية والعملية ، لأن ~~القوة لا بد من أن تقابل بمثلها. # * * * PageV08P188 ### ||| ** شرعة القصاص في التوراة # ( @QUR@03 وكتبنا عليهم فيها ) أي في التوراة ( @QUR@03 أن النفس بالنفس ~~) فمن قتل نفسا كان لوليه أن يقتله به قصاصا ، ( @QUR@02 والعين بالعين ) ~~فمن قلع عين شخص كان له أن يقلع عينه ، ( @QUR@02 والأنف بالأنف ) فمن قطع ~~أنف إنسان كان له الحق أن يقطع أنفه ، ( @QUR@02 والأذن بالأذن ) فمن قطع ~~لأحد أذنه كان من حقة أن يقطع له أذنه ، ( @QUR@02 والسن بالسن ) فمن قلع ~~سن إنسان فله أن يقلع سنه ، ( @QUR@02 والجروح قصاص ) أي ذات قصاص ، ~~والمراد به حق المقاصة في كل ما يمكن فيه ذلك مما يتحقق فيه المساواة بدقة ~~مثل الشفتين والذكر والأنثيين واليدين والرجلين وغيرهما ، ويجري هذا ~~التماثل في القصاص بالجراحات : «الموضحة بالموضحة» ، وتسمى الواضحة من ~~الشجاج التي بلغت العظم فأوضحت عنه والهاشمة بالهاشمة «التي هشمت العظم ~~فتشعب وانتشر وتباين فراشه وهي قشوره التي تكون على العظم دون اللحم» ، ~~والمنقلة بالمنقلة «التي تنقل العظم أي تكسره. ولا قصاص في الضربة المأمومة ~~والجائفة ، وهي التي تبلغ أم الرأس ، والتي تبلغ الجوف في البدن» ، لأن ~~القصاص قد يؤدي إلى هلاك النفس لصعوبة التحديد الدقيق في القصاص. # وجاء في مجمع البيان : «وأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضة لحم ، أو فكة ~~عظم ، أو جراحة يخاف معها التلف ، ففيه أروش مقدرة» (1). وقد أقر الإسلام ~~هذه الشريعة التوراتية (2) التي لا تميز بين الناس في القصاص ، فالشريف ~~والوضيع سواء أمام القانون ، وبالتالي لا طبقية في التشريع الإلهي ، PageV08P189 # ولذا كل من يقترف جريمة يؤاخذ بمثل عدوانه من دون زيادة أو نقيصة. # وهذا مما ms1886 يحمي الضعفاء الذين يتعرضون للقهر من قبل الأقوياء ، فإن ~~الإسلام يؤاخذهم بمثل ما ارتكبوا ، وقد جاء عن الإمام علي عليه السلام : ~~«الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه» (1). # * * * ### ||| ** التشديد في القصاص لحفظ الأمن الاجتماعي # وإذا كان البعض يرى في تشريع القصاص قسوة وتشديدا ، فإن الإسلام يريد لهم ~~أن يفكروا بالنتائج الإيجابية التي يحصل عليها المجتمع في استقراره وسلامه ~~وأمنه وطمأنينة أفراده من هذه التشريعات ، ليقارن بينها وبين النتائج ~~السلبية التي يتعرض لها الناس من خلال إهمال القصاص ، في الاهتزاز ~~الاجتماعي ، وفي الخوف والقلق والخطر الذي يتعرض له الأفراد والمجتمعات مما ~~قد يؤدي إلى الهلاك والفساد. # إن مشكلة الكثيرين من الناس في حكمهم السلبي على الشرع الإسلامي أنهم ~~ينظرون إلى الأمور من جانب واحد ولا يدرسونها من جميع الجوانب ، ليعرفوا ~~كيف يحركونها في موقع العقل الذي يوازن بين المصالح والمفاسد والحسن والقبح ~~في دراسته للأمور ، لا في مواقع العاطفة التي تنفتح على السطح في المشاعر ~~والأحاسيس من دون تدقيق بالنتائج. # * * * PageV08P190 ### ||| ** العفو كمبدإ للعلاقات الإنسانية # ويبقى للمعتدى عليه الحق في العفو عن المعتدي في عدوانه ، انطلاقا من ~~السمو الروحي الذي يرتفع فيه الإنسان عن مستوى الثأر لنفسه ، أو من الواقع ~~الاجتماعي الذي يفرض عليه التنازل عن حقه ، أو من المصالح الخاصة أو العامة ~~التي تدفعه إلى ذلك ، أو من الشفاعة التي يقوم بها بعض الأشخاص القريبين ~~إليه لمصلحة المسيء لاعتبارات خاصة أو عامة ، وهكذا أراد الله أن يمنح هذا ~~النوع من التنازل عن الحق عنوان الصدقة التي وهكذا أراد الله أن عند الله ~~في الحصول على الحسنات والعفو عن السيئات ، تشجيعا لهذه المبادرة الإنسانية ~~بالعفو ( @QUR@03 فمن تصدق به ) أي بالقصاص الذي هو حق له ( @QUR@01 فهو ) ~~، أي التصدق به ، ( @QUR@02 كفارة له ) عن ذنوبه. وقد جاء عن الإمام جعفر ~~الصادق عليه السلام في ما رواه الكافي بإسناده إلى الحلبي قال : سألته عن ~~قول الله عز وجل : ( @QUR@06 فمن تصدق به فهو كفارة له )، قال : «يكفر عنه ~~من ذنوبه ms1887 بقدر ما عفا من جراح أو غيره» (1)، وربما كان تأثير العفو من ~~الناحية النفسية في السمو الروحي للعافي ، وفي الانفتاح الإنساني على ~~الندامة لدى المعتدي ، إشارة واضحة على ضرورة إقامة العلاقات الإنسانية ، ~~على الإحسان ، لمردوده الخير على الحياة. # * * * ### ||| ** ظلم الحاكم أخطر من ظلم المحكوم # ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) الذين يساهمون ~~في تعميق واقع الظلم في الناس ، بالامتناع عن الحكم بمعاقبة الظالم ، مما يشارك PageV08P191 # في امتداد الظلم في المجتمع من خلال إعطاء الحرية للمعتدي أن يتحرك في ~~عدوانه بكل حرية من دون خوف من عقاب. # ونلاحظ في هذا المجال أن ظلم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله من الحق ~~والعدل ، أكثر خطورة من ظلم المعتدي ، لأن المعتدي ، يتحرك في ظلمه من ~~الموقع الفردي الخاص في الجريمة التي ارتكبها ، أما الحاكم ، فإنه يقوي ~~الظلم في المجتمع كله في مبادرات الظالمين من خلال منعه عن الحكم على ~~الظالم لمصلحة المظلوم ، مما يؤدي إلى انتشار الظلم في الناس حيث يزداد ~~الظالمون قوة وجرأة على الظلم ، ويزداد المظلومون ضعفا وسقوطا بفعل الواقع ~~الظالم الذي لا يملكون له دفعا من ناحية ضعفهم ، ومن ناحية الحكم الذي يقف ~~ضدهم لمصلحة الظالمين. # * * * ### ||| ** الإنجيل كتاب هدى أيضا # ( @QUR@06 وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ) روح الله وكلمته التي ~~ألقاها إلى مريم ، أي أتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا لله بهذا ~~الرسول المميز في خلقه وفي دلائل الإعجاز في شخصيته ، فقد جاء ليكمل ~~المسيرة الرسالية في خط الرسالات الإلهية ، لا ليهدم الخط الذي سار عليه ~~الرسل لا سيما موسى الذي جاء بالتوراة وحيا من الله ، فكان ( @QUR@06 مصدقا ~~لما بين يديه من التوراة )، فأكد للناس أنها الحقيقة الإلهية التي لا بد ~~لهم من أن يؤمنوا بها ويلتزموها في أفكارهم وشرائعهم ، لأنها كتاب الله ~~الذي ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ، ~~وهكذا كانت النبوات تتتابع ليصدق بعضها بعضها ، تأكيدا لتآخي الرسل ~~والرسالات ، لأن النور لا ينقلب إلى ظلمة ، ولأن الهدى لا PageV08P192 # يتحول إلى ms1888 ضلال. # ( @QUR@02 وآتيناه الإنجيل ) الذي أنزلناه على عيسى ( @QUR@02 فيه هدى ) ~~مما يرفع عن الناس غشاوة الضلال ، ويفتح لهم آفاق الهدى ، ( @QUR@01 ونور ) ~~يضيء لهم ظلمات الطريق ، فلا يترك مشكلة إلا ولها حل عنده ، ولا شبهة إلا ~~ولها مزيل لديه ، وهكذا رأينا التوراة الرسالية تشمل الكتب الإلهية ، ~~فالتوراة نور والإنجيل نور والقرآن نور على ما جاء به قوله تعالى : ( ~~@QUR@024 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) [المائدة : 15]. # فهذه الكتب جاءت من أجل أن تعطي الإنسان النور لعقله وقلبه وإحساسه ~~وحياته في الخط الفكري والشعوري والعملي ، فلا يبقى متخبطا في ظلمات الشك ~~والشبهة والضلال ، بل ينفتح على كل الإضاءات التوراتية والإنجيلية ~~والقرآنية لتحل له كل مشكلة ولتزيل كل شبهة ، ولترفع أية ظلمة. # ( @QUR@06 ومصدقا لما بين يديه من التوراة ) وهكذا كان الإنجيل مصدقا ~~بالتوراة ، كما كان عيسى مصدقا بها ، فالتقى الرسول بالرسالة في هذا الجانب ~~، وربما كان في التكرير إشارة إلى أن الإنجيل تابع لشريعة التوراة ، فلم ~~يكن في الإنجيل إلا الإمضاء لشريعة التوراة والدعوة إليها إلا ما استثناه ~~عيسى المسيح في قوله : ( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) [آل عمران ~~: 50] ( @QUR@01 وهدى ) يهدي به الله من اتبعه إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، ~~( @QUR@02 وموعظة للمتقين ) تلين القلب بذكر الله ، وترقق الشعور بآياته ، ~~وتفتح العقل على آفاق القرب منه ، فتدفع الناس إلى الطاعة ، وتبعدهم عن ~~المعصية ، وتقربهم منه ، وتبعدهم عن الشيطان. # ( @QUR@07 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) من الحق ، لأنه يمثل ~~كلمة الله فلا يحرفوه عن مواضعه ، وقد جاء في تفسير الميزان في تفسير هذه ~~الفقرة قال : PageV08P193 # «وقد أنزل فيه تصديق التوراة في شرائعها إلا ما استثني من الأحكام ~~المنسوخة التي ذكرت في الإنجيل النازل على عيسى عليه السلام ، فإن الإنجيل ~~لما صدق التوراة في ما شرعته ، وأحل بعض ما حرم فيها ، كان العمل بما في ~~التوراة في غير ما أحلها الإنجيل من المحرمات عملا بما أنزل الله في ms1889 ~~الإنجيل وهو ظاهر» (1). وما ذكره ليس ظاهرا ، لأن الظاهر أن مضمون الحكم ~~موجود في التوراة التي أمر الإنجيل بالأخذ بها ، وربما كان المقصود بالحكم ~~بما في الإنجيل هو الخطوط العامة للعدل وللخير والمحبة وغيرها من المفاهيم ~~الأخلاقية والروحية التي تتمثل في مسألة السلوك الإنساني على صعيد ~~العلاقات. # * * * ### ||| ** هل لأحكام الإنجيل سيادة في وقتنا الحاضر؟ # وقد أثار المفسرون حديثا أن الآية لا تأمر أهل الإنجيل وهم النصارى أن ~~يواصلوا العمل بأحكام الإنجيل في عصر الإسلام ، لأن ذلك مناقض لآيات القرآن ~~الأخرى ، ولوجود القرآن نفسه الذي أعلن نسخ الدين القديم بالإسلام. # ولذلك فإن المراد حسب قولهم أن الآية تتحدث عن مرحلة نزول الإنجيل ، فقد ~~أمر الله الناس آنذاك أن يعملوا به وأن يحكموه في جميع قضاياهم. ولهذا ~~قالوا بالتقدير : «وقلنا : وليحكم أهل الإنجيل ... إلخ». # ولكن الظاهر أن الآية واردة في مقام إقامة الحجة على المنتمين إلى PageV08P194 # الإنجيل في التزاماتهم الفكرية والعملية من حقائق الإيمان والأخلاق ، ~~ومفاهيم الكون والحياة ، مما يثبت حقائق الإسلام التي تلتقي بها ومنها نبوة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي بشر بها عيسى عليه السلام . وليس من المعلوم ~~أن الإنجيل قد تعرض للنسخ في آياته ، لا سيما أن مضمونه ليس متضمنا للشريعة ~~المفصلة ، بل هو أخلاق ومبادئ وقيم عامة في البعد الروحي والإنساني ، فلا ~~مانع من أن يتوجه القرآن إليهم بالحكم بما في الإنجيل لأنه يلتقي بالحكم ~~بما في القرآن ، الأمر الذي يشدهم من مواقع اللقاء إلى ما في القرآن على ~~أساس «الكلمة السواء». والله العالم. # * * * ### ||| ** اليهود والنصارى سواء في رفض الدين الحق # ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) الذين خرجوا ~~عن خط الاستقامة في الدين ، لأن الحكم بما أنزل الله هو النتيجة الطبيعية ~~للالتزام العقيدي العملي الذي يتجسد في السير على نهج العقيدة في مفاهيمها ~~وأحكامها وخطوطها العامة في حركة الإنسان والحياة ، فإذا كان الإنسان ~~ملتزما بدين الله ، فلا بد من أن يستهدي أحكام الدين وقوانينه في أحكامه ، ~~لأن هذا هو معنى الانتماء الذي ms1890 يمثل الارتباط العضوي بالخط الديني ، ولهذا ~~كان الخروج عنه فسقا وانحرافا عن خط الطاعة إلى خط المعصية. # * * * PageV08P195 ### ||| ** وقفة مع صاحب الميزان # وقد ذكر صاحب الميزان أن الوجه في ذكر الفسق عند التعرض لما يرجع إلى ~~النصارى ، والكفر والظلم في ما يعود إلى اليهود ، «أن النصارى بدلوا ~~التوحيد تثليثا ورفضوا أحكام التوراة بأخذ بولس دين المسيح دينا مستقلا ~~منفصلا عن دين موسى مرفوعا فيه الأحكام بالتفدية ، فخرجت النصارى بذلك عن ~~التوحيد وشريعته بتأول ، ففسقوا عن دين الله الحق ، والفسق خروج الشيء من ~~مستقره كخروج لب التمرة عن قشرها. # وأما اليهود ، فلم يشتبه عليهم الأمر في ما عندهم من دين موسى عليه السلام ~~وإنما ردوا الأحكام والمعارف التي كانوا على علم منها ، وهو الكفر بآيات ~~الله والظلم لها» (1). # ونلاحظ على ذلك أن اليهود والنصارى يستوون في رفض الدين الحق وهو الإسلام ~~، وفي التحريف المتصل بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك أطلق عليهم ~~جميعا كلمة ( @QUR@02 الذين كفروا ) في قوله تعالى : ( @QUR@09 ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) [البقرة : 105] كما أن ابتعاد ~~بولس عن دين موسى عليه السلام يمثل نوعا من الكفر والظلم للحقيقة. # كما أن الآيات كانت في مقام إطلاق الحكم بالكفر والظلم والفسق على الذين ~~لا يحكمون بما أنزل الله من حيث انطباق العناوين الثلاثة عليه ، أما اختلاف ~~التعبير ، فقد يكون منطلقا من الأسلوب القرآني الفني في تنويع الصفات في ~~الموارد المتعددة في الذكر ، الموحدة في العنوان ، لتذكر كل صفة في كل آية ~~، لأن ذلك أقرب إلى البلاغة ، وربما يؤكد هذا المعنى أن الصفات PageV08P196 # لم تنطلق من الخصوصية بل من العنوان العام ، وهو عدم «الحكم بما أنزل ~~الله من دون تفريق بين موارده». والله العالم. # * * * ### ||| ** القرآن مهيمن على ما عداه # ( @QUR@010 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ) ~~وجئت يا محمد في ختام الرسالات لتكون خاتم الرسل الذي يجمع في الكتاب ، ~~الذي أنزل عليه بالحق ، في كل آياته ، كل ما يبقى من خطوط الكتاب الأول ~~الذي ms1891 هو التوراة في بعدها التشريعي ، والإنجيل في بعده الروحي الأخلاقي ، ~~ليصدقه في كل المضمون الفكري والاتجاه العملي ، باعتبار أنه كلمة الله ~~المنفتحة على الحق كله. # وربما كان المراد الكتاب كله الذي يضم الكتب المنزلة على الأنبياء ، ~~ومنها صحف إبراهيم وزبور داود ونحوهما ، ( @QUR@02 ومهيمنا عليه ) أي أمينا ~~وشاهدا عليه وحافظا له ، فهو الذي يرتفع بالقيمة الأخلاقية والروحية إلى ~~المستوى الأعلى الذي يصل بالإنسان من خلالها إلى درجة الكمال ، باعتبار أنه ~~يمثل الخط التصاعدي الذي يرافق التطور الإنساني في حاجاته الروحية والمادية ~~ليخطط له المنهج الذي يتحرك فيه في انفتاحه على الواقع بما لا يبتعد به عن ~~المثال ، وفي توازن القيمة في العناصر الفردية التي تغذي في الإنسان ذاتيته ~~الاجتماعية التي تحدد له مكانه في المجتمع من خلال مسئولياته فيه ، وهكذا ~~تتمثل الهيمنة في الحفاظ على أصالة الكتاب وإبعاده عن التحريف ، وفي صيانة ~~القيم التي تضمنها الكتاب والارتفاع بها إلى الأفق الأوسع ، والمجال ~~الأرحب. # * * * PageV08P197 ### ||| ** وجوب التزام الحق في الحكم # وعلى ضوء ذلك ، كان القرآن هو الذي تنطلق منه القاعدة ويتحرك معه الخط ~~المستقيم ، ويدفع بالحكم إلى مواقع الحق ( @QUR@05 فاحكم بينهم بما أنزل ~~الله ) من الكتاب عليك لشموليته لما في الكتب السماوية ، فلا يشعر اليهودي ~~بغرابة الحكم الشرعي الذي يصدره الحاكم المسلم عليه ، لأن التوراة ليست ~~غريبة عنه ، ولا يجد النصراني أي إشكال في القضاء الإسلامي في القضايا التي ~~يتحاكم فيها إليه لأنها لا تبتعد عن أجواء المفاهيم العامة في الإنجيل ، ( ~~@QUR@07 ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) فقد يحاولون أن يجتذبوا ~~عاطفتك لبعض رغباتهم وأهوائهم وأوضاعهم التي لا ينطلقون فيها من كتاب ، ولا ~~يرتكزون فيها على قاعدة من الحق ، ولا بد لك من أن تكون حذرا من كل ~~أساليبهم وإغراءاتهم ، لأن المسألة ليست مسألة حالة اجتماعية أو شخصية ~~خاضعة للمجاملة ، بل هي مسألة حق يراد إقامته وباطل يراد إبطاله ، وهو خط ~~الرسالات الذي يريد من الناس كلهم تحكيم الحق في ما بينهم. # * * * ### ||| ** المراد بالشرعة والمنهاج # ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) فلكل نبي ms1892 شريعة وطريق ، والمراد ~~بالشرعة أو الشريعة في الأصل الطريق الذي يؤدي إلى الماء وينتهي به ، وهي ~~في هذه الآية الدين المشتمل على الحقائق والتعاليم والشرائع المؤدية إلى ~~تطهير الإنسان من رذائله وعيوبه وانحرافاته ، فكأنه يسير به إلى ينبوع ~~المعرفة الذي يغسل له كل قذرات الجهل والتخلف. أما المنهاج ، فهو الطريق الواضح PageV08P198 # الذي يوصل الإنسان إلى الهدف الكبير في دنياه وآخرته وهو السعادة الروحية ~~والمادية. # * * * ### ||| ** موقع شرعة اليهود والنصارى من شريعة الإسلام # وقد يرد هنا سؤال : # هل أن هذه الشرعة أو المنهاج الذي جعله الله لهذه الفئة أو تلك من اليهود ~~والنصارى يمثل امتداد اليهودية أو النصرانية كشرع ومنهج إلى مدى الزمن ، ~~بحيث لا يكون لهاتين الفئتين أي دور في الشرعة الإسلامية لأنها تخص الفئة ~~التي تتمثل بالمسلمين ، بحيث لا يكون للإسلام أية علاقة باليهودي والنصراني ~~ولا يمثل أية دعوة لهما للإيمان به؟ # والجواب عن ذلك ، أن الدين في الرسالة الإلهية الواحدة في خط التنوع لا ~~يريد أن يجعل من نفسه وسيلة من وسائل تأكيد الانقسام التاريخي الديني الذي ~~حول الأديان في أتباعها إلى طوائف مغلقة لا مسئولية لإحداها بالأخرى ، بل ~~إنه يعمل على توحيد الإنسان كله في أية مرحلة زمنية ، أو موقع مكاني ، على ~~رسالة الله التي عنوانها العريض ، الممتد في كل مراحل الرسالات ، هو ~~الإسلام لله تعالى ، لتكون كل رسالة ، في دور أي نبي ، تجسيدا للإسلام ، ~~باعتبار أنها كلمة الله في تلك المرحلة التي يمثل الالتزام بها معنى ~~الإسلام في علاقة الإنسان بالله ، في الوقت الذي كانت فيه الرسالات ~~المتتابعة مفتوحة على بعضها البعض لتكمل الأخيرة ما ابتدأت به الأولى ، ~~فكان عيسى عليه السلام مكملا للناموس ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~متمما لمكارم الأخلاق ، كتعبير عن إكمال ما نقص من التشريع في الحاجات ~~الجديدة التي PageV08P199 # فرضتها تطورات الواقع الإنساني ، أو تبديل بعض الأحكام التي كانت خاضعة ~~لظروف محدودة على صعيد الزمان والمكان ، وأصبح من الضروري استبدالها بأحكام ~~جديدة تتناسب مع الظروف الجديدة. وعلى ضوء هذا ، فلا ms1893 نجد هناك إلغاء من ~~الرسالة اللاحقة للرسالة السابقة ، بل إننا نلاحظ امتدادا لأي منها في داخل ~~الأخرى ، وإذا كان هناك حديث عن النسخ ، فإنه لا يشمل الرسالة كلها بل يختص ~~ببعض أحكامها ، تماما كما يقع النسخ في داخل الرسالة نفسها ، وذلك مثل نسخ ~~القبلة في الإسلام من بيت المقدس إلى الكعبة. # وليس هناك إلغاء للكتاب ، فلم يلغ الإنجيل التوراة ، ولم يلغ القرآن ~~التوراة والإنجيل ، بل إنه أوحى كما لاحظنا في الفقرات المتقدمة من الآيات ~~بأن للنبي أن يحكم بما أنزل الله فيها من أحكامه التي لم ينسخها في القرآن ~~، وهذا ما نلاحظه في الإيمان الإسلامي الذي يؤمن بالرسل كلهم ( @QUR@06 لا ~~نفرق بين أحد من رسله ) [البقرة : 285] ، وبالكتاب كله ( @QUR@03 وتؤمنون ~~بالكتاب كله ) [آل عمران : 119] ، في إيحاء بأن الكتاب واحد في مدى الرسالة ~~في فصول متعددة ، أو أجزاء متنوعة. وعلى هدى ذلك كله ، فإننا نفهم من قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) أن الخطاب فيها للأنبياء ~~، فلكل نبي شرعة ومنهاج يحركه في مرحلته تبعا لحاجاته وظروف الواقع ~~الإنساني آنذاك ، من دون أن ينفي امتداد كل شرعة ومنهاج في الشرعة الأخرى ~~والمنهاج الآخر ، وربما نستوحي هذا الخط الممتد في الرسالات من قوله تعالى ~~: ( @QUR@024 إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~) [البقرة : 62] فإن فيها إيحاء بأن الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل ~~الصالح الذي يفرض نفسه على الإنسان من خلال أمر الله ، يشكل منطلقا ليطلب ~~من المؤمنين بتنوعاتهم التاريخية الانفتاح على كل مواقع العمل الصالح ~~المحددة من الله في رسالته ، ليلتقي الجميع على الإسلام الشامل في الرسالة ~~الواحدة التي تجمع الرسالات كلها في PageV08P200 # عناصرها الحيوية في نهاية المطاف. # وربما يرى بعض المفسرين أن الخطاب هو للأمم الثلاث ، أمة موسى وأمة عيسى ~~وأمة محمد ، ولا يعني به قوم كل نبي ، ولا بد لنا بلحاظ هذا القول من أن ~~نحمل المسألة على التسلسل التاريخي في مهمة كل نبي في ms1894 رسالته في خصوصيتها ~~الزمنية ، في امتدادها الزمني ، وفي خطها الشمولي في انفتاحها على الرسالة ~~الأخرى. والله العالم. # * * * ### ||| ** فكرة الابتلاء وتعدد الشرائع # ( @QUR@06 ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) أي لجمعكم على ملة واحدة في ~~دعوة جميع الأنبياء ، لتلتقوا عليها في الرسالة الخاتمة التي تجمع الخطوط ~~العامة للرسالات كلها وذلك بطريقة القدرة الحاسمة التي لا يملك فيها ~~الإنسان اختياره في الانتماء ، ( @QUR@02 ولكن ليبلوكم ) أي ليمتحنكم ، ( ~~@QUR@03 في ما آتاكم ) من تعدد الشرائع حسب اختلاف الزمن ، ليظهر عمق ~~الإخلاص له لدى المؤمنين ، وسطحية الإيمان به من المتعصبين المتخلفين ، ~~فينجح المؤمنون بالله وكتبه ورسله ورسالاته ، ويفشل المتعصبون الذين ~~يتجمدون في المرحلة الزمنية التي بعث بها رسولهم ، فلا ينفتحون على رسول ~~آخر ورسالة أخرى ، فيحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، ( @QUR@02 ~~فاستبقوا الخيرات ) التي انطلقت من الله في رسالاته ، وتنافسوا في الحصول ~~على الدرجة العليا فيها ، لأن ذلك هو الذي يمنحكم المواقع المتقدمة في ~~القرب من الله والوصول إلى رضوانه في مرحلة الوفادة إليه ، ( @QUR@04 إلى ~~الله مرجعكم جميعا ) فيجمعكم يوم الجمع في موقف المسؤولية والحساب ( ~~@QUR@05 فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) من أمور دينكم ، PageV08P201 # مما أحصاه ونسيتموه ، ليجزي الذين استقاموا على خط الإيمان والعمل الصالح ~~باستقامتهم ، ويجزي الذين انحرفوا وابتعدوا عن الخط المستقيم بانحرافهم ، ~~وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ويبادر المبادرون. # * * * ### ||| ** تأكيد على الحكم بما أنزل الله # ( @QUR@06 وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) في نداء تأكيدي لتقرير المبدأ ~~وتعميق المسؤولية في كل الموارد التي يختلفون فيها ، ويتحاكمون إليك في ~~حلها ، وإعطاء الحكم الحاسم فيها ، ( @QUR@03 ولا تتبع أهواءهم ) لأنك تمثل ~~الحق في الرسالة التي أنزلها الله لتحرك الإنسان في مسيرة الحق بامتداده في ~~الزمن كله والإنسان كله ، لأن الله هو الحق الذي خلق السموات والأرض بالحق ~~، ويريد للإنسان أن ينسجم مع الوجود كله في قيامه في الأرض في حياته ~~الفردية والجماعية على أساس الحق ، فلا مجال للخضوع للحالات العاطفية التي ~~تستجيب لرغبة هذا لمصلحة هناك ، أو تبتعد عن ذاك لمشكلة هناك ، أو لإغراء ~~يندفع في أحلام ms1895 وتمنيات ووعود ببعض المكاسب الصغيرة والكبيرة ، فقد أرسلك ~~الله لتركز للناس أهواءهم على أساس رضى الله لا على أساس السقوط أمام ~~تأثيراتها العاطفية في وجدانك الشخصي ، فإنك لا تملك نفسك ، ولكن رسالتك هي ~~التي تؤكد حركتك مع الناس كلهم. # * * * PageV08P202 ### ||| ** تحذير للرسول من مغبة الافتتان # ( @QUR@09 واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك )، وذلك ~~بالمراقبة الدائمة لكل الخلفيات التي تكمن وراء كلماتهم وحركاتهم ، ~~والدراسة العميقة للتطلعات التي يتطلعون إليها في مواقفهم من الرسالة ~~والرسول ، والمتابعة الواعية لكل الخطط التي خططوها أو يخططونها للوصول إلى ~~غاياتهم الشريرة ، لأنهم لا يريدون بك وبالرسالة خيرا ، انطلاقا من عصبيتهم ~~للباطل واستعلائهم على الناس. # إن من واجب الرسول الداعية إلى الله ، العامل في سبيل هداية الناس إلى ~~الحق وشمولية سلطة الله على الواقع كله ، أن يأخذ بكل أسباب الحذر في حركته ~~في الساحة العملية ، لأن الآخرين يخططون ويتآمرون ويتلونون بألوان مختلفة ، ~~ليحصلوا على مآربهم وليبتعدوا بالرسول وبالداعية عن الحق الذي أنزل من الله ~~، ببعض الأساليب الخادعة والوسائل المغرية ليفتنوه عن دينه وليقترب منهم ~~ومن باطلهم. # * * * ### ||| ** الآثار الاجتماعية للذنوب # ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا عن القبول بالحق الذي تقضي به ، أو رفضوا ~~التحاكم إليك ، فلا تحزن ولا تأس عليهم ، ولا تسقط أمام انفعالات الإحباط ~~من خلال سلبيات الواقع ، لأن المسألة ليست مسألة فشلك في حركة الدعوة بالحق ~~، ولكنها مسألة انحرافهم الذاتي والفئوي عن رسالة الله ، وابتعادهم عن ~~مصالحهم الحقيقية في السير على خط العدالة في حكم الله والرسول ، مما PageV08P203 # يؤدي بهم إلى الكثير من المشاكل التي تصيبهم في كل مواقع حياتهم الخاصة ~~والعامة ، فإن ذلك هو سنة الله في خلقه إذا انحرفوا وابتعدوا عن الحق. # ( @QUR@08 فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم )، ويعاقبهم ~~عليها في الدنيا من خلال الارتباط العضوي بين الأفعال السيئة وعناصرها ~~السلبية بحسب العلاقة بين المقدمات والنتائج ، فإن الذنب يختزن في داخله ~~السلبية التي تصيب صاحبه ، فتتبعه في حياته وتعقد له أموره ، وتوقعه في ~~الكثير من المشاكل ، وتؤدي به إلى المزيد من الخسائر ، وهذا ms1896 ما حدث لليهود ~~الذين تتحدث عنهم هذه الآيات في تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وخيانتهم له ونقضهم لعهودهم معه ، وتحريك الفتنة بين المسلمين ، وغير ذلك ~~من الذنوب التي تفصلهم عن المجتمع ، وتعزلهم عن قضاياه ، وتباعد بينهم ~~وبينه في المصالح المشتركة التي تقرب الناس إلى بعضهم البعض. # وفي ضوء هذا ، نعرف كيف تحدث الله عن إصابتهم ببعض ذنوبهم ، لأن القضية ~~قد لا تكون عقابا من الله لهم بشكل مباشر ، بل القضية هي العقاب الذاتي ~~الذي يكمن في داخل الذنب مما يحدث للخاطئين في الدنيا من خلال أعمالهم ، ~~كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [الروم : 41] ، فإن الله ~~يتحدث عن الاختلال في النظام الاجتماعي للناس بسبب كسبهم السيئات التي تحمل ~~في داخلها عناصر الفساد الذي يصيب العالمين به ، فيذوقون النتائج السيئة ~~الكامنة في داخل أعمالهم ، كحقيقة واقعية في علاقة العمل السيئ بالنتيجة ~~السلبية في حياة الإنسان ، ( @QUR@05 وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) خارجون ~~عن خط الحق إلى متاهات الباطل في إصرارهم على الانحراف عن الرسالة والرسول ~~، مما يجعلهم في موقع الفسق العملي الذي يخرج به الإنسان عن قاعدة التوازن ~~في الحياة. PageV08P204 # وقد يثور هنا سؤال : # لماذا هذا التحذير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو المعصوم من أن يفتنه ~~الآخرون عن بعض ما أنزل الله إليه ، والنهي له عن اتباع أهوائهم؟ # فهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الموقع الذي يمكن فيه أن يتبع ~~أهواء هؤلاء اليهود ، أو أن يفتنه هؤلاء عن دين الله؟ # والجواب : إن هذه الآية والآيات المماثلة في القرآن لا تتحدث عن الحالة ~~الشخصية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في اهتزازها بالعناصر الضاغطة التي ~~يحركها هؤلاء ، وفي انفعالها وتأثرها بالإغراءات والأساليب الحميمة التي ~~يثيرونها في وجدانه ، بل هي والله العالم واردة في تصوير الواقع الموضوعي ~~في الوسائل والأساليب التي يحركها هؤلاء في ساحته ، مما يخططون فيه لإخضاعه ~~لأهوائهم ولفتنته عن ms1897 بعض ما أنزل الله إليه ، بما تشتمل عليه من الضغوط ~~الهائلة التي تزلزل الإنسان العادي الذي لا يملك قاعدة نفسية من العصمة ~~الروحية المانعة عن الاهتزاز والانحراف ، مما يجعل النهي عن اتباع أهوائهم ~~، والتحذير من فتنتهم ، مرتبطين بالمسألة الموضوعية في العناصر المثيرة ~~التي يوجهونها إليه ، لا بالحالة الذاتية التي يعيشها في وجدانه الرسالي ~~الذي يملك القوة التي لا تضعف أمام التحديات. # * * * ### ||| ** الحكم حكمان : حكم الجاهلية وحكم الله # ( @QUR@03 أفحكم الجاهلية يبغون ) أي يريدون منك إصداره في القضية التي ~~تحاكموا إليك فيها ، وهم في أجواء الآية اليهود الذين كانوا إذا سرق الشريف تركوه PageV08P205 # وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد كما في قصة أسباب النزول ، بحيث كان ~~للمركز الاجتماعي للشخص دور كبير في طبيعة الحكم الصادر له أو ضده ، تبعا ~~للامتيازات الطبقية والأهواء الذاتية أو الفئوية ، بعيدا عن حكم الله في ~~التوراة الذي أكده الإسلام في القرآن والسنة ، وهو الحكم العادل الذي ينظر ~~إلى طبيعة القضية من خلال عناصر الإثبات فيها ، من دون الالتفات إلى طبيعة ~~الشخص في دائرتها الواقعية ، وهذا ما يشعر فيه الناس بالأمن على حقوقهم ~~وقضاياهم ، لأنهم متساوون أمام الشريعة في ساحة الواقع والقضاء ، ( @QUR@05 ~~ومن أحسن من الله حكما ) في عناصره الحية من حيث انسجامه مع المصلحة ~~الإنسانية في صعيد القيم الروحية والأخلاقية والحاجات الحيوية للإنسان ، ~~مما يفرض الخضوع له ، والانفتاح عليه ، والثقة به ، ( @QUR@02 لقوم يوقنون ~~) بالعدالة الإلهية في الحكم والتشريع من موقع إيمانهم بالربوبية المطلقة ~~لله التي ترعى كل المخلوقين بالحكمة واللطف والرحمة على صعيد العدل الذي ~~ينطلق من الجانب الموضوعي للمسألة في الواقع الإنساني العام من دون تفريق ~~بين قوي وضعيف وكبير وصغير وغني وفقير ، لأن الجميع عباده ، فلا حاجة لديه ~~إلى أحد دون أحد ليظلم هذا أو ذاك ، فإن الظلم شأن الضعيف الذي يعيش الضعف ~~أمام الآخر والخوف منه فيلجأ إلى ظلمه ، والله هو القوي ، القادر على كل شيء. # وقد ورد في أكثر من حديث التأكيد على حكم الله في مقابل حكم الجاهلية ، ~~فقد ورد الحديث عن ms1898 الإمام جعفر الصادق عليه السلام أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال : «الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية ، فمن ~~أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية» (1). # وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~أبغض الناس PageV08P206 # إلى الله مبتغ في الإسلام سنة جاهلية ، وطالب امرئ بغير حق ليريق دمه». # ونستفيد من ذلك أن الجاهلية ليست مرحلة زمنية تتمثل في شرائعها وعاداتها ~~وتقاليدها وأحكامها ، بل هي نهج في الخط الفكري الذي يتحرك في كل قضاياه ~~وأوضاعه بعيدا عن الله بحيث لا يستهدي الله في ذلك ، ولا يخضع لرسالاته ~~ورسله ، بل ينطلق في تشريعاته وأحكامه من العوامل الذاتية ، ومن المواقع ~~السلطوية التي تفرض نفسها على الناس بالقوة من دون أن تملك أية شرعية في ~~مواقعها وتحركاتها. # وعلى ضوء ذلك ، فإن النظرة الإسلامية تؤكد على أن أي حكم في المجال ~~التشريعي أو القضائي لا ينسجم مع حكم الله هو حكم الجاهلية ، ولو كان صادرا ~~في العصر الحاضر ، فإن كلمة الجاهلية تتحول من خلال هذه النظرة إلى ذهنية ~~مادية متحركة مع الواقع المادي في الحياة في الاتجاه الذي لا يجد للدين أي ~~دور في أحكامه وقضاياه ، تماما كما لو لم يكن موجودا في حياة الناس. # وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في مورد آخر في تعبير آخر وهو حكم ~~الطاغوت ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@030 ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) [النساء : 60]. ~~وفي ضوء ذلك يمكن لنا أن نواجه كل الواقع التشريعي الوضعي الذي يتحرك في ~~بلاد المسلمين في خط العلمانية لنعتبره داخلا في حكم الجاهلية أو حكم ~~الطاغوت ، وخارجا عن حكم الله وعن ولايته ، وهذا ما ينبغي للمسلمين أن ~~يحذروا منه ، وأن يلتفتوا إلى الموقف الذي يجب أن يتخذوه ويلتزموه في رفضهم ~~وتأييدهم ، لا سيما في المشاركة في المجالس النيابية بتأييد الذين يعيشون ~~ذهنية ms1899 الجاهلية في أحكامها وقوانينها لا ذهنية الإسلام. PageV08P207 ### ||| ** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ # وقد نستوحي من هذه الآيات بعض اللمحات الفكرية والعملية التي تفيدنا في ~~حركة العمل الإسلامي في الدعوة إلى الله : # أولا : إنا نأخذ من هذه الآيات النموذج الحي للناس الذين يقفون ضد ~~العاملين في سبيل الله ويعملون على إقامة الحواجز النفسية والمادية ضد ~~التحرك الإيماني ، سواء كانوا من الذين يختلفون معنا في الدين ، أو من ~~الذين لا يدينون بأي دين ، بل يلتزمون الإلحاد كمنهج للحياة ، أو من الذين ~~يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، لنتخذ منهم الموقف الذي أراد الله لرسوله ~~أن يتخذه من معاصريه من هؤلاء ، فلا نضعف ولا نهون أمام كل الأوضاع السلبية ~~التي نواجهها منهم ، بل نتعامل معهم وفق قاعدة التعامل الواقعي التي تقتضي ~~الانتباه جيدا لكل وسائلهم وأوضاعهم ، في كل ما يريدون إثارته في الساحة من ~~قضايا ومواقف ، لنضع الأمور في نصابها الصحيح ، ولنكون في وعي دائم لكل ما ~~يحيط بنا من أمور وأوضاع ، وبذلك تتحول هذه الأيام إلى حركة متنوعة ~~الاتجاهات في طريق العمل الإسلامي الطويل ، فلا تقتصر على الوقائع والفئات ~~في حدود الزمان والمكان اللذين عاشا في داخل التاريخ. # ثانيا : إن هذه الآيات تؤكد على ما في الكتب المنزلة من حقيقة فكرية ~~وتشريعية ، وتعتبر الانسجام مع تلك الحقيقة أساسا للخط الإيماني الصحيح في ~~مسيرة الإنسان ، مما يوضح القاعدة الصلبة للشخصية الإيمانية التي ترتكز على ~~المنهج في الفكر ، وعلى الخط في السير ، سواء في ذلك الذين يتبعون التوراة ~~أو الإنجيل أو القرآن ، وتؤكد في بعض لمحاتها على تداخل هذه الكتب في ~~مفاهيمها العامة وآفاقها الواسعة بحيث لا يعتبر الإيمان بكتاب ، منافيا ، ~~في إيحاءاته الفكرية والعملية ، للإيمان بالكتب الأخرى ، لأن PageV08P208 # الخصوصيات التي تختلف فيها هذه الكتب لا تمس الخطوط العامة ، بل تمس ~~التفاصيل التي أوضحت هذه الكتب على أنها قد تتغير وتتبدل تبعا للحاجات التي ~~يفرضها عامل الزمان ، مما ينتهي فيه حد المصلحة الباعثة إلى الحكم تارة ، ~~أو مما تتبدل فيه المفسدة إلى مصلحة أخرى. وعلى ضوء ms1900 هذا ، كانت الدعوة إلى ~~أن يحكم أهل الإنجيل والتوراة والقرآن بما فيه من الحق ، لأن ذلك هو الذي ~~يلتقي عليه الجميع ، فيكون الابتعاد عنه ظلما وفسقا وكفرا ، ولهذا كان ~~الإلزام القرآني لكل فريق من الفرقاء الذين ينتمون إلى هذا الكتاب أو ذاك ، ~~بالمعاني التي يلتزم بها الكتاب ، لأن كل واحد منها يمهد الطريق للآخر ~~ويدعمه في كل الجوانب الحية فيه. # ثالثا : إن على الدعاة لله والعاملين في سبيله ، أن يكونوا في حالة حذر ~~دائمة ورصد مستمر لكل الأساليب الملتوية التي يحاول دعاة الكفر وأولياؤهم ~~أن يضللوا بها المؤمنين عن دينهم ، في ما يثيرونه حولهم من الأجواء ~~المحمومة التي تثير المشاعر وتهز النفوس ، أو في ما يحشدونه من المعلومات ~~الكاذبة التي يريدون من خلالها توجيه الأمور في غير وجهتها الصحيحة ، ~~لينحرفوا بالحكم عن الحق ، وذلك من أجل اكتشاف اللعبة الملتوية المزخرفة ~~التي تتمثل في أكثر من أسلوب ، وأكثر من وجه. # رابعا : إن الحكم حكمان ، حكم الجاهلية ، وهو الحكم الذي يرتكز على ~~الباطل ويبتعد عن وحي الله ، مما يصنعه البشر لأنفسهم انطلاقا من مصالحهم ~~ومنافعهم وأنانيتهم ، بعيدا عن الله ، وحكم الله الذي شرعه لعباده في ما ~~أوحى به لرسله ، مما ينسجم مع مصالح الإنسان كإنسان بعيدا عن كل الخصوصيات ~~التي ترهق إنسانيته وتعطل مسيرته نحو الخير. ولا بد لنا من الدخول في عملية ~~المقارنة دائما بين هذين الحكمين ، ليبقى الناس على وعي عميق منفتح بما ~~يمثله حكم الله من خير وبركة ورحمة للإنسان وللحياة كما توحي به الآية ~~الأخيرة وليبقى الهاجس الذي يعيش في هم المجتمع من أجل PageV08P209 # تأكيد استمراره في حركة الحياة في ما يحكم به الحكام ، وفي ما يطبقه ~~الناس ، من أجل حفظه ورعايته وإصابته ، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام : «إن الحكم حكمان : حكم الله وحكم الجاهلية ، ثم قال : ( ~~@QUR@07 ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) قال : فأشهد أن زيدا قد حكم ~~بحكم الجاهلية ، يعني في الفرائض» (1). # * * * PageV08P210 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ms1901 بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) ~~@QUR@028 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين (52) @QUR@015 ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) (53) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا تتخذوا ): الاتخاذ هو الاعتماد على الشيء لإعداده لأمره ، ~~وهو افتعال من الأخذ ، والأخذ يكون على وجوه ، تقول : أخذ الكتاب إذا ~~تناوله ، وأخذ القربان إذا تقبله ، وأخذه الله من مأمنه إذا أهلكه. وأصله : ~~جواز الشيء من جهة إلى جهة من الجهات. # ( @QUR@01 أولياء ): جمع ولي ، وهو النصير لأنه يلي بالنصر صاحبه. # ( @QUR@01 دائرة ): الخط المحيط بالشيء ، والمراد بها الدولة التي تتحول إلى PageV08P211 # من كانت له عمن في يده ، وهي تطلق في المكروه باعتبار أنه يحيط بالإنسان ~~إحاطة الدائرة بمن فيها ، فلا سبيل لهم إلى الانفكاك منه بوجه ، كما في ~~مفردات الراغب (1). # ( @QUR@01 فعسى ): قال في مجمع البيان : وعسى موضوعة للشك ، وهي من الله ~~تعالى تفيد الوجوب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير يفعله ، فهو بمنزلة الوعد ~~به في تعلق النفس به ورجائها له ، ولذلك حق لا يضيع ومنزلة لا تخيب (2). # والظاهر أن إطلاقها وارد بالنسبة إلى طبيعة الشيء من حيث كونه مستقبليا ~~لا يتيقن بحصوله مما يجعله في دائرة الشك ، بقطع النظر عن القائل ، فلا ~~يكون الوجوب المذكور في كلام المجمع مدلولا عليه باللفظ ، بل هو أمر مستنبط ~~من دراسة كرم الله وجوده في ما يعد به من الخير. # ( @QUR@01 بالفتح ): القضاء والفصل ، والمراد به هنا النصر. # ( @QUR@01 حبطت ): قال الراغب في المفردات : حبط العمل على أضرب : أحدها ~~: أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة غناء ، والثاني : أن تكون ~~أعمالا أخروية لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى ، والثالث : أن تكون ~~أعمالا صالحة ، ولكن بإزائها سيئات توفي عليها ، وذلك هو المشار إليه بخفة ~~الميزان. وأصل الحبط من الحبط ، وهو : أن تكثر الدابة أكلا حتى ms1902 ينتفخ بطنها (3). # * * * PageV08P212 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : «قال عطية العوفي : جاء عبادة بن الصامت ~~فقال : يا رسول الله ، إن لي موالي من اليهود كثير عددهم ، حاضر نصرهم ، ~~وإني أبوء إلى الله ورسوله من ولاية اليهود ، وآوي إلى الله ورسوله ، فقال ~~عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، ولا أبرأ من ولاية اليهود ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا الحباب ما تجلب به من ولاية اليهود ~~على عبادة بن الصامت فهو لك دونه ، فقال : قد قبلت ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ) إلى قوله تعالى : ( @QUR@05 فترى الذين في قلوبهم مرض ) يعني ~~عبد الله بن أبي ( @QUR@02 يسارعون فيهم ) وفي ولايتهم ، ( @QUR@05 يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دائرة ) (1). # وجاء في الدر المنثور عن السدي : قال : «لما كانت وقعة أحد اشتد على ~~طائفة من الناس ، وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار ، فقال رجل لصاحبه : أما ~~أنا فألحق بفلان اليهودي ، فآخذ منه أمانا وأتهود معه ، فإني أخاف أن يدال ~~على المسلمين ، وقال الآخر : أما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام ~~، فآخذ منه أمانا وأنتصر معه ، فأنزل الله فيهما ينهاهما : ( @QUR@012 يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) (2). # وأخرج ابن جريج وابن المنذر عن عكرمة قوله : ( @QUR@017 يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ، أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم ) قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا لبابة بن ~~عبد المنذر من الأوس ، وهو من بني عمرو بن عوف ، فبعثه PageV08P213 # إلى قريظة حين نقضت العهد ، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه الذبح ~~الذبح. (1). # ونلاحظ في هذا الاختلاف في الروايات في سبب نزول هذه الآية ، أن من ~~الممكن أن تكون المسألة اجتهادا من الرواة من خلال روايتهم للأحداث ~~المذكورة المتنوعة التي اعتبروها مناسبة للآية مما يستوحون منه أنها أسباب ~~نزول. والله العالم. # وعلى أي حال ، فإنها تمثل أمورا متصلة بالآية من الناحية ms1903 التطبيقية ~~باعتبار أنها قد تكون لونا من ألوان التولي لليهود وللنصارى من قبل بعض ~~المسلمين ، وقد لا يكون من المستبعد أن تكون الآية واردة في اتجاه تأكيد ~~القاعدة العامة للعلاقات التي تربط بين المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى ~~على أساس إبعادهم عن النتائج السلبية الحاصلة من ذلك. # * * * ### ||| ** أسس العلاقة مع اليهود والنصارى # يفرض الإسلام على المسلم أن يؤمن بالرسل أجمعهم وبالرسالات كلها ، ولكنه ~~يريد له أن يكون واقعيا في علاقته بالذين ينتمون إليها ، وذلك من موقع ~~السلوك العدواني الذي التزموه في علاقتهم بالمسلمين ، لأنهم يعتقدون بطلان ~~عقيدة المسلمين في ما يعتقدونه من رسول وفي ما يتبعونه من شريعة ، ولأن ~~طبيعة التحرك الإسلامي في مجال الدعوة التي قد تعارض بعض مفاهيمهم الخاطئة ~~للرسالات التي ينتمون إليها ، أو في مجال السلطة التي كان PageV08P214 # الإسلام يعمل من أجلها على أساس عقيدته وشريعته ، قد تخلق بعض العقد ~~الداخلية ، وقد تثير بعض المشاكل العملية والفكرية ، مما يفرض فرزا في ~~المواقع وتعقيدا في المواقف ، والتقاء على المعارضة للإسلام ، وقد أثبتت ~~الممارسات التاريخية في حال ظهور الإسلام وبعده بعض ذلك. ولهذا أراد ~~الإسلام للمؤمنين أن يعيشوا في داخل حياتهم وخارجها الخطوط الفاصلة العازلة ~~، بين المواقع المتنوعة والمواقف المختلفة ، من أجل الحفاظ على الجانب ~~الفكري للعقيدة ، فلا يتأثر بالانحراف الذي قد يأتي من المجاملات التي ~~تساهم في تمييع الموقف ، من أجل التأكيد على سلامة المسيرة ، فلا تهتز أمام ~~الأوضاع العاطفية والعلاقات الذاتية البعيدة عن التركيز. # * * * ### ||| ** المحبة والتعاون أساس قوة العلاقات الإنسانية # وربما كان الإسلام يتحرك في هذا التأكيد من قاعدة إنسانية ثابتة ، وهي أن ~~الأساس في قوة العلاقات بما تفرضه من محبة ومودة ونصرة وتعاون ، هو القاعدة ~~الفكرية والروحية التي ينتمي إليها الناس ، فهي التي تمنح الثبات للعلاقة ، ~~وتثبت المواقف في العمل ، سواء في ذلك الحالات التي تمثل التوافق في كل ~~التفاصيل ، أو الحالات التي تتوافق فيها القواعد العامة على أكثر من تفصيل ~~، فإذا كانت العلاقات تقوم على أساس التوافق ، أمكن لها أن تساهم في إيجاد ~~صيغة للوحدة ms1904 أو للتنسيق ، أما إذا كانت تقوم على أساس التحالف ، وكان ~~التحالف يتحرك في اتجاه النوازع الذاتية التي تحكم الذات ، فلا بد من أن ~~يكون الموقف قائما على أساس الحذر الذي يدعو إلى الترقب والتأمل في رصد ~~الأوضاع والعلاقات على أساس من الواقعية ، لأن الاستسلام للثقة في الأجواء ~~التي لا تدعو إلى الثقة بل تدعو إلى العكس ، يعتبر لونا من السذاجة PageV08P215 # العملية. وقد كان التاريخ الذي عاشه المسلمون مع اليهود مليئا بالمشاكل ~~والتآمر والكيد والفتن وبالمستوى الذي كاد أن يربك المسيرة الإسلامية في ~~العهود التي رافقت حركة الرسالة ، كما كان السلوك الذي أحاط بالمسلمين من ~~قبل النصارى ، يوحي بشيء من هذا القبيل في ما يختزنه المستقبل. # * * * ### ||| ** المناعة الداخلية ضرورة إزاء العلاقة مع اليهود # وفي ضوء ذلك كله ، أراد الإسلام من المسلمين أن يتحفظوا في إيجاد علاقة ~~الولاية بينهم وبين هؤلاء ، لتبقى الحواجز النفسية الفكرية سبيلا من سبل ~~المناعة الداخلية البعيدة عن حالة الميوعة والذوبان ، ولتبقى التحفظات ~~العملية أداة من أدوات الحماية الواقعية للحياة الإسلامية من خلفيات الخطط ~~الخفية المضادة المرسومة من قبل الآخرين. وهذا ما نستوحيه من جو هذه الآية ~~: ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ) فقد نلاحظ في الفقرة الأخيرة نوعا من أنواع الإيحاء الخفي ~~بوجود محورية داخلية بين هؤلاء ، سواء أريد من كلمة البعض ، اليهود في ما ~~بينهم ، أو النصارى في ما بينهم ، كما يفهمه بعض المفسرين الذين يرجحون ذلك ~~على أساس العداوة التاريخية بين اليهود والنصارى ، مما يبعد تقرير الولاية ~~فيما بينهم ، أو أريد منهم اليهود والنصارى فيما بينهم ، لأنهم إذا افترقوا ~~في خلافاتهم الذاتية ، فإنهم يتفقون عند ما يكون المسلمون الهدف المشترك ~~الذي يتوحدون حوله. إن هذا التأكيد على هذه الولاية المحورية ، يؤكد على ~~عدم استجابتهم للولاية في ما يتعلق بعلاقتهم بالمسلمين ، وانطلاقهم في خط ~~السلبية تجاهم بكل ما لذلك من نتائج وآثار. وفي هذا الجو ، نعرف أن القضية ~~التي يؤكدها الإسلام ، لا تعيش في خط الروح العدوانية التي يعمل على ms1905 تعبئة ~~المؤمنين بها ضد غيرهم PageV08P216 # من أصحاب الديانات لتعميق الشعور بالحقد والبغضاء في أوساط المجتمع ~~المؤمن في مواجهة المجتمعات الأخرى ، بل القضية هي إيجاد الفواصل الفكرية ~~والروحية التي تساعد على المنع من وقوع المسلمين في قبضة الميوعة الفكرية ~~والسذاجة العملية ، اللتين قد تحصلان من انجذابهم إلى ظواهر الأشياء ~~وابتعادهم عن خلفياتها وجذورها ، ليكون التعايش عند ما يفرضه الواقع منطلقا ~~من حالة وعي واقعية ، في ما يتعاون عليه المجتمع ، من الشؤون العامة ~~والقضايا المشتركة ، لا من حالة استغفال لأحد الفرقاء للآخر في ما يريده من ~~أوضاع وعلاقات. # ولهذا رأينا الإسلام يؤكد في أكثر من آية قرآنية على بعض الجوانب ~~الإيجابية لدى النصارى في سلوكهم العملي ، من خلال الخطوط الأخلاقية ~~الموجودة لديهم في تعاليمهم ، في مقابل اليهود الذين اعتبرهم ( @QUR@05 أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا ) [المائدة : 82] ، لانطلاقهم من كل المواقع ~~السلبية ضدهم. ونراه يؤكد على أن الخط الفاصل الذي يحكم إيجابية العلاقات ~~وسلبياتها هو السلام الذي يشعر به الآخرون تجاه المسلمين وعدم العدوان في ~~ما يمثله من تصرفات وأعمال ، الأمر الذي يدعو المسلمين إلى البر والعدل في ~~التعامل معهم ، فليست القضية أن هناك حقدا يراد تأجيجه في الصدور ، بل ~~القضية أن هناك وعيا يراد تعميقه في العقول ، وأن هناك واقعية يراد تأكيدها ~~في المواقف ، ولعل هذا هو السر في هذا التشديد على الذين يتولونهم من ~~المسلمين ، ( @QUR@05 ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) لأن ذلك يوحي ~~باللامبالاة لدى هؤلاء في ما يفكر به الآخرون من أفكار ، وفي ما يتخذونه من ~~مواقف ، ويؤدي بالنتيجة إلى ابتعاد اللامبالين عن مجتمع المسلمين ، ~~واقترابهم من مجتمع الكفر ، كما نجده في بعض الفئات التي قد تنجذب إلى خط ~~الأعداء على أساس ما تأمل لديهم من أطماع وشهوات ، لتكون في النهاية سلاحا ~~بيد الكافرين ضد المسلمين ، فيظلمون أنفسهم بالانحراف عن خط الحق ويظلمون PageV08P217 # إخوانهم بالسير في خط الأعداء ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~) الذين اختاروا لأنفسهم السير في طريق الانحراف العقيدي والعملي بالتولي ~~لغير المسلمين ، فتركهم لاختيارهم السيئ الذي تمردوا ms1906 فيه على خط الهداية ~~الطبيعية والإيحائية الإلهية ، وأوكلهم إلى أنفسهم ، ولم يتدخل لإرجاعهم ~~إلى خط الهدى بطريقة غير اعتيادية ، لأن الله لا يفرض الهداية على الذين ~~يرفضونها بإرادتهم. # * * * ### ||| ** المراد من كلمة الولاية # ولكن ، ما المراد من كلمة «الولاية»؟ هل المراد بها المحبة والمودة؟ أو ~~المراد بها النصرة والمعاونة؟ قد يختلف المفسرون في ذلك لأن الكلمة تتسع ~~لهذا المعنى ولذاك ، كما تتسع لغيرهما ، ولكن الظاهر من الجو الذي تعيش فيه ~~الآية أن المراد بها العلاقة الوثيقة التي تمثل لونا من ألوان الالتزام ~~بالجماعة على أساس العوامل الذاتية التي توحي بذلك ، مما يجعل المحبة ~~والنصرة والمعاونة بعضا من آثارها ، لا معنى من معانيها ، وهذا ما نفهمه من ~~كلمة الموالاة التي تستعمل في علاقة الأمة بقيادتها ، أو ببعضها ، فإنها ~~تعني العلاقة الشديدة المنطلقة من خط الالتزام بالشخص أو الجماعة ، فلا ~~يبقى هناك مجال للاختلاف المذكور ، والله العالم. # * * * ### ||| ** المنافقون وتولي غير المسلمين # هذه هي القاعدة الإسلامية التي تفرض الجانب السلبي في الولاية بين PageV08P218 # المؤمنين وبين غيرهم من أهل الكتاب. ولكن بعض المسلمين ينحرفون عن هذه ~~القاعدة ، لأن في قلوبهم مرضا ناشئا من ضعف الإيمان وفقدان الثقة بالله ، ~~فتراهم يلهثون خلف هؤلاء ويسارعون فيهم ، فيندمجون في داخل مجتمعاتهم حتى ~~يحسبهم الناظر أنهم منهم ، في أسلوب العلاقة والتعامل والموقف ، لأنهم ~~يخافون أن ينهزم المسلمون أمام اليهود والنصارى وتدور الدائرة عليهم ، مما ~~يعرضهم للخطر ويؤدي بهم إلى الهلاك. ولذلك كانت الخطة أن يتنازلوا ويخضعوا ~~ويقدموا لهم فروض الطاعة والعبودية ، ليحصلوا على الأمن والطمأنينة ، وتلك ~~هي حجة المنافقين في كل زمان ومكان ، فهم لا يتحركون من مواقع العقيدة ، ~~ولا ينطلقون من مواقع التضحية ، بل يواجهون القضية بمنطق المنفعة والطمع ~~والشهوة ، في الوقت الذي يفرض عليهم الإيمان بالله أن يظلوا على خط الأمل ~~الأخضر برعاية الله للمؤمنين ( @QUR@017 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ~~فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح ) للمسلمين على ~~الكافرين ( @QUR@04 أو أمر من عنده ) في ما يدفع به عنهم من ضر أو ms1907 يجلب لهم ~~من نفع ، وحينئذ تنكشف أوضاع هؤلاء المنافقين أمام الحقيقة الواضحة ، ( ~~@QUR@07 فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ). ويقف المؤمنون ليسجلوا ~~هذا الموقف ضد المنافقين الذين قد تفاجئهم الهزيمة التي يقع فيها الكافرون ~~، فيظهر عليهم الألم والهلع ، فينكشف أمرهم للمؤمنين ( @QUR@011 ويقول ~~الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ). فما ذا ~~يمثل هؤلاء الآن أمام الهزيمة التي كشفت زيفهم ونفاقهم ، وماذا تمثلون أنتم ~~في مواقفكم المهتزة بفعل النتيجة المريرة من خيبة الأمل؟ إن النهاية ~~الأليمة هي التي تنتظر الجميع ( @QUR@04 حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) ~~وتحولت كل جهودهم إلى جهود ضائعة ، فلا مجال لديهم إلا للحيرة والقلق ~~والضياع .. # * * * PageV08P219 ### ||| ** عبر لا بد منها للمسلمين # ويبقى للمسلمين الدرس العملي المتحرك في الواقع الذي يبعث فيهم روح الوعي ~~والحذر للفئات الأخرى التي تختلف معهم في الدين والقضايا الحيوية المتصلة ~~بالعلاقات العامة ، فلا يستسلمون للسذاجة العاطفية التي قد تجعلهم يسقطون ~~تحت تأثير الخوف من المستقبل ، الذي قد يدفع الآخرين إلى الواجهة من السلطة ~~ويرجع المسلمين إلى الخلف ، فيحاولون الارتباط بهم لحماية أنفسهم ، فيفقدون ~~الكثير من صلابة الموقف واستقامة الخط ، في الوقت الذي لا يحصلون فيه على ~~شيء مما قصدوه ، بل قد يحصلون على العكس من ذلك إذا انتصر المسلمون وانهزم ~~الكافرون. إن الارتباط السياسي والاقتصادي والديني بالأجانب أمر مرفوض من ~~الإسلام نفسه ، لأنه قد يعرض المسلمين للوقوع في التهلكة السياسية ~~والاقتصادية والأمنية ، ويؤدي بهم إلى فقدان استقلالهم وقدرتهم على تقرير ~~مصيرهم ، وهذا ما نلاحظ في هذه الأيام من تحول المسلمين إلى وجود منسي في ~~الواقع السياسي العالمي الذي يقوده المستكبرون في الأرض ، فلا يسمحون لهم ~~بحرية الحركة في سياستهم واقتصادهم وأمنهم في قليل أو كثير. # * * * PageV08P220 ### ||| * الآية # ( @QUR@038 يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (54) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يرتد ): الارتداد والردة الرجوع في الطريق الذي ms1908 جاء منه ، لكن ~~الردة تختص بالكفر ، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره ، والمراد به ، هنا ، ~~الرجوع من الإسلام إلى الكفر. # ( @QUR@01 أذلة ): الذل بكسر الذال ضد الصعوبة وبضمها ضد العز ، والأول ~~من اللين والانقياد ، والثاني من الهوان والاستخفاف. # ( @QUR@01 لومة ): اللوم : عذل الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم. # * * * PageV08P221 ### ||| ** المؤمنون المخلصون واستبدالهم بالمرتدين # هل كان هناك حالة ارتداد عن الدين ، في مستوى الظاهرة ، ليأتي هذا النداء ~~الحاسم الذي يوحي بالتهديد من جهة ، والاستهانة من جهة أخرى؟ لأن هؤلاء ~~الذين يواجهون الموقف بهذا الأسلوب قد يتخيلون أن ذلك يضعف الإسلام ، ويوهن ~~قوة المسلمين ، لما يرونه لأنفسهم من الأهمية الكبرى في داخل المجتمع ~~الإسلامي ، بحيث لا يستطيع المجتمع أن يجد بديلا عنهم ، كالكثيرين من الناس ~~الذين يعطون لأنفسهم دورا أكبر من دورهم ، في ما يخيل إليهم من ضخامة ~~شخصيتهم ، بالحجم الذي لا يسد مسده أحد؟ # وقد لا يكون من الضروري أن يكون الموقف بهذه الخطورة ، على هذا المستوى ، ~~بل قد تكون الآية تابعة للجو الذي انطلقت فيه الآيات السابقة التي كانت ~~تشير بطريقة إيحائية وتقريرية إلى النماذج التي تقدم لغير المسلمين فروض ~~الطاعة والولاء ، في أساليب متنوعة تمثل التنازل الفكري والعملي عن كثير من ~~قضايا الإسلام المهمة ، مما يوحي بارتداد واقعي عن الخط الإسلامي ، ~~وبالتالي ابتعاد عن الدين ، وقد يؤدي ذلك إلى الخروج منه كليا بشكل رسمي في ~~الحالات الضاغطة التي تفرض عليهم الاندماج في المجتمع الآخر ، نظرا إلى ضعف ~~العقيدة والوازع الديني في أنفسهم ، وقوة الدافع الذاتي في نوازعهم ، وربما ~~كان هذا أقرب إلى جو الآيات التي تعمل على أن تمارس ضد هؤلاء لونا من ألوان ~~الضغط النفسي ، بالإيحاء لهم بأنهم لا يمثلون الكثير من مواقع القوة في ~~المجتمع الإسلامي ، بل هم مجرد مرحلة تافهة لا قيمة لها في جوانبها السلبية ~~والإيجابية! # فهناك أكثر من مرحلة من مراحل التطلع الإسلامي إلى المستقبل ، في ما تبشر ~~به خطوات الطلائع الإسلامية الجديدة التي عاشت الإسلام في أعماقها PageV08P222 # الفكرية والشعورية حبا لله ، وفناء في طاعته ، وخوفا منه ، وسارت ms1909 على ~~الخط المستقيم في الاتجاه السليم الذي يؤدي إلى رضوانه ، وبذلك فلا بد من ~~أن يعرف هؤلاء وغيرهم من الذين يعتبرون الحياة خاضعة لمواقفهم السلبية ~~والإيجابية في وجودها وفنائها ، أن الله سيأتي بقوم لا يشبهونهم في كل ~~مواقف الاهتزاز والتذبذب ، بل يمثلون الصدق في العقيدة ، والثبات في الموقف ~~، والاستقامة في الطريق ، والوضوح في الرؤية. فهم قد حازوا محبة الله لهم ~~لأنهم أطاعوه حق طاعته ، وعبدوه حق عبادته ، وهم يحبون الله ، حبا ملك ~~عليهم فكرهم وشعورهم ، لأنهم عرفوه في آفاق عظمته ومواقع نعمه ، فإذا ~~انطلقوا في الحياة الاجتماعية العملية ، فإن مواقفهم تجاه الآخرين ، تتحدد ~~بالخط الذي يلتزم به هؤلاء الآخرون ، فإذا كان الخط إيمانا وسلاما وصلاحا ، ~~فهم المتواضعون الذين يخفضون للمؤمنين جناح الذل ، من دون أن يعانوا أية ~~عقدة في ذلك كله ، لأنهم لا يعيشون المشاعر الذاتية في علاقتهم بهؤلاء ، ~~لأن العلاقة بالله هي القاعدة التي يتمسك بها الجميع ، ولأن الإسلام اعتبر ~~أفراد المجتمع المؤمن كالجسد الواحد ، فلا اثنينية لتتحرك النوازع الفردية ~~في نطاقها الذاتي المعقد ، وإذا كان الخط كفرا وفسادا وظلما وشرا ، فهم ~~الأعزاء الذين لا يتنازلون بل يترفعون ، لأن القضية ليست قضية إنسانية ~~تتحرك في خطوات المشاعر ، بل هي رسالية تتميز في حساب المواقف ، فليس هنا ~~إنسان يترفع عن إنسان ، بل عقيدة تعلو عقيدة ، وحركة تواجه حركة ، ورسالة ~~ترتفع فوق استعراضات المنافع. # ومن هنا جاء هذا النداء الإلهي لهم : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا من ~~يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم )، فإذا واجهوا التحديات ، ووقف ~~الكفر في جانب ليحارب تعاليم الله وشرائعه ، ويهاجم عقيدة الحق ورسالته ، ~~كانوا في المواقع الصلبة الصعبة ، شرارة من نار ، ويقظة من نور ، وحركة من ~~فكر ، وصرخة من حق ، وموقفا من عدل ، وجهادا في معركة ، وانطلاقة في سبيل ~~الله ، فهم الأشداء PageV08P223 # الثابتون الذين لا يتزلزلون ولا يرتبكون ، وهم الواثقون بالحق ثقتهم ~~بالله ، فقد يسمعون اللائمين الذين يأخذون عليهم قسوة موقفهم وصلابة رأيهم ~~، ويطلبون منهم التراجع عن ذلك ليحصلوا على رضى هذا الفريق وذاك ، ولكنهم ms1910 ~~يرفضون ذلك بإباء وإيمان ، لأن الموقف ليس ملك أيديهم ، بل هو ملك الله ، ~~فلا يملكون حرية الانسحاب لو أرادت منهم أنفسهم ذلك ، ولا تأخذهم في الله ~~لومة لائم ، وذلك هو فضل الله عليهم بأن من عليهم بهدى الإيمان ، وإشراقة ~~الحق ، بحيث يتحول الإنسان إلى ينبوع من النور ، يتدفق بكل أريحيات اللطف ~~الإلهي ، والله واسع في رحمته ولطفه ورضوانه ورعايته لعباده المؤمنين ، ~~عليم بما يحتاجون إليه في المراحل الصعبة من جهادهم في طريق الله. # ولكن ، هل تشير الآية إلى جماعة معينة من هؤلاء المؤمنين المخلصين؟ ربما ~~كانت بعض الأحاديث أو التفاسير تتضمن الإشارة إلى ذلك ، ولكن هذا داخل في ~~عالم التطبيق على بعض الأفراد الطليعيين الذين عاشوا في عصور الإسلام ~~الذهبية في عهد الدعوة والجهاد ، لأن الآية تسير مع الزمن لتوحي لكل جيل من ~~أجيال المسلمين ، أن الإسلام هو الرسالة التي يجب عليه أن يحتضنها ويرعاها ~~بكل قوة وأن يستمر عليها بكل إخلاص ، وأن عليه أن يعي جيدا دوره فلا يغتر ~~أبدا بحجم هذا الدور بالمستوى الذي يخيل إليه أن الإسلام سوف يموت ويزول ~~إذا ابتعد هو عن الساحة ، فإن هناك أكثر من جيل في علم الله ، ينتظر الفرصة ~~التي ينتصر فيها للإسلام ، بعيدا عن كل زهو وعظمة وخيلاء. # وربما كان لنا أن نستوحي من هذه الآية ، كيف يجب أن تتركز التربية ~~الإسلامية في علاقة القيادة بالقاعدة ، وبالعكس ، فلا مجال للفكرة التي ~~تقول إن غياب القيادة المعينة ، أو انحرافها ، أو ارتدادها ، يلغي الدور ~~المستقبلي للإسلام ، لأن هذه القيادة أو تلك ، تمثل القاعدة الأساسية التي ~~يرتكز عليها الإسلام ، ولا مجال أيضا للفكرة المماثلة التي قد تعتبر اهتزاز ~~القاعدة PageV08P224 # وضياعها وارتدادها كفيلا باهتزاز الإسلام وسقوطه ، لأن الله سبحانه هو ~~الذي يكفل مسيرة هذا الدين ، ويخلق له في كل زمن أناسا مخلصين ( @QUR@016 ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ) ليعرف كل إنسان وكل جيل حجمه الطبيعي أمام الله ~~وأمام رسالته ، ( @QUR@09 ذلك فضل الله يؤتيه من ms1911 يشاء والله واسع عليم ). # * * * PageV08P225 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) @QUR@011 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون ) (56) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وليكم ): جاء في مجمع البيان : الولي هو الذي يلي النصرة ~~والمعونة ، والولي هو الذي يلي تدبير الأمر ... قال المبرد في كتاب العبارة ~~عن صفات الله : أصل الولي : الذي هو أولى أي أحق (1). # ( @QUR@01 راكعون ): الركوع هو التطأطؤ المخصوص ، قال الخليل : كل شيء ~~ينكب لوجهه فتمس ركبته الأرض أو لا يمس بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع ... ~~ومنه الركوع في الصلاة (2). # ( @QUR@01 حزب ): الحزب : الطائفة والجماعة ، وأصله من قولهم : حزبه الأمر PageV08P226 # يحزبه إذا نابه ، وكل قوم تشابهت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب ، وتحزب ~~القوم إذا اجتمعوا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور ، أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمار ابن ~~ياسر ، قال : «وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوع ، فنزع خاتمه فأعطاه ~~السائل ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعمله ذلك ، فنزلت على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية : ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) فقرأها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه ، ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، ~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» (1). # وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : «أتى عبد ~~الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله عند الظهر ، فقالوا : يا ~~رسول الله ، إن بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد ، ~~وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم ، أظهروا العداوة ~~وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يؤاكلونا ، فشق ذلك علينا ، فبينما هم يشكون ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ نزلت هذه الآية على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )، ونودي ms1912 بالصلاة ، صلاة الظهر ، ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد والناس بين قائم وراكع ، ~~فنظر سائلا فقال : هل أعطاك أحد شيئا؟ قال : نعم ، قال : من؟ قال: ذلك ~~الرجل القائم ، قال : على أي حال أعطاكه؟ قال : وهو راكع ، قال : وذلك علي بن PageV08P227 # أبي طالب فكبر رسول الله عند ذلك وهو يقول : ( @QUR@011 ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )» (1). # وقد جاء من طرق أهل السنة أربع وعشرون رواية تتفق ومضمون هذا الحديث ، ~~وتسع عشرة رواية من طرق أهل الشيعة ، كما جاء في كتاب منهاج البراعة نقلا ~~عن كتاب (غاية المرام)، وتجاوز عدد الكتب التي أوردت هذه الروايات ~~الثلاثين كتابا كلها من تأليف علماء أهل السنة. # * * * ### ||| ** خط الولاية الذي يجب التزامه # وجاءت هاتان الآيتان لتحددا خط الولاية الذي يجب أن يلتزمه الناس بالنسبة ~~لما يلتزمون به في العقيدة والشريعة والقيادة. فالله هو الولي الذي تتجه ~~إليه قلوب العباد وأرواحهم بالطاعة والعبادة والإخلاص والنصرة والمحبة ، ~~فبالإيمان به ينفتح درب الحياة ، وبالالتزام بشريعته يستقيم خط العدل ، ~~وبالإنابة إليه يتصحح كل انحراف ، وهو المرجع والملجأ في كل شيء ، لأنه ~~القادر على كل شيء ، والمهيمن على كل وجود ، والرسول هو الولي في الدعوة ~~والرسالة والقيادة ، فهو الذي يجب على الناس أن يستجيبوا له إذا دعاهم لما ~~يحييهم من طاعة الله وعبادته ، وهو الرسول الذي أراد الله للناس أن يؤمنوا ~~برسالته بما يوحيه الله إليه من وحيه ، وبما ينزل عليه من قرآنه ، وهو ~~القائد الذي جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فيملك منهم ما لا ~~يملكونه من أنفسهم ، وله عليهم حق الطاعة في ذلك كله ، فمن أطاع الرسول فقد ~~أطاع الله ، والذين آمنوا هم أولياء المؤمنين ، لأنهم يمثلون الإخلاص لله ~~في ما تمثله PageV08P228 # الصلاة التي يقيمونها من روح الإخلاص وشعاره ، وفي ما تمثله الزكاة التي ~~يؤتونها كتعبير عن روحية العطاء المنسابة من إنسانية الإيمان النابض في روح ~~الإنسان المؤمن وقلبه ، لا سيما وأنهم يؤدونها وهم راكعون لله ، كأسلوب من ~~أساليب المزج ms1913 العملي بين عبادة العطاء وعبادة الخضوع ، في ما يوحيه ذلك من ~~معنى العبادة الذي لا يتمثل في حركة الشكل التقليدي للعمل العبادي ، بل ~~يمتد ليتحول إلى عنصر من عناصر الخير الفاعل في حياة الناس الآخرين ~~المحتاجين للعطاء. # وربما كان الاقتصار على هاتين الصفتين في شخصية الولاية في المؤمنين ، ~~للإيحاء بأنهما في ما يعبران عنه من معنى داخلي روحي وعملي ، يمثلان ~~الانطلاقة الحية في الصفات العامة والخاصة التي ينبغي أن تتوافر في ولي ~~المؤمنين ، في ما يتحدث به المتحدثون من شروط الولاية ، لأن الإنسان الذي ~~يقيم الصلاة لله بمعناها الحقيقي ، لا بد من أن يعيش الإخلاص والأمانة على ~~رسالة الله وحياة عباده ، كما أن الإنسان الذي يؤتي الزكاة من موقع الخضوع ~~لله والركوع بين يديه ، لا بد من أن يحمل مسئولية الناس الذين يتولى أمورهم ~~بكل أمانة وإخلاص ، وبذلك تجتمع له الاستقامة في خط العقيدة ، والاستقامة ~~في خط المسؤولية العملية. # * * * ### ||| ** ولاية الإمام علي من خلال الآية # وقد جاء في أكثر من حديث ، أن الآية الأولى قد نزلت في علي بن أبي طالب ~~عليه السلام # عند ما تصدق على الفقير الذي سأله الصدقة وهو في حالة الركوع ، فأعطاه ~~خاتمه. ولا بد من أن تكون لهذه الحادثة الدلالة التعبيرية PageV08P229 # الإيحائية بالمعنى الروحي الذي تمثله هذه الصدقة ، من حيث علاقة الصلاة ~~بروح العطاء في نطاق الصدقة ، مما لا يجعل من ممارستها في أثناء الصلاة ~~عملا مختلفا عن الصلاة ، بل يعتبر منسجما معها تمام الانسجام ، لأن كلا ~~منهما يمثل رضا الله في ما يأمر به من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن التركيز ~~على الذين آمنوا الذين يمارسون هذا العمل ، يوحي بأن المسألة ليست منطلقة ~~من خلال هذا العمل كحالة طارئة من حالات التصدق ، بل هي منطلقة من حيث ~~كونها مدلولا إيمانيا عمليا ، يتحرك في كيان الشخص ، ليتحول إلى صفة لازمة ~~لا تنفك عنه ، مما يجعله من ملامح الشخصية الأصيلة. وقد نستوحي من نزولها ~~في نطاق هذه الحادثة ، في ممارسة علي عليه السلام ، أن الآية تريد ms1914 أن تشير ~~إلى النموذج الأمثل ليجد الناس فيه الفكرة بعمق ، مما يراد لهم من خلاله أن ~~يتطلعوا إلى النموذج الأمثل ليجدوا فيه عمق الدلالة على المعنى من حيث ~~ملامحه الحقيقية ، ولا يتوقفوا عند المدلول الساذج للصفة والحادثة. # وجاءت الآية الثانية لتؤكد على جانب الممارسة ، بعد أن أكدت الآية الأولى ~~على جانب الخط ، ( @QUR@06 ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ) ويتحرك في ~~خط الولاية الصحيح فيلتزم به ويترك الخط المزيف ، فسيجد كل الخير والهدى ~~والعدل والصلاح والقوة والغلبة ، في هذا الجانب الذي يمثل حزب الله في كل ~~ما يحمل من شعارات ويتجه إليه من أهداف ، وإذا سار الناس في هذا الطريق ، ~~وعاشوا الانتماء إلى حزب الله ، فسيكون لهم النصر والغلبة على الآخرين ، ( ~~@QUR@05 فإن حزب الله هم الغالبون ) بفكرهم ، وإخلاصهم ، وثباتهم ، وصمودهم ~~، أمام التحديات الصعبة في الساحة. # * * * PageV08P230 ### ||| ** لمحة خاطفة عن المناقشات حول الفكرة # كثرت أحاديث المتكلمين والمفسرين حول دلالة هذه الآية على ولاية الإمام ~~علي عليه السلام في ما تعنيه من معنى الحاكمية التي تعطي صلاحية التصرف في ~~شؤون الناس ، باعتبار اتحاد المراد من ولاية الله والرسول والذين آمنوا ~~موضوعا ، لا أن ولاية الله هي بالأصل والتكوين ، وولاية الرسول والذين ~~آمنوا بالتبع والجعل. وقد أثير حول ذلك الكثير من الجدل ، بين من ناقش في ~~سند الروايات التي دلت على نزولها في قصة تصدق علي عليه السلام بالخاتم ~~أثناء الصلاة ، كابن تيمية الذي اعتبرها من الموضوعات مدعيا على ذلك ~~الإجماع ، وبين من أقر صحتها كأكثر المفسرين والمتكلمين والرواة. وناقش ~~بعضهم في دلالتها على النظرية الشيعية في الإمامة وأقرها البعض الآخر ، ~~وذكر بعضهم في مناقشة الدلالة ، «أن لازمها إطلاق الجمع وإرادة الواحد ، ~~فإن المراد ب ( @QUR@05 والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ) إلخ ، على هذا ~~التقدير هو علي ، ولا يساعده اللغة» (1). # وأجاب عن ذلك صاحب تفسير الميزان : «أنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة ~~الواحد واستعماله فيه ، وبين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ ~~الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه ، ثم لا ms1915 يكون المصداق الذي يصح أن ~~ينطبق عليه إلا واحدا فردا ، واللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على ~~شيوعه في الاستعمالات» (2). وناقش بعضهم بأن لازمها كون المراد بالزكاة هو ~~التصدق بالخاتم ولا يسمى ذلك زكاة ، وأجيب عنه كما في تفسير الميزان بأن : ~~«الزكاة من أفراد الصدقة ، وإنما سميت زكاة لكون PageV08P231 # الصدقة مطهرة مزكية مطلقا ، وقد غلب استعمالها في الصدقة المصطلحة» (1). ~~والإطلاقات القرآنية التي تحدثت عن الزكاة في الشرائع السابقة التي تختلف ~~عن المعنى المصطلح تؤكد ذلك ، وهناك أبحاث كثيرة مفصلة في كتب التفسير وعلم ~~الكلام ، فليراجعها من أراد ذلك. # * * * PageV08P232 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ~~(57) @QUR@012 وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون ) (58) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هزوا ): الهزو : السخرية وهو إظهار ما يلهي تعجبا مما يجري. ~~وقال الراغب في المفردات : الهزو : مزح في خفية (1). # ( @QUR@01 ولعبا ): اللعب : الأخذ على غير طريق الحق ومثله العبث ، وأصل ~~الكلمة اللعاب : وهو البزاق السائل لأنه يخرج إلى غير جهته ، فلذلك اللاعب ~~يمر إلى غير جهة الصواب. # ( @QUR@01 ناديتم ): النداء : الدعاء بمد الصوت على طريقة : يا فلان. # * * * PageV08P233 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال ابن عباس : «كان رفاعة بن زيد وسويد بن ~~الحارث قد أظهرا الإسلام ، ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما» (1). # وجاء في الدر المنثور ، عن ابن عباس في سبب نزول الآية الإلهية قال : ~~«كان منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون ~~إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا فإذا رأوهم ركعا سجدا استهزءوا ~~بهم وضحكوا منهم» (2). # * * * ### ||| ** الحرب المعنوية ضد المسلمين # وهذا نداء للمؤمنين يؤكد الفكرة التي أوضحناها قبل قليل ، في اعتبار ~~النهي عن الموالاة ، انطلاقا من السلوك العدواني الذي يمارسه هؤلاء من أهل ~~الكتاب والمشركين ضد المسلمين ، فقد كان من طريقتهم أن لا يدخلوا مع ~~المسلمين في حوار قائم على الاحترام المتبادل كما يأمر ms1916 الإسلام أتباعه به ، ~~بل كانوا يعملون على إثارة أجواء السخرية والاستهزاء واتباع أساليب العبث ~~واللعب بالمفاهيم والأحكام والشعارات الدينية. فإذا قام المسلمون إلى ~~الصلاة ليعبدوا الله بذلك ، واجهوهم بأساليب السخرية واللعب ، ليسيئوا بذلك إلى PageV08P234 # نفسيتهم ويحطموا معنوياتهم وروحيتهم ، فيكون ذلك أداة من أدوات التأثير ~~على موقفهم في الثبات على هذا الدين ، في ما يوحيه ذلك من فقدانهم لاحترام ~~الآخرين على تقدير التزامهم به ، وعلى هذا الأساس ، جاءت هاتان الآيتان من ~~أجل تنبيه المسلمين لهذه الروحية العدوانية التي يحملها هؤلاء أداة ضدهم ~~وضد الإسلام ، مما يجعل من الموقف الذي يراد من المسلمين القيام به في رفض ~~موالاتهم ، موقفا يرتبط بالاحترام الذي يحمله المسلمون لأنفسهم ولدينهم ، ~~ويؤكد لهم أن هؤلاء ليسوا في الموقع الذي يسمح بقيام علاقة موالاة بينهم ~~وبين المسلمين ، لأن مثل هذه العلاقة تقوم في شروطها البديهية على الاحترام ~~المتبادل والمحبة المشتركة ، اللتين لا تلتقيان مع أساليب السخرية واللعب ~~بالدين وبشعائره. # وقد أثارت الآية الأولى مشاعر الإيمان التي تدفع المؤمنين إلى الاستجابة ~~إلى الله في هذا النداء بالمقاطعة ورفض الموالاة ، باعتبار أن ذلك مظهر من ~~مظاهر التقوى التي يلتزمها المؤمنون في مواقفهم الإيمانية الحاسمة ، ( ~~@QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ) ~~فهم لا يواجهون الدين بالفكر الذي يناقش مفاهيمه ويتدبر عقائده وأحكامه ~~ومناهجه ، كأية دعوة جديدة صادرة من الله في وجه رسله ، مما يثير الكثير من ~~التساؤل لدى الناس الذين يتحملون مسئولية الالتزام الفكري في ما يقبلونه أو ~~يرفضونه من الأفكار والعقائد الماضية والحاضرة ، بل يواجهون ذلك كله بالهزء ~~والسخرية واللعب تماما كما لو كان الموقف يوحي بالمزاح والعبث ، مما يدل ~~على أن المطلوب هو الدخول في حرب نفسية ضد الإيمان والمؤمنين تستهدف إسقاط ~~روحيتهم وإضعاف موقعهم ودفعهم الإحساس بالضعف أمامهم. # وهؤلاء هم الذين عاشوا في عهد الدعوة الإسلامية الأولى ( @QUR@07 من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ) الذين لا يملكون الحجة البالغة على ~~رفض الإسلام وتكذيب الرسول ، والذين خافوا أن يفتح الرسول عقول الناس على الحق ms1917 PageV08P235 # فيؤدي بهم إلى الانحسار عن مواقعهم ، ويدفع الناس إلى اتباعه والالتزام ~~به ، فلجئوا إلى الأساليب الموحية بالاستخفاف والاستهانة به ، كالسخرية ~~والاستهزاء ، وهذا ما أراد الله للمؤمنين أن يواجهوه بالرفض الحاسم لكل ~~أنواع العلاقات الإنسانية الحميمة أو الروابط الوثيقة ، لأنهم ليسوا في ~~مستوى المسؤولية الفكرية التي تبعث على الاحترام وتفرض الدخول في التزام ~~فكري وعملي ، وهكذا نهى الله عن اتخاذهم ( @QUR@01 أولياء ) بكل ما تعنيه ~~كلمة الولاية من الانفتاح عليهم والسماع منهم والاتباع لهم ، لأن أسلوبهم ~~هو أسلوب العداوة التي تفرض الحذر البالغ أمام كل ما يخفونه من خطط مشبوهة ~~، ( @QUR@02 واتقوا الله ) في مواقفكم وعلاقاتكم مع الآخرين بحيث تراقبونه ~~في كل ذلك انطلاقا مما يريد أن تقفوا عنده أو تتحركوا نحوه ، لأنكم تتحملون ~~مسئولية المحافظة على الدين في موقع الاحترام له والعمل له ، كما تتحملون ~~المسؤولية في المحافظة على أنفسكم وأهاليكم وأموالكم ، وهذا هو دليل ~~الإيمان الذي يوجهه إليكم الله عبر النداء الذي يحرك عقل المؤمن وقلبه ~~وحركته في خط الالتزام بكل مضمونه الفكري والروحي والعملي من بعد قوله ( ~~@QUR@03 إن كنتم مؤمنين ). # ( @QUR@07 وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) فإذا أذن المؤذن ~~للصلاة ووقفتم أمام الله لأداء الصلاة المفروضة ، وقف هؤلاء بكل أحقادهم ~~وعداوتهم وجهلهم وتخلفهم ليتخذوها مادة للتسلية العبثية وفرصة للاستهزاء ~~بالمسلمين وبعباداتهم ، لإثارة الخوف والشعور بالمهانة في أنفسكم ( @QUR@05 ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ). # * * * PageV08P236 ### ||| ** الكفر ومشكلة الجهل # وقد جاءت الآية الثانية لتصور لنا صورة هؤلاء الذين يواجهون المبادئ ~~والرسالات الإلهية بهذا الأسلوب الذي يوحي بالجهل والسفه والاهتزاز الفكري ~~والروحي ، فتصفهم ( @QUR@04 بأنهم قوم لا يعقلون )، وتعتبر أن هذا هو ~~السبب الذي دعاهم إلى هذا التصرف ، لأنهم لو أخذوا بأسباب العقل ، لفكروا ~~جيدا في مضمون هذا الدين ، وأدركوا أنه الحق الذي لا محيد عنه ، وعرفوا ~~المعنى الذي توحي به الصلاة في ما تمثله من عبادة الله الواحد الأحد ، ~~والانفتاح عليه بالروح الخاشعة الخاضعة التقية ، الأمر الذي يؤدي إلى ~~المزيد من الخشوع والروحانية أمام هذا المشهد الروحي العبادي الذي يقف فيه ~~المؤمن أمام الله ms1918 ليلتقي بالحياة الرحبة الواسعة القائمة على الأسس الثابتة ~~التي تركز للإنسان إنسانيته وتقوده إلى الالتزام بالقيم الكبيرة في الكون. ~~وهكذا يريد القرآن أن يؤكد الحقيقة التي أثارها في أكثر من آية ، وهي أن ~~مشكلة الكافرين ليست مشكلة فكرية ناشئة من الشبهات المحيطة بخط الإيمان ، ~~بل هي مشكلة الجهل وغياب العقل عن الساحة. # * * * PageV08P237 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) @QUR@027 قل هل أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ~~وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) @QUR@016 وإذا جاؤكم ~~قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون ~~(61) @QUR@013 وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ~~لبئس ما كانوا يعملون (62) @QUR@014 لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) (63) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تنقمون ): تنكرون ، يقال : نقم الأمر إذا أنكره ، وسمي العقاب ~~نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل. # ( @QUR@01 مثوبة ): من ثاب إليه إذا رجع ، والمراد بها هنا الجزاء ~~والثواب. قال الراغب: أصل الثوب رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان ~~عليها ، أو إلى الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة ، وهي الحالة المشار إليها ~~بقولهم أول PageV08P238 # الفكرة آخر العمل ... والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله ، ~~فيسمى الجزاء ثوابا تصورا أنه هو هو ، ألا ترى كيف جعل الله تعالى الجزاء ~~نفس العمل في قوله : ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) [الزلزلة : ~~7] ولم يقل جزاءه. والثواب يقال في الخير والشر ، لكن الأكثر المتعارف في ~~الخير ... وكذلك المثوبة» (1) وقد استعملت هنا في الشر ، كما استعملت في ~~الخير ، قال تعالى : ( @QUR@08 ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله ) ~~[البقرة : 103]. # ( @QUR@01 الطاغوت ): من الطغيان وهو كما قال الراغب عبارة عن كل معتد ~~وكل معبود من دون الله ، ويستعمل في الواحد والجمع (2). # ( @QUR@01 الإثم ): اسم للأفعال المبطئة عن الثواب أو الخير وقوله تعالى ~~: ( @QUR@05 فيهما ms1919 إثم كبير ومنافع للناس ) [البقرة : 219] أي في تناولهما ~~إبطاء عن الخيرات. والفرق بين الإثم والعدوان ، أن الإثم الجرم كائنا ما ~~كان ، والعدوان الظلم. # ( @QUR@01 السحت ): السحت القشر الذي يستأصل ، ومنه السحت للمحظور ~~المحرم الذي يلزم صاحبه العار كأنه يسحت دينه ومروءته ، قال تعالى : ( ~~@QUR@02 أكالون للسحت ) [المائدة : 42] أي لما يسحت دينهم. # ( @QUR@01 يصنعون ): جاء في المجمع : قيل : الصنع والعمل واحد ، وقيل : ~~الفرق بينهما أن الصنع مضمن بالجودة ، يقال : صنع الله لفلان أي أحسن إليه (3). # * * * PageV08P239 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور للسيوطي ، وأسباب النزول للواحدي ، عن ابن عباس «أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ، ونافع ~~بن أبي نافع ، وغازي بن عمرو ، وزيد بن خالد وأزار بن أبي أزار ، وأسقع ، ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال : أؤمن بالله ( @QUR@023 وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) [آل عمران : 84] فلما ذكر عيسى ~~جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى فأنزل الله ، ( @QUR@021 قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ~~وأن أكثركم فاسقون ) (1). # وزاد الواحدي : فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل ~~دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل الله ~~تعالى : ( @QUR@07 قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة ) (2). # ونحن نلاحظ أن الآيات واردة في التنديد بأهل الكتاب وهم اليهود في رفضهم ~~للإيمان بالإسلام الذي يؤكد على وحدة الرسالات بكل القيم الروحية ~~والأخلاقية المتضمنة لها وبكل الشرائع المسنونة فيها ، في الوقت الذي لا ~~يمثل الكتاب لديهم إلا اسما للانتماء مع انحرافهم عن أحكامه وقيمه في ~~عبادتهم للطاغوت ، وأكلهم السحت ، الأمر الذي أدى إلى أن مسخ الله بعضهم ~~قردة وخنازير ولعنهم وغضب عليهم. PageV08P240 # وعلى ضوء هذا ، فإن سياق الآيات ليس سياق حوار حول التفاصيل في نبوة عيسى ~~، بل هو في مواجهة اليهود للإسلام كله ، لأنهم ms1920 يرون أن دينهم هو خاتم ~~الأديان ، ولا يعترفون بدين بعده ، ولا برسول من بعد موسى ، ولهذا فإن سبب ~~النزول أشبه بالاجتهاد منه بالرواية. والله العالم. # * * * ### ||| ** دعوة إلى محاورة أهل الكتاب # ويثير القرآن الحوار مع أهل الكتاب ، في أسلوب مميز يريد من خلاله أن ~~يقودهم إلى التأمل في دوافعهم الخفية بما يكشف لهم النوازع الذاتية المعقدة ~~من شخصيتهم ويعرفهم أنهم ليسوا بمنأى عن الفضيحة ، فمهما حاولوا الاختباء ~~وراء بعض الأقنعة التي تخفي ملامحهم الحقيقية في ما ينوونه أو في ما ~~يفعلونه ، فإن الله يكشف ذلك كله لرسوله وللمؤمنين. وقد جاء الأسلوب بلهجة ~~هادئة هي أقرب إلى لهجة العتاب ، في صيغة السؤال العميق : ( @QUR@021 قل يا ~~أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من ~~قبل وأن أكثركم فاسقون ) لماذا كل هذه الحرب؟ ولماذا كل هذا التآمر؟ وماذا ~~فعلنا لكم حتى نستحق كل هذا الضغط والكراهية ، ولماذا تنقمون منا؟ ماذا ~~نريد ، إلى أي شيء ندعو ، هل تنقمون منا إلا أننا سرنا في خط الهدى ~~المستقيم؟! إننا آمنا بالله وبرسالاته وكتبه التي أنزلت إلينا وإلى من ~~قبلنا ، وإنكم انحرفتم عنه إلى السير في خط الأنانية الذاتية والفئوية ، ~~والعمل على تحطيم كل الأشياء المقدسة التي تحول بينكم وبين الوصول إلى ~~مطامعكم ومطامحكم في مركز الرئاسة. وربما كان الأسلوب بمثابة الإشارة إلى ~~أن الموقف الذي اتخذه أهل الكتاب لم يكن ناشئا PageV08P241 # من خطة فكرية ، بل هو ناشئ من عقدة ذاتية ، فهؤلاء المسلمون لا يعيشون ~~الأفق الضيق في الإيمان ، ولا يدورون في محور محدود ، بل تتسع آفاقهم لتشمل ~~كل الرسالات وكل الرسل ، فلا يتركون مجالا لحالة عدائية في خط المجابهة ، ~~لأنهم يحترمون ما يحترمه الآخرون ، بينما يسيء الآخرون إلى ما يحترمونه ، ~~مما يفقد الآخرين حجة اللجوء إلى الخصام والنزاع ، ويحول موقفهم بالتالي ~~إلى عقدة مرضية مستحكمة ، ويظل الجو الذي أثاره الحوار يبحث عن جواب ، ولا جواب. # ويعنف الأسلوب ، وتتغير اللهجة ، فهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ، ~~ولا يريدون السير في خط ms1921 الحوار ، فلا بد من تصفية الموقف معهم ، وإعلان ~~الحرب عليهم ، والوصول من خلال ذلك إلى النتيجة الحاسمة ، فكانت المسألة هي ~~الحديث عما ينتظر هؤلاء من عذاب وما يمثله ذلك من موقع ، ( @QUR@09 قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله )، والمثوبة هي الجزاء بالخير ، ولكن ~~الله أراد بها هنا الجزاء بالشر ، على سبيل التهكم والاستهزاء ، ( @QUR@05 ~~من لعنه الله وغضب عليه ) فقد لعنهم الله وأبعدهم عن ساحة رحمته ، وغضب ~~عليهم ، لما واجهوه به من التمرد ، ( @QUR@04 وجعل منهم القردة والخنازير ) ~~في عملية المسخ ، ( @QUR@02 وعبد الطاغوت ) وقد عبدوا الطاغوت الذي أرادهم ~~الله أن يكفروا به ، في ما يمثله من انحراف في العقيدة والعمل وخط الحياة ، ~~( @QUR@03 أولئك شر مكانا )، لأن مواقعهم التي يقفون فيها لا تمثل أي جانب ~~من جوانب الخير بل هي الشر كله ، في ما يمثل من خلفيات ذاتية وأعمال ضالة ، ~~ومواقف منحرفة ، وسعي في إقامة الفساد في الأرض ، ( @QUR@04 وأضل عن سواء ~~السبيل ). وأي ضلال أشد من التمرد على الله في ما أمر به من طاعة رسله ، ~~وإقامة شريعته في الأرض ، وأي انحراف عن الخط المستقيم أكثر من الانحراف عن ~~الحجج الواضحة والبراهين القاطعة التي تضع الحقيقة في نصابها الصحيح بعيدا ~~عن كل حالات الريب والشك؟! PageV08P242 # ويعود الحديث إلى ملامح النفاق في سلوكهم ، فهم يتلونون بكلمات الكفر ~~والإيمان ، تبعا لمطامعهم وشهواتهم ، ( @QUR@07 وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد ~~دخلوا بالكفر ) لأنهم كانوا يحملونه في جوانحهم ، وفي أعماق قلوبهم ، وفي ~~آفاق أفكارهم ، ( @QUR@04 وهم قد خرجوا به ) لأن تلك الكلمات الاستعراضية ~~لم تكن موقفا يلتزمونه ، بل كانت نفاقا يمارسونه ، ليتخلصوا من إحراج ~~الأجواء المحيطة بهم ، ولينفذوا إلى داخل المجتمع من موقع حميم ، ولكن ~~حيلتهم لا تخفى ، وخططهم لا تنجح ( @QUR@05 والله أعلم بما كانوا يكتمون ) ~~، لأنه الرب ( @QUR@010 الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) ~~[آل عمران : 5] ( @QUR@019 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب ~~من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ) [المائدة : 40]. # ( @QUR@07 وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ) في ms1922 ما ينطلقون به ~~من كلمات الشر والفساد ويتحركون فيه من حركات الضلال والإضلال والعدوان ، ~~بما يثيرونه من أقاويل السوء ضد الأنبياء والأولياء ودعاة الصلاح والإصلاح ~~، وبما يتآمرون به ضد الإسلام والمسلمين ، وبما يعتدون به على حقوق الناس ~~الضعفاء ممن حولهم بكل أساليب الاعتداء في القول والفعل ، ( @QUR@02 وأكلهم ~~السحت ) وهو الحرام في ما يأكلونه من الربا الحرام ، والرشوة المحرمة ، ~~والغش والسرقة والخيانة ، وغير ذلك من أنواع أكل المال بالباطل ، ( @QUR@04 ~~لبئس ما كانوا يعملون ) لأن تلك الأعمال تمثل أكثر الأعمال بعدا عن خط ~~الخير والإنسانية ، وأشدها قربا من غضب الله وسخطه. # وكان لهم ربانيون ، يتخذون لأنفسهم مواقع الناس المخلصين لله ، وأحبار ~~يملكون من العلم ما يرتفع بمنزلتهم إلى الدرجات العليا ، ولكنهم كانوا ~~يسكتون عنهم ، ولا ينهونهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ، خوفا ومجاملة ~~وغير ذلك من النوازع الذاتية التي تمنع المصلحين من الجهر بكلمة الإصلاح PageV08P243 # ( @QUR@014 لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ~~لبئس ما كانوا يصنعون ). فما قيمة الربانية في داخل الإنسان إذا لم تتحول ~~إلى ممارسة عملية ضاغطة ، ضد كل الذين يعملون بعيدا عن الله؟! وما دور ~~العلم الذي يحمله صاحبه إذا لم يتحرك في خط التوعية الفكرية والعملية التي ~~ترفع مستوى الناس وتقربهم إلى الله وتبعدهم عن خط الشيطان في الضلال ~~والفساد؟! # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ # ماذا يوحي لنا ذلك كله؟ وهل هذه قصة اليهود في ملامحهم الذاتية في ~~التاريخ؟ أم هي قصة كل هؤلاء المنحرفين عن خط الله ، الذين يتلونون في كل ~~يوم بألف لون انطلاقا من مطامعهم وشهواتهم ، ويسارعون في الإثم والعدوان في ~~كل عصر وكل مكان ، ويأكلون الحرام بمختلف الأساليب والحجج القانونية التي ~~يلعبون فيها على الشرائع والقوانين ، ويتعقدون من الناس الذين يؤمنون بالله ~~وبرسالاته ، وينقمون عليهم هذا الإيمان لأنه يكشف خداعهم وزيفهم وفسقهم ~~وفجورهم؟ عند ما يتطلع الناس إلى الفوارق الكبيرة التي تحكم ساحة الموازنة ~~بين الفريقين اللذين ينتسبان معا إلى الوحي وإلى الرسل ، يجدون المؤمنين ~~الحقيقيين هم الذي يعتبرونها التزاما وعملا ms1923 وصدقا في الكلمة والموقف ، أما ~~الذين يواجهون القضية على أساس اللامبالاة واللعب على الحبال كما يقولون ~~والكذب في الكلام والممارسة ، فإنهم الفاسقون الذين لا تقرب شخصياتهم من ~~أجواء الإيمان ، بل تظل سادرة في خط الضلال البعيد. # وهكذا تمتد هذه الآيات إلى جميع العلماء الذين يملكون العلم الذي PageV08P244 # يمكن له أن يفتح عقول الناس على الحق ويتحرك ليواجه تحديات الباطل ~~وانحرافات الواقع ، ولكنهم يتقاعسون عن ذلك ويتثاقلون خوفا على بعض دنياهم ~~، أو رغبة في الحصول على بعض دنيا المنحرفين الذين قد يملكون المال أو ~~الجاه أو السلطة ، أو حبا بالراحة التي يبتعدون بها عن التعب والجهد الذي ~~يثقل حياتهم ويرهق أوضاعهم ، فإن مسئولية الساكتين عن الحق كمسؤولية ~~الناطقين بالباطل ، لأن النتيجة معهما سواء في إفساح المجال للضلال في ~~زيادة النمو والامتداد في الحياة العامة والخاصة ، وقد ورد في الحديث ~~المأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : «إذا ظهرت البدع في أمتي ~~فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله» (1). # وجاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة في خطبته (192) ~~قوله عليه السلام : «فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا ~~لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي ~~والحلماء لترك التناهي» (2). # ولعل هذا إشارة إلى قوله تعالى : ( @QUR@017 لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ~~[المائدة : 78 79]. # * * * ### ||| ** التمايز بين العمل والصنع # وقد لاحظ بعض المفسرين الفرق بين كلمة ( @QUR@01 يعملون ) في الحديث PageV08P245 # عن سواء الناس وكلمة ( @QUR@01 يصنعون ) في الحديث عن العلماء ، وذلك من ~~خلال أن الصنع هو كل عمل استخدمت فيه الدقة والمهارة ، بينما العمل يطلق ~~على جميع الأفعال حتى لو كانت خالية من الدقة ، تأكيدا على أن الناس ~~العاديين يذنبون من موقع الجهل ، بينما العلماء يرتكبون الذنب عن دراية ~~وعلم وتفكير. # وهذه ملاحظة طريفة ، ولكننا لا نتصور أن هذه النكتة ملحوظة في الآية ، ~~لأن المطروح في عمل الجاهلين المعصية ، أما في ms1924 عمل العلماء فهو ترك النهي ~~عن المنكر ، وهما سيان في الخلفيات الكامنة وراء العمل من حيث الرغبة في ~~الحصول على المنفعة أو الاجتناب عن المضرة ، من دون أن يكون لنوعية ~~الممارسة للعمل دور في ذلك. وبعبارة أخرى ، لو كانت القضية قضية عمل يقوم ~~به العلماء لكان هذا الكلام مجال سلبي أمام هذا العمل من قبل العلماء ، فلا ~~وحدة في الموضوع ليكون الفارق في الخصوصية. والله العالم. # وفي ضوء ذلك ، قد يكون من الضروري للرساليين أن يدققوا في النماذج ~~المحيطة بهم من المنحرفين عن خط الله ، ومن أهل الكتاب الذين يكيدون ~~للإسلام ولأهله المكائد ، ليتعرفوا ملامح الآيات في ملامحهم ، ليبتعدوا عن ~~جو الخديعة الذي يراد لهم أن يعيشوا فيه ، وليكونوا عن حذر في ما يأخذون ~~ويدعون ويقتربون ويبتعدون ، في نطاق العلاقات الإنسانية المتحركة في أكثر ~~من صعيد ، وبذلك يمكن لهم أن يستلهموا الوعي القرآني في تركيز الوعي ~~الحياتي الإنساني. # * * * PageV08P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@047 وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ~~@QUR@012 ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم ~~جنات النعيم (65) @QUR@024 ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ~~ساء ما يعملون ) (66) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يد ): لليد معان عدة ، منها الجارحة ، وهي اليد العادية التي ~~يستعملها الإنسان لحاجاته الطبيعية ، ومنها النعمة ، تقول : لفلان عندي يد ~~أشكرها أي نعمة ، ومنها القدرة : كقول الله تعالى : ( @QUR@03 أولي الأيدي ~~والأبصار ) [ص : 45] أي ذوي القوى والعقول ، ومنها الملك ، كقوله : ( ~~@QUR@04 الذي بيده عقدة النكاح ) [البقرة : 237] أي يملك عقدة النكاح ، ~~ومنها التولي للشيء نحو قوله تعالى : PageV08P247 # ( @QUR@03 لما خلقت بيدي ) [ص : 75] أي لما توليت خلقه تخصيصا له وتشريفا ~~، وإن كان هو الذي خلق جميع المخلوقات. والظاهر أنها تستعمل بأجمعها ms1925 في ~~اليد العادية ولكن على نحو الكناية للتعبير عن المعاني الأخرى المذكورة من ~~خلال أن اليد هي آلة العطاء والقدرة ومظهر الملك والتولي للأشياء وليست من ~~قبيل المعاني الحقيقية ، وبهذا يبطل قول الزجاج حيث أنكر على من ذهب إلى أن ~~معنى اليد في الآية بمعنى النعمة بأن قال : إن هذا ينقضة قوله : ( @QUR@03 ~~بل يداه مبسوطتان ) فيكون المعنى بل نعمتاه مبسوطتان ، وذلك لأن الظاهر أنه ~~استعمل اليدين على نحو الكناية على الكرم والعطاء في بذل النعمة للناس ، ~~كما لو كانت له يدان مبسوطتان ينفق بما يشاء كيف يشاء (1). والله العالم. # ( @QUR@01 مغلولة ): أي مقيدة فلا يعطي بها ، كناية عن البخل ، لأن ~~البخيل يمسك يده عن العطاء تشبيها له بالمقيد ، لكونها فارغة. # ( @QUR@01 ولعنوا ): اللعن : الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وذلك من ~~الله تعالى في الآخرة عقوبة ، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه ، ~~ومن الإنسان دعاء على غيره كما في المفردات (2). # ( @QUR@01 لكفرنا ): التكفير : التغطية ، وهو وارد على سبيل الكناية عن ~~إزالة الذنب فلا يظهر أبدا. # ( @QUR@03 أقاموا التوراة والإنجيل ): أي عملوا بهما بالالتزام العملي ~~بما فيهما. # ( @QUR@01 مقتصدة ): معتدلة ، الاقتصاد : الاستواء في العمل الذي يؤدي ~~إلى الغرض ، واشتقاقه من القصد ، لأن القاصد يقصد ما يعرف مكانه ، فهو يمر ~~على الاستقامة إليه خلاف الطالب المتحير في طلبه. # * * * PageV08P248 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور عن ابن عباس : «قال رجل من اليهود يقال له النباش بن ~~قيس : إن ربك بخيل لا ينفق ، فأنزل الله : ( @QUR@016 وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) (1). # والظاهر أن هذا اليهودي إذا صحت الرواية يعبر عن منطق يهودي شائع وكلام ~~معروف عندهم يتداولونه فيما بينهم ، وليس كلاما فرديا ، وذلك من خلال ظاهر ~~الآية في نسبة القول إلى اليهود لا إلى شخص معين. # * * * ### ||| ** الله في التصور اليهودي # كيف يتصور اليهود الله ، وكيف يتحدثون عنه؟! لا يجسد الله في تصور اليهود ~~تلك الذات الجامعة لكل صفات الجلال والجمال والكمال والعلم والقوة والقدرة ~~اللامتناهية بحيث لا يكون ثمة ms1926 مجال للحديث عنه إلا بصفات التعظيم والتقديس ~~، لأنه الرب العظيم الذي ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) [الشورى : 11] في الأرض ~~ولا في السماء ، ولكنهم يتصورونه كما يتصورون أي كائن آخر محدود ، وما يلزم ~~عن المحدودية من نواقص وسلبيات ، الأمر الذي يفقد الصورة الإلهية حيويتها ~~وبريقها في عيون الآخرين. وفي هذا الاتجاه جاء قولهم كما ذكر الله تعالى ~~عنهم : ( @QUR@05 وقالت اليهود يد الله مغلولة ) وإغلال اليد يكنى به عن ~~العجز سواء في الحركة أو في العطاء ، لأن من شأن تقييد اليد أن يعيق PageV08P249 # من حركتها وعطائها ، وهذه الرؤية منهم ، لأنهم ينظرون إلى فقر عباد الله ~~، فإذا كان الله قادرا على العطاء وعلى نصرة عباده ، فكيف يتركهم للفقر ~~ينهش أجسادهم ، وللظلم يخنق حياتهم؟! ويشعرون أمام ذلك بالعلو والرفعة بما ~~يملكونه من مال وجاه وقوة إزاء ما يفقده الآخرون من ذلك كله ، ولكن الله ~~يقابل منطقهم الأعوج هذا بالدعاء عليهم بأن تغل أيديهم بالمرض الذي يمنعها ~~من التحرك والقدرة ، أو بالحديث عن الإمكانات المستقبلية التي قد توحي بشيء ~~من هذا القبيل ، ليكون الجو أشبه شيء بالتهديد الخفي ، ( @QUR@02 غلت ~~أيديهم ) وشلت ومنعت من التحرك الذي يمليه عليها إرادتها ومعتقدها. # ثم يواجههم باللعنة ( @QUR@03 ولعنوا بما قالوا )، وذلك بسبب ما قالوه ~~من كلام ينطلق من جهل وسوء معرفة بالله الذي خلقهم ورزقهم وأفاض كل نعمه ~~عليهم وعلى جميع خلقه ، وبشكل دائم لا انقطاع له ، مما يكشف عن تمردهم ~~وانحرافهم واستغراقهم في أجواء الضلال ، وابتعادهم عن الحقيقة الإلهية التي ~~تفرض نفسها على الوجود كله ( @QUR@03 بل يداه مبسوطتان ) بالخير المتدفق في ~~كل مجاري الحياة ومواردها كالينبوع المتدفق المتفجر بالعطاء المستمر ~~والممتد ، وجاءت اليد هنا لتدل على النعمة والرزق والعطاء على سبيل الكناية ~~، وربما كانت التثنية سبيلا من سبل التعبير عن الشمول في العطاء من خلال كل ~~الوسائل التي ينزل فيها الخير على خلقه (1)، ( @QUR@03 ينفق كيف يشاء ) ~~فليس لأحد من PageV08P250 # خلقه أن يحدد له المورد والطريقة والمقدار ، بل هي مشيئته التي تحدد ~~للخلق أرزاقهم كما تحدد أعمارهم. # * * * ### ||| ** حقد اليهود المستعصي # ( @QUR@010 وليزيدن كثيرا ms1927 منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا )، ~~وهذا يمثل حركة العقدة المستعصية في النفس ، فنحن نلاحظ أن كثيرا من الناس ~~المعقدين بالحقد والحسد ضد أناس آخرين يزدادون حقدا وحسدا كلما ازداد هؤلاء ~~إحسانا ولطفا وعملا صالحا ، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الأشياء بعين ~~مفتوحة بالنور لتبصر الأمور على حقيقتها ، كما هي في الحياة ، بل ينظرون ~~إليها من موقع حقدهم وحسدهم الذي يحول الحسنات إلى سيئات والفضائل إلى عيوب ~~، وهكذا كان هؤلاء اليهود الذين لم ينظروا إلى الإسلام من موقع الفكر ~~الباحث عن الحقيقة ، بل من موقع الحقد الذي يعمل على إخفائها وتغطيتها ~~وتشويهها ، وعلى إبعاد الناس عنها بمختلف أساليب التشويه ، ولهذا فإنهم ~~يعيشون في حالة استنفار دائم أمام كل انتصار للإسلام ، وكل انطلاق لآياته ، ~~وكل حركة لمفاهيمه ، فإذا انتصر الإسلام في معاركه ، أو تنزلت آيات الله ~~على نبيه من أجل إيضاح الخط والهدف ، فإن هناك عقدة جديدة تولد ، وحقدا ~~أسود يصعد ، ويبدأ هذا وذاك ليدفعهم إلى زيادة طغيان حاقد في مشاعرهم ~~وتصرفاتهم ، وليزيدهم كفرا على كفر في ما يريدون السير على أساسه من التمرد ~~على الله ورسالاته! وبهذا نعرف أن نسبة زيادة الطغيان والكفر # * مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 273. PageV08P251 # إلى الآيات المنزلة من الله ، من خلال إثارتها لتفاعلات العقد النفسية ~~الكامنة في الداخل ، في ما يريد الإنسان إثارته في عمق ذاته. وفي ضوء ذلك ، ~~لا نجد هناك مجالا للحديث عن موضوع الجبر في ما يستفيده البعض من سببية ~~الآيات المنزلة في زيادة طغيانهم وكفرهم ، مما يجعل الموضوع مرتبطا بالله ~~بشكل مباشر ، لأن القضية لا تخرج عن نطاقها الطبيعي من ارتباطها بالأسلوب ~~الأدبي في الفن التعبيري القرآني الذي يسند الأشياء إلى أسبابها العادية ~~التي تمثل سببا للإثارة أو لخلق جو معين ، أو لإيجاد مشاعر معينة في جانب ~~الإيجاب والسلب في علاقة الأشياء بالأشياء. # * * * ### ||| ** اليهود محكومون بالعداوة فيما بينهم إلى يوم القيامة # ( @QUR@07 وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )، وذلك من ~~خلال الأسس التي ارتكز عليها بنيانهم الذاتي ، والمفاهيم التي تحكم ms1928 طريقتهم ~~في التفكير والعمل والعلاقات ، لانطلاقها من جذور مادية لا تتحرك فيها أية ~~نبضة روحية للمشاعر ، ولا تنساب في أعماقها أية عاطفة إنسانية للقلوب ، حتى ~~العلاقات الحميمة التي قد تنشأ فيما بينهم ، لا ترتكز على المعنى الحميم ، ~~بل تنطلق من الحسابات المادية القائمة على الربح من جهة ، وعلى العصبية من ~~جهة أخرى ، وإذا كانت المسألة تعيش في هذا الجو المادي الخانق ، فإن ~~النتائج ستكون مزيدا من الصراع على النفوذ والأرباح والمطامع والامتيازات ، ~~مما يولد المزيد من العداوة والبغضاء اللتين تمتدان إلى يوم القيامة تبعا ~~لامتداد الأجواء المعقدة PageV08P252 # التي تدفع إليهما ، بما يتعمق في داخل شخصياتهم من عقد حاقدة ضد بعضهم البعض. # * * * ### ||| ** حروب اليهود لن تحقق أغراضها # ويظلون ينتقلون من حرب إلى حرب ، ولكنهم لا يحققون الانتصار النهائي ~~الأخير الذي يريدون فيه السيطرة على مقدرات الأمور في الحياة ، فإن الله ~~يبطل كل مقاصدهم ومخططاتهم ، بما يثيره حولهم من بوادر وظروف وأسباب تطفئ ~~ما أوقدوه ، وتهدم ما بنوه. # وتلك هي قصة حروبهم التي تتجدد ولكنها لا تصل إلى النتائج النهائية ~~المقصودة ، بل تحاصرها الأوضاع المتنوعة التي تقف بها في بدايات الطريق أو ~~منتصفاتها ، وهذا ما عبرت عنه الفقرة القرآنية : ( @QUR@06 كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله )، وذلك هو أسلوب القرآن في إسناد كل الأمور إلى ~~الله من حيث استنادها إلى القوانين الطبيعية التي أودعها الله في حركة ~~قانون السببية للأشياء. وربما كانت الاستيحاءات التي استوحيناها من هذه ~~الفقرة ، جوابا على بعض التساؤلات التي يتساءل فيها الناس عن مدى انطباق ~~هذه الفقرة أو اختلافها ، مع الانتصارات التي حققها اليهود في حروبهم ضد ~~العرب والمسلمين في فلسطين في عصرنا الحاضر ، فقد يلوح لنا أن الآية تركز ~~على عدم بلوغهم الأهداف النهائية لما يريدون في خطواتهم العسكرية والسياسية ~~من السيطرة على العالم ، وبذلك تمثل الآية نبوءة لمستقبل قادم يؤدي إلى ~~هزائم مستقبلية ، من خلال انتفاضات إسلامية قادمة. وربما جاء في بعض ~~التفاسير ، أن الآية PageV08P253 # تتحدث عن الحروب الدينية التي يطلقها اليهود في حياة الديانات الأخرى ، ~~لا ms1929 عن الحروب السياسية التي قد لا يتقمص فيها اليهود شخصيتهم اليهودية ، بل ~~يتحركون في نطاق التيارات السياسية المطروحة في العالم لتكون شخصيتهم مجرد ~~سلاح للمعركة ، ولكن الباحث المدقق قد يستطيع التحفظ على هذا التفسير من ~~خلال الطروحات التي تحكم الساحة اليهودية التي تؤكد على الصفة الدينية ~~كأساس للقومية الإسرائيلية ، وتتحدث عن التوراة كمنطلق للطموحات اليهودية ~~في ما تدعي شرعيته من الأرض والحكم والسيادة في الماضي والحاضر والمستقبل. ~~ويبقى لنا مع التاريخ القادم ، القيام بر صد للمستقبل من خلال ما نصنعه من ~~تاريخ جديد يبسط سيادة الإسلام على العالم. # * * * ### ||| ** اليهود سعاة فساد # ( @QUR@04 ويسعون في الأرض فسادا ) بما يثيرونه من قلاقل ومؤامرات في ~~مجال الحرب والسياسة على مستوى العالم ، وبما يعملون له من إفساد للعقائد ~~والأخلاق والعلاقات الإنسانية ، وتشوية للتاريخ في قوانينه وأوضاعه وحقائقه ~~، وتحليل مزيف لتطلعات الإنسان المستقبلية ، لأن قصة القيم عندهم ، في ما ~~يطرحونه من شعارات القيم الأخلاقية ، لا تثير أي إحساس أخلاقي في ما يتعلق ~~بالآخرين ، بل هي محدودة بحدود الشعب اليهودي الذي يملك كل الامتيازات ~~والحقوق بالنسبة إلى العالم ، بينما يتحمل العالم بالنسبة إليهم كل ~~المسؤوليات والواجبات. وهكذا يرون في فساد العالم وتدميره الفرصة التي ~~يحاولون من خلالها فرض نفوذهم ، وإظهار تفوقهم وحضاريتهم في مجال الأخلاق ~~العامة والخاصة ، وبهذا كان تاريخهم في خط حركة الرسالات ، هو التآمر عليها ~~، وإفساد حياة أتباعها في تصوراتهم وفي سلوكهم العملي. PageV08P254 # أما في خط السياسية والاقتصاد والاجتماع والأخلاق ، فإنهم يلجأون إلى كل ~~ما يملكون من أدوات الإفساد والبلبلة والإرباك والتمييع من أجل إيجاد حالة ~~من الاهتزاز والضياع في حياة الناس ، وخلق وضع داخلي نفسي يوحي بالتمرد على ~~كل المبادئ والأعراف والتقاليد ، بقطع النظر عن الموازين الهادئة ، لما هو ~~خير أو شر ، أو مصلحة أو مفسدة ، في هذا الجانب أو ذاك ، وذلك بطرق وأساليب ~~خفية ، تتخذ من الواجهات السياسية والاجتماعية والدينية ستارا تختفي وراءه ~~، بحيث يبدو الأمر كما لو كان حركة تطورية عفوية ، بما تحفل به الحياة من ~~حركات التطور الاجتماعي والفكري. وعلى ضوء ms1930 هذا العرض القرآني لصفات اليهود ~~، في تجاوزهم كل الحدود في التعدي على حرمات الله بالمستوى الذي لا يتورعون ~~عن القول بأن ( @QUR@03 يد الله مغلولة )، وفي هذا الجو النفسي الداخلي ~~والبغيض ، وفي خطواتهم العملية المستمرة على مدى التاريخ في إفساد البلاد ~~والعباد ، لا بد لنا من الحذر في التعامل والتعايش معهم في عملية رصد واعية ~~ذكية ، تهدف إلى تفشيل كل مخططاتهم ، وتحجيم كل قوتهم ، وتهديم كل أوضاعهم ~~، لتحفظ للحياة سلامها وصلاحها لإطلاقها في طريق الله بأمان وإخلاص. # * * * ### ||| ** الله لا يحب المفسدين # ( @QUR@04 والله لا يحب المفسدين ) لأن الله يريد للحياة السير على خط ~~الصلاح والإصلاح بما يمثله ذلك من مصلحة الإنسان الحقيقية على مدى الزمن ، ~~ولذلك ، فإنه يحب الصالحين والمصلحين الذين ينفذون تعاليمه ويخضعون لإرادته ~~، ولا يحب المفسدين الذين يفسدون على الناس حياتهم ، ويبعدونهم عن سلامة ~~المصير في الدنيا والآخرة ، ويتمردون على أوامر الله ونواهيه ، PageV08P255 # وينحرفون عن الخط المستقيم في ما تفرضه إرادة الله من السير على طريق ~~الاستقامة في سلوك الإنسان في الحياة. وإذا كان الله لا يحب المفسدين ، كان ~~من اللازم على المؤمنين أن يرفضوا التعاطف مع هؤلاء ، لأن بناء شخصية ~~المؤمنين يرتكز على قاعدة الانسجام مع خط رضى الله في مشاعره وعواطفه ، ~~فيحب من أحبه الله ويبغض من أبغضه ، وبذلك يمكن للاستقامة في الجانب ~~العاطفي في داخل الإنسان ، أن تفرض نفسها على طبيعة العلاقات الإنسانية ~~التي يتحرك فيها الشعور ، وتفرضها العاطفة ، فلا يكون هناك فاصل في شخصية ~~الإنسان الازدواجية بين نوعين من الشخصية ، بل يعيش الوحدة التامة التي ~~تجعل تصوراته الذاتية على صورة تصوراته الرسالية الإسلامية ، في ما يتحرك ~~فيه الفكر والعاطفة والعمل. # * * * ### ||| ** الإيمان مدخل لتكفير الذنوب # ( @QUR@012 ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم ) فليست هناك عقدة ضد أهل الكتاب ، لأن ذلك ليس ~~معقولا في ما يتعلق بعلاقة الله بخلقه في ثوابه وعقابه ، فليس له مصلحة في ~~طاعة من أطاعه ، على مستوى الذات ، وليس عليه # خسارة في معصية من عصاه ، بل كل ما هناك ms1931 هو حكمة الله ورحمته بما يصلح ~~أمرهم ، ويسهل لهم حياتهم ، وليس أهل الكتاب بدعا من الناس الذين يعصون ~~الله ، ولن يكونوا بدعا من الناس الذين يتوبون إلى الله عند ما يتوبون ، بل ~~هم بشر ممن خلق ، فإذا تابوا وأصلحوا وأنابوا ، فإن الله يتوب عليهم ، ~~ويكفر عنهم سيئاتهم ، ويدخلهم جنات النعيم. وفي ضوء ذلك ، يتبلور المفهوم ~~الإسلامي في العلاقات السلبية التي يعيشها PageV08P256 # المسلم مع الآخرين الذين يختلف معهم في الخط ، فليست هناك عقدة ذاتية ضد ~~الشخص أو الجماعة ، بل هناك موقف ضد الخط الفكري والعملي ، فإذا تغير الخط ~~في الاتجاه الإيجابي ، تغير الموقف في هذا الاتجاه من دون أن يخلف الماضي ~~عقدة لدى الحاضر أو المستقبل في ما كان يعيشه من تصرفات سلبية متشنجة. # * * * ### ||| ** إقامة حكم الله أساس للرخاء الاجتماعي # ( @QUR@010 ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ) ~~لقد جاءت الرسالات الإلهية من أجل إقامة العدل على الأرض بين الناس وإشاعة ~~الرخاء والأمن والطمأنينة في الحياة من خلال ذلك ، لأن العدل كلما امتد في ~~الأرض ، كلما تساقطت الامتيازات المصطنعة والأنانيات المعقدة ، وتحولت ~~الأوضاع من حالة تخلف وضياع إلى حالة تقدم وانطلاق وامتداد في رحاب الله. ~~وهكذا كانت رسالة التوراة والإنجيل في مفاهيمهما العامة التي لا تختلف مع ~~حركة الرسالة الأخيرة ، وهي الإسلام ، وإن كانت تختلف معه في بعض التفاصيل ~~، فهي سبيل رخاء في ما تستهدفه من بناء الشخصية الإنسانية على أساس متين ، ~~فلا مجال لأي انحراف أو اهتزاز وارتباك يحاول إفساد العلاقات ، وبالتالي ، ~~إفساد الحياة العامة والخاصة للناس. وعلى ضوء هذا ، جاءت الآية التي توحي ~~إليهم بأن كل هذه المشاكل التي يتخبطون فيها ، وما يلحق بهم من هزائم وفقر ~~وقلق وارتباك وفساد ، كانت ناشئة من عدم ارتباطهم العملي بالتوراة والإنجيل ~~، وما أنزل إليهم من ربهم من الكتب الأخرى ، فلو أقاموها فيما بينهم ( ~~@QUR@06 لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) لأنهما سبيلان للخير والأمن PageV08P257 # والصلاح. وقد يثير بعض المفسرين في هذا المجال مسألة هذا التأكيد القرآني ~~على التوراة والإنجيل ، مما يوحي ms1932 بأنهما يمثلان الحقيقة في صورتهما الحالية ~~الموجودة عند اليهود والنصارى ، وهذا مما يتنافى مع إشارة القرآن إلى وجود ~~بعض التحريف فيهما من بعض الجهات ، ولا يتوافق مع فكرة نسخ الشرائع التي ~~يفرضها تعاقب الرسالات. ولكننا نجيب عن ذلك ، بأن الآية تتحدث عن التوراة ~~والإنجيل بما يمثلانه من حقيقة نازلة من السماء على موسى وعيسى عليه السلام ~~، وأما قضية النسخ ، فإنها لا تتناول المفاهيم العامة التي تعتبر المبادئ ~~الأساسية التي تنزلت بها الرسالات في ما ترتكز عليه قضية الإيمان والحياة ، ~~بل تتناول التفاصيل والجزئيات التي تختلف حسب اختلاف الزمان والمكان ، وهذا ~~ما يؤكده الإنجيل الذي جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وما يؤكده ~~القرآن الذي جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، وهذا ما يوحيه ~~الإيمان الإسلامي لأتباعه ، بالإيمان بما أنزل إلى محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وإلى النبيين عليه السلام من قبله. # * * * ### ||| ** ليس كل اليهود والنصارى سواء # ( @QUR@08 منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) وهذا توضيح من ~~الله سبحانه وتعالى للحقيقة الواقعية التي كان عليها أمر اليهود ، فلم يكن ~~هؤلاء بأجمعهم فاسقين ، ولكن الأكثرية منهم كانت كذلك ، فهناك أمة مقتصدة ~~أي معتدلة في أمور الدين والحياة ، لا تنحرف عن الخط ، بل تظل منسجمة مع ~~الاستقامة في العقيدة والعمل ، ليأخذ كل واحد حقه في الأحكام التقييمية ~~السلبية والإيجابية. PageV08P258 # وربما كان من الضروري لنا أن نستوحي من هذا التوضيح الإلهي الذي استهدف ~~وضع الأمور في نصابها الصحيح ، وعدم إلحاق الأقل بالأعم الأغلب في الأحكام ~~السلبية ، كيف نصدر أحكامنا في الأمور العامة على الجماعات أو المواقف ~~والأحداث ، فلا نستعمل التعميم في المجالات السلبية والإيجابية فنطلق الحكم ~~بشكل عام ، بل ينبغي لنا أن نعطي كل ذي حق حقه ، لئلا نظلم الناس حقوقهم في ~~ما ننسبه إليهم مما لا دخل لهم فيه من قريب أو من بعيد. # * * * PageV08P259 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي ms1933 القوم الكافرين ) (67) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور : أخرج الشيخ عن الحسن أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن ~~الناس مكذبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني ، فأنزل ( @QUR@09 يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك )... قال : يا رب ، إنما أنا واحد كيف أصنع ~~ليجتمع علي الناس ، فنزلت : ( @QUR@06 وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) (1). # وفي الدر المنثور عن ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : ~~«سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال ~~: كنت بمنى أيام موسم ، اجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم ، فنزل ~~علي جبريل فقال : ( @QUR@015 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته PageV08P260 # @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) قال : فقمت عند العقبة ، فناديت : يا ~~أيها الناس ، من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة؟ أيها الناس ، ~~قولوا : لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم وتنجوا ولكم الجنة. قال : ~~فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة ، ويبصقون ~~في وجهي ويقولون : كذاب صابئ ، فعرض علي عارض فقال : يا محمد إن كنت رسول ~~الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن ~~يجيبوني إلى طاعتك ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه» (1). # وجاء في الدر المنثور في أكثر من رواية ، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية : ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) الآية ~~، فخرج إليهم وقال : أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله» (2). # وقد لخص الرازي في تفسيره الكبير ، أهم أقوال المفسرين في أسباب نزول ~~الآية موضوع البحث ، ومجملها يدور حول قضايا جزئية لا أهمية لها في مدلولها ~~وفي نتائجها ، وهي : # الأول : أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة ms1934 اليهود. # الثاني : نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين ، والنبي سكت عنهم ، ~~فنزلت هذه الآية. # الثالث : لما نزلت آية التخيير ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@05 يا أيها ~~النبي قل لأزواجك ) [الأحزاب : 28] فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن ~~الدنيا فنزلت. PageV08P261 # الرابع : نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش ... # الخامس : نزلت في الجهاد ، فإن المنافقين كانوا يكرهونه ، فكان يمسك ~~أحيانا عن حثهم على الجهاد ... # العاشر : نزلت الاية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولما نزلت هذه ~~الآية أخذ بيده وقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، ~~وعاد من عاداه ، فلقيه عمر فقال : هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ~~ومولي كل مؤمن ومؤمنة» وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي (1). # ويعلق صاحب التفسير الكبير على هذه الروايات بقوله : «واعلم أن هذه ~~الروايات وإن كثرت ، إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود ~~والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل ~~هذه الآية بكثير ، وما بعدها بكثير ، لما كان كلاما مع اليهود والنصارى ، ~~امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما ~~بعدها» (2). # وعن أبي سعيد الخدري في ما أخرجه ابن مردويه وابن عساكر قال : نزلت هذه ~~الآية : ( @QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) يوم غدير خم ~~في علي بن أبي طالب رضي الله عنه» (3). # وعن ابن مسعود في ما أخرجه ابن مردويه ورواه السيد الطباطبائي في تفسيره ~~: قال: «كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك أن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله PageV08P262 # يعصمك من الناس» (1). # وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة أنه قال لعلي : «هل عندكم شيء لم يبده رسول ~~الله للناس؟ فقال : ألم تعلم أن الله قال : ( @QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك )». # وأما نحن ، فلنا جملة ملاحظات على ms1935 ما قيل ، نوجزها بالتالي : # بالنسبة للرواية الأولى ، فملاحظتنا أنها لا تتناسب مع وعي النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة ، وقناعته بها ، واستعداده للدعوة إليها ، ~~لأنها تتضمن ضيقه ذرعا وخوفه من تكذيب الناس له ، وتهديد الله له بالعذاب ، ~~هذا مع ملاحظة أن الآية توحي بأنه كان قد بلغ الرسالة ، وأن الله قد أنزل ~~عليه قضية تساوي الرسالة في أهميتها ، ويمثل إهمالها إهمالا للرسالة نفسها ~~، وهكذا الأمر في الرواية الثانية التي تمثل حيرة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمام مسألة الدعوة ، وجهله بالطريقة التي يدعو بها ~~الناس ليجتمعوا إليه ، في الوقت الذي نعرف فيه وعيه للواقع الذي عاش فيه ~~وهو الذي عاش معه قبل الدعوة زهاء أربعين سنة ، مع ملاحظة أن الآية لا تمثل ~~جوابا على التساؤل المذكور ، بل هي تتضمن أمرا بالتبليغ وتشديدا عليه وعصمة ~~من الناس. # أما الرواية المتعلقة بقوله : ( @QUR@04 والله يعصمك من الناس ) لا ندري ~~كيف كانت هذه الآية أشد عليه وهي لم تتضمن تهديدا بالعقاب بل تتضمن عصمة له ~~من الناس ، وكيف كانت النتائج السلبية برميه بالتراب والحجارة عصمة له ولا ~~ينافي ذلك إنقاذ العباس له لأنه جاء بعد أن نال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على تقدير صحة الرواية الجهد الكبير. # وهكذا نلاحظ على مسألة ترك الحراسة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة PageV08P263 # الوعد بالعصمة ، فإن الظاهر أن العصمة القولية مما يمكن أن يقوله الناس ~~من كلام غير مسئول في المسألة التي يبلغها مما توحي به من عناصر للاتهام ~~وللإثارة في الناس. وبعبارة أخرى ، إن القضية المطروحة ليست العصمة من ~~الخطر الذي يمكن أن يصيب حياته ، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحرك ~~في قلب الخطر في ساحات الحرب في حروبه المتعددة ولكن القضية المطروحة هي ~~عصمته من كلام الناس في الموضوع المعين. والله العالم. # وأما بالنسبة إلى ما ذهب إليه الرازي في تفسيره الكبير فلنا أن نناقشه ~~بأن أكثرها مما لا يتناسب مع جو الآية الذي يوحي ms1936 بأن هناك أمرا مهما يتعلق ~~بسلامة الرسالة بحيث يعادل الامتناع عن تبليغه الامتناع عن تبليغ الرسالة ~~من الأساس ، كما أنه يثير نوعا من الكلام في الجانب الذاتي لشخصية الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم . وقد نلاحظ على بعضها أنها كانت مما تحدث عنه القرآن ~~في وقت سابق على نزول الآية كقضية الجهاد وقضية زيد وزينب بنت جحش وقضية ~~الرجم والقصاص فلا مانع من أن يتحدث عنها بهذا الأسلوب الذي يوحي بأن ~~الموضوع مثار تردد وبوقف. أما هيبته لقريش ولليهود والنصارى فهي من الأمور ~~المنافية لشخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وموقفه الصلب في أداء الرسالة ~~منذ عهد الدعوة حتى مرحلة الهجرة التي نزلت الآية في آخرها ، مع أن الآية ~~توحي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد بلغ الكثير من الرسالة أو بلغ ~~كل تفاصيلها كما تشير إليه كلمة ( @QUR@06 وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ~~أي فكأنك لم تبلغ الرسالة التي بلغتها ، لأن النتيجة ستكون بهذه المثابة من ~~حيث الخطورة ، وبهذا نرجح أن يكون الوجه الصحيح هو الوجه الأخير ، وهو أنها ~~نزلت في فضل علي عليه السلام ، لأن قرب علي عليه السلام من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من ناحية النسب والمصاهرة يفتح المجال للكثير من ~~أقاويل السوء التي تربط الموقف بالعاطفة في قضية الولاية ، مما يحتاج إلى ~~الدفاع الإلهي الذي يتمثل في عصمة الله له عن ذلك كله ، ولأن قضية الولاية ~~تمثل امتداد وجود القيادة المسؤولة الكفوءة PageV08P264 # في الإمام ، بالمستوي الذي يملك فيها التفوق الأفضلية على غيره من صحابة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لا سيما في الجانب المتصل بالوعي الفكري ~~التشريعي للرسالة الإسلامية. # ومن الواضح ، أن مسألة بهذه الأهمية يؤدي إهمالها إلى أن تبقى حركة ~~الرسالة في مهب الرياح ، كما لاحظناه في اهتزاز المسيرة الإسلامية في كثير ~~من جوانبها لعدم انطلاقها من قاعدة صلبة في طبيعتها وموضوعها. وعلى ضوء ذلك ~~، نفهم أن المتعين هو تفسير كلمة (المولى) بالولاية في خط القيادة ms1937 بقرينة ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» ، فإنها ظاهرة ~~في أن قوله «من كنت مولاه فعلي مولاه» يعني من كنت أولى به من نفسه فعلي ~~أولى به من نفسه ، لأنه أراد أن يثبت له ما هو ثابت لنفسه مما أخذ اعترافهم ~~به ، وهو كناية عن القيادة لا المحبة والنصرة كما يقول صاحب تفسير المنار ~~(1) هذا من # وحمل صاحب المنار كلمة المولى على إرادة الولاية في الحديث ، ولاية ~~النصرة والمودة. ثم قال : وأما الحديث من كنت مولاه فعلي مولاه فنهتدي به ، ~~نوالي عليا المرتضى ، ونوالي من والاهم ، ونعادي من عاداهم ، ونعد ذلك ~~كموالاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونؤمن بأن عترته ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع على مفارقة الكتاب الذي أنزله الله ، وأن ~~الكتاب والعترة خليفتا الرسول ، فقد صح الحديث بذلك في غير قصة الغدير فإذا ~~أجمعوا على أمر قبلناه واتبعناه وإذا تنازعوا في أمر رددناه إلى الله ~~والرسول رشيد رضا ، محمد ، تفسير المنار ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط : ~~2 ص : 465 467 PageV08P265 # جهة ومن جهة أخرى فإن إعلان مودة علي ومحبة الناس له لا تحمل أي أساس ~~للنقد وللكلام غير المسؤول من الناس ليكون ذلك سببا في الحديث عن عصمة الله ~~له منه ، لأن من الطبيعي أن يدعو الإنسان الناس إلى مودة أقرب الناس إليه ~~وإلى نصرته لا سيما إذا كان في مثل مستوى علي عليه السلام الذي يعرفه كل ~~المسلمين بالقرابة القريبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسبا ومصاهرة ~~وتقوى وجهادا ، مما لا يثير أية مشكلة في الواقع ولا يسمح لليهود أن ~~يصطادوا في الماء العكر ، بينما تمثل الولاية الإمامة القيادة الكثير من ~~الحديث السلبي ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي وعده الله بأن يعصمه منه. # أما ما تحدث عنه الفخر الرازي من قضية ضرورة الانسجام مع السياق ليجعلها ~~واردة في تأمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكر اليهود والنصارى فهذا ما ms1938 ~~لم نستطع إخضاع الآية له لأن المسألة في موضوع عصمته من الناس لا تنطلق من ~~الخط العام للرسالة في مفاهيمها وأحكامها الإجمالية والتفصيلية ، بل تنطلق ~~من شيء معين خطير يريد الله من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغه. وإننا ~~لن نجد هناك أية ضرورة لهذا الاتصال فيما بين الآيات لأن من الممكن أن يكون ~~تنظيم الآيات خاضعا لارتباطها في الأجواء العامة للفكرة التي قد تشتمل على ~~جزئيات ومفردات متنوعة تلتقي بحركة الدعوة الإسلامية في خطوات الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه في ما يواجههم من تحديات مختلفة في المواقع ~~وفي الأسلوب ، وقد يكفي في هذا الارتباط أن هذا الموقف من الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد يثير الكثير من أقاويل اليهود في أجواء المدينة في ~~اتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعاطفة في مواجهة للأشياء وللأشخاص في ~~ما يمكن أن يتمثل في قوله تعالى : ( @QUR@010 والله يعصمك من الناس إن الله ~~لا يهدي القوم الكافرين ). # وعلى ضوء ذلك ، فإن الأقرب في أسباب النزول هو ما رواه أبو سعيد الخدري ~~في نزولها في غدير خم في نصب علي عليه السلام أميرا للمؤمنين ، لأنه هو الذي ~~كان من الممكن أن يثير الأقاويل من المنافقين ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV08P266 # باختيار صهره وابن عمه محاباة له ، الأمر الذي يحتاج إلى حماية إلهية في ~~الوجدان العام للناس. # وهذا هو الذي يستوحيه المتدبر في الآية ، لأن الظاهر منها هو العصمة ~~الرسالية ، بمعنى إضعاف موقف القوى المضادة التي تريد استغلال نقاط الضعف ~~في المسألة المطروحة على مستوي إثارة الحساسيات الاجتماعية ، لا العصمة ~~الجسدية بإبعاده عن الاعتداء عليه جسديا بالجرح أو القتل ، لأن السياق بعيد ~~عن ذلك ، هذا مع ملاحظة أن السورة مدنية ، فلا وجه لما ذكر في الروايتين ~~الأولى والثانية من نزولها عليه في بداية الدعوة # * * * ### ||| ** الثبات في حمل الرسالة # وفي مطلق الأحوال ، فإن في هذا النداء الإلهي للرسول صلى الله وعليه واله ~~وسلم الكثير من اللهجة الحاسمة ، والكثير ms1939 من الإيحاء بالامتداد في حمل ~~الرسالة والثبات في مواقعها ، لأن قضية الرسالة ليست كلمة تقال بحذر ، ~~وليست موقفا يتخذ بحياء ، بل هي الكلمة القوية الهادرة التي تنفذ إلى ~~النفوس بقوة ، وتواجه العقبات بالتحدي ، وتتحرك في ساحة الصراع بحيوية ~~وثبات ، وهي الموقف الذي يجابه المواقف المضادة بطريقة حاسمة لا مجال فيها ~~لسياسة اللف والدوران ، والمجاملات المائعة الخجولة ، ذلك لأن الدور ~~الرسالي يمثل إرادة التغيير في المفاهيم والوسائل والأهداف ، وتفجير ~~المشكلة من الداخل ، وتحويلها إلى حالة صراع يثير النزاع والخلاف والاهتزاز ~~وتجاذب المواقف من أجل أن تكون النتائج النهائية خاضعة لعملية غربلة وتقييم ~~وتفتيت للواقع PageV08P267 # الذي يراد تغييره ، لئلا تبقى الرواسب الماضية عقبة نفسية أمام التغيير ~~الداخلي الذي يفسح المجال لتغيير الواقع. # وهكذا أراد الله لرسوله أن يتجاوز كل المخاوف التي قد تعطل الحركة ، ~~وتمنع المبادرة ، وتربك المسيرة ( @QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك ) ولا تلتفت إلى السلبيات التي قد يثيرها هذا الفريق أو ذاك ضد ~~القضايا التي يريد الله أن تبلغها للناس ، ولا تتوقف أمام الكلمات ~~اللامسؤولة التي قد يطلقها بعض الحاقدين والكافرين ليشوهوا الموقف ، ~~وليثيروا الغبار من حولك ، ليمنعوا الرؤية الواضحة للأشياء ، ( @QUR@06 وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته )، ويتصاعد النداء ، وتعنف اللهجة ، وتشتد الكلمة ~~في أجواء الإيحاء ، ويتوقف المتأمل أمام هذه الفقرة ، ليتساءل : ماذا هناك؟ ~~فقد نزلت هذه الآية ، بعد أن كاد الرسول يبلغ نهاية المطاف في تبليغ رسالته ~~، بكل الأساليب الحكمية الرسالية التي كانت تعنف حينا وترق أحيانا ، وعانى ~~الكثير الكثير من الجهد والتعب والجهاد في سبيل ذلك ، في الحروب التي خاضها ~~في مواجهة التحديات الكافرة ، وفي حملات العداء التي تحملها بصبر ومسئولية ~~، وفي الكلمات القاسية الشاتمة الشامتة التي سمعها من المشركين فأعرض عنها ~~استجابة لنداء الله ، فما القضية الجديدة التي يعتبر ترك تبليغها بمثابة ~~الموقف الذي يلغي كل ذلك الجهد والتعب والمعاناة ، فكأنه لم يفعل شيئا ، ~~ولم يبلغ حكما أو آية أو رسالة؟ # * * * ### ||| ** كيف نستوحي هذه الآية؟ # ماذا نستوحي من أجواء هذه الآية التي تؤكد ms1940 الإصرار على الالتزام بالتبليغ ~~في قضايا الفكر والتشريع الإسلامية الصعبة ، المثيرة لعلامات PageV08P268 # الاستفهام ، حول الذات والطريق المتحركة بأكثر من قضية اتهام ، في ~~الدوافع والغايات؟ ولا تتوقف الآية عند ذلك ، بل تعمل على أن لا تترك مجالا ~~للتردد والخوف القلق ، بل تحسم الأمر كله بالكلمة التي تحمل ثقل المسؤولية ~~لتوحي بأن القضايا الصعبة في حركة الرسالة تساوي الرسالة ، لأن قيمتها ~~تتمثل بالموقف الذي يركز القاعدة في موقع التحديات ، ويفتح الآفاق على ~~امتدادات الصراع. فإذا اهتز الموقف فإن القاعدة تصبح في قبضة اهتزازات ~~الرياح وهدير العواصف ، وإذا اختنقت الآفاق بنوازع الخوف والتردد ، فإن ~~الصراع سيفقد قوته وحيويته ، ويختنق بأجواء المأساة ، وتتصاعد الكلمة لتأخذ ~~مجالها الروحي الإلهي ، بكل ما لمعنى الألوهية من قوة وعظمة ، وبكل ما ~~لكلمة الناس أمامها من ضعف وحقارة ، ليرتفع الإنسان من خلال ذلك إلى الرحاب ~~الواسعة حيث الشعور بالروحية المنفتحة الممتدة في آفاق الله ، فيوحي له ~~بالطمأنينة والسلام والأمان أمام كل التحديات من كل الناس ، فها هو الوعد ~~الإلهي بالعصمة من الناس ، من كل ما يفكر فيه الناس ، ومن كل ما يخططون له ~~، أو يتحركون فيه. # * * * ### ||| ** ماذا يستوحي العاملون لله من ذلك كله؟ # إن هناك أكثر من فكرة إسلامية يدور حولها الجدل في الساحة الفكرية في كل ~~زمن كان للفكر فيه ساحة للصراع. # وإن هناك أكثر من موقف إسلامي يختلف فيه الناس ، في سلبياته وإيجابياته ، ~~في انسجامه مع المواقف التي يألفها الناس ، وفي ابتعاده عنها ، في مجالات ~~تعدد المواقف واهتزازها ، وإن هناك أكثر من جهة ، أو شخص ، ممن PageV08P269 # يتحركون في الساحة العامة ، يطلب منهم موقف مؤيد أو معارض من خلال ~~المواقف التي يقفونها ، مما يكلف الكثير من التضحيات ، ويضع الكثير من ~~الصعوبات ، وقد لا يكون هناك مجال للابتعاد عن الساحة ، أو الغياب عن ~~الموقف أو الاختفاء وراء الكلمات الضبابية أو الأوضاع الرمادية فلا بد من ~~الموقف الإيجابي للفكر وللموقف ، وهنا يأتي دور الحسم الإلهي بعدم التراجع ~~، وبحتمية الإقدام والإبلاغ والوقفة الحاسمة ، ينطلق مع ذلك الوعد بالعصمة ~~من كل عوامل ms1941 الخوف من الناس المحيطة بالموقف. # إن وحي هذه الآية يعطينا فكرة الموقف وهي أن التقية قد تكون في القضايا ~~الصغيرة المتعلقة بالشخص وبتفصيلات التحرك الخاضعة لإمكانات التغيير ~~والتبديل من دون مساس بجوهر القضية الأساسية ، أما القضايا الكبيرة فلا ~~مجال فيها للتقية ، لأن ذلك يحجب وضوح الرؤية عن الناس ويؤدي بهم إلى ~~الوقوع في قبضة الكفر والضياع ، وهذا مما لا تسمح به طبيعة الرسالة التي ~~أنزلها الله لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ولتنقذهم من الضلال لتفتح ~~لهم أبواب الهدى ، فإن ذلك قد يلغي دور الرسالة في الساحة ، وبالتالي ~~وجودها. # إن من وحي هذه الآية ، أن الداعية إلى الله لا يتجمد عند حسابات الأشياء ~~في نطاق الظروف الموضوعية المحيطة به لتكون بمثابة القضاء والقدر اللذين لا ~~يستطيع الناس تجاوزهما لما يمثلانه من الحتمية في حركة الحياة ، بل ينبغي ~~له أن يتجاوزها بعض الشيء بروح المغامرة الإيمانية المرتكزة على الثقة ~~بالله الذي قد يخلق له ظروفا داخلية في نفوس الناس ، وخارجية في حركة ~~حياتهم ، فتوجه الأمر إلى اتجاه يختلف عن الاتجاه الذي تمثله الظروف ~~العادية. إن الالتزام بالظروف المحيطة بالساحة وبالداعية ، بالدقة التي ~~يتصورها البعض ، قد يوقع الداعية إلى الله والعامل في سبيله ، في قبضة ~~الاستسلام للأمر الواقع ، وفي تمجيد روح الاندفاع والمغامرة في اتجاه ~~الآفاق البعيدة التي PageV08P270 # تحمل في رحابها معاني الفتوحات ، وتلك هي قصة الإيمان بالله التي توحي ~~للإنسان بمراعاة سنن الله المألوفة في الكون في ما تمثله الظروف والأسباب ~~المألوفة ، كما توحي له بانتظار الخفي من ألطافه في ما يعلمه من الأسباب ~~والسنن التي لا يدركها الإنسان ، لأنها بعيدة عن موضع إدراكه الحسي ~~والوجداني. # * * * PageV08P271 ### ||| * الآية # ( @QUR@031 قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ) (68) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 تقيموا التوراة والإنجيل ): أي توفون حقوقهما بالعلم والعمل. # ( @QUR@02 فلا تأس ): أي لا تتأسف ولا تحزن ، قال الراغب في المفردات : ~~الأسى : الحزن ms1942 ، وحقيقته إتباع الفائت بالغم (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في تفسير القرطبي : «قال ابن عباس : جاء جماعة من اليهود إلى PageV08P272 # النبي صلي الله عليه واله وسلم فقالوا : ألست تقر أن التوراة حق من عند ~~الله؟ قال : بلى ، فقالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها ، فنزلت ~~الآية ، أي لستم على شيء من الدين حتى تعلموا بما في الكتابين من الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بما يوحيه ذلك منهما» (1). # * * * ### ||| ** المعنى الحقيقي للانتماء إلى الكتب السماوية # ماذا يمثل الانتماء إلى الكتاب؟ هل هو مجرد نسبة يحملها الإنسان من تاريخ ~~آبائه وأجداده لتمثل نسبا تاريخيا كما هي الأنساب التاريخية المتصلة ~~بالأشخاص والصفات ، من دون أن تحمل معها شيئا من مضمون التاريخ في معطياته ~~وأفكاره؟ أو هي شيء يتصل بالمضمون في عطائه الحاضر في الفكر والموقف حيث ~~يكون الكتاب هو الذي يطبع الشخصية بطابعه ، فيعطي الفكرة من فكره ، ويحدد ~~المواقف من خلال خطوطه العملية ، وبذلك يكون الانتماء في المضمون لا في الشكل؟ # إن الآية تطرح القضية على الأساس الثاني للتساؤل ، فهي لا تكتفي بنفي ~~الانتماء الحقيقي للكتاب بالأسلوب المألوف ، بل تنفي ارتكازهم على أي شيء ~~بالنحو المطلق ، إلا بإقامة التوراة والإنجيل والقرآن ، والذي عبرت عنه ~~الآية ، ( @QUR@016 قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم )، لأن ذلك هو الذي يمثل القاعدة الصلبة ~~في قضية الوجود أمام الله ، وبذلك يمكن استيحاء الموقف الذي يمارسه الناس ~~في إطلاق الصفة على أساس الانتماء التاريخي ، مما يجعل من اليهودية ~~والمسيحية والإسلام PageV08P273 # صفات تمس الإطار القومي ، الذي يحول هذه الجماعات إلى قوميات دينية ~~متنوعة ، بدلا من الإطار الفكري الذي يحولها إلى مجتمعات فكرية مختلفة مما ~~يؤدي إلى تجميد حركة الفكر في داخل عملية الصراع الفكري في الخط الديني ، ~~وتحويله إلى حركة تختزن الأحقاد التاريخية ، وتتحدث عن الامتيازات الحاضرة ~~، وتواجه الموقف بذهنية الأمور الثوابت في قضايا العقيدة ، لا بذهنية ~~الأمور القابلة للحوار. لهذا كان من الضروريات العملية للعاملين أن يحطموا ~~هذا السور ms1943 الصخري من الحواجز التي توحي بكسر الجليد المتجمع في القلوب ، ~~إذا استطعنا أن نكسر الجليد القابع في أعماق الفكر. # وقد نجد أمامنا بعض السلبيات الأخرى لهذه الذهنية التي تقف في قضية ~~الانتماء على حدود الانتساب التاريخي بعيدا عن مضمون الحاضر فنلتقي ~~بالملحدين الذين يحملون فكر الإلحاد كخط للحياة ولا يؤمنون بالكتاب في جميع ~~مفاهيمه وتشريعاته ، ولكنهم يحملون صفة المسيحية واليهودية أو الإسلام من ~~الزاوية القومية لمجتمع الكتاب ، لا من الناحية الفكرية والروحية والعملية ~~، مما يؤدي إلى تدخل هؤلاء في حركة المجتمعات في مختلف جوانب الحياة ، من ~~موقع أنهم جزء منها في صفة الانتماء ، وقد يؤدي ذلك إلى قيامهم بكثير من ~~ألوان العبث بالقيم والمفاهيم والمصالح الحقيقية للدين وأهله ، انطلاقا مما ~~يؤمنون به من قضايا الكفر والضلال ، ويخططون له من إفساد الفكر الديني ~~ومواقفه. # * * * ### ||| ** الحقد والحسد في أساس الجمود والكفر # ( @QUR@010 وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) إن ~~هذه الفقرة من PageV08P274 # الآية تثير الانطباع عن بعض الفئات المعقدة الموجودة في أهل الكتاب ، ~~كجزء من الجماعات المنتمية إلى فكر أو جهة ، في موقفها من الجماعات ~~المنتمية إلى فكر آخر أو جهة أخرى. فقد نجد في هذه الفئات الكثير من ألوان ~~التعقيد في مواجهتها للآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعلى المؤمنين معه ، فهم لا يواجهونها مواجهة الفكر الناقد الذي يتأمل ~~ويفكر وينقد ويثير علامات الاستفهام في ما التبس عليه أمره ، أو ما اتضح له ~~فساده ، وينسجم مع الإيجابيات في ما ثبت له صحته ، بل يواجهونها مواجهة ~~العقدة التي ترفض أن تفكر ، وترفض أن تؤمن ، وتتعامل مع الجوانب المشرقة ~~البارزة فيها ، أو البراهين الواضحة لديها ، تعامل الحاقد الذي يبادر إلى ~~الجحود والكفران ، ويعمل على الظهور بمظهر التكبر والطغيان ، كمن يستعرض ~~عضلاته أمام الآخرين ليوحي بالقوة ، في موقف استعراضي يثير الشكل من أجل أن ~~يعطي الانطباع الخاطئ باتفاقه مع المضمون ، وذلك للإيحاء بأنهم فوق مستوى ~~هذه الآيات في ما يملكونه من فكر ومعرفة ، فلا مجال للتوقف عندها ms1944 لإثارة ~~الفكر والتأمل ، تماما كما هو الفكر الرفيع الدرجات عند مات يتطلع من فوق ~~إلى الفكر الذي يعيش في الحضيض ، فلا يكلف نفسه الالتفات إليه بالنظرة ~~الخاطفة ، بل يواجهه بالتأمل العميق الهادىء ولكنهم يعلمون من أنفسهم ، أن ~~الأمر ليس كذلك ، وأن وحي الله هو فوق كل وحي ، وأن الفكر الذي ينطلق منه ، ~~هو فوق كل فكر من موقع الحجة والبرهان. وفي ضوء هذا التفسير ، يتبين أن ~~نسبة زيادة الطغيان والكفر فيهم إلى الآيات ، ليست بلحاظ ما تحمله هذه ~~الآيات من عوامل ذلك ، بل بلحاظ ما تثيره من ردود فعل داخلية في نفوس هؤلاء ~~من موقع العقدة المستحكمة في داخل ذواتهم. # * * * PageV08P275 ### ||| ** لا تحزن على الكافرين # ( @QUR@05 فلا تأس على القوم الكافرين ) ولماذا تحمل في نفسك هذا الشعور ~~العميق من الأسى ، ما دمت قد أقمت الحجة عليهم من الله ، وأعطيتهم كل مشاعر ~~العطف والحنان بالكلمة والأسلوب والجو والعلاقة ، وأفسحت لهم المجال ~~للتراجع عما هم عليه من ضلال؟ وصبرت على كل نوازع الذاتية المعقدة ، وتحملت ~~كل ألوان الاضطهاد الروحي والعملي بما كانوا يثيرونه حولك من شبهات وشكوك ، ~~وما يقفونه من مواقف سلبية؟ ولكنهم استمروا في خط التمرد والطغيان ، فلم ~~يستجيبوا للحوار الذي دعوتهم إليه ، ولم يتجاوبوا مع دعوة التفكير والتأمل ~~التي وجهتها إليهم ، فهم ليسوا من الفئات التي تبعث الألم في النفس عند ما ~~تنحرف عن الخط ، بل هم من الفئات التي توحي بعدم المبالاة ، وبالإهمال لكل ~~ما يتعلق بهم ، لأنهم واجهوا الرسالة بذلك الموقف نفسه ( @QUR@05 فلا تأس ~~على القوم الكافرين ). # * * * PageV08P276 ### ||| * الآية # ( @QUR@020 إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (69) # * * * ### ||| ** مقياس الأمن يوم القيامة # لقد تقدم تفسير هذه الآية عند التعرض لتفسير آية (62) من سورة البقرة ، ~~وقد يكون من المناسب هنا أن نوضح الفكرة توضيحا بسيطا ، وهو أن هذه الآية ~~تتحدث عن المقياس الذي يخضع له أمن الناس في يوم القيامة ، فليس هو ~~الانتماء إلى هذه الصفات والأسماء ، بل هو الإيمان بالله ms1945 واليوم الآخر ~~والعمل الصالح بحدوده التفصيلية المبنية في مكان آخر من كتاب الله ، مع ~~تعميق الخط التوحيدي الذي يربط الإسلام في خط العقيدة بالإيمان بالله ~~الواحد في معنى الربوبية التي تستلزم العبودية في الإنسان وتنفتح به على ~~المسؤولية في اليوم الآخر ، وتلك هي مهمة الرسل الذين ذابوا في الإيمان ~~ليؤكدوا علاقة الإنسان بالله إيمانا وحركة ومسئولية ، الأمر الذي يفرض على ~~المؤمنين الانفتاح على الرسل في خطهم الرسالي في معنى ارتباط شخصيتهم PageV08P277 # بالرسالة لا في الاستغراق في ذاتياتهم الشخصية. # وربما كان إهمال الحديث عن النبوة هنا ، باعتبار أنه شأن من شؤون الإيمان ~~بالله ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يحدد لهذا الإيمان حدوده ، ~~وهو الذي يخطط للعمل الصالح مواقعه ، فهي الإطار الذي يضم هذه الأمور ~~الثلاثة ويجمعها في خط واحد وبذلك لا تكون الآية ظاهرة في إهمال النبوة ~~كأساس من أسس الإيمان ، بل في تحديد الموقف من هؤلاء الذين يعيشون بالأماني ~~على أساس الانتماء بالشكل لا بالمضمون ، تماما كما هي الآية الكريمة ( ~~@QUR@036 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد ~~له من دون الله وليا ولا نصيرا* ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) [النساء : 123 124] أما رفع ~~كلمة ( @QUR@01 والصابئون ) مع أنها معطوفة على اسم ( @QUR@01 إن ) المنصوب ~~، فربما كان الوجه فيها أنه معطوف على محل اسم ( @QUR@01 إن ) الذي هو ~~الرفع ، لأنه في موضع الابتداء كما حرر في محله. # * * * PageV08P278 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) @QUR@019 وحسبوا ~~ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم ~~والله بصير بما يعملون ) (71) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا تهوى ): الهوى : هو لطف محل الشيء من النفس مع الميل إليه ~~بما لا ينبغي ، فلذلك غلب على الهوى صفة الذم ، والفرق بين الهوى والشهوة ~~أن الشهوة تتعلق بالمدركات ، فيشتهي الإنسان الطعام ولا يهوى الطعام. ms1946 # ( @QUR@01 وحسبوا ): الحسبان : هو قوة أحد النقيضين في النفس على الآخر ~~وأصله الحساب فالنقيض القوي يحتسب به دون الآخر أي هو ما يحتسب ولا يطرح. # ( @QUR@01 فتنة ): الفتنة هاهنا : العقوبة وأصله الاختبار ، ومنه افتتن ~~فلان بفلانة إذا عشقها ، لأنه ظهر ما يطوي من خبره بها. # * * * PageV08P279 ### ||| ** نقض بني إسرائيل ميثاقهم مع الله # لقد تكرر في القرآن الحديث عن الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل في ~~الالتزام بحدود الإيمان وخطوطه ، بالسير على خط الرسل بما يوحيه الله إليهم ~~من آيات وأحكام ليبينوها للناس وليعملوا بها ، ( @QUR@019 لقد أخذنا ميثاق ~~بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون ) ولكنهم نقضوا ذلك الميثاق ، فكذبوا بعض الرسل ، ~~وقتلوا بعضا آخر ، ولم يكن ذلك ناشئا من عدم قناعة ، أو من قناعة مضادة ~~بضلال هؤلاء الرسل ، بل كان ناشئا من عدم موافقتهم لهوى أنفسهم ، فليست ~~القضية قضية رفض للفكر ، بل قضية هوى النفس الأمارة بالسوء ( @QUR@04 ~~وحسبوا ألا تكون فتنة ) ولقد كان هؤلاء يظنون أن الميثاق لا يمثل موقفا ~~خاضعا للاختبار من خلال الفتنة التي يختبر بها الله عباده ، ( @QUR@02 ~~فعموا وصموا ) فأغلقوا أبصارهم عن رؤية الحق وأصموا أسماعهم عن سماع آياتهم ~~، وجاءتهم الفتنة فسقطوا في الامتحان ، وحاولوا الرجوع إلى الله من جديد ، ~~والعودة إلى الالتزام بالميثاق ، ( @QUR@04 ثم تاب الله عليهم ) لأن الله ~~يريد أن يفسح لعباده المجال للتراجع عن الخطأ ، والعودة إلى الصواب ، ~~ولكنهم عادوا إلى ما كانوا عليه ، ( @QUR@05 ثم عموا وصموا كثير منهم )، ~~ولم تكن القضية تمثل حالة شمولية ، بل كانت تمثل ظاهرة في كثير منهم ، ( ~~@QUR@04 والله بصير بما يعملون ) مهما كانت ألاعيبهم وأضاليلهم وحركاتهم ~~التي يختبئون وراءها ، فإن الله بصير بما يعمله العباد في كل حدوده ~~وشرائعه. # وهذا هو الدرس الذي يجب أن يحفظه كل مؤمن بأن قضية الإيمان لا بد من أن ~~تخضع للامتحان ، وفي كل المواقف الصغيرة والكبيرة ، لا يمكن PageV08P280 # للإنسان أن يواجه ذلك بذهنية الأعمى والأصم ، بل بروحية الإنسان المفتوح ~~العين والقلب والأذن ، الذي يرصد كل شيء ms1947 مما حوله ، لأن الله بصير بكل شيء ~~في كل مجالات العمل. # * * * PageV08P281 ### ||| * الآيات # ( @QUR@034 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) @QUR@025 لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) @QUR@08 أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) @QUR@025 ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) @QUR@016 قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (76) @QUR@012 قل يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتب (77) @QUR@013 عوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) # * * * PageV08P282 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يشرك ): الشرك : أصله الاجتماع في الملك ، فإذا كان الملك بين ~~نفسين فهما شريكان ، وكذلك كل شيء بين نفسين ، ولا يلزم على ذلك ما يضاف ~~إلى كل واحد منهما منفردا ، كالعبد يكون ملكا لله وهو ملك للإنسان ، لأنه ~~لو بطل ملك الإنسان لكان ملكا لله كما كان لم يزد في ملكه شيء لم يكن. # ( @QUR@01 ليمسن ): المس هاهنا معناه ما يكون معه إحساس وهو حلوله فيه ، ~~لأن العذاب لا يمس الحيوان إلا إذا أحس به ، وقد يكون المس بمعنى اللمس. # ( @QUR@01 يؤفكون ): الإفك : الكذب لأنه صرف عن الحق ، وكل مصروف عن شيء ~~، مأفوك عنه ، وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر ، والمؤتفكات المتقلبات ~~من الرياح لأنها صرفت عن وجهها. # ( @QUR@02 لا يملك ): الملك : القدرة على تصريف ما للقادر عليه أن يصرفه ~~، فملك الضرر والنفع أخص من القدرة عليها ، لأن القادر قد يقدر من ذلك على ~~ماله أن يفعل ، وقد يقدر منه على ما ليس له أن يفعل. # ( @QUR@01 ضرا ): الضرر : هو فعل الألم والغم ، أو ما يؤدي إليهما ms1948 أو ~~إلى واحد منهما ، كالآلام التي توجد في الحيوان وكالقذف والسب ، لأن جميع ~~ذلك يؤدي إلى الألم. # ( @QUR@01 نفعا ): النفع : هو فعل اللذة والسرور ، أو ما أدى إليهما أو ~~إلى أحدهما مثل الملاذ التي تحصل في الحيوان ، والصلة بالمال ، والوعد ~~باللذة ، فإن جميع ذلك نفع لأنه يؤدي إلى اللذة. PageV08P283 # ( @QUR@02 لا تغلوا ): الغلو تجاوز الحد ، أي لا تتجاوزوا الحد في مقام ~~المسيح بالنسبة إلى النصارى ، وعزير بالنسبة إلى اليهود. # ( @QUR@01 أهواء ): جمع هوى ، والهوى هو لطف محل الشيء من النفس مع ~~الميل إليه بما لا ينبغي. # * * * ### ||| ** المسيح يشهد على نفسه بالعبودية # لقد تحدثنا في تفسير الآية (17) من هذه السورة عن معنى الكفر في الإسلام ~~، وذكرنا أن الانحراف في التصور لفكرة الإله ، كالإيمان بتجسده في رجل ~~كالمسيح ، وكعلي كما يعتقده الغلاة فيه ، هو مظهر من مظاهر الكفر ، وبذلك ~~يلتقي الكفر في مفهومه الإسلامي بالعقيدة التي تجسد الله في المسيح ليكون ~~المسيح هو الرب والإله ، ( @QUR@010 لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم ) أو تحول إلى حقيقة واحدة ، مؤلفة من ثلاثة أقانيم كما هو في ~~عقيدة الأب والابن والروح القدس ، لأن كلا من هذين التصورين يمثل الانحراف ~~عن الخط الإسلامي للعقيدة. وقد عالج القرآن هذه الفكرة بعدة أساليب ، فنراه ~~في الآية الأولى يشير إلى شهادة المسيح على نفسه بالعبودية في دعوته الناس ~~إلى عبادة الله ( @QUR@09 وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي ~~وربكم )، فإن من كان الإله متجسدا فيه ، لا يكون له رب بل هو الرب. ويؤكد ~~الفكرة بالحديث عن مصير المشركين بالله الذين يتمثل إشراكهم تارة في عبادة ~~غير الله مع الاعتراف بمغايرته له ، إلى جانب عبادة الله من أجل أن يقربهم ~~إلى الله زلفى ، وأخرى في عبادة غير الله مع الاعتراف بأنه الله ، لأن ~~النتيجة فيهما واحدة وهي عبادة غير الله في الحقيقة ، التي حرم الله الجنة ~~على أصحابها PageV08P284 # وجعل مسكنهم النار ، ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) [لقمان : 13] في ما ~~يمثله من إساءة لعظمة الله وحقه في توحيد العقيدة والعبادة. # * * * ### ||| ** التثليث ms1949 انحراف عن وحدانية الله # أما في الآية الثانية فقد أشار إلى فكرة التثليث وأكد انحرافها بالتأكيد ~~على وحدانية الله بكل ما للوحدة من بساطة تمنع التركيب والتجزؤ وتنافي ~~التعدد ، ثم وجه إليهم الإنذار بقوله : ( @QUR@015 إنه من يشرك بالله فقد ~~حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) وذلك من دون أن ~~يدخل معهم في جدل فكري أو نقاش عملي ، لأن المسألة عندهم لم ترتكز على أساس ~~القناعة الفكرية والبحث العملي ، بل ارتكزت على أساس الاعتماد على النظرة ~~السطحية الضبابية للأشياء ، مما يجعل من كل أحاديث القرآن عن التوحيد وعن ~~صورة عيسى عليه السلام البشرية في ضعفها البشري ، ردا علميا مبسطا على كل ~~هذا اللون من الفكر المنحرف ، ودعوة إلى السير في طريق التأمل في اكتشاف ~~الانحراف من أجل الوصول إلى النتيجة الحاسمة. وإن أسلوب الإنذار والتهديد ~~طريقة قرآنية حكيمة تهدف إلى أن تجعل الإنسان يواجه الموقف بجدية أكبر ، ~~واهتمام أشد ، بما يمثله ذلك من علاقة بقضية المصير ، ويبعده عن أن يتصرف ~~فيه بأسلوب اللامبالاة والعبث ، لأن كثيرا من المواقف الفكرية المنحرفة ، ~~قد تعود إلى عدم الإيمان بخطورة النتائج العلمية للانحراف ، مما يوحي بعدم ~~بذل الجهد في سبيل التصحيح. وفي ضوء ذلك ، جاءت الآية الثانية لتدعو ~~القائلين بالتثليث إلى الانتهاء عنه ( @QUR@08 لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة ) لأن التثليث ليس فكرا حقيقيا ليلتزموا به من خلال الالتزام ~~بالحقيقة ، بل هو الفكر المنحرف الذي ينبغي لأصحابه أن يكتشفوا انحرافه PageV08P285 # بالتأمل والتدبر ، والوعي الكامل العميق لفكرة التوحيد ، ( @QUR@011 وما ~~من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ) بل انطلقوا في خط التعصب ( ~~@QUR@06 ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) فعليهم أن ينتظروا العذاب ~~الأليم ، جزاء كفرهم. # * * * ### ||| ** دعوة إلى التوبة # أما الآية الثالثة ، فتجسد بأسلوب التساؤل دعوة إلى التوبة والاستغفار ~~والتراجع عن هذا الخط المنحرف ، تماما كما هي المعصية عند ما يمارسها ~~الإنسان المؤمن ، ( @QUR@05 أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ) لأن ~~الانحراف في العقيدة ، أشد خطرا من الانحراف في العمل ... وتفتح ms1950 لهم أبواب ~~الأمل بالمغفرة والرحمة من الله ، ( @QUR@03 والله غفور رحيم )، يغفر ~~لعباده انحرافاتهم الفكرية والعملية إذا رجعوا عنها من موقع رحمته التي ~~وسعت كل شيء # * * * ### ||| ** المسيح رسول وأمه صديقة # وتأتي بعد كل هذا الوعيد والإنذار والدعوة إلى التراجع ، الصورة الحقيقية ~~لعيسى ابن مريم عليه السلام . ( @QUR@011 ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل ) فهو رسول لله أرسله إلى عباده بعد فترة من خلو الساحة ~~من الرسل ليتجدد به خط الرسالات وحركة الرسل ، ( @QUR@02 وأمه صديقة ) صدقت ~~الله بإيمانها وأخلصت لله في العبادة والموقف ، وواجهت كل التحديات بروح ~~المؤمنة الصادقة التقية ، فلم يكن في عيسى عليه السلام أي مظهر من مظاهر PageV08P286 # الألوهية أو أي سر من أسرارها ، بل كانت آيات الله الظاهرة على يديه ~~كالآيات الظاهرة على أيدي الرسل الذين سبقوه ، من دون فرق إلا في الشكل ~~تبعا للظروف التي تتنوع من خلالها المعجزة. ولم يكن في أمه أي سر من أسرار ~~القداسة الغيبية التي توحي بعبادتها من قبل الناس ، بل كانت قداستها ~~الروحية بإخلاصها لله وصدقها في إيمانها به كأية مؤمنة تقية أخرى ولكن ~~بدرجة أكبر وقيمة أعلى لأن الله فضلها على نساء العالمين. وقد ( @QUR@03 ~~كانا يأكلان الطعام )، كما يأكله بقية البشر ، في نوعيته وطريقته ، فليس ~~هناك أكل إلهي أو طريقة إلهية في الأكل. وذلك هو دليل المادية والحاجة ~~والفاقة المنافية للألوهية ، فكيف يؤلهون من هذا شأنه؟ ( @QUR@09 انظر كيف ~~نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون )، يكذبون ويتبعون الإفك من دون شعور ~~بالمسؤولية في خط العقيدة والعمل. # ويستمر التساؤل ليؤكد الصورة ، وليعمق الإحساس بالعبث في ما يمارسونه من ~~شؤون الفكر ، ( @QUR@012 قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا ) فما ذا يملك عيسى عليه السلام من مقومات القوة الذاتية التي يستطيع ~~من خلالها أن يمنحكم النفع أو يدفع عنكم الضرر؟ إنه لا يملك شيئا من ذلك في ~~ذاته ، بل هو بشر كبقية البشر في قدراته الطبيعية وليس له شيء أكثر من ذلك ~~إلا في ما ms1951 أجراه الله على يديه من آياته مما أراده الله من مواجهة الرسالة ~~للتحدي من أجل إخضاع الكفر والكافرين بطريقة المعجزة ولكنها شأن من الشؤون ~~التي لا تملك امتدادا ولا عمقا في شخصيته ، فلها وقتها المعين ، وحدودها ~~الخاصة. ويتحرك بعد ذلك الإنسان في عيسى عليه السلام بقدرته المحدودة التي ~~لا تملك نفعا ولا ضرا لنفسها ولا لأحد ، فكيف تسيرون في هذا الاتجاه؟ وكيف ~~تأمنون على أنفسكم المسؤولية غدا أمام الله الذي يسمع ما تقولون ، ويعلم ما ~~تضمرون ( @QUR@04 والله هو السميع العليم )؟ # * * * PageV08P287 ### ||| ** نهي عن الغلو في الدين واتباع الأهواء # ( @QUR@010 قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ) لماذا الغلو ~~في شخصية السيد المسيح عليه السلام ؟ ولما ذا هذا الانحراف؟ ماذا تستفيدون ~~من ذلك كله؟ وما النتيجة الحقيقية في هذا الاتجاه على مستوى ما تحصلون عليه ~~من أرباح في ابتعادكم عن الحق؟ لا شيء لأن الأمر كله بيد الله الذي يدعوكم ~~إلى الهدى ، فاستجيبوا له بالسير على خط الحق ( @QUR@014 ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) لأنهم لا يريدون ~~لكم الخير والنجاة ، فإذا كانوا قد ضلوا ولم يهتدوا الطريق ، فكيف يمكن أن ~~يمنحوكم الهدى ، فإن فاقد الشيء لا يعطيه؟ وإذا كانوا قد أضلوا كثيرا من ~~الناس قبلكم فكيف تأمنونهم على أنفسكم؟ ولا بد للإنسان العاقل من اتباع ~~الفكر الذي ينطلق به الآخرون ، إذا اقتنع به ، فلا يتبع أهواءهم في ما ~~يحبونه أو يبغضونه ، لأن اتباع هوى النفس يؤدي إلى الضلال ، لأنه لا يرتكز ~~على قاعدة ، فكيف باتباع هوى الآخرين؟ # * * * PageV08P288 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) @QUR@010 كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~لبئس ما كانوا يفعلون (79) @QUR@019 ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ~~@QUR@015 ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون ) (81) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا ms1952 يتناهون ): للتناهي هنا معنيان ، (أحدهما) أنه تفاعل من ~~النهي أي كانوا لا ينهي بعضهم بعضا (والثاني) أنه بمعنى الانتهاء يقال : ~~انتهى عن الأمر وتناهي عنه إذا كف عنه. # ( @QUR@01 يتولون ): أي يجعلونهم أولياء لهم ويزينون لهم أهواءهم ~~ليصيبوا من دنياهم. # * * * PageV08P289 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور : قال : أخرج ابن راهويه ، والبخاري في الوحدانيات ، ~~وابن السكن وابن منده ، والباوردي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو نعيم ~~وابن مردويه ، عن ابن أبزى عن أبيه ، قال : «خطب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى ~~عليهم خيرا ثم قال : ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم ولا ~~يفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم ، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ~~ولا يتفقهون ولا يتفطنون ، والذي نفسي بيده ، ليعلمن جيرانه أو ليتفقهن أو ~~ليتفطنن ، أو لأعالجنهم بالعقوبة في دار الدنيا ، ثم نزل فدخل بيته ، فقال ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من يعني بهذا الكلام؟ قالوا : ما ~~نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشعريين فقهاء علماء ، ولهم جيران من أهل ~~المياه جفاة جهلة ، فاجتمع جماعة من الأشعريين ، فدخلوا على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا بشر فما ~~بالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ~~ولتأمرنهم ولتنهونهم أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا ، فقالوا : يا ~~رسول الله ، فأما إذن فأمهلنا سنة ، ففي سنة ما نعلمه ويتعلمون ، فأمهلهم ~~سنة ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@027 لعن الذين كفروا ~~من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )» (1). # وجاء في تفسير العياشي عن محمد بن الهيثم التميمي عن أبي عبد الله ~~عليه السلام في قوله: ( @QUR@010 كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون ) قال : أما إنهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجالسون PageV08P290 # مجالسهم ولكن كانوا إذا لقوهم ms1953 ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم» (1). # * * * ### ||| ** عدم النهي عن المنكر يؤدي إلى خراب المجتمعات # ( @QUR@012 لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~) لقد عاش داود عليه السلام مع بني إسرائيل من أجل أن يدعوهم إلى الله وعاش ~~عيسى عليه السلام معهم ، من أجل أن يعلمهم الكتاب والحكمة ، ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور ، في طريق الله. وكانت النتيجة لديهما ، أنهما واجها ~~جمهورا كبيرا من الكافرين الذين وقفوا ضدهما وضد رسالتهما موقف جحود وكفران ~~، وحاولا قيادتهم إلى الحوار فلم يقبلوا ، وأطلقا فيهم دعوة إلى الحق فلم ~~يستجيبوا ، وأقاما عليهم الحجة فلم يهتدوا. ولم تنفع كل التجارب معهم فلم ~~يكن منهما إلا أن أطلقا اللعنة في وجوههم ، وطلبا من الله أن يبعدهم عن ~~رحمته لأنهم لا يستحقونها ( @QUR@05 ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) بسبب ~~معاصيهم المتكررة وعدوانهم على عباد الله وعلى رسله ورسالته ، وكان من ~~ملامحهم في كفرهم العملي ، الناشئ من كفرهم الفكري ، أنهم ( @QUR@06 كانوا ~~لا يتناهون عن منكر فعلوه )، فلا خطورة عندهم في فعل المنكر ، بل هو شيء ~~طبيعي يمارسونه ببساطة وعفوية ، كما يمارسون أوضاعهم الطبيعية الأخرى ، فلا ~~يشعرون بحرج منه ، ولذلك لم يعيشوا في مجتمعهم التناهي عنه ، فلا ينهى ~~أحدهم الآخر عن فعل المنكر ، كما يفعله الناس الذين يرفضون المنكر فكريا ~~وعمليا ( @QUR@04 لبئس ما كانوا يفعلون ) لأن ذلك هو سبيل خراب المجتمعات ، ~~وسر دمارها. فإن المجتمعات التي يمارس أفرادها المنكرات PageV08P291 # كالظلم والبغي والعدوان والتمرد على الله ، في حلاله وحرامه وأكل أموال ~~الناس بالباطل ونحو ذلك ، ولا يتناهى أفرادها عنه ، سوف تقع في قبضة ~~النتائج السلبية المطلقة من ذلك كله. # * * * ### ||| ** ولاية الكافرين لا تلتقي والإيمان بالله ورسوله # وكان من ملامحهم أنهم ( @QUR@03 يتولون الذين كفروا )، ويخلصون لهم ~~المودة ، ويتعاونون معهم في محاربة خط الرسالات ، لأن الكفر لا يمثل عندهم ~~عقدة فكرية أو نفسية ، ليكون ذلك بمثابة الحاجز الداخلي الذي يمنع من ~~المودة الروحية والعملية ، بل هو على العكس من ذلك يمثل انفتاحا بمقدار ما ~~يلتقي الفكر بالفكر ، والأهداف بالأهداف ، ( @QUR@05 لبئس ما ms1954 قدمت لهم ~~أنفسهم ) فالله سبحانه وتعالى يعتبر أن هذا السلوك هو بئس السلوك الذي ~~قدمته لهم أنفسهم ، وقادتهم إليه أهواؤهم ، فأبعدتهم عن رحمة الله ، ( ~~@QUR@04 أن سخط الله عليهم ) وقربتهم من سخطه الذي لن يجدوا أمامهم معه إلا ~~الخلود في العذاب ، ( @QUR@04 وفي العذاب هم خالدون ) الذي جعله الله جزاء ~~للمتمردين والكافرين. # ثم يوضح القرآن خط الفكرة ، فإن ولاية الكافرين التي تمثل إزالة كل ~~الحواجز الفكرية والنفسية والعملية بينهم ، لا يمكن أن تلتقي في خط واحد مع ~~الإيمان بالله وبرسوله وبالوحي الذي أنزل عليه ، لأن الإيمان بذلك كله يعني ~~العمل على بناء الشخصية على الإخلاص لله وللرسول ، والاندماج في أجواء ~~الوحي ومخططاته ، وبالتالي ، تحديد المواقف من الأشياء والأشخاص PageV08P292 # على هذا الأساس من خلال ما تمثله قضايا الإيمان من قيمة روحية وفكرية ~~وعملية للإنسان وللحياة فلا مجال للانسجام مع الخطوط المضادة ، أو مع ~~الأشخاص الذين يتحركون في اتجاه هذه الخطوط لأن ذلك يعني الرضى بالخط ~~المنحرف ، في الموقف أو في الشخص ، أو التهوين من خطورته بالفصل بين الذات ~~والفكر والموقف. فإذا كان التوافق في هذه الأمور كانت الولاية والمودة ، ~~وإذا كان التنافر والاختلاف فيها ، كانت المواجهة والمضادة في المواقف ~~والعلاقات ، وهذا ما ينبغي لنا كمسلمين وكعاملين للإسلام أن نواجهه حين ~~نواجه أمر العلاقات بيننا وبين الآخرين الذين نختلف معهم في أمر العقيدة ~~والسياسة والاجتماع. فقد نلاحظ أن هناك دعوات في الساحة ، تعمل على تبسيط ~~المسألة وتخفيف خطرها ، وتحويلها إلى حالة هامشية لا دخل لها في حركة ~~العلاقات الفكرية والشعورية والعملية ، لأن طبيعة العلاقات كما يرى هؤلاء ~~تتحرك من قاعدة العلاقات الذاتية الحميمة بعيدا عن كل الخلافات في القضايا ~~الفكرية ، هذا ما نشاهده في التقاء الفئات المختلفة في الكفر على أكثر من ~~صعيد في حركة العلاقات الذاتية من دون أن يحدث ذلك أي خلل في العقيدة أو في ~~الانتماء. # إن مثل هذه الدعوات قد تخلط بين العلاقات الإنسانية المتمثلة بشؤون ~~الحياة وأوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبين العلاقات الإنسانية ~~الخاصة المتمثلة في ما يتخذه الناس ms1955 من مواقف وأفكار ، في آفاقها النفسية ~~والفكرية ، مما يفرض نوعا من الحدود الداخلية والخارجية التي تحمي الأفكار ~~والمواقف من الميوعة والذوبان في غمار العلاقات العاطفية الحميمة إن المودة ~~تقف في الجانب الثاني ، أما المعاملة فتقف في الجانب الأول ، وذلك هو الخط ~~الفاصل بين علاقات المودة وعلاقات المعاملة ، حيث يرفض الإسلام الأولى بين ~~الكافرين والمؤمنين ، ويوافق على الثانية بين مختلف الفئات وذلك هو الإيحاء ~~القرآني للمرحلة العملية التي يخوضها المسلمون في مواجهة PageV08P293 # الكفر بجميع أشكاله وألوانه ، لتبدأ المجابهة الرافضة من الداخل لكل ما ~~هو كفر أو حركة في اتجاه قوة الكفر ، لتتحول إلى موقف حاسم في ساحة الصراع. # * * * PageV08P294 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) @QUR@021 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين (83) @QUR@016 وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن ~~يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) @QUR@014 فأثابهم الله بما قالوا جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) @QUR@07 والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) (86) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قسيسين ): قال الزجاج : القسيس والقس من رؤساء النصارى ، فأما ~~القس في اللغة فهو النميمة ونشر الحديث» (1). PageV08P295 # ( @QUR@01 ورهبانا ): جمع راهب ، والرهبانية مصدره ، والترهب : التعبد ~~في صومعة ، وأصله من الرهبة المخافة. # ( @QUR@03 تفيض من الدمع ): فيض العين من الدمع : امتلاؤها منه كفيض ~~النهر من الماء ، وفيض الإناء : سيلانه. والدمع : الماء الجاري من العين ، ~~ويشبه به الصافي فيقال : كأنه دمعة ( @QUR@01 ونطمع ): الطمع : تعلق النفس ~~بما يقوى أن يكون من معنى المحبوب ، ونظيره الأمل والرجاء. # ( @QUR@01 الصالحين ): جمع الصالح وهو الذي يعمل الصلاح في نفسه ، فإن ~~كان عمله في غيره فهو مصلح فلذلك يوصف الله تعالى بأنه مصلح ، ولم يوصف ~~بأنه صالح. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ~~وغيرهما قال : «بعث رسول الله ms1956 صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن أمية الضمري ~~بكتاب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي فقرا كتاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه ، فأرسل إلى ~~الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفرا أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة ~~مريم عليه السلام فآمنوا بالقرآن وأفاضت أعينهم من الدمع ، وهم الذين أنزل ~~فيهم : ( @QUR@09 ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) ~~إلى قوله PageV08P296 # ( @QUR@03 فاكتبنا مع الشاهدين )» (1). # وجاء في مجمع البيان قال : «نزلت في النجاشي وأصحابه. قال المفسرون : ~~ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم. فوثبت كل قبيلة على من فيها من ~~المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم ، فاتتن من افتتن ، وعصم الله منهم من شاء ، ~~ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب ، فلما رأى رسول الله ما بأصحابه ولم يقدر ~~على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد ، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال : إن ~~بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله ~~عز وجل للمسلمين فرجا ، وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالحبشية عطية. ~~وإنما النجاشي اسم الملك كقولهم : تبع وكسرى وقيصر ، فخرج إليها سرا أحد ~~عشر رجلا وأربع نسوة وهم : عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ، ~~والزبير بن العوام ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو حذيفة ~~بن عتبة وامرأته أم سهلة بنت سهيل بن عمرو ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد ~~الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة ~~وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، وحاطب بن عمرو ، وسهل بن البيضاء ، فخرجوا ~~إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار ، وذلك في رجب في السنة ~~الخامسة من مبعث رسول الله وهذه هي الهجرة الأولى ، ثم خرج جعفر بن أبي ~~طالب ، وتتابع المسلمون إليها ، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين ~~اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. فلما علمت قريش بذلك ، وجهوا عمرو ~~بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد ms1957 بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ~~ليردوهم إليهم ، وكان عمارة بن الوليد شابا حسن الوجه ، وأخرج عمرو بن ~~العاص أهله معه ، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر ، فقال عمارة لعمرو بن ~~العاص : قل لأهلك PageV08P297 # تقبلني ، فأبى فلما انتشى عمرو دفعه عمارة في الماء ونشب» (1) عمرو في ~~صدر السفينة وأخرج من الماء ، وألقى الله بينهما العداوة في مسيرهما قبل أن ~~يقدما إلى النجاشي. # ثم وردا على النجاشي ، فقال عمرو بن العاص : أيها الملك ، إن قوما ~~خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا إليك ، فردهم إلينا. فبعث النجاشي ~~إلى جعفر فجاءه ، فقال : يا أيها الملك سلهم أنحن عبيد لهم؟ قال : لا بل ~~أحرار ، قال : فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟ فقال : لا ما لنا ~~عليكم ديون ، قال : فلكم في أعناقنا دماء تطالبونا بها؟ قال عمرو : لا ، ~~قال : فما تريدون منا؟ آذيتمونا فخرجنا من دياركم ، ثم قال : أيها الملك ، ~~بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد وترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا ~~بالصلاة والزكاة والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهانا عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي ، فقال النجاشي : بهذا بعث الله عيسى ، ثم قال النجاشي ~~لجعفر : هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ، قال : نعم ، فقرأ سورة مريم ~~عليه السلام : فلما بلغ قوله : ( @QUR@08 وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك ~~رطبا جنيا ) [مريم : 25] قال : هذا والله هو الحق. فقال عمرو : إنه مخالف ~~لنا فرده إلينا ، فرفع النجاشي يده وضرب بها وجه عمرو وقال : اسكت والله ~~لئن ذكرته بعد بسوء لأفعلن بك ، وقال : أرجعوا إلى هذا هديته ، وقال لجعفر ~~وأصحابه : امكثوا فإنكم سيوم والسيوم الآمنون ، وأمر لهم بما يصلحهم من ~~الرزق ، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر ~~رسول الله وعلا أمره وهادن قريشا وفتح خيبر ، فوافى جعفر إلى رسول الله ~~بجميع من كانوا معه ، فقال رسول الله : لا أدري أنا بفتح خيبر أسر أم بقدوم ~~جعفر. ووافى جعفر وأصحابه رسول الله في سبعين رجلا منهم اثنان وستون من ~~الحبشة ، وثمانية PageV08P298 # من أهل الشام فيهم بحيرا ms1958 الراهب ، فقرأ عليهم رسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~سورة (يس) إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه ~~هذا بما كان ينزل على عيسى ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات» (1). # * * * ### ||| ** النصارى الأقرب مودة للذين آمنوا # لم يلتق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل الكتاب في موقف صراع في مكة ~~، فقد كان المجتمع المكي مجتمعا وثنيا مشركا ، إلا من بعض أفراد قلائل ، ~~ولذا لم نجد في الآيات التي نزلت في مكة ، ما يشير إلى أي جدال أو حوار ~~بينه وبينهم ، لأنه كان مشغولا بمحاربة الشرك والوثنية من جهة ، ولأنهم لا ~~يعتبرون مشكلة إسلامية من جهة أخرى. # وربما نلمح في البداية ، تعاطفا وتقاربا بينه وبين المجتمع النصراني في ~~مكان آخر ، من خلال مشروع هجرة المسلمين المضطهدين إلى الحبشة فرارا بدينهم ~~، أملا في أن يجدوا هناك بعض الحرية والطمأنينة في ممارسة عقيدتهم ، وهذا ~~ما حصل كما يحدثنا به التاريخ الإسلامي ، وتشير إليه بعض الآيات الكريمة. ~~فقد حدثنا التاريخ أنهم قد حصلوا على الحماية القوية عند ملك الحبشة ~~النجاشي ، حيث حال بينهم وبين قريش التي لحقت بهم إلى هناك لتوغر صدره ~~عليهم ، فلم يستجب لذلك ، بل أصغى مع جماعته إلى أفكار المسلمين وأقوالهم ، ~~وانسجموا مع الأجواء الروحية التي أفاضها القرآن الكريم عليهم ، بما تلاه ~~المسلمون من الآيات التي تتحدث عن عيسى وأمه عليه السلام ، وعن المعاني ~~الروحية الكبيرة التي أوحى بها الله إلى نبيه ، مما يلتقي مع الخط PageV08P299 # الواحد للرسالات السماوية ، لأنهم رأوا فيها روحانية المسيحية الحقة ، ~~وإخلاصها وواقعيتها الخاشعة ، مما جعل ( @QUR@026 لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) خشوعا ~~لله سبحانه ، كما أشارت إليه هذه الآيات. # * * * ### ||| ** اليهود غدر دائم بالمسلمين # وهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ليشيد المجتمع ~~الإسلامي الجديد على دعائم القوة والعلم والتقوى ، فواجه اليهود من أهل ~~الكتاب هناك ، إذ لم يكن في المدينة ms1959 نصارى ، متجنبا الاصطدام بهم ، بل أكثر ~~من ذلك ، اتخذ موقفا منهم في غاية الحكمة ، إذا عقد معهم معاهدة صداقة تفسح ~~المجال للتعايش السلمي بين الديانتين ، قائمة على أساس الحوار بعيدا عن ~~العصبيات والسلبيات. وكان من الممكن لهذه المعاهدة أن تدوم وتخلق الجو ~~الرائع للتعايش الديني السلمي لكن اليهود أبو أن يساهموا في استقرار هذ ~~الجو فمضوا يعدون العدة للوقوف بوجه الدعوة الجديدة والنبي الجديد. # قال ابن إسحاق ، في رواية ابن هشام عنه في سيرة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم العداوة ، بغيا وحسدا وضغنا ، لما خص الله تعالى به ~~العرب من أخذه رسوله منهم ، وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج ممن كان ~~عسى على جاهليته ، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب ~~بالبعث ، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه ، فظهروا ~~بالإسلام ، واتخذوه جنة من القتل ونافقوا في PageV08P300 # السر ، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجحودهم ~~الإسلام ، وكانت أحبار يهود هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويتعنتونه ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل ، فكان القرآن ينزل فيهم في ~~ما يسألون عنه ...» (1). وذلك لصرف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وإشغاله عن مهمته الأصلية في بناء القاعدة بما تثيره من القضايا الجانبية ، ~~أو بما تمارسه من أساليب اللف والدوران ، ولتشغل المسلمين عن همومهم ~~العملية من أجل مواجهة حياتهم الجديدة في ظل الإسلام ، بما يحدثون في ~~داخلهم من ارتباك وقلق وتشويش ، وبما يثيرونه بينهم من خلافات وانقسامات. # * * * ### ||| ** اليهود وعقدة الزهو والغرور # وفي ضوء هذا العرض البسيط الذي يجعلنا نعيش في الأجواء التاريخية لنزول ~~هذه الآيات ، نستطيع أن نعرف عقدة اليهود التي يحملونها ضد الإسلام ~~والمسلمين في ما أثاروه ويثيرونه من مشاكل وخلافات وهموم وتحديات للواقع ~~الإسلامي على مدى التاريخ ، لأنهم لا ينطلقون من قيم فكرية وروحية معينة في ~~ما يخططون ويكيدون له في تصرفاتهم وأعمالهم وعلاقاتهم ، بل ينطلقون ms1960 من شعور ~~مريض بالزهو والخيلاء والكبرياء والتفوق على بقية الشعوب ، الأمر الذي ~~يدفعهم إلى المزيد من العنصرية السوداء المتعصبة الحاقدة ، ويدفعهم إلى خنق ~~كل عوامل التقدم والنمو والقوة التي للآخرين لا سيما المسلمين الذين يطرحون ~~من خلال القرآن الكريم الرفض لفكرة PageV08P301 # شعب الله المختار ، والدعوة إلى إقامة الحياة بكل مظاهرها وتجلياتها ~~وأبعادها على أساس المنطق المسلح بالحجج والبراهين الدامغة ، وبوسيلة ~~الحوار البناء والجدال بالتي هي أحسن. ولذلك ، فإن قصة اليهود في التاريخ ~~هي قصة الشعب المعقد الذي انطلق من التوراة في البداية ، لكنه ما لبث أن ~~ابتعد عنها في تفكيره ، واقتصر منها على الإطار دون الصورة الحقيقية ، ~~وصولا إلى استبدالها بالصور المزيفة ، التي تحاكي زيفهم الفكري والروحي ~~الذي يعيشونه في خطوات الماضي والحاضر والمستقبل. # * * * ### ||| ** النصارى في منتجع القيم الروحية # أما النصارى ، فقد انطلقوا من خلال الإنجيل على أساس القيم الروحية التي ~~يحفل بها ، مما يجعل من قضية اللقاء بهم قضية تخضع للأجواء الخاشعة في ~~تصورها لله وفي حركة العبادة له ، بالرغم من الاختلاف في تفاصيل ذلك كله ~~ولهذا كانت الآيات تؤكد على هذا الجانب الروحي دون الذاتي فليست المسألة ~~فئة تلتقي بفئة على أساس النطاق البشري الذي تمثله هذه أو تلك ، ولكن ~~المسألة مسألة قيم يعيشها ويؤمن بها هؤلاء ليكون اللقاء على أساس ذلك. وقد ~~أشارت الآيات إلى هذه الناحية ، واعتبرت وجود القسيسين والرهبان ظاهرة ~~إيجابية ، في ما يمثله هذا اللون من الناس من انقطاع للعبادة وابتهال لله ، ~~وتواضع للناس ، وابتعاد عن الاستكبار. وتحدثت عن التجربة الأولى للقاء ، في ~~الوقت الذي لم يكن فيه المجتمع النصراني قد عاش عقدة الصراع ضد الإسلام ~~والمسلمين ، نظرا إلى أن القضية كانت قضية الدعوة في بداياتها الأولى ، فقد ~~تلقى الذين استمعوا إلى آيات الله ، آيات الله ، بروح منفتحة على الخير من ~~كلمات البر ، واعية لعمق الروح الإيماني ، عائشة للفرح PageV08P302 # الروحي المتدفق من روحية الوحي الإلهي ، منفعلين بالحقيقة الصافية ~~المشرقة القائمة على التأمل والإلهام ، مرسلة نفوسهم دموع الخشوع فياضة ، ~~وامضة بإشارات المحبة والسلام ، ويرتعد كيانهم ms1961 ويقشعر لبرودة الإيمان وهيبة ~~الموقف أمام عظمة الله تعالى ، وتكرع أرواحهم كأس الملاطفة من معين الذات ~~الإيماني حتى الثمالة. فإذا بهم أمام الحق الذي عرفوه ، يبكون من الفرح ، ( ~~@QUR@04 مما عرفوا من الحق ) تماما كما هو فرح الأطفال بالهدية الحلوة ، في ~~براءة الطفولة ، فيبتلون إلى الله في صلاة خاشعة ، لأن الإيمان ليس مجرد ~~فكر يخضع للمعادلات العقلية ، ولكنه فكر وروح وشعور عامر بحركة الحياة ، ~~فإذا به يقظة إحساس ، ومنطلق روح ، وصفاء قلب ، وهزة كيان ، ( @QUR@03 ~~فاكتبنا مع الشاهدين )، الذين يعيشون الحضور الدائم مع الله ، فيعيشون من ~~خلال ذلك الحضور الواعي لمسؤولية الحياة مع الآخرين. # وهكذا يتحرك التساؤل في قوة إرادة الإيمان ، ( @QUR@05 وما لنا لا نؤمن ~~بالله ) الذين يفرض نفسه علينا في كل ما نفكر ونشعر ونعيش من قضايا الحياة ~~وتفاصيلها ، وحركة النفس وتطلعاتها ، ( @QUR@04 وما جاءنا من الحق ) الذي ~~يتمثل في وضوح الحقيقة في وجداننا وأعماقنا؟! وتلك هي قصة الإنسان الواعي ، ~~إذا عاش وضوح الرؤية للأفكار والأشياء ، فإنه لا يملك إلا أن يلتصق ~~بالمعرفة التصاق إيمان ، وينفعل بالحياة ، من خلالها ، انفعال الموقف ~~والممارسة. أما الإنسان الذي يهرب من الحقيقة التي تواجهه ، ويختبئ وراء ~~أقنعة متنوعة تحجب عنه إشراقتها ، فهو الإنسان المعقد الذي لا يعيش الإيمان ~~كمسؤولية ، بل يتحرك معه على أساس الرغبة والرهبة في نطاق أنانية الذات ، ~~وهو غير هذا الإنسان الذي يقف وقفة الابتهال الخاشع أمام الله ليعبر عن ~~رغباته الروحية بين يديه ، ( @QUR@07 ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين ) فها هي الأشواق الروحية تتطلع إلى العيش مع النفوس الصالحة ~~المؤمنة التي جاهدت في سبيل الله عند ما كانت في الدنيا ، وجاءت لتعيش ~~نتائج جهادها في جنة الله ، رضوانا ورحمة ومغفرة. PageV08P303 # وكانت الاستجابة لهذه الابتهالات الروحية ثوابا بما قالوا ، ( @QUR@014 ~~فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء ~~المحسنين ) الذين أحسنوا القول والعمل ، ( @QUR@04 والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا ) أما هؤلاء الذين ابتعدوا عن مواقع رحمة الله بعد أن دعاهم الله ~~إليها وتمردوا في روح عدوانية كافرة ، أما هؤلاء فهم ms1962 أصحاب الجحيم ( ~~@QUR@03 أولئك أصحاب الجحيم ). # * * * ### ||| ** الديانات السماوية وعقد أصحابها # وهكذا نستوحي من هذه الآيات ، أن المشكلة التي يعانيها أصحاب الديانات ~~السماوية ، في ما يختلفون فيه ، ليست مشكلة الفكر الذي يتنازعون في صحته ~~وفساده ، وليست مشكلة الشريعة التي يختلفون في صوابها وخطئها بل هي مشكلة ~~الروحية التي يواجهون بها بعضهم البعض. فقد ينطلق البعض من موقع العقدة ~~التي تحاول أن تتداخل بسلبياتها الخانقة في كل فكر وكل أسلوب ، لتنحرف به ~~عن مساره الطبيعي في حالة المواجهة الفكرية ، فيتحول الأمر إلى حرب بين ~~العواطف والتشنجات بدلا من أن يكون حوارا بين الأفكار ، ويلف الموضوع ذلك ~~الضباب النفسي الحائل دون وضوح الرؤية مما يؤدي إلى التشاحن والتباغض ، ~~فالحرب في نهاية المطاف. وقد ينطلق البعض من موقع الفكرة التي تتطلع إلى ~~الوضوح ، فتواجه الفكر بالفكر الذي يناقش ويحاور من أجل أن يكتشف المناطق ~~المجهولة لديه أو يكشف للآخرين المناطق المجهولة عندهم ، ليقف الجميع ، من ~~خلال ذلك ، على أرض الحقيقة التي يلتقي عليها كل الناس الذين يعيشون الشوق ~~الروحي إلى المعرفة ، وهذا ما يهدف إليه الإسلام في أسلوبه الفكري ، في ~~الدعوة إلى الحوار ، بالروحية التي لا تتحرك من خلفيات العقدة ، بل تعيش ~~انطلاقات PageV08P304 # الفكرة الباحثة عن الوضوح في رحلة البحث عن الإيمان ، فلا يتحول الاختلاف ~~إلى عداوة تتعمق بالممارسات السلبية ، بل يتحول إلى تجربة حية صادقة تفتح ~~الطريق إلى صداقة فكرية تتأكد بالكلمات والمواقف الإيجابية. # * * * ### ||| ** التواضع للحق أساس الانفتاح على الآخر # وقد يكون من الأفكار التي نستوحيها من هذه الآيات أن هذه المودة القريبة ~~التي يقررها القرآن الكريم ، في موقف النصارى من المسلمين ، كانت بسبب هذه ~~الروحية المتواضعة المنطلقة التي يعيشها القسيسون والرهبان في ما يستلهمونه ~~من تعاليم الإنجيل ، وما يستوحونه من ابتهالات التأمل بين يدي الله. هذا من ~~جهة ، ومن جهة أخرى ، فإنها تعود إلى الانفتاح الفكري والروحي على الأفكار ~~والآفاق الجديدة التي يطرحها الآخرون من خلال آيات الله ، فلا يواجهونها ~~بالرفض السريع ، بل بالتأمل الدقيق والفكر العميق ، وفي ضوء ذلك ، نستطيع ~~أن نشير ms1963 إلى عدة نقاط في الموضوع : # أولا : إن ذلك يدفعنا إلى إفساح المجال دائما للانطلاق بالواقع إلى هذا ~~الجو ، فنعمل على إثارة المعاني الروحية في أخلاقيات النصرانية المستمدة من ~~الإنجيل من أجل اكتشاف مواطن اللقاء في ما يلتقي فيه الإسلام والنصرانية من ~~مفاهيم في الإيمان والحياة ، ليكون ذلك أساسا لاحتواء كل السلبيات التي ~~تتحرك في الساحة فتدفعها إلى التعقيد والارتباك. وبذلك يمكن للعاملين أن ~~يبدءوا في عملية الإعداد لإيجاد الأرضية الصلبة التي تؤدي إلى الوقوف ~~المشترك ، في موقف الاتحاد أو التفاهم. # ثانيا : إن هذه الفكرة توحي لنا بالابتعاد عما تعارف عليه الناس من PageV08P305 # أساليب المجاملة الخادعة التي تحاول أن تتغافل عن كل السلبيات بطريقة ~~سطحية مائعة تواجه المشكلة في مستوى اللحظات السريعة ، لننطلق إلى الدراسة ~~الهادئة الدقيقة التي تعمل على التعامل مع الموقف ، من خلال المعطيات ~~الواقعية الموجودة في الساحة فتثير الإيجابيات في بعض المواقع ، وتشير إلى ~~السلبيات في بعض آخر ، وقد تغفلها في مواقع أخرى ، لتوجه الحالة إلى ~~النتائج الطيبة. إن الابتعاد عن مثل هذه الدراسة الواقعية الهادئة ، والسير ~~في خط الأساليب العاطفية ، يميع الموقف ويفقده جديته ، بل يوحي بالهروب من ~~الواقع والاختفاء خلف الألفاظ البراقة ، والعودة من جديد إلى تعقيدات ~~الواقع الصعب ، بعد اكتشاف السراب في لحظة الوصول إلى الأفق البعيد. # ثالثا : إن هذا الجو الإيجابي في الآيات ، الذي يؤدي إلى النتائج ~~الإيجابية على صعيد اللقاء ، يدفعنا إلى اكتشاف المسألة على مستوى الأرضية ~~التي نقف عليها ، لنتعرف الملامح الحقيقية للواقع ، لأن العوامل التاريخية ~~والسياسية المعقدة ، قد تركت آثارا عميقة في داخل القلوب والنفوس والأفكار ~~، وخلفت جروحا في الأعماق ، مما جعل الجو يختلف كثيرا عن أجواء هذه الآيات ~~، فكانت العقدة موضع الفكر ، وعاش الحقد في مواقع المحبة ، وارتفعت الحواجز ~~أمام فرص اللقاء ، وبدأت الساحة في بعض مواقعها تتكشف عن نصرانية يهودية في ~~حقدها وعداوتها للإسلام والمسلمين ، الأمر الذي يوحي بالحذر الذي يدفع إلى ~~الواقعية ولا يدعو إلى الشلل لئلا يجرنا التساهل في مثل هذه الأمور إلى ~~الوقوع في الفخ المنصوب ms1964 لنا تحت تأثير الشعارات الخادعة الداعية إلى المحبة ~~، في الوقت الذي تعمل فيه ، بكل جهدها ، للتخطيط الدقيق للسير في خط الحقد ~~والعداوة. # رابعا : إن التأكيد على استخدام صيغة التفضيل في عداوة اليهود والذين ~~أشركوا للمسلمين ، يجعلنا نواجه الموقف في علاقتنا مع اليهود والجماعات PageV08P306 # الملحدة والمشركة ، من خلال هذا الخط ، فنعيش معهم ، كما يعيش الإنسان مع ~~عدوه ، لأن اليهود يخططون لإضعاف الإسلام والمسلمين ، وبالتالي للقضاء على ~~وجوده ووجودهم ، ولأن الملحدين والمشركين يعملون على نسف كل قواعد الإيمان ~~في الحياة ، مما يجعل من مسألة العداوة أمرا طبيعيا ، لأن ذلك يرى أن ~~رسالته وعقيدته يفرضان عليه القضاء على فكرك أو عليك ، وبالتالي لا يمكنك ~~أن تعتبره صديقا ، أو تتعامل معه معاملة الصديق ، إلا إذا كنت ساذجا لا ~~تفهم الأشياء بوضوح. # وفي ضوء هذا ، ينبغي لنا أن نواجه بحذر الدعوات المؤكدة على التسامح في ~~هذا المجال ، في ما يرفع من شعارات التسامح الديني ، ورفض التعصب ، وما إلى ~~ذلك. فقد يكون المقصود من ذلك كله ، تخفيف حالة التوتر الفكري والروحي ~~والعملي التي يعيشها الإنسان المؤمن المسلم ، للمحافظة على خط الثبات في ~~مواقعه الإسلامية ، وعدم إفساح المجال للاهتزاز والتزلزل أمام هجمات ~~الأعداء ، لأن الإنسان كلما اقترب من حالة الاسترخاء في مواقع التحدي ، ~~كلما اقترب من الهزيمة أمام مخططات الأعداء. # ربما يكون من المصلحة للإسلام والمسلمين أن يحافظوا على نسبة عالية من ~~درجات التوتر والالتزام بالخط ، لئلا يستغل العدو حالة الاسترخاء التي يعمل ~~لإيجادها ، فيهزمنا بالضربة القاضية ، ولكن ليس معنى ذلك أننا نواجه الموقف ~~بأساليب الانفعال المثيرة التي تملأ الجو بكل عناصر الإثارة ، لتخلق حربا ~~هنا ، وحربا هناك ، وتثير الفوضى والخلافات الطائفية الحاقدة في كل مكان ، ~~لأننا لا نجد في ذلك مصلحة للمسيرة الإسلامية ، بل معنى كل ذلك أننا نواجه ~~الموقف بأساليب الوعي التي تتحرك في الساحة بطريقة واقعية تتعامل مع ~~المعطيات والظروف الموضوعية من موقع المحافظة على الوجود أمام الآخرين ~~الذين يعملون لتصفية هذا الوجود أو هزيمته. PageV08P307 # وقد يفرض علينا الواقع أن ندخل مع هؤلاء في ms1965 علاقات تجارية وسياسية وعلمية ~~، فلا نجد في ذلك أي حرج ، في حدود المصلحة العليا للإسلام والمسلمين ، لأن ~~الإنسان قد يجد من الخير أن يتعامل مع عدوه في حالات الهدنة مع الاحتفاظ ~~بالحيطة والحذر في مختلف الظروف والأوقات والمظاهر. # * * * PageV08P308 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) @QUR@012 وكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) (88) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان ، في تفسير هذه الآية : «قال المفسرون : جلس رسول ~~الله يوما ، فذكر الناس ووصف القيامة ، فرق الناس وبكوا ، واجتمع عشرة من ~~الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، وهم علي ، وأبو بكر ، وعبد الله بن ~~مسعود ، وأبو ذر الغفاري ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعبد الله بن عمر ، ~~والمقداد بن الأسود الكندي ، وسلمان الفارسي ، ومعقل بن مقرن ، واتفقوا على ~~أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ، ولا يناموا على الفرش ، ولا يأكلوا اللحم ~~ولا الودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويلبسوا المسوح، PageV08P309 # ويرفضوا الدنيا ، ويسيحوا في الأرض ، وهم بعضهم أن يجب مذاكيره. # فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتى دار عثمان ، فلم يصادفه ، ~~فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية واسمها حولاء ، وكانت عطارة : أحق ما ~~بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~وكرهت أن تبدي على زوجها ، فقالت : يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد ~~صدقك. فانصرف رسول الله ، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك ، فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه ، فقال لهم رسول الله : «ألم أنبئكم أنكم ~~اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، وما أردنا إلا الخير فقال ~~رسول الله : إني لم أؤمر بذلك. ثم قال : إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا ~~وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم ~~والدسم ، وآتي النساء ، ومن رغب عن سنتي فليس مني. # ثم جمع الناس وخطبهم وقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام ms1966 والطيب ~~والنوم ، وشهوات الدنيا؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، ~~فإنه ليس في ديني ترك اللحم ، ولا النساء ، ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة ~~أمتي الصوم ، ورهبانيتهم الجهاد ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وحجوا ~~، واعتمروا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصوموا رمضان ، واستقيموا ~~يستقم لكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله ~~عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل الله الآية» (1). # * * * PageV08P310 ### ||| ** حديث لا يخلو من مبالغة # قد يلمح الإنسان في هاتين الآيتين ، شيئا من هذا الحديث الذي رواه ~~المفسرون في أسباب النزول. فقد جاءتا لتعالج هذه الظاهرة الجديدة التي ~~انطلقت من حالة روحية وجدانية ، عاشها هؤلاء المسلمون في انفعالهم بالآيات ~~والمواعظ التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القيامة ~~وأهوالها ، فاعتبروا الموقف الطبيعي لهم ، أن يتركوا الدنيا بكل طيباتها ~~وشهواتها ، ويتفرغوا للآخرة بالعبادة والتجرد عن كل النوازع والملذات ، لأن ~~ذلك هو السبيل للخلاص من الأهوال والشدائد ، وللتعبير عن الإخلاص لله ، أي ~~بتعذيب النفس في الدنيا وحرمانها من كل ما تشتهيه كقيمة روحية يحبها الله ~~ورسوله. وقد يكون في هذا الحديث ، لون من ألوان المبالغة في تصوير حالة ~~هؤلاء الأشخاص من الصحابة بتلك الصورة ، لأن السلوك العملي الذي كان يتمثل ~~في حياة رسول الله ، يمكن أن يعطيهم الصورة الواضحة للموقف ، ولا سيما أن ~~منهم من يملك المعرفة الشاملة في الخط الإسلامي للحياة. # * * * ### ||| ** الإسلام يوازن بين الدنيا والآخرة # إننا نسجل بعض التحفظات التأملية في بعض هذه التفاصيل ، ولكننا نعتبر ~~الحديث صورة حية لهذا النموذج من الناس الذين يفهمون جانبا واحدا من الصورة ~~، ولا يتطلعون إلى الجانب الآخر ، فيسيئون فهم القضية كما هي في واقع ~~التشريع ، فإذا جاؤوا إلى آيات الزهد ، قالوا بأن الإسلام هو دين الابتعاد ~~عن الملذات والشهوات ، وإهمال الحياة بكل مظاهرها ونوازعها ، PageV08P311 # وبدأوا يخططون لأسلوب معين من التربية في اتجاه تذويب كل النوازع ~~والغرائز والشهوات ، وتجميدها ، وتحويل الإنسان إلى شخصية جامدة الشعور ~~أمام الطيبات ، قاتمة الملامح أمام انفعالاتها ، مغمضة العيون أمام ms1967 مباهجها ~~وزخارفها ، واعتبار ذلك السلوك هو القيمة الروحية الأمثل لاقتراب الإنسان ~~من رحمة الله ، وهكذا يحاول البعض أن يرى في الصورة صورة الإسلام الذي لا ~~يتفق مع حيوية الحياة. وإذا جاؤوا إلى آيات الإقبال على الحياة ، ~~والاستمتاع بطيباتها ، في ما يأكل الناس وما يشربون أو يستمتعون به من ~~حاجاتهم ، قالوا إن الإسلام دين المادية البعيدة عن الآفاق الروحية ، فهو ~~يعمل على ربط الإنسان بالدنيا في قيمها الحسية المادية ، وإبعاده عن القيم ~~المعنوية الروحية ، ويخطط لأسلوب تربوي ، في اتجاه تحويل كل المعاني ~~الروحية إلى وسائل مثيرة ، لإعطاء المادة لونا من ألوان الروح ، مما يؤكد ~~ارتباط الإنسان بالمادة وإبعاده عن الروحية المجردة. وبذلك يتحول الإنسان ~~إلى كائن حسي باحث عن الشهوات ، ظامئ للذات ، بعيد عن عالم التجرد والروح. ~~وهكذا تمتد الصورة ليتحدث المغرضون من خلالها بأن الإسلام هو دين الحس ~~المادي ، لا دين الروحية الصافية. # وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصحح النظرة ، وليوضح الفكرة من ~~القاعدة ، بأن الدنيا ليست الآخرة ، وأن الإنسان ليس ملاكا ، وأن الإسلام ~~دين للحياة بأسمى معالمها وأقدس قيمها ومثلها ، ودين للإنسان بأجلى مظاهر ~~إنسانيته ، وأكمل مراتبها. وذلك من خلال خطة ترسم للواقع ملامحه على صورة ~~الرسالة ، وتخطط للرسالة حركتها على أرض الواقع ، ليكون الإسلام دين الحياة ~~كما ينبغي أن تكون عليه واقعا ، لا دينا يبرر الواقع المنحرف فيلغي رساليته ~~في التغيير ، ولا يحول الرسالة إلى فكرة تعيش في نطاق التجريد والخيال. ~~فالإنسان بشر ، يعيش في الدنيا ، وللبشرية حاجاتها ، وللدنيا وسائلها ، فلا ~~بد من أن ينام الجسد ، لتكون اليقظة حية فاعلة ، ولا بد من أن يأكل ويشرب PageV08P312 # ويلبس ويستمتع ، لتستمر الحياة من خلال مقوماتها الضرورية وغير الضرورية ~~، والإنسان بعد ذلك بشر في روح الرسالة ، فلا بد له من أن يعيش الصلاة ~~والصوم والحج والعمرة والجهاد والابتهال إلى الله ، ولا بد له من أن يواجه ~~هذه القضايا التي تتعامل معه من مواقع روحيته بوسائلها التي لا تجعل الآخرة ~~تتنكر للدنيا ، ولا تجعل الملاك يبتعد عن آفاق البشر. ms1968 # * * * ### ||| ** الاستقامة أن تأخذ بجوانب الرفعة والإلزام # واعتبر ذلك خطا من خطوط الاستقامة التي تأخذ بجوانب الرخصة ، كما تلتزم ~~بجوانب الإلزام ، لأن للرخص التي شرعها الإسلام دورا كبيرا في بناء الشخصية ~~واستقامة الطريق ، تماما كما هي الأمور الإلزامية في جانب الواجب والحرام. ~~فإذا حرم الإنسان على نفسه شيئا رخصه الله في فعله ، فإن ذلك قد يترك في ~~الشخصية آثارا سلبية تشوه الصورة في ملامحها العامة ، سواء في ما توحيه من ~~أفكار أو في ما تفرضه من مواقف وعلاقات ومشاعر ، فالإنسان الذي يعتبر رفض ~~الطيبات قيمة روحية كبيرة ، سيجد في الناس الذين يقبلون عليها بحدودها ~~الشرعية ، أناسا في المستوى المنخفض للقيمة الإسلامية ، وسيتعامل مع ~~الأشخاص الذين يرتبط معهم بعلاقات اجتماعية ذات مسئوليات معينة ، بطريقة ~~بعيدة عن خط المسؤولية ، كما هو الحال في الناس الذين يهملون علاقاتهم ~~الزوجية والأسرية والاجتماعية عند ما يسيرون في خط ما يعتبرونه الصورة ~~الحقيقية لمفهوم الزهد في الإسلام. # وقد نلاحظ في الحديث عن السبب في هلاك الأمم السالفة ، في PageV08P313 # الكلمات التي يختم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثه ، أن التشديد ~~الذي كان لونا من ألوان الفهم الخاطئ للخط الرسالي الذي جاءت به الرسالات ~~الإلهية ، هو السبب في تشديد الله عليهم ، كعقوبة دنيوية تعرفهم نتائج ~~الانحراف في الدنيا من خلال طبيعة العلم الذي يفرضه الانحراف ، لتوحي لهم ~~بأن الله لا يريد للإنسان أن يعذب نفسه ويشدد عليها بوسائل التشديد ، لأنه ~~لا يعتبر ذلك فضيلة دينية إلا من خلال الخط الكبير. # * * * ### ||| ** لا تحرموا طيبات ما أحل الله # وفي ضوء ذلك كله ، جاءت الآية الأولى ، لتنهى المؤمنين عن تحريم الطيبات ~~التي أحلها الله لهم ، ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم ) وذلك بالامتناع عن ممارستها ، بحجة أن تركها يمثل وسيلة من ~~وسائل رضا الله ، ويوحي بأن ذلك يمثل لونا من ألوان الاعتداء على حدود الله ~~التي رسمها لعباده لتسير حياتهم عليها ، ولترتبط قضاياهم بها ، فإذا ~~تجاوزوها ، كان ذلك اعتداء عليها وعلى الحياة ، لأن ذلك ينحرف ms1969 بالخطة ~~الحكيمة عن مسارها الطبيعي ويسيء إلى الناس وإلى حياتهم في نهاية المطاف ، ~~وقد يكون في ذلك اعتداء على الله ، في ما أراده من التحرك في تطبيق التشريع ~~على أساس حقه على الناس في الالتزام به كما ينبغي له. # ( @QUR@07 ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) وقد يفسر البعض معنى ~~الاعتداء ، بتجاوز حدود الاعتدال في ممارسة الطيبات ، فلا يتخذ النهي عن ~~تحريم الطيبات أساسا للانكباب على متع الحياة الدنيا بطريقة متطرفة ، لأن ~~ذلك يساوي التطرف في الترك الذي لا يوافق عليه الإسلام في تشريعه وتخطيطه PageV08P314 # للحياة. وقد يكون هذا المعنى معقولا كما هو ، ولكنه ليس قريبا إلى ظاهر ~~الآية كما يقول صاحب تفسير الميزان (1). ولعل الوجه في ذلك هو أن الآية ~~جاءت في مقام تقرير المبدأ في موضوع تحريم الطيبات ، وليست في مقام الدخول ~~في كمية ممارسة الإنسان من الاستمتاع بالطيبات ، فهي تريد أن تقرر أن مثل ~~هذا التحريم يمثل لونا من ألوان الاعتداء على حدود الله ، تماما كما هي ~~الآيات الكريمة التي تجري مجرى هذه الآية في هذه الجهة ، كقوله تعالى في ~~ذيل آية البقرة : ( @QUR@012 تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون ) [البقرة : 229] وفي ذيل آيات الإرث : ( @QUR@031 تلك ~~حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم* ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين ) [النساء : 13 14]. # ويقول صاحب الميزان في التعقيب على هذه الآيات : «والآيات كما ترى تعد ~~الاستقامة والالتزام بما شرعه الله ، طاعة له تعالى ولرسوله ممدوحة ، ~~والخروج عن التسليم والالتزام والانقياد اعتداء وتعديا لحدود الله ، مذموما ~~معاقبا عليه» (2). # وإذا كان الله لا يحب المعتدين ، فإن على المؤمن أن يتلمس في تفكيره ~~وسلوكه مواقع الانسجام مع خط الله والانطلاق في طاعته ، ومواقع الاعتداء ~~على حدود الله والسير في خط معصيته في كل موقع من مواقع الحياة ، لأن ~~المؤمن يعمل دائما من أجل الحصول على محبة الله ورضاه ، فلا يطيق ms1970 في أي حال ~~أن يعيش بعيدا عن ذلك مع الناس الذين لا يحبهم الله. # * * * PageV08P315 ### ||| ** كلوا الحلال الطيب # وجاءت الآية الثانية ( @QUR@06 وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا )، ~~لتثير أمام الناس أن هذه الطيبات ، هي من الحلال الطيب الذي رزقه الله ~~للناس ، وبالتالي ليس هناك من مشكلة في تناولها ، لأن الله الذي رزقهم ~~إياها ، جعلها رزقا حلالا طيبا ، والله لا يرزق الإنسان شيئا ليمنعه عنه ، ~~إلا في الحدود التي تدخل في تفاصيل الفعل والممارسة ، ( @QUR@06 واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون )، فإن الإيمان بالله يجعل المؤمن يعيش الحضور ~~الدائم مع الله ، والإحساس العميق بوجوده ، مما يدفعه إلى مراقبته التي ~~تقوده إلى التقوى في جميع الأمور ، إذا لا معنى للإيمان بدون الالتزام ~~والمراقبة الدائمة ، وذلك هو الخط الذي يدعو القرآن الكريم الناس إلى السير ~~عليه في كل موقف من مواقف التشريع ، وفي كل موقع من مواقع الحياة ، ليكون ~~ذلك هو الأساس الذي يحقق الانضباط المستمر المرتكز على قاعدة الإيمان ~~والإسلام. # * * * PageV08P316 ### ||| * الآية # ( @QUR@045 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) (89) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 باللغو ): اللغو في اللغة ما لا يعتد به ، ولغو اليمين الحلف ~~من غير قصد ، كما لو سبق اللسان لقول : لا والله. # ( @QUR@01 عقدتم ): عقد الأيمان : التعهد بالشيء أمام الله مع قصده بشكل ~~جدي واع. # ( @QUR@01 فكفارته ): من الكفر بفتح الكاف وهو الستر والتغطية ، ثم ~~استعملت الكفارة في الأعمال التي تكفر الذنوب. # * * * PageV08P317 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : قيل : لما نزلت : ( @QUR@07 لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ) قالوا يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله هذه الآية. # وقيل : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاءه ، ~~فحلف لا يأكل من الطعام ، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل ، وحلف الضيف لا ~~يأكل إن ms1971 لم يأكلا ، فأكل عبد الله بن رواحة وأكلا معه ، فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فقال له : أحسنت. عن ابن زيد (1). # كما جاء في الكافي بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : «سمعته يقول في قول الله عز وجل : ( @QUR@06 لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ) قال: «اللغو» قول الرجل : «لا والله ، وبلى ~~والله» ولا يعقد على شيء» (2). # * * * ### ||| ** اليمين التزام أمام الله # إن اليمين التي يحلف بها الإنسان على فعل شيء ، أو ترك شيء ، تمثل ~~التزاما بالشيء بين يدي الله على أساس اقترانه باسمه ، كما إذا كنت تأتي به ~~كشاهد على التزامك عند ما يتعلق اليمين بعمل مستقبلي تريد أن تقوم به ، ~~لتجعل ذلك ووثيقة تؤكد بها الموقف ، لتبعث الطمأنينة في نفس الشخص الذي PageV08P318 # تلتزم له ، أو معه ، أو كشهادة على حدوث الواقعة على حدوث الواقعة عند ما ~~يتعلق اليمين بشيء حدث ، أو سيحدث لتجعله قاعدة. وبذلك كانت اليمين تمثل ~~مسئولية كبيرة لشخصية الحالف ، لأنها تضع اسم الله في الميزان ، ليدلل على ~~جانب الاحترام له في حالات الصدق ، أو على جانب الإهانة له في حالات الكذب ~~، بل ربما كان أولياء الله يعتبرون الحلف بالله في كل مناسبة ، حتى في ~~الأمور الكبيرة ، منافيا لإجلال الله وتعظيمه ، ويرون في تحمل الخسارة ~~الناشئة من ترك اليمين في حالة تعرض الإنسان لاتهام ظالم يريد أن يدفعه عنه ~~باليمين ، نوعا من أنواع التعظيم لله والإجلال لاسمه الكريم ، كما ورد عن ~~أبي جعفر عليه السلام : «أن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج ، أظنه قال : ~~من بني حنيفة ، فقال له مولى له : يا ابن رسول الله ، إن عندك امرأة تبرأ ~~من جدك ، فقضي لأبي أنه طلقها ، فادعت عليه صداقها فجاءت به إلى أمير ~~المدينة تستعديه ، فقال له أمير المدينة : يا علي إما أن تحلف وإما تعطيها ~~، فقال لي : يا بني قم فأعطها أربعمائة دينار ، فقلت له : يا أبت جعلت فداك ~~ألست محقا؟ قال : بلى يا بني ولكني أجللت الله ms1972 أن أحلف به يمين صبر» (1). ### ||| ** اليمين قسمان : لغو وعقد # ( @QUR@011 لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان ). ولكن اليمين على قسمين : يمين لغو ، وهو اللفظ الذي ينطلق ~~بالحلف بالله على سبيل العادة والألفة من دون أن يقصد الإنسان مضمونه في ~~التصور والالتزام ، تماما ، كالألفاظ التي تصبح لازمة للشخص ، من خلال ~~التكرار ، فيكررها PageV08P319 # بمناسبة وبدون مناسبة ، ويمين عقد إذا صح التعبير وهو اللفظ الذي ينطلق ~~بكلمة القسم بالله على سبيل عقد القلب على مضمونه ، كالتزام يلتزمه على نفسه. # وقد جاءت الآية لتدل على أن الله لا يؤاخذ الإنسان باللغو في اليمين ، ~~إذا لم يلتزم بمضمونه أو يؤده ، لأنه لا يعبر عن حالة في النفس ، أو عقد في ~~الضمير ، فهو لا يزيد عن صوت من الأصوات الببغائية التي يطلقها الإنسان بلا ~~معنى ، أما إذا كان اليمين عقدا في ما يعقد به الإنسان قلبه ويلتزمه في ~~ضميره ، فإن الله يؤاخذ الإنسان على عدم التزامه العملي به ، وهو الذي يسمى ~~بالحنث ، ولكنها مؤاخذة يمكن للإنسان أن يتخلص منها في الدنيا ، بدفع ~~الكفارة المفروضة في هذه الحال ، ( @QUR@09 فكفارته إطعام عشرة مساكين من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم ) لا من أخبثه مما يعافه الناس بشكل طبيعي ، ولا من ~~أطيبه مما لا يكون إلا لدى الطبقة الثرية من الناس ، ( @QUR@05 أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة ) فإن العتق أحد وسائل التكفير عن الذنب ، في ما أراده الله ~~من تكثير الوسائل لتحرير الرقيق ، فإن لم يجد من ذلك شيئا لفقره وعجزه ( ~~@QUR@011 فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) ولم ~~تلتزموا بمقتضاها ، ليكون ذلك رادا لكم عن النقض عند ما تواجهون إمكانية ~~الخسارة والجهد والمشقة في ذلك كله ، ( @QUR@02 واحفظوا أيمانكم ) من ~~الإهمال والعبث والنقض ، لأن اليمين موقف يلتزم به الإنسان فيلزم به نفسه ، ~~فلا بد له من المحافظة على موقفه والتزامه ، فإنه متصل بقيمة احترامه ~~لشخصيته من جهة ولمن أقسم به وهو الله من جهة أخرى. # وقد جاءت بعض التفاسير والأحاديث بإدخال الحلف بفعل الحرام ms1973 وترك الواجب ~~في مفهوم يمين اللغو ، والظاهر أنه داخل فيه حكما وموضوعا باعتبار إلغاء ~~الشارع له ، لأن ما يجب حفظه من الأيمان هو ما يريد الشارع للإنسان ~~الالتزام به ، فلا معنى لوجوب حفظ مثل هذه الأيمان غير المشروعة بطبيعتها ، ~~وليست داخلة فيه موضوعا ، لما سبق أن المراد باللغو ، ما كان عاريا عن PageV08P320 # القصد تماما ، كما هو الكلام اللغو الذي لا يقصد الإنسان معناه. # * * * ### ||| ** اليمين مؤشر التزام # وتلك هي آيات الله التي يريد الله بيانها للإنسان من أجل أن يحفظ توازنه ~~، ويحافظ على قضاياه العملية ، ليضع له البرنامج الواضح الذي يكون خطا ~~فاصلا بين الالتزام والفوضى. وقد درجت كثير من المؤسسات الاجتماعية ~~والسياسية على إلزام المنتسبين إليها بما تفرضه عليهم من قوانين والتزامات ~~، بالتزامهم بها من ناحية حلف اليمين ، لما يوحي ذلك من الثقة بالالتزام ~~الذاتي والعملي به ، على أساس ارتباط ذلك بمحافظته على دينه واحترامه لشخصه ~~باحترامه لكلمته في ما تمثله الكلمة من اليمين الذي يمثل الموقف. # ولا بد للإنسان من أن يشكر الله على ذلك ، لأن الآيات التي يبينها الله ~~لعباده في ما يعود على حياتهم بالخير والاستقامة هي من النعم الكبيرة التي ~~تستوجب الشكر والاعتراف بالجميل ( @QUR@07 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون ). # * * * PageV08P321 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) @QUR@020 إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون (91) @QUR@013 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ~~فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) (92) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الخمر ): عصير العنب المشتد ، وهو العصير الذي يسكر كثيره ، ~~وسمي خمرا لأنها بالسكر تغطي على العقل. وأصله التغطية من قولهم : خمرت ~~الإناء إذا غطيته ، ودخل في خمار الناس إذا خفي في ما بينهم. # ( @QUR@01 والميسر ): القمار ، من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على ~~القمار فيه ، وأصله من اليسر خلاف العسر ، وسميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير ~~العمل بها ، وقيل : لأنها تعين اليد اليمنى فيكون العمل أيسر. ms1974 # ( @QUR@01 والأنصاب ): الأصنام ، واحدها نصب ، وسمي كذلك لأنها كانت PageV08P322 # تنصب للعبادة لها. # ( @QUR@01 والأزلام ): القداح ، وهي سهام كانوا يجيلونها للقمار. # ( @QUR@01 رجس ): الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل ، يقال : رجس ~~يرجس ورجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ~~، قال : «أتيت على نفر من المهاجرين ، فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا ، ~~وذلك قبل أن يحرم الخمر ، فأتيتهم في حش (1)، وإذا رأس جزور مشويا عندهم ~~ودن من خمر ، فأكلت وشربت معهم وذكرت الأنصار والمهاجرين ، فقلت : ~~المهاجرون خير من الأنصار ، فأخذ رجل لحي الرأس ، فجدع أنفي بذلك ، فأتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فأنزل الله في شأن الخمر ( @QUR@03 ~~إنما الخمر والميسر ) (2). # ولعل من الطريف أن بعض الرواة روى عن علي بن أبي طالب عليه السلام قوله : ~~صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما ، فدعانا وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر ~~منا وحضرت الصلاة ، فقدموني فقرأت : «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون» فأنزل الله : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) [النساء : 43]. PageV08P323 # ورويت هذه الرواية بطريقة أخرى ، قال عكرمة : نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ~~وعبد الرحمن ، صنع علي لهم طعاما وشرابا ، فأكلوا وشربوا ، ثم صلى علي بهم ~~المغرب فقرأ ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون ) حتى خاتمتها ، فقال : «ليس لي ~~دين وليس لكم دين» ، فنزلت : ( @QUR@05 لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ). # والمتأمل المتدبر في هاتين الروايتين وأمثالهما ، لا يسعه إلا أن يخلص ~~إلى كونهما مختلقتين موضوعتين ، وذلك لجملة أسباب تأخذ بعنق بعضها البعض : # أولا : إن التضارب ظاهر بين عناصر الروايتين ، ففي الوقت الذي تنسب ~~الرواية الأولى إلى علي عليه السلام وصنع الطعام والصلاة إلى عبد الرحمن ، ~~تنسب الرواية الثانية إلى عكرمة وصنع الطعام والصلاة إلى علي عليه السلام . # وفي جانب آخر ، تجعل الرواية الأولى الاختلاق على الشكل التالي : «ونحن ~~نعبد ما تعبدون» ، فيما تجعله الرواية الثانية بشكل ms1975 آخر وهو : «ليس لي دين ~~وليس لكم دين». # ثانيا : ثمة رواية أخرى على النقيض تماما من هاتين الروايتين مضمونا ، ~~وأوثق سندا ومتنا وواقعا ، وهي الرواية المروية عن ابن شهر آشوب عن القطان ~~في تفسيره عن عمر بن حمران ، عن سعيد بن قتادة ، عن الحسن البصري ، قال : ~~اجتمع علي وعثمان بن مظعون وأبو طلحة وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسهيل بن ~~بيضاء وأبو دجانة الأنصاري في منزل سعد بن أبي وقاص ، فأكلوا شيئا ثم قدم ~~إليهم شيئا من الفضيخ (1)، فقام علي وخرج من بينهم قائلا : لعن الله الخمر ~~، والله لا أشرب شيئا يذهب عقلي ، ويضحك بي من رآني ، وأزوج كريمتي من لا ~~أريد. وخرج من بينهم فأتى المسجد ، وهبط جبرئيل بهذه الآية : ( @QUR@04 يا ~~أيها الذين آمنوا ) يعني هؤلاء الذين اجتمعوا في منزل سعد ، ( @QUR@02 إنما الخمر PageV08P324 # @QUR@01 والميسر ) الآية ، فقال علي عليه السلام : يا رسول الله لقد كان ~~بصري فيها نافذا منذ كنت صغيرا ، قال الحسن البصري : والله الذي لا إله إلا ~~هو ما شربها قبل تحريمها ولا ساعة قط (1). # وهذه الرواية أوشج ارتباطا وتعلقا بواقع شخصية علي عليه السلام من ~~الروايتين السابقتين ، وذلك لأنه عليه السلام تربى في أحضان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتخلق بأخلاقه ، وأخذ بعاداته حتى كان صورة منه في ~~خلقه وهديه وعقله والتزامه السلوك المستقيم. # ومن الطبيعي جدا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بعيدا عن الخمر ~~التي تسيء إلى العقل والروح والاتزان مما لا يمكن للإنسان الذي يتميز ~~بالسمو الروحي والصفاء العقلي والطهارة السلوكية أن يمارسه ، ولم يعهد منه ~~ذلك حتى في حديث أعدائه ، فكيف يمكن لعلي عليه السلام الذي كان يقول : «كنت ~~أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه» ، أن يشرب الخمر فتغلبه على صلاته؟ هذا وينقل ~~التاريخ عن أخيه جعفر بن أبي طالب أنه كان لا يعاقر الخمرة لأنها تفقد ~~الإنسان عقله ، وعلي كما هو معروف أفضل من جعفر للسبب الآنف ولغيره من ~~الأسباب ، فكيف يمكن لجعفر أن يترك شرب الخمر بعيدا ms1976 عن مسألة تحريمها ، ~~ويمارسها علي عليه السلام بهذه الطريقة؟! # كما أن هناك روايات أخرى ، ذكرها صاحب تفسير الميزان ، تؤكد ما سلف ، ~~ومما ورد فيها ، أن عليا وعثمان بن مظعون كانا قد حرما الخمر على أنفسهما ~~قبل نزول التحريم (2)، وقد ذكر في «الملل والنحل» رجالا من العرب حرموا ~~الخمر على أنفسهم في الجاهلية ... منهم عامر بن الظرب العدواني ، ومنهم قيس ~~بن عامر التميمي ... ومنهم صفوان بن أمية بن محرث الكناني ، PageV08P325 # وعفيف بن معدي كرب الكندي ، والأسلوم اليامي ، قد حرم الزنى والخمر معا. # من هنا ، وبناء على ما تقدم ، نستطيع الجزم بأن الروايتين مدار البحث ، ~~هما من الأحاديث الموضوعة للنيل من علي عليه السلام ومنزلته ومقامه من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، والمسلمين عامة. # ويمكن تفسير وضعهما بالصراعات الشديدة التي تمحورت حول قضية الخلافة ، ~~وما تناسل عنها من مشاكل وأوضاع وعصبيات وأحقاد. # ولولا أننا رأينا مثل هذه الرواية متداولة في بعض كتب المتأخرين ، كسيد ~~قطب في «ظلال القرآن» ، لما تحدثنا عنها ، لأنها أسخف من أن تقع مجالا ~~للنقاش. # * * * ### ||| ** هل هناك تدرج في تحريم الخمر؟ # هذا وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : «حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم رسول ~~الله ، وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عنهما فأنزل الله : ( @QUR@04 يسئلونك عن الخمر ~~والميسر ) الآية [البقرة : 219] فقال الناس : ما حرم علينا ، إنما قال : ( ~~@QUR@02 إثم كبير )، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل ~~من المهاجرين أم أصحابه في المغرب ، خلط في قراءته ، فأنزل الله أغلظ منها ~~: ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ) [النساء : 43] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو ~~مغتبق ، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر ) الى قوله ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) قالوا : انتهينا ربنا ، فقال ~~الناس : يا رسول الله ، ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم كانوا ~~يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، PageV08P326 # وقد جعله الله رجسا من عمل ms1977 الشيطان؟ فأنزل الله : ( @QUR@07 ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) إلى آخر الآية [المائدة : 93]. # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم» (1). # * * * ### ||| ** وقفة مع الرواية # ونلاحظ على هذه الرواية أنها تمثل اجتهادا من الراوي ، لأن الآية الأولى ~~أكثر غلظة وشدة من الآية الثانية ، لأن الأولى ( @QUR@010 إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) تتضمن التأكيد ~~على الإثم الكبير الذي هو أكبر من النفع الذي يقصده الناس منهما ، مما يوحي ~~إليهم بأن ذلك يفرض الترك له كما هي سيرة العقلاء وحكم العقل في الامتناع ~~عن كل ما كان ضرره أكثر من نفعه ، بينما الآية الثانية لا تتضمن رفض الخمر ~~وإبعاد الناس عنه ، بل تؤكد على علاقة السكر بالصلاة وضرورة اجتنابه في حال ~~الصلاة. # وهناك ملاحظة أخرى ، وهي أن الروايات الواردة في مناسبة نزول هذه الآية ، ~~تحدثت عن الخمر وعن مناسبة تحريمها ، في الوقت الذي نجد فيه الآية تتحدث عن ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، مما قد يوحي بأنها نزلت من خلال إيجاد ~~قاعدة تشريعية لهذه العادات الجاهلية على أساس النتائج السلبية فيها ، فلا ~~تتناسب مع اختصاص الخمر بمناسبة النزول. والله العالم. # * * * PageV08P327 ### ||| ** الخمرة محرمة في كل الشرائع # هذا وقد جاء في حديث أهل البيت عليه السلام أن الله سبحانه حرم الخمر في ~~كل الشرائع: # فقد جاء في الكافي والتهذيب بإسنادهما عن أبي جعفر محمد الباقر ~~عليه السلام قال : «ما بعث الله نبيا قط إلا وفي علم الله أنه إذا أكمل دينه ~~كان فيه تحريم الخمر ، ولم تزل الخمر حراما وإنما ينقلون من خصلة إلى خصلة ~~، ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين قال : وقال أبو جعفر ~~عليه السلام : ليس أحد أرفق من الله عز وجل ، فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ~~نقلهم من خصلة إلى خصلة ، ولو حمل عليهم جملة لهلكوا» (1). # * * * ### ||| ** معاني الميسر والأنصاب # وفي الكافي بإسناده عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ~~أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن ms1978 جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : ~~«لما أنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@01 ~~يسئلونك ) قيل : يا رسول الله : ما الميسر؟ فقال : كل ما تقومر به حتى ~~الكعاب والجوز ، قيل : فما الأنصاب؟ قال : ما ذبحوه لآلهتهم ، قيل : فما ~~الأزلام؟ قال : قداحهم التي يستقسمون بها» (2). PageV08P328 # وقد جاء في تفسير العياشي عن عبد الله بن جندب عمن أخبره عن أبي عبد الله ~~جعفر الصادق عليه السلام قال : «الشطرنج ميسر والنرد ميسر» (1). # وعن ياسر الخادم عن الرضا عليه السلام قال : «سألته عن المسير قال : الثقل ~~من كل شيء ، قال الحسين : والثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدرهم وغيره» (2). # وجاء في حديث ابن مسعود أخرجه أحمد أو ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن ~~ابن مسعود قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وإياكم وهاتين ~~الكعبتين الموسومتين ، فإنهما من ميسر العجم» (3). # وربما نستوحي من ذلك كله أن مضمون القمار داخل في مفهوم الميسر ، وأن ~~تطبيق الميسر على النرد والشطرنج اللذين كانا من أدوات القمار يعين اختصاص ~~التحريم بصورة ما إذا كان اللعب بهما على سبيل القمار ، لأن صدق العنوان ~~على شيء ، لا بد فيه من أن يكون العنوان ثابتا فيه ، لا أن يكون على نحو ~~التنزيل من دون حقيقة. # ولعل الإشارة إلى أنهما ميسر العجم من أجل توضيح المصداق للعرب الذين ~~كانوا لا يتعاملون بهما في القمار ، بل كانوا يتعاملون بآلات أخرى ، فأريد ~~بيان وحدة العنوان في الجميع. غاية ما هناك ، أن أدوات الميسر في العادات ~~العربية تختلف عن أدوات الميسر لدى العجم. وعلى ضوء ذلك ، فإن اقتصار ~~التحريم في القرآن الكريم على الميسر ، الذي يختزن معنى القمار في مفهومه ، ~~يوحي بأن اللعب بأدوات القمار ، سواء كان ذلك في الشطرنج أو النرد أو ورق ~~اللعب ، على نحو التسلية لا على نحو القمار ، جائز شرعا ، لأن PageV08P329 # دليل التحريم لا يشمله ، والله العالم. وتتمة البحث موكول إلى محله. # ولعل من الخير للثقافة القرآنية أن تختم هذا البحث في ms1979 مناسبات النزول بما ~~رواه العياشي عن هشام عن الثقة رفعه عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام أنه قيل له : روي عنكم أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال ~~فقال : ما كان ليخاطب الله خلقه بما لا يعقلون» (1). # ونستفيد من هذه الرواية إن صحت أن التفسير القرآني الذي يتضمن المعنى ~~الذي لا يفهمه القارئ من اللفظ بحسب المتبادر منه عرفا ، سواء كان من قبيل ~~التفسير الباطني أو غيره ، ليس صحيحا. والله العالم. # * * * ### ||| ** أسلوب القرآن الخاص في معالجة العادات المضرة # للقرآن أساليبه المتنوعة في إبعاد الناس عن بعض العادات المضرة التي ~~تحولت إلى ما يشبه الإدمان ، فيذكرها أكثر من مرة ، ولكنه يتبع في ذلك ~~أسلوب الإجمال والتفصيل من جهة ، وطريقة التدرج في توضيح الصورة الحقيقية ~~من جهة أخرى. ومن هذه العادات ، شرب الخمر ولعب القمار «الميسر» ، والأنصاب ~~، وهي الأصنام التي كان الناس ينصبونها لذبح القرابين عليها ويتبركون بها ، ~~والأزلام وهي القداح التي كانوا يستقسمون بها ، وقد تطلق على السهام التي ~~كانوا يتفاءلون بها عند العزم على فعل بعض الأمور. # وقد تقدم الحديث عن هذه الأمور في آيات سابقة ، فقد جاء الحديث عن الخمر ~~والميسر في سورة البقرة ، في قوله تعالى : ( @QUR@03 يسئلونك عن الخمر PageV08P330 # @QUR@011 والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ~~) [البقرة : 219] ، وجاء الحديث عن الخمر وحده في سورة النساء في قوله ~~تعالى : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ) [النساء : 43] وجاء الحديث عن الخمر والأنصاب والأزلام ~~في هذه السورة ، في آيات التحريم. # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ) ~~وجاءت هذه الآيات لتعطي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام مفهوما واحدا يبرر ~~ابتعاد الناس عنها ، وهو أنها ( @QUR@04 رجس من عمل الشيطان )، والرجس : ~~هو الشيء القذر الذي ينفر الطبع منه ، ولعل هذه الكلمة واردة على سبيل ~~الكناية ، باعتبار ما تشتمل عليه هذه الأشياء من الأضرار والخصائص السلبية ~~التي لو اطلع الناس عليها لابتعدوا عنها كما يبتعدون عن الأشياء القذرة ~~الظاهرة. فإن السبب ms1980 في نفور الطبع من هذه الأشياء هو ما يلاحظه الناس فيها ~~من الخصائص المنفردة في رائحتها أو شكلها أو طعمها ، مما يوحي للإنسان ببعض ~~الأفكار والمشاعر المضادة. وقد أراد الله للناس أن يدققوا في هذه الأمور ~~ليكتشفوا ما تشتمل عليه من الخصائص المنفرة التي تدفع الإنسان إلى الاجتناب ~~عنها ، لما فيها من الإضرار بالحياة والعقيدة والسلوك ، التي تضعها في ~~زاوية الأقذار المعنوية ، فالخمر يحول السكران إلى إنسان يتحرك خارج نطاق ~~الحياة الواعية ليعيش في غيبوبة الخدر التي تبعده عن الواقع ، وبذلك يفقد ~~الإنسان توازنه في عالم التصور والعلاقة والعمل. والميسر يبعد النشاط ~~الاقتصادي الذي يتطلب الربح ، عن الانطلاق إلى الأعمال المنتجة التي تبني ~~للحياة كيانها في نطاق الخدمات العامة ، ليجعل النشاط كله مشدودا إلى طاولة ~~القمار ، ليعطي كل جهده للألاعيب والأساليب الفنية في اقتناص الربح في جو ~~لا يحمل أية تجربة إنسانية نافعة. والأنصاب ، تجعل الفكر الإنساني مشدودا ~~إلى الحجارة في نظرة تقديس تتحول إلى حالة من الممارسة العبادية ، وبذلك ~~تنطلق الصنمية لتكون PageV08P331 # بمثابة الخط العريض لكل قضايا الحياة وتطلعاتها ، فتبعده عن الآفاق ~~الروحية الواسعة ، وتربطه بالخرافة والأسطورة ، وتزور له فهمه للحياة. ~~والأزلام طريقة للقسمة أو لاكتشاف الغيب ، لا تعتمد على أساس ثابت من ~~الواقع يضمن للإنسان التوازن والسلامة في أموره العملية. # ومن خلال هذا العرض الموجز ، نستطيع أن نكتشف من وصف الله تعالى بأنها ( ~~@QUR@03 من عمل الشيطان )، دلالة على دوره فيها ، إذ هو الذي قام بتزيينها ~~للإنسان ، بالوسوسة والإغواء. فهو الذي يزين له ارتكاب هذا العمل أو ذاك ~~بإخفاء الجوانب السلبية فيه وإظهار الجوانب الإيجابية ، ليندفع الإنسان ~~إليها بلهفة وشوق ، من دون أن يعاني في ذلك أية عقدة نفسية ، أو أي فكر ~~مضاد. وفي ضوء ذلك ، لا بد للإنسان من التعامل معها بالطريقة التي يتعامل ~~فيها مع الأشياء القذرة التي تنفر الطبع منها ويبتعد عنها ، فيخلق ذلك في ~~داخل وعيه عقدة رفض ، تماما كما هي الأشياء القذرة في حياته ، ولهذا كان ~~الأمر بالاجتناب عنها في قوله تعالى : ( @QUR@01 فاجتنبوه ) نتيجة ms1981 طبيعية ~~لما أراد الله أن يثيره في نفس الإنسان ضد هذه الأشياء ، ليربطها في ~~النهاية بعوامل الفلاح والنجاح ، لأنهما ينطلقان في حياته من خلال أفعاله ~~النافعة والإيجابية كما ينطلقان من خلال نأيه عن الأمور الضارة والسلبية ، ~~( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) فإن الابتعاد عن طريق الخسارة أسلوب من أساليب ~~الفلاح. # * * * ### ||| ** العداوة والبغضاء ثمار الخمر والميسر # ويعود الحديث إلى الخمر والميسر ، باعتبارهما من العادات الشائعة التي لا ~~يخلو منها زمان ولا مكان في حياة كل أمة في الأرض ، خلافا للأنصاب PageV08P332 # والأزلام ، التي هي حالة محلية خاصة في زمان معين. ( @QUR@011 إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) فقد أراد ~~الشيطان أن يحقق ، من خلالهما العداوة والبغضاء ، في ما ينتجه الخمر من ~~نتائج سلبية على مستوى العلاقات والأعمال السيئة ضد الآخرين ، فإن أكثر ~~الجرائم قد تحدث بسبب الخمر ، لأن الإنسان إذا فقد وعيه وأخذ منه السكر ~~مأخذه ، استباح لنفسه كل شيء من قتل النفوس وهتك الأعراض ونهب الأموال ، ~~لأنه يفقد الميزان الذي يزن به الأمور من موقع الربح والخسارة ، في حسابات ~~الدنيا والآخرة ، فيؤدي ذلك إلى مزيد من العداوة والبغضاء بينه وبين الناس ~~الذين صنع الجريمة في حياتهم ، أما الميسر ، فإنه يترك في نفوس الخاسرين ~~حقدا ضد الرابحين ، لا سيما إذا اكتشفوا أن الربح لعبة فنية خادعة لا تخضع ~~للأصول المتعارفة في قانون اللعب ، كما يثير المشاكل والمنازعات على أساس ~~التفاصيل التي يكثر حولها الخلاف والنزاع. # * * * ### ||| ** الإيمان فعل وعي والخمر يضاده # ( @QUR@06 ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) وهناك مشكلة أخرى لهاتين ~~العادتين الضارتين ، فإن الإنسان إذا سكر ابتعد عن الوعي ، وابتعد بسبب ذلك ~~عن خط الإيمان ، وفقد الصلة بالله التي تحتاج إلى المزيد من الانفتاح ~~والوعي على عظمة الله وقدرته ، لأن قضية الإيمان هي فعل وعي ، وبذلك يفقد ~~الإنسان الإقبال على ذكر الله في وجدانه ولسانه ، فيدفعه ذلك إلى الاستسلام ~~للشيطان في خططه وتهاويله ، ويفقد الإقبال على الصلاة التي هي عمود الدين ~~بما توحيه من حضور دائم تطوف به في عالم من ms1982 الروح والقدس والصفاء والسلام ، ~~ليعيش المسؤولية من خلال ذلك حبا لله واستسلاما لألوهيته. وأما الميسر ، PageV08P333 # فإنه يحقق هاتين الغايتين السلبيتين الشيطانيتين ، بالاستغراق في أجواء ~~اللعب ، والاندماج في خيالات الربح والخسارة ، فيبتعد بذلك عن التفكير في ~~أية قضية أخرى ولا سيما إذا كانت متعلقة بالله. # وهكذا تكون هذه العادات مصدر ضرر للحياة على مستوى الدنيا والآخرة ، وفي ~~علاقات الإنسان بالناس ، وفي علاقته بالله. ولعل الدراسة العلمية الموضوعية ~~للإحصاءات الخاصة بالمشاكل الكثيرة الناتجة عن الخمر والقمار ، تدلنا دلالة ~~واضحة على الأخطار الكبيرة التي تصيب الإنسان في مختلف جوانب حياته في ~~إدمانه لهذا وذاك ، بما يحدث من الجرائم المنطلقة من تأثيرها على العقل أو ~~الإحساس أو الحركة ، وبالتالي على سلام الإنسان مع نفسه ومع الناس من حوله ~~، وعلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي ، مما يوافق ويصدق الحقيقة القرآنية ~~المتحدثة عن الإثم الكبير الذي يختزن في داخله الضرر والإبطاء عن الخيرات ، ~~وعن العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، بما لا يتناسب مع ~~النفع الجزئي الذي يحصل منهما. # ويطرح الله على الناس بعد ذلك التساؤل في معرض الدعوة إلى رفض ذلك كله ، ~~وذلك في معرض الاستفهام : ( @QUR@03 فهل أنتم منتهون ) أي فهل وعيتم هذه ~~الأضرار التي تدمر دنياكم وآخرتكم ، وهل يدفعكم ذلك إلى الانتهاء عنها ، ~~كما يفعل أي عاقل يبحث في الحياة عن أسباب النجاح في الدنيا والآخرة ، أو ~~أنكم تظلون في غيكم سادرين؟ # * * * ### ||| ** دعوة إلى إطاعة الله ورسوله # ( @QUR@04 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) فذلك هو سبيل الإيمان ومعناه ، ~~لأنه ليس PageV08P334 # فكرا مجردا يعيش في عالم التصور والمعرفة ، بل هو موقف يفرض طاعة الله ، ~~وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما يبلغه عن الله ، ومما أوكل الله ~~إليه بيانه وتخطيطه ، ( @QUR@01 واحذروا ) من الشيطان أن يضلكم عن ذلك ، أو ~~من عذاب الله وعقابه ، إذا انحرفتم عن خط الطاعة ، ( @QUR@02 فإن توليتم ) ~~وأعرضتم واتبعتم أهواءكم وشهواتكم ، واستكبرتم ، فلا تتصوروا أنكم وصلتم ~~إلى مرادكم ( @QUR@06 فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) فيكون ذلك ~~حجة الله عليكم يوم القيامة ، حيث تقفون ms1983 غدا أمامه فيحاسبكم على ما عملتموه ~~من سيئات وجرائم. وربما كانت هذه الآية وسيلة من وسائل تعميق الإحساس بخط ~~الالتزام بالنهي الذي دعاهم الله إلى الالتزام به ، ليعرفوا أن القضية تدخل ~~في الإطار العام للمسؤولية الإيمانية التي تفرض الطاعة من موقع الخوف من الله. # * * * PageV08P335 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين ) (93) # * * * ### ||| ** لا جناح على المؤمنين في ما طعموا # قد تكون هذه الآية من الآيات الغامضة في معناها ، بالنظر إلى ما فيها من ~~التكرار ، من دون تفصيل لحدود هذه الكلمات التي تختلف بها المعاني ، مما ~~يجعل المتأمل في حيرة بين الاحتمال الذي يضع المسألة في نطاق التأكيد ~~للمعنى الواحد ، وبين الاحتمال الذي يضعها في نطاق المعاني المتفقة في ~~طبيعتها المختلفة في متعلقاتها ومواردها ، من غير أن يلاحظ أساسا لهذا ~~التحديد هنا وهناك إلا بطريق الاستنتاج الذاتي. # * * * PageV08P336 ### ||| ** وقفة مع قوله تعالى : ( @QUR@02 فيما طعموا ) # وهناك نقطة أخرى جديرة بالبحث ، وهي التعمق في استنطاق كلمة ( @QUR@02 ~~فيما طعموا ) في إلحاقها بالآيات المتقدمة بلحاظ وحدة السياق ، وذلك بأن ~~المراد بها الخمر وما شابهه ، بحمل المطعوم على مطلق التغذي ، ولو بالشرب ~~على طريقة ( @QUR@05 فمن شرب منه فليس مني ) [البقرة : 249] ، أو في ~~اعتبارها حديثا مستقلا يتعلق بمطلق الطعام ، لأن وحدة السياق ليست أمرا ~~يجري مجرى القاعدة في الأسلوب القرآني الذي درج على التحدث عن الموضوعات ~~المتعددة بشكل متسلسل دون ارتباط لبعضها بالبعض الآخر ، على طريقة التعدد ~~الحسابي للأحكام ، أو نحوها. وهذا مما يضعف وحدة السياق ، كظهور قرآني في ~~اعتباره دليلا على وحدة الموضوع. # * * * ### ||| ** رأي صاحب الميزان # وقد اختار صاحب تفسير الميزان الرأي الأول في ما يراد من كلمة ( @QUR@02 ~~فيما طعموا ) والرأي الثاني في ما يحمله التكرار من تنوع في المعاني ، على ~~أساس وحدة السياق ، من جهة ، واعتبار التكرار للكلمة الواحدة دليلا على أن ~~المتعلق مختلف فيها ، فقال : فالذي ينبغي أن يقال : إن الآية في معنى ~~الآيات السابقة عليها ، على ما ms1984 هو ظاهر اتصالها بها ، وهي متعرضة كحال من ~~ابتلي من المسلمين بشرب الخمر وطعمها ، أو بالطعم لشيء منها ، أو مما ~~اقتناه بالميسر ، أو من ذبيحة الأنصاب ، كأنهم سألوا بعد نزول التحريم ~~الصريح عن حال من ابتلي بشرب الخمر ، أو بها وبغيرها ، مما ذكره الله تعالى ~~في الآية قبل PageV08P337 # نزول التحريم من إخوانهم الماضين ، أو الباقين المسلمين لله سبحانه في ~~حكمه ، فأجيب عن سؤالهم أن ليس عليهم جناح إن كانوا من الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ، إن كانوا جارين على صراط التقوى بالإيمان بالله والعمل الصالح ، ~~ثم الإيمان بكل حكم نازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم الإحسان ~~بالعمل على طبق الحكم النازل» (1). # * * * ### ||| ** الآية واردة لتقرير حقيقة عامة # ولكن ، قد يبدو لنا ، أن الآية واردة في تقرير حقيقة عامة ، يراد منها ~~الإيحاء بأن الطعام الذي يرزقه الله للإنسان ، لا يعتبر محل اهتمام كبير في ~~ذاته في ميزان الحساب أمام الله من حيث طبيعته ، لتكون القضية قضية الحساب ~~عليه في كميته ونوعيته من حيث هو رزق من عند الله ، بل القضية كلها ، للذين ~~( @QUR@03 وآمنوا وعملوا الصالحات ) من خلال الخط الذي التزموه ، هو أن ~~يتحركوا من مواقع التقوى والإيمان والعمل الصالح ، في ما يأكلونه ، لأن ذلك ~~هو الذي يجعل من مسألة الطعام مسألة تتصل بجانب الالتزام بالله ، تماما كما ~~هي المسائل الأخرى في ما يفعله الإنسان في قضايا الحياة اليومية والعامة ، ~~التي يريد الله سبحانه من الإنسان أن يجعلها تجسيدا وتأكيدا لخط الانتماء ~~إلى العقيدة في حياته ، بما يمثله من موقف دقيق شامل ، ثم يجيء التأكيد من ~~جديد لهذه الحقيقة ، باختصار الفكرة ، في كلمة التقوى والإيمان ، ~~باعتبارهما يمثلان العمل الصالح ، في ما يوحيه الإيمان من التزام ، وفي ما ~~توحيه التقوى من حركة الموقف. ويتابع القرآن قضية التأكيد للفكرة ، في ~~تنويع المعنى بالأمر PageV08P338 # بالتقوى والإحسان ، في ما تمثله الكلمة الأولى من انضباط الإرادة عند ~~الخط ، فلا تميل على أساس هوى النفس لتقع في قبضة الأنانية التي تمنع ~~الإنسان من الامتداد في طاقاته إلى ms1985 حياة الآخرين ، فتكون الكلمة الثانية ~~الإحسان نتيجة عملية للتقوى ، لتؤكد للإنسان شخصيته الفردية والاجتماعية ، ~~في حركة التجربة المتجددة في خط الخير ، السائرة أبدا في اتجاه الله. وجاءت ~~فقرة ( @QUR@02 يحب المحسنين ) لتجعل كل هذه المعاني داخلة في معنى الإحسان ~~باعتبار ما يمثله من اختيار هذا المبدأ في فكرة الإيمان ، ومعنى التقوى ، ~~وصورة الفعل. فإن الله يحب الذين يعيشون الحياة منطلقا لأفكارهم الحقة ~~والتزاماتهم الحية ، ولا يعيشونها لذواتهم ولأهوائهم ، لأن ذلك ما يربطهم ~~به ويقربهم إليه. # وربما كان السبب في ذهاب صاحب الميزان وغيره من المفسرين إلى اعتبار ~~الآية تتمة لما سبق ، هو ما ورد في سبب النزول المتقدم ذكر روايته من أن ~~الآية جاءت ردا على سؤال المسلمين عن مصير المسلمين الأولين الذين شربوا ~~الخمر قبل نزول التحريم ، بأنه ليس عليهم جناح في ما طعموه إذا أعقب ذلك ~~التقوى والعمل الصالح في خط الإيمان والإحسان. ولكن يمكن المناقشة في ذلك : # أولا : بأن الرواية ليست موثوقة عندنا. # وثانيا : أن السؤال الذي يعبر عن القلق الذي يساور المسلمين حين نزول آية ~~الخمر لا موقع له ، لأنهم كانوا يعرفون أن التشريع المتأخر في تحريم بعض ~~الأشياء أو الإلزام بها ، لا يشمل الناس الذين عاشوا قبل زمن التشريع بلحاظ ~~تدريجية الأحكام ، فلا حاجة إلى بيان هذه الحقيقة القرآنية التي تفرضها ~~طبيعة الأشياء. # وثالثا : أن سياق الآية ظاهر في أنها واردة في مقام الحديث عن التشريع PageV08P339 # في نفي الجناح في ما طعموه على أساس المستقبل ، لا على أساس الحديث عن ~~الماضي ، حتى لو كان التعبير بلفظ الماضي. والله العالم. # * * * ### ||| ** المحافظة على التقوى والعمل الصالح .. قضية المؤمن الأساس # إننا نستوحي من هذه الآية ، أن القضية الأساسية في حياة الإنسان المؤمن ~~هي المحافظة على هذه الخطوط الأساسية ، وهي الإيمان والتقوى والعمل الصالح ~~والإحسان مما يدفع الإنسان إلى مواجهتها بحذر ووعي وتدقيق وملاحقة دائمة ~~للتعديات المضادة التي تواجهه في الطريق. وتلك هي الحقيقة الإلهية التي ~~تمثل كل الوصايا والتعاليم والشرائع في ما أراد الله أن يجعله الحد الذي ~~يجب ms1986 على الإنسان أن لا يتجاوزه ولا يتعداه في ما يريد الله أن يعمقه في ~~داخل الإنسان فكرا وشعورا والتزاما وامتدادا في خط الحياة الراضية المطمئنة ~~بين يديه. # وقد يلاحظ المتأمل التركيز على البدء بالتقوى والتعقيب بالإيمان والعمل ~~الصالح ، أو الإيمان وحده ، أو الإحسان بعده ، في الوقت الذي قد يكون الأمر ~~بالعكس في عملية التسلسل في الإيمان والتقوى ، على أساس أن التقوى هي نتيجة ~~للإيمان ، ولكن قد يجاب عن ذلك ، بأن المراد بالتقوى ، هي هذه الحالة ~~الوجدانية الروحية التي تثير في عمق الشعور الإنساني ، الإحساس بالمسؤولية ~~في قضية الإيمان والإحسان ، انطلاقا من القلق الروحي المتطلع إلى المعرفة ، ~~في شوق غامض يسير به في طريق الله. PageV08P340 # ويبقى للمتأمل في الآية المجال الذي يمكنه من اكتشاف اتجاه جديد في فهم ~~المعنى ، لأن هناك أكثر من وجه تحتمله هذه الآية لما يحيط الجانب التعبيري ~~فيها من غموض ، مما لم يوضح الله لنا كل أسراره. والله العالم. # * * * PageV08P341 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (94) @QUR@051 يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن ~~قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا ~~الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) @QUR@020 ~~أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) @QUR@027 جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97) @QUR@09 ~~اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) @QUR@011 ما على ~~الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) (99) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليبلونكم ): البلاء : الاختبار والامتحان ، وأصله إظهار باطن ~~الحال ، PageV08P342 # ومنه البلاء بالنعمة لأنه يظهر ms1987 به باطن حال المنعم عليه في الشكر أو ~~الكفر ، والبلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه. # ( @QUR@01 بالغيب ): الغيب : ما غاب عن الحواس ومنه الغيبة وهو الذكر ~~بظهر الغيب فيه. # ( @QUR@01 حرم ): جمع حرام للذكر والأنثى ، وتقول : رجل حرام ومحرم ~~بمعنى واحد ، وحلال ومحل بمعنى واحد كذلك ، وأحرم الرجل دخل في الشهر ~~الحرام أو دخل في الحرم أو أهل بالحج ، وأصل الباب : المنع ، وسميت النساء ~~حرمة لأنها تمنع ، والمحروم الممنوع الرزق. # ( @QUR@01 مثل ): المثل والمثل والشبه والشبه واحد. # ( @QUR@01 النعم ): هي الإبل والبقر والغنم ، وإن انفردت الإبل قيل لها ~~: نعم ، وإن انفردت البقر والغنم لم تسم نعما. ذكره الزجاج (1). # ( @QUR@01 عدل ): قال الفراء : العدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير ~~جنسه ، والعدل بالكسر المثل تقول : عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كانت شاة ~~تعدل شاة أو غلام يعدل غلاما ، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت فقلت عدل. ~~وقال البصريون: العدل والعدل في معنى المثل كان من الجنس أو غير الجنس. # ( @QUR@01 وبال ): الوبال : ثقل الشيء في المكروه ، ومنه قولهم : طعام ~~وبيل وماء وبيل إذا كانا ثقلين غير ناميين في المال ، ومنه قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 فأخذناه أخذا وبيلا ) [المزمل : 16] أي ثقيلا شديدا. # ( @QUR@01 البحر ): عنى بالبحر جميع المياه ، والعرب تسمي النهر بحرا ، ~~ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 ظهر الفساد في البر والبحر ) [الروم : 41] ~~والأغلب على البحر أن PageV08P343 # يكون ماؤه ملحا ، ولكن إذا أطلق دخل فيه الأنهار. # ( @QUR@01 وللسيارة ): جماعة المسافرين. # ( @QUR@01 الكعبة ): قال الراغب في مفرداته : الكعبة : كل بيت على هيئته ~~في التربيع وبها سميت الكعبة ، قال تعالى : ( @QUR@07 جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس ) (1). # قال في مجمع البيان : وإنما قيل للمربع كعبة لنتوء (2) زواياه الأربع ... ~~ومنه كعب الإنسان لنتوئه ، وكعبت المرأة إذا نتأ ثديها (3). # ( @QUR@02 البيت الحرام ): سمي بذلك لأن الله حرم أن يصاد صيده ، وأن ~~يعضد شجره ، وأن يختلى خلاه ، ولأنه عظم حرمته. # ( @QUR@02 قياما للناس ): قال الراغب : أي قواما لهم يقوم به معاشهم ~~ومعادهم. قال الأصم : قائما لا ينسخ (4). # ( @QUR@01 والهدي ): مختص بما يهدى الى البيت ، قال الأخفش : والواحدة ~~هدية قال : ويقال ms1988 للأنثى هدي ، كأنه مصدر وصف به. # ( @QUR@01 والقلائد ): جمع قلادة ، وهي المفتولة التي تجعل في العنق من ~~خيط وفضة وغيرهما ، وبها شبه كل ما يتطوق وكل ما يحيط الشيء ، يقال : تقلد ~~سيفه تشبيها بالقلادة. وقيل : إن المراد بالقلائد ، ذوات القلائد ، لأنهم ~~أي العرب كانوا يقلدون الهدي بما يدل عليه. # وقال في مجمع البيان : كان أهل الجاهلية لا يغزون في الأشهر الحرم PageV08P344 # وكانوا ينصلون فيها الأسنة ويتفرغ الناس فيها إلى معايشهم وكان الرجل ~~يقلد بغيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف (1). # ( @QUR@01 البلاغ ): وصول المعنى إلى غيره. وهو ها هنا وصول الإنذار إلى ~~نفوس المكلفين. وأصل البلاغ : البلوغ ، ومنه البلاغة : وهي إيصال المعنى ~~إلى النفس في أحسن صورة من اللفظ. والبلاغ : الكفاية ، لأنه يبلغ مقدار ~~الحاجة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور : عن مقاتل بن حيان ، قال : أنزلت هذه الآية في عمرة ~~الحديبية ، فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم ، لم يروا مثله قط ~~في ما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ( @QUR@05 ليعلم الله من يخافه ~~بالغيب ) (2). # وجاء عن الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب : عن ابن أبي عمير ، عن ~~حماد ، عن الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل ~~: ( @QUR@08 ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) قال : حشر ~~عليهم الصيد من كل وجه حتى دنا منهم ليبلونهم به» (3). # * * * PageV08P345 ### ||| ** تركيز الشعور بالغيب وروح السلام # في هذه الآيات حديث عن صيد البر والبحر في حال الإحرام ، في ما يتعلق ~~بأحكامه الشرعية ، وإيحاء بأن التحريم والتحليل في الإسلام ، يعتبران نوعا ~~من أنواع الاختبار والامتحان للمسلمين ، بالإضافة إلى تعلقهما بالمصالح ~~والمفاسد ، وذلك لأن الإيمان حالة فكرية ووجدانية في داخل النفس ، يتحرك ~~فيها الإحساس بالغيب ، في ما يوحيه الإيمان بالله من أجواء غيبية لا تتصل ~~بالحس بشكل مباشر ، ولذا ، فهو قد يضعف في بعض الحالات ليعود مجرد خاطرة من ~~خواطر الفكر ، وعاطفة من عواطف الشعور ، فلا يلتزم بطاعة ، ولا يمتنع عن ~~معصية ، وقد يشتد فيتجسد التزاما ms1989 بأوامر الله ونواهيه. لذا احتضن التشريع ~~الإلهي في طياته وجها من وجوه البلاء والاختبار ، ليميز الله الإيمان ~~المائع من الإيمان المستقر. وهذا ما أراد الله بيانه في هذه الآيات ، فقد ~~فرض على الناس في حال الإحرام ، وفي داخل الحرم ، ترك الصيد البري ، مما ~~تناله أيديهم من فراخ الطير وبيضه ، وصغار الصيد ، ومما تناله رماحهم من ~~كبارها ما كان من الوحوش ونحوه ، لأن الله يريد لهم ، من جهة ، أن يعيشوا ~~حالة السلام مع كل شيء حي حولهم ، وكوسيلة من وسائل تأكيد الإرادة الفاعلة ~~القوية في ما يأمر به الله تعالى وينهاه من جهة أخرى ، مما يتصل بأمور ~~حياتهم في مطلق الأحوال ، لا سيما في حال الإحرام بوصفه مظهرا بارزا من ~~مظاهر الالتزام الاختياري للإنسان بأحكام الله تعالى ، بحيث يشكل منطلقا ، ~~من جملة المنطلقات التشريعية الأخرى ، كالصوم والصلاة .. إلخ ، للتقيد ~~التام بهذه الأحكام في كل الأوقات والأحوال والأمكنة. # فيقف الإنسان مع التزامه الداخلي بين يدي الله بصفته الإيمانية التي تمثل ~~الإيمان بالغيب ، والخشية بالغيب ، والإحساس العميق بحركة الغيب في وجدانه ~~الخفي ، كما أراد الله للبلد الحرام أن يكون منطقة سلام للحيوان PageV08P346 # وللإنسان ، فلا يعرض لهما أحد بسوء من موقع حرمة البيت والإنسان فيه. وقد ~~ذكر في التفاسير أن هناك أكثر من رواية صحيحة ، تؤكد على أن الوحوش والطير ~~كانت تنتقل قريبا من المسلمين في حالة عمرة الحديبية فلا يعرضون لها بسوء ، ~~التزاما منهم بحرمة إحرامهم ، وبعظمة البلد الحرام والبيت الحرام ، واستمر ~~هذا التشريع في حياة المسلمين ، فلا مجال بعد ذلك للاعتداء في هذا النطاق ، ~~فقد حرمه الله تحت طائلة العذاب الأليم في الآخرة ، والخسارة في الدنيا ، ~~في ما تمثله الكفارة من عقوبة رادعة في مستوى الجانب المالي من حياة ~~الإنسان. وقد فصلها الله في هذه الآيات ، على سبيل التخيير بين أن يقدم مثل ~~ما قتله من الأنعام هديا يهدى به بالغ الكعبة لينحر بها ، أو يذبح في الحرم ~~بمكة ، أو بمنى ( @QUR@024 يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ~~ومن قتله ms1990 منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ) ~~ليحدداه تحديدا دقيقا ( @QUR@011 هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك صياما ) في نطاق التشريع. # ولكن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخرى تتحدث عن تكرر الكفارة حسب تكرر ~~القتل ، وهو الأشبه بما جرت على طريقة الشرع في تكرار الجزاء عند تكرار ~~الجريمة ، والأمر في ذلك موكول إلى أبحاث الفقه ، وجاءت خاتمة الآية : ( ~~@QUR@016 ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام ) لتثير في نفوس المؤمنين الشعور العميق بالهول العظيم من ~~انتقام الله من المتمردين ، وذلك من أجل أن يذوق عاقبة أمره فيرتدع عن ~~التعدي على حدود الله ، وذلك هو التشريع الجديد الذي يحاسب الناس على أساسه ~~في ما يستقبلونه من التعدي على حرمات الحرم ، أو الإحرام. أما الأفعال ~~المماثلة التي مارسها الناس فيها قبل هذا التشريع ، فليس لله على الناس ~~فيها شيء ، إذ لم يسبق فيها تحريم من الله ليؤاخذهم به. وليس للتشريع في ~~الإسلام مفعول رجعي ، لأن الله لا يعاقب الناس في الدنيا والآخرة إلا في ما ~~أقام عليه الحجة بالأمر والنهي. والظاهر أن التعبير بكلمة العفو في قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 عفا الله عما PageV08P347 # @QUR@01 سلف ) لا يراد بها العفو عن الذنب ، بل يراد بها عدم العقوبة ، ~~وربما كانت مناسبة التعبير مرتكزة على أساس ما في هذا الفعل من مفسدة ~~وحزازة لما يوحي به من عدم احترام حرمة الحرم ، مما يجعله شبيها بالذنب في ~~طبيعته ، وإن لم يكن ذنبا في حقيقته ، وأما كلمة ( @QUR@05 ومن عاد فينتقم ~~الله منه ) فيبدو أنها تأكيد لحكم وجوب الكفارة باعتبارها لونا من ألوان ~~الانتقام العملي في الدنيا ، بالإضافة إلى عذاب الله ، وذلك من أجل ~~المقابلة بين حالة العفو وحالة الانتقام في تلخيص سريع للموضوع. ولكن هناك ~~بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليه السلام ، تعتبر الكفارة جزاء في قتل ~~الصيد للمرة الأولى ، وترى أن المرة الثانية لا تستتبع كفارة ، بل الانتقام ~~من الله الذي يوحي ms1991 بجزاء صعب كبير من خلال الإضمار الذي يحمله التعبير ، من ~~جهة أخرى ، ولعل استيحاء كلمة ( @QUR@02 ومن عاد ) يعطي هذا المعنى ، لأن ~~الظاهر منها التكرار في أعلى حدوده من خلال الاستغراق في التفكير بهاتين ~~الصفتين من صفاته ( @QUR@04 والله عزيز ذو انتقام ) لأنها توحي بأن قوته لا ~~تقف عند حد ، فإنه لا يمكن لأية قوة أن تنتقص منها بشيء ، لأنها فوق كل شيء ~~، وبذلك تكون صورة الانتقام قريبة من صورة العزة. # وتعود الآية الكريمة لتتحدث عن الموضوع في سياق التحديد لما يحرم من ~~الصيد وما يحل منه ، ( @QUR@015 أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) فقد حرم الله صيد البر ~~للمحرمين ، أما صيد البحر وطعامه ، فقد أحله الله متاعا للمؤمنين المحرمين ~~وللقافلة ، ولعل ذلك جاء لأن الله يريد للإحرام أن يكون حالة من حالات ~~السلام في ما يعيش فيه الإنسان من الأرض ليكون ذلك سبيلا من سبل تركيز روح ~~السلام في نفس المؤمن فيمن حوله وفي ما حوله من مخلوقات الله. أما البحر ~~فهو منطقة استثنائية ، لا يتمثل فيها العدوان في الصيد ، أو لا تتمثل فيها ~~صورة السلام والحرب ، كما تتمثل في مجتمع الأرض. والله العالم. PageV08P348 # ( @QUR@05 واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) فكانت تقوى الله هي الإيحاء ~~الروحي الذي أراد الله إثارته في أعماق الإنسان في إثارة الشعور بالحشر ~~أمامه في يوم القيامة ، ليكون ذلك أساسا للانضباط أمام حدود الله في حلاله ~~وحرامه. # * * * ### ||| ** الكعبة البيت الحرام مركز سلام قياما لمعاش الناس # وجاءت الآية الكريمة ( @QUR@011 جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ) لتؤكد أن الله جعل للناس الكعبة ~~البيت الحرام ، قياما للناس في أقطار الأرض ، وهي ملتقى حجهم وعمرتهم ، وهي ~~منطقة السلام التي أراد الله لهم أن يعيشوا فيها الأمن والطمأنينة ، فلا ~~يعتدي أحد على أحد ، ولا يخاف شخص من آخر ، كما جعل الله الحرمة للشهر ~~الحرام ليكون زمن سلام يحفظ للناس حياتهم واستقرارهم في أجواء الأمن ~~والطمأنينة. أما الهدي والقلائد في قوله ms1992 : ( @QUR@02 والهدي والقلائد )، ~~فهما من توابع حرمة البيت. # وقد ذكر العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ملاحظة جيدة حول الغاية من ~~تقرير هذه الحقيقة في هذه الآية ، فقال : «وكان المراد من ذكر هذه الحقيقة ~~عقيب الآيات الناهية عن الصيد ، هو دفع ما يتوهم أن هذه أحكام عديمة أو ~~قليلة الجدوى ، فأى فائدة لتحريم الصيد في مكان من الأمكنة ، أو زمان من ~~الأزمنة؟ وأي جدوى في سوق الهدي ونحو ذلك؟ وهل هذه الأحكام إلا مشاكلة لما ~~يوجد من النواميس الخرافية بين الأمم الجاهلة الهمجية؟ فأجيب عن ذلك بأن ~~اعتبار البيت الحرام والشهر الحرام وما يتبعهما من الحكم ، مبني PageV08P349 # على حقيقة علمية وأساس جدي ، وهو أنها قيام يقوم به صلب حياتهم» (1). # وكانت الفقرة الأخيرة في الآية : ( @QUR@016 ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ) للإيحاء بأن الله يعلم ~~ما يصلح من أمور الناس وما يفسدها من خلال علمه المطلق بما في السموات ~~والأرض وبكل شيء في الكون ، فهو يشرع للحياة وللناس من خلال علمه بكل ~~حاجاتها وحاجاتهم ، مما يؤدي إلى الإذعان لسلامة الأحكام التي يشرعها الله ~~تعالى ، والاطمئنان إلى الحلول التي يقدمها للمشاكل الإنسانية في شريعته. # وكانت خاتمة هذه الآيات تأكيدا لحالة الانضباط أمام حدود الله ، في تعميق ~~الشعور بأن ( @QUR@05 اعلموا أن الله شديد العقاب ) لمن يتمرد عليه ، ( ~~@QUR@04 وأن الله غفور رحيم ) لمن يطيعه أو ينيب إليه. فذلك هو الخط الذي ~~ينبغي للإنسان أن يسير عليه في حياته ، في موقفه من ربه ، من موقع إرادته ~~واختياره في ما يتحمله من مسئولية نفسه ومصيره ، و ( @QUR@011 ما على ~~الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ). # أما الرسول ، فليست مهمته إلا البلاغ الواضح الذي لا يترك هناك شبهة ولا ~~مشكلة في المعرفة لأي إنسان ، ليقيم الحجة على الناس من قبل الله ، ليتحمل ~~كل إنسان مسئوليته. # * * * PageV08P350 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ~~يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ) (100) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا يستوي ): الاستواء ms1993 على أربعة أقسام : استواء في المقدار ، ~~واستواء في المكان ، واستواء في الإنفاق ، والاستواء بمعنى الاستيلاء راجع ~~إلى الاستواء في المكان لأنه تمكن واقتدار. # ( @QUR@01 الخبيث ): أصله : الرديء ، مأخوذ من خبث الحديد وهو رديئه بعد ~~ما يخلص من النار جيده ، ففي الحديد امتزاج جيد برديء. # ( @QUR@01 أعجبك ): الإعجاب سرور بما يتعجب منه ، والعجب مذموم لأنه كبر ~~يدخل على النفس بحال يتعجب منها. # * * * PageV08P351 ### ||| ** القيمة في الإسلام للنوع لا للكم # في القرآن الكريم أكثر من آية تتناول طرق التربية الإنسانية وفق المنهج ~~الذي تريد أن تركزه في حياة الإنسان كقاعدة عامة للحركة. وقد كان من المنهج ~~الذي أراده القرآن ، أن على الإنسان أن يبتعد في ميزانه للأشياء في دائرة ~~التقويم ، عن النظر إلى جانب الكم ، بل يجب أن يقترب من النظرة إلى الأشياء ~~بمنظار «الكيف» و «النوع» ، لأن الكثرة لا تعبر عن طبيعة الشيء في ذاته ، بل ~~هي تعبير عن حجمه. ومن الطبيعي أن القيمة تنطلق من الخصائص الذاتية للشيء ~~لا من الحجم الخاص به ، لأن تلك الخصائص هي التي تميز عمق القوة فيه ~~وامتدادها ، بينما يمثل الكم حجم المساحة. ولهذا أكد القرآن على مواجهة ~~الكثرة في واقع الحياة في عملية ملاحقة للنماذج التي تمثلها ، فانتهى إلى ~~نتيجة حاسمة تقرر أن ( @QUR@04 أكثر الناس لا يعلمون ) [الأعراف : 187] ، و ~~( @QUR@02 لا يؤمنون ) [الأنعام : 109] ، و ( @QUR@02 لا يفقهون ) [الأنفال ~~: 65] ، وأن القلة هي التي تمثل الإيمان والوعي والعلم والتقوى ، وأن القلة ~~قد تغلب الكثرة إذا كانت الخصائص الذاتية للقلة أقوى من الحجم العددي ~~للكثرة ، وذلك من أجل تفريغ الداخل من السقوط أمام المظهر الفخم للكثرة. # وقد جاءت هذه الآية لتثير أمام الإنسان بعضا من مفردات هذا المنهج ، ~~فهناك مفهوم الخبيث ومفهوم الطيب ، في ما يتمثلان به في حركة الواقع في ~~الأشخاص والأشياء والعلاقات. فهناك إنسان خبيث في نواياه السيئة ، وفي ~~كلماته الحاقدة وأفعاله الشريرة ، وهناك إنسان طيب في دوافعه وأفكاره ~~الحسنة ، وفي أقو اله النافعة ، وفي ممارساته الخيرة. وهناك الطعام الطيب ~~والخبيث في مذاقه وفي تأثيراته ، وهناك الأرض الطيبة والخبيثة في ms1994 ما ينبت ~~فيها وما يتمثل فيها من حالة الخصب والجدب. وربما يتنامى الخبيث ويتكاثر PageV08P352 # ويسيطر على الساحة بفعل الظروف الموضوعية المحيطة به ، وربما يقل الطيب ~~ويضعف بفعل التحديات التي تواجهه والمؤثرات السلبية التي تفعل السيئ ، ~~فتؤخر نموه ، وتضعف حركته. ولكن ذلك لن يجعل من الخبيث قيمة إنسانية أو ~~حياتية أو طبيعية ، ولن يغير شيئا مما يحمله الطيب من قيمة في ميزان الله ~~والحياة ، لأن الله ينظر إلى الأشخاص والأشياء من خلال ما فيها من عوامل ~~الخير ومؤثراته ، فيرفض ما كان فيها بعيدا عن الخير ، ويرضى عما كان قريبا ~~منه. وتبقى للطيب في نطاق ذلك قيمته ومكانته ، وتظل للخبيث وضاعته وحقارته ~~، وهكذا في ما تتمثله الحياة لنفسها من خير وشر. # * * * ### ||| ** كل حلال طيب وكل حرام خبيث # وإذا كانت القضية بهذه المنزلة من الوضوح في ميزان النظرة الإلهية إلى ~~الواقع ، فلا بد من أن يتحرك الإنسان من خلالها في علاقته بالأشخاص ~~والأشياء ، فيتخلص من حالة الانبهار الفكري والشعوري التي تسقطه أمام ~~الجانب الكمي في الحياة ، ليرتبط بالجانب النوعي منه ، ويبادر إلى تأكيد ~~حالة الانتماء للأشخاص والمؤسسات انطلاقا مما تختزنه في داخلها من عناصر ~~الطيبة والخبث ، بعيدا عن طبيعة الحجم ، فلا ينتمي إلا إلى الطيبين من ~~الناس ، ولا يتعاون إلا مع الطيب من المؤسسات ، في ما يعنيه الطيب من معنى ~~الفكر والروح والشعور والعمل. وينطلق في حركة الحياة في مجالاته الخاصة ، ~~ليأكل ما كان طيبا ، ويرفض ما كان خبيثا ، ويتكلم الكلمة الطيبة ويعيش لها ~~، ويرفض الكلمة الخبيثة ويحاربها ، ويستمر في ذلك كله ليلتقي الطيب والخبيث ~~مع الحلال والحرام ، لأنهما يمثلان ذلك في عمق المعنى وامتداده. PageV08P353 # وهذا ما نستفيده من قوله تعالى : ( @QUR@06 ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ) [الأعراف : 157] فكل حلال طيب وكل حرام خبيث. # * * * ### ||| ** خط التقوى خط الحلال الطيب # وفي ضوء ذلك ، يتمثل خط التقوى في أجواء الخبيث والطيب ، ليكون السير في ~~نطاق الأشياء الطيبة ، والعلاقات الطيبة ، والأشخاص الطيبين ، انسجاما مع ~~خط التقوى ، كما يكون السير في الخبيث ، من ذلك كله ، ابتعادا عن ms1995 الخط ~~التقي في الحياة. وإذا كانت التقوى تلتقي بخط الخبيث والطيب في الموقف ، ~~فإنها تلتقي بخط العقل في حركته في حياة الإنسان ، في ما يدعوه إليه من خير ~~وصلاح ، وفي ما يبعده عنه من شر وفساد ، ولذلك جاءت هذه الآية لتؤكد هذا ~~الارتباط بين التقوى والعقل ، ( @QUR@014 قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب ) وذلك كوسيلة وحيدة للفلاح ~~في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ). # وعلى هذا الأساس ، تنطلق الآية لتخرج المسألة من نطاق التقويم في المجال ~~الفكري ، لتكون مجرد ترف يلهو به الفكر ، بما يلهو به ، من معادلات تجريدية ~~بعيدة عن الواقع ، فتدخلها في المجال العملي الذي يحيط بجميع الجوانب الحية ~~في حياة الإنسان العامة والخاصة ، ليلتقي بكل آفاقه ومواقع فكره وحركته ، ~~بالمستوى الذي يمثل الطابع العام لشخصيته في حقيقة الانتماء ونوعية ~~العلاقات ، وحركية الممارسة. # * * * PageV08P354 ### ||| ** الديمقراطية في ميزان النوع والكم # وربما نجد الاتجاه السائد في العصر الحاضر في العالم ، اعتبار الأكثرية ~~في مستوى الكمية بعيدا عن النوعية الأساس في الشرعية العملية التي تمثل ~~عنوان الحسن والطيب في جانب الأكثرية ، والقبيح والخبيث في جانب الأقلية ، ~~وهذا ما يتمثل في اللعبة الديمقراطية ، فهل يعني هذا أن التفكير الإنساني ~~يعتبر القيمة الإيجابية في دائرة الأكثرية كما يعتبر القيمة السلبية في ~~دائرة الأقلية دائما؟ # إننا نلاحظ أن المسألة تتحرك في اللعبة الديمقراطية من موقع حركة النظام ~~في الواقع العملي للناس ، باعتبار أن البديل عن ذلك حكم الفرد الذي يمثل ~~الاستبداد ، فالمسألة نسبية في حساب القيمة النظامية ، ولذلك قيل : إن ~~الديمقراطية أقل الأنظمة سوءا بمقارنتها بالأنظمة الاستبدادية ، لا أكثرها ~~حسنا ، فهي لديهم النظام الذي يمكن أن يحقق التوازن بأقل قدر ممكن في حساب ~~الحريات بحيث تكون المصلحة في طبيعة النظام لا في مضمونه. # ولذلك نرى الأصوات ترتفع بقوة بانتقاد الأداء الشعبي الأكثري إذا انحرف ~~عن المصالح الحيوية للناس ، ويرون أن الأكثرية قد أخطأت في النتائج ، أو ~~أنها كانت بعيدة عن وعي المسؤولية. ولذلك يعملون على التغيير من خلال لعبة ~~ديمقراطية ms1996 أخرى لاضطرارهم إلى البقاء في دائرة النظام الديمقراطي لتفادي ~~النظام الاستبدادي. # إن معنى ذلك أن الأكثرية لا تمثل حتى عند المؤمنين بها كنظام القيمة ~~الإيجابية في مضمونها الفكري والأخلاقي والقانوني ، لأن قضية الخبيث والطيب ~~، والحق والباطل ، تتمثل في العناصر الكامنة في ذات الأشياء في العمق ~~الداخلي لا في موقف الناس منها ، أو التصورات الذهنية الخاضعة في PageV08P355 # كثير من الحالات إلى المؤثرات الخاطئة البعيدة عن المصلحة الحقيقية للناس. # وفي ضوء ذلك ، يبقى الخط القرآني في مضمون القيمة الإيجابية والسلبية هو ~~الذي يحكم الإنسان في نتائجه العملية في الحياة. # * * * PageV08P356 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@026 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) ~~@QUR@09 قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) (102) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبد ): الإبداء الإظهار : أبدى الشيء إذا أظهره ، وبدا يبدو ~~بدوا إذا ظهر. وبدا له رأيه بداء إذا تغير لأنه ظهر له ، والبادية خلاف ~~الحاضرة ، والبدو خلاف الحضر من الظهور ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@05 وبدا ~~لهم سيئات ما عملوا ) [الجاثية : 33] الآية. ولم يجيء في أقوال العرب ~~البداء بمعنى الندامة وتغير الرأي ، وإذا كان لفظ البداء يطلق على الله ، ~~فالمراد به الإرادة والظهور دون ما يظن قوم من الجهال ، وعليه تشهد أقوال ~~العرب وأشعارهم ، فمن ذلك : # قل ما بدا لك من زور ومن كذب %~% حلمي أصم وأذني غير صمام # ( @QUR@01 تسؤكم ): السوء كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية ~~والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية والخارجة من فوات مال وفقد حميم. # * * * PageV08P357 ### ||| ** مناسبة النزول # ما هذه الأشياء التي نهى الله عنها وأوضح أنها إذا بدت فستكون نتيجتها ~~الإساءة إلى السائلين؟ هل هي أشياء محددة ، أو هي من الأشياء العامة التي ~~أعطاها الله هذه الصفة وترك للإنسان أمر اكتشافها في كل قضاياه ومشاكله؟ # لقد ذكر المفسرون عدة روايات في الجوانب عن ذلك ، في ما ذكره صاحب مجمع ~~البيان : «فقيل : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحفوه ~~بالمسألة ، فقام ms1997 مغضبا خطيبا فقال : سلوني ، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا ~~بينته لكم ، فقال رجل من بني سهم يقال له عبد الله بن حذاقة ، وكان يطعن في ~~نسبه ، فقال : يا نبي الله من أبي؟ فقال : أبوك حذافة بن قيس. فقام إليه ~~رجل آخر ، فقال : يا رسول الله ، أين أبي؟ فقال : في النار ، فقام عمر بن ~~الخطاب وقبل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : إنا يا رسول الله ~~حديثو عهد بجاهلية وشرك فاعف عنا ، عفا الله عنك ، فسكن غضبه ، فقال : أما ~~والذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، لم أر ~~كاليوم في الخير والشر. عن الزهري وقتادة عن أنس. # وقيل : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استهزاء مرة ، ~~وامتحانا مرة ، فيقول له بعضهم : من أبي؟ ويقول الآخر : أين أبي؟ ويقول ~~الآخر إذا ضلت ناقته : أين ناقتي؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. عن ابن عباس. # وقيل : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن الله كتب عليكم الحج ~~، فقام عكاشة بن محصن ، وقيل : سراقة بن مالك ، فقال : أفي كل عام يا رسول ~~الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا ، فقال رسول الله : ويحك ، وما ~~يؤمنك أن أقول نعم ، والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، ولو ~~تركتم لكفرتم ، فاتركوني كما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم PageV08P358 # واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأبي أمامة ~~الباهلي» (1). # وقد نتحفظ أمام هذه الرواية ، في طريقة رد الفعل من الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم في كثرة سؤالهم ، بما لا يتفق مع خلقه العظيم ، في كشف ~~الأمور الشخصية المتعلقة بالأموات ، والانطلاق مع المسألة من موقع الانفعال ~~، حتى قام عمر ابن الخطاب ليبعث في نفسه الهدوء بأسلوب عاطفي. ولكن الجو ~~العام الذي تثيره الروايات ، يعطي الفكرة من خلال النماذج المتنوعة ms1998 ~~المتعلقة بقضايا التكليف ، مما يوحي بأن القضية تتسع لذلك كله في ما يريده ~~الإسلام من تربية الإنسان على أساس من الانطلاق بالمعرفة في الاتجاه الذي ~~ينفع الناس ، مما يحتاج الناس فيه إلى السؤال من خلال غموض الفكرة وعدم ~~وجود الأساس الذي يكفل لنا مهمة الوضوح. # * * * ### ||| ** منهج التعاطي مع أحكام الله # في هاتين الآيتين حديث عن المنهج الذي يريد الله أن يضعه للناس في ~~مواجهتهم لما يلقى إليهم من أحكام الله ، عند نزولها في القرآن ، مما لم ~~يرد الله أن يثقل عليهم أمره بالتكليف ، بل ترك الحرية فيه للمكلفين ، في ~~ما يفعلونه أو يتركونه ، بالنسبة إليه. فقد يبدو لبعضهم أن يدخلوا في ~~تفاصيل ذلك لا من جهة غموض في حدود التكليف ، ليكون السؤال محاولة للسير به ~~في طريق الوضوح ، ولا من جهة شبهة في طبيعة المضمون ، ليكون السؤال وسيلة لإزالة PageV08P359 # الشبهة ، بل كان ذلك لمجرد الفضول الذاتي الذي يدفع الإنسان إلى السؤال ~~من خلال عناصر الإثارة في الساحة ، ليثير الجو من حوله في عملية تساؤل ~~ونقاش. فأراد الله لهم أن يتركوا ذلك من أجل أن يتحول السؤال عندهم ، في ما ~~يمثله من قلق المعرفة ، إلى سبيل من سبل إغناء الفكر العملي عنده ، في ما ~~يحتاجه في حركة العقيدة أو الحياة ، بعيدا عن الأشياء التي لا علاقة لها ~~بذلك ، بل هي من القضايا التي تمثل ترفا فكريا لا ضرورة له. # * * * ### ||| ** وقفة مع الميزان # وقد أثار صاحب الميزان الحديث حول اختصاص الآية بالسؤال عن متعلقات ~~الأحكام وخصوصياتها مما لا ضرورة له ، لأن الله لم يعرض لها في ما يعرض له ~~من تفاصيل الآيات ، ولم يكلف الإنسان عناء العمل في دائرتها. قال في توجيه ~~ذلك : «إن الآية الثانية : ( @QUR@05 قد سألها قوم من قبلكم ) إلخ ، وكذا ~~قوله : ( @QUR@08 وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) تدل على أن ~~المسؤول عنها أشياء مرتبطة بالأحكام المشرعة كالخصوصيات الراجعة إلى ~~متعلقات الأحكام مما ربما يستقصي في البحث عنه والإصرار في المداقة عليه ، ~~ونتيجة ذلك ظهور التشديد ونزول التحريج ms1999 كلما أمعن في السؤال وألح على البحث ~~كما قصة الله سبحانه في قصة البقرة عن بني إسرائيل ، حيث شدد الله سبحانه ~~بالتضييق عليهم كلما بالغوا في السؤال عن نعوت البقرة التي أمروا بذبحها» (1). # ولكننا نعتقد أن ذلك لا يخصص الآية بما ذكر من حيث الاستيحاء ، وإن PageV08P360 # كان قد يقترب من التخصيص من حيث اللفظ ، لأن هذه الأمور التي قد يسألونها ~~في نطاق الأحكام ، في ما يتصل بها من خصوصيات الموضوع ، لا خصوصية لها ، ~~إلا من حيث إنها من الأمور التي لا ضرورة للسؤال عنها لأنها لا تمثل وجها ~~من وجوه المعرفة النافعة للإنسان. وبذلك تلتقي مع كثير من الأسئلة التي ~~تتعلق ببعض شؤون الحياة الخاصة أو بما يحاول الناس أن يثيروه من خصوصيات ~~الحديث عن تفاصيل ما بعد الموت ، أو عن شؤون التفصيل بين شيء وآخر أو بين ~~إمام ونبي ، أو بين ولي وولي ، مما لا يمثل أي شأن من شؤون العقيدة ~~والحياة. # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء ) وقد نستطيع التركيز ~~على بعض جوانب الدلالة اللفظية للكلمة ، فنجد أنها تشمل كثيرا من القضايا ~~المتعلقة بالتصور التفصيلي لكثير مما لا يريد الله لنا أن نخوض فيه ، ما لم ~~يتصل بمسؤوليتنا في قضايا المعرفة قبل الموت أو بعده ، والتي يمكن اشتقاقها ~~من قوله تعالى : ( @QUR@04 إن تبد لكم تسؤكم )، لأن الأشياء التي قد تسوء ~~الإنسان قد تتعلق بالعمل ، وقد تتعلق بالتصور في ما يختلف فيه الأمر من حيث ~~انسجامه مع تصوراته الذاتية ، أو مع مستوى تفكيره للأشياء وعدم انسجامه ~~معها. ( @QUR@014 وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها ~~والله غفور حليم ) كما أن الحديث عن نزول القرآن بها لا يصلح أن يكون دليلا ~~على التخصيص بما ذكر ، لأن القضية هي من الأمور الفرضية لا الواقعية ، ~~ليقال إنه ليس من شأن القرآن أن ينزل بالقضايا الخاصة ، فقد أراد الله أن ~~يبين لهم أن السؤال يستتبع الجواب من خلال الوحي الذي قد يبدي بعض الأشياء ~~التي لا ترضي هؤلاء ms2000 السائلين من حيث تصوراتهم العامة والخاصة ، وذلك من ~~خلال الحديث عن ارتباط النتائج بمقدماتها. وأما التعقيب بقوله : ( @QUR@05 ~~قد سألها قوم من قبلكم ) فلا يصلح حجة على الموضوع ، إذ من الممكن أن ~~يكونوا قد كفروا بها ( @QUR@04 ثم أصبحوا بها كافرين ) لأنها لم تنسجم مع ~~تصوراتهم عن طبيعة تلك الأمور المتعلقة PageV08P361 # بالكون وبالحياة. وإذا توقفنا عند كلمة : ( @QUR@03 عفا الله عنها ) ~~فإننا نفهم منها إهمالها ، لا العفو بمعنى عدم التكليف ، وذلك على سبيل ~~الكفاية ، في ما يمثل العفو من إسقاط للذنب حتى كأنه لم يكن. والله العالم. # وربما كان من سلبيات الرأي الذي يفسر الآية بما ذكر من الأسئلة في نطاق ~~خصوصيات التشريع ، أن المضمون يبقى في نطاق القضية التاريخية التي يتحدث ~~فيها القرآن عن حادثة تاريخية ، بينما يتحول المضمون في النطاق الشامل إلى ~~فكرة عامة تتحرك في الحياة ، كما يتحرك الليل والنهار في مجرى الزمن ، ~~وبذلك يكون أقرب إلى جو القرآن المضموني. ولكن قد يبدو للناظر المتأمل ، أن ~~من الممكن الاستفادة في حركة الواقع من الرأي الأول ، في ما يأخذه الإنسان ~~من فتوى عامة وأحكام مطلقة ، لم يتعرض المجتهد للتخصيص في الأولى ، ولا ~~للتقييد في الثانية ، أو في ما يوجه إلى العالمين من تعليمات في حقل العمل ~~الإسلامي في الدعوة والجهاد ، فلا يتعقد العاملون والمكلفون أمام حالات ~~الشك ، في التقييد والتخصيص من دون أساس لفظي ، بل يسيرون في مسئولياتهم ~~على أساس ما يفهمونه من اللفظ ، لأن ذلك هو الذي يملكون فيه الحجة في مجال ~~المسؤولية ، وتبقى للقضايا الأخرى مجالات الاستيحاء للانطلاق بها إلى ~~الآفاق الشاملة. # وهكذا تكون الآية سائرة على طبيعة المنهج الإسلامي في تربية الشخصية ~~المسلمة على أساس من الجدية العملية في حركة المعرفة في الحياة ، فلا تنطلق ~~في اهتمامها إلا بالنافع المفيد لها وللناس ، ولا تثير علامات الاستفهام ~~إلا في ما أبهم عليها أمره ، مما لا بد من معرفته ، لعلاقته بالمسؤولية على ~~مستوى النظرية والتطبيق. # وقد واجهت الآية الجانب السلبي من المنهج ، بالتأكيد على نقطتين في ما ~~يمكن أن يحصل ms2001 من ردود الفعل : PageV08P362 # أولا : الاستيحاء من نتائج الجواب عن السؤال لما يتضمنه من مشاكل وآلام ~~ومضايقات نفسية. # ثانيا : التمرد على تلك النتائج والكفر بها لعدم موافقتها للفكر الذاتي ، ~~وللمزاج ، وللعادات ، كما فعلها قوم آخرون. # وربما كانت هاتان النقطتان لا تمثلان مشكلة في ما يحتاج الإنسان إلى ~~معرفته ، كما في الكثير من حقائق الإسلام في العقيدة والتشريع ، مما لا ~~يريح الناس في أفكارهم وأهوائهم ، فيتألمون منه ، ويتمردون عليه ، ولكن ~~القضية هنا أنها تمثل إثارة للمشكلة من غير جدوى ، لأن المسألة لا تمثل ~~شيئا مهما على مستوى العقيدة والحياة. # * * * PageV08P363 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@021 ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) @QUR@024 وإذا قيل ~~لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) (104) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بحيرة ): البحر : الشق ، وبحرت أذن الناقة أبحرها بحرا إذا ~~شققتها شقا واسعا ، والناقة بحيرة وهي فعيلة بمعنى المفعول ، مثل النطيحة ~~والذبيحة. وسمي البحر بحرا لسعته. # ( @QUR@01 سائبة ): فاعلة من ساب الماء إذا جرى على وجه الأرض ، ويقال : ~~سيبت الدابة أي تركتها تسيب حيث شاءت. ويقال للعبد يعتق ولا ولاء عليه ~~لمعتقه سائبة لأنه يضع ماله حيث شاء. # ( @QUR@01 وصيلة ): الوصل نقيض الفصل. ولعن رسول الله الواصلة وهي التي PageV08P364 # تصل شعر المرأة بشعر آخر. فالوصيلة بمعنى الموصولة ، كأنها وصلت بغيرها. ~~ويجوز أن يكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها وهذا أظهر في الآية. # ( @QUR@01 حام ): الحام هو الذكر من الإبل ، وقيل : إنه الفحل إذا لقح ~~ولد ولده. # * * * ### ||| ** القرآن ينتقد التحريم المفترى على الله # جاء الإسلام ليجعل التشريع بما يحرم وبما يحل من الأشياء تابعا لما يشرعه ~~الله من أحكام ، فلا يحل إلا ما أحله الله ولا يحرم إلا ما حرمه ، ( ~~@QUR@011 ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) وبذلك واجه ~~الأمور التي حرمها الناس في الجاهلية ، مما لم ينطلق الأمر فيه من مفسدة ~~فيها ، فأنكر تحريمها وأباحها ms2002 ، ( @QUR@07 ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب ) فاعتبر نسبتها إلى الله ، في ما كان الناس ينسبونها إليه ، ~~افتراء وكذبا ، وحكم بأن هؤلاء الكفار الذين يكذبون على الله ( @QUR@03 ~~وأكثرهم لا يعقلون )، لأنهم لم يرتكزوا في حياتهم على قاعدة ثابتة من دين ~~الله ، لتكون أعمالهم وأقوالهم راجعة إليها ، بل اتبعوا أهواءهم ، فأضلوا ~~أنفسهم وضيقوا عليها. # وهكذا جاءت هذه الآية لتنبه هؤلاء وأتباعهم بأن هذه الأمور التي حرموها ~~على أنفسهم في بعض منافعها أو في جميعها ، لم يحرمها الله ، عليهم ، بل ~~أباحها لهم لأنه لم يجد فيها أية مفسدة تفرض ذلك ، مما اعتبروه أساسا ~~للتحريم ، فلا يجوز نسبتها إليه ، ولا يجوز التزامهم بما ألزموا به أنفسهم ~~من موقع التشريع ، لأنه بيد الله أولا وآخرا. PageV08P365 # وقال المفسرون في ما رواه صاحب مجمع البيان وروى ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم «أن عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة ، ~~وكان أول من غير دين إسماعيل ، واتخذ الأصنام ونصب الأوثان ، وبحر البحيرة ~~وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه» (1). # * * * ### ||| ** لا قداسة لسنن الآباء والأجداد # وهكذا كانت هذه المحرمات تمثل تاريخ الآباء والأجداد ، فلها قداستها في ~~نظر أولادهم ، ولذلك كانوا يرفضون مناقشتها في ما يراد لهم من توضيح الأمر ~~وإرجاعه إلى واقع المصلحة فيه ، ليعرفوا ما فيه من خلل وزيف وفساد ، لأن ~~الدخول في ذلك في نظرهم يمثل اعترافا ضمنيا بأن الآباء قد يخطئون وقد ~~ينحرفون عن الحق مما يتنافى مع الشعور بالقداسة والاحترام ، ويتعارض مع ~~القيم السائدة لديهم في التفاخر بالأنساب ، واعتبار النسب قيمة كبيرة ، ~~تتحدى الآخرين في ما يملكونه منها. ولهذا كان الانتقاص من الآباء انتقاصا ~~من الأولاد ، لارتباط مجدهم بمجدهم ، واتصال تاريخهم بتاريخهم في جميع ~~الأمور التي كانوا يعملونها أو يتركونها. # وفي ضوء ذلك ، كان التطور الفكري مجمدا عندهم ، في ما يفرضه من اكتشاف ~~الحاضر أخطاء الماضي ، في محاولة للعمل على ms2003 تصحيحها وتغييرها ، فقد كانت ~~العادات والتقاليد والأفكار إرثا يحمل خصوصية القداسة المرتبطة PageV08P366 # بعلاقة الذات بالتاريخ في آن واحد. # * * * ### ||| ** ليس لنا من الماضي إلا دروسه وعبره # وجاء الإسلام ليناقش هذا الخط في التصور والممارسة ، وليخطط للناس المنهج ~~الصحيح في ذلك كله ، فللتاريخ علاقته بالحاضر من موقع العاطفة البسيطة التي ~~تشد الإنسان إلى آبائه وأجداده ، وحركته في الفكر والواقع ، من خلال الدروس ~~والعبر التي يمكن أن يقدمها للأجيال المقبلة ، في ما خاضه الأولون من تجارب ~~الحياة ، وليس له في ما عدا ذلك أي دور ، بل هو في أشخاصه ورموزه وحوادثه ، ~~مجرد مرحلة من مراحل الزمن الكثيرة الحافلة بالأخطار والانحرافات ، تماما ~~كما هو الحاضر في حركته الفكرية والعملية ، وكما هو المستقبل بما يختزنه في ~~داخله من أخطاء محتملة في التصور والممارسة والعلاقات ، لأن هذا الماضي كان ~~حاضرا وسيكون الحاضر ماضيا غدا ، والمستقبل بعد غد ماضيا من الماضي ، الذي ~~يقدم للتاريخ ، في ما يكتبه المؤرخون ، كثيرا من الهزائم والانتصارات ، ~~وكثيرا من حالات الفشل والنجاح ، والخطأ والصواب ، لتستمر الرحلة البشرية ~~في هذا الاتجاه إلى نهاية العالم. # أما الحديث عن المجد والقيمة التي يحملها الأبناء من الآباء ، فهو حديث ~~خرافة في مفهوم الإسلام لأن الإنسان يستمد مجده وقيمته من خلال كفاءاته ~~الذاتية في العلم والعمل ، ولا يملك أحد أن يعطيه أية قيمة إضافية ، بعيدا ~~عن خصوصياته الأساسية. وليس للآباء دور في ذلك من قريب أو من بعيد ، فإذا ~~كان الأب صالحا فصلاحه لنفسه ، وإذا كان غير صالح فإنه يتحمل PageV08P367 # مسئولية ذلك ، وهكذا الأبناء بالنسبة إلى الآباء. ولهذا فإن خطأ الآباء ~~في تصوراتهم لا يضعف قيمة الأبناء إذا اعترفوا بذلك أو غيروه ، بل يؤكد ~~قيمتهم ، بما يدل عليه من استقلالية في الكفر وأصالة في الشخصية وابتعاد عن ~~الانطلاق مع العاطفة على حساب الأفكار والمبادئ. # وجاءت هذه الآية : ( @QUR@024 وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ~~ولا يهتدون )، لتطرح هذا التصور الخاطئ ، وهذا المنهج ms2004 المنحرف ، لأنهم ~~يرفضون الدعوة الجديدة المنطلقة من وحي الله ونهج الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ويمتنعون عن مناقشتها بعيدا عن مسألة الوضوح في الخط ~~، في ما يرفضه الإنسان وفي ما يؤيده ، بل لأنهم لا يريدون أي فكر جديد في ~~غير طريق فكر الآباء والأجداد. # وأراد الله منهم أن يرجعوا إلى تفكيرهم ليناقشوا الموضوع بهدوء ، فمن هم ~~هؤلاء الآباء والأجداد؟ إنهم مثل الناس الذين يعيشون معهم ، فمنهم العاقل ~~ومنهم غير العاقل ، ومنهم المهتدي وغير المهتدي ، فكيف يمكن أن يربطوا ~~مصيرهم بهم دون مناقشة ومراجعة تفصيلية لما يحملونه من أفكار ولما يواجهونه ~~من مواقف؟ فما ذا إذا كانوا ممن ( @QUR@05 لا يعلمون شيئا ولا يهتدون )؟ ~~ماذا إذا كانوا من الذين لا يحملون مسئولية الفكر والحياة؟ هل يجوز للإنسان ~~العاقل الذي يحترم نفسه أن يندفع في هذ الاتجاه؟ وهل يسوغ للإنسان الواعي ~~أن ينسحق أمام العاطفة ويسير معها إلى المدى الذي يدمر فيه نفسه ومصيره؟ إن ~~القرآن يطرح التساؤل ، لا ليأخذ الجواب ، بل ليوحي لهم بالجواب الحاسم من ~~خلال جو الأفكار لهذا المنهج الذي ينتهجونه في ما يوحيه السؤال من إنكار ، ~~ليتحرك الجواب في خطوات الواقع الذي يتغير بتغير الناس في أنفسهم. والله ~~العالم. # * * * PageV08P368 ### ||| * الآية # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) (105) # * * * ### ||| ** كل إنسان يتحمل مسئولية نفسه # وهذا نداء للمؤمنين يحدد مسئوليتهم الإيمانية في الحياة ، ( @QUR@06 يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) فلكل منهم مسئوليته عن نفسه في تهيئة سبل ~~الهداية الفكرية والعقيدية والمنهجية على طريق إنجاز البرامج والخطط ~~والأهداف والخبرة المتعلقة بها. فإذا تم له ذلك على النهج الذي يرضاه الله ~~ورسوله ، فقد أخذ بأسباب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة ، ولن يضره بعد ~~ذلك كفر الكافرين وضلال الضالين ، لأن المسألة لا تتعدى صاحبها في ما يؤكده ~~الإسلام من فردية التبعة ، فلا يتحمل إنسان ذنب غيره ، ولا يؤخذ المهتدي ~~بضلال الضال ، مهما كانت درجة قرابته به وعلاقته معه. PageV08P369 # وهكذا يريد القرآن ms2005 الإيحاء للإنسان بالاستغراق في هذا الاتجاه من أجل أن ~~يحمل مسئوليته عن نفسه كاملة غير منقوصة ، فيعمق لها مفاهيمها عن الكون ~~والحياة ، طبقا لما أوحاه الله إلى رسوله ، ولما بلغه الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس ، حتى لا تشتبه عليه الأمور ، فيضل عن الهدى ~~من غير علم ، وينحرف عن الحق من دون وعي ، وحتى يمتد في خط العمل على ~~الصراط المستقيم ، فيضبط خطواته عن الانحراف ، ويمنعها من الزلل ، بالسير ~~في حياته على هدي شريعة الله في ما تأمره به وتنهاه عنه ، ليتأكد لديه ~~الفكر والالتزام ، فيصوغ على ذلك شخصيته صياغة إسلامية لا مجال فيها ~~للاهتزاز والارتباك. ويتابع بعد ذلك عملية المراقبة والمحاسبة والرصد لكل ~~حركة في داخل النفس من أفكاره ومشاعره ، وفي خارجها من أقواله وأفعاله ، ~~ليستقيم له دورها وفاعليتها بانضباط دقيق بشكل مستمر ، من دون التفات إلى ~~ما حولها من حالات الانحراف والضلال ، لأن ذلك ليس مسئوليته في ما يحمله ~~الله من ذلك. # * * * ### ||| ** الآية .. ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # ولكن ، ماذا عن الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! ~~فقد حمل الله المؤمنين مسئولية هذه الأمور ، واعتبر الالتزام بها استقامة ~~على الدرب ، وإهمالها انحرافا عنه ، وتوعد التاركين للأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر بما لم يتوعد به على أية معصية أخرى ، فكيف نوفق بين ذلك ، وبين ~~ما توحي به هذه الآية من وقوف المسؤولية عند حدود النفس فلا تتعداها إلى غيرها؟ # فهل هناك ناسخ ومنسوخ بين هذه الآية وبقية الآيات الأخرى كما PageV08P370 # يتصوره البعض ، وهل هناك تحديد للآية في نطاق معين ، كما في حالات التقية ~~، أو في حالات الكفار كما في بعض الروايات ، أو أن القضية تتجه اتجاها آخر؟! # والجواب عن ذلك ، أن الآية لا تأخذ وجهة الإهمال لدعوة الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ، لأن مدلولها يتضمن مسئولية الإنسان عن نفسه في القيام ~~بها على أساس الخط المستقيم الذي رسمه الله ، وذلك في مختلف دوائر وشؤون ~~حياته الإيمانية والعملية والالتزامية ، سواء تلك المتصلة بشؤونه الخاصة أو ms2006 ~~العامة. فقد كلفه الله بأن يمارس نشاطه العملي في هداية الناس وإرشادهم ، ~~وحفظ خطواتهم من الزلل ، ورعاية أمورهم ، وتدبير قضاياهم ، قدر إمكاناته ~~المادية والمعنوية. وعلى ضوء هذا ، فإن مسئوليته عن الناس هي جزء من ~~مسئوليته عن نفسه ، باعتبار أن ذلك من واجبات الإيمان. وليس في الآية ما ~~يدل على خلاف ذلك ، بل هي واردة للتأكيد على الفصل بين النتائج الإيجابية ~~التي ينتهي إليها الإنسان من خلال القيام بالتزاماته الشرعية ، وبين ~~النتائج السلبية التي تتمثل في سلوك الناس مع أنفسهم ، سواء كان ذلك من جهة ~~عدم استجابتهم له في ما يدعوهم أو يهديهم إليه ، أو عدم انضباطهم في ~~واجباتهم بشكل ذاتي. فلا علاقة له بالنتائج السلبية المنطلقة من تمردهم ~~وضلالهم ، ولأنه قد قام بواجبه كاملا في هداية نفسه وهداية غيره ، فلا يضره ~~من ضل إذا اهتدى ، وبذلك تكون المسألة مرتبطة بحركة الواقع في حياة الضالين ~~والمهتدين ، بعد استكمال كل الشروط الموضوعية التي تقوم بها الحجة على ~~الضالين ، وتتحرك بها المسؤولية من خلال المهتدين ، ولا بد من التركيز على ~~كلمة ( @QUR@02 لا يضركم ) فإنها توحي بما قلناه ، فيكون مساقها مساق ~~الآيات التي تتحدث عن إبلاغ الدعوة إلى الناس ، باعتبار أن ذلك هو ما ~~يستطيع الداعية أن يتحمل مسئوليته ، لأن هناك شروطا في حركة الفكر والإرادة ~~للإنسان ، كما أن هناك شروطا في الأجواء المحيطة به. وليس على PageV08P371 # الداعية إلى الله ، نبيا كان أو غير نبي ، إلا أن يبلغ بأفضل أساليب ~~التبليغ ، وليس من مسئوليته ماذا يحصل بعد ذلك سلبا أو إيجابا. # * * * ### ||| ** احتمال آخر لحركة الآية .. ونقاش له # وقد ذكر بعض المفسرين احتمالا في النطاق الذي تتحرك فيه الآية ، بأن ~~المخاطب بها هو مجتمع المؤمنين الذي يواجه مجتمع الكافرين بانحرافاته ~~وضلالاته ، ليكون المراد بقوله : ( @QUR@02 عليكم أنفسكم ) هو إصلاح ~~المؤمنين مجتمعهم الإسلامي باتخاذ صفة الاهتداء بالهداية الإلهية من خلال ~~المحافظة على معارفهم الدينية والأعمال الصالحة والشعائر الإسلامية العامة ~~، كما قال تعالى : ( @QUR@06 واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) [آل ~~عمران : 103] ، فإن المراد بهذا الاعتصام الاجتماعي الأخذ بالكتاب ms2007 والسنة ، ~~ويكون قوله : ( @QUR@06 لا يضركم من ضل إذا اهتديتم )، يراد به أنهم في ~~أمن من أضرار المجتمعات الضالة غير الإسلامية ، فليس من الواجب على ~~المسلمين أن يبلغوا الجد في انتشار الإسلام بين الطوائف غير المسلمة أزيد ~~من الدعوة المتعارفة ، أو أنه لا يجوز لهم أن ينسلوا مما بأيديهم من الهدى ~~من مشاهدة ما عليه المجتمعات الضالة من الانهماك في الشهوات والتمتع من ~~مزايا العيش الباطلة ، إذ ( @QUR@06 لا يضركم من ضل إذا اهتديتم )، وتجري ~~الآية على هذا ، مجرى قوله تعالى : ( @QUR@014 لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~في البلاد* متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) [آل عمران : 196 197]. # ولكن الظاهر من الآية أنها لا تخاطب المؤمنين كمجتمع من حيث إنهم مجموعة ~~مميزة مرتبطة ببعضها البعض في مقابل مجتمع آخر على هذا النحو ، PageV08P372 # بل هي في مقام إثارة القضية في حياة كل فرد من أفراد المؤمنين لتحديد ~~دوره ومسئوليته ، تماما كما هي الآيات الكثيرة في القرآن التي تطلب من ~~المؤمنين أشياء وتنهاهم عن أشياء ، فإنها جاءت تخاطب الأفراد بطريقة الجمع ~~الذي يختصر الأعداد الكثيرة بكلمة واحدة ، لتحدد لكل إنسان منهم دوره بعيدا ~~عن أدوار الآخرين في ما تتمثل فيه من سلبيات. والله العالم. # ( @QUR@08 إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون )، فهذا الجزء ~~من الآية موضوع البحث ، لا يدع مجالا للشك ، بأن الجميع سائر إلى الله ، ~~المؤمن والكافر معا ، وأهل الضلالة معا ، وبالتالي تثبت أن جميع الطرق ~~منتهية عند الله تعالى حيث يوفي كل من سالكيها حسابه ، حيث تتباين النتائج ~~وتتراوح ما بين الفوز والفلاح أو الخيبة والخسران ، وذلك وفق ميزان الأعمال ~~، وحيث تجد كل نفس ما عملت محضرا ، وحيث من ثقلت موازينه فأمه هاوية ... ~~وأما من خفت موازينه فهو في عيشة راضية. # * * * PageV08P373 ### ||| * الآيات # ( @QUR@052 يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ms2008 ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ~~(106) @QUR@026 فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من ~~الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما ~~اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين (107) @QUR@022 ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة ~~على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين ) (108) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ضربتم في الأرض ): سافرتم. # ( @QUR@01 تحبسونهما ): تمنعونهما من الهرب. PageV08P374 # ( @QUR@01 ارتبتم ): شككتم في صدقهما. # ( @QUR@01 عثر ): عثر على الشيء : اطلع عليه. # * * * ### ||| ** في أجواء الشهادة على الوصية # وهذا نداء للمؤمنين حول الشهادة على الوصية ، فقد أراد الله للحقوق التي ~~بين الناس أن لا تضيع ولا تخضع للصدف في طبيعة وسائل الإثبات ، فجعل ~~الشهادة وسيلة لتأكيد الحق عند ما تتحرك النوازع الذاتية لتدفع الإنسان إلى ~~الانحراف والوقوع في قبضة الهوى والطمع ، فأراد أن يحمي الإنسان من نفسه ، ~~فلا يستسلم لهواه ، ويحمي الحق من العدوان ، فلا يسقط أمام حالات الخيانة ، ~~فإذا عرف من عليه الحق أن هناك شهودا ، كان ذلك ضمانة له من الانحراف ، ~~وإذا عرف من له الحق أن له الحجة في حقه ، كان ذلك موجبا للاطمئنان والثقة ~~بالمستقبل. # وقد ركزت هذه الآيات على حالة خاصة من جملة الحالات التي تفرض الإتيان ~~بالشهود ، وهي الحالة التي يصبح فيها الإنسان في مواجهة استحقاق الموت ، ( ~~@QUR@012 يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~) حيث يسبق هذا الاستحقاق بالوصية لمن خلفه من الأبناء والأهل والأقارب. ~~وربما كان التركيز على حالة الموت ، باعتبار أنها الحالة التي يخشى فيها ~~الإنسان فوات الحق أو الحاجة ، فأراد الله للإنسان أن يشهد عدلين من ~~المسلمين ، ( @QUR@04 اثنان ذوا عدل منكم ) ممن تتوفر فيهم صفات الاستقامة ~~على خط الشرع ، وتتحقق لديهم العناصر الأخلاقية التي تدعو إلى الثقة بصدقهم ~~، أما إذا كان الإنسان في سفر ، ولم يجد أحدا من المسلمين ليشهده على ذلك ، ~~فلا مانع من PageV08P375 # أن يشهد شخصين من غير المسلمين ( @QUR@018 أو آخران من غيركم إن أنتم ~~ضربتم ms2009 في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان ~~بالله ). وقد جاءت الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن المراد بهم ~~أهل الكتاب ، ولعل ذلك بلحاظ الحاجة إلى القسم بالله في بعض الحالات ، مما ~~لا يتأتى إلا من المؤمنين بالله. فإذا مات الإنسان ، وارتاب أولياء الميت ~~بالشاهدين بسبب بعض الأوضاع التي تدفع إلى الشك ، مما يحقق لديهم قناعة أو ~~ما يشبه القناعة بانحرافهما عن الخط الصحيح للمسألة ، فيتقدمان إلى مجلس ~~القسم ( @QUR@018 إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم ~~شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين )، وذلك بعد صلاة العصر بحسب إفادة بعض ~~الروايات ، واختيار هذا التوقيت ، قد يكون إمعانا في توكيد الجو الروحي ~~الذي يوحي بالمسؤولية ، ويثير في النفس شيئا من الرهبة والخوف ، لأنها ~~الحالة التي يعيش فيها الناس مع الله. وخلاصة القسم ، أنهما لا ينحرفان عن ~~خط الصدق في الشهادة مهما كلفهما ذلك من تضحيات ، ومهما قدم إليهما من ~~إغراءات ، لأن الشهادة تمثل ، في وعيهما ، موقف الحق في شخصية الإنسان ~~المؤمن ، فلا يمكن أن يبيع موقفه هذا لأحد مهما كان حجم الثمن وقيمته ، ~~وأنهما لا يكتمان أي شيء منها ، لأنها أمانة الله عندهما ، فهما لم يشهدا ~~ليضيفا إلى معلوماتهما الشخصية معلومات جديدة عن الأحداث والأشخاص ، بل ~~شهدا من أجل إثبات الحقيقة ، وإيصال صاحب الحق إلى حقه. ويضيفان إلى ذلك ، ~~التأكيد على الموقف إنهما لمن الآثمين إذا انحرفا ، وبذلك يقران على ~~نفسيهما باستحقاق العقاب من الله على ذلك في ما يمثله الإثم من نتائج وخيمة ~~عند الله. ( @QUR@02 فإن عثر ) أي وجد أولياء الميت ( @QUR@04 على أنهما ~~استحقا إثما )، ولكنهم لا يملكون الدليل المثبت لذلك ، فهم يعتقدون فيهما ~~الكذب انطلاقا من بعض القرائن القاطعة ، فيؤتى بشاهدين منهم ، وهذا هو ~~المراد من قوله تعالى : ( @QUR@014 فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) وأقرب إلى PageV08P376 # الواقع ، ( @QUR@06 وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ) وينفيان الاعتداء ~~عليهما في هذا التكذيب ، ويثبتان على نفسيهما الظلم ms2010 ، لو كانا كاذبين أو ~~معتديين. # وهكذا يثير الله أمامنا في نهاية المطاف الحكمة من هذا التشريع المرتكز ~~على التأكيد الشديد بالقسم في حالة الشك والريبة ، ( @QUR@014 ذلك أدنى أن ~~يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) بأن ذلك هو ~~أقرب إلى أن يأتيا بالشهادة على وجهها الصحيح عند ما يعرفان النتائج ~~السلبية التي قد تلحقهما في حالة الانحراف ، أو يخافا أن تكذبهما الأيمان ~~اللاحقة فتبطل أيمانهما ، مما يسبب لهما الفضيحة أمام الناس ، فيمنعهما ذلك ~~من الشهادة بالباطل ، أو إخفاء الحق. ويختم الله الآيات بالدعوة إلى التقوى ~~( @QUR@03 واتقوا الله واسمعوا ) في جميع المواقع العملية ليتحرك الإنسان ~~في الحياة من موقع المسؤولية التي تحميه من نفسه ، وتحمي الإنسان منه ، ~~وتثير أمامه الأمر بالاستماع إلى ما يتلى عليه من الآيات ، ليعرف من خلال ~~ذلك ، ما يجب عليه الالتزام به ، أو ليستقيم له الدرب ، ولتتم له الهداية ( ~~@QUR@05 والله لا يهدي القوم الفاسقين ) فإن الله يهدي الذين يخافونه ~~ويراقبونه فيسمعون آياته وتعاليمه فيهتدون بها ، الذين أغلقوا قلوبهم عن ~~خوف الله ومحبته وأصموا آذانهم عن آياته وكلماته ، فتركهم لأنفسهم ، ~~وأوكلهم إلى أهوائهم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وقد ثار جدل كثير حول معنى هذه الآية .. ولكننا استقربنا ما قدمناه من ~~تفسير واستوحيناه من بعض الروايات التي تحدثت عن مناسبة نزول هذه الآيات ، ~~وهو حديث لا يخلو من الطرافة والإيحاء بالأسلوب الهادىء الذي PageV08P377 # يسود أجواء الحكم في ما يثأر من قضايا النزاع والخلاف أمام القضاء ~~الإسلامي ... ولذلك فإننا ننقل الحديث كما ورد ، ليستعين به القارئ على فهم ~~الآيات ، وليستوحي منه روح العدالة في الإسلام. # فقد جاء في كتاب الكافي ، «عن علي بن إبراهيم عن رجاله رفعه ، قال : خرج ~~تميم الداري وابن بيدي وابن أبي مارية في سفر ، وكان تميم الداري مسلما ، ~~وابن بيدي وابن أبي مارية نصرانيين ، وكان مع تميم الداري خرج له فيه متاع ~~وآنية منقوشة بالذهب وقلادة أخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع ، فاعتل تميم ~~الداري علة شديدة ، فلما حضره الموت ، دفع ما كان معه ms2011 إلى ابن بيدي وابن ~~أبي مارية وأمرهما أن يوصلاه إلى ورثته ، فقدما المدينة ، وقد أخذا من ~~المتاع الآنية والقلادة ، وأوصلا سائر ذلك إلى ورثته ، فافتقد القوم الآنية ~~والقلادة ، فقال أهل تميم لهما : هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة ~~كثيرة؟ فقالا : لا ، ما مرض إلا أياما قلائل ، قالوا : فهل سرق منه شيء في ~~سفره هذا؟ قالا : لا ، فقالوا : فهل اتجر تجارة خسر فيها؟ قالا : لا ، ~~قالوا : فقد افتقدنا شيئا كان معه : آنية منقوشة بالذهب مكللة بالجواهر ، ~~وقلادة ، فقالا : ما دفع إلينا فقد أديناه إليكم. فقدموهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فأوجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهما اليمين ~~فحلفا فخلى عنهما ، ثم ظهرت تلك الآنية والقلادة عليهما ، فجاء أولياء تميم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول الله ، قد ظهر على ابن ~~بيدي وابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما ، فانتظر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الله عز وجل الحكم في ذلك. فأنزل الله تبارك وتعالى ~~: ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران (1) @QUR@07 من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض ) فأطلق الله عز وجل شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ~~ولم يجد المسلمين. ( @QUR@027 فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد ~~الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم ~~شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين )، فهذه الشهادة الأولى التي جعلها PageV08P378 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أي أنهما حلفا على كذب ، ( @QUR@03 ~~فآخران يقومان مقامهما ) يعني من أولياء المدعي ، ( @QUR@07 من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله ) أي يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى ~~منهما وأنهما قد كذبا في ما حلفا بالله ( @QUR@010 لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ). فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم ms2012 به ~~فحلفوا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القلادة والآنية من ابن بيدي ~~وابن مارية ، وردهما إلى أولياء تميم الداري ( @QUR@014 ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم )» (1). # هناك روايات أخرى تدل على أن تميما الداري هو أحد الشخصين اللذين قاما ~~بالخيانة وحلفا بغير الحق ، فقد أخرج البخاري في تاريخه والترمذي ، وحسنه ، ~~وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ~~، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم ، فأوصى إليهما ، فلما قدما بتركته فقدوا ~~جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالله ~~ما كتمتماها ولا أطلعتما ، ثم وجدوا الجام بمكة ، فقيل : اشتريناه من تميم ~~وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي ، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما ، وأن الجام لصاحبهم ، وأخذ الجام وفيه نزلت : ( @QUR@06 يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة بينكم ) (2). # وليست المسألة في هذه الآيات هي مسألة صاحب القضية ، ولكنها مسألة مثل ~~هذه الواقعة في دلالاتها الشرعية من حيث الدعوة إلى الوصية حين الموت ~~وتثبيتها بالإشهاد استحبابا إذا لم يكن هناك مثل هذا الحق وخاف ضياعه من ~~بعده ، فإن وجد مسلمين عدلين فليشهدهما على الوصية ، وإن لم PageV08P379 # يجد مسلمين فليشهد اثنين من أهل الكتاب ممن يؤمن بالله ويخاف منه إذا حلف ~~به كاذبا فيقول الحق على أساس الإيمان والتقوى الدينية ، ولا بد من أن ~~يستحلفهما الحاكم بعد الصلاة أمام الملأ بأنهما لم يشهدا من موقع خيانة أو ~~كتم معلومات ، ولم يأخذا مالا على أن يكذبا ، فتقبل شهادتهما كما تقبل من ~~المسلمين. # وقد جاءت الفتوى بذلك من الإمامية والحنابلة استنادا إلى هذه الآية ، ~~وخالفهم في ذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي فقالوا : لا تقبل شهادة غير ~~المسلمين مطلقا ولو كانت من بعضهم على بعض. # فإذا ظهرت الريبة على الشاهدين فيمكن الاعتماد على اثنين آخرين يملكان ~~المعلومات الدقيقة على الموضوع ، فيقسمان بالله ms2013 على ذلك ، ويؤكدان بطلان ~~شهادة الشاهدين السابقين وعدم قيامهما بأي موقف عدواني ضد أصحاب الحق ، مما ~~يعني أن الشهود أربعة ، يشهد الأولان بما لديهما ، فإن انحرفا قام الآخران ~~مقامهما بالشهادة. # * * * ### ||| ** لا بد للقاضي من التدقيق في البينات # وقد نستوحي من ذلك في الموارد الأخرى أن للقاضي أن لا يقتصر على بينة ~~واحدة إذا خشي وجود الخلل فيها ، لأن القضية المطروحة هي أن تنطلق الشهادة ~~من الشهود على وجهها الصحيح بعيدا عن أي ريب من حيث الخيانة في الشهادة أو ~~في اليمين ، مما يفرض التدقيق في المسألة ، ولا يكتفى بالشكل الساذج الذي ~~يستمع فيه القاضي إلى البينة من دون تحقيق شامل ، أو يكتفى بالحلف دون ~~الدخول في دراسة شاملة لشخصية الحالف أو طبيعة اليمين. إنها PageV08P380 # استيحاءات لا بد لنا من ملاحقتها في حركة القضاء ، ليخرج القضاء الإسلامي ~~عن تبسيط المسألة بالاكتفاء بالبينة بمعناها المصطلح أو اليمين ، فينفتح ~~على وسائل أخرى للتدقيق من خلال إطلالة القاضي على مجريات الأمور في حركة ~~الواقع للمسألة ، وهذا ما قد نلاحظه في ما روي عن الإمام علي عليه السلام في ~~طريقته في القضاء بين الناس التي ارتكزت على المزيد من التدقيق في البينة ~~وفي حركة الإيمان. والله العالم. # * * * PageV08P381 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك ~~أنت علام الغيوب ) (109) # * * * ### ||| ** الرسل في موقف المسؤولية بين يدي الله تعالى # ( @QUR@08 يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم ) ويقف الرسل أمام الله ~~يوم القيامة ، ليسألهم الله عن أممهم كيف كان رد الفعل لديهم تجاه الرسالة؟ ~~وما كان جوابهم عن الدعوة التي أطلقوها في واقعهم؟ وما النتائج العملية في ~~ذلك كله؟ ويقف الرسل في حيرة أمام السؤال ، فقد فهموا منه ، أنه لا يطلب ~~منهم الحديث عن ردود الفعل الفورية التي واجهوها في حياتهم ، بل إنه يطلب ~~منهم أن يقدموا تقريرا وافيا عن حركة الدعوة في حياة الأجيال المقبلة التي ~~جاءت من بعدهم فاستحدثت أفكارا وعادات وطقوسا ، لم تجيء بها الرسالات ، ولم ~~يبلغها الرسل ، تماما ms2014 كما هو السؤال الذي وجهه الله سبحانه وتعالى لعيسى ~~عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله ) [المائدة : 116] لذلك كان جوابهم ( @QUR@04 قالوا لا علم لنا ~~) لأن القضية كانت بالنسبة PageV08P382 # إليهم حديثا عن الغيب الذي لم يمنحهم الله علمه في ما منحهم من علم ، ( ~~@QUR@04 إنك أنت علام الغيوب ) لإحاطتك بالمستقبل تماما كما هو الحاضر ~~والماضي ، وبذلك يرفعون عن موقفهم أية مسئولية في ما جرى من بعدهم ، لأنهم ~~لا يملكون علمه ، ولا القدرة عليه ، من قريب أو من بعيد. # ولعل هذا الوجه أوفق بمدلول الآية من الوجوه التي ذكرت في تفسير نفي ~~الرسل لعلمهم بما كان عليه موقف أقوامهم ، فقد ذهب البعض إلى أنهم خضعوا ~~لأهوال يوم القيامة فذهلوا عن وعي القضية في تاريخها الواقعي عند ما كانوا ~~في الدنيا ، وذهب البعض إلى أن المقصود بقولهم : ( @QUR@03 لا علم لنا ) أي ~~كعلمك ، لأنك تعلم باطنهم وغيبهم الذي لا نعلمه ، وذهب بعضهم إلى أن المراد ~~لا علم لنا إلا ما علمتنا ، ونحو ذلك مما لا دلالة للفظ عليه. # ولعل الآية الكريمة واردة في مقام تأكيد الفكرة التي لا بد من أن يعيشها ~~الناس الذين كانوا مع الرسل في واقع الدعوة الرسالية ، ممن انحرفوا أو ~~غيروا وبدلوا ، ودخلت فيهم التطورات الفكرية والمتغيرات العملية بعيدا عن ~~الخط المستقيم للرسل وللرسالة ، بأن الله مطلع على كل التاريخ الذي عاشوا ~~فيه ، بكل دقائقه وتفاصيله ، حاضرا ومستقبلا ، مما أحصاه الرسل في حياتهم ~~مع أممهم ، ومما لم يحصوه مما غاب عنهم شهوده لأنه حدث من بعدهم ، ليكون ~~ذلك أقرب إلى وعي المسؤولية عند الناس في مراقبتهم لله في كل أمورهم لأنه ~~علام الغيوب. # وقد ذكر صاحب مجمع البيان في كتابه قال : «ذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره ~~أنها تدل على بطلان قول الإمامية إن الأئمة يعلمون الغيب». وعلق على ذلك ~~بقوله : «وأقول إن هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم ، فإنا لا نعلم أحدا ~~منهم بل أحدا من أهل الإسلام يصف أحدا من الناس بعلم ms2015 الغيب ، ومن وصف ~~مخلوقا بذلك فقد فارق الدين ، والشيعة الإمامية برآء من هذا القول ، PageV08P383 # فمن نسبهم إلى ذلك ، فالله في ما بينه وبينهم» (1). # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان تفسيرا للآية ، فقال : «أما نفيهم العلم ~~يومئذ عن أنفسهم بقولهم : ( @QUR@07 لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) ~~فإثباتهم جميع علوم الغيوب لله سبحانه على وجه الحصر يدل على أن المنفي ليس ~~أصل العلم ، فإن ظاهر قولهم : ( @QUR@04 إنك أنت علام الغيوب ) يدل على أنه ~~لتعليل النفي ، ومن المعلوم أن انحصار جميع علوم الغيب في الله سبحانه لا ~~يقتضي رفع كل علم عن غيره وخاصة إذا كان علما بالشهادة والمسؤول عنه ، أعني ~~كيفية إجابة الناس لرسلهم ، من قبيل الشهادة دون الغيب. # فقولهم : ( @QUR@03 لا علم لنا ) ليس نفيا لمطلق العلم بل لحق العلم الذي ~~لا يخلو عن التعلق بالغيب ، فإن من المعلوم أن العلم إنما يكشف لعالمه من ~~الواقع على قدر ما يتعلق بأمر من حيث أسبابه ومتعلقاته ، والواقع في العين ~~مرتبط بجميع أجزاء الخارج مما يتقدم على الأمر الواقع في الخارج وما يحيط ~~به مما يصاحبه زمانا ، فالعلم بأمر من الأمور الخارجية بحقيقة معنى العلم ~~لا يحصل إلا بالإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثم بصانعه المتعالي من أن يحيط به ~~شيء ، وهذا أمر وراء الطاقة الإنسانية» (2). # ويتابع ، فيرى أن الجواب الصادر من الرسل ( @QUR@03 لا علم لنا ) ليس ~~جوابا نهائيا لا جواب بعده البتة : PageV08P384 # وذلك أولا : «لأن الله سبحانه جعلهم شهداء على أممهم كما ذكره في قوله : ~~( @QUR@012 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ~~[النساء : 41]. وقال : ( @QUR@05 ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ) ~~[الزمر : 69] ولا معنى لجعلهم شهداء إلا ليشهدوا على أممهم يوم القيامة بما ~~هو حق الشهادة يومئذ ، فلا محالة هم سيشهدون يومئذ كما قدر الله ذلك ، ~~فقولهم يومئذ : ( @QUR@03 لا علم لنا ) جري على الأدب العبودي قبال الملك ~~الحق الذي له الأمر والملك يومئذ ، وبيان لحقيقة الحال ، وهو أنه هو يملك ~~العلم لذاته ولا يملك غيره إلا ما ملكه ms2016 ، ولا ضير أن يجيبوا بعد هذا الجواب ~~بما لهم من العلم الموهوب المتعلق بأحوال أممهم ... # وأما ثانيا : فلأن الله سبحانه ، أثبت العلم لطائفة من مقربي عباده يوم ~~القيامة على ما له من الشأن ... # وأما ثالثا : فلأن القرآن يذكر السؤال عن المرسلين والمرسل إليهم جميعا ~~كما قال تعالى: ( @QUR@06 فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ) ~~[الأعراف : 6] ثم ذكر عن الأمم المرسل إليهم جوابات كثيرة عن سؤالات كثيرة ~~، والجواب يستلزم العلم كما أن السؤال يقرره» (1). انتهى ملخصا. # ونحن نلاحظ على ما ذكره أنه على خلاف ظاهر الآية في سياقها الفكري في ~~الموضوع الذي جاءت الآية لتأكيده ، وهو أن الأنبياء لم يطلعوا على الواقع ~~الذي كان يعيشه الناس من بعدهم لأنهم لم يملكوا معرفته حتى بواسطة العلم ~~الذي يمنحهم الله إياه من غيبه المستقبلي لأنه لم يمنحهم علم ذلك ، إذ لا ~~حاجة لهم به في مهمتهم الرسالية المقتصرة على إبلاغ الرسالة للناس بكل ~~الوسائل المتاحة لهم ، فالآية تدل على أن الرسل كانوا في مقام نفي العلم عن ~~معرفة النتائج الحاسمة الأخيرة في الموضوع ، لأنه غيب الله الذي لم يطلعوا PageV08P385 # عليه ، وهذا هو المناسب لقولهم : ( @QUR@04 إنك أنت علام الغيوب )، ولا ~~ظهور لذلك في ما قاله من أن حصر العلم بالغيب بالله يدل على «أن المنفي ليس ~~أصل العلم بل لحق العلم» وهو الإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثم بصاحبه ~~المتعالي من أن يحيط به شيء ، بل الآية ظاهرة بأن الغيب في كل ما لم يصل ~~إليه الإنسان ولم يملك الوسيلة إلى معرفته من خلال الحس والفكر هو من ~~خصوصيات الله ، ولهذا فإن نفيهم العلم عن أنفسهم في هذا الأمر الغيبي ، ~~لأنهم لا يملكون علم الغيب إلا ما عرفهم إياه لأنهم لا يملكون الطريق إليه. # أما استدلاله بدور الشهادة فغير تام ، لأن مسألة الشهادة متعلقة بما وصل ~~إليهم علمه مما كان يدور في حياتهم في تجربتهم الرسالية ، لا في كل الأمور ~~التي غابت عنهم بعد وفاتهم ، ولعل هذا ما نستوحيه من قوله تعالى ، في حديثه ~~عن حوارة ms2017 مع عيسى عليه السلام عند ما سأله الله : ( @QUR@09 أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فأجاب عليه السلام بما جاء في قوله تعالى ~~: ( @QUR@074 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ~~ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) ~~[المائدة : 116 117]. # فإننا نقرأ في هاتين الآيتين أن النبي مسئول عن أن يقدم حسابه عما قام به ~~في حياته وما واجهه من القضايا ، وأما شهادته على قومه ، فإنها مختصة ~~بالفترة التي كان فيها معهم ، فلا شمول للشهادة إلى ما غاب عنه علمه ، ولم ~~يعلمه الله إياه قبل ذلك ، مع ملاحظة أن الشهادة تتبع الشهود الحسي للواقع ~~ليشهد بما رآه في واقعهم الرسالي ، فلا يشمل ما بعد ذلك. PageV08P386 # ولا مانع من ذلك ما قاله ثانيا : «إن الله قد أعطى العلم لبعض مقربي ~~عباده يوم القيامة على ما له من الشأن» لأن القضية في موضوع الآية هو ~~السؤال عن قضية محددة ، فلا ينفي العلم بها العلم بأشياء أخرى مما منحه ~~الله للمقربين من عباده. # ولا ندري ما هي المناسبة في الرد على نفي العلم بأن القرآن يذكر السؤال ~~عن المرسلين والذين أرسل إليهم جميعا ، فإن سؤالهم كان عما واجهوه من ~~التجارب الحية في حياتهم مما يملكون معرفته مما لم يطلع عليه المرسلون ، ~~فلكل واحد منهم سؤاله عما يعلمه لا عما لا يعلمه. والله العالم. # ونحن في ملاحظتنا هذه لا نريد الدخول في الجدل الدائر حول مدى علم ~~الأنبياء وسعته وكيفية حصولهم عليه هل هو فيض فعلي يفيضه عليهم ، أو هو ~~متعلق بإرادتهم فإذا شاؤوا علموا ، ونحو ذلك ، ولكننا نقف مع العلامة ~~الطباطبائي (قده) ms2018 في تفسير الآية في دلالتها التفسيرية والفكرية. # * * * PageV08P387 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@064 إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~(110) @QUR@013 وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون ) (111) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بروح القدس ): جبرائيل من حيث ينزل بالقدس من الله أي بما ~~يطهر به نفوسنا ، وربما أريد به القوة الغيبية التي زود الله بها عيسى ~~لتعينه على المعجزة أو على رسالته المهمة. # ( @QUR@01 الأكمه ): الذي ولد أعمى ، ويطلق على من عمي بعد الولادة. PageV08P388 # ( @QUR@01 أوحيت ): الوحي : إلقاء المعنى إلى النفس على وجه خفي ، وهو ~~إما أن يكون بإرسال الملك ، أو بالإلهام. # ( @QUR@01 الحواريين ): جمع حواري وهو من أخلص المودة ، من الخبز. ~~الحواري : الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق لأنه أخلص لبه من كل ما يشوبه ، ~~وأصله الخلوص ، ومنه حار يحور إذا رجع إلى حال الخلوص ثم كثر حتى قيل لكل راجع. # * * * ### ||| ** تذكير الله للنبي عيسى (ع) بنعمه عليه # يذكر الله تعالى في هذه الآيات ، نبيه عيسى بن مريم عليه السلام بجملة من ~~نعمه الجليلة ، ( @QUR@012 إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ~~وعلى والدتك ) والتي تتراوح بين صورة المعجزة من جهة ، ولطف الرحمة من جهة ~~أخرى ، وتسديد الموقف بالتأييد والتوفيق والنصرة من جهة ثالثة ، ( @QUR@035 ~~إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني ) وليس تذكير ~~الله تعالى أنبياءه من قبيل التذكير الرافع للنسيان أو الغفلة ، لأن هذا ~~مما يتعارض مع عصمتهم ومنزلتهم ودورهم الريادي في الحياة ، وإنما هو من ~~قبيل ms2019 التقرير والتسجيل لبيان هذه الحقيقة لأممهم التي رفعتهم إلى مقام ~~الألوهية ، أو ما يقرب من ذلك ، كما حدث مع عيسى عليه السلام حيث قال الناس ~~بألوهيته ، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لهم ، بأسلوب غير مباشر ، ~~وذلك من خلال الحديث الذي أثاره مع عيسى عليه السلام ، أنه لا يملك من أمره ~~شيئا ، بل كل ما لديه من طاقات وأعمال ومعاجز ، هي من نعم الله تعالى عليه ~~، وأنه ليس أكثر من رسول له تعالى PageV08P389 # إلى الناس ، فلا صفة له إلا صفة الرسالة ، ولا طاقة له إلا الطاقة التي ~~وهبها الله له. وقد تقدم الحديث عن بعض هذه الأمور في سورة آل عمران ، من ~~تكليمه الناس في المهد وفي حالة الكهولة ، وقيامه بإحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص بإذن الله. وجاءت الآيات هنا ، لتثير تأييده بروح القدس ، ~~في ما يمثله ذلك من قوة روحية خفية ، كانت بمثابة الأساس لكل ما حدث له ، ~~وصدر عنه ، لأن الطاقة البشرية في طبيعتها ، لا تملك القيام بذلك كله بعيدا ~~عما يمنحه الله لها من تأييد روحي معجز ، وقد يكون تصور المعنى المقصود من ~~روح القدس غامضا بعض الشيء ، لأن ذلك ليس من الأمور المادية التي تدخل في ~~نطاق التصور البشري ، ولكننا نعرف من خلال معطيات القرآن الكريم أنه يمثل ~~لونا من ألوان اللطف الإلهي الذي تتمثل فيه القدرة المطلقة ، التي بها ~~تتميز الأشياء بخصائصها ، وتبدع الأمور بطاقاتها. فمن ذا الذي يستطيع أن ~~يكلم الناس في المهد من خلال التكوين البشري الذاتي في ما يملكه البشر من ~~خصائص القدرة على التكلم الواعي الناضج على أساس النمو الذي يحتاج إلى ~~مراحل متقدمة من العمر والتربية والتعليم؟ ليس هناك إلا القدرة الإلهية ~~التي تمنح الأشخاص بعضا من لطفها الذي به يقول للشيء : ( @QUR@02 كن فيكون ~~) فلا مجال لوجود أجزاء إلهية في ما يتصوره الناس من أضاليلهم ، بل كل ما ~~هناك ، هو مظهر القدرة بالطريقة المألوفة أو غير المألوفة. # وانتهت الآية إلى إبراز الدعم والتأييد الإلهي القوي لعيسى عليه السلام في ~~مواجهة ms2020 «بني إسرائيل» ( @QUR@08 وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم ~~بالبينات ) حيث كف شرهم عنه ، لا سيما الكفار منهم ، ( @QUR@09 فقال الذين ~~كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) رموه بالسحر على عادتهم مع الأنبياء ~~الآخرين ، فهم لا يناقشون الأفكار التي يثيرونها في حياتهم ، ولا يتدبرون ~~المعاجز التي يقدمونها إليهم ، بل يرفضون ذلك كله بما اعتادوه من كلمات غير ~~مسئولة ، ولكن الله قهرهم PageV08P390 # بقوة القدرة التي أيد بها رسوله ، فلم يتركه وحده تحت رحمة الكافرين ، بل ~~«أوحى» إلى الحواريين ، أن يؤمنوا به وبرسوله ( @QUR@08 وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ). ومن المعلوم أن هذا الوحي لم ينزل عليهم ~~كما ينزل على الأنبياء ، بل هو من قبيل الإيحاء بالوسائل الطبيعية التي ~~يمهد بها الله للإنسان سبيل الإيمان من العقل والكتاب والإرادة ، أو من ~~قبيل الإلهام ، ولعله هو الأقرب هنا لمناسبته أكثر مع معنى الوحي الذي هو ~~لغة نوع من الإلقاء الخفي ، فكان أن استجاب الحواريون لنداء الله ، ( ~~@QUR@05 قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) فأعلنوا إيمانهم وطلبوا من الله ~~أن يشهد عليهم بالإسلام في ما يريدهم أن يعتقدوه ، وفي ما يكلفهم أن ~~يفعلوه. # * * * ### ||| ** أسئلة من وحي هذه الآيات والإجابة # وهناك عدة نقاط أمام هذه الآيات : # النقطة الأولى : كيف تكون هذه الآيات المتعلقة بعيسى عليه السلام نعمة على ~~والدته التي لم تشارك في ذلك؟ # والجواب ، أن من الممكن أن تكون النعمة على والدته من حيث إكرامها ~~بالكرامة الإلهية في إظهار قدرة الله في خلق عيسى عليه السلام من خلالها ، ~~واصطفاء الله لها وتطهيرها ورعايته لها في كل حياتها ، مع كون الآيات ~~المذكورة في الآية مختصة بعيسى عليه السلام . ومن الممكن أن تكون المسألة من ~~حيث إن النعمة التي تصل إلى الولد هي نعمة على الأم أيضا ، لأنه فرع منها ، ~~فما يصل إليه من الكرامة يصل إليها ، لأن الله يكرم الأم بإكرام ولدها. ~~والله العالم. PageV08P391 # النقطة الثانية : لماذا هذا التكرار في كلمة ( @QUR@01 بإذني ) أربع مرات ~~مع إمكان الاكتفاء بكلمة واحدة للدلالة على أن ما صدر عن ms2021 عيسى عليه السلام ~~ليس ناشئا من قدرته الذاتية بل هو ناتج عن قدرة الله سبحانه؟ # والجواب ، أن ذلك قد يكون واردا للتأكيد على رفض النسبة الذاتية الخاصة ~~في صدور هذه المعاجز المدهشة والقدرات العجيبة إلى عيسى عليه السلام ، ~~باعتبارهما أقرب إلى الأفعال الإلهية ، وبالتالي لبيان أن ذلك منطلق من إذن ~~الله له في القيام بذلك بالمعنى التكويني للإذن ، أي أن قدرته كانت مستمدة ~~من إعطاء الله له تلك الطاقة التي تنتج الأعاجيب ، وذلك لإبعاد فكرة الغلو ~~فيه وادعاء الألوهية له ، كما حدث بعد ذلك ، ولبيان أنه عبد من عباد الله ~~في الطاقات التي وهبها الله له مما هو خارج عن المألوف للبشر ، كما هو عبد ~~من عباد الله في الطاقات البشرية التي أعطاها له ، لأن الإعجاز الإلهي ~~الذاتي ظاهر في القدرات العادية وغير العادية على حد سواء في عظمة القدرة ~~الإلهية ، لأن الأشياء بطبيعتها لا تملك أية طاقة ذاتية بعيدا عما أودعه ~~الله فيها من القدرة الخاصة ، على أساس السببية التي تختلف بين المألوف ~~وغير المألوف ، والظاهر والخفي. والله العالم. # النقطة الثالثة : ربما يرى بعض العلماء والمفسرين أن هذه الآية والآيات ~~المماثلة تدل على ولاية أولياء الله التكوينية ، بحيث يتصرفون في عالم ~~التكوين من حيث القدرات العجيبة التي يزودهم بها ، فيتحركون في إدارة ~~الأمور في حركة الواقع الوجودي للأشياء ، كما يتحركون في إدارة الواقع ~~الرسالي للناس. # ولكننا ، مع التأكيد على الظاهر القرآني ، وهو أن الله يزود أنبياءه ~~وأولياءه ببعض القدرات الخاصة التي تتحرك أفعالا خارقة للمألوف في مستوى ~~العجائب ، لا نرى أن التعبير عنه بالولاية التكوينية صحيح ، لأن قضية ~~الولاية بمعناها المعروف توحي بالموقع الذي يملكه الولي التكويني الذي أريد له أن PageV08P392 # يتحرك في إرادة متعلق الولاية بإرادته وفاعليته في كل المساحة الولايتية ~~الكونية. # وهذا المعنى ليس مستفادا من إعطاء الله لعيسى هذه القدرة الخاصة ، لأنه ~~لا يدل إلا على العطية الخاصة في المورد الخاص من خلال حاجته إلى إظهار ~~المعجزة للناس كما هي حاجة موسى عليه السلام إليها في ms2022 اليد البيضاء وتحول ~~العصا إلى ثعبان ، فهي مسألة تتصل بالظروف الخاصة في الموارد الخاصة ، ولا ~~تتصل بتحول الذات إلى ذات ، تملك بالإذن الإلهي قدرة عامة تتحرك في الكون ~~لتديره بإذن الله ، بالطريقة التي يدير الله فيها الكون ، لا سيما وأن ~~ولاية الله تامة السببية في حركة التدبير الكونية ، فلا نقصان في ولايته في ~~الكون ليجعل وليا له. أما إذا أريد من ذلك أن الله يوظفهم للقيام بذلك كما ~~يوظف الملائكة بمعنى أن يكونوا وسائل للتدبير الإلهي ، فهذا مما لا دليل ~~عليه ، بل الدليل من القرآن على خلاف ذلك. # إن القرآن لا يثبت للأنبياء وللأولياء ، كآصف بن برخيا ، إلا بعض القدرات ~~الخاصة التي تنتج أعمالا خاصة للحاجة إليها في عالم التحدي والكرامة ، ولم ~~يثبت لهم أكثر من ذلك ، بل إنه يتحدث عن نقاط الضعف البشري الذي يتحركون به ~~في قدراتهم المحدودة مما لا يتناسب مع فكرة أنهم أولياء الكون من الناحية ~~التكوينية. والله العالم. # النقطة الرابعة : ما معنى إيحاء الله للحواريين ، هل هو على طريقة ~~الإيحاء للأنبياء بواسطة جبرائيل أو أن للوحي هنا معنى آخر؟ الظاهر والله ~~العالم أن الإيحاء بمعنى الإلهام الخفي الذي ينطلق من حركة الفطرة في النفس ~~التي تنطلق في حساباتهم الإيمانية من الدلائل والمعطيات المتوفرة لها في ~~دلالة الجانب الحسي على الجانب المعنوي مع بعض الألطاف الإلهية الروحية ~~التي يقوي الله بها العناصر الداخلية للإيمان للإنسان ، وربما كان PageV08P393 # الإيحاء من خلال رسالة السيد المسيح عليه السلام ودلائله. # وقد جاء في تفسير العياشي عن يوسف الصنعاني عن أبيه قال : «سألت أبا جعفر ~~محمد الباقر عليه السلام : ( @QUR@04 وإذ أوحيت إلى الحواريين )؟ قال : ~~ألهموا» (1). # النقطة الخامسة : جاء في معاني الأخبار بإسناده عن أبي يعقوب البغدادي ~~قال : «قال ابن السكيت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : لماذا بعث الله موسى ~~بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر ، وبعث عيسى بآلة الطب ، وبعث ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالكلام والخطب؟ # فقال أبو الحسن عليه السلام : إن الله تعالى لما بعث موسى عليه ms2023 السلام كان ~~الأغلب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عند ~~القوم وفي وسعهم مثله ، وبما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم ، وإن ~~الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات ، واحتاج الناس إلى الطب ، ~~فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيى لهم الموتى ~~وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله تعالى ~~بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب ~~والكلام والشعر ، فأتاهم من كتاب الله والموعظة والحكمة بما أبطل به قولهم ~~، وأثبت به الحجة عليهم. # قال ابن السكيت : «ما رأيت مثلك اليوم قط ، فما الحجة على الخلق اليوم؟ ~~فقال : العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه ، والكاذب على الله فيكذبه ، ~~قال ابن السكيت : هذا والله هو الجواب» (2). # ولعل قيمة هذا الحديث تكمن في الدلالة على أن قصة المعجزة ، في PageV08P394 # نوعيتها ، تنطلق من الواقع الثقافي الذي تتميز به الذهنية العامة للمجتمع ~~الذي يرسل إليه النبي ، من أجل أن تمثل النبوة قوة ثقافية غير عادية ، تصدم ~~الواقع الثقافي الذي ربما يبلغ حالة من الاستعلاء ، الذي قد يترك تأثيره ~~السلبي على واقع النبوة في حركة الرسالة في الناس ، لأن الوضع الطبيعي ~~للثقافة العامة قد يجعل النبي شخصا عاديا في النظرة الشعبية بحيث لا يتميز ~~عن الآخرين ، بل قد يتميزون عليه من ناحية اختصاصهم الذي يترك أثره على الناس. # وفي ضوء ذلك ، فإن المعجزة تمثل قمة التحدي لهذا الواقع بالدرجة التي ~~تشكل صدمة له من خلال المستوى الإعجازي الذي لا يمكن صدوره من قدرات بشرية ~~، فيدل على علاقته الرسالية بالله ، ولكن ربما لا تحتاج النبوة إلى المعجزة ~~لعدم وجود التحدي الصارخ في المسألة الثقافية المضادة ، بل تكون القضية ~~قضية رفض شعبي ذاتي لا يترك تأثيره الواقعي على حركة الرسالة من موقع النبي ~~، بحيث تكون المعجزة وعدمها على حد سواء ، وهذا ما نلاحظه في كثير من حالات ~~الأنبياء الذين لم يأتوا ms2024 بالمعجزة ، أو الذين جاؤوا بها أخيرا كما في قصة ~~نوح وإبراهيم عليه السلام . # وربما كانت القيمة الأخرى للمضمون الفكري في الحديث وهو كلام الإمام ~~الرضا عليه السلام على تقدير صحة الرواية عن العقل في غياب النبي صاحب ~~المعجزة أو في حالة عدم وعي الناس لتأثيراتها على وجدانهم الثقافي الذي لا ~~يملك دراسة الأمور بدقة وتحقيق ، أن العقل هو الحجة الإلهية التي أرادها ~~الله أن تقود الإنسان إلى التمييز بين الصادق على الله بما يمثله من الحجة ~~البشرية فيصدقه على أساس ذلك ، أو الكاذب عليه الذي لا يمثل الحجة فيكذبه. # وهذا هو المنهج الإسلامي في خط أهل البيت عليه السلام المرتكز على PageV08P395 # أساس الخط القرآني الذي يوحي بأن العقل هو حجة الله الفطرية على خلقه ~~الذي يتحرك ليحدد الحجة البشرية من الله والاتجاه العملي الذي يميز الحق من ~~الباطل والخير من الشر ، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. # * * * PageV08P396 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) @QUR@015 قالوا ~~نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من ~~الشاهدين (113) @QUR@022 قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ~~(114) @QUR@017 قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) (115) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يستطيع ): قال في مجمع البيان : الفرق بين الاستطاعة والقدرة ~~، أن الاستطاعة انطباق الجوارح للفعل ، والقدرة هي ما أوجب كون القادر عليه ~~قادرا ، ولذلك لا يوصف تعالى بأنه مستطيع ويوصف بأنه قادر (1). # ( @QUR@01 مائدة ): المائدة : الخوان ، قال الأزهري في تهذيب اللغة : هي ~~في المعنى مفعولة ولفظها فاعلة لأنها من العطاء ، وقد ماد زيد عمرا إذا ~~أعطاه ، PageV08P397 # وقيل : هي من ماد يميد إذا تحرك فهي فاعلة ... وماد به البحر يميد فهو ~~مائد إذا تحرك به ... وأصله الحركة (1)، ولعل إطلاق المائدة على الخوان أو ms2025 ~~الطعام لما يلازمها من التحرك والإخفاء. # ( @QUR@01 عيدا ): العيد اسم لما عاد البيت من شيء في وقت معلوم. قالوا ~~للخيال : عيد ، ولما يعود إليك من الحزن عيد ، وقال الليث : العيد كل يوم ~~مجمع ، وقال الراغب : العيد ما يعاود مرة بعد أخرى ، وخص في الشريعة بيوم ~~الفطر ويوم النحر ، ولما كان ذلك اليوم مجعولا للسرور في الشريعة كما نبه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : أيام أكل وشرب وبعال ، صار يستعمل العيد ~~في كل يوم فيه مسرة ، وعلى ذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا ) (2). # * * * ### ||| ** الحواريون يطلبون من عيسى إنزال مائدة من عند الله # آمن الحواريون بعيسى عليه السلام ، لكنهم أرادوا آية يستريحون إليها ، ~~ويحققون فيها بعض أمنياتهم الذاتية ، ويحصلون من خلالها على حالة الاطمئنان ~~القلبي التي تتطلب معرفة القضايا بالحس ، بعد معرفتها بالعقل ، لأن المعرفة ~~العقلية قد تقنع الفكر ببراهينها وحججها ، ولكن الحس يبقى عرضة للأوهام ~~والهواجس التي تمر به كمثل الأشباح ، وتمنحهم حجة ذاتية أمام خصوم الرسالة ~~، بالمستوى الذي يجعلهم شهودا على القضية بالطريقة الحسية المباشرة. كانوا ~~يريدون أن يشعروا بالخصوصية الحميمة في علاقتهم بعيسى عليه السلام ، وكانوا ~~يتساءلون ، فيما بينهم وبين أنفسهم ، عن منزلتهم عند PageV08P398 # الله سبحانه وتعالى ، بحيث تأتي استجابته تعالى كاشفة عن هذه المنزلة ، ~~وبالتالي كمحفز ومنشط لإيمانهم وفاعليته في الحياة. وهكذا كان ، رفعوا ~~طلبهم إلى عيسى عليه السلام بأن يسأل الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، ~~لكنهم صاغوا السؤال بطريقة ملفتة للنظر ، فقالوا له: ( @QUR@013 يا عيسى ~~ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) وهنا يتساءل ~~الإنسان : هل كانوا في شك من قدرة الله ، في ما يوحي به السؤال ، أو أن ~~هناك معنى آخر؟ ربما اختار البعض الشق الأول من السؤال ، على أساس رد الفعل ~~من عيسى عليه السلام ، في ما نقله الله عنه من قوله : ( @QUR@06 قال اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين )، فإن مواجهتهم بالأمر بالتقوى ، وإثارة موضوع ~~الإيمان أمامهم ، يدل على أن هذا الطلب يتنافى مع ms2026 خط الإيمان والتقوى. ولكن ~~بعضا من المفسرين رد على هذا الزعم ، بأنه ليس من الضروري أن يكون ذلك ~~موجها إليهم باعتبار الشك في قدرة الله ، بل من جهة أن هذا الطلب منهم يمثل ~~شيئا لا معنى له ولا مبرر ، لأن مثل هذه الاقتراحات تصدر غالبا من غير ~~المؤمنين للتعجيز ، أو لإثبات النبوة ، فلا تصدر من المؤمنين الذين يفرض ~~عليهم إيمانهم الثقة بقدرة الله على كل شيء ، لأن ذلك هو معنى الألوهية ~~التي تدعو إليها الرسالات السماوية. # وعلى ضوء هذا ، لا بد لنا من أن نطلب معنى آخر ، وقد جاء في بعض الأحاديث ~~أن معناه : هل تستطيع أن تطلب من ربك؟! ولعل هذا التفسير ينطلق من الأسلوب ~~المتعارف في طلب بعض الأشياء مما يعتقد الطالب بأن الشخص القادر على فعل ما ~~، لا يرفض تحقيق الطلب من خلال لطفه وكرمه وحاجة الطالب إليه ، كما يقول ~~بعض الناس لبعضهم البعض : هل تستطيع أن تفعل ذلك؟ ومراده أنك تستطيع ذلك ~~فافعله. وبذلك يطلق هذا الكلام في المورد الذي يثق فيه الإنسان بقدرة ~~المطلوب منه على ذلك ، أو في المورد الذي لا يثق بقدرته. وعلى هذا الأساس ، ~~يمكن لنا أن نتمثل في حوارهم الذي أداروه مع عيسى عليه السلام ، أنهم يقولون ~~له : ( @QUR@06 هل يستطيع ربك أن ينزل علينا )، فإذا PageV08P399 # كان يستطيع ذلك كما نعتقد وكما تعتقد أنت من خلال رسالتك ، فاطلب منه ذلك ~~، لأنك تستطيع أن تطلب منه ما يستطاع. وربما كانت الفكرة التي تدور حولها ~~الاستطاعة هي كون الشيء واجدا لشروطه الذاتية من توفر الحكمة فيه ، وقابلية ~~الطالبين لاستجابته لهم من حيث ارتباطه بمصلحتهم ، لأن الله لا يفعل شيئا ~~لا حكمة ولا مصلحة فيه للعباد. ويطلب عيسى عليه السلام منهم التراجع عن ذلك ~~الطلب ، لأنه لا ينسجم مع خط التقوى والإيمان ، لأن الذين يقترحون المعجزات ~~، هم الذين لا يؤمنون بها ، أو الذين لا يؤمنون إلا من خلالها. وعاد ~~الحواريون ليبرروا طلبهم ، ( @QUR@07 قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن ~~قلوبنا ) والقضية هي أنهم يتمنون أن يأكلوا ms2027 من طعام السماء ، ليحصلوا على ~~الطمأنينة القلبية التي تحب أن تضيف إلى المعرفة العقلية معرفة حسية ، ( ~~@QUR@08 ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ) وليعلموا علم اليقين ~~أنه مرسل من الله في ما بلغه إليهم عن الله ، ( @QUR@04 ونكون عليها من ~~الشاهدين ) فتكون حجتهم أقوى ، وموقفهم أشد ، في مواجهة المنكرين ~~والمرتابين. واستجاب الله لهم الدعاء بعد أن طالب عيسى عليه السلام منه ذلك ~~( @QUR@022 قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ) لتكون عيدا ~~للأولين والآخرين ، وآية للحق ، ورحمة من الله لهم ، وقال تعالى لعيسى ~~عليه السلام ( @QUR@05 قال الله إني منزلها عليكم ) إنه منزلها عليهم ، كما ~~طلبوا وكما أحبوا ، ( @QUR@012 فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين ). ولكن من شرط المعاجز أنها تطبق بالحجة على ~~مقترحيها ، فلا مجال معها لآية رحمة أو عفو أو مغفرة ، بل هو العذاب الشديد ~~الذي لا يعذب به أحدا من العالمين ، لأن الجحود ، بعد ذلك يمثل أقصى حالات ~~التمرد والكفران. # وهكذا وقفت الآيات عند هذا الحد ، فلم تتحدث عن طبيعة ما حدث PageV08P400 # بعد ذلك ، هل تراجعوا عن طلبهم بعد هذا التهديد ، فلم ينزلها الله عليهم ~~لذلك؟! أو أنهم استمروا على هذا الطلب ، وأن الله قد أنزلها عليهم ، كما ~~توحي بها كلمة ( @QUR@02 إني منزلها ) التي تدل على التحقيق ، وليس لنا أن ~~نفيض في ذلك كله ، بل نسكت على ما سكت الله عنه ، لأنه لا يتعلق بشأن من ~~شؤون العقيدة أو أمر من أمور العمل. وقد يبدو للبعض أن يعترض على هذه القصة ~~، فيقول : إن النصارى لا يعرفونها بما جاء به الإنجيل ، أو بما تناقلته كتب ~~التاريخ ، ولكن ذلك لا يصلح دليلا للنفي ، لأن من الممكن أن يكون قد سقط في ~~ما سقط من بعض آيات الإنجيل ، أو يكون مما أغفله المؤرخون ، أو لم يطلعوا ~~عليه ككثير من القضايا التي عاشت في التاريخ القديم. # * * * PageV08P401 ### ||| * الآيات # ( @QUR@045 وإذ قال الله يا عيسى ابن ms2028 مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ~~(116) @QUR@029 ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد (117) @QUR@011 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم (118) @QUR@024 قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك ~~الفوز العظيم (119) @QUR@011 لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل ~~شيء قدير ) (120) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نفسي ): جاء في مجمع البيان : النفس تقع على وجوه ، فالنفس : ~~نفس الإنسان وغيره من الحيوان وهي التي إذا فارقها خرج عن كونه حيا ، ومنه PageV08P402 # قوله : ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) [آل عمران : 185] ، والنفس أيضا ~~ذات الشيء الذي يخبر عنه ، كقولهم : فعل ذلك فلان نفسه ، والنفس أيضا : ~~الإرادة ... والنفس : الغيب ، يقال : إني لأعلم نفس فلان أي غيبه ، وعلى ~~هذا تأويل الآية ، ويقال : النفس أيضا : العقوبة ، وعليه حمل بعضهم قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 ويحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 28] (1). # والظاهر أن بعض هذه المعاني ليست للفظ بل هي من لوازم المعنى وايحاءاته ~~مثل إرادة العقوبة من النفس ، فإن الظاهر من تحذير الله الإنسان نفسه ، ما ~~يصدر من ذاته من العقوبة ، وكذلك الغيب ، باعتبار أن ما في النفس غيب ~~بالنسبة إلى الإنسان الآخر وهكذا. # ( @QUR@01 الرقيب ): أي الحافظ ، وأصله من الترقب وهو الانتظار ورقيب ~~القوم حارسهم. # ( @QUR@01 شهيد ): الشاهد لما يكون ، ويجوز أن يكون بمعنى العليم. # * * * ### ||| ** حوار الله وعيسى (ع) يوم القيامة # وهذا أسلوب من أساليب الحوار القرآني الذي يراد من خلاله إعطاء الفكرة ~~صفة القصة التي يدور حولها الحوار من أجل التأكيد على بعض الجوانب الحية ~~فيها ، كوسيلة من وسائل إثباتها بطريقة حاسمة أو نفيها كذلك. وقد جاءت هذه ~~الآيات لتعالج ما ms2029 حدث للنصارى الذين ينتسبون إلى PageV08P403 # عيسى عليه السلام ، في اعتقادهم بألوهية السيد المسيح وعبادتهم له ~~ولوالدته ، فتؤكد أن عيسى عليه السلام غريب عن الموضوع كليا ، فليس له دخل ~~في ذلك من قريب أو من بعيد ، بل كانت رسالته على النقيض من ذلك ، لأنها ~~قامت على توحيد الله في العقيدة والعبادة ، فليس لأي بشر الحق في أن بعيدا ~~أحدا من دون الله مهما كانت قيمته ، وليس لأي إنسان أن يعتقد في نفسه ~~العظمة بالمستوى الذي يتحول فيه إلى إله أو ما يشبه الإله ، فضلا عن أن يرى ~~في ذاته تجسيدا للإله ، أو يرى الناس فيه ذلك. وقد أدار الله الموضوع ~~بطريقة الحوار بينه وبين عيسى عليه السلام في يوم القيامة ، على الطريقة ~~القرآنية التي تتحدث عن المستقبل بصيغة الماضي بالنظر إلى أنه محقق الثبوت. ~~فقد قال الله له وهو يستعرض له الانحرافات التي حدثت من بعده : ( @QUR@09 ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) إن الناس تعبدك وتتقرب ~~إليك ، وتقدسك وتتخذك إلها ، كما أنهم يعبدون أمك فيخشعون لها ويخضعون ~~لتماثيلها ، كما يفعلون مع الله ، فكأنهم يتخذونها إلها من دون الله ، ~~تماما كما جاء في الآية الكريمة : ( @QUR@05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ~~[الجاثية : 23] فإن اتخاذ الهوى إلها لا يعني إلا اتباعه وطاعته ، وترك ~~طاعة الله في ما أمر الله به أو نهى عنه ، فهل كان ذلك من خلال تعاليمك؟ ~~وهل كنت ترضى بذلك؟ ولكن عيسى عليه السلام يقف ، من خلال الحوار ، وقفه ~~الخاشع الخاضع لربه ، الرافض لهذا الفكر الذي لا يتناسب مع عظمة الله ، ~~التي تفرض على الناس توحيده وتنزيهه عن كل شريك ، ليسبح الله تدليلا على ~~أنه يعيش الشعور بالعظمة في أعلى مستوياتها : ( @QUR@02 قال سبحانك ) ~~تعظيما لك وتنزيها عن كل ما خالف مقامك ، ( @QUR@09 ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق ). # إن الإنسان الذي يحترم نفسه هو الذي يقف في حديثه عنها عند حدودها ~~الذاتية في ما تملكه من طاقات ، وفي ما تتصف به من صفات ، ولا يتعدى ذلك ms2030 ~~إلى الدرجات التي لم يبلغها ، أو المواقع التي لا يملكها ، كما يفعل PageV08P404 # الإنسان الجاهل الذي لا يعرف قدر نفسه ، أو الذي يقول عن نفسه ما ليس له ~~بحق في ما يعرفه من حدود نفسه ، ولست يا رب في هذا الموقع ، فإني عبدك ~~ورسولك الذي يعرف كيف يعيش العبودية لك ، وكيف يحس بالانسحاق أمام ألوهيتك ~~، في كل ما لك من الحق ، وفي ما علي من الحق. وماذا بعد ذلك؟ لماذا أقف يا ~~رب موقف الدفاع عن نفسي؟ إنه موقف الذي يحتاج في إثبات براءته إلى بينة ، ~~وليس موقفي هو هذا ، لأنني أقف أمامك أنت الله الذي ( @QUR@05 إن كنت قلته ~~فقد علمته )، فأنت ( @QUR@04 تعلم ما في نفسي )، وتحيط بكل شيء يفكر به ~~الإنسان أو يقوله أو يعمله ، ( @QUR@05 ولا أعلم ما في نفسك )، لأن علمي ~~مستمد من علمك ، فلا يحيط بشيء إلا ما ألهمتني إياه ، فكيف لي الإحاطة بما ~~في نفسك ، ( @QUR@04 إنك أنت علام الغيوب ) ف ( @QUR@05 إن كنت قلته فقد ~~علمته )، وأنت تعلم أنني لم أقل لهم شيئا من ذلك ، لأن ذلك هو الباطل الذي ~~لا يحق لي أن أفكر به ، فكيف يحق لي أن أقوله! ( @QUR@07 ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به )، لأنى عبد ورسولك الذي أمرته بإبلاغ رسالتك لعبادك ليعبدوك ~~وليوحدوك ، فلا يشركوا بك شيئا ، وقد قلت لهم ( @QUR@05 أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم ) وشرحت لهم في جميع مراحل حياتي عند ما كنت معهم أنني مثلهم عبد ~~مربوب لك لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا بك ، وأنني لم أفعل ما فعلته من ~~خوارق الإعجاز إلا بإذنك وبقدرتك ، من دون أن يكون لي فيها شيء ذاتي ينطلق ~~من قدرة الذات على الإبداع ، وطلبت منهم أن يعبدوك ، لأن ذلك هو سر ~~الاعتراف بالربوبية. # وقد يخطر بالبال سؤال ، هل هذه الكلمة هي كل رسالة عيسى؟ وكيف يمكن أن لا ~~تكون هناك كلمة أخرى في الوقت الذي كان الإنجيل يمثل حجما كبيرا في مختلف ~~جوانب الحياة من النصائح والمواعظ والتعاليم؟ والجواب عن ذلك : إن هذه ms2031 ~~الكلمة تختصر كل تطلعات الرسالة وامتداداتها ، لأن العبادة لله تتمثل في ~~تحرير النفس من الخضوع لكل شيء غير الله ، سواء كان شخصا ، أو جهة ، أو ~~صنما ، وأن تخضع لله في كل شأن من شؤون حياتك ، فتطيعه في PageV08P405 # ما أمر به فتفعله ، وفي ما نهى عنه فتتركه ، وفي ما رسمه من وسائل وأهداف ~~فتلتزم بها ، وفي ما أوحى به من عقائد ومفاهيم فتعتقد بها .. وهكذا تتسع ~~العبادة لكل قضايا الحياة وأوضاعها ، وسبلها ، ووسائلها ، وغاياتها ، فيمثل ~~قيامك بكل مسئولياتك الفردية والاجتماعية ، المعنى الأعمق للعبادة ، وتكون ~~الصلاة والصوم والحج ونحوها مظهرا من مظاهرها ، لا كل شيء فيها ، وبذلك ~~تكون كل آفاق الرسالة وتحركاتها لونا من ألوان العبادة التي تحول الحياة ~~كلها إلى مسجد ، يتمثل فيها السجود لله في أكثر من شكل. # ونلاحظ في هذا المجال ، أن عيسى عليه السلام لم يقتصر في جوابه على نفي ما ~~قالوه ، بنفي تبليغه لهم ، بل تعدى ذلك إلى ما أمرهم به ، ليكون نفيه حجة ~~عليهم في ما قالوه ، كما يكون ما بلغه حجة عليهم لإثبات انحرافهم عن خط ~~الله ، والذي التزم به من خلال الالتزام بالرسالة جملة وتفصيلا. # ويتابع عيسى عليه السلام الحديث عن عدم مسئوليته عن هذا الفكر الذي يسيرون ~~عليه ، ( @QUR@06 وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) فقد كان شهيدا عليهم ما ~~دام معهم ، يراقب تحركاتهم وكلماتهم ، ويعرف الخطأ من الصواب في ذلك كله ، ~~ويعرف المطيع والعاصي ، فيعظ هذا ، وينصح ذاك ، ويشجع آخر ، ويؤدي دور ~~الشهادة العملية عليهم ، لأن دور النبي ليس دور الشاهد المتفرج. # وهكذا يبدو لنا الفرق بين شهادة النبي على الأمة وشهادة الأمة على نفسها ~~وعلى غيرها ، وبين شهادة بقية الشهداء في الدعاوي والقضايا العامة. فإن ~~هؤلاء لا يمثلون إلا دور المتفرج الذي يمارس ويسمع ، بينما يكون دور ~~الأنبياء والأمة دور الشاهد الفاعل الذي يشاهد الانحراف ويتدخل فيه من أجل ~~تغييره ، ويتحمل مسئوليته بقدر طاقته على ذلك كله ، ولذلك حصر الشهادة ~~عليهم في حالة وجوده بينهم. أما بعد ذلك ، فهو لا يعرف من ms2032 أمرهم شيئا ، كما ~~لا يتحمل فيهم أية مسئولية ، ويبقى ذلك كله لله ، فهو الرقيب عليهم في PageV08P406 # كل ما قالوه وفي كل ما فعلوه ، وفي جميع الأحوال ، فإن النبي لا يتحمل ~~المسؤولية إلا من حيث الإبلاغ والإنذار ، فلا مسئولية عليه في ما انحرفوا ~~به من القول والعمل ، إذا لم يستجيبوا له ولم يطيعوه ، ولم يقدر على تغيير ~~ما هم فيه. وليست الآية في مقام تحميله مسئولية ذلك ، لأن الله يعلم أن ~~الأنبياء غير مسئولين عن انحراف أمتهم في حياتهم ، فكيف يتحملون المسؤولية ~~بعد وفاتهم؟ بل كانت الآية واردة في مقام إقامة الحجة عليهم بهذا الأسلوب. # * * * ### ||| ** إسلام الأمر لله منتهى الروح الرسالية # وتأتي كلمة ( @QUR@02 فلما توفيتني ) لتثير الجدل فيها في أنها بمعنى ~~الموت ، أو بمعنى بلوغ الحد في الحياة على أن يكون ذلك بمعنى التوفية أي ~~بلوغ الشيء حده. وقد تحدثنا عن ذلك بعض الحديث في ما قدمناه من تفسير الآية ~~الكريمة ( @QUR@04 إني متوفيك ورافعك إلي ) [آل عمران : 55] ذكرنا هناك أن ~~الوصول إلى نتيجة حاسمة في هذا الأمر ليس مشكلة فكرية عقيدية أو عملية ، بل ~~نترك لله إجمال ما أجمله مما لم يكلفنا بعلمه. وتتصاعد الروح الرسولية في ~~إسلام الأمر كله لله الذي بيده العفو وبيده العقاب ( @QUR@09 كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد )، و ( @QUR@04 إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~) وملكك ، تتصرف بهم كيف تشاء ، لا يملك أحد غيرك ما تملكه منهم ، فلك أن ~~تعاقبهم على ما جنوه وفعلوه من التمرد على طاعتك بعد إقامة الحجة عليهم من ~~خلال ما بلغه رسلك من رسالتك. # * * * ### ||| ** العفو من موقع القدرة # ( @QUR@07 وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) الذي لا ينتقص من عزته ~~شيء ، في PageV08P407 # ما يقوم به الناس من معاص ، وفي ما يقابلهم به من العفو والمغفرة ، لأنه ~~العفو من موقع العزة والقدرة ، لا من موقع الذلة والإلجاء كما يفعله الناس ~~، مما يجعل من العفو مظهر قدرة ، كما هو العذاب مظهر قوة ، وهو في موقع ~~الحكمة من رعايتك لما يصلح عبادك وما يحقق ms2033 لهم كمالهم. # * * * ### ||| ** يوم ينفع الصادقين صدقهم # ( @QUR@07 قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم )، إن الموقف هنا هو ~~موقف الصادقين الذين صدقوا الله العقيدة ، كما صدقوه القول والعمل ، فهو ~~الذي ينفعهم ويرفع منزلتهم عند الله. أما الكاذبون المبطلون الذين كذبوا ~~رسول الله وتمردوا على رسالته ، وكذبوا على أنفسهم وعلى الناس ، أما هؤلاء ~~، فسيجزون جزاء كذبهم وانحرافهم. ولعل المتأمل يستوحي من هذه الآية قيمة ~~الصدق في حسابات التقويم عند الله ، وشموليته لكل الأعمال التي يقوم بها ~~الإنسان ، بحيث إن كل معاني الإيمان ومواقفه وتطلعاته في آفاق الإنسان ~~المؤمن ، تمثل موقف صدق ، في ما يمثله الصدق من الارتباط بالحقيقة ، لانه ~~التعبير الواضح عن مطابقة الظاهر للباطن ، وموافقة الكلمة للواقع ، وانسجام ~~العمل مع الخط المستقيم للعقيدة والشريعة. وبهذا يلتقي موقف الصدق بالموقف ~~الحق ، ويتمثل الصادقون في حركة العقيدة في الحياة ، كأنموذج للناس الذين ~~يعيشون المعاناة في الدنيا ، من خلال ما تفرضه مواقف الصدق من مآس وآلام ~~وخسائر مادية ، وينطلقون في مواقف الفوز في الآخرة ، انطلاقا من محبة الله ~~لهم ، في ما أعلن الله لرسله أنه يحب الصادقين وانطلق الحديث عن الخير الذي ~~ينتظر الصادقين عند الله ( @QUR@09 لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا )، فهناك النعيم الذي يعيش الإنسان معه في متعة روحية وجسدية مع كل PageV08P408 # آفاق الخلود وامتداداته ، ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ) فقد ~~أطاعوا الله في حياتهم فنالوا رضاه بذلك ، وقد عاشوا الشعور الدائم ~~بالاطمئنان لقضاء الله وقدره ، فهم راضون عند الشدة ، وراضون عند الرخاء ، ~~وهم مرتاحون للعافية ، كما هم مرتاحون للبلاء ، لأنهم يعرفون ، من موقع ~~إيمانهم ، أن الله لا يقضي لهم إلا بما يصلح أمرهم ويرفع درجتهم. وهكذا ~~يعيشون الرضى عن الله في الآخرة في ما يغدقه عليهم من لطفه ورحمته. # ( @QUR@03 ذلك الفوز العظيم ) الذي لا فوز أعظم منه ، وأي فوز أعظم من أن ~~يعيش الإنسان الانسجام المطلق مع الله في الدنيا والآخرة ، انسجاما تعبق ~~أجواؤه بالروحية الفياضة التي تغمر القلب والشعور معا ، بالمحبة المتبادلة ~~بينهم وبين الله ، هذه المحبة ms2034 التي تمثل السعادة ، كل السعادة ، والفوز ، ~~كل الفوز ، في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** لله ملك السموات والأرض # ( @QUR@011 لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ) تلك ~~هي الحقيقة التي تفرض نفسها على الكون والحياة ، وتحدد للإنسان موقعه في ~~أجواء العبودية المطلقة أمام الألوهية المطلقة ، فلله الملك كله وللإنسان ~~الحاجة كلها ، التي تربطه بالله في كل شيء ، لتعطيه الغنى من الله في كل شيء. # وتلك هي قصة الإسلام في كل مجالاته الروحية والعملية ، وتلك هي قصة ~~الإنسان في الحياة ، في انطلاقته في رحاب الله. والحمد لله رب العالمين. # * * * PageV08P409 ### | الفهرس # تفسير سورة المائدة [1 120] # سبب ~~التسمية.............................................................. 7 # أغراض هذه ~~السورة.......................................................... 8 # الآية ~~[1]..................................................................... 10 # معاني ~~المفردات............................................................ 10 # مدخل عام .. دعوة المؤمنين إلي الوفاء ~~بالعقود................................ 11 # حرية التعاقد في ~~الإسلام.................................................... 17 # أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام................................................... 18 # المراد من بهيمة ~~الأنعام...................................................... 19 # الآية ~~[2]..................................................................... 21 # معاني ~~المفردات............................................................ 21 # مناسبة ~~النزول............................................................. 22 PageV08P411 # لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام.......................................... 23 # التعاون أساس تحقيق البر والتقوي في حياة ~~الناس............................... 25 # القران وشروط ~~التصرف.................................................... 28 # الآيتان [3 ~~4]................................................................ 31 # معاني ~~المفردات............................................................ 31 # مناسبة ~~النزول............................................................. 33 # التقنين بين الدين والمبادئ ~~الوضعية.......................................... 36 # طاعة الله يجب أن تكون ~~عمياء............................................. 37 # هل ذبح الحيوان فعل غير ~~إنساني!........................................... 39 # الاستقسام بالأزلام .. ~~والقمار.............................................. 41 # هل الاستخارة من قبيل الاستقسام ~~بالأزلام!.................................. 42 # الاستخارة ليست طريقا لشل ~~الفكر......................................... 43 # اليوم يئس الذين ~~كفروا..................................................... 44 # إكمال الدين .. بولاية علي (عليه ~~السلام)................................... 45 # حلية أكل اللحوم المحرمة عند ~~الاضطرار....................................... 49 # الآية ~~[5]..................................................................... 53 # معاني ~~المفردات............................................................ 53 # حلية الطيبات والمحصنات ~~للمؤمنين........................................... 54 # الآية ~~[6]..................................................................... 60 # معاني ~~المفردات............................................................ 60 # كيفية الوضوء قبل ~~الصلاة.................................................. 61 # الاختلاف في قراءة ~~«وأرجلكم»............................................. 63 # التيمم ~~طهارة.............................................................. 65 # الآية ~~[7]..................................................................... 69 PageV08P412 # معاني ~~المفردات............................................................ 69 # الدعوة إلي ذكر ميثاق ~~الله.................................................. 69 # الآية ~~[8]..................................................................... 72 # معاني ~~المفردات............................................................ 72 # مناسبة ~~النزول............................................................. 73 # العدل شعار ~~الإسلام....................................................... 74 # الآيتان [9 ~~10].............................................................. 76 # معاني ~~المفردات............................................................ 76 # الأجر للمؤمنين والجحيم ~~للكافرين........................................... 76 # الآية ~~[11].................................................................... 78 # معاني ~~المفردات............................................................ 78 # مناسبة ~~النزول............................................................. 79 # الخلاص من كيد الأعداء نعمة ~~إلهية.......................................... 81 # الآيتان ms2035 [12 ~~13]............................................................. 82 # معاني ~~المفردات............................................................ 82 # اليهود ونكرانهم ميثاقهم مع ~~الله.............................................. 83 # الآية ~~[14].................................................................... 87 # معاني ~~المفردات............................................................ 82 # النصاري يتنكرون ~~للميثاق.................................................. 88 # الآية وتحريف ~~الإنجيل...................................................... 90 # فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء............................................... 90 # الآيتان [15 16]....................................................... 92 # معاني ~~المفردات............................................................ 92 # القرآن يهدي إلي سبل ~~السلام............................................... 93 PageV08P413 # الآية ~~[17].................................................................... 98 # معاني ~~المفردات............................................................ 98 # موقف القرآن من مؤلهي ~~المسيح.............................................. 98 # ولله ملك السماوات والإرض.............................................. 101 # الآية ~~[18].................................................................. 102 # معاني ~~المفردات.......................................................... 102 # مناسبة ~~النزول........................................................... 102 # زعم اليهود والنصاري أنهم أحباء ~~الله........................................ 103 # الله يدحض دعواهم ~~الباطلة............................................... 105 # الآية ~~[19].................................................................. 107 # معاني ~~المفردات.......................................................... 107 # مناسبة ~~النزول........................................................... 108 # إلقاء الحجة علي أهل الكتاب بمجيء البشير ~~والنذير......................... 108 # الآيات [20 ~~26]........................................................... 112 # معاني ~~المفردات.......................................................... 113 # صورة من صور انحراف بني ~~إسرائيل......................................... 113 # وقفات أمام ~~القصة....................................................... 117 # الآيات [27 ~~31]........................................................... 124 # معاني ~~المفردات.......................................................... 125 # صراع الخير والشر في قصة قابيل ~~وهابيل..................................... 125 # نبأ قابيل ~~وهابيل......................................................... 127 # التقوي هي الأصل....................................................... 129 # لا استسلامية هابيل ~~لقابيل............................................... 132 # إغراءات ~~القتل........................................................... 133 PageV08P414 # منزلة الحس والتجربة في نظر ~~القرآن......................................... 134 # كيف نستوحي القصة!................................................... 137 # الآية ~~[32].................................................................. 139 # معاني ~~المفردات.......................................................... 139 # القصة .. كمنطلق لتشريع القصاص........................................ 140 # كيف نستوحي الآية!.................................................... 143 # معني ~~التأويل............................................................ 144 # الآيتان [33 ~~34]........................................................... 146 # معاني ~~المفردات.......................................................... 146 # جزاء المفسدين في ~~الإرض................................................. 147 # كيف نفسر «قسوة» هذا التشريع!........................................ 154 # الآية ~~[35].................................................................. 156 # معاني ~~المفردات.......................................................... 156 # اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة............................................... 157 # الآيتان [36 ~~37]........................................................... 161 # معاني ~~المفردات.......................................................... 161 # لا فدية للكافرين يوم ~~القيامة.............................................. 161 # الآيات [38 ~~40]........................................................... 163 # معاني ~~المفردات.......................................................... 163 # مناسبة ~~النزول........................................................... 163 # حد السرقة في ~~الإسلام................................................... 165 # بين حد السرقة والمصلحة ~~العامة........................................... 167 # كيفية ~~القطع............................................................ 168 # الآيات [41 ~~43]........................................................... 171 PageV08P415 # معاني ~~المفردات.......................................................... 172 # القران والتصدي الواقعي لظاهرة ~~النفاق..................................... 173 # لا سبيل إلي هداية من لم يأخذ بأسباب ~~الهداية.............................. 174 # وإن حكمت فاحكم بالعدل.............................................. 178 # ماذا نستوحي من هذه الآيات!............................................ 179 # هل يجوز تحاكم غير المسلم عند القاضي ~~المسلم!............................. 181 # الآيات [44 ~~50]........................................................... 183 # معاني ~~المفردات.......................................................... 184 # مناسبة ~~النزول........................................................... 185 # التوراة والإنجيل والقرآن كتب هدي ~~ونور.................................... 186 # مدخل عام............................................................. 187 # للكافر درجات ومراتب................................................... 188 # شرعة القصاص في ms2036 ~~التوراة................................................. 189 # التشديد في القصاص لحفظ الأمن الاجتماعي............................... 190 # العفو كمبدإ للعلاقات ~~الإنسانية........................................... 191 # ظلم الحاكم أخطر من ظلم ~~المحكوم......................................... 191 # الإنجيل كتاب هدي أيضا................................................. 192 # هل لأحكام الإنجيل سيادة في وقتنا ~~الحاضر!................................. 194 # اليهود والنصاري سواء في رفض الدين ~~الحق.................................. 195 # وقفة مع صاحب ~~الميزان................................................... 196 # القرآن مهيمن علي ما ~~عداه............................................... 197 # وجوب التزام الحق في ~~الحكم............................................... 198 # المراد بالشرعة ~~والمنهاج.................................................... 198 # موقع شرعة اليهود والنصاري من شريعة ~~الإسلام............................. 199 # فكرة الابتلاء وتعدد ~~الشرائع............................................... 201 PageV08P416 # تأكيد علي الحكم بما أنزل ~~الله............................................. 202 # تحذير للرسول من مغبة ~~الافتتان............................................ 203 # الآثار الاجتماعية ~~للذنوب................................................ 203 # الحكم حكمان: حكم الجاهلية وحكم الله................................... 205 # ماذا نستوحي من هذه الآيات!............................................ 208 # الآيات [51 ~~53]........................................................... 211 # معاني ~~المفردات.......................................................... 211 # مناسبة ~~النزول........................................................... 213 # أسس العلاقة مع اليهود ~~والنصاري......................................... 214 # المحبة والتعاون أساس قوة العلاقات ~~الإنسانية................................. 215 # المناعة الداخلية ضرورة إزاء العلاقة مع ~~اليهود................................ 216 # المراد من كلمة ~~الولاية..................................................... 218 # المنافقون وتولي غير ~~المسلمين............................................... 218 # عبر لا بد منها ~~للمسلمين................................................. 220 # الآية ~~[54].................................................................. 221 # معاني ~~المفردات.......................................................... 221 # المؤمنون المخلصون واستبدالهم ~~بالمرتدين...................................... 222 # الآيتان [55 ~~56]........................................................... 226 # معاني ~~المفردات.......................................................... 226 # مناسبة ~~النزول........................................................... 227 # خط الولاية الذي يجب ~~التزامه............................................. 228 # ولاية الإمام علي من خلال ~~الآية........................................... 229 # لمحة خاطفة عن المناقشات حول ~~الفكرة..................................... 231 # الآيتان [57 ~~58]........................................................... 233 PageV08P417 # معاني ~~المفردات.......................................................... 233 # مناسبة ~~النزول........................................................... 234 # الحرب المعنوية ضد ~~المسلمين............................................... 234 # الكفر ومشكلة الجهل.................................................... 237 # الآيات [59 ~~63]........................................................... 238 # معاني ~~المفردات.......................................................... 238 # مناسبة ~~النزول........................................................... 240 # دعوة إلي محاورة أهل ~~الكتاب.............................................. 241 # ماذا نستوحي من هذه الآيات!............................................ 244 # التمايز بين العمل ~~والصنع................................................. 245 # الآيات [64 ~~66]........................................................... 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # مناسبة ~~النزول........................................................... 249 # الله في التصور ~~اليهودي................................................... 249 # حقد اليهود المستعصي................................................... 251 # اليهود محكومون بالعداوة فيما بينهم إلي يوم ~~القيامة........................... 252 # حروب اليهود لن تحقق أغراضها........................................... 253 # اليهود سعاة ~~فساد....................................................... 254 # الله لا يحب ~~المفسدين.................................................... 255 # الإيمان مدخل لتكفير ~~الذنوب............................................. 256 # إقامة حكم الله أساس للرخاء ~~الاجتماعي................................... 257 # ليس كل اليهود والنصاري سواء........................................... 258 # الآية ~~[67].................................................................. 260 # مناسبة ~~النزول........................................................... 260 ms2037 PageV08P418 # الثبات في حمل ~~الرسالة.................................................... 267 # كيف نستوحي هذه الآية!................................................ 268 # ماذا يستوحي العاملون لله من ذلك ~~كله!................................... 269 # الآية ~~[68].................................................................. 272 # معاني ~~المفردات.......................................................... 272 # مناسبة ~~النزول........................................................... 272 # المعني الحقيقي للانتماء إلي الكتب ~~السماوية................................. 273 # الحقد والحسد في أساس الجمود ~~والكفر..................................... 274 # لا تحزن علي ~~الكافرين.................................................... 276 # الآية ~~[69].................................................................. 277 # مقياس الأمن يوم ~~القيامة.................................................. 277 # تفسير الآيتان [70 ~~71]..................................................... 279 # معاني ~~المفردات.......................................................... 279 # نقض بني إسرائيل ميثاقهم مع ~~الله.......................................... 280 # الآيات [72 ~~77]........................................................... 282 # معاني ~~المفردات.......................................................... 283 # المسيح يشهد علي نفسه ~~بالعبودية......................................... 284 # التثليث انحراف عن وحدانية ~~الله........................................... 285 # دعوة إلي ~~التوبة.......................................................... 286 # المسيح رسول وأمه صديقة................................................ 286 # نهي عن الغلو في الدين واتباع ~~الأهواء....................................... 288 # الآيات [78 ~~81]........................................................... 289 # معاني ~~المفردات.......................................................... 289 # مناسبة ~~النزول........................................................... 290 PageV08P419 # عدم النهي عن المنكر يؤدي إلي خراب ~~المجتمعات............................ 291 # ولاية الكافرين لا تلتقي والإيمان بالله ~~ورسوله................................ 292 # الآيات [82 ~~86]........................................................... 295 # معاني ~~المفردات.......................................................... 295 # مناسبة ~~النزول........................................................... 296 # النصاري الأقرب مودة للذين ~~آمنوا......................................... 299 # اليهود غدر دائم ~~بالمسلمين............................................... 300 # اليهود وعقدة الزهو ~~والغرور............................................... 301 # النصاري في منتجع القيم ~~الروحية........................................... 302 # الديانات السماوية وعقد ~~أصحابها......................................... 304 # التواضع للحق أساس الانفتاح علي ~~الآخر................................... 305 # الآيتان [87 ~~88]........................................................... 309 # مناسبة ~~النزول........................................................... 309 # حديث لا يخلو من ~~مبالغة................................................. 311 # الإسلام يوازن بين الدنيا ~~والآخرة........................................... 311 # الاستقامة أن تأخذ بجوانب الرفعة ~~والإلزام................................... 313 # لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله............................................... 314 # كلوا الحلال ~~الطيب...................................................... 316 # الآية [آية ~~89]............................................................... 317 # معاني ~~المفردات.......................................................... 317 # مناسبة ~~النزول........................................................... 318 # اليمين التزام أمام ~~الله..................................................... 318 # اليمين قسمان: لغو وعقد................................................ 319 # اليمين مؤشر ~~التزام....................................................... 321 PageV08P420 # الآيات [90 ~~92]........................................................... 322 # معاني ~~المفردات.......................................................... 322 # مناسبة ~~النزول........................................................... 323 # هل هناك تدرج في تحريم ~~الخمر!............................................ 326 # وقفة مع ~~الرواية.......................................................... 327 # الخمرة محرمة في كل ~~الشرائع............................................... 328 # معاني الميسر ~~والأنصاب................................................... 328 # أسلوب القرآن الخاص في معالجة العادات ~~المضرة.............................. 330 # العداوة والبغضاء ثمار الخمر ~~والميسر......................................... 332 # الإيمان فعل وعي والخمر ~~يضاده............................................ 333 # دعوة إلي إطاعة الله ~~ورسوله............................................... 334 # الآية ~~[93].................................................................. 336 # لا جناح علي المؤمنين في ما ~~طعموا......................................... 336 # وقفة مع قوله تعالي: ( @QUR@02 فيما ms2038 طعموا ~~)........................................ 337 # رأي صاحب الميزان...................................................... 337 # الآية واردة لتقرير حقيقة ~~عامة............................................. 338 # المحافظة علي التقوي والعمل الصالح .. قضية المؤمن ~~الأساس................... 340 # الآيات [94 ~~99]........................................................... 342 # معاني ~~المفردات.......................................................... 342 # مناسبة ~~النزول........................................................... 345 # تركيز الشعور بالغيب وروح ~~السلام......................................... 346 # الكعبة البيت الحرام مركز سلام قياما لمعاش ~~الناس............................ 346 # الآية ~~[100]................................................................ 351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 PageV08P421 # القيمة في الإسلام للنوع لا ~~للكم........................................... 352 # كل حلال طيب وكل حرام خبيث........................................ 353 # خط التقوي خط الحلال الطيب........................................... 354 # الديمقراطية في ميزان النوع ~~والكم........................................... 355 # الآيتان [101 ~~102]........................................................ 357 # معاني ~~المفردات.......................................................... 357 # مناسبة ~~النزول........................................................... 358 # منهج التعاطي مع أحكام ~~الله............................................. 359 # وقفة مع ~~الميزان............................................................ 36 # الآيتان [103 ~~104]........................................................ 364 # معاني ~~المفردات.......................................................... 364 # القرآن ينتقد التحريم المفتري علي ~~الله....................................... 365 # لا قداسة لسنن الآباء ~~والأجداد............................................ 366 # ليس لنا من الماضي إلا دروسه ~~وعبره....................................... 367 # الآية ~~[105]................................................................ 369 # كل إنسان يتحمل مسئولية نفسه.......................................... 369 # الآية .. ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر............................. 370 # احتمال آخر لحركة الآية .. ونقاش ~~له...................................... 372 # الآيات [106 ~~108]........................................................ 374 # معاني ~~المفردات.......................................................... 374 # في أجواء الشهادة علي ~~الوصية............................................. 375 # مناسبة ~~النزول........................................................... 377 # لا بد للقاضي من التدقيق في ~~البينات....................................... 380 # الآية ~~[109]................................................................ 382 PageV08P422 # الرسل في موقف المسؤولية بين يدي الله ~~تعالي............................... 382 # مع صاحب الميزان....................................................... 384 # الآيتان [110 ~~111]........................................................ 388 # معاني ~~المفردات.......................................................... 388 # تذكير الله للنبي عيسي (عليه السلام) بنعمه ~~عليه............................ 389 # أسئلة من وحي هذه الآيات ~~والإجابة....................................... 391 # الآيات [112 ~~115]........................................................ 397 # معاني ~~المفردات.......................................................... 397 # الحواريون يطلبون من عيسي إنزال مائدة من عند ~~الله.......................... 398 # الآيات [116 ~~120]........................................................ 402 # معاني ~~المفردات.......................................................... 402 # حوار الله وعيسي (عليه السلام) يوم ~~القيامة................................. 403 # إسلام الأمر لله منتهي الروح ~~الرسالية....................................... 407 # العفو من موقع ~~القدرة.................................................... 407 # يوم ينفع الصادقين صدقهم............................................... 408 # لله ملك السموات والإرض............................................... 409 ### |||| * الحمدلله رب العالمين PageV08P423 ![](https://books.rafed.net/Books/3270_tafsir-men-wahi-alquran-09/images/image001.gif) PageV09P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3270_tafsir-men-wahi-alquran-09/images/image002.gif) PageV09P003 ### | سورة الأنعام ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وخمس وستون PageV09P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| ** سورة الأنعام مكية # لقد جاءت أحاديث كثيرة تؤكد أن هذه السورة من السور المكية التي نزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، ويقول المفسرون : إنها ms2039 نزلت جملة ~~واحدة ، ولم تنزل متفرقة في آياتها ، كأغلب السور في القرآن .. واستثنوا من ~~ذلك بعض آياتها ، التي اختلفوا في تحديدها بين قائل إنها آيتان ، وقائل ~~إنها ستة ، وقائل غير ذلك. # وقد جاء في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام أنها نزلت جملة واحدة ، ~~فقد روى العياشي في تفسيره بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر ~~الصادق عليه السلام قال : إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة. وروى ذلك علي ~~ابن إبراهيم عن أبيه عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا ~~عليه السلام ، وهذا ما جاءت به الرواية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~بما رواه أبي ابن كعب وعكرمة وقتادة (1). # * * * PageV09P007 ### ||| ** خصائص السور المكية والمدنية # ذكر الباحثون في علوم القرآن ، أن الطابع الذي تتميز به السور المكية ، ~~هو الحديث عن أصول العقيدة والإيمان بالله ، بكل ما يستتبع ذلك من تفاصيل ~~الصفات ، وآفاق العظمة الإلهية المتجلية في عظمة خلقه .. وعن الإيمان ~~والرسل والرسالات ، وما كان يواجههم من تحديات ، وما كانوا يستخدمونه من ~~أساليب معجزة وغير معجزة .. وعن الإيمان باليوم الآخر وما يثيره من مشاعر ~~وأفكار ، وما يتطلبه من مواقف عملية في حياة الناس .. وما يثأر حوله من ~~شبهات وإشكالات .. # وهكذا يتنوع الحديث في آفاق الفكر والعقيدة ، ليحدد للإنسان الضائع في ~~متاهات الكفر والشرك والضلال ، المنهج الذي يقوده إلى التفكير المتزن ، ~~ويطوف به في آفاق الحق والخير والاستقامة ، ليكتشف من خلال ذلك الصراط ~~المستقيم في الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ، لأن ذلك ~~يمثل التحدي الأهم الذي يواجه الإسلام في مرحلته الأولى. فكل الأسئلة التي ~~أثيرت أمام الدين الجديد ، هي أسئلة حول مدلول التوحيد الفكري والعملي ، ~~وحول صفات النبي التي كانت صورته التقليدية الراسخة في الأذهان صورة ~~أسطورية خارقة القدرات ، وحول شخصية الملائكة وإمكانية المعاد الذي كان ~~التفكير الجاهلي يستبعد فيه فكرة إعادة الناس إلى الحياة بعد موتهم. # أما السور المدنية ، فيقولون إن طابعها هو الحديث عن بعض تفاصيل العقيدة ~~التي كان يثير أهل ms2040 الكتاب حولها علامات الاستفهام ، وعن الشريعة بكل ~~مفاهيمها وأحكامها ، وعن قصص الأنبياء السابقين والأمم السالفة .. وذلك ما ~~كان يريده القرآن من تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين معه أمام ~~ما يواجهونه من صعوبات المرحلة العنيفة في صراعهم مع الكفر والضلال .. PageV09P008 # وهذا ما نجده في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، فهي سور تتحدث ~~عن الجوانب التفصيلية للتشريع الإسلامي وللمفاهيم الواقعية للإسلام .. وقد ~~نلاحظ في بعضها حديثا عن الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، ولكنه يحمل في ~~طبيعته وأسلوبه طابع الرد على التحديات الفكرية التي كانت تواجه الإسلام في ~~تلك المرحلة ، مما يفرض عليه أن يعالجها بالطريقة الحاسمة التي تعطي القوة ~~للموقف في حركة الصراع. # * * * ### ||| ** بين أسلوب القرآن وأسلوب الفلسفة # وفي ضوء هذا التمييز بين السور المكية والسور المدنية ، يمكننا الدخول ~~إلى أجواء هذه السورة ، فنلخص مواضيعها العامة في إطار ما تمثله السور ~~المدنية من مجالات ، بالإضافة إلى موضوع الإيمان بالله والرسالات والرسل ~~واليوم الآخر ، ولكن الأسلوب هنا ، لا يغرق في التحليلات والتأويلات ~~العقلية الفلسفية ، بل هو الأسلوب القرآني الذي يسعى إلى تحقيق ميزة ~~الإيمان ، لتتحرك العقيدة في عقل الإنسان وضميره ، فينفتح لها قلبه ، وتنبض ~~بها مشاعره ، ويتعمق فيها عقله ، وذلك من خلال النظر إلى حركة الكون ~~والإنسان ، باعتبارها محطة للفكر ، ومنطلقا للروح ، فهي التي توحي للإنسان ~~بعظمة الله ، وهي التي تعرفه مظاهر نعمه في وجوده ، وتعمق له تجربته من ~~خلال ما تثيره أمامه من أسرار. # وهكذا تتحول الفكرة عنده إلى حقيقة حية تنساب في أفكاره ومشاعره وجوانب ~~حياته ، فيتلمسها في كل شيء يعيش معه ، بحيث لا يشعر بأن الإيمان مختبئ في ~~فكره ومنفصل عن حياته ، بل يشعر بأنه مرتبط بالحياة ، كما أن الحياة منطلقة ~~معه ، ولعل ذلك هو سر حيوية الأسلوب القرآني مقارنا PageV09P009 # بالأسلوب الفلسفي ، وذلك لتزاوج الجانب الفكري والجانب الشعوري والجانب ~~العملي فيه ، بينما يقف الأسلوب الفلسفي عند الجانب العقلي المجرد. وربما ~~كان هدف ذلك هو أن تدخل العقيدة مشاعر الإنسان بالقوة نفسها التي تدخل بها ~~عقله .. # ونلاحظ ms2041 ذلك في طريقة القرآن في الاستدلال على اليوم الآخر ، في مواجهة ~~الذين استبعدوه وأنكروه حيث نلتقي بالأسلوب العقلي الذي يعتمد على قياس ~~الأشياء على أمثالها في عملية القدرة ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@032 ~~وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم* قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم* الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا ~~أنتم منه توقدون ) [يس : 78 80] فقد استدل على إمكان البعث ، بعملية الخلق ~~التي يؤمن بها المنكرون للمعاد ودعاهم إلى المقارنة بين حالة الإيجاد وحالة ~~الإعادة ، ليجدوا أنها الأصعب ، لأنها تنطلق من غير مثال أو تجربة سابقة .. ~~بينما تكون حالة الإعادة خاضعة للنموذج الموجود في الحياة ، ومن البديهي أن ~~يكون القادر على الأصعب قادرا على الأسهل. # ونلتقي بالأسلوب العاطفي في قوله تعالى : ( @QUR@014 وترى الأرض هامدة ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) [الحج : 5]. # فقد أرادت الآية تقريب صورة إعادة الحياة إلى الأموات بالصورة المألوفة ~~للإنسان مع مجيء الربيع في اهتزاز الأرض بالخضرة بعد نزول الماء عليها ، ~~وانفتاحها بكل زوج بهيج من النباتات المتنوعة في الصورة والخصائص ، ليعيش ~~الفكرة في شعوره العضوي الذي يلتقي بالخط الفكري للبعث من خلال النبضات ~~الحسية والشعورية في روحه وفي قلبه ، فيرتاح للفكرة ، كما يرتاح للصورة ~~التي يتحرك فيها الربيع .. وهكذا سنجد في سورة الأنعام كما وجدنا في ما ~~قرأناه من سور سابقة أننا نسير في رحلة PageV09P010 # البحث عن الإيمان ، فنشعر أن حياتنا كلها تسير معنا ، بحيث نجد في كل ~~مفردة من مفردات هذه الحياة حجة ودليلا وبرهانا على قضية الإيمان. # وربما كان من مهمة الموجهين الداعين إلى الله ، أن يعمقوا هذا الأسلوب في ~~ذهنية الناس حتى تكون العقيدة شأنا حياتيا للإنسان ، لا مجرد حالة فكرية ~~مجردة. وقد تكون هذه من خصوصيات القرآن الذي لا تجد فيه فاصلا بين خط ~~الإيمان وحركة الكون والحياة .. فكما هي الحياة تمد الفكر والإيمان بكل ~~جديد ، فكذلك الإيمان يمتزج بالحياة امتزاج الروح بالجسد. # * * * ### ||| ** دروس سورة الأنعام ms2042 # وفي هذه السورة حديث مفصل عن الألوهية في ذات الله والعبودية في ذات ~~الإنسان وما حوله ومن حوله ، فالله هو القادر والقاهر ، العليم بالغيوب ~~والأسرار ، وهو مقلب القلوب والأبصار ، كما هو مقلب الليل والنهار ... أما ~~الإنسان ، فهو الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا إلا بالله ، فهو ~~عبد الله الذي انطلقت عبوديته من خلقه الذي لا بد من أن يربطه بتوحيد الله ~~وبعلاقته به في موقف الفقر العبودي والحاجة المطلقة ، فلا معنى للشرك في ~~العقيدة والطاعة وحركة الواقع ، لأن هؤلاء الشركاء لا يمثلون شيئا في معنى ~~القوة والقيمة حتى في وجودهم ، فكيف يمتدون في خارجه أمام الله الذي يملك ~~الوجود كله بما فيه الوجود الإنساني ، ويحرك نظامهما معا في الاتجاه الذي ~~يريده لهذا أو ذاك ، الأمر الذي يجعل قضية الشرك قضية لا معنى لها في حساب ~~الفكر والوجدان والحياة. # وتتحرك السورة لتعرض لهؤلاء الغافلين في وعيهم الفكري وفي حسهم الإنساني ~~كيف أنكروا من دون أساس ، وكذبوا من دون حجة ، فإذا بهم مجرد فرق متناثرة ~~لا تملك ثباتا وامتدادا في الوجود والحركة ، فهذه هي PageV09P011 # أجيالهم المتتابعة تتساقط أمام الموت الذي يملكه الله وحده كما يملك ~~الحياة ، فلا يملكون له دفعا عنهم .. فإذا تحدثوا عن النبوة في تصوراتهم ~~فإنهم ينطلقون من تصورات لا حساب لها في الفكر فهم يريدون لها أن تتمثل في ~~مخلوقات خارج نطاق الطبيعة الإنسانية في عالم الغيب ، من دون وعي أن الغيب ~~والشهود في خلق الله يتساويان أمام الله الذي يعطي القدرة والدور لمن شاء ~~من دون أن يكون للمخلوق ، ملكا أو بشرا ، يد في ذلك من ناحية الإمكانات ~~الذاتية ، لأن ذاتيتهم هي من الله. # وهكذا كانوا يسخرون ، فكانت عاقبة سخريتهم مزيدا من العواقب السيئة التي ~~تلتقي نتائجها بمقدماتها في سلوكهم المنحرف. # وتتنوع السورة في جولة فكرية توحيدية في سعة ملك الله في الكون السماوي ~~والأرضي وما في داخله من قوى وظواهر ومخلوقات حية ونامية وجامدة ، وفي ~~تدبيره بالرزق ، فهو الرازق الذي لا رازق غيره والولي ms2043 الذي لا ولي غيره ~~الذي يملك ولاية الدنيا والآخرة فله الأمر في ذلك كله ، حياة وثوابا وعقابا ~~من خلال القدرة كلها. وهكذا يتجسد الحد الفاصل بين الرسول الداعية في كل ~~مواقع الدعوة ، والمشركين في حركة التكذيب والتحدي. # وتطوف السورة بالتاريخ الرسالي في معرفة أهل الكتاب بكل ملامح هذا الدين ~~الجديد في كتابه الذي تحدث عنه كتابهم ، ورسوله الذي بشر به موسى وعيسى ~~عليه السلام ، ولكن المشركين ليسوا من الناس الذين يبحثون عن الحقيقة في ~~مصادر المعرفة وفي تأملاتهم الفكرية والروحية ، لأنهم ليسوا في الاتجاه ~~الذي يفتح أبواب الاقتناع بالرأي الآخر ، فقد أغلقوا أسماعهم عن السماع ، ~~وعقولهم عن التفكير. # ويستمرون في تعسفهم العملي في مواقفهم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي PageV09P012 # منطقهم المتعنت ، ولكن لا بد من أن يتحملوا مسئولياتهم في ذلك ويحملون ~~أوزارهم على ظهورهم. ويبقى النداء الإلهي الموجه إليهم ، أن الحياة الدنيا ~~لعب ولهو ، وأن الآخرة هي الخير كله الذي يحصل عليه الأتقياء والعقلاء. # وتنفتح السورة على قلب رسول الله لتملأه بالفرح الروحي من خلال قيامه ~~بالرسالة الإلهية التي لا بد له من أن يصطدم في حركتها الصاعدة بالقوى ~~المضادة من الكافرين والمشركين والمنافقين ، فلا يتعقد من كلمة سيئة أو من ~~إنكار أو تعسف ، أو من حصار مطبق ، أو من مشاكل متراكمة ، لأن الوصول إلى ~~النهايات السعيدة في حركة الرسالات تفرض على الرسالي المزيد من الصبر ~~والصمود ، ثقة بالله ، وانسجاما مع الواقع الذي يجعل للأشياء حدا محدودا ~~وعمرا معينا للتكامل والنمو. وهكذا كانت السورة تتحرك في مؤانسة النبي ~~وتثبيته بما يثبته الله به من القوة والانفتاح على آفاق الغيب التي تحمل ~~الكثير من الأمل بالمستقبل ، فعليه أن يستمر لأنه لا يملك بديلا عن ذلك. # وتدخل السورة إلى تفاصيل التشريع في التحليل والتحريم في أكثر من موضوع ، ~~فإذا أرادوا الطعام ، فعليهم أن لا يأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~ليقفوا عند ما ذكر اسم الله عليه فلا يتجاوزوه إلى غيره ، ولذلك فلا حرية ~~لهم في الذبح كيفما ms2044 شاؤوا ، بل هي مسألة متصلة بقضية التوحيد الذي يجعل ~~الطعام باسم الله الذي خلقه ورزقه ، لا سيما من خلال إنهاء حياة الحيوان ~~الذي يملكه الله وحده ، وقضية الشرك الذي يجعل مسألة الذبح مربوطة بالأصنام ~~، وهذا ما توحي به حركة التشريع في الخط التوحيدي بارتباط كل شيء بالله ، ~~فكما هو كذلك في التكوين الذي يخضع فيه الوجود لله فهو كذلك في التشريع ~~الذي لا بد من أن يتحرك فيه الإنسان في خط الله ، ولهذا فلا مجال لهؤلاء ~~الناس في أن يحللوا أو يحرموا هذا الحيوان أو ذاك ، أو PageV09P013 # يقتلوا أولادهم بفعل بعض العادات والتقاليد السيئة البعيدة عن أي معنى ~~إنساني ، مما كانوا يفعلونه بدون وعي للنتائج المدمرة في ذلك. # وتطوف السورة بقصة إبراهيم عليه السلام في تأملاته الفكرية الرسالية التي ~~تمثل المنهج الإيماني في الوصول إلى النتائج التوحيدية ، وتتنوع مشاهد ~~الحياة في كل آفاق الوجود ، ليجد الإنسان أمامه كل الحركة النابضة في الكون ~~في الإصباح والإمساء ، والكواكب التي تمثل نقاط الضوء المنتشرة في الفضاء ~~التي تشق الظلام ، والماء الذي ينزل من السماء لتختزنه الأرض وليتفجر ~~ينابيع وأنهارا ، وليملأ الأرض بكل شيء حي ، والزرع الذي تتنوع أشكاله ~~وألوانه وثماره وجمالاته وإيحاءاته ، كما هي إيحاءات كل الموجودات في ~~الدلالة على الله في مواقع عظمته ونعمته. ويقف الإنسان في نهاية المطاف ، ~~كالوجود الذي يسبح الله في كل مظاهره ، لتكون لكل واحد لغته الخاصة في ~~التعبير عن ذلك ليبتهل إلى الله وليشهده على قلبه ، أنه الإنسان التوحيدي ~~الذي يقدم صلاته ونسكه وحياته وموته لله ، لتكون جميعا في خط الله المستقيم ~~على أساس دينه القويم الذي هو عنوان الهداية التي تحدد للإنسان مسئولياته ~~في عمله مقارنا بعمل الآخرين ، وفي علاقته في حركة الطاقات المتنوعة عند ~~الإنسان الآخر في حاجاته المتشابكة التي لا يستغني فيها إنسان عن إنسان ، ~~لتكون الدرجات المختلفة منطلقة من الحاجات المتنوعة لا من ذاتيات الإنسان. # وتبقى السورة في حركة دائمة تنبض بالحياة ، فتحرك العقل ، وتنفتح على ~~الوجدان ، وتوحي للمشاعر بكل جديد ، لتتكامل مع ms2045 السور القرآنية الأخرى في ~~البرنامج المنهجي الفكري والعملي ، من أجل أن يبقى الإنسان مع الله في نفسه ~~وعلاقته بالإنسان الآخر وبالكون والحياة. # * * * PageV09P014 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@014 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون ) (1) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يعدلون ): العدل : خلاف الجور ، وعدلت به غيره : سويته به ، ~~وعدلت عنه: أعرضت ، وعدلت الشيء فاعتدل : قومته فاستقام. # * * * ### ||| ** من أساليب القرآن في التربية العقائدية # بدأت هذه السورة بكلمة ( @QUR@02 الحمد لله ) كما بدأت بها سورة الفاتحة ~~، للإيحاء بروح التفاعل الإنساني بقضية الإيمان بالله ، لأن للجانب ~~التعبيري أثره الكبير في إطلاق الفكرة في النفس وامتدادها في الروح ، لأن ~~الكلمة المعبرة عن المدح والثناء ، لا بد لها من قاعدة تنطلق منها في عالم التصور PageV09P015 # والشعور ، ولا بد لها لأجل ذلك من ملاحقة ظاهرة من ظواهر الكون لتكون ~~مدعاة للتأمل والفكر ، ولتعود محملة بكل المعاني الحية التي تثير في ~~الإنسان الإحساس بالعظمة والامتنان .. وهكذا تتحول هذه الكلمة التي يعبر ~~بها عن مشاعره إلى حديث داخلي متجدد ، يذكره بالآفاق الرحبة التي انطلقت ~~منها ، مما يجعل منها أداة تفجير دائمة لمنابع الإيمان في النفس .. # وهذا ما أرادته التربية الإسلامية في تعاليم الشريعة ، من استحباب النطق ~~بكلمة «سبحان الله» ، عند ما نشاهد بعض مظاهر عظمة الله ، وكلمة : «الشكر ~~لله» عند إحساسنا ببعض نعمه علينا ، وكلمة : «لا حول ولا قوة إلا بالله» ~~عند التوقف أمام تهاويل الخوف التي تثير مواطن الضعف لدى الإنسان أو عند ~~الإحساس بالقوة الذاتية بالطريقة التي قد تبعث فيه الغرور من خلال نسيان ~~مصدر القوة ، أو كلمة : «الله أكبر» عند مواجهة القوى الكبيرة في الكون ، ~~والشعور بعظمتها داخل الإنسان ، لتتضاءل عظمتها أمام عظمة الله ، بحيث ~~تتحول تلك الكلمات إلى محرك للمفاهيم الإيمانية في كل وقت ، لئلا تغيب تلك ~~المفاهيم في غمار المشاكل اليومية التي تبعد الإنسان عن الله وتنسيه ذكره. ~~وجاءت الكلمات التالية ، لتؤكد القاعدة التي ينطلق منها الحمد لله في حياة ~~الإنسان. # * * * ### ||| ** عظمة الخالق متجلية في مخلوقاته # ( @QUR@04 الذي خلق السماوات والأرض ms2046 ) ويتطلع الإنسان إلى السماوات ، ~~بالنظرة المجردة الساذجة ، فيرتد طرفه خاسئا حسيرا عند ما يشاهد الشمس ~~والقمر والكواكب ، وهي تتفجر بالنور اللاهب تارة ، والدافئ أخرى ، والهادىء PageV09P016 # البارد ثالثة ، والخفيف البعيد رابعة .. ويتطلع إلى هذه الأعداد الهائلة ~~من النجوم التي لا تعد ولا تحصى ، ويحار في طبيعتها وفي طبيعة القوانين ~~التي تحكمها ، ويدفعه الخيال إلى تصور الكثير من الصور والتهاويل والأفكار ~~التي قد تلامس الحقيقة قليلا ، وتبتعد عنها كثيرا ... ويتعمق فيها بالنظرة ~~العلمية العميقة الواسعة ، فيصيبه الذهول والشرود عند ما يتطلع إلى هذه ~~الأكوان السابحة في الفضاء ، المرتكزة على قوانين كونية غامضة لم يصل ~~الإنسان إلى اكتشاف أسرارها ، بل كل ما هناك أنه وضع يديه على البعض القليل ~~منها ، وما يزال يبحث ويسعى للوصول إليها ، بالرحلات الفضائية تارة ، ~~وبالمناظير المكبرة أخرى ، وبالتحاليل العلمية التي تتأرجح بين الشك ~~واليقين ثالثة. # وتمتلئ النفس بمشاعر الدهشة والعظمة والتضاؤل أمام هذه الأكوان الشاسعة ~~المترامية .. ويعود الإنسان إلى الأرض التي سخرها الله ومهدها له ، وجعلها ~~في متناول يده بأنهارها ، وبحارها ، وجبالها ، وسهولها ، ومعادنها ، ~~وثرواتها ، وأشجارها ، وخضرتها الممتدة التي تحمل إليه من كل الأزواج ~~المتنوعة من الخضر والفواكه وغيرها .. وحيواناتها السابحة في الماء ، ~~والطائرة في الفضاء ، والمتحركة في كل صعيد ، والسارحة في أعماق الأرض .. ~~وإنسانها الذي يتميز بكل خصائص العقل والقدرة والإرادة والحركة المتغيرة .. ~~وغير ذلك مما أودعه الله في سطح الأرض وعمقها ، مما يحار فيه الفكر ويشرد ~~فيه الخيال ، ويخشع له العلم أمام ما يكتشفه من قوانين وأسرار دقيقة أودعها ~~الله في سننه الحتمية التي تحكم المادة ، وتتحكم في حركة الإنسان الفردية ~~والاجتماعية .. # ثم يكتشف هذا الإنسان أن هذه الأرض المترامية الأطراف التي لا يبلغ مداها ~~، ليست إلا ذرة صغيرة سابحة في الفضاء ، فيحس بالعظمة الكبيرة لذلك كله ، ~~وينطلق الفكر بعد ذلك مع القرآن ليتطلع إلى خالق السماوات والأرض ، فلا ~~يملك إلا أن يخشع ويخضع ويتضاءل ويشعر PageV09P017 # بالانسحاق أمام عظمة القدرة ، ولا يجد إلا كلمات الحمد التي لا تنبغي إلا ~~له وحده. # * * * ### ||| ** الله جاعل الظلمات والنور # ( @QUR@03 وجعل ms2047 الظلمات والنور ) ويعيش الإنسان مع الظلمات التي تطبق على ~~الكون في أعماق البحار ، وفي أغوار الكهوف ، وفي آفاق الفضاء ، عند ما يطبق ~~الليل على الأرض ، وتبتعد الشمس عن الأفق ، فلا يكتفي بالمشاعر السلبية ~~القاتمة التي يعيشها عند ما يفتقد بهجة النور في الكون ، فيفقد فرح النور ~~في نفسه ، أو بالمشاعر الإيجابية من الجانب الآخر ، التي تملأ نفسه بالهدوء ~~والسكينة والطمأنينة والسلام أمام سكون الليل وهدوء الظلام ، وانسياب ~~المعاني الصوفية الشاعرية الحبيبة في روحية المناجاة مع الكون ومع الله في ~~روحه ، بكل وداعة وإبداع .. وينطلق الصباح في مثل الخيوط السحرية التي ~~تتناثر في الفضاء رويدا ، تماما كما يتنفس الكون بأنفاس الضياء في تنهيدة ~~عميقة تشهق بالنور كما يشهق الصدر بالهواء .. ويتحرك خيط من هنا .. وخيط من ~~هناك .. ويهدر ينبوع النور في إشراقة الشمس ، وردي الملامح .. ذهبي الخيوط ~~، ناصع البياض كمثل الشلال ، وتنفتح العيون في الإنسان ، والحيوان ، ~~والنبات ، والجماد ، وفي كل شيء .. فإذا بكل شيء عين تحدق في الفضاء من ~~جديد بعد أن أغلقها الظلام بسكونه وغفوته وغلفها بغلافه الكثيف ، وإذا ~~بالبهجة تملأ الروح ، والفرحة تغمر القلب ، والحركة تدفع الخطى وتحرك ~~الحياة نحو يوم جديد من أجل إنسان جديد ، وحياة جديدة. # وتعود المشاعر لتعيش بين إيجابية النور الذي يوقظ الحيوية في الداخل ، ~~وبين سلبية الضجيج الذي يرهق السكينة في الأعماق ، ولكن القرآن PageV09P018 # يوجه الإنسان بعيدا عن كل خلجات المشاعر ، ونبضات الأحاسيس ، ليربطه ~~بالفكر الذي يتأمل ويحلل ويناقش ويستنتج ؛ كيف جاء الليل؟ وكيف أقبل ~~النهار؟ وكيف تتحرك هذه الظاهرة الكونية في نظام مستمر دقيق لم ينحرف عن ~~مساره بمقدار شعرة ، بالرغم من تقادم السنين ، فيشعر بالرهبة أمام هذا ~~التدبير المحكم ، ويقوده ذلك إلى جاعل الظلمات والنور بالحكمة العميقة ، ~~والإبداع العظيم ، وينطلق الإيمان بالله في فكره وقلبه وضميره ، كمثل ~~الشعاع الذي يتدفق به النهار ، وكمثل السكينة الوادعة التي ينساب في ~~روحانيتها هدوء الليل ... وهذا هو شأن الذين يفكرون ويتدبرون وينفتحون على ~~كل ظواهر الحياة من خلال التجربة المتحركة اليقظة في كل ما يبصرون ويلمسون ms2048 ~~ويسمعون ، بحيث يتحول ذلك إلى فكر وعلم وإيمان .. وهم المؤمنون الذين لم ~~ينطلق الإيمان في كيانهم من موقع التقليد الساذج الذي يحاكي فيه الأبناء ~~الآباء ، بل من موقع المعاناة والجهد والحركية الإنسانية في خطوات الحياة. # أما الذين يغلقون أبصارهم عن النور ، وأسماعهم عن الهدى ، وتجربتهم عن ~~الانفتاح ، فلا يمرون بالأشياء التي من حولهم إلا كما يمر الأعمى الذي يحدق ~~في الظلام بعيون مظلمة باردة ، لا توحي له إلا بالمزيد من الظلام في تهاويل ~~الأشباح. أما هؤلاء ، فإنهم لا يرون في حياتهم ، حتى أنفسهم .. لأنهم إذا ~~أبصروا أنفسهم أبصروا ربهم ، بعين بصيرتهم ، بل كل ما يعرفونه من أنفسهم هو ~~حاجاتهم الحسية ، لذا فإنهم لا يؤمنون بالله ، بل بما يصنعونه من شركاء ~~يغذون فيهم جانب الحس ، ويشغلونهم عن التفكير بما وراء الأشياء ، بالاندفاع ~~إلى اللذة التي تحملها ظواهرها. # وقد أثار البعض الحديث عن مسألة مخلوقية الظلمة ، وهي عنوان عدمي ، لأنها ~~تعبر عن عدم النور فكيف يكون العدم مخلوقا. ولكن نرى أنه ليس لهذا الكلام ~~موقع للإشكال ، فإن المقصود في التعبير البلاغي أن PageV09P019 # النور والظلمة في تجاذبهما في الكون ومحو كل منهما في الآخر يمثلان ~~مظهرين من مظاهر قدرة الله في النظام الذي أودعه في الكون ، فليست المسألة ~~مسألة مصطلح الجعل بمعناه الإيجادي ، بل بمعناه الواقعي الكوني على مستوى ~~مظهر الظلمة والنور في تعاقبهما في الوجود. # ثم قد يقال بأن هناك فرقا بين العدم الذي لا مظهر له والعدم الذي يمثل ~~مظهرا في واقع الوجود ، فإن عدمية الظلمة بالنسبة إلى النور لا تمنع من ~~كونه وجودا مؤثرا في صورة الوجود ، بحيث إنها مع النور يمثلان صورتين ~~متضادتين في صورة الوجود لا شيئين متناقضين كما هو الوجود والعدم الذي هو ~~بمعنى الخلق ، ولهذا صح الحديث عن جعلهما ؛ والله العالم. # ( @QUR@05 ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) وينحرفون إلى غيره ، فيعبدونه ~~من دون الله ، من دون علم ، ومن دون أساس ، بل هو العناد والعصبية والضلال ~~البعيد. # * * * PageV09P020 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى ms2049 عنده ثم أنتم ~~تمترون (2) @QUR@012 وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أجلا ): الأجل الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، فأجل الإنسان ~~وقت انقضاء عمره ، وأجل الدين محله وهو وقت انقضاء التأخير ، وأصله : ~~التأخير ، يقال : أجله تأجيلا وعجله تعجيلا ، والآجل : نقيض العاجل. # ( @QUR@01 تمترون ): تشكون. والامتراء : الشك ، وأصله من مرأت الناقة : ~~إذا مسحت ضرعها لاستخراج اللبن ، ومنه : ماراه يماريه مراء ومماراة : إذا ~~استخرج ما عنده بالمناظرة ، فالامتراء : استخراج الشبهة المشكلة بغير حل. # * * * # ( @QUR@05 هو الذي خلقكم من طين ) # من الذي خلقكم أيها الناس؟ وكيف خلقكم؟ ومن أي شيء كان PageV09P021 # الخلق؟ وكيف تنتهي بكم الحياة؟ ليس هناك غير الله ، حاولوا أن تلتفتوا ~~يمينا وشمالا ، ومن بين أيديكم ومن خلفكم ، فلا ترون إلا مخلوقات مثلكم ، ~~لم تكن ثم كانت كما لم تكونوا ، ثم صرتم بشرا سويا. ثم استنزفوا كل طاقتكم ~~في التفكير ، فهل ترون غير الله؟ ( @QUR@05 هو الذي خلقكم من طين ). # وهذه قدرة الخالق الذي خلق البشر على أحسن صورة ، ونفخ فيه من روحه كما ~~قال تعالى : ( @QUR@017 إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون* فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) [الحجر : 28 29] وتلك هي قصة الإنسان ~~في إبداع الخلق ، فهو قطعة من التراب ونفخة من روح الله وقدرته ، وتلك هي ~~قصة آدم وحواء .. أما أولادهما فقد خلقهم الله من نطفة من ماء مهين .. ~~ولكنه الماء الذي تأتى من الغذاء. # ويحث القرآن الإنسان على التفكير في ذلك كله .. كيف تدب الروح في التراب؟ ~~وكيف تتحرك الحياة في الجماد الميت؟ وكيف تحمل النطفة سر الحياة بكل ~~تفاصيلها وألوانها ومشاعرها وطاقاتها؟! ويتعمق الفكر في كل اتجاه من حركة ~~المادة ، فلا يجد إلا الجدران الباردة تضرب رأسه بالحيرة ، ولكنه يستفيق ~~على الحقيقة التي تشير إليه نحو الأفق البعيد عن المادة والحدود والسدود ، ~~ليجد الله في قدرته ، يبعث الروح في الجماد ، وسر الحياة في النطفة. # * * * ### ||| ** الأجل المحتوم والأجل المخروم # ( @QUR@03 ثم قضى أجلا ) لهذا الإنسان ، فليس هناك خلود في الدنيا ، لأن ~~طبيعة ms2050 المادة لا تحمل سر الخلود ، فلكل نفس أجل لا بد من أن تنتهي إليه ولا ~~يمكن أن تتعداه في النظام الكوني الذي أودع الله في حناياه عمر كل شيء من PageV09P022 # مخلوقاته : الإنسان والحيوان والنبات والجماد. # ( @QUR@03 وأجل مسمى عنده ) قد يتفق مع الأجل الذي تقف عنده آجال الأشياء ~~، وقد يسبقه قليلا أو كثيرا لأسباب طارئة تحول دون امتداد الحياة الطبيعية ~~في الزمن ، كما يحدث للإنسان من الأمراض والحوادث والحروب التي تنهي حياته ~~قبل أوانها ، أو لغير الإنسان من ذلك أو من غيره. # وقد حار المفسرون في تحديد هذين الأجلين ، فقال بعضهم ، إن الأجل الذي ~~قضاه الله هو الموت ، وأما الأجل الذي عنده فهو يوم البعث الذي لا يعلمه ~~إلا هو ، فلم يجعل الله علمه حتى لرسوله : ( @QUR@026 يسئلونك عن الساعة ~~أيان مرساها* فيم أنت من ذكراها* إلى ربك منتهاها* إنما أنت منذر من ~~يخشاها* كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) [النازعات : 42 ~~46] وقال بعضهم : إن الأجل المسمى عند الله ، هو الأجل المحدد في علمه ~~الموجود في اللوح المحفوظ ، أما الأجل الذي قضاه الله فهو العمر الطبيعي ~~المحدد الممتد بالشروط الموضوعية المحيطة بالإنسان من حيث الزمان والمكان ~~والطوارئ .. فإذا تحققت له امتد به العمر إلى النهاية الطبيعية التي يمكن ~~أن يعيشها الجسد في الحالة الطبيعية ، وإذا لم تتحقق له انقطع به العمر ~~بانتفاء شروط الحياة. # وهذا ما يطلق عليه الأجل المحتوم ، وهو العمر الطبيعي الذي تتوفر له كل ~~الشروط الموضوعية للامتداد ، سواء من الجانب الصحي أو الأمني أو غير ذلك ، ~~والأجل المخروم وهو العمر الذي يقف بالإنسان عند حدود الطوارئ كمرض عضال ~~يعرض له أو رصاصة تصيبه أو حشرة تلدغه ، أو حيوان يفترسه ، أو زلزال يصرعه ~~، أو فيضان يغرقه ، أو نار تحرقه ، أو ضربة تقتله ونحو ذلك ، فينخرم أجله ~~بعد أن كان قابلا للامتداد في ذاته. وبهذا نعرف أن هذا التقسيم للأجل لا ~~يعني أن للإنسان أجلين في علم الله ، لأن ذلك غير معقول إذ ينتهي إلى نسبة ~~الجهل إلى ms2051 الله أو التغيير في PageV09P023 # إرادته التكوينية ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، بل يعني أن أجل ~~الإنسان يخضع لعاملين ، أحدهما : ذاتي ، وهو الغاية التي يبلغها الجسد في ~~إمكانيات البقاء من خلال الأجهزة الطبيعية المودعة فيه. وثانيهما : طارئ ، ~~وهو الأسباب التي تعطل بعض هذه الأجهزة في منتصف الطريق فلا يتمكن معها من ~~الاستمرار في البقاء ، ولكن الله يعرف واقع الأشياء قبل أن يخلقها ، فإنه ~~يعلم ما ذا يحدث لها بعد أن تخلق ، ولهذا كان الأجل المسمى عنده هو الحالة ~~التي يكون عليها الإنسان عند موته ، سواء كانت ذاتية أو طارئة. # وقد أكدت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على المعنى الثاني ، وهو الأقرب ~~إلى الذهن عند قراءة الآية .. لأنه لو كان المعنى الأول هو المراد ، لم يكن ~~منسجما مع الحقيقة الإيمانية القرآنية التي تقرر أن عمر الإنسان مما اختص ~~الله بعلمه ، فلا يعلمه الناس إلا من طريقه .. وهذا هو ما جاءت به الآية ~~الكريمة : ( @QUR@013 وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت ) [لقمان : 34] فلا يبقى هناك فرق بين الساعة التي يموت فيها الإنسان ~~في الدنيا ، وبين الساعة التي يبعث فيها في الآخرة ، والله العالم بحقائق آياته. # ( @QUR@03 ثم أنتم تمترون ) أي تشكون وترتابون مع دراستكم لهذا التنظيم ~~الدقيق الذي يحكم حياتكم في بداية خلقكم وفي نهاية حياتكم .. فكيف ترتابون ~~وأنتم تفكرون؟! # * * * ### ||| ** السيطرة المطلقة لله # ( @QUR@06 وهو الله في السماوات وفي الأرض ) لم تنطلق هذه الآية من ~~مواجهة الفكرة الشركية التي تتحدث عنها الأساطير اليونانية والقصص ~~الإغريقية من PageV09P024 # أن لكل ظاهرة كونية أو حياتية إلها خاصا ، فللحرب إله ، وللسلم إله ، ~~وللشجر إله ، وللماء إله ، وللحب إله ، وللسماء إله ، وللأرض إله .. بل ~~انطلقت والله العالم لتقرير المعنى الذي يوحي بالسيطرة المطلقة لله على كل ~~شيء ، من خلال المعنى الذي تتضمنه الألوهية من سلطة ممتدة إلى كل شيء ، في ~~السماوات والأرض ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ) [البقرة : 255]. وبهذا تتحرك الفقرة الثانية : ( @QUR@06 يعلم ~~سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) في هذا ms2052 الاتجاه ، لتؤكد الإحاطة بالإنسان في ~~سره وعلانيته وجميع أعماله ، فيشعر الإنسان بالسيطرة الإلهية عليه من موقع ~~سعة علمه لكل بواطنه وظواهره ومكتسباته .. # أما إيحاءات الآية ، فإن الفقرة الأولى ، توحي بالشعور بالعظمة المطلقة ~~التي يحس الإنسان معها بالانسحاق أمام الله ، فيدفعه ذلك إلى الخضوع له في ~~كل شيء. أما الفقرة الثانية فإنها توحي بالإحساس بالمراقبة الكلية المحيطة ~~به من جميع الجوانب من قبل الله الذي يملك أمر حسابه وعقابه وثوابه ، ~~فيدفعه ذلك إلى الانضباط في كل خطواته العملية في ما يأمره الله به أو ~~ينهاه عنه .. # * * * PageV09P025 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) ~~@QUR@012 فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن ~~(5) @QUR@031 ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قرن ): القرن : أهل كل عصر ، مأخوذ من إقرانهم في العصر. قال ~~الزجاج : والقرن ثمانون سنة ، وقيل : سبعون سنة ، قال : والذي يقع عندي أن ~~القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم قلت السنون ~~أو كثرت ، والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : خيركم قرني ثم ~~الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم (1). وقال الراغب : القرن : المقترنون في ~~زمن واحد (2) وقد غلب في الاستعمال أخيرا على المائة سنة. PageV09P026 # ( @QUR@01 مكناهم ): التمكين : إعطاء ما به يصح الفعل كائنا ما كان من ~~آلة وغيرها ، والإقدار : إعطاء القدرة خاصة. # ( @QUR@01 مدرارا ): غزيرة المطر ، يقال : درت السماء : إذا نزل منها ~~المطر بكثرة وغزارة ، فهي مدرار أي : كثيرة الدر. وأصل الدر : هو اللبن ، ~~يقال : درت الناقة إذا نزل من ضرعها اللبن غزيرا ويستعار ذلك للمطر كما ~~يقول الراغب (1) استعارة أسماء البعير وأوصافه ، فقيل : لله دره ، أي : ~~عمله. وفي الذم : لا در دره ، أي : لا كثر خيره. # * * * ### ||| ** سلبية الكافرين في مواجهة الرسالات # وتلك هي مشكلة الكافرين كما يصورها القرآن دائما فهم ms2053 يمارسون السلبية ~~المطلقة أمام الفكر الحق الذي تقدمه الرسالات ، وذلك بالإعراض عنه وعن ~~براهينه ودلائله وآياته من دون أساس ، وبذلك لم تكن قضية التكذيب به قضية ~~فكر يناقشونه ويرفضونه ، بل هي قضية عقدة ذاتية ضد الأمور الجادة في الحياة ~~، فيعملون على أن لا يلزموا أنفسهم بشيء من ذلك ، وذلك بأن لا يواجهوا ~~الموقف بالجدية التي تفرض التأمل والمحاكمة والاقتناع ، فلا يفتحون عيونهم ~~على ما يحتاج إلى بصر ولا يوجهون أسماعهم إلى ما يحتاج إلى سمع ، ولا ~~يطلقون عقولهم في ما يحتاج إلى تفكير. وهذا ما نزال نلاحظه لدى كثير من ~~شباب الجيل الذين ينحرفون عن الخط دون أن يحاولوا التعرف على ملامحه ، وذلك ~~بالاستجابة إلى القراءة والتأمل والحوار ، بل هم يتخذون بدلا من ذلك الموقف ~~الذي يرفض بعض الأمور من دون دليل ، ويتقبل البعض الآخر من دون حجة أو برهان. PageV09P027 # وهذا ما أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى : ( @QUR@011 وما تأتيهم من ~~آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ) ويتصاعد الأسلوب التهديدي الذي ~~يواجههم بالحقيقة التي تنتظرهم في ما ينتظرهم من عذاب الله الذي كذبوا به : ~~( @QUR@012 فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزؤن ) وذلك هو جزاء كل هؤلاء الناس الذين يواجهون الحقيقة بالسخرية ~~والاستهزاء ليهزموا دعاتها نفسيا .. ولكن الله أمر رسله أن يثيروا في ~~داخلهم الشعور بالحقيقة المرعبة التي سيلاقونها غدا عند ما يلاقون وجه الله ~~، ليوحوا إليهم بأن أساليبهم لا تجدي في ما يحاولونه من هزيمة المؤمنين ، ~~بل سترتد عليهم سخرية واقعية تتمثل في أوضاعهم السيئة في نار جهنم. # * * * ### ||| ** الهلاك للجاحدين والكافرين بنعم الله # وما ذا ينتظر هؤلاء وغيرهم من المكذبين؟ هل ينتظرون إلا الهلاك الذي حل ~~بالقرون السالفة من قبلهم؟ ( @QUR@015 ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) بما أعطاهم من وسائل القوة ، وأسباب ~~النعيم ، ( @QUR@04 وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) فقد أرسل السماء عليهم ~~بأمطارها الغزيرة ( @QUR@05 وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) وتحولت الأرض ~~من خلال ذلك إلى ms2054 أنهار تجري من تحتهم .. ولكنهم لم يشكروا ولم يخضعوا لله ، ~~( @QUR@07 فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) فأهلكهم الله ~~بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم قرنا آخرين ، فأين ذهب هؤلاء كلهم؟ وماذا حدث ~~للأرض وللسماء من بعدهم؟ ... لم يحدث شيء .. بل استمرت الحياة كما أرادها ~~الله في قوم آخرين ، وهكذا تستمر الحياة مع غيرهم ، فلا يتصور أحد أن أيا ~~من تصرفاته يمكن أن يغير من سنة الله في الحياة ، بل عليه أن يعرف بأن ~~الأمر كله لله ، وأن الذي أوجد الكون بإرادته قادر أن يزيله بتلك الإرادة ~~الحكيمة القادرة PageV09P028 # التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء. # * * * ### ||| ** لماذا يثير القرآن فكرة الموت باستمرار؟ # قد يتساءل قارئ القرآن عن السبب الكامن وراء إثارة القرآن لفكرة الموت ~~بشكل دائم ... لماذا يلح دائما على أن يجعل الإنسان مهزوما أمام فكرة ~~الموت؟ هل يريد له أنريعيش تحت تأثير هذا الهاجس ، كالشبح المرعب ، الذي ~~يوحي له بالخوف والهلع المستمر ، مما قد يفقده التركيز على مشاريع الحياة ~~التي تحتاج إلى الشعور بالامتداد في خط العمل من أجل التخطيط المستمر ~~لإكمال المسيرة؟ # وفي ضوء هذا التساؤل ، يحاول البعض من الناس ، اتهام الوعظ الديني الذي ~~يعمل على تعميق إحساس الإنسان بالموت في كل لحظة ، بأنه يمنع الإنسان من ~~الشعور بالقوة ، لأنه يجمد قوة الحياة في داخل وعيه وتفكيره من خلال ~~الإيحاء بأن من الممكن أن تنتهي الحياة في أي وقت .. فيتضاءل الإنسان ويضعف ~~ويسترخي في تهاويل الحزن انتظارا للموت .. وبهذا يتحول الناس إلى جماعات ~~متناثرة تنتظر الموت بدلا من أن تنطلق وحدة قوية في بناء الحياة! # والجواب عن ذلك : إن لهذا الأسلوب هدفا تربويا يسعى إليه ، وذلك لأن ~~الشعور بالقوة المطلقة له أثران : إيجابي وسلبي. أما الأثر الإيجابي ، فهو ~~حرية الحركة وحيويتها في جميع الأشياء التي يفكر بها ، أو يطلبها منه ~~الآخرون ؛ وأما الأثر السلبي فهو الشعور بالغرور الذي يجعله يتحرك في إحساس ~~بضخامة الشخصية بشكل غير معقول ، فيؤدي به ذلك إلى التكبر والتجبر والدخول ~~في متاهات من الأعمال ms2055 التي لا يملك زمام القدرة فيها .. وهذا ما أراد ~~الإسلام أن يخفف منه ، وذلك من ضمن خطة تتحرك في عدة أساليب ، منها : ~~الإيحاء الدائم بمواطن الضعف البشري في ما يصيب الإنسان PageV09P029 # من أمراض وعوارض وبلايا ، دون أن يملك أمر مقاومتها أو دفعها عن نفسه. ~~ومنها : هذا الحديث الدائم عن الموت ، بالحديث عمن هلكوا وعمن أهلكهم الله ~~من القرون السالفة التي كانت تملك من القوة أكثر مما يملكها المخاطبون ، ~~للإيحاء للإنسان بأن القدرة التي يملكها هي قدرة محدودة مستمدة من الله ~~وخاضعة في استمرارها لإرادته المطلقة ، الأمر الذي يحث الإنسان على التواضع ~~في نظرته إلى نفسه ، وفي خضوعه لله من خلال الخضوع للقدرة العظيمة في ~~سلطانه. # فليس هدف القرآن الإيحاء بالهزيمة والانسحاق تحت تأثير الشعور بالموت ، ~~بل تحقيق التوازن في شعوره بالحياة وارتباطه بحركتها الممتدة في طاقاته ، ~~فلا يفقد الأمل بالامتداد لما أودعه الله فيه من طاقة قابلة للاستمرار ، ~~ولما أثاره في نفسه من الثقة به والرجوع إليه ، ولا يسترخي أمام قوة الحياة ~~في داخله ليستسلم لها استسلاما مطلقا ، بل يشعر بأن الموت يمكن أن يأتي في ~~أية لحظة ، ليظل الإنسان منطلقا في خط العبرة الموحية التي تجعله يفكر ~~بالموت حين يستحضر التاريخ ، ويعيش الحاضر ، ليقوده ذلك إلى التفكير في ما ~~بعد الموت ، فيتحول إلى حالة من الانضباط في الحياة العملية تحت تأثير هذه ~~الفكرة. # * * * ### ||| ** الإنسان وقانون القضاء والقدر # وهناك عدة إشارات في هذه الآيات : # 1 إن قانون السببية شامل للمواقف الإنسانية كما هو واقع في الظواهر ~~الكونية ، فقد جعل الله الواقع الإنساني خاضعا للمواقف التي يتخذها الإنسان ~~من خير أو شر ، وهذا ما يجعل النتائج الإيجابية أو السلبية في حياته تابعة ~~لذلك. وهو ما يوحي إلينا بأن الله أو كل للإنسان أمر صياغة دنياه كما أوكل ~~إليه صياغة مستقبله في آخرته ، وذلك بقدر ما يتصل الأمر بإرادته واختياره ، ~~وهذا ما يصح لنا معه أن نقول : إن الإنسان يصنع قضاءه وقدره PageV09P030 # في الأمور المرتبطة بحركته الإرادية القادر من خلالها على تحريك ms2056 الواقع ، ~~وليس القضاء والقدر شيئا فوق إرادة الإنسان دائما ، بل هو كذلك في الأمور ~~الكونية التي يتحرك بها النظام الكوني ، أو في الأمور الحادثة التي يتعرض ~~لها من دون اختياره. # وهذا ما توحي به الآية الكريمة : ( @QUR@012 فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ~~فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن ) فهي أنباء السوء الناتجة عن ~~أعمالهم الشريرة ومواقفهم من الحق الذي جاءهم ، فاستهزأوا به وأنكروه ، ~~فخسروا إيجابيات الحق في الدنيا ، وسيواجهون عقاب الله في الآخرة. # إنها الأنباء التي يتمخض عنها الموقف السلبي ، وهي ليست أنباء سعيدة على ~~كل حال. # وهذا هو منطق السنن الاجتماعية التاريخية في تقدير الله للكون والإنسان ، ~~وهو الذي تتحرك فيه التجارب الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل ، لأن ~~ذلك لا يخضع لحد زمني معين ، بل هو خاضع للزمن كله ولحركة الحياة في ~~عناصرها الحقيقية. # * * * ### ||| ** الإنسان وحركة القوة في كيانه # 2 إن حركة القوة في كيان الإنسان لا تمثل الضمانة له في الحصول على الفرص ~~السعيدة في القضايا التي يخوض تجربته فيها ويحصل على نتائجها ، بل إنها قد ~~تدمره إذا تحولت إلى حالة من الفوضى في الطغيان ، أو اهتزاز في التوازن ، ~~أو امتداد في الغرور الذي يوحي بانتفاخ الشخصية في نظرة الإنسان المرضية ~~لنفسه وتعامله مع غيره ؛ فإن مثل هذه الآثار السيئة في صورة الانحراف بما ~~تمثله كلمة الذنوب في الأفكار والأعمال في الواقع الفكري والعملي ، لا بد ~~من أن تنتهي إلى نهايات سلبية ، لأن القوة سوف ترتد عليه لتقتله عند ما ~~تصبح طاقة مجنونة تتحرك بطريقة جنونية لتطبق عليه ، PageV09P031 # تماما كمن يحمل الحجر ليكسر رأسه بدلا من أن يكسر به رأس عدوه. # وهذا هو الذي عبرت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@031 ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) وليس من الضروري أن يكون الإهلاك بالذنوب ~~بمعنى العقاب الإلهي الذي ينزله الله عليهم بسبب ذنوبهم ms2057 ، بل قد يكون بمعنى ~~الآثار السيئة التي هي النتائج المتلازمة مع الأعمال على هدى قوله تعالى في ~~آية أخرى : ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [الروم : 41] ليذوق الإنسان وبال أمره. # وعلى ضوء هذا ، لا بد للإنسان فردا أو مجتمعا من أن يدرس بموضوعية ~~اتجاهاته الفكرية والعملية المنحرفة بشكل خاص في خصائصها وفي نتائجها ~~الإيجابية والسلبية ، ليعرف كيف يحرك قوته بوعي ويحصل على نتائجها بمسؤولية ~~واتزان ، ويدرس التاريخ دراسة الباحث في حركة التجربة ونتائجها. # * * * ### ||| ** الإنسان واحترام العقل # 3 إن الله أراد للإنسان أن يفكر في كل ما تعرضه عليه الرسالات ويقدمه ~~إليه الرسل من آيات الله ودلائل قدرته ومواقع عظمته ونعمته ، مما يمثل ~~الحجة عليه في خط الشريعة لأن الله يتعامل مع الإنسان من خلال عقله الذي ~~أعده ليرشده إلى الحق ، وليقوده إلى المعرفة الواعية المنفتحة على حقائق ~~الحياة في دلالاتها ونتائجها ، وهذا هو المنهج القرآني الذي أراده الله ~~للإنسان عقلا وإرادة وحركة مسئولية في الحاضر والمستقبل. # إن الله يحترم في الإنسان عقله ويريد أن يأخذ بنتائجه القطعية الحاسمة من ~~خلال التأمل والتفكير ، فإذا لم يحترم الإنسان هذه الطاقة الإلهية المقدسة ~~في وجوده ، فعليه أن يواجه المسؤولية بكل سلبياتها على صعيد الدنيا ~~والآخرة. # * * * PageV09P032 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) @QUR@014 وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) @QUR@09 ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق ~~بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) @QUR@010 قل سيروا في الأرض ثم ~~انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قرطاس ): ما يكتب فيه ، من ورق ونحوه. وجمعه : قراطيس. # ( @QUR@01 لقضي ): قال الزجاج كما في مجمع البيان : قضي في اللغة على ~~ضروب كلها يرجع إلى انقطاع الشيء وتمامه (1). # ( @QUR@01 وللبسنا ): لشبهنا وعمينا عليهم الأمر ، كما يشبهون ويعمون ~~على أنفسهم بتخيلهم الحق باطلا والباطل حقا ، وعلى غيرهم ms2058 من الذين يعيشون ~~الجهل وعدم الوعي فيتبعونهم. PageV09P033 # واللبس : التغطية على الحق ، وأصله كما يقول الراغب : ستر الشيء (1)، ~~ويقال ذلك في المعاني. قال تعالى : ( @QUR@04 ولا تلبسوا الحق بالباطل ) ~~[البقرة : 42]. # ( @QUR@01 فحاق ): الحيق : ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : «قوله تعالى : ( @QUR@06 ولو نزلنا عليك ~~كتابا في قرطاس ) قال الكلبي : إن مشركي مكة قالوا : يا محمد ، والله ، لا ~~نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه ~~من عند الله وأنك رسوله فنزلت هذه الآية (2). # * * * ### ||| ** الكافرون يثيرون الشبهات أمام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) # ويستمر الوحي القرآني في استعراض ملامح الأسلوب السلبي الذي يتبعه ~~الكافرون أمام الرسالات ، مهما قدمت لهم من بينات ، ومهما استجابت لهم من ~~مقترحات ، فهم ينتقلون من اقتراح إلى اقتراح ، فإذا استجيب لهم في بعضها ~~كانت كلمة السحر هي التفسير الذي يواجهون به المعجزة .. وبدأوا يثيرون أمام ~~الرسول اقتراحا جديدا ، لأنهم لا يجيدون التفكير بطريقة توصل إلى الإيمان ، ~~بل كل ما عندهم هو الشغب والشك وإثارة الشبهات ليشغلوا الساحة بذلك كله ، ~~فيبتعد المؤمنون عن القضايا الحية في الدعوة إلى الله والعمل في سبيله. PageV09P034 # وبهذا جاءت هذه الآية ، فقد كانوا أثاروا أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن ينزل عليهم كتابا من السماء. وتنطلق كلمات الآية لتكشف ما في داخلهم من ~~عدم الجدية في هذا الطلب لأنهم لا يعيشون مشكلة فقدان الحجة ، لتكون هذه ~~الآية السماوية حجة عليهم ، بل يعيشون حالة انعدام الإرادة في الإيمان .. ( ~~@QUR@08 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ) ولذلك فلو أن الله ~~أنزل إليهم كتابا فلمسوه بأيديهم ( @QUR@03 لقال الذين كفروا )، فإن رد ~~فعلهم لن يكون إلا أن يقولوا ( @QUR@05 إن هذا إلا سحر مبين ). # وأثاروا في هذا الاتجاه أن ينزل الله ملكا لأن البشر لا يصلح للرسالة ~~وللوساطة بين الله وبين خلقه ، باعتبار أن الرسالة من الغيب الذي لا ينبغي ~~أن يحمله إلا أهل الغيب ، ( @QUR@014 وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ms2059 ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) ولكن الله يقول إن الاستجابة لهذا ~~الاقتراح ينهي المهلة التي يمهل الله بها خلقه ، فقد جرت سنة الله في الأمم ~~التي تقدم بعض الاقتراحات للرسل ، ويستجيب الله لها ذلك ، أنها إذا رفضت ~~الإيمان بالنبي وبالرسالة تواجه العذاب ، ثم يعقب الله على ذلك ، أنه إذا ~~أرسل ملكا فلا بد من أن يكون في صورة البشر وفي ثيابهم ، لأن البشر لا ~~يتحملون صورة الملك الحقيقية ، أو لأن صفة الملك قد تبعد عن الرسول دور ~~القدوة ، باعتبار أن قدرة الملك تفوق قدرة البشر : ( @QUR@09 ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ). # وإذا حصلت الاستجابة لطلبهم فأرسل الله ملكا في صورة بشر ، فسيختلط عليهم ~~الأمر لأنهم سوف يتصورونه إنسانا لا ملكا ، وسوف يكذبونه انطلاقا من بشريته ~~التي تتنافي مع رساليته في زعمهم كما لو كان بشرا حقيقيا ، وسوف يكذبون ~~دعواه في ملائكته لأنهم لا يتفاعلون مع فكرة تحول الملك إلى بشر في الصورة ~~وبذلك يفقدون الوضوح لدى أنفسهم ، كما حاولوا أن يلبسوا على الناس الآخرين ~~سلامة الفكرة في شخصية الرسول فأوقعوهم في الحيرة والتخليط عند ما أثاروا ~~أمامهم أن البشرية تنافي الرسولية. ونقل المجمع عن الزجاج قوله : كانوا هم ~~يلبسون على ضعفتهم PageV09P035 # في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون إنما هذا بشر مثلكم فقال : لو ~~أنزلنا ملكا فرأوا هم الملك رجلا لكان يلحقهم من اللبس مثل ما لحق صفتهم ~~منهم ، أي : فإنما طلبوا حال لبس لا حال بيان وهذا احتجاج عليهم بأن الذي ~~طلبوه لا يزيدهم بيانا ، بل يكون الأمر في ذلك على ما هم عليه من الحيرة. # وذكر في تفسير هذه الفقرة وجه آخر وهو أننا لو أنزلنا ملكا لما عرفوه إلا ~~بالتفكر ، ولكنهم لا يفكرون فيبقون في اللبس ، وقد نسب الله ذلك إلى نفسه ~~لإنزاله الملائكة الذين هم السبب في إثارة اللبس ، والله العالم. # وفي الآية إشارة إلى أن هؤلاء الناس يعيشون تحت تأثير اللبس لا الوضوح في ~~مواجهة القضايا ، فقد كانوا يلبسون ms2060 على الناس البسطاء من حولهم باستغلال ~~ضعفهم الفكري لإقناعهم بما يريدون من الباطل ، وهذا ما نلاحظه في أسلوب ~~فرعون في حديثه عن نفسه وعن موسى عليه السلام من قوله : ( @QUR@037 أليس لي ~~ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون* أم أنا خير من هذا الذي هو ~~مهين ولا يكاد يبين* فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين* فاستخف قومه فأطاعوه ) [الزخرف : 51 54] وربما لبسوا على أنفسهم ~~فخلطوا الأمر عليها ، وذلك لتصورهم الأمور على غير حقيقتها بإبراز الحق في ~~صورة الباطل ، أو الباطل في صورة الحق ، فيبتعدون بالفطرة عن مسارها الصحيح ~~فيخضعون للأوهام والتخييلات التي تصنع حاجزا بين الفطرة وبين حركة الإنسان ~~في الوصول إلى النتائج الإيجابية الطيبة. # ويحسم القرآن في الآية الأخيرة الموقف ، فليس الأسلوب الذي يواجه النبي ~~به أساليب سخرية الكافرين جديدا في ساحة الرسالات ، بل هو الأسلوب المتكرر ~~مع كل رسالة ، ومع كل رسول : ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق ~~بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ) # وفي هذا السياق يندرج سؤال المعاندين للحقيقة حسب الآية النبي أن ينزل ~~عليهم كتابا في قرطاس ليلمسوه بأيديهم ، حيث إن هذا الطلب لا معنى له ، ~~لأنهم لا يملكون معرفة الكتاب النازل من السماء أو الكتاب الذي يكتب في ~~الأرض ليميزوا هذا عن ذاك .. ثم إن الآية تؤكد أن اقتراحهم ليس PageV09P036 # إلا من باب الاستهزاء والتسويق والمماطلة ، ذلك أن النبي لو استجاب لهم ~~وجاء بكتاب يملك المواصفات السماوية المميزة ، لقالوا إنه سحر مبين ، لأن ~~الأسلوب الذي يتحركون فيه هو الأسلوب الذي يريد الانتقال من طلب إلى طلب ~~دون الوقوف عند حد معين ، إذ ينقلون إلى إنزال الملك عليه ، والسؤال هنا : ~~هل يحل ذلك المشكلة ، أو أنهم يميعون المسائل بطروحات لن يقبلوا بها حتى لو ~~استجاب الله لهم فيها؟ # * * * ### ||| ** من وحي الآية # إن مشكلة هؤلاء هي أنهم يتهمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر فيهزءون ~~منه وهم مطمئنون إلى أن النتائج سوف تكون في صالحهم لأنهم ms2061 قادرون على هزيمة ~~الموقف النبوي ، ولكن الله يحدد له النتيجة بأن الله الذي أرسل النبي سوف ~~ينزل بهم العذاب الذي يحول حياتهم إلى جحيم في نار جهنم ، ويندمون حينها ~~على ما سلف من أيامهم وعلى ما سخروا به من النبي والحقيقة والرسالة. # إن استيحاء هذا الأمر ، يفرض على العاملين في خط الدعوة إلى الله أن ~~يواجهوا أمر أمثال هؤلاء بوعي ويقظة ليعرفوا كيف يسقطون سخريتهم ويتغلبون ~~على كل أساليبهم غير المسؤولة ، لأن القضية في حركة الدعوة هي قضية دراسة ~~الخلفيات النفسية والحركية والواقعية التي تحكم سلوك هؤلاء الناس في ~~تعاملهم مع حركة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله من منطلق الخلفيات ~~الكامنة في العقل والروح والحياة. # ولكن ، مهما امتدت أساليب السخرية وتنوعت ، فإن الله سينزل بكل هؤلاء ~~العقوبة التي تحول سخريتهم إلى مصير أسود يلاقونه في الدنيا والآخرة وبئس ~~المصير ، ثم يوجه الخطاب إلى النبي أن يقول لهؤلاء الذين يريدون تكرار موقف ~~الكافرين ، أن يسيروا في الأرض ويدرسوا حال الأمم السابقة الكافرة لينظروا ~~كيف كان مصيرها ، وكيف كان عاقبة كفرها وتكذيبها للأنبياء .. وسيشاهدون ~~العجائب من نقمة الله وعقابه. # * * * PageV09P037 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ~~(12) @QUR@09 وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) @QUR@024 ~~قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) @QUR@09 قل إني أخاف ~~إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) @QUR@09 من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين (16) @QUR@017 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (17) @QUR@07 وهو القاهر فوق عباده وهو ~~الحكيم الخبير ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كتب ): أي : أوجب عليها إيجابا. # ( @QUR@01 فاطر ): الفاطر : المبدع على غير مثال سابق. الفطرة : ابتداء PageV09P038 # قال ابن عباس كما في مجمع البيان : ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم ~~إلي ms2062 أعرابيان في بئر ، قال أحدهما : أنا فطرتها ، أي : ابتدأت حفرها ، وأصل ~~الفطر : الشق ، ومنه : ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت ) [الانفطار : 1] ، أي ~~: انشقت ، قال الزجاج : فإن قال قائل : كيف يكون الفطر في معنى الخلق ، ~~والانفطار في معنى الانشقاق؟ قيل : إنهما يرجعان إلى شيء واحد لأن معنى ~~فطرهما خلقهما خلقا قاطعا (1). وقد يكون من الممكن التركيز على معنى الشق ~~من خلال النظريات الحديثة التي تؤكد أن الكون والمنظومة الشمسية كانت لها ~~كتلة واحدة انشطرت إثر الانفجارات المتتالية وتكونت المجرات والمنظومات ~~والكرات ، وربما كان قوله تعالى : ( @QUR@010 أولم ير الذين كفروا أن ~~السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) [الأنبياء : 30] دليلا على هذا ~~المعنى ، ولكن المعنى الأول قد يكون أقرب. # ( @QUR@01 يصرف ): يصرف الله عنه العذاب. والصرف كما يقول الراغب : «رد ~~الشيء من حالة إلى حالة أو إبداله بغيره» (2) والتعبير فيه إشارة إلى أن ~~العذاب مشرف على الجميع ، ولا خلاص منه إلا برحمته تعالى. # ( @QUR@01 القاهر ): الغالب المتسلط المسيطر الذي يقهر غيره بالتفوق ~~والإحاطة على الإطلاق ولا يقهره أحد ، فهو تعالى قاهر على عباده ولكنه ~~فوقهم ، وكلمة «فوق» توحي بالهيمنة والسيطرة .. وهذا ما لا تعطيه كلمة ~~القاهر عباده ، وقال صاحب الميزان : إن كلمة القهر تستعمل حيث يكون المقهور ~~كائنا عاقلا ، ولكن الغلبة أوسع منها ، وتشمل النصر على الكائنات غير ~~العاقلة أيضا (3). # * * * PageV09P039 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي في قوله تعالى : ( @QUR@06 وله ما سكن في ~~الليل والنهار ) قال الكلبي عن ابن عباس : إن كفار مكة أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد إنا علمنا أنه إنما يحملك على ما ~~تدعو إليه الحاجة ، فنحن نجعل لك نصيبا في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا ~~وترجع عما أنت عليه فنزلت هذه الآية (1). # ونلاحظ على ذلك أن سياق الآية قبلها وبعدها لا يوحي بهذا الجو ، فإن ~~الظاهر منها ورودها في مقام الاحتجاج على التوحيد في مقابل الشرك ، للتأكيد ~~على عظمة الله في خلقه ومسئولية الإنسان في عبادته وطاعته بعيدا عن الدوافع ~~الذاتية للرسول في دعوته مما يتوهمونه من حاجاته أو ms2063 مما ينطلق به في نفسه ~~من إخلاصه للرسالة ، الأمر الذي يوحي أن ذلك اجتهاد من ابن عباس في مناسبة ~~الآية لما ذكره ، هذا بالإضافة إلى أن سورة الأنعام قد نزلت دفعة واحدة لا ~~على سبيل التفريق بين الآيات ليكون لكل آية سبب مستقل للنزول. # وعلى أي حال ، فإن الرواية لو صحت أو كانت القضية في حديث المشركين مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرهم لدعوته وحركته في مواجهة عقيدة الشرك ~~، فإن هذا يدل على أن هؤلاء القوم لا يفكرون بإمكانية انطلاق الإنسان ~~الداعية من قاعدة الإيمان بما يدعو إليه ، والإخلاص لله في إقباله عليه ، ~~بل يتصورون أن أية دعوة مضادة لعقائد الواقع الاجتماعي تمثل وسيلة من وسائل ~~الحصول على نتائج مادية لحساب الذات عبر إثارة الاهتمام حولها ، أو الوصول ~~إلى مواقع متقدمة للقوة ولتحصيل المكاسب المادية ، PageV09P040 # ولذلك كان عرضهم ماديا في مقابل تنازل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الدعوة ، وهذا ما رفضه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من مرة ~~معلنا لهم أن حركة رسالته تنطلق من إيمانه بالله وإخلاصه لدوره الرسالي في ~~الدعوة في مواجهة كل حالات القهر والاضطهاد والتشويه والتهويل ، وهذا ما ~~ينبغي للدعاة إلى الله أن يفهموه ويقتدوا به ويعيشوه في وعيهم للموقف ~~والدور والتحدي الكبير. # ونستوحي من ذلك المنهج القرآني الاستقرائي الذي يوجه الإنسان إلى متابعة ~~الواقع في مظاهره السلبية من أجل الوصول إلى استنتاج صحيح في المسألة ~~التاريخية الإنسانية في حساب المقدمات والنتائج ، مما يعني أن الإسلام يركز ~~على الاستقراء الواقعي كوسيلة من وسائل المعرفة في كل القضايا التي يمكن ~~للواقع الخارجي أن يكشف عنها ، وهذا مما يجعلنا نتبع ذلك في دراسة الظواهر ~~المتحركة في المعرفة الاجتماعية والنفسية والتاريخية لنخرج بالقواعد ~~الحاكمة للسلوك الإنساني كله ، فلا تبقى المعرفة أسيرة التأمل العقلي ~~المجرد ، بل تتحرك في عملية التزاوج بين العقل والتجربة ، لأن ذلك هو ~~الوسيلة الواقعية السليمة لحركة المعرفة لدى الإنسان. # * * * ### ||| ** السؤال أسلوب قرآني في إثارة الفكر # ويتابع القرآن ms2064 في هذه السورة الحديث عن قصة الإيمان بالله ، فيبدأ حديثه ~~بإثارة حالة التأمل الذاتي التي تدفع الإنسان إلى اكتشاف ما في داخل أعماقه ~~من أفكار وقناعات حول الإيمان ، ليستعيد بذلك جزءا من نفسه ضاع بين الأجواء ~~اللاهية ، والأوضاع المنحرفة ، والضجيج الذي يشغله عن حياته ، فيستسلم لما ~~يوحيه إليه الآخرون من دون وعي أو انتباه .. وذلك بأسلوب PageV09P041 # فريد من نوعه .. مما كان القرآن يثيره في الداخل من أساليب متنوعة ، ~~فيطرح سؤالا ، ليثير في النفس تساؤلا ، ويحرك التفكير في هذا الاتجاه أو ~~ذاك لأن المشكلة عند كثير من الناس أنهم لا يفكرون ، لأنهم لا يتساءلون ، ~~وإذا تساءلوا كان السؤال مجرد صيحة ضائعة في النفس ، فلا يبحثون عن جواب له ~~من داخل الذات أو من خارجها ، لأنهم يواجهون كثيرا من القضايا ، مواجهة ~~اللامبالاة. # إن الإنسان يبدأ دائما بالتفكير من خلال إثارة علامات الاستفهام من حوله ~~، ولهذا نلاحظ أن الطفل يبدأ عملية التفكير عند ما يبدأ في التطلع إلى ~~الأشياء من حوله بنظرة استفهام وتساؤل .. فيبدأ بطرح الأسئلة حول هذا وذاك ~~، مما يوحي بأنه قد بدأ يفكر بجدية .. وهذا ما أشار إليه القرآن في أكثر من ~~مرة ، في التأكيد على أن المشكلة الأساس في قضية الكافرين ، هي أنهم ~~يواجهون قضايا العقيدة بموقف اللامبالاة ، فلا يفكرون في تفاصيلها ليتخذوا ~~موقف السلب والإيجاب على أساس ذلك. # وهكذا طرح القرآن في الآية الأولى السؤال : ( @QUR@06 قل لمن ما في ~~السماوات والأرض )؟ وتولى هو الجواب للإيحاء بأنه يمثل بديهة من بديهيات ~~التفكير الذي يبعث السائل على أن يجيب دون أن ينتظر جواب المسؤول : ( ~~@QUR@02 قل لله ). ثم يفيض في الحديث عن الله من جديد من خلال ارتباط ~~الإيمان به والالتزام بعبوديته وبقضية المصير ، ليجتمع إليه الفكر في نطاق ~~الحقيقة الموضوعية ، بالفكر في نطاق علاقته بمصير الإنسان ، وهذا من أساليب ~~القرآن في تربية الدوافع الفكرية لدى الإنسان. # فقد تكون بعض الأشياء من حقائق الحياة التي لا علاقة لها بالمصير ~~الإنساني في حركة المسؤولية ، كما في المعادلات الرياضية التي تتصل ~~بالحقائق الموضوعية ms2065 لمواردها ، وقد تكون بعض الأشياء مرتبطة بالحياة من PageV09P042 # جهة وبالمصير من جهة أخرى. ففي الحالة الأولى ، لا مشكلة كبيرة أمام ~~الإنسان في قضية عدم الاعتراف بتلك الأشياء الفكرية المجردة ، لأنها لا ~~تتصل بحركة الحياة إلا من خلال علاقتها بالمعرفة العامة ، أو ببعض جوانب ~~الحياة المادية المحدودة ، أما في الحالة الثانية ، فإن القضية تتخذ أهمية ~~كبري في شخصية الإنسان وفي علاقة الفكر بالمصير والحياة ، فتتحول السلبية ~~فيها إلى عملية ابتعاد عن المنهج السليم الذي يقود الإنسان نحو السلامة ~~العامة والخاصة ، كما هي الحال في قضية الإيمان لارتباطها بالنظرة العامة ~~إلى الكون والحياة ، وبالقيادات المتحركة في الكون ، والدور الذي يمثله ~~ارتباط الإنسان بها من قريب أو من بعيد ، الأمر الذي يجعل منها حقيقة عملية ~~، بالإضافة إلى ما تمثله من حقيقة موضوعية. # والله سبحانه وتعالى ، من سنخ هذه الحقائق التي لا بد من أن يفكر فيها ~~الإنسان من الجهتين ، أي بوصفها حقيقة موضوعية وحقيقة عملية تؤثر تأثيرا ~~عميقا على مصير الإنسان ، بل كان المصير الإنساني يتوقف عليها. من هنا ، ~~فإن الله إذا كان حقيقة موضوعية في الكون كما هو معنى الإيمان فإن ذلك ~~يتدخل في طبيعة الفكر والسلوك والهدف ، بينما يختلف واقع الإنسان كله إذا ~~ما انتفى ذاك الوجود ، وهكذا جاءت الآيات القرآنية التي عالجت موضوع ~~الإيمان بالله لربط الفكر بالمصير ، وربط الإيمان بحركة الحياة بين يدي ~~الله ، وذلك لإعطاء الفكر نوعا من الحيوية والحركية بشكل مميز .. وهذا ما ~~نستوحيه من هذه الآية التي دفعت الجواب إلى الواجهة لتثبت وجود الله ~~موضوعيا لجهة ارتباط خلق الكون به باعتباره المبرر لوجوده. # * * * ### ||| ** الرحمة الإلهية مصلحة للإنسان # وترق الصورة ، وتنساب بالحنان ليعيش معها الإنسان إحساسا بالجو PageV09P043 # الحميم الآمن المطمئن ، فقد ( @QUR@04 كتب على نفسه الرحمة ) لأن الخلق ~~لم ينطلق من شعور ، بل من موقع الحكمة التي تحرك الوجود في اتجاه غاية ~~عظيمة تفيض بالرحمة على الأشياء لتصل بها إلى غايتها ، ولذلك كانت الرحمة ~~في حركة الوجود ، وفي حيوية الحياة ، وما فيها من نعم وألطاف ، وكانت أيضا ~~في ms2066 تنظيم حياة الإنسان على أساس المسؤولية ليحميه من نفسه ويحمي غيره منه ~~.. وبذلك كان البعث للحساب لونا من ألوان الرحمة التي لا تعني العاطفة ، بل ~~تعني مصلحة الإنسان في وجوده وذلك لجزاء المحسن على إحسانه ، والمسيء على ~~إساءته ، ولذلك أتبع الرحمة التي كتبها على نفسه بقوله : ( @QUR@07 ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) فذلك يحقق للوجود غايته في مواجهة ~~نتائج العمل في الدنيا ، وهو الذي يحقق للإيمان قوته. عند ما يتحول إلى ~~حركة مستقيمة تربط النتائج بمقدماتها ، وتشير إلى النهاية من خلال انطلاقة ~~البداية. # وهناك يقف الناس جميعا يوم القيامة بين يدي الله ، ليواجهوا حساب ~~المسؤولية بدقة ، وليأملوا الحصول على رحمته الواسعة ، إلا فريقا من هؤلاء ~~الذي لا يتعلقون برحمته بشيء ، وهم الذين لا يؤمنون به ولا يعترفون بتوحيده ~~، فهؤلاء ( @QUR@06 الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) وأي خسارة أعظم من ~~خسارة الإنسان نفسه ، وذلك بخسرانه الأساس الوحيد لخلاصه وهو رحمة ربه ~~المرتبطة بخط الإيمان في الحياة؟! وهكذا يربط القرآن بين عدم الإيمان بالله ~~وبين خسارة الإنسان نفسه .. وقد يفهم الإنسان منها أن القضية لا تعيش في ~~النطاق الأخروي فقط ، بل تمتد إلى النطاق الدنيوي لما يفرضه ذلك من ظلمة في ~~التصور والرؤية والعمل ، في مقابل ما يحصل عليه المؤمن من إشراق الروح في ~~ذلك كله. # * * * PageV09P044 ### ||| ** لله ما سكن في الليل والنهار # وتقترب الصورة من حياة الإنسان لجهة ما يحيط به من موجودات ( @QUR@06 وله ~~ما سكن في الليل والنهار ) فإذا بنا نلتقي بالليل والنهار كما لو كانا ~~كونين للأحياء وللأشياء ، وما يهبط أو يصعد ، وما يغفو أو يستيقظ ، وما ~~يتحرك أو يسكن ، وما يختزن الأفكار والمشاعر أو يبدعها ويحركها ويفجرها ~~ينابيع فكر وعاطفة وحياة ، وما يسترخي استرخاء الجمود الصامت أمام كل عوامل ~~الحركة والحياة ، فلا يحركه شيء من هذا أو ذاك .. ولكنها تلتقي جميعا في ~~خضوعها الإرادي والتكويني لله الذي يملكها ويملك منها ما لا تملكه من ~~أنفسها ، ولذلك فهي تتعبد له بوجودها إن لم تتعبد له بإحساسها وتعبيرها ، ~~فهو الذي ms2067 خلقها وأودع فيها السنن الحكيمة المبدعة التي تحفظ لها سر وجودها ~~، ( @QUR@03 وهو السميع العليم ) الذي يسمع كل همساتها وتجاوبها ، ونبضات ~~قلوبها ، وخفقات مشاعرها ، وخطرات وجدانها ، وحركات كيانها ، ويحيط بها ~~بعلمه ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. # * * * ### ||| ** ولاية الله واقع حي وهاجس شعوري # ( @QUR@05 قل أغير الله أتخذ وليا ) وهل يصلح غيره للولاية ، وهل يمكن أن ~~يتولى الولاية من لا يملك من أمره شيئا ، وهو المخلوق الذي يحتاج في وجوده ~~إلى الخالق ، وفي استمرار حياته إلى من يغذيه ويطعمه وينميه ويرعاه ، وكيف ~~يمكن أن يتولى رعاية المحتاج الضعيف محتاج ضعيف مثله؟ # إن الولاية تمثل الإشراف والرعاية والاحتواء في كل ما يحتاجه الإنسان من ~~شؤون القوة والحركة والحياة ، مما يفرض القدرة التي تتحرك في أكثر من اتجاه ~~، وتلتقي بأكثر من مجال ، وتواجه كل المواقف بما يناسبها أمام كل التحديات ~~المباشرة وغير المباشرة .. وهل هناك غير الله ( @QUR@03 فاطر السماوات ~~والأرض ) PageV09P045 # الذي أبدعها بكل ما فيها من مخلوقات حية وجامدة ، فهو الغني عن كل شيء ~~فيها ، إذ لا شيء في الوجود إلا خلقه؟! ( @QUR@02 وهو يطعم ) فمنه كل غذاء ~~الإنسان والحياة والنبات والجماد ، ( @QUR@02 ولا يطعم ) لأنه ليس جسما ~~يحتاج إلى التغذية والتنمية ، بل هو الذي خلق الغذاء والنمو في داخل حركة الجسم. # وهكذا تتمثل الولاية من الله واقعا حيا يعيشه الإنسان كهاجس في الشعور ~~الداخلي ، وكطاعة في ممارسته لحركة الإيمان. وها هو يواجه الكون كله ~~بالطاعة للأمر الإلهي بالإسلام لله بأن يكون أول من أسلم : ( @QUR@08 قل ~~إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) وذلك هو مظهر العبودية الحقة ؛ أن لا يكون ~~لك موقف أو كلام أو انتماء خارج نطاق أمر الله ونهيه ، بل أن يكون كيانك ~~كله لله في استسلام خاضع خاشع حتى الانسحاق أمامه ، وإذا كان الحديث في ~~الآية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ما يناجي به نفسه ، فإنه يمتد إلى كل ~~موجود حي عاقل بأن يتمثل الموقف في إسلام الأمر لله في الفكر والشعور ~~والحياة ، فلا ينتظر من ms2068 الآخرين أن يسبقوه ، بل يحاول أن يكون هو الذي ~~يتسلم زمام المبادرة لتسليمه بالحقيقة الواضحة التي تفرض نفسها عليه. # وينتقل الحديث من أسلوب الغيبة في الحديث عن الله إلى الخطاب ، ليتمثل ~~الله بكل حضوره العظيم الضاغط على الكون ، وهو يحذر الإنسان من الشرك الذي ~~يرهق حس الصفاء الروحي للوحدانية في الفكر والشعور : ( @QUR@04 ولا تكونن ~~من المشركين ). # * * * ### ||| ** الفوز المبين للطائعين المنيبين # ويتحرك خط الإيمان الوجل الخائف من موقع الإحساس بالعظمة الموحية ، إلى ~~الشعور بالمسؤولية ، فلا بد من أن يسلم الإنسان أمره إلى الله في كل شيء ~~ويطيعه في كل ما أمر وشرع ، لأن الانحراف عن ذلك يعرض PageV09P046 # الإنسان إلى العذاب العظيم الذي ينتظره في اليوم العظيم ، يوم القيامة ، ~~( @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) وفي هذا الجو المسؤول ، ~~يتجسم الأمل الكبير في نفس المؤمن في أن يصرف عنه عذاب الله برحمته ، لأن ~~من علامات الرحمة ، أن يبتعد به عن آلام العذاب ( @QUR@09 من يصرف عنه ~~يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ). وأي فوز أعظم من فوز الإنسان برحمة ~~الله ورضوانه والبعد عن عذابه؟! # * * * ### ||| ** الله وحده كاشف الضر # ويتصاعد الإيحاء القرآني للإنسان بالحاجة إلى الله ، ليحس بذلك في حياته ~~اليومية ، في ما يصادفه من مشاكل وآلام وأضرار ، وليرجع إليه ويستعين به في ~~إيمان عميق مستغرق في عظمته ، صادق في مشاعره ، واثق بأن الله هو الذي يكشف ~~عنه الضر الذي يصيبه من خلال طوارئ الحياة المسيرة بقدرته ، المتحركة ~~بحكمته ، فلا كاشف له إلا هو. # ثم يتطلع إلى كل مواقع الخير في الحياة ، في داخل ذاته وخارجها ، ويتلفت ~~إلى كل من يقومون بأعمال الخير في ما يعطون ، وفي ما يمنعون ، وفي ما ~~يقومون به من أعمال وخدمات ، ثم يحدق في الآفاق الرحبة للروح فيجد أنهم لا ~~يمثلون أية استقلالية في حياتهم وفي نشاطهم ، بل كل ما هناك ، أنهم أدوات ~~بيد الله يسخرها كيف يشاء ، فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإرادته. ~~وبذلك كانت أجواء الخير بيد الله ، فلا يملكها إلا هو ms2069 كما لا يكشف الضر إلا ~~هو : ( @QUR@017 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شيء قدير ). # وما يجدر ملاحظته هنا ، هو أن الله تحدث في مواقع الضر عن أنه الوحيد ~~القادر على كشفه ، بينما تحدث في مواقع الخير عن قدرته المطلقة ، وربما كان ~~السبب في ذلك أن تطلعات الإنسان في حالات الضر تتجه نحو PageV09P047 # الخلاص ، وذلك بقصد من يملك بيده سبيل الخلاص. أما في حالات الخير فإنه ~~يتطلع إلى الزيادة والاستمرار في ما يعيشه من هناء وراحة ، فيناسب ذلك ~~الحديث عن القدرة التي تملأ نفسه بالثقة بالمستقبل الخير في ظلال القدرة ~~التي تملك أمر ذلك كله. # * * * ### ||| ** ضعف الإنسان المطلق أمام قوة الله المطلقة # ويخشع الوجود بكل قواه ، وبكل مظاهره ، وينطلق في رحاب الله ، فلا يجد ~~إلا الضعف المطلق أمام القوة المطلقة ، المهيمنة عليه ، القاهرة له ، فكل ~~ما في الوجود مملوك له ، محتاج إليه ، فلا يملك مع الله شيئا في قليل أو في ~~كثير. ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) ويلاحظ استعمال كلمة ( @QUR@01 فوق ~~) للإيحاء بالهيمنة والسيطرة تماما ككل شيء فوق أي شيء آخر ، وذلك بدلا من ~~كلمة «القاهر لعباده» لأنها لا تعطي مثل هذا الإيحاء الذي تفرضه طبيعة ~~الحاجة إلى حشد الجو النفسي بالسيطرة المطلقة لله ، ( @QUR@03 وهو الحكيم ~~الخبير ) فلا يتصرف في قدرته القاهرة من موقع السيطرة ، بل من موقع الحكمة ~~التي يحيط بمواقعها ومصادرها في الحياة وفي الإنسان ، لأنه الخبير بما خلق ~~ومن خلق ، تعالى شأنه عن كل المخلوقين. # ومن الطريف أن البعض ممن لا يفهمون أساليب البلاغة في التعبير حاولوا أن ~~يستفيدوا من هذه الفقرة : ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) الفوقية ~~المكانية التي توحي بالتجسد لله ، باعتبار أنه يجلس في المكان الأعلى ~~الفوقي بالنسبة إلى عباده. # ولكن التأمل الفني البلاغي يدل دلالة واضحة على أن الآية واردة في مقام ~~تأكيد السلطة المطلقة لله على العباد من خلال هذه الفوقية المعنوية ~~السلطوية التي تمثل القاهرية الشاملة ، تماما كما هي قاهرية «الفوق» على ~~«التحت» من خلال ms2070 إشرافه وتسلطه عليه بما يملكه من قدرة الإطباق ، وهو ظاهر. # * * * PageV09P048 ### ||| * الآية # ( @QUR@037 قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد ~~قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) (19) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي في قوله تعالى : ( @QUR@05 قل أي شيء أكبر ~~شهادة ) الآية ، قال الكلبي : إن رؤساء مكة قالوا : يا محمد ، ما نرى أحدا ~~يصدقك بما تقول من أمر الرسالة ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ~~ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ، فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم ؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية (1). # ونلاحظ أن سياق الآية لا يوحي بذلك ، فإن القضية المطروحة بين PageV09P049 # النبي والمشركين هي قضية التوحيد والشرك ، وهذا ما أثاره النبي في ~~الأسلوب القرآني في الشهادة بهذه القضية ، وهي : أن مع الله آلهة أخرى ~~فيرفض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقوله في إيحاء الله له ( @QUR@03 قل ~~لا أشهد ) ويؤكد التوحيد بقوله : ( @QUR@08 إنما هو إله واحد وإنني بريء ~~مما تشركون ). # وقد انطلقت الآية لتقدم أكبر شهادة على التوحيد من خلال الدلائل الواضحة ~~المتناثرة في آفاق الكون وفي أنفسهم ، وهي الشهادة الأكبر ، لأنها منطلقة ~~من الله الذي يؤمنون به من حيث المبدأ ، ولكنهم يشركون به غيره. ومن خلال ~~هذه الشهادة الإلهية يتحدث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مسئوليته في ~~إنذارهم بالقرآن ليبتعدوا عن الشرك الذي يؤدي بهم إلى الهلاك ليكون ذلك ~~وسيلة من وسائل الضغط على تفكيرهم بما تثيره من الخوف على المصير ، الأمر ~~الذي يجعل القضية بعيدة عن الترف الفكري والجدل العقيم الذي يثيرونه أمام ~~الدعوة بأساليبهم الخاصة. # ولا ينافي ما ذكرناه في الملاحظة ما جاء في الآية (20) من الحديث عن ~~معرفة أهل الكتاب بالنبي ، أو بالقرآن ، لأنها متصلة بالحديث معهم لا مع ~~المشركين ليكون كما يقول سبب النزول أنه إثبات لما نفوه من عدم شهادتهم ~~برسالة النبي صلى الله ms2071 عليه وآله وسلم ، لأن معرفتهم التي لا تتحول إلى إقرار ~~لا تصلح حجة على المشركين الذين طلبوا الشهادة حسب الرواية والله العالم. # * * * ### ||| ** من أساليب القرآن في مواجهة المشركين # وهذا أسلوب من أساليب القرآن في مواجهة المشركين من ناحية نفسية للتأثير ~~على مشاعرهم ، من خلال ما يؤمنون به من قضايا ، ثم إعطاء المؤمن PageV09P050 # موقع الحسم في رفض كل الأفكار الإشراكية المضادة .. فتبدأ هذه الآية في ~~إثارة التساؤل : ( @QUR@05 قل أي شيء أكبر شهادة ) لتستثير الإيمان بالله ~~الكامن في أعماقهم في ما يعيشونه من تعظيم لله ، وذلك لأن إشراكهم في ~~الغالب ليس شركا عقيديا بل هو شرك عبادي باعتبار قرب هذه الآلهة من الله ~~مما يجعلها تمنحهم القرب منه ، بحكم العلاقة الوثيقة بينها وبينه .. فإذا ~~كانوا لا يريدون الوصول إلى القناعة من خلال الفكر ، فإن هناك طريقة أخرى ~~لإثبات القناعة وهي الشهادة في ما يمكن أن يكون للحس طريق إليه ، ممن يملك ~~إمكانية الاطلاع على الموضوع بشكل دقيق واسع. # ومن هو الشاهد الأكبر الذي يحيط بالأشياء كلها ، ويعرف كل أسرارها ~~ودقائقها؟ ولا تنتظر الآية جوابا من هؤلاء ، بل تبادر إلى الجواب الذي يمثل ~~الحقيقة الكامنة في وعيهم : ( @QUR@05 قل الله شهيد بيني وبينكم ) فهو الذي ~~يمثل في قوله الحقيقة المشرقة الواضحة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ~~ولا من خلفها ، وهو الذي أنزل هذا القرآن لينذركم ويحملكم المسؤولية في ما ~~تعتقدون وما تعملون ، ويحملها للناس الآخرين الذين يبلغهم هذا القرآن من ~~الأجيال القادمة ، فلا بد لهم من دراسة هذا القرآن فكرا وشريعة وأسلوب حياة ~~، ليعرف الإنسان منه معنى التوحيد وحركة النبوة في الحياة. وهكذا يحاصرهم ~~هذا الأسلوب ، ليحيط بهم من بين أيديهم ومن خلفهم ، لأنه يطرح أمامهم شهادة ~~الله من خلال القرآن ، ليفكروا في ذلك كله. # * * * ### ||| ** القرآن منذر الإنسان # ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) أي : من بلغه ~~القرآن في حركة الدعوة الموجهة إلى الإنسان كله في كل زمان ومكان ممن تنطلق ~~الرسالة لتصل إليه بالطريقة التي يفهمها ، وبالوسائل التي تلتقي ms2072 عند ظروفه ~~، وباللسان PageV09P051 # الذي يتكلم به كما جاء في حديث الإمام جعفر الصادق عليهم السلام في رواية ~~الحلبي عن أبيه عنه قال : سئل عن قول الله عز وجل : ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) قال : بكل لسان (1). وهذا ما يفرضه القرآن ~~على الدعاة إلى الله أن يبلغوا رسالاته ويخشوه في حركتهم التبليغية بالوعي ~~لما يبلغونه والصدق فيه من أجل أن تقوم الحجة به على الناس ، لأن الذين لا ~~تبلغهم الدعوة لا حجة لله عليهم وهذا ما جاءت به الرواية في تفسير المنار ~~قال : أخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال : أتي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأسارى ، فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام قالوا : لا ، ~~فخلى سبيلهم ثم قرأ : ( @QUR@08 وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) ~~ثم قال : خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم لأنهم لم يدعوا (2). # وقد انطلقت كلمة الإنذار انسجاما مع موقف العناد الذي اتخذه المشركون من ~~الرسول والرسالة أو الذي يمكن أن تتخذه القوى المضادة أمام الدعوة ~~الإسلامية ، وربما كان هذا ما أبعد كلمة «التبشير» إلى جانب الإنذار ، وقد ~~يكون ذلك من جهة أن الإنذار في الموقف الجاحد يوحي بالتبشير في الموقف ~~الإيماني ، مما جعل المسألة تتحرك لمعالجة الموقف الفعلي الذي يراد من ~~خلاله الضغط على هؤلاء ليتراجعوا عن جحودهم وشركهم بما يتضمنه الإنذار من ~~العذاب الأخروي كمحاولة لتحطيم حالة الجمود الفكري لديهم ، ولكنهم لا ~~يسمعون ولا يعقلون ويصرون على عنادهم فيتركون شهادة الله ، ليشهدوا شهادة ~~مضادة لها ، لأن هذا النهج هو نهج الآباء والأجداد ، بعيدا عن عالم الفكر ~~والروح. # * * * PageV09P052 ### ||| ** الرسول يشهد شهادة الحق في مواجهة المشركين # ويتساءل ، لينكر عليهم هذا الأمر : ( @QUR@07 أإنكم لتشهدون أن مع الله ~~آلهة أخرى ) وكأنه يوحي لهم بأن ذلك أمر لا يرتكز على أساس ، ولذلك فإنه ~~يقف في الموقع القوي الرافض في المجابهة بين شهادة الحق وشهادة الباطل : ( ~~@QUR@012 قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) فذلك هو ~~الذي يفرضه العقل ويلتقي به ms2073 الوجدان .. وتتأكد معه القناعات وينطلق من ~~خلاله الرفض الحاسم للشهادة المضادة ، والاعتراف الواضح بالحقيقة الثابتة ~~بوحدانية الله والإعلان الصارخ للبراءة من كل هذه الأصنام التي تتجسد فيها ~~رموز الشرك وخطوطه ومناهجه. # وربما كان من الضروري للعاملين في سبيل الله ، استيحاء هذا الأسلوب في ~~المواقف التي قد لا تسمح بالكثير من الجدل الفكري ، حيث ينتهي فيها الحوار ~~إلى طريق مسدود ، بالحواجز النفسية المتنوعة التي تجرد الحديث المنطلق من ~~القلب المفتوح من تأثيره ، فقد يكون من المفيد الدخول في حالة اقتحام نفسي ~~على المواقف الحاشدة بالإشارة إلى الشهادات التي يلتقي فيها أهل الحوار من ~~دون انتباه للنتائج التي تنتهي إليها ، ليكون الحوار منطلقا جيدا للوصول ~~إلى تلك النتائج الحاسمة من أقرب طريق. # * * * PageV09P053 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا ~~أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) @QUR@014 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) @QUR@012 ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول ~~للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) @QUR@012 ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) @QUR@010 انظر كيف ~~كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتنتهم ): جاء في مجمع البيان : «قال الأزهري : جماع الفتنة ~~في كلام العرب الامتحان ، مأخوذ من قولك : فتنت الذهب والفضة : إذا أذبتهما ~~بالنار وأحرقتهما ، وقد فتن الرجل بالمرأة ، وافتتن ، وقد فتنته المرأة ~~وأفتنته» (1). # * * * PageV09P054 ### ||| ** الكافرون خسروا أنفسهم # هل كان أهل الكتاب يجهلون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليحتاجوا في ~~معرفة نبوته إلى برهان ، وليثيروا حوله جدلا عقيما يتناوله كإنسان ، ~~ويتناول صفته كرسول وموقعه كداعية إلى الله؟ إن القرآن ينفي ذلك ، لأن ~~التوراة تحدثت عن صفاته ، والتاريخ الذي يتداولونه كان يؤكد لهم ظهوره أو ~~خروجه للأجيال اللاحقة ، ولهذا كانوا يستفتحون به على الكافرين قبل ظهور ~~أمره. ويثير القرآن القضية على أساس وضوحها الكامل الذي يجعل من الاقتناع ~~بها أمرا غير قابل للجدل ، فأهل الكتاب يعرفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كما يعرفون أبناءهم من حيث الذات ms2074 والصفة ، فلذلك لا يمكن لمن يحترم نفسه ~~منهم إلا أن يعرفه كما يعرف أولاده : ( @QUR@013 الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ). # ولكنهم لم يلتقوا مع أنفسهم في خط هذا الوضوح المشرق للحقيقة ، بل ركنوا ~~الى العقد النفسية المظلمة التي تحكمت في داخلهم على أساس الأطماع والشهوات ~~، وبذلك خسروا أنفسهم ، لأن قضية الربح والخسارة في الحياة لا تخضع لمقاييس ~~الامتيازات الذاتية الطارئة التي تذوب وتزول في ما يذهب من أوضاع الحياة ~~الفانية ، لأنها لا تمثل هدفا للحياة بقدر ما تمثل حاجات عادية لها ، ولهذا ~~، فإنها لا تصل إلى مستوى القيمة التي يضع الإنسان نفسه في موازينها ، بل ~~إن قضية الربح والخسارة تحددها المبادئ الأساسية التي تحكم مسيرة الحياة في ~~جوانبها المادية والمعنوية ، وتمثل في طبيعتها حركة الرسالة ، فتفتح ~~للإنسان ، نافذة على الدنيا المسؤولة من جهة ، ونافذة على الآخرة المطمئنة ~~من جهة أخرى ، وهذا ما عبر عنه القرآن في دعوته الحاسمة في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [المطففين : 26]. # ولن يحصل الإنسان على ذلك كله إلا بالإيمان بالله ، الذي هو بداية كل خير ~~، ومنطلق كل صلاح وإصلاح ، والمنهج الذي يجمع له الدنيا والآخرة PageV09P055 # في ميزان واحد ، من دون أن يطغى جانب منه على جانب ، لأن ذلك هو معنى ~~التوازن في إنسانية الإنسان وواقعية الحياة. ولهذا فرع القرآن عدم الإيمان ~~على الخسارة ، أو اعتبره مظهرا لها ، فإذا فقد الإيمان فقد النور الذي يشرق ~~في فكره وقلبه ، والهدى الذي يفتح عيونه على الصراط المستقيم ، والنهج ~~الصالح الذي يخطط له الحاضر والمستقبل. وهكذا كان الموقف المتعنت لهؤلاء في ~~ما رفضوه من حقيقة المعرفة للرسول خسارة لهم في داخل حياتهم وخارجها ، لما ~~تمثله خسارة الإيمان من ضلال وضياع في ظلمات التيه. # * * * ### ||| ** خسارة النفس أفظع أشكال الظلم # وليست قضية الخسارة هنا مجرد خسارة ذاتية ، ولكنها أفظع أشكال الظلم ، ~~وأي ظلم أعظم من أن يظلم الإنسان ربه؟ لا ظلم القوة ، لأن الإنسان يمثل ~~الضعف كله أمام الله ، ولكنه ظلم الافتراء والكذب ، والإساءة ms2075 إلى مقام الله ~~الذي خلقه ورزقه وتعهده في كل حياته ، بالرحمة والرعاية التامة ، في ما ~~ينسبه إليه من الباطل ، وفي ما يكذبه من آياته .. ثم هو الظلم الكبير ~~للحياة وللإنسان ، في ما يشوهه من الحقائق ، ويهدمه من القضايا ، ويضلله من ~~الخطوات ، فليست الأكاذيب التي يفتريها هؤلاء مجرد كلمات تتحرك في الهواء ، ~~وليست المواقف التي يقفونها ضد شريعة الله مجرد مواقف تتجمد في حياة ~~أصحابها ، ولكنها تتحول إلى شريعة من شرائع الباطل التي يدين بها الناس ~~باسم الحق ، أو سنة يقتدي بها الناس في ما يقتدون به من سنن الأولين ، لأن ~~أصحابها يمثلون انتماء دينيا ، له قداسة الدين في ما يعتقده الناس ، ~~ويملكون موقعا كبيرا له احترامه العميق في ما يعيشه الناس من احترام ~~المقامات الكبيرة ، ولهذا كانت القضية تشكل خطرا مستقبليا على مستوى الفكر ~~والعمل ، مما جعل من ممارستها ممارسة لأكبر أنواع الظلم ، لأن أي ظلم ، غير ~~هذا اللون من الظلم ، يأخذ لنفسه حجما محدودا ، ولا PageV09P056 # يستوعب الحياة التي تتحرك في مسيرتها صعودا وهبوطا من خلال مفاهيم الحق ~~والباطل ، ( @QUR@010 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ). # * * * ### ||| ** الظالمون المفترون الكاذبون لا فلاح لهم # ولكن هل يتصور هؤلاء أنهم قد ربحوا الجولة الأولى ، وربحوا معها أنفسهم ، ~~وأفلحوا في الوصول إلى السعادة؟ إن الله يواجههم بالحقيقة المرة الصارخة : ~~( @QUR@04 إنه لا يفلح الظالمون ) فسيواجهون نتائج أعمالهم السيئة في ~~الدنيا والآخرة ، وسيتبخر في الهواء كل ما بنوه من أحلام ، وكل ما حصلوا ~~عليه من امتيازات .. وسيقفون غدا بين يدي الله ، في وقفة حساب وحوار : ( ~~@QUR@012 ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون ) أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله ، أو تعبدونها معه؟ ففي ~~يوم القيامة فقط تتكشف المواقف الحقيقية دون لف أو دوران ، لأن كل إنسان ~~ينزع عن نفسه أو ينزع عنه القناع الذي كان يلبسه لإخفاء شخصيته ، على أساس ~~ما يملك من مال أو جاه أو امتياز خاص أو عام ، ويقف عاريا لا يملك إلا ~~صفاته ms2076 وأعماله. # ويتحداهم السؤال في ضغط الموقف عند ما يواجهون عذاب الله ، فلا يجدون ~~منفذا للخلاص ، ولا مجالا للهرب إلا بالإنكار ، ( @QUR@012 ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) إنه الموقف الصعب ، الذي ~~يمثل فتنة واختبارا لصلابة القاعدة التي يخضع لها الإنسان مواقفه ، فتبدو ~~مجرد رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، فانهارت أمام ذلك كل القناعات التي ~~كانوا يلتزمون بها في أوضاعهم الاستعراضية ، فبينما كانوا يتبجحون بالشرك ~~في دنياهم ، إذا بهم يهربون من مجرد نسبته إليهم في أخراهم ، وذلك بتأكيد ~~النفي بالحلف بالله ربهم ، كمظهر من مظاهر الضعف النفسي للمشركين أمام ~~مواقف المواجهة الحاسمة. PageV09P057 # ( @QUR@010 انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ويوجه ~~الله الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى كل ناظر ، ليستعرض ~~بوعيه ما يمثله الشرك من ضعف أمام الحق ، فيضطر أصحابه إلى الكذب ، ومحاولة ~~الهروب ، فقد ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا يفترون ) وعاشوا حالة هروب من ~~أنفسهم ، وهروب من أفكارهم ، وتلك هي الخسارة الكبرى ، أن يفقد الإنسان ~~نفسه وفكره ، ليصبح مجرد شبح ضائع تتلاقفه ظلمات التيه من كل جانب ، من دون ~~أن يصل إلى أية نتيجة إيجابية على مستوى المصير. # * * * ### ||| ** من وحي الآيات # ونستوحي من ذلك أن على الناس الذين يستسلمون للرموز الاجتماعية أو ~~السياسية أو الاقتصادية التي قد تملك بعض مظاهر القوة أو بعض أوضاعها ، ~~فيطيعونهم في معصية الله ، ويستغرقون في ذلك كله تماما كاستغراق العبيد ~~بالآلهة ، ثم تتبدل الأمور وتتغير ويتحول هؤلاء «الطواغيت» أو الأقوياء إلى ~~أناس عاديين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ويقف الناس الذين سقطوا ~~أمامهم في عملية استسلام وانبطاح ليواجهوا الموقف الجديد في حالة الإحباط ~~النفسي والاجتماعي ، ليدخلوا في دائرة الاعتذار والتبرير ، لأنهم لا يريدون ~~أن يتحملوا المسؤولية بما عملوه وما تحركوا فيه. إن مثل هذا الاختلاف بين ~~البداية والنهاية في الآخرة كما في الدنيا ، يفرض على الإنسان الوعي ~~لمواقفه على أساس حسابات العواقب ، حتى لا يقف في نهاية المطاف الموقف ~~الصعب ms2077 الذي يواجه فيه دمار كل شيء بناه في ماضيه ليجد نتيجة ذلك في ~~مستقبله. # إن البدايات لا تمثل معنى حركة الإنسان في الحياة ، لأنها قد تتحول إلى ~~نهايات مأساوية ، لذلك لا بد للإنسان من أن يدرس طبيعة النهاية إذا أراد أن ~~يبدأ طريقه في نقطة البداية. # * * * PageV09P058 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@032 ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25) @QUR@011 وهم ينهون عنه وينأون ~~عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أكنة ): الأكنة : جمع كنان ، وهو ما وقى شيئا ، وستره ، مثل : ~~عنان وأعنة ، قال الليث : كل شيء وقى شيئا فهو كنانه وكنه ، والفعل منه ، ~~كننت وأكننت ، والكنة : امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنه ، واستكن الرجل ~~من الحر واكتن : استتر (1). # ( @QUR@01 وقرا ): الوقر : الثقل في الأذن ، والوقر بالكسر الحمل. # ( @QUR@01 يجادلونك ): الجدال : الخصومة ، سمي بذلك لشدته ، وقيل : إنه ~~مشتق من الجدالة ، وهي الأرض لأن أحدهما يلقي صاحبه على الأرض. # ( @QUR@01 أساطير ): خرافات وأكاذيب. وأساطير : واحدتها أسطورة وأسطارة ~~، مأخوذ من سطر الكتاب (2). # ( @QUR@01 وينأون ): أي : يبعدون ، والنأي : البعد ، يقال : نأيت عنه أنأى PageV09P059 # نأيا ، ومنه : أخذ النؤي ، وهو الحاجز حول البيت لئلا يدخله الماء. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قوله تعالى : ( @QUR@04 ومنهم من يستمع إليك ) جاء في أسباب النزول ~~للواحدي قال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن أبا سفيان بن حرب ، والوليد ~~بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وعتبة وقيس ابني ربيعة ، وأمية وأبيا ابني ~~خلف ، استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا للنضر : يا أبا ~~قتيلة ، ما يقول محمد؟ قال : والذي جعلها بيته ، ما أدري ما يقول ، إلا أني ~~أرى يحرك شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم ~~عن القرون الماضية ، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث ~~قريشا فيستملحون حديثه. فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # ونلاحظ أن الآية تتحدث عن جدال بين النبي صلى الله عليه ms2078 وآله وسلم وبينهم ، ~~وعن الآيات الدالة على الإيمان التي قدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ~~، وعن أحاديث متنوعة تتصل بقضايا الرسالة فكرة وتاريخا مما يجعلهم يستمعون ~~إليه ويعونه ولكنهم لا يصدقونه ، وليست المسألة كما تقول الرواية عن النضر ~~أنه لم يسمع منه شيئا ، كما أن ذلك يتنافى مع قوله : إنها أساطير الأولين ، ~~إلا إذا كان يتحدث عما سمعه سابقا من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # إن الآية حسب سياقها تتحدث عن الأجواء التي كانوا يعيشونها من رفض ~~الاستماع إلى الأفكار ومناقشتها من موقع المسؤولية الفكرية ، فهم يواجهونها ~~مواجهة اللامبالاة ، كما لو كانت عقولهم مقفلة ، وآذانهم مغلقة ، مما يجعل ~~كلمة الأساطير التي يلصقونها بحديث النبي مجرد كلمة استهلاكية للهروب من ~~الحوار القائم على التفكير الجدي المسؤول. PageV09P060 # وحول آية ( @QUR@05 وهم ينهون عنه وينأون عنه ) جاء في أسباب النزول ~~للواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@05 وهم ~~ينهون عنه وينأون عنه ) قال: نزلت في أبي طالب ، كان ينهي المشركين أن ~~يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعد عما جاء به ، وهذا قول عمرو ~~بن دينار والقاسم بن مخيمر. # قال مقاتل : وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عند أبي طالب يدعوه ~~إلى الإسلام ، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يردون سؤال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال أبو طالب : # والله لا وصلوا إليك بجمعهم %~% حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك لا عليك غضاضة %~% وأبشر وقر بذاك منك عيونا وعرضت دينا لا محالة أنه %~% من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذاري سبة %~% لوجدتني سمحا بذاك مبينا # فأنزل الله تعالى : ( @QUR@03 وهم ينهون عنه ) الآية. # وقال محمد بن الحنفية والسدي والضحاك : نزلت في كفار مكة كانوا ينهون ~~الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعدون بأنفسهم عنه. وهو قول ~~ابن عباس في رواية الوالبي (1). # * * * ### ||| ** روايات النزول وإسلام أبي طالب # والظاهر أن الرواية الأخيرة هي الأرجح لأن سياق الآية ms2079 كما يقول صاحب مجمع ~~البيان يوحي بأنها واردة في ذم الكفار والمعاندين للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنها معطوفة على ما تقدمها ، وما تأخر عنها معطوف ~~عليها (2). # كما أنها لا تتناسب مع الروايتين السابقتين أولا ، لأن الظاهر من كلمة PageV09P061 # ( @QUR@02 ينهون عنه ) هو نهي الناس عن اتباعه و ( @QUR@02 وينأون عنه ) ~~أي : يتباعدون عنه في موقف الرفض له ولرسالته ، فلا تنسجم مع واقع أبي طالب ~~حسب الرواية : الذي كان ينهى الناس عنه من خلال حمايته له من قريش ، أما ~~ينأون عنه فلا تتناسب مع الفكرة التي يريدون تأكيدها عنه ، وهي النأي عن ~~الإيمان به وبرسالته لعدم صحة نسبة النأي عنه إليه بالذات. هذا بالإضافة ~~إلى أن الآية وردت بصيغة الجمع ، وهي بالنسبة إلى أبي طالب في دائرة ~~المفرد. # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الدراسة الموضوعية لشخصية أبي طالب ~~ورعايته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ووعيه الفكري ورجاحة عقله ومستوى درجته ~~الرفيعة في السلم الاجتماعي المكي في زعامته لقريش أو لبني هاشم وأشعاره ~~المروية عنه ، كل ذلك لا يتناسب مع رفضه للإيمان برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وبقائه على الشرك ، لو كان مشركا من الأساس ، وهو أمر ~~مشكوك فيه انطلاقا من الجو العائلي الإيماني الذي يحيط ببيت أبيه عبد ~~المطلب. # أما الحديث عن خوف الملامة أو محاذرة السبة ، فهو حديث لا يثبت أمام ~~النقد لأن القضية ليست قضية مربوطة بالواقع الاجتماعي ، بل هي مربوطة ~~بالمصير الأخروي عند الله مما لا يمكن للإنسان الذي يعيش الإيمان بقلبه ~~وعقله أن يبتعد عن الانتماء إليه. # إن هذا كله يوحي بأن الإيمان ليس بعيدا عن عقل أبي طالب وقلبه ، ولكن إذا ~~كان هناك من كلام يمكن إثارته في هذا المجال ، فهو أنه كان يكتم إيمانه ~~حماية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليستطيع الدفاع عنه أمام قريش التي لم ~~تكن تعتبره مسلما ، وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يؤكد ذلك ، ~~وقد جاء في مجمع البيان أنه قد ثبت ms2080 إجماع أهل البيت عليهم السلام على إيمان ~~أبي طالب ، وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين اللذين أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهما بقوله : إن تمسكتم بهما لن تضلوا. PageV09P062 # ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر أن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم ~~الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ~~: ألا تركت الشيخ فآتيه وكان أعمى ، فقال أبو بكر : أردت أن يأجره الله ~~تعالى ، والذي بعثك بالحق ، لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحا مني بإسلام ~~أبي ، ألتمس بذلك قرة عينك ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : صدقت (1). # قال صاحب الميزان (قدسسره): والعمدة في مستند من قال بعدم إسلامه بعض ~~روايات واردة من طريق الجمهور في ذلك ، وفي الجانب الآخر إجماع أهل البيت ~~عليهم السلام وبعض الروايات من طريق الجمهور ، وأشعاره المنقولة عنه ، ولكل ~~امرئ ما اختار (2). # وفي نهاية المطاف ، يجدر القول إن أبا طالب في كل مراحل حياته بعد ~~الرسالة كان الإنسان الألصق برسول الله والأقرب إليه والأحب ، وكان يجلس ~~إليه صباحا ومساء ويتحادث معه في مختلف الأمور ، لا سيما في قضية الرسالة ~~التي كانت تشغل وقته ، باعتبار أنه كان يتحمل مسئولية الدفاع عنها أمام ~~سادة قريش ، وقد كان الرجل عاقلا فهيما حكيما ، فهل يتصور الإنسان أنه لم ~~يستطع أن يصل إلى الحقيقة الإسلامية بعقله وقلبه ، لا سيما أن القضية تتصل ~~به من الجانب العقلي والعاطفي ، في الوقت الذي وصل إليها الآخرون من ~~المسلمين الذين أسلموا في بداية الدعوة ممن كان أبو طالب يتولى الدفاع عنهم ~~كما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ # هل يملك إنسان يحترم عقله ورؤيته المتزنة للأمور ووعيه لمفردات التاريخ ~~أن يقول إن أبا طالب كان كافرا؟ # إن أبا طالب قد أحرق كل أوراقه مع قريش بإصراره على الدفاع عن PageV09P063 # النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته ، فهل نتصور أنه يجاملهم في ~~مسألة الإيمان بدينه الذي اقتنع بأنه «من خير أديان ms2081 البرية دينا»؟! # * * * ### ||| ** صورة من صور الكافرين في مواجهتهم لقضايا الإيمان # وهذه صورة حية من صور أولئك الناس الذين خسروا أنفسهم عند ما تركوا ~~الجدية في مواجهة مسئوليتهم حيال قضايا الإيمان ودعوات الحق ، فهم قد يقفون ~~وقفة المستمع لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@04 ومنهم من ~~يستمع إليك ) في ما يتلوه من آيات الله ، وما يدعو إليه من شريعته ، ولكن ~~دون أن يحملوا روحية من يريد الوصول إلى القناعة اليقينية من خلال ما يسمعه ~~فيفكر ويحاور ، لأنهم قرروا مسبقا السير في خط التمرد والتحرك من موقع ~~السلبية الحاقدة ، بشعارات جاهزة يواجهون بها الموقف لإثارة الضجيج ~~والضوضاء بلا معنى. # ومن هنا ، كانت قلوبهم مغلقة عن فهم ما يسمعون ، ووعي ما يدور حولهم من ~~قضايا وأحداث ، وكانت أسماعهم صماء عن ذلك كله .. فقد ربط الله بين وعي ~~الأذن والقلب لما يسمعه الإنسان ، وبين إرادته لذلك ، لأن قضية السمع ليست ~~قضية صدى يدوي ، وصوت يرن .. وقضية الفكر ليست قضية معلومات تلقى ، ولكنها ~~قضية الإرادة الإنسانية التي تملأ هذا وتثير ذاك ، في حركة المسؤولية في ~~الذات المفكرة والسامعة من أجل الوصول إلى النتائج الحاسمة في الفكر ~~والحياة والمصير .. وبذلك صحت نسبة الفعل إلى الله في قوله : ( @QUR@09 ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) ويراد بالجعل هنا وفي ~~غيره من الموارد الجعل التكويني في ربط المسببات بأسبابها مع كون السبب بيد ~~الإنسان. وهكذا جاءت الفقرات الباقية لتوضح الصورة جيدا .. # ( @QUR@07 وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) لأنهم لا يعيشون مسئولية ~~الإيمان ، ولهذا فهم لا يلتفتون إلى ما في هذه الآية أو تلك من العناصر ~~التي تثبت حقيقة PageV09P064 # المضمون الإيماني من ناحية فكرية وروحية ، ( @QUR@012 حتى إذا جاؤك ~~يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) فهم لا يدخلون جو ~~الجدال بروحية من يريد أن يناقش الفكرة ، في إطار من التفكير المسؤول ~~والحوار الهادف ، بل يدخلونه ليؤكدوا صدور الدعوة عن أسباب تبخس من قيمتها ~~لا ليناقشوا أمرها .. فهم يقولون عن كل هذا الحق ms2082 الذي يدعو إليه الإسلام ، ~~إنه من أكاذيب الأولين وأساطيرهم ، ولكن كيف اكتشفوا ذلك؟ وما هي الحجة على ~~هذه الدعوى؟ ليس في ذلك أية مشكلة لديهم ، لأن كل هدفهم هو إثارة الضباب ~~وتشوية صورة الدعوة من خلال شعارات تتفاعل في نفوس البسطاء من الناس ، ~~فينفصلون عن خط الدعوة ، ويبتعدون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # * * * ### ||| ** الكافرون ينهون عن الإيمان ويبتعدون عنه # ( @QUR@03 وهم ينهون عنه ) فلا يكتفون بالإنكار الذاتي بل يعملون على ~~محاربته وإبعاد الناس عنه ، ( @QUR@02 وينأون عنه ) ويبتعدون عنه بكل ما ~~لديهم من الوسائل المادية والمعنوية ، لأن المساحة الفاصلة بين طريقتهم في ~~التفكير المتحركة في أجواء العبث ، وبين طريقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المتحركة في خط المسؤولية ، مساحة كبيرة جدا ، مما جعل من مسألة ابتعادهم ~~عنه وإبعاد الناس عن دينه مسألة تمتد إلى عمق شخصيتهم وتفكيرهم في كل قضايا ~~الحياة. ولكنهم لا يضرونه في ذلك كله ، لأن الرسول لا يتحرك من حالة شخصية ~~في ما يريد أن يتقدم فيه أو يتأخر ، أو في ما يعمل عليه من جمع الناس من ~~حوله ، بل يتحرك من موقع رسالي يتصل بحياة الآخرين من ناحية فكرية وعملية ، ~~فهو لا يحس بمشكلة الفراغ أو الامتلاء من ناحية ذاتية ، فقد حسم المسألة ~~قبل ذلك مع نفسه ، باعتبار أن الصلة بالله هي أساس القوة ، وقاعدة الاكتفاء ~~، حيال ما يواجهونه به من عنت أو اضطهاد ، ومن ترحيب وانتصار في كلمته PageV09P065 # المعبرة «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي» أو في ما حدثنا الله عنه في ~~ليلة الهجرة : ( @QUR@08 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) [التوبة : ~~40] كما أن الله قد حسم القضية معهم في خطابه المواسي لرسوله : ( @QUR@08 ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) [الأنعام : 33]. # ولكنهم يهلكون أنفسهم ، لأنهم يتلاعبون بمصيرهم في الدنيا والآخرة عند ما ~~يتلاعبون بالألفاظ التي يثيرونها ، والأجواء التي يعقدونها ، فيبتعدون بذلك ~~عما يصلح شأنهم ويعمق إنسانيتهم ويرفع مستواهم الفكري والعملي ، في ما تدعو ~~إليه الرسالة أو في ما تحققه ms2083 للحياة وللإنسان ، ( @QUR@06 وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون ) لأن حالة الاستعلاء والخيلاء والعبث واللامبالاة قد ~~حجبت عنهم وضوح الرؤية للأشياء ، فلم يميزوا بين حالة الإشراق وحالة الظلام ~~، وبين مواقع الخير ومواقع الشر ، فهلكوا وهم لا يشعرون وضلوا وهم لا ~~يعلمون. # * * * ### ||| ** استيحاء الآيات # وربما نستوحي من ذلك أن على العاملين في سبيل الدعوة إلى الله أن يواجهوا ~~الجماعات المضادة التي تريد إثارة الغبار في طريق الدعوة ، من خلال أجواء ~~اللامبالاة التي يتصرفون بها تجاه الدعاة أو أساليب الاحتقار والتوهين في ~~حديثهم عن الإسلام وعن القرآن وآياته ، أو محاولة إبعاد الناس عن الدعوة ~~بمختلف الوسائل. # إن عليهم مواجهة ذلك بالطريقة الفضلى بالمزيد من مواقف القوة والثقة ~~بالنفس ، والتحدي لهم بمختلف الأساليب ، تماما كما كان النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حركته في الدعوة في خط المواجهة ، لأن هؤلاء لا ~~يريدون إلا إضعاف روحية الداعية وإسقاط موقفه ، وإنزال الهزيمة النفسية به ~~، وإثارة الضباب حوله ، مما يفرض الوقوف أمامهم بالقوة الرسالية ، والصمود ~~الحركي في ذلك كله. # * * * PageV09P066 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) @QUR@016 بل بدا لهم ما كانوا يخفون من ~~قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28) @QUR@09 وقالوا إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) @QUR@019 ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون (30) @QUR@027 قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة ~~بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ~~ساء ما يزرون (31) @QUR@013 وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة ~~خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 وقفوا على النار ): جاء في مجمع البيان : يحتمل ثلاثة أوجه : ~~جائز أن يكون المعنى : عاينوا النار ، وجائز أن يكونوا عليها وهي تحتهم. ~~قال الزجاج : والأجود أن يكون معناه : أدخلوها ، فعرفوا مقدار عذابها ، كما PageV09P067 # تقول في الكلام : قد وقفت على ما عند فلان ms2084 ، تريد قد فهمته وتبينته ، ~~وهذا وإن كان بلفظ الماضي ، فالمراد به الاستقبال ، وإنما جاز ذلك ، لأن كل ~~ما هو كائن يوما مما لم يكن بعد ، فهو عند الله قد كان (1). ويحتمل أن ~~يكون المراد به : العرض ، أي : عرضوا على النار. # ( @QUR@01 بدا ): ظهر ، وفلان ذو بدوات : إذا بدا الرأي بعد الرأي ، ~~وبدا لي في هذا الأمر بداء ، والبداء لا يجوز على الله سبحانه لأنه العالم ~~بجميع الأمور لم يزل ولا يزال (2). # ( @QUR@01 الساعة ): الزمن القصير ، والمراد به هنا يوم القيامة لسرعة ~~الحساب فيه. # ( @QUR@01 بغتة ): فجأة ، وكل شيء أتى فجاءة فقد بغت. # ( @QUR@02 يا حسرتنا ): يا ندامتنا ، والحسرة : شدة الندم حتى يحسر ~~النادم كما يحسر الذي تقوم دابته في السفر البعيد. # ( @QUR@01 فرطنا ): التفريط : التقصير ، وأصله : التقديم ، والإفراط : ~~التقديم في مجاوزة الحد ، والتفريط : التقديم في العجز والتقصير. # ( @QUR@01 أوزارهم ): جمع : وزر ، والوزر : الثقل في اللغة ، واشتقاقه ~~من الوزر وهو الحبل الذي يعتصم به ، ومنه قيل : وزير كأنه يعتصم الملك به ، ~~ومثله قوله تعالى : ( @QUR@05 واجعل لي وزيرا من أهلي ) [طه : 29]. # ( @QUR@01 يزرون ) يفعلون ، من وزر يزر وزرا إذا أثم ، وقيل : وزر فهو ~~موزور إذا فعل به ذلك ، ومنه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن : ~~ارجعن موزورات غير مأجورات ، والعامة تقول : مأزورات. PageV09P068 # ( @QUR@01 تعقلون ): العقل : الإمساك عن القبيح وقصر النفس وحبسها. # ( @QUR@01 لعب ): جاء في مفردات الراغب : لعب فلان : إذا كان فعله غير ~~قاصد به مقصدا صحيحا ، يلعب لعبا (1). # ( @QUR@01 ولهو ): اللهو : ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه ، ويعبر عن ~~كل ما به استمتاع باللهو. # * * * ### ||| ** الكافرون أمام النار # وتتلاحق مشاهد القيامة في القرآن في أساليب متنوعة ، لتجسد أمام الناس في ~~الدنيا قضية المصير ، عبر النماذج القلقة التي تواجه العقيدة في حياتها ~~الفكرية والعملية مواجهة اللامبالاة ، فتنكرها وفقا لمزاج يقتضي ذلك ، وتلف ~~وتدور وتشاغب وتقف في وجه العاملين في سبيل الله ، استجابة لهوى النفس ~~وطمعها. # إن الله يحدثنا عن هؤلاء في مواقف القيامة ، كما حدثنا عن بعض مواقفهم في ~~الدنيا ، وقد انطلق حديث القرآن عن مواقف الناس يوم القيامة ، من منهج ~~تربوي ms2085 عرضه لإثارة التفكير في القضايا من داخلها ، في ما تختزنه طبيعتها ~~الذاتية من خصائص ومقومات ، أولا ، وفي نتائجها السلبية والإيجابية ، في ما ~~تمثله قضية المصير ، ثانيا ، لأن ذلك يدفع الإنسان إلى مواجهة القضايا ~~بطريقة موضوعية من أجل الوصول إلى القناعة المحددة ، ليؤمن أو لا يؤمن ، ~~وقد يواجهها بطريقة شعورية من أجل أن يصل إلى نتائجها العملية ليخاف أو ~~ليأمن ، وربما كانت الطريقة الثانية سبيلا للاهتمام بالقضايا على خط ~~الطريقة الأولى. PageV09P069 # ( @QUR@06 ولو ترى إذ وقفوا على النار ) هؤلاء الذين كذبوا الرسول ~~وأنكروا الرسالة ، وكانوا ينهون أو ينأون عنه ، ليأخذوا حريتهم في فعل ما ~~يطيب لهم ، إنك لن تجد أي جهد في العثور عليهم ، فهم بارزون أمام كل ناظر ، ~~فيمكن لكل من يملك عينين مفتوحتين أن يراهم حين يوقفون على النار ليدخلوها ~~، جزاء أعمالهم في الدنيا. وهنا تبرز صورتهم من الخارج ومن الداخل ، فها هم ~~يواجهون الموقف الصعب بالتراجع عن كل مواقفهم السابقة ، من تكذيب الرسل ، ~~وإنكار الإيمان ، وقد أراد الله إظهار ذلك ، فترك لهم حرية الكلمة الأخيرة ~~المعبرة عن حالة السقوط النفسي المهين بإطلاق التمنيات اليائسة الذليلة ، ~~بأن يردوا إلى الدنيا ، ليرفضوا عندها تكذيب آيات ربهم ، ويلتزموا خط ~~الإيمان .. فقد اتضح الأمر لديهم وبان ، ولم يبق لديهم أية شبهة حول ~~الإيمان ونتائجه ، وهكذا كان. # ( @QUR@011 فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) ~~ولكن هل هذا الموقف ناتج عن قناعة مرتكزة على أساس ثابت بعيدا عن الأجواء ~~الطارئة الضاغطة على المشاعر ، أم أن الموقف هو موقف الصدمة المفاجئة التي ~~تهز المشاعر ، حتى إذا أفاق الإنسان منها رجع إلى مواقعه السابقة كما لو لم ~~يكن حصل أي شيء في حركة الموقف ، وفي مستوى المسؤولية؟! قد لا تستطيع ~~الحالة السريعة أن تعطينا فكرة عن هذا أو ذاك ، ولكن ما يكمن في خلفية ~~الشخصية وعمقها وامتدادها يمكن أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في الداخل ، ~~فنكتشف من خلالها أن هؤلاء لا يعيشون الجدية في مواجهة المسؤولية ، بل ~~يقابلونها باللامبالاة الوجدانية ، ولذلك جمدوا فكرهم ms2086 أمام كل مواقع ~~الإثارة الفكرية والعملية ، فلم يتوقفوا عند علامات الاستفهام العريضة التي ~~كانت تخاطب فكرهم عند ما كانوا في الدنيا ، بالرغم من كل المؤثرات والدلائل ~~التي كانت تفرض التوقف عندها ، بل كل ما فعلوه أنهم خضعوا للأجواء المثيرة ~~المنفعلة بالجو الطارئ فيما يوحيه ويثيره ، حتى إذا ابتعد عنهم من PageV09P070 # جديد أو ابتعدوا عنه ، عادوا إلى سيرتهم الأولى. # وهذا ما أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى : ( @QUR@08 بل بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من قبل ) فهم لم يكتشفوا في ما شاهدوه شيئا جديدا ، بل كانوا ~~يتوهمون الحقائق قبل ذلك ويخفونها لئلا تقوم عليهم الحجة أمام الآخرين ، ~~فينكرونها من موقع القناعة بها ، ( @QUR@06 ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) ~~لأنهم لم ينحرفوا لشبهة عرضت لهم ، ولا لخطأ وقعوا فيه ، بل كان ذلك ~~لاستسلامهم أمام شهواتهم وأطماعهم بما كان يدفعهم إلى الإنكار في مواقع ~~الحقيقة وإلى التمرد في مقتضيات الطاعة ، وإلى التسويف في مواقف التوبة ، ~~ولذلك فإن الصدمة أمام أهوال النار سوف تتضاءل عند ما ينفصلون عن الجو ~~تدريجيا ، ويبتعدون عن تهاويله في الزمان والمكان ، فيرجعون إلى ما كانوا ~~عليه ، لأن شخصيتهم لا تحتمل التأثر بالفكرة العميقة ، بل تتحرك تبعا لظروف ~~الجو ومزاجية الرأي. # وقد يكون هذا اللون من أوضاع الشخصية الإنسانية ، يمثل طبيعة الظاهرة في ~~أكثر من مجتمع ، سواء في ذلك مجتمع الكافرين ، أم المجتمع الذي يتبنى ~~الإيمان كعقيدة. فقد نلجأ في حالات المرض والخوف إلى الله ونتوب إليه مما ~~أسلفنا من ذنوبنا ، ونعزم على تصحيح الموقف أملا في الشفاء من المرض والأمن ~~من الخوف ، فإذا كشف الله عنا ذلك كله ، نسينا كل ما التزمنا به لله من ~~موقف أو عمل ، وعدنا إلى ما كنا فيه .. # إن القضية التي تحكم هذه الظاهرة في الوجه السلبي أو الإيجابي منها هي أن ~~هناك فرقا بين أن تكون خطوات الإنسان العملية منطلقة من قاعدة أساسية في ~~طريقة التفكير والانتماء والعمل ، وبين أن تكون خاضعة للأجواء الطارئة التي ~~يعيشها الإنسان. ففي الحالة الأولى ، نجد الثبات والصلابة والتركيز ms2087 في ~~الفكر والموقف بالرغم من كل ما يهز الفكر أو يثير الشعور ، حيث يزداد ~~الموقف في هذا الحال قوة في الأجواء الملائمة ، ويزداد توترا في PageV09P071 # الأجواء غير الملائمة ، فيشعرهم بالحاجة إلى مواجهة التحدي بقوة ضاغطة. ~~وفي الحالة الثانية ، نجد الاهتزاز والضعف والانسحاق أمام أية حالة جديدة ، ~~مما يوحي إليهم بالانتقال إلى مواقع جديدة مضادة لمواقعهم الحقيقية ، في ~~الفكر والانتماء والعمل. # وربما كان من الضروري للإنسان المؤمن أن يختبر نفسه ليعرف في أي اتجاه ~~يسير ، ومن أية قاعدة ينطلق ، ليحدد لنفسه وللآخرين مسار تنمية القدرة ~~الروحية والعملية في الخط الصحيح ، فإن إهمال ذلك قد يجعل الرؤية غير واضحة ~~وينتهي بالموقف إلى غير وجهته الطبيعية في الحياة. إن علينا أن ندخل هذا ~~الجانب في حركة بناء الشخصية الإنسانية ، فلا نتعلق بالسطح الظاهر بل نحاول ~~دائما النفاذ إلى الأعماق ، فإن الله يريد منا صناعة الشخصية التي تخلق ~~الأجواء ولا تحاول الخضوع للأمر الواقع وتبريره مهما كان لونه. # ويختم الله الآية بالنتيجة الحاسمة لموقفهم الحقيقي : ( @QUR@02 وإنهم ~~لكاذبون ) في كل ما يثيرونه من جو يوحي بأنهم سيتراجعون عما كانوا فيه. # ( @QUR@09 وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) قالوا وهم ~~في الدنيا إن الحياة ليست إلا صدفة ضائعة في الفراغ تماما كالفقاقيع التي ~~تنتفخ في نطاق الظروف التي توحي بالانتفاخ وتستمر باستمرارها ثم لا تلبث أن ~~تنفجر وتتلاشى كما لو كانت شيئا لم يكن من دون أن تخلف وراءها أي شيء ، أو ~~تستقبل أمامها أي واقع جديد. # هذه هي فكرة مادية الحياة والإنسان ، حيث الوجود يتحرك بين عدمين ، فلا ~~وجود بعدها ، كما لا وجود قبلها .. وبذلك لم تعد الرسالات تمثل لديهم شيئا ~~في ما تفرضه المسؤولية على الإنسان من أعمال ومواقف ، بل كل ما هناك ، أن ~~للحياة حاجات لا بد من استكمالها والحصول عليها بأي ثمن ، بعيدا عن أية ~~قيمة روحية ، أو أي تفكير غيبي ، ولهذا لم يكلفوا PageV09P072 # أنفسهم عناء التفكير بالغيب الذي حدثهم الأنبياء عن آفاقه ارحبة ، في ما ~~يمثله اليوم الآخر ، وتمثله ms2088 الجنة والنار ، وما يعيشه الإنسان من رضوان ~~الله ورحمته وعفوه وغفرانه. فالحياة باعتقادهم لا تحمل أي معنى ، وهي في كل ~~مظاهرها وأوضاعها لا تجسد أو تعكس أية حقيقة أخرى ، فهي تبدأ هنا وتنتهي ~~هنا ، وليس وراءها أي شيء إطلاقا. واعتقادهم هذا يعبر عن أمنياتهم وليس عن ~~الواقع كما هو في الحقيقة. # * * * ### ||| ** موقف الكافرين أمام الله # وينتقل القرآن بنا إلى جو آخر ، نواجه فيه هؤلاء الأشخاص ، وهم يعيشون ~~الحوار مع الله ، حيث يواجههم الله بالأسئلة الحاسمة التي تصدمهم بالحقيقة ~~، ولا يملكون إلا أن يجيبوا عنها بالحق ، إذ لا مجال لهم لغير ذلك أمام ~~الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # ( @QUR@06 ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ) في الموقع الذي يواجهون فيه ~~الحساب بين يدي الله ، ليقدموا حساب أعمالهم ، وليكشف الله من خلال ذلك ما ~~يختزنونه من أفكار ، وما كانوا يثيرونه من أقاويل وأفكار لا تعبر عن قناعة ~~حقيقية. # ( @QUR@04 قال أليس هذا بالحق ) فقد كنتم تنكرون هذا كله في الدنيا ، ~~ولكنكم تقفون الآن مع الحقيقة التي تفرض نفسها على أبصاركم وأفكاركم ، فما ~~ذا أنتم قائلون؟ هل هناك ظلال شك تغشي عيونكم الآن؟ ( @QUR@03 قالوا بلى ~~وربنا ) إنهم يعترفون بالحق اعترافهم بالله الذي يقسمون به لتأكيد قناعتهم ~~بما يشاهدون. # ( @QUR@06 قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) فقد قامت عليكم الحجة من ~~خلال الرسالات التي جاء بها الرسل ، ولكنكم تمردتم واستكبرتم وكفرتم ، من دون PageV09P073 # عذر ، فما ذا تنتظرون إلا العذاب الذي هو الجزاء الإلهي العادل لموقفكم ~~المنكر؟ فقد أخبركم الرسل بذلك كله ، في ما حدثوكم به عن مستقبل المسؤولية ~~في جانب الثواب والعقاب. # ولا يطيل الله الحديث معهم ، لأن القضية الواضحة لا تحتمل جدلا وحوارا ، ~~بل تقف في مواجهة الحجة لتسجل الموقف الحق في اللحظة الحاسمة .. ليتحرك ~~التنفيذ من خلال ذلك .. وتلك هي اللحظة التي ينبغي للإنسان أن يحسب حسابها ~~في الموقف الصعب أمام الله ، فهناك يشعر بأنه مكشوف بكل فكره وشعوره وعمله ~~، فالله لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. # * * * ### ||| ** خسران ms2089 المكذبين بلقاء الله # ثم أراد الله أن يبين لهم الحقيقة على مستوى القاعدة ، ليتأمل الإنسان ~~ويعيد النظر في حسابات الربح والخسارة في عمله أمام الله. # ( @QUR@06 قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) لأنهم لم يستعدوا لذلك ، ~~انطلاقا من إنكارهم له ، فعاشوا الغفلة كل الغفلة لما ينتظرهم من حساب الله ~~وعقابه. # ( @QUR@05 حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ) من دون انتظار ، وهم سادرون في ~~غيهم ولهوهم وعبثهم وغفلتهم ( @QUR@07 قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ) ~~أخذوا يشعرون بالحسرة التي تثقل وجدانهم وتضغط على مشاعرهم ، وتثير ~~انفعالاتهم .. فقد فرطوا في يوم القيامة ، فلم يعملوا على ربح الموقف فيه ، ~~من خلال سلامة الموقف في الدنيا ، ( @QUR@05 وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ~~) فهم لم يكتفوا بترك العمل للجنة ، بل أثقلوا ظهورهم بالأحمال الثقيلة ~~بكفرهم وعصيانهم وانحرافهم وتمردهم ، PageV09P074 # وذلك هو مغزى التعبير بالأوزار على الظهور ، للإيحاء بأن الانحراف عن خط ~~الله في العقيدة والعمل يثقل روح الإنسان وضميره وحياته ومصيره .. فاستعار ~~الثقل المادي للثقل المعنوي. # ( @QUR@04 ألا ساء ما يزرون ) وأي سوء أشد من العناء الذي يلاقيه الإنسان ~~من أحمال ثقيلة ينوء بها ، ثم تلقي به بعد ذلك في أعماق الهاوية ، من دون ~~أن يجني من تعبه إلا الخسران والعذاب؟! وتلك هي الحسرة الكبرى التي يواجه ~~فيها الإنسان بعد العناء الطويل الخسران الكبير. # * * * ### ||| ** الحياة الدنيا لعب ولهو # ( @QUR@06 وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ) إنها حقيقة الحياة العارية ، ~~بعيدا عن كل الزخارف التي تلونها ، إذ ماذا يوجد خلف الصراعات والخلافات ~~والشهوات والأطماع والحركات الخاصة والعامة ، إذا جرد الإنسان نفسه من ~~الأهداف التي تربطه بالدار الآخرة؟ ماذا يبقى منها؟ لا شيء سوى اللهو الذي ~~يشغلكم ويملأ فراغ أنفسكم وأوقاتكم ، ثم لا يبقى منه شيء بعد انقضاء الوقت ~~والاستسلام للنوم ، ولا شيء بعد ذلك ، سوى اللعب الذي يمارس فيه الإنسان ~~بعضا من الحركات والأوضاع المثيرة المعجبة التي تحرك الأعضاء والأفكار ~~والمشاعر ، ثم ينتهي كل شيء عند ما تهدأ الساحة وينتهي اللاعبون. # إن الشيء الذي يجعل لحركة الإنسان معنى ، إنما هو السعي باتجاه الهدف ms2090 ~~الذي يحكم حياته ويربط مصيره .. أما إذا فرغها من ذلك كله كما يفعل ~~الماديون ولم يلتق فيها بالله ولم يستهدف الدار الآخرة كغاية فإنه لا يزيد ~~عن أن يكون لاهيا لاعبا .. في ما يعنيه اللهو واللعب من البعد عن ربط العمل ~~بقضية المصير. PageV09P075 # ( @QUR@07 وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) فهي لا تمثل ~~مكانا يقضي فيه الإنسان عمره ، ويستريح فيه من عناء التعب ، بل تمثل القيمة ~~الروحية التي تجعله يعيش السعادة المطلقة في رحاب الله. وبذلك كانت الآخرة ~~خطا للعمل في حركة المتقين في الحياة الدنيا ، يتحركون من خلاله إلى الله ~~في كل أقوالهم وأفعالهم ، فهو الهدف الذي يحكم كل توجهاتهم وتطلعاتهم ، وهو ~~النور الذي يشرق في قلوبهم ، فيبعث الإشراق في حياتهم ، فإذا فكروا في ~~مواقفهم ، فكروا في انسجامها مع محبة الله ، وإذا فكروا في الجنة رأوا فيها ~~المظهر لرضى الله ، وإذا فكروا في النار رأوا فيها المظهر لسخط الله. وهكذا ~~يلتقي الخط بالهدف ، وترتبط التقوى بالدار الآخرة. وهكذا نفهم العمل ~~الأخروي شيئا يرتبط بالهدف الكبير للمؤمن ، وهو الله ، وعلى ضوء هذا كانت ~~الصلاة التي يأتي بها المصلي رياء عملا دنيويا ، وكان العمل من أجل العيال ~~عملا أخرويا تبعا لابتعاد الأول عن الارتباط بالله وارتباط الآخر به. # إن الدار الآخرة حين يعيشها الإنسان في الدنيا من خلال غايات العمل ، ( ~~@QUR@03 خير للذين يتقون ) لأنها تعطي لحياتهم معنى وامتدادا في ما يحملونه ~~من وعي روحي عميق ، وهي خير لهم عند ما يتركون هذه الدنيا وينالون جزاء ~~تقواهم ، جنة عرضها السماء والأرض ، ورضوانا من الله أكبر حيث السعادة ~~المطلقة التي لا حد لها وخلودا في النعيم الروحي والجسدي أمام الله. # إن الله يخاطب عقول الناس ، لتتحرك في عملية موازنة ومقارنة بين الدنيا ~~والآخرة ، لتنطلق عملية الاختيار من موقع التفكير ، لا من موقع التقليد ~~والمحاكاة ، بوصفه أي التفكير الأساس الذي ترتكز عليه قاعدة المعرفة ~~الإيمانية ، التي يريد القرآن أن يبنيها في الإنسان. # * * * PageV09P076 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين ms2091 بآيات الله يجحدون (33) @QUR@022 ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من ~~نبإ المرسلين (34) @QUR@028 وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) @QUR@010 إنما يستجيب الذين يسمعون ~~والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) @QUR@020 وقالوا لو لا نزل عليه ~~آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قد ): حرف بمعنى ربما ، الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته. # ( @QUR@01 ليحزنك ): الحزن : ألم نفسي يحدث بسبب فقد محبوب أو امتناع ~~مرغوب أو حدوث مكروه. PageV09P077 # ( @QUR@01 يجحدون ): ينكرون ، والجحود : إنكار ما ثبت في القلب ، أو ~~إثبات ما نفي فيه. # ( @QUR@01 نبإ ): النبأ : هو الخبر ذو الشأن العظيم. # ( @QUR@01 نفقا ): النفق : سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر ، وأصله ~~الخروج ، ومنه : المنافق لخروجه من الإيمان إلى الكفر ، ومنه : النفقة ~~لخروجها من اليد. # ( @QUR@01 سلما ): السلم : الدرج ، وهو مأخوذ من السلامة. قال الزجاج : ~~لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك (1). # ( @QUR@01 يستجيب ): من الجوب وهو القطع ، وهل عندك جائبة خبر ، أي تجوب ~~البلاد. والفرق بين يستجيب ويجيب أن يستجيب فيه قبول لما دعي إليه ، وليس ~~كذلك يجيب ، لأنه يجوز أن يجيب بالمخالفة كما أن السائل يقول : أتوافق في ~~هذا المذهب أم تخالف؟ فيقول المجيب : أخالف ، عن علي بن عيسى ، وقيل : إن ~~أجاب واستجاب بمعنى. كذا في مجمع البيان (2). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي في قوله تعالى : ( @QUR@04 إنه ليحزنك الذي ~~يقولون ) قال السدي : التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام ، فقال الأخنس ~~لأبي جهل : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هنا ~~من يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل : والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ~~، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية PageV09P078 # والحجابة والندوة والنبوة ، فما ذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية (1). # وروى ms2092 الترمذي والحاكم عن علي قال : قال أبو جهل للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل الله : ~~( @QUR@08 فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) (2). # وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ~~كان يكذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العلانية ، وإذا خلا مع أهل بيته ~~قال : ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقا ، فأنزل الله الآية (3). # ونلاحظ على هذه الروايات ، أنها أكدت على محاولة الفصل في التكذيب بين ~~النبي وما جاء به ، كما في الرواية الثانية ، بينما الرواية الأولى تؤكد ~~صدق النبي بما جاء به مطلقا ، ولكن التكذيب الظاهري كان من أجل أن لا تكون ~~النبوة في بني قصي بالإضافة إلى ما لديهم من السقاية والحجابة والندوة ، ~~فليس هناك جحود بآيات الله ولا تكذيب للنبي في الواقع بل في الظاهر ، وهذا ~~ما تدل عليه الرواية الثالثة التي نسبت الكلام إلى الحارث بن عامر لا إلى ~~أبي جهل. # وهذا كله لا يتناسب مع سياق الآية التي تثير القضية على أساس الحديث مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يعيش الحزن على رفض قومه لرسالته ~~وتكذيبهم له ، بادعائهم أن هذا التكذيب ليس موجها ضد النبي شخصيا ليعيش ~~الحزن ، بل هي موجهة إلى الله في جحودهم بآياته مما يجعل الجحود لوحيه وليس ~~له بالذات ، فإذا كانت المسألة بهذا المستوى فلا ضرورة PageV09P079 # للحزن ، لأن الله الذي جحدوا وحيه سوف يتكفل بهم بما ينزل عليهم من ~~العذاب في الدنيا والآخرة ، وتلك هي قضية الرسل الذين لا يمثلون أنفسهم في ~~رسالتهم بل يمثلون الله في دعوته فيتركون الأمر إليه ، فهو الذي يملك الأمر ~~كله وهو الذي يواجه عباده بما يستحقون ولن يضره ذلك في شيء. # ولذلك فإننا لا نلتقي مع سبب النزول لأنه لا ينسجم مع السياق العام للآية ~~، بل هو على الظاهر اجتهاد من الرواة في تفسير السبب في مقارنتهم بين فهمهم ~~للآية ms2093 وبعض الأحداث الحاصلة في بداية الدعوة في الواقع التاريخي للسيرة. # إن هذه الروايات توحي بأن هناك من الناس من يؤمن بالدعوة سرا وينكرها ~~علنا لاعتبارات ذاتية أو عائلية أو غير ذلك ، خاصة إذا كان اعتناقها يفترض ~~الإيمان بأفكارها ومفاهيمها وصفائها على حساب ما عندهم على هدى قوله تعالى ~~: ( @QUR@04 وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) [النمل / 14]. # وقد جاء عن ابن إسحاق قال : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، أنه حدث ~~أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب ~~الثقفي ، حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي من الليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ~~يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع ~~الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ~~فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. # ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، ~~فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال ~~بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة ~~الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر PageV09P080 # تفرقوا فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. ~~فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا .. # فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، ~~فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك في ما سمعت من محمد؟ فقال : يا أبا ~~ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما ~~عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به .. ثم خرج ~~من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته ، فقال : يا أبا الحكم ، ما ~~رأيك في ما سمعت من محمد؟ فقال : ماذا سمعت؟ قال : تنازعنا نحن وبنو عبد ~~مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ms2094 ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا ~~تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من ~~السماء ، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه! قال : فقام عنه ~~الأخنس وتركه (1). # إن هذه الرواية بالإضافة إلى الروايات السابقة ، توحي بأن هناك عقدة ~~مستعصية كانت تعيش في ذهنيات هؤلاء وتمنعهم من الإيمان برسول الله ، فلم ~~تكن قضيتهم قضية كفر ينطلق من فكرة مسيطرة عليهم ، بل من واقع منحرف يفرض ~~نفسه على مواقعهم. # وهناك في نهاية المطاف نقطة مهمة ، وهي أن هذه الآية مكية والسورة مكية ، ~~أما الروايات فموقعها على الظاهر المدينة في معركة بدر. # * * * ### ||| ** القرآن يوجه النبي إلى واقع التحديات # ( @QUR@013 قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله PageV09P081 # @QUR@01 يجحدون ) هل كان الرسول يشعر بالحزن الروحي على ما يواجهه به ~~قومه من تكذيب؟ وهل كانت المسألة تمثل بالنسبة إليه حالة ذاتية ترهقه ~~ليحتاج إلى التسلية التي تبعد الموضوع عن التحدي الذاتي ، وتجعله بمنأى عن ~~النتائج السلبية المؤثرة على المشاعر الخاصة وذلك بالإيحاء له بأن التكذيب ~~ليس موجها إليه ، بل هو موجه إلى الله من خلال ما يكذب به الظالمون من آيات الله؟ # وهل أن مثل هذا الأسلوب يريح النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وإذا كان ~~الأمر على هذا الشكل ، فهل يمكننا أن نفهم أن انفعاله الشخصي يتجاوز ~~انفعاله لله؟ وأخيرا ، هل ينسجم ذلك مع شخصية النبي في ما نعرفه عن إخلاصه ~~لرسالته لربه؟ # هذه هي علامات الاستفهام التي قد ترتسم أمام القارئ لهذه الآيات عند ما ~~يواجه معانيها من خلال الفهم الحرفي لألفاظها. # ولكننا نفهم منها أسلوبا قرآنيا يتحدث عن تحليل الموقف الرسالي للرسول ~~ولكل الرساليين الذين يتبعون خطاه ، في ما يمكن أن يخضع له البشر من نوازع ~~ذاتية أمام التحديات ، فهو يوحي بوجود شيء من هذا القبيل ، كفرضية قابلة ~~للحدوث ، ولكن ليس من الضروري أن تكون قد حدثت بالفعل ، لينتقل ، من خلال ~~ذلك ، إلى الإيحاء بأن الموضوع لا يتحمل أية صدمة انفعالية صعبة ms2095 ، تثقل ~~حركة الذات في الدعوة. فإذا كانت صفة الرسالة هي التي تطبع شخصية الرسول ~~فإن كل ردة فعل سلبية أو إيجابية ترتبط بتلك الشخصية يجب أن تكون بعيدة عن ~~الذات والذاتيات. وبهذا تكون القضية متعلقة بالله الذي لا يضيره شيء من ~~تكذيبهم وجحودهم كما لا ينفعه شيء من إيمانهم وتصديقهم ، لأنه الغني عن ذلك ~~كله ، فلا مجال لأي انفعال لأن الذات لا علاقة لها بالموضوع ، والرسالة ~~المنزلة من الله لا تتأثر بذلك ، إن الله فوق الانفعال ، فما ذا يبقى في ~~الساحة؟ PageV09P082 # إن المسألة بكل بساطة هي أن يواجه الرسول الموقف بعقلية واقعية ، وذهنية ~~عملية مرنة ، بعيدا عن كل الحالات الشعورية الذاتية. وبذلك تستمر القافلة ~~الرسالية في سيرها الطبيعي ، لتصل إلى أهدافها الكبيرة في نهاية المطاف. # وفي ضوء ذلك ، تتحول هذه الآيات إلى خطة تربوية للعمل الرسالي ، يواصل من ~~خلالها ذاك العمل طريقه بكل موضوعية وهدوء ، تماما كأي عمل يرتبط بمسؤوليته ~~ولا يرتبط بذاته ، حيث يتحرك الداعية على أساس المعطيات الواقعية ، ومدى ~~انسجامها مع خط المسؤولية في عمله .. فيعيش التجرد من كل ما لا يرتبط ~~بالعمل ، مما يجعل للحركة فاعلية قوية ، ويقود الموقف إلى خطوات الواقع. # وهكذا تخرج القضية من النطاق الذاتي الشخصي ، لتتصل بالنطاق العام ~~للرسالة وللرسول فلا تعود شيئا شخصيا للنبي ، بل تتحول إلى قاعدة عامة لكل ~~الرسل والرسالات ؛ ومن هنا ، تتساقط كل علامات الاستفهام أمام شمولية ~~القاعدة وثباتها. # إن القرآن يريد أن يؤكد الفكرة الخط ، في ضمير النبي الداعية ، ليفرغ ~~ذاته من الانفعال ، فهناك حالة بشرية تحب التمرد والمواجهة والهروب من ~~المسؤولية ، فلا بد من مواجهتها من منطق الواقع الذي يبحث في الأرض عن ~~الإمكانيات الحاضرة والمستقبلة لانتصار الدعوة في حركتها الفاعلة ، مما ~~يفرض المزيد من الهدوء النفسي والاتزان العاطفي والثبات العقلي ، فالدعوة ~~تمثل رسالة الله ، والتكذيب يواجه هذه الرسالة .. فهو يواجه الله في ~~النهاية ، وليس هذا الأمر بدعا في التجربة الجديدة للرسول الداعية ، فهي ~~حلقة من حلقات السلسلة التاريخية لمسيرة النبوات في التاريخ ، فقد كان هناك ~~في ms2096 المدى البعيد في الزمن الغابر أكثر من نبي جاء بالرسالة ، فواجهه ~~الآخرون بالتكذيب ، فقد كان من سنة الله أن ينطلق الرسل ضد التيار السائد فكريا PageV09P083 # وأخلاقيا وسياسيا واقتصاديا ، مما يفرض مواجهة التيار لهم بقوة ، ليضعفهم ~~وليصرعهم ، فلا بد للذين يريدون أن يصارعوا التيار ويصرعوه أن يملكوا ~~الأعصاب القوية الرسالية التي لا تضعف ولا تثور ، بل تمارس القوة بهدوء ~~وصمود ، لتخفف من اندفاع التيار في البداية ، ثم تقهر اندفاعه في النهاية ، ~~ليبدأ بعد ذلك خلق التيار الجديد ، وهكذا يكون الصبر الذي يمثل القيمة ~~الأخلاقية المثلى في حركة التاريخ ، شرطا حاسما في عملية الثبات والانتصار ~~الكبير .. وهذا ما عبرت عنه الآية التي تحمل تجربة الماضي إلى الحاضر ~~ليحملها الحاضر إلى المستقبل. # * * * ### ||| ** صبر الرسل على التكذيب والأذى # ( @QUR@010 ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ) بكل ~~أنواع الأذى ، فلم يتأففوا ولم يحزنوا ، بل صمدوا في وجه القوى المضادة ، ~~لأنهم وعوا الحقيقة العملية التي تقول : إن قضية صنع القوة تبدأ بثبات ~~الإنسان أمام تحديات القوة ، لأنه بذلك يحصل على قوة سلبية سوف تتحول إلى ~~قوة إيجابية فاعلة في الساحة الرسالية الكبرى ، لأنه بذلك يفسح المجال ~~للعوامل التي تضعف القوى الأخرى أن تعمل عملها ، كما يعطي الفرصة للعوامل ~~الجديدة التي تقوي الأفكار القادمة لكي تخطو خطواتها الأولى في حركة الزمن ~~، لأن انطلاقة التطور في عملية الهدم والبناء قد تحتاج إلى وقت طويل يحمل ~~الكثير من الآلام والمتاعب والدموع في طريق الهدف الواعد الكبير ( @QUR@03 ~~حتى أتاهم نصرنا ) لأن الله لا يحقق لنصر حركته إلا من خلال سننه الحتمية ~~في الحياة ، التي تواجه عاديات الزمن ، وتلك هي كلمات الله التكوينية التي ~~تتحول إلى سنن وقوانين في وعي الطبيعة ( @QUR@04 ولا مبدل لكلمات الله ). PageV09P084 # ( @QUR@05 ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) فليكن ذلك هو الهدى الذي تستهدي ~~به في خطواتك الجديدة المتحركة أبدا نحو التغيير في كل شيء ، فإن الله قد ~~أراد لكل رسول أن لا يبدأ من حيث يبدأ الآخرون ، بل أن يواصل المسيرة من ~~حيث ينتهي الآخرون ms2097 في مسيرتهم ، مما يجعل من الساحة ساحة تجارب تغييرية ~~حقيقية .. وماذا بعد ذلك؟ # إن الواقع لا يسمح إلا بالصبر والتقدم من مواقع الصبر ، فذلك هو المنطلق ~~الوحيد للانطلاق ، لأن ذلك هو طبيعة الأسلوب الواقعي في الوصول إلى النتائج ~~الحاسمة ، فإذا لم يقتنع العاملون ، أو لم يصبر الرسل والدعاة ، فلينسحبوا ~~من الساحة ، أو ليقوموا بحركات واستعراضات تشنجية ، أو ليدخلوا في تجارب ~~غير معقولة ، ليحققوا للمتمردين الجاحدين طلباتهم التعجيزية. # ( @QUR@05 وإن كان كبر عليك إعراضهم ) عنك ، فلم تقدر الظروف الموضوعية ~~المحيطة بك من خلال الأشخاص والأوضاع ، ولم تحاول أن تصبر على ذلك في ~~انتظار نضوج التجربة ، وانطلاقة المستقبل في خط الدعوة ، وعشت الشعور ~~بالسقوط الداخلي تحت تأثير حالة المرارة واليأس ، أمام ما يقترحون من طلبات ~~، ويطالبون به من معجزات ، مما لم يرد الله أن يخضع مسيرة الدعوة له ، أو ~~يشغل حركة الأنبياء به ، ( @QUR@013 فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو ~~سلما في السماء فتأتيهم بآية ) تلتقطها من أعماق الأرض ، أو تتلقفها من ~~آفاق السماء ، بعد أن فقدت القدرة على الإتيان بها من سطح الأرض .. فافعل ، ~~ولكنك لن تجد شيئا هناك لو استطعت بلوغ ذلك لأن الله لم يشأ للناس أن ~~يؤمنوا به ، إلا من حيث أراد وقدر ، في ما أوحى به إلى الأنبياء ، وفي ما ~~أنزله من معجزات ، بعيدا عن اقتراحات المقترحين وعن طلبات المعجزين. # * * * PageV09P085 ### ||| ** عدم إكراه الناس على الإيمان # ( @QUR@06 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) بطريقة إلهية تكوينية كما ~~ألهم الأشياء الكونية قوانينها وسننها الطبيعية .. وكما خلق الناس على ~~أشكال معينة في اللون والحجم والشكل ، ولكنه شاء للإرادة الإنسانية أن ~~تتحرك من موقع الاختيار لينطلق الإنسان بالإيمان من موقع الحرية في حركة ~~العقيدة في الحياة ، فسر في طريقك على هدى الله ، ولا تصغ إليهم ، وأعرض ~~عنهم فذلك هو الخط الأصيل في فكرة العمل الرسالي وأسلوبه .. ( @QUR@04 فلا ~~تكونن من الجاهلين ) الذين يفكرون في رد التحديات انطلاقا من اللحظة ~~الحاضرة والانفعالات السريعة ، بدلا من التخطيط للمستقبل الذي يرصد نهايات ~~الأمور عند ما يفكرون ms2098 في بداياتها ، لأن القضية ليست في أن تربح هتافات ~~الإعجاب في حماس المتحمسين ، بل القضية هي في أن تثير النتائج العميقة ~~البعيدة المدى في تفكير المفكرين وجهاد المجاهدين. # ( @QUR@04 إنما يستجيب الذين يسمعون ) من موقع الوعي للفكرة ، فهم الذي ~~يعرفون مداها في الحياة ، وهم الذين يعون عمقها في الزمن ، وامتدادها في ~~النفس والعقل والضمير ، وهؤلاء هم الأحياء الذين تتفجر الحياة فيهم فكرا ~~وشعورا وحركة. # ( @QUR@03 والموتى يبعثهم الله ) وهم الذين لا يعيشون مسئولية السمع ~~والبصر والإحساس ، فلا يستفيدون منها في ما يعرفون أو ينكرون .. ( @QUR@03 ~~ثم إليه يرجعون ) ليواجهوا نتائج المسؤولية من خلال الحجة التي أقامها الله ~~عليهم في أنفسهم وفي الكون ، وفي وحي الرسالات. # ونستوحي من ذلك كله أن على العاملين في سبيل الدعوة إلى الله أن لا ~~ينطلقوا من حالة ذاتية في مشاعرهم السلبية أمام التحديات الموجهة إليهم ~~بالتكذيب لدعوتهم ليشعروا بالحزن والإحباط والسقوط النفسي ، بل إن PageV09P086 # عليهم التفكير الدائم بأنهم يتحركون من خلال دين الله الذي يريدون للناس ~~أن يرتبطوا به ليتقربوا إلى الله بذلك انطلاقا من الروح الرسالية التي ~~تدفعهم إلى ذلك ، ولذا فإن عليهم أن يتابعوا الطريق في مواصلة التجربة من ~~دون انفعال ذاتي ، لأن التحدي ليس موجها إليهم بل إلى الله الذي يعلم كل ~~شيء ويسيطر على كل شيء فلا يضرونه شيئا ، إن يضرون إلا أنفسهم ولا يشعرون. # ( @QUR@016 وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية ). وهذا هو الطلب الملح الذي يحاول تسجيل نقطة على النبوة والنبي ~~، فقد جاء الرسول ليخاطب العقل فيهم ، وكانت آيته القرآن منسجمة مع ذلك ~~الخط ، ولكن الناس يريدون الآيات المثيرة التي تهز المشاعر والأفكار ، ~~وتسحر العيون ، وكان الجواب أن القضية متعلقة بالله ، وهو القادر على أن ~~ينزل أية آية يشاء ، لأنه قادر على كل شيء ، ولكنه يخضع كل شيء لحكمته في ~~نطاق الحاجة الرسالية والإنسانية إليها ، ولا يجعل ذلك كله خاضعا لمزاج ~~إنسان معقد ، مهما اختلفت الكلمات ، واهتزت التحديات .. فإذا لم ينزل على ~~رسوله ms2099 شيئا مما يريدون أو يقترحون ، فليس ذلك لنقص في مكانة الرسول أو ضعف ~~في موقفه ، أو عجز في قدرة الله ، ولكن لحكمة في تقديره الأشياء ( @QUR@04 ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون ) لأنهم لا يفكرون تفكيرا عميقا يعرفهم بدايات ~~الأمور. ونهاياتها وعمقها وامتدادها. # * * * PageV09P087 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) (38) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 دابة ): الدابة : كل ما يدب من الحيوان ، وأصله : الصفة من دب ~~خطو والدبوب والديبوب النمام ، وفي الحديث : لا يدخل الجنة ديبوب ولا قلاع ~~، فالديبوب النمام لأنه يدب بالنميمة ، والقلاع الواشي بالرجل ليقتلعه ، ~~قال الأزهري : تصغير الدابة : دويبة الباء مخففة وفيها إشمام بالكسر وفي ~~الحديث : أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب ، أراد الأدب ، ~~فأظهر التضعيف ، وهو الكثير الوبر (1). # ( @QUR@01 طائر ): الطائر : كل ذي جناح يسبح في الهواء. # ( @QUR@01 بجناحيه ): الجناح : إحدى ناحيتي الطير اللتين يتمكن بهما من ~~الطيران في الهواء. وأصله : الميل إلى ناحية. PageV09P088 # ( @QUR@01 أمم ): واحدها أمة ، وهي كل جماعة ذات خصائص واحدة كدين واحد ~~أو سنة واحدة أو زمان واحد أو مكان واحد ، والأصل في معناها القصد ، يقال : ~~أم يؤم. # ( @QUR@01 فرطنا ): قصرنا. والتفريط : أن يقصر في الفرط ، يقال : ما ~~فرطت في كذا ، أي : ما قصرت. # ( @QUR@01 يحشرون ): الحشر : إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى ~~الحرب ونحوها. # * * * ### ||| ** الدواب والطيور أمم أمثالنا # وفي هذه الآية حديث عن نقطتين مهمتين تتعلقان بالحيوان ، وما يتميز به في ~~مجتمعاته التي يتجمع فيها أفراده ، وفي ما ينتهي إليه أمره من الحشر إلى ~~الله. ففي النقطة الأولى ، توجهنا الآية إلى كل دابة في الأرض من ذوات ~~الأربع أو من الزواحف والحشرات ، وربما أيضا الى حيوانات البحر ، باعتبارها ~~من الدواب في الماء ، بطريقة السباحة ، إذا صح التعبير ، وإلى كل طائر يطير ~~بجناحيه ، وتدعونا إلى دراسة خصائصها الذاتية ، وعلاقاتها ببعضها البعض ~~وطريقتها في ممارسة حياتها ، وتنظيم أمورها ، وتوزيع أدوارها على أفرادها ~~مما يجعل لها شخصية الأمة التي تتمثل في نوع معين من الترابط الاجتماعي ، ~~والتوازن ms2100 الذاتي ، المرتكزين على ما أودعه الله فيها من خصائص الغرائز ~~الدقيقة التي تنظم لها حياتها بشكل دقيق متوازن ، بما ألهم فيها كل نفس هداها. # ( @QUR@012 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~) وقد تكون الغاية من هذه الإشارة إلى طبيعة شخصية الأمة في الحيوان ، هي توجيه PageV09P089 # الإنسان إلى أن يدرس طبيعة المجتمعات الحيوانية ، ليراقب طريقتها في ~~النمو ، وفي العلاقات ، وفي ممارسة غرائزها وحاجاتها وفي أسلوبها المتنوع ~~في الدفاع عن نفسها في مواجهة الأوضاع الطبيعية ، أو الحالات الطارئة التي ~~تشهد وجودها وذلك ليخرج الإنسان من خلال هذه الدراسة الشاملة بفهم كيفية ~~التعامل مع الحيوان ، وطريقة الاستفادة من خصائصه وأساليبه في العيش وبناء ~~العلاقات ، فإن الله يريد للإنسان أن يفهم كل ما حوله ليتعلم منه دروس ~~الحياة ، ولينطلق في هذه الرحلة الكونية الحية ، ليعرف منها عظمة الخالق من ~~خلال عظمة المخلوق ، لتلتقي ، لدى الإنسان المعرفة الكونية بالمعرفة ~~الإلهية .. وهذا هو الأسلوب القرآني المميز الذي يوحي للإنسان باللاهوت من ~~خلال حركة الحياة من حوله ، لا من خلال الطريقة التجريدية في التفكير ، فلا ~~تنفصل العقيدة عن الحياة ، بل تتعمق بها ، وتنمو في حيويتها وتطورها. # وقد يتساءل متسائل عن طبيعة هذه المماثلة بيننا وبين الحيوانات التي تدب ~~في الأرض أو تطير في الهواء ، فهل لها تفكير وعقل وإرادة ، كما لنا ذلك ~~كله؟ وهل نستطيع اكتشاف ذلك من خلال التنظيم الدقيق الذي يحكم أفرادها ~~ومجتمعاتها وينظم علاقاتها ببعضها البعض ، أم أن ذلك يتحرك في حياتها ~~بطريقة غريزية تلقائية لا أثر فيها للاختيار المتنوع والإرادة المعقدة؟ وقد ~~نتصور المماثلة في هذا التكوين الاجتماعي الذي يجعل لكل فرد أو جماعة دورا ~~محددا في حركة الأفراد ، مما يوحي بالدقة في الخلق والتنظيم الإلهي للكون ، ~~وربما كان هذا الاحتمال أقرب إلى مدلول كلمة «أمم» التي تمثل المضمون ~~الاجتماعي في معناها الدقيق. # وفي هذا الجو ، قد ينبغي للعاملين في حقل التربية الإسلامي ، أن يجعلوا ~~من علم الحيوان مادة ثقافية تربوية ، تربط الإنسان بالله ، من خلال انفتاحه ~~على ms2101 الكائنات الحية التي تعيش معه وتتحرك من حوله ، وتوحي له PageV09P090 # بالاستفادة من خصائصها الذاتية في توجيهه إلى الدقة في التنظيم ، والدأب ~~في العمل ، كما نلاحظه في الحديث عن مجتمع النمل والنحل. # * * * # ( @QUR@06 ما فرطنا في الكتاب من شيء ) # ( @QUR@06 ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ونتساءل عن معنى هذه الفقرة ~~والمراد بها في الكتاب ، هل هو اللوح المحفوظ ، أو هو القرآن ، أو كتاب ~~الأعمال ، أو كتاب الوجود التكويني؟ # ربما يخطر في البال المعنى الأول ، فيما إذا ربطنا الفقرة بما قبلها من ~~الحديث عن الدواب والطيور والناس ، من خلال الإيحاء بإحاطة علم الله بكل ~~شيء ، في ما أودعه في كتابه الذي يشمل كل شيء. وقد يجد البعض في تعقيب ~~الفقرة بالحديث عن الحشر ، ما يوحي بالمعنى الثالث ، وذلك بملاحظة أن الله ~~يحصي على المخلوقات كل أعمالهم كما جاء في الآية الكريمة : ( @QUR@06 وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين ) [يس : 12]. # ولكن بعض الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت عليه السلام توحي بالمعنى ~~الثاني ، وهو القرآن ، الذي أبان الله فيه كل ما يحتاجه الناس مما يدخل في ~~نطاق مسئوليتهم ، في ما أحله وحرمه ، وبذلك يتناسب مع الحديث عن الحشر ، ~~وما يمثله من الموقف الذي يواجه فيه الناس نتائج المسؤولية ... وربما كان ~~هذا المعنى أقرب إلى جو الآية من المعاني الأخرى ، لأن الحديث العام يتحرك ~~في أجواء الرسالة والرسول وما يلتقي مع الحجة التي أقامها الله على العباد ~~، في ما أنزله على رسوله من وحي يملأ فراغ حياتهم بالمفاهيم والتشريعات ~~التي تعمق لهم روح الالتزام وتخطط لهم PageV09P091 # طريق السعادة في الدارين. # وقد حاول البعض أن يفهم من هذه الفقرة أن الله بين في القرآن كل شيء من ~~أسرار الكون وقضايا الوجود وآفاق التشريع ، وبذلك كان القرآن شاملا لكل شيء ~~في الوجود ، فلا حقيقة كونية ولا اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ، إلا ~~وللقرآن فيها بيان وبرهان .. فهو كتاب الوجود والتشريع وحركة الحياة. # ولكن مثل هذا الاتجاه في هذه الفقرة ، لا يلتقي بالواقع القرآني الذي ~~يتميز بالتأكيد على القضايا ms2102 المتصلة بالجانب الروحي والفكري والعملي ~~للإنسان ، وبالانطلاق في الأمور الكونية ، بالإيحاء بالمنهج الذي يغري ~~الإنسان بالبحث والتأمل والفكر ، بعيدا عن الدخول في التفاصيل ، وإذا كانت ~~هناك بعض الأحاديث عن بعض الأمور العلمية ، فإنها لا تتعدى جانب التلميح ، ~~لا التفصيل ، في ما تفرضه ضرورة العرض لبعض الظواهر الحياتية والإنسانية ~~التي توحي بالاستنتاج. ولعل ما ذكرناه ، يلوح من التركيز على وصف القرآن ~~بأنه نور وهدى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد ، فهو كتاب التخطيط للمسؤولية ~~الإنسانية أمام الله في حركة الحياة ، لا كتاب التحليلات العلمية لأسرار ~~الكون والحياة. وبهذا نستوحي من شمول الكتاب لكل شيء ، الشمول في الجانب ~~الفكري والروحي والعملي في ما يحتاجه الإنسان في قضايا الانتماء والعقيدة ~~والسلوك والحركة في الحياة الفردية والجماعية. وهذا ما أشارت إليه بعض ~~الأحاديث التي ألمحنا إليها آنفا. # وقد جاء في الكافي بإسناد فيه رفع إلى الرضا عليه السلام قال : «إن الله ~~عز وجل لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أكمل له الدين وأنزل عليه ~~القرآن فيه تبيان كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما ~~يحتاج إليه PageV09P092 # الناس فقال عز وجل : ( @QUR@07 ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ) (1). # * * * ### ||| ** من هم الذين يحشرون يوم القيامة؟ # ( @QUR@04 ثم إلى ربهم يحشرون ) من هم هؤلاء؟ هل هي الحيوانات؟ ولماذا ~~يحشرها الله يوم القيامة؟ وهل هي مسئولة عن أعمالها ليكون الحشر لها ، ~~تماما كما هو الحشر لأفراد الإنسان من أجل مواجهة نتائج المسؤولية؟ وكيف ~~تكون المسؤولية لمن لم يزود بالإرادة من الفكر والعقل اللذين لا يتصف بهما ~~الحيوان الذي يتحرك بالغريزة في ما نعرف من مفهومنا عن الحيوان؟ هذه بعض ~~علامات الاستفهام التي قد لا نملك عليها جوابا محددا في ما نملك من وسائل ~~المعرفة ، فقد لا يستبعد البعض من الباحثين أن يكون للحيوانات بعض العقل ~~وبعض الإرادة في ما يلاحظونه من قابليتها للتعلم والتكيف والتصرف ، ولو ~~بطريقة التقليد والمحاكاة ، مما يلتقي ms2103 بإمكانية المسؤولية في بعض الأشياء ، ~~وقد يتأكد ذلك بما ورد في بعض الأحاديث المأثورة ، إن الله يقتص للشاة ~~الجماء من الشاة القرناء يوم القيامة ، كما يقتص لأي ظالم من أي مظلوم. ~~وربما تأيد ذلك بالآية الكريمة : ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) [التكوير : 5]. # ولكن قد يلاحظ المتأمل ، أن الحشر قد يكون مظهرا من مظاهر التجميع ~~للكائنات الحية في الأرض لعلاقتها ببعضها البعض في الأمور المتصلة بالإنسان ~~، وبذلك لا يعبر عن حالة أصلية في مسئولية الحيوان ، بل يكون حالة تبعية من ~~حيث علاقته بمسؤولية الإنسان ودوره. وقد تكون هناك PageV09P093 # بعض الأسرار الخفية التي يعلمها الله ، مما لم نحط بعلمه ، فلنترك علم ~~ذلك لله. # وقد يقول بعض المفسرين ، إن الحشر للناس ، وإن أسلوب الآية قد تحول بطريق ~~الالتفات ، من الخطاب إلى الغيبة ، كما في الكثير من الآيات القرآنية ، ~~ويؤيد ذلك بالأجواء المحيطة بالآية قبلها وبعدها من مسئولية الناس عن كفرهم ~~وضلالهم ، وبالتفسير الوارد لكلمة الكتاب ، بأن المراد به القرآن الذي بين ~~فيه الله كل ما شرعه للناس من الحلال والحرام ، فإن ذلك مختص بالإنسان ~~لاختصاص الشريعة به ، وبالجن ، دون الحيوان ، وقد يكون هذا الرأي قريبا إلى ~~الاعتبار ، ولكن لا سبيل إلى الجزم به ، والله العالم بحقائق آياته. # هذا كله إذا فسرنا الحشر بالجمع في يوم القيامة ، أما إذا فسرناه بما ~~فسره بعض المفسرين من الإماتة ، فمعنى يحشرهم ، أي يجمعهم لديه ويميتهم بعد ~~ذلك ، فإن الآية تتجه اتجاها آخر لا يثير أية مشكلة من المشاكل التي ألمحنا ~~إليها ، ولكننا لا نجد هذا التفسير قريبا إلى جو الآية وسياقها ، ولعل هذا ~~المفسر ارتأى ذلك هربا من الوقوع في المشاكل الفكرية التي يثيرها التفسير ~~الأول في ما ألمحنا إليه من حديث. # * * * PageV09P094 ### ||| * الآية # ( @QUR@017 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صم ): الصمم : فقدان حاسة السمع ، وبه يوصف من لا يصغي إلى ~~الحق ولا يقبله. # ( @QUR@01 وبكم ): جمع أبكم وهو الذي يولد أخرس ، فكل أبكم أخرس ، وليس ~~كل أخرس ms2104 أبكم ، ويقال : بكم عن الكلام إذا ضعف عنه لضعف عقله ، فصار ~~كالأبكم. # ( @QUR@01 يضلله ): الضلال : العدول عن الطريق المستقيم ويضاده الهداية ~~، ويقال : الضلال لكل عدول عن المنهج عمدا كان أو سهوا ، يسيرا كان أو ~~كثيرا ، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا. # * * * ### ||| ** المكذبون بآيات الله في الظلمات # ( @QUR@07 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) إن الآية تتحدث عن ~~المكذبين على هدى الأسلوب القرآني المتكرر الذي يعتبر الكفر والتكذيب غير ~~مرتكز على مشكلة فكرية صعبة الحل ، بل هو منطلق من عقدة نفسية تمنعهم من ~~النظر لما يفتح آفاقهم على الحق ، ومن الاستماع لما يهدي أفكارهم إلى ~~الإيمان. PageV09P095 # ولهذا ، فإنهم يتخبطون في ظلمات الشك والجحود ، ولا يهتدون سبيلا ، لأنهم ~~لا يسلكون السبيل الحق في ما منحهم الله من أدوات النظر والمعرفة. # أما كيف نتصور الصم في صفة هؤلاء المكذبين؟ إنه في الذهنية المغلقة التي ~~تسيطر على تفكيرهم انطلاقا من خضوعهم للجهات التي يقلدونها تقليدا أعمى ~~بحيث سيطرت على عقولهم سيطرة مطلقة فعطلتها عن التفكير ، وللأهواء الضاغطة ~~على أفكارهم بحيث تمنع أفكارهم عن التحرك بحرية ، وعن الانفتاح على الوضوح ~~في الرؤية ، لأن هذه الأهواء تثير الدخان الغريزي الكثيف الذي يحجب عنهم الحق. # أما البكم فهم الذين يملكون معرفة الحق في وضوحه ونقائه ، ولكنهم لا ~~يعبرون عنه بالكلمات الواعية وبالمواقف الناطقة بالحقيقة ، لأنهم خاضعون ~~لمصالحهم وأطماعهم التي تلتقي مع الباطل ، وتبتعد عن الحق ، الأمر الذي ~~يجعلهم في حالة صمت غبي كما لو كانوا لا ينطقون. # وهؤلاء وأولئك موجودون في كل المجتمعات في كل زمان ومكان في تنوعات ~~العناصر المختلفة في مذاهبها واتجاهاتها وأوضاعها ومواقعها على صعيد القادة ~~أو القاعدة الشعبية. # وهم الذين واجهوا الدعوة الإسلامية منذ انطلاقها في مكة وفي مسيرتها ~~الثانية في المدينة ، فكانوا يتخبطون في الظلمات في حالة ضلال وانحراف عن ~~الصراط المستقيم. # ( @QUR@010 من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) أما ~~الحديث عن إضلال الله لمن يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، فقد ذكرنا ~~أكثر من مرة ، في تفسير أمثال ms2105 هذه الآيات ، أن المشيئة لا تعني إحداث ~~الضلال والهدى بشكل مباشر ولا اختيار للإنسان فيه ، بل تعني إحداثهما ~~بأسبابهما. وربما يعطي الله السائر في خط الهداية لطفا من ألطافه ، يعينه ~~فيه على مواصلة الطريق ، وقد يمنع السائر في خط الضلال بعضا من رحمته ، ~~عقابا له ، فيضل عن سواء الطريق. # * * * PageV09P096 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين (40) @QUR@012 بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون (41) @QUR@011 ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) @QUR@015 فلو لا إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) @QUR@020 ~~فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) @QUR@09 فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بالبأساء والضراء ): البأساء من البأس ، والضراء : من الضر ، ~~وقد يكون البأساء من البؤس. PageV09P097 # قال صاحب الميزان : لعل المقصود من الجمع بين البأساء والضراء الدلالة ~~على تحقق الشدائد في الخارج كالجدب والسيل والزلزلة وما يعود إلى الناس من ~~قبلها من سوء الحال كالخوف والفقر ورثاثة الحال (1). # ( @QUR@01 يتضرعون ): يخضعون ويتذللون إلى الله سبحانه ، فيرجعون إلى ~~واقعهم ، ويتطامنون من كبريائهم. والضراعة : الخضوع والذل والاستكانة ، ~~والتضرع هو إظهار الضراعة ، قيل : إن أصله من تناول ضرع الأم ، ومثل الضرع ~~الحمل الضعيف والصغير من كل شيء. # ( @QUR@01 مبلسون ): متحيرون يائسون من كل أمل في النجاة ، فاقدون لكل ~~معنى في الحياة ، يعيشون الحيرة والحسرة وانقطاع الحجة. # يقال : أبلس إذا سكت تحيرا ويأسا وانقطاعا. قال الراغب : الإبلاس : الحزن ~~المعترض من شدة البأس. يقال : أبلس ، ومنه اشتق إبليس في ما قيل ، قال ~~عز وجل : ( @QUR@05 ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) (2) [الروم : 12]. # ( @QUR@01 دابر ): الدابر يقال للمتأخر وللتابع ، إما باعتبار المكان أو ~~باعتبار الزمان ، أو باعتبار المرتبة. والمعنى : إن الهلاك استأصلهم ~~وأبادهم جميعا فلم ينج منهم أحد ، ولم يبق لهم عقب ولا نسل. # * * * ### ||| ** دعوة للتفكير واليقظة # وهذه دعوة قرآنية ms2106 للتفكير في الاتجاه السليم الذي يقود الناس إلى الإيمان ~~، وخلاصتها أن مشكلة الكافرين والمشركين ، هي أنهم يواجهون PageV09P098 # قضية العقيدة مواجهة اللامبالاة ، فلا يجدون ضرورة للتأمل ، فيمتدون في ~~حالة الاسترخاء الفكري طلبا للراحة من عناء التغيير الفكري ، ويمعنون في ~~الضلال في ما يسول لهم الشيطان من الإخلاص لعقيدة الآباء والأجداد ، ~~فيعبدون الأصنام ويقدسونها ما شاءت لهم الأهواء ذلك ... # وفجأة يتغير كل شيء من حولهم ، عند ما يحيط بهم عذاب الله في ما ينزله من ~~بلاء ، وفي ما يهددهم من أسباب الهلاك ، وعند ما تقترب منهم ساعة الموت ، ~~فما ذا يحدث؟ هل يلجأون إلى الأصنام التي يعبدونها لتدفع ذلك عنهم؟! إن ~~القرآن ينفي ذلك ، لأن هذا التقديس لا يعيش في الأغوار العميقة للإنسان ، ~~بل يطفو على الطبقة السطحية من تفكيره ، فإذا اهتزت تلك الطبقة اهتزت معها ~~كل القناعات الطارئة ، وبدأ التفكير العميق يتحرك في مستوى الحقيقة الصارخة ~~... فهذه الأصنام لا تملك الحياة لنفسها فكيف تملكها للآخرين ، ولا تدفع ~~الضر عن وجودها ، فكيف تدفعه عن الآخرين؟! # ويتساءل الإنسان بفطرته التي تنزع إلى الالتجاء نحو القوة المطلقة التي ~~هي الملجأ والملاذ في مطلق الأحوال ، ولكل شيء : إلى أين؟ وينفتح في قلبه ~~النور الإلهي في إشراقة الإيمان العميق .. فهذا هو الله خالق كل شيء ، ~~ومرجع كل شيء. وتنطلق الدعوات في جو اليقظة ، ابتهالا وخشوعا وخضوعا إليه ، ~~وتغيب الأصنام الحجرية والخشبية والبشرية في ضباب النسيان. وهنا يأتي الدور ~~الإلهي من خلال ما تقتضيه حكمته العالمة بأسرار الأشياء والأشخاص ، فيكشف ~~البلاء ، ويستجيب الدعاء إن شاء أو يهمل كل ذلك ؛ لأن الموقف الإشراكي ~~والعصياني قد وصل إلى الحد الذي لا مجال معه للرحمة الإلهية. # والآن .. لماذا يثير القرآن أمامهم هذه الرؤية؟ إننا نحسب أن القضية تتجه ~~إلى الإيحاء للمشركين والكافرين بإعادة النظر بقناعاتهم ، وذلك بدراسة PageV09P099 # الأسس الأولية التي استندوا إليها في حركتهم الفكرية والعملية قبل أن ~~يواجهوا الحقيقة الصعبة في موقف لا يملكون معه أية فرصة للتراجع والتخلص. # وتنطلق الآيات الأخرى لتوضح الأسلوب الإلهي الذي يمثل سنة بارزة ms2107 في طريقة ~~هداية الله للناس ، فهذه هي أحداث التاريخ ، وما عاشته الأمم الماضية التي ~~مرت عليها البأساء والضراء وفي ما واجهته من مشاكل وآلام ، فقد أراد الله ~~لهم أن يثير شعورهم العميق بالحاجة إليه ، ويبعدهم عن جو الغفلة ~~واللامبالاة الذي تستدعيه حالة الأمن والطمأنينة والاسترخاء الذاتي للنعيم ~~وللراحة اللاهية ، فإذا هزتهم المصائب والفواجع ، شعروا بمسألة اللجوء إلى ~~الله ، كحاجة عميقة ، تهز أعماقهم بالتضرع ، بوحي من حاجتهم حالة الفطرية ~~الطبيعية ، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك ، لأنهم كانوا خاضعين للعقدة الشيطانية ~~المستحكمة ، التي حولت قلوبهم إلى حجارة صماء لا تتفاعل بالمؤثرات الروحية ~~التي تهز المشاعر ، وتوقظ الإحساس ، وزينت لهم أعمالهم فتبدلت الصورة عندهم ~~إلى غير حقيقتها .. # وهكذا امتدت بهم الحياة في نطاق الأجواء اللاهية المنفتحة على الرخاء ، ~~فعاشوا معها في ما يشبه النشوة التي أنستهم كل شيء ، وفجأة تبدل كل شيء ، ~~واهتزت الساحة ، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فإذا هم يجرون الحسرة تلو ~~الحسرة ، واليأس كل اليأس .. ( @QUR@05 فقطع دابر القوم الذين ظلموا ). ~~ولم يبق منهم أحد ( @QUR@04 والحمد لله رب العالمين )، الذي يفتح لعباده ~~كل أبواب الخير والنجاة .. ولكنهم لا يستجيبون له ، فيظلمون أنفسهم ، فما ~~كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # وقد نتساءل ، عن هذه البأساء والضراء التي يأخذ الله بها عباده ، بعيدة ~~عن أسبابها الطبيعية الكامنة في حركة الكون والحياة؟ أم أنها منطلقة منها؟ ~~وإذا كانت كذلك فما علاقة الموضوع بالتذكير والموعظة ونحو ذلك؟ PageV09P100 # ونجيب عن ذلك ، بأن الله أجرى الأمور على السنن الحتمية في الوجود .. ~~ولكنه أراد لها أن تخلق بحسب طبيعتها حالة وجدانية في داخل الإنسان ، ~~فتذكره بالحاجة إلى الارتباط به ، على أساس أنه مصدر القوة ، ومرجع كل شيء ~~، لأن الله جعل منابع الوعي الإنساني لقضايا الإيمان خاضعة في وجودها ~~ونموها واستمرارها لما أبدعه الله في الكون من دلائل عظمته ، ومن أسرار ~~خلقه ومواقع رحمته وحكمته .. فإذا أخذ الإنسان بإيحاءاتها أمكنه أن يلتقي ~~بالله من أوسع الأبواب ، أما إذا أغفلها وتناساها وابتعد عن خطها الأصيل ، ~~فإنه سيلتقي بالعذاب والهلاك في ms2108 الدنيا والآخرة. # وربما يطرح سؤال كيف تحدث الله في الآيتين السابقتين عن رجوع هؤلاء ~~الكافرين إليه ، ودعائهم له بما عداه ، ونسيانهم لما يحرك مشيئته تبعا ~~لحكمته في كشف العذاب عنهم ، بينما يتحدث في الآيات الأخيرة عن رفضهم ~~التضرع له والعودة إليه ، بفعل قسوة قلوبهم ، وتزيين الشيطان لهم أعمالهم؟ # هل هذا إلا تناقض في المضمون؟ وهل الحل هو في التفريق بين الناس الذي ~~عاشوا مع الرسول (عليه الصلاة والسلام) والناس الذين عاشوا قبل ذلك؟ إننا ~~نستبعد ذلك ، لأن الظاهر من أجواء الآيات ، أن الحديث عن الخط الشركي هو في ~~نماذجه السابقة واللاحقة ، باعتبار أنهم فريق واحد في المنطلقات ~~والممارسات. وقد يجيب البعض ، بأن الآيتين السابقتين تتحدثان عن الحالة ~~الفطرية العفوية التي يتحرك فيها الإنسان بطريقة لا شعورية تماما كما هي ~~اليقظة السريعة التي تندفع بعيدا عن الغفلة لتلتقي بالله بشكل عابر من دون ~~أن ينعكس ذلك على الخط العملي الطويل ، بينما تتحدث الآيات الأخيرة عن ~~الموقف الحاسم المستمر الذي يمثل الابتعاد عن PageV09P101 # خط الضلال واختيار السير في خط الهدى ، مما يريد الله لهم الأخذ به فلا ~~يستجيبون له. ولكن هذا غير ظاهر ، فإن الآية واردة في رفض هؤلاء للمبدأ وهو ~~الإقبال على الله بالدعاء والتضرع إليه ليكشف عنهم ما حل بهم. # وربما كان الأولى بالجواب ، أن الآية الأولى واردة في الحديث عن أن الله ~~هو وحده الذي يمكن أن يدفع عنهم العذاب في مقام تأكيد الوحدانية الفطرية ~~التي تفرض عليهم التحرك في هذا الاتجاه إذا التفتوا إلى حركيتها في داخل ~~النفس لأنها تعيش في العمق من الذات حتى إذا ما أذهلتها الصدمات استيقظت ~~وخرقت كل الحواجز الموضوعة فوقها كمثل القشرة السطحية ، فإذا بالله وحده هو ~~الذي يهز كل كيان الإنسان ليفزع إليه ، وهذا ما يوحي به قوله : ( @QUR@03 ~~إن كنتم صادقين ) فقد يكون المراد من الصدق وعي الحقيقة الفطرية التوحيدية ~~التي تختزنها عقولهم وقلوبهم. # أما الآيات الأخيرة فإنها تتحدث عن الواقع الذي عاشه هؤلاء في التمرد على ~~الفطرة والبعد عن إيحاءاتها انطلاقا ms2109 من الحواجز التي توجب قسوة القلب ~~وتزيين العمل. # وهناك ملاحظة أخرى ، وهي أن الله يتحدث في قوله تعالى : ( @QUR@010 فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) مما يعني أن الله يمنحهم ~~الخير الكبير الواسع بعد نسيانهم له. # فكيف نفسر ذلك؟ # ربما كانت القضية ابتلاء آخر يختبرهم الله به ليرى هل يشكرون فيرجعون ~~إليه أو يكفرون فيستمرون في ضلالهم. وربما كانت استدراجا لامتحانهم في ~~التجربة الجديدة التي يواجهونها بالرخاء بعد أن عاشوا وسقطوا أمام التجربة ~~السابقة بالبلاء. PageV09P102 # وقد جاء في الدر المنثور في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إذا ~~رأيت الله يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو ~~استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@010 فلما نسوا ما ~~ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) الآية والآية التي بعدها (1). # وقد جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة «يا بن آدم ~~إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره» (2). # وقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قال : إن قنبرا مولى أمير ~~المؤمنين عليه السلام دخل على الحجاج بن يوسف ، فقال له : ما الذي كنت تلي ~~من علي بن أبي طالب؟ فقال : كنت أوضيه ، فقال له : ما يقول إذا فرغ من ~~وضوئه ، فقال : كان يتلو هذه الآية : ( @QUR@029 فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون* فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ). فقال ~~الحجاج: أظنه كان يتأولها علينا؟ قال : نعم» (3). # * * * # وهكذا نجد في هذه الآيات إيقاظا وتوعية وإيحاء لكل الكافرين والظالمين ~~والمستكبرين أن لا يعتدوا بما لديهم من المال والجاه والقوة والسلطة والرزق ~~والمتاع ، فإن ذلك قد يكون نوعا من البلاء الذي يستدرجهم PageV09P103 # الله من خلاله لينظر إليهم هل يرجعون إليه أو يستمرون في طغيانهم يعمهون ~~، فليس لهم أن يطمئنوا إلى ذلك أو ينفتحوا عليه كما لو كان ذلك ms2110 دليل خير ~~وعلامة سعادة. # أما ختام الآيات بالحمد لله رب العالمين فيمكن فهمه من خلال ما جاء به ~~الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول : «من أحب بقاء الظالمين فقد ~~أحب أن يعصى الله وإن الله حمد نفسه على إهلاك الظالمين فقال : ( @QUR@09 ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) (1). # * * * PageV09P104 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله ~~غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) @QUR@014 قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ) (47) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نصرف ): ننوع الأساليب ، ونكثر الوجوه ، لتكون أكثر إدراكا ، ~~وأعمق تأثيرا ، وأشد تصديقا ، والصرف رد الشيء من حالة إلى حالة ومن أمر ~~إلى أمر ، وتصريف الرياح: هو صرفها من حال إلى حال. # ( @QUR@01 يصدفون ): يميلون عنه ويعرضون عن تأمل الآيات ، يقال : صدف عن ~~الشيء صدوفا إذا مال عنه ، والصدف والصدفة : الجانب والناحية ، والصدف : كل ~~بناء مرتفع ، وفي الحديث : كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا مر بصدف مائل PageV09P105 # أسرع المشي (1). # ( @QUR@01 بغتة ): فجأة. # ( @QUR@01 جهرة ): أي : علانية ، قال في مجمع البيان : إنما قابل البغتة ~~بالجهرة ، لأن البغتة تتضمن معنى الخفية لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون وقيل ~~: البغتة أن يأتيهم ليلا والجهرة أن يأتيهم نهارا ، عن الحسن (2). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في تفسير القمي في قوله تعالى : ( @QUR@09 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ~~الله بغتة أو جهرة ) الآية. قال : إنها نزلت لما هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأصاب أصحابه الجهد والملل والمرض ، فشكوا ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله : ( @QUR@01 قل ) لهم يا ~~محمد ( @QUR@013 أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون ) أي لا يصيبكم إلا الجهد والضر في الدنيا ، فأما العذاب ~~الأليم الذي فيه الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين. وقد علق في الميزان ~~على هذه الرواية قائلا : الرواية على ضعفها تنافي ما استفاض أن سورة ~~الأنعام نزلت بمكة ms2111 دفعة ، على أن الآية بمضمونها لا تنطبق على القصة والذي ~~تمحل به في تفسيرها بعيد عن نظم القرآن (3). أقول : وهذا صحيح فإن دراسة ~~السياق العام للآية لا يوحي بأن الخطاب للمسلمين ، بل هو وارد PageV09P106 # في مخاطبة الكافرين ، والله العالم. # * * * ### ||| ** النظر في آيات الله يقود إلى الإيمان # ويفرض الإيمان نفسه من خلال علامات الاستفهام التي يثيرها أمام الإنسان ، ~~فمن ذا الذي يملك سمع الإنسان وبصره وقلبه ، أليس هو الذي خلق له ذلك كله؟ ~~فإذا أخذ الله سمع الإنسان فأصبح بلا سمع ، أو أخذ بصره ، فأصبح بلا بصر ، ~~أو ختم على قلبه ، فعاد بلا وعي ، فإلى أين يتجه ليؤمل أن يرجع ذلك كله ، ~~ومن هو الذي يملك القدرة على ذلك ، هل هناك إله غير الله؟! ويدعو الله ~~الإنسان من خلال رسوله ، إلى التأمل والنظر في الآيات التي ينوعها ويكثر ~~وجوهها لتكون أكثر إدراكا وأعمق تأثيرا وأشد تصديقا ، ولكن هؤلاء الكافرين ~~والمرتابين يعرضون عن ذلك كله ، ثم ماذا هناك ، هل يفكر هؤلاء بعذاب الله ~~الذي يمكن أن يفاجئهم من دون انتظار ، أو يواجههم علانية من خلال الأجواء ~~المنظورة ، فمن الذي سيواجه ذلك ، هل هم المؤمنون ، أو هم الظالمون ، إنهم ~~هم الذين سيهلكون بعذاب الله فما ذا يفعلون؟ # ( @QUR@02 قل أرأيتكم ) من خلال ما تعلمونه من قدرة الله عليكم وعلى ~~الوجود كله ، فلا يعجزه شيء من أوضاعكم كما لم يعجزه خلقكم في البداية ، ~~الأمر الذي يجعل القضية واضحة لديكم في مستوى العلم واليقين ( @QUR@05 إن ~~أخذ الله سمعكم وأبصاركم ) ففقدتم النور الذي تبصرون به في عيونكم والقوة ~~التي تسمعون بها في آذانكم ، فصرتم صما وعميا؟ # ( @QUR@03 وختم على قلوبكم ) وذهب بعقولكم فلم يبق لكم عقل في مستوى الوعي PageV09P107 # للأشياء لتفكروا به وتتعرفوا من خلاله حقائق الأمور ( @QUR@04 من إله غير ~~الله ) من هؤلاء الذين تعبدونهم من دونه ، وتتخيلونهم في درجة الآلهة ( ~~@QUR@02 يأتيكم به ) أي : مما أخذ منكم من السمع والبصر والعقل فيردها ~~عليكم؟ إنكم تعلمون جيدا أنهم لا يملكون من ذلك ولا من غيره شيئا ، لأنهم ~~يمثلون العجز ms2112 كله حتى في رعاية أوضاعهم الخاصة ( @QUR@04 انظر كيف نصرف ~~الآيات ) في تنويع الأساليب والإيحاءات وتبيين الحقائق بالوسائل المتنوعة ، ~~من رفق وعنف وتذكير وإنذار بما يفتح للإنسان آفاق الفكرة ويربطه بحركيتها ( ~~@QUR@02 ثم هم ) هؤلاء المعاندون الكافرون ( @QUR@01 يصدفون ) أي يعرضون عن ~~التأمل والتفكير في الرسالة ومضمونها الفكري والحركي غفلة وتمردا وضلالا ~~لأن الإنسان الواعي لا بد من أن يتحرك بفكره نحو كل وسائل المعرفة التي ~~تقدم إليه. # ( @QUR@06 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله ) الذي ينزله الله بكم جزاء ~~لأعمالكم السيئة التي قدمتموها في ضلالكم وكفركم وانحرافكم؟ ( @QUR@01 بغتة ~~) على سبيل المفاجأة السريعة ( @QUR@02 أو جهرة ) علانية في وضح النهار ( ~~@QUR@02 هل يهلك ) به ( @QUR@03 إلا القوم الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر فاستحقوا العذاب انطلاقا من قيام الحجة عليهم من الله الذي أنذرهم ~~وبشرهم فأعرضوا عن ذلك كله. وتلك هي النتائج السيئة التي تصيبكم في مستقبل ~~الدنيا والآخرة. # * * * PageV09P108 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (48) @QUR@08 والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما ~~كانوا يفسقون ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يمسهم ): المس : كاللمس ، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن ~~لم يوجد ، كما قال الشاعر : # وألمسه فلا أجده # والمس يقال في ما يكون معه إدراك بحاسة اللمس ، وكني به عن النكاح ، فقيل ~~: مسها وماسها ، والمس يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى. # ( @QUR@01 يفسقون ): قال الراغب : فسق فلان : خرج عن حجر الشرع وذلك من ~~قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره ، وهو أعم من الكفر. والفسق يقع بالقليل ~~من الذنوب وبالكثير ، ولكن تعورف في ما كان كثيرا ، وأكثر ما يقال الفاسق ~~لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه ، وإذا قيل ~~للكافر الأصلي فاسق ، فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة. (1) PageV09P109 ### ||| ** دور المرسلين بتبشير الناس وإنذارهم # إن على الناس مواجهة مصيرهم من خلال وعي رسالات المرسلين ، ( @QUR@06 وما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ) فها هم الأنبياء يبشرون الناس بالجنة ~~التي وعد الله بها عباده المتقين ، وينذرونهم النار التي توعد ms2113 الله بها ~~الكافرين والظالمين ، وهم لا يدخرون جهدا في ما يثيرونه أمامهم من دلائل ~~الإيمان وبراهينه ، وعناصر القناعة الفكرية والروحية ، بالمستوى الذي لا ~~يترك هناك شبهة إلا وأوضحها ، ولا يدع مشكلة إلا وحلها. وبذلك تبرز أمامهم ~~قصة المصير واضحة جلية ، ( @QUR@03 فمن آمن وأصلح ) حياته ومسيرته ( ~~@QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فإنه سيقف موقف الآمن الفرح المطمئن ~~.. ( @QUR@03 والذين كذبوا بآياتنا ) أما الذين كذبوا بالإيمان وبآيات الله ~~في وحيه ( @QUR@05 يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ) فإنهم ينتظرون العذاب ~~كنتيجة طبيعية لكل أفكار الفسق وخطواته العملية في الحياة. وما ذا يبقى ~~للإنسان بعد ذلك إلا أن يختار مصيره بنفسه ، في الجنة أو في النار ، من ~~خلال خط الفكر والعمل؟ # إن قضية الرسالات تتحرك من أجل إيجاد تفاعل فكري وروحي وعملي بين الرسل ~~والناس من خلال الرسالة التي تبشر بالنتائج الطيبة للمؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات ، وتنذر بالنتائج السيئة للمكذبين بآيات الله ، لينطلق الناس في ~~عملية فكر وتأمل وحوار من أجل مواجهة مصيرهم الذي يتحدد بالموقف الإيجابي ~~أو السلبي من الرسالة. # وهذا هو دور الرسالات ، فهي تعمل من أجل إثارة الفكرة وإيجاد الدوافع ~~النفسية نحو الحركة على أساس العناصر الحية التي تخاطب فيها الرسالات وعي ~~الإنسان في قناعاته وفي مصالحه الحيوية في حاضره ومستقبله. # * * * PageV09P110 ### ||| * الآية # ( @QUR@028 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 خزائن الله ): الخزن : حفظ الشيء في الخزانة ، ثم يعبر به عن ~~كل حفظ كحفظ السر ونحوه. والمراد به هنا قيل : مقدوراته التي منعها الناس ~~لأن الخزن ضرب من المنع ، وقيل : جوده الواسع وقدرته. # وقيل كما في تفسير الميزان هو المقام الذي يعطي بالصدور عنه ما أريد من ~~شيء من غير أن ينفد بإعطاء وجود ، أو يعجزه بذل وسماحة ، وهذا مما يختص ~~بالله سبحانه ، وأما غيره ، كائنا ما كان ومن كان ، فهو محدود وما عنده ~~مقدر إذا بذل منه شيئا نقص ms2114 بمقدار ما بذل ، وما هذا شأنه لم يقدر على إغناء ~~أي فقير ، وإرضاء أي طالب وإجابة أي سؤال. (1) # والظاهر أن المراد بها خزائن رحمته وقدرته وملكه وإرادته مما يعتبر ~~بالكناية عن كل خصائص الألوهية في عطائها للخلق بما يملكه الله من القدرة PageV09P111 # المطلقة والإرادة المطلقة والملك المطلق في ما يصدر منه ، ولعل هذا ما ~~يريده المفسرون مع اختلاف التعبير. # ( @QUR@01 الغيب ): كل غائب عن الحاسة وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى ~~الغائب ، والمراد هنا كما يقول الراغب ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه ~~بداية العقول ، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام ، وبدفعه يقع على ~~الإنسان اسم الإلحاد (1). # والظاهر أن المراد به العلم بخفايا الأمور وقضايا المستقبل التي لا يملك ~~الإنسان الوسائل إلى معرفتها مما يحتاج فيه إلى إعلام الله ، ولا يشمل ~~الأمور التي يمكن للناس أن يعرفوها بوسائلهم الخاصة مثل القضايا التاريخية ~~التي هي في معرض العلم وإن لم يعلم بها الإنسان فعلا ، كما ورد في قوله ~~تعالى ، في قصة يوسف : ( @QUR@014 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) [يوسف : 102] وقوله في قصة مريم : ( ~~@QUR@020 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) [آل عمران : 44] وقوله بعد قصة ~~نوح : ( @QUR@015 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا ) [هود : 49]. فإن هذا كان غيبا عن الرسول ، لكنه «يدخل في ~~مصطلح علم الغيب». # ( @QUR@01 ملك ): قال الراغب في المفردات : وأما الملك ، فالنحويون ~~جعلوه من لفظ الملائكة ، وجعل الميم فيه زائدة وقال بعض المحققين : هو من ~~الملك. قال : والمتولي من الملائكة شيئا من السياسات يقال له : ملك ، ~~بالفتح ، ومن البشر يقال له : ملك بالكسر ، فكل ملك ملائكة ، وليس كل ~~ملائكة ملكا ، بل الملك هو المشار إليه بقوله : ( @QUR@02 فالمدبرات أمرا ) ~~[النازعات : 5] ( @QUR@02 فالمقسمات أمرا ) [الذاريات : ] ( @QUR@01 ~~والنازعات ) [النازعات : 1] ونحو ذلك ، ومنه ملك الموت ، قال : ( @QUR@03 ~~والملك على أرجائها ) [الحاقة: 17] ( @QUR@03 على الملكين ببابل ) PageV09P112 # [البقرة : 102] ( @QUR@07 قل يتوفاكم ms2115 ملك الموت الذي وكل بكم ) [السجدة : ~~11] (1). # والمراد به هنا هو الملك الذي يصدق على الملائكة وهم المخلوقات الخفية ~~السماوية التي تتمتع بقدرات ووظائف في الكون مما أوكل الله أمره إليهم ، ~~وهذا ما جعل العرب يفكرون بأنهم هم أي الملائكة الذين يستحقون اسم الرسول ~~والنبي لأن الرسولية والنبوة من المواقع المرتبطة بالله مما لا بد أن يكون ~~الشخص المتصف بها ممن يملك القدرات والقرب من الله كالملائكة لا ممن لا ~~يملك ذلك كالبشر. # * * * ### ||| ** النبي يؤكد بشريته # ( @QUR@07 قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ) وهذه هي الصورة المشرقة ~~الواقعية للشخصية النبوية التي يريد الله للنبي أن يقدم بها نفسه إلى الناس ~~، فهو لا يريده كائنا غيبيا يبرز إليهم من خلال الجو الغيبي الضبابي الذي ~~يوحي بكون ذاته سرا خفيا مقدسا بعيدا عن التصور البشري الطبيعي ، ولا يريد ~~له أن يبدو في نظرهم شخصية أسطورية تملك في حوزتها كل خزائن الله الذهبية ~~والفضية ونحو ذلك مما يدخل في عالم التقييم المادي ، بالمستوى الذي يستطيع ~~فيه غرف ما يشاء من المال لمن يشاء من الناس ، ( @QUR@03 ولا أعلم الغيب ) ~~ولا يريده إنسانا يقف بين الناس ليتحدث عن أسرارهم الكامنة في صدورهم وعما ~~ينتظر كل واحد منهم من أحداث المستقبل ، على أساس ما يحمله من علم الغيب ~~الإلهي ، كما هو دور النبي في تصور الكثيرين ، الذين يربطونه بشخصية الكاهن ~~الذي كان يمثل بعضا من ذلك ... ( @QUR@05 ولا أقول لكم إني ملك ) ولا يريد ~~له الشخصية الملائكية ليأخذ بألباب الناس فيدهش العقول بأجنحته المتنوعة ~~المتعددة ، وقدرته الأسطورية الخارجة عن كل حد ، لأن الله يريد للناس أن ~~يؤمنوا به من خلال رسالته بعيدا عن كل أشكال الضغط النفسي أو PageV09P113 # المادي ، وعن كل ألوان الإغراء أو الاستعراض ، الذي يوحي للإنسان ~~بالانجذاب العاطفي ، والانسحاق الشعوري ، ( @QUR@06 إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي ) وهكذا أراده أن يقف بينهم عبدا خاشعا بين يديه ، لا يملك أية مقومات ~~ذاتية كبيرة ، أو أية قدرات شخصية مطلقة ، رسولا أمينا على الدور الذي ~~أوكله الله إليه ، فهو ينتظر ms2116 أمر الله ووحيه في كل صغيرة أو كبيرة ليتبعه ~~ويبلغه للناس ، وربما كان الحديث عن الاتباع موحيا بالصفة المطيعة ~~المتواضعة التي تجسدها شخصيته ليكون في ذلك بعض الإيحاء لهم بالطاعة لله ~~والاستغراق في دور العبد المطيع الذي يتمثل حركة العبد النبي ، في شخصية ~~العبد المؤمن ، وإذا كان التوجيه الإلهي يفرض على الرسول أن يقدم نفسه إلى ~~الناس بهذه الصفة فقد نجد فيه الدرس الفكري الذي يريدنا أن لا نغرق أنفسنا ~~بالأسرار العميقة التي يحاول البعض أن يحيط بها شخصية النبي ، للإيحاء بأنه ~~يرتفع فوق مستوى البشر في إمكاناته الذاتية وقدراته الكبيرة ، بل بصفته ~~الرسالية من حيث أخلاقه وخطواته ومشاريعه المتصلة برسالته. # وذلك هو السبيل للتعامل مع شخصية الأنبياء والأولياء ، بالأسلوب القريب ~~إلى الوعي الإنساني العادي ، في ما يمكن للإنسان أن يعيشه ويتصوره ويتمثله ~~في نفسه ، ليشعر بأن النبي قريب منه بصفاته البشرية المثلى التي يمكن أن ~~تكون أساسا للتمثل والاتباع والاقتداء. وفي ضوء ذلك ، نجد في الأبحاث ~~السائرة في هذا الاتجاه ، انحرافا عن الخط القرآني الذي يرسم للناس في ~~دراستهم لشخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@05 قل هل يستوي الأعمى والبصير ) وهكذا وقف النبي ليقدم نفسه ~~للناس من خلال شخصيته الرسالية ، التي تسعى لفتح عيونهم على الحقيقة ~~الإلهية في الفكر والعقيدة والتشريع ، وليوحي إليهم بأن الذين لا ينفتحون ~~على الإشراق المنبعث من داخلها ، مثلهم كمثل الأعمى الذي لا يبصر شيئا ، ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .. ( @QUR@02 أفلا ~~تتفكرون ) وليختم ذلك بالدعوة إلى التفكير الواعي العميق الذي يربطهم PageV09P114 # بالحقيقة من أقرب طريق. # * * * ### ||| ** النبوة وعلم الغيب # وهنا نقطة ، وهي مسألة نفي النبي في حوارة مع المشركين علمه بالغيب ، فقد ~~جاء في الميزان ، قال : المراد بنفي علم الغيب ، نفي أن يكون مجهزا في ~~وجوده بحسب الطبع بما لا يخفى عليه معه ما لا سبيل للإنسان بحسب العادة إلى ~~العلم به من خفيات الأمور كائنة ما كانت (1). وهذا هو التصور القرآني ~~الصحيح الذي يؤكد نفي الفعلية لعلم الغيب من ms2117 الناحية الوجودية بمعنى أن ~~يكون مجهزا في تكوينه البشري بالقدرة الخاصة لعلم الغيب بحيث يتحرك نحوه في ~~فعليته بشكل طبيعي ، بل المسألة هي أن الله قد يطلعه على بعض غيبه مما ~~يحتاجه في نبوته من أمور المستقبل ومن خفايا الأمور كما في قصة عيسى ~~عليه السلام : ( @QUR@07 وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) [آل ~~عمران : 49] ونحو ذلك ، ولعل هذا هو الذي أشار إليه أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام في إخباره بالمغيبات عن سؤاله «هل هذا علم بالغيب؟» في تصورهم ~~للمعنى الذاتي للعلم من خلال القدرات الخاصة التي يملكها في ذلك فأجاب ~~«وإنما هو تعلم من ذي علم» (2) وهذا هو الذي عبر عنه بعض المفسرين «هو علم ~~الغيب بالعرض» أي تعلم من عالم الغيب. # وخلاصة الفكرة : هي أن الله كان يطلع رسله بطريقة التعليمات التدريجية ~~المحدودة على الغيب كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا ) [الجن : 26] ولم يكن علم الغيب منطلقا من قدرة تتحرك بالفعلية ~~ليعلم بالغيب كل ما أراد من خلالها بحيث إن الله أعطاه ذلك من خلال القاعدة ~~المنتجة للعلم في نفسه. والله العالم. # * * * PageV09P115 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) @QUR@025 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ~~فتطردهم فتكون من الظالمين (52) @QUR@015 وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) @QUR@027 ~~وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) ~~@QUR@06 وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بالغداة والعشي ): الغداة والغدوة : ما بين طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس ، والعشي : من المغرب إلى العشاء. PageV09P116 # ( @QUR@01 فتنا ): ابتلينا وامتحنا واختبرنا من خلال التفاوت والاختلاف ~~في الطاقات والإمكانيات ، وقد مر معنى الفتنة سابقا. # ( @QUR@01 سلام ): جاء في مجمع البيان ، قال ms2118 المبرد : السلام في اللغة ~~أربعة أشياء : مصدر سلمت سلاما ، وجمع سلامة ، واسم من أسماء الله عز وجل ~~وشجر في قوله «لا سلام وحرمل ، ومعنى السلام الذي هو مصدر أنه دعاء للإنسان ~~بأن يسلم من الآفات ، والسلام اسم الله تأويله ذو السلام ، أي الذي يملك ~~السلام الذي هو التخلص من المكروه ، وأما السلام الشجر فهو شجر قوي سمي ~~بذلك لسلامته من الآفات ، والسلام الحجارة ، سمي بذلك لسلامتها من الرخاوة ~~، والصلح يسمى السلام والسلم لأن معناه السلامة من الشر ، والسلم : الدلو ~~التي لها عروة واحدة لأنها أسلم الدلاء من الآفات (1). # ( @QUR@01 بجهالة ): الجهالة : السفه. # ( @QUR@01 ولتستبين ): حتى تتضح وتظهر وتنكشف بصورة بينة ، يقال : ~~استبان الشيء إذا وضح وظهر ، والبين : هو الكشف عن الشيء. # ( @QUR@01 المجرمين ): أصل الجرم قطع الثمرة عن الشجر ، ورجل جارم ، ~~وقوم جرام ، وثمر جريم ، والجرامة : رديء الثمر المجروم ، وأجرم صار ذا جرم ~~، وأستعير ذلك لكل اكتساب مكروه ، وبهذا أطلقت كلمة المجرم والمجرمين على ~~الذين يقومون بالجريمة وهي العمل السيئ أو الشرير الذي يقوم به الإنسان أو ~~الناس من قتل أو جرح أو خيانة أو سرقة أو نحو ذلك مما لا يملك الإنسان الحق فيه. # * * * PageV09P117 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور ، أخرج أحمد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، ~~والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله ~~بن مسعود قال : مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده صهيب ~~، وعمار ، وبلال ، وخباب ، ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ~~أرضيت بهؤلاء من قومك من الله عليهم من بيننا؟ أو نحن نكون تبعا لهؤلاء؟ ~~اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ، فأنزل فيهم القرآن : ( @QUR@08 ~~وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) إلى قوله : ( @QUR@03 والله ~~أعلم بالظالمين ) (1) إلخ. # وجاء في رواية أخرى في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة ، وابن ماجة ، ~~وأبو يعلى ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي ~~حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن خباب ، قال : ~~جاء الأقرع بن ms2119 حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قاعدا مع بلال ، وصهيب ، وعمار ، وخباب ، في أناس ~~ضعفاء من المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به ، فقالوا : إنا ~~نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا ، فإن وفود العرب ~~ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم ~~عنا ، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت قال : نعم ، قالوا : فاكتب لنا ~~عليك بذلك كتابا ، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية ، ~~إذ نزل جبرئيل بهذه الآية ( @QUR@07 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي ) إلى قوله ( @QUR@08 فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) ~~فألقى رسول الله الصحيفة من يده ، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول : ( @QUR@07 ~~سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة )، فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن ~~يقوم قام وتركنا ، فأنزل الله : PageV09P118 # ( @QUR@010 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ~~[الكهف : 28] الآية. قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقعد معنا ~~بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها ، تركناه حتى يقوم (1). # * * * ### ||| ** تعليق السيد الطباطبائي على الروايات # قال العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان تعليقا على أمثال هذه الروايات ~~: «الرجوع إلى ما تقدم في أول السورة من استفاضة الروايات على نزول سورة ~~الأنعام دفعة ، ثم التأمل في سياق الآيات ، لا يبقي ريبا أن هذه الروايات ~~إنما هي من قبيل ما نسميه تطبيقا بمعنى أنهم وجدوا مضامين بعض الآيات تقبل ~~الانطباق على بعض القصص الواقعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فعدوا ~~القصة سببا لنزول الآية ، لا بمعنى أن الآية إنما نزلت وحدها ودفعة لحدوث ~~تلك الواقعة ورفع الشبهة ، كما ترتفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر ~~الوقائع من أشباه الواقعة ونظائرها ، كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات ~~الثلاث الواردة في سبب نزول قوله : ( @QUR@04 ولا تطرد الذين يدعون ) الآية ~~فإن الغرض فيها واحد لكن القصص مختلفة في عين أنها متشابهة فكأنهم ms2120 جاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرة بعد ~~كرة وعنده في كل مرة عدة من ضعفاء المؤمنين ، وفي مضمون الآية انعطاف إلى ~~هذه الاقتراحات أو بعضها. # وعلى هذه الوتيرة كانوا يذكرون أسباب نزول الآيات بمعنى القصص والحوادث ~~الواقعة في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم مما لها مناسبة ما مع مضامين الآيات ~~الكريمة من غير أن تكون للآية مثلا نظر إلى خصوص القصة والواقعة PageV09P119 # المذكورة ، ثم شيوع النقل بالمعنى في الأحاديث والتوسع البالغ في كيفية ~~النقل ، أو هم أن الآيات نزلت في خصوص الوقائع الخاصة على أن تكون أسبابا ~~منحصرة ، فلا اعتماد في أمثال هذه السورة من السور التي نزلت دفعة على أزيد ~~من أنها تكشف عن نوع ارتباط للآيات بالوقائع التي كانت في زمنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا سيما بالنظر إلى شيوع الوضع والدس في هذه ~~الروايات والضعف الذي فيها وما سامح به القدماء في أخذها ونقلها. # وقد روى في الدر المنثور عن الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن ~~عبد الله بن المهاجر أن الآية نزلت في اقتراح بعض الناس أن يطرد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الضعفاء من أصحاب الصفة عن نفسه في نظير من القصة ~~ويضعفه ما تقدم في نظيره أن السورة إنما نزلت دفعة وفي مكة قبل الهجرة (1). # * * * ### ||| ** ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي # وهذا هو المجتمع الذي يريد الله لرسوله أن يدخل عليه بالدعوة إليه ، وليس ~~المجتمعات الغنية اللاهية المستكبرة التي أغلقت قلوبها عن كل النداءات التي ~~ترهق الإحساس ، وتحرك الشعور ، وتقود الإنسان إلى خط المسؤولية النابضة ~~بحركة الحياة المسؤولة ، والتي ابتعدت عن كل الأجواء الروحية التي تدفع ~~الخطوات في طريق السلام الأمين .. فإن هذه المجتمعات لا تمثل في حساب ~~الدعوة ، القيمة الكبيرة ، في ما يتداوله الناس من حسابات القيم ، لأن ~~الإسلام لا يعطي القيمة للجهات المنتفخة بالكبرياء والخيلاء ، بل يعطيها ~~لتلك الجهات الجدية المنفتحة على المستقبل في قلق PageV09P120 # الإنسان ms2121 أمام قضية المصير ، لذا رأينا الله يوجه رسوله ، وكل داعية يسير ~~في خط الرسالة إلى أن ينظر الى الناس من خلال ما يحملونه في داخلهم من ~~الخوف على المصير ، فمن كان سائرا في أجواء اللامبالاة أمام ذلك ، فلا مجال ~~للحديث معه إلا لإقامة الحجة عليه ، أو إخراجه من هذا الجو اللامسؤول ، فلا ~~يتوقف الداعية أمامه طويلا ، لأن في ذلك تضييعا للجهد بلا فائدة ، فقد أغلق ~~هذا الإنسان قلبه عن كل شيء. # أما الذين يعيشون إشراقة الخوف من الله ، عند ما يذكر أمامهم اسمه ، أو ~~تخطر في أفكارهم فكرة الوقوف بين يديه ، ويتصورون خطورة الموقف الذي يشعرون ~~معه بالوحدة الموحشة التي لا يملكون معها وليا ولا شفيعا من دون الله .. ~~فلا بد للرسول وللداعية من أن يشعر بأن أمثال هؤلاء هم الذين تتحرك الدعوة ~~في حياتهم ، لأن الخوف من الله ، يربطهم بالكلمات المنطلقة من وحية في ~~عملية تأمل وتدبر وتفكير ويدفعهم ذلك إلى القناعة والالتزام الدقيق بالخط ~~العملي للفكر الإسلامي العميق. # ومن هم هؤلاء؟ إنهم الفقراء الطيبون ، الذين لم يرهقهم ترف الغنى ~~بمغرياته وانفعالاته ، ولم يحجب قلوبهم عن البساطة الطاهرة التي تلتقي ~~بالحقيقة والعفوية والطهر ، هؤلاء الذين لا يشعرون بأن الرسالة تفقدهم ~~الامتيازات التي يملكونها كما يتصور الأغنياء المترفون ، بل يحسون بأنها ~~تمنحهم فرصا لم تكن لهم وتفتح لهم أبوابا كانت مغلقة عليهم ، وتوحي لهم ~~بالمعاني الجديدة لإنسانيتهم ، وبالآفاق الرحبة لوجودهم. وبذلك تبرز ~~الرسالة في وعيهم ، كمنطلق للإشراق الروحي والانساني في ما يشبه الحلم ~~الوردي الجميل. # وهذا ما يفسر أن جنود الرسالات في بدايات الدعوة ، هم الفقراء والبسطاء ~~في الأغلب ، لأنهم يفهمونها جيدا من خلال ارتباطها بالجانب الإنساني ~~والروحي للحياة. أما الآخرون من الأغنياء والمستكبرين. فإنهم PageV09P121 # يقفون في خط المواجهة المضاد الذي يشعر بالرسالة ، كما لو كانت الخطر ~~الزاحف على كل وجودهم بالموت. # * * * ### ||| ** وأنذر به المؤمنين # ( @QUR@02 وأنذر به ) أي بالقرآن ( @QUR@06 الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ) ممن يعيشون قلق المصير في الدار الآخرة أمام الآيات التي تتحدث عن ~~يوم القيامة وعن ms2122 أحواله وعذاباته من خطوط وأعمال ، فهؤلاء هم الذي انفتحت ~~قلوبهم للتقوى ، وتحركت مواقفهم للطاعة. # وليس المراد اختصاص الإنذار بهؤلاء فلا إنذار للذين أغلقت عقولهم عن ~~التفكير بنتائج المسؤولية السلبية والإيجابية ، وختم الله على قلوبهم ، بل ~~فإن الإنذار عام للجميع ، ولكن المراد والله العالم أن حركة الإنذار في ~~الوعي والالتزام تنطلق من الجدية في قلق المعرفة الذي يجعل الإنسان يلاحق ~~علامات الاستفهام في وجدانه ليبحث من خلالها عن جواب ، ويتابع القضايا ~~المثارة في الآيات ، ليتدبرها في طريق الوصول إلى الحقيقة ، أما الذي لا ~~يفكر في الأمور بطريقة مسئولة ، فإنه لا يستمع إلى الإنذار استماع وعي وفهم ~~وتدبر لأنه يتحرك في الحياة في الخط اللاهي العابث ، ويرى في حركة الانتماء ~~إلى هذا الاتجاه أو ذاك لعبا وعبثا ومضيعة للوقت. # وفي ضوء هذا فإن التخصيص بهؤلاء وارد في مقام بيان واقعية الإنذار المؤثر ~~بالنفس. فلا يبقى هناك مجال للجدل الدائر بين المفسرين ، بين قائل ، إن ~~الآية نزلت في المؤمنين القائلين بالحشر وأنهم هم الذين عنوا في الآية ~~التالية بقوله : ( @QUR@07 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ). ~~وقائل : إنها نزلت في طائفة من المشركين الوثنيين يجوزون الحشر بعد الموت ~~وإن لم يثبت وجود القائل بهذا القول بين مشركي مكة أو العرب يوم نزول ~~السورة مع كون PageV09P122 # خطابات السورة متوجهة إلى المشركين من قريش أو العرب بحسب السياق ، وقائل ~~: إن المراد بهم كل معترف بالحشر من مسلم أو كتابي ، وإنما حصر هؤلاء ~~المعترفون بالأمر بالإنذار مع أن وجوب الإنذار عام لجميع الخلق لأن الحجة ~~أوجبت عليهم الاعتراف بالمعاد. # إن ملاحظتنا في هذا المجال هي أن الآية تؤكد على الاهتمام بهؤلاء الناس ~~الذي يعيشون هم الحشر إلى ربهم ، فيدفعهم ذلك إلى الاستماع بوعي والتفكير ~~بمسؤولية فيهتدون بما يسمعونه من الآيات ، وليست في وارد الحديث عن الأفكار ~~المسبقة التي يحملها المنذرون في الإيمان بيوم الحشر أو غيره. # إنها إشارة إلى الإنذار الجدي المتحرك في الواقع المشمول بالدعوة في ~~مقابل الذين يعيشون الحياة استرخاء وضياعا وترفا وغفلة عن ms2123 مستقبل الدنيا ~~والآخرة ، من هؤلاء الذين قد يفكرون بأن على النبي أن يطرد المؤمنين الذين ~~لا يصنفون من الدرجة العليا في السلم الطبقي ، ( @QUR@05 ليس لهم من دونه ~~ولي ) لأن الله هو وحده الولي للخلق كلهم وهذا ما يؤمن به أمثال هؤلاء ، ( ~~@QUR@02 ولا شفيع ) يملك الضغط على إرادة الله بحيث يمكن لهم اللجوء إليه ~~للحصول على الأمن من خلاله ، لأن الشفعاء الذين ثبتت لهم الشفاعة لا يملكون ~~الشفاعة بعيدا عن إرادته وإذنه لأن الشفاعة لا تنفع إلا بإذنه : ( @QUR@05 ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) [الأنبياء : 28] فلا استقلال لهم بالشفاعة كما ~~يحدث في الدنيا للتحرك من ذات الشفيع في الاستفادة من خطوته الضاغطة على ~~صاحب الحق ، بل تتحرك من المنهج الذي وصفه الله لهم في برنامج الشافعة وليس ~~معناها أن تكون صورية تمثيلية ، بل إن الله يكرمهم بها فيشفعهم بمن يريدون ~~الشفاعة له طبقا للبرنامج الذي يعرفونه في الأشخاص الذين يشفعون لهم بحيث ~~يعرفون أن الله يرتضي ذلك لهم ( @QUR@02 لعلهم يتقون ). PageV09P123 # وهذا ما جعل الآية الثانية تحذر الرسول بشكل حاسم ، من الاستجابة لبعض ~~الكلمات التي يحاول هؤلاء المستكبرون من خلالها ، إبعاد الفقراء عن أجواء ~~الرسول ، ليخلو لهم الموقف ، وليمارسوا معه أساليب اللف والدوران ، ~~وليغرقوا حياته بالعبث واللغو والضوضاء ، في ما اعتادوه من أحاديث وممارسات ~~، وليثيروا أمامه المشاكل التي تثقل تفكيره ، وترهق مسيرته .. وتوحي له ~~باليأس والإرهاق الشديد. # * * * ### ||| ** الخاضعون لإرادة الله هم حملة الرسالة ، فلا تطردهم # ومهما كانت القصة ، فإن الذي يهمنا في هذا المجال هو مواجهة المسألة من ~~ناحية المبدأ ، فإن الله يريد الإيحاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللدعاة ~~من بعده ، بأن هؤلاء الذين يعيشون الإيمان في خشوع الروح ، وخضوع الإرادة ~~لله ، فيدعون ربهم بالغداة والعشي ، يريدون وجهه ، ولا يريدون غيره ، ~~ابتهالا وإخلاصا ويقينا .. هم القريبون إلى الله بالفكر والروح والعمل ، ~~لأنهم الذين استجابوا له ولرسوله ، فكيف يمكن أن يبعدهم الرسول عنه ، وما ~~هو المبرر له في ذلك كله؟ وهل كان النبي يفكر لرسالته بالمستوى الطبقي الذي ~~يعيشه الناس من حوله؟ ms2124 وهل كانت الرسالة إلا لتغيير مثل هذا الواقع الذي ~~يعيش فيه الناس المستضعفون اضطهاد الناس المستكبرين في ما يعيشونه من نزعة ~~العلو والاستكبار؟ وما ذا بعد ذلك؟ إن طردهم من حوله ، يعني النظرة السلبية ~~لحركة الإيمان عندهم في إخلاص العبادة لله ، وهذا مما لا يمكن أن يقره ~~الإسلام من مؤمن ، فكيف يقره من الرسول؟ # وقد أراد الله تأكيد المبدأ ، بالتركيز على أن كل إنسان يتحمل مسئولية ~~عمله ، فيحاسب عليه ، أمام الله ، فسلطة حساب الناس منوطة بالله PageV09P124 # فقط إلا بحدود ما يتعلق بالمسؤولية العامة ، الأمر الذي يفقد معه أي ~~إنسان مبرر محاسبة غيره وبذلك لا يملك الرسول ولا الداعية أن يقوم بأي تصرف ~~سلبي ضد أولئك المستضعفين فيطردهم من حوله ، لأن الله يريده أن يحيطهم ~~بالعناية والرعاية ، انسجاما مع الأجواء الروحية البعيدة عن التكلف ~~والامتيازات الطبقية ، التي يريد الله للحياة الإسلامية أن تعيشها فيها .. ~~فإذا انحرفت الخطى عن ذلك وابتعدت الممارسات عن هذا الخط فإن الجو سيكون جو ~~ظلم يطبع الحياة بالعدوان ، وهذا ما لا يريده الله للنبي والذي آمنوا ، في ~~ما أوكله إليهم من مهمة وفي ما حملهم إياه من رسالة. # ( @QUR@07 ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) إيمانا به ، ~~وانفتاحا عليه ، والتزاما بطاعته ، وحركة في سبيل الحصول على رضاه في مواقع ~~القرب منه من خلال حالة الخشوع الروحي الذي امتلأت به عقولهم والخضوع ~~الإرادي الذي عاشت له أرواحهم ، فهم لا يفكرون بالموقع الاجتماعي ، ولا ~~بالربح المادي ، ولا بالشهوة الجامحة ، ولكنهم يتحركون في حياتهم على مستوى ~~مواقعهم ومواقفهم وأوضاعهم للوصول إلى الله. # ( @QUR@02 يريدون وجهه ) فهم يريدونه في معنى ذاته في سر الألوهية فيها ، ~~وهذا ما يوحي به التعبير عن الذات بالوجه لأنها مظهر الذات في المعنى ~~المادي للصورة وعلى هذا ، جاء قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ~~) [القصص : 88] أو ( @QUR@05 فأينما تولوا فثم وجه الله ) [البقرة : 115]. # وقد ذكر صاحب الميزان أن المراد بالوجه هنا «الناحية أعني ما ينتهي إليه ~~الإشارة وجها فإنها بالنسبة إلى الشيء الذي يحد الإشارة كالوجه بالنسبة ms2125 إلى ~~الإنسان يستقبل غيره به ، وبهذه الغاية تصير الأعمال الصالحة وجها لله ~~تعالى ، كما أن الأعمال الطالحة وجه للشيطان ، وهذا بعض ما يمكن أن PageV09P125 # ينطبق عليه أمثال : ( @QUR@03 يريدون وجه الله ) [الروم : 38] وقوله : ( ~~@QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ) [الإنسان : 9] ، وغير ذلك ، وكذا الصفات ~~التي يستقبل بها الله سبحانه خلقه كالرحمة والخلق والرزق والهداية ونحوها ~~من الصفات الفعلية ، بل الصفات الذاتية التي نعرفه تعالى بها نوعا من ~~المعرفة كالحياة والعلم والقدرة ، كل ذلك وجهه تعالى يستقبل خلقه بها ~~ويتوجه إليه من جهتها كما يشعر به بعض الإشعار أو الدلالة قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [الرحمن : 27] فإن ظاهر الآية ~~أن قوله : ( @QUR@03 ذو الجلال والإكرام ) نعت للوجه دون الرب (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن ما ذكره لا يخلو من التكلف في حمل الكلمة على هذا ~~المعنى لأن الآيات التي وردت فيها الكلمة ذات مضمون واحد من حيث التعبير عن ~~الله ففي قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88] ~~وقوله : ( @QUR@010 كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ~~[الرحمن : 26 27] يراد بالوجه الذات لبيان الحقيقة الوجودية ، وهو فناء ~~الخلق كله إلا الله في ذاته فهو الباقي ، لا ناحيته وصفاته ونحو ذلك. وهكذا ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 فأينما تولوا فثم وجه الله ) [البقرة : 115] قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 يريدون وجهه ) فإن الظاهر من الآية الأولى أنك ستجد الله ~~في أي موقع وجدت فيه ، لأن الله لا يحده مكان ، وكذا في الآية الثانية فإن ~~الظاهر منها أن هؤلاء الناس الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدونه ، هو ~~، لا غيره بمعنى أنهم يتوجهون إلى ذاته المقدسة في مقابل التوجه إلى غيره ، ~~وكذا قوله تعالى : ( @QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ) [الإنسان : 9] فإن ~~الظاهر منها أن الإطعام لله هو للحصول على القرب منه لا لحساب غيره أو لطمع ~~معين. والله العالم. # * * * PageV09P126 ### ||| ** ما عليك من حسابهم من شيء # ( @QUR@012 ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) فليست ~~لك علاقة بهم في واقع المسؤولية العملية ، في ما خص علاقتهم بالله ، فلست ms2126 ~~أنت الذي تحاسبهم على أعمالهم ، كما أنهم ليسوا مسئولين عن أعمالك ولا ~~يحاسبون عليها ، فهم أشخاص مستقلون في وجودهم وفي مسئوليتهم ، فالله هو ~~الذي يملك الحساب كله ، ودورك معهم دور الرسول المبلغ للرسالة ، وتنتهي ~~مهمتك الرسالية عند هذا الحد ليواجهوا استقلالهم وحريتهم في مسئولياتهم ~~العملية ولذلك فلا سلطة لهم عليك من خلال ذلك ( @QUR@01 فتطردهم ) لأن ~~الطرد يملكه الذي يملك السيطرة على الناس ، وإذا كان الله جعل لك الولاية ~~على الناس في مواقع نبوتك وحاكميتك ، فلم يجعلها الله لك لطرد المؤمنين عن ~~مجلسك فإن هذا لا يتناسب مع موقعك الرسالي ، ولا يتناسب مع قربهم من الله ~~ومحبته لهم ( @QUR@03 فتكون من الظالمين ). # ثم تتتابع الآيات لتحدثنا عن وجود شيء من هذا القبيل في نظرة المستكبرين ~~إلى المؤمنين المستضعفين ، حيث يتطلعون إليهم من فوق ليتساءلوا بازدراء ~~وتهكم : ( @QUR@04 وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) في عملية اختبار وامتحان لإظهار ~~ما في أعماقهم من مشاعر الكبرياء وأفكار الشر في النظرة السلبية للمستضعفين ~~المؤمنين ، ( @QUR@07 ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) ما ذا ~~يمثلون من قيمة ومنزلة وجاه ليكونوا موضع اختيار الله ورعايته لهم .. ~~فكأنهم يفرضون على الله طريقتهم في التقييم ، وأسلوبهم في تقدير الأشياء ، ~~لأنهم لا يفهمون للقضايا مقياسا غير ما يحملونه من مقاييس ، فلا يمكن ~~للفقير أو للضعيف أن يحصل على أية امتيازات إلهية إلا من خلال ما يمنحهم ~~البشر من امتيازات. # ولكن الله ينكر عليهم ذلك ليتساءل : ( @QUR@04 أليس الله بأعلم بالشاكرين ) فلله PageV09P127 # مقاييسه الدقيقة للأشياء ، التي لا تدخل في حسابات الحجم الجسدي أو ~~المادي أو المعنوي ، في ما تعنيه معنويات الدنيا .. وتلك هي موازين الطاعة ~~لله في ما أمر به أو نهى عنه ، والشكر له في ما أنعم وأعطى .. فمن أخذ بها ~~كان قريبا إليه وإن ابتعدت به الدنيا عن زخارفها وأمورها ، ومن أعرض عنها ، ~~كان بعيدا عنه ، وإن أحاطت به الشهوات والأطماع من كل جانب ومكان .. وليس ~~هناك من يعرف الناس ، كما يعرفهم الله ، فهو الذي خلقهم وأحاط بسرهم ~~وعلانيتهم ، وهو الذي يعرف من ms2127 يشكر النعمة فيستحق المغفرة والرضوان ، ومن ~~يكفر بالنعمة فيستحق العقاب والخذلان. فكيف تتدخلون في الحكم على ما لم ~~تحيطوا بعلمه ، لتميزوا بين من ينبغي لله أن يمن عليه وبين من لا ينبغي له ~~أن يمنحه المن والرحمة ... لتنكروا هنا ، ولتستجيبوا هناك؟! ويتركهم الله ~~في ضلالتهم ، ويلتفت إلى نبيه فيوحي إليه بالعمل على تكريمهم وإحاطتهم بكل ~~ألوان الرعاية والمحبة والرحمة. # * * * ### ||| ** كتب ربكم على نفسه الرحمة # ( @QUR@05 وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ) ممن استجابوا لدعوة الله في ~~رسالتك واتبعوك فبادلهم حبا بحب ، واحتراما باحترام ( @QUR@03 فقل سلام ~~عليكم ) في تحية إسلامية مليئة بالحنان والمحبة والقرب والاحتضان الروحي ~~والإيحاء بمعنى السلام الذي يعيشه المؤمن في علاقته بالمؤمن ونظرته إليه ، ~~ليشعروا بالأمن معك ، على كرامتهم وعلى أنفسهم ، فلا تستسلم للوضع الطبقي ~~الذي يحتقر أمثالهم لتطردهم وتستهين بهم لتحترم المستكبرين ، وحدثهم عن ~~الله سبحانه وعن رحمته بعباده المؤمنين فقد ( @QUR@05 كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة ) في هدايته وعفوه ومغفرته. PageV09P128 # ( @QUR@06 أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) فعصى ربه وخالف أمره ونهيه ( ~~@QUR@04 ثم تاب من بعده ) من دون وعي لما ينبغي له أن يفعله مما يتناسب مع ~~موقعه العبودي أمام ربه ( @QUR@01 وأصلح ) وانتبه للواقع السيئ الذي وضع ~~نفسه فيه ، واستيقظت الندامة في عقله وروحه فقرر أن يغير موقفه من السلب ~~إلى الإيجاب في علاقته بالله فتاب وأصلح عمله فانطلق إلى مواقع طاعة الله ~~ورضاه ليصلح أمره في عمله ، وعلاقته بربه ( @QUR@03 فأنه غفور رحيم ) يغفر ~~الذنب برحمته فلا يبقى للذنب أثر في حياته. # وهكذا يوحي الله بالسلوك العملي الملائم لما يريده ويرضاه ، فإذا جاء ~~هؤلاء المؤمنون بدين الله وآياته إلى مجتمع المسلمين فيجب أن يتلقاهم ~~الرسول والمؤمنون من الدعاة إلى الله ، بكل رحابة صدر ، وسعة قلب ويبادروهم ~~بالسلام الذي يردونه عليهم أو يبدءونه معهم ، وليبعثوا في داخلهم الطمأنينة ~~، وذلك بالتحدث إليهم عن رحمة الله التي كتبها على نفسه لعباده المؤمنين ~~الخاطئين ، فمن عمل منهم سوءا بجهالة ، ثم انتبه إلى نفسه ، وتاب منه وأصلح ~~طريقه فإن الله سبحانه يتوب عليه ويغفر له ms2128 ذنبه برحمته لأنه الغفور الرحيم. # ( @QUR@03 وكذلك نفصل الآيات ) وننوعها في أغراضها المتعددة ومضامينها ~~المنوعة. وهكذا يفصل الله آياته للناس ، فلا يترك أمرا مما يحتاجونه من ~~أمور هدايتهم وضلالهم ومعاشهم ومعادهم ، إلا وفصله لهم ليهتدوا به ويتضح ~~لهم سبيل الحق ، ( @QUR@03 ولتستبين سبيل المجرمين ) فلا يبقى هناك عذر ~~لمعتذر من أي شبهة أو شك أو حالة غموض ، وهكذا تقوم الحجة على الناس ليهلك ~~من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة. # * * * PageV09P129 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع ~~أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) @QUR@022 قل إني على بينة من ~~ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير ~~الفاصلين (57) @QUR@014 قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني ~~وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) @QUR@031 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59) @QUR@022 وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم ~~إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) @QUR@017 وهو القاهر فوق عباده ~~ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ~~@QUR@011 ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع PageV09P130 # @QUR@01 الحاسبين (62) @QUR@017 قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ~~تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) @QUR@010 قل ~~الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) @QUR@027 قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) @QUR@09 وكذب به ~~قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) @QUR@05 لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ) (67) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بينة ): البينة : الدلالة الواضحة ، عقلية كانت أو حسية. وقد ~~سميت البينة بينة لأن الحق يبين بها عن الباطل فيتضح ، ويسهل ms2129 الوقوف عليه ~~من غير تعب. # ( @QUR@01 يقص ): القص : تتبع الأثر ، يقال : قصصت أثره ، والقصص : ~~الأثر ، ومنه قيل لما يبقى من الكلأ فيتتبع أثره قصيص ، والقصص : الأخبار ~~المتتبعة ، والقصاص : تتبع الدم بالقود (1). # ( @QUR@01 مفاتح ): جمع مفتح ، فالمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به ، ~~والمفتح بفتح الميم الخزانة ، وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح كما ~~في قوله : ( @QUR@04 إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة ) [القصص : 76] يعني خزائنه. # والمعنى على كلا الاحتمالين هو : استئثاره تعالى بعلم الغيب PageV09P131 # وانحصاره فيه ، لأن مفاتح الغيب أو خزائن الغيب لا يعلمها غيره. # ( @QUR@01 يتوفاكم ): ينيمكم ، لما في النوم من انقطاع يصرف النفس عن ~~البدن ، فيزول الحس والشعور والتمييز. والتوفي : أخذ الشيء بتمامه ، ~~ويستعمل في القرآن بمعنى أخذ الروح في حال الموت : ( @QUR@07 حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا ) [الأنعام : 61] وبمعنى الإنامة ، ولهذا فمن ~~الخطأ أن يقال : إن الوفاة والموت مترادفان. # ( @QUR@01 جرحتم ) الجرح : العمل بالجارحة ، والاجتراح : الاكتساب ، وهو ~~كما قيل : خاص باكتساب الإثم والذنوب. # ( @QUR@01 يفرطون ): لا يغفلون ، ولا يتوانون. # ( @QUR@01 ظلمات ): المراد من الظلمات هنا : الشدائد والأهوال عن ابن ~~عباس. قال الزجاج : العرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شدة يوم مظلم ، حتى ~~أنهم يقولون : يوم ذو كواكب ، أي : قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل ... وقال ~~غيره : أراد ظلمة الليل وظلمة الغيم وظلمة التيه والحيرة في البر والبحر ، ~~فجمع لفظه ليدل على معنى الجمع (1). # ( @QUR@02 تضرعا وخفية ): إعلانا وإسرارا ، والتضرع : إظهار الضراعة ، ~~وهي الذل والخضوع والاستكانة. والخفية : هي الخفاء والاستتار. # ( @QUR@01 كرب ): الكرب : الحزن يأخذ بالنفس. قال الراغب : وقد يوصف ~~الغم بأنه عقدة على القلب (2). # ( @QUR@01 يلبسكم ): يخلطكم ويضرب بعضكم ببعض جراء التحزبات النابعة من ~~أهواء وعداوات. يقال : لبست عليهم الأمر ألبسه : إذا لم أبينه وخلطت بعضه ~~ببعض ، واللبس : اختلاط الأمر واختلاط الكلام ، ولابست الأمر : PageV09P132 # خالطته (1). ويبدو أن اللبس : فيه معنى التعمية التي تسبب اختلاط الأمور ~~واضطراب الناس واختلافهم. # ( @QUR@01 شيعا ): قوى مختلفة الأهواء ، لا يجمعهم أمر واحد وقضية واحدة ~~وولاء واحد بل أمور متباينة ، وقضايا متضاربة وولاءات متعاكسة. # والتشيع : هو الاتباع على وجه التدين ، والولاء للمتبوع ، والشيعة صارت ms2130 ~~في العرف اسما لمتبعي أمير المؤمنين علي عليه السلام على سبيل الاعتقاد ~~لإمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل من الإمامية والزيدية ~~وغيرهم ، ولا يقع إطلاق هذه اللفظة على غيرهم من المتبعين سواء كان متبوعهم ~~محقا أو مبطلا إلا أن يسقط عنه لام التعريف ويضاف بلفظ من للتبعيض ، فيقال: ~~هؤلاء شيعة بني العباس أو شيعة بني فلان ، كذا جاء في مجمع البيان (2). ~~وقال صاحب المنار : لمادة شيع ثلاثة معان أصيلة في اللغة ، أحدها : ~~الانتشار والتفرق ، ومنه : شاع وأشاع الخبر. وثانيها : الاتباع والدعوة ~~إليه. وثالثها : التقوية والتهيج. # وكل هذه المعاني ظاهرة في الشيع والأحزاب المتفرقة بالخلافة. # ( @QUR@01 يبعث ): يرسل ويوجه ، وأصله من إثارة الشيء وتوجيهه. قال صاحب ~~الميزان : في لفظه شيء من الإقامة والإنهاض (3). # ( @QUR@01 بأس ): البأس : الشدة والمكروه ، ويطلق على الحرب. # ( @QUR@01 يفقهون ): الفقه كما قال الراغب هو التوصل إلى علم غائب بعلم ~~شاهد ، فهو أخص من العلم (4). PageV09P133 # ( @QUR@01 مستقر ): المستقر : مكان استقرار الشيء أو زمانه. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قال الكليني : نزلت في النضر بن الحارث ورؤساء قريش ، كانوا يقولون : يا ~~محمد ، ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم ، فنزلت هذه الآية : ( ~~@QUR@06 قل إني على بينة من ربي ) (1). # وهناك عدة ملاحظات في بعض المفردات الواردة في هذه الآيات. # * * * ### ||| ** إن الحكم إلا لله # 1 وردت كلمة «الحكم لله» في نطاق الرد على الكافرين الذين يستعجلون ~~العذاب لينزله الرسول عليهم بأسلوب التحدي ، فكان الجواب : إن الحكم في ~~القضايا الكونية مما ينزله من العذاب أو من الخير لله ، لأنه هو الذي يملك ~~الكون كله والإنسان كله فليس لأحد حتى الرسول أن يتصرف في أي شأن من شؤونه ~~إلا بإذن الله ، بما يمنحه من القدرة المحدودة هنا أو هناك ، أو بما يجريه ~~على يديه من كرامات ومعجزات تبعا لحاجة الرسالة إلى ذلك في رد التحدي أو ~~إثبات نبوة النبي. # وربما التقت هذه الكلمة بكلمة ( @QUR@02 بإذن الله ) [ال عمران : 49] ~~التي وردت في كلام عيسى المسيح عليه السلام في حديث عن قدرته على إحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ms2131 ، وقد ربط ذلك بإذن الله للإيحاء بأنه لا ~~يملك هذه القدرة في ذاته من خلال الإمكانات الطبيعية المودعة فيه ، بل إن ~~الله هو PageV09P134 # الذي يجري ذلك على يديه ليكون نفخه في الطين ، سببا للحياة في قبضة الطين ~~وليكون لمسه للميت سببا في عودته للحياة ، ومسه للأبرص وللأكمه وسيلة ~~للشفاء ... فالله هو الذي يخلق الطير ويحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ~~ولكنه يجري ذلك على يد عيسى فيجعل لحركته شيئا من حيوية الحياة والشفاء. # وربما تتحرك كلمة «إذن الله» لتوحي بأن الله يأذن للأشياء التي يستعملها ~~النبي في إظهار المعجزة لتنتهي بالمسألة إلى ما يريده الله ، ليبدو للناظر ~~كما لو كان النبي هو الذي يفعل ذلك. # ولا بد من الإشارة هنا إلى سوء استغلال الخوارج لفهمهم المغلوط لقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 إن الحكم إلا لله ) حيث اتخذوها ذريعة لاتهام أمير ~~المؤمنين عليه السلام بالانحراف عن خط الله بما يقترب أو يلامس التكفير من ~~خلال قبوله التحكيم في النزاع بينه وبين معاوية في واقعة صفين ، لأنه لا ~~يجوز تحكيم الرجال في دين الله لأن الحكم لله ، فهو وحده الذي يحكم لا الناس. # ولم ينتبهوا إلى أن نسبة الحكم لله على نحو الاختصاص يعني في مضمونه ~~الفكري أن الله هو وحده المشرع الذي يشرع الأحكام ويقنن القوانين وليس ~~لغيره الحق في ذلك كله. # أما مسألة التحكيم بين الناس في ما اختلفوا فيه من خلال اكتشاف الأمور ~~المتنازع عليها لمعرفة الحق من الباطل في هذا أو ذاك ، وإيكال الأمر ~~للحكمين ليحكما في هذا الموضوع أو ذاك حسب رؤيتهما للواقع وفهمهما له ، فلا ~~علاقة لها بتحكيم الرجال في دين الله ، لأنهما ليسا حكمين في حكم الله بل ~~في موضوع الحكم. # وإذا كان هناك نقد منهم لشخصية الحكمين ، وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن ~~العاص ، فإن الإمام عليا عليه السلام كان أول المعترضين عليهما ، PageV09P135 # وقيل : إنه كان قد أراد أن يقيم عبد الله بن عباس القوي الحجة من قبله ، ~~ولكن الضغوط القاسية التي ضغطت عليه جعلت الأمر يدور بين ms2132 القبول بذلك ، أو ~~الفتنة التي قد تأكل الأخضر واليابس وتدمر كل الواقع الذي يعيش حول أمير ~~المؤمنين عليه السلام مما قد تكون المصلحة الأهم في الأمر هو القبول تفاديا ~~للفتنة الكبرى. # قال الإمام علي عليه السلام في التعليق على قضية التحكيم : إنا لم نحكم ~~الرجال ، وإنما حكمنا القرآن. هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين ، ~~لا ينطق بلسان ، ولا بد له من ترجمان ، وإنما ينطق عنه الرجال. ولما دعانا ~~القوم إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله سبحانه ~~وتعالى ، وقد قال الله سبحانه : ( @QUR@08 فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول ) [النساء : 59] فرده إلى الله أن نحكم بكتابه ، ورده إلى ~~الرسول أن نأخذ بسنته ، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به ، ~~وإن حكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنحن أحق الناس به وأولاهم بها. # وأما قولكم : لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم؟ فإنما فعلت ذلك ~~ليتبين الجاهل ، ويتثبت العالم ، ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه ~~الأمة ولا تؤخذ بأكظامها (1) فتعجل عن تبين الحق ، وتنقاد لأول الغي (2). # وقد ناقش الفكرة في مجال آخر على أساس مستوى الشعار في حركة المضمون الحق ~~في اتجاه الباطل ، قال عليه السلام في الخوارج لما سمع قولهم : «لا حكم إلا ~~الله» كلمة حق يراد بها باطل. نعم إنه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون ~~: لا إمرة إلا لله ، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل PageV09P136 # في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع ~~به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، ~~حتى يستريح بر ، ويستراح من فاجر. # وفي رواية أخرى أنه عليه السلام لما سمع تحكيمهم قال : حكم الله أنتظر فيكم. # وقال : أما الإمرة البرة فيعمل فيها التقي ، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع ~~فيها الشقي ، إلى أن تنقطع مدته ، وتدركه منيته» (1). # وهكذا نرى أنه يتحدث عن الشعار الصحيح الذي ms2133 تلتقي فيه النظرية بالتطبيق ، ~~فالله وحده هو الحاكم الذي يرجع الجميع إليه في تشريعه ، فلا حكم لغيره ولا ~~حاكم غيره ، ولكن مسألة الإمرة التي تمثل القوة التنفيذية لإدارة شؤون ~~الحياة والناس ، هي مسألة لا بد من أن تتصل بالإنسان في حركة الإدارة ~~والإمرة في حياة الناس من خلاله ، بما يملكه من وعي الواقع واستقامة السلوك ~~والخبرة في إدارة الأمور. # ولكن يبقى العنوان الكبير «كلمة حق يراد بها باطل» يفرض نفسه على واقع كل ~~الذين يحركون الشعارات الدينية والسياسية ليجتذبوا الناس إلى ما يريدون ~~تحقيقه من أغراض سيئة بهدف الإثارة الشعبية غير المسؤولة ، كما نلاحظه في ~~كل زمان ومكان في حركة الصراع بين الحق والباطل ، حيث نرى أهل الباطل ~~يستخدمون كلمات الحق التي يتجمع الناس حولها وينفتحون عليها من أجل الوصول ~~بهم إلى ما يريدونه من الغايات الشريرة التي تقف في نهاية الطريق من حيث لا ~~يشعرون ولا يعلمون. # * * * PageV09P137 ### ||| ** الله عالم بالكليات والجزئيات # 2 قال ( @QUR@03 وعنده مفاتح الغيب ) إلخ ... إن هذه الآية تصور الله ~~عالم الغيب في كل خزائنه بما تحتويه من أسرار الغيب الإلهي الذي لا يملكه ~~إلا هو ، وفي كل مفاتيحه التي تفتح كل المفردات الغيبية على نحو الكناية ، ~~لأن من ملك مفتاح الشيء ملك الشيء من خلال قدرته على الدخول إليه ~~والاستفادة مما فيه. # فلا علم للغيب إلا من خلاله ، لأنه وحده الذي يملك مفاتحه وخزائنه ، فلا ~~يجوز وصف أحد غيره بذلك إلا بما يرزقه الله من بعض مفردات علمه على سبيل ~~التعليم لا على سبيل إعطاء القدرة بحيث يتحول الموضوع إلى طبيعة فيه. # وهو الذي ( @QUR@05 ويعلم ما في البر والبحر ) من الكائنات الحية ~~والجامدة ، والذرات الكبيرة والصغيرة ، وقطرات الحياة في أوزانها الخفيفة ~~والثقيلة ، والمعادن المتنوعة المتناثرة في السطح وفي أعماق في الأرض ~~والبحار ، ( @QUR@06 وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) فهو الذي أعطى الأغصان ~~أوراقها ، وهو الذي وضع القوانين التي تسقطها على الأرض وتذروها في الهواء ~~، وهو الذي يحصي عددها عند ما توجد وعند ما تسقط ، ( @QUR@013 ولا حبة ms2134 في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) وهكذا تتناثر الحبوب ~~الصغيرة في كل المزروعات الممتلئة بالحب ليحيط بها علمه ، وهي تخضر في ~~سنابلها ، ثم وهي تذوي وتتساقط في حالة يبسها في حالة الحصاد وغيرها ، حتى ~~أنه يعلم الحبة التي تحملها النملة إلى حجرها في أعماق الأرض. # وهكذا يتسع علمه للإنسان بكل خلاياه في نموها وتجددها ، وبكل ما يشتمل ~~عليه الجسم من عوالم وحركات ونظم وسنن وقوانين وأوضاع ، وبكل الفكر ~~الإنساني الذي يتحرك به العقل والإحساس والفطرة ، وبكل الغرائز PageV09P138 # الحيوانية التي تحرك الحيوان إنسانا أو غير إنسان إلى النتائج المنفتحة ~~على شروط وجوده واستمراره. # هو العالم علما حضوريا في تفاصيل كل الأشياء الموجودة في الكون من أصغر ~~ذرة إلى أكبر الأشياء ، وفي حركة الرياح بما تحمله من البذور التي توزعها ~~في الأرض هنا وهناك ، وتنثرها في أعماق الأرض وسطوحها حتى تكون بمثابة ~~الاحتياطي لكل عشب جديد وورود جديدة وخضرة جديدة. # إنها الآية التي تتحدث عن علم الله بالكليات والجزئيات معا ، وعن رقابته ~~من خلال علمه المطلق ، على كل شيء في الإنسان في حركته الخفية والمعلنة في ~~السر والعلن ليشعر الإنسان بالحاجة إلى الانضباط العملي أمام ربه الذي يعلم ~~كل شيء ويحيط بكل شيء ، وعن حاجة الإنسان إلى الابتهال إليه في كل حاجاته ~~وفي كل مخاوفه في الليل والنهار والحاضر والمستقبل ، لأنه العالم بذلك كله ~~وهو وحده القادر على أن يحقق له ما يشاء منها وأن يحميه مما يخافه منها. ~~وهكذا تكون للآيات عدة جوانب إيحائية في حركة الإنسان الفكرية والعملية. ~~أما كلمة ( @QUR@03 في كتاب مبين ) فالظاهر أن المقصود بها التعبير عن علم ~~الله الواسع الذي لا حد له بكل الموجودات. # وربما احتمل البعض أن المراد به عالم الخلق وسلسلة العلل والمعلولات التي ~~كتب فيها كل شيء. # * * * ### ||| ** بين الحفظة والموت # 3 في آية : ( @QUR@013 ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون ) ما المراد من الحفظة؟ هل هم الحفظة على الأعمال ~~الذين أشار الله ms2135 إليهم في قوله تعالى : ( @QUR@08 وإن عليكم لحافظين* كراما ~~كاتبين* يعلمون ما تفعلون ) PageV09P139 # [الانفطار : 10 12] ، أو هم الحفظة الذين أوكل إليهم أمر حماية الإنسان ~~من الأخطار والآفات والمصائب التي تهدد حياته أو تسبب له الأمراض والبلايا ~~، فهؤلاء هم الذين يحفظونه من ذلك كله بأمر الله ، بطريقة خفية أو بوسائل ~~غيبية؟ ربما كان الوجه الثاني أقرب إلى السياق من خلال قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) فإن الظاهر أن الحفظ يستمر ~~من قبل هؤلاء إلى المدى الذي يبلغ فيه الإنسان أجله ، فإذا جاء أجله كانت ~~مهمة رسل الموت أن تتوفاه وتقبض روحه ، والله العالم. # أما نسبة الوفاة إلى الرسل فهي كنسبتها إلى ملك الموت كما جاء في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) [السجدة : 11] وذلك ~~من حيث الجانب الآلي للوفاة ، لأنهم هم الذين يتولون التنفيذ العملي للمهمة ~~بوسائلهم الخاصة التي أعطاهم الله إياها ، ولكن العمق في مسألة الوفاة يتصل ~~بالله سبحانه ، فهو وحده القادر على ذلك والمقدر له كما جاء في قوله تعالى ~~: ( @QUR@010 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) [الزمر : 42]. # أما قوله تعالى : ( @QUR@03 وهم لا يفرطون ) فالمقصود أنهم لا يتساهلون ~~في تنفيذ المهمة الموكلة إليهم لأنهم ( @QUR@03 ويفعلون ما يؤمرون ) ومن ~~الممكن أن يكون هؤلاء أعوان ملك الموت الذي وكل بقبض الأرواح مما تلتقي ~~النسبة إليه بالنسبة إليهم. # * * * ### ||| ** الله هو الحق # 4 ( @QUR@06 ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) إن التعبير بالحق كصفة من ~~صفات الله كان من جهة أن الكلمة تمثل الثبوت ، والله وحده هو الذي يملك في ~~ذاته وصفاته الثبوت كله ، فلا مجال لعروض الزوال عليه في ذلك كله ، PageV09P140 # ولا لطروء التغير والانتقال في وجوده ، بينما لا يملك أي مخلوق هذه ~~الخصوصية. # * * * ### ||| ** استغراق الإنسان في كفر نعم الله # 5 إن قوله تعالى : ( @QUR@017 قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه ، لنكونن من الشاكرين ) يشير إلى الحالات ~~الصعبة أو شبه اليائسة التي يعيش الإنسان فيها الإحساس بالخطر ms2136 الداهم أو ~~المحقق عند ما يواجه الشدائد والأهوال في حياته في البر والبحر ، فلا يجد ~~أمامه أحدا من الناس الذين اعتاد الاستعانة بهم ، ولا يملك وسيلة معينة ~~يعتمد عليها ، فيلجأ إلى الله بفطرته النقية الصافية التي تفرض نفسها عليه ~~بشكل عفوي بكل آماله وتمنياته وثقته ، ويطلب إليه أن ينجيه من هذه المشكلة ~~أو البلية في وعد أكيد أنه سينتقل من حالة الكفر العملي بالنعمة ، إلى ~~الشكر له فيها ، المتمثل بالعودة إلى خط الإيمان والعمل الصالح في حالة من ~~التضرع الذي يوحي بالتعبير عن الحاجة والمسكنة النفسية في أسلوب علني يرتفع ~~بالشكوى والصراخ ، أو في أسلوب خفي يهمس به القلب واللسان .. وينجيه الله ~~من ذلك كله ، فيخرج من البلاء معافى ومن الخطر سالما ، ويبتعد عن كل الهم ~~والغم والحزن الذي كان يعيشه في حياته ، فينقلب من مشكلته مسرورا ، وينسى ~~مشكلته في غمار هذه النتائج الإيجابية الطيبة. # وينسى ربه ، ويستغرق من جديد في الناس الذين اتخذهم شركاء من دون الله ، ~~ويعود إلى الكفر بنعمة الله ، ويخرج من تلك الصحوة الإيمانية التي انفتح ~~فيها على الله وآمن فيها بوجوده وتوحيده من خلال هذه الهزة العنيفة لحياته ~~، ليعود إلى الغفلة المطبقة والنوم العميق. # ولعل هذا الحديث عن إجابة الله للدعاء في إنجائهم من البلاء الذي PageV09P141 # حل بهم ، يوحي للإنسان بالإجابة الإلهية الحاسمة لكل من دعاه إذا أخلص في ~~دعائه وإن ابتعد بعد ذلك عن أجواء الدعاء. # * * * ### ||| ** على الإنسان أن يحذر عذاب الله # 6 في آية : ( @QUR@014 قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو ~~من تحت أرجلكم ) إشارة إلى أن عليهم الحذر من العذاب الذي يمكن أن يبعثه ~~الله عليهم عقوبة على كفرهم وعصيانهم وتمردهم ، لأنهم يستحقونه ، فهو ~~القادر على ذلك بكل الوسائل وفي جميع الاتجاهات ، فقد يأتيهم العذاب من ~~فوقهم ، كما في الرياح العاصفة والأمطار الشديدة والصواعق المحرقة ، ومن ~~تحت أرجلهم ، كالزلازل والبراكين والفيضانات ، والانشقاقات الأرضية ونحو ~~ذلك ، كما قد يتمثل ذلك في ممارسات المستكبرين ضد المستضعفين وفي ابتعاد ~~الناس عن ms2137 مسئولياتهم في حماية نظام الناس ، مما قد يؤدي إلى الإضرار بهم ، ~~وفي وسائل الحرب المدمرة التي تحرق البلاد والعباد التي تقصفهم من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم. # * * * ### ||| ** التمزق شيعا بلاء إلهي # 7 قوله : ( @QUR@03 أو يلبسكم شيعا ) إشارة إلى التمزقات الاجتماعية التي ~~يتحول فيها المجتمع إلى فرق متناثرة لا يجمع بينها شيء من خلال اختلاف ~~الكلمة ، وتوزع الآراء ، وتشتت المواقف ، مما يؤدي إلى دمار اجتماعي ~~وأخلاقي واقتصادي لا يقل خطورة عن الدمار المادي الذي يمثله العذاب المادي ~~المذكور في الآية. # ولعل من الطبيعي في وعي هذه المسألة أن يكون البلاء الإلهي PageV09P142 # في ذلك ناشئا من الواقع الذي يعيشونه في الاختلاف الناشئ من حالة البغي ~~فيما بينهم ، والفساد الكامن في داخل نفوسهم وأوضاعهم ، وتغليب المصالح ~~الشخصية على المصالح العامة. # وإذا كان الحديث في هذه الآية عن المشركين ، فإنها قد تمتد إلى المسلمين ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، فتحزبوا للباطل في مذاهبهم وفي اتجاهاتهم ~~، وفي أوضاعهم العامة والخاصة ، مما أدى إلى تمزيق الوحدة الإسلامية ~~والاستعانة بالكافرين على المسلمين. # * * * ### ||| ** الرسول يدعو إلى الله وينبذ أهواء المشركين # وهذه صورة رائعة من صور الرسول الداعية في مواجهته للمشركين ، في ما يريد ~~أن يثيره لديهم من قضايا العقيدة ، في انطلاقة التوحيد أمام الشرك ، من ~~خلال التصور الرحب لما هو الله ، في الفكر والقلب والضمير ، حيث يفرغ كل ~~شيء غير الله من أي معنى يتصل بالألوهية ، أو يقترب منها ، أو يلامسها ، ~~ولو من بعيد ، لأن الأشياء لا تملك في عمق وجودها أي لون من ألوان ~~الاستقلال الذاتي ، فكيف تملك إعطاء الوجود لغيرها؟! # وهكذا يتجلى الرسول في إشراقة الموقف الحق ، فنراه وهو يرفض كل دعواتهم ~~للشرك ، ويجابه كل تحدياتهم واقتراحاتهم التعجيزية ، ولكن لا من ناحية تدعي ~~لنفسها الاحاطة في نطاق المعرفة بل من ناحية الشخصية المتحركة في خط ~~العبودية لخالقها ، العالم بكل شيء المدبر لأمور عباده ، فيأمرهم بما يرى ~~أنه الصلاح ، وينهاهم عما يرى أنه الفساد. # وبذلك يقف الرسول العبد لله ، في موقف الخاضع لنواهيه ، ليقول لهم : ( ~~@QUR@010 قل إني نهيت ms2138 أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) فقد آمنت بالله ~~على قاعدة PageV09P143 # الفطرة ، التي أثبتت أن لا إله غيره .. وها أنا ذا أحس إحساس العبد ~~الخاشع أمام ربه بأن العبودية هي لله وحده ، فلا مجال لعبادة أو طاعة غيره ~~، في ما نهاني عنه ممن تدعون من دونه من غير قاعدة أو برهان .. فإنكم لم ~~تنطلقوا في دعوتكم لغيره إلا من أهوائكم المنطلقة من الشهوات ، فكيف يختار ~~العاقل الواعي لنفسه أن يتبع الهوى ، ويترك الحجة والدليل والفطرة ~~والوجدان؟ ( @QUR@04 قل لا أتبع أهواءكم ) فإن ذلك يؤدي إلى الضلال والضياع ~~بعيدا عن خط الهدى ، ( @QUR@07 قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ) وهذا ما ~~لا يمكن أن أختاره لنفسي ، مهما اشتدت الضغوط ، وكثرت التحديات. # ( @QUR@06 قل إني على بينة من ربي ) فليس لدي أي شك أو ريب ، لأن الحقيقة ~~تفرض نفسها في فكري وقلبي وشعوري ، كما تشرق الشمس في الفضاء في رأد الضحى ~~.. فكيف يترك الإنسان وهج الحقيقة ، إلى ظلام الباطل؟ # ( @QUR@02 وكذبتم به ) من دون برهان ، ولذلك لم تستطيعوا إثارة أية فكرة ~~علمية مضادة ، ولم تستطيعوا مناقشة أي دليل للإيمان ، بل كل ما فعلتموه هو ~~إطلاق كلمة التحدي ، بأنه إذا كان هذا هو الحق من عندك فأرسل لنا العذاب ، ~~وأمطر علينا الحجارة من السماء ، وهذا هو شأن الضعفاء المهزومين الذين لا ~~يملكون قوة المواجهة الفكرية ، الحجة بالحجة ، والوجدان بالوجدان ، وهم ~~يعلمون أن قضايا العذاب ليست بيد الرسل والأنبياء ، وليس هذا هو دورهم ، ~~فلم يمنحهم الله سبحانه إمكانات التصرف في الكون بالطريقة التي تحلو لهم ، ~~أو تطلب منهم ، بل كل ما هناك أن الله كلفهم إبلاغ رسالته ، وإقامة الحجة ~~على الناس ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيي عن بينة .. وهذا هو كل ~~شيء .. أما إنزال العذاب فهو شأنه ، فإذا شاء أن يعذب فله ذلك ، وإذا شاء ~~أن يعفو فله ذلك ، لأن الحكم له في جميع الأمور ، ما دامت الحياة ملكه .. ~~وما دامت الخلائق طوع إرادته .. ( @QUR@05 ما عندي ما تستعجلون به ) من ~~العذاب ( @QUR@04 إن الحكم ms2139 إلا لله ) في PageV09P144 # كل الأشياء .. فهو الذي يحدد مواقع الرحمة والنقمة ، ( @QUR@02 يقص الحق ~~) ليبينه للناس فتقوم الحجة عليهم من خلاله ، ( @QUR@03 وهو خير الفاصلين ) ~~في ما يفصل به بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والكفر والإيمان. # * * * ### ||| ** المشركون يتحدون الرسول باستعجال العذاب # ( @QUR@014 قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله ~~أعلم بالظالمين ) إن الكافرين والمشركين يستعجلون العذاب الذي وعدهم الله ~~به تحديا للرسول ، ظنا منهم أنه لا يستطيع إليه سبيلا ، ليظهروا عجزه أمام ~~الناس ، وليثيروا أساليب السخرية ضده .. فكيف واجه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هذا المنطق؟ لقد وقف وقفة الرسول الذي يعرف قدراته ~~جيدا ، فإن الله لم يسلطه على مقدرات الكون ، فيأمرها بإنزال العذاب على ~~هؤلاء أو أولئك ، لأن دوره الأول والأخير هو إبلاغ الرسالة ، ثم لما ذا ~~يستعجلون ذلك ..؟ وما ذا يتخيلون أن يحدث إذا كان الأمر بيده؟ فما ذا يبقى ~~هناك؟ إن الأمر سينتهي إلى الدمار ، وسينتهي الأمر إلى النتيجة الحاسمة ~~فيما بينه وبينهم ، جزاء لظلمهم ، فإن الله أعلم بالظالمين ، الذين يظلمون ~~أنفسهم بالمعصية والانحراف والتمرد عليه. # ثم ، ما هي تصوراتهم عن الله؟ هل يفكرون فيه كما يفكرون ببعضهم البعض ~~كطاقات محدودة مغلوبة في العلم والقدرة ، ليبيحوا لأنفسهم أسلوب اللامبالاة ~~والابتعاد عن خط المسؤولية في الإيمان به والانسجام مع رسالته ورسوله؟ وكيف ~~يسيرون مع هذا اللون من التفكير الذي ينطلق من ضيق الأفق ، وقلة التأمل ~~وسطحية النظرة إلى الأمور؟ # وتتحرك آيات الله لتقدم الملامح الحقيقية للصورة المشرقة عن ذاته PageV09P145 # تعالى حيث يعيش الإنسان الشعور برعاية الله له من خلال الشعور بإحاطة ~~علمه بكل الأشياء دون استثناء حتى الصغير الصغير من الأشياء ، والخفي الخفي ~~من القضايا .. وفي مساحات الزمن كله ، في الماضي والحاضر والمستقبل .. فهي ~~في علمه سواء ، لأن الموجودات كلها حاضرة لديه من خلال خلقه لها وتدبيره ~~لكل أوضاعها الجزئية والكلية. # * * * ### ||| ** الله وحده يعلم الغيب # وتبدأ الآية بالحديث عن الغيب ، غيب الزمن ، وغيب الضمائر ، وغيب الأشياء ~~الخفية ، فهو الذي يملك مفاتحه ، ولا يملك غيره من ms2140 ذلك شيئا ، إلا من خلال ~~ما يطلع عباده عليه. ( @QUR@07 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) فليس ~~لأحد أن يدعي علم ذلك لأحد بطريقة ذاتية إلا من خلال وسائله المألوفة وغير ~~المألوفة التي يتيحها له ، ( @QUR@05 ويعلم ما في البر والبحر ) من كل ~~الموجودات الحية وغير الحية ، ومن خلال ذلك يدبر لها حركة وجودها بشكل ~~مباشر وغير مباشر ، فهي خاضعة له مستسلمة لإرادته ، ( @QUR@06 وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ) لأنها لا تسقط إلا بإذنه وبإرادته المتحركة في نطاق ~~القوانين الحتمية التي تحكم الكون كله ، ( @QUR@013 ولا حبة في ظلمات الأرض ~~ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) عنده ، في ما أحصاه في علمه ، وسجله ~~في اللوح المحفوظ. # تلك هي الصورة التي يعيش الإنسان معها هذا الامتداد الشامل المطلق في علم ~~الله وإحاطته بالمخلوقات ، فيحس بالأمن والطمأنينة والثقة بالله الذي يحيط ~~بكل شيء ، وبذلك يمكن أن يحفظه من كل شيء ، لأن علم الله ليس علما يكشف ~~الصورة ويوضحها ، بل هو العلم الذي يعطي الأشياء صورتها ، ويحقق لها وجودها ~~ويرعى لها حركتها ، ويهيمن على كل أوضاعها ، إنه علم PageV09P146 # الخالق القادر ، وذلك هو ما يضمن إحساس الإنسان بالأمان المطلق معه. # * * * ### ||| ** الله مدبر حياة الإنسان # وتتحرك الآية الثانية لتثير الإحساس بالتدبير اليومي الذي يدبر به حياة ~~الإنسان بين موت تنبض في داخله الحياة ، فلا يلغي للإنسان حياته ، ولا ~~يحمله أثقالها المجهدة ، فهي حياة يحس معها بطعم الموت في ما يحققه من راحة ~~السكون والغيبوبة عن الوعي ، وذلك هو ما يمثله النوم الذي يطبق على كيان ~~الإنسان في الليل ، وبين بعث تمثله اليقظة من عودة للحياة المتحركة التي ~~تضج بالنشاط ، وتحفل بالحركة ، وتنوء بالجهد ، حتى إذا بدأ نهاره ، انطلقت ~~رقابة الله عليه ، لتوحي له بأنها تحصي عليه كل أعماله التي يكتسبها ~~ويجترحها في سائر الأمور. وهكذا تمتد هذه الدورة الزمنية المتأرجحة بين ~~الموت النابض بالحياة ، وبين الحياة المنطلقة في خط المسؤولية إلى أن ينتهي ~~الأجل المسمى للإنسان ، فيترك هذه الحياة بالموت الكامل الذي يلغي في الجسم ms2141 ~~كل نبضة للحياة ، ثم يأتي دور البعث الكبير الذي يعيش فيه اليقظة التي لا ~~تتحرك فيها قضية المسؤولية كعمل ، بل تنطلق فيها كنتاج لما أسلف من عمل. ~~فهو الموقف الذي يواجه فيه نتائج المسؤولية ، لينتهي إلى مصيره الأخير في ~~الجنة ، أو في النار ( @QUR@014 وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ) وهو العمر الذي حدده الله للإنسان ~~في الحياة ، ( @QUR@08 ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) ~~لتواجهوا مصيركم من خلال ذلك. # * * * # ( @QUR@04 هو القاهر فوق عباده ) # ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) لما تحمله السيطرة المطلقة والقدرة ~~الشاملة PageV09P147 # من هيمنة قوية لا يملك الناس معها أية إرادة أمام إرادته ، فهم مقهورون ~~بفعل امتداد وجودهم منه وحاجتهم إليه ، فمنه يستمدون القوة ، لأنهم منه ~~يستمدون حركة الحياة ، وبهذا تفرض الفوقية معناها الضاغط المسيطر ، في ما ~~يعطيه القهر من معنى انسحاق المقهور أمام إرادة القاهر. # ( @QUR@03 ويرسل عليكم حفظة ) يحفظونكم من كل أسباب الموت ، أو يحفظون ~~أعمالكم في الكتاب الذي يقدمونه غدا بين يدي الله .. وتستمر عملية الحفظ ما ~~استمرت الحياة بالناس ، ( @QUR@05 حتى إذا جاء أحدكم الموت ) وانتهى أجله ~~المحدد له ( @QUR@02 توفته رسلنا ) الذين أوكل الله إليهم القيام بهذا ~~الدور ، ( @QUR@03 وهم لا يفرطون ) في مسئوليتهم وفي دورهم الذي أراده الله ~~لهم في أمور الموت والحياة. ولا يملك الإنسان شيئا أمام ذلك ، فهو مسير في ~~أصل وجوده فلا اختيار له في عملية الخلق ، وهو مسير في انتهاء وجوده ، فلا ~~اختيار له في عملية الموت ، وهو محكوم بعمله فلا بد له من أن يقدم العمل ~~الذي يرضي الله في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@06 ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) فهناك يرجع الناس إلى ربهم ~~ليعودوا إليه كما بدأهم أول مرة ، ليواجهوا حكمه المبرم ، فهو الحاكم في ~~يوم القيامة ، ولا حاكم غيره ، لأنه هو المالك ليوم الدين وللناس أجمعين ، ~~( @QUR@03 ألا له الحكم ) وهو أسرع الحسبين فلا يحتاج إلى وقت للحساب ، لأن ~~الأرقام كلها حاضرة عنده ، مجموعة لديه ، ولا بد للإنسان من أن يتوقف عند ~~كلمة ms2142 ( @QUR@03 ألا له الحكم ) ليختزن في وعيه دائما معنى حاكمية الله في ~~الوجود ، فيستوعب الفكرة كقاعدة للتصور الإسلامي في الانطلاق من أمر الله ~~ونهيه في شرعية الأفعال والكلمات والمواقف والانتماءات ، لأن الحكم حكمه ، ~~والشرعية شرعيته ، وفي التوجه إليه في حكاية الثواب والعقاب ، لأن المصير ~~إليه والأمر بيده ، فلا حاكم سواه في يوم الجزاء. # * * * PageV09P148 ### ||| ** الله هو المنجي من ظلمات البر والبحر # ( @QUR@07 قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ) تطرح هذه الفقرة علامة ~~استفهام حول حقيقة بديهية على قلب الإنسان وعقله ، ليستوعبها ويعيها ~~ويحركها في وعيه لئلا تغيب عنه لحظة واحدة ، في ضباب الغفلة ، وجلبة ~~الشهوات والمطامع ، ليعيش دائما مع الله كملجأ وحيد ، عند ما تدهم الإنسان ~~ظلمات البر ، فتسيطر على مشاعره فترتجف نفسه ، وتهتز ، وتتساقط تحت تأثير ~~أشباح الظلام التي تتراكض في وعيه ، فتوحي إليه ، بكل ألوان الخوف والفزع ~~والحيرة من خيالات الجن والشياطين والحيوانات المفترسة والناس القتلة ، ~~وغير ذلك مما يجعل الإنسان يفقد توازنه في التعامل مع الأشياء من حوله ، ~~وربما يفقد عقله معه .. وهكذا عند ما يعيش ظلمات البحر ، في نطاق ظلمة ~~الليل ، وظلمة الأمواج ، وظلمة الخيالات السوداء والأشباح المخيفة التي ~~تتراكض في إحساسه ووعيه ، فتفقده الأمن والطمأنينة ، وتقوده إلى الحيرة ~~والاهتزاز ، فإنه لا يجد في ذلك كله إلا الله الواحد ، ملجأ الخائفين وعصمة ~~المعتصمين ، وغياث المستغيثين ، يتعلق به قلبه ، في إشراقة فطرية هادئة ~~توحي له بالثقة وتبعث في داخله الشعور بالحياة الممتدة الواسعة ، في خطوات ~~الحقيقة العميقة التي تفرض نفسها على الموقف ، فتطرد أمامها كل الخيالات ~~والأشباح. # وتبدأ الابتهالات والتطلعات في خشوع الخوف ، وخضوع العبادة ( @QUR@010 ~~تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ) وهكذا ينطلق ~~الإنسان في ابتهالاته ليعطي الله عهدا على نفسه بالالتزام بخط الشكر الذي ~~يعني خط الطاعة المطلقة في كل أوامره ونواهيه ، وذلك في إحساس خفي بأن الله ~~يحقق للشاكرين رغباتهم وأحلامهم كجزاء على شكرهم. # ويأتي الجواب الإلهي تجسيدا للحقيقة في أسلوب إيحائي يؤكد PageV09P149 # للإنسان معناها وجها لوجه ( @QUR@04 قل الله ينجيكم منها ) فاستعرضوا ~~تاريخكم ms2143 في ما مضى من عمركم ، وفي ما عاشه الآخرون من رفاقكم ، في غمار تلك ~~الظلمات .. ولن يقتصر الأمر عليها ، فهناك أكثر من مشكلة تمر بكم ، وأكثر ~~من مصيبة تحل بكم ، فينجيكم منها ، ( @QUR@03 ومن كل كرب ) مما يغم القلب ، ~~ويكرب النفس ، فيفرج عنكم الغم ويكشف الكرب ، ولكنكم لا تلتزمون بعهدكم ~~أمامه ، فسرعان ما تعاودون الكرة فتشركون به غيره في العقيدة تارة ، وفي ~~العبادة أخرى ( @QUR@03 ثم أنتم تشركون ). ولكن هل فكرتم جيدا في موقع ~~الله في حياتكم؟ فإن القادر على أن ينجيكم من ظلمات البر والبحر ومن كل كرب ~~، قادر على أن يقلب حياتكم رأسا على عقب ، ويدمر كل وجودكم ، فكيف تأمنون ~~مكر الله وعذابه ، في ما تستمرون به من شرك وعصيان. # * * * ### ||| ** أسلوب القرآن في فتح قلوب المشركين على الحقيقة # ( @QUR@014 قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم ) فكيف تتفادون ذلك كله إن عصيتم وتمردتم؟ ولعل الإيحاء بإحاطة ~~العذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم حيث يتساقط عليهم من السماء ، أو يطلع ~~إليهم من أعماق الأرض ، يثير الشعور بالفزع والرعب والهول ، لأن الإنسان لا ~~يملك الوسيلة الذاتية التي تحقق له السيطرة عليه ، أو الهروب منه ، بينما ~~يملك دفع العذاب إذا جاء من طريق اليمين والشمال .. ( @QUR@07 أو يلبسكم ~~شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) في ما يمثله ذلك من عذاب يومي ، نفسي وعملي ، ~~متحرك يأخذ على الإنسان كل حياته ليجعلها في قبضة التمزيق ، من خلال ما ~~يثيره تفرق المجتمع إلى شيع وأحزاب من نوازع العصبية البغيضة ، والحقد ~~العميق ، مما يؤدي إلى التقاتل والتدافع ، ويدفع إلى المزيد من الآلام ~~والخسائر ومظاهر الخراب والدمار ، خاصة إذا ما جاء ذلك من الأيدي PageV09P150 # القريبة التي كانت تتصافح بروح الصداقة ، فإذا بها تتقاتل بروح العداوة ~~.. وتلك هي قصة الواقع الإنساني الذي يمثل لونا من ألوان العذاب الذي ينزله ~~الله على الناس في الدنيا بشكل مباشر أو غير مباشر .. فالبعض منه يتنزل على ~~أساس العقوبة على التمرد والعصيان ، وفي البعض الآخر ، يحدث كنتيجة طبيعية ms2144 ~~لبعض أنماط السلوك الإنساني المنحرف في ما ينتجه هذا العمل السيئ أو ذاك. # تلتقي إثارة ذلك كله أمام الناس ، ولا سيما المكذبين منهم ، بالهدف ~~القرآني الذي يريد أن يفتح قلب الإنسان على الحقيقة من أجل أن يفقه ويتأمل ~~ويواجه المعرفة الإيمانية بجدية ومسئولية : ( @QUR@06 انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون ). # ولكن هؤلاء القوم الذين أنزل عليهم القرآن ، لم يستجيبوا لهذه الدعوة ~~المنفتحة .. فقد كذبوا بالقرآن ، وهو الحق الذي لا شك فيه ، أما دور الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم فإنه ينتهي عند حد الإبلاغ والإنذار ، من خلال صفته ~~الرسولية .. ( @QUR@09 وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ) فليست ~~له أية مسئولية مباشرة للضغط عليهم ، فليفعلوا ما يشاءون .. فإنهم يتحملون ~~مسئولية أنفسهم ، فسيواجهونها في المستقبل عند ما تتحرك الإرادة الإلهية ~~لتصل بالأشياء إلى نهاياتها ويلتقي الناس بنتائج أعمالهم على قاعدة العقاب ~~والثواب ، وبذلك تنفتح لهم آفاق المعرفة ، في ما يحبون ، وفي ما لا يحبون ، ~~( @QUR@03 لكل نبإ مستقر ) ولا بد من أن يبلغ قاعدته ( @QUR@02 وسوف تعلمون ). # ويثير هذا الغموض في النفس الإنسانية الكثير الكثير من حالات التهويل في ~~ما يمكن أن يصادفه مما لا يعرف الإنسان طبيعته ولا مداه. # * * * PageV09P151 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) ~~@QUR@012 وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) ~~@QUR@045 وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به ~~أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا ~~يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون (70) @QUR@039 قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ~~ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ~~له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين (71) @QUR@08 وأن أقيموا الصلاة ms2145 واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) ~~@QUR@04 وهو الذي خلق السماوات PageV09P152 # @QUR@020 والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ ~~في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ) (73) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يخوضون ): يسترسلون في حديث الباطل ويلعبون ، ويعبثون من خلال ~~التجريح والسخرية وإثارة الشبهات الباطلة المشوشة بأساليب صريحة أو ملتوية. ~~قال الراغب : الخوض : هو الشروع في الماء والمرور فيه ، ويستعار في الأمور ~~، وأكثر ما ورد في القرآن ورد في ما يذم الشروع فيه (1) ويستعار الخوض ~~للدخول في الباطل والاندفاع في الحديث. # ( @QUR@02 فأعرض عنهم ): انصرف عنهم ، ولا تجالسهم. # ( @QUR@01 الذكرى ): كثرة الذكر ، وهو أبلغ من الذكر. # ( @QUR@02 أن تبسل ): البسل : ضم الشيء ومنعه. ولتضمنه لمعنى الضم ~~أستعير لتقطيب الوجه ، قيل : هو باسل ومستبسل الوجه ، ولتضمنه لمعنى المنع ~~قيل للمحرم والمرتهن : بسل ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت ) أي : تحرم الثواب. والفرق بين الحرام والبسل : أن الحرام عام في ~~ما كان ممنوعا منه بالحكم والقهر ، والبسل هو الممنوع منه بالقهر. قال ~~عز وجل : ( @QUR@05 أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ) [الأنعام : 70] أي : ~~حرموا الثواب (2). # ( @QUR@01 تعدل ): تفتدي وتدفع بدلا من مال أو غيره. والعدالة والمعادلة ~~كما يقول الراغب : لفظ يقتضي معنى المساواة ... والعدل والعدل PageV09P153 # يتقاربان ، لكن العدل يستعمل في ما يدرك بالبصيرة ، والعدل والعديل في ما ~~يدرك بالحاسة (1). # ( @QUR@01 حميم ): الماء الحار أحم حتى انتهى غليانه ، ومنه : الحمام. # ( @QUR@01 استهوته ): استهواه من قولهم : هوى من حالق إذا تردى وسقط في ~~الهاوية ، فلا يهتدي إلى قرار. ويشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم ، كما ~~أن قوله : زل إنما هو في المكان ، ثم يشبه به المخطئ في طريقته ، في مثل ~~قوله : ( @QUR@02 فأزلهما الشيطان ) فكذلك هوى وأهواه غيره. فيقال : أهويته ~~واستهويته بمعنى ، كما يقال : أزله الشيطان واستزله بمعنى (2). # ( @QUR@01 أعقابنا ): الأعقاب : جمع عقب ، وهو مؤخر الرجل. وتقول العرب ~~فيمن عجز بعد قدرة : ارتد على عقبيه. # ( @QUR@01 حيران ): الحيران : المضطرب المتردد الذي لا يهتدي إلى قرار ~~ولا يسكن إلى قاعدة ، والمتردد في أمر لا يهتدي إلى المخرج منه ، أو هو ~~التائه الذي ms2146 لا يدري ما يصنع. # ( @QUR@01 الصور ): هو القرن في اللغة ، وقال الراغب «قيل : هو مثل قرن ~~ينفخ فيه ، فيجعل الله سبحانه ذلك سببا لعود الصور والأرواح إلى أجسامها» (3). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : قال أبو جعفر عليه السلام : لما نزلت ( @QUR@03 فلا ~~تقعد بعد PageV09P154 # @QUR@04 الذكرى مع القوم الظالمين ) قال المسلمون : كيف نصنع إن كان كلما ~~استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم ، فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا ~~نطوف بالبيت الحرام؟ فأنزل الله سبحانه : ( @QUR@06 وما على الذين يتقون من ~~حسابهم ) من أمرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا (1). # روى الطبري عن السدي في آية : ( @QUR@04 وإذا رأيت الذين يخوضون )، قال ~~: «كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والقرآن ، فسبوه واستهزءوا به فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره» (2). وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير وابن جريج وقتادة ومقاتل. # وروي عن ابن سيرين وغيره أنها نزلت في أهل الأهواء والبدع من المسلمين ~~الذين يؤولون الآيات بالباطل لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء (3). # ولما قال المسلمون : إن قمنا كلما خاضوا ، لم نستطع أن نجلس في المسجد ~~وأن نطوف ، فنزل : ( @QUR@06 وما على الذين يتقون من حسابهم ) أي : يتقون ~~الله من حساب الخائفين ( @QUR@02 من شيء ) أي : إثم إذا جالسوهم. # وهذه الرواية تختلف عن رواية الإمام الباقر عليه السلام التي أكدت أنها ~~نزلت في شأن المشركين. # * * * PageV09P155 ### ||| ** الإعراض موقف احتجاج ضد الخائفين بآيات الله # ( @QUR@023 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ~~كيف يعبر المؤمن عن إيمانه؟ # وكيف يواجه التحديات المضادة ، الساخرة تارة ، والمهاجمة المعتدية أخرى ، ~~والصادرة من الكافرين ضد القاعدة الفكرية للإيمان وفروعه التفصيلية؟ وكيف ~~يعلن موقفه الاحتجاجي الرافض لذلك كله ، إذا لم يتمكن من المواجهة الفكرية ~~المباشرة التي ترد التحدي بمثله؟ # هل يقف موقف الحائر الضائع الذي يتساقط فكريا وشعوريا أمام حالة العجز ~~الذاتي الواقعي ، أو يستسلم في أسلوب المسالمة الصفراء التي تعبر عن ms2147 نفسها ~~بالانسجام الواهن الذليل مع الجو السائد؟ إن الله يريد من المؤمن أن يقف ~~موقف الاحتجاج السلبي الذي يعبر عن رفضه وسخطه بالانسحاب من الجو الذي ~~يثيره الآخرون بالسخرية والتحدي والعدوان .. وهذا ما تعبر عنه الآيات ~~الأولى أصدق تعبير. # فإذا كان المؤمن في مجلس من مجالس الكافرين أو المنافقين الذين يخوضون في ~~آيات الله في ما أنزله من عقائد ومفاهيم وأحكام ، وما أوحى به من غيب ~~الدنيا والآخرة ، فيتناولونها بالتهجم والتجريح والسخرية والاستهزاء ، ~~بمختلف الأساليب الصريحة أو الملتوية .. ولم يستطع كما يوحي جو الآية أن ~~يواجه ذلك بشكل مباشر ليناقش الفكر بالفكر ، ويقابل التحدي بالتحدي ، ~~ويواجه السخرية بسخرية مماثلة .. فإن عليه أن ينسحب من المجلس ليعلن بهذه ~~الطريقة السلبية الموحية رفضه لذلك كله واحتجاجه عليه ، ويؤكد انفصاله عن ~~حركة المجتمع في هذا الاتجاه .. فإذا استطاع التأثير على الجو بهذا الأسلوب ~~، فتغير الحديث تبعا لموقفه ، أو انتهى كلامهم في هذا الجو ، وانتقل إلى جو ~~آخر ، فيمكنه الرجوع إلى PageV09P156 # المجلس ، لأن المطلوب ليس مقاطعة هؤلاء ، بل إعلان الموقف الرافض لمثل ~~هذه الأجواء والمواقف المضادة. # تلك هي الحالة الطبيعية للمؤمن الواعي الذي يعيش حياته اليومية مع الناس ~~الآخرين بيقظة وتمييز للخطوط الفاصلة بين الإيمان والكفر ، ويشعر باختلافه ~~عن الكافرين ، فإن المفروض منه أن يؤكد إيمانه بالتعبير عنه باتخاذ مواقف ~~إيجابية أو سلبية ، وذلك من موقع المسؤولية أمام الله. # فإذا غفل عن ذلك ، أو ضعفت إرادته ، فنسي ، استجابة منه للشيطان ولضعفه ~~البشري ، خوفا من الخسائر المادية أو المعنوية أو المشاكل التي تحدث له من ~~قبل هؤلاء إذا ما تعرض لهم ، أو احتج عليهم ، أو أعلن التمايز بين موقفه ~~وموقفهم ، فإن عليه أن يستغفر الله من ذلك ، ويفتح قلبه للذكرى المنطلقة من ~~وحي الله في آياته ، ويؤكد موقفه من خلالها ، فيعيش الحذر الدائم ، من ~~الوقوع من جديد في حالة الغفلة والضعف ، فلا يعود مرة أخرى ، بعد هذه ~~الذكرى ، إلى الوقوع في التجربة الصعبة ، فيستسلم للموقف الضعيف الذي تفرضه ~~عليه مجاملته للقوم الظالمين. # ( @QUR@012 وما على الذين ms2148 يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ~~) ثم تعود الآية الثانية لتضع المسألة في نصابها الصحيح .. فليس المتقون ~~مسئولين عما يخوضه هؤلاء من الكفر والضلال ، بل إن الكافرين أنفسهم هم ~~المسؤولون عن ذلك كله ، لأن الله لا يؤاخذ إنسانا بجريرة غيره ، ولكنه ~~أرادها ذكرى لهؤلاء ، وصدمة عملية لهم من قبل المتقين عند ما يواجهونهم ~~بالموقف السلبي الرافض الذي يوحي إليهم بأن الأجواء من حولهم ليست ملائمة ~~لتوجهاتهم. فقد يدفعهم ذلك إلى التفكير الواعي العميق ، فيدخلون معه في ~~حسابات جديدة ، تثير أمامهم أجواء التقوى التي أراد الله للناس أن يعيشوا ~~فيها بما تمثله من الصراط المستقيم. PageV09P157 # وهكذا نجد أن الله أراد للمؤمن أن يتحرك في موقفه من نقطتين : نقطة ~~الالتزام الذاتي بالفكرة على مستوى الحياة العملية ، ونقطة التذكير الدائم ~~للآخرين بالانحرافات التي تتمثل في خطواتهم العملية ، من أجل أن يثير ~~التقوى فكرا وجوا وحركة في وعي الإنسان. # * * * ### ||| ** أيها المؤمنون ، ذكروا بيوم القيامة # ثم إن الله يوجه خطابه لعبده المؤمن من خلال توجيه الخطاب لرسوله ، بأن ~~ينفصل عن هذا المجتمع اللاهي اللاعب : ( @QUR@06 وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا ) لأنهم لم ينفتحوا في الحياة على الرسالة الشاملة التي تنظر ~~إلى الحياة بجدية ومسئولية تؤكد على الالتزام ، بل اعتبروا دينهم الذي يمثل ~~خط سيرهم هو في الانطلاق مع اللعب واللهو ، في جميع علاقاتهم وانتماءاتهم ~~ومعاملاتهم وأوضاعهم الخاصة والعامة .. ولهذا فإنهم لا يواجهون الدعوة ~~الرسالة مواجهة الفكر للفكر ، والموقف للموقف ، بل مواجهة السخرية ~~والاستهزاء واللامبالاة ، لا لأنهم لا يقتنعون بها ، بل لأنهم لا يطيقون ~~جديتها والتزامها. # ( @QUR@03 وغرتهم الحياة الدنيا ) بزخارفها وأشكالها وشهواتها وأطماعها ، ~~فاستسلموا لها ، وعاشوا معها ، وغرقوا في بحار اللذة التي غمرت كل تفكيرهم ~~وواقعهم .. وهكذا تحولوا إلى خط مضاد للمسيرة الإلهية التوحيدية ، مما يفرض ~~على أتباع المسيرة أن يتركوهم وشأنهم ، بعيدا عن حالة التعقيد الذاتي الذي ~~يوحي بالإحباط واليأس. # ( @QUR@036 وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا ~~شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ms2149 أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) وهكذا بدأ النداء الموجه للمؤمن كي يستمر PageV09P158 # بالتذكير والإنذار بالموقف الذي يؤاخذ الله فيه كل نفس بما كسبت من أخطاء ~~وخطايا تمنعها من الحصول على ثوابه ، دون أن تملك ناصرا ينصرها منه أو ~~شفيعا يشفع لها عنده. وإذا كانت في الحياة الدنيا تحاول أن تدفع بدلا من ~~مال ورجال ، فتأمن ، في مواقع الخطر ، فإن الآخرة ليست هي الموقع الذي ~~يتناسب مع ذلك ، فهناك المصير المحتوم الحاسم ، فلهم الشراب الحميم الذي ~~يغلي في البطون ، ولهم العذاب الأليم الذي يفتك بأجسادهم ، كنتيجة طبيعية ~~لكفرهم وتمردهم على الله. # * * * ### ||| ** المشركون ودعوتهم إلى الضلال # ثم يتحرك الجو في مناجاة ذاتية ، ينطلق من خلالها المؤمنون في استيحاء ~~أجواء الإيمان ، في مواجهة أضاليل الكفر ، من أجل تسجيل النقاط السلبية ضد ~~الكافرين بأسلوب الاستفهام الإنكاري. # ما ذا يريد منهم هؤلاء الكافرون والمشركون ؛ في ما يدعونهم إليه من عبادة ~~هؤلاء الآلهة من دون الله؟ فهل يملكون أساسا لهذه الدعوة؟ هل تنفع هذه ~~الآلهة أو تضر؟ ماذا لديها من عناصر القوة والقدرة لتدافع عن الذين يؤمنون ~~بها أو يعبدونها؟ إن ذلك هو أبسط الشروط للمعبود .. ولكنهم وهذه هي طبيعة ~~الواقع بكل وضوح وبساطة لا يملكون شيئا من ذلك ، لأنهم مجرد أحجار جامدة لا ~~حس فيها ولا حركة ولا حياة .. فكيف يطلبون منا عبادتها من دون الله الذي هو ~~الخالق لكل شيء ، والقادر على أن ينفعنا ويضرنا ويحمينا من كل سوء ، وهل ~~يفكر الإنسان العاقل بالتراجع إلى الوراء ، بعد أن انطلق بخطواته إلى ~~الأمام؟ ( @QUR@010 قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) ولا ~~يحمل أي مقوم بسيط من مقومات الألوهية وهي القدرة على PageV09P159 # النفع والضرر ، ( @QUR@07 ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ) وهل يمكن ~~للإنسان الذي أبصر الهدى بعينين مفتوحتين ، أن يعيش الضلال في أفكاره ~~وخطواته؟ وقد لا يكون من المفروض أن تكون الآية دليلا على وجود ضلال سابق ~~على الهدى لهؤلاء القائلين ، لأن الفقرة ms2150 واردة على سبيل الكناية في التعبير ~~عن طبيعة الضلال التي تمثل خطوة تراجعية ، في مقابل الإيمان الذي يمثل خطوة ~~متقدمة. # * * * ### ||| ** الهدى هدى الله # ( @QUR@012 كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا ) وهذا مثل الإنسان الذي يعيش الحيرة الضاربة في الأرض بفعل ~~الإيحاءات التي تلقيها الشياطين في وعيه ، فيفقد التركيز في الرؤية ~~الطبيعية للأشياء ، فيظل يضرب في الأرض يمينا وشمالا ، فلا يهتدي إلى قرار ~~، ولا يسكن إلى قاعدة ، ولا يستجيب إلى نداء أصحابه الذين يحاولون إنقاذه ~~من حيرته القاتلة عند ما يدعونه للسير معهم حيث إشراقة النور واستقامة ~~الطريق. # ويأتي الجواب حاسما في مواجهة علامات الاستفهام الإنكاري : ( @QUR@06 قل ~~إن هدى الله هو الهدى ) فهو الشاطئ الأمين الذي تقف عنده سفن النجاة ، وهو ~~القاعدة التي تثبت عندها الأقدام ، وهو الأفق الذي تنساب منه إشراقات ~~الضياء ، وما الذي يطلبه الإنسان أكثر من أن يحصل على هداية الله وحده ، ~~فلا خيار له بعد ذلك ، من خلال ما يتحرك به الخط الواضح للحقيقة التي فرضت ~~نفسها على كل وجدان الإنسان الذي يقف لينتظر الأمر الذي يوحي به هذا الأفق ~~الواعي للهدى ، ( @QUR@04 وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) فهو الذي بيده الخلق ~~، وهو الذي بيده الأمر ، وله الحكم ، يأمر العقل أن يهدي ، والوجدان أن ~~يذعن ، والخطى أن تسير ، بما يعنيه ذلك كله من إسلام الفكر والحس PageV09P160 # والخطى لرب العالمين ، في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه من إقامة الصلاة ، ~~والانطلاق في خط التقوى الشامل لكل جوانب الحياة. # ( @QUR@04 وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) وذلك من خلال الانتباه لفكرة الحشر ~~المرتبطة بفكرة المسؤولية الفكرية والعملية في الحياة بما يريد أن يوحي به ~~للإنسان دائما ، من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الانضباط الإسلامي ( ~~@QUR@04 وهو الذي إليه تحشرون ) وتلك هي الحقيقة الحاسمة في التصور ~~الإسلامي لله سبحانه وتعالى. # ( @QUR@06 وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ) فليس فيها أي عبث في ~~التكوين ، فكل شيء خاضع لحكمة ، وكل ظاهرة منطلقة من قانون .. فلا ينحرف أي ~~شيء فيهما عن مداره ، ولا يخرج ms2151 عن مواقعه ، وبذلك ، يحقق الوجود غايته التي ~~جعلها الله له ، فلا بد من أن تخضع الأشياء كلها ، بما فيها الإنسان ، للحق. # ( @QUR@04 ويوم يقول كن فيكون ) في ما يمثله ذلك من خضوع الوجود لإرادته ~~، سواء في ذلك يوم التكوين ، أو يوم القيامة ، وهذا هو ( @QUR@02 قوله الحق ~~) لأنه يمثل الحقيقة الكونية في ثباتها وقوتها ، والحقيقة التشريعية في ~~حكمتها وحركتها. ( @QUR@02 وله الملك ) لأنه الخالق لكل شيء ، ومن ذا الذي ~~يملك الأشياء غير خالقها ومبدعها؟! فهو الذي أوجدها ، وهو الذي يبعثها ، ~~وهو الذي يهيمن عليها في يوم البعث ( @QUR@04 يوم ينفخ في الصور ) يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين. # ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) المطلع على كل ما أظهروه وما أضمروه ، ~~في ما يوحي به ذلك من الإحساس بخطورة المسؤولية أمام الله ( @QUR@03 وهو ~~الحكيم الخبير ) الذي أجرى الأشياء بحكمته ، وعرف الأشياء بخبرته من خلال ~~ما يعرفه من شؤون عباده. # * * * PageV09P161 ### ||| ** استيحاءات هذا الفصل من الآيات # توحي إلينا هذه الآيات بالانفتاح على الآفاق الروحية التي يتحرك بها ~~الإيمان في وجدان الإنسان وعقله ، لينطلق معها في مواجهة المواقف الصعبة ، ~~وليثبت أمام التحديات الكافرة والضالة التي تفرضها ساحة الصراع ، وليدخل ~~الإنسان معها في محاكمة ذاتية تعتمد على إثارة علامات الاستفهام ، ثم تقديم ~~الأجوبة الحاسمة التي تؤكد الموقف وتدعم الفكرة في خط الإسلام ، من خلال ~~الإيحاء بالتصور الدقيق للكثير من مظاهر عظمة الله. # وهنا في هذه الآيات عدة نقاط : # النقطة الأولى : في آية : ( @QUR@06 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) ~~إلخ ، لقد أعطت الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليه السلام وعن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الآية بعدا واسعا في عالم التطبيق على واقع ~~الانحراف والموقف منه بما يتجاوز مدلولها في مسألة الخوض في آيات الله ~~النازلة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي النبي والقرآن ، فقد جاء في ~~تفسير القمي بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس ~~يسب فيه إمام أو يغتاب ms2152 فيه مسلم ، فإن الله يقول في كتابه : ( @QUR@023 ~~وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ~~ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) (1). # وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي ~~جعفر الباقر عليه السلام قال : لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون ~~في آيات الله. وفيه : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي الباقر ~~قال : إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في PageV09P162 # آيات الله (1). وفي تفسير العياشي عن ربعي بن عبد الله عمن ذكره عن أبي ~~جعفر عليه السلام في قول الله : ( @QUR@06 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~) قال : الكلام في الله والجدال في القرآن ، ( @QUR@07 فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره ) قال : منه القصاص (2). وفي ضوء ذلك ، يمكن أن ~~نستوحي منه الحديث في كل خط باطل وموقف ضلال على مستوى قضايا الفكر ~~والسياسة والاجتماع ونحو ذلك مما يمثل قضية الإسلام كله والأمة كلها في ~~صعيد النظرية والتطبيق. # النقطة الثانية : أثار الجبائي ، في ما نقله عنه صاحب مجمع البيان ، ~~مسألة اعتبار قوله تعالى في الآية ( @QUR@010 وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد ~~بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) أنها تصلح ردا على بطلان قول الإمامية في ~~جواز التقية على الأنبياء والأئمة ، وأن النسيان لا يجوز على الأنبياء. # وأجاب صاحب مجمع البيان عن ذلك ، قال : هذا القول غير صحيح ولا مستقيم ~~لأن الإمامية إنما تجوز التقية على الإمام في ما تكون عليه دلالة قاطعة ~~توصل إلى العلم ويكون المكلف مزاح العلة في تكليفه ذلك ، فأما ما لا يعرف ~~إلا بقول الإمام من الأحكام ولا يكون على ذلك دليل إلا من جهته فلا يجوز ~~عليه التقية فيه ، وهذا كما إذا تقدم من النبي بيان في شيء من الأشياء ~~الشرعية فإنه يجوز منه أن لا يبين في حال أخرى لأمته ذلك الشيء إذا اقتضته ~~المصلحة ، ألا ترى إلى ما روي أن عمر بن الخطاب سأله عن الكلالة فقال ms2153 : ~~يكفيك آية السيف. # وأما النسيان والسهو فلم يجوزوهما عليهم في ما يؤدونه عن الله تعالى ؛ ~~فأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه ما لم يؤد ذلك إلى ~~إخلال بالعقل ، وكيف لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم PageV09P163 # والإغماء وهما من قبيل السهو ، فهذا ظن منه فاسد وإن بعض الظن إثم (1). # ونحن نلاحظ على كلام العلامة الطبرسي في حديثه عن إمكانية امتناع النبي ~~عن بيان بعض الأحكام أو القضايا المتصلة بالمفاهيم الإسلامية لمصلحة ، بأن ~~هذه الفرضية غير واردة في الأمر الإلهي بتبليغ ما أوحى به الله إليه وكلفه ~~بإبلاغه ليكمل للناس دينهم وليستكمل للإسلام كل عقائده وشرائعه ومفاهيمه ~~ومناهجه التي ارتضاها الله لهم دينا في كل ما يحتاجونه في شؤونهم العامة ~~والخاصة كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@011 اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) [المائدة : 3] إننا لا نتصور أن هناك ~~مصلحة في إخفاء أي حكم من الأحكام أو أي مفهوم من المفاهيم الإسلامية من ~~قبل النبي ، لأن معناه إخفاء حقيقة شرعية ملزمة أو ترك بيان مفهوم إسلامي ~~متصل بالحياة الفكرية والعملية للناس لأن ذلك يعني إبعادهم عما يصلحهم ~~ويسددهم ، لذلك فإن هذا الموضوع ليس واردا في الحساب إلا على مستوى التأخير ~~في البيان من مرحلة إلى مرحلة أخرى ، كما جاء ذلك في مسألة تدرج إنزال ~~الآيات ، وتدرج تشريع الأحكام لا إلغاء الحكم مطلقا ، والله العالم. # ولعل الجواب الصحيح هو أن التقية لا وجود لها عند الأنبياء الذين أرسلوا ~~ليصدموا الواقع الفكري والعملي المنحرف ، وليواجهوا الأمور من موقع الشجاعة ~~الرسالية من أجل أن يبلغوا الرسالة للناس كاملة غير منقوصة. # أما بالنسبة إلى الأئمة الذين جاءوا بعد إكمال تبليغ الرسالة ليكون دورهم ~~حراسة أصالتها وحماية خطتها وبيان أحكامها وتأصيل مفاهيمها ، فقد تكون ~~التقية واجبة عليهم ولكن بشرط أن لا تكون المسألة على حساب الرسالة أو ~~إضاعة أحكامها ، أو إلغاء مفاهيمها ، بل تكون على مستوى PageV09P164 # الحالات الطارئة بين حالة وأخرى من أجل حماية القيادة ، وحماية الخط ms2154 ، مع ~~البقاء في الساحة من أجل تفصيل ما أجمل وتوضيح ما أشكل وبيان الحقيقة في ما ~~تحركت التقية فيه. وقد أكد صادق أهل البيت عليه السلام الإمام جعفر ~~عليه السلام أن التقية جائزة من غير استفساد في الدين. # ونحن نعرف أن الله تحدث عن التقية في القرآن في قوله تعالى : ( @QUR@024 ~~لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 28]. ~~وفي قوله تعالى في قصة عمار بن ياسر الذي نطق بكلمة الكفر تحت التعذيب : ( ~~@QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) [النحل: 106] حيث روي أن النبي ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قال له : يا عمار إن عادوا فعد (1). مما يدل ~~على أن شرعية التقية انطلقت من القرآن في الحالة الضاغطة التي لا يملك فيها ~~الإنسان فرصة للتوازن والتماسك فتكون التقية وسيلة طارئة للتخفف من الضغط ~~القاسي ليرجع بعد ذلك إلى بيان الحق من أقوى موقع. # أما مسألة نسبة السهو والنسيان إلى الأنبياء في غير حالة التبليغ فقد ذهب ~~إليه الصدوق وتبعه جماعة ، وقد اعتبر أن من علامات الغلو نفي السهو عن ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # وقد ذهب أستاذنا آية الله السيد الخوئي قدسسره جوابا عن سؤال كما ورد في ~~كتاب منية السائل القدر المتيقن من السهو الممنوع على المعصوم هو السهو في ~~غير الموضوعات الخارجية. # وقد ذهب المشهور من متكلمي الشيعة إلى أن الأنبياء والأئمة PageV09P165 # معصومون عن الخطأ ومصونون عن النسيان ، لا في قضايا الأحكام وحدها ، بل ~~حتى في القضايا العادية. # وقد استقربنا في الاستدلال على العصمة أن المسألة تنطلق من وعي مسألة ~~النبوة ودور النبي ، فإن النبي ليس ساعي بريد ليحمل الرسالة ويبلغها للناس ~~وتنتهي مهمته عند ذلك الحد ، بل هو إنسان أرسله الله ليغير العالم بالحق ~~على مستوى النظرية والتطبيق في الأمور الشرعية والعادية ، كما أن النبوة ~~تتحرك في هذا الاتجاه ، الأمر الذي يفرض كون النبي حقا كله ، فلا ms2155 يعرض ~~الباطل لفكره ولعاطفته ولقوله وفعله وعلاقاته ومواقفه في شؤون الحياة ~~والإنسان ، مما يجعل النبي معصوما كاملا شاملا نتيجة لذلك كله ، وقد ذكر ~~العلامة الطباطبائي قدسسره تعليقا على هذه الآية : ( @QUR@02 وإما ينسينك ~~... ) قال : والخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود به غيره ~~من الأمة ، فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء عليه السلام ما ينفي وقوع ~~هذا النوع من النسيان وهو نسيان حكم إلهي ومخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج ~~بفعله على غيره والتمسك به نفسه عنهم عليه السلام . ويؤيد ذلك عطف الكلام في ~~الآية التالية إلى المتقين من الأمة حيث يقول : ( @QUR@08 وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء ) إلى آخر الآية. # وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء : ( @QUR@033 وقد نزل عليكم ~~في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين ~~في جهنم جميعا ) [النساء : 140] فإن المراد في الآية وهي مدنية بالحكم الذي ~~نزل في الكتاب ، هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية ، ولا آية ~~غيرها ، وهي تذكر أن الحكم النازل سابقا وجه به إلى المؤمنين ولازمه أن ~~يكون الخطاب الذي في قوله : ( @QUR@06 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) ~~إلخ موجها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود به غيره PageV09P166 # على حد قولهم : إياك أعني واسمعي يا جارة (1). # النقطة الثالثة : أثار صاحب مجمع البيان سؤالا حول نسبة النسيان إلى ~~الشيطان فقال: كيف أضاف النسيان إلى الشيطان وهو فعل الله تعالى؟ والجواب : ~~إنما أضافه إلى الشيطان لأنه تعالى أجرى العادة بفعل النسيان عند الإعراض ~~عن الفكر وتراكم الخواطر الردية والوساوس الفاسدة من الشيطان ، فجاز إضافة ~~النسيان إليه لما حصل عند فعله ، كما أن من ألقى غيره في البرد حتى مات ~~فإنه يضاف الموت إليه لأنه عرضه لذلك وكان كالسبب فيه (2). # وهو توجيه جيد ، لأن الله سبحانه ينسب الأفعال الناشئة من الأسباب غير ~~المباشرة إلى فاعل ms2156 السبب كما ينسبها إلى الإنسان الذي يقوم بالفعل مباشرة ، ~~أما علاقة الله بذلك فهو لأنه هو الذي ربط بين الأسباب والمسببات ، وجعل ~~الأسباب في أيدي المخلوقين. # النقطة الرابعة : قوله تعالى : ( @QUR@06 وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا ). ما هي صورة هؤلاء؟ # ربما يكون المقصود بالكلمة ، أنهم لا يمارسون دينهم في الشرك وعبادة ~~الأوثان بطريقة جدية باعثة على الاهتمام به وبالدعوة إليه وبالالتزام ~~بخصائصه في حركتهم في الحياة ، بل يمارسونه ممارسة اللاهين اللاعبين الذين ~~يحركونه من أجل مصالحهم وأطماعهم وشهواتهم ، فهو وسيلة لتأكيد الذات ~~والمنفعة بعيدا عن أي محتوى فكري أو التزام عملي ، ولهذا نراهم يتحركون في ~~حياتهم في منطق اللعب واللهو ، فلا مجال لمناقشتهم والدخول معهم في حوار ~~فكري ، لأنهم لا يلتقون بالفكر في كل حياتهم وأوضاعهم. PageV09P167 # حتى أن عقيدة الشرك لا تمثل أمرا جادا من ناحية فكرية ، فلا يتعبون فكرهم ~~في إقامة الحجة عليها من قريب أو من بعيد. # وربما كان المقصود بها ، أن هؤلاء ينطلقون باللهو واللعب الذي يمثل ~~الطابع العام لحياتهم ، فليس لهم من الدين شيء حتى في ما يلوحون به ، لأن ~~قضيتهم تتحرك من عناوين جوفاء لا تحمل أي شيء ولا توحي بأي شيء. # وهذا هو شأن كل الناس الذين لا يمثل الإيمان لديهم عقيدة والتزاما فكريا ~~وعمليا بحيث يحركونه في حياتهم في اتجاه قضايا المصير التي تقف في مستوى ~~الأهمية الكبرى للإنسان ، بل إنهم يحاولون تحريك شعائر الدين ومقدساته في ~~نطاق لهوهم وعبثهم ولعبهم للوصول إلى أهدافهم الخاصة ، وهؤلاء هم الذين ~~يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ويتاجرون بالدين ويستغلونه لتلبية شهواتهم ~~ومنافعهم الشخصية. # النقطة الخامسة : في آية : ( @QUR@028 قل أندعوا من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته ~~الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى )، إننا نستوحي منها ~~التأكيد على المؤمنين الذين اقتنعوا بالإيمان فكرا وعقيدة وحركة للحياة ، ~~وانفتحوا على الله الذي يملك الأمر كله ويملك النفع والضرر لكل المخلوقات ، ~~أن يحدقوا بكل الدعوات الكافرة والضالة ms2157 التي تريد لهم أن يتراجعوا عن الخط ~~الإيماني ويرجعوا على أعقابهم نحو الطريق الذي ينتهي بهم إلى الضياع ، ~~تماما كما هي المتاهات في الصحراء كمثل الشياطين الذين كان العرب يعتقدون ~~أنهم يكمنون في منعطفات الطرق لإغواء السائرين عليها وإضلالهم عن الطريق ~~بكل وسائل الإغواء التي يملكونها أمام السذاجة التي يعيشها هؤلاء الناس من ~~السائرين على غير هدى. PageV09P168 # ويثير القرآن أمامهم الحقيقة الثابتة في حركة الإنسان في الحياة ، فالله ~~الذي خلق الناس ودبرهم وأنعم عليهم ، هو الذي يعرف ما يصلحهم وما يفسدهم ، ~~وهو الرحيم بهم وهاديهم إلى سواء السبيل ، وهو الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه ~~ولا تضره معصية من عصاه ، وهو الذي يملك الهدى كله فهداه هو الهدى الذي لا ~~يقترب منه الضلال ، وعليهم أن يسلموا الأمر إليه ، لأنه وحده الذي ينفعهم ~~ويضرهم ويحييهم ويميتهم ، وهو رب العالمين. # إن هذه النقطة تمثل الإيحاء الغني لكل الأجيال المؤمنة التي تواجه ~~الدعوات الضالة والكافرة العاملة على إبعادهم عن الخط المستقيم بأساليبها ~~الملتوية ووسائلها المضلة التي لا تمثل شيئا من معنى الحقيقة من قريب أو بعيد. # إن المطلوب هو وعي الإنسان للاتجاهات المضادة للدخول في مقارنة واعية بين ~~ما هو عليه من الإيمان بالحق وبين ما يدعو إليه المضلون للاتجاه نحو ~~الباطل. # * * * PageV09P169 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك ~~في ضلال مبين (74) @QUR@09 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين (75) @QUR@015 فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لا أحب الآفلين (76) @QUR@018 فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) @QUR@018 فلما ~~رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما ~~تشركون (78) @QUR@012 إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين ) (79) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لأبيه ): قال الراغب : الأب الوالد ، ويسمى كل من كان سببا في ~~إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أبا ، ولذلك يسمى النبي صلى ms2158 الله عليه وآله وسلم ~~أبا المؤمنين قال الله تعالى : ( @QUR@07 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم ) [الأحزاب : PageV09P170 # وفي بعض القراءات : وهو أب لهم. وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : ~~«أنا وأنت أبوا هذه الأمة» وإلى هذا أشار بقوله : «كل سبب ونسب منقطع يوم ~~القيامة إلا سببي ونسبي» وقيل : أبو الأضياف لتفقده إياهم ، وأبو الحرب ~~لمهيجها ، وأبو عذرتها لمفتضها. ويسمى العم مع الأب أبوين ، وكذلك الأم مع ~~الأب ، وكذلك الجد مع الأب. قال تعالى في قصة يعقوب : ( @QUR@014 ما تعبدون ~~من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ) ~~[البقرة : 133] وإسماعيل لم يكن من آبائهم إنما كان عمهم ، وسمي معلم ~~الإنسان أباه لما تقدم من ذكره ، وقد حمل قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة ) [الزخرف : 22] على ذلك ، أي علماءنا الذين ربونا بالعلم (1). # والظاهر أن إطلاق الأب على العم في الآية من باب التغليب في الذكر لا على ~~نحو إطلاق اللفظ على معناه ، ولذلك لم يعهد إطلاق الأب المفرد على العم إلا ~~بعناية مجازية ، وهذا هو الذي يبعد احتمال حمل كلمة «أبيه» في الحديث عن ~~إبراهيم ، على عمه لا سيما مع تحديد اسمه «آزر». وقد قال الزجاج كما جاء في ~~المجمع : «ليس بين النسابين اختلاف أن اسم أبي إبراهيم تارخ ، والذي في ~~القرآن يدل على أن اسمه آزر ، وقيل : آذر عندهم ذم في لغتهم كأنه قال : وإذ ~~قال إبراهيم لأبيه : يا مخطئ ، فإذا كان كذلك فالاختيار الرفع ، وجائز أن ~~يكون وصفا له كأنه قال لأبيه المخطئ ، وقيل : آزر اسم صنم ، عن سعيد بن ~~المسيب ومجاهد. # قال الزجاج : فإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل كأنه قال : وإذ ~~قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر وجعل أصناما بدلا من آزر وأشباهه ، فقال بعد ~~أن قال : أتتخذ آزر إلها أتتخذ أصناما آلهة». ويعلق صاحب مجمع البيان على ~~ذلك فيقول : وهذا الذي قال الزجاج يقوي ما قاله أصحابنا أن آزر كان جد ~~إبراهيم لأمه أو كان عمه من حيث صح ms2159 عندهم أن آباء النبي إلى PageV09P171 # آدم كلهم كانوا موحدين ، واجتمعت الطائفة على ذلك ، وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى ~~أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا لم يدنسني بدنس الجاهلية. ولو كان ~~في آبائه كافر لم يصف جميعهم بالطهارة مع قوله تعالى : ( @QUR@03 إنما ~~المشركون نجس ) [التوبة : 28] ولهم في ذلك أدلة ليس هنا موضع ذكرها (1). # ويمكن أن نلاحظ على الاستدلال المذكور ، أن الظاهر من كلمة «الطاهرين» ~~و «المطهرات» إرادة طهارة المولد وربما يؤيد ذلك بقول بعضهم بأن «آزر» كان ~~جد إبراهيم لأمه مما يدل بأن جده من قبل الأم كان كافرا مع أن نسبه متصل به ~~، فإذا كان الكفر في النسب من جهة الأب قبيحا في مقام النبوة كان ذلك قبيحا ~~إذا كان النسب من جهة الأم ، لأن الملاك واحد وهو اتصال نسبه بالكافرين ~~وأما الاستناد إلى قوله تعالى : ( @QUR@03 إنما المشركون نجس ) بتفسير ~~النجاسة بالنجاسة الخبيثة فيرده أن الظاهر إرادة النجاسة المعنوية من الآية ~~بلحاظ القرائن المحيطة بالموضوع. # وقد حاول صاحب تفسير الميزان الاستدلال على أن آزر ليس والدا لإبراهيم ~~بأن الله تحدث في كتابه المجيد أن إبراهيم امتنع عن الاستغفار لأبيه ~~المذكور في القرآن باسم «آزر» وتبرأ منه بعد ما اكتشف أنه عدو لله مما يعني ~~انقطاع الصلة بينه وبينه في الانفتاح على الاستغفار له ، لأنه لا فائدة منه ~~في قضية الإيمان بالله (2). # ولكن القرآن الكريم يدل على أن إبراهيم استغفر لوالديه في آخر أمره وذلك ~~هو قوله تعالى : ( @QUR@08 ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ~~) [إبراهيم : 41] فإن الآية بما لها من السياق وبما احتف بها من القرائن ، PageV09P172 # أحسن شاهد على أن والده الذي دعا له فيها غير الذي يذكره سبحانه بقوله : ~~( @QUR@02 لأبيه آزر ) فإن الآيات كما ترى تنص على أن إبراهيم استغفر له ~~وفاء بوعده ثم تبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله ، ولا معنى لإعادته الدعاء ~~لمن تبرأ منه ولاذ إلى ربه من أن ms2160 يمسه ، فآبوه أزر غير والده الصلبي الذي ~~دعا له ولأمه معا في آخر دعائه. # ومن لطيف الدلالة في هذا الدعاء أعني دعاءه الأخير ما في قوله ( @QUR@01 ~~ولوالدي ) [إبراهيم : 41] حيث عبر بالوالد ، والوالد لا يطلق إلا على الأب ~~الصلبي ، وهو الذي يلد ويولد الإنسان مع ما في دعائه الأخير ( @QUR@06 ~~واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) [الشعراء : 86] والآيات الأخر المشتملة ~~على ذكر أبيه آزر فإنها تعبر عنه بالأب والأب ربما تطلق على الجد والعم ~~وغيرهما (1). # ونلاحظ على ذلك أن التأكيد على كلمة «الأب» في القرآن بشكل متكرر في كلام ~~الله عنه وفي كلام إبراهيم في خطابه ودعائه له ، يوحي بأن الإشارة إلى ~~الجانب الأبوي في معنى النسب المباشر كما هو المتبادر من الكلمة. # ولا مجال للاستدلال على إطلاق كلمة الأب على العم بقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ) ~~[البقرة : 133] فإن الإطلاق وارد على سبيل التغليب ؛ أما إطلاقه على الجد ~~فهو منسجم مع انتسابه إليه بالولادة بشكل غير مباشر ، ولم يعهد استعمال ~~كلمة «الأب» في غير الوالد والجد إلا على نحو المجاز ، ولذلك فإنه لا شاهد ~~على الحمل المذكور في السياق القرآني. # وأما ما ذكره من الشاهد على دعواه بأن إبراهيم استغفر لوالديه في آخر ~~أمره مما يدل على أن المقصود به غير أزر الذي تبرأ منه لما تبين له أنه عدو ~~لله ، فيرد عليه أن براءة إبراهيم من أبيه من حيث كفره وضلاله كانت منذ ~~البداية حتى في حال وعده له بالاستغفار عند ما قال له : ( @QUR@02 وأعتزلكم وما PageV09P173 # @QUR@04 تدعون من دون الله ) [مريم : 48]كما أنه كان يؤكد ضلاله عند ما ~~استغفر له في قوله : ( @QUR@06 واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) [الشعراء : 86]. # أما الآية الكريمة المستشهد بها ( @QUR@05 ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين ) فقد تكون واردة في السياق العام للاستغفار ، وربما يؤكد ذلك ~~أنه ابتدأ بالغفران لنفسه مع أنه معصوم بلحاظ مقام النبوة أولا ، وبلحاظ ~~واقع سيرته المعصومة فإنه لم يرد فيها أي ذنب أو خطأ ، بل إن ms2161 حديث الله عنه ~~يدل على هذه العصمة المتحركة في كل حياته. إن تكرار كلمة الأب في القرآن ~~والتركيز على ذكر اسمه يوحيان بأن إبراهيم عليه السلام كان يتكلم مع والده ~~الذي كان يتكلم معه من الموقع الفوقي الذي يتكلم فيه الأب مع ولده ، والله ~~العالم (1). # ( @QUR@01 أصناما ): الأصنام : جمع صنم ، والصنم ما كان صورة ، والوثن ~~ما كان غير مصور ، قال الراغب : الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب ~~كانوا يعبدونها متقربين بها إلى الله تعالى ، وجمعه أصنام ... قال بعض ~~الحكماء : كل ما عبد من دون الله بل كل ما يشغل عن الله تعالى يقال له صنم (2). # ( @QUR@01 آلهة ): جمع إله ، وهو المعبود. جعلوه اسما لكل معبود لهم ~~وكذا الذات ، وسموا الشمس إلاهة لاتخاذهم إياها معبودا. قال الراغب : وإله PageV09P174 # حقه أن لا يجمع إذ لا معبود سواه ، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبودات ~~جمعوه فقالوا : الآلهة (1). # ( @QUR@01 مبين ): البين الظاهر. # ( @QUR@01 ملكوت ): آيات السماء والأرض ، ودلالتها على سلطان الله ~~وقدرته وعظمته لأنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى ملكوت كل شيء بيد الله : ( ~~@QUR@06 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ) [يس : 83]. # قال الراغب : الملكوت مختص بملك الله تعالى أدخلت فيه التاء نحو رحموت ~~ورهبوت (2). وقال في مجمع البيان : الملكوت بمنزلة الملك غير أن هذا اللفظ ~~أبلغ لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة (3). # والملكوت كما يقول العلامة الطباطبائي هو وجود الأشياء من جهة انتسابها ~~إلى الله سبحانه وقيامها به .. ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي ~~الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية (4). # ( @QUR@01 جن ): أظلم عليه وستر بظلامه ، وأصل الجن : ستر الشيء عن ~~الحاسة. يقال : جنه الليل وأجنه وجن عليه إذا ستره ، وسمي الجن كذلك لستره ~~عن أعين الناس. # ( @QUR@01 أفل ): غاب واحتجب. # ( @QUR@01 القمر ): يسمى ثلاث ليال من أول الشهر الهلال ، ثم يسمى قمرا ~~إلى آخر الشهر. وإنما يسمى قمرا لبياضه ، يقال : حمار أقمر أبيض. # ( @QUR@01 بازغا ): طالعا ، والبزوغ : الطلوع ، يقال : بزغت الشمس إذا طلعت. PageV09P175 # ( @QUR@01 حنيفا ): مائلا إلى الحق. # * * * ### ||| ** إبراهيم (عليه السلام) مثال للفطرة الصافية في إيمانه # وتنعطف السورة انعطافة ms2162 جديدة ، في حديثها عن العقيدة ، متجهة إلى الفطرة ~~الصافية ، التي تناسب منها الأفكار بعفوية وبساطة ، قادرة على مواجهة ~~الانحرافات الفكرية دون تعقيد فلسفي تحليلي ، لا لأن الفكر الإيماني لا ~~يتحرك في اتجاه العمق في عملية الحوار ، بل لأنه يواجه قضايا الصراع من ~~منطق الواقع في مفردات التصور وأدوات الساحة ، فلا يعمل على أساس الحالة ~~الذاتية للمفكر ، بل على أساس الحالة الواقعية الإنسانية للآخرين ، لأنه ~~يطمح إلى أن يعيشوا الإيمان في تجربتهم لتكون حركة الإيمان لديهم ، قضية ~~محاكاة لا قضية معاناة .. ولهذا كانت الأساليب القرآنية في قضايا العقيدة ، ~~سائرة في هذا النهج الفطري غير المعقد ، الذي يخاطب الفكر بالوجدان ، ~~ليلتقي بالحقيقة من أقرب طريق ، لأن الوجدان الصافي ، هو الغاية التي ينتهي ~~إليها الفكر في معادلاته ، فهو القاعدة التي تنطلق منها مقاييس الصواب ~~والخطأ ، انطلاقا من ارتكاز المنطق النظري على بداهة الحقائق التي يقبلها ~~الوجدان. # وفي ضوء ذلك نفهم أن هذا الاتجاه لا يعني تجنب الفكرة العميقة على أساس ~~أن القرآن لا يخاطب الفئات المثقفة ، بل يخاطب البسطاء الذين يعيشون بساطة ~~الفكرة والأسلوب. ونحن لا نوافق على ذلك ، لأن القرآن جاء ليكون الحجة على ~~الناس كافة ، ليخاطب كل فرد بالحجة التي تقوم عليه ، بل القضية كل القضية ~~هي أن القرآن يتجه إلى الفطرة في كل إنسان ، في القضايا التي توحي بها ، ~~لئلا تغرق الفكرة في متاهات الجدل كأسلوب استعراضي يعقد الفكرة لا كأسلوب ~~تفرضه طبيعة الأشياء. وبهذا يمكن PageV09P176 # للمفكر أن يؤمن بالحقيقة من خلال بداهته وفطرته ، ثم يدخل في الحوار مع ~~الآخرين في مجالات الصراع المعقدة على أساس حاجة الساحة إلى الأساليب ~~المعقدة استجابة لحاجة الموقف من ذلك كله .. # وتطالعنا في هذا المجال شخصية إبراهيم النبي ، التي يقدمها لنا القرآن في ~~صورة بسيطة صافية وعفوية في أجواء الصفاء الروحي والبساطة الإنسانية ~~والطبيعة العفوية التي تلامس في الإنسان طفولته البريئة في ما تلتقي به من ~~حقيقة الأشياء ليفكر من خلال براءة النظرة في عينيه وسلامة الحس في أذنيه ~~ويديه في ما يرى أو ms2163 يسمع أو يلمس في يديه من أدوات الحس الواقعي. فنحن لا ~~نرى فيه من خلال الصورة القرآنية شخصية الإنسان الذي يتكلف الكلمات التي ~~يقولها للآخرين ، ولا نلمح لديه روحية الشخص المشاكس الذي يبحث عن المشاكل ~~في أفعاله وعلاقاته ، بل نشاهد فيه الشخصية البسيطة الواقعية التي ترتبط ~~بالأشياء من جانب الإحساس ، فتسمي الأشياء بأسمائها بعيدا عن تنميق الألفاظ ~~، وزخرفة الأساليب ، بقوة وصدق وواقعية وإيمان. # * * * ### ||| ** إبراهيم بين الضلال والإيمان # ( @QUR@014 وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك ~~في ضلال مبين ) ففي الصورة الأولى ، نلتقي به في موقفه من أبيه الذي يعبد ~~الأصنام التي يعبدها قومه ، فيواجهه بالرفض الجذري للموقف من الأساس ، ~~لرفضه الفكرة التي يرتكز عليها ، فهذه الأصنام ، هي أحجار جامدة ، كبقية ~~الأحجار الموجودة في العراء ، ولا ميزة لها إلا أن يد الإنسان قد أعطتها ~~بعض ملامح الصورة ، فحولتها إلى تماثيل ، فإذا كان الإنسان هو الذي أعطاها ~~تلك الميزة التي تختلف بها عن سائر الأحجار ، فهي صنع يده ، فكيف تكون آلهة له؟ PageV09P177 # ومن الذي أودع فيها سر الألوهة؟ وهل الألوهة شيء يصنع ويخلق أو هي قوة ~~تصنع وتخلق؟ ثم إن الألوهة تعني القدرة والعلم والحياة والغنى المطلق في ما ~~تشتمل عليه في حقيقتها ، فأين هي هذه المواصفات في تلك التماثيل؟ إنها ~~الأوهام التي حولت الأشياء غير المعقولة إلى عقائد وتصورات ورموز قداسة في ~~مستوى الآلهة ، فكيف تتخذ هذه الأصنام آلهة؟ إن فكره لم يلمح أية إشراقة ~~للحقيقة في ما تسير عليه ، ولو من بعيد ، بل كل ما هناك هو الظلام والتيه ~~والضياع ، هنا يتحول التساؤل ، إلى حكم قاطع في مستوى وعيه للحقيقة ~~المنطلقة من خط الهدى ، التي تحدد ملامح الضلال في خطوط الآخرين .. # إنه الموقف الصلب الذي لا يهادن ولا يجامل ولا يغلف الأشياء بغلاف سحري ؛ ~~بل يدفع الموقف إلى الأمام ، بكل وضوح وصراحة ، بعيدا عن اللياقة التي ~~تفرضها علاقة الابن بأبيه ، لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب العاطفي من ~~العلاقات ، فعلاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه بالله أقوى من ms2164 أية علاقة ~~بأي إنسان كان. # * * * ### ||| ** إبراهيم (عليه السلام) في رحلة تعرفه على الله # وفي الصورة الثانية نشاهد إبراهيم عليه السلام يتطلع إلى السماء ، كما لو ~~كان قد شاهدها أول مرة ، فهو في ما توحيه الآية يواجهها كتجربة جديدة لم ~~يلتق بها من قبل ، وذلك في ما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحس ~~البصري كمادة للتفكير ، للانتقال من المحسوس إلى المعقول ، ومن المادة إلى ~~المعنى. فقد كان يشاهدها سابقا ، في رؤية جامدة ، لا تعني له شيئا ، إلا ~~بمقدار ما يعنيه انعكاس الصورة في العين ، لمجرد تجميع الصور في الوجدان ، ~~في ما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليومية ، وهكذا نجد ~~أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى : ( @QUR@01 وكذلك PageV09P178 # @QUR@05 نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) هي الرؤية الواعية الفاحصة ~~المدققة التي تثير في النفس المزيد من التأمل والحوار والاستنتاج بدليل ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 وليكون من الموقنين ) مما يوحي بأنها الرؤية التي ~~تبعث على القناعة واليقين. # وأخذ يستعرض عقليا عقائد قومه في عبادتهم للكواكب وللقمر والشمس ، وهكذا ~~التقى بالكواكب المتناثرة في السماء ، في صورة بديعة في روعة التنسيق ~~والتكوين ، فما إن لمح كوكبا يتلألأ ويشع في قلب هذا الظلام المترامي ، حتى ~~سيطرت عليه أجواء الروعة ، واستولى على فكره الخشوع الروحي أمام هذا الشعاع ~~الهادي في الأفق البعيد ، فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد ~~الناس إليه ، لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد ، الذي ~~تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ، ولا تستطيع الخلائق أن تصل إليه أو تدرك كنهه. # ( @QUR@09 فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ) في صرخة الإنسان ~~الطيب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس ~~، كما لو لم يكتشفه أحد غيره ، وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد ، وفي لهفة ~~المسحور ، وفي اندفاعة الإيمان ، وربما ردد هذه الكلمة ( @QUR@02 هذا ربي ) ~~ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها بعيدا عن كل حالات الشك والريب ، وبدأ ~~الليل يقترب من نهايته ، وبدأت الكواكب تشحب ms2165 وتفقد لمعانها ، ثم بدأت تبهت ~~، وتبهت حتى غابت عن العيون ، وحاول أن يلاحقها هنا وهناك ، لقد ضاع الإله ~~في الأجواء الأولى للصباح ، وانكشفت له الحقيقة الصارخة ، فقد كان يعيش في ~~وهم كبير ، لقد أفل الكوكب ، ولكن الإله لا يأفل لأنه القوة التي تمثل ~~الحضور الدائم في الحياة كلها ، فلا يمكن أن تبتعد عن حركتها المتنوعة لأن ~~ذلك يتنافى مع الرعاية المطلقة للكون ولما فيه من موجودات حية وغير حية ، ~~واهتزت قناعاته من جديد ، وبدأ يسخر بالفكرة : ( @QUR@06 فلما أفل قال لا ~~أحب الآفلين ). PageV09P179 # ( @QUR@04 فلما رأى القمر بازغا ) في صفاء الليل ، ووداعة السكون ، وكان ~~الشعاع الفضي الساحر يلقي على الكون دفقا من النور الهادىء الذي يتسلل إلى ~~العيون فيوحي إليها بالخدر اللذيذ ، ويخترق القلوب فيوحي إليها بالأحلام ~~الساحرة ، ويطل على الطبيعة فيغلفها بغلافه الشفاف الوادع الذي يثير في ~~آفاقها الكثير من الأحلام ، وبدأت المقارنة بين ذلك النور الكوكبي الذي ~~يأتي إلينا متعبا واهنا في جهد كبير ، وبين هذا النور القمري الذي يتدفق ~~كشلال في قلب الأفق ، فأين هذا من ذاك ، فهذا هو السر الإلهي الذي كان يبحث ~~عنه ، ( @QUR@03 قال هذا ربي ) وعاش معه في حالة روحية من التصوف والعبادة ~~لهذا الرب النوراني الذي يتمثل في السماء قطعة فضية من النور الهادىء ~~الساحر ، وفجأة بدأ الشعاع يبهت ، ثم يغيب ، وانطلقت الحيرة في وعيه من ~~جديد .. أين ذهب الإله وأين غاب؟ وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل؟ وضجت ~~علامات الاستفهام في روحه تتساءل من هو الإله؟ وأين هو؟ وعاش في التصور ~~الضبابي المبهم الغارق في الغموض يتوسل بالرب الذي لا يعرف كنهه ، أن يهديه ~~سواء السبيل لئلا يضل ويضيع .. ( @QUR@011 فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين ) وما زال ينتظر وضوح الحقيقة. # وفجأة أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية الدافئة فأخذت عليه وجدانه .. ( ~~@QUR@09 فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ) فأين حجم الشمس ، من ~~حجم القمر والكواكب؟! فلا بد من أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه ، لأنها ~~تتميز عنهما بصفات ms2166 كثيرة ، وبدأ يتابعها وهي تتوهج وتشتعل ، وتملأ الكون ~~كله دفئا وحياة وإشراقا وجمالا ، فإذا به يهتز ويتحرك في قوة وامتداد ~~وحيوية دافقة ، ولكن ، ماذا؟ وبدأ يفكر ، فها هي تبهت وتبرد وتكاد تتضاءل ~~.. ثم تغيب وتأفل .. وتترك الكون في ظلام دامس ، فكيف يمكن أن تكون إلها ~~تعيش الحياة في قدرته وقوته ما دامت تغيب مع المجهول تاركة الكون كله في ~~ظلام وفراغ؟ وأطلق الصرخة فيمن حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون PageV09P180 # الكواكب والقمر والشمس في ما خيل له ، في وقت من الأوقات ، أنه الحقيقة ~~المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب : ( @QUR@09 فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون ) من هذه المخلوقات التي انطلقت من العدم ، ولا يزال العدم ~~يعشش في كل حركة من حركاتها ، أو خطوة من خطواتها ، وتمرد على كل هذه ~~الاتجاهات الإشراكية لأن الله لا يمكن أن يكون هذه الأشياء المحدودة ، بل ~~لا بد من أن يكون شيئا أعظم من ذلك وأكبر ، في القوة والقدرة: ( @QUR@08 ~~إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ). # وهكذا تدفقت إشراقة الإيمان في وعيه وفي قلبه ، فأحس بأن الله هو شيء لا ~~كالأشياء لأن الأشياء نتاج قدرته .. وأدرك أن الله لا يحس كما تحس ~~الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس ، ولكنه يدرك بالعقل والقلب والشعور ~~، من خلال كل هذه المخلوقات التي تحيط بالإنسان في الكون الكبير ، من ~~السموات والأرض وما فيهن وما بينهن ، فتترك لديه انطباعا بأن الله هو الذي ~~فطرها وأوجدها ، ومن خلال هذه الانطلاقة الإيمانية الرائعة التي أحس معها ~~بالراحة والطمأنينة والانفتاح ، وقف ، بكل كيانه ليحول كل وجهه والوجه هنا ~~كناية عن الذات بجميع التزاماتها وعلاقاتها وتطلعاتها إلى الله ، حنيفا ، ~~مخلصا مائلا عن خط الانحراف ، فهو وحده الذي تتوجه إليه العقول والقلوب ~~والوجوه بالخضوع والطاعة المطلقة ، بإحساس العبودية ، وحركة الإيمان ، الذي ~~يعلن هذا التوحيد بما يشبه الصرخة الهادرة الرافضة لكل الوجودات المحدودة ، ~~التي تتأله أو التي يحسبها الناس في عداد الآلهة : ( @QUR@04 وما أنا من ~~المشركين ). # * * * ### ||| ** رحلة الإيمان # هل هي الرحلة الأولى ms2167 في طريق الإيمان ، لدى إبراهيم ، أو هي PageV09P181 # محاكاة استعراضية للأجواء المحيطة به ، في ما يعتقده الناس من ألوهية ~~الكواكب والقمر والشمس ، في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد ~~وتفاهتها وضعفها أمام المنطق الوجداني الصافي ، وذلك من موقع ابتعاده عنها ~~بعد اقترابه منها ، مما يعطي لموقفه بعض القوة في الإيحاء ، باعتباره ~~الموقف الذي عاش التجربة وعاناها ، ثم تمرد عليها؟ # إننا نعتقد أن هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم ~~عليه السلام في ما حدثنا القرآن عن حياته ؛ فنحن لم نلمح في غير هذه الآية ~~حالة تأثره بالجو المحيط به ، بل ربما نرى الأمر بالعكس من ذلك حالة تمرد ~~على البيئة حتى في ما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا ~~القرآن موقف إبراهيم عليه السلام منه ، وقد نستطيع استيحاء الآية السابقة ~~التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم لأبيه حول الأصنام التي يعبدها أن ~~هذا الموقف سابق لموقفه من هذه العقائد .. هذا بالإضافة إلى أن الرؤية التي ~~حدثنا الله عنها لملكوت السموات والأرض ، لا بد من أن تكون الرؤية ~~الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية ~~البصرية الساذجة ، لأنها تبدأ مع الإنسان منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه ~~على الحياة ليتطلع إلى ما فيها من موجودات يدركها البصر. # وربما كانت كلمة ( @QUR@03 وليكون من الموقنين ) إشارة إلى ذلك ، لتلتقي ~~بكلمة ( @QUR@013 رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي ) [البقرة : 260] مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حركة الفكر ~~الذي يريد أن ينمي من خلاله أفكاره وإيمانه ، بكل الأشياء التي تركز للفكرة ~~قوتها وفاعليتها وثباتها وحركتها أمام التحديات التي تواجهها ، حتى في ما ~~يشبه الأوهام ، ليواجه الصراع الذي يعيشه ، بانفتاح وقناعة وقوة لا تعرف ~~الضعف ولا التراجع في كل المجالات. PageV09P182 # أما الاحتمال الأول ، فقد يقربه القائلون ، أن تكون الحادثة قد حصلت في ~~بداية طفولته ، عند ما بدأ يتطلع إلى الأشياء ، ويتأمل في الخلق. ولعل هذا ~~هو الذي نستوحيه من الجو ms2168 النفسي الساذج الذي توحي به الآية. فهذا هو ~~إبراهيم يواجه الكوكب البعيد في السماء ولكنه يشرق في قلب الظلام ، فيشعر ~~بالرهبة والروعة ، فيصرخ في هذه مثل اللهفة ( @QUR@02 هذا ربي )، انطلاقا ~~مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان ، فلما أفل أحس بالانقباض ~~وقال : ( @QUR@03 لا أحب الآفلين )، فقد نجد في كلمة ( @QUR@02 لا أحب ) ~~بعض كلمات الطفولة البريئة ، التي تحب أو لا تحب من خلال مشاعرها الساذجة ~~إزاء الأشياء ، وتتكرر التجربة مع القمر ، وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد ~~، تماما كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عند ما يجد شيئا قد أضاعه ، أو ~~شيئا قد طلبه .. وتتكرر خيبة الأمل من جديد. # ولكن الوعي يتنامى هنا ، فلا نجد رد الفعل طفوليا ، بل نلاحظ في ردة ~~الفعل حالة حيرة وذهول وتوسل إلى هذا الرب المجهول الذي يتمثله في وعيه ~~هاديا لعباده ، أن يهديه إلى الحق لئلا يكون من القوم الضالين .. وتشرق ~~الشمس في هذا الدفق اللاهب من النور الذهبي في إطار هذا الوجه الواسع الذي ~~يتفايض بالشعاع كما يتفايض الينبوع بالماء الصافي الرقراق ، فتكبر الصرخة ~~في طفولية ظاهرة : ( @QUR@04 هذا ربي هذا أكبر ) ويكون الاعتبار هذه المرة ~~للحجم ، في ما لا توحي به إلا أفكار الطفل أو ما يشبه الطفل ، لأن الأشياء ~~الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة ، بما لا توحي به الأشياء الأقل ~~حجما .. وتتجدد خيبة الأمل بالأفول ، ولكن تلك الإشراقة الساطعة للشمس ~~استطاعت أن تبعث في قلبه إشراقة الإيمان الرافض لكل هذه الأوهام والظنون ، ~~هذه هي وجهة نظر هؤلاء ، ولكننا قدمنا أن الاحتمال الثاني أقرب لأن حديث ~~القرآن عن إبراهيم عليه السلام لا يوحي بشيء من هذا القبيل ، مما يدل على ~~أنه كان موحدا بالفطرة منذ البداية. PageV09P183 # وفي كلا الاحتمالين ، يمكن للعاملين في حقل التوجيه ، استيحاء الفكرة ~~العملية في أسلوب التربية ، من خلال الأسلوب الاستعراضي ، في ما يتمثل فيه ~~من مناجاة ذاتية تجعل الإنسان يواجه الأفكار المطروحة في الساحة ، مواجهة ~~المؤمن بها ، ثم يقوم بمناقشتها بالطريقة التي توحي باكتشاف مواطن الضعف ~~والخلل فيها ms2169 ، بالمستوى الذي يجعلها بعيدة عن الحقيقة ، وعن إمكان اعتبارها ~~عقيدة ترتبط بها قضية المصير .. ولا يختص الأمر بالأفكار المتصلة بالعقيدة ~~الإلهية بل يمتد إلى جميع المجالات التي تمثل الخط العملي للحياة. ويمكن ~~لنا ممارسة هذا الأسلوب في القصة والمسرح والسينما وغيرها من الأساليب التي ~~تخاطب الجمهور لتوجيه قناعاته. وقد لا نحتاج إلى التأكيد على ضرورة دراسة ~~المستوى العقلي والروحي للناس من أجل تركيز هذا الاتجاه على قاعدة متحركة ~~في الفكرة والأسلوب ، كما يمكن استيحاء القصة في مدلولها الرسالي في عدم ~~خضوع الإنسان للبيئة في ما تحمل من أفكار وعادات ومشاعر ، بل يعمل على ~~ممارسة دوره الذاتي المستقل ، كإنسان يفكر بحرية ، ويقتنع على أساس الدليل. # * * * ### ||| ** أخذ العبرة من براءة إبراهيم الفكرية والروحية # وتبقى لنا في هذا المجال هذه البراءة الفكرية من إبراهيم ، حيث نتمثله ~~إنسانا يواجه العقيدة من موقع البساطة الوجدانية ، والعفوية الروحية ، التي ~~تلتقي بالقضايا من وحي الفطرة لا من وحي التكلف والتعقيد ، ثم هذه اللهفة ~~الحارة المنفتحة على الله سبحانه عند اكتشافه للحقيقة والإقبال عليه بكل ~~وجهه ، وبكل فكره وروحه وانطلاقه العملي في الحياة ، لأن توجيه الوجه لله ، ~~لا يعني في مدلوله العميق هذا الموقف الساذج الذي PageV09P184 # يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة ، بل يعني ~~انطلاقة حياة الإنسان وكيانه مع الله في ما يحمل من عقيدة ، وفي ما يرتبط ~~به من فكر ، ويتحرك معه من خط ، وفي ما يستهدفه من أهداف ، وفي ما يعيشه من ~~علاقات وأوضاع وتطلعات ، إنه الاندماج بالحقيقة الإلهية ، بأن تكون الحياة ~~كلها لله ، وفي خدمته. # ولعل قيمة هذه الفكرة ، أننا لا نستوحي آفاقها وخطواتها العملية ، تجريدا ~~ونظريا ، لنعيش معها في متاهات التجريدية ، بل هي حركة الإنسان النبي الذي ~~يعيش حركة الإيمان والفكر في حياته من موقع إنسانيته البسيطة ، ليوحي بأن ~~دور الإنسان الذي يريد أن يحقق إنسانيته ، هو أن ينعزل عن كل الحدود ~~المادية الضيقة التي تشده إلى الأرض في استسلام ذليل ، ويرتبط بالحقيقة ~~المطلقة التي يحلق من خلالها مع الله. ms2170 # * * * ### ||| ** مع العلامة الطباطبائي في الميزان # وهنا نقطتان ، الأولى : وهي أن العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان حاول ~~أن يجعل من استدلال إبراهيم عليه السلام على نفي ربوبية الكواكب بقوله ( ~~@QUR@03 لا أحب الآفلين ) بطريقة أخرى وهذا ما ذكره بنصه. قال : «وفيه ~~إبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الأفول له ، فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ~~ممن طلع عليه ولا يستقيم تدبير كوني مع الانقطاع. # على أن الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدي ~~إلى حب المربوب لانجذابه التكويني إليه وتبعيته له ، ولا معنى لحب ما يفنى ~~ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله ، وما يشاهد من أن الإنسان يحب كثيرا ~~الجمال المعجل والزينة الداثرة ، فإنما هو لاستغراقه فيه من غير PageV09P185 # أن يلتفت إلى فنائه وزواله فمن الواجب أن يكون الرب ثابت الوجود غير ~~متغير الأحوال كهذه الزخارف المزوقة التي تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع ~~وتغرب وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين ، وهذا وجه برهاني وإن كان ربما ~~يتخيل أنه بيان خطابي أو شعري ، فافهم ذلك. # وعلى أي حال فهو عليه السلام أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له إما ~~بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لأفوله لأن المربوبية والعبودية متقومة ~~بالحب ، فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده. وقد ورد في المروي عن الصادق ~~عليه السلام : «هل الدين إلا الحب؟» ... # وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب ، وإنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه ~~له المنافي للربوبية ، لأن الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبية فما لا ~~يتعلق به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق ~~الربوبية (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن التركيز على مسألة الحب كعنصر أساس في الاستدلال ، ~~باعتبار اقتضاء الرابطة بين الرب والمربوب حب المربوب لربه لانجذابه ~~التكويني إليه وتبعيته له ، ليس دقيقا ، لأن قضية الحب هي قضية الأحاسيس ~~والمشاعر التي تنفتح على المحبوب من خلال العناصر الموجودة فيه مما يحبه ~~الإنسان كالجمال والقوة والعلم ونحو ذلك ، بحيث يتأثر الشعور به فينجذب ~~إليه في الحالة الفعلية التي هو عليها بقطع النظر عن ms2171 طبيعة الفناء والبقاء فيه. # إن ما ذكره من أن حب الإنسان للجمال المعجل حسب تعبيره ناشئ من استغراقه ~~فيه وعدم التفاته إلى فنائه هو خلاف الوجدان ، لأن PageV09P186 # الناس الذين يحبون بعضهم بعضا ملتفتون إلى فناء المحبوب من خلال عروض ~~العوارض التي تهدد حياته ومن خلال الفكرة المرتكزة في أذهانهم من شمول ~~الفناء لكل الخلق. # إن الإنسان يتأثر بالصفات المحبوبة في الشخص المحبوب بلحاظ وجودها الفعلي ~~الذي ينجذب إليه الإحساس من دون أن يكون للبقاء والزوال أي دخل فيه ، بل ~~إننا نرى أن الحب يبقى حتى بعد فناء المحبوب وهذا ما قد نلاحظه ، في العشاق ~~الذين بلغ بهم العشق حدا بحيث يصابون بالكثير من حالات الألم والحزن والمرض ~~لموت المحبوب الذي يبقى حبه في قلوبهم. # أما كلام الإمام الصادق عليه السلام : «وهل الدين إلا الحب» (1) فقد يكون ~~المقصود به التعبير عن الدرجة التي لا بد من أن يبلغها الإيمان في الجانب ~~الشعوري ، بحيث يتحول إلى حالة من الحب لله من خلال معرفته به وانجذابه ~~إليه بمعنى أن الحالة العقلية تتحول إلى حالة شعورية ، لأن ذلك هو الذي ~~يحرك الإنسان نحو الارتباط العملي بالدين ، لأن هناك فرقا بين الطاعة ~~الصادرة عن خضوع ناشئ من خارج الذات والطاعة الصادرة عن خضوع من داخل الذات. # إن المسألة لديه هي الحب الشعوري الخاص المنطلق من الحب العقلي الذي ~~يرتكز على الاقتناع بالصفة التي تجذب إلى الحب ، لا الحب الذي يتحرك من ~~خلال العناصر الذاتية. # ومن خلال ذلك يظهر أن الحجة هي الأفول الذي ينافي مقام الربوبية لا الحب ~~، وهذا هو الذي يؤكد ما ذكره بعضهم كما يقول صاحب الميزان أن الكلام كان ~~تعريضا خفيا لا برهانا نظريا جليا ، يعرض فيه بجهل PageV09P187 # قومه في عبادة الكواكب أنهم يعبدون ما يحتجب عنهم ولا يدري شيئا من أمر ~~عبادتهم ، وهذا هو السبب في جعله الأفول منافيا للربوبية دون البزوغ ~~والظهور ، بل بنى عليه القول بها ، فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا وإن لم ~~يكن ظهوره كظهور غيره ms2172 من خلقه» (1). # ويرد عليه صاحب الميزان أن وضع قوله تعالى : ( @QUR@09 وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) بين الآيات المتضمنة لحججه ~~عليه السلام أدل دليل على كون حججه مأخوذة من مشهوداته الملكوتية التي هي ~~ملاك يقينه بالله وآياته» (2) لأن إراءة الله إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض تحركت في نطاق مشاهداته وتأملاته التي عبر عنها بطريقته الخاصة في ~~مسألة الانفعال بالكوكب أو الشمس أو القمر الذي جعله مبهورا بجمالها ~~وعظمتها ليصرخ بكل ذهول : ( @QUR@02 هذا ربي ) ثم يأتي الانفعال المضاد من ~~خلال أفوله ، لينتهي من خلال هذه الحركة التأملية إلى الإيمان بالله ، ~~الأمر الذي يؤكد أن مسألة الأفول كانت جزءا من حجته على رفض الإيمان بما ~~آمن به قومه من عبادة الكوكب الذي قيل إنه الزهرة والقمر والشمس لأنها لا ~~تتمتع بسر الربوبية في وجودها. # وقد علل العلامة الطباطبائي أخذ الأفول في الحجة دون البزوغ بأن البزوغ ~~لا يستوجب عدم الحب الذي بنى الحجة عليه بخلاف الأفول ، وهذا مبني على ~~اعتبار عدم الحب هو الحجة وقد بينا فساده (3)، ولذلك فلا يرد على الزمخشري ~~ما ذكره في تفسير الكشاف حيث قال : «فإن قلت : لم احتج عليهم بالأفول دون ~~البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت : PageV09P188 # الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب» (1). # النقطة الثانية : إن إبراهيم عليه السلام كان يعيش التأملات الفكرية ~~والروحية التي كانت تتحرك في ذاته بما يشبه القلق الباحث عن الحقيقة ، فقد ~~بدأ بالتعبير عن الضيق النفسي الذي أحس به بعد أفول الكوكب ، في براءة ~~طفولية رافضة لهذه الظاهرة التي تغيب وتفقد نورها فلا تملك العنصر الذي ~~تتميز به الربوبية في معناها المرتكز في ذهنه. # ثم كان الرفض الثاني لربوبية القمر الذي بهره نوره الهادىء فقال ، وهو ~~يعيش الحيرة القوية التي يخاف منها على نفسه من الضياع إذا لم يبلغ حقيقة ~~اليقين : ( @QUR@08 لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) وانطلق ~~الرفض الثالث لربوبية الشمس في النتيجة النهائية الحاسمة التي تحول فيها ~~القلق إلى اقتناع ببطلان ربوبية ms2173 هذه الظواهر الكونية ، فلا مجال لإدخالها ~~في فرضية الإله لتبقى الحقيقة الوحيدة التي تفرض نفسها على العقل والوجدان ~~من حيث إنها فرضت نفسها على الوجود كله وهي الله الواحد الذي لا شريك له ، ~~ولذلك قال في صرخة الوصول إلى الحقيقة : ( @QUR@015 قال يا قوم إني بريء ~~مما تشركون* إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ) فهو وحده الذي ~~خلق الكون كله ، ولذلك فإنه وحده الذي لا بد من أن يتوجه الخلق إليه ~~بالعبادة والطاعة والخضوع. # وهكذا انطلق التوحيد إبراهيميا فكان ( @QUR@03 ملة إبراهيم حنيفا ) ~~[البقرة : 135] لأنه تحرك في الوجدان من خلال المعاناة الفكرية والشعورية ~~التي طرحت عن الإنسان كل الحواجز التي تحجزه عن اكتشاف الحقيقة من خلال ~~الفطرة الصافية الكامنة في النفس التي توحي بالتوحيد ورفض الشرك. # * * * PageV09P189 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) @QUR@022 ~~وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) @QUR@011 الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) @QUR@014 وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) (83) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وحاجه ): خاصمه ، المحاجة : أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن ~~حجته ومحجته ، والحجة : الدلالة المبينة للمحجة ، أي : المقصد المستقيم ~~الذي يقتضي صحة أحد النقيضين. # ( @QUR@02 ولم يلبسوا ): لم يستروا ولم يخلطوا. واللبس : الستر ، وأصل PageV09P190 # اللبس ستر الشيء ، ويقال ذلك في المعاني. يقال : لبست عليه أمره. # ( @QUR@01 بظلم ): جاء في المجمع : قال الأصمعي : الظلم في اللغة وضع ~~الشيء في غير موضعه قال الشاعر يمدح قوما : # هرت الشقاشق ظلامون للجزر # يريد أنهم عرقبوها فوضعوا النحر في غير موضعه (1). # أما المراد بالظلم هنا فقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنه الشرك انطلاقا من ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) [لقمان : 31] وقد روي عن عبد ~~الله بن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية شق على ms2174 الناس وقالوا : يا رسول ~~الله ، وأينا لم يظلم نفسه فقال صلى الله عليه وآله وسلم إنه ليس الذي تعنون ~~ألم تستمعوا إلى ما قال العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم. وقال الجبائي والبلخي : يدخل في الظلم كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة (2) ~~، وجاء في الحديث عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام مما رواه أبو ~~بصير قال : سألت أبا عبد الله عن قول الله عز وجل ( @QUR@06 الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم ) قال : بشك # ، وفي رواية أخرى عنه أنه الشرك (3). # والظاهر أن الكلمة تتسع لكل انحراف عن خط الإيمان بشكل مباشر أو غير ~~مباشر ، لأن ذلك مصداق لوضع الشيء في غير موضعه بالانحراف بالعقيدة عن ~~أصولها وتفاصيلها ومسارها الطبيعي وعن موقعها الحقيقي بحيث تشمل في بعض ~~الحالات الانحراف العملي الذي يتحرك في خط الانحراف العقيدي كالذين ينحرفون ~~عن ولاية الحق إلى ولاية الباطل ، ومن ولاية الله إلى ولاية الشيطان ، وهذا ~~ما تحدثت به الروايات عن أهل PageV09P191 # البيت عليه السلام في تطبيق المسألة على الولاية بفروعها المتعددة. # * * * ### ||| ** المحاجة بين إبراهيم وقومه # ( @QUR@02 وحاجه قومه ) ودخل قوم إبراهيم معه في حوار عاطفي إن صح ~~التعبير فقد حاولوا التأثير عليه بأساليب التخويف من غضبة الأصنام عليه ، ~~كما يوحي جوابه في الآية ، وما يظهر من الكلام الذي نقله الله في آية أخرى ~~عنهم ( @QUR@07 إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) [هود : 54]. وربما ~~يبدو من جو هذه الآيات أنهم لا ينكرون وجود الله ، بل كانوا يشركون به في ~~العقيدة والالتزام ، إذ كانوا يريدون له أن يتفادى النتائج السلبية من كفره ~~بالأصنام ، بالانتقال إلى الإيمان بها كشركاء لله. # ( @QUR@04 قال أتحاجوني في الله ) ووقف إبراهيم يناقشهم من موقع القوى في ~~العقيدة والالتزام ، فهو لا يعتبر قضية توحيد الله قضية فكرية تأخذ مجالها ~~في الحوار والنقاش ، بل هي قضية وجدانية يحس بها الإنسان في فكره كما يحس ~~ببديهيات الأمور ويعيشها في إحساسه ، كما يحس بالأشياء من حوله ، لأنها ~~تتحرك في كيانه كإشراقة النور في ms2175 العيون في لا تحتاج إلا إلى الفطرة ~~السليمة التي تواجه الأشياء من دون حجاب أو تعقيد ، لتوازن في يقظة وجدانية ~~بين ما هو الفقر المطلق في كل الموجودات ، والغنى المطلق في ذات الله ، ~~لتخرج بنتيجة واضحة أنه هو الخالق للكل ، من دون أن يكون له منازع يعادله ~~ولا شبيه يشاكله ولا ظهير يعاضده ، هو مصدر الحياة والقوة في كل شيء. # وفي ضوء هذا ، أراد إبراهيم عليه السلام أن يوحي إليهم بأن توحيده لله ، ~~لا يمكن أن يرقى إليه الشك ، ليدخل في حوار حوله ، لأن سبيله في PageV09P192 # الإيمان ، ليس سبيل التقليد اللاواعي ، بل هو سبيل المعاناة الفكرية ~~والروحية التي عاشت الهدى كله لله في وعيها للحقيقة المطلقة. # أما هم فمشكلتهم أنهم لم يهتدوا لأنهم عطلوا إحساسهم عن الالتقاء ~~ببديهيات الأفكار ، وأغلقوا وجدانهم عن الحقيقة القادمة إليهم ببساطة ، ~~وجمدوا فطرتهم عن الحركة في آفاق الحياة. ولذلك فإن عليهم الرجوع إلى ~~فطرتهم ، ورفع الغشاوة عن بصيرتهم ، والانطلاق إلى الحقيقة بصفاء ، ليجدوا ~~الهدى بانتظارهم في بداية الطريق ، لا في نهايته ، وبذلك يكون قوله : ( ~~@QUR@02 وقد هدان ) واردا على سبيل الإيحاء بالوضوح الذي يعيشه في مواجهة ~~الضباب الذي يحيط بهم. # أما الخوف من الأصنام ، فهو من الأمور التي لم ترد في حسابه ، لأنه يعرف ~~جيدا طبيعتها الخالية من كل حياة ، أو إحساس ، أو قوة .. ( @QUR@05 ولا ~~أخاف ما تشركون به ) فهي لا تملك لنفسها أية قوة إيجابية أو سلبية ، فكيف ~~تملك الإضرار بالآخرين؟ وهكذا يواجه موضوع التخويف باحتقار واستهانة ( ~~@QUR@05 إلا أن يشاء ربي شيئا ) ولكنه يخاف الله من خلال إدراكه لعظمته ~~المطلقة ( @QUR@05 وسع ربي كل شيء علما ). # ولهذا أراد أن يوحي بأن هذا الإحساس بالأمن أمام الأصنام وغيرها لا ينطلق ~~من الشعور بالقوة الذاتية ، بل من الإحساس بالرعاية الإلهية التي تحميه من ~~كل ما يمكن أن يكون مصدرا للضرر ، بشكل واقعي أو افتراضي من خلال ما يتوهمه ~~الناس ، فإذا أراد الله الإضرار به من خلال أي شيء منها ، فلا مجال للدفاع ~~، فهو مصدر الأمن عند إحساس الإنسان ms2176 بالأمن ، وهو مصدر الخوف في ما يمكن أن ~~يكون أساسا للخوف ، لأنه المحيط بكل شيء ، فيعرف منها ما لا نعرف ، فيسلطها ~~على من يشاء ، ويمنعها عمن يشاء ، وهكذا نجد في هذا الاستثناء ما يشبه ~~الاستثناء المنقطع الذي لا يرتبط PageV09P193 # بمدلول الكلمة بل يتصل بإيحاءاتها بما حولها من الأشياء والقضايا ( ~~@QUR@02 أفلا تتذكرون ). # ثم يختم الفكرة ، بالدعوة إلى أن يتذكروا من خلال التفكير الواعي المستقل ~~غير الخاضع للتقاليد ، ليلتقوا بالحقيقة من أقرب طريق. # ( @QUR@04 وكيف أخاف ما أشركتم ) ثم يبدأ عملية الهجوم بإثارة الخوف من ~~غضب الله الذي لا تقوم له السماوات والأرض في ما أشركوا به ، وفي ما تمردوا ~~عليه ، ليوحي إليهم بأن القضية عكسية ( @QUR@05 ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله )، فهم الذين يجب أن يخافوا ، لا هو ، لأنهم قد أشركوا بالله ( ~~@QUR@06 ما لم ينزل به عليكم سلطانا )، من دون حجة ولا برهان ، أما هو ، ~~فقد آمن به وأطاعه ، فمن الذي يحميهم من الله ، ومن هو الذي يعيش الإحساس ~~بالأمن؟ هل هو الذي يرتبط بمصدر القوة المطلقة ، أو هم الذين لا يرتبطون ~~بأية قوة؟ وتنتهي الآية بالاستنكار : أفلا تعلمون. # ثم يحدد الفريق الآمن ، إنهم ( @QUR@02 الذين آمنوا ) بالله ( @QUR@02 ~~ولم يلبسوا ) ولم يخلطوا ( @QUR@07 إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون ) هؤلاء هم أصحاب الإيمان الصافي الذي لا يشوبه شيء. # والظلم هنا في الآية ينطلق من خلال مفهومه العام الذي يمثل التصرف الذي ~~لا يملك الإنسان معه أي حق أو شرعية ، وبهذا أطلق الظلم على الشرك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) [لقمان : 13] وأطلق على المعصية ~~وعلى العدوان ، لأن كل هذه الأمور تمثل التعدي على ما لله من حق في التوحيد ~~وفي الطاعة ، كما تمثل التعدي على حقوق العباد. أما مصادقه هنا في موضوع ~~الآية فهو الشرك. ولكن الآية توحي بالمعنى الأوسع الذي يحتوي الموقف ~~الإيماني كله في ما يريده الله من الصفاء والنقاء في العقيدة وفي العمل ، ~~فهذا هو الذي يوحي بالأمن ، وهو الذي يلتقي بخط الهدى. PageV09P194 # وتلك هي الحجة التي ألهمها الله لنبيه ms2177 إبراهيم ( @QUR@06 وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه ) من أجل أن يثير في أنفسهم القلق الروحي الذي ~~يدفعهم إلى البحث عن الحقيقة ليحصلوا على الأمن من خلال المعرفة المرتكزة ~~على أساس من وعي وفكر. وهكذا يريد الله لرسله أن يرتفعوا في درجات المعرفة ~~والإيمان والمنزلة ، في ما يحققه لهم من فرص ، ويمنحه لهم من امتيازات ، ~~وفي ما يعيشونه من مواقف ، ويحيطهم به من رعايته ورحمته ولطفه ، وفي ما ~~يقربهم إليه من مستوى النبوة المتحركة في خط الحياة ، لتجعلها قريبة إلى ~~الله بالفكر والإيمان والعمل. # ( @QUR@04 نرفع درجات من نشاء ) وذلك هو فضل الله يؤتيه من يشاء فيرفع ~~درجات من يشاء من عباده ، ( @QUR@03 إن ربك حكيم ) تبعا للحكمة فيما يريده ~~للخلق من رفعة ، ويهيئ لهم من منزلة ، ( @QUR@01 عليم ) وما يعلمه مما يصلح ~~أمورهم في جميع مجالات الحياة. وبذلك اصطفى من اصطفى من عباده ليكونوا ~~الأنبياء الذين يحملون رسالته إلى الناس ، بعد أن اطلع على صفاء أفكارهم ، ~~وعمق روحيتهم ، وسعة آفاقهم ، وطهارة قلوبهم وسلامة مواقفهم ، لأن قضية ~~الاختيار لدى الله لا تمثل امتيازا ومنحة للأنبياء بل تمثل المسؤولية في ~~نطاق الحكمة ، على أساس من الحق الذي أقام عليه الخلق وبنى عليه الحياة. # وهنا قد يتساءل الإنسان : هل الخوف يمثل الحجة والدليل في ما أرادوه أو ~~أراده إبراهيم عليه السلام ؟ ونجيب : إن الخوف حالة وجدانية انفعالية لا ~~تحمل في داخلها فكرا معينا ، ولكنها تحرك الفكر ، من خلال ما تثيره في ~~النفس من الشعور بالحاجة إلى الأمن مما يخاف منه ، الأمر الذي يحرك في ~~الإنسان الإحساس بالمسؤولية ويحمله على ملاحقة الفكرة التي توحي بالخوف ، ~~بحثا عن الأمن الذي ينشده ، وبذلك كان الكفار يحاولون تخويف إبراهيم ~~عليه السلام للضغط عليه نفسيا ومنعه من التمرد على الأصنام ، بينما كان PageV09P195 # إبراهيم يدفعهم إلى مواجهة المسألة بفكر مسئول يحمل لهم الإيمان الذي ~~يحقق لهم الأمن والسلام. وفي ضوء ذلك كان أسلوب التخويف حثا على التحرك ~~باتجاه الوصول إلى الدليل ، وليس هو الدليل. # وترشدنا هذه الآيات إلى مواجهة حملة التخويف والتهويل ms2178 التي يثيرها ~~المستكبرون في إعلامهم ضد المؤمنين الرافضين للأوضاع الاستكبارية من أجل ~~إسقاط مواقفهم ، وهزيمة نفسياتهم ، وذلك من خلال تخويفهم بالقوة الضخمة ~~التي يملكها الاستكبار في مواقعه من جهة ، والاستهانة بالله في الواقع ~~الإيماني الذي يعيشه المؤمنون من جهة أخرى. # إن على المؤمنين أن يقفوا موقف إبراهيم أمام الكفار من قومه في ثبات ~~العقيدة وأصالتها والإحساس بالقوة والأمن من خلال الارتباط بالله فهو الذي ~~يملك الأمر كله ويوحي للإنسان بكل عناصر القوة التي يمدها بأسرار الغيب في ~~صلابة الموقف وأصالة الإنسانية ، فإذا أحس بالضعف في موقع ، فإنه سوف يواجه ~~القوة في إيحاءات الإيمان وحركة التوفيق الإلهي في موقع آخر ، الأمر الذي ~~يتحول فيه الارتباط بالله إلى عامل إيحاء بالقوة كما حدثنا الله به عن موقف ~~النبي عليه السلام في ليلة الهجرة : ( @QUR@018 إذ أخرجه الذين كفروا ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) [التوبة : 40]. # وهذا ما نحتاجه في تأصيل عملية التربية الإسلامية لملء نفس الإنسان ~~المؤمن ثقة بالله وتوكلا عليه ، وإحساسا عميقا بالأمن الروحي الذي لا يزحف ~~الخوف إليه ، لأن ذلك ما يركز بناء الشخصية الإسلامية على الإحساس بالقوة ~~في ساحة التحدي والصراع. # * * * PageV09P196 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ~~ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) ~~@QUR@07 وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) @QUR@08 وإسماعيل ~~واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) @QUR@09 ومن آبائهم ~~وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) @QUR@016 ذلك ~~هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ~~(88) ( @QUR@017 أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) @QUR@016 أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) (90) # * * * PageV09P197 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واجتبيناهم ): اصطفيناهم واخترناهم للرسالة. # ( @QUR@01 وهديناهم ): سددناهم وأرشدناهم فاهتدوا. # ( @QUR@01 لحبط ): بطل ، وأصل الحبط من الحبط ، وهو أن تكثر الدابة أكلا ~~حتى ينتفخ بطنها. # قال الراغب ms2179 : وحبط العمل على أضرب : أحدها أن تكون الأعمال دنيوية فلا ~~تغني في القيامة غناء كما أشار إليه بقوله : ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا ~~من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [الفرقان : 23] والثاني : أن تكون أعمالا ~~أخروية لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى كما روي «أنه يؤتى يوم ~~القيامة برجل فيقال له : بم كان اشتغالك؟ قال : بقراءة القرآن ، فيقال له : ~~قد كنت تقرأ ليقال هو قارئ وقد قيل ذلك ، فيؤمر به إلى النار». والثالث : ~~أن تكون أعمالا صالحة ولكن بإزائها سيئات توفي عليها ، وذلك هو المشار إليه ~~بخفة الميزان (1). # * * * ### ||| ** أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة # وكانت كرامة الله لإبراهيم أن جعل النبوة في ذريته ، من خلال الروح ~~الإيمانية التي أثارها في بنيه ، مما جعل الرسالة وصية متنقلة من الآباء ~~إلى الأولاد الذين عاشوا الإسلام فكرا وروحا وممارسة وحركة حياة ، في ما ~~أراده الله سبحانه لعباده أن يسلموا أمرهم له في كل شيء ، فهو المرجع في كل ~~مسألة ، وهو الملاذ في كل مشكلة .. وهذا هو ما نستوحيه من قوله PageV09P198 # تعالى : ( @QUR@044 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون* أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ~~إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) [البقرة: 132 133] وهكذا كانت ~~هداية الله لهذا الجيل من الأنبياء ، بما فتح الله قلوبهم لرسالته ، وأعدهم ~~لدعوته ، وملأ قلوبهم بالحكمة ، وحياتهم بالتقوى ، فأمكنهم من خلال ذلك أن ~~يكونوا الدعاة الهداة ، المبشرين المنذرين الذين تتحول حياتهم إلى رسالة ~~ورسالتهم إلى حياة ، فيتجاوزون حدود الزمن ، فلا تتحدد آفاقهم بحجم اللحظات ~~التي عاشوها في عمرهم ، بل تمتد لتكون تاريخا في أعمار الآخرين ، لأن ~~رسالتهم لا تمثل فكرهم وتجربتهم المحدودة ، بل تمثل الحقيقة التي يحملها ~~الله إلى الناس كلهم في كل زمان ومكان ، لتكون الصراط المستقيم في جميع ~~أمورهم وقضاياهم ، فلا يبقى هناك مجال لاعوجاج في الفكر ، ولا انحراف في ~~الطريق. # وقد اختلفت ms2180 أجواء هؤلاء الأنبياء ، باختلاف حاجات محيطهم التي يعيشها ، ~~روحيا وعمليا ، ( @QUR@010 ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا ~~من قبل ) وكان منهم نوح النبي ، الذي ذكره الله كنموذج سبق الجيل ~~الإبراهيمي من الأنبياء ، باعتباره النبي الأول في سلسلة النبوات المتحركة ~~في خط الدعوة ، فكان المثال الرائع للإنسان الرسول الذي تتجدد قوته ~~الداخلية ، كلما تجددت التحديات التي يلقاها من الكافرين بدعوته ، فلا ~~ينهار ولا يتزلزل ، ولا يتنازل ، بل يندفع ليكرر التجربة. ويؤكد الرسالة ~~كموقف وحيد للحياة ، ويسخر منه الآخرون فلا يزيده ذلك إلا قوة في الروح ~~والموقف ، فيسخر منهم بشجاعة الإنسان الذي يدرك أن الله معه. # وجاء الطوفان ليشكل نهاية الجيل الكافر ، ليبدأ نوح الدعوة مع جيل جديد ~~إلى الإيمان بالله ... لتبدأ الحياة بعيدا عن الحواجز الضاغطة من قبل PageV09P199 # الكافرين المعاندين. # ( @QUR@08 ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ) الذين ~~تميزت أدوارهم بالسلطة التي يملكونها ، والحكم الذي مارسوه ، بالإضافة إلى ~~النبوة .. فقد جعل الله داود خليفة في الأرض ليحكم بين الناس ، وأعطى ~~سليمان رغبته في ملك لا ينبغي لأحد من بعده ، ووهب أيوب ، قبل أن يبتليه ، ~~السطوة الكبيرة في قومه كما يروى وأعطى يوسف الملك في مصر ، أما موسى ~~وهارون ، فقد مارسا الحكم في بني إسرائيل .. وهكذا كانت حياة هؤلاء مظهرا ~~للقوة يريد الله من خلالها الإيحاء بأن النبوة لا تعني الضعف لانطلاقها من ~~أساليب اللين والحكمة وحركة السلام في الحياة. # ( @QUR@07 وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ) الذين تميزت ~~حياتهم بالروحانية الصافية في أسلوب العيش وفي حركة العلاقات ، وبالوداعة ~~الطاهرة التي كانت تتفايض في عيونهم إشراقا وحبا ورحمة للعالمين ، ~~وبالانقطاع عن زخارف الدنيا ، كمظهر من مظاهر الوقوف ضد المادية المفرطة ~~المتمثلة في عصرهم ، ليتحقق للحياة التوازن بين الأسلوب الروحي والأسلوب ~~المادي في الحياة ، فتعيش الروح واقعية المادة كما تعيش المادة مثالية ~~الروح ، وبذلك لا يبتعد الواقع العملي للناس عن آفاق الله .. # وقد لا يتحقق ذلك في بعض الحالات من خلال المواعظ والنصائح ، بل يحتاج ~~إلى المثل الحي الذي يمثل القدوة ms2181 الحسنة ، لأن الفكرة إذا لم تتحول إلى ~~تجسيد عملي في الشخص فإنها لا تترك تأثيرها العميق في حركة الواقع .. ولذلك ~~كانت النماذج المفرطة في المادية ، تحتاج إلى حركة تمثل الإفراط في المظهر ~~الروحي الرافض لعبودية المادة وليس للمادة نفسها ، فالمادة من مستلزمات ~~الحياة التي يريد الدين بناءها ، خلافا لما يحاول البعض اتهام الدين به في ~~مثالية خيالية لا تمت إليه بصلة. # ( @QUR@04 وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا )، وقد ابتلاهم الله بظروف صعبة ، PageV09P200 # ومشاكل معقدة في حياتهم ، واجهوا ذلك كله بالإيمان والصبر والمسؤولية ~~العالية حتى استطاعوا أن يقدموا من أنفسهم النموذج الأمثل للإنسان المؤمن ~~الصابر أمام المصاعب والتحديات ، والواثق بالله في ما ينتظره من فرج ~~وانتصار. # وقد قدم الله سبحانه لكل نموذج من هؤلاء وصفا خاصا يتناسب مع طبيعة الدور ~~الذي أوكله إليه .. فمع النموذج الأول جاءت فقرة : ( @QUR@03 وكذلك نجزي ~~المحسنين ) في ما تفرضه حركة السلطة العادلة ، والقوة المسؤولة من إحسان ~~للناس في تقديم العدالة لهم ، وتقوية ضعفهم ، وفي النموذج الثاني ، جاءت ~~فقرة : ( @QUR@03 كل من الصالحين ) في ما توحي به كلمة الصلاح من معان ~~روحية تلتقي بالصفاء والوداعة والربانية في القول وفي العمل ، والزهد في ~~مواجهة شهوات الدنيا .. وفي النموذج الثالث : ( @QUR@04 وكلا فضلنا على ~~العالمين ) لما يحتويه البلاء من اختبار للطاقة الروحية ، وفي ما ينتهي ~~إليه من انتصار على تحدياته ومشاكله ، وفي ما ينطلق معه من مواقف وتطلعات ، ~~مما يعطي معنى الفضل على الجو الذي يحيط بهم ، والتفضيل على الناس الذين ~~يعيشون معهم. # وعلى ضوء هذا ، يمكننا أن نقرر أن المراد بالعالمين هنا ، هم الناس الذين ~~يعاصرونهم ، وليس تفضيلهم على جميع الناس ممن تقدمهم أو تأخر عنهم ، لأن ~~ذلك يستلزم أن يكونوا أفضل من جميع الأنبياء ، حتى أولي العزم ، وهذا مما ~~لم يلتزم به أحد ، أما احتمال أن تكون الفقرة راجعة إلى جميع الأنبياء فهو ~~خلاف ظاهر التنويع الذي ألمحنا إليه في كل آية مع كل نموذج تعرضت إليه ~~الآيات ، والله العالم. # * * * ### ||| ** كيف نفهم التنويع في نماذج الأنبياء؟ # وقد يقول قائل : إن الالتزام ms2182 بهذا التنويع في نماذج الأنبياء قد يعني PageV09P201 # التوزيع في مقومات الشخصية لدى الأنبياء بين زاهد لا يملك السلطة ، ~~وسلطان لا يعيش الزهد ، ومبتلى لا يحمل المسؤولية ، وهذا مما قد لا ينسجم ~~مع طبيعة الرسالة التي يحملها كل واحد منهم من أجل تغيير المجتمع في الواقع ~~الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي على هدى الله في ما يأمر به أو ~~ينهى عنه ، مما يفرض أن لا يترك الرسول أي فراغ في حياة الناس ، لئلا تبقى ~~النظرات المختلفة بمثابة نقاط ضعف في حركة الإنسان في الحياة ، ولذلك فإن ~~من المفروض أن تكون مهمة الرسول شاملة ، مما يفرض أن تكون شخصيته متكاملة ~~في طبيعتها وأخلاقيتها ودورها العملي. # ويجاب عن ذلك ، بأن إبراز دور معين في شخصية هذا النبي أو ذاك ، لا يعني ~~تحديد هذه الشخصية ، بل كل ما يعنيه هو تميز المرحلة التي يعيشها ، بهذا ~~الدور لحاجتها الواقعية إليه .. وبذلك فلا مانع من اشتراكهم في مستوى حمل ~~المسؤولية أمام الله تجاه الناس ، وفي الصفات الذاتية التي تمثل العمق ~~الروحي في طبيعة الشخصية ، وفي الحركة العملية في الدعوة إلى الله وفي ~~الجهاد في سبيله. # إن التنوع في الخصوصيات الذاتية تابع لتنوع الأدوار والظروف التي يعيشها ~~الإنسان في ساحة الواقع ، وهذا مما يمكن أن نستفيده في مجال حركة العاملين ~~في سبيل الله ، فقد يعيش البعض منهم في منطقة تفرض عليهم ظروفها أن يدخلوا ~~في إطار عملي قوي يمارسون فيه السلطة والحاكمية ، لأن قضية التحديات تفرض ~~المواجهة على هذا المستوى ، وقد يعيش البعض منهم في منطقة أخرى تفرض عليهم ~~ظروفها أن يعيشوا الزهد في المظهر والانقطاع عن الدنيا في حركة الحياة ، ~~لأن هذا هو السبيل الموحي بالروحية الصافية التي تحرك المشاعر ، وتثير ~~الأفكار ، وتحقق الثقة ، وتوصله إلى الهدف الكبير في إيصال الرسالة إلى ~~أفكار الناس ومشاعرهم .. # وقد تفرض عليهم الظروف أن يعيشوا المشاكل والتحديات وصنوف PageV09P202 # البلاء والحياة الصعبة ليدللوا على إمكانية الثبات أمام صعوبات الحياة ، ~~وعلى واقعية الرسالة أمام تحديات الكفر والانحراف. # وهكذا تكون قضية التنوع مرتبطة بالجانب ms2183 البارز من شخصية كل منهم ، مع ~~توفر العناصر الأخرى في شخصية كل منهم. # * * * ### ||| ** ذلك هدى الله يهدي به من يشاء # وإذا كان الله قد أعطى هؤلاء الأنبياء الهداية ، فقد منحها للمحيط الذي ~~عاشوا فيه ، والبيئة التي انتموا إليها ، من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~الذين عاشوا الخط الإلهي فكرا وأسلوبا وعملا مما أدى إلى نمو الأجيال داخل ~~هذه المجتمعات نموا طبيعيا ، فيجتبيها الله بما عرفه من هداها الذي سارت ~~عليه ، وطريقها المستقيم الذي عاشت فيه .. # وهذا هو الخط الواحد الذي يتميز بطبيعة الوحدانية في العقيدة والعمل ، مع ~~كل ما تفرضه من مفاهيم ومسئوليات وعلاقات ، ( @QUR@09 ذلك هدى الله يهدي به ~~من يشاء من عباده )، من خلال الوسائل التي هيأها لهم ليجربوا ويختبروا ، ~~بعيدا عن الإكراه والجبر والقهر .. فإن الله لا يهدي عباده بطريقة قسرية ، ~~كما لا يضلهم كذلك ، بل يحقق لهم كل ذلك ، بالأسباب الاختيارية التي توصل ~~إلى الهدى ، فتؤدي بهم إلى رضى الله عليهم وقبوله لعملهم. # ( @QUR@02 ولو أشركوا ) أما إذا تمردوا على هدى الله ، وانحرفوا عن خط ~~التوحيد ، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا ، ( @QUR@05 لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون ) فإن الله سيحبط كل أعمالهم ويحولها إلى رماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف ، لا فرق في ذلك بين إنسان وآخر .. فلا امتيازات ولا طبقية ، فيمن يرضى PageV09P203 # عنه الله ، أو يغضب عليه ، بل الأمر كله خاضع للقاعدة الوحيدة ، وهي ~~العمل في طريق الخير ، أو العمل في طريق الشر ، فهي القاعدة التي ترفع ~~الأنبياء والأوصياء والأولياء ، وهي القاعدة التي تضع الشياطين والكافرين ~~والأشقياء. # * * * ### ||| ** الأنبياء يحكمون الحياة # ثم يعود بنا إلى الأنبياء ( @QUR@04 أولئك الذين آتيناهم الكتاب ) الذي ~~يبين للناس خط الحياة الفكري والعملي ( @QUR@01 والحكم ) والحكم الذي يمثل ~~الميزان الفاصل بين الحق والباطل والخير والشر ، ليقوم الناس بالقسط ( ~~@QUR@01 والنبوة ).. وبذلك لا تكون مسئولية الأنبياء هي التبليغ والإنذار ~~فقط ، وإنما تمتد إلى التطبيق والتنفيذ ، بل هناك دور آخر ، وهو الحكم بين ~~الناس في ما يختلفون فيه ، وفي ما يتنازعون عليه ، ويتحركون فيه من شؤون وشجون. # وليس ms2184 الكتاب الذي آتاهم إياه شأنا ذاتيا ينطلقون فيه من خبرة ذاتية ~~وثقافة شخصية ، بل هو ممتد من خط النبوة التي آتاهم الله إياها ، فيما أوحى ~~به إليهم من آياته وشرائعه وإحكامه. # وهكذا يلتقي في شخصية النبي الذي اختاره الله ، دور النبي الذي يحمل ~~الكتاب وحيا من الله ، ويعيش النبوة رسالة في حركة الحياة من حوله ، لما ~~يفرضه ذلك الدور من وصل بين عالمي الحس والغيب في حياة الإنسان إضافة إلى ~~ذلك دور الحاكم الذي يحرك الرسالة في الواقع التنفيذي الذي تلتقي فيه ~~النظرية بالتطبيق ، في ما أراده الله للإنسان من القيام بالقسط في مجالات ~~حياته العامة والخاصة ، فكان الكتاب هو الذي يخطط شرعة العدل ، وينظم ~~ركائزه وقواعده ، وكان النبي هو الذي يطبق وينفذ ويحكم ، ليتحول الخط إلى ~~حركة حياة ، وبرنامج عمل ، وخط سير. PageV09P204 # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن الحكم لا ينفصل عن دور النبوة ، كما يخيل للبعض ~~الذي يحاول أن يثير في الفكر الإسلامي قضية الفصل بين الرسالة والحكم ، ~~ليوحي بأن دور الأنبياء هو الإبلاغ والإنذار والتبشير والتذكير ، لا دور ~~التنفيذ والتطبيق والضغط ، بل ربما نستوحي من المهمة النبوية أنها تقود ~~عملية التغيير بالفكر والممارسة والحركة ، ولا تكتفي بالإيحاء الفكري بذلك ~~، لأن الأنبياء في وعيهم للخطة الفكرية أو التشريعية ، هم من يعرف خطة ~~التطبيق ، فهم أولى الناس بهذا الدور في ما يراد له من حفظ سلامة الخط ~~ووضوح الرؤية. # وإذا كان بعض الأنبياء لم يبلغوا هدفهم في تغيير الواقع على أساس قضية ~~الحكم الشامل ، فليس ذلك من جهة أن الهدف لا يلتقي بمواقع الحكم ، بل لأن ~~الظروف الموضوعية المحيطة بهم لم تحقق لهم الوصول إلى النتائج المرجوة ، ~~لأن أدوات التغيير لم تستكمل عملية الإعداد والتنفيذ ، أو لأن الساحة ~~العملية لم تحفل بالامتداد الذي يعطي للحكم سعة الأفق وامتداد التجربة ، ~~لأن القضايا التي تتحرك في حياة الناس ، والمشاكل التي تتحدى أوضاعهم ، ~~كانت تنطلق من مواقع محددة ، ومشاكل ضيقة ، لا مجال معها لبروز الحكم في ~~صورته الواسعة ، بما قد يوحي للآخرين بأن ms2185 الحكم لا يمثل هدف المسيرة ~~النبوية. # * * * ### ||| ** سيرة الإيمان لا تتوقف بكفر الكافرين بها # وهذه هي المسيرة التي أراد الله للناس أن يسيروا معها ويؤمنوا برسالتها ، ~~وينطلقوا مع أهدافها على أساس ما قدمه لهم الأنبياء من بينات وبراهين ( ~~@QUR@04 فإن يكفر بها هؤلاء ) المشركون ، ويتمردوا عليها فإن المسيرة لن PageV09P205 # تتوقف ، والرسالة لن تموت ، لأن قضية حياة الرسالة ليست قضية فئة ، تتحرك ~~بحياتها وتموت بموتها ، بل هي قضية انفتاح القلوب على إشراقة الإيمان في ~~داخلها ، في كل جيل وفي كل مكان ، مما يحقق للإيمان الانتصار في هذا الجيل ~~أو ذاك ، أو في هذه المرحلة أو تلك .. ويكفل لمسيرة الإسلام أن تتقدم. وهذا ~~ما عبر عنه الله سبحانه بقوله : ( @QUR@07 فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين ). # ووقف المفسرون أمام هذه الفقرة ليحددوا شخصية هؤلاء الذين وكلهم الله ~~بالرسالة ، واختلفوا حول هذا الأمر. ونحن لا نظن بأن الآية واردة في مجال ~~الإشارة إلى أشخاص معينين ، أو فريق معين ، بل هي واردة في مجال الحديث عن ~~عدم سقوط الرسالة ، وانتهاء المسيرة بكفر الكافرين من هؤلاء ، لأن الله ~~يرسل من عباده أناسا يؤمنون بها ويحملون شعاراتها ، ولا يكفرون بمبادئها ، ~~وهم الذين انطلقوا مع الرسالة في كل مراحلها في حركة الحياة. وربما انطلق ~~الكثير مما حددوه ، من موقع الحدس والتخمين ، لا من موقع الرواية واليقين. # وتنطلق خاتمة الفصل بالآية التي تدعو النبي إلى أن يقتدي بهذا الهدى الذي ~~أرشد الله إليه هؤلاء الأنبياء ، فيهتدي به ، على أساس أنه هدى الله الذي ~~تتحرك به الحياة فتحتوي كل مراحلها في خطة موحدة لا سبيل معها للانحراف أو ~~التبديل ، لأنه يمثل الحل الرسالي لمشكلة الإنسان ، بعيدا عن الخصوصيات ، ~~ولذلك كانت التغييرات والتبديلات في شرائع الأنبياء لا تمس المبادئ العامة ~~، بل تتعرض للتفاصيل التي لا تمثل إلا اختلافا في التطبيقات والهوامش ~~والشكليات ، وهذا هو قوله تعالى : ( @QUR@06 أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده ). # وفي ضوء ذلك ، كانت الرسالة الإسلامية تؤكد في دعوتها إلى الإيمان ، على ~~الإيمان بما أنزل إلى الرسول محمد صلى الله ms2186 عليه وآله وسلم وإلى الأنبياء الذين PageV09P206 # سبقوه ، انطلاقا من وحدة الرسل في وحدة الرسالة. # * * * ### ||| ** الأنبياء : رسالات متواصلة # قد نستوحي من هذه الآية ، أن الله لا يريد لرسله وللعاملين في سبيله ، أن ~~يتحركوا في دعواتهم من منطلق ذاتي يؤكد على الجانب الشخصي الذي يستدعي ~~انطلاق كل واحد منهم من نقطة البداية بعيدا عن خطوات الآخرين الذين سبقوه ، ~~لأنه لا يريد أن يوحي بالفكرة التي تقول إنه بدأ من حيث انتهى الآخرون ، أو ~~إنه يسير على الهدى الذي ساروا عليه ، لأن ذلك ينقص من شخصيته التي تبحث عن ~~الاستقلال الذاتي ، في ما تطرحه من قضايا ، أو تدعو إليه من دعوات وإن ~~اتفقت مع ما يطرحه الآخرون أو مع ما يدعون إليه ، بل يريد لهم أن يتحركوا ~~من منطلق الرسالة ، فهي القاعدة ، والمسار ، والهدف ، وهي التي تعطي ~~للشخصيات معنى وقيمة وامتيازا ، فهي التي ترتقي بهم إلى الدرجات العليا ، ~~وليسوا هم الذين يرتقون بها. # وعلى هذا الأساس ، فإن النبي لا يعيش هم الذات في حركته ، بل يعيش هم ~~الرسالة في منطلقاته ، مما يجعل من موقعه في حركة الرسالة موقعا يكمل ~~السلسلة في خطواتها ، لا موقعا يعطي الذات دورا مميزا منفصلا عن الأدوار ~~الأخرى. وهذا ما جعل عيسى عليه السلام يقول في ما روي عنه جئت لأكمل الناموس ~~، وما دعا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول : إنما بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق ، انطلاقا من الهدى الذي جاء به الأنبياء في مكارم الأخلاق (1)، ~~وجاء به في رسالته التي تكمل خط السير. # وربما كان لنا أن نستوحي من ذلك ، أن الله يريد أن يعلمنا أن لا PageV09P207 # نستغرق في الأنبياء كأشخاص ، بل أن نستغرق فيهم كخط وكهدى وكرسالة .. وأن ~~لا نقول إن هذا النبي أفضل من ذاك ، ليكون ذلك مبعث خصام وخلاف وانقسام في ~~ما بيننا ، لأنهم لم يعيشوا في حياتهم هذا الهاجس ، ولم يتحركوا من أجل ~~تأكيده ، وإن كان الله قد فضل بعضهم على بعض ، لكن ذلك لا يباعد بين ~~خطواتهم ، بل كل ما هناك هو ms2187 السير على الخط الذي ساروا عليه ، في اتجاه ~~الهدف الأسمى ، لأن الله هو الذي يفاضل بينهم في الدرجات ، بعد أن فاضل ~~بينهم في مسئوليات الحياة ، وليس لنا في ذلك دخل من قريب أو من بعيد ، ~~فلنقف حيث يريد الله لنا أن نقف ، ولنوفر على أنفسنا جهد البحث في ما لا ~~سبيل لنا للإحاطة به ، ولا فائدة لنا في الوقوف عنده ، ولندخر تفكيرنا لما ~~أرادنا الله أن نخوض في معرفته ، وللجهاد في سبيله ، من خلال قيادة الرسول ~~فكرا وحركة وعملا. # * * * ### ||| ** الأنبياء لا يسألون الناس أجرا # وماذا بعد ذلك؟ إن هدى الله الذي سار عليه الأنبياء كان يقدم نفسه إلى ~~الناس منحة وعطية من دون أجر ، بكل محبة وإخلاص ، لأن الله أراد للحقيقة أن ~~تعيش في حياة الناس كالنور والماء والهواء ، لينفتحوا عليها ، بكل بساطة ~~وعفوية ، لتلامس أرواحهم وأفكارهم ومشاعرهم من دون حواجز أو عقبات لأن ~~الإنسان الذي يشعر بأنه يدفع الأجر لمن يدعوه إلى اتباع ما يحمله من رسالة ~~، قد يعيش الشعور السلبي بالمعنى التجاري للرسالة ، في ما تعنيه قضية ~~التجارة من معنى السلعة للمعوض ومعنى الثمن للعوض ، ومعنى التاجر لمن يقدم ~~السلعة ، ودور المشتري لمن يدفع الثمن ، ثم قد تقف مثل PageV09P208 # هذه العملية التجارية حجر عثرة في حركة الرسالة ، في خضوع قضية الانتماء ~~إليها والإيمان بها ، لقوانين العرض والطلب والانفراج أو الانكماش ~~الاقتصادي ، في ما تعيشه حياة الناس من أزمات أو انفراجات. # إن الله يريد للرسالة أن تدخل في وعي الناس ، من خلال روحية الرسول الذي ~~يعيش العطاء بدون مقابل ليعيش الناس الإحساس بأنها حقهم كما هي مسئوليتهم ، ~~ولذلك فلن يكون الأجر منهم هو ما يستهدفه الرسول ، بل الإيمان الذي يحقق له ~~محبة الله ورضاه ، ولن تكون قدرتهم على دفع الأجر هي التي تفتح لهم باب ~~الإيمان ، وتدفع الرسول إلى أن يقدم إليهم آياته وبراهينه ، بل قدرتهم على ~~الاستماع والتفكير والحوار والاستعداد للسير في خط الهدى المستقيم. # وهذا ما جعل شعار الأنبياء كلهم أمام أممهم ( @QUR@05 قل لا أسئلكم عليه ~~أجرا ms2188 ) لأنهم لا يملكون شيئا مما يقدمونه للناس ، بل هو ملك الناس الذي ~~وهبه الله لهم ، كما وهب لهم الحياة ، والذي أراد لهم من خلاله أن يخرجوا ~~من غفلتهم ويتذكروا دائما كيف يحركون حياتهم في اتجاه الله ، حيث الحق ~~والخير والعدل والإيمان ، فلا حق للنبي بالأجر ، في ما أعطاه الله ، ( ~~@QUR@05 إن هو إلا ذكرى للعالمين ). # إن هذه الروحية التي عاشها أنبياء الله ، هي روحية الرسالة التي تحمل هم ~~الناس في وعيهم للحقيقة ، وفي انفتاحهم على الحياة ، وفي إخلاصهم لله ، مما ~~يدفعها إلى أن تحطم الحواجز في سبيل ذلك ، وأن تدفع الثمن من جهدها وحياتها ~~، بعيدا عن كل ما يوحي بالعوض ، أو يثير قضية الأجر. # وهذا ما نحتاجه في سلوك العاملين من أجل الرسالة ، ليعيشوا رسالية العمل ~~، ولا يغرقوا في تفصيلات المهنة ، فإذا واجهتهم المشاكل بالتحديات ، وقفوا ~~أمامها بوعي الرسالة ، وقوة الإيمان ، وإذا أثقلتهم المسؤوليات ، عاشوا PageV09P209 # مع الله فوهبهم منه القوة ، التي تخفف عنهم ما يحسونه من ثقل فيشعرون كما ~~لو كانوا يطيرون في خفة النسيم وزهو الشعاع المتدفق من ينابيع الشروق. فهم ~~مع الله دائما على موعد ، كلما كان لهم موعد مع الناس في حركة الرسالة ، ~~لأن ذلك ما يوحي إليهم بالروحية الفياضة بالرحمة والمحبة والحنان. وبذلك ~~كان لهم هذا الامتداد في حياة الناس ، من خلال امتدادهم الروحي في حجم ~~الرسالة ، ليعيش ذلك كله تاريخا وإيمانا يتحرك للحياة ليركزها على قاعدة ~~جديدة ، من الاهتمام بأمور الناس والتفاعل مع قضاياهم ومشاكلهم ، في وعي ~~يبعد الذات عن الساحة ، لتبقى الساحة للرسالة في كل المجالات. # * * * ### ||| ** إشكالية نسب ابن البنت إلى الجد # وهنا مسألة أثارها المفسرون في استيحاء قوله تعالى : ( @QUR@03 وزكريا ~~ويحيى وعيسى ) حيث ذكر عيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام ، مما ~~يدل على أن ابن البنت هو من ذرية الجد ، فلا ينحصر النسب بالقرابة الحاصلة ~~من جهة الأب. وقد انطلق التدقيق في هذه المسألة من خلال الجدل الذي دار حول ~~انتساب الحسن والحسين عليه السلام إلى رسول الله ، باعتبار أنهما ابنا ابنته ms2189 ~~فاطمة عليها السلام . # فقد جاء في تفسير العياشي عن أبي حرب عن أبي الأسود قال : أرسل الحجاج ~~إلى يحيى بن يعمر قال : بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ~~تجدونه في كتاب الله ، وقد قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أجده. قال ~~: أليس تقرأ سورة الأنعام؟ ( @QUR@04 ومن ذريته داود وسليمان ) حتى بلغ PageV09P210 # ( @QUR@02 ويحيى وعيسى ) قال : أليس عيسى من ذرية إبراهيم؟ قال : نعم ~~قرأت (1). # وفي الدر المنثور : أخرج أبو الشيخ ، والحاكم ، والبيهقي عن عبد الملك ~~ابن عمير قال: دخل يحيى بن يعمر على الحجاج ، فذكر الحسين ، فقال الحجاج : ~~لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال يحيى : كذبت. فقال : ~~لتأتيني على ما قلت ببينة ، فتلا : ( @QUR@04 ومن ذريته داود وسليمان ) إلى ~~قوله ( @QUR@02 وعيسى وإلياس ) فأخبر تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه. ~~قال : صدقت (2). # وقد انطلق القرآن في قضية النسب في القرابة من خلال الواقع التكويني الذي ~~يشد الوالد إلى من تولد منه بالواسطة أو بشكل مباشر وهذا ما نلاحظه في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) [النساء ~~: 11] وقال : ( @QUR@019 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) [النساء ~~: 7] وقال في آية المحارم : ( @QUR@04 حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) ~~[النساء : 23] إلى قوله تعالى : ( @QUR@05 وأحل لكم ما وراء ذلكم ) [النساء ~~: 24] ومن المعروف أن بنت البنت ترث في غياب البنت تماما كما هو ولد الولد ~~، وأن بنت البنت محرمة على الجد بلحاظ شمول كلمة البنت لها. # وقد جاء الحديث عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام مما رواه في الكافي ~~بإسناده عن عبد الصمد بن بشير عن أبي الجارود قال : قال لي أبو جعفر ~~عليه السلام : يا أبا الجارود ، ما يقولون لكم في الحسن والحسين عليه السلام ~~؟ قلت : ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فأي ~~شيء احتججتم عليهم؟ قلت : احتججنا عليهم بقول الله عز وجل في عيسى بن مريم ms2190 ~~عليها السلام : PageV09P211 # ( @QUR@014 ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى ) فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوح عليه السلام . # قال : فأي شيء قالوا لكم؟ قلت : قالوا : قد يكون ولد الابنة من الولد ولا ~~يكون من الصلب ، قال : فأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت : احتججنا عليهم بقول ~~الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@09 فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) [آل عمران : 61] قال : فأي شيء ~~قالوا؟ قلت : قالوا : قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول : أبناؤنا ~~، قال : فقال أبو جعفر عليه السلام يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب الله ~~جل وتعالى أنهما من صلب رسول الله عليه السلام لا يردها إلا الكافر ، قلت : ~~وأين ذلك جعلت فداك؟ قال : من حيث قال الله تعالى : ( @QUR@05 حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ) الآية إلى أن انتهى إلى قوله تبارك وتعالى : ( ~~@QUR@05 وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) فسلهم يا أبا الجارود هل كان ~~يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا : نعم ، ~~كذبوا وفجروا ، وإن قالوا : لا فهما أبناه لصلبه (1). # * * * PageV09P212 ### ||| * الآيات # ( @QUR@044 وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون (91) @QUR@022 وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم ~~يحافظون (92) @QUR@049 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ~~ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في ~~غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون ~~بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) @QUR@029 ~~ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما ~~نرى معكم شفعاءكم ms2191 الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما ~~كنتم تزعمون ) (94) # * * * PageV09P213 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ): أي ما عرفوا الله حق معرفته وما ~~عظموه حق عظمته ، والقدر والتقدير تبيين كمية الشيء وقدر الشيء كميته من ~~عظم أو صغر ونحوهما واستعمل في المعاني بمعنى العطية. يقال : قدر فلان عند ~~الناس يعني عظمته في أعين الناس ووزنه في مجتمعة ويلزم ذلك الوصف والمعرفة. # ( @QUR@01 قراطيس ): جمع قرطاس : وهو ما يكتب فيه من ورق وجلد وغيرهما. # ( @QUR@01 مبارك ): جاء في مفردات الراغب : أصل البرك صدر البعير وإن ~~استعمل في غيره ، ويقال له : بركة ، وبرك البعير ألقى ركبه واعتبر منه معنى ~~الملزوم فقيل : ابتركوا في الحرب أي ثبتوا ولازموا موضع الحرب وبراكاء ~~الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال ، وابتركت الدابة وقفت وقوفا ~~كالبروك وسمى محبس الماء بركة. والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء قال ~~تعالى : ( @QUR@06 لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) [الأعراف : 96]. ~~وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة والمبارك ما فيه ذلك الخير ~~، على ذلك ( @QUR@04 وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) تنبيها على ما يفيض فيه من ~~الخيرات الإلهية. قال : ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه ~~لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه ~~بركة ، وإلى هذه الزيادة أشير بما روي أنه لا ينقص ماله من صدقة ، لا إلى ~~النقصان المحسوس حسب ما قال بعض الخاسرين حيث قيل له ذلك فقال بيني وبينك ~~الميزان. ثم أنهى كلامه أن المراد بتباركه تعالى اختصاصه PageV09P214 # بالخيرات. # * * * # ( @QUR@02 أم القرى ): مكة ، سميت بذلك إما لأنها قبلة أهل القرى أو ~~لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، فكأن القرى نشأت منها ، أو لأن الدعوة ~~ابتدأت منها ، فكأن القرى في العالم تتفرع منها وترجع إليها كما هي الأم ~~بالنسبة إلى أطفالها ، ولهذا كانت مكة هي المركز ، وتوصف المدن والبلدان ~~بالأقصى والأولى تبعا لدنوها وبعدها منها ، وهذا ما جاء في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 الم* غلبت الروم في أدنى الأرض ms2192 ) [الروم : 1 3]. # ( @QUR@01 افترى ): أصل الافتراء القطع من فريت الأديم أفريه فريا ، ~~فكأن الافتراء هو القطع على خبر لا حقيقة له ، والفترة الغشية ، شدائد تحيط ~~بصاحبها وتغمره فتولد السكرات. # ( @QUR@01 غمرات ): جمع غمرة وغمرة كل شيء معظمه وغمرات الموت شدائده ، ~~وأصله الشيء يغمر الأشياء فيغطيها ، وجعل مثلا للجهالة التي تغمر صاحبها ~~«الجهل المطبق» وسمي من يرمي نفسه في الحرب مغامرا. # ( @QUR@01 الهون ): بضم الهاء الهوان ، والهون بفتح الهاء : الدعة ~~والرفق ومنه ( @QUR@04 يمشون على الأرض هونا ) [الفرقان : 63]. # ( @QUR@01 فرادى ): جمع فرد وهو الذي لا يختلط به غيره فهو أعم من الوتر ~~وأخص من الواحد كما يقول الراغب (1). # ( @QUR@01 خولناكم ): التخويل الإعطاء وأصله تمليك الخول كما أن التمويل ~~تمليك الأموال ، وخوله الله أعطاه مالا. PageV09P215 # ( @QUR@01 بينكم ): البين : مصدر بان يبين إذا فارق. قال أبو زيد : بان ~~الحي بينونة وبينا إذا ظعنوا وتباينوا أي تفرقوا بعد أن كانوا جميعا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي في الآية ( @QUR@09 إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء ) قال سعيد بن جبير : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن ~~الصيف ، فخاصم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أما تجد في ~~التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟» ، وكان حبرا سمينا ، فغضب وقال : ~~والله ما أنزل الله على بشر من شيء ، فقال له أصحابه الذين معه : ويحك ولا ~~على موسى؟ فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء ، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية (1). # وقال ابن عباس في رواية الوالبي قالت اليهود : يا محمد ، أنزل الله عليك ~~كتابا ، قال : نعم ، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا فأنزل ~~الله تعالى : ( @QUR@011 قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى ~~للناس ) وقال محمد بن كعب القرظي : أمر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يسأل أهل الكتاب عن أمره وكيف يجدونه في كتبهم فحملهم حسد محمد أن كفروا ~~بكتاب الله ورسوله ، وقالوا : ( @QUR@07 ما أنزل الله ms2193 على بشر من شيء ) ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية (2): وذكر في رواية أخرى أن آية ( @QUR@09 إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) يعني مشركي قريش (3). # ونلاحظ أن اختلاف هذه الروايات يوحي بأن القضية لم تكن رواية عن PageV09P216 # الحس في حضورهم في وقت نزول الآية أو روايتهم عمن عاش في تلك الحالة ، بل ~~كانت اجتهادا شخصيا في محاولة لتطبيق الآية على حادثة أو واقعة مفروضة ~~عندهم ، ويؤيد ذلك التكلف في أسلوب الروايات ، والله العالم. # وقد نلاحظ على هذه الروايات أنه ليس من الطبيعي إنكار اليهود إنزال ~~الكتاب على بشر في الوقت الذي يلتزمون التوراة ككتاب أنزله الله على موسى ~~عليه السلام . وقد رد العلامة الطباطبائي قدسسره في الميزان بأنه لا يمنع أن ~~يتفوه به بعضهم تعصبا على الإسلام أو تهييجا للمشركين على المسلمين ، أو ~~يقول ذلك عن مسألة سألها المشركون عن حال كتاب كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يدعي نزوله عليه من جانب الله سبحانه ، وقد قالوا في ~~تأييد وثنية مشركي العرب على أهل التوحيد من المسلمين ... إلى آخر ما قال (1). # ولكن هناك فرقا بين الموقف من المسلمين أو من بعض التفاصيل وبين إنكار ~~إنزال الكتاب على بشر أيا كان ، فإن ذلك يؤدي إلى إنكار أساس دينهم مما لا ~~يتناسب مع إصرارهم بأنهم هم الذين يمثلون الشرعية الدينية من قبل الله ~~وأنهم وحدهم أهل الكتاب ؛ والله العالم. # كما أن رواية القرظي لا تنسجم مع طبيعة الأمور إذ لا نعقل وجها لتكليف ~~الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن يسألهم عن صفته في كتبهم ليجيبوا بنفي ~~وجود كتاب منزل من الله من حيث الأساس. # وقد جاء في أسباب النزول للواحدي في قوله تعالى : ( @QUR@011 ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ) الآية ، نزلت في مسيلمة الكذاب ~~الحنفي كان يسجع ويتكهن ويدعي النبوة ويزعم أن الله أوحى إليه (2). PageV09P217 # وجاء فيه في قوله تعالى : ( @QUR@07 ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) ~~نزلت في عبد الله بن ms2194 سعد بن أبي سرح كان قد تكلم بالإسلام ، فدعاه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم يكتب له شيئا ، فلما نزلت الآية التي في ~~المؤمنين : ( @QUR@05 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ) أملاها عليه ، فلما ~~انتهى إلى قوله : ( @QUR@04 ثم أنشأناه خلقا آخر ) [المؤمنون : 14] عجب عبد ~~الله في تفصيل خلق الإنسان ، فقال : تبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : هكذا أنزلت علي ، فشك عبد الله حينئذ وقال : ~~لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه ، ولئن كان كاذبا ، لقد قلت ~~كما قال ، وذلك قوله : ( @QUR@07 ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) وارتد ~~عن الإسلام ، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (1). # وجاء في مجمع البيان أن قوله : ( @QUR@05 سأنزل مثل ما أنزل الله ) نزلت ~~في عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه كان يكتب الوحي للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا قال له : اكتب عليما حكيما ، كتب غفورا رحيما ~~، وإذا قال له : أكتب غفورا رحيما كتب عليما حكيما وارتد ولحق بمكة وقال : ~~إني أنزل مثل ما أنزل الله ، عن عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي ، وإليه ذهب ~~الفراء والزجاج والجبائي وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (2). # وقد نلاحظ على رواية مسيلمة أنه لم يكن في مستوى يشكل خطورة على الدعوة ~~البارزة التي تؤدي إلى الخطورة بحيث ينزل الله فيه قرآنا ليرد عليه قوله أو ~~ليبعد الناس عنه. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن هذه السورة مكية بينما ظهر ~~مسيلمة في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، إلا أن يقال : ~~إن هذه الآية نزلت في المدينة ثم ضمت إلى السورة بأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما قال بذلك بعض القائلين. PageV09P218 # وهكذا نتساءل عن شخصية عبد الله بن أبي سرح كيف اعتمده النبي كاتبا للوحي ~~في الوقت الذي لم يكن مؤتمنا على الوحي ، وكيف يمكن أن ينطق بآية قرآنية ~~قبل أن يلقيها النبي صلى الله عليه ms2195 وآله وسلم عليه ، لتكون المسألة من قبيل ~~توارد الخاطر بينه وبين الوحي. إن هذه الملاحظات تبعث على الاستغراب ؛ ~~والله العالم. # وجاء في مجمع البيان أن آية ( @QUR@04 وما نرى معكم شفعاءكم ) الآية نزلت ~~في النضر بن الحارث بن كلدة حين قال : سوف يشفع لي اللات والعزى ، عن عكرمة (1). # ونلاحظ على ذلك أن سياق الآية وارد في تحديد النتائج النهائية للمستقبل ~~الذي يواجهه المشركون بشكل عام من خلال المنطق الذي يثير في شفاعة الأصنام ~~لهم على طريقة ( @QUR@07 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) [الزمر : ~~3] فهو منطق عام وليس حديثا فرديا ليكون حدثا بارزا يؤدي إلى نزول الآية ؛ ~~والله العالم. # * * * # ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ) # وهذا حديث مع اليهود ، ومع جميع المنحرفين عن خط الدعوة إلى الله ، في ما ~~كانوا يثيرون من كلمات غير مسئولة ، لا ترتكز على أساس من فكر وعقل. ~~وسنلاحظ أن هذه الآيات تتنوع في مناقشة بعض الأفكار ، وإثارة بعض علامات ~~الاستفهام التي لا يقصد منها السؤال الساذج ، بل التسجيل الدقيق للمعلومات ~~الحقيقية التي يتنكر لها هؤلاء ، ثم إدخال إلى الجو في PageV09P219 # روحية الموعظة التي تفتح القلب على الله في أجواء التأملات الذاتية ~~الهادئة أمام قضية المصير. # ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ) بل وقفوا أمامه وقفة الإنسان الذي لا ~~يحس بأجواء العظمة في ما توحيه ذاته من الخشية والرهبة والخضوع ، فكانوا في ~~موقفهم هذا كمن يستهين بعظمة الله وسطوته وقوته وقدرته ، فلم يشعروا ~~بالمسؤولية في ما يواجهون به رسله من التحديات ، أو يؤمنون به من أفكار ، ~~وفي ما يثيرونه من شبهات ويتخذونه من مواقف ، ولم يخافوا من نتائج مواقفهم تلك. # إن الذين يخافون الله هم الذين يقدرون تصرفاتهم لجهة ما يأخذون وما ~~يتركون ، تبعا للمواقع التي ينتظرونها في مواقفهم أمامه في اللحظات الحاسمة ~~للحساب ، أما الذين لا يبالون بما يصدر منهم من قول أو فعل ، من حيث ~~ارتباطه بحركة المسؤولية في حياتهم ، فهم الذين لا يقدرون الله حق قدره ، ~~وهذا ما يتمثل في موقف هؤلاء ( @QUR@09 إذ قالوا ما أنزل ms2196 الله على بشر من ~~شيء )، لأن مثل هذا القول يدلل على افتقادهم للوعي المسؤول ، لأنهم لا ~~يملكون أية حجة عليه ، مما يعرضهم لسخط الله وعذابه الذي توعد القائلين ~~عليه بغير علم ، بالعقاب والعذاب الأليم. # وكيف يملكون الحجة على النفي ، في ما لا يستطيعون الإحاطة به من فعل ~~الله؟! فإن صعوبة إقامة الحجة على النفي تزيد كثيرا عن إقامتها على الإثبات ~~، لأن الإيجاب محدود بحدود الفعل من حيث الزمان والمكان ، بينما يشمل السلب ~~المطلق كل آفاق الموضوع. # وربما كان المعنى أن تقدير الله حق قدره يفرض إيمانهم بحقيقة الألوهية في ~~خصائصها الربوبية من حيث إرسال الرسل وإنزال الكتب التي تقود الناس إلى ما ~~يصلح أمرهم وشؤونهم الروحية والأخلاقية ، والمعارف PageV09P220 # العالية التي لا يملكون الحصول عليها إلا من خلال وحي الله ، لأن الله هو ~~الهادي الذي يهدي خلقه إلى طريق سعادتهم ، فإذا لم يفعل ذلك ، فإنه يكون ~~مقصرا في حركة لطفه ورحمته ، وفي ضوء ذلك فإن إنكار إرسال الرسل وإنزال ~~الكتاب ، يوحي بأن هؤلاء لا يعرفون قدر الله ومنزلته في مواقع رحمته ~~وهدايته ، والله العالم. # * * * ### ||| ** القرآن يواجه إنكار اليهود # ويتابع القرآن الموقف لمواجهتهم بالاحتجاج المضاد ، ولكن بصورة سؤال صارخ ~~: ( @QUR@011 قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ) فهم ~~يؤمنون بالتوراة ، أو هكذا توحي به الآية ، وربما كان هؤلاء من اليهود ~~الذين ينتسبون إلى التوراة ، ولعل هذا ما جعل الآية تؤكد على هذا الكتاب ~~دون الإنجيل الذي لا يؤمنون به ، أو لأن النصرانية التي تتمسك بالإنجيل لم ~~يكن لها تأثير في الذهنية العربية على أرض الدعوة ، التي أراد القرآن أن ~~يقتحمها ليغير تفكيرها أو طريقتها في التفكير. # وقد نستوحي من التأكيد القرآني على ما استهدفه توراة موسى عليه السلام ، ~~من النور الذي يضيء للناس آفاق المعرفة ، والهدى الذي يدلهم على طريق الحق ~~والإيمان ، أن الله يريد أن يوحي لهؤلاء بأن قضية الوحي ليست انتماء ~~تقليديا لا يغير شيئا من واقع الشخصية ، بل هي قصة الانفتاح على إشراقة ~~الحق وهداه ، التي ms2197 تجعل من الإنسان كيانا واعيا جادا ، في ما يخطط من طريق ~~، ويسير إليه من هدف. # ولكن هؤلاء لم يحصلوا من ذلك على شيء ، بل اتخذوه وسيلة لشهواتهم ~~وأطماعهم وهذا ما أشارت إليه الآية ( @QUR@03 تجعلونه قراطيس تبدونها ) في PageV09P221 # ما لا يضر مكاسبهم وامتيازاتهم ( @QUR@02 وتخفون كثيرا ) مما يكون حجة ~~عليهم ، مما يثبت صحة الإسلام وواقعية النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم . # لعل من الواضح أن الذم لليهود لم يكن لكتابتهم التوراة في القراطيس ، بل ~~إن المسألة تتصل بهذا النوع من توزيع آيات التوراة على القراطيس المتفرقة ~~لا في كتاب واحد ، مما يمكنهم من إبداء البعض وإخفاء الآخر إذا طالبهم ~~الناس بالحجة على بعض ما يختلفون فيه معهم مما أثبتته التوراة وأنكروه. # ( @QUR@07 وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) فقد جاء الكتاب ليضع ~~بين أيديهم الأسس الصحيحة للعلم الذي لا يملكون هم وآباؤهم فرصة ذاتية له ، ~~لأن هذه المعارف والعلوم والأخلاق والشرائع تنظم للإنسان حياته من خلال عمق ~~مصالحه الحيوية التي يملك الإنسان بحسب تجاربه الذاتية أن يصل إليها ، ولكن ~~الوحي هو الذي يعلمهم ذلك بكل قواعده وتفاصيله. # ولكنهم لم ينتفعوا بذلك ، في ما توحي به كلماتهم هذه ، وقيل : إنه خطاب ~~للمسلمين يذكرهم بما أنعم به عليهم ، ولكنه خلاف ظاهر السياق الوارد مورد ~~الاحتجاج لا على نحو الجملة المعترضة التي لا ظهور للكلام فيها مع ملاحظة ~~أن هذا القول يفرض تغيير مورد الخطاب من اليهود إلى المسلمين ولا قرينة ~~عليه كما جاء في تفسير الميزان (1). # ويفرض السؤال نفسه عليهم ، فلا يجيبون عنه ، أو هكذا يريد القرآن أن يوحي ~~، في ما يهدف أن يوحي إلينا به عن حالهم ، ولكنها الحقيقة التي تفرض نفسها ~~على الجواب ، ( @QUR@02 قل الله ) فهو الذي خلق الناس ليرتفعوا بالحياة إلى ~~المستوى الذي يريده ويرضاه ، وهو الذي يرسل الرسل ، وينزل الكتب ليعلمهم ~~كيف يكونون أحسن عملا ، وأكثر جدية ، وأشد قوة وآثارا ، وهو PageV09P222 # الذي يفتح قلوب الواعين على الإيمان به. # قل الكلمة الحاسمة يا محمد ودع الحقيقة تفرض نفسها على الأفكار ms2198 والأسماع ~~والقلوب ، ولا تتعقد أمام أية وقفة مضادة ، أو شبهة حادة ، ولا تعبأ بما ~~يقولون وما يخوضون فيه من أحاديث وتفاهات ، وما يمارسونه من ألعاب الغوايات ~~.. ( @QUR@05 ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) لأنهم لا يواجهون الحياة بالعقلية ~~الجادة ، بل يواجهونها بالعقلية اللاهية اللاعبة التي تعبث بالكلمات ~~والمواقف بعيدا عن حركة المسؤولية ووعي الإيمان ، ولهذا أنكروا ما أنكروه ~~وابتعدوا عما ابتعدوا عنه. # * * * ### ||| ** هذا كتاب أنزلناه مبارك # ( @QUR@08 وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ) كما أنزلنا ~~الكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام على نهج الكتب التي أوحى بها الله إلى ~~رسله ، فهو الذي يتضمن كل ألوان البركة وما يفتح الخير على الناس لأنه ~~يهديهم إلى سبل السلام إذا اتبعوه ، ويمنحهم الصفاء الروحي والنمو العقلي. ~~وهي الصفات التي تجعله مباركا في آياته ومفاهيمه وشرائعه وحركيته في واقع ~~الحياة والإنسان ، كما تجعله مصدقا لما بين يديه من الكتب التي يصدق بعضها ~~بعضا ، والتي تخاطب إنسانية الإنسان في كل زمان ومكان ( @QUR@03 ولتنذر أم ~~القرى ) وهي مكة ( @QUR@02 ومن حولها ) من القرى في ما تتسع له الدعوة ، ~~ويتحرك فيه الإنذار .. وليس معنى ذلك ، أن الدعوة الإسلامية تنطلق في أجواء ~~محلية محدودة ، بل إن معناه ، الانطلاقة الأولى للدعوة في نطاق حركة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، من خلال ما تسمح به إمكانات التحرك الأول في نطاق ~~الجزيرة العربية ، كمرحلة رائدة للدعوة ، ثم تتحرك في سائر أقطار الأرض في ~~المراحل الأخرى ، إذ لا وجه لهذه المحدودية في أفكار الدعوة التي لا تمثل PageV09P223 # أية حالة محلية في مفاهيمها وقضاياها المطروحة وما تتضمنه من قضايا ~~إنسانية عامة. # وربما كان قوله تعالى : ( @QUR@05 والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ) ~~إشارة إلى أن قضية الإيمان به موجهة إلى كل المؤمنين بالآخرة الذين يواجهون ~~آياته بالإيمان من موقع الشعور بالمسؤولية في ما يرجون من ثواب الله ~~وعقابه. وقد يكون قوله تعالى : ( @QUR@04 وهم على صلاتهم يحافظون ) إيحاء ~~بالروح الإيمانية الفاعلة المتحركة ، في ما تمثله الصلاة من التزام روحي ~~وعملي في علاقة الإنسان بالله ، وفي انسجامه ms2199 مع الأجواء التي تثيرها الدعوة ~~إلى الله في فكر الإنسان وضميره. وقد أثار بعض المفسرين احتمال ، أن يكون ~~المراد من كلمة ( @QUR@02 ومن حولها ) سائر أقطار الأرض على أساس إحاطتها ~~بمكة ، ولكنه بعيد عن طبيعة الكلمة التي تعني المناطق المجاورة للبلد ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** افتراء الكذب على الله أكبر الظلم # ( @QUR@022 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) إن خطورة الظلم تتحدد بنقطتين : # النقطة الأولى : الآثار السلبية للفعل أو للكلمة الصادرة من الإنسان ، في ~~ما تثيره من أوضاع سيئة في حياة الناس. # النقطة الثانية : الجهة التي يمثل الظلم معنى التحدي العملي لحقها ~~وسلطتها ومكانتها في ما تمثله من موقع كبير في قداسته وعظمته وحرمته. # وفي ضوء ذلك ، نفهم كيف تمثل هذه النماذج التي تتحدث عنها الآية ، ~~المرتبة العليا من الظلم .. ففي الكلمة الأولى ، نواجه الذي افترى على الله ~~كذبا بسبب ما ينسبه إلى الله من كلمات وشرائع ومفاهيم مما لم PageV09P224 # يقله الله ولم يشرعه ولم يوح به .. # وفي الكلمة الثانية ، نواجه الذي ادعى نزول الوحي عليه زورا وبهتانا ، ~~لأنه لم يوح إليه بشيء ، لأن للوحي علامات ودلالات لا يملكها في ما يملكه ~~أنبياء الله من ذلك. # وفي الكلمة الثالثة : نواجه الذي يقول : ( @QUR@05 سأنزل مثل ما أنزل ~~الله ) في ما يعبر عنه ذلك من استهانة بالوحي ، وغرور يتحرك في خط ~~الاستعلاء ، وتحد لرسل الله بدون حق أو سلطان .. # .. وفي كل هذه النماذج ، نجد الخطورة الكبرى تتمثل في التعدي على مقام ~~الله سبحانه ، والانتقاص من حرمته ، عند ما يقف هذا الإنسان الضعيف في قوته ~~، الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ليتحدى الله بكلامه فيفتري عليه الكذب ~~، ويدعي لنفسه الصلة به بطريق الوحي من دون حق ، ويستهين بما أنزله الله ~~على رسله ، فيزعم لنفسه القدرة على أن ينزل مثله .. وأي ظلم أبشع من هذا ~~الظلم بما يمثله من اعتداء على حرمات الله لأن الظلم لا يعني الاعتداء من ~~موقع القوة ms2200 ، بل يشمل العدوان من موقع التمرد والافتراء والعصيان؟ # أما الآثار السلبية الناتجة عن هذه الكلمات في ما تمثله من انحراف ، فهي ~~تزييف الوجه المشرق للحياة في فكرها وشريعتها وموقعها وصورتها الحقيقية ، ~~مما يؤدي إلى تحريف الخط الفكري والعملي للإنسان ، وإلى تخريب المسيرة ~~الصادقة ، في ما تثيره هذه النماذج أمامها من عقبات ومشاكل وتحديات ، الأمر ~~الذي يحول الطاقات إلى ساحات للصراع ، بدلا من تحريكها في خط البناء ~~والتأسيس. # وإننا لنعرف أن مشكلة الإنسان في الحياة هي مشكلة هؤلاء الذين لا يرضون ~~للصدق وللحق أن يفرض مفاهيمه وشعاراته وسلطته على الساحة ، PageV09P225 # فيقفون أمامه ، ليواجهوه بالعنف والقوة ، وليفسحوا المجال للباطل وللكذب ~~أن يركز قواعده في داخلها. وبذلك تتحطم القيم الكبيرة ، وتتهدم القواعد ~~الثابتة ، ويسير الإنسان في طريق الضياع نحو المجهول. وفي ذلك الظلم كل ~~الظلم ، لأنه ليس ظلم الفرد في ماله أو في جسده ، بل هو ظلم الإنسان في ~~حاضره ومستقبله ، وظلم الحياة في حركتها وقوتها ، وفي انفتاحها على إشراقات ~~الحق في ينابيع الضياء. # ومن هنا نستطيع أن نقرر أن الذين يظلمون الحياة ، والإنسان في حرمان ~~الساحة من حركة الحقيقة ، هم أشد من الذين يتعسفون في استعراض عضلاتهم ضد ~~الضعفاء ، لأن ظلم الفكرة يلغي معنى الحياة في إحساس الإنسان ، أما ظلم ~~الجسد ، فإنه قد يثير الألم ولكنه يعمق إحساس الروح بانطلاقة الحياة ~~ويثيرها نحو عالم جديد حر. # ولهذا ، فإن قضية الحرية في الفكر ، تأخذ الدور الأكبر والأوسع من قضية ~~الإنسان في جهاده من أجل أن يحقق إنسانيته ، تماما كما هي قصة الحرية في ~~الجوانب الأخرى في الحياة ، فإن الإنسان قد يصبر على الحد من حريته في أن ~~يأكل كما يشاء أو يلبس كما يريد ، ولكنه لا يصبر كثيرا على الحد من حريته ، ~~في أن يفكر ويحس بانفتاح ، ولهذا وجدنا الإسلام يثير في وجدان الإنسان ~~إرادة التفكير ، ويمنحه حرية الفكر ، ويحاول أن يحيط ذلك بضوابط من خلال ما ~~يريد أن يوجهه إليه من مناهج الفكر ، ويحركه نحو انطلاقة الحوار ، لئلا ~~تتحول نزعة الحرية إلى ms2201 ما يشبه الفوضى. # * * * ### ||| ** الذل والهواة والعذاب جزاء للظالمين # ( @QUR@011 ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا PageV09P226 # @QUR@01 أنفسكم ) وهذه الصورة الحية المعبرة التي يعرضها القرآن لحالة ~~الضعف المدمر الذي ينتهي إليه هؤلاء المتمردون على الله ورسوله ، في ما ~~أعطوه لأنفسهم من حجم كبير ، يوحي للآخرين بالقوة التي يملكونها في مواجهة ~~رسالات الله. # فها هم الآن في غمرات الموت ، ينتقلون من شدة إلى شدة .. في إحساس عميق ~~بالألم ، وشعور مرير بالضياع ، وانسحاق ذليل أمام الضعف المطلق الذي تمثله ~~حالة انتزاع الحياة من أجسادهم ، عند اقتراب الموت منهم ، في هذا الجو ~~الكئيب الذي يقف فيه الملائكة في صورة الجماعة المكلفة بمهمة محددة ، ولهذا ~~، فإنهم يبسطون أيديهم لإتمام عملية التسلم في أسلوب يوحي بأن على هؤلاء ~~الظالمين أن يخرجوا أنفسهم باختيارهم ليسلموها ، من دون أن يملكوا فرصة ~~أخرى للتردد أو للرفض ، مما يخلق في وعيهم الشعور بتفاهة دورهم ووجودهم ~~وضعف قوتهم أمام الله ... # ولا يقف الملائكة عند هذا الحد ، بل يعلنون لهم كيف تكون النهاية لهذا ~~الاستكبار والتمرد على الله ورسله .. فليست القضية قضية نقل للروح من مكان ~~إلى مكان ، ولكنها قضية عذاب الذل والهوان الذي يواجههم عند الله بسبب ~~أعمالهم وأقوالهم ( @QUR@011 اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق ) بما كنتم تفترون وتكذبون وتمنحون أنفسكم صلاحية التنظير ~~والتشريع بغير علم أو حجة ، ( @QUR@04 وكنتم عن آياته تستكبرون ) في ما ~~توحون به لأنفسكم من الشعور بالكبرياء ، وفي ما تمارسونه في سلوككم من ~~الاستعلاء على الآخرين من عباد الله الضعفاء ، وفي ما تواجهون به الأنبياء ~~من استهزاء وتمرد. # وقد نستوحي من تأكيد الآية على ( @QUR@02 عذاب الهون ) أن الله يريد أن ~~يثير في نفس الإنسان الشعور بأن العذاب الأخروي يواجه الإنسان بالإذلال ، ~~بالإضافة إلى ما يشتمل عليه من آلام .. ليحرك فيه مشاعر العزة ، كأسلوب ~~يوجهه إلى الابتعاد عما يجلب إليه الذل الذي لا ذل مثله ، لأنه يمثل حالة PageV09P227 # الانسحاق الكلي الذي لا يملك الإنسان معه لنفسه أية قوة أو ثبات ، وليركز ms2202 ~~في نفسه قيمة البحث عن العزة في الآخرة ، إذا كان يفكر بهذه القيمة ~~الإنسانية لأنها ترتكز على قاعدة قوية في ما ترتبط به ، من رضوان الله من ~~جهة ، وما تنطلق به من العمل الصالح من جهة أخرى .. # أما عزة الدنيا فإنها لم ترتكز على هذين العاملين ، فهي لا تملك قيمة ~~ذاتية تذكر ، لأنها ترجع إلى عوامل طارئة ، في ما يملكه الإنسان من مال ، ~~وفي ما يعيشه من علاقات وأوضاع ومواقف ، بعيدا عن العمق الروحي الذي يهيمن ~~على كل أبعاد النفس ، فلا يترك فيها أي موقف للذل أمام نزوة أو شهوة أو طمع ~~طارئ .. # وقد نتوقف عند كلمة ( @QUR@07 بما كنتم تقولون على الله غير الحق ) فنرى ~~أن إعطاء الشرك هذا العنوان ، وهو القول على الله بغير الحق ، يدل على أن ~~الله يريد من الإنسان أن يكون صادقا معه ، في ما يعتقده من عقائد ، وفي ما ~~يثيره من أفكار ، أو يقفه من مواقف .. فلا بد له من التأمل والتركيز على ~~العمق في سبيل الحصول على القناعات الإيمانية والفكرية والعملية ، لأن أي ~~فكر حق ، هو قول على الله بالحق ، بينما يكون الفكر الباطل قولا عليه بغير ~~الحق في ما يمثله الحق من ارتباط بالله ، الأمر الذي يبعد القناعة بالحق ~~والباطل أن تكون حالة ذاتية شخصية مرتبطة بالشخص ، فيجعلها حديثا مرتبطا ~~بالله ومنسوبا إليه ، فتكون النسبة إليه صدقا في حالة ، وافتراء في حالة أخرى. # وقد نتوقف عند كلمة ( @QUR@03 عن آياته تستكبرون ) فهي توحي ، أن موقف ~~الكفر أو الابتعاد عن الحق لا يمثل حالة فكرية موضوعية مضادة لخط الإيمان ، ~~بل يمثل في عمقه عقدة ذاتية استعلائية تمنع الإنسان من الخضوع للحق ، الذي ~~يعتبرونه خضوعا لدعاة الحق ، وتنازلا ذاتيا عن قناعاتهم التي يعتبرونها ~~جزءا من الذات ، مما يجعل من التعصب لها تعصبا PageV09P228 # للذات ، ومن الحفاظ عليها حفاظا على الكرامة وعلى الوجود. ولعلنا نجد ذلك ~~واضحا في الكثير من الممارسات الفكرية والعملية المضادة التي تنطلق من ~~خلفيات الاستكبار والاستعلاء ، بعيدا عن أية قناعة فكرية أو روحية. # وقد ms2203 نستوحي من ذلك أن التواضع ، والعمل على بناء الشخصية الإنسانية عليه ~~، لا يتصل بالجانب السلوكي العملي للإنسان بل يمتد إلى الجانب الفكري منه ، ~~في ما يتركه من تأثير على مواجهته للأفكار بروحية متواضعة للحق ، فلا تتعقد ~~من أي تغيير في الفكر الذي تتبناه ، لمصلحة فكر آخر يتبناه آخرون ، لأنها ~~لا ترى الذات صنما تتعبد له ، لتحافظ على موقعها من ناحية مزاجية ، بل ترى ~~فيها كيانا يعيش الإنسان مسئوليته من أجل أن يرتفع به إلى مستوى التكامل ~~الفكري والروحي والعملي ، وبذلك فإنه لا يرى في الفكر الذي يتبناه أو ~~يتبناه الآخرون ، شيئا يمثل الانتماء الذاتي للشخص ، بل هو الخط الذي ينتمي ~~إليه الآخرون ، بدلا من أن ينتمي إليهم ، في عملية التقييم ، فإن قيمة ~~الإنسان السلبية والإيجابية تتحدد بالفكر الحق ، أو بالفكر الباطل الذي ~~ينتمي إليه ، في ما يمثله من وعي سلبي أو إيجابي ، وبذلك يمكن أن نقول ان ~~هذا الإنسان واع أو ليس بواع .. # وفي ضوء ذلك ، لا يعتبر التنازل عن أي فكر لمصلحة فكر آخر تنازلا للذين ~~يتبنونه ؛ وهذا ما يجب أن نؤكد عليه في خط التربية الأخلاقية في الإيحاء ~~بالمدلول الواسع للنتائج الإيجابية في مجال الفكر والعمل ، لأن حركة ~~الشخصية لا تختلف في ما ترتكز عليه من القاعدة الأخلاقية الواحدة. # * * * ### ||| ** بعث الإنسان يوم القيامة فردا # ويستمر الأسلوب الذي يريد الله من خلاله تصوير حالة الضعف المطلق ، التي ~~تحيط بالإنسان من كل جهة ، ليوحي إليه بأنه لا يملك شيئا إلا PageV09P229 # بالله ، فهو الفقير في وجوده ، وهو الفقير في ما يحقق له استمرار ذاك ~~الوجود في تفاصيل أوضاعه ، فلا حول له ولا قوة إلا بالله .. # ونرى في هذه الآية كيف أن الله يصور له الوضع الذي يبعثه فيه إليه فردا ~~ليس معه أحد ، كما خلقه من العدم وليس معه أحد .. ( @QUR@012 ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) وإذا كان قد ~~حصل في وجوده الأول على بعض القوة ، في ما يحيط به من الناس القريبين منه ~~أو ms2204 البعيدين عنه ، أو في ما يملكه من المال ، فإن الله هو الذي أعطاه ذلك ، ~~وأراد له أن يحصل عليه ويتنعم به ، فهو الذي رزقه الإخوان والأولاد ، وهو ~~الذي خوله المال ... حتى إذا شاءت إرادة الله أن يترك ذلك كله ، ويرجع كما ~~كان من دون مال أو إخوان أخذه إليه أخذ عزيز مقتدر .. فها هو يقف الآن أمام ~~الله ، فردا ضعيفا وحيدا فقيرا لا يملك شيئا ولا يملك أحد أن ينفعه بشيء ، ~~أو يعرف عنه أي شيء .. # إن الله يريد للإنسان أن يختزن في ذهنه الصورة ، التي توحي بأن كل شيء ~~لديه هو من الله ، فلا يجوز له أن يفكر بأي تصرف ينحرف به عنه ، وبأي إنسان ~~يطيعه من دونه ، لأن مثل هذا الإنسان لن يقف معه عند الشدة ، ولن يجده في ~~موقف القيامة. # وهذا ما أراد الله أن يثيره في ذهن الإنسان من هذه الصورة الأخروية التي ~~يشاهد فيها نفسه ، وهو يتلفت يمينا وشمالا ، ليبحث عن هؤلاء الذين أطاعهم ~~في الدنيا في معصية الله ، وخضع لهم ، وتمرد على الله لأجلهم ممن كان ينتمي ~~إلى خطهم ، ويسير في طريقهم ، فلا يجد أحدا منهم .. ويأتيهم النداء من الله ~~في أسلوب السخرية والتبكيت : ( @QUR@09 وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء ) في ما تشركونهم به في العبادة ، أو في العقيدة ، فإذا ~~كانوا شركاء كما تزعمون فلا بد لهم من أن يكونوا معكم ، ليمنحوكم الحماية ~~في ما يملكون من القوة .. ولكن الحقيقة المرة تفرض نفسها عليهم PageV09P230 # ( @QUR@03 لقد تقطع بينكم ) لأن الروابط التي كانت بينكم لم تكن قوية ~~شديدة ، فلم تتماسك بل تقطعت لدى أول تحد ، وأصبحت هباء .. ( @QUR@05 وضل ~~عنكم ما كنتم تزعمون ) لأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ، فكيف يملكونه لكم. # وهكذا ينتهي هذا الفصل بالموقف المرير الذي يثير مشاعر الحسرة والألم في ~~نفس هذا الإنسان ليكون ذلك عبرة له ، من أجل أن يجنب نفسه صعوبته وحراجته ، ~~فيتفادى أسبابه العملية في الدنيا ، قبل أن ينتقل إلى الآخرة. # * * * ### ||| ** البركة في التصور القرآني # لقد جاء في ms2205 الآيات السابقة كلمة ( @QUR@01 مبارك ) وصفا للقرآن وقد أثير ~~الحديث حول طبيعة هذه البركة هل هي حسية خاضعة للأسباب والمعطيات العادية ~~في علاقة المسببات بأسبابها بمعنى الزيادة والنمو المادي والنفع العملي ، ~~كما جاء في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@02 وجعلني مباركا ) [مريم : 31] أي ~~نفاعا للناس ، أو هي معنوية روحية تنفتح على الجانب الروحي للإنسان من خلال ~~الله سبحانه الذي يفيض الخيرات والبركات على الناس من لطفه ورحمته كما في ~~قوله تعالى حاكيا عن الملائكة في حديثهم مع إبراهيم ( @QUR@04 رحمت الله ~~وبركاته عليكم )؟! # والظاهر أن الله يفيض البركة على الحياة وعلى عباده بالخيرات المتنوعة في ~~الجانب المادي والمعنوي بما يمنحهم من نعم الحياة الدنيا التي تتوقف عليها ~~شروط حياتهم ونموها أو زيادة لذائذها وشهواتها ، ومما يعطيهم من سعادة ~~الروح ونمو القلب وصفاء الروح والرضوان منه والطمأنينة والسكينة النفسية. # ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو : هل إن البركات الإلهية النازلة PageV09P231 # من الله تتجاوز الأسباب والقوانين الطبيعية المتصلة بوجود الأشياء فلو ~~أراد الله أن يبارك للإنسان في رزقه ، فهل يعني ذلك أنه يرزقه من غير أسباب ~~الرزق التي خلقها الله في الحياة أم أنها تتحرك من خلال الأسباب ، بمعنى أن ~~الله سبحانه يحرك هذه الأسباب لتؤدي دورها في إنتاج الخير للإنسان بالطريقة ~~التي تنسجم مع حاجاته الجسدية والمعنوية وتتحقق بها أغراضه من دون فساد ولا ضياع؟ # إن تدخل الله في حركة البركة في حياة الإنسان لا يلغي الأسباب ولا يبطلها ~~عن التأثير ، لأنها جزء من قانونه الذي أودع في داخله سر حركة الأشياء ~~ووجودها ، بل إنه يمنحها قوة وحيوية وأسبابا خفية في بعض الحالات ، ~~فالمسألة كما يقول صاحب تفسير الميزان أن تأثيره تعالى في الأشياء في طول ~~سائر الأسباب لا في عرضها حتى يؤول الأمر إلى تزاحم أو إبطال (1). # فهناك شيء من المادية للبركة في طبيعة الأشياء وهناك شيء من الروحية ~~الإلهية في حركة السببية في داخل أوضاعها وشؤونها. # إن الله سبحانه هو ولي الأشياء ، وهو مبدع نموها وزيادتها وسعتها في ~~الحسيات والمعنويات ، ولهذا فإن البركة ms2206 مظهر من مظاهر رحمته ولطفه ورعايته ~~للواقع الإنساني الذي هو أثر من آثار ربوبيته للكون كله وهو القادر على ~~إيجادها بالأسباب الطبيعية وغيرها بحسب حكمته في تقدير الأمور ورعايته ~~للإنسان والحياة. # * * * PageV09P232 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) @QUR@012 فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ~~والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) @QUR@016 وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ~~(97) @QUR@013 وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا ~~الآيات لقوم يفقهون (98) @QUR@044 وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها ~~قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا ~~إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) (99) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فالق ): الفلق : شق الشيء وإبانة بعضه عن بعض : يقال : فلقه PageV09P233 # فانفلق ، والفلق : الصبح لأن الظلام ينفلق عنه. والفلق : المطمئن من ~~الأرض بين ربوتين كأنه منشق عنها. # ( @QUR@01 الحب ): جمع حبة ، وهو ما لا يكون له نوى كالبر والشعير. # ( @QUR@01 والنوى ): جمع نواة. # ( @QUR@01 الإصباح ): والصبح واحد ، وهو مصدر أصبحنا صباحا. وقد روي عن ~~الحسن أنه قرأ فالق الأصباح بالفتح يريد صبح كل يوم ، وما قرأ به غيره (1). # ( @QUR@01 سكنا ): الذي يسكن إليه. # ( @QUR@01 حسبانا ): جمع حساب ، وهو استعمال العدد. # ( @QUR@01 فمستقر ): المستقر الوجود الفعلي الذي تحرك واستقر في الأرض ~~المتمثل بالمخلوقات الإنسانية. # ( @QUR@01 ومستودع ): الوجود الكامن في الأصلاب وفي الأرحام والذي يمثل ~~الوديعة التي تنتظر خروجها بتوفر شروطها بإرادة الله ، فيكون معنى ( ~~@QUR@02 فمستقر ومستودع ) مستقر في الأرض ومستودع في الأصلاب. وقيل : مستقر ~~في الأرض ومستودع في القبور ، وقيل أيضا : مستقر في الآخرة ومستودع في ~~الدنيا (2). # ( @QUR@01 متراكبا ): متفاعل من الركوب ، أي : تركب بعضه على بعض. # ( @QUR@01 طلعها ): طلع النخل أول ما يبدو من ثمره وقد أطلع النخل. # ( @QUR@01 قنوان ): أعذاق الرطب. جمع قنو ، وهو عذق البلح الذي يشبه ~~عنقود العنب. # ( @QUR@01 مشتبها ): يشبه بعضه بعضا ms2207 في النوع والشكل وغيرهما. # ( @QUR@01 وينعه ): نضجه واكتماله ، وقيل : جمع يانع. # * * * PageV09P234 # ( @QUR@04 الله فالق الحب والنوى ) # وهذه جولة قرآنية في رحاب الكون ، يريد الله من خلالها حث وعي الإنسان ~~على التأمل والتفكير في عظمته من خلال الإحساس بعظمة مخلوقاته ، ليشعر ~~بارتباط كل شيء به ، ورجوع كل مخلوق إليه ، فيجد كل شيء صغيرا من خلال ~~حاجته إليه .. # ( @QUR@05 إن الله فالق الحب والنوى ) إننا نقف أمام هذه الحبة الجامدة ، ~~من الحنطة ، أو الشعير ، أو الأرز ، وهذه النواة من الثمر والزيتون ~~وأمثالهما .. فلا نجد فيهما أي مظهر من مظاهر الحركة والحياة ، حتى إذا ~~وضعناها في الأرض ، ومسها الماء ، انشقت من أسفلها وأعلاها ، وخرجت من الشق ~~الأسفل عروق تهبط في الأرض ، لتمتص الماء ، وكل عناصر الحياة في التربة ، ~~في ما تشتمل عليه من خصائص ، وخرجت من الشق الأعلى عروق تتحول إلى شجرة ~~تمتد في الهواء ، ثم تذوب الحبة والنواة ، لتتحول إلى جسم واحد تمتد عروقه ~~في الأرض ، وتنطلق أغصانه في الفضاء ، فمن الذي أودع في هذه الحبة والنواة ~~سر النمو والحياة؟ من الذي حرك فيها كل عناصر النمو تلك؟ لا شيء تحمله في ~~ذاتها يحتم ذلك كله ، بل هو الله الذي أعطى لكل شيء سببيته ، وألهم كل شيء هداه. # * * * ### ||| ** مخرج الحي من الميت والميت من الحي # ( @QUR@08 يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ) إنها القدرة الإلهية ~~العظيمة المبدعة ، التي لا تتجمد في حدود الحياة والموت ، بل تحرك في ~~إبداعها الحياة من قلب الموت ، وتزرع الموت في قلب الحياة ، فتخرج الميت من PageV09P235 # الحي ، وتخرج الحي من الميت. وهكذا تريد هذه الآية أن توحي بالخط العام ~~الذي تتمثل فيه القدرة في هذا التفاعل بين الحياة والموت ، في الوقت الذي ~~يوحي التقابل بينهما بالتضاد. # وقد مثلوا لإخراج الحي من الميت ، بالنبات الغض الطري الخضر المنبثق من ~~الحبة اليابسة ، ولإخراج الميت من الحي ، بالحب اليابس من النبات الحي ~~النامي ، ومثل له آخرون بالإنسان أو الحيوان الذي يخرج من النطفة وهي موات ~~، أو بالنطفة التي تخرج من الإنسان الحي وهي ms2208 موات. ومثل له بعض بغير ذلك. ~~وربما كانت الكلمة شاملة للجميع ، لأن الفكرة تتحرك من خلال المبدأ الذي ~~يوحي بعظمة القدرة ، بعيدا عن التفاصيل التي يريد الله للإنسان أن يبحث ~~عنها في حركة الوجود المتنوعة على الأرض ( @QUR@04 ذلكم الله فأنى تؤفكون ) ~~أي تصرفون عنه إلى غيره ، ممن لا يملك أي شأن من شؤون القدرة الخالقة ~~المبدعة. # وقد علق صاحب الكشاف على هذا الاختلاف في التعبير بين فقرة ( @QUR@04 ~~يخرج الحي من الميت ) حيث جاءت بصيغة الفعل المضارع وبين فقرة ( @QUR@04 ~~ومخرج الميت من الحي ) حيث جاءت بصيغة اسم الفاعل ، فقال عن الفقرة الثانية ~~: «عطفه أي ومخرج على فالق الحب والنوى لا على الفعل ، ويخرج الحي من الميت ~~موقعه موقع الجملة المبينة لقوله : ( @QUR@03 فالق الحب والنوى )، لأن فلق ~~الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت لأن ~~النامي في حكم الحيوان ، ألا ترى إلى قوله ( @QUR@04 ويحي الأرض بعد موتها ~~) [الروم : 19] (1). # * * * PageV09P236 ### ||| ** سر النظام في قدرة الله الحكيمة # ( @QUR@02 فالق الإصباح ) الذي أخرج النور من قلب الظلمة ، وحرك الحياة ~~من خلال ذلك ، ليسعى فيه الإنسان إلى رزقه وتدبير أمره ، ليبلغ غايته في ~~الحصول على مبتغاه في الدنيا والآخرة ، فكيف حدث ذلك ، ومن هو الذي أودع في ~~نظام الكون سر الضياء ، وسر الحركة؟ # ( @QUR@03 وجعل الليل سكنا ) ليستريح فيه الإنسان من جهد النهار ، ويتخفف ~~من عناء الحركة ، فيسترخي استرخاء المتعب الذي يبحث عن راحة يجدد فيها ~~طاقته ليوم عمل جديد ، لتستمر الحياة في نظامها الطبيعي بين راحة تتحرك نحو ~~الجهد والتعب في النهار ، وبين تعب يبحث في هدوء الليل عن الراحة .. وذلك ~~هو الدليل على أن الكون يرتكز على سر النظام في القدرة الحكيمة المبدعة حيث ~~يكتشف الإنسان فيه الله سبحانه وتعالى. # ( @QUR@03 والشمس والقمر حسبانا ) أي : وجعل الشمس والقمر يجريان في ~~أفلاكهما بحساب لا يتجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما ، بحيث يكون ~~للأرض حركتان : حركة تتم في أربع وعشرين ساعة ، وعليها مدار الأيام ، وحركة ~~تتم في سنة ، ومنها تتكون الفصول الأربعة وعليها مدار حساب السنة ms2209 كما عند ~~بعض المفسرين انطلاقا من قوله تعالى : ( @QUR@013 هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) [يونس 5 : ]. # ( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) في ما أراده من تنظيم الحياة على ~~قواعد ثابتة يصلح به حياة الإنسان في نفسه ، وهو العزيز الذي إذا أراد شيئا ~~فلا يستطيع أحد أن يعارض ما يريد ، وهو العليم الذي يعرف أسرار خلقه في كل ~~مقدماتها ونتائجها وتفاصيلها .. # * * * PageV09P237 ### ||| ** الاهتداء بالنجوم # ( @QUR@016 وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون ). وهذه النجوم التي تمثل عوالم كبيرة ضخمة ، ما ~~هي فائدتها للإنسان ، وكيف يحس بارتباطه بها في حياته وفي أوضاعها؟ هل ~~يكتفي بالمشاعر الذاتية التي تجعله يحلق في جو شاعري في الليل عند ما ~~يتأملها ، وهي تنتشر في السماء كنقاط نور صافية لامعة تجرح ظلمة الليل من ~~بعيد ، وتوحي للإنسان بأحلام السمر؟ أم يظل مشدودا إليها في نظرة المشدوه ~~المتعجب في ما تثيره في النفس من عوالم العظمة والجلال ، أم هناك شيء يتحرك ~~من خلالها في حياة الإنسان ، ويتدخل في حركة أعماله وأشغاله؟ # إن الآية تحدد لنا أن الله قد جعلها لنا لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر ~~عند ما نفقد العلامات المميزة التي تدلنا على الطريق ، وتحدد لنا وجهة ~~السير ، وتبعدنا عن الضياع ، ونحن نعلم أن الناس كانت تهتدي بها في أسفارها ~~قبل أن يكتشف المكتشفون الوسائل الحديثة التي تستطيع أن تحدد للناس طريقهم ~~في الصحاري الواسعة ، وفي البحار الممتدة. # وقد نقل صاحب كتاب «القرآن والعلم الحديث» في ما نقله عنه صاحب تفسير ~~الكاشف عن السير جيمس جننتز العالم الفلكي المعروف قال : «إنه إذا أردنا أن ~~نعرف مكان بيت في المدينة فإننا نسأل عن اسم الشارع الذي يحتويه ، ثم رقمه ~~، فيقال رقم كذلك بشارع كذا ، وكذلك الحال في النجوم ، فإن منها ما هو ~~معروف بأسماء خاصة ، وهي أهم علامات يهتدي بها الملاح في سفينته ، والراكب ~~في سيارته ، والمرتحل على دابته ، وكم قوافل في البحر سارت على ms2210 خريطة ~~السماء ومواقع النجوم عند ما PageV09P238 # تعطلت البوصلة» (1). # * * * ### ||| ** الله إنشائكم من نفس واحدة # ( @QUR@08 وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ) وهذا الوجود ~~الإنساني المتنوع في أشكاله وألوانه وطباعه ولغاته ، كيف انطلق؟ ومن أين؟ ~~ومن هو الذي أنشأه؟ إنه الله الذي أنشأه وأوجده من نفس واحدة ، وهو آدم ، ~~الذي كان النفس الواحدة لبداية هذا الوجود المتكثر ، ومن هنا ، نعرف عظمة ~~الإبداع في هذا التنوع في الوحدة ، فقد اختلفت الخصائص ، وتنوعت مع وحدة ~~النفس التي كانت أساس هذا الوجود كله ، وما تزال حركة الوجود سائرة في ~~الاتجاه الذي أراده الله له ، فهناك الوجود الذي تحرك واستقر في الأرض ، في ~~ما تمثله هذه المخلوقات الإنسانية التي تتحرك في الحياة ، وهناك الوجود ~~الذي لا يزال كامنا في الأصلاب أو في الأرحام ، في الأرحام ، في انتظار ~~توفر الشروط الضرورية لفعليته وانطلاقه في حركة الحياة ، وهو الوجود ~~المستودع الذي يمثل الوديعة التي تنتظر خروجها بإرادة الله. # ( @QUR@05 قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ) وتلك هي من آيات الله التي ~~فصلها للقوم الذين يتدبرون ويفكرون من أجل الوصول إلى الفهم الواعي للأشياء ~~، والفقه المنفتح للحياة ، ليعرفوا بذلك عظمة الخالق العظيم. # * * * PageV09P239 ### ||| ** إنزال الماء من السماء # ( @QUR@011 وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ) وذلك ~~هو المطر الذي يعطي الأرض طراوتها وخصبها وحيويتها وينابيعها التي تتجمع في ~~أعماقها ، لتكون الخزانات الجوفية ، فتتفجر منها الينابيع والأنهار ، فتعطي ~~الحياة للتراب وتحرك الحيوية في البذور ، وتمنح الجذور قابلية النمو ~~والامتداد ، وتلك هي قصة العنصر الواحد الذي تتفرع منه الخصائص المتنوعة ، ~~كما هو الإنسان الذي يختلف في أفراده ، ولكنه مخلوق من نفس واحدة ، فكذلك ~~الماء الذي لا يختلف في طبيعته ، ولكن الله يخرج منه نبات كل شيء مما ~~اختلفت ألوانه وخصائصه ، مما يوحي بعظمة الإبداع في الخلق. # والمراد بقوله : ( @QUR@05 فأخرجنا به نبات كل شيء ) أن الله أخرج ~~النباتات المتنوعة بأصنافها وأشكالها وألوانها وأثمارها من ماء واحد لا ~~تنوع في خصائصه ، ومن أرض واحدة لا تمايز بين مواقعها ، مما يبعث على ~~الدهشة ms2211 والإعجاب والإحساس بعظمة الخالق. # وربما كان المراد بنبات كل شيء ما كان من غذاء الأنعام والطير والوحش ومن ~~أرزاق الناس ومن سائر الحيوانات في البر والبحر ، فإن النباتات المائية ~~الطافية على سطح البحر لتكون غذاء للأسماك ، تنمو بأشعة الشمس وقطرات المطر ~~، وإن تنوع هذه المخلوقات في حاجاتها الغذائية مع وحدة العنصر الذي تكونت ~~منه هذه الأغذية يدل على عظمة الخلق التي توحي بعظمة الصانع. # ( @QUR@03 فأخرجنا منه خضرا ) وهو النبات الأخضر ، أو الطراوة والغض ~~المتمثل بالأغصان الطرية التي ينبثق عنها النبات. وربما كان العدول من كلمة ~~الأخضر إلى كلمة الخضر ، للإيحاء بالمظهر الحي للحياة في النبات ، لا PageV09P240 # للشيء الذي تتمثل فيه ، من أجل أن يتجه النظر والفكر إلى العنصر الموحد ~~في كل النباتات .. # ( @QUR@04 نخرج منه حبا متراكبا ) يركب بعضه فوق بعض ، ويبدو هذا في ~~سنابل الحنطة أو الشعير وفي الرمان ونحو ذلك ، وربما كان التأكيد على هذا ~~النوع ، لما فيه من الإبداع في تناسق الحبات في التركيب الفني في ما بينها ~~، ولما فيه من الروعة في تطور الحبة الواحدة وتحولها إلى آلاف الحبات ، ~~ليفكر الإنسان ، ويتساءل عن السر في هذا التكاثر ، فإذا كان ذلك من خلال ~~العناصر الطبيعية الكامنة في قابلية الحبة أو البذرة للنمو والتكاثر ، كما ~~يقول علماء النبات ، فيبقى السؤال يفرض نفسه على المسألة من جديد ، فمن ~~الذي أودع هذه العناصر في داخلها ، أو خلقها على أساس وجود العناصر فيها ~~بهذه الدقة من النظام في حركة الحياة فيها ، ما دامت لا تمتلك أساسا ذاتيا ~~للحتمية الطبيعية بعيدا عن خلق خالق ، أو تدبير مدبر؟ # ثم ليبحث الإنسان عن الجواب الواعي الذي يؤكد له أن الله هو الذي أودع ~~القوانين في حركة الحياة في النبات ، كما أودعها في حركتها في الإنسان وفي ~~الحياة وفي كل شيء ، مما يوحي بملاحقة هذه الظواهر الطبيعية لاكتشاف ~~قوانينها الداخلية والخارجية من أجل أن يتعرف العلاقة الحية بين قضية ~~الإيمان ، وقضية الحياة في نموها وتطورها ، فلا مجال لابتعاد الإيمان عن ~~حركة الحياة في عالم التطور والنمو ms2212 والإبداع ، كما لا مجال لابتعاد الحياة ~~عن روح الإيمان وحركته في وعي الإنسان وتفكيره. # ( @QUR@04 ومن النخل من طلعها ) وهو الذي يشبه الأكمام في الزهر ( ~~@QUR@01 قنوان ) سهلة الاجتناء لأنها قريبة من تناول اليد عند الصعود إليها ~~، ( @QUR@08 وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ) وهاتان ~~الكلمتان بمعنى واحد ، لأن التشابه في الأشياء قد يؤدي إلى الاشتباه في ~~التمييز بينها من خلال خفاء الخصائص المميزة بين هذا الفرد أو ذاك. PageV09P241 # ولعل هذا الاختلاف في التعبير عن المعنى الواحد ، بكلمتين متعددتين يرجع ~~إلى ناحية فنية ، في ما يوحيه التنوع من اللطف والبراعة ( @QUR@05 انظروا ~~إلى ثمره إذا أثمر ) أي : لاحظوا حالة هذا النبات المتنوع قبل أن يثمر ، ~~ولاحظوة بعد أن يثمر لتتعرفوا مراحل نموه وتطوره ، وما يوحيه لكم ذلك من ~~أسرار الإيمان بالله ، ولاحظوا ( @QUR@01 وينعه ) وهو حالة نضج الثمر ، ~~مأخوذ من اليناعة ( @QUR@06 إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) في ما توحي به ~~من قدرة الخالق وحكمته ، مما يدفع إلى الإيمان به ، بأوضح برهان ، وأقرب ~~طريق ، لمن يتطلب الإيمان بفكره ، ويبحث عن الحقيقة بروحه ، فهو الذي يعي ~~حركة الخلق في ارتباطها بعظمة الخالق ، عند ما يلاحق كل علامات الاستفهام ~~في ما تثيره المظاهر التي حوله منها ، ولا يتجمد أمام الأشكال البسيطة ~~الساذجة فيها التي قد تشغل النظر من دون أن تثير الفكر .. أما الإنسان الذي ~~يعيش اللامبالاة ، أو العناد والتعصب في قصة الإيمان ، فإنه لا يستفيد شيئا ~~من ذلك ، لأنه لا يجهد نفسه بأي فكر مسئول ، أو أية خطوة محسوبة. # وهكذا نجد من خلال هذه الجولة القرآنية مع النظام الكوني ، في النبات ~~والإنسان وفي النجوم وحركة الزمن ، أن بإمكان الباحث عن الحقيقة أن يجد ~~الله في كل شيء من حوله ، لأنها تمثل الآيات البارزة الواضحة في الدلالة ~~على وجوده وقدرته وحكمته ، وبذلك تتحرك العقيدة في وعي الإنسان ، مع كل ~~الظواهر الكونية والحياتية التي تحيط به ، أو تتمثل في كيانه ، بما يجعل من ~~قضية الإلحاد والشرك ، قضية جهل ، أو تجاهل ، أو هروب من الجو الفكري ~~المسؤول ms2213 الذي يدفع إلى التفكير ويوحي بالحق ، لأنه لا يستند إلى أساس أي ~~أساس كان. # * * * PageV09P242 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون (100) @QUR@018 بديع السماوات والأرض أنى يكون له ~~ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) @QUR@016 ذلكم ~~الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) ~~@QUR@09 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) ~~@QUR@015 قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا ~~عليكم بحفيظ ) (104) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وخرقوا ): أي : ابتدعوا له كذبا. # ( @QUR@01 بديع ): البديع : بمعنى المبدع ، والفرق بين الإبداع ~~والاختراع ، أن الإبداع فعل ما لم يسبق إلى مثله ، والاختراع فعل ما لم ~~يوجد سبب له ، ولذلك يقال : البدعة لما خالفت السنة ، لأنه إحداث ما لم ~~يسبق إليه. ولا يقدر أحد على الاختراع غير الله تعالى ، لأن حده ما ابتدئ ~~في غير محل PageV09P243 # القدرة عليه ، والقادر بقدرة إما أن يفعل مباشرا ، وهو ما ابتدئ في محل ~~القدرة أو متولدا وهو ما يوقع بحسب غيره ولا يقدر على الاختراع أصلا. # ( @QUR@01 وكيل ): الوكيل على الشيء الحافظ الذي يحوطه ويدفع الضرر عنه ~~، وإنما وصف سبحانه نفسه بأنه وكيل مع أنه مالك الأشياء لأنه لما كانت ~~منافعها لغيره لاستحالة المنافع عليه والمضار صحت هذه الصفة له ، وقيل : ~~الوكيل من توكل إليه الأمور ، يقال : وكلت إليه هذا الأمر أي وليته تدبيره ~~، والمؤمن يتوكل على الله أي يفوض أمره إليه. # ( @QUR@02 لا تدركه ): الإدراك : اللحاق ، يقال : أدرك فلان فلانا إذا ~~لحقه ، وأدرك الطعام : نضج ، وأدرك الزرع : بلغ منتهاه ، وأدرك الغلام : ~~بلغ ولحق حال الرجولية ، وأدركته ببصري : لحقته ببصري ، وتدارك القوم : ~~تلاحقوا ، ولا يكون الإدراك بمعنى الإحاطة لأن الجدار محيط بالدار وليس ~~بمدرك لها. # ( @QUR@01 الأبصار ): جمع بصر وهي الحاسة التي تقع بها الرؤية. # ( @QUR@01 اللطيف ): إذا وصف به الجسم فضد الجثل وهو الثقيل. يقال : شعر ~~جثل أي : كثير. ويعبر باللطافة واللطف عن الحركة الخفيفة وعن تعاطي الأمور ms2214 ~~الدقيقة ، وقد يعبر باللطائف عما لا تدركه الحاسة ، ويصح أن يكون وصف الله ~~تعالى به على هذا الوجه وأن يكون لمعرفته بدقائق الأمور وأن يكون لرفقه ~~بالعباد في هدايتهم. # وقد ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : «.. إنما قلنا اللطيف ~~، للخلق اللطيف ولعلمه بالشيء اللطيف ، أولا ترى وفقك الله وثبتك إلى أثر ~~صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف ومن الخلق اللطيف ومن الحيوان الصغار ~~ومن البعوض والجرجس وما هو أصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد ~~يستبان لصغره ، الذكر من الأنثى والحدث المولود من القديم ، فلما رأينا صغر ~~ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد والهرب من الموت والجمع لما يصلحه وما في لجج ~~البحار وما في لحاء PageV09P244 # الأشجار والمفاوز والقفار وإفهام بعضها عن بعض منطقها وما يفهم به ~~أولادها عنها ونقلها الغذاء إليها ثم تأليف ألوانها حمرة مع صفرة وبياضا مع ~~خضرة وما لا تكاد عيوننا تستبينه بتمامة خلقها ولا تراه عيوننا ولا تلمسه ~~أيدينا ، علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف لطف بخلق ما سميناه بلا علاج ولا ~~أداة ولا آلة وأن كل صانع شيء فمن شيء صنع والله الخالق اللطيف الجليل خلق ~~وصنع من شيء (1). # وقد جاء في الحديث المروي عن الإمام الرضا عليه السلام : «وأما اللطيف ~~فليس على قلة وقضافة وصغر ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء والامتناع من أن ~~يدرك كقولك للرجل : لطف عني هذا الأمر ولطف فلان في مذهبه ، وقوله : يخبرك ~~أنه غمض فيه العقل وفات الطلب وعاد متعمقا متلطفا لا يدركه الوهم ، فكذلك ~~لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف واللطافة منا الصغر ~~والقلة فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى (2). # ( @QUR@01 بصائر ): بينات ودلالات تدرك بها الحقائق ، ولعل المراد بها ~~وسائل الوعي الفكري والبصيرة القلبية مما أوحى به الله إلى رسله من كتب ~~وتعاليم ودلائل ، والبصيرة البينة والدلالة التي يبصر بها الشيء على ما هو به. # * * * ### ||| ** جولة في واقع المجتمع الجاهلي المنحرف # وهذه جولة جديدة في واقع المجتمع الجاهلي ms2215 المنحرف أمام قضية التوحيد ~~والشرك ، هدفها قيادة الإنسان إلى الاستقامة في خط العقيدة ، عبر الإيحاء ~~بالمعاني الرحبة الصافية التي تدعو إليها الفطرة ، ويتفاعل معها الوجدان ، ~~ليعرف في هدى الفكر والتأمل أن كل ما اختلقه المنحرفون من PageV09P245 # عقائد وأفكار ، لا تثبت أمام النقد ، ولا تستقيم مع التفكير الدقيق ، بل ~~يشعر الإنسان معها بأنه يعيش في أجواء الخرافة والتفاهة الفكرية. # * * * # ( @QUR@04 وجعلوا لله شركاء الجن ) # ( @QUR@04 وجعلوا لله شركاء الجن ) من هم هؤلاء الجن؟ هناك من يقول : إن ~~المراد بهم الملائكة الذين كان العرب يعتقدون أنهم بنات الله ، وربما كانت ~~التسمية منطلقة من اشتقاق كلمة «الجن» من الاجتنان وهو الاختفاء ، أو لأن ~~هناك عقيدة تقول : إن الله قد صاهر الجن ، فكانت الملائكة نتيجة هذه ~~المصاهرة ، مما يجعل من مسألة التسمية عملية تتصل بالمعنى الحقيقي الشائع ~~للكلمة. # وهناك من يقول : إن المراد بهم خلق الجن أنفسهم ، وبذلك يكون الشرك شركا ~~في العبادة في ما كان العرب وغيرهم يحملونه من خضوع لهم ، ولمن يملكون ~~الصلة بهم في عقيدة الناس ، وفي ما كانوا يعتقدونه فيهم من طاقات خفية ~~خارقة ، يملكون من خلالها أن يجلبوا النفع لمن يشاءون ، أو إيقاع الضرر بمن ~~يريدون ، وبذلك استطاع الكثير من هؤلاء المتاجرين بأحلام الناس وآلامهم ، ~~وبعقائدهم الخرافية ، أن يسيطروا على مجريات حياتهم ، ويتصرفوا بحركتها كما ~~يحبون .. # ولكن الله أراد أن يوجه أصحاب هذه الاتجاهات المنحرفة إلى التفكير بما هم ~~فيه ، في قوله تعالى : ( @QUR@01 وخلقهم ) في ما توحيه بأن الله إذا كان قد ~~خلق هؤلاء الملائكة على التفسير الأول أو الجن على التفسير الثاني ، فكيف ~~يمكن أن يكونوا شركاء له في أي شيء؟ وكيف يستطيعون أن يتحركوا في أية قوة ~~بعيدا عنه ، لأن عملية الخلق تفرض أن تكون كل الطاقات التي يملكها المخلوق ~~مستمدة من الخالق ، ومتحركة بإرادته ، فلا يملك منها إلا PageV09P246 # ما أراد له أن يملكه ، ولا يتصرف فيها إلا بالمقدار الذي يأذن له من ~~ناحية تكوينية بالتصرف فيه. وبذلك يكون الخضوع وتقديم أشكال العبادة لهم ، ~~شيئا لا معنى له ، عند ms2216 ما يدرك الإنسان أنهم ظلال للقدرة المطلقة تماما كما ~~هي الظلال التي لا تملك أي استقلال أو أصالة في ذاتها وعن مصيرها من ~~الأشياء. إن الله أثار هذه الكلمة ليصل إلى صفاء التوحيد من خلال الفكر .. # ( @QUR@04 وخرقوا له بنين وبنات ) فقالوا : إن الملائكة بنات الله ، ~~وقالوا : إن عزير ابن الله ، وإن المسيح ابن الله. وربما قالوا غير ذلك مما ~~لم يصل إلينا علمه ، وصنعوا واختلقوا ذلك كله من أوهامهم ، منطلقين من حالة ~~التخلف التي كانوا يعيشونها ، لأن الناس الذين لا يملكون المعرفة الأصيلة ، ~~ويعيشون الأوهام الغامضة ، يقفون غالبا أمام بعض مظاهر القدرة الإلهية في ~~ما تشتمل عليه من أسرار ، أو في ما يبدو فيها من أشياء غير مألوفة لهم ، ~~فيحاولون أن يصنعوا لها بعض الصلة العضوية بالله ، على أساس أن مثل هذه ~~الصلة هي التي تبرر هذه الأسرار الكامنة فيها ، كأن الله يمنح بعض مخلوقاته ~~شيئا معينا مما لا يمنحه للبعض الآخر ، ليتصوروا من ذلك أن المسألة لا تتصل ~~بالقرابة ، بقدر ما تتصل باختلاف مظاهر القدرة لدى الله ، في المألوف وفي ~~غير المألوف. # وهذا هو السر في الكثير مما عاشته الشعوب المتخلفة ، فكانوا يخضعون لبعض ~~الأشياء ، أو لبعض الأشخاص ، فيعبدونهم لأنهم وجدوا فيهم شيئا لم يألفوه ، ~~أو لأنهم توهموا فيهم ذلك .. ولكن الله يوحي بأن مشكلة هؤلاء كمشكلة كثير ~~من الكافرين ، أنهم يعتقدون ما يعتقدونه من عقائد وأفكار ( @QUR@02 بغير ~~علم ) ولا حجة من فكر ، لأن العلم لا يحترم مثل هذه الاتجاهات التي لا ~~تنطلق من قاعدة فكرية في طبيعتها وفي جميع تفاصيلها. # ( @QUR@07 سبحانه وتعالى عما يصفون* بديع السماوات والأرض ) فإذا كان PageV09P247 # الله قد أبدع السموات والأرض ، في ما يعنيه الإبداع من القدرة المطلقة ، ~~والغنى المطلق ، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟! ( @QUR@04 أنى يكون له ولد ) ~~لما يمثله الولد من حاجة وضعف ، فإن الإنسان ، في تمنيه للولد ، ينطلق من ~~حاجة خفية إلى الخلود ، وهو ما لا يستطيع تحقيقه غالبا إلا عبر أولاده ~~الذين تمثل حياتهم امتدادا لحياته. والله هو الخالق الحي ms2217 الأبدي السرمدي ~~الذي لا معنى للحاجة لديه ولا معنى لمجرد تصورها فيه. # وإذا كان الولد في مفهوم الناس هو نتيجة العلاقة بين الرجل والمرأة ، ~~فكيف يمكن نسبته إلى الله ( @QUR@04 ولم تكن له صاحبة )؟ فذلك لا معنى له ~~أيضا لأن الحاجة إلى الصاحبة ، في مسألة الولد ، تنطلق من كونها وسيلة ~~لإنجابه ، فكيف يتصور ذلك في الله الخالق لكل شيء الذي يخلق ما يريده بشكل ~~مباشر ( @QUR@07 وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ) مما يوحي بالسيطرة المطلقة ~~لما تعنيه الإحاطة بخفايا الأشياء والقدرة عليها. # ( @QUR@03 ذلكم الله ربكم ) في التصور الصافي الذي توحي به الفطرة ، ~~ويستقل به الوجدان ، فلا ينحرف بكم التصور إلى الأوهام من الخرافات .. ~~وربما كان اسم الإشارة ( @QUR@01 ذلكم ) من أجل تأكيد الصورة الواحدة ~~للعقيدة البارزة في حركة الحقيقة في الفكر ، حتى لا يضيع الإنسان في متاهات ~~التصور بين الصور المتعددة ، فيعرف الإنسان ربه ، كما لو كان في متناول ~~الحس ، في ما يعنيه الوضوح الصافي ، الذي يبرر التعبير عن غير المحسوس ، ~~بأسلوب التعبير عن المحسوس .. ( @QUR@07 لا إله إلا هو خالق كل شيء ) أما ~~هؤلاء الذين لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، فهم مظاهر قدرته ، فمنه يستمدون ~~الحياة في كل شيء فكيف تتخذونهم أربابا من دون الله؟! # * * * PageV09P248 ### ||| ** علاقة الآية بمسألة الجبر والحرية # وجاء المتكلمون ليفلسفوا هذه الآية ، هل الله خالق كل شيء دون استثناء ؛ ~~الخير والشر ، العدل والظلم ، الكفر والإيمان؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين هو ~~موقع حرية الإنسان في ما يريد ويختار؟ وإذا لم يكن كذلك؟ فأين هي القدرة ~~المطلقة التي يتصف بها الله ، عند ما تخرجون بعضا من حركة الوجود في هذا ~~الكون عن مجال قدرته؟ # ولكن المسألة في هذه الفقرة ، لا تتجه باتجاه الشمول والسعة ، فهي تريد ~~تقرير المبدأ في مواجهة الآخرين الذين يشركون بعبادة الله من هو مخلوق له ، ~~وليست في صدد الحديث عن تفاصيل المخلوقات الموجودة في عالم التكوين وفي ~~حركة فعل الإنسان. # وربما كان من المناسب لجو الآية ، أن يكون الحديث فيها عن جانب التكوين ~~في الأشياء ms2218 ، لأنه الذي يتعلق به الخلق ، أما الصفات والعناوين التي تتعلق ~~بفعل الإنسان ، فإنها لا ترتبط بالجانب الذاتي للفعل ، بل ترتبط بالجانب ~~الاعتباري ، فإن الفعل الصادر من الإنسان لا يتغير في صفاته الذاتية ، عند ~~ما يكون ظلما أو عدلا ، بل هو فعل واحد ، في كلتا الحالتين ، لأن معنى أن ~~يكون ظلما ، أن يكون صادرا على خلاف وجه الحق ، كما أن معنى أن يكون عدلا ، ~~هو أن يكون صادرا عن وجه حق. وهو من الأمور التي تدخل في عملية الإرادة ~~الإنسانية التي تعطي للفعل وجهه الحسن أو القبيح ، ولا تدخل في عملية الخلق ~~والتكوين ، فالظلم يبدأ فكرة في عقل الإنسان ، إلى جانب العدل ، كفكرة تعيش ~~في تفكيره ، وكذلك كل أفكار الخير والشر ، ثم تتحول الفكرة هنا وهناك ، إلى ~~حركة في الفعل ، لتتحول إلى واقع حي ، يدفع بالحياة إلى السلبية أو ~~الإيجابية من خلال إرادة الإنسان. PageV09P249 # ولكن ليس معنى ذلك ، أن الله قد اعتزل قضية الإنسان بعد ما خلقه ، فلا ~~علاقة له بوجوده ، أو بتفاصيل حركة الوجود هذه ، ليكون الأمر على وفق نظرية ~~التفويض المطلق ، فإننا لا نريد أن ننفي فكرة الجبرية لنستبدل بها فكرة ~~التفويض ، بل ما نريده هو أن ننفي الفكرتين معا لتكون النظرية عند حد الوسط ~~«الأمر بين الأمرين» التي تعني أن الله أعطى للإنسان خلقه وزوده بالوسائل ~~اللازمة التي تكفل له استمرار الحياة ، وهو قادر على أن يسلب ذلك منه في كل ~~لحظة. ومنحه ، في نطاق ذلك ، الإرادة الحرة التي يستطيع من خلالها أن يمارس ~~حريته في سلوك الطريق الذي يحلو له بعيدا عن كل ضغط تكويني .. # فإذا اختار الشر كان الشر فعله ، من خلال الأدوات التي منحها الله له ، ~~فليس الشر مخلوقا لله بنحو المباشرة ، وليس مرادا له بنحو الرضى ، ولكنه ~~فعل الإنسان ، من خلال إرادة الله التي تربط بين السبب والمسبب ، فتقتضي أن ~~يوجد المسبب وهو الفعل إذا تعلقت إرادة الفاعل المختار به ، مع توفر الشروط ~~الأخرى لوجوده ، وبذلك كانت علاقة الله بالأشياء من خلال خلقه للقوانين ms2219 ~~التي تنتجها ، ومن جملتها ، إرادة الإنسان واختياره ، فلا جبر للإنسان لأن ~~الخيط الأول في المسألة مربوط بيده وهو حرية الإرادة ، ولا تفويض له ، لأن ~~الخيط الثاني ، وهو وسائل القدرة بيد الله ، فهو القادر أن يبقيها حيث شاء ~~، وأن يزيلها حيث يريد. # وفي ضوء ذلك ، لا نستطيع أن نوافق على الفكرة التي تقول : إن الله قد خلق ~~الشر والخير ، على أساس أن أفعال العباد مخلوقة له ، لأن الله خالق كل شيء ~~، فهو لم يخلق للعبد فعله ، كما يخلق الأشياء الأخرى ، بشكل مباشر ، أو ~~بشكل غير مباشر ، من دون إرادة أو اختيار لغيره ، بل إنه خلق العبد وخلق ~~إرادته ، وترك له أن يتصرف بإرادته كما يحلو له ، بعد أن حدد له ما يرضاه ~~وما لا يرضاه من ذلك ، فإن أراد القائلون بخلق الله للشر هذا PageV09P250 # المعنى ، فلا مشكلة ، من ناحية فكرية ، ولكن التعبير يعتبر سيئا لا يعبر ~~عن الفكرة بوضوح .. وإن أرادوا المعنى الذي يرتبط بالجبر ، كان الموضوع محل ~~مناقشة واعتراض من ناحية فكرية ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** خلق الله وقانون السببية # وإذا كانت الآية تنسب خلق كل الأشياء إلى الله ، فكيف نفهم مسألة السببية ~~في الأشياء؟ فإذا كان الله خالق كل شيء ، فمعنى ذلك ، أنه علة كل شيء ، فلا ~~معنى من خلال هذا لارتباط الأشياء بعللها الطبيعية. # ويجاب عن ذلك بأن علية الله للأشياء ، لا تعني إلغاء عللها المباشرة التي ~~ترتبط بها ارتباطا عضويا ، لأن الله يخلق الأشياء حين يخلقها ، على أساس ~~قانون السببية الذي يجعل الظواهر الكونية وغيرها خاضعة لأسباب محدودة منظمة ~~مخلوقة له في ذاتها وفي ما أودعه فيها من خصائص التأثير والتسبيب ، فهو ~~الخالق للأشياء ، من خلال إيجاده لها من العدم ، بطريقة معينة تلغي تأثر ~~الأشياء ببعضها البعض في نطاق النظام الكوني الذي وضع كل شيء في موضعه في ~~علاقات شاملة ، تجعل من الكون كله وحدة شاملة مترابطة في حركة الوجود كله ، ~~وذلك لا يلغي السببية بل يؤكدها. # وقد تحدث بعض الباحثين في الفلسفة في هذا المجال ، عن مصطلح «العلة ms2220 ~~الفاعلية» ، وأراد منها ، ما منه الوجود ، أي : ما يصدر منه ، و «العلة ~~المادية» ما به يوجد الشيء ، أي : ما يتأثر به وجوده ، ولا تنافي بين ~~الأولى والثانية ، بل الثابت هو الانسجام والتلاؤم ، فإن دور العلة ~~الفاعلية هو إصدار الوجود بواسطة العلة المادية ، لا بشكل مباشر ، ونحن لا ~~نريد أن نذهب بعيدا في التأكيد على طبيعة هذه المصطلحات كأسلوب من أساليب البحث PageV09P251 # القرآني ، لأننا نعتقد أن الأسلوب القرآني يعالج الفكرة بطريقة لا تحتاج ~~إلى مثل هذا التعقيد. # * * * ### ||| ** حركة العبادة في اتجاه التوحيد # ( @QUR@01 فاعبدوه ) وإذا كان الله خالق كل شيء ، كانت الأشياء مملوكة له ~~وخاضعة بوجودها خضوع العبودية لقدرته وسلطانه ، في ما تملكه من وسائل ~~التعبير عن العبودية ، لأن ذلك هو الذي يحقق لها معناها في الشعور بالفقر ~~المطلق أمام الغنى المطلق ، وهو الذي يعمق في ذاتها الإحساس بدورها في ~~الحياة أمام الله ، لأن وعي الإنسان لدوره ، ينطلق من وعيه لصفته التي ~~يتحرك بها في الكون ، فإذا كان غير واع لذلك ، أو كان يملك وعيا مضادا ، ~~كانت ممارساته وتصوراته منحرفة عن الاتجاه السليم الذي يمثله الخط المستقيم ~~في العقيدة والحياة. ولهذا كان القرآن يؤكد دائما على الربط بين التصور ~~الصحيح والممارسة الصحيحة ، في عملية تقويم خط السير للإنسان .. وهذا هو ما ~~نستوحيه من هذه الفقرة من الآية الكريمة ( @QUR@011 ذلكم الله ربكم لا إله ~~إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ) في تعميق الشعور بربوبية الله للإنسان ، وما ~~توحيه من وعي لمعنى العبودية في نفسه ، وتوجيه الممارسة إلى القيام بدور ~~العبادة لله ، كتعبير روحي عن أصالة الإيمان في نفسه ، بطريقة عملية ~~واقعية. # إن العبادة في مفهومها العميق الشامل تعني الخضوع في كل شيء ، في ما ~~يمثله ذلك من استسلام مطلق يطال كل المواقف والأوضاع بحيث لا يتحرك الإنسان ~~في أية كلمة ، أو أي موقف ، أو علاقة ، إلا عند ما يربطها بالله سبحانه ~~وتعالى .. أن تكون حياته كلها لله لأن ذلك ما ينسجم مع خط العبودية المطلقة .. PageV09P252 # وفي ضوء ذلك ، فإن الإخلاص لأي رمز من ms2221 الرموز التي اعتبرها الناس رمزا ~~لحياتهم ولوحدتهم ، لا بد من أن يرتبط بالله ، ليكون الإخلاص له ، من خلال ~~الإخلاص للمعنى الذي يرمز له ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا الرمز ، ~~شخصا أو أرضا ، أو مؤسسة أو وطنا أو قومية أو لونا ، فإن الإخلاص في هذه ~~الأمور وغيرها يعتبر نوعا من أنواع الشرك الخفي ، إذا لم يتحرك من خط ~~المفاهيم المنسجمة مع خط الله. # إننا نخلص لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من خلال صفة الرسالة فيه ، ~~كما نخلص لأولياء الله من خلال صفة الولاية لله في أنفسهم ، فلا نخلص ~~لذواتهم ، ولا نستغرق في أشخاصهم ، ولذلك فإن طريقة تعبيرنا عن هذه العلاقة ~~، لا بد من أن تكون منسجمة مع أحكام الله وتعاليمه ، فلا تدفعنا العاطفة ~~إلى أن نمارس من ذلك ما لا يرضى به الله في قول ولا في فعل ، بل يجب أن نقف ~~عند حدوده سبحانه لئلا تجرنا العاطفة إلى الغلو الذي ينتهي بنا إلى الكفر ~~أو إلى ما يقرب من الكفر .. # ونحن عند ما نقدس أرضا أو نحترمها ، فإننا لا نقدس ترابها وحجارتها ، ~~باعتبار أنها تحتوي على الأسرار الخفية القدسية الكامنة فيها ، بل نتحرك في ~~ذلك من الخط الشرعي الذي تعبدنا الله بالسير عليه ، في ما تعبدنا به من ~~احترام أرض معينة ، أو بنية معينة كما في احترامنا لأرض مكة ، لأن الله ~~جعلها حرما آمنا يأمن فيها الناس على أموالهم ونفوسهم وأعراضهم ، وكما في ~~تعظيمنا للكعبة ، لأنها بيت الله الذي تعبد خلقه بالطواف حوله والحج إليه ، ~~واستقباله في كل مكان في العالم في الصلاة وفي أمثالها ، مما أراد الله ~~استقبال القبلة فيه ، ولذلك فلا بد لنا من الاقتصار على تنفيذ أحكام الله ~~التي شرعها في ذلك كله. # * * * PageV09P253 ### ||| ** المفهوم الإسلامي للارتباط بالأرض # ومن ذلك نعرف ، أن الارتباط بالأرض باعتبارها وطنا تعارف الناس على ~~الإخلاص له والدفاع عنه ، لا يمثل شيئا في مفهوم الإسلام ، إلا بقدر ما ~~تمثل الأرض من رمز روحي ، كأن تكون أرض المسلمين والمؤمنين ، لتصبح ms2222 ~~المسؤولية عنها مسئولية عن المسلمين والمؤمنين ، في ما يمثله الاعتداء ~~عليها من اعتداء عليهم ، والحفاظ عليها من حفاظ على وجودهم وعزتهم ~~وكرامتهم. أما إذا انفصلت عن المعاني والقيم الإنسانية الإيمانية ، وتحولت ~~إلى مجرد رمز جامد يخضع له الناس كقيمة ذاتية ، فإنها تتحول إلى صنم يعبد ~~من دون الله ، تماما كأي صنم آخر ، لأن الصنمية لا تتمثل في أشكال معينة ، ~~بل تتمثل في الرموز التي لا تحمل أي معنى يتصل بالله. # ولهذا ، فإن علينا في إخلاصنا لحركة التوحيد في عقيدتنا وحياتنا أن نناقش ~~كل ما يستحدثه الناس من رموز مادية أو معنوية يريد الناس الخضوع لها ، لنجد ~~مدى ارتباطها أو عدم ارتباطها بالله ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، مثل ~~الإنسان ، النسب ، الأرض ، اللغة ، الوطن ، النظام ، وغيرها مما أريد للناس ~~أن يعتبروه أساسا للوحدة والخضوع والطاعة. وبذلك يمكن لنا أن نستوحي من ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 ذلكم الله ربكم ) أن هذه الرموز ليست ربكم ، لأنها ~~مثلكم مخلوقة لله ، أو لأنها مصنوعة من أفكاركم وأوهامكم ، وليس لها أي ~~امتياز يرفعها إلى هذا المستوى الذي ترفعونها إليه ، فلا تجعلوا لله منها ~~أندادا تحبونها كحبه ، لأن الحب لله وحده ، وكل حب لأي شيء لا يرتبط به ، ~~فهو عبادة لغيره بشكل غير مباشر .. # ( @QUR@05 وهو على كل شيء وكيل ) يرعاه ويحوطه برحمته ولطفه ، فهو مشرف ~~على جميع مخلوقاته ومهيمن عليها في كل أمور الحياة والموت وقضية المصير. # * * * PageV09P254 ### ||| ** الله مدرك الأبصار ومحيط بها # ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) لا تبلغه ولا تصل إليه أبصار الناس ، لأن ~~الله ليس جسما لتبصره العيون ، وقد ذكرنا في بعض مباحث هذا التفسير ، كيف ~~يذهب بعض المفكرين من المسلمين إلى إمكان رؤية الناس لله يوم القيامة ~~انطلاقا من الظواهر القرآنية ، وكيف يرد عليهم مفكرون آخرون باستحالة ذلك ، ~~وبتوجيه الظواهر القرآنية بما لا يتنافى مع ذلك من حمل التعابير القرآنية ~~على أسلوب الاستعارة والكناية والمجاز ، على ما جرى عليه القرآن من التحدث ~~عن القضايا المعنوية بالطرق الحسية .. # وربما كانت هذه الفقرة دليلا على ذلك في مدلولها الذي ينفي ms2223 إدراك الأبصار ~~له ، وإن كان من الممكن أن تكون واردة على سبيل الكناية عن علوة وعظمة شأنه ~~بالمستوى الذي لا يمكن أن تحيط به الأبصار ، مهما بلغت درجة الرؤية لديها ( ~~@QUR@03 وهو يدرك الأبصار ) لأن الأشياء كلها خاضعة له ، حاضرة لديه ، ~~وبذلك فإنه يدركها ويحيط بها مهما كانت دقيقة وبعيدة ، ولعل التعبير بقوله ~~: ( @QUR@03 وهو يدرك الأبصار ) مع أن المقصود هو إدراكه للأشياء التي ~~تدركها الأبصار ، للإيحاء بإحاطته بكل شيء تحيط به ، لأن الأبصار إذا كانت ~~تحت إدراكه فإنه يدرك كل ما تدرك ، ويصل إلى كل ما تصل إليه. # وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@03 لا ~~تدركه الأبصار ) قال : إحاطة الوهم ، ألا ترى إلى قوله : ( @QUR@05 قد ~~جاءكم بصائر من ربكم ) ليس يعني بصر العيون ( @QUR@03 فمن أبصر فلنفسه ) ~~ليس يعني من البصر بعينه ( @QUR@03 ومن عمي فعليها ) ليس يعني عمى العيون ~~إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال : فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، ~~وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب. الله أعظم من أن يرى بالعين (1). PageV09P255 # وقد جاء عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديثه مع أبي قرة ، قال ~~أبو قرة : إنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين ، فقسم الكلام ~~لموسى عليه السلام ، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤية ، فقال أبو الحسن ~~الرضا عليه السلام فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس ( @QUR@03 ~~لا تدركه الأبصار ) ( @QUR@04 ولا يحيطون به علما ) [طه : 110] ( @QUR@03 ~~ليس كمثله شيء ) [الشورى: 11] وليس كمثله شيء ، أليس محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال : بلى ، قال : كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا ~~فيخبرهم أنه جاء من عند الله ، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول : ( ~~@QUR@03 لا تدركه الأبصار ) ( @QUR@07 ولا يحيطون به علما ليس كمثله شيء )، ~~ثم يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر أما تستحون؟ ~~ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء ثم يأتي ~~بخلافه من وجه آخر ، قال أبو قرة : فإنه ms2224 يقول : ( @QUR@04 ولقد رآه نزلة ~~أخرى ) [النجم : 13] فآيات الله غير الله وقد قال الله : ( @QUR@04 ولا ~~يحيطون به علما ) فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة ، ~~فقال أبو قرة : فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : إذا كانت ~~الروايات مخالفة للقرآن كذبتها ، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به ~~علما ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء. # ( @QUR@03 وهو اللطيف الخبير ) الذي ينفذ إلى عمق الأشياء دون أي عائق من ~~خلال لطفه ودقته ، الخبير بكل شيء فيها ، وبذلك كان علو شأنه وسموه عن ~~الأشياء ، غير مانع له عن النفاذ إليها وخبرته بكل ما تشتمل عليه من خصائص ~~وأسرار. # * * * PageV09P256 ### ||| ** الإنسان هو هدف الرسالات # ( @QUR@05 قد جاءكم بصائر من ربكم ) ولعل المراد بها وسائل الوعي الفكري ~~والبصيرة القلبية ، مما أوحى به الله إلى رسله ، من كتب وتعاليم ودلائل ، ~~في ما أراد الله للإنسان أن يفكر فيه ويتأمله ويتعمق في دقائقه ليصل من ~~خلاله إلى الهدى الذي يفتح له نوافذ المعرفة الفكرية والروحية ، ويقوده إلى ~~الصراط المستقيم في مسيرته العملية في الحياة .. # وبذلك كانت قضية الرسالات قضية الإنسان في ما تستهدفه من رفع مستواه ~~وتدبير أموره ، وتحديد دوره الطبيعي في تنظيم شؤون الكون من حوله ، ليبلغ ~~السعادة في الدنيا ، على أساس راحة الفكر والعمل والشعور ، وينال السعادة ~~في الآخرة على أساس ما يحصل عليه من جنة الله ورضوانه. # ( @QUR@06 فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) فإذا انطلق الإنسان ، وفتح ~~نوافذ قلبه على النور ، ونظر بعين البصيرة إلى حقائق الكون والحياة ، فإنه ~~يحقق لنفسه الربح الكبير .. أما إذا أغلق قلبه عن النور ، وأعمى عينيه عن ~~رؤية الحقيقة فإنه لن يضر أحدا في ذلك ، بل يضر نفسه ، لأنه حرمها من آفاق ~~الخير والسعادة والسلام ، وتركها تتخبط مثلما يتخبط الأعمى عند ما يسير في ~~دربه ، وذلك هو ما يؤكده القرآن في قضية العمى والبصر في قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [الحج : ~~46] ، لأن المسألة لديه هي مسألة الإنسان من الداخل ، الإنسان ، الفكر .. ~~العقل ms2225 .. الشعور ، لا الإنسان الشكل الجسد ، لأن الله يريد للإنسان أن ~~يتحرك بعقله ليحرك الحياة من حوله على هداه ، ولا بد للعقل من أن ينفتح على ~~كل نوافذ المعرفة في ما منحه الله من مفرداتها المتنوعة التي يدركها الحس ، ~~وفي ما أوحى الله به إلى رسله من رسالة وكتاب ، ليجتمع له من هذه وذاك ~~الفكر الصائب المنفتح الذي يتفايض بالإشراق ، وينطلق من منابع النور ، ~~ليخطط للحياة طريقها المستقيم كما يريده الله ، وليثير مع نفسه آفاق الروح ~~السابحة في آفاق الله. PageV09P257 # وهذا ما ينبغي للمنهج التربوي الإسلامي أن يحركه بتوجيه الجهد الإنساني ~~إلى تنمية العقل وتطويره ، ليحلق في الآفاق الشاسعة للمعرفة ، ولا يقتصر ~~على الضيق منها .. وليعرف أن القضية ، في جانبها السلبي والإيجابي ، هي ~~قضيته بالذات ، في ما تمثله قضية المصير في نطاق الهدى والضلال ، تماما كما ~~هو الإنسان الذي يملك العينين المفتوحتين المبصرتين عند ما يهتدي في طريقه ~~، وكما هو الإنسان الذي يملك العينين المطبقتين على الظلام العمياوين ، عند ~~ما يتخبط في الطريق. # ( @QUR@04 وما أنا عليكم بحفيظ ) وتلك هي مهمة النبي .. فهو لم يأت ليفتح ~~قلوب الناس على الهدى ، بالقوة والمعجزة ، بل جاء ليقدم لهم الدلائل ~~والبينات التي تفتح عقولهم على الحق ، بالفكر والتأمل والإرادة الواعية ~~المتحركة في خط الإيمان ، وتلك هي مهمة الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان ، ~~الكلمة الهادية ، والأسلوب المشرق ، والجو الهادىء الذي يوحي بالفكر ~~والموضوعية ، ويقود إلى الإيمان من أقرب طريق. # وربما أريد من هذه الفقرة ، أن النبي ليس مسئولا عن مراقبتهم والمحافظة ~~عليهم ولا الإشراف على أعمالهم ومحاسبتهم وثوابهم وعقابهم ، فإن الله هو ~~الذي يتولى ذلك كله ، وليست مهمة النبي إلا إبلاغ الرسالة بكل الوسائل التي ~~يملكها مما يبذله من جهد الدعوة والإقناع. وهذه هي مهمة الداعية في حركة ~~الدعوة إلى الله بتلاوة آيات الله وإبلاغ رسالته ، وتبقى المهمة في الدنيا ~~في ملاحقة حركتهم في الواقع لولي الأمر الذي يطبق النظام ويحافظ على الحياة ~~في واقع الإنسان وغيره ، وفي الآخرة تكون القضية في يد الله ms2226 في الحساب ~~والعقاب والثواب. # وهذا هو الذي يحدد للرسالة موقعها وخطوطها ، وللرسالي مهمته ودوره. # * * * PageV09P258 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) ~~@QUR@013 اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ~~@QUR@013 ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم ~~بوكيل ) (107) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 نصرف الآيات ): نأتي بها بأساليب شتى بحيث تنتقل من حالة إلى ~~حالة أخرى. قال علي بن عيسى : التصريف إجراء المعنى الدائر في المعاني ~~المتعاقبة لتجتمع فيه وجوه الفائدة (1). # ( @QUR@01 درست ): أي : تعلمت وقرأت ، وذلك من خلال تلاوة الآيات التي ~~يعتبرونها دليلا على أنك تعلمتها من اليهود ، والدرس : الانمحاء وبقاء ~~الأثر. يقال : درس الكتاب ، ودرست العلم : تناولت أثره بالحفظ ، وعبر عن ~~إدامة القراءة بالدرس. # * * * PageV09P259 ### ||| ** إيمان الرسول لا يغيره كفر الجاحدين # ( @QUR@01 وكذلك ) كما قرأت وتلوت وحفظت مما أوحى به الله إليك ، ( ~~@QUR@02 نصرف الآيات ) نحولها من فكرة إلى فكرة ومن أسلوب إلى أسلوب .. ~~وتتنوع المفاهيم ، وتختلف الصور ، وتزداد الآفاق المنطلقة مع المعرفة رحابة ~~وامتدادا ، وتنفتح الأفكار وتتكاثر عمقا واتساعا ، فإذا بالثقافة تملأ ~~الكون ، وإذا بالرسالة تشمل الحياة ، ويتحير هؤلاء الذين ينكرون رسالتك ، ~~ويبتعدون عن هداها ، من أين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كل هذا الفكر وكل ~~هذا العلم؟ ويغيب عنهم وجه الحق ، في ما يملكون من وسائل التفكير .. فهم ~~يجهلون عمق المعرفة التي جاءهم بها ، وامتداد الأفكار التي أطلقها ، مما لا ~~يمكن أن يكون فكر بشر ، أو وحي إنسان ( @QUR@02 وليقولوا درست ) لأنهم لا ~~يفهمون معنى أن ينزل الله وحيه على بشر منهم فيكون نبيا ، فيحاولون إرجاع ~~ذلك كله إلى دراسته على اليهود. # ( @QUR@03 ولنبينه لقوم يعلمون ) ويميزون بين الوحي وبين كلام البشر ، ~~فيؤمنون به ويعملون بأحكامه ، فهؤلاء هم الذي يعيشون مسئولية المعرفة ، ~~فينتبهون لكل ما يسمعونه ، فيفكرون فيه ، من أجل الوصول إلى القناعات ~~الحقيقية بالأشياء. # ليقل هؤلاء ما طاب لهم القول ، ولينسبوا القرآن إلى ما تعلمه النبي من ~~اليهود ، فليس في ذلك مشكلة بالنسبة للرسول ، ما دام يؤمن بكل وجدانه ~~وشعوره وكيانه أن ms2227 القرآن وحي من ربه. فإن المهم أن يؤمن صاحب الرسالة ~~برسالته ، ليقف معها بكل صدق وبكل قوة ، فلا يزيده إيمان من آمن ، شدة ~~إيمان ، ولا ينقصه في ذلك كفر من كفر ، لأنه لا يستعير ثقته بقناعاته من ~~إيمان المؤمنين ، بل من ثقته بالرسالة التي يحمل ، وهو ما يريد الله له أن ~~يعيشه ويعززه في قوة الموقف الرافض لكل ما حوله من أوهام الكفر ، وشبهات ~~الضلال ، فلا يتوقف على مشارف الطرق ، بل يتقدم بكل وثوق وطمأنينة ليتابع سيره. # * * * PageV09P260 ### ||| ** اتباع الرسول وحي الله # ( @QUR@06 اتبع ما أوحي إليك من ربك ) فلا تسقط ولا تتنازل ، ولا تأخذ ~~فكرا غير الفكر الذي يوحي به الله ولا تسلك طريقا غير طريقه ، ولا تلتزم ~~بشريعة أخرى غير شريعته ، ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فهو الذي يستحق ~~العبودية دون سواه ، وهو الذي يملك التشريع دون غيره ، أما الآخرون كل ~~الآخرين ، الذين يشرعون الشرائع ويقننون القوانين ، ويرون لهم الحق كل الحق ~~في عبادة الناس لهم ، فهم مخلوقون له ، وهو الخالق لهم ، فكيف يتبع الإنسان ~~وحي المخلوقين ويترك وحي الخالق؟ ( @QUR@03 وأعرض عن المشركين ) ولا تلتفت ~~إليهم ، ولا تفكر كثيرا بهم ، ولا تتعقد منهم .. إنهم مجرد مرحلة صعبة من ~~مراحل الدعوة ، ثم يتراجعون ويتساقطون واحدا بعد الآخر .. وتنطلق المسيرة ~~في موعد الشروق وتترك وراءها كل خطوات الظلام وتهاويله ، فسر في طريقك ، ~~وواصل جهادك فإن الله بالغ أمره. # وهكذا تتنوع إيحاءات الإعراض عن المشركين ، لتشمل كل أساليبهم في ما ~~يتوعدون ويعدون ، ولتحتوي كل المعوقات والعقبات التي يضعونها في طريق ~~الدعوة ، فإن امتداد الدعوة في روح الرسول ، وفي حركة الحياة ، كفيل بأن ~~يهزم ذلك كله ، ولا يقتصر هذا الأمر على الرسول وحده ، بل يشمل كل المسلمين ~~من الدعاة والعاملين في سبيل الله الذين يواجهون تحديات الشر والكفر ~~والضلال والاستكبار ، التي تحاول أن تضعف إرادتهم ، وتهزم مسيرتهم ، وتبعثر ~~خطواتهم ، إن الله يقول لهم : واصلوا طريقكم ، لا يشغلنكم المشركون ~~وأتباعهم ، بكل ما يثيرونه حولكم من تخويف ووعيد ، ومن أساليب التجهيل ~~والتمييع ووسائل الاضطهاد ، لأن الطريق إلى ms2228 الله مفتوح أمامكم ، بكل سعته ~~وامتداده. # وهكذا أراد الله لرسوله ، ولجميع الدعاة من بعده ، أن ينتصروا على كل ~~وسائل الهزيمة النفسية ، وكل أساليب التراجع الفكري والروحي .. فأعرض عن ~~المشركين ، واتبع ما أوحى إليه ربه ، وتابع المسيرة ، وواصل الدعوة إلى ~~الله وجاهد في سبيله .. حتى واجه المشركين بالحرب .. وهزمهم PageV09P261 # شر هزيمة .. وفتح قلوبهم على الإيمان بالصبر والجهد والحكمة .. وبدأ ~~الناس ، من خلال ذلك ، يدخلون في دين الله أفواجا .. # وهكذا ينبغي لنا أن نكون ، فنقف أمام كل التيارات المعادية ، الإلحادية ~~والإشراكية والنفاقية ونمسك بكتاب الله بين أيدينا ، فنتبعه في كل شؤون ~~حياتنا وندعو إلى مفاهيمه في كل مجالاتنا .. حتى إذا واجهنا في الطريق بعض ~~الصعوبات والتحديات ، وبعض الذين يريدون الانحراف بنا عن طريق الله سبحانه ~~، في ما يحملونه من أفكار ، وفي ما يثيرونه من شبهات ، وفي ما يقدمونه من ~~مغريات ، لا يستطيعون ذلك لأن الحياة كلها من حولنا أصبحت إسلاما يتحرك ~~ويثير وينير ويتحدى ، ويواجه الإنسان بالحق والعدل والصراط المستقيم .. ~~ويلتقي بالحياة ، بين يدي الله ، من أوسع طريق .. # ( @QUR@05 ولو شاء الله ما أشركوا ) فلا يعجزه إيمان الناس لو أراد الله ~~أن يخلق الإيمان في قلوبهم ، تماما ، كما لم يعجزه أن يبعث الناس ، فأحياهم ~~بعد أن كانوا عدما ، وأماتهم بعد أن كانوا يملكون كل وسائل القوة والحياة ، ~~ولكن الله أرادهم أن يؤمنوا به من خلال الفكر والإرادة ، لأن الله ربط ~~الإيمان بالعقل والتأمل والإرادة ، ولهذا ضل من ضل ، وأشرك من أشرك ، وآمن ~~من آمن ، فقد أقام الله الكون على السنن الطبيعية التي أقامها ، سواء كان ~~ذلك في حركة الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .. # ( @QUR@04 وما جعلناك عليهم حفيظا ) فليست مسئوليتك أن تدخل الإيمان إلى ~~قلوبهم بالقوة ، وبالمعجزة ، بل كل مسئوليتك ، أن تبلغ ما أرادك الله أن ~~تبلغه .. بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، وأن تتابع ~~الدعوة إلى الله ، حتى تستنفذ كل التجارب ، حتى إذا استنفدت كل التجارب ~~الممكنة انتهت مسئوليتك .. ( @QUR@04 وما أنت عليهم بوكيل ) لأن الله ~~سبحانه لم يجعل لك السيطرة ms2229 التكوينية ، والقدرة الغيبية التي تشل إرادتهم ، ~~وتقهر تفكيرهم ، بل جعل لك مهمة الرسالة والدعوة. وتلك هي البداية والنهاية ~~في خط الرسالات. # * * * PageV09P262 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) (108) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تسبوا ): تشتموا ، والسب : الذكر بالقبيح ، ومنه : الشتم ~~والذم ، وأصله : السبب ، كأنه يتسبب إلى ذكره بالقبيح ، وقيل : أصل السب القطع. # ( @QUR@01 عدوا ): ظلما وتجاوزا عن الحق إلى الباطل ، قال الراغب : ~~العدو : التجاوز ومنافاة الالتئام ، فتارة يعتبر بالقلب فيقال له : العداوة ~~والمعاداة ، وتارة بالمشي فيقال : له العدو ، وتارة في الإخلال بالعدالة في ~~المعاملة فيقال له : العدوان والعدو (1). # ( @QUR@01 زينا ): حسنا وجملنا للواحدي ، بحسب الطبائع والغرائز المفضية ~~إلى حب الإنسان لعمله ورؤيته بصورة حسنة ، حتى لو كان سيئا وقبيحا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي ، قال ابن عباس في رواية الوالبي قالوا : PageV09P263 # يا محمد ، لتنتهين عن سبك آلهتنا ، أو لنهجون ربك. فنهى الله أن يسبوا ~~أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم. # وقال قتادة : كان المسلمون يسبون أوثان الكفار ، فيردون ذلك عليهم ، ~~فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله. # وقال السدي : لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش : انطلقوا فلندخل على ~~هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه ، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته ~~فتقول العرب : كان يمنعه فلما مات قتلوه ، فانطلق أبو سفيان ، وأبو جهل ، ~~والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن ~~العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا : أنت كبيرنا وسيدنا ، وإن ~~محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه ~~وإلهه ، فدعاه فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أبو طالب : هؤلاء ~~قومك وبنو عمك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما ذا يريدون؟ ~~فقالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك فقال أبو طالب : قد أنصفك قومك ~~فاقبل منهم. # فقال رسول الله ms2230 صلى الله عليه وآله وسلم : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم ~~معطي كلمة «إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟ قال أبو جهل : ~~نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها ، فما هي؟ قال : قولوا لا إله إلا الله. ~~فأبوا واشمأزوا. فقال أبو طالب : قل غيرها يا ابن أخي ، فإن قومك قد فزعوا ~~منها ، فقال : يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ، ولو أتوني بالشمس فوضعوها ~~في يدي ما قلت غيرها. فقالوا : لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من ~~يأمرك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # * * * ### ||| ** ملاحظات حول مناسبة النزول # 1 إن أبا طالب لا يمكن أن يطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يترك كلمة PageV09P264 # التوحيد وهو المؤمن بها وهي أساس دعوته مما يجعل التنازل عنها تنازلا عن ~~الدعوة كلها. # 2 إن الذي طلبه المشركون في البداية قد نزلت به الآية في النهاية ، فلما ~~ذا كل هذا الجدل بينه وبينهم إلا أن تكون هذه الدعوة منهم مناسبة للنبي كي ~~يدعوهم إلى التوحيد من جديد؟ والله العالم. # وذكر صاحب الميزان أن ذيل الرواية لا يلائم صدرها ، لأن الصدر يوحي بأنهم ~~طلبوا منه الكف عن آلهتهم أي : لا يدعو الناس إلى رفضها وترك التقرب إليها ~~، حتى إذا يئسوا من إجابته هددوه بشتم ربه إن شتم آلهتهم ، وكان مقتضى جر ~~الكلام أن يهددوه على دعوته إلى رفضها لا أن يهملوا ذلك ويذكروا شتمه ~~ويهددوه على ذلك ، وليس في الآية إشارة إلى صدر القصة وهو أصلها على أن ~~وقار النبوة وعظيم الخلق كان يمنعه من التفوه بالشتم الذي هو من لغو القول ~~، أما اللعن الصادر منه لآلهتهم فهو من قبيل الدعاء دون الشتم إلى آخر ~~كلامه (1). # ونقل الميزان عن تفسير القمي قال : حدثني أبي عن مسعدة بن صدقة عن أبي ~~عبد الله عليه السلام قال : سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن ~~الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء؟ فقال : كان ~~المؤمنون يسبون ما يعبد ms2231 المشركون من دون الله فكان المشركون يسبون ما يعبد ~~المؤمنون ، فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسب الكفار المؤمنين ، ~~فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون ، فقال : ( @QUR@012 ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) (2). # وهذه الرواية توحي بأن المؤمنين هم الذين كانوا يمارسون السب لا النبي ~~وذلك في أجواء الصراع والجدال القاسي مع المشركين. # * * * PageV09P265 ### ||| ** القاعدة القرآنية في أسلوب الدعوة إلى الله # وهذه قاعدة قرآنية إسلامية للسلوك في حركة الدعوة في الحياة ، وهي ~~القاعدة التي تريد إبعاد الجو العملي للدعاة عن أساليب السباب والشتائم ، ~~في ما يخوضون فيه من صراع الفكر والفكر المضاد ، سواء في ما يختلفون فيه من ~~تقييم للمبادئ وللمواقف ، أو في ما يتنازعون فيه من تقييم لرموز أو أشخاص ، ~~فلم ترد لهم أن يتحدثوا بهذه اللغة ، لأن ذلك يجر إلى ردود فعل تضع الموقف ~~في نطاق المهاترات ، وتبعده عن أجواء الحوار الهادىء الموضوعي الذي يوحي ~~للفكر بالتأمل ، وللقلب بالانفتاح ، وللمشاعر بالصفاء ، وينتهي الأمر بهم ~~إلى الفراغ والضياع. # وقد تحدثت الآية عن هذه القاعدة من خلال نموذج حي ، مما كان يبتلى به ~~المسلمون الأولون ، عند ما تتعقد في داخلهم الأزمات النفسية ، في ما كانوا ~~يواجهونه من حقد المشركين وعداوتهم وطغيانهم ، فيجدون السبيل الوحيد ~~للتنفيس هو أن يسبوهم ويشتموهم ، كتعبير عن الرفض لكل ما يعبدون وما يشركون ~~بالله ، وربما أدى ذلك إلى أن يخلق في داخل المشركين لونا من ألوان الإثارة ~~التي توحي برد فعل عنيف ، يحاول أن يتحدى الساب بأقدس ما لديه ، فلا يوجهون ~~الشتائم إليه شخصيا بل يوجهون الشتائم إلى ما يقدسه في عقيدته ودينه ، مما ~~لا طاقة للمؤمن على احتماله ، فيتحول إلى صدمة قاسية تهز كيانه وتستدرجه ~~إلى الهزيمة والإحباط ، فيشعر المشركون بأنهم قد استطاعوا أن يثأروا ~~لأنفسهم ، وينتقموا لكيانهم. # وقد نستوحي من جو الآية ، أنهم كانوا يسبون آلهة المشركين ، على أساس أن ~~ذلك يمثل لونا من ألوان السب لهم ، لأن سب الإنسان قد يتمثل في الإساءة إلى ~~شخصه ms2232 ، وقد يتمثل في الإساءة إلى أبيه وسائر أقربائه كما قد يتمثل في ~~الإساءة إلى إلهه ، أو الرموز التي يعظمها ويقدسها في دينه PageV09P266 # وعقيدته .. فيكون رد الفعل أن يواجهوا السب بسب مثله .. فيسبوا الله ، ~~تنفيسا عن غيظهم ، وتعبيرا عن حقدهم ، لأنهم يرون أن السبيل الوحيد لرد ~~الاعتبار لآلهتهم ، هو مهاجمة اسم الله ، في ما يمثله ذلك من تحقير ~~للمؤمنين به. # ( @QUR@09 ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ).. وقد أراد ~~الله سبحانه في هذه الآية ، أن ينهى المسلمين عن المبادرة إلى سب الذين ~~يدعون من دون الله بغير علم ، أو سب آلهتهم ، في عملية المواجهة ، لأن ذلك ~~لن يحقق أية نتيجة إيجابية لمصلحة الإيمان ، لأنه لن يستطيع إقناع شخص واحد ~~بهذا الأسلوب ، بل ربما أدى إلى تعقيد الأمور بطريقة أكبر ، وإقامة الحواجز ~~النفسية ضد الإيمان والمؤمنين ، وتحويل الموقف إلى سب الله من قبل المشركين ~~، ( @QUR@05 فيسبوا الله عدوا بغير علم ) لأن الله سبحانه قد خلق الإنسان ~~وأودع فيه الغريزة التي توحي له بأن يحب عمله ويراه حسنا ، فيخلص له ويدافع ~~عنه ، لإحساسه بأن قضية العمل ترتبط بقضية الذات ، مما يجعل من الإساءة ~~إليه إساءة إليها ، وكأن الآية تريد أن تحمل المسلمين المسؤولية في سب ~~المشركين لله ، بالنظر إلى أن مبادرتهم بسب المشركين وآلهتهم هي التي أدت ~~إلى ذلك في عملية الفعل ورد الفعل. # إن القضية ليست في كون المشركين وآلهتهم يستحقون السب أو لا يستحقونه ~~لندخل في نزاع وجدال حول ذلك ، بل القضية هي أن على الإنسان عند ما يقوم ~~بعمل ما ، أن يحدد هدفه من خلاله في ما يتحرك فيه من أهداف تتعلق بمصلحته ~~الذاتية أو العقيدية أو الحياتية بشكل عام. فذلك هو ما يحقق للإنسان ~~مصداقيته الإنسانية ، ومعناه الحقيقي. ولا يجوز للإنسان الذي يحترم نفسه ~~ومصيره ، أن يخضع لحالة انفعالية طارئة ، فتكون تصرفاته رد فعل عصبي لتلك ~~الحالة. وهذا ما جاء في بعض كلمات الإمام علي عليه السلام في ما كتبه لعبد ~~الله بن عباس «فلا يكن أفضل ما ms2233 نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ~~، ولكن إطفاء باطل أو PageV09P267 # إحياء حق ...» (1) وعلى هذا ، فإن السب الذي يستتبع مثل هذه النتيجة ~~السيئة لن يشارك في إحياء الحق وإطفاء الباطل ، بل يمثل مجرد حالة ذاتية من ~~بلوغ لذة أو شفاء غيظ ، فلا يجوز للمسلم أن يبادر إلى ذلك ، لأنه يسيء إلى ~~الهدف ، في ما يثيره من سلبيات ضد قضية الإيمان ، وفي ما يحققه من إيجابيات ~~لقضايا الكفر .. # * * * ### ||| ** من وحي الآية # وإذا كانت الآية قد تعرضت لموضوع سب المشركين وآلهتهم ، فإننا نستوحي ~~منها المبدأ الذي يدعو إلى الكف عن أي نوع من أنواع السباب الذي يؤدي إلى ~~ردود فعل سلبية ، في أي موقع من مواقع الصراع الفكري والديني والسياسي ~~والاجتماعي ، للحيثيات نفسها التي تفرض النهي في مورد الآية. # وفي ضوء ذلك ، نحب التأكيد على ما قد يحدث عند الخلافات الدائرة بين ~~المسلمين حول تقييم بعض الشخصيات الإسلامية التاريخية أو المعاصرة ، بين من ~~يحترمها ويعظمها ، وبين من لا يحترمها ولا يعظمها ، فقد نجد الخلاف يحمل في ~~طريقة ممارسته بعض ألوان السب لهذه الجهة أو تلك ، على أساس وجود حيثية في ~~هذه الجهة أو تلك ، مما يوجب مزيدا من العداوة والبغضاء والتمزق والعصبية ~~العمياء التي قد تؤدي بالحياة الإسلامية إلى الضياع ، كما قد يفرض على ~~الساحة الإسلامية وضعا منحرفا يعيش المسلمون معه أجواء المهاترات والكلمات ~~غير المسؤولة .. وقد جاء في نهج البلاغة ، في ما يروى عن الإمام علي ~~عليه السلام أنه سمع قوما من أهل العراق يسبون أهل الشام ، عند ما كان يخوض ~~المعركة في صفين ضد معاوية ، فوقف فيهم خطيبا قائلا : PageV09P268 # «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم ، وذكرتم ~~حالهم ، لكان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر ، وقلتم مكان سبكم إياهم : ~~اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم ، ~~حتى يعرف الحق من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به» (1). # إننا نريد للمسلمين أن يرتفعوا إلى هذا المستوى الذي يعيشون من خلاله ms2234 ~~روحية الإسلام وانفتاحه ورحمته ومسئوليته وواقعية أحكامه في الحياة ، ~~ليتمكنوا ، في ذلك ، من الوصول إلى النتائج الإيجابية الكبيرة على مستوى ~~الوحدة ، وعلى مستوى سلامة المصير ، وسلامة الدين. # * * * ### ||| ** بين سب المشركين الله وإيمانهم به # ( @QUR@05 كذلك زينا لكل أمة عملهم ) وهنا ملاحظتان : الأولى : كيف ينسب ~~الله التزيين في عمل الكافرين المشركين إلى ذاته المقدسة؟ والجواب : إننا ~~بينا أكثر من مرة في هذا التفسير أن القضية تتصل بالمنهج القرآني الذي يريد ~~ربط الأمور كلها من أشياء وأفعال بالله ، وذلك لأنه مسبب الأسباب فهو ~~الأساس في عمق كل الوجود ولا ينافي ذلك أن يكون التزيين من الشيطان من خلال ~~العناصر التي يستخدمها في إغواء الإنسان وفي نسبته إلى الإنسان باعتبار ~~انطلاقه من إرادته واختياره. # الثانية : كيف يسب المشركون الله ، وهم يؤمنون به لأنهم يعتبرون أن ~~الأصنام تقربهم إلى الله من موقع قربها منه مما يجعلها في موقف الشفاعة؟ # والجواب : إن ذلك قد يكون بالاستناد إلى أن المؤمنين يلتزمون الإيمان ~~بالله كأساس لعقيدتهم وخط لحياتهم بحيث يكون في موقع الواجهة PageV09P269 # التي يلتزمونها ويتأثرون بها ، بينما يستغرق المشركون في الأصنام ~~فيعبدونها ويلتزمونها بحيث ينسون الله في ربوبيته وألوهيته ولذلك فإنهم لا ~~يتمثلونه في العبادة والسلوك وغيرهما ، الأمر الذي يجعل رد فعلهم في سب ~~الله منسجما مع هذا النسيان والإهمال له والابتعاد عنه بحيث لا يمثل سوى ~~كلمة يلفظونها ، لا عقيدة يلتزمونها. # وربما كانت المسألة ناشئة من وحي العناد والتعصب الذي يجعل المعاند أو ~~المتعصب مشدودا إلى الانتقام من الإنسان الآخر وإلى إنزال الأذى النفسي به ~~أيا كانت المسألة بقطع النظر عن اعتقاده ببعض مقدساته ، فيسب الله كرد فعل ~~لسب الأوثان وإن كانوا يؤمنون بالله ، وهذا يشبه ما ينقله العلامة الألوسي ~~في روح المعاني عن شخص من الشيعة سب الشيخين فما كان من السني الذي سمعه ~~إلا أن بادر فسب عليا عليه السلام فقيل له : كيف تسب عليا وأنت تؤمن بأنه ~~الخليفة الشرعي الرابع الذي يفرض عليك احترامه ، فقال : كنت أريد الانتقام ~~من الشيعي ، ولم أجد ما ms2235 يغضبه خيرا من هذا ، ثم تاب عن ذلك (1). # ( @QUR@08 ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) فمهما اختلفت ~~السبل والأفكار أو انحرفت ، فإن مصير الجميع إلى الله حيث يقفون أمامه ~~للحساب ، فيعرفهم ماذا كانوا يعملون ، ليواجهوا نتائج ذلك كله ، فليست ~~الحياة الدنيا نهاية المطاف ، لتتأزم نفس المسلم تأزما يضطر للتنفيس عنها ~~بهذا الأسلوب أو بذلك .. فليترك الآخرين ، لمصيرهم ، بعد أن يقيم الحجة ~~عليهم بما يملك من وسائل الإقناع ، لأنه ، بذلك ، يكون قد أدى واجبه أمام ~~الله ، فلا يبقى لديه شيء يتوقف عنده ، أو يتعقد منه. # * * * PageV09P270 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) @QUR@013 ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) ~~@QUR@022 ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) (111) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 جهد أيمانهم ): أي : باذلين منتهى جهدهم ووسعهم فيها ، ~~مجتهدين مظهرين الوفاء بها. قال الراغب : الجهد والجهد الطاقة والمشقة. ~~وقيل : الجهد بالفتح : المشقة ، والجهد : الواسع (1). وقال صاحب المجمع : ~~الجهد بالفتح : المشقة والجهد بالضم : الطاقة ، وقيل : الجهد بالفتح ~~المبالغة ، PageV09P271 # فقوله : ( @QUR@02 جهد أيمانهم ) أي : بالغوا في اليمين واجتهدوا فيه (1). # ( @QUR@01 ونقلب ): نصرفها من رأي إلى رأي ، حيرة واضطرابا ، فلا تدرك ~~الحق ، وقلب الشيء : تصريفه ، وصرفه من وجه إلى وجه. # ( @QUR@01 يعمهون ): يترددون حيرة. والعمه كما قال الراغب التردد في ~~الأمر من التحير (2). وقد مر سابقا. # ( @QUR@01 وحشرنا ): الحشر : الجمع مع سوق ، وكل جمع حشر. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده إلى محمد بن كعب قال : كلمت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قريش ، فقالوا : يا محمد ، تخبرنا أن موسى ~~عليه السلام كانت معه عصا ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وأن ~~عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ، وأن ثمود كانت لهم ناقة ، فائتنا ببعض ~~هذه الآيات حتى نصدقك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي ms2236 شيء تحبون ~~أن آتيكم به ، فقالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا قال : فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا ~~: نعم ، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين ، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام وقال : إن شئت أصبح ~~الصفا ذهبا ، ولكني لم أرسل آية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب ، وإن شئت ~~تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتركهم حتى ~~يتوب تائبهم ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@09 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها ) إلى قوله ( @QUR@07 ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء ~~الله ) (3). PageV09P272 # ونلاحظ ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم من الله أنه لم يرسل ~~ليستجيب لمقترحاتهم مما يطلبونه من المعجزات فإن الله ينزل المعجزة على ~~رسله من خلال الحاجة الملحة التي يفرضها واقع التحدي من دون أن يطلبوا ذلك ~~منه ، وهذا ما نلاحظه في المعجزات التي جاء بها الأنبياء. # ولذلك فقد لا يكون من الطبيعي أن يستجيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لطلبهم قبل أن يستشير الله في ذلك حتى لا يكون موقفه موقف ضعف أمامهم عند ~~ما يتراجع عن ذلك بعد أن أخذ منهم موثقا أن يصدقوا به إذا جاءهم بهذه الآية ~~، الأمر الذي يجعل الحجة لهم في عدم الإيمان به لأنه حسب الرواية لم يحقق ~~لهم ما وعدهم به ، والله العالم. # * * * ### ||| ** تعليق صاحب الميزان على رواية النزول # وقد جاء في تفسير الميزان تعليقا على هذه الرواية قال : القصة المذكورة ~~سببا للنزول في الرواية لا تنطبق على ظاهر الآيات ، فقد تقدم أن ظاهرها ~~الإخبار عن أنهم لا يؤمنون بما يأتيهم من الآيات ، وأنهم ليسوا بمفارقي ~~الشرك وإن أتتهم كل آية ممكنة حتى يشاء الله منهم الإيمان ولم يشأ ذلك ، ~~وإذا كان هذا هو الظاهر من الآيات فكيف ينطبق على ما جاء في الرواية من قول ~~جبرئيل : إن شئت صار ذهبا فإن لم يؤمنوا عذبوا ، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب ~~تائبهم. # فالظاهر أن الآيات في معنى قوله : ( @QUR@011 إن الذين ms2237 كفروا سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) [البقرة : 6] فكأن طائفة من صناديد ~~المشركين اقترحوا آيات سوى القرآن ( @QUR@09 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها ) فكذبهم الله بهذه الآيات وأخبر أنهم لن يؤمنوا ~~لأنه تعالى لم يشأ ذلك نكالا عليهم (1). # * * * PageV09P273 ### ||| ** منطق الكافرين الزائف # ( @QUR@014 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله ) تعكس هذه الآية صورة حية من صور أولئك الكافرين الذين ~~رفضوا الإيمان كمبدإ ، ولكنهم ما زالوا يحاولون تسجيل المواقف ضد الرسالة ~~والرسول ، من أجل الإيحاء للبسطاء من الناس ، بأنهم ممن يبحثون عن الحقيقة ~~من خلال البحث عن الدليل ، ولذلك فإنهم يقدمون الاقتراحات التي تطلب من ~~الرسول أن يأتيهم بآية ليؤمنوا بها ، تماما كأي إنسان خالص النية ، مفتوح ~~العقل ، فليس بينه وبين الإيمان إلا أن يرى الآية ليؤمن .. # ولكن القرآن يطرح القضية بكل بساطة ليتساءل ( @QUR@07 وما يشعركم أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون ) فما هو الأساس في ذلك ، وما هو الضمان؟ ولماذا يطرح ~~القرآن هذا السؤال؟ لأن تاريخهم لا يوحي بمثل هذه الجدية في طلب المعرفة من ~~أجل الإيمان. فهل يملك النبي أمر تقديم آية يومية ، يغير فيها النظام ~~المألوف للكون ، لكل مقترح؟ وهل كانت المعجزات حاجة شخصية لكل من يطلبها ، ~~أم أن أمر ذلك بيد الله ، فهو الذي يحرك الآيات ، في حركة النبوات تبعا ~~لحكمته؟ ولما ذا يريد هؤلاء الآية؟ أليؤمنوا؟ وهل يتوقف الإيمان على ذلك؟ ~~إن النبي يقدم لهم في القرآن آية تطرح التحدي ، ويقدم لهم المنهج العقلي ~~الذي يريد للعقيدة أن تتحرك من مواقع التفكير ، مما لو انطلقوا معه ~~لاستطاعوا أن يصلوا إلى الحقيقة من أقرب طريق ، فلما ذا لم يفكروا في ذلك ~~كله ، ولماذا لم يدخلوا الحوار الهادىء الذي طرحه الرسول أمامهم كوسيلة من ~~وسائل الوصول إلى النتيجة الحاسمة في العقيدة؟. # إن ذلك دليل على أنهم يحاولون القفز على المواقع ، لينقلوا من موقع إلى ~~موقع تبعا للحاجة ، فإذا شعروا بأنهم مكشوفون في موقع حاولوا أن ينتقلوا ~~إلى موقع ms2238 آخر يختفون وراءه ، ليسجلوا نقطة هنا ونقطة هناك. # * * * PageV09P274 # ( @QUR@03 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) # ( @QUR@09 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة )، ويكشف ~~الله لنا الواقع الداخلي لهؤلاء ، فيحدثنا أنه يقلب أفئدتهم فتتحرك هنا ~~وهناك ، ولكن من دون جدوى ، ويقلب أبصارهم ، فيتطلعون في هذا الجانب أو ذاك ~~، في ما يمكن أن يكشف وجه الحق في العقيدة ، ولكن من دون فائدة ، لأنهم لم ~~يفتحوا قلوبهم ليتأملوا أو ليفكروا أو ليناقشوا ، ولم يفتحوا عيونهم ~~ليشاهدوا أو لينظروا أو ليتطلعوا ، بل عملوا على أن يجمدوا حركة الفكر في ~~عقولهم ، وحركة النور في أبصارهم .. ليبقى لهم الموقف المتعنت الجامد الذي ~~وقفوه في البداية من الدعوة عند نزول القرآن. # ( @QUR@04 ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) ويتركهم الله لضلالهم الذي اختاروه ~~لأنفسهم ، ويدعهم لطغيانهم الذي يتحيرون فيه ويتخبطون ، فلا يلجأون إلى ~~قاعدة ، ولا يسكنون إلى طمأنينة ، بل هو القلق المدمر الذي يفترس أعماقهم ، ~~وإن حاولوا الظهور بمظهر الإنسان الواثق بنفسه الراضي بموقفه. # وقد جاء في تفسير القمي في قوله تعالى : ( @QUR@03 ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم ) الآية ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر محمد الباقر ~~عليه السلام في الآية ، يقول : وننكس قلوبهم فيكون أسفل قلوبهم أعلاها ، ~~وتعمى أبصارهم فلا يبصرون الهدى ، وقال علي بن أبي طالب عليه السلام : إن ما ~~تقبلون عليه من الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه معروفا ~~ولم ينكر منكرا نكس قلبه فجعل أسفله أعلاه فلا يقبل خيرا أبدا (1). # * * * PageV09P275 ### ||| ** قرار الكافرين الحاسم بعدم الإيمان # وتزداد الصورة وضوحا .. فهناك قرار حاسم بعدم الإيمان ، لا مجال للتراجع ~~عنه ، مهما قدم إليهم من براهين : ( @QUR@012 ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) أي : معاينة ومشاهدة ، ~~مما طلبوه وسألوه ( @QUR@03 ما كانوا ليؤمنوا ) لأنهم لم يكونوا بصدد ~~الإيمان ، لتكون هذه الآيات أساسا لما يريدونه من الإيمان ، ( @QUR@04 إلا ~~أن يشاء الله ) بأن يجبرهم على الإيمان ، أو يهيئ لهم الوسائل الكفيلة ~~بتحقيق ذلك ، ( @QUR@03 ولكن أكثرهم يجهلون ) سنن الله في قضية الإيمان ~~والكفر ، ومشيئته في مجال الهدى والضلال ، وقدرته على ms2239 كل شيء مما يتصل ~~بشؤون خلقه. # ونلاحظ أن مثل هذه الصورة النموذج لا تمثل نموذجا تاريخيا فريدا ، لتكون ~~مجرد حديث من أحاديث التاريخ ، وصورة من صوره ، بل تمثل نموذجا حيا متحركا ~~في كل زمان ومكان ، وهو الإنسان الذي يتحول الانتماء عنده إلى مزاج ، أو ~~حالة ذاتية ، فهو يؤمن لأن مزاجه يرتاح للإيمان ، لا لأن عقله يقتنع به ، ~~وهو يكفر ، لأن الكفر يمثل في مزاجه حالة تمرد ترضي بعض نزواته ، لا لأنه ~~يفقد القاعدة الفكرية والروحية للإيمان ، ولكنه في الوقت نفسه قد يشعر ~~بالحرج أمام مجتمعة ، لأنه لا يملك المبرر المعقول لإيمانه ، فيحاول أن ~~يبحث عن المبررات التي يصر على صفتها التبريرية ، مهما كانت وسائله ضعيفة ، ~~وحججه غير مقنعة ، لأنه لا يبحث عن وسائل الاقتناع ، فهو ليس بصدد ذلك كله ~~، بل يبحث عن وسائل التبرير لمجرد التبرير ، ولذلك فإنه إذا أفنى أحدوثة ~~مطها بأخرى ، وإذا سقطت لديه حجة حاول أن يتعلق بحجة أخرى ، فقد اتخذ قراره ~~من البداية ، وليس مستعدا أن يرجع عنه مهما كانت الظروف والنتائج. # * * * PageV09P276 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ~~@QUR@012 ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما ~~هم مقترفون ) (113) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جعلنا ): حكمنا حكما تكوينيا بحسب سنن الصراع وقوانين التغيير ~~، وليس فعلا تشريعيا ، وجعل كما يقول الراغب لفظ عام في الأفعال كلها ، وهو ~~أعم من فعل وصنع وسائر أخواتها. ويتصرف على خمسة أوجه حيث يجري مجرى صار ~~وطفق ، وأوجد ، وفي إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه. وفي تصيير الشيء على ~~حالة دون حالة ، وفي الحكم بالشيء على الشيء حقا كان أو باطلا (1). # ( @QUR@02 زخرف القول ): القول المموه ، المزين الذي يستحسن ظاهره ولا PageV09P277 # حقيقة له ولا أصل ، والكلمات الحلوة المعسولة المزوقة التي تنفذ إلى ~~القلب في أعمق مشاعره لتحرك نوازع الشر فيه ، قال الراغب : الزخرف : الزينة ~~المزوقة (1). وقال صاحب المجمع : الزخرف : المزين ، يقال : زخرفه زخرفة ~~إذا زينه (2). # ( @QUR@01 غرورا ): لأجل ms2240 الغرور والخداع الذي يجعل الإنسان يسعى من أجل ~~هلاكه ، وهو يظن أن فيه خيره وصلاحه. والغرور : ما له ظاهر تحبه وفيه باطن ~~مكروه ، والغرة : غفلة في اليقظة ، ويقال : غررت فلانا إذا أصبت غرته ونلت ~~منه ما أريد. # والشيطان غرور لأنه يحمل على محاب النفس ووراءه سوء العاقبة ، وبيع الغرر ~~: ما لا يكون على ثقة. # ( @QUR@01 ولتصغى ): الصغو : الميل ، يقال : صغت النجوم والشمس صغوا : ~~مالت للغروب ، وأصغيت إلى فلان : ملت بسمعي نحوه. # ( @QUR@01 وليقترفوا ) الاقتراف : اكتساب الإثم ، ويقال : خرج يقترف ~~لأهله ، أي : يكتسب لهم ، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله. # * * * ### ||| ** لكل نبي عدو من الإنس والجن # وجاءت الآية الأولى لتتحدث عن هذه السلسلة التاريخية الطويلة من أعداد ~~الرسل والرسالات ، فقد أشارت إلى رسول الله في ما واجهه من مظاهر العداوة ~~من جحود وكفر ونكران ، ومحاولة لإضلال المؤمنين به ، وبينت له أن المسألة ~~لا تختص به بل تشمل كل الأنبياء من قبله ، لأنها سنة الله التي PageV09P278 # أودعها في نظام المجتمعات وحركتها .. # ( @QUR@08 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ) فهناك الذين ~~ينسجمون مع الخط الرسالي ، وينفتحون على جميع معانيه ومفاهيمه ، وهناك ~~الذين يتنكرون له ، ويتمردون عليه مما يجعلهم معقدين أمامه ، ليتحول بعد ~~ذلك إلى عقدة ضد صاحب الخط ورسوله ، سواء في ذلك شياطين الإنس الذين يعملون ~~في السر والعلن من أجل التخطيط للقضاء على الرسول والرسالة ، أو شياطين ~~الجن الذين يتبعون سبيل الوسوسة في إبعاد الإنسان عن الحق والعدل ، وتزيين ~~الباطل له ، وتشوية القيم الروحية والأخلاقية في الحياة ، وإثارة الشهوات ~~من أجل تحريك كل نقاط الضعف فيه. # ويتلاقى هؤلاء الشياطين في اجتماعات صغيرة أو كبيرة ، مغلقة أو مفتوحة ~~ليتحدثوا في ما بينهم في أقرب الوسائل للضغط على الرسول ، وفي أفضل الكلمات ~~التي تحرك النوازع السيئة الخبيثة التي تمنع الإنسان من الانفتاح على الله ~~، وفي أكثر الأساليب خداعا وتغريرا .. # ( @QUR@07 يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) في عملية إيحاء بالشر ~~والضلال في أجواء حميمة محببة إلى النفس ، وفي كلمات حلوة تنفذ إلى القلب ~~في ms2241 أعمق مشاعره وأدق نبضاته ، وهكذا يبدأ الضلال في عقول الناس ، كلمات ~~حلوة ، وأساليب جميلة ، وأجواء حالمة ، وشهوات محمومة ، مما تزينه الشياطين ~~، وتثيره وتحركه في حياة الناس البسطاء الطيبين الساذجين الذين لا يعرفون ~~فنون الحيل ، وأساليب الخداع ، بل يقبلون على كل ما يسمعونه بالطيبة التي ~~توحي بالثقة ، وبالطهارة ، التي تقود إلى الاستسلام .. حتى إذا اكتشفوا وجه ~~الحيلة في نهاية المطاف ، أصابتهم الدهشة ، وأثارهم العجب ، وتساءلوا : كيف ~~يمكن أن يوجد في الكون مثل هؤلاء الناس الذين يخدعون عباد الله ولا يخافون ~~الله في ما يقولون وفي ما يفعلون ، وفي ما يدبرون من مكائد ومصائد؟ PageV09P279 # وقد كان للأنبياء أعداء لا يعرفون من الحيلة إلا الأساليب الخفية التي ~~سرعان ما تنكشف للناس ، فيبطل مفعولها من خلال ذلك ، كما تحدث لنا القرآن ~~عن صاحب إبراهيم عليه السلام عند ما قال على ملأ من قومه جوابا لإبراهيم ~~عليه السلام الذي قال : ( @QUR@04 ربي الذي يحيي ويميت ) [البقرة : 258] قال ~~: ( @QUR@03 أنا أحيي وأميت ) كأسلوب من أساليب تضليل البسطاء من الناس ~~الذين يرون أن أمر الحياة والموت بيد الملوك الذين يستطيعون أن يهبوا ~~الحياة للمجرم ، فيرفعوا عنه القتل ، وأن يسلبوا منه الحياة ليحكموا عليه ~~بالموت .. ( @QUR@020 قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) وهكذا رأينا كيف ~~كانت أساليب فرعون الظاهرة والخفية ، في الكيد لموسى عليه السلام . وتتوالى ~~الأحداث مع الأنبياء .. ويكون الحل الأخير لأعدائهم هو القوة التي قد تنجح ~~أحيانا ، وقد تفشل في كثير من الحالات عند ما تتدخل القوة الغيبية لتنقذ ~~النبي من كيدهم وطغيانهم .. # * * * ### ||| ** في كل زمان قافلة مؤمنة تواجه أعداء الله # ومرت قافلة الأنبياء .. وجاء بعدها الأئمة والأولياء والعلماء الذين ~~حملوا الرسالات بقوة وصدق .. ووقفت قافلة أعداء الله في الطريق .. تواصل ~~مسيرة التصدي والتحدي والكيد والتخريب ، وتنوعت وسائل ذلك ، فاستخدمت كل ~~أدوات العلم والفن والاعلام في سبيل المزيد من سياسة التشويه والتمويه ~~والترغيب والترهيب ، والتخييل والإيهام ، وتغيير الواقع بما يتناسب مع ~~أفكار الكفر والضلال .. وما ms2242 زالت المؤامرة على الإسلام والمسلمين مستمرة .. ~~وما زال الناس يتساقطون ، في دينهم وعقيدتهم وسلوكهم أمام عناصر المؤامرة ~~وأساليبها بفعل القوة المدمرة ، والاحتواء الشامل لكل الساحة ، في جميع ~~أوضاعها ومجالاتها .. وما زال المجاهدون PageV09P280 # الدعاة إلى الله في قلب المعركة ، معركة الأنبياء مع شياطين الإنس والجن ~~الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .. # * * * ### ||| ** دور أعداء الرسالات في الحياة # وتلك هي إرادة الله في ما أقام الكون عليه من سننه الحتمية التي تترك ~~للناس أن يختاروا ما يحلو لهم فلا يشل قدرتهم على الاختيار ، بل يوجهها في ~~نطاق الحرية المسؤولة ، فإذا انحرفوا عن الطريق ، لم يتدخل بإرادته الفاعلة ~~ليمنعهم عن الانحراف ، وذلك هو مفهوم الآية الكريمة : ( @QUR@05 ولو شاء ~~ربك ما فعلوه ) لأنهم لم يتمردوا على أنبياء الله ورسله من موقع قوة ذاتية ~~يملكون من خلالها مجابهة الله في سلطانه ، وإنما فعلوا ذلك في نطاق السنن ~~الكونية التي أودعها الله في الكون ، فهم يتصرفون في نطاق حركة القدرة ~~الإلهية ، في ما أعطاهم الله من حرية الإرادة ، وحركة الاختيار. # ( @QUR@03 فذرهم وما يفترون ) ودعهم ، لا تلتفت إليهم ، لأنهم لن يضروك ~~شيئا ، ما دمت سائرا في طريق الله بقوة وعزيمة وإخلاص ، إنهم يعيشون مع ~~أفكارهم الشيطانية ، ويحسبون أنها تجلب لهم الفلاح والنجاح .. ولكنها لن ~~تفيدهم شيئا ولن تغير شيئا من مصيرهم ، فذرهم وما يفترون من أفكار وآراء .. ~~فإن وحي الله معك .. فهو النور ، وهو الحقيقة .. ( @QUR@012 ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ). وهذه ~~هي النتائج التي ينتظرها عدو النبي في كل زمان ومكان .. أن يجد أذنا تصغي ~~إليه ، وقلبا يرضى بزخرفه وغروره ، وأناسا يسيرون على خطته ، ويقترفون ~~الجرائم التي يأمرهم بارتكابها. # إن دوره أن يحرك الساحة لمصلحة الكفر ، ويحقق لها شروط نموها وتطورها في ~~الاتجاه الذي يريده ، فقد نجد في بعض الحالات مجموعة من PageV09P281 # الناس تعيش في أجواء الكفر ، ولكنها لا تجد القيادة التي تستفيد من هذه ~~الأجواء من أجل الحصول على نتائج كبيرة ، ولا تجد الظروف الموضوعية التي ~~تنمي فيها ms2243 قابلية الانطلاق .. فتقف في الظل طويلا تتطلع إلى الفرص القادمة. ~~فإذا جاءها ذلك كله ، تحولت إلى حركة قوية متمردة ، في ما تسمع وفي ما تؤيد ~~وفي ما تعمل .. وتلك هي سنة الله في الحياة .. في ما أراده من تنظيم للكون ~~في أن يمارس الإنسان عملية الإرادة من موقع الحرية .. وأن تتحرك الحرية في ~~الأجواء التي تحمل في ساحاتها فرص الهدى .. وفرص الضلال. # * * * ### ||| ** خلق الإرادة الحرة في الإنسان # أما كيف يجعل الله لكل نبي عدوا ، وكيف ينسجم ذلك مع فكرة الحرية ، فهذا ~~حديث قد كررنا الإشارة إليه ، في ما ألمحنا إليه وأوضحناه ، في هذا التفسير ~~، من أن الله عند ما يتحدث عن نسبة أي فعل من أفعال الخير أو الشر إلى ذاته ~~المقدسة .. فإنه لا يتحدث عن ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، يلغي فيه ~~دور الإرادة الإنسانية في الفعل ، بل يتحدث عنه في الإطار العام للخلق في ~~ما أودعه فيه من النظم الكونية والحياتية التي تتحرك في نطاق قانون ~~السببية. فلكل فعل سببه الذي لا يوجد إلا به ، وإذا كانت الإرادة الإنسانية ~~هي أحد أسباب وجود الفعل الإنساني ، فإنها تؤكد عملية الاختيار ولا تلغيها ~~، وبذلك كانت نسبة جعل الأعداء للنبي إلى الله ، منطلقة من أن طبيعة ~~الرسالة التي أرسلها الله إلى الناس ، تفرض أن يكون لها أناس يؤمنون بها ، ~~وأناس يكفرون بها ، وذلك بالنظر إلى اختيارهم الشخصي في قضية الإيمان ~~والكفر ، مما يجعل القضية مرتبطة بالله من جهة ، من خلال خلقه للإرادة ~~الحرة في الإنسان ، وبالمكلف من جهة أخرى ، من خلال مباشرته لعملية ~~الاختيار ، بحريته ، وهذا الأسلوب ليس ببعيد عن عالم الإسناد المجازي في ~~اللغة العربية. # * * * PageV09P282 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~(114) @QUR@011 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع ~~العليم (115) @QUR@018 وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ms2244 (116) @QUR@011 إن ربك هو أعلم من يضل ~~عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (117) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الممترين ): المترددين الشاكين. # ( @QUR@02 لا مبدل ): التبديل : وضع الشيء مكان غيره. # ( @QUR@01 صدقا ): الصدق : الخبر الذي مخبره على وفق ما أخبر به. # ( @QUR@01 وعدلا ): العدل : ضد الجور ، وقيل : إن أفعال الله تعالى كلها عدل PageV09P283 # لأنها كلها على الاستقامة ، وقيل : إنما يوصف بذلك في ما يعامل به عباده. # ( @QUR@01 أكثر ): جاء في المجمع : الفرق بين الأكثر والأعظم أن الأعظم ~~قد يوصف به واحد ولا يوصف بالأكثر واحد بحال ، ولهذا يقال في صفة الله ~~تعالى : عظيم وأعظم ولا يوصف بأكثر ، وإنما يقال : أكبر ، بمعنى أعظم (1). # ( @QUR@01 يخرصون ): يكذبون في ما يقولون ظنا وتخمينا من دون علم ولا ~~يقين. وأصل الخرص : الحزر والتخمين ، والخرص على الكذب. قال الراغب : ~~وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال : خرص ، سواء كان مطابقا ~~للشيء أو مخالفا ، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع ، ~~بل اعتمد فيه على الظن والتخمين (2). # * * * ### ||| ** نداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التوحيدي # ويستنطق القرآن رسول الله ، فيصوره لنا في موقفه الرسالي الذي يوحي للناس ~~بالموقف الحاسم الرافض لكل الأشخاص والرموز الذين اعتادوا أن يتحاكموا ~~إليهم عند ما يختلفون ويتنازعون ويتطلبون القول الفصل والحكم العدل الذي ~~يخضع له الجميع ، فليس لأي واحد منهم حق الحاكمية ، وليس لأحد منهم أن يتخذ ~~حكما في أي أمر ، لأنهم لا يملكون الصلاحية في ذلك ، فهم مخلوقون لله ، ~~خاضعون له ، محدودون في رؤيتهم وخبرتهم بالقضايا والأشياء .. # وهنا يقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليوجه النداء إلى الكون كله ، ~~ويعلن موقفه التوحيدي الذي لا يعتبر التوحيد مجرد اعتقاد ساذج بوحدانية ~~الله ، في PageV09P284 # مواجهة الذين يشركون بالله غيره ، لتبقى مجرد فكرة في عقل الإنسان ، ~~تماما كما هي الأفكار العلمية التي تملأه بالنظريات ، ولا تقترب من الجانب ~~العملي المتحرك ، بل يعتبر التوحيد منهجا للحياة يبدأ من خط العقيدة ، ~~لينتهي إلى آخر موقف من مواقف الإنسان الصغيرة والكبيرة ، فلكل كلمة من ~~كلماته خط ms2245 توحيد ، وخط شرك ، ولكل عمل من أعماله علاقة بالشرك وبالتوحيد ~~حتى النوايا التي ينويها ، والدوافع التي تدفعه ، لها علاقة بذلك كله. # وفي ضوء ذلك ، كانت الحاكمية التي تمثل التي يخضع لها الناس ، ويسلمون ~~أمرهم إليها ، مظهرا من مظاهر التوحيد والشرك ، حسب اختلاف الرمز والشخص ~~الذي يتحاكمون إليه. # ويطلق رسول الله صيحة الاستنكار لكل رموز الشرك ، ليؤكد موقفه ، التوحيدي ~~لله تعالى ، والراد كل أمر مهما كان ، إليه تعالى ، كسنة تقود العالم ~~وتهديهم في مسيرة حياتهم كلها ، ومن خلال هذا كله يطرح الحاكمية التي تعتبر ~~القاعدة التي يرتكز عليها التوحيد لأنها السر العميق في روحية الاستسلام ~~لله ، لأنها تعني أن الإنسان لا يستقل بأي فكر ، أو حركة أو عمل ، أو ~~انتماء ، بل يرجع ذلك كله إلى الله ، فهو الحكم في كل شيء. # ( @QUR@04 أفغير الله أبتغي حكما ) وما ذا يمثل غير الله ، مهما كان نوعه ~~، من قوة؟ فالله هو القادر والقاهر والحكيم والخبير والخالق والعليم ~~والمنعم ، فكيف أجعل غيره هو الحاكم في أي شيء ، وماذا يملك غيره؟! وليست ~~هذه الكلمة كلمة رسول الله فقط ، إنه لم يقلها ليعبر عن موقفه الذاتي ، بل ~~ليعبر عن موقف الرسالة في موقفه ، فهي لكل إنسان مؤمن يريد أن يواجه قضايا ~~الحياة ، ليقولها بقوة ، أمام كل الذين يريدون أن ينحرفوا به عن الطريق الحق. # إن آيات الله هي أساس الفكر الذي أحمله ، والعقيدة التي أعتنقها ، PageV09P285 # والمفاهيم التي أؤمن بها ، لا أمر لي مع أمره ، ولا حكم مع حكمه ، بل له ~~الأمر كله ، والحكم كله ، ولكن كيف تكون حاكمية الله في الحياة؟ هل تطرح ~~كشعار يتلاقفه الطامحون ، ليعطوا لأنفسهم صلاحية الحكم باسم الله كممثلين ~~له على الأرض في ما يقولون ويدعون ويخترعون من أفكار ، وفي ما يصدرون من ~~أوامر ونواه .. كما يحدث في كثير من أدوار التاريخ؟ أم هل تواجه كل حل ~~واقعي للمشاكل الحياتية عند ما يتقاتل الناس أو يتخاصمون بكلمة لا حكم إلا ~~لله» ، لتمنع أي نوع من أنواع التحكيم بينهم ، لأنهم يعتبرون حكم الله شيئا ~~معلقا ms2246 في الهواء ، أو في الفراغ ، فلا حق لأحد أن يجتهد في تطبيقه أو ~~تحريكه في حياة الناس؟ # وتأتي الفقرة الثانية من الآية ، بالجواب : ( @QUR@06 وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا ) فلم يترك المسألة فوضى يتلاقفها كل إنسان من خلال ~~مطامحه وأحلامه ، ولم يبعدها عن متناول الإنسان ، لتبقى معلقة في الفضاء ، ~~بعيدة عن متناول يده ، بل أنزل الكتاب مفصلا ، يحدد فيه كل صغيرة وكبيرة ، ~~ويوضح فيه الأسس التي تتحرك من خلالها القضايا ، وترتكز عليها الأمور ، في ~~ما نريد أن نعرفه ونلتقي فيه من شؤون الحياة. # ووزان هذه الفقرة من الآية وزان قوله تعالى : ( @QUR@06 ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ) [الأنعام : 38] وهنا يتحول الأسلوب القرآني إلى الحديث عن ~~هذه الحقيقة ، من خلال الذات الإلهية ، بأسلوب المتكلم ، ليؤكد لنا أن الله ~~لم يفرط في شيء ، بل جاء به مفصلا شاملا ، لكل ما يحتاجه الناس فلا مجال ~~للرجوع إلى غيره في أية قضية مما يختلف عليها الناس ، فبإمكانهم أن يرجعوا ~~إليه ليحدد لهم الأشخاص الذين يمثلون خطه ورسالته ليحكموا في ما بينهم بما ~~أراد الله ، وليبين لهم القواعد التي يرجعون إليها في تحديد تفاصيل الحياة ~~.. وهكذا يقف الناس مع حاكمية الله في حاكمية رسله وأوليائه ، وفي حاكمية ~~دينه وشريعته التي أنزلها الله على رسله. PageV09P286 # ( @QUR@09 والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) لأنهم ~~يعرفون دلائله الواضحة ، في ما لديهم من الكتاب الذي أنزله على موسى وعيسى ~~، وفي ما بشر به من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لكنهم يظهرون الإنكار ~~والشك والريبة ، حسدا وحقدا وعداوة ( @QUR@04 فلا تكونن من الممترين ) أي : ~~من المرتابين الشاكين ، لأن القضية واضحة في وجدانك من خلال نور الحقيقة ~~الذي ألقاه الله في قلبك ، ومن خلال ما ألقاه الله إلى رسله وأنبيائه من قبلك. # * * * ### ||| ** لا مبدل لكلمات الله # ( @QUR@03 وتمت كلمة ربك ) ما هي كلمة الله؟ فقد تحدث القرآن عن الكلمة ~~بأكثر من أسلوب حتى أنه أطلقها على عيسى عليه السلام . الظاهر أن المراد بها ~~، هنا ، الإسلام الذي أنزله الله على ms2247 الرسول مفصلا ، ولم يفرط في الكتاب من ~~شيء ، في ما يحتاجه الناس في أمورهم الخاصة والعامة ، ( @QUR@01 صدقا )، ~~في ما يمثله من الحقيقة التي لا يقترب إليها الباطل ، فهي الصورة الحية ~~التي تتطابق مع خط الحق ، فلا شيء إلا الصدق ، الصدق في الكلمة ، وفي الجو ~~، وفي الموقف ، وفي حركة الحياة ، وفي ما يريد أن يبنيه من شخصية الإنسان ~~الذي يصنعه على أساس الصدق ، في نطاق الفرد والمجتمع ، في المشاعر والكلمات ~~والمواقف ، في الصدق مع النفس ، ومع الله ، ومع الناس ، ومع الحياة ، وبذلك ~~يكون الإنسان الذي يجسد الصدق في كل حياته كلمة الله ، لأن الله هو الحق ، ~~فكل ما يمثل الحق هو كلمته وإرادته ، ويكون التشريع والفكر والجو الذي ~~ينسجم مع خط الصدق كلمة الله ، لأن الله هو الحق. وهكذا تمت كلمة ربك صدقا ~~لأن الصدق يحيط بها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها ، وفي ~~عمقها وامتدادها. # ( @QUR@01 وعدلا ) في ما تمثله من التوازن بين خط الدنيا وخط الآخرة ، وبين PageV09P287 # جانب المادة وجانب الروح ، ومن التوازن بين شخصية الملاك وشخصية البشر في ~~الإنسان ، وفي الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية له ، وفي المصلحة ~~العامة والمصلحة الخاصة ، وهكذا يتحرك في حقوق الناس في ما يختلفون فيه ~~ويتفقون عليه ، في حياتهم الداخلية والخارجية ، حتى يشمل التوازن .. وهكذا ~~رأينا القرآن في أكثر من آية يؤكد على العدل في الكلمة والشهادة والحكم ~~والمعاملة وفي الحياة الزوجية ، وفي الصلح بين الناس ، وفي الحرب والسلم ~~وفي كل شيء ، حتى اعتبر القيام بالقسط أي العدل هدف كل الرسالات وكل الرسل. # ( @QUR@03 لا مبدل لكلماته ) إن التبديل إنما يعرض للأشياء التي تخضع ~~للحدود الزمنية أو المكانية أو تنطلق من الظروف المحدودة أو الخبرة القصيرة ~~النظر ، وتلك هي صفة القرارات والكلمات الصادرة عن الإنسان ، الذي لا يملك ~~النظرة المطلقة البعيدة المدى ، التي لا تتجمد في الحدود الضيقة ، أما ~~الأشياء التي تتحرك من قلب الحقيقة ، في ما تنطلق فيه المصلحة الممتدة ~~المطلقة للإنسان ، بعيدا عن كل خصوصياته الزمانية والمكانية والعرقية ~~والشخصية ، فإنها لا ms2248 يمكن أن تتبدل أو تتغير لأنها تمثل الحق الثابت الذي ~~لا مجال فيه للاهتزاز وللتحول ، وتلك هي صفة كلمات الله التامة التي أراد ~~الله للحياة وللإنسان أن يسيرا عليها من خلال المصلحة الثابتة الممتدة ~~الدائمة ما بقي للحياة حركة ، وما بقي للإنسان وجود. # ( @QUR@02 وهو السميع ) الذي يسمع كل شيء ، حتى السر وأخفى ، ويسمع وساوس ~~الصدور ، ولا يصم سمعه صوت ( @QUR@01 العليم ) الذي يعلم مفاتيح الغيب ، ( ~~@QUR@031 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين ) [الانعام : 59] ويعلم ما يفسد الناس وما يصلحهم ، وما ينفعهم ~~وما يضرهم ، PageV09P288 # فإذا كان الله سميعا عليما ، فإنه يركز كلماته ، كل كلماته ، على أساس ~~علمه بواقع الأشياء وبمصلحة عباده من جميع الجهات ، فأين يكون موقع التغيير ~~والتبديل من هذا كله؟ # * * * ### ||| ** موقفنا من الدعوة إلى تطوير الإسلام # ومن خلال هذه الآية الكريمة نعرف كيف يكون موقفنا من الدعوات التي تتحدث ~~عن تطوير الإسلام وتبديله وتغييره ، على حسب التطور في الفكر والعلم ~~وأساليب الحياة وطبيعة العلاقات الإنسانية ، فقد كان الإسلام وليد مرحلة ~~زمنية معينة ، تختلف حاجاتها عن حاجاتنا ، وطريقة التفكير فيها عن طريقتنا ~~، وكان التشريع فيها خاضعا لتلك الحاجات ، وكانت أساليب التفكير لديه ~~منطلقة من تلك الطريقة ، فلا بد لنا من أن ننفض عنه غبار السنين ونأخذ ~~أهدافه ونطور وسائله ونستوحيه في ما نتحرك فيه ولا نتجمد أمام حروفه ، فقد ~~تحول الإسلام عندنا من فكر تفصيلي إلى فكر عام ، ومن شريعة شاملة إلى شريعة ~~موحية. وهكذا يشعر الإنسان بأن الدين ليس قيدا يقيد خطواته في طريق التقدم ~~بل هو حركة منطلقة شاملة توحي له بأن يأخذ حريته في نطاق الوحي ، الذي لا ~~تزيد مهمته ، عن الإيحاء ولا تفرض عليه شيئا غير ذلك. # هكذا يقولون ، وهو كلام جميل يداعب أحلام الحرية في الإنسان ، ولكن ~~الحقيقة أجمل وأوثق ، وهي أن الإسلام ليس حكاية من حكايات التاريخ ، ليقف ~~في موقعه محددا ms2249 لنا نقطة الانطلاق ، ثم يغيب في الضباب ، ولكنه وحي الله ، ~~هكذا يعتقد المسلمون الذين يؤمنون بالإسلام ، الدين ، الوحي ، القرآن ، ~~النبوة ، اليوم الآخر ، التي تتحرك من خلال إرادة الله. وهو PageV09P289 # الدين الذي لم يفسح المجال لدين بعده ، ولم يترك لنبي ، غير محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم مجالا ليحمل الرسالة ويركز الشريعة ، وإذا كان الإسلام ~~هو وحي الله الأخير بكلماته وأحكامه ومفاهيمه التي لا تتبدل ، فهل يكون ~~التبديل ، إلا تمردا على ذلك كله ، وهروبا من حركة الوحي في حياة الإنسان؟! # ثم ما معنى خضوع الإسلام لحركة التطور؟ هل معناه أن يخضع الإسلام للأفكار ~~التي فرضت نفسها على واقع الحياة من خلال القوة ، أو من خلال ظروف معينة ~~ضاغطة؟ وكيف نلزم فكرا ما بأن يتغير لمصلحة فكر آخر بعيدا عن قناعاته؟ # إن القضية المطروحة في الساحة هي أن يتطور الإسلام على هدى الأفكار ~~الأخرى التي يعيش معها حركة الصراع في المفاهيم ، وفي التشريع ، وفي أساليب ~~العمل ، ونحن نعرف أن ذلك غير واقعي ، لأنه يمثل الهزيمة أمامها ، لا ~~الانسجام معها. إن معنى انطلاقة الإسلام مع الحياة هو أنه يستجيب لحاجاتها ~~، فيضع لها التشريعات التي تمتد مع هذه الحاجات وتحتويها ، ويلتقي مع ~~مشاكلها ، فيضع لها الحلول ، على حسب مفاهيمه التي يراها صالحة لكل زمان ~~ومكان .. # وهل يمكن أن يضع الإسلام الفكرة ويترك التفاصيل المرتبطة بها تحت رحمة ~~الأهواء والأفكار التي لا تلتقي معه في الجذور وفي التطلعات ، مما يجعل من ~~تلك الجزئيات صورة مشوهة عن المعاني الكلية ، ومن تلك التفاصيل انحرافا عن ~~الخط الذي تنطلق فيه المعاني الكلية ، لأنها تعيش في أجواء مختلفة عن أجواء ~~هذه المعاني؟! # إن الإسلام هو الذي يطور الحياة ويغيرها ويحركها في اتجاه الخطوات ~~والأهداف التي ترفع من مستواها ومستوى الإنسان فيها ، فهو الذي يستجيب ~~لحاجات التطور في ما يخطط من مناهج وأساليب للتفكير ، ويدفع بالعلم PageV09P290 # خطوات واسعة إلى الأمام ، ويهيب بالإنسان أن يندفع نحوه ويتعامل معه من ~~موقع الحاجة الباحثة عن أسرار الكون الذي سخره الله له ، ليعرف من ms2250 خلال ذلك ~~ربه ونفسه وحركة حياته كلها. وبذلك فإننا لا نتنكر لكل خطوات العلم في ~~تغيير الحياة ، بل كل ما عندنا هو التحفظ على التطور الذي يأتي من خلال ~~سيطرة فكر معين أو اتجاه معين يفرض نفسه على الواقع ، لتخضع له كل الأفكار ~~وتتضاءل أمامه ، وتبدل أوضاعها ومفاهيمها تبعا له. # إن الإسلام فكر كما هو الفكر ، ولكنه الفكر الناشئ من الوحي ، ولا يمكن ~~للفكر أن يتطور إلا من خلال التنكر لقواعده وجذوره. وهذا يعني أن يبتعد ~~الإنسان عن الفكرة التي تقول إن الله هو مصدر الحقيقة في كل شيء فلا يمكن ~~للفكر الآتي من وحيه أن يكون فكرا محدودا ، أو خاطئا أو مهزوما أمام أي فكر ~~آخر في أية مرحلة من مراحل الزمن. ولو كانت فكرة المرحلية واردة في الحساب ~~، لبينها الله لنا في كتابه ، أو على لسان نبيه ، كما فعل ذلك في ما أوحى ~~به من نسخ بعض الأحكام التي أنزلها الله ، في نطاق المرحلة ، لا في نطاق ~~الحياة كلها. # * * * ### ||| ** دور الاجتهاد في فكرة تطور الإسلام # وقد يطرح بعض الناس حكاية الاجتهاد الذي فتح الإسلام كل أبوابه على مدى ~~الزمن ولم يغلقه على نفسه ، فهو الباب الذي يمكن أن ينفذ منه التبديل ~~والتغيير والتطوير. # وبذلك يمكن أن يتطور الإسلام من داخل الخط الذي يسير عليه ويؤمن به ، ~~ولكن ما معنى الاجتهاد؟ إنه لا يعني الرأي الذي ينطلق من ثقافة الإنسان ~~ومزاجه الخاص في ما يرتئيه من مصالح ومفاسد للحياة ، ولا يعني PageV09P291 # التشريع المستقل الذي يتحرك من التجارب المحدودة التي تفرض لهذه المرحلة ~~تشريعا يمكن أن نتجاوزه إلى تشريع آخر في مرحلة أخرى ، تماما كما يفعل ~~المشرعون الذي يضعون القوانين في المجالس النيابية ، في الدول الحاضرة ~~القائمة على أساس أن التشريع للأمة من خلال ممثليها ، بل إنه يعني الرأي ~~المستمد من القواعد الشرعية في فهم النصوص الدينية في الكتاب والسنة ، في ~~ما يفهمه المجتهد منها ، وفي ما يستوحيه مما ينسجم مع أجواء النص ~~وإيحاءاته. فلا يمكن له أن يعطي رأيا ms2251 في مقابل النص ، أو يضع حكما لم يرد ~~به نص ، ولم تفرضه قاعدة فقهية مستمدة من الكتاب والسنة ، حتى العقل الذي ~~اعتبره بعض المجتهدين دليلا من أدلة الأحكام ، لا بد له من أن يتحرك في ~~نطاق الأفكار القطعية التي لا يقترب إليها الشك في ما يستفيده من ملاكات ~~الأحكام ، فلا مكان للحكم العقلي العقلي الظني في ذلك من قريب أو بعيد. # إن الاجتهاد الإسلامي هو اجتهاد في فهم الإسلام ، وليس اجتهادا ذاتيا ~~يستمد أفكاره من حركة الواقع ، ولا مانع من أن يتغير الحكم الشرعي تبعا ~~لتغير الاجتهاد ، ولكن تغير الاجتهاد لا يخضع للتغييرات الحاصلة من الخارج ~~بل من خلال اكتشاف خطأ في الاجتهاد السابق أو خلل في فهم النص أو في تطبيقه ~~، أو في قاعدة شرعية لا يكون لها مجال في هذا المورد أو ذاك ، لأن قاعدة ~~شرعية أخرى هي الأولى في هذا الموضع أو ذاك. # وعلى ضوء ذلك ، يبقى الاجتهاد متحركا ، في نطاق حدود علمية معينة تحفظه ~~عن الانحراف ، وتصونه عن الزلل ، وتحركه في اتجاه الاكتشاف الأمين للحكم ~~الشرعي الذي أنزله الله في كتابه ، أو أوحى به إلى نبيه ، فلا مجال لتطوير ~~الإسلام من خلال الاجتهاد ، بل كل ما هناك ، أن نجتهد في دراسة مدى انسجام ~~خطوات التطور مع خط الإسلام في التشريع ، أو ابتعادها عنه ، لنحدد موقفنا ~~من ذلك ، لأن حكم الله هو القاعدة للحياة ، وليست PageV09P292 # القضية بالعكس. # * * * ### ||| ** الأكثرية لا تمثل خط الهدى # ( @QUR@018 وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون ) هناك اتجاه يقول : إن الأكثرية تمثل الحقيقة ، أو ~~الفكر الأقرب إليها ، وبذلك اعتبرت أساسا للتنظيم في جميع المؤسسات التي ~~تحتاج إلى وضع القوانين وإصدار القرارات عند ما يختلف الأعضاء بين رأي ~~موافق ورأي مخالف فيكون رأي الأكثرية ، ولو بزيادة واحد ، هو الخط الفاصل ~~بين الحق والباطل ، سواء في ذلك على مستوى الجمعيات أو الأحزاب أو الشركات ~~أو الحكومات ، أو على مستوى الأمة كلها ، والاتجاه الديمقراطي يرتكز على ms2252 ~~هذه القاعدة. # ولكن القرآن لا يوافق على هذا الاتجاه ، بل يعمل بدلا من ذلك على الإيحاء ~~للإنسان بأن الحقيقة هي في الجانب المقابل ، أي عند الأقلية ، ولذلك كثرت ~~الأحاديث في الآيات الكريمة عن ذلك ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) ~~[هود : 17] ، أو ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [الأعراف : 187] ، ~~أو ( @QUR@02 وأكثرهم فاسقون ) [التوبة : 8] لأن الأكثرية عادة تمثل التيار ~~الذي يحكم الحياة من جانبها السهل الذي يقف مع الرغبات الحسية وغير الحسية ~~التي تنادي بها النفس الأمارة بالسوء ، أما الأقلية ، فهم الذين يتعاملون ~~مع الحياة من موقع المسؤولية الصعبة ، ويمثلون الطليعة في كل مجتمع ، ولهذا ~~كانوا هم أتباع الدعوات الرسالية والثورية والإصلاحية ، الذين حملوا ~~الأعباء الكبيرة ، وتحملوا الجهد العظيم ، وعاشوا في مواكب الشهادة ، بينما ~~كانت الأكثرية في الجانب المقابل من الرسالة والثورة والإصلاح ، تحارب ~~الأنبياء PageV09P293 # والثائرين والمصلحين بمختلف ألوان الحرب ، وتبعثر خطواتهم على أكثر من ~~صعيد ، حتى إذا تقدمت الرسالة والثورة والإصلاح ، وانتصرت انطلقت الأكثرية ~~لتسير مع الأجواء الجديدة ، لتعمل على احتوائها وتوظيفها لمصلحتها ولتسلك ~~أساليب اللف والدوران وفنون الخداع والنفاق ، ولتعود من جديد لتحارب الرسل ~~والثائرين والمصلحين ، من موقع آخر ، وبوسائل أخرى .. وهكذا تستمر الحياة ~~في صراع الأكثرية السائرة مع التيار ، مع الأقلية المتحركة ضده. # إن القرآن لا يعتبر الكثرة العددية أساسا للنتائج الإيجابية على مستوى ~~الحقيقة ، لأن للحقيقة أساسا ينطلق من الوحي الإلهي من جهة ، ومن الفكر ~~الهادىء الموضوعي العميق من جهة أخرى ، ولن يكون للأرقام الكثيرة أي تأثير ~~في هذا المجال ، لأنها لا تستطيع أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ، ما لم ~~تنطلق من موقع فكر ينضم إلى فكر ، لتكون القضية قضية شورى يتداول فيها ~~الناس الأفكار في جولة فكرية تتحرك في خط الحوار ، لتقدم في نهاية المطاف ~~الرأي الأفضل ، الذي لا يفرض نفسه على القيادة ، بل يمنحها فرصة الاقتراب ~~من الخط السليم ، ولترى رأيها النهائي حول الموضوع سلبا أو إيجابا. # إن الأرقام التي تتكاثر تبعا لتكاثر الأطماع والشهوات والانفعالات ، لا ~~يمكن أن تمثل حركة الإنسان نحو الحقيقة ، لأنها تتعامل ms2253 مع العاطفة التي ~~تثير أمامه ضبابا كثيفا يحجب عنه وضوح الرؤية للأشياء ، ويبعده عن معرفة ~~الساحة الحقيقية للشخص وللموقف وللمبادئ ، إلا من خلال ما يريده أولئك ~~الذين يحركون الأطماع والشهوات والانفعالات في لعبة الباطل المتعددة ~~الأساليب والأشكال والألوان. # وفي ضوء ذلك ، لا بد من التمييز بين الأكثرية الواعية المفكرة المخلصة ، ~~والأكثرية الساذجة المنفعلة المزيفة ، ولا بد لنا في نطاق ذلك PageV09P294 # من تحديد المسألة التي تعيش فيها الأكثرية روح الشورى من أجل الوصول إلى ~~الحقيقة ، في مقابل الأكثرية التي تعيش روح التنافس والصراع من أجل الحصول ~~على موقع ما بعيدا عن قضية الحق والباطل في ساحة الصراع. # إن الإسلام يحدد الدور القيادي الذي يعطي للحكم شرعيته ، وللرأي لون ~~الحقيقة ، فقد تجد القيادة في الأكثرية سبيلا إلى تحديد المصلحة في قضايا ~~الناس الحياتية من سياسة واجتماع واقتصاد ، باعتبارها النموذج الأمثل ~~للشورى ، فتقرره كأسلوب عمل في الساحة ، وقد تجد في رأي الأقلية من أهل ~~الخبرة والمعرفة والإخلاص الشكل الأفضل للنظام ، فتسير عليه ، وفي جميع تلك ~~الحالات ، تبقى شرعية الأكثرية هنا ، والأقلية هناك ، مرتبطة بالهيكل ~~التنظيمي الشرعي للقيادة الفردية أو الجماعية مما لا سبيل إلى بحثه الآن. # * * * ### ||| ** الداعية بين الأكثرية والأقلية # نعود إلى الآية ، لنعيش معها في نطاق الجو العملي للداعية إلى الله ، ~~نبيا كان أو إماما أو فقيها أو غير هؤلاء من أفراد الأمة ، فقد يعيش حالة ~~ضعف داخلي وقلق نفسي يجذبه إلى التيار الغالب في الأمة لأنه يمثل القوة ، ~~في المال والجاه والرجال ، مما يجعل من الانتماء إليه والارتباط به مصدر ~~قوة في مقابل إحساسه بضعف هؤلاء البسطاء الطيبين الفقراء الذين لا يستطيعون ~~أن يمنحوا الحماية لأنفسهم ، فكيف يمكن أن يمنحوها للداعية؟! # ولكن الله يريد أن يفتح عيون الدعاة إليه ، ليدرسوا الموضوع من نقطته ~~الكبيرة ، وهي أن للداعية إلى الله شخصيته الرسالية التي يستمدها من حركة ~~رسالته في الحياة ، مما يجعل من مسألة القوة ، بالنسبة إليه ، مسألة لا ~~تتعلق بشخصه بل برسالته ، وبذلك يفقد صفة الانتماء الشخصي للجماعات PageV09P295 # والمؤسسات ، بل يرتبط انتماؤه ms2254 ، بالجانب القوي من رسالته ، فإذا كان ~~هؤلاء الأقوياء لا يؤمنون بها ولا يتعاطفون معها ، فما الذي يمكن أن ينتظره ~~منهم عند ما يرتبط بهم أو يرتبطون به ، في الوقت الذي يمثل فيه الجانب ~~الأضعف بينما يمثلون فيه الجانب الأقوى ماديا؟ هل يمكن أن يمنحوا رسالته ~~القوة في الموقف ، ويتنكروا لما هم عليه من فكر وسلوك وهدف؟ # إن القضية ستكون معكوسة ، لأنهم سيحاولون أن يستغلوا حاجته إليهم ، وضعفه ~~أمامهم ، من أجل أن ينحرفوا به عن الخط المستقيم ، أو يضللوه عن أهداف ~~رسالته وذلك بطريقة قد ينتبه إليها وقد لا ينتبه ، عند ما يكون غارقا في ~~ضباب الأجواء الذاتية والعاطفية والمثالية التي يحاولون أن يحيطوه بها ، ~~ليشعر وهو في غمرة الضباب الفكري والروحي أنه يسير في الاتجاه السليم. # ولكن ، لما ذا ينطلق الداعية في هذا الاتجاه؟ ربما كانت الرغبة في الوصول ~~إلى النتائج الكبيرة سريعا ، هو ما يفكر به ، مما يجعل من قضية الاعتماد ~~على القوى الجاهزة الموجودة في الساحة قضية لا تحتمل الجدل ، ولا تقبل ~~التأخير ، لأن الفئات الأخرى ، لا تملك أن تقدم أية خدمة في هذا المجال ، ~~بل ربما تعقد أمامه الأمور أكثر ، وذلك بإغراقه في المشاكل الصغيرة هنا ~~وهناك ، ليقدم تنازلات لهذا الجانب ، ولذاك الجانب ، ولذاك الجانب ، وتضيع ~~القضية من بين يديه في نهاية المطاف ، عند ما تحتويه هذه القوى وتستوعبه ~~جملة وتفصيلا. # أما الإسلام ، فإنه يعتبر هذا الاتجاه اتجاها خاطئا وفي أقصى درجات ~~الخطورة ، لأن دور الداعية لا يتمثل في تحقيق النجاح السريع على مستوى ~~السلطة أو الشهرة ، من دون قاعدة ثابتة مركزة تواجه عواصف الزمن وتحدياته ، ~~لأن قصة الرسالة هي قصة الحياة الممتدة الواسعة ذات الأبعاد PageV09P296 # الكبيرة ، التي تنتظر الإشراقة الرائعة كما ينتظر الأفق الفجر الوليد ~~الذي يخترق الظلام ، نقطة هنا ، ونقطة هناك ، وتتكاثر نقاط الضوء ، ثم ~~يتدفق الينبوع ليستوعب الأفق كله في حكايات النور. # وهكذا تنطلق الرسالة في حركة النمو الطبيعي للأشياء الذي يعطي لها القوة ~~، ويثبت جذورها في الأعماق ، وتجمع حولها المؤمنين ، واحدا ضعيفا من ms2255 هنا ، ~~وواحدا فقيرا من هناك .. ويتحول الأفراد إلى مجتمع صغير ، وتتكاثر ~~المجتمعات الصغيرة في هذا الموقع أو ذاك ، ثم ينطلق المجتمع الكبير ليتحول ~~إلى أمة ، وليتحرك في آفاق الإنسانية كلها ، ليستوعب الحياة في جميع ~~مراحلها ومشاكلها وقضاياها الكبيرة والصغيرة. # وهكذا تبدأ عملية صنع القوة لكل من يريد أن يبحث عن القوة الحقيقية ، ~~ولهذا فلا بد لمن يؤمن بالرسالات من أن يصبر طويلا على مشاكلها ومتاعبها ، ~~وتحديات القوى المضادة لها ، ليأخذ من كل ذلك قوة تتجدد مع كل مشكلة ومع كل ~~لون من ألوان التحدي .. ويبقى قبل ذلك وبعد ذلك للرعاية الإلهية في ما يهب ~~الله أولياءه من القوة والصبر والثبات ، الدور الأكبر والأساس في ذلك كله. # وهكذا يريد الله للرسول الداعية ، ولكل داعية في هداه ، أن لا يواجه ~~الموقف من هذا المنطلق ، بل أن يرفض كل هؤلاء مهما كانت كثرتهم وقوتهم ، ~~لأنها كثرة ضلال ، وقوة كفر ، لأنه لو أطاعهم ، ( @QUR@010 وإن تطع أكثر من ~~في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) لأضلوه ، ولأبعدوه عن الله وعن رسالته ، ~~ولتركوه مجرد شخص يبحث عن ذاته ، ويلم شتات أوضاعه .. وماذا عن هؤلاء؟ ~~لماذا ضلوا ، ولماذا انحرفوا؟ ( @QUR@08 إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون ) فهم لا يستندون إلى القناعات اليقينية التي تمنح الإنسان صفاء ~~الروح ووضوح الرؤية ، بل يتبعون الظن ، فيمنعهم ذلك من التدقيق في الوجه PageV09P297 # الآخر ، لأنهم لا يتناولون الأمور ، واحدة واحدة ليفحصوا داخلها ، ~~وليفهموا طبيعتها ، بل يتبعون طريقة الخرص والتخمين ، من دون حساب وتدقيق ، ~~وذلك هو سبيل الضالين. # ويختتم القرآن هذا الفصل بالآية الكريمة : ( @QUR@08 إن ربك هو أعلم من ~~يضل عن سبيله ) ليؤكد للرسول الداعية أن يستمر في طريق الدعوة إلى الله ، ~~ولا يلتفت إلى المعوقات والعقبات التي تواجهه في الطريق ، وذلك بتحديد ~~مسئوليته عن النتائج السلبية والإيجابية ، بالحدود التي تتناسب مع قدراته ، ~~في ما يملك من أساليب الدعوة ، أو في ما يستطيعه من وسائل إثارة الأجواء و؟ ~~تحريك الساحة في هذا الاتجاه. أما ما ذا يحدث بعد ذلك؟ فهو أمر راجع إلى ms2256 ~~الله ، الذي هو أعلم من يضل عن سبيله من خلال ما يعلمه من طبيعة الظروف ~~الداخلية والخارجية المحيطة به التي تحرك إرادته في هذا الاتجاه المنحرف ( ~~@QUR@03 وهو أعلم بالمهتدين )، في ما ينطلقون به من إرادة صلبة ، وتفكير ~~قوي ، وحركة واعية ، تقودهم إلى خط الإيمان به. # وذلك هو السبيل الأقوم الذي ينبغي للعاملين في سبيل الله والدعاة إليه ، ~~أن يقتدوا به ، ويحددوا الخط الفاصل بين مسئوليتهم في حركة الدعوة ، وبين ~~ما هو خارج عن نطاق مسئوليتهم فيها ، مما يرجع أمره إلى الله ، لئلا يفقدوا ~~الرؤية الواضحة في ما هو دورهم الطبيعي العملي ، فلا يعيشوا العقدة النفسية ~~أمام النتائج السلبية التي قد تحدث لهم لأسباب خارجة عن اختيارهم لعلاقتها ~~بأوضاع وظروف عامة أو خاصة بعيدة عن أجواء الدعوة وأساليبها. # * * * PageV09P298 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) ~~@QUR@030 وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو ~~أعلم بالمعتدين (119) @QUR@012 وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون ~~الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) @QUR@020 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون ) (121) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لمشركون ): لمشركون بطاعتهم لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون ~~الله فتكونون منهم ( @QUR@05 ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) [المائدة : 51]. ~~فإن الشرك لا يقتصر PageV09P299 # على العبادة المعروفة لغير الله بل يشمل مجالات أوسع ، حتى أن أكثر ~~المؤمنين مشركون ( @QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [يوسف : ~~106] فهو شرك الطاعة وشرك الأسباب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي : في قوله : ( @QUR@08 ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه ) قال المشركون : يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من ~~قتلها؟ قال : الله قتلها. قالوا : فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال ، وما ~~قتل الكلب والصقر حلال ، وما قتله الله حرام ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال عكرمة : إن المجوس من أهل فارس ms2257 لما أنزل الله تحريم الميتة ، كتبوا ~~إلى مشركي قريش ، وكانوا أولياءهم في الجاهلية ، وكانت بينهم مكاتبة ، أن ~~محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ، ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو ~~حلال ، وما ذبح الله فهو حرام ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # ونلاحظ على هاتين الروايتين ، أن المطروح في هذه الآيات ليس هو مشكلة ~~حلية الميتة أو حلية الذبيحة لتنزل هذه الآيات فتؤكد الحل للمشكلة ، بل ~~المطروح هو ذكر اسم الله على الذبيحة وعدمه أو ذكر اسم غيره كالذبح على ~~النصب ، فلا تناسب بين مضمون الآيات ومناسبة النزول مما تذكره الروايتان. ~~هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، إن أكل الميتة بمعنى ما مات حتف أنفه لم يكن ~~معهودا عند العرب أو عند الفرس ليسجلوا اعتراضهم PageV09P300 # على الإسلام في تحريمها ، ولهذا فقد يكون ما ذكر اجتهادا من الرواة في ~~مناسبة النزول ، لا برواية عن الواقع في نزول الآية. # * * * ### ||| ** أنموذج من نماذج الالتزام بالخط الإلهي # وهذا أنموذج من نماذج الالتزام بالخط الإلهي ، بعيدا عن أكثر من في الأرض ~~الذين يضلون عن سبيل الله ، وذلك لأن المؤمن الحق ، هو الذي يقف عند حدود ~~الله ، في ما حلله وحرمه ، بعيدا عن أي اعتراض مما قد يعترض به الآخرون وعن ~~أي سوء فهم مما قد يخطر في البال ، أو عدم فهم مما قد تشتبه فيه الأمور ، ~~لأنه ( @QUR@016 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ) [الأحزاب : 36] فهو التسليم المطلق لله. فإذا كان ~~الله قد رخص في شيء ، فإن علينا أن نستجيب لرخصه ، من دون أن نتعقد من ذلك ~~، وإذا كان قد حرم شيئا ، فإن علينا أن نمتثل لنهيه من دون أن نعترض على ~~ذلك ، ثم نحاول أن نفهم سر الرخصة هنا وسر التحريم هناك ، على أن لا يغير ~~ذلك شيئا من طبيعة الأمور ، في خط التزام الإيمان. # وقد أراد الله للمؤمنين التحرك في هذا الاتجاه في بعض الأمور التي ms2258 كانت ~~تقع موضعا للجدل بين المؤمنين والمشركين ، وربما أحس المسلمون ، أو بعضهم ، ~~بشيء من الضعف في موقفهم أو في موقف الدفاع عن الحكم الشرعي الذي يلتزمون ~~به ، فقد كان المشركون يعلقون على ما يلتزم به المسلمون من أكل الحيوان ~~المذكى الذي ذكر اسم الله عليه ، وامتناعهم عن أكل الميتة ، فيقولون لهم : ~~أتأكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ وكأنهم بذلك يعترضون على ~~إخلاصهم لقضية الإيمان بالله ، لأن ما يعملونه قد يعني في ما يعنيه أنهم ~~يحترمون شرعية أفعالهم أكثر مما PageV09P301 # يحترمون شرعية فعل الله ، فكانوا يحسون بشيء من عقدة القلق الخفيف ، في ~~هذا الجو. # وقد جاءت هذه الآيات لتبعد عنهم هذه الأوهام التي أثارها المشركون في ~~أنفسهم ، فهم لا يستحلون ما يستحلونه مما يذبحون من الحيوان ، احتراما ~~لفعلهم ، بل تعظيما لله في ما شرعه لأنه أباح لهم أكل الحيوان الذي ذبح على ~~اسمه ، فكانت شرعيته منطلقة من اسم الله الذي يوحي لهم بالشرعية ، باعتبار ~~أنه بداية كل شيء في حياة المؤمن ونهايته ، ولذلك حرم عليهم ما لم يذكر ~~اسمه عليه ، أو ذكر اسم غيره عليه ، لأنه مما لم يأذن به الله .. وهكذا ~~نعرف معنى تحريم الميتة ، لأن فعل الله في إماتته للحيوان ، لا يعطي للأكل ~~منه شرعية ، ما لم يصدر منه الإذن في ذلك ، في ما يوحيه الإذن من وجود ~~منفعة للإنسان فيه. # * * * ### ||| ** الأكل مما ذكر اسم الله عليه # أما أسلوب الآيات ، فقد عالج المسألة ، من خلال الخط الذي ينبغي للمؤمن ~~أن يتحرك فيه ، وهو خط الالتزام بما شرعه الله ، حراما أو حلالا ، لأن ذلك ~~هو علامة الإيمان : ( @QUR@010 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته ~~مؤمنين ) لأن الإيمان بآياته يفرض العمل بمضمونها ، فإذا جاءت الآيات ~~بتحليل شيء فإن من المفترض على المؤمن أن يمارسه في عمله ، من موقع هذا ~~الحكم ، ثم لا يمتنع عنه تحت تأثير أية شبهة ؛ ( @QUR@015 وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) في ما فصله ms2259 من ~~المحرمات في كتابه ، فإنه لم يذكر فيها تحريم ذلك ، فكيف تتوقفون فيه لمجرد ~~كلمة تسمعونها من مشرك؟! ( @QUR@04 إلا ما اضطررتم إليه ) وهذا هو ~~الاستثناء من كل ما حرمه الله ، لأن قضية الاضطرار تعني الحالة التي تتوقف ~~عليها حياته ، بحيث لو لم يفعل هذا PageV09P302 # أو يترك ذاك لهلك ، فإن قيمة الحياة في استمرارها تعلو كل قيمة أخرى ~~سلبية أو إيجابية ، لأن الله قد حرم ما حرم من أجل الحفاظ على سلامة حياة ~~الإنسان ، فإذا كان الالتزام بالحلال يهدد حياته ، فلا بد من الالتزام به ~~أن يتأخر ، لتتقدم حياة الإنسان. # وربما يخطر في البال أن معنى الاضطرار لا يتوقف على أن يصل الأمر إلى حد ~~الهلاك ، فيمكن أن يشمل صورة وصوله إلى حد الحرج الذي يواجه فيه الإنسان ~~وضعا غير محتمل ، من ناحية صحية أو عملية ، في نطاق الظروف المحيطة به ، ~~وهذا ما يمكن أن يصدق عليه الاضطرار في مفهوم العرف. وقد نستطيع تأكيد ذلك ~~في ما تحدثت عنه الآية الكريمة : ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~) [الحج : 78] و ( @QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ~~[البقرة : 185] فإننا نستبعد أن يكون هناك تعدد في العناوين الرافعة ~~للتحريم ، لا سيما بلحاظ اقتراب المفهومين من بعضهما البعض ، وتلاقيهما في ~~أكثر من مورد ، إننا نسجل هذا الاحتمال ، من أجل أن نضعه موضع التفكير ، في ~~خط الاجتهاد الفقهي ، لأن الوصول به إلى نتيجة حاسمة ، قد يحقق لنا الكثير ~~من النتائج الفقهية على مستوى حياة الناس العملية. # ( @QUR@06 وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ) فيثيرون الشبهات أمام ~~أحكام الله وتعاليمه ، لمجرد إرباك الموقف ، وتضليل الخطى ، ولا مانع من ~~الشبهات إذا كانت منطلقة من قاعدة علمية مستندة إلى تحليل فكري للأشياء ، ~~لأن المنطق العلمي يمكن أن يؤدي إلى نتيجة إيجابية في مجال الحوار ، لأن ~~هناك قاعدة محددة يمكن أن يلتقي عليها المتحاورون ، في ما يمكن أن يتحاوروا ~~فيه من موازين العلم وقضاياه ، أما الشبهات التي تثار على أساس الأهواء ~~والشهوات ، فلا مجال لإدارة الحوار حولها ، لأنها ms2260 لا تستند إلى أساس للأخذ ~~والرد ، بل كل ما يحمله دخولها هو المزيد من الأوهام والضباب والدخان ، ~~الذي يحجب الرؤية قليلا ، ثم يضيع في الهواء. PageV09P303 # وفي هذه الحالة ، لا بد من أن يرجع الإنسان إلى قاعدة إيمانه وفكره ، ~~فيخلو إلى نفسه ، ليعرف من خلال ذلك كيف تتبخر كل هذه الشبهات في الفضاء من ~~دون حاجة إلى جهد كبير ، لأن المسألة تتحول في حركة الساحة إلى عدوان على ~~الحق ، لا إلى فكرة تبحث من خلال الشبهات عما هو الحق ، في هذا الجانب أو ~~ذاك ؛ وإذا كانت القضية قضية عدوان على حدود الله .. فإن على المؤمن أن لا ~~يتراجع عن خط الدفاع عن إيمانه وعما يفرضه هذا الإيمان من حدود ، ولن يضره ~~أحد في ذلك شيئا ، لأن كل ما يحدث هو في علم الله ( @QUR@05 إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين ) وهو الذي يتولى حسابهم في الآخرة. # * * * ### ||| ** ترك الإثم قاعدة إيمانية # ( @QUR@04 وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) وتلك هي القاعدة الإيمانية التي ~~تؤكد للإنسان أن يدع الإثم كله ، في ما يمثله من المحرمات ، لأن إرادة الله ~~تفرض عليه ذلك ، سواء كان هذا الإثم ظاهرا واضحا لا يمكن أن تقترب إليه ~~الاحتمالات الخفية ، أو كان باطنا يعرفه بعض الناس وينكره بعض آخر ، فإن ~~مثل هذا اللون من الاختلاف لا يغير شيئا من طبيعة الإثم من حيث ما يتمثل ~~فيه من مضرة للإنسان وسخط لله. # ( @QUR@04 إن الذين يكسبون الإثم ) الذي توحي به شهواتهم ، وتدعوهم إليه ~~أطماعهم ، فينسون الله وينسون أنفسهم ، حتى يظنوا أنهم بعيدون عن سيطرة ~~الله الواحد القاهر ، فيأخذون حريتهم ويمتدون في الإثم كما يشاءون ، ~~ويكسبونه بكل جهدهم وطاقتهم ، فيحسبون أن المسألة قد انتهت ، تماما ، فلا ~~عقاب ولا عذاب ، ولكن الله لا ينسى إذا نسوا ، ولا يغفل إذا غفلوا ، في ما ~~اقترفوا ( @QUR@04 سيجزون بما كانوا يقترفون ) من ظاهر الإثم وباطنه. # * * * PageV09P304 ### ||| ** خط فاصل بين الحرام والحلال # ويعود الحديث من جديد إلى المسألة التي أثارها المشركون ، في موضوع ~~الذبائح ( @QUR@08 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) وهذا مما ms2261 يؤكد ~~الخط الأساس في موضوع حل الذبيحة حيث يكون الخط الفاصل بين الحرام والحلال ~~ذكر اسم الله وعدمه ، ( @QUR@02 وإنه لفسق ) لأنه يمثل التجاوز عن خط ~~الشريعة التي أنزلها الله على رسوله. وذلك هو مظهر الفسق في حياة الناس ، ~~والمعصية لله من موقع الإصرار عليها ، وهناك عدة أحاديث فقهية حول هذه ~~المسألة ، من حيث كفاية ذكر اسم الله في حلية الذبيحة ، أو إضافة شرط إسلام ~~الذابح إلى ذلك ، ونحو ذلك من الأمور التي أفاض فيها الفقهاء ، مما لا نجد ~~مجالا للحديث عنه في التفسير ، فليترك ذلك إلى كتب الفقه. # * * * ### ||| ** إطاعة أولياء الشياطين شرك # ( @QUR@05 وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) من الكافرين والمشركين ~~الذين يتقنون إثارة الشبهات في ما يمكن أن يستلب الشعور ، ويأخذ العقل ، لا ~~لشيء إلا لما يعيشونه من عقدة مرضية تجاه الإيمان ( @QUR@01 ليجادلوكم ) ~~بأسلوب مماثل للذي ألمحنا إليه حيث كانوا يحاولون الإيحاء إليهم أن قتيل ~~الله أولى بالأكل من قتيلهم. # وربما كان من بين أساليبهم إثارة الشبهة حول ما يعنيه اسم الله في موضوع ~~الحل ، ما دام ذلك لا يغير شيئا من طبيعة الذبيحة وعناصرها النافعة والضارة ~~، ولكنهم ينظرون إلى القضية من جانبها المادي الذي يتعامل مع الأشياء من ~~منظور مادي لا مكان للروح فيه ، ولكن الإسلام يريد أن يربي الإنسان على ~~وجود جانب فوق المادة لا بد من أن يمارسه في مأكله ومشربه PageV09P305 # ومطعمه وملذاته ، فإذا أراد أن يذبح الحيوان ويأكله ، وهو مخلوق مثله ، ~~فعليه أن يتحسس في ذلك ، أنه لا يأكله من خلال صفة الحاجة الطبيعية فيه ~~فحسب ، بل من خلال إذن الله وأمره له بذلك ، فهو يتحرك في كل مجالاته بإذن ~~الله وأمره ، ليتأكد فيه هذا الإحساس العميق بعلاقته بالله. وبهذا نفهم كيف ~~تحرك الأدب الإسلامي في استحباب ذكر اسم الله على كل بداية أو نهاية في ~~قضايا الطعام والشراب والجنس والعلاقات العامة للإنسان ... حتى يكون ذلك ~~بمثابة إيحاء دائم للإنسان بعلاقته بالله ، وبارتباطه به في كل شيء. وبذلك ~~يكون الشيء خبيثا عند ما يفقد اسم الله ms2262 ، وطيبا عند ما يذكر اسم الله عليه. # * * * # ( @QUR@04 وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) إشراك العبادة الذي يعني الطاعة ~~والخضوع. فإذا كان هناك وحي الله ، ووحي الشيطان ، واختار الإنسان غير وحي ~~الله ، فإن ذلك يعني التمرد على الله والخضوع لغيره ، وذلك هو الشرك غير ~~المباشر ، لأن قضية التوحيد ليست مجرد فكرة تعيش في العقل ، كما تعيش ~~المعادلات الرياضية المجردة ، بل هي فعل إيمان يتحرك في الفكر ليحرك ~~المشاعر والأفعال والأقوال والمواقف لتكون كلها صورة حية له ، لتتحول ~~الحياة من حوله إلى فعل إيمان بالله وبطريقه. # * * * PageV09P306 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) ~~@QUR@015 وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون ~~إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) @QUR@029 وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا ~~صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) (124) ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جعلنا ): حكمنا حكما تكوينيا بحسب النظام الكوني والأسباب ~~والمسببات وصراع الإرادات. وقد مر سابقا. PageV09P307 # ( @QUR@01 أكابر ): جمع الأكبر وقد قالوا : الأكابرة والأصاغرة ، كما ~~قالوا : الأساورة والأحامرة. # ( @QUR@01 ليمكروا ) أصل المكر : الفتل ، ومنه : جارية ممكورة ، أي : ~~مفتلة البدن ، فكان المكر معناه الفتل إلى خلاف الرشد. # ( @QUR@01 أجرموا ): الاجرام : الإقدام على القبيح بالانقطاع إليه ، لأن ~~أصل الجرم القطع ، فكأنه قطع ما يجب أن يوصل من العمل. ومنه قيل للذنب : ~~الجريمة. # ( @QUR@01 صغار ): ذل وهوان. والصاغر : الراضي بالمنزلة الدنية. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي قال ابن عباس في آية : ( @QUR@04 أومن كان ~~ميتا فأحييناه ) يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل ، وذلك أن أبا جهل رمى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفرث ، وحمزة لم يؤمن بعد ، فأخبر حمزة بما ~~فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه ، وبيده قوس ، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل ~~بالقوس وهو يتضرع إليه ، ويقول يا أبا يعلى ، أما ترى ما جاء به؟ سفه ~~عقولنا وسب آلهتنا ms2263 وخالف آباءنا؟! قال حمزة : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة ~~من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ~~، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # وقيل كما جاء في مجمع البيان إنها نزلت في عمار بن ياسر حين آمن وأبي جهل ~~، عن عكرمة ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام . وقيل : PageV09P308 # نزلت في عمر بن الخطاب ، عن الضحاك ، وقيل : إنها عامة في كل مؤمن وكافر ~~عن الحسن وجماعة ، قال الطبرسي : وهذا أولى لأنه أعم فائدة فيدخل فيه جميع ~~الأقوال المذكورة (1). # والظاهر أن ما ذكره الطبرسي في المجمع هو الأقرب ، وذلك لأن الروايات ~~الواردة في مناسبة النزول ليس فيها ما يدل على أن هناك مشكلة في التساوي ~~والتفاضل بين شخص وشخص ، لتكون الآية متعرضة لتفضيل هذا الشخص المؤمن على ~~ذلك الشخص الكافر. فإن الروايات جاءت لتتحدث عن صراع بين شخصين أحدهما في ~~موقع الكفر والآخر في موقع الإيمان من دون وجود أي حديث آخر حول نسبة أحد ~~الموقعين إلى الموقع الآخر ، ولهذا فإننا نتصور أنها واردة في مورد الآيات ~~التي تفضل الإيمان على الكفر ، كقوله تعالى : ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا لا يستوون ) [السجدة : 18] ، أو التي تفضل العالمين على الجاهلين ~~، كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون ) [الزمر : 9] في سياق الحديث عن القاعدة الحاكمة على الواقع من حيث ~~المبدأ ، والله العالم. # وجاء في مجمع البيان في نزول قوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا جاءتهم آية ) ~~قال : نزلت في الوليد بن المغيرة ، قال : والله لو كانت النبوة حقا لكنت ~~أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا (2). # ونلاحظ على هذه الرواية أنها تتحدث عن كبر السن أساسا للتفضيل في إنزال ~~النبوة عليه ، ولا تتحدث عن إنزال الوحي عليه كشرط للإيمان بما جاء به النبي. # وقيل : نزلت في أبي جهل بن هشام قال : زاحمنا بني عبد مناف في PageV09P309 # الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يوحى إليه ، والله لا ~~نؤمن به ms2264 ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، عن مقاتل (1). # * * * ### ||| ** انفتاح المؤمن على الله وانغلاق الكافر على ذاته # ( @QUR@018 أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) في هذه الآيات وما بعدها ، حديث عن الجو ~~الداخلي الذي يعيشه الإنسان المؤمن ، في الانفتاح على الحياة من خلال ~~الانفتاح على الله ، في مقابل الجو المنغلق الذي يعيشه الإنسان الكافر ، ~~وذلك من خلال الحديث عن الإنسان الذي كان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا ~~يمشي به في الناس ، ولكن كيف نتمثل هذه الصورة؟ # إن الموت هنا لا يعني الموت المادي ، وهو انعدام الحياة في الجسد بل هو ~~فراغ الإنسان من حركة الفكر والشعور والإيمان ، وذلك عند ما يعيش بدون فكرة ~~أو قضية ، ولا يعرف ما يريد ، ولا ما ذا يراد به ، فلا مجال لأية حركة ~~للحياة في أعماقه ولا من حوله ، لأن قضية الحياة والموت في الجانب الروحي ~~والفكري في الإنسان تتمثل في ما ينطلق به من آفاق وأوضاع وأفكار ومشاريع ~~وعلاقات ، فإذا كان الإنسان مؤمنا ، بالمعنى الواسع للإيمان ، فإنه ينفتح ~~على الله ، وعلى كل المعاني الخيرة ، والقيم الكبيرة ، والآفاق الروحية ، ~~في حركة الامتداد والعمق ، أما إذا كان كافرا ، فإنه ينغلق على ذاته ، ولا ~~ينفتح على أي شيء آخر ، إلا من خلال المادة ، فهي ساحة الحركة الضيقة عنده ~~، لأنه لا يملك الفكرة الكبيرة التي تربطه بتلك الآفاق ، فالمادة هي كل ~~طموحاته ، وكل شيء في الحياة يخضع PageV09P310 # للحسابات المادية ، حتى العواطف والمشاعر والعلاقات ، فلا يعطي إلا ~~بمقدار ما يأخذ. إنه يستمر في الدوران حول نفسه ، فيختنق في النهاية داخل ذاته. # ثم إن الإيمان في شخصية المؤمن يوحي له بأنه لا يمثل كما لا يمثل أي شيء ~~في الحياة كيانا مستقلا منفصلا عن الله ، بل يعتبر كل شيء موصولا به ، ~~ومنطلقا منه. وبذلك كانت الحياة ساحة خاضعة لله ومشدودة في علاقاتها إليه ، ~~فإذا فكر الإنسان ، فإن الفكر يتحرك من حيث يريد الله له أن يتحرك ms2265 ، ليكون ~~الفكر المسؤول ، كما أن العمل يتحرك في خط المسؤولية العامة في حياة الناس ~~، كل شيء عنده بحساب ، ولكنها ليست حسابات التبادل المادي التجاري مع الناس ~~، بل هي حسابات الإنسان مع الله ، وبذلك لا تكون التضحية حركة ضائعة في ~~الفراغ ، بل هي انطلاقة في علاقة الدنيا بالآخرة ، في حسابات الله. # وفي ضوء ذلك ، كانت الحياة عنده تعني الرسالة التي هي الهدف الكبير ، فلا ~~ضياع ولا فراغ ، ولا قلق ، لأن الإنسان المؤمن يعتقد أن بداية الحياة من ~~الله ، ونهايتها إليه ، وبين البداية والنهاية هناك خط واضح للمسؤولية ، ~~وبرنامج عملي للإنسان ، ينير له الطريق ، ويخط له حدود المستقبل على الصراط ~~المستقيم ، وذلك ما تعنيه الكلمة القرآنية : ( @QUR@07 إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا ) [فصلت : 30] التي تسير فيها نقطة البداية إلى خط السير ~~وذلك هو ما تعنيه كلمة النور الذي يمشي به بين الناس ، فهو الذي يحقق له ~~الوضوح في كل أوضاعه وعلاقاته العامة والخاصة ، فلا ظلام ولا ضباب ، بل هي ~~الإشراقة الدائمة في روحه وقلبه وخطاه. # أما الإنسان الكافر ، فمثله مثل الإنسان الذي يعيش في الظلمات ، فلا يخرج ~~من ظلمة إلا إلى أخرى .. ليس هناك نافذة واحدة يطل منها على النور .. فقد ~~أغلق جميع نوافذ النور على نفسه .. وبقي يتخبط في متاهات الظلام .. فليس ~~عنده أي تصور يحدد له نقطة الانطلاق ، ونقطة الانتهاء .. PageV09P311 # فهو لا يدري كيف نشأت الحياة ، ولا يدري كيف ستنتهي ، وما بعد ذلك ، ولا ~~يعرف الأساس الذي يحدد من خلاله برنامجه لأن خطة الحياة تخضع للأهواء ~~وللشهوات التي تتغير وتتبدل تبعا للظروف ، من العدم انطلق ، وإلى العدم ~~يعود .. ويتحرك الوجود معه في أجواء العدم. # وفي كل يوم شهوة جديدة ، وهوى جديد ، فإذا أقبلت الأزمات والمشاكل في ~~ظلمات بعضها فوق بعض ، فإنه يعيش معها التخبط والقلق والعقد النفسية ، لأنه ~~لا يملك نورا يملأ قلبه ويضيء طريقه .. وهكذا تنطبق عليه الآية : ( @QUR@07 ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ). # ولكن مشكلته أنه لا يعي معنى النور ليفهم معنى وجوده في الظلام ، فهو ms2266 ~~يملك صورة خاطئة عن النور والظلام ، فقد يحسب النور ظلاما ، كما يحسب ~~الظلام نورا ، لأن القضية ليست قضية الوجود المادي لهما ليستطيع أن يحدد ~~طبيعة ما هو فيه ، على أساس إشراقة النور في عينيه ، وإحساسه به في وجوده ، ~~ولكن القضية قضية الوجود المعنوي ، الذي قد يختلط فيه الأمر ، على أساس ~~المفاهيم التي يحملها ، كما نلاحظ في ما نواجهه في عصرنا هذا ، من التسمية ~~المعروفة عنه بأنه عصر النور ، على أساس انطلاق الرؤية فيه من اتجاه واحد ~~دون بقية الاتجاهات ، مما قد يختلط فيه ميزان العقل بميزان الشهوة ، فيخيل ~~للإنسان أنه يتحرك بعقله وفكره ، بينما هو يتحرك بشهوته ومزاجه ، وبذلك ~~يختلط لديه عنصر الظلمة بعنصر النور. # * * * ### ||| ** زين للكافرين ما كانوا يعملون # وهذا ما توحيه الفقرة التالية في الآية : ( @QUR@06 كذلك زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون ) فإن الإنسان إذا اعتقد شيئا أحبه وأخلص له ، وإذا اندمج فيه ~~، واستغرق في داخله ، ولم يكتشف فيه الجانب الأسود السيئ ، خيل له أنه PageV09P312 # الحسن الذي لا قبح فيه ، وتزين له كل شيء فيه ، حتى لا يسمع فيه نقدا ولا ~~يقبل فيه نقاشا. وتلك هي الغريزة الإنسانية التي تتعامل في ما تصدره من ~~أحكام سلبية أو إيجابية مع الجانب المشرق الذي تلتقي فيه الفكرة المحببة ~~بالمشاعر الجميلة ، بينما ترتبط المشاعر السيئة ، بالفكرة البغيضة. # ولكن الغريزة لا تلغي في الإنسان إرادة التغيير ، لأن الله جعل العقل ~~قائدا لها ومنظما لمشاعرها وحركاتها وحرك الإرادة لتقف بها في نقطة التوازن ~~، فإذا أهمل الإنسان عقله ، وجمد إرادته ، فإنه يهمل مصيره من حيث يقيم ~~الله الحجة عليه في ذلك ، ومن هنا كانت عملية التزيين هذه التي تشير إليها ~~الآية ، لا تعني الجانب المباشر من الفعل ، بل تعني الجانب الطبيعي في ما ~~ركب في الإنسان من طبائع وغرائز ، من أجل أن تبني له حياته ، كما يحب ، ~~ويريد ، مع التأكيد على المسؤولية في الجانب العقلي والإرادي منها. # وفي هذه الآية إيحاء للإنسان بأن عليه أن يثير الحياة في نفسه ، ويخرجها ~~من الموت الفكري والروحي الذي ms2267 يجره إلى تخيل أن قيمة الإنسان في أطماعه ~~وشهواته ، وذلك بأن يعيش الإيمان بعمق ليشعر بامتداد الحياة في نفسه إلى كل ~~شيء حوله ، من خلال إحساسه بالمسؤولية عن الأرض والناس ، وعن النبات وغير ~~ذلك في المدى الذي تتسع فيه قدرته .. وبهذا يحصل الإنسان على نوع فريد من ~~التفاعل بين الإيمان وسعة الشخصية. فكلما عاش الإيمان أكثر ، كلما تحركت ~~شخصيته في الجانب السليم أكثر. أما إذا غفل عن إيمانه ، واستسلم لما حوله ~~ولمن حوله ، فإنه يستسلم للجانب السلبي من حركة الواقع في ما يعيشه من حالة ~~القلق والضياع والارتباك والتخبط التي تفرزها مفاهيم الكفر في عقل الإنسان. ~~وهذا هو العنصر الذي يقود إلى الخبث والمكر والجريمة ، وغير ذلك من المعاني ~~التي تتمثل في الشخصيات التي تعيش لذاتها ، فلا تتفتق عبقريتها إلا عن ~~أفكار الشر ، ولا تتحرك قوتها إلا في طريق الصد عن الخير وعن سبيل PageV09P313 # الله فيفسدون الحياة بمكرهم. ولكن القضية ترتد عليهم ، في نهاية المطاف ، ~~لأن الله لم يجعل لهم السلطة المطلقة التي يحققون فيها لأنفسهم ما يشتهون ~~وما يريدون ، بل وضع لهم حدا مقيدا يقفون فيه حيث تقف حدود قدرتهم ، وحيث ~~تبدأ العناصر الأخرى في الساحة بمواجهة فسادهم مواجهة قوية حاسمة. # * * * ### ||| ** في كل مجتمع مترفون يمكرون فيها # ( @QUR@09 وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) ففي كل ~~مجتمع صغير أو كبير فئة من المترفين الذين يعتبرون أنفسهم في الطبقة العليا ~~من المجتمع ، ويرون لأنفسهم الحق في أن يخططوا للناس حياتهم ويفرضوا عليهم ~~سلطتهم ، ولذلك فهم يعملون للجريمة في نطاق الدين والسياسة والاجتماع ~~والاقتصاد ، بكل ما يملكون من وسائل المكر الذي يعبر عن التدبير الخفي الذي ~~يوهم الآخرين بأنه خير ، في الوقت الذي يمثل أبشع أنواع الشر ، ( @QUR@04 ~~وما يمكرون إلا بأنفسهم ) لأن الجريمة إذا تحولت إلى تيار اجتماعي ، فإنها ~~تتسع في حركتها حتى تعود لتفتك بالناس الذين دبروها ، فهي لا تتجمد في أيدي ~~صانعيها ، بل تمتد لتنتقل إلى أيدي الناس الذين لا تتفق أطماعهم ومصالحهم ~~مع الناس الآخرين ، فيرتدون ms2268 عليهم ليصنعوا بهم ما صنعوه بغيرهم. # ثم ماذا بعد الجريمة؟ فليذهب هؤلاء يمينا وشمالا ، وليربحوا ما شاءت لهم ~~أطماعهم من أرباح الحياة الدنيا ، فإنهم سيقفون أمام الله ، إن عاجلا أو ~~آجلا ، وسيشعرون هناك بأنهم خسروا أنفسهم ، وأن مكرهم الذي صنعوا منه ~~الجريمة قد تحول إليهم ، ليجدوا أنفسهم معه وجها لوجه أمام النار وبئس ~~القرار .. وتلك هي الحقيقة التي ستواجههم غدا نتيجة ما PageV09P314 # فعلوه ، ولكنهم يفعلون ما يفعلون بأنفسهم ( @QUR@02 وما يشعرون ) ~~بالنتائج التي ستتمخض عنها في الدنيا والآخرة. # ويأتي السؤال في كل آية مماثلة جاء فيها قوله تعالى : ( @QUR@05 وكذلك ~~جعلنا في كل قرية ) فإذا كان الله هو الذي يجعل ، فأين يكمن عنصر الاختيار ~~الإنساني في صنع الجريمة؟ # وقد أجبنا عن ذلك ، بأن الجعل هنا ليس بالطريقة المباشرة ، ولكن بالطريقة ~~غير المباشرة الموجودة في النظام الكوني الذي أودعه الله في الكون وربط فيه ~~الأسباب بمسبباتها ، وجعل من بين الأسباب إرادة الإنسان واختياره بالإضافة ~~إلى الظروف الموضوعية المحيطة به ، مما لا يشل قدرته ، ولا يعطل إرادته ، ~~وبذلك صحت نسبة الجعل إلى الله ، باعتبار علاقة الفعل بالنظام العام الذي ~~خلقه الله ، وترك للإنسان أن يتحرك في نطاقه بملء إرادته وحريته. # * * * ### ||| ** أساليب الكافرين في المكر # ويتحدث الله لنا في الآية الثالثة عن بعض أساليبهم في المكر ، فهم لا ~~يرتبطون إلا بالجانب الحسي في حياتهم ، أما العقل والفكر وما يتطلبانه من ~~تأمل وحوار ، فليس لهما مكان في حياتهم. ولذلك فهم لا يطلبون الإيمان من ~~خلال حركة الفكر ، بل من خلال حركة الحس ، وإذا طلبوه من خلال الحس ، فإنهم ~~يطلبون الشيء الذي اعتادوه أو سمعوا عنه ، فلا يقبلون نموذجا آخر ، مما لم ~~يمر عليهم ، ولم يحدثهم الآخرون عنه ، ( @QUR@03 وإذا جاءتهم آية ) من ~~معجزة ترتكز على الجانب العقلي ، أو تتفق مع طبيعة الظروف والأوضاع المحيطة ~~بهم ، ( @QUR@010 قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) فقد سمعوا ~~أن موسى عليه السلام جاء بالعصا ، وأن عيسى عليه السلام جاء بإحياء الموتى PageV09P315 # وإبراء الأكمه والأبرص فأرادوا آيات كهذه ، ولكنهم ms2269 لم يفكروا ، لحظة ~~واحدة ، في أن قصة المعاجز ليست موضوعا خاضعا للتمنيات والافتراضات ، وليست ~~عملية منفصلة عن طبيعة التحدي التي تواجهها الرسالات ، فقد أرسل الله موسى ~~عليه السلام بالعصا ردا على التحدي الكبير لفرعون الذي استعمل وسائل السحر ~~كما أن الله أرسل عيسى عليه السلام بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ~~ردا على التحدي الذي كان يشكل فيه الطب في زمنه نوعا من أنواع التحدي. ~~وليست المعاجز سبيل هدى ، فللهدى وسائله التي تنفذ إلى العقل ، ولكنها سبيل ~~قوة في مواجهة القوة المضادة ، ولهذا فلا معنى لما طلبوه ، بل عليهم أن ~~يفكروا في ما قدمه إليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما يبعثهم على ~~التفكير ، ويدعوهم إلى المناقشة والحوار. # * * * ### ||| ** الله أعلم حيث يجعل رسالته # وهذا الوجه الذي ذكرناه مبني على القول الذي فسر الآية ، بأن أكابر ~~المجرمين من العرب اقترحوا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم من ~~المعجزات مثل ما أوتي موسى عليه السلام من فلق البحر وعيسى عليه السلام من ~~إحياء الموتى ، وهناك قول آخر إنهم قالوا له : لن نؤمن حتى ينزل علينا ~~الوحي كما أنزل على الأنبياء ، وربما كان هذا القول أقرب إلى جو الآية في ~~ما جاء بعد هذه الجملة التي أرادها الله ردا عليهم : ( @QUR@05 الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته ) فليست قضية الرسالة امتيازا ذاتيا يمنحه الله لأي شخص ~~كان ، بل هي قضية اصطفاء واختيار وكفاءة ، في ما يعلمه الله من قابليات ~~عباده وقدرتهم ، فمنهم الذي تميز بسعة الفكر ، وصفاء الروح ، وطيبة القلب ~~وقوة الإرادة ، وعناصر القيادة ، ومنهم الذي تميز بضيق الأفق ، وقلق الروح ~~، وخبث النية ، وضعف الإرادة ، فاختار من النموذج الأول أنبياءه ورسله ، ~~وترك الآخرين في موقع PageV09P316 # القاعدة وأرادهم أن يهتدوا بهدى الأنبياء وأن يجاهدوا في سبيل الوصول إلى ~~ذلك ، وسهل لهم سبيل الإيمان ، بما يتفق مع قابلياتهم وإمكاناتهم ، فليس ~~لهم أن يطلبوا لأنفسهم ما لا يملكون عناصره ، لأن الرسالة ليست مجرد كلمات ~~يتلقفها الإنسان ويحفظها ثم يبلغها للآخرين ، بل هي قضية قيادة الحياة ms2270 في ~~جانبها الفكري والروحي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي .. وتغيير الإنسان ~~على أساس هدى الله ، بالكلمة وبالأسلوب وبالقدوة الحسنة ، بحيث تعيش ~~الرسالة في شخصية الرسول جسدا يتحرك بكل أخلاقياتها ومعانيها ، وروحا تصفو ~~وتهفو وتحنو وترق وترعى ، فيحس الناس معها بالرحمة التي تحيط بهم من كل ~~جوانب حياتهم ، ويعيشون معها برد السلام وهدوء الطمأنينة. # إن حركة الرسالة في شخصية الرسول تعني أن يعيش هذا الإنسان في فكره وروحه ~~وكيانه كله مع الله ، ليستطيع من خلال ذلك أن يحتوي كل آفاق الرسالة ~~ومعانيها في كل مراحل حياته في الدعوة وفي الحكم وفي الجهاد ، وبذلك كان ~~الرسول يأخذ من الرسالة وحيا تنفتح منه نفسه على الله ، ويعطيها من طاقاته ~~الروحية والفكرية ، ومن قوة إرادته عنصر قوة يدفعها إلى الأمام ، ولذلك لم ~~تكن الرسالة خاضعة لاختيار الناس وتمنياتهم ، بل هي خاضعة لإرادة الله ~~واختياره ، فهو ( @QUR@04 أعلم حيث يجعل رسالته )، في ما يعلمه من الطاقات ~~الروحية والفكرية والعملية والقيادية الكامنة في ذواتهم مما لا يعلمه الناس ~~من أنفسهم ، ولا يعلمه غيرهم منهم. # فأين يذهب هؤلاء في تفكيرهم؟ إنها عقدة الكبرياء التي تكبر في صدورهم عند ~~ما يتطلعون إلى الأنبياء فيجدونهم في الطبقة السفلى ، من الهرم الاجتماعي ، ~~فيدفعهم ذلك إلى احتقارهم ، واحتقار دورهم ، وتكذيبهم ومحاولة تحديهم بأية ~~طريقة ، حتى بالأمور التي لا تثبت أمام النقد ، ولذلك فإن الله سيجزيهم عن ~~هذه المشاعر وهذه الادعاءات وذلك الكبرياء ، صغارا وذلا واحتقارا وعذابا ، ~~( @QUR@06 سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ) في ما يظهرهم به PageV09P317 # أمام الخلائق يوم القيامة من حالة الذل والانسحاق ( @QUR@05 وعذاب شديد ~~بما كانوا يمكرون ) لأن مكرهم وانحرافهم لم ينطلق من حالة فكرية ، قد تبرر ~~لهم ذلك ، بل من حالة شيطانية ، يفهمون كل خطواتها ومنطلقاتها ودوافعها ، ~~مما يجعل من تصرفاتهم ، حالة إجرامية معقدة تستوجب العقوبة الشديدة والعذاب ~~الأليم. # وقد يلاحظ البعض أن الصغار الذي يصيب المستكبرين في الحياة الدنيا هو ~~بلحاظ أن الآية تتحدث عن الحياة الدنيا ونتيجة الصراع في الأرض ، ولا مانع ~~من أن يكون عاما في الدنيا والآخرة ms2271 ، مما يفرض التركيز على واقع الحياة ~~الدنيا في نتائج الأفعال ، حيث ينزل الله الهوان والعذاب الدنيوي بمعنى ~~البلاء الذي يصيبهم بفعل سلوكهم المنحرف وموقفهم المضاد. # وإننا في الوقت الذي لا نجد مانعا من استنطاق هذه الآية في المعنى ~~الشمولي للصغار الدنيوي والأخروي من حيث المبدأ في نتائج المواقف التي ~~يتمثل فيها التمرد على الله والعدوان على رسله ورسالته من موقع الاستكبار ~~الذاتي الذي يحكم كل أقوالهم وأفعالهم ، ولكن ظاهر الآية في الحديث عن ~~الصغار والعذاب على مستوى المستقبل قد يوحي بأن المسألة تتحدث عن الآخرة في ~~ما يلاقونه في يوم القيامة ، وقد جاء عن الزجاج في تفسيره لهذه الفقرة قال : # أي سيصيبهم عند الله ذل وهوان وإن كانوا أكابر في الدنيا (1). انتهى. # وهذا ما يؤكد أن المراد به هو المقابلة بين كبريائهم في الدنيا الذي ~~يدفعهم إلى إنكار الحق والاستعلاء على أهله ، وصغارهم في الآخرة بما ~~يلاقونه من الهوان والعذاب بين الخلائق. وفي بعض الروايات ، كما جاء في ~~تفسير الكاشف : أن المتكبرين يحشرون في صورة الذر يطأهم الناس بأقدامهم ~~جزاء على تعاظمهم في الدنيا (2). والله العالم. # * * * PageV09P318 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين ~~لا يؤمنون (125) @QUR@09 وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم ~~يذكرون (126) @QUR@010 لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ~~) (127) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حرجا ): الحرج : أضيق الضيق ، وأصل الحرج والحراج : مجتمع ~~الشيء وتصور منه ضيق ما بينهما ، فقيل للضيق حرج ، وللإثم حرج. # ( @QUR@01 يصعد ): يصعد بتكلف ومشقة. وأصله : يتصعد ، أي : يتكلف ~~الصعود. والصعود : الذهاب في المكان العالي. والصعود والصعد يقال للعقبة ~~ويستعار لكل أمر شاق. وهذا التعبير يرسم حالة الاختناق وتضايق الأنفس كلما ~~ارتفع في السماء بسبب خفة الضغط الجوي. # ( @QUR@02 دار السلام ): هي دار السلامة من المنغصات والكروب ، والمراد ~~بها هنا الجنة. # ( @QUR@01 وليهم ): أي : من يتولى أمورهم. # * * * PageV09P319 ### ||| ** انشراح صدر المؤمن وضيق صدر الكافر # تصور لنا الآية الأولى شعور ms2272 الإنسان المؤمن تجاه دعوة الإسلام ، قبل أن ~~يلتزم بالإيمان وشعور الإنسان الكافر في الموقف نفسه ، بكل دقة ، ( @QUR@08 ~~فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) فنجد الإنسان المؤمن إنسانا ~~منفتحا لا يشعر بأية عقدة من أي فكر ، مهما كان لونه ، بل يشعر بدلا من ذلك ~~بالحاجة إلى الالتقاء بكل الأفكار والاتجاهات ، ليتعرف منها وجه الحق ، ~~ووجه الباطل ، ليدخل في أجواء الحوار الموضوعي الهادىء ، ليؤمن استنادا إلى ~~قناعة يقينية ركيزتها البرهان والحجة الواضحة ، ويرفض حين يرفض للأساس نفسه ~~، فكلما انفتحت أمامه أبواب المعرفة كلما انشرح عقله وفكره وصدره للحقيقة ~~المتحركة منها .. وكلما أحس بالفرح الروحي يأخذ عليه كل حواسه ومشاعره ، ~~فإذا جاء الإسلام إليه من موقع الفكر الذي يقوده إلى الإيمان بالله وبرسله ~~، ومن موقع الوحي الذي يؤكد له المفاهيم الإنسانية والقيم الروحية التي ~~أوحى الله بها إلى أنبيائه ، انفتح قلبه له ، واهتزت مشاعره لوحيه .. وعاش ~~مع الله في نشوة روحية حقيقية. # إنه الإنسان الذي يعيش حرية الفكر مع نفسه ، فلا يغلق عليه أبواب الفكر ~~ولا يتعقد من أية دعوة ، بل يعتبر كل شيء قابلا للتفكير ، كما يعيش حرية ~~الفكر مع الآخرين ، فكل شيء عنده قابل للحوار ، وبذلك فهو يعيش انشراح ~~الصدر باعتباره انفتاحا على العقل والروح والحياة. # ( @QUR@08 ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) أما نموذج الإنسان ~~الكافر الضال ، فهو إنسان معقد ، لا يطيق الفكر ولا يجد للمعرفة أية أهمية ~~، ولا يشعر بالحاجة إلى أن يتعب نفسه في سبيل الإيمان ، يتعامل مع العقيدة ~~، من موقع اللامبالاة ، ويتناول الفكرة الجاهزة المتحركة في بيئته ، تماما ~~كما يتناول المأكولات الجاهزة ، فإذا التزم بشيء من ذلك ، أغلق فكره وقلبه ~~عن أي شيء آخر ، فلا يسمح لأية دعوة أخرى أن تنفذ أو تحاول النفاذ إلى PageV09P320 # داخله ، لأن القضية أصبحت منتهية بالنسبة إليه ، فإذا جاءته دعوة الإسلام ~~، لتفتح قلبه على عقائدها ومفاهيمها وأحكامها ، ولتدعوه إلى الحوار حولها ، ~~ليتعرف أي الفكرتين أفضل ، وأي الموقفين أحسن ، فإننا نفاجأ بأن صدره يضيق ~~ووجهه يتقلص ، وتحس به كما لو ms2273 كان يعيش حالة الاختناق ( @QUR@04 كأنما يصعد ~~في السماء ) فيحاول أن يتهرب من إثارة الموضوع أو يخرج من المجلس أو يوحي ~~للآخرين بالحرج الشديد من هذا الحديث. # وقد ذكر بعض الكتاب الغربيين أن هذا التعبير ( @QUR@03 يصعد في السماء ) ~~يوحي بإعجاز القرآن لأن حالة الاختناق التي يشعر بها الإنسان الذي يصعد في ~~السماء لم تكن مكتشفة في عصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه لم يكن ~~يملك تجربة حية تؤكد هذه الحقيقة العلمية ، التي لا يشعر بها إلا الذي ~~يرتفع بعيدا في الفضاء. # وهذا مما لم يتحقق في البيئة التي عاشها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فالجبال التي ارتقاها لا تعطي مثل هذه الحالة ، لأنها لا تبلغ في ارتفاعها ~~حدا كبيرا يبلغ الصاعد إليها حالة الاختناق. # وقد ذكر في سبب هذه الظاهرة الاختناقية للصاعد إلى السماء ، أن الهواء ~~المحيط على الأرض صالح لتنفس الإنسان ، ولكن الإنسان كلما ارتفع في الفضاء ~~، قلت كثافة الهواء ونسبة وجود الأوكسجين فيه بحيث إننا إذا ارتفعنا أكثر ~~بضع كيلومترات ، أصبح من الصعب أن نتنفس بغير قناع الأوكسجين ، وإذا ما ~~واصلنا صعودنا ازداد ضيق تنفسنا وأصبنا بالإغماء. # * * * ### ||| ** اختلاف المفسرين حول يصعد في السماء # وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الفقرة : ( @QUR@04 كأنما يصعد في ~~السماء ) على وجوه ثلاثة : PageV09P321 # (الأول): أن معناه كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام ~~من ضيق صدره عنه ، أو كأن قلبه يصعد في السماء نبوا عن الإسلام والحكمة ، ~~عن الزجاج. # (الثاني): أن معنى يصعد كأنه يتكلف مشقة في ارتقاء صعود ، وعلى هذا قيل ~~: عقبة عنوت وكؤود ، عن أبي علي الفارسي ، قال : ولا يكون السماء في هذا ~~القول المظلة للأرض ، ولكن قال سيبوية : القيدود الطويل في غير سماء ، أي : ~~في غير ارتفاع صعدا وقريب منه ما روي عن سعيد بن جبير أن معناه كأنه لا يجد ~~مسلكا إلا صعدا. # (الثالث): أن معناه كأنه ينزع قلبه إلى السماء لشدة المشقة عليه في ~~مفارقة مذهبه (1). # وربما كان الوجه الذي أشرنا إليه ms2274 مما اكتشفه العلم بالتجربة في الحالة ~~التي يكون عليها الصاعد إلى الفضاء في ارتفاعه البعيد ، أقرب إلى تصوير ~~الحالة الضاغطة على الإنسان في حالته الحسية للإيحاء بالمشقة التي يواجهها ~~في حالته الذهنية والمعنوية عند ما يريد الابتعاد عن انتمائه الفكري وخطه ~~العملي. وهذا ربما ينسجم مع القول بأن القرآن يفسره الزمان ، فكل جيل يفهمه ~~بطريقة أخرى من خلال ما يتوصل إليه العقل البشري من اكتشافات علمية توضح ~~للإنسان الكثير من مصاديق المفاهيم التي تدل عليها الآيات القرآنية ، لأن ~~كل مفسر يفهم المسألة بحسب التجربة التي عاشها في زمانه ، أو بحسب ~~المعلومات المتوفرة لديه والله العالم. # * * * ### ||| ** لمتفلسفون وتطبيق الاية على نسبة الهدى والضلال الى الله تعالى # وقد حاول المتفلسفون أن يجعلوا من هذه الفقرة في الآية دليلا على PageV09P322 # أن عملية الهدى والضلال من الله ، لأنها نسبت حالة انشراح الصدر للإسلام ~~إلى إرادة الله الهداية لهذا الشخص ، فهو الذي يلقي في قلبه الحالة الروحية ~~الفكرية التي يواجه فيها الهداية براحة وطمأنينة ، كما نسبت حالة الضيق ~~والحرج للصدر إلى إرادته الإضلال ، فهو الذي يخلق في داخله الأزمة الروحية ~~التي تمنعه من قبول الدعوة الإسلامية. # وقد تتوضح الصورة في معنى هداية الله بطريقة أقرب إلى السنة الإلهية في ~~الهدى والضلال بأن الله يهدي الذين ينفتحون على آفاق الهدى في استعداداتهم ~~الفكرية والروحية بالسعي إليه وإثارة الفكرة نحوه ومتابعة دلائله وبراهينه ~~، وذلك بأن يوفر لهم الظروف والأسباب والأجواء التي تسرع بهم إلى بلوغ ~~الهدف وهو الوصول إلى الهداية الفكرية والعملية كما توحي به الآية الكريمة ~~: ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) [العنكبوت : 69] ، أما ~~الذين يعيشون الغفلة واللامبالاة ، فإن الله يتركهم لأنفسهم ، ويهملهم فلا ~~يمنحهم الأسباب التي ترفع عنهم الغفلة التي اختاروها بسبب سلوكهم اللاهي ~~العابث الذي لا يعيش مسئولية الفكر والعقيدة والسير إلى الله. ويبقى عنصر ~~الاختيار منفتحا على مواقف الإنسان هنا وهناك في حركته في الطريق الذي يسير ~~فيه ويتحرك في اتجاهاته المستقيمة أو المنحرفة. # ولكن الآية ليست في مجال الحديث عن هذا الموضوع ، بل ms2275 هي واردة في مقام ~~تصوير الحالة النفسية للإنسان المهتدي ، وللإنسان الضال ، بعيدا عما إذا ~~كان ذلك فعل الله ، أو فعل العبد ، أو فعلهما معا .. هذا مع ملاحظة أخرى ، ~~وهي أن مثل هذه التعابير التي تنسب الإضلال والهداية إلى الله ليست واردة ~~على سبيل الحقيقة ، بل هي واردة على سبيل الإسناد المجازي ، في ما يريد ~~القرآن الكريم أن يوحيه ، في نفس الإنسان من رجوع كل الأفعال إلى الله ، ~~سواء في ذلك الأفعال المباشرة التكوينية كخلق السموات والأرض وغيرهما ، أم ~~الأفعال غير المباشرة ، كعملية الرزق والموت والحياة والضلال PageV09P323 # والهدى مما تتدخل في إرادة الإنسان واختياره في كثير من الحالات ، ومن ~~خلال ما وهبه إياه الله من مفردات القدرة وإمكانات الاختيار. فيمكن نسبة ~~الفعل إلى الله ، لأنه السبب الأول للأشياء ، كما يمكن نسبته إلى الإنسان ، ~~لأنه السبب المباشر لها. وبذلك يكون التعبير بإرادة الله للهدى ، أو إرادته ~~للضلال على أساس ما أودعه في الكون وفي شخصية الإنسان من السنن التي توحي ~~بالضلال تارة ، عند ما يبتعد الإنسان باختياره عن وسائل الهدى ، وتوحي ~~بالهدى أخرى ، عند ما يقترب الإنسان من عناصر الإيمان. # * * * ### ||| ** جعل الرجس على الذين لا يؤمنون # ( @QUR@08 كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) والرجس في المفهوم ~~المادي هو القذر ، وقد استعاره للقذارة المعنوية المتمثلة في الكفر والضلال ~~، لما يستتبعه من الإبعاد عن رحمة الله والقرب من عذابه ، تماما كما هو ~~القذر الذي يستدعي الابتعاد عن الشخص الذي يتلطخ به. # ( @QUR@04 وهذا صراط ربك مستقيما ) وهو الطريق الذي يضج بالحياة ، ~~ويتفايض بالنور ، وينطلق بالإيمان الذي تلتقي فيه نقطة النهاية بنقطة ~~البداية ، في خط واحد ، لا التواء فيه ولا انحراف ، بل هي الاستقامة ~~السائرة أبدا في الفكر والشعور والضمير والعلاقات ، ولن يحتاج الإنسان الذي ~~يسير فيه إلى أي شيء آخر مما يفكر به الآخرون ، أو يثيرونه أو يشرعونه ، ~~لأن الله قد بين للمؤمنين كل المفردات التفصيلية لكل ما يحتاجون إليه من ~~شؤون الإنسان العامة والخاصة. # ( @QUR@05 قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون ) فالمهم أن لا يعيش ms2276 الإنسان ~~الغفلة التي تنسيه عقيدته ومفاهيمه وشريعته ، وتوحي له بالحاجة إلى عقيدة ~~الضلال ومفاهيمه وأحكامه لأن الحقيقة بحاجة إلى من يتذكرها ويعيها من أجل ~~أن يعيش معها ، وينتفع بها ، وينمو ويتطور في حياته من خلالها. ولهذا كانت PageV09P324 # الدعوة الدائمة للأنبياء ، وكان النداء لهم من الله أن يذكروا الناس ، ~~لأن الذكرى تنفع المؤمنين ، الذين قد يغفلون فينحرفون ، ولكنهم يتذكرون ~~فيستقيمون ، كما قال الله عن المتقين : ( @QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : 201] وهذا ما ينبغي ~~للدعاة إلى الله أن يمارسوه ، من أجل إخراج المؤمنين من حالة الغفلة التي ~~قد تعيش في حياتهم ، فتبعدهم عن الشعور بالانتماء الحقيقي إلى الإسلام ، ~~فيستطيع الآخرون حينها أن يدخلوا إلى أفكارهم أفكارا بعيدة عن الإسلام ، ~~ولكن الذكرى المستمرة هي التي تعطل هذا الاتجاه المنحرف وتبطل مفعوله .. # * * * ### ||| ** للمؤمنين المتذكرين دار السلام # ( @QUR@05 لهم دار السلام عند ربهم ) وهي الجنة التي وعد بها المتقون ~~الذين فتحوا قلوبهم لله ، وعاشوا مع خط الإسلام ، وانفتحوا على آيات الله ، ~~فاتخذوها منهج حياة وسبل هدى. وقد سماها الله دار السلام لأن الإنسان يعيش ~~فيها السلام الروحي المطلق الذي يشعر فيه بروحية الإسلام تطوف به في كل ~~اتجاه ، فهو في سلام مع نفسه ومع ربه ومع الناس الذين يعيش معهم ويعيشون ~~معه إخوانا على سرر متقابلين ، ( @QUR@02 وهو وليهم ) في الآخرة كما كان ~~وليهم في الدنيا ، وكما كانوا أولياءه في ما آمنوا به وفي ما أطاعوه ، ~~وبذلك تنطلق الولاية من العبد لربه لتمثل العبودية الحقة المتحركة في طاعة ~~الله ونصرة دينه وأوليائه ، وتنطلق من الله لعباده لتمثل النصرة والرحمة ~~والرضوان والرعاية في الدنيا والآخرة ، حيث يعيشون في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله ، ( @QUR@03 بما كانوا يعملون ) فليس بين الله وبين أحد من عباده علاقة ~~وولاية إلا من خلال العمل ، فهو الذي يجعل العبد قريبا من ربه كما يحقق له ~~ولاية الله ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. # * * * PageV09P325 ### ||| * الآيات # ( @QUR@036 ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من ms2277 الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) @QUR@08 ~~وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) @QUR@028 يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين (130) @QUR@010 ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون (131) @QUR@09 ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ) (132) # * * * PageV09P326 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استكثرتم ): حشدتم الكثير من الأتباع بإكثاركم من إغوائهم ~~وإضلالهم ، فجعلتم الكثير منهم يدورون في فلككم لتنفيذ أوامركم ، ~~والاستكثار : أخذ الكثير ، ويستعمل كذلك في طلب الكثير. # ( @QUR@04 نولي بعض الظالمين بعضا ): نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضا كما ~~فعل الشياطين وغواة الإنس ، أو نجعل بعضهم أولياء بعض يوم القيامة وقرناءهم ~~كما كانوا في الدنيا كما في تفسير الكشاف (1). # ( @QUR@01 غافلون ): الغفلة عن المعنى والسهو عنه والعزوب عنه نظائر ، ~~وضد الغفلة : اليقظة ، وضد السهو : الذكر ، وضد العزوب : الحضور. # * * * ### ||| ** من صور الحوار بين الله وعباده يوم القيامة # وهذه صورة من صور الحوار في يوم القيامة بين الله وعباده ، من أجل ~~الإيحاء بأن الله قد أقام الحجة على الجن والإنس في ما أرسل إليهم من رسل ~~وفي ما أنزل عليهم من كتب ، بين لهم فيها حدود المسؤولية ونتائجها ~~الإيجابية والسلبية ، وأنهم سيواجهون موقف الاعتراف بما قاموا به من انحراف ~~عن خط الله ، فيشهدون على أنفسهم. إنها صورة تهز ضمير الإنسان وشعوره ، ~~ليتراجع عما هو فيه ، في ما أعطاه الله من فرص في الحياة الدنيا قبل أن ~~يواجه حسابه يوم القيامة أمام الله. PageV09P327 # ( @QUR@03 ويوم يحشرهم جميعا ) الجن والإنس ، فيوجه خطابه إلى الجن الذين ~~كان لهم التأثير الكبير في إغواء بعض الناس وإضلالهم ، في ما كانوا يزينون ~~لهم من المعاصي والانحرافات ، فيتبعونهم ويطيعونهم في ما يأمرونهم به ~~وينهونهم عنه ( @QUR@07 يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ) وحشدتم ~~لأنفسكم الكثير من الأتباع منهم ، وهذا هو الظاهر من معنى الاستكثار الذي ms2278 ~~لوحظ على سبيل الكناية في كثرة التابعين للجن من الإنس في ميدان الضلال ، ~~وربما كان المراد من الجن هنا الشياطين التي توسوس للناس ، وكأن غرض السؤال ~~هنا هو تسجيل الموقف الذي يدينهم أمام الله في ما قاموا به من عمليات ~~الإغواء والإضلال بشكل كبير. # ( @QUR@04 وقال أولياؤهم من الإنس ) وهم الذين كانوا يوالونهم موالاة ~~الطاعة ، ويعتبرون أنفسهم من الأتباع لهم ( @QUR@04 ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~) فكان للجن من الإنس منفعة السيطرة عليهم ، والحصول على ما يحبون لأنفسهم ~~من تنفيذ مخططاتهم الشيطانية ، وكان للإنس من الجن منفعة الاستمتاع ~~بالشهوات التي اكتشفوها من خلال عملية الإغواء. # وربما كان هذا الأسلوب لونا من ألوان الدفاع عن الجن. حيث إن المسألة ~~كانت مسألة مشاركة في الانتفاع من الطرفين ، وعملية مبادلة في النتائج ~~الذاتية التي حصل عليها كل منهما ، ( @QUR@05 وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) ~~فقد أعطيتنا امتداد الحياة ، فخضنا فيها واستمتعنا ، ثم جاءنا الموت الذي ~~كان النهاية لذلك كله. # وربما توحي هذه الفقرة بحالة الاستسلام التي يحس بها هؤلاء في موقفهم ~~أمام الله : ( @QUR@09 قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ) ~~لأنكم عصيتم وتمردتم على الله من دون أن يكون لكم حجة في ذلك. وربما كانت ~~كلمة الاستثناء ( @QUR@04 إلا ما شاء الله )، واردة في موضوع الخلود في ~~النار ، فقد تكون PageV09P328 # لبعض الأشخاص حالة تخفيف بسبب بعض ما يعلمه الله منه من ظروفه التي قد ~~تعطيه نوعا من المبررات والأعذار ( @QUR@04 إن ربك حكيم عليم ) والله أعلم. # * * * ### ||| ** ولاية الظالمين يوم القيامة # ( @QUR@08 وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) وتلك هي ~~نهاية ولاية الظالمين في يوم القيامة ، فلا يملك أحد منهم القدرة على ~~الدفاع عن الآخر ، لأنه لا يملك أمر الدفاع عن نفسه ، بسبب اشتراكهم في ~~المعصية ، فليس لأحد منهم علاقة بالله تقربه إليه وتبرر له الحصول على ~~الكرامة التي يمكنه من خلالها الشفاعة لأحد .. # وهذا هو الفرق بين ولاية الله للمؤمنين وولاية الظالمين لبعضهم البعض ، ~~فإن الله هو مالك يوم الدين ، فله الأمر كله ، يغفر لمن يشاء ms2279 ويعذب من يشاء ~~، ويخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور .. أما الظالمون ، فيخرجون بعضهم ~~البعض ، من النور إلى الظلمات لأن أعمالهم هي التي تحقق مثل هذه النتائج في ~~الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** الكافرون يشهدون على أنفسهم # ( @QUR@015 يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) إن الموقف ليس مفاجأة لكم ، فقد سمعتم عن هذا ~~الجو الذي تعيشون فيه الآن الكثير في ما بينته لكم من أساليب الترغيب ~~والترهيب وأحاديث المسؤولية ونتائجها .. فقد بين لكم الرسل قصص يوم القيامة ~~في ما أفاضوا به من الحديث عن آيات الله التي تفصل لكم الأمر كله ، فلكل PageV09P329 # عمل ثوابه أو عقابه ، ولكل موقف نتائجه السيئة والحسنة ، ولكنكم لم ~~تستجيبوا للإنذار ، ولم تحملوا المسألة محمل الجد ، بل انطلقتم مع شهواتكم ~~وأطماعكم بعيدا عن كل مسئولية ، فهل هناك عذر لكم في كل ذلك ( @QUR@04 ~~قالوا شهدنا على أنفسنا ) بكل ذلك ، وكيف ينكر الإنسان الحقيقة الواضحة ~~التي تفرض نفسها عليه؟! ( @QUR@03 وغرتهم الحياة الدنيا ) فأبعدتهم عن ~~مواقع الوعي ، ومواقف المسؤولية ، فاستسلموا لمغرياتها وزخارفها ولهوها ~~وعربدتها ( @QUR@06 وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) ووقفوا في حيرة ~~الإنسان الذي يواجه مصيره من دون أن يملك أي شيء ينقذه منه ، وتلك هي ~~العبرة التي يريد القرآن للإنسان أن يأخذها من هذا الموقف في الدنيا ، قبل ~~أن يواجهه ، في مواقع العذاب ، في الآخرة. # ( @QUR@01 ذلك ) الذي أثاره الله مع هؤلاء ، من إقامة الحجة عليهم ، ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإنذارهم لقاء يوم القيامة ( @QUR@09 أن لم ~~يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) فلا يمكن لله أن يعذب الناس على ~~عصيانهم وانحرافهم ، قبل أن يخرجهم من غفلتهم وجهلهم ، لأن العقاب لا يكون ~~إلا بعد البيان والمعرفة ، حتى لا يكون للناس حجة على الله في أي عمل مما ~~يعملون .. ( @QUR@04 ولكل درجات مما عملوا ) لأن لكل عمل موقعا في حياة ~~الفرد والجماعة وتتفاضل الأعمال حسب نتائجها ودوافعها ومواقعها ، سواء كانت ~~الأعمال خيرة ، أم كانت شريرة. وقد أحصى الله كل صغيرة وكبيرة من ذلك ، فهو ~~الذي ms2280 يعلم خفاياها ودقائقها ، ( @QUR@05 وما ربك بغافل عما يعملون ) فكيف ~~يغفلون عن مراقبته في السر والعلن وهو الذي يحيط بكل شيء في داخلهم. ومن ~~حولهم ، وما حولهم ، وهو بكل شيء عليم؟! # * * * PageV09P330 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ~~كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) @QUR@07 إن ما توعدون لآت وما أنتم ~~بمعجزين (134) @QUR@019 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ~~من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) (135) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنشأكم ): الإنشاء : الابتداء ، أنشأ الله الخلق إذا خلقهم ~~وابتدأهم ، ومنه قولهم: أنشأ فلان قصيدة ، والنشء : الأحداث من الأولاد. # ( @QUR@01 توعدون ): من الإيعاد ، ويحتمل أن يكون من الوعد ، والوعد في ~~الخير ، والإيعاد في الشر. PageV09P331 # ( @QUR@01 مكانتكم ): قدر منزلتكم وإمكاناتكم ، وأقصى استطاعتكم من ~~المكانة التي هي بمعنى القدر والمنزلة ، والمكين : المتمكن ذو القدر ~~والمنزلة. # * * * ### ||| ** ربك الغني ذو الرحمة # يعمل القرآن على إثارة إحساس الإنسان بالله روحيا كي يوصله إلى الإيمان ، ~~وإلى تحمل المسؤولية ، فيقدم له صورة عن صفات الله التي توحي كل صفة منها ~~بمعنى يحرك الإنسان للعمل. ( @QUR@02 وربك الغني ) في كل شيء ، وعن كل شيء ~~، لأن الأشياء ملكه ، وكل موجود هو ملكه ، فهو محتاج إليه ، في وجوده وفي ~~استمراره ، وهو الغني عن طاعته ، فلا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية ~~من عصاه .. فالطاعة تنفع صاحبها ، والمعصية تضر مرتكبها. # ( @QUR@02 ذو الرحمة ) فقد كانت رحمته سبب وجود الكون والخلق ، وكانت ~~رحمته سبب كل نعمة تكفل للوجود استمراره ، وللعباد حياتهم ، فلم تنطلق ~~رحمته من حاجة ، ليكون غناه سببا في بعده عنهم ، بل انطلقت من ذاته التي ~~تعطي الرحمة للعاصي كما تعطيها للمطيع. # ( @QUR@08 إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) لأنكم لا تمثلون ~~حاجة لله في ملكه ، بل إن كان وجودكم هو من موقع رحمته ، فإذا شاءت إرادته ~~أن يذهبكم ويزيلكم عن الوجود ويأتي بآخرين من بعدكم ، فسيذهبكم من دون أن ~~ينقص من ملكه شيء ، ( @QUR@06 كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) فأذهبهم وجاء ~~بكم من بعدهم ، فكيف تتمردون ms2281 عليه؟ وكيف تواجهون وعيده؟ ( @QUR@04 إن ما ~~توعدون لآت ) لأن الله إذا أخبر بشيء كان صدقا PageV09P332 # كله ، وكان حقا كله ، وهو القادر على ذلك كله ، ( @QUR@03 وما أنتم ~~بمعجزين ) وكيف يعجزه من كان وجوده بيده ، ومماته بيده؟! # * * * ### ||| ** منطق العاملين في سبيل الله # ( @QUR@06 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ) أي على قدر منزلتكم وإمكاناتكم ~~، فإذا أردتم أن تثبتوا على ما أنتم عليه ، وتستمروا على النهج الذي تسيرون ~~فيه ، فافعلوا ما تشاءون ، ( @QUR@02 إني عامل ) فلن أتوقف عن النهج الذي ~~أراده الله لي في الحياة ، في حمل الرسالة وأداء الأمانة وتوعية الناس ، ~~والإصرار على المواقف الحاسمة في إقامة الحق وإزهاق الباطل ، ولن أخضع لأي ~~ضغط داخلي أو خارجي ، منكم أو من غيركم ، لأنني أعرف النتائج على مستوى ~~الدنيا ، والآخرة ، ومن عرف النتائج صبر على المتاعب وتحمل الشدائد ~~والأهوال. # وذلك هو منطلق العاملين في سبيل الله عند ما يواجهون الكفر المتعنت ~~المتصلب الذي لا يقبل حوارا ، ولا يتحرك في موقف فكر ، ولا يستجيب لترغيب ~~الله ، ولا يخاف من ترهيبه ، فهم أي الدعاة لا يضعفون ولا ييأسون ، ولا ~~يشعرون بالإحباط والسقوط بل يزيدهم ذلك إصرارا على العمل ، وتصميما على ~~الاستمرار في خط الجهاد في سبيل الله ، والدعوة إلى دينه ، وتحديا صارخا ~~للكافرين ( @QUR@07 فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) التي يعيش فيها ~~النتائج الطيبة في رضوان الله وفي نعيم الجنة ، وفي سعادة الروح ، ولن ~~ينتظر الآخرون كثيرا في معرفة هؤلاء الذين تكون لهم عاقبة الدار .. إنهم ~~المطيعون لله ، المؤمنون به المجاهدون في سبيله ، ( @QUR@04 إنه لا يفلح ~~الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية والضلال. # * * * PageV09P333 ### ||| * الآية # ( @QUR@031 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو ~~يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) (136) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذرأ ): خلق على وجه الاختراع والإبداع. والذرء كما يقول صاحب ~~المجمع الخلق على وجه الاختراع وأصله الظهور (1). قال الراغب : يقال ذرأ ~~الله الخلق أي أوجد أشخاصهم (2). # ( @QUR@01 الحرث ): الزرع ، والحرث كما ms2282 يقول الراغب إلقاء البذر في ~~الأرض وتهيؤها للزرع (3)، وقال صاحب المجمع : الحرث : الأرض التي تثار ~~للزرع (4). # ( @QUR@01 والأنعام ) المواشي من الإبل والبقر والغنم. والأنعام : جمع ~~النعم من النعمة. PageV09P334 # ( @QUR@01 نصيبا ): حظا وقسمة وحصة. والنصيب : الحصة من الشيء والقسم منه. # * * * ### ||| ** بعض عادات المشركين الفاسدة في الجاهلية # ( @QUR@08 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) كانت للمشركين ~~أوضاع وعادات فاسدة ، تدلل على طريقتهم في التفكير والسلوك ، فقد كانوا ~~يجعلون شيئا مما خلقه الله من الزرع والأنعام نصيبا لله ونصيبا للأصنام ، ( ~~@QUR@06 فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ) فيصرفون ما لله في الموارد ~~التي يعتقدون أن الله يحبها ، وما للأصنام في خدمة هذه الأصنام ، على ~~الطريقة التي كانوا يتبعونها ( @QUR@06 فما كان لشركائهم فلا يصل إلى (1) ~~@QUR@08 الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ) ولكنهم يفضلون الأصنام على ~~الله ، ويخلصون لها أكثر في ما يمارسونه من عملية التمييز في نصيب الله ، ~~وفي نصيب الأصنام. # ورد في مجمع البيان ، «أنه كان إذا اختلط ما جعل للأصنام بما جعل لله ~~تعالى ردوه وإذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه ، وقالوا : الله ~~أغنى ، وإذا تخرق الماء من الذي لله في الذي للأصنام لم يسدوه ، وإذا تخرق ~~من الذي للأصنام في الذي لله سدوه وقالوا الله أغنى ، عن ابن عباس وقتادة ، ~~وهو المروي عن أئمتنا عليه السلام » (1) # ( @QUR@03 ساء ما يحكمون ) فإن الأصنام لا تمثل شيئا في عالم القيمة ، بل ~~هي من صنع أيديهم ، فكيف يجعلون لها ما يجعلونه ويساوون بينها وبين الله؟ ~~وكيف يفضلون نصيبها على نصيب الله. مع أن الله أولى بالخوف وبالعناية؟! إن ~~الله لا يحتاج إلى أن يجعلوا له شيئا لأنه غني عنهم وعما جعلوه له ولكنه ~~الحكم الباطل ، الذي ينطلق من موقع التصور الباطل. # * * * PageV09P335 ### ||| * الآية # ( @QUR@020 وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) (137) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليردوهم ): الإرداء : الإهلاك ، وردي يردي ردى إذا هلك ، ~~وتردى ترديا ، والمرداة : الحجر يتردى من رأس الجبل. # ( @QUR@03 وليلبسوا عليهم ms2283 دينهم ): أي : يخلطوا عليهم دينهم ويدخلوا ~~عليهم الشبهات. # * * * ### ||| ** قتل الأولاد في الجاهلية # ( @QUR@012 وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ) وهذه عادة أخرى من عاداتهم السيئة ، وجريمة من ~~جرائمهم الكبيرة ، فقد أثار تصورهم الشيطاني للحياة ، شعورا سلبيا ضد ~~البنات ، مخافة العار والعيلة والفقر ، لأن الأنثى لا تمثل PageV09P336 # قيمة اقتصادية يعول عليها في حياة الأسرة ، لأنها كانت لا تعمل ولا تغزو ~~، بل كانت تعال وتقع سبية في عمليات الغزو ، مما كان يدخل العار على أهلها ~~، لذلك كان رد فعلهم على ذلك أن يزين لهم قتل البنات ووأدهن أحياء من أجل ~~هذه الصورة الباطلة .. # وقد ربطت الآية هذه العادة بتزيين الشركاء ، لما تمثله الشياطين في وعي ~~أولئك المشركين من رموز محترمة ، تطاع من دون الله ، سواء في ذلك شياطين ~~الإنس ، أم شياطين الجن .. # ولكن الله يبين لهم العواقب السيئة لذلك ، وهو الهلاك ، وإثارة الشبهات ، ~~وتشوية المفاهيم الصحيحة ، فإن الرزق على الله ، فهو الذي يرزق الذكر ~~والأنثى ، كما أن للمرأة دورا في تنمية الثروة في الموارد التي تتناسب مع ~~دورها الطبيعي في الحياة ، كما هو الحال في ما يقوم به الرجل من دور. أما ~~قضية العار. فهي قضية تتحرك في نطاق التقاليد الجاهلية ، ولا عار في ~~الإسلام على أحد في ما يقوم به إنسان آخر ، ولا مجال للتمييز بين المرأة ~~والرجل في قضية العار والشرف ، فهما سواء في ما يعملانه وفي ما يقومان به ~~من حيث النتائج الأخلاقية والاجتماعية والقانونية. # ( @QUR@05 ولو شاء الله ما فعلوه ). لأنه قادر على أن يمنعهم عن القيام ~~به ، أو يضطرهم إلى تركه ، ولكن حكمته شاءت أن يترك للإنسان الحرية في ~~ممارسة إرادته فيما يفعل ويترك من أمر الطاعة أو أمر المعصية. ( @QUR@03 ~~فذرهم وما يفترون ) فإنهم لا يعجزون الله ، فسيعاقبهم على كل ما اقترفوه ، ~~فاتركهم وأقم الحجة عليهم ، فلا يضرك من أمرهم شيء. # * * * PageV09P337 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء ms2284 عليه سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون (138) @QUR@022 وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه ~~حكيم عليم (139) @QUR@020 قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ~~ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) (140) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حجر ): حرام ممنوع محجر على الناس. والحجر : المنع ، والحجر : ~~العقل ، وفلان في حجر القاضي ، من حجرت حجرا ، أي : في منع القاضي من الحكم ~~في ماله ، وحجر المرأة وحجرها بالفتح والكسر حضنها. PageV09P338 # ( @QUR@01 سفها ): جهلا وخفة عقل. وأصل السفه : خفة في البدن. ومنه قيل ~~: زمام سفيه : كثير الاضطراب ، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل. والفرق ~~بين السفه والنزق ، أن السفه عجلة يدعو إليها الهوى ، والنزق عجلة من جهة ~~حدة الطبع والغيظ. # ( @QUR@03 افتراء على الله ): أي : كذبا على الله. # * * * ### ||| ** بعض أوضاع الجاهليين في التحليل والتحريم # وكانوا يحرمون ويحللون ، دون أي أساس شرعي للتحريم وللتحليل. فكانوا ~~يحرمون بعض الإبل والبقر والغنم ، وهي الأنعام ، وبعض الزروع ، وربما كان ~~المقصود بها ما جعلوه لآلهتهم وأوثانهم ويقولون ( @QUR@05 وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر ) أي : حرام محجر على الناس أن يطعموا منها ، ( @QUR@06 لا يطعمها ~~إلا من نشاء بزعمهم ) ممن نأذن له ، ( @QUR@03 وأنعام حرمت ظهورها ) وكانوا ~~يحرمون ركوب بعض هذه الأنعام ، وهي السائبة والبحيرة والحام التي قيل إنها ~~الحامي الذي حمى ظهره إذا ركب ولد ولده عندهم فلا يركب ولا يحمل عليه ، كما ~~في مجمع البيان (1). ( @QUR@06 وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) وهناك ~~أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ، ولا في شيء من شأنها ، ( @QUR@02 افتراء ~~عليه ) ولكن ذلك افتراء على الله ، وسيجازيهم عليه يوم القيامة ( @QUR@04 ~~سيجزيهم بما كانوا يفترون ) وكانوا يميزون في ما تنتجه بعض الأنعام من أجنة ~~، فيجعلونها خالصة للذكور دون الإناث إذا ولدت أحياء أما إذا ولدت ميتة ~~فيشترك فيها الذكور والإناث. PageV09P339 # ( @QUR@017 وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء )، ولكن ذلك افتراء ، لأن التحريم ~~والتحليل بيد الله ولم يحرم ms2285 شيئا من ذلك ( @QUR@02 سيجزيهم وصفهم ) في يوم ~~القيامة ، على أساس حكمته في الجزاء ، وعلمه بما يفعلون ، ( @QUR@03 إنه ~~حكيم عليم ). # ويؤكد الله في نهاية المطاف ، خسارة هؤلاء الذين قتلوا أولادهم سفها من ~~دون أساس معقول ، بغير حجة ( @QUR@08 قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم ) فقد فعلوا ذلك خوفا من الفقر وهربا من العار ، من دون تفكير بأن الله ~~الذي تكفل بأرزاقهم قد تكفل بأرزاق أولادهم ، وأن العار ليس أمرا حقيقيا ، ~~لأن قضية سبي البنات أو الاعتداء عليهن لا يمثل عارا على الأهل من خلال ~~دراسة مسألة الشرف والعار في ميزانهما الواقعي لا سيما إذا لم تكن المسألة ~~باختيارهن أي البنات بل خضوعا للقوة القاهرة التي لا يتحمل الإنسان مسئولية ~~ما يحصل له من خلل في فعله من خلالها ، ولهذا كان القتل الذي يمثل رد الفعل ~~على هذا الوهم الكبير الذي يعيشونه ، حركة جهل بالميزان الذي لا بد للإنسان ~~من أن يلتزمه في تقدير الأمور لا سيما في ما يقبلون عليه من عذاب الله. ~~وهكذا يتحرك في خط الخسارة الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء عليه ( ~~@QUR@07 وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ) فقد ضلوا طريق الحق ، ولم ~~يركنوا إلى هدى ، وسيخسرون مصيرهم يوم القيامة ( @QUR@05 قد ضلوا وما كانوا ~~مهتدين ). # * * * PageV09P340 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@031 وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع ~~مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) @QUR@016 ومن ~~الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين ) (142) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنشأ ): الإنشاء : إحداث الفعل ابتداء لا على مثال سبق وهو ~~كالابتداع ، والاختراع هو إحداث الأفعال في الغير من غير سبب ، والخلق هو ~~التقدير والترتيب. # ( @QUR@01 جنات ): جمع جنة ، وهي كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض. # ( @QUR@01 معروشات ): مرفوعات الأغصان بالدعائم ، الممسوكات على العرش ، ~~والعرش في الأصل شيء مسقف ، يقال : عرشت الكرم إذا جعلت له كهيئة السقف. ~~ويكنى بالعرش عن العز والسلطان والمملكة ms2286 باعتبار علوه. PageV09P341 # ( @QUR@01 أكله ): ثمره وما فيه من الطعم والشكل واللون والرائحة. ~~والأكل هو الشيء الذي يؤكل. # ( @QUR@01 المسرفين ): الإسراف : تجاوز الحد وقد يكون بالمجاوزة إلى ~~الزيادة ، وقد يكون بالتقصير ، وهو أن يجاوز حد الحق والعدل. # ( @QUR@01 حمولة ): ما يستخدم للحمل والركوب. فتشمل كل الحيوانات ~~الصالحة لحمل الأثقال والأحمال. # ( @QUR@01 وفرشا ): ما يستخدم من صوفها ووبرها فراشا. وقيل : الفرش : ~~الحيوانات التي لا تصلح إلا للذبح ولا يمكن الركوب عليها في مقابل الحمولة ~~التي تكون صالحة لذلك. # * * * ### ||| ** كيفية التعاطي مع رزق الله # والله هو الذي خلق الزرع ، على تنوع أشكاله وألوانه وأثماره ، فهناك ~~البساتين المعروشة المرفوعة الأغصان على دعائم ( @QUR@05 وهو الذي أنشأ ~~جنات معروشات )، وهناك البساتين غير المعروشة ، المتروكة أصولها من غير ~~دعائم ( @QUR@02 وغير معروشات )، والنخل والزرع ، كالحنطة والشعير والعدس ~~والرز وغيرها ، أو في طعمه ورائحته ، ( @QUR@03 والزيتون والرمان متشابها ) ~~يشبه بعضه بعضا ، كثمر الرمان ، وإن كان قد يختلف في طعمه ، من حيث الحلاوة ~~، والحموضة ، ( @QUR@02 وغير متشابه )، يختلف في شكله وطبيعته. # وقد حدد الله للإنسان ما يفعله فيه في دوائر ثلاث : # الأولى : ( @QUR@05 كلوا من ثمره إذا أثمر ). فلأصحابه أن يأكلوا منه من ~~دون حرج ، لأن الله قد أباحه لهم في ما أباح من الطيبات ، وليس لأحد غير الله PageV09P342 # أن يحرم شيئا منه ، لأن الخلق بيد الله ، فلا معنى لأن يملك أحد أمر ~~التحليل والتحريم غيره. # الثانية : ( @QUR@04 وآتوا حقه يوم حصاده ) فهناك حق مجعول للفقراء من ~~قبل الله ، يوم حصاده ، ويوم قطعه ولعله اكتفى بالحصاد تغليبا ، وربما كانت ~~هذه الآية بداية لتشريع الضريبة على الزرع في الإسلام ، على سبيل الإجمال ، ~~ثم جاء التفصيل بعد ذلك عند ما قننت الشريعة بشكل تفصيلي الأحكام الشرعية ، ~~وقد ذهب البعض إلى أنها الزكاة المشروعة ، ولكن بعضهم اعترض على ذلك ، بأن ~~كثيرا مما ذكر في هذه الآية ، كالزيتون والرمان ونحوهما مما ليس فيه زكاة ، ~~وإننا نتحفظ في هذا اللون من الاعتراضات ، لأننا نعتبر أن القرآن هو الأساس ~~في معرفة قضايا الشريعة ، فليس من المألوف أن نرد ظاهر آية ، بوجود حكم على ~~خلافها ms2287 لدى الفقهاء إلا أن تكون المسألة ناشئة من اعتراض على أصل دلالة ~~الآية ، أو وجود مخصص لعمومها ، أو مقيد لإطلاقها من دليل آخر. # وقد جاء في الدر المنثور عن ابن عباس في قوله : ( @QUR@04 وآتوا حقه يوم ~~حصاده ) قال : نسخها العشر ونصف العشر (1). # ولكن يرد على ذلك ، ما ذكره العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان بعد ~~ذكره الرواية ، قال : أقول : ليست النسبة بين الآية وآية الزكاة نسبة النسخ ~~إذ لا تنافي يؤدي إلى النسخ سواء قلنا بوجوب الصدقة أو باستحبابها (2). # وقد ذكروا أن حكم الزكاة نزل في المدينة بينما الآية مكية مما يبعد أن ~~تكون الآية متعرضة لحكم الزكاة ، ولكن لقائل أن يقول : إن هذه الآية قد ~~تكون واردة للحديث عن بعض الأنواع التي تجب فيها الزكاة بطريقة خاصة PageV09P343 # لتكون آية الزكاة الآتية بعد ذلك واردة في بيان الحكم بشكل شمولي لا سيما ~~وأن ظاهر الآية الوجوب. # قد جاء في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يوحي بأن الحكم في هذه ~~الآية وارد في الزيادة عن الحق الواجب في الزكاة ، بحيث كان ملحوظا حتى في ~~مورد تشريع الزكاة : ومنها : # ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية ~~بن شريح قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : في الزرع حقان : حق ~~تؤخذ به وحق تعطيه ، قلت وما الذي أؤخذ به؟ وما الذي أعطيه؟ قال : أما الذي ~~تؤخذ به فالعشر ونصف العشر ، وأما الذي تعطيه فقول الله عز وجل : ( @QUR@04 ~~وآتوا حقه يوم حصاده ) يعني من حصدك الشيء بعد الشيء ولا أعلمه إلا قال : ~~الضغث ثم الضغث حتى يفرغ (1). # وما رواه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن ~~زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل : ~~( @QUR@04 وآتوا حقه يوم حصاده ) فقالوا جميعا ، قال أبو جعفر عليه السلام ~~هذا : من الصدقة يعطي المسكين القبضة بعد القبضة ، ومن الجداد الحفنة بعد ~~الحفنة حتى ms2288 يفرغ ويعطي الحارس أجرا معلوما ويترك من النخل معافارة ، وأم ~~جعرور ويترك للحارس يكون في الحائط العذق والعذقان والثلاثة لحفظه إياه (2). # وفي ضوء أمثال هذه الروايات ، لا بد من رفع اليد عن ظهور الآية في الوجوب ~~لصراحتها في أن موردها هو مورد الصدقة بمعناها العام الاستحبابي باعتبار أن ~~الحق هنا هو الذي يعطيه لا الذي يؤخذ به. PageV09P344 # وعلى كل فإن الآية توحي بأن على صاحب الزرع أن يؤدي هذا الحق للفقراء ~~والمساكين عند حصاده ، وقد جاء في تفسير العياشي عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام في الآية قال : أعط من حضرك من المسلمين فإن لم يحضرك إلا مشرك ~~فأعط (1). # وهذا دليل على روح السماحة والعطاء التي يريد الإسلام للإنسان المسلم أن ~~يعيشها مع كل الناس المحرومين سواء أكانوا من المسلمين أم كانوا من ~~المشركين ، بروحية عطاء وإحساس بآلام الفقراء والمساكين ، من أي دين كانوا ~~، وربما كان التعبير بكلمة ( @QUR@01 حقه ) في ما يعطيه الإنسان من الثمر ، ~~سواء أكان واجبا أم كان مستحبا ، دلالة على أن قضية العطاء في الإسلام ليست ~~منحة ذاتية تنطلق من شعور بالفوقية كما يحس به المعطي تجاه الفقير بل هي حق ~~يؤديه لصاحبه ، لأن المال لله ، فإذا أراد الله من الإنسان أن يعطيه لأحد ، ~~مستحبا كان أو واجبا فإنه يعطيه من موقع الحق ، لا من موقع التفضل ، مما ~~يحفظ به للفقير كرامته ، وللمعطي روحيته وإيمانه ، وهذا هو المعنى الذي ~~ينبغي للتربية الإسلامية أن تؤكد عليه في ما تستهدفه من بناء الشخصية ~~المسلمة ، فعلى المسلم أن يحس دائما بأن عليه حقا للناس في ماله ، وفي كل ~~ما رزقه الله من طاقة ، على أساس ما لله عليه من حق في ذلك كله ، فهو عند ~~ما يعطي ، فإنما يؤدي حق الله للآخرين. # الثالثة : ( @QUR@06 ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ). قد يكون الموضوع ~~في هذه الفقرة ، إتيان الحق للفقراء ، في ما جاءت به بعض الأحاديث في أن لا ~~يعطي الإنسان عطاء المسرف الذي لا يبقي لنفسه ولا لعياله شيئا ، فقد روى ms2289 ~~الطبري وغيره عن ابن جريج قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جد نخلا فقال ~~: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له PageV09P345 # ثمرة فأنزل الله : ( @QUR@06 ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) (1) وروي ~~ذلك عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@06 ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) فقال : كان فلان ابن فلان الأنصاري سماه وكان ~~له حرث ، وكان إذا أجذ يتصدق به وبقي هو وعياله بغير شيء فجعل الله ، ذلك ~~سرفا (2). # وربما كان الأساس في ذلك ، أن الله يريد للإنسان أن يكون واقعيا متوازنا ~~في صدقاته ، ربما يستغني عنها في بعض الحالات ولكنه لن يستطيع الثبات على ~~أساس الاستغناء عنها دائما. فإذا أعطى كل شيء أول مرة ، وثاني مرة ، فإنه ~~سيواجه ردة الفعل الثالثة أو الرابعة ضد الصدقة كمبدإ ، لأن حاجاته ستتحداه ~~وستتكاثر ، بسبب إهماله لها في المرة الأولى والثانية ، وأما إذا أعطى شيئا ~~وأبقى لنفسه شيئا ، فإنه يبقى في خط التوازن الطبيعي للأشياء ، وبذلك يمكن ~~له أن يستمر ويبقى على الخط إلى ما شاء الله. # وقد عبر الله عن ذلك في ما جاء به التفسير في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [البقرة : 195] من إنفاق الإنسان جميع ماله ~~باعتبار أنه لون من ألوان إلقاء النفس في التهلكة في ما قد يؤدي إليه ~~الإفلاس الكلي من الوقوع في قبضة الهلاك. وقد ورد في بعض الأخبار ، أن الله ~~لا يريد للإنسان أن ينفق كل ماله ويترك أولاده ، من بعد موته ، يسألون ~~الناس ، وهذا كله مما يؤكد الفكرة التي ألمحنا إليها من عدم الإسراف في ~~الصدقة. # ولكن هذا التطبيق التفسيري على هذا المورد الخاص ، لا يعني أن الفقرة ~~تختص به ، لا سيما إذا لاحظنا ما ذكره بعض المفسرين من أن ثابت بن قيس كان ~~أنصاريا مدنيا ، بينما كانت الآية مكية ، مما يوحي بأن ما ذكر في سبب ~~النزول كان تطبيقيا ، من قبل الرواة ، وليس مناسبة لنزول الآية. # وبقطع النظر عن هذه الملاحظة ، فإن ms2290 سبب النزول لا يخصص الآية في PageV09P346 # نطاقه الخاص أو العام ، بل يترك الآية في محتواها الشامل. وعلى ضوء هذا ~~فإن من الممكن أن نأخذ منها الفكرة العامة الداعية إلى أن لا يتجاوز ~~المؤمنون الحدود الطبيعية التي تصلح بها أمورهم في ما يتصرفون به من مالهم ~~، فلا يسرفون ولا يبذرون فيه ، ولا يضعونه في غير موضعه ، ولا يسرف الفقير ~~الآخذ بتضييعه ، لأن الله يريد للإنسان أن يعرف بأن المال حاجة ، وليس لهوا ~~، فينبغي له أن لا يتجاوز به حدود حاجته ، وأن الملكية وظيفة ومسئولية ، ~~وليست ترفا وامتيازا ، فينبغي له أن لا يتصرف بها إلا في حدود الوظيفة ~~والمسؤولية الفردية والاجتماعية ، ليمكن للحياة أن تسير في مجراها الطبيعي ~~، وتتوازن في علاقاتها العامة والخاصة ، فلا يذهب شيء من المال هدرا ، ولا ~~يقع شيء منه في غير موضعه ، وبذلك يكون الإنسان منسجما مع إرادة الله ~~وحكمته في تحريك النظام الكوني. وإذا كان الله يريد للإنسان أن لا يكون ~~مسرفا في ماله ، فإنه لا يريد منه أن يكون مسرفا في أكله وشربه ، وفي ~~ممارسة شهواته ، سواء كان ذلك في حياته الفردية أو الاجتماعية. # وربما نجد في بعض الكلمات الواردة عن أئمة أهل البيت عليه السلام ، ما ~~يجعل من الإسراف ، طرح شيء مما اعتاد الناس طرحه ، إذا كان هناك منفعة تحصل ~~منه ، وذلك في # ما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن القصد أمر يحبه الله عز وجل ~~وإن السرف أمر يبغضه الله ، حتى طرحك النواة ، فإنها تصلح للشيء وحتى صبك ~~فضل شرابك (1). فإن الفكرة الاقتصادية التي نستوحيها من هذه الكلمة ، أن ~~على الفرد أو الأمة أن تدرس ما في الأشياء التي بيدها من خلال ما فيها من ~~منافع وفوائد ، فتحاول أن تستثمرها في ذلك ، ولا تطرحها في الأرض ، استهانة ~~بها ، أو لأن العادة اقتضت ذلك ، أو لأنها تكسل عن الاستفادة منها ببذل ~~الجهد في ذلك. # ونلاحظ في هذا المجال مثل نواة التمر والزيتون التي يمكن استخدامها PageV09P347 # في بعض المنافع العامة ، ومثل الماء الذي يصبه ms2291 الإنسان في الأرض بعد ~~الانتهاء من الشراب ، فإن من الممكن أن يحتفظ به الإنسان ، فلا يصب في كأسه ~~أكثر مما يحتاج إليه ، أو يحتفظ بما في الكأس لشربة جديدة. وهكذا يمكننا أن ~~نعتبر الاقتصاد وترك الإسراف قيمة روحية ، كما هي قيمة اقتصادية ، فإذا كان ~~الله لا يحب المسرفين ، فإنه يحب المقتصدين. وبذلك يمكننا ملاحظة هذا ~~التزاوج بين القيمة الروحية والقيمة المادية للأشياء في الإسلام. # * * * ### ||| ** تسخير الأنعام للناس # ( @QUR@04 ومن الأنعام حمولة وفرشا ) حيث سخرها الله لنا لنركب على ~~ظهورها ولتحملنا وتحمل أثقالنا إلى بلد لا نبلغه إلا بشق الأنفس ، كما ~~ألهمنا الله أن نستخدم من صوفها ووبرها فراشا نجلس عليه ، ورزقنا من لحومها ~~وشحومها وألبانها الرزق الطيب الذي أباح لنا أكله وشربه ، واستطابه لنا ، ~~ولم يحرم علينا شيئا منه إلا ما كان فيه ضرر على البدن. إنه يدعونا في ~~الآية ( @QUR@04 كلوا مما رزقكم الله ) من هذا أو من غيره ، وتلك هي نعمة ~~الله على الإنسان في ما ينمي به حياته ( @QUR@04 ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~) في تحريم ما أحله الله ، أو في استخدام ما رزقكم الله في معصيته ، أو في ~~التعامل به ، بما لا يرضاه ، أو في ممارسة ألوان السرقة والغش والخيانة ~~والغصب ونحوها في تحصيله وكسبه ، فإن ذلك كله من خطوات الشيطان وتسويلاته ~~التي تبعد الإنسان عن جادة الحق وبالتالي عن الله ، ولا بد للإنسان من أن ~~يواجه الشيطان مواجهة العدو لعدوه ، لأنه العدو الواضح الذي أعلن عداوته ~~وسخر كل طاقاته لإضلال الإنسان وإغوائه وإبعاده عن الصراط المستقيم ، إنه ~~يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. وهذا ما يوحي به قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 إنه لكم عدو مبين ). # * * * PageV09P348 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم ~~أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ~~(143) @QUR@040 ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس ms2292 بغير علم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) (144) # * * * ### ||| ** الظلم الأكبر افتراء الكذب على الله # ويستمر القرآن في تأكيد رفضه لأي تحليل أو تحريم صادر من البشر ، تحت ~~تأثير أي وضع من الأوضاع في معرض حديثه عما حرمه المشركون من الأنعام ومن ~~أجنتها مما تقدم الإشارة إليه في آية سابقة ، ولكنه يطرح القضية بطريقة ~~التساؤل في معرض الإنكار ، فهناك ( @QUR@05 ثمانية أزواج من الضأن اثنين ) ~~، الذكر والأنثى ، ( @QUR@03 ومن المعز اثنين ) الذكر والأنثى ، وهناك ( ~~@QUR@03 ومن الإبل اثنين ) الذكر والأنثى ، ( @QUR@03 ومن البقر اثنين ) ~~الذكر والأنثى. وهي ثمانية PageV09P349 # أزواج ، وتتساءل الآية : ما هو الذي حرم من هذا الزوج أو ذاك : ( ~~@QUR@010 قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ) وهي ~~الأجنة ما هو أساس التحريم؟ ( @QUR@05 نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) هل ~~هناك علم من شريعة سابقة أو لاحقة؟ ( @QUR@03 أم كنتم شهداء ) عند ما أنزل ~~الله تحريم هذه الأشياء على أنبيائه ، ( @QUR@014 إذ وصاكم الله بهذا فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير ) ليس هناك إلا الافتراء ~~الذي هو أشد الظلم ، لأن فيه اعتداء على حرمة الله في ما يجب له على الناس ~~من الخضوع له والاستسلام إليه ، واعتداء على حرمة الناس في إضلالهم بغير ~~حجة ، في ما يقتضيه الإضلال من الإساءة إلى مصلحتهم في الدنيا ومصيرهم في ~~الآخرة .. # ويختم الله الآية : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) لأنهم ~~أغلقوها على أنفسهم. وقد شاءت إرادة الله وحكمته ، أن يترك الإنسان وجها ~~لوجه أمام مصيره ، تبعا لإرادته واختياره حتى لو كان ذلك في خط الضلال ورفض ~~الهدى ، لأن الله يريد أن يعاقب الضالين المتمردين في الدنيا بتركهم ~~لأنفسهم وضلالهم ، قبل أن يعاقبهم في الآخرة بالنار وبئس القرار. # * * * PageV09P350 ### ||| * الآيات # ( @QUR@039 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) @QUR@028 وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر ms2293 ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ~~أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) ~~@QUR@013 فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ~~) (147) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رجس ): الرجس : الشيء القذر. قال الراغب : الرجس يكون على ~~أربعة أوجه ، إما من حيث الطبع ، وإما من جهة العقل ، وإما من جهة الشرع ، ~~وإما من كل ذلك كالميتة ، فإن الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا ، والرجس من ~~جهة الشرع الخمر والميسر ، وقيل : إن ذلك رجس من جهة العقل ، وعلى ذلك نبه ~~بقوله تعالى : ( @QUR@04 وإثمهما أكبر من نفعهما ) [البقرة : 219] لأن كل ~~ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنبه ، وجعل الكافرين رجسا من حيث إن ~~الشرك بالعقل ، أقبح الأشياء قال تعالى : ( @QUR@01 وأما PageV09P351 # @QUR@08 الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [التوبة : 125] ~~وقوله تعالى : ( @QUR@06 ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) [يونس : 100] ~~قيل : الرجس النتن ، وقيل : العذاب وذلك كقوله : ( @QUR@03 إنما المشركون ~~نجس ) [التوبة : 28] وقال : ( @QUR@05 أو لحم خنزير فإنه رجس ) وذلك من حيث ~~الشرع ، وقيل : رجس ورجز للصوت الشديد (1). # ( @QUR@01 فسقا ): الفسق : الخروج عن حجر الشرع وذلك من قولهم : فسق ~~الرطب إذا خرج عن قشره ، وهو أعم من الكفر ، والفسق يقع بالقليل من الذنوب ~~وبالكثير ، لكن تعورف في ما كان كثيرا ، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم ~~حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه ، وإذا قيل للكافر الأصلي ~~فاسق ، فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة. # ( @QUR@01 ظفر ): الظفر ظفر الإنسان وفي غيره ، قال : ( @QUR@03 كل ذي ~~ظفر ) أي : ذي مخالب ، ويعبر عن السلاح به تشبيها بظفر الطائر إذ هو له ~~بمنزلة السلاح. # ( @QUR@01 الحوايا ): المصارين والأمعاء لأنها تحوي الفضلات ، وقيل : كل ~~ما تحويه البطن ، وقيل : المباعر. # * * * ### ||| ** الانحراف في مسألة التحريم عند البعض في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) # ويبقى الانحراف في مسألة التحريم يحكم الموقف في آيات الله ، لأنه من ~~القضايا التي تتصل بالمبدأ ، فالمسألة هي مسألة الافتراء على الله ، في ~~مجال التشريع ، أن تقول لشيء ms2294 لم يحرمه الله ، إنه حرام ، مستغلا في ذلك جهل ~~الناس وسذاجتهم ، وغموض قواعد التحريم والتحليل في بعض المجالات ، وتلك هي ~~قصة الكثيرين الذين يجعلون من أنفسهم مشرعين PageV09P352 # باسم الله في ما يلبسون به على الناس من أمر دينهم ، ويريد القرآن في هذا ~~التدرج والتنوع في أسلوب معالجة القضية أن يوحي بأنها مسألة مهمة جدا ، ~~وبأن علينا أن نتبع كل الوسائل في سبيل كشف الزيف الذي يقوم به أمثال هؤلاء ~~، بإثارة علامات الاستفهام التي تحرجهم ، وبالتنديد بهم ، وبمواجهتهم ~~بالحجة القاطعة في نهاية المطاف من أجل إبعاد الساحة عن شياطين الكذب ~~والافتراء ، ليبقى الإسلام بعيدا عن الكذب والتشويه والتمويه .. # وهكذا يقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفته الرسالية ، في ما يريد الله ~~له أن يقف ، ليؤكد الأصل في تكذيب كل دعاوى التحريم ، فإن الله عند ما يحرم ~~شيئا على الناس ، فإنه يوحي به إلى رسوله. وقد حدد الله لرسوله عدة محرمات. ~~فلم يجد ما يدعيه بعض الناس من هذه المحرمات ، فمن أين جاء هؤلاء من تحريم ~~ما حرموه؟ هل هناك نبي آخر؟ هل هناك وحي آخر لم تعرفه النبوة؟ ليس هناك شيء ~~من هذا ، ولم يدعه حتى هؤلاء المدعون. # * * * ### ||| ** بيان المحرمات من الحيوانات # ( @QUR@011 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) في ما يأكله ~~الناس من لحوم الحيوانات ، أو من غيرها مما يشمل ما ادعى هؤلاء حرمته ( ~~@QUR@04 إلا أن يكون ميتة ) مات حتف أنفه ، ( @QUR@03 أو دما مسفوحا ) وهو ~~ما يتدفق من الذبيحة وينصب منها ، أما ما يختلط باللحم ولا يمكن تخليصه ~~منها إلا بجهد فوق العادة ، فهو معفو عنه مباح ، ( @QUR@05 أو لحم خنزير ~~فإنه رجس ) أي : قذر تستقذره النفس وتنفر منه ، ( @QUR@06 أو فسقا أهل لغير ~~الله به ) وهو ما ذبح على اسم غير الله ، وهو الأصنام والأوثان ، فإنه فسق ~~لأنه قد تجاوز أمر الله في ما أمر به من ذكر اسمه عليه ، والإهلال : رفع ~~الصوت بالشيء ، وهو كناية عن ذكر الاسم الذي تذبح الذبيحة عليه. PageV09P353 # وقد يستوحي الإنسان ms2295 من التعبير بقوله : ( @QUR@06 أو فسقا أهل لغير الله ~~به ) أنه إشارة لما ورد في آية سابقة : ( @QUR@010 ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه وإنه لفسق ) [الأنعام : 121] بأنهما يفيدان معنى واحدا فيكون ~~المحرم هو ما أهل لغير الله به ، باعتبار أن ما لم يذكر اسم الله عليه هو ~~الذي كان يرافقه غالبا ما ذكر اسم غير الله عليه ، وكذلك لأن الذبح كان لا ~~يخلو من أحد الأمرين في ما سبق ، وبهذا قد يفهم الفقيه ، أن التحريم في مثل ~~هذه الموارد ، كان ناشئا من ذبحه على الأوثان ، فلو لم يذبح على هذا الأساس ~~، بأن لم يذكر فيه اسم الله ، ولا غيره ، إما جهلا أو سهوا ، فيحكم بحلية ~~الذبيحة. # إنه موضوع للتفكير ، لأننا لسنا هنا في بحث فقهي مفصل. ( @QUR@02 فمن ~~اضطر ) إلى الأكل مما ذكر ( @QUR@08 غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) ~~وقد تقدم الحديث عن معنى الباغي والعادي وعن بعض ما يتعلق بتفصيلات هذه ~~الأمور في سورة المائدة آية 2 ، وفي سورة البقرة آية 173. # وقد يطرح سؤال هنا ، أن الآية ظاهرة في اقتصار التحريم على هذه الأمور ، ~~في الوقت الذي نجد في الشريعة من المحرمات ما هو أكثر من ذلك ، فكيف نفسر ~~الموضوع؟ # ويجاب عن هذا بأن الآية مكية ، وأنها واردة في مقام رد هؤلاء الذين ادعوا ~~تحريم ما حرموه ، فكانت بيانا لما كان محرما في ذلك الوقت مما أنزل على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المحرمات ، مما لم يتضمن ما ذكروه ، ومما ~~اقتصر على ما جاءت به الآية ، ثم توسع التحريم بعد ذلك على حسب تدرج ~~الشريعة في نزول الأحكام ، كما نلاحظ ذلك في سورة المائدة التي هي من السور ~~المدنية ، وكما نلاحظ ذلك في ما ورد من السنة النبوية من تحريم أشياء غير ~~مذكورة في القرآن الكريم. # ولكن ربما نلاحظ على هذا الجواب أن مثل هذا الحصر للمحرمات قد PageV09P354 # ورد في سورة البقرة في آية (173) بما يقرب من هذا التعبير في قوله تعالى ~~: ( @QUR@012 إنما حرم عليكم ms2296 الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله ) وذلك بأسلوب الحصر مع أن سورة البقرة مدنية. # وقد يخطر بالبال أن هذه الآية واردة في حصر المتعارف من الحيوانات التي ~~يأكلها الناس في ذلك الوقت فيخرج منها أمثال الحيوانات التي لم يتعارف ~~بينهم أكلها ، كالكلاب والسباع والحشرات ونحوها ، فلم تكن واردة في عنوان ~~الآية : ( @QUR@03 على طاعم يطعمه ) لتخرج منها وليرد إشكال التخصيص ~~بالأكثر ، فيكون الحصر إضافيا لا حقيقيا. وربما قيل : إن الحصر حصر إضافي ~~من جهة أخرى ، وهي أن هذه الآية ناظرة فقط إلى نفي الأحكام الخرافية التي ~~كانت شائعة وسائدة في أوساط المشركين كأن الآية تقول : إن المحرمات الإلهية ~~هي هذه المذكورة في الآية. ولكن ذلك كله خلاف الظاهر. # ولا بد من التوسع في بحث هذه المسألة من ناحية فقهية ، لأننا نلاحظ في ~~بعض الروايات الواردة في كتب أهل السنة ، أو في كتب أهل الشيعة ، أن الحرام ~~هو ما حرم الله في مواجهة روايات أخرى تحرم حيوانات لم يأت ذكرها في القرآن ~~الكريم ، وهو ما قد يرفضه بعض الفقهاء ، أو يعتبره بعض آخر من قبيل التخصيص ~~لعمومات الكتاب ، لما ثبت عندهم من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد. # ونشير في هذا المجال إلى بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام ، مما ينفي تحريم غير ما هو مذكور في القرآن ، فقد جاء في ~~تفسير العياشي في ما نقله الميزان عنه عن حريز عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ والوطواط ~~والحمير والبغال والخيل ، فقال : ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه ، ~~وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير ، وإنما PageV09P355 # نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه ، ليس الحمير بحرام. وقال : قرأ هذه الآيات ~~( @QUR@029 قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير ms2297 الله به )» ~~(1). وفي روايات أخرى عن الإمامين الباقر والصادق عليهم السلام جاء في ~~بعضها : إنما الحرام ما حرمه الله في كتابه ولكنهم كانوا يعافون أشياء فنحن ~~نعافها» (2). # وربما كان تحريم ما حرمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما ثبت تحريمه بدليل ~~معتبر ، منطلقا من اندراجه تحت عنوان الخبائث الذي أشارت إليه الآية ~~الكريمة الواردة في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى : ( ~~@QUR@023 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ) [الأعراف : 157] كما ذكر في تفسير الميزان (3). # ولكن قد يخطر بالبال أن مفهوم الخبائث من المفاهيم المتحركة التي تختلف ~~فيها الأذواق في حياة الشعوب بحسب مدلولها العرفي في إطلاق الكلمة ، فقد ~~يكون الشيء خبيثا لدى جماعة وغير خبيث عند جماعة أخرى وقد لا ينطبق في ~~المفهوم العام على كثير من المحرمات كالسباع في الطير أو في الحيوانات ~~البحرية ، فلا بد من القول بأن الخارج منها وارد على سبيل التخصيص الذي لا ~~يلزم منه تخصيص الأكثر باعتبار خروج الكثير بعنوان واحد لا بأسمائها ~~المتعددة الكثيرة ، والله العالم. # والمسألة من مسائل الفقه ، فلا بد من الرجوع إلى تفاصيلها في الكتب ~~الفقهية ، لأننا هنا بصدد البحث عما يتعلق بالجانب التفسيري من الآية. # * * * PageV09P356 ### ||| ** تحريم كل ذي ظفر # ( @QUR@07 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) ذكر في مجمع البيان ، أن ~~المفسرين اختلفوا في معناه ، فقيل : هو كل ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل ~~والنعام والإوز والبط ، عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي ، ~~وقيل : هو الإبل فقط عن ابن زيد ، وقيل : يدخل فيه كل السباع والكلاب ~~والسنانير وما يصطاد بظفره عن الجبائي ، وقيل : كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ~~حافر من الدواب عن القتيبي والبلخي (1). ونلاحظ أن الاختلاف هنا في ~~التخصيص والتعميم ، مما هو خارج عن نطاق مدلول الآية في إطلاقها ، لأن ~~الظاهر من كلمة ( @QUR@02 ذي ظفر ) هي ذوات الأظفار بشكل كلي ، كما تشير ms2298 ~~إليه كلمة ( @QUR@01 كل )، أما ما هو غير ذلك ، أو ما يخصص ذلك بمورد خاص ~~فلا بد من الرجوع فيه إلى أحاديث السنة. # * * * ### ||| ** ما هو محرم من البقر والغنم # ( @QUR@06 ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) مما هو في أجوافهما ( ~~@QUR@04 إلا ما حملت ظهورهما ) من الشحم ، وهو المتصل باللحم السمين في ~~الظهر ( @QUR@02 أو الحوايا ) وهي المصارين والأمعاء ، لأنها تحوي الفضلات ~~، وقيل الحوايا : كل ما تحويه البطن ، فإن الشحوم المتصلة بها غير محرمة ، ~~وقيل هي المباعر .. ( @QUR@04 أو ما اختلط بعظم ) وهو شحم الجنب والإلية ~~لأنه على العصعص وهو عجب الذنب وعظمه . # ( @QUR@03 ذلك جزيناهم ببغيهم ) فقد عاقبهم الله على عدوانهم ، بتشديد ~~القيود عليهم في مآكلهم .. فقد كانت أحكام التحريم المتنوعة عقوبة لهم على ~~قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل كما جاء في PageV09P357 # الآية الكريمة : ( @QUR@05 فبظلم من الذين هادوا حرمنا ) [النساء : 160]. # وفي مجمع البيان : وقيل إن ملوك بني إسرائيل كانوا يمنعون فقراءهم من أكل ~~لحوم الطير والشحوم فحرم الله ذلك ببغيهم على فقرائهم ، ذكره علي بن ~~إبراهيم في تفسيره. ويتساءل صاحب مجمع البيان حول موضوع انطلاق التكليف من ~~موقع العقوبة فيتابع قائلا : ويسأل فيقال : كيف يكون التكليف عقوبة ، وهو ~~تابع للمصلحة وتعريض للثواب؟ وجوابه أنه إنما سمي جزاء وعقابا ، لأن عظيم ~~ما فعلوه من المعاصي اقتضى تحريم ذلك وتغيير المصلحة فيه ، ولو لا عظم ~~جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن مثل هذه التعليلات الاعتراضية والجوابية ، خاضع ~~للمدرسة العقلية الفلسفية التي تحاول أن تخضع خط التكاليف للمصالح والمفاسد ~~الكامنة في طبيعة الأشياء ، ولكننا نعتقد أن من الممكن أن تكون المصالح ~~والمفاسد كامنة في إصدار الأحكام ، وذلك من ناحية تأديبية ، في ما تقتضيه ~~خطة التأديب التي تفرض على الناس تنفيذها ، إلى مرحلة معينة ، كما نجده في ~~ما حكاه الله عن عيسى عليه السلام ( @QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) ~~[آل عمران : 50] وربما كان هذا هو مقصود صاحب مجمع البيان. # ( @QUR@02 وإنا لصادقون ) في ما نخبركم به من قضايا التحريم في الماضي ~~وفي الحاضر ms2299 ، ( @QUR@02 فإن كذبوك ) واستمروا في ضلالهم وتمردهم ( @QUR@05 ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) ومن رحمته أنه لا يعاجل المكذبين بالعقوبة ، بل ~~يمهلهم ويفتح لهم باب التوبة ، ليرجعوا إليه ويتراجعوا عما هم فيه من ~~العصيان والتمرد ، ولكنه لا يهمل العاصين والظالمين إذا استمروا ، وليس لهم ~~من أحد يدافع عنهم أمام الله ، ( @QUR@06 ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) ~~فسيواجهون عذابه ، إذا أصروا على أن يكونوا من القوم المجرمين. # * * * PageV09P358 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) @QUR@08 قل فلله ~~الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) @QUR@027 قل هلم شهداءكم الذين ~~يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين ~~كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ) (150) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 الحجة البالغة ): الحجة البينة الواضحة التي تبلغ قطع عذر ~~المحجوج بأن تزيل كل لبس وشبهة عمن نظر فيها واستدل بها. والحجة : الدلالة ~~المبينة للمحجة المقصد المستقيم. # ( @QUR@01 هلم ): جاء في المجمع : قال الزجاج إنها «هاء» ضمت إليها «لم» ~~وجعلتا كالكلمة الواحدة ، فأكثر اللغات أن يقال : هلم للواحد والاثنين ~~والجماعة ، بذلك جاء القرآن نحو قوله هلم إلينا ، ومعنى ( @QUR@02 هلم ~~شهداءكم ) PageV09P359 # هاتوا شهداءكم ، ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث فيقول للمذكر : هلم ، ~~وللاثنين : هلما ، وللجماعة هلموا ، وللمؤنث هلمي ، وللنسوة : هلممن ، ~~وفتحت لأنها مدغمة كما فتحت رديا هذا في الأمر لالتقاء الساكنين ، ولا يجوز ~~فيها هلم للواحد بالضم كما يجوز في رد الفتح والضم والكسر لأنها لا تتصرف. # قال أبو علي : هي في اللغة الأولى بمنزلة رويد وصه ومه ونحو ذلك من ~~الأسماء التي سميت بها الأفعال ، وفي الأخرى بمنزلة رد في ظهور علامات ~~الفاعلين فيها كما يظهر في رد ، وأما هاء اللاحق بها فهي التي للتنبيه لحقت ~~أولا لأن لفظ الأمر قد يحتاج إلى استعطاف المأمور به واستدعاء إقباله على ~~الأمر ، فهو لذلك يقرب ms2300 من المنادي ومن ثم دخل حرف التنبيه في ألا يا اسجدوا ~~ألا ترى أنه أمر كما أن هذا أمر ، وقد دخل في جمل أخر نحوها أنتم هؤلاء ، ~~فكما دخل في هذه المواضع كذلك لحقت في لم ، إلا أنه كثر الاستعمال معها ~~فغير بالحذف لكثرة الاستعمال كأشياء تغير لذلك نحو لم أبل ولم أدر وما أشبه ~~ذلك مما يغير للكثرة (1). # * * * ### ||| ** المشركون يبررون شركهم بأنه مشيئة من الله # وتظل القضية قضية مواجهة هؤلاء المشركين في شركهم وفي تحريمهم ما لم ~~يحرمه الله في كتابه ، فيحدثنا الله عن منطقهم الذي يبررون به ما فعلوه ، ~~ويتخذون منه أساسا للحصول على شرعية شركهم وتشريعهم ، فكل ما يحدث منهم هو ~~بإرادة الله ومشيئته ، لأن الله إذا أراد شيئا فإنه يقول له كن فيكون ، ~~وإذا لم يشأ شيئا فإنه لا يمكن أن يوجد ، لأن انتفاء مشيئته في الوجود ، ~~تعني فعلية إرادته في العدم. وفي ضوء ذلك ، تتحرك حجتهم في PageV09P360 # منطقهم هذا. # ( @QUR@03 سيقول الذين أشركوا ) وهم يبررون عملهم وطريقتهم ( @QUR@05 لو ~~شاء الله ما أشركنا ) فالشرك هو مشيئة الله التي تدل على رضاه ، وهو دليل ~~الحقيقة ( @QUR@04 ولا حرمنا من شيء ) فالتحريم قد تم بإذن الله ، فلو لم ~~يأذن به الله لمنعنا منه ، ولو منعنا منه لم نستطع إلى ذلك سبيلا ، فيكون ~~الأمر تماما ، كما لو أوحى الله به إلينا أو إلى رسله ، لأن للوحي أسلوبين ~~، فهناك أسلوب سلبي ، وهو عدم اعتراض الله على عباده في ما يقررونه ~~ويشرعونه وفي ما يتصرف به من شؤون العباد ، وأسلوب إيجابي ، وهو إصدار ~~الأحكام الخاصة ، بما ينزل من آيات ، وما يوحي به من شريعة إلى رسله. # ( @QUR@05 كذلك كذب الذين من قبلهم ) فأرجعوا ذلك إلى مشيئة الله واتخذوه ~~حجة لهم أمام البسطاء والسذج من الناس ، وحاولوا أن يعطلوا به منطق ~~الرسالات في مواقف الحوار ، ومنطلقات الصراع ، ولكنهم لم يرتكزوا في ذلك ~~على أساس ، لأنهم لو رجعوا إلى أنفسهم لم يجدوا قاعدة ينطلقون منها باقتناع ~~وطمأنينة ، ولذلك عاقبهم الله عند ما استمروا في خط التكذيب ms2301 والإضلال ( ~~@QUR@03 حتى ذاقوا بأسنا ) وبأس الله عذاب. # ( @QUR@07 قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ) فإن منطقكم هذا لا يرتكز على ~~حجة ، من برهان أو دليل ، لأن هناك خلطا عندكم في مشيئة الله وإرادته ، في ~~ما أراده من تنظيم الكون والحياة على أساس ما تمثله حركة الوجود في عالم ~~الخلق والتكوين ، وفي عملية الاستمرار في النمو العضوي للأشياء على أساس ~~القوانين الطبيعية التي أودعها في حركة الكون نحو التكامل في الوجود ، وقد ~~كان من مشيئته أن يمارس الإنسان وجوده من خلال حريته في الاختيار ليواجه ~~مصيره في الدنيا والآخرة من موقع الإرادة الحرة ، المستمدة من العقل ~~والوحي. وهكذا يتحرك الإنسان ، في ما يتحرك به ، من موقع مشيئة الله في ~~النظام الذي يحكم حياته ، من ناحية قانون وجوده ، بعيدا عن PageV09P361 # كل التفاصيل التي تنطلق من إرادته ، لأن المشيئة قد انطلقت من الرضى في ~~الإطار الذي تتحرك فيه الصورة ، وليس في الصورة نفسها ، وهناك مشيئة لله ، ~~في ما يحبه من بعض أفعال الإنسان ، وفي ما يكرهه من بعضها الآخر ، وهنا ~~يأتي جانب الرضى والسخط ، وطبيعة المسؤولية في حركة الإرادة ، فالله لا ~~يشاء للإنسان أن يكفر وأن يعصي ، بمعنى أن الله لا يرضى له بذلك ، والله ~~يشاء للإنسان أن يؤمن ويطيع ، ولكنها المشيئة التي لا تتدخل في عملية ~~الوجود من ناحية التكوين ، بل تقتصر على الجانب التشريعي منه. # أما ناحية التكوين ، فإن الله أراد أن تتشكل إرادة الإنسان من أسباب وجود ~~الفعل ، ولكنه جعل بيد الإنسان حركة الإرادة ، فإذا أراد فعلا فإن إرادته ~~تابعة لإرادة الله في التسبيب لوجود الفعل ، بالنظر إلى أن قانون السببية ~~يفرض أن الإنسان إذا أراد شيئا في ظروف معينة وشروط محدودة ، فإن المراد ~~يتبع الإرادة ، ولكن ليس معنى ذلك أنه يرضى بما حصل. وبهذا نفهم معنى أن ~~عدم مشيئة الله للشرك وللتشريع ، لا تعني إجبارهم على ذلك ، لتكون حجتهم ~~تامة ، بل أنها تعني عدم رضاه به ، ولهم مطلق الحرية في ما يفعلون من موقع ~~وجودهم ، ولله أن يكلفهم بالإيمان ms2302 لأنهم يملكون أساس التكليف وهو العقل ~~والقدرة والإرادة ، فلا مجال للاحتجاج بذلك على شرعية أفعالهم ، بل هي ~~أوهام ليس إلا. # ( @QUR@04 إن تتبعون إلا الظن ) لأنهم لا يملكون علما أو قناعة يقينية ( ~~@QUR@04 وإن أنتم إلا تخرصون ) وتسلكون سبيل الحدس والتخمين الذي لا يرتكز ~~على أساس قطعي. ( @QUR@03 فلله الحجة البالغة ) في ما رزقكم الله من العقل ~~والقدرة والإرادة التي تستطيعون من خلالها أن تختاروا الإيمان والطاعة وليس ~~لكم على الله أية حجة في منطقكم هذا ( @QUR@04 فلو شاء لهداكم أجمعين ). # وقد جاء في رواية مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفر بن محمد عليه السلام ، ~~وقد سئل عن قوله تعالى : ( @QUR@04 قل فلله الحجة البالغة ) فقال : PageV09P362 # إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالما؟ فإن قال : نعم ~~، قال له : أفلا عملت؟ بما علمت ، وإن قال : كنت جاهلا ، قال : أفلا تعلمت ~~حتى تعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة (1). وجاء في رواية أخرى عنه : ( ~~@QUR@03 فلله الحجة البالغة ) وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما ~~يعلمها العالم بعلمه» (2)، لأن الله أكبر وأعدل من أن يعذب أحدا إلا بحجة. ~~وهكذا نرى أن الجهل الذي يلتفت صاحبه إلى الاحتمالات المتنوعة في اختلاف ~~الناس وفي تنوع أفكارهم المطروحة في الساحة لا يصلح عذرا للجاهل الذي يختزن ~~في فطرته ذهنية البحث عن الحقيقة من خلال أن المعرفة لا تكون إلا بالتعلم ~~في كل الأشياء المتصلة بالحياة والمتعلقة بالمسؤولية. # ( @QUR@04 فلو شاء لهداكم أجمعين ) بإجباركم على الإيمان والطاعة .. ولكن ~~الله شاء لكم الحرية .. وأصدر إليكم تعليماته في طريقة ممارستكم لهذه ~~الحرية .. فإذا مارستم حريتكم في الاتجاه المضاد ، فإنكم تتحملون كل ~~المسؤولية في ذلك. # ( @QUR@09 قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) قل لهم ذلك .. ~~فإنهم لا يملكون شاهدا يشهد لهم بما يريدون من شرعية الشرك والتشريع المدعى ~~، لأن القضية لا تحمل أية لمحة من لمحات الحقيقة من قريب أو من بعيد ، فإذا ~~استطاع هؤلاء الناس أن يخدعوا آخرين ليشهدوا لهم ، بما يثيرونه في أفكارهم ~~من أساليب الخداع ، أو وجدوا من يقدم شهادته ms2303 مجانا ، بسبب عاطفة أو مجاملة ~~، أو من يبيعها لقاء ثمن .. ( @QUR@05 فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) لأنك تعرف ~~الحقيقة جيدا ، فكيف تشهد على ما تتيقن بكذبه ( @QUR@010 ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ) لأنهم ينطلقون من PageV09P363 # أهوائهم في ما يفعلون ويتركون ، وفي ما يؤمنون ويكفرون ، فالحياة عندهم ~~فرصة لإشباع الشهوة ، واتباع الهوى. # وهم لا يلجأون إلى قاعدة ثابتة في إيمانهم تقوم على الحجة البالغة ~~المنطلقة من الفكر الواعي المتزن الذي يؤكد الحقيقة من خلال الدليل ، بل ~~يتحركون في إيمانهم من تقليدهم لآبائهم على أساس العلاقة العاطفية دون ~~محاكمة لمستواها الفكري أو لمضمونها. وهكذا يستغرقون فيها للتحول عندهم إلى ~~عقيدة لا أساس لها من تأمل وتفكير ، أو من الابتعاد عن تعب الفكر الذي ~~يناقش القضايا فيأخذون بأي فكر طارئ من دون أن يتحملوا المشقة في محاكمته ~~بالحجة والدليل ، أو بفعل الانسجام مع ما اعتادوه من مجتمعهم فيصعب عليهم ~~مفارقته والتحرر منه لأن الإنسان في ضعفه الذاتي لا يحب الابتعاد عما ألفه ~~واعتاده أو عاش في أجوائه ، وهكذا يتبعون الهوى الذي يتحركون في خطه من دون ~~إعمال لعقل ، أو تركيز لرأي ومن دون قاعدة لعقيدة. # فهم يسيرون في هذا الخط ، بعد أن فقدوا القاعدة التي تضبط لهم أوضاعهم ~~وتخطط لهم كل مسيرتهم في الحياة ، وذلك من خلال تكذيبهم بآيات الله ، وعدم ~~إيمانهم بالآخرة ( @QUR@03 وهم بربهم يعدلون ) ويشركون به غيره ويجعلون له ~~عدلا وشريكا ، فكيف يمكن للإنسان أن ينسجم معهم ويلتقي بهم ، في أي منعطف ~~من منعطفات الطريق؟! # * * * PageV09P364 ### ||| * الآيات # ( @QUR@042 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) @QUR@035 ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ms2304 ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون (152) @QUR@017 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) (153) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تعالوا ): جاء في المجمع : تعالوا مشتق من العلو على تقدير أن ~~الداعي في المكان العالي وإن كان في مستو من الأرض ، كما يقال للإنسان PageV09P365 # ارتفع إلى صدر المجلس (1). # ( @QUR@01 أتل ): التلاوة مثل القراءة والمتلو مثل المقروء ، والتلاوة ~~غير المتلو كما أن الحكاية غير المحكي ، فالمتلو والمحكي هما الكلام الأول ~~، والتلاوة والحكاية هما الثاني منه على طريق الإعادة. # ( @QUR@01 إملاق ): فقر وإفلاس من المال والزاد ، ومنه : الملق والتملق ~~لأنه اجتهاد في تقرب المفلس للطمع في العطية. # ( @QUR@01 الفواحش ): جمع فاحشة ، وهو القبيح العظيم القبح من الأفعال ~~والأقوال. والقبيح يقع على الصغير والكبير لأنه يقال : القرد قبيح الصورة ~~ولا يقال : فاحش الصورة ، وضد القبيح الحسن ، وليس كذلك الفاحش. # ( @QUR@01 أشده ): واحدها شد ، مثل الأشر في جمع شر ، والأضر في جمع ضر ~~، والشد: القوة وهو استحكام قوة الشباب والسن ، كما أن شد النهار هو ~~ارتفاعه ... وقيل : هو جمع شدة مثل نعمة وأنعم ، وقال بعض البصريين : الأشد ~~: واحد كذا في المجمع. (2) ( @QUR@01 صراطي ): الصراط : الطريق المستقيم. # ( @QUR@01 السبل ): جمع سبيل ، وهو الطريق الذي فيه سهولة. # * * * ### ||| ** وصايا الله الإنسان # وما دام الحديث عن المحرمات في المآكل ، فقد جاءت هذه الآيات لتتحدث عما ~~أوحى به الله إلى رسله من المحرمات في ما يتصل بالعلاقات PageV09P366 # العامة التي يرتبط بها الناس ، وبالقضايا المتصلة ببناء الشخصية ~~الإسلامية في حياة الإنسان المؤمن ، وهي المحرمات التي التقت رسالات ~~الأنبياء حولها لأنها لا تخضع في نتائجها السلبية لزمن معين أو مكان معين ، ~~وبذلك كان التزام المجتمع بها يمثل القاعدة التي تتحرك فيها وحدة الرسالات ~~، حيث يشعر أتباع الأديان بالقضايا المشتركة التي تتدخل في خصوصيات ~~علاقاتهم وأوضاعهم ومنطلقاتهم في الحياة. # وتشتمل هذه الآيات على وصايا الله للإنسان ، بكل ما توحيه من المعاني ~~الكبيرة والقيم الروحية المشرقة ، التي تنمي في الإنسان إنسانيته ، كما ~~تعمق روحيته ، ليعيش إنسانيته في آفاق الروح ، فلا تتجمد في حاجات الأرض ~~لتخلد ms2305 إليها ، وليعيش روحيته في آفاق الإنسانية ، فلا تحلق في أجواء مثالية ~~بعيدة عن الواقع ، فتتأكد من خلال ذلك واقعيته التي تسمو في جو من الانضباط ~~والنظام والمسؤولية ، فإذا عاشوا الشعور بذلك الجو أمكنهم أن يتمثلوا ~~القربى الروحية التشريعية في ما بينهم ، فيقودهم ذلك إلى التفكير باللقاء ~~والحوار ، والوصول إلى النتائج المشتركة في تصفية التركة المثقلة التي ~~يملكها كل واحد منهم ، وفي ما يختلط فيه الحق بالباطل ، والخطأ بالصواب ، ~~والكفر بالإيمان ، وغير ذلك مما يتعصب فيه المتعصبون ، ويحقد فيه الحاقدون. # وبهذا أراد القرآن للمسلمين أن ينفتحوا على الآخرين في ما يعلنونه من ~~الإيمان بالله وبجميع كتبه ورسله وملائكته ، لا يفرقون بين أحد من رسله ، ~~ليلتقوا معهم على أرض واحدة فيكون هذا اللقاء هو السبيل لتوسيع هذا الملتقى ~~، في أفكار جديدة وآفاق جديدة ، بعيدا عن المجاملات العاطفية ، والكلمات ~~السطحية ، لأن القضية هي قضية اللقاء على كلمة الله الواحدة ، لا على كلمة ~~العباد المتلونة ، وذلك هو سبيل الوحدة ، أن يكون الفكر طريقا لحركة الشعور ~~، وأن يكون الشعور الحر الحميم هو السبيل لبداية الحوار في PageV09P367 # آفاق الله ورسالاته. فما ذا في هذه الوصايا؟ # * * * ### ||| ** عدم الشرك بالله # ( @QUR@07 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) لتقفوا مع هذه المحرمات حيث ~~يريد الله منكم أن تقفوا ، دون أن تتجاوزوا حدوده عن جهل وسفاهة ، وذلك من ~~أجل خلق المجتمع المؤمن المسؤول المتكامل في أفكاره وعلاقاته. # ( @QUR@04 ألا تشركوا به شيئا ) فالإشراك هو في مقدمة المحرمات ، لأنه ~~يمثل المنهج الذي يضع الإنسان في متاهات الأهواء والمطامع والشهوات ، وفي ~~ظلمات التيارات والاتجاهات والأصنام ، وفي أجواء الأشخاص الذين تختلف ~~أذواقهم ومسيرتهم وأفكارهم ، فلا يعرف الإنسان ماذا يأخذ وماذا يدع ، فكل ~~واحدة من هؤلاء تدعوه إلى أن يسير معها ويتجاوب مع حاجاتها ومنطلقاتها ، ~~فيفقد الإنسان معها كل طمأنينة ، وكل هدوء ، وتركيز ، ويحس أنه ينتقل من ~~تيه إلى آخر ، ومن ظلمة إلى ظلمة. # إن الشرك منهج متكامل ، يحدد للإنسان طريقته في التفكير ، وفي السلوك ، ~~وفي أسلوب الحياة ، وممارسته للمسؤولية ، وتصوره للكون وللحياة ، ولله ~~وللناس ms2306 ، وهو منهج لا يدعو إلى الاستقرار بل يبعث على القلق. ولذلك أراد ~~الله للناس أن يبتعدوا عنه لأنه يمثل الخط الذي يبعدهم عن الحقيقة ، ويساهم ~~في تعقيد حياتهم ، وتضييعها وتمييعها في أكثر من لون ، وأكثر من صعيد. # أما التوحيد ، فيمثل وحدة الله ، والحقيقة والهدف ، وجميع الوسائل التي ~~تربط الإنسان بالهدف ، إنه منهج الاستقامة الذي يربط بين البداية PageV09P368 # والنهاية في اتجاه واحد ، ليس هناك إلا وحي واحد ، يستمد الإنسان منه ~~منهج التفكير ، وليس هناك إلا إله واحد يتجه إليه في العبادة وفي الطاعة ، ~~ويستعين به في كل شيء ، وبذلك يعرف الإنسان نفسه وربه ، ويعرف من خلال ذلك ~~كيف يواجه مسئوليته في الحياة وكيف يحدد دوره في حركة الأمة الواحدة في ~~بناء الكون على هدى الله ووحيه. وبذلك كان الشرك ظلما لله وللناس وللحياة ، ~~وكان جريمة لا يغفرها الله ، لأنها فوق الجرائم كلها في الخطورة. # * * * ### ||| ** الإحسان للوالدين # ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ) فقد قرن الله طاعته وشكره بطاعة الوالدين ~~وشكرهما ، وحرم الإساءة إليهما ولو بكلمة أف ، لأنهما السبب المباشر لوجوده ~~، وهما اللذان رعيا حياته بكل ما عندهما من جهد وروح ومسئولية وعطاء ، ~~وأمداه بالعاطفة والحنان ، وأفنيا حياتهما لتستمر حياته ، وتحملا كل ألوان ~~الشقاء ، من أجل أن تشرق السعادة في عينيه ، وعانيا من أجله في الأوقات ~~الصعبة ، ولهذا كان الإحسان إليهما ، بكل الأساليب الممكنة ، يمثل القيمة ~~الكبرى التي تلتقي بالقيمة الروحية الإنسانية التي تقدر للعطاء قدره ، ~~وتشكر للنعمة عطاءها .. والعطاء لا بد من أن يولد العطاء ، والحياة تتكامل ~~بالإحسان والرحمة والعطاء ، أما العقوق ، فإنه يمثل الجمود والتحجر والقسوة ~~واللامسؤولية والبخل والأنانية ، وغير ذلك مما يشل في الحياة فاعليتها ~~وقدرتها على النمو والاستمرار ، ويعطل في الإنسانية دورها في تنمية الحيوية ~~وإنتاج القيم التي تحرك عناصر الخير. ولذلك كان من الكبائر التي يستحق ~~فاعلها دخول النار. # * * * PageV09P369 ### ||| ** عدم قتل الأولاد من إملاق # ( @QUR@08 ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) إن الأولاد ~~هبة الله للإنسان ، لا يجب أن يتصرف بها كيفما شاء بل لا بد من أن تفتح ~~قلبه ms2307 على العاطفة الطاهرة والشعور الحميم ، أما حياتهم فهي ملك الله ، فليس ~~لأحد أن يتصرف فيها بما يسيء إليها من قريب أو من بعيد ، وأما رزقهم ~~ومؤونتهم ، فهي على الله الذي رزق الآباء عند ما كانوا أولادا ، كما رزقهم ~~بعد أن أصبحوا آباء ، وسيرزق أولادهم كما رزقهم ، وهكذا حتى نهاية الكون. # ولهذا كان الاعتداء على حياتهم ، جريمة كبري تنتج عن ضعف الإيمان بالله ، ~~وعدم احترام حياة الضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ، والتهرب من ~~المسؤولية التي تفرض على الإنسان مواجهة مصاعب الحياة وشدائدها من أجل ~~التغلب عليها ، وذلك لأن الله أراد له أن ينتظر اليسر بعد العسر ، والفرج ~~بعد الشدة ، ولا يستسلم أمام أول مشكلة ، أو من أول ضيق ، وفي ضوء ذلك أراد ~~الله للإنسان أن يرفض مثل هذا الاتجاه في السلوك ، من أجل أن يعيش الإيمان ~~والمسؤولية واحترام الحياة. # * * * ### ||| ** عدم الاقتراب من الفواحش # ( @QUR@08 ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) والفواحش : جمع ~~فاحشة ، ويراد بها في المفهوم العرفي العام العمل الشنيع المستقبح ، الذي ~~يعتبره الناس قبيحا ، في طبيعته ، وربما كان ظاهرا في الجانب المتعلق ~~بالعرض المتصل بالأجواء الجنسية ، وقد تحدث القرآن عن الزنى واللواط PageV09P370 # وقذف المحصنات واعتبرها فاحشة ، ونستطيع أن نضم إليها السحاق والكلام ~~البذيء الذي يستقبح صدوره من المتكلم لأنه يخدش الحياء ، ويسيء إلى التهذيب ~~، وقد حرم الله ذلك كله ، لأنه أراد للناس أن يعيشوا في ما يقصدونه من ~~إشباع شهوة الجنس ، في أجواء الانضباط العملي ، الذي يمثل التوازن في ~~الممارسة ، بالأسلوب الطبيعي المتمثل بنظام الزواج الذي ركز عليه الإسلام ~~وجعله أساسا لبناء الأسرة ونظامها ، الذي فيه صلاح الحياة والإنسان ، فحرم ~~الزنى لأن فيه انحرافا عن خط العلاقة الشرعية ، كما حرم الأساليب الأخرى ~~كاللواط والسحاق والاستمناء ، لأن فيها انحرافا عن الأسلوب الطبيعي الذي ~~أراده الله للإنسان في ممارسة لذته ، مما يسبب بعض المفاسد الاجتماعية التي ~~قد تعطل في نهاية المطاف عملية النسل ، وتفسح المجال لتهديم نظام الأسرة ، ~~وغيره ذلك من الأمور التي ليس مجال بحثها هنا. # أما ms2308 الكلام الفاحش البذيء الذي قد يشتمل على قذف المحصنات والبريئات ~~والأبرياء ، أو يوحي ببعض المعاني الفاضحة التي قد تثير بعض المشاعر ~~الفاحشة ، مما لا يخدم قضية الأخلاق الفردية والاجتماعية ، هذا اللون من ~~الكلام ، يريد الله للإنسان أن يمتنع عنه لما فيه من الإساءة المباشرة إلى ~~الناس الذين يوجه إليهم القذف ، لأنه نوع من أنواع الاعتداء على شرف ~~الإنسان ، ولون من ألوان تحطيم كرامته ، سواء كانت القضية حقا أم باطلا ، ~~لأن مجرد كون القضية حقا لا يبرر للإنسان أن يشهر من خلالها بالفاعلين بهذه ~~الطريقة ، لأن هناك أكثر من أسلوب شرعي ، يمكن من خلاله إثبات الجريمة ، إن ~~كانت هناك جريمة ، أمام القضاء ، ولم يجعل الله لأي إنسان الحق في التدخل ~~في الحياة الشخصية لأي إنسان آخر خارج نطاق الشهادة الشرعية ، والدعوى ~~الصادقة أمام القاضي العادل ، أما الكلام الذي يوحي بالمعنى الفاضح ، من ~~دون قذف لأحد ، فإنه يسيء إلى حياء المجتمع PageV09P371 # وأخلاقه بطريقة غير مباشرة ، لأنه يمثل جانبا من جوانب الإثارة الجنسية ~~في غير مواضعها الطبيعية. # أما مسألة ما ظهر من الفواحش وما بطن ، فمن الممكن أن يكون المراد من ~~الظاهر ما يصدر من هذه الأمور علانية أمام الناس ، كالزنى العلني ، أما ~~الباطن ، فهو ما يصدر منها سرا كاتخاذ الأخدان في الخفاء ، وهذا هو المروي ~~عن الإمام الباقر عليه السلام وجاء في تفسير العياشي في ما نقله الميزان عنه ~~، عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أن ما ظهر من نكاح امرأة الأب وما ~~بطن منها الزنى (1)، وربما كان ذلك واردا على سبيل المصداق مع اختلاف ~~الجهة ، وقيل : إن ما ظهر أفعال الجوارح وما بطن أفعال القلوب فالمراد : ~~ترك المعاصي كلها وهذا أعم فائدة كما يقول صاحب مجمع البيان (2) وربما كان ~~هذا قريبا للجو العام للوصايا لأن الله سبحانه يريد للإنسان أن لا يمارس ~~القبح في عقله وقلبه وشعوره وما يرفضه الله من الأفكار والعواطف والدوافع ، ~~لأنها تترك تأثيرها الكبير على الواقع الخارجي للإنسان من حيث تأثر الخارج ~~بالداخل باعتبار أن حركة ms2309 الإنسان في سلوكه العملي تنطلق من خلال القاعدة ~~الفكرية والعاطفية والشعورية في الداخل ؛ ولهذا قال الله سبحانه. ( ~~@QUR@010 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [الرعد : 11] ~~وهذا ما نلمحه في الحديث عن تزكية النفس التي هي الهدف الكبير للقيم ~~الأخلاقية في الإسلام حتى أن الله جعل تزكية النفس على ما يحبه ويرضاه ، ~~هدف الأنبياء في رسالتهم للناس. # وفي ضوء ذلك قد يكون المراد من هذه الفقرة للحالات القبيحة في أفعال ~~النفس انطلاقا من دوافعها وتطلعاتها وأهدافها وأفكارها ، وفي أفعال PageV09P372 # النفس في الممارسات العامة والخاصة ، والله العالم. # * * * ### ||| ** تحريم قتل النفس # ( @QUR@08 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) إن الله حرم قتل ~~النفس ، لأنه اعتبر الحياة أمانة عند صاحبها وعند الناس الآخرين ، فلا يجوز ~~للإنسان قتل نفسه ، لأن الله لم يمنحه الحرية في ذلك ، كما لا يجوز له ~~الاعتداء على حياة الآخرين ، لأن الله لم يجعلها مباحة لأحد لأنه سبحانه ~~يريد للحياة أن تعيش آمنة مطمئنة ، في نطاق نظام قوي متكامل ، يعيش كل ~~أفراده مسئولية الحفاظ على الحياة ، من خلال خوف الله ومحبته ، فذلك ما ~~يمكن أن يحفظ للحياة أمنها وطمأنينتها ، لأنه يؤكدها على قاعدة ثابتة ~~مستقرة لا مجال فيها للاهتزاز والتلون ما دام الإيمان حيا في قلب الإنسان ، ~~ولذلك كانت عقوبة القتل العمد الذي ينطلق من خيانة أمانة الحياة الخلود في ~~نار جهنم ، ولم يستثن إلا الحالات التي يفرض فيها النظام العام الذي يراد ~~منه الحفاظ على الحياة كالقصاص ، والحد الشرعي في الجرائم التي تخل بأمن ~~الناس وشرفهم وكرامتهم وحريتهم. # ( @QUR@05 ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ). فهذه الوصايا الخمس هي من ~~القضايا التي تحتاج إلى مزيد من التأمل والتفكير في طبيعة النتائج ~~الإيجابية التي تترتب على الالتزام بها ، في انسجام الإنسان مع فطرته لأنها ~~من القضايا التي تنسجم مع الفطرة ، في ما تصلح به الحياة ويصلح به أمر ~~الناس ، ولعله لذلك كان ختامها بقوله ، ( @QUR@02 لعلكم تعقلون )، لما في ~~ذلك من الارتباط الوثيق بالتعقل والتفكر والتدبر. # * * * PageV09P373 ### ||| ** الحفاظ على مال اليتيم ms2310 # ( @QUR@011 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) ~~واليتيم هو أمانة الله في أعناق الأمة ، لأنه فقد القلب الذي يحوطه بالحنان ~~، والعقل الذي يرعاه بالرحمة ، والقوة التي تقوي فيه عناصر ضعفه ، وبذلك ~~أصبح بمثابة الكيان الضائع الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه بنفسه ، مما يمكن ~~أن يعتدي عليه الآخرون ، فيأكلوا ماله ، ويهددوا حياته ، فأراد الله أن ~~يوصي به من أجل حماية ماله من الضياع ، فلم يجوز التصرف فيه بأي نوع من ~~أنواع التصرف إلا بالطريقة الأفضل والأحسن التي تنمي المال وتزيده ، وتحفظ ~~بها حياته وتقويها ، تماما كما لو كان الأب حيا أو أفضل ، ويستمر ذلك ما ~~استمر اليتم ، وذلك في حالة ما قبل البلوغ ، فإذا بلغ أشده ، ووصل إلى ~~مرحلة البلوغ والرشد وهي المرحلة التي يملك فيها القدرة الفكرية العملية ~~على إدارة شؤونه المالية بطريقة متوازنة ، أعطي له ماله ليتصرف فيه كما ~~يريد ، وهذا هو نوع من أنواع الأمن الاجتماعي لمثل هذه الحالات الصعبة في ~~حياة الأمة .. # وقد تقدم في سورة النساء التشديد على أكل مال اليتيم بمثل قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا ) [النساء : 10] فإن اليتيم من أضعف المخلوقات ، وظلم الضعيف ~~أفحش الظلم كما ورد في بعض الأحاديث. # * * * ### ||| ** إيفاء الكيل والميزان # ( @QUR@04 وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) وهذه هي أمانة التعامل ، فلكل من PageV09P374 # المتعاملين حق عند صاحبه في ما يفرضه قانون التبادل من انتقال كل عوض إلى ~~ملك الطرف الآخر في مقابل ما انتقل عنه ، وبذلك كان من واجب كل منهما أن ~~يؤدي الحق إلى صاحبه كاملا غير منقوص ، لأن نقصانه عن مستواه يعتبر سرقة ~~وخيانة ، وهذا ما لا يفترضه الإيمان بالمؤمنين الذين ركز شخصيتهم على أساس ~~الأمانة والإخلاص ، ولهذا حرم التطفيف الذي يتضمن الأخذ بالزائد عن الحق ، ~~والإعطاء بالناقص عنه ، واعتبره إفسادا في الأرض ، وخيانة للأمة ، وأمر ~~بالوفاء بالكيل والوزن بالعدل. # ( @QUR@05 لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : قدرتها ، فإن الله لا يكلف ~~عباده ما لا يطيقون ، فكل ما ms2311 أوجبه عليهم أو حرمه فهو في مستوى الطاقة ، أو ~~أدنى منها ، فإذا بلغ ما هو أعلى من ذلك ارتفع التكليف. # * * * ### ||| ** العدل في القول # ( @QUR@07 وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) والعدل هو هدف الرسالات ~~في الأرض في حركتها الإيجابية كما أن تدمير الظلم هو هدفها الكبير ، في ~~حركتها السلبية ، لأنه الخطوة الطبيعية لتحقيق الهدف الأول ، والقول شهادة ~~كان أو حكما ، أو تقييما ، أو تأييدا أو رفضا ، ونحو ذلك ، هو مظهر العدل ، ~~عند ما يبتعد عن العاطفة والانفعال ، فيشهد الإنسان بالحق على أقرب الناس ~~إليه أو يحكم أو يرفض ، بعيدا عن أي تأثر بالقرابة أو بالصداقة ، أما إذا ~~انطلق من العاطفة فإنه يتحول إلى ظلم كبير ، في ما يشل به قدرة الحياة على ~~تأكيد الحقيقة ، في حركة الكلمة المسؤولة ، فتضيع حقوق الناس ، في متاهات ~~الانفعالات الذاتية ، المتقلبة والمتنوعة الاتجاهات ، تبعا للحالة الذاتية ~~لدى الإنسان سلبا أو إيجابا ، وقد أمر الله بالعدل في القول حتى ضد القريب ~~، ونهى عن الظلم والانحراف عن الخط ، حتى بالنسبة إلى البعيد ، PageV09P375 # لتتكامل للأمة خطوات العدالة في الحياة. # * * * ### ||| ** الوفاء بعهد الله # ( @QUR@03 وبعهد الله أوفوا ) والوفاء بالعهد يمثل أمانة المواثيق ~~والمعاهدات والتحالفات التي تقوم بين الناس في القضايا الصغيرة والكبيرة في ~~حال السلم والحرب ، لأن العهد يقوم على الالتزام الذي يلتزمه الإنسان على ~~نفسه ، في ما يتفق عليه مع الإنسان الآخر ، ليشعر كل منهما بالثقة بالحاضر ~~والمستقبل في المشاريع المشتركة ، فإذا كان الوفاء ، كانت حالة الثقة في ~~التعاهد ، هي التي تحرك قضايا الناس في الأمة والمجتمع ، وشعر الجميع ~~بالأمن على سياسته واقتصاده ومصالحه وقضاياه ، من أية خيانة ، أو عدوان ، ~~وانطلق مع مشاريعه الجديدة في ثقة واطمئنان ، وإذا كانت الخيانة ، وعدم ~~الوفاء ، دخلت الحياة في هاجس الخوف والقلق ، وانعدام الثقة ، فلا قيمة ~~للكلمة ، لأن صاحبها لا يحمل مسئوليتها بشرف ، ولا قيمة للالتزام لأنه لا ~~يمثل حالة أمان للنفس والضمير ، بل يصبح مجرد كلمات جوفاء لا تعني شيئا ، ~~ولا تلزم بشيء ، وبذلك تبتعد الحياة عن حالة الاستقرار إلى حالة الاهتزاز ms2312 ~~والارتباك ، وتضيع الضمانات الحقيقية لقضاياه المصيرية ، في حساب المواثيق ~~والمعاهدات ، ولهذا كان الأمر بالوفاء وتحريم الانحراف عنه ، يمثل أدنى حد ~~من حدود التوازن الاجتماعي في واقع الحياة والإنسان. # ( @QUR@05 ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) لأن مثل هذه الوصايا تحتاج إلى ~~وعي دائم ويقظة مستمرة ، فالغفلة عن أية واحدة منها في حساب النتائج ، يبعد ~~الإنسان عن الانسجام مع الخط الصحيح في الحياة. # * * * PageV09P376 ### ||| ** اتباع الصراط المستقيم # ( @QUR@012 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ). وهذه الوصية العاشرة ، التي لا تحوي مضمونا معينا لفعل خاص من ~~أفعال الإنسان ، بل هي تشمل كل حياته ، إنها دعوة لتحديد الطريق التي ~~يسلكها على أساس الهدف الذي يستهدفه ، فإذا كان الله ، هو هدف وجوده ، في ~~ما يريد أن يبلغه من رضوانه ، ويصل إليه من جنته ، فإن هناك طريقا واحدا ~~يصل به إلى هذا الهدف ، لا يوجد غيره ، ولا سبيل سواه ، وهو الطريق ~~المستقيم ، الذي يبدأ من الإيمان بالله وينتهي بنيل رضاه. # أما إذا كان الهدف هو الشيطان ، فهناك أكثر من طريق للأهواء والشهوات ~~والأطماع ، وهناك آلاف السبل الصغيرة والكبيرة ، للشياطين الصغار والكبار ، ~~ولكنها سبل ملتوية ومتعرجة تغرق الإنسان في متاهات الضياع ، فلا يخرج من ~~مضيق إلا ليدخل في مضيق آخر ، وكلما شعر أنه وصل إلى نهاية الطريق ، انفتح ~~له طريق آخر ، وهكذا ، حتى يبتعد عن طريق الله ، ويضل عن سبيل السلام. # فليست المشكلة عند المؤمن في ما يمارسه من أعمال كثيرة أو قليلة ، ولا ما ~~يستعرضه في حياته من أشكال وألوان الحركة ، وما يقوم به من طقوس وعادات ~~وتقاليد لأن ذلك كله يقف على هامش قضية الهدى والضلال ، بل المشكلة تكمن في ~~تحديد خط الاستقامة أو خط الانحراف ، فذلك هو الهدى كله ، أو الضلال كله ، ~~ويدخل في هذا الموضوع منهج الحياة الفكري والعملي ، وطبيعة القيادة ~~والولاية ، فللمنهج دوره في مسألة الإطار الذي تتحرك فيه الحياة ، وللقيادة ~~دورها في تحديد الخطوات وتثبيتها وملاءمتها للمنهج في خطه العريض وتفاصيله ~~الكثيرة. PageV09P377 # ولذلك كان التأكيد في هذه الآية ms2313 على اتباع الصراط المستقيم ، والابتعاد ~~عن الطرق المنحرفة التي تبعد الإنسان عن سبيل الله .. ( @QUR@05 ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون ) لأن ذلك هو سر التقوى المنضبط في خط السير على أساس وضوح ~~الرؤية ، ولن يكون ذلك إلا في نطاق الخط المستقيم المنفتح الذي لا التواء ~~فيه ولا اعوجاج ، بل هو الأفق المنفتح الذي يتفجر فيه النور من جميع جوانبه ~~، ويطل الهدى منه في كل الاتجاهات. # وقد جاء في مجمع البيان قال ابن عباس : هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء ~~من جميع الكتب وهي محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة # ومن تركهن دخل النار (1)، وقد جاء في التوراة في الفصل الثلاثين سفر ~~الخروج أحكام عشرة تعرف عند اليهود بالوصايا وهي تبدأ من الجملة الثانية ~~وتنتهي عند السابعة عشرة من ذلك الفصل. # * * * PageV09P378 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) @QUR@08 وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) @QUR@014 أن تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) @QUR@035 أو تقولوا ~~لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ~~ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا ~~سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) (157) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مبارك ): دائم الخير الكثير الذي ينتفع به الناس في دنياهم ~~باجتماع شملهم وقوة جمعهم ووحدة كلمتهم وطيب حياتهم ، والبركة : الخير ~~المستقر من الشيء اللازم له. PageV09P379 # ( @QUR@01 يصدفون ): يعرضون وينصرفون ويصدون ، يقال : صدف عنه إذا أعرض ~~إعراضا شديدا ، يجري مجرى الصدف : أي : الميل في أرجل البعير أو في الصلاة ~~، كصدف الجبل : أي : جانبه ، أو الصدف الذي يخرج من البحر. # * * * ### ||| ** كمال كتاب موسى عليه السلام # ويظل الحديث مع أعداء الدعوة الذين كانوا يثيرون الحديث حول الكتب ~~السماوية السابقة ودورها في هداية الناس ، ويعتبرون أن مشكلتهم ، في مواقع ~~المقارنة بين أولئك وبينهم ، هو أنهم لم ينزل عليهم كتاب ، ولم يستطيعوا ~~دراسة ms2314 ما أنزل ، ويتحدث الله هنا عن كتاب موسى عليه السلام وهو التوراة في ~~مقارنة بينه وبين القرآن ، وفي مناقشة لهم في ما يثيرونه من حديث .. # ( @QUR@04 ثم آتينا موسى الكتاب ). ما موقع «ثم» هنا؟ هي تعني تأخر ما ~~بعدها عما قبلها ، ولكن الأمر هنا بالعكس ، لأن القرآن نزل بعد التوراة ، ~~وقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في توجيه ذلك ، ولعل الأقرب في هذا المجال ، أن ~~يقال : إن الوصايا التي تضمنتها الآيات السابقة ، كانت مبادئ عامة ، في ~~الرسالات الأولى السابقة ، في ما قبل موسى عليه السلام ، وما أجمله الله ~~للناس ، مما أنزله من صحف إبراهيم عليه السلام وغيره ، ولم يفصله لهم في ~~قوانين مفصلة تتناول مفردات هذه المبادئ. وهذا ما قد نستوحيه من اعتبار ~~الرسالات المتأخرة امتدادا لرسالة إبراهيم عليه السلام ، ومن الحديث عن وحدة ~~الرسالات ، في ما تشتمل عليه من مبادئ عامة. # وهكذا كانت الرسالات عبارة عن وصايا من أمثال الوصايا التي تحدثت عنها ~~الآيات السابقة .. ثم جاء كتاب موسى ، بعد ذلك ( @QUR@02 تماما على PageV09P380 # @QUR@02 الذي أحسن ) لا نقصان فيه ، لما يحتاج إليه الناس من شؤونهم ، ~~وربما كان هذا هو أول كتاب مفصل ينزله الله على الناس ، على الوجه الأحسن ، ~~والطريقة الأفضل ، والأسلوب الأمثل. وهذا ما نفهمه من هذه الفقرة ، لأن جو ~~الآية يوحي بأنها واردة في مقام بيان كمال الكتاب وقيمته وموقعه من حركة ~~الرسالات التي كان الله سبحانه ينزلها بالطريقة التي تتناسب مع كل مرحلة من ~~مراحل تطور الإسلام الفكري ، وبهذا كانت تتفاضل في أسلوبها وأفكارها ~~وفاعليتها في بناء شخصية الإنسان. # ونلاحظ أن هذا التعبير ( @QUR@03 على الذي أحسن ) منسجم مع التعابير ~~القرآنية المماثلة : ( @QUR@04 ادفع بالتي هي أحسن ) [فصلت : 34] ( @QUR@08 ~~ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) [العنكبوت : 46] حيث أريد منها ~~الطريقة الأحسن ، أو الكلمة الأحسن. وربما كان هذا أولى مما فهمه المفسرون ~~، من أن المراد بها الإنسان الذي أحسن ، أي صدر منه الإحسان ، وذلك من أجل ~~أن تتم به نقيصته ، فإن كلمة ( @QUR@01 على ) لا تتناسب مع أسلوب الآية ، ~~لأنه لم يسبقها ms2315 فعل يتعدى بعلى ، كما أنه لا معنى لأن يكون الكتاب مختصا ~~بالذي هو أحسن ، فإنه لجميع الناس ، لينمي الذي أحسن ، وليهدي الذي أساء. # ( @QUR@03 وتفصيلا لكل شيء ) مما يحتاجه الناس في شؤون حياتهم العامة ~~والخاصة ، المادية والروحية بحيث كان الكتاب يمثل الفكر والتشريع الذي لا ~~يشعر الإنسان معه ، أنه بحاجة إلى غيره ، مما استحدثه الناس من أفكار ~~وفلسفات وقيم ، لتكون أفكاره وفلسفته وقيمه ، هي التي تبني للإنسان شخصيته ~~، وتحل له مشاكله ، وترتفع به إلى المستوى الأفضل من حركة التكامل في ~~الحياة ، من دون فرق بين الجوانب الروحية ، والجوانب المادية. وبهذا يمكن ~~الرد على الفكرة التي لا يزال بعض الباحثين يكررونها وهي غلبة الجانب ~~المادي على الجانب الروحي ، في التوراة ، وغلبة الجانب الروحي على الجانب ~~المادي في الإنجيل لتنتهي الفكرة إلى النتيجة الحاسمة ، PageV09P381 # وهي تحقيق التوازن في القرآن بين الجانبين. فإننا نلاحظ على ذلك أولا أنه ~~يختلف مع فكرة تمامية الكتاب على الطريقة الأحسن ، وكونه تفصيلا لكل شيء ، ~~وثانيا أنه يتنافى مع أحاديث القرآن عن التوراة ، في الجوانب الروحية التي ~~يحتج بها على أهل الكتاب في مسيرتهم المنحرفة عن الخط الروحي. # وثالثا ، أنه لا ينسجم مع ما يريده الله لرسالاته من أن تكون هي وحدها ~~الموجهة للإنسان في خط السير في أي جانب من جوانب حركة الشخصية في الحياة ، ~~فلا يمكن أن يشرع للجانب المادي ، ويترك الجانب الروحي ، وهو المهم ، خاضعا ~~لأفكار وفلسفات أخرى. # ولعل من مشاكل الفكر الروحي الإسلامي ، أن بعض المسلمين حاولوا تفسير ~~كثير من المفاهيم الروحية الإسلامية ، بالطريقة الفلسفية العرفانية ~~المستمدة من أصول فلسفية غير إسلامية ، مما جعل طريقة التفكير والسلوك ~~تبتعد عن بساطة المفاهيم الإسلامية البسيطة القريبة من الوجدان ، البعيدة ~~عن التعقيد ، مع أن النصوص الدينية قد أفاضت الحديث عن كل الآفاق الروحية ~~للإنسان. فكيف يكون الحال لو ترك الأمر للفراغ الفكري الذي يقود الإنسان ~~إلى البحث عما يملأه بطريقته الخاصة؟ # ( @QUR@06 وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) أما أن يكون هدى ، فلأنه ~~يفتح قلوب الناس على الله ، وينفتح ms2316 بهم من خلال ذلك على الحياة ، فينير لهم ~~دروبها ، ويعيشون معها النور المشرق من آفاق الله ، فلا يضيعون في متاهات ~~الدروب ، وأما أنه رحمة ، فلأن الرحمة في صفات الله ، لا تمثل حالة عاطفية ~~انفعالية في ما يشعر به البشر من انفعالات وعواطف ، بل هي الرعاية الشاملة ~~لحياتهم ، بما ينمي لهم تفكيرهم وروحيتهم ، ويسهل لهم أمر معاشهم ، ~~ويساعدهم في حل مشاكلهم ، ويقودهم إلى الغاية المثلى التي ترفع مستواهم ~~وتنقذ مصيرهم في الدنيا والآخرة. PageV09P382 # وقد أراد الله لهذا الكتاب أن يكون وسيلة ثقافية وروحية للاقتناع بيوم ~~القيامة ، وهو اليوم الذي يلتقي الناس فيه الله في لقاء روحي مباشر يستمعون ~~إلى كلامه إليهم وحديثه معهم وحسابه لهم ، مما لم يحدث في الدنيا ، لا سيما ~~أن الآخرة تمثل نهاية المطاف وغاية النهاية في مواجهة المصير بعيدا عما ~~كانوا يعيشونه في الدنيا من التجاذب بين خط الله وخط الشيطان ، والخير ~~والشر ، والحق والباطل ، ليلتقوا بالحق الذي لا باطل معه ، والخير الذي لا ~~شر معه ، ولينفتحوا على الله الذي لا مجال لحركة الشيطان عنده عند ما ينطلق ~~النداء : لمن اليوم؟ لله الواحد القهار. # وعلى ضوء هذا فليس المراد من اللقاء بالله اللقاء الحسي لأن الله لا ~~تدركه الأبصار ، ولكنه اللقاء بالمعنى الذي ذكرناه ، وهو اللقاء الروحي ~~المباشر من خلال الإطلالة الإلهية على عباده في ذلك اليوم بطريقة تختلف عن ~~إطلالته عليهم في ما مضى من حياتهم في الدنيا. # وربما كان المراد به مشاهدتهم للثواب والعقاب في يوم القيامة ، وهو لا ~~يخلو من خفاء من خلال سياق التعبير. # أما التركيز على هذا الإيمان بلقاء الله باعتباره هدف الرسالات ، فلأنه ~~يفتح للإنسان الآفاق الواسعة للمسؤولية في أقواله وأفعاله وعلاقاته ومواقعه ~~في هذه الحياة باعتبار أن اليوم الآخر هو اليوم الذي يواجه فيه نتائج ~~المسؤولية بشكل حاسم ، فلا يجد هناك إلا الحقيقة الإلهية التي لا مجال لأي ~~شك فيها ، حيث يواجه مصيره المحتوم في الجنة أو النار. # ولو لا الإيمان باليوم الآخر من خلال الإيمان بالله لما انطلقت الدوافع ms2317 ~~الخيرة الطاهرة ، والالتزامات المنضبطة الحاسمة وفق المبادئ والقيم الروحية ~~والأخلاقية التي تحكم حركة الفرد والمجتمع ، وهذا هو مبعث الاهتمام به في ~~تقرير العقيدة كأساس للقاعدة التي ترتكز عليها. PageV09P383 # وقد تحدث المتحدثون عن خلو التوراة من الحديث عن يوم القيامة إلا من خلال ~~إشارات سريعة عابرة ومختصرة ، ولكن القرآن يؤكد ذلك ويعتبر من خلال هذه ~~الآية وغيرها أن الله أنزل التوراة مفصلة لكل شيء يتصل بالعقيدة والشريعة ~~والإنسان والحياة لتكون هدى ورحمة لمن آمنوا بلقاء ربهم ، الأمر الذي يوحي ~~بأن هناك لونا من ألوان التحريف في التوراة المتداولة انطلاقا من بعض ~~التعقيدات المادية التي كانت تتحرك في الواقع اليهودي. # * * * ### ||| ** القرآن كتاب مبارك # ( @QUR@04 وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) وهو القرآن الذي أنزله الله على ~~رسوله ، فهو الكتاب المبارك ، الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ويبعدهم ~~عن سبل الضلال ، ويبين لهم ما ينتفعون به في الدنيا والآخرة ، ويخرجهم به ~~من الظلمات إلى النور ، ( @QUR@01 فاتبعوه ) في هداه وفي منه عرضه للأفكار ~~وأسلوب تشريعه للعلاقات ، وفي أحكامه وتعاليمه التي تنظم لكم شؤون حياتكم ~~في الداخل والخارج ، ( @QUR@01 واتقوا ) الله في خط السير والاتباع لئلا ~~تسيئوا فهمه ، من دون وعي ، ولئلا تنحرفوا في تطبيقه من دون انضباط ، ولئلا ~~تتحركوا بعيدا عنه ، في الوقت الذي تظنون فيه أنكم قريبون منه ، لأن قضية ~~القرب والبعد قد تختلط على الإنسان في وعيه لطبيعة الساحة ، فيخيل إليه أنه ~~قريب ، على أساس بعض الشكليات الإيمانية ، ولكنه بعيد من خلال القيم ~~الروحية غير المحسوسة في حركة حياته ، وقد يخيل إليه أنه بعيد ، ولكنه قريب ~~في روحيته وأخلاقياته. # ( @QUR@02 لعلكم ترحمون ) بالتزامكم بهداه وطاعتكم له ، فيكون ذلك سببا ~~لرحمته تعالى في ما يفيض عليكم من لطفه ونعمه في الدنيا ، وفي ما يغدقه PageV09P384 # عليكم من رضوانه ونعيم جنته في الآخرة. وقد يكون في التعبير ب «لعل» نوع ~~من أنواع إثارة القلق الذي يدفع الإنسان إلى الاهتمام بالانضباط بطريقة ~~أفضل وبشكل أكيد. # * * * ### ||| ** لقد جاءكم بينة من ربكم # ( @QUR@09 أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) إن هذا ~~الكتاب ms2318 المنزل المبارك يبطل مثل هذا القول ، لأنه لم يبق هناك فرق بينكم ~~وبين اليهود والنصارى ، وهما الطائفتان اللتان أنزل التوراة على إحداهما ، ~~والإنجيل على الأخرى ، فقد أنزل عليكم كما أنزل عليهم ، فلا مجال لأن ~~تعللوا به ، أو تقولوا ( @QUR@05 وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) لأنكم لا ~~تحتاجون إلى دراسة كتاب آخر ومعكم هذا الكتاب ( @QUR@010 أو تقولوا لو أنا ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ) لأن إنزال الكتاب يمثل ، في زعمهم ، ~~التربية المباشرة التي يمكن أن تصوغ الإنسان صياغة إيمانية قائمة على أساس ~~الهدى في الفكر والعمل ، فأي معنى لهذا القول الآن؟ # ( @QUR@05 فقد جاءكم بينة من ربكم ) على خطوط الحق في حركة الحياة ( ~~@QUR@02 وهدى ورحمة ) فانطلقوا مع خط الهدى وأجواء الرحمة ، لتشعروا بالبعد ~~عن كل المتاهات الفكرية والعملية في الحياة ، وذلك هو خط العدل في الشخصية ~~الإيمانية في ما يتمثل به التوازن بين وضوح الرؤية للأشياء وبين الالتزام ~~بها في خط العمل ( @QUR@06 فمن أظلم ممن كذب بآيات الله ) بعد أن وضحت له ~~بطريقة حاسمة ( @QUR@02 وصدف عنها ) أي أعرض عنها من دون أساس ( @QUR@07 ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب ) لأن الحجة قد قامت عليهم ، فلله ~~الحجة البالغة عليهم ولا حجة لهم ( @QUR@03 بما كانوا يصدفون ). # * * * PageV09P385 ### ||| * الآية # ( @QUR@037 هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ) (158) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 آيات ربك ): أشراط الساعة التي تضطرهم إلى معرفة ما اكتسبوا ~~بأفعالهم وأعمالهم ، خيرا أو شرا ، ويكون ذلك في حالة الموت ، أو مواجهة ~~العذاب ، أو حلول القيامة. # * * * ### ||| ** تهديد الله المشركين بالعذاب # قال المفسرون ، إن هذه الآية تتحدث عن تهديد المشركين الذين أعرضوا عن ~~الله وآياته. ( @QUR@02 هل ينظرون ) أي : هل ينتظرون ، والاستفهام للإنكار ~~، ( @QUR@04 إلا أن تأتيهم الملائكة ) أي : ملائكة الموت وهو كناية عن قبض PageV09P386 # أرواحهم ( @QUR@03 أو يأتي ربك ) أي : عذابه وانتقامه ( @QUR@05 أو يأتي ~~بعض آيات ربك ) وهي أشراط الساعة. وبهذا ms2319 يكون معنى قوله : ( @QUR@019 يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا ) حالة التوبة عند مواجهة أمر الله في حالة الموت أو مواجهة ~~العذاب ، أو حلول يوم القيامة ، فإن الإيمان المقبول ، هو الإيمان الذي ~~ينطلق من موقع القناعة الوجدانية الثابتة بالدلائل الواضحة والبراهين ~~القوية ، ويتحرك في خط العمل الصالح من خلال ذلك ، وهذا يوحي بما جاءت به ~~الآيات المتعددة ، في ضرورة انضمام العمل الصالح إلى الإيمان ( @QUR@04 قل ~~انتظروا إنا منتظرون ) وهذا وارد في مقام التهديد والوعيد. # ولكننا نستقرب أن تكون الآية واردة في اتجاه آخر ، وهو ما كانوا يواجهون ~~به الرسول من التحديات والاقتراحات من نزول الملائكة أو مجيء الله ، أو ~~مجيء الآيات المعجزة ، ماذا ينتظر هؤلاء حتى يؤمنوا ، بعد أن قامت لديهم ~~الأدلة الواضحة على أسس الإيمان؟ هل ينتظرون الملائكة أن تأتيهم ليتعرفوا ~~من خلالهم صدق النبي في رسالته؟ أو يأتي الله إليهم ليخبرهم أنه قد أرسل ~~محمدا إليهم؟ أو هل ينتظرون أن يأتي الله ببعض معاجزه؟ ولكن الحديث عن نزول ~~الملائكة إليهم يشبه الحديث عن التمنيات الخيالية ، إذ لم يسبق لأية أمة أن ~~أنزل الله عليها الملائكة ، لتؤمن ، بسبب ذلك ، أما أن يأتي الله إليهم ، ~~فهو الحديث المستحيل الذي لا معنى لإثارته ، لأن الله ، جلت عظمته ، ليس ~~شيئا كالأشياء ، ليأتي إليهم أو يواجههم ، أما حكاية إتيان أمره وعقابه ، ~~فلا يتناسب مع جو الآية ، إذ لا ضرورة لهذا التعظيم للموقف ، وهذا بخلاف ~~قوله تعالى : ( @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا صفا ) [الفجر : 22] فإن ~~المقصود الإيحاء بعظمة الموقف وخطورته بتصوير الحضور الفعلي لله في نطاق جو ~~القيامة. # وإذا كان الحديث عن نزول الملائكة خيالا ، وعن إتيان الله مستحيلا ، PageV09P387 # فلا معنى لفرضه ، ولهذا تجاوزته الآية ، وأكدت على الأمر الثالث وهو ~~إتيان بعض آيات الله ، لأنه أمر معقول وواقع. والظاهر أن المراد بالآيات هو ~~ما كان الكفار يطلبونه من الأنبياء ، وهي آيات العذاب ، كما في مثل قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 فأتنا بما تعدنا إن كنت من ms2320 الصادقين ) [الأعراف : 70] ~~وبذلك يمكن أن نفهم معنى قوله تعالى ( @QUR@05 يوم يأتي بعض آيات ربك ) ما ~~كان ينزله على الأمم السابقة كالطوفان والغرق والريح الشديدة ، والصيحة ، ~~ونحو ذلك من مظاهر العذاب. # ( @QUR@014 لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا ) لأن العذاب إذا وقع ، فلا مجال للإيمان بعده ، إذا لم يكن الإيمان ~~والعمل الصالح سابقا. وفي هذا الجو تأتي الفقرة الأخيرة منسجمة مع الجو ~~الذي يوحي بالتهديد والسخرية ( @QUR@04 قل انتظروا إنا منتظرون ) ما تنكشف ~~عنه نتائج مواقفكم الكافرة والضالة. # * * * PageV09P388 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم ~~إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) (159) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شيعا ): الشيع : الفرق التي يمالئ بعضهم بعضا على أمر واحد مع ~~اختلافهم في غيره ، وقيل : إن أصله من الظهور يقال : شاع الخبر يشيع شيوعا ~~: ظهر ، وشيعت النار إذا ألقيت عليها الحطب فكأنك تظهرها. وقال الزجاج : ~~أصله الاتباع يقال : شاعكم السلام وأشاعكم السلام أي : تبعكم السلام ... ~~فمعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا (1). # * * * ### ||| ** التنديد بإثارة الخلاف والتفرقة في الدين الواحد # ( @QUR@010 إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) اختلف ~~المفسرون فيمن هم الذي فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، أي : فرقا ، فقال بعضهم إنهم PageV09P389 # المشركون ، في ما اختلفوا فيه من عبادة الأصنام أو الكواكب ، أو الأشخاص ~~، أو النور والظلمة ، وقال بعضهم : إنهم أهل الكتاب ، اليهود والنصارى ، في ~~ما اختلفوا فيه من طوائف متعددة ضمن الدين الواحد ، وقال بعضهم : إنهم ~~المسلمون ، وقال بعض آخر : إنهم كل أهل الملل. # وقد لا يهمنا كثيرا في الجانب التفسيري ، أن نقف على رأي حاسم في المسألة ~~، لأن ذلك لا يقدم شيئا ولا يؤخر في الفكرة العامة للآية ، وهي التنديد ~~بإثارة الخلاف والتفرقة في الدين الواحد ، انطلاقا من المطامع والأهواء ~~والشهوات ، لأن النبي بريء من كل الناس الذين يتحركون في حياتهم انطلاقا من ~~هذه الخلفيات الذاتية التي يحاول أصحابها أن يستخدموا القضايا العامة في ~~سبيل تحقيق المصالح الخاصة ، بقطع النظر عن طبيعة هذه ms2321 أو تلك. وربما كان ~~المراد هو الإيحاء بأن هؤلاء ليسوا أصحاب دين ليلتقي معهم النبي في ما يمكن ~~أن يتحقق فيه اللقاء من الدين الذي ينتمون إليه ، لأنهم لو كانوا يؤمنون ~~بدينهم ، أو يحترمونه ، لما عملوا على تحقيق الفرقة في داخله وإضعاف قوته ~~المنطلقة من خط الوحدة الذي يحكمه ، في عقيدته وشريعته. # وفي ضوء ذلك ، يمكن أن نستوحي منها الفكرة الشاملة للمسلمين الذين يعملون ~~لإخضاع الإسلام لمصالحهم وأغراضهم ، وزرع الفتنة والخلاف في داخل تجمعاته ، ~~في محاولة كل طرف أن ينسب منهجه وطريقته إلى رسول الله ، فيكون التأكيد ~~موجها إلى أمثال هؤلاء ، كما هو موجه إلى اليهود والنصارى ، ( @QUR@08 لست ~~منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ) أي : فأعرض عنهم ولا تتعقد منهم ، بل ~~واصل سيرك في ما تؤمن به من خط ومن صراط مستقيم. أما هم فسيواجهون الله غدا ~~بكل أعمالهم ( @QUR@05 ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) من دسائس وفتن ~~وموبقات. # * * * PageV09P390 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها وهم لا يظلمون ) (160) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالحسنة ): جاء في مجمع البيان : الحسنة اسم للأعلى في الحسن ~~ودخول الهاء للمبالغة ، قال علي بن عيسى : دخول الهاء يدل على أنها طاعة ~~إما واجب أو ندب وليس كل حسن كذلك ، لأن في الحسن ما هو مباح لا يستحق عليه ~~مدح ولا ثواب ، وأقوى من ذلك أن يقال : دخول لام التعريف فيها يدل على أنها ~~المأمور بها لأنها لام العهد ، والله سبحانه لا يأمر بالمباح (1). # * * * PageV09P391 ### ||| ** عدل الله ورحمته بالعباد # وهذا هو مظهر رحمة الله وعدله ، فمن رحمته أن ينمي في الإنسان دوافع ~~الخير ويشجعه على التحرك سريعا في اتجاهه ، وذلك بمضاعفة ثوابه ، ( @QUR@03 ~~من جاء بالحسنة ) الواحدة فإن الله يكتب له الثواب بعشر أمثالها ، ( ~~@QUR@03 فله عشر أمثالها ) لتلتقي عنده في هذا المجال الدوافع الذاتية ~~بالدوافع الروحية ، فإن الذات تتطلب الكسب والربح والفائدة ، كما أن الروح ~~تتطلع إلى رضوان الله وثوابه ، فيتحقق للإنسان تنمية دوافع الربح بما يتطلع ~~إليه من الثواب والرضوان ، ومن عدله ms2322 ، أن لا يضاعف العقوبة على السيئة ، ( ~~@QUR@07 ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) بل يجزيه عليها بمثلها ، من ~~موقع الاستحقاق لذلك ، فلا ظلم عليه من أية جهة كانت ، ( @QUR@03 وهم لا ~~يظلمون ). # * * * PageV09P392 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (161) @QUR@09 قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين (162) @QUR@08 لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) (163) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قيما ): قائما على مصالح الناس بأروع قيام ، أو قيما على ~~أمورهم وقضاياهم من القيمومة. # ( @QUR@01 ملة ): جاء في المجمع : الملة : الشريعة مأخوذة من الإملاء ~~كأنه ما يأتي به الشرع ويورده الرسول من الشرائع المتجددة ، فيمله على أمته ~~ليكتب أو يحفظ ، فأما التوحيد والعدل فواجبان بالعقل ولا يكون فيهما اختلاف ~~، والشرائع تختلف ، ولهذا يجوز أن يقال : ديني دين الملائكة ، ولا يقال : ~~ملتي ملة الملائكة ، فكل ملة دين وليس كل دين ملة (1). # ( @QUR@01 ونسكي ): عباداتي جميعا ، والنسك : العبادة ، والمناسك : مواقف PageV09P393 # النسك وأعمالها. والنسيكة : الذبيحة ، قال الزجاج : النسك : كل ما تقرب ~~به إلى الله تعالى إلا أن الغالب عليها أمر الذبح ، وقول الناس : فلان ناسك ~~، ليس يراد به ذابح ، وإنما يراد به أنه يؤدي المناسك أي يؤدي ما افترض ~~عليه مما يتقرب به إلى الله (1). # * * * ### ||| ** النبي يعبر عن امتنانه الروحي لله # ويعبر الأسلوب القرآني عن الفكرة من خلال التجسيد الحي المتمثل في الشخص ~~القدوة ، لأن الإنسان يتأثر عادة بالمثال الحي ، أكثر مما يتأثر بالمثال ~~المجرد ، ولهذا أراد الله للنبي أن يناجي ربه بخشوع الإنسان المؤمن ، ليعبر ~~عن الامتنان الروحي لله في ما هداه وفي ما فتح له من نوافذ المعرفة التي ~~تطل على آفاق الهدى والإيمان. # ( @QUR@07 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ) وتلك هي نعمته الكبرى ، ~~لأنها تنقل الإنسان إلى أجواء الثقة والوضوح والامتداد في الخط المستقيم من ~~البداية إلى النهاية المشرقة ، ليعيش الامتداد الرحب في ما بينهما ، بوعي ~~وطمأنينة ( @QUR@02 دينا قيما ) أي : قائما على مصالح الناس الذين يهتدون ~~بهديه ، وقيما على أمورهم وقضاياهم لأنه يمثل القوة ms2323 المهيمنة ، المشرفة على ~~تنظيم حياتهم من حيث التشريع ، أو من حيث القيادة. # ( @QUR@02 ملة إبراهيم ) الذي كان يمثل الإخلاص لله ( @QUR@01 حنيفا ) أي ~~: مائلا عن خط الشرك ومنفتحا على خط التوحيد ، ( @QUR@04 وما كان من ~~المشركين ) بل كان يمثل المواجهة الفعالة للشرك وللمشركين. # ( @QUR@04 قل إن صلاتي ونسكي ) وهو مطلق العبادة ( @QUR@01 ومحياي ) في ~~كل ما تشتمل PageV09P394 # عليه الحياة من شؤون وقضايا وأوضاع تتعلق بالعلاقات والمواقف والأعمال ( ~~@QUR@01 ومماتي ) في ما ينطلق به الإنسان من المشاريع العملية الجهادية ~~التي تنهي حياته ( @QUR@03 لله رب العالمين ) لأن معنى العبودية لله هو ~~الاستسلام له في كل شيء واعتبار طاقاته كلها في جميع ما يتعلق بها من أمور ~~وحركات وأوضاع ، خاضعة لله ، فإذا صلى ، فلله صلاته ، وإذا قام بالعبادة في ~~أي نوع منها ، فله العبادة ، وإذا وقف أمام حركة الحياة والموت في وجوده ، ~~لم يجد أمامه غير الله من يملك أمر الحياة والممات ، ليقدمه إليه طائعا ~~مختارا من موقع إحساسه بالعبودية عن حقة. # ( @QUR@03 لا شريك له ) فهو الإله الواحد الذي يستحق الخضوع والعبودية ( ~~@QUR@02 وبذلك أمرت ) لأن ذلك هو ما يأمر به الله سبحانه ، من الخضوع للحق ~~، في ما يؤمن به الإنسان من ذلك كله ( @QUR@03 وأنا أول المسلمين ). ربما ~~تكون هذه الكلمة من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما أراد الله له أن ~~يتحدث به ويعلنه من مواقفه ، لأنه أول من آمن بالإسلام الذي جاء به ، فقد ~~كانت دعوته الناس إلى الإيمان بهذا الدين ، منطلقة من مبادرته إلى الإيمان ~~به ، فيكون ذلك إيحاء بأن أية داعية إلى أية عقيدة أو فكرة ، لا بد له من ~~أن يعيش فكر العقيدة في نفسه ، قبل أن يدعو الناس إليها ، وربما تكون هذه ~~الكلمة تعبيرا عما يجب أن يعيشه الإنسان المسلم في مستوى إيمانه بحيث يحاول ~~أن يكون في الدرجة الأولى في الإسلام ، من بين المسلمين. # * * * PageV09P395 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما ms2324 كنتم فيه ~~تختلفون ) (164) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 رب كل شيء ): جاء في المجمع : الرب إذا أطلق أفاد المالك ~~بتصريف الشيء بأتم التصريف ، وإذا أضيف فقيل : رب الدار ورب الضيعة فمعناه ~~المالك لتصريف بأتم تصريف العباد ، وأصله التربية وهي تنشئة الشيء حالا بعد ~~حال حتى يصير إلى الكمال ، والفرق بين الرب والسيد ، أن السيد المالك ~~لتدبير السواد الأعظم ، والرب المالك لتدبير الشيء حتى يصير إلى الكمال مع ~~إجرائه على تلك الحال (1). # ( @QUR@01 وازرة ): نفس آثمة مذنبة ، والوزر : الذنب. PageV09P396 # ( @QUR@01 وزر ): ثقل ، أصله من الوزر الذي هو الملجأ ، فحال الموزور ~~كحال الملتجئ إلى غير ملجأ ، ومنه الوزير ، لأن الملك يلتجئ إليه في الأمور ~~، وقيل : إن أصله الثقل ومنه قوله: ( @QUR@03 ووضعنا عنك وزرك ) [الشرح : ~~2] وكلاهما محتمل. # * * * ### ||| ** لا أبغي غير الله ربا # ويريد الله لكل إنسان من خلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعبر عن عمق ~~التوحيد في فكره وعقيدته ، في صورة التساؤل الإنكاري الذي يثيره كرد حاسم ~~على هؤلاء الذين يريدون منه أن يؤمن بربوبية غير الله. ( @QUR@05 قل أغير ~~الله أبغي ربا ) ولا بد للرب من أن يكون غنيا في ذاته عن الحاجة إلى غيره ~~في أصل وجوده وفي استمراره ، ولا شيء غير الله إلا وهو مربوب له ، ( ~~@QUR@04 وهو رب كل شيء ) فكيف يمكن أن يكون المربوب شريكا للرب في ربوبيته؟ ~~وعلى كل إنسان أن يتحمل مسئوليته الفردية في قضية العقيدة ، فإن الله جعل ~~كل إنسان مسئولا عن عمله ، ولم يجعل أحدا مسئولا عن عمل إنسان غيره فإذا ~~أحسن ، فإن إحسانه له ، وإذا أساء كانت إساءته عليه. # * * * ### ||| ** لا تزر وازرة وزر أخرى # ( @QUR@011 ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ). وتلك ~~هي قاعدة العدالة في الإسلام التي يريد الله للإنسان أن يعيشها في علاقاته ~~مع الآخرين في الحياة الدنيا ، كما يريد له أن يواجه حساب المسؤولية ، من ~~خلالها أمامه في الآخرة. PageV09P397 # ( @QUR@09 ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) من شؤون ~~العقيدة والحياة ، ويواجه كل واحد منكم بمسؤوليته في ذلك كله ms2325 ، عند ما يكون ~~الموقف منطلقا من موقع القناعة القائمة على البرهان ، أو من موقع الفكرة ~~القائمة على الشبهة من غير علم ولا سلطان. # وهناك سؤال قد يطرح أمام فكرة المسؤولية الفردية التي تؤكد أن الإنسان لا ~~يحمل وزر غيره أو أنه لا ينتفع إلا بعمله ، فإننا نقرأ في القرآن الكريم ~~وقوله تعالى : ( @QUR@011 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم ) [النحل : 25] وقوله تعالى : ( @QUR@05 وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) [العنكبوت : 13] فإنها تدل على أن الإنسان ~~يحمل أوزار الناس الذين يشارك في إضلالهم أو في خداعهم عن الحق. # ونقرأ في السنة الأحاديث المؤكدة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن من سن ~~سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها وقال في ضده ومن سن سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها. وهذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال : من استن بسنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء ، ومن استن بسنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ~~ينقص من أوزارهم شيء (1). # فهذه الأحاديث توحي بأن الإنسان يحمل أوزار العاملين بالسنة السيئة التي ~~سنها ، ويستفيد من حسنات السائرين على خط السنة الحسنة التي صنعها ، مما ~~يختلف عن مفهوم الآية التي تؤكد على المسؤولية الفردية في العذاب والعقاب. # ولكن الجواب عن ذلك أن هذه المفاهيم لا تنافي المبدأ الذي قررته الآية ، ~~لأن الآيتين السابقتين تؤكدان على أنهم يحملون أوزار الذين يضلونهم PageV09P398 # ويخدعونهم ، مما يوحي بأن هذه الأوزار كانت نتيجة الضلال الذي دفعوهم ~~إليه والخداع الذي أوقعوهم به ، فهو فعلهم بشكل غير مباشر مما يجعل تلك ~~الأوزار أوزار ذلك الفعل على مستوى علاقة النتيجة بالسبب ، فلا بد من أن ~~يتحمل مسئوليته في النتائج السلبية. # وهكذا تتضح المسألة في أحاديث «السنة الحسنة» و «السنة السيئة» ، فإن ~~أعمال الآخرين الإيجابية والسلبية كانت نتيجة لما قام به العامل من العمل ~~الذي يمثل القاعدة التي ms2326 انطلق منها الآخرون في عملهم الإيجابي والسلبي ، ~~فهو عمله في خط الامتداد ، كما كان عمله في خط الحدوث. # وهناك سؤال آخر يتحرك في هذا الاتجاه ، وهو أن هناك أحاديث تدل على أن ~~الإنسان قد يستفيد من أعمال الآخرين الطيبة ، كما في أعمال الولد الصالح ~~التي تكون سببا للغفران لأبيه أو للحصول على نتائج طيبة أو في ما يهدى إلى ~~الأموات أو الأحياء من قبل بعض الناس من الأعمال الصالحة ، فكيف نفسر ذلك ~~على أساس الخط الفكري الذي تؤكده الآية ( @QUR@06 ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها )، لا سيما أن الثواب قد يكون منطلقا من دلالات العمل الصالح على ~~الروحية التي يعيشها الإنسان المؤمن العامل بالصالحات في علاقاته بالله بما ~~يقربه إليه ، فكيف يحصل على الثواب على عمل لا علاقة له بقربه من الله وبكل ~~المعنى الروحي الذي يختزنه في نفسه؟ # والجواب : أن الإنسان قد يكون مشاركا في بعض ما يتمثل في الناس الصالحين ~~باعتبار انتسابهم إليه وتربيته لهم وعلاقته بهم كالولد الصالح ، وقد يكون ~~نوعا من تفضل الله عليهم بلحاظ ما يتصفون به من صفات طيبة صالحة وصلوا ~~إليها بأعمالهم وبجهودهم الذاتية مما جعل المسألة بمثابة الثواب على ذلك ~~الأمر الذي يرتبط بالعمل بشكل غير مباشر. # وقد تكون المسألة بعنوان الهدية التي يقدمها إنسان إلى إنسان ، فكما PageV09P399 # تتمثل الهدية بالأشياء المادية فيمكن أن تتمثل بالأشياء الروحية ، وقد ~~دلت الأخبار على أن الله يكرم عبده المؤمن على الروحية التي يحملها في ~~إهداء عمل خير إلى من يحبه ، فيتقبل ذلك منه ويمنحه للمهدى إليه فلا منافاة ~~في ذلك للآية التي تتحدث عن أن الإنسان يجني نتيجة كسبه الذاتي ولا يجني ~~نتيجة كسب الآخر من ناحية ذاتية لا بعنوان ما يقدمه الآخر إليه على نحو ~~الهدية مما قرره الله وأمضاه. والله العالم. # * * * PageV09P400 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم ~~في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) (165) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خلائف ): قال الراغب في المفردات : الخلافة : النيابة عن ms2327 ~~الغير ، إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه ، وإما لتشريف ~~المستخلف ، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض (1) ~~والخلائف : جمع خليفة. # ( @QUR@01 درجات ): جمع درجة ، والدرجة نحو المنزلة كما يقول الراغب لكن ~~يقال للمنزلة درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السطح ~~والسلم ، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة (2). # * * * PageV09P401 ### ||| ** تكريم الإنسان بجعله خليفة الأرض # وهذه هي الحقيقة الإلهية التي تختتم بها السورة في ما أراد الله به أن ~~يمتن على عباده بما أتاحه لهم من فرصة الامتداد في الحياة ، وتوفير ~~الإمكانات التي تكفل لهم التحرك في إدارة شؤونها ، في ما تعنيه كلمة ~~الخلافة من مسئوليات عملية ، وما توحي به من تكريم للإنسان في دوره ~~الإنساني الفاعل. # ( @QUR@05 وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) وربما استفاد البعض من هذه ~~الكلمة معنى الجماعات اللاحقة التي تخلف جماعات متقدمة ، على أساس التتابع ~~التاريخي في حركة الوجود الإنساني ، ولكن ذلك قد لا ينسجم مع ظاهر الآية في ~~توجيه الخطاب إلى الناس كافة بقرينة قوله في ما بعد : ( @QUR@05 ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات ) فإن ذلك من خصائص البشر في جميع مراحل حياتهم ، في اختلاف ~~درجاتهم في المواهب والكفاءات الذاتية ، وفي القدرات المالية والجسدية ، ~~وفي المواقع الجغرافية والاجتماعية والسياسية ، وفي غير ذلك من الأمور ، ~~فإن هذا التنوع في الأوضاع الإنسانية لا يختص بمرحلة زمنية عن مرحلة زمنية ~~أخرى ، ( @QUR@04 ليبلوكم في ما آتاكم ) والمراد من البلاء هنا في ما يظهر ~~هو الاختبار في ما يتصرف فيه الإنسان تجاه أخيه الإنسان ، على أساس ما ~~يختلف عنه في تلك الأمور ، فقد يسقط البعض في الامتحان عند ما يستخدم ذلك ~~في كثير من الأجواء الاستعراضية التي يتمثل فيها الشعور بالزهو والتكبر ~~والاستعلاء والخيلاء من خلال النظرة الفوقية إزاء الناس الآخرين الذين لا ~~يملكون ما يملكه. # وقد ينجح بعض آخر فيه عند ما يعي معنى هذا التنوع في ما أراده الله من ~~توزيع الأدوار في حركة الإنسان في الوجود ، ليتحقق التفاعل الإنساني بين ~~الطاقات المختلفة والتكامل بين المواقع والمواقف ، عند ms2328 ما يقدم كل واحد من ~~الناس ما لديه لمن يحتاجه ، في مقابل ما يقدمه الآخر إليه في PageV09P402 # شعور متبادل بينهما بأن هذا الاختلاف لا يوحي بأي نوع من أنواع التفوق ~~الذي يوحي لصاحبه بالاستعلاء ، بل كل ما هناك ، أن الله لم يجمع الطاقات ~~لإنسان واحد ، بل أعطى لبعض الناس شيئا مما حرمه لبعض آخر ، وحرم بعضا منهم ~~ما أعطاه لبعض آخر ، وتلك هي قصة المسيرة الإنسانية في خط الاستقامة ~~والانحراف. # ويبقى النداء الإلهي يوحي للناس بعقاب الله السريع ، لو انحرفوا وتمردوا ~~وعصوا ، كما يوحي لهم بمغفرته ورحمته ، إن استقاموا وخضعوا وأطاعوا الله ~~سبحانه ، وليس للناس إلا أن يستجيبوا لنداء الله ، وينسجموا مع تعاليمه ، ~~ويتحركوا في حياتهم على أساس التوازن بين خط الخوف وخط الرجاء ، فلا يتغلب ~~جانب على جانب ، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان التوازن وبالتالي إلى فقدان ~~الانضباط ، وهذا ما ينبغي لهم أن يتذكروه ويثيروه في أعماقهم ومشاعرهم ~~وأفكارهم دائما ( @QUR@07 إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ). # * * * ### ||| ** العدالة في دائرة التفاوت بين الناس # ربما يتساءل البعض عن هذا الاختلاف بين الناس في قدراتهم وإمكاناتهم ~~وعلاقتهم بالعدالة التي قد تفرض المساواة في ما بينهم ، ونجيب عنه بأن هذا ~~الاختلاف قد ينطلق من الفوارق الطبيعية التي تتحرك من خلال سنة الله في ~~الكون في تخطيطه لنظام الوجود القائم على التنوع في القدرات والألوان ~~والأشكال والمواقع ، مما تتحرك فيه الحكمة الإلهية من أجل مصلحة الخلق الذي ~~تنفتح خصائصه على التكامل والتوازن والتفاعل في الطاقات ، مما يحقق مصلحة ~~للجميع بحسب تفاوت أوضاعهم ، حتى أن PageV09P403 # الخاسر من جهة قد يكون رابحا من جهة أخرى. # وقد ينطلق من خلال الواقع العدواني الذي يظلم فيه الناس بعضهم بعضا ، ~~ويستغل أحدهم الآخر بشكل سيئ ، ويتغلب فيه فريق على فريق ، مما يؤدي إلى ~~الكثير من الآلام والمشاكل وحالات الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في ~~سلبياته العملية. # ومن الطبيعي أن هذه المسألة لا تتصل بالخلق الإلهي المباشر لهذه النتائج ~~، بل إن القضية مرتبطة بالخط العام لحركة الإنسان في الحياة من ms2329 حيث كونه ~~عنصرا يتحرك بإرادته واختياره في خضوعه للمؤثرات الداخلية والخارجية بحسب ~~نقاط الضعف البشري الذي يسيطر على خلفيات الإرادة وانطلاقات الاختيار. # وقد خط الله للإنسان خطة شرعية حكيمة تفتح حياته على الخير وتوجهه نحو ~~العدل ، وتسير به في خط الاستقامة على صعيد حياته وحياة الناس كلهم ، وحذره ~~من العقاب إذا خالف ، ووعده بالثواب إذا سار ، وهكذا أراد الله للعدل أن ~~يتجسد في سلوك الإنسان مع أخيه الإنسان ، ولكن الناس يظلمون بعضهم بعضا ~~خلافا لإرادة الله ، فيتحملون مسئولية ذلك كله ، فيعاقبهم الله على ذلك. # إن العدالة تتحرك دائما من موقع الاختيار على أساس وجود عناصر القوة في ~~الواقع ، مما يمكن أن يحصل عليه هذا أو ذاك مع المصلحة في تركيز النظام ~~الوجودي الإنساني على هذا الشكل ، مما يجعل الإيجابيات الحاصلة من ذلك على ~~المستوى العام أكثر من السلبيات على المستوى الخاص. # * * * PageV09P404 ### ||| ** كيف تتحرك الخلافة للإنسان في الأرض؟ # لقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض ، ليديرها ويعمرها ويتحرك فيها على ~~أساس ما ينطلق به جيل سابق لمصلحة جيل لاحق ، حيث يعد له كل ما يحتاجه ~~للعيش وللاستمرار ، لتأخذ الأرض زينتها وتوازنها وامتدادها في إغناء ~~المخلوقات فيها بما يكفل لها العيش والبقاء. # ولكن الله لم يمنح الإنسان حرية الفساد والشر والعدوان والتخريب ، بل وضع ~~له شريعة وقانونا ينظم له حركته وحياته على أساس التوازن بين مصلحة الفرد ~~والمجتمع ، والمادة والروح ، وتلك هي خصوصية الخلافة التي يستمد منها ~~الخليفة موقعه وشرعيته من المستخلف الذي يملك الأمر كله ، فلا يجوز له ~~التعدي عما حدد له تماما كما هي حركة الوكيل بالنسبة إلى الموكل. # نسأل الله أن يجنبنا عقابه وأن يشملنا بلطفه ومغفرته ورحمته إنه سميع ~~الدعاء قريب مجيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * PageV09P405 ### | الفهرس # تفسير سورة الانعام [1 165] # خصائص السور المكية ~~والمدنية................................................ 8 # بين أسلوب القرآن وأسلوب ~~الفلسفة........................................... 9 # دروس سورة ~~الأنعام........................................................ 11 # الآية ~~[1]..................................................................... 15 # معاني ~~المفردات............................................................ 15 # من أساليب القرآن في التربية ~~العقائدية........................................ 15 # عظمة الخالق متجلية في ~~مخلوقاته............................................. 16 # الله جاعل الظلمات ~~والنور.................................................. ms2330 18 # الآيتان [2 ~~3]................................................................ 21 # معاني ~~المفردات............................................................ 21 # هو الذي خلقكم من طين.................................................. 21 # الأجل المحتوم والأجل ~~المخروم................................................ 22 # السيطرة المطلقة ~~لله......................................................... 24 # الآيات [4 ~~6]................................................................ 26 # معاني ~~المفردات............................................................ 26 PageV09P407 # سلبية الكافرين في مواجهة ~~الرسالات......................................... 27 # الهلاك للجاحدين والكافرين بنعم ~~الله......................................... 28 # لماذا يثير القرآن فكرة الموت ~~باستمرار!........................................ 29 # الإنسان وقانون القضاء ~~والقدر.............................................. 30 # الإنسان وحركة القوة في ~~كيانه............................................... 31 # الإنسان واحترام ~~العقل..................................................... 32 # الآيات [7 ~~11].............................................................. 33 # معاني ~~المفردات............................................................ 33 # مناسبة ~~النزول............................................................. 34 # الكافرون يثيرون الشبهات أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~................................ 34 # من وحي ~~الآية............................................................ 37 # الآيات [12 ~~18]............................................................. 38 # معاني ~~المفردات............................................................ 38 # مناسبة ~~النزول............................................................. 40 # السؤال أسلوب قرآني في إثارة ~~الفكر.......................................... 41 # الرحمة الإلهية مصلحة ~~للإنسان.............................................. 43 # لله ما سكن في الليل ~~والنهار................................................ 45 # ولاية الله واقع حي وهاجس ~~شعوري......................................... 45 # الفوز المبين للطائعين ~~المنيبين................................................. 46 # الله وحده كاشف ~~الضر.................................................... 47 # ضعف الإنسان المطلق أمام قوة الله ~~المطلقة.................................... 48 # الآية ~~[19].................................................................... 49 # مناسبة ~~النزول............................................................. 49 # من أساليب القرآن في مواجهة ~~المشركين....................................... 50 # القرآن منذر ~~الإنسان....................................................... 51 # الرسول يشهد شهادة الحق في مواجهة ~~المشركين................................ 53 PageV09P408 # الآيات [20 ~~24]............................................................. 54 # معاني ~~المفردات............................................................ 54 # الكافرون خسروا ~~أنفسهم................................................... 55 # خسارة النفس أفظع أشكال ~~الظلم........................................... 56 # الظالمون المفترون الكاذبون لا فلاح ~~لهم....................................... 57 # من وحي ~~الآيات.......................................................... 58 # الآيتان [25 ~~26]............................................................. 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 59 # مناسبة ~~النزول............................................................. 60 # روايات النزول وإسلام أبي ~~طالب............................................ 61 # صورة من صور الكافرين في مواجهتهم لقضايا ~~الإيمان........................... 64 # الكافرون ينهون عن الإيمان ويبتعدون ~~عنه.................................... 65 # استيحاء ~~الآيات........................................................... 66 # الآيات [27 ~~32]............................................................. 67 # معاني ~~المفردات............................................................ 67 # الكافرون أمام ~~النار........................................................ 69 # موقف الكافرين أمام ~~الله.................................................... 73 # خسران المكذبين بلقاء ~~الله.................................................. 74 # الحياة الدنيا لعب ~~ولهو...................................................... 75 # الآيات [33 ~~37]............................................................. 77 # معاني ~~المفردات............................................................ 77 # مناسبة ~~النزول............................................................. 78 # القرآن يوجه النبي إلي واقع ~~التحديات......................................... 81 # صبر الرسل علي التكذيب ~~والأذي........................................... 84 # عدم إكراه الناس علي ~~الإيمان............................................... 86 # الآية ~~[38].................................................................... 88 PageV09P409 # معاني ~~المفردات............................................................ 88 # الدواب والطيور أمم ~~أمثالنا.................................................. 89 # ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء............................................... 91 # من هم الذين يحشرون يوم ~~القيامة!.......................................... ms2331 93 # الآية ~~[39].................................................................... 95 # معاني ~~المفردات............................................................ 95 # المكذبون بآيات الله في ~~الظلمات............................................ 95 # الآيات [40 ~~45]............................................................. 97 # معاني ~~المفردات............................................................ 97 # دعوة للتفكير ~~واليقظة...................................................... 98 # الآيتان [46 ~~47]........................................................... 105 # معاني ~~المفردات.......................................................... 105 # مناسبة ~~النزول........................................................... 106 # النظر في آيات الله يقود إلي ~~الإيمان........................................ 107 # الآيتان [48 ~~49]........................................................... 109 # معاني ~~المفردات.......................................................... 109 # دور المرسلين بتبشير الناس ~~وإنذارهم........................................ 110 # الآية ~~[50].................................................................. 111 # معاني ~~المفردات.......................................................... 111 # النبي يؤكد ~~بشريته........................................................ 113 # النبوة وعلم ~~الغيب....................................................... 115 # الآيات [51 ~~55]........................................................... 116 # معاني ~~المفردات.......................................................... 116 # مناسبة ~~النزول........................................................... 118 # تعليق السيد الطباطبائي علي ~~الروايات...................................... 119 # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي................................. 120 PageV09P410 # وأنذر به ~~المؤمنين......................................................... 122 # الخاضعون لإرادة الله هم حملة الرسالة، فلا ~~تطردهم........................... 124 # ما عليك من حسابهم من شيء............................................ 127 # كتب ربكم علي نفسه الرحمة............................................. 128 # الآيات [56 ~~67]........................................................... 131 # معاني ~~المفردات.......................................................... 131 # مناسبة ~~النزول........................................................... 134 # إن الحكم إلا ~~لله......................................................... 134 # الله عالم بالكليات ~~والجزئيات.............................................. 138 # بين الحفظة ~~والموت....................................................... 139 # الله هو ~~الحق............................................................ 140 # استغراق الإنسان في كفر نعم ~~الله.......................................... 141 # علي الإنسان أن يحذر عذاب ~~الله.......................................... 142 # التمزق شيعا بلاء ~~إلهي.................................................... 142 # الرسول يدعو إلي الله وينبذ أهواء ~~المشركين................................... 143 # المشركون يتحدون الرسول باستعجال العذاب................................ 145 # الله وحده يعلم ~~الغيب.................................................... 146 # الله مدبر حياة ~~الإنسان................................................... 147 # هو القاهر فوق ~~عباده.................................................... 147 # الله هو المنجي من ظلمات البر ~~والبحر...................................... 149 # أسلوب القرآن في فتح قلوب المشركين علي ~~الحقيقة........................... 150 # الآيات [68 ~~73]........................................................... 152 # معاني ~~المفردات.......................................................... 153 # مناسبة ~~النزول........................................................... 154 # الإعراض موقف احتجاج ضد الخائفين بآيات الله............................ 156 # أيها المؤمنون، ذكروا بيوم ~~القيامة........................................... 158 PageV09P411 # المشركون ودعوتهم إلي ~~الضلال............................................. 159 # الهدي هدي ~~الله......................................................... 160 # استيحاءات هذا الفصل من الآيات........................................ 162 # الآيات [74 ~~79]........................................................... 170 # معاني ~~المفردات............................................................ 17 # إبراهيم (ع) مثال للفطرة الصافية في ~~إيمانه.................................. 176 # إبراهيم بين الضلال ~~والإيمان............................................... 177 # إبراهيم (ع) في رحلة تعرفه علي ~~الله........................................ 178 # رحلة ~~الإيمان............................................................ 181 # أخذ العبرة من براءة إبراهيم الفكرية ~~والروحية................................. 184 # مع العلامة الطباطبائي في ~~الميزان........................................... 185 # الآيات [80 ~~83]........................................................... 190 # معاني ~~المفردات.......................................................... 190 # المحاجة بين إبراهيم ~~وقومه................................................. 192 # الآيات [84 ms2332 ~~90]........................................................... 197 # معاني ~~المفردات.......................................................... 198 # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوة................................. 198 # كيف نفهم التنويع في نماذج ~~الأنبياء!....................................... 201 # ذلك هدي الله يهدي به من يشاء......................................... 203 # الأنبياء يحكمون ~~الحياة.................................................... 204 # سيرة الإيمان لا تتوقف بكفر الكافرين ~~بها................................... 205 # الأنبياء: رسالات ~~متواصلة................................................. 207 # الأنبياء لا يسألون الناس ~~أجرا............................................. 208 # إشكالية نسب إبن البنت إلي ~~الجد......................................... 210 # الآيات [91 ~~94]........................................................... 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 214 PageV09P412 # مناسبة ~~النزول........................................................... 216 # وما قدروا الله حق ~~قدره................................................... 219 # القرآن يواجه إنكار ~~اليهود................................................ 221 # هذا كتاب أنزلناه ~~مبارك................................................... 223 # افتراء الكذب علي الله أكبر ~~الظلم......................................... 224 # الذل والهواة والعذاب جزاء ~~للظالمين......................................... 224 # بعث الإنسان يوم القيامة ~~فردا............................................. 229 # البركة في التصور ~~القرآني.................................................. 231 # الآيات [95 ~~99]........................................................... 231 # معاني ~~المفردات.......................................................... 233 # الله فالق الحب ~~والنوي.................................................... 235 # مخرج الحي من الميت والميت من ~~الحي....................................... 235 # سر النظام في قدرة الله ~~الحكيمة............................................ 237 # الاهتداء ~~بالنجوم........................................................ 238 # الله إنشائكم من نفس ~~واحدة.............................................. 239 # إنزال الماء من ~~السماء..................................................... 240 # الآيات [100 ~~104]........................................................ 243 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # جولة في واقع المجتمع الجاهلي ~~المنحرف...................................... 245 # وجعلوا لله شركاء ~~الجن.................................................... 246 # علاقة الآية بمسألة الجبر ~~والحرية............................................ 249 # خلق الله وقانون ~~السببية.................................................. 251 # حركة العبادة في اتجاه ~~التوحيد.............................................. 252 # المفهوم الإسلامي للارتباط ~~بالأرض......................................... 254 # الله مدرك الأبصار ومحيط ~~بها.............................................. 255 # الإنسان هو هدف الرسالات............................................. 257 PageV09P413 # الآيات [105 ~~107]........................................................ 259 # معاني ~~المفردات.......................................................... 259 # إيمان الرسول لا يغيره كفر ~~الجاحدين........................................ 260 # اتباع الرسول وحي ~~الله.................................................... 261 # الآية ~~[108]................................................................ 263 # معاني ~~المفردات.......................................................... 263 # مناسبة ~~النزول........................................................... 263 # ملاحظات حول مناسبة النزول............................................ 264 # القاعدة القرآنية في أسلوب الدعوة إلي ~~الله................................... 266 # من وحي ~~الآية........................................................... 268 # بين سب المشركين الله وإيمانهم ~~به.......................................... 269 # الآيات [109 ~~111]........................................................ 271 # معاني ~~المفردات.......................................................... 271 # مناسبة ~~النزول........................................................... 272 # تعليق صاحب الميزان علي رواية ~~النزول...................................... 273 # منطق الكافرين ~~الزائف.................................................... 274 # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم................................................ 275 # قرار الكافرين الحاسم بعدم ~~الإيمان.......................................... 276 # الآيتان [112 ~~113]........................................................ 277 # معاني ~~المفردات.......................................................... 277 # لكل نبي عدو من الإنس والجن............................................ 278 # في كل زمان قافلة مؤمنة تواجه أعداء ~~الله.................................... 280 # دور أعداء الرسالات ms2333 في ~~الحياة............................................. 282 # خلق الإرادة الحرة في ~~الإنسان.............................................. 282 # الآيات [114 ~~117]........................................................ 283 # معاني ~~المفردات.......................................................... 283 PageV09P414 # نداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سلم ~~التوحيدي........................................ 284 # لا مبدل لكلمات ~~الله.................................................... 287 # موقفنا من الدعوة إلي تطوير ~~الإسلام....................................... 289 # دور الاجتهاد في فكرة تطور ~~الإسلام....................................... 291 # الأكثرية لا تمثل خط ~~الهدي............................................... 293 # الداعية بين الأكثرية ~~والأقلية.............................................. 295 # الآيات [118 ~~121]........................................................ 299 # معاني ~~المفردات.......................................................... 299 # مناسبة ~~النزول........................................................... 300 # أنموذج من نماذج الالتزام بالخط ~~الإلهي...................................... 301 # الأكل مما ذكر اسم الله ~~عليه.............................................. 302 # ترك الإثم قاعدة ~~إيمانية.................................................... 304 # خط فاصل بين الحرام ~~والحلال............................................. 305 # إطاعة أولياء الشياطين ~~شرك.............................................. 305 # الآيات [122 ~~124]........................................................ 307 # معاني ~~المفردات.......................................................... 307 # مناسبة ~~النزول........................................................... 308 # انفتاح المؤمن علي الله وانغلاق الكافر علي ~~ذاته.............................. 310 # زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون.............................................. 312 # في كل مجتمع مترفون يمكرون ~~فيها......................................... 314 # أساليب الكافرين في ~~المكر................................................ 315 # الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته............................................... 316 # الآيات [125 ~~127]........................................................ 319 # معاني ~~المفردات.......................................................... 319 # انشراح صدر المؤمن وضيق صدر الكافر.................................... 320 # اختلاف المفسرين حول يصعد في السماء................................... 321 PageV09P415 # لمتفلسفون وتطبيق الاية علي نسبة الهدي والضلال الي الله ~~تعالى............... 322 # جعل الرجس علي الذين لا يؤمنون......................................... 324 # للمؤمنين المتذكرين دار ~~السلام............................................. 325 # الآيات [128 ~~132]........................................................ 326 # معاني ~~المفردات.......................................................... 327 # من صور الحوار بين الله وعباده يوم ~~القيامة................................... 327 # ولاية الظالمين يوم ~~القيامة.................................................. 329 # الكافرون يشهدون علي أنفسهم........................................... 329 # الآيات [133 ~~135]........................................................ 331 # معاني ~~المفردات.......................................................... 331 # ربك الغني ذو ~~الرحمة..................................................... 332 # منطق العاملين في سبيل ~~الله............................................... 333 # الآية ~~[136]................................................................ 334 # معاني ~~المفردات.......................................................... 336 # بعض عادات المشركين الفاسدة في ~~الجاهلية.................................. 336 # الآية ~~[137]................................................................ 336 # معاني ~~المفردات.......................................................... 336 # قتل الأولاد في ~~الجاهلية................................................... 336 # الآيات [138 ~~140]........................................................ 338 # معاني ~~المفردات.......................................................... 341 # بعض أوضاع الجاهليين في التحليل ~~والتحريم................................. 339 # الآيتان [141 ~~142]........................................................ 341 # معاني ~~المفردات.......................................................... 341 # كيفية التعاطي مع رزق ~~الله................................................ 342 # تسخير الأنعام ~~للناس..................................................... 348 # الآيتان [143 ~~144]........................................................ 349 # الظلم الأكبر افتراء الكذب علي ~~الله....................................... 349 PageV09P416 # الآيات [145 ~~147]........................................................ 351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 # الانحراف في مسألة التحريم عند البعض في زمن النبي صلى الله عليه ms2334 وآله وسلم ~~.................. 352 # بيان المحرمات من ~~الحيوانات................................................ 353 # تحريم كل ذي ظفر...................................................... 357 # ما هو محرم من البقر ~~والغنم................................................ 357 # الآيات [148 ~~150]........................................................ 359 # معاني ~~المفردات.......................................................... 359 # المشركون يبررون شركهم بأنه مشيئة من ~~الله.................................. 360 # الآيات [151 ~~153]........................................................ 365 # معاني ~~المفردات.......................................................... 365 # وصايا الله ~~الإنسان...................................................... 366 # عدم الشرك ~~بالله......................................................... 368 # الإحسان ~~للوالدين....................................................... 369 # عدم قتل ~~الأولاد......................................................... 370 # عدم الاقتراب من الفواحش............................................... 370 # تحريم قتل ~~النفس......................................................... 373 # الحفاظ علي مال ~~اليتيم................................................... 374 # إيفاء الكيل ~~والميزان....................................................... 374 # العدل في ~~القول.......................................................... 375 # الوفاء بعهد ~~الله.......................................................... 376 # اتباع الصراط ~~المستقيم.................................................... 377 # الآيات [154 ~~157]........................................................ 379 # معاني ~~المفردات.......................................................... 379 # كمال كتاب موسي عليه السلام ~~................................................. 380 # القرآن كتاب ~~مبارك...................................................... 384 PageV09P417 # لقد جاءكم بينة من ~~ربكم................................................. 385 # الآية ~~[158]................................................................ 386 # معاني ~~المفردات.......................................................... 386 # تهديد الله المشركين ~~بالعذاب............................................... 386 # الآية ~~[159]................................................................ 389 # معاني ~~المفردات.......................................................... 389 # التنديد بإثارة الخلاف والتفرقة في الدين ~~الواحد............................... 389 # الآية ~~[160]................................................................ 391 # معاني ~~المفردات.......................................................... 391 # عدل الله ورحمته ~~بالعباد................................................... 392 # الآيات [161 ~~163]........................................................ 393 # معاني ~~المفردات.......................................................... 393 # النبي يعبر عن امتنانه الروحي ~~لله............................................ 394 # الآية ~~[164]................................................................ 396 # معاني ~~المفردات.......................................................... 396 # لا أبغي غير الله ~~ربا...................................................... 397 # لا تزر وازرة وزر ~~أخري.................................................... 397 # الآية ~~[165]................................................................ 401 # معاني ~~المفردات.......................................................... 401 # تكريم الإنسان بجعله خليفة ~~الإرض......................................... 402 # العدالة في دائرة التفاوت بين ~~الناس......................................... 403 # كيف تتحرك الخلافة للإنسان في الإرض!.................................. 405 PageV09P418 ![](https://books.rafed.net/Books/3272_tafsir-men-wahi-alquran-10/images/image001.gif) PageV10P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3272_tafsir-men-wahi-alquran-10/images/image002.gif) PageV10P003 ![](https://books.rafed.net/Books/3272_tafsir-men-wahi-alquran-10/images/image003.gif) PageV10P004 ### | سورة الأعراف ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائتان وست PageV10P005 ### ||| ** في أجواء السورة # لعل الميزة الغالبة لهذه السورة ولأمثالها من السور المكية ، أنها تتناول ~~شؤون العقيدة وأصولها ، من توحيد الله في الفكر والتشريع والعبادة ، وشؤون ~~الرسالة والرسول ، في حركة الحياة معهما في ساحة الصراع الفكري والعملي ... ~~وفي منطلقات الجهاد ، وحديث القيامة في أجواء الوقوف بين يدي الله في عالم ~~الثواب والعقاب ، لأن هذه القضايا هي التي تمثل الأسس الفكرية العقيدية ~~التي يرتكز عليها الإسلام في عقيدته من حيث ذاته ، وتنطلق منها الشخصية ~~الإسلامية للإنسان المسلم في بنيانه الفكري والروحي ... وكل ما عداها فهو ~~فروع وهوامش. # ولا بد لنا في هذا المجال من الإشارة إلى أن هذه السورة وأمثالها لا ms2335 ~~تتحدث عن هذه الأصول العقيدية بالطريقة التقليدية التي تطرح الفكرة ثم ~~تواجهها بشكل مباشر من خلال الأدلة والبراهين العلمية ، ولكنها تطرح الفكرة ~~وتثير حولها جوا متحركا ، من خلال الأجواء المحيطة بالإنسان في حياته ~~الذاتية والعامة ، بحيث يشعر معها بأن الفكرة مطروحة في ساحة حياته ، قبل ~~أن تطرح في ساحة فكره. فإذا تحدث القرآن عن الله وعن توحيده ، PageV10P007 # فإنه يبدأ الحديث عن الإنسان ، وعن خلقه ، وعن النعم التي يحيطه الله بها ~~، وعن كل ما حوله من مفردات حياته وحياة الآخرين ، حتى ليحس الإنسان بأن ~~الله موجود في كل ما يحيط به ، وفي كل ما يعيش معه ، وذلك هو الأسلوب ~~القرآني الذي يريد للإنسان أن يحس فيه بالله من خلال وجدانه وإحساسه بحركة ~~الفطرة في داخله ، قبل أن يحس به من خلال تفكيره ضمن نطاق المعادلات ~~الفكرية. وليس معنى ذلك أن يغفل دور الفكر في هذا المجال ، بل كل ما هناك ~~أنه يثير حركة الفكر بطريقة وجدانية مميزة. # وهكذا نجده في حديثه عن الرسالات والرسل ، فإنه يدخل الإنسان في أجواء ~~التاريخ المتحرك ، فيعيش تاريخ الرسالات ، وحديث التحديات والأفكار المضادة ~~المطروحة في الساحة التي انطلق بها جنود الرسالات ، مما يوحي بالفكرة من ~~خلال التجربة الحية ، لا من خلال الفكر التأملي التجريدي الغارق في الخيال. ~~فأنت عند ما تواجه الرسالات في القرآن ، فإنك تلتقي بنوح ويونس وموسى وعيسى ~~وإبراهيم ولوط وشعيب ... وهم يدعون إلى الله ، ويحملون أثقال المسؤولية ، ~~وأعباء الصراع ، وقوة التحدي ، وعمق التجربة ، وامتداد الصبر ، وحركة ~~الإنسان في الرسالة ، وضراوة الألم في خط المواجهة ، وقساوة الظلم وشراسته ~~، وغباء الكفر وسذاجته في شخصية الكافرين ، ووعي الإيمان ، وروحية الرسالة ~~، وروعة الصدق ، وطهارة الروح في شخصية الرسول ... وتتمثل أمامك الساحة ، ~~بكل أوضاعها السلبية والإيجابية ، حتى كأنك تنظر إليها على الطبيعة ، ~~فتلتقي بالحياة المتحركة التي تقدم لك الفكرة بكل وضوح. # أما حديث الآخرة والقيامة والجنة والنار ... فإنه ينقلك إلى المشاهد ~~الحية التي تضج بالحركة ، وتنطلق بالإيحاء ، وتنفتح على المسؤولية في ~~الحياة ، من خلال انفتاحها على موقف الإنسان ms2336 من الله وأمامه ... وبذلك تجد ~~الحياة أمامك في قبضة العبث واللامعنى إذا ابتعدت عن المسؤولية في نتائجها PageV10P008 # الحاسمة في يوم القيامة ، بينما تتمثل فيها كل معاني الجد والحركة ~~والإيجابية عند ما تقترب من خط المسؤولية في وعي الإنسان لدوره الطبيعي في ~~الحياة ، وبذلك لا يعود الإحساس بالآخرة غيبا فكريا يتحرك في أجواء الضباب ~~، بل يتحول في وعي المؤمن مشهدا متحركا يحمل في داخله كل خصائص الإنسان ~~الحي على صعيد الواقع ، تماما كما لو كان يراه أو يسمعه أو يلمسه بيده. # وفي ضوء ذلك ، فإننا نتحرك مع هذه الأصول العقيدية في السورة ، من خلال ~~الجو المميز للأسلوب القرآني الذي يربي لنا عقلنا ووجداننا ونظرتنا إلى ~~الحياة ، ليجعل منها نظرة واقعية عملية بعيدا عن النظرة الخيالية ~~التجريدية. # وفيما بين ذلك كله ، تتوالى اللمحات الفكرية ، واللمعات الروحية ، التي ~~توحي للإنسان بالحركة في مسيرة حياته الخاصة والعامة عند ما يدعو إلى الله ~~، وعند ما يجاهد في سبيله ، وعند ما يواجه حالة الصراع الداخلي ضد نوازعه ~~الشريرة ، كما تشير إليه بالمستوى الرفيع الذي ينبغي له أن يتطلع إليه في ~~علاقته بالله ، وفي الحصول على رضوانه في الدنيا والآخرة ، وذلك من خلال ما ~~يتحمله من آلام المعاناة ، وما يواجهه من تحديات وعقبات في كل مراحل الصراع ~~العنيف مع قوى الشر والكفر والطغيان ... وبذلك نقف مع خط العقيدة الذي لا ~~يعيش في أبراج الفكر العاجية المترفة ، بل في تفاصيل الحياة اليومية ~~للإنسان ، وفي خطوات الصراع المتحرك في جهاده ، وفي نبضات المشاعر الحارة ~~في عروقه ... وذلك هو سر التوحيد في إيحاءات الروح ، ومعنى الرسالة في ~~انطلاقات الفكر ، وحركة القيامة في خط الالتزام ، ووحي الشريعة في خطوات ~~الإنسان في الحياة ، حيث تلتقي القصة بالفكرة ، وتمتد الفكرة في وعي الشعور ~~، ويتحرك الشعور في رحلة الحياة ، لتتكون من ذلك كله ، القاعدة الفكرية ~~والشعورية والعملية في بناء الشخصية الإسلامية ، PageV10P009 # على هدى الله في وحيه وفي قرآنه ، فيتحول القرآن الكلمة إلى قرآن متحرك ~~نابض بالحياة في التجسيد الحي للإنسان القرآني المسلم في فكره ms2337 وعاطفته ~~والتزامه. # * * * PageV10P010 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 المص (1) @QUR@013 كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) @QUR@014 اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3) @QUR@010 وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) @QUR@012 فما كان دعواهم إذ جاءهم ~~بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) @QUR@06 فلنسئلن الذين أرسل إليهم ~~ولنسئلن المرسلين (6) @QUR@06 فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المص ): تقدم الحديث عن الوجوه المذكورة في تفسير هذه الحروف ~~المقطعة ، في تفسير سورة البقرة عند الحديث عن ( @QUR@01 الم ). # ( @QUR@01 حرج ): ضيق ، شك. أصل الحرج والحراج مجتمع الشيء ، وتصور منه ~~ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج وللإثم حرج (1). PageV10P011 # ( @QUR@01 وذكرى ): تذكر نافع. وهو كثرة الذكر ، وهو أبلغ من الذكر ، ~~قال في المجمع : الذكرى مصدر ذكر يذكر تذكيرا ، فهي اسم للتذكير وفيه ~~مبالغة (1). # ( @QUR@01 تذكرون ): تتعظون. # ( @QUR@01 بأسنا ): قال الراغب : البؤس والبأس والبأساء : الشدة ~~والمكروه ، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر ، والبأس والبأساء في ~~النكاية (2)، وقال غيره : يطلق البأس على الشجاعة والقوة وعلى الضرر ~~والحرج ، والمراد به هنا العذاب. # ( @QUR@01 بياتا ): أصل البيت مأوى الإنسان في الليل ، والبيات والتبييت ~~قصد العدو ليلا. # ( @QUR@01 قائلون ): نائمون في النهار ، من القيلولة. # ( @QUR@01 فلنقصن ) نتلون ، والقصص ما يتلو بعضه بعضا ، ومنه المقص لأن ~~قطعه يتلو بعضه بعضا ، ومنه القصة من الشعر والقصة من الكتاب ، ومنه القصاص ~~لأنه يتلو الجناية في الاستحقاق ، ومنه المقاصة في الحق لأنه يسقط ما له ~~قصاصا بما عليه. # * * * ### ||| ** انفتاح الداعية على مشاكل الساحة # ( @QUR@04 المص* كتاب أنزل إليك ) أي هذا الكتاب ، أنزله الله إليك وحيا ~~منه ، في ما يريد للناس أن يسيروا على هديه من فكر وخط عمل ، وفي ما يريد ~~للحياة أن ترتكز عليه أو تنطلق منه ، من قاعدة أو هدف ، حتى يتحرك الكون في نظامه PageV10P012 # البشري على خط الإرادة الإنسانية المؤمنة الواعية المنسجمة مع إرادة الله ~~، في ما يحب للإنسان أن يمارسه من عملية الاختيار ، ليتطابق مع التوازن ~~والحكمة في نظامه الكوني. ولا بد ms2338 للإنسان ، الذي يحمل مسئولية قيادة الناس ~~على خط الرسالة إلى الصراط المستقيم ، من أن يعاني الصدمات والتحديات ، ~~ويواجه العقبات من القوى المضادة التي لا تريد للحياة أن تنضبط وتتوازن ، ~~ولا ترضى للإنسان أن يستقيم. وربما كان من الطبيعي لهذا الإنسان نبيا كان ~~أو غيره أن يتأثر نفسيا بالمشاعر السلبية في ما تتمثل به من ضيق الصدر ، ~~واختناق الروح ، وفي ما تؤدي إليه من خطوات تراجعية للتخلص من ذلك كله. # ولهذا أراد الله لرسوله كما أراد للدعاة من بعده ، أن يعيش في نفسه ~~إيجابية الانفتاح الروحي والشعوري على مشاكل ساحة الصراع ، باعتبارها حالة ~~طبيعية تتحرك في نطاق السنن الكونية التي حددها الله لعملية التغيير في ما ~~تفرضه من المراحل المتدرجة التي تبدأ من مرحلة الدعوة والتوعية ، وتنطلق في ~~حركة الحوار على خط الصراع ، وتمتد في عملية المواجهة الحادة التي تتقابل ~~فيها الإيجابيات والسلبيات ، وتتصارع فيها الانفعالات والمشاعر والأفكار ~~... وهكذا لن يكون الضيق النفسي والتشنج الفكري والروحي في مصلحة النتائج ~~الإيجابية المرتقبة في حركة الدعوة والداعية في نهاية المطاف. وبتعبير آخر ~~، إن هناك مزاجا للإنسان البشر في الرسول أو في الداعية ، وهو المزاج الذي ~~يتحرك من خلال النوازع الذاتية في ما يعيشه من عوامل إثارة الانفعال ~~الداخلي ، وإن هناك مزاجا للإنسان الرسول في شخصيته ، وهو المزاج الذي ~~تتحرك فيه الرسالة ، في وعيها للامتداد الرسالي في خط الزمن في ما تنفتح ~~عليه من رحابة صدر لا يضيق بشيء ، وسماحة روح لا تتعقد من شيء ، وانفتاح ~~فكر لا يتهرب من شيء ، لأن قصة الرسالة هي أن تصل إلى هدفها ولو بعد حين ، ~~بينما هدف الذات هو أن ترتاح مشاعرها في نطاق اللحظة الحاضرة. PageV10P013 # وهكذا أراد الله لرسوله أن يعيش روحية الرسالة ، لا عقدة الذات ، ( ~~@QUR@04 فلا يكن في صدرك ) أي يا محمد ( @QUR@02 حرج منه ) أي من الكتاب ، ~~لما سيثيره حولك من مشاكل وقضايا في حياة الناس ، ولما سوف تواجهه من ~~الانحرافات التي تحولت إلى مناهج في الفكر وفي الحياة ، ولما ستواجهه من ~~الأوضاع التي تحولت ms2339 إلى عادات وتقاليد ، ومن الأساليب التي درج عليها الناس ~~في طريقة إدارتهم للعلاقات والانتماءات ، بما سيحوله إلى عنصر إتعاب وإجهاد ~~لك ، كما أن الواقع الذي تريد تغييره يجعلك تقف في مواجهة كل القوى ~~المتضررة من عملية التغيير ، فتفقد من خلال ذلك كثيرا من الأصدقاء ~~والأقرباء الذين يسيرون في الاتجاه الآخر ، فعليك أن لا تشعر بالضيق والحرج ~~من ذلك كله ، بل يجب أن تستمر في حمل مسئوليتك في إبلاغ الكتاب إلى الناس ، ~~( @QUR@02 لتنذر به ) ليعرف الناس من خلال النتائج السلبية التي تحصل من ~~أعمالهم ، كيف يكون مصيرهم في الدنيا ، في ما يقاسونه من البلاء ، وكيف ~~يكون مصيرهم في الآخرة ، في ما يحل بهم من العذاب ، ليرتدعوا بذلك عن ~~الامتداد في خط الكفر والضلال ، فإن الكثير من الناس لا يفهمون القضايا ~~بلغة الفكر التحليلي القائم على الحجة والبرهان ، لأنهم لا يعيشون الحقيقة ~~في نطاق المسؤولية ، بل يفهمونها بلغة الوعيد والتهديد ، مما يجعل من أسلوب ~~الإنذار سبيلا يدعوهم إلى التفكير بجدية في ذلك كله على أساس ما يتمخض عنه ~~من نتائج قاسية ، لا يملكون القوة على مواجهتها وتحمل آثارها. # ( @QUR@02 وذكرى للمؤمنين ) الذين قد ينطلقون في خط الضلال ، من جهة ~~الغفلة التي تنسيهم الله ، فتبعدهم عن وعي المسؤولية في عذابه وعقابه ، ~~فإذا جاءتهم آيات الله في كتابه ، أصغوا إليها بمسامع قلوبهم ، وفتحوا لها ~~أرواحهم ، وتذكروا من خلالها كل ما يتعلق بمواقع هذه القضايا من دنياهم ~~وآخرتهم ، فيؤمنون بالدين كله ، ويستزيدون من الإيمان في تفاصيله الفكرية ~~والروحية والعملية ... وربما كان اختصاص الذكرى بالمؤمنين ، منطلقا من أن هؤلاء PageV10P014 # هم الذين ينفتحون على الحقيقة ، ويعيشونها هاجسا دائما في أفكارهم ~~ومشاعرهم ، ويواجهونها في حالة عميقة من الإصغاء الواعي ، والصفاء الروحي ~~الهادىء ... فتختزن قلوبهم وأحاسيسهم كل المعاني الحية والكلمات الصادقة ، ~~أما الآخرون الذين لا يعيشون هذا الهاجس ، بل يمتدون في غفلتهم ولهوهم ~~ولعبهم ، ويتحركون من خلال شهواتهم ، فإنهم يعيشون الظلمة المطبقة والغفلة ~~الساذجة ، والشعور الغبي الذي يعكس بلاهة الشخصية وسذاجة الروح. # * * * ### ||| ** اتباع ما أنزله الله على الرسول # ( @QUR@06 اتبعوا ما ms2340 أنزل إليكم من ربكم ) ويتحول الخطاب ، من خلال ما ~~اختزنته الآية الأولى في مدلولها من خطاب الله للمؤمنين من خلال الرسول ، ~~لينتقل إلى مخاطبة المؤمنين مباشرة ، بعد أن خاطبهم من خلال الرسول ... فهم ~~مدعوون إلى اتباع ما أنزل إليهم من ربهم ، لأن فيه الحقيقة والوضوح والنجاح ~~... وكيف لا يكون كذلك ، وقد أنزله ربهم الذي عاشت حياتهم برحمته ، وامتدت ~~بلطفه ، وتنوعت بنعمه ، وأراد لهم أن يتحركوا من خلال وحيه وشريعته ، ~~لينعموا بالسعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة ، فإنه لا يريد لهم إلا خيرا ~~، وكيف لا يريد لهم ذلك ، وهو الغني عنهم في ملكه وسلطانه ، الرحيم بهم في ~~لطفه وإحسانه ، اللطيف بهم بعفوه ورضوانه ... وهل يريد الخالق بمخلوقاته ~~إلا الخير في جميع ما يأمرهم به وينهاهم عنه؟! وهل يمكن أن يريد لهم الشر ، ~~وهو الذي أراد أن يخلصهم منه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ( @QUR@05 ولا تتبعوا من دونه أولياء ) بحيث تطيعونهم في ما يأمرونكم به ~~، وفي ما ينهونكم عنه ، مما لا يتفق مع أمر الله ونهيه ، لأن الله هو الذي ~~يجب أن يتبع ، فهو الذي يعرف ما يصلحكم وما يفسدكم ، وهو الولي الذي يرعى عباده PageV10P015 # وينصرهم ويرحمهم ، لا ولي غيره ، لأن الأمر كله إليه ، فكيف تتخذون من ~~دونه أولياء ، وهم لا يملكون لأنفسهم ولا لكم ضرا ولا نفعا ، إلا بإذن الله ~~، فلا تتبعوهم في ما يخططون ويستهدفون ، وفي ما يدعون إليه من وسائل ~~وأساليب ، فذلك هو خط التوحيد الخالص ، وهو خط الدعوة إلى الله في طريق ~~الله ، لأن التوحيد ليس فقط معادلة عقلية عن الوحدانية في العقيدة في ما ~~يتحرك فيه الفكر ، بل هو بالإضافة إلى ذلك وحدانية في العبادة والاتباع ، ~~والشرك على العكس من ذلك. فإذا أخذتم من خطط هؤلاء وشريعتهم في الحياة ، ~~واعتنقتم فكرهم ، واتبعتم عاداتهم وتقاليدهم الكافرة ، وجعلتم كل ذلك جزءا ~~من حياتكم ... فإنكم بذلك تعيشون الابتعاد عن خط التوحيد والاقتراب من خط ~~الشرك ، ولو بطريقة غير مباشرة ، لأنكم تستلهمون غير الله في خط حياتكم. ~~وتلك قصة تحتاج ms2341 إلى مزيد من الفكر والجهد والمعاناة والصبر من أجل تحويل خط ~~الفكر إلى خط للعمل وللحياة. # ( @QUR@03 قليلا ما تذكرون )... ولكن الناس يستسلمون لواقعهم ، ~~ويستصعبون أن يخرجوا منه أو يتغيروا عن أفكاره وعاداته ، لأنهم يشعرون ~~بالغربة والضياع بدونه ، ويثيرون التفكير بالاهتزاز في مستقبل حياتهم إذا ~~ابتعدوا عنه ، تماما كما هو الحائر الضائع الذي لا يعرف كيف يدبر أمره ~~بعيدا عن طريقة تربيته وأسلوب حياته المألوف. وتلك هي مشكلة الأكثرية من ~~الناس الذين لا يتذكرون إلا قليلا ، لسيطرة الأمر الواقع عليهم ، واعتبارهم ~~أن عملية التغيير سوف تلاحق فيهم هدوء حياتهم وتتحدى حبهم للكسل والاسترخاء ~~والراحة والأمن ، ولهذا فإنهم يخلقون لأنفسهم الكثير من المبررات والأعذار ~~في هروبهم من حركة الصراع في الساحة ، فيمتد ذلك إلى داخل شخصيتهم ، فيحجب ~~عنها الرؤية بضباب كثيف يوحي بالغفلة تارة ، وبالاستغفال أخرى ... وربما ~~كان هذا واقع الكثيرين منا الذين يسترخون للحياة وما تقدمه من جاه وأمن ~~وراحة وشهوة وطمع ، فيستريحون لذلك ويأبون على أنفسهم أن يتذكروا PageV10P016 # بعض الأشياء التي تبعدهم عن ذلك ، بل ربما يهربون من التفكير عند ما ~~تلاحقهم الحقيقة في بعض السبل التي تمر بهم في الحياة ، فيستغفلون أنفسهم ~~ليوحوا للآخرين بأن يجدوا لهم العذر الذي لا يجدونه لأنفسهم. # * * * ### ||| ** الظلم والسقوط الحضاري # ( @QUR@010 وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) وهذه ~~صورة من صور الإنذار في ما ينزله الله من العقاب على الناس الذين يتمردون ~~على رسالاته ، ويكذبون رسله ، ويفسدون في الأرض. إنها الصورة التاريخية ~~الحية التي تتلاحق فيها المواقع التي كانت مسرحا للظلم والطغيان والكفر ~~والعصيان. من قرية إلى قرية ، ومن مدينة إلى مدينة ... كيف دمرها الله ~~بعذابه ، وكيف أهلكها بقوته ، من خلال الوسائل غير الطبيعية التي كانت ~~تتحرك بطريقة غيبية ، في ما حدثنا الله عن قوم نوح وعن قوم لوط وشعيب ~~وغيرهم ... أو من خلال الوسائل الطبيعية ، التي كانت تتحرك بطريقة عادية في ~~ما تتمخض عنه الانحرافات في داخل الحياة الاجتماعية أو السياسية أو ~~الاقتصادية أو الأخلاقية ... أو في ما تتحرك به ms2342 الأوضاع الطبيعية من ~~الزلازل والفيضانات والبراكين وما إلى ذلك ، مما يتمثل فيه بأس الله الذي ~~كان يحدث في حالة البيات في الليل عند ما يعيش هؤلاء الاسترخاء في منامهم ، ~~أو في حالة القيلولة عند الظهر عند ما يستسلمون للراحة والنوم ، للتخفف من ~~عناء اليوم وتعبه ... وربما كان التأكيد على هذين الوقتين باعتبار أن ~~الإنسان يحس بالصدمة العنيفة في مثل هذه الحال ، بمقدار ما تمثل من مفاجأة ~~مذهلة ، لأنه لا يكون على استعداد نفسي لمواجهة ذلك ، بينما لا تكون القضية ~~بهذه المثابة في حالة الحركة التي يبدو فيها مستعدا لكل شيء. # فكيف يواجهون هذا الواقع؟ لا شيء إلا الاعتراف بأنهم ظلموا أنفسهم PageV10P017 # حين كفروا بالله وعصوه ، وظلموا الناس حين تمردوا وتجبروا عليهم. ولعل ~~التعبير بقوله : ( @QUR@04 وكم من قرية أهلكناها ) يوحي بأن سقوط الحضارات ~~وهلاك الأمم الظالمة هو من السنن الإلهية التاريخية المطردة ، باعتبار أن ~~الظلم الفكري والعملي ينحرف بالحياة عن مسارها الطبيعي وهو العدل ، وينحرف ~~بالإنسان عن خط التوازن في الحركة والعلاقات ، مما يؤدي إلى الانحلال ~~والتمزق الداخلي والخارجي على صعيد الفرد والمجتمع ، فلا يبقى هناك أي موقع ~~للتماسك الإنساني ، فينتهي به إلى السقوط والانهيار الحضاري. # ولكن ما فائدة ذلك؟! إن الله لا يقبل الاعتراف القادم في لحظات الموت ، ~~ومعاينة العذاب ، لأنه لا يمثل الإرادة الحرة المتحركة في خط القناعة ~~الوجدانية في ضوء الدليل والبرهان ... إنها حالة هروب من الواقع ، وليست ~~حالة اعتراف وندم. # ( @QUR@012 فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) ~~كأي إنسان ينكر في حالة الاسترخاء ، بما يوحي به إلى نفسه من شعور بالقوة ~~على التمرد والجحود ، ولكنه يحس بالضعف والانسحاق أمام الواقع المر الذي ~~يصطدم به ، فيتحداه بكل النتائج القاسية التي كان يهرب منها ، فيقف وقفة ~~الخائف المذعور الذي يبحث عن كلمة اعتراف ، أو موقف ندم يوحي إليه بالأمن ~~من العذاب ، ولكن دون جدوى. ( @QUR@04 فلنسئلن الذين أرسل إليهم ) من الأمم ~~والشعوب عن ذلك كله ، فإنهم سيتحدثون بكل ذلك ، وإذا كانوا غير حاضرين ~~أمامنا الآن ms2343 لأنهم ذهبوا في ظلمات التاريخ ، فإن تاريخهم حاضر بين أيدينا ، ~~بكل نتائجه وآثاره وبقاياه ، يعرفنا كيف بادت تلك الحضارات ولماذا ، وكيف ~~هلكت تلك الأمم ولماذا ، فنعرف أن انحرافهم عن طريق الله هو الذي أدى إلى ~~ذلك كله. # ( @QUR@02 ولنسئلن المرسلين ) كيف واجهتهم أممهم بالجحود والنكران ، ~~وسيقدمون تقريرهم إلى الله يوم القيامة ، كما قدموا تقريرهم في ما كانوا ~~يعيشونه من مشاكل وآلام في وقت الرسالة. ( @QUR@03 فلنقصن عليهم بعلم ) لا على PageV10P018 # أساس تخمين وحدس كما يحدث في أقاصيصكم التي قد ترتكز على كثير من أفانين ~~الظن والخيال ( @QUR@03 وما كنا غائبين ) فإن الله حاضر في الزمن كله ، كما ~~أن الزمن كله حاضر أمام الله. إن الزمن يرافقنا أولا ثم يتركنا ثم يستقبلنا ~~ونستقبله ، ولكن الله هو الذي خلق الزمان ، وخلق الحياة التي يتحرك فيها ~~الزمن ، فحضوره هو الحضور ، وكل ما عداه هو ظل زائل. # * * * ### ||| ** هل يأتي العذاب بعد الإهلاك؟ # لقد توقف المفسرون أمام فقرة ( @QUR@07 وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا بياتا ) لأن الظاهر أن الفاء للتعقيب ، مما يعني أن ما بعدها يأتي ~~متأخرا عما قبلها ، فكيف يكون مجيء العذاب بعد الإهلاك مع أن القضية ~~بالعكس؟ # وقد ذكر في الجواب عن هذه الملاحظة عدة وجوه : أحدها : ما ذكره الزمخشري ~~في أن المقصود بأهلكناها «أردنا إهلاكها» (1) لا الإهلاك الفعلي. ثانيها : ~~أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا ولعله قريب من الأول. والثالث : انه مثل : ~~زرتني فأكرمتني ، فإن نفس الإكرام هي الزيارة ، قال علي بن عيسى : وليس هذا ~~مثل ذلك ، لأن هذا إنما جاز لأنه قصد الزيارة ثم الإكرام بها (2). # وربما كان الأقرب أن المسألة واردة على نحو الإجمال والتفصيل ، بأن يكون ~~المقصود هو الحديث عن الإهلاك أولا على نحو الإجمال ثم الحديث عن تفعيل ذلك ~~بمجيء العذاب في الليل أو في وقت القيلولة كتفصيل للإهلاك ، والله العالم. # * * * PageV10P019 ### ||| ** من وحي هذه الآيات # وقد نستوحي من هذه الآيات إثارة الخوف من عذاب الله في وجدان الناس الذين ~~يتمردون على الله ويستهينون بإنذاره ، وذلك من خلال الحديث عن التاريخ الذي ~~عاش ms2344 فيه المتمردون السابقون ، حيث لم ينفعهم ما كانوا يملكونه من وسائل ~~القوة ، مما يمتد إلى الإنسان المعاصر الذي قد يملك الكثير من قوة الحماية ~~بالمكتشفات الحديثة ، ولكنه لا يملك الوسائل التي تحميه من الزلازل ~~والعواصف والبراكين والفيضانات ونحوها ، وهي في نتائجها التدميرية قد تكون ~~في بعض الحالات مظهرا من مظاهر عذاب الله ، الأمر الذي يجعل البأس الإلهي ~~شاملا لكل العصور ولكل مواقع القوة عند الإنسان. # * * * ### ||| ** كيف نفهم سؤال الله الرسل والناس؟ # وربما يثأر أمامنا سؤال : كيف نفهم سؤال الرسل والناس الذين أرسلوا إليهم ~~، لأن السؤال يتحرك في نطاق إرادة السائل معرفة ما عمله المسؤول ، والله ~~العالم بكل تفاصيل اعمال عباده لأنه المحيط بهم من كل الجهات؟ # والجواب : إن الظاهر هو ورود الآية مورد إثارة الإحساس بالمسؤولية في وعي ~~الناس بأنهم سيواجهون غدا الموقف الحاسم في ساحة المحكمة الإلهية التي يقيم ~~فيها الله الحجة على الناس من خلال اعترافاتهم بما قدموه من أعمال الخير ~~والشر ، فيعلم الجميع بأن الله لا يظلم الناس شيئا من أعمالهم في جانب ~~السلب والإيجاب ، ثم من خلال تقرير المرسلين عن مهمتهم الرسالية ، كيف ~~بلغوا الأمم التي أرسلوا إليها بوحي الله بما أنذروا وبشروا ، وماذا أجابهم ~~أولئك بالايمان أو PageV10P020 # الكفر ، فيكون الرسل شهودا عليهم ، فلا يبقى لديهم ما يعتذرون به. # وربما كانت القضية في الآية واردة في سياق الحديث عن المسؤولية الإلهية ~~التي يواجهها الناس من أمم أو رسل ، لأن الحساب شامل للجميع ، بقطع النظر ~~عن موقعهم من الله ، فإن السؤال يفصح عن الإخلاص والصدق في أجوبة المخلصين ~~الصادقين ، كما يظهر زيف المزيفين وكذب الكاذبين ، ليعرف الجميع أن الخلق ~~متساوون أمام الله يوم القيامة ، لا فرق بين الناس والرسل في ذلك كله. # ولذلك ، فليس هناك استعلام من الله لعباده ، بل هو توجيه لما يقبلون عليه ~~في وقوفهم بين يديه ، لإثارة وعي المسؤولية في وجدانهم الفكري وتجربتهم ~~العملية ، وإقامة الحجة عليهم في كل أمورهم. # وقد يطرح سؤال آخر : كيف يمكن التوفيق بين التأكيد على شمولية السؤال ~~للناس والمرسلين ms2345 وبين قوله تعالى : ( @QUR@018 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان* فبأي آلاء ربكما تكذبان* يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام ) [الرحمن 39 41] ، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون؟! # وقد أجيب عن هذا السؤال بعدة أجوبة ، (منها): ما ذكره صاحب مجمع البيان ~~: «أنه سبحانه نفى أن يسألهم سؤال استرشاد واستعلام ، وإنما يسألهم سؤال ~~تبكيت وتقريع ، ولذلك قال عقيبه ( @QUR@03 يعرف المجرمون بسيماهم )، وسؤال ~~الاستعلام مثل قولك : أين زيد؟ ومن عندك؟ وهذا لا يجوز على الله سبحانه. ~~وسؤال التوبيخ والتقريع كمن يقول : ألم أحسن إليك فكفرت نعمتي؟ ومنه قوله : ~~( @QUR@07 * ألم أعهد إليكم يا بني آدم ) [يس : 60] ، ( @QUR@05 ألم تكن ~~آياتي تتلى عليكم ) [المؤمنون : 105] ، وكقول الشاعر : «أطربا وأنت قنسري» ~~أي كبير السن ، وهذا توبيخ منه لنفسه ، أي كيف أطرب مع الكبر والشيب ، وقد ~~يكون السؤال للتقرير كقول الشاعر : # ألستم خير من ركب المطايا %~% وأندى العالمين بطون راح PageV10P021 # أي أنتم كذلك ، وفي ضده قوله : «وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر» أي لا ~~يصلح. وأما سؤال المرسلين فليس بتقريع ولا توبيخ لهم ولكنه توبيخ للكفار ~~وتقريع لهم. # (وثانيها) أنهم إنما يسألون يوم القيامة كما قال : ( @QUR@03 وقفوهم إنهم ~~مسؤلون ) [الصافات : 24] ثم تنقطع مسألتهم عند حصولهم في العقوبة وعند ~~دخولهم النار ، فلا تنافي بين الخبرين ، بل هو إثبات للسؤال في وقت ونفي له ~~في وقت آخر. # (وثالثها) أن في القيامة مواقف ، ففي بعضها يسأل وفي بعضها لا يسأل ، فلا ~~تضاد بين الآيات ...» (1). # (ومنها) أن الآيات النافية للسؤال إشارة إلى المساءلة الشفاهية ، والآيات ~~المثبتة إشارة إلى المساءلة التي تقع على الجوارح وهي تتكلم بلسان الحال ، ~~مثل حمرة وجه الإنسان خجلا من انكشاف الحال في إجرامه البارز عند ظهور ~~الحقائق. # وربما كان الأقرب للسياق في آيات نفي السؤال أنها واردة في مورد التأكيد ~~على أن الله يعلم ذنوب المذنبين وإجرام المجرمين ، فلا حاجة به إلى سؤالهم ~~للتعرف على ذلك ، مع وضوحها عندهم من خلال ما يعرفونه من أنفسهم وما ~~يقرءونه في كتاب الأعمال الذي يراد للإنسان قراءته ليكون الحسيب على نفسه ms2346 ~~بنفسه ، ويتطلع المجرمون إلى ما فيه فيجدونه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها ، ولذلك فإن هناك وضوحا في قيام الحجة عليهم المبررة لعذابهم. أما ~~آيات السؤال فهي واردة لإقامة الحجة عليهم بإظهار أعمالهم من خلال ~~اعترافاتهم ، فلكل آية سياق يختلف عن سياق الآية الأخرى ؛ والله العالم ~~بحقائق آياته. # * * * PageV10P022 ### ||| ** من هم الذين يشعرون بالحرج تجاه القرآن؟ # إننا نقف أمام هذه الآيات التي أرادت للنبي ومن معه أن لا يضيقوا بالقرآن ~~الذي يحملهم مسئولية المواجهة والانفتاح على ساحة الصراع ، لنستوحي من ذلك ~~حركة الإنسان الرسالي في الواقع الذي يعيش هموم القرآن في آياته ومفاهيمه ~~وحركيته ، ويحمل في وجدانه هموم التغيير من أجل تحويل خط الانحراف إلى خط ~~الاستقامة ، ليعيش الإنسان مع الله في كل حياته المادية والمعنوية من خلال ~~الالتزام بوحيه في كل خطوطه العقيدية والتشريعية والمنهجية والحركية. بكلام ~~آخر ، على الإنسان الحركي أن يعرف جيدا كل ما يمكن أن تنتجه له الرسالة في ~~حركة الواقع والمواجهة ، من آلام وتضحيات وجراحات جسدية أو روحية ، وأن يعي ~~في وعيه الإسلامي للحياة أن هناك أكثر من مرحلة لا بد أن يقطعها العاملون ، ~~في سبيل الوصول إلى النتائج الإيجابية الحاسمة بعد جهد طويل ، ولذلك يجب أن ~~لا يعيشوا الضيق النفسي والسقوط الروحي أمام الصعوبات والتحديات الكبرى ، ~~بل عليهم أن يواجهوها بعقل منفتح وصدر رحب وحركة واعية. # أما الذين يعيشون الحياة حركة في داخل الذات ، ويحملون الرسالة في معنى ~~المهنة ، ويرون في التضحيات خسارة ، وفي التعب مشكلة ، وفي العقبات يأسا ، ~~ويعملون على البحث عن المبررات أو التبريرات لكل تراجع وتخاذل وهزيمة ، ~~ليتخففوا من مسئولياتهم في الدعوة وفي العمل ، أما هؤلاء فهم الذين يختنقون ~~بالضيق النفسي ، والحرج الشعوري ، ويضيقون ذرعا بكل مشكلة في الطريق ، ~~ويبتعدون عن هموم الساحة ليقتربوا من هموم الذات من أجل الاسترخاء في لذات ~~الحياة وشهواتها بعيدا عن الرسالة والرساليين. # * * * PageV10P023 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@09 والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ~~@QUR@011 ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا ~~يظلمون ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات ms2347 # ( @QUR@01 والوزن ): مقابلة أحد الشيئين بالآخر حتى يظهر مقداره ، وقد ~~استعمل في غير ذلك تشبيها به ، فمنها وزن الشعر بالعروض ، ومنه قولهم : يزن ~~كلامه وزنا. # ( @QUR@01 الحق ): وضع الشيء موضعه على وجه تقتضيه الحكمة ، وقد استعمل ~~مصدرا على هذا المعنى وصفة كما جرى ذلك في العدل ، قال الله سبحانه : ( ~~@QUR@05 ذلك بأن الله هو الحق ) [الحج : 62] فجرى على طريق الوصف. # ( @QUR@01 ثقلت ): الثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا ، ونقيضه الخفة ~~، وهي الاعتماد اللازم علوا. # * * * # ( @QUR@03 والوزن يومئذ الحق ) # لكل شيء وزن ، يحدد حجمه ومقداره بحسب الوحدة التي تعين PageV10P024 # المقادير. وللوزن مقياسان ؛ مادي ومعنوي. فأما المادي ، فهو الذي يعين ~~مستوى الثقل في الأشياء في ما تعارف عليه الناس من الغرام ، والكيلو ، ~~والطن ، ونحو ذلك مما يختلف اسمه ونوعه حسب اختلاف البلدان واللغات ... ~~وأما المعنوي ، فهو الذي يحدد مستوى الثقل الفكري والعملي والاجتماعي ~~والروحي للأشخاص وللمؤسسات ، ليحدد من خلال ذلك القيمة الفكرية والروحية ~~والاجتماعية والعملية لها ، ولتوضع على أساس ذلك القضايا السلبية أو ~~الإيجابية المتصلة بحركة هذه الأشياء بما تحمل من علم أو تجيد من أمور ، ~~كما توحي به الكلمة المأثورة عن الإمام علي عليه السلام : «قيمة كل امرئ ما ~~يحسنه» (1) وكما نستلهم من الآية الكريمة ( @QUR@08 قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ) [الزمر : 9]. وقد يتحدثون عن الوزن الروحي بما ~~تمثله الملكات النفسية ، وعن الوزن الاجتماعي والسياسي بما يمثله من حجم ~~اجتماعي أو سياسي في حياة الآخرين. وهكذا يحس الناس بخفة الأشياء وثقلها ، ~~في ميزان تفكيرهم ومشاعرهم ، وفي تقييمهم لما حولهم من أشخاص أو مؤسسات ... # أما في يوم القيامة ، فهناك الوزن الحق للأشخاص ، في ما يملك الناس من ~~خصائص وأعمال في الدنيا وما خلفه الإنسان وراءه من مواقف ، مما يمثل تاريخ ~~الإنسان في علاقته بالحياة من خلال علاقته بالله ، فإذا كان تأريخه مثقلا ~~بالأعمال الكبيرة المنسجمة مع حجم مسئولياته في إيجابية الممارسة ، كان ~~وزنه ثقيلا في ميزان القيمة عند الله ، مما يمنحه ، في قضية المصير ، شهادة ~~فلاح ونجاح بما قدمه للناس من حوله من فرص الخير ms2348 والعلم والحرية والهدى ~~والإيمان ، وبما أجهد فيه نفسه ، وأتعب فيه بدنه. أما إذا كان تأريخه فارغا ~~من ذلك كله ، لأن كل همه في الحياة كان أن يأكل ويشرب ويلبس ويستمتع PageV10P025 # بمختلف شهواته ولذاته ، وأن يعيش الحياة في كسل واسترخاء من غير هموم ~~ومشاريع كبيرة تتجاوز نفسه إلى أمته ، فإن أعماله لا تمثل وزنا في حجم ~~المسؤولية. وإنسان في هذا المستوى من البعد عن الله وعن حركة الحياة ، لا ~~بد أن يكون ميزانه خفيفا يطير في الهواء ، لأنه لا يجد في مقابله شيئا ~~يقترب به من خط التوازن. وهذا ما أشارت إليه الآيتان : ( @QUR@09 والوزن ~~يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون )، لأنهم استطاعوا أن ~~يحولوا طاقاتهم إلى أفكار وأعمال ومواقف امتدت في رحاب الزمن ، وتعمقت في ~~وعي الإنسان ، وانطلقت في آفاق المعرفة ، فوجدوها أمامهم بعد أن تركوا هذه ~~الدنيا ، في ما أثاروه وفعلوه وعاشوه ، مما يقربهم إلى الله ويقودهم إلى ~~رحمته ؛ فكأن هذه الطاقات قد بقيت لهم بثقلها وحجمها ، مما جعلها تثقل ~~الميزان في حساب الأعمال ، وذلك هو سر الفلاح في الدنيا والآخرة ، عند ما ~~يقف الإنسان على الشاطئ الأمين ، بعد مسيرة طويلة في قبضة الأمواج. # ( @QUR@07 ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم )، لأن قيمة النفس ~~بمقدار ما تساوي من عمل .. فيما كان الإنسان يستطيع أن يفعله في حياته ، ~~ليربح امتدادها في قضية المصير. فإذا لم ينتهز الفرصة السانحة ، فسيجد نفسه ~~في خسارة فادحة لا يملك معها شيئا ، أي شيء ، حيث لا يبقى له إلا النار ~~وبئس القرار ... ( @QUR@04 بما كانوا بآياتنا يظلمون ) وذلك هو السبب الذي ~~يجلب الخسارة للإنسان ، أن يظلم الإنسان ربه بانحرافه عن آياته ، وتمرده ~~عليها ، فيبتعد عن الانسجام مع حقوق الله عليه في ما أفاض عليه من نعمة ~~الوجود ، وأغدق عليه من ألطافه في امتداد حياته ، وما فتح له من نوافذ ~~المعرفة التي تفتح قلبه على الحقيقة ... وأي ظلم أفظع من هذا الظلم ، أن ~~تستعمل ما منحك الله من نعمه في التمرد عليه ومعصيته ، فتفقد بذلك كل ms2349 دنياك ~~وآخرتك. # * * * PageV10P026 ### ||| ** آراء المفسرين في قوله تعالى : # ( @QUR@03 والوزن يومئذ الحق ). # اختلف المفسرون حول فقرة ( @QUR@03 والوزن يومئذ الحق ) ما هو المراد ~~بالوزن؟ ذكر كما في مجمع البيان فيه أقوال : «(أحدها) أن الوزن عبارة عن ~~العدل في الآخرة ، وأنه لا ظلم فيها على أحد ، عن مجاهد والضحاك ، وهو قول ~~البلخي. # وثانيها : أن الله ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة ، فتوزن به ~~أعمال العباد الحسنات والسيئات ، عن ابن عباس والحسن ، وبه قال الجبائي. # ثم اختلفوا في كيفية الوزن ، لأن الأعمال أعراض لا يجوز عليها الإعادة ~~ولا يكون لها وزن ولا تقوم بأنفسها ، فقيل : توزن صحائف الأعمال ، عن عبد ~~الله بن عمر وجماعة ، وقيل : يظهر علامات للحسنات وعلامات للسيئات في ~~الكفتين ، فيراها الناس ، عن الجبائي ، وقيل : يظهر للحسنات صورة حسنة ~~وللسيئات صورة سيئة ، عن ابن عباس ، وقيل : توزن نفس المؤمن والكافر ، عن ~~عبيد بن عمير ، قال : يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة. # وثالثها : أن المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم ، ومقدار الكافر ~~في الذلة ، كما قال سبحانه : ( @QUR@06 فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) ~~[الكهف : 105]. فمن أتى بالعمل الصالح الذي يثقل وزنه أي يعظم قدره فقد ~~أفلح ، ومن أتى بالعمل السيئ الذي لا وزن له ولا قيمة فقد خسر ، عن أبي ~~مسلم. وأحسن الأقوال القول الأول وبعده الثاني ، وإنما قلنا ذلك لأنه اشتهر ~~من العرب قولهم : كلام فلان موزون وأفعاله موزونة ، يريدون بذلك أنها واقعة ~~بحسب الحاجة لا تكون ناقصة عنها ولا زائدة عليها زيادة مضرة أو داخلة في ~~باب العبث ، قال مالك بن أسماء الفزاري : PageV10P027 وحديث ألذه هو مما %~% ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب ويلحن أحيا %~% نا وخير الحديث ما كان لحنا # ... وعلى هذا فيكون معنى الوزن أنه قام في النفس مساويا لغيره كما يقوم ~~الوزن في مرآة العين كذلك ، وأما حسن القول الثاني فلمراعاة الخبر الوارد ~~فيه والجري على ظاهره» (1). # وقد ذكر السيد الطباطبائي في الميزان ، أن الوزن يوم القيامة هو تطبيق ~~الأعمال على ما هو الحق فيها ms2350 ، وبقدر اشتمالها عليه تستعقب الثواب ، وإن لم ~~تشتمل فهو الهلاك ، وهذا التوزين هو العدل ، والكلام في الآيات جار على ~~ظاهره من غير تأويل» (2). ولعل هذا هو الأقرب إلى سياق الفقرة ، لأن ~~الظاهر اعتبار الحق هو الميزان ، بحيث يكون الحق هو الأساس في النتائج ~~الإيجابية والسلبية في مصير الإنسان ، وهذا هو الذي تؤكده الآية في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) [الأنبياء : 47] ، ~~حيث وصف الموازين بأنها القسط ، وهذا هو الذي جاء في حديث الإمام الصادق ~~عليه السلام في حديث هشام ابن الحكم عن الصادق عليه السلام أنه سأله الزنديق ~~فقال : «أو ليس توزن الأعمال؟ قال : لا ، إن الأعمال ليست بأجسام وإنما هي ~~صفة ما عملوا ، وإنما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء ، ولا يعرف ~~ثقلها وخفتها ، وإن الله لا يخفى عليه شيء ، قال : فما معنى الميزان؟ قال : ~~العدل. قال فما معناه في كتابه : ( @QUR@03 فمن ثقلت موازينه )؟ قال : فمن ~~رجح عمله ... الخبر» (3). # ولعل مشكلة الكثيرين من المفسرين في تفسيراتهم لكلمات القرآن أنهم PageV10P028 # يحملونها على معناها الحرفي غير ملتفتين إلى أساليب البلاغة من الاستعارة ~~والمجاز من خلال القرائن المتنوعة التي يحددها السياق العام للكلمة الذي قد ~~يتحدث عن العمق المعنوي لا عن السطح المادي بطريقة الإيحاء. # وهذا هو الظاهر من كلمات الوزن والميزان والموازين التي تكررت في القرآن ~~في مورد الحديث عن الأعمال بلحاظ النتائج المترتبة عليها في حساب ثواب الله ~~وعقابه مما لا علاقة له بالحجم المادي للأشياء ، الذي لا مجال له في عالم ~~الأعمال التي هي حركة الإنسان في الواقع مما لا وزن له في الحسابات العينية ~~المادية. # ويشكل العدل المقياس الإلهي لتقدير أعمال الناس ونتائجها. وقد عبر القرآن ~~الكريم عن ذلك بأكثر من أسلوب ، ومنه أسلوب الميزان الذي يمثل المقياس ~~المادي في مقابلة الشيء بالشيء من دون زيادة أو نقصان. # ومن اللافت إصرار العلامة الطباطبائي على نظرية تجسم الأعمال ، فيقول في ~~ذيل الحديث عن الوزن والموازين قد تقدم البحث عن معنى تجسم الأعمال ، وليس ~~من الممتنع أن ms2351 يتمثل الأعمال عند الحساب والعدل الإلهي القاضي فيها في صورة ~~ميزان توزن به أمتعة الأعمال وسلعها لكن الرواية الواردة عن الامام الصادق ~~في حديثه مع الزنديق لا تنفي ذلك ، وإنما تنفي كون الأعمال أجساما دنيوية ~~محكومة بالجاذبية الأرضية التي تظهر فيها في صورة الثقل والخفة ، أولا. ~~والإشكال مبني على كون كيفية الوزن بوضع الحسنات في كفة من الميزان ، ~~والسيئات في كفة أخرى ثم الوزن والمقياس ، وقد عرفت أن الآية بمعزل عن ~~الدلالة ذلك أصلا ، ثانيا (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن المسألة ليست مسألة الإمكان والاستحالة لنبحث عن ~~توجيه للتجسيم في صورة ميزان توزن به امتعة الأعمال وسعيها ، بل PageV10P029 # المسألة هي في ظهور النص القرآني في ذلك المعنى ، باعتبار أن النكتة ~~البلاغية المبنية على الاستعارة ظاهرة في غير ذلك وأن ، الفهم الحرفي ~~للكلمة يبتعد عن البلاغة اللفظية في آيات القرآن. # وقد ورد بالإسناد عن المنقري عن هشام بن سالم قال : سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@09 ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا )، قال : هم الأنبياء والأوصياء. # والظاهر أن هذا التفسير وارد مورد الاستيحاء بلحاظ أن هؤلاء يمثلون ~~الصورة المشرقة للقيم الروحية والأخلاقية التي أراد الله للناس ان يجسدوها ~~في الحياة ، في أعمالهم وأقوالهم ومواقفهم ، فهم التجسيد الواقعي لهذه ~~القيم مما يجعلهم ميزانا لتقويم أعمال العباد بمقدار قربهم منهم وبعدهم ~~عنهم ، فهم الميزان الواقعي للأعمال بالطريقة الايحائية في المقارنة بين ~~أعمالهم وأعمال الناس ، والله العالم. # * * * PageV10P030 ### ||| * الآية # ( @QUR@011 ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مكناكم )، التمكين : إعطاء ما يصح به الفعل مع رفع المنع ، ~~لأن الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقد يحتاج إلى آلة وإلى دلالة وإلى سبب ~~ويحتاج إلى ارتفاع المنع. فالتمكين عبارة عن جميع ذلك. # ( @QUR@01 وجعلنا ): الجعل إيجاد ما به يكون الشيء على خلاف ما كان عليه ~~، مثل أن تقول : جعلت الساكن متحركا لأنك فعلت فيه الحركة ، ونظيره التصيير ~~، وجعل الشيء أعم من حدوثه ، لأنه قد يكون بحدوث ms2352 غيره مما يتغير به. # ( @QUR@01 معايش ): جمع معيشة ، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب ، ~~وقيل هي مكاسب. # * * * ### ||| ** على الإنسان ربط حياته دوما بالله # إن الله يريد من الإنسان أن يدرس حياته دائما ، بما تشتمل عليه من PageV10P031 # إمكانات القوة ومواطن النعمة ، فيربطها بالله ، المصدر الأساس للقوة ~~والنعمة ، ليدفعه ذلك إلى الشعور بالمسؤولية أمامه ، في ما يستخدم فيه ~~القوة ، أو يستعمل فيه النعمة ... وذلك هو مفهوم الشكر العملي ، الذي يريد ~~الله من الإنسان أن يجعله الطابع العام لحركة حياته ، والسمة البارزة ~~لشخصيته ؛ وذلك بأن يحول كل ما أعطاه الله إلى السبيل الذي يتحرك فيه أمر ~~الله ونهيه ، لأنه لا يملك ذلك كله ، فلا حرية له أن يتصرف فيه تبعا لمزاجه ~~وهواه ، بل يعتبر ذلك منه تمردا على الله ، ومضادا لحالة الشكر له ... ولن ~~يتحقق ذلك إلا بالوعي الدائم لارتباط الوجود الإنساني في عناصره وخصائصه ~~بالله ، والابتعاد عن الانغلاق الفكري والروحي داخل الذات ، الذي يوحي إليه ~~بالإمكانات الذاتية التي يستمدها من وجوده بعيدا عن الله. # * * * ### ||| ** شكر الله يجب أن يلازم الإنسان # ( @QUR@04 ولقد مكناكم في الأرض ) في ما أودعه من عناصر القوة في الإنسان ~~، وما سخره له من مخلوقاته ، ( @QUR@04 وجعلنا لكم فيها معايش ) في ما ~~تأكلون وتشربون وتلبسون وتستمتعون ... لتشكروا الله على ذلك ، وتنطلقوا به ~~في طريق طاعته. ( @QUR@03 قليلا ما تشكرون )، وتلك هي النتيجة الطبيعية ~~للغفلة عن معنى الحياة المسؤولة في صلتها بالله ، لأن قضية الشكر هي قضية ~~وعي وانفتاح وإيمان ، لتعرف أن الله لم يخلقك عبثا ، ولم يخلق الحياة بدون ~~هدف ، ولم يترك الإنسان بدون نظام ... فمع كل مخلوق فكرة ، ومع كل حياة هدف ~~، وأمام كل إنسان مسئولية ، فللقوة مسئوليتها في تحمل عبء الحياة ، وللنعمة ~~مسئوليتها في تنمية طاقات الحياة حياتك وحياة الآخرين فلا مجال للسلبية أو ~~الأنانية ... وهذا ما يدفعنا إلى أن نفكر دائما بالله في كل إحساس بالقوة ، ~~وفي كل مظهر للنعمة ، لنشكر الله على ذلك ، ولنجعل من الشكر سبيلا من PageV10P032 # سبل إغناء تجربة الإنسان المؤمن في حركة الحياة. # * * * ### ||| ** هل هناك ms2353 صراع بين الإنسان والطبيعة؟ # ربما نستوحي من هذه الآية ما استوحاه بعض المفسرين وهو سيد قطب أن الله ~~خلق الأرض في طاقاتها المتنوعة والإنسان في إمكاناته العقلية والجسدية وجعل ~~بينهما نوعا من العلاقة ، بحيث سخر الأرض في امتداداتها التحتية والفوقية ~~وآفاقها الفضائية ، للقدرة الإنسانية ، وأعطى الإنسان الإمكانات الواسعة في ~~عقله وجسده التي يستطيع بها ان يكشف عن أسرارها ويسيطر على مواقعها ويحرك ~~طاقاتها ، ليستفيد منها في إغناء حياته وليمنحها من فكره الكثير من حركة ~~الإبداع الذي يطورها ويحولها إلى عنصر متحرك منتج صديق للإنسان لا عدو له ، ~~وعلى ضوء هذا تنطلق النظرية الإسلامية التي تتحدث عن التكامل بين الإنسان ~~والطبيعة ، خلافا للنظرية الغربية المادية التي تتحدث عن صراع بينها وبينه ~~، بحيث يتحول الإنسان الذي قد يسيطر على بعض أسرارها وطاقاتها إلى قاهر لها ~~، وتتحول هي عند سقوطه أمامها إلى قاهرة له. # إن الإسلام من خلال هذا الحديث عن التمكين الإلهي والتسخير الربوبي يؤكد ~~نظرية التنوع في الوجود ، في الإنسان والطبيعة ، بحيث يسير نحو التوحد مع ~~حركية الخصائص المتنوعة في داخله أما الجهد والتعقيد في الوصول إلى فعلية ~~التكامل ، فإنه من لوازم السنة الإلهية في حاجة الإنسان ، للوصول إلى ما ~~يريد ، إلى الكثير من الحركة والصعوبة التي تكلفه الكثير من الجهد ~~والتضحيات ، لأن الله أراد للأشياء أن لا تفصح عن دفائنها ، وأن لا تعطي من ~~طاقاتها إلا بذلك ، تماما كما هو خلق الإنسان في كبد ، وكما هو برنامج ~~المسؤولية الملقاة على عاتقه التي تمنحه نتائجها في الدنيا والآخرة ، وذلك ~~قوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) ~~[الانشقاق : 6]. # * * * PageV10P033 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) @QUR@017 قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) @QUR@013 قال فاهبط منها ~~فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) @QUR@05 قال أنظرني ~~إلى يوم يبعثون (14) @QUR@04 قال إنك من المنظرين (15) @QUR@07 قال فبما ~~أغويتني لأقعدن ms2354 لهم صراطك المستقيم (16) @QUR@015 ثم لآتينهم من بين أيديهم ~~ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) @QUR@012 ~~قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خلقناكم ): الخلق : إحداث الشيء على تقدير تقتضيه الحكمة. # ( @QUR@01 صورناكم ): التصوير : جعل الشيء على صورة من الصور ، والصورة ~~بنية مقومة على هيئة ظاهرة. PageV10P034 # ( @QUR@01 اسجدوا ): السجود أصله الانخفاض وحقيقته وضع الجبهة على الأرض. # ( @QUR@01 فاهبط ): الهبوط : الانحدار والسقوط. # ( @QUR@01 الصاغرين ): الصغار : الذلة والهوان ، والصاغر : الذليل. # ( @QUR@01 أنظرني ): الإنظار والإمهال والتأخير نظائر. # ( @QUR@01 يبعثون ): البعث : الإطلاق في الأمر ، والانبعاث : الانطلاق ، ~~والبعث والحشر والنشر والجمع نظائر. # ( @QUR@01 أغويتني ): أضللتني. # ( @QUR@01 مذؤما ): ذأم الشيء : عابه ؛ والذام والذيم ، أشد العيب. # ( @QUR@01 مدحورا ): مطرودا. والدحر : الدفع على وجه الهوان والإذلال. # * * * ### ||| ** عنصرية إبليس وراء سقوطه # وتبدأ الآيات من جديد ، لتضع الإنسان أمام بداية الخلق ، ليعيش التصور ~~الإسلامي عن تكريم الله له ، وعن شخصية إبليس في خصائصه الذاتية ، وفي ~~طريقته في التفكير ، وفي مخططاته من أجل إغواء الإنسان وإضلاله من خلال ~~عقدة الكبرياء المتأصلة فيه ، ثم في محاولاته الناجحة في البداية ، في ما ~~قام به من إثارة نقاط الضعف في شخصية آدم ، حتى أخرجه وزوجه من الجنة ، ثم ~~في عودة آدم إلى الله في عملية إنابة وتوبة وانطلاقة تصحيح ، وموقف قوة في ~~حركة الصراع مع إبليس ، وذلك من أجل أن يعيش الإنسان الوعي لدوره المتحرك ~~في آفاق الصراع مع الشيطان في كل مجالات حياته ... فكيف عالجت هذه الآيات القصة؟ PageV10P035 # ( @QUR@04 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) بدأ الله خلق الإنسان من طين ، ثم ~~صوره حتى تكامل خلقه إنسانا سويا يملك الصورة الجميلة والجسم المعتدل ، ~~والأجهزة الدقيقة التي تتحرك في نظام محكم متوازن ، فتحرك فيه العقل ~~والإرادة ، اللذين يستطيع من خلالهما أن يحمل مسئولية نفسه ، ومسئولية ~~الكون من حوله. ولما كان خلقه بهذه الصورة الفريدة ، كان ذلك مظهرا لقدرة ~~الله وعظمته ، فأراد الله أن يمنحه الكرامة ، ويحمله المسؤولية ، ويظهر ~~لملائكته ما في هذا المخلوق من عناصر الإبداع ومظاهر القدرة ، ( @QUR@05 ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) تحية له ، وتعظيما لله ms2355 الذي خلقه. ولم يكن ذلك ~~سجود عبادة له ، لأن الله لا يرضى لخلقه أن يعبدوا غيره ، فكيف يتعبدهم ~~بذلك؟! بل كان سجود عبادة لله وتحية لآدم ( @QUR@01 فسجدوا ). واستجاب ~~الملائكة للأمر الإلهي ، لأنهم عاشوا العبودية له كأفضل ما تكون ، فليس ~~بينهم وبين الانقياد إلا أن يصدر إليهم الأمر أو النهي ، لأن ذلك هو شأن ~~العبد مع مولاه ، فلا تساؤل ولا اعتراض. # ( @QUR@06 إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) وكان إبليس يعيش مع الملائكة ، ~~ولكنه لم يكن منهم ، بل كان من الجن ؛ ( @QUR@04 ففسق عن أمر ربه ) [الكهف ~~: 50] ورفض السجود ، وتمرد على الله .. وخاطبه الله بلهجة الإنكار ، ( ~~@QUR@07 قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك )؟! هل هناك غموض في طبيعة الأمر ، ~~أو هناك تصور بعدم شمول الخطاب له؟ لا شيء من هذا وذاك ، لأن الأمر واضح في ~~شموله للمجتمع كله ، ولكن إبليس كان يعيش في واد آخر ، فقد كانت عنصريته ~~تمنعه من أن يتنازل لعنصر آخر ، وكان هاجسه ذاته لا ربه ، فهي كل شيء ~~بالنسبة إليه ، أما علاقته بالله ، فإنها تخضع لعلاقته بأنانية نفسه ، فإذا ~~ابتعدت عن تأكيد ذلك منه ، ابتعد عنه ؛ وهكذا كان جوابه : ( @QUR@03 أنا ~~خير منه )، فكيف يسجد الأعلى للأسفل ، والأفضل للمفضول ، فعنصري أقوى من ~~عنصره وأرفع درجة ؛ ( @QUR@06 خلقتني من نار وخلقته من طين ) فأنا مخلوق من ~~النار وهو مخلوق من الطين ، والنار تفني الطين ، فكيف أتواضع له؟! PageV10P036 # وربما كان في ظن إبليس ، أن هذا المنطق التحليلي لدوافع تمرده على السجود ~~، يمكن أن ينفعه أو يشفع له عند الله ، فيعفو عنه ، ويقبل منه دفاعه ... ~~ولكن الله الذي ارتدى بالكبرياء رداء لنفسه ، ومنعه عن غيره ، لأن كل من ~~عداه هو مخلوق له محتقر في حاجته وفقره إليه ... فمن أين يأتيهم الشعور ~~بالكبر؟! لا سيما إذا كان التكبر على مخلوق نال الكرامة من الله ، مما يجعل ~~من التكبر عليه تكبرا على طاعة الله وامتثال أوامره. ولهذا أصدر الله إليه ~~الأمر بالهبوط من الجنة ، ( @QUR@09 قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها ) لأنها لا تفسح ms2356 مجالها لمن يتكبر فيها ، ويشعر بالعلو والرفعة ~~والعصيان ... ( @QUR@04 فاخرج إنك من الصاغرين ) وطرده الله من الجنة ~~ليشعره بالسقوط والذل والصغار ، لأن جو الجنة يلتقي بالعبودية المطلقة لله ~~في كل شيء. وهكذا خرج إبليس من الجنة ، ولكنه لم يستسلم لمصيره ، بل ظل ~~يعيش الحقد والانتقام في نفسه ... ( @QUR@05 قال أنظرني إلى يوم يبعثون ) ~~وكان يبحث عن المنفذ الذي ينفذ منه لتحقيق غرضه. وربما عرف أن هناك مجالا ~~للحصول على بعض المطالب في ما يتعلق بالبقاء مع آدم في ظروف معينة وأمد ~~محدود ، فطلب من الله أن يمنحه الخلود في الدنيا إلى يوم القيامة ، وأن ~~يؤخر عقابه وموته. # ( @QUR@04 قال إنك من المنظرين ) وكان لله حكمة في ذلك ، فقد أراد ~~للإنسان أن يعيش الإرادة الحرة في عملية الاختيار من خلال الصراع الذي ~~يخوضه في معركة الخير والشر. وكان لا بد للشر من عامل يثير نوازعه في نفس ~~الإنسان في مقابل نوازع الخير في نفسه ، وكان الشيطان العامل الذي يحقق ذلك ~~، ليوسوس وليزين ، وليخدع ويخادع ... وهكذا التقت رغبة الشيطان بحكمة الله ~~، فأنظره الله ( @QUR@03 إلى يوم يبعثون )، قال تعالى : ( @QUR@07 فإنك من ~~المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم ) [الحجر : 37 38]. وهنا كان الشيطان قد ~~أحرز لنفسه غرضها ، وحصل على وعد الله والله لا يخلف وعده فبدأ بالإعلان عن ~~العوامل الخبيثة الحاقدة في نفسه. # * * * PageV10P037 ### ||| ** إبليس يثأر لنفسه من الإنسان # ( @QUR@03 قال فبما أغويتني ) والغواية تختزن معنى الضلال في مقابل ~~الرشد. ولعل المراد : فبسبب إلقائك لي في الضلال ، بإخراجك إياي من رحمتك ، ~~وطردي من جنتك ، مما جعلني أجد نفسي في الاتجاه الواحد الذي يبتعد عن الهدى ~~، فسأثأر لنفسي بإدخال كل هؤلاء الذين ينتسبون إلى هذا الذي يبتعد عن الهدى ~~، فسأثأر لنفسي بإدخال كل هؤلاء الذين ينتسبون إلى هذا الذي طردتني من أجل ~~موقفي منه بكل ما ملكتني من وسائل الإضلال والغواية ... ( @QUR@04 لأقعدن ~~لهم صراطك المستقيم ) أي لألتزمن صراطك المستقيم في ما يمثله من وحيك ~~وشرائعك ، فأجلس فيه وأرصد كل السائرين عليه لأحولهم عن السير فيه ، فأنحرف ~~بهم ذات اليمين وذات الشمال ms2357 ، وأثير فيهم كل نوازع الشر والجريمة من خلال ~~نقاط الضعف الكامنة في داخلهم ، ( @QUR@011 ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) فليست هناك جهة لا أملك حرية الدخول منها ~~إلى أفكارهم ومشاعرهم وخطواتهم العملية ، وعلاقاتهم البشرية ، وكل أوضاعهم ~~العامة والخاصة ، لأنهم مكشوفون لي بكل آفاقهم الداخلية والخارجية ؛ فلهم ~~غرائز يمكن إثارتها ، ولهم مطامع يمكن اللعب عليها ، ولهم أهواء يمكن ~~التحرك من خلالها. ( @QUR@04 ولا تجد أكثرهم شاكرين ) لأن أكثريتهم لا ~~يصبرون على الحرمان والمعاناة والبعد عن الشهوات ، ولا يواجهون المواقف ~~بروح المسؤولية الجادة التي تحسب حساب النتائج الإيجابية أو السلبية ، لما ~~يقومون به من أعمال ، وما يقفونه من مواقف ، بل يسيرون على أساس مشاعر ~~اللحظة الحاضرة التي يعيش معها الإنسان توتر الغريزة ، وسعار الشهوة ، ونزق ~~الانفعالات ... وذلك من خلال نقاط الضعف ، وبذلك يفقدون الرؤية الواضحة ~~التي يستجيبون من خلالها لنداء الله في ما يأمر به أو ينهى عنه ، في ما ~~يمثل حالة الشكر العملي للنعمة الإلهية الواسعة التي أغدقها الله على ~~الإنسان في أصل وجوده ، وفي تفاصيله المتحركة بالخير في أكثر من اتجاه. # * * * PageV10P038 ### ||| ** حزب إبليس في جهنم # ولكن الله يوجه إليه الخطاب بقوة وشدة واحتقار ، ( @QUR@04 قال اخرج منها ~~مذؤما ) أي مذموما ، ( @QUR@01 مدحورا ) مطرودا بهوان وإذلال ( @QUR@03 لمن ~~تبعك منهم ) وسار على خطاك ورفض شكر النعمة ، واستجاب لوساوسك وإغراءاتك ~~... ( @QUR@04 لأملأن جهنم منكم أجمعين ) فاعملوا ما شئتم ، واعمل أنت في ~~إضلالهم وليتخبطوا في ضلالهم ... فما ذا بعد ذلك؟ هل تشفي غيظك ، هل يحققون ~~رغباتهم؟! إنها النار التي تجمعكم جميعا لتذوقوا العذاب المهين. # * * * ### ||| ** إبليس والقياس # جاء في الدر المنثور : «أخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن ~~محمد عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أول من قاس أمر الدين ~~برأيه إبليس ، قال الله تعالى له : اسجد لآدم ، فقال : ( @QUR@09 أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه ~~قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس» (1). # وجاء في الكافي ms2358 بإسناده عن عيسى بن عبد الله القرشي «قال : دخل أبو حنيفة ~~على أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام ، فقال له : يا أبا حنيفة بلغني ~~أنك تقيس ، قال : نعم. قال : لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال : ( ~~@QUR@06 خلقتني من نار وخلقته من طين ) (2). PageV10P039 # وجاء في كتاب علل الشرائع : «دخل أبو حنيفة على الإمام أبي عبد الله ~~عليه السلام فقال له : «يا أبا حنيفة ، بلغني أنك تقيس؟ قال : نعم ، قال : ~~لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال : ( @QUR@06 خلقتني من نار وخلقته من ~~طين )، فقاس ما بين النار والطين ، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف ~~فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر» (1). # لقد وقف أئمة أهل البيت موقفا حاسما من القياس كدليل من أدلة الأحكام ~~الشرعية ، انطلاقا من عدم وجود أساس يقيني له في مسألة الحجية ، فالقياس هو ~~عبارة عن تسرية حكم من موضوع إلى موضوع آخر بلحاظ وجود خصوصية مشتركة ~~بينهما ، على أساس اعتبار هذه الخصوصية هي العلة للحكم الشرعي في الموضوع ~~الأول ، مما يجعل الحكم في الموضوع الثاني خاضعا لوجود علته ، ولكن ~~الملاحظة الدقيقة ، هي أن استنباط العلة في أغلب الموارد لا يخضع لليقين ~~بها ، بل يحصل من حالة ظنية تلتقي مع احتمال الخلاف ، لأن من الممكن أن ~~تكون هناك خصوصية أخرى في الموضوع الأول هي التي أنتجت الحكم ، وربما يكون ~~لاجتماع الخصوصيات الأخرى إلى جانب الخصوصية المشتركة دخل في جعل الحكم ، ~~بل ربما تكون هناك خصوصية خفية لم يدركها الباحث هي الأساس في الحكم ، ~~فيكون إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر حاصلا من الظن الذي «لا يغني من ~~الحق شيئا» ولا دليل على حجيته من ناحية خاصة. وربما يذكر البعض مثالا ~~لابتعاد القياس عن الصواب مثال «البول» و «العرق» ، فقد حكم على بول الإنسان ~~بالنجاسة وحكم على العرق بالطهارة مع أنهما متشابهان في خروج كل منهما من ~~داخل جسم الإنسان ، فهل يحكم على العرق بالنجاسة لأجل ذلك ، في الوقت الذي ~~يفترقان بأن ms2359 أحدهما أرق والآخر أغلظ ، وأن الاجتناب عن PageV10P040 # أحدهما وهو البول أسهل ، بينما الاجتناب عن العرق أصعب. # وإذا كان القياس متعارفا عند الناس في بعض أمورهم ، فإن السبب في ذلك هو ~~اكتشافهم العلة الكامنة وراء الحكم العرفي ، بلحاظ معرفتهم بالأسس ~~العقلائية التي ارتكز عليها من خلال ما يعرفونه من مرتكزاتهم بشكل يقيني ، ~~ولكنهم يتوقفون في الحالات التي لا يحيطون بخصوصياتها الذاتية ، وهذا ما قد ~~نلاحظه في الأطباء الذين لا يبادرون إلى إعطاء دواء مريض لمريض آخر يشبهه ~~في بعض المواصفات ، لإمكان أن يكون مختلفا عنه في صفات مرضية أخرى ، مما ~~يجعل من الدواء عنصرا ضارا له بلحاظ تلك الخصوصية المنفردة. # وربما كان الأساس في ذهاب أبي حنيفة للقياس هو قلة الأحاديث الصحيحة ~~الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما نقل عنه مما يجعل من الواقع ~~الفقهي واقعا يشبه ما ذكره الأصوليون من علماء الشيعة في موضوع انسداد باب ~~العلم والحجج الخاصة ، الأمر الذي ذهب فيه بعضهم إلى حجية الظن المطلق ، ~~ولكنه أمر غير واقعي لورود الكثير من الأحاديث الواردة عن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت الذين يتحدثون عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في كل أحاديثهم ، بالإضافة إلى نصوص القرآن ، الأمر ~~الذي لا يجعل هناك فراغا فقهيا أو حاجة استنباطية يفرض اللجوء إلى القياس ~~أو إلى الظنون الأخرى ، في الوقت الذي يصعب فيه معرفة علل الأحكام الشرعية ~~بشكل دقيق ، مما يجعل من القياس وسيلة من وسائل الابتعاد عن الحقيقة في ~~الحكم الشرعي من خلال الظنون المتنوعة التي قد تختلف باختلاف الأشخاص. # وتبقى هناك حالة واحدة ، وهي صورة «منصوص العلة» بأن يأتي ذكر العلة في ~~الحديث نفسه الدال على الحكم الشرعي ، كما إذا قال : لا تشرب الخمر لأنه ~~مسكر ، فإننا نستوحي من ظاهر الكلام علية الإسكار للحرمة ، مما PageV10P041 # يجعل عنوان المسكر هو عنوان الموضوع للحرمة ، لأن العلة تؤدي إلى سعة ~~الموضوع ليشمل كل مسكر ، ففي هذه الحال لا مانع من إسراء حكم الخمر ms2360 في ~~الحرمة إلى كل مسكر. # وقد شدد أهل البيت عليهم السلام على رفض القياس ، كما شدد عليه ابن حزم ~~الظاهري ، لحماية الأحكام الشرعية من الانحراف عن خط الحقيقة التشريعية ، ~~وقد اتبعوا جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حسب الرواية المتقدمة ، ~~باعتبار إبليس هو الذي بدأ القياس عند ما اعتبر أن السبب في التكريم لا بد ~~من أن ينطلق من قوة العنصر ، فهو الأساس في التفضيل ، ولذلك اعترض على ~~تفضيل الله لآدم قال : «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين» ، ~~باعتبار أن النار أقوى من التراب لأنها تفنيه ، ولكنه لم يلتفت إلى ~~الخصوصيات الروحية والمعنوية المتناسبة مع الدور الذي أو كله الله لآدم ، ~~بالإضافة إلى خصائص التراب في عملية الإنتاج الزراعي وفي بناء الأبنية ونحو ~~ذلك ، وهكذا كانت غوايته منطلقة من عدم وعيه للخصائص الخفية الحقيقية التي ~~تكمن وراء التفضيل الإلهي لآدم. # وبكلمة واحدة ، إن اليقين هو الأساس الوحيد للحجية ولا بد لكل حجة من ~~الانتهاء إلى اليقين ، حتى لو كان ذلك بلحاظ تنصيص الشارع على حجيتها ~~باعتبار أن الأمر يرجع إليه ، وأما الظن فإنه «لا يغني من الحق شيئا» ، ~~فكيف نعتمد عليه بدون دليل ليكون القياس حجة! # وقد حاول أصوليو السنة أن يستدلوا على حجية القياس بأدلة متنوعة من ~~الكتاب والسنة ، ولكنها لا تثبت أمام النقد العلمي. # * * * PageV10P042 ### ||| ** إبليس والتكبر # جاء في الكافي عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث : «وللمعاصي شعب ، ~~فأول ما عصى الله به الكبر معصية إبليس حين أبى واستكبر» (1). # إن قيمة هذا الحديث هي الإشارة إلى الأساس الذي دفع بإبليس إلى عصيان أمر ~~الله في السجود لآدم ، فلم تكن المسألة مسألة إخلاص في توحيد الله بحيث ~~يمنعه من السجود لغيره ، لأن السجود ليس عبادة لآدم وخضوعا له ، بل هو سجود ~~لله في التعبير عن الإحساس بعظمته في خلقه ، وتحية لآدم في العناصر المميزة ~~في ذاته ، بل كانت المسألة مسألة إحساس بالكبرياء الذاتي أو التفوق العنصري ~~الذي يجعله مستغرقا في مشاعره المعقدة ، على ms2361 أساس أنه يملك من عناصر ~~الامتياز ما لا يملكه هذا المخلوق الجديد ، وذلك بالتفكير في القضية من ~~جانب واحد وهو جانب العنصر الناري ، الذي هو أقوى من العنصر الترابي ، ~~والغفلة عن العناصر الأخرى المميزة التي تتمثل في خلق آدم ، حتى أن ~~الترابية إذا كانت أضعف من النارية من بعض الجهات ، فإنها تتميز بخصائص ~~كثيرة في إغناء الحياة في عملية الخصب والنمو والعمران ونحو ذلك ، وعدم ~~الالتفات إلى أن الله لم يجمع في أي موجود كل الخصائص ، بل جعل لكل موجود ~~خصائص معينة تختلف عما جعله في الموجود الآخر ، لأن تنوع الموجودات في ~~خصائصها وعناصرها هو الذي يمنح النظام الكوني توازنه وتكامله من خلال ~~اجتماع العناصر المتنوعة في داخله. # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن الأنانية لا تمثل حالة وعي في الإنسان بلحاظ ~~استغراقه في أعماق الذات ، بل تمثل حالة غفلة إنسانية عن سر التنوع في PageV10P043 # عناصر الوجود ، وعن اختلاف الجوانب في خصائص الذات ، وعن البعد الفكري عن ~~فهم الآخر في مميزاته الوجودية ، تماما كمن يقضي عمره في زاوية مغلقة ~~يستغرق فيها فيخيل إليه أن العالم يتمثل في هذه الزاوية ، لأنها هي التي ~~عانت فيها تجربته الذاتية. # وهذه هي مشكلة الأنانيين الذين لا ينظرون إلى الناس الآخرين في فضائلهم ~~المميزة ، ولا ينظرون إلى أنفسهم في سلبياتهم الذاتية ولا يدخلون في مقارنة ~~واقعية إنسانية بين عناصرهم الشخصية وعناصر الآخرين ، وبذلك تتحول الأنانية ~~إلى كبرياء لتتحول الكبرياء إلى عقدة في الذات توحي باتخاذ المواقف ~~العدوانية ضد الآخر ، لا سيما إذا استطاع أن يبلغ الدرجات العليا في الحياة ~~، وأن يتغلب عليه في الحصول على امتيازات واقعية في الواقع الإنساني. # وهذا هو الذي تمثله إبليس في موقفه من آدم وبنيه ، فقد استفاد من حرية ~~الحركة التي منحه الله إياها في التجوال في الجنة التي كان يقيم فيها آدم ~~وزوجه ، ومن نقاط الضعف البشري في شخصيته ، ومن فقدانه للتجربة المتحركة في ~~معرفة إبليس الذي لم يتيسر لآدم التعرف عليه بخصائصه الشريرة عن قرب .. ~~وهكذا عمل على أن ms2362 يرسم خطته في إبعاده عن رضوان الله وقربه منه ، وذلك ~~بالعمل على استغلال نهي الله لآدم وزوجه عن أكلهما من الشجرة لحكمة منه في ~~ذلك ، مما لم يثر فيهما أي رد فعل سلبي ، فقد تقبلاه بكل رضى وطواعية وخضوع ~~وإذعان. # وبدأ إبليس خطته ، فقد أقسم لهما إنه من الناصحين ، ليبعث الثقة به في ~~وجدانهما ، لأنه ليس من الطبيعي أن يقسم بالله كاذبا لا سيما أنهما كانا لا ~~يعرفان الكذب في التجربة الواقعية ، ثم أنار في داخلهما أحلام الخلود ~~والتحول إلى الشخصية الملائكية التي ربما كانا يملكان صورة PageV10P044 # جيدة لها بحيث تنفتح عليها أحلامهما ، وهكذا أخرجهما من الجنة إلى الأرض. # * * * ### ||| ** لماذا أمهل الله إبليس؟ # وفكر أن لا يقف عند هذا الحد ، فإن هناك فرصة جديدة لآدم وذريته أن ~~يدخلوا الجنة إذا اتبعوا هدى الله ، ولذلك فقد طلب من الله مهلة انتظارية ~~يجمد الله فيها عقوبته له في نطاقها ، ومنحه الله هذه الفرصة المنشودة ، ~~إما تكريما لعبادته التاريخية عند ما كان في مجتمع الملائكة كما لو كان ~~أحدهم ، وإما ابتلاء للإنسان واختبارا لحركة عقله وإرادته في الطاعة ~~الإرادية القائمة على وقوفه أمام خياري الخير والشر ، ليكون لإبليس ، ~~الشيطان ، دوره في الوسوسة الداخلية المحركة للغرائز في اتجاه قلق الشر ، ~~وحركته في الإيحاء في إثارة الأحلام الخيالية والشهوات الجامحة ، وتزيين ~~الصورة القبيحة ، وتقبيح الصورة الحسنة ، وإطلاق الوعود المعسولة ، ونصب ~~الحبائل الشيطانية في طريق الهدى من أجل أن يسقطوا فيها فلا يمتدوا في ~~مسيرتهم الإيمانية .. وهكذا أعلن خطته الإضلالية في حصار الإنسان بشهواته ~~وأمانيه وحبائله وخدعه ، ليحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ، ~~ليمنعه من شكر الله قولا وعملا ومن السير في الخط المستقيم ، ليبعده عن ~~الجنة ويدخله النار ، ليرضي بذلك حقده وعداوته ضد هذا الذي كرمه الله عليه ~~، ليسقط هذه الكرامة من ذريته ، ليقعوا تحت تأثير غضب الله باستسلامهم ~~لغروره وخداعه. ولكن الله يحذر بني آدم أن لا يتبعوا خطوات الشيطان حتى لا ~~يخرجهم من الجنة كما أخرج أبويهم من الجنة ms2363 ، ويؤكد له أن عباده الصالحين ~~الذين يتحركون من موقع عقولهم ووعيهم الإيماني وإرادتهم التقية ، ليس له ~~سلطان عليهم إلا أولئك الذين لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~بها ولهم آذان لا يسمعون بها ، PageV10P045 # ولهم نقاط قوة لا يحركونها في حياتهم العملية ، مما يترك تأثيره على ~~أقوالهم وأفعالهم ، فينحرفون عن الخط المستقيم ، فهؤلاء لم يتحركوا في خط ~~الانحراف من أجل سلطانه عليهم ، بل من جهة أنهم أهملوا سلطان إنسانيتهم على ~~حركتهم ، واستضعفوا أنفسهم ، وخضعوا لاستكباره في أجواء الغفلة ، وما ظلمهم ~~الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # وهكذا كان هذا التكبر الشيطاني على الله بالتمرد على أوامره ونواهيه ، ~~عبر التكبر على آدم بامتناعه من السجود له ، سببا لكل هذه العدوانية على ~~آدم وذريته ، وكل هذه العقدة الحاقدة في شخصيته. # * * * ### ||| ** لا سبيل للشيطان إلى إرادة الإنسان # ولم تكن مشكلة البشر من خلال وجوده واستمراره وقدرته على الوسوسة ~~والإثارة والتزيين والخداع ، مما يقلب فيه المقاييس ويغير الصورة ويثير ~~الأجواء القلقة في الإدراك الإنساني ، بل المشكلة لديهم من خلال إهمالهم ~~لقدراتهم الفكرية والعقلية وأصالتهم الإنسانية ، وقاعدتهم الإيمانية ، ~~وإرادتهم القوية ، لأن الشيطان لا يملك أن يشل إرادة الإنسان ، وأن يعطل ~~قدرته فالإنسان الذي خلقه الله ضعيفا لا يعيش الضعف قضاء محتوما ، وقدرا ~~حاسما ، بل يملك أن يحول الضعف إلى قوة ببركة الوسائل المادية والغيبية ~~التي حركها الله في حياته ، فإذا أهمل ذلك ، فقد اختار لنفسه الهلاك ~~بإرادته واختياره ، لا بسبب ضغط الشيطان عليه ، وهذا هو الذي عبرت عنه ~~الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@025 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني PageV10P046 # @QUR@019 ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) [إبراهيم : 22]. # فنحن نلاحظ في هذه الآية أن الشيطان يتخفف من عبء المسؤولية التي يحملها ~~الخاطئون له ليذكرهم أن دوره ينتهي عند دعوته إليهم بوسائله المتنوعة ، ولا ~~يتعداه ms2364 إلى السيطرة عليهم ، فعليهم أن يتحملوا مسئولية أنفسهم في الانحراف ~~، لأن الله وعدهم وعد الحق ، فلما ذا لم يستجيبوا له ولم يثقوا به ، وإنه ~~وعدهم فأخلفهم ، وقد عرفهم الله صفة الشيطان في ذلك ، فلما ذا استجابوا له؟! # وهكذا نجد الشيطان في هذا الحوار النهائي بينه وبين الإنسان الخاطئ في ~~صورة المخلوق الذي يواجه مصيره من دون أن يجد أحدا ممن اتبعه في ضلاله ~~ناصرا له ، كما يواجه أولئك مصيرهم من دون أن يملك نصرتهم .. لينكمش في ~~النهاية المهلكة في زاوية من زوايا جهنم في ساحة الذل والهوان ، فيسقط ~~كبرياؤه وتتمزق أنانيته ، ويبقى آدم والصالحون من ذريته في عزة الإيمان ~~والإخلاص والطاعة لله ، بعد أن حركوا إنسانيتهم في اتجاه الخير المنفتح ~~دائما عليه تعالى . # * * * ### ||| ** لينتبه المتكبرون في الأرض # وهذا ما ينبغي للمتكبرين أن يدرسوه ويعرفوه ، وما يجدر بالأنانيين أن ~~يواجهوه ، ليصلوا إلى النتيجة الحاسمة ، وهي أن التكبر قد يمنح المتكبر ~~فرصة في ممارسة عقدة كبريائه في الضغط على المستضعفين ، وأن الأنانية قد ~~تفتح لصاحبها بعض النوافذ على مواقع العلو في الحياة ، ولكن هذا وذاك سوف PageV10P047 # يواجهان الحقيقة بالسقوط الإنساني في الدنيا وبالعذاب الأبدي في الآخرة ، ~~ولعل مصير المتكبر الأكبر والأناني الأعظم ، إبليس ، هو الشاهد الحي على ~~ذلك كله ، ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) [المنافقون : 8]. # * * * ### ||| ** إبليس في إحاطته بالإنسان # ذكر صاحب تفسير الميزان في تفسير قوله تعالى في ما قصة من كلام إبليس إن ~~المراد من قوله : ( @QUR@03 من بين أيديهم ) «ما يستقبلهم من الحوادث أيام ~~حياتهم مما تتعلق به الآمال والأماني من الأمور التي تهواها النفوس ~~وتستلذها الطباع ، ومما يكرهه الإنسان ويخاف نزوله به ، كالفقر يخاف منه لو ~~أنفق المال في سبيل الله ، أو ذم الناس ولومهم لو ورد سبيلا من سبل الخير ~~والثواب. # والمراد بخلفهم ناحية الأولاد والأعقاب ، فللإنسان فيمن يخلفه بعده من ~~الأولاد آمال وآمان ومخاوف ومكاره ، فانه يخيل إليه أنه يبقى ببقائهم فيسره ~~ما يسرهم ، ويسوؤه ما يسوؤهم ، فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم ، ويعد ~~لهم ما استطاع من قوة ms2365 ، فيهلك نفسه في سبيل حياتهم. # والمراد باليمين وهو الجانب القوي الميمون من الإنسان ناحية سعادتهم وهو ~~الدين وإتيانه من جانب اليمين ، أن يزين لهم المبالغة في بعض الأمور ~~الدينية ، والتكلف بما لم يأمرهم به الله ، وهو الذي يسميه الله تعالى ~~باتباع خطوات الشيطان. # والمراد بالشمال خلاف اليمين ، وإتيانه منه أن يزين لهم الفحشاء والمنكر ~~ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع الأهواء» (1). PageV10P048 # وجاء في مجمع البيان حديث مروي عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال ~~: ( @QUR@05 ثم لآتينهم من بين أيديهم ) معناه أهون عليهم أمر الآخرة ( ~~@QUR@02 ومن خلفهم ) آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى ~~لورثتهم ( @QUR@02 وعن أيمانهم ) أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة ~~وتحسين الشبهة ( @QUR@02 وعن شمائلهم ) بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات ~~على قلوبهم. وإنما دخلت (من) في القدام والخلف ، و (عن) في اليمين والشمال ، ~~لأن في القدام والخلف معنى طلب النهاية ، وفي اليمين والشمال الانحراف عن ~~الجهة (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن الظاهر من الآية أنها واردة في مقام ضرب المثل بحال ~~العدو الذي يحاصر عدوه من جميع الجهات ، فلا يملك الهروب منه لإحاطته به من ~~جميع جوانبه ، وليست في مقام بيان تفاصيل الخطط الشيطانية وتحديد عمل ~~الشيطان في كل جهة. # ولكن لا مانع من أن تكون هذه التفاصيل بمثابة المصاديق المتصورة في هذا ~~الجانب أو ذاك ، أو بمثابة الاستيحاء من الآية ، لأن اعتبارها من المعنى لا ~~يخلو من خفاء ، فإن بعض الأمور المذكورة تمثل نتائج العمل ، لا العمل نفسه ~~الذي يتدخل فيه إبليس ، والله العالم. # وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري : «فإن قلت : كيف قيل : ( @QUR@05 من بين ~~أيديهم ومن خلفهم ) بحرف الابتداء و ( @QUR@04 وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ~~بحرف المجاورة؟ قلت : المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول ~~به ، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا ، وكانت لغة تؤخذ ولا ~~تقاس ، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط. # فلما سمعناهم يقولون : جلس عن يمينه وعلى يمينه ، وعن شماله PageV10P049 # وعلى شماله ، قلنا : معنى عن يمينه أنه تمكن ms2366 من جهة اليمين تمكن المستعلي ~~من المستعلى عليه ، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا ~~عنه غير ملاصق له ، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ، كما ذكرنا في ~~(تعال) ونحوه عن المفعول به قولهم : رميت عن القوس ، وعلى القوس ، ومن ~~القوس ، لأن السهم يبعد عنها ، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ، ويبتدأ ~~الرمي منها ، وكذلك قالوا : جلس بين يديه وخلفه بمعنى فيه لأنهما ظرفان ~~للفعل ، ومن بين يديه ومن خلفه ، لأن الفعل يقع في بعض الجهتين ، كما تقول ~~: جئته من الليل ، تريد بعض الليل» (1). # * * * PageV10P050 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) @QUR@025 فوسوس لهما الشيطان ليبدي ~~لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) @QUR@05 وقاسمهما إني لكما لمن ~~الناصحين (21) @QUR@028 فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) @QUR@012 قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) @QUR@012 قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) @QUR@07 قال ~~فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فوسوس ): الوسوسة : الصوت الخفي المكروه ، وقد يراد بها هنا ما PageV10P051 # يجده الإنسان في نفسه من الخواطر الضارة. # ( @QUR@01 ليبدي ): الإبداء : الإظهار وهو جعل الشيء على صفة ما يصح أن ~~يدرك ، وضده : الإخفاء ، وكل شيء أزيل عنه الساتر فقد أبدي. # ( @QUR@01 ووري ) الشيء : غطي وستر. والمواراة : جعل الشيء وراء ما يستره ~~، ومثله المساترة وضده المكاشفة. # ( @QUR@01 سوآتهما ): السوأة : ما يسوء الإنسان ؛ والمراد بها هنا ~~العورة ، حيث يسوؤه ظهورها. # ( @QUR@01 وقاسمهما ): المقاسمة لا تكون إلا بين اثنين ، والقسم كان من ~~إبليس لا من آدم. وإنما قال : وقاسمهما ، كما يقال : عاقبت اللص وطارقت ~~النعل وعافاه الله ، وكذلك قاسمته ، وقيل إن في جميع ذلك معنى المقابلة ، ~~كأنه قابله في المنازعة باليمين ms2367 ، والمعاقبة مقابلة بالجزاء ، وكذلك ~~المعافاة مقابلة المرض بالسلامة. # ( @QUR@01 فدلاهما ): استنزلهما وجرأهما على الخطيئة ، والتدلي : الدنو ~~والاسترسال ، من دلوت الدلو أرسلتها ، وأدليتها : أخرجتها ، ومنه قولهم : ~~فلان يتدلى إلى الشر لأن الشر سافل والخير عال. # ( @QUR@01 بغرور ): بباطل وخداع. # ( @QUR@01 وطفقا ): أخذا ، شرعا. # ( @QUR@01 يخصفان ): يلصقان ورقة على ورقة. # ( @QUR@01 اهبطوا ): انزلوا بسرعة ، والهبوط : النزول بسرعة. # ( @QUR@01 عدو ): العدو ضد الولي ، وقيل : العدو هو النائي بنصرته في ~~وقت الحاجة إلى معونته ، والولي هو الداني بنصرته في وقت الحاجة إلى ~~معونته. PageV10P052 # ( @QUR@01 مستقر ): هو موضع الاستقرار ، وقيل : هو الاستقرار بعينه ، ~~لأن المصدر يجيء على وزن المفعول. # ( @QUR@01 ومتاع ): المتاع : الانتفاع بما فيه عاجل استلذاذ ، لأن ~~المناظر الحسنة يستمتع بها لما فيها من عاجل اللذة. # ( @QUR@01 حين ): الحين : الوقت ، قصيرا كان أو طويلا ، إلا أنه قد ~~استعمل هنا على طول الوقت ، وليس بأصل فيه ، كقول القائل : ما لقيته منذ حين. # * * * ### ||| ** آدم وحواء يخضعان لخداع إبليس # ... وأراد الله الإيحاء إلى آدم بكرامته عليه ، في ما يمهد له من سبل ~~رضوانه ونعمه ، فقال له : ( @QUR@06 ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) وخذا ~~حريتكما في التمتع بأثمارها في ما تختاران منها مما تستلذانه أو تشتهيانه ~~... ( @QUR@04 فكلا من حيث شئتما ) لا يمنعكما منه مانع ، ( @QUR@04 ولا ~~تقربا هذه الشجرة ) فهي محرمة عليكما. هذه هي إرادة الله التي انطلقت من ~~موقع حكمته في توجيهكما إلى أن تواجها المسؤولية من موقع الالتزام والإرادة ~~، في الامتناع عن بعض ما تشتهيانه من أجل إطاعته في ما يأمر به أو ينهى عنه ~~، فلا بد من تجربة أولى لحركة الإنسان في عملية الإرادة ، فلتبدأ تجربتكما ~~الأولى في هذه الأجواء الفسيحة التي منحكما الله فيها كل شيء ، مما يجعل من ~~النهي الصادر منه إليكما ، تكليفا ميسرا لا صعوبة فيه ولا حرج ، فبإمكانكما ~~السير في نقطة البداية من أيسر طريق ، ف ( @QUR@07 لا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين )، الذين يظلمون أنفسهم ، ويسيئون إليها بالانحراف عن ~~خط المسؤولية في طاعة الله. ولم يكن لديهما أي حافز ذاتي يدفعهما إلى ~~المعصية ، لأنهما لا يشعران بالحاجة إلى PageV10P053 # هذه الشجرة ms2368 بالذات ، ما دامت الشجرة لا تمثل شيئا مميزا في شكلها وثمرها. # * * * ### ||| ** التوهم علة الانحراف # ولكن إبليس ، الذي أخرجه الله من الجنة ، ومنعه أن يسكنها ، كان يملك ~~الاقتراب منها ، أو التردد عليها ، فعمل على أن يثير في داخلهما الأفكار ~~التي تجعل من هذه الشجرة قضية مهمة ذات أبعاد كبيرة في حياتهما ، وأن يحول ~~هذا السلام الداخلي والصفاء الروحي اللذين يعيشانهما في علاقتهما بالله إلى ~~حالة عنيفة من الهم والقلق والتطلع إلى آفاق موهومة يفتحها الخيال الذي ~~يريد إثارته في أحلامهما. وتلك هي قصة الأحلام السعيدة في أكثر مظاهرها ، ~~فهي تتحرك من مواقع الخيال الذي يتحرك في النفس كما يتحرك الضباب ، فيحس ~~معه الإنسان بسحر الغموض الذي لا يطيق معه أن يخرج إلى مطالع النور ، وكلما ~~زادت خيالات الإنسان ، كلما ابتعدت الصورة الحقيقية عن وجدانه ، لأنه ~~يعطيها ضخامة لا تملكها ، وسحرا لا تحتويه. وهذا ما يزين المعصية لدى ~~الإنسان ، عند ما يتحرك للاعتداء على ما يملكه غيره ، مما يملك مثله ، على ~~أساس الخيالات التي تصور له أنه يتميز عما لديه. وهذا ما عبر عنه الإمام ~~علي عليه السلام عند ما كان جالسا بين أصحابه ذات يوم ، فمرت امرأة جميلة ، ~~فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال لهم : «إن أبصار هذه الفحول طوامح وإن ذلك ~~سبب هبابها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله ، فإنما هي ~~امرأة كامرأته» (1). # هذا ما يريد أن يثيره في أنفسهم .. ليس هناك فرق بين الشهوة التي يحصل ~~عليها من الاتصال بامرأته أو من الاتصال بامرأة أخرى ، إلا في ما يثيره PageV10P054 # الخيال في نفس الإنسان من أوهام ، بما تحدثه من أحاسيس ومشاعر حميمة لا ~~أساس لها. وهذا ما بدأه إبليس في تجربته الأولى لإغواء آدم وحواء ؛ فقد ~~عاشا في الجنة ، ولا فكرة لهما عن المستقبل ، ولا عن الحياة والموت ، أو عن ~~الخلود والفناء ، ولا طموح لهما في مسألة الملك والرفعة ؛ فهما هنا في ~~الجنة في رضوان الله ونعيمه ، يعيشان السعادة والطمأنينة والسلام الروحي ~~دون مشكلة ( @QUR@03 فوسوس لهما الشيطان ) بطريقته الخاصة ، وأثار ms2369 في ~~داخلهما الإحساس بفكرة جديدة لم تخطر لهما على بال ؛ فهما هنا في الجنة ~~يستمتعان بكل شيء فيها ، ما عدا هذه الشجرة ، فلما ذا المنع عن هذه الشجرة ~~بالذات؟ لا بد أن هناك سرا خفيا وراء ذلك ، فما هو هذا السر؟! وكانا يسيران ~~عاريين لا يلتفتان إلى شيء يميز عضوا عن عضو في جسديهما مما يثير الحياء ~~والخجل. وبدأت الأخيلة الجديدة تثير علامات الاستفهام أمامهما ... ما هذا ~~وما ذاك؟ وما دور هذا ، وما دور ذاك ... وتحولت الوسوسة الخفية الدائمة ، ~~إلى حالة من القلق الخفيف الذي يزحف على المشاعر فيحركها في حالة من التوتر ~~والارتباك ... واستمر إبليس في إثارة الوسوسة في داخلهما ( @QUR@07 ليبدي ~~لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ) ليعيشا هذا الهاجس العضوي في جسديهما. ( ~~@QUR@015 وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ~~من الخالدين ) وأثار في داخلهما طموح الملك والسيطرة والخلود ، وربط ذلك ~~بالشجرة ، فهي تحمل في ثمرها سر الخلود والملك. فانطلقا إليها بكل شوق ~~ولهفة ، وأطبقت عليهما الغفلة عن مواقع أمر الله ونهيه ، لأن الإنسان إذا ~~استغرق في مشاعره وطموحاته الذاتية ، واستسلم لأحلامه الخيالية ، نسي ربه ، ~~ونسي موقعه منه ، وأصبح يفكر في الاتجاه الواحد الذي يقوده إليها بعيدا عن ~~كل مسئولية. # * * * PageV10P055 ### ||| ** إبليس يستغل براءة آدم وحواء # وربما استشعرا بعض القلق في داخلهما ، وعاشا بعض التردد في موقفهما. ~~وحاول إبليس أن يزيل ذلك كله ، فيؤكد الموقف لهما بالطريقة التي لا مجال ~~فيها للتراجع ، وذلك بالأيمان المغلظة التي يطلقها بحرارة المؤمن بما يقول ~~، الواثق بما يعد ( @QUR@05 وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين )، وحلف لهما ~~أنه لا يدخر جهدا في تقديم النصيحة لهما ، فلا مصلحة له في أن يأكلا أو لا ~~يأكلا ، بل هي مصلحتهما أولا وأخيرا. ولم يكن عندهما أية تجربة سابقة مع ~~مخلوق يحلف بالله ويكذب ، أو يؤكد النصيحة ويخون أو يغش ، فصدقاه وأقبلا ~~على تلك الشجرة المحرمة يذوقان من ثمرها ( @QUR@02 فدلاهما بغرور ) أي ~~أنزلهما عن درجتهما الرفيعة ، فأوصلهما إلى مرحلة السقوط بسبب الغرور الذي ~~أوقعهما ms2370 فيه ، في ما استعمله من أساليب الخداع. ( @QUR@06 فلما ذاقا الشجرة ~~بدت لهما سوآتهما ) وشعرا بالعري الذي بدأ يبعث في نفسيهما الشعور بالخزي ~~والعار ، في إحساس جديد لم يكن لهما به عهد من قبل. وقيل : إنهما كانا ~~يلبسان لباس أهل الجنة ، فسقط عنهما بسبب المعصية. ( @QUR@06 وطفقا يخصفان ~~عليهما من ورق الجنة ) ليسترا سوءاتهما في إحساس بالحاجة إلى ذلك ، بطريقة ~~غريزية ، من خلال شعورهما بالدور الخجول للعورة ، أو لأمر آخر يعلمه الله ، ~~وسقطا في الامتحان وأخفقا في التجربة ، وبدأ هناك شعور خفي بالخيبة ~~والمرارة نتيجة إحساسهما بأنهما ارتكبا ما لا يجب أن يرتكباه ، وربما تذكرا ~~نهي الله لهما عن الأكل من الشجرة ، وربما يكونان قد عاشا بعض الحيرة في ما ~~يفعلانه في موقفهما هذا ، فهذا أمر جديد لا يعرفان كيف يتصرفان فيه .. # وهنا جاءهما النداء من الله مذكرا ومؤنبا ( @QUR@07 وناداهما ربهما ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة )؟! فكيف خالفتما هذا النهي وعصيتماني ؛ ما حجتكما ~~في ذلك؟ هل هي وسوسة الشيطان؟ وكيف لم تنتبها إلى وسوسته ؛ ألم أحذركما منه PageV10P056 # ( @QUR@07 وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ) يضمر لكما الحقد ~~والعداوة والحسد ، منذ رفض السجود مع الملائكة ، وخالف أمر الله بذلك ، ~~ووقف وقفة التحدي للإنسان ليغويه ويضره ويقوده إلى عذاب السعير؟ وها أنتما ~~تريان كيف قادكما إلى هذا الموقف المهين. # وتمثلت لهما الجريمة في مستوى الكارثة ؛ كيف نسيا تحذير الله لهما ، كيف ~~أقبلا على ممارسة الرغبة المحرمة وغفلا عن عداوة الشيطان لهما ، وكيف خالفا ~~أمر الله الذي خلقهما وأنعم عليهما؟؟ وبدءا يعيشان الندم كأعمق ما يكون ، ~~في إحساس بالحسرة والمرارة والذعر ... ولكنهما لم يستسلما لهذه المشاعر ~~السلبية طويلا ، ولم يسقطا في وهدة اليأس ، فلهما من الله أكثر من أمل ، ~~لأنه الرب الكريم الذي لا يتعاظمه غفران الذنب العظيم. فرجعا إليه ، وعادا ~~إلى كنف رحمته يتطلعان إلى مغفرته ورضوانه ، في موقف الاعتراف الخاشع. ( ~~@QUR@04 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ) بما أخطأنا وما خالفنا ، لأننا لم نتصور ~~أن هناك مخلوقا يغش ويخدع ، أو يكذب ويخون ... فنحن لم نخض تجربة ms2371 مماثلة ~~سابقة في حياتنا ، أو في حياة مخلوقات أخرى ، فاستسلمنا للخداع بطيبة قلب ، ~~وغفلنا عن كل النتائج السلبية من جراء ذلك ، وربما خيل لنا أن مثل هذه ~~الأفكار التي أثارها في أنفسنا قد تصلح مبررا لتجاوز النهي ، لأننا لم ~~نتعمق في معرفة مسئولية الإنسان أمام الأمر والنهي بشكل دقيق. وها نحن ~~أمامك نفتح لك قلوبنا وأفكارنا وحياتنا كلها لتكون بين يديك ، في ما نستقبل ~~من قضايا وأوضاع ، وما تريده أو لا تريده منا. فأمرنا أو انهنا نطعك في ذلك كله .. # وتلك هي روحية الإنسان المؤمن في حالة الاعتراف النادم بالذنب أمام الله ~~، من أجل مواجهة الموقف بالتوبة للحصول على المغفرة والرحمة. فاغفر لنا ~~بمغفرتك ، وارحمنا برحمتك ، ( @QUR@08 وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين ) الذين خسروا أنفسهم بفقدانهم لرحمة الله ومغفرته ورضوانه ... ~~وهذا ما لا PageV10P057 # تقوم له السموات والأرض ، فكيف بالإنسان الضعيف الذليل الفقير المسكين ~~المستكين ... وغفر الله لهما وتاب عليهما ، ولكنه أمرهما بالخروج من الجنة ~~، كما أمر إبليس بالخروج منها ، لأنهما عصياه كما عصاه ، وإن كان الفرق ~~بينهما أنه ظل مصرا على المعصية ولم يتب فلم يغفر له الله ، بينما وقف آدم ~~وزوجته في موقف التوبة فغفر لهما. # * * * ### ||| ** هبوط آدم وحواء إلى مستقرهما الأرضي # ( @QUR@02 قال اهبطوا ) إلى الأرض فذلكم مكانكم الطبيعي الذي تعيشون فيه ~~الصراع بين الحق الذي تمثله إرادة الله في وحيه وشريعته ، وبين الباطل الذي ~~تمثله إرادة الشيطان في أضاليله ووسوسته ، ( @QUR@03 بعضكم لبعض عدو )، ~~فليس هناك قاعدة مشتركة بين مصلحة الإنسان في السير في طريق الله الذي يؤدي ~~به إلى الجنة ، ومصلحة الشيطان في السير في طريق الضلال الذي يؤدي بالإنسان ~~إلى النار ( @QUR@07 ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) فليس هناك خلود ~~واستقرار دائم ، بل هو الاستقرار الذي يتهيأ الإنسان معه للرحيل ريثما يأخذ ~~متاعه وزاده. ( @QUR@07 قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون )، هي ~~دار الحياة المسؤولة في ما يفعله الإنسان من خير أو شر ، وهي دار الموت ~~الذي تخمد فيه شعلة الحياة ، وهي الدار التي ms2372 يبعث فيها الإنسان من قبره ~~ليواجه نتائج المسؤولية ، في ما خلفه وراءه من أعمال وعلاقات ومواقف. # * * * PageV10P058 ### ||| ** لماذا أسكن الله آدم وحواء الجنة؟ # إننا نعرف من قصة بدء الخليقة في خلق آدم في سورة البقرة ، أن الله ~~سبحانه قد خلقه ليكون خليفة في الأرض ، الأمر الذي قد يفرض وجوده في الأرض ~~من البداية ليمارس دوره في الخلافة ، فكيف أسكنه الله وزوجه الجنة كما لو ~~كانت مستقرا لهما؟ # وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الجنة ليست الموعودة ، بل هي جنة أرضية من جنان ~~الدنيا كما جاء في تفسير البرهان عن علي بن إبراهيم قال : «حدثني أبي ، ~~رفعه ، قال : سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم من جنان الدنيا كانت أم من ~~جنان الآخرة؟ فقال : كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ، ولو ~~كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا. # قال : فلما أسكنه الله تعالى الجنة وأباحها له إلا الشجرة لأنه خلق خلقة ~~لا يبقى إلا بالأمر والنهي والغذاء واللباس والاكتنان والنكاح ، ولا يدرك ~~ما ينفعه مما يضره إلا بالتوفيق ، فجاءه إبليس فقال له : إنكما إن أكلتما ~~من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا ، ~~وإن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنة ، وحلف لهما إنه لهما ناصح ، كما ~~قال الله عز وجل حكاية عنه : ( @QUR@019 ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ~~أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين* وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ). ~~فقبل آدم قوله ، فأكلا من الشجرة ، فكان كما حكى الله : ( @QUR@03 بدت لهما ~~سوآتهما ) وسقط عنهما ما ألبسهما الله تعالى من لباس الجنة ، وأقبلا ~~يستتران من ورق الجنة ، ( @QUR@014 وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ) فقالا : كما حكى الله عنهما : ~~( @QUR@011 ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~) فقال الله لهما : ( @QUR@011 اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين )، قال : إلى يوم PageV10P059 # القيامة» (1). # ونلاحظ على هذه الرواية أولا : أنها ضعيفة ms2373 السند لأنها مرفوعة ، فلم يتصل ~~السند بالإمام ، وثانيا : أنها مخالفة لظاهر القرآن بأن الجنة التي أسكن ~~الله آدم فيها هي الجنة الموعودة بلحاظ السياق القرآني من جهة ، وتحذير بني ~~آدم من الشيطان الذي أخرج أبويهم منها ، حتى لا يخرجهم منها أيضا بسبب ~~وسوسته ، من ناحية أخرى ، مما يوحي بأن الجنة هي التي وعد المتقين بها ، ~~لأنها هي التي تتناسب مع التحذير لهم حتى لا تتكرر التجربة ، ثم التعبير ~~بقول الله تعالى : ( @QUR@05 قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) دليل على ذلك. # ولعل الأقرب إلى جو القصة القرآنية ، أن الله سبحانه وتعالى أراد إقحام ~~آدم عليه السلام في تجربة واقعية تحدد له المعالم والخطوط العريضة ، لما ~~يمكن أن يكون عليه من حياة هنيئة وسعيدة ، ولما يمكن أن يصبح عليه من حياة ~~تعيسة ونكدة ، وذلك من خلال تجربة العلاقة مع إبليس الذي أريد له أن يرافق ~~مسيرته وبنيه في الأرض في عملية وسواس وتزيين وإضلال ، لما من شأن ~~الاستجابة له ، والوقوع في فخه ، أن يشكلا السبب للوقوع في معصية الله ، ~~وولوج دائرة غضبه وسخطه ، في حين أن عدم الاستجابة له يشكل سببا لولوج ~~دائرة رضوان الله تعالى ورحمته. وهكذا تصبح هذه التجربة درسا يستحضره آدم ~~عليه السلام دائما في حياته ليستقوي به في مواجهة إغواءات إبليس وسواه ~~وبالتالي لنيل رضوان الله تعالى. # ثم ليتعرف بعض الأساليب المنحرفة التي لم يكن له عهد بها من قبل ، وهو ~~أسلوب الكذب ، بطريقة القسم المغلظ ، من قبل إبليس ، وهذا هو ما يوحي به ~~الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام في رواية علي بن إبراهيم PageV10P060 # عنه ، قال : «لما خرج آدم من الجنة نزل عليه جبرئيل ، فقال : يا آدم أليس ~~خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته وزوجك حواء أمته ، ~~وأسكنك الجنة وأباحها لك ، ونهاك مشافهة أن تأكل من هذه الشجرة ، فأكلت ~~منها وعصيت الله؟ فقال آدم : يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله إنه لي ناصح ~~، فما ظننت أن أحدا من خلق الله يحلف بالله ms2374 كاذبا» (1). # * * * ### ||| ** قراءة (ملكين) بكسر اللام # جاء في مجمع البيان : «روي عن يحيى بن أبي كثير أنه قرأ «ملكين» بكسر ~~اللام ، قال الزجاج : قوله : ( @QUR@08 هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى ) [طه : 120] يدل على (الملكين)» (2). والسؤال هل يكفي ذلك في ~~الدلالة على صحة هذه القراءة؟ # والجواب ، إن ذلك لا يكفي في الدلالة ، لاحتمال أن تكون تلك الآية واردة ~~في تأكيد الخلد باعتبار اختزانه لقضية الموقع المميز في الملك بلحاظ أنه من ~~توابعه ، مع ملاحظة أخرى ، وهي أن كلمة «ملكين» بكسر اللام تعني السلطة على ~~مخلوقات حية ومواقع محددة ، وهذا ليس واردا في حسابات الجنة ، أو في ~~احتمالات آدم في أحلامه المستقبلية التي يحاول إبليس أن يداعب فيها خياله. # وقد ذكر صاحب الميزان أن كلمة «الملك» بالفتح تختزن معنى الملك بالضم ~~والسكون مستدلا بآية سورة طه (3)، وهو واضح. وقد PageV10P061 # ورد تأكيد قراءة (الملكين) بالفتح في رواية ذكرها القمي في تفسيره عن ~~الإمام الصادق عليه السلام وفي (عيون أخبار الرضا) عن الإمام علي بن موسى ~~الرضا عليه السلام : «فجاء إبليس فقال : إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي ~~نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا وإن لم تأكلا منها ~~أخرجكما الله من الجنة» (1). # * * * ### ||| ** آدم وحواء معا في موقع المسؤولية السلبية والإيجابية # جاء في التوراة أن حواء هي أصل الإغواء ، وهي التي أغرت آدم بالأكل من ~~الشجرة ، وأنها كانت وسيلة الشيطان لإقناع آدم ، الأمر الذي يوحي بأن ~~المرأة هي العنصر الإغرائي الذي يستخدمه الشيطان لإغواء الرجل فيكون ضحية ~~لها في هذا الجانب. # أما القرآن ، الذي هو الكتاب المعصوم من التحريف الذي ( @QUR@09 لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ، فإنه لا يتحدث عن أية حالة ~~سلبية للمرأة حواء في إغواء الرجل آدم فليست هناك أية مشكلة في علاقتهما ~~ببعضهما البعض في حياتهما المشتركة ، بل يتحدث عن أن التكليف كان موجها ~~إليهما معا على أساس المسؤولية المستقلة لكل واحد منهما ، وإذا كان الخطاب ~~الأول لآدم فقد أضاف إليه زوجه ( @QUR@06 ويا ms2375 آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) ~~وأباح لهما الأكل من حيث شاءا وخاطبهما معا بالنهي عن الأكل من الشجرة ( ~~@QUR@011 فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ). # وكانت وسوسة الشيطان لهما معا ، فلم يخاطب حواء وحدها في PageV10P062 # وسوسته ، بل وسوس إليهما معا ( @QUR@010 فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ~~ما ووري عنهما من سوآتهما ) فكانا ، معا ، ضحية وسوسته وخداعه ، وقال : ( ~~@QUR@014 ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين ) وحلف لهما معا بعد أن رأى ترددهما في الاستجابة له ، أو هكذا ~~توحي القصة ، ( @QUR@05 وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ). وهكذا أسقطهما ~~ودلاهما بغرور ، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة وشعرا بالخزي والعار أمام هذه المعصية معا ( @QUR@014 ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين ) وكان النداء لهما معا من خلال أن كل واحد منهما يتحمل المسؤولية في ~~العصيان والاستسلام لخداع الشيطان بشكل مستقل من دون أي ارتباط بالآخر أو ~~أية علاقة له به ، ولو كانت المسؤولية لأحدهما ، حواء ، دون الآخر ، آدم ، ~~لأمكن له أن يعتذر بخضوعه لزوجه التي استعملت الضغط العاطفي عليه لإسقاطه ، ~~تماما كما يحمل التابعون المتبوعين تبعة ما فعلوه ، ولما شعرا بالموقف ~~الصعب أمام الله ، تابا معا وانقطعا إليه ( @QUR@012 قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ). # وهكذا نجد القرآن لا يحمل المرأة المسؤولية عن سقوط آدم أمام التجربة ، ~~بل يحمل المسؤولية للرجل والمرأة على حد سواء ، للإيحاء العميق بأن للرجل ~~خياره في الطاعة أو المعصية ، كما للمرأة خيارها ، لأن الله خلق لكل منهما ~~عقلا يدرك الحسن والقبح ، وإرادة تملك الصلابة في الموقف ، فهما يقفان على ~~قدم المساواة في خط المسؤولية. # وإذا كان الله قد تحدث عن آدم في آية أخرى بلفظ المفرد في قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) [طه : 115] ~~فليس ذلك إبعادا لحواء عن المسؤولية ، بل هو ، بلحاظ بعض ms2376 المناسبات ، تذكير ~~بموقف آدم من حيث هو مظهر الإنسان الذي يخضع لضعفه البشري لا بلحاظ شخصه ، ~~والله العالم. PageV10P063 # وهكذا ينصف القرآن المرأة ليرتفع بموقعها إلى موقع الرجل ولا يحملها ~~مسئولية إغواء الرجل ، كما هو الواقع الخارجي ، فنحن نرى أن الرجل قد يغوي ~~المرأة في بعض الحالات كما أن المرأة تغويه في حالات أخرى. # * * * ### ||| ** إيحاءات كلمة «الشجرة» # ليس هناك برهان ثابت على نوعية هذه الشجرة ، فالنصوص المأثورة تذهب في ~~هذا المورد مذاهب شتى ، فمنها من يرى أنها شجرة الحنطة أو التفاح ، من خلال ~~التفسير المادي لها ، ومنها من يرى أنها شجرة الحسد الذي ربما عاشه آدم ~~أمام بعض المخلوقات المقربة من الله بدرجة أرقى منه ، مما جعله يختزن ~~المشاعر المضادة لها كأي حاسد تجاه أي محسود ، ومنها من يرى أنها شجرة ~~العلم والمعرفة وشجرة الحياة ، كما تقول التوراة : إن آدم لم يكن عالما ولا ~~عارفا قبل أكله من شجرة العلم والمعرفة ، حتى أنه لم يعرف ولم يميز عريه ، ~~وعند ما أكل من تلك الشجرة ، وصار إنسانا بمعنى الكلمة ، طرد من الجنة خشية ~~أن يأكل من شجرة الحياة فيخلد كما الآلهة ... هذا في الجانب المعنوي من ~~التفسير. # ولكننا نلاحظ أن قصة الحسد ليست واردة في حسابات آدم الذي لم ينفتح ، في ~~ما يبدو ، على العنصر الذاتي في شخصيته تجاه الآخر أيا كان بل كانت المسألة ~~، من خلال وحي القرآن ، مسألة أحلامه الذاتية التي أثارها الشيطان في داخل ~~ذاته مما يتصل بخلوده وارتفاعه إلى عالم الملائكة الذي اطلع عليه في تجربته ~~في بداية خلقه ، هذا مع ملاحظة أن الحسد لا يتحرك من الغريزة الذاتية ~~المجردة ، بل ينطلق من اصطدام الإنسان بالآخر من خلال PageV10P064 # التجربة المعقدة في الحياة وفي المواقع المميزة التي يملكها هذا الشخص أو ~~ذاك ، مما يعطل مصالح بعض من البعض الآخر ، أو يتفوق عليه في رغباته الحسية ~~والمعنوية ، ولم تكن لآدم تجربة سابقة في ذلك ، ولم يعش في أي مجتمع ينفتح ~~على مثل هذه الحالة الواقعية التي تؤدي إلى تلك الحالة ms2377 النفسية. # أما شجرة العلم والمعرفة ، فقد حدثنا الله في القرآن أنه منحه علم ~~الأشياء ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@015 وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم ~~على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) [البقرة : 31] ، ~~وربما نستوحي هذا المعنى من قوله تعالى : ( @QUR@011 ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي ولم نجد له عزما ) [طه : 115] ، حيث توحي بأن هناك عهدا من الله ~~لآدم في مهماته ومسئولياته مما يدخل في نطاق الوعي المعرفي الذي يطل به على ~~آفاق الحياة ، فلم يكن آدم جاهلا بنفسه أو بموقعه أو بمسؤوليته ، ولكنه غفل ~~عن ذلك أو نسيه في غمرة الضعف البشري ، ولذلك فقد يكون الأقرب إلى ظهور ~~الآية حمل الكلمة على ظاهرها وهو الشجرة بالمعنى المادي الحسي ، من دون أن ~~ندخل في تحديدها ، لأنه ليس دخيلا في الجانب التفسيري ، لأن من الممكن أن ~~يكون المنع متعلقا بشجرة معينة ، لا من جهة خصوصيتها بل من جهة أنها نموذج ~~للممنوع الذي يمثل العنصر المحرم الذي يواجه الإنسان أمامه مسئولية ~~الالتزام في قوة الإرادة ، باعتبار أن المنع قد يجتذب الرغبة ، فيكون ~~الموقف موقف امتحان واختبار لإرادة الالتزام. # * * * ### ||| ** رمزية الشجرة لكل حرام # وعلى ضوء ذلك ، قد نستوحي أن الشجرة المحرمة ترمز إلى كل حرام أراد الله ~~للإنسان أن يتركه ، فقد أحل الله له الطيبات مما يأكل أو يشرب أو PageV10P065 # يتلذذ أو يلبس ، وحرم عليه بعض الأشياء المتصلة بسلامته المادية المعنوية ~~، ولكنه أكل ، ولا يزال يأكل ، من شجرة الحرام ، في الحرام ، في حاجاته ~~المتنوعة ، الأمر الذي يعرضه للطرد من الجنة في الآخرة ، ومن السعادة في ~~الدنيا ، وهذا مما لا بد للإنسان أن يعيه وعيا عميقا واسعا منفتحا على ~~المصالح والمفاسد التي تتصل بحياته من الناحية الإيجابية والسلبية على ~~مستوى الدنيا والآخرة ، لأن قضية الخضوع للحس في حاجاته ليست قيمة إنسانية ~~، بل القيمة هي حماية الإنسان في إنسانيته المنفتحة على رضوان الله ونعيمه ~~في الدنيا والآخرة ، مما يفرض عليه الدخول في عملية مقارنة بين النتائج ~~الإيجابية الحاصلة من الامتناع عن المحرمات والاكتفاء ms2378 بالمحللات ، والنتائج ~~السلبية الحاصلة من الإقبال عليها ، وهذا هو ما ترمز إليه قصة آدم الذي ترك ~~أشجار الجنة التي تحفل بأفضل المشتهيات وألذها وأحلاها ، واستغرق ، بوحي ~~وسوسة إبليس ، في هذه الشجرة المحرمة التي قد لا يكون لها أية ميزة ذاتية. # * * * ### ||| ** إيحاءات ردود فعل آدم وحواء على ظهور سوآتهما # أما مسألة ظهور السوأة لهما ، الذي كان هدف إبليس في إيقاظ الجانب الجنسي ~~في إحساسهما من خلال ارتباط الأكل من الشجرة المحرمة بالوقوع تحت تأثير ~~الضعف الإنساني الغريزي الكامن في الجسد الذي استيقظ في حيويته الفعلية ~~بالتجربة الجديدة ، فإنه يوحي بأن السقوط في تجربة الاستغراق في الشهوة في ~~جانب ، قد يؤدي إلى الوقوع في تجربة ثانية أو إلى الانفتاح على عالم ~~الشهوات ، مما قد يثير في النفس بعض المشاعر والأحاسيس الحميمة الخفية التي ~~قد تعد الإنسان للوقوع في الحرام. PageV10P066 # وربما كان لهذه الحركة الفطرية في إلقاء ورق الجنة على عورتيهما ~~ليخفياهما علاقة بالحس الفطري الذي يختزنه الإنسان في الرغبة في إخفاء ~~العضو الجنسي الذي أراد الله للإنسان أن لا يبديه ، وأن لا يمارس حركة ~~حاجاته في العلن. # وقد يكون الرمز الإيحائي في هذه القضية هو أن الإنسان الذي يلجأ إلى ~~تغطية نقاط ضعفه عند ما تفرض عليه الظروف أو الأوضاع إظهارها ، لأنه يحاول ~~دائما الظهور أمام الناس بمظهر القوي الذي يملك عناصر القوة في شخصيته من ~~دون أية حالة ضعف ، في حين عليه أن لا يكتفي بإخفاء عناصر ضعفه ، بل ينبغي ~~له أو يجب عليه معالجتها وإلغاءها من كيانه وإبعادها عن حياته ، لأن الله ~~يريد للإنسان أن يأخذ بأسباب القوة الروحية ، كما المادية ، في شخصه ، ~~ليعيش القوة في وجوده ، وليستعين بذلك على الاستقامة في التزاماته العملية ~~من حيث علاقتها بقضية المصير المادي والمعنوي في الدنيا والآخرة. # ولقد كانت محاولة آدم وحواء في تغطية عورتيهما تستهدف إبعاد هذا الإحساس ~~الجنسي عن الحركة الحرة التي تتمثل في ظهورهما أمام الناظرين ، الذي قد ~~يتجه في نهاية المطاف إلى الانحراف ، مما يعني بأن على الإنسان أن ms2379 يقيد بعض ~~حرياته لمصلحة سلامة حياته في قضاياها القيمية الحيوية. # * * * ### ||| ** تأثير المعصية في آدم وحواء # لقد تحدث آدم وحواء ، في ابتهالاتهما إلى الله ، عن حالة ابتعادهما عن ~~مصلحتهما في الانسجام مع تعليمات الله الصادرة إليهما ، فقد اكتشفا مدى PageV10P067 # الضرر الذي ألحقاه بنفسيهما من هذه الاندفاعة اللاشعورية نحو الأكل من ~~الشجرة المحرمة بسبب وساوس الشيطان الذي أخبرهما الله عنه بأنه عدو مبين ~~لهما منذ رفض السجود لآدم حسدا وتكبرا وطغيانا ، وأعلنا أنهما ظلما نفسيهما ~~وطلبا الرحمة والمغفرة من الله حتى لا تكون الخسارة خسارة الذات في ~~امتدادها في الحياة ، بل تكون خسارة الفرصة التي قد تتبدل بالربح في فرصة أخرى. # وقال لهما الله ، ولإبليس : إن الأمر قد حسم في قضاء الله وقدره في هبوط ~~الجميع إلى الأرض ، فقد تمت التجربة وأخذ الإنسان الدرس العملي في موقفه من ~~إبليس وعرف كيف يخطط الطريق للعودة إلى الجنة بالفكر والعمل ، من خلال ~~نجاحه في الصراع المرير مع الشيطان الذي أعلن عداوته الحاقدة الحاسدة منذ ~~البداية لإبعاده عن الله وعن الدخول في الجنة من جديد ، فما دام الله قد ~~حرمه منها بسبب آدم ، فليكن الحرمان شاملا لآدم وذريته بما يخطط من وسائل ~~ومكائد ووساوس وخداع ، وهكذا أراد الله لهم جميعا أن يهبطوا إلى الأرض ~~ليعيش الإنسان الصراع المرير مع عدوه إبليس الذي يدعو حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير ، وذلك بأن يعدهم ويمنيهم ، وما يعدهم إلا غرورا. وتبقى الأرض ~~مستقرهم الطبيعي الذي خلقوا له وأريد لهم أن يتمتغوا؟ فيها إلى يوم القيامة ~~في رحلة الحياة والموت والبعث. # وقال لهم الله : ( @QUR@07 قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) ( ~~@QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ). # * * * PageV10P068 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) @QUR@031 يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ms2380 الشياطين أولياء ~~للذين لا يؤمنون (27) @QUR@022 وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون (28) @QUR@016 قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) @QUR@016 فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنزلنا ): خلقنا ، باعتبار أن الله سبحانه أنزل الأشياء ~~بالخلق إلى عالم الشهادة ، قال تعالى : ( @QUR@05 وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ) [الحديد : 25]. وقال : PageV10P069 # ( @QUR@06 وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) [الزمر : 6]. # ( @QUR@01 لباسا ): اللباس : كل ما يصلح للبس من ثوب أو غيره ، من نحو ~~الدرع ، وما يغشى به البيت من نطع أو كسوة. # ( @QUR@01 وريشا ): الريش والأثاث : متاع البيت من فراش أو دثار. وقيل : ~~الريش ما فيه الجمال ومنه ريش الطائر ... قال الزجاج : الريش كل ما يستر ~~الرجل في جسمه ومعيشته ، يقال : تريش فلان أي صار له ما يعيش به ، وتقول ~~العرب : أعطيته رجلا بريشه أي بكسوته ، وقال أبو عبيدة : الريش والرياش ما ~~ظهر من اللباس (1). # ( @QUR@02 ولباس التقوى ): اللباس المعنوي الذي يستر العيوب والأخطاء ~~ونقاط الضعف الإنساني ، الذي يمثل الحالة الروحية والفكرية التي يشعر معها ~~الإنسان بضبط حركة غرائزه وشهواته ومطامحه ومطامعه ، وجعلت التقوى لباسا من ~~طريق التمثيل والتشبيه لأنها تقي الإنسان وتعصمه. # ( @QUR@01 يفتننكم ): الفتنة : الابتلاء والاختبار والامتحان. يقال : ~~فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته. # ( @QUR@01 وقبيله ): القبيل : الجماعة من قبائل شتى ، فإذا كانوا من أب ~~واحد وأم واحدة فهم قبيلة. # ( @QUR@01 فاحشة ): معصية كبيرة ، وفعلة متناهية في القبح. # ( @QUR@01 بالقسط ): أصل القسط العدل ؛ فإذا كان إلى جهة الحق فهو عدل ؛ ~~وإذا كان إلى جهة الباطل فهو جور. # * * * PageV10P070 ### ||| ** القرآن يحذر بني آدم ويوجههم # انتهت قصة إبليس مع آدم ، واستطاع آدم بعد نزوله إلى الأرض أن يعي تماما ~~معنى الدور الشيطاني لإبليس في الإضلال والإغواء ، من موقع العقدة ~~المستحكمة في نفسه ضده ، وأن يحفظ نفسه منه ، فلم يحدثنا الله عن خطأ آخر ~~في مخالفة أوامره ونواهيه ، بل الظاهر أنه ms2381 استمر في الخط المستقيم الذي ~~ترتبط فيه كل ممارسات حياته وتطلعاتها بالله ، بعيدا عن وساوس الشيطان ~~وأضاليله ... وجاء دور إبليس مع بني آدم ، فقد عاش من أجل أن يضلهم ويغويهم ~~ويقودهم إلى عذاب السعير ، ولم يكن لهم معه تجربة حسية ، كتجربة آدم الذي ~~كان قد رآه وشاهد كيف تحركت عقدة الكبرياء في نفسه ضده ، في موقف استعلائي ~~حاقد ، رافض لإرادة الله في ما يختلف عن مزاجه في هذا السبيل ، وليس لهم ~~مجال ليشاهدوه وجها لوجه ، ليعرفوا كيف يتحرك في حياتهم من موقع التجربة ~~الحسية الواضحة ، فأراد الله لهم أن يأخذوا من تجربة أبيهم آدم درسا ~~للمستقبل ، وخطا للسير في طريقة تعاملهم معه ، وحذرهم منه ، ودعاهم إلى ~~محاربته ، من أجل تحقيق الحماية لأنفسهم من ضلاله وكفره .... فكانت الآيات ~~القرآنية التي تشرح لهم كيف يتصرفون معه ، وكيف يواجهون مخططاته ، ليكونوا ~~على وعي دائم ، ليحفظوا أنفسهم من المصير المحتوم الذي يريد أن يقودهم إليه ~~في عذاب الله وعقابه ... # * * * ### ||| ** لباس التقوى خير # وجاءت هذه الآيات التي تبدأ النداءات بكلمة ( @QUR@03 يا بني آدم ) ~~للإيحاء إليهم بالتجربة الحية التي عاشها آدم مع إبليس ، لئلا يكون التفكير ~~في المسألة في المطلق ، بل يكون من موقع التاريخ الحي. وقد استوحت الآيات ~~قصة العري الذي شعر به آدم بسبب معصيته ، في حالة من الإحساس بالخزي PageV10P071 # والعار ، لتوجه بنيه إلى النعمة التي أنعم الله بها عليهم ، في ما خلق ~~لهم من اللباس الذي يصنعونه من أصواف الأنعام وأوبارها وشعورها ، وفي ما ~~رزقهم من الريش الذي يمثل ما كان فاخرا من اللباس والأثاث ليتزينوا به أو ~~يلبسوا منه ، ليشكروا الله على ذلك ، ( @QUR@010 يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ). ولكن الله يريد أن يوجههم إلى أن ~~القضية التي ينبغي أن تلح عليهم ليست اللباس الذي يستر عوراتهم ، لأن ذلك ~~لا يمثل إلا جانبا محدودا من جوانب حياتهم التي تتعلق بحماية ما يريد ~~الإنسان أن يحمي منه جسده ، بحيث لا يريد للناس أن ينظروا إليه ، بل ينبغي ~~لهم أن ms2382 يوجهوا اهتمامهم إلى اللباس المعنوي الذي يستر عيوبهم وأخطاءهم ، ~~وهو لباس التقوى الذي يمثل الحالة الروحية والفكرية التي يشعر الإنسان معها ~~بالحاجة إلى أن يضبط حركة غرائزه وشهواته ، ومطامحه ومطامعه ، في الاتجاه ~~السليم الذي ينسجم مع إرادة الله في أوامره ونواهيه ... على أساس محبة الله ~~وخوفه ، اللذين تخضع لهما هذه الحالة الداخلية. وهذا ما أشار إليه بقوله : ~~( @QUR@04 ولباس التقوى ذلك خير ) لأن قيمة هذا اللباس ، أنه يرتبط بمسألة ~~المصير في الدنيا والآخرة في ما يواجهه الإنسان من نتائج إيجابية في حركة ~~حياته ، في التزاماته الشخصية أو العائلية أو الاجتماعية أو السياسية ، أو ~~في الخط الفكري الذي يحكم مسيرة حياته ... وبذلك يكون فقدانه فقدانا لذلك ~~كله ، كما يكون سببا للشعور العميق الساحق بالخزي والعار أمام الله ، عند ~~ما يقف الإنسان بين يديه ، عاريا لا تستره أية فضيلة ، ولا يحميه من عقابه ~~أي شيء ... ( @QUR@04 ذلك من آيات الله ) التي ينبغي للناس أن يتأملوا فيها ~~ويدرسوها ، ليعرفوا من خلالها عظمة الخلق وقيمة النعمة ( @QUR@02 لعلهم ~~يذكرون )، فتقودهم الذكرى إلى الوقوف الواعي أمام أوامر الله ونواهيه بكل ~~قوة وإيمان ، كما تقودهم إلى الابتعاد عن حبائل الشيطان وخداعه وغروره ... # * * * PageV10P072 ### ||| ** تحذير عام لبني آدم من إبليس # وفي النداء الثاني تذكير وتحذير لبني آدم ، فإن عليهم أن يتذكروا أن ~~إبليس قد أخرج أبويهم من الجنة ، وأن يتعرفوا كيف توصل إلى ذلك ، وماذا ~~أوحى إليهما من أفكار ، وما هي أساليب الوسوسة التي أثارت في داخلهما ~~المشاعر التي هيأتهما للتحرك في اتجاه تحقيق ما أراده منهما ... كما أن ~~عليهم أن يحذروا من فتنته الشيطانية التي يحاول من خلالها أن يثير فيهم ~~الأفكار والأجواء المنحرفة عن خط الله ، ويوسوس لهم في همسات حميمة خفية ، ~~ليزين لهم معصية الله ، كما لو كانت حلما من الأحلام ، أو لونا من ألوان ~~السحر ، ليعيش الإنسان معها في أجواء سحرية ضبابية غامضة ، ليسهل انجذابه ~~إلى النار التي يحترق فيها إيمانه وفكره ، تماما كما هي الفراشة التي ~~تجذبها أشواق اللهيب إلى النار. # وبذلك لا تكون الذكرى شيئا ms2383 من التاريخ ، بل حركة وعي ، ودرس إيمان ، ~~وسبيل حرية ... يفهم الناس من خلالها دورهم في الحياة ، ومسئوليتهم في بناء ~~كيانها على أساس إرادة الله ، ويعرفون كيف ينتبهون إلى إيمانهم ليعمقوه في ~~داخلهم ، ليحرك فيهم اليقظة الدائمة التي ترصد كل حركة داخلية محمومة في ~~مشاعرهم ، وكل فكرة خارجية منحرفة تتسرب إلى أفكارهم ، لتبتعد بهم عن الله ~~، ويواجهون في مواجهتهم للشيطان قضية التحرر منه ، كما لو كانت قضية من ~~قضايا الحرية في الحياة. ( @QUR@06 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ) ~~فيقودكم إلى السبل التي تفتنكم وتقودكم إلى السير في طرق الكفر والضلال ~~والعصيان ... ( @QUR@05 كما أخرج أبويكم من الجنة )، بما أوحى إليهما من ~~وسائل خداعه وغروره وفتنته. # ( @QUR@03 ينزع عنهما لباسهما ) الذي يستر عورتيهما في ما ألقى الله ~~عليهما من ألوان الستر ، ( @QUR@02 ليريهما سوآتهما ) وليعيشا الإحساس ~~بالخزي والعار. ولا بد PageV10P073 # لكم من اليقظة الروحية الدائمة ، والوعي المنفتح المستمر ، والرصد ~~المتتابع المتحرك لكل كلمة ، أو همسة ، أو فكرة ، أو عاطفة ، أو علاقة ، أو ~~عمل ، أو شهوة ، أو طموح ... لأنه يحاول الاختباء في كل واحدة من هذه ليشوه ~~فيها جمال الطهر ، ونقاء الروح ، واستقامة الطريق ... لا بد من التحرك على ~~كل الصعد ، وبكل الوسائل التي وهبها الله للإنسان من عقل وإرادة وإيمان .. ~~لأنكم تخوضون المعركة في داخل نفوسكم وخارجها ضد عدو لا تعرفونه بالحس ، ~~ولا تعرفون أعوانه وجنوده ، إلا بما يعرفكم الله من وسائله ومخططاته ، ~~بينما يراكم هو وقبيله ، بكل ما تعيشونه من أفكار ومشاعر ، وبكل ما يحيط ~~بكم من قضايا وأوضاع ... # ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) فأنتم مكشوفون أمامهم ~~، أما هم فليسوا مكشوفين لكم. ولكن الله يحفظ المؤمنين من الشياطين ، من ~~خلال ما يلهمهم من أسباب الخير ويوفقهم إليه من وسائل الهداية ، إذ يرعى ~~برعايته عباده المؤمنين الذين يتحركون في الحياة تبعا لمرضاته ، فهو وليهم ~~الذي يؤيدهم ويرعاهم ... أما الذين لا يؤمنون به ولا يسيرون في طريقه ، فإن ~~الشياطين هم أولياؤهم. ولا معنى لولاية الشيطان إلا الإمعان بعيدا في ~~الخداع والغرور الذي يقود ms2384 الإنسان إلى الهلاك المحتوم ... ( @QUR@07 إنا ~~جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) وليس معنى نسبة الجعل إلى الله ~~أنه أمر جبر يفقدون معه الإرادة في ما كونه الله فيهم من هذه الولاية التي ~~تربطهم بالشيطان أو تربطه بهم ؛ بل هو أمر اختياري ، أو كله الله للإنسان ~~الذي يختار لنفسه طريق السير مع الشيطان ، فتكون النتيجة الطبيعية حصول هذه ~~الولاية بينه وبينه ، انطلاقا من ارتباط المسبب بالسبب ، فالله خلق السببية ~~في طبيعة الأشياء ، أما الأسباب فهي بيد الإنسان ، وبذلك يمكن نسبة الفعل ~~إلى الله من جهة ، كما يمكن نسبته إلى الإنسان من جهة أخرى ، كما فصلنا ذلك ~~في أكثر من موضع في هذا التفسير. # * * * PageV10P074 ### ||| ** لا يأمر الله إلا بالقسط # ( @QUR@03 وإذا فعلوا فاحشة ) أي معصية ، في ما تمثله من تجاوز الحدود ~~المعقولة الشرعية التي فرضها الله للأشياء ، وقد غلبت على الأفعال المتعلقة ~~بالجنس أو القريبة منه ، ولكن الظاهر شمولها في هذه الآية لكل عمل يخالف ~~فيه الإنسان ربه ، مما تدفعه إليه وسوسة الشيطان ، سواء منه ما يتعلق ~~بانحراف في المنهج ، أو في الممارسة. ( @QUR@04 قالوا وجدنا عليها آباءنا ) ~~وهذا هو المنهج الخطأ الذي قد يوجه الشيطان الإنسان إليه ، ليربطه بالخط ~~الفكري أو العملي الذي سار عليه الآباء ، في ما يدينون به من دين ، وما ~~يحملونه من فكر ، وما يرتبطون به من علاقات ، وما يقومون به من أعمال ... ~~على أساس الحالة العاطفية التي تدفع الإنسان إلى احترام كل ما يتصل بآبائه ~~وأجداده ، وإلى التنكر لكل ما يبعده عن ذلك ... وفي هذا الجو ، كان هؤلاء ~~الذين عاشوا ولاية الشيطان في حياتهم ، يبررون فعلهم للفاحشة بأن ذلك هو ~~عادة الآباء ، كما لو كان ذلك شيئا مقدسا لا مجال للاعتراض عليه. # وربما كانوا يشعرون بأن ذلك غير مقنع لدى بعض الناس الذين يرون أن الأمر ~~الإلهي هو الذي يمكن أن يبرر للإنسان ما يعمله ، فحاولوا أن يربطوا أعمالهم ~~بالله فقالوا : ( @QUR@03 والله أمرنا بها )، ولكن الله يرد على هذا الزعم ~~، بأنه لا يمكن أن يأمر بالفحشاء ، ( @QUR@06 قل إن الله ms2385 لا يأمر بالفحشاء ~~) فكيف تنسبون إليه ذلك ، من دون حجة؟! ( @QUR@06 أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون )؟! وتلك جريمة كبيرة ، في ما تؤدي إليه من تزييف الحقيقة الإلهية ~~، في العقيدة أو التشريع ، مما يقود إلى الاجتراء على الله من جهة ، وإلى ~~تزييف الصورة الحقيقية للمسار الإنساني في خط الايمان من جهة أخرى. # ( @QUR@04 قل أمر ربي بالقسط ) وهذه هي الصورة المشرقة لأجواء الأوامر ~~الإلهية ، التي يمكن للإنسان أن يأخذ منها الفكرة الصحيحة ، في التمييز بين ~~ما أمر الله PageV10P075 # به وما لم يأمر به ، مما قد ينسبه إليه بعض المنحرفين الكاذبين. إن الله ~~يأمر بالعدل الذي يمثل خط التوازن في الحياة ، سواء منه ما يتعلق بحقوق ~~الناس ، أو بقضايا الحياة الأخرى ... في ما يقوله الإنسان أو يفعله ، مما ~~نستطيع من خلاله أن نميز الحق من الباطل في مختلف مفردات حياتنا ووجودنا. # ( @QUR@05 وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ). وهذا هو الخط الذي يريد الله ~~للإنسان أن يسير عليه ، ليتوازن في خط الإيمان بالله .. أن يقيم الإنسان ~~وجهه لله ، في ما عبر عنه بقوله: ( @QUR@03 عند كل مسجد ) بكل ما يمثله ~~المسجد من أجواء العبادة ، فيتجه إليه في كل أموره ، فهو مقصده وغايته في ~~جميع المجالات ، فمنه ومن وحية تبدأ كل انطلاقاته ، وإليه وإلى غاياته ~~تنتهي كل خطواته ... فلا يتصور الوجود إلا من خلاله ، إذ لا وجود إلا له ، ~~وكل مظاهر الوجود ظلال لحقيقة وجوده ... وذلك هو معنى الإيمان الرحب ~~المنفتح على الله في كل الآفاق ، المتحرك معه في كل السبل. # ( @QUR@04 وادعوه مخلصين له الدين ) لا تدعوا غيره ، ولا تشركوا به أحدا ~~، فله الدعاء وإليه المشتكى وعليه المعول في الشدة والرخاء ... فالجئوا ~~إليه في كل أموركم وتعبدوا له بإخلاص الدين له ، حتى يكون الدين كله له في ~~فكركم وشعوركم وخطوات حياتكم ... في الخط والمنهج والممارسة ... فليس لكم ~~أن تتبعوا غير منهجه ، أو تسيروا في غير طريقه ، أو تتخذوا وليا غيره ... ~~وذلك هو خط التوحيد وخط الإخلاص ، ومعنى الدين الحق. # * * * # ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ) # ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ) فليست الحياة ms2386 التي تعيشونها مجرد ذرة ضائعة في PageV10P076 # الفراغ ، أو فقاعة تنتفخ ثم تنفجر لتتحول إلى لا شيء ، ولكنها البداية ~~التي تعتبر النقطة الأولى في حركة المسؤولية التي تنطلق وتتوهج لتنتظر ~~نتائجها ، بعد هدأة قصيرة تغفو فيها الحياة على ذراع الموت ، لتعود من جديد ~~في مواجهة النتائج بين يدي الله ... فلا تعتبروا الموت نهاية الحياة ، بل ~~انتظروا من خلاله رحلة العودة إلى الحياة من جديد ، في أجواء متنوعة ~~الألوان والأشكال والآفاق ، تبعا لتنوع الأفكار والمواقف والأعمال ... إنها ~~اللمحة الموحية التي تريد للإنسان أن لا يستسلم للخدر الذي توحي به الغفلة ~~المطبقة على فكره وشعوره ، لتبعده عن التفكير الواعي في ما يجب أن يواجهه ~~في مستقبله الأخروي من نتائج المسؤولية في إيجابياتها وسلبياتها ، على أساس ~~حركة الحياة في هذا الاتجاه المسؤول ، في انفتاح رحلة البداية على رحلة ~~العودة. ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون )، فكيف تتصرفون في ذلك؟ ( @QUR@02 ~~فريقا هدى ) في ما أعطاه الله من وسائل الهداية من عقل ووحي وإرادة ، وحس ~~يتصل بالعالم من خلاله ، ليستمد من ذلك المواد الخام للمعرفة ... فاستفاد ~~منها في تعميق إيمانه بالله ، وهدايته لدينه ، وتلك هي الأسباب الطبيعية ~~التي جعلها الله سبحانه أساسا لهداية الإنسان على طريق الاختيار ، ( ~~@QUR@04 وفريقا حق عليهم الضلالة ) أي ثبت عليهم هذا الخط وتأكد في ما ~~اختاروه لأنفسهم من وسائل تبعدهم عن أجواء الهدى ، وتقربهم من أجواء ~~الضلال. فان الإنسان إذا انطلق في هذا الاتجاه كانت الضلالة أمرا طبيعيا في ~~حياته. ( @QUR@04 إنهم اتخذوا الشياطين أولياء ) فساروا معهم في ما شقوه ~~لهم من طريق ، وانجذبوا إليهم في ما زينوه لهم من أعمال ، وانتصروا بهم في ~~ما واجهوه من مواقف ... وخرجوا من ولاية الله ، وتحركوا بعيدا عن طاعته ~~ومنهجه في الحياة ، فضلوا وضاعوا في متاهات الطريق. ( @QUR@03 ويحسبون أنهم ~~مهتدون )، لأنهم لم يتعرفوا الخط الفاصل بين الهدى والضلال ، ليحددوا ~~لأنفسهم الهوية الحقيقية للمسار وللمصير. # * * * PageV10P077 ### ||| ** كلمة في التقوى # لقد عبر الله عن التقوى أنها «لباس» ، ( @QUR@04 ولباس التقوى ذلك خير ) ~~[الأعراف: 26] ، لأن هذا المفهوم القرآني لا يمثل حالة نفسية في حالة ms2387 الخوف ~~الذي يصيب الإنسان مما يخافه ويحذره ، بل هو حالة عقلية وشعورية وحركية ~~تشمل الكيان الإنساني بكله في مواجهته لكل الأشياء المؤذية المضرة له في ~~مواقع مصيره في الدنيا والآخرة ، ليخطط بفكره ، ولينفتح بإحساسه ، وليتحرك ~~بوسائله الجسدية وغيرها ، من أجل حماية نفسه من ذلك ، تماما كما هي مسألة ~~حماية الحياة مما يضرها أو يقضي عليها. # وهذا هو الذي تحدث عنه علماء اللغة ، فقد جاء في مفردات الراغب قال : ~~«التقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف ، هذا تحقيقه ، ثم يسمى الخوف تارة ~~تقوى ، والتقوى خوفا ، حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه ، والمقتضي بمقتضاه ، ~~وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم ، وذلك بترك المحظور» (1). # وعلى ضوء هذا ، فإن التقوى تمثل فعلا إنسانيا في حماية الخط الإيماني من ~~عوامل الانحراف ، ووقاية المصير من أسباب الهلاك ، وبذلك فإن التقوى تمثل ~~حماية الإنسان نفسه من غضب الله بالابتعاد عن مواقع سخطه وبالانفتاح على ~~مواقع رضاه ، لأن الإيمان بالله في مقام ربوبيته وآفاق عظمته وموارد نعمته ~~، تفرض عليه الإحساس بمسؤوليته عن الأخذ بطاعة ربه والبعد عن معصيته ، ~~والقيام بحق الله في ما ينبغي له من ذلك ، كما جاء في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 اتقوا الله حق تقاته ) بحيث يعيش الإنسان حقيقة التقوى في خطوطها ~~الفكرية PageV10P078 # والعملية من خلال إرادته واختياره ؛ فإن الفكر لا يمكن ان يخضع لضغط يحدد ~~له كيف يفكر ، ولكنه ينفتح ، في دائرة إحساسه بالمسؤولية على أفق يوحي إليه ~~بذلك كله. # * * * ### ||| ** التقوى حالة شاملة لكل الأوضاع الإنسانية # وهكذا تنطلق التقوى لتتنوع في أبعاد حياة الإنسان ليكون تقيا في طعامه ~~وشرابه ، فلا يأكل ولا يشرب إلا حلالا ، وفي شهواته ولهوه ولعبه ، فلا يأخذ ~~بالحرام من ذلك ، وفي علاقاته الاجتماعية ، فلا يتحرك بالفتنة والفساد ~~والانحراف الذي يمزق المجتمع ويفسده وينحرف به عن خط السلامة العامة في ~~أوضاعه وروابطه واتجاهاته ، وفي حركته السياسية ، فلا يتحرك إلا بما يقوي ~~العدل ويؤكد الحق ، ويدعم الحرية الإنسانية ، ويحمي المصير. # وهكذا تتحول التقوى من حالة خوف سلبي إلى عمل وقائي إيجابي ، ومن ms2388 حركة في ~~الشكل إلى حركة في المضمون. # * * * ### ||| ** التقوى عمق فكري وروحي في الإنسان # وهذا ما جاءت الرواية به عن مفضل بن عمر قال : كنت عند أبي عبد الله ~~عليه السلام ، فذكرنا الأعمال فقلت أنا : ما أضعف عملي ، فقال مه ، استغفر ~~الله ، ثم قال لي : إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى. ~~قلت : كيف يكون كثير بلا تقوى؟ قال : نعم ، مثل الرجل يطعم طعامه ويرفق ~~جيرانه ويوطئ رحله ، فإذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه ، فهذا العمل PageV10P079 # تقوى ، ويكون الآخر ليس عنده فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه (1). # فهذا الحديث يوحي بأن مسألة التقوى ليست مسألة استهلاك للعمل من دون وعي ~~وعمق في القاعدة الفكرية الروحية للإنسان ، بل هي مسألة عمق فكري روحي يكمن ~~في الذات ليملك الإنسان نفسه أمام عناصر الانحراف التي تجتذب عناصر الضعف ~~فيه لتنحرف به عن الخط المستقيم ، الأمر الذي يجعل القضية مرتبطة بالنوعية ~~لا بالكمية. وقد جاء في حديث آخر عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان أمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه يقول : لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل ~~(2). وهكذا نفهم كيف تعطي التقوى للعمل حجمه وحيويته وحركته في رضوان الله ~~، فيتقبله الله فيكون كثيرا في نتائجه ، وهو القليل في حجم العدد. # وتبقى مسألة التقوى في مسئولية الإنسان خاضعة لقدرته ( @QUR@04 فاتقوا ~~الله ما استطعتم ) لأن الله يريد للإنسان جهده ، فلا يكلفه ما لا يطيق ، ~~فعليه أن يحرك التقوى في مدى استطاعته في إيحاء خفي بأن الاستطاعة معنى ~~متحرك في تنمية الإنسان لقدرته تبعا لطموحاته الفكرية والروحية والعملية في ~~التنمية الذاتية ، في وجوده في العرض والطول ، والكمية والنوعية. # وتتحول التقوى في وجدان الإنسان إلى وعي الكلمات الرسالية التي إذا سمعها ~~المتقون ، المفتوحة قلوبهم على كلمات الله ، كانت هدى لهم ( @QUR@02 هدى ~~للمتقين ) [البقرة : 2] وإذا اكتست مضمونا وعظيا يحرك مشاعر الإحساس ونبضات ~~القلوب كانت موعظة لهم ( @QUR@02 وموعظة للمتقين ) [البقرة : 64] وإذا ~~انطلقت لتخرج الإنسان من غفلته كانت ذكرا لهم ms2389 ( @QUR@02 وذكرا للمتقين ) PageV10P080 # [الأنبياء : 21] أما غير المتقين ، فقد أغلقت قلوبهم عن الوعي والشعور ~~والإحساس ( @QUR@04 لهم قلوب يعقلون بها ). # * * * ### ||| ** سمات المتقين # وينطلق القرآن ، في اتجاه الحديث عن ملامح المتقين في حركة الالتزام ~~العملي ، فهم لا يطوفون مع الشيطان إذا طاف بهم ، بل يبتعدون عنه ليتذكروا ~~ربهم ومصيرهم ( @QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : 201] ، فيبصرون بالعيون الروحية المفتوحة ~~النور النازل عليهم من وحي الله. # وهم الذين يعيشون العطاء كقيمة ممتدة في جوانب حياتهم في السراء والضراء ~~، لا كحالة سريعة خاضعة لظروف طارئة ، وهم الذين يحبسون غيظهم بالروح ~~الرضية التي لا ترى في تفجير الغيظ متنفسا للعقدة الحادة الكامنة في نفوسهم ~~، لأنهم لا يعتبرون العلاقة بالإنسان الآخر في سلبياته الموجهة إليهم عقدة ~~تفصلهم عنه ، بل يعتبرونها مشكلة تدفع العقل إلى التفكير بحل ، وهم الذين ~~يتابعون التفكير في أشد حالات الغيظ ليفكروا بالله الذي يقول لهم ( @QUR@04 ~~وأن تعفوا أقرب للتقوى ) [البقرة : 237] وليدققوا في نتائج الموقف ، فيصلوا ~~إلى النتيجة الأخلاقية الحاسمة ، وهي المبادرة بالعفو ، لأنه الشكر العملي ~~لله في القدرة على هذا الإنسان المسيء ، وهم الذين يبدلون السيئة بالحسنة ، ~~لأن ذلك هو مظهر القيمة الاخلاقية بالإحسان إلى من أساء إليك ، المعبرة عن ~~عمق القيمة الروحية في الذات التي لا تبحث عن ردة الفعل على فعل الآخر ، بل ~~تبحث عن رضوان الله ، وهذا هو قوله تعالى : ( @QUR@016 * وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين* الذين ينفقون في السراء PageV10P081 # @QUR@09 والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) ~~[آل عمران : 133 134]. # وهم الذين يبادرون إلى الاستغفار من الذنب إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم بالانحراف عن خط الطاعة لله ، لأنهم يعرفون أن الله يغفر الذنوب ~~كلها إذا عرف من عباده صدق النية في التوبة والإخلاص له وعدم الإصرار على ~~الذنب ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@038 والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون* أولئك جزاؤهم ms2390 مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) [آل عمران : 135 136]. # وهم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، فلم ~~يتركوا أية مفردة من مفردات الإيمان إلا وآمنوا بها والتزموها في وجدانهم ~~العقيدي. وهم الذين يؤتون المال ، سواء حبا لله تعالى ، أو على حبهم له أي ~~للمال بحيث يكون بذله تضحية بهذا الحب ، وذلك لكل الذين يمثلون مصاديق حب ~~الله تعالى في الإنفاق من الفئات المحرومة من ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل ، وفي تحرير الرقاب من العبودية. وهم الذين يقيمون ~~الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويوفون بعهودهم في التزاماتهم التعاقدية ، ~~وعهودهم الاجتماعية. وهم الصابرون في حالة الشدة والرخاء وفي حالة الحرب. ~~وهم الصادقون في إيمانهم ، وفي نياتهم ، وفي كلماتهم ، وفي مواقفهم ، وكل ~~أوضاعهم مع أنفسهم ، ومع الله ، ومع الناس ، وذلك هو قوله تعالى : ( ~~@QUR@052 * ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) [البقرة : 177] ، وهم الذين ~~جاءوا بالصدق وصدقوا به ( @QUR@02 والذي جاء PageV10P082 # @QUR@06 بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) [الزمر : 33]. # وتبقى للتقوى نتائجها في السماع للموعظة والإنذار من خلال حس المسؤولية ~~في ذلك ( @QUR@03 واتقوا الله واسمعوا ) [المائدة : 108] ، وفي إصلاح ذات ~~البين وإطاعة الله ورسوله ( @QUR@05 فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) ~~[الأنفال : 1]. وفي الوقوف مع الصادقين ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) [التوبة : 119] ، لأن مسألة التقوى تفرض ~~على المؤمن أن يتخذ الموقف المنسجم مع المجتمع الإيماني المتميز بالصدق في ~~حركة الصادقين مع الله ومع أنفسهم ومع الناس ، فإن ذلك هو الذي يعبر عن ~~إخلاص المؤمن لقيمة الصدق في الحياة ، وفي القول السديد الذي يمثل الكلام ~~الذي يتميز بالمضمون الحق المتوازن في معناه ، وفي حركة الإنسان المرتكزة ~~على الصواب الذي لا باطل فيه ولا خطأ ms2391 في واقعة ، ( @QUR@05 فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا ) [النساء : 9] ، ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا ) [الأحزاب : 70]. وفي إطاعة القيادة الشرعية ~~واتباعها في الاستجابة لله وللرسول ، والامتناع عن إطاعة غيرها ( @QUR@07 ~~إني لكم رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون ) [الشعراء 107 108] ، ( @QUR@07 ~~فاتقوا الله وأطيعون* ولا تطيعوا أمر المسرفين ) [الشعراء : 150 151] ، وفي ~~العفو عن المسيء ( @QUR@04 وأن تعفوا أقرب للتقوى ) [البقرة : 237] وفي ~~العدل مع الأعداء ( @QUR@011 ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى ) [المائدة : 8] ، وفي تعظيم شعائر الله ( @QUR@08 ومن يعظم ~~شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) [الحج : 32] ، وفي التناجي بالبر ~~والتقوى ( @QUR@08 وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) ~~[المجادلة : 9] ، وفي ابتغاء الوسيلة إلى الله للحصول على رضوانه بالاقتراب ~~من طاعته بالوسائل التي يحبها ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة ) [المائدة : 35]. # * * * PageV10P083 ### ||| ** القلق الإيجابي رفيق التقوى # إن روحية التقوى في الإنسان تفرض عليه أن يكون في حالة قلق دائم لاكتشاف ~~كل الوسائل التي تؤدي به إلى الله في مسئولياته العامة والخاصة ، لأن حركة ~~الإنسان نحو أهدافه مرتبطة في توازنها بالوسائل المنسجمة مع الأهداف ، وفي ~~الانفتاح على حساب الأعمال التي يقدمها الإنسان بين يديه يوم القيامة في ~~الموقف بين يدي الله ، وعلى الاستعداد لما يستقبل من أيامه في تأكيد أعماله ~~المستقبلية في خط التقوى ( @QUR@012 ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون ) [الحشر : 18] ، وفي الموقف الذي يرفض الاستعلاء على ~~الآخرين في إحساس مرضي بالعلو الذاتي والكبرياء الشخصي عليهم ، كما يرفض ~~الفساد ، فإن ذلك هو المظهر الحي للتقوى ، الذي يمنح المتقين العاقبة ~~الحسنة في الدار الآخرة ( @QUR@014 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) [القصص : 83] ، وفي ~~امتداد الصداقة القائمة على التقوى من الدنيا إلى الآخرة ، بينما تتحول ~~الصداقات إلى عداوات في العلاقات القائمة على المصالح الذاتية والأطماع ~~الخاصة ، ( @QUR@07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) [الزخرف : 67]. # * * * # ( @QUR@03 خير الزاد التقوى ) # وتبقى التقوى خير الزاد للآخرين ( @QUR@06 وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ms2392 PageV10P084 # @QUR@03 يا أولي الألباب ) [البقرة : 197]. وهي خير لباس للإنسان الذي لا ~~بد له أن يفاضل بين لباس الجسد ولباس العقل والروح والسلوك ، لأن لباس ~~الجسد قد يتصل بحمايته من الحر والبرد ، ولكن لباس القيمة الروحية يمثل ~~الحماية من كل ما يؤذي قضية المصير ، ومن كل ما يسيء إلى أصالة إنسانية ~~الإنسان ( @QUR@04 ولباس التقوى ذلك خير ) [الأعراف : 26]. # وتبرز التقوى في القرآن كأساس للكرامة وللقيمة عند الله ، فالناس متساوون ~~في الخلق مختلفون في الخصائص التي أرادها الله وسيلة للتعارف من خلال تفاعل ~~الخصائص وتبادل الخبرات من دون تفاضل ، ولكن التفاضل عند الله هو في التقوى ~~( @QUR@017 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13]. # * * * ### ||| ** الحصاد الإلهي للتقوى # وأما نتائج التقوى للمتقين ( @QUR@07 واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ) [هود : 115] ، ( @QUR@011 ومن يتق الله يجعل له ، مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ) [الطلاق : 2 3] ، ( @QUR@08 ومن يتق الله يجعل له من ~~أمره يسرا ) [الطلاق : 4] ، ( @QUR@09 ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم ~~له أجرا ) [الطلاق : 5]. ( @QUR@010 ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون ) [النور : 52]. ( @QUR@08 إن المتقين في مقام أمين* في ~~جنات وعيون ) [الدخان : 51 52] ( @QUR@011 إن المتقين في جنات ونهر* في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر ) [القمر : 54 55] ، ( @QUR@03 والله ولي المتقين ~~) [الجاثية : 19] ، ( @QUR@04 فاصبر إن العاقبة للمتقين ) [هود : 49]. PageV10P085 # وهكذا نجد أن التقوى تختصر الدين كله ، لأن الدين يمثل تقوى الفكر ~~والعاطفة والحركة والموقف والموقع والعلاقات والتطلعات والوسائل والغايات ، ~~وهذا هو الذي يجمع معنى الدين في عقيدته وشريعته ومنهجه ، ولذلك كانت عنوان ~~دعوات الأنبياء ، بحيث اختصرت الدعوات بكلمة «اتقوا الله» ، وهذا ما عبرت ~~عنه الآيات التالية كنموذج متنوع للأنبياء في دعوتهم الناس إلى الله ( ~~@QUR@07 إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) [الشعراء : 106] ، ( @QUR@07 إذ ~~قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ) [الشعراء : 124] ، ( @QUR@07 إذ قال لهم ~~أخوهم صالح ألا تتقون ) [الشعراء : 142] ، ( @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم لوط ~~ألا تتقون ) [الشعراء : 161] ، ( @QUR@06 إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ) ~~[الشعراء : 177]. # * * * ### ||| ** التقوى انفتاح عقلي وروحي وعملي على ms2393 الله تعالى # وتبقى التقوى عقلا وروحا وقلبا وحركة وحياة تتجه إلى الله في خوف من ~~الحساب على أساس العدل ، وفي حب له على أساس الربوبية الخالقة المنعمة ~~الراحمة في كل آفاق العظمة اللامحدودة ، ولهذا فإنها لا تمثل انسحاقا ~~إنسانيا يسقط الإنسان معها تحت تأثير الخوف المذعور ، بل ارتفاعا ~~بالإنسانية نحو العقل المسؤول ، والحركة المسؤولة التي تنطلق من خلال ~~الإرادة الواعية القوية التي تقي صاحبها من السقوط تحت تأثير نقاط الضعف ~~الإنساني في سلبياته التي تتحدى سلامة المصير. # * * * PageV10P086 ### ||| ** الآيات والتفسير الروائي ، عرض ومناقشة # ورد في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر محمد الباقر ~~عليه السلام في قوله : ( @QUR@09 كما بدأكم تعودون* فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة ) قال : «خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا وشقيا وسعيدا ، وكذلك ~~يعودون يوم القيامة مهتديا وضالا» (1). # قال علي بن إبراهيم : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشقي من شقي ~~في بطن أمه ، والسعيد من سعد في بطن أمه» (2). # وقد ذكروا أن أبا الجارود مطعون فيه ، ولكنهم قبلوا ما رواه عن أبي جعفر ~~حال استقامته قبل انحرافه عنه إلى الزيدية. # ونلاحظ أن هذا اللون من الروايات مما لا يمكن الأخذ بظاهره ، لأنه يوحي ~~بأن إيمان الإنسان وكفره أو سعادته وشقاوته ناشئان من طبيعة الخلق ، مما ~~يجعل النهاية كالبداية ، باعتبار توقف مختلف هذه الموارد على طبيعة عنصر ~~الخلق ، فيكون الفعل مظهرا لما في الذات ، لا منطلقا من الاختيار الناتج عن ~~التربية ، مما يجعل مسألة التعليم والتربية وحركة الرسالات في الهداية ~~والإنذار والتبشير لا معنى لها ، وهذا مما لا يتفق مع العقل في حركته ~~الفكرية وفي بناء العقلاء ، في أمورهم الجارية على واقعية الإرادة ~~الإنسانية والتوجيه العام ، في بناء الشخصية في عناصرها الإيجابية ~~والسلبية. # لذلك لا بد من توجيه أمثال هذه الرواية ، على تقدير صدورها ، بأن المراد ~~منها الحديث عن التنوع الإنساني في النتائج العملية لحركة الإنسان في PageV10P087 # مواجهة الرسالات ، فهناك الإنسان الذي هداه الله بهدايته من خلال أخذه ~~بأسبابها التي وضعها بين يديه وزاده ms2394 هدى بعد أن اختار ذلك ، وهناك الإنسان ~~الذي رفض السير في خط الهداية ، واندفع في متاهات الضلال فثبتت عليه ~~الضلالة من خلال توفر أسبابها الإرادية الطبيعية ، مما يجعل التعبير جاريا ~~على مستوى النتائج لا على مستوى المقدمات ، بمعنى أنه ليس المراد منه أن ~~الله خلقه مهديا ، أو فرضت عليه الضلالة بالتكوين ، بل إن المراد منه ، على ~~الظاهر السياقي ، هو أن الناس فريقان ، فهناك الذي هداه الله ، على النسق ~~الذي تنتسب فيه الأفعال إليه ، فلا يمنع أن يكون ذلك بأسبابه الاختيارية ، ~~ولعل قوله تعالى : ( @QUR@010 إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون ) يوحي بذلك ، باعتبار دلالته على ارتباط الضلالة ~~بإرادتهم ، أما قوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون )، فالظاهر أن ~~المراد منها الحديث عن البعث الذي تلتقي فيه النهاية بالبداية على أسلوب ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) [الأنعام ~~: 94] ، وليس المراد منها والله العالم مصيرهم في مسألة الإيجاد والبعث ، ~~فلا بد لهم من التفكير بالموقف عند العودة إليه للحساب ، ليستعدوا له ~~بإقامة وجوههم عند كل مسجد والابتهال إليه بالدعاء بإخلاص الدين له ، والله ~~العالم. # * * * PageV10P088 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ~~إنه لا يحب المسرفين (31) @QUR@026 قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (32) @QUR@029 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زينتكم ): ما يتزين به من اللباس والطيب ووسائل التجمل ، ~~للظهور بالمنظر الجميل الطيب الذي يمثل لونا من ألوان الشكل الحضاري ~~للإنسان المسلم. # ( @QUR@02 ولا تسرفوا ): لا تتجاوزوا الحد في الإنفاق. # ( @QUR@01 حرم ): التحريم : هو المنع من الفعل بإقامة الدليل على وجوب ~~تجنبه ؛ وضده التحليل ، وهو الإطلاق في الفعل بالبيان على جواز تناوله. PageV10P089 # وأصل التحريم المنع ، من قولهم : حرم فلان الرزق حرمانا فهو ms2395 محروم ، ~~وأحرم بالحج ، وحرمة الرجل زوجته ، والحرمات الجنايات ، والمحرم القرابة ~~التي لا يحل تزوجها ، وحريم الدار ما كان من حقوقها. # ( @QUR@02 زينة الله ): ما يستمتع به الناس من ألوان الزينة التي لا ~~تسيء إلى طبيعة الإنسان. # ( @QUR@01 خالصة ): قال الراغب في المفردات : الخالص كالصافي إلا أن ~~الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه ، والصافي قد يقال لما لا شوب ~~فيه ... ويقال : هذا خالص وخالصة نحو داهية ورواية (1). # ( @QUR@01 الفواحش ): واحدها فاحشة ، وهي الخصلة التي يقبح فعلها لدى ~~أرباب الفطر السليمة والعقول الراجحة ، ويطلقونها أحيانا على الزنى والبخل ~~والقذف بالفحشاء والبذاء المتناهي في القبح. # ( @QUR@01 والإثم ): في الأصل القبيح الضار ، وهو شامل لجميع المعاصي ، ~~كبائرها كالفواحش ، وصغائرها كالنظر بالشهوة لغير الحلية ، وكل ما يوجب ~~انحطاط مقام الإنسان وسقوط منزلته ويمنعه من الوصول إلى الثواب والأجر ~~الحسن ، وقال الراغب : الإثم والآثام : اسم للأفعال المبطئة عن الثواب ، ~~وجمعه آثام ، ولتضمنه معنى البطء قال الشاعر : # جمالية تغتلي بالروادف %~% إذا كذب الآثمات الهجيرا # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) أي في تناولهما ~~إبطاء عن الخيرات (2). وفي ضوء ذلك ، يتضمن الإثم معنى الضرر الذي يبطئ ~~بالإنسان عن الخير وهو المنفعة لحياته ، ولعل هذا هو الأساس في إطلاق كلمة ~~الإثم على الخمر للمفاسد الناتجة عنه ، وربما غلب عليه ذلك بلحاظ استعماله فيه PageV10P090 # بهذه المناسبة. # ( @QUR@01 والبغي ): تجاوز الحد ، بالاستطالة على الناس ، وحده ، كما في ~~مجمع البيان ، طلب الترؤس بالقهر من غير حق ، وأصله : الطلب (1). # ( @QUR@01 سلطانا ): السلطان : الحجة. قال في المجمع : السلطان والبرهان ~~والبيان والفرقان نظائر ، وحدودها تختلف ، فالبيان إظهار المعنى للنفس ~~كإظهار نقيضه ، والبرهان إظهار صحة المعنى وإفساد نقيضه ، والفرقان إظهار ~~تميز المعنى مما التبس به ، والسلطان : إظهار ما يتسلط به على نقيض المعنى ~~بالإبطال (2). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن ابن عباس «قال : كان ناس من ~~الأعراب يطوفون بالبيت عراة ، حتى أن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة ~~، فتعلق على سفلاها سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجوه الحمر من ~~الذباب وهي تقول ms2396 : # اليوم يبدو بعضه أو كله %~% وما بدا منه فلا أحله # فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@09 * يا بني آدم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد ) فأمروا بلبس الثياب» (3). # * * * PageV10P091 ### ||| ** مع العلامة الطباطبائي حول مناسبة النزول # وقد علق العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان على هذه الرواية وأمثالها ~~قال : «لكنك قد عرفت أن الآيات المصدرة بقوله : ( @QUR@04 * يا بني آدم ) ~~أحكام وشرائع عامة لجميع بني آدم من غير أن يختص بأمة دون أمة ، فهذه ~~الآحاد من الأخبار لا تزيد على اجتهاد من المنقول عنهم لا حجية فيها. وأعدل ~~الروايات في هذا المعنى الروايتان الآتيتان» (1). # فقد جاء في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله : ( @QUR@05 خذوا زينتكم عند كل مسجد ) قال : «كان رجال ~~يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة ، والزينة اللباس ، وهو ما يواري ~~السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع» (2). # وفيه : «أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان ~~أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها ، وهو قول الله : ( ~~@QUR@012 قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ) ~~[يونس : 59] ، وهو هذا ، فأنزل الله : ( @QUR@018 قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) يعني ~~شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا ، فأكلوا من طيبات ~~طعامها ولبسوا من جياد ثيابها ، ونكحوا من صالح نسائها ، ثم يخلص الله ~~الطيبات في الآخرة للذين آمنوا ، وليس للمشركين فيها شيء» (3). # من ثم يعلق صاحب الميزان بقوله : «أقول : والروايتان ، كما ترى ، ظاهرتان ~~في التطبيق دون سبب النزول والمعول على ذلك» (4). PageV10P092 # ونحن ، في الوقت الذي نتفق فيه مع العلامة الطباطبائي في تحفظاته على ~~رواية سبب # النزول ، وفي موافقته على الروايتين المذكورتين أعلاه واعتبارهما من ~~روايات التطبيق على الآية ، لا نتفق معه في تفسير ذلك بأن الآية المصدرة ~~بقوله : ( @QUR@04 * يا بني آدم ) لا تختص بأمة دون أمة ، لأن ذلك لا ~~يتنافى ms2397 مع انطلاق الآية الشاملة من مناسبة خاصة لتكون المنطلق للخطاب ~~الشامل ، كما هو الحال في كل روايات أسباب النزول ، ولكننا في الوقت نفسه ، ~~لا نجد أية مناسبة بين القصة المذكورة وسياق الآية الواردة في الحديث عن ~~البرنامج العملي للإنسان في المظهر الاجتماعي ، في حياتهم في المساجد ، ~~فيأخذون بزينتهم التي تمثل المظهر اللائق بهم من حيث التمييز بين ما يكون ~~زينة وما لا يكون كذلك ، من دون أن يظهر منها الحديث عن الثوب في مقابل ~~العري ، فلا علاقة لها ، حسب ظاهر السياق ، بالحادثة المذكورة ، لا سيما ~~إذا كانت الآية لا تقتصر على ذلك بل تمتد إلى نظام الأكل والشرب ، لتتحدث ~~بعد ذلك الآية التالية لها عن القاعدة العامة التي أراد الله للإنسان ~~المؤمن أن يتحرك فيها في حياته في الأخذ بزينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق ، ليجعلها الله خالصة له يوم القيامة ، مما يجعل الأمر ~~متنوعا في عناصره وليس واردا في أمثال حالة معينة في خط الروايات الواردة ~~في سبب النزول ، وهذا هو الذي يؤيد الرأي القائل إن الكثير من مواردها جار ~~على سبيل الاجتهاد لا الرواية. # * * * ### ||| ** المنهج الإلهي في توجيه حياة الإنسان # هذا هو النداء الثالث الذي يريد الله أن يوجه به الإنسان إلى منهجه ~~ليمارس من خلاله حياته ، في ما يحتاجه جسده من أكل وشرب ولباس وزينة ... ~~ليقف من ذلك كله في نقطة التوازن ، فلا يتعقد من حاجات الحياة PageV10P093 # الطبيعية ، فيعتبرها قذرا وخباثة وحراما ... من موقع الفكرة التي ترفض ~~ماديات الحياة جملة وتفصيلا ، وتدعو إلى السمو نحو روحياتها ... ولا ينجذب ~~إلى هذه الحاجات فيعتبرها قيمة وطموحا وهدفا ، بل يقف بين هذا وذاك ، ~~فيراها حاجة طبيعية يحفظ بها جسده ، ويصون بها حياته ، فيمارسها في نطاق ~~الحدود التي فرضها الله ورسمها لعباده ، فيميز بين ما يفسد الحياة من حوله ~~فيتركه ، وبين ما يصلحها أو لا يسيء إليها فيفعله ، وذلك هو خط هذه الآيات. # * * * ### ||| ** الله جميل يحب الجمال # ( @QUR@09 * يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) إن الله جميل يحب ms2398 ~~الجمال والتجمل ، ويبغض البؤس والتباؤس ، وإن الله إذا أنعم على عبد بنعمة ~~أحب أن يرى أثر نعمته عنده. هكذا جاء في الكلمات المأثورة عن بعض أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ، وروي عن «خيثمة بن أبي خيثمة قال : كان الحسن بن علي ~~عليه السلام إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه ، فقيل له : يا بن رسول الله ~~لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال : إن الله تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربي ، ~~وهو يقول : ( @QUR@05 خذوا زينتكم عند كل مسجد )، فأحب أن ألبس أجود ~~ثيابي» (1). استيحاء من هذه الآية التي توجه الناس إلى أن يأخذوا زينتهم ~~من اللباس والطيب ووسائل التجمل ... في كل مسجد ، وهو المكان الذي يجتمع ~~فيه الناس للصلاة ، حيث يمثل الاجتماع فيه مظهرا من مظاهر حياة المسلمين ~~الاجتماعية ؛ لذا أراد الله لهم أن يخرجوا إليه بزينتهم ، وبشكل جميل طيب ~~يعكس المظهر الحضاري للإنسان المسلم مقابل مظاهر التخلف التي كانت PageV10P094 # سائدة لدى المجتمع الجاهلي من العري والقذارة والرائحة غير الطيبة ، وما ~~إلى ذلك مما يريد الإسلام إبعاد الإنسان عنه ، لا سيما داخل الحياة ~~الاجتماعية التي لا يكون مظهره شأنا شخصيا له ، بل شأنا عاما يمس ذوق ~~الآخرين في ما يحبونه ويألفونه وفي ما لا يحبونه ولا يألفونه ، فيكون في ~~ذلك إحسان لهم في مجال ، أو إساءة لهم في مجال آخر. وفي ضوء ذلك ، نستطيع ~~اعتبار أن المسألة تتعدى الاجتماع في المسجد إلى كل مكان يجتمع فيه الناس ، ~~على أساس أن الخصوصية ليست للمكان ، بل هي للأجواء التي تهيمن على المكان. # وقد وردت الروايات المتعددة التي تتحدث عن تطبيق مضمون الآية على العيدين ~~والجمعة ويوم عرفة ، كما وردت في الحديث عن التمشط والاغتسال والتطيب. # وقد امتد الاستيحاء للآية في معنى الجمال والتجمل إلى ما يشمل النظافة ~~والطيب وجمال البناء ونحو ذلك ، فقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ~~قال : «إن الله يحب الجمال والتجمل ، ويبغض البؤس والتباؤس ، فإن الله إذا ~~أنعم على عبده بنعمة أحب أن يرى عليه أثرها ، قال : قيل : كيف ms2399 ذلك؟ قال : ~~ينظف ثوبه ، ويطيب ريحه ، ويجصص داره ، ويكنس أفنيته ، حتى أن السراج قبل ~~مغيب الشمس ينفي الفقر ويزيد في الرزق» (1). # «وفي حديث آخر عنه قال : أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا شعثا ~~شعر رأسه ووسخة ثيابه ، سيئة حاله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~من الدين المتعة» (2). # وهكذا نفهم من هذه الأحاديث أن مسألة التزين هي مسألة تتصل PageV10P095 # بالجانب الجمالي للمظهر الإنساني في إظهار نفسه وبيته بالطريقة التي تمثل ~~الجمال في الثياب والطيب والشكل الهندسي للبيت ، وللشارع ، خلافا للفكرة ~~التي توحي بأن التدين يفرض على الإنسان الخروج بالخلق من الثياب والفوضى في ~~الشكل والهيئة كمظهر من مظاهر الزهد الخارجي ، فإن الزهد ليس في الشكل ~~وإنما في المضمون النفسي الذي يرفض الارتباط بالدنيا بالمستوى الذي تضغط ~~فيه على مبادئه ومواقفه في الحياة لتقدم التنازل من دينه لمصلحة دنياه. # * * * ### ||| ** التوازن في الإسلام قانون الحياة # ( @QUR@04 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ).. فالله أراد للإنسان أن يأكل لأن ~~الأكل حاجة طبيعية للجسد ليستمر في قوته التي تمده بالحياة ، وأراد له أن ~~يشرب للسبب نفسه. وإذا كان الأكل والشرب مطلوبين من موقع الحاجة ، فمن ~~الطبيعي أن تتقدر الحاجة بالمقدار الذي يحقق الاكتفاء للجسد ، لأن الزيادة ~~عنه تثقل الجسد بما لا يحتاجه فيسيء إلى توازنه وقوته. ولهذا جاء النهي عن ~~الإسراف في الأكل والشرب مراعاة لجانب السلامة في حياة الإنسان ، وللحصول ~~على رضا الله ومحبته ، لأن الله لا يحب للإنسان أن يتجاوز الحدود الطبيعية ~~لحاجاته في الحياة ، بل يريد له أن يكون متوازنا في كل شيء ، مما يجعل من ~~الالتزام بذلك عملا دينيا يقربه إلى الله ، والعكس صحيح ، لأن الإنسان ملك ~~الله ، فلا يحب أن يتصرف أحد في ملكه بما يسيء إليه ، سواء في ذلك ما يتعلق ~~بنفسه أو بالآخرين. وهنا يكمن الفرق بين المبادئ الوضعية وبين التشريع ~~الديني ، فإن تلك المبادئ تترك للإنسان الحرية في ممارسة حياته الخاصة بقطع ~~النظر عن نوعية الممارسة ، بينما يؤكد التشريع الديني على ضرورة تقييد هذه ms2400 ~~الحرية ، لمصلحة حياة الإنسان وحمايته من نفسه. # * * * PageV10P096 ### ||| ** القصد أمر يحبه الله # ( @QUR@04 إنه لا يحب المسرفين ) وهذه قاعدة عامة تتجاوز مورد الآية إلى ~~غيرها من التصرفات المالية والعملية التي تعرض الإنسان للإسراف ، وتضعه ~~وجها لوجه أمام التزامه بالاعتدال من أجل الحصول على رضا الله ، بينما يكون ~~الإسراف سببا في فقدانه لمحبة الله سبحانه. وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام أنه قال : «ليس في ما أصلح البدن إسراف ، إنما إسراف في ما أفسد ~~المال وأضر بالبدن» (1). # وفي حديث آخر مما رواه سليمان بن صالح قال : «قلت لأبي عبد الله ~~عليه السلام : أدنى ما نهي عن حد الإسراف؟ فقال : إبذالك ثوب صونك ، وإهراقك ~~فضل إنائك ، وأكلك التمر ، ورميك النوى هاهنا وهاهنا» (2). # وروي عنه أنه قال : «إن القصد أمر يحبه الله وإن السرف أمر يبغضه الله ، ~~حتى طرحك النواة ، فإنها تصلح للشيء ، وحتى صبك فضل شرابك (3). # ونستوحي من ذلك توجيه الفرد المسلم والمجتمع المسلم إلى أن لا يطرح شيئا ~~مما يمكن الانتفاع به ، بل يعمل على الاحتفاظ به من أجل الانتفاع به على ~~المستوى الفردي والاجتماعي ، فليس للإنسان أن يهرق المال من دون حاجة ، أو ~~يطرح النواة من دون منفعة ، فلا بد له من الاحتفاظ بكل الأشياء النافعة في ~~ذاتها من أجل تحويلها إلى طاقة مفيدة في إنتاج عناصرها الكامنة فيها لمصلحة ~~الحاجات العامة والخاصة. # وقد روي ، تعليقا على الآية ( @QUR@04 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) «أن ~~الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال ذات يوم لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في PageV10P097 # كتابكم من علم الطب شيء ، والعلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان! فقال ~~له علي : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه ، وهو قوله : ( @QUR@04 ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) وجمع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الطب في قوله : ~~المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء ، وأعط كل بدن ما عودته ، فقال ~~الطبيب : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا» (1). # * * * ### ||| ** الزهد في كلمتين # ( @QUR@08 قل من حرم زينة الله التي أخرج ms2401 لعباده ) في ما يستمتع به الناس ~~من ألوان الزينة التي لا تسيء إلى طبيعة الاعتدال لدى الإنسان ... ( ~~@QUR@03 والطيبات من الرزق ) في ما يستلذونه ويشتهونه مما يؤكل ويشرب. ~~وينطلق التساؤل هنا في معرض الإنكار على هؤلاء الذين أرادوا للإنسان أن ~~يترك زينة الحياة وطيباتها تحت تأثير الفكرة التي ترفض الإقبال على ~~الماديات من الأطعمة والأشربة وغيرها ، على أساس الفهم الخاطئ لمعنى الزهد ~~دينيا ، فهو الذي يتمثل لديهم في السلوك السلبي للإنسان ضد الطيبات من ~~الرزق ، والتزين في اللباس ، وذلك لأن الزهد لا ينطلق من هذا المعنى ، بل ~~من الحالة النفسية التي تحس بالاكتفاء ، وتشعر بالحرية أمام كل حالات ~~الإلحاح الذاتي على ممارسة الإنسان لمطامعه وشهواته ، كما ورد في كلمة ~~الإمام علي عليه السلام : الزهد كله بين كلمتين من القرآن ، قال الله سبحانه ~~: ( @QUR@09 لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) (2) [الحديد : 23]. # وقد جاء بإسناده عن ابن القداح الكافي ، قال : «كان أبو عبد الله ، جعفر PageV10P098 # الصادق عليه السلام ، متكئا علي أو قال على أبي فلقيه عباد بن كثير البصري ~~وعليه ثياب مروية حسان ، فقال : يا أبا عبد الله ، إنك من أهل بيت النبوة ~~وكان أبوك وكان ، فما هذه الثياب المروية عليك؟ فلو لبست دون هذه الثياب. ~~فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ويلك يا عباد ، من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، إن الله عز وجل إذا أنعم على عبده نعمة أحب ~~أن يراها عليه» (1). # وجاء فيه عن العباس بن هلال الشامي مولى أبي الحسن «علي الرضا عليه السلام ~~» قال: «قلت له : جعلت فداك ما أعجب إلى الناس من يأكل الجشب ويلبس الخشن ~~ويتخشع؟ فقال : أما علمت أن يوسف عليه السلام نبي ابن نبي كان يلبس أقبية ~~الديباج مزرورة بالذهب ويجلس في مجالس آل فرعون يحكم ، فلم يحتج الناس إلى ~~لباسه وإنما احتاجوا إلى قسطه ، وإنما يحتاج من الإمام في أن إذا قال صدق ~~وإذا وعد أنجز وإذا حكم عدل ، إن الله لا يحرم طعاما ولا شرابا ms2402 من حلال ، ~~وإنما حرم الحرام قل أو كثر ، وقد قال الله عز وجل : ( @QUR@011 قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )» (2). # * * * ### ||| ** القيمة للروح لا للشكل # وهكذا نفهم من أجواء الآية التي استوحاها الأئمة من أهل البيت ~~عليهم السلام أن الإسلام لا يقتصر في نظرته إلى الحياة على الجانب العبادي ~~من سلوك الإنسان فيها ، بل يمتد إلى الجانب الحسي الذي يتمثل في الزينة ~~الظاهرة ، مما يلبسه ويتجمل فيه ويظهر به للناس من الثياب الجيدة ، وفي ~~الأكل الطيب والشراب الطيب ، بحيث يمارس الحياة بشكل طبيعي في حاجاته بعيدا عن PageV10P099 # الرفض العملي ، لأن القيمة ليست في الممارسة ، بل في الروح التي يختزنها ~~الإنسان المؤمن في نظرته إلى الدنيا ، بحيث لا يسقط روحيا أمام حاجاته ~~الضاغطة عليه لمصلحة مواقعه وامتيازاته فيها. # وفي هذا الجو ، ينطلق المسؤولون في مسئولياتهم العامة ، من دون خداع ~~الناس بالجانب المظهري الذي يتمظهرون فيه بالزهد الشكلي ليجتذبوا الناس ~~إليهم من خلال الشفقة التي يحصلون عليها من خلال ذلك ، لأن التوجيه ~~الاسلامي يربط الناس بالمسؤولين من خلال صدقهم في الكلمة وفي الوعد والعهد ~~وعدلهم في الحكم وإخلاصهم لله في حركة المسؤولية ، كما جاء في حديث الإمام ~~الرضا عليه السلام . وربما كانت إيحاءات هذه الآية في الإنكار على من حرم ~~زينه الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، أنها تنفتح على المزيد من ~~التخطيط للشكل الحضاري والتطور الإنساني في الحياة المدنية ، التي تضع في ~~حساباتها تطوير الواقع المدني للإنسان والحاجات الحيوية الحسية له من دون ~~أية عقدة دينية في هذا الجانب ، فيمكن للقائمين على شؤون الإسلام والمسلمين ~~أن يعملوا في خطة تصاعدية للسير بالواقع الإسلامي في حركة التطور في جميع ~~الأوضاع المتحركة في الحاجات العامة. # * * * ### ||| ** المؤمن أولى بنعم الله # ( @QUR@07 قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) وأطاعوا الله ، وحصلوا ~~على رضاه ( @QUR@03 خالصة يوم القيامة ) لا يشاركهم فيها غيرهم من الكافرين ~~، كما شاركوهم بها في الدنيا. وربما كان المراد أنها للمؤمنين في حياتهم ~~الدنيا ، قد من الله عليهم بها ليستمتعوا ms2403 ، فليس لهم أن يمنعوا أنفسهم منها ~~تحت تأثير أية فكرة توحي لهم بالتحريم ، فإن الله لم يبحها للكافرين ~~ليحرمها على المؤمنين ، بل هم أحق PageV10P100 # بها لأنهم أولياء الله وأحباؤه ، أما في يوم القيامة فهي خالصة لهم ، لأن ~~نعيم الآخرة هو نعيم الثواب الذي لا يستحقه إلا المؤمنون ، وبهذا تكون كلمة ~~( @QUR@03 في الحياة الدنيا ) من متعلقات الفعل المقدر بعد كلمة «هي» ، أي ~~كائنة في الحياة الدنيا ، لا من متعلقات كلمة ( @QUR@01 آمنوا )؛ والله ~~العالم. # ( @QUR@05 كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) ليعرفهم الخط العملي في الحياة ~~، حتى لا تختلط عليهم الأمور ، وتشتبه لديهم المفاهيم ، في ما يقبلونه ~~ويرفضونه ، على أساس الفلسفات المنحرفة التي تأتيهم من هنا وهناك. # * * * ### ||| ** الأشياء التي حرمها الله # ( @QUR@010 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) فالله لم يحرم ~~حاجات الحياة الطبيعية التي تبني الجسد وتريحه ، بل حرم الأشياء التي تسيء ~~إلى سلامة الروح ، وصفاء الفطرة ، ونظام الحياة ... فليست المسألة عنده أنه ~~يريد أن يحرم عباده من متع الحياة ولذاتها ، بل كل ما يريده ، أن يمنع عنهم ~~ما يكدر هذه المتع ويشوه جمالاتها ... فما الأشياء التي حرمها؟ لننظر إلى ~~هذه الأمور التي ذكرها في الآية كنموذج. فقد ( @QUR@03 حرم ربي الفواحش )، ~~وهي المعاصي التي تبلغ الحد الكبير من القبح والإنكار في حياة الناس ، ~~كالزنى واللواط ونحوهما ... ( @QUR@03 ما ظهر منها )، أي ما أعلن ، كما في ~~نصب الرايات التي كانت ترفعها اللواتي يؤتين الفاحشة في الجاهلية ، ( ~~@QUR@02 وما بطن ) وهي العلاقات المحرمة التي كانت تأخذ طابع السرية ، أو ~~التي كانت تأخذ صفة الشرعية دون أساس ، كنكاح الأبناء زوجات آبائهم من غير ~~أمهاتهم ... فقد اعتبره الله فاحشة محرمة ، مما بطن من الفواحش. ( @QUR@01 ~~والإثم ) وهو الفعل الذي يكتسب الإنسان به الانحطاط في أخلاقه ، والهوان ~~والسقوط في حياته ، كشرب الخمر PageV10P101 # الذي يسيء إلى عقله وماله وجاهه وعرضه ... و ( @QUR@01 والبغي ) وهو ~~العدوان على الآخرين في الممارسات التي لا حق للإنسان بها ، كما في ألوان ~~الظلم والتعدي على الناس في الاستيلاء على أموالهم وأعراضهم وحياتهم ... ( ~~@QUR@02 بغير الحق ) لأن ms2404 التصرفات المماثلة لتلك التصرفات إذا كانت على ~~أساس الحق كالمعاملة بالمثل في ما يجوز فيه ذلك لا تكون بغيا ، ولا تعتبر حراما. # ( @QUR@08 وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) وهذا من محرمات ~~العقيدة ، على أساس أنها من الأفكار التي لا ترتكز على حجة ، وهذا هو ~~المراد من قوله : ( @QUR@05 ما لم ينزل به سلطانا )، لأن الله لا يحاسب ~~الإنسان على الأفكار التي يملك حجة عليها ، بل يحاسبه على الأفكار التي لا ~~يملك أساسا فكريا لها ، كما في الشرك الذي لم ينطلق من قاعدة فكرية ، بل من ~~خيالات وأوهام لا ترتكز على أساس معقول ... ( @QUR@07 وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون ) فتنسبون إليه ما لم يقله ولم يشرعه من أفعال وأوضاع ، في ما ~~تتحدثون عنه من تحريم هذا أو تحليل ذاك ، من غير علم في ما جعله الله من ~~مصادر العلم من وحي أو كلام نبي أو نحو ذلك ... # هذه بعض نماذج الأفعال التي حرمها الله ، وهي لا تتضمن تقييدا لطموحات ~~الإنسان وتضييقا لحياته ، بل كل ما هنالك أنها تحدد له المسار الفكري ~~والعملي في ما يصلح أمره ويرفع مستواه. وفي ضوء ذلك ، يمكن للإنسان أن يعرف ~~طبيعة التحليل والتحريم في الإسلام ، ليميز بذلك حق التحريم والتحليل من باطله. # * * * ### ||| ** المقصود بالظاهر والباطن من الفواحش # جاء في الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن الحسين بن PageV10P102 # سعيد عن أبي وهب ، عن محمد بن منصور قال : «سألت عبدا صالحا ، عن قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@010 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) ~~قال : فقال : إن القرآن له ظهر وبطن ، فجميع ما حرم الله في القرآن هو ~~الظاهر ، والباطن من ذلك أئمة الجور ، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب ~~هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمة الحق (1). # وقد فسر ذلك صاحب الميزان بقوله : «أقول : انطباق المعاصي والمحرمات على ~~أولئك ، والمحللات على هؤلاء ، لكون كل واحد من الطائفتين سببا للتقرب من ~~الله أو البعد عنه ، أو لكون اتباع كل سببا ms2405 لما يناسبه من الأعمال» (2). # ولنا ملاحظة على ذلك ، أن الحديث ليس واردا في مقام تطبيق الآية بحسب ~~معناها الظاهر على أئمة الجور وأئمة الحق ، بل هو وارد في مجال بيان وجود ~~معنى باطني للقرآن ، بحيث يكون مرادا منه على النحو الذي يراد منه المعنى ~~الظاهر ، فلا ينسجم مع ما ذكره العلامة الطباطبائي قدسسره . # ثم نتساءل بعد ذلك ، أولا : عن المراد من المعنى الباطن ، هل هو المعنى ~~الذي يستبطنه اللفظ في عمقه ، وهذا غير مفهوم ، لأن اللفظ لا يستبطن إلا ~~معناه اللغوي الموضوع له أو المنقول إليه ، فليس له معنيان في الأصل ظاهر وباطن. # أو هو المعنى الإيحائي الذي يستوحيه القارئ من الأفعال التي يحبها الله ~~من الحلال أو يبغضها من الحرام ، فينتقل من ذلك إلى الأشخاص الذين يحبهم ~~الله ، لأنهم يقودون الناس إلى حلاله ويبعدونهم عن حرامه ، وإلى الأشخاص ~~الذين يبغضهم الله ، لأنهم يقودون الناس إلى الحرام ويبعدونهم عن PageV10P103 # الحلال ، وذلك من خلال أن الله عند ما يتحدث عن الحلال والحرام في كتابه ~~فإنه يريد للحلال أن يتحول إلى واقع في حياة الإنسان ، وللحرام أن يبتعد عن ~~الواقع الإنساني ، ولا بد لهذا وذاك من قيادة شرعية أو غير شرعية ، لتنال ~~رضا الله في هذا الموقع من خلال التزامها بما يرضاه ، أو لتنال غضب الله في ~~ذلك الموقع من خلال حركتها نحو ما يغضبه ، ولعل هذا هو الأقرب إلى الجو ~~العام للحديث وللآية. # وثانيا : ما هي علاقة الآية بأن للقرآن ظهرا وبطنا كما في الرواية ~~الموافقة لهذه الرواية التي ورد فيها أن القرآن ظهر وبطن؟ فإن الآية تتحدث ~~عن الفواحش الظاهرة والباطنة من الأفعال الإنسانية ، وقد فسرت الباطنة في ~~روايات أخرى بأن المراد مما بطن «ما نكح من أزواج الآباء ، لأن الناس كانوا ~~قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان للرجل زوجة ومات عنها ~~تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه ، فحرم الله عز وجل ذلك» (1). وجاء في ~~الدر المنثور : «أخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ms2406 ، وابن مردويه عن ~~المغيرة بن شعبة قال : قال سعد بن عبادة : لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته ~~بالسيف ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أتعجبون من غيرة ~~سعد ، فوالله لأنا أغير من سعد ، والله أغير مني ، ومن أجله حرم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أغير من الله» (2)، فان الظاهر من هذه الرواية ~~وأمثالها أن المراد من قوله : ( @QUR@02 وما بطن ) الأفعال المحرمة غير ~~المعروفة لدى الناس في سلوكهم العام ، لا المعنى الباطني على خلاف ظاهر ~~الآية ، فلا بد من رد علمها إلى أهلها. # * * * PageV10P104 ### ||| * الآية # ( @QUR@011 ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أمة ): الأمة الجماعة التي يعمها معنى ، وأصلها من أمه يؤمه ~~إذا قصده ، فالأمة الجماعة التي على مقصد واحد. # ( @QUR@01 أجل ): وقت مضروب لانقضاء المهل ، لأن بين العقد الأول الذي ~~يضرب لنفس الأجل وبين الوقت الآخر مهلا ، مثل أجل الدين وأجل الرزق وأجل ~~الوعد وأجل العمر. # * * * PageV10P105 ### ||| ** لكل أمة أجل # لقد حدد الله للجماعات الإنسانية ، التي تتخذ لنفسها صفات معينة تستمدها ~~من النسب والأرض وغيرهما ، أجلا لا تعدوه ، فليس هناك خلود لأحد ، ليأخذ ~~امتداده وحريته في ما يريد أو لا يريد ، بعيدا عن إرادة الله في ما يأمر به ~~أو ينهى عنه ... ولهذا الأجل أسبابه الطبيعية ، في ما أودعه الله في ~~الإنسان من إمكانات محدودة لاستمرار الحياة ، وما خلقه في الكون المحيط به ~~، من أوضاع وأسباب تقف بالحياة عند حد معين. وتلك هي سنة الله في الحياة ~~التي لا تجد لها تحويلا أو تبديلا. ( @QUR@03 ولكل أمة أجل ) محدود ، ( ~~@QUR@03 فإذا جاء أجلهم ) الذي حدده الله من خلال تحديد الأسباب الطبيعية ~~لذلك ، ( @QUR@03 لا يستأخرون ساعة ) عما أجل الله لهم ، ( @QUR@02 ولا ~~يستقدمون ) ساعة عن ذلك ، وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@08 فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ) قال : هو الذي يسمى ملك الموت (1). # وهكذا ينبغي لكل أمة أن لا تعتبر نفسها كل الحياة ، بل ms2407 هي مرحلة من ~~مراحلها في عملية النمو والتطور ، فليس لها أن تأخذ كل الأدوار ، لأنها لا ~~تستطيع ذلك ، بل تأخذ لنفسها الدور الذي يعيش في نطاق المرحلة المحدودة ، ~~لتأخذ الحياة حركتها الطبيعية في سلم التدرج والتنامي والامتداد. # * * * PageV10P106 ### ||| ** عمر الأمة الحضاري # وقد نستوحي من هذه الآية كيف تتمثل الحياة في عمر الأمة الحضاري ، من ~~خلال ما تمثله المجموعة من العناصر المشتركة في الثقافة والاجتماع والسياسة ~~والعلاقات الإنسانية والأمن والاقتصاد ، مما يدخل في عملية التوازن ~~الإنساني الذي يتكامل فيه الأفراد ليعطي كل واحد منها شيئا من طاقته ~~المميزة لتلتقي الطاقات في حركة تكامل وتعارف وتمازج ، ليدخل ذلك كله في ~~جسم الأمة في المعنى التوحيدي الذي يوحد بين أفرادها ، لأن الأمة في معنى ~~الجماعة ، ليست وجودا مميزا عن الأفراد لتكون شخصية معينة متميزة ، بل هي ~~الأفراد الذين ينضمون إلى بعضهم البعض في مشروع واحد وخطة موحدة ، وطاقات ~~متفاعلة متداخلة تنتج طاقة واحدة للأمة. # ويبقى هذا العمر قويا شابا منفتحا حيويا حتى تتغير الخصائص الحية ، لتموت ~~في عملية تحلل وانكفاء وابتعاد عن الخط المتوازن ، وهذا هو الذي أثارته ~~الآية القرآنية بقوله تعالى : ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [الأنفال : 53] ، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@024 وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) ~~[النحل : 112] وقوله تعالى : ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [الروم : 41] ، إلى ~~غير ذلك من الآيات المتحدثة عن عملية الموت الحضاري للأمة من خلال التغير ~~الفكري والسلوك المنحرف والفساد المتنوع والبعد عن خط التقوى ، مما يجعل ~~الإنسان صانع التغيير في الجانب الإيجابي والسلبي ، بحيث يمثل ذلك السنة ~~التاريخية التي أودعها الله في الواقع الإنساني الاجتماعي من موقع إرادته ~~واختياره لا من موقع الحتمية التاريخية الخارجة PageV10P107 # عن قدرة الإنسان الحركية. وبعبارة موجزة ، إن السنة التاريخية لا تخضع ~~دائما للعناصر الخارجة عن قدرة الإنسان ، بل ms2408 إنها قد تخضع للإرادة ~~الإنسانية في حركة الفكر والعمل ، فالاختيار الإنساني جزء من السنة وليس ~~نتيجة لها ، فإذا أحسن الاختيار كان للأمة شبابها وحيويتها وامتدادها في ~~العمر الحضاري ، وإذا أساء ذلك ، كان سببا للمرض الروحي والمعنوي والمادي ~~الذي يعجل في الموت ويبلغ بها نهاية الأجل. # إن نهاية الأجل للأمة كنهاية الأجل للفرد ، خاضعة للعوامل الداخلية ~~والخارجية المتحركة في عناصر الضعف والقوة في الذات ، إنها حركة منفتحة على ~~المستقبل متصلة بالماضي والحاضر في عملية مراوحة بين الظروف التي يصنعها ~~الإنسان والظروف المحيطة به من الخارج. # وليس من الضروري أن يكون الموت الذي يمثل عملية سقوط حضاري للأمة حتميا ، ~~بل هو إرادي في خط الوعي السلبي والإيجابي للفكر وللحركة والامتداد ، وهذا ~~هو الذي يلتقي بقوله تعالى : ( @QUR@05 وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ~~[آل عمران : 140]. فإنها تعني التجدد والحركة من خلال الأسباب الطبيعية ~~الإنسانية وليست شيئا لا مفر منه من خلال نظرية حتمية السقوط. وهذا هو الذي ~~تلتقي فيه الآية ( @QUR@03 ولكل أمة أجل ) بالآية الأخرى ( @QUR@05 وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس ) فإن عملية التداول لا تبتعد عن مواقع الاختيار ~~، بل تتحرك معها ومع العناصر الأخرى المتصلة بالنظام الكوني ، والله ~~العالم. # * * * PageV10P108 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) @QUR@011 والذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (36) # * * * ### ||| ** النداء الأخير للناس لاتباع الرسل # وهذا هو النداء الرابع الحاسم في دعوة الناس إلى اتباع الرسل الذين ~~يبعثهم الله ليقصوا عليهم آياته ، بما تدل عليه من عظمة الإبداع في خلقه ، ~~لتقودهم إلى التأمل بها والتفكير فيها ، وبما تذكرهم به من نعم الله التي ~~تتصل بوجودهم وبامتداده ، بالمستوى الذي يجعل منها رحلة طيبة رائعة في ~~مسيرة الكون ، وبما تخطط لهم من المنهج الفكري والعملي الذي يقودهم إلى ~~الخط السليم في التفكير والصراط المستقيم في العمل ، وبما توجههم إليه من ~~أساليب وأهداف في نطاق الحياة كلها ، كموقع ينطلق فيه الإنسان إلى الآخرة ~~عبر مسيرته المسؤولة في ms2409 الدنيا. وعلى ضوء هذا ، فإن هؤلاء الرسل جاؤوا ~~ليقصوا علينا هذه الآيات الإلهية ، من أجل وعي إيماني منفتح ، وعمل تقوائي PageV10P109 # صالح متحرك ، لنواجه النتائج الإيجابية في أجواء التقوى ، والنتائج ~~السلبية في أجواء الكفر والاستكبار ... وتلك هي قصة الرسالات مع الناس في ~~حركة البداية والنهاية. # * * * ### ||| ** وجوب اتباع الرسل والتقيد بتعاليمهم # ( @QUR@07 يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) من عند ربكم ( @QUR@03 ~~يقصون عليكم آياتي ) التي نهديكم سواء السبيل ، وتقودكم إلى سعادة الدنيا ~~والآخرة ، وتنذركم عذاب النار ، وتبشركم بنعيم الجنة ، تبعا لأعمالكم ~~الخيرة أو الشريرة ... فاتبعوها وسيروا على الخط الذي تقودكم إليه ، أو ~~واجهوا النتائج السلبية. ( @QUR@03 فمن اتقى وأصلح ) ووعى موقفه من الله ، ~~خائفا مقام ربه ، وناهيا النفس عن الهوى ، مصلحا أمره في فكره وعمله ، ( ~~@QUR@03 فلا خوف عليهم ) من عذاب الله في جهنم ، لأن الله قد أعطى المؤمنين ~~الصالحين الأمن من كل خوف ( @QUR@03 ولا هم يحزنون ) في ما يواجه الناس من ~~أهوال يوم القيامة ؛ فإن الله قد منحهم الفرح الكبير في ما يستقبلهم من ~~لطفه ومغفرته ورضوانه في جنات النعيم. # ( @QUR@03 والذين كذبوا بآياتنا ) بعد أن أقام الله عليهم الحجة ، بما ~~قدمه لهم من براهين ، ( @QUR@02 واستكبروا عنها ) فلم يخضعوا للحقيقة ~~الإلهية التي تمثلها آياته ، كما هو شأن الكثيرين من الناس الذين يمتنعون ~~عن الخضوع للحقائق الفكرية والعملية ، لا لوجود شبهة تمنعهم من الرؤية ~~الواضحة ، بل لعقدة الكبرياء الذاتي الذي يمنع الإنسان من إجراء أية عملية ~~تغييرية لأسلوبه في التفكير أو طريقته في العمل ، أو لقناعاته المتوارثة ، ~~تماما ككل المستكبرين على أكثر من مستوى عند ما يستسلمون للعقدة ~~الاستعلائية المرضية المستحكمة فيهم ، من أجل الحصول على امتيازات لا ~~يستحقونها ، أو الوصول إلى مواقع لا PageV10P110 # يملكونها ، ولا حجة لهم في ما يحاولون ، ولا عذر لهم في ما يستكبرون. ( ~~@QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )، فذلك هو جزاء الطغيان ~~والاستكبار والتمرد على الله وعلى رسالاته ورسله. # * * * ### ||| ** ملاحظتان حول الآيتين # الملاحظة الأولى : في قوله تعالى : ( @QUR@02 إما يأتينكم ) فقد حاول ~~البعض أن يستوحي منها نفي خاتمية الرسالة ، لأنها تتحدث ms2410 عن المستقبل الذي ~~يأتي فيه ( @QUR@05 رسل منكم يقصون عليكم آياتي ) مما يدل على أن هناك رسلا ~~بعد النبي يحملون رسالة الله ، ولكن هذا ظاهر البطلان ، فإن الخطاب لبني ~~آدم ، وليس للمؤمنين ، فهو شامل للناس جميعا على نطاق الخطاب الذي وجهه ~~لآدم وزوجته عند إنزالهما إلى الأرض في قوله تعالى : ( @QUR@027 قلنا ~~اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون* والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ~~[البقرة : 38 39]. وهو خطاب يعم جميع المكلفين من بني آدم ، من جاءه الرسول ~~منهم ومن جاز أن يأتيه الرسول كما في مجمع البيان (1). # الملاحظة الثانية : في قوله تعالى : ( @QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ) فقد جاء في مجمع البيان في تفسيره : ( @QUR@03 فلا خوف عليهم ) في ~~الدنيا ( @QUR@03 ولا هم يحزنون ) في الآخرة (2). # وقد لاحظ بعض المفسرين أن الخوف والحزن المنفيين هما في الدنيا لا في ~~الآخرة ، ولذلك فإن المؤمنين يعيشون الطمأنينة والاستقرار النفسي والأمن PageV10P111 # الروحي ، فلا خوف من المستقبل ولا حزن على ما مضى. # ونلاحظ على هذا الرأي ، أن تأثير الإيمان بالله والثقة به في ابتعاد ~~المؤمن عن أجواء الخوف والحزن في الدنيا يمثل الحقيقة الإيمانية ، وذلك من ~~خلال الإحساس بالحضور الإلهي في حياته بالدرجة التي يتحسس فيها رعايته ~~وحمايته وإشرافه عليه ، كما جاء في قول الله تعالى ، مما قصه من حكاية ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة : ( @QUR@026 إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ) [التوبة : 40] فقد كان ~~النبي يعيش السكينة الروحية في قلبه ، وأراد لصاحبه أن لا يشعر بالحزن في ~~الموقف الصعب ، ومما قصه الله على المؤمنين : ( @QUR@043 الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ~~والله ذو فضل عظيم* إنما ذلكم الشيطان ms2411 يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين ) [آل عمران : 173 175] ، فقد أراد الله للمؤمنين أن لا يخافوا ~~من الشيطان في الدنيا ، لأنه تعالى هو الذي يمنحهم الأمن الروحي الذي ~~يشعرون معه بالسكينة النفسية. # إننا لا نمانع من هذا التأثير الروحي للإيمان على النفس المؤمنة بما ~~يفيضه الله عليها من ذلك ، ولكن سياق الآية وأمثالها وارد في الحديث عن ~~موقف المؤمن في الآخرة ، بقرينة مقابلتها بالآية الأخرى المتحدثة عن ~~المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها بأن جزاءهم النار ، كما هو الحال في ~~آية البقرة المتقدمة ، مما يوحي بأن الآيتين معا واردتان في سياق الحديث عن ~~جزاء الإيمان والكفر في يوم القيامة ؛ والله العالم. # * * * PageV10P112 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم ~~نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) ~~@QUR@040 قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) ~~@QUR@014 وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكسبون (39) @QUR@023 إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح ~~لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي ~~المجرمين (40) @QUR@010 لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي ~~الظالمين (41) @QUR@015 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) @QUR@037 ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون ) (43) # * * * PageV10P113 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ينالهم ): النيل : وصول النفع إلى الإنسان إذا أطلق ، فإن قيد ~~وقع على الضرر ، لأن أصله الوصول إلى الشيء ، من ms2412 : نلت أنال نيلا. # ( @QUR@01 يتوفونهم ): التوفي : قبض الشيء بتمامه ، يقال : توفيته ~~واستوفيته ، والمراد به هنا الموت. # ( @QUR@01 خلت ): الخلو : انتفاء الشيء عن مكانه ، يقال : خلا عن البيت ~~، وكذلك خلت بمعنى مضت ، لأنها إذا مضت بالهلاك فقد خلا مكانها منها. # ( @QUR@01 الجن ): قال في مجمع البيان : الجن جنس من الحيوان مستترون عن ~~أعين الناس لرقتهم ، يغلب عليهم التمرد في أفعالهم كما يغلب على الملك ~~أفعال الخير (1). # ( @QUR@01 اداركوا ): أصله : تداركوا ، ومعناه تلاحقوا واجتمعوا وأدرك ~~بعضهم بعضا. # ( @QUR@01 أخراهم ): اللاحقون مرتبة أو زمانا من التابعين. # ( @QUR@01 لأولاهم ): المتبعون من رؤسائهم وأئمتهم أو من الأجيال ~~السابقة عليهم الذي مهدوا لهم طريق الضلال. # ( @QUR@01 ضعفا ): الضعف المثل الزائد على مثله ، فإذا قال القائل : ~~أضعف هذا الدرهم ، فمعناه اجعل معه درهما آخر لا دينارا ، وكذلك إذا قال : ~~أضعف الاثنين ، فمعناه اجعلهما أربعة. وحكي أن المضعف في كلام العرب ما كان ~~ضعفين والمضاعف ما كان أكثر من ذلك. PageV10P114 # ( @QUR@02 سم الخياط ): ثقب الإبرة. والسم بفتح السين وضمها الثقب ، ~~ومنه السم القاتل لأنه ينفذ بلطف في مسام البدن حتى يصل إلى القلب فينقض ~~بنيته وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم وسم وجمعه : سموم. والخياط والمخيط : ~~الإبرة. # ( @QUR@01 جهنم ): اسم من أسماء النار. واشتقاقها من الجهومة ، وهي ~~الغلظ ، وقيل : أخذ من قولهم : بئر جهنام أي بعيد قعرها. # ( @QUR@01 مهاد ): المهاد : الوطاء الذي يفترش. ومنه مهد الصبي ، وقد ~~مهدت له هذا الأمر أي وطأته له. # ( @QUR@01 غواش ): جمع غاشية ، وهو كل ما يغشاك أي يسترك ، ومنه غاشية ~~السرج ، وفلان يغشى فلانا أي يأتيه ويلابسه. # ( @QUR@01 صدورهم ): الصدر ما يصدر من جهته التدبير والرأي ، ومنه قيل ~~للرئيس : صدر. # ( @QUR@01 غل ): الغل : الحقد الذي ينغل بلطفه إلى صميم القلب ، ومنه ~~الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة ، ومنه الغل الذي يجمع اليدين ~~والعنق بانغلاله فيهما. # ( @QUR@01 تجري ): الجريان انحدار المائع ، فالماء يجري والدم يجري وكل ~~ما يصح أن يجري فهو مائع. # ( @QUR@01 الأنهار ): النهر : الواسع من مجاري المياه ، ومنه النهار ~~لاتساع ضيائه. # ( @QUR@01 ونودوا ): النداء : الدعاء بطريقة يا فلان. # ( @QUR@01 أورثتموها ): قال الراغب في المفردات : الوراثة والإرث ms2413 : ~~انتقال قنية PageV10P115 # إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد ، وسمي بذلك المنتقل عن ~~الميت : يقال للقنية الموروثة : ميراث. وإرث وتراث أصله وراث ، فقلبت الواو ~~ألفا وتاء ، قال : ( @QUR@02 وتأكلون التراث )، وقال (عليه الصلاة ~~والسلام) اثبتوا على مشاعركم فإنكم على إرث أبيكم ، أي أصله وبقيته. قال ~~الشاعر : # فينظر في صحف كالربا %~% ط فيهن إرث كتاب محي # ... ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب : قد ورث كذا ، ويقال لمن خول ~~شيئا مهنئا : أورث ، قال تعالى : ( @QUR@04 وتلك الجنة التي أورثتموها ) ~~[الزخرف : 72] ، ( @QUR@05 أولئك هم الوارثون* الذين يرثون ) (1) [المؤمنون ~~: 10 11]. # وذكر صاحب تفسير الميزان وجها آخر قال : «وقد جعلت الجنة إرثا لهم في ~~قبال عملهم ، وإنما يتحقق الإرث فيما إذا كان هناك مال أو نحوه مما ينتفع ~~به وهو في معرض انتفاع شخص ثم زال عنه الشخص فبقي لغيره. يقال : ورث فلان ~~أباه أي مات وترك مالا بقي له ، والعلماء ورثة الأنبياء أي مختصون بما ~~تركوا لهم من العلم ، ويرث الله الأرض أي أنه كان خولهم ما بها من مال ~~ونحوه ، وسوف يموتون فيبقى له ما خولهم. # وعلى هذا ، فكون الجنة إرثا لهم أورثوها ، معناه كونها خلقت معروضة لأن ~~يكسبها بالعمل المؤمن والكافر جميعا ، غير أن الكافر زال عنها بشركه ~~ومعاصيه فتركها فبقيت للمؤمن ، فهو الوارث لها بعمله ، ولو لا عمله لم ~~يرثها قال تعالى : ( @QUR@06 أولئك هم الوارثون* الذين يرثون الفردوس ) ~~[المؤمنون : 10 11] ، وقال تعالى حكاية عن أهل الجنة : ( @QUR@012 الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ) [الزمر : 74]. # وهذا أوضح مما ذكره الراغب في المفردات» (2). وبعد أن يذكر ما PageV10P116 # أوردنا عن المفردات يعلق بقوله : «وإنما كان ما قدمناه أوضح مما ذكره ، ~~لصعوبة إرجاع ما ذكره من المعاني إلى أصل واحد هو معنى المادة» (1). # وقد جاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطرق الشيعة ~~والسنة حيث يقول : «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار ، فأما ~~الكافر فيرث المؤمن ms2414 منزله من النار ، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة ، ~~فذلك قوله : ( @QUR@04 أورثتموها بما كنتم تعملون )» (2). # ونلاحظ على ما ذكره العلامة الطباطبائي بالحديث عن مناسبة التعبير بالإرث ~~عن الجنة التي ورثها المؤمنون ، بأنها «معروضة لأن يكسبها بالعمل المؤمن ~~والكافر جميعا ، غير أن الكافر زال عنها بشركه ومعاصيه فتركها فبقيت للمؤمن ~~، فهو الوارث لها بعمله» ، إن ما ذكره من تعريف الإرث بأنه «مال أو نحوه ~~مما ينتفع به وهو في معرض انتفاع شخص ثم زال عنه الشخص فبقي لغيره» ليس ~~عليه دليل من اللغة ، لأن الظاهر من معناه أن يكون المال مملوكا للشخص أو ~~مختصا به ، فينتقل إلى غيره ، فليس الانتفاع به ملحوظا إلا من حيث تعينه للملك. # أما صعوبة إرجاع ما ذكره الراغب من المعاني إلى أصل واحد ، وهو المادة ، ~~فقد يكفي في ذلك في المناسبة أن تكون شبيهة بالإرث باعتبار أنه خول له شيء ~~يهنأ به ، سواء كان ذلك نتيجة عمله أو كان ذلك بالتفضل عليه به ، ولعل ذلك ~~هو معنى الرواية ، لأن ظاهرها ليس مرادا من حيث فعلية اختصاص المؤمن بمنزل ~~في النار ليرثه الكافر ، واختصاص الكافر بمنزل في PageV10P117 # الجنة ليرثه المؤمن ، لأن النار منزل الكافر بكفره ، فهو يختص به ~~بالأصالة لا بالوراثة ، كما أن الجنة منزل المؤمن بإيمانه ، فهو يحصل عليه ~~بالأصالة لا بالوراثة ، بل المراد ، على تقدير صحة الرواية ، أن الجنة ~~والنار معدتان لمن يعمل بما يؤدي إليهما ، فليست الجنة مكتوبة لشخص معين من ~~ناحية ذاتية ، كما أن النار غير مختصة بفرد معين من ناحية ذاتية ، بل ~~القضية تابعة للاختيار بإرادة الإيمان والعمل الصالح أو الكفر والعمل السيئ ~~، فهناك إمكانية الوصول لكل منهما ، فإذا حدثت الفعلية كان كل واحد منهما ~~بمنزلة الوارث لمكان الآخر ، باعتبار أنه في معرض الصيرورة منه ، ولكن يبقى ~~في المناسبة ، في حديث الرواية ، خفاء مما ترد به إلى أهلها. # * * * ### ||| ** صورة المكذبين بآيات الله # توضح الآيات الكريمة صورة المكذبين بآيات الله ، أو الذين افتروا كذبا ~~على الله ، انطلاقا من الأجواء المضللة التي خلقوها وعاشوا ms2415 فيها ، لإبعاد ~~الناس عن صفاء الفطرة ووضوح الرؤية للأشياء ، في ما يخلطونه بالباطل من ~~قضايا الحق ، وما يثيرونه في أفكارهم من شكوك وشبهات ، وما يوحون إليهم به ~~من أوهام وتعقيدات ، فتتضخم شخصياتهم ، وتؤدي بهم إلى الانحراف عن الحقيقة ~~، في زهو وخيلاء ، وتقودهم إلى متاهات الكبرياء ... وهكذا تتجسد الصورة ، ~~وتتعاظم في مدلولاتها ؛ فإذا بالموقف من هؤلاء يمثل أفظع الظلم ، لأنه يسيء ~~إلى خالق الحقيقة من جهة ، وإلى الحقيقة من جهة أخرى ... ولكنها مع ذلك ~~الصورة التي تضيع معها أحلام الإنسان وطموحاته في الهواء ، لتتحول إلى ورقة ~~تهرب منه كلما عصفت الرياح ، وكلما امتد به الطريق أو تعقدت في داخله ~~الحيرة. PageV10P118 # ( @QUR@07 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فنسب إليه ما لم يشرعه وما ~~لم يقله ، ( @QUR@03 أو كذب بآياته ) وجحد رسالاته وتمرد على رسله ... فقد ~~ظلم الله ربه حقه في الإيمان والطاعة ، وظلم الحقيقة حقها في الوضوح ~~والإذعان. ( @QUR@05 أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) في ما قضاه الله ~~وقدره لعباده في الأرض من أرزاق ومعايش في ما يأكلون ويشربون ويلبسون ~~ويتلذذون ... كغيرهم من عباد الله ، لأن الله لا يخص بنعمته عباده المؤمنين ~~، بل يفيض ما يشاء منها على جميع العباد. وتستمر بهم النعم ، وتمتد بهم ~~الحياة ... ( @QUR@04 حتى إذا جاءتهم رسلنا ) وهم ملائكة الموت ( @QUR@01 ~~يتوفونهم ) ويقبضون أرواحهم ليواجهوا حساب الله في ما قدموه من أعمال سيئة ~~، ( @QUR@08 قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ) من شركاء مما تصنعون من ~~أصنام ، أو تخضعون لهم من بشر ... ( @QUR@03 قالوا ضلوا عنا ) وابتعدوا ~~وتركونا وحدنا نواجه المسؤولية ، في حيرة وضياع وذهول ... فكيف كنا نكفر ~~بالله وبآياته؟ وكيف سرنا في خط الضلال الذي قادونا إليه؟ ( @QUR@06 وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) في شعور عميق بالحسرة والتمزق والسقوط ... # * * * ### ||| ** مشهد المكذبين الأول # إنه المشهد الأول من المشهدين اللذين عالجتهما الآية. إنهم الكافرون في ~~الدنيا ، وقد جاءت رسل الله بمهمة إماتتهم ؛ ولكنهم وجهوا إليهم سؤالا قبل ~~القيام بمهمتهم ، في صيغة هي أقرب إلى التبكيت والتوبيخ منها إلى الاستفهام ~~؛ أين هؤلاء الذين كنتم ms2416 تدعونهم من دون الله ، فليأتوا إليكم في هذا الموقف ~~الحرج الذي يتحدى أصل وجودكم واغتراركم به ليخلصوكم إذا كانوا يملكون بعض ~~قوة الألوهية أو سلطتها؟ ويحمل الجواب مشاعر الخيبة القاتلة PageV10P119 # التي تجسد الضياع بكل معانيه : لقد ضلوا عنا وابتعدوا وضاعوا فلا أثر لهم ~~، تماما كمن يمسك الريح وعند ما يفتح يده فلا يرى شيئا. وانكشفت الحقيقة ، ~~فلا مجال للنجاة أو الإنكار ، وشهدوا على أنفسهم بالكفر بالله ، ووقفوا ~~ليواجهوا نتائج ذلك كله ... وينتهي هذا الحوار ، ويسدل الستار ، ونعرف من ~~خلال الجو أن المهمة قد انتهت وأنهم انتقلوا إلى الدار الآخرة. # * * * ### ||| ** المشهد الثاني # أما المشهد الثاني ، فهو صوت ينطلق من الله ، ليوجه الأمر الحاسم بإدخال ~~هؤلاء الكافرين في النار مع كل الأمم التي سبقتهم من الجن والإنس. ويدخل ~~هؤلاء إلى النار ، فنسمع في قلب هذا المشهد اللعنات تتوالى وتتصاعد وتتشابك ~~، فكل أمة تلعن أختها التي سبقتها. اللعنات هي تحيات الداخلين من جديد ~~للسابقين إلى النار ؛ ولكنها تحيات الغضب والغيظ والمرارة التي تجيش في ~~الصدور التي وحد أفكارها الكفر ، ولم يستطع أن يوحد مشاعرها وعلاقاتها ، أو ~~يربط بينها برابطة التعاطف والتكاتف والاستسلام للمصير المشترك بدون سلبيات ~~في علاقاتها المشتركة ... # إنها وقفات الغيظ المتفجر ، التي تريد أن تصب النقمة والسخط واللعنة على ~~الآخرين الذين تعتبرهم مسئولين حقا أو باطلا عن هذا المصير ، لتخفف من وقع ~~الصدمة على النفس بالإيحاء بمسؤولية الآخرين عن ذلك. # وهنا ينفتح نوع من الحوار بينهم ، لا يخاطبون فيه بعضهم البعض وجها لوجه ~~، بل تتوجه الجماعة الأخيرة أمام الجماعة الأولى بالدعاء إلى الله في أن ~~يضاعف عذابه لمن سبقهم ، لأنهم أساس الضلال ؛ فكأنهم يريدون إفهامهم PageV10P120 # هذه القضية بهذا الأسلوب ، ليختصروا الحوارين في حوار واحد. # وينطلق عن الله صوت جديد ، ليقول لهم : إن لكل منكم ضعفا من العذاب ؛ أما ~~الأولون منكم ، فإنهم ضلوا الطريق وأعانوكم على الضلال ، وأما أنتم ، فإنكم ~~ضللتم وأعنتموهم على الإضلال باتباع أمرهم وإجابة دعوة الرؤساء منهم وتكثير ~~سواد السابقين منهم باللحوق بهم. ( @QUR@03 ولكن لا تعلمون )، لأنكم لا ~~تعرفون ms2417 طبيعة العذاب ، لتعرفوا كيف يكون العذاب ضعفا. وتجيب الجماعة الأولى ~~بأسلوب يقرب إلى التهكم والتشفي : ( @QUR@06 فما كان لكم علينا من فضل ) ~~إننا سواء في المسؤولية وفي نتائجها ... التي هي جزاء ما كسبناه من انحراف ~~وإجرام. # ويسدل الستار على القصة ، ليبدأ فصل جديد ، يأخذ فيه الإنسان درسا عمليا ~~لمستقبل حياته ، كي لا يواجه يوم القيامة ما واجهه هؤلاء من الذل والخزي ~~والعذاب. # * * * ### ||| ** المعطيات العملية للقصة # أما كيف نستوحي هذا الدرس من هذا الموقف الذي يريد الله فيه أن يستبق ~~موعد حدوث النهاية ، فيخبرنا عنها ليجنبنا تجربة الوقوع فيها دون وعي ~~وانتباه ... أما كيف نستوحي هذا كله ، فهذا يتجلى بنقاط عدة. # 1 التأكيد على رفض التبعية في العقيدة ، وفي الممارسة ، وفي الموقف ، ~~وضرورة الاستقلال الذاتي في تحصيل القناعة بما تعتقده النفس ، وما تمارسه ~~وما تتخذه من مواقف ، لأن أي تبرير للتبعية في أية زاوية من زوايا PageV10P121 # العلاقات العامة والخاصة ، لا يمنع من تحمل المسؤولية ومواجهة نتائجها في ~~الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** العقيدة المنحرفة لا تصنع الوحدة الروحية # 2 إن الارتباط بين الأفراد والجماعات ، على أساس العقيدة المنحرفة أو ~~السلوك المنحرف ، لا يصنع الوحدة الروحية أو الرابطة المصيرية التي تجمع ~~بينهم ، لتدفعهم إلى التضامن والمشاركة في نتائج المسؤولية دون تأفف أو ~~تذمر ... ولعل السبب في ذلك هو أن الانحراف لا يخضع للفكر والصدق ، بل يخضع ~~غالبا للمصلحة الذاتية وللعلاقات العاطفية ، مما يدفع الإنسان إلى التخلي ~~عن صاحبه عند أية إشارة للخطر الكبير ، أو أية صدمة بالمصير السيئ ، فتكون ~~النتيجة مزيدا من الملاعنة ، أو المزايدة ، في إلقاء كل طرف المسؤولية على ~~الطرف الآخر. # * * * ### ||| ** تحليل الدعاة للمواقف العامة للناس # 3 أن يعمل الدعاة إلى الله سبحانه على التوسع في التحليل للمواقف الكثيرة ~~التي تندفع فيها التيارات الإلحادية أو الانحرافية إلى بعض مجتمعاتنا ~~المسلمة ، ليتقبلها الناس بقوة ، بفعل القوة السياسية التي يمثلها دعاتها ~~أو القوة الاقتصادية التي تدعمهم ، أو تحت تأثير القوة العسكرية التي تقاتل ~~من أجل فرضها ، أو بفعل الإغراءات المادية والعاطفية ، أو القوة PageV10P122 # العددية ، أو غير ms2418 ذلك من القوى التي تمثل دوافع تشد الناس إلى تقبل هذا ~~التيار أو ذاك ، بغض النظر عن فساده أو صلاحه ، فتلك أمور لا يبحث الناس ~~فيها عادة إلا بعد تحصيل القناعة ، لتبرير ما اتخذوه من موقف وما مارسوه من ~~عمل ، للإيحاء إلى الذات بصوابية ما قاموا به. # ولعلنا نشعر بقيمة هذا التحليل ، عند ما نتعرف إلى الواقع الذي يفرض نفسه ~~على المواقف الفكرية والعملية ، من خلال الدوافع والمؤثرات البعيدة عن ~~التأمل والتفكير والحق والباطل ... فنبدأ بعد ذلك في رسم الخطة العملية ~~التي تسعى لوضع الناس وجها لوجه أمام دوافعهم اللاواعية كما يعبر علماء ~~النفس ثم يربط الموقف بقضية الحرية والكرامة والاستقلالية في الرأي ، أو ~~برواسب الإيمان العميقة ، لاستثارة تلك المشاعر فيهم في حركة التفاف بارعة ~~على فكر الإنسان. ثم الاتجاه إلى استباق المراحل ، بقطع الطريق على تلك ~~التيارات ، وعدم إفساح المجال أمام ما يمكن أن تستفيد منه عمليات الإضلال ~~من أوضاع شاذة ، وذلك بخلق مناعة ذاتية لدى المجتمع ضدها. # وقد يفيدنا في هذا المجال أن نثير ، أمام الناس ، الواقع الذي يعيشونه في ~~ظل الازدواجية الفكرية والأخلاقية ، بين ما يعتقدون وما يقلدون ، والتأكيد ~~على الآثار السيئة المترتبة على ذلك ؛ مما يجعل الإنسان في قلق أو حيرة ~~إزاء انقسام الشخصية وتوزعها بين دافعين ، يشدها أحدهما إلى الأمام ، ~~ويجرها الثاني إلى الوراء. وقد نجد في هذه الآيات الكريمة بعض الدروس ~~الرائعة التي تجعل من الموقف موضوعا يرتبط بقضية المصير في الدنيا والآخرة ~~، لتوحي للإنسان بالابتعاد عن المواقف السريعة وعن السطحية والارتجالية ~~والانفعال الذاتي ، لأن مثل هذه المؤثرات قد تكون مقبولة في الحالات ~~الطارئة المحدودة ، ولكنها لن تكون مقبولة في قضايا المصير الذي يهدد وجود ~~الإنسان في الدنيا والآخرة. # * * * PageV10P123 ### ||| ** أبواب السماء مغلقة في وجه المستكبرين # ( @QUR@011 إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء ) وهي كناية عن أبواب رحمة الله ورضوانه ، وقد جاء في مجمع البيان ~~حديث عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال : «أما المؤمنون فترفع أعمالهم ~~وأرواحهم إلى السماء فتفتح ms2419 لهم أبوابها ، وأما الكافر فيصعد بعمله وروحه ~~حتى إذا بلغ إلى السماء نادى مناد : اهبطوا به إلى سجين» (1)، و ( @QUR@09 ~~ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) وهو أمر مستحيل ، إذ كيف ~~يمكن أن يدخل الجمل في ثقب إبرة الخياطة؟! لأنهم لا يملكون الأساس الذي ~~يمكن أن يحقق لهم ذلك. وقد ورد مثل هذا المعنى في إنجيل لوقا الباب 18 ~~الجملة 25 و36 أن عيسى عليه السلام قال : «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ~~ملكوت الله ، لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت ~~الله» (2). ومن الطبيعي أن المراد به الكناية عن صعوبة انضباط الغني في خط ~~الإيمان والتقوى الذي يدخل به إلى ملكوت الله في الجنة ، لأن الغنى يفتح ~~للإنسان أبواب الانحراف على وسعها. ( @QUR@03 وكذلك نجزي المجرمين ) الذين ~~أجرموا في حق أنفسهم وفي حق ربهم ، ولم يستجيبوا لنداء الحق في الفكر ~~والعمل ، ( @QUR@04 لهم من جهنم مهاد ) مهدته ذنوبهم فراشا من النار ، ( ~~@QUR@03 ومن فوقهم غواش ) تحجب عنهم الرؤية في ما تثيره من دخان يغشي ~~العيون ويمنعها من الإبصار المفتوح. ( @QUR@03 وكذلك نجزي الظالمين ) الذين ~~ظلموا أنفسهم ، وظلموا الحياة من حولهم ، لما أثاروه فيها من كفر وضلال. # * * * PageV10P124 ### ||| ** المؤمنون أصحاب الجنة # أما المؤمنون فلهم شأن آخر : ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ~~بحسب طاقتهم وقدرتهم ، لأنهم لم يستطيعوا أكثر من ذلك ، كما أن الله لا ~~يمكن أن يكلفهم شيئا فوق ذلك ، فهو يقول سبحانه : ( @QUR@05 ولا نكلف نفسا ~~إلا وسعها ) [المؤمنون : 62] أي ما تتسع له قدرتها ( @QUR@06 أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون ). فقد جعل الله الجنة دارا للنعيم لينعم فيها ~~أولياؤه بنعمته ورضوانه. # * * * ### ||| ** لا غل في الجنة # ثم ما مشاعر أهل الجنة ، وما طبيعة العلاقات التي تحكمهم ، وكيف يواجهون ~~هذا الجو ، وكيف يفكرون فيه ، وكيف تكون عملية الاستقبال؟ ( @QUR@06 ونزعنا ~~ما في صدورهم من غل ) أي حقد. وقد لا يكون المقصود بالنزع أنها كانت مملوءة ~~بالحقد ثم نزعه الله منها ، بل ربما تكون كناية عن عدم وجوده فيها ، كما هو ~~أسلوب ms2420 التعبير في نسبة الفعل إلى الله ، على أساس أن أدواته منه ، وإن كان ~~اختياره بيد الإنسان. وفي ضوء ذلك ، يمكن أن يكون المراد هو أنهم عاشوا ~~الإيمان الذي يثير مشاعر الطهر والحب والرحمة في نفوس المؤمنين ، فلم يبق ~~في نفوسهم أي أثر للحقد على مستوى علاقاتهم الأخوية ، فها هم يعيشون في ~~الجنة إخوانا في مرح وغبطة وسرور وشعور بالفرح الروحي ، في ما يواجههم من ~~نعيم يتمثل في هذه المشاهد الطبيعية الحلوة ، ( @QUR@04 تجري من تحتهم ~~الأنهار ). وبدأوا يشعرون بالحاجة إلى التعبير عن شكرهم لله وحمدهم إياه ، ~~لأنه هو الذي فتح لهم باب الهداية ، في ما أودعه PageV10P125 # فيهم من وسائل الهداية ، وما أرسله إليهم من رسل ، أو أنزله عليهم من وحي ~~( @QUR@06 وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ) فهو الذي أرشدنا إلى الجنة ~~ودلنا على السبيل إليها ... ( @QUR@08 وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ~~) بدينه وشريعته. ( @QUR@05 لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) فقد وعدونا بالجنة ~~إذا سرنا في طريق الخير والطاعة ، وها نحن نرى ذلك في هذا الجو الرائع الذي ~~يتحرك بالحق ( @QUR@08 ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) ~~فلم تحصلوا عليها بالاسترخاء والكسل والتمنيات ، بل حصلتم عليها بالجهد ~~والتعب والعناء ... وذلك هو سبيل الحصول على جنة الله ورضوانه ولطفه .. # * * * PageV10P126 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين (44) @QUR@02 الذين يصدون ( @QUR@08 عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~وهم بالآخرة كافرون (45) @QUR@018 وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون ~~كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) ~~@QUR@013 وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين (47) @QUR@014 ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ~~قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) @QUR@015 أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ~~(49) @QUR@020 ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم ms2421 الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) @QUR@019 الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء ~~يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) @QUR@010 ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) @QUR@020 هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من PageV10P127 # @QUR@018 شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (53) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عوجا ): العوج : العطف عن حال الانتصاب ، وهو يقال في ما يدرك ~~بالبصر سهلا كالخشب المنتصب ونحوه ، والعوج يقال في ما يدرك بالفكر ~~والبصيرة كما يكون في أرض بسيط يعرف تفاوته بالبصيرة ، وكالدين والمعاش (1). # ( @QUR@01 حجاب ): الحجاب : الحاجز المانع من الإدراك ، ومنه قيل للضرير ~~: محجوب ، وحاجب الأمير وحاجب العين. # ( @QUR@01 الأعراف ): الأمكنة المرتفعة ، أخذ من عرف الفرس ، ومنه عرف ~~الديك ، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بظهوره أعرف مما انخفض. # ( @QUR@01 بسيماهم ): أي بعلاماتهم. والسيما العلامة ، وهي فعلى ، من : ~~سام إبله يسومها إذا أرسلها في المرعى معلمة ، وهي السائمة ، وقيل : إن ~~وزنه عفلى من وسمت فقلبت ، كما قالوا : له جاه في الناس وأصله وجه ... وفيه ~~ثلاث لغات : سيما وسيماء بالقصر والمد وسيمياء على وزن كبرياء (2). # ( @QUR@01 تلقاء ): التلقاء : جهة اللقاء وهي جهة المقابلة ، ولذلك كان ~~ظرفا من ظروف المكان ، تقول : هو تلقاؤك نحو هو حذاؤك. # ( @QUR@01 أبصارهم ): جمع بصر ، وهو الحاسة التي يدرك بها المبصر ، وقد PageV10P128 # يستعمل بمعنى المصدر ، ويقال : له بصر بالأشياء أي علم بها ، وهو بصير ~~بالأمور أي عالم. # ( @QUR@01 ونادى ): النداء امتداد الصوت ورفعه ، ونادى نظير دعا ، إلا ~~أن الدعاء قد يكون بعلامة من غير صوت ولا كلام ولكن بإشارة تنبئ عن معنى ~~يقال ، ولا يكون النداء إلا برفع الصوت. # ( @QUR@01 خوف ): الخوف : توقع المكروه ، وهو ضد الأمن الذي هو الثقة ~~بانتفاء المكروه. # ( @QUR@01 أفيضوا ): صبوا. والإفاضة كما يقول صاحب المجمع إجراء المائع ~~من علو (1). قال الراغب : فاض الماء إذا سال منصبا (2). وفي التعبير ~~إيحاء إلى علو مكانة أهل الجنة ms2422 بالنسبة إلى مكانة أهل النار. # ( @QUR@01 لهوا ): اللهو : طلب صرف الهم بما لا يحسن أن يطلب به. # ( @QUR@01 ولعبا ): اللعب : طلب المرح بما لا يحسن أن يطلب به. # ( @QUR@01 ننساهم ): نتركهم ونهملهم ولا نبالي بهم ، وذلك على سبيل ~~الكناية لاستحالة نسبة النسيان إليه تعالى على سبيل الحقيقة. والمعنى : ~~نعاملهم معاملة المنسي في النار. والجزاء من جنس العمل ( @QUR@07 كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) [طه : 126]. # والنسيان كما يقول الراغب ترك الإنسان ضبط ما استودع إما لضعف قلبه أو عن ~~غفلة (3). # ( @QUR@01 ينظرون ): ينتظرون. والانتظار : هو الإقبال على ما يأتي ~~بالتوقع له ، PageV10P129 # وأصله الإقبال على الشيء بوجه من الوجوه. # ( @QUR@01 تأويله ): التأويل : ما يؤول إليه حال الشيء ، وهو «من الأول ~~، أي الرجوع إلى الأصل» ، كما يقول الراغب (1). # ( @QUR@01 شفعاء ): الشفاعة : الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه ، ~~وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى. ومنه ~~الشفاعة في القيامة. # * * * ### ||| ** تحاور أصحاب الجنة وأصحاب والنار # وهناك حوار آخر يدور بين أهل الجنة وأهل النار ، يتدخل فيه أهل الأعراف ~~ليحاوروا أهل النار بطريقة إنكارية تأنيبية. وتنطلق الآيات في هذا الجو ~~لتثير أمام الإنسان بعض المفاهيم والمواقف ، وتوضح بعض المظاهر الاستعراضية ~~التي لا زال البعض يمارسونها في الحياة الدنيا ، فينخدع بها بعض البسطاء في ~~أجواء الغفلة والنسيان. # ( @QUR@05 ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ). الآية توحي أن هناك منطقة ~~يشرف فيها أهل الجنة على أهل النار ، فيرون بعضهم بعضا ، ويسمع أحدهم الآخر ~~... وربما كان بين هؤلاء وأولئك علاقة معرفة أو قرابة أو جوار في الدنيا ، ~~وربما كان بينهم هناك حوار في قضايا الإيمان والكفر وما يؤديان إليه من جنة ~~أو نار. وكان الكفار ينكرون ذلك كله ويسخرون باليوم الآخر ، بينما كان ~~المؤمنون يؤكدون ذلك ويخوفونهم ويحذرونهم من نتائج أعمالهم ... ومرت الأيام ، PageV10P130 # وها هم يلتقون في الدار الآخرة ، ولكل موقعه في الجنة أو النار ، ويطلع ~~أهل الجنة على أهل النار ويسألونهم ( @QUR@07 أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا ~~حقا ) فها نحن نتقلب في نعيم الجنة ورضوان الله ، كما ms2423 وعدنا الله من خلال ~~رسله ؛ ( @QUR@06 فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ) في ما توعدكم به من عذاب ~~النار جزاء كفركم ، فها أنتم تجدون أنفسكم في النار كما وعدكم رسل الله. ~~وهو سؤال للإنكار أو للتقرير ، لا للاستفهام. ( @QUR@02 قالوا نعم ) في ~~خشوع وذلة واستكانة ، ( @QUR@08 فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ~~) وقد لا يكون للحديث عن هذا المؤمن باسمه أثر كبير في الأجواء التي تثيرها ~~الآية ، فلا نريد أن ندخل في ما دخل فيه المفسرون من خلاف حول ذلك ، لأن ~~الظاهر هو التركيز على الفكرة الموحية بإبعاد الله لهؤلاء الظالمين عن ~~رحمته في ما تمثله اللعنة من هذا المعنى. # وتأتي الآية الثانية لتوضح المقصود من هذه الكلمة : ( @QUR@01 الظالمين ) ~~؛ فليس المراد بها الظلم في الاعتداء على حقوق الناس ، بل المراد بها ~~الاعتداء على حقوق الله في العقيدة الحقة والنهج المستقيم ، مما يعتبر ظلما ~~للنفس من جهة ، وظلما لله من جهة أخرى. # ( @QUR@05 الذين يصدون عن سبيل الله ) بوسائل الخداع والضغط ، فيبعدونهم ~~عن سبيل الله في العقيدة والعمل ، ويمنعونهم عن السير في هذا الاتجاه ، ( ~~@QUR@02 ويبغونها عوجا ) ويريدونها منحرفة تتحرك في اعوجاج وانحراف في ما ~~يثيرونه من شكوك وشبهات ، وما يحركونه من غرائز وشبهات. ( @QUR@03 وهم ~~بالآخرة كافرون ). وهذا هو السر في الانحراف الفكري والعملي ، لأن الكفر ~~بالآخرة يبعد الإنسان عن الشعور بالمسؤولية الذي يدفعه إلى تركيز البحث في ~~العقيدة على أساس متين ، ويدفع العمل في اتجاه الصراط المستقيم ، بينما ~~يثير الإيمان بها الحركة الفكرية في اتجاه تصحيح المنهج والمسار والهدف ... # * * * PageV10P131 ### ||| ** أهل الأعراف # ويهدأ الحوار ريثما يتدخل جماعة آخرون ، وهم أهل الأعراف الذين اختلفت ~~أقوال المفسرين فيهم ، وأبرز ما ورد فيهم قولان ؛ القول الأول : إنهم قوم ~~استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فلم تترجح حسناتهم حتى يدخلوا الجنة ، ولا غلبت ~~سيئاتهم حتى يؤمروا بدخول النار ؛ فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف ~~لكونها درجة متوسطة بين الجنة والنار ، ثم يدخلهم الجنة برحمته ... القول ~~الثاني : إنهم رجال من أهل المنزلة والكرامة مع اختلاف في تحديد شخصيتهم ، ~~بين من يقول : إنهم ms2424 الأنبياء ، ومن يقول : إنهم الشهداء على الأعمال ، أو ~~العلماء والفقهاء ... واختلفوا في تحديد الأعراف على أقوال منها إنه شيء ~~مشرف على الفريقين ، ومنها إنه تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل ~~الذنوب. # وقد يكون في الكثير من هذا الاختلاف لون من ألوان الاجتهاد الذاتي في ~~التفسير ، وربما استند بعضهم إلى بعض الروايات الواردة عن الصحابة والأئمة ~~من أهل البيت عليهم السلام ، ولكننا لا نجد كبير فائدة في تحقيق هذا الأمر ، ~~لأن ذلك لا يتعلق بالأجواء العامة للآيات. وربما قادنا التفسير إلى بعض ~~اللمحات الموحية في هذا الاتجاه. ( @QUR@02 وبينهما حجاب ) فليست الأجواء ~~مكشوفة تماما بين أهل الجنة وأهل والنار ، فهناك ستار يفصل بينهما ، أو سور ~~يحجز أحدهما عن الآخر. # ( @QUR@06 وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ) أي بعلاماتهم المميزة ~~التي تتمثل فيها أوضاعهم في خط الإيمان أو الكفر ، في ما يفكرون ويعملون ~~... فيستطيعون من خلال ذلك تمييزهم ومعرفتهم ، ليتحدثوا إليهم حديث ~~المعرفة. ( @QUR@06 ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم )، فتلك هي التحية ~~التي توجه إلى أهل الجنة ، في ما توحي به الجنة من معنى السلام الروحي ، ~~على مستوى الأجواء PageV10P132 # النفسية الداخلية للإنسان تجاه ربه ، وتجاه كل ما حوله ومن حوله ... وعلى ~~مستوى الأجواء العامة التي تسود آفاق الجنة على مستوى الطبيعة أو الناس ... ~~( @QUR@04 لم يدخلوها وهم يطمعون ) حاول بعض المفسرين أن يجعل الضمير في ~~هذه الفقرة عائدا إلى أصحاب الجنة الذين كانوا حين النداء خارج الجنة ، فلم ~~يكونوا قد دخلوها بعد ولكنهم يطمعون في دخولها لما يعرفونه من تاريخهم في ~~الدنيا في ما قدموه أمامهم من أعمال وحسنات ... وفسرها الكثيرون بأن ~~المقصود بهؤلاء أصحاب الأعراف ، لأنهم يتحدثون مع أهل الجنة كفريق مستقل لا ~~يشاركهم في الصفة ، وإلا لكانوا منهم ... أما طمعهم في دخول الجنة ، فلأنهم ~~ليسوا بمستوى السوء الذي يمنعهم من دخولها ، لأنهم ممن استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم ، كما يقولون. # وربما كان هذا القول أقرب إلى سياق الآية ، لا سيما بلحاظ الآية الثانية ~~( @QUR@07 * وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) فشاهدوهم واطلعوا على ms2425 ~~هول العذاب الذي يلاقونه ، فشعروا بالخوف والرعب فدفعهم ذلك إلى الابتهال ~~والدعاء إلى الله ( @QUR@07 قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) ~~الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتمرد والعصيان ... يلاحظ أن مثل هذا الدعاء ، ~~قد يصدر من أهل المنزلة والكرامة في الدنيا ، حيث يعبرون عن عظمة الله ~~وخشيتهم منه بذلك ... أما في يوم القيامة ، فلا نجد ما يوحي بذلك ، لأن ~~مجال الأعمال التي يخاف الإنسان من مسئوليتها السلبية حتى بطريق الافتراض ~~قد انتهى بالنسبة إليهم ، فعرفوا أنهم مصدر كرامة الله ؛ بينما يعتبر ذلك ~~أمرا طبيعيا بالنسبة إلى الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، الذين لا يزالون ~~في خوف من مصيرهم ... ولذلك فهم يعملون على إظهار إخلاصهم لله ، بإخلاصهم ~~لعباده المؤمنين من أهل الجنة ، بإلقاء التحية عليهم ؛ كما يعملون على ~~إبراز خضوعهم له وخوفهم منه والإنكار على أهل النار في حوار مختصر معهم ... ~~مما يؤكد موقفهم القلق الذي يحاول البحث عن أساس للثقة والاطمئنان في أكثر ~~من اتجاه ... إن ذلك كله PageV10P133 # يقرب الوجه الأول في شخصية أصحاب الأعراف ، وتفسير الفقرة المتقدمة في ~~الآية السابقة ... # ( @QUR@06 ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ) في ما كانوا ~~يكفرون بالله وكانوا بآياته يجحدون ؛ ( @QUR@05 قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ) ~~الذي جمعتموه من مال وجاه ( @QUR@03 وما كنتم تستكبرون ) على أساس المال ~~الذي تملكونه ، أو الجاه الذي تتقلبون فيه ، في ما يدفعكم إليه الاستكبار ~~من إنكار الحق وظلم أهله ، والتطلع إليهم من موقع العلو والرفعة ، كما لو ~~كانوا كميات مهملة لا توحي بشيء من الاحترام والاهتمام ، لأن مقياس ~~المستكبرين في تقييمهم للأفكار وللأشخاص ، هو القيم المادية التي تحكم ~~الساحة ، من مال وجاه وامتيازات ، ولكن ذلك هو شأن الدنيا من خلال ما تتحرك ~~به الماديات في التأثير على حركة الإنسان والحياة ... أما شأن الآخرة ، فله ~~مجال آخر ، في ما قدمه الناس من أعمال صالحة ، وما عاشوه من إيمان وتقوى ~~وصلاح ، ولذلك فإن كل ما يتركه الإنسان من مال وجاه خلفه في الدنيا ، لا ~~يعني شيئا في عملية التقييم لدى الله ، ولا يغني عنهم شيئا ms2426 في ما يستحقونه ~~من عذاب وعقاب ، ( @QUR@07 أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة )، ~~لأنكم تعتبرون رحمة الله خاضعة لقيم الدنيا في امتيازاتها التي تصنف الناس ~~تبعا لإمكاناتهم المادية ومواقعهم الاجتماعية. إن هؤلاء هم الذين يملكون ~~الدرجة العليا في الآخرة ، وهم أهل الكرامة والمنزلة عند الله ، الذين أفاض ~~الله عليهم رحمته ، وأسبغ عليهم نعمته ... # * * * ### ||| ** أصحاب النار يتوسلون أصحاب الجنة # ثم يلتفتون إلى أهل الجنة ، ليقولوا لهم ، بكل محبة وتقدير وتبريك : ( ~~@QUR@08 ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) وهنا يعود الحديث إلى ~~حوار أهل PageV10P134 # الجنة والنار ، فنرى أهل النار وهم يعيشون الجوع والحرمان والعطش والذل ~~والمسكنة ... فيتوسلون إلى أهل الجنة أن يعطوهم شيئا مما رزقهم الله من ~~الماء والطعام وغير ذلك مما يحتاجه الإنسان في استمرار حياته ... ( ~~@QUR@020 ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما ~~رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين )، لأنه قضى عليهم بالعذاب ~~في الدار الآخرة ، وحرمهم من كل نعيمها ، ونحن لا نملك التصرف في ذلك إلا ~~بأمر الله ، ولم يأذن لنا الله بذلك ، لأنكم من الكافرين ( @QUR@05 الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا )، فاعتبرتم الحياة فرصة للهو وللعب ، وأخضعتم ~~لهما كل برامج الفكر والعمل ، وأطلقتم معهما كل آمالكم ومطامحكم ، حتى تحول ~~اللعب واللهو إلى دين تدينون به وتسيرون عليه ... ( @QUR@03 وغرتهم الحياة ~~الدنيا ) بزخارفها ومباهجها ولذائذها وشهواتها ... فأنستهم ذكر الله واليوم ~~الآخر ، وإذا نسي الإنسان ربه ونسي لقاءه في اليوم الآخر ، فإن الله سينساه ~~في ذلك اليوم ، في ما تعبر عنه كلمة «النسيان» بالنسبة إلى الله ، من إهمال ~~كلي له ، وذلك على سبيل الكناية ، لاستحالة هذه النسبة إليه تعالى على نحو ~~الحقيقة. فإن النسيان يستتبع الإهمال لما ينساه الشخص ، فناسب أن يقوم ~~مقامه في التعبير ... # * * * ### ||| ** الجزاء بالمثل # ( @QUR@02 فاليوم ننساهم ) ونهملهم ولا نبالي بهم ( @QUR@05 كما نسوا ~~لقاء يومهم هذا )، فنسوا مسئوليتهم أمام الله ، وتركوا العمل الجدي في ~~اتجاه المسؤولية ، وعاشوا أجواء اللامبالاة ، وحياة اللهو واللعب ، فذلك ~~جزاؤهم على ما فعلوه ( @QUR@04 وما كانوا بآياتنا يجحدون ). ولم يكن ms2427 لهم ~~في جحودهم لها من حجة أو برهان ، بل كانت الحجة لله عليهم في ما أرسله من ~~رسله ، وما PageV10P135 # أنزله من كتبه ، ( @QUR@06 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) وبينا فيه ~~تفاصيل كل شيء على أساس من العلم القائم على الدليل والحجة ، لا على الشك ~~والريبة ، وجعلناه ( @QUR@04 هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) فقد أراده الله كتاب ~~هدى يهتدي به التائهون الذين لا يملكون الوسائل الكافية للحصول على وضوح ~~الرؤية للأشياء أو على تفاصيلها الدقيقة ، فيرون فيه الأشياء على حقيقتها ، ~~فيهتدون إلى أهدافهم الكبيرة بكل سهولة ... وأراده الله كتاب رحمة ، في ما ~~تمثله هذه الكلمة من أجواء ومعان وآفاق ، تثير في نفوس الناس المشاعر ~~الطاهرة الصافية ، وترعى حياتهم بكل الأساليب التي تتحرك من أجل السعادة في ~~الدنيا والآخرة. ولن يحصل على ذلك إلا المؤمنون الذين يحركون كل خطواتهم ~~على الطريق الذي يفتحه الكتاب للناس جميعا ليلتقوا فيه بالله في خط البداية ~~وفي نقطة النهاية. # * * * ### ||| ** التأويل هو الحقيقة الواضحة # ( @QUR@04 هل ينظرون إلا تأويله ) أي الكتاب ، في ما تعنيه كلمة ~~«التأويل» من الحقيقة الواضحة التي تكشف عنها الألفاظ في ما ترجع إليه ~~معانيها ، ( @QUR@03 يوم يأتي تأويله ) وهو يوم القيامة الذي تظهر فيه ~~القضايا على حقيقتها بشكل لا يسمح بأي التباس أو اختلاف ، ( @QUR@05 يقول ~~الذين نسوه من قبل ) وأهملوه ، ولم يتعمقوا في معانيه ، ولم يتحركوا في ~~اتجاه تحويلها إلى برنامج عملي لحياتهم وحياة الناس من حولهم ... وحاولوا ~~بدلا من ذلك أن يثيروا الغبار من حوله ، ويشككوا فيه ، وينسبوا آياته إلى ~~البشر ، ويعطوه صفة الأسطورة والخرافة ، ويتهجموا على الرسل الذين حملوه ~~كرسالة إلهية إلى الحياة من أجل تنظيمها ، جهلا منهم أو تجاهلا واستكبارا ~~... وها هم اليوم أمام الحقيقة البارزة ، التي تهدم كل ما بنوه من أضاليل ، ~~وما أثاروه من أوهام ، يتراجعون عن تكذيبهم وعن PageV10P136 # جو اللامبالاة الذي كانوا يواجهون به موقف الرسول والرسالة. ( @QUR@05 قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق ) فكيف انحرفنا عنه؟ ولكن ماذا نفعل الآن ، وكيف نحصل ~~على الأمن ، وما طريقة الخروج من المأزق الذي أوقعنا أنفسنا ms2428 فيه؟ # * * * ### ||| ** هل من شفعاء للذين نسوا الله في الدنيا؟ # ( @QUR@06 فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ) كما كنا نفعل في الدنيا إذا ~~أخطأنا وواجهنا حساب المسؤولية ، كنا نلجأ إلى الوسطاء الذين تربطنا بهم ~~قرابة أو صداقة أو مصلحة ، فيشفعون لنا لدى أولي الأمر ، ونتخلص بذلك من ~~النتائج السلبية لأعمالنا. فهل هناك وسطاء وشفعاء في الآخرة ليشفعوا لنا ، ~~( @QUR@07 أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ) فيعطينا الله فرصة ثانية للعمل ~~، من أجل أن نصحح هذا الخطأ ، ونقوم هذا الانحراف ، ونغير المنهج والبرنامج ~~كله ، لتكون حياتنا وفقا لأمر الله ونهيه ، لنحصل من خلال ذلك على رضاه ، ~~فيدخلنا في رحمته ورضوانه؟! ولكن الله يرفض هذه التمنيات ، لأن الشفعاء لا ~~يملكون ذاتية التصرف في هذه الأمور ، ( @QUR@015 يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) [الأنبياء : 28]. ~~فكيف يشفعون لهؤلاء الذين كفروا بالله وآياته ورسله؟ أما قصة العودة إلى ~~الدنيا ، فقد عالجها القرآن أكثر من مرة ، وأكد أنهم لو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه ، لأن مثل هذا التمني يخضع لمشاعر اللحظة ، فإذا انفصلوا عنها ~~رجعوا إلى أوضاعهم السابقة. وهذا ما جعل الآية تختم الموقف بالإعلان عن ~~خسارتهم لأنفسهم : ( @QUR@08 قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ~~لأنهم لم يحصلوا من كل حياتهم على شيء أي شيء ولم تنفعهم افتراءاتهم شيئا ~~من قريب أو من بعيد. # * * * PageV10P137 ### ||| * الآيات # ( @QUR@032 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) @QUR@08 ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) @QUR@015 ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) @QUR@029 ~~وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) @QUR@017 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ~~يخرج ms2429 إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) (58) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أيام ): جمع يوم ، قال الراغب في المفردات : اليوم يعبر به عن ~~وقت طلوع الشمس إلى غروبها ، وقد يعبر به عن مدة من الزمان أي مدة كانت (1). PageV10P138 # وربما كانت الاستعمالات القرآنية لكلمة «اليوم» تنطلق من المعنى الثاني ، ~~وذلك كما في كلمة «يوم القيامة» الذي يستغرق خمسين ألف سنة كما جاء في ~~(سورة المعارج الآية 4). وقد أطلق اليوم على المدة الطويلة من الزمن التي ~~تتصف بعنوان سلبي أو إيجابي في حياة الإنسان. جاء في نهج البلاغة : «الدهر ~~يومان يوم لك ويوم عليك» (1)، مما يعبر عن الدورة الزمنية التي تستغرق ~~واقع الإنسان في هذه الحالة أو تلك. # وعلى ضوء ذلك ، انطلقت الكلمات التي تعبر باليوم عن عهد دولة معينة في ~~سيطرتها على الواقع بعد أن تخلفها دولة أخرى في ذلك ، فيقال : لقد سيطرت ~~الجماعة الفلانية يوما وسيطرت الأخرى يوما آخر. # وفي هذا الاتجاه ، يمكن توجيه الحديث عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~كما جاء في هذه الآية أمام النظرية العلمية غير القطعية التي تقول : بأن ~~تكون الأرض والسماء قد استغرق مليارات السنين على النحو التالي كما ذكره ~~صاحب تفسير الأمثل : # 1 يوم كان الكون في شكل كتلة غازية الشكل ، نتج أن انفصلت منها أجزاء ~~بسبب دورانها حول نفسها ، وتشكلت من المواد المنفصلة الكرات والأنجم. # 2 هذه الكرات قد تحولت تدريجيا إلى كتلة من المواد الذائبة المشعة أو ~~الباردة القابلة للسكنى. # 3 في دورة أخرى تألفت المنظومة الشمسية وانفصلت الأرض عن الشمس. PageV10P139 # 4 في الدورة الرابعة بردت الأرض وأصبحت قابلة للحياة. # 5 ثم ظهرت النباتات والأشجار على الأرض. # 6 وبالتالي ظهرت الحيوانات والإنسان فوق سطح الأرض (1). # إن من الممكن إطلاق كلمة اليوم على الدورات الستة التي تمثلها النظرية ~~العلمية ، ولكننا مع هذا كله لا نستطيع أن نفرض هذا الرأي على الآية ~~القرآنية وأمثالها ، لأنه لم يصل إلى الحقيقة العلمية الحاسمة ، باعتبار ~~انطلاقها من بعض المقدمات الظنية الاستنتاجية التي يمكن أن تخطئ أو تصيب ، ~~مما ms2430 لا يمكن إخضاع القرآن له ، لأنه الذي يمثل الكلمة الإلهية الفاصلة التي ~~لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. # ( @QUR@01 استوى ): الاستواء لغة استقامة الشيء واعتداله ، والمراد به ~~هنا السيطرة والاستيلاء والملك ، كما يقال : جلس فلان على العرش ، أي سيطر ~~على الملك ، وثل عرشه أي خرجت السيطرة من يده وسقط ملكه ، وهو عبارة عن ~~إحاطة الله الكاملة وسيطرته على الكون وتدبيره له من موقع القدرة المطلقة ~~على جميع مقدراته ومواقعه. # ( @QUR@01 العرش ): في اللغة كل شيء له سقف وربما يطلق على السقف نفسه ، ~~كما في قوله تعالى ( @QUR@09 أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) ~~[البقرة : 259]. وقد يطلق على سرير الملك وكرسيه في مجلس الحكم والتدبير ، ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@03 أيكم يأتيني بعرشها ) [النمل : 38]. # أما استعماله في «عرش الله» ، فالظاهر أنه كناية عن الكون كله في عالم ~~الوجود الذي يمثل الملك المطلق لله في كل شيء موجود. PageV10P140 # وعلى ضوء ذلك ، فإن التعبير وارد على نحو الكناية لا على نحو الاستعمال ~~الحقيقي بالمعنى المادي للكلمة ليكون حجة للجسمانيين الذي حاولوا الأخذ ~~بحرفية الكلمات القرآنية ، فتصوروا الله من خلال ذلك جسما ماديا كبقية ~~الأجسام الأخرى في حاجتها إلى العوارض المختصة بالجسم ، وغفلوا عن أن ~~القرآن انطلق في أسلوبه الفني من القمة البلاغية التي تعتمد على الاستعارة ~~والكناية كما تعتمد على الحقيقة حسب الحاجة الفنية للتعبير. # ( @QUR@01 يغشي ): يغطي ، يقال : غشى الشيء الشيء : ستره وغطاه ، وأغشاه ~~إياه : جعله يغشاه أي يغطيه ويستره ، ومنه إغشاء الليل النهار لا إغشاء ~~النهار الليل ، لأن الغطاء يناسب الظلمة فقط ولا يناسب النور والضوء. # ( @QUR@01 حثيثا ): مسرعا. والحثيث : السير السريع بالسوق ، من قولهم : ~~فرس حثيث السير أي سريعه. # ( @QUR@01 مسخرات ): أي مذللات خاضعات لتصرفه ، منقادات لمشيئته. # ( @QUR@01 بأمره ): أي بتدبيره وتصرفه. # ( @QUR@01 الخلق ): الإيجاد الأول المتحرك في نطاق التقدير الإلهي في ~~تنوعاته وشروطه وخصائصه في البسائط والمركب. # ( @QUR@01 والأمر ): هو السنن والقوانين المتحركة في نظام الوجود في ~~إيصاله إلى غاياته التي أرادها الله ، سواء في عالم الظواهر الكونية أو ~~الواقع الإنساني ، في السنن ms2431 التاريخية الحاكمة على مسيرته في أوضاعه العامة ~~والخاصة الصادرة عن الله من خلال أمره التكويني الذي يقول للشيء ، في وجوده ~~ونظامه وسننه ، كن فيكون ، من خلال شأنه وموقعه الربوبي في خالقيته ~~وتدبيره. # وفي هذا إيحاء بالإبداع الإلهي للوجود ، وبالربوبية المهيمنة المنفتحة PageV10P141 # على كل حركته ، بحيث تشرف عليه في بقائه واستمراره ، فلا تهمله بعد ~~إيجاده ليعيش في فوضى الصدف الضائعة في الفراغ. # ( @QUR@01 تبارك ): مأخوذة من البركة وأصلها الثبات ، والمراد منه الخير ~~الكثير الثابت ، وأما مناسبته لله ، فهو في وجوده المبارك الأزلي الأبدي ~~الذي هو منشأ الخيرات والبركات ومنبع الخير المستمر. # ( @QUR@01 تضرعا ): تذللا. والتضرع : التذلل ، وهو إظهار الذل الذي في ~~النفس ، ومثله التخشع ، ومنه التطلب لأمر من الأمور ، وأصل التضرع الميل في ~~الجهات ذلا من قولهم : ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا مال بإصبعه يمينا وشمالا ~~ذلا وخوفا ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل إليه ، ومنه المضارعة للمشابهة ~~لأنها تميل إلى شبه ، والضريع نبت لا يسمن لأنه يميل مع كل داء. # ( @QUR@01 وخفية ): الخفية خلاف العلانية ، من : أخفيت الشيء إذا سترته. # ( @QUR@02 لا يحب ): محبة الله للعمل ثوابه عليه ومحبته للعامل رضاه عنه. # ( @QUR@01 المعتدين ): المتجاوزين للحدود ، والاعتداء : تجاوز الحدود. # ( @QUR@01 وطمعا ): الطمع : توقع محبوب يحصل. # ( @QUR@01 الرياح ): جمع ريح ، وهو الهواء المتحرك ، قال الراغب : كل ~~موضع ذكر الله إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب ، وكل موضع ذكر فيه بلفظ ~~الجمع كان للرحمة (1). # ( @QUR@01 رحمته ): المراد بها هنا المطر. # ( @QUR@01 أقلت ): أي رفعت ، والإقلال : حمل الشيء بأسره حتى يقل في ~~طاقة الحامل له بقوة جسمه ، يقال : استقل بحمله استقلالا وأقله إقلالا. PageV10P142 # ( @QUR@01 سحابا ): السحاب : الغيم الجاري في السماء ، واحده سحابة. # ( @QUR@01 سقناه ): سيرناه. السوق : حث الشيء في السير حتى يقع الإسراع فيه. # ( @QUR@02 لبلد ميت ): البلد الميت هو الأرض التي لا نبات فيها ولا مرعى. # ( @QUR@01 نكدا ): النكد : كل شيء خرج إلى طالبه بتعسر ، يقال : رجل نكد ~~بفتح الكاف وكسرها ، وهو البخيل الممسك الذي يتعذر أخذ شيء منه بسهولة. ~~وناقة نكداء : خفيفة الدر صعبة الحلب. # ( @QUR@01 نصرف ): التصريف : تبديل الشيء من حال إلى حال ، ومنه ms2432 تصريف ~~الرياح. # * * * ### ||| ** القرآن وتحريك الإيمان في قلب الحياة # في هذه الآيات صورة حية كونية رائعة ، توحي للإنسان بعظمة الله من خلال ~~عظمة خلقه ، ليستشعر الإنسان وهو يتأمل ذلك كله إيمانه بالله في رحاب الكون ~~، في النهار عند ما تتوهج الحياة بيقظة النور ، وفي الشمس عند ما تنشر ~~الدفء والإشراق في كل زاوية من زوايا الكون ، وفي القمر عند ما ينساب نوره ~~هادئا ناعما وديعا في أجواء الليل الهادئة الموحية بالخدر اللذيذ في إغماضة ~~الجفون على الأحلام الجميلة ، وفي النجوم التي تتجمع في ظلام الكون كحبات ~~نور متناثرة في الفضاء ... وهكذا تتكامل الصورة كلما امتدت آفاق المعرفة في ~~وعي الإنسان في ما يشاهده ويلمسه ويعيه من خلق الله ... ثم تتعاظم الفكرة ~~من خلال الصورة في عقله وشعوره ، فيحس بالخضوع لله الذي PageV10P143 # أبدع ذلك كله ، فيتضرع له ويخاف منه ، ويطمع به ، وتتحرك أحلامه الكبيرة ~~في اتجاه القرب منه ... وذلك هو أسلوب القرآن في تحريك الإيمان في قلب ~~الحياة ، ليتنامى ويتصاعد وينساب في حياة الإنسان اليومية ، كما لو كان ~~شيئا مرئيا تلمع به العيون ، أو مظهرا كونيا تتلاقى حوله العقول. وبذلك ~~تلتقي الفطرة بالإيمان من أقرب طريق. # * * * ### ||| ** العرش مظهر السلطة الإلهية الأعلى # ( @QUR@010 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام )، وهو ~~القادر على أن يخلقها في لحظة ، ولكنه أراد للحياة أن تتدرج في الوجود من ~~خلال ارتباط بعضها ببعض في طريقة تكاملية. ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) ~~في ما يرمز إليه الاستواء من الهيمنة والسيطرة والسلطة ، وما توحي به كلمة ~~( @QUR@01 العرش ) من مركز الملك والحكم ، بعيدا عن أي معنى يتصل بالتجسيد ~~لله ، أو بالشكل المادي للعرش ... ولا ينافي ذلك ما ورد في الأحاديث ~~المتنوعة عن منطقة في السماء تسمى بالعرش ، أو ما جاء في الآية الكريمة : ( ~~@QUR@06 ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة : 17] لأن من الممكن ~~أن يكون المراد به المنطقة الأعلى في الكون ، باعتبار أن ذلك هو مظهر ~~السلطة والسيطرة على الكون على سبيل الكناية ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الليل يلاحق النهار # ( @QUR@05 يغشي ms2433 الليل النهار يطلبه حثيثا ). وهذا من مظاهر قدرة الله ، ~~حيث نرى الليل يلاحق النهار بظلامه فيستره ، ويطلبه طلبا سريعا فيدركه ، ~~تماما كمن PageV10P144 # يلاحق شخصا آخر في عملية ملاحقة سريعة. وربما كان في هذا إشارة إلى أن ~~الليل هو الأصل والنهار طارئ ، فلم يكن هناك قبل الشمس ضياء ، فكأن النهار ~~في مجيئه وإشراقه قد أخذ من الليل سلطانه ، فبدأ الليل في محاولة دائمة ~~وطلب حثيث لاسترجاع بعض ما فقده من ذلك ... # * * * ### ||| ** كل ما في الكون طوع أمر الله تعالى # ( @QUR@05 والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) فقد خلقها الله وحركها ~~بإرادته وقدرته ، وسخرها بأمره ، ليؤدي كل واحد منها دوره في حركة الحياة ~~وفقا للقوانين الحكيمة التي أودعها الله فيها ، في نظام دقيق حكيم لا تختلف ~~أوضاعه ولا ترتبك مسيرته ، وأراد للإنسان أن ينتفع بذلك كله ، في ما وهبه ~~من عقل وما مكنه من وسائل القدرة ... ( @QUR@03 ألا له الخلق ) فلا خالق ~~غيره ، ولا يملك الخلق إلا هو ، ( @QUR@01 والأمر ) فلا أمر إلا أمره ، لا ~~أمر لأحد مع أمره. فإذا أراد شيئا ، فإنه يقول له كن فيكون. ( @QUR@04 ~~تبارك الله رب العالمين ) فله البركة التي تمتد بكل البركات على كل ~~العالمين ، فهو الرب لكل شيء لا رب غيره ، ولا إله سواه ... # * * * ### ||| ** من أحب الله أحب عباده # ( @QUR@03 ادعوا ربكم تضرعا ) بكل خشوع وذلة ومسكنة ، وافتحوا قلوبكم ~~إليه ، وأشهدوه على أنفسكم أنكم عباده الخاضعون المستكينون ، وارفعوا إليه ~~أكف الضراعة ، ليعطيكم ما تحتاجون إليه من كل شيء ، لأنه القادر على كل شيء ~~... ( @QUR@01 وخفية ) في أنفسكم ، لتعيشوا الشعور الحميم بأنكم معه في كل PageV10P145 # المشاعر اللاهثة الحارة ، وفي كل التمنيات الروحية ، وفي كل الكلمات ~~المبتهلة الخاشعة ... لا يشارككم أحد في هذا الجو الإلهي الرائع ، فلا أحد ~~هناك إلا العبد وربه ، مما يعمق في نفس الإنسان الشعور بعبوديته الحقيقة ~~لله ، وانتمائه الصادق إليه بكل هدوء وإيمان وإخلاص ، وبذلك تفرغ كل أفكاره ~~ومشاعره وممارساته من كل معاني الاعتداء ، فتصفو للناس وللحياة بالمستوى ~~نفسه الذي تصفو به لله ، لأن صفاء الروح مع الله ، يحقق أعمق ms2434 ألوان الصفاء ~~مع الناس ، إذ إن الإنسان إذا أحب الله أحبه عباده ، وذلك هو سر التفاعل ~~بين العبد وربه ، فإذا أحب الإنسان ربه ترك كل شيء لا يحبه الله ، وبذلك ~~فإنه يترك العدوان ، إذ ( @QUR@04 إنه لا يحب المعتدين ). # * * * ### ||| ** الإفساد عدوان على الحياة # ( @QUR@06 ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) إفساد الفكر والعمل ~~والعلاقات ، في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ، فقد ~~أعدها الله إعدادا صالحا ، في ما يريد لها من حركة وحياة ، وأراد للناس ، ~~من خلال وحي رسله ، أن يتابعوا خطوات الصلاح ، ولا يستسلموا لكل عوامل ~~الفساد والإفساد ، لأن ذلك يمثل عدوانا على الحياة ، وانحرافا عن خط الله ~~... وتلك هي مهمة الإنسان في إدارة طاقاته التي وهبه الله إياها ، بأن تكون ~~كل فعالياتها للصلاح والإصلاح. وذلك هو معنى أن تكون أمانة لله عنده ، فلا ~~يحركها إلا بما يرضي الله ، في بناء الحياة لا في هدمها. ( @QUR@03 وادعوه ~~خوفا وطمعا ) لأنه هو الذي ينبغي للإنسان أن يخاف من عذابه ويطمع في ثوابه ~~ويرجو رحمته ، وذلك أي الدعاء الذي يمثل عمق الإخلاص له واللجوء إليه ما ~~يجعله قريبا من رحمته ، فتكون رحمته قريبة منه ، ولكن بشرط أن يعيش الإنسان سلوك PageV10P146 # الإحسان في ما يقول أو يفعل ، لأن الرحمة ليست مجرد حالة عفوية ، بل هي ~~لطف من الله ، يتصل بالأفق الداخلي للإنسان وبالحركة الطيبة لحياته ، وذلك ~~هو قوله : ( @QUR@06 إن رحمت الله قريب من المحسنين ) الذين أحسنوا بالروح ~~وبالقول والعمل ... # * * * ### ||| ** التجارة مع الله روحية لا مادية # وقد يثير البعض في هذا المجال تساؤلا حول معنى أن تكون علاقتنا بالله ~~علاقة خوف وطمع؟ أليس هذا مظهرا من مظاهر العقلية التجارية مع الله ، حيث ~~ترتبط به على أساس خوف الخسارة والطمع في الربح؟! أليس من الأقرب إلى خط ~~الإيمان أن تكون العلاقة نابعة من المحبة الخالصة له ، التي تنطلق من ~~استحقاقه للعبادة ، لأنه أهل لذلك؟ # ونجيب عن ذلك ، بأن الخوف والطمع لا يمثلان شعورا تجاريا ، بالمعنى ~~المادي للتجارة ، ولكنهما يمثلان شعورا روحيا خالصا يعكس الإيمان بأن وجود ~~الإنسان مرتبط ms2435 بالله في كل شيء ، مما يجعل من الدعاء لونا من ألوان التعبير ~~عن هذه الحالة الروحية التي تؤكد للذات دائما بأن قضية الإنسان مع الله هي ~~قضية الفقر المطلق أمام الغنى المطلق ، في إحساس بالذوبان في ذات الله ، في ~~وعي لمعنى العبودية في الذات الإنسانية. وبهذا تفترق التجارة المادية بين ~~الإنسان والإنسان في ما يخافه أو يطمع فيه ، عن التجارة الروحية بين ~~الإنسان وربه ، حيث تتحول القضايا المادية إلى معنى روحي ، في مستوى ~~الإيمان الخالص. # * * * PageV10P147 ### ||| ** حركة الرحمة الإلهية في الكون # وتأتي الآية التالية لتثير أمامنا صورة الرحمة الإلهية كيف تتحرك في آفاق ~~الكون لتتحول إلى طاقة تعطي الخصب والرخاء والحياة للأرض الميتة والبلد ~~الميت ... ( @QUR@05 وهو الذي يرسل الرياح بشرا )، مبشرات بالخير والحياة ~~( @QUR@03 بين يدي رحمته ) التي تغدق البركات من خلال رحمته في ما تثيره في ~~الكون من حركة الرياح التي تتنوع في سرعتها ، وفي طبيعتها ، وفي حملها ... ~~فهي تتحرك لأداء المهمة التي أوكلها الله إليها ، وفي الخط الذي أرادها أن ~~تسير فيه من خلال القوانين الطبيعية التي أودعها في الكون بحكمته وإرادته ~~وقوته ، ( @QUR@05 حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ) وحملته على ظهرها ، وانتظرت ~~الأمر الإلهي التكويني ... ( @QUR@03 سقناه لبلد ميت ) لا ماء فيه ولا كلأ ~~ولا حياة ... ( @QUR@03 فأنزلنا به الماء ) الذي جعلنا منه كل شيء حي ، ( ~~@QUR@05 فأخرجنا به من كل الثمرات ) في ما تتنوع أشكالها وألوانها وخصائصها ~~... وهنا تأتي اللفتة القرآنية الموحية التي تنقل الفكر من هذه الصورة ~~الحية المحسوسة التي يتحول فيها الموت إلى حياة ، إلى عقيدة الإيمان بالبعث ~~بوصفه حياة بعد الموت في الدار الآخرة ، من خلال المقارنة بين الصورة ~~المحسوسة هنا وبين الصورة الإيمانية هناك ، ( @QUR@05 كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون ) وتخرجون من هذه الغفلة المطبقة التي تبعد عنكم كل وعي ~~ومعرفة وإيمان. # ( @QUR@06 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) طيبا لذيذا كثيرا ، لأنه ~~يتحرك من موقع الطبيعة الطيبة الصافية التي تعيش القوة ، فيخرج نباتها قويا ~~قوة الأرض التي أنتجته. ( @QUR@02 والذي خبث ) في أرضه نتيجة ما تحتويه من ~~عناصر تعيق إنتاجيتها ms2436 وتعطل عملية النمو والامتداد ( @QUR@04 لا يخرج إلا ~~نكدا ) أي بصعوبة وجهد ، وذلك كناية عن القلة ، لأن مثل هذه الطبيعة ~~الخبيثة لا يمكن أن تنتج PageV10P148 # شيئا كثيرا أمام المعوقات الطبيعية هنا وهناك. ( @QUR@03 كذلك نصرف ~~الآيات ) ونحولها في ما توحي به من فكر ووعي وشعور ... ( @QUR@02 لقوم ~~يشكرون )، فيحولون الحياة عندهم إلى طاقة خيرة منتجة في ما تعطي للحياة ~~وللآخرين. وذلك هو معنى الشكر العملي في حياة الإنسان. وربما كانت هذه ~~الآية واردة مورد المثل للذات الطيبة التي تنتج الخير من خلال طبيعتها ~~الخيرة ، فتملأ الحياة خيرا كثيرا ، وللذات الخبيثة المعقدة التي تتحرك من ~~موقع العقدة المرضية ، فلا تنتج إلا النكد والعذاب الذي لا ينتهي إلى شيء .. # * * * ### ||| ** دروس للعاملين في حقل التربية الإنسانية # وقد نستوحي من اختلاف النتائج الطيبة في البلد الطيب والخبيثة في البلد ~~الخبيث في الوقت الذي يستويان فيه في نزول المطر عليهما ، أن نزول المطر لا ~~يكفي في الإنتاج الطيب وفي الخصب المثمر ، بل لا بد من أن تكون الأرض صالحة ~~قابلة للخير بحسب خصائصها الذاتية التي تنفتح على الرحمة الإلهية ، فإذا ~~كانت الأرض سبخة مالحة ، فلا يزيدها المطر إلا ملوحة من دون أية فائدة ، ~~وإذا كان للمطر دور في بعض الإنتاج ، فلن يكون إلا شوكا وحنظلا لا غناء فيه ~~ولا لذة. وهكذا الإنسان الطيب في عقله وقلبه وقابليته للخير ، يستقبل ~~الكلمة الطيبة ، والموعظة الحسنة ، والأسلوب الحكيم ، بالعقل المفتوح الذي ~~ينتج عقلا جديدا ، وبالقلب الطيب الذي ينتج حبا لله وللإنسان وللحياة ، ~~وبالحركة الطيبة التي تمنح الحياة الكثير من عناصر تقدمها ونموها وحيويتها ~~، بينما ينطلق الإنسان الخبيث الذي عشش الباطل في فكره ، وتحرك الشر في ~~قلبه ، وزحفت الجريمة إلى حياته ، ليزداد بالكلمات الطيبة شرا وجريمة وبغضا ~~وعدوانا. PageV10P149 # ومن الطبيعي ، أنه لا بد للعاملين في حقل التربية من دراسة ذلك كله ، من ~~أجل أن يعرفوا كيف يصلحون الأرض قبل أن يضعوا فيها غراس الخير ، وأن يمهدوا ~~الأرض الخصبة قبل أن يتحركوا في عملية الإنتاج الفعلي. # إن الخبث في الأرض وفي الإنسان ليس ms2437 خصوصية ذاتية ، بل هو شيء طارئ قد ~~يأتي من هنا وهناك من خلال العناصر الخبيثة الخارجية التي تزحف إلى الإنسان ~~بفعل البيئة أو الثقافة أو التربية السيئة ، أو إلى الأرض بفعل العناصر ~~المرضية ، وما تحمله الرياح إليها ، مما تخبث خصائصه فتتعمق في داخله. # ولهذا لا بد للعاملين في حقل الخير الإنساني من الاندفاع في طريق تنقية ~~الداخل من كل وحول الشر وقذارات الجريمة. # * * * PageV10P150 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) @QUR@09 قال الملأ من قومه إنا ~~لنراك في ضلال مبين (60) @QUR@011 قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من ~~رب العالمين (61) @QUR@011 أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما ~~لا تعلمون (62) @QUR@013 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) @QUR@014 فكذبوه فأنجيناه والذين معه ~~في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الملأ ): الجماعة من الرجال خاصة ، ومثله القوم والنفر ~~والرهط. PageV10P151 # عن الفراء ، وسموا بذلك لأنهم يملأون المحافل (1). # ( @QUR@01 قومه ): القوم : الجمع الذي يقوم بالأمر. # ( @QUR@01 أبلغكم ): الإبلاغ : إيصال ما فيه بيان وإفهام ، ومنه ~~البلاغة. # ( @QUR@01 وأنصح ): أخلص النية من شائب الفساد في المعاملة. # ( @QUR@01 الفلك ): السفن ، للواحد وللجمع. # ( @QUR@01 عمين ): جمع عم ، وهو من عمى البصيرة ، والأعمى من عمى البصر. # * * * ### ||| ** موقع الإيمان هو موقع البحث عن الحقيقة # وتتوالى الآيات وتتتابع متناولة موضوع توحيد الله ، في مواجهة الشرك به ~~أو تكذيب آياته. وهي ، هنا ، تستخدم أسلوبا حيا ، يريد الله للإنسان من ~~خلاله أن يعيش تاريخ الرسل والرسالات ، كي يعرف وحدة الطروحات التي قدموها ~~، ووحدة الأساليب التي استعملوها في مواجهة الفئات المتمردة على الرسالات ~~... ويفهم من خلال ذلك طبيعة العقلية التي كانت تحكم من وقفوا ضد الرسل ، ~~ليخرج بنتيجة حاسمة ، وهي أن البشرية في مرافقتها لمسيرة الرسالات والرسل ~~تنطلق في موضوع الإيمان من موقع واحد ، كما تنطلق في موضوع الكفر من قاعدة ~~واحدة. أما موقع الإيمان ، فهو موقع البحث عن الحقيقة ، فالإنسان الذي ms2438 يعيش ~~هذا الهاجس الداخلي ، لا يمر بالأفكار التي تقدم إليه مرورا عابرا ، بل ~~يعمل على الاستماع إليها جميعا ، PageV10P152 # ليفكر ويحاور ويستنتج ، فيؤيد هذه من موقع القناعة الفكرية ، ويرفض تلك ~~من الموقع نفسه ، ثم هو إنسان يلاحق كل إمكانات المعرفة ليستزيد منها ، ~~وليتحرك في إطارها. أما قاعدة الكفر ، فهي على العكس من ذلك تسود فيها ~~أجواء اللامبالاة بالحقيقة ، بالتالي ، فإن من يعتمدها كقاعدة لا يشعر ~~بالمسؤولية أمام كل الطروحات الفكرية التي تقدم إليه ، فليست المشكلة عنده ~~أن يؤمن أو لا يؤمن ، بل كل ما لديه من اهتمامات هو أن يستمتع بالحياة ، ~~فيسير فيها كما تشاء له شهواته ، ولهذا فإنه يعمل على تبرير حالته بكل ~~الوسائل المتاحة لديه ، فهو ليس في مجال البحث عن القناعة الفكرية ، بل في ~~مجال البحث عن المبررات. وهكذا نستطيع أن نواجه قصة الرسالات والرسل ، ~~لنعرف ماذا كان يطرح الأنبياء الأولون ، وماذا كان يطرح الأنبياء ~~المتأخرون؟ وما هي الأساليب التي انطلقوا بها إلى الناس ، وما هي الأساليب ~~التي انطلق بها المتمردون على الأنبياء في مواجهتهم للحق؟ # وفي البداية ، نلتقي بقصة نوح وقومه ، فنلاحظ أو لا أن القرآن الكريم لم ~~يحدثنا عن أي نبي من الأنبياء أرسل بين آدم ونوح ، ولم يتحدث إلينا عن ~~رسالة هناك ، فلربما كانت المرحلة قصيرة بحيث لا تحتاج إلى رسالة ، أو أن ~~تلك الرسالات لم تكن في مستوى عال من الأهمية من حيث ما طرحته من أفكار وما ~~واجهته من تحديات ، وما عايشته من أجواء ، مما يجعل من الحديث عنها شيئا لا ~~أهمية كبري له ، ذلك أن القرآن لا يتحدث عن الأنبياء من خلال حكاية التاريخ ~~، بل من خلال دراسة الظاهرة وأخذ العبرة ، في ما يملك التاريخ من قضايا ~~مهمة وملامح بارزة ، وهذا ما ذكره الله في قوله : ( @QUR@010 ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ) [النساء : 164]. # * * * PageV10P153 ### ||| ** ما معنى إرسال نوح إلى قومه؟ # ( @QUR@05 لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) هل نفهم من إرسال نوح إلى قومه ، ~~أن رسالته كانت محدودة بحدود قومه ، فلا ms2439 تتعداهم إلى غيرهم ، أم أن هناك ~~وجها آخر؟ وينسحب السؤال على كل قصة من قصص الأنبياء الذين تحدث القرآن عن ~~إرسالهم إلى قومهم ، لا سيما أولي العزم الذين أرسلوا إلى الناس كافة كما ~~قيل وقد لا ننكر أن هناك رسلا أرسلوا بمهمة محدودة في الزمان والمكان ، كما ~~نلاحظ ذلك في قصة لوط وشعيب ، ولكن هناك أكثر من رسالة وأكثر من رسول لا ~~يتقيد دورهم بزمن معين ، أو مكان معين ، فكيف كان التعبير باختصاصها بقوم ~~الرسول؟. # * * * ### ||| ** قوم الرسول هم قاعدة الانطلاق # ربما كان الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن قوم النبي كانوا يشكلون القاعدة ~~الأولى للرسالة ، والمجتمع الأول للرسول ، فالنبي إنسان ككل إنسان ينشأ في ~~جماعة معينة ، وفي بيئة محدودة ، ولا يملك إمكانيات واسعة للامتداد إلى كل ~~المجتمعات الأخرى ، لعدم توفر الوسائل المادية من إعلامية أو غيرها في تلك ~~المراحل. ولهذا السبب كان لا بد من الأخذ بأسلوب المراحل الذي يهيئ للرسالة ~~جو الانطلاق التدريجي من مجتمع إلى آخر بطريقة عملية واقعية. ولعل من ~~الطبيعي للرسول أن يبدأ من قومه ، باعتبارهم المجتمع الأول للرسالة ، الذي ~~تتناسب ملامح شخصية الرسول مع ملامحه العامة ، وتتجمع فيه المعطيات ~~الواقعية للبداية من حيث اللغة التي يتحدث بها ، والعلاقات الحميمة التي ~~تربطه بهم ... وغير ذلك من الأمور التي تساهم PageV10P154 # في نجاح الخطوة الأولى. ثم تتحرك الخطوات الأخرى في اتجاه الامتداد ~~والشمول ، وليس هذا بدعا من الأمر ، بل هو قضية كل دعوة إصلاحية أو تغييرية ~~، من حيث ارتباطها في نقطة البداية بشخصية الداعية ، وبظروف عمله ، وحركة ~~المجتمع من حوله. # وفي ضوء ذلك ، نعرف أن التركيز على «قوم نوح» ، كان باعتبار أنهم المجتمع ~~الأول الذي يمارس فيه الدعوة إلى الله ، أو القاعدة التي يملك الانطلاق ~~منها ، لعدم توفر الوسائل التي تتيح له التحرك إلى موقع آخر. وربما كانت ~~البشرية محصورة في ذلك المجتمع في ذاك التاريخ. # وهناك نقطة أخرى لا بد من ملاحظتها ، في فكرة الشمول والامتداد للرسالات ~~، وهي أن المفاهيم والتشريعات التي جاءت بها ، لا تقتصر في ms2440 أهدافها ~~وغاياتها على دائرة معينة من دوائر الحياة ، بل تشمل الحياة كلها في ~~نواحيها النظرية والعملية ، لأنها تتصل بمشكلة الإنسان بشكل عام ، مما يلغي ~~الجانب المحلي للمسألة ، مهما اختلفت التعابير. # * * * ### ||| ** نوح عليه السلام ودعوة التوحيد الخالص # ( @QUR@010 قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) لأن هذه الأصنام ~~التي تعبدونها لا تمثل شيئا في حجم القدرة ، أو في معنى القيمة ، فهي مجرد ~~أشياء جامدة لا تحس ولا تضر ولا تنفع ... وهؤلاء الأشخاص الذين تعبدونهم ~~وتطيعونهم من دون الله لا يملكون شيئا ، ولا يخلقون شيئا ، ولكنهم يخلقون ~~ويعيشون الحاجة في كل وجودهم لله ... فكيف تمنحونهم صفة الإله ، أو ~~تعبدونهم من دون الله الذي هو وحده الخالق الرازق المالك لكل شيء ، الغني ~~عن كل شيء ، القادر على كل شيء ، ليس كمثله شيء؟! فهو الذي يستحق العبادة ، PageV10P155 # بكل معانيها وآثارها. # إنها دعوة التوحيد الخالص التي أطلقها نوح ، توحيد العبادة على أساس ~~توحيد العقيدة ، فهي الحقيقة التي تتمثل في وجود الله وفي وجود الكون ~~المستمد من وجوده ، للرد على التصور المنحرف ، والسلوك الفاسد الذي يمثل ~~تعدد الآلهة تبعا لتعدد الأذواق والأوضاع والميول. # * * * ### ||| ** معنى التأكيد على العبادة دون الإيمان # وقد يتساءل بعض الناس : لماذا قال نوح : ( @QUR@04 يا قوم اعبدوا الله ) ~~ولم يقل لهم آمنوا بالله أو وحدوه ، فإن الدعوة للعبادة لا بد أن تكون ~~متفرعة عن الدعوة للإيمان ، إذ لا عبادة بدون إيمان؟ # ونجيب على ذلك أن الإيمان في الرسالات الإلهية لا يمثل فكرا تجريديا ، ~~كما هو الإيمان بالحقائق الرياضية أو الفلسفية ، بل هو فكر للحياة وللعمل ، ~~لا ينفصل فيه جانب التصور عن الممارسة ؛ فللإيمان بعده العملي إلى جانب ~~بعده النظري ، لأن المطلوب هو الإحساس بوجود الله بالمستوى الذي يعيش فيه ~~الإنسان حالة الارتباط به في أجواء الطاعة ، كما يعيش حالة الارتباط به من ~~خلال حركة الوجود ، في ما تمثله الحقيقة الإيمانية من ارتباط وجود الإنسان ~~بالله لجهة البدء والامتداد والنهاية ... وهكذا نجد الرسالات تطرح قضية ~~العبادة في أجواء طرح قضية التوحيد ، لتؤكد العلاقة ms2441 الطبيعية بين توحيد ~~العقيدة وتوحيد العبادة ، فلا معنى لأن تؤمن بالله من دون عبادة ، كما لا ~~معنى للعبادة من دون إيمان. ولهذا كان التأكيد على العبادة باعتبار أنها ~~التجسيد الحقيقي للإيمان. ويبقى الإيمان في أسلوب الدعوة قضية لا PageV10P156 # تحتاج إلى الاستدلال أو المناقشة ، لأنها من بديهيات القضايا الفكرية ؛ ~~ولهذا لاحظنا أن النبي نوح قد طرحها كشيء مسلم به لا مجال للخلاف فيه ، لما ~~يوحي به قوله تعالى : ( @QUR@05 ما لكم من إله غيره ) على ضوء التصور ~~القرآني الذي لا يرى في الكفر مشكلة فكرية تعترض الكافرين لتبعدهم عن خط ~~الإيمان ، بل يرى فيها مشكلة ذاتية نفسية وأخلاقية مصدرها اللامبالاة ، أو ~~عقدة من الالتزام بالفكر الجديد ... فليس بين الإنسان وبين الإيمان إلا أن ~~يثير الاهتمام في نفسه بالحقيقة ويتخلص من العقدة الذاتية ، لأن ذلك يحطم ~~الحاجز الذي يفصله عن الإيمان ، ويؤمن له لقاء الحقيقة بطريقة طبيعية. # * * * ### ||| ** لماذا كانت العبادة واجهة الرسالة؟ # وقد يرد سؤال ثان : لماذا اكتفى القرآن في حديثه عن رسالة نوح بهذه ~~الكلمة : ( @QUR@07 اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )؟ والجواب ، إن معنى ~~العبادة هو الخضوع لله والالتزام بالخط الإلهي الذي جاء به الرسل في ما ~~يتعلق بإقامة العدل المرتكز على النظام التفصيلي الكامل الذي يضع لكل ذي حق ~~حقه ، ويثير الحياة في جو من الالتزام والانضباط بأوامر الله ونواهيه ... ~~وهذا ما يجعل من الدعوة إلى عبادة الله دعوة إلى بناء الحياة على أساس ~~إسلام الأمر لله في كل شيء ، كما توحي بذلك الآية الكريمة التي تلخص ~~الإيمان في كلمتين: ( @QUR@06 الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) [فصلت : ~~30]. في ما تمثله كلمة ( @QUR@02 ربنا الله ) من المنهج الفكري والعملي ~~للالتزام ، وفي ما تمثله كلمة ( @QUR@02 ثم استقاموا ) من الحركة العملية ~~في هذا الاتجاه. # وربما كان هذا الأسلوب من أفضل الأساليب في تقديم العقيدة بطريقة موجزة ~~موحية ، تحمل في داخلها معنى الشمول والامتداد ، ليعيش الإنسان PageV10P157 # التصور الإيماني بعيدا عن المتاهات التفصيلية التحليلية التي قد تضيع ~~عليه الكثير من حقائق الإيمان. ( @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب ms2442 يوم عظيم ). ~~وهذا هو الأسلوب الإيماني في إثارة الشعور الذاتي بالخوف ، من أجل تحويل ~~ذلك إلى شعور بالاهتمام بالفكرة التي تقدم إليهم ، ليناقشوها ويفكروا فيها ~~من أجل الوصول إلى القناعات اليقينية الحاسمة في المسألة ، لأن الإنسان لا ~~يحس بالمسؤولية في اتخاذ المواقف الفكرية والعملية ، إلا إذا خاف على حياته ~~من النتائج السلبية التي يسببها الإهمال واللامبالاة. وفي ضوء ذلك ، نفهم ~~أن هذا التخويف لا يعتبر سبيلا للضغط من أجل الإقناع ، بل يتخذ وسيلة من ~~أجل إثارة الاهتمام بالفكرة ، للوصول من خلال الحسابات الفكرية إلى ~~القناعة. # ولا بد لنا أن نستعمل هذا الأسلوب القرآني في الدعوة إلى الله ، بعيدا عن ~~كل الأوهام التي تحاول الإيحاء بكونه أسلوبا لا ينسجم مع طبيعة الخط الفكري ~~الذي يحترم في الإنسان إنسانيته ، فلا يلجأ إلى ممارسة الضغوط عليه من أجل ~~إقناعه بما لا يحس بضرورة الاقتناع به ، فإن مثل هذا الأسلوب يؤكد إنسانية ~~الإنسان ، لأنه يسعى إلى تحريك طاقاته من خلال عناصر الإثارة الطبيعية في ~~حياته في ما خلقه الله فيه من غرائز ذاتية ، تساهم في إيصاله إلى غاياته من ~~أقرب طريق. # * * * ### ||| ** نوح في مواجهة الملأ من قومه # ( @QUR@09 قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ) كيف كان ردهم عليه ~~، هل ناقشوه في طروحاته ، هل وقفوا أمامه وقفة هادئة ليدافعوا عن عقيدتهم ، ~~ولينقضوا دعوته من موقع الفكر الهادىء؟ لم يحدث ذلك كله ، بل كانت المواجهة ~~مزيدا من السباب والشتائم ، فقد قالوا له : إنك في ما تدعو إليه PageV10P158 # لا تمثل الإنسان العاقل الواعي الذي يعرف الأشياء من مواقعها الأصيلة ، ~~بل تمثل الإنسان الضائع الذي يتخبط في متاهات الضلال فلا يميز بين الأمور ، ~~ولكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا يحملون مقياسا واضحا للهدى والضلال يمكن ~~دراسة الدعوة من خلاله ، بالتالي فلا معنى لاتهاماتهم ، إذ لا معنى لأن ~~تتهم إنسانا بالضلال ، إذا لم تقدم له المعطيات التي تثبت خطأ الفكرة التي ~~يسير فيها أو يدعو لها. # ( @QUR@06 قال يا قوم ليس بي ضلالة ) فأنا أنادي بالحقيقة الواضحة التي ms2443 ~~تحمل فكر التوحيد ، ودعوة العبادة للإله الواحد ، من موقع وضوح الرؤية ~~للأشياء ، في ما تفرضه من قناعة مؤكدة وموقف حاسم ، فإذا كان لكم شك في ذلك ~~، أو كنتم تعتبرون ذلك خطأ ، فتعالوا نناقش المسألة ، لنعرف من هو على هدى ~~ومن هو في ضلال مبين؟ أما أنا فمقتنع بأن ليس بي ضلالة ، في ما أحمله من ~~فكر ، وما أسير به من طريق ( @QUR@05 ولكني رسول من رب العالمين ) في ما ~~حملني الله من وحيه وشريعته ، وما أرادني إعلانه من دعوته ؛ فلا بد لكم من ~~الاستجابة لي ، إذا كنتم تريدون الاستجابة لله رب العالمين. ( @QUR@03 ~~أبلغكم رسالات ربي ) بكل أمانة ، من غير زيادة ولا نقصان ، فذلك هو دوري ~~معكم ، دور المبلغ الأمين ... ولكن دور الرسول ليس دور المبلغ الحيادي الذي ~~يكتفي بإيصال الرسالة دون أن يتبناها ، بل دور من يحملها بقناعة وقوة ~~وإيمان ، وهذا ما توحي به الكلمة التالية : ( @QUR@02 وأنصح لكم ) باتباعها ~~والسير على منهجها في الفكر والعلم لتحصلوا على سعادة الدنيا والآخرة. وقد ~~يستوحي المتأمل من كلمة «النصح» الجو النفسي الحميم الذي كان يعيشه نوح ~~تجاه قومه ، فهو الإنسان الذي يتألم لانحرافهم وضلالهم ، ويفكر في أفضل ~~الطرق لإخراجهم من ذلك الضياع ، فيقدم لهم النصيحة من كل روحه وقلبه ؛ وتلك ~~هي روحية الداعية في مواجهته للناس الذين يدعوهم إلى الله. ( @QUR@06 وأعلم ~~من الله ما لا تعلمون ) فقد أعطاني الله من خلال وحيه كثيرا من العلم في ما ~~يجب على PageV10P159 # الناس أن يفعلوه ، أو يحذروا منه ، وما سيواجهون في مستقبل الدنيا ~~والآخرة من خير أو شر على مستوى مصيرهم إذا أطاعوا أو عصوا ... فاتبعون ~~لتحصلوا على ذلك كله لتهتدوا به في ظلمات الطريق. # * * * ### ||| ** مشكلة الرسل والدعاة مع عماة البصيرة # ( @QUR@013 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون )؟! لماذا تأخذكم الدهشة أو يسيطر عليكم العجب من هذه ~~الدعوة؟! من أين جاءتكم الفكرة التي تقول : إن الرسول لا يمكن أن يكون ~~إنسانا مثلنا ، بل يجب أن يكون من الملائكة ، أو من عالم ms2444 آخر؟! إن الله خلق ~~الناس كما يشاء ، واختص بعضهم بصفات لم يعطها لآخرين ، فما المانع من أن ~~يختص بعض الناس برسالته ، لأنه يرى فيهم من الخصائص الروحية والفكرية ~~والعملية ما لا يراه في الآخرين؟! وإذا كان ذلك أمرا معقولا ، فيجب أن ~~تفكروا بأن الله الذي يريد أن ينظم للناس حياتهم ويبين لهم سبيل هداهم ، لا ~~بد من أن يرسل رسولا منهم لتحقيق هذا الهدف ، لأنه لو كان الرسول من غيرهم ~~، فسيقول الناس إنه من عالم آخر ، ونحن لا نستطيع بلوغ ما يملكه أهل ذاك ~~العالم من طاقة ، ولا تدل تجربته في أي حقل على إمكان نجاحها كتجربة في ~~حياة الناس ، لأنه من الممكن أن تكون عناصر النجاح منطلقة من الخصائص غير ~~المحدودة لأهل ذلك العالم. # إنه استفهام للإنكار لا للمعرفة ، إنه يريد أن يؤكد لهم الصفة والدور ~~الذي تمثله ، وهو الدعوة إلى التقوى من خلال الإنذار ، من أجل أن يحصلوا ~~على طاعة الله ، فيحصلوا على الرحمة من خلال ذلك كله. # ( @QUR@01 فكذبوه ) ولم يلتفتوا إليه ، وإلى كل معطيات الفكر الذي قدمه ~~إليهم ، PageV10P160 # بل كان دورهم دور التكذيب القائم على العقدة المستعصية. وقد حدثنا الله ~~في آيات أخرى ، أنهم كانوا يسخرون منه ، وأنهم أصموا أسماعهم ، وأغمضوا ~~عيونهم ، وجمدوا عقولهم ، ولا حقوه بحقدهم وبغيهم ... ( @QUR@05 فأنجيناه ~~والذين معه في الفلك ) ليبدأوا المسيرة الإنسانية الجديدة ، بروح حية فاعلة ~~، وإرادة مؤمنة واعية ( @QUR@04 وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) بالطوفان ~~الذي لم يترك موضعا لهم إلا واقتحمه وأغرقه ، حتى أعالي الجبال ، ليغرقوا ~~جميعا. ( @QUR@04 إنهم كانوا قوما عمين )، فقد كانوا يعيشون في ظلمة دامسة ~~من أطماعهم وشهواتهم ، بحيث غطت على رؤيتهم الواعية للأشياء. وهذا ما عبرت ~~عنه الآية بالعمى المراد منه عمى الفكر والقلب والشعور لا عمى البصر. وتلك ~~هي مشكلة الفكر والضلال في حياة الكافرين والضالين ، فهم لا يفتحون عقولهم ~~على الحق ، ولا يحركون أفكارهم في اتجاه معرفة الحقيقة ... وتلك هي قصتنا ~~الطويلة في مسيرة الدعوة إلى الله. # * * * PageV10P161 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما ms2445 لكم من إله ~~غيره أفلا تتقون (65) @QUR@014 قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) @QUR@011 قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني ~~رسول من رب العالمين (67) @QUR@07 أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ~~(68) @QUR@027 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله ~~لعلكم تفلحون (69) @QUR@017 قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ~~آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (70) @QUR@025 قال قد وقع عليكم ~~من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله ~~بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) @QUR@013 فأنجيناه ~~والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ) (72) # * * * PageV10P162 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سفاهة ): خفة الحلم ، قال مؤرج : السفاهة : الجنون بلغة حمير (1). # ( @QUR@01 بصطة ): طولا وقوة. # ( @QUR@01 آلاء ): نعم. # ( @QUR@01 ونذر ): نترك وندع. # ( @QUR@01 رجس ): عذاب ، وقيل الرجس : الرجز. # ( @QUR@01 دابر ): عقب ، نسل ، ذرية. # * * * ### ||| ** هود بعد نوح نبي لقومه # وهذه قصة نبي آخر أرسله الله إلى قومه بعد نوح وهو هود الذي أرسل إلى قوم ~~عاد ، ونستوحي من آيات أخرى ، أن قوم عاد كانوا من العمالقة الذين يملكون ~~أجسادا قوية تمكنهم من اقتلاع الصخور الثقيلة من الجبال العالية إلى ~~الوديان السحيقة ، ومن حمل الأثقال بشكل يفوق العادة. وربما كان لهذه القوة ~~غير العادية تأثير على الشعور الذاتي بالشخصية المستكبرة المتعالية. ( ~~@QUR@05 * وإلى عاد أخاهم هودا ) أي من عائلتهم. ( @QUR@012 قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ). إنها الدعوة نفسها التي ~~أطلقها نوح ، فهي امتداد للخط الرسالي الذي يعتبر توحيد الإله في العقيدة ~~والعبادة أساس الفلاح والنجاح. PageV10P163 # وقد نضيف إلى ما أسلفنا الحديث عنه ، من التعليق على الدعوة إلى العبادة ~~لا إلى الإيمان ، أن هؤلاء القوم ربما كانوا من المؤمنين بالله ، ولكنهم ~~كانوا يشركون بعبادته غيره ؛ فكانت الرسالة هي هدايتهم لتوحيد العبادة. ~~ونلاحظ أن هودا لم يتحدث عن العذاب في مقام الدعوة ، بل تحدث ms2446 عن التقوى في ~~إلحاح إنكاري لابتعادهم عنها. وقد يكون ذلك أسلوبا يستهدف التخويف بطريقة ~~أخرى ، وذلك من خلال الإيحاء بالقوة المطلقة لله الذي لا إله غيره ، مما ~~يدفع بالإنسان إلى الشعور بالرهبة أمامه خوفا من عقابه ، ويدفعه إلى ~~الالتزام بأوامره ونواهيه. # * * * ### ||| ** العقل في مواجهة الانفعال الطائش # ( @QUR@010 قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة )، لأنك ~~لا تتكلم كلام الراشدين الذين يزنون كلامهم بميزان العقل ، ويتصرفون ~~بالطريقة التي لا يسيئون بها إلى أنفسهم وإلى من حولهم ، فأنت تواجه عقيدة ~~الناس التي درج عليها الآباء ، وتتمرد على تقاليدهم ، وتثير الجو الهادىء ~~بأفكار غريبة تحول هدوءهم إلى عنف ، وتصيب علاقاتهم الوثيقة بالتصدع ~~والتمزق ، وذلك ما توحي به كلمة «السفاهة» عند ما يرمي بها إنسان إنسانا. # وربما يسمع الكثيرون من دعاة التغيير في كل مجتمع مثل هذه الكلمة ، إذا ~~كان هؤلاء الأشخاص لا يمثلون وزنا اجتماعيا كبيرا في حياة الناس. ( @QUR@04 ~~وإنا لنظنك من الكاذبين ). لم يقولوا له إنك من الكاذبين ، لأنهم لا ~~يملكون أساسا في الجزم بكذبه ، أو لأنهم يريدون تخفيف التهمة ليصوروا ~~أنفسهم بصورة من لا يريد إلقاء الكلام جزافا ، بل يعملون على إعطاء القضية ~~دور المسألة الأكثر رجحانا. ويبقى الأسلوب أسلوب اللامناقشة في أصل PageV10P164 # الفكرة ، ولا تفكير في الموضوع ، بل هو الكلام الانفعالي الذي ينفس عن ~~العقدة بدل أن يواجهها بهدوء. # ( @QUR@06 قال يا قوم ليس بي سفاهة )، لأن للسفاهة مقاييس وعلامات تخضع ~~للاهتزاز في الفكرة أو في الشخصية ، فما ذا وجدتم في أفكاري من ضعف ، وماذا ~~اكتشفتم في شخصيتي من اهتزاز؟ هل ناقشتم طريقتي في الدعوة ، ومنهجي في ~~الفكر ، وأسلوبي في العمل؟ وهل درستم هذه الطروحات التي أطرحها عليكم في ~~آفاق الإيمان؟ إنكم لم تفعلوا ذلك كله ، فكيف تحكمون بغير علم؟! لقد قالها ~~هذا النبي بكل روح هادئة عقلانية ، توحي بأننا إذا كنا نتحرك في أجواء ~~الدعوة إلى الله ، فإن علينا أن نواجه أسلوب السباب والاتهام اللامسؤول ، ~~بالأسلوب الهادىء الذي يعمل على إثارة التفكير في عقول هؤلاء الشاتمين ~~والمتهمين ، فإن ms2447 ذلك قد يتحول إلى صدمة عقلانية تقودهم إلى الموضوعية في ~~حكمهم على الأشياء والأشخاص. # * * * ### ||| ** دور الرسول النصح لأمته دوما # وهذا ما يحاوله الدعاة إلى الله ، الأدلاء على سبيله ، الذين لا يشعرون ~~بأنهم يتحركون من مواقع ذاتية في مواجهة ردود الفعل السلبية القاسية ، بل ~~يتحركون من موقع رسالي ينتظر تحطيم مقاومة هؤلاء الضالين ، بالإصرار على ~~الموقف الهادىء الكفيل بدفع الضالين إلى احترام الفكرة الهادئة التي يطرحها ~~الرسل من خلال احترامهم للعقل الهادىء الذي يوحي به الموقف الرسالي الواعي ~~، الذي تمثل في موقف هود كنموذج حي رائد ، عند ما قال : ( @QUR@015 ليس بي ~~سفاهة ولكني رسول من رب العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ) ~~وذلك هو دور الرسول في رسالته ، أن يكون ناصحا لأمته في حاضرها PageV10P165 # ومستقبلها ، أمينا على الحقيقة التي تفتح قلوب الناس على الله ، وعلى ~~الحياة الكريمة من خلاله ، وعلى الرسالة التي يحملها بصدق ، ويبلغها بوعي ~~وإيمان وقوة ، وذلك هو دور كل داعية إلى الله في حركته الرسالية في حياة ~~الناس ، أن يعيش معهم بروحية الإنسان الذي ينصح لله في خلقه ، ويكون أمينا ~~على كل أوضاعهم العامة والخاصة على كل صعيد ، وأن يجسد ذلك كله في أقواله ~~وأفعاله. # ( @QUR@010 أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ) فما وجه ~~العجب في ذلك؟ هل هناك ما يمنع أن يكون الرسول بشرا؟ ( @QUR@08 واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) فأورثكم الله أرضهم وديارهم. ( @QUR@04 ~~وزادكم في الخلق بصطة ) بما وهبكم من طول القامة ، وقوة الجسد والعضلات ... ~~( @QUR@03 فاذكروا آلاء الله ) ونعماءه وعظمته ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) من ~~خلال هذه الذكرى التي تفتح قلوبكم على الله ، وتوحي لكم بكل خير ورحمة ~~وإيمان. إنه يستثير فيهم العناصر الطيبة الأصيلة التي يمكن أن تجعل منهم ~~أناسا طيبين ، تنفتح أفكارهم للمعرفة ، وتنبض قلوبهم بالرحمة ، وتعيش ~~حياتهم للمسؤولية ، وتتحرك خطواتهم في اتجاه الله ... # * * * ### ||| ** منطق التوحيد في مواجهة منطق الشرك # ( @QUR@010 قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا )؟ ما ~~معنى هذه الدعوة التي جئتنا بها؟! إن معناها ms2448 أن نتنكر لقدسية تاريخ الآباء ~~، في ما يعتقدون ويمارسون من طقوس وعادات ... وتلك قضية تهدم البناء ~~الاجتماعي للعشيرة القائم على أساس حرمة التاريخ. فلا بد من عبادة هذه ~~الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى ، ولتجعل من حياتنا امتدادا لحياة الأجداد ، وهذا PageV10P166 # ما يجعل المسألة لا تحتاج إلى بحث أو مناقشة أو تعديل ... فإذا كنت مصرا ~~على دعوتك الهدامة ( @QUR@07 فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) فلن ~~نتبعك في شيء مما تقوله أو تدعو إليه ، فليس بيننا وبينك إلا المواجهة في ~~ساحة الصراع. ( @QUR@08 قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) الرجس هو ~~الخبث والقذر ؛ وربما كان هذا كناية عما يوقعه الله عليهم من العذاب ~~المتمثل بما يلقيه عليهم من مظاهر العقاب الدنيوي ، الذي يؤثر سلبيا على ~~نفس الإنسان ، تماما كما هو القذر الذي يصيب الجسد. أما الغضب ، فهو سخط ~~الله المستتبع لعذاب النار ، فقد حق عليكم القول بعد أن أقام الله عليكم ~~الحجة ، وتمردتم عليها. ( @QUR@06 أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم )؟ ماذا تمثل هذه الأصنام غير ما تمثله الأشياء التي صنعتموها ~~منها ، من الحجر والخشب والنحاس؟ ماذا لديها من معاني الحياة والعلم ~~والقدرة والخلق التي لا بد من توفرها في ذات الإله؟ ليس لها أية ميزة إلهية ~~أو غير إلهية ، سوى أنكم أطلقتم عليها أو أطلق عليها آباؤكم أسماء ، وتحولت ~~الأسماء إلى حقائق نفسية وعبادية واجتماعية ، يجادل فيها المجادلون ويتخاصم ~~فيها المتخاصمون ، فإذا أردتم الجدال المنتج ، فجادلوا بالأشياء التي تحمل ~~معنى حقيقيا في ذاتها وتأثيرها في الواقع ، لا في هذه الأشياء التي ~~صنعتموها بأيديكم ومنحتموها صفة الألوهية التي ( @QUR@06 ما نزل الله بها ~~من سلطان ) من عقل أو شرع ، فهي لا تمثل أية حقيقة مقبولة في أي مجال. # * * * PageV10P167 ### ||| ** نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين # ( @QUR@05 فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) فليست مسألة العذاب الذي ~~أنذرتكم به ، مما أملك أمر تنفيذه ، لأواجه التحدي الذي طرحتموه علي ، ~~لأنني لا أملك قوة ذاتية في حجم القضايا الكونية ، في ما ينزل من عذاب على ~~الكافرين مما يخرج عن القوانين ms2449 العادية للحياة ، فذلك مما اختص به الله ، ~~فهو القادر على أن يرسل عذابه ، بالقدرة نفسها التي يرسل بها رحمته. وما ~~دام الله قد توعدكم بالعذاب ، فانتظروا عذابه الذي سيأتيكم ، إن عاجلا أو ~~آجلا ؛ إني منتظر ذلك معكم ، لأن لي الثقة المطلقة برسالات ربي في وعده ~~ووعيده. وجاء العذاب لهؤلاء المتمردين ، فأهلكهم الله وأبادهم فلم يبق منهم ~~أحد. أما هود والذين معه ، فقد أنجاهم الله برحمته ، لأنهم كانوا في مستوى ~~المسؤولية في إيمانهم بالله ، وطاعتهم له ، وصمودهم أمام كل التحديات في ~~سبيل الله ... وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@013 فأنجيناه والذين معه برحمة ~~منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ) فلا مجال لأن ~~تنالهم رحمة الله ، لأنهم لم يتعلقوا من رحمته بشيء مما أراد لهم من موقف ~~الإيمان. ### ||| * * * * PageV10P168 ### ||| * الآيات # ( @QUR@035 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) @QUR@025 واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) @QUR@023 قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن ~~صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) @QUR@08 قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) @QUR@016 فعقروا الناقة وعتوا عن ~~أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) @QUR@06 ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) @QUR@015 فتولى عنهم وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ) (79) # * * * PageV10P169 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بينة ): علامة فاصلة بين الحق والباطل من جهة شهادتها به. # ( @QUR@01 وبوأكم ): أنزلكم ومكنكم من المنازل. # ( @QUR@01 تعثوا ): تفسدوا وتتجاوزوا الحد. # ( @QUR@02 فعقروا الناقة ): نحروها. # ( @QUR@01 وعتوا ): تمردا وتجاوزا للحد في الفساد. # ( @QUR@01 الرجفة ): من الرجف ، وهو الحركة والاضطراب. # ( @QUR@01 جاثمين ): الجثوم : البروك على الركبة ، والمراد به هنا ~~الهلاك. # * * * ### ||| ** حديث عن قصة صالح مع قومه ثمود # في هذه ms2450 الآيات حديث عن قصة صالح التي كررها القرآن في أكثر من سورة ، ~~تبعا للدور الذي يمكن أن تقدمه للقضايا الرسالية العملية التي يطرحها للناس ~~في آياته. وهو نبي أرسله الله إلى قومه الذين جاءوا من بعد عاد ، ليعالج ~~مشاكلهم الإيمانية والحياتية ، فيدعوهم إلى السير في خط الإيمان بالله ، ~~والالتزام بأوامره ونواهيه ... وإذا كان لا بد لكل نبي من معجزة للتحدي أو ~~للضغط على القوة المعادية الضاغطة ، فقد كانت معجزته أنه أخرج لهم ناقة ~~عجائبية ، تسقي القوم عن آخرهم ، ولكنها كانت تشرب الماء كله ، ولذلك فقد ~~جعل لهم يوما يشربون فيه ، لا تشاركهم فيه الناقة ، ويوما تشرب فيه الناقة ولا PageV10P170 # يشاركونها فيه ، لأن هذا الماء يتحول إلى حليب بقدرة الله. فضاقوا ذرعا ~~بذلك ، بعد أن تدخل المستكبرون بإثارة السلبية ضد هذا التوزيع الإلهي ، ~~فتآمروا على قتل الناقة ، وأوعزوا إلى شخص منهم فعقرها وقتلها ؛ فحملهم ~~الله مسئولية ذلك فعاقبهم جميعا ، لأن ما يجمع الناس الرضا والسخط ، كما ~~قال الإمام علي عليه السلام في بعض كلماته : «وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد ~~، فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه : ( @QUR@03 فعقروها ~~فأصبحوا نادمين )» (1) [الشعراء : 157]. هذه هي خلاصة القصة ، فكيف نتابع ~~خطواتها في هذه الآيات؟ # * * * ### ||| ** الخط الواحد لرسالة الأنبياء # ( @QUR@014 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ). وذلك هو الخط الواحد لرسالة الأنبياء في دعوتهم الناس إلى عبادة ~~الله الواحد ، كمنهج للفكر وللعمل وللحياة كلها ... ( @QUR@05 قد جاءتكم ~~بينة من ربكم ) توضح لكم قدرة الله في خلقه ، وتؤكد لكم صدق الرسول في ~~رسالته ، ( @QUR@05 هذه ناقة الله لكم آية ) ومعجزة خارجة عن مألوف ما ~~اعتدتموه من النوق التي تعرفونها ، ( @QUR@05 فذروها تأكل في أرض الله )، ~~فهي لا تكلفكم أية مؤونة من غذاء وغيره ، فامنحوها الحرية في التجول في أرض ~~الله لتأكل منها ما تشاء ، ( @QUR@03 ولا تمسوها بسوء )، ولا تعتدوا عليها ~~بضرب أو جراحة أو قتل .. ( @QUR@03 فيأخذكم عذاب أليم )، لأن الاعتداء ~~عليها يعني التمرد على الله والتحدي لنواهيه. ثم بدأ يحدثهم عن ms2451 نعم الله ~~التي أفاضها عليهم ، وكيف سهل لهم الأمور ومهد لهم الأسباب : ( @QUR@03 ~~واذكروا إذ جعلكم PageV10P171 # @QUR@07 خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ) وأسكنكم فيها ، ومهد لكم كل ~~الوسائل التي تجعل من إقامتكم فيها فرصة طيبة مريحة في ما منحكم من القوة ~~والغنى ، ( @QUR@010 تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا ~~آلاء الله )، لتكون الذكرى أساسا للتفكير العملي الواعي الذي يدفعكم للسير ~~في نهجه القويم وخطه المستقيم ، كتعبير عن شكره. ( @QUR@05 ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين ) ولا تتحركوا في الأرض بخطط الفساد والإفساد التي تسيء إلى ~~حياة الناس وأمورهم العامة والخاصة ، لأن الله يريد للإنسان أن يستعمل ~~الطاقات التي أودعها فيه ، أو سخرها له ، وأن يحركها في إصلاح الحياة على ~~الأسس التي أراد أن ترتكز عليها. فمن ينحرف عن هذا الخط ، يعرض نفسه لعذاب ~~الله. وربما كان من الطبيعي أن يستوحوا تخطيطهم لحركة الإصلاح من تعاليم ~~الله وما أوحى به لرسله ، لأنها تمثل المنهج الأقوم في هذا الاتجاه. # * * * ### ||| ** المستضعفون يؤمنون بالنبي صالح عليه السلام # وكان في قومه مستضعفون ومستكبرون ، فاستجاب له المستضعفون ، لأنهم رأوا ~~في دعوته الحقيقة الصافية التي كانوا يبحثون عنها ، والروح الحرة التي ~~تنقذهم من عبوديتهم لضغوط المستكبرين ، والإرادة القوية التي تمنحهم قوة ~~الرفض لحالة الاستضعاف التي يفرضها عليهم الأقوياء ... وهكذا آمنوا به ~~وساروا معه. أما المستكبرون ، فقد واجهوه بالتكذيب والكفر والتمرد من موقع ~~الاستعلاء ، لأنهم رأوا في هذه الدعوة نسفا لامتيازاتهم الاستكبارية ، ~~لأنها تدعو للمساواة بين الناس ، باعتبارهم متساوين في عبوديتهم لله ، وفي ~~إنسانيتهم وفي خصائصها البشرية ، بعيدا عن امتيازات الغنى والقوة والنسب ~~والجاه ، فتلك أمور لا تعتبر قيمة كبيرة في حساب الإيمان ، بل القيمة ~~الكبيرة PageV10P172 # هي للتقوى وللعمل الصالح المنتج ، على مستوى قضايا الحياة. # وهكذا وقفوا في وجه هذه الدعوة ، ولكنهم كانوا يشعرون بالرعب والذعر من ~~خلال تنامي قوة صالح عليه السلام في أوساط الفئات المحرومة الفقيرة من ~~المستضعفين ، مما قد يترك أثرا سلبيا على مستوى امتيازاتهم وسلطاتهم ~~المستقبلية ، باعتبار أن المستضعفين يمثلون القوة الحقيقية التي تدعم كل ms2452 ~~أوضاعهم السياسية والاقتصادية والعسكرية ، فإذا انفصلوا عنهم واتبعوا النبي ~~الجديد ، فمعنى ذلك أن القوة ستنتقل إلى موقع آخر ، مما يجعلهم في موقف ~~الضعف والنبي في موقف القوة ، ولذلك فقد حاولوا إثارة حالة من التشكيك عند ~~المستضعفين المؤمنين ليقودوهم بعد ذلك إلى التمرد والكفر ... # ( @QUR@017 قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه )؟! .. في لهجة الإنكار والاستغراب ، ~~كمن يقول لصاحبه : هل تصدق مثل هذا القول ، أم أنك تمزح ، أم أنك تنطلق في ~~إقرارك من موقع المصلحة والطمع؟! ليقوده إلى التراجع طلبا لاحترامه ، لأن ~~من لا يملكون قوة الشخصية ، يستعيرون ثقتهم بأنفسهم من رضا الآخرين عنهم ، ~~فإذا شعروا بأي نوع من أنواع الاهتزاز في ثقة الناس بهم ، لعدم رضاهم عن ~~بعض أفكارهم أو مواقفهم أو تطلعاتهم ، انكمشوا في داخل ذواتهم ، وحاولوا ~~استعادة ما فقدوه بالالتزام بما لا يؤمنون به ، لمجرد أن الناس الكبار ~~يؤمنون به ، ويستريحون له. ولكن المستضعفين الذين استطاعوا أن يحصلوا على ~~قوة الشخصية من خلال إيمانهم الجديد واجهوا هذا الأسلوب بموقف قوي حاسم ، ~~يؤكد الوقفة الإيمانية كما لو كانت شيئا لا يقبل التراجع مهما كلف الأمر ؛ ~~( @QUR@06 قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ) على أساس الوعي للرسالة ، ~~والإيمان بالفكرة ، والقناعة بخط التحرك ... وهذا لا يجعل من القضية شأنا ~~ذاتيا خاضعا للتغيير والتبديل على أساس حسابات الربح والخسارة ، أو موازين PageV10P173 # القوة والضعف ، لأنها قضية حق وإيمان وصدق ... ( @QUR@08 قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) في عملية تأكيد للكفر ، من أجل خلق ~~حالة نفسية ضاغطة ، تهز موقف المستضعفين أو ترد جانب التحدي منهم بمثله. ~~ولم تنفعهم تلك الأساليب في حربهم النفسية ضد المؤمنين شيئا ، ولم يكن لهم ~~منطق معقول يمكن أن يعتمدوه كأساس للمواجهة الفكرية في عملية ربح الموقف ، ~~فلجئوا إلى القوة ، ولكنهم لم يستطيعوا مواجهة صالح والمؤمنين معه ، فعمدوا ~~إلى الناقة الضعيفة التي لا تملك أن تدافع عن نفسها ( @QUR@06 فعقروا ~~الناقة وعتوا عن أمر ربهم ) في حالة من الطغيان ، ووقفوا أمام صالح ms2453 وقفة من ~~يتحدى الإنذار بالعذاب ؛ ( @QUR@010 وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت ~~من المرسلين ) الذين يرتبطون بالله بعلاقة وثيقة ، تتيح لهم أن يستنزلوا ~~العذاب على معانديهم. وكان رد التحدي حازما وسريعا ، ( @QUR@02 فأخذتهم ~~الرجفة ) واهتزت بهم الأرض. وكان الزلزال الذي ارتجفوا به ، ( @QUR@04 ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين )، لا يستطيعون الوقوف والتحرك من مكانهم بفعل ~~الموت. فما ذا كان رد فعل صالح ، وهو يرى فعل الله بهم ؛ هل كان موقف شماتة ~~وحقد؟ إن الأنبياء لا يشمتون ، وأصحاب الرسالات لا يحقدون ، لأن قلوبهم ~~مملوءة بالمحبة والرحمة ، وأرواحهم منطلقة بالخير والرأفة ... ( @QUR@02 ~~فتولى عنهم ) أعرض عنهم وابتعد عن هذا المنظر الأليم ؛ ( @QUR@07 وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ) بكل ما فيها من حق وعدل وخير وصلاح ، بكل ~~تفاصيلها ( @QUR@02 ونصحت لكم ) بالسير في خط الرسالة لتبلغوا مداها الأخير ~~، وهو الجنة في الدار الآخرة بالإضافة إلى سعادة الدنيا ... ( @QUR@04 ولكن ~~لا تحبون الناصحين ).. ولا تطيعونهم في ما يريدون أن يدلوكم على منابع ~~الحب والخير والرحمة ... وهكذا أسدل الستار على هذه القصة ، لتبدأ قصة ~~رسالية جديدة. ### ||| * * * * PageV10P174 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين (80) @QUR@011 إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~مسرفون (81) @QUR@013 وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون (82) @QUR@07 فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين (83) @QUR@08 وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) (84) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شهوة ): مطالبة النفس بفعل ما فيه اللذة. # ( @QUR@01 مسرفون ): الإسراف : الخروج عن حد الحق إلى الفساد. # ( @QUR@01 الغابرين ): الماضين من القوم. # * * * PageV10P175 ### ||| ** لوط في مواجهة شذوذ قومه الجنسي # وهذا نبي آخر من الأنبياء «المحليين» ، أرسله الله من خلال إبراهيم ~~عليه السلام في ما يستفاد من بعض آيات القرآن وذلك من أجل هدايتهم إلى الله ~~، في خط الإيمان بشكل عام ، مع التأكيد على محاربة الفاحشة ، المتمثلة ~~بالشذوذ الجنسي المذكر المعبر عنه باللواط نسبة إلى قوم لوط ، إذ كانوا على ~~ما يبدو أول ناس مارسوا هذا العمل الشاذ. وعاش هذا النبي معهم مدة ms2454 من الزمن ~~، يدعوهم إلى الله وإلى الابتعاد عن هذه الممارسات القبيحة ... فلم ~~يستجيبوا له ، بل كانوا يواجهونه بالتحدي ، استضعافا لموقفه ؛ حتى أنزل ~~الله عليهم العذاب في الدنيا ، وأنجى لوطا ومن معه ، ما عدا امرأته. # ( @QUR@013 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين ) فقد بدأ تاريخ هذا الشذوذ بهم. والاستفهام هنا للإنكار في مقام ~~الردع. ( @QUR@07 إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ) فتنحرفون بذلك ~~عن العلاقة الجنسية الطبيعية ما بين الرجال والنساء ، وهي الوضع الطبيعي ~~الذي تؤدي فيه الغريزة الجنسية دورها في عملية التناسل وحفظ النوع من جهة ، ~~وتلتحم ضمنه الجوانب الروحية الإنسانية بالجوانب المادية في نفس عملية ~~الممارسة من جهة أخرى ؛ بينما يضرب الشذوذ وظيفة الغريزة الجنسية الأساس ، ~~ويمثل ، بالإضافة إلى ذلك ، حالة مرضية يقوم فيها الذكر بدور الأنثى نتيجة ~~عقدة نفسية وانحراف مرضي .. ( @QUR@04 بل أنتم قوم مسرفون ) فقد تجاوزتم ~~الحدود الطبيعية للعلاقات الإنسانية ، وانحرفتم عن الخط السليم ، ولكن قومه ~~كانوا قد أدمنوا هذه العادة ، وأصبحت طابعا مميزا لحياتهم. وربما انطلق هذا ~~الإسراف في أكثر من جانب من جوانب حياتهم ، كنتيجة طبيعية لعدم التزامهم ~~بالخط الرسالي الذي تمثله رسالة لوط. ( @QUR@08 وما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوهم PageV10P176 # @QUR@02 من قريتكم ) سادين بذلك مجالات الحوار ، لأنهم ليسوا مستعدين ~~للتنازل عن عاداتهم ، كما أن لوطا غير مستعد للتراجع عن دعوته ، ولذلك فإن ~~الموقف لا يحتمل التسويات. # * * * ### ||| ** المجتمعات المنحرفة ترفض دعوة التطهر # وقد عبر قوم لوط عن هذه العقلية من جانبهم في رفضهم للطهارة الأخلاقية ~~التي تدعو إليها الرسالات ، بما وصفوا به آل لوط ، كتبرير للدعوة لإخراجهم ~~( @QUR@03 إنهم أناس يتطهرون )، فيقفون ضد أساليب القذارة في الحياة ، ~~ليثيروا في مجتمعنا سلبيات هذه الأساليب ، فيخلقوا له عقدة في ممارساته ؛ ~~ليتحول ذلك إلى حالة رافضة مستقبلية في الأجيال الجديدة التي قد تتقبل مثل ~~هذه الدعوات ، لما تثيره في الإنسان من دوافع الفطرة. وربما كان هذا ~~الأسلوب في الرد السلبي على دعوة التطهر ، هو أسلوب المجتمعات المنحرفة ~~التي تعتبر وجود الفئات الخيرة ms2455 ، وما تثيره في المجتمع من معاني الخير ~~والصلاح ، تحديا صامتا لكل طروحاتهم وأوضاعهم ، وهذا ما يجعلهم لا يطيقون ~~التعايش معهم في بلدهم حتى لو كانوا صامتين لأنهم يخافون منهم على أنفسهم ، ~~قبل أن يخافوا منهم على غيرهم ، لأن النفس قد تستيقظ على نوازع الخير في ~~بعض حالاتها الطيبة الهادئة ، فتنجذب لا شعوريا إلى ما تدعوها إليه ، وقد ~~يتأكد هذا الاتجاه كلما تكررت الدعوة ، أو حدثت الأجواء الملائمة لذلك ... ~~ولهذا يتحول رد الفعل إلى مواجهة عنيفة بالتهديد بطردهم وقتلهم ، وممارسة ~~كل الأساليب السلبية ضدهم ، بعيدا عن كل حوار أو لقاء للحوار. # * * * PageV10P177 ### ||| ** هلاك قوم لوط بانحرافهم # ( @QUR@02 فأنجيناه وأهله ) بعد أن قام برسالته كما يريد الله منه ذلك ، ~~وتحمل في سبيلها الكثير من الجهد والمشقة والعناء ، ( @QUR@02 إلا امرأته ) ~~التي كانت تتآمر مع قومها على لوط ، وتتفق معهم في النهج والتفكير والعمل ~~... فقد عاقبها الله بالعقاب نفسه الذي أنزله بهم ، ( @QUR@03 كانت من ~~الغابرين )، من البائدين الهالكين ، في ما توحي به كلمة «الغابرين» من ~~معنى الموت على سبيل الكناية ( @QUR@03 وأمطرنا عليهم مطرا ) من نوع آخر ، ~~فقد كان ينزل عليهم الحصى المزود بطاقة خاصة قاتلة. ( @QUR@05 فانظر كيف ~~كان عاقبة المجرمين ) الذين أجرموا في حق أنفسهم وفي حركة الحياة ، فاعتبر ~~بذلك أيها الإنسان المؤمن في ما تريد أن تقدم عليه من عمل في الخط الذي ~~تلتقي فيه الرسالات ، سلبا أو إيجابا ، لتحدد موقفك. ### ||| * * * * PageV10P178 ### ||| * الآيات # ( @QUR@038 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ~~@QUR@024 ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين (86) @QUR@019 وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم ~~يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) @QUR@022 قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك ms2456 من قريتنا ~~أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) @QUR@042 قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) @QUR@09 وقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا PageV10P179 # @QUR@03 إنكم إذا لخاسرون (90) @QUR@06 فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين (91) @QUR@013 الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا ~~شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) @QUR@016 فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ) (93) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فأوفوا ): الإيفاء : إتمام الشيء إلى حد الحق فيه. # ( @QUR@01 الكيل ): تقدير الشيء بالمكيال حتى يظهر مقداره. # ( @QUR@01 والميزان ): تقدير الشيء بالميزان. # ( @QUR@02 ولا تبخسوا ): البخس : النقص عن الحد الذي يوجبه الحق. # ( @QUR@01 تفسدوا ): الإفساد : إخراج الشيء إلى حد لا ينتفع به بدلا من ~~حال ينتفع بها. وضده الإصلاح. # ( @QUR@01 وتصدون ): تصرفون عن الفعل بالإغواء فيه. يقال : صده عن الأمر : # منعه. # ( @QUR@01 طائفة ): جماعة من الناس. # ( @QUR@01 ملتنا ): طائفتنا. # ( @QUR@01 افترينا ): الافتراء مشتق من فري الأديم ، وهو مثل الاختلاف ~~والافتعال. PageV10P180 # ( @QUR@02 لم يغنوا ): غني بالمكان : أقام فيه وكأنه استغنى بذلك المكان ~~عن غيره. # ( @QUR@01 آسى ): أحزن كثيرا. # * * * ### ||| ** شعيب وقومه # وهذا نبي آخر أرسله الله إلى قومه لهدايتهم ومعالجة بعض الانحرافات ~~الاقتصادية في تجارتهم مع الناس ، التي كانت تتمثل بالتطفيف في المكيال ~~والميزان ، فيأخذون لأنفسهم ما يستحقونه ، ويعطون الناس أقل مما يستحقون. ~~وننفتح في قصة شعيب وحوارة مع قومه على موقف أكثر قوة من موقف لوط ، فقد ~~كانت لشعيب عشيرة قوية يحسب لها حساب ، وهذا ما جعل أسلوبه في خطابه لقومه ~~يتصف بالقوة التي لا تبتعد عن الجو الرسالي الوديع الذي يحاول من خلاله أن ~~يجرهم إلى دعوته بالأسلوب الهادىء اللين. ونلاحظ في هذا الحوار أنه استطاع ~~أن يجلب إلى دعوته الجماعات المضطهدة والمستضعفة من قومه ، ليواجه الجماعات ~~الغنية المستكبرة. وربما يكون هذا منطلقا من طبيعة الدعوة التي دعا إليها ، ~~والمفاهيم ms2457 التي بشر بها ، فإن التطفيف نوع من أنواع الاستغلال الاقتصادي ~~الذي يتميز به الأغنياء المستكبرون ، حيث يعيشون مشاعر الأنانية وسلوكها ، ~~مما يجعلهم يفكرون بالاستغلال عند ما يشترون فيأخذون الزيادة لأنفسهم ، ~~ويفكرون به عند ما يبيعون ، فيستغلون حاجة الآخرين إليهم لينقصوا من حقهم ~~بما يشاءون. # ونحاول الآن الدخول في أجواء هذا الحوار القصصي القرآني ، لنتمثل حركة ~~الرسالة في حياة هذا النبي المصلح مع خصوم الرسالة والرسول. # * * * PageV10P181 ### ||| ** الحق والإصلاح هما أساس كل خير # ( @QUR@014 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ) فذلك هو السبيل لاستقامة المنهج في الحياة وارتكازه على قاعدة ثابتة ~~في النفس وفي الحياة. ( @QUR@05 قد جاءتكم بينة من ربكم ) في ما أوضحه الله ~~لكم من دلائل قدرته ومظاهر عظمته وصدق رسوله ، ( @QUR@03 فأوفوا الكيل ~~والميزان ) واجعلوه تاما من دون زيادة ولا نقصان ، ( @QUR@04 ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ) فتنقصوهم حقهم وتحرموهم منه ، ( @QUR@06 ولا تفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها ) فقد أرادها الله ساحة للتوازن الاقتصادي والاجتماعي ~~والسياسي على كل صعيد ، بما يجعل من الإخلال به إفسادا للأرض ، بعد أن ~~أصلحها الله في الخط التكويني للوجود ، وفي الخط الفكري للعقيدة والتشريع ، ~~وهذا ما يؤكد شمولية التخطيط الإلهي لحركة الإنسان في الحياة منذ القدم في ~~ما يتطلع إليه الدين من إقامة الكون على أساس الإصلاح في كل شيء ( @QUR@06 ~~ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين )، فإن ذلك هو سبيل الفلاح في الدنيا ، لأنه ~~يصلح أمر الفرد والمجتمع في القضايا العامة والخاصة ، وفي الآخرة ، لأنه ~~يؤدي إلى الحصول على رضا الله في نطاق السير على الخط الإيماني الذي يضمن ~~ذلك كله. # ( @QUR@014 ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا ) فقد كانوا يرصدون المؤمنين ويراقبونهم في كل طريق من طرق ~~الاستقامة التي ينطلقون فيها على أساس الخط الفكري والعملي للإيمان ، ~~ليتوعدوهم ويتهددوهم فيسدوا عليهم كل الأبواب والمنافذ ، ليعطلوا مسيرتهم ~~ويجمدوا انطلاقتهم ، من خلال الضغوط المتنوعة التي تمنع المؤمنين من ممارسة ~~حريتهم في الفكر والعمل ... وهذا ما أراد ms2458 PageV10P182 # شعيب أن يحذر منه ، فيهيب بقومه أن لا يحرموا المؤمنين من حريتهم ، كما ~~لا يريدون هم أن يحرمهم الآخرون من هذه الحرية ، وأن لا ينحرفوا بالطريق عن ~~الخط المستقيم ، لتتحرك في الاتجاه المعوج ، لأن ذلك يبعدهم عن الاتجاه ~~السليم الذي ينقذ حياتهم وحياة الآخرين. # * * * ### ||| ** شعيب في موقع التذكير والتحذير لقومه # ( @QUR@05 واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) في ما أفاض الله عليكم من نعمه ~~، حيث جعل منكم قوة بعد أن كنتم في مواقع الضعف ، من خلال موازين الكثرة ~~والقلة ، فقد تنفع الذكرى ، فتوحي إليكم بأن الذي أعطاكم نعمة القوة ~~بالكثرة ، قادر على أن يسلبكم ذلك بالقلة ، فلا بد من شكر هذه النعمة ، ~~بالسير على ما يريده الله منكم. # ( @QUR@05 وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) الذين استغلوا نعم الله في ~~إفساد البلاد والعباد ، فأهلكهم الله بذنوبهم بعد أن ظنوا أن الحياة قد ~~فتحت لهم ذراعيها ، ومنحتهم كل شيء ، واغتروا بكثرتهم وقوتهم ، ولكن قضايا ~~المصير ترتبط بنهايات الأمور لا ببداياتها ... فانظروا كيف كانت عاقبتهم ~~السيئة ، وكيف تحول كل ذلك الجو المملوء بالكبرياء والخيلاء إلى جو مليء ~~بالحقارة والذلة والبلاء ... # * * * PageV10P183 ### ||| ** الأساليب السلبية لا تحل الخلافات الفكرية # ( @QUR@012 وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ~~فاصبروا ) ولا تتعقدوا ، ولا تتحركوا في أجواء العداوة والبغضاء ، لتخلقوا ~~من واقع الخلاف الفكري مشكلة اجتماعية في مستوى الخصام والقتال ، فذلك هو ~~الوضع الطبيعي للحياة الإنسانية ، في ما يطرح عليها من أفكار ، فيختلف ~~الناس فيها بين مؤيد ورافض. ولا بد لهم من الصبر على نوازعهم الذاتية كلها ~~، ليجعلوا من اختلافهم أساسا لإغناء الفكر وتنمية التجربة ، عند ما تتحول ~~الخلافات إلى حركة فكرية من أجل الحوار ، والى تحريك للخطوات المسؤولة من ~~أجل الوحدة أو التقارب على أساس التفاهم المشترك ، ومن أجل المصير الواحد ، ~~في حين أن اللجوء إلى الأساليب السلبية العنيفة لا يحل لهم مشكلة الفكر بل ~~يعقدها ، لأنه يغلق على الفكر أبواب الانطلاق إلى الآفاق البعيدة ، ويعطل ~~حركته عن التأمل والتعمق في هذه القضايا المتنوعة ، ويحوله إلى طاقة جامدة ms2459 ~~لا تعطي شيئا ، ولا تساهم في الوصول إلى حل. # وإذا كانت هذه الأساليب لا تحل للفكر مشكلته ، فإنها لا تكتفي بذلك ، بل ~~تضيف للناس مشاكل جديدة ، على مستوى الحياة العامة والخاصة ، وهكذا تتنامى ~~روح الحقد والبغضاء ، لتكون النتيجة مزيدا من الدمار والهلاك والفساد ... ~~وهذا ما جعل الأنبياء يبادرون إلى طرح الأساليب الهادئة العاقلة الموحية في ~~حل النزاعات والخلافات الفكرية والحياتية ، ويوجهون الناس إلى اعتماد الصبر ~~كطاقة إنسانية تمنح الإنسان القوة للتغلب على العوامل السلبية الداخلية ~~التي تثيرها النوازع الذاتية ، ليستطيع بذلك النظر إلى الأمور بموضوعية ~~ووضوح ، فيعرف طبيعة المشكلة من خلال عناصرها الحقيقية ، ليواجه مسألة الحل ~~بعقل منفتح مستنير. ولهذا كان شعيب يطلب من قومه PageV10P184 # التحلي بالصبر على هذا الاختلاف في المواقف ما بين الإيمان بالرسالة ~~والكفر بها. ( @QUR@07 حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) في الدنيا ، ~~بما يظهره من الحق لنا في ما نعتقده وندعو إليه من خلال ما نخوضه معكم من ~~أساليب الحوار إذا وافقتم على الدخول معنا في أجواء الحوار ، وفي الآخرة ~~حين يقوم الناس لرب العالمين حيث يعرف المحق من المبطل ، والمصيب من المخطئ ~~... ويحكم الله بذلك وهو خير الحاكمين. # * * * ### ||| ** منطق الاستعلاء في مواجهة منطق العقل والحوار # ( @QUR@019 * قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) إنه المنطق الذي لا يحاور ولا ~~يناقش ، لأنه لا يملك أدوات الحوار وروحيته ، بل يملك أدوات القوة ، فهو ~~يتهدد ويتوعد ، فليس هناك مجال للتفاهم ، لأن التفاهم يهزم المبطلين الذين ~~لا يملكون حجة ، ولا يرجعون في قناعاتهم إلى أساس ، وبذلك فإنهم يعيشون ~~الشعور بالضعف أمام دعوة الحوار والتفاهم ، فيحاولون تغطية ذلك بأساليب ~~التهديد والوعيد. ( @QUR@04 قال أولو كنا كارهين ) هل القضية قضية إكراه ~~وإجبار؟ إن الإنسان قد ينجح في إجبار إنسان آخر على عمل ما أو علاقة ما ~~بالقوة ، بامتلاكه لوسائل الضغط المادي التي تمكنه من ذلك ، ولكنه لن ينجح ~~في إكراهه على أن يعتقد بما لا يقتنع به ، لأن العقيدة لا تخضع ms2460 لإكراه ~~وإجبار. وهذا ما يدفعنا إلى الإعلان بأننا نكره هذا الاتجاه الذي تنطلقون ~~فيه ، ولا نؤمن بشيء من طروحاته ... # * * * PageV10P185 ### ||| ** ثبات شعيب في مواجهة قومه # ( @QUR@014 قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها ) إننا لا نجد في ملتكم أساسا من الحق ، سواء في عبادتكم للأصنام ، أو ~~في صدكم عن سبيل الله ، أو في إظهاركم الفساد في الأرض ، أو في انحرافكم عن ~~العدل في علاقاتكم ومعاملاتكم ... وقد نجانا الله منها بما هدانا لدينه ، ~~وبما عرفنا من ضلال ما خالفه ومن خالفه ؛ فكيف نرجع إلى خط الضلال ، وهل ~~هذا إلا الافتراء على الله بالكذب ؛ بأن ننسب إليه ما تنسبونه إليه من ~~شركاء دون علم ولا هدى ولا كتاب مبين. ( @QUR@06 وما يكون لنا أن نعود فيها ~~) وكيف يعود إلى الظلام من عاش إشراقة النور في قلبه وفي وجدانه؟! إننا لن ~~نعود مهما كانت الضغوط والتحديات ، ومهما كانت الأوضاع السلبية المحيطة ~~بنا. ( @QUR@04 إلا أن يشاء الله ) أن نعود فيها ولن يشاء الله لنا ذلك ، ~~لأنه لا يمكن أن يأمر عباده بالضلال إذا كانت المشيئة بالاختيار ، ولا ~~يجبرهم عليه ، إذا كانت المشيئة بالقهر ، ولكنه أسلوب التأدب مع الله ~~بإظهار الاستسلام له والخضوع لمشيئته. # ( @QUR@05 وسع ربنا كل شيء علما ) فهو يعلم سرنا وعلانيتنا ، وإخلاصنا له ~~، وجهدنا في سبيله ، كما يعلم طغيانكم وتمردكم وظلمكم لنا ... ( @QUR@03 ~~على الله توكلنا ) فهو مصدر القوة ، ومنه قوة كل شيء ، ولا يملك معه أحد أي ~~شيء من القوة. ونحن نتوكل عليه ونلجأ إلى حصنه ، ليحمينا منكم ومن كل قوة ~~غاشمة ظالمة. # وتابعوا مسيرتهم بكل قوة وإيمان ، وشعروا في الطريق وهم يعلنون التوكل ~~على الله الذي وسع كل شيء علما بالخشوع يهيمن على مشاعرهم ، ويفيض على ~~أرواحهم ، فتوجهوا إليه في أجواء روحانية ، تفصلهم عن قومهم ، وعن كل هذه ~~الأحاديث الاستعراضية التي سمعوها منهم في ابتهال وإيمان PageV10P186 # وإخلاص : ( @QUR@06 ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) فهم لم يتعقدوا ~~من كل أساليب قومهم ، ولم يبادروا بالدعاء عليهم ، بل ابتهلوا إلى الله ms2461 أن ~~يفتح بينهم وبين قومهم ، ويردم الهوة الواسعة فيما بينهم بالحق ، لأنهم لا ~~يريدون للعلاقات الإنسانية أن تخضع للتسويات وفق حساب الباطل ، بل يريدونها ~~أن ترتكز على حساب الحق. ( @QUR@03 وأنت خير الفاتحين ) لأنك تعرف كل ما ~~يصلح أمور خلقك في ما يتفقون فيه أو يختلفون. # * * * ### ||| ** الله ينصر شعيب ومن معه # ( @QUR@06 وقال الملأ الذين كفروا من قومه ) وهم يلتفتون إلى قوم شعيب ~~ليجربوا أن يهزموهم نفسيا بأساليب التخويف من النتائج السلبية والعواقب ~~الوخيمة : ( @QUR@06 لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون )، لأن شعيبا لا ~~يملك الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من الارتباط به أو ~~اتباعه مسألة مربحة ، بل على العكس من ذلك ، فإن دعوته تعزل أتباعه عن ~~الفعاليات التي تملك القوة والجاه والمال ، وتمنعهم من الحصول على ~~الامتيازات المتنوعة والفرص الجيدة الموجودة عندهم ، فيخسرون ذلك كله من ~~دون مقابل ، لأن شعيبا لا يمثل شيئا أي شيء . وكان هذا الإنذار الأخير الذي ~~وجهوه إليهم ، فما ذا كانت النتيجة؟ لقد انقلب السحر على الساحر ، وأصبح من ~~كذبوا شعيبا هم الذين خسروا الدنيا والآخرة ، ( @QUR@06 فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين ) لا يملكون حراكا ، فقد أحاط بهم الموت من كل ~~جانب. ( @QUR@07 الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ) فلم ينفعوا أنفسهم ~~شيئا ، وذهب كل جهدهم هباء في هباء. ( @QUR@06 الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ~~الخاسرين ). أما هؤلاء الذين آمنوا بشعيب فهم الرابحون المفلحون ، لأنهم ~~حصلوا على طمأنينة الروح في الدنيا وعلى رضوان PageV10P187 # الله في الآخرة. # * * * ### ||| ** لا أسف على الكافرين # ووقف شعيب أمام هذا المشهد الرهيب ، مشهد هؤلاء الذين كذبوه وأرادوا أن ~~يطردوه ، وهم جاثمون في دارهم ، فلم يكن رد فعله التشفي أو الشماتة ، بل ~~الأسف على هؤلاء القوم الذين أوصلوا أنفسهم إلى هذه النتيجة الخاسرة ، ~~لأنهم لم ينفتحوا على الله من موقع الإيمان. ( @QUR@011 فتولى عنهم وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم )، فلم أدخر أي جهد في إبلاغ ~~الرسالات وفي تقديم النصائح ، ولكنكم لم تستجيبوا لي ، ولم تفكروا في ذلك ~~كله ، فاستسلمتم للكفر والجحود والعصيان ( @QUR@02 فكيف ms2462 آسى ) وأحزن ( ~~@QUR@03 على قوم كافرين )، لأنني أعيش في مشاعري روح الإيمان بالله؟! وفي ~~هذا الجو ، لا بد للمؤمن من أن يتعاطف مع من يحبون الله ويحملون مسئولية ~~الحياة بمناهج الحق ، أما من يحبون أنفسهم ويتمردون على الله ، ويملأون ~~الحياة كفرا وضلالا وانحرافا ، فلا مجال للأسف عليهم ، لأنهم اختاروا طريق ~~الضلال والهلاك بملء إرادتهم واختيارهم ، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون. ### ||| * * * * PageV10P188 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ~~لعلهم يضرعون (94) @QUR@018 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا ~~قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) (95) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالبأساء ): بالشدة. # ( @QUR@01 والضراء ): ما يضر الإنسان ماديا أو أدبيا. # ( @QUR@01 يضرعون ): يخضعون. # ( @QUR@01 عفوا ): العفو : الترك. # ( @QUR@01 بغتة ): فجأة ، وهي الأخذ على غرة من غير تقدمة تؤذن ~~بالنازلة. # * * * PageV10P189 ### ||| ** سنة الله في أهل القرى # وتلك هي سنة الله في الجماعات التي يعيش بينهم الأنبياء ، فإن الله يهيئ ~~لهم الأجواء التي تفتح قلوبهم عليه ، وترجعهم إليه ، فقد يمر زمن طويل يعيش ~~فيه الناس الشدائد والأهوال والعوامل المضرة بأبدانهم وأموالهم تحت ضغط ~~الظروف القاسية التي تتحرك أسبابها بإرادة الله ، ليلجأوا إليه ، وليتضرعوا ~~فيطلبوا منه الخلاص ، ليتحقق من خلال ذلك الانفتاح على الإيمان وعلى خط ~~الرسالات ، ثم يبدل الله الشدة بالرخاء ، والسيئة بالحسنة ، والضراء ~~بالسراء ، حتى يستسلم الناس في إغفاءة الغفلة لحالة الاسترخاء المريح ، ~~فيعودون إلى شهواتهم ولذاتهم يعبون منها ما يشاءون ، بعيدا عن كل مسئولية ، ~~وعند ما تذكرهم بالتاريخ القريب الذي عاشوا فيه الآلام وواجهوا فيه الأهوال ~~، يبتعدون عن وحي العبرة فيه وحركة الموعظة في مضمونه ، ليقولوا إنها سنة ~~الطبيعة ، وحركة الحياة ، من دون أن يكون للغيب دخل فيه ؛ فقد عاش آباؤنا ~~الجو نفسه الذي نعيشه ، فمستهم الضراء ، حينا والسراء حينا آخر ، وتلك هي ~~طبيعة الحياة ، فلما ذا نحملها أكثر مما تتحمل ، ونحاول أن ننفذ منها إلى ~~أجواء الغيب وقضايا الكفر والإيمان ، فليس للغيب أي دخل في ذلك من قريب أو ~~من بعيد؟! # ولكن الله لا يغفر لهم هذا المنطق ، فقد ms2463 يكون صحيحا أن قضية الشدة ~~والرخاء هي من سنة الحياة ، ولكنها السنة التي خلقها الله في نطاق الكون ، ~~ليسير على قاعدة ثابتة حكيمة. وقد يهيئ الله الظروف التي تثيرها سننه ، من ~~أجل أن يثير وضعا معينا هنا ووضعا معينا هناك ، ليكون ذلك امتحانا للإنسان ~~في أجواء الإيمان والكفر ، وليتحرك الإنسان وقت الضيق ليبتهل إلى الله في ~~رفع ذلك عنه ، وليشعر بعد الفرج بنعمة الله عليه ، ليكون الله هو الأساس PageV10P190 # في حالتي البلاء والعافية ، ليشكر ولا يكفر. ولهذا فقد غضب الله على ~~هؤلاء ، لأنهم استكبروا على الله ، واستخفوا بالأنبياء ، وكذبوا الرسالات ، ~~فأخذهم الله فجأة بشكل غير متوقع ، وهم لا يشعرون. # وهذا ما ينبغي للإنسان أن يلتفت إليه ، فيأخذ من كل ظاهرة من ظواهر ~~الحياة التي تمر به من بلاء وعافية درسا ينفتح به على الله ، فيعيش معه ~~حالة التضرع والابتهال والدعاء ، ويعيش في مجال آخر حالة الشكر والطاعة ~~والرضى ، فيبقى مع الله في كل شيء ، في جميع الظروف والأحوال ، لأن ذلك هو ~~المعنى العميق للإيمان في نفسه ، في ما يتحرك به الإيمان من مشاعر ومواقف ~~في حياة الإنسان. # * * * PageV10P191 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) @QUR@09 أفأمن أهل القرى ~~أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) @QUR@09 أوأمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) @QUR@010 أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون (99) @QUR@019 أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ~~أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) (100) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بركات ): خيرات كثيرة ونامية. # ( @QUR@01 بأسنا ): عذابنا. # ( @QUR@01 بياتا ): وقت مبيتهم ، وهو الليل. PageV10P192 # ( @QUR@01 ضحى ): وقت انبساط الشمس. # * * * ### ||| ** التقوى مفتاح بركات السماوات والأرض # ( @QUR@06 ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ) فانفتحوا على الله في مشاعرهم ~~وأفكارهم ، وانفتحوا على الحياة بتطلعاتهم وغاياتهم ، وانطلقوا مع الناس ~~الآخرين في علاقاتهم ومعاملاتهم ، وعرفوا الإيمان كمنهج للفكر والعمل ، ~~والتزموا بالخط المستقيم الذي يريده الله ويرضاه ويرضى عمن سار عليه في ما ~~تعطيه التقوى من ms2464 معنى الانضباط والالتزام. ( @QUR@06 لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض ) في ما يثيره الإيمان ، وتتحرك به التقوى من البركات في ~~انطلاقة الخير من فكر الإنسان وروحه وعمله ، فتنمو الطاقات ، وتتحرك ~~بالعطاء ، وتنطلق بالخير ، وتتحول الحياة من خلال ذلك إلى حركة مسئولة في ~~اتجاه الصلاح والإصلاح ، وبذلك تتحرك بركات الأرض والسماء إلى نهر يتدفق ~~بكل ما يصلح الحياة والإنسان ؛ لأن الإيمان والتقوى يعمقان في الذات معنى ~~المسؤولية التي تبتعد عن العبث والفساد والأنانية ، فلا يبقى هناك إلا ما ~~ينفع الناس ، وبذلك تكون علاقة الإيمان والتقوى بالبركات علاقة ترتبط ~~بينابيع الخير التي يفجرها عقل الإنسان وروحه وإرادته ، في حركة المواقف ~~والعلاقات والأعمال في الحياة. ويبقى للغيب دوره في هذا كله ، فلله ألطاف ~~خفية من حيث لا نعرف ، وله أرزاق ونعم كثيرة يغدقها علينا من حيث لا نشعر. ~~وهي أمور لا تخضع لما نعرفه من قوانين الحياة العادية ، بل هي غيب ننتظره ~~كلما أحسسنا بالرضى من الله ينساب في أعماقنا لطفا وبركة وإيمانا. # ( @QUR@02 ولكن كذبوا ) وابتعدوا عن خط الخير والصلاح ، وارتبطوا بالخط ~~الشيطاني الذي يوحي بالشر والفساد ، وتحولت الحياة عندهم إلى فرصة للهو PageV10P193 # والعبث والاسترخاء في أجواء الكسل والراحة ، فانفصلوا بذلك عن أجواء ~~المسؤولية المنفتحة على رضى الله ، فكان من نتائج ذلك أن ابتعد الناس عن ~~الآفاق التي توحي لهم بروح الحق والعدل والسلام ، فحق عليهم غضب الله ~~وعذابه ، ( @QUR@04 فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) في ما يستحقونه من عقاب ~~الله ، بسبب عصيانهم أوامره ونواهيه ، وفي ما تنتجه أعمالهم ومواقفهم من ~~نتائج سلبية على الأوضاع العامة في حياتهم ، على أساس ارتباط النتائج ~~بمقدماتها الطبيعية. وبهذا نفهم ارتباط الأخذ الإلهي بالكسب السلبي للإنسان ~~في مواقف المعصية بجانب الاستحقاق من جهة ، وبطبيعة الأشياء من جهة أخرى ، ~~فيلتقي فيه الجانب الغيبي بالجانب المادي من الحياة. # * * * ### ||| ** لا مأمن للخاسرين من مكر الله # ( @QUR@07 أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ) وهو وقت المبيت في ~~الليل ( @QUR@02 وهم نائمون ) كيف ينامون في إحساس بالطمأنينة والأمن ، وهم ~~يعرفون أن الله قد ينزل عذابه في ms2465 أي وقت من الأوقات كما حدث لجماعات أخرى ~~من أمثالهم في الماضي؟ ( @QUR@09 أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون )؟ فكيف يستسلمون للعب في وقت الضحى ، ولا يخافون أن ينزل عليهم ~~عذابه في ذلك الوقت؟ أي أساس للأمن هنا وهناك ، في ما يشعر به هؤلاء الذين ~~واجهوا الله بالكفر والتمرد والمعصية؟ # ( @QUR@03 أفأمنوا مكر الله ) في ما يدبره ويقضيه ويقدره ضد هؤلاء الذين ~~عاشوا الكبرياء والخيلاء والشعور بالقدرة المطلقة في ما يمكرون ويخططون من ~~خطط الاحتيال ، وكيف يغفلون عن إحاطة الله بهم من كل جانب ، ويأمنون مكره؟ ~~( @QUR@07 فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) الذين لا يعيشون الخوف منه ، PageV10P194 # ولا يستعدون للتراجع عن المواقف التي تثير ذلك كله ، فيخسرون دنياهم ~~وآخرتهم. ( @QUR@08 أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) أفلم يتبين ~~لهم من خلال دراستهم تاريخ الأمم التي سبقتهم ، وذاقت نتائج أعمالها ~~وذنوبها ، ( @QUR@05 أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) كما أصبنا أولئك في ما ~~أنزلناه عليهم من العذاب بسبب ذنوبهم؟! ولكن الإنسان الذي يستسلم لشهواته ~~وملذاته ، ويستغرق في دائرة مصالحه الذاتية ، ويعيش الحياة كفرصة للهو ~~والعبث والاسترخاء ، وينسى دوره في الحياة كإنسان مسئول ، سوف يعيش الغفلة ~~التي تغلق قلبه وعقله وحياته عن الله ، وبذلك تتحول كلها إلى مناطق لا ~~تدخلها موعظة ، ولا تحركها نصيحة. ( @QUR@03 ونطبع على قلوبهم ) فنختم ~~عليها من خلال ما فعلوه ، ( @QUR@03 فهم لا يسمعون ). ### ||| * * * * PageV10P195 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ~~(101) @QUR@09 وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) (102) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 نقص عليك ): نتلو عليك. # ( @QUR@01 أنبائها ): النبأ : الخبر عن أمر عظيم الشأن ، ولذلك أخذ منه اسم. # * * * PageV10P196 ### ||| ** لا عهد للكافرين # وهكذا يختم الله هذا الفصل الذي حدثنا فيه عن هؤلاء الأقوام الذين قص ~~علينا أمرهم ، فقد كانوا قوما ضالين ، يعبدون الأصنام ويشركون بالله غيره ، ~~ويكذبون بكل الحقائق الدينية ، وأرسل الله إليهم رسله بالبينات ، فصموا ~~آذانهم عن الاستماع إليهم ، وأغلقوا قلوبهم عن التفكير ms2466 والإيمان ، لأنهم لا ~~يريدون أن تتغير حياتهم الفكرية والعملية عما درجوا عليه من عقائد آبائهم ~~وأجدادهم وتقاليدهم ، وهذا هو السبب في انغلاق القلب عن الحق ، لأن توجهات ~~الإنسان وتطلعاته هي التي تفتح قلبه وتغلقه ، في ما جعله الله من أسباب في ~~خلق الإنسان ، وهذا ما أثاره الله في قوله : ( @QUR@017 تلك القرى نقص عليك ~~من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ~~) من حقائق الإيمان ( @QUR@06 كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) برسله ~~وآياته. # ( @QUR@05 وما وجدنا لأكثرهم من عهد )، لأن الإنسان الذي لا يؤمن بالله ~~، كما ينبغي للإيمان أن يكون ، لا يشعر بما يلزمه بالمواثيق ، فهو لا يعطي ~~ميثاقا لأحد يقيده في حياته ، وإذا أعطى مثل هذا الميثاق لمصلحة شخصية أو ~~هوى ذاتي ، فإنه لا يجد أساسا روحيا للالتزام به ، إذا لم يكن هناك ضغط ~~مادي يلزمه بذلك ، فعهد الإيمان بين الإنسان وربه ، هو الذي يجعل من ~~الإنسان إنسانا ملتزما يحفظ للناس عهودهم. ( @QUR@04 وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين ) منحرفين عن خط الهدى والإيمان ، وذلك هو شأن الأكثرية التي اتبعت ~~أهواءها. أما المخلصون الذين وقفوا ضد التيار تيار الكفر والشهوات والضلال ~~فهؤلاء هم الأقلية التي عرفت الحق فآمنت به ، وعرفت الرسول فصدقته واتبعته ~~وسارت معه. ### ||| * * * * PageV10P197 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103) @QUR@09 وقال موسى يا فرعون إني رسول ~~من رب العالمين (104) @QUR@018 حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد ~~جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) @QUR@011 قال إن كنت جئت ~~بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106) @QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين (107) @QUR@06 ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) @QUR@09 قال ~~الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) @QUR@08 يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فما ذا تأمرون (110) @QUR@07 قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن ~~حاشرين (111) @QUR@04 يأتوك بكل ساحر عليم ) (112) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بعثنا ): أرسلنا. # ( @QUR@02 فظلموا بها ): جحدوا بها. PageV10P198 # ( @QUR@01 حقيق ): جدير. # ( @QUR@01 ثعبان ): حية ضخمة طويلة. قال الفراء : الثعبان أعظم الحيات ms2467 ~~وهو الذكر (1). # ( @QUR@01 ونزع ) الشيء : أخرجه من مكانه. # ( @QUR@01 لساحر )؛ السحر : لطف الحيلة في إظهار أعجوبة توهم المعجزة. # وقال الأزهري : السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، وأصل السحر خفاء ~~الأمر (2). # ( @QUR@01 أرجه )؛ أرجأ الشيء : أخره وأجله. # ( @QUR@01 المدائن ): جمع مدينة. # * * * ### ||| ** موسى وفرعون # وجاء موسى ليواجه الطغيان والجبروت ، الذي يمثله فرعون الذي كان يرى في ~~ذاته شيئا من سر الألوهية التي توحي بالقدرة ، وتدعو إلى العبادة ، وتدفع ~~إلى السيطرة ، ولم يكن شأن موسى كشأن نوح وهود وصالح وشعيب ولوط في إرساله ~~إلى قومه ، فلم تكن لديه مشكلة صراع مع قومه في البداية ، بل كان صراعه ~~القوي مع فرعون وجماعته من الأشراف ، الذين كانوا يمثلون الطبقة العليا في ~~المجتمع ، ويشعرون بأن وجودهم في ما يملكون من مواقع وامتيازات مرتبط بوجود ~~فرعون وسلطته ، ولهذا كانوا يدعمونه ويتزلفون إليه. وكانت بعض مشاكله مع ~~فرعون أن يرفع يده عن قومه ، فلا يستعبدهم PageV10P199 # ويضطهدهم ويسخرهم في الأعمال الشاقة لمصالحه ، بدون أجر أو بأقل قدر ممكن ~~منه مقابل ما يبذلونه من جهد ، فيدعوه إلى أن يتركهم وشأنهم ليمارسوا ~~حريتهم في ما يريدون وما لا يريدون. وكان الموقف موقف التحدي القوي الذي ~~واجه به موسى فرعون ، وكان رد التحدي في بداية الأمر ضعيفا في موقف فرعون ، ~~وقد يكون ذلك ناشئا من الإحراج الذي واجهه أمام آيات الله. ثم تطورت الأمور ~~بينهما ، وتعقدت الأوضاع ، وتصاعدت المواجهة بالمجابهة ، وأنزل الله البلاء ~~على فرعون وقومه ... وكانت النهاية لمصلحة موسى في نهاية المطاف ، كما نرى ~~ذلك من خلال متابعة آيات السورة. # * * * ### ||| ** جحود فرعون لآيات الله تعالى # ( @QUR@04 ثم بعثنا من بعدهم ) والضمير يعود إلى الأنبياء الخمسة الذين ~~تقدم ذكرهم ( @QUR@05 موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه )، وهم الجماعة التي ~~كانت تشاركه في الحكم ، وتدعمه في السلطة من الطغاة الصغار الذين كانوا ~~يشكلون طبقة السادة والأشراف في المجتمع ، ( @QUR@02 فظلموا بها ) وجحدوها ~~وكفروا بها ... وذلك هو مظهر الظلم في قضايا العقيدة والكفر ، في ما يظلم ~~الإنسان به نفسه وربه ، والحق الذي يقدم إليه ... وامتد بهم الظلم والطغيان ~~حتى لاقوا جزاء ms2468 ظلمهم وطغيانهم في ما أنزله الله عليهم من العذاب ( @QUR@05 ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) الذين ملأوا الأرض فسادا ، واعتبر بذلك في ~~ما تريد وما لا تريد ، وهذه هي بداية القصة في المواجهة الأولى. # * * * PageV10P200 ### ||| ** موسى عليه السلام يؤكد نبوته # ( @QUR@09 وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) فقد أرسلني الله ~~لأبلغكم وحيه ، وأقودكم إلى هداه ، وأدعوكم إلى السير على نهجه وشريعته ( ~~@QUR@09 حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) وإذا كان الله قد اختارني ~~لرسالته ، فمن الطبيعي أن أكون في موضع الثقة عنده ، وأن أرتفع إلى مستواها ~~، فأكون جديرا بالموقف الصادق الذي يجعلني ألتزم بالحق كما أنزله الله ، ~~فلا أقول غيره. ( @QUR@05 قد جئتكم ببينة من ربكم )، فلست مدعيا يكتفي ~~بالدعوى في تأكيد موقفه ، فلدي بينة على ما أدعيه ، ولكم أن تفكروا فيها ~~وتناقشوها ، وإن كنت أعتقد أنها لا تحتاج إلى تفكير لوضوح مضمونها ~~ومدلولها. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام يسعى لتحرير بني إسرائيل من قبضة فرعون # ( @QUR@04 فأرسل معي بني إسرائيل )، هؤلاء الذين يعيشون الاضطهاد ~~والاستعباد والذل والقهر ، فلا يملكون إرادة الحياة بما تفرضه من حركة ~~الاختيار وتقرير المصير ؛ الأمر الذي جعلهم يتبلدون ويتصاغرون ويستسلمون ~~للأمر الواقع ، دون أدنى تفكير في التغيير ، لاعتقادهم أن الظلم هو القضاء ~~الذي لا يتبدل ، والقدر الذي لا يتغير ، على أساس أنه إرادة الله. وقد جاءت ~~رسالة الأنبياء من أجل تحرير الإنسان من هذا الواقع الاستعبادي الاستضعافي ~~، ليعيش حريته ، ويمارس قوته ، ويتحول من عنصر منفعل بإرادة الآخرين ، إلى ~~عنصر فاعل من خلال إرادته الحرة القوية ... وهذا ما أراده موسى عند ما طلب ~~من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل ، ويرفع يده عنهم ويتركهم وشأنهم في ما ~~يتصرفون به PageV10P201 # من شؤونهم الحياتية ، وبذلك يستطيع أن يفرغ سلطان فرعون من قوته الحقيقية ~~، لأن المستضعفين هم القوة الضاربة بيد المستكبرين ، بما يقدمونه إليهم من ~~طاقات كبيرة ، فهم المظلومون الذين يستخدمهم الظالمون ، ليكونوا أدوات ~~الظلم ضد بعضهم البعض ، وضد الآخرين ، وقد تكون مشكلتهم كامنة في هذا ~~الإيحاء المتواصل بمظلوميتهم الذي يعمق ms2469 في أنفسهم الشعور بالضعف ، مما يجمد ~~في داخلهم أية طاقة للحركة في نطاق الثورة والتغيير ، ويركز فيهم فكرة ~~الاستسلام للأمر الواقع ، فكان لا بد من إخراجهم من هذا الجو كله ، ~~وتوعيتهم بأن الطغاة لا يملكون القوة الذاتية ، لأن قوتهم مستمدة من قوتهم ~~هم ليتنفسوا هواء الحرية فيعملوا على أن يصيروا أحرارا ، ويتخلصوا من أجواء ~~الاستسلام ، ليفكروا بعملية التغيير. # ولم يكن فعل موسى صادرا في ذلك من عقدة عائلية قومية ، بل كان صادرا من ~~فكرة رسالية شاملة. أما خصوصية هؤلاء ، فقد تكون باعتبارهم الفئة الوحيدة ~~المستضعفة في ذلك البلد ، أو لأن مطالبته بهم وهم قومه تحمل مبررا معقولا ~~في ذهنية المجتمع هناك ، إذ لا بد للإنسان من التفكير بقومه ، وتحمل ~~مسئوليتهم. أما القوم الآخرون ، فقد يرون أنه لا شأن له بهم ، ولهذا فإنه ~~لا يملك حقا في المطالبة بهم ، وبذلك تدخل هذه المطالبة الخطوة الأولى في ~~الطريق الطويل. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام يقدم بينة نبوته لفرعون # ولم يبدر من فرعون أي رد فعل عنيف ضد موسى ، بل فكر في ما يبدو من جو ~~الآية بأن التخلص منه أمر ممكن وفي المتناول ، لاعتقاده بأن موسى لا يملك ~~دور الرسول ، فإنه لا يملك حجة على ما يدعي ، فإذا طولب بالبينة PageV10P202 # التي لا بد أن تكون في مستوى المعجزة الخارقة للعادة ، تراجع وانهزم ~~وانكمش في موقفه ، فينفضح أمره ، ويتبين زيف دعواه من دون مشاكل. ولهذا فقد ~~بدأ بمطالبته بإظهار الآية الدالة على صدقه : ( @QUR@011 قال إن كنت جئت ~~بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ). # وكان فرعون ينتظر أن يعتذر موسى ويتراجع ، ولكن المفاجأة كانت بانتظاره ( ~~@QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) ودب الرعب في قلب فرعون ، ولكنه ~~تمالك نفسه. وجاءت المعجزة الثانية ( @QUR@06 ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين ) مع أن موسى كان أسمر اللون ، فكيف تحولت يده إلى هذا البياض ~~الناصع من غير مرض؟ وعقدت المفاجأة لسان فرعون ، فلم يتكلم بشيء ، وكأنه ~~أحس بصدق موسى. وربما عاش بعض التردد في سر ما رآه ، هل هو ms2470 معجزة أم سحر؟ # وشعر قومه الذين هم جهاز سلطته بهذه الحيرة التي أخذت تأكل قلب فرعون. ~~وربما خافوا أن تتحول الحيرة إلى قناعة وإيمان بصدق موسى ، فيميل إليه ، ~~فيفقدون بذلك سلطانهم ، فتدخلوا ليحسموا الموضوع عنده ، ليؤكدوا أن ما قام ~~به موسى هو سحر ، وأن موسى ليس نبيا ، بل هو ساحر عليم يملك المزيد من ~~القدرة والمعرفة في هذا الفن. وكان مثل هذا الاحتمال قريبا إلى أجواء ~~المجتمع هناك ، لأن ألاعيب السحر التي تماثل ما قام به موسى في الشكل ، ~~كانت مألوفة لديهم. # * * * ### ||| ** ملأ فرعون يتهمون موسى عليه السلام بالسحر # ( @QUR@09 قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ). وذلك هو أسلوب الطغاة PageV10P203 # في كل زمان ومكان ، فهم يثيرون في وجه الدعاة إلى الله الكلمات التي تبطل ~~دعواهم ، أو تثير حولها الشك ، من خلال الأفكار السلبية المطروحة لديهم. ( ~~@QUR@05 يريد أن يخرجكم من أرضكم ) بسحره ، في ما كانوا يعتقدونه من قدرة ~~السحرة على ممارسة كل أساليب الضغط ، وكل وسائل السيطرة ، فيفقدهم سلطانهم ~~، ويقودهم إلى متاهات الضياع. ( @QUR@03 فما ذا تأمرون ) هل هذا قول فرعون ~~، أم قولهم لبعضهم البعض؟ ربما كان الأرجح الأول ، بدليل الآية التالية ( ~~@QUR@03 قالوا أرجه وأخاه ) أخرهما ، ولا تنتقم منهما ، حتى يظهر للناس ~~كذبهما ، فلا يتبع قولهما أحد من بعد ذلك ، ( @QUR@04 وأرسل في المدائن ~~حاشرين ) يحشرون الناس في مكان واحد ( @QUR@04 يأتوك بكل ساحر عليم ) ~~ليواجهوا السحر بسحر أقوى منه ، فتبطل دعواه ويفتضح أمره. # * * * PageV10P204 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ~~(113) @QUR@05 قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) @QUR@011 قالوا يا موسى ~~إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) @QUR@011 قال ألقوا فلما ألقوا ~~سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم (116) @QUR@011 وأوحينا إلى ~~موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) @QUR@06 فوقع الحق وبطل ما ~~كانوا يعملون (118) @QUR@04 فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) @QUR@03 ~~وألقي السحرة ساجدين (120) @QUR@04 قالوا آمنا برب العالمين (121) @QUR@03 ~~رب موسى وهارون (122) @QUR@019 قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف ms2471 تعلمون (123) @QUR@08 ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) @QUR@05 قالوا إنا ~~إلى ربنا منقلبون (125) @QUR@016 وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) (126) # * * * PageV10P205 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واسترهبوهم ): أرهبوهم وخوفوهم. # ( @QUR@01 تلقف ): تتناول الشيء بحذق وسرعة. # ( @QUR@01 يأفكون )؛ الإفك : قلب الشيء عن وجهه في الأصل ، ومنه الإفك ~~الكذب ، لأنه قلب المعنى عن جهة الصواب. # ( @QUR@01 فوقع ): الوقوع في الأصل هو السقوط. # ( @QUR@01 الحق ): كون الشيء في موضعه الذي اقتضته الحكمة. # ( @QUR@01 وبطل )؛ الباطل : الكائن بحيث يؤدي إلى الهلاك ، وهو نقيض ~~الحق الذي هو كون الشيء بحيث يؤدي إلى النجاة والغلبة والظفر بالبغية من ~~العدو في حال المنازعة. # ( @QUR@01 صاغرين ): أذلاء. # ( @QUR@01 لأصلبنكم )؛ الصلب : هو الشد على الخشبة وغيرها. وأصله من ~~صلابة الشيء. # ( @QUR@01 تنقم )؛ النقمة : العقوبة والإنكار. # ( @QUR@01 أفرغ )؛ الإفراغ : صب ما في الإناء أجمع حتى يخلو ؛ وهو مشتق ~~من الفراغ. # ( @QUR@01 صبرا )؛ الصبر : حبس النفس عن إظهار الجزع. # * * * PageV10P206 ### ||| ** وجاء السحرة ، فما ذا كان أمرهم؟! # استدعى فرعون السحرة من جميع المناطق ، وجمع الناس ليشهدوا المواجهة ~~الأولى بين سلطته الطاغية وبين رسالة موسى. ( @QUR@03 وجاء السحرة فرعون ) ~~ووقفوا بين يديه واستمعوا إليه ، فحدثهم عن سحر موسى وأرادهم أن يدخلوا معه ~~معركة التحدي ، فيواجهونه بسحر أقوى. ولكن السحرة كانوا أصحاب مهنة ، لا ~~يقومون بأي عمل إلا مقابل أجر يأخذونه ، فلا مجال للخدمة المجانية حتى ~~للحاكمين ، ( @QUR@08 قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ). وقد يوحي ~~لنا منطقهم هذا بأنهم كانوا يملكون موقعا يسمح لهم بالجرأة على هذا الطلب ، ~~لأن من عادة الحكام مع من لا يملكون موقعا متقدما في المجتمع ، أن يصدروا ~~إليهم الأوامر ليطيعوها بدون اعتراض أو توقف ، بينما نرى أن السحرة كانوا ~~سيرفضون طلب فرعون لو لم يستجب لمطالبهم ، وربما يعود ذلك إلى كون السحرة ~~يمثلون السلطة الدينية للمجتمع ، التي كانت تقارب قوتها قوة السلطة الحاكمة ~~في التأثير على الناس. ( @QUR@02 قال نعم )، فستأخذون الأجر العظيم ، ( ~~@QUR@03 وإنكم لمن المقربين ) فسأمنحكم درجة متقدمة من القرب في المركز ~~والسلطان. # واتخذوا مراكزهم في الساحة ، في مواجهة موسى. ( @QUR@011 قالوا يا موسى ms2472 ~~إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين )، في أسلوب استعراضي يحاول الإيحاء ~~له وللناس بأن القضية لا تمثل عندهم أهمية كبري ، فلا فرق بين أن تكون ~~البداية منه أو تكون منهم ، فسوف لن يخافوا منه ، لأنه أضعف من أن يهزمهم ، ~~وستكون النتيجة واحدة في كلتا الحالتين ، وهي هزيمة موسى. ( @QUR@02 قال ~~ألقوا ) بكل استهانة واستخفاف بأسلوبهم ، في عملية إيحاء بأنه يواجه الموقف بثقة PageV10P207 # عظيمة بالنصر لا حد لها ، وهي الثقة بالله القادر على أن يبطل كل كيدهم ~~ومكرهم. # ( @QUR@05 فلما ألقوا سحروا أعين الناس ) لأن السحر لا يحمل في مدلوله ~~قدرة لتغيير الأشياء ، وتحويلها عن حقيقتها ، والتأثير بها بطريقة فعلية ، ~~بل هو مجرد تخييل وتمويه ولعب على أعين الناس ، بما يملكونه من دقة وفن ~~يأخذ بالعيون ويدعو إلى الدهشة ويبعث على الخوف ... ( @QUR@01 واسترهبوهم ) ~~من خلال ما أظهروه من ألاعيب تحويل العصي إلى ثعابين خيل لموسى وللناس أنها ~~تسعى. ( @QUR@03 وجاؤ بسحر عظيم ) فقد كانوا يملكون المقدرة الكبيرة في فن ~~السحر. ووقف موسى ينتظر أمر ربه ، لأنه لا يملك المعرفة بالسحر ليقابلهم ~~سحرا بسحر ، ولا يملك القدرة الذاتية على المعجزة ليبطل السحر بالمعجزة ، ~~وكان يعرف أن الله سينصره ، لأن وقفة التحدي هذه لم تكن وقفته الذاتية التي ~~يربح فيها الجولة كشخص ، أو يخسرها كشخص ، ولكنها كانت وقفة الرسالة التي ~~تريد فرض نفسها على الساحة كقوة جديدة تملك أن تتحدى جبروت فرعون وطغيانه ، ~~لتمنح الناس القدرة على الاختيار بينها وبين فرعون ، ثم لتعطيهم قوة حسم ~~الموقف بالوقوف مع موسى من أجل الرسالة ، لأن المسحوقين لا يتحركون بمواجهة ~~القوة الطاغية ، إلا استنادا إلى قوة جديدة تمنحهم إرادة القوة كما توحي ~~لهم بالهدى والإيمان ... # * * * ### ||| ** عصا موسى عليه السلام تلقف إفك السحرة # وجاء أمر الله ، وتمت كلمته ( @QUR@07 * وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ) ~~فألقاها في استجابة خاشعة لأمر الله ، وثقة بالنتيجة الإيجابية المنتصرة ~~الحاسمة ، ( @QUR@05 فإذا هي تلقف ما يأفكون ) وتتناول كل هذه العصي التي ~~أرادوا أن يصرفوا وجوه PageV10P208 # الناس بسحرها عن الحق ، ويقودوهم إلى الباطل. ولم يشعر ms2473 الناس إلا بالعصا ~~وهي تتحول إلى ثعبان عظيم ، يوحي بالحقيقة المرعبة المتحدية الكامنة في ~~عينيه ، وفي حركته الهجومية على كل تلك الدمى الفارغة من أشكال الثعابين ~~... ( @QUR@06 فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ) لأن ما جاء به موسى هو ~~الحق ؛ أما السحر فإنه الباطل الذي ينهزم بسهولة ، لأنه لا يمثل شيئا من ~~القوة الحقيقية للأشياء. وكانت الغلبة للرسالة في موقف موسى ، بينما وقف ~~فرعون في موقف المهزوم من خلال هزيمة السحرة. # ( @QUR@04 فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين )، وتحطم كل ذلك الجبروت وتحول ~~إلى كيان ذليل صاغر أمام الحقيقة القوية الصارخة ، ووقف السحرة في موقف ~~التأمل والتفكير. ولم يطل بهم الموقف كثيرا ، فما كان منهم إلا أن آمنوا ~~بموسى عند ما ألقى عصاه ، ووجدوا أن ذلك ليس في مستوى السحر بل هو شيء فوق ~~ذلك كله ، مما لم يألفوه ولم يعرفوه في كل ما شاهدوه وعرفوه من أساليب ~~السحر ، فعرفوا أن ذلك كله من الله سبحانه لا من موسى ، وهذا ما جعل دعوته ~~في مستوى دعوات الأنبياء الذين يتميزون بقدرات غير عادية ، في ما يقومون به ~~من معاجز ، وما يقدمونه من آيات ، فانفتحوا على الإيمان بكل قوة وابتهال وخشوع. # * * * ### ||| ** السحرة يستجيبون لدعوة موسى عليه السلام # ( @QUR@07 وألقي السحرة ساجدين* قالوا آمنا برب العالمين ) وأعلنوا ~~إيمانهم بطريقة لا تقبل الشك ، وأكدوا ذلك بالانتماء إلى خط الرسالة التي ~~يحملها موسى وهرون ، في ما تعنيه كلمة ( @QUR@03 رب موسى وهارون ) من معاني ~~الارتباط بالله من خلالهما باعتبار دعوتهما إليه. PageV10P209 # وهال هذا الأمر فرعون وأسقط في يده ، واعتبرها مؤامرة مدبرة في الخفاء ~~ضده ، ورفض أن يصدق أن القضية قضية إيمان صادق ينبعث من الحجة الواضحة ~~والبرهان القوي ، تماما ككثير من الطغاة الذين لا يريدون أن يعترفوا ~~بالاستجابات الشعبية لقوى التغيير ، من حيث خروجها من واقع الإحساس العميق ~~بالحاجة إلى التغيير ، والخروج من واقع الظلم والطغيان ، فيندفعون إلى ~~التفتيش عن أسباب ظاهرة التمرد عليهم وعلى حكمهم ، في مؤامرات شخصية يحركها ~~أعداؤهم. ( @QUR@08 قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ) إنه ينكر ms2474 عليهم أن ~~يؤمنوا قبل أن يأذن لهم ، كأن عملية الإيمان تحتاج إلى الإذن الفرعوني ، ~~كما يحتاج إليها أي عمل آخر يتعلق بقضايا الإدارة والحياة ... وتلك هي ~~عقلية الطغاة وسيرتهم في كل زمان ومكان ، عند ما يريدون امتلاك عقول الناس ~~وأفكارهم ، فلا يفكرون إلا بما يقدمونه لهم من أفكار ، ولا يؤمنون إلا بما ~~يدعونهم إليه من عقيدة. فالتفكير ممنوع ، والإيمان محرم بدون الإذن الرسمي ~~من قبل السلطة التي تملك العقول كما يخيل لها كما تملك الأجسام والأعمال. # * * * ### ||| ** فرعون يصر على كفره ويتوعد السحرة # ( @QUR@011 إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف ~~تعلمون ). وهذه محاولة لتخفيف وقع الصدمة على نفسه ، وحراجة الموقف فيها ، ~~لأن ما حدث يشكل نقطة ضعف في سلطانه ، باعتبار أن المتمردين من أتباعه ~~المقربين ، فيحاول أن يصور لنفسه وللآخرين أن القضية منذ البداية لم تكن ~~تمردا عميقا يصدر عن قناعة بالدعوة الجديدة ، أو رفضا للسلطة القديمة بكل ~~ما تمثله من أفكار ، بل كانت مؤامرة مدبرة بين موسى وبين هؤلاء السحرة ، PageV10P210 # باعتبار أنه أستاذهم الكبير الذي علمهم السحر كما في آيات أخرى فأرادهم ~~أن يقوموا بهذه التمثيلية ، لإظهاره في موقف المنتصر في مقابل فرعون الذي ~~يقف في موقف المهزوم. فبدأ عملية التهديد والوعيد ( @QUR@08 لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ). وبدأت عملية حرب الأعصاب بالتهديد ~~بالعذاب وقطع الأيدي والأرجل والصلب ليتراجعوا ، فلم يتراجعوا ، وواجهوه ~~بالإيمان القوي الصامد الذي لا يتزلزل ، ولا ينهار ، ولا يتراجع أمام كل ~~أساليب التهويل والتهديد ، وكان الموقف من أسمى المواقف التي تجسد الثبات ~~على العقيدة أمام قوى الكفر والطغيان حتى الموت. # * * * ### ||| ** السحرة التائبون يسألون الله الصبر # ( @QUR@05 قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ) ماذا تريد أن تفعل؟ هل هناك أكثر ~~من الموت؟ وماذا في الموت ، وماذا بعده؟ إننا سننقلب إلى ربنا وسنرجع إليه ~~، وسنجد عنده كل رحمة ومغفرة ورضوان ، وسيدخلنا الله جنته حيث السعادة كل ~~السعادة ، والرضا كل الرضا ، وبذلك فإن التهديد لا يمكن أن يمثل أي ضغط ~~نفسي أو مادي لحساب التراجع ، فنحن لن ms2475 نتراجع أبدا ، لأننا لا نشعر بالسقوط ~~أمام ذلك كله. ( @QUR@010 وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ~~). وماذا فعلنا حتى تواجهنا بهذه المواجهة القاسية؟ ولماذا تنقم علينا؟ هل ~~هناك شيء سوى أننا آمنا بآيات ربنا عند ما جاءتنا بالحقيقة الواضحة ~~الناصعة؟! وهل الإذعان للحق الواضح الصريح جريمة يستحق الإنسان العقاب ~~عليها؟! أي معنى لذلك كله ، سوى أن الطغاة يخافون من حركة الإيمان في أفكار ~~الناس ، قبل أن يخافوا من حركته في حياتهم؟! لأنهم يعرفون جيدا ما معنى ~~الصدق في الإيمان ، وكيف يتحول إلى صدق في الموقف أمام كل تحديات الحياة PageV10P211 # وأوضاعها السلبية. # وعادوا بعد ذلك إلى الله في روح خاشعة مبتهلة في دعاء حار عميق ، ليعينهم ~~على مواجهة الموقف بالصلابة الإيمانية القوية التي لا تتزعزع ولا تتزلزل ~~ولا تنهار ، حذرا من أن تسيطر عليهم بعض نوازع النفس الأمارة بالسوء ، التي ~~تمنيهم السلامة ، وتحذرهم من الهلاك ، فتدفعهم إلى تقديم التنازلات من غير ~~أساس : ( @QUR@04 ربنا أفرغ علينا صبرا )، واملأ به قلوبنا وعقولنا ~~ومشاعرنا وخطواتنا ، لئلا نستسلم لنقاط الضعف الكامنة في أعماقنا. ( ~~@QUR@02 وتوفنا مسلمين ) حتى لا نضعف في حالة شدة ، ولا نهتز في موقف زلزال ~~، بل تبقى لنا قوة الإيمان حية نابضة حتى نلاقيك في إسلام القلب والوجه ~~واليد واللسان. # إنه الموقف الرائع والنموذج العظيم للإيمان الصامد أمام الكفر الطاغي في ~~أروع صورة للصراع الدامي بين قوى الكفر والطغيان ، وبين قوى الحق والإيمان ... # أما نحن ، فنشعر بالحاجة الكبيرة إلى أن نتمثل هذا الموقف ، في ما نواجهه ~~من تهاويل الطغاة وتهديداتهم وحجرهم على حرية الفكر الإسلامي الذي لا ~~يريدون لأصحابه أن يتحركوا فيه إلا بمقدار صالح للاستغلال ، حيث يتحول إلى ~~واجهة تحمي ما خلفها من انحرافات وأخطاء لما تضفيه عليه من قداسة الحق ~~وحصانة الإيمان. # * * * PageV10P212 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ~~ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) ~~@QUR@016 قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة ms2476 للمتقين (128) @QUR@022 قالوا أوذينا من قبل أن ~~تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ~~فينظر كيف تعملون ) (129) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أتذر ): أتدع ، أتترك. # * * * ### ||| ** موسى في حوارة مع قومه بعد تهديد فرعون # وبدأ عرش فرعون يهتز أمام هذه الصدمة العنيفة ، واستطاع موسى أن PageV10P213 # يستوعب قومه في أجواء عاطفية تثير الأمل في نفوسهم ، وتوحي بالإيمان ~~بأفكارهم. وربما بدأوا يلتفون حوله تحت تأثير تلك الأجواء ، وربما رأى قوم ~~فرعون بعضا من هذا الالتفاف العاطفي الجديد ، وربما سمعوا عنه شيئا من ~~جواسيسهم ، إن لم يكونوا قد رأوه ، وأخذوا يفكرون ماذا يفعلون بهذا التطور ~~المخيف ، وكيف يواجهونه ليقضوا عليه في بداياته الأولى؟ وكان هناك حديث ~~بينهم وبين فرعون لإثارة ضد موسى وقومه ، وقد لا يكون بحاجة إلى مثل هذه ~~الإثارة ، لأن صدمته العنيفة كانت كفيلة باستثارته على المدى الطويل. # * * * ### ||| ** منطق الطغاة من الحاكمين # ( @QUR@011 وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ) ~~؟ وذلك هو منطق الطغاة من الحاكمين في ما يثيرونه من قضايا الإصلاح ~~والإفساد ، فينظرون إلى كل عمل يدعم حكمهم أو نظامهم ، ويهيئ له سبل ~~الاستقرار والاستمرار ، على أنه من أعمال البناء والإصلاح ، وينظرون إلى أي ~~عمل ينقضه ويعمل على تغييره ، ويساهم في إثارة الأجواء ضده ، ويتحرك باتجاه ~~زلزلة قواعده وهز أركانه ، على أنه من أعمال الهدم والإفساد ... وفي ضوء ~~هذا ، كان هؤلاء القوم يعتبرون الدعوة إلى توحيد الله ، ونبذ الشرك ، ~~ومحاربة الطغيان ، والقضاء على الظلم ، وغير ذلك من المفاهيم الرسالية التي ~~يدعو إليها موسى ، ويسير عليها مع المؤمنين من قومه ، إفسادا في الأرض ، ~~لأنه إطلاق من أجل التغيير الذي لا يبقى معه أحد من أصحاب الامتيازات ~~الزائفة الظالمة ، ولا يذر أي إله في الأرض غير الله ، سواء كان فرعون ، أو ~~ما كان يعبده من آلهة وأصنام. وهذا ما أراد قومه أن ينذروه به. ( @QUR@02 ~~ويذرك وآلهتك ) في وحدة موحشة قاتلة ، ليس معك أحد من هؤلاء الذين كانوا PageV10P214 # يتبعونك ، ويتعبدون لك ولآلهتك. # وجاء المنطق الفرعوني الذي هو منطق ms2477 الطغاة ، ( @QUR@03 قال سنقتل أبناءهم ~~) فلا يبقى منهم أحد يقوى على المواجهة وحمل السلاح ، لأن الذكور هم وقود ~~الحرب عادة ، ( @QUR@02 ونستحيي نساءهم ) فنبقيهن كإماء وخدم. وماذا تغني ~~النساء شيئا لموسى ولأخيه؟ ولن يبقى هناك أحد في هذا الاتجاه ، ولن يبقى ~~إلا نحن ، نحن الأقوياء الحاكمون. ( @QUR@03 وإنا فوقهم قاهرون ) فنحن نملك ~~القوة القاهرة من السلاح والمال والملك والرجال ، فأين يكون هؤلاء ~~المستضعفون ، وكيف يمكنهم أن يثبتوا أمام كل هذه القوة ، وكل هذا الجبروت؟! # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام يحث قومه على الصبر والثبات # وربما ترك مثل هذا التهديد أثره السلبي في نفوس قوم موسى ، الذين كانوا ~~في موقع التجربة الأولى ، فلم يتصلب إيمانهم بعد ، ولم تقو عزيمتهم ، بل ~~كانوا يهتزون أمام كل وعيد ، فوقف موسى ليشد من عزمهم ، وليقوي إيمانهم ~~بالله ، وليبعث فيهم روح الصبر والثبات ، وليفتح لهم نوافذ الأمل وأبواب ~~الرجاء ... ( @QUR@06 قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا )، فإن ~~الوصول إلى الغايات التي يسعى إليها الإنسان يمر بأكثر من مرحلة ؛ ولكل ~~مرحلة مشاكلها وتحدياتها وآلامها ، فلا بد من الصبر من أجل مواجهة ذلك كله ~~، من أجل عدم الوقوع في قبضة الانفعال الذي يشل عقل الإنسان وتفكيره ، ~~ويقوده في النهاية إلى الهاوية ، فلا تتجمدوا أمام المرحلة الحاضرة ، ~~لتعتبروها خاتمة المطاف ، بل حاولوا التطلع إلى ما قبل هؤلاء الذين يحكمون ~~هذه المرحلة ويسيطرون عليها ، فهم لم يكونوا شيئا في الوجود ، ولا في ~~السلطة ، بل كان هناك قوم آخرون أورثهم الله الأرض طبقا لسننه في الكون ، ~~ومضوا كما مضى PageV10P215 # الذين من قبلهم ، وجاءت بهؤلاء إلى السلطة ظروف موضوعية هيأت لهم وراثة ~~الأرض ، وسيزولون كما زال غيرهم إن آجلا أو عاجلا ويبقى الأمر كله لله ... ~~( @QUR@08 إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) تبعا لتطور مراحل ~~التاريخ التي تنقل الحكم من جيل إلى آخر ، ومن فئة إلى أخرى ، فقد ينتصر ~~الظالمون في معركة ، وقد ينهزم المستضعفون في أخرى ... وهكذا تتحرك سنة ~~الله في الكون على أساس حكمته وتدبيره في ربط المسببات بأسبابها ، ولكنها ~~مجرد مراحل تبدأ وتنتهي دون ms2478 عمق وامتداد. # * * * ### ||| ** العاقبة للمتقين # ( @QUR@02 والعاقبة للمتقين ) الذين يجسدون إرادة الله في إصلاح أمر ~~الحياة في الحكم والشريعة والعقيدة ، على قاعدة صلبة تؤكد للإنسان مفاهيمه ~~الواسعة الثابتة ، وأوضاعه المستقيمة الهادفة ، وتتحرك التقوى في داخله ~~لتستوعب ذلك كله في خطة حكيمة ممتدة ، يحكم مراحلها الوعي والصدق والأمانة ~~والإخلاص ... وهكذا يريد الله من المؤمنين أن يعملوا على السير في خط ~~التقوى في حياتهم ، من أجل أن يجعلوا من أنفسهم القيادة الواعية الملتزمة ~~التي تتحمل الصعاب والمشاق والتحديات بروح قوية صابرة ، لأن مسألة حكم ~~الأرض ، في مواجهة التيار الكافر الضاغط ، ليست مسألة كلمات تقال ، وليست ~~انفعالا يتشنج ويصرخ ، أو عبادة تبتهل وتخشع ، ولكنها المواقف التي تفكر ~~وتتقدم وتصبر وتواجه التحديات بروح العزيمة والقوة ، وبإرادة الإيمان ~~والإخلاص الباحث دائما عن لطف الله وروحه ورضوانه في كل خطوة من خطوات ~~الطريق. # * * * PageV10P216 ### ||| ** انهزامية قوم موسى عليه السلام # ولم يكن قوم موسى قد بلغوا هذا المستوى من الوعي الذي يفهم معنى المرحلة ~~في خط الهدف ، ومعنى الصبر في الوصول إلى الغاية ، ومعنى التوكل على الله ~~في الانطلاق نحو غيب المستقبل بقوة ، فكانوا يتألمون مما يلاقونه من آلام ~~بعد أن ساروا مع موسى ، ويرون أن الحال لم يتغير ، فقد كانوا يعيشون الآلام ~~من قبل موسى ، وها هي الآلام تمتد بهم معه ، فما ذا انتفعوا به؟ فلا تزال ~~المشكلة هي المشكلة والواقع هو الواقع. ( @QUR@010 قالوا أوذينا من قبل أن ~~تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) إنه منطق الضعفاء الذين لا يعرفون معنى حركة ~~القوة في الداخل من أجل تنمية روح التحدي في الواقع ، فهم لا يتعاملون مع ~~القضايا التي يعيشونها من موقع العلاقة بالأهداف البعيدة للحياة ، بل ~~يتعاملون معها من موقع المشاعر والانفعالات في ما تختزنه من هموم وآلام. ~~إنهم يعيشون في جو الإحساس دون التفكير في مضمون المشكلة ، إذ يجب أن ~~يعرفوا أن هناك فرقا بين الإيذاء الذي يتعرض له الإنسان وهو لا يحمل قضية ، ~~فيزيده الأذى شعورا بالانسحاق ، لأنه يحجز إحساسه بالألم الذي لحق به في ~~اللحظة الحاضرة ، وبين ms2479 الإيذاء الذي يتعرض له وهو يحمل قضية ويتحرك من أجل ~~رسالة ، فيزيده الأذى شعورا بالقوة ، لأنه يضاعف معنى التحدي في مشاعره ~~وأحاسيسه في عملية إيمان بالقضية الكبيرة التي لا بد لها أن تستمر لتحل ~~المشكلة من جذورها بعيدا عن كل عوامل التخدير ... # * * * ### ||| ** موسى يزرع الأمل في قلوب قومه # ولهذا ، فإن مثل هذا الاتجاه لا يرتاح لعملية التهدئة ، بل ينطلق دائما في PageV10P217 # أجواء التثوير ، لأن المسألة ليست مسألة ذات تريد أن تستريح ، بل هي ~~مسألة أمة تريد أن تتحرر وتتقدم ، ومسألة واقع يريد أن يتغير ، وهذا ما ~~أراد موسى أن يثيره في الانفتاح على الله في أوقات الشدة ، وفي الثقة بوعده ~~في حالات الضيق ، فذلك هو الذي يجدد في الإنسان روح القوة ، ويبعث في روحه ~~معنى الأمل ... ( @QUR@06 قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ) كما أهلك الطغاة من ~~قبله بالطريقة المباشرة أو غير المباشرة ، فقد أعد الله للطغاة مصيرا لا ~~يستطيعون الهروب منه ، ولكن لكل شيء وقتا لا يتعداه تبعا لما أودعه الله في ~~حركة الحياة من أسرار حكمته ، فليكن أملنا بالله كبيرا ، ونحن نعمل في سبيل ~~تهيئة الظروف التي تتحقق فيها إرادته بالنصر. # ( @QUR@03 ويستخلفكم في الأرض )، فقد وعد الله المستضعفين أن يستخلفهم ~~في الأرض ، والله لا يخلف وعده ، ولكن قضية الاستخلاف في الأرض ليست ~~امتيازا لأحد ، بل هي المسؤولية الواعية من أجل تغيير الواقع على الأسس ~~الإيمانية التي تصلح أمر البلاد والعباد ، بعيدا عن الأسس الاستكبارية ~~الكافرة التي تفسد الحياة كلها بخطط الكفر والضلال ، ولهذا فإن المسألة ~~تعيش في نطاق الامتحان والاختبار ، لما تحملون من عقيدة ، ولما تعيشونه من ~~مفاهيم ، ولما تتحركون به من خطط وأهداف ، ليعرف الصادقون من الكاذبين ، ~~والمخلصون من المنافقين ... ( @QUR@03 فينظر كيف تعملون ) في ما تمارسونه ~~في خلافتكم على مستوى الحكم في إدارة شؤون الناس والحياة ... وتلك هي قصة ~~الحكم في المفهوم الديني للإنسان ؛ إنها قصة التغيير ، وتحويل المسيرة من ~~خط الظلم إلى خط العدل ، ومن شريعة الكفر إلى شريعة الإيمان ، وليست عملية ~~تبديل أسماء وتغيير واجهات ، لنبرر ms2480 الظلم باسم العدل ، وننطلق مع الكفر ~~باسم الإيمان. # * * * PageV10P218 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ~~(130) @QUR@022 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا ~~بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) ~~@QUR@012 وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ~~(132) @QUR@013 فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) @QUR@023 ولما وقع عليهم الرجز ~~قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ~~ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) @QUR@011 فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بالغوه إذا هم ينكثون (135) @QUR@011 فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) @QUR@029 وأورثنا القوم ~~الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما ~~كانوا يعرشون ) (137) # * * * PageV10P219 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أخذنا ): الأخذ هو التناول باليد ، والمراد به هنا الابتلاء. # ( @QUR@01 بالسنين ): السنون جمع سنة ، وهي القحط والجدب ، وكان أصله ~~سنة القحط ، ثم قيل السنة إشارة إليها ، ثم كثر الاستعمال حتى تعينت السنة ~~لمعنى القحط والجدب (1). # ( @QUR@01 يطيروا ): يتشاءموا. # ( @QUR@01 طائرهم ): نصيبهم الذي قدر لهم. # ( @QUR@01 الطوفان ): السيل الذي يعم بتغريقه الأرض. # ( @QUR@01 والقمل ): كبار القردان. # ( @QUR@01 الرجز ): أصله الانحراف عن الحق ، وقد أريد به العذاب هنا ~~باعتبار أنه مسبب عنه ، من # إطلاق السبب على المسبب. # ( @QUR@01 ينكثون ): ينقضون العهد. # ( @QUR@01 اليم ): البحر. # ( @QUR@01 غافلين )؛ الغفلة : حال تعتري النفس تنافي الفطنة واليقظة. # ( @QUR@01 يعرشون ): يبنون. # * * * PageV10P220 ### ||| ** نهاية فرعون # وجاء العذاب الذي يمثل بداية النهاية لفرعون وقومه ، ويفتح المجال لبداية ~~أخرى في اتجاه معاكس وهي انتصار موسى وقومه ، فكيف كانت البداية؟ ( @QUR@08 ~~ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات )، وهي كناية عن الجدب الذي ~~يتوالى في كل سنة ، أو يتنوع ضعفا وقوة بين سنة وأخرى ، مما يربك الوضع ~~الاقتصادي على مستوى التغذية والتنمية ، ويضعف بالتالي قدرة الحكم على ~~مواجهة المشاكل بطريقة سهلة عملية ، ويؤدي إلى ضعف السلطة وعدم الثقة بها ، ~~ويدفع ms2481 الناس الذين يعيشون مشاكل الجدب في الزراعة والنقص في الثمرات ، ~~للجوء الى الله في رفع ذلك عنهم وإنقاذهم منه ، لأن قضايا الخصب والجدب لا ~~تخضع دائما للأسباب العادية التي يملك الناس أمر التحكم فيها سلبا وإيجابا. # وقد لا يكون من الضروري أن يكون هذا البلاء عقابا مباشرا لهؤلاء بالمعنى ~~الغيبي للعقاب ، فقد يكون الأمر خاضعا لأوضاع طبيعية كونية ، ولكن الله ~~سبحانه يريد لعباده في هذه الأمور أن يرجعوا إليه ، ويلجأوا إلى رحمته ، ~~ويعرفوا بأن الله القادر على أخذ الناس بهذا البلاء من خلال قوانينه وسننه ~~، هو القادر على إنقاذهم من ذلك بقوانينه وسننه ، في ما يعرفه الناس منها ~~مما أعطاهم سر معرفته ، وفي ما لم يعرفه الناس مما اختص الله بعلمه. ( ~~@QUR@02 لعلهم يذكرون )، فيتراجعون عن تمردهم وعتوهم واستكبارهم ، ~~وينسجمون مع نداء رسله للسير على خط رسالاته الداعية إلى عبادته وحده في كل ~~مجالات الحياة الخاصة والعامة ، ولكنهم لم يتذكروا ، بل كانوا يواجهون ~~الموضوع بطريقة أخرى. # ( @QUR@06 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ) ونحن مستحقون لها لكرامتنا PageV10P221 # على الله ، ( @QUR@07 وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) فيعتبرونه ~~مصدر الشؤم ، في ما يتشاءم به الناس من الأشخاص والأوضاع ، ولكن الله يرد ~~عليهم هذا المنطق ( @QUR@05 ألا إنما طائرهم عند الله ) فهو الذي أنزل ~~عليهم ذلك كله ، وهو الذي ترجع إليه أمور العافية والبلاء ( @QUR@04 ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون ) لأنهم في غفلة عن آفاق العقيدة الإلهية ، في أفكارها ~~وإيحاءاتها وامتداداتها في قضايا الإنسان والحياة ، فلا يعرفون كيف يخضع ~~الكون كله لإرادة الله في كل شيء ، فلا مغلق لما فتح ولا فاتح لما أغلق ، ~~ولا راد لما أعطى ... ووقفوا أمامه وقفة المتحدي الذي يرفض كل آية للإيمان ~~، مهما بلغت من القوة في الحجة والبرهان ، ( @QUR@012 وقالوا مهما تأتنا به ~~من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ). وهكذا أعطوا الآيات التي قدمها ~~إليهم صفة السحر ، لأنهم كانوا يبحثون عن مبرر للكفر وللتمرد ، تماما كما ~~هو شأن القوى المستكبرة في كل زمان ومكان ، عند ما تحاول ضرب كل داعية ms2482 للحق ~~وللعدل ، أو تشوية صورته أمام الناس ؛ فتلصق به أو بدعوته بعض الصفات ~~السلبية التي توحي بالمعاني المتخلفة البعيدة عن كل خير وصلاح ، ليكون ذلك ~~مبررا لهم للوقوف ضده بكل ما يملكون من قوة البغي والعدوان. # * * * ### ||| ** الطوفان أول العقاب # ( @QUR@03 فأرسلنا عليهم الطوفان ) فأغرق كل شيء من الزرع والماشية ~~وغيرهما ( @QUR@01 والجراد ) الذي أكل كل ثمراتهم ( @QUR@01 والقمل ) بضم ~~القاف وتشديد الميم ، وهي دواب صغار كالقردان تركب البعير الهزيل ، وبفتح ~~القاف وتخفيف الميم وهي الحشرة المعروفة وكلاهما ينزل البلاء والوباء ... ( ~~@QUR@01 والضفادع ) التي يقال إنها كانت تظهر في طعامهم وشرابهم فتنغص ~~عليهم حياتهم ، ( @QUR@01 والدم ) PageV10P222 # فقد تحول الماء عندهم إلى دم كما يقال وقيل إنهم أصيبوا بمرض الرعاف. ( ~~@QUR@02 آيات مفصلات ) تنذرهم وتعطيهم فكرة عن سخط الله وعقابه. ( @QUR@01 ~~فاستكبروا ) على الله ورسوله ، في ما يعيشونه من مشاعر الكبرياء والجبروت ( ~~@QUR@03 وكانوا قوما مجرمين ) فقد تأصلت الجريمة في أفكارهم ومشاعرهم ~~فمنعتهم من الخضوع لأوامر الله ونواهيه. # * * * ### ||| ** الطغاة يعاهدون موسى على الإيمان وينكثون # ( @QUR@04 ولما وقع عليهم الرجز ) وضاق الأمر بهم ، ولم يجدوا مجالا ~~للاستمرار في ما هم فيه ، وعرفوا أن الله هو الذي أنزل عليهم ذلك كله عقابا ~~لهم على أعمالهم ، فلجئوا إلى موسى يتوسلون إليه أن يدعو ربه ليكشف عنهم ~~العذاب ، وعاهدوه على الإيمان وإرسال قومه معه ، ( @QUR@09 قالوا يا موسى ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك ) من كرامته ورحمته ولطفه ، ( @QUR@04 لئن كشفت ~~عنا الرجز ) ببركة دعائك ( @QUR@06 لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ) ~~فيتحقق لك ما تريد من الإيمان الشامل برسالتك ، ومن تحرير قومك من العبودية ~~والاضطهاد ... وأراد الله أن يعطيهم فرصة للتصحيح ، أو يظهر كذبهم ~~وانحرافهم. # ( @QUR@08 فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ) فلم يتعهد الله لهم ~~برفع العذاب إلى ما لا نهاية ، فرفعه إلى وقت ما ، لينظر كيف يعملون. # ( @QUR@03 إذا هم ينكثون ) عهدهم وينقضونه ؛ فكان الحسم الأخير ، وكانت ~~النهاية. ( @QUR@05 فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ) البحر ( @QUR@06 ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين )، فكان ذلك سبب عذابهم ، وهذا هو ~~جزاء الذين لا يمنحون أنفسهم PageV10P223 # وعي الحقيقة ، بل يعيشون ms2483 في حالة استرخاء وغفلة ، فينتهي بهم ذلك إلى ~~الكفر والضلال. # * * * ### ||| ** المستضعفون يرثون مشارق الأرض ومغاربها # وانتهى دور فرعون ، ( @QUR@05 وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ) وهم ~~قوم موسى ( @QUR@06 مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ) ولعلها الأرض ~~المقدسة ( @QUR@04 وتمت كلمت ربك الحسنى ) في رحمته ولطفه وإحسانه ( ~~@QUR@05 على بني إسرائيل بما صبروا ) على الاضطهاد والاستعباد ، فلم يهزم ~~ذلك موقفهم ، ( @QUR@06 ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ) من طغيان ومشاريع ~~للسيطرة وللاستعباد ، ( @QUR@03 وما كانوا يعرشون ) من بناء وزروع وكروم ~~... وجاء دور بني إسرائيل ، فكيف واجهوا الموقف في الأجواء الجديدة التي ~~عاشوا فيها مع موسى؟ وكيف كانت طاعتهم لموسى؟ # * * * PageV10P224 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) ~~@QUR@010 إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) @QUR@09 قال ~~أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) @QUR@018 وإذ أنجيناكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم ) (141) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وجاوزنا )؛ المجاوزة : الإخراج عن الحد. وجاز الوادي : قطعه ~~وخلفه وراءه. # ( @QUR@03 يعكفون على أصنام ): يواظبون عليها ويلزمونها. ومنه الاعتكاف ~~، وهو لزوم المسجد للعبادة فيه. PageV10P225 # ( @QUR@01 متبر ): من التبار ، وهو الهلاك والدمار. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام في نظر بني إسرائيل # ( @QUR@04 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) ليبدأوا حياة جديدة ، يبتعدون ~~فيها عن الأجواء الفاسدة التي كانوا يتنفسون فيها الذل والعبودية والقهر ~~والاستغلال ، ويعيشون الكفر والضلال والعصيان ، وقد شاهدوا المعجزة الكبرى ~~في انفلاق البحر بضربة عصا موسى ، وكيف جعل منه اثني عشر طريقا يبسا ، وكيف ~~انطبق البحر على فرعون وجنوده حتى غرقوا عن آخرهم ، وكيف وصلوا إلى الشاطئ ~~الثاني من البحر سالمين بعد أن تخلصوا من ذلك الكابوس الجاثم على صدورهم ~~مدة طويلة ، فهل استوعبوا ذلك كله ، فعمقوا إيمانهم ، وانفتحوا على عبادة ~~الإله الواحد ، وأغلقوا قلوبهم عن كل شيء غيره من آلهة الحجر والبشر الذين ~~يعبدهم فريق من الناس من دون الله؟ والظاهر أنهم لم يستوعبوا ذلك كله ، فلم ~~تكن رحلتهم ms2484 مع موسى رحلة إيمان يبحث عن الحقيقة ، بل كانت رحلة اضطهاد يبحث ~~عن الخلاص. كان الإيمان مجرد واجهة ، وكانت الرسالة مجرد وسيلة للوصول إلى ~~الحرية. وكان موسى نبيا ، ولكنهم كانوا يتحركون معه من موقع القائد الذي ~~يريدونه أن يربح المعركة ضد العدو ، لا من موقع الرسول الذي يريد أن يحقق ~~من خلالهم في الانتصار على العدو المتأله الطاغي أهداف رسالته في تغيير ~~الحياة والإنسان على أساس وحي الله. # * * * PageV10P226 ### ||| ** بنو إسرائيل يسألون موسى أن يجعل لهم أصناما # كانوا يشعرون في ما يبدو أن النبوة سلاح في المعركة ضد فرعون ، لا حقيقة ~~إلهية في الحياة ضد كل ما هو زيف في الفكر وفي الواقع ، وهذا ما واجهه موسى ~~في بداية التجربة الأولى في الأجواء الجديدة ، حيث استيقظت كل رواسب ~~الصنمية في الأعماق ، وبدأت تتحرك على السطح لتتحول إلى نداء متوسل إلى ~~موسى في القيام بصناعة أصنام لهم لتكون آلهة يعبدونها ، كما للآخرين آلهة ~~.. ( @QUR@07 فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ) فيقبلون عليها ~~ويلازمونها في عبادة وابتهال وخشوع ، فأحسوا بالحرمان الذي يحس به كل من ~~يفقد شيئا يملكه الآخرون. # ( @QUR@06 قالوا يا موسى اجعل لنا إلها ) على شكل آلهة هؤلاء ، فقد ~~ابتعدنا عن مصر وعن معابد الآلهة التي اعتدنا العبادة فيها للأصنام ، فكيف ~~لا يكون لنا آلهة ( @QUR@03 كما لهم آلهة )؟! إننا نتوسل إليك أن تنقذنا ~~من هذا الحرمان الروحي ، كما أنقذتنا من ظلم فرعون؟ وتلك هي الروحية التي ~~كانت تحكم طريقتهم في التفكير ، وآفاقهم في الإحساس ، وخطواتهم في الممارسة ~~... وشعر موسى بالمرارة ، ولكنها ليست مرارة الخيبة التي تقود إلى الإحباط ~~وتدفع إلى اليأس ، بل هي مرارة الرسول الذي يشعر بأن ما تحتاجه المرحلة من ~~جهد وتوعية وتربية لا زال كبيرا ، لأن القوم لم يأخذوا قضية الإيمان كقضية ~~للفكر وللحياة ، بل أخذوها كوسيلة للخلاص من العبودية ، فإن التاريخ الطويل ~~الذي عاشوه في أجواء الظلم والطغيان والشرك ، قد ترك تأثيره الكبير على ~~الملامح الداخلية والخارجية لشخصيتهم ، مما يقتضي وضع خطة جديدة ، تختلف في ~~وسائلها ، وتتنوع في ms2485 أساليبها وأشكالها. # * * * PageV10P227 ### ||| ** موسى عليه السلام وجهالة قومه # ( @QUR@04 قال إنكم قوم تجهلون )، لأنكم لم تعرفوا حقيقة الألوهية في ~~معناها المطلق ، من حيث إن الله يخلق كل شيء ، ويحيط بكل شيء ، وليس كمثله ~~شيء ، وليس بينه وبين أحد من عباده قرابة ليكون واسطة بينه وبينه ، فلا ~~معنى لأن يعبد أحد أحدا ليقربه إلى الله زلفى ، لأن العمل المتحرك في خط ~~الإيمان ، هو الذي يقرب العبد من ربه ، وبذلك لا معنى لإعطاء هذه التماثيل ~~الحجرية والخشبية والذهبية والنحاسية والفضية معنى الألوهة ، فهي مخلوقة ~~لله بمادتها ، ومصنوعة للإنسان بشكلها ، فكيف تحمل سر الألوهة؟ ومن أين ~~تحصل على القوة والقدرة؟ إنه الجهل والغفلة والسذاجة ، ذلكم هو عذركم في ~~هذا العرض وفي هذا التمني الأخرق. إنكم تتمنون أن تكونوا كهؤلاء تعبدون مثل ~~ما يعبدون ، ولكن هل عرفتم مستوى هؤلاء وقيمتهم في ما يفكرون ويعملون؟ # ( @QUR@06 إن هؤلاء متبر ما هم فيه ) فإن واقعهم الذي يتخبطون فيه يسير ~~بهم إلى الهلاك والدمار ، لأنهم يفقدون القاعدة الفكرية والروحية التي تركز ~~لهم منهج الحياة الشامل الواسع ، الذي يحرك طاقاتهم في الآفاق الرحبة للكون ~~، فيشعرون معه بالحكمة التي تحكم الحياة وتدبرها في ظل نظام دقيق تلتقي فيه ~~حركة الكون بحركة الإنسان. وإذا تحرك الإنسان دون قاعدة ثابتة ، ودون منهج ~~متكامل ، يبقى في مهب الرياح ، فلا يسكن إلى ملجأ ولا يستريح إلى أرض ، ~~وربما ترميه الرياح الهوجاء في هاوية سحيقة ، حيث الهلاك والدمار في الدنيا ~~والآخرة ... ( @QUR@04 وباطل ما كانوا يعملون ) لأنهم لا يرتكزون في عملهم ~~هذا على حجة. وتلك هي قصة الحق والباطل ، فللحق سلطانه من خلال قوة العناصر ~~الفكرية والعملية التي تدعم مضمونه ، وللباطل أهواؤه وشهواته التي تفقده PageV10P228 # الثبات ، وتجعله في قبضة الاهتزاز الدائم ، تبعا لاختلاف الأهواء ~~والشهوات التي لا تشتعل إلا لتتبخر في الهواء ، كما الزبد الذي يذهب جفاء ~~ولا يبقى منه شيء ينفع الناس. وهذا ما أراد موسى أن يعمقه في ذواتهم من ~~أسلوب الإنكار على هذه الرؤية المظلمة للأشياء ، ليدرسوا واقعهم المستقبلي ~~في نتائجه السلبية ، على هدى واقع ms2486 هؤلاء في النتائج السلبية الحاضرة. # ثم عاد ليربطهم بالله من خلال النعمة ، ( @QUR@09 قال أغير الله أبغيكم ~~إلها وهو فضلكم على العالمين )، في ما منحكم من نعمه الكثيرة ، وما ميزكم ~~به على فرعون وقومه من اختصاصكم برحمته وبآياته وبغير ذلك من نعم كبيرة في ~~كل مجالات حياتكم ... إنه تفضيل النعمة التي يختص الله بها بعض عباده لحكمة ~~هناك ، لا تفضيل القيمة التي يرفع بها بعض عباده على بعض درجات في قربهم ~~منه ومن رضوانه ورحمته ، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير سورة البقرة. إنه ~~يذكرهم بهذه النعم ليفكروا ويقارنوا ، ليأخذوا النتيجة الحاسمة ، وهي أن لا ~~شيء غير الله يمكن أن يعطي الإنسان أية نعمة في حياته ، لأنه لا يملك حتى ~~لنفسه نفعا ولا ضرا. # * * * ### ||| ** موسى يذكر قومه بنعم الله عليهم # ( @QUR@018 وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ). هل فكرتم في هذه النعمة ~~العظيمة ، وهي نعمة الحرية التي عدتم بها أحرارا ، تملكون تفكيركم وإرادتكم ~~وحركتكم في الحياة بعد أن كنتم عبيدا لآل فرعون يمارسون ضدكم كل ألوان ~~العذاب القاسي ، فيقتلون كل مولود ذكر يولد لكم ، ويبقون نساءكم إماء لهم ، ~~وهذا هو البلاء العظيم الذي أنقذكم منه ، بطريقة معجزة غير عادية. PageV10P229 # فهل يملك غير الله ، من آلهة هؤلاء ، أو من الآلهة التي تريدون صنعها ، ~~أن ينقذكم من ذلك؟! فكروا جيدا وستعلمون ما معنى أن يكون الإنسان مؤمنا ~~بالله الواحد الذي لا شريك له ، وستكتشفون أنكم كنتم تقولون ما لا تعلمون ~~وما لا تعقلون. # * * * ### ||| ** وقفة تأملية أمام هذه الآيات # ما معنى هذا الطلب من هؤلاء الذين جاهد موسى ليحررهم من فرعون على أساس ~~رسالة الله وكلمة التوحيد ، ليكونوا القاعدة القوية لحركة الرسالة الممتدة ~~نحو تحرير المجتمع كله؟! فنحن نعلم أن جهاد موسى لم يندفع من موقع عائلي أو ~~قومي ، بل ارتكز على الموقع الرسالي الذي يجد في المستضعفين قوة صالحة ~~للتحرك ، ويجد إلى جانب ذلك في بني إسرائيل آنذاك ، جماعة قريبة الصلة ~~بالإيمان ms2487 ، وبما يمثله من قيم ، لأنهم يشكلون الطرف المضطهد المعارض ~~للعقلية الفرعونية وما تمثله من انحراف. # ومن هنا نعرف مأساة موسى مع قومه ، ومدى ما كان يحسه من خيبة الأمل ، بعد ~~الصراع العنيف الذي خاضه ضد فرعون ، والمواقف الهائلة التي واجهها ، من ~~ملاحقة القوم الكافرين له ، ومن خوضه البحر ببني إسرائيل في معجزة إلهية ~~عظيمة ، فأي طلب هو هذا الطلب؟! فأين الرسالة ، وأين التوحيد؟ وماذا عن إله ~~موسى الذي كانت الدعوة إلى توحيده سببا في كل ما حدث؟ ألم تكن تلك المعجزات ~~والخوارق كافية لتركيز هذا الإيمان ، كما آمن السحرة في موقف التضحية ~~الرائعة من أجل إعلاء كلمة الله ، والانسجام مع رسالته؟ PageV10P230 # ليس هناك تفسير لهذا الطلب إلا أنه تعبير عن الطفولة الفكرية التي ~~يعيشونها ، فربما لم يشاهد قوم موسى الأصنام الحجرية في بلادهم من قبل ، ~~حتى إذا شاهدوها كانت الصورة مشوقة لهم في أن يكون لهم إله يلمسونه ويرونه ~~في لعبة عبادية حالمة ، أو أنهم تذكروا أصنامهم التي كانوا يعبدونها في ظل ~~فرعون ، عند ما رأوا أصنام الآخرين. # ولم يفقد موسى هدوء الرسول ، فقد كان مزاج الرسالة هو الذي يحدد له ~~مشاعره ، لا مزاج الإنسان العادي ، فكان جوابه مزيجا من عنف الحكم على عبدة ~~الأصنام بالهلاك والضلال وبطلان العقيدة والعبادة ، ومن العقاب المرير ~~لقومه ، والتذكير بفضل الله عليهم ، حيث أخرجهم من ظلمة الاضطهاد والعبودية ~~إلى نور الطمأنينة والحرية ، والإعلان لهم بأن قضية الإله ليست موضوعا ~~يمارس فيه الإنسان دوره في الاختيار والتغيير والتبديل ، بل هو الحقيقة ~~التي تهز أعماق الإنسان وتنير حياته ، لتفرض نفسها في وعيه ووعي الكون كله. # * * * ### ||| ** استيحاء الفكرة في الحاضر # ولعلنا نجد في بعض مجتمعاتنا الإسلامية ما يشابه هذه الطفولة الفكرية ، ~~ولكن في مجال آخر ، فقد يكتشف بعض الناس من الحاكمين أو المحكومين ، تقليعة ~~جديدة من تقاليع الكفر والضلال ، أو شكلا معينا من أشكال الحياة ، أو ~~تفكيرا خاصا مطروحا في الساحة الفكرية ، من قبل تيارات الشرق والغرب ، ~~فيواجهونه ، كما يواجه الإنسان الأشياء الجديدة في حياته ، بالإعجاب ~~والدهشة ms2488 والتمني الطفولي باقتناء مثله أو احتذائه ، لا لشيء إلا للشعور ~~بالغيرة ، أو حب PageV10P231 # التقليد والمحاكاة ومشاركة الآخرين أوضاعهم وأفعالهم ، مما يسبب وقوعهم ~~في كثير من الأخطاء والانحرافات والارتباكات في حياتهم العامة والخاصة ، ~~عند ما تتحول إلى قطع منفصلة ترتبط كل قطعة منها بفكرة تختلف في جذورها ~~ومعطياتها وأشكالها عن فكرة أخرى ، فيتحول الإنسان إلى مسخ مشوه ، وتضيع ~~الشخصية لتتوزع بين عدة شخصيات متنوعة في الشكل والجوهر ، كما نشاهد ذلك في ~~واقع المجتمعات الإسلامية التي تفكر على أساس إسلامي في بعض جوانب الحياة ، ~~وتفكر على قاعدة غير إسلامية في جانب آخر ، فتختلف ممارساتها العملية في ~~السلوك الاجتماعي عن ممارساتها في السلوك الاقتصادي والسياسي أو غير ذلك ، ~~انطلاقا من عقلية بني إسرائيل ، التي تجعلهم يتوجهون إلى قادتهم بأسلوب ~~التمني أو الضغط ، في أن يجعلوا لهم تخطيطا يشابه تخطيط الآخرين ، وسلوكا ~~يماشي طريقتهم في السلوك ، كما رأيناهم في الآيات المتقدمة يطلبون من موسى ~~أن يجعل لهم إلها كما لغيرهم آلهة ، ولكن المنطق الرسالي الذي يفرض خطأ ذلك ~~التفكير هو الذي يفرض خطأ تفكيرنا الجديد ، لأن القضية واحدة في جذورها وإن ~~اختلفت في شكلها ، فالحقيقة واحدة لا تخضع للرغبات والنوازع الذاتية ، بل ~~للظروف الواقعية الموضوعية التي شاركت في وجودها ، فهي التي تقرر أمر ~~بقائها وزوالها. # * * * PageV10P232 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين (142) @QUR@041 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني ~~أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ~~وأنا أول المؤمنين (143) @QUR@015 قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (144) @QUR@020 وكتبنا له ~~في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها سأريكم دار الفاسقين ) (145) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ميقات ): وقت معين يقرر فيه عمل من ms2489 الأعمال. PageV10P233 # ( @QUR@01 اخلفني ): كن خليفتي من بعدي. # ( @QUR@01 تجلى )؛ تجلي الشيء : ظهوره بنفسه أو بآثاره ودلائله. # ( @QUR@01 وخر ): سقط. # ( @QUR@01 صعقا ): مغشيا عليه. # * * * ### ||| ** الله يواعد موسى عليه السلام وينزل عليه الألواح # كانت مرحلة موسى حتى الآن ، مرحلة الصراع مع فرعون وقومه ، من أجل القضاء ~~على الطغيان الفرعوني الذي كان يتحرك في جو الفكر الكافر ، لإبعاد الناس عن ~~توحيد الله ، وفي جو الممارسة الظالمة لإبعاد الحياة عن ساحة الحرية والعدل ~~، وكانت معركة موسى على هذا الصعيد تتحرك في أكثر من اتجاه وتعتمد أكثر من ~~أسلوب ، فكان يؤكد على نقطتين رئيسيتين في نطاق الهدف المرحلي المعلن : ~~الدعوة إلى التوحيد المتحرك في خط العدل ، وتحرير بني إسرائيل. # ولم يكن هناك مجال في ما يبدو للحديث عن برنامج فكري وتشريعي متكامل ، ~~يحدد فيه الأهداف الكبرى للإنسان ، والمفاهيم الصحيحة لقضايا الحياة ، ~~والشريعة الكاملة الشاملة لتفاصيلها الدقيقة في حركته في الكون ، تلك ~~الشريعة التي تنظم له أعماله وأقواله ومعاملاته وعلاقاته العامة والخاصة ، ~~من أجل تنمية طاقاته الفكرية والروحية والعملية ، لتحويلها إلى قوة فاعلة ~~تتناسب مع خلافته في الأرض. واستطاعت المعركة أن تهزم الطغيان الفرعوني ، ~~وتحرر قوم موسى بقدرة الله ، وانفتح للنبي موسى أفق جديد وهو يقود بني ~~إسرائيل من أجل أن يحقق للإيمان أهدافه. فما ذا يفعل؟ وما الخطوات الفكرية ~~التي تنظم لهم خط تفكيرهم ، وتجعلهم يمثلون وحدة فكرية PageV10P234 # في ما ينطلقون به من تصورات وتحليلات للمشاكل التي تحاصرهم ، وللمفاهيم ~~التي تواجههم في آفاق الصراع ، وتنظم لهم خط حياتهم ، في ما يتحركون به من ~~مشاريع وأوضاع ووسائل وأهداف وعلاقات؟ هل يبدأ ليفكر ذاتيا في ذلك كله ، ~~لتكون الفكرة فكره الذاتي ، ولتكون الشريعة شريعته الخاصة ، كما هم ~~المصلحون الذين يتحركون من موقع شخصي في عملية الإصلاح ، فتكون الرسالة ~~رسالة بشرية لا إلهية؟ # ولكن موسى رسول من قبل الله ، وقد أعلن في بداية مواجهته لفرعون صفته ~~الرسالية ، وأنه لا يقول على الله إلا الحق ، وبذلك حدد المنطلق لمسيرته في ~~الفكر والتخطيط والتشريع. إنه ينتظر وحي الله ، ليرسم المنهج ، وليركز الخط ~~ويطلق الشريعة ms2490 ، ليكون برنامجه دين الله وشريعته ، لا دين موسى وشريعته. ~~وهكذا انتظر موسى في المرحلة الجديدة أن ينزل عليه الوحي ، وأن يفصل الله ~~له الشريعة ، وجاء وعد الله له بذلك ، وحدد له موعدا معينا ، وأخبره أن ~~الكتاب سينزل عليه جملة وتفصيلا ، وأن عليه أن يستوعبه في قلبه قبل أن ~~يكتبه في الألواح ، وأن يفكر فيه ليعرف خصوصيات القضايا من خلال الخطوط ~~العامة ، وأن يتطلع إلى آفاق الكتاب كيف تحتوي الحياة في رحابها الواسعة ، ~~ليعود إلى قومه حاملا لهم خط النظرية ، وميزان التطبيق. وعاش في هذا الجو ~~تجربة فريدة صاعقة هزت كيانه ، وعرضته لموقف صعب محرج مع الله. وهذا ما ~~نستوحيه من جولتنا في هذه الآيات. # * * * ### ||| ** الله يواعد موسى عليه السلام أربعين ليلة # ( @QUR@012 * وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة ). فقد أراد الله له أن يأتي إلى موعده معه ، ليغيب عن قومه ~~وعن حركته العادية اليومية معهم أربعين ليلة ، فكيف كانت ثلاثين ، ثم أتمها ~~الله بعشر؟ هل PageV10P235 # هو إتمام طارئ للموعد؟ وكيف ينسجم ذلك مع الله الذي لا تختلف كلمته ، ولا ~~يتخلف وعده ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا؟ الظاهر والله العالم أن المسألة لا ~~تعدو أن تكون تفصيلا تعبيريا فنيا عن الأربعين ، باعتبار أن الثلاثين تمثل ~~وحدة زمنية هي الشهر ، فتكون الليالي العشر زيادة على هذه الوحدة ، منفصلة ~~عنها في المفهوم متصلة بها في الزمن ، ولهذا جمعها في نهاية الفقرة. # * * * ### ||| ** هارون يخلف موسى في قومه # ( @QUR@07 وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي ) فلا بد لهم من أن ~~يعيشوا مع القيادة الروحية ، التي تبقي لهم الجو الروحي الذي يربطهم بالله ~~، ويذكرهم بخط الإيمان ، ويهيئ جوهم العقلي والروحي لاستقبال الكتاب الإلهي ~~في المرحلة الجديدة ، لأن ابتعادهم عن القيادة قد يبعدهم عن الأجواء ~~الإيمانية ، ويسلمهم إلى الذكريات المنحرفة ، ويدفعهم إلى العودة إلى رواسب ~~ذلك التاريخ من خلال عقلية الشرك المنفتح على الذل والعبودية في شخصياتهم ~~المسحوقة تحت وطأة الاستعباد ، فربما يحتاج هؤلاء إلى الرعاية الدائمة من ~~أجل إكمال عملية البناء الجديد ms2491 للشخصية ، بعيدا عن كل مؤثرات الشخصية ~~القديمة. # وهكذا أراد موسى لأخيه هارون أن يخلفه في قومه ، ووضع له الخط العريض خط ~~الرسالات في إدارة شؤون الإنسان والحياة ( @QUR@05 وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين ). إنه خط الإصلاح في مضمونه الفكري ، وفي طريقة تنفيذه ، وفي ~~إدارة حركة العلاقات فيما بين الناس من خلافات ومنازعات وما يتعرضون له من ~~تعقيدات الواقع. هذا في الجانب الإيجابي للخط ، أما في الجانب السلبي منه ، ~~فهو الامتناع عن اتباع سبيل المفسدين في إثارة المشاكل، PageV10P236 # وتعقيد العلاقات ، وضعف الإدارة ، واهتزاز الإرادة ، وتوجيه الأوضاع في ~~اتجاه الأنانيات والذاتيات والعصبيات ... وغير ذلك من الأمور التي تعزل ~~الإنسان عن الساحة الرحبة الشاملة للحياة ، وتحوله إلى كائن سلبي يدور حول ~~نفسه أو عصبيته ، بعيدا عن الأجواء الإنسانية العامة. # ولكن كيف يطلب من هارون ذلك؟ ألم يكن شريكا له في المهمة وفي النبوة؟ هل ~~هو بحاجة إلى مثل هذه الوصية؟ والجواب : ليس معنى هذا أن هارون كان لا يملك ~~معرفة خط السير الذي تسير عليه النبوات ، بل ربما أراد موسى من هذا التوجيه ~~أن يؤكد له الفكرة من خلال الإيحاء له بالمهمة الصعبة التي تنتظره في مجال ~~التطبيق ، في ما يعرفه من خلال التجربة القاسية من ضيق أفقهم ، وطفولتهم ~~الفكرية ، والجدب الروحي الذي يهيمن على واقعهم الداخلي ، وربما أراد من ~~ذلك أن يوحي لقومه بأن خط الإصلاح والبعد عن الفساد ليس أمرا مرهونا بوجوده ~~، ليكون التزامهم به التزاما من حيث الإخلاص للشخص على أساس ما يمثله من ~~قوة لديهم ، بل هو أمر يحكم حياتهم في حال وجوده وغيابه ، لأنه منطلق من ~~رسالة الله التي تفرض على الإنسان أن يراقب ربه قبل أن يراقب أي إنسان آخر. # * * * ### ||| ** موسى يسأل الله تعالى رؤيته # ( @QUR@011 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ). ~~ووصل موسى إلى الموعد الذي قطعه له ربه ، وكلمه الله في ما يريد أن يوحي به ~~إليه ، واندمج موسى في الجو الإلهي ، وشعر بالسعادة تغمر قلبه ، ففاضت روحه ~~بالأشواق الروحية ، في ما ms2492 توحيه كلمات الله إليه وما تمثله من معاني القرب PageV10P237 # منه ، والوصول إلى الدرجة العليا من رضوانه ، وبما توهج في كيانه من ~~إشراق النور الإلهي في لحظة روحية حالمة ، فطلب من ربه أن ينظر إليه ، فقال ~~: ( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) فقد خيل إليه أن من يسمع كلام الله يستطيع ~~أن يراه ، أو يمكن له أن يطلب رؤيته. وهنا يقف المفسرون وقفة حيرة فلسفية ~~كلامية ، فكيف يمكن لهذا النبي العظيم أن يطلب مثل هذا الطلب المستحيل من ~~ربه؟ وهو يعرف من خلال سمو درجته ، ورفعة منزلته في عالم المعرفة بالله ، ~~أن الله ليس جسدا ماديا محسوسا حتى تمكن رؤيته ، فهو ليس كمثله شيء؟! وأجاب ~~بعضهم بأن المراد بالنظر الرؤية القلبية ، وهي كناية عن العلم الواسع ~~بالحقيقة الإلهية. وأجاب آخرون بأنه لم يسأل ربه انطلاقا من قناعة بالسؤال ~~أو من انسجام معه ، بل كان سؤاله استجابة لسؤال قومه الذين رافقوه إلى ~~الموعد الإلهي ؛ فأراد أن يجعلهم وجها لوجه أمام الجواب الصاعق على هذا ~~السؤال. # ولكننا لا نستبعد أن يسأل موسى هذا السؤال ، فقد لا نستبعد من ناحية ~~التصور والاحتمال أن لا يكون قد مر في خاطر موسى مثل هذا التصور التفصيلي ~~للذات الإلهية ، لأن الوحي لم يكن قد تنزل عليه بذلك ، ولم يكن هناك مجال ~~واسع للتأمل والتحليل الفلسفي حول استحالة تجسد الإله أو إمكانه ، لأن ذلك ~~قد لا يكون مطروحا لدى موسى عليه السلام . ونحن نعرف تماما معنى التكامل ~~التدريجي للتصور الإيماني في شخصية الرسول الفكرية. # ولهذا فإننا نحاول هنا أن نسجل تحفظنا على الكثير من الأحكام المسبقة ~~التي تحاول تطويق النص القرآني ببعض الاستبعادات الذاتية كما في مثل هذه ~~الآية فإننا نلاحظ أن تصورنا لشخصية الأنبياء يبدأ من القرآن ، في ما ~~يحدثنا عنهم من أحاديث ويسبغه عليهم من صفات ، فهو المصدر الأساس الأمين ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. PageV10P238 # ونحن نرى أن الحديث القرآني يركز في بعض آياته على نقاط الضعف لدى ~~الأنبياء ، كما يركز على نقاط ms2493 القوة عندهم ، من موقع بشريتهم التي يريد أن ~~يركزها في التصور القرآني في أكثر من اتجاه. فهل نريد أن ندخل في مزايدة ~~كلامية على القرآن في ما يتعلق بمثل هذه الأمور ، فنفرض لأنفسنا تصورات ~~معينة للأنبياء ، ثم نحاول تأويل كلام الله بطريقة لا يتقبلها النص في بعض ~~الأحيان؟! إننا نفهم التأويل حملا للفظ على خلاف الظاهر ، على أساس المجاز ~~أو الكناية أو ما يقترب منهما ، ولا بد للخروج من الظاهر أن يكون هناك دليل ~~لفظي أو عقلي حتى نصرف اللفظ عن الظاهر من خلاله. ولا نجد شيئا من ذلك في ~~موضوع هذه الآية ، فليس هناك مانع من إرادة النظر بالمعنى الحسي في ما طلبه ~~موسى ، بل هو الظاهر الواضح جدا في أجواء الآية من خلال التجربة التي قدمها ~~الله أمامه ، في ما تعطيه كلمة التجلي من أجواء استحالة الرؤية البصرية في ~~ما وجهه الله للجبل من نوره الذي لا يستطيع الجبل أن يتماسك معه ، فكيف لو ~~كان التجلي له عليه السلام ؟ ثم لو كان المراد الرؤية القلبية ، لما كان ~~هناك وجه قريب لهذه التجربة في انهيار الجبل ، في ما تعطيه من معنى مادي ~~للمسألة ، لأن الجبل لا يحمل أية إشارة للجانب القلبي في الموضوع في تأثره ~~بنور الله. # * * * ### ||| ** الله يتجلى للجبل فيتهاوى # ( @QUR@03 قال لن تراني )، لأن الرؤية لا تكون إلا للمحدود الذي يحمل ~~خصائص مادية ، وذلك يستحيل بالنسبة إلى الله الذي لا تدركه الأبصار وليس ~~كمثله شيء. ( @QUR@09 ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ). ~~إنها التجربة التي تعطي لموسى فكرة توضيحية للمسألة المطلوبة ، ولكن من ~~جانب آخر ، أراد الله له أن ينظر إلى هذا الجبل العظيم ، وهو يتهاوى قطعة ~~قطعة حتى PageV10P239 # يتحول إلى رميم أمام التجلي الإلهي ، الذي قد يكون كناية عن تسليط نوره ~~عليه ، فكيف يمكن لمخلوق مثله أن يواجه نور الله ، فضلا عن أن يواجه الله ~~بذاته ، لو كان ذلك أمرا ممكنا في نفسه؟! ( @QUR@04 فلما تجلى ربه للجبل ) ~~بنوره ، ( @QUR@05 جعله دكا وخر موسى صعقا )، أي مصعوقا ms2494 من هول الصدمة ~~المرعبة حتى أغمي عليه ، ( @QUR@02 فلما أفاق ) وتجلت له الحقيقة الإلهية ~~في جلال العظمة التي لا يقترب منها بصر ولا يحيط بها فكر ، وشعر بأنه قد ~~تجاوز الحد في طلبه للرؤية سواء كان ذلك منطلقا من رغبة ذاتية يحس بها في ~~نفسه ، أو كان منطلقا من رغبة قومه إليه رجع إلى الله وأناب ، وأعلن التوبة ~~كتعبير عن الندم الروحي ، دون أن يكون في ذلك عصيان ، حتى لا ندخل في مسألة ~~العصمة التي تنفي المعصية. ( @QUR@04 قال سبحانك تبت إليك ) في إحساس عميق ~~بالعظمة الإلهية يدفعه إلى التسبيح ، وفي شعور بالندم يدعوه إلى التوبة. ( ~~@QUR@03 وأنا أول المؤمنين ) في الدرجة العالية من الإيمان الذي ينطلق ~~ليسبح الله في آفاق عظمته بالفكر والكلمة والشعور ، وفي آفاق شريعته ~~بالطاعة والإخلاص والخشوع. ### ||| ** اصطفاء الله تعالى موسى # ( @QUR@09 قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي )، ~~واخترتك من بين الناس لما تملكه من صفاء الإيمان ووضوحه وعمقه ، ومن قوة ~~العزيمة ، وصلابة الإرادة ، وصدق الموقف ، وصبر المعاناة ، وهذا ما يجعل ~~للأنبياء صفة مميزة يستحقون بها اختصاص الله لهم برسالاته ، لأن الذي يحمل ~~الرسالة لا بد أن يعيش روحيتها وأخلاقيتها وأفقها الواسع ، ويمتلك الخصائص ~~الفكرية والعملية التي تجعل من تجربته ، في خط الرسالة وحركتها ، تجربة ~~ناجحة على مستوى القدوة العظيمة في حساب النتائج الرسالية للحياة. # وقد نلاحظ في هذا التعبير القرآني الجو الحميم الذي أراد الله لموسى أن PageV10P240 # يعيشه في الإحساس بمحبة الله ورعايته له ، بعد الصدمة الشديدة التي ~~واجهها في تجربة طلب الرؤية ، ليزول كل شيء سلبي من نفسه ، وليعرف بأن الله ~~لم يغضب عليه في ذلك ، فقد أعلن له استمرار هذا الاصطفاء المميز عن الناس ، ~~بما حمله من مسئولية حمل رسالاته وكلامه. ( @QUR@06 فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين ) لله بالإخلاص له في أداء رسالته ، وتحويلها إلى خط للفكر ~~وللحياة ، فذلك هو الشكر العملي الإيجابي في موضوع الرسالة ، بالإضافة إلى ~~الشكر الشعوري الذي يتمثل بحالة الامتنان الروحي في الداخل. # * * * ### ||| ** الله ينص على موسى شريعة التوراة # ( @QUR@07 وكتبنا ms2495 له في الألواح من كل شيء ) يحتاجه الناس في أمور معاشهم ~~ومعادهم ، ( @QUR@01 موعظة ) تفتح قلوبهم على الله فيخشعون لعظمته ، وتفتح ~~قلوبهم على الخير فينطلقون إليه. ( @QUR@03 وتفصيلا لكل شيء ) في ما تتحرك ~~به أحكام الشريعة في تنظيم أمور الحياة العامة والخاصة ، بكل مفرداتها ~~وتفصيلاتها لتتحرك الحياة كلها في طريق الله من خلال أوامره ونواهيه ، فلا ~~بد من الدعوة إليها ، وتخطيط الوسائل العملية لتحويلها إلى واقع يتحرك في ~~حياة الناس ، وتوجيه الأفكار نحو الالتزام بمفاهيمها وأهدافها بشكل واقعي ~~حاسم ، ( @QUR@02 فخذها بقوة ) في ما يحمل الفكر من قوة ، وما تنطلق به ~~الدعوة والحركة والإرادة من عوامل القوة التي تتحدى بالرسالة ، وتواجه ~~التحديات بقوة الموقف. # وتلك هي الدعوة المستمرة لكل الدعاة إلى الله الحاملين لرسالته ، بأن ~~يأخذوها بقوة ، فيحشدوا كل عناصر القوة الفكرية والروحية والعملية التي PageV10P241 # تجعلهم في موقع المواجهة الحاسمة الحازمة التي لا تهزمها عوامل الضعف ، ~~ولا تخفيفها وسائل الرعب والتهويل. ( @QUR@04 وأمر قومك يأخذوا بأحسنها )، ~~فليفتشوا عن الأحسن فيها ليأخذوا به ، وسيرون أن كل ما فيها يمثل المرتبة ~~العليا في الحسن ؛ فلا تفاضل بين تشريع وتشريع ، أو بين مفهوم ومفهوم ، بل ~~هو التوازن في الجميع ، لأن الله قد راعى الحكمة في كل ذلك في ما يريده من ~~تحقيق الفلاح للإنسان المؤمن في الدنيا ، وفي السعادة التي يحصل عليها في ~~الحياة ، وفي النصر بغلبة الحق التي يحققها في مواجهته لأعداء الله. ( ~~@QUR@03 سأريكم دار الفاسقين ) الذين ابتعدوا عن الحق ، كيف يعيشون حياة ~~الشقاء والعناء المنتهية إلى الهزيمة أمام قوة الحق ، في كل المجالات ، ~~لتكون العاقبة لكم أيها المؤمنون. # * * * PageV10P242 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@036 سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) @QUR@013 ~~والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون ) (147) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتكبرون ): كل من لا يخضع للحق فقد تكبر عليه. # ( @QUR@01 الرشد ): سلوك طريق الحق. وضده الغي ms2496 وهو سلوك طريق الضلال. # ( @QUR@01 حبطت ): الحبوط : سقوط العمل حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل. # * * * PageV10P243 ### ||| ** واقع المستكبرين في الأرض ومصيرهم # وهذه صورة أخرى لبعض النماذج الإنسانية ، من الجاحدين لآيات الله ، ~~السائرين في طريق الضلال ، وهي صورة حية متحركة في أكثر من اتجاه ، وفي ~~أكثر من مجتمع ، وقد أراد الله تقديمها إلينا لنستوحي منها كيف تكون الغفلة ~~عن الله وعن آياته سببا في ضلال الإنسان وهلاكه ووصوله إلى الدرك الأسفل من ~~الانحطاط والسقوط ، وفي بعده عن رحمة الله وهدايته. # ( @QUR@09 سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق )، فأتركهم ~~ليسيروا على هواهم ، في ما يريدون وما لا يريدون ، فلا أمنحهم لطفا من ~~ألطافي التي أمد بها المؤمنين ، عند ما تنحرف بهم الطريق عن غير قصد ~~واختيار ، فأهداهم بذلك إلى الصراط المستقيم ، لأنهم عاشوا الحياة من أجل ~~السير في طريق الهداية. أما هؤلاء فإنهم لم يريدوا الاهتداء بما أنزلت ~~إليهم من هدى الوحي والرسالة ، ولم يحركوا طاقاتهم الذاتية في هذا الاتجاه ~~؛ فحذرتهم فلم يحذروا ، وخوفتهم فلم يخافوا ، وأنذرتهم فلم يذعنوا ، ~~فسأتركهم لما اختاروه ، وسأصرفهم عن آياتي من خلال ذلك. ( @QUR@06 الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق )، فهم يتحركون من موقع العقدة الذاتية ~~المرضية التي تشعرهم بالاستعلاء والكبرياء ، فتوحي لهم بأنهم أعظم من أن ~~يذعنوا للفكر الذي يأتيهم من خارج ذواتهم ، وأكبر من أن يخضعوا لإنسان ما ~~حتى لو كان نبيا وتتعاظم عندهم العقدة ، لتمنعهم من الاستسلام لأمر الله ~~والإيمان بآياته ، دون أن يكون لهم أي حق أو أية حجة في ذلك كله ، لأنه لا ~~مجال للكبرياء إلا لله ، وكل من هو غيره مخلوق حقير لا يملك امتيازا على ~~غيره إلا بالعلم والتقوى ، وهما الصفتان اللتان توحيان بالتواضع وتمنعان عن ~~التكبر. # ( @QUR@07 وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها )، لأن العقدة تمنعهم عن ~~الانطلاق PageV10P244 # في أجواء الإيمان الفكرية أو الروحية من أجل أن يفكروا ويتعرفوا السبيل ~~الحق للإيمان. ( @QUR@013 وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا )، لأنهم لا يصدرون في ما ms2497 يسيرون فيه من طرق ، عن ~~دراسة النتائج الإيجابية والسلبية على مستوى المصير ، في ما يتمثل فيه من ~~رضا الله وسخطه على أساس قضايا الكفر والضلال ، بل يصدرون في ذلك كله عن ~~ملاءمة ذلك لهوى أنفسهم وعدم ملاءمته لها ، من دون فرق بين الرشد والغي. ( ~~@QUR@07 ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) فضلوا سواء السبيل. ~~( @QUR@07 والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم ) وسقطت عن ~~الاعتبار ، لأنها لم ترتكز على قاعدة ثابتة من فكر ووعي وإيمان. ( @QUR@06 ~~هل يجزون إلا ما كانوا يعملون )، وتلك هي العدالة الإلهية في ما يثيب الله ~~أو يعاقب ، وفي ما يعطي أو يمنع ، فلا نجاة إلا بعمل ، ولا هلاك إلا بعمل. # * * * PageV10P245 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) @QUR@018 ولما ~~سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين (149) @QUR@039 ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره ~~إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ~~ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150) @QUR@011 قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا ~~في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) @QUR@015 إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152) @QUR@014 ~~والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ~~(153) @QUR@015 ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون ) (154) # * * * PageV10P246 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واتخذ ): الاتخاذ : اجتباء الشيء لأمر من الأمور. # ( @QUR@01 حليهم )، الحلي بضم الحاء وتشديد الياء : هو ما اتخذ للزينة ~~من الذهب أو الفضة. # ( @QUR@01 خوار ): صوت الثور. # ( @QUR@03 سقط في أيديهم ): وقع البلاء في أيديهم ، أي وجدوه وجدان من ~~يده فيه. # ( @QUR@01 أسفا ): تأتي أسف بمعنى غضب وحزن. # ( @QUR@01 تشمت ): الشماتة : الفرح بالمصيبة ولا تكون إلا من العدو. # ( @QUR@01 سينالهم ): النول : اللحوق ، وأصله مد اليد إلى الشيء ms2498 الذي يبلغه. # ( @QUR@01 سكت ): أي سكن وهدأ. # ( @QUR@01 نسختها ): ما نسخ وكتب منها. # * * * ### ||| ** موسى في مواجهة ضلال قومه # وبينما كان موسى يتابع الوحي مع ربه ، وينظم الألواح ليحملها إلى قومه ، ~~كان السامري يعمل على خداعهم وإضلالهم ، مستغلا غيبة موسى الذي كان يخافه ~~قومه ، وضعف هارون الذي كان لا يحظى بالاحترام الكبير لديهم في ما يبدو ~~وتفكيرهم الطفولي في أن يكون لهم إله ذهبي جميل يعبدونه ، PageV10P247 # على الطريقة التي كانت مألوفة في تلك المنطقة ، فجمع منهم الحلي الذهبية ~~، وعمد إلى صنع عجل متجسد له خوار بطريقة فنية خاصة ليعطي بذلك للعجل صفة ~~القداسة ، من خلال الصوت غير المألوف الذي ينطلق منه. وقال لهم : هذا إلهكم ~~وإله موسى. وأقبلوا عليه يعبدونه دون أن يستطيع هارون منعهم من ذلك لقلة ~~تأثيره عليهم. هذا ما ذكرته هذه الآيات باختصار مع رد فعل موسى ، بالإضافة ~~إلى بعض التفاصيل. # * * * ### ||| ** قوم موسى يتخذون العجل إلها # ( @QUR@011 واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ) صنما ~~يعبدونه من دون الله ويؤلهونه في خشوع وابتهال. ولم تدخل الآية في تفصيل ~~القصة ، لأن الغاية من الحديث هنا عن هذه القضايا هي رصد حالات الضلال ~~والانحراف كظاهرة متكررة مع كل نبي ، فأشارت إلى القصة ، ثم تابعت الحديث ~~للتعليق عليها ، ( @QUR@08 ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا )؟ ~~فكيف يمنحونه صفة الإله ، في الوقت الذي لا يملك فيه أية صفة عادية تقربه ~~من طبيعة الإنسان العاقل الذي يفكر ليهدي الآخرين بتفكيره؟ وما معنى أن ~~يكون الشيء إلها؟ هل هو في امتثاله أمامهم بجموده دون أن ينطق أو يعقل أو ~~يتحرك ، ليقفوا بين يديه خاشعين خاضعين لا يملكون إلا الأناشيد والابتهالات ~~في جو من الخيال الروحي المريض الغارق في بحر الأساطير؟ ( @QUR@03 اتخذوه ~~وكانوا ظالمين ) لأنفسهم في ما انحرفوا به عن خط الهدى والإيمان ، وشعروا ~~بالضياع ، وعاشوا الندم بعد أن هدأ كل ذلك الجو الاستعراضي الذي أثاره ~~السامري ، فرجعوا إلى الله من جديد. # ( @QUR@04 ولما سقط في أيديهم ) تعبير كنائي عن موقف النادم الذي يشعر ms2499 PageV10P248 # بالإحباط. ( @QUR@04 ورأوا أنهم قد ضلوا ) وانحرفوا عن الهدى الذي عاشوه ~~مع موسى. ( @QUR@010 قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين ). ولعل مثل هذه الروح التي انطلقت بهذا الابتهال الخاشع النادم ~~، توحي بأن القوم كانوا قد وصلوا إلى مرتبة جيدة من الروح الإيمانية في ~~أعماقهم ، حتى إذا انحرفت بهم الطريق في اتجاه الشيطان ، سارعوا إلى الرجوع ~~إلى الاستقامة في اتجاه الله. # * * * ### ||| ** موسى يرجع غضبان أسفا # هذه هي قصة هؤلاء ، أما موسى فقد أخبره الله بأن السامري أضل قومه ( ~~@QUR@07 ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) حزينا ، في حالة يبتعد فيها ~~النبي عن الغضب الذاتي ، والحزن الانفعالي ، فقد غضب لله الذي أشرك هؤلاء ~~بعبادته ، بعد أن أقام عليهم الحجة تلو الحجة ، وحزن للرسالة ، بعد هذا ~~الجهد الضائع الذي بذله من أجل تنميتها في حياة هؤلاء وتعميقها في داخل ~~نفوسهم. # ( @QUR@04 بئسما خلفتموني من بعدي ) فتصرفتم هذا التصرف الضال في غيابي ، ~~ولم تنتظروا الانطلاقة الجديدة التي ستتحرك في حياتكم من خلال وحي الله ~~وأمره. ( @QUR@03 أعجلتم أمر ربكم ) فلم تصبروا ريثما يأتيكم بالهدى والخير ~~والبركة في شريعته ... # ( @QUR@02 وألقى الألواح ) من يده في حالة انفعالية ، ثم وجه كلامه إلى ~~أخيه هارون ، باعتباره خليفته الذي أراد أن يصلح أمرهم ، ويقف ضد كل عوامل ~~الفساد التي تنحرف بهم عن مسيرتهم في خط الإيمان. # ( @QUR@05 وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) في تعبير صارخ عن الحالة النفسية ~~التي كان PageV10P249 # يعيشها موسى إزاء ما حدث ، وربما تحدث الكثيرون عن مبدأ العصمة في شخصيته ~~كنبي ، وعن التساؤل الإيماني في مدى انسجام هذا التصرف الغاضب مع هذا ~~المبدأ ، ولكننا لا نجد تنافيا بينهما إذا أردنا أخذ القضية ببساطة بعيدا ~~عن التعقيد والتكلف ، فموسى بشر يغضب كما يغضب البشر ، ولكن الفرق بينه ~~وبينهم ، أن لغضبه ضوابط ، فلا يتصرف بما لا يرضي الله ، ولا يغضب إلا لما ~~يرضاه الله. وقد غضب على قومه لله ، وعلى أخيه هارون للغرض نفسه. # لقد اعتبر أخاه مسئولا عما حدث بسبب تساهله معهم ، وعدم ضغطة عليهم ~~ومنعهم من ذلك ms2500 ، فقد كان تقديره ، أنه إذا رفع درجة الضغط ، يمكن أن يساهم ~~ذلك في منع ما حدث مما لم يقم به هارون فكان موسى منسجما مع نفسه ، ومع ~~دوره وصفته في ما اتخذه من إجراء مع هارون ، ولكن هارون كان له رأي آخر ، ~~فقد وقف ضدهم ، وواجههم بكل وسائل الضغط التي يملكها ، ولكنهم كانوا لا ~~يهابونه كما يهابون موسى صاحب الشخصية القوية التي واجه بها فرعون بكل ~~طاغوتيته. وكانوا يرون في فرعون القدرة التي لا حد لها في ما كان يتميز به ~~من قوة بدنية وروحية وقيادية ... أما هارون ، فقد كان في ما يبدو في الظل ~~مجرد تابع لموسى ، فلم يظهر له دور إلا في المواجهة الأولى مع فرعون. ~~فاستضعفه القوم بالرغم من مركزه كخليفة لموسى ونائب له. ( @QUR@012 قال ابن ~~أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء )، فلم أفعل ~~ما أحاسب عليه ، لأن الظروف كانت أقوى من قدرتي ، فقاومت حتى لم يعد هناك ~~مجال للمقاومة ، وجابهت حتى كدت أقتل ، فإذا تصرفت معي بهذه الطريقة ، فإن ~~ذلك سوف يكون دافعا لشماتة الأعداء بي ، لأنني قاومتهم وجابهتهم ، وها هم ~~يرونني أمامك واقفا وقفة المذنب دون ذنب ، فلا تفعل بي ذلك ، ( @QUR@05 ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين ) لأني قمت بما اعتقدت أنه مسئوليتي دون تقصير. # وشعر موسى بالحرج ، وسكن غضبه ، فرجع إلى الله يستغفره لنفسه PageV10P250 # ولأخيه ، لا لذنب ارتكباه ، ولكن للجو الذي ابتعد فيه القوم عن الله ، من ~~خلال الفكرة التي كانت تلح عليهما. إنها وقفة الإنسان الذي يحس بالذنب أمام ~~الله من خلال تطلعاته الروحية في تجربته ، وتجربة الناس معه ، فاذا لم ~~يتحقق له ذلك ، كان له مع النفس حساب كبير ، يفتش فيه عن احتمالات التقصير ~~دونما تقصير لمجرد الإخلاص لله والتعبير عن محبته. ( @QUR@05 قال رب اغفر ~~لي ولأخي ) ما يمكن أن يكون منا من تقصير في المقدمات ، ( @QUR@06 وأدخلنا ~~في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ). # * * * ### ||| ** تساؤلات حول فكرة العصمة # وتبقى حول فكرة العصمة بعض التساؤلات ، كيف يخطئ هارون في تقدير الموقف ~~وهو ms2501 نبي؟ أو كيف يخطئ موسى في تقدير موقف هارون وهو النبي العظيم؟ وكيف ~~يتصرف معه هذا التصرف؟ ولكننا قد لا نجد مثل هذه الأمور ضارة بمستوى العصمة ~~، لأننا لا نفهم المبدأ بالطريقة الغيبية التي تمنع عن الإنسان مثل هذه ~~الأخطاء في تقدير الأمور ، بل كل ما هناك أنه لا يعصي الله في ما يعتقد أنه ~~معصية ، أما أنه لا يتصرف تصرفا خاطئا يعتقد أنه صحيح مشروع ، فهذا ما لا ~~نجد دليلا عليه ، بل ربما نلاحظ في هذا المجال أن أسلوب القرآن في الحديث ~~عن حياة الأنبياء ونقاط ضعفهم ، يؤكد القول بأن الرسالية لا تتنافى مع بعض ~~نقاط الضعف البشري من حيث الخطأ في تقدير الأمور ؛ والله العالم بأسرار خلقه. # * * * PageV10P251 ### ||| ** غضب الله على الضالين وتوبته على التائبين # أما هؤلاء الذين عبدوا العجل ، فهم على قسمين : أولئك الذين انحرفوا ثم ~~تراجعوا وساروا من جديد في خط الاستقامة والإيمان ، وأولئك الذين استمروا ~~على خط الضلال. ( @QUR@012 إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة ~~في الحياة الدنيا ) في ما أراده الله من ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، من ~~خلال الظروف التي تحيط بهم ، ومن خلال النفسية الوضيعة التي تجعلهم يواجهون ~~الحياة من موقع صغائرها لا من موقع الأهداف العليا. وبذلك فهم يسقطون ~~أنفسهم تحت أقدام الأقوياء والأغنياء ، ليحصلوا على بعض الشهوات ~~والامتيازات الذاتية ، فيعيشون الذل في الموقف ، والانسحاق في النفسية ~~والروحية أمام الآخرين. # ( @QUR@03 وكذلك نجزي المفترين ) الذين افتروا على الله الكذب ، فجعلوا ~~له شريكا من غير حجة ولا برهان. وربما نستفيد من هذه الآية ، استحقاق ~~العذاب لهؤلاء من خلال اتخاذهم العجل إذا استمروا في هذا الاتجاه ، أما ~~الذين تراجعوا فلا عقاب لهم ، لأنهم بدلوا الموقف ، وابتعدوا عن الافتراء ~~... وقد نستوحي ذلك من الآية التالية. # ( @QUR@014 والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم )، فقد جعل الله على نفسه قبول التوبة ممن تاب إليه ~~بإخلاص. وقد سبقت رحمته غضبه ، تماما كما تاب على المشركين الذين تمردوا ~~على الرسالة وحاربوها ، ثم ms2502 أخلصوا لله الإيمان ، وساروا في الخط المستقيم ، ~~وجاهدوا في سبيله. # * * * PageV10P252 ### ||| ** موسى يأخذ ألواح شريعته مجددا # وأغلق الستار على هذا المشهد. ( @QUR@07 ولما سكت عن موسى الغضب أخذ ~~الألواح ) بعد أن ألقاها من يده .. ( @QUR@08 وفي نسختها هدى ورحمة للذين ~~هم لربهم يرهبون ) ليبدأ الجولة الجديدة في الدعوة إلى الله ، لإنقاذ ~~الضالين من متاهات الضياع والضلال ، بالهدى الذي أوحى به الله إليه في ~~التوراة ، ولينشر الرحمة الإلهية التي تحولت إلى منهج كامل للحياة في الفكر ~~والعاطفة والعمل ، وإلى حركة إيمانية واعية في نطاق الحق والعدل والجهاد ~~... وهكذا بدأت التجربة الجديدة ، لتتحرك في المواقف العامة للمبادئ ، ~~فتدخل في أجواء التفاصيل في ما تتضمنه الشريعة الإلهية من تفاصيل الفكرة ~~والموقف ، فيتحرك بها الذين يخافون الله من موقع إيمانهم به ، فيطبقون ~~تعاليمه في حياتهم للحصول على ثوابه ، وللنجاة من عقابه. # * * * PageV10P253 ### ||| * الآيات # ( @QUR@041 واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ~~رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين (155) @QUR@030 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا ~~إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) @QUR@043 الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) @QUR@032 قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا ~~هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ~~واتبعوه لعلكم تهتدون ) (158) # * * * PageV10P254 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واختار ): آثر وأراد ما هو خير. # ( @QUR@01 فتنتك )؛ الفتنة : العذاب ، وقيل : الكشف والاختبار. # ( @QUR@02 هدنا إليك ): تبنا إليك. # ( @QUR@01 إصرهم )؛ الإصر : الثقل الذي يمنع حامله من الحركة. # ( @QUR@01 والأغلال ): القيود. وتوضع ms2503 في يدي الأسير أو عنقه. # ( @QUR@01 وعزروه ): قال الزجاج : اختلف أهل اللغة في معنى قوله : # ( @QUR@01 وعزروه )، وفي قولهم : عزرت فلانا أعزره عزرا ، فقيل : معناه ~~رددته ، وقيل معناه : أعنته ، وقيل معناه : لمته ، ويقال : عزرته بالتشديد ~~: نصرته (1). وقيل : التعزير هو الإعانة والتوقير. # * * * ### ||| ** موسى يختار سبعين رجلا لميقات الله # ويستمر الحديث عن قوم موسى ؛ فقد اختار موسى سبعين رجلا ليكونوا معه في ~~الموعد الذي ضربه الله له. ولم تفصل السورة المسألة حول طبيعة هذا الموعد ؛ ~~هل هو الموعد الذي ذهب إليه موسى ليكلم الله ويعود إلى قومه بالتوراة ، أم ~~أن هناك موعدا آخر لمناسبة أخرى؟ لقد اختلف المفسرون في تحديد ذلك ، ~~انطلاقا من شواهد قرآنية تعرضت لما يقترب من هذه القصة ، وفصلت بعض التفصيل ~~أسباب العذاب الذي أوقعه الله عليهم ، حيث أرادوا أن PageV10P255 # يروا الله جهرة ... ورأى بعضهم أن هذا ما جعل موسى يطلب من الله أن يمكنه ~~من النظر إليه استجابة لطلبهم منه ذلك ، فإذا استجاب الله ذلك فسيرونه معه ~~، لأنهم كانوا حاضرين هناك. وحاول البعض مناقشة بعض تفاصيل ذلك ، وحملها ~~بعض على المحامل الأخرى البعيدة لبعض الأحاديث الواردة في هذا المجال ، ~~ولكننا لا نجد كبير فائدة من الدخول في مثل هذه التفاصيل ، لأن القرآن أجمل ~~القصة لابتعاد خصوصياتها عما يريده من أغراض ، وهو تأكيد العقاب الإلهي لمن ~~تمرد وانحرف ، وتقرير الفكرة التي تربط الحاضر بالماضي في قضايا الإيمان ~~والانحراف. # ( @QUR@09 واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة ) ~~التي أنزلها الله بهم ، فماتوا بها أو أغمي عليهم عند ما أخذتهم الصاعقة ، ~~كنتيجة لبعض مواقفهم أو طلباتهم أو أقوالهم ( @QUR@08 قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي ) فقد عقلت لسانه المفاجأة ، وأخذته الدهشة ، وعاش في ~~جو ضاغط من الحيرة ، وربما فكر بالطريقة التي يواجه قومه بها بنبإ هلاك ~~سبعين رجلا منهم دفعة واحدة ، فقد يثير ذلك الكثير من حالة البلبلة ~~والارتباك في المجتمع هناك ، ولم يجد لديه إلا أن يرفع الأمر إلى الله ~~ليعبر عن هذه الحيرة وهذا الخوف ، وعن التمني الحائر لو ms2504 أن الله أهلكه معهم ~~قبل هذه التجربة الصعبة ... ولكنه يرجع إلى روحية الابتهال والخشوع لله ~~والتوسل الصادق إليه ( @QUR@05 أتهلكنا بما فعل السفهاء منا )؟! فنحن لا ~~نتحمل مسئوليتهم ، لأننا لم نشاركهم أعمالهم وأقوالهم ، ولم نرض بها من ~~قريب أو بعيد ( @QUR@011 إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ). # * * * PageV10P256 ### ||| ** من هم السفهاء الذين عناهم موسى عليه السلام ؟ # ولكن من هم السفهاء الذين عناهم موسى بقوله ، هل هم هؤلاء السبعون ، أم ~~أن هناك أناسا آخرين؟ وهل كان موسى في موقف الحديث عن هلاك هؤلاء بما فعله ~~السفهاء من غيرهم أو بما فعلوه هم ، أم كان في موقف الخوف من هلاك مستقبلي ~~للمجتمع ، كنتيجة لانحراف سفهاء بعض الأفراد فيه؟ هناك أكثر من احتمال ، ~~ولكن الظاهر أنه كان في موقف طلب الرحمة من هلاك محتمل من خلال انحراف ~~المنحرفين هناك ، والرجاء بأن لا ينزل عقابه عليهم جميعا لانحراف بعض ~~الأفراد من السفهاء على طريقة : ( @QUR@08 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة .. ) [الأنفال : 25] ( @QUR@02 أنت ولينا ) وراعينا ~~وناصرنا في جميع أمورنا ، فإذا صدر منا الذنب فإننا نرجو المغفرة منك ، ~~وإذا عشنا الخطأ فإننا نتطلع إلى الرحمة لأنك ولي ذلك كله. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام يسأل الله المغفرة # ( @QUR@06 فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) فنحن نلجأ إليك ولا ~~نلجأ إلى غيرك ، ونتحرك في اتجاه الإخلاص إليك في العمل ليكون لنا بذلك ~~النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة ... وتلك هي حسنة الدنيا ، وحسنة ~~الآخرة ( @QUR@012 * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا ~~إليك ) أي رجعنا إليك وأنبنا بقلوبنا وأرواحنا وخطواتنا العملية ... # وتلك هي التطلعات الروحية التي عبر بها موسى عن تطلعات كل مؤمن يعيش خوف ~~الله ، فكيف أجابه الله؟ ( @QUR@06 قال عذابي أصيب به من أشاء ) تبعا ~~للحكمة التي تفرض العذاب على من يستحقه حيث لا مجال لمغفرة أو رحمة. PageV10P257 # ( @QUR@04 ورحمتي وسعت كل شيء ) ففي كل مظهر من مظاهر الوجود ، مظهر ~~للرحمة التي أفاضها على الحياة فتحولت إلى حركة واسعة تنتج الخير والبركة ~~لكل شيء ms2505 ، وفي كل نعمة من نعم الحياة على الناس في ما يأكلون ويشربون ~~ويلبسون ويستمتعون ويتقلبون في رزقه ... منطلق للرحمة لمن يؤمن به ويطيعه ، ~~ولمن لا يؤمن به ويعصيه. وغدا إذا وقف الناس بين يديه ، من المذنبين ~~المسيئين والمطيعين والمحسنين ، فسيجدون رحمته بانتظارهم ، فيغفر لهؤلاء ما ~~قدموا من خطايا ، ويرفع درجة أولئك لما قدموا من حسنات. وستتحرك رحمته في ~~كل اتجاه ، لتمنح الناس من رضوانه ومغفرته ما يوحي لهم بأن رحمته سبقت غضبه. # ولكن هناك من لا يستحق الرحمة من الله ، لأنه قطع على نفسه كل طرق ~~الإمداد ، وأغلق عن حياته كل منافذ المغفرة ، لأنه أساء كما لم يسئ أحد ، ~~فكفر بالله وأشرك به ما لم ينزل به سلطانا ، ولهذا فقد أخذ الله على نفسه ~~أن لا يغفر لمن أشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ولن يشاء المغفرة إلا ~~لمن كان في قلبه نبض من رحمة ، وحركة من محبة ، وانطلاقة من إيمان ... أما ~~القلوب السوداء بالقسوة ، الجامدة بالحقد ، المختنقة بالكفر ، فلن تنال ~~المغفرة ، لأنها لم تنفتح على الله في شيء ، فكيف يمكن أن تأمل بانفتاح ~~الله عليها بالرحمة؟! # * * * ### ||| ** المتقون هم الذين يتبعون النبي الأمي # ( @QUR@03 فسأكتبها للذين يتقون ) ويعيشون الخوف من الله ، كمنهج للسير ~~في خط الفكر والعمل في الحياة ، فيمنعهم ذلك من التمرد عليه بمعصيته ، ~~ويدفعهم إلى الانقياد له بطاعته ، وذلك في ما تمثله التقوى من التزام روحي PageV10P258 # وعملي بالله. ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ) في ما تمثله الزكاة من حركة ~~الرحمة في حياة الإنسان ، بما توحي به من روحية العطاء ، وحيوية المحبة ، ~~وفاعلية الإيمان ... ( @QUR@04 والذين هم بآياتنا يؤمنون ) في ما يثيره ~~الإيمان بآيات الله من انفتاح للعقل على الآفاق الرحبة للمعرفة ، وإذعان ~~منه بالحقيقة الواضحة في أجواء الله ، فإن الله يحب العقل المنفتح ، والروح ~~المؤمنة التقية المذعنة للحق. # ( @QUR@012 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل ) فينفتحون على ما تقدمه إليهم التوراة والإنجيل من دلائل ~~وبراهين على صدق نبوته ورسالته ، فيؤمنون به ويتبعونه في أقواله وأفعاله ~~... ( @QUR@05 يأمرهم ms2506 بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) الأمر الذي يحقق ~~الانضباط لحركة المجتمع في علاقاته ومعاملاته وتصرفاته العامة ، بحيث يكون ~~الطابع العام للمجتمع هو الرقابة على بعضه البعض في تأكيد الخط المستقيم في ~~جميع الاتجاهات ، وذلك بطريقة عفوية إيمانية ، لا تكلف فيها ولا ارتباك. ( ~~@QUR@06 ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) في ما يريد تحقيقه للإنسان ~~في حياته من الاستمتاع بطيباتها في ما يأكلونه ويشربونه ويلبسونه ويتلذذون ~~به ، ومن الابتعاد عن خبائثها التي تسيء إلى أجسادهم وأذواقهم وأرواحهم ، ~~لأن الله لم يمنح الإنسان الحرية في الإساءة إلى نفسه ، ولذلك حرم عليه ما ~~يؤدي إلى ذلك. ( @QUR@03 ويضع عنهم إصرهم ) الذي يثقل عليهم في حياتهم ~~وأوضاعهم من تشريعات سابقة أو لاحقة ، ( @QUR@04 والأغلال التي كانت عليهم ~~) في ما كان يقيدهم به في شرائعهم من الأشياء الشاقة. ويمثلون لذلك باشتراط ~~قتل الأنفس في صحة توبتهم ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض موضع النجاسة من ~~الجلد والثوب ، وغير ذلك من الأمور التي قيل إنها كانت من التشريعات الصعبة ~~في التوراة ... # * * * PageV10P259 ### ||| ** الخطوط العامة التي تميز الشريعة الإسلامية # وهذه الخطوط العامة هي ما يميز الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي تتحرك في حياة الناس في نقاط ثلاث : # النقطة الأولى ؛ هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فليس هناك عمل يأمر ~~به الإسلام ، إلا وهو خاضع لعنوان المعروف ، ويعني ما يعرفه الناس في ~~وجدانهم لانسجامه مع المبادئ الخيرة والقيم الروحية ، وارتكازه على قاعدة ~~المصلحة الإنسانية ، أو ما لو عرف الناس أساسه التشريعي لأصبح قريبا مما ~~يعرفونه أو يألفونه في ما يرتبط بحياتهم المستقبلية ... وليس هناك عمل ينهى ~~عنه الإسلام إلا وهو خاضع لعنوان المنكر الذي هو ما ينكره الناس في فطرتهم ~~الإنسانية لنتائجه السلبية على حياتهم ، ولارتكازه على قاعدة المفسدة ~~والمضرة التي تسيء إلى حركة التوازن في الحياة. وربما كان لهاتين الكلمتين ~~«المعروف» و «المنكر» بعض الإيحاء بأن التشريع ينسجم مع الخط الوجداني ~~للفطرة الإنسانية السليمة التي لا تعرف ولا تألف إلا الخير ، ولا تنكر أو ~~ترفض إلا ms2507 الشر ، فإذا عرفت الشر ، وأنكرت الخير ، فإن ذلك يعني الانحراف عن ~~الاستقامة في الفكر والوجدان والشعور. # النقطة الثانية ؛ تحليل الطيبات وتحريم الخبائث ، فليس في ما أحله الله ~~إلا الطيب الذي يرتاح إليه الذوق الإنساني ، في ما يتذوقه الناس من الأشياء ~~الطيبة ، أو الذي يلتقي بالمنفعة لحياتهم في أرواحهم وأجسادهم ، وليس في ما ~~حرمه الله إلا الخبيث الذي تعافه النفس ، ويستقذره الذوق ، وترفضه الفطرة ~~... وإذا كان الناس يستطيبون بعض المحرمات أو يعافون بعض المحللات ، فلأنهم ~~كانوا لا ينظرون إلا إلى الجانب السطحي من تلك الأشياء ، ولا يتطلعون إلى ~~أعماقها ليكتشفوا الجانب الخبيث في عناصرها PageV10P260 # الذاتية التي يستطيبون ، وليعرفوا الجانب الطيب في أعماق الأشياء التي ~~يعافونها ، لأن المقياس في ذلك كله هو في الخصائص الذاتية للأشياء وللأعمال ~~وليس في الجوانب الظاهرية منها. # النقطة الثالثة ؛ الإصر وهو الثقل والأغلال ، فليس في الإسلام حكم يثقل ~~على الإنسان القيام به ، إلا بما يفرضه التكليف في ذاته من ثقل طبيعي ~~يمارسه الإنسان بطريقة عادية ... وقد رفع القيود التي فرضتها بعض الظروف ~~والأوضاع السلبية لدى الشعوب الماضية ، مما اقتضى الشدة في التشريع ~~والصرامة في التحريم. وبذلك كانت الشريعة الإسلامية شريعة التخفيف والتسهيل ~~والتسامح في كل أحكامها المتعلقة بالفرد أو بالمجتمع. # * * * ### ||| ** الإسلام يختزن في داخله آفاق حركة الحياة # وهكذا نجد أن الإسلام يختزن في داخله ، في ما يحمل من مفاهيم وما يخطط من ~~وسائل وأهداف ، أو يشرع من أحكام ، آفاق حركة الحياة ، على أساس تحقيق ~~المعروف وإبعاد المنكر ، وتحليل الطيب ، وتحريم الخبيث ، ورفع الأثقال ، ~~وتحرير الإنسان ، ليكون الإسلام هو الدين الذي يلتقي بالفطرة السليمة ~~للإنسان ، وليتحقق له بذلك سلام الحياة في قضاياها الكبيرة والصغيرة ، لأن ~~ذلك هو السبيل الذي أراد الله للسائرين فيه أن يحققوا من خلاله إنسانيتهم ~~على أساس من الشعور العميق بالحاجة إلى الحرية والوعي والإيمان ، ليصلوا من ~~خلال ذلك إلى هدف الفلاح في الدنيا والآخرة. # * * * PageV10P261 ### ||| ** المؤمنون هم المفلحون # ( @QUR@04 فالذين آمنوا به وعزروه ) فأعانوه في تأدية رسالته ، وعرفوا ~~عظمته فاحترموا مكانته ، ( @QUR@01 ونصروه ) في جميع معاركه ضد ms2508 الكفر ~~والشرك والضلال ، ( @QUR@05 واتبعوا النور الذي أنزل معه ) فانطلقوا مع ~~القرآن في جميع مفاهيمه وتشريعاته التي تضيء للحياة طريق الفلاح والنجاح ، ~~واتبعوا ذلك كله ، وحولوه إلى برنامج كامل للفكر وللحياة ... ( @QUR@03 ~~أولئك هم المفلحون ) الذين أفلحوا في حياتهم الدنيا ، لأنهم أقاموها على ~~قاعدة ثابتة من الإيمان والفكر والصلاح ، وأفلحوا في حياتهم الأخرى ، لأنهم ~~انفتحوا عليها انفتاح المؤمن الذي يعي جيدا أن طريق الجنة يمر بالإيمان ~~والتقوى والعمل الصالح ، لأن ذلك هو موضع رضى الله سبحانه في الحياة. # وقد نستوحي من هذه الآية أن الله سبحانه يريد لهؤلاء الذين عرفوا الكتاب ~~الذي أنزله على رسله ، أن يتعرفوا صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~خلال دراسة رسالته في ما تأمر به وتنهى عنه ، وما تحله وتحرمه ، وما تقدمه ~~للناس من تشريعات تساعدهم في التخلص من أثقال الحياة التي تقيد حريتهم ~~وإنسانيتهم ... وربما يوحي ذلك بأن الرسالات تتشابه في خطوطها التشريعية في ~~ما تتحرك به من مبادئ عامة ، فيمكن للإنسان أن يتعرف صدق أية دعوة رسالية ~~من خلال دراسة العناصر الحية البارزة التي تكمن في خط الرسالات ، من دون ~~انتظار لمعجزة خارقة أو نحو ذلك ، مما يدل على أن العقل الواعي هو الحجة ~~القوية التي يرتكز عليها الإيمان. # * * * ### ||| ** محمد رسول للعالمين # ( @QUR@09 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا )، فلست رسولا محليا PageV10P262 # أو قوميا ، بل أنا رسول عالمي يواجه مشاكل الناس كلهم بالحلول الواقعية ~~المرتكزة على أساس مصالحهم في دنياهم وآخرتهم ... وهذا النداء الصادر في ~~مكة لأن الآية مكية يؤكد عالمية الرسالة الإسلامية ، خلافا لبعض آراء ~~المستشرقين الذين يرون أن دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت محلية في ~~البداية ، قبل أن تنطلق خارج النطاق المحلي في المدينة. ( @QUR@011 الذي له ~~ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ) فإذا كانت له هذه السيطرة ~~المطلقة على السموات والأرض والحياة والموت ، وإذا كان هو الإله الذي لا ~~إله غيره ، لأن كل من عداه مخلوق له ، فلا بد من أن يخضع ms2509 له في اتباع رسوله ~~في رسالته وإطاعة أمره ونهيه ، لأن ذلك هو مظهر الإقرار بوحدانيته ~~والاعتراف بالعبودية له. وقد استوحى العلامة الطباطبائي في الميزان أنها ~~«بمنزلة تعليل يبين بها إمكان الرسالة من الله في نفسها أولا ، وإمكان ~~عمومها لجميع الناس ثانيا ، فيرتفع به استيحاش بني إسرائيل أن يرسل إليهم ~~من غير شعبهم وخاصة من الأميين ، وهم شعب الله ، ومن مزاعمهم أنه ليس عليهم ~~في الأميين سبيل ، وهم خاصة الله وأبناؤه وأحباؤه. وبه يزول استبعاد غير ~~العرب من جهة العصبية القومية أن يرسل إليهم رسول عربي. وذلك أن الله الذي ~~اتخذه رسولا هو الذي له ملك السماوات والأرض ، والسلطنة العامة عليها ، ولا ~~إله غيره حتى يملك شيئا منها ، فله أن يحكم بما يشاء من غير أن يمنع عن ~~حكمه مانع يزاحمه ، أو تعوق إرادته إرادة غيره ، فله أن يتخذ رسولا إلى ~~عباده وأن يرسل رسوله إلى بعض عباده أو إلى جميعهم كيف شاء. وهو الذي له ~~الإحياء والإماتة ، فله أن يحيي قوما أو الناس جميعا بحياة طيبة سعيدة ، ~~والسعادة والهدى من الحياة ، كما أن الشقاوة والضلالة موت ..» (1). # ولكننا نتحفظ في استيحاء ذلك من هذه الفقرة ، لأن الظاهر منها ، بدليل PageV10P263 # الفقرات التالية ، أنها واردة في مجال تأكيد القوة المطلقة والهيمنة ~~الكلية لله ، كأساس للدعوة إلى الإيمان به والاستجابة لرسوله ... # * * * ### ||| ** دعوة للإيمان بالله ورسوله # ( @QUR@05 فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ) وهذا التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة ، فلم يقل آمنوا بي ، امتدادا لما سبق من كلامه ، لأنه يريد أن يؤكد ~~لهم الصفة التي تفرض عليهم موقف الإيمان والالتزام ، ويوحي إليهم بأن ~~الرسول الذي يدعوهم إلى الإيمان ، هو أول من يركز عقيدته على هذا الأساس ، ~~فهو ( @QUR@04 الذي يؤمن بالله وكلماته ) في كل ما أوحى به من كتبه ~~ورسالاته ، كإنسان يعيش الفكرة ويدعو لها ، فهو يتحرك من موقع المعاناة ~~الروحية التي انطلقت من الرسالة ، فتحولت إلى تجربة حية رائدة. وقد جرى ~~القرآن على هذا الأسلوب في تأكيد إيمان الرسول بما يدعو إليه ، للإيحاء بأن ~~صاحب الدعوة لا ms2510 بد له من أن يؤمن بها ويلتزم قبل أن يدعو الآخرين إليها ، ~~لا كمن يقود الناس نحو مسئولية معينة ثم يكون أول الهاربين منها. ( @QUR@03 ~~واتبعوه لعلكم تهتدون ) لأنه لن يقودكم إلا إلى الطريق المستقيم الذي ~~يوصلكم إلى النهايات السعيدة المشرقة في أقرب وقت. وربما كان التعليل ب ~~«لعل» التي لا تفيد معنى الحسم في النتائج ، للإيحاء بأن الاتباع يحمل ~~للنفس الحائرة روح الأمل والرجاء الكبير ، الذي يدفع الإنسان للامتداد في ~~هذا الاتجاه كوسيلة عملية للوصول إلى الهدى الواضح المشرق في نهاية المطاف. # * * * PageV10P264 ### ||| * الآية ### ||| * ( @QUR@08 ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) (159) # * * * ### ||| ** صفة الجماعة التي تعيش الإيمان في حياتها # لم يكن قوم موسى جميعا ضالين في ما يفكرون به من الباطل ، وما ينطلقون به ~~من الظلم ، بل كانوا فرقتين ، فللباطل فرقة جاحدة كافرة ، وللحق فرقة مؤمنة ~~مستقيمة ، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة : ( @QUR@04 ومن قوم موسى أمة ~~)، والأمة هنا وفي أكثر من آية قرآنية يراد بها الجماعة القليلة أو ~~الكثيرة التي تلتقي عند فكر واحد ، أو هدف واحد ... ( @QUR@02 يهدون بالحق ~~) فيحملون الدعوة للحق في رسالات الله رسالة يبشرون بها وينذرون ، من أجل ~~هداية الناس. # ( @QUR@02 وبه يعدلون ) أي وبالحق يقيمون العدل في ما يحكمون ويمارسون من ~~علاقات ومعاملات وأوضاع متنوعة تتصل بالحياة العامة والخاصة ... وتلك هي ~~صفة كل جماعة تعيش الإيمان في حياة أفرادها ، كرسالة وقضية ممتدة في كل ~~النشاطات الإنسانية ، فلا يجمدونه في ذواتهم ، ولا يتهربون من PageV10P265 # مسئولياته ، بل يعيشون الحياة كلها من خلاله. وقد أكثر المفسرون الحديث ~~عن شخصية هؤلاء القوم ، هل كانوا معاصرين لموسى عليه السلام أم أنهم متأخرون ~~عن زمانه؟ ونحن لا نجد كبير فائدة في تحديد ذلك ، لأننا لا نبحث التاريخ في ~~القرآن كحوادث تفصيلية ، ولكننا نبحث الفكرة والخط والعبرة ، ولذلك ، فنحن ~~نجمل ما أراد القرآن إجماله ونفصل ما يريد تفصيله. # ونريد أن نشير إلى نقطة أثارها صاحب تفسير الميزان ، في محاولة استيحاء ~~مدلول الآية في تعيين هؤلاء القوم بالأنبياء والأئمة الذين جاءوا من بعد ~~موسى ، وذلك ms2511 لأن الله وصفهم في كلامه «بالهداية كقوله تعالى : ( @QUR@010 ~~وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) [السجدة ~~: 24] وغيره من الآيات ، وذلك أن الآية ، أعني قوله : ( @QUR@05 أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون )، لو حملت على حقيقة معناها من الهداية بالحق والعدل ~~بالحق ، لم يتيسر لغير النبي والإمام أن يتلبس بذلك» (1). # إننا نعلق على ذلك ، بأن وصف هؤلاء القوم بأنهم ( @QUR@04 يهدون بالحق ~~وبه يعدلون ) لا يفرض العصمة في كل أقوالهم وأفعالهم ، فلا يقعون في الخطأ ~~في شيء من ذلك ، بل يكفي في صدق هذا الوصف أن يكون الحق هو المنهج الذي ~~يسيرون عليه ، والقاعدة التي ينطلقون منها في مسيرة الهداية والعدل ، بعيدا ~~عن كل التفاصيل التي يمكن أن يقع الخطأ في تطبيقاتها العملية ، إذ لا مانع ~~من القول بأن فلانا يهدي بالحق ويحكم بالعدل ، إذا كان ينطلق في هدايته ~~وحكمه من شريعة الحق والعدل ، ولذلك فإننا لا نوافقه على هذه الاستفادة أو ~~الاستيحاء ، مع الإشارة إلى ملاحظتنا السابقة ، بأن الحديث في تحديد ~~الموضوع غير مهم. # * * * PageV10P266 ### ||| * الآيات # ( @QUR@043 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) @QUR@020 وإذ قيل لهم ~~اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر ~~لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) @QUR@017 فبدل الذين ظلموا منهم قولا ~~غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) ~~@QUR@027 وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما ~~كانوا يفسقون ) (163) # * * * PageV10P267 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقطعناهم ): صيرناهم قطعا وفرقا. # ( @QUR@01 أسباطا ): جمع سبط ، والسبط في لغة بني إسرائيل هو القوم أو ~~القبيلة. # ( @QUR@01 أمما ): جمع أمة ، ويراد بها الجماعة. # ( @QUR@02 استسقاه قومه ): طلبوا منه الماء للسقيا. # ( @QUR@01 فانبجست ): انفجرت. # ( @QUR@01 المن ): قيل هو شيء كالطل فيه ms2512 حلاوة يسقط على الشجر. # ( @QUR@01 والسلوى ): طائر. # ( @QUR@01 يعدون ): يظلمون ، وأصله مجاوزة الحد. # ( @QUR@01 حيتانهم )؛ حيتان : جمع حوت ، وأكثر ما يسمي العرب الحيتان ~~والنينان. # ( @QUR@01 شرعا ): الشرع أصله الظهور ، ومنه الشرعة والشريعة ، وهو ~~الظاهر المستقيم من المذاهب. # * * * ### ||| ** قوم موسى يتوزعون على اثنتي عشرة فرقة # ويتابع القرآن الحديث عن تفاصيل أوضاع قوم موسى ، في ما أنعم الله عليهم ~~من نعمه وما واجهوه به من جحود ونكران ... ( @QUR@03 وقطعناهم اثنتي عشرة PageV10P268 # @QUR@01 أسباطا ) أي اثنتي عشرة قبيلة. ( @QUR@01 أمما ) فقد تحولوا إلى ~~جماعات وقبائل ، لكل واحدة منها رئيس وتقاليد وموقع ، وعاشوا في بيئة قل ~~فيها الماء أو انعدم ، فطلبوا إلى موسى أن يسقيهم الماء ، لأنهم عرفوا من ~~خلال تجاربهم معه أنه يملك من الله كرامة تتيح له الحصول على ما يريده ، ~~استجابة لدعائه ، وتأييدا لموقعه. # ( @QUR@011 وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر ~~فانبجست )، أي انفجرت ، ( @QUR@09 منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم )، لئلا يختلفوا فيما بينهم عند توزيع الماء عليهم ، لأن الله يريد ~~لهم الخير ليشربوا من دون مشاكل ومتاعب. ( @QUR@012 وظللنا عليهم الغمام ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ) واشكروا الله على ~~ذلك بالعمل بما يرضيه والابتعاد عما يسخطه. ولكنهم كفروا وتمردوا وانحرفوا ~~عن طاعة الله ، فعاقبهم على ذلك في الدنيا والآخرة ، جزاء على ما فعلوه. ( ~~@QUR@06 وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). وقد تقدم الحديث عن بعض ~~تفاصيل هذه الآية ، لدى تفسيرنا الآية 57 من سورة البقرة ، كما وقد تم ~~الحديث عن الآيتين [161 162] وإذ قيل .. يظلمون في تفسير الآيتين [58 59] ~~من سورة البقرة (1)، لأنهما تكرير لهما مع بعض الفروق البسيطة جدا. # * * * ### ||| ** الله يكشف تمرد بني إسرائيل # ( @QUR@07 وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ). الضمير يعود إلى PageV10P269 # اليهود الذين كانوا في المدينة ، فقد أراد الله من نبيه أن يسألهم عن حال ~~أهل هذه القرية التي كانت واقعة على ساحل البحر. ( @QUR@04 إذ يعدون في ~~السبت ) أي يتجاوزون أمر الله في الامتناع عن الصيد في يوم السبت ( @QUR@06 ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ms2513 ) أي ظاهرة على وجه الماء ، فلا يملكون ~~أنفسهم من الإقبال على صيدها طمعا في الحصول عليها. ( @QUR@03 ويوم لا ~~يسبتون ) أي عند ما لا يكون يوم السبت ، ويكون الصيد مباحا لهم ، فإن ~~الحيتان لا تأتيهم. ( @QUR@02 كذلك نبلوهم ) ونختبرهم بهذا التكليف الصعب ~~عقوبة لهم ( @QUR@03 بما كانوا يفسقون ). فقد أراد الله أن يظهر حالهم ~~وتمردهم عليه ، فأرسل إليهم السمك في اليوم الذي حرم عليهم فيه الصيد ، ~~وأمسكه عنهم في اليوم الذي أباحه لهم. ويقال : إن بعضهم قد توصل إلى حيلة ~~معينة لتجاوز هذا النهي بطريقة غير مباشرة ، فحفروا أخاديد ومسارب تتصل ~~بالماء تنفذ الحيتان منها إلى الأخاديد ، ولا تستطيع الخروج ، فكانوا ~~يأخذونها يوم الأحد ويقولون : نحن نصطاد يوم الأحد لا يوم السبت ، فأنكر ~~عليهم جماعة منهم وزجروهم عن هذا الاحتيال والتلاعب بالدين ، وحذروهم من ~~بأس الله وعذابه ، فلم يتعظوا. # * * * PageV10P270 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) @QUR@018 فلما نسوا ما ~~ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما ~~كانوا يفسقون (165) @QUR@011 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين (166) @QUR@019 وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم)) (167) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 معذرة ): عذرا. # ( @QUR@01 بئيس ): شديد. # ( @QUR@01 عتوا ): عصوا ، وخرجوا إلى أفحش الذنوب. PageV10P271 # ( @QUR@01 خاسئين ): صاغرين ومبعدين. # ( @QUR@01 تأذن ): من الأذان وهو الاعلام. # ( @QUR@01 يسومهم ): يذيقهم. # * * * ### ||| ** اختلاف المؤمنين من بني إسرائيل في الموقف من المتمردين منهم # وتعاظم التمرد على الله في وسط بني إسرائيل ، واختلف المؤمنون الطائعون ~~لله في تحديد الموقف من أولئك المتمردين ، وفي طريقة مواجهتهم ، فكان بينهم ~~اليائسون الذين يرون عدم الجدوى في أساليب الوعظ والإرشاد ، لأن القوم قد ~~تجاوزوا الحدود الطبيعية في الفسق والعصيان ، وقطعوا شوطا بعيدا في هذا ~~الاتجاه ، وأغلقوا آذانهم وقلوبهم عن أية كلمة هادية ناصحة ، وكان بينهم ~~الرساليون الذين يشعرون بأن الدعوة يجب أن تحرك في كل أفق ، لتشرق فيه مهما ~~كانت أوضاع الظلام ms2514 في أجوائه ، وأن الكلمة الواعظة الناصحة يجب أن تقال لكل ~~إنسان ، لتبعث فيه الإيمان والصلاح ، مهما كانت قوة عناصر الفساد والضلال ~~في داخله ، لأن هناك جانبا من الخير يتحرك دائما في قلب الإنسان إلى جانب ~~العوامل الأخرى ، فلا بد لنا أن نرعاه ونقويه ، ونستفيد من كل فرصة ممكنة ~~في إيقاظه وتنميته ، من أجل إفساح المجال له لدفع الإنسان إلى الاتجاه ~~الصحيح. ولا مجال لليأس في حركة الرسالة في الحياة ، لأن عملية النمو ~~والتحرك ، لا تواجه الساحات الخالية من التعقيد ، بل تواجه الساحات المعقدة ~~التي تتشابك فيها المشاكل وتتعقد فيها الأوضاع ، PageV10P272 # وتتمرد فيها الأفكار ، لتفتح طريقا هنا ، ونافذة هناك ، وتثير في موقع ~~آخر كثيرا من التساؤلات التي تفتح في حركة الوجدان بعض الانفتاح على ~~الحقيقة ، من خلال ما تحدثه من الاهتزاز الداخلي في الإنسان ، وربما كان ~~السر في ذلك أن الإنسان ليس كيانا جامدا لتتجمد فيه المواقف ، أو تتحجر ~~لديه الأفكار ، بل هو كائن متحرك قابل للتأثر بعوامل التغيير التي قد تنفذ ~~إلى تفكيره أو أحاسيسه ، وتوحي له بضرورة استبدال اتجاه حركته باتجاه آخر ~~.. وهكذا ينبغي للعاملين أن يرصدوا الحالات الفكرية والشرعية والاجتماعية ~~للانطلاق منها إلى آفاق جديدة في حركة الرسالة في الحياة الإنسانية. # * * * ### ||| ** الإصرار على الإصلاح معذرة إلى الله # ( @QUR@04 وإذ قالت أمة منهم ) لأمة أخرى كانت تقوم بمهمة الوعظ والإرشاد ~~للمتمردين العاصين ( @QUR@09 لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا )، لأنهم تجاوزوا كل الحدود المعقولة في ضلالهم وعصيانهم ، مما يجعل ~~من الوعظ شيئا عقيما لا جدوى منه؟! فقد ساهمت تصرفاتهم في غضب الله عليهم ~~بالمستوى الذي لا مجال فيه إلا لهلاكهم وتعذيبهم عذابا شديدا. # ( @QUR@04 قالوا معذرة إلى ربكم )، لنعذر إلى الله بأننا قد قمنا ~~بواجبنا في تجربة الدعوة إليه ، وفي الإعلان عن رفضنا لهذا الخط المنحرف ~~بطريقة إيجابية في سبيل التغيير ... وربما كان في كلمة «ربكم» بدلا من كلمة ~~«ربنا» بعض الإيحاء لهؤلاء المعترضين بأن المسألة ليست مسألتنا ، فلا بد ~~لكم أن تقدموا العذر إلى ربكم في الموقف ، كما ms2515 يجب أن نقدمه إليه في ~~أسلوبنا العملي ، لأنه ربنا وربكم. PageV10P273 # ( @QUR@02 ولعلهم يتقون ) فإذا كان هناك احتمال واحد للوصول إلى نتيجة ~~إيجابية في خط التقوى لديهم ، فيجب أن يلاحق في تجربة عملية واعية ، لأن من ~~الممكن أن تنجح التجربة الأخيرة في ما لم تنجح فيه التجارب السابقة ، مما ~~لا يجعل مجالا لليأس ... ثم ما معنى أن يفكر الدعاة إلى الله في الانسحاب ~~من الساحة أمام عوامل اليأس ، في الوقت الذي تفرض عليهم فيه الدعوة محاربة ~~كل هذه العوامل السلبية ، ومواجهتها بصبر وثبات ، ليفتحوا في داخلها عناصر الأمل. # * * * ### ||| ** الله يمسخ المصرين على الكفر قردة # ( @QUR@05 فلما نسوا ما ذكروا به ) ولم يفتحوا قلوبهم على الذكرى الواعية ~~التي تفتح القلوب على الله ، وواجهوها بطريقة اللامبالاة ، بعيدا عن أية ~~مسئولية عامة أو خاصة ، ( @QUR@05 أنجينا الذين ينهون عن السوء ) من العذاب ~~الذي حل بهؤلاء ، ( @QUR@03 وأخذنا الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر والضلال ( ~~@QUR@05 بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )، وذلك هو جزاء الفاسقين الذين لا ~~ينفتحون على الموعظة ، ولا يلجأون إلى الفكر والتأمل في قضايا العقيدة ~~والحياة ... ( @QUR@06 فلما عتوا عن ما نهوا عنه )، وتمردوا على الله ، ~~فعصوا أوامره ونواهيه ، وبالغوا في ذلك ، مسخناهم و ( @QUR@05 قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين )، وذلك هو غاية عقاب الدنيا قبل عقاب الآخرة. # * * * PageV10P274 ### ||| ** عذاب بني إسرائيل إلى يوم القيامة # ( @QUR@03 وإذ تأذن ربك ) أي أعلم رسله ( @QUR@05 ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة ) في إيحاء بالقسم ، في استمرار العذاب ما داموا مستمرين على هذا ~~الخط المنحرف البعيد عن الله ( @QUR@04 من يسومهم سوء العذاب ) فيعذبهم ~~ويواجههم بكل وسائل الضغط والإذلال والتعذيب ... وليس معنى ذلك أن لا تكون ~~هناك مرحلة من المراحل تعطيهم بعض الأمن أو الراحة ، لأن قضية الامتداد إلى ~~يوم القيامة تعني الامتداد في حجم الظاهرة العامة ، بالمستوى الذي يوحي ~~بالاستمرار الذي لا تقف فيه الراحة عند حد عنصري ضد الآخرين من غيرهم ، ~~انطلاقا من شعورهم بالتفوق الذاتي على كل الناس ، مما يخلق في داخلهم شعورا ~~دائما بالاضطهاد في أي موقع من مواقع الامتيازات المادية أو المعنوية التي ~~يملكها ms2516 الآخرون ، باعتبار أنها مسلوبة منهم ، لأنها من حقوقهم ولأن الحياة ~~لهم بأجمعها ، في ما تمثله شخصية شعب الله المختار. # وقد يغريهم ذلك بالتخطيط العدواني ضد الشعوب التي يعيشون بينها ، بما ~~يملكون من وسائل دقيقة خفية تهيئ لهم السيطرة على مرافق الحياة السياسية ~~والاجتماعية والاقتصادية العامة ، مما يمكنهم من الاعتداء على حرية هذه ~~الشعوب وتقدمها في جميع المجالات. ومن الطبيعي أن مثل هذه المخططات لا بد ~~من أن تثير الكثير من عوامل الحقد المضاد ، ومن ردود الفعل الأخرى في اتجاه ~~مواجهة العدوان بمثله ، ومن المشاعر السلبية ضد اليهود في شعور خفي ~~بالعداوة التي تبحث عن متنفس لها في الممارسات العملية على مستوى العلاقات ~~العامة والخاصة ، وبذلك يتحول هذا الصراع النفسي إلى صراع حاد متحرك في ~~اتجاه القضاء على هذه الروح العنصرية الحاقدة ، ما دامت مستمرة في تآمرها ~~وعدوانها ... وربما كان للتربية المعقدة PageV10P275 # التي تخضع لها عملية التوجيه الداخلي للإنسان اليهودي ، وللقوانين ~~الصارمة التي تتحرك فيها مبادئ الانتماء إلى الشخصية اليهودية ، الأثر ~~الكبير في استمرار المجتمع اليهودي المنغلق على نفسه ، مما يمنع من ولادة ~~جو منفتح على الحياة من خلال المبادئ الإنسانية والروحية في قيم الدين ~~والحياة ، لأن تلك المبادئ لم تنطلق لديهم كقيمة روحية إيمانية ، بل انطلقت ~~كوجه من وجوه النشاط الذي يتيح لهم إمكانية استغلال الشعوب الأخرى التي ~~تؤمن بها إيمانا حقيقيا من أقرب طريق ... وهكذا يستمرون في إثارة عداء ~~الشعوب لهم ، حتى في أوج قوتهم وسيطرتهم ، فتذيقهم تلك الشعوب العذاب بطرق ~~مختلفة ، وذلك هو عذاب الله الذي يذيقه للمتمردين الحاقدين بما كسبوا من ~~جرائم وأعمال. ( @QUR@04 إن ربك لسريع العقاب ) في موضع العذاب والنقمة ، ( ~~@QUR@03 وإنه لغفور رحيم ) في موضع العفو والرحمة. # * * * PageV10P276 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (168) @QUR@040 فخلف من بعدهم خلف ورثوا ~~الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ~~ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ~~والدار ms2517 الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) @QUR@010 والذين يمسكون ~~بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) @QUR@019 وإذ نتقنا ~~الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون ) (171) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@04 وقطعناهم في الأرض أمما ): فرقناهم جماعات. # ( @QUR@01 فخلف )؛ بسكون اللام : قوم لاحقون أشرار ، وبفتحها أخيار. PageV10P277 # ( @QUR@01 عرض )؛ العرض : الشيء الزائل الذي لا ثبات له. # ( @QUR@01 ودرسوا ): قرءوا. # ( @QUR@01 يمسكون ) بالشيء : يعملون به ، ويعتصمون. # ( @QUR@01 نتقنا ): رفعنا أو قلعنا. # ( @QUR@01 ظلة ): كل ما أظلك فهو ظلة بضم الظاء. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل يتفرقون في الأرض جماعات # ( @QUR@04 وقطعناهم في الأرض أمما ) وتفرقوا في الأرض جماعات ، ففي كل ~~بلد جماعة ، وتفرقوا في الاتجاهات ، فلكل اتجاه في طريق الخير والشر وفي خط ~~الصلاح والفساد. ( @QUR@02 منهم الصالحون ) الذين أصلحوا أمرهم في العقيدة ~~وفي العمل ( @QUR@03 ومنهم دون ذلك )، أي في المرتبة السفلى ، وهم غير ~~المؤمنين ، ممن أفسدوا على أنفسهم أمر الحياة في الفكر والأسلوب والممارسة ... # ( @QUR@05 وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) فعاشوا الصحة ~~والمرض ، والشدة والرخاء ، والأمن والخوف ، والنعماء والضراء ، من أجل أن ~~يرجعوا إلى الله ويلجأوا إليه في أوقات البلاء ، ويعرفوا نعمه وألطافه في ~~أوقات العافية ، فيعمق ذلك إيمانهم ، ويقوي إرادتهم في اتجاه الخير ، ولكن ~~الحال بقيت على ما هي عليه ، حتى جاء الجيل الجديد الذي يحمل الكتاب ، لا ~~كرسالة للحياة من أجل رفع مستواها وتحقيق أهدافها الكبرى ، بل كسلعة من سلع ~~التجارة من أجل تحقيق الربح المادي ، ولذلك فهم يستغلون بعض المفاهيم ~~الغائمة ليستفيدوا منها في عمليات التضليل ، ويحرفون بعض PageV10P278 # المفاهيم عن مواقعها الحقيقية ليصلوا من خلالها إلى أطماعهم وغاياتهم ~~المنحرفة ... # ( @QUR@010 فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ) من ~~مال وجاه وشهوات وغير ذلك من متاع الحياة الدنيا ، ويسخرونه في معصية الله ~~، ( @QUR@03 ويقولون سيغفر لنا ) لأننا شعب الله المختار ، فلا يمكن أن ~~يعذبنا الله بذنوبنا ، أو يؤاخذنا على أعمالنا ، لأن الله لا يعذب شعبه. ( ~~@QUR@05 وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) لأنهم يعيشون حياتهم من أجل الحصول ~~على هذا العرض الزائل ، فلا يكتفون بفرصة واحدة ms2518 في سبيل تحقيق غاياتهم ، بل ~~يعملون على انتهاز أية فرصة جديدة في الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب ~~المادية. # * * * ### ||| ** الله يناقش الأوضاع المنحرفة لليهود # وينطلق القرآن ليناقش أوضاعهم المنحرفة التي لا تتفق مع المواثيق والعهود ~~الإلهية ، التي ألزم بها عباده من أجل الالتزام بالمنهج الحكيم الذي يركز ~~الحياة على قاعدة ثابتة من الحق والعدل والاستقامة على الطريق السوي ... ( ~~@QUR@012 ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق )؟! ~~فكيف التزموا بالباطل وأعلنوه ودعوا إليه ، ونسبوه إلى الله بغير علم ولا ~~هدى؟! هل يمكن أن ينسبوا أنفسهم إلى الجهل ، وهم قد أخذوا الكتاب ( @QUR@03 ~~ودرسوا ما فيه ) وفهموا أحكامه وقضاياه؟ فما معنى هذا السلوك المنحرف ، وهم ~~يدعون الإيمان بالله وبالكتاب؟ ولكن القضية ليست قضية علم أو جهل ، بل هي ~~قضية أطماع وشهوات تختفي وراء كثير من الأقنعة والواجهات ، بعيدا عما هو ~~العهد والميثاق والكتاب ... PageV10P279 # ( @QUR@05 والدار الآخرة خير للذين يتقون ) ويلتزمون بعهد الله وميثاقه ، ~~ويعملون بكتابه. ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) وتفكرون في النتائج السلبية ~~والإيجابية على مستوى الدنيا والآخرة ، فإنكم لو انطلقتم مع العقل في ~~موازينه ومقاييسه ، لاستطعتم اكتشاف كثير من السلبيات في ما تعملون ، وكثير ~~من الإيجابيات في ما ينبغي أن تعملوه مما تركتموه وراء ظهوركم. وذلك هو ~~نموذج هؤلاء الذين أضاعوا الكتاب. ( @QUR@05 والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة ) وهم الذين يحولون مفاهيمه إلى عقيدة وحركة حياة ، ويقيمون الصلاة ~~كتعبير عن عبوديتهم لله وخضوعهم له ، فإن الله سيجزيهم أفضل جزاء المحسنين ~~المصلحين في الدنيا والآخرة. ( @QUR@05 إنا لا نضيع أجر المصلحين ) الذين ~~انطلقوا في الحياة من موقع الصلاح والإصلاح في حياة أنفسهم وفي حياة ~~الآخرين. # * * * ### ||| ** الله يرفع الجبل فوق اليهود كالغمام # ( @QUR@07 * وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة )، أي قلعناه ورفعناه فوقهم ~~تماما كما لو كان غماما يظلهم. ( @QUR@04 وظنوا أنه واقع بهم )، لأنهم لم ~~يجدوا شيئا يمسكه ويمنعه من الوقوع عليهم ، ولكنها قدرة الله التي لم ~~ينتبهوا إليها. وتلك هي المعجزة التي جمعت جانب التخويف إلى جانب إظهار ~~عظمة الله وسر قدرته ، من أجل ms2519 أن يأخذوا الكتاب في عقيدته وشريعته بقوة ~~الالتزام والممارسة والدعوة ... ( @QUR@07 خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه ) من هداية وخير وصلاح ، ولا تضعفوا أمام التحديات الصعبة التي تواجهكم ~~من قبل الأعداء ، ( @QUR@02 لعلكم تتقون ) في ما تنطلق به القوة من جهة ~~والوعي من جهة أخرى ، من موقف التقوى الذي يدفع الإنسان إلى اللقاء بالله ~~على أساس متين. # * * * PageV10P280 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~(172) @QUR@015 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) @QUR@05 وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ~~) (174) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذريتهم )؛ الذرية : سلالة الإنسان من ذكور وإناث. # * * * ### ||| ** فطرة الإنسان تشهد لله تعالى بالربوبية # إن الله يؤكد في آياته على إقامة الحجة على الناس ، في ما منحهم من وسائل ~~الهداية ودلهم عليه من سبلها ، فلا حجة لهم في كفر أو في معصية ، بالرغم من ~~محاولتهم التعلق ببعض الأوهام التي يعتبرونها أساسا لما يسيرون PageV10P281 # فيه من طرق الضلال ، أو ينحرفون به من سبيل ... وفي هذه الآيات بعض ~~الحديث عن ذلك. # ( @QUR@09 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فقد أودع في أصلاب ~~الرجال النطف التي يخلق منها الذرية بالوسائل الطبيعية ، على أساس ما جعله ~~من قوانين الخلق والإيجاد ( @QUR@05 وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم )؟ ~~ولكن هل كان هذا الإشهاد جماعيا دفعة واحدة ، أو كان تدريجيا على أساس ~~السنة الطبيعية للخلق في إخراج الأبناء من أصلاب الآباء؟! ليس هناك في ~~الآية ما يؤكد الاحتمال الأول ، لأن مجرد الحديث عن الموضوع بطريقة الجمع ~~لا يدل على ذلك ، لأن الطريقة القرآنية جرت على الحديث عن القضايا ~~الإنسانية التي تخضع لعنوان واحد أو موقف مشترك بأسلوب يوحي باعتبارها ~~ظاهرة واحدة ، في الوقت الذي لا تكون مثل هذه القضايا مجموعة في زمان واحد ~~، لأن الهدف هو الحديث عن الفكرة المشتركة التي تجمع الكل ، بعيدا عن طبيعة ~~الخصوصيات الفردية المتمثلة فيها على صعيد ms2520 وجودها الخاص ، بل ربما نجد ما ~~يؤكد الاحتمال الثاني ، لأن الظاهر أن إخراج الذرية من الظهور وارد على ~~سبيل الكناية عن عملية الخلق والإيجاد الفعلي ، كما في الآيات التي تتحدث ~~عن خلق الناس جميعا من دون تفصيل للطريقة التدريجية في ذلك. وإذا كان الأمر ~~كذلك ، كانت المسألة ظاهرة في تدريجية الوجود ، لأن الخلق الفعلي كان على ~~هذا الأساس. # وعلى هذا ، فإن المراد بالإشهاد ، هو الإشهاد المنطلق من عملية الخلق ، ~~في ما أودعه الله في كل واحد من الدلائل والبراهين على وجوده وتوحيده ، من ~~خلال الفطرة التي أودعها في تكوين الإنسان ، مما تعتبر شاهدا على قضية ~~الإيمان في ما توحي به من أفكار ، وما تثيره من مشاعر ، إذا لم ينحرف بها ~~الإنسان عن مسارها الطبيعي بسوء اختياره. وبهذا يكون كل فرد من بني آدم ~~شاهدا على نفسه بفطرته التي تنطق بذلك ، بنفس حركة الوجود في PageV10P282 # كيانه من دون كلام ، لأن الفطرة تحس بالحاجة إلى الله في كل شيء ، ~~فالإنسان لا يملك أية إمكانية للوجود ، أو إمكانية لاستمراره بعيدا عن الله ~~، مما يجعل من وجوده وجودا مرتبطا بالله في كل شيء. ففي كل نبضة من نبضاته ~~هاتف يهتف بالوحدانية. ( @QUR@03 قالوا بلى شهدنا ) بأنك أنت الله ربنا لا ~~إله إلا أنت ، منك الحياة ، وبإرادتك تستمر بنا. # ( @QUR@09 أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) أي لئلا تقولوا ~~في حالة اختياركم للخط المنحرف في الإيمان والعمل ، أو تحتجوا بالغفلة ~~الفكرية والروحية عن مسألة الوحدانية ، لأنكم لا تملكون الأساس الذي يبعث ~~فيكم اليقظة الوجدانية التي توحي بالحقيقة ، فإن الفطرة الإنسانية تعتبر ~~أساسا لحركة الوعي الإيماني في كيان الإنسان. ( @QUR@011 أو تقولوا إنما ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) أو تحتجوا بأن قضية الإشراك لم ~~تكن حالة ذاتية اختيارية ، بل كانت خاضعة للوضاع الطبيعي العفوي الذي يخضع ~~فيه الأبناء للسير على خط الآباء ، في ما يعتقدون ويعملون ، في عملية ~~محاكاة وتقليد لا يملك الإنسان معها أية إرادة مضادة فاعلة ، وبذلك يكون ~~الآباء هم المسؤولون ms2521 عن عملية الكفر والضلال ، فلا مسئولية لنا في ذلك. ( ~~@QUR@04 وكنا ذرية من بعدهم )، فتأثرنا بهم بما تتأثر به كل ذرية بالجيل ~~السابق. # ( @QUR@04 أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) الذين اختاروا الباطل بملء وعيهم ~~وإرادتهم ، بينما كنا خاضعين في عملية الانتماء لأجواء عاطفية ضاغطة ، لا ~~نملك إلا السقوط أمامها في التجربة الصعبة ، وكيف تهلك الذين انتموا للباطل ~~بوحي العاطفة بسبب أفعال الذين عاشوا فيه بالإرادة والاختيار؟ ( @QUR@03 ~~وكذلك نفصل الآيات ) للناس ليفهموا كيف يواجهون المسؤولية من موقع الوعي ~~المنفتح على حركة الإيمان في الحياة ، ( @QUR@02 ولعلهم يرجعون ) إلى الله ~~، فيستقيموا في طريق الحق عند ما يستبين لهم الجانب المشرق من الأفق ~~الواسع. # * * * PageV10P283 ### ||| ** هل ثمة عالم آخر اسمه عالم الذر؟ # هذا بعض ما نستوحيه من هذه الآيات ، ولكن بعض المفسرين فهموا منها معنى ~~آخر ؛ فقد قالوا إن هناك عالما آخر تشير إليه ، وهو «عالم الذر» الذي تحدثت ~~عنه بعض الروايات ، واعتبرت الآية الأولى دليلا عليه. فقد جاء في هذه ~~الروايات أن الله عند ما خلق آدم ، أخرج من ظهره ذريته كمثل الذر حتى ملأوا ~~الفضاء من حوله ، فأخذ الله عليهم العهد بالإيمان به ، والسير على هديه ، ~~وأشهدهم على أنفسهم بأنه الله الذي لا إله إلا هو ، فشهدوا بذلك وأعطوه ~~العهد على أنفسهم به ، ليكون ذلك حجة من الله عليهم عند ما ينحرفون عن خط ~~الإيمان والطاعة ، فلا يستطيعون بعد ذلك الاحتجاج بالغفلة عن الحق ، ~~وبسيطرة عقيدة الآباء عليهم. # وهكذا اعتبرت الآية دليلا على هذا الموضوع ، ولكن كثيرا من العلماء ~~أنكروا ذلك ، لقصور الأدلة التي أقامها المثبتون عليه ، ولأن الحجة لا تقوم ~~على الإنسان بما كان قد اعترف به في عالم الذر ، لغفلته عن أصل الموضوع ~~وعدم تذكره له من قريب أو بعيد ، مهما حاولت الآيات والأحاديث تذكيرهم به ، ~~فلا يبقى هناك فرق بين الغفلة الأصلية التي لم يسبق للإنسان فيها المعرفة ، ~~أو الغفلة الطارئة التي جاءت بعد المعرفة في عالم آخر لا ربط له بهذا ~~العالم أصلا. ثم إن الآية لا تنهض دليلا على ذلك ، فإن ms2522 المذكور فيها أنه ~~أخرج من ظهور بني آدم وذرياتهم ، بينما تقول الروايات أنه أخرج من ظهر آدم ~~ذريته. وقد جرت مناقشات كثيرة في هذا الموضوع ، من حيث الدفاع عن فكرة ~~«عالم الذر» وعن انطباق الآية عليه ... وقد ذكرها صاحب تفسير الميزان (1)، ~~فليرجع إليه من أراد ، فإننا لا نجد كبير فائدة في الإفاضة في هذا الموضوع. # * * * PageV10P284 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين (175) @QUR@030 ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) (176) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نبأ ): خبر له شأن. # ( @QUR@02 فانسلخ منها ): تجرد منها. # ( @QUR@01 أخلد ): سكن وركن. # ( @QUR@01 يلهث ): يخرج لسانه وهو يتنفس بشدة نتيجة العطش أو الإعياء. # * * * PageV10P285 ### ||| ** مثل الذي أخلد إلى الأرض كمثل الكلب # وهذا حديث عن شخص من بني إسرائيل ، قيل إن اسمه بلعم بن باعورا كان يملك ~~الاسم الأعظم ، وقيل إنه شخص معاصر للدعوة الإسلامية ، كان يعرف الكثير من ~~آيات الله وتعاليمه ، ولكن هذا الشخص انحرف عن الخط المستقيم ، فلم ينتفع ~~بما يملك من المعرفة ، ولم ينفتح على الآفاق الرحبة العالية التي ترفعه إلى ~~الله في عملية سمو وطهر وإيمان ، بل هوى إلى الأرض في حالة انحطاط روحي ~~وفكري ، فلم يتطلع إلا إلى الأجواء السفلى التي تربط مطامحه بالتراب ولا ~~شيء إلا التراب ... وهذا ما نريد أن نتابعه مع هاتين الآيتين : # ( @QUR@06 واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) في ما رزقناه من وسائل ~~المعرفة ، في ما يهدي إليه العقل أو الوحي ، ( @QUR@02 فانسلخ منها ) ~~وابتعد عنها في عملية رفض وانحراف ؛ ( @QUR@09 فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها )، لأن الفكر الذي تمثله هو فكر الذري ~~الشماء الذي ينظر إلى أعالي الأمور ولا يتطلع إلى أسافلها ، حيث الروحية ~~المنفتحة على الله في آفاق المطلق. # ( @QUR@04 ولكنه أخلد إلى الأرض ) والتصق بها ، وأقبل عليها في عبادة ~~وخضوع ونهم إلى التراب. والالتصاق بالأرض ، يعني الانغماس في القيم المادية ms2523 ~~التي لا تنبض فيها خفقة من قلب ، ولهفة من روح ، ونبضة من وحي ، بل تتجمع ~~فيها كل أنانية النفس الأمارة بالسوء ، وشهوات الجسد الباحث أبدا عن المتعة ~~الحسية ، وأطماع الذات التي لا تفكر إلا بمطامعها ولو على حساب الآخرين ... ~~وبذلك يسترخي الإنسان مع أجواء السعادة الحسية المادية ، ويستريح للخطوات ~~اللاهثة وراء الرغبة ، ويبتعد رويدا رويدا عن كل آفاق الروح الباحثة أبدا ~~عن المطلق في رحاب الله ، حيث يعيش الإنسان إنسانيته في أريحية القيم ( ~~@QUR@02 واتبع هواه )، فجعله القاعدة التي ينطلق منها في كل أقواله ~~وأعماله وعلاقاته وانتماءاته ، وإذا كان الهوى هو القاعدة ، فمعنى ذلك أن ~~الضياع هو الأفق ، وأن الرمال المتحركة هي الأرض ، وأن الضباب هو خط PageV10P286 # الرؤية للحاضر والمستقبل ، وبذلك يختلط عليه الحق والباطل ، والخير والشر ~~، ويعيش الاهتزاز في الموقف ، فلا يسكن إلى فكر ، ولا يستريح إلى موقع ، ~~ففي كل يوم هوى يشده إلى طمع ، ويهوي به إلى الحضيض ، وينقله من القمة إلى ~~أعماق الهوة في لحظات. إنه المزاج الذي يحرك صاحبه تبعا للحالات الطارئة ، ~~في ما تتفتح عنه من غرائز ، وما تستجيب له من شهوات ، وما تتجه إليه من ~~نزوات وأطماع. # ( @QUR@010 فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) لأن هذا ~~اللهاث الذي يتصاعد منه ليس وليد موقف دفاعي ، أو نتيجة حركة عقلانية ، بل ~~هو حالة جسدية تخضع لحاجات الجسد ، وتلتقي بجانب الغريزة ، ولهذا فإن ~~تذكيره بجوانب المعرفة عنده لا يجديه شيئا ، لأنه قد أغلق قلبه عن كل ~~إيحاءاتها ، وجمد مشاعره عن كل أحاسيسها ، واتجه بكل كيانه إلى هذا اللهاث ~~في أحاسيس الشهوة ، وإيحاءات الطمع والنزوة. # ( @QUR@06 ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) وانحرفوا عنها ، وساروا ~~من خلال ذلك في طريق الضلال ... إنهم القوم الذين لا يريدون أن ينتفعوا بما ~~يعرفون ، ولا يحاولون أن يتطلعوا في آفاق المعرفة إلى ما لا يعرفون ، ~~فالمعرفة عندهم ترف يتحركون فيه من مواقع الحاجة إلى الترف ، وليست رسالة ~~للحياة يحركونها من أجل بناء النفس على ما يخدم رسالة الحياة. ( @QUR@02 ~~فاقصص القصص ) على ms2524 هؤلاء الذين تدعوهم إلى الحق ، ليعيشوا تجارب الآخرين من ~~خلال القصة ، لا ليستهلكوها لتكون مجرد كلمات لاهية تملأ لديهم أوقات ~~الفراغ. ( @QUR@02 لعلهم يتفكرون )، فيقارنون بين حياتهم وحياة أولئك ~~الذين عاشوا في أحداث تلك القصص ، ويعرفون النتائج السلبية في حياتهم ~~المستقبلية إذا ساروا على النهج الذي سار عليه أولئك ، من خلال دراستهم ~~للعاقبة السيئة التي انتهى إليها أمرهم في الماضي. # * * * PageV10P287 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ~~(177) @QUR@010 من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ~~@QUR@030 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون ) (179) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذرأنا ): أنشأنا وخلقنا وأحدثنا. # * * * ### ||| ** الكافرون كالأنعام بل أضل سبيلا # ( @QUR@06 ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ) لأنه مثل الحياة التي لا ~~تبحث في حركتها عن الخير الذي يبني للإنسان شخصيته على أساس الحق في جانب PageV10P288 # الفكر والعمل ، بل تبحث عن الشر الذي يهدم ذاته ويوجهها في اتجاه الهلاك ~~، فالإنسان الإنسان ، هو الذي يعرف الحق فيتبعه ، ويعرف الباطل فيجتنبه ... ~~( @QUR@03 وأنفسهم كانوا يظلمون ) لأنهم يسيئوا إلى أنفسهم عند ما يمنعون ~~عنها الانفتاح على الغايات الخيرة السعيدة المنطلقة من الله. # ( @QUR@05 من يهد الله فهو المهتدي ) في ما يتحرك به من السير على هدى ~~الله في وحيه ، ( @QUR@02 ومن يضلل ) في ما ينحرف به باختياره عن النهج ~~السوي للهداية ، ( @QUR@03 فأولئك هم الخاسرون ) الذين خسروا الدنيا ~~والآخرة ، بما أوقعوا فيه أنفسهم من الخسران الروحي والعملي. # ( @QUR@02 ولقد ذرأنا )، أي خلقنا ( @QUR@05 لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~) الذين عطلوا الطاقات الفكرية والحسية التي وهبهم الله إياها من أجل أن ~~يستفيدوا منها في خط المعرفة ، فقد خلق الله لهم العقول ليفكروا بها ~~فيهتدوا بذلك في معرفة الخط السليم للحياة ، وخلق لهم الأعين ليبصروا بها ~~خلق الله ، والآذان ليسمعوا بها آيات الله ، والكلمات التي تفتح قلوبهم على ~~الحق ، ولكنهم جمدوا ذلك كله ، فعطلوا عقولهم عن التفكير ، وأعينهم عن ~~التحديق بالأشياء بوعي ms2525 ، وأسماعهم عن الاستماع إلى المواعظ بتركيز. ( ~~@QUR@05 لهم قلوب لا يفقهون بها ) لأنهم لم يحركوها في اتجاه الفهم الواعي ~~للأمور ، ( @QUR@05 ولهم أعين لا يبصرون بها ) في التعرف على مظاهر عظمة ~~الله ، ( @QUR@05 ولهم آذان لا يسمعون بها ) لأنهم لم يركزوا وعيهم في ~~الاستماع إلى الآيات بوعي. # ( @QUR@02 أولئك كالأنعام ) وكالبهائم السائمة التي لا تعقل ولا تعي ، ~~فهي عند ما تتحرك لا تتجاوز نداء غرائزها لأنها لا تملك مجالا لغير ذلك ... ~~ولكن الإنسان الذي يملك القدرة على تحصيل مفردات المعرفة ، كما يملك القوة ~~العقلية التي يستطيع بواسطتها أن يحول مفردات المعرفة إلى منهج فكر وحياة ~~يهديه للحق والإيمان ، ثم يعطل ذلك ، يكون بالنتيجة مساويا للأنعام ، لأن PageV10P289 # قيمة الطاقات هي في أن تتحرك لتحقق القوة ، فإذا تجمدت كان وجودها وعدمها ~~سواء. ( @QUR@03 بل هم أضل ) لأنهم يضلون من حيث يمكنهم السير في طريق ~~الهدى. ( @QUR@03 أولئك هم الغافلون ) الذين أوقعتهم شهواتهم وملذاتهم في ~~غفلة مطبقة لا يملكون معها وعيا وانفتاحا وتفكيرا. # * * * PageV10P290 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون (180) @QUR@07 وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون (181) @QUR@08 والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~(182) @QUR@05 وأملي لهم إن كيدي متين (183) @QUR@011 أولم يتفكروا ما ~~بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) @QUR@022 أولم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي ~~حديث بعده يؤمنون (185) @QUR@010 من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون ) (186) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلحدون ): ينحرفون عن الطريق القويم. # ( @QUR@01 سنستدرجهم )؛ الاستدراج من الدرجة : أي أن الله يسوقهم إلى ~~الهلاك شيئا فشيئا ، تماما كمن يرقى درج السلم. PageV10P291 # ( @QUR@01 وأملي ): أمهل وأؤخر. # ( @QUR@01 كيدي ): مكري. # ( @QUR@01 متين ): شديد وقوي. # ( @QUR@01 جنة ): الجنون وأصله الستر. # ( @QUR@01 ملكوت ): الملكوت : هو الملك الأعظم للمالك الذي ليس بمملوك. # ( @QUR@01 يعمهون ): العمه للقلب ، والعمى للعين. # * * * # ( @QUR@03 لله الأسماء الحسنى ) # ( @QUR@03 ولله الأسماء الحسنى ). هل هذه الفقرة واردة في مجال الإشارة ~~إلى أن هناك أسماء محددة لله هي الأسماء الحسنى؟ لننتقل بعد ذلك إلى مسألة ~~الحديث ms2526 عن اسم الله الأعظم ، فنفيض الحديث عن تفاصيل ذلك ، في ما أفاضت به ~~بعض الروايات من تحديد الأرقام المختلفة بين القليل والكثير. # * * * ### ||| ** هل أسماء الله توقيفية؟ # وقد يثأر سؤال آخر ، هل أن أسماء الله توقيفية ، فلا يجوز لنا أن نتحدث ~~عن ذات الله إلا من خلال الأسماء الواردة في الكتاب والسنة ، أم أن المسألة لا PageV10P292 # تتوقف عند ذلك ، بل تتسع لكل الصفات التي تشير إلى الذات الإلهية بما ~~يتناسب مع عظمته وجلاله؟ وهل نستطيع اعتبار الآية دليلا في تحديد أحد ~~الاحتمالين؟ # إننا نحسب أن الأسماء الحسنى تشير إلى الكلمات من حيث مدلولها الذي يمثل ~~الصفات الإلهية المستمدة مما قادنا العقل إلى إثباته ، أو مما حدثنا عنه ~~الكتاب والسنة من العلم والقدرة والرحمة والكرم والكبرياء والعظمة والخلق ~~والملك وغير ذلك ، من خلال ما توحيه من معان تثير داخل الإنسان الثقة بالله ~~، بحيث يشعر بالحاجة الدائمة إليه في كل قضية أو مشكلة أو حاجة تواجهه ، ~~لينطلق من هذه الأسماء في دعائه لله ، ليحقق له كل ما يريد. وبهذا تلتقي كل ~~الكلمات التي تعبر عن أية صفة من صفات الله ، في أجواء الدعاء والعبادة ، ~~من حيث انطلاقها من الحدود الشرعية في التعبير عن مضمون الذات الإلهية ، ~~مما يجعل كل تلك الكلمات من أسماء الله الحسنى حاملة المعنى الذي يشير إلى ~~الله في صفات الجلال والكمال. # أما التوقيفية في أسماء الله ، فلا نجد لها أساسا في النصوص الدينية التي ~~بين أيدينا ، في الوقت الذي لا نملك فيه أية دلالة في الآية عليه ، ولم ~~نطلع على ما يحدد لنا ذلك ، بل ربما نجد في جواز ذكره بأسمائه الدالة عليه ~~باللغات الأخرى ما يؤكد عدم التحديد. ونحن لا نفهم وجه التحديد بلفظ معين ~~في مقام التعبير عن الذات ، لا سيما إذا لا حظنا أن هذه الأسماء المعروفة ~~لا تحمل أي سر مخصوص يميزها عن أي لفظ آخر ، فليس لدينا إلا إفادتها للصفة ~~المعينة في ما توحي من معان عامة. وربما كان الأساس في احتمال التوقيفية هو ms2527 ~~هذه الآية ، ثم توسع القائلون بتحليل هذا الرأي في مقام البحث ، ولكننا لا ~~نجد فيها أية دلالة على ذلك كما ألمحنا إليه بل هي واردة في مقام الإيحاء ~~بأن الصفات الحسنى التي تعبر عنها هذه الأسماء كلها لله ، مما يجعل منها ~~منطلقا للتوجه إليه والتعلق به ، فالكلمات هي التي تحمل للإنسان PageV10P293 # بقيمة الدعاء وجدواه ، في ما تمثله من أساس للقدرة والامتداد. # * * * ### ||| ** مسألة الاسم الأعظم # أما الاسم الأعظم ، فقد ورد الحديث عنه في أكثر من رواية ، في ما تحدثت ~~به عن اختصاص بعض الأنبياء والأولياء بمعرفته ، وعن تأثيره في إعطاء القدرة ~~على القيام بأعمال خارقة للعادة ، ولكننا لم نستطع أن نقف من ذلك على شيء ~~واضح يحدد لنا أجواء هذا الاسم وكلماته ، كما لم يتضح عند القائلين به ~~الذين تطرف بهم الرأي ، حتى قال بعضهم إنه مؤلف من حروف مجهولة لنا ، لو ~~عثرنا عليها أخضعنا لإرادتنا كل شيء. وربما كان لنا أن نستبعد هذه القيمة ~~الكبيرة للحروف ، في ما تنطلق به من أشكال وأصوات ، لأن التأثير كل التأثير ~~هو لله تعالى من خلال قدرته المطلقة ، فإذا كان لبعض الكلمات خصوصية ، فلأن ~~مدلولها يمثل معنى أكبر وصفة أعظم. ونحن لا نفهم ما معنى التفضيل في اتصاف ~~الله بصفة معينة في مقابل صفاته الأخرى. # فلنجمل الكلام في ذلك ونرجعه إلى أهله الذين يعرفون منه ما لا نعرف ، لا ~~سيما أن المسألة تدور في احتمالات يكتنفها الغموض في أكثر من جانب ، مما ~~يجعل أكثر الأحاديث تدور حول اختصاص الله بعلمه ، فهو الذي يمنحه لبعض ~~الناس من دون أن يبيح لهم أمر تعليمه للآخرين ، فإذا كانت القضية تدخل في ~~نطاق الأسرار الإلهية ، فإن البحث عنها لا يفيد الباحث ، لأنه يتحول إلى ~~حلقة مفرغة لا تنتهي إلى شيء. فلننفتح على ما نفهمه من أسماء الله ، ولنفتح ~~قلوبنا للمعاني الروحية الممتدة في آفاق الروح والحياة ، لنتقرب إلى الله ~~من خلال ذلك ، ولنعرف أننا نلتقي بكل حاجاتنا وقضايانا عنده ، فله الأسماء ~~الحسنى ( @QUR@02 فادعوه بها )، واذكروه بها في دعائكم ms2528 له وعبادتكم ؛ فهذا ما PageV10P294 # يلتقي بالخط المستقيم للعقيدة والأفق الواسع للإيمان ، وهو الذي ينمي في ~~وعي الإنسان المؤمن العلاقة الروحية العميقة بالله ، في ما توحي به الصفات ~~الإلهية من أن كل الأشياء التي تحتاجها الحياة ، تلتقي عنده وتخضع لإرادته ~~، مما يجعل من مسألة الدعاء والعبادة ، مسألة فكرية وروحية وعملية في تنمية ~~علاقة الإنسان بربه ، وتأكيد الإحساس بمعنى العبودية في نفسه. # * * * ### ||| ** كل إنسان يجزى بعمله # ( @QUR@05 وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) فيميلون عن الخط المتوازن في ~~ذلك ، فيسمونه باسم غيره ، فينسبون له بعض صفات مخلوقاته من الخواص المادية ~~المحدودة ، أو الصفات القبيحة ، كالظلم في فعله ، والجهل في حكمه ... أو ~~ينسبون إلى غيره ما يختص به ، فيسمون غيره باسمه في ما يصفون به بعض ~~مخلوقاته ببعض الصفات المختصة به ، كما في حالات الصنمية الحجرية والبشرية ~~... فإن ذلك كله يساهم في عملية الانحراف عن الخط المستقيم للعقيدة ، أو عن ~~المعنى العميق للعبادة ، ويحول الإنسان إلى خط الضلال في ما يمثله من كفر ~~أو عصيان دون أن تكون له حجة على ذلك من إحساس أو فكر ... فلنتركهم في ~~مسيرتهم المنحرفة ، ما داموا لم يستمعوا إلى صوت الحق ، ولم ينفتحوا على ~~أجواء الحوار ... ( @QUR@04 سيجزون ما كانوا يعملون )، لأن الله قد أقام ~~عليهم الحجة في ذلك كله ، وليس لأحد منهم الحجة على شيء في ما يعمله ، ~~وسيلاقي جزاء عمله من عقاب وعذاب. تلك هي عدالة الله في حكمه ، فلا يجزي ~~إنسانا إلا بعمله ، فهو الذي يتحمل مسئولية ذلك كله. # * * * PageV10P295 ### ||| ** من الناس من يهدي بالحق والعدل # ولكن هؤلاء لا يمثلون ظاهرة ممتدة شاملة في حركة الحياة والإنسان ، فهناك ~~الذين يعيشون في حياتهم الحق كفكر ، والعدل كخط للسير وللعلاقات ( @QUR@05 ~~وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ) في عملية انتماء ودعوة ، ( @QUR@02 وبه ~~يعدلون ) في حركة ممارسة ومعاملة ، لأنهم ينطلقون من قاعدة الإيمان العميق ~~، والوعي المنفتح ، والإرادة القوية ، والعقلية الجادة ... ( @QUR@03 ~~والذين كذبوا بآياتنا ) وأنكروها في الفكر والممارسة ، ( @QUR@05 سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون )، وذلك بما يهيئ الله لهم من نعيم الحياة ولذتها ، مما ~~يلهيهم ms2529 عن التفكير ، ويشغلهم عن المسؤولية والجدية في مواجهتها ، فيخيل ~~إليهم أنهم يمسكون بزمام الحياة ، ويملكون الأمر كله ، وتتضخم لديهم حالة ~~الشعور بالأهمية في الأدوار التي يمثلونها ، وفي الطاقات التي يملكونها ، ~~وفي الأجواء المحيطة بهم ، في ما يؤيد المؤيدون ، ويهتف الهاتفون ، وبذلك ~~يتدرجون من موقع ضلال إلى موقع ضلال آخر ، في ما يتقلبون به من نعمة إلى ~~نعمة ، في هذا الانحراف الكبير في وعيهم لمعنى النعمة في حساب المسؤولية. # * * * ### ||| ** الله يكيد بالكافرين # ( @QUR@02 وأملي لهم ) أي أمهلهم وأمد لهم الحياة كما يحبون ويشتهون ، ~~فلا يعكر صفوهم كدر ، ولا يثير نفوسهم قلق ، بل هو الاسترخاء لهذا الامتداد ~~اللاهي للحياة. ( @QUR@03 إن كيدي متين ). والكيد هنا يمثل معنى الخطة ~~الإلهية الجارية على السنن الطبيعية للأشياء ، في ما يمهد للإنسان ساحة ~~الاختيار بعيدا PageV10P296 # عن الضغوط التي تجعله مقهورا في إرادته ؛ فهناك الأشياء التي تشجع جانب ~~الغفلة في نفسه ، وهناك العوامل التي تفتح له باب التفكير ... وله أن يقوي ~~هذا الجانب بالتعمق في النتائج السلبية والإيجابية التي تتيح له وضوح ~~الرؤية ، لما يتخذه من مواقف في هذا الاتجاه أو ذاك ، فقد هيأ الله له ذلك ~~في الاتجاهين في ما أعطاه من فكر يقوده إلى النتائج الحاسمة في حركة ~~الإيمان. # * * * ### ||| ** الله ينفي الجنون عن النبي # ( @QUR@02 أولم يتفكروا ) في كل ما واجههم من أمر الدعوة ، في شخصية ~~الرسول الداعية ، وفي ما جاء به من وحي الرسالة؟ فهل يجدون فيه إلا العقل ~~الواسع ، والأفق العميق للفكر ، المنفتح الروح؟ وهل يرون فيه شيئا مما ~~تثيره الكلمات اللامسؤولة التي يطلقها المشركون ضده؟ إن الفكر الحر سيقودهم ~~إلى النتيجة الحاسمة ( @QUR@04 ما بصاحبهم من جنة )، فليس هناك أي مظهر ~~لذلك من قريب أو من بعيد ، بل هناك ما هو مضاد له في ما يتمثل في دعوته من ~~وعي للمسؤولية ، وتوعية للإنسان في قضايا المصير في ما ينتظره من عذاب ~~أخروي من جراء الانحراف ( @QUR@05 إن هو إلا نذير مبين ) وهل يلتقي هذا ~~الخط الفكري الذي يمنع الإنسان ويحذره من الوقوع في الهلاك والعذاب ، بتلك ~~الكلمات ms2530 اللامسؤولة التي تتهمه بالجنون؟! إن القضية لا تحتاج إلا إلى فكر ~~ينظر إلى الأشياء بعمق وصفاء. # * * * PageV10P297 ### ||| ** ملكوت الله تعالى مظهر لعظمته # ( @QUR@06 أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) ويتأملوا في هذا ~~العالم الواسع المترامي ، في ما تمثله السموات والأرض من عوالم متنوعة في ~~مظاهرها وخصائصها. ( @QUR@05 وما خلق الله من شيء )، في ما خلقه الله من ~~الموجودات التي تحتويها هذه العوالم ، والتي تتمثل فيها أسرار العظمة ~~ومظاهر الإبداع ... لينطلقوا من هذا النظر القائم على التفكير إلى الشعور ~~بالمسؤولية في ما يستوحونه من إيمان بالله وبشرائعه ، وليعيشوا الحياة من ~~خلال ذلك ، فيفكروا بالحساب على أساس الثواب والعقاب. ( @QUR@07 وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم ) فيدفعهم ذلك إلى الإحساس بالخوف من ضياع الفرصة من ~~أيديهم ، فقد لا يستطيعون إصلاح ما فسد إذا لم يبادروا اليوم قبل الغد ، لا ~~سيما أن عناصر الإيمان متوفرة لهم. فإذا لم يؤمنوا بها فبم يؤمنون؟ ( ~~@QUR@04 فبأي حديث بعده يؤمنون ) إذ ليس هناك أية قاعدة للإيمان بأي شيء ~~آخر ... # * * * # ( @QUR@06 من يضلل الله فلا هادي له ) # ( @QUR@06 من يضلل الله فلا هادي له ) لأن للهدى أسبابه الطبيعية التي ~~تحتمه كنتيجة ، فإذا لم يأخذ الإنسان بهذه الأسباب التي هيأها الله له ، ~~كان الضلال هو نتيجة حتمية للعوامل التي أودعها الله في خصائص الأشياء ، ~~ذلك أن الله لا يتدخل بطريقة قسرية في هدايتهم ، بل يتركهم لمصيرهم الذي ~~اختاروه لأنفسهم. ( @QUR@03 ويذرهم في طغيانهم ) المتمثل في كفرهم وتمردهم ~~( @QUR@01 يعمهون )، أي يترددون ويتحيرون ويعيشون في أجواء الضياع في ~~متاهات الضلال. # * * * PageV10P298 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@037 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك ~~كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) ~~@QUR@028 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~) (188) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الساعة ): الوقت الذي يفنى فيه الوجود. # ( @QUR@01 مرساها ): إثباتها وحصولها. ms2531 # ( @QUR@01 حفي ): مستقص في السؤال. # * * * PageV10P299 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مناسبة نزول آية ( @QUR@03 يسئلونك عن الساعة .. ) أن قريشا بعثوا ~~العاص ابن وائل السهمي والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط إلى ~~نجران ، ليتعلموا من علماء اليهود مسائل يسألونها من رسول الله ، وكان في ~~ما سألوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم : متى تقوم الساعة؟ فأنزل الله تعالى : ~~( @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ) (1). # * * * ### ||| ** لا يعلم موعد القيامة إلا الله تعالى # لقد جاء الإسلام ، وطرح كثيرا من المفاهيم حول كثير من القضايا المتصلة ~~بالغيب والحياة ، كما طرحتها الأديان الأخرى من قبله ، وجاء محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقدم نفسه للناس كرسول من الله ، يتلقى منه الوحي ~~فيلقيه إليهم ، وكان يوم القيامة وهو ما يعبر عنه القرآن بالساعة من بين ~~هذه المفاهيم التي تثير التساؤل ، وتدفع إلى الجدل وتواجه المؤمنين بها كما ~~تواجه المنكرين لها ... ويكثر السؤال عنها ، عن طبيعتها ، وعن خصائصها ، ~~وعن موعدها متى هو؟ ويختلف السائلون بين من يطلب المعرفة ، وبين من يقصد ~~التحدي أو العبث ، وكانت قريش الكافرة برسول الله تعتمد التحدي لإحراج ~~الرسول بالاقتراحات التعجيزية وبالأسئلة غير المعقولة. ومنها هذا السؤال ، ~~( @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها )، في أي شاطئ من شواطئ الزمن ~~الممتد كالبحر الذي تتحرك فيه سفينة القيامة؟ # * * * PageV10P300 ### ||| ** علم الساعة عند الله تعالى # ( @QUR@010 قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو )، لأنها من ~~أسرار الغيب التي لا يعلمها إلا الله ، ولا يظهرها إلا هو ، في ما حدد لها ~~من وقت. ( @QUR@04 ثقلت في السماوات والأرض ) أي ثقل وقعها في ما تمثله من ~~مواجهة المسؤولية على مستوى قضية المصير وما تؤدي إليه من الخوف من غضب ~~الله وسخطه ؛ وهذا ما لا تقوم له السموات والأرض كما في دعاء كميل أو ثقل ~~علمها عليها باعتبار النتائج الصعبة التي تحدث عند وجودها ، وبهذا يلتقي ~~ثقل علمها بثقل وجودها. ( @QUR@04 لا تأتيكم إلا بغتة ) أي فجأة ، لأننا ~~إذا كنا نجهل موعدها ، فلا بد أن تكون مفاجأة لنا في أي وقت. # ( @QUR@04 يسئلونك ms2532 كأنك حفي عنها ) أي عالم بها ، فهم يعتقدون أن علاقتك ~~بالله من خلال الرسالة تجعلك في موقع العالم بكل شيء يتصل بالغيب ، لأن ~~الرسول يمثل في وعيهم شخصا غير عادي ، مزودا بقوة خفية يعلم بها كل الأمور ~~، ويسيطر بها على كل الأشياء ، ولكن الله يوحي إلى رسوله أنه لا يملك أية ~~إمكانيات ذاتية لهذه المعرفة ، فهي من وسائل الغيب التي اختص الله بعلمها. # ( @QUR@010 قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أبعاد ~~القضايا المتصلة بشخصية الرسول وإمكاناتها. ( @QUR@011 قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله )، لأني لا أملك طاقة ذاتية غير عادية ، ~~فأنا مجرد إنسان أتحرك من خلال الطاقة الإنسانية الطبيعية في ما يملك ~~الإنسان لنفسه من النفع والضرر بالوسائل التي وهبها الله له ، أو من خلال ~~إرادة الله ومشيئته في ما يوجهه إليه من نفع أو ضرر بوسائل غير عادية ، كما ~~أني لا أعلم الغيب من موقع القدرة الذاتية ، فليس PageV10P301 # لدي أسرار تكوينية في وجودي تفتح لي أبواب الغيب ، بل القضية هي أن أنتظر ~~الوحي الذي ينزله الله علي ، أو المعرفة التي يلهمني إياها ، لأحصل على ~~معرفة بعض الغيب الذي يريد الله لي أن أعلمه. ( @QUR@07 ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير ) في الفرص المستقبلية التي قد يحتاج انتهازها إلى إعداد ~~طويل يبدأ من الحاضر ، ( @QUR@03 وما مسني السوء ) في ما يحتاج الإنسان فيه ~~إلى القيام ببعض الخطوات الوقائية التي تمنع المرض أو الفقر أو البلاء ، ~~مما يكون سببه بيده واختياره عند معرفته له وعلمه به. ولكني في واقع حياتي ~~العملية أواجه كثيرا من الفرص الضائعة ، أو من المشاكل الجسدية والمادية ، ~~لأني لم أملك المعرفة التي تمكنني من تلافي ذلك كله ، لأن كل ما أملكه مما ~~يميزني عن الآخرين في مواقع الصفة البشرية هو الرسالة ، التي تسمح بتلقي ~~الوحي الإلهي بطريقة غير عادية ، ثم إبلاغه بطرق عادية ، ( @QUR@07 إن أنا ~~إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) في ما أنذرهم به من عقاب الله على أساس عصيان ~~أوامره ms2533 ونواهيه ، وما أبشرهم به من ثوابه على أساس طاعته في ذلك كله. # * * * ### ||| ** الصورة التي يرسمها القرآن لشخصية النبي # وقد نستوحي من هذه الآية الصورة القرآنية الواضحة للشخصية النبوية ، بكل ~~بساطتها ووضوحها التي أكد الله ملامحها في أكثر من آية ، بعيدا عن كل الصور ~~الفلسفية اللاهوتية التي أحاطه بها كثيرون ممن حاولوا التعمق في شخصيته ، ~~فاستغرقوا في الحديث عن الأسرار والأجواء الخفية الغيبية ، وحولوا النبي ~~إلى شخصية تملك كل القدرات غير العادية ، بحيث لا يميزه عن صفة الألوهية ~~إلا أن الصفة للإله ذاتية بينما هي في النبي مخلوقة. وقد حاول البعض أن ~~يجعل هذه الصورة للأئمة أو للأولياء ، ونحن نتحفظ في ذلك كله ، PageV10P302 # لأننا نعتقد أن ما يصوره القرآن يمثل الصورة الحقيقية للمفاهيم وللشخصيات ~~بوجهها العام ، بحيث تخضع كل التفاصيل لملامح تلك الصورة ... ولو كان هناك ~~شيء من الأسرار الذاتية الخفية ، في ما يدخل في نطاق الخط الفكري للعقيدة ، ~~لبينه القرآن في ما يريد لنا اعتقاده ، أو لبين الصورة المخالفة أو التي ~~توحي بالمخالفة ... إننا نعتبر القرآن مقياسا لصحة الأحاديث وفسادها ، لأنه ~~الكتاب الذي ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : ~~42] ، «وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (1). # وقد نحتاج إلى إثارة فكرة في هذا المجال ، وهي أن علينا في ما لم نكلف ~~بعلمه أو بالاعتقاد به من تفاصيل شخصية النبي أو الإمام أن لا نفيض كثيرا ~~فيه ، لأنه يتحول إلى نوع من الترف الفكري ، وربما يقودنا إلى بعض ~~الانحرافات أو الخلافات الجدلية التي لا ضرورة لها. # إننا نعتقد أن عظمة النبي تكمن في أنه يجسد شخصية رسالته في شخصيته أصدق ~~تجسيد ، وبذلك يبلغ الذروة في الكمال ، لأن الرسالة هي قمة الكمال الإنساني ~~في مستوى قدرة الإنسان على الكمال ، وليس هناك شيء في ما نعلم خارج نطاق ~~الخط الرسالي للحياة وللإنسان. # * * * PageV10P303 ### ||| * الآات # ( @QUR@029 هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ms2534 ~~صالحا لنكونن من الشاكرين (189) @QUR@012 فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) @QUR@07 أيشركون ما لا يخلق شيئا ~~وهم يخلقون (191) @QUR@07 ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) ~~@QUR@012 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون (193) @QUR@014 إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) @QUR@026 ألهم أرجل يمشون بها أم لهم ~~أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا ~~شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) @QUR@09 إن وليي الله الذي نزل الكتاب ~~وهو يتولى الصالحين (196) @QUR@010 والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ~~ولا أنفسهم ينصرون (197) @QUR@012 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) (198) # * * * PageV10P304 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تغشاها ): التغشية كناية عن الجماع بين الرجل والمرأة. # * * * ### ||| ** الإنسان في تعاطيه مع الله # في هذه الآيات لون من ألوان الحديث عن حالة الإنسان الطبيعية التي تدفعه ~~إلى اللجوء إلى الله في ما يخاف ويرجو ، فيعاهده على الإخلاص له في خط ~~الإيمان والتوحيد ، حتى إذا حصل له ما يرجوه أو دفع عنه ما يحذره ، نسي ذلك ~~كله ، واستغرق في ذاته حيث أطماعه وشهواته ، فأشرك بالله شرك عبادة فيمن ~~كان يطيعهم في معصية الله ... ثم ينطلق الحديث عن الشرك والشركاء في أسلوب ~~تحليلي يفصل فيه سخف هذا الاتجاه ، وطريقة تحذيرية يبين فيها نتائجه ~~السلبية على مصير الإنسان في حياته. # ( @QUR@010 * هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) في ما يمثله ~~النوع الإنساني من الزوجية في الوجود في الذكر والأنثى ، ( @QUR@02 ليسكن ~~إليها ) فيحس معها بالراحة والطمأنينة والهدوء والمتعة ... ( @QUR@02 فلما ~~تغشاها ) وهو كناية عن جماع الرجل للمرأة ، ( @QUR@03 حملت حملا خفيفا ) ~~وذلك من خلال بداية النطفة في النمو ، في ما تمثله من حمل خفيف لا يثقل بدن ~~المرأة ، ( @QUR@02 فمرت به ) من دون أن يمنعها عن حرية الحركة أو خفتها ، ~~فكانت تذهب وتجيء وتمارس كل أعمالها بطريقة طبيعية لا ثقل فيها ، ( @QUR@02 ~~فلما أثقلت ) وكبر حملها وتحول إلى جنين كامل ينتظر ms2535 لحظة الولادة ، وبدأت ~~الآلام وبدأ الخوف على النفس وعلى الجنين ، رجعا إلى الله أي الرجل والمرأة ~~في دعاء متوسل يحمل معنى العهد والميثاق. ( @QUR@05 دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا ) ولدا ( @QUR@01 صالحا ) سالما من كل عيب PageV10P305 # أو تشوية أو نقص في البدن والعقل ( @QUR@03 لنكونن من الشاكرين ) الذين ~~يشكرونك بتوحيد العمل كما يشكرونك بتوحيد العقيدة. واستجاب الله دعاءهما ؛ ~~دعاء كل أب وأم ، لأن القضية ليست قضية آدم وحواء أو إنسانين معينين ، بل ~~هي قضية النوع الإنساني كله ، الذي يعيش هذا الجو النفسي أمام حالة الخوف ~~وإن لم يعبر عن ذلك بالكلمات. # ( @QUR@03 فلما آتاهما صالحا ) كما طلباه ، وعاشا في أجواء عاطفة الأبوة ~~والأمومة ، وشغلا عن كل ما أعطياه من عهد وميثاق ، انطلقا إلى حياتهما ~~العادية في مطامعها ولذائذها ونقاط ضعفها ... وكان في الساحة كثيرون ممن ~~يعطون لأنفسهم دور الآلهة ، وإن لم يطلبوا إعطاءهم الصفة بطريقة رسمية ؛ ~~هؤلاء الذين قد يبتعد فكرهم عن وحي الله ، ويختلف حكمهم عن حكم الله ، ~~وتبتعد شرائعهم عن شريعة الله ، أو مفاهيمهم عن مفاهيم الرسالة ... في ~~أجواء بعيدة عن كل معاني الروحية النابضة بحب الله ، المتحركة في سبيل ~~الحصول على رضاه ... وكانوا يريدون من الناس أن يتبعوا فكرهم ويتركوا وحي ~~الله ، أو يخضعوا لحكمهم ويتمردوا على حكم الله ، أو يسيروا في خط شرائعهم ~~بعيدا عن شريعة الله ، ويحصلوا على رضاهم ويهملوا رضا الله ... فأقبلا من ~~بين الناس على هؤلاء الشركاء وابتعدا عن الله ، ( @QUR@09 جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون )، لأن كل هؤلاء مخلوقون له مملوكون ~~له ، لا يملكون أي نوع من أنواع الإمكانات الذاتية ... # ( @QUR@07 أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون )؟! فكيف يمكن أن نعطي ~~المخلوق دور الخالق ، وهو لا يملك أية خصوصية من خصوصيات الخالقية؟! ( ~~@QUR@04 ولا يستطيعون لهم نصرا ) إذا احتاجوا إلى الناصر في حالات الضعف ، ~~( @QUR@03 ولا أنفسهم ينصرون ) إذا واجهتهم حالات العدوان عليهم من قبل ~~الآخرين ... فكيف يتخذهم الناس أولياء ، وما معنى الولاية في هذا المجال؟ ( ~~@QUR@06 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم )، لأنهم اختاروا لأنفسهم ms2536 طريق ~~الضلال. ( @QUR@02 سواء عليكم PageV10P306 # @QUR@04 أدعوتموهم أم أنتم صامتون )، لأن النتيجة واحدة في كلتا ~~الحالتين ، فقد أغلقوا أسماعهم وعقولهم عن كل كلمات الخير والهدى والإيمان ~~، فكيف تتبعونهم وتطيعونهم في ما تعرفون ضلاله وانحرافه؟! # ( @QUR@06 إن الذين تدعون من دون الله )، وتطيعونهم في معصيته ( عباد ~~أمثالكم )، لا يميزهم عنكم أي شيء في القدرة والعلم والشكل ، وغير ذلك من ~~الأمور التي يتميز بها إنسان عن إنسان آخر ، فكيف تقفون أمامهم وقفة الخاضع ~~الذليل الذي يقدم التنازلات من عقيدته ومسيرته ، ويتحمل النتائج السلبية في ~~ذلك كله في سبيل طاعة مخلوق لا يحمل أية صفة مميزة عنه في قليل أو كثير ، ( ~~فادعوهم فليستجيبوا لكم ) في ما تحتاجونه من حاجات ، وفي ما تريدون دفعه من ~~ضرر أو تجلبونه من نفع ، مما يلجأ فيه الإنسان إلى الله ، فهل يستجيبون لكم ~~في ذلك؟ ( إن كنتم صادقين ) في إيمانكم بقدرتهم على ذلك ، في ما أعطيتموهم ~~من دور الإله في الطاعة. إنهم لا يستجيبون لكم لأنهم لا يملكون إمكانيات ~~الإجابة. # ثم ماذا؟ إنكم قد تعبدون أصناما لا تحمل حسا ولا حياة ، ولا تملك أي نوع ~~من أنواع الحركة ، فضلا عن القدرة على أي شيء آخر ... ( @QUR@019 ألهم أرجل ~~يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان ~~يسمعون بها )؟! إنكم قد تصنعون لهم أرجلا ، ولكنكم لا تملكون منحهم القدرة ~~على المشي ، وقد تصنعون لهم أيادي أو أعينا أو آذانا ، ولكن هل تصنعون لهم ~~قوة على البطش والإبصار والسمع؟ ( @QUR@07 قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا ~~تنظرون ) ولا تمهلون لحظة واحدة ، فإن الله هو الذي ينصرني عليكم وعليهم ، ~~وسيبطل كل كيدكم مهما عملتم في نهاية المطاف. ( @QUR@06 إن وليي الله الذي ~~نزل الكتاب ) الذي أحمله إليكم وأدعوكم إلى العمل به ، وأجاهد من أجل ~~تطبيقه والدعوة إلى تحويله كخط للحياة من أجل سعادة الإنسان في الدنيا ~~والآخرة. ( @QUR@03 وهو يتولى الصالحين ) ويرعاهم ، وينصرهم ، ويمنحهم ~~القوة على مواجهة كل تحديات PageV10P307 # الأعداء. # ( @QUR@016 والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون* ~~وإن ms2537 تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ) لأنهم لا يملكون شيئا من القوة أو الهدى ~~، بل هم في حاجة إلى الهدى الذي ينقذهم من ضلالهم ، ولكنهم يرفضونه فلا ~~يستمعون إلى من يدعوهم إليه ، ( @QUR@03 وتراهم ينظرون إليك ) وأنت تدعو ~~وتجاهد وتحاور وتتقدم ، ولكنه النظر الزائغ الحائر الذي لا يملك أي نوع من ~~أنواع التركيز ، لأنه لا يملك الثبات في النظرة والموقف ، ولذلك فإنك تراهم ~~يحدقون بك. ( @QUR@03 وهم لا يبصرون )، لأن الإبصار الذي يكتشف الشخص أو ~~الموقع ، لا بد من أن يكون منطلقا من حالة وعي في الداخل ، ليشرق في الروح ~~في رؤية البصيرة ، وليشرق في لمعات العيون في رؤية البصر. # * * * PageV10P308 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) @QUR@010 وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) @QUR@012 إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) @QUR@07 ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) @QUR@024 وإذا لم تأتهم بآية ~~قالوا لو لا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) @QUR@08 وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون (204) @QUR@016 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من ~~القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205) @QUR@011 إن الذين عند ربك ~~لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) (206) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالعرف ): بالمعروف ، وهو فعل الخير. PageV10P309 # ( @QUR@01 ينزغنك ): النزغ : فساد ، وإغراء بالشر. # ( @QUR@01 فاستعذ ): التجأ إلى الله. # ( @QUR@01 مسهم ): أصابهم. # ( @QUR@01 طائف ): ما يدور حول الشيء ويأتيه من جميع نواحيه ، وهو هنا ~~ما يدور على الإنسان من الشيطان يريد اقتناصه. # ( @QUR@01 اجتبيتها ): استخلصتها واصطفيتها. # ( @QUR@01 بصائر ): براهين وحجج. # ( @QUR@01 وأنصتوا ): اسكتوا من أجل الاستماع. # ( @QUR@01 بالغدو ): جمع غدوة وهي الصباح. # ( @QUR@01 والآصال ): جمع أصيل ، وهو المساء. # ( @QUR@01 وخيفة ): حالة الخوف. # * * * ### ||| ** القرآن يوجه المسلمين من خلال الرسول # وفي هذه الآيات التي هي ختام السورة حديث مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حركة رسالته في نطاق دعوته ، وتوجيه للخط السليم ~~الذي يحتوي كل سلبيات الآخرين ، ويسيطر على كل نقاط الضعف الذاتي في نفسه ، ~~وانطلاقة مع ms2538 الله في حركة روحية خاشعة ، ودعاء ذاكر ، وتسبيح خائف ، وسجود ~~خاضع ، مع لفتة إيمانية للناس بأن يعيشوا مع القرآن ، في استماع وإنصات ~~للفكر من أجل الوعي ، وللقلب من أجل الإيمان. # * * * PageV10P310 ### ||| ** دراسة الواقع الفكري والنفسي لمجال الدعوة # ( @QUR@02 خذ العفو ) كخط عملي للتعامل مع الناس في أجواء الدعوة ، في ما ~~يواجهه من حالات التشنج والتمرد ، لأن المسألة لدى الرسول أو الداعية ليست ~~مسألة مزاج يبحث عن منفذ للتنفيس ، ولكنها مسألة دعوة تفتش عن مدخل إلى فكر ~~الآخرين للحصول على قناعاتهم ، مما يخلق بعض التعقيد في مواقفهم ، وبعض ~~السلبيات الذاتية في ردود فعلهم ، فلا بد من اتباع الأسلوب الذي يتحرك ~~بالتوازن في عرض الفكرة ، وبالتسامح في مواجهة ردود الفعل ، وبالتسهيل ~~والتيسير في إعطاء المسؤوليات ... ولا يكلفهم من أمرهم عسرا. # ( @QUR@02 وأمر بالعرف ) وهو المعروف في القول والعمل الذي يعرفه الناس ~~بفطرتهم ولا يستنكرونه بطبيعتهم ، من خلال إدراكهم لارتباطه بمصالحهم ~~ومنافعهم وتنمية أفكارهم وأرواحهم وأجسادهم. وهذا هو الخط الواضح الذي يشمل ~~كل مفردات الشريعة الإسلامية في أخلاقياتها وأحكامها ، في ما تدعو إليه من ~~الارتفاع بإنسانية الإنسان إلى المدى البعيد في الآفاق الواسعة. ( @QUR@03 ~~وأعرض عن الجاهلين ) الذين لا يتحركون في الحياة من مواقع الوعي للمسؤولية ~~، ولهذا فإنهم لا ينطلقون للأخذ بأسباب المعرفة ، ليعرفوا من خلال قضايا ~~الخطأ والصواب جو المصلحة والمفسدة في ما يفعلون ويتركون ، مما يؤدي بهم ~~إلى أن يواجهوا الرسالات بأساليب السباب والسخرية والتشويه والتهويل ، ~~بعيدا عن أي منطق للحوار أو قاعدة للتفكير ... # فلا بد للداعية من دراسة كل هذا الواقع الفكري والنفسي لهؤلاء في عملية ~~التخطيط لمواجهته بالحكمة الواعية ، التي تفرض الإعراض عنهم في أكثر ~~الحالات ، لأن الخضوع لأساليب ردود الفعل يؤدي إلى أن يتحول الموقف إلى ~~ساحة للسباب وللكلمات القاسية ، ويثير العصبية في نفوسهم PageV10P311 # للباطل ، ويحجب الرؤية عنهم من خلال أجواء الانفعال التي تثير الضباب في ~~الأفكار والمشاعر ، ويبعد المواقع عن الحصول على مكاسب إيجابية في مصلحة ~~الرسالة ، بينما يؤدي التعالي عن هذه الأساليب إلى إبعاد الساحة عن أجواء ~~الحقد والبغضاء ، ويفسح ms2539 المجال لفترة من الهدوء النفسي الذي يبعث على ~~التفكير ، وبالتالي إلى الحوار ، عند ما تهدأ الضجة ، ويستعيد هؤلاء بعض ~~عقولهم في مواقع الصراع. # * * * ### ||| ** الاستعاذة بالله تعالى في مواجهة الشيطان # ( @QUR@05 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) قد يثير الشيطان في داخل الإنسان ~~بعض المشاعر السلبية ، وقد يخلق حالة من التوتر النفسي الذي يبعث على الغضب ~~في التصرف ، ويدفع إلى الممارسة الانفعالية على أساس الثأر لكرامة الذات ، ~~أو لما يخيل إليه أنه كرامة الرسالة ، وهذا هو النزغ الشيطاني في ما يوحي ~~به معناه من الدخول في أمر لأجل إفساده ، أو الإغراء ، أو الوسوسة ... ( ~~@QUR@02 فاستعذ بالله ) الذي يعيذ الإنسان من وسوسته ويبعث في روحه الشعور ~~بالسكينة الروحية التي تحول الأجواء الداخلية إلى ساحة للمحبة والسلام ~~ليعود له وضوح الرؤية للأشياء. ( @QUR@03 إنه سميع عليم ) يستجيب لك دعاءك ~~في ما يعلمه من الموقف الصعب الذي تواجهه من أهل السفاهة والجهالة. وقد لا ~~تكون الآية موجهة إلى الرسول في حالته الخاصة ، على أساس وضع سلبي معين في ~~ما عاشه في تجربته ، بل هي موجهة لكل الدعاة من خلاله في التخطيط لحركة ~~الدعوة في حالات التحدي ، لمواجهة كل الأوضاع المتشنجة. # * * * PageV10P312 ### ||| ** التقوى تبطل إغواءات الشيطان # ( @QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون ) وهذه حقيقة إنسانية إيمانية في حركة النفس في الموقف الداخلي ~~والخارجي ، فإن التقوى لا تمنع الأفكار السلبية الانفعالية من الطواف حول ~~المشاعر والمواقف لتفسدها ولتوجهها إلى الاتجاهات الخاطئة ، لأن ذلك هو شأن ~~الطبيعة الإنسانية التي تتأثر بكل الأوضاع المحيطة بها ، في ما تتحرك به ~~غرائزها في حركة ذاتية عفوية ، ولكن دور التقوى هو أن يمنع استقرار تلك ~~الأفكار في داخل النفس ، أو تحويلها إلى موقف عملي منحرف ، ولهذا فإنها تقف ~~أمام كل تلك الأفكار والتهاويل والمشاعر الشيطانية التي تطوف بالإنسان ، ~~لتجد زاوية تختبئ فيها ، من أجل إتمام عملية الإغواء والإضلال ، فتعمل على ~~طردها بإعادة الوعي الإنساني إلى الله ، في ما يمثله ذلك من انفتاح على كل ~~آفاق الخير والصلاح ، وذلك عند ما ms2540 يتذكر الإنسان ربه ، فتزول الغشاوة ~~الشيطانية عن بصره وبصيرته ، فيبصر درب الحق من جديد. # ( @QUR@07 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ). أما المشركون الذين ~~انطلقوا مع الشياطين في علاقة مودة وأخوة وعبادة ، فإن إخوانهم يشجعونهم ~~على الغي والضلال بما يمدونهم به من أسبابهما ولا يكفون عن ذلك. وهذا هو ~~الفرق بين المؤمنين الذين يرعاهم الله فينقذهم من الضلال كلما طاف بهم طائف ~~من الشيطان ، وبين المشركين الذين تتولاهم الشياطين في عملية إغواء وإضلال. # * * * PageV10P313 ### ||| ** النبي لا يتبع إلا ما يوحى إليه # ( @QUR@04 وإذا لم تأتهم بآية ) مما يقترحونه عليك من معجزات وآيات على ~~سبيل التعنت والتعجيز ، ( @QUR@04 قالوا لو لا اجتبيتها ) وجئت بها ، إذ ~~كان يخيل إليهم أن النبي يملك القدرات الغيبية التي يستطيع من خلالها أن ~~يغير وضع العالم من حوله بطريقة المعجزة. ( @QUR@08 قل إنما أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي ) لأن النبي لا يملك قدرة المعجزة ، بل هي خاضعة لقدرة الله ~~الذي قد يشاء إيجادها في حالات معينة ، أما دور النبي فهو اتباع ما يوحي به ~~إليه الله من رسالته في عملية دعوة واتباع. # * * * ### ||| ** كتاب الله بصائر فكرية وروحية للإنسان # ( @QUR@08 هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ). إنه الوحي الذي ~~أنزله الله في قرآنه ؛ إن آياته تمثل الوسائل الفكرية والروحية التي يبصر ~~الناس من خلالها آفاق الخير والنجاح والسعادة ، وتفتح لهم سبل الهدى التي ~~تنتهي بهم إلى النهايات الرضية عند الله ، وتفيض عليهم من رحمته ما يملأ ~~قلوبهم بالسكينة وأرواحهم بالتفاؤل والإشراق والأمل ، وذلك كله عند ما يعيش ~~هؤلاء الناس فكر الإيمان وروحه وحركته وفاعليته ، فيبصرون به ويهتدون بهداه ~~، ويتقبلون رحمة الله من خلاله. # * * * ### ||| ** الإنصات والاستماع لقراءة القرآن # ( @QUR@06 وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) لتعيشوا مع آياته أجواء الروح PageV10P314 # وآفاق الحق ، ولتأخذوا منه المنهج السليم لحركة الإنسان في الحياة ، ~~ولتنفتحوا فيه على كل خير وبركة ، ولتلتزموا بأحكامه في حلاله وحرامه ، ~~ولتحملوا مفاهيمه العامة كقاعدة منفتحة على الجانب المشرق من حقائق الحياة ~~، ولتتحرك خطواتكم في الطرق المستقيمة التي يشير إليها فكره ms2541 النير ومنهجه ~~السليم ... ( @QUR@02 لعلكم ترحمون ) لأن في ذلك كله الرحمة كل الرحمة ، ~~التي لا تتمثل في القرآن كعاطفة وانفعال ، بل تتحول إلى منهج للفكر ~~وللحياة. وهذا هو التوجيه الإلهي الذي يريد للمؤمنين أن يجعلوا من القرآن ~~كتابهم الذي يقرءونه قراءة وعي ، ويستمعون له استماع تأمل ، وينصتون له ~~إنصات خشوع وتفكير ، ليتحرك في كل آفاق حياتهم ، فيكون فكره هو الفكر الذي ~~يحملونه لتتميز به شخصيتهم الفكرية عن كل فكر آخر ، وتكون شريعته هي ~~شريعتهم ، ليرفضوا به أية شريعة أخرى من صنع الإنسان ، وتكون وسائله ~~وأهدافه هي وسائلهم وأهدافهم في خطواتهم العملية في الحياة ... ولا يريد ~~لهم أن يكون كتابا للبركة أو للحفظ أو للتفاؤل والاستخارة أو غير ذلك من ~~الأمور التي تبتعد به عن جوه الرسالي الذي أراده الله هدى للناس. # * * * ### ||| ** ذكر الله تضرعا وخيفة # ( @QUR@06 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ) في إحساس خاشع بعظمته وبقدرته ~~، وفي إيحاء روحي بالتضرع إليه في ما يرجوه الإنسان وما يخافه ، وبالتذلل ~~له في شعور عميق بالخوف منه ومن عقابه ، لتعيش النفس مع الله في كل نبضاتها ~~وخفقاتها وأفكارها ومشاعرها ، حتى يكون الله هو كل شيء فيها. فإذا تحول ذلك ~~إلى ذكر ، فإنه يكون ذكرا خافتا من خشية الله. ( @QUR@04 ودون الجهر من ~~القول ) في ما يشبه الهمس الذي يعبر عن النبضة والخفقة والإحساس PageV10P315 # والإيحاء ، كما لو كان حديث النفس الذي قد يقترب من حركة الكلمة في ~~الشفاه ، ولكنه يبتعد عن الصوت القوي في الحناجر ( @QUR@02 بالغدو والآصال ~~) ليكون ذكر الله هو البداية التي يبدأ الإنسان بها يومه ، وليكون النهاية ~~التي يختم بها ذلك اليوم ، فذلك هو الذي يجدد لك اليقظة الروحية الإيمانية ~~في روحك وفكرك وضميرك ، ( @QUR@04 ولا تكن من الغافلين ) الذين يعيشون ~~الغفلة ، فلا يشعرون بشيء من حولهم ، وينسون الله في كل ما يحيط بهم. # * * * ### ||| ** حال الملائكة مع الله تعالى # ( @QUR@04 إن الذين عند ربك ) من الملائكة ( @QUR@04 لا يستكبرون عن ~~عبادته ) في ما يبتهلون إليه في الدعاء ، وفي الذكر والصلاة ، وفي كل ~~أساليب الخضوع والخشوع ، ( @QUR@01 ويسبحونه ) في ms2542 إحساس منهم بالعظمة ~~الإلهية. ( @QUR@02 وله يسجدون ) في تعبير عن العبودية الخالصة بكل معانيها ~~وبكل أحاسيسها ، في ما يمثله السجود من الاستسلام الكلي لله ، ومن الانسحاق ~~أمامه ، في روحية الإيمان وصفاء الروح. # * * * PageV10P316 ### | سورة الأنفال ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها خمس وسبعون PageV10P317 ### ||| ** سبب التسمية # سميت السورة ب «الأنفال» لورود هذه الكلمة في بدايتها ، كمحور لسؤال وجهه ~~المسلمون إلى الرسول حولها لاختلاف آرائهم في شأنها. # والأنفال في اللغة هي الزيادة على الشيء ، ومنه سميت الصلوات غير الواجبة ~~نوافل ، باعتبارها زيادة على الفريضة. # وقد اختلفت كلمات المفسرين في المراد من الكلمة ، فذكر بعضهم أنها غنائم ~~معركة بدر ، وذكر بعض آخر أنها كل ما كان من فتح لم يقاتل عليه ، ولم يوجف ~~عليه بخيل ولا ركاب ، كبطون الأودية ، ورؤوس الجبال ، والأرض الموات ونحوها ~~... وربما أطلقها البعض على مطلق غنائم الحرب ، على أساس أننا لا نفهم أية ~~خصوصية لمعركة بدر. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور عن عبادة بن الصامت قال : «خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فشهدت معه بدرا ، فالتقى الناس فهزم الله العدو ، ~~فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون ، وأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ~~ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يصيب العدو منه ~~غرة ، حتى إذا كان الليل ، PageV10P319 # الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها ، ~~فليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق بها منا ~~، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم ، وقال الذين أحدقوا برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لستم بأحق بها منا ، نحن أحدقنا برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به ، فنزلت : ~~( @QUR@012 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم ) فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين» (1). # وجاء في الكافي بإسناده عن العبد الصالح الإمام موسى بن جعفر الكاظم ~~عليه السلام ، قال : «الأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها ، وكل أرض لم يوجف ~~عليها ms2543 بخيل ولا ركاب ، ولكن صالحوا صلحا وأعطوا بأيديهم على غير قتال ، وله ~~يعني للوالي رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكل أرض ميتة لا رب لها ، ~~وله صوافي الملوك : ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب ، لأن الغصب كله ~~مردود ، وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له» (2). # * * * # ربما كان جو السورة يوحي بأن المقصود بالكلمة هو الغنائم ، لأنها هي التي ~~كانت موضع الخلاف الذي صار أساسا للتنازع. أما الرواية الواردة عن الإمام ~~الكاظم عليه السلام ، فقد لا تكون تفسيرا للكلمة من خلال مورد الآية ، بل قد ~~تكون تعميما للكلمة لغير هذا المورد ، من خلال التقاء الحكم في الجميع على ~~قاعدة واحدة. PageV10P320 # وربما كانت المسألة واردة في أجواء بعيدة عن حالة الحرب ، في ما كان يدور ~~بين المسلمين من الحديث عن هذه الأراضي المترامية التي لا مالك لها ، أو ~~التي لم يقاتلوا عليها ، وغير ذلك مما عد من الأنفال. # وقد تكون الأحاديث الواردة في أسباب النزول اجتهادا يأخذ صفة الرواية ، ~~لا سيما إذا لاحظنا أن الروايات مختلفة في الحديث عن طبيعة التفاصيل ، وأن ~~قصة معركة بدر المعروفة تختلف في تفاصيلها عما ورد في روايات أسباب النزول ~~، هذا بالإضافة إلى أن التدقيق في مدلول اللام في قوله ( @QUR@02 لله ~~والرسول ) قد يوحي بالمعنى الذي لا يلتقي بالرواية الواردة في أسباب النزول ~~، مما قد يأتي الحديث عنه في ما يرد من حديث التفسير ؛ والله العالم ... # * * * ### ||| ** موضوع السورة # في هذه السورة حديث طويل متنوع عن معركة بدر في الأجواء التي سبقت ~~الإعداد لها ، وفي الحالة النفسية التي كان يعيشها المسلمون إزاءها ، وفي ~~حركة المعركة في أجواء الغيب تارة ، وفي آفاق الواقع أخرى ، وفي نهاياتها ~~ونتائجها على مستوى أوضاع الأسرى والغنائم أو على مستوى الحالة الروحية ~~التي عاشوها بعد ذلك. # وقد نلاحظ أن السورة لا تتحدث عن المعركة كقصة تلاحق التفاصيل التي تثير ~~الفضول وتبهر النفوس ، بل تتحدث عنها كتجربة جديدة تشتمل على السلبيات ~~والإيجابيات ، وعلى نقاط الضعف ونقاط القوة ... وقد أكدت ms2544 PageV10P321 # السورة على كل هذه العناصر في عملية تقييم ودراسة ونقد وتوعية من أجل أن ~~يقوم المسلمون بتنمية إيجابيات القوة ، وتحويل السلبيات في نقاط الضعف إلى ~~مصدر قوة. ولذلك فإنها لم تعمل على إخفاء نقاط الضعف ، كما يفعل المنتصرون ~~الذين لا يطرحون النتائج إلا من خلال الصورة المشرقة للأشياء ، أما الصور ~~القاتمة فإنهم يضعونها بعيدا عن العيون ، لأنهم لا يريدون إلا إثارة الزهو ~~في الساحة من خلال مظاهر النصر ؛ ولكن الله يريد للمعركة أن تكون تجربة حية ~~للإنسان ، تبني له شخصيته في ما تعطيه من دروس وعبر ، وما تثيره في داخله ~~من إيحاءات وأفكار ، لتكون خطوة متقدمة في اتجاه التغيير. ولا تبقى مجرد ~~نصر تاريخي يتذكره الإنسان كمجد من أمجاد الماضي ، كلما احتاج إلى ذكرى ~~الانتصارات التاريخية التي يريد أن يهرب إليها من هزائم الحاضر. # إن الإنسان هو محور الحياة في الإسلام فلكي نصنع للحياة قاعدة قوية صلبة ~~، لا بد من أن نعمل على صناعة الشخصية الإنسانية على أساس قوي منفتح ، ~~لنحقق للحياة هدفها الكبير ، ولنمارس تحريك كل الطاقات في هذا الاتجاه ... ~~وهذا ما يجعلنا نفكر أن موضوع الانتصارات ليس موضوع مجد ذاتي للزهو ~~والخيلاء ، بل هو خطوة متقدمة نحو الهدف الكبير ، ولذا فإن من المفروض أن ~~يرصد السائرون نحوه نقاط الضعف والقوة ، من أجل تصحيح المسار عند الخطأ ، ~~وتثبيت الأقدام عند الاهتزاز. وهذا ما أثاره القرآن في هذه السورة التي ~~نزلت في ما يبدو بعد المعركة ، من أجل أن يتعلم المسلمون القيام بعملية ~~التقييم لما حدث ، ليأخذوا منه الدرس للمستقبل في الأحداث القادمة ، فقد ~~حدثهم عن الوسائل الروحية التي تنمي إيمانهم بالله وعلاقتهم به ، وعن ~~تأثيرات الصبر كقيمة أخلاقية من قيم الحياة التي تتدخل في تنمية القوة ~~وتطويرها ومضاعفتها ، وعن العلاقة الوثيقة بين الجوانب الروحية والجهادية ، ~~فكلما انفتحت روح الإنسان على آفاق الإيمان ، كلما انفتح له درب جديد ~~للجهاد ، وتحركت في حياته عزيمة القوة والثبات. PageV10P322 # وهكذا أفاضت السورة في الحديث عن الخط الإسلامي لقضايا الحرب والسلم ، ~~لتؤكد الحقيقة الإنسانية في ms2545 اعتبار السلم أساسا لحركة الحياة ، إذا توفرت ~~لها العناصر اللازمة لاستمرار مبادئها في الخط السليم ، لأن الحرب ليست ~~حالة طبيعية تحكم علاقة الإنسان بالإنسان ، بل هي حالة طارئة تحكم الواقع ~~من أجل مواجهة التحديات الصعبة في قضايا الحق والباطل ، لئلا تسقط الحياة ~~في قبضة الباطل. وكانت هناك تفاصيل متعددة للأجواء التي ينبغي أن تسود ~~الحياة الإسلامية في علاقات المسلمين ببعضهم البعض ، وفي التزامهم بالدقة ~~والانضباط والسرية والإخلاص لأمانة المسؤولية ، ومواجهتهم الموقف بروح ~~جماعية في عملية التزام وولاية وانفتاح على المستقبل في كل خطوات الحاضر ، ~~ذلك هو الأسلوب القرآني الذي يتحرك في معالجة القضية في أكثر من اتجاه ، ~~فنرى الجانب العسكري يلتقي بالجانب الروحي ، كما نلاحظ ارتباط الجانب ~~الاجتماعي بالجانب الأخلاقي ، لأن الشخصية الإنسانية ليست أحادية الاتجاه ، ~~فلا يمكن أن نواجه عملية البناء فيها بأسلوب التجزيئية التي تبحث كل حالة ~~فيها على حدة ، بل لا بد لك من أن تتحرك فيها من موقع الوحدة التي تمتزج ~~فيها كل عناصر الشخصية المتداخلة في عملية الحركة والوجود. وهذا ما يمثله ~~خط التوازن في حركة الشخصية الإسلامية ، فليس هناك جانب مادي منفصل عن ~~الجانب الروحي ، وليست هناك حالة فردية منفصلة عن الحالة الاجتماعية. وقد ~~يكون أسلوب السورة الرائع في معالجة قضية الحرب والسلم من أوضح الأمثلة على ~~هذا الخط. # * * * PageV10P323 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) @QUR@017 إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) @QUR@06 الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون (3) @QUR@011 أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأنفال ): جمع نفل ، وهو الزيادة على الشيء. وقيل النفل : ~~العطية. # ( @QUR@01 وجلت )؛ الوجل : الخوف. # * * * PageV10P324 ### ||| ** المسلمون يسألون .. والجواب يتحرك في تنمية الشخصية # للسؤال في القرآن دور تربوي روحي يتعدى جانب تقديم المعرفة المجردة ~~للسائل في نطاق الجواب ، ليكون منطلقا للنصح والموعظة والدعوة إلى الالتزام ~~بخط الإيمان ، وليدخل بالتالي في تحديد المفاهيم الإسلامية ms2546 للإنسان المسلم ~~بطريقة واضحة حاسمة. وهذا ما نستوحيه من هذه الآيات. # ( @QUR@03 يسئلونك عن الأنفال ) وقد قدمنا أن الروايات الواردة في مناسبة ~~النزول ذكرت وجود حالة خلاف بين المسلمين في معركة بدر في توزيع الغنائم ~~بين المقاتلين ، الذين كانوا يتوزعون الأدوار بين مقاتل للعدو ، وبين مدافع ~~عن رسول الله ، وبين جامع للغنائم ، فكان أن رجعوا إلى رسول الله يسألونه ~~عن الحكم في ذلك. وربما كان إطلاق الأنفال التي تعني الزيادات على الغنائم ~~باعتبار أنها مما لا يختص بها أحد من ناحية ذاتية. وقد أشرنا إلى أن هناك ~~وجها آخر للكلمة يشمل كل الأراضي التي لا مالك لها ، وغير ذلك من الأمور. ~~وقد يكون مثل هذا الوجه نوعا من توسيع مساحة المفهوم حكما ، باعتبار شمول ~~الحكم الثابت في مدلول الكلمة ، أو في موردها ، لما هو خارج عن مدلولها أو ~~موردها ، أو تعميما للكلمة في مفهومها باعتبار القاعدة المعروفة : إن ~~السؤال لا يخصص الجواب ، وإن المورد لا يخصص الوارد. # ( @QUR@04 قل الأنفال لله والرسول ) ما معنى أن تكون الأنفال لله ~~وللرسول؟ ربما يقال : إن المعنى هو أن يكون أمرها راجعا لله وللرسول ، في ~~مواجهة الفكرة القائلة بأنها من شؤون المقاتلين الذين قاتلوا ، أو دافعوا ، ~~أو غنموا ، كأمر واقع ... ولكن هناك فكرة أخرى ، وهي أنها ملك لله وللرسول بمعنى PageV10P325 # الاختصاص بهما من ناحية قانونية ، فتكون مصارفها أو توزيعها من الشؤون ~~التابعة للملك ، تماما كما يتصرف المالك في ملكه ، مما هو من مسئوليته ~~العامة أو الخاصة. وعلى ضوء هذا ، كانت الأراضي الداخلة في مفهوم الأنفال ~~ملكا لله وللرسول. إلا أن هذا قد لا ينسجم مع الحكم الثابت للغنائم التي هي ~~للمقاتلين ، في ما عدا الخمس الذي جعل فيه سهم لله وللرسول بالإضافة إلى ~~الفئات الأخرى ، والمفروض أنها مورد الآية ، كما ذكر في مناسبة النزول. ~~ولهذا التزم جماعة بنسخ هذه الآية بآية الخمس ؛ فلا بد للخروج من هذا ~~المأزق من التزام أحد أمرين ، فإما القول بأن المقصود من الأنفال غير ~~الغنائم ، وذلك بطرح الروايات الدالة على ذلك ms2547 ؛ وإما القول بأن المقصود من ~~جعلها لله وللرسول ، هو إيكال أمرها إليه بعيدا عن اقتراح المقترحين ، ~~ونزاع المتنازعين ، فليس للمقاتلين أو الغانمين أن يقرروا شيئا من ذلك في ~~ما يؤخذ ، وما لا يؤخذ ، أو في تحديد المستحق وغير المستحق ، كما يوحي به ~~نزاعهم. وبذلك كانت آية الخمس واردة في مورد التحديد للمسألة ، كما كانت ~~أحاديث الأنفال في غير الغنائم مبينة لحدود الحكم الشرعي فيها ، وتحقيق ~~الأمر في ملكية الله والرسول موكول إلى الأبحاث الفقهية ، فليطلب من هناك. # * * * ### ||| ** الله يدعو المسلمين لإصلاح ذات بينهم # ( @QUR@02 فاتقوا الله ) فإن التقوى هي التي تعرف الإنسان حدوده في ما ~~يملك وما لا يملك ، وهي التي توحي له بضبط الخلافات الحاصلة بينه وبين ~~الناس ، والبعد عن الأجواء الذاتية والعدوانية التي تسيء إلى إنسانية ~~العلاقات وسلام الحياة .. ( @QUR@03 وأصلحوا ذات بينكم )، أي الحالة ~~السيئة الممزقة الواقعة بينكم ، من خلال التفاهم على النقاط المشتركة التي ~~يمكن أن تكون أساسا للقاء في PageV10P326 # الفكر والعمل ، فإن ذلك هو السبيل لرأب الصدع ، وردم الهوة ، وإصلاح ~~الفساد ، وتركيز العلاقات على قاعدة ثابتة ، لأن اكتشاف مواطن اللقاء هو ~~الذي يقود إلى حل مواطن الخلاف. ( @QUR@03 وأطيعوا الله ورسوله )، فذلك هو ~~الخط المستقيم الذي يحفظ للإنسان المؤمن خطواته من الزلل ، ويصونه من ~~الانحراف ، ويؤمن لحركته التوازن في مواجهة تعقيدات الحياة وتشابك الخطوط ~~التي تحفل بها. فتكون طاعة الله في ما يشرعه ، وطاعة الرسول في ما يفصله ~~ويطبقه ، هي النهج السليم الذي يمثل الخط الفاصل بين الهدى والضلال. ( ~~@QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) لأن الإيمان ليس فكرا مجردا يحدد للإنسان خط ~~النظرية فحسب ، بل هو ممارسة عملية فاعلة ، في انطلاقته من أجل تغيير ذاته ~~، وتغيير الحياة على أساس تلك النظرية. # * * * ### ||| ** من هم المؤمنون؟ # وفي ضوء ذلك ، كانت الجوانب الروحية والعملية هي التي تقدم صورة المؤمن ~~النموذج في ما جاءت به الآيات التالية : ( @QUR@08 إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم )، وعاشت الشعور بالخشية منه ، في ما يتمثلونه من ~~عظمة الله في مظاهر قدرته في خلقه ، وفي وحدانيته ووجوده ، بالمستوى ms2548 الذي ~~يشعرون معه بأن الكون كله ظل لوجوده ، فهو الحقيقة وكل ما عداه خيال ... ~~ولكن هذا الوجل لا يمثل حالة انسحاق يلغي في الإنسان الإرادة ، بل يمثل ~~حالة المسؤولية التي تحرك إرادته في الجانب المشرق من الحياة ، عند ما توحي ~~له بأن حركته ليست محكومة لمزاجه أو مزاج الآخرين ، بل هي خاضعة للقوة ~~المهيمنة التي تخطط لإرادته كما تخطط لفكره ، وبذلك كان الخوف من الله ~~حافظا لإنسانيته من الانحراف تحت تأثير الضغوط ، ورادعا له من الخضوع ~~للشهوات والنزوات المنحرفة ، وموجها له للسير في الخط المستقيم ... PageV10P327 # ( @QUR@06 وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا )؛ وذلك في ما تنفتح به ~~أفكارهم وأرواحهم ومشاعرهم على الوحي النازل من الله على رسوله ، فيتأملون ~~في آياته ، ويستمعون إليها في وعي المؤمن وروح المفكر ، فيطوفون معها في ~~آفاق الحياة ، ويحلقون من خلالها في رحاب الله ، ويعيشون حركة المعرفة في ~~مفاهيمها الشاملة ، وفي تأملاتهم العميقة ، وفي مشاهداتهم ونظراتهم ~~المتنوعة ... فيزدادون إيمانا في عملية ارتفاع وعمق ... # تلك هي قصة المؤمنين في إيمانهم ، فهم لا يتجمدون أمام عناصر المعرفة ~~الأولى ، ولا يعيشون حرفية الكلمات ، ولا يختنقون في الزوايا المحدودة ~~للمفاهيم ، بل يظلون في رحلة دائمة نحو المعرفة التي تنمي الإيمان وتطوره ، ~~يستنفرون من أجلها كل طاقاتهم ، ويفتحون لها قلوبهم ، فيستزيدون مما يقرءون ~~ويسمعون ، ويزيدون في ما يفكرون ويحاورون ، حتى تكون آخر جرعة من المعرفة ~~الإيمانية لديهم ، هي آخر لحظة من حياتهم. # ( @QUR@03 وعلى ربهم يتوكلون )، فهم يسيرون في كل دروب الحياة ، وعيونهم ~~مشدودة للسماء ، وقلوبهم مفتوحة لله ، لا يهزمهم خوف ، ولا يثيرهم قلق ، كل ~~خطواتهم مدروسة في الدرب الذي يقطعونه ، وفي الهدف الذي يتوجهون إليه. وكل ~~طاقاتهم مستنفرة متحركة من أجل تحقيق الشروط الموضوعية للوسائل والأهداف ، ~~لا يعيشون الاتكالية واللامبالاة والسلبية في أوضاع الحياة ومشاعرهم ، بل ~~يعيشون المسؤولية والإيجابية والحركة المستمرة ، حتى إذا واجهوا بعض ~~المصاعب والشدائد والتحديات في أجواء الحاضر والمستقبل ، ووقفوا في بعض ~~المراحل أمام احتمالات المجهول ، في ما يمكن أن يهدم مشاريعهم ، أو يهزم ~~مسيرتهم ، أو يوقعهم في مهاوي ms2549 الخطر ، لجأوا إلى الله ، وأسلموا أمرهم إليه ~~، في ما لا يملكون الانتصار عليه بالقوة والفكر ، وتوكلوا عليه ، لتجتمع في ~~داخل نفوسهم عناصر الثقة بالمستقبل ، من خلال حركة الإرادة معه في أفكارهم ~~وأعمالهم في ما يستطيعون ، ومن خلال حركة PageV10P328 # الثقة بالله في أجواء الغيب في ما لا يستطيعون ، وذلك هو معنى التوكل في ~~شخصية المؤمن ؛ حركة في الفكر والإرادة في نطاق الإمكانات ، وثقة بالله في ~~عملية استسلام لإرادته وقدرته في نطاق الغيب. # ( @QUR@03 الذين يقيمون الصلاة ) بما تجسده من خضوع لله ، واعتراف ~~بالعبودية له في جميع مظاهرها وأشكالها ... ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ~~) بما يمثله الإنفاق من روحية العطاء في امتداده في حياة الناس ، وتأكيده ~~على الشخصية الإنسانية التي لا تعيش الشعور بالذاتية في ما تملكه من طاقات ~~، بل تحس بالمشاركة للآخرين في ذلك كله ، لأنه رزق الله الذي أراد لعباده ~~أن لا يحتكروه لأنفسهم ، في ما اقتضت حكمته من توزيع أرزاق عباده ، على ~~أساس أن يكون رزق بعضهم في يد البعض الآخر ، مما يجعل من قضية العطاء حالة ~~تبادلية ، فلكل شخص طاقة يعطيها للآخرين ، وللآخرين طاقات يمنحونها له ... ~~وهكذا كانت حركة المجتمع في شخصية الفرد ، في اتجاه حركة الفرد في شخصية ~~المجتمع ، في تفاعل وتعاون وعطاء ... # وربما كان اختيار هذه الصفات في الحديث عن المؤمنين ، لأنها تمثل العناصر ~~البارزة في حركة الإيمان في الداخل ، في هذا الخوف الدائم من الله ، وفي ~~هذا النمو الحي للإيمان في أجواء المعرفة ، وفي هذه الثقة المطلقة بالله ~~أمام المجهول في ما توحي به من وعي للمسؤولية والانضباط أمام روحية الخوف ، ~~ومن تطلع دائم إلى المعرفة كأساس لتنمية الإيمان ، ومن شجاعة وجرأة أمام ~~تحديات المجهول ، كما أنها تمثل حركة الإيمان في العبادة في الصلاة ، من ~~حيث هي المظهر الحي للاعتراف بالعبودية لله ، التي هي أساس الحرية في شخصية ~~الإنسان أمام الآخرين ، وفي الإنفاق من حيث هو الامتداد الإنساني في حياة ~~الآخرين ، في ما يملك من مال وعلم وجاه وطاقة حية متحركة في خط الواقع ، ~~ليكون ذلك كله أساسا ms2550 للتطور والنمو في شخصية الإنسان المسلم في الجوانب ~~الأخرى ، التي يتكامل بها الإنسان ، وتتقدم PageV10P329 # بها الحياة. # ( @QUR@04 أولئك هم المؤمنون حقا ) الذين صدقوا الله وعده وعهده ، ~~وأخلصوا له العمل ، فجزاهم الله عن ذلك أفضل الجزاء. ( @QUR@04 لهم درجات ~~عند ربهم ) تبعا لدرجاتهم في الإيمان وفي العمل ، ( @QUR@01 ومغفرة ) لما ~~أخطئوا فيه. ( @QUR@02 ورزق كريم ) في ما رزقهم من مال وصحة وعافية وأولاد ~~وجاه ، ومن طيبات الحياة الدنيا ولذاتها ، مما يعيش فيه المؤمن الشعور ~~برعاية الله له ، وكرامته عليه ، وذلك هو إحساس المؤمن أمام نعمة الله عليه ~~، فهو يعيش معها الجو الحميم الكريم الذي يعبر عن محبة الله له ، كما ~~يستوحي منها الشعور بالمسؤولية في الشكر الروحي والعملي لله في جميع ذلك. # * * * PageV10P330 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ~~(5) @QUR@012 يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون (6) @QUR@023 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ~~ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ~~(7) @QUR@07 ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يجادلونك )؛ المجادلة : المنازعة التي يفتل بها عن مذهب إلى ~~مذهب ، وأصل الجدل : شدة الفتل. # ( @QUR@01 يساقون ): السوق : الحث على المسير. # ( @QUR@01 الشوكة ): الحد والقوة. # ( @QUR@01 دابر ) الأمر : آخره. ودابر القوم : عقبهم. # * * * PageV10P331 ### ||| ** كيف واجه المسلمون الدعوة إلى معركة بدر؟ # في هذه الآيات عرض للأجواء النفسية التي كانت تسود الواقع الإسلامي ، عند ~~ما انطلقت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخروج معه من أجل ~~مواجهة قريش بالضغط الاقتصادي ، وذلك بالتعرض للقافلة التجارية التي كان ~~يقودها أبو سفيان ، لمصادرتها والاستيلاء عليها ، ومنع قريش من حرية التحرك ~~في الطريق التجاري بين مكة والشام ، كوسيلة من وسائل إضعافها ، وكنوع من ~~استعراض القوة الإسلامية في منطقة تتميز بعدم الخضوع إلا للقوة ... وقد ~~كانت هذه الفرصة الوحيدة آنذاك للمواجهة بطريقة غير مباشرة ، لأن في ذلك ~~تحديا بالقوة للهيمنة القرشية على المنطقة التي كانت تتحرك من أجل السيطرة ~~على الإسلام. وقد تثاقل فريق من المؤمنين ms2551 ، في الاستجابة لنداء النبي ~~ودعوته ، وكرهوا الخروج معه ، لأنهم كانوا لا يزالون يهابون القوة القرشية ~~، ويخافون مواجهتها. وربما كانوا يعتقدون أن الوقت لا يزال مبكرا للدخول في ~~معركة عسكرية مع قريش ، لأن المسلمين لم يكونوا قد استجمعوا قوتهم بالمستوى ~~الذي يمكنهم من الانتصار ، أو يضمن لهم عدم الهزيمة على الأقل الأمر الذي ~~يجعل من هذه العملية ، شيئا يشبه العملية الانتحارية. وهذا ما توحي به هذه ~~الآيات. # * * * ### ||| ** الخروج إلى قافلة قريش بأمر الله تعالى # ( @QUR@06 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) ربما كان موقع التشبيه بالكاف ~~على أساس التعلق بما يدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@04 قل الأنفال لله ~~والرسول )، والتقدير كما يقول صاحب تفسير الميزان «أن الله حكم بكون ~~الأنفال له ولرسوله PageV10P332 # بالحق مع كراهتهم له ، كما أخرجك من بيتك بالحق مع كراهة فريق منهم له ، ~~فللجميع حق يترتب عليه من مصلحة دينهم ودنياهم ما هم غافلون عنه» (1). ~~وهذا الوجه معقول ، ولكنه غير ظاهر من الكلام بطريقة واضحة. أما كلمة ~~«بالحق» ، فقد توحي لنا بالهدف الذي كان يحكم التحرك النبوي في اتجاه ~~القافلة القرشية ، فقد كان بأمر الله لا برأي شخصي للنبي. وإذا كانت ~~المسألة كذلك ، فإن الله لا يأمر إلا بالحركة المرتكزة على أساس الحق في ما ~~تمثله الكلمة من الارتباط بالهدف الكبير من قوة الإسلام وانتشار أمره وثبات ~~مواقعه. # * * * ### ||| ** بعض المؤمنين يكرهون الخروج # ( @QUR@05 وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) لهذا الخروج ، نتيجة تجمع ~~عناصر الضعف الإنساني لديهم ، كحب الراحة ، وحب الحياة ، والخوف من النتائج ~~السلبية ... مما يبعدهم عن معنى الإيمان الذي يفرض عليهم الالتزام بأمر ~~الله ونهيه. ( @QUR@06 يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) فقد كان الموقف ~~محرجا بالنسبة إليهم ، فها هو النبي يتأهب للخروج عازما على تنفيذ المهمة ~~الموكولة إليه ، مهما كلفه ذلك من تضحيات ومصاعب ، لأن القضية واضحة لديه ~~في ما يترتب عليها من نتائج إيجابية لمصلحة الإسلام والمسلمين ، الأمر الذي ~~يحقق للساحة الثبات والصلابة والقوة ... فما ذا يفعلون؟ هل يتمردون على ~~أمره؟ وهذا غير ممكن ، لأنه يؤدي بهم إلى الابتعاد ms2552 عن خط الطاعة والانقياد ~~الذي التزموا بالسير عليه في إيمانهم بالإسلام ، وبيعتهم للرسول. إذا لا بد ~~من الدخول في جدال طويل مرير مع الرسول ، ليثبتوا له خطأ التصور لنتائج ~~الإيجابية ، ولينقلوا إليه PageV10P333 # مخاوفهم في ما ينتظرونه من نتائج سلبية. ودخلوا معه في جدال صعب ، وربما ~~أعادوا عليه أحاديث قريش في قوتها وخيلائها وعزتها وعظمتها ... وربما قال ~~له بعضهم : «إن هذه قريش ما ذلت منذ عزت». وكانوا يؤكدون له ذلك ، والنبي ~~يستمع إليهم ، ولكنه لا يلقي بالا لكل ما يقولونه ، لأنه قد عزم الأمر ، ~~ولم يعد هناك مجال للتفكير أمام وضوح الرؤية للحق. # ( @QUR@06 كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ). وتلك هي حالتهم النفسية ~~المتوترة لما كانوا يعيشونه من رعب وفزع ، تماما كما هي حال المحكوم ~~بالإعدام الذي يمشي إلى الموت أمام جلاديه ، فهو يتطلع إلى المصير المحتوم ~~بعينيه الخائفتين الغائمتين ... وتتردد في مشاعرهم القلقة كلمة الخوف ~~الساحق. إنها قريش ، كيف نقاتل قريش بكل قوتها وجبروتها؟ إنه الموت الذي ~~نواجهه ويواجهنا من دون أية فرصة للهرب. وذلك هو الفريق الذي لا يمثل ~~الغالبية الكبيرة من المسلمين. وهذا ما يحدثنا عنه ابن الأثير في تاريخه ، ~~في سياق حديثه عن تفاصيل معركة بدر : «فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على أصحابه وقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ، ثم استشار أصحابه ، ~~فقال أبو بكر فأحسن ، ثم قال عمر فأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو ، فقال : ~~يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى : ( @QUR@07 فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ~~[المائدة: 24] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فو الذي ~~بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من ~~دونه حتى تبلغه. فدعا له بخير ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~أشيروا علي أيها الناس. وإنما يريد الأنصار لأنهم كانوا عدته للناس ، وخاف ~~أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه ms2553 بالمدينة ، وليس عليهم أن ~~يسير بهم. فقال له سعد بن معاذ : لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال : أجل. ~~قال : قد آمنا بك وصدقناك ، وأعطيناك عهودنا ، فامض يا رسول الله لما أمرت ~~، فو الذي بعثك بالحق ، إن PageV10P334 # استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك ، وما نكره أن تكون تلقى العدو ~~بنا غدا. إننا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر ~~به عينك ، فسر بنا على بركة الله. فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~: أبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين» (1)... # * * * ### ||| ** الله يعد المسلمين إحدى الطائفتين # ( @QUR@07 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ). فقد بشرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم سيلتقون بالطائفة التي تصاحب القافلة ~~المحملة بالأموال ، أو بالطائفة المقاتلة التي تحمل السلاح ، وهي المقصودة ~~بذات الشوكة أي ذات السلاح وستكون لهم إحداهما ، إما بالحصول على المال ~~والاستيلاء على القافلة ، وإما بالانتصار على الفئة المقاتلة. وهكذا أرادهم ~~الله أن ينطلقوا إلى المعركة بروح الثقة بالحصول على النتائج الإيجابية على ~~أية حال ، سواء كانت المعركة معركة المواجهة مع الذين يحمون القافلة ~~التجارية ، أو كانت معركة المواجهة مع الفصائل المقاتلة من قريش. ( @QUR@07 ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم )... لأنهم كانوا يودون عدم الدخول في ~~معركة مسلحة ، لأن النصر فيها لا يتحقق عادة بدون خسائر ، لا سيما إذا كان ~~العدو قويا في عدده وعدته ، وكان المقاتلون ضعفاء فيهما معا ، كما كان عليه ~~حال المسلمين في معركة بدر. # * * * PageV10P335 ### ||| ** درس قرآني في كيفية الاستعداد للقتال # وهكذا نعرف من خلال ذلك ، أن الاستعداد للقتال لم يكن منسجما مع الحالة ~~النفسية الكارهة للقتال ، المحبة للسلامة. وتلك هي نقطة الضعف الكامنة في ~~الداخل ، التي كانت تستيقظ في بعض الحالات ، لتثير فيهم نوعا من التردد ~~والاهتزاز الذي لا يلبث إلا قليلا ، ثم يفعل الإيمان فعله ، ليثبت المؤمنين ~~ويقودهم إلى المسيرة الظافرة في طريق الجهاد والشهادة. وهكذا يثير القرآن ~~في آياته الأجواء الذاتية في داخل المسلمين وخارجهم ، فيحدثنا عن نقاط ms2554 ~~الضعف ، في حديث توعية وتنبيه وتحذير ، من أجل مراقبة ذلك كله في أنفسنا ، ~~لنواجه حالات الاهتزاز الداخلي والخارجي بالمزيد من عوامل التركيز والتثبيت ~~، فإن الإنسان الذي لا يكتشف نقاط ضعفه ، لا يستطيع تنمية عناصر قوته ، لأن ~~الهروب من وعي المشكلة لا يهزمها ، بل يعقدها ويشل فيها إمكانية الحل ... ~~وهذا هو السبيل الذي يريد الإسلام للمسلم أن يسير فيه : أن يواجه الواقع ~~كما هو ، فيعترف بسلبياته وإيجابياته. ثم يعالج السلبيات من مواقع ~~الإيجابيات ، لينتهي إلى النصر والفلاح من موقع المواجهة القوية ، بكل ما ~~تستلزمه من آلام وتضحيات ، لأن ذلك هو الوسيلة الفعلية لإحقاق الحق وتحويله ~~إلى قوة متحركة في الواقع. # * * * ### ||| ** إرادة الله تعالى إحقاق الحق وقطع دابر الكافرين # ( @QUR@06 ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ) ويثبته بوحيه وسننه في الكون ~~، ليكون هو المهيمن على حركة الحياة ، وتكون قيادته الرسولية هي الحاكمة لها PageV10P336 # في كل خطوط السير. ( @QUR@03 ويقطع دابر الكافرين ) ويستأصلهم باستئصال ~~قوتهم العسكرية والسياسية ، ويهدم عنادهم وكبرياءهم ، ويهزم كل مواقع ~~التحدي التي يواجهون بها المسلمين. ولا بد للوصول إلى هذا الهدف ، من معارك ~~ضارية يقف فيها المسلمون في خط المواجهة للكافرين المعتدين ، لأن القوة لا ~~بد من أن تجابه بالقوة ، كما أن عملية النصر ليست دعاء يدعو به الداعون في ~~مواقف الخشوع في الصلاة ، وليست تمنيات يحلم بها الحالمون في ما يعيشونه من ~~أحلام اليقظة والمنام ، بل هي موقف صمود وصبر وهجوم ودفاع ومواقف للتحدي ~~المضاد الذي يرد التحديات ويواجهها بتحديات مماثلة ، فإذا عاش الإنسان حالة ~~الضعف قليلا في تلك المواقع ، كان الدعاء سبيل قوة روحية يستمدها من ~~ارتباطه بالله ، وكان النصر حلما روحيا يتحرك في خط الواقع وحركته ، في ~~تطلع خاشع نحو الغيب القادم من لطف الله ورحمته. # ( @QUR@02 ليحق الحق ) ويجعله القوة الوحيدة التي تحكم الساحة ، في ما ~~يوحي به من فكر ، وما يركز من مفاهيم وما يشرع من شريعة ... ( @QUR@02 ~~ويبطل الباطل ) ويهدمه في جميع مجالاته الفكرية والروحية والعملية ، في خط ~~العقيدة والسياسة والاقتصاد والاجتماع في حالة الحرب والسلم ، من موقع ms2555 ~~الإرادة التي تريد للحق أن ينتصر ، وللباطل أن ينكسر في معارك الحق والباطل ~~في كل ساحات الصراع ، من خلال جهاد المجاهدين ، ودعوة الداعين ... ( ~~@QUR@03 ولو كره المجرمون ) الذين يعيشون الحياة للجريمة ، لتكون الجريمة ~~أداة لتحقيق المطامع الذاتية ، على حساب المبادئ الخيرة القائمة على الحق ~~والإيمان. # * * * PageV10P337 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين (9) @QUR@018 وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر ~~إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) @QUR@022 إذ يغشيكم النعاس أمنة ~~منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط ~~على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) @QUR@023 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) @QUR@013 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ~~ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) @QUR@06 ذلكم فذوقوه وأن ~~للكافرين عذاب النار ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مردفين ): من أردفه ، إذا ركب وراءه. PageV10P338 # ( @QUR@01 رجز ): الرجز : الشيء المستقذر حسا أو معنى. # ( @QUR@01 وليربط )؛ الربط على القلب : اطمئنانه. # ( @QUR@01 الرعب ): الخوف الشديد. # ( @QUR@01 بنان ): أطراف الأصابع من اليد أو الرجل. # ( @QUR@01 شاقوا ): خالفوا وعصوا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # في المجمع : «قال ابن عباس : لما كان يوم بدر ، واصطف القوم للقتال ، قال ~~أبو جهل : اللهم أولانا بالنصر فانصره ، واستغاث المسلمون ، فنزلت الملائكة ~~ونزل قوله : ( @QUR@03 إذ تستغيثون ربكم ) إلى آخره. # وقيل : إن النبي لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين ، ~~استقبل القبلة وقال : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة ~~لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف ربه مادا يديه ، حتى سقط رداؤه من منكبيه ، ~~فأنزل الله : ( @QUR@03 إذ تستغيثون ربكم )» (1). # * * * PageV10P339 ### ||| ** ميزان القوة الظاهري يميل لمصلحة قريش # ( @QUR@03 إذ تستغيثون ربكم ). فقد كان الجو يوحي بالتوتر وينذر بالخوف ~~، لأن ميزان القوة لم يكن متعادلا ، بل كان يميل إلى جانب العدو. فقد كان ~~جيش قريش يقارب الألف رجل ، بينما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وكان في عسكره ms2556 فرسان وسبعون جملا كانوا يتعاقبون ~~عليها ، ولم يكن عندهم سلاح بالكمية والنوعية التي يتميز بها سلاح قريش ، ~~وكانت أول تجربة للمسلمين في المعارك بهذه الصفة ، وكان جوهم يوحي بالقوة ~~الروحية الواثقة بحقها من خلال الثقة بربها ... ولكن هناك فرقا بين الأسلوب ~~الإيحائي بالقوة المادية ، الذي يعبر عن نفسه ، باستعراض الأدوات التي ~~تتحرك فيها القوة ، بأساليب التخويف والتهويل ، وبين الأسلوب الإيحائي ~~بالقوة الروحية الذي يعبر عن نفسه بالابتهال إلى الله ، والرجوع إليه ، ~~والانسحاق بين يديه ، والشعور بالحاجة إلى الإمداد الإلهي في ما يوحي به من ~~الروح المطمئنة ، والإرادة القوية ، والشعور الهادىء ، ولذلك كانت المعركة ~~غير المتكافئة منطلقا للأجواء الروحية التي انطلق المسلمون معها بقيادة ~~الرسول للاستغاثة بالله ، بعيدا عن كل الأجواء الاستعراضية. فقد كانوا في ~~شغل شاغل عن الفكرة التي توحي للمشركين بأنهم أقوياء ، وكان همهم الكبير أن ~~يحصلوا على الإمداد الإلهي ، ليحصلوا من خلاله على الشعور الداخلي بالقوة ، ~~الذي يدفع بهم إلى الثبات والصمود والاندفاع في المعركة ، ليكون ذلك هو ~~الإيحاء الحقيقي للمشركين بالمعنى العميق للقوة لدى المسلمين. # * * * PageV10P340 ### ||| ** إمداد المسلمين بألف من الملائكة مردفين # وهذا ما أراد القرآن الكريم التعبير عنه في حديثه عن استغاثة المسلمين ~~بالله. وقيل إن النبي قد بدأ ذلك لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد ~~المسلمين ، فاستقبل القبلة وقال : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك ~~هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، فما يزال يهتف لربه ويداه ممدودتان حتى سقط ~~رداؤه عن منكبيه. وكانت الاستجابة الإلهية بالألطاف الغيبية المتنوعة التي ~~جعلتهم يعيشون حركة الواقع في أجواء الغيب. ( @QUR@08 فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة مردفين ). والإرداف هو أن يجعل الراكب ردفا لغيره. # «وبهذا المعنى تلائم الآية ما في قوله تعالى في ما يشير به إلى هذه القصة ~~في سورة آل عمران : ( @QUR@055 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ~~من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ms2557 ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين* وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) [آل عمران / 123 ~~126]. فإن تطبيق الآيات من السورتين يوضح أن المراد بنزول ألف من الملائكة ~~مردفين ، نزول ألف منهم يستتبعون آخرين ، فينطبق الألف المردفون على ~~الثلاثة آلاف المنزلين» (1). وهذا ما ذكره صاحب تفسير الميزان ، ولعل هذا ~~أقرب من الوجوه الأخرى التي ذكرها المفسرون. وكانت هذه الاستجابة الإلهية ~~مصدر قوة روحية كبيرة ، في ما أثارته في نفوسهم حركة الملائكة في المعركة ~~بما كانوا يحملونه في أفكارهم عن القوة PageV10P341 # الغيبية التي يتمتع بها هؤلاء. ولكن الملائكة الذين أنزلهم الله إلى ساحة ~~المعركة ، لم تكن مهمتهم قتالية ، لأن الله لم يرد للمسلمين أن يستسلموا ~~للاسترخاء ، على أساس الاعتقاد بأن الملائكة جاءت لتقاتل بالنيابة عنهم. ~~ولو كان الأمر كذلك ، لما كانت هناك حاجة ملحة لأية معركة وأي قتال ، لأن ~~القوة الغيبية كفيلة بتصفية جميع الأعداء ، بل كانت مهمتهم تطمينية نفسية ، ~~وهذا ما عبرت عنه الآية ( @QUR@08 وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به ~~قلوبكم ) ليزيل من نفوسهم كل شعور بالقلق والخوف والاهتزاز ، ليندفعوا إلى ~~المعركة بقوة وثبات ، ليعطوا كل طاقاتهم للقتال في إحساس عميق بأنهم لا ~~يصنعون النصر عند ما يصنعونه بقوتهم الذاتية ، كما لا يصنعه الملائكة لو ~~صنعوه بل هو من عند الله ، من خلال ما تتحرك به ألطافه وتفيض به رحمته من ~~أسباب النصر ، لأن الأمور كلها بيده ، في آفاق الغيب ، وفي آفاق الواقع ... # * * * ### ||| ** النصر من عند الله # ( @QUR@010 وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم )، فهو الذي ~~يهيئ له أسبابه ، بعيدا عن قضية الكثرة والقلة ، وعن العدة العسكرية ~~والمادية في السلاح والمال ، وهو الذي ينصرهم بعزته التي لا تغلب ، وبحكمته ~~التي لا تتبدل. # وهكذا عاش المسلمون في طمأنينة روحية ، وشعور عميق بالأمن ، فاستسلموا ~~لإغفاءة طويلة ، يتخففون بها من الجهد والتعب ، ويعيشون فيها راحة الجسد ، ~~إلى جانب ما عاشوه من راحة الروح. ( @QUR@05 إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) ~~واستفاقوا ms2558 محدثين بالجنابة التي أصابتهم بسبب الاحتلام الذي يعبر عنه ~~القرآن برجز الشيطان ، كتعبير عن القذارة التي يختزنها معنى الرجز ، وعن PageV10P342 # الشهوة التي هي مثار الحركة لدى الشيطان في عملية الإغواء والإضلال ... ~~وربما كان هناك سبيل؟ آخر لوسوسة الشيطان. # وكانوا بحاجة إلى الماء للشرب أو الطهارة ، وكان المشركون قد سبقوهم إلى ~~الماء ، وكانت هناك مشكلة أخرى ، فقد نزلوا على كثيب من الرمال تغوص به ~~الأقدام فيمنعها من الثبات ، مما قد يعطل حرية التحرك في المعركة في ما ~~يثيره من الغبار الذي يحجب الرؤية ، وما يبعثر به الأقدام ، فأنزل الله ~~المطر خفيفا ليطهرهم به ، وليثبت به الأرض لئلا تزل بها الأقدام ( @QUR@07 ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) من حدث النوم أو الجنابة ( @QUR@07 ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم )، في ما يحس به المؤمنون من ~~أنهم يعيشون تحت رعاية الله ، حتى في مثل هذه الأمور العادية. ( @QUR@03 ~~ويثبت به الأقدام ) في ما أحدثه المطر من تثبيت الأرض ، أو ما أثارته ~~الرعاية الإلهية من تثبيت المواقف. # * * * ### ||| ** دور الملائكة في تثبيت المؤمنين # وهنا يأتي دور الملائكة في تثبيت المؤمنين ، بعيدا عن مسألة المشاركة في ~~القتال ( @QUR@010 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) ~~. ومن خلال هذا النداء ، نفهم أن الله يريد لهم أن يثبتوا المسلمين ، من ~~موقع الشعور بالقوة الذي لا يقف فيه الملائكة وحدهم ، لأن الله معهم ، ~~وبذلك يكون النداء الآتي موجها إلى المؤمنين في اقتحامهم المعركة بإرادة ~~قوية ، لا خوف معها ولا وجل. PageV10P343 # ( @QUR@013 سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا ~~منهم كل بنان )، وهو كناية عن إسقاط الرؤوس والإطاحة بالأيدي. ( @QUR@05 ~~ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) وخالفوهما في العقيدة وفي العمل ، بعد أن ~~قامت عليهم الحجة ، بما قدمه إليهم الرسول من بينات وبراهين ، فلم يكن ~~خلافهم لشبهة فكرية ، بل كان لتمرد ذاتي وعقدة مرضية. ( @QUR@08 ومن يشاقق ~~الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) في الدنيا والآخرة. ( @QUR@02 ذلكم ~~فذوقوه ) من أيدي المؤمنين. ( @QUR@04 وأن للكافرين عذاب النار ) في ما ~~يستقبلهم من ms2559 عذاب الله يوم القيامة. # * * * PageV10P344 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار (15) @QUR@020 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) @QUR@021 فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين ~~منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) @QUR@06 ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين (18) @QUR@024 إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير ~~لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع ~~المؤمنين ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زحفا )؛ الزحف : الدنو قليلا قليلا. # ( @QUR@01 الأدبار ): جمع دبر وهو الخلف ، والمراد به الهزيمة. # ( @QUR@01 متحرفا ): جمع دبر وهو الخلف ، والمراد به الهزيمة. # ( @QUR@01 متحرفا ): المتحرف للقتال هو الذي يكر بعد أن يفر يري عدوه أنه PageV10P345 # منهزم ، ثم يعطف عليه. # ( @QUR@01 متحيزا ): منحازا. # ( @QUR@01 ومأواه ): ملجأه. # ( @QUR@01 موهن ): مضعف. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # في الدر المنثور : «أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي ~~رضي الله عنهما قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض ، أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم ، وقال : شاهت ~~الوجوه فدخلت في أعينهم كلهم ، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقتلونهم ، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل ~~الله: ( @QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) إلى قوله ( @QUR@02 سميع ~~عليم )» (1). # وفيه أيضا : «أخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن ~~جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، وابن ~~منده ، والحاكم ، وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب ، عن عبد الله ابن ~~ثعلبة بن صغير : أن أبا جهل قال حين التقى القوم : اللهم أقطعنا للرحم ~~وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة ، فكان ذلك استفتاحا منه ، فنزلت : ( ~~@QUR@05 إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) الآية (2). # * * * PageV10P346 ### ||| ** الفرار من الزحف ... من الكبائر # وتستمر الآيات في أجواء المعارك التي يخوضها المسلمون دفاعا عن الحق ~~وهجوما على ms2560 الباطل ، فتثير أمامهم قضية الفرار من الزحف ، فتعتبره من ~~الكبائر التي يستحق عليها دخول النار. ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار )، ولا تنهزموا أمامهم ~~وتستدبروهم ، ( @QUR@04 ومن يولهم يومئذ دبره ) أي ظهره في حالة لقاء العدو ~~، ( @QUR@03 إلا متحرفا لقتال ) وذلك إذا أراد الانتقال من جهة إلى أخرى في ~~عملية تراجعية تمويهية ، يحاول من خلالها الالتفات على العدو والهجوم عليه ~~من جديد على أساس خطة عسكرية مدروسة ( @QUR@04 أو متحيزا إلى فئة ) فينحاز ~~إلى جماعته وجبهته ، ليقاتل من موقع قوي ، لا من حالة فردية ... ( @QUR@05 ~~فقد باء بغضب من الله ). أي رجع بسخط الله ، ( @QUR@04 ومأواه جهنم وبئس ~~المصير )، لأن هذه المعصية ليست كبقية المعاصي الفردية المحدودة التي تتصل ~~بالحياة الخاصة للعاصي ، بل تمتد لتهزم المسيرة الإسلامية كلها ، عند ما ~~يقع المسلمون في قبضة الهزيمة التي يختارونها في مواقف الضعف الداخلي الذي ~~ينطلق من حب الحياة وكراهة الموت. # وقد جاء في حديث الفضل بن شاذان ، أن الإمام علي بن موسى الرضا ~~عليه السلام كتب من جواب مسائله : «وحرم الله الفرار من الزحف ، لما فيه من ~~الوهن في الدين ، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة عليهم السلام ، وترك ~~نصرتهم على الأعداء ، والعقوبة لهم على إنكار ما دعوا إليه من الإقرار ~~بالربوبية وإظهار العدل وترك الجور وإماتة الفساد ، لما في ذلك من جرأة ~~العدو على المسلمين ، وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين الله ~~عز وجل ، وغيره من الفساد» (1). # * * * PageV10P347 ### ||| ** لا ظفر إلا بالله وحده # ( @QUR@012 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~)... وهذا هو خط الإيمان الذي يريد الله من المؤمن أن يعيشه في فكره ~~وشعوره ، في كل حالات النصر والنجاح ، في حركة الحياة وفي ساحة الصراع ، ~~وذلك بأن لا يعتقد في نفسه القوة الذاتية المستقلة عن الله ، في ما يمده به ~~من عناصر القوة ، بل يعتقد بأنه يتصرف عن أمره ، ويتقلب في تدبيره ، ويتحرك ~~بقوته ، فإذا قتل العدو فإنما يقتله بنصر الله وقوته التي أمده بها ms2561 ، فكأن ~~الله هو الذي قتله ؛ وإذا رماه بسهم ، فكأن الله رماه ، فهو سبحانه الفاعل ~~الحقيقي للأشياء والقوة الحقيقية التي تتحرك بها ، لا بمعنى إلغاء الاختيار ~~والإرادة الإنسانية في الفعل ، بل بمعنى إلغاء الذاتية المستقلة للإنسان في ~~أعماله ، في ما تنطلق به من عوامل القوة. # وقد كانت المعركة في بدر مظهرا من مظاهر الإمداد الإلهي الغيبي في ما ~~أثاره الله في أجواء المعركة ، وفي مشاعر المسلمين ، وفي امتلاء قلوب ~~الكافرين بالرعب ، مما جعل من موقف المسلمين فيها موقف قوة ، بعد أن كان ~~موقف ضعف في ما كانوا يعانونه من أحوال نفسية أمام قلة العدد والعدة ، مما ~~يجعل من اختيارهم ظلا لإرادة الله واختياره بشكل واضح ، وهذا ما أراده ~~القرآن في أسلوب التربية القرآنية من ربط الأشياء الصغيرة والكبيرة ~~والسلبية والإيجابية في واقع الكون وفي حركة الحياة والإنسان بالله ، ~~لتتأكد من خلال ذلك عقيدة التوحيد الخالص التي لا تتصور شيئا إلا وتتصور ~~الله معه ، لتحس بأن الكون كله هو الظل ، وأن الله هو النور ، وهو الحقيقة ~~، وهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، وهو على كل شيء قدير ... PageV10P348 # ( @QUR@05 وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا )، في ما يمتحنهم به من النصر ~~الكبير الذي أمدهم به بلطفه وبقوته. وهذا البلاء الحسن هو الذي يوحي لهم ~~بنعمة الإيمان ودوره في بناء شخصيتهم على أساس العزة والحرية ، بالإضافة ~~إلى الغنائم التي غنموها ، والمكاسب التي حصلوا عليها. ( @QUR@04 إن الله ~~سميع عليم ) يسمع استغاثتهم ودعواتهم وابتهالاتهم في حالات الشدة ، ويعلم ~~ضعفهم وبلواهم وحاجتهم إليه في أوقات الاهتزاز والخوف. # ( @QUR@06 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ) في ما يدبرونه أو يخططونه ~~لهزيمة المؤمنين وإضعافهم ، من أجل إضعاف الإيمان في الحياة. فقد ينجحون في ~~بعض المراحل والمواقع ، ولكن النهاية هي الفشل والهزيمة. ( @QUR@05 إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ). ربما كان الأقرب إلى جو كلمات هذه الآية ، أن ~~يكون الخطاب للكافرين ، وذلك من خلال الحديث عنهم في الآية السابقة ، بأن ~~الله موهن كيدهم ، فقد ورد في بعض الروايات : أن أبا جهل ms2562 كان يطلب من الله ~~الفتح ، فكان الجواب على ذلك : إنكم إذا طلبتم الفتح ، فهذا هو الفتح ، ~~ولكنه ليس الفتح الذي تريدونه ، بل هو الفتح للمسلمين الذين حملوا رسالة ~~الله ، ونصروا دينه بصدق وإخلاص. # * * * ### ||| ** الله يحض الكافرين على كف شرورهم ويحذرهم نفسه # ( @QUR@05 وإن تنتهوا فهو خير لكم )، لأن كل هذه المكائد التي تكيدونها ~~لله ولرسوله وللمؤمنين ، ستكون وبالا عليكم ، لأن الله سيبطل كيدكم في ~~نهاية المطاف ، فإذا انتهيتم عن ذلك ، وغيرتم وبدلتم ، وسرتم على الصراط PageV10P349 # المستقيم ، كان ذلك خيرا لكم ، لأنه يوفر عليكم الجهد والعناء والهزيمة ~~في الدنيا ، كما يدفع عنكم الذل والخزي والعذاب في الآخرة. ( @QUR@03 وإن ~~تعودوا نعد )، لنوهن كيدكم ، ونبطل خططكم العدوانية ، ونهزمكم شر هزيمة ~~... ( @QUR@04 ولن تغني عنكم فئتكم ) جماعتكم ( @QUR@03 شيئا ولو كثرت )، ~~لأن النصر ليس مع الكثرة دائما ، بل قد يكون حليف القلة المنطلقة من مواقع ~~الإيمان الحق. ( @QUR@04 وأن الله مع المؤمنين ) فيمدهم بالقوة ، ويؤيدهم ~~بالنصر. وماذا تفيدكم قوتكم وكثرتكم إذا كان الله مع المؤمنين ضدكم؟! # * * * PageV10P350 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون (20) @QUR@08 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) ~~@QUR@010 إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) @QUR@011 ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) (23) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شر )؛ الشر : إظهار السوء الذي يبلغ من صاحبه ، وهو نقيض ~~الخير وقيل الشر : الضرر القبيح أو الشديد. # ( @QUR@01 الدواب ): جمع دابة ، وهي ما دب على وجه الأرض ، إلا أنها ~~تختص في العرف بالخيل. # * * * PageV10P351 ### ||| ** الله يحض المؤمنين على طاعته وطاعة رسوله # وتستمر الدعوة الدائمة التي تخاطب المؤمنين في كل وقت ، بالالتزام بخط ~~الطاعة لله والرسول في قضايا التشريع ، وفي قضايا التنفيذ ، لأن ذلك هو ~~معنى الإيمان في عمق الفكرة والإحساس ، وهو مظهر الولاية لله وللرسول. ( ~~@QUR@07 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ) في ما تفعلون وتتركون. ( ~~@QUR@03 ولا تولوا عنه )، ولا تعرضوا عن رسول الله ( @QUR@02 وأنتم تسمعون ~~) كلامه في ما يبلغكم من آيات الله مما يصلح أمركم وينصر موقفكم ، فإن ~~الإعراض ms2563 عنه مع الوعي التام لتعاليمه يمثل الإعراض عن الإيمان نفسه ~~والابتعاد عن الله ، وعن خط السلامة في الحياة. # ( @QUR@05 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ) من المشركين الذين كان النبي ~~يدعوهم إلى أن يسمعوا كلام الله ، ولكنهم لا يلقون بالا إليه ، ولا ~~يواجهونه بروح الاهتمام والإصغاء الداخلي ، ولذلك اعتبر الله سماعهم بمنزلة ~~العدم ، فقال ( @QUR@03 وهم لا يسمعون )، لأن السمع هو الوسيلة التي تثير ~~في الإنسان الحاجة إلى المعرفة ، والتفكير في ما يلقيه إليه الآخرون ، فإذا ~~ترك الكلمة تدخل إلى سمعه ، من دون وعي لمعناها وتفكير في مضمونها ، كان ~~حاله كحال الذي لا يسمع أبدا ، لأن النتيجة واحدة على كل حال. # ( @QUR@011 * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ). إنه ~~يشبههم بالدواب التي لا تسمع ولا تتكلم ولا تعقل ، لأن قيمة السمع والنطق ~~والعقل ، هو في تحريكها بما ينفع حياة الإنسان ، وينقذ مصيره من الهلاك ، ~~فإذا أهمل كل ذلك ، وجمده عن السير في اتجاه المعرفة النافعة ، كان كمن ~~فقده بالأساس. وذلك هو الفرق بين الدواب والناس ، في سلبية الدواب أمام ~~قضية المعرفة من أجل الحياة ، وإيجابية الناس أمام ذلك كله. # * * * PageV10P352 ### ||| ** الله يترك الكافرين لأنفسهم لعلمه أن لا خير فيهم # ( @QUR@06 ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) فقد تركهم الله لأنفسهم ، ~~فاختاروا لها الضلال. ولو علم الله أنهم يواجهون الكلمة الحقة من موقع ~~المسؤولية ، لأسمعهم بطريقة غير عادية ، ولكنه عرف فيهم الإصرار على الهروب ~~من الحقيقة ، ( @QUR@05 ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) لأنهم لا يريدون ~~لأنفسهم الخير ، في ما ينقذ حياتهم ومصيرهم من الهلاك. # * * * PageV10P353 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) ~~@QUR@013 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (25) @QUR@019 واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يحول ): الحيلولة : التخلل وسطا. # ( @QUR@01 وقلبه ): «القلب : العضو المعروف. ويستعمل كثيرا في القرآن ~~الكريم في ms2564 الأمر الذي يدرك به الإنسان ، ويظهر به أحكام عواطفه الباطنة ~~كالحب والبغض والخوف والرجاء والتمني والقلق .. ونحو ذلك. فالقلب هو PageV10P354 # الذي يقضي ويحكم ، وهو الذي يحب شيئا ويبغض آخر ، وهو الذي يخاف ويرجو ~~ويتمنى ، ويسر ويحزن ، وهو في الحقيقة : النفس الإنسانية تفعل بما جهزت به ~~من القوى والعواطف الباطنة» (1). # ( @QUR@01 مستضعفون ): الاستضعاف : عد الشيء ضعيفا بتوهين أمره. # ( @QUR@01 يتخطفكم ): التخطف والخطف والاختطاف : أخذ الشيء بسرعة ~~انتزاع. # ( @QUR@01 فآواكم ): الإيواء : جعل الإنسان ذا مأوى ومسكن يرجع إليه ويأوي. # ( @QUR@01 وأيدكم ): التأييد : من الأيد وهو القوة. # * * * ### ||| ** الإيمان موقف للحياة # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) وهذا هو النداء الثاني للمؤمنين ، الذي ~~يريد أن يثير فيهم روح الإيمان ومعناه وحركته في داخلهم ، ليوحي إليهم بأنه ~~ليس مجرد فكر مجرد ، بل هو موقف للحياة. ( @QUR@03 استجيبوا لله وللرسول ) ~~، فإن ذلك هو المظهر الحي للإيمان ، في ما يفرضه من الاستسلام لله في ما ~~يأمر به أو ينهى عنه ، والطاعة لرسوله باعتبار أنها المظهر لطاعة الله ( ~~@QUR@04 إذا دعاكم لما يحييكم )، لأن الإسلام هو دعوة إلى الحياة ، في ما ~~أراده للإنسان من حركة ووحي ونمو وانطلاق ، من خلال مفاهيمه الواسعة ~~الشاملة التي تفتح آفاقه على الكون كله ، ليكون ساحة لفكره ، ومنطلقا لعمله ~~، وتجربة لمسؤوليته ، PageV10P355 # مما يجعل منه طاقة حية متحركة في أكثر من اتجاه ، ومن خلال شريعته التي ~~تنظم له حياته في ما يأكل ويشرب ويستمتع ، وفي ما يعيش من علاقات ، فيتحقق ~~له التوازن في ذلك كله ، فلا تنحرف حياته إلى خط السلبية التي تهمل كل شيء ~~حولها ، ولا تتطرف في خط الإيجابية حتى تغلق على نفسها كل باب للحرية ... ~~وهكذا يمتد التوازن في ما بين النزعة المادية والنزعة الروحية ، إلى ~~الانسجام بين الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية ، فيحسب لكل شيء حسابه ، ~~ويضع كل شيء في موضعه على أساس الحكمة والاتزان ، وذلك هو معنى الحياة في ~~حركة الشخصية ، لأن الإخلال بالتوازن يؤدي إلى الانحراف في اتجاه الهلاك ، ~~في ما يثيره من الارتباك في حركة المصير. # * * * ### ||| ** أهداف الإسلام للإنسان هي أهداف الحياة عينها # أما أهداف الإسلام ms2565 في ما يريده للإنسان من أهداف وجوده ، فإنها أهداف ~~الحياة في امتداد المعرفة وعمقها ، في كل ما تختزنه من أسرار وتثيره من ~~قضايا وتواجهه من أحداث ، وفي ما تستوعبه من معلومات ، حتى لتدعوه إلى ~~الإحاطة بكل شيء من حوله ، فلا يغيب عنه شيء في ذلك كله ، وفي معنى الحرية ~~التي تجعل للإرادة حريتها ، بعيدا عن الضغوط الداخلية أو الخارجية ، في ~~انطلاقة شجاعة تتمرد على كل نوازعها وتحدياتها وأوضاعها ، وفي حركة الرسالة ~~في حياته ، ليواجه الحياة من موقع الرسالة التي تتطلع إلى كل زاوية من ~~زواياها ، لتحرك فيها القيم الروحية التي تبني للإنسان إنسانيته ، وتحقق ~~للحياة معناها ، فلا تتجمد حياته عند حدود حاجاته ، بل تتحرك إلى البعيد ~~البعيد في نطاق القضايا الكبيرة من أهدافه ... وهكذا تكون التضحية بالحياة ~~لونا من ألوان حركة الحياة ، لأن الروح تحيى في أهدافها ، كما يحيى PageV10P356 # الجسد في حاجاته. وهذا ما أراد القرآن الكريم الإيحاء به عند ما اعتبر ~~العلم والإيمان والجهاد والشهادة مظهرا من مظاهر الحياة ، ولذلك كانت ~~الاستجابة إلى الله وإلى الرسول استجابة للجانب الحي من حركة الرسالة في ~~الحياة. وهذا ما ينبغي لنا أن نستوحيه في ما نلتقي به من أحكام الشريعة ~~وأسرارها وقضاياها ، لنكتشف في ذلك كله كيف تستوعب الشريعة الحياة ، وكيف ~~تخضع الحياة لدعوة الشريعة في ما تريد أن تحققه من أهداف ، أو تواجهه من ~~مشاكل وحلول. # * * * # ( @QUR@05 الله يحول بين المرء وقلبه ) # ( @QUR@07 واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ). ربما كان ذلك كناية ~~عن الهيمنة الإلهية على الإنسان ، فله السلطة عليه بما لا يملكه من نفسه ، ~~فهو قادر على أن يغير له فكره في أي جانب من الجوانب ، ويحول بينه وبينه. ~~وهذا من أوضح مظاهر السلطة والقدرة ، لأن أعلى مظاهر القدرة هي السيطرة على ~~الداخل الذي يختص أمره بالإنسان نفسه ، لأن الناس عادة لا يملكون الضغط إلا ~~على الجانب الخارجي من الإنسان ، وهو الجسد ، أما الفكر ، فلا يملك الناس ~~الضغط عليه إلا من خلال الوسائل العادية التي لا تخرج الإنسان عن اختياره. ms2566 ~~فإذا كان الله يملك عليه ذلك ، فمعناه أنه أقرب إليه من ذاته وأنه يعرف منه ~~ما لا يعرفه هو من نفسه ، فلا بد له من أن يراقبه ويخافه ويراعيه في كل ~~أموره ... ( @QUR@03 وأنه إليه تحشرون ) في يوم القيامة ، فيحاسبكم بما ~~اطلع عليه من أعمالكم ، مما لا تملكون الحجة فيه على التخلص ، لأنه المطلع ~~على الجانب الخفي منها ، وهو جانب النية التي تطبع العمل بطابعها من خير أو شر. # * * * PageV10P357 ### ||| ** تحذير للمسلمين من التساهل في أمر المنازعات الداخلية # ( @QUR@08 واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) (1). إنها ~~الدعوة لأن يواجه المؤمنون المشاكل الفردية والاجتماعية الناشئة من بعض ~~الانحرافات الفكرية والعملية التي تؤدي إلى نتائج سلبية في حركة الحياة ، ~~وذلك بالتعامل معها من موقع المسؤولية العامة الواعية للقاعدة الاجتماعية ~~التي تحكم مسيرة المجتمع في سلبياته وإيجابياته ، فلا تقتصر في تأثيراته ~~على الناس الذين يقومون بها ، بل تمتد إلى كل أفراد المجتمع ، لأن علاقات ~~الناس ومصالحهم متشابكة. ولهذا فإننا نجد الخلافات التي تحدث في دائرة ضيقة ~~من دوائر المجتمع ، لا تقتصر على تلك الدائرة ، بل تتعداها إلى بقية ~~الدوائر التي تتصل بها ، أو تتأثر بها شعوريا أو فكريا ، مما قد يدخل في ~~نطاق العدوى ، أو التفاعل اللاشعوري بحكم الترابط الوثيق بين أفراده. ولهذا ~~كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو الطابع الحركي للمجتمع الإسلامي ~~، في ما يدفع إليه من تحمل مسئولية الآخرين في ما ينحرفون به ، حتى في ~~المجالات البعيدة عن واقع الآمرين والناهين ، لأن القضية لا تخص الفاعلين ~~المنحرفين ، بل تمتد إلى بقية قطاعات المجتمع بطريقة وبأخرى ، فلا يمكن ~~لأفراده أن يواجهوه مواجهة اللامبالاة تحت شعار تقييد حرية الآخرين الفردية ~~، لأن هناك نوعا من أنواع حرية الأفراد قد يلغي حرية المجتمع كله. وهذا ما ~~عبرت عنه PageV10P358 # المأثورة : «لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، أو ليسلطن الله شراركم ~~على خياركم فيدعو خياركم ، فلا يستجاب لهم» (1).. وهذا ما أرادت هذه ~~الفقرة من الآية أن تشير إليه ، فتحذر المؤمنين من الفتنة التي إذا انطلقت ~~، فإنها لا تصيب ms2567 الذين أثاروها وأوقدوا نارها من هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ~~وظلموا الناس ، بل تتعداهم إلى غيرهم ، كنتيجة طبيعية لترابط القضايا ~~والمشاكل الاجتماعية ، ووحدة مصير أفراد المجتمع. # * * * ### ||| ** دعوة المسلمين لتذكر نعم الله عليهم # وإذا كان التحذير متوجها إلى المجتمع ككل في مواجهة الفتنة التي يثيرها ~~الظالمون ، فإنه يتوجه إلى هؤلاء الذين يثيرونها بشكل أكيد ، لأن المسؤولية ~~الكبرى هي مسئوليتهم بالذات في ما يتحملونه من النتائج السلبية في الدنيا ~~والآخرة. ( @QUR@05 واعلموا أن الله شديد العقاب )، فاحذروا أيها المؤمنون ~~عقاب الله. ( @QUR@07 واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) في مكة ~~أمام قوة قريش وجبروتها ، ( @QUR@04 تخافون أن يتخطفكم الناس ) في ما يمثل ~~ضعفكم في العدة والعدد ، بحيث كنتم عرضة للاختطاف في ما يمثله ذلك من ذل ~~ومهانة واستضعاف. # ولكن هذا الواقع قد تبدل إلى واقع جديد بعد الهجرة ، فقد أعطاكم الله ~~القوة من خلال دينه ، وهيأ لكم الأرض الطيبة التي استقبلتكم بكل محبة ~~وإيمان ؛ ( @QUR@03 فآواكم وأيدكم بنصره ) في ما قدمه لكم من وسائل النصر ، ~~وأثاره فيكم من روح القوة ... ( @QUR@03 ورزقكم من الطيبات ) من خلال ما ~~وسعه عليكم من PageV10P359 # رزقه الحلال الطيب من مختلف الأشكال والألوان ، بعد المعاناة الطويلة ~~التي لاقيتموها في مكة من ضيق العيش ، وجشوبة المأكل. ( @QUR@02 لعلكم ~~تشكرون ) الله على ذلك كله ، بالسير على هداه ، والعمل على رضاه ، والجهاد ~~في سبيله ، فإن ذلك هو التجسيد الحي للشكر العملي على نعم الله الوافرة ~~وألطافه الرضية ، ورحمته الواسعة. # * * * PageV10P360 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون (27) @QUR@010 واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله ~~عنده أجر عظيم ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تخونوا ): الخيانة : نقض الأمانة التي هي حفظ الأمن لحق من ~~الحقوق بعهد أو وصية ونحو ذلك ، قال الراغب : الخيانة والنفاق واحد ، إلا ~~ان الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ، ~~ثم يتداخلان ، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ، ونقيض الخيانة ~~الأمانة ، يقال : خنت فلانا ، وخنت أمانة فلان ، وعلى ذلك قوله: ( @QUR@06 ~~لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ). انتهى (1). # * * * PageV10P361 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء ms2568 في مجمع البيان : قال عطاء : سمعت جابر بن عبد الله يقول : إن أبا ~~سفيان خرج من مكة ، فأتى جبرائيل عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال : إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا. قال : فكتب ~~إليه رجل من المنافقين أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل الله هذه ~~الآية. وقال السدي : كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال الكلبي والزهري : نزلت في أبي لبابة بن ~~عبد المنذر الأنصاري ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصر يهود ~~قريظة إحدى وعشرين ليلة ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلح على ~~ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات ~~وأريحاء من أرض الشام ، فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة ، وكان ~~مناصحا لهم لأن عياله وماله وولده كانت عندهم ، فبعثه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأتاهم ، فقالوا : ما ترى يا أبا لبابة ، أننزل على ~~حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا. ~~فأتاه جبرائيل عليه السلام فأخبره بذلك. قال أبو لبابة : فو الله ما زالت ~~قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. فنزلت الآية فيه ، فلما ~~نزلت شد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال : والله لا أذوق طعاما ولا ~~شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا ~~شرابا حتى خر مغشيا عليه ، ثم تاب الله عليه ، فقيل له : يا أبا لبابة قد ~~تيب عليك. فقال : لا والله ، لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يحلني. فجاءه فحله بيده ، ثم قال أبو لبابة : ~~إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من ms2569 ~~مالي. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يجزئك الثلث أن تصدق به. وهو ~~المروي عن PageV10P362 # أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (1). # ومعنى الرواية الأولى أقرب للانطباق على ما سنرى في التفسير الذي ~~اعتمدناه للآيتين موضوع البحث. وأما قصة أبي لبابة وتوبته وإن كانت صحيحة ~~وقابلة للانطباق على مضمون الآيتين لا سيما لجهة فتنة الأهل ، غير أنها ~~وقعت بعد قصة بدر بوقت كثير. وظاهر الآيتين ، إذا ما قيستا إلى الآيات ~~السابقة عليهما ، نرى أنها جاءت جميعها في سياق واحد ، ونزلت بعيد وقعة بدر ~~بقليل ، والله العالم. # * * * ### ||| ** نهي إلهي عن خيانة أمانته ورسوله والمؤمنين # وهذا هو النداء الثالث الذي يدعو المؤمنين إلى اعتبار الإيمان عهدا بين ~~المؤمن وبين الله ورسوله ، بإخلاص العبودية لله ، وإسلام الحياة كلها له ، ~~وإخلاص الالتزام بالشريعة التي جاء بها رسوله ، والعمل على تحقيق الأهداف ~~الكبرى التي أراد الله للحياة أن ترتكز عليها في مضمونها الروحي والمادي ، ~~وفي حركتها الجهادية في مواجهة كل تحديات الباطل ، من أجل إقامة الحق في ~~واقع الإنسان ، كما يدعوهم إلى الإخلاص للأمانات الفردية والاجتماعية ، في ~~ما يأتمن به الأفراد بعضهم البعض في قضايا المال والعرض والنفس والسر ، وفي ~~ما يتحملونه في نطاق المجتمع من مسئوليات سياسية أو اجتماعية واقتصادية ~~وعسكرية ، مما يعتبر في مستوى الأمانة العامة ، من أجل سلامة الأمة في قضية ~~المصير. وبذلك يكون الفرد المؤمن ، هو الفرد الأمين على قضايا الناس ~~والحياة ، ويكون المجتمع المؤمن هو المجتمع الذي PageV10P363 # يعتبر الأمانة بمثابة المسؤولية عن كل شيء يتصل بالآخرين في إطار طاقاته ~~، والقاعدة الصلبة التي يرتكز عليها وجوده ، بينما يعتبر الخيانة الفردية ~~والجماعية خارجية عن الخط المستقيم ، ومنفصلة عن البناء المتماسك للوجود ~~الإيماني الإنساني في الحياة. # وهذا ما أثارته الآية الكريمة في هذا النداء : ( @QUR@04 يا أيها الذين ~~آمنوا ) في ما يوحي به الإيمان من عمق الالتزام وامتداده وقوته. ( @QUR@03 ~~لا تخونوا الله ) في ما تفرضه حقيقة الألوهية والوحدانية من إخلاص العبودية ~~له ( @QUR@01 والرسول ) في ما يعنيه الإيمان بالرسالة من الالتزام ~~بالمفاهيم العامة التي ms2570 تدعو إليها ، والتعاليم الشرعية التي تأمر بالخير ، ~~وتنهى عن الشر ، وتدفع إلى الحق ، وتبعد عن الباطل ، فإن خيانة الله ~~والرسول في ذلك تعني الكفر والضلال ... ( @QUR@02 وتخونوا أماناتكم ) فإن ~~الله يريد للحياة الاجتماعية أن ترتكز على الثقة المتبادلة بين الأفراد ، ~~القائمة على الإخلاص في حمل الأمانة وفي تأديتها إلى أهلها ، من دون فرق ~~بين الأمانات العامة المتمثلة بالتشريعات الإلهية في المسؤوليات التي حملها ~~الله للناس. ( @QUR@02 وأنتم تعلمون ) قيمة العهد الإلهي والرسالي في خط ~~الإيمان ، والعقد الفردي والجماعي في دائرة الأمانة ، وإذا كنتم تعلمون ذلك ~~، فإن العلم يمثل الحجة البالغة التي لا تملكون معها أي لون من ألوان العذر ~~في ما لو انحرفتم عن الطريق المستقيم. # * * * ### ||| ** تحذير مبطن من فتنة الأموال والأبناء # ( @QUR@05 واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ). فليست الأموال امتيازا ~~ذاتيا للطغيان والتجبر ، وليس الأولاد منحة شخصية للشعور بالقوة والخيلاء ، بل PageV10P364 # هي أمانة في مستوى المسؤولية ، ونعمة في مستوى الامتحان. فقد أراد ~~للأموال أن تكون من حلال وأن تصرف في الحلال ، كما أراد للأولاد أن يكونوا ~~مؤمنين صالحين عاملين بما يرضي الله ويصلح الناس. فهي فتنة ، يفتن الإنسان ~~بها ويختبر ، ليعرف ما إذا كان يقوم فيها بما يستوجب مرضاة الله أو بما ~~يستوجب سخطه ، فإذا قام الإنسان فيها بطاعة الله ، فإنه سيحصل على الثواب ~~الكبير منه. ( @QUR@05 وأن الله عنده أجر عظيم ) لمن آمن به وأخلص له ~~الإيمان والطاعة. وهكذا يعتبر القرآن ملكية المال وظيفة إنسانية ، من أجل ~~تحويله إلى طاقة حية منتجة من أجل بناء الحياة والإنسان ، كما يعتبر الأبوة ~~للأولاد رسالة يؤدي أحد الأبوين أو كلاهما من خلالها مهمته ، ويقوم بدوره ~~في تربية الأعضاء الفاعلين للأمة الذين يعملون من أجل المعاني الروحية ~~والإنسانية التي جاءت بها الرسالات الإلهية إلى العالم. # * * * PageV10P365 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ~~عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فرقانا ): أصل الفرقان ما يفرق به بين الشيء والشيء. وهو في ~~الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى ما يفرق ms2571 به بين الحق والباطل ، ~~سواء كان ذلك على صعيد العقيدة والفكر أو على صعيد العمل. # * * * ### ||| ** التفريق بين الحق والباطل من ثمار التقوى # وهذا هو النداء الرابع الذي يدعو المؤمنين إلى اعتبار التقوى أساسا ~~للرؤية الصحيحة للأشياء ، وميزانا للتمييز بين الحق والباطل ، وقاعدة ~~للمغفرة PageV10P366 # والتكفير عن السيئات ، لأنها تمثل الموقف الواعي الذي ينظر إلى الأشياء ~~بعين الله ، ويحكم عليها من خلال شريعته ، وبذلك يوحي للعقل بالإشراق ~~وللخطوات بالتوازن على الطريق المستقيم. ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) ~~انطلقوا بإيمانكم إلى المواقع التي تتحول بكم إلى الموقف الحق في خط التقوى ~~، فإن الله قد أعد للمتقين كل خير ورحمة ورضوان. # ( @QUR@06 إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) يفرق بين الحق والباطل ، في ~~ما يمثله من المراقبة الدائمة لله في كل ما يتحرك فيه الإنسان أو يقف ، فلا ~~يقدم رجلا ولا يؤخر أخرى حتى يعلم أن في ذلك لله رضى ، مما يعمق في داخله ~~الإحساس الواعي بالخطوط الفاصلة بين النور والظلمة وبين الخطأ والصواب ، ~~ويجعل نوره يسعى بين يديه ، وعن يمينه وعن شماله ، وذلك هو خط المعرفة في ~~حركة التقوى في حياة الإنسان. ( @QUR@05 ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم )، ~~لأن التقوى تعني التوبة الحقيقية في مضمونها العملي ، الذي يمثل الحركة ~~التغييرية في صعيد الواقع في مقابل التوبة الكلامية التي تعبر عن الحالة ~~النفسية الطارئة بعيدا عن الموقف الثابت المستمر. وبذلك يتحقق الأساس ~~للمغفرة والرضوان والتكفير عن السيئات ، لأن ( @QUR@03 الحسنات يذهبن ~~السيئات ) [هود : 114] ، كما جاء في بعض الآيات. ( @QUR@04 والله ذو الفضل ~~العظيم ) الذي لا يمنع أحدا من فضله ولا يحرم أحدا من لطفه ونعمه. # * * * PageV10P367 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يمكر ): قال الراغب : المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ~~ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى به فعل جميل ، وعلى ذلك قال : ( @QUR@03 ~~والله خير الماكرين ) ومذموم : وهو أن يتحرى به فعل قبيح ، قال : ( @QUR@06 ~~ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) [فاطر: 43] ، ( @QUR@05 وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ms2572 ). ( @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ) [النمل : 51] ، ~~وقال في الأمرين : ( @QUR@04 ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ) [النمل : 50] ، ~~وقال بعضهم : من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا ؛ ولذلك قال ~~أمير المؤمنين (رضي الله عنه): من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو ~~مخدوع عن عقله (1). PageV10P368 # ( @QUR@01 ليثبتوك ): في المجمع : الإثبات : الحبس ، يقال : رماه فأثبته ~~، أي حبسه مكانه. وأثبته في الحرب ، إذا جرحه جراحة مثقلة (1). # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور للسيوطي ، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) في قوله : ( ~~@QUR@06 وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ) قال : تشاورت قريش ليلة بمكة ~~فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه ... فأطلع الله نبيه على ~~ذلك ، فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج ~~النبي حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا رض الله عنه يحسبونه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه عليا رضي ~~الله عنه رد الله مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدري. فاقتصوا ~~أثره ، فلما بلغوا الجبل ، اختلط عليهم ، فصعدوا في الجبل ، فرأوا على بابه ~~نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث ~~فيه ثلاث ليال (2). # * * * ### ||| ** قريش تتآمر على النبي قبل الهجرة # وهذا حديث عن الأجواء التي سبقت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة وهيأت ~~لها. فقد ضاقت قريش ذرعا بالنبي ، بعد أن استنفدت كل الأساليب التي حاولت ~~من خلالها الضغط عليه نفسيا وجسديا من أجل أن يترك دعوته ، PageV10P369 # ويبتعد عن مواجهة الفكر الإشراكي في خططه ووسائله وأهدافه ، ولكنه صمد ~~أمام عوامل الترغيب والترهيب ، والإيذاء والتنكيل ، والشتم والاضطهاد ، ~~فاجتمعوا في مؤتمر تآمري ضم كبار القوم ، فقال قائلهم : نثبته في بيت ~~ونوثقه ، وقال آخر : بل نقتله ، وقال ثالث : بل نخرجه من بلادنا ... واختلف ~~الرأي فيما بينهم. ثم اتفقوا على أن يقتلوه بمشاركة كل بطون قريش ، حتى ~~يضيع دمه فيما بينهم. ولكن ms2573 الله أطلع نبيه على ذلك ، وأمره بالهجرة إلى ~~المدينة ، حيث كان قد أعد للأمر عدته في ما اتفق عليه مع الأوس والخزرج على ~~أن ينطلقوا معه في خط الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ، فيمنعونه مما ~~يمنعون به أنفسهم وأهليهم وأموالهم ... وهكذا أبطل الله مكرهم وتدبيرهم ~~الخبيث بأقوى منه ، حيث خطط لنبيه طريق الهجرة بكل دقة ونجاح ، وانطلق ~~الإسلام من خلال ذلك انطلاقته الكبرى في خط الدعوة والجهاد من خلال الرحمة ~~والقوة. # ( @QUR@05 وإذ يمكر بك الذين كفروا ) على ضوء ما تقدم من معنى «المكر» في ~~«معاني المفردات» ، فإن الكلمة لا تدل على معنى سيئ ليقول قائل إن نسبة ~~المكر إلى الله جارية على سبيل المحاكاة ورد الفعل لا على سبيل الحقيقة. ( ~~@QUR@01 ليثبتوك ) الإثبات الحبس ... ( @QUR@04 أو يقتلوك أو يخرجوك ) من ~~مكة ، ( @QUR@01 ويمكرون ) في ما يدبرونه من خطط للقضاء على النبي وعلى ~~دعوته ( @QUR@02 ويمكر الله ) بما يدبره من إبطال كيدهم ومكرهم ، وبما ~~يسهله لرسوله من الوصول إلى أهدافه ، ( @QUR@03 والله خير الماكرين ) وخير ~~المدبرين ، فإذا أراد شيئا هيأ أسبابه .. # * * * PageV10P370 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ~~إن هذا إلا أساطير الأولين (31) @QUR@019 وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) ~~@QUR@012 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~(33) @QUR@021 وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما ~~كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) @QUR@013 ~~وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) @QUR@021 إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ~~(36) @QUR@018 ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض ~~فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) @QUR@016 قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين ) (38) # * * * PageV10P371 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أساطير ): أحاديث ، وهي جمع ms2574 أسطورة ، وتغلب على الأخبار ~~الخرافية. # ( @QUR@01 مكاء ): المكاء بضم الميم : الصفير ؛ والمكاء بصيغة المبالغة ~~: طائر بالحجاز شديد الصفير. # ( @QUR@01 وتصدية ): التصدية : التصفيق بضرب اليد على اليد. # ( @QUR@01 ليميز ) التمييز : إخراج الشيء عما يخالفه ، وإلحاقه بما ~~يوافقه ، بحيث ينفصل عما يخالف. # ( @QUR@01 فيركمه ): الركم : جمع الشيء فوق الشيء ؛ وتراكم الأشياء : # تراكب بعضها فوق بعض. # ( @QUR@01 ينتهوا ): الانتهاء : الإقلاع عن الشيء لأجل النهي. # ( @QUR@01 سلف ): تقدم. # ( @QUR@01 سنت ): السنة هي الطريقة والسيرة. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # في الدر المنثور : «أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ~~قال : كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، ~~فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ، فقال : ( ~~@QUR@012 قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين )» (1). # أقول : وهناك بعض روايات أخر في أن القائل بهذا القول هو النضر بن الحارث ~~، وقد قتل يوم بدر صبرا. PageV10P372 # وفيه : «أخرج البخاري ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، ~~والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال أبو جهل بن ~~هشام : ( @QUR@017 اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فنزلت : ( @QUR@012 وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون )» (1). # وفيه : «أخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا : قالت قريش ~~بعضها لبعض : محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكرمه الله من بيننا؟ ( @QUR@013 ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) الآية ، ~~فلما أمسوا ندموا على ما قالوا ، فقالوا : غفرانك اللهم ، فأنزل الله : ( ~~@QUR@06 وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) إلى قوله : ( @QUR@02 لا ~~يعلمون )» (2). # وفيه : «أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير (رض) قال : كانت ~~قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطواف ، يستهزئون ويصفرون ~~ويصفقون فنزلت : ( @QUR@08 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية )» (3). # وفيه : «أخرج أبو الشيخ عن نبيط وكان من الصحابة (رض) في ms2575 قوله : ( ~~@QUR@05 وما كان صلاتهم عند البيت ) الآية ، قال : كانوا يطوفون بالبيت ~~الحرام وهم يصفرون» (4). # وفيه : «أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن نافع بن الأزرق قال ~~له : أخبرني عن قوله عز وجل : ( @QUR@03 إلا مكاء وتصدية )، قال : المكاء : ~~صوت القنبرة ، والتصدية: صوت العصافير وهو التصفيق ، وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة كان يصلي قائما بين الحجر PageV10P373 # والركن اليماني ، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن ~~شماله ، ويصيح أحدهما كما يصيح المكاء ، والآخر يصفق بيده تصدية العصافير ~~ليفسد عليه صلاته» (1). # وفيه : «أخرج ابن إسحاق وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، ~~والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال : حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن ~~حيان ، وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمر ، قالوا : لما ~~أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله ~~بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية في رجال من قريش إلى من كان ~~معه تجارة فقالوا : يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا ~~بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثأرا ، ففعلوا ، ففيهم كما ذكر عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله : ( @QUR@09 إن الذين كفروا ينفقون ~~أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) إلى قوله : ( @QUR@05 والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون )» (2). # وفيه : «أخرج ابن سعد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله : ( @QUR@09 إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) الآية ، قال : نزلت في أبي سفيان بن ~~حرب ، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم سوى من استجاش من العرب ، فأنزل الله فيه هذه الآية ، ~~وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه : # وجئنا إلى موج من البحر وسطه %~% أحابيش منهم حاسر ومقنع ms2576 » ثلاثة آلاف ونحن نصية %~% ثلاث مئين إن كثرن فأربع (3) # * * * PageV10P374 ### ||| ** من ملامح المجتمع الكافر # وهذه صورة حية للأسلوب الذي كان يستخدمه الكافرون في مواجهة الرسول ~~والرسالة ، وللجو العدواني الذي كانوا يثيرونه ضدهما ... وكيف واجههم الله ~~بوعيده بإنزال العذاب عليهم في الآخرة ، وبدحر مخططاتهم في الدنيا ، وبكشف ~~كل أوضاعهم المنحرفة الضالة. # * * * ### ||| ** استهانة الكفار بآيات الله تعالى # ( @QUR@04 وإذا تتلى عليهم آياتنا ) في ما كان يتلوه عليهم رسول الله من ~~وحي الله ، ليتأملوا وليفكروا في معانيه ليهتدوا به ، ( @QUR@03 قالوا قد ~~سمعنا ) في طريقة توحي بالاستخفاف واللامبالاة ، كمن يحاول أن ينتهي من ~~الموضوع بشكل سريع ، ولهذا فهو يحاول أن لا يدخل في حوار للوصول إلى ~~النتيجة الحاسمة ، فيلقي الكلام من دون تفكير. ( @QUR@05 لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا )، لأن ما تقدمه لنا يا محمد مجرد كلام ، كالكلام الذي نحدث به بعضنا ~~بعضا ، فليس فيه شيء غير مألوف بما تعود الأنبياء أن يقدموه إلى الناس. ( ~~@QUR@05 إن هذا إلا أساطير الأولين ) في ما كانوا يتحدثون به من خرافات لا ~~تمثل شيئا من الحقيقة. وهكذا نجد أنهم لا يريدون للمسألة أن تأخذ الطابع ~~الجدي للنقاش وللحوار المفيد. # ( @QUR@019 وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ). لقد كان أهل مكة يؤمنون بالله ، ~~ولكنهم كانوا يشركون بعبادته غيره ، في ما صنعوه من الأصنام التي يعتبرونها ~~قريبة من الله في ما تختزن في داخلها من أسرار ، وبذلك فإنها تقربهم إلى ~~الله زلفى. ولهذا فإنهم يتوجهون إلى الله من موقع الواثق بصحة عقيدته في ما ~~يعبد من هذه الأصنام ، والعارف من خلال ما كان يسمعه من أحاديث الأنبياء بأن PageV10P375 # التمرد على الحق الصادر من الأنبياء ، يؤدي إلى عذاب إلهي دنيوي من نوع ~~إمطار الحجارة من السماء عليهم ، أو ما أشبه ذلك من العذاب ، كإنزال ~~الصاعقة ، أو النار الهابطة من السماء ، أو غير ذلك مما كان يحل على الأمم ~~السالفة. # ولذلك فإنهم وجهوا هذا الدعاء إلى الله بروحية التحدي للرسول الذي يريدون ~~إظهاره ms2577 بمظهر المدعي للنبوة من غير أساس ، لأنه لو كان صادقا في ما يدعيه ، ~~لكان تكذيبهم له موجبا لنزول العذاب عليهم ، كما هي سنة الله مع الأمم ~~السابقة المكذبة للأنبياء. ولكن الله يرد عليهم بطريقة غير مباشرة بأن الله ~~لن يعامل هذه الأمة ، بما كان يعامل به الأمم السابقة من أساليب العذاب غير ~~المألوف ، والخارق للعادة ، لأن الله لم يرد للأمة أن تنتهي بالعذاب ، ~~بمجرد قيامها بالتمرد والكفران ، بل يريد لها الامتداد من خلال حركة الرسول ~~السائرة أبدا في خط الأمل الكبير بانتصار الإيمان على الكفر ، وغلبة الهدى ~~على الضلال ... ولذلك فإن الله سبحانه أراد له أن يصبر ويواصل الدعوة تلو ~~الدعوة ، والأسلوب تلو الأسلوب ؛ فإذا أخفق أسلوب في مرحلة ، فإن هناك ~~أسلوبا آخر ينتظر التحرك في مرحلة أخرى. # * * * ### ||| ** وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم مانع لنزول العذاب # وإذا ابتعدت جماعة عن خط الدعوة إلى الله ، فإن هناك جماعة أخرى تقترب ~~منه في عملية إيمان ولقاء. وبذلك كانت المسيرة مستمرة مع رسول الله ، فلا ~~مجال معه للعذاب ، لأنه يعني نهاية المسيرة ( @QUR@06 وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم ). أما إذا غاب رسول الله عن الدنيا ، ولاقى وجه ربه ، فسيبقى ~~بعده مستغفرون ، يستغفرون الله في كل صباح ومساء ، ويبتهلون PageV10P376 # إليه في خشوع الإخلاص ، وسيرفع الله العذاب عن الأمة كرامة لهؤلاء ~~المستغفرين ، لأن الله يريد للجانب الخير في الحياة أن يبقى ويمتد من أجل ~~أن يهيمن على جانب الشر فيها ، ولو بعد حين. ( @QUR@06 وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون ). # * * * ### ||| ** تأخير عذاب الكفار ليوم القيامة # ( @QUR@010 وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ). ربما ~~كان هذا التأكيد على عذاب الله لهم ناشئا من استحقاقهم للعذاب ، لولا وجود ~~رسول الله بينهم. ولكن الله يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة ، فقد صدوا عن ~~المسجد الحرام كل المؤمنين ، فهم كانوا يضطهدونهم في مكة ، ويمنعون من ~~كانوا خارجها من المجيء إليها للحج والعمرة. وقد فسر البعض العذاب هنا ~~بالقتل الذي نزل بهم في معركة بدر وغيرها ، ويؤيد ms2578 ذلك أن الله عبر عن القتل ~~بالعذاب في قوله تعالى : ( @QUR@04 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) [التوبة ~~: 14] ، ولكن هذا غير واضح من سياق الآية ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** أولياء الله هم المتقون # ( @QUR@03 وما كانوا أولياءه ) لأنهم أشركوا بالله غيره ، ودنسوا الكعبة ~~بأصنامهم ، وابتعدوا في مفاهيمهم وتقاليدهم عن خط الرسالات ، وأقبلوا على ~~أفكار الجاهلية وعاداتها ، مما جعلهم بعيدين عن الله وعن بيت الله ... ( ~~@QUR@04 إن أولياؤه إلا المتقون ) الذين يخافون الله ويؤمنون به ، ويعبدونه ~~، ويعمرون مساجده بالعبادة والعلم والتقوى ، فتتحول من خلالهم إلى أجواء ~~خاشعة من الروحانية والإيمان ؛ لأن قضية المساجد ليست قضية امتياز يتوارثه ~~الأبناء PageV10P377 # عن الآباء للزعامة والوجاهة ، بل هي قضية رسالة وتقوى وعبادة ، وهذا ما ~~يتحمل مسئوليته المتقون الذين أبعدوا عن دورهم الطبيعي في هذه المجالات ( ~~@QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ). # ثم يلتفت إلى ما كانت تقوم به قريش من مظاهر العبادة في البيت الحرام ، ~~فيصور لنا ذلك بصورة الألعوبة التي لا تمثل أي معنى من معاني العبادة. # * * * ### ||| ** ضلال سعي الكفار لإبطال دعوة الله # ( @QUR@08 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) فقد كانت صلاتهم ~~نوعا من أنواع العبث الذي يمارسونه صفيرا بأفواههم وتصفيقا بأيديهم ، من ~~دون خشوع أو خضوع. ( @QUR@02 فذوقوا العذاب ) في جهنم ( @QUR@03 بما كنتم ~~تكفرون ) بالله ورسالاته. وتبقى نشاطاتهم في ما ينفقون من أموالهم في سبيل ~~أنانيتهم ومطامعهم ومخططاتهم المشبوهة في إبعاد الناس عن طريق الله ، وفي ~~تدبير المكائد للمؤمنين ، أملا في الانتصار والوصول إلى ما يريدون أو ~~يستهدفون ... ولكن الله يكشف لنا عن النتائج السلبية التي يحصلون عليها من ~~ذلك ، بالمستوى الذي يحول كل جهودهم إلى حسرات وهزائم. # ( @QUR@09 إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) في ما ~~يبذلونه في المعارك التي يثيرونها ضد الإسلام والمسلمين. ( @QUR@01 ~~فسينفقونها ) ويخسرونها ، لأنهم لن يربحوا منها شيئا. ( @QUR@04 ثم تكون ~~عليهم حسرة ) لأنهم يرونها تتبدد وتذوب بين أيديهم من دون فائدة. وتلك هي ~~روحية الإنسان الذي يبذل ما يبذل من جهد في سبيل جمع المال ، ليضمن من ~~خلاله تحقيق أغراضه وأمانيه. وإذا به يجد نفسه ms2579 وجها لوجه أمام الخسارة ~~الفادحة التي تحطم كل أحلامه وكل مستقبله. ( @QUR@02 ثم يغلبون )، فتجتمع ~~لديهم الخسارة المادية والخسارة المعنوية. وماذا بعد ذلك؟ هل تقف الخسارة ~~عند هذا الحد؟ إن PageV10P378 # الآخرة تنتظرهم بعذابها. ( @QUR@05 والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) ~~ليلاقوا جزاء أعمالهم ، ويعيشوا الحسرة العظمى التي لا حسرة بعدها. # * * * ### ||| ** الخبثاء مركومون في جهنم # وهكذا يريد الله من الإنسان تجسيد خصائصه الذاتية ، في نشاطاته وعلاقاته ~~ومعاملاته ومواقفه ، وإظهارها ( @QUR@05 ليميز الله الخبيث من الطيب ) في ~~الصفات الخبيثة الشريرة التي تتمثل في الأول ، وفي العاقبة الخاسرة الوخيمة ~~التي تواجه الخبيث ، وفي الصفات الطيبة الخيرة المتمثلة في الثاني ، وفي ~~العاقبة الرابحة المشرقة التي تواجه الطيب في الدنيا والآخرة ... ( @QUR@07 ~~ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ) بأن يجمع الخبثاء في يوم القيامة ~~، ويلقيهم بعضهم فوق بعض ( @QUR@01 فيجعله ) أي الخبيث ( @QUR@02 في جهنم ) ~~تماما كما يلقي حزمة الحطب فيجعلها وقودا للنار. ( @QUR@03 أولئك هم ~~الخاسرون ) وأي خسارة أعظم من الخسارة الخالدة ، التي يفقد الإنسان معها كل ~~أمل بالربح في المستقبل القريب والبعيد؟! # ويختم الله هذا الفصل بتوجيه الأمر للنبي ، بأن يطرح على هؤلاء الكافرين ~~النصيحة الإلهية الحاسمة ، في ما يجب أن يفكروا به للحاضر والمستقبل. ( ~~@QUR@05 قل للذين كفروا إن ينتهوا ) ويسلموا في تفكيرهم ومنهجهم العملي ~~للحياة ، ويرجعوا إلى الله في كل شيء ( @QUR@05 يغفر لهم ما قد سلف ) من ~~ذنوبهم ، لأن الله يغفر للمؤمن كل ما جناه في زمان كفره. ( @QUR@02 وإن ~~يعودوا ) إلى ما كانوا عليه من التمرد والعصيان والصد عن سبيل الله ، ~~ومحاربة الله ورسوله ( @QUR@04 فقد مضت سنت الأولين ) الذين كذبوا وتمردوا ~~وواجهوا الأنبياء بالمحاربة ، ونصر الله رسله عليهم ومزقهم شر ممزق. # * * * PageV10P379 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@016 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير (39) @QUR@010 وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتنة ): هي ما تمتحن به النفوس ، وتكون ، لا محالة ، مما يشق ~~عليها. وقد غلب استعمالها في المقاتل وارتفاع الأمن وانتقاض الصلح. # ( @QUR@01 انتهوا ): الانتهاء : الإقلاع عن الشيء لأجل النهي. # * * * PageV10P380 ### ||| ** القتال ms2580 إبعادا للفتنة عن الدين # ( @QUR@05 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ). وهذا توجيه للمؤمنين إلى ~~الروحية التي يجب أن تحكم أهدافهم في القتال ، فهم يقاتلون على أساس منع ~~القوة التي تمثلها قريش من الضغط على المسلمين بغرض فتنتهم عن دينهم ، ~~وإبعادهم عن خط التوحيد لله. فإن هذه القوة إذا انهارت ، أنهار الشرك كله ، ~~مما يدفع الجو إلى التغيير الجذري. ( @QUR@04 ويكون الدين كله لله )، لأن ~~الناس سينفتحون على الإسلام عند ما تتحطم كل الحواجز المادية التي تمنعهم ~~من الوصول إليه والانفتاح عليه ، وهذا هو الخط الذي ينبغي للمؤمنين أن ~~يسيروا عليه في ساحة الصراع ، ليكون من أهدافهم البعيدة أن يضعفوا كل القوى ~~الكافرة المهيمنة على الفكر والعمل ، بالوسائل الواقعية التي يملكونها ، ~~على أساس الظروف الموضوعية المحيطة بهم ، في ما تختزن من أوضاع وما تطلقه ~~من تحديات وما تتحرك به من خطط ومؤامرات ، لأن إضعاف القوى المضادة قد يكون ~~إحدى الوسائل التي تتيح للدعوة الإسلامية أن تأخذ حريتها في الحركة ، عند ~~ما يأخذ الآخرون من أفراد الأمة حريتهم في التفكير والقراءة والاستماع ~~والحوار ، بعيدا عن الضغوط الفكرية والسياسية والعسكرية ، ( @QUR@02 فإن ~~انتهوا ) وأسلموا الأمر لله ودخلوا في الإسلام ، أو انتهوا عن العدوان ~~والفتنة ؛ ( @QUR@05 فإن الله بما يعملون بصير ) ليجزيهم على ما عملوا بما ~~يستحقون من جزاء. ( @QUR@02 وإن تولوا ) وأعرضوا واستمروا على طريق الكفر ~~والبغي والضلال ، ( @QUR@04 فاعلموا أن الله مولاكم ) وناصركم عليهم مهما ~~امتدوا في طغيانهم وعدوانهم. والله ( @QUR@02 نعم المولى ) لأوليائه ، ( ~~@QUR@02 ونعم النصير ) لهم على أعدائهم وأعدائه. # * * * PageV10P381 ### ||| * الآية # ( @QUR@033 واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ) (41) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غنمتم ): الغنم والغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة أو عمل ~~أو حرب .. ، قال الراغب : الغنم بفتحتين معروف ، قال : ( @QUR@06 ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) [الأنعام : 146]. والغنم بالضم فالسكون ~~إصابته والظفر به ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم ، قال : ( ~~@QUR@06 * واعلموا ms2581 أنما غنمتم من شيء ) [الأنفال : 41] ، ( @QUR@05 فكلوا ~~مما غنمتم حلالا طيبا ) [الأنفال : 69]. والمغنم ما يغنم وجمعه مغانم (1). PageV10P382 # ( @QUR@02 ولذي القربى ): القريب. والمراد به ، هنا ، قرابة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، أو خصوص أشخاص منهم على ما تفسره الآثار القطعية. # ( @QUR@01 واليتامى ): اليتيم هو الإنسان الذي مات أبوه وهو صغير. قالوا ~~: كل حيوان يتيم من قبل أمه إلا الإنسان ، فإن يتمه من قبل أبيه. # ( @QUR@01 والمساكين ): المحتاجين. # ( @QUR@02 وابن السبيل ): المسافر المنقطع في سفره. # * * * ### ||| ** آية الخمس # ( @QUR@02 * واعلموا ) أيها المؤمنون ( @QUR@04 أنما غنمتم من شيء ) من ~~غنائم الحرب ، على قول فريق من المفسرين من أهل السنة ، ومن كل الغنائم ~~والفوائد والأرباح ، من التجارة والصناعة والزراعة والغوص والكنز والمعادن ~~وغير ذلك ... في ما جاء في التفسير عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وتبعهم ~~في ذلك المفسرون من المسلمين الشيعة ... وربما كانت وجهة النظر الأولى ، ~~تنطلق من سياق الآية الواقعة في أجواء معركة بدر ، مما يوحي بأنها تتحدث عن ~~قضايا المعركة وأحكامها. أما وجهة النظر الثانية ، فتنطلق من القاعدة التي ~~تقول إن المورد لا يخصص الوارد ، وإن المناسبة لا تخصص الآية. وكلمة ~~الغنيمة مطلقة في الآية ، وعلى هذا الأساس كان مذهب أهل البيت في أن الخمس ~~يشمل الفوائد والأرباح من كل المداخيل المالية ( @QUR@03 فأن لله خمسه )، ~~بعد توزيع الأربعة أخماس على المقاتلين ، أو إبقائها لصاحب المال. # * * * PageV10P383 ### ||| ** ما معنى أن يكون لله سهم؟ # ولكن ما معنى أن يكون لله سهم وهو المالك لكل شيء في السموات والأرض؟ وقد ~~أجاب البعض بأنه قد ذكر للتبرك ، أو لما يشبه ذلك. ولكن ربما كان الأقرب ~~إلى الجو التشريعي في الآية ، أن يكون سهم الله من أجل الغايات التي ترتبط ~~باسم الله ، كسبيل الله ونحوه ... ولعل السياق يبعد عن موضوع التبرك ، لأنه ~~ذكر بالطريقة نفسها التي ذكرت فيها بقية الأصناف ، ( @QUR@01 وللرسول ) في ~~ما يحتاجه في شؤونه العامة المتعلقة بشخصيته الرسولية ، لا بلحاظ ذاته ~~بصفته الشخصية ، لأن الله سبحانه قد جعلها له بصفة المسؤولية العامة ، مما ~~يوحي بدور المسؤولية في قضية هذه الضريبة. # * * * ### ||| ** ذوو القربى ms2582 في الآية # ( @QUR@02 ولذي القربى ) وهو الإمام المعصوم ، في تفسير أهل البيت ~~عليهم السلام ولذا أفرده بالذكر ، وقرابة الرسول بقول مطلق ، في أقوال ~~المفسرين الآخرين. ( @QUR@01 واليتامى ) الذين # فقدوا آباءهم ( @QUR@01 والمساكين ) الذين لا يملكون العيش الكريم الذي ~~يكفيهم في سنتهم ، أو من هم أكثر بؤسا من ذلك. ( @QUR@02 وابن السبيل ) ~~الذي انقطعت به الطريق ، فلم يكن لديه المال الذي يستعين به للرجوع إلى بلده. # وتضافرت الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بتخصيص هذه الأصناف ~~بأيتام آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ، ولكن ~~جمهور المفسرين أطلقوا ذلك. وربما استوحى بعضهم من بعض الأحاديث ، أن هذا ~~التقسيم على سبيل المورد والمصرف لا على سبيل التخصيص ، ولذا فإن ولي الأمر ~~يعطيهم ما ينقص عن حاجتهم ، كما يأخذ منهم ما يزيد عليها. # * * * PageV10P384 ### ||| ** لماذا تأخر تطبيق هذا التشريع عن زمن الرسول؟ # وهناك عدة أسئلة يوجهها بعض الباحثين حول السر في تأخر تطبيق هذا التشريع ~~عن زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى عهد الأئمة عليهم السلام ، مع أنه ~~يتسع لما لا تتسع له الزكاة ، لشموله لبعض الموارد التي لا تجب فيها الزكاة ~~، كما أن كميته أكثر منها؟! وأجاب بعض المحققين عن ذلك ، بأننا نلاحظ في ~~بعض رسائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبائل التي دخلت في الإسلام ، ~~أنه يأمرهم فيها بالخمس ، في الوقت الذي لم تكن لديهم أية ظروف حربية تسمح ~~بوجود الغنائم. وقد أثار بعض آخر عدم التحدث في القرآن عن الخمس إلا في هذه ~~الآية ، مع أنه تحدث عن الزكاة في أكثر من مرة. وأجيب عنه ، بأن المقصود ما ~~يشمل كل الضرائب المالية حتى الخمس ، باعتبار أنها تزكي المال وتنمية. ~~وهناك أبحاث أخر تتكفل بها كتب الفقه ، فليراجعها من أراد الاطلاع عليها. # ( @QUR@08 إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ) من آيات في شأن ~~الغنائم. وربما كانت إشارة إلى آية الأنفال في ما توحي به من إيكال الأمر ~~إلى الله وإلى الرسول ، ليتصرف المسلمون من خلال ما ms2583 يصدر إليهم من تعليمات. ~~فهذا هو مظهر الإيمان الحق في خط النظرية والتطبيق. ( @QUR@02 يوم الفرقان ~~) الذي ظهر فيه الحد الفاصل بين الحق والباطل. ( @QUR@03 يوم التقى الجمعان ~~) جمع الكفر والإسلام. وربما كان ذلك إشارة إلى معركة بدر. ( @QUR@05 والله ~~على كل شيء قدير ) في ما ينصر به عباده المؤمنين ، ويسلطهم على أعدائهم ، ~~ليفتحوا وليغنموا من الأموال ما شاء الله لهم ذلك. # * * * PageV10P385 ### ||| * الآيات # ( @QUR@035 إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ~~ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) @QUR@020 إذ ~~يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ~~ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) @QUR@019 وإذ يريكموهم إذ التقيتم ~~في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ~~ترجع الأمور ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالعدوة ): جانب الوادي ، أو شفيره. # ( @QUR@01 الدنيا ): مؤنث أدنى ، وهو الأقرب. # ( @QUR@01 القصوى ): مؤنث الأقصى ، وهو الأبعد. PageV10P386 # ( @QUR@01 والركب ): جمع راكب. وقيل هو البعير الذي كان عليه أبو سفيان ~~ابن حرب. # ( @QUR@01 بينة ): حجة ظاهرة. # ( @QUR@01 لفشلتم )؛ الفشل : هو ضعف من فزع. # ( @QUR@01 ولتنازعتم )؛ التنازع : الاختلاف. وهو من النزع نوع من القلع ~~، كأن المتنازعين ينزع كل منهما الآخر مما هو عليه. # * * * ### ||| ** الرعاية الإلهية لمعركة بدر # وهذه بعض الآيات التي تتحدث عن الأجواء التي هيأها الله سبحانه للمسلمين ~~، من أجل نصرهم على المشركين في بدر ، ليحسوا برعاية الله لهم في ما ~~يخوضونه من معارك ، أو يواجهونه من تحديات. ( @QUR@04 إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا ) وهي شفير الوادي الأقرب إلى المدينة ، الذي اتخذه المسلمون موقعا ~~عسكريا لهم. ( @QUR@03 وهم بالعدوة القصوى ) وهي الجانب الأبعد. ( @QUR@03 ~~والركب أسفل منكم ) وهم الذين كانوا مع القافلة التي تحمل تجارة قريش ~~بقيادة أبي سفيان ، فقد استطاع أن يبتعد إلى الساحل الذي هو أسفل منهم ، ~~حتى هرب بها بعيدا عن المسلمين. # ( @QUR@05 ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) لأن المسلمين لم يخرجوا ~~لقتال قريش ، بل ليتعرضوا للقافلة ، كما أن المشركين خرجوا لحماية القافلة ms2584 ~~، وقد كانت المواجهة بينهما في المعركة غير منتظرة ، ودون اتفاق أو تواعد ~~على مكان خاص أو زمان خاص. وربما كان التواعد السابق موجبا للاختلاف في PageV10P387 # الميعاد ، لأن ذلك قد يخلق حالة من الاستعداد الذي يؤخر أحدهما عن الآخر ~~، وربما يوجب بعض التردد والتراجع لدى الخائفين المترددين ، في ما لو علموا ~~أن هناك معركة حربية تنتظرهم في مسيرهم هذا. وقد يكون في هذا الموقع الذي ~~اتخذه المشركون ، الذي يتميز بالصلابة والقرب من الماء ، والموقع الذي ~~اتخذه المسلمون ، الذي يتميز بالرمل المتحرك والبعد عن الماء ، إشارة إلى ~~أن النصر لم يكن حاصلا من الأسباب الطبيعية التي تفرض الانتصار لمراكز ~~القوى ، لأن القضية كانت عكسية ، لأن المواقع العسكرية لا توحي بانتصار ~~المسلمين. ( @QUR@06 ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) فقد أراد سبحانه أن ~~يهيئ الجو الملائم الذي تتحرك فيه المعركة باتجاه النتائج المفاجئة التي ~~توحي بالرعاية الإلهية في ما تمثله من حجة للإيمان على الكفر ، وللمؤمنين ~~على المشركين ، ( @QUR@05 ليهلك من هلك عن بينة ). وربما كان المراد من ~~الهلاك الكفر أو الضلال ، باعتباره سببا للهلاك الأخروي أو الدنيوي ، في ما ~~يقتضيه من أوضاع سلبية لأصحابه. ( @QUR@05 ويحيى من حي عن بينة ) في ما ~~يمثله الإيمان من حياة روحية ، في ما يحسه الإنسان المؤمن من حياة مطمئنة ، ~~أو في ما ينتهي إليه من حياة النعيم في الآخرة. فقد أراد الله للمؤمنين أن ~~ينفتحوا على الإيمان من موقع الحجة لهم على الآخرين ، كما أراد أن يقيم ~~الحجة على الكافرين في ما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. ( @QUR@04 ~~وإن الله لسميع عليم )، فهو الذي يسمع دعوات المؤمنين واستغاثتهم ، ويعلم ~~ضعفهم وحاجتهم للتأييد والنصر. # * * * ### ||| ** رؤية النبي للمنام ... واستبشار المؤمنين بالنصر # ( @QUR@06 إذ يريكهم الله في منامك قليلا ) وقد رأى النبي في منامه قريشا وهم PageV10P388 # قلة لا يمثلون قوة عددية كبيرة ، فأخبر المسلمين بما رأى ، فاستبشروا ~~بذلك وقوي عزمهم على الدخول في المعركة. ( @QUR@07 ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر ) لأن ذلك يؤدي بهم إلى الخوف الذي يبعث على الهزيمة ~~النفسية ms2585 ، وينتهي بهم إلى الفشل في مسيرتهم هذه ، من خلال الضعف الداخلي ~~المسيطر عليهم ، ويخلق فيما بينهم حالة من التنازع بين فريق يدعو إلى ~~الاستمرار في المعركة ، وبين فريق يدعو إلى التراجع والانسحاب بفعل العجز ~~عن المواجهة ، مما يجعل من الاندفاع معها حالة انتحارية لا يقدم عليها ~~العقلاء ( @QUR@07 ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور ). # ( @QUR@07 وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ) لتندفعوا في ~~المعركة من موقع الاستهانة بهم ، لتنطلقوا بروح قوية ثابتة ( @QUR@03 ~~ويقللكم في أعينهم ) ليتحركوا نحوكم بروح الاستهانة والتهور التي تمنعهم من ~~الاستعداد الذاتي والحذر الشديد ، ليساهم ذلك في إتمام عملية النصر ، ( ~~@QUR@05 ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) في ما يقضيه من انتصار المسلمين على ~~المشركين ، على أساس تهيئة الجو النفسي الذي يدفع بالمعركة في الاتجاه ~~المفاجئ لمصلحة المسلمين. ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور ) لأن بداياتها ~~منه ونهاياتها إليه. # * * * ### ||| ** معركة بدر وإيحاءات الحرب النفسية # وربما نستوحي من ذلك أن من الممكن لقيادة المعركة أن تقوم بعملية إيحائية ~~للمقاتلين ، من أجل تثبيت أقدامهم ، وتطمين أنفسهم ، وذلك بإعطاء صورة عن ~~موازين القوى في المعركة ، بطريقة مختلفة عن الواقع ، في عدد الأعداء وفي ~~طبيعة استعدادهم ، وفي الأوضاع السياسية المحيطة بهم ، وفي كل القضايا ~~المتصلة بتحضير الأجواء التي تدفع بالمعركة إلى خط النصر ، PageV10P389 # لأن المقاتلين ينتصرون أو ينهزمون بالقوة أو الضعف الداخلي ، قبل القوة ~~العسكرية ، أو الضعف العسكري. ولهذا وجدنا الحرب الإعلامية تحقق الانتصار ~~والهزيمة قبل الدخول في المعركة ، في ما تحققه من هزيمة نفسية تضعف معنويات ~~المعركة ، أو في ما تحققه من معنويات عالية تزيد من فرص النصر. # وعلى ضوء ذلك ، نعرف أن الإسلام يتحرك في خط الأسلوب الواقعي في العمل ، ~~في نطاق المصلحة الإسلامية العليا ، بعيدا عن الأجواء المثالية التي تتجمد ~~أمام حرفيات التشريع أو مثاليات الأخلاق ... ولعلنا نستطيع أن نقرر من خلال ~~ذلك أن القيم الأخلاقية الإسلامية ليست مطلقة ، بل هي نسبية محدودة بحدود ~~مصلحة الإنسان العامة ، في ما تفرضه من الانسجام معها في بعض المواقع أو ~~الابتعاد عنها في مواقع أخرى ms2586 ، مما يدفعنا إلى الابتعاد عن إصدار الأحكام ~~الأخلاقية بشكل مطلق. # * * * PageV10P390 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (45) @QUR@013 وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) @QUR@017 ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون ~~محيط (47) @QUR@036 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) @QUR@018 إذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن ~~الله عزيز حكيم ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاثبتوا )؛ الثبات : قال الراغب ، الثبات بفتح الثاء ضد ~~الزوال (1). PageV10P391 # وهو في المورد ضد الفرار من العدو. وهو بحسب ما له من المعنى أعم من ~~الصبر الذي يأمر به الله في قوله : ( @QUR@05 واصبروا إن الله مع الصابرين ~~)، فالصبر ثبات قبال المكروه ، بالقلب بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع ، ~~وبالبدن أن لا يتكاسل ولا يتساهل ولا يزول عن مكانه ولا يعجل في ما لا يحمد ~~فيه العجل ، فالصبر ثبات خاص. # ( @QUR@02 وتذهب ريحكم ): الريح على ما قيل : العز والدولة. وقد ذكر ~~الراغب أن الريح ، في الآية ، بمعنى الغلبة استعارة (1)، لأن من شأن الريح ~~أن تحرك ما هبت عليه وتقلعه وتذهب به ، والغلبة على العدو تفعل به ما تفعله ~~الريح بالشيء كالتراب ، فاستعيرت لها (2). # ( @QUR@01 بطرا ): قال الراغب : البطر : دهش يعتري الإنسان من سوء ~~احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها. ويقارب البطر الطرب ~~، وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح ، وقد يقال ذلك في الترح. والبيطرة ~~معالجة الدابة (3). # ( @QUR@01 ورئاء ): الرياء : المراءاة : هو إظهار الجميل ليرى مع إبطان ~~القبيح. # ( @QUR@02 تراءت الفئتان ): التقتا ، ورأت كل منهما الأخرى. # ( @QUR@03 نكص على عقبيه ): النكوص : الإحجام عن الشيء. و ( @QUR@02 على ~~عقبيه ): حال. والعقب مؤخر القدم. ولذا يكون معنى نكص على عقبيه كناية عن ~~الرجوع القهقرى إلى الوراء ms2587 ، أي الانهزام. # * * * PageV10P392 ### ||| ** القرآن يدعو للثبات والصبر والوحدة # وتبقى للمعركة مواعظها ووصاياها الإلهية ، التي تضع للقوة قواعدها ~~وأخلاقها ، لأن الله يريد للمقاتلين في أية معركة أن لا يعتبروها مجرد ساحة ~~للقتل والقتال ، بل يريد لهم أن يجدوا فيها الساحة التي تتحرك فيها الرسالة ~~في خطين ؛ خط تحطيم الحواجز التي يريد الأعداء أن يقيموها ضد حريتها في ~~الدعوة وفي الحركة ، وخط تبني فيه الإنسان على قاعدة روحية تنطلق مع الله ~~في آفاق الخير والقوة ، وتخوض مع الشيطان معركة القوة في مواجهة الضعف ، ~~والثبات في مواجهة الاهتزاز ، ليظل الإنسان في كل مواقعه قريبا من حركة ~~الرسالة في حياته. فليس هناك ازدواجية بين الذات والرسالة ، حتى يكون لكل ~~واحد منهما موقع خاص به ، بل هو الموقع الواحد المتنوع الألوان والأوضاع. ~~وهذا ما نستوحيه من هذه الآيات. # * * * ### ||| ** أمر بالثبات أمام العدو # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ). إن الإيمان ~~يفرض على المؤمنين أن لا يدخلوا في معركة مع أي فريق من الناس إلا بعد أن ~~تتضح لهم شرعيتها ، من خلال طبيعة المواقف والتحديات الضاغطة على الإسلام ~~والمسلمين. وعلى هذا الأساس ، فلا بد لهم أن يثبتوا ويستمروا في المعركة ~~حتى النهاية انطلاقا من وضوح سلامة الهدف من موقع سلامة الرؤية ، لأنهم ~~سيقفون بين خيارين ، وكلاهما خير ، النصر أو الشهادة ؛ وبذلك يمكنهم أن ~~يحصلوا على العنصر الحقيقي للقوة في موقفهم. # * * * PageV10P393 ### ||| ** ذكر الله منبع من منابع القوة # ( @QUR@03 واذكروا الله كثيرا )، لأنه يمثل مصدر القوة في مواقف الضعف ، ~~وأساس الأمن في مواقع الخوف ، وقاعدة الانضباط في حالات الاهتزاز والانحراف ~~، فيشعر المؤمن معه بأنه لا ينطلق في المعركة من حالة مزاجية قد تجره إليها ~~أجواء المعركة ، بل من مهمة رسالية تفرضها عليه رسالته بأمر ربه. ( @QUR@02 ~~لعلكم تفلحون ) لأن الأمة التي ترتكز على الثبات وعلى المراقبة الدائمة لله ~~في جميع مواقفها السلمية والحربية ، سوف تسير إلى الفلاح في الدنيا ~~والآخرة. ( @QUR@03 وأطيعوا الله ورسوله ) فإن ذلك هو الذي يحمي المسيرة من ~~الانحراف ، ويصون الخطوات من الاهتزاز ، ويحقق للإنسان الطمأنينة النفسية ms2588 ~~والسكينة الروحية في التزامه بالخط المستقيم الذي يتجه أبدا إلى رضوان الله. # * * * ### ||| ** التنازع سبيل الفشل والزوال # ( @QUR@08 وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) إن ~~النزاع يتحرك من ذاتية الفكر التي تنزع للاصطدام بفكر مماثل ، وعندها ~~تتلاعب الأهواء بالقضايا ، فلا يبقى هناك مجال للقاء على أرض مشتركة ، ~~وتكون النتيجة أن يتنازع كل الفرقاء القضية ، فيحاول بعضهم أن ينحرف بها في ~~اتجاه اليمين ، في حين يحاول الآخرون أن ينحرفوا بها في اتجاه الشمال ؛ مما ~~يفقدها قوتها ومسارها الطبيعي ، فتفقد من خلال ذلك شروط النجاح وعناصره ، ~~وتقف في النهاية عند حدود الفشل ، وتذهب الريح القوية العاصفة التي تضرب ~~قوى الأعداء في الفضاء ، لأنها تتوزع هنا وهناك ، فلا يبقى منها شيء إلا ما يشبه PageV10P394 # الهواء الخفيف الكسول الذي لا يمثل أية قوة في حركة العواصف ... أما إذا ~~التقت الأفكار عند فكر الرسالة ، وتجمعت الرياح عند حركة العاصفة ، وتزاحمت ~~الأقدام في الطريق الواحد نحو الهدف الواحد على أساس طاعة الله ورسوله ، ~~فهناك القوة كل القوة في ساحة الصراع. # * * * ### ||| ** الصبر أكبر عون على الشدائد # ( @QUR@05 واصبروا إن الله مع الصابرين ) ففي الصبر قوة الموقف ، ووضوح ~~الرؤية ، وسلامة الطريق ، وحرية الإرادة ، وبذلك يكون الموقف للحق. وإذا ~~كان الموقف للحق ، كان مع الله ، وكان الله مع السائرين على الحق الثابتين عليه. # * * * ### ||| ** النهى عن اتباع البطرين المرائين # ( @QUR@07 ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ) في ما يمثله البطر ~~من الطغيان في النعمة ، وزهو الانحراف بها عن وجهها الصحيح الذي يرضي الله ~~، بعيدا عن خط التوازن والاعتدال. ( @QUR@02 ورئاء الناس ) فهم لم ينطلقوا ~~من حالة إخلاص عميق لوحي الرسالة ، ليكون خروجهم تجسيدا للرسالة ، بل كانوا ~~ينطلقون من حالة رياء استعراضي يحاولون من خلاله الإيحاء للناس بقوتهم ~~وعظمتهم ، ليراهم الناس وليقولوا عنهم ما يحبون أن يقال فيهم من كلمات ~~المدح والثناء. ( @QUR@04 ويصدون عن سبيل الله ) فيمارسون كل وسائل الضغط ~~التي يملكونها ضد المؤمنين الرساليين السائرين في طريق الله ، العالمين من ~~أجل رضاه ، المجاهدين في سبيله. # * * * PageV10P395 ### ||| ** الفرق بين من يحارب لله ومن يحارب ms2589 لغيره # وهذا هو الفرق بين الذين يحاربون من أجل رسالة إلهية ، وبين الذين ~~يحاربون من أجل عقدة ذاتية. إنه الفرق بين المسلمين الذين حاربوا مع رسول ~~الله ، وبين المشركين الذين حاربوا مع أبي جهل. وقد جاء في كتب السيرة ، أن ~~ابن الحقاف الكناني جاء إلى أبي جهل بهدية من أبيه ، وهو في طريقه إلى حرب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له : يقول لك أبي : «إن شئت أمدك بالرجال ~~، وإن شئت زحفت معك». فقال أبو جهل : «إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ، ~~فوالله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فوالله إن بنا على ~~الناس لقوة ، ولا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمر ، وتعزف ~~علينا القيان ، وتسمع العرب بذلك (1). # وربما كان هذا ما توحي به الآية من أخلاق هؤلاء الذين ينطلقون من موقع ~~البطر والرياء والصد عن سبيل الله. ( @QUR@04 والله بما يعملون محيط ) فكيف ~~يواجهون حساب المسؤولية غدا بين يدي الله ، وهو المهيمن على ذلك كله؟!. # * * * ### ||| ** الشيطان يزين للكافرين أعمالهم ثم يتبرأ منهم # ( @QUR@05 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) في ما وسوس لهم من أفكار ومشاعر ~~وأهداف ، فانحرف بهم عن الاتجاه الصحيح ، فالتبس عليهم الباطل بالحق ، ~~والخير بالشر ، والحسن بالقبيح ، فزين لهم أعمالهم الشريرة ، وصور لهم أنهم ~~في موقع القوة المطلقة التي لا تغلب. ( @QUR@07 وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس ) PageV10P396 # لأنكم تملكون من العدد والعدة ما لا يملكون. فهم في موقع الضعف ، وأنتم ~~في موقع القوة ، فلا تخافوا من الهزيمة. ( @QUR@03 وإني جار لكم ) أجيركم ~~من كل سوء ، وأمنحكم القوة عند الضعف ، وأثبتكم عند الاهتزاز. # ( @QUR@03 فلما تراءت الفئتان ) ووقفتا في موقف المجابهة الحاسم ، وظهرت ~~الغلبة للمسلمين على المشركين ، وبرز الإمداد الإلهي في أكثر من مظهر ، ( ~~@QUR@03 نكص على عقبيه ) ورجع القهقرى منهزما في عملية تراجعية واضحة ، وفي ~~حركة هروب من المسؤولية ؛ وتخلى عن كل وعوده. ( @QUR@04 وقال إني بريء منكم ~~) فليست لي علاقة بكم من قريب أو بعيد ، لأن المسألة بالغة التعقيد ، لما ~~تحمله من ms2590 نتائج المسؤولية. ( @QUR@05 إني أرى ما لا ترون ) مما يوحي بالهول ~~والرعب والفزع والهزيمة ( @QUR@03 إني أخاف الله ) في عقابه وعذابه. ( ~~@QUR@03 والله شديد العقاب ). # وقد تحدثت الروايات الواردة في أسباب النزول عن تمثل الشيطان بصورة شخص ~~يدعى سراقة ، وعن حديثه مع قريش في المعركة ، بالطريقة التي تحدثت بها ~~الآية ، في ما وعدهم به في البداية وما خوفهم منه في النهاية. وقد أنكرها ~~بعض المفسرين لضعف أسانيد الرواية ، وحمل الآية على التصور الشيطاني الذي ~~كان يسيطر على قريش في ما كان يوسوس لهم من الإحساس بالعظمة والزهو ~~والكبرياء ، والشعور بالقوة المطلقة التي لا غالب لها ... ثم تتابعت ~~الأحداث لتقلب الوضع رأسا على عقب ، ولتواجههم بالهزيمة التي تتضاءل معها ~~شياطينهم وما توسوس به وتدفع إليه ، تماما كما ورد في الآية الكريمة : ( ~~@QUR@017 كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني ~~أخاف الله رب العالمين ) [الحشر : 16] ، فإن الظاهر ورودها مورد الحديث عن ~~الطريقة الشيطانية في الإضلال ، حتى إذا وقع الإنسان في الضلال ، ابتعد عنه ~~، وتركه يواجه المسؤولية بنفسه. وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة في قوله ~~تعالى : ( @QUR@011 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم PageV10P397 # @QUR@028 فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل ) [إبراهيم : 22] وهكذا نجد هذه الآيات تتحرك في جو واحد ، ~~وإن اختلفت أساليبه. وقد ناقشه بعض المفسرين ، فاعتبروا أن ما دلت عليه ~~الروايات ليس بمستحيل ، فلا مانع من أن يتمثل الشيطان بصورة رجل ليتحدث مع ~~الناس ويتحدثوا معه من دون أن يبين لهم شخصيته. فإذا كان هذا الأمر ممكنا ، ~~فلا من بد أن يحمل ظاهر القرآن عليه ، ولا مانع من ذلك على الأقل. # ولكننا نناقش الموضوع من ناحية أخرى غير ناحية الاستبعاد ، لأنها لا تنهض ~~حجة على صرف الآية عن ظاهرها ، وهي أن الآية توحي بأن دور الشيطان كان دور ~~التشجيع وحشد القوة في داخلهم ، لأنهم ms2591 كانوا يعيشون حالة من الخوف والضعف ، ~~ولهذا حاول تقويتهم بقوله : ( @QUR@03 وإني جار لكم ) ليستريحوا إلى جواره ~~وليأمنوا به. ولكن واقع المعركة الذي نعرفه من القرآن ، ومن التاريخ ، ومن ~~طبيعة موازين القوى بين المسلمين والمشركين ، يدلنا على أن المشركين كانوا ~~لا يشكون ضعفا في العدد والعدة ، فما حاجتهم للتشجيع وللتقوية؟! ثم لو كان ~~الذي تفرضه الرواية صحيحا ، فما دور سراقة ، وما أهميته ليجير قريشا ، ~~فتطمئن له وتعيش الأمن من خلاله ، لأن الشيطان في مضمون الرواية لم يكشف ~~لهم عن شخصيته؟! ونحن لا نجد جوابا على هذه التساؤلات. ثم ما معنى أن نفرض ~~على القرآن تفاصيل معينة على أساس روايات غير صحيحة ، لعدم ثبوت وثاقتها؟! ~~ولماذا هذا التساهل في تفسير القرآن ، الذي يمثل الحقيقة الفاصلة القاطعة ، ~~من خلال ظنون لا تثبت أمام النقد العلمي؟! ولهذا فإننا نتفق مع الذين ~~يستقربون ورود الآية مورد توضيح التصور الشيطاني ، الذي يوحي للإنسان ~~بالهلاك في صورة النصر ، ثم يغير الصورة في عملية هروب وتراجع ؛ والله ~~العالم. # * * * PageV10P398 ### ||| ** قول المنافقين في نصر المسلمين ورد الله عليهم # ( @QUR@03 إذ يقول المنافقون ) الذين كانوا يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ~~، ( @QUR@04 والذين في قلوبهم مرض ) من المنافقين على نحو عطف التفسير ، أو ~~الذين كانوا يعيشون أجواء الشك والريبة ، من دون أن يتخذوا موقفا واضحا في ~~السر والعلن : ( @QUR@03 غر هؤلاء دينهم ) في أسلوب من أساليب التنديد ~~بمسيرة المسلمين ، وإقدامهم على خوض المعركة الذي قد يعتبرونه نوعا من ~~أنواع التهور ؛ فيرجعون ذلك إلى أن دينهم الذي يؤمنون به هو الذي أوقعهم في ~~الغرور ، في ما وعدهم به من الدخول في الجنة والحصول على ثواب الله في ~~الآخرة ، مما يجعلهم لا يقدرون العواقب في ما تتمخض عنه نتائج الأشياء ؛ ~~ولكن الله يرد على هذه الفكرة بأن هؤلاء قد أعدوا أنفسهم إعدادا جيدا ، ثم ~~واجهوا المعركة بروح واثقة بالنصر من خلال الثقة بالله والتوكل عليه. ( ~~@QUR@08 ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) لا يغلب في عزته في ما ~~يريد أن يقضي من قضاء ، ولا ينتقص من حكمته ms2592 في ما يريد أن يخطط من أمور. # * * * PageV10P399 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) @QUR@09 ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد (51) @QUR@017 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات ~~الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52) @QUR@018 ذلك بأن ~~الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع ~~عليم (53) @QUR@017 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ) (54) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتوفى ): التوفي أخذ الحق بتمامه. ويستعمل في كلامه ، تعالى ، ~~كثيرا بمعنى قبض الروح. # ( @QUR@01 وأدبارهم ): ظهورهم. PageV10P400 # ( @QUR@01 كدأب ): الدأب والديدن : العادة ، وهي العمل الذي يدوم ويجري ~~عليه الإنسان ، والطريقة التي يسلكها. # * * * ### ||| ** حالة قبض الملائكة لأرواح الكافرين # ويصور لنا الله حالة قبض الملائكة لأرواح الكافرين وما يتمثل فيها من عنف ~~وإهانة وتحقير. ( @QUR@07 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ) في بدر ~~وفي غير بدر ، ( @QUR@03 يضربون وجوههم وأدبارهم ) فيحيطون بهم من خلفهم ~~ومن قدامهم بالضرب ، كناية عن السخط الذي يشعرون به ضدهم في كفرهم بالله ~~وتمردهم عليه. ويقولون لهم ، وهم يدفعونهم إلى النار ليواجهوا عذابها : ( ~~@QUR@03 وذوقوا عذاب الحريق ) الذي يحرق أجسادكم ، ( @QUR@04 ذلك بما قدمت ~~أيديكم ) من أعمال شريرة ، ومن اختيارات فاسدة ، ومن كفر وضلال وكبرياء ... ~~( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) فلا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة ~~عليهم ، في ما يقدم لهم من براهين ، وما يمكنهم به من قوى. وتلك هي سنته في ~~خلقه الذين يكفرون به ويتمردون عليه في الماضي والحاضر. # ( @QUR@06 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ) فقد كان ديدنهم وطريقتهم أنهم ~~( @QUR@03 كفروا بآيات الله )، واستمروا في خط الكفر والضلال والإضلال ~~يتعمقون فيه ويمتدون ... ( @QUR@03 فأخذهم الله بذنوبهم ) التي جنوها ~~واكتسبوها. ( @QUR@05 إن الله قوي شديد العقاب ) فكيف يأمن عقابه الكافرون ~~والمتمردون؟! # * * * ### ||| ** تغيير النعم خاضع للسلوك العملي للناس # ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ). وتلك هي PageV10P401 # سنة الله في عباده ، فإن نعم الله التي ms2593 ينزلها على عباده ، في ما تقتضيه ~~رحمته وحكمته ، لا تتغير ولا تتبدل ما دامت النيات خالصة ، والخطوات ~~مستقيمة على النهج الذي يحبه الله ويرضاه ، فلا ينزل عذابه في الدنيا ، ولا ~~عقابه في الآخرة ، إلا بعد أن يغيروا ما بأنفسهم ، في ما يواجهون به ~~الأنبياء والدعاة إلى الله من جحود وكفران وتمرد وعصيان ، وما يفسدون به ~~الحياة بعد إصلاحها ، ولذلك فإن الأمم السابقة لم تتعرض للعذاب أو للبلاء ، ~~إلا بعد وصولها إلى المدى الذي يمثل الخطورة على مسيرة الإيمان والمؤمنين ~~في ما يواجهونه من التحديات والتعديات في هذا المجال. # وهكذا نستطيع أن نعرف أن تغيير النعم وزوالها خاضع للسلوك العملي للناس ، ~~في ما يفعلون ويتركون. فإذا أرادوا بقاء النعمة ، فعليهم الاستمرار في ~~الانفتاح على الله وفي الإخلاص له ولعباده ، لأن ذلك هو السبيل الذي تتحرك ~~فيه النعم في حياتهم. ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حتمية في تغيير الواقع عند ~~تغيير النيات والأعمال ، فقد تقتضي حكمة الله أن يبقي لبعض عباده نعمتهم ، ~~مع اختلاف نواياهم وأعمالهم ، لأن هناك جانبا آخر يفرض بقاءها واستمرارها. ~~وتلك هي أسرار الله في خلقه ، لا يعلمها إلا هو. ( @QUR@04 وأن الله سميع ~~عليم ) يسمع كل شيء ويعلم بكل شيء ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ~~والأرض. # ( @QUR@09 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم )، وكانوا ~~يتقلبون في نعم الله ، في ما يملكونه من ثروات وإمكانيات ، وما يتقلبون به ~~من رخاء وجاه وسلطان ، ولكنهم لم يشكروا الله على ذلك ، عند ما أرسل رسوله ~~موسى بآياته ليخرجهم من ظلمات الضلال إلى نور الهدى ، فتمردوا واستكبروا ~~وكذبوا بآيات الله. ( @QUR@08 فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل ~~كانوا ظالمين ). سواء كانوا في مواقع المسؤولية فأضلوا وضلوا ، أو كانوا ~~في القاعدة فظلموا أنفسهم باتباع الظالمين والمستكبرين ، ولم يستجيبوا لرب ~~العالمين. # * * * PageV10P402 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) ~~@QUR@012 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) ~~@QUR@010 فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ms2594 لعلهم يذكرون (57) ~~@QUR@014 وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين (58) @QUR@08 ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ) (59) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الدواب )؛ الدابة : كل ما دب على وجه الأرض ، ثم غلب استعماله ~~في ذوات الأربع. # ( @QUR@01 تثقفنهم ): تظفر بهم وتدركهم بسرعة. # ( @QUR@02 فشرد بهم )؛ التشريد : الإبعاد والتفريق على اضطراب. # ( @QUR@01 فانبذ )؛ النبذ : الطرح. ويقال : إلقاء الخبر إلى من لا يعلمه. # * * * PageV10P403 ### ||| ** الثابتون على الكفر شر الدواب # في هذه الآيات ، وما بعدها ، حديث يتنوع في قضايا علاقات المسلمين مع ~~الكافرين الذي يقاتلونهم أو الذين يعاهدونهم ثم ينقضون عهدهم ... وكيف تكون ~~أوضاع الحرب والسلم في هذا الجو المتقلب المضطرب. وهذا ما نتابعه في الآيات ~~التالية. # ( @QUR@07 إن شر الدواب عند الله الذين كفروا )، لأنهم لا ينطلقون من ~~قاعدة إيمانية ثابتة تتصل بالله ، وتنطلق في حركاتها وعلاقاتها من خلاله ، ~~وبذلك يشعرون بمسؤولياتهم عن الحياة وعن الإنسان ، فيحترمون كل المواثيق ~~والالتزامات التي تتعلق بالخير والعدل والسلام ، وتلك هي مشكلة الكفر ، في ~~ما يوحي به للإنسان من التحرر من كل قيد من قيود المسؤولية. ولهذا فإن ~~الكافرين يتحولون من موقع إلى موقع ، ويتهربون من كل عهد ، ليعطوا بعد ذلك ~~عهدا آخر ... وهكذا يخلقون للحياة القلق والارتباك. ( @QUR@03 فهم لا ~~يؤمنون ) بالله وبرسله وباليوم الآخر ، ليلجأوا من ذلك إلى ركن وثيق ، مما ~~جعلهم شر الموجودات التي تتحرك في الكون وتدب على الأرض التي لا تسيء إلى ~~سلامة الحياة ولا تشوه وجهها ، بل تتجه إلى الغاية التي أرادها الله لها في ~~نطاق قوانينه الطبيعية ، بينما نجد الكافرين يخربون الحياة وينحرفون بها عن ~~الصراط المستقيم ، بالتمرد على خالقهم وإنكار وجوده أو جعل الشركاء من دونه. # ( @QUR@09 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ) لأنهم لا يرون ~~في العهد التزاما داخليا عميقا مقدسا ، بل يرون فيه مجرد فرصة ينتهزونها ~~للخروج من مأزق طارئ وضغط عنيف ، أو يعتبرونه دورا يمثلونه ليجلبوا لأنفسهم ~~نفعا ، أو ليدفعوا عنها ضرا. فهم يلعبون بالكلمات تماما كأية لعبة أخرى ، ~~ولهذا فإنهم لا يجدون أي حرج ms2595 في الرجوع عنه أو نقضه ، لأن القضية في مثل ~~هذه الأمور هي قضية الضغط الخارجي ، أو الوازع الداخلي ، فإذا ابتعد PageV10P404 # الأول لفقدان الظروف التي تمثل عنصر الضغط ، كان الثاني هو الضمانة ~~الباقية للالتزام. ولكنه ينطلق في الأغلب من الإيمان بالله. فإذا فقد ~~الإنسان ذلك ، فقد كل شيء في هذا الاتجاه. وهذا ما أشارت إليه الآية بقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وهم لا يتقون ) في ما تمثله من مراقبة داخلية لله في كل ~~الأمور ، وانضباط عملي على هذا الأساس .. وربما كان المقصود بهؤلاء اليهود ~~كما جاء في بعض الروايات وربما أريد به غيرهم. # ( @QUR@04 فإما تثقفنهم في الحرب ) أي إذا ظفرت بهم في الحرب ، فشدد ~~عليهم بمختلف الضغوط النفسية والعسكرية ، من أجل أن يكونوا عبرة لمن وراءهم ~~من جماعتهم ، أو من الناس الذين يسيرون في هذا الاتجاه. ( @QUR@04 فشرد بهم ~~من خلفهم ) أي فرقهم بما تثيره في قلوبهم من الرعب ، فتنحل عزائمهم ~~ويبتعدون عن خط المواجهة ، ( @QUR@02 لعلهم يذكرون ) ويعرفون النتائج ~~السيئة المترتبة على نقض العهد على جميع المستويات ، ليتراجعوا عن غيهم ~~وضلالهم وانحرافهم عن الخط الصحيح. # * * * ### ||| ** الوفاء بالعهد هو الأصل # ( @QUR@05 وإما تخافن من قوم خيانة ) وذلك بظهور علامات الخيانة للمواثيق ~~، بما يصدر منهم من أقوال وتحركات توحي بوجود خطة جديدة للتمرد والعدوان ، ~~( @QUR@04 فانبذ إليهم على سواء ) أي ألق إليهم عهدهم ، لأنهم بدأوا بذلك ~~في ما تحركوا به ضدك ، مما يعتبر مخالفة للعهد ونقضا له ، الأمر الذي يجعلك ~~في حل من عهدك ( @QUR@02 على سواء ) أي على أساس العدل والمعاملة بالمثل ، ~~وذلك ما يوحي به الإسلام في شريعة العهد مع الآخرين. فالوفاء بالعهد هو ~~الأصل والأساس ، فإذا بدرت الخيانة منهم كان ولي الأمر في حل PageV10P405 # من عهده ، فينذرهم بإلغاء العهد ليكونوا على بينة من أمرهم ، ويبدأ ~~التصرف معهم بما يناسب المقام ، لأنهم خانوا الله ورسوله. # ( @QUR@05 إن الله لا يحب الخائنين ) لأن هؤلاء لا يمثلون التوازن الروحي ~~والعملي الذي تقوم عليه الحياة وتتحرك به في الاتجاه السليم. وفي هذا إيحاء ~~للمؤمنين بأن عليهم أن يعيشوا في داخلهم الرفض النفسي ms2596 والعاطفي للخائنين ، ~~لأن مشاعرهم لا بد من أن تكون منسجمة مع الخط الإلهي المحدد للخط الشعوري ~~لحركة الإنسان في الحياة ؛ فيحبون من يحبهم الله ، لأن الله لا يحب إلا ~~الطيبين المخلصين ؛ ويبغضون من يبغضهم الله ، لأنه لا يبغض إلا المنحرفين ~~الخائنين ... وبذلك لا يعيش المؤمن الازدواجية بين قناعاته ومشاعره ، كما ~~يعيش ذلك بعض الناس عند ما تتجه مشاعرهم في غير اتجاه قناعاتهم ، لأن ~~المؤمن يمثل الوحدة في الفكر والعاطفة والحياة. # * * * ### ||| ** المؤمن عينه دائما على المستقبل # ( @QUR@05 ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا ) وهناك قراءة معروفة بالتاء ، أي ~~: ولا تحسبن يا محمد أن الذين كفروا سبقوا ، أي لا تخف من قوتهم وتقدمهم في ~~بعض المراحل أو المعارك. ( @QUR@03 إنهم لا يعجزون ) الله فسيدركهم أينما ~~ذهبوا ، لأنه على كل شيء قدير. ولهذا فإن على المؤمنين مواصلة مسيرتهم على ~~أساس النفس الطويل الذي لا يربط النتائج الحاسمة بالمرحلة ، بل يعمل على ~~التطلع إلى النتائج في حسابات الأهداف البعيدة. وسيجدون من خلال هذه النظرة ~~، أن الظروف التي توحي بالضعف والهزيمة الآن ، قد لا تكون كذلك في مستقبل ~~المعركة ، فقد يحمل المستقبل بعض الفرص التي تفتح باب النصر على مصراعيه ( ~~@QUR@05 ويومئذ يفرح المؤمنون* بنصر الله ) [الروم : 4 5]. # * * * PageV10P406 ### ||| * الآيات # ( @QUR@033 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في ~~سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) @QUR@012 وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) @QUR@012 وإن يريدوا أن ~~يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) @QUR@020 وألف ~~بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم إنه عزيز حكيم ) (63) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 رباط الخيل ): الخيل المرابطة أو المربوطة : الجاهزة للتحرك. # ( @QUR@01 ترهبون ): تخيفون وتقلقون. PageV10P407 # ( @QUR@01 جنحوا ): مالوا. # ( @QUR@01 للسلم ): السلم : بفتح السين وكسرها ، الصلح. # * * * ### ||| ** وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # ( @QUR@06 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) لا بد للحق من قوة في مواجهة ~~التحديات المضادة ، لردع ms2597 القوى المعادية التي تمنع الحق من ممارسة حريته في ~~الدعوة إلى الإيمان به وبقضاياه ، أو تعمل على تحطيم قوته وتهديم أركانه ، ~~لأن أسلوب الرفق والحوار لا ينفع مع الذين لا يؤمنون بهذا الأسلوب ، بل ~~يعتبرون العنف القائم على القهر والضغط المادي أساسا للسيطرة على الآخرين. ~~ولذلك أراد الله للمؤمنين أن يقوموا بعملية إعداد القوة العسكرية بكل ما ~~يملكون من إمكانات وقدرات مادية ، فليس لهم أن يدخروا جهدا في هذا السبيل ، ~~لأن ذلك هو القاعدة الصلبة التي ترتكز عليها القوة المستقبلة الواثقة ~~بالتماسك والنصر والامتداد ، القادرة على رد التحدي بالتحدي المماثل ، أو ~~بالأقوى منه ... # وإذا كانت القوة العسكرية في الماضي تتمثل في ما تعارف عليه الناس من ~~أدوات القتال ، من السيف والسهم والرمح والدرع ، فإن العصور المتأخرة قد ~~استحدثت وسائل أخرى كالبندقية والمدفع والرشاش والدبابة ونحوها ، فلا بد ~~لنا من أن نحصل على ذلك كله ، إذ لا معنى لأن نتحدث عن الوسائل القديمة ~~التي استنفدت أمام الوسائل الجديدة للحرب ، ولكن لا بد للقرآن من أن يتحدث ~~للناس بالطريقة التي يفهمونها ، وبالأشياء التي يعيشونها ، لأنهم المخاطبون ~~بها في البداية ، ولهذا عقب الله ذلك بقوله : ( @QUR@03 ومن رباط الخيل ) PageV10P408 # باعتبار أنها كانت المظهر للقوة العسكرية المتحركة آنذاك. ( @QUR@05 ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم ). وبذلك كان الإعداد للقوة تدبيرا وقائيا يرهب ~~العدو ، فيمنعه ذلك من العدوان ، ويدفعه إلى الدخول في معاهدات ومواثيق مع ~~المسلمين ، أو يجعله خاضعا للسيطرة الإسلامية ، أو يوحي له بالدخول في ~~الإسلام ... # وهكذا تكون القوة الكبيرة البارزة سبيلا من سبل ردع العدو ومنع الحرب ، ~~مما يجعل منها ضرورة سياسية وعسكرية معا ، فيفرض على القائمين على شؤون ~~المسلمين أن لا ينتظروا حالة إعلان الحرب ليستعدوا ، بل لا بد لهم من ~~الاستعداد الدائم في كل وقت ، وذلك تبعا للظروف الموضوعية المحيطة بالواقع ~~السياسي والعسكري الموجود من حولهم ، من أجل إرهاب عدو الله وعدو المسلمين. # ( @QUR@03 وآخرين من دونهم ) أي ممن هم أقل منهم درجة في القوة أو في ~~العداوة ، أو من غيرهم ، ( @QUR@02 لا تعلمونهم ) لأنكم لا ms2598 تحيطون بالساحة ~~كلها في ما تختزن من عداوات وتحديات في الحاضر والمستقبل ، ممن يحيط ~~بالمسلمين في أكثر من موقع ، ولكن ( @QUR@02 الله يعلمهم ) فيوحي إليكم ~~بضرورة الإعداد الدائم المتحرك ، الذي يرصد تصاعد القوة العسكرية للآخرين ، ~~والاكتشافات الجديدة لأنواع السلاح التي قد تتغير في كل يوم ، بحيث تصبح ~~الأسلحة القديمة غير ذات فائدة ، مما يفرض تبديلها دائما بشكل متحرك. وربما ~~يفرض ذلك الإعداد لإنتاج السلاح ، لأن مشكلة وجود مصانع الأسلحة في أي بلد ~~آخر غير إسلامي يفرض كثيرا من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية ~~والثقافية على البلد المستورد له ، ويجعل نتائج الحرب خاضعة للسياسة التي ~~يسير عليها البلد المنتج. وهذا ما نلاحظه في العصور المتأخرة التي تحول ~~فيها السلاح من تجارة حرة ، إلى تجارة موجهة تابعة للموقف السياسي الذي قد ~~يتحرك من أجل الابتزاز السياسي للبلد المستورد ، بفرض شروطه الخاصة. # * * * PageV10P409 ### ||| ** ضرورة توفير مقومات القوة على كل صعيد # وإذا كان جو الآية يوحي بوجوب الاستعداد للحصول على القوة العسكرية ، ~~فإننا نستوحي منها ضرورة الإعداد للقوة من نوع آخر ، مما تحتاجه الأمة في ~~تطورها العلمي والاجتماعي والاقتصادي في موقعها السياسي بين الأمم الأخرى ، ~~لأن ذلك يحقق لها الاكتفاء الذاتي أو التفوق الواقعي ، الذي يفسح لها ~~المجال للتحرك بقوة من موقع استغنائها عن الآخرين ، أو من موقع حاجة ~~الآخرين إليها ، فنستطيع بذلك أن نتخلص من الضغوط التي تقيد حريتها في ~~الحركة ، أو تفرض الضغوط التي تحتاجها في علاقاتها بالآخرين ، وهذا ما يلزم ~~الأمة بجميع أفرادها أن تستنفر كل طاقاتها في سبيل الوصول إلى المستوى ~~المتقدم في كل المجالات التي تمثل أساس القوة في الحياة ، ولتتخلص من كل ~~نقاط الضعف المفروضة عليها من الداخل والخارج ، فذلك هو السبيل الأفضل ~~لانطلاقة الإسلام بقوة في حياة الناس في عالم لا يفهم إلا بلغة القوة. ~~فالحق الذي لا يستند إلى القوة لا يرتكز على أساس ثابت متين. # وإذا كان الوصول إلى هذا المستوى من القوة يحتاج إلى الكثير من المال ، ~~فإن على الأمة أن تساهم في ذلك على جميع المستويات ms2599 ، وأن تعتبر ذلك إنفاقا ~~في سبيل الله ، لأن رفع المستوى العلمي والعسكري والاقتصادي للأمة هو من ~~أفضل السبل العملية التي تؤدي إلى تدعيم الحق وتفتح طريق الانتصار في ~~المعركة الطويلة ضد الكفر والكافرين ... وقد أراد الله أن يوحي للمؤمنين ~~بأنه سيعوضهم عما أنفقوه في هذا السبيل في الدنيا والآخرة ( @QUR@09 وما ~~تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ) فتأخذونه وافيا غير منقوص ، ( ~~@QUR@03 وأنتم لا تظلمون ) بل تجدون العدل كله ، والخير كله ، والرحمة ~~الواسعة التي تفتح لكم أبواب الحياة على آفاق الفلاح والنجاح. # * * * PageV10P410 ### ||| ** السلام للمسالمين # ( @QUR@06 * وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) إذا مالوا للسلام وأقبلوا عليه ~~، وأبدوا كل الاستعداد للعيش بسلام مع المؤمنين في نطاق المعاهدات ~~والمواثيق ، فلا ترفض ذلك ، بل حاول أن تستجيب له ، وتؤكد رغبتك فيه ~~لتعرفهم بأن الحرب في الإسلام لا تنطلق من عقدة ، بل من قاعدة فكرية على ~~مستوى مصلحة الإنسان والحياة ، فتكون الحرب سبيلا لإعادة التوازن إلى ~~الساحة لمصلحة الخير ، وعند ما تقف قوة الكفر لتمنع الإيمان من ممارسة ~~حريته في الدعوة إلى الله ، فتكون الحرب هي الطريق التي يسلكها المؤمنون ~~لاستعادة حريتها ... وهكذا في كل موقف من مواقف الظالمين والمستكبرين الذين ~~يريدون أن يقهروا الضعفاء بظلمهم ، ويذلوهم باستكبارهم. # أما إذا أراد الآخرون أن يفتحوا صفحة جديدة للسلم ، ويفسحوا المجال ~~للحوار مع المسلمين ، ليكون هو الوسيلة الفضلى للصراع على مستوى الفكر ، أو ~~على مستوى الواقع ، فإن الإسلام يفتح ساحته للحوار ، وآفاقه للسلام ، ولكن ~~لا بد من دراسة الظروف والشروط والمعطيات على أساس الحاضر والمستقبل ، لئلا ~~تكون المسألة مسألة استغفال وخديعة ، تتخذ من السلام ستارا تختفي خلفه ، ~~وتستعد من خلاله لهجمة مستقبلية قوية ، تستفيد من فرص السلام لمصلحة الحرب. ~~فإذا أعد ولي الأمر العدة لذلك كله ، فإن له أن يطمئن لما فعل ، على أساس ~~وضوح الرؤية ، ولا يلقي بالا للتهاويل ولاحتمالات الخوف التي قد تثور في ~~النفس ، لتثير القلق والارتباك في المسيرة ، بل لا بد من التوكل على الله ~~أمام كل تهاويل الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ms2600 ... وهذا هو خط التوكل الذي ~~يرتكز على دراسة كل ظروف الواقع ومعطياته ، وكل شروط العمل ومقتضياته ، وكل ~~الوسائل الواقعية للوصول إلى PageV10P411 # الأهداف ... ثم يستقبل الغيب بروح واثقة بالله ، متوكلة عليه ، مطمئنة ~~لرحمته التي ينشرها على عباده ، الذين يأخذون بتعاليمه ويسيرون على هدى ~~سننه في الكون ، في ربط النتائج بمقدماتها ، والمسببات بأسبابها ... وهذا ~~ما أراده لرسوله في قوله سبحانه : ( @QUR@03 وتوكل على الله ) فإنه لا يخذل ~~من توكل عليه ، وسلم أمره له. # ( @QUR@04 إنه هو السميع العليم ) الذي يسمع دعوات عباده في ما يحتاجون ~~إليه ، ويعلم أوضاعهم في ما يحيطهم به من لطفه ورحمته ... # * * * ### ||| ** الله يحمي النبي من كيد الكافرين # ( @QUR@04 وإن يريدوا أن يخدعوك ) بالأساليب الملتوية والمظاهر الخادعة ، ~~ليقوموا بعملية تحضير لهجوم مفاجئ ، يستغلون فيه حالة الاسترخاء التي يوحي ~~بها السلم ، ( @QUR@03 فإن حسبك الله ) الذي يحميك من كل المفاجآت غير ~~المحسوبة في المستقبل ، كما حماك في الماضي ، على أساس أن تستكمل كل ~~الحسابات لكل ما يحيط بك ولما يطرأ عليك ، مما تستطيع أن تتعرف أبعاده. فلا ~~تخف من كل ما يواجهونك به من أساليب الخداع ، فإن الله يكفيك منها ، وتذكر ~~لطف الله بك ( @QUR@04 هو الذي أيدك بنصره )، في ما أمدك به من قوة ، ~~وهيأه لك من أسباب ، ( @QUR@01 وبالمؤمنين ) الذين آمنوا بك واتبعوك ، ~~وواجهوا التحديات الصعبة معك ، وجاهدوا في سبيل الله بقيادتك ، واجتمعت ~~قلوبهم على الإخلاص لك ، وتناسوا كل خلافات ماضيهم ، وكل أحقاد تاريخهم ~~المليء بالحروب والمنازعات ... فقد كان ذلك كله بلطف من الله عليك ، وتأييد لك. # ( @QUR@03 وألف بين قلوبهم ) في ما أودعه فيها من عناصر المودة والرحمة PageV10P412 # والشعور بالمسؤولية الإنسانية الروحية ، على أساس الإيمان النابض بالمحبة ~~والحياة ، حتى تحولت كل تلك المجموعات المتنافرة في ذاتها ، المختلفة في ~~طبيعتها ، إلى وحدة روحية إيمانية ، تماما كما عبر الله عنهم ( @QUR@02 ~~رحماء بينهم ) [الفتح : 29] وكما قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره ~~بالسهر والحمى» (1)... وتلك هي الألفة التي يرعاها الله برعايته ، ويشملها ~~بلطفه ms2601 ، فإنها تنمو من خلال الينابيع الروحية التي تتفجر في الفكر والشعور ~~حتى تتحول في القلب وفي الروح إلى نهر كبير يمتد في حياة المؤمنين جميعا في ~~نطاق المجتمع المؤمن المتكامل الواحد ... # * * * ### ||| ** الله هو المؤلف بين القلوب # ( @QUR@010 لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) لأن المال ~~لا يستطيع أن ينفذ إلى أعماق الروح وآفاق الشعور ، إلا إذا تحول إلى حالة ~~حميمة ، تحمل في داخلها بعضا من نبضات الشعور وخفقات العاطفة ، ليتحول ~~المال إلى معنى يتمثل في العطاء ، في البعد الإنساني الذي يحترم في الإنسان ~~إنسانيته ، ويوحي إليه بالمعاني الحلوة المشرقة ، وعند ذلك يفقد العنصر ~~المادي ليتحول إلى عنصر روحي. أما المال الذي يتحرك في العلاقات كثمن لها ، ~~تماما كما هي السلع المعروضة في السوق ، فإنه قد يعطي صاحبه موقعا متقدما ~~في حركة الواقع ، وقد يحصل على بعض الامتداد في آفاق الربح ، ولكنه لن ~~يستطيع أن يمنحه قلبا وروحا وحياة ووحدة شعور ، ولذلك PageV10P413 # لم يستطع المال أن يحقق إنسانية العلاقة بين الأغنياء والفقراء ، أو بين ~~الحاكمين والمحكومين ، ولكن الفكر والإيمان والخير استطاعت أن توحد القلوب ~~، وتقارب بين المواقف. ( @QUR@04 ولكن الله ألف بينهم )، لأن بيده أسرار ~~القلوب ، وخفايا النفوس ، وأعماق الأرواح ، يقلبها كيف يشاء ويحولها كما ~~يريد. ( @QUR@03 إنه عزيز حكيم )، فلا يغلب في عزته ، ولا يعارض في حكمته ~~، فمن إرادته تكون الأشياء ، ومن حكمته تأخذ طريقها إلى مواقع الهدى ~~والنجاح. # * * * PageV10P414 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) @QUR@027 ~~يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) @QUR@026 الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين ) (66) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اتبعك ): الاتباع : موافقة الداعي في ما يدعو إليه من أجل دعائه. # ( @QUR@01 حرض ): التحريض والحض والحث بمعنى ، وهو الترغيب في الفعل بما ~~يبعث على المبادرة إليه. ms2602 # ( @QUR@01 يفقهون ): الفقه : أبلغ وأغزر من الفهم. PageV10P415 # ( @QUR@01 خفف ): رفع المشقة. # ( @QUR@01 ضعفا ): الضعف بكسر الضاد من المضاعفة ، أي زيادة الشيء مثله ~~في المقدار ، وبفتحها وضمها ضد القوة المادية والمعنوية وقيل : الضم يختص ~~بضعف العقل. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # في تفسير الميزان نقلا عن تفسير القمي قال : «قال : كان الحكم في أول ~~النبوة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل الواحد وجب عليه ~~أن يقاتل عشرة من الكفار ، فإن هرب منهم ، فهو الفار من الزحف ، والمائة ~~يقاتلون ألفا. # ثم علم الله أن فيهم ضعفا لا يقدرون على ذلك فأنزل الله : ( @QUR@015 ~~الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين ) ففرض عليهم أن يقاتل أقل رجل من المؤمنين رجلين من الكفار. فإن فر ~~منهما فهو الفار من الزحف. وإن كانوا ثلاثة من الكفار وواحدا من المسلمين ، ~~ففر المسلم منهم ، فليس هو الفار من الزحف» (1). # * * * ### ||| ** الله هو كافي النبي من كل سوء # ( @QUR@05 يا أيها النبي حسبك الله ) فهو كافيك من كل أحد ، فلا تحتاج ~~معه إلى PageV10P416 # أحد من الناس ، ولا تخاف من أي شيء ومن أي إنسان. ( @QUR@04 ومن اتبعك من ~~المؤمنين ) فهم معك في رسالتك وفي جهادك ، وهم القاعدة الصلبة القوية التي ~~تتحرك من خلالها في طريق الدعوة والفتح ، فليذهب الكافرون أو ليقفوا ضدك ، ~~فلن يستطيعوا أن يقدموا أو يؤخروا شيئا في الساحة. وقد قيل إن المعنى يكفيك ~~الله ، ويكفي من اتبعك من المؤمنين من كل سوء ، فلا تخافوا من الاندفاع في ~~المعركة ، لأن الله سوف ينجيكم من كل الأعداء. وهو قريب من خلال جو الآيات ~~، ولكن الأول أقرب من خلال نظم الآية ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** تحريض المؤمنين على القتال والصبر # ( @QUR@07 يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) فإن المعركة الفاصلة ~~بين الإيمان والشرك تفرض تقوية الموقف ، وشد العزيمة ، وشحذ الهمم ، ولا بد ~~للنبي من أن يقوم بدور فاعل في حث المؤمنين على القتال ، لا سيما مع القوة ~~القليلة عددا وعدة التي يملكها المسلمون في مقابل كثرة العدد ms2603 والعدة لدى ~~المشركين. وقد أراد الله لنبيه أن يدعوهم للصبر الذي يدفعهم إلى مواجهة ~~الآلام والمشاكل والتحديات التي تفرضها المعركة ، بروح قوية راضية مطمئنة ~~فرحة بالجهد الذي تقدمه أمام الله ، ليستنفروا كل طاقاتهم ، ويحولوها إلى ~~طاقة واحدة مضاعفة ، بحيث يتحرك الواحد منهم في مقابل عشرة رجال ( @QUR@07 ~~إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ). ولا بد في ذلك من جهد عظيم في ~~المعاناة ، وفي الاستعداد النفسي الداخلي المنطلق من وعي الإيمان ، وقوة ~~الثقة بالله وبما عنده من الثواب ، مما يجعل الإنسان يقابل الموت بدون ~~اكتراث ، ويجابه الأعداء بكل قوة. # ( @QUR@012 وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا PageV10P417 # @QUR@01 يفقهون ) ولا يعقلون الأسس التي يرتكز عليها النجاح في الدنيا ~~والآخرة ، ولا يعرفون أن هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله لا ينفعونهم ~~شيئا لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ، ولا يدفعون عنها ضرا ... ومن خلال ذلك ~~، فهم لا يحملون عمق الفكرة التي تهز وجدانهم وتطهر مشاعرهم ، وتثير في ~~داخلهم الامتداد في حركة الحياة أمام قضية المصير ، ولذا فإنهم لا يملكون ~~روح الثبات في المعركة ، لأنهم لا يرتبطون بالهدف الحقيقي الذي يبدأ من ~~موقع الفكر والروح ليمتد في ساحة المعركة ، مما يجعلهم لا يملكون أساسا ~~للقوة ، كما يجعل هذه الدعوة الإلهية في ما يريده من مستوى المواجهة دعوة ~~واقعية تتحرك في دائرة الإمكانات المعقولة للمؤمن القوي الواعي في صبره ، ~~الصابر في كل تطلعاته ومواقفه ... وربما كان هذا التفصيل في ذكر العشرين في ~~مقابل المائتين ، وفي ذكر المائة في مقابل الألف ، للتأكيد عليهم في أن ~~عددهم في معركة بدر الذي يبلغ الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلا ، يتفوق في ~~القوة الصابرة ، على عدد الألف الذي يبلغه جيش قريش ، لأنه سيتحول إلى أكثر ~~من ثلاثة آلاف رجل يقابلون ألف رجل ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** التدرج في رفع المستوى الروحي لدى المؤمنين # ( @QUR@08 الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ) من خلال التجربة ~~الأولى التي تمارسونها في أول معركة مع قريش ، ومن خلال الوسائل المحدودة ~~التي تملكونها في حساب ms2604 القوة المادية ، بالإضافة إلى نقاط الضعف الذاتية ~~المتحكمة في واقعكم الداخلي ، وغير ذلك مما يفرض التدرج في رفع المستوى ~~الروحي لدى المؤمنين ، لأن حيوية الصبر لا تنمو ولا تتعاظم إلا في نطاق ~~الظروف الموضوعية الذاتية المنسجمة مع الواقع الداخلي من الوعي PageV10P418 # والفكر والإرادة ، الذي يتطور بطريقة تدريجية. ولهذا أراد الله في ~~البداية أن يطرح الفكرة في نداء الدعوة النبوية على أساس المستوى الأعلى في ~~عملية إيحائية في ما ينتظره منهم من قوة الموقف مما يمكن أن يصلوا إليه ولو ~~بعد حين ثم أعطاهم الفرصة في تخفيف المستوى المطلوب ، لتكون بداية طبيعية ~~للنمو في حركة تصعيد القوة في الداخل وفي خط المواجهة ، بحيث يكون المؤمن ~~الواحد في مواجهة اثنين من الكافرين ، من خلال عامل الصبر الذي يشتد ، فيشد ~~عزيمة الإنسان في الاندفاع في حركة المعركة. ( @QUR@015 فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) وإرادته ~~وعنايته. ( @QUR@03 والله مع الصابرين ) الثابتين على مواقعهم بالثبات في ~~مواقفهم ، وبالإصرار على قضيتهم حتى بلوغ الأهداف الكبيرة. # * * * PageV10P419 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) @QUR@011 لو لا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) @QUR@011 فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) @QUR@025 يا أيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ~~ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) @QUR@013 وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله ~~من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ) (71) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أسرى )؛ جمع أسير. الأسر : الشد على المحارب وأخذه. # ( @QUR@01 يثخن ): الثخن بالكسر فالفتح الغلظ ، ومنه قولهم : أثخنته ~~الجراح وأثخنة المرض. قال الراغب في المفردات : يقال : ثخن الشيء فهو ثخين ~~إذا غلظ فلم يسل ولم يستمر في ذهابه ، ومنه أستعير قولهم : أثخنته PageV10P420 # ضربا واستخفافا ، قال الله تعالى : ( @QUR@011 ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض )، ( @QUR@05 حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ms2605 الوثاق ) ~~[محمد : 4] (1)، فالمراد بإثخان النبي في الأرض استقرار دينه بين الناس ~~كأنه شيء غليظ انجمد فثبت ، بعد ما كان رقيقا سائلا مخشي الزوال بالسيلان (2). # ( @QUR@01 عرض ): العرض ما يطرأ على الشيء ويسرع فيه الزوال ، ولذلك سمي ~~به متاع الدنيا لدثوره وزواله عما قليل. # ( @QUR@01 حلالا ): الحلال : وصف من الحل مقابل العقد والحرمة ، كأن ~~الشيء الحلال كان معقودا عليه محروما منه فحل بعد ذلك. # ( @QUR@01 طيبا ): هو الملائم للطبع. # ( @QUR@01 لمسكم ): لأصابكم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : «كان القتلى من المشركين يوم بدر سبعين ، قتل منهم ~~علي بن أبي طالب عليه السلام سبعة وعشرين. وكان الأسرى أيضا سبعين ولم يؤسر ~~أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فجمعوا الأسارى ، وقرنوهم في ~~الحبال ، وساقوهم على أقدامهم. وقتل من أصحاب رسول الله تسعة رجال منهم سعد ~~بن خيثمة. وكان من النقباء من الأوس. وعن محمد بن إسحاق قال : استشهد من ~~المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا ، أربعة من قريش وسبعة من الأنصار ، وقيل ~~ثمانية ، وقتل من المشركين بضعة وأربعون رجلا. وعن ابن PageV10P421 # عباس قال : لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر والناس ~~محبوسون بالوثاق ، بات ساهرا أول الليلة ، فقال له أصحابه : ما لك لا تنام؟ ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه فسكت ، ~~فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروى عبيدة السلماني عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأصحابه يوم بدر في أسارى : إن شئتم قتلتموهم ~~وإن شئتم فاديتموهم ، واستشهد منكم بعدتهم. وكانت الأسارى سبعين ، فقالوا : ~~بل نأخذ الفداء فنستمتع به ، ونتقوى به على عدونا ، وليستشهد منا بعدتهم. ~~قال عبيدة : طلبوا الخيرتين كلتيهما ، فقتل منهم يوم أحد سبعون. وفي كتاب ~~علي بن إبراهيم : لما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النضر بن الحارث ~~وعقبة بن أبي معيط ، خافت الأنصار أن يقتل الأسارى ، فقالوا : يا رسول الله ~~، قتلنا سبعين وهم قومك وأسرتك ، أتجذا أصلهم (1)، فخذ يا رسول ms2606 الله منهم ~~الفداء ، وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش ، فلما طلبوا ~~إليه وسألوه نزلت الآية ( @QUR@07 ما كان لنبي أن يكون له أسرى )» (2). # * * * ### ||| ** القرآن يثير مسألة الأسرى في بدر # لقد جاءت هذه الآيات لتثير قضية الأسرى في معركة بدر ، من حيث المبدأ في ~~شرعية ما قام به المسلمون من أسر المشركين من أجل الحصول على الفدية ، في ~~الوقت الذي كان الهدف من المعركة هو تحطيم قوة الشرك ؛ ثم لتتحدث عن بعض ~~التفاصيل الفرعية في الحديث عن الأسرى. # ( @QUR@011 ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ). هذا تنديد ~~من الله بالمسلمين الذين قاتلوا في بدر ، وما قاموا به من أسر الكثيرين من PageV10P422 # المشركين ، وعدم اللجوء إلى قتلهم في المعركة ، وذلك من أجل الحصول على ~~الفداء ، ليستفيدوا به في تقوية أنفسهم ماليا. وتلك نقطة ضعف يسجلها الله ~~عليهم في هذا الاتجاه ، فإن المقاتل الذي يشعر بخطورة القوة الكبرى ~~المهيمنة على شؤون الناس بالظلم والسيطرة ، لا يعيش في المعركة هاجس النفع ~~المادي ، بقدر ما يعيش هاجس القضاء عليها ، بالقضاء على كل رموزها لئلا ~~تكون فتنة ويكون الدين لله ... لا سيما في المرحلة الصعبة التي خاض فيها ~~المسلمون المعركة غير المتكافئة ضد قريش وانتصروا فيها ، مما يفرض التفكير ~~في إضعاف أية مبادرة مستقبلية لمعركة جديدة ، في ما يمكن أن تفكر به قريش ~~من هجوم جديد ثأرا لنفسها. ولكنها التجربة الأولى للمسلمين الذين كانوا ~~يخوضون فيها معركة الوجود واللاوجود للإسلام. فخاضوها على الطريقة التي ~~كانوا يخوضون فيها معاركهم الخاصة سابقا ، في قتل البعض ، والإبقاء على ~~البعض الآخر من أجل الفداء ، فكانت هذه الآية تناقش المسألة من زاوية ~~المصلحة الإسلامية العليا في حركة الأنبياء ، فليس للنبي الداخل في معركة ~~من معارك الإيمان والكفر ، أن يكون له أسرى ، حتى يتمكن في الأرض ويستقر ~~ويثبت أقدامه ، لينطلق بعد ذلك من موقع قوة ، بعيدا عن إمكانات التحرك ~~المضاد من قبل الأعداء. # ( @QUR@03 تريدون عرض الدنيا ) الذي يزول بسرعة ( @QUR@03 والله يريد ~~الآخرة ) فهي التي ينبغي ms2607 لهم أن يستهدفوها في معاركهم ، تحقيقا لمرضاة الله ~~بتحقيق غاياته التي أقام عليها حركة المعركة ، فإن المؤمن يريد ما يريده ~~الله ، ويحب ما يحبه ، ويتجرد عن النوازع الذاتية والمنافع الشخصية ... ( ~~@QUR@03 والله عزيز حكيم ) فلا يغلب في ما يريده ، ولا يعبث في ما يشرعه من ~~أحكام وما يبينه من تعاليم ... ( @QUR@06 لو لا كتاب من الله سبق ) في عدم ~~تعذيبكم وإهلاككم ، لأنه أراد أن يفسح لكم المجال من أجل أن تتعمقوا في ~~المعرفة التي تفتح لكم باب التجربة الحية الواعية ، التي تتعامل مع النتائج ~~المستقبلية للأحداث بدلا من النتائج PageV10P423 # الحاضرة السريعة ، ولو لا ذلك اللطف الإلهي الذي شملكم بعفوه ورحمته ، ( ~~@QUR@03 لمسكم فيما أخذتم ) من الأسرى ، ( @QUR@02 عذاب عظيم )، لأن ~~القضية تتعلق بالخطورة الكبيرة التي يمثلها هذا التصرف الخاطئ ، في نتائجها ~~السلبية على الموقف. # * * * ### ||| ** سؤالات تثيرهما الآية # وهنا سؤالان : # الأول : كيف يستحق هؤلاء العذاب العظيم في ما لم يتقدم إليهم فيه نهي من ~~الله؟ فان العقاب لا يصح عقلا بدون بيان صادر من الله. فنحن نعرف أن القضية ~~جديدة عليهم ، فلم يتحدث التشريع إليهم بتحريم أخذ الأسرى؟! # والجواب عنه بأحد وجهين : # الأول : إن الآية واردة في مقام الحديث عن عظمة الخطأ الذي يستوجب ~~بطبيعته العذاب العظيم ، لا في مقام التهديد لهم بالعذاب. وقد يكون رفع ~~العذاب عنهم لوجود المانع فيه من جهة عدم البيان. # الثاني : إنهم قد يستحقون العذاب لأنهم لا يملكون حرية التصرف في المعركة ~~من دون استشارة النبي في ذلك بصفته القيادية ، في ما يصدر من أوامر ونواه ~~تتعلق بسير الحرب ، وبصفته الرسالية في ما يبينه من تشريعات تتعلق بأحكام ~~المقاتلين مع الأعداء في ساحة القتال ، وليس لهم أن يعتذروا عن تصرفهم ~~الخاطئ بالقاعدة العقلية بقبح العقاب من دون بيان ، لأن موردها صورة ما بعد ~~الفحص والسؤال وعدم الوصول إلى نتيجة معه ، لا صورة ما قبل السؤال مع ~~التمكن منه ، فإن التصرف المحرم في ذاته غير مبرر في هذا PageV10P424 # المجال ، فهم يستحقون العقاب في ما أخطئوا به ، ولكن الله رفعه عنهم ~~برحمته ms2608 ولطفه. # السؤال الثاني : إن الآية ربما توحي بأنها موجهة إلى النبي ، كما يظهر من ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) فقد يستفاد منها أن ~~الخطاب متوجه إليه ، للتنبيه بأن عليه أن يسلك سلوك الأنبياء من قبله في ما ~~كانوا يخوضونه من معارك ، لأنه ليس بدعا من الأنبياء ، وبذلك فليس له سنة ~~غير سنتهم. وإذا كان الأمر كذلك ، فقد يتنافى هذا مع مبدأ العصمة في ما ~~توحي به من مخالفة للتعاليم الإلهية بعد العلم ، لأنه لا بد له من أن يكون ~~على معرفة بالمبدأ العام للحرب ، مما قد بينه الله له ، إذ لا يمكن أن ~~ينطلق في حرب لا يعرف أحكامها؟! # والجواب عن ذلك ، أنه لم يظهر من الآية أن الخطاب موجه إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو موجه للمقاتلين الذين أسروا المشركين طمعا ~~بالفداء. أما الحديث عن النبي في فقرة : ( @QUR@03 ما كان لنبي )، فربما ~~يكون من جهة أنه قائد المعركة الذي يتحرك الجيش باسمه ، وينعكس وضع المعركة ~~عليه ، لأنها تنسب إليه ، مما يحمل المسلمين مسئولية ما يقومون به من أعمال ~~وتصرفات غير مسئولة ، فكأن الله يريد أن يقول لهم : إذا لم يكن من سنة ~~الأنبياء أن يكون لهم أسرى في بدايات التحرك ، فكيف تريدون للنبي أن يكون ~~له ذلك؟! وهذا ما يظهر من جو الآيات التي تتحدث عن المسلمين آنذاك ، بأنهم ~~يفكرون بالدنيا وبمتاعها أكثر مما يفكرون بالآخرة ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ). مما لا يتناسب مع روحية ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء من أجل أن يقرب الناس من الآخرة ~~ويبعدهم عن الدنيا. # * * * PageV10P425 ### ||| ** الله يبيح للمسلمين ما أخذوا من غنائم # ( @QUR@05 فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) فقد عفا الله عنكم ورضي عليكم ، ~~وأباح لكم ما غنمتموه من الحلال الطيب مما حصلتم عليه من المعركة أو من ~~الفداء ، ( @QUR@02 واتقوا الله ) فيه وفي ما تستقبلون من أعمال ، وما ~~تحصلون عليه من أموال ... ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ). في ما يفيضه ms2609 ~~عليكم من رحمته وغفرانه. # * * * ### ||| ** النظرة الرسالية للأسرى # ( @QUR@020 يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ). إن الإسلام لا ينظر إلى الأسرى ~~نظرة القوي القاهر الذي يعتبرهم كمية مهملة ، أو مجرد شيء يحقق للمسلمين ~~الربح ، بل ينظر إليهم نظرة إنسانية رسالية. ولهذا فإن الله يريد للنبي أن ~~يخاطبهم بروح الداعية الرسالي ، الذي يحاول أن يفتح قلوبهم على الخير ~~ليفكروا بالمستقبل من هذا الموقع ، فيدخلوا مع أنفسهم في عملية تأمل ~~ومحاسبة في ما كانوا يسيرون فيه من طرق الضلال ، وما يجب أن يواجهوه من ~~مسئولية الإيمان ، ليقول لهم بعد ذلك ( @QUR@06 إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا ) من الدخول في الإسلام ، والإخلاص لله ، والامتناع عن الأعمال ~~العدوانية التي تسيء إلى الناس ( @QUR@05 يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) من ~~المال ، في ما يرزقكم من رزقه ، ويشملكم به من عنايته. ( @QUR@02 ويغفر لكم ~~) ذنوبكم إذا تبتم منها ، ورجعتم عن الخط المنحرف إلى الخط المستقيم. ( ~~@QUR@03 والله غفور رحيم ) لا يغلق باب عفوه عمن تاب إليه ، ولا يطرد من ~~رحمته من التجأ إليه. # * * * PageV10P426 ### ||| ** الله يطمئن نبيه لجهة خوفه من خيانة المشركين # ( @QUR@03 وإن يريدوا خيانتك ) في ما يضمرونه من الشر ، وما يعدونه من ~~الخطط العدوانية للعودة إلى الحرب ، ومقاومة المؤمنين ، والاعتداء على ~~الرسالة ، فلا تخش من ذلك ولا تحمل له هما ، لأنهم لن يكونوا القوة التي لا ~~تقهر ، كما أنها ليست أول خيانة لهم ، فقد اعتادوها حتى سرت في دمائهم ~~ومشاعرهم. ( @QUR@07 فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ) وأقدرك عليهم ، ~~وهو قادر على أن يهزمهم مرة ثانية. ( @QUR@02 والله عليم ) بما يضمرون ~~ويخططون ( @QUR@01 حكيم ) في ما يدبر لهم من خطط مضادة تحبط كل ما صنعوه من ~~قبل ، وما يصنعونه بعد ذلك. # * * * PageV10P427 ### ||| * الآيات # ( @QUR@045 إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~إلا على ms2610 قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) @QUR@013 ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) @QUR@018 والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) @QUR@022 والذين ~~آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ) (75) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آووا )؛ الإيواء : ضم الإنسان غيره إليه بإنزاله عنده وتقريبه إليه. PageV10P428 # ( @QUR@01 أولياء )؛ الولاية : عقد النصرة للموافقة في الديانة. # ( @QUR@01 فتنة )؛ الفتنة : أصلها في اللغة : الامتحان. وتستعمل في ~~أشياء منها الكفر والشرك. # ( @QUR@01 كريم ): فاعل الكرم والجود والشرف العظيم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : قيل نزلت الآية في الميراث ، وكانوا يتوارثون ~~بالهجرة ، فجعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام. وكان ~~الذي آمن ولم يهاجر ولم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. وكانوا يعملون ~~بذلك حتى أنزل الله تعالى : ( @QUR@05 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ~~فنسخت هذه الآية وصار الميراث لذوي الأرحام المؤمنين ولا يتوارث أهل ملتين. ~~عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي (1). # * * * ### ||| ** ضرورة موالاة المؤمنين والامتناع عن موالاة الكافرين # وهذه نهاية المطاف في سورة الأنفال التي كانت بدايتها في أجواء المؤمنين ~~الذين يعيشون الإيمان كموقف للفكر وللروح وللحياة ... وجاءت نهايتها لتحدد ~~ملامح المؤمن الموقف ، في مواجهة الكافر الموقف ، ولتؤكد الولاية عند كل ~~فريق على أساس الانسجام في الخط والعمل ، ولتحدثنا PageV10P429 # عن المؤمن الذي يعيش الإيمان فكرا ويتهرب من تحمل مسئولية الموقف ، لتؤكد ~~أن لا ولاية بينه وبين المؤمنين الآخرين إلا في نطاق محدود جدا ، ولتوحي في ~~نهاية المطاف بأن الساحة جاهزة لاستقبال الطلائع الإيمانية التي تكمل ~~المسيرة في المراحل القادمة ، لتكون جزءا من المسيرة الواحدة التي تتحرك في ~~خطوط متصلة ، من نقطة البداية إلى نقطة النهاية ، من خلال الفكر الواحد ، ~~والخط الواحد ، والهدف الواحد على أساس الإيمان بالله الواحد وبرسله ~~وباليوم الآخر. # * * * ### ||| ** الله يقرر الولاية بين المهاجرين والأنصار من المؤمنين # ( @QUR@04 إن الذين آمنوا وهاجروا ) من مواقع الضعف ms2611 إلى مواقع القوة ، ~~وتركوا كل ما يربطهم بالدنيا وراءهم ليستقبلوا الآخرة برسالية المؤمن ~~الداعية المجاهد ، الذي يبذل كل شيء من أجل الله. ( @QUR@06 وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) فلم يدخروا جهدا ولا طاقة ، ولم يتركوا ~~روحا إلا ووجهوها في خط الجهاد في سبيل الله ، لأن أملاكهم ووجودهم هي ملك ~~لله ... وهؤلاء هم الطليعة الأولى من المهاجرين مع رسول الله إلى المدينة. ~~( @QUR@03 والذين آووا ونصروا ) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ~~المهاجرين معه ، وهم الأنصار. ( @QUR@04 أولئك بعضهم أولياء بعض )، لأن ~~الإيمان بالله والجهاد في سبيله والنصرة لدينه ، تمثل العلاقة الوثيقة التي ~~تعلو وتفوق كل علاقة أخرى ، بما فيها علاقة القرابة من ناحية العمق ~~والامتداد ، ولهذا فإن لبعضهم البعض حق الولاية بالنصرة والمودة والأمن ، ~~فلكل واحد منهم أن يمنح الأمان لأي شخص من الكفار ، وعلى الآخرين أن ينفذوا ~~ذلك. وهناك فريق آخر ، وهم المؤمنون الذين لم يهاجروا ، PageV10P430 # ممن لم يكونوا مستعدين للتضحية بشيء من المال والأرض والنفس ، فلم يتحول ~~الإيمان عندهم إلى موقف ، بل بقي لديهم مجرد فكر وشعور. # * * * ### ||| ** وجوب نصرة المؤمنين غير المهاجرين في حال الاستنصار # ( @QUR@010 والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ) فليس ~~بينكم وبينهم علاقة ، لأن الإيمان وحده غير كاف في تعميق العلاقة. ( ~~@QUR@02 حتى يهاجروا ) فيكونوا مع المهاجرين ويتساووا معهم في الولاية. ( ~~@QUR@04 وإن استنصروكم في الدين ) على أعداء الإسلام الذين اضطهدوهم ~~واعتدوا عليهم ، ( @QUR@02 فعليكم النصر ) لأنهم يملكون ولاية النصرة ، ~~فعلى المؤمن أن ينصر أخاه المؤمن على الكافرين المعتدين. ( @QUR@06 إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق )، لأن الميثاق بينكم وبينهم يمنع من الاعتداء ~~عليهم حتى في هذه الحالة. ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) فعليكم أن ~~تراقبوه بشكل دقيق ، لأنه يراقبكم بدقة أكثر ويعرف منكم ما لا تعرفونه من ~~أنفسكم. # * * * ### ||| ** الكفار بعضهم أولياء بعض # ( @QUR@05 والذين كفروا بعضهم أولياء بعض )، لأن وحدة الفكر الكافر في ~~ما تمثله من وحدة الموقف والشعور ، تمثل الموالاة الواقعية في حركة ~~العلاقات الإنسانية .. وهذا ما نلاحظه من الترابط الوثيق بين الكافرين ، في ~~ما يشعرون ms2612 به من وحدة المشاعر والمصالح والتحديات المضادة للإيمان ، وفي ما PageV10P431 # يتحركون به من حركات وأوضاع سلمية أو حربية. ( @QUR@02 إلا تفعلوه ) ~~فتركزوا الولاية على أساس الفكر والخط الواحد في الحياة ، ( @QUR@06 تكن ~~فتنة في الأرض وفساد كبير )، لأن إفساح المجال لعوامل أخرى ، داخلية أو ~~خارجية ، مما يقوم على وحدة النسب أو اللون ، أو العرق أو الأرض ... يفسد ~~الواقع ويحول المجتمع إلى ما يشبه الفوضى التي تتنوع وتتعدد تبعا لتنوع هذه ~~العوامل ، مما يفقد الحياة عنصر الوحدة الحقيقي الذي يمثل البرنامج الفكري ~~والعملي للمجتمع ، بالإضافة إلى علاقة الروح والفكر والشعور ، كأساس لوحدة ~~الموقف. # * * * ### ||| ** المهاجرون والأنصار هم المؤمنون حقا # ( @QUR@014 والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا )، لأنهم هم الذين جسدوا الإيمان وحولوه إلى ~~حركة حياة ، وفعل عطاء ، وخط تضحية وشهادة ... ( @QUR@04 لهم مغفرة ورزق ~~كريم ) جزاء لما هو الإيمان كموقف ، ولما هو الجهاد على أكثر من صعيد ... ~~ويأتي الجيل الجديد الذي لم يعاصر انطلاقة الدعوة في معاناتها الأولى ، في ~~ما تحمله المسلمون الأولون من المهاجرين من تعذيب وتشريد وبذل وعطاء ... ( ~~@QUR@09 والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) لأنهم ~~يؤمنون بما تؤمنون به ، ويهاجرون كما تهاجرون ، ويجاهدون كما تجاهدون ... ~~وهكذا تنطلق الولاية في خط الإيمان والجهاد والهجرة والإيواء والنصرة ، ~~لتكون القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي القوي الموحد. # * * * PageV10P432 # ( @QUR@05 أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) # ( @QUR@08 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) في ما يتوارثون ~~به ، فالأقرب أولى من الأبعد في الإرث ، وهذه الآية تقرر إرث الأقرباء ~~الذين لم تذكرهم آيات الإرث في سورة النساء ، كالأخوال والأعمام وأبنائهم ~~... كما استفاد منها مذهب أهل البيت عليهم السلام في إعطاء البنت المنفردة ، ~~أو الأخت المنفردة ، أو الأختين والأخوات ... التركة كلها من ناحية الفرض ، ~~ومن ناحية القرابة ؛ فلا يجوز اشتراك الأخ مع البنت أو الأعمام أو الأخوال ~~مع الأخوات ، وهكذا مما تفصله كتب الفقه ... ( @QUR@05 إن الله بكل شيء ~~عليم ). # * * * PageV10P433 ### | الفهرس # تفسر سورة الأعراف [1 206] # في أجواء ~~السورة............................................................. 7 # الآيات 1 ~~7]................................................................. 11 # معاني ~~المفردات............................................................ ms2613 11 # انفتاح الداعية علي مشاكل ~~الساحة.......................................... 12 # اتباع ما أنزله الله علي ~~الرسول............................................... 15 # الظلم والسقوط ~~الحضاري................................................... 17 # هل يأتي العذاب بعد ~~الإهلاك!.............................................. 19 # من وحي هذه ~~الآيات...................................................... 20 # كيف نفهم سؤال الله الرسل ~~والناس!........................................ 20 # من هم الذين يشعرون بالحرج تجاه ~~القرآن!.................................... 23 # الآيتان [8 ~~9]................................................................ 24 # معاني ~~المفردات............................................................ 24 # والوزن يومئذ ~~الحق......................................................... 24 # آراء المفسرين في قوله تعالي ( @QUR@03 والوزن يومئذ الحق ) ~~........................... 27 # الآية ~~[10].................................................................... 31 # معاني ~~المفردات............................................................ 31 PageV10P435 # علي الإنسان ربط حياته دوما ~~بالله........................................... 31 # شكر الله يجب أن يلازم ~~الإنسان............................................ 32 # هل هناك صراع بين الإنسان ~~والطبيعة!....................................... 33 # الآيات [11 ~~18]............................................................. 34 # معاني ~~المفردات............................................................ 34 # عنصرية إبليس وراء ~~سقوطه................................................. 35 # إبليس يثأر لنفسه من ~~الإنسان.............................................. 38 # حزب إبليس في جهنم..................................................... 39 # إبليس ~~والقياس............................................................ 39 # إبليس ~~والتكبر............................................................ 43 # لماذا أمهل الله ~~إبليس!...................................................... 46 # لا سبيل للشيطان إلي إرادة ~~الإنسان......................................... 46 # لينتبه المتكبرون في ~~الإرض.................................................. 47 # إبليس في إحاطته ~~بالإنسان................................................. 48 # الآيات [19 ~~25]............................................................. 51 # معاني ~~المفردات............................................................ 51 # آدم وحواء يخضعان لخداع ~~إبليس............................................ 53 # التوهم علة ~~الانحراف....................................................... 54 # إبليس يستغل براءة آدم ~~وحواء............................................... 56 # هبوط آدم وحواء إلي مستقرهما ~~الأرضي....................................... 58 # لماذا أسكن الله آدم وحواء ~~الجنة!............................................. 59 # قراءة (ملكين) بكسر ~~اللام................................................. 61 # آدم وحواء معا في موقع المسؤولية السلبية ~~والإيجابية........................... 62 # إيحاءات كلمة ~~«الشجرة».................................................. 64 # رمزية الشجرة لكل ~~حرام.................................................... 65 PageV10P436 # إيحاءات ردود فعل آدم وحواء علي ظهور ~~سوآتهما.............................. 66 # تأثير المعصية في آدم ~~وحواء.................................................. 67 # الآيات [26 ~~30]............................................................. 69 # معاني ~~المفردات............................................................ 69 # القرآن يحذر بني آدم ~~ويوجههم............................................... 71 # لباس التقوي ~~خير.......................................................... 71 # تحذير عام لبني آدم من ~~إبليس............................................... 73 # لا يأمر الله إلا ~~بالقسط.................................................... 75 # كما بدأكم ~~تعودون....................................................... 76 # كلمة في ~~التقوي........................................................... 78 # التقوي حالة شاملة لكل الأوضاع ~~الإنسانية................................... 79 # التقوي عمق فكري وروحي في ~~الإنسان....................................... 79 # سمات ~~المتقين.............................................................. 81 # القلق الإيجابي رفيق ~~التقوي.................................................. 84 # خير الزاد ~~التقوي.......................................................... 84 # الحصاد الإلهي ~~للتقوي...................................................... 85 # التقوي انفتاح عقلي وروحي وعملي علي الله ~~تعالى............................. 86 # الآيات والتفسير الروائي، عرض ~~ومناقشة..................................... 87 # الآيات [31 ~~33]............................................................. 89 # معاني ~~المفردات............................................................ ms2614 89 # مناسبة ~~النزول............................................................. 91 # مع العلامة الطباطبائي حول مناسبة ~~النزول.................................... 92 # المنهج الإلهي في توجيه حياة ~~الإنسان......................................... 93 # الله جميل يحب ~~الجمال...................................................... 94 # التوازن في الإسلام قانون ~~الحياة.............................................. 96 PageV10P437 # القصد أمر يحبه ~~الله........................................................ 97 # الزهد في ~~كلمتين.......................................................... 98 # القيمة للروح لا ~~للشكل.................................................... 99 # المؤمن أولي بنعم ~~الله...................................................... 100 # الأشياء التي حرمها ~~الله.................................................... 101 # المقصود بالظاهر والباطن من ~~الفواحش...................................... 102 # الآية ~~[34].................................................................. 105 # معاني ~~المفردات.......................................................... 105 # لكل أمة أجل........................................................... 106 # عمر الأمة الحضاري..................................................... 107 # الآيتان [35 ~~36]........................................................... 109 # النداء الأخير للناس لاتباع ~~الرسل.......................................... 109 # وجوب اتباع الرسل والتقيد ~~بتعاليمهم....................................... 110 # ملاحظتان حول الآيتين.................................................. 111 # الآيات [37 ~~43]........................................................... 113 # معاني ~~المفردات.......................................................... 114 # صورة المكذبين بآيات ~~الله................................................. 118 # مشهد المكذبين ~~الأول.................................................... 119 # المشهد ~~الثاني............................................................ 120 # المعطيات العملية ~~للقصة.................................................. 121 # العقيدة المنحرفة لا تصنع الوحدة ~~الروحية.................................... 122 # تحليل الدعاة للمواقف العامة ~~للناس........................................ 122 # أبواب السماء مغلقة في وجه ~~المستكبرين..................................... 124 # المؤمنون أصحاب ~~الجنة................................................... 125 # لا غل في ~~الجنة.......................................................... 125 PageV10P438 # الآيات [44 ~~53]........................................................... 127 # معاني ~~المفردات.......................................................... 128 # تحاور أصحاب الجنة وأصحاب والنار....................................... 130 # أهل الأعراف........................................................... 132 # أصحاب النار يتوسلون أصحاب الجنة...................................... 134 # الجزاء ~~بالمثل............................................................. 135 # التأويل هو الحقيقة ~~الواضحة............................................... 136 # هل من شفعاء للذين نسوا الله في ~~الدنيا!.................................... 137 # الآيات [54 ~~58]........................................................... 138 # معاني ~~المفردات.......................................................... 138 # القرآن وتحريك الإيمان في قلب ~~الحياة........................................ 143 # العرش مظهر السلطة الإلهية ~~الأعلي........................................ 144 # الليل يلاحق ~~النهار....................................................... 144 # كل ما في الكون طوع أمر الله ~~تعالى....................................... 145 # من أحب الله أحب عباده................................................ 145 # الإفساد عدوان علي ~~الحياة................................................ 146 # التجارة مع الله روحية لا ~~مادية............................................. 147 # حركة الرحمة الإلهية في ~~الكون.............................................. 148 # دروس للعاملين في حقل التربية ~~الإنسانية.................................... 149 # الآيات [59 ~~64]........................................................... 151 # معاني ~~المفردات.......................................................... 151 # موقع الإيمان هو موقع البحث عن ~~الحقيقة................................... 152 # ما معني إرسال نوح إلي ~~قومه!............................................. 154 # قوم الرسول هم قاعدة ~~الانطلاق........................................... 154 # نوح عليه السلام ودعوة التوحيد ~~الخالص.................................... 155 PageV10P439 # معني التأكيد علي العبادة دون ~~الإيمان...................................... 156 # لماذا كانت العبادة واجهة ~~الرسالة!.......................................... 157 # نوح في مواجهة الملأ من ~~قومه.............................................. 158 # مشكلة الرسل والدعاة ms2615 مع عماة ~~البصيرة..................................... 160 # الآيات [65 ~~72]........................................................... 162 # معاني ~~المفردات.......................................................... 163 # هود بعد نوح نبي لقومه................................................. 163 # العقل في مواجهة الانفعال ~~الطائش......................................... 164 # دور الرسول النصح لأمته ~~دوما............................................ 165 # منطق التوحيد في مواجهة منطق ~~الشرك...................................... 166 # نجاة المؤمنين وهلاك ~~الكافرين.............................................. 168 # الآيات [73 ~~79]........................................................... 169 # معاني ~~المفردات.......................................................... 170 # حديث عن قصة صالح مع قومه ثمود....................................... 170 # الخط الواحد لرسالة ~~الأنبياء............................................... 171 # المستضعفون يؤمنون بالنبي صالح (عليه ~~السلام).............................. 172 # الآيات [80 ~~84]........................................................... 175 # معاني ~~المفردات.......................................................... 175 # لوط في مواجهة شذوذ قومه الجنسي........................................ 176 # المجتمعات المنحرفة ترفض دعوة ~~التطهر...................................... 177 # هلاك قوم لوط ~~بانحرافهم................................................. 178 # الآيات [85 ~~93]........................................................... 179 # معاني ~~المفردات.......................................................... 180 # شعيب وقومه........................................................... 181 # الحق والإصلاح هما أساس كل خير........................................ 182 PageV10P440 # شعيب في موقع التذكير والتحذير ~~لقومه.................................... 183 # الأساليب السلبية لا تحل الخلافات ~~الفكرية................................. 184 # منطق الاستعلاء في مواجهة منطق العقل ~~والحوار.............................. 185 # ثبات شعيب في مواجهة قومه............................................. 186 # الله ينصر شعيب ومن معه................................................ 187 # لا أسف علي الكافرين................................................... 188 # الآيتان [94 ~~95]........................................................... 189 # معاني ~~المفردات.......................................................... 189 # سنة الله في أهل ~~القري.................................................... 190 # الآيات [96 ~~100]......................................................... 192 # معاني ~~المفردات.......................................................... 192 # التقوي مفتاح بركات السماوات والإرض.................................... 193 # لا مأمن للخاسرين من مكر ~~الله............................................ 194 # الآيتان [101 ~~102]........................................................ 196 # معاني ~~المفردات.......................................................... 196 # لا عهد ~~للكافرين........................................................ 196 # الآيات [103 ~~112]........................................................ 196 # معاني ~~المفردات.......................................................... 196 # موسي وفرعون.......................................................... 199 # جحود فرعون لآيات الله ~~تعالى............................................. 200 # موسي عليه السلام يؤكد ~~نبوته............................................. 201 # موسي عليه السلام يسعي لتحرير بني إسرائيل من قبضة فرعون................ 201 # موسي عليه السلام يقدم بينة نبوته ~~لفرعون.................................. 202 # ملأ فرعون يتهمون موسي عليه السلام بالسحر.............................. 203 PageV10P441 # الآيات [113 ~~126]........................................................ 205 # معاني ~~المفردات.......................................................... 206 # وجاء السحرة، فما ذا كان ~~أمرهم!؟........................................ 207 # عصا موسي (عليه السلام) تلقف إفك السحرة.............................. 208 # السحرة يستجيبون لدعوة موسي عليه السلام................................ 208 # فرعون يصر علي كفره ويتوعد السحرة...................................... 210 # السحرة التائبون يسألون الله ~~الصبر......................................... 211 # الآيات [127 ~~129]........................................................ 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 213 # موسي في حوارة مع قومه بعد تهديد ~~فرعون.................................. 213 # منطق الطغاة من ~~الحاكمين................................................ 214 # موسي عليه السلام يحث قومه ms2616 علي الصبر والثبات........................... 215 # العاقبة ~~للمتقين.......................................................... 216 # انهزامية قوم موسي (عليه ~~السلام).......................................... 217 # موسي يزرع الأمل في قلوب قومه.......................................... 217 # الآيات [130 ~~137]........................................................ 219 # معاني ~~المفردات.......................................................... 220 # نهاية ~~فرعون............................................................. 221 # الطوفان أول ~~العقاب..................................................... 222 # الطغاة يعاهدون موسي علي الإيمان ~~وينكثون................................ 223 # المستضعفون يرثون مشارق الإرض ~~ومغاربها.................................. 224 # الآيات [138 ~~141]........................................................ 225 # معاني ~~المفردات.......................................................... 225 # موسي عليه السلام في نظر بني ~~إسرائيل..................................... 226 # بنو إسرائيل يسألون موسي أن يجعل لهم ~~أصناما.............................. 227 PageV10P442 # موسي (عليه السلام) وجهالة ~~قومه......................................... 228 # موسي يذكر قومه بنعم الله ~~عليهم.......................................... 229 # وقفة تأملية أمام هذه ~~الآيات.............................................. 230 # استيحاء الفكرة في ~~الحاضر................................................ 231 # الآيات [142 ~~145]........................................................ 233 # معاني ~~المفردات.......................................................... 233 # الله يواعد موسي (عليه السلام) وينزل عليه ~~الألواح........................... 234 # الله يواعد موسي (عليه السلام) أربعين ~~ليلة.................................. 235 # هارون يخلف موسي في قومه.............................................. 236 # موسي يسأل الله تعالي ~~رؤيته............................................... 237 # الله يتجلي للجبل ~~فيتهاوي................................................ 239 # اصطفاء الله تعالي ~~موسي.................................................. 240 # الله ينص علي موسي شريعة ~~التوراة......................................... 241 # الآيتان [146 ~~147]........................................................ 243 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # واقع المستكبرين في الإرض ~~ومصيرهم....................................... 244 # الآيات [148 ~~154]........................................................ 246 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # موسي في مواجهة ضلال قومه............................................. 247 # قوم موسي يتخذون العجل إلها............................................ 248 # موسي يرجع غضبان أسفا................................................ 249 # تساؤلات حول فكرة العصمة.............................................. 251 # غضب الله علي الضالين وتوبته علي ~~التائبين................................ 252 # موسي يأخذ ألواح شريعته ~~مجددا........................................... 253 # الآيات [155 ~~158]........................................................ 254 PageV10P443 # معاني ~~المفردات.......................................................... 255 # موسي يختار سبعين رجلا لميقات ~~الله........................................ 255 # من هم السفهاء الذين عناهم موسي؟...................................... 257 # موسي عليه السلام يسأل الله ~~المغفرة........................................ 257 # المتقون هم الذين يتبعون النبي ~~الأمي........................................ 258 # الخطوط العامة التي تميز الشريعة ~~الإسلامية.................................. 260 # الإسلام يختزن في داخله آفاق حركة ~~الحياة................................... 261 # المؤمنون هم ~~المفلحون..................................................... 262 # محمد رسول ~~للعالمين...................................................... 262 # دعوة للإيمان بالله ~~ورسوله................................................. 264 # الآية ~~[159]................................................................ 265 # صفة الجماعة التي تعيش الإيمان في ~~حياتها................................... 265 # الآيات [160 ~~163]........................................................ 267 # معاني ~~المفردات.......................................................... 268 # قوم موسي يتوزعون علي اثنتي عشرة ~~فرقة.................................... 268 # الله يكشف تمرد بني ~~إسرائيل.............................................. 269 # الآيات [164 ~~167]........................................................ 271 # معاني ~~المفردات.......................................................... 271 # اختلاف المؤمنين من ms2617 بني إسرائيل في الموقف من ~~المتمردين...................... 272 # الإصرار علي الإصلاح معذرة إلي ~~الله....................................... 273 # الله يمسخ المصرين علي الكفر ~~قردة......................................... 274 # عذاب بني إسرائيل إلي يوم ~~القيامة.......................................... 275 # الآيات [168 ~~171]........................................................ 277 # معاني ~~المفردات.......................................................... 277 # بنو إسرائيل يتفرقون في الإرض ~~جماعات..................................... 278 PageV10P444 # الله يناقش الأوضاع المنحرفة ~~لليهود........................................ 279 # الله يرفع الجبل فوق اليهود ~~كالغمام......................................... 280 # الآيات [172 ~~174]........................................................ 281 # معاني ~~المفردات.......................................................... 281 # فطرة الإنسان تشهد لله تعالي ~~بالربوبية...................................... 281 # هل ثمة عالم آخر اسمه عالم ~~الذر!.......................................... 284 # الآيتان [175 ~~176]........................................................ 285 # معاني ~~المفردات.......................................................... 285 # مثل ألذي أخلد إلي الإرض كمثل الكلب................................... 286 # الآيات [177 ~~179]........................................................ 288 # معاني ~~المفردات.......................................................... 288 # الكافرون كالأنعام بل أضل ~~سبيلا.......................................... 288 # الآيات [180 ~~186]........................................................ 291 # معاني ~~المفردات.......................................................... 291 # لله الأسماء ~~الحسني....................................................... 292 # هل أسماء الله ~~توقيفية!.................................................... 292 # مسألة الاسم الأعظم.................................................... 294 # كل إنسان يجزي بعمله................................................... 295 # من الناس من يهدي بالحق والعدل......................................... 296 # الله يكيد ~~بالكافرين...................................................... 296 # الله ينفي الجنون عن ~~النبي................................................. 297 # ملكوت الله تعالي مظهر ~~لعظمته........................................... 298 # من يضلل الله فلا هادي ~~له............................................... 298 # الآيتان [187 ~~188]........................................................ 299 # معاني ~~المفردات.......................................................... 299 PageV10P445 # مناسبة ~~النزول........................................................... 300 # لا يعلم موعد القيامة إلا الله ~~تعالى......................................... 300 # علم الساعة عند الله ~~تعالى................................................ 301 # الصورة التي يرسمها القرآن لشخصية ~~النبي.................................... 302 # الآيات [189 ~~198]........................................................ 304 # معاني ~~المفردات.......................................................... 305 # الإنسان في تعاطيه مع ~~الله................................................ 305 # الآيات [199 ~~206]........................................................ 309 # معاني ~~المفردات.......................................................... 309 # القرآن يوجه المسلمين من خلال ~~الرسول..................................... 310 # دراسة الواقع الفكري والنفسي لمجال ~~الدعوة.................................. 311 # الاستعاذة بالله تعالي في مواجهة ~~الشيطان................................... 312 # التقوي تبطل إغواءات ~~الشيطان............................................ 313 # النبي لا يتبع إلا ما يوحي ~~إليه............................................. 314 # كتاب الله بصائر فكرية وروحية ~~للإنسان................................... 314 # الإنصات والاستماع لقراءة ~~القرآن.......................................... 314 # ذكر الله تضرعا ~~وخيفة................................................... 315 # حال الملائكة مع الله ~~تعالى................................................ 316 # تفسير سورة الانفال [1 75] # سبب التسمية.......................................................... 319 # مناسبة ~~النزول........................................................... 319 # موضوع السورة.......................................................... 321 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 324 # معاني ~~المفردات.......................................................... 324 PageV10P446 # المسلمون يسألون .. والجواب يتحرك في تنمية ~~الشخصية...................... 325 # الله يدعو المسلمين لإصلاح ذات ~~بينهم.................................... 326 # من هم ~~المؤمنون!........................................................ 327 # الآيات [5 ms2618 ~~8].............................................................. 331 # معاني ~~المفردات.......................................................... 331 # كيف واجه المسلمون الدعوة إلي معركة ~~بدر!................................ 332 # الخروج إلي قافلة قريش بأمر الله ~~تعالى...................................... 332 # بعض المؤمنين يكرهون ~~الخروج............................................. 333 # الله يعد المسلمين إحدي ~~الطائفتين......................................... 335 # درس قرآني في كيفية الاستعداد ~~للقتال...................................... 336 # إرادة الله تعالي إحقاق الحق وقطع دابر ~~الكافرين.............................. 336 # الآيات [9 ~~14]............................................................. 338 # معاني ~~المفردات.......................................................... 338 # مناسبة ~~النزول........................................................... 339 # ميزان القوة الظاهري يميل لمصلحة ~~قريش..................................... 340 # إمداد المسلمين بألف من الملائكة ~~مردفين................................... 341 # النصر من عند ~~الله...................................................... 342 # دور الملائكة في تثبيت ~~المؤمنين............................................. 343 # الآيات [15 ~~19]........................................................... 345 # معاني ~~المفردات.......................................................... 345 # مناسبة ~~النزول........................................................... 346 # الفرار من الزحف ... من ~~الكبائر.......................................... 347 # لا ظفر إلا بالله ~~وحده.................................................... 348 # الله يحض الكافرين علي كف شرورهم ويحذرهم نفسه........................ 349 # الآيات [20 ~~23]........................................................... 351 PageV10P447 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 # الله يحض المؤمنين علي طاعته وطاعة ~~رسوله................................. 352 # الله يترك الكافرين لأنفسهم لعلمه أن لا خير ~~فيهم........................... 353 # الآيات [24 ~~26]........................................................... 354 # معاني ~~المفردات.......................................................... 354 # الإيمان موقف ~~للحياة..................................................... 355 # أهداف الإسلام للإنسان هي أهداف الحياة عينها........................... 356 # الله يحول بين المرء ~~وقلبه.................................................. 357 # تحذير للمسلمين من التساهل في أمر المنازعات ~~الداخلية...................... 358 # دعوة المسلمين لتذكر نعم الله ~~عليهم....................................... 359 # الآيتان [27 ~~28]........................................................... 361 # معاني ~~المفردات.......................................................... 361 # مناسبة ~~النزول........................................................... 362 # نهي إلهي عن خيانة أمانته ورسوله ~~والمؤمنين.................................. 363 # تحذير مبطن من فتنة الأموال ~~والأبناء....................................... 364 # الآية ~~[29].................................................................. 366 # معاني ~~المفردات.......................................................... 366 # التفريق بين الحق والباطل من ثمار ~~التقوي.................................... 366 # الآية ~~[30].................................................................. 368 # معاني ~~المفردات.......................................................... 368 # مناسبة ~~النزول........................................................... 369 # قريش تتآمر علي النبي قبل ~~الهجرة.......................................... 369 # الآيات [31 ~~38]........................................................... 371 # معاني ~~المفردات.......................................................... 372 # مناسبة ~~النزول........................................................... 372 PageV10P448 # من ملامح المجتمع ~~الكافر................................................. 375 # استهانة الكفار بآيات الله ~~تعالي........................................... 375 # وجود النبي صلي الله عليه وآله وسلم مانع لنزول ~~العذاب...................... 376 # تأخير عذاب الكفار ليوم ~~القيامة........................................... 377 # أولياء الله هم ~~المتقون..................................................... 377 # ضلال سعي الكفار لإبطال دعوة الله...................................... 378 # الخبثاء مركومون في ~~جهنم................................................. 379 # الآيتان [39 ~~40]........................................................... 380 # معاني ~~المفردات.......................................................... 380 # القتال إبعادا للفتنة عن ~~الدين.............................................. 381 # الآية ~~[41].................................................................. 381 # معاني ~~المفردات.......................................................... 382 # آية الخمس............................................................. ms2619 383 # ما معني أن يكون لله ~~سهم!............................................... 384 # ذوو القربي في ~~الآية...................................................... 384 # لماذا تأخر تطبيق هذا التشريع عن زمن ~~الرسول!.............................. 385 # الآيات [42 ~~44]........................................................... 386 # معاني ~~المفردات.......................................................... 386 # الرعاية الإلهية لمعركة ~~بدر.................................................. 387 # رؤية النبي للمنام ... واستبشار المؤمنين ~~بالنصر.............................. 388 # معركة بدر وإيحاءات الحرب ~~النفسية........................................ 389 # الآيات [45 ~~49]........................................................... 391 # معاني ~~المفردات.......................................................... 391 # القرآن يدعو للثبات والصبر ~~والوحدة........................................ 393 # أمر بالثبات أمام ~~العدو................................................... 393 PageV10P449 # ذكر الله منبع من منابع ~~القوة.............................................. 394 # التنازع سبيل الفشل ~~والزوال............................................... 394 # الصبر أكبر عون علي الشدائد............................................ 395 # النهي عن اتباع البطرين ~~المرائين............................................. 395 # الفرق بين من يحارب لله ومن يحارب ~~لغيره................................... 396 # الشيطان يزين للكافرين أعمالهم ثم يتبرأ ~~منهم................................ 396 # قول المنافقين في نصر المسلمين ورد الله ~~عليهم................................ 399 # الآيات [50 ~~54]........................................................... 400 # معاني ~~المفردات.......................................................... 400 # حالة قبض الملائكة لأرواح ~~الكافرين........................................ 401 # تغيير النعم خاضع للسلوك العملي ~~للناس.................................... 401 # الآيات [55 ~~59]........................................................... 403 # معاني ~~المفردات.......................................................... 403 # الثابتون علي الكفر شر ~~الدواب........................................... 404 # الوفاء بالعهد هو ~~الأصل.................................................. 405 # المؤمن عينه دائما علي ~~المستقبل............................................ 406 # الآيات [60 ~~63]........................................................... 407 # معاني ~~المفردات.......................................................... 407 # وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة............................................. 408 # ضرورة توفير مقومات القوة علي كل صعيد.................................. 410 # السلام ~~للمسالمين........................................................ 411 # الله يحمي النبي من كيد ~~الكافرين........................................... 412 # الله هو المؤلف بين ~~القلوب............................................... 413 # الآيات [64 ~~66]........................................................... 415 # معاني ~~المفردات.......................................................... 415 PageV10P450 # مناسبة ~~النزول........................................................... 416 # الله هو كافي النبي من كل ~~سوء........................................... 416 # تحريض المؤمنين علي القتال ~~والصبر......................................... 417 # التدرج في رفع المستوي الروحي لدي ~~المؤمنين................................. 418 # الآيات [67 ~~71]........................................................... 420 # معاني ~~المفردات.......................................................... 420 # مناسبة ~~النزول........................................................... 421 # القرآن يثير مسألة الأسري في ~~بدر.......................................... 422 # سؤالات تثيرهما ~~الآية..................................................... 424 # الله يبيح للمسلمين ما أخذوا من ~~غنائم..................................... 426 # النظرة الرسالية ~~للأسرى................................................... 426 # الله يطمئن نبيه لجهة خوفه من خيانة ~~المشركين............................... 427 # الآيات [72 ~~75]........................................................... 428 # معاني ~~المفردات.......................................................... 428 # مناسبة ~~النزول........................................................... 429 # ضرورة موالاة المؤمنين والامتناع عن موالاة ~~الكافرين........................... 429 # الله يقرر الولاية بين المهاجرين والأنصار من ~~المؤمنين.......................... 430 # وجوب نصرة المؤمنين غير المهاجرين في حال ~~الاستنصار....................... 431 # الكفار ms2620 بعضهم أولياء بعض............................................... 431 # المهاجرون والأنصار هم المؤمنون ~~حقا....................................... 432 # أولوا الأرحام بعضهم أولي ~~ببعض........................................... 433 ### |||| * والحمد لله رب العالمين PageV10P451 ![](https://books.rafed.net/Books/3273_tafsir-men-wahi-alquran-11/images/image001.gif) PageV11P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3273_tafsir-men-wahi-alquran-11/images/image002.gif) PageV11P003 ### | سورة التوبة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها مائة وتسع وعشرون PageV11P005 ### ||| * وقفة مع بعض خصوصيات السورة ### ||| ** سبب تسميتها التوبة # لقد انطلقت الأسماء القرآنية للسور ، من خلال الحديث في بعض آياتها عن ~~موضوع معين ، قد تكون له أهميته في حركة الفكرة في السورة ، أو في شخصية ~~بارزة ذات تأثير في تاريخ الدعوة ، أو في تاريخ الحياة ، أو في غير ذلك من ~~الأمور التي يراد إثارة الاهتمام بها ، لتحقيق هدف معين ، أو حالة معينة. # وفي هذه السورة ، كانت التوبة هدفا قرآنيا في كل ما أثير فيها من مواضيع ~~تتعلق بالموقف الحاسم من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين والمنحرفين عن ~~بعض خطوط المسيرة ، لأنها تؤكد في ذلك كله على موقف الرفض لكل هذه الفئات ، ~~على أساس الرفض للخطوط المضادة أو المنحرفة أو القلقة التي يمثلها خط السير ~~لديها ، مما يوحي لها بضرورة التراجع عن ذلك ، إلى خط الإيمان والإسلام ، ~~خط الاستقامة والاتزان ، وبذلك كانت آيات السورة دعوة إلى التوبة ، بشكل ~~غير مباشر # وقد ذكرت فيها التوبة في أكثر من آية ، في ما تحدث الله به عن التائبين PageV11P007 # العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين ~~عن المنكر الحافظين لحدود الله ، كنموذج للمؤمنين الذين يتحرك الإيمان في ~~داخلهم رفضا لكل الاتجاهات المضادة ، وانسجاما مع كل حركة الخط المستقيم في ~~الحياة الذي يلتقي بالسلبية في جانب ، وبالإيجابية في جانب آخر. # كما تحدث الله عن الثلاثة الذين خلفوا ورجعوا إلى الله بالتوبة ، فتاب ~~عليهم ، وعن توبة الله على النبي والمهاجرين والأنصار من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم ، كما تحدث عن الذين لا يعيشون روح التوبة من المنافقين ~~الذين في قلوبهم مرض وماتوا وهم كافرون ، وعن الذين لا يريدون أن يستغفروا ~~أو يستغفر لهم رسول الله تمردا وتعنتا واستكبارا ، فلا يغفر الله لهم. # وهكذا كان ختام السورة توبة خالصة لله في مواجهة كل حالات الإعراض التي ~~يعيشها الكافرون والمنافقون ، ليعلن ms2621 النبي من خلال ذلك بأن الله حسبه ، لا ~~إله إلا هو ، عليه التوكل ، وهو رب العرش العظيم. # * * * ### ||| ** سبب تسميتها براءة # وقد أطلق عليها اسم براءة ، وذلك من خلال افتتاحيتها التي تمثلت بهذا ~~الحدث البارز الذي واجه به الله ورسوله المشركين ، بالبراءة منهم ومقاطعتهم ~~والإعلان لهم بتحريم الحج عليهم وإخراجهم من دار الإسلام ، وذلك للإيحاء ~~بأن السورة تتضمن الدعوة إلى هذه البراءة ، لا من هذه الجماعة من المشركين ~~فحسب ، بل من كل النماذج من الكافرين والمنافقين الذين يواجهون الإسلام PageV11P008 # بطريقة مباشرة ، أو بأسلوب الخداع والتضليل واللف والدوران ، وذلك هو ~~الموقف الحاسم الذي يمثله الخط الإيماني المتحرك في حياة الإنسان ، الذي ~~يرفض في الفكر والموقف كل ما هو غير إسلامي ، وذلك للتأكيد على الخطوط ~~الفاصلة التي تميز المسلم عن غيره في فكر الحياة وحركتها. # * * * ### ||| ** هل هي سورة مستقلة؟ # قال بعضهم إنها امتداد لسورة الأنفال ، وبذلك علل عدم ذكر البسملة في ~~أولها كما هو نهج بقية السور ، ولكن الظاهر أنها سورة مستقلة ، لأن التنظيم ~~القرآني للسور الذي تلقاه المسلمون يدا بيد ، اعتبرها سورة واحدة ، وليست ~~جزءا من سورة ، كما أن دراسة النظم القرآني للسورتين يوحي بذلك ، أما إهمال ~~البسملة فيها ، فله حديث آخر وتفسير آخر. # * * * ### ||| ** لماذا تركت البسملة في بدايتها؟ # لم يرد للبسملة ذكر في بداية السورة ، وربما كان السبب في ذلك ، أنها ~~كانت إعلانا للبراءة والقطيعة والحرب في بعض المجالات ، ولعل من الطبيعي أن ~~البسملة في معناها الذي يوحي بالرحمة ، لا تتناسب مع ذلك كله ، فكان ~~المناسب إهمالها ، والله العالم. # * * * PageV11P009 ### ||| ** أغراض السورة # وقد انطلقت هذه السورة لتحدد للمسلمين المسار العملي الذي يتحركون فيه ، ~~في علاقاتهم مع المشركين وأهل الكتاب ، ولتحسم الوضع كله مع المشركين ، ~~فتلغي معاهداتهم وتمنعهم من الحج ، وتؤكد إنهاء الصلة بينهم وبين المسلمين ~~، فلا علاقة ولا ولاية ، لأن القضية ليست قضية فكر يواجه فكرا ، فيلتقيان ~~في جانب ، ويفترقان في جانب آخر ، بل هي قضية خرافات وأوهام تحكم المجتمع ~~كله ، لتهدم روحيته وتضيق أفقه وتبعده عن الأفق المشرق للحياة. ولذلك حاول ms2622 ~~الإسلام أن يبعد الشرك عن الساحة ، فيخير المشركين بين الاستسلام للإسلام ~~وبين الخروج من أرض المسلمين ، وتحت طائلة المسؤولية بإعلان القتال عليهم ، ~~فيما لو خالفوا ذلك. أما أهل الكتاب ، فقد نظمت العلاقة بينهم وبين ~~المسلمين بالطريقة التي تحمي إنسانيتهم وتفتح لهم آفاق الفكر والحوار مع ~~المسلمين ، لتكون العلاقة قائمة على أساس ثابت من العلم والإيمان ، فإذا ~~رفضوا الإسلام ولم يذعنوا له ولم يقتنعوا به ، فإن الإسلام لا يعرض لهم ~~بسوء ، ولكنه يريد لهم أن يعيشوا مع المسلمين ضمن أوضاع محددة يعلنون من ~~خلالها خضوعهم لسلطة الإسلام في أرضه ومجتمعة ، في مقابل أن يحميهم من كل ~~اعتداء عليهم ، وكانت الجزية رمزا لذلك. # ثم أثارت السورة الوضع الداخلي الذي كان يعيشه المسلمون ، فيما كان يواجه ~~البعض منهم دعوة النبي إليهم للخروج معه للحرب في غزوة تبوك ، وكيف كانوا ~~يتساقطون أمام هذه التجربة ، فيترددون أو يرفضون ، ويتثاقلون ، ويتخلفون عن ~~الخروج معه ، تحت تأثير تبريرات لا تثبت أمام النقد ، ولا ترتكز PageV11P010 # على أساس ، كما تحدثت عن المنافقين في أساليبهم الملتوية في التخطيط ~~لإرباك المجتمع الإسلامي ، وتعقيد مسيرته ، وتضليل أفراده ، مما كان يريد ~~القرآن أن يثيره أمام المسلمين في تلك المرحلة ، وفي جميع المراحل ، من أجل ~~أن ينتبهوا إلى طبيعة اللعبة الخبيثة التي يلعبها مجتمع النفاق في إبعاد ~~المسلمين عن دينهم الحق ، وتحويلهم إلى فرق متناثرة متناحرة بعيدة عن الله ~~وعن الرسول. # وهكذا انطلقت السورة لتبرز ملامح ذلك الجو ، ثم تحركت في هذه الزاوية أو ~~تلك ، لتعالج قضية جانبية هنا ، ومفهوما أساسيا هناك ، ولتشير إلى بعض ~~اللمحات الروحية والنفسية ، في محاولة لتجميع العناصر الحية لتكامل المجتمع ~~في إيجابياته ، في ما تتحرك به علاقات الناس مع بعضهم البعض في الداخل ~~والخارج ، لتوجيههم إلى ما يقوى أواصر المودة بينهم ، ولإبعادهم عما يثير ~~الخلاف في داخلهم ، ولمحاولة دفعهم إلى الانطلاق في مراقبة كل عوامل الخوف ~~واليأس والقلق والحيرة ، وفي مواجهة كل التحديات المثيرة للضعف وللذل ~~والهوان ، وفي تحريك الساحة نحو خط الجهاد الذي يمثل القوة الحقيقية التي ~~تحول ms2623 المسلمين إلى طاقة حية متحركة متحدية ، في وعي كبير للساحة ، وفي ~~ارتباط وثيق بالهدف ، وفي تعميق للفكر السليم وللتجربة الهادفة. # وبهذا كانت هذه السورة ، في مقاصدها وموضوعاتها ولمحاتها وإيحاءاتها ، ~~سورة حركية ، يشعر فيها القارية بالحركة المتنوعة في أكثر من صعيد ، لما ~~تثيره من أفكار ومشاعر ، وما تؤكده أو تدعو إليه من مواقف ، وفي ما تقدمه ~~من نماذج الواقع الذي عاشه مجتمع الرسالة الأول ، من أجل أن تواجهه ~~المجتمعات الإسلامية اللاحقة بالدراسة والتأمل ، حتى تتعرف الى سلبياته ~~وإيجابياته ، فتتجنب ما ينبغي تجنبه منه ، وتأخذ ما ينبغي أخذه. PageV11P011 # وتلك هي قصة القرآن في جميع سوره وآياته ، التي تهدف إلى صنع الإنسان ~~الجديد على صورة الإسلام في فكره وعقيدته وشريعته ومفاهيمه ومجتمعة ، لتحقق ~~للإسلام أهدافه في الحياة ، من خلال التجربة الإنسانية الواعية التي تعمق ~~للحياة وعيها لله وتجعل كل طاقاتها في خدمته. # * * * PageV11P012 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@09 براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) ~~@QUR@014 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله ~~مخزي الكافرين ) (2) ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 براءة ): إعذار وإنذار. # ( @QUR@01 فسيحوا ): السيح : السير على مهل. # ( @QUR@02 معجزي الله ): جعل الله عاجزا غير قادر. # ( @QUR@01 مخزي ): خزي الرجل ، لحقه انكسار إما من نفسه وإما من غيره. ~~وهنا الخزي من الله. # * * * ### ||| ** القران يعلن البراءة من المشركين # لقد عاش المشركون في أجواء السلم مع المسلمين مدة من الزمن ، بعد PageV11P013 # حروب طويلة بينهم ، على أساس العهد الذي عقدوه مع الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأن لا يعرض لهم بسوء ، ولا يعرضوا له وللمسلمين بسوء ~~، وأن يأخذوا حريتهم في حج بيت الله ، وفي كل المجالات العامة والخاصة التي ~~تفرضها طبيعة حياتهم وأوضاعهم ، في ما يتعلق بعبادتهم ومعاملاتهم ~~وارتباطاتهم بالأحلاف والمواثيق مع الآخرين ، تماما ، كما لو لم يكن الشرك ~~مشكلة للفكر وللحياة. # ومرت الأيام ، وانطلق الإسلام يفرض نفسه على الجزيرة العربية في انطلاقته ~~الروحية والفكرية والعملية ، في دعوته إلى عبادة الله الواحد ، وفي ~~انطلاقته في تنظيم الحياة في قضاياها الكبيرة والصغيرة ، في ما يتصل ~~بالحياة الفردية والاجتماعية ، وبدأ الناس ms2624 يدخلون في دين الله أفواجا ، من ~~خلال الوعي والقناعة والإيمان ، ولم يرتح المشركون لهذا الواقع ، ولكنهم لم ~~يواجهوه مواجهة مباشرة ، لأنهم لا يملكون القدرة على ذلك ، فكانت الدسائس ~~التي تكيد للإسلام والمسلمين ، من خلال ما كان يظهر من خيانة أو من مشاريع ~~مستقبلية للخيانة ، وكانوا يخفون بعضا من ذلك ، يتهامسون به ويتناجون ، ~~وكانوا يظهرون بغضهم عند أول بادرة ضعف يلمحونها هنا وهناك في حركة الإسلام ~~والمسلمين ، وكان النبي يراقب ذلك من قريب أو من بعيد ، وكان المسلمون ~~يرصدون ذلك ويلاحظونه ، وكانوا يتألمون من ذلك ويبصرون ويتحرجون من ~~مواجهتهم بالعنف ، لأنهم لا يزالون في عهد معهم ، والله لا يريد للمؤمنين ~~أن ينقضوا عهودهم. # وربما كانت الفكرة التي أوحت بتلك العهود التي أعطاها المسلمون لهم مما ~~أوجب الله عليهم الوفاء به ، هي أن الله أراد لهم أن ينفتحوا على الإسلام ~~من خلال أجواء الحرية التي يأوون إلى كنفها ، ويستريحون إلى ظلها في دعة ~~واطمئنان ، بعيدا عن أي ضغط نفسي أو أمني ، ليفكروا في قضية الإيمان من ~~موقع الحرية الفكرية إذا أرادوا أن يحصلوا على القناعة من خلال الفكر ، ~~وكان الإسلام واثقا من النتيجة الحاسمة في حركة الإيمان في الداخل من خلال PageV11P014 # ذلك ، لأن بيناته واضحة ، وحججه ثابتة ، كل ذلك قائم على أساس العقل ، ~~وما تقود إليه الفطرة ، ولكنهم لم يزدادوا إلا طغيانا وتمردا وكيدا للإسلام ~~والمسلمين ، لأن الشرك لم ينطلق لديهم من حالة فكرية عقلانية ، يخضعون فيها ~~لشبهة في العقيدة أو مشكلة في الفكر ، بل كان منطلقا من عقدة جهل ، وحالة ~~تخلف ، ونزعة كبرياء ، توحي لهم بالامتداد في الكفر والغي والضلال. وبذلك ~~لم تكن القضية مرتبطة بمسألة الحرية في الإيمان أو الكفر ، بل بالعقدة ~~المرضية التي يرفضون من خلالها الحوار والتفكير ، ويمتنعون عن تحريك أدوات ~~المعرفة التي منحهم الله إياها ، في طريق الوصول إلى حقيقة المعرفة. # وهكذا أراد الله لهذا الجو الهادىء الذي ينعمون به ، ولتلك الحرية التي ~~ينطلقون معها ، ولهذا الاسترخاء الأمني الذي يعيشون فيه ، أن ينتهي بإنهاء ~~العهود التي تحقق ms2625 لهم ذلك كله ، ليبدأ هناك عهد جديد للإسلام ، الذي انطلقت ~~عقيدته من قاعدة التوحيد ، فلا يبقى معها للشرك موضع في أي مكان يتحرك فيه ~~الإسلام ، ولا مجال بعد ذلك إلا له ، وإلا فالمواجهة الحاسمة في ساحة ~~القتال ، فكانت هذه البراءة ، التي توحي بالانفصال التام ، فلا مجال لأي ~~لقاء أو رعاية أو عناية أو عهد ، ولا موقع لأية مسالمة ، بل هو البعد ~~الفاصل الذي يطردهم عن ساحة أمن الله ورسوله ، ويدفعهم إلى الوقوف وجها ~~لوجه في ساحة الخطر ، فكما لا مكان للقاء بين التوحيد كمبدإ والشرك كعقيدة ~~، لأنهما متضادان يطرد أحدهما الآخر ، فلا مكان للسلم بين المؤمنين ~~والمشركين ، لأن مواقفهما مختلفة في التوجهات والأهداف. # * * * ### ||| ** براءة من الله ورسوله # ( @QUR@04 براءة من الله ورسوله ) لأنهما الأساس في التشريع والحكم ~~والولاية ، في PageV11P015 # ما يتحرك به الناس ، أو يقفون عنده ، فالله هو الذي يوحي ويشرع ، والنبي ~~هو الذي يخطط من خلال ذلك سياسته ودعوته وينفذ ، فكان لا بد للمسلمين في ~~براءتهم من المشركين ومن عهودهم ، من أساس ينطلقون منه ، فكانت هذه البراءة ~~الصادرة من الله ورسوله الموجهة إلى المسلمين ، في ما تشتمل عليه من ~~الإنذار الحاسم ( @QUR@05 إلى الذين عاهدتم من المشركين ) بإنهاء العهود ~~المعقودة بينهم وبين المسلمين. ولكن الله أعطاهم مهلة للتفكير في الأمر في ~~ما يريدون أن يختاروه من الإيمان بالإسلام والسير على هداه الذي يكفل لهم ~~الأمن في الدنيا والآخرة ، أو البقاء على الشرك الذي يقودهم إلى الهلاك في ~~الدارين معا ، فلم يأمر بمعاجلتهم بالمواجهة ، بل أبقى لهم الأمن وحرية ~~الحركة في أي مكان يذهبون إليه ، ليعرفهم بأن ذلك لم ينطلق من عقدة تبحث عن ~~التنفيس ، بل من خطة تتحرك في اتجاه العدل ( @QUR@05 فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر ) وكلمة السياحة تمثل حرية التحرك في الانطلاق بعيدا عن مواقع الخطر ~~بالسفر إلى بلاد لا سلطة للإسلام فيها ، أو البقاء في أماكنهم ليتدبروا ~~أمرهم في ما يقررونه من قرار ، أو يتخذونه من موقف ( @QUR@05 واعلموا أنكم ~~غير معجزي الله ) فإن الله لا يعجزه أحد في ملكه ms2626 ، فلا تفكروا بأن الفرار ~~من مواقع الخطر ، يمكن أن يحقق لكم الأمن من عذاب الله ويبعدكم عن ساحة ~~قدرته ، فإن الله قادر على أن يسلط عباده المؤمنين عليكم في الدنيا ، وأن ~~يذيقكم عذاب الخزي في الآخرة إذا أصررتم على الشرك ( @QUR@04 وأن الله مخزي ~~الكافرين ) في الدنيا والآخرة. # وقد اختلفت كلمات المفسرين في هذه الأربعة أشهر من أين تبدأ ، هل هي من ~~يوم الحج الأكبر أو هي من يوم العشرين من ذي القعدة ، أو من أول شوال ، لأن ~~الآيات نزلت فيها؟ والأقرب إلى جو الآية ، هو القول الأول ، لأن يوم الحج ~~الأكبر هو يوم الإبلاغ والإيذان ، فكان من الأنسب أن تبدأ المهلة منه ~~لتتناسب مع التوسعة وإتمام الحجة ، ومن المعروف أن يوم النحر هو يوم الحج PageV11P016 # الأكبر ، مما يجعل بدايتها من العاشر من ذي الحجة ونهايتها في العاشر من ~~ربيع الثاني ، والله العالم. # * * * PageV11P017 ### ||| * الآيات # ( @QUR@032 وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) @QUR@022 إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) @QUR@026 فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأذان ): الاعلام. وقيل إن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن ~~ومعناه أوقعه في أذنه. # ( @QUR@01 توليتم ): أعرضتم. # ( @QUR@03 ولم يظاهروا عليكم ): ولم يتعاونوا عليكم. # ( @QUR@01 مدتهم ): المدة والزمان والحين نظائر. وأصله من مددت الشيء مدا ، PageV11P018 # فكأنه زمان طويل الفسحة. # ( @QUR@01 انسلخ ): الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه. وهنا أي انتهاء ~~الأشهر الحرم. # ( @QUR@01 واحصروهم ): الحصر : المنع من الخروج من محيط. والحصر والحبس ~~والأسر نظائر. # ( @QUR@01 مرصد ): المرصد : الطريق. # * * * ### ||| ** الإعلان يتحدث عن التفاصيل # وأراد الله لرسوله أن يعلن هذه البراءة بصوت عال في الموسم الأكبر ، ~~ليسمعه الناس كلهم ، فيكون حجة عليهم ، في ما ms2627 أراد الله دعوتهم إليه ، أو ~~ما كلفهم بالقيام به ، ليكون ذلك هو الحد الفاصل بين مرحلتين : مرحلة ~~الصراع بين التوحيد والشرك ، في حروب مختلفة في نتائجها بين النصر لهذا ~~والهزيمة لذاك ، والتكافؤ في بعض الحالات ، ومرحلة هيمنة التوحيد على ~~الساحة كلها ، فلا يرتفع إلا صوته ، ولا تتحرك إلا مسيرته وسراياه ، ولا ~~تحكم الناس إلا شريعته ، ليفهم الجميع أن عهدا جديدا قد بدأ ، وأن النتيجة ~~الحاسمة بانتصار الإسلام قد فرضت نفسها على الجو كله ، وأرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب ، ليبلغ عنه هذا النداء ، ولأن المهمة ~~تحتاج إلى رجل توحي شخصيته بالحسم والقوة ، ليتناسب ذلك مع طبيعة القضية ، ~~وقرأها لهم وأعلن في ما أعلن أنه لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يحج بعد العام ~~مشرك ، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. # * * * PageV11P019 ### ||| ** يوم الحج الأكبر # ( @QUR@06 وأذان من الله ورسوله إلى الناس ) جميعا من المشركين والمسلمين ~~، ليقوم المشركون بتحديد موقفهم النهائي من نداء الله إليهم ، وليستعد ~~المسلمون لتنفيذ حكم الله ( @QUR@03 يوم الحج الأكبر ) وقد اختلف فيه ، ~~فقيل إنه يوم عرفة ، وقيل إنه مجموع أيام الحج ، وقيل إنه اليوم الثاني من ~~أيام النحر ، وقيل إنه يوم النحر ، ولعله الأقرب بلحاظ الروايات الواردة عن ~~أئمة أهل البيت وغيرهم ، ولأنه اليوم الذي اجتمع فيه المسلمون والمشركون ~~عامة بمنى. وربما كانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إبلاغ الناس ~~وصاياه ، في أيام الحج ، أن يقوم فيهم خطيبا في هذا اليوم ، كما نلاحظ ذلك ~~في خطبته في حجة الوداع ، مما يوحي بأنه يوم التبليغ الأخير في أيام الحج ؛ ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** القطيعة الكاملة مع المشركين # ( @QUR@05 أن الله بريء من المشركين ) فليس لهم عهد عنده ، في ما يوصي به ~~رسوله والمسلمون من الوفاء لهم بالعهد ، لأنه لا يريد للشرك أن يعيش مع ~~الإيمان على صعيد واحد ، بل يريد له أن يزول من حياة الناس ، ولذلك كانت ~~هذه البراءة التشريعية تأكيدا للبراءة الحقيقية في مقت الله للشرك ~~والمشركين ، ( @QUR@01 ورسوله ) بريء منهم ، فقد صبر عليهم طويلا ms2628 وحاورهم ~~وقاتلهم ، وسلك جميع السبل التي يمكن أن تردعهم عن ضلالهم وغيهم ، فلم يترك ~~لهم حجة PageV11P020 # من شرك ، ولم يدع لهم عذرا في ما يخوضون به من تمرد وضلال ، فزادوا في ~~ضلالهم وطغيانهم ، وعملوا على تدبير المكائد للإسلام والمسلمين ، بحيث أصبح ~~وجودهم في داخل المجتمع الإسلامي ، خطرا على العقيدة ، في ما يحاولونه من ~~فتنة المسلمين عن دينهم بالأساليب الملتوية الخادعة ، وخطرا على الوجود ، ~~في ما كانوا يثيرونه من مشاكل ، أو في ما كانوا يتحالفون فيه مع الآخرين من ~~أعداء الإسلام ضد الإسلام والمسلمين ، مما جعل من التحرك في اتجاه تصفية ~~المجتمع على أساس التوحيد حالة ضرورية للحفاظ على المستقبل الكبير الذي ~~يستهدف بناء الشخصية الإسلامية في الداخل وبناء الدولة الإسلامية في ~~الخارج. # * * * ### ||| ** الدعوة إلى التوبة # ( @QUR@02 فإن تبتم ) ودخلتم في ما دخل فيه المسلمون من توحيد الله من ~~خلال الحجة القاطعة والبينة الواضحة التي قدمها لكم الرسول ، ورفضتم الشرك ~~، الذي لم تعتقدوه على أساس قناعة وجدانية ، ولم تمارسوه على أساس حجة ~~عقلية ، بل كانت القضية ، أنه عقيدة الآباء وعادات المجتمع ، مما يجعل من ~~عملية الضغط على التراجع عنه ، قضية لا تتصل بالحرية في العقيدة بل بمسألة ~~تحرير الإنسان من الخرافة الضاغطة على وجدانه ، من خلال الأجواء المنحرفة ~~المحيطة به مما لا يرجع إلى وعي للفكرة ، أو وضوح في الرؤية ، ( @QUR@03 ~~فهو خير لكم ) لأنه يفتح لكم الآفاق الواسعة التي تنفتحون فيها على وحدانية ~~الله المطلقة التي تشمل كل شيء ، في ما يقودكم إليه الوجدان الصافي من أن ~~كل شيء في الوجود مخلوق له ، وأنه ليس هناك أحد أقرب إليه من أحد PageV11P021 # من ناحية ذاتية ، فليس هناك إلا العمل. وإذا كانت هناك من شفاعة ، فإنها ~~لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة ، بل هي بأمره ورضاه ، فلا معنى لأن تتوجه ~~إلى المخلوق بطلب الشفاعة. # * * * # وفي ضوء ذلك ، كان التوحيد يمثل الصفاء الروحي الذي يعيش معه الإنسان في ~~حركة الإيمان المطلق بعيدا عن كل التعقيدات الخانقة التي تجر معها المزيد ~~من العادات والتقاليد والأجواء الضاغطة ms2629 على الفكر والروح والشعور ، وبذلك ~~كان خيرا لهم من ناحية السلام الروحي الداخلي ، كما هو خير لهم في الانسجام ~~الفكري العملي ، مع المسيرة الإسلامية التي يتحرك فيها المجتمع المسلم على ~~أساس المسؤولية والمساواة بين أفراده في ما ينطلقون به من علاقات ، وما ~~يعيشونه من تكافل وتضامن ومشاعر ، وهو خير لهم في الآخرة ، لأنه يمثل ~~النجاة من عذاب الله ، والحصول على رضاه ، لأن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. # * * * ### ||| ** الله لا يعجزه شيء # ( @QUR@02 وإن توليتم ) وأعرضتم عن هذه الدعوة المفتوحة الهادية ، ~~وأصررتم على التمرد ، في شعور طاغ بالقوة والاستعلاء ، بأنكم قادرون على ~~المواجهة ، وسائرون إلى النصر ، ( @QUR@05 فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) ~~الذي لا يفوته أحد من خلقه ، مهما حاول الفرار ، في الدنيا والآخرة ، لأنه ~~لا يفر من مكان إلى مكان آخر إلا وجد الله عنده في ذلك المكان ، لأنه مالك ~~السموات والأرض ، فما ذا يملكون من قوة ليواجهوا الله بها ، وهو خالق القوة ~~، وهو المالك لكل ما يملكونه؟! وعليكم أن تدركوا هذه الحقيقة بوعي ، لئلا ~~يخدعكم الخادعون PageV11P022 # المضللون عن أنفسكم ، وعن حركة الواقع في حياتكم. أما إذا كنتم تعتبرون ~~إمهال الله لكم دليل عجز ، فاعلموا أن الله يمهل عباده ، ليقيم عليهم الحجة ~~وليفسح لهم المجال للتراجع ، حتى إذا قامت عليهم الحجة ، ولم يتراجعوا من ~~خلالها عما يخوضون فيه من ضلال ، أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. # * * * ### ||| ** تبشير الكافرين بالعذاب # ثم تلتفت الآية إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتوحي إليه بأن ~~ينذرهم بعذاب الله : ( @QUR@05 وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) في ما تحمله ~~كلمة البشارة من معنى السخرية بهم ، لأنهم كانوا ينتظرون النتائج السارة من ~~خلال أعمالهم وإشراكهم. # * * * ### ||| ** استثناء المعاهدين من البراءة # ( @QUR@05 إلا الذين عاهدتم من المشركين ) جاء في مجمع البيان عن الفراء ~~: استثنى الله تعالى من براءته وبراءة رسوله من المشركين قوما من بني كنانة ~~وبني ضمرة كان قد بقي من أجلهم تسعة أشهر أمر بإتمامها لهم لأنهم لم ~~يظاهروا على المؤمنين ولم ينقضوا ms2630 عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقال ~~ابن عباس ، عنى به كل PageV11P023 # من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد قبل براءة. ويعلق ~~صاحب المجمع : وينبغي أن يكون ابن عباس أراد بذلك من كان بينه وبينه عقد ~~هدنة ولم يتعرض له بعداوة ولا ظاهر عليه عدوا ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل هجر وأهل البحرين وأيلة ودومة الجندل وله ~~عهود بالصلح والجزية ولم ينبذ إليهم بنقض عهد ولا حاربهم بعد ، وكانوا أهل ~~ذمة إلى أن مضى لسبيله صلى الله عليه وآله وسلم ووفى لهم بذلك من بعده (1). # الظاهر من أجواء الآيات ، أن الذين أعلنت البراءة منهم ، هم الذين عاهدهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة عامة من دون تحديد موعد معين ، على ~~أساس التعايش الذي أراد من خلاله إنهاء حالة الحرب بينه وبينهم ، ليتفرغ ~~لترتيب المجتمع المسلم من الداخل ، وليحاول هدايتهم من موقع السلم ، في ما ~~ينفتحون عليه من أجواء الإسلام الروحية التي تثير فيهم مشاعر الهدى والخير ~~والإيمان ، ولكنهم لم يستريحوا لهذا العهد ، بل حاولوا الخيانة والتآمر مع ~~الآخرين ضد الإسلام والمسلمين. أما الذين كانت لهم مدة محدودة ، ممن ~~انسجموا مع الالتزامات التي ينص عليها العهد ، واستمروا على ذلك ، فهم في ~~أمان رسول الله ، الذي أراد الله من نبيه البقاء معهم ما دام الآخرون ~~ملتزمين به. ولعلنا نستفيد ذلك من الفقرات التالية ( @QUR@04 ثم لم ينقصوكم ~~شيئا ) مما أعطوكم من المواثيق والعهود ، فلم ينقضوا شيئا منها ، ولم يخلوا ~~بشرط أو التزام ، ( @QUR@04 ولم يظاهروا عليكم أحدا ) أي لم يتآمروا مع أحد ~~من أعداء الإسلام فيعاونوهم عليكم ، ( @QUR@01 فأتموا ) إليهم ( @QUR@03 ~~عهدهم إلى مدتهم ) التي حددتموها لهم ، أما الذين لم تحددوا لهم مدة ، أو ~~الذين خانوا العهد ، فأعلنوا البراءة منهم ، لأن الله الذي بيده أمر عباده ~~لا يريد للمعاهدة العامة أن تستمر بين المسلمين والمشركين ، لأن التعايش ~~بينهم لا يحقق صلاحا للإنسان وللحقيقة وللحياة ، مما يجعل من PageV11P024 # المسألة مسألة خير للناس ، في ما ms2631 يريد لهم من نتائج إيجابية على مستوى ~~الدنيا والآخرة ، ( @QUR@04 إن الله يحب المتقين ) الذين يراقبون الله ~~فيلتزمون بأوامره ونواهيه ، في ما يريد لهم أن يعملوه أو لا يعملوه. # * * * ### ||| ** الأشهر الحرم # ( @QUR@04 فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) وهي المدة التي حرم القتال فيها ~~وجعل الله للمشركين أن يسيحوا في الأرض آمنين ، لأن ذلك هو الظاهر من جو ~~الآيات. أما ما ذكره بعضهم من أن المراد بها الأشهر الحرم المعروفة ، وهي ~~ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ، فلا دليل عليه إلا من خلال كلمة «الحرم» ~~التي تنصرف إلى هذه الأشهر ، في ما قيل ، ولكن القرائن المحيطة بالموضوع ~~تصرف اللفظ إلى ما قلناه ؛ والله العالم. ( @QUR@04 فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم ) بعد أن قامت عليهم الحجة وانتهى وقت الإنذار ، من دون أن يرجعوا ~~إلى الحق والصواب ( @QUR@06 وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ) وهو ~~كناية في ما يظهر عن إغلاق الطرق عليهم ومحاصرتهم من جميع الجهات. وبذلك لا ~~تكون القضية قضية التخيير بين القتل والحبس كما قيل ، بل قضية القتل فيمن ~~وجد منهم من دون عناء ، وقضية الملاحقة فيمن هرب أو اختفى ، ليقام عليه حد ~~الله بعد أخذه وحصره ، ( @QUR@02 فإن تابوا ) عن الشرك والتزموا بأحكام ~~الإسلام ، ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) التي تمثل الإخلاص في عبادة الله ~~والبعد عن كل شرك ، ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) التي توحي بالصدق في الالتزام ~~، لأن بذل المال يعبر عن معنى التضحية والعطاء والإخلاص لله ، ( @QUR@02 ~~فخلوا سبيلهم ) ولا تعرضوا لهم بسوء. وربما نستوحي من هذه الفقرة ، أن على ~~المسلمين إذا أخذوا PageV11P025 # المشركين ، أن لا يبادروهم بالقتل ، بل ينبغي لهم أن يدخلوا معهم في حوار ~~جديد حول التزامهم بالإسلام وتراجعهم عن خط الشرك ، وذلك كآخر محاولة في ~~هذا الاتجاه ، فإذا أذعنوا وتراجعوا عما هم فيه ، فلا سبيل لهم عليهم ، ما ~~دام الله قد قبلهم وأدخلهم في أمانه وشملهم برضوانه ( @QUR@04 إن الله غفور ~~رحيم ). # * * * PageV11P026 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استجارك ): طلب منك الأمان. # ( @QUR@01 مأمنه ms2632 ): ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله. # * * * ### ||| ** إجارة المشركين المستجيرين # لم تكن البراءة التي أعلنها الله ضد المشركين وسيلة تعسفية لتصفيتهم من ~~ناحية ذاتية ، بل كانت سبيلا من سبل الضغط عليهم ليتخلصوا من رواسبهم ~~التاريخية التي تضغط عليهم ، وتمنعهم من الانفتاح على الإيمان والتوحيد PageV11P027 # والإسلام ، ولذلك فقد أفسح لهم المجال ليتفهموا ويتعلموا ويناقشوا ما ~~أشكل عليهم من أمور العقيدة والدين الجديد ، فجعل للرسول وللمسلمين معه ، ~~أو من بعده ، أن يجيروا المشرك الذي يطلب الأمان من أجل أن يسمع كلام الله ~~، فإذا انتهت المهمة التثقيفية إن صح التعبير فعلى المسلمين أن يبلغوه ~~مواقع الأمان التي يملك فيها حرية الحركة ، وحرية القرار ، ثم يكون حاله ~~بعد ذلك حال المشركين الذين يصرون على الشرك أو الذين ينتقلون إلى خط ~~الإيمان ، وهذا هو ما أثاره الله في هذه الآية. # * * * ### ||| ** إبلاغ المأمن لسماع كلام الله # ( @QUR@05 وإن أحد من المشركين استجارك ) بعد مضي الأشهر الأربعة ليسمع ~~دعوة الإسلام من خلال الوحي ، وحجة الرسالة من خلال الحوار ( @QUR@01 فأجره ~~) ولا تعرض له بسوء ، لأن ذلك هو أحد أهداف الإسلام في إعلان البراءة ، في ~~ما يريده من تحطيم الحواجز النفسية التي تحول بين المشركين وبين الانفتاح ~~على الإسلام كدعوة ومنهج حياة. فإذا استجاب أحدهم إلى ذلك ، فلا بد من ~~التجاوب معه ( @QUR@04 حتى يسمع كلام الله ) لأن ذلك هو ما يدعو إليه الله ~~عباده ، بأن يسمعوا كلامه ويتأملوا فيه ليعرفوا سبيل الهداية ومفتاح ~~الإيمان. # ولعل من البديهي أن نقرر في هذا المجال أن مجرد السماع وحده لا يكفي في ~~إقامة الحجة ، إذا احتاج السامع إلى المزيد من الإيضاح والمناقشة والتفكير ~~، ولذلك فإننا نفهم من سماع كلام الله ، المعنى الذي يحقق للسامع كل عناصر ~~القناعة الفكرية بحيث لا يبقى لديه شيء يريد أن يسأل عنه أو يستوضحه ، فإذا ~~لم يذعن بعد ذلك ، كان متمردا أو جاحدا بلا أساس ، لأن PageV11P028 # القضية في الدعوة ليست مجرد كلمات تقال أو تسمع بطريقة تقليدية جامدة ، ~~بل هي قضية عقيدة يراد لها أن تتركز وتتعمق ms2633 في فكر الإنسان وروحه وضميره ، ~~أو تشكل ضغطا فكريا يعمل على إثارة تطلعات المعرفة في شخصية الإنسان ( ~~@QUR@03 ثم أبلغه مأمنه ) ليشعر بأن الإسلام لا يريد أن يستغل ضعف موقعه ، ~~بل يترك له الحرية في هذا الموقع ، كما ترك له ولغيره الحرية في الأشهر ~~الأربعة ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) وتلك هي مشكلتهم إذ يجحدون ~~حقائق الإيمان وينحرفون في ممارسات الانتماء أو العبادة ، إنها الجهل ~~الغارق في ظلمات التخلف في النظرة إلى الأشياء ، وفي التعامل مع حركة ~~العلاقات في الحياة. ولهذا كان من مهمة الدعاة إلى الله أن يعملوا على رفع ~~مستواهم الفكري ، وتوجيههم إلى السبل التي تقودهم إلى آفاق المعرفة الواسعة ~~المنفتحة على وحي الله وشريعته. # وربما كان لنا أن نستوحي في هذا الاتجاه أن علينا أن نقوم بحملة تربوية ~~تثقيفية عامة للشعوب المتخلفة التي استطاع التخلف أن يغرقها في ظلمات الجهل ~~ويقودها من خلال ذلك إلى عقائد الكفر والضلال ، مما يجعل من التعليم الذي ~~يتيح للإنسان أن يفكر ويتأمل ويناقش ، سبيلا للوصول إلى الإيمان ، كمبدإ في ~~بدايات الطريق ، أو للتأكيد على ثباته واستمراره في حركة الدعوة الممتدة في ~~الحياة. وبذلك يمكن لنا أن نعرف قيمة الخروج من الوضع التقليدي للدعوة الذي ~~لا يدرس المشكلة في مسألة الكفر والإيمان من جذورها التي تتدخل فيها بشكل ~~غير مباشر ، بل يقتصر على مواجهتها بطريقة مباشرة بعيدة عن العمق ~~والامتداد. # * * * PageV11P029 ### ||| ** الحوار المفتوح للاهتداء إلى الحقيقة # وقد استطاع الإسلام أن ينجح في هذا الأسلوب الضاغط على مجتمع الشرك ~~ومسيرته ، فلم يمض وقت قصير ، إلا وكان المشركون يدخلون في الإسلام تحت ~~تأثير هذا الجو الحاسم ، من البراءة الحاسمة التي انطلقت من الله ورسوله ، ~~مما يجعل لها قوة التأثير على الشعور والوجدان ، ويدفع بالإنسان المشرك إلى ~~التفكير بطريقة حازمة ، لا تحتمل الكثير من حالات اللامبالاة أو الاسترخاء ~~أو اللف والدوران. ولم تنقل لنا السيرة ، عن حالات معينة ، قليلة أو كثيرة ~~، اضطر المسلمون فيها إلى أن يواجهوا مشركا متمردا ، بعملية قتل أو ملاحقة ~~أو حبس ، بل رأينا ms2634 القضية تتحرك في الاتجاه الصحيح بطريقة طبيعية هادئة. # وقد لا يكون البعض من هؤلاء مقتنعا بالإسلام كل الاقتناع ، لا لشبهة دخلت ~~في فكره ، بل لأنه لا يريد أن يخضع حياته لالتزام ديني معين ، كما نجده في ~~الكثيرين الذين يريدون أن يعيشوا الحياة خارج نطاق الانتماء ، ليأخذوا ~~حريتهم في ما يشتهون أن يفعلوه أو يتركوه ، ولكن الإسلام كان يريد لأمثال ~~هؤلاء أن يعيشوا الانفتاح على الإسلام من خلال الأجواء النظيفة الطاهرة ~~التي تخضع لسيطرة الإسلام ، بعيدا عن أية سيطرة أخرى ضاغطة في اتجاه تنمية ~~الكفر والشرك في نفوس المشركين والكافرين ، مما يقودهم إلى المزيد من ~~التفكير والتأمل الذي ينتهي بهم إلى الإسلام ، في نهاية المطاف. وقد وجدنا ~~بعضا من هؤلاء ممن حسن إسلامه وقوي إيمانه ، بعد أن اكتشف الجانب المشرق في ~~الإسلام الذي يضيء فكره وروحه وقلبه ، وابتعد عن الأجواء المضادة المظلمة ~~التي تثير فيه الكثير من هواجس الانحراف والضلال. # وإذا كان البعض من الناس يثير مسألة الحرية أمام مثل هذه الإجراءات PageV11P030 # الضاغطة التي يضغط بها التشريع الإسلامي على المشركين ، فإننا نحاول أن ~~نثير أمامهم الفكرة التي تقرر أن قضية الحرية في معتقدات الإنسان ، في ما ~~يحتاجه من عناصر الإقناع والاقتناع ، بالكلمة والأسلوب والجو الذي يهيئ ~~للحوار الإيجابي المنفتح ، هي قضية مكفولة في الإسلام بشكل حاسم ، فللإنسان ~~الحرية في مواجهة كل علامات الاستفهام في نفسه ، لتكون له الأجوبة الكافية ~~الشافية من قبل القائمين على شؤون الدعوة والعاملين في مجالاتها الفكرية ، ~~حتى لا يبقى هناك شيء غامض يوحي له بالقلق والحيرة ، لأن الله يريد لعباده ~~، أن لا تكون لهم الحجة عليه ، في ما يريدون معرفته ، مما يريدهم أن يؤمنوا به. # أما الحرية بالمعنى المطلق ، الذي يريد الإنسان من خلاله أن يثير فكره ، ~~في كل الساحات ، أو أن يستسلم لبعض الحالات المعقدة ، التي لا تخضع لحالة ~~فكرية ، فإن الإسلام يرى أن مصلحة الإنسان في الحياة تفرض بعض التحفظات ~~والقيود والضغوط التي تساهم في تصحيح المسار من جهة ، وتمنع عملية الإفساد ~~من جهة أخرى. ms2635 ولكن ذلك لن يكون خاضعا لنزوة شخص معين ، أو لتحكم سلطة خاصة ~~، بل هو خاضع للأوضاع التشريعية في الخطوط العامة للإسلام ، وللأوضاع ~~التطبيقية في ما يمارسه القائمون على شؤون المسلمين من أولي الأمر الذين ~~ينطلقون من مواقع الإسلام ، في ثقافة واسعة عميقة ، والتزام عملي دقيق ، ~~وفهم واع للواقع ، فإذا أخطئوا ، ردتهم الأمة إلى مواقع الإسلام بالأساليب ~~الإسلامية الحاسمة. # * * * ### ||| ** سياسة المواجهة مع المشركين # وربما كان لنا أن نستفيد من تشريع المعاهدة بين المشركين والمسلمين PageV11P031 # في البداية ثم العمل على إلغائها ، لأسباب محددة ، أن قضية الإلغاء ليست ~~حكما في أصل التشريع ، بحيث يقف حاجزا في المستقبل بينهم ضد أية علاقة ~~سلمية على أسس سليمة لا تتنافى مع المصلحة الإسلامية العليا ، بل هو حكم ~~محدد في نطاق مرحلة معينة مع مشركي جزيرة العرب الذين كانت لهم أوضاعهم ~~السلبية وتصرفاتهم العدوانية التي تمثل لونا من ألوان خيانة العهد المعقود ~~بينهم وبين المسلمين ، مما يوحي بأن البراءة المعلنة ، هي حكم ولاية رسولية ~~، لا حكم تشريع ، فقد مارسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفته حاكما لا ~~بصفته مشرعا. # وربما استفاد ذلك بعض المفسرين وهو العلامة الطباطبائي في الميزان (1) من ~~نسبة البراءة إلى الرسول ، بالإضافة إلى نسبتها إلى الله ، إذ لو كان الأمر ~~تشريعا كما هو التشريع ، لاقتصر الأمر على النسبة إلى الله ، لأنه هو الذي ~~يملك التشريع وحده ، وليس للرسول إلا صفة التبليغ. # وقد نستطيع مناقشة هذا الاستنتاج بأن ذلك لا يمثل أساسا لهذا الرأي ، لأن ~~من الممكن أن يكون إسناد الأمر إلى الرسول ، بالإضافة إلى الله سبحانه ، ~~منطلقا من أن مثل هذا التشريع ينطلق من معنى يتصل بالله ، من حيث تشريعه له ~~، ويرتبط بالنبي من جهة أخرى باعتبار أنه طرف في إبرام المعاهدة وإلغائها ، ~~مما يجعل من نسبة البراءة إلى الرسول ، كشيء صادر عنه ، من خلال ارتباط ~~طبيعته به ، وفي ما يمثله واقع العلاقة بينه وبين المشركين من ممارسة عملية ~~للتشريع في بدايته ونهايته. وفي ضوء ذلك ، لا نجد التفسير لهذا الاستنتاج صحيحا. # أما ms2636 تفسيرنا له ، فينطلق من دراسة طبيعة الموضوع الذي يتحرك فيه هذا PageV11P032 # الحكم ، وهو موضوع المعاهدة ، فإنه يعتبر من الأعمال الإجرائية المتحركة ~~التي تتعلق بالعلاقات العملية في حركة الحكم الإسلامي ، الخاضعة للمصلحة ~~الإسلامية ، التي تختلف حسب اختلاف ظروف الواقع الذي يعيشه المسلمون في ~~ميزان القوى في الحياة ، مما قد يفرض عليهم نوعا من العلاقات السلمية مع ~~الآخرين على أساس المرحلة القصيرة أو الطويلة ، وبذلك يكون الرفض التشريعي ~~لذلك بعيدا عن واقعية النظرة الإسلامية لمتطلبات الساحة ، لأنها تحتاج إلى ~~الكثير من حرية الحركة لحماية المسيرة الإسلامية. # وقد يكون هذا الاتجاه منسجما مع طبيعة الحرب التي أعلنها الإسلام ضد ~~الشرك في الحياة من حيث الأساس ، لأن الحرب ليست دائما بالمواجهة في ساحة ~~القتال ، أو بالمقاطعة في حركة العلاقات ، بل قد تحتاج إلى الأساليب ~~السلمية التي قد تحقق من النتائج الإيجابية لمصلحة الإسلام ما لا يحققه ~~القتال ، وربما كانت الحرب الفكرية والسياسية أقوى من الحرب بالسلاح ، ~~وربما كانت الحرب مصدر خطر على الإسلام والمسلمين في بعض المراحل ، فكيف ~~يمكن لتشريع شامل لكل الحياة ، أن يعلن الحرب الدائمة على الآخرين من ~~المشركين؟! # إن الإسلام دين دعوة ، ولا بد لذلك من أن ينطلق في أسلوبه ، على مستوى ~~السلم والحرب ، من مصلحة الدعوة في ما تحتاجه من حرية الحركة ، التي تفرض ~~السلم تارة ، والحرب أخرى. # وقد نستطيع استيحاء ذلك من الآيات التالية التي تتحدث عن حيثيات البراءة ~~وإلغاء المعاهدات بالطريقة التي تجعل القرار في مستوى المرحلة والظروف ~~الموضوعية الموجودة آنذاك ، المتمثلة بالقوة الإسلامية القادرة على ممارسة ~~الضغط على المشركين في دور انحسار قوتهم ، وبالأوضاع السلبية التي كان ~~المشركون يتحركون فيها ضد الإسلام والمسلمين بالتآمر والكيد لهم PageV11P033 # بمختلف الأساليب. وربما تتضح الصورة ، في ما يأتي من حديث ، بطريقة أكثر ~~وضوحا وأقرب تفسيرا. # إننا لا نفهم من الآيات أنها جاءت لتنسخ حكما ، بل كل ما هناك ، أنها ~~نزلت لتلغي اتفاقا وقرارا ، وربما كان للنداء ، الذي نادى به الإمام علي ~~عليه السلام في ما تحدثت به الروايات ، فقد جاء فيه ms2637 : «لا يحج بعد العام ~~مشرك ...» (1)، دلالة على أن القضية تتصل بالحالة الموجودة في ذلك الوقت ، ~~على مستوى المنطقة ، مما جعل المسألة مسألة إبعادهم عن المسجد الحرام وعن ~~أجواء العبادات الإسلامية. # إنها ملاحظات نسجلها للتأمل والتفكير وللمناقشة ، على ضوء الأجواء ~~القرآنية للمسألة ، والله العالم بحقائق أحكامه وآياته. # * * * PageV11P034 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) ~~@QUR@016 كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) @QUR@013 اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) @QUR@010 لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) @QUR@013 فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استقاموا ): داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة. # ( @QUR@01 يظهروا ): الظهور : العلو بالغلبة. # ( @QUR@01 يرقبوا ): يحافظوا. PageV11P035 # ( @QUR@01 إلا ): الإل : العهد. # ( @QUR@01 ذمة ): الذمة كناية عن الميثاق الذي يجعل الإنسان في رعايته ~~وحفظه ومسئوليته وهو مأخوذ من الذم. # * * * ### ||| ** القرآن يتحدث عن حيثيات البراءة # في هذه الآيات حديث عن الحيثيات التي تبرر إلغاء المعاهدة القائمة بين ~~المسلمين والمشركين ، فليس الموقف حالة اعتباطية تنطلق من موقع الشعور ~~بالقوة المتعاظمة لدى المسلمين في المنطقة ، تماما كما يفعل الفريق الأقوى ~~ضد الفريق الأضعف ، إذا وجد في نفسه القوة الكافية للسيطرة عليه ، بل ~~الموقف يتمثل في دراسة السلوك العملي لهؤلاء المشركين الذين اتخذوا من ~~المعاهدة غطاء للحقد الكامن في داخل نفوسهم ضد المسلمين ، وللعداوة ~~المتأصلة التي تحاول أن تعبر عن نفسها بأية طريقة ممكنة ، في ما تقوم به من ~~الكيد للإسلام والمسلمين ، مما جعل من مسألة العهد واستمراره مصدر خطر على ~~مسيرة الإسلام. وقد أوحى الله لرسوله أن يواجه الخوف من خيانة القوم ، بما ~~يواجه به حركة الخيانة في صعيد الواقع ، لأن ذلك هو السبيل العملي لتوفير ~~الحماية للمسلمين ، فقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@014 وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ms2638 الخائنين ) [الأنفال : 58] ، ~~لأن انتظار الموقف في مثل هذه الأمور حتى يصل إلى مرحلة الخيانة الفعلية ، ~~يجعل المسلمين يفقدون زمام المبادرة ، لتكون في يد الآخرين الذين يعدون ~~العدة لأخذ المسلمين على حين غرة ، بعد إعداد الخطط الكثيرة للانقضاض ~~عليهم. ولهذا كان الموقف ، هو أخذ المبادرة عند ظهور بوادر الخيانة بظهور ~~علاماتها الواضحة ، وهذا هو ما تعالجه هذه الآيات ، بتصوير الحالة الداخلية PageV11P036 # لهؤلاء في شعورهم العدائي للمسلمين ، وفي سلوكهم النفاقي في علاقاتهم بهم ~~، وفي خطواتهم العملية للصد عن سبيل الله ، الأمر الذي يحقق لهم في ~~المعاهدة فرصة للتقدم في اتجاه أهدافهم العدوانية ، ويجعل من التعايش بينهم ~~وبين المسلمين شيئا لا معنى له في حركة الواقع. # * * * ### ||| ** شروط العهد مع المشركين # ( @QUR@08 كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) وللعهد شروطه ~~العملية ، ودلالاته النفسية ، وخلفياته الفكرية ، مما يفرض الإخلاص في ~~الالتزام ، والصدق في الكلمة ، والطهر في المشاعر ، ليوفر للموقف سلامته ~~وثباته ، لتستمر الحياة المشتركة على هذه الأسس التي تمنع من الخيانة وتدفع ~~إلى الوفاء ، وتوحي بالأمن والطمأنينة ، وهذا ما لم يتوافر للعهد بين ~~المسلمين وبين فريق من المشركين ، في ما يوحي به الواقع النفسي والعملي ~~لهؤلاء ، ولهذا جاءت هذه الفقرة من الآية بأسلوب التعجب والاستنكار ، لتثير ~~الانطباع بأن القضية غير واقعية من حيث المبدأ والتفاصيل : ( @QUR@06 إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) الذين لم تظهر منهم أية بادرة سلبية ضد ~~الوفاء بالعهد ( @QUR@03 فما استقاموا لكم ) في التزامهم بشروط المعاهدة ~~نصا وروحا ( @QUR@02 فاستقيموا لهم ) في الوفاء بالتزاماتكم ، لأن على ~~المسلم أن يفي بعهده ، فلا يكون هو البادئ بالنقض ، لأن ذلك يتنافى مع ~~الروحية الإيمانية التي يتصف بها في أخلاقه وأفعاله ، ( @QUR@04 إن الله ~~يحب المتقين ) الذين يخافون الله ويراقبونه في أقوالهم وأفعالهم ، في ~~الوقوف عند حدود الله التي يريدهم أن يقفوا عندها ولا يتعدوها ، وفي مقدمة ~~ذلك الوفاء بالعهد للموفين بعهدهم ، لأن النقض في مثل هذه الحالات ، يوحي ~~بفقدان الثقة بالمسلمين في علاقتهم بالآخرين في نطاق PageV11P037 # المعاهدات والمواثيق المعقودة بينهم وبين خصومهم من الناس. وهذا هو الذي ms2639 ~~يجعل من التقوى حركة روحية في الداخل ، تفرض على الإنسان الالتزام بكلمته ~~وموقفه ، بعيدا عن صفة الطرف الآخر الذي يكون الالتزام لمصلحته من حيث كونه ~~مسلما أو غير مسلم ، لأن القضية هي قضية أخلاقيته في نفسه ، لا في انعكاسها ~~على الآخرين أو في استحقاقهم لها من ناحية ذاتية. وهذا هو الذي يحقق ~~للآخرين الحماية في المجتمع الإسلامي ، لأن الإسلام يريد لهم أن يتحركوا من ~~خطة ثابتة ، لا من تصرفات متحركة خاضعة لردود الفعل الطارئة في المشاعر ~~والأفكار ، وذلك بأن يكون الأساس هو رد الاعتداء ومواجهته ، بطريقة دفاعية ~~أو وقائية. # * * * ### ||| ** مشاعر المشركين تجاه المؤمنين # ( @QUR@04 كيف وإن يظهروا عليكم ) في الحالات التي يجدون في أنفسهم القوة ~~على المسلمين ، فيها جمونهم ويتغلبون عليهم ، ( @QUR@06 لا يرقبوا فيكم إلا ~~ولا ذمة ) في ما ينظرون فيه إلى المسلمين من خطورة على أوضاعهم وامتيازاتهم ~~، فيعملون على أساس انتهاز الفرص التي تتيح لهم اللعب على الظروف الطارئة ، ~~والمتغيرات الجديدة ، في ما تمثله سياسة اللف والدوران وحركة النفاق في ~~الحياة ( @QUR@02 يرضونكم بأفواههم ) في ما يثيرونه أمامكم من الأساليب ~~الخادعة ، وما يوجهونه إليكم من الكلام المزوق المزخرف الخادع الذي يظهرون ~~لكم فيه الإخلاص والمحبة ( @QUR@02 وتأبى قلوبهم ) التي تحمل الحقد ~~والعداوة ( @QUR@02 وأكثرهم فاسقون ) في ما يمثله نقض العهد من فسق عملي ، ~~يعيشه كل واحد منهم في PageV11P038 # العلاقات الإنسانية مع الآخرين ، بطريقة معقدة سلبية ، ترى كل الحق ~~لنفسها ، في ما تريده من امتيازات ، وتواجه الآخرين بالواجبات في ما تفرضه ~~عليهم من مسئوليات ، وتأخذ حريتها في فرض المواقع عليهم ، بكل ما يتمثل في ~~ذلك من إذلال واضطهاد. # ( @QUR@05 اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) فلم يحترموا عهدهم ، بل حاولوا ~~أن يستغلوا ذلك في الحصول على مكاسب ذاتية ، وباعوا آيات الله بثمن قليل ، ~~فلم يقبلوا عليها بالإيمان بها والعمل على هديها ، ليربحوا بذلك خير الدنيا ~~والآخرة ، بل استبدلوا بها الأطماع والشهوات الآنية التي لا بقاء لها ولا ~~امتداد ، على كل صعيد ، وساروا على نهج ساداتهم من المترفين والمستكبرين ~~الذين لا يريدون لأنفسهم ولأتباعهم إلا الضلال ، ليحققوا ms2640 بذلك لأنفسهم ~~شهواتها ، وليحصلوا على المتاع القليل في الدنيا ، فضلوا وأضلوا وتمردوا ~~على الأنبياء والمصلحين ( @QUR@03 فصدوا عن سبيله ) وأقاموا الحواجز ~~المادية والمعنوية في كل موقع من مواقعهم ، ليمنعوا الناس عن الانطلاق ~~بعيدا في السير مع الرسالات الإلهية التي يلتقون فيها بالله في وحيه ورحمته ~~ورضوانه ، ( @QUR@05 إنهم ساء ما كانوا يعملون ) وأي إساءة أعظم من العمل ~~على تشوية شخصية الإنسان من الداخل ، بتزوير فكره ، وتحريف منهجه ، وبلبلة ~~عواطفه ، وإرباك مسيرته ، ثم الانطلاق مع مسيرة الكفر والضلال بكل قوة ~~غاشمة ، لمنع الحياة من أن تتكامل في أجواء الإيمان والخير والصلاح من أجل ~~أن تصل إلى الله من أقرب طريق. # * * * PageV11P039 ### ||| ** نقض العهود والذمم # ( @QUR@07 لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) لأنهم لا يجدون في العهود ~~التي أعطوها ، ملزما لهم في حساب المسؤولية ، بل يجدون فيها فرصة سانحة ~~لخداعهم والاحتيال عليهم من خلال الإيحاء لهم بعلاقات الأمن ، فهم يعيشون ~~روحية العدوان ، وينتهزون الفرصة للخيانة ، ليمارسوها بطريقة مباشرة أو غير ~~مباشرة ، مما لا يجعل من نقض العهد معهم في مثل هذا الجو ، حالة عدوان ~~عليهم ، بل الأمر بالعكس من ذلك ، في ما يمثلونه من عدوان على الحياة وعلى ~~الناس ، ( @QUR@03 وأولئك هم المعتدون ) الذين لا مكان لهم في ساحة المجتمع ~~الذي يحترم عهوده ومواثيقه ، وإرادة الخير في الإنسان. وتلك هي القضية ، في ~~مواقع الشرك الحاقد المتمرد المعتدي. # * * * ### ||| ** شروط الدخول في الإيمان # أما إذا تغيرت الحال وابتعدوا عن ذلك ، وشعروا بالإيمان ، فكرا يتحرك في ~~ممارساتهم ، وهدفا ينطلق في أهدافهم ، فإن الموقف يتغير ، وسيكونون تماما ~~كالمؤمنين المخلصين الملتزمين ، ( @QUR@02 فإن تابوا ) عن الشرك والضلال ( ~~@QUR@02 وأقاموا الصلاة ) التي تمثل صدق التوبة وعمق الإيمان وصفاء الروحية ~~الخاشعة أمام الله وحركة العبودية له ، المنطلقة مع جو الحرية أمام الآخرين ~~، ( @QUR@02 وآتوا الزكاة ) التي توحي بروحية الإنسان المؤمن الذي يتحسس ~~آلام الحرمان في حياة الناس ، فيعبد الله بالعطاء الذي يقدمه إليهم ، في ما يمثله PageV11P040 # العطاء من تزكية للنفس ، ومن إخلاص لله ، بالإخلاص لعباده المستضعفين ، ~~وتلك هي علامة الإيمان الذي لا يتحرك في الشعور فقط ms2641 ليكون مجرد خاطرة في ~~الفكر أو نبضة في القلب ، بل يتسع ويمتد ليكون خطا في الحياة وممارسة في ~~العمل. وفي هذا دلالة على أن الممارسة شرط في دخول المجتمع المؤمن الذي ~~يتقبل الإنسان من خلال عمله المتحرك من وحي إيمانه ، فإذا تحقق ذلك لهم ، ( ~~@QUR@03 فإخوانكم في الدين ) لأنهم يعتقدون ما تعتقدونه ، ويعملون ما ~~تعملونه ، ويتحركون في الأهداف التي تتحركون إليها. # * * * # وتلك هي خصائص الأخوة الدينية ، التي هي أعمق أنواع الأخوة ، لأن فيها ~~يتآخى الفكر والشعور ، وتتصل خطوات الفكر بخطوات العمل ، مما يجعل من ~~المسألة قضية تشمل الكيان الإنساني كله. وذلك هو الخط الذي يريد الله ~~للإنسانية أن تسير عليه ، وهو المنهج الذي يريد لها أن تنهجه في كل ~~مجالاتها الروحية والعملية في ما يفصله من آياته التي توضح لهم السبيل ، ~~حتى لا يبقى هناك مجال لخطأ في اجتهاد ، أو اشتباه في رؤية ( @QUR@04 ونفصل ~~الآيات لقوم يعلمون ) في ما توحي به الروح العلمية من وعي وتفكير وتدبر ، ~~يتحسس فيه الإنسان مسئولية المعرفة من خلال تحسسه لمسؤوليات الحياة. # * * * PageV11P041 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) @QUR@020 ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق ~~أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) @QUR@011 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) @QUR@011 ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب ~~الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) @QUR@024 أم حسبتم أن تتركوا ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نكثوا ): نقضوا. # ( @QUR@01 أيمانهم ): جمع يمين وهو القسم. # ( @QUR@01 وطعنوا ): الطعن هو الضرب بالرمح وبالقرن وما يجري مجراهما ، ~~وأستعير للوقيعة. PageV11P042 # ( @QUR@01 وهموا ): الهم : مقارنة الفعل بالعزم من غير إيقاع له. # ( @QUR@01 بدؤكم ): البدء فعل الشيء أولا. # ( @QUR@01 وليجة ): الولوج : الدخول في مضيق. ووليجة الرجل خاصته ~~وبطانته من دون الناس. * * * # ( @QUR@04 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) # ويستمر الموقف في مواجهة القضية بطريقة الحسم ، فهناك خطر ms2642 مباشر يواجه ~~الواقع الإسلامي آنذاك ، من خلال هؤلاء الذين ينقضون العهد ، ويتحدون ~~الإسلام في فكره وشريعته ، مما يخلق للمسيرة الإسلامية الكثير من حالة ~~الإرباك والفوضى والقلق ، ولذلك كانت التعليمات واضحة ، برد الاعتداء ~~الصادر من هؤلاء ، وذلك بإعلان الحرب عليهم من جديد ، واعتبار المعاهدات ~~لاغية بسبب تصرفاتهم السلبية ضد الإسلام والمسلمين ، والإيحاء بأن القضية ~~لا تحتمل المهادنة والتأخير ، لأن الخلفيات الكامنة وراء تصرفاتهم ، تمثل ~~الخطر الكبير على المستقبل ، من جراء الروحية الحاقدة التي تتحرك في داخلهم ~~في الحاضر ، كما كانت في تاريخهم القريب ، في الماضي ، وهذا هو ما حاولت ~~الآيات أن تثيره في وجه هذه التصرفات ، في أسلوب يعتمد على توعية المسلمين ~~، وتوجيههم نحو التأكيد على دراسة القضايا من جميع وجوهها ، لا من وجه واحد. # * * * PageV11P043 ### ||| ** قتال أئمة الكفر # ( @QUR@06 وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ) أي نقضوا عهودهم ومواثيقهم ~~التي ألزموا بها أنفسهم ( @QUR@03 وطعنوا في دينكم ) وذلك بالتهجم عليه ~~بالسب والشتم والكلمات غير المسؤولة ، في ما يمثله ذلك من انحراف عن خط ~~الالتزام بالعهد القائم على احترام العقيدة الإسلامية ومراعاة مشاعر ~~المسلمين. # وقد ينبغي لنا أن نفرق في هذا المجال بين الطعن في الدين الذي يمثل حالة ~~عدوانية ، وبين النقد الموضوعي الذي يمثل حالة فكرية ، فإن الإسلام يشجب ~~الأول ويعتبره مظهرا من مظاهر نقض العهد ولونا من ألوان العدوان ، بينما ~~يرحب بالثاني ، ويدعو الآخرين إليه ، من خلال دعوته إلى حركة الحوار ~~الإيجابي بين الفكر الإسلامي والفكر المضاد على أساس الأجواء الفكرية ~~الهادئة. # ( @QUR@03 فقاتلوا أئمة الكفر ) وهم قادته الذين يقودون مسيرته في ~~المجتمع ويعملون على تدعيم قواعده. وربما كان في هذا التأكيد عليهم ، إشارة ~~إلى أنهم هم المسؤولون عن كل هذا العدوان الذي يمارسه الناس العاديون من ~~المشركين ، ( @QUR@04 إنهم لا أيمان لهم ) لأنهم لا يرتكزون على قاعدة ~~إيمانية أو فكرية لتمنعهم من النقض للعهد ، بل ينطلقون في ذلك من الظروف ~~الطارئة الضاغطة ، مما يجعل للعوامل التي تخفف من حالة الضغط ، أثرا كبيرا ~~في تصرفاتهم السلبية المنحرفة. وقد نستوحي من ذلك أمرين : # الأول : أن ms2643 مثل هؤلاء لا يبعثون على الثقة في ما يلتزمون به من عهود ~~ومواثيق ، لأنهم يفقدون الأساس الداخلي الذي يدفعهم إلى الاستمرار في ~~الالتزام. PageV11P044 # الثاني : أن من الضروري مواصلة الضغط عليهم لإخراجهم من واقعهم المنحرف ، ~~لأن ذلك هو السبيل الواقعي للانضباط في علاقاتهم مع الآخرين. وبذلك كان ~~إعلان الحرب عليهم المتمثل بالأمر بقتالهم ، أسلوب ضغط نفسي ، ليدفعهم ذلك ~~إلى التفكير بالنتائج الصعبة التي تنتظرهم من خلال الحرب ( @QUR@02 لعلهم ~~ينتهون ) ويتراجعون عن اللعب والكيد والتآمر على الإسلام والمسلمين ، مما ~~يجعل من الموقف حالة وقائية رادعة ، في ما تفرضه حسابات الواقع الموضوعي في ~~الساحة. # * * * ### ||| ** الحث على قتال الناكثين # وهنا يلتفت الخطاب إلى المسلمين في عملية توعية للطبيعة العدوانية ~~المتمثلة في شخصية هؤلاء المشركين من أئمة الكفر ، وذلك بشرح تفصيلي للواقع ~~الحاضر الذي يعيشونه والتاريخ الماضي الذي عاشوه ، لئلا يشعر المسلمون ~~بعقدة الذنب في إلغاء المعاهدات معهم وإعلان البراءة منهم ، مما قد ~~يتوهمونه نقضا للعهد من جانبهم ، لأنهم قد ينظرون إلى الموضوع من خلال ~~الجانب المباشر الصريح للنقض ، ولا ينظرون إلى الجوانب الخفية غير المباشرة ~~منه ، ليصلوا أخيرا إلى النتيجة الواقعية ، وهي أن هؤلاء القوم هم الذين ~~ابتعدوا عن خط العهد ، مما جعل البراءة منهم أمرا طبيعيا تقتضيه طبيعة ~~الساحة ، في ما تفرضه من الحماية للمسيرة الإسلامية. # ( @QUR@05 ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) في ما قاموا به من أعمال ~~وأقوال توحي بذلك ( @QUR@03 وهموا بإخراج الرسول ) عند ما كان في مكة ، ~~فتآمروا فيما بينهم على إخراجه وقتله ، حتى اضطروه إلى الهجرة ( @QUR@02 ~~وهم بدؤكم PageV11P045 # @QUR@02 أول مرة ) في معركة بدر التي كانت تمثل العدوان المسلح الأول على ~~جماعة المسلمين ، مما يكشف عن الجذور المتأصلة لموقفهم العدواني الحاضر ~~الذي لم ينطلق من حالة طارئة. # * * * ### ||| ** الله أحق بالخشية # ( @QUR@01 أتخشونهم ) في ما يمثلون من قوة وسلطة ومال ، وكيف يخشى ~~المؤمنون مثل هؤلاء الذين لا ترتكز قوتهم على قاعدة ثابتة في الداخل ، بل ~~تتحرك من خلال الأدوات التي يملكونها والظروف الطارئة التي ينتهزونها؟ إنها ~~القوة الضعيفة التي مهما تعاظمت ، فإنها لا تثبت ms2644 أمام تحديات القوة ~~المتحركة من موقع الإيمان الصلب الثابت الذي يستمد قوته من الله. وكيف ~~تخشونهم أيها المؤمنون ، في ما أرادكم الله أن تواجهوه من جهادهم وقتالهم ~~من أجل الإسلام في مسيرته الظافرة التي تعمل من أجل أن يكون الدين كله لله؟ ~~وكيف تتراجعون عن ذلك أو تفكرون بالتراجع ، فإذا كان هناك خشية منهم ومما ~~لديهم من القوة ، فهناك خشية من الله ، لما ينتظركم من عقابه لو خالفتم ~~تعاليمه وتمردتم على أمره ونهيه؟ فوازنوا أمركم بين موقفكم منهم وموقفكم من ~~الله ، وستجدون أن الموازنة تقف بكم عند حدود الله ( @QUR@04 فالله أحق أن ~~تخشوه ) لأنه مالك كل شيء ، وبيده أمر الدنيا والآخرة ، في ما تفرضه عقيدة ~~الإيمان وروحية العبودية له ، مما يجب أن تواجهوه من مواقف الإيمان ( ~~@QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) لأن الإيمان ليس كلمة تقال ، بل هو موقف للتضحية ~~والإخلاص والعطاء. # وربما يخطر في البال ، أن مواجهة الله لهم بالخشية منهم لا تلتقي PageV11P046 # بالواقع الذي كان يعيش فيه المسلمون القوة بعد فتح مكة ، بينما كان ~~المشركون يعيشون فيه الضعف كل الضعف ، فكيف نفسر ذلك؟ # وقد نجيب على ذلك : أن القضية قد تكون واردة في معرض الإثارة التي تدفعهم ~~إلى لون من ألوان الحماس الإيماني المنطلق من حالة الشعور بالقوة ، كعنصر ~~من عناصر تثبيت الموقف في نفوسهم. وربما كان هناك نوع من الخوف ، باعتبار ~~أن المسألة في موضوع البراءة بدت لهم حاسمة شاملة لا تقتصر على فريق دون ~~فريق ، بل تشمل المشركين كلهم في موقف مواجهة واسعة ، مما قد يوحي بالقلق ~~لبعض المسلمين الذين يلتفتون إلى سعة التواجد البشري للمشركين في الجزيرة ~~العربية ، الأمر الذي يوحي إليهم بالخطر الكبير. # * * * ### ||| ** قتل المشرك وشفاء صدر المؤمن # ( @QUR@01 قاتلوهم ) فذلك هو الأمر الحاسم الذي يلغي وجود الشرك كقوة في ~~الجزيرة العربية ، ويزيل تأثيره من النفوس ، ويدفع الناس إلى شجاعة الموقف ~~الذي يدعوهم إلى الإيمان ، ولكن يمنعهم من ذلك خوفهم من المشركين ، ( ~~@QUR@03 يعذبهم الله بأيديكم ) لأنكم تنفذون إرادة الله في جهادكم وقتالكم ~~لهم ، ( @QUR@01 ويخزهم ) بهزيمتهم المنكرة المنتظرة ms2645 أمامكم ( @QUR@02 ~~وينصركم عليهم ) بإيمانكم وثباتكم وجهادكم في سبيل الله ( @QUR@04 ويشف ~~صدور قوم مؤمنين ) في ما لاقوه من التعسف والاضطهاد والإذلال والتشريد من ~~جماعة المشركين ، من أجل أن يفتنوهم عن دينهم. وقد ينبغي لنا أن نؤكد على ~~أن شفاء صدور هؤلاء المؤمنين لا ينطلق من عقدة ذاتية مكبوتة ، لتبتعد ~~المسألة عندهم عن الأجواء الرسالية العامة ، بل ينطلق من حالة إيمانية ~~عميقة لأنهم اضطهدوا وشردوا PageV11P047 # وعذبوا من أجل الله ، فكانت مشاعرهم المضادة للمشركين بعيدة عن الجانب ~~الشخصي لأنها متصلة بالجانب الرسالي في حركته المرتبطة بالجانب السلبي أو ~~الإيجابي من العلاقات الإنسانية ( @QUR@03 ويذهب غيظ قلوبهم ) في ما كانوا ~~يشعرون به من الاختناق الروحي إزاء الواقع الممتد للشرك والمشركين ( ~~@QUR@05 ويتوب الله على من يشاء ) ممن أسلم قلبه وفكره وموقفه لله وأناب ~~إليه وانطلق في الخطوات المستقيمة التي تتحرك في طريق الحق ، فإن الله يقبل ~~التوبة عن عباده ، إذا انطلقت من مواقع الإيمان المنفتح والقناعة المطمئنة ~~( @QUR@03 والله عليم حكيم ) فقد أحاط بخفايا النفوس ، بكل ما تضمره وتظهره ~~، وقدر الأشياء بحكمته في حركة الوجود ، وفي تنظيم الأمور ، وفي مغفرته ~~ورحمته للخاطئين المذنبين الذين أراد لهم من خلال التوبة أن يصححوا أخطاءهم ~~وينفتحوا على الطريق المشرق في درب الرسالات المستقيم. # * * * ### ||| ** اختبار الإيمان # ( @QUR@010 أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) ~~بمواجهة التجربة الصعبة التي يقف فيها الإنسان على الأرض المهتزة تحت ~~أقدامه ، ليرى الذين يثبتون في مواقف الاهتزاز ، فلا يستسلمون لنقاط الضعف ~~، بل يعملون على تحويلها إلى نقاط قوة ، بالصبر الواعي والإرادة الحاسمة ، ~~والفكرة الحرة ، حيث تتعمق أقدامهم في الأرض الصلبة ، وترتبط أفكارهم ~~بالأفق الرحب من الحياة في نطاق الرسالة ، وتتصل أرواحهم بالله ، في ما ~~يلتقون عليه من علاقات فكرية أو روحية أو إنسانية. فليس هناك إلا الله ، ~~الإله الواحد الذي تتجه إليه العبادة ، وتخشع كل القلوب له ، وليس هناك في ~~قيادة الرسالة ، في خط الحياة ، إلا الرسول الذي لا ينطلق إلا عن الله في ~~كل ما ينطق به ، ولا يشرع إلا شريعة الله ، وليس ms2646 هناك في حركة العلاقات إلا ~~العلاقة بالمؤمنين الذين PageV11P048 # يتعاونون على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويتواصون بالحق ~~، ويتواصون بالصبر والمرحمة ، ويجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، ~~أولئك هم المجاهدون ، الذين يخلصون لروحية الجهاد قبل أن ينطلقوا في حركته. # ( @QUR@010 ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) ~~فهؤلاء المؤمنون هم الذين لم ينفتحوا على غير الله ورسوله والمؤمنين من ~~بطانة السوء التي تتحرك في أجواء الباطل وآفاقه. وهناك في الجانب الآخر من ~~التجربة ، ما يريد الله أن يظهره من الخلفيات الداخلية لعباده ، ليميز ~~الخبيث من الطيب ، ويتمثل هذا بالذين يتساقطون أمام الزلزال النفسي والروحي ~~والجسدي ، في ما تقدم لهم الدنيا من أطايبها وأطماعها وشهواتها ، وفي ما ~~تحذرهم منه من تضحياتها وجهادها وآلامها ، وما تثيره أمامهم من مخاوفها ~~وأوهامها ، حتى يشعروا أن الأرض تميد بهم ، وأنهم سائرون إلى قرار سحيق ، ~~فيحاولون التعلق بأي شيء يبعدهم عن الهلاك في ما يتوهمون ، ولكنهم يظلون في ~~عملية تساقط وتراجع ، فلا يبقى لهم إلا الأشباح والأوهام والفراغ الهائل في ~~متاهات الضياع. إن الدين تجربة مستمرة في حركة الإنسان أمام تحديات الواقع ~~، ولا بد للإنسان المؤمن من أن يواجه الموقف من موقع المسؤولية أمام الله ~~في ما يريده الله ، وما لا يريده ، لأن ذلك يتصل بقضية المصير في الدنيا ~~والآخرة ، فلا مجال لأية نتيجة إيجابية أو سلبية إلا على أساس التجربة ~~الواقعية على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية ، ولا مجال للتهرب من ذلك ~~بطريقة اللف والدوران ، لأن الله هو المطلع على خفايا الأشياء ودقائقها ، ~~فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ( @QUR@04 والله خبير ~~بما تعملون ) # * * * PageV11P049 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) @QUR@023 إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يعمروا ): العمارة أن يجدد ما استرم من الأبنية ، ومنه اعتمر ~~إذا زار ms2647 ، لأنه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال. # ( @QUR@01 مساجد ): الأصل في المسجد هو موضع السجود في العرف ، ويعبر به ~~عن البيت المهيأ لصلاة الجماعة فيه. # * * * PageV11P050 ### ||| ** منع المشركين من إعمار المساجد # كان المشركون يترددون على المسجد الحرام في مكة ، ويحجون إلى البيت ~~الحرام ويطوفون به ، في ما توارثوه من عبادة الحج من عهد إبراهيم ~~عليه السلام . ولكنهم كانوا يمارسون عبادة الأصنام التي نصبوها على جدران ~~الكعبة ، وبذلك كان الجو هناك ، جو شرك في العبادة مما يتنافى مع الأجواء ~~الروحية التوحيدية التي يريد الله لزوار مسجده أن يعيشوها في إخلاص العبادة ~~له ، ورفض كل عبادة لغيره ، سواء أكانت وسيلة للتقرب إليه ، مما كان ~~المشركون يعتقدونه في تلك الأصنام من القداسة الذاتية حيث تقربهم إلى الله ~~زلفى ، أم كانت مستقلة في العبادة في ما يعتقده بعضهم من معاني الألوهية في ~~داخلها ، فالمسجد هو بيت الله ، فلا مجال فيه إلا لعبادته. # وهذا هو ما أراد الله لنبيه أن يعلنه ، في إعلان البراءة ، من منع ~~المشركين من الحج بعد ذلك العام ، في ما نادى به الإمام علي عليه السلام من ~~قوله : «لا يحج بعد العام مشرك» ، وهذا هو ما نفهمه من هاتين الآيتين. # * * * ### ||| ** حبطت أعمال المشركين # ( @QUR@07 ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) والمراد من العمارة ~~هنا على الظاهر هو عمارتها بالتواجد فيها وممارسة شؤون العبادة التي ~~يبتعدون فيها عن روح التوحيد ، وليس المراد عمارتها بالعمل على تشييدها ، ~~لأن ذلك لا يتناسب مع أجواء الآيات ، ( @QUR@04 شاهدين على أنفسهم بالكفر ) ~~بالله الواحد ، لأن ذلك هو ما تمثله عبادة الأصنام التي تعتبر شهادة فعلية ~~بالكفر الذي يبعد عن PageV11P051 # روحية المساجد التي هي إخلاص العبادة لله وحده ( @QUR@03 أولئك حبطت ~~أعمالهم ) فلا قيمة لها عند الله ، لأنه لا يغفر أن يشرك به ، لأن الشرك ~~يمثل تمردا عليه وإساءة لقدس جلاله ( @QUR@04 وفي النار هم خالدون ) فذلك ~~هو الجزاء العادل لهؤلاء الذين يعيشون في نعم الله الذي خلقهم وأوجدهم من ~~عدم ، ثم يواجهونه بالتمرد عليه والانصراف عنه إلى غيره ، في ما يسيء ms2648 إلى ~~الإنسان والحياة ، مما يخرج الشرك عن أن يكون عملا فرديا خاصا ليتحول إلى ~~عمل يتصل بسلامة المجتمع في تصوراته المنحرفة وسلوكه الأعوج. # * * * ### ||| ** المساجد يعمرها المؤمنون # ( @QUR@017 إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) فهذا هو النموذج الإنساني الذي يحقق ~~للمساجد رسالتها ، ويعطيها معناها ، ويحركها في الاتجاه الروحي الذي يجعل ~~منها أبوابا مفتوحة على الحياة المتحركة من خلال الله وباسمه ، لينطلق ~~الإنسان على أساس ذلك ، عاملا في أرض الله في الأجواء الروحية التي يختزنها ~~في أعماقه من روحية الإيمان في المسجد. فقصة المسجد ، ليست في هذه الأحجار ~~الجامدة التي تمثل سقفه وحيطانه ، وليست في هذه الأشكال المزخرفة التي توحي ~~بعظمة الفن وروعة الإبداع ، بل هي في الإنسان الذي يعمر المسجد بالعبادة ~~المنطلقة من الفكر الإيماني ، والشعور الروحي ، والممارسة الخيرة ، حيث ~~يتحول المسجد إلى ساحة للانطلاق الإنساني من أجل بناء الحياة على قواعد ~~الحق والقوة والعدل ، من خلال ما يثيره من عمق الروحية الواقعية التي تصنع ~~الإنسان المسؤول الفاعل ، الذي يعطي الحياة من نفسه وطاقاته أكثر مما PageV11P052 # يأخذ منها ، لأنه لا يجد فيها الفرصة السانحة للعبث واللهو وممارسة ~~الشهوات ، بل يجد فيها الموقع المتقدم الذي يمارس فيه مسئوليته كعبادة ~~خالصة بين يدي الله. وبهذا كان الإيمان بالله واليوم الآخر وجها من وجوه ~~حركة الإنسان في الداخل ، التي تدفع حركته في الخارج ، إقامة للصلاة وإيتاء ~~للزكاة ، كما كانت الخشية من الله ، والتحرر من كل خوف من غيره ، عنصر قوة ~~في رفض كل أشكال العبادة المنحرفة لآلهة الأرض الذين اعتبرهم المنحرفون ~~آلهة من دون الله وكل المناهج الضالة التي سار عليها الناس بعيدا عن المنهج ~~الذي يريد الله للحياة أن تنطلق منه وتسير عليه. وهذا هو الذي يحقق للإنسان ~~حريته بعمق ، ويعطي للمسجد أجواء الحرية التي يتنفسها المصلون والمتعبدون ~~ليخرجوا إلى الحياة من خلال المسجد بفكر حر ، وإرادة حرة ، وموقف يجسد ~~الحرية كمنهج حياة ، وكحركة واقع. # ( @QUR@06 فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) لأن ذلك ms2649 هو سبيل الهدى ~~الواضح. وربما كان التعبير بكلمة «عسى» التي لا توحي باليقين بالنتائج ، ~~إيحاء للإنسان بأن عليه أن يظل في موقف الترقب والحذر في قناعاته وممارساته ~~، فلا يستسلم لذلك كله في اعتبار النتائج المصيرية حاسمة ، فلعل هناك شيئا ~~خفيا في الداخل لم يلتفت إليه ، ولعل هناك حالة مرضية لم يشعر بها ، مما ~~يجعله واقفا بين الخوف والرجاء ، والبحث الدائب من أجل تعميق الإيمان في ~~نفسه ، وتصحيح التجربة في موقفه. # * * * PageV11P053 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (19) @QUR@016 الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) @QUR@010 يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) @QUR@08 خالدين فيها أبدا ~~إن الله عنده أجر عظيم ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 سقاية الحاج ): سقيهم الماء. وكانت السقاية لبني هاشم. # ( @QUR@01 يبشرهم ): البشارة ، دلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه. # ( @QUR@01 ورضوان ): الرضوان : الرضا الكثير. # * * * PageV11P054 ### ||| ** مناسبة النزول # وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ~~والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة ، وذلك أنهم افتخروا فقال طلحة : أنا ~~صاحب البيت وبيدي مفتاحه ولو أشاء بت فيه ، وقال العباس : أنا صاحب السقاية ~~والقائم عليها ، وقال علي عليه السلام : ما أدري ما تقولان ، لقد صليت إلى ~~القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد ... # وقد تعددت الروايات في ذلك بأساليب مختلفة. وقد أشرنا أكثر من مرة إلى أن ~~أسباب النزول تمثل النماذج الحية للفكرة العامة التي تريد الآيات أن تثيرها ~~في الناس من خلال حركة الواقع الذي عاشت الآية في أجوائه ، مما يجعل للآية ~~الامتداد في نطاق الفكرة العامة. # * * * ### ||| ** لا مقارنة بين الإيمان ووظائف خدمة الحج # وينطلق القرآن ، ليركز في داخل الشخصية الإنسانية الإسلامية القيم ~~الروحية الواقعية الجديدة ، التي تؤكد على جانب المضمون بعيدا عن الشكل ، ~~وتوحي للناس بأن القيمة الحقيقية المميزة هي للذين يتحركون في الحياة ms2650 في خط ~~الإيمان بالله واليوم الآخر ، باعتبار أن ذلك هو الأساس في بناء الحياة على ~~قاعدة المسؤولية التي تتحرك في خطين : خط الإحساس بالألوهية الخالقة ~~القادرة المهيمنة على الوجود كله ، في ما يوحيه ذلك من الالتزام بالمنهج ~~الشامل الذي وضعه للحياة ، وخط الشعور بالنتائج الإيجابية أو السلبية للعمل PageV11P055 # المستقيم أو المنحرف في مواقف الحساب في اليوم الآخر بين يدي الله. ثم هي ~~للمجاهدين في سبيل الله الذين يقدمون كل ما يملكون من مال وجاه وحياة ، من ~~أجل استقامة الحياة على درب الله في كل القضايا التي تتحرك في آفاقها ، ~~وذلك هو الذي يحقق للحياة أهدافها الكبيرة التي يريدها الله لها ، ويدفعها ~~إلى الأمام ، والذي يرفع مستواها إلى آفاقه. وهذه هي القيمة الكبيرة ~~للإنسان في ما تؤكده من إنسانية الإنسان ورساليته ، ولا مجال للمقارنة ~~بينها وبين أي عمل من الأعمال الأخرى التي قد تكون وجها من وجوه الخير ، ~~ولكنها لا تمثل الامتداد والعمق في حياة الإنسان ، وفي مصيره. # ولعل هذا الخط في تأكيد القيمة الروحية الإنسانية ، وعدم اعتبار الأعمال ~~الاستعراضية أساسا للقيمة ، يبعد الكثيرين ممن يريدون تأكيد إيمانهم ~~وروحيتهم من خلال القيام بأعمال عمرانية للمساجد أو للمؤسسات الخيرية أو ~~توزيع الصدقات ، ويحاولون من خلال ذلك أن يتخذوا لأنفسهم موقعا متقدما في ~~الساحة الاجتماعية ، وربما يعملون ، أو يعمل أتباعهم ، على تفضيلهم على ~~العاملين في خط التغيير الفكري والاجتماعي والسياسي ، من الجذور الضاربة في ~~عمق الواقع الإنساني ، على أساس هدى الله المنطلق من رسالاته. وقد نستوحي ~~من هذا الخط القرآني ، النهج العملي الذي يمنع الكثيرين من هؤلاء ~~الاستعراضيين أن يخدعوا المجتمع عن واقعهم المزيف بالمشاريع الخيرية ~~البارزة ، وذلك عند ما يفهم المجتمع القرآني أن مثل هذه الأمور لا تمثل ~~قيمة في نفسها إلا بمقدار ما تكشف عنه من روح طيبة ونية صالحة. # * * * ### ||| ** الأفضلية عند الله للإيمان والجهاد # ( @QUR@03 أجعلتم سقاية الحاج ) مما كان يفعله البعض من سقي الحجاج الماء في PageV11P056 # الموسم ( @QUR@03 وعمارة المسجد الحرام ) بما كان يقوم به البعض الآخر من ~~عمارته ( @QUR@09 كمن آمن ms2651 بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ) فكانت ~~حياته من أجل الحياة كلها والحق كله ، في حركة الإيمان وانطلاقة الجهاد. ( ~~@QUR@04 لا يستوون عند الله ) لأن الله ينظر إلى الناس من خلال دوافعهم ~~ومنطلقاتهم وآفاقهم الروحية في ما تمثله من الإخلاص له والإذعان لعبوديته. ~~فلا يمكن أن يساوي بين الإنسان الذي يعيش الأفق الضيق في الأعمال الجزئية ~~المحدودة ، وبين الإنسان الذي يعيش الأفق الواسع في أجواء الحياة كلها. ~~فكيف تساوون بين هذين النموذجين من الناس ، أو تحاولون تفضيل الفريق الأول ~~على الفريق الثاني؟! إنه الظلم للحقيقة وللمجاهدين في سبيله. وهذا هو ~~الضلال بعينه ، الذي يبتعد فيه الإنسان عن أجواء الهدى ، فإذا انطلقتم في ~~هذا الجو ، فسيترككم الله لأنفسكم ، لأنكم اخترتم ذلك من دون حجة ( @QUR@05 ~~والله لا يهدي القوم الظالمين ) الذين ابتعدوا عن الهدى باختيارهم وانحرفوا ~~عن طريق الله من غير أساس ، وأهملوا طاعته ، وتركوا هداه إلى غيره ، بعد أن ~~عرفهم النهج السوي والصراط المستقيم. # * * * ### ||| ** الهجرة في سبيل الله # ( @QUR@03 الذين آمنوا وهاجروا ) وتحملوا ما تحملوه من هجرة الوطن ، إلى ~~حيث يملك الإنسان حرية الحركة في الدعوة والجهاد ويبتعد عن مواطن الضغط ~~الذي قد يعرضه للفتنة في دينه ، وذلك دليل الإخلاص العظيم لله ، لأنه يمثل ~~التمرد على كل العواطف الذاتية والخصائص الحميمة ، من أجل الله وحده ، ( ~~@QUR@06 وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ) في ما بذلوه من أموالهم ~~للدعوة والجهاد ، ومن خلال ما واجهوه من أخطار مادية ومعنوية في هذا ~~الاتجاه ، حيث فقدوا PageV11P057 # أي معنى للجانب الشخصي في حياتهم ، وتحولوا إلى عنصر متحرك في نطاق ~~الجوانب العامة المتصلة بالله وبالحياة ، أولئك ( @QUR@04 أعظم درجة عند ~~الله ) من كل النماذج الأخرى التي قد تعمل الخير في المجالات المحدودة ( ~~@QUR@03 وأولئك هم الفائزون ) برحمته ورضوانه وجنته ( @QUR@010 يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) والرحمة تمثل لطف الله ~~ورعايته وعنايته في الحياة الدنيا والآخرة ، ويوحي الرضوان بمعان روحية ~~تنساب في مشاعرهم روحا وأمنا وطمأنينة ، بينما تشير الجنات إلى ما ينتظرهم ~~من السعادة الروحية والمادية التي تثير ms2652 فيهم كل مشاعر الغبطة والسرور ( ~~@QUR@03 خالدين فيها أبدا ) فلا موت ولا فناء ، بل هي الحياة الممتدة إلى ~~ما شاء الله لها من الامتداد ( @QUR@05 إن الله عنده أجر عظيم ) في ما ~~يمنحه لعباده الصالحين المجاهدين من جزاء على ما عملوه وما جاهدوا فيه مما ~~يتناسب مع روعة الإخلاص وعظمة الموقف. # وقد سبق منا الذكر أثناء الكلام على مناسبة نزول هذه الآيات ، أن ~~المفسرين أوردوا أن هذه الآيات نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ، ~~فلتراجع في محلها. # * * * PageV11P058 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) ~~@QUR@033 قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استحبوا ): الاستحباب : طلب المحبة ، ويجوز أن يكون استحب ~~بمعنى أحب. # ( @QUR@01 وعشيرتكم ): العشيرة : الجماعة. # ( @QUR@01 اقترفتموها ): اقتنيتموها. والاقتراف : الاكتساب. PageV11P059 # ( @QUR@01 فتربصوا ): التربص : المكث ، والانتظار. والتربص بالشيء : أن ~~تنتظر به يوما ما. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # ذكر في مجمع البيان عن ابن عباس ، في ما نقله أو استوحاه من موقع الآية ، ~~قال : لما أمر الله تعالى المؤمنين بالهجرة وأرادوا الهجرة ، فمنهم من ~~تعلقت به زوجته ، ومنهم من تعلق به أبواه وأولاده ، فكانوا يمنعونهم من ~~الهجرة ، فيتركون الهجرة لأجلهم ، فبين سبحانه ، أن أمر الدين مقدم على ~~النسب ، لذلك وإذا وجب قطع قرابة الأبوين ، فالأجنبي أولى ... وروي أنها ~~نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد فتح مكة (1)، تعاطفا مع أهله الموجودين في مكة. # وربما كانت هذه الرواية أقرب إلى جو الآية من الرواية السابقة ، لأن قضية ~~الموالاة هي قضية الموقف المتحرك لدعم موقف هؤلاء ، لا مجرد التعاطف الذي ~~يمنعهم من التحرك ، فهي التعبير عن الجانب الإيجابي المضاد ، لا الجانب ~~السلبي ... وقد يكون الجو فيها أشمل من ذلك ليشمل كل موقف سلبي أو ms2653 إيجابي ~~مضاد للموقف الإيماني ، انطلاقا من العاطفة التي تفرضها القرابة أو نحوها. # * * * PageV11P060 ### ||| ** الإيمان هو الذي يحدد الولاية لا النسب والمال # إنه الموقف الإيماني الرافض لكل عاطفة حميمة في العلاقات الإنسانية ~~الممتدة في روابط القرابة والصداقة ، إذ كان لتلك العلاقات موقف سلبي ضد ~~الله ورسوله ، من خلال ما تنطلق به من شرك بالله ، وحرب لرسوله وللمؤمنين. ~~فلا بد للإيمان من أن يعبر عن نفسه بالوقوف في خط المواجهة في الداخل لكل ~~المشاعر الذاتية المتعاطفة مع هؤلاء الذين يتصلون بالإنسان بصلة القربى ، ~~وبالرفض لكل تواصل وتفاعل إيجابي في الجوانب العملية ، بما يؤيد به الناس ~~بعضهم البعض ، وفي ما يقومون به في المجال الاجتماعي من مواقف الولاية ~~القائمة على الإخلاص والنصرة والتأييد. فقرابة المؤمن لله أعظم من أية ~~قرابة ، وموالاته له أكبر من أية موالاة لغيره ، لأن المعنى العميق للإيمان ~~، في مدلوله الحقيقي ، هو أن يكون الله ، هو الأساس في كل العلاقات ~~الإنسانية التي يبنيها المؤمن هنا ، أو يهدمها هناك. فلا مجال للاستسلام ~~لما تمثله المشاعر الحميمة الذاتية ، من نقاط الضعف التي تفصل بين حركة ~~العلاقات الذاتية في النطاق ذاته ، بل إن الإيمان هو الذي يحدد للعلاقات ~~حركتها ومواقعها في الاتجاه المتصل بالامتداد الشامل ، في الفكر والشعور ~~والعمل ، انطلاقا من الإيمان بوحدة الشخصية الإنسانية في ما تفكر به ~~وتتعاطف معه ، وفي ما تقفه من مواقف ، فلا مكان للازدواجية التي تفصل بين ~~شخصية الإنسان الذاتية ، وشخصيته الإيمانية. # وهذا هو الموقف الحاسم الذي أرادت هاتان الآيتان أن تركزاه وتؤكداه في ~~حركة التشريع والممارسة. # * * * PageV11P061 ### ||| ** الولاية لا تتحرك في خط القرابة # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ) ~~والولاية توحي بدعم الموقف بالنصرة والتأييد ، أو الاستسلام للجانب العاطفي ~~الذي يفرض على الإنسان ضغوطا شعورية تمنعه من التحرك في خط الولاية الشاملة ~~لله ولرسوله ، فتعطل بذلك مسيرة الإيمان التي تدعوا إلى فراق الأهل ، من ~~أجل الدعوة والجهاد. # ( @QUR@05 إن استحبوا الكفر على الإيمان ) فاختاروا الكفر خطا لحياتهم في ~~مواجهة خط الإيمان ، لأن ذلك هو الخط الفاصل ، الذي ms2654 يمثل الحد الذي يريد ~~للمؤمنين أن يقفوا عنده ولا يتجاوزه. فعلى المؤمنين أن يقفوا مع حركة ~~الإيمان بكل قوة وصلابة حتى لو كلفهم ذلك التمرد على مشاعرهم الذاتية ، بل ~~ربما كان من الضروري العمل على تربية المشاعر ، بحيث تكون حركة العاطفة ~~منسجمة مع حركة الفكر ، ( @QUR@03 ومن يتولهم منكم ) بالنصرة والتأييد ~~والطاعة ( @QUR@03 فأولئك هم الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم ، وتمردوا على ~~ربهم ، وظلموا الحياة من خلال ما يمثله موقفهم من عدوان على الحياة ، في ~~إضعاف الحق وتقوية الباطل. # ويتعاظم الأسلوب القرآني ويتصاعد ليتجاوز علاقة القرابة ، إلى كل علاقة ~~أخرى تربط الإنسان بالجانب المادي في الحياة ، في ما يمكن أن يضعف موقف ~~الإنسان ويعطل حركته في الاتجاه بعيدا عن مقتضيات الإيمان في مواقع التضحية ~~والبذل والتحدي. فلا بد للمؤمن من أن يفرغ فكره وروحه وشعوره من أية عاطفة ~~سلبية تمنعه من السير في الاتجاه السليم لحركة الإيمان ، ليشعر بأن قيمة ~~الخط الإيماني والعلاقات الإيمانية ، هي أغلى من قيمة أي شيء آخر ، PageV11P062 # مهما كان غاليا ، ومهما كان عظيما في تأثيره. # * * * ### ||| ** عصبية القرابة # ( @QUR@06 قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ) الذين تربطكم بهم عاطفة ~~القرابة ( @QUR@01 وأزواجكم ) اللواتي ترتبطون معهن بعلاقات المحبة والشهوة ~~( @QUR@01 وعشيرتكم ) في ما توحي به من عصبية عائلية اجتماعية ، ( @QUR@02 ~~وأموال اقترفتموها ) وذلك كناية عن المصالح المادية ( @QUR@03 وتجارة تخشون ~~كسادها ) في الجانب الاقتصادى المتحرك ( @QUR@02 ومساكن ترضونها ) لأنها ~~تثير جوا حميما يتصل بعلاقة الإنسان بالأرض وبالبيت ، وبما تعنيه له من ~~الاستقرار والراحة ( @QUR@08 أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ) في ~~ما تتخذونه من مواقف مضادة عند الخط الفاصل بين ما يريده الله وما يريده ~~الأقرباء ، وما تفرضه المصالح الاقتصادية ( @QUR@01 فتربصوا ) وانتظروا ~~النتائج الصعبة التي تنتظركم من جراء ذلك ( @QUR@04 حتى يأتي الله بأمره ) ~~وحكمه فيكم. وربما كان في هذا الإبهام ما يوحي بالخطورة الكبيرة التي تجعل ~~الإنسان يحسب حساب كل شيء يمكن أن يحدث .. ( @QUR@04 والله لا يهدي القوم ~~(1) @QUR@01 الفاسقين ) الذين اختاروا الفسق على الإيمان ، بعد أن أقام ~~الله عليهم الحجة القاطعة ، فتركهم لضلالهم الذي أرادوه لأنفسهم ms2655 ، بكل قصد ~~وإصرار. # * * * PageV11P063 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ~~@QUR@018 ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) @QUR@012 ثم يتوب الله من ~~بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) (27) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مواطن ): الموطن : الموضع الذي يقيم فيه صاحبه. # ( @QUR@01 حنين ): اسم واد بين مكة والطائف. # ( @QUR@01 سكينته ): السكينة : الطمأنينة. # * * * PageV11P064 ### ||| ** يوم حنين .. للعبرة والتأمل # ويعود الحديث إلى أجواء القتال ، ولكن الله يريد للنبي وللمؤمنين ، أن ~~تظل عيونهم محدقة بالجانب الغيبي من ألطافه ، وقلوبهم متصلة بالقوة ~~المستمدة منه ، فللإنسان دوره في الحياة في ما يملك من وسائل الحركة وعناصر ~~القوة وآفاق الفكر ، فقد ينتصر تارة ، وقد ينهزم أخرى ، ولكن الدور الأساس ~~في كل شيء ، هو لما يفيضه الله عليه من أسباب النصر ، أو لما يبتليه به من ~~عوامل الهزيمة ، فلا يجوز له أن يستسلم للجانب المادي بعيدا عن الجانب ~~الغيبي ، لأنه هو الذي يمنحه حيويته ، ويحقق له الامتداد في مداه ، حتى ~~يبلغ غايته ، ويحوله من عنصر جامد محدود إلى عنصر متحرك منطلق مفتوح. فالله ~~هو مع كل شيء ووراء كل شيء ، فله الأمر كله ، وبيده الوجود كله ، وهذا هو ~~معنى الإيمان المنفتح عند ما يحل في فكر الإنسان وقلبه وضميره ، فيوحي له ~~بالارتباط العميق بالله ، فيلجأ إليه في حالة الرخاء كما يلجأ إليه في حالة ~~الشدة ، ويرجع إليه في مواطن القوة ، كما يرجع إليه في مواطن الضعف ، لأنه ~~فوق ذلك كله ، وذلك هو سر الفتح الكبير في روح المؤمن الذي يتحول إلى الفتح ~~الكبير في حياته ، في وعيه لعظمة الله ورحمته وقدرته في حركة الحياة. # * * * ### ||| ** الكثرة لا توجب النصر # ( @QUR@06 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) وهي المعارف التي خاضها ~~المسلمون ضد المشركين وأهل الكتاب من اليهود ، وقالوا إنها ثمانون ، وكان PageV11P065 # المسلمون يعانون من ضعف العدد والعدة ، وكان النصر من الله ، من خلال ما ~~كانوا يحصلون عليه ms2656 من الإمدادات الغيبية وغيرها مما يساهم في عملية النصر ، ~~( @QUR@02 ويوم حنين ) عند ما هاجم المسلمون بقيادة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هوازن وثقيف في وادي حنين ( @QUR@03 إذ أعجبتكم كثرتكم ~~) فقد كانوا في ما تقوله بعض الروايات ، اثني عشر ألفا أو أقل من ذلك ، حتى ~~قال بعضهم حين رأى هذا الجمع الغفير من الناس ، لن نغلب اليوم عن قلة ، ~~فاستسلموا لهذه القوة العددية ، وأغفلوا الجوانب الأخرى من القوة ، بما ~~تفرضه الحرب من طبيعة الدقة في الاستعداد والتخطيط والحركة ، وفي ما يوحي ~~به الإيمان من الاعتماد على الله في قضية النصر ، فكانت الهزيمة بعد ساعة ~~في ما قيل عند ما خرجت عليهم كتائب هوازن من كل ناحية ، وانهزمت بنو سليم ~~وكانوا في المقدمة ، وانهزم من وراءهم ، وخلى الله تعالى بينهم وبين عدوهم ~~لإعجابهم بكثرتهم ( @QUR@04 فلم تغن عنكم شيئا ) ولم تنفعكم في أي نصر ( ~~@QUR@05 وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) فلم تجدوا أمام الهزيمة المنكرة ~~مكانا تلجأون إليه ، لأن القوم لاحقوكم في كل مكان ( @QUR@03 ثم وليتم ~~مدبرين ) منهزمين. # ولكن الله أرادها درسا للعبرة ، ولم يردها هزيمة نهائية ، فقد ذكر أهل ~~التفسير ، أن عليا عليه السلام بقي ومعه الراية يقاتلهم في نفر قليل ، ومر ~~المنهزمون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلوون على شيء ، ولما رأى ~~هزيمة القوم عنه ، قال للعباس بن عبد المطلب وكان جهوريا صيتا : اصعد هذا ~~الظرب «وهو التل الصغير» فناد : يا معشر المهاجرين والأنصار ، يا أصحاب ~~سورة البقرة ، يا أهل بيعة الشجرة ، إلى أين تفرون ، هذا رسول الله ، فلما ~~سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا وقالوا : لبيك ، وتبادر الأنصار خاصة ، ~~وقاتلوا المشركين حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الآن حمي الوطيس ~~، ونزل النصر من عند الله تعالى وانهزمت هوازن هزيمة قبيحة ، ففروا في كل ~~وجه ولم يزل المسلمون في آثارهم. PageV11P066 # ( @QUR@04 ثم أنزل الله سكينته ) وهي رحمته التي تجلب الطمأنينة والسكون ~~والهدوء إلى النفس ، حتى تشعر بالراحة والاستقرار ( @QUR@04 على رسوله وعلى ~~المؤمنين ) بعد حالة الخوف والفزع ms2657 ، فرجعوا إليهم وقاتلوهم ، بما عاشوه من ~~القوة الروحية الجديدة التي وهبها الله لهم ، فتحولت إلى قوة في الموقف ( ~~@QUR@04 وأنزل جنودا لم تروها ) من الملائكة ، وهو ما ذكرته كتب التفسير ، ~~وما توحي به أجواء الآية ( @QUR@03 وعذب الذين كفروا ) وذلك بما عانوه من ~~القتل والأسر وسبي الأولاد والنساء ( @QUR@03 وذلك جزاء الكافرين ) ~~المتمردين على الله ورسوله ( @QUR@09 ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~)، ممن يرجع إلى الإيمان بعد الكفر ، وإلى الطاعة بعد المعصية ، وإلى ~~الاستقامة بعد الانحراف ، لأن الله قد فتح للناس باب التوبة والإنابة ~~ليرجعوا إليه بعد المعصية ، في عملية تقويم للموقف وتصحيح للفكر ، وعودة ~~للإيمان ، وانتصار على الضعف ، وهو العالم بالذين يستحقون المغفرة والرحمة ~~، لأنه المطلع على دواخلهم وتاريخهم العملي ( @QUR@03 والله غفور رحيم ). # * * * PageV11P067 ### ||| * الآية # ( @QUR@028 يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نجس ): النجس هو كل مستقذر. # ( @QUR@01 عيلة ): العيلة : الفقر. # * * * # ( @QUR@03 إنما المشركون نجس ) # وهذا نداء للمؤمنين ، يضع بين المسلمين والمشركين حاجزا نفسيا ، يبرر كل ~~التعاليم الشديدة في مقاطعتهم لهم ، والبراءة منهم ، ومواجهتهم بالقتال ، ~~فإن الشرك يمثل في إيحاءاته ونتائجه العملية القذارة المعنوية ، ويوحي بقذارة PageV11P068 # روحية ، تجعل الإنسان المشرك يعيش في وسخ الفكر والروح والشعور عند ما ~~تعيش روحه في آفاق الأصنام لتنسحق أمامها ، وعند ما يختنق فكره في داخل ~~الصنمية لينتن في مستنقعاتها ، وعند ما يتحرك شعوره في قوالب جامدة من ~~الحجر والخشب واللحم والدم ، ليس فيها شيء من حيوية الحياة ، ونقاء السمو ، ~~وحركة الإشراق. # إن للفكر طهارته التي تحول الإنسان إلى ينبوع ثر متجدد يتفجر بروحية ~~العطاء وحيوية الحياة ، حتى لتشعر أمامه ، وأنت تتمثل الكيان الذي يحتويه ، ~~بالانجذاب إليه ، كما لو كان شيئا يضم روحك بروحه ، ويحتوي شعورك في شعوره ~~، وتحس معه بأن كل شيء فيه نظيف ، لأنه يتحرك من موقع النظافة الداخلية ~~التي لم تقترب إليها أوساخ الأخلاق والمشاعر والحركات الخارجية ، وأية ~~طهارة أروع من ms2658 نهر الإيمان عند ما يتدفق في فكر الإنسان وقلبه ، فيعيش فيه ~~مع الله ، مصدر النقاء في كل شيء ، وسر الطهر في كل حياة ، وهكذا يتصل ~~بالأشياء وبالحياة والإنسان ، من مواقعها الفطرية الطبيعية التي تنطلق من ~~أعماق الوجدان الحي الصافي. وكما هو الإيمان يمثل عمق الطهارة وحقيقة ~~النقاء وينبوع الصفاء. فإن الشرك يمثل النقيض من ذلك ، إنه يمثل قذارة ~~الرواسب المتعفنة من خلال ظلمات السنين ، وأوحال التاريخ التي يعيش معها ~~الإنسان عفن الفكر والروح والشعور. # وإذا كانت القضية في هذا المستوى ، فإن من طبيعة هذا الواقع ، أن لا ~~يقربوا المسجد الحرام الذي جعله الله ساحة للنقاء وللطهارة ، ليتطهر الناس ~~فيها من ذنوبهم وأثقال أخلاقهم وعاداتهم التي تقذر فيهم معنى الحياة ، فكيف ~~يمكن أن يقترب إليها هؤلاء الذين تمثل عبادتهم للأصنام كل معاني القذارة ~~الروحية والفكرية والعملية؟! # * * * PageV11P069 ### ||| ** نجاسة المشركين مادية ومعنوية # ( @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) فهم القذارة كلها ، ~~في ما توحي به كلمة النجس ، التي هي مصدر يمثل المعنى الذي إذا نسب إلى ~~الشخص ، فإنه يعبر عن تجسيد هذا الشخص له. # * * * ### ||| ** اختلاف الفقهاء حول المقصود بالنجاسة # وقد اختلف الفقهاء في المقصود بالنجاسة ، فهل هي النجاسة المادية التي ~~تترك أثرها على الجسد ، ويترتب عليها أحكام النجاسة ، أم هي النجاسة ~~المعنوية التي توحي بالحاجز النفسي الذي يفصل المسلمين عنهم ، في ما تمثله ~~قذارة الفكر الشركي والممارسة العبادية للأصنام ، مما يبعدهم عن الأجواء ~~الروحية العبادية التي تعيشها أماكن العبادة التي أعدها الله للعاكفين ~~والركع السجود الذين يعيشون وحدة الله في العقيدة وفي العبادة ، من خلال ~~وجود المشركين هناك؟ # ولعل المعنى الثاني أقرب إلى جو الآية من خلال الفقرة التالية : ( ~~@QUR@07 فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) فإن مضمونها لا يتناسب ~~مع النجاسة المادية ، ولذا لا يلتزم الفقهاء بحرمة إدخال النجاسات إلى ~~المسجد الحرام إذا لم يستلزم هتكا ، كالدم أو البول الموضوع في قارورة ، أو ~~جلد الميتة أو لحمها ونحو ذلك ، ولهذا ناقش في دلالتها على النجاسة ، ~~الفقهاء الذين يرون نجاسة المشرك ، ولكن ms2659 من خلال دليل آخر ، لأن الآية من ~~خلال ما أشرنا إليه ، لا توحي إلا بالتنافر الروحي والمعنوي بين ما يمثله ~~المشركون من عبادة PageV11P070 # الأصنام ، وما يمثله المسجد الحرام من عبادة الله الواحد. وقد كانت هذه ~~السنة التي نزلت فيها الآية آخر سنة لتواجد المشركين في المسجد الحرام ، أو ~~في مكة ، على الرأي الذي يرى أن كلمة ( @QUR@02 المسجد الحرام ) تتسع لمكة ~~كما ربما تدل عليه الآية الكريمة : ( @QUR@014 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) [الإسراء : 1] فإنه ~~من المعروف أن النبي قد أسري به من دار أم هاني بنت أبي طالب. ومما يؤيد ~~إرادة القذارة المعنوية من كلمة «نجس» وإرادة مكة من «المسجد الحرام» ، أنه ~~لو كانت النجاسة المادية هي المدلول للكلمة ، لما كان هناك أية مناسبة ~~لقوله ( @QUR@03 بعد عامهم هذا ) الذي يوحي بأنه لا مانع من دخولهم المسجد ~~بنجاستهم قبل نهاية العام ، لأن حكم النجاسة المادية في إبعاد المسجد عنها ~~أمر فوري. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الفقرة التالية : ( @QUR@08 وإن ~~خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) توحي بأن المسألة تتصل بخروج ~~المشركين من مكة ومنعهم من العودة إليها للحج أو لغيره ، الأمر الذي يتصل ~~بالجانب الاقتصادي السلبي الذي يتصوره المسلمون مما لا دخل للنجاسة فيه من ~~قريب أو من بعيد. وعلى ضوء هذا ، فلا يكون لهذه الآية أي ظهور في نجاسة ~~المشركين ليتعدى منه إلى نجاسة الكافر الملحد بالأولوية القطعية. # * * * ### ||| ** خوف الفقر # ( @QUR@03 وإن خفتم عيلة ) أي إذا خشيتم من انقطاعهم عن الحج ، بسبب هذا ~~التشريع ، فقرا وحاجة من خلال تعطيل الأسواق التي كانوا يحركونها بالشراء ~~والبيع ، ونقصان التجارة التي كانوا يمارسونها ، فلا تحملوا هما لذلك ، لأن الله PageV11P071 # قد تكفل بالرزق لعباده ، فإذا أغلق عنهم بابا فسوف يفتح لهم أبوابا أخرى ~~في ما قدره للحياة من التوازن الاقتصادي الذي يريد فيه أن يجمع للناس ~~الجانب الروحي والفكري من الحياة بالإضافة إلى الجانب المادي ، ليحصلوا على ~~النتائج الإيجابية للواقع من جميع الجوانب. وهذا ms2660 هو الذي يجب أن يدخلوه في ~~حساباتهم عند ما يتحدثون عن موازين الربح والخسارة في الأشياء ، فلا ~~يعتقدوا من بعض القيود التي يفرضها الله عليهم في تجارتهم ، أو التي يحدد ~~لهم فيها علاقاتهم بالآخرين وبالأوضاع العامة من حولهم ( @QUR@07 فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء ) من خلال ما يفتحه لكم من مجالات جديدة للرزق ~~والعمل ( @QUR@03 إن الله عليم ) بما يصلح أموركم ويفسدها ( @QUR@01 حكيم ) ~~بما يخطط لحياتكم من تشريعات ، وما يخلقه لكم من أوضاع متنوعة متصلة بحركة ~~حياتكم في الداخل والخارج. # * * * PageV11P072 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الجزية ): ما يؤخذ من أهل الذمة ، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها ~~في حقن دمهم. # ( @QUR@01 صاغرون ): الصاغر هو الراضي بالمنزلة الدنية. # * * * ### ||| ** مع أهل الكتاب : القتل أو الجزية # وانتهى حديث العلاقات مع المشركين ، الذين لا يريد الإسلام لهم أن يعيشوا ~~في المجتمع الذي يحكمه المسلمون ، لأن هناك تباينا في مفهوم العقيدة ومفهوم ~~العبادة ، فلا مجال للتسامح معهم ، إلا على أساس التنازل عن الدعوة PageV11P073 # الحاسمة إلى التوحيد ، مما يلغي في الإسلام جديته ومصداقيته ، ويحول ~~المسألة إلى الأجواء الرسمية التي لا تحرك الساحة نحو التغيير الجذري ~~للواقع ، لا سيما إذا لاحظنا في هذا المجال أن الشرك لا يمثل منهجا فكريا ~~للحياة ، من قاعدة الفكر المسؤول والعلم الصادق ، بل هو عبارة عن تقاليد ~~وأوهام وتخيلات ، ترهق مسيرة الإنسان ، وتثقل روحه ، وتبعثر جهوده ، فلا ~~يكون الضغط عليه لإبعاده عن ساحة الحياة انتقاصا من قضية الحرية من قريب أو ~~من بعيد ، بل يمثل التأكيد عليها من موقع تحرير الفكر الإنساني من الخضوع ~~لعبودية الأوهام والتقاليد والخرافات ، وربطه بالحقيقة التوحيدية المشرقة ~~المنطلقة بالنور والإشراق في رحاب الله. # * * * ### ||| ** إمكانات التعايش مع أهل الكتاب # أما أهل الكتاب ، فهم الفئة التي تنتمي إلى الكتب السماوية ، ولا تواجه ~~قضية الإيمان لتتمرد على المبدأ بشكل مباشر ، لأن الكتب التي تؤمن بها ، ~~تؤكد ms2661 الإيمان بالله كحقيقة ، وإن كانت تنحرف ببعض التفاصيل ، في تصورها ~~لشخصية الإله وصفته ، وفي تمثلها لطبيعة النبوات وحركتها ، وفي إنكارها ~~لبعض الأنبياء وإيمانها لبعضهم الآخر ، إلى غير ذلك من الأمور التفصيلية. ~~ولكن ذلك كله لا يمنع من التعايش بينهم وبين المسلمين ، لأن هناك أكثر من ~~قاعدة للقاء ، ولأن هناك كثيرا من المواقع التي يمكن أن يتحركوا من خلالها ~~للحوار ، من خلال ما تشتمل عليه الكتب من مفاهيم وتشريعات متحدة أو متقاربة ~~وما يتمثل في شخصيات الأنبياء من روحانية وجهاد وإيمان ، الأمر الذي يجعل ~~الإنسان يشعر بالأجواء المشتركة في القيم الروحية والفكرية والتشريعية في PageV11P074 # حركة المجتمع العملية. وبذلك تلتقي الساحة المشتركة بالكثير من ~~الإيجابيات التي لا تهزمها السلبيات الأخرى. # ولهذا أقر الإسلام التعايش الإسلامي المسيحي ، في مجتمع واحد ، ولكنه ~~أراد لحكمه أن يكون في المواقع المتقدمة التي تحكم الساحة كلها ، من أجل ~~المحافظة على قوة القاعدة وسلامة خط السير ، واستمرار حركة العقيدة في ~~أجواء الدعوة والعمل ، من دون حواجز ثابتة ، أو مواقف معقدة. لقد سمح ~~للمجتمع أن يتنوع في تصوراته التفصيلية للدين ، مع عدم الموافقة على بعض ~~هذه التصورات ، ولكنه لم يسمح له أن يكون خارج سلطته وحكمه ، لأن المجتمع ~~الذي تتعدد فيه السلطات ، سوف يكون محكوما للتمزق والضعف والفساد ، وهذا ما ~~لم يمكن للإسلام أن يسمح به ، لأنه يؤدي إلى الخراب والدمار ، فلا بد من ~~وحدة السلطة ، ولا بد من التقاء جميع أفراد الشعب على أساس الخضوع لتلك ~~السلطة ، فكيف يكون الخضوع؟ # * * * ### ||| ** تشريع الجزية # إن موضوع الخضوع بالنسبة للمسلمين ، يكون بالالتزام بمفاهيم الإسلام في ~~عقيدته وشريعته وأسلوبه في العمل والحياة ، في باب النظرية والتطبيق ، لأن ~~ذلك هو معنى الانتماء إلى الإسلام على مستوى الحكم والعقيدة والحياة ، ~~تماما كأية أمة تلتزم بعقيدة معينة ونظام معين إذا عاشت في داخل الإطار ~~الذي تحكمه تلك العقيدة وذلك النظام ، وأما بالنسبة لغير المسلمين ، الذين ~~لا يريد الإسلام أن يفرض عليهم أحكامه في كثير من القضايا العبادية ~~والقتالية والحياتية المتعلقة ببعض الأوضاع والعادات ، فلا بد ms2662 له من فرض سلطته PageV11P075 # بطريقة أخرى ، وهي فرض ضريبة تابعة في تقدير كميتها ونوعيتها لتقدير ولي ~~الأمر الذي يدرس المسألة من موقع مصلحة الإسلام العليا ، ودراسته للواقع ~~الذي يعيشه هؤلاء من ناحية واقعهم المالي ونحوه. وليس لهذه الضريبة التي ~~تسمى بالجزية ، أي مدلول تعسفي في ما يتعلق بإنسانية هؤلاء ، بل هي على ~~العكس من ذلك ، ذات مدلول واقعى يتحرك من موقع النظرة إلى الأعباء التي ~~يتحملها الحكم الإسلامي ، في ما يحمله من مسئولية حماية هؤلاء ورعايتهم ~~وتوفير الضمانات الحقيقة لوجودهم ، مع عدم تحميلهم أية مسئولية في الدخول ~~في الحروب التي يخوضها المسلمون ضد الآخرين ممن يدينون بدينهم ، أو ممن ~~يختلفون عنهم في ذلك ، وعدم مطالبتهم بالضرائب الأخرى المفروضة على ~~المسلمين. ولولي الأمر أن يعفو عنها في بعض الظروف ، وله أن يخفف منها في ~~بعض آخر ، مما يعطي المسألة مرونة تشريعية تفسح المجال لكثير من التوسعة ~~والتغيير. # ولسنا هنا من أجل الدخول في عملية توفيقية تبريرية أو دفاعية في الرد على ~~الذين أثاروا النكير على الإسلام في تشريعه الجزية على أهل الكتاب ، سواء ~~أكانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم ، في ما أرادوا به تشوية صور التشريع ~~الإسلامي للحياة ، بل نحن هنا لاستلهام الواقعية التشريعية التي تواجه ~~المسألة من قاعدتها الحقيقية ، وهي قاعدة التعامل مع الأشياء والأشخاص من ~~خلال دراسة الواقع الذي يريده الإسلام لنفسه ولاستمراره في ما يريده من ~~سلطة الحكم والتشريع والحياة ، بالإضافة إلى دراسة حقوق الآخرين بالطريقة ~~التي تتناسب مع أهداف الإسلام الحياتية. # وقد نستطيع التأكيد على الوجه الإيجابي المشرق للتشريع الإسلامي في هذا ~~المجال ، حيث راعى في الإنسان غير المسلم مشاعره الدينية ، إذ قد يضطر ~~لمحاربة شخص أو جماعة من أهل دينه في ما لو فرض عليه القتال PageV11P076 # عليه القتال مع المسلمين في معاركهم الموجهة إلى أمثال هؤلاء ، كما جعل ~~لهم الحرية في ممارسة كل شعائرهم التي يألفونها ويقدسونها مما لا يتنافى مع ~~النظام العام ، وهو ما قد لا نجده في أي نظام آخر غير الإسلام. # * * * ### ||| ** القرآن ms2663 يصف أهل الكتاب بعدم الإيمان # وهنا يبرز سؤال : كيف يصف القرآن أهل الكتاب بهذه الأوصاف التي لا تتناسب ~~مع طبيعة الانتماء الذي يفترضه ما يتضمنه الكتاب من الإيمان بالله وشرائعه ~~ودينه وباليوم الآخر ، وذلك في قوله تعالى في هذه الآية : ( @QUR@014 ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله )، واختلف هنا حول المراد بالرسول في قوله ( @QUR@04 ما حرم الله ~~ورسوله ) فهل المراد به رسلهم الخاصون كعيسى (ع) بالنسبة للنصارى ، وموسى ~~(ع) بالنسبة لليهود .. إلخ ، أم المراد به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~باعتباره أخر الأنبياء ذهب بعض المفسرين أن المقصود به النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه في ما يبدو لا ينسجم مع جو الآية التي تريد ~~التأكيد على عدم التزامهم بالكتاب في ما يشرعه كتدليل على عدم جديتهم في ~~الانتماء مع المحافظة على صفتهم تلك في طبيعة الموقف ( @QUR@04 ولا يدينون ~~دين الحق ) الذي أنزله الله على رسله في إسلام الفكر والقلب والحياة لله ، ~~مما يجعل الإنسان في حركة دائمة في خط الرسالات الواحد ، مهما اختلفت ~~تفاصيلها من خلال اختلاف الزمن الذي يحتوي هذه الرسالة أو تلك ، ( @QUR@04 ~~من الذين أوتوا الكتاب ) من اليهود والنصارى والمجوس ، في ما جاءت به بعض ~~الروايات التي تذكر أن لهم كتابا ونبيا قتلوه ( @QUR@07 حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون ) من خلال ما يمثله ذلك من الخضوع للسلطة الإسلامية ، في ~~مواجهة حالة التمرد والكبرياء التي كانوا يعيشونها قبل ذلك. PageV11P077 ### ||| ** كيف نفسر ذلك؟ # ربما يبدو أن الآية تمثل حالة جزئية من حالات أهل الكتاب ، على أساس أن ~~هناك فريقين من أهل الكتاب ، فمنهم المؤمنون الذين يلتزمون بالكتاب بكل ~~فكره وشريعته وأسلوبه ، ومنهم الذين لا يعيشون الكتاب إلا أماني ، ولا ~~يجدون فيه إلا واجهة للموقع ، بعيدا عن عملية الإيمان الحي الذي يتحرك في ~~خط الفكر والروح والعمل ، وقد جاءت هذه الآية على أساس هذا الرأي لتأمر ~~بقتال الفريق الثاني الذي يمثل الخطر الكبير على الإسلام والمسلمين ، هذا ~~الفريق الذي ms2664 يتستر بالدين كقناع مزيف يخفي الحقيقة الواقعية في داخله ، وهي ~~الكفر في العقيدة والعمل. وربما نستوحي ذلك من الآيات المتعددة التي تتحدث ~~عن هذين الفريقين من أهل الكتاب ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) [آل عمران : 110] وقد نستفيد ذلك من ظهور كلمة ~~«من» التي تفيد التبعيض ، لا البيان والتوضيح. # ولكن هناك رأيا آخر يفسر الآية بطريقة أخرى ، فيؤكد على أن هذا الحكم ~~شامل لأهل الكتاب بأجمعهم ، مستدلا بالسيرة التي جرى عليها المسلمون منذ ~~عهد الدعوة الأول ، في مواجهة أهل الكتاب بطلب الجزية منهم ، كشرط ~~لمواطنيتهم واحترام وجودهم في داخل المجتمع الإسلامي ، من دون تفريق بين ~~الفئات التي تؤمن بالكتاب كعقيدة ، وبين الفئات التي تنتمي إليه كقناع ~~وكواجهة ، هذا بالإضافة إلى الروايات التي تدل على مثل هذا الشمول. # أما تفسير فقرات الآية ، كجواب على السؤال ، فيرتكز على أنهم «لا يرون ما ~~هو الحق من أمر التوحيد والمعاد وإن أثبتوا أصل القول بالألوهية ، لا لأن ~~منهم من ينكر القول بألوهية الله سبحانه أو ينكر المعاد ، فإنهم قائلون PageV11P078 # بذلك على ما يحكيه عنهم القرآن ، وإن كانت التوراة الحاضرة اليوم لا خبر ~~فيها عن المعاد أصلا». ويستفيد ذلك من «أنه تعالى لم يفرق في كلامه بين ~~الإيمان به والإيمان باليوم الآخر ، فالكفر بأحد الأمرين كفر بالله ، ~~والكفر بالله كفر بالأمرين جميعا ، وحكم فيمن فرق بين الله ورسله فآمن ببعض ~~دون بعض أنه كافر كما قال : ( @QUR@030 إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا* أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ~~) [النساء: 150 151] ويتابع صاحب هذا الاتجاه وهو العلامة الطباطبائي في ~~تفسير الميزان فيقول: «فعد أهل الكتاب ممن لم يؤمن بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم كفارا حقا وإن كان عندهم إيمان بالله واليوم الآخر ، ~~لا بلسان أنهم كفروا بآية من آيات الله وهي آية النبوة ، بل بلسان أنهم ~~كفروا بالإيمان بالله ، فلم يؤمنوا بالله واليوم الآخر ms2665 ، كما أن المشركين ~~أرباب الأصنام كافرون بالله إذ لم يوحدوه وإن أثبتوا إلها فوق الآلهة. على ~~أنهم يقررون أمر المبدأ والمعاد تقريرا لا يوافق الحق بوجه كقولهم بأن ~~المسيح ابن الله وعزيزا ابن الله يضاهئون في ذلك قول الذين كفروا من أرباب ~~الأصنام والأوثان ، أن من الآلهة من هو إله أب إله ، ومن هو إله ابن إله ~~وقول اليهود في المعاد بالكرامة ، وقول النصارى بالتفدية» (1). # * * * ### ||| ** الكفر العملي والكفر النظري # ولكن هذا الرأي لا ينسجم مع ظهور الآية في نفي الإيمان بالله واليوم ~~الآخر ، لأن الظاهر منها نفي هذا الإيمان من خلال المبدأ لا من خلال PageV11P079 # التفاصيل ، ولا بد لنا من أن نفرق في التعبير القرآني بين كلمة الكافر ~~بشكل مطلق ، وبين الكافر بالله واليوم الآخر ، فإن من الممكن إطلاق الكلمة ~~الأولى على الذين ينحرفون في تفاصيل الإيمان بالله أو بالنبوة ، من خلال ما ~~يعبر عنه ذلك من رفض للحقيقة الواضحة. أما الكلمة الأولى ، فلا تنطبق إلا ~~على الجحود بالأساس ، إذا أردنا للتعبير أن يجري على سبيل الحقيقة ، وليس ~~في الآية التي ذكرناها دليل على الدعوى ، لأنها تتحدث عن هؤلاء الذين ~~يضمرون في داخلهم الكفر ، ويحاولون اللعب على مسألة الإيمان بالأسلوب ~~المتلون الذي يوحي بارتباطه برسول دون رسول ، في الوقت الذي لا يعيشون ~~الإيمان بالأساس ، وإن تظاهروا به. # ولهذا فإننا لا نجد في هذا الاستظهار ، انسجاما مع ظهور الآية بحسب ~~المفهوم العرفي منها. # ونستقرب منها أن تكون في مجال إعطاء صورة عن الواقع الذي يعيشه هؤلاء ~~الناس الذين لا يرتبطون بقضية الإيمان بشكل جدي ، بل يعتبرونه واجهة ~~لحياتهم ، بعيدا عن قضية الالتزام بالمضمون ، ليبقى لهم الشكل فقط. ولهذا ~~فإنهم لا يقفون أمام الحرمات التي حرمها الله عليهم ، بل يتجاوزونها ~~ويتلاعبون بها في عملية لف ودوران ، ولا يدينون بدين الحق الذي يمثل حقائق ~~الرسالة الإلهية من خلال ما تشتمل عليه من مبادئ وتفاصيل ، ولهذا لم يكن ~~وجودهم في داخل المجتمع الإسلامي أمرا طبيعيا من دون ضوابط عملية تحدد لهم ~~حدودهم وتعرفهم أصول ms2666 العلاقات التي تربطهم بهذا المجتمع ، ما لهم من حقوق ~~وما عليهم من واجبات ، فكانت الجزية هي المظهر للإخضاع لسلطة الحكم من خلال ~~الشروط العادلة الواقعية التي تحفظهم في عقيدتهم وإنسانيتهم ، بالطرق التي ~~لا تتنافي مع النظام العام. # وربما كان الأسلوب القرآني في حديثه المتنوع عن أهل الكتاب ، شاهدا PageV11P080 # يعيش جدية الإيمان ، بل يمارسه بطريقة شكلية انتهازية ، ويوحي لنا ، بأن ~~مظاهر التمرد على الحقائق وعلى الأنبياء ، تمثل الدليل الواضح على أنهم ~~يفقدون في داخلهم واقعية الإيمان ، لأن الذي يعيش الإيمان حقيقة في الداخل ~~، لا يهرب من الدعوة إلى التفكير والحوار ، ولا يواجه النبوات والأنبياء ~~بالتمرد والعدوان ، بل يحاول الوقوف من ذلك موقف الإنسان الذي يريد أن يفحص ~~المسألة من موقع الباحث عن الحقيقة. # إننا نفهم من الآية أنها تريد أن تفرق بين واقع الممارسة وشكلية الانتماء ~~، لتبين الهوة العميقة التي تفصل بينهما ، ولهذا جاء التعبير بقوله : ( ~~@QUR@04 من الذين أوتوا الكتاب ) للإيحاء بأنهم لم يأخذوه بشكل عملي. # هذا من الجانب التفسيري للآية ، أما ما نلاحظه من شمول الحكم بأخذ الجزية ~~من الجميع ، فقد يرجع إلى دليل آخر في ما نستفيده من غير الآية. وقد يرجع ~~إلى اعتبار الظاهرة البارزة في مجتمعهم ، كأساس لتغليب الحكم على الجميع ، ~~باعتبار أن التفريق بين فريق وفريق في مجتمع مختلط لا يعتبر أمرا عمليا. ~~وربما استوحينا الموضوع من دراسة طبيعة هذا الإجراء الذي لا يراد من خلاله ~~السيطرة الذاتية التي تتحرك من موقع العقدة ، بل يراد منه السيطرة من خلال ~~التنظيم ، لأن المجتمع الذي تحكمه عقيدة معينة ، بحيث يكون الحكم فيه ~~ملتزما بخط معين ، لا بد من أن يملك حكم أفراده الذين يؤمنون بتلك العقيدة ~~، من خلال التزامهم العقيدي الذي يحركهم نحو الطاعة والخضوع للنظام ، أما ~~الأفراد الذين لا يؤمنون بها ، ولا يجدون أية حالة دينية أو فكرية تفرض ~~عليهم الالتزام ، فلا بد من أن يحكمهم من خلال إخضاعهم للسلطة على أساس ~~حالة تعاقدية لا يكون فيها الحكم مجرد طرف اختياري في التعاقد في مواجهة ~~الطرف الآخر ms2667 ، بل يكون الطرف الأقوى الذي يفرض السلطة على PageV11P081 # الطرف الآخر من دون الإساءة إلى حقوقه الطبيعية في الحياة الكريمة ~~الخاضعة للحكم المسؤول. # وبهذا نفهم كيف ينبغي للمسألة التنفيذية والتشريعية في هذا المجال ، أن ~~تكون شاملة لأهل الكتاب بأجمعهم ، ليطبق عليهم حكم القانون في القضايا ~~المتصلة بالصالح العام ، وليمارسوا حريتهم العبادية والعملية في ما لا ~~يتنافى مع الصالح العام ، مع ملاحظة الاستمرار في الانفتاح على الجانب ~~الفكري للمسألة من خلال الحوار ، فلا يضطهدهم فكريا ليفرض عليهم الانتماء ، ~~بل يعمل دائما على مخاطبة هذا الفكر المتميز عنه من موقع فكري ، وليس هناك ~~إلا تطبيق القانون من أجل سلامة الجميع ، وبهذا يمكن استفادة بعض موارد ~~الحكم من خلال مدلول الآية ، كما يمكن استفادة البعض الآخر من الأجواء ~~الواقعية المحيطة بهذا المدلول. # وربما كان من الملاحظ أن الجزية لم تذكر في القرآن إلا في هذه السورة ، ~~وفي هذه الآية تحديدا ، مما قد يوحي بأن القرآن كان يركز الموضوع من ناحية ~~المبدأ ، من خلال معالجة الحالة القائمة في المجتمع الأول للدعوة ، لتكون ~~نقطة الانطلاق للتشريع الذي تتكفله السنة النبوية ، في ما يلهم الله به ~~نبيه من تفاصيل الشريعة ، وهذا باب يمكن لنا أن نفتحه في دراستنا القرآنية ~~، لنقف من خلاله حيث يقف النص القرآني في مدلوله ، فلا نحمله أكثر مما ~~يتحمل ، اعتمادا على أن التشريع يتسع لأكثر مما يتسع له النص ، مما يؤدي ~~إلى التأويل ، أو توسيع المعنى بعيدا عن ظاهر اللفظ ، بل نترك الأمر في ~~تكامل التشريع إلى السنة التي جاءت لتعطينا توضيح ما أجمله القرآن ، وتوسيع ~~ما شرعه من حيث المبدأ. إنها ملاحظة للتفكير وللمناقشة في ما نرجو أن نصل ~~به إلى النتائج الصحيحة في الفهم القرآني الصحيح ؛ والله العالم. # * * * PageV11P082 ### ||| ** القتال لبسط القانون لا للإخضاع # ومن خلال ذلك نستطيع أن نستوحي الفكرة الإسلامية ، التي تضع مسألة الدعوة ~~إلى القتال في نطاقها الطبيعي المعقول ، فلا تكون عملية سيطرة غاشمة للقوة ~~ضد حرية الإنسان وإرادته ، بل تكون عملية إخضاع قانوني للسلطة الحاكمة في ~~عملية تنظيمية ms2668 دقيقة. وهذا ما يمكننا أن نفهمه بقليل من التفصيل. # إن علينا أن ندرس الأسلوب العملي الذي يحاول الإسلام من خلاله إخضاع ~~الناس لحكمه ، فهو يعمل في البداية على أن يخطط الطريق للوصول بهم إلى ~~قناعاته الفكرية والعملية على أساس الدعوة إلى التأمل والتفكير والمناقشة ~~والحوار الجدي الذي يثير أمام الفكر مختلف القضايا المطروحة لدراستها ~~بطريقة موضوعية هادئة ، ليكون الرفض أو التأييد من مواقع الفكر الذي لا ~~يتعقد من أية علامة استفهام ترتسم أمام الطروحات العقيدية أو النتائج ~~الأخيرة ، بل يظل مع أجواء المعرفة التي يعتبرها حقا لطالبها حتى يصل إلى ~~القناعة ، بشرط أن تكون القضية قضية المعرفة ، لا قضية العناد ، لأن مسألة ~~العناد لا تتصل بقضية الحرية ، بل ترتبط بقضية العقدة المتأصلة في النفس ، ~~المتحركة في خلفيات العدوان. # * * * ### ||| ** القتال إجراء وقائي # فإذا لم يصل البحث إلى نتيجة ، ولم يمكن الوصول إلى قناعات مشتركة PageV11P083 # حول القاعدة العقيدية التي يرتكز عليها الحكم ، سواء كان ذلك عن عدم ~~اقتناع أو عناد ، كان من حق الحكم الشرعي أن يحمي وجوده واستمراره وتوازنه ~~، وذلك بإخضاع هؤلاء للالتزام بمشروعية السلطة في الجانب العملي منها ، إما ~~بالدخول في النطاق الرسمي للعقيدة ، وذلك بإظهار الإسلام باعتباره الشكل ~~القانوني للاعتراف بشرعية الالتزام بالقانون كله ، أو بدفع الضريبة المحددة ~~بقانون معين وهي تسمى بالجزية في مقابل تحمل الدولة مسئولية رعايتهم ~~وحمايتهم من كل عدوان أو إساءة أو انتهاك لحرمتهم ، وذلك بإدخالهم في ذمة ~~المسلمين وعهدهم ، مع إعفائهم من كل الالتزامات التي لا تتناسب مع التزامهم ~~الديني ؛ كإدخالهم في الجيش الذي يحارب بعض إخوانهم في دينهم ، أو لا ~~يتناسب مع مصلحة النظام بشكل عام. فإذا لم يوافقوا على ذلك ورفضوا كل أساس ~~للالتزام بالشروط المطلوبة لصفة المواطن ، كان ذلك دليلا على أنهم قد ~~أعلنوا التمرد على الإسلام والمسلمين ، وعند ذلك يجوز قتالهم ، لمنع التمرد ~~والتعدي على نظام الأمة ، حتى يدفعوا الجزية تحت ضغط القوة ، بعد أن ~~امتنعوا عن دفعها المعبر عن حالة السلم مع الدولة ، بالرضا والقبول. # وفي ضوء ذلك ، نفهم ms2669 أنه لا مجال للقتال في الحالات التي ينطلق منها ~~التراضي بينهم وبين المسلمين بدفع الضريبة والاحتكام إلى عقد الذمة ، الذي ~~يحفظ لهم صفة المواطنية بأفضل طريق. # * * * ### ||| ** الجانب الإنساني في الجزية # وربما أثيرت أمام هذه الضريبة بعض الشبهات التي تتحدث عن الانتقاص من صفة ~~الإنسانية والمواطنية لهذا الإنسان الذي لا يدين بدين الدولة ، عند ما يفرض ~~عليه أن يدفع الجزية صاغرا ، مما لا يتناسب مع الأجواء PageV11P084 # التي تلتقي بالعدالة والحرية والمساواة في الإسلام؟ # ولكننا لا نرى في هذا الجانب من التشريع أي انتقاص من إنسانية هذا ~~الإنسان ، كما ذهبنا في كلامنا عن تشريع الجزية في الصفحات السابقة ، ونضيف ~~هنا ، إمعانا في البيان ، أنه ربما كان هذا التشريع بعض تأكيد على هذه ~~الإنسانية ، إذ قد نلاحظ في هذا المجال أن الإسلام لم يفرض عليه كثيرا من ~~الضرائب المفروضة على المسلمين ، ولم يحمله الكثير من مسئولياتهم التي لا ~~تتناسب مع صفته الدينية كالقتال ونحوه ، وجعل له في مقابل هذه الضريبة ~~«الجزية» ، حق الحماية والرعاية والمواطنية العامة التي يكون له فيها ما ~~للمسلمين من حرمات إنسانية ، وعليه ما عليهم من مسئوليات بشكل محدود ، ~~تماما كأية ضريبة داخلية تفرض على المواطنين. وإذا كان قد أبعده عن بعض ~~مواقع المسؤولية في الدولة ، فليس ذلك من خلال التأكيد على اضطهاد دوره ، ~~بل لأن الدولة ترتكز على قاعدة معينة من الالتزام العقيدي ، يفرض على ~~القائم بشؤونها في المواقع المتقدمة أو الحيوية أن يكون ملتزما بفكر ~~العقيدة ورسالتها وخطواتها العملية ومخلصا لأهدافها ، فليس من الطبيعي أن ~~يوضع فيها الرافض لرسالتها ، البعيد عن التزامها. وهذا أمر لا يقتصر على ~~الإسلام بل يشمل كل دولة ملتزمة. # وربما كانت وجهة نظر هؤلاء منطلقة من واقع الدولة التي لا تنطلق من قاعدة ~~الالتزام كأساس للانتماء والحكم ، بل من واقع الوجود البشري فيها ، بعيدا ~~عن أية فكرة أو عقيدة ، مما يجعل من حق كل فرد في الدولة أن يتسلم الحكم في ~~أي موقع من مواقعه ، بل ربما كان من حقه أن يفرض بطريقة وبأخرى ms2670 رأيه على ~~الآخرين عند تسلمه الحكم بوسائله الخاصة. ونحن لا نؤمن بالدولة من هذا ~~المنطلق ، ولذلك فإن دراسة المعنى الإنساني وغير الإنساني في هذا التشريع ~~أو ذاك ، لا يخضع لمقياس واقع الدولة الآن ، بل لمقياس الصفة الفكرية التي ~~تطبع الدولة بطابعها الفكري والسياسي. # * * * PageV11P085 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) @QUR@023 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~(31) @QUR@015 يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون (32) @QUR@014 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يضاهؤن ): يشاكلون ، يشابهون. # ( @QUR@01 يؤفكون ): الإفك : الكذب والافتراء ، ويؤفكون : أي يصرفون PageV11P086 # عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل. # ( @QUR@01 أحبارهم ): الحبر : العالم. # ( @QUR@01 ورهبانهم ): الراهب : العابد. وقد كثر استعماله على متنسكي ~~النصارى. # ( @QUR@01 سبحانه ): بمعنى تنزيهه. # * * * ### ||| ** الانحراف في عقيدة اليهود والنصارى # وهذا نموذج من نماذج الانحراف في التصور للعقيدة الإلهية لدى أهل الكتاب ~~، في ما كان يتحرك به الانحراف لديهم في بعض مجتمعاتهم أو كلها ، انطلاقا ~~من حالة التقديس للشخص العظيم من خلال ما يظهره الله على يديه من معجزات ~~خارقة للعادة ، ليؤكد بذلك عنصر التحدي للقوى المضادة ، كما حدث في شأن ~~عيسى ابن مريم عليه السلام ، أو في ما يقوم به من أعمال بطولية كبيرة من أجل ~~إنقاذ شعبه كما حدث في شأن عزرا الذي يقال إنه جدد دين اليهود وجمع أسفار ~~التوراة وكتبها بعد ما افتقدت في حملة بخت نصر ملك بابل الذي فتح بلادهم ~~وخرب هيكلهم وأحرق كتبهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم والباقين من ~~ضعفائهم وسيرهم معه إلى بابل ، فبقوا هنالك ما يقرب من قرن ، ثم لما فتح ~~«كورش» ملك إيران بابل شفع لهم عنده عزرا وكان ذا وجه عنده ، فأجاز له أن ~~يعيدهم إلى بلادهم وأن يكتب لهم التوراة ms2671 ثانيا بعد ما افتقدوا نسخها ، وكان ~~ذلك في حدود سنة 475 قبل الميلاد. فكان هذا العمل الكبير الذي قام به مدعاة ~~لأن يكون له المقام الكبير والمنزلة العظيمة عندهم ، بالمستوى الذي يوحي ~~لهم بأن ذلك فوق طاقة البشر ، أو بأنه PageV11P087 # لمن له قرابة بالله ، لتكون تلك القرابة أساسا للإفاضة الإلهية عليه في ~~ما يريد أن يقوم به من أعمال صعبة وقدرات غير عادية. # وهكذا خيل إليهم أو إلى بعضهم ، بأنه ابن الله ، كما خيل للنصارى أن عيسى ~~ابن الله بسبب ما تميز به من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وربما ~~كانت هذه الكلمة منهم مظهر تعظيم ، لا قضية عقيدة ، وربما كانت لونا من ~~ألوان التطور الخرافي للتعظيم الذي عاشوه في ما عايشوه من المجتمعات ~~الكافرة المشركة الوثنية التي كانت تعتبر الملائكة بنات الله ، أو تعتبر ~~الجن كذلك ، أو في غير ذلك من العقائد التي كانت تجعل بين الله وبين بعض ~~خلقه نسبا ، لأنهم لا يعتبرون أن العظمة يمكن أن تكون حالة ذاتية لدى الشخص ~~العظيم ، أو هبة من الله له في ما اقتضته حكمته ، بل يرونها امتيازا لا ~~يتحقق إلا من خلال الصفة الغيبية التي ترتبط بالقرابة الإلهية ، انطلاقا من ~~حالة التخلف الفكري الذي يعمل على أن يربط كل شيء بالغيب حتى يتحول الغيب ~~عنده إلى حالة حسية عضوية في وجود هذا الإنسان العظيم. # وهكذا توجد الأسطورة في خيال هؤلاء ، وتنطلق الصنمية لتوحي للخرافيين بأن ~~هناك سرا في هذا الوثن أو ذاك ، وأن هناك علاقة ما بينه وبين الله. إنه ~~الانحراف في التصور الذي يبدأ في الذهن حالة من التعظيم الشعوري ، ليتحول ~~إلى حالة من التقديس الفكري ، ويتطور بعد ذلك إلى عبادة في ما يعبد الناس ~~من عظمائهم ، أو إلى تقييم أسطوري ، في ما يعطيه الناس لهم من قيمة متطرفة ~~تجعل منهم شخصيات غيبية في مستوى الألوهة ، أو في ما يقرب منها في أجواء ~~الأسرار الضبابية التي لا يفهمون منها أي شيء معقول. # * * * ### ||| ** تأليه عزيز # ( @QUR@05 وقالت اليهود عزير ابن الله ms2672 ) إذ اعتبروه مظهرا للقدرة الخارقة ~~التي لا PageV11P088 # تتأتى للإنسان العادي ، ما لم يكن بينه وبين الله قرابة عضوية ، أما كيف ~~كانت الصورة لدى هؤلاء بالذات ، وهم يرون أنه ابن شخص معين ، عاشوا معه ~~وعاينوه ، فيمكن أن تكون مرتبطة بالجانب الروحي للشخص الذي يمثل حالة من ~~الغيب الخفي الكامن في داخل الذات الذي يوحي إليهم بأجواء ضبابية في التصور ~~والشعور والتخييل الذي يحملهم إلى آفاق الأسطورة والخيال. وقد نجد أمثال ~~ذلك في الأجواء الشعورية الداخلية التي يختزنها الكثيرون من الناس في ~~أنفسهم في تقديسهم للشخصيات الكبيرة الناجحة ، فيدفعهم ذلك إلى لون من ~~التقديس والغلو في التقييم ، حتى لتشعر وأنت تتطلع إلى طريقتهم في المدح ~~والثناء أنهم يعيشون الحيرة في الطريقة التي يستطيعون التعبير من خلالها عن ~~عظمته ، فيقفزون من لقب إلى لقب ، فإذا شعروا أن هذا لا يعبر عن حقيقة ~~العظمة لديه ، انتقلوا إلى الدخول في فرضيات لما تشتمل عليه ذاته من أسرار ~~ملكوتية ونفحات قدسية وفيوضات ربانية ، تصعد به إلى أجواء سماوية غامضة لا ~~أفق لها إلا أنها تمثل التعبير عن مشاعر العظمة والتقديس التي تبرر كل شيء. ~~وهذا هو السر في كثير من حالات الغلو في الشخص العظيم. # * * * ### ||| ** تأليه المسيح # ( @QUR@05 وقالت النصارى المسيح ابن الله ) بسبب ما شاهدوه من الخوارق ~~للعادة في معجزاته ، فلم يعتبروها مظهرا للطف المرتبط بحركة الرسالة في ~~مواجهة التحدي ، بل اعتبروها امتيازا ذاتيا يستمد قوته ومعناه من العلاقة ~~العضوية بالله ، بالمعنى الجسدي ، على بعض المعاني ، وبالمعنى الروحي على ~~البعض الآخر. # وقد لا يكون هذا القول لليهود والنصارى ، ظاهرة شاملة في الجميع ، بل ~~ربما كان حالة محدودة في بعض الأشخاص والمراحل ، وإنما ينسبها الله PageV11P089 # إليهم من خلال إرادته لتقديم النموذج الحي للانحراف في التصور والعقيدة. ~~( @QUR@09 ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل ) كوجه بارز ~~من وجوه التأثر الفكري بالتيارات الكافرة الموجودة في حياتهم ، مما يدفعهم ~~إلى التشبه بهم في الشكل والمضمون. وهذا لون من ألوان الضعف الذي يعيشه ~~الإنسان إذا وقف أمام الآخرين ، الذين ms2673 يملكون القوة ، فيحاول أن يوفق بين ~~إخلاصه لعقيدته ، وبين انسحاقه أمام عقيدة الآخرين ، فيعمل على الدخول في ~~عمليات التسوية والتبرير والتوفيق بين المفاهيم المختلفة ليجمع بينها في ~~عملية متكلفة ، لا تلتقي فيها بهذا المفهوم أو ذاك ، بل تخرج لنا مفهوما ~~غريبا في طبيعته وفي ملامحه. # ولعل هذا هو ما نواجهه في الانحراف الفكري الذي يتمثل في تفكير المسلمين ~~من خلال انبارهم بثقافة الغرب الكافر الذي يملك القوة المادية التي يسيطر ~~من خلالها على حياتهم وأفكارهم ، فيحاولون السير وراءه ، والعمل بمخططاته ، ~~ولكن بشكل إسلامي ، يفقد فيه التفكير الإسلامي مضمونه ومحتواه. ( @QUR@04 ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون ) أي يصرفون ، وهذا تعبير عن رفض الله لهم وإبعاده ~~لهم عن ساحته بالمستوى الذي تتحول فيه القضية إلى الإيحاء بقتال الله لهم ، ~~لأنهم لا يملكون حجة يحتجون بها ولا قاعدة يرتكزون عليها ، بل هو الوهم ~~والخيال ونزعة تقليد الضعيف للقوي في محاولة للحصول على رضاه. # * * * ### ||| ** الأحبار والرهبان أرباب من دون الله # ويأخذ الانحراف بعدا آخر ، في علاقتهم بأحبارهم ورهبانهم ، في ما يمثلون ~~من واقع رسمي للدين ، فيستسلمون لهم بكل شيء ، من دون أن PageV11P090 # يتوقفوا ليفكروا معهم في ما يدعونهم إليه أو يقودونهم نحوه. وهم يرون ~~فيهم الأنانية والتعصب والانحراف والعناد ، فيخضعون لهم ، ويطيعونهم في كل ~~أمر أو نهي صادر منهم ، تماما كما يفعل المربوب مع ربه من عبادة وخضوع. # ( @QUR@07 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) إذ أطاعوهم ~~الطاعة العمياء في كل شيء بعيدا عن أمر الله ونهيه ، وذلك عند ما يتحول ~~التقديس والتعظيم إلى استغراق في ذواتهم كما لو كانوا في مستوى الآلهة. وفي ~~هذا إيحاء بأن الله يرفض عبادة غيره من خلال التمرد على طاعته لحساب طاعتهم ~~، كما يرفض التمرد على الإيمان به ، بالإيمان بغيره. فهذه ربوبية في ~~العقيدة ، وتلك ربوبية في الطاعة والعبادة ، وفي كلتا الحالتين يلتقي ~~الإنسان بعبادة غير الله ، في انحراف الفكر والعمل ( @QUR@03 والمسيح ابن ~~مريم ) الذي اعتبروه التجسيد الحي لله في العقيدة العامة للنصارى ( @QUR@06 ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ) لا ms2674 شبيه له في عظمته ولا شريك له في ~~خلقه ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) لأن كل من عداه هو مخلوق له ، فكيف يكون ~~شريكا له ، وهو الخالق للوجود كله ، فلا يستحق العبادة أحد سواه ( @QUR@03 ~~سبحانه عما يشركون ) من هذه المخلوقات الحقيرة في ذاتها ، الفقيرة في ~~وجودها ، المحتاجة في كل شيء يحيط بها ، أو يتصل بها ، وهو العظيم في ذاته ~~، الغني في وجوده عن كل شيء. # * * * ### ||| ** إطفاء نور الله .. والله متم نوره # ( @QUR@06 يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ) من خلال ما يصنعونه من ~~آلهة بأيديهم أو بأوهامهم ، ثم يسبغون عليها من خيالهم صفات الألوهية ، ~~ويحددون للناس المسار على أساس ذلك ، فإذا بالخطط الفكرية والسياسية ~~والاجتماعية PageV11P091 # تنطلق من قاعدة العبودية لهذا الإنسان أو ذاك ، أو لهذا الهوى أو ذاك ، ~~من أجل أن يثيروا الضباب في وجه الداعين إلى الله ، ويحركوا الظلمة في قلوب ~~الناس ، ويثيروا العواصف العمياء الحاقدة ليطفئوا نور الله ودينه وشريعته ~~بكلماتهم الكافرة المضللة غير المسؤولة ، في ما يطلقونه من اتهامات ، ~~ويثيرونه من شبهات ، وينسجونه من حبائل المؤامرات. ولكن الله بالمرصاد لهم ~~في ما يمكرون ويدبرون ( @QUR@06 ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) بإيصاله إلى ~~كل قلب وعقل وروح ، لأن هذا النور هو النور الذي يتحرك في آفاق الروح ~~والعقل ، ليبعث الهدى ، ويهدم الضلال ، ويحق الحق ، ويبطل الباطل ، بكلماته ~~( @QUR@03 ولو كره الكافرون ) الذين يكرهون كل إشراقات الروح ، وفيوضات ~~النور المتفجر من رسالة الله. # ( @QUR@05 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ) ليبينه للناس في عملية إقناع ~~ودعوة وتوعية وليدخله في قلوبهم وضمائرهم التي تنفتح للهدى القادم من قلب ~~الرسالات ( @QUR@02 ودين الحق ) الشامل الكامل الذي يتميز بالسعة والعمق ~~والامتداد في الحياة ، والانطلاق بالإنسان إلى كل سماوات الإبداع الروحي ~~والكمال الإنساني ، والانطلاق الفكري والتركيز العملي الواعي ( @QUR@04 ~~ليظهره على الدين كله ) سواء كان دين شرك مما انحرف فيه المشركون ، أو دين ~~توحيد انحرف في طريقه ( @QUR@03 ولو كره المشركون ) الذين ينظرون إلى ~~التوحيد نظرة الأعمي الذي لا يبصر طريقه ، ولا يعرف بدايته ونهايته. # وتلك هي إرادة الله ، في ما ms2675 يريد للحياة من دين يعيشه الناس بأفكارهم ~~ويمارسونه بأعمالهم ، لتكون الحياة كلها له ، ولم يرد الله لدينه أن يظهر ~~أو ينتصر بالمعجزة الخارقة ، التي تضغط على الواقع ليتغير بشكل غير طبيعي ، ~~بل أراد له أن يظهر بالوسائل البشرية الطبيعية المتمثلة بالإقناع بالحكمة ~~والموعظة الحسنة في مجال الدعوة ، وبالجهاد والمواجهة الحاسمة ، بمختلف ~~الوسائل # * * * PageV11P092 # الضاغطة ، في مجال رد التحديات والدفاع عن حرية الدعوة في الوصول إلى كل ~~مكان في العالم. وبهذا استطاع المسلمون ، من خلال الدعوة والجهاد ، أن ~~يصلوا بالإسلام إلى الآفاق التي وصلها ، عند ما أخذوا بالأسباب العملية في ~~ذلك كله ، ثم توقفوا وتراجعوا ، عند ما فرضت عليهم ذهنية التخلف أن يتركوا ~~الدعوة ويتخلفوا عن حركة الجهاد ، ليستريحوا إلى أمجاد الماضي وأحلام ~~المستقبل ، في عملية استرخاء كسول ، تنتظر النصر من الله من دون أن تملك ~~وسائله العملية ، مما يتنافى مع سنة الله في الكون التي انطلقت من أجل أن ~~تربط النتائج بمقدماتها ، والمسببات بأسبابها. # وهكذا نجد أننا عند ما نتحرك في اتجاه الدعوة لتغيير الفكر الإنساني على ~~صورة الدين الحق ، فإننا نتحرك في خط إرادة الله ، تماما كما هو الحال عند ~~ما نتحرك في اتجاه خط الجهاد من أجل مواجهة التحديات المضادة من جهة ، ومن ~~أجل تحقيق المبادئ العامة لهذا الدين ، في حركة العدل والحرية للشعوب ، من ~~جهة أخرى. إنها الإرادة الدائمة التي توحي بأن النتائج ستتحقق في الساحة ~~العامة للحياة ، عند ما ينطلق العاملون على أساس تحقيق المقدمات ، ليكون ~~النصر للإسلام الدين الحق بإذن الله. # * * * PageV11P093 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) @QUR@019 يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما ~~كنتم تكنزون ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يكنزون ): الكنز : جعل المال بعضه على بعض وحفظه. # ( @QUR@01 يحمى ): الإحماء : جعل الشيء حارا في الإحساس وهو فوق ~~الإسخان. # ( @QUR@01 فتكوى ): الكي : إلصاق الشيء الحار بالعضو ms2676 من البدن. # * * * PageV11P094 ### ||| ** بشرى للذين يكنزون الذهب والفضة بالعذاب # ويستمر القرآن في استعراض مظاهر الانحراف لدى «المجتمع الكتابي» من خلال ~~ما يتمثل به من النماذج البشرية المتنوعة القائمة على شؤون هذا المجتمع ، ~~في عملية تضليل وانحراف ، وذلك بفعل المواقع المتقدمة التي تملكها على هذا ~~الصعيد ، ليدلل على أن موقف الإسلام من هؤلاء ليس ناشئا من الاختلاف في ~~القضايا التي يثيرها الكتاب الذي يؤمنون به في ما أنزل على موسى وعيسى ~~عليه السلام ، لأن القرآن يعترف به كوحي منزل من الله ، وإن كان هناك بعض من ~~التحريف الذي قام به هؤلاء الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ، بل هو ~~ناشئ من استغلالهم الكتاب كواجهة للابتزاز والتضليل واللعب بحياة الناس. # * * * ### ||| ** تحول الرهبنة إلى مظهر استغلال # وفي هذا الجو ، يقدم لنا القرآن هؤلاء الذين يملكون الصفة الرسمية للدين ~~، ويجعلون من أنفسهم هداة للناس ، في ما يحملونه من علم الكتاب ، أو في ما ~~يمارسونه من تدرب على الجهاد الداخلي ، بالعزلة الروحية التي يفرضونها على ~~حياتهم ، أو بالتقشف القاسي الذي يخضعون له أجسادهم ، أو بالبعد عن شهوات ~~الحياة وزخارفها ، وما إلى ذلك من أوضاع وممارسات تجعل منهم القدوة المثلى ~~في نظر الناس ، بحيث يخيل إليهم أنهم وكلاء الله على الأرض ، فهم الذين ~~يتقرب الناس بهم إلى الله ، وهم الذين يملكون توزيع حصص الجنة عليهم ، كما ~~يملكون توزيع حصص النار لمن لا يرضون عنهم. وهكذا يستطيع هذا الانطباع الذي ~~يحمله الناس عنهم ، أن يؤكد تأثيرهم في المجتمع وسيطرتهم عليه ، وبذلك ~~استطاعوا أن يطوروا الأساليب من أجل PageV11P095 # استغلال مراكزهم ، للاستيلاء على أموال الناس بطرق غير شرعية ، تتنوع حسب ~~تنوع المراحل والأجيال. فقد كان البعض منهم يبيع أراضي الجنة ، وبعضهم يبيع ~~صكوك الغفران ، وبعضهم يمهد للظلمة أن يبسطوا سلطانهم على المستضعفين من الناس. # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ) وذلك من خلال ما يتيحه لهم مركزهم الديني المتصل ~~بالغيب الذي يخيل للناس من خلاله أنهم يملكون عالم الغيب كله ، فيفرضون ~~عليهم باسم ms2677 الغيب ما يريدون أن يحصلوا عليه منهم من أموال وشهوات ، مستغلين ~~سذاجة الناس وطيبتهم وجهلهم. # ومن خلال ذلك يريد القرآن أن يوحي إلينا بعدم الاستسلام الكلي للفئة التي ~~تملك هذا المركز الرسمي للدين ، بل علينا أن نواجهها بحذر ووعي ومراقبة ~~لئلا نعيش مثل هذه التجربة في واقعنا العملي ، فنقع في مثل ما وقعوا فيه ، ~~وننحرف في ما انحرفوا فيه. ولا يريد القرآن أن يعقد الإنسان تجاه هذه الفئة ~~من الناس ليقضي على الثقة التي يحصلون عليها منهم ، ولكنه يريد أن يفتح ~~عيونهم على الواقع ، فيثير فيهم الاهتمام بدراسته بطريقة واعية تضع في ~~حسابها كل الاحتمالات ، لتتحرك في إعطاء الثقة للآخرين لهؤلاء أو لغيرهم ، ~~من موقع دراسة وتدقيق ، انطلاقا من إمكانات الخطأ لكل إنسان غير معصوم ، ~~ومن وجود تجارب عملية لمثل هؤلاء المنحرفين في الماضي والحاضر ، ليتعلم ~~الناس أن يواجهوا الحياة بوعي ، حتى في داخل الأهواء التي تأخذ لنفسها صفة ~~القداسة ، ليكون التأييد عن وعي وقناعة ، وليكون الرفض عن دراسة واطلاع ~~بعيدا عن كل حكم عشوائي ، أو تصرف غير مسئول. # * * * PageV11P096 ### ||| ** مسئولية الموقع # وربما نحتاج إلى إثارة ملاحظة حول كلمة «الباطل» لنستوحي منها كل الوسائل ~~غير الشرعية التي يتخذونها سبيلا لأخذ الأموال من الناس بغير حق ، فلا تشمل ~~الهدايا والعطايا التي يقدمها الناس إليهم عن طيب خاطر ، إلا في ما إذا لم ~~يكونوا بالمستوى الذي يفرضه مركزهم من خدمة الناس في دينهم وفي تثقيفهم ~~وتوعيتهم ، كما في الكثيرين الذين يتخذون من الموقع الديني وسيلة للبطالة ~~الاجتماعية ، فلا يشعرون بأية مسئولية تجاه الناس في مجال الدعوة والتبليغ ~~، بل يحاولون أن يتحدثوا معهم من مركز فوقي يوحي إليهم بالترفع والمنة لأقل ~~خدمة يقدمونها إليهم ، ويعتبرون أن مستواهم لا يقترب من مستوى الناس ~~البسطاء الفقراء ، فيتقربون من المترفين والأغنياء ، ويبتعدون عن المؤمنين ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه الله. إن مثل هؤلاء لا يستحقون ~~المال الذي يأكلونه حتى إذا كان من الصدقات والضرائب الشرعية ، لأنهم لم ~~يقدموا للناس ولله شيئا في مقابل ذلك ، ولولا ms2678 الموقع الديني الذي يشغلونه ~~لما أعطاهم الناس شيئا من ذلك ، مما يعني أن العطاء هو للموقع لا للشخص. ~~وبذلك نفهم ما معنى مسئولية الموقع في حركة الشخص في الحياة. ( @QUR@04 ~~ويصدون عن سبيل الله ) لأنهم لا يريدون للحياة أن تسير في طريقه ، بل ~~يريدون لها أن تخضع لشهواتهم وأطماعهم. # * * * PageV11P097 ### ||| ** الذين يكنزون الذهب والفضة # ( @QUR@04 والذين يكنزون الذهب والفضة ). وهذا نموذج آخر من نماذج ~~الانحراف الذي يلتقي بالفريق الأول ، وقد يتمثل في غيره ، وهو نموذج هؤلاء ~~الذين يعيشون الحياة من أجل الحصول على المال بأية وسيلة ومن أي مكان ، لأن ~~هدفهم هو ادخار المال واكتنازه وزيادته ، لا لهدف كبير يتصل بخدمة الحياة ~~في قضاياها الحيوية أو بخدمة الإنسان في مشاكله المتنوعة ، بل كل ما هناك ~~هو إرضاء عقدة الطمع والكبرياء في ذواتهم وشهوة التملك في نفوسهم ، فهم ~~يجمعون ويجمعون ثم يدخرون ويكنزون الذهب والفضة من طريق مشروع أو غير مشروع ~~( @QUR@05 ولا ينفقونها في سبيل الله ) في ما يمثله «سبيل الله» من أفق ~~واسع لكل المعاني الروحية والاقتصادية والتربوية ونحو ذلك مما يعتبر خدمة ~~لله بخدمة عباده ، وجهادا في سبيله ، من خلال تأكيد القواعد التي أراد ~~للحياة أن تقوم عليها. # * * * ### ||| ** الوجهة التشريعية لتحريم اكتناز الذهب والفضة # والسؤال الآن : ما هو مصداق هذه الآية في الحياة العامة التي نعيشها؟ # هل هم الذين يجمعون المال ويخرجون منه حقوق الله ، ثم يدخرونه من أجل ~~تقوية مركزهم الاقتصادي الذي يعطي القيمة لصاحبه ، بقدر ما يملك من مال في ~~أسواق المال ، أو من أجل تأمين مستقبلهم الذي يتقاعدون فيه عن العمل ~~ليتحولوا إلى عنصر استهلاكي لا إنتاجي ، فيحتاجون لما يحفظ لهم ماء PageV11P098 # وجههم ، أو يحقق لهم استمرار حياتهم بشكل طبيعي؟ # وقد قيل إن أبا ذر الغفاري (رضوان الله عليه) واجه معاوية وعثمان بهذه ~~الآية ، وكانت وجهة نظر معاوية أنها مختصة بأهل الكتاب ، وكان جواب كعب ~~الأحبار في مجلس عثمان ، أنها لا تشمل الذين يخرجون الزكاة ، وكان رد أبي ~~ذر حاسما في رفض الجوابين. # أو هم هؤلاء الذين يجمعون المال ms2679 ويدخرونه حبا في المال ، وبخلا به ، من ~~خلال شهوة ذاتية في طلبه ، فلا يدفعون منه شيئا من حقوق الله أو من حقوق الناس؟ # وبكلمة موجزة ، هل هي من الآيات التي تتضمن تشريعا عاما يختلف عن ~~التشريعات التفصيلية في نطاق الضرائب الشرعية كالزكاة والخمس ونحوهما ، أو ~~هي من الآيات التي تتحرك في أجواء هذه التشريعات لتعالج مسألة نوعية العقاب ~~الذي يترتب على الممتنعين عن دفع الضرائب الشرعية ، أو هي واردة في اتجاه آخر؟ # ربما يجد بعض المحققين من المفسرين ، أن الآية تعالج قضية إخفاء المال عن ~~الأنظار ، والامتناع عن تحريكه في أجواء السوق التجارية ، أو في مجالات ~~الإنفاق العام الذي قد يتمثل في الحقوق الشرعية الواجبة ، أو في ما يفرضه ~~ولي الأمر من إنفاقات طارئة بسبب ما يحتاجه أمر الإسلام والمسلمين ، مما ~~يجعل من إخفائه مانعا عن الاطلاع عليه للاستفادة من ذلك في مواجهة المشاكل ~~الاقتصادية التي تحدث لأولياء الأمور ، ويوضح هذا المحقق ، وهو العلامة ~~الطباطبائي في تفسير الميزان هذه الفكرة فيقول : «فالآية إنما تنهى عن ~~الكنز لهذه الخصيصة التي هي إيثار الكانز نفسه بالمال من غير حاجة إليه ، ~~على سبيل الله مع قيام الحاجة إليه ، وناهيك أن الإسلام لا يحد أصل الملك ~~من جهة الكمية بحد ، فلو كان لهذا الكانز أضعاف ما كنزه من الذهب والفضة ولم PageV11P099 # يدخرها كنزا بل وضعها في موضع الجريان يستفيد به لنفسه ألوفا وألوفا ، ~~ويفيد غيره ببيع أو شراء أو عمل وغير ذلك ، لم يتوجه إليه نهي ديني ، لأنه ~~حيث نصبها على أعين الناس وأجراها في مجرى النماء الصالح النافع لم يخفها ~~ولم يمنعها من أن تصرف في سبيل الله ، فهو وإن لم ينفقها في سبيل الله ، ~~إلا أنه بحيث لو أراد ولي أمر المسلمين لأمره بالإنفاق في ما يرى لزوم ~~الإنفاق فيه ، فليس هو إذا لم ينفق وهو بمرأى ومسمع من ولي الأمر بخائن ~~ظلوم ..» # ثم يتابع قوله : «فالآية ناظرة إلى الكنز الذي يصاحبه الامتناع عن ~~الإنفاق في الحقوق المالية الواجبة ، لا بمعنى الزكاة ms2680 الواجبة فقط ، بل ~~بمعنى يعمها وغيرها من كل ما يقوم عليه ضرورة المجتمع الديني من الجهاد ~~وحفظ النفوس من الهلكة ونحو ذلك» (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن هذا الرأي ينطلق من الاستغراق في كلمة «الكنز» على ~~أساس ما تتضمنه من معنى لغوي ، بما توحيه الكلمة من معنى ، لتتحرك في أجواء ~~الامتناع عن بذلها في سبيل الله. ولكننا نستوحي منها التحدث عن ظاهرة عامة ~~منحرفة تتمثل في أولئك الذين يعيشون الحياة للمال ويعتبرون جمعه قيمة ~~حياتية ، بعيدا عن أي هدف كبير يتعلق بحياة الناس ، الأمر الذي يدفعهم إلى ~~أن يحصلوا عليه بالحق ، أو بالباطل ، كهؤلاء الأحبار والرهبان ، ويستغرقوا ~~فيه ، كما لو كان هو الهدف للحياة ، فيؤدي ذلك إلى أن يمنعوه عن المجالات ~~العامة التي أراد الله للمال أن ينفق فيها ، مما أمر الناس أن ينفقوه في ~~سبيله ، وهذا هو الجو الذي أراد الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري أن يحركه في ~~حياة المجتمع آنذاك ، لأن طريقة الحكم في توزيع الأموال كانت منطلقة من ~~الأثرة التي تدفع الحاكم إلى أن يتصرف بالمال على هواه ، أو يخص به ذوي PageV11P100 # قرباه ، وتبعث الناس على اكتناز الأموال ، واعتبارها قيمة اجتماعية ~~للتفاضل على حساب أهداف المجتمع الإسلامي وقيمه. # أما الحديث عن الكنز بمعنى الادخار الذي يدفع الإنسان إلى حبس المال في ~~صناديق مقفلة ، فلم يكن ظاهرة بارزة لدى الذين يحبون تنمية أموالهم تبعا ~~لأطماعهم ، لأن ذلك لا يحقق لهم الغاية المطلوبة في تكثير المال وازدياده ، ~~فكيف يمكن أن يكون ذلك هو المعنى المقصود من الآية التي جاءت لتعاج حالة ~~عامة في حياة الناس؟! # ومن خلال ذلك ، فإننا نستوحي منها والله العالم الفكرة التي تؤكد على ~~الانحراف بالمال عن هدفه ، من حيث هو طاقة من طاقات الأمة التي تتحرك في ~~نطاق الأفراد الذين يملكونها من أجل أن يحققوا الغايات التي أمرهم الله ~~بتحقيقها ، ولكنهم يحولونها إلى أطماعهم الفردية ، وأنانياتهم الشخصية ~~وشهواتهم الذاتية ، فهم يجمعونها لتحقيق حالة عامة. فهي تعالج الروحية التي ~~يعيشها هؤلاء في ما يترتب عليها من ممارسة ms2681 وعمل ، وليست في مجال الحديث عن ~~التفاصيل ، من حيث طبيعة الموارد التي يتمثل فيها الإنفاق في سبيل الله ، ~~في ما يقتصر على الضرائب الشرعية المفروضة الخاصة ، أو في ما يعمها ويعم ~~غيرها مما يبذله الإنسان من خلال ذاته في ما تدعو إليه الحاجة العامة ، كما ~~في حالات الجهاد أو الانهيار الاقتصادي أو المجاعة وما إلى ذلك. # * * * ### ||| ** عذاب الذين يكنزون # وربما كان من الطبيعي لأمثال هؤلاء ، أن لا يكونوا سائرين على خط PageV11P101 # الإيمان في حياتهم ، لأن المؤمن الحق ، هو الذي يستهدف غايات الإيمان في ~~غاياته ، فيعتبر الملكية للمال وظيفة اجتماعية ، لا امتيازا شخصيا ، وبذلك ~~فإنه يعتبره أمانة الله عنده ، ليكون حاله حال الأمانات الخاصة التي ينبغي ~~للإنسان أن لا يتصرف فيها إلا بما ينسجم مع رضا أصحابها وتوجيهاتهم. ومن ~~هنا يعتبر سبيل الله في الإنفاق ، هو السبيل الذي يجب أن يحكم ملكيته للمال ~~، فليس له أن يبتعد عنه ولا أن يقترب من غيره ، لأن معنى ذلك اتباع سبيل ~~الشيطان ، في ما يتبع الناس من سبيل الانحراف ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ~~) لأنهم تمردوا على الله ، فخالفوا أمره ، وواقعوا نهيه ، واتبعوا خطوات ~~الشيطان الذي يأمرهم بالمنكر وينهاهم عن المعروف ( @QUR@06 يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم ) لتتحول كل تلك الكنوز التي ادخروها ومنعوها عن أهلها إلى نار ~~تحرق الجباه والظهور والجنوب ، ( @QUR@05 فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ~~) ويقال لهم في تلك الحال ، إننا لم نظلمكم ولم نأت لكم بشيء من عندنا ، بل ~~كل هذا الذي ترونه ، هو ما جمعتموه من المال في الدنيا ، فتحول إلى لهيب في ~~الآخرة ، ( @QUR@04 هذا ما كنزتم لأنفسكم ) ومنعتموه عن الآخرين البائسين ~~المحرومين ( @QUR@04 فذوقوا ما كنتم تكنزون ) لأن الإنسان لا يجني إلا ثمرة ~~عمله ؛ إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. # * * * ### ||| ** آية الكنز عامة وشاملة لكل الناس # وفي ضوء هذا العرض الذي قدمناه ، نفهم أن الآية لا تختص بأهل الكتاب ، ~~وإن جاءت في سياق الحديث عنهم ، بل هي شاملة لكل الناس ، لأنها PageV11P102 # في معرض الحديث عن الظواهر العامة التي تمثل المبادئ الشاملة لكل ms2682 أوضاع ~~الحياة. كما أنها لا تختص بزمان دون زمان ، فإن مثل هذه القضايا لا تمثل ~~شريعة محدودة لتنسخها شريعة أخرى ، بل هي شريعة الحياة في ما تحتاجه من ~~قواعد للانطلاق والإبداع والاستمرار. # * * * PageV11P103 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@036 إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) ~~@QUR@031 إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كافة ): قيل معناه كافين لهم كما يقاتلونكم كافين ، وقيل ~~معناه جماعة كما يقاتلونكم جماعة. # ( @QUR@01 النسيء ): التأخير. وهو شهر كانت تؤخره العرب في الجاهلية ~~بحسب مصلحتهم. # ( @QUR@01 ليواطؤا ): المواطأة : الموافقة. # * * * PageV11P104 ### ||| ** أشهر حرم فيها القتال .. وتحريم النسيء # وهذا حديث لا يبتعد عن أجواء القتال ، ولكنه يعيش في بعض تفاصيل الزمن ~~الذي يحل فيه القتال أو يحرم ، لأن الله قد حدد في ذلك حدودا معينة ، فلا ~~يجوز للناس أن يتجاوزوها أو يتعدوها بأية وسيلة كانت إلا في حال الاضطرار ، ~~على ما هو الحال في كل حدود الله التي لم يحلها إلا لمن اضطر إلى تجاوزها. # أما تفصيل الموضوع ، فقد أراد الله للزمن أن يتحرك في حياة الناس من ~~المواقع الطبيعية التي ركز عليها تكوين الوجود في حركة الشمس والقمر حول ~~الأرض ، وهي الشهور القمرية التي تخضع لأوضاع القمر في عالم الحس ، وعدتها ~~اثنا عشر شهرا ، وقد أراد الله أن يجعل في أجواء السنة أشهر سلام ، حرم ~~فيها القتال على الناس إلا في حالة رد العدوان ، وسماها الأشهر الحرم ، وهي ~~ذو العقدة وذو الحجة ومحرم ورجب. وقد حاول بعض الناس في الجاهلية أن يقدموا ~~فيها أو يؤخروا تبعا لمصالحهم وشهواتهم ، فحرموا ما لم يكن حراما ، وأحلوا ~~ما لم يكن حلالا ، من غير قاعدة ، وعلى غير أساس في ما يرتكز عليه التحريم ~~والتحليل ، وهذا ms2683 ما عالجت الآيتان بعض مظاهره. # * * * ### ||| ** الأشهر الحرم أربعة # ( @QUR@011 إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ) والظاهر ~~أن المراد به كتاب الوجود والتكوين من خلال ما أودعه الله في الكون من ~~قوانين الوجود التي تنتظم بها الأشياء وتتحرك من خلالها الظواهر ، مما ~~اعتبره من الثوابت الكونية التي لا تتغير في طبيعتها ، لأن الله أراد منها ~~تركيز القواعد التي PageV11P105 # تمثل نظام الحياة الزمني الممتد في كل أجواء الكون ( @QUR@04 يوم خلق ~~السماوات والأرض ) وأودع فيها قوانينها الثابتة التي تمثل سننه في الكون ( ~~@QUR@03 منها أربعة حرم ) حرم فيها القتال بين الناس ليعيش الناس بعضا من ~~الأوقات في حالة سلم وهدنة ، ليتنفسوا فيها الهدوء والطمأنينة ، وليتخففوا ~~فيها من أثقال الحرب ، وليفكروا فيها في الأسباب التي دعت إلى النزاع ~~والخصام ، وإثارة أجواء التنازع والتقاتل ، وليرتاحوا من ذلك ، فيقودهم ~~الشعور بالراحة إلى التأمل في عواقب الحرب والسلام ، وليوازنوا بين هذه ~~وتلك ليخرجوا إلى النتائج الإيجابية الحاسمة التي تثبت لهم أقدامهم على ~~طريق الخير والنجاح. # * * * ### ||| ** قيمومة الدين الإسلامي # ( @QUR@03 ذلك الدين القيم ) الذي بدأ الله تشريعه منذ عهد إبراهيم ~~عليه السلام ، وامتد في حياة الناس ، وتعمق في وعيهم ، واستمر في ممارساتهم ~~، حتى أصبحت له حرمة التقاليد الثابتة في كل أوضاعهم ، فلم يجرأ أحد على ~~مواجهته بالإلغاء ، أو بتجاوز حدوده ، في الوقت الذي ابتعدوا فيه عن كثير ~~من حدود الإيمان وتشريعاته. وقد أقر الله هذه الشريعة وأراد للمسلمين في ~~دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذوا بها باعتبارها الدين الثابت ~~الذي لا يتغير ، لأنه لا ينطلق من حالة طارئة قابلة للزوال تبعا لزوال ~~ظروفها المحيطة بها ، بل من حالة عميقة في عمق المصلحة الإنسانية ، ممتدة ~~بامتدادها ، لأنها مما يقوم به أمر حياتهم ، ويثبت به توازن أوضاعهم. فمن ~~أخذ به ، فقد أخذ بالسبيل الأقوم الذي يصلح به أمر معيشته ، ويرفع به مستوى ~~أمنه وسلامته ، ومن ابتعد عنه وانحرف عن خطه ، فقد ظلم نفسه ، وأساء إلى ~~طبيعة السلام في حياته ، PageV11P106 # لذلك فإن الله يحذر عباده ms2684 من أية حالة من حالات التمرد عليه ( @QUR@04 ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) بالقتال. # * * * ### ||| ** أمر بقتال كافة المشركين # ( @QUR@03 وقاتلوا المشركين كافة ) بجميع فصائلهم وعشائرهم ( @QUR@03 كما ~~يقاتلونكم كافة ) بجميع تجمعاتكم ، فلا يتركون أحدا من شرهم وعدوانهم ، فإن ~~ذلك هو السبيل للقضاء على الشرك ، بالقضاء على كل عوامل نموه وتطوره ~~وسيطرته على حركة الواقع الفكري والعملي ، كأسلوب دفاعي من جهة ، ووقائي من ~~جهة أخرى ، من أجل أن يكون الدين كله لله ، وأن تنطلق المسيرة الإسلامية في ~~الاتجاه السليم ، ( @QUR@05 واعلموا أن الله مع المتقين ) الذين يقفون عند ~~حدود الله في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه ، والذين يخافون عقابه ، ويرجون ~~ثوابه ، ويحبون طاعته التي تؤدي إلى رضاه ، ويرفضون معصيته التي تؤدي إلى ~~سخطه ، فيأخذون بأسباب القتال في الزمن الذي أراد الله لهم فيه القتال ، ~~ويتوقفون عن ذلك في ما لم يرد لهم فيه القتال. # * * * ### ||| ** النسيء زيادة في الكفر # ( @QUR@05 إنما النسيء زيادة في الكفر ) وامتداد فيه بتغيير شريعة الله ~~من عند أنفسهم في ما لم يأذن به الله ، فيتصرفون من خلال ذلك ، على أساس أنه PageV11P107 # الشريعة التي يريد الله أن يطاع من خلالها ، وبذلك فإنهم يضيفون إلى ~~كفرهم بالله وبتوحيده كفرا بحدود الشريعة ونظامها. # أما النسيء ، فالمراد به ما كانت تفعله العرب في الجاهلية ، فإنهم ربما ~~كانوا يؤخرون حرمة بعض الأشهر الحرم إلى غيره ، تبعا لمصالحهم في الحرب ~~والسلم ، فإذا كانت مصلحتهم في الحرب جعلوا محرمهم صفرا ، واعتبروا صفرا في ~~السنة الثانية محرما ، يمنعون فيه أنفسهم من القتال عوضا عما مضى ، فهم لا ~~يرفضون الشريعة من الأساس ، بل يحاولون أن يتلاعبوا بعملية توقيتها ~~وتحديدها في التقديم والتأخير ، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الأساس الذي ~~يرتكز عليه التشريع في إقامة الحياة على قواعد ثابتة يخضع لها الجميع من ~~دون تمييز ومن دون إشكال. ( @QUR@04 يضل به الذين كفروا ) أي الناس الآخرون ~~في ما يفرضونه عليهم من هذا التغيير في حدود الله والتجاوز لها ، ( @QUR@02 ~~يحلونه عاما ) فيرون محرما صفرا في هذه السنة ( @QUR@02 ويحرمونه عاما ) ~~فيجرونه على ما كان عليه ms2685 ويضيفون إليه بدله في العام القابل ( @QUR@05 ~~ليواطؤا عدة ما حرم الله ) ليوافقوا العدد المحرم وإن ابتعدوا عن المضمون ~~التشريعي له ، فتبقى الأشهر الأربعة في السنة موقع تحريم ، ولكن في أشهر ~~أخرى غير ما شرعها الله ، ( @QUR@04 فيحلوا ما حرم الله ) من دون أن يأخذوا ~~إذنا في ذلك ، فيشرعون لأنفسهم ظلما وضلالا ( @QUR@04 زين لهم سوء أعمالهم ~~) فخيل إليهم في ما زينه لهم الشيطان أنهم يملكون أمر ذلك كله ، لأن المهم ~~هو العدد ، بعيدا عن خصوصية هذا الشهر أو ذاك ، لأن الزمن يشبه بعضه بعضا ، ~~فلا مانع من وجهة نظرهم أن نقدم ما أخره الله أو نؤخر ما قدمه ( @QUR@05 ~~والله لا يهدي القوم الكافرين ) بإجبارهم على الهدى ، لأنه قد أقام عليهم ~~الحجة بدلالتهم إلى طريق الهدى من خلال ما عقلوه وسمعوه من الأنبياء من وحي ~~الله في آياته ، فإذا انحرفوا إلى طرق الضلال ، وظلموا أنفسهم بالسير فيها ~~، فإن الله يتركهم لأنفسهم ولا يهديهم سواء السبيل من جديد. # * * * PageV11P108 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل (38) @QUR@016 إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 انفروا ): النفر : الخروج إلى الشيء لأمر هيج عليه. # ( @QUR@01 اثاقلتم ): التثاقل : تعاطي إظهار ثقل النفس. وهنا بمعنى : ~~جذبتكم الأرض إليها كما لو كانت هناك أثقال شديدة تشدكم إلى الأسفل. # * * * PageV11P109 ### ||| ** تعبئة المسلمين للقتال # وتنفتح المعركة بين المسلمين والكافرين في ساحة المواجهة الحاسمة الصعبة ~~في أكثر من صعيد ، ويبدأ الرسول الدعوة إلى الجهاد بأساليب عديدة ، من أجل ~~أن يتحول الموقف لدى المسلمين إلى ما يشبه حالة الاستنفار القصوى التي تجمع ~~الجميع في خط المواجهة ، لأن قضية الجهاد في الإسلام ليست من القضايا ~~الجانبية التي تحتمل الوقوف منها موقف اللامبالاة أو الهروب ، بل هي من ~~القضايا المصيرية التي يجب أن يواجهها المؤمن بإيجابية منفتحة ومواقف ثابتة ~~، ولكن بعض المسلمين القلقين في إيمانهم ms2686 الضعفاء في إرادتهم ، يحاولون ~~التهرب من الانطلاق بعيدا في هذا الخط ، خوفا من نتائجه على الحياة ، ~~ويحاولون التماس الأعذار لأنفسهم في ذلك كله. وهذا هو الذي جعل القرآن يوجه ~~إليهم اللوم والإنذار بشدة ، من أجل أن يثير فيهم مكامن الشعور العميق ~~ليهزها من الأعماق في عملية توعية وإيحاء. فكيف عالج القرآن ذلك؟ # * * * ### ||| ** لوم على التثاقل للقتال # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ) في النداء الذي ~~يوجهه رسول الله إلى المسلمين عند اشتداد المشاكل ، وقسوة التحديات ، ~~وصعوبة الأوضاع الإسلامية ، إذا دهمهم خطر يهددهم ويهدد وجودهم وحريتهم ، ~~فكان لا بد من مواجهته بالقوى المسلمة التي تتجمع في وحدة الموقف لتجابه ~~ذلك كله في PageV11P110 # وقفة التحدي المضاد الذي يصرخ بهم ( @QUR@04 انفروا في سبيل الله ) ~~واخرجوا إلى الجهاد لتقاتلوا أعداء الله من أجل الحصول على رضاه في تحقيق ~~إرادته في الحياة ( @QUR@03 اثاقلتم إلى الأرض ) فجذبتكم إليها كما لو كانت ~~هناك أثقال شديدة تشدكم إلى الأسفل ، من الإخلاد إلى الأرض والاستكانة ~~إليها ، والاستسلام لقضاياها المادية ، وقيمتها الحيوانية ، والتطلع إلى ~~شهواتها كغاية تتطلع إليها الحياة ، بعيدا عن كل عوامل السمو والانفتاح ~~التي تجعل الإنسان يحلق في السماء حيث النور والخير والإيمان ، كآفاق ~~للحياة والحركة والانطلاق ، في ما يوحيه ذلك من التمرد على كل هذه الأثقال ~~المادية التي تثقل قلبه وروحه وضميره ، وفي ما يثيره في نفسه من معان روحية ~~تمده بالإشراق والحب والإيمان. ( @QUR@03 أرضيتم بالحياة الدنيا ) ~~واستسلمتم لها في عملية استبدال واقتناع بنتائجها ، كما لو كانت كل شيء في ~~حركة الحياة ( @QUR@02 من الآخرة ) أي بدلا عن الآخرة. # * * * ### ||| ** ميزان الدنيا في الآخرة # ولكن ما هي النتائج الحقيقية الحاسمة ، وما هو حجم هذا البدل في مقياس ~~الأهداف؟ ( @QUR@06 فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ) أي إذا نسب إلى ~~نعيم الآخرة ( @QUR@02 إلا قليل ) فإن متاع الدنيا زائل ، أما نعيم الآخرة ~~فباق ما بقيت السماوات والأرض ، فلا مجال للموازنة بينهما ، لأن الميزان ~~سيختل لمصلحة الآخرة ضد مصلحة الدنيا. وهكذا يريد القرآن للإنسان من خلال ~~هذه الآية أن يفكر ms2687 بالمسألة بعيدا عن الضغوط الخارجية في النتائج السلبية ~~لتفضيل الدنيا على الآخرة في مواجهة النتائج الإيجابية على مستوى الربح ~~الحقيقي في تفضيل الآخرة على الدنيا. ثم يثير المسألة من ناحية الوعيد ، ~~ليفكر في النتائج PageV11P111 # على مستوى ما يقدم عليه من أوضاع العذاب في الآخرة ليحسب حساب المصير في ~~دقة وعمق وإيمان. # * * * ### ||| ** التهديد بالعذاب على عدم النفور # ( @QUR@02 إلا تنفروا ) وتستجيبوا لله في ما يأمركم به من الجهاد ، ~~فتقعدوا في بيوتكم في حالة كسل وخوف واسترخاء ( @QUR@03 يعذبكم عذابا أليما ~~) جزاء لتمردكم على الله قبل ذلك ، فإن الله لا يعذب قوما حتى قيم عليهم ~~الحجة ( @QUR@03 ويستبدل قوما غيركم ) لا يتثاقلون عند الدعوة إلى الجهاد ، ~~لأنهم يتحركون في الحياة من مواقع القاعدة الإيمانية التي تحكم كل تصوراتهم ~~وأعمالهم وعلاقاتهم على أساس من وعي المسؤولية أمام الله ، في ما يعيشون من ~~محبة الله وخوفه ، وبذلك فهم يجدون الحياة ، في مفهومهم لموقعها الحقيقي من ~~شخصيتهم ، هبة الله التي يملك أمر استمرارها ، كما يملك أمر إزالتها من أجل ~~غايات الحياة التي أراد الله لها أن تعيش من أجلها ، فليس لهم أن يمتنعوا ~~عما يريده لهم من ذلك كله ، لأن الأمر كله بيده ، وهذا ما ينبغي لكم أن ~~تعيشوه وتواجهوه وتنتظروه ، فلا تعتبروا المسألة مقتصرة عليكم ، فلستم أول ~~الناس الذين يدعوهم الرسول إلى الجهاد ، ولستم آخرهم ، بل أنتم مجرد مرحلة ~~طارئة من مراحل المسيرة الإسلامية الطويلة ، التي قد تتأثر بعض الشيء ~~بالمواقف السلبية التي يقفها السائرون في الطريق ، ولكن ذلك لا يلغيها ولا ~~يجمدها. ( @QUR@03 ولا تضروه شيئا ) لأن لله عبادا صالحين مجاهدين يعملون ~~من أجل حمل المسؤولية ومتابعتها بكل صدق وعزيمة وإصرار ، ولا بد لهم من أن ~~يتحركوا في الخط الطويل ويسيروا على طبيعة المنهج ( @QUR@05 والله على كل ~~شيء قدير ) فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، لأن الأشياء كلها ملكه PageV11P112 # وفي قبضته ، فلا مجال إلا له في كل شيء ومع كل شيء وأمام كل شيء ، ~~بالمعنى الذي يجعل العقول والعيون والمشاعر محدقة بجلاله في عملية وعي ms2688 ~~متحرك ، وذلك هو سر إخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور في ما يريد الله ~~سبحانه أن يخرجهم منه ، إلى إشراقة النور في الحياة ، من خلال رسالاته التي ~~أراد لرسله أن يعرفوها للناس ، ويؤكدوها في دعوتهم التي تنطلق في أجواء ~~الرسالات ، ويحركوها في وعي الناس ، لتثير فيهم الشعور الواعي بقدرة الله ~~المطلقة التي تحميهم من الانسحاق أمام نقاط ضعفهم في مواجهة قوة الآخرين ، ~~ليجدوا في ارتباطهم بالله القوة كلها ، في الزمن كله. # * * * PageV11P113 ### ||| * الآية # ( @QUR@043 إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ ~~هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم ) (40) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # روي في الدر المنثور عن ابن عباس قال : لما خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الليل لحق بغار ثور ، قال : وتبعه أبو بكر ، فلما ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسه خلفه ، خاف أن يكون الطلب ، فلما ~~رأى ذلك أبو بكر تنحنح ، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرفه ~~، فقام له حتى تبعه فأتيا الغار ، فأصبحت قريش في طلبه ، PageV11P114 # فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج ، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى ~~بابه شجرة ، فبال في أصلها القائف ثم قال : ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا ~~المكان. قال : فعند ذلك حزن أبو بكر ، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تحزن إن الله معنا» ، قال : فمكث هو وأبو بكر في ~~الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم ، فاشتروا ~~ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلا ، فلما كان بعض الليل من ~~الليلة التالية ، أتاهم علي بالإبل والدليل ، فركب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم راحلته وركب أبو بكر أخرى ، فتوجهوا نحو المدينة وقد ~~بعثت قريش في طلبه ... وفي رواية ، وضربت العنكبوت على بابه باب الغار ms2689 ~~بعشاش بعضها على بعض ، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت الى باب الغار ، ~~فقال بعضهم : إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد (1). # * * * ### ||| ** كلمة الله العليا وكلمة الكفر السفلى # وتأتي هذه الآية لتثير أمامهم التفكير بالمعنى الإيماني العميق الذي ~~يوحيه الإيمان بالله ، في ما ينصر به رسله ، ويدعم به رسالاته ، فالله لا ~~يحتاج إلى أي عبد من عباده في تحقيق إرادته بالنصر ، لأنه ولي القوة في ~~الحياة كلها ، فلا قوة لأحد إلا بإرادته ، ولا سبب للقوة إلا منه. وقد يكون ~~السبب متصلا بالنواميس الطبيعية التي أودعها في الأشياء ، وقد يكون مرتبطا ~~بالأوضاع غير المألوفة في حركة الأسباب. وبذلك ، فلا مجال لأحد أن يتصور ، ~~من موقع وعي الإيمان ، أن الناس إذا ابتعدوا عن نصرة النبي ، فإنه يفقد ~~مبررات النصر ، ليبقى في جميع الظروف تحت رحمة الناس ، فيستطيعون من خلال ~~ذلك ممارسة كل ألوان الضغط المادي والمعنوي عليه في ما يريدون منه ، وما PageV11P115 # لا يريدون ، فإن الله قادر على أن يحقق القوة من أكثر من سبب غير مألوف ، ~~لأنه هو الذي أعطى للأسباب المألوفة سببيتها. وهذا هو ما أكده في كثير من ~~المواقف التي نصر الله بها نبيه في ساعات الشدة ، في الوقت الذي كانت كل ~~الظروف العادية منطلقة في أجواء الهزيمة. # وهذا ما تثيره الآية في حديثها عن موقف النبي في ليلة الهجرة ، فقد ~~حاصرته قريش من كل جانب ، وسدت عليه كل نوافذ الخروج من بيته بعيدا عن ~~رقابتهم من أجل أن تقضي عليه ، ولكن الله أنقذه منهم بطريقة غير عادية ، ~~عند ما خرج من بيته ، تاركا ابن عمه عليا يبيت في فراشه ، ليوهمهم أنه لا ~~يزال هناك ، فأغلق الله أبصارهم عنه ، عند ما رمى التراب فوق رؤوسهم وقرأ ~~عليهم الآية ( @QUR@012 وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون ) [يس : 9] ومر من بينهم فلم يبصره أحد .. وسار بعد ذلك حتى ~~دخل الغار غار ثور في الطريق إلى المدينة ، ومعه أبو بكر وتراجع القوم عن ~~ذلك ، وردهم الله على أعقابهم ms2690 خاسرين ، من خلال ما دبره الله من أسباب غير ~~مألوفة. # * * * ### ||| ** نصرة الله للرسول # ( @QUR@02 إلا تنصروه ) إن امتنعتم عن نصره ، فإن الله لا يعجز عن ذلك ، ~~كما فعل في ليلة الهجرة ( @QUR@03 فقد نصره الله ) وخلصه من أيدي قريش التي ~~أطبقت على بيته وانتظرت الصباح لتهجم عليه ( @QUR@04 إذ أخرجه الذين كفروا ~~) من موطنه ( @QUR@02 ثاني اثنين )، فقد كان معه أبو بكر الذي تواعد وإياه ~~على الخروج معا حتى دخلا الغار ، وأقبلت قريش حتى وقفت على بابه ، وبدأ ~~الحوار في ما بينهم ، بين قائل يحثهم على الدخول ، وقائل يدفعهم إلى ~~الرجوع. # * * * PageV11P116 ### ||| ** ثقة النبي بالله # واشتد الضغط على مشاعر أبي بكر الذي كان يخشى من الموقف على نفسه وعلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@04 إذ هما في الغار ) يتحاوران ، فيتحدث ~~أبو بكر عن أجواء الخوف المدمر ، ولكن النبي كان يعيش آفاق النصرة التي ~~وعده الله بها ، والله لا يخلف وعده ، فكان يشجع أبا بكر على الثبات في ~~الموقف ، وعلى الاطمئنان لنصر الله ( @QUR@08 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا ) فلو كان الناس بأجمعهم مع الإنسان وكان الله ضده ، لم ينفعه ~~ذلك شيئا ، ولو كان الله معه وكان الناس ضده لم يضره ذلك شيئا ، لأن الله ~~هو الذي يملك القوة كلها ، فلا قوة لأحد إلا من خلال ما أعطاه ، فهو الذي ~~يملك من الإنسان ما لا يملكه الإنسان من نفسه ، فإذا أراد رعاية عبد من ~~عباده ، برحمته وقوته ولطفه ، فإنه يأخذ بكل أسباب القوة من خلال الله ، ~~وتلك هي الأجواء الروحية التي تطوف بالإنسان في ملكوت الله عند ما تشتد ~~عليه الأهوال ، وتضيق عليه السبل ، وتكثر حوله التحديات ، ويهجم عليه أهل ~~البغي والطغيان ، فإذا أحس من نفسه ضعفا أمام ذلك كله ، وشعر بالحزن يزحف ~~إلى قلبه ، وبالخوف يسيطر على روحه ، رجع إلى الله في روحية العبد الخاشع ، ~~وذهنية الإنسان الملتجئ إليه المعتصم به ، فعاش معه في ابتهالاته ودعواته ~~وروحية الصلاة في ضميره ، فإذا بالضعف يتبدل إلى القوة ، وبالخوف يتحول إلى ~~شعور بالأمن ، وبالحزن ينطلق ms2691 إلى الفرح الروحي ، ليوحي لنفسه بأن الله معه ~~، ليثبت أمام الزلزال ، وليقول لإخوانه الذين يعيشون الاهتزاز الروحي ~~والفكري والعملي أمام عواصف المحنة والبلاء : لا تحزنوا إن الله معنا. # وهذا هو الشعار الذي ينبغي لنا أن نثيره في وعينا وحياتنا ومسيرتنا في ~~إحساس عميق بحضور الله في كل وجودنا ، بالمستوى الذي تتمثل لنا فيه عناصر ~~القوة كأروع ما تكون ، في تحركاتنا ومنطلقاتنا ، انطلاقا من وعي الرسالة في ~~الرسول ، وقوة الإيمان في النبي ، وحركة القوة في الموقف النبوي PageV11P117 # المتجسد روحا وشعورا وحياة في أجواء الرسول العظيم. # * * * ### ||| ** نزول السكينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@04 فأنزل الله سكينته عليه ) في ما تمثله من طمأنينة روحية ، ~~وسكون نفسي ، وهدوء شعوري ، فلا اهتزاز ولا خوف ولا ضياع ، بل هو الثبات ~~والأمن والهدى الواضح ... إنها سكينة الإيمان الواثق بالله من موقع الإحساس ~~بالحضور الإلهي في كل زمان ومكان كما لو كان يحسه ويراه. ويتقلب في ألطافه ~~ورضوانه ( @QUR@04 وأيده بجنود لم تروها ) بسبب ما أرسله إليه من ملائكته ~~أو من القوى الخفية التي تدعمه وتقويه وتحميه ، مما لم نعلمه من خلال ما ~~نملك من أدوات المعرفة الحسية ، ولكن الله يعلمه من خلال قدرته التي لا ~~يعجزها شيء وإن عظم. # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، وانتصر الرسول في مسيرته ، ووصل إلى شاطئ ~~النجاة في رحلته وأحبط كل كيد الكافرون ، وحطم كل مكائدهم ( @QUR@05 وجعل ~~كلمة الذين كفروا السفلى ) لأنهم لا يملكون أية وسيلة يرتفعون بها إلى ~~الأعلى أمام إرادة الله في ما يريده من النزول بها إلى الأسفل ، إذ ليس ثمة ~~كلمة أخرى تعلو كلمته ، مهما حاول الكافرون وتآمر المتآمرون ( @QUR@04 ~~وكلمة الله هي العليا ) في مضمونها ومدلولها وآفاقها وحركتها وسموها ، ~~لأنها تحمل في داخلها كل المعاني الكبيرة التي أراد الله للحياة أن تنطلق ~~بها وتعيش معها ، في سماوات الوحي والإبداع التي تحلق بالإنسان إلى الأعلى ~~فتنقذه من وهدة السقوط ومن وحل الانحطاط ، ليعيش مع الله في رحابه الواسعة ~~وآفاقه العليا ، ( @QUR@03 والله عزيز حكيم ) فإذا أراد شيئا أوجده وخلقه ms2692 ، ~~وإذا أراد شيئا ، فإنه يصنعه بحكمته على خير ما يمكن أن يكون الوجود وبأفضل ~~ما تنطلق به الحياة ، سبحانه وتعالى عما يشركون. PageV11P118 ### ||| * الآية # ( @QUR@015 انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) (41) # * * * ### ||| ** الدعوة الى النفور خفاقا وثقالا # ويعود النداء الإلهي من جديد ، ليستحثهم ويحرك فيهم إرادة الجهاد من خلال ~~إرادة الإيمان الحي في نفوسهم ، فما ذا ينتظر المؤمن أمام نداء الله إلا أن ~~يستجيب له ، لأن في ذلك الخير كل الخير ، والنجاح كل النجاح ، لو وعى ~~الإنسان حقيقة الموقف وحقيقة الإيمان. # * * * ### ||| ** نداء النفير العام # ( @QUR@03 انفروا خفافا وثقالا ) لأن القضية ليست في ما ترزحون تحته من أثقال PageV11P119 # الإسلام في الحياة ، إن النداء يشبه الدعوة إلى النفير العام على كل حال ~~، بعيدا عن الظروف المعوقة أو المنشطة .. ( @QUR@02 وجاهدوا بأموالكم ) ~~وذلك بأن تقدموا للمعركة من أموالكم المقدار الذي تحتاجه مما يمكنكم بذله ، ~~فذلك هو لون من ألوان الجهاد ، في ما يمثله من تضحية وجهد ومشقة وتعب ( ~~@QUR@01 وأنفسكم ) وذلك بأن تقفوا في خط المواجهة في المعركة ، لتقاتلوا ~~ولتقتحموا على العدو ساحته وتواجهوا الخطر كله ( @QUR@03 في سبيل الله ) ~~لأنكم مدعوون إلى القتال من أجل حماية الإسلام والمسلمين من كل التحديات ~~التي يوجهها إليهم الكفر كله ، والشرك كله. فأنتم في سبيل من سبل الله ، ~~وبذلك فإن أجركم يقع على الله إن بقيتم على الحياة أو متم ( @QUR@03 ذلكم ~~خير لكم ) من الاسترخاء في ظلال الكسل وحب الراحة والبعد عن المسؤولية ، ~~لأن ذلك لن ينقذكم من المشاكل الصعبة التي يفرضها عليكم الذل في حالة السلم ~~من قبل الأعداء ، إذا تخلصتم من مشاكل الحرب ، ( @QUR@03 إن كنتم تعلمون ) ~~وتعون دقة المرحلة من خلال ما تفرضه من مجابهة ورقابة ومحاسبة ودراسة للوضع ~~كله بعيدا عن حالات التشنج والحيرة والضياع. # * * * PageV11P120 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم ~~لكاذبون (42) @QUR@013 عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم ms2693 الكاذبين (43) @QUR@014 لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) @QUR@014 إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ~~يترددون (45) @QUR@015 ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) @QUR@017 لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله ~~عليم بالظالمين (47) @QUR@016 لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور ~~حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ) (48) # * * * PageV11P121 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عرضا ): العرض : ما لا يكون له ثبات ، وقد يطلق على المال ~~الدنيوي. # ( @QUR@01 قاصدا ): أي متوسطا غير متناهي البعد. # ( @QUR@01 الشقة ): الناحية التي تلحقك المشقة في الوصول إليها. # ( @QUR@01 وارتابت ): توهمت. # ( @QUR@01 انبعاثهم ): الانبعاث : الانطلاق بسرعة في الأمر. # ( @QUR@01 فثبطهم ): أوقفهم عن الأمر بالتزهيد فيه. # ( @QUR@01 خبالا ): اضطرابا في الرأي. # ( @QUR@01 ولأوضعوا ): ولأسرعوا في الشر. # ( @QUR@01 خلالكم ): أي بينكم. # ( @QUR@01 وقلبوا ): التقليب : تصريف الشيء بجعل أعلاه أسفله. ورجل حول ~~قلب كأنه يقلب الآراء في الأمور ويحولها. # * * * ### ||| ** كشف نفاق المعتذرين عن القتال # وكانت الغزوة التي دعوا إليها غزوة تبوك التي تبعد مسافة طويلة عن ~~المدينة مما لا يتحمله أولئك المنافقون الذي لا يتحمسون للجهاد من حيث ~~المبدأ ، فكيف إذا كان خارجا عن المألوف في بعض التفاصيل حيث يضيف إلى ~~مشاكل الجهاد ، مشاكل السفر الطويل ، فاعتذروا من النبي ، وحاولوا أن PageV11P122 # يثيروا بعض المبررات الذاتية التي تحاول أن توحي في الظاهر ، بأنهم ~~يمتنعون عن الخروج لموانع اضطرارية ، لا لحالة تمردية ، وجاءت هذه الآيات ~~لتفضح هذه اللعبة ، وتكشف واقعهم الداخلي البعيد عن خط الانسجام مع الأهداف ~~الرسالية التي يستهدفها المؤمنون في التزامهم بأوامر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ونواهيه من خلال الخطة الشاملة التي تثبت مواقع ~~الإسلام في الأرض. # * * * ### ||| ** طلب الغنيمة بدون مشقة # ( @QUR@04 لو كان عرضا قريبا ) أي لو كان هذا الأمر الذي دعوتهم إليه ~~يمثل غنيمة سهلة التناول قريبة المأخذ ، وسفرا متوسطا لا مشقة فيه ولا عناء ~~( @QUR@01 لاتبعوك ) وساروا معك ليحصلوا على الغنيمة ، كما كانوا يخرجون في ~~المعارك السابقة طمعا في الغنائم ms2694 ( @QUR@04 ولكن بعدت عليهم الشقة ) ~~والمسافة التي تكلفهم جهدا مضاعفا لا يغريهم بالحركة والاستجابة للدعوة ~~لأنهم لا يجدون في ما يمكن أن يحصلوا عليه من المغانم عوضا عما يتكلفونه من ~~التعب والمشقة. ( @QUR@02 وسيحلفون بالله ) ليؤكدوا إيمانهم وإخلاصهم ~~بطريقة استعراضية يحاولون من خلالها إخفاء الواقع المزيف الذي يعيشون فيه ، ~~كما في الكثيرين الذين يتخذون الحلف بالله ستارا لإخفاء أوضاعهم النفسية ~~والعملية القلقة ، ليحصلوا على الثقة من أقرب طريق ، وليبرروا انحرافهم ~~بمبررات لا تخضع إلى قاعدة. فهم يقسمون الأيمان المغلظة ( @QUR@04 لو ~~استطعنا لخرجنا معكم ) فالمسألة عندهم ليست مسألة تكاسل وتمرد ، بل هي ~~مسألة عجز عن الخروج لمرض ونحوه ، فلا مجال للتشكيك بهم والتنديد بموقفهم ~~عند ما يرجع المسلمون من مسيرتهم ويوجهون إليهم اللوم على تخلفهم. ( ~~@QUR@02 يهلكون أنفسهم ) في هذا الجو النفسي PageV11P123 # الخائف من الفضيحة والأسلوب المرتبك في الاعتذار الذي يكاد ينم عما في ~~الداخل ، بحيث يشعرون بالتمزق الداخلي الذي يمنعهم من الشعور بالثقة ~~والاستقرار ، وربما كان المعنى ، أنهم يهلكون أنفسهم بهذا الأسلوب الملتوي ~~الذي يواجهون فيه الهلاك على مستوى الدنيا بالفضيحة ، وعلى مستوى الآخرة ~~بالعقاب ( @QUR@04 والله يعلم إنهم لكاذبون ) في ما يحلفون ويؤكدون ، فلا ~~يخفى عليه شيء من أمرهم. # * * * ### ||| ** معنى العفو عن النبي # ( @QUR@03 عفا الله عنك ) وهذا أسلوب في العتاب لا يعنف في المواجهة ، بل ~~يرق ليخفف من وقع الخطأ ، انطلاقا من عدم اطلاعه على مواقفهم الحقيقية مما ~~يؤدي إلى تصديقهم في ما يقولون أو حملهم على الصحة ، أو من سعة صدره التي ~~تدفعه إلى عدم إحراج هؤلاء في موقفهم. وقد يثأر في هذا المجال موضوع العصمة ~~، لأن العفو ، في ما توحي به الكلمة ، يفرض أن هناك ذنبا يحتاج صاحبه إلى ~~العفو عنه ، ولكن الموضوع ليس كذلك ، لأن مثل هذه الكلمة تستعمل في مقام ~~العتاب الخفيف الذي يكشف عن طبيعة الخطأ غير المقصود للتصرف ، كما أن ~~الحادثة لا تحمل في داخلها أية حالة من حالات الذنب ، فالنبي يملك أمر ~~الحرب ، فيأذن لمن يشاء بالخروج أو لا يأذن ، فليس للمسألة واقع خارج نطاق ~~إرادته ms2695 ، وليست هناك أوامر إلهية في مسألة خروج هؤلاء وعدم خروجهم ، ليكون ~~تصرفه عليه السلام مخالفة لها ، بل كل ما هناك أن الله أراد أن يضع القضية ~~في نصابها الصحيح ، من المصلحة الغالبة في ترك الإذن لهم ، ليفتضح أمرهم ~~ويتبين زيفهم بشكل واضح ، فيتعرف المسلمون PageV11P124 # على حقيقتهم ، فيرفضوهم من موقع الحقيقة الداخلية التي تنكشف من خلال ~~تصرفاتهم ، فالمسألة تدخل في دائرة مخالفة ما هو الأولى في التصرف ، وليس ~~في ذلك انتقاص من عصمته وانسجامه مع الخط الذي يريد الله له أن يسير فيه ، ~~فقد ترك الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مساحة يملك فيها حرية الحركة من ~~خلال ما يدبر به أمر الأمة بالوسائل العادية المألوفة التي قد تخطئ في بعض ~~مجالاتها ، لا بالوسائل الغيبية التي لا يملكها بطريقة ذاتية ، لم يكشفها ~~الله له بشكل مطلق ، تماما كما هي الحال في ممارسته القضاء بين الناس حيث ~~قال: «إنما أقضي بينكم بالأيمان والبينات» (1). # * * * ### ||| ** معنى خطأ النبي # وليست هناك مشكلة أن يقع الخطأ ، في ما هو الواقع في رصد الأشياء الخفية ~~من خلال غموض الموضوع لعدم وضوح وسائل المعرفة لديه ، ما دام الغيب محجوبا ~~عنه ، إلا في ما أوحى به الله إليه من أسرار علمه. وهذا ما أراد القرآن ~~تأكيده في أكثر من آية ، في توضيحه لكثير من حقائق الأمور بعد وقوعها ~~وتحركها في دائرة خلاف الأولى ، في ما كان وجه الصلاح غامضا فيه من جهة ~~ظواهر الأشياء ، كما في هذه المسألة التي أراد الله أن يوحي من خلالها ~~بالحقيقة إلى نبيه ، الذي أذن لهم في عدم الخروج انطلاقا من سمو أخلاقه ~~وسعة صدره ومواجهته الحالة بالرفق واللين ، من خلال ما حدثنا الله به عن ~~أسلوبه في الحياة. ولكن القوم لم يكونوا بالموقع الذي يستحقون فيه ذلك ، ~~وهكذا كان خطابه لنبيه بأسلوب العتاب المحبب ( @QUR@03 لم أذنت لهم ) في ~~ترك الخروج ، فقد اعتبروا ذلك حجة لهم أمام المسلمين الآخرين في تأكيد ~~صدقهم في الإيمان ، وانسجامهم مع خط الطاعة لله وللرسول ، فهم عند ما ms2696 ~~يتخلفون ، لا PageV11P125 # ينطلقون في ذلك من موقف ضعف في الإيمان ، بل من موقف رخصة لهم في ذلك. ~~وفي ضوء هذا ، لم يكن هناك مجال لظهور نفاقهم في مواقع التمايز بين ~~الصادقين والكاذبين أمام الملأ كافة ، ( @QUR@07 حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين ) من موقع التجربة الحية أمام الأوامر الحاسمة التي لا عذر ~~لأحد في مخالفتها في ما توحي به من الشمول والإلزام. # * * * ### ||| ** الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وغير المؤمنين # وتنطلق الآيات لتوضح الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وسلوك غير المؤمنين ~~في القضايا التي تمثل الإخلاص لله ، في ما يتصل بقضية المصير في مسألة ~~المواجهة بين الكفر والإيمان في المعركة الفاصلة ، ليكون ذلك هو الميزان ~~الذي توزن به الأشياء في تقييم الأشخاص والمواقف. ( @QUR@011 لا يستأذنك ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) لأنهم ~~يعيشون الإخلاص لله ، والطاعة لأوامره ، والمحافظة على دينه ، والرغبة في ~~ثوابه ، والحصول على رضاه ، ولذلك فإنهم يتحركون في مواقف الجهاد من هذا ~~الموقع ، فلا يلتمسون العذر في التخلف عنه ، بل يعملون على إزالة الموانع ~~في الانطلاق نحوه ، لأنهم لا يرونه مشكلة شخصية لهم ، بل حلا لمشكلة ~~الإسلام في صراعه مع الكفر ، مما يرون فيه المسؤولية الكبيرة التي تفرض ~~عليهم أن يقدموا أموالهم وأنفسهم قربانا لله في هذا السبيل ، الذي تتجسد ~~فيه خطوط التقوى ، وحركيتها وفاعليتها في حياة الفرد والأمة ( @QUR@03 ~~والله عليم بالمتقين ) بسبب ما يعلمه من صدق الإخلاص في قلوبهم ، ودقة ~~الالتزام في سلوكهم ، وصفاء العقيدة في أرواحهم. # * * * PageV11P126 ### ||| ** إنما يستأذن المرتابون # ( @QUR@08 إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ) من هؤلاء ~~الذين ساروا معك من مواقع المصلحة الشخصية ، في ما تمثله من الرغبة والرهبة ~~، بعيدا عن المسؤولية المنطلقة من واقع الإيمان ، فهم لا يملكون وضوح ~~الرؤية للخط الذي يربط مسألة الجهاد بالله وحركة الإيمان في الوجدان ، ~~بحركة الإنسان في الحياة ، ولهذا كانوا يعيشون القلق مع كل دعوة للخير ، ~~والحيرة مع كل انطلاقة للجهاد .. ( @QUR@02 وارتابت قلوبهم ) ففقدت صفاء ~~المشاعر وصدق النوايا ، فعاشوا في داخلها ظلام الشك ، وضباب ms2697 الريبة ( ~~@QUR@04 فهم في ريبهم يترددون ) فلا يسكنون إلى قاعدة ، ولا يستريحون إلى ~~حقيقة ، بل هو الشك والحيرة والقلق والضياع. # * * * ### ||| ** إرادة الخروج تستلزم إعداد العدة # ويمضي القرآن في تصوير خصائصهم النفاقية ، في أسلوب واضح يكشف حقيقة ~~الزيف الذي يحاولون تغطيته بالمظاهر الخادعة : ( @QUR@06 ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ) في بداية الأمر ، قبل أن يأخذوا الإذن والرخصة من النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، تماما كأي شخص يعيش قضية الطاعة في الجهاد الشامل ~~الذي لم يستثن فيه الله أحدا ، إلا من كان له عذر ضاغط في نطاق الظروف ~~الصعبة المحيطة بالشخص جسديا وعقليا. ولكنهم لم يبدوا أي استعداد يوحي ~~بالجدية PageV11P127 # في الموقف والصدق في العزيمة ، انطلاقا من الحالة النفسية المعقدة التي ~~تتحكم فيهم فتمنعهم من التحرك في الاتجاه السليم ، ( @QUR@04 ولكن كره الله ~~انبعاثهم ) لأنه اطلع على مكامن العقدة في نفوسهم ( @QUR@01 فثبطهم ) ~~وأخرهم عن الخروج ( @QUR@04 وقيل اقعدوا مع القاعدين ) العاجزين ، أو ~~المتكاسلين الذين لا يعيشون مسئولية القضايا الكبيرة ، في ما يفرضه الإيمان ~~على الإنسان في الحياة. وقد أوضحنا أكثر من مرة أن نسبة تأخير الأشياء إلى ~~الله في أعمال السوء التي يقوم بها الإنسان ، لا تمثل حالة جبرية قسرية في ~~حركة الإرادة لدى الإنسان ، بل تمثل الحالة التي يملك فيها الإنسان موقع ~~السبب المباشر في المسألة ، التي ترتبط بأدوات العمل وقانون السببية الذي ~~يربط بين الأشياء ومقدماتها. # * * * ### ||| ** خروج المنافقين يسبب الاضطراب في صفوف المسلمين # وهكذا أبقاهم الله في دائرة التثبيط ، فلم يخرجهم منها بطريقة غير عادية ~~، لما في ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين ، لأنهم يمثلون في مواقع عقدة ~~النفاق في نفوسهم ، الخطر الداخلي على المجتمع الإسلامي الذي يعملون على ~~الكيد له بمختلف الوسائل في الحالة العادية في أوقات السلم ، فكيف يكون ~~الأمر في الحالات الشديدة الاستثنائية ، في أوقات الحرب ، فإن الخطر عندئذ ~~يزداد أضعافا نظرا لخطورة النتائج على مستقبل الأمة في حالة الحرب ، أكثر ~~من حالة السلم. وهذا ما صوره الله في الآية الكريمة : ( @QUR@07 لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) وفسادا واضطرابا ms2698 في الرأي وارتباكا في الموقف ( ~~@QUR@02 ولأوضعوا خلالكم ) والإيضاع الإسراع في الشر ، وذلك بما يثيرونه PageV11P128 # من عوامل الفتنة بين المسلمين ، وما يستغلونه من الحساسيات التي تثير ~~المشاعر وتعقد العلاقات ( @QUR@02 يبغونكم الفتنة ) ليمزقوا وحدة الصف ، ~~ويحطموا قوة الموقف ( @QUR@03 وفيكم سماعون لهم ) يتأثرون بأساليبهم ~~وأقوالهم وحركاتهم ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) الذين يبغون في الأرض ~~بغير الحق ويثيرون الفتن ويبثون الدسائس والمؤامرات ، ومنهم هؤلاء ~~المنافقون الذين انطلقوا في حركة الحاضر امتدادا لحركة الماضي في نطاق ~~الفتنة ( @QUR@05 لقد ابتغوا الفتنة من قبل )، من خلال ما قاموا به من ~~أساليب التفرقة ، وإثارة الحساسيات بين المسلمين ( @QUR@03 وقلبوا لك ~~الأمور ) بدعوة الناس إلى الخلاف ، وإثارتهم ضد دعوات الجهاد ، وتحالفهم مع ~~اليهود والمشركين ضد الإسلام والمسلمين ، وتخطيطهم للمؤامرات التي تمثل ~~الكيد لله ورسوله. وامتد بهم الأمر ، وخيل إليهم أنهم أمسكوا بزمام الأمور ~~، وسيطروا على مقدرات الأشياء ، ( @QUR@03 حتى جاء الحق ) بقوته الضاربة ~~المتحدية ( @QUR@01 وظهر ) بظهور الإسلام على كل أعداء الله ( @QUR@04 أمر ~~الله وهم كارهون ) لذلك في ما يضمرونه ويظهرونه من حقد على الإسلام كله ، ~~وعلى المسلمين جميعا. # * * * PageV11P129 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) @QUR@016 إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) @QUR@014 قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) ~~@QUR@022 قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تربصون ): التربص : الانتظار بالشيء. # * * * PageV11P130 # ( @QUR@08 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) # وتتوالى الآيات التي تتحدث عن ملامح المنافقين الذين برزوا كظاهرة ~~انهزامية منحرفة في أجواء الاستعداد للمعركة ، في ما كانت تمثله من تحديات ~~الساحة لكل المظاهر الإيمانية التي كانت تختفي خلفها أفكار النفاق ومشاعره. ~~ماذا يقولون ، وكيف يفكرون أو يشعرون تجاه الجماعة المسلمة؟ # * * * ### ||| ** أساليب التهرب من القتال # ( @QUR@07 ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ) فهذا الفريق يحاول أن يظهر ~~أمام النبي صلى الله ms2699 عليه وآله وسلم بمظهر الإنسان الذي يخاف على نفسه من ~~الوقوع في الفتنة التي تهدد إيمانه ، في ما تتمثل به المعركة من تجربة صعبة ~~يتساقط فيها الضعفاء أمام إغراءات النصر ونتائجه المفرحة ، أو أمام مشاكل ~~الحرب وويلاتها المحزنة. فهو لا يريد الذهاب إلى الحرب لئلا يسقط عندها في ~~إيمانه ، فيخيل إليك وأنت تسمعه أنه من المؤمنين الذين يخافون على إيمانهم ~~من السقوط أمام حالات الضعف البشري من الرغبة والرهبة ، ولذلك ، فإنهم ~~يخشون من التجربة الصعبة التي تهددهم بالانحراف ، فيطلبون من الرسول أن لا ~~يعرضهم لها ، في ما يفرضه عليهم من فروض ، أو يحملهم من مسئوليات ، ولكن ~~الله يكشف زيف هذا المنطق ، فإذا كانوا يخشون من نتائج الفتنة ، فلأنها ~~تبعد الإنسان عن الله وتمنعه من الحصول على رضاه ، فكيف بهم الآن ، وهم ~~يخضعون للنوازع النفسية التي تدفعهم إلى الابتعاد عن رضاه ، في العمل على ~~التمرد على أمره ونهيه ، وفي محاولة التخلص من المسؤولية في المحافظة على PageV11P131 # سلامة الإسلام والمسلمين ، الأمر الذي يجعلهم في مواقع الفتنة بالذات ، ~~من حيث يريدون تفاديها في ما يزعمون ، ( @QUR@04 ألا في الفتنة سقطوا ) ~~بسبب ما يمارسونه من الانحراف عن خط الإيمان في مواقع الجهاد ، وسيتحملون ~~نتائج ذلك في الآخرة ( @QUR@04 وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) فهي تحاصرهم من ~~كل جانب ، فلا يهربون منها من جهة ، إلا ليقعوا فيها من جهة أخرى ، وذلك من ~~خلال إحاطة الكفر بجميع دوافعهم وأعمالهم ونتائجها في الوقوف ضد إرادة الله ~~في الحياة من حولهم. # * * * ### ||| ** نوايا المنافقين تجاه النبي # ( @QUR@04 إن تصبك حسنة تسؤهم ) لأنهم لا يعيشون انفتاح الإيمان بالمحبة ~~تجاه الرسول والمسلمين ، بل يعيشون العقدة المستحكمة التي تنفث الحقد في ~~الداخل ، في ما يواجههم من الأزمة الذاتية التي يتحركون فيها بين واقع ~~الكفر في الباطن ، ومظهر الإيمان في الظاهر ، فيعبرون عن ذلك بالمشاعر ~~القلقة التي تظهر المحبة وتبطن العداوة ، فهم يتعقدون من كل النجاحات التي ~~يحصل عليها المسلمون في حربهم وسلمهم ، وفي حركة الإسلام المتقدمة في ~~الحياة ، فيستاءون من ذلك ( @QUR@03 وإن تصبك مصيبة ) يفرحوا بها ms2700 ( @QUR@06 ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ) وسيطرنا عليه وعلى نتائجه ، فلم نسمح له ~~بأن يفسد ويضيع وينهار ، وهو وارد على سبيل الكناية التي توحي بالإمساك ~~بالواقع المرتقب الذي يوحي بالقلق والحيرة ، فكأنهم أخذوا جانب الحذر ~~وحفظوا خط الرجعة ، فتجنبوا نتائج المصيبة ( @QUR@03 ويتولوا وهم فرحون ) ~~على ما استطاعوا أن يحفظوا أنفسهم منه مما أصاب النبي والمسلمين من جراحة ~~أو خسارة أو قتل أو فشل. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإنهم يفرحون من باب ~~الشماتة بالإسلام والمسلمين. PageV11P132 ### ||| ** التسليم لله بقضائه وقدره # ( @QUR@08 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) فقد قدر الله للحياة ~~أوضاعها ، من خلال ما أودعه من أسباب ذلك كله ، وجعل النتائج السلبية ~~والإيجابية محكومة لذلك. ولذلك فإن المسألة لا تخضع لتمنيات الأصدقاء أو ~~لشماتة الأعداء ، فلا يملك أحد من أمر ذلك شيئا ، لأنهم لا يملكون لأنفسهم ~~وللآخرين ضرا ولا نفعا إلا بالله. أما المؤمنون به ، الواثقون برحمته ~~وقدرته وحكمته ، فإنهم يواجهون الحياة من موقع الطمأنينة الواثقة به وبسننه ~~الكونية التي أجرى عليها حركة الكون في تقديره وتدبيره ، ولهذا فإنهم ~~ينطلقون من قاعدة الثقة الواعية ، في دراسة دورهم الفاعل في ما يفعلون ~~ويتركون ، فإذا قاموا بما يجب عليهم من مسئوليات من خلال قدرتهم ، واجهوا ~~المستقبل بثقة ، وتحملوا كل نتائجه بصبر ، وانطلقوا مع حركته بوعي وإيمان ~~لثقتهم بتدبير الله في ما لا يملكون أمره ولا يبلغون مداه ، فيتقبلون كل ~~شيء لله وبالله ومع الله ، في كل شيء ، ( @QUR@02 هو مولانا ) الذي يملك ~~ولاية أمورنا ، فعلينا أن نطيعه في ما يأمر به وينهى عنه ، ونستسلم لتدبيره ~~في ما يهيمن عليه من شؤون الحياة بما تفرضه حكمته ورحمته ، ( @QUR@04 وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون ) ليسلموا له كل شيء في حركة المستقبل المجهول الذي ~~قد يوحي إليهم بالخوف في ما يجهلون من أسراره ، ولكن الإيمان يحمل إليهم ~~الطمأنينة من خلال ما يوحيه الإيمان بالله والثقة به. # وذلك هو سر العقيدة الإسلامية بالقضاء والقدر في استسلام المؤمن لقضاء ~~الله وقدره من موقع الوعي للعقيدة بالله ، فليس هو ms2701 استسلام الإنسان المهزوم ~~بإرادته ، الخائف من مسئوليته ، بل هو استسلام الثقة بالله في ما يجهله ، ~~بعد انطلاقه من مواقع الإرادة المسؤولة التي تحرك الحياة من حوله في ما ~~يمكنه أن يعمل ، ليترك الأشياء الأخرى التي لا يستطيع عملها لله ، على PageV11P133 # أساس الثقة المطلقة بحكمته في كل شيء ، وبذلك فإن العقيدة تثبت له أقدامه ~~على الأرض التي يحاول القلق الذاتي والخوف الوجداني من المجهول ، أن يهزها ~~من تحت أقدامه ، وتوحي له بالثبات والاستقرار والاطمئنان. # * * * ### ||| ** التربص بإحدى الحسنيين # ( @QUR@07 قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) النصر أو الشهادة ، فما ~~ذا تنتظرون منا عند ما نخوض الحرب ، فليست هناك سيئة تفرحون بها ، أو حسنة ~~تتألمون منها ، لتواجهوا الموقف من موقع النتائج السلبية أو الإيجابية من ~~خلال مشاعركم الذاتية ، بل القضية بالنسبة إلينا ، تمثل الخير كله والحسنة ~~كلها ، لأن النصر إذا حصل ، كان التجسيد الحي للنتائج الإيجابية على مستوى ~~الحياة الدنيا ، أما إذا كانت النتيجة هي الشهادة ، فإنها تمثل الفرح ~~الروحي الذي يؤدي بنا إلى الحصول على لطف الله وثوابه في الآخرة ، فليست ~~هناك مشكلة بالنسبة إلينا ، بل هي الحسنة على كل حال. تلك هي القضية ~~بالنسبة إلينا ، فلا موقع لشماتة في ما تواجهون به نتائج الفشل عندنا ، ~~لأننا نتطلع إلى القضية من جانبها المشرق ، إذا كنتم تتطلعون إليها من ~~جانبها المظلم. أما أنتم ، فما ذا تنتظرون ، وماذا ننتظر بكم؟ إنكم ~~اليائسون من روح الله ، المتمردون على أوامره ونواهيه ، المتحركون في ~~الحياة على أساس الأسباب المادية المحدودة التي لا تحمل أي أفق ممدود خارج ~~نطاق المألوف في آفاقها. إنكم اللاعبون بالحياة وبالمسؤولية وبالإيمان ، ~~فما ذا ننتظر بكم جزاء لأعمالكم وأوضاعكم؟ ( @QUR@03 ونحن نتربص بكم ) ~~وننتظر بكم ( @QUR@06 أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) في الآخرة عقابا على ~~معاصيكم في الدنيا ( @QUR@02 أو بأيدينا ) في ما نواجهكم به من PageV11P134 # عقوبات تستحقونها ، بعد افتضاح أمركم وانطلاقة المواجهة الحاسمة بيننا ~~وبينكم ، ( @QUR@04 فتربصوا إنا معكم متربصون ) لنعلم من خلال ذلك الانتظار ~~المتبادل لمن الحق ولمن الأمر ، ولمن العاقبة الطيبة والنتيجة الجيدة. ms2702 # * * * PageV11P135 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~(53) @QUR@022 وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) ~~@QUR@017 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) @QUR@010 ويحلفون بالله إنهم ~~لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) @QUR@011 لو يجدون ملجأ أو ~~مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ) (57) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طوعا ): الطوع : الانقياد بإرادة لم يحمل عليها. # ( @QUR@01 كرها ): الكره : المشقة التي تنال الإنسان من خارج في ما تحمل ~~عليه بإكراه. PageV11P136 # ( @QUR@02 وتزهق أنفسهم ): أي تهلك وتذهب بالموت. # ( @QUR@01 يفرقون ): فرق فرقا : جزع واشتد خوفه. # ( @QUR@01 ملجأ ): موضعا يتحصن فيه. # ( @QUR@01 مغارات ): جمع «مغارة» من غار الشيء في الشيء ، يغور إذا دخل ~~منه في موضع يستره. # ( @QUR@01 يجمحون ): يسرعون. # * * * # ( @QUR@05 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) # ويحاول هؤلاء أن يؤكدوا مواقفهم التي توحي للآخرين من المسلمين بالثقة ~~بهم ، وذلك بإنفاق المال في الموارد التي تمثل الصدقة والإنفاق في سبيل ~~الله ، ولكن الله يرفض ذلك منهم ، ويؤكد لهم وللمسلمين ، بأن مثل هذا ~~الإنفاق غير مقبول لديه. ولذا فإنه لا يحقق لهم أية نتيجة إيجابية في مواقع ~~القيمة الإيمانية لدى الله أو لدى المسلمين ، لأن للإنفاق شروطا تنطلق من ~~داخل الروح التي تعيش في شخصية المنفق ، في إيمانه بالله وإخلاصه لرسالته ~~ولعباده المؤمنين ، وهذا ما لم يتحقق في أمثال هؤلاء. # * * * PageV11P137 ### ||| ** لا تقبل نفقة من دون إيمان # ( @QUR@05 قل أنفقوا طوعا أو كرها ) فلا جدوى من ذلك ولا أثر له ، ولا ~~فرق بين أن ينطلق من موقع الاختيار والرخاء أو من موقع الكراهة ( @QUR@03 ~~لن يتقبل منكم ) ولن تؤجروا عليه عند الله ، ولن تحصلوا على رضاه ، ( ~~@QUR@04 إنكم كنتم قوما فاسقين ) في أعمالكم وأوضاعكم وعلاقاتكم المنحرفة ( ~~@QUR@011 وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ) ~~فلم يؤمنوا من قاعدة الإخلاص والقناعة والجدية ، بل كان الأمر بالنسبة ~~إليهم تمثيلا في تمثيل ، ( @QUR@06 ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ) لأنها ms2703 ~~لا تتحرك من حالة روحية منفتحة على الله ، في ما تمثله من معراج المؤمن ~~بروحه إلى الله في صلاته ، بل كانت تتحرك من أداء الدور التمثيلي الذي يخدع ~~البسطاء ليخيل إليهم أنهم سائرون في خط الإيمان ، مما يؤدي إلى أن تكون ~~حركتهم في الصلاة حركة الإنسان الكسول الذي ينطلق بتثاقل وجهد كبير ، لأنه ~~يفقد الواقع الحقيقي الذي يحقق له العمق والنشاط والامتداد ، ( @QUR@05 ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون ) فلا مجال للحديث عن إنفاق طوعي ، إلا من خلال ~~الفرضية التي لا تخضع للواقع لأنهم يفقدون الدوافع الإيمانية للإنفاق ، فلا ~~يتحرك فيهم ، إلا لتحقيق الأغراض المشبوهة التي تصورهم بصورة الإيمان من ~~موقع الخداع والحيلة ، ولكن دون جدوى. # * * * ### ||| ** الأموال والأولاد .. مظاهر خادعة # ( @QUR@05 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) مهما أعطتهم من ضخامة الموقع لدى PageV11P138 # الناس ، أو جمال الصورة لدى أنفسهم ، فإن الأموال لا تمثل قيمة كبيرة ، ~~كما أن الأولاد لا يمثلون امتيازا وتشريعا ، لأن القيمة تتمثل من خلال ما ~~يقوم به الإنسان من جهد مفيد على مستوى الحياة يرفع مستواه بإرادته ~~واختياره. أما الامتياز الذي يحصل عليه ، فهو ناشئ من قيمة المعرفة لديه ~~وحركة العمل في نفسه ، وهما مفقودان لدى هؤلاء ، ( @QUR@08 إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا )، في ما يواجههم من مشاكل ومصائب وبلايا ، ~~في جمع المال وتربية الأولاد ، وتعقيد الأوضاع والعلاقات المتعلقة بهما ، ~~مما يجعل من ذلك مصدر عذاب حقيقي ، يفقد معه الإنسان لذة امتلاكه لهما ، ~~ويمتد الأمر بهم في الاشتغال بمشاكل الأولاد والأموال ، في حالات الفرح ~~والحزن واللذة والألم ، حتى يبتعدوا بذلك عن الله ، ويعرضوا عن ذكره ، ~~ويغفلوا عن النتائج السلبية التي تنتظرهم في الآخرة عذابا وعقابا ، ويفقدوا ~~كل فرصة للإيمان ، حتى يأتيهم الموت ، وهم غافلون ( @QUR@04 وتزهق أنفسهم ~~وهم كافرون ) بالله واليوم الآخر ، جاحدون لتعاليمه وشرائعه ، فيلاقيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون. # * * * ### ||| ** الحلف بالله لتغطية حقيقة الكفر # ( @QUR@04 ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) عند ما يشعرون بعلامات الاستفهام ~~تحاصرهم من كل جانب ، في لفتات العيون ، وهمسات الظنون ، أو يواجهون الحذر ~~الذي يتمثل في ms2704 علاقات المؤمنين بهم ، حيث يحذر كل واحد منهم أخاه ، من ~~هؤلاء المنافقين الذين لا يوحون بالثقة ، من أجل الابتعاد عنهم ، والإعراض ~~عنهم ، ومواجهتهم بالشك والريبة والحذر ، فيحاولون أن يقدموا أيمانهم ~~أمامهم ليؤكدوا انسجامهم مع المجتمع في خط الإيمان ليكونوا جزءا PageV11P139 # منه ، ولكن الله يؤكد خلاف ذلك ، ( @QUR@03 وما هم منكم ) لأن صفة ~~المجتمع المؤمن هو الشجاعة في مواجهة العدو ، والقوة في الوقوف أمام ~~التحديات ، وليس ذلك موجودا لديهم ، ( @QUR@03 ولكنهم قوم يفرقون ) ويخافون ~~من لقاء العدو ، في أي حال من الأحوال ( @QUR@03 لو يجدون ملجأ ) يلجأون ~~إليه عند ما يهاجمهم العدو ويتبعهم ، ( @QUR@02 أو مغارات ) يختفون في ~~داخلها في عملية اختباء واختفاء ( @QUR@02 أو مدخلا ) يدخلون فيه مما ~~ينطلقون فيه من سبل النجاة ( @QUR@02 لولوا إليه ) وانصرفوا نحوه ( @QUR@02 ~~وهم يجمحون ) أي يسرعون إليه لا يصرفهم عنه شيء ، لأنهم لا يجدون في أنفسهم ~~أي أساس للشعور بالقوة والثبات على الموقف ، لأنهم لا يتعلقون من لقاء الله ~~ورضوانه بشيء ، ولا يجدون في داخل ذواتهم الانطلاقة الحقيقية للقوة ، فكيف ~~يمكن أن يعيشوا روح هذا الثبات من قريب أو من بعيد؟! # * * * PageV11P140 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون (58) @QUR@019 ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) ~~@QUR@022 إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلمزك ): لمزه : عابه. # ( @QUR@01 يسخطون ): يغضبون غضبا شديدا. # ( @QUR@02 حسبنا الله ): أي كافينا الله. # * * * PageV11P141 ### ||| ** ذم المنافقين للنبي على أسلوب توزيعه للصدقات # وهذا نموذج آخر من نماذجهم ، وهو الذي يعتبر المنفعة المالية أساسا للرضا ~~والسخط والمدح والذم ، فليست القيمة عنده ، هي طبيعة الموقع الروحي والفكري ~~والعملي للشخص أو للجهة ، بل القيمة ، كل القيمة ، هي للمال ، من خلال ما ~~يعطيه الآخرون له ، أو ما يمنعونه عنه. وهذا هو ما عاشه بعض هؤلاء مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@03 ومنهم من يلمزك ) أي ms2705 يعيبك ، فيتخذ لنفسه المبرر في ذم النبي ~~والتهجم عليه ( @QUR@02 في الصدقات ) التي يوزعها على من حوله من الفقراء ~~والمساكين ، أو من الذين تفرض المصلحة الإسلامية إعطاءهم ، ( @QUR@04 فإن ~~أعطوا منها رضوا ) وكالوا المدح للمعطي ، بعيدا عن استحقاقه الذاتي للمدح ~~وعدم استحقاقه له ، ( @QUR@07 وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) وينسبون ~~للمانع كل صفات الذم القبيحة التي لا يستحقها ، ولكن المشكلة كل المشكلة ، ~~هي أنهم لم يحصلوا منه على شيء ، فكأن ذلك مبرر لكل السخط والغضب في موقفهم ~~من هذا الإنسان. # * * * ### ||| ** القناعة من الإيمان # ( @QUR@07 ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ) من مال يستحقونه من خلال ~~موازين العطاء لدى الإسلام ، وقنعوا به ، وعرفوا أنه يمثل العدل كله في ~~طريقة التوزيع ، ( @QUR@08 وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ~~) في ما نأمل من PageV11P142 # زيادة في العطاء ، وسعة في الرزق ، لأن الله لا يمنع أحدا من فضله في ما ~~يفيضه على عباده من نعمه ، وفي ما يأمر رسوله أن يعطي للمحتاجين من كرمه ~~ونيله ، فهو منتهى رغبة الراغبين الذين إذا تطلعت رغباتهم إلى أي شيء من ~~حولهم ، فإنها تتطلع إلى الله ، في جو روحي خاشع تعبر عنه هذه الكلمة ~~الخاشعة ( @QUR@04 إنا إلى الله راغبون ) ولو أنهم قالوا ذلك لكان خيرا لهم ~~في المدلول الإيماني للكلمة ، وفي الامتداد الروحي للشعور ، وفي القاعدة ~~العقلية للفكرة ، ولانطلقوا في أجواء المجتمع الإسلامي ، من مواقع الثبات ~~في العقيدة والشعور والعمل. # * * * ### ||| ** موارد نفقات الصدقة # ( @QUR@04 إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الذين لا يجدون الفرصة ~~الذاتية للعيش الكريم ، فيضطرهم ذلك إلى الاقتراض ، أو إلى سؤال الناس ~~الآخرين ، وربما كانت الكلمة الثانية تمثل المعنى الذي يجعل الفئة الثانية ~~المساكين أردأ حالا من الفئة الأولى ، ( @QUR@02 والعاملين عليها ) الجباة ~~لها من المكلفين ( @QUR@02 والمؤلفة قلوبهم ) الذين يراد تقريبهم إلى أجواء ~~الإسلام ، أو تثبيتهم في مواقفه ، وذلك من خلال الرعاية المالية لهم ، ~~ليتحول ذلك إلى شعور حميم تجاه الإسلام وأهله ، فيزداد اهتمامهم بالتفكير ~~فيه ، وبتعلم أحكامه وشرائعه ، وبالالتزام بخطه المستقيم ، ( @QUR@02 وفي ~~الرقاب ) وذلك بصرف الصدقة في عتق العبيد ms2706 الذين هم تحت الشدة ، أو مطلق ~~العبيد ، باعتبار أن تحريرهم هو من أولى الأهداف الإسلامية في الحياة ، ~~التي يدعو الله المسلمين إليها ، أو يوحي إلى ولي الأمر أن يقوم بها من ~~خلال الميزانية المالية للدولة ، ( @QUR@01 والغارمين ) الذين أطبقت عليهم ~~الديون فلم يستطيعوا إلى الوفاء بها سبيلا ، ( @QUR@03 وفي سبيل الله ) في خط PageV11P143 # الجهاد من أجل إعلاء كلمته في الأرض ، وفي خط الخير العام الذي يراد به ~~دفع مستوى الحياة على أساس الغايات التي يريد الله للحياة أن تصل إليها في ~~حركة الإنسان في الأرض ، ( @QUR@02 وابن السبيل ) الذي انقطع في سفره ، فلم ~~يجد ما ينفق به على نفسه ، أو يرجع به إلى بلده ( @QUR@03 فريضة من الله ) ~~وليست مجرد عمل خيري ذاتي ، يملك الناس الحرية في ممارسته وعدم ممارسته ، ~~بل هو فريضة لازمة يلتزم بها الناس على أساس العقاب والثواب ( @QUR@03 ~~والله عليم حكيم )، فهو العالم بحاجات الناس وبمواقعها ، الذي يشرع لهم ~~الحلول لمشاكلهم من مواقع الحكمة. # وإذا كانت الصدقات تمثل سد الحاجة لأمثال هؤلاء الناس ، فلا يملك النبي ~~أو غيره أمر التصرف فيها في غير مواردها ، فكيف يطمح هؤلاء المنافقون ، أن ~~يعطيهم النبي بغير حساب ، تماما كما لو كان المال ماله الشخصي الذي يملك ~~حرية التصرف فيه؟ هل يتصورونه ملكا كبقية الملوك ، أو أميرا كبقية الأمراء ~~ممن ينطلق حسابهم من خلال حاجتهم لتكثير أتباعهم وتدعيم سلطتهم على حساب ~~الأهداف الكبيرة للإنسان والحياة؟ ولهذا فهم يحددون موقفهم منه في رضاهم ~~وسخطهم على أساس ما يبذله لهم من مال ، وما يقدمه من امتيازات. إن الله حدد ~~لرسوله مصارف ذلك كله ، فإذا كانوا من مصارف الصدقات ، فعليهم أن يعرفوا أن ~~لذلك حدا محدودا لا يتجاوزه إلى غيره ، أما إذا لم يكونوا من مصارفها ، فلا ~~مجال لهم بأن يأملوا بشيء من ذلك ، لأن النبي لا يتجاوز حدود الله ، في ما ~~جعله للأشياء من حدود وضوابط. # وذلك هو ما ينبغي لهم أن يعرفوه من شؤون التشريع في حدوده وتطبيقاته ~~العملية. # * * * PageV11P144 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ms2707 قل أذن خير لكم يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم (61) @QUR@012 يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) @QUR@016 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم ) (63) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أذن ): الأذن : الجارحة ، ويستعار لمن كثر استماعه وقوله لما يسمع. # ( @QUR@01 يحادد ): المحادة : مجاوزة الحد بالمخالفة. # ( @QUR@01 الخزي ): الهوان. # * * * PageV11P145 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في تفسير القمي ، نقلا عن الميزان ، في سبب نزول الآية ، قال : إن ~~عبد الله بن نبتل كان منافقا وكان يقعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين ، فينم عليه ، فنزل جبرئيل على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد إن رجلا من المنافقين ينم وينقل حديثك ~~إلى المنافقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من هو؟ قال : الرجل ~~الأسود الوجه الكثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنهما قدران ، وينطق بلسان ~~شيطان ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ، فحلف أنه لم يفعل ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قد قبلت منك فلا تفعل ، فرجع إلى ~~أصحابه فقال : إن محمدا أذن ، أخبره الله أني أنم عليه وأنقل أخباره فقبله ~~، وأخبرته أني لم أقل ولم أفعل فقبله (1). # * * * ### ||| ** من أساليب إيذاء المنافقين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم # وتتنوع أساليبهم في إرباك المجتمع الإسلامي بالكلمات غير المسؤولة التي ~~يوجهونها إلى النبي من أجل أن يخففوا من تقديس الناس له ، وذلك بتصويره ~~بصورة الإنسان الذي لا يملك موقفا ثابتا في نظرته للأشياء وتقييمه للناس ~~وحكمه على الواقع ، مما يجعل من موقعه الذي يمثل الهدى للناس في أمور دينهم ~~ودنياهم ، موقعا قلقا مهتزا يبعث على اهتزاز الثقة به ، ويثير القلق حول ~~طبيعة قيادته الروحية والعملية للناس .. فكيف كان ذلك ، وما هو رد الله عليهم؟ # * * * PageV11P146 ### ||| ** إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم القول إنه أذن # ( @QUR@07 ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ) بمعنى ms2708 أنه يسمع من ~~كل أحد ويقبل منه ما يقول ، وربما كان الكلام من شخص مناقضا للكلام من شخص ~~آخر ، فيقبل الحديث منهما معا. # ( @QUR@04 قل أذن خير لكم ) فهو لا يقبل ما يسمع من الناس عن اقتناع ، بل ~~كل ما هناك أنه يظهر القبول لئلا يحرج المعتذر أو يكذب القائل ، انطلاقا من ~~سماحته وحسن أخلاقه ( @QUR@02 يؤمن بالله ) فيصدقه في ما يوحي به إليه ( ~~@QUR@02 ويؤمن للمؤمنين ) بمعنى أنه يظهر التصديق لهم. فالمسألة ليست ~~منطلقة من قناعة بالواقع ، بل من مراعاة مواقفهم ومواقعهم ، فهو يؤمن ~~لأجلهم ، وتلك هي سيرة النبي في خلقه العظيم الذي يريد أن يوحي للمؤمنين ~~الذين يعيشون معه ، بإمكانية التراجع من دون إحراج لهم أو تعقيد لعلاقتهم ~~به ، كما أنه يعمل على أساس أن يكون الأذن التي يستمع بها إليهم جميعا ، ~~فيصغي لهذا ، ويسمع لذاك ، ليدخل السرور عليهم ، وليوفق في ما بينهم ، ~~وليسهل لهم سبيل اللقاء على أكثر من طريق. # ( @QUR@04 ورحمة للذين آمنوا منكم ) في أسلوبه العملي الذي يجمع به ~~كلمتهم ، ويفتح به قلوبهم ، ويوحي إليهم بالخير والرحمة والإيمان. ( ~~@QUR@07 والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) لأن في إيذائهم له إيذاء ~~لله ، في ما يمثله الرسول من موقع يرتبط بالله ، وفي ما يعنيه هذا التصرف ~~من عقدة نفاقية ضد الإسلام بالذات ، الذي يتحول ، بطريقة غير مباشرة ، إلى ~~عقدة ضد الله سبحانه وتعالى ، مما يجعل المسألة مسألة تمرد وعصيان وطغيان. # * * * PageV11P147 ### ||| ** تبرير الخطأ بالحلف بالله # ( @QUR@04 يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) في مواقف الشك الذي توجهونه نحوهم ~~، وفي مجالات العتاب الذي تثيرونه في وجوههم ، ويلهثون وراءكم من أجل أن ~~يؤكدوا لكم أنهم في مستوى الثقة ، فيحلفون لكم بالأيمان المغلظة ، ليحصلوا ~~على رضاكم عنهم وثقتكم بهم ، وتلك هي صفة المنافقين الذين يعيشون الهم ~~الكبير لأقل بادرة شك في سلوكهم لدى الآخرين ، لأن القضية عندهم هي الحصول ~~على رضا المجتمع ، فإذا فقدوا ذلك ، فقدوا الأساس الذي يرتكزون عليه في ~~حياتهم العامة ( @QUR@05 والله ورسوله أحق أن يرضوه ) لأنه هو الضمانة ~~الوحيدة للنجاة في الدنيا والآخرة ، في ما ms2709 تمثله قضية المصير التي ترتبط ~~بالخط الذي يتصل بالله ورسوله ، ويحقق رضاهما عن السائرين عليه ، أما رضا ~~الناس ، فإنه لا يمثل شيئا حقيقيا في ميزان القيمة الروحية ، كما أنه لا ~~يشكل أية ضمانة كبيرة على مستوى الآخرة ، وذلك هو ما يمثله موقف الإيمان ~~الذي لا يتطلع فيه المؤمن إلا إلى الله ، لأن قيمة الناس عنده لا تخضع إلا ~~لعلاقتهم بالله ، فهو الأساس لأية علاقة بكل ما عداه ، فمنه تنطلق الفكرة ، ~~وعنده تتحرك العاطفة ، وفي رحابه تنشأ العلاقة بالآخرين ، ( @QUR@03 إن ~~كانوا مؤمنين ) بما يمثله الإيمان من عمق وامتداد. # وماذا لدى هؤلاء في آفاقهم التي يطوفون بها ، وفي مواقفهم التي يحددونها ~~، عند ما يتخذون الموقع العدواني في مواجهة الله ورسوله؟ هل يعرفون نتائج ~~ذلك؟ هل يعلمون ماذا يحدث لهم من خلال هذا السلوك؟ # * * * PageV11P148 ### ||| ** جزاء من يحادد الله ورسوله # ( @QUR@07 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ) فيتجاوز الحد بالمخالفة ~~والمعاداة لهما ( @QUR@06 فأن له نار جهنم خالدا فيها ) لأن ذلك هو الجزاء ~~العادل لمثل هذا الموقف الذي يوحي بنكران الجميل وكفران النعمة وجحود ~~الحقيقة. ( @QUR@03 ذلك الخزي العظيم ) الذي يمثل العار كله في النهايات ~~السوداء للمصير. # * * * PageV11P149 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل ~~استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (64) @QUR@013 ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن (65) @QUR@016 لا تعتذروا ~~قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) (66) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يحذر ): الحذر : التحرز ومجانبة الشيء خوفا منه. # ( @QUR@01 نخوض ): الخوض : دخول القدم في ما كان مائعا من الماء والطين ~~، ثم كثر حتى استعمل في غيره. # * * * PageV11P150 ### ||| ** في بعض أجواء المنافقين # وينطلق المنافقون بأسلوب الاستهزاء يحاولون من خلاله الإساءة إلى الإسلام ~~والمسلمين بطريقة نفسية تهزم الروح القوية التي تنطلق بها المسيرة في خط ~~المواجهة في طريق المستقبل ، ولكنهم يحاولون أن يتحقق ذلك بطريقة خفية ، لا ~~تكشف نفاقهم ، ليتم لهم اللعب بحرية في داخل المجتمع ، ليعيشوا فيه فسادا ~~من حيث لا يشعر بهم أحد. ms2710 وكانت تجاربهم السابقة تملأ قلوبهم بالخوف من كشف ~~أمرهم ، في ما ينزل به القرآن في كل وقت ليحدث المسلمين عن خفاياهم ~~وأساليبهم الشيطانية في الكيد للإسلام والمسلمين. ولذا فإنهم يعملون ما ~~يعملون بروح قلقة حذرة ، وبذهنية خائفة مرتبكة ، وذلك هو شأن المنافقين في ~~كل زمان ومكان ، في ما يريدون أن يحصلوا عليه من الثقة بهم ، مع الحفاظ على ~~مكاسبهم في اتجاه خط التآمر والكيد. # * * * ### ||| ** حذر المنافقين من كشف القرآن لهم # ( @QUR@010 يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ) من ~~النوايا الخفية السيئة التي تفضحهم في ما يريدون أن يفعلوا أو يتركوا في ~~اتجاه الهدم والإضلال ( @QUR@02 قل استهزؤا ) ما امتد بكم المجال من أساليب ~~السخرية والاستهزاء بالإسلام والمسلمين ، فسيكشف الله لنا ذلك كله لنواجهه ~~بالأساليب المناسبة التي تبطل مفعوله وتعطل نتائجه ( @QUR@05 إن الله مخرج ~~ما تحذرون ) من خلال ما PageV11P151 # يظهره ويكشفه للناس. # وقد فسر البعض من المفسرين الحذر بأنه وارد على سبيل السخرية ، ولكنه ~~خلاف الظاهر ، ويحاولون أن يبرروا ذلك كله ، بأن الأمر لا يمثل حالة جدية ~~في مواجهة المجتمع المسلم في دينه وعقيدته ، بل كل ما هناك أنهم يحاولون ~~الخوض في الحديث في ما يخوض به الخائضون من أفانين الكلام من دون أية عقدة ~~داخلية مضادة ، وأنهم كانوا يلعبون كما يلعب الناس ، فلا ينبغي محاسبتهم ~~على ذلك ، كما لو كان الأمر يمثل خطة بعيدة المدى. # * * * ### ||| ** عذر أقبح من ذنب # ( @QUR@07 ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب )، ولكن هذا عذر أقبح ~~من ذنب ، فهل يمكن أن تكون قضية الرسالة والوحي والرسول والجهاد في سبيل ~~الله ، من القضايا التي يخوض الناس فيها كما يخوضون في أحاديث الباطل ، أو ~~يتلاعب بها اللاعبون كما لو كانت شيئا من الهزل الذي لا يمثل قيمة حقيقية ~~في حياة الناس ، إنه العذر الذي يؤكد حقيقة الجريمة ، بسبب ما يمثله من ~~روحية سلبية ضد الله والرسول ( @QUR@06 قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن ) من خلال ما يمثله الخوض واللعب من عدم احترام واستهزاء بطريقة ~~غير مباشرة. # * * * PageV11P152 ### ||| ** اعتذار ms2711 المنافقين غير مقبول # ( @QUR@02 لا تعتذروا ) لأنكم لا تملكون القاعدة التي تجعل من هذه ~~الأعذار شيئا حقيقيا يبرر أفعالكم وأقوالكم بطريقة حقيقية ، ( @QUR@04 قد ~~كفرتم بعد إيمانكم ) فقد أعلنتم الإيمان وأظهرتموه وعاملناكم بما يعامل به ~~المسلمون إخوانهم من المسلمين ، ولكنكم كشفتم ما كنتم تبطنونه من الكفر ~~الداخلي ، وبذلك كان هذا الموقف منكم كفرا بعد إيمان. ( @QUR@05 إن نعف عن ~~طائفة منكم ) ربما كانوا من التابعين المستضعفين الذين خضعوا لتأثير الكبار ~~منهم ، فقد يكون ذلك مبررا للعفو عنهم ، ( @QUR@02 نعذب طائفة ) من هؤلاء ~~المتمردين الذين انطلق النفاق من خلال تفكيرهم وتخطيطهم وتنفيذهم لكل ~~الأعمال الإجرامية ضد الإسلام والمسلمين ، ولذلك فإنهم يتحملون مسئولية ~~النتائج السلبية جملة وتفصيلا ( @QUR@03 بأنهم كانوا مجرمين ) فيستحقون كل ~~عقاب الجريمة ، في ما تؤدي إليه من دمار وتضليل وخراب ، وربما فسرت الفقرة ~~، بالعفو عن التائبين منهم ، والعذاب للمصرين على العصيان والنفاق. # * * * PageV11P153 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) ~~@QUR@016 وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي ~~حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) @QUR@032 كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) @QUR@026 ألم يأتهم نبأ الذين من ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم ~~بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (70) # * * * PageV11P154 ### ||| ** معاني المفردات : # ( @QUR@02 ويقبضون أيديهم ): أي يمسكون أموالهم عن إنفاقها في طاعة الله. # ( @QUR@01 مقيم ): دائم. # ( @QUR@01 بخلاقهم ): الخلاق : النصيب والحظ. # ( @QUR@01 حبطت ): فسدت وبطلت. # ( @QUR@01 والمؤتفكات ): جمع مؤتفكة. ائتفكت بهم الأرض أي انقلبت. # * * * ### ||| ** حقيقة المنافقين ووظيفتهم # وهذه جولة في أجواء المنافقين والمنافقات في خصائصهم البارزة التي تحكم ~~كل أوضاعهم السلبية في ما يفعلون أو يتركون ، في مقابلة بينهم وبين ~~المؤمنين ، لتتضح الصورة لدينا من موقع التمايز البارز في الأقوال والأفعال ~~والمواقف ، ثم ليعرف الناس نهاياتهم في ما ينتظرهم عند الله من شؤون ms2712 الثواب ~~والعقاب. # ( @QUR@05 المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) في عملية ارتباط عضوي ، من PageV11P155 # خلال ما يمثله مجتمع النفاق من ارتباط بين أفراده في الأفكار والمشاعر ~~والأعمال ، ( @QUR@05 يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) في مواجهة حادة ~~للخط الإيماني الذي جاءت به الرسالات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~لأن ذلك هو ما يمثله دورهم الشيطاني في تخريب الأسس الروحية والأخلاقية ~~الاجتماعية ، بسبب ما يثيرون من عوامل الريب والتشكيك والتضليل التي تغير ~~صورة الأشياء ، فتقلب الحق باطلا والباطل حقا ، كوسيلة من وسائل تعطيل ~~المسيرة الإيمانية في اتجاه الرسالات الإلهية. # ( @QUR@02 ويقبضون أيديهم ) عن الخير والعطاء في سبيل الله ، لأنهم ~~يعيشون أنانياتهم الذاتية التي تجعلهم لا يتصورون إلا الآفاق الداخلية ~~لشخصياتهم المحدودة المهزوزة ، فلا يشعرون بأية مسئولية تجاه الآخرين الذين ~~يعيشون مشاكل الجوع والحرمان ، لأن المشاعر الخيرة التي تنساب في أعماق ~~الروح ، لا بد لها من دوافع روحية عميقة تتصل بالإيمان بالله ، في ما يوحيه ~~للإنسان من أخلاقية التضحية وروحية العطاء ، مما يدفعه إلى المزيد من وعي ~~المسؤولية في حركة الإيثار ، بعيدا عن العوض المادي الذي يحول المسألة إلى ~~عملية تجارية ، لأن قصته في معنى الإيمان ، هي قصة السمو الروحي الذي يعيش ~~معه الأمل الكبير بالحصول على الرضا من الله ، فذلك هو الربح الكبير عنده ، ~~والعوض العظيم لديه. أما الذين لا يعيشون الإيمان ، فما هي الدوافع التي ~~تثير فيهم روح العطاء ، إنهم يفقدون كل شيء يوحي بالخير ، لأنهم يفقدون هذا ~~الجو الحميم الذي يرتفع بأرواحهم إلى آفاق الله. # ( @QUR@02 نسوا الله ) في ما يفكرون ، فكان فكرهم شيطنة ومكرا ، وفي ما ~~يشعرون ، فكان شعورهم حقدا وبغضاء ، وفي ما يعملون ، فكان عملهم تمردا ~~وعصيانا وانحرافا عن الخط المستقيم ، لأنهم عند ما فقدوا الله في فكرهم ~~وشعورهم وحياتهم ، التقوا بالشيطان من أقرب طريق ، لأن أية منطقة تخلو من PageV11P156 # الله ، لا بد من أن يدخلها الشيطان ، ( @QUR@01 فنسيهم ) بحرمانهم من ~~لطفه ورضوانه ورحمته ، إذ لا معنى لنسيان الله للناس ، إلا إهماله لهم ، ~~واعتبارهم مجرد كميات مهملة لا تعني شيئا ولا تمثل شيئا ms2713 في ما يفيضه من ~~رحمته ورضوانه وعفوه وغفرانه ( @QUR@04 إن المنافقين هم الفاسقون ) الذين ~~يجسدون الفسق واقعا حيا يشير إلى المفهوم العملي للفسق بأوضح صورة ، في ما ~~يمثله سلوكهم ، وتتكشف عنه نفسياتهم ، من خبث وتعقيد وانحراف عن طريق الله ~~( @QUR@09 وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها ) ~~فذلك هو جزاؤهم على كل ما فكروا فيه من الشر ، وأثاروه من الفساد ، ونفذوه ~~من خطط الهدم والتخريب لقواعد الإيمان في المجتمع كله ، تمردا على الله ، ~~وعصيانا لرسالاته ، وإيذاء لرسوله ، ( @QUR@02 هي حسبهم ) في ما تمثله من ~~العقوبة الكافية الوافية على أعمالهم ، ( @QUR@02 ولعنهم الله ) بإبعادهم ~~عن رحمته ، وذلك هو غاية الخسران ، لأن فقدان الإنسان لرحمة الله ، وإبعاده ~~عن ساحة لطفه ورضوانه ، لا يعني إلا فقدان الأمل في كل إشراقة للروح في ~~حياته ، أو انطلاقة للخير في مصيره. ( @QUR@03 ولهم عذاب مقيم ) لا زوال له ~~ولا انقطاع. # * * * ### ||| ** نتيجة النفاق .. عذاب مقيم # وتلك هي مسيرة النفاق في الحاضر التي ترتبط بمسيرته في التاريخ ، في ~~المقدمات والنتائج ، ( @QUR@012 كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم ) ونصيبهم من الدنيا وسارت بهم الحياة ~~كما يشتهون ، ( @QUR@02 فاستمتعتم بخلاقكم ) ونصيبكم من الدنيا في ما تشتمل ~~عليه من لذائذ وشهوات ( @QUR@09 كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم ~~كالذي خاضوا ) PageV11P157 # من الكفر والنفاق والاستهزاء بالرسل والرسالات والإمعان في الباطل قولا ~~وعملا ، فما ذا كانت نتائجهم في حساب الأرباح والخسائر؟ ليس هناك شيء على ~~مستوى الأرباح في الدنيا والآخرة ، فلم يحصلوا على شيء مقابل كل ما عانوه ~~وما خاضوا فيه ، ( @QUR@06 أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) فلم يبق ~~منها شيء ، بطلت في كل نتائجها ، لأن الكفر يهدم كل عمل من أعمال الخير ~~السابقة لو كان لهم شيء من ذلك ، فلا يستحقون عليه ثوابا في الآخرة ، ولا ~~يحصلون منها على نتيجة مرضية في الدنيا ، في ما يحصل منه الناس من نتائج ~~معنوية أو مادية على ما يقدمونه من عمل أو يبذلونه من جهد ، ( @QUR@03 ~~وأولئك هم الخاسرون ) الذين خسروا أنفسهم وفقدوا مصيرهم ، فإذا ms2714 كان مصير ~~أولئك هو ذلك ، فهل يكون مصيركم أفضل من مصيرهم ، وأنتم تسيرون على الخط ~~نفسه الذي ساروا عليه ، وتسعون إلى نفس الأهداف التي استهدفوها ، وتخوضون ~~في الباطل الذي خاضوه ، وتتمردون على الله في كل شيء؟! # * * * ### ||| ** الاعتبار بمن مضى من الكفار # ( @QUR@014 ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ~~إبراهيم وأصحاب مدين ) قوم شعيب ( @QUR@01 والمؤتفكات ) وهي القرى التي ~~انقلبت بأهلها ، وهم قوم لوط ، ( @QUR@03 أتتهم رسلهم بالبينات ) التي توضح ~~لهم السبيل وتدلهم على مواقع الهدى ، فجحدوا وكفروا وتمردوا ، فعذبهم الله ~~بذنوبهم ، بمختلف ألوان العذاب ، وأهلكهم ، ( @QUR@04 فما كان الله ليظلمهم ~~) وهو الغني عن ظلم عباده لأنه القوي الذي لا يحتاج أحدا ، بينما يحتاج ~~الظلم الضعيف ، والله قادر على أن يصل إلى ما يريد ، بما يريد ، ( @QUR@04 ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بما PageV11P158 # عصوا به الله وانحرفوا عن طريقه ، بعد أن أقام عليهم الحجة من جميع ~~الجهات. إن ذلك التاريخ الذي يمثل سيرة هؤلاء ، من خلال ما يمثله من ~~النتائج السلبية لكل هذا الخط المنحرف المتمرد ، هو الصورة التي يجب أن ~~تتمثلوا فيها النتائج الوخيمة لكل ما تقبلون عليه في مستقبل حياتكم ، ولذلك ~~فإن عليكم أن تتراجعوا عن خط الانحراف لئلا تقعوا في ما وقعوا فيه ، ~~وتنتهوا إلى ما انتهوا إليه ، لأن الله يعامل الآخرين بما عامل به الأولين ~~من موقع عدله الذي لا يعجزه أحد ، في أي زمان ومكان. # * * * PageV11P159 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم ~~الله إن الله عزيز حكيم (71) @QUR@024 وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) (72) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عدن ): خلود. # ( @QUR@01 ورضوان ): الرضوان : الرضا الكثير. # * * * ### ||| ** المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # وهذه هي الصورة الثانية التي تقف في المواجهة ، في مواجهة صورة PageV11P160 # المنافقين والمنافقات ، ولكنها الصورة المشرقة للمسيرة الظافرة للمجتمع ~~الموحد المتضامن على قاعدة الإيمان بالله ، من خلال ما يمثله من ms2715 قيم ومبادئ ~~وخط للحياة. # * * * ### ||| ** المؤمنون يتولون بعضهم بعضا # ( @QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) إنها ولاية الإيمان ~~التي يشعر فيها كل واحد منهم بالعلاقة الفكرية والروحية والعملية التي ~~تربطه بالآخر ، التي تتحول إلى علاقة وجدانية حميمة تتعمق في الفكر والروح ~~والضمير والحياة ، لأنها لا تنطلق من نزوة سريعة أو حالة طارئة ، بل من ~~قاعدة ثابتة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. # وهكذا استطاع الإيمان في مضمونه أن يركز المجتمع المؤمن ، من النساء ~~والرجال الذين حملوا مسئولية العقيدة على أكتافهم ، وتحملوا كل نتائجها على ~~صعيد الواقع ، بكل هدوء واطمئنان ، وذلك ما يريد الله أن يثيره في أجواء ~~المؤمنين والمؤمنات على مدى الزمن في ما يستقبلهم من أجواء وأوضاع. فقد ~~ينبغي لهم أن يعيشوا مثل هذه الولاية القائمة على أساس متين من الخط ~~المستقيم والهدف الواضح. # * * * ### ||| ** معالم المؤمن # ( @QUR@05 يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) من خلال ما يمثله ذلك من PageV11P161 # خط الرسالات التي جاءت من أجل تغيير المجتمع على أساس هدى الله ، في ما ~~يريده لعباده من أجواء الهدى ، ( @QUR@02 ويقيمون الصلاة ) التي هي معراج ~~روح المؤمن إلى ربه ، ومظهر عبوديته له وإسلامه له ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ~~) التي هي الوجه الحي لحركة العطاء في روحه ، وانطلاقة المسؤولية في وجدانه ~~، وتأكيد التضحية في عمله ، ( @QUR@03 ويطيعون الله ورسوله ) في ما يأمرهم ~~به أو ينهاهم عنه ، فلا يلتزمون بطاعة غيره ، فلا طاعة إلا له ، ولا خضوع ~~لسواه ، ( @QUR@03 أولئك سيرحمهم الله ) في ما أخذوا به من أسباب الرحمة ، ~~من الإيمان بالله والطاعة لرسوله ، والانسجام مع شريعته ( @QUR@04 إن الله ~~عزيز حكيم ) فلا ينتقص أحد من عزته وقوته ، ولا يصدر منه شيء إلا عن حكمة ~~عميقة ، تضع كل شيء في موضعه. # * * * ### ||| ** جزاء الإيمان جنة عدن # ( @QUR@016 وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ) وذلك في مقابل إيمانهم وعملهم ~~الصالح ، في ما يمثله الثواب من جزاء مادي ، ولكن هناك ثوابا روحيا يفوق ~~ذلك ، ولا يفهمه إلا المؤمنون الذين يعيشون الآفاق ms2716 الروحية للإيمان ، ~~فينعمون برضا الله ، أكثر مما ينعمون بجنته. وقد يجدون الجنة مظهرا لرضاه ، ~~قبل أن تكون موقعا للنعيم ، ( @QUR@04 ورضوان من الله أكبر ) لأنه غاية كل ~~مؤمن ، ومصدر كل خير ، لأن الله إذا رضي عن عبده المؤمن ، أعطاه كل شيء ، ~~ومنحه كل خير ، ( @QUR@04 ذلك هو الفوز العظيم ) الذي يشعر معه الإنسان ~~بأنه أقصى غايته ، وأفضل أمانيه. # * * * PageV11P162 ### ||| ** المرأة والرجل .. مسئولية واحدة # وقد نلاحظ في هذا الحديث عن المنافقين والمنافقات ، وعن المؤمنين ~~والمؤمنات ، اهتمام الإسلام بالمرأة ، في الواقع السلبي والإيجابي في ~~المجتمع ، باعتبارها عنصرا مسئولا يتحمل مسئولية الانحراف في ما تفرضه من ~~نتائج سلبية على مستوى قضية المصير ، فالمرأة المنافقة كالرجل المنافق ، ~~تسيء إلى المسيرة ، من خلال ما تأمر به من المنكر أو تنهى عنه من المعروف ، ~~أو تمتنع فيه من العطاء ، أو تنسى معه الله ، وتتحمل غضب الله ، من خلال ما ~~يفرضه هذا الاتجاه من غضبه وسخطه ، كما أن المرأة المؤمنة ، كالرجل المؤمن ~~، تحقق للمجتمع النتائج الإيجابية في ما تأمر به من المعروف ، أو تنهى عنه ~~من المنكر أو تطيع به الله ورسوله ، أو عند ما تقوم بالصلاة وإيتاء الزكاة. # وقد نستوحي من ذلك دعوة المرأة إلى أن تحمل مسئولية ذلك كله ، في ~~انطلاقتها الحركية في الحياة ، وإذا كان المعروف يشمل إقامة العدل ، والنهي ~~عن المنكر يشمل هدم الظلم ، فإن ذلك يعني شرعية العمل السياسي والجهادي ~~للمرأة ، في ما تحتاجه الأمة من طاقاتها ونشاطاتها ، وإن لم يجب عليها ~~العمل المسلح في حالات الحرب ، في الأوضاع الطبيعية. وبهذا يؤكد الإسلام ~~نظرته الإنسانية إلى دور المرأة في بناء المجتمع على أساس القاعدة ~~الإسلامية التي أكدها الله ورسوله في الكتاب والسنة ، ويوجه الأمة إلى ~~الاستفادة من دورها في كل المجالات التي تستطيع فيها أن تقدم خدمة اجتماعية ~~أو سياسية أو تربوية أو عسكرية ، وعدم الاقتصار على دورها الأنثوي ، كأم ~~وكزوجة وكربة بيت ، فإننا في الوقت الذي لا نقلل فيه من هذا الدور المهم في ~~حياتنا وحياة الأمة ، فإننا لا نعتبره كل شيء ، كما لا ms2717 ننتقص من الأدوار ~~الأخرى الفاعلة على جميع المستويات العامة والخاصة. # * * * PageV11P163 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير (73) @QUR@046 يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم ~~الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا ~~أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) (74) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جاهد ): الجهاد : ممارسة الأمر الشاق وأصله من الجهد. # ( @QUR@01 واغلظ ): الغلظة ضد الرقة ، وهي الخشونة. # ( @QUR@01 ومأواهم ): المأوى : اسم للمكان الذي يأوى الإنسان إليه ، أي ~~ينزل فيه. # ( @QUR@01 وبئس ): كلمة تستعمل في جميع المذام ، تأتي بمعنى ساء. # ( @QUR@01 وهموا ): هم بالشيء ، نواه وأراده وعزم عليه ولم يفعله. PageV11P164 # ( @QUR@01 نقموا ): أنكروا. # * * * ### ||| ** مجاهد الكفار والمنافقين # ويتصاعد أسلوب المواجهة ضد الكفار والمنافقين الذين قد يستفيدون من الخطة ~~النبوية التي تعتمد اللين والرفق في التعامل معهم ورد تحدياتهم ، فقد كان ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحاول أن يدفع الأمور إلى ساحة السلام الذي ~~يفسح المجال للحوار أن يفرض أسلوبه على الآخرين ، فيقودهم إلى القناعة من ~~موقع الفكر الذي يتأمل ويتدبر ويناقش ويحاكم ويحكم ، فإن الفكر سينتهي إلى ~~إيجابية الوقوف مع الإسلام من خلال ما يملكه من دلائل وبينات. ومرت الأيام ~~، والنبي يزيد المحاولات السلمية ، والكفار والمنافقون يزدادون تمردا ~~وإيغالا في التآمر والتشكيك والكيد للإسلام والمسلمين. وهذا ما أراد الله ~~لنبيه أن يتجاوزه بعد فشل كل التجارب السلمية معهم ، مما جعلهم يفكرون بأن ~~ذلك يمثل نقطة ضعف لدى الفريق الإسلامي. فليبدأ بمنطق القوة ، لأن الكثيرين ~~لا يفهمون إلا بهذه اللغة الحاسمة الضاغطة على الذين لا يخافون إلا من ~~القوة ، ولهذا جاء الأمر بجهادهم والإغلاظ عليهم حاسما في نداء الله ~~للرسول. # * * * ### ||| ** استعمال القسوة على الكفار والمنافقين # ( @QUR@06 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) لتكون كلمة الله هي ~~العليا وكلمة PageV11P165 # الشيطان هي السفلى ( @QUR@02 واغلظ عليهم ) فإن ذلك يخفف من امتدادهم في ~~خط العدوان ، ويدفعهم إلى إعادة النظر في كثير من ms2718 أساليبهم في العناد ~~والتمرد. أما كيف يكون أسلوب الجهاد ، فهو أمر أطلقه القرآن ولم يحدده ، ~~ليكون للنبي اختيار الوجه الأفضل ، في نطاق الظروف الموضوعية المحيطة ~~بالساحة ، في آفاق الزمان والمكان والأشخاص ، ( @QUR@04 ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير ) فقد حق عليهم القول بما أجرموا وما عاثوا في الأرض فسادا ، وذلك ~~جزاء الكافرين المفسدين. # * * * ### ||| ** التستر بالحلف بالله # ( @QUR@04 يحلفون بالله ما قالوا ) كلمة الكفر ( @QUR@07 ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) فأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام ، وقد كان ~~النبي يكتفي من الإسلام بإظهار الشهادتين مع الاستعداد للانسجام مع الخط ~~العملي للإسلام ، بعيدا عن التدقيق في الهوية الداخلية الذاتية للشخص ( ~~@QUR@04 وهموا بما لم ينالوا ) من الفتك برسول الله ، من خلال ما تآمروا ~~عليه بعد رجوعه من معركة تبوك ، في ما كانوا يطرحونه من عقبة في الطريق ، ~~فلم يبلغوا مرادهم منه ( @QUR@09 وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله ) فقد استطاع أن يرفع مستواهم المادي ، ويخفف عنهم ضغط العيش ، في ما ~~كان يعطيهم من رزق وفضل ، مما يصل إليه من مال ، وكان يساويهم في الغنائم ~~بسائر المسلمين ، فخلق لهم ذلك عقدة في نفوسهم ضد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، كما قد يحدث لدى الكثيرين من مرضى القلوب الذين ~~يتعقدون من الشخص كلما ازداد إحسانا إليهم ، فلم يكن له ذنب عندهم PageV11P166 # إلا إحسانه إليهم ، وبذلك ازداد سخط الله عليهم من خلال هذه النفوس ~~الخبيثة التي ينطوون عليها ، ولكن الله لم يغلق عنهم باب التوبة ، بل فتحه ~~لهم على مصراعيه. ( @QUR@05 فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) لأن ذلك يحقق لهم ~~الأمن والسلام في الدنيا ، والعفو والمغفرة في الآخرة ، ( @QUR@02 وإن ~~يتولوا ) ويعرضوا عن التوبة ، ويصروا على ما هم عليه من الكفر والتمرد ~~والعصيان ( @QUR@07 يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ) في ما ~~يعيشونه من خوف وقلق على المصير ، ورهبة من أولياء الله الصادقين في ~~مواقفهم وجهادهم ( @QUR@08 وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) وكيف يجدون ~~الولي في مواجهة الله ، ومن أين يمكن أن يحصلوا على النصير الذي ينصرهم ms2719 من ~~الله في بأسه وقوته؟! # * * * PageV11P167 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين (75) @QUR@09 فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) ~~@QUR@015 فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون (77) @QUR@011 ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن ~~الله علام الغيوب ) (78) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عاهد ): المعاهدة هي أن تقول : علي عهد الله لأفعلن كذا ، ~~فإنه يكون بذلك قد عقد على نفسه وجوب ما ذكره. # ( @QUR@01 ونجواهم ): النجوى : الكلام الخفي. # * * * ### ||| ** ومنهم من عاهد الله .. فنقض العهد # وهذا نموذج آخر من نماذج الملامح الاستعراضية الإيمانية التي كانوا PageV11P168 # يحاولون من خلالها الإيحاء للمؤمنين بإخلاصهم لله ، وجديتهم في الوقوف ~~عند أمره ونهيه ، في ما يفرضه عليهم من العطاء في سبيله ، والتضحية بالمال ~~من أجله ، ولكنهم يتراجعون عن ذلك كله أمام التجربة الحية ، ليتبين للناس ~~أنهم كانوا يواجهون الموقف بالكلام الكاذب الذي لا يحمل في مستقبله الواعد ~~أي معنى حقيقي على صعيد الواقع ، مما يؤكد حقيقة النفاق الكامنة في نفوسهم ~~، التي تتحرك من مواقع الوعد الكاذب لله ولعباده ، الذي يثير الحياة في هذه ~~الفجوة العميقة بين ما هو القول ، وما هو الفعل. # * * * ### ||| ** نقض العهد نتيجة عدم التقوى # ( @QUR@09 ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) فهم يعتذرون عن ~~عدم قيامهم بواجب الصدقة بالعجز المالي ، ولولاه لما تأخروا عنه في أي حال ~~من الأحوال ، فلو أن الله رزقهم من واسع فضله ، لقاموا بالصدقة على أحسن ~~حال ، ولساروا على خط الصلاح ، في ما يواجه به الصالحون الموقف في العمل ~~على تحقيق القضايا العملية التي توحي برضا الله ، ( @QUR@03 ولنكونن من ~~الصالحين ) في ما يوحي به العطاء والبذل في سبيل الله من معنى الصلاح ( ~~@QUR@06 فلما آتاهم من فضله بخلوا به ) لأن العهد لم يكن منطلقا من حالة ~~تقوى وموقف إيمان ، بل من حالة استعراضية تمنحهم فرصة الهروب من الموقف ~~الصعب آنذاك من جهة ، وتهيئ لهم الظهور بمظهر التقوى والصلاح من جهة أخرى ، ~~فإذا جاءت التجربة الحية التي تتحدى ms2720 فيهم صدق الموقف ، سقطوا أمامها ، ~~وامتنعوا عن الوفاء بما عاهدوا الله عليه ، وبخلوا بالمال الذي رزقهم الله ~~إياه ( @QUR@03 وتولوا وهم معرضون ) عن كل ما قالوه ، وعن كل ما التزموا به. PageV11P169 ### ||| ** نقض العهد يعقبه نفاق في القلب # ( @QUR@01 فأعقبهم ) ذلك ( @QUR@03 نفاقا في قلوبهم ) ممتدا في امتداد ~~الحياة بهم ( @QUR@03 إلى يوم يلقونه ) يوم القيامة عند ما يلاقون الله غدا ~~، فيكشف ما أضمروه من زيف ، وما عاشوه من نفاق ، مما قد خفي أمره على الناس ~~في الدنيا ، ( @QUR@05 بما أخلفوا الله ما وعدوه ) لأن القضية لم تكن مجرد ~~حالة طارئة في فعل معين ، بل كانت منطلقة من عقدة مرضية كامنة في النفس ، ~~باعثة على إخلاف الوعد عن سابق قصد وتصور وتصميم ، ( @QUR@03 وبما كانوا ~~يكذبون ) باعتبار أن الكذب يمنحهم فرصة الهروب من المواقف الحاسمة التي ~~تتحدى فيهم حركة الإيمان في حركة الإنسان في الواقع. وهكذا يهربون من موقع ~~إلى موقع ، في عملية اختباء واختفاء وتراجع عن الكلمات والعهود والمواقف ، ~~في غفلة عن انكشاف أمرهم عند الله. ( @QUR@07 ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم ) في ما يفكرون به في داخل ضمائرهم ، ويتناجون به بطريقة سرية فيما ~~بينهم ، في ما يحاولونه من اللعب على المواقف والكلمات ، فكيف يغفلون عن ~~هذه الحقيقة ، ويتصرفون في الحياة بعيدا عنها ، فإذا كانوا يملكون إخفاء ~~أمرهم عن الناس في ما يملكون غطاءه ، فكيف يملكون إخفاء ذلك عن الله الذي ~~يعلم سرهم ونجواهم ( @QUR@04 وأن الله علام الغيوب ) فلا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء من شؤون خلقه في كل أمورهم الظاهرة والخفية. # * * * PageV11P170 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) @QUR@025 ~~استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (80) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلمزون ): يعيبون. # ( @QUR@01 المطوعين ): المتطوعين ، الذين يتطوعون بالعطاء. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول ، في قوله تعالى : ( @QUR@03 الذين يلمزون المطوعين ~~) الآية ، أخرج البخاري ms2721 ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو PageV11P171 # الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن مسعود قال : لما نزلت آية ~~الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا : مراء ، ~~وجاء أبو عقيل بنصف صاع ، فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا ، ~~فنزلت ( @QUR@012 الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم ) الآية (1). # وهكذا نجد في هذا الحديث كيف كان هؤلاء المنافقون يعملون على بلبلة ~~الموقف في المجتمع الإسلامي ، من أجل أن يمتنع المسلمون الذين يندفعون إلى ~~التضحية بأموالهم عن ذلك ، عند ما يعيشون الإيحاء بأنه لا يلقى أي صدى في ~~التقييم الإيماني ، بل قد يلقى أصداء مضادة ، وذلك من خلال اتهامهم بالرياء ~~أو الإيحاء لهم بأن مثل ذلك لا جدوى له ، لأن الله لا يحتاج صدقة الناس ~~لإعلاء دينه ، أو لمعونة عباده ، مما يؤدي إلى ضعف المواقف ، واهتزاز ~~المواقع وابتعاد المسلمين عن الاندفاع في المشاركة في العمل الاجتماعي ~~والجهادي العام. وبهذا نستطيع أن نحكم على حجم الجريمة التي يقوم بها هؤلاء ~~في هذا السبيل ، ونعرف من خلال ذلك خلفيات هذه الأعمال ، في ما تنطوي عليه ~~قلوبهم من الكفر بالله والتمرد على رسوله. # * * * ### ||| ** السخرية من المتصدقين # ( @QUR@07 الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ) أي يعيبونهم ~~ويرمونهم بالتهم الباطلة ، ويوجهون إليهم الكلمات غير المسؤولة عند ما ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله قربة إليه تعالى من موقع الروح PageV11P172 # الإيمانية في العطاء لا سيما هؤلاء الذين لا يملكون المال الكثير ( ~~@QUR@05 والذين لا يجدون إلا جهدهم ) من هؤلاء الفقراء المعسرين الذين لا ~~يجدون سعة في المال ، بل كل ما عندهم هو جهدهم الذي يقدمونه ليدفعوا عوضه ~~للعمل في سبيل الله ( @QUR@02 فيسخرون منهم ) بمختلف الأساليب الساخرة ( ~~@QUR@03 سخر الله منهم ) لأنهم يحسبون أنفسهم في موقع القوة في ذلك وهم في ~~مواقع الضعف ، ويخيل إليهم أنهم يمثلون الذكاء وهم يمثلون الغباء ، لأنهم ~~لا يبلغون ما يريدون من كل ذلك ، فيضيع جهدهم هباء ، مما يدعو إلى السخرية ~~من جهة ، أو يجسد ms2722 واقع السخرية بهم من جهة أخرى ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) ~~جزاء سخريتهم بالمؤمنين وتمردهم على الله ورسوله. # * * * ### ||| ** استغفار النبي لا ينفع المنافقين # وربما سعى البعض منهم أو من غيرهم لدى النبي أن يستغفر لهم بعد انكشاف ~~أمرهم ليكون ذلك أساسا لشرعية موقعهم في المجتمع المسلم ، وربما كانت ~~المسألة مطروحة في الذهن على أساس نظري حول إمكانات ذلك من حيث المبدأ ، في ~~مجال تقييم تصرفاتهم في حساب غفران الله لهم ذلك من خلال استغفار النبي لهم ~~، في ما لو حدث ذلك ، ولكن الله أغلق الباب كله عليهم ، لأن القضية في ذلك ~~ليست قضية خطيئة يمكن أن يتوب الله على فاعلها مع استغفاره أو استغفار ~~النبي له ، بل هي قضية الإيمان من الأساس ، فإن هؤلاء المنافقين لا يؤمنون ~~بالله والرسول في عمق أنفسهم ، فكيف يمكن أن تنالهم المغفرة ( @QUR@06 ~~استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) فالنتيجة واحدة ، لأنهم لا يملكون قابلية ~~الحصول على المغفرة ( @QUR@05 إن تستغفر لهم سبعين مرة ) والظاهر أن PageV11P173 # الرقم هنا ، لا مدلول له من حيث الخصوصية ، بل ربما كان واردا على سبيل ~~المبالغة في الكثرة ، ( @QUR@09 فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ~~ورسوله ) في ما أضمروه في نفوسهم من معاني الكفر بشكل مباشر أو غير مباشر ، ~~وبذلك فإنهم لا يملكون قاعدة للمغفرة ، ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ) أمثال هؤلاء الذين تجاوزوا الحد في التمرد والانحراف ورفضوا ~~هداية الله ورسوله ، في ما لديهم من وسائلها وأدواتها ، وبذلك أهملهم الله ~~، ففقدوا روح الهداية. # * * * PageV11P174 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون (81) @QUR@08 فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما ~~كانوا يكسبون (82) @QUR@025 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج ~~فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ~~فاقعدوا مع الخالفين (83) @QUR@018 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ms2723 (84) @QUR@016 ولا ~~تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون (85) @QUR@018 وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا ~~مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) ~~@QUR@011 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) (87) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المخلفون ): خلفته : تركته خلفي ، والمخلفون : الذي تخلفوا عن PageV11P175 # الخروج. # ( @QUR@03 خلاف رسول الله ): بعده. وقيل مخالفتهم له. # ( @QUR@01 وتزهق ): تهلك بالموت. # ( @QUR@02 أولوا الطول ): أي أصحاب المال والقدرة والغنى. # ( @QUR@01 ذرنا ): دعنا. # ( @QUR@01 الخوالف ): قال الزجاج : الخوالف : النساء لتخلفهن عن الجهاد (1). # * * * ### ||| ** القرآن يتحدث عن المخلفين # وهذه جولة مع هؤلاء المخلفين الذين استأذنوا النبي في البقاء في المدينة ~~، وتخلفوا عن الخروج معه ، من أجل رصد الحالة النفسية التي كانوا يعيشونها ~~، وعرض أساليبهم في التخذيل والتثبيط عن الخروج للحرب والانطلاق مع خط ~~الجهاد ، ثم توجيه النبي إلى ما ينبغي له أن يواجه به هؤلاء من الموقف ~~الحاسم الرافض لكل أعذارهم وأساليبهم ، لئلا يظنوا في أنفسهم أنهم استطاعوا ~~استغفال النبي والمسلمين في ما تنطوي عليه نفوسهم ، وفي ما يخططون له من ~~أعمال التخريب. # * * * PageV11P176 ### ||| ** الفرح للتخلف عن الجهاد # ( @QUR@02 فرح المخلفون ) الذين تخلفوا عن الخروج إلى المعركة ( @QUR@04 ~~بمقعدهم خلاف رسول الله ) أي بعد خروجه على وجه أو مخالفة له على وجه آخر. ~~فها هم يشعرون بأنهم قد نجحوا في أسلوبهم في إقناع النبي بمنحهم الإذن لهم ~~في عدم الخروج ، وبذلك ارتفع الحرج عنهم ، الذي كانوا سيعيشونه ، لو لم ~~يأذن لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنهم سوف يواجهون إحدى مشكلتين ، ~~إما التمرد الذي يفضح واقعهم الداخلي أمام المسلمين ، وإما الخروج الذي ~~يعرضهم للخطر في المعركة ، فها هم الآن يجدون أنفسهم وقد تخلصوا من ذلك كله ~~، فأية فرحة هي هذه الفرحة الذاتية في هذه اللحظات السعيدة التي تمثل الربح ~~كله والفرح كله على مستوى الأجواء الملائكة والنتائج الإيجابية للخطة ~~المرسومة. ( @QUR@08 وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) ~~لأنهم لا يعيشون الإخلاص له ، لكي يتحركوا في سبيل الأهداف الكبيرة التي ~~يريدها في خط ms2724 التضحية بالمال والنفس ، ولهذا فإن رد الفعل الطبيعي لديهم ~~أمام دعوات الجهاد هو المقت والكراهية التي قد يحاولون إخفاءها ولكنهم لا ~~يملكون السبيل إلى ذلك ، فيستسلمون للفضيحة عند أول بادرة من كلمة أو فعل ~~أو حركة مضادة. # * * * ### ||| ** التحجج بالحر # وقد أراد الله أن يواجههم بذلك ليعرفوا أنهم لا يملكون أساسا للأمن ، في ~~ما يضمرون ويتآمرون. ويبدأ استعراض أساليبهم في تثبيط الناس عن PageV11P177 # الخروج للجهاد. ( @QUR@05 وقالوا لا تنفروا في الحر ) وانتظروا زوال شدته ~~ومجيء الفصل المعتدل الذي يبرد فيه الجو ، فيعين الإنسان على تحمل مشقة ~~الجهاد ، ليخلقوا بذلك حالة من الارتباك والبلبلة في صفوف المسلمين ، ~~وليثيروا في أنفسهم الشعور بالموانع والمشاكل التي تعترضهم في طريق الجهاد ~~، ولكن الله يثير أمامهم وأمام المسلمين مشكلة الحر من طريق آخر ، وهي قضية ~~الحر في الآخرة الذي ينتظرهم في نار جهنم إذا تخلفوا عن رسول الله وعصوا ~~أمر الجهاد ، فعليهم أن يوازنوا بين حرارة الجو وحرارة النار ، فأيهما ~~يفضلون؟ ولا يتركهم الله ليختاروا وليفكروا في ذلك ، بل يعطيهم الفكرة ~~الحاسمة : ( @QUR@08 قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) ويفهمون ، ~~ليعرفوا نتائج منطقهم وأسلوبهم في التخذيل والتنفير. # * * * ### ||| ** الضحك القليل مقابل البكاء الكثير # ( @QUR@02 فليضحكوا قليلا ) في ما يوحيه هذ الفرح الروحي الذاتي ، من ~~حالة ضحك ، يقهقه فيه النجاح الذي حصلوا عليه. ولكن السؤال هو : إلى متى ~~يمكن أن يستمر هذا الضحك وتبقى هذه القهقهة؟ إنها لن تمتد بهم كثيرا ، ~~فستواجههم التحديات التي تفضح كل هذا الزيف ، فتواجههم بسلبياته المفجعة في ~~الدنيا ، وبمشاكله القاتلة في الآخرة ، ( @QUR@02 وليبكوا كثيرا ) على ~~أنفسهم وعلى مصيرهم ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يكسبون ) من أعمال شريرة ~~وأوضاع سيئة. # ولعل من الواضح ، أن الأمر بالضحك القليل والبكاء الكثير ، ليس واردا ~~مورد التكليف والإلزام ، بل مورد التنديد والتوعية بالنتائج السلبية لكل PageV11P178 # مواقفهم وأعمالهم ، فليس هناك إلا الفرح الطارئ السريع الذي لا يستقر في ~~عمق الواقع ولا يحمل لهم في مصيرهم إلا البكاء الكثير الطويل ، فليس لهم أن ~~يستسلموا لما هم فيه ، بل عليهم أن ينتظروا ما يقبلون ms2725 عليه من مشاكل وآلام. # * * * ### ||| ** رفض خروج المنافقين # ( @QUR@06 فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) في جولة أخرى في معركة الحق ~~والباطل ( @QUR@02 فاستأذنوك للخروج ) ليثبتوا إخلاصهم في الظاهر ، بعد ~~انكشاف أمر جماعتهم في الجولة الأولى ، ليحصلوا على الثقة الجديدة من أجل ~~أن يتآمروا من جديد ، من مواقع هذه الثقة التي يستطيعون من خلالها أن ~~يكيدوا للإسلام والمسلمين بكل حرية وثقة وامتداد ، ( @QUR@05 فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ) ولن أمنحكم هذه الفرصة التي تدخلكم في صفوف المجاهدين الذين ~~يحصلون على امتياز القيمة العليا الكبيرة في حركة الإنسان في الحياة ، ~~لأنكم لا تعيشون روحية الجهاد في العمق الروحي من شخصيتكم ، فكيف تحملون ~~قيمته؟ ( @QUR@04 ولن تقاتلوا معي عدوا ) لأن الذين يقاتلون العدو هم الذين ~~يثبتون في المعركة من خلال إيمانهم برسالة المعركة ، في طبيعة الساحة وفي ~~تحديد مواقع الأعداء في مجالات الهجوم والدفاع. وهذا ما لم تعيشوه في فكركم ~~، ولذلك فلا أمان لكم أن تواجهوا أعداء الله بقوة وأنتم تنظرون إليهم نظرة ~~الصديق إلى الصديق ، فلا مجال لكم في حركة المعركة ( @QUR@05 إنكم رضيتم ~~بالقعود أول مرة ) فكيف يمكن لنا أن نعيد الثقة المفقودة بكم من دون أساس ~~ثابت ، ( @QUR@03 فاقعدوا مع الخالفين ) المتخلفين عن عذر أو عن غير عذر. PageV11P179 ### ||| ** إخراج المنافق من أحكام الإسلام # ( @QUR@011 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) في عملية ~~تكريم واسترحام له كما تفعل مع المسلمين المخلصين الذين تشيعهم إلى قبورهم ~~بعد أن تصلي عليهم ، ( @QUR@07 إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ~~) فلم يتعلقوا من الإسلام بشيء في واقعهم الفكري والروحي والعملي. فكيف ~~يمكن أن تعاملهم معاملة المسلمين الذين أخلصوا لله عهده وساروا على هداه ~~وانطلقوا في الحياة مع أوامره ونواهيه؟! # ( @QUR@04 ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ) في ما يمكن أن يثيره ذلك من ~~مشاعر تعظيم في النفس ، أو ما يمكن أن يخطر في البال عنده ، من اعتبار ذلك ~~تكريما من الله لهم ، في ما يظنه البعض ، من أن النعمة تمثل نوعا من أنواع ~~كرامة الله لعبده ، إنها ليست كذلك ، بل ms2726 قد تكون اختبارا أو عقابا أو ما ~~شابه ذلك ، ( @QUR@08 إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ) في ما ~~تثيره من مشاكل ومتاعب وآلام لا تتناسب مع طبيعة الفرح الذي يحصل عليه ~~الإنسان من خلالها ، ( @QUR@02 وتزهق أنفسهم ) في نهاية المطاف ( @QUR@02 ~~وهم كافرون ) لا يتعلقون من رحمة الله بشيء ، لأنهم لم يحصلوا من هذا الزهو ~~بالمال والولد ، إلا المزيد من الطغيان والتمرد والكفر والعصيان ، فأدى بهم ~~ذلك إلى سوء العاقبة ، وهو الموت على حالة الكفر ، وماذا بعد الكفر إلا ~~النار والدمار. # * * * PageV11P180 ### ||| ** اعتذار أولي القوة عن الخروج # وتعود الآيات لتؤكد تمردهم وابتعادهم عن خط الطاعة لله ولرسوله ، ( ~~@QUR@09 وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ) واجهوا هذا ~~المأزق الجديد بالتهرب من المسؤولية ، ومحاولة الحصول على تبرير ظاهري ~~للتخلف ، ( @QUR@03 استأذنك أولوا الطول ) والحول والقوة ( @QUR@06 منهم ~~وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ) حتى لا يصابوا بأذى أو ضرر أو خطر على ~~الحياة ( @QUR@05 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) المتخلفين من أصحاب الأعذار ~~الذين لا يملكون أية حيلة للمواجهة وللمجاهدة ، ( @QUR@03 وطبع على قلوبهم ~~) عند ما أغلقوها عن ذكر الله وعن وعي الإيمان في روحيته وفكره ( @QUR@03 ~~فهم لا يفقهون ) ولا يفهمون نتائج الأمر كله في كل شيء. # * * * PageV11P181 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك ~~لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) @QUR@013 أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ) (89) # * * * ### ||| ** مجاهدة المؤمنين بأموالهم وأنفسهم # ولكن المنافقين لا يمثلون الظاهرة العامة الشاملة للمجتمع الإسلامي ، ~~ليتشاءم المتشائمون من إمكانية انطلاق الإسلام في الحياة في مواجهة ~~التحديات الكبيرة الضاغطة ، باعتبار ما يمثله وجودهم من عوائق وحواجز أمام ~~اندفاع المسيرة ، بل هم مجرد جماعة محدودة ، لها حدودها الخاصة في ما ~~تستطيع عمله ، ولها سلبياتها المعينة ، في ما يمكن أن تسيء به إلى الساحة ، ~~ولكنها لا تستطيع أن تهدم الكيان وتهزم المعركة وتعطل المسيرة ، لأن هناك ~~القيادة الرسالية الواعية المتمثلة بالنبي والمؤمنين معه ، الذين يحملون ~~على أكتافهم عبء الجهاد ، ويقودون المعركة إلى النصر ، ويواجهون التحديات PageV11P182 # بروح التضحية ms2727 في سبيل الله ، في ارتباط وثيق بين القيادة والقاعدة ، لا ~~تلغي فيه القيادة دور القاعدة ، كما لا تبتعد فيه القاعدة عن خط القيادة ، ~~بل هو الخط الواحد الذي تثبته القيادة بالفكر والوعي والإيمان وتغنيه ~~القاعدة بالتجربة والمعاناة والإخلاص. ### ||| ** المجاهدون مصيرهم الجنات # ( @QUR@05 لكن الرسول والذين آمنوا معه ) هم الذين أعطوا الأمل الكبير ~~للساحة من موقع التحرك الواقعي الذي يبحث عن أدوات الواقع من أجل تغيير ~~المواقع ، ولا يتجمد أمام أحلام المثالية الخيالية ، وتلك هي وسائل الجهاد ~~، فقد ( @QUR@02 جاهدوا بأموالهم ) في ما يحتاج إلى التضحية بالأموال ( ~~@QUR@01 وأنفسهم ) في ما يحتاج إلى بذل النفوس في سبيل الله ، لأن فكرة ~~الجهاد في الإسلام ليست منطلقة من السيطرة الذاتية للاستعلاء على الناس ~~وسحق إرادتهم وتحطيم مستقبلهم ، بل هي منطلقة من تحقيق إرادة الله في بناء ~~الحياة على أساس رسالته ، في ما يريد للحياة أن ترتكز عليه. # ( @QUR@03 وأولئك لهم الخيرات ) التي تمثل النتائج الطبيعية لأعمالهم ~~الخيرة على مستوى الدنيا والآخرة ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) لأنهم ~~أخذوا بأسباب الفلاح في العقيدة والعمل ، في ما أخذوه من الإيمان بالله ~~ورسوله واليوم الآخر ، وساروا على شريعته المرتكزة على أساس وحيه ، وواجهوا ~~كل القوى الكافرة والشريرة من أجل حماية الحياة من كفرهم وشرورهم. ( ~~@QUR@010 أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) لما عملوا ~~ولما جاهدوا وأخلصوا لله دينه ووحيه .. ( @QUR@03 ذلك الفوز العظيم ) الذي ~~يمثل الخير كل الخير ، والنعمة كل النعمة ، والرضا كل الرضا ، والقيمة ~~الكبيرة العليا في الدنيا والآخرة. # * * * PageV11P183 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) @QUR@026 ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ~~ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) @QUR@023 ولا على الذين إذا ~~ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ~~حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) @QUR@019 إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ms2728 الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) (93) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المعذرون ): المقصرون الذين يعتذرون وليس لهم عذر. # ( @QUR@01 الأعراب ): الذين يسكنون البادية. PageV11P184 # ( @QUR@01 نصحوا ): النصح : إخلاص العمل من الغش. # ( @QUR@05 لا أجد ما أحملكم عليه ): كناية عن إعطاء المركوب من فرس أو ~~بعير أو غير ذلك. # ( @QUR@01 حزنا ): ألما في القلب. # * * * # ( @QUR@010 وجاء المعذرون من الأعراب وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ~~) وهؤلاء الذين كانوا يسكنون البادية ، ممن كانوا يملكون العذر المقبول ~~الذي يبرر لهم تخلفهم ، ولكنهم لا يستسلمون لذلك ، ولا يستقلون بأخذ العذر ~~لأنفسهم من دون الرجوع إلى القيادة النبوية ، بل يرجعون إلى النبي ، ~~ليعرضوا عليه ظروفهم وأوضاعهم التي تمثل عذرهم في التخلف ليأذن لهم على ~~أساس ذلك. ( @QUR@05 وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) من الأعراب ، فلم ~~يشعروا بالحاجة إلى تقديم العذر وأخذ الإذن ، لأنهم لا يؤمنون بالله ورسوله ~~في عمق تفكيرهم وشعورهم ، وإن أظهروا ذلك في الشكل ، ( @QUR@04 سيصيب الذين ~~كفروا منهم ) لعل الضمير يعود إلى الأعراب ، الذين جاء ذكرهم في نطاق ~~الحديث عن المعذرين. وبذلك نفهم من الآية أن الله قد أعطى العذر للفئة ~~الأولى ولم يعذر الفئة الثانية في موقفها ، لأنها تمثل الموقف المعاند ~~الجاحد المتمرد ، فأنذرهم بأنهم سيصيبهم منه ( @QUR@02 عذاب أليم ). # * * * PageV11P185 ### ||| ** أعذار التخلف المشروعة # وفي هذا الجو ، يثير القرآن بعضا من النماذج التي تملك العذر المشروع ~~للتخلف عن القتال ، لأنها لا تملك الطاقة الذاتية التي تساعدها على ذلك ، ~~ولا تجد الوسائل العملية التي توصلها إليه ، ولكنها تملك الإيمان العميق ~~الذي يدفعها إلى النصح لله ولرسوله ، ممن أحسنوا العزم والشعور والعمل. # ( @QUR@03 ليس على الضعفاء ) الذين يعيشون الضعف الجسدي كحالة طبيعية ~~لازمة ( @QUR@03 ولا على المرضى ) الذين يعيشون الضعف الطارئ عن حالة المرض ~~فيمنعهم من المشاركة في القتال ، ( @QUR@07 ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون ) حيث كانت الحرب آنذاك مما يتحمل مسئوليتها المقاتلون أنفسهم لا ~~السلطة الموجودة في الساحة. فقد لا يكون للمقاتل مال ينفقه على نفسه وعلى ~~الحرب ، فليس عليه في هذه الحال ، ولا على غيره ممن لا يملكون الطاقة ( ~~@QUR@01 حرج ) ولا عقدة ، لأن الله قد ms2729 منحهم الرخصة في عدم خوض المعركة ( ~~@QUR@04 إذا نصحوا لله ورسوله ) فعاشوا في أعماقهم ومشاعرهم الإخلاص ~~والجدية والاهتمام بكل ما يتصل بمسيرة المعركة في الداخل والخارج ، وقدموا ~~النصح ، في ما يملكون تقديمه من رأي وخطة وتعاون في غير مجالات القتال ، ~~لأن ذلك هو مظهر النصح الذي لا يدخر جهدا في سبيل الوصول إلى النتائج ~~الكبيرة في المعركة ( @QUR@05 ما على المحسنين من سبيل ) لأنهم أحسنوا في ~~ما يستطيعون تقديمه ، وفي ما يملكون تحريك مشاعرهم نحوه ، إذا لم يملكوا ~~تحريك أيديهم وأرجلهم إليه. # وهذه قاعدة عامة في جميع المجالات العامة لحركة الإنسان في أجواء ~~المسؤولية ، إذا كان عمله متحركا في طريق الإحسان إلى الأفراد والمجتمعات ، ~~ولذا اعتبرها الفقهاء أساسا تشريعيا في كثير من الموارد التي قد PageV11P186 # تتحقق فيها الخسارة من تصرف شخصي تجاه آخر ، فلا يحكم بضمانه إذا كان ~~محسنا له في هذا العمل ، وإن كان فيه إساءة له من حيث النتائج ( @QUR@03 ~~والله غفور رحيم ). # ( @QUR@07 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) لأنهم لا يجدون الدابة ~~التي تحملهم إلى أرض المعركة ، في ما كانوا يحتاجون فيه إلى الراحلة لبعد ~~المسافة التي لا يستطيع الإنسان أن يقطعها سيرا على الأقدام ، فجاءوا إلى ~~النبي ، ليدبر لهم أمر ذلك ، ولكنه لم يستطع تحقيق طلبهم ( @QUR@06 قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه ) لأن الظروف المادية لا تسمح بذلك ، ( @QUR@010 تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) لأنهم يعيشون مسئولية ~~الإيمان بعمق ، فيحاولون بكل جهدهم أن يزيلوا الحواجز التي تمنعهم من ~~التقدم ، ويرفعوا الموانع التي تؤخرهم عن المشاركة ، ولهذا فإنهم يتألمون ~~ويحزنون إذا لم يصلوا إلى تحقيق ذلك. إنها روحية الإنسان الذي يعيش الإيمان ~~كمسؤولية ، ويحب ممارسة مسئوليته بلهفة وشوق ، فلا يرتاح لأي شيء يعطل ~~مسيرته في هذا الاتجاه. إنه يحاول ويحاول تذليل الصعوبات ، فإذا لم يوفق في ~~ذلك ، عاش القضية شعورا في العمق ، يوحي لقلبه بالحزن ، ولعينيه بالدموع ، ~~وهذا ما يقدره الله لهم حق التقدير ، ولهذا فإنه يعفيهم من أي شعور ~~بالإحباط والتعقيد أمام أجواء الساحة ms2730 ، فلم يجعل لأحد سبيلا عليهم من أية ~~جهة في موقع القيادة وفي موقع القاعدة. # * * * ### ||| ** الاعتذار غير المشروع # ( @QUR@07 إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء ) يملكون المال PageV11P187 # الذي يستطيعون معه أن يحققوا لأنفسهم كل وسائل المعركة ، ويزيلوا كل ~~الحواجز التي تفصلهم عن الوصول إلى الهدف ، في ما يحتاج الأمر فيه إلى مال ~~( @QUR@05 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) العاجزين المتقاعدين أو المخالفين ~~، لأنهم لا يملكون الطموحات الروحية والإيمانية التي يحصلون من خلالها على ~~الدرجة العالية عند الله في الإيمان والجهاد ، لتحركهم خطوة نحو بذل الجهد ~~في اتجاه ذلك. ( @QUR@04 وطبع الله على قلوبهم ) فأغلقها عن كل وعي وانفتاح ~~وعمق ، من خلال سننه التي أودعها في حركة الإنسان في الكون ، التي تربط بين ~~النتائج ومقدماتها ، فإذا أغلق الإنسان على نفسه نافذة الضوء التي تتدفق ~~بالشعاع ، ومنع فكره من أن يتحرك في اتجاه المعرفة ، وأبعد روحه عن ~~الاغتراف من ينابيع الإيمان ، وسد أذنيه عن سماع كل ما يوجهه إلى الهدى ~~ويبعده عن الردى ، وأغمض عينيه عن رؤية كل ما يذكره بالله والخير والحياة ، ~~فإذا عاش ذلك كله في النطاق الضيق الذي يحبس نفسه فيه ، كان ذلك سببا في أن ~~يختم الله على قلبه ، لأن القلب لا يملك عند ذلك أي مجال للانفتاح. ( ~~@QUR@03 فهم لا يعلمون ) شيئا من حركة المسؤولية وفاعليتها وأريحيتها ، ~~فانغلقوا عن كل شيء من حولهم ، فلم يعرفوا الساحة في نتائجها المستقبلية ، ~~ولم يفهموا قصة المصير في ما يعلمون وفي ما لا يعلمون. # * * * PageV11P188 ### ||| * الآيات # ( @QUR@030 يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) @QUR@018 سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما ~~كانوا يكسبون (95) @QUR@014 يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) (96) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نبأنا ): أخبرنا. # ( @QUR@02 انقلبتم إليهم ): رجعتم إليهم. # ( @QUR@01 رجس ): نجس. # * * * PageV11P189 ### ||| ** رفض أعذار المتخلفين # ويرجع النبي والمسلمون من المعركة ms2731 وقد تكون معركة تبوك ويشعر المنافقون ~~بالحرج الكبير أمامهم ، فكيف يفسرون تخلفهم ، وكيف يبررون موقفهم ، وها هم ~~المسلمون يرجعون من دون أن يصيبهم أذى؟ ويبدءون بالاعتذار والتبريرات من ~~أجل الحصول على الثقة المفقودة من جديد. # ( @QUR@05 يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ) ليبرروا مواقفهم ( @QUR@03 قل ~~لا تعتذروا ) لأن المسألة عندنا في ما يتعلق بكل الخلفيات التي تكمن في ~~داخل الموقف ، واضحة بينة لا تحتمل الشك حتى تسعوا إلى تحصيل القناعة من ~~خلال مواقف الاعتذار والتبرير ، ( @QUR@03 لن نؤمن لكم ) لأننا نعرف زيف كل ~~كلامكم ( @QUR@05 قد نبأنا الله من أخباركم ) بكل ما تحدثتم فيه وما اتفقتم ~~عليه من الكيد للإسلام والمسلمين ، مما كنتم تظنون أن السر لا يتجاوز ~~أفرادكم ( @QUR@04 وسيرى الله عملكم ورسوله ) فيما ينطوي وراءه من خلفيات ، ~~وفيما يتحرك معه من أوضاع وعلاقات ( @QUR@06 ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة ) حيث تواجهون الموقف الحاسم أمام الله ، هناك في عالم الغيب الذي ~~لا تحسونه الآن ، ولكنه يمثل الحضور الواضح الحقيقي في عالم الحس الذي يفرض ~~نفسه على الإنسان ، بعيدا عن كل ضبابية الأفكار وغموض المواقف. إنه العالم ~~الذي ينكشف فيه كل شيء أمام خالق كل شيء ( @QUR@04 فينبئكم بما كنتم تعملون ~~) وستصدمكم المفاجأة غدا ، في ما كنتم غافلين عنه من حقيقة الألوهية في ~~هيمنتها على كل خفايا النفس وكل أسرارها ، فسترون أنكم مكشوفون لله في كل ~~شيء من أصغر الأشياء إلى أكبرها ومن أضعفها إلى أقواها. PageV11P190 # ولن يهدأ قلقهم أمام الحساب العسير الذي ينتظرهم من قبل المسلمين ، على ~~ما انحرفوا عنه من خط الجهاد ، فيحاولون أن يواجهوا الموقف بالحلف بالله ، ~~ليؤكدوا سلامة موقفهم ( @QUR@010 سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ) أي لتسكتوا عنهم ، فلا تواجهوهم بالعتاب ~~والتأنيب والمحاسبة الدقيقة على أعمالهم ، فهم لا يطمعون في البداية أن ~~تجدوا لهم العذر الملائم ، بل قد يكتفون بالسكوت عن الحديث عن الموضوع من ~~ناحية المبدأ. ويريد الله أن يوجه المسلمين إلى أن ذلك لا يمثل عقدة ~~مستعصية ، لأن الله لا يريد لنا أن نجعل الموضوع شغلنا ms2732 الشاغل الذي نثيره ~~بمختلف الوسائل ، لأن ذلك قد يمنحهم أهمية لا يستحقونها. وقد تكون المصلحة ~~أن يكون الموقف منهم موقف اللامبالاة إمعانا في تحقيرهم وفي إلغاء دورهم ~~المميز في المجتمع ( @QUR@02 إنهم رجس ) في ما تمثله الكلمة من معنى ~~القذارة المعنوية المتصلة بقذارة الفكر والروح والضمير ، مما يوحي بأن على ~~الناس أن يواجهوهم من هذا الموقع وبهذه النظرة ، تماما كما هو الموقف أمام ~~القذارة الحسية التي تفرض الابتعاد عنها بكل نفور واشمئزاز ( @QUR@06 ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) انطلاقا من خط العدل الذي يحاسب ~~الناس على أعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # ( @QUR@04 يحلفون لكم لترضوا عنهم ) وهذه هي المرحلة الثانية التي يفكرون ~~في الوصول إليها ، فإذا لم يذكرهم المسلمون بسوء ، كان ذلك ضمانة لهم ~~ليدخلوا إلى عواطفهم من أقرب طريق ليحصلوا على الرضا عنهم ، ولكن الله يقول ~~للمسلمين إنهم إذا أرادوا تحريك عواطفهم في خط رضاه ، فينبغي أن لا يرضوا ~~إلا عمن يرضى الله عنه ، فإذا ابتعدوا عن ذلك ، فلا يغيرون شيئا من الموضوع ~~( @QUR@010 فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) الذين لم ~~يقف بهم الفسق عند حدود الجانب العملي من الخطيئة ، بل تعدى ذلك إلى الجانب PageV11P191 # الفكري في خط العقيدة ، حيث تحول إلى كفر بالله ورسوله واليوم الآخر ، ~~فكيف يمكن أن يحصلوا على رضا الله .. في هذا الجو .. وكيف يمكن للمسلمين أن ~~يفكروا بالرضا عنهم ، في الخط الذي لا يرضى به الله عنهم في حساب الدنيا ~~والآخرة؟! # * * * PageV11P192 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله والله عليم حكيم (97) @QUR@016 ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) @QUR@027 ~~ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ) (99) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأجدر ): أحرى وأولى. # ( @QUR@01 مغرما ): المغرم : الغرم. وهو نزول نائبة بالمال من غير خيانة. # ( @QUR@01 ويتربص ): التربص : الانتظار. # ( @QUR@01 الدوائر ms2733 ): جمع دائرة ، وهي حادثة من حوادث الدهر. # ( @QUR@01 قربات ): القربة : طلب الثواب والكرامة من الله تعالى بحسن ~~الطاعة. # * * * PageV11P193 ### ||| ** الأعراب .. كافرون ومؤمنون # وينطلق القرآن ليتابع حركة الواقع على الأرض ، من خلال النماذج الحية ~~المنحرفة والمستقيمة ، الكافرة والمؤمنة ، ليتعلم الناس مواجهة الفكرة من ~~خلال النموذج الحي المتحرك في الساحة ، فيتحدث لنا عن الأعراب الذين يسكنون ~~البادية ، حيث المصالح الذاتية الضيقة هي التي تتحرك في وجودهم بعيدا عن ~~الأهداف الكبيرة الشاملة ، فيقودهم ذلك إلى الكفر والنفاق والانحراف عن ~~الخط المستقيم الذي يتمثل في حدود الله. # * * * ### ||| ** الأعراب أشد كفرا ونفاقا # ( @QUR@04 الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) لأن الإنسان كلما اشتد جهله وابتعد ~~عن مواقع المعرفة ، كلما ضاق أفقه عن استيعاب القضايا الكبيرة واشتد به ~~التعصب للضلال ، لأن الجهل يمنع الإنسان من الانفتاح على الحوار من مواقع ~~الفكر ، فيلجأ إلى التعصب الذميم الخانق الذي يغلق عنه أبواب التسامح. وإذا ~~اصطدم بالواقع في بعض مراحله ، وفرضت عليه الأجواء المحيطة به في مراكز ~~القوة أن يخضع للحق بعيدا عن مزاجه ، يلجأ إلى النفاق الذي يحاول من خلاله ~~تغطية مواقفه الحقيقية ، وكلما اشتد الضغط أكثر كلما ازداد نفاقه ، وهذا هو ~~ما جعلهم أشد كفرا ونفاقا من غيرهم. فالحضارة تمنح الإنسان نوعا من المرونة ~~التي تفتح فكره وتهذب أسلوبه ، وتنطلق به في الاتجاه السليم الذي قد لا يصل ~~به إلى الخط المستقيم ، ولكنه لا يحشره في الزاوية ، حيث الأفق المحدود ~~الذي يؤدي به إلى الاختناق ( @QUR@09 وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله ) من PageV11P194 # مفاهيم وشرائع وأساليب للفكر والعمل والحياة ، لأن ذلك يفرض عليهم ~~الاقتراب من مصادر المعرفة التي تقربهم إلى خط الالتزام من موقع الفكر ~~والمعاناة ، مما يدفعهم إلى معرفة الفواصل بين خط الإسلام وخط الكفر ، أو ~~بين خط الاستقامة وخط الانحراف ، ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) في ما يوحي ~~لرسوله مما يتناسب مع حاجة الناس إلى الهداية وينسجم مع مصالحهم الحقيقية ~~في الحياة. # ( @QUR@07 ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ) فينفق ليوحي للآخرين ~~بانسجامه مع الخط الإسلامي في الإنفاق والعطاء ، ولكنه ms2734 عند ما يجلس إلى ~~نفسه أو إلى قومه ، فإنه يعتبره غرامة وخسارة ، لأنه لا يجد هناك أي عوض ~~عما أنفق في ما يعتقده من قضايا الجزاء ، الذي لا يفهم منه إلا الجانب ~~المادي من التعويض ، أما ثواب الله ورضوانه ، فهو حديث خرافة ، ( @QUR@03 ~~ويتربص بكم الدوائر ) التي تدور على المسلمين ، فينتظرون غلبة المشركين ~~عليكم ، ليأخذوا حريتهم في ما يريدون أن يعملوا أو في ما لا يريدونه. ( ~~@QUR@03 عليهم دائرة السوء ) أي دارت عليهم دائرة السوء ، في ما يبعث الله ~~لهم من عذابه وعقابه ، وذلك على أسلوب الدعاء ، ( @QUR@03 والله سميع عليم ~~) فهو يسمع نجواهم في ما يتناجون به من السوء ، ويعلم ضمائرهم في ما ~~يضمرونه من شر. وتلك هي الصورة المظلمة من مواقع الأعراب في موقفهم تجاه ~~الله ورسوله والمسلمين. # * * * ### ||| ** ومن الأعراب مؤمنون # ولكن هل هذه هي كل الصورة ، أم أن هناك وجها آخر مشرقا يفيض بالنور ~~والخير والإيمان؟ إن الله يطرح علينا النموذج الآخر من الصورة ، الذي ~~يعطينا الفكرة في أن البداوة لا تعني الحكم بالإعدام على كل انطلاقات الضوء ~~في العقول والأفكار والمشاعر ، بل ربما تكتشف في عمقها الإنساني وصفاء ~~شعورها الروحي ، ما يدفعها إلى العطاء والبذل والتضحية قربة إلى الله. PageV11P195 # ( @QUR@07 ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ) ولا يتجمد إيمانه في ~~نفسه ، كفكر يعيش الجانب النظري من الإيمان من دون أن يلامس الحياة بحركة ~~عملية تطبيقية ، بل يحاول أن يؤكد نفسه بالمعاناة الروحية المتحركة في خط ~~الواقع ( @QUR@06 ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ) في ما يتقرب به الناس إلى ~~الله في عبادة العطاء ( @QUR@02 وصلوات الرسول ) في ما ينبغي الحصول عليه ~~من دعوات الرسول له بالخير عند الله ، وهذا هو المراد من الصلوات هنا. ~~ويؤكد الله حصولهم على ذلك كله ، ( @QUR@08 ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله ~~في رحمته ) لأنه تقبل منهم نفقاتهم الخالصة المنطلقة من روح الإيمان وعمقه ~~، ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) يغفر لهم ذنوبهم ، ويرحم خشوعهم وخضوعهم ~~وابتهالاتهم في أجواء الرحمة. # * * * PageV11P196 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان ms2735 رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) @QUR@022 وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم ~~يردون إلى عذاب عظيم (101) @QUR@017 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) (102) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حولكم ): المحيطين بكم. # ( @QUR@01 مردوا ): مرنوا على الخروج من الطاعة. # * * * PageV11P197 ### ||| ** السابقون .. والمنافقون # ( @QUR@05 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) الذين سبقوا إلى ~~الإيمان والهجرة والنصرة والجهاد ، ووعوا مسئولية الدعوة إلى الله ، في ~~الوقت الذي لم يكن هناك للإسلام قوة ، ولم يكن مع الرسول إلا القليل ، فلم ~~يستوحشوا لذلك ، ولم يخافوا من نتائجه ، بل أقبلوا على الساحة إقبال ~~التضحية مستعدين ليقدموا الحياة كلها قربانا لله ، ليكونوا الرواد للمسيرة ~~الطويلة ، ليتعلم الناس من خلال شجاعتهم ، كيف يواجهون شجاعة الموقف أمام ~~التحدي بالقدوة الحسنة. وبذلك استطاعوا أن يدفعوا المسيرة للاستمرار ، وأن ~~يصنعوا لهم أتباعا في الخط والموقف ( @QUR@03 والذين اتبعوهم بإحسان ) ~~فساروا على الطريق نفسه المنطلق إلى الله ، وأحسنوا الإيمان والعمل من حيث ~~أحسن الأولون ( @QUR@03 رضي الله عنهم ) بما أطاعوه وعبدوه وأصلحوا نياتهم ~~بين يديه وأخلصوا له العمل الصالح ( @QUR@02 ورضوا عنه ) في ما أنعم عليهم ~~من نعمه الوافرة الكثيرة المتتابعة التي لا انقطاع لها ولا أمد ( @QUR@012 ~~وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) ~~الذي يفتح للإنسان كل رحاب العفو والرضوان والغفران ، فيحس معه بطمأنينة ~~الروح ، وسكينة النفس ، وروحانية المشاعر ، كما يقبل بكل كيانه على النعيم ~~الباقي الذي يتقلب فيه تحت ظلال رحمة الله وعفوه ورضوانه ، وتلك هي الصورة ~~المشرقة التي توحي للنفس بالإشراق والرضا والسكون ، فأين الصورة الثانية؟ # * * * ### ||| ** المنافقون من الأعراب # ( @QUR@011 وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق ) وأصروا عليه ، وانطلقوا في هذا الاتجاه من أجل أن يقفوا حاجزا بين ~~الناس وبين الإيمان ، ليفتنوهم عن الدين ، ويبعدوهم عن وحيه وهداه. وربما كانت PageV11P198 # خصوصية أهل المدينة أنهم يواجهون الساحة من خلال ms2736 نقاط الضعف اليومية ~~الموجودة فيها ، ويتحركون فيها من خلال الخطوط المتشابكة التي لا تتمكن من ~~الفصل بين لون ولون وموقع وموقع ، مما يؤدي إلى الكثير من المرونة في ~~الحركة واللعب على حركة الواقع في استغلال للعواطف والمواقف ، ( @QUR@02 لا ~~تعلمهم ) لأنك لا تحيط بالغيب في كثير من الأجواء المحيطة بك أو البعيدة ~~عنك ، مما يحتاج إلى الاطلاع على خفايا الأشياء ودوافعها ونتائجها ~~المستقبلية مما لا يعلمه إلا الله ( @QUR@02 نحن نعلمهم ) لأننا نعلم كل ~~خفايا الأوضاع والأسرار ( @QUR@02 سنعذبهم مرتين ) ربما كان ذلك عذاب الموت ~~وعذاب الحساب في القبر ، وربما كان هناك وجه آخر للمسألة غير ذلك في ما ~~ينتظرهم من عذاب الدنيا بشكل متكرر ، ( @QUR@05 ثم يردون إلى عذاب عظيم ) ~~في ما ينتظرهم من عذاب الآخرة. # * * * ### ||| ** المعترفون بذنوبهم # وتأتي الصورة المزدوجة ، التي تحمل الجانب المشرق من الصورة ، بإزاء ~~الجانب المظلم منها ، في ما يمثله العمل الصالح في بعض المجالات ، والعمل ~~السيئ في بعض آخر ، ولكنها تتحرك ، على كل حال ، من موقع الإيمان الصحيح ، ~~الذي إن انحرف الإنسان معه عن الخط المستقيم للعمل ، فإنه لا ينحرف من حالة ~~عمق في الذات ، بل من حالة طارئة متحركة توحي للإنسان بالغفلة التي قد يعود ~~عنها في وقت قريب ( @QUR@03 وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) عند ما اكتشفوا وجه ~~الخطأ في مسيرتهم ، فرجعوا إلى الله في موقف اعتراف وابتهال ، ( @QUR@05 ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) فوقفوا بين موقع يبعث فيهم الأمل ، وموقع ~~يقودهم إلى اليأس. ولكن الأمل يتغلب على اليأس ، لأن المؤمن لا ييأس من روح ~~الله ، فيبقى في خط الرحمة والعفو وفي أجواء الأمل ، ( @QUR@05 عسى الله أن ~~يتوب عليهم ) لأن رحمته سبقت غضبه ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ). # * * * PageV11P199 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم والله سميع عليم (103) @QUR@016 ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ~~عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) @QUR@016 وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (105) @QUR@012 وآخرون مرجون لأمر الله ms2737 إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ) (106) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مرجون ): مؤخرون. # * * * ### ||| ** خذ من أموالهم صدقة .. وأدعهم إلى العمل # وهذا حديث لا يبتعد عن الأجواء العامة للسورة ، في ما يريد الله أن يثيره ~~من الاستقامة على الخط المستقيم الذي يتحرك فيه المؤمنون ليعيشوا روح ~~العطاء والتضحية في سبيل الله بالأموال والأنفس ، ليؤكد على الصدقات PageV11P200 # الواجبة ، كالزكاة ، في ما تعبر عنه من مضمون روحي يتصل بالواقع التربوي ~~الداخلي للإنسان إلى جانب الواقع الاجتماعي. وذلك هو أسلوب الإسلام في ~~عملية التغيير ، فهو يعمل على أن لا يتحول التشريع إلى مجرد تقليد عادي ، ~~تقتصر مهمته على الجانب المادي في سد حاجة المحرومين من الناس ، بل يريده ~~حركة تتصل بالعمق الروحي للإنسان ، ليتغير الوجه الخارجي للمجتمع من موقع ~~تغيير الداخل ، ولهذا اعتبر الفقهاء الضرائب المالية كالزكاة ، عبادة لا بد ~~للإنسان من أن يقصد بها التقرب إلى الله ، كما هي الصلاة ، مما يوحي بأن ~~الإسلام يؤكد على عبادية العطاء ، كعمل يتحرك في الحياة الاجتماعية باسم الله. # * * * ### ||| ** الزكاة تطهير للنفس # ( @QUR@05 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) في ما تمثله الصدقة من التغلب على ~~كل العوامل السلبية من الأنانية والأثرة والبخل والقسوة التي تمثل لونا من ~~ألوان القذارة الروحية التي يعيش فيها الإنسان المشاعر العفنة ( @QUR@02 ~~وتزكيهم بها ) في ما توحي به من التخلص من حالة الجدب الروحي الذي يمنع ~~الإنسان من النمو في اتجاه السمو والانطلاق ، ليحل محله الخصب الذي تخضر ~~فيه المشاعر وتتنامى ، لتبدع الإنسان الجديد في الخط الجديد ( @QUR@02 وصل ~~عليهم ) أي ادع لهم بالرزق والطمأنينة والأمن من خلال ما تعطيه الصلاة من ~~معنى الدعاء ( @QUR@04 إن صلاتك سكن لهم ) لأنها تمنحهم الشعور بالثقة في ~~مواجهة كل عوامل الضعف التي تهز الإنسان وتشده إلى الأرض ليخلد إليها ، لما ~~يعيشونه من الإحساس بالقرب من الله الذي يتفضل عليهم بلطفه ورحمته وعفوه ~~وغفرانه ، من خلال PageV11P201 # دعاء النبي لهم بما يمثله النبي من روحية سامية متصلة بالله قريبة إليه. ~~وأي سكينة أعظم من السكينة التي يعيشها الإنسان في رحاب الله من ms2738 خلال رسوله ~~، حيث كل الحياة لله في الأفق الأعلى في أجواء القدس والملكوت ، ( @QUR@03 ~~والله سميع عليم ) يسمع الدعاء فيستجيب له ، ويعلم عمق الإخلاص في الإنسان ~~، فيرحمه ويعفو عنه ويشمله بلطفه ورضوانه. # ( @QUR@09 ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) فهو الذي خلقهم ~~وعرف مكامن الضعف في نفوسهم وعرف كيف يتساقطون أمام التجربة الصعبة من خلال ~~نوازعهم الذاتية ، فأراد لهم أن يتراجعوا عن الانحراف ويأخذوا بأسباب القوة ~~من جديد ، لتستقيم لهم الشخصية الإنسانية التقية المؤمنة ، ففتح لهم باب ~~التوبة ، بأوسع مجالاته ، ودعاهم إليها ، ووعدهم بقبولها والاستجابة لها ، ~~ووجههم إلى الانفتاح على هذا الجانب من العقيدة ، في آفاق المعرفة ، ~~ليعلموا سعة رحمته ، وعظيم عفوه ، لئلا يسقطوا في عقدة المعصية أمام وهدة ~~اليأس. ( @QUR@02 ويأخذ الصدقات ) التي يقدمونها في سبيله ، من أجل الحصول ~~على رضاه. وقد ورد في بعض الكلمات المأثورة : «إن الصدقة لا تقع في يد ~~العبد حتى تقع في يد الرب» (1)، لأن معنى الإنفاق في سبيل الله ، يوحي ~~بانطلاق العطاء له ، فهو الغاية في ذلك كله ، وهو الذي يجزي المعطي عوض ~~عمله ( @QUR@05 وأن الله هو التواب الرحيم ) الذي لا يرد تائبا عن ساحته ~~ولا يمنع مذنبا عن رحمته. # * * * PageV11P202 ### ||| ** الدعوة إلى العمل # ثم يطرح الشعار الذي أراد الله للإنسان أن يحمله كعنوان للمسيرة كلها ، ~~بعيدا عن كل أجواء الاستعراض والمباهاة والكلمات المنفتحة غير المسؤولة : ( ~~@QUR@02 وقل اعملوا ) فقد جعل الله العمل أمانة في عنق الإنسان ، لأنه هو ~~الذي يؤكد صدق الإيمان وجديته ، وهو الذي يحقق للحياة نموها ومصداقيتها ~~وتقدمها ، وهو الذي يجعلها تتحرك في اتجاه التغيير ، ( @QUR@03 فسيرى الله ~~عملكم ) بسبب ما يطلع عليه من خفايا عباده وظواهرهم ( @QUR@02 ورسوله ~~والمؤمنون ) من خلال ما يتابعون به المسيرة من رعاية وعناية وتقييم. # * * * ### ||| ** معنى أن يرى الله # وربما حاول البعض أن يتعمق في معنى الرؤية كما نقل عن محيي الدين ابن ~~العربي في الجزء الرابع من «الفتوحات المكية» وتلخيصه كما جاء في تفسير ~~الكاشف : إن معنى الرؤية يختلف باختلاف الرائي ، فمعنى الرؤية من الله ~~للشيء أن يحيط ms2739 به علما من جميع جهاته ، ومعناها من الرسول أن يعلم الشيء ~~المرئي من وجهة الوحي الذي نزل عليه ، ومعناها من المؤمن العارف أن يعلمه ~~بقدر ما علم وفهم من الوحي المنزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . ويتابع ~~صاحب التفسير توضيحه للفكرة فيقول : «وعلى هذا ، فمن عمل لله ، فإن الله ~~يعلم حقيقة عمله ، ويرضى عنه ، والرسول يعلم أيضا أن هذا العمل مرضي عند ~~الله ، والمؤمن العارف يعلم أنه مرضي عند الرسول ، والنتيجة الحتمية لذلك ~~أن من يعمل صالحا فهو مرضي عند الله ورسوله والمؤمنين ..» (1). PageV11P203 # ولكننا لا نحسب أن المسألة تحتاج إلى مثل هذا التحليل ، أو أنها تتجه هذا ~~الاتجاه في تفسير الآية ، فإن الظاهر منها الدعوة إلى العمل تحت رقابة الله ~~والرسول والمؤمنين ، في ما يمثله ذلك من تعميق الإحساس بالمسؤولية في حركة ~~العمل في نفس الإنسان من خلال وعيه للرقابة الشاملة من جميع الجوانب ، ~~وربما يؤيد هذا المعنى الفقرة التالية : ( @QUR@05 وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة ) الذي أحاط بكل شيء علمه ، في ما يخفيه الإنسان أو يظهره ( ~~@QUR@04 فينبئكم بما كنتم تعملون ) لأن النبي والمؤمنين إذا رأوا الأعمال ، ~~فإنهم لا يملكون الحكم عليها وعلى أهلها ، فالله هو الحاكم في عملية ~~التقييم ، لأنه المطلع على خفايا الأمور وبواطنها. # * * * ### ||| ** المرجون لأمر الله # ( @QUR@04 وآخرون مرجون لأمر الله ) فلم يحسم أمرهم ، وتركهم لإرادته في ~~يوم القيامة ، فأخر إعلان الحكم عليهم إلى وقت ما ( @QUR@05 إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم ) لأنهم مارسوا ما قد يستحقون العقاب عليه ، في الوقت الذي ~~يملكون فيه بعض الصفات أو الأفعال التي قد تؤهلهم للمغفرة لهم والتوبة ~~عليهم. وقد قيل إنها نزلت في قوم تخلفوا عن النبي في غزوة تبوك فلم يخرجوا ~~معه ، ثم ندموا على ذلك ، ولكن سبب النزول لو صحت روايته لا يمثل حدود ~~الآية في خصوصيته ، بل يمثل المنطلق الذي انطلقت الآية منه لتتسع في كل ~~مورد مماثل ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) عند ما يعذب أو يعفو ، فهو يعلم ~~المصلحة هنا أو هناك ويتصرف بالحكمة في هذا أو ذاك. ms2740 # * * * PageV11P204 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (107) @QUR@023 لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من ~~أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ~~(108) @QUR@027 أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (109) @QUR@015 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن ~~تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ) (110) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ضرارا ): الضرار : هو طلب الضرر ومحاولته. # ( @QUR@01 وإرصادا ): ارتقابا. PageV11P205 # ( @QUR@02 شفا جرف ): حرفه ونهايته ، يضرب به المثل في القرب من الهلاك. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : قال المفسرون : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد ~~قباء ، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم ، فأتاهم وصلى ~~فيه ، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا : نبني مسجدا ~~فنصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد ، وكانوا اثني عشر رجلا ، وقيل خمسة عشر ~~رجلا ، منهم ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل بن الحرث ، فبنوا مسجدا إلى ~~جنب مسجد قباء. فلما فرغوا منه ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة ~~والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه ~~لنا وتدعو بالبركة ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إني على جناح سفر ولو ~~قدمنا أتيناكم ، إن شاء الله ، فصلينا لكم فيه ، فلما انصرف رسول الله من ~~تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد ... قال : فوجه رسول الله صلي الله ~~عليه وآله وسلم عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم ، ~~وكان مالك من بني عمرو بن عوف ، فقال لهما : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم ~~أهله فاهدماه واحرقاه ، وروي أنه بعث عمار بن ياسر ووحشيا ، فحرقاه ، وأمر ~~بأن ms2741 يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف (1). # * * * PageV11P206 ### ||| ** مسجد ضرار والقيمة الحقيقية للمسجد # إن قيمة المسجد في الإسلام ، في ما يمثله بناؤه من قيمة روحية ، لا تنطلق ~~من الشكل من حيث هو جهد مالي وبدني وعمراني كبير ، بل من المضمون من حيث ~~الدوافع الخيرة التي تدفع إليه ، والأجواء التي تحيط به ، والنتائج التي ~~تتحقق من خلاله ، وذلك هو مقياس العمل الصالح. فليست القضية قضية حجم العمل ~~وكميته ، بل هي قضية روح العمل ونوعيته. فإن الله قد يتقبل العمل القليل من ~~عبده المؤمن ، إذا كان منبعثا من إخلاص قلبي وعبودية مخلصة ، ويرفض العمل ~~الكثير إذا كان أساسه الرياء والمباهاة والإضرار بالآخرين. وهذا هو الذي ~~جعل مسجد قبا ، موضع التقدير والاحترام والرعاية من الله ورسوله ، لأنه ~~مسجد أسس على التقوى من أول يوم ، لأن الذين شيدوه ، لم يفكروا فيه إلا من ~~خلال الشعور بالحاجة إلى وجود مكان يعبد الله فيه ، بعيدا عن أي طموح شخصي ~~، أو فائدة عائلية ، أو مصلحة مادية ، أما المسجد الآخر ، وهو مسجد الضرار ~~، فقد كان يمثل رد الفعل الذاتي للامتياز الذي حققه أصحاب مسجد قبا ، من ~~صلاة الرسول فيه واجتماع المسلمين عليه ، واعتباره قاعدة للإسلام في ~~منطقته. وبذلك كان الهدف هو الحصول على امتيازات مماثلة من وحي الأنانية ~~العشائرية أو الشخصية ، ليحطموا الموقع الذي حصل عليه أولئك ، وليحصلوا على ~~موقع أكبر وأرباح أكثر ، ولذلك واجههم الله والرسول بطريقة حاسمة ، على ~~خلاف الأهداف التي استهدفوها ، وذلك بامتناع النبي عن الصلاة فيه من جهة ، ~~وتهديمه وإحراقه من جهة أخرى ، وما يستتبع ذلك من كشف لنواياهم السيئة ~~وأفكارهم الخبيثة ، وفضحهم على أكثر من مستوى بين المسلمين. # * * * PageV11P207 ### ||| ** الموقف تجاه من يتستر بأعمال الخير # وهذا هو الذي ينبغي للمسلمين أن يستوحوه في تقييم الأشخاص والجماعات التي ~~تقوم بأعمال خيرية من بناء المساجد والمدارس والمياتم ونحو ذلك ، لتكون ~~القيمة للشخصية من الداخل ، لا للعمل من الخارج ، لئلا يصعد إلى الدرجة ~~العليا في المجتمعات الإسلامية ، بعض الأشخاص الذين لا يعيشون طهر الفكرة ~~التي تمثلها المؤسسات ، فيستغلون ذلك في ms2742 سبيل الإساءة إلى الأهداف الكبرى ~~للإسلام ، باسم الجانب الشكلي من مؤسسات الإسلام ، عند ما يحصلون على ما ~~يريدونه لأشخاصهم أو لارتباطاتهم المشبوهة أو الشريرة من خلال ذلك. # إن هذا الاتجاه في فهم القيمة الحقيقة للعمل الصالح ، ولفكرة المؤسسات ، ~~يمنع الطامحين غير المخلصين من اللعب على الناس في حاضرهم ومستقبلهم باسم ~~العمل الخيري في شكله ومظهره الساذج ، لأن الناس سوف تواجه المسألة من موقع ~~دراسة الشخصية ومعرفة النتائج السلبية أو الإيجابية للعمل قبل الحكم له أو ~~عليه. وقد نستطيع الدخول في التفاصيل بطريقة أكثر تفصيلا من خلال تفسير ~~الآيات. # * * * ### ||| ** دوافع مسجد ضرار # ( @QUR@04 والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ) من حيث الدوافع التي تكمن وراء ~~بناء المسجد ، في الإضرار بالمسلمين الآخرين الذي بنوا مسجد قبا ، أو في PageV11P208 # الإضرار بالمسلمين بشكل أشمل من ذلك ، لما يريدونه من إيقاع المشاكل فيما ~~بينهم ( @QUR@01 وكفرا ) بالله ورسوله ، في ما يمثله هذا العمل من أداة ~~شيطانية للوصول إلى بعض النتائج التي تخدم الكفر في نهاية الأمر ، كما ورد ~~في بعض الروايات ، أنهم كانوا ينتظرون أبا عامر الراهب الذي وعدهم أن ~~يأتيهم بجيش من الروم ليخرجوا النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ~~، وأمرهم أن يستعدوا للقتال معه ( @QUR@03 وتفريقا بين المؤمنين ) فيجعلوا ~~لكل فريق منهم مسجدا يتعصبون له ضد المسجد الآخر ، ليتحول ذلك إلى نوع من ~~الحاجز النفسي الذي يفصل المسلمين عن بعضهم البعض ، وبذلك تحصل الفرقة بين ~~المسلمين من الموقع الذي أريد لهم أن يجتمعوا فيه ، وهو المكان الذي حرره ~~الله من كل خصوصية للشخص وللعائلة وللفئة ، فلا يريده ملكا لأحد ، بل يبقى ~~ملكا لله لمنفعة المسلمين جميعا ، ليحصلوا فيه على أجواء العبادة الخاشعة ~~الخالصة ، وليلتقوا فيه من أجل التداول في مشاكلهم وقضاياهم في حالة السلم ~~والحرب ، ولتفتح لهم من خلاله أبواب الحياة بكل سعتها ، من قاعدة الطهارة ~~الروحية الخالية من كل قذرات العصبية الجاهلية ، فأراد هؤلاء أن يعيدوا ~~الإنسان إلى سجن المؤسسة العائلية ، ليهدموا أساس الفكرة التي تنطلق منها ~~الوحدة ، فيحولوها إلى قاعدة للفتنة ، فيتحول المسجد ms2743 إلى هيكل تقليدي ، ~~تعبد فيه العشيرة والأشخاص ، بدلا من الله. ( @QUR@07 وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل ) فيكون محل رصد ورقابة ، ويتحول إلى موقع متقدم ، ~~ومعقل لكل الجماعات التي تكيد للإسلام والمسلمين حربا لله ورسوله ، لتستطيع ~~التحرك من موقع إسلامي عبادي يلتقي فيه الكافرون المقنعون باسم الصلاة ~~ليتآمروا وليفتنوا المسلمين الساذجين عن دينهم من خلال أجواء الدين. ~~وسيحاولون التأكيد على إخلاصهم بمختلف وسائل الإقناع عند ما يجدون علامات ~~الاستفهام تحاصرهم في عيون المسلمين وأفكارهم ومشاعرهم ( @QUR@05 وليحلفن ~~إن أردنا إلا الحسنى ) من خلال ما يمثله الحلف بالله من إيحاء بالصدق ~~والإيمان ، وتأكيد على عمق PageV11P209 # الالتزام وطهارة الدوافع ونظافة الأفكار ، ولكن ذلك لا يجديهم شيئا ، فما ~~هي قيمة شهادتهم لأنفسهم أمام شهادة الله عليهم الذي يعلم السر وأخفى ، ~~ويعلم وساوس الصدور ( @QUR@04 والله يشهد إنهم لكاذبون ) في ما يدعون ~~ويحلفون ، لأن الله اطلع على سرهم فرأى كيف تحركوا من موقع الكفر لا من ~~موقع الإيمان ، ومن قاعدة الانحراف ، لا من قاعدة الاستقامة. ولهذا فإن ~~محاولتهم إقناع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة في هذا المسجد يعني ~~منحهم الشرعية في ذلك كله ، ليصلوا إلى أهدافهم من أقرب طريق. وفي ضوء هذا ~~، كان الأمر الإلهي للنبي حاسما بالرفض القاطع لهم وللمسجد ولكل ما يمثلون ~~، من أجل حماية المسيرة في شكلها ومضمونها وفي امتدادها في الحياة على خط ~~الاستقامة التي لا تسمح لأحد باللعب ، ولا تساعد مرحلة على الانحراف. # * * * ### ||| ** عدم الاعتراف بشرعية المسجد # ( @QUR@04 لا تقم فيه أبدا ) في صلاة أو في اجتماع ، أو في أي نشاط آخر ~~يوحي بالرضا والتأييد ، لأن القيادة لا يمكن أن تدعم الوجود المنحرف ، بل ~~يجب عليها العمل على القضاء عليه ، وتوجيه الأمة كلها إلى هذا الاتجاه في ~~عملية توعية فكرية من جهة ، وقدوة عملية من جهة أخرى ، ليتحول الدعم ~~والإخلاص إلى الوجود المستقيم الخالص لله في كل شيء ، وهذا ما يفرض الإصرار ~~على القيام في مسجد قبا وأمثاله من مساجد الله الخالصة. # * * * PageV11P210 ### ||| ** المساجد تؤسس على التقوى # ( @QUR@011 لمسجد أسس على ms2744 التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) لأنه هو ~~الذي يحقق للصلاة غاياتها ، ويركز للدين قواعده على أساس الحق ، ويبني ~~للمسلمين علاقاتهم على أساس التقوى ، ويدفع الحياة إلى أن تتحرر من ~~عبوديتها للشيطان ، ليبقى لها الخط الذي تتحرك فيه من خلال عبوديتها لله ، ~~في حركة الإنسان في حريته وعبوديته. # وقد خاض المفسرون في الحديث عن المقصود بهذا المسجد ، بين من قال بأنه ~~مسجد رسول الله الذي بني على التقوى من أول يوم في المدينة ، وبين من قال ~~بأنه مسجد قبا ، وهذا ما تؤيده أحاديث أهل البيت ، في ما روي عن الإمام ~~جعفر الصادق عليه السلام وربما يؤيد هذا ما ورد في أسباب النزول ، في ما ~~توحي به القصة من المقابلة بين المسجدين ، مسجد قبا ومسجد الضرار ، باعتبار ~~أن الثاني هو رد فعل للأول. وقد ذهب البعض إلى أن المقصود به كل مسجد أسس ~~على التقوى من أول يوم تعميره ، واستدل بالتنكير على ذلك. ولكن يمكن المصير ~~إلى ذلك من خلال الإيحاء ، لا من خلال مدلول الآية ، لأنها واردة في الحديث ~~عن موضوع يختص بموقف من مواقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم هناك ، فإذا أردنا ~~الاستيحاء منه ، فقد نفهم أن للمسلمين أن يواجهوا المسألة في الحالات ~~المماثلة ، من المنطلق الذي واجه به النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحادثة ~~التي عاش فيها ، ( @QUR@05 فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) بسبب ما يمثله ~~المسجد من ينبوع للطهارة ، وما توحي به الصلاة من طهارة الفكر والقلب ~~والشعور ، وما ينطلق به الإيمان بالله ، من سمو في انفتاح الإنسان على طهر ~~الروح في علاقته بالله ، بعيدا عن كل الآفاق الضيقة والمواقع القذرة ~~والأجواء العفنة التي تثقل الروح PageV11P211 # بالعصبية ، والفكر بالجاهلية ، والحياة بالرجس والخبث والقذارة ، في ما ~~يريد الكثيرون أن يعيشوه من الاتجار بالإيمان للوصول إلى أرباح مادية خسيسة ~~، من هؤلاء الذين يبغضهم الله ولا يحبهم ، لأنه سبحانه يريد للإنسان أن يقف ~~بين يديه في صلاته من موقع الإخلاص والطهارة التي يحبها ويحب من يتحرك في ms2745 ~~مواقعها ويسبح في أمواجها ( @QUR@03 والله يحب المطهرين ) الذين يعملون ~~للطهارة الروحية على مستوى الفرد والمجتمع والحياة كلها ، في الطريق إلى ~~الله في رحابه الفسيحة الشاملة. # * * * ### ||| ** الموقف الواعي والموقف المزاجي # وهنا يتساءل القرآن ، لتأكيد القاعدة التي تفرض الموقف الإيجابي أو ~~السلبي في الحياة ، فهناك فرق كبير بين الموقف الذي يرتكز على أساس الوعي ~~الكامل لمسألة الإيمان في ما يمثله من مفهوم وعقيدة وخط واضح يتصل بتقوى ~~الله ، في عملية مراقبة ومحاسبة وحركة واعية قوية تستهدف رضا الله في ~~الإقدام على الفعل أو الترك ، وبين الموقف الذي لا يرتكز على أساس ثابت ~~لخضوعه للحالات المزاجية الطارئة والأطماع الشخصية والأفكار القلقة التي ~~تدفع الإنسان إلى تلبية النوازع الذاتية المعقدة. ففي الموقف الأول ، هناك ~~رضوان الله الذي يسبغه الله على عباده المؤمنين الواعين ، في وعي العقيدة ~~والعمل الثابتين في حالات الاهتزاز ، وفي الموقف الثاني ، هناك الانهيار ~~الكبير للشخصية ، لفقدانهم الثوابت الفكرية والروحية التي تمنع السقوط في ~~الحضيض. # * * * PageV11P212 ### ||| ** بنيان التقوى وبنيان الشك # ( @QUR@09 أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ) أي من أسس فكره ~~على قاعدة التقوى في حسابات المفاهيم المحددة الواضحة ، وأطلق إرادته وفق ~~قاعدة الارتباط برضوان الله ، لتكون متصلة بإرادة الله ، في خضوع وإيمان ، ~~خير ( @QUR@08 أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ) أي من أسس فكره ووجوده ~~على حافة الوادي المهتز في حركة الانهيارات المتساقطة من أعلى ( @QUR@05 ~~فانهار به في نار جهنم ) حيث السقوط المميت الذي لا يستقر معه الساقطون على ~~قرار. وتلك هي النهاية التي ينتهي إليها أولئك الذين لا يفتحون عيونهم ~~للنتائج من خلال حركة الطريق ، ولا يفتحون قلوبهم للهدى من خلال خط السير ، ~~وإذا أغفل الإنسان ذلك كله ، فما ذا هناك إلا الضلال ، ( @QUR@05 والله لا ~~يهدي القوم الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتمرد والعصيان ، لأنهم ~~اختاروا ذلك لأنفسهم ، بعد أن فتح الله لهم أبواب الهداية على مصاريعها ، ~~فتركوها وساروا في طريق الضلال. # ( @QUR@05 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ) على أساس من الاهتزاز في الفكر ~~والموقف ( @QUR@03 ريبة في قلوبهم ) يثير ms2746 الشك ويقود إلى التزلزل ، فيطبع ~~كل مشاعرها ونبضاتها بطابعه حتى يتحول إلى ما يشبه الخصوصيات الذاتية التي ~~لا تزول إلا أن تزول الذات نفسها ، فتبقى ما بقيت الذات ( @QUR@04 إلا أن ~~تقطع قلوبهم ) وتتلاشى وتموت ، فيتلاشى الشك بزوال قاعدته وموضعه ( @QUR@03 ~~والله عليم حكيم ) في ما يمنح من رضوانه ، وفي ما يمنع من غفرانه. # وتلك هي القصة التي يريد الله للإنسان أن يعيشها في كل مواقفه في الحياة ~~، لينطلق الموقف من القاعدة الثابتة في العقيدة والشعور والإرادة ، PageV11P213 # ليتحرك الفرع الأخضر من الجذور الضاربة في أعماق الأرض المتحركة بالخصب ~~والحياة ، فلا حركة إلا من فكرة ، ولا فكرة إلا من قاعدة. وكلما اقترب ~~الإنسان من الله ، كلما كانت حساباته دقيقة في كل شيء ، لأنه الأساس في كل ~~خير وحق وثبات ، ولا فرق في ذلك بين حالة فكرية أو سياسية أو اجتماعية أو ~~غير ذلك مما تعارف الناس أن يدفعوا حياتهم نحوه. # * * * PageV11P214 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@037 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) @QUR@016 التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر ~~المؤمنين ) (112) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أوفى بعهده ): أكثر إتماما له ومحافظة عليه. # ( @QUR@01 السائحون ): الذين يسيحون في الأرض ، أي يسافرون وينتقلون. # وقيل : الصائمون. # * * * PageV11P215 ### ||| ** المؤمن بائع والله يشتري # كيف يواجه المؤمنون الموقف مع الله ، في ما يملكونه من نفس ومال؟ وهل ~~للجنة ثمن عند الله ، أو أن المسألة تنتهي بطريقة مجانية؟ وما هو الثمن ، ~~وكيف تتم عملية المقايضة؟ هذه أسئلة تتوالى في الفكر ، وتجيب عنها الآيتان. # ( @QUR@010 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) ~~فهناك عملية بيع وشراء مع الله ، فالمؤمن هو البائع الذي باع نفسه وماله ~~لله ، والله هو المشتري الذي جعل الجنة عوضا عن ذلك. وإذا كان الله يملك ~~الإنسان في ماله ونفسه ، فكيف نتصور مسألة البيع هذه؟ ويمكن الجواب ms2747 عن ذلك ~~بأن الله أراد الإيحاء للإنسان بأنه يترك له الحرية في ما يتصرف به من ماله ~~ونفسه ، ليحدد هو طبيعة تصرفاته فيهما. ولمن يكون البيع ، هل هو للمالك ~~الأصلي الحقيقي ، أو هو للمالكين الطارئين الذين لا يملكون شيئا من نفسه ~~وماله؟ وفي هذا الجو ، يتمثل إيمان الإنسان ، في مدلوله العميق ، بيعا ~~للمال والنفس ، لله تعالى ، وهذا ترجمة لمعنى العبودية الحقة لله تعالى ، ~~هذا المعنى الذي يؤكد معنى المملوكية المطلقة لله ، حيث لا يملك العبد ، في ~~جنب الله ، حرية التصرف في ماله ونفسه وكل ما تحت يديه في غير المجال الذي ~~أراده الله منه ، وهو خط الجهاد ، وفي المقابل ، فإن العبد سيفوز بالجنة ~~لقاء ما يدفعه ثمنا لها. ( @QUR@04 يقاتلون في سبيل الله ) ويجاهدون بالمال ~~والروح ( @QUR@01 فيقتلون ) أعداء الله ، ( @QUR@01 ويقتلون ) بأيديهم في ~~معركة الكفر والإيمان. # * * * PageV11P216 ### ||| ** تشريع الجهاد ثابت في كل الرسالات # ( @QUR@03 وعدا عليه حقا ) ثابتا لا يمكن التراجع عنه أو التردد فيه ( ~~@QUR@04 في التوراة والإنجيل والقرآن ) فليست القضية وقفا على أهل دين ~~بعينه ، أو جماعة بعينها ، أو مرحلة زمنية محدودة ، بل هي شاملة لكل ~~الأديان والجماعات والأزمنة ، فقد أنزل الله ذلك على موسى في التوراة ، ~~وعلى عيسى في الإنجيل ، وعلى محمد في القرآن ، لتتحرك خطة الجهاد على مراحل ~~يتصل بعضها ببعض ، ويقوي بعضها بعضا ، مما يوحي بأن الجهاد هو شريعة الله ~~في كل العصور وبرنامج الرسل في كل مراحل التاريخ. فالله يريد القوة للحق ~~الذي أنزله ، ولا قوة بدون جهاد ، ولا جهاد بدون استعداد للعطاء والتضحية. ~~وبهذا نستطيع أن نعرف خطأ الفكرة التي تقول إن الجهاد فريضة إسلامية في ~~التشريع الإسلامي الذي انطلق في رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لنخلص ~~إلى الفكرة التي ترى فيه الفريضة الدينية في جميع الرسالات ، فلا بد للمؤمن ~~من أن يقدم نفسه وماله لله ، من أجل إعلاء كلمة الله ، بالدعوة إلى دينه ، ~~والعمل في سبيله ، والجهاد من أجل إقامته على أساس ثابت متين في كل أنحاء الأرض. # * * * ### ||| ** المتاجرة مع الله رابحة # ( @QUR@05 ومن أوفى بعهده ms2748 من الله ) عند ما يعاهد عبده على الوفاء. # ( @QUR@05 فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) لأنه التجارة التي لا خسارة ~~فيها ، بل PageV11P217 # هو الربح كله والغنم كله ، وأي ربح أعظم من ربح المصير في الآخرة ، وأي ~~غنيمة أعظم من الجنة ، وأي بيع أعظم من أن يبيع الإنسان نفسه لله؟! ( ~~@QUR@04 وذلك هو الفوز العظيم ) الذي يربح الإنسان فيه نفسه ليجد في ~~النهاية أنه يملك نفسه التي بذلها في سبيل الله ، كما يملك عوضها وهو الجنة. # * * * ### ||| ** صفات المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله # ولكن من هم هؤلاء الذين باعوا أنفسهم لله ، وما هي صفاتهم؟ # ( @QUR@01 التائبون ) الذين صدقوا الله التوبة بالندم والإخلاص والإصرار ~~على الثبات وعدم العودة عنها إلى أي شيء يسخط الله ( @QUR@01 العابدون ) ~~الذين عاشوا عبوديتهم لله في أجواء العبادة الخالصة ( @QUR@01 الحامدون ) ~~الذي يحمدون الله على ما أولاهم من فضله ونعمه اعترافا بآلائه ( @QUR@01 ~~السائحون ) الذين لا يتجمدون في مواقعهم التي نشأوا فيها لتبقى آفاقهم ضيقة ~~في حدودهم المعينة ، بل ينطلقون في رحاب الأرض ، في آفاق الله ، ليحصلوا ~~على العلم من ينابيعه الأصلية ، وينفتحوا على الحياة في مجالاتها الرحبة ، ~~ويعيشوا مع الله في آفاقه الواسعة ، في سياحة مستمرة تحمل معنى التجدد ~~والسمو والانفتاح على أكثر من تجربة جديدة واسعة ( @QUR@02 الراكعون ~~الساجدون ) حيث يعيشون العبودية لله ، ركوعا يجسد الخضوع له في كل شيء ، ~~وسجودا يمثل الانسحاق أمام إرادته في كل مجال ، ( @QUR@02 الآمرون بالمعروف ~~) في ما يثيره الأمر بالمعروف من حمل مسئولية الحياة من أجل إقامة الحق على ~~ما يوحيه المعروف من خط الحق ، ( @QUR@03 والناهون عن المنكر ) في ما يعنيه ~~النهي عن المنكر من محاولة جادة لحماية الحياة والإنسان من كل انحراف ~~وتدمير وتخريب ، في قيم الفرد PageV11P218 # والجماعة ، في أجواء السياسة والفكر والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك ( ~~@QUR@03 والحافظون لحدود الله ) الذين يقفون حيث يريد الله أن يقفوا ، ~~ويتحركون حيث يريد الله منهم الحركة ، فلا يتجاوزونها إلى غيرها ، لأنهم ~~يخافون عقاب الله ويرجون ثوابه ، ( @QUR@02 وبشر المؤمنين ) الذين تنتظرهم ~~البشارة بالجنة والرضوان من الله ، من خلال إيمانهم به وعملهم الصالح ~~وتواصيهم ms2749 بالحق وتواصيهم بالصبر. # * * * PageV11P219 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) @QUR@022 وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) (114) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لأواه ): الأواه من التأوه ، وهو التوجع والتحزن. وهنا : ~~بمعنى كثير الدعاء والبكاء. # ( @QUR@01 حليم ): صبور على الأذى ، صفوح عن الذنب. # * * * PageV11P220 ### ||| ** مناسبة النزول # ذكر المفسرون وجوها عديدة في هذا المجال ، فقد روى بعضهم عن سعيد بن ~~المسيب عن أبيه أنه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة ، دخل عليه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله ، ~~فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد ~~المطلب؟ وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله ~~يعاندانه بتلك المقالة ، فقال أبو طالب آخر ما كلمهم هو : على ملة عبد ~~المطلب ، وأبي أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فنزلت : ( @QUR@08 ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية ، وأنزل الله في أبي طالب ، فقال لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@010 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء ) (1) [القصص : 56]. # ولكن للإنسان أن يلاحظ على هذه الرواية ، فيرسم علامة الاستفهام : كيف لم ~~يتحدث النبي مع عمه وكان يعيش معه المعاناة اليومية التي كان يعانيها من ~~قومه في دعوته إياهم إلى التوحيد ، وإذا كان يتحدث معه فيما سبق فلم ينفع ~~ذلك معه ، فما فائدة الكلمة التي تنطلق عند حشرجة الموت دون وعي أو دون ~~قناعة؟ ثم ما معنى تأثير كلام هذين الرجلين عليه إذا كان مقتنعا ، وكيف لا ~~يستسلم لكلام ابن أخيه ، وهو يعيش الحب له؟ ثم ms2750 ماذا يخاف ، يخاف من الناس ~~وهو يودع الحياة؟ ثم كيف يحاج النبي به بالكلمة التي لا تصدر عن قناعة ، ~~إنها علامات استفهام توحي لنا بأن الرواية لا تبعث على الثقة بالصدق ، هذا أولا. # ثانيا إن دراسة تاريخ أبي طالب ومعاناته في نصرة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ووعيه PageV11P221 # الكبير وعقله المفتوح وقوة شخصيته ، تدل دلالة واضحة على أنه كان مسلما ، ~~لأنه لا يمكن له أن لا ينفتح على الحقيقة من خلال الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم . وربما كانت بعض مظاهره التي لا توحي بذلك محاولة منه ~~لإعطاء دوره صفة الحياد ليستطيع أن ينصر النبي من موقع قوي ، كما ورد في ~~بعض الروايات. # ثالثا إن الآيتين نزلتا بعد وفاة أبي طالب ، فكيف تكونان واردتين في هذا ~~الجو الذي تتحدث عنه الرواية؟ # وهناك قول إنه أتى قبر أمه وبكى عنده واستأذن ربه أن يستغفر لها ، فنزلت ~~الآيتان ، ولكن هذا لا يتناسب مع وعي النبي للقاعدة التي يرتكز عليها ~~الاستغفار في الإسلام الذي دعا الناس إليه ، فإذا كانت أمه قد ماتت على ~~الشرك كما يقول هؤلاء ، فكيف يستغفر لها؟ # وهناك قول : إن جماعة من المؤمنين قالوا : نستغفر لموتانا المشركين كما ~~استغفر إبراهيم لأبيه ، ولكن الآية تتحدث عن النبي والمؤمنين ، وهذا ما لم ~~تتحدث عنه الرواية. # إننا نحسب أن المسألة كانت اجتهادا اتخذ لنفسه صفة الرواية ، وأن الآية ~~لا توحي إلا بأن هناك حالة قد تعيش في أفكار المسلمين آنذاك من خلال ~~اجتهادهم في موضوع إبراهيم ، فجاءت الآيتان لتثيرا الموضوع في موقعه الصحيح ~~، والله العالم. # * * * ### ||| ** ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر للمشركين # قد يكون من بديهيات حركة الإيمان في شخصية المؤمن ، أن تلتقي منطقة ~~الشعور عنده بمنطقة الفكر في أجوائه الداخلية ، فيكون الموقف العاطفي PageV11P222 # انعكاسا للموقف الفكري والعقيدي ، لأن ذلك هو معنى جدية الخط العقيدي في ~~مواقع القرار ، فليس الفكر في أجواء العقيدة والإيمان ، مجرد معادلة عقلية ~~في زوايا الفكر التجديدي ، بل هو جزء من موقف داخلي يتفاعل ms2751 مع الحياة ويحدد ~~موقفه من مفرداتها على هذا الأساس ، وبذلك يكون أي رفض لأي خط هنا ، سببا ~~في رفض أي تعاطف عملي مع القوى التي تمثله وتؤيده وتقويه. والأمر بالعكس في ~~حالة القبول والموافقة ، وهذا هو ما أرادت الآيتان معالجته في موقف النبي ~~والذين آمنوا من المشركين ، مرورا بموقف إبراهيم من أبيه ، فقد بدا أن ~~المشركين من أقرباء النبي ، أو من غيرهم ، أو من أقرباء المؤمنين وأصدقائهم ~~كانوا يأملون أو يفكرون بأن العلاقة العاطفية التي تفرضها القرابة أو ~~الصداقة ، بشكل طبيعي ، يمكن أن تكون أساسا لتحقيق بعض الامتيازات على ~~مستوى الواقع ، وربما لم تكن القضية بهذا الحجم منهم ، بل قد تكون خاطرة في ~~أذهان بعض المؤمنين ، في حالة عاطفية انفعالية ، أن من الممكن أن يستغفروا ~~لهؤلاء الأقرباء والأصدقاء ، أو يطلبوا من النبي أن يستغفر لهم ، كما كان ~~الأمر مطروحا في الساحة في مسألة المنافقين ، وربما رأوا في استغفار ~~إبراهيم لأبيه الكافر ، أساسا لهذا الموقف منهم أو لهذا الطلب من النبي ، ~~فلم يجدوا فيه أية غرابة أو أي انحراف عن خط الإيمان الذي يحملونه. # * * * ### ||| ** رفض الاستغفار لأولى القربى من المشركين # ( @QUR@012 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى ) لأن الاستغفار في حالة الشرك يعني اعتبار الشرك حالة هامشية في ~~انحراف الإنسان ، تماما كما هي حالات المعصية الطارئة العادية القابلة ~~للغفران ، مما PageV11P223 # يعني استهانة بمسألة التوحيد الإلهي ودوره في حركة العقيدة لدى الإنسان ~~وتأثيره على مسيرته في كل جانب ، ومدلوله الروحي في الإحساس العميق بعظمة ~~الله وجلالة قدره ، بينما يعتبر الشرك ظلما عظيما ، لا يمكن أن يغفره الله ~~في الوقت الذي يمكن أن يغفر فيه أية معصية أخرى ، كما ورد في أكثر من آية. ~~ولذلك فلا يمكن للنبي أن يقوم بذلك ، مهما كانت الحالة العاطفية ضاغطة على ~~الذات ، ولا يمكن أن ينتظر الآخرون منه أو من المؤمنين ممارسة ذلك ، لأن ~~قصة التوحيد والشرك هي قصة الموقفين المتضادين اللذين يمثل كل واحد منهما ~~قاعدة للهدى في جانب التوحيد ، وقاعدة ms2752 للضلال في جانب الشرك ، فلا يمكن أن ~~يلتقيا في الحياة في موقع واحد ، ولا يمكن أن يعيشا في الذات في قلب واحد ، ~~وهكذا ينبغي أن يكون موقف المؤمنين من المشركين ( @QUR@08 من بعد ما تبين ~~لهم أنهم أصحاب الجحيم ) من خلال ما عرفوه من هذا الارتباط بين الشرك ~~والمصير الأسود الذي ينتظر المشركين في الآخرة في نار جهنم ، مما يعني ~~ابتعادهم عن رحمة الله ورضوانه ، الذي يفرض على المؤمنين الابتعاد عن أجواء هؤلاء. # * * * ### ||| ** استغفار إبراهيم لأبيه # ولكن كيف نفسر موقف النبي إبراهيم عليه السلام ، الذي حدثنا القرآن عنه في ~~آية أخرى عند ما قال لأبيه : ( @QUR@07 سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) ~~[مريم : 47] هل هو استسلام للعاطفة على حساب العقيدة ، وهل يمكن أن نقبل ~~هذا التفسير في حالة إبراهيم الذي لا يمثل مجرد إنسان صاحب عقيدة ، بل هو ~~إلى جانب ذلك نبي صاحب رسالة يريد أن يغير الإنسان في الحياة على أساس ~~انتصار الفكر والعقيدة في ذاته على الحس والعاطفة في شعوره؟ إن PageV11P224 # القرآن يجيب عن هذا السؤال. # ( @QUR@010 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) فقد ~~كان يأمل أن يستقيم أبوه على الصراط ويرجع إلى الله ، لأنه كان يعتبر حالة ~~الانحراف التي يمر بها حالة طارئة لا تعقيد فيها ، ولا عمق لها ولا امتداد ~~في شخصيته ، فيمكن لها أن تزول ، وينطلق إبراهيم في استغفاره له من هذا ~~الموقع الذي يطلب فيه الهداية له ، لينفتح قلبه ، ويصفو فكره ، وترق مشاعره ~~، وتشرق حياته ، فيلتقي بالله من أقرب طريق. ربما كان يفكر في هذا الاتجاه ~~، من موقع الرغبة في أن تربح العقيدة إنسانا جديدا ، ومن موقع العاطفة التي ~~تتحرك في خدمة الرسالة من أجل أن توحي لهؤلاء الذين تتعاطف معهم ، بأن ~~المشاعر تحتضنهم بالحب والرحمة ، ليحتضنوا الحقيقة في مشاعرهم من أجل أن ~~تحتضنهم في أفكارهم. وبقي هذا الأمل ينمو في روحه وضميره وعقله ، حتى ~~استنفد كل تجربة وأسلوب وشعور ، ولكنه تضاءل وتضاءل حتى سقط في التراب ~~وانكشفت له الحقيقة ، إن هذا ms2753 الإنسان ليس مجرد حالة طارئة ، بل هو عقدة ~~مستعصية مستحكمة. إنه الكفر المتجسد في وحشية الفكر في الإنسان ، إنه عدو ~~الله في فكره وفي عمله ، إنه يخلص للحجارة التي يصنعها أصناما يتعبد لها ، ~~ولا يرضى بأن يتعبد الله الذي صنع له وجوده ، إنه لا يرضى بأن يفكر ويتأمل ~~ويحاور ليكتشف خطأ فكره وضلال طريقه. إنه يدافع عن انحرافه بعناده وإصراره ~~، لأنه يخاف من التغيير. ( @QUR@08 فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) ~~لأن الله أقرب إليه من كل إنسان ، لأنه الخالق الذي أمده بالحياة ، ومن ~~خلال كل هذه القوانين التي كان منها قانون ولادته من أبيه ، فهو الأول ~~والآخر في وجوده وحركة حياته. ( @QUR@03 إن إبراهيم لأواه ) يعيش التأوه ~~أمام الله في أجواء الخشوع والخضوع له ، ( @QUR@01 حليم ) في قلبه المفتوح ~~وروحه الكبيرة ، يعفو عند المقدرة ، ويفتح قلبه للناس. # * * * PageV11P225 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~إن الله بكل شيء عليم (115) @QUR@017 إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ~~ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) (116) # * * * ### ||| ** العناد المؤدي إلى الضلال # من الناس من يركب طريق الضلال في البداية ، من موقع الغفلة أو العناد ، ~~ومنهم من يتحول إلى الضلال بعد الهدى ، من موقع الأطماع والشهوات أو الشك ~~والشبهة. ولكن الله يقيم الحجة على هؤلاء في كلتا الحالتين ، لأنه سبحانه ~~قد فتح لهم أبواب الهدى من قاعدة المعرفة التي دلهم عليها وقادهم إليها ، ~~من خلال ما أوحى به إلى العقل أن يتساءل ويبحث ، وما أوحى به إلى الرسول ~~ليهدي ويوجه. فإذا ضل إنسان بعد ذلك ، فإنه لا يضل عن فقدانه لمصادر الهدى ~~والمعرفة ، بل من خلال عناده وابتعاده عن PageV11P226 # الأخذ بأسباب العلم والهداية. # * * * ### ||| ** لا ضلال بعد الهدى # ( @QUR@08 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) والإضلال من الله ، لا ~~يعني إيقاع الإنسان في الضلال بطريقة مباشرة ، بل يعني حدوث ذلك بشكل غير ~~مباشر ، وذلك من جهة ما أودعه في الأشياء والأفعال من ارتباط بين الأسباب ms2754 ~~والمسببات ، في ما أراده من العلاقة بين اختيار الإنسان لبعض المقدمات ~~وحصول بعض النتائج الإيجابية أو السلبية الملائمة لها. فقد جعل الله ~~الهداية في البداية ، فهي الأساس في الواقع الإنساني للمعرفة ، لأن الله ~~خلق للإنسان وسائلها العادية من الحواس وقوة العقل ومفردات المعرفة ، مما ~~يؤدي إلى الهداية من أقرب طريق ، فإذا أهملها الإنسان ، ضل الطريق بشكل ~~طبيعي. ولكنه الضلال بعد الهدى ، ( @QUR@05 حتى يبين لهم ما يتقون ) ليثير ~~أمامهم المعرفة التفصيلية للشريعة التي يتعرفون من خلالها ما أراد الله لهم ~~أن يفعلوه أو يتركوه ، لتكون حجة رسولية عليهم بعد الحجة العقلية التي ~~أودعها في كيانهم. # * * * ### ||| ** معنى الإضلال # وربما فسر البعض الإضلال بالحساب ، ليكون المعنى أن الله لا يحاسب الناس ~~على أعمالهم المنحرفة ، حتى يقيم عليهم الحجة منه ، من خلال رسالته. PageV11P227 # وهذا ليس ببعيد عن جو الآية ، ولكنه غريب عن مفرداتها في ما تدل عليه من ~~معنى ظاهر. وربما اعتبرها بعض المفسرين واردة مورد قوله تعالى : ( @QUR@014 ~~ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ~~[الأنفال : 53] وما في معناه من الآيات ، وهي جميعا تهتف بأن من السنة ~~الإلهية أن تستمر على العبد نعمته وهدايته حتى يغير هو ما عنده ، لأن هذه ~~الآيات تربط بين تغيير الواقع وبين تغيير ما في النفس ، بينما نجد هذه ~~الآية تتحدث عن الربط بين الإضلال وبين بيان تفاصيل الهداية ، لتوحي بأن ~~الله لا يضل الإنسان ولا يحاسبه إلا بعد إقامة الحجة عليه بالبيان والتفصيل ~~، وكم من فرق بين هذين المعنيين ، والله العالم. # ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) في ما يتعلق بشؤون العباد ومصالحهم ~~ونتائج أعمالهم ، لأنه الذي خلقهم وأحاط بكل شيء علما ( @QUR@08 إن الله له ~~ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ) فهو القادر على كل شيء ، لأنه يملك كل ~~شيء ، ويسيطر على حياته وموته ( @QUR@09 وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير ) لأن الولاية له ، فهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، وهو ~~الناصر لكل أحد ، من أي أحد ms2755 ، ولا ينصر أحد أحدا منه ، فمنه البداية ، ~~وإليه النهاية ، فهو الذي يجب أن يطاع ، وإليه التقوى ، وإليه المصير. # * * * PageV11P228 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@027 لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف ~~رحيم (117) @QUR@031 وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ~~بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) (118) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يزيغ ): الزيغ : ميل القلب عن الحق. # ( @QUR@01 خلفوا ): تخلفوا عن السير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@01 رحبت ): اتسعت. # * * * PageV11P229 ### ||| ** توبة الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقومه # وتستمر مسيرة المسلمين ، ويتقدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موقع ~~القيادة ، وتواكبه الطليعة المؤمنة من المهاجرين والأنصار ، وتشتد التحديات ~~، ويتخلف البعض من المسلمين عن السير مع القافلة المجاهدة ، وتنطلق الرحمة ~~الإلهية لتوحي للسائرين بالرحمة والرضوان على أساس مواقع الثبات في المعركة ~~، ثم تشمل هؤلاء المتخلفين بالعفو والمغفرة ، بعد إعلانهم الندم على ما ~~قاموا به. وهكذا تلتقي التوبة ، التي لا تتحرك من مواقع المعصية لدى العبد ~~، بل من مواقع الإحسان والجهاد ، لتأخذ معنى الرحمة في ما تمثله التوبة من ~~رحمة في النتائج ، مع التوبة التي تعيش في ساحة الذنب الذي يتحرك فيه ~~الإنسان في خط تراجعي سريع ، ليجتمع للفريقين في توبة الله عليهم اللطف ~~الإلهي الذي يغمرهم بالرحمة والرضوان ، ليلتقوا في نهاية المطاف أمام الله ~~في سعادة الطاعة وحقيقة العبودية. # ( @QUR@012 لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة ) حيث كانوا يعانون أقسى حالات الشدة والجهد في ما كان يعانيه ~~الجيش الإسلامي المتوجه إلى غزوة تبوك من الحر والجوع والعطش والعرى ~~والركب. قال الرواة : كان العشرة من جيش المسلمين يتعقبون بعيرا واحدا ، ~~يركب الرجل ساعة ثم ينزل ، فيركب صاحبه ، وكان زادهم الشعير المسوس والتمر ~~المدود ، وكان الواحد منهم يلوك التمرة ، حتى إذا وجد طعمها أعطاها صاحبه ، ~~أما ms2756 الماء ، فقد كانوا ينحرون البعير على قلة الراحلة ، ويعتصرون الفرث ~~الذي في كرشه ، ويبلون به ألسنتهم. ولعل هذا الإيحاء بالتوبة على أساس ما ~~تعنيه من رعاية الله للتائب ورحمته ، هو التعبير القرآني للرضا والمحبة ~~واللطف الإلهي للنبي وللمؤمنين معه. # * * * PageV11P230 ### ||| ** معنى توبة الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم # وربما كان ذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المهاجرين والأنصار من ~~أجل التأكيد على الحضور النبوي في المجتمع الإسلامي ، باعتباره القيادة ~~التي تحرك المجتمع وتقوده وتتحمل مسئوليته ، وتحصل على امتيازات النتائج ~~الإيجابية له. وربما كان هذا أسلوبا قرآنيا في أكثر الموارد التي يتحدث ~~فيها عن المؤمنين في مواقعهم المرضية عند الله ( @QUR@08 من بعد ما كاد ~~يزيغ قلوب فريق منهم ) ممن بلغ منهم الجهد والتعب مبلغا عظيما حتى بلغوا ~~مرحلة الانهيار وفكروا في الانسحاب والتراجع. ولكن الله ثبتهم على الإيمان ~~( @QUR@03 ثم تاب عليهم ) في ما أرادوا أن يمارسوه من انحراف عن خط السير ~~واستسلام لنقطة الضعف ، فشملهم برحمته ولطفه ، ولم يجعل لذلك تأثيرا على ~~موقفهم منه ، لأن الله يعرف كيف يؤدي الجهد بالإنسان إلى السقوط أمام ~~التجربة الصعبة ، فرأى لهم العذر في ما هموا به ، وإن لم يفعلوا معصية ، ~~ولكنهم عاشوا جوها الذي يلتقي بها من حيث الروحية ، وإن ابتعدوا عنها من ~~حيث المضمون ( @QUR@04 إنه بهم رؤف رحيم ) يشملهم برأفته ، ويرعاهم برحمته ~~، لأنه اطلع على قلوبهم ، فرأى فيها الإيمان والإخلاص في جميع المجالات. # * * * ### ||| ** مقاطعة المتخلفين الثلاثة # ( @QUR@04 وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) وتأخروا عن السير مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فبقوا في PageV11P231 # المدينة ، ورجع النبي من غزوته وجاؤوا يعتذرون ، فهم لم يتأخروا عنه ~~تمردا وعنادا ونفاقا وعصيانا ، ولكنه أراد أن يلقنهم درسا ، ويعلم الآخرين ~~شيئا منه ، فأمر المؤمنين بمقاطعتهم ، حتى جاءت نساؤهم ، فأمرهن النبي ~~باعتزالهم ، فصاروا في عزلة خانقة ، حتى أنهم كانوا يأتونهم بالطعام والماء ~~فيضعونه أمامهم من دون تحية ولا كلام. ومضت عليهم خمسون ليلة في هذا الجو ~~الخانق ، ( @QUR@07 حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) فلم يجدوا ms2757 ملجأ ~~يلجأون إليه ، لأن القضية ليست قضية ضيق المكان ، بل هي قضية ضيق الجو ~~النفسي الداخلي الذي يوحي إليهم بالطرد من المجتمع ، والبعد عن رحمة الله ، ~~وبذلك يعيش الإنسان حالة السجن في الأفق الرحب ( @QUR@03 وضاقت عليهم ~~أنفسهم ) فأحسوا بما يشبه الاختناق ( @QUR@08 وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا ~~إليه ) فهو الرب الرحيم الذي يسع عباده بالرحمة ، فيغفر لهم أخطاءهم ويعفو ~~عن ذنوبهم ، فلا مرجع إلا إلى رحابه ، ولا ملجأ إلا في كنف رحمته ، فمهما ~~هرب العبد منه ، فإنه يرجع إليه ( @QUR@03 ثم تاب عليهم ) بعد ما اطلع على ~~صدق موقفهم وصحة إيمانهم ( @QUR@01 ليتوبوا ) ويرجعوا إليه ويستقيموا في ~~طريقه ويتحركوا في هداه ويسيروا مع المسيرة الإلهية ، بكل ما تفرضه من ~~مسئوليات ، وما تواجهه من مشاكل ( @QUR@05 إن الله هو التواب الرحيم ) الذي ~~يقود عباده إلى التوبة ويتقبلها منهم ويشملهم برحمته. # وهكذا عاد هؤلاء الثلاثة ، وهم كعب بن مالك الشاعر ، ومروان بن الربيع ، ~~وهلال بن أمية الواقفي ، ودخلوا في المجتمع الإسلامي من جديد ، ليكونوا ~~أعضاء عاملين صالحين ، بعيدا عن كل ما يثقل حركتهم ، ويضعف موقفهم ، ~~ويبعدهم عن تحمل مسئولياتهم في حركة الإسلام من جديد. وتلك هي قصة القافلة ~~في مسيرتها الطويلة ، التي قد يتساقط فيها الكثيرون ، ولكن الله يفسح لهم ~~المجال للرجوع إليه من جديد ، ليأخذوا بأسباب القوة بعد الوقوع في وهدة ~~الضعف ، وينطلقوا في اتجاه المسؤولية بعد أن ابتعدوا عنها. وهكذا PageV11P232 # يقود الله الناس إلى الاستقامة بعد الانحراف من أقرب طريق ، وتلك هي قصة ~~التوبة في تصحيح مسار الإنسان. # * * * PageV11P233 ### ||| * الآية # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) (119) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصادقين ): الصادق : هو القائل بالحق العامل به. # * * * ### ||| ** كونوا مع الصادقين # إنها الدعوة الدائمة التي يريد الله أن يستثير فيها مشاعر الإيمان في ~~أعماق الإنسان المؤمن ، ليعيش الإيمان فكرا وشعورا يدفعه إلى التقوى في ~~أفعاله وتروكه وفي جميع مواقفه ، لأن ذلك هو معنى الإيمان الذي يعني الشعور ~~بحضور الله الخالق القوي القادر في وجدانه ، وفي حسه وضميره وحركة حياته ، ~~فلا معنى للإيمان بدون ms2758 تقوى ، لأنه يتحول إلى حالة عقلية جامدة لا تغير منه ~~شيئا ولا تعني له أي شيء ، تماما كما هي المعادلات العقلية التجريدية PageV11P234 # التي لا علاقة لها بالحياة ، فلا بد من التقوى التي تعمق معنى الإيمان في ~~الداخل. # * * * ### ||| ** الانتماء إلى مجتمع الاستقامة # ثم هناك الانتماء إلى المجتمع الذي يجعل الفرد جزءا من كل ، ويحوله إلى ~~عضو عامل في جسم متكامل. فما هو هذا المجتمع ، الذي قد يكون خلية أو منظمة ~~أو حزبا أو حركة أو أي شيء مما تعارف الناس على اعتباره إطارا للوحدة ~~الاجتماعية أو السياسية للعمل؟ فقد يكون المجتمع مجتمع الانحراف الذي يكذب ~~أفراده على الناس وعلى الله وعلى أنفسهم ، وقد يكون المجتمع مجتمع ~~الاستقامة الذي يصدق أفراده مع الناس ومع الله ومع أنفسهم. فكيف يواجه ~~المؤمنون الموقف ، وفي أي مجتمع يعيشون ، وإلى أي فريق ينتمون؟ # إن الله يحدد للمؤمنين الخط والفريق والمجتمع ، ليتحقق لهم الانسجام بين ~~خط الإيمان وحركة الواقع وأجواء المجتمع. # * * * ### ||| ** الدعوة إلى التقوى والصدق # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) وعاشوا الإيمان في فكرهم وشعورهم ~~وحياتهم ( @QUR@02 اتقوا الله ) في أقوالكم وأعمالكم ومواقفكم وكل علاقاتكم ~~( @QUR@03 وكونوا مع الصادقين ) الذين يعيشون الحياة صدقا في الفكر ~~والعاطفة والحركة ، بعيدا PageV11P235 # عن كل ازدواجية من المواقف ، أو انحراف عن الفكر ، أو ارتباك في الخطوات ~~، فلا مجال للانسجام مع الكاذبين الذين يحولون الحياة إلى ساحة للباطل في ~~الشعارات والمواقف ، ويلفون ويدورون ويلعبون على الحياة من موقع الشيطنة ~~الباحثة أبدا عن الشر ، المتحركة أبدا مع الضلال. # * * * ### ||| ** الحذر من الانتماء إلى جماعات الضلال # وقد نستوحي من هذا النداء ، أن الله يرفض للإنسان أن ينتمي إلى أحزاب ~~الكفر والضلال التي تعيش الباطل في أفكارها وخطواتها العملية في الحياة ، ~~فإنها لا تمثل خط الصدق في موقفها ، حتى لو آمنت واعتقدت به ، لأن القضية ~~في ذلك ليس بانسجامها مع ما تعتقده ، بل القضية هي انسجام ما تعتقده مع خط ~~الحق ، كما أن الله يرفض للإنسان أن ينتمي بالمودة أو بالمواقف إلى الذين ~~يقولون ما لا يفعلون ، لأن الله يمقت ms2759 أمثال هؤلاء أكبر المقت. وفي ضوء هذا ~~، قد يشعر الإنسان بالحاجة إلى التدقيق في ما يعرض عليه من حالات الانتماء ~~إلى هذا الفريق أو ذاك ، ليدرس شخصية الفكر والأسلوب والهدف والقيادة ~~والممارسة ، ليحدد موقعه من ذلك كله ، قبل أن يوافق على السير مع هذه الجهة ~~أو تلك سلبا أو إيجابا ، لأن ذلك هو الذي يحفظ له مستقبله من الانهيار ، ~~وخطواته من الزلل ، وهو الذي يحفظ للمجتمع المؤمن سلامته وانسجامه مع خط ~~الإيمان وفكره ، على صعيدي النظرية والتطبيق. # * * * PageV11P236 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@052 ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا ~~كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) @QUR@018 ولا ~~ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون ) (121) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يرغبوا ): الرغبة : طلب المنفعة. وهنا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ~~أي يطلبون نفع نفوسهم دون نفسه. # ( @QUR@01 ظمأ ): شدة العطش. # ( @QUR@01 نصب ): تعب. # ( @QUR@01 مخمصة ): مجاعة. PageV11P237 # ( @QUR@02 يطؤن موطئا ): يدوسون أرضا. # ( @QUR@01 يغيظ ): الغيظ : أشد الغضب. # * * * ### ||| ** للجهاد متاعبه .. وثوابه # ربما كان التخلف عن رسول الله قد تحول إلى ما يشبه الظاهرة ، أو انتهى ~~إلى ما يمثل المشكلة ، ولهذا جاء القرآن ليوجه هؤلاء الذين يعيشون معه ، أو ~~قريبا منه ، إلى النتائج الكبيرة الإيجابية على مستوى الثواب العظيم عند ~~الله ، الذي يعوض كل الآلام والأتعاب والخسائر التي تصيبهم في خط الجهاد ، ~~بحيث يشعرون بالسعادة لما يقدمونه من تضحيات وما يبذلونه من جهد في سبيل ~~الله ، فيتوازن لديهم السلبية في المقدمات والإيجابية في النتائج على مستوى ~~الدار الآخرة والقرب من الله. # * * * ### ||| ** خطأ المتخلفين عن الجهاد # ( @QUR@04 ما كان لأهل المدينة ) الذين يعيشون مع النبي ويواجهون ~~التحديات معه ، ويؤيدون المواقف التي يقفها من موقع الدراسة الواعية لما ~~يحتاجه الإسلام في حركته ونموه وفاعليته في الحياة ، من جهد وجهاد وموقف ~~حاسم على ms2760 مستوى رد التحدي بمثله أو بأقوى منه. فهم الأولى بالاستجابة لنداء ~~الجهاد الصادر من النبي ، لأنهم الأعرف من الآخرين بطبيعة الموقف ، ولأنهم PageV11P238 # الأقرب إليه ، هم ( @QUR@04 ومن حولهم من الأعراب ) الذين قد يملكون من ~~المعرفة ما يملكه أهل المدينة ، بسبب الاتصال الدائم بهم ، ( @QUR@05 أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ) في نداء المعركة وحركتها ، لأن ذلك يعطل الخطة ، ~~ويعقد الموقف ، لأن المعركة قد تحتاج إلى سرعة في التحرك ، مما يفرض أن ~~يكون الجيش جاهزا عند أول انطلاقة للتحدي ، وقد لا يتيسر ذلك لدى الأفراد ~~البعيدين عن المدينة ، إذا تخلف أهل المدينة ومن حولهم عن الاستجابة ~~للنداء. ( @QUR@05 ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) فإن من علامة الإيمان أن ~~يعيش المؤمنون الشعور بالمسؤولية عن سلامة الخط وسلامة الموقع وسلامة ~~القيادة المتمثلة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه ، فيستريحوا لحب الحياة في الوقت الذي يجدونه خارجا لملاقاة الموت في ~~سبيل الله ، عند ما تفرض عليه تحديات المعركة ذلك ، لأن قيمة الحياة لدى ~~المؤمن أن يحولها إلى طاقة متحركة في سبيل الله ، ليفجرها من أجل البناء في ~~جانب ومن أجل هدم الباطل في جانب آخر. ولذلك فإن الاحتفاظ بها لنوازع ذاتية ~~وشهوات طارئة ، لا يتناسب مع المفهوم الإسلامي لدور الحياة في حركة الشخصية ~~الإسلامية. # * * * ### ||| ** ثواب الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@09 ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ) أي مجاعة ، في ما ~~يصيب المجاهدين في بعض المعارك البعيدة عن مواطنهم ، من عطش وجهد وتعب وجوع ~~( @QUR@08 في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ) في ما يتقدمون به من ~~خطوات للفتح في مواجهة الأعداء ، وفي ما يفتح الله عليهم من بلاد الكفار ، ~~أو من خلال ما يحققونه من مبادرات من أجل الرسالة والرسول PageV11P239 # ( @QUR@05 ولا ينالون من عدو نيلا ) في ما يصيبونه به من قتل أو جرح أو ~~خسارة في الأموال والمواقع ( @QUR@06 إلا كتب لهم به عمل صالح ) بسبب ما ~~يمثله عملهم هذا بأنواعه من جهد كبير في سبيل تحقيق الأهداف ms2761 الكبرى التي ~~يرضاها الله لعباده المؤمنين ، وذلك هو أساس العمل الصالح ، في ما ينطلق به ~~من دوافع الخير ، وفي ما يحققه من أهداف الحق ( @QUR@06 إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين ) الذين أحسنوا لله النية والعمل والموقف ، واستجابوا له في ~~ما أمرهم به أو نهاهم عنه ، من دون مراعاة للسلبيات الذاتية المترتبة على ~~ذلك كله. ( @QUR@06 ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ) مما يبذلونه من مال ~~في سبيل الجهاد ، على أنفسهم أو على غيرهم أو على المعركة كلها ( @QUR@03 ~~ولا يقطعون واديا ) في ما يمثله ذلك من صعوبة في السير ومواجهة للخطر ( ~~@QUR@03 إلا كتب لهم ) أجر ذلك كله من دون نقصان ( @QUR@06 ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون ) فإنه سبحانه يعرف طبيعة العمل وقيمته ونتائجه ويقدر ~~للعاملين جزاءهم تبعا للعمل في حجمه ونوعيته ، وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون. # * * * PageV11P240 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (122) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طائفة ): جماعة. # ( @QUR@01 ليتفقهوا ): الفقه : العلم بالشيء ، وقد اختص بعلم أحكام ~~الشريعة. # * * * ### ||| ** القرآن يدعو المؤمنين للنفر للتفقه والإنذار # لا بد للأمة من التنوع في سد الحاجات التي يتوقف عليها نموها وتطورها ~~وحركتها الشاملة في الحياة ، وربما كان في مقدمة ذلك الحاجة إلى المعرفة ~~الدينية الشاملة التي تثير الوعي الديني المنفتح في واقع الناس ، PageV11P241 # فيتحركون من خلاله إلى مواجهة قضاياهم العامة والخاصة من قاعدة إسلامية ~~ثابتة تدفع بهم إلى تحويل المواقف إلى حركة حية للمفاهيم الإسلامية من جهة ~~، وللأحكام الشرعية من جهة أخرى ، وإلى صدق الانتماء إلى العقيدة والشريعة ~~في كل شيء ، فلا تبقى هناك أية ازدواجية بين ما هو الدين وما هو الحياة ، ~~كما يحدث للكثيرين الذين يجهلون دينهم في مفاهيمه وفي تفاصيل أحكامه. وهذا ~~ما جعل التفقه في الدين واجبا كفائيا على الأمة كلها ، يفرض عليها أن تعد ~~من أفرادها مجموعة تتكفل بالحصول على المعرفة الدينية الشاملة التي تجعل من ~~حركة الإسلام في وعي الأمة وثقافتها حركة واعية تفرض نفسها على ms2762 الساحة كلها ~~حتى تجعلها إسلاما يتحرك في كل جانب واتجاه. وهذا ما عالجته هذه الآية التي ~~أرادت للمؤمنين أن ينفر بعضهم إلى التفقه في الدين ، عند ما ينفر بعضهم إلى ~~الجهاد ، فلا يعتبروا الجهاد مهمة الأمة كلها إلا في الحالات الصعبة التي ~~تحتاج فيها الأمة إلى كل الطاقات المقاتلة للدفاع عن وجودها أمام الأعداء. # * * * ### ||| ** الجهاد واجب كفائي # ( @QUR@05 وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) إلى الجهاد ، لأن الجهاد قد ~~يفرض قيام بعض الأمة بمسؤولياته من خلال الحاجة التي تفرضها المعركة. فقد ~~لا تكون الساحة بحاجة إلى الجميع ، بل يكتفى بالبعض منهم ، ولذلك فإن ~~المسألة تخضع لأوامر القيادة وتخطيطها في من يجب عليه الخروج ومن لا يجب ~~عليه ذلك ، فإذا أرادت من أحد الخروج ، فلا يجوز له التخلف ، كما قد يحدث ~~في بعض الحالات في ما تحدثت به الآيات السابقة. أما إذا رخصت PageV11P242 # لفريق بالبقاء ، لعدم الحاجة إليه ، أو لحاجة أخرى تفرضها المصلحة ~~الإسلامية العليا في مسألة الجهاد ، أو في المسائل الأخرى المتعلقة بالأمور ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمة ، فيجب عليه البقاء ، انسجاما مع ~~المصلحة الإسلامية في تنفيذ الخطة الشاملة الموضوعة من قبل القيادة. # * * * ### ||| ** النفر للتفقه # ( @QUR@011 فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) فلا بد ~~من أن يكون هناك جماعة تتخصص في الأمور الدينية لتحفظ للأمة وعي دينها من ~~خلال المعرفة الواسعة في أمور العقيدة والشريعة ، لأن ذلك هو الأساس ~~لانطلاقة الحياة في سبيل الله على هدى الإسلام بعيدا عن كل انحراف أو طغيان ~~في ما يمكن أن يحدث من خلال الجهل الذي يستغله المستغلون ، فيصورون الحق ~~بصورة الباطل وبالعكس ، فيتبعهم الجاهلون ، لعدم وجود من يميز بين الحق ~~والباطل في ساحة المعرفة الحقة ، فلا يجب على هذه الجماعة أن تنفر إلى ~~الجهاد ، بل هي تعيش الجهاد ولكن في موقع آخر ، وهو جهاد المعرفة التي ~~تواجه التحديات الفكرية التي تواجه الأمة من قبل أعداء الإسلام ، لتثير ~~فيها الشكوك والشبهات ، وتبعدها عن الطريق المستقيم ، بل ربما يكون الجهاد ~~في هذا الوجه ، أكثر ms2763 إلحاحا وأعظم أهمية من الجهاد بالسيف ، لأنه هو الذي ~~يعطي ذلك الجهاد توازنه وسلامته واستقامته على الخط الواضح السليم. ومن هنا ~~ورد في بعض الأحاديث المأثورة : «إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء ~~بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» (1). PageV11P243 ### ||| ** مهمة الفقراء # ( @QUR@07 ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) وتلك هي مهمة ~~الفقهاء الذين يحملون مسئولية الفقه الديني ليبلغوه إلى الأمة ، في نطاق ~~الإمكانات التي يملكونها في الحركة ، لأن القضية لا تمثل حالة ذاتية تمنحهم ~~الحرية في العطاء وعدمه ، بل هي حالة عامة ، لأنهم يحملون في فكرهم فكر ~~الأمة وثقافتها ودينها ، فلا يجوز لهم أن يمنعوها منه ، أو يحجبوه عنها ، ~~بل ربما يستوحي الإنسان من الآية ، أن المسألة لا تقتصر على الجواب عند ~~السؤال ، بل تتسع وتتسع ليتسلموا زمام المبادرة في الإبلاغ والإنذار ، لأن ~~ذلك هو الذي يفتح آفاقها على الجوانب الخفية للمعرفة الدينية ، وهو الذي ~~يوحي إليها بعلامات الاستفهام في التفاصيل ، باعتبار أن الجهل قد يؤدي إلى ~~الغفلة التي لا يشعر الإنسان معها بالحاجة إلى السؤال. وهذا هو الرد على ~~الذين يصرفون شطرا كبيرا من أعمارهم في التفقه في الدين ، حتى إذا تم لهم ~~النضج العلمي والفكري ، جلسوا في بيوتهم وابتعدوا عن المجتمع متعللين بأنهم ~~لا يرون الانفتاح على الناس بالتعليم على أساس المبادرة واجبا عليهم ، بل ~~يرون الأمر متوقفا على السؤال ، فيجب عليهم الجواب للرد على السائل ، ولا ~~يجب عليهم تعليم من لم يسأل. # * * * PageV11P244 ### ||| * الآية # ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) (123) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلونكم ): يقربون منكم. # ( @QUR@01 غلظة ): شدة. # * * * ### ||| ** قتال الكفار القريبين # هل هذا نداء للمؤمنين بإعلان الحرب على الكفار الذين يعيشون قريبا منهم ~~لتتحول الساحة إلى حروب حارة متصلة بين المؤمنين والكافرين بطريقة شاملة ، ~~أو أنه حديث عن التفاصيل المتصلة بالمسؤولية المباشرة التي يحملها المؤمنون ~~القريبون إلى مواقع القتال في مواجهة الخطر الآتي منهم ، بقتالهم PageV11P245 # وتحصين مواقعهم والدفاع عنهم. # ربما كان الأقرب إلى جو الآية هو ms2764 المعنى الثاني ، لأن قضية القتال تتصل ~~بالتخطيط الإسلامي للمعركة من قبل القيادة التي تتولى أمور المسلمين ، فقد ~~تفرض الخطة القتال في هذا الموقع وقد لا تفرض ذلك ، بل تفرض بدلا منه ~~الانتظار للوصول إلى الظرف الملائم أو تقتضي الهدنة والمعاهدة وغير ذلك. # * * * ### ||| ** الجهاد مرتبط بظروف المصلحة # وليس معنى ذلك أن الإسلام لا يفرض الجهاد الابتدائي للدعوة إلى الإسلام ، ~~لأنه أمر أساسي في التشريع الإسلامي ، ولكن هذا الأمر لا يبتعد أيضا عن ~~التخطيط للمسألة تبعا لما هو الأصلح في حركة الإسلام في الحياة ، من خلال ~~الظروف الموضوعية المحيطة بالواقع من الزمان والمكان والأوضاع العامة ~~والخاصة ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) أي ~~القريبين منكم ، فيما إذا اقتضت مصلحة الإسلام القتال من أجل أن تكون ~~الحياة كلها لله ، ( @QUR@03 وليجدوا فيكم غلظة ) أي شدة وتصميما على ~~المواجهة ، في مقابل الضعف والتخاذل ، وليس المراد بها القسوة والجفاء ~~والخشونة والفظاظة ، فإن ذلك ليس من الإسلام في شيء ، ( @QUR@05 واعلموا أن ~~الله مع المتقين ) الذين يخافون ربهم ويخشونه ويراقبونه في كل شيء ، ~~ويتحملون مسئوليتهم أمامه في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه ، ويستمدون منه ~~القوة في الموقف ، ويعرفون أنه معهم في جميع المواقف. # * * * PageV11P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) @QUR@012 وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) @QUR@016 أولا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) ~~@QUR@021 وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا ~~صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) (127) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يفتنون ): يمتحنون. # ( @QUR@02 لا يفقهون ): لا يعلمون. # * * * PageV11P247 ### ||| ** كيفية مواجهة المؤمنين والمنافقين لنزول السورة # وهذا هو أحد الأساليب التي كان يمارسها المنافقون في التهوين من شأن ~~القرآن وإبطال أثره في نفوس الناس ، ومحاولة الإيحاء لهم بأنه لا يمثل شيئا ~~في موضوع التنمية الروحية والتوعية الإيمانية ، لأنه كلام عادي ، تماما كأي ~~كلام آخر من ms2765 كلام المخلوقين ، وذلك من أجل إقناعهم بأنه ليس وحيا إلهيا في ~~ما يعنيه الوحي من أسرار خارقة للعادة من خلال ما يقتضيه من نتائج غير ~~طبيعية على مستوى التغيير والتأثير. # * * * ### ||| ** السورة تزيد المؤمنين إيمانا # ( @QUR@04 وإذا ما أنزلت سورة ) على النبي على ملأ من الناس ، وقفوا ~~أمامها واجتمعوا عليها في عملية استعراضية للتشكيك ، ليطرحوا السؤال على ~~بعضهم البعض أمام الناس كما لو كان شيئا عفويا يحصل لهم بكل بساطة ، ( ~~@QUR@07 فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ) وهو يعرف الجواب مقدما بأنه ~~لم يحصل شيء من ذلك ، أو أنه يطرح السؤال بلهجة الإنكار والاستهزاء ، وربما ~~كان هذا التساؤل واردا في مجال التعليق على الآية الكريمة ( @QUR@017 إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) [الأنفال : 2]. # ويجيب القرآن على هذا السؤال أو التساؤل ، ( @QUR@05 فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا ) لأن المؤمنين يعيشون وعي الكلمة بطريقة مسئولة ، وبذلك ~~ينفذون إلى PageV11P248 # عمق المعنى في حركته وامتداده ، ويستلهمونه في أجواء إيحائية لينطلقوا مع ~~مفاهيمه في الهواء الطلق ليجسدوها واقعا حيا في حياة الأفراد والجماعات ، ~~فيتفاعل ذلك مع الأفكار والمشاعر والمواقف ، لتتحول إلى زيادة نوعية وكمية ~~في حجم الإيمان في الداخل. ( @QUR@02 وهم يستبشرون ) في ما يمثله الإيمان ~~من الداخل ، من حركة الشخصية في أكثر من مجال على أساس هذا الفرح الروحي ~~الذي يطوقهم من جميع الجهات ، فيشعرون بالواقع كما لو كان بشارة كبيرة في ~~حجم هذا السؤال. # * * * ### ||| ** السورة تزيد المنافقين رجسا # ( @QUR@05 وأما الذين في قلوبهم مرض ) في ما يعانونه من حالة النفاق الذي ~~يجعلهم يعيشون الاهتزاز النفسي والجمود الروحي ، فلا ينفتحون على الإشراق ~~في معاني الآيات القرآنية ، ولا ينسجمون مع مفاهيمها وأحكامها ، بل يتعقدون ~~بدلا من ذلك ويواجهونها بالسخرية والاستهزاء والجحود والنكران ، أما هؤلاء ~~( @QUR@04 فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) لأنهم عند ما يواجهونها من مواقع ~~العقدة المستأصلة ، فستتآكل نفوسهم في الداخل منها ، وتعيش الحقد والعداوة ~~والبغضاء من جديد ، وبذلك تزيد حالة الخبث والقذارة الروحية ، بالإضافة إلى ~~ما لديهم من خبث وقذارة ms2766 واستمرار على ذلك ، لأنهم ليسوا في أجواء التفكير ~~والتغيير ، ( @QUR@03 وماتوا وهم كافرون ) بالله وبرسوله وبآياته ( @QUR@04 ~~أولا يرون أنهم يفتنون ) ويختبرون ( @QUR@06 في كل عام مرة أو مرتين ) وذلك ~~من خلال التجربة الصعبة التي تواجههم ، في ما ينزل عليهم من البلاء ، ~~فيسقطون أمامها ، ويتضاءلون في مواقع التحديات ، وينحرفون عن الخط الذي ~~كانوا يحملون مسئولية السير على هداه ( @QUR@03 ثم لا يتوبون ) من هذه ~~الذنوب والأخطاء الكبيرة PageV11P249 # التي يقترفونها ( @QUR@03 ولا هم يذكرون ) في ما يوحي به الناس من أن ~~المؤمنين في المنطقة لا يمثلون مركز قوة ، ولا يجدون موقعا متقدما ، ( ~~@QUR@08 وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ) في حيرة وتساؤل أو سخرية ~~واستهزاء ( @QUR@04 هل يراكم من أحد ) فكأنهم يخافون اكتشاف نفاقهم من قبل ~~الناس من حولهم ، من خلال سماعهم لبعض كلماتهم ، أو مشاهدة بعض حركاتهم ، ~~وبعد أن أحسوا بالأمن والطمأني نة ( @QUR@02 ثم انصرفوا ) وتفرقوا وذهب كل ~~منهم إلى ناحية ( @QUR@03 صرف الله قلوبهم ) عن الحق ، فلم يوفقهم إليه ، ~~بعد أن أعرضوا عنه من دون حجة ولا دليل ولا وعي ( @QUR@04 بأنهم قوم لا ~~يفقهون ) وذلك هو سبب ضلالهم ، فلو أنهم كانوا واعين لما يواجههم من دعوة ~~الحق ورسالة الله ، في موقف فهم للفكرة وللأسلوب ، وللساحة وللهدف ، لعرفوا ~~ما فيها من هدى وحق وإيمان. # * * * PageV11P250 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤف رحيم (128) @QUR@015 فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) (129) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عزيز ): شديد ، والعزيز في صفات الله تعالى ، معناه المنيع ~~القادر الذي لا يتعذر عليه فعل ما يريده (1). # ( @QUR@01 عنتم ): العنت : المشقة. # ( @QUR@01 تولوا ): أعرضوا. # ( @QUR@02 حسبي الله ): أحسبه أي كفاه. # * * * PageV11P251 ### ||| ** القرآن يتحدث عن صفات الرسول # وتلك هي صورة النبي الإنسان في مشاعره الحلوة الرقيقة التي تنساب بالحنان ~~والعاطفة على الناس من حوله فيضم المؤمنين إليه في حرص كبير وخوف شديد من ~~أن يمسهم سوء ، أو يعرض لهم مكروه ، أو يصيبهم جهد أو مشقة وعذاب ، في جو ~~حميم من الرأفة والرحمة التي تغمر القلوب ms2767 وتملأ النفوس غبطة وسرورا ، وذلك ~~هو الذي يفسح المجال للسائلين أن يجدوا لديه القلب المفتوح الذي ينفتح لكل ~~علامة استفهام تدور في أفكارهم ، ليجيب عنها بكل محبة وعمق وانفتاح ، وهو ~~الذي يتيح الفرصة للضالين أن يلتمسوا الهدى عنده ، فلا يتعقدون من أسلوب ~~ولا يتشنجون من نظرة ، بل يواجهون بدلا من ذلك النظرة الحنونة ، والابتسامة ~~المشرقة ، والكلمة الطيبة ، واللفتة الحلوة ، فيقتربون إليه بالجو الحميم ، ~~قبل أن يقتربوا بالفكرة العميقة الموحية ، بل يكون هذا الجو ، هو المدخل ~~الذي يتيح للفكرة أن تلج إلى القلب وتتحرك في العقل ، فتتحول إلى حركة ~~إيمان في النفس. وهذا هو ما يحتاجه الداعية الذي يتحمل مسئولية الدعوة إلى ~~الله ، فإن عليه أن يعيش الخلق العظيم قبل أن يعيش الفكرة ، أو وهو يعيش ~~الفكرة على الأقل ، فيجب الناس من عمق العاطفة ويحرص عليهم ، ويرحمهم ويرأف ~~بهم ولا يتعقد منهم ، ليسهل عليه أمر الوصول إلى قلوبهم وعقولهم من أقرب ~~طريق. وربما ساهمت ابتسامة حلوة وكلمة طيبة من داعية في انفتاح إنسان ما ~~على الهداية ، كما قد تساهم حالة تشنجية وكلمة قاسية في انغلاق الإنسان ~~وابتعاده عن الخط المستقيم ، تبعا للعقدة التي تنحل بكلمة وابتسامة ، أو ~~تتعقد بكلمة وقساوة ونظرة حقد. # * * * PageV11P252 # ( @QUR@05 لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) # ( @QUR@05 لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) فهو ليس من فصيلة غير فصيلة البشر ~~، ولذا فإنه يعيش أحاسيسكم ومشاعركم وأفكاركم في روحية من الانفتاح ~~والامتداد والشمول ، ( @QUR@04 عزيز عليه ما عنتم )، إنه يتألم لأية حالة ~~من الجهد والتعب والمشقة في ما قد تقاسونه في حياتكم ( @QUR@02 حريص عليكم ~~) في ما تستقبلون من قضية المصير في الدنيا والآخرة ، تماما كحرص الأم على ~~أولادها عند ما تعمل على أن تبعدهم عن كل أذى ومكروه ، فلا يريد لكم الضلال ~~، لأن فيه الهلاك ، ولا يحب لكم الضياع ، لأن في ذلك الخسران كله ، ( ~~@QUR@03 بالمؤمنين رؤف رحيم ) فهو الذي يجسد الرحمة في أقواله وأفعاله ~~ونظراته وعلاقاته ، وفي كل خطوات رسالته ، حتى كان هو الرحمة للعالمين ، ~~كما كانت رسالته كذلك. # * * * ### ||| ** لا يضر الرسالة إعراض الناس ms2768 عنها # ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا عن الاستماع إلى دعوتك ، والسير في خط ~~رسالتك ، بالرغم من كل الأجواء الحميمة الحلوة التي تحيط بها في عمق ~~المشاعر وروعة الأحاسيس ، فلا تتعقد من ذلك ، ولا تتراجع عن دعوتك في شعور ~~بالخذلان والسقوط ، بل انطلق في طريقك انطلاقة الرسول الواثق بربه ، المؤمن ~~برسالته ، الذي يرى أن من واجبه أداء الرسالة بحسب ما يستطيع ، من دون أن ~~يكون مسئولا عن النتائج السلبية إن حدثت لأنها لا تكون ناشئة PageV11P253 # عن فعل تقصير ، بل عن ظروف وأوضاع وأسباب خارجة عن إرادته ، وتحرك بقوة ، ~~بعيدا عن كل مشاعر الضعف ، ( @QUR@07 فقل حسبي الله لا إله إلا هو ) فهو رب ~~القوة وخالقها ، وهو الذي يكفي الإنسان من كل عدو ومن كل شر ، ويوحي إليه ~~بالثقة المطلقة ، وبذلك يكون التوكل عليه حركة داخلية وخارجية في خط الشعور ~~بالأمن والطمأنينة بسلامة الاتجاه وفاعليته وروحيته ( @QUR@06 عليه توكلت ~~وهو رب العرش العظيم ) ومن يتوكل على الله فهو حسبه في كل شيء. # وتلك هي نقطة القوة لدى المؤمنين عند ما يتحركون في خط الرسالة ، فلا ~~يشعرون بالضعف إذا خذلهم الناس ، بل يجدون الله معهم في كل موقف ، فيحسون ~~معه بالقوة التي يستريحون إليها ، وينطلقون معها ويستمرون من خلالها على ~~الخط المستقيم. # * * * ### ||| ** خاتمة سورة التوبة # وهكذا تنتهي هذه السورة المباركة ، بإعلان الموقف الحاسم الذي تقفه ~~الدعوة من الجاحدين والمعرضين ، وذلك بالامتداد في الخط الرسالي ، بعيدا عن ~~كل النتائج المضادة ، تماما كما كان الأمر في بداية السورة ، فكما كان ~~الموقف هو البراءة من المشركين ، في ما أوحى به الله ورسوله ، فهذا هو ~~الموقف من المعرضين عن نداء الرسول ، بالإعراض عنهم والالتزام بالله في ما ~~يريد وفي ما لا يريد ، ويبقى للداعية هذا الجو المنفتح الذي يزداد إشراقا ~~وتوهجا وأملا وإيمانا كلما تقدمت به الطريق ، وواجهته التحديات ، واستجاب ~~له المستجيبون ، أو أعرض عنه المعرضون ، فإذا توقف في بعض المحطات ، فلكي ~~يتعرف على التجربة الناجحة هنا ، أو الفاشلة هناك ، ليأخذ منها العبرة أو PageV11P254 # يستفيد منها الدرس ، ثم يمضي في الطريق ms2769 غير عابئ بالصعوبات ، لأن مهمته ~~في الأساس هي أن يواكب المسيرة ليبلغ مداها ، على مستوى المراحل ، ولينقلها ~~من جيل إلى جيل ، من أجل أن تتكامل في فكرها وتتوازن في خطواتها ، وتصل إلى ~~غاياتها الكبرى في تحويل الحياة كلها إلى حركة إسلامية قوية منفتحة ، ليكون ~~الدين كله لله في الفكر والعمل والحركة المنطلقة أبدا مع إشراقة الشمس في ~~كل مكان. # * * * PageV11P255 ### | سورة يونس ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وتسعة PageV11P257 ### ||| ** الأجواء العامة لسورة يونس # «يونس» هو اسم نبي أرسله الله لهداية الناس ، ولكنهم تمردوا عليه ، ~~ففارقهم ودعا عليهم ، وكانت له قصة بلاء في ما ابتلاه الله به من التقام ~~الحوت له ، ثم إنقاذ الله له حيث أخرجه من بطن الحوت ، وأنبت عليه شجرة من ~~يقطين ، وانطلق اسمه بعد ذلك في الضباب ، لأن القرآن لم يفصح لنا الكثير عن ~~ذلك ، كما لم يتحدث لنا عن تفاصيل قصته قبل ذلك ، كما هي طريقة القرآن في ~~التأكيد على الملامح المميزة للشخصية المتعلقة بالخط السلبي أو الإيجابي ~~للرسالة وللإنسان وللحياة. ولهذا فإن القرآن لا ينقل إلينا تاريخا يحدد ~~ملامح البداية والنهاية ، لأنها ليست بذات موضوع في الهدف القرآني غالبا. ~~وفي ضوء ذلك كان اسم السورة ، لا يمثل حجما كبيرا في حركة الآيات في داخلها ~~، بل يمثل حالة سريعة لا تكاد تقف عندها ، حتى تشعر أنها انتهت لتفسح ~~المجال لقصة أخرى وشخصية ثانية ، لأن الهدف هو الإيحاء باللمحة وبالصورة ~~وبالكلمة المليئة بالروح ، الموحية بالإيمان. وهذا ما تتمثله في الآية ~~الكريمة : ( @QUR@022 فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ~~لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) ~~[يونس : 98]. ونلاحظ أن الحديث PageV11P259 # عن قومه لا عنه ، لأن دوره ليس ذاتيا معهم ، بل هو دور النبي الذي يمتد ~~ويتعمق في الأمة حتى يتحول إلى رمز لها ، في ما يمثله الرمز من فكر ومعنى ~~وخط حياة ، لا مجرد انتماء إلى اسم أو كلمة أو موقع. # وهكذا أراد الله لهذا الاسم أن يحتوي التصور الكلي للفكرة من خلال القصة ms2770 ~~النموذج والاسم في ما تجسده حركة الدعوة في دور النبي ، وفي تمرد القرية ~~وأهلها عليه ، وفي رد الفعل النبوي الذي عاشه يونس في انفعالاته الذاتية ~~ضدهم ، وفي تراجع هؤلاء عن الموقف السلبي ، ليتحول إلى موقف إيجابي في ~~دائرة الإيمان ، الذي يعيش أجواء التوبة الخالصة التي يتقبلها الله ، فيكشف ~~عنهم العذاب. ويعود الخير والسلام للجميع ، ويواجه يونس الموقف بذهول ~~واستغراب وحيرة ، ويسدل الستار. # وفي هذا الجو كله ، نتعرف ملامح جديدة للدعوة إلى الله من خلال ما تريد ~~السورة أن تثيره من الإنذار والتبشير في جو الرسالة الإسلامية ، ومدى ~~التحديات التي كانت تواجهها في هذا الاتجاه ، وكيف يريد الله للإنسان أن ~~يستغرق في التفكير به ليرجع إليه ، ليتعرف على نعمه الوافرة ، ليصل إلى دار ~~السلام ويهتدي إلى الصراط المستقيم ، ولينطلق إلى التأمل في القرآن ليصدق ~~به وليدرك نفع تعاليمه له كإنسان في تفكيره وتخطيطه وتشريعه ، وفي ما يوحي ~~به من مفاهيم وأجواء ، ويبقى للنبي أن يصبر ويتحمل المسؤوليات الصعبة بكل ~~قوة ، ويبلغ الرسالة ، مهما كانت التحديات ، ومهما كانت الظروف ، من دون أن ~~يكرههم على ذلك بالقوة ، أو يقودهم إلى السير معه بالعنف ، بل هو الرفق ~~والتسامح والمحبة والرحمة. وهكذا يجد فيها حركة الدعوة ، في حركة الإيمان ~~في التاريخ ، كما يجد فيها ملامح الشخصيات النبوية التي تحركت من أجل الله ~~في ما يأمر به أو ينهى عنه ، لتثير في العاملين كل روحية الإسلام ، وصفاء ~~الإيمان ، وسلامة التطبيق. # * * * PageV11P260 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيتان # ( @QUR@05 الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) @QUR@026 أكان للناس عجبا أن ~~أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) (2) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الحكيم ): المحكم ، وقيل هو بمعنى الحاكم. # ( @QUR@02 قدم صدق ): موقعا متقدما. # * * * ### ||| ** قياس الرسالة بمستوى الذات # وتبدأ السورة بتوجيه الناس إلى آيات الكتاب في كل ما يشتمل عليه من حكمة ~~النظرة والمعالجة لقضايا الناس في العقيدة والحياة ، ولكن الناس لا يواجهون ~~المسألة من مواقع الحسابات الدقيقة التي تضع الأشياء في ms2771 مواضعها PageV11P261 # على أساس القاعدة الفكرية لمسائل الوحي والتنزيل ، بل يواجهونها بطريقة ~~سطحية تعتمد على المألوف في ما يواجهونه من أوضاعهم الشخصية ، فيقيسون قضية ~~النبوة بقضاياهم الشخصية ، فيألفون منها ما يألفونه من أنفسهم ويستبعدون ~~منها ما يستبعدون من أنفسهم ، فيتصورون أنها بعيدة عن آفاق البشر ، ومتصلة ~~بعالم الغيب ، فكما أنها غيب بطبيعتها ، فلا بد من أن تكون غيبا في الشخص ~~الذي يحملها ، لأن الغيب لا يقترب من عالم البشر ، باعتبار أنه عالم الحس ~~الذي لا يلتقي إلا بالجانب الحسي من الحياة. وهكذا يتحول هذا التصور السريع ~~للمسألة إلى إنكار للرسول وللرسالة. وتلك هي مشكلة الإنسان عند ما يواجه ~~الأشياء غير المألوفة في حياته بالإنكار ، اعتمادا على انطلاقه مع المقاييس ~~المألوفة للأشياء في قضايا الفكر والحياة. # * * * ### ||| ** التعجب من الوحي إلى رجل منهم # ( @QUR@01 الر ) وقد تحدثنا في بداية سورة البقرة عن الوجوه المتصورة ~~لتفسير الحروف المقطعة في أوائل السور ، فلتراجع هناك. # ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب الحكيم ) التي أنزلها الله على رسوله ، ~~ليحملها إلى الناس رسالة هدى وحق وصدق وحكمة وإيمان ، مما يفرض عليهم أن ~~يقرءوها بتدبر وإمعان ، ليعرفوا منها مواقع الفكر في ما يحتاج إلى حركة ~~الفكر ، وينابيع الشعور ، فيما يلامس الشعور ، وخطوات الحركة في ما ينطلق ~~به خط السير ، فذلك هو السبيل إلى وعي الرسالة والإيمان بالرسول. ولكن بعض ~~الناس لا يتوقفون في هذا الخط ، فينهجون نهجا آخر ، ويتخذون لأنفسهم سبيلا ~~آخر ( @QUR@08 أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) وما هو وجه العجب ~~في ذلك؟ فإذا PageV11P262 # كان الله قادرا على كل شيء ، فأي مشكلة في أن يوحي إلى رجل منهم إذا لم ~~يكن هناك عجب ومشكلة في أصل خلقه للإنسان؟ فإذا كان الوحي غيبا من الغيب ، ~~فإن سر الخلق في الإنسان يبقى كذلك حالة غيبية في علم الله ، ولا يبقى هناك ~~فرق ، إلا في أن الوحي شيء لم يألفه الإنسان ، بينما كان الإنسان وجودا ~~ماديا مألوفا في حركة الحياة ، وهذا الفرق لا يخضع لأساس فكري ، في ما يمكن ~~أن تلتقي فيه قاعدة ms2772 القدرة الإلهية في إخضاع الأشياء كلها لإرادته في تكوين ~~أوضاعها وحركة خلقها ، فلا مانع من أن يرسل الله إلى الناس رسولا منهم ، ~~ليحمل رسالته إليهم ، نذيرا أو بشيرا ( @QUR@03 أن أنذر الناس ) بعقاب الله ~~وعذابه ، إذا انحرفوا عن خط السير ، ولم يستجيبوا لنداء الله ، ( @QUR@03 ~~وبشر الذين آمنوا ) الذين يستجيبون لنداء الله فيؤمنون بالله ورسالاته ~~ورسوله ، ويعملون في اتجاه ذلك في كل مجالات حياتهم ( @QUR@06 أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم ) أي موقعا متقدما ، وخطوة سابقة حسنة ، بسبب ما يجزي به ~~العاملين بطاعته على أساس ما صدقوا الله في الفكرة والموقف. # * * * ### ||| ** التهمة بالسحر المبين # ( @QUR@06 قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) فهذا هو رد فعلهم للدعوة ~~التي لم يملكوا أمامها أية حجة للرفض والإنكار ، بل واجهوا الحجة التي تدعم ~~موقف الإيمان وتؤكده ، فكانت الكلمة غير المسؤولة اتهامه بالسحر ، واتهام ~~الرسالة بأنها مظهر سحر في ما تشتمل عليه من خوارق العادة ، ولكن مثل هذه ~~الكلمات لا تمثل موقف قوة بالرفض ، بل تمثل الضعف الذي لا يرتكز على أساس ~~من فكر ولا يخضع لقاعدة من علم أو حقيقة. # * * * PageV11P263 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه ~~أفلا تذكرون (3) @QUR@028 إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ~~ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استوى ): الاستواء هنا بمعنى الهيمنة والسيطرة على مقاليد ~~الأمور. # ( @QUR@01 بالقسط ): بالعدل. # ( @QUR@01 حميم ): الحميم : الماء الشديد الحرارة. # * * * PageV11P264 ### ||| ** إنه يبدأ الخلق ثم يعيده # وتنطلق الآيات لتؤكد التصور القرآني للإيمان بالله في الهيمنة المطلقة له ~~على كل شيء من خلال خلقه لكل شيء ، فكل الأشياء مخلوقة له ، وتدبيره لكل ~~أمر فكل أمر خاضع لتدبيره وتقديره ، وملكه لكل شيء ، فلا يملك أحد معه شيئا ~~، في أي شأن من شؤون الحياة والمصير. وبذلك كان هو الأولى بالعبادة ، ~~والأحق بالربوبية ، والمرجع في كل شيء ms2773 في الدنيا والآخرة ، فهو المبدئ ~~والمعيد ، وهو المثيب والمعاقب. # * * * ### ||| ** قدرة الله في خلقه # ( @QUR@010 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) في عظمة ~~الخلق وروعة التدبير ودقة النظام ، وذلك من خلال حكمته الخفية التي انطلق ~~فيها الوجود في هذه القطعة المعينة من الزمن ، في ما تمثله من مقياس الزمن ~~الذي نعيشه. وهو الذي لا يحتاج في تحقيق إرادته إلى زمن معين طويل ، إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. وذلك هو سر الله الذي لا يعرف أحد ~~كنهه ، ولا يبلغ أحد مداه. # * * * PageV11P265 ### ||| ** الاستواء على العرش # ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) في ما يوحي به الاستواء بمعناه المادي من ~~كناية تدل على الهيمنة والسيطرة المطلقتين على مقاليد الأمور في قاعدتها ~~الممتدة لما توحي به كلمة العرش من مركز السلطة ، أو رمزها المعنوي الكبير. # * * * ### ||| ** تدبير شؤون الكون # ( @QUR@02 يدبر الأمر ) بعلمه وقدرته ورحمته في تنظيم الكون على أساس ما ~~يصلحه في قوانينه الكونية وسننه الطبيعية التي أودعها في حركة الوجود ~~وتوجيه الإنسان في طاقاته الذاتية نحو صلاح حياته ، في علاقته بالحياة في ~~نطاق حركة المجتمع من حوله. # * * * ### ||| ** لا شفيع إلا بإذنه # ( @QUR@07 ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) من خلال ما توحي به الشفاعة من ~~التدخل في القضايا وتغييرها وتوجيهها إلى مسار مغاير لطبيعة الأشياء من ~~موقع القوة ، فلا مجال لأي شخص أن يتدخل في مصير أحد إلا من خلال إرادة ~~الله وإذنه ، لأنه المالك لكل شيء في الدنيا والآخرة ، وبذلك فلا يجوز ~~الارتباط بأية جهة على قاعدة الشفاعة الذاتية ، إلا من خلال الارتباط به ، ~~في ما يأذن به من أمر PageV11P266 # الشفاعة ، بحيث يكون ذلك مستمدا من الله سبحانه. # ( @QUR@03 ذلكم الله ربكم ) لا ما تتخذونه من أصنام ، أو تخضعون له من ~~أشخاص مما صنعته أيديكم أو صاغته أوهامكم مما تعبدونه من دون الله بغير حجة ~~ولا سلطان ( @QUR@01 فاعبدوه ) بالخضوع له والخشوع أمام جلاله ، والطاعة له ~~في ما يأمر به وينهى عنه والسير في كل خطوات الحياة من مواقع رضاه ms2774 ( ~~@QUR@02 أفلا تذكرون ) من خلال الفكر العميق الذي يفتح لكم آفاق الحقيقة ~~التي تكتشفونها من قاعدة الأسس التي يتحرك فيها الفكر فيربط بين الأشياء ~~وأسبابها والنتائج ومقدماتها ، ( @QUR@03 إليه مرجعكم جميعا ) فستعودون إلى ~~رحاب قدسه وجلاله ، هناك في يوم القيامة ، حيث يرجع الناس كلهم إليه ~~ليواجهوا حساب المسؤولية أمامه ( @QUR@03 وعد الله حقا ) لا ريب فيه ، في ~~ما وعد به عباده من الحياة بعد الموت ( @QUR@05 إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ) ~~ليحقق للحياة حكمتها التي تخرج حركة الإنسان من مواقع العبث واللامعنى ، ~~فتنطلق من قاعدة الحكمة الإلهية التي تجعل للوجود غاية عظيمة في مجالات ~~الجزاء ( @QUR@06 ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) فلا يظلم أحد ~~شيئا ولا ينقص من عمله أي شيء. ( @QUR@08 والذين كفروا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم ) من خلال ما يواجهونه من شدة العقوبة ، ( @QUR@03 بما كانوا ~~يكفرون ) بعد أن أقام عليهم الحجة ، وألزمهم الدليل والبرهان. # * * * PageV11P267 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) ~~@QUR@014 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جعل ): يقول الطبرسي في مجمع البيان : الجعل إيجاد ما به يكون ~~الشيء على صفة لم يكن عليها (1). # ( @QUR@01 وقدره ): التقدير : تبين كمية الشيء. # ( @QUR@01 يفصل ): يشرح ويبين. # * * * PageV11P268 ### ||| ** مظاهر نعم الله في الحياة # ويطوف القرآن بالإنسان في ملكوت الله ، ليتعرف على مواقع عظمته في خلقه ، ~~وعلى مظاهر نعمه في الحياة ، فتتجسد العظمة في عقله ، لتتحول إلى إيمان في ~~قلبه ، وتتمثل النعمة في عينيه ، لتتحرك وعيا في روحه. # * * * ### ||| ** الضياء والنور # ( @QUR@07 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ) لماذا هذا الاختلاف في ~~التعبير عن المعنى الواحد بكلمتي الضياء والنور؟ ربما يقال إن الحكمة في ~~ذلك هي التفنن اللفظي ، وربما يستوحي البعض من كلمة الضوء الجانب الذاتي من ~~النور ، بينما تشمل كلمة النور ، النور المستمد من الشمس. ومهما كان الأمر ~~، فإن هذا الحديث عن هذين الكوكبين هو من ناحية مظهرهما وتأثيرهما في الكون ms2775 ~~، من دون التأكيد على طبيعتهما ، من أجل إثارة الانتباه إليهما من خلال ~~علاقتهما بالجانب البسيط من حياة الإنسان في ما يتطلع إليه من الإشراق ~~الدافئ أو الملتهب الذي تضفيه الشمس على الكون ، فتمنحه الحياة المشرقة ~~التي تطرد الظلام ليحل محله النهار الذي يحقق للإنسان الحركة القوية ~~الدافئة ، أو الإشراق البارد الهادىء الذي يثيره القمر في أجواء الليل ، ~~فيعطيه السحر الممزوج بإشراقة الكون هناك ، من خلال ما يمكن للإنسان أن ~~يستوحيه أو يعالجه. # * * * PageV11P269 ### ||| ** تقدير القمر منازل # ( @QUR@02 وقدره منازل ) فقد نظم الله للقمر منازله ودرجاته التي تحكم ~~قوانينه بطريقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ( @QUR@04 لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ) وذلك من خلال ما نستفيد منه من تعيين الشهور في أوائلها وأواخرها ~~تبعا لطلوع القمر وغيابه ( @QUR@06 ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) لأنه ~~سبحانه أقام الحياة على قاعدة ممتدة عميقة مرتبطة بالسنن الكونية التي ~~أودعها في نظامه. وهذا ما تثيره كلمة «الحق» في ما تعنيه من السر الكامن في ~~داخل الأشياء الذي يجعل لكل ظاهرة من الظواهر حكمة في حركة الوجود وفي سره ~~، مما يبعد الأمور عن العبثية في الخلق. ( @QUR@04 يفصل الآيات لقوم يعلمون ~~) من خلال هذا التمايز الذي صنعه فيما بينها ، ليدرك الإنسان النتائج من ~~خلال التفاصيل الكونية ، ومن خلال الشرح المتحرك المرن الذي ينطلق من خلال ~~الحقيقة ، التي يمكن للإنسان اكتشاف السر من خلالها إذا حدق في الظاهرة طويلا. # * * * ### ||| ** اختلاف الليل والنهار # ( @QUR@014 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون ) ويشعرون بقيمة المعرفة من خلال دراسة الوسائل التي تصل ~~بالناس إلى أسرار خلق الله عند ما تكشف أمامهم دقة النظام الكوني ، فيعيشون ~~في داخل أنفسهم الشعور بعظمة الله ، فيتعبدون له بإخلاص ، ويتقونه بانضباط. ~~وبذلك يريد الإسلام للتقوى أن ترتكز على أساس متين ثابت من PageV11P270 # العلم والوعي والإيمان ، ولا يريدها مجرد حالة انفعالية سريعة تزول مع ~~أية مشكلة صغيرة ذاتية. ولهذا كان التدقيق يحقق للإنسان بعض الوعي للحكمة ~~الإلهية التي تكمن من خلف الظاهرة ، كما أن رصد ms2776 القوانين الطبيعية والسنن ~~الكونية الإلهية التي تتحرك في هذه المخلوقات الجامدة والحية في السموات ~~والأرض ، يوحي بعظمة القوة الخالقة وحكمة الإله الحكيم. وفي ضوء ذلك نستوحي ~~انطلاق المعرفة العلمية من التدبر والتأمل في الموجودات والظواهر بعمق ، ~~لتكون هي الأساس للتقوى وللعبادة وللالتزام في الإسلام ، خلافا للمقولة ~~التي تجعل من مسألة الإيمان مسألة غير عقلانية وغير علمية ، وقد سبق الحديث ~~عن بعض ذلك في تفسير آية مماثلة لهذه الآية في سورة البقرة ، فراجع. # * * * PageV11P271 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ~~والذين هم عن آياتنا غافلون (7) @QUR@06 أولئك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون (8) @QUR@015 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ~~تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) @QUR@014 دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غافلون ): الغفلة : سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ. # ( @QUR@01 وتحيتهم ): التحية : السلام. # * * * PageV11P272 ### ||| ** ملامح أصحاب النار وأصحاب الجنة # ما هي ملامح أصحاب النار وأصحاب الجنة؟ وبالتالي ما هي العوامل الذاتية ~~والخارجية في حياة الإنسان ليكون من هذا الفريق أو ذاك؟ إن هذه الآيات تحدد ~~لنا ذلك بوضوح. # * * * ### ||| ** الراضون بالحياة الدنيا # ( @QUR@05 إن الذين لا يرجون لقاءنا ) من خلال إنكارهم للآخرة التي هي ~~عالم ما بعد الموت الذي يمثل نهاية كل شيء ، فلا حياة بعده ، بل هو النفق ~~المظلم الذي يمتد إلى ما لا نهاية ، فهم لا ينتظرون أي لقاء بالحياة التي ~~يرعاها الله ، في ما تعبر عنه الآية بأنه لقاء الله ( @QUR@05 ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) فهي بالنسبة لهؤلاء الذين لا يرجون لقاء ~~الله تعالى الفرصة الأولى والأخيرة لهم ، فسعادتها هي السعادة ، وراحتها هي ~~الراحة ، وشقاؤها هو الشقاء ، وتعبها هو التعب ، وهي المستقر والملاذ الذي ~~يعيشون فيه الاستقرار والطمأنينة ، فلا يتطلعون إلى أفق آخر ، ولا إلى أرض ~~أخرى ، وبذلك كان الاطمئنان بها أمرا طبيعيا تفرضه لديهم فكرة المحطة ~~الوحيدة للإنسان التي لا رحلة بعدها إلى محطة أخرى ، بل هو الفراغ والظلام. ~~وربما كان من الطبيعي لهذا الرضا ms2777 بها والاطمئنان إليها ، أن يكون خطا للسير ~~ومنهجا للسلوك ، لأن ذلك يفرض الالتزام بقيمها وعلاقاتها وشهواتها وأهدافها ~~، بعيدا عن كل القيم الروحية المتصلة بالله واليوم الآخر. PageV11P273 # ( @QUR@05 والذين هم عن آياتنا غافلون ) وهذه نتيجة طبيعية للصفة السابقة ~~، فإن الاستغراق في الدنيا والإخلاد إليها ، يمنع الفكر من الانفتاح على ~~الأجواء الفكرية والروحية التي تتحرك فيها الآيات ، ويجعل عند الإنسان ~~حاجزا نفسيا داخليا ، يحجب عنه وضوح الرؤية للأشياء ، وهنا تطبق عليه ~~الغفلة لتشغله بأشياء أخرى ، ولتوجهه وجهة بعيدة عن الله وعن كتبه ورسله ، ~~فيضل وهو يحسب أنه يسير في طريق الهدى ( @QUR@03 أولئك مأواهم النار ) فذلك ~~هو المصير الذي ينتظر الذين يبتعدون عن آفاق الله في رسالته وشرائعه ، من ~~حيث كانوا قادرين على الانفتاح عليها من موقع الأجواء التي كان من الممكن ~~الاقتراب منها ، وبذلك كان الكفر مسئوليتهم التي يتحملونها من خلال الإرادة ~~والاختيار ، التي تجعل من كل نتيجة عملية إنسانا يتحمل نتيجة عمله ، وبذلك ~~كانت النار مأوى هؤلاء ( @QUR@03 بما كانوا يكسبون ) من أعمالهم الشريرة في ~~نطاق الجحود بالله وبآياته. # * * * ### ||| ** الله يهدي المؤمنين بإيمانهم # ( @QUR@08 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) وهذا ~~هو الفريق الآخر الذي عاش العقيدة مسئولية ، فانفتح على آفاقها ، واستمع ~~إلى آيات الله فيها ، وفكر وتأمل وتدبر ، حتى انتهى إلى القناعة اليقينية ~~في الفكر والشعور ، فكان الإيمان هو الخط الذي سار عليه ، وكان العمل ~~الصالح يمثل حركة الإيمان في خط العمل ، وبذلك كانت هداية الله لهؤلاء إلى ~~الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة ، بواسطة هذا الإيمان الذي يمثل ~~إشراقة الحياة في فكر الإنسان وروحه وضميره ، فيحقق له وضوح الرؤية لكل شيء من PageV11P274 # حوله ، ليتحرك في حياته على هذا الأساس ، فيصل إلى غاياته في الدنيا ~~والآخرة. وهكذا كانت النهاية المشرقة لهؤلاء ( @QUR@07 تجري من تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم ) حيث يعيشون السعادة الروحية في هذا الفيض الإلهي ~~من الألطاف التي تغمرهم بنسيمها ، وتضمهم برضوان الله ، ( @QUR@04 دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم ) في هذا الجو الروحي الذي يستغرقون فيه بعظمة الله ، ~~فيهتفون بكل سعادة ودهشة ms2778 وإعجاب وخشوع : سبحانك اللهم ، وتعظيما لجلالك ، ~~في ما يعبر عنه التسبيح من الشعور العميق بالعظمة المطلقة لله سبحانه ، ( ~~@QUR@03 وتحيتهم فيها سلام ) فهذه هي الكلمة التي تعبر عن هذا الجو الجديد ~~الذي يعيشون فيه ، حيث يفيض عليهم السلام من كل جوانبهم ، سلام الفكر والقلب ~~والضمير ، مع الله ومع الناس ومع الحياة. ( @QUR@07 وآخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين ) في ما تتمثل به كلمة الحمد لله ، من الإحساس بنعمه ~~وعظمته ، فيرتفع إليه في روحية الدعاء والثناء الذي يعبر فيه الإنسان عن ~~عبوديته وشعوره بالفضل الكبير والنعمة السابغة والرحمة الواسعة. # * * * PageV11P275 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ~~فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) @QUR@027 وإذا مس ~~الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) @QUR@017 ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) @QUR@010 ثم جعلناكم خلائف في الأرض ~~من بعدهم لننظر كيف تعملون ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فنذر ): فندع. # ( @QUR@01 يعمهون ): العمه : التردد في الأمر من التحير. # ( @QUR@01 الضر ): المشقة والبلاء. PageV11P276 # ( @QUR@01 القرون ): جمع قرن ، وهم القوم المقترنون في زمن واحد. # ( @QUR@01 بالبينات ): البينات ، جمع بينة ، والبينة : الدلالة الواضحة. # * * * ### ||| ** ثم جعلناكم خلائف من بعدهم # وخلق الله الإنسان من عجل ، فهو يستعجل الخير إذا أراده ، حتى ليكاد يغفل ~~عن الأسباب الطبيعية التي يحتاجها في وجوده ، كما يستعجل الشر عند ما ~~يتطلبه في حالة اليأس أو الألم عند ما يتمنى الموت ، أو في حالة التحدي عند ~~ما يواجه الأنبياء الذين ينذرونه عذاب الله ، لأنه يعيش القضايا من موقع ~~الانفعال السريع ، لا من موقع الدراسة الواعية للنتائج الإيجابية والسلبية ~~لما يريده أو لما لا يريده. ولكن الله سبحانه لا يستجيب لهذه التمنيات ، ~~حتى في الحالات التي يستحق فيها الناس إنزال الشر بهم ، لأنه يقدر الأمور ~~على أساس الحكمة المرتبطة بالجانب الشامل للحياة وللإنسان ، ويلاحظ في ذلك ~~مصلحة الناس من موقع رحمته. # وبذلك ms2779 كان جانب الخير ، هو الجانب الذي يلتقي مع إرادة الله للحياة ، ~~التي أقامها على أساس الرحمة ، فهو يفيض عليهم منه من غير طلب ، ويمدهم به ~~من غير استحقاق ، ليدفعهم إلى مواقع الشكر والإيمان به ، ويقودهم إلى ~~التراجع عما هم فيه من غفلة وتمرد وبلاء ، وغير ذلك مما يحطم الحياة ، ~~ويهلك الإنسان ، ويزيد في مشاكله. فهذا ما لا يستجيب الله الى ما يريده ~~الإنسان منه ، لأنه لا يتناسب في كثير من الحالات مع الحكمة والمصلحة ، ~~لأنه ينطلق لدى الإنسان من مواقع الانفعال السريع الذي قد لا يلتقي مع ~~مصلحته ، كما أن الله يريد أن يمد للإنسان مدا ليقيم عليه الحجة ، فلا يترك له PageV11P277 # مجالا للعذر ، أو يثير لديه الدوافع الخيرة ، ليظهر كل ما عنده من نوازع ~~وأفكار وآفاق نفسية ، لتكون الحياة ساحة تلتقي عليها التجربة الإنسانية ~~بأوسع مداها وأقوى دوافعها ، فلا يبقى هناك مجال لتجربة جديدة يحاول أن ~~يحتج بها الإنسان في تقصيره أو في انحرافه. وإذا كان الإنسان يستعجل في ~~مواجهة حالات التمرد لأنه يريد أن يستجيب لنداء الانفعال في نفسه ، ويخاف ~~فوات الفرصة عنده ، فإن الله لا يعجل ولا يخاف الفوت لأنه يدرك كل شيء ولا ~~يفوته شيء ، لأن الحياة خاضعة له في مستقبلها ، كما هي خاضعة له في ماضيها ~~وحاضرها. # * * * ### ||| ** الله لا يستجيب لعجلة الإنسان # ( @QUR@07 ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) فيستجيب لهم في ~~ما ينطلقون به من انفعال ، ويعاملهم بما يريدون ( @QUR@03 لقضي إليهم أجلهم ~~) وأنفذ أمر الله بهم ، لأن الله لا يعجزه شيء في ما يريد ، ولكن الله لا ~~يفعل ذلك ، بل يتركهم لأنفسهم ولضلالتهم ليتحملوا مسئولية عملهم ، ~~وليواجهوا الموقف بطريقة حاسمة لا تدع لديهم مجالا للتبرير ولا للعذر ( ~~@QUR@05 فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) ولا يؤمنون باليوم الآخر بل يستسلمون ~~للحياة الدنيا ، ويستريحون إليها ، ويتمردون على كل قيم الخير والحق والعدل ~~، وندعهم ( @QUR@02 في طغيانهم ) على الحق وأهله ( @QUR@01 يعمهون ) أي ~~يتحيرون أشد الحيرة ، لأنهم مهما أوحوا لأنفسهم بمنطق العذر ، فإنهم لا ~~يشعرون بالأساس الوثيق الذي يرتكزون عليه ms2780 ، بل يجدون بدلا من ذلك الاهتزاز ~~في القناعات والمشاعر والمواقف ، وهكذا يعانون عذاب الحيرة والقلق ، قبل أن ~~يعانوا عذاب الله في الآخرة. # * * * PageV11P278 ### ||| ** اللجوء إلى الله عند الضر # ( @QUR@010 وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ) وتلك ~~هي سيرة الإنسان الذي لا يعرف الله إلا في حالات الشدة ، فيلجأ إليه في ~~خشوع وخضوع ، في كل حالاته ، في إلحاح مستمر لا يترك أية فرصة ، فهو يدعو ~~في حالات القيام والقعود والاضطجاع ، فيستجيب الله دعاءه ليفسح له المجال ~~للتراجع عن غيه من موقع إحساسه بالحاجة إلى الله لكشف الضر عنه ، وليدفعه ~~إلى الامتداد في هذا الاتجاه القريب إليه .. ( @QUR@04 فلما كشفنا عنه ضره ~~) وأحس بالطمأنينة للحالة الجديدة التي ارتفع فيها عنه الشعور بالضغط تجاه ~~الخطر ، نسي كل شيء ورجع إلى طغيانه وتمرده ، و ( @QUR@01 مر ) في طريق ~~الغفلة والنسيان والشهوات ( @QUR@06 كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) ولم يحصل ~~على نتائج دعائه ، ولم يلتفت إلى المقارنة بين حالته الأولى المليئة ~~بالآلام والمشاكل ، وحالته الثانية البعيدة عن كل سوء. ( @QUR@06 كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون ) فخيل إليهم أن الحياة ممدودة لشهواتهم وطغيانهم ~~، فليس هناك من سبيل عليهم ، وليس هناك من حد لحريتهم في الكيد والمكر ~~والعصيان ، فزين لهم الشيطان الموقف ، وأبعدهم من خلال ذلك عن وعي الخطأ في ~~ما يفكرون ، والضلال في ما يعملون ، فأسرفوا في هذا الخط من دون وعي ، ~~وساروا بعيدا في خط الشيطان فهلكوا وأهلكوا ، تماما كما هلك من كان قبلهم ، ~~بعد أن مد الله لهم فلم يأخذهم بالعذاب بسرعة ( @QUR@07 ولقد أهلكنا القرون ~~من قبلكم لما ظلموا ) أنفسهم بالكفر والعصيان ( @QUR@03 وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات ) التي توضح لهم الحقيقة ( @QUR@03 وما كانوا ليؤمنوا ) بذلك كله ~~، فكان جزاؤهم الهلاك في الدنيا بألوان العذاب ( @QUR@04 كذلك نجزي القوم ~~المجرمين ) على جريمتهم في حق الله والناس. # * * * PageV11P279 ### ||| ** الخلافة في الأرض # ( @QUR@07 ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ) ومنحناكم كل الفرص ~~للهداية وللاستقامة وللسير في طريق الله ، لأن فشل البشرية في تجربة ، لا ~~يعني فشل كل التجارب ، ولهذا أراد الله لكم ms2781 أن تواجهوا التجربة في ما أراده ~~لكم من حركة العقل والروح والحياة ، لتصلوا من خلالها إلى النتائج ~~الإيجابية الحاسمة ، ولتدركوا أن الله استخلفكم في الأرض من بعدهم من أجل ~~أن تعمروا الأرض على أساس كلمته وشريعته ، وأنكم الآن تقفون أمام التجربة ~~الحاسمة الصعبة التي منحكم الله إياها وخاطبكم من قاعدة الألوهية المهيمنة ~~عليكم ( @QUR@03 لننظر كيف تعملون ) فكيف تستجيبون للنداء ، وكيف تواجهون ~~الموقف على أساس المصير المحتوم؟! # * * * PageV11P280 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@039 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) @QUR@018 قل لو شاء ~~الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 من تلقاء نفسي ): من جهة نفسي. # ( @QUR@01 أدراكم ): أعلمكم. # * * * PageV11P281 ### ||| ** مطالب الكفار التعجيزية # ويبقى الحديث حديث الذين لا يرجون لقاء الله ، ولكن من خلال المنطق ~~اللامسؤول الذي يحكم طريقتهم في التفكير ، أو من خلال أسلوبهم في الطروحات ~~التعجيزية التي يطرحونها على النبي في مواجهتهم للقرآن ، فليس هناك فكر ~~يبحث عن نقطة ضعف في فكر آخر ليناقشه أو ليرفضه على أساس ذلك ، وليس هناك ~~موقف يبحث عن الخط الفاصل بينه وبين الآخرين ، ليحدد موقعه فيه وليعرف أين ~~يلتقي معهم وفي أي مكان يفترق عنهم ، بل كل ما هناك هو الهروب من المشكلة ~~إلى الأمام ومحاولة اللعب على الموقف بأسلوب التعجيز أو السخرية ~~والاستهزاء. ويبقى منطق النبي ، منطق العقل والحوار ، الذي يحاول أن يثير ~~أمامهم الأفكار التي توحي لهم بالتأمل ليقودهم إلى الحوار ، وبالتالي إلى ~~الإيمان الموقف ، بعيدا عن كل انفعال أو عن أي شعور بالسقوط أمام منطقهم ، ~~لأنه يشعر أنه لا يواجههم من مواقعه الذاتية ، بل من مواقعه الرسالية ، ~~وإذا كانت مشاعر الذات لا تتحمل كل هذه الأساليب الساخرة اللاهية العابثة ، ~~فإن مشاعر الرسالة تبقى مع حركة العمق في الداخل لتبحث عن خلفيات الكلمة ، ~~قبل أن ترفضها ms2782 أو تقبلها ، ولتدرس نتائج الموقف ، قبل أن تحاربه أو تواليه ~~، لأن الرسالة تتعامل مع مستقبل الإنسان ، إذا كانت الذات تتعامل مع حاضره ~~، ونحن نعرف أن حركة الحاضر مطوقة بالانفعالات والتشنجات الطارئة ، بينما ~~يتحرك المستقبل من خلال الحسابات الدقيقة ، فلننتظر كيف نتابع هذين ~~المنطقين في هاتين الآيتين. # * * * PageV11P282 ### ||| ** حقيقة مطالب الكفار # ( @QUR@016 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله ) هذا هو العرض السخيف الذي واجهوا به القرآن الذي ~~يتلى عليهم. ولكن لماذا ذلك؟ ماذا في هذا القرآن من نقاط الضعف في مضمونه ~~وأسلوبه؟ وإذا جاء بقرآن غير هذا أو بدله ، فما الذي يمنعهم من أن يقدموا ~~الطلب نفسه ، ما دامت القضية خاضعة للمزاج الذي لا يرتكز على أساس فكري ~~واضح ، وإذا كانوا يرتابون في مصدر القرآن ، فكيف يتحرك شكهم هذا؟ فهل ~~يفكرون أنه من تأليفه ، أو يفكرون أنه من وحي الله ، أو من صنع إنسان آخر ~~غير الله؟ فإذا كانت الفكرة التي يحملونها أنه من كلام محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن من الطبيعي أن يكون قادرا على أن يأتي بمثله ، ~~كأي كاتب أو شاعر أو مؤلف ، فما ذا يحصلون من خلال ذلك؟ أما إذا كانت ~~الفكرة أنه من صنع إنسان آخر ، فالنتيجة هي النتيجة الفاشلة ، لأنه قادر ~~على الاستجابة لهذا التحدي بإقناع الإنسان الآخر بأن يصنع له كلاما مماثلا ~~، أما إذا كانوا ينطلقون من فكرة أنه وحي منزل ، فإن من الطبيعي عدم ~~استجابته لهم ، لأنه لا يملك ذلك أمام الله ، ولكنهم لا يفكرون في هذا أو ~~ذاك ، بل القضية عندهم أن يسجلوا موقفا عابثا مثيرا للسخرية أو ما يشبهها. # * * * ### ||| ** رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهادىء # ولكن النبي في ما علمه الله أراد أن يقودهم إلى المنهج في مواجهته لهذا ~~الطلب ، فناقشه من موقع فكري ( @QUR@09 قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) PageV11P283 # لأني لم أدع أنه من كلامي ليكون هذا الطلب معقولا ، بل كانت دعواي أنه من ~~وحي الله ms2783 ، وإذا كان كذلك ، فكيف أستطيع أن أغير وحي الله ، أو أستنزله في ~~أي وقت وأمام أي اقتراح ، لأنني رسول مأمور يتقبل الوحي وينفذ التعاليم. ( ~~@QUR@06 إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) باعتبار أنه يمثل كلمته الفصل التي لا ~~بد لي من الالتزام بها ، في ما تمثله من خط الطاعة التي بها نجاة المطيعين ~~في يوم القيامة ، بينما يمثل خط المعصية الهلاك والعذاب ، ( @QUR@08 إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) فلا أستطيع أن أغير أو أبدل ، لأن ذلك ~~لون من ألوان التمرد على الله ، والعصيان لأمره ونهيه. # * * * ### ||| ** آراء المفسرين حول طلب الكافرين # وربما أثار بعض المفسرين الوجه في طلبهم من موقع آخر ، فهم أي هؤلاء ~~المحتجون لا يوافقون على ما يشتمل عليه هذا القرآن من رفض الشركاء واتقاء ~~الفحشاء والمنكر ، وربما أرادوا تبديله إلى ما يوافق آراءهم ليقع منهم موقع ~~القبول ، وذلك كالشاعر ينشد من شعره أو القاص يقص ، فلا تستحسنه طباع ~~السامعين ، فيقولون : ائت بغيره أو بدله. # ونحن لا نمانع في احتمال هذا الوجه من الآية ، إلا أننا لا نلاحظ وجود ~~اعتراض على المضمون لديهم من ناحية القرآن ، بمعنى أن المسألة لم تكن مثارة ~~عندهم من هذه الجهة ، ولو كان الأمر كذلك ، لناقشهم ولرد عليهم بالحجة التي ~~تثبت فكرتهم ، كما في الآيات الأخرى التي كانت تناقش مسألة الشرك من موقع ~~عقلي أو واقعي ، أو غيرها من المسائل الأخرى ، بينما نرى أنه قد رد عليهم ~~بأن المسألة ليست باختياره وإرادته ، بل هو عبد مأمور من قبل PageV11P284 # الله ، مما يوحي بأن القضية متصلة بالكلام نفسه ، لا بالمضمون الفكري له. ~~وقد نلاحظ في هذا المجال ، أنه لو واجه المسألة من هذا الوجه ، لكان من ~~المفروض أن يدافع عن الفكرة ، لأنه من أول المؤمنين بها ، فكيف ينسحب من ~~ذلك ليجعل المشكلة هي عدم قدرته على التبديل ، لا مسألة اقتناعه بها ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** القرآن مشيئة الله # ( @QUR@010 قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ) وهذه لفتة ~~قرآنية يواجه بها النبي هؤلاء بطريقة واقعية ms2784 كرد على منطقهم ، فقد كان ~~القرآن مشيئة الله التي أراد للناس من خلالها أن ينزل عليهم هذا الوحي ، في ~~هذا الوقت ، وبهذا الأسلوب ، وكانت عملية الإبلاغ تمثل الانسجام مع هذه ~~المشيئة ، ولولا ذلك لما استطاع النبي أن يتلوه عليهم ، أو يعرفهم به ~~فيعرفوه. ( @QUR@08 فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) في معاشرة ~~ومخالطة حميمة ، ومع ذلك فلم يصدر مني أية إشارة إلى مثل هذا ، أو أي حديث ~~عنه. ولعل من الطبيعي للإنسان الذي يحمل مثل هذه التوجهات ، أنه لا يتمكن ~~من إخفاء ما لديه ، في ذلك الجو الحميم الذي يحيط به في أكثر من مجال. إنه ~~المنطق المتواضع للرسول الذي يريد أن يؤكد رسالته من موقع الانضباط الذي ~~يلتزم به في كل كلمة يبلغها ، وفي كل موقف يقفه أمام الله. # * * * PageV11P285 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون (17) @QUR@029 ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) @QUR@018 وما كان الناس إلا ~~أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ~~(19) @QUR@017 ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 افترى ): اخترع ، أو اختلق ، والافتراء : الاختلاف. # * * * PageV11P286 ### ||| ** تصرفات الذين لا يرجون لقاء الله # كيف يتصرف هؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله ، عند ما يبتعدون عن خطه؟ هل ~~يملكون بديلا آخر مميزا ، يوحي بالاحترام في ما يعبدون ، أو في ما يتصرفون؟ # * * * ### ||| ** عبادة الأصنام # ( @QUR@014 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون ) استفهام إنكاري ، أي لا أحد أكثر إمعانا في الظلم من هذين ~~النموذجين : نموذج المفتري على الله كذبا ؛ ونموذج المكذب بآياته ، ذلك أن ~~الظلم يعظم ويشتد بعظمة من يتعلق به. ولا ريب ، ليس فوق الله وآياته أحد ، ~~وبالتالي فإن أشد أنواع الظلم هو ظلم ms2785 الافتراء على الله تعالى. # ( @QUR@09 ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) من هذه الأصنام ~~وأمثالها ، مما لا تمثل شيئا من حياة في ذاتها ، فكيف يمكن أن تعطي القوة ~~والحيوية والنفع لحركة الناس في الحياة. ( @QUR@05 ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله ) لقربهم من الله ، بسبب ما يحملون من أسرار خفية متصلة بالجانب ~~الغيبي في علاقتهم بالله الذي يحبهم ويحب من يحبهم ويتقرب إليهم ، كما أنهم ~~يمثلون الواسطة بينهم وبين الله ، فإذا رضوا عن شخص ما لعبادته لهم ، ~~أمكنهم أن يقربوه إلى الله من خلال ذلك. وبذلك كانت عبادتهم لهم وسيلة ~~للحصول على رضا الله في نهاية المطاف. ولكن الله يرد عليهم بالطريقة التي ~~تنفي المسألة من الأساس ، فإذا كان لهؤلاء هذه المنزلة ، فلا بد من أن يحيط ~~الله بعلمها ، لا سيما أنه هو الذي أعطاهم هذا الموقع. ولكن الله يعلم ذلك ~~، لا لأن هناك نقصا في ما يعلمه تعالى الله عن ذلك بل لأنه لا وجود له. # * * * PageV11P287 ### ||| ** إحاطة الله بأمور الكون # ( @QUR@011 قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) وهذا ~~هو الأسلوب الذي يعبر به القرآن عن نفي الشريك بنفي علم الله به ، باعتبار ~~أن الله محيط بكل شيء ، فإذا لم يعلم شيئا ، فمعناه أنه ليس موجودا بالذات ~~، ( @QUR@04 سبحانه وتعالى عما يشركون ) به من أصنام وأشخاص وموجودات ، ~~لأنه لا شيء هناك من هذه الأشياء أو غيرها إلا وهو مخلوق له ، فكيف يمكن أن ~~يرقى إلى مستوى الشريك. # * * * ### ||| ** المجتمع البشري الأولي # ( @QUR@07 وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) فقد خلقهم الله على ~~الفطرة الصافية النقية التي تقودهم إلى التوحيد ، وتوحد لهم الطريق ، ~~وتبعدهم عن خط الانحراف ، إذا انطلقت في خطها المستقيم بعيدا عن التلوث ~~والتشويه الذي يبعدها عن وضوح الرؤية للأشياء ، ولكنهم أخذوا من دنياهم ~~شيئا من هنا وشيئا من هناك ، في ما يتصل بالأطماع والشهوات ، وما يرتبط ~~بالأهواء والعواطف ، فاختلفوا في أفكارهم وفي مواقفهم ، فضلوا وانحرفوا عن ~~سبيل الله ، وابتعدوا عن التوحيد ، فعبدوا الأصنام ، فاستحقوا بذلك عقاب ms2786 ~~الله ، ( @QUR@06 ولو لا كلمة سبقت من ربك ) بسبب ما أخذ على نفسه أن لا ~~يعجل عليهم العذاب في الدنيا بل يؤجلهم إلى أجل هو بالغه ( @QUR@05 لقضي ~~بينهم فيما فيه يختلفون ) بالكلمة الحاسمة التي تمثل الموقف الحق ، الذي ~~يتبين فيه الحق PageV11P288 # من الباطل ، فينجو أهل الحق ، ويهلك أهل الباطل ، ولكن الله تركهم ~~لأنفسهم ، ولطبيعة الوضع الطبيعي الذي يعيشون فيه مشاكلهم وخلافاتهم ~~ويواجهون مسائل الصراع بينهم من دون حسم وقضاء ، انطلاقا من حكمته التي ~~يتصرف من خلالها في تدبير الأشياء. # * * * ### ||| ** الطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار المعجزة # ( @QUR@08 ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه ) ويريدون بها المعاجز ~~البارزة الظاهرة التي تمثل الإعجاز في حركة الأشياء الطبيعية بتبديلها إلى ~~غير ما هو المعتاد والمألوف ، وكأنهم لا يرون في القرآن هذه الآية ، لأن ~~تفكيرهم مرتبط بالمعروف لديهم من معاجز الأنبياء الخارقة للعادة ( @QUR@04 ~~فقل إنما الغيب لله ) لأن مسألة المعجزة مرتبطة بالله القادر على كل شيء ، ~~وهو قادر على أن ينزل آية ، ولكن ذلك لا يتصل باختيار العباد ، بل هو غيب ~~من الغيب في ما يأتي من المستقبل ، فهو بيد الله يتصرف به كيف يشاء ، فلا ~~أملك أمره في قليل أو كثير ( @QUR@05 فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) ~~لأني وإياكم سيان في العجز الذاتي أمام طبيعة المعجزة المقترحة ، والأمر ~~كله بيد الله ، فأنا أنتظر معكم جلاء الحقيقة وكشف المخططات العملية لأهل ~~الباطل ، وقد لا يجد الإنسان أمامه أية بادرة مضادة تمثل دورة التحدي ، بل ~~يواجه قضاء الله وقدره في ما يريد الله أن يحققه ، وفي ما لا يريد تحقيقه. # * * * PageV11P289 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ~~آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) @QUR@041 هو الذي ~~يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا ~~الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ms2787 الشاكرين (22) @QUR@026 ~~فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) ~~@QUR@043 إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) @QUR@011 والله يدعوا إلى دار ~~السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (25) # * * * PageV11P290 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مكر ): حيلة. # ( @QUR@01 يسيركم ): يمكنكم من المسير. # ( @QUR@01 الفلك ): السفينة. # ( @QUR@01 يبغون ): البغي : الظلم. # ( @QUR@01 زخرفها ): الزخرف : كمال حسن الشيء. # ( @QUR@01 وازينت ): تزينت. # ( @QUR@01 حصيدا ): الحصد هو قطع الزرع ، وهنا الحصاد في غير أوانه على ~~سبيل الإفساد. # * * * ### ||| ** إنما بغي الناس على أنفسهم # ويعود الحديث إلى هذه الظاهرة الإنسانية التي تمثل الإنسان الذي يأخذه ~~الخوف من البلاء ، فيضرع إلى الله في حال الشدة ، ويعاهده على الإخلاص له ~~بعد الخلاص منها ، فإذا أنجاه الله منها عاد إلى ما كان عليه ، وربما ازداد ~~تمردا من خلال ما يستوحيه من قدرته على اللعب بأسلوب الخديعة والاحتيال. ~~وتنطلق هذه الآيات لتوحي لهذا الإنسان بأنه لا يضر الله في ما يفعل ، وإنما ~~يضر نفسه ، لأن الله قد تقتضي حكمته إمهال الإنسان في هذه الدنيا ، ولكن ~~الدنيا لا تمثل كل شيء في حسابات المصير ، فهناك الآخرة التي هي ساحة ~~الاستقرار والخلود ، حيث ينتظره العذاب الأليم جزاء مكره وطغيانه. # * * * PageV11P291 ### ||| ** مكر الناس بعد رحمة الله # ( @QUR@013 وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ~~آياتنا ) فيبادرون إلى استعمال الحيلة في مواجهة آيات الله ووحيه بالأساليب ~~الملتوية التي تعطل دورها في الحياة وتعمل على إثارة الشك والريب فيها ، ~~لئلا ينطلق الناس معها في عملية إيمان ووعي. # ( @QUR@04 قل الله أسرع مكرا ) في ما يدبر لهم من نتائج خفية تعطل مكرهم ~~وترجعه إليهم ليذوقوا وبال أمرهم عذابا وخزيا في الدنيا والآخرة ( @QUR@05 ~~إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) فيحصون عليكم كل شيء تضمرونه أو ms2788 تظهرونه ، ~~ليكون الحساب دقيقا يوم القيامة ، فتكون المفاجأة التي تثير فيكم كل ألوان ~~اليأس والقنوط عند ما تشعرون بأنكم لا تملكون هروبا ولا خلاصا. # * * * ### ||| ** السير في البر والبحر # ثم تزداد الآيات في تفصيل الفكرة وتوضيح الصورة في بعض مفرداتها. ( ~~@QUR@06 هو الذي يسيركم في البر والبحر ) وهو الذي يهيئ لكم القدرة على ~~السير بأمان واطمئنان في مناكب البر ورحابه ، وأمواج البحر وآفاقه ، حيث ~~تتحرك كل القوانين المودعة في الأرض لتحمي مسيرتكم وتدفعها إلى شاطئ ~~الأمان. # ( @QUR@011 حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ) ~~واستسلموا لهذا الجو الهادىء الرضي الذي يوحي بالطمأنينة والاسترخاء. وعاد ~~الأسلوب في PageV11P292 # الخطاب إلى الغيبة ، ليرجع إلى الحديث عن الظاهرة في جوها الشامل الذي ~~يتعدى المخاطبين إلى جميع الناس ( @QUR@03 جاءتها ريح عاصف ) وتلبد الجو ~~واكفهرت السماء ( @QUR@05 وجاءهم الموج من كل مكان ) فلم يجدوا مجالا ~~للتخلص من هذه الأمواج العاتية التي ترغي وتزبد وتحاصرهم من جميع الجهات ( ~~@QUR@09 وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ) في نوبة من نوبات ~~الإيمان الطارئ الذي يطفو على سطح النفس ليستنجد به في ما يعتقد أنه يقربه ~~إلى الله ، فينجيه من الموت المحتم ، ( @QUR@07 لئن أنجيتنا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين ) الذين يشكرونك بالإيمان والطاعة في مستقبل الأيام. واستجاب ~~الله هذا الدعاء ، ليعرفهم بأن الله رحيم بعباده ، وأنه يعطيهم الفرصة ~~للتراجع ، ليقوي فيهم دوافع الإيمان وعناصر الالتزام. وهدأ الموج ، وعاد ~~البحر هادئا ساكنا ، وجرت الريح من جديد ، تماما كما هو النسيم العليل ~~الهادىء في انطلاقة الصباح ، وغرقوا في سبات عميق ، وبدأت اليقظة تزحف إلى ~~عيونهم بعد ذلك ، ولكن الظلام الروحي عاد من جديد إلى الأعماق ، ليعيدهم ~~إلى أجواء الشك والريبة والتمرد. # * * * ### ||| ** البغي بعد النجاة # ( @QUR@09 فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) فيكفرون ~~ويظلمون ويتمردون ويتحركون في الخط المنحرف ، بعيدا عن الله وعن صراطه ~~المستقيم ، ويخيل إليهم أنهم استطاعوا أن يخدعوا الله بأساليبهم هذه ، ~~فتمتلئ نفوسهم شعورا بالزهو والخيلاء. ولكن الله يواجههم بالحقيقة الواضحة ~~، فليست القصة في حسابات النجاح ms2789 والفشل هي قصة اللحظة الحاضرة التي قد PageV11P293 # تحمل للإنسان بعض الانفعالات اللذيذة السريعة ، ولكنها قصة المصير في ~~نهايات الشوط ، عند ما يواجه الإنسان ظلام النهاية الذي يطبق على روحه ، ~~فيخنق فيها كل حياة. وماذا هناك؟ إن البغي الذي يمارسونه على غير طريق الحق ~~، لا يمثل القوة التي توحي لهم بالعظمة والكبرياء ، بل يمثل العقدة المرضية ~~التي تفتك بكل مواقع الخير في الداخل ، فتحركهم إلى مواقع الهلاك والدمار ( ~~@QUR@07 يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) لأنكم تعرضونها لعذاب الله ~~في الآخرة ، لأن هذه الفرصة السانحة ، ليست هي الفرصة الأخيرة لتعتبروا ~~أنفسكم بأنكم ربحتم الشوط كله ، فهناك فرص أخرى للنجاح ، ستفقدونها بأجمعها ~~في لحظات الحساب الحاسمة ( @QUR@03 متاع الحياة الدنيا ) هذا الذي تنعمون ~~به الآن ، تماما كما هو حالكم قبل نزول البلاء ، ( @QUR@07 ثم إلينا مرجعكم ~~فننبئكم بما كنتم تعملون ) وليست القضية مجرد إعلام وإخبار ، ولكنها ~~المسؤولية المباشرة التي يواجه من خلالها الإنسان قضية المصير على مستوى ~~النار التي وقودها الناس والحجارة. # وماذا تمثل هذه الحياة اللاهية العابثة المليئة بالزخارف ، التي يعيش ~~فيها الإنسان معصية الله على أكثر من صعيد؟ إن الله يريد أن يبصر العباد ~~بحقائقها ليلتفتوا إليها من موقع الفكر والتأمل لا من موقع الانبهار ~~والالتذاذ. # * * * ### ||| ** تشبيه الحياة الدنيا بالماء # ( @QUR@012 إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض ) إنها تماما كالمطر الذي ينهمر من السماء على الأرض ، فينفذ ~~إلى أعماقها ، PageV11P294 # فيتفاعل مع البذور المنتشرة فيها ، فيختلط بها في عملية نمو وتفاعل ، ~~فإذا به يتمثل نباتا ( @QUR@03 مما يأكل الناس ) من حب الزرع وثمر الشجر ( ~~@QUR@01 والأنعام ) كالحشائش وغيرها ، ويمتد هذا النبات حتى تزدهر به الأرض ~~، ( @QUR@05 حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) في مظهرها الرائع وحسنها العجيب ( ~~@QUR@01 وازينت ) بحلتها الخضراء الملونة القشيبة ( @QUR@05 وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها ) من خلال مظاهر الحياة المتنوعة في حركتها ، وقوة سيطرتهم ~~على أوضاعها وشؤونها المادية مما يوحي إليهم بالامتداد بعيدا في الاطمئنان ~~والإخلاد إليها ، والاستسلام إلى ما يشبه الخلود فيها ، ولكنها الغفلة ~~المطبقة التي تطبق على فكرهم ms2790 وروحهم وحياتهم ، هي التي تساهم في إثارة ~~أجواء التخييل والوهم الكبير ، فتبعدهم عن العمق الذي يعمق لهم الفهم ~~الواقعي للحياة ، ويعرفهم طبيعة الفناء الكامنة في داخل كل ظاهرة من ~~ظواهرها ، وكل ذرة من ذرأت المادة فيها. # وتستمر الغفلة حتى تأتي الصدمة ، التي تصدمهم بالواقع المفاجئ ، وتعيدهم ~~إلى حقيقتهم الفانية ، وذلك ما أشار إليه الله في قوله سبحانه ( @QUR@07 ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) يتطاير في الهواء فلا يبقى ~~هناك أي شيء في الأرض ، فلا خضرة ، ولا جمال ، ولا حياة ، وإنما هو الموت ~~المتمثل في هذا الجفاف الذي يأكل كل حيوية في هذا الجو المعشب المليء ~~بالخضرة والحياة ، فيتحول إلى أوراق يابسة لا تملك إلا أن تتحول إلى تراب ~~خفيف تعبث به الريح الخفيفة والعاتية ، فيتطاير هنا وهناك ، ويذهب مع الريح ~~في أجواء الفراغ والضياع ، ( @QUR@04 كأن لم تغن بالأمس ) كأن لم يكن هناك ~~شيء قد أقام وامتد وازدهر واخضر ، فقد زال كل شيء ولم يبق هناك حتى الذكرى ~~، وذلك هو المثل الحي الذي يوحي بالفكرة التي تثير في النفس المعنى الحي ، ~~الذي يربط الإنسان بواقع الحياة والموت والدنيا والآخرة ، ليعرف موقع ~~الحياة من مصيره ، فهي حركة في رحلة الوجود إلى الموت ، فلا مجال للاستسلام ~~إليها في أوهام الخلود الخادع ، من خلال الأمل الكاذب. ( @QUR@03 كذلك نفصل ~~الآيات ) PageV11P295 # ونوضحها ونشرحها بالأسلوب الذي يفتح القلب على الحقيقة من أقرب طريق ، ( ~~@QUR@02 لقوم يتفكرون ) ويتأملون ، فيقارنون بين الأمور الحسية والأمور ~~المعنوية ، ليكتشفوا وجه التشابه بينها ، لينتقلوا منها إلى الفكرة الثابتة ~~الحاسمة التي تحكم الجو كله ، والمسيرة كلها. # * * * ### ||| ** الدعوة إلى دار السلام # وماذا بعد ذلك؟ هل يموت كل شيء في الإنسان ، وهل هذه الحياة دعوة إلى ~~الموت ، فلا تثير في داخله أية رغبة في حركة الحياة في داخله ، لتتحول ~~المسألة عندها إلى حالة انفعال وإحباط أمام مظاهر الفناء ، فيموت قبل أن ~~يموت ، لأنه يفقد الامتداد في الهدف؟ إن الآية التالية تجيب عن ذلك : ( ~~@QUR@05 والله يدعوا إلى دار السلام ) وهي الجنة التي وعد الله المتقين بها ~~حيث ms2791 يعيش فيها الإنسان هناك سلام الفكر والروح والشعور والحياة ، مع الله ~~ومع النفس ومع الناس الذين يجلسون هناك إخوانا على سرر متقابلين ، فلا ~~يحملون في صدورهم غلا لأحد. وليست هذه الدعوة مجرد فكرة تخطر في البال ~~وتثير في النفس انفعالات الذات ، ولكنها الدعوة التي يمسك الله فيها بيد ~~الإنسان ليهديه إلى الطريق المستقيم الذي يوصله إلى تلك الجنة ، بما يوفره ~~له من أدوات الفكر والعمل ، وأجواء الروح والإيمان ، فقد خلق الله الإنسان ~~، وخلق معه الفطرة التي تتحرك معه بالهداية ، حيث يشمله الله بألطافه ( ~~@QUR@06 ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) وليست هذه الهداية شيئا يشعر معه ~~الإنسان بفقدان الإرادة على الاختيار ، بل هي التي توصله إلى الجو من خلال ~~الروحية الهادئة التي تقوده إلى الخط المستقيم ، في ما توحي إليه بالهداية ~~المرتكزة على أساس الإرادة الواعية PageV11P296 # المنفتحة المنطلقة نحو إشراقة الإيمان في رحاب النور. وبذلك يستجيب ~~الإنسان للدعوة الإلهية ، فيلتقي بالجنة من أقرب طريق. # * * * PageV11P297 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) @QUR@027 والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا ~~من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (27) @QUR@018 ويوم ~~نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال ~~شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) @QUR@010 فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ~~إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) @QUR@016 هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ~~وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ولا يرهق وجوههم ): لا يلحق وجوههم. # ( @QUR@01 قتر ): القتر : الدخان أو الغبار الأسود. # ( @QUR@02 وترهقهم ذلة ): أي يلحقهم هو ان وذل. # ( @QUR@01 عاصم ): حافظ ومانع. PageV11P298 # ( @QUR@03 كأنما أغشيت وجوههم ): كأنما ألبست وجوههم. # ( @QUR@01 فزيلنا ): زيل : ميز وفرق. # ( @QUR@01 تبلوا ): يقال : بلوته أي اختبرته. ( @QUR@05 تبلوا كل نفس ما ~~أسلفت ): أي تعرف حقيقة ما عملت. # * * * ### ||| ** هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت # وتنتهي الدنيا ، ويموت أصحاب الحسنات وأصحاب السيئات ، ولا يبقى منهم ~~هناك أي شيء ، فقد ms2792 مات كل شيء فيهم هناك ، وبدأت حياة جديدة يواجهون فيها ~~نتائج المسؤولية ، فها هم يبعثون من جديد ، وفي أيديهم صحائف أعمالهم التي ~~تحدد لكل واحد منهم مصيره الجسدي والروحي تبعا لعمله في الدنيا ، وها هم ~~يلتقون جميعا في ساحة المحشر ، أمام الحقيقة الواضحة التي لا تخفي أي شيء. ~~وتتقطع العلاقات المرتكزة على الشرك والكفر والضلال ، ولا يبقى هناك إلا ~~الله ، الحق الذي لا شك فيه ولا ارتياب. # * * * ### ||| ** ثواب المحسنين # ( @QUR@03 للذين أحسنوا الحسنى ) فلكل واحد منهم ثواب عمله ، حسنة بحسنة ~~( @QUR@01 وزيادة ) فقد جعل الله للحسنة عشر أمثالها ، وقد تزيد أضعافا في ~~بعضها مثل الصدقة والإنفاق في سبيل الله التي ضرب الله لها مثلا ، في ( ~~@QUR@02 حبة أنبتت PageV11P299 # @QUR@011 سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء )، ~~[البقرة : 261] ( @QUR@04 ولا يرهق وجوههم قتر ) أي لا يلحق وجوههم ولا ~~يغشاها سواد وظلمة ، بل يشرق فيها الصفاء والنور والحيوية الدافقة بالإيمان ~~( @QUR@02 ولا ذلة ) لأنهم لم يفعلوا شيئا يهزم روحهم ، أو يضعف موقفهم ، ~~أو يثير فيهم الشعور بالذلة والانسحاق ، بل إنهم أخذوا بأسباب العزة ~~والكرامة ، من خلال ما فعلوه وقاموا به من طاعة الله وعبادته والسير في ~~طريقه المستقيم ، مما جعلهم يواجهون الموقف أمام الله ، بقلب مطمئن ، ورأس ~~مرفوع ، وموقف ثابت ، وأمل مشرق بالفوز والنجاة ، ( @QUR@06 أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون ) في رضوان من الله ورحمة وغفران. # * * * ### ||| ** جزاء السيئات # ( @QUR@03 والذين كسبوا السيئات ) وانطلقوا في حياتهم الدنيا من مواقف ~~الكفر والانحراف ومعصية الله ، ليواجهوا في الآخرة نتائجها السيئة ، التي ~~تمثل الصورة القاتمة الذليلة ( @QUR@03 جزاء سيئة بمثلها ) وتلك هي عدالة ~~العقاب في ما توعدهم الله به من عذابه قبل أن يواقعوا الخطيئة ، وأقام ~~عليهم به الحجة ( @QUR@08 وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ) لأنهم لا ~~يملكون عذرا يعتذرون به ، ولا يجدون شفاعة يلجأون إليها ، ولا ملاذا يلوذون ~~به ، فها هم خاشعون من الذل ، خاضعون أمام المصير المحتوم ، ( @QUR@07 ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) فعلى كل وجه قطعة من الليل ~~الأسود المظلم ، الذي يحوله إلى سواد ms2793 ، أو كأنما تراكمت قطع الليل على كل ~~وجه من وجوههم حتى شكلت طبقات ملبدة من الظلام ، وذلك هو سواد الروح والقلب ~~والضمير الذي يتحول PageV11P300 # إلى لون قاتم ينعكس على الوجوه ، ( @QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون ) فتلك هي النتيجة المحتومة للتاريخ الأسود الذي تركوه وراء ظهورهم. # * * * ### ||| ** يوم القيامة تنقطع الروابط بين المشركين # ( @QUR@03 ويوم نحشرهم جميعا ) فلا يتخلف منهم أحد ( @QUR@07 ثم نقول ~~للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ) قفوا لا تتحركوا ، وليلزم كل واحد ~~منكم ومن شركائكم مكانه ، وواجهوا الحقيقة الساحقة ، التي تتساقط فيها ~~الآمال أمام تساقط المواقف ، فها هم أولاء الذين أشركوهم بعبادة ربهم ، ~~وعبدوهم من دونه ، لا يعترفون بهم ، ولا يملكون لهم نفعا ولا شفاعة ، ( ~~@QUR@02 فزيلنا بينهم ) أي قطعنا الروابط بينهم ، فلا صلة تربطهم بهم ، وها ~~هم يواجهونهم بالتنكر لهم والرفض لعبادتهم ، ليتخلصوا من مسئوليتهم ، ~~فينكروا عليهم عبادتهم لهم لئلا يتحملوا مسئولية شركهم وضلالهم من موقع ~~الإغراء والخديعة والتضليل ، في ما كانوا يمارسونه معهم. ( @QUR@06 وقال ~~شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ) لأننا لم نأمركم بذلك ليكون عملكم عبادة ~~لنا من موقع الخضوع والطاعة للأمر الصادر منا. وربما كان ذلك على سبيل ~~الكناية من جهة عدم استحقاقهم للعبادة حتى لا يواجهوا مسئولية ذلك أمام ~~الله ، ( @QUR@05 فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ) فهو الذي يعلم حقيقة ~~الأمر كله ، ويعلم خفايا الأعمال ، ( @QUR@05 إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) ~~فلم يكن لنا من الأمر شيء مما فعلتموه ومما عبدتم ، بل كنا في غفلة عن ذلك. # * * * PageV11P301 ### ||| ** الله هو المولى الحق # ( @QUR@06 هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ) فهو يوم الامتحان والاختبار ~~الذي تظهر فيه طبيعة الأعمال والمواقف أمام النتائج الإيجابية والسلبية ( ~~@QUR@05 وردوا إلى الله مولاهم الحق ) فهو وليهم في كل شيء ، فلا مولى غيره ~~، ولا يملك أحد شيئا معه ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا يفترون ) من دعاوى ~~وأباطيل ، ووضح الصبح لذي عينين ، فلا مجال لأي ظلام أو ضباب يحجب الرؤية. ~~وهذا هو ما ينبغي للإنسان أن يفكر فيه وهو في الدنيا ، ليعيش المسؤولية في ~~ما يعمل ، فيواجه نتائجها من موقع ms2794 الوعي والإرادة والإيمان المنفتح على ~~قضايا الحق والمصير. # * * * PageV11P302 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون (31) @QUR@012 فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال ~~فأنى تصرفون (32) @QUR@010 كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا ~~يؤمنون (33) @QUR@017 قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) @QUR@029 قل هل من شركائكم من يهدي ~~إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) @QUR@017 وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ) (36) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تصرفون ): تعدلون عن الحق. # ( @QUR@01 تؤفكون ): الإفك : كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه ، ~~وتؤفكون : تصرفون عن الحق. PageV11P303 ### ||| ** هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ # وتأتي الآيات لتثير علامات الاستفهام أمام هؤلاء المشركين الذين لا ~~ينكرون وجود الله ، ولكنهم يشركون بعبادته غيره ، ويستغرقون في هذا الاتجاه ~~حتى يسيطر على مشاعرهم وأفكارهم ، فينسون الله في غمرة ذلك كله ، فإذا هم ~~والملحدون سواء. ومن هنا تأتي هذه الآيات لتنبش أعماقهم ، لتستخرج منها ~~الأفكار الكامنة في داخلها ، في ما يعتقدونه من أسرار عظمة الله وقدرته ، ~~ليوجههم من خلال ذلك إلى حقيقة التوحيد في اعتقاداتهم وأعمالهم وأحاسيسهم ~~وأفكارهم. # * * * ### ||| ** الله هو الرازق والمالك والمدبر # ( @QUR@06 قل من يرزقكم من السماء والأرض ) في ما يهطل من المطر ، وفي ما ~~تنبت الأرض من النبات ، أو في ما تخرجه من المعادن ، أو غير ذلك ، ( ~~@QUR@04 أمن يملك السمع والأبصار ) في ما يخلق من أدواتهما ، وفي ما يملكه ~~من تحريك طاقاتهما في تحصيل العلوم النظرية والتجريبية. ( @QUR@09 ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) فيملك أمر الموت والحياة بقدرته التي ~~تتصرف فيهما على أساس الحكمة والعظمة؟ # ويختلف المفسرون في التمثيل لخروج الحي من الميت ، فيمثل له ms2795 بعضهم بخروج ~~النبات الحي من الأرض الميتة ، ويتعمق بعض آخر فيمثل له بما يأكله الحيوان ~~ويمر بمعدته وأمعائه وتجري عليه جميع عمليات التحليل ، PageV11P304 # وبالنهاية ، تتكون منه خلايا جديدة بدلا من الخلايا القديمة ، أما خروج ~~الميت من الحي ، فقد يمثل له بولادة الميت من الإنسان الحي كالأم التي يموت ~~ولدها في بطنها ، أو موت الخلايا التي يتخلص منها الجسم الحي بالتنفس ~~والإفراز. # ( @QUR@03 ومن يدبر الأمر ) فيدير الكون وينظمه ويدبره بقدرته التي لا ~~يعجزها شيء ، وإن عظم؟ ( @QUR@02 فسيقولون الله ) لأنهم لا يرون لهذه ~~الأصنام التي يعبدونها مثل هذه القدرة ، وبذلك فسيواجهون الجواب الحاسم ~~الذي يرى كل هذه الأشياء ملكا لله ، ( @QUR@03 فقل أفلا تتقون ) في ما ~~تفرضه العقيدة بالله من ضوابط للفكر وللعمل ، لأنها في عمقها الفكري ~~الإيماني ، توحي للإنسان بالهيمنة المطلقة لله ، بحيث يفقد معها الشعور ~~بالاستقلال في أي شيء ، بل يشعر بدلا من ذلك بالعجز أمام الله ، وبالحاجة ~~إليه في أموره كلها ، مما يجعل للتقوى في حياته معنى يتصل بامتدادها ~~وحيويتها وحركتها في المبدأ وفي التفاصيل ، ويؤكد دورها في تحويل الإنسان ~~من شخص يستغرق في ذاته وفي ما حوله ، إلى شخص يعيش في آفاق الله ، فيشعر ~~برقابته عليه في كل القضايا والأشياء ، ويتحسس حركة المسؤولية في فكره ~~ومشاعره وحياته ، في ما يحدده خط الإيمان من الارتباط العميق بالله. وربما ~~استطاعت التقوى أن تنقذه من هذه الازدواجية بين التوحيد في العقيدة والشرك ~~في العبادة ، لأنها تفرغ داخله من كل شيء غير الله ، لتملأه به وحده في ما ~~تثيره من إشراقة الوعي في روحه ، وابتعاد الغفلة عن فكره ، وبذلك تنكشف ~~الحقيقة التي لا بديل عنها ، وتتضح لديه الصورة بتمامها ، ( @QUR@04 فذلكم ~~الله ربكم الحق ) الذي يوحي بالقدرة المطلقة المتمثلة في خلق السماوات ~~والأرض وإنزال الرزق منهما وخلق السمع والأبصار ، وإخراج الميت من الحي ، ~~والحي من الميت ، فذلك هو الذي يؤكد خصائص الربوبية الحقيقية فيه ويبعدها ~~عن غيره ، لأن غيره لا يملك شيئا من ذلك ، بل هو العجز المطلق عن كل شيء ~~إلا من خلال ms2796 إرادة الله. PageV11P305 # ( @QUR@06 فما ذا بعد الحق إلا الضلال ) لأنه يمثل الخط الواحد الذي لا ~~التواء فيه ولا انحراف ، فلا بديل عنه إلا الضلال والتخبط في متاهات الضياع ~~التي تتشابه فيها المسالك والدروب والآفاق ، دون أن تترك أية علامة تدل على ~~الغاية المبتغاة. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يملك صورة تخيل له أنها الحق ~~، بل إنه لا يرتكز على قاعدة ثابتة في ما يفرق فيه بين الحق والباطل ( ~~@QUR@02 فأنى تصرفون ) أي تعدلون عن الحق ، وهو التوحيد ، إلى غيره ، وهو ~~الشرك. ( @QUR@07 كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ) بعد أن أقام عليهم ~~الحجة ، ولم يجعل هناك عذرا لمعتذر في أي شك وشبهة ، فانحرفوا من موقع ~~الشهوات والأهواء لا من موقع القناعة المرتكزة على العلم والفكر ، ولذلك ~~كان سلوكهم الفكري والعملي فسقا ( @QUR@03 أنهم لا يؤمنون ) بالله ~~وبرسالاته. # * * * ### ||| ** بدء الخلق وإعادته # ثم تنطلق الآية لتوجه النظر إلى الشركاء بعد أن أثارت في أعماقهم التفكير ~~في أمر الله ( @QUR@09 قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده ) فيبدع ~~الوجود من العدم ، ثم يعيده إلى العدم من جديد ، لينطلق الوجود في صورة ~~جديدة تحاكي الصورة السابقة بكل ملامحها؟ ويلتفتون إلى واقع هؤلاء الذين ~~جعلوهم شركاء ، فيرون قدرتهم المحدودة الناطقة بالعجز ، ويعرفون استحالة ~~نسبة ذلك إليهم ، لأنهم مخلوقون من العدم كغيرهم ، وسيعودون إليه من جديد ، ~~ليبعثوا كما يبعث الآخرون ، فلا يمكن أن يكونوا هم الذين يعطون الأشياء ~~وجودها في البداية والنهاية ، ويعرفون أن الله هو القادر على ذلك كله ، ~~ولذلك بادرت الآية إلى الجواب عن السؤال ، دون أن تنتظر جوابهم ، لأنه من ~~بديهيات المعرفة ، PageV11P306 # ( @QUR@08 قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ) وتعدلون عن ~~الحقيقة الواضحة ، إلى الباطل؟ # وربما يخطر في البال سؤال : كيف يطرح القرآن فكرة إعادة الله للخلق ~~كعقيدة من عقائدهم التي يفرض استسلامهم لها ، مع أنهم لا يعتقدون بالمعاد ، ~~كما تحدث القرآن غير مرة؟ وربما كان الجواب عن ذلك : أن هذا الأسلوب ~~القرآني لا يريد استنطاقهم في الجواب من خلال السؤال بشكل فعلي ms2797 ، بل يريد ~~تقرير الحقيقة العقيدية بطريقة إيحائية ، للإيحاء بأن أي إنسان يوجه إليه ~~هذا السؤال ، فلا بد من أن يجيب بهذا الجواب ، لأن الفطرة تفرض عليه ذلك ، ~~باعتبار ارتباطها بالحقيقة وارتباط الحقيقة بها من أقرب طريق ، وهذا أسلوب ~~درج عليه القرآن في أكثر من موضع. # * * * ### ||| ** الهادي إلى الحق # ( @QUR@019 قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ) أي اسأل يا محمد هؤلاء المشركين ، هل أحد من ~~آلهتكم الذين تجعلونهم شركاء الله وتنسبون إليهم ما تنسبون من القدرات ، هل ~~أحد منهم يهديكم إلى الحق ، لأن من شأن الألوهية هداية مخلوقاتها إلى الحق. ~~بكلام آخر ، فإن السؤال هنا ينطلق ليقرر فكرة جديدة ، فيناقش مسألة الشرك ~~من هذا الموقع ، في نموذج الشريك العاقل الذي يحس ويعي ما حوله ، أو في ~~نموذج هذه الأصنام من الجمادات ، فإذا كان الشريك لديهم في موقع الإله ، ~~فلا بد من الحديث عن أبسط خصائص الإله وطبيعة دوره ، فهل يمكن أن يتمثل في ~~شخص لا يملك الهداية لنفسه إلا إذا جاءته من قبل الآخرين ، أو في شيء لا PageV11P307 # يقبل الهداية ذاتيا؟ إن ذلك فرض لا معنى له ، لأن من أبسط خصائصه أن يعطي ~~للكائنات خط هدايتها الذي يوصلها إلى النتائج السليمة على مستوى الحياة ، ~~كما يعطيها خط الوجود الذي ينقلها من العدم إلى مرحلة الوجود ، فإن ذلك ~~يعني الوعي والعقل والحكمة والقدرة والإرادة والغنى المطلق ، بينما يمثل ~~العكس الجهل والعبث والعجز والفقر والحاجة إلى غيره. # وبذلك يطرح السؤال نفسه لتقرير الحقيقة العقيدية ، فمن هو الأولى ~~بالعبادة المتمثلة بالاتباع على أساس الطاعة والخضوع؟ فهل هو الذي يهدي ~~الحياة إلى الحق في حركة الكون وفي حركة الإنسان؟ # ( @QUR@06 أمن لا يهدي إلا أن يهدى ) فلا يملك الاهتداء إلا إذا هداه ~~غيره ، إن كان قابلا للهداية في نفسه ، وذلك في من يملك الحياة والعقل ~~والإرادة؟ فهل يمكن أن يستوي الأمر بين هذا وهذا؟ ( @QUR@04 فما لكم كيف ~~تحكمون ) هذا الحكم الجائر الذي لا يرتكز ms2798 على أساس ثابت بل ينطلق من خلال ~~الأهواء والشهوات ، بعيدا عن أي منطق للعقل من قريب أو من بعيد. # وإذا كانت الآية في مسألة الإله ، فيمكن للإنسان أن يأخذ منها فكرة ~~القيادة بطريقة الاستيحاء ، وذلك بالتأكيد على أن هناك فرقا في المواقع بين ~~الموقع الذي لا يملك فيه الإنسان عنصر الوعي والهداية التي تؤهله للقيادة ~~وبين الموقع الذي يملك فيه الإنسان كل عناصر الكفاءة الرسالية التي تجعل ~~منه عنصر خير للحياة وللناس أجمعين ، فلا يمكن للقائد الذي يتبعه الناس أن ~~يكون خاليا من كفاءة القيادة في ما يحتاجه الناس فيه ، لأن الاتباع يفرض ~~وعي القيادة لمسؤوليتها في حياة الناس ، أو في حركة الساحة من حوله. # * * * PageV11P308 ### ||| ** الظن لا يغني من الحق شيئا # ( @QUR@05 وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) في ما يعتقدونه من عقائد ، أو ~~يعبدونه من آلهة ، فلم يرتكزوا على أساس العلم المنطلق من البداهة الفطرية ~~، أو من البرهان العلمي ، بل ارتكزوا على أساس الشك والحدس والتخمين. وهو ~~ما توحيه كلمة الظن التي تواجه مسألة العلم ، لتشمل كل ما هو غير علمي ، ~~مما لا يمكن الاعتماد عليه في العقيدة والعمل ، ( @QUR@07 إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا ) لأنه لا يكشف عن الحقيقة من مواقع الفطرة والوجدان ، أو من ~~مواقع الحجة المنتهية إلى الوجدان. وهذا هو الخط الذي يريد الإسلام للإنسان ~~أن يسير عليه في تحصيل القناعة ، أو تحقيق الانتماء ، فلا يجوز له أن يعتمد ~~على ما لا يجوز الاستناد إليه مما لا يرتكز على حجة ولا ينطلق من قاعدة ~~يقينية ، بل لا بد له من مواجهة الفكرة المتبناة من الإجابة على كل علامة ~~استفهام مطروحة أمامه ، بما يطمئن إليه العقل ، وتستقر به النفس ، ويعذر ~~فيه العقلاء ، فإذا لم يحصل ذلك وبقيت الاحتمالات المضادة مفتوحة عنده ، ~~كان الموقف الطبيعي لديه أن يأخذ جانب الحذر ليلاحق الآفاق المتنوعة التي ~~تقف به عند خط اليقين. ومن خلال ذلك ، نفهم جيدا ، كيف يريد الإسلام ~~للإنسان أن يحترم الحقيقة في الحياة ، باحترام مسئولية الفكر لديه ، ~~والتأكيد على ms2799 أدواته وأساليبه في الوصول إلى النتائج الإيجابية في العقيدة ~~، لأن ذلك هو الذي يعطي للناس جانب العذر عند الله ( @QUR@05 إن الله عليم ~~بما يفعلون ). # * * * PageV11P309 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) @QUR@016 أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ~~(38) @QUR@019 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب ~~الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) @QUR@012 ومنهم من يؤمن ~~به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) @QUR@015 وإن كذبوك فقل ~~لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) ~~@QUR@011 ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ~~@QUR@011 ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) ~~@QUR@010 إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) (44) # * * * PageV11P310 ### ||| ** ما كان هذا القران أن يفتري من دون الله # وهذا حديث عن موقف هؤلاء الذين يحكمون بما لا يعلمون من دون حجة ولا ~~برهان ، في ما واجهوا به الرسول من تحد وكفران ، وما قابلوا به القرآن من ~~افتراءات. وهو حديث عن الأسلوب الذي ينبغي للرسول ، ولمن كان سائرا في خط ~~الدعوة ، أن يواجه به هذا الموقف السلبي المضاد ، وعن الروحية التي يعيشها ~~في داخل انفعالاته أمام حالات التحدي ، فلا يسمح للمشاعر بالاهتزاز ، ولا ~~للموقف بالانفعال ، بل يبقى له العقل الهادىء ، والأسلوب المتزن ، والموقف ~~الثابت الذي يواجه الهدف بثقة واطمئنان. # * * * ### ||| ** القرآن لا يمكن أن يفتريه بشر # ( @QUR@09 وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) لأن دراسة آياته في ~~ما تحمل من فكر أو تتميز به من أسلوب ، وكذلك دراسة شخصية الرسول في صدقه ~~وعمق أمانته ، لا تسمح بهذا الاحتمال ، بل إن فيه ملامح الصدق التي تدل على ~~أنه يمثل الحقيقة المعصومة النازلة من الله ، فإن مقارنته بالكتب الإلهية ~~التي جاء بها الرسل السابقون وملاحظة هذا التوافق بينه وبينها ، مما ms2800 يجعله ~~مصدقا لما بين يديه منها ، يؤكد ذلك ، كما جاء في قوله تعالى ( @QUR@07 ~~ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ) الذي خطط لكل قضايا الحياة ~~ومسئولياتها ، ليكون الإنسان على بصيرة من أمره ، في ما يواجهه في مستقبل ~~حياته كلها ، ( @QUR@06 لا ريب فيه من رب العالمين ) لأنه يجيب على كل ~~علامات الاستفهام المضادة ، فلا يبقى مجال للشك أو للريبة بأنه الكتاب ~~الصادق الموحى به من رب العالمين. # ( @QUR@015 أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم PageV11P311 # @QUR@01 صادقين ) فالله سبحانه وتعالى يتحدى هؤلاء المقتدين بأن يأتوا ~~بدليل واحد على أن هذا القرآن ليس من عند الله ، وإنما هو من افتراءات محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ذلك أن محتوى دعواهم يذهب الى أن هذا القرآن إذا كان ~~من صنع بشر ، فلا ريب أنه في متناول الناس الإتيان بمثله ، لأنه لن يكون ~~عندها ذلك الكتاب المعجز ، وبالتالي فإن عجزهم عن الإتيان بمثله دليل على ~~كذبهم وكذب دعواهم من جهة ، ودليل على كونه من الله تعالى من جهة أخرى. # إلا أن هؤلاء الذين لا يحترمون عقولهم ، فلا يوجهونها إلى التفكير والبحث ~~عن الحقيقة ، ولا يتحملون مسئولية المصير ، فيبتعدون بخطواتهم عن السير في ~~الاتجاه الصحيح ، فينكرون من دون أساس للإنكار ، ويكذبون من دون حجة على ~~التكذيب ( @QUR@06 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) ولم يملكوا حجته ، فإن ~~من الطبيعي للجاهل أن يتوقف عند حدود جهله ، فلا يثبت ولا ينفي إلا إذا ~~انطلق في البحث إلى نتيجة إيجابية أو سلبية حاسمة ، ولكن كثيرين من الجهال ~~الذين لا يطيقون البحث ، يستعجلون التكذيب ليبرروا بذلك انحرافهم وابتعادهم ~~عن المسؤولية التي يمثلها خط الحق ، ثم يتحول الأمر عندهم إلى عقدة مرضية ~~مستعصية تدفعهم إلى محاربته والاعتداء على رموزه. وقد ورد في حديث الإمام ~~علي عليه السلام : «الناس أعداء ما جهلوا» (1). وهكذا كذب هؤلاء بالقرآن ~~الذي لم يحيطوا بعلمه ( @QUR@03 ولما يأتهم تأويله ) وتفسيره في ما يشتمل ~~عليه من حقائق وأسرار ، ولكنها ليست أول بادرة تصدر ms2801 من المكذبين الجاهلين ، ~~بل هي سيرة البشرية الكافرة التي لم ينطلق كفرها من موقع الحجة والبرهان ، ~~بل من موقع العقدة المعادية ، ( @QUR@05 كذلك كذب الذين من قبلهم ) من قوم ~~نوح وعاد وثمود وغيرهم ، فأخذهم الله بكفرهم وذنوبهم ، ( @QUR@05 فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان ، فعرضوها للخزي في PageV11P312 # الدنيا والعذاب في الآخرة ، وخذ منها العبرة للآخرين من خلال ما يستقبلون ~~من قضايا العقيدة والعمل. # ( @QUR@04 ومنهم من يؤمن به ) من موقع تفكير وروية ، فيؤدي به ذلك إلى ~~الإيمان ( @QUR@05 ومنهم من لا يؤمن به ) عنادا وجحودا من دون أساس ، بل كل ~~ما هناك أنهم يحافظون على امتيازاتهم الذاتية أو الاجتماعية أو المالية ~~التي يخافون أن يفقدوها من خلال حركة الإيمان ( @QUR@03 وربك أعلم ~~بالمفسدين ) الذين يفسدون حياة الناس ، في ما يقودونهم إليه من انحراف في ~~التصور ، وغموض في الرؤية ، وابتعاد عن وعي قضية الإيمان ، فإن ذلك هو أول ~~منطلقات الفساد ، لأنه يبدأ فكرة في الذهن ، وعاطفة في الشعور ، وحركة في ~~الوهم والخيال ، فيتحول إلى موقف منحرف في السلوك والعلاقات. وبهذا نفهم أن ~~موضوع المفسدين لا يقتصر على الذين يفسدون الحياة بالعمل ، بل هم الذين ~~يفسدونها بالتصور المنحرف ، بالإضافة إلى السلوك الضال. # * * * ### ||| ** مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكذيب الكافرين # والآن كيف يواجه النبي الموقف ، وما هو الأسلوب الذي يتبعه معهم؟ هل هو ~~أسلوب التشنج والانفعال ، بالمزيد من السباب والشتائم ، أو هو أسلوب الرفق ~~الذي يرتكز على الدراسة الواعية لشخصية الإنسان في ما يتطلع إليه الدعاة ~~إلى الله من مواجهته بالحقيقة الحاسمة ، لتكون بمثابة الصدمة التي تهز ~~الفكر ، من دون أن تثير المشاعر ، لأنها تستهدف تحديد الموقف من الفكرة ، ~~لا تحديد الموقف من الإنسان ، لتستعيده إلى الساحة ولو بعد حين؟ إن القرآن ~~يطرح الأسلوب الثاني ، لأن الدعوة لا تتعقد من الآخرين ، بل تفكر PageV11P313 # بهم ولهم ، وتستجيب لكل مواقع الخير المستقبلي في أعماق فكر الإنسان ~~وروحه ، فتفسح له المجال للتراجع من دون الشعور بعقدة الذات. # ( @QUR@02 وإن كذبوك ) فلم يستجيبوا لك ، ولم يقبلوا بإرادة ms2802 الحوار معك ~~والتفكير في ما عرضته عليهم من حقائق الإيمان ، ( @QUR@03 فقل لي عملي ) ~~الذي أقتنع بصلاحه وأتحمل مسئوليته ( @QUR@02 ولكم عملكم ) الذي تحملتم ~~مسئوليته بوعي أو بدون وعي ، فكل واحد منا يواجه الموقف من خلال مواقعه ~~الفكرية والعملية ، من دون أن يضر أحد أحدا في النتائج السلبية لذلك ، ومن ~~دون أن ينفع أحد أحدا في النتائج الإيجابية له ، ( @QUR@04 أنتم بريئون مما ~~أعمل ) كما تفعلون الآن في ما تواجهونه من كفران وتكذيب ( @QUR@04 وأنا ~~بريء مما تعملون ) لأنه يبتعد عن خط الحق الذي يريد الله للحياة أن تسير ~~عليه ، وللناس أن يأخذوا به. # ولعل هذا الأسلوب ، يمثل الأسلوب الواقعي الذي يواجه به كل صاحب فكر حق ، ~~أصحاب فكر الباطل ، فيشعر معه بالطمأنينة والثقة والتخفف من ثقل المسؤولية ~~الملقاة على عاتقه ، إذا أدى ما عليه من واجب ، في ما طرحه من أفكار وما ~~مارسه من وسائل الهداية ، سواء كان هؤلاء من ذوي قرباه ، أو من أصدقائه ، ~~أو من الناس البعيدين عنه ، فلا يشعر بعقدة الذنب أمامهم ، ولا يعيش انفعال ~~المشاعر من خلالهم ، لأن الحياة رسالة وإرادة وقدرة ، فإذا بلغ رسالته ~~بالوسائل الملائمة ، وأكد إرادته بالمواقف القوية ، وأعطى كل طاقته ، ولم ~~يبق عنده شيء مما يقدمه أو يعطيه ، فقد قام بواجبه ، بكل صدق وإخلاص ، وفي ~~ذلك الرضا كل الرضا ، والراحة كل الراحة ، في ما يريده الله له ، وفي ما ~~يطلبه منه. # * * * PageV11P314 ### ||| ** السمع هو سمع العقل # ( @QUR@04 ومنهم من يستمعون إليك ) ولكن بعقول غائبة عن كل المداليل التي ~~توحي بها الكلمات ، ومشاعر معقدة مما تتضمنه الآيات ، فلا تتعقد منهم إذا ~~رفضوا ما تطرحه عليهم ، أو كذبوا بما تدعوهم إليه ، ولا تتهم نفسك بالفشل ~~لأنك لم تنجح في دعوتك أو في حركة أسلوبك ، بل اعتبر المسألة كما لو كنت ~~تتحدث مع الصم الذين لا يسمعون ، لأن الصمم على قسمين ، فهناك صمم في السمع ~~على أساس عضوي عند ما تختل قوة السمع في الأذن ، وهناك صمم في الوعي ، في ~~ما يمثله من اختلال بوعي الحاسة لما سمعه من خلال ms2803 ما يتحرك به عقل السمع من ~~وعي المضمون الداخلي للكلمة ، وبذلك كانت مشكلة الداعية أمام الناس تتمثل ~~في نقطتين : الأولى أن يسمعوا منه الكلمات كألفاظ وأصوات ، والثانية ، أن ~~يسمعوها منه كمعان ومداليل. والأولى تتصل بالجانب المادي للسمع ، والثانية ~~تتصل بالجانب المعنوي له. وبذلك كانت المسألة مرتبطة به من جهة وبالآخرين ~~من جهة أخرى. وإذا كان من مهمته أن يزيل الموانع من جهته ، فليس من ~~مسئوليته أن يرفع الموانع من جهة الآخرين إذا أغلقوا آذانهم عن الاستماع ، ~~أو إذا أغلقوا عقولهم عن الوعي لما استمعوا إليه ، ( @QUR@07 أفأنت تسمع ~~الصم ولو كانوا لا يعقلون ) ما سمعوه .. وبهذا كانت الكلمة الأخيرة إيحاء ~~بأن الذي يسمع ولا يعقل ، كمن لم يسمع من الأساس ، لأن مهمة السمع أن يرسل ~~الكلمة إلى القلب والعقل والشعور ، فإذا تجمدت عند حدود الأذن ، كانت ~~بمثابة الصدى الذي لا معنى له ، بل هو الدوي الذي يحس به الأصم دون أن يعي ~~منه شيئا. # * * * PageV11P315 ### ||| ** البصر هو بصيرة الإيمان # ( @QUR@04 ومنهم من ينظر إليك ) نظر الأبله الذي لا يعي معاني الأشياء ~~التي ينظر إليها ، فلا يجد منها إلا الصورة من دون أن يتعرف ملامحها ، أو ~~يدقق في مضمونها ، أو يدرك آفاقها ، وبذلك لا يتحول البصر عنده إلى أداة ~~للمعرفة ، بل يبقى مجرد آلة تصوير ترصد الهيئة الظاهرية للشيء ، ثم تتركها ~~في سلة المهملات. وهكذا تكون النظرة البلهاء المغلقة ، حالة ظلام عقلي في ~~حركة الشخصية ، فيتساوى أمامها الأعمى والبصير ، لأن النتائج السلبية واحدة ~~أمام الحالتين ، فلا تتعقد يا محمد من ذلك ، لأنهم ينظرون إليك بعيون مبصرة ~~في حركة الضوء ، عمياء في حركة العقل. ( @QUR@07 أفأنت تهدي العمي ولو ~~كانوا لا يبصرون ) ( @QUR@010 فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور ) [الحج : 46]. # ( @QUR@06 إن الله لا يظلم الناس شيئا ) عند ما يعذبهم ، فإنه يؤاخذهم ~~بأعمالهم بعد أن منحهم كل أدوات المعرفة من سمع وبصر وعقل ، وسهل لهم كل ~~وسائلها من وحي وشريعة وغير ذلك ، ( @QUR@04 ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) ~~عند ما يتركون ذلك ، فلا يستعملونه في ما ms2804 يفتح عيونهم على النور ، وقلوبهم ~~على الإيمان. # * * * PageV11P316 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ~~قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) @QUR@015 وإما نرينك ~~بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) ~~@QUR@012 ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) (47) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلبثوا ): لبث بالمكان : أقام به ملازما له. # ( @QUR@01 بالقسط ): القسط : العدل. # * * * ### ||| ** الحشر والتعارف يوم القيامة # ( @QUR@02 ويوم يحشرهم ) في يوم القيامة ، في حالة من حالات انعدام ~~الإحساس PageV11P317 # بالزمن الطويل الذي قطعوه في رحلتهم في الدنيا ، وفي انتقالهم من الدنيا ~~إلى الآخرة ، فلا يشعرون إلا بالساعة التي هم فيها ، ( @QUR@07 كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار ) لأنهم يواجهون الموقف في الضوء ، ( @QUR@02 ~~يتعارفون بينهم ) فيتحاورون ويتجادلون ، ويلقي بعضهم مسئولية مصيره على ~~البعض الآخر ، بينما يتهرب أولئك من المسؤولية ، وينفتح أهل الجنة على ~~بعضهم البعض في حوار المحبة ، كما ينفتحون على أهل النار في حوار القضايا ~~التي تفرض نفسها على الساحة هناك ، في ما يحدثنا عنه القرآن في أكثر من ~~موقع ، ولا يمنع ذلك ما أفاض به القرآن من الحديث عن الذهول الذي يصيب ~~الناس في يوم القيامة ، لأن ذلك جار على سبيل الكناية ، في ما يريد الله أن ~~يوحي به من هول الموقف وصعوبة المشاكل التي تواجه الناس هناك ، لا سيما ~~هؤلاء الذين جحدوا الله وكذبوا برسالاته ، وتمردوا على رسله. # ( @QUR@06 قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) فلم يعملوا له ، ولم يستعدوا ~~للنتائج السلبية التي حذرهم منها الرسل ، أو للنتائج الإيجابية التي دعوهم ~~إليها ، وبذلك قدموا إلى يوم القيامة من دون زاد ومن دون استعداد ( @QUR@03 ~~وما كانوا مهتدين ) لأنهم سلكوا طريقا لا تؤدي بهم إلى النجاة ، وتركوا ~~الصراط المستقيم ، فضاعوا ما بين شهواتهم وأطماعهم وما بين أضاليل الآخرين. # * * * ### ||| ** الله شهيد على الأعمال # ( @QUR@05 وإما نرينك بعض الذي نعدهم ) من خزي الدنيا وعذابها ، فتشاهده ~~بنفسك في ما يبتليهم الله من صنوف البلاء ، وما يعده لهم من مصائر السوء ، ~~( @QUR@02 أو نتوفينك ms2805 ) فيواجهونه في غيابك ( @QUR@02 فإلينا مرجعهم ) لأن ~~القضية ليست متعلقة بك وليست PageV11P318 # داخلة في مسئوليتك ، فسيرجعون إلينا ، ويلاقون الجزاء الأكبر من العذاب ~~في ما يلاقونه من مصير الهلاك والدمار ، ولن نحتاج في الحكم عليهم إلى ~~شهادة شاهد ، ( @QUR@06 ثم الله شهيد على ما يفعلون ) فهو الشاهد والحاكم ~~كما توحي بذلك كلمة الإمام علي عليه السلام التي استوحاها من كتاب الله : ~~اتقوا معاصي الله في الخلوات ، فإن الشاهد هو الحاكم (1). # * * * ### ||| ** لكل أمة رسول # ( @QUR@03 ولكل أمة رسول ) يبلغهم آيات الله ، ويعلمهم شرائعه ، ويدعوهم ~~إلى سبيله ( @QUR@03 فإذا جاء رسولهم ) وأقام عليهم الحجة في ذلك كله ، ~~فوصلت دعوة الله إلى كل أذن ، ودخلت إلى كل قلب ، وأثارت علامات الاستفهام ~~التي تقود إلى الحوار في كل فكر ( @QUR@03 قضي بينهم بالقسط ) فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، فاليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت ، ليكون شعار يوم القيامة : لا ظلم اليوم ، ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) ~~في قليل أو كثير. # * * * PageV11P319 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) @QUR@022 قل لا ~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) @QUR@013 قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ~~أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون (50) @QUR@011 أثم إذا ما وقع آمنتم به ~~آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) @QUR@013 ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) @QUR@011 ويستنبئونك أحق هو قل إي ~~وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) @QUR@021 ولو أن لكل نفس ظلمت ما في ~~الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون (54) @QUR@016 ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) @QUR@05 هو يحيي ويميت وإليه ترجعون ) (56) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أجل ): الأجل : المدة المضروبة للشيء. PageV11P320 # ( @QUR@01 بياتا ): ليلا. # ( @QUR@01 ويستنبئونك ): الاستنباء : طلب النبأ الذي هو الخبر. # ( @QUR@01 لافتدت ): الفداء : حفظ الإنسان عن النائبة بما يبذله عنه. # ( @QUR@01 وأسروا ): أخفوا. # * * * ### ||| ** يوم القيامة .. وعد الله الحق # ويستعجل المشركون معرفة ms2806 موعد يوم القيامة ، ويلحون بالسؤال عنه ، إما ~~للفضول الذاتي الذي يحاول أن يكشف الموعد المجهول الذي يحدثهم عنه الرسول ، ~~وإما للاستهزاء والسخرية ، في ما يريدون أن يثيروه من التفاصيل في التوقيت ~~، في الوقت الذي كانوا ينكرون فيه أصل المبدأ ، وإما لتحويل المسألة إلى ~~جدل يستهدف الملهاة في أسلوب شيطاني يتعمد إشغال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالهوامش الصغيرة. # * * * ### ||| ** التساؤل عن الوعد بالعذاب # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) لأن علامة الصدق في ما ~~يخبر به أي إنسان ، أن يكون عارفا بتفاصيله ، ملما بخصوصياته ، انطلاقا من ~~وضوح الرؤية لديه ، ولكن النبي يجيب في ما علمه الله من موقع الإنسان الذي ~~يتواضع لله ، فيدفعه ذلك إلى التواضع في أسلوب الحديث عن طبيعة معرفته PageV11P321 # بالأشياء ، فهو لا يملك العلم الذاتي بهذه الأمور الغيبية ، لأنه لم يطلع ~~عليها بطريقة حسية ليكون عارفا بكل شيء عنها ، بل كل ما هناك أنه يعرف من ~~خلال الوسائل التي يقدمها الله له ، في مصادر المعرفة ومواردها ، ولا ~~يستطيع أن يقرر شيئا من نفسه ، ولا يملك أن يفرض على الله شيئا لا يريد ~~الله أن يعرفه به ، لأنه يعرف جيدا مدى قدرته التابعة لإرادة الله الذي لا ~~يبلغ العالمون كنه قدرته. # * * * ### ||| ** الضرر والنفع من الله # ( @QUR@011 قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ) فهو الذي ~~يجلب لي النفع عند ما يشاء ذلك ، وهو الذي يوقع الضرر بي عند ما يشاء ذلك ، ~~لأن الكون خاضع له بوجوده وتفاصيل حركته. ومن هنا لم يستطع النبي أن يحمي ~~نفسه من غيب السوء الذي قد يحل به ، من خلال مواقع الغيب عند الله ، مما ~~يعلمه الله ولا يعلمه هو ، كما لم يستطع أن يجلب لنفسه النفع ، من خلال ~~أسرار الغيب ، في ما يصلح أمره أو يفسده. ويمكن أن يكون وزان هذه الآية ~~وزان قوله تعالى : ( @QUR@010 ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء ) [الأعراف : 188]. وبذلك يتناسب الجواب مع السؤال. # ثم أثار الحديث معهم حول القاعدة التي ms2807 تحكم كل التفاصيل ، فليست هناك ~~حالة خلود لأية جماعة مهما كانت ، ولأية ظاهرة مهما عظمت ، فقد أقام الله ~~الكون على أساس سنة طبيعية شاملة ، وهي أن لكل أمة أجلا لا تتعداه ، مما ~~تقتضيه طبيعتها الذاتية من عناصر الوجود الطبيعية ، أو مما تفرضه العوامل ~~الخارجية الطارئة ، فلا مجال لأن تنقص منه ، أو تزيد عليه ، في ما أراده ~~الله للحياة أن تتحرك وتعيش. فإذا كان الأمر كذلك ، فلا بد لهم من انتظار الوقت PageV11P322 # الذي تنتهي عنده الحياة الخاصة والعامة الخاضعة للقانون العام الشامل ، ~~القاضي بأن لكل موجود نهاية ، أما متى يكون هذا ، وما هو موعده؟ فهو من ~~الغيب الذي اختص الله بعلمه ، في كل الأمور المتعلقة بمشيئته ، مما لا ~~يعلمه الناس إلا من خلاله. # * * * ### ||| ** لكل أمة أجل # ( @QUR@011 لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ~~فعليهم أن ينتظروا ذلك الاستحقاق في تفكيرهم الذاتي في مواجهتهم للأشياء ، ~~ولا يتناولونه تناول اللامبالاة الذي يحاول أن يغرق في التفاصيل ليضيع معه ~~المبدأ. ولا بد لهم من أن يدرسوا سنة الله في الأشياء من خلال التاريخ الذي ~~عاشته الأمم السابقة التي ربما كانت أكثر منهم قوة وعددا ، فانقضت عند ما ~~جاء أجلها ، لتفسح المجال لأمم أخرى من بعدها. وهكذا دواليك ، حتى جاء ~~الدور الطبيعي لنا ، لننتظر ما انتظروه ، وليحل بنا ما حل بهم ، عند حلول ~~الوقت المحتوم الذي تفرضه طبيعة الشيء ، أو الوقت المخروم الذي تقتضيه ~~طبيعة الحالات الطارئة. ثم ما ذا يعني هذا الإلحاح على تحديد الموعد ~~واستعجاله؟ إن الإنسان يستعجل الموعد الذي ينتظر فيه الخير والسعادة ~~والفلاح ، وهو الذي يعيش فيه المؤمنون الصالحون الذين آمنوا بالله وأطاعوه ~~، فاستحقوا ثوابه في ما وعد به المؤمنين المتقين ، أما هؤلاء المكذبون ~~العاصون ، فما ذا ينتظرهم غير العذاب ، الذي يجعل من حياتهم هنا راحة وأمنا ~~وسعادة ، في مقابل ما ينتظرهم من تعب وخوف ( @QUR@06 قل أرأيتم إن أتاكم ~~عذابه بياتا ) في الليل ( @QUR@07 أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون ) ~~ليثيروا الحديث حوله مع الرسول في جدل ms2808 عقيم لا يؤدي إلى أية نتيجة. PageV11P323 # ثم إن الإنسان يطلب المعرفة من أجل القناعة والإيمان ، فإذا كنتم لا ~~تصدقون النبي في ما يخبركم به عن الله ، فما ذا تنتظرون للإيمان؟ هل ~~تنتظرون مواجهة الحقيقة وجها لوجه ( @QUR@06 أثم إذا ما وقع آمنتم به ) فهل ~~تؤمنون بعذاب الله وعقابه عند وقوعه؟ ( @QUR@05 آلآن وقد كنتم به تستعجلون ~~) تماما كما لو كنتم تحتقرونه ولا تلقون إليه بالا ، فها أنتم هنا الآن ، ~~فواجهوا الحقيقة من موقع لذعة النار ، وسعير العذاب ، ( @QUR@04 ثم قيل ~~للذين ظلموا ) بالكفر ( @QUR@03 ذوقوا عذاب الخلد ) الذي يمتد إلى ما شاء ~~الله من زمن في ما أراده الله لهم من سجن مؤبد ، ( @QUR@06 هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون ) فلن يظلمكم الله شيئا في ما ينزله عليكم من عذاب ، فقد ~~وعدكم ذلك في ما وعد به الكافرين به المنحرفين عن طاعته ، إذ جعل الله لكل ~~شيء حدا لا يريد للناس أن يتعدوه ، وجعل للتعدي لحدوده عقابا معينا ، فإذا ~~أخذهم به فلم يظلمهم. # * * * ### ||| ** ندامة الكافرين يوم القيامة # ( @QUR@03 ويستنبئونك أحق هو ) في أسلوب يوحي بعدم التصديق ، تماما كما ~~لو كان يريد أن يثير في نفس النبي حالة التراجع من خلال الإيحاء بغرابة ~~الموضوع واستحالته ، مما يجعل من الحديث عنه حديثا لا يتصل بحركة الحقيقة ~~في العقل ، بل بحركة الأجواء الضاغطة التي تدفع الإنسان إلى الكذب والقول ~~بغير علم في ما يريد أن يجلب لنفسه فيه خيرا ، أو يدفع عنه شرا ، فإذا رأى ~~النتائج السلبية لموقفه تراجع عنه. ولكن الله يريد للنبي أن يؤكد لهم هذه ~~الحقيقة ، في حجمها الطبيعي الذي لا مجال لتصغيره أو تكبيره أو إنكاره ~~بالذات. ( @QUR@05 قل إي وربي إنه لحق ) وستلتقون به ، ولن تستطيعوا الهرب ~~منه ، مهما حاولتم ، ولن تملكوا القوة على مواجهته ( @QUR@03 وما أنتم ~~بمعجزين ) فإن الله إذا PageV11P324 # أراد شيئا أدركه وحققه كما يريد ، وسيواجهون الموقف الذي لا يمكن لهم أن ~~يتحملوه ( @QUR@010 ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ) لما ~~تواجهه من هول عظيم ، وخوف كبير ، مما كانت تستهين ms2809 به وتحتقره في البداية. ~~( @QUR@05 وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) فقد كان بإمكانهم أن يتخلصوا ~~منه بالإيمان والعمل الصالح عند ما كانوا في الدنيا ، ( @QUR@03 وقضي بينهم ~~بالقسط ) الذي يرتكز على أساس أن يكون الجزاء بالأعمال ( @QUR@03 وهم لا ~~يظلمون ) فلا يعاقب الإنسان بما لم يعمل ، ولن يؤاخذ بأكثر مما عمل. # * * * ### ||| ** وعد الله حق # ( @QUR@07 ألا إن لله ما في السماوات والأرض ) فهو الذي خلقها من العدم ، ~~وهو القادر عليها والمسيطر على مقاليدها ، فلا يعجزه شيء منها ، فإذا شاء ~~شيئا تحقق ، وإذا وعد بشيء كان حقا ، خلافا لهؤلاء الشركاء الذين لا يملكون ~~السيطرة على الأشياء ، فقد يعدون ويخلفون ، لأنهم لا يملكون الأمر كله ، ~~مما يجعل من قضية الوفاء بالوعد وعدمه قضية خاضعة للظروف الموضوعية الثابتة ~~أو الطارئة التي تقتضي وجوده أو عدمه ، ( @QUR@09 ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون ) لأنهم لا يعرفون سر قدرة الله وسعة ملكه وعظمة خلقه ، ~~فبيده أمر الحياة والموت ، وبيده تفاصيل ذلك كله ( @QUR@05 هو يحيي ويميت ~~وإليه ترجعون ) ليحاسبكم على أعمالكم في الدنيا ، مما أطعتموه فيها أو ~~عصيتموه. # وهكذا تتعمق هذه الحقيقة الإلهية في النفس ، ليتضاءل الإنسان أمام ربه ، ~~وليتواضع لله الذي خلقه ، فيطيعه في ما أمره به ، كما يطيعه في ما نهاه PageV11P325 # عنه. وذلك هو هدف الرسالات في ما تتحرك به من أساليب الترغيب والترهيب ، ~~أو تأكيد المفاهيم الأساسية في قضية الوجود والقدرة والحياة والموت ، من ~~أجل صياغة الإنسان المسؤول الذي يواجه الحياة بجدية ، ويتحرك معها ~~بمسؤولية. # * * * PageV11P326 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين (57) @QUR@010 قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون (58) @QUR@020 قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم ~~منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (59) @QUR@019 وما ظن ~~الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 موعظة ): الوعظ : زجر مقترن بتخويف ، قال الخليل : هو التذكير ~~بالخير في ما يرق ms2810 له القلب (1). # * * * PageV11P327 ### ||| ** القرآن موعظة وشفاء # ( @QUR@08 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ) إنها الدعوة الإلهية ~~للناس ، ليستثير فيهم إنسانيتهم التي تبحث دائما عن ينابيع الخير في ~~الإحساس والشعور ، لتفجر فيهم القلق الباحث عن الطمأنينة وعلامات الاستفهام ~~المتطلعة إلى المعرفة ، والاهتزاز الذي يبحث عن الاستقرار ، وذلك من خلال ~~الإيمان المتحرك الذي يخرجهم من جو اللامبالاة ليضعهم في أجواء المسؤولية ، ~~بالموعظة الصادرة من الله في وحيه المنزل على رسله ، وبالأسلوب الذي يفتح ~~أبواب الروح على الله ، ونوافذ العقل على الحق ، وآفاق الحياة على الخير ، ~~وتلك هي مواعظ القرآن في آياته ، التي لا تتجمد في أسلوب ، بل تتحرك في ~~أكثر من واحد من أساليب ، الهداية ، ليتكامل في الإنسان الجانب العقلي ~~والعاطفي ، ليبني له العقيدة المتوازنة ، والمشاعر المتكاملة ( @QUR@04 ~~وشفاء لما في الصدور ) في ما يعالجه من أمراض الفكر والروح التي تنفذ إلى ~~الإنسان ، فتدخل عقله لتثير فيه الشبهات التي تفسح المجال للكفر والضلال ~~والنفاق ، لتدفع الإنسان للسير في هذا الاتجاه المنحرف ، وتدخل شعوره فتثير ~~فيه العداوة والحقد والبغضاء واليأس والخذلان ، فتحوله إلى إنسان معقد ضد ~~الخط المستقيم في الحياة. # وتأتي آيات الله لتدل الإنسان على مصادر الحق وموارده ، وعلى ينابيع ~~الخير ومجاريه ، فيعيش معها نظافة الفكر والعاطفة ، وينطلق في عقل صحيح ~~وروح صافية غير معقدة. وهذا ما يريده الله لعباده في وعيهم لآياته ، أن ~~تتحرك في داخلهم لتغير فيهم كل شيء يدفع إلى الضلال أو يقود إلى الانحراف. ~~( @QUR@03 وهدى ورحمة للمؤمنين ) فهو الذي يوضح لهم السبيل لئلا يضيعوا في ~~الدروب المتشابهة الضائعة في متاهات الصحراء ، وهو الذي يهديهم إلى آفاقه ، PageV11P328 # ليعيشوا معه في صفاء الإيمان ونقائه ورحابة آفاقه ، وهو الذي يفيض عليهم ~~من رحمته من خلال ما يغدقه عليهم من ألطافه التي تقودهم إلى جنته وتبعدهم ~~عن ناره وتلتقي بهم في رضوانه ، وذلك كله للمؤمنين الذين عاشوا الإيمان ~~فكرا وروحا وشعورا ومحبة لله وخوفا منه. # * * * ### ||| ** فضل الله خير مما يجمعون # ( @QUR@010 قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) لأن ~~الفرح الحقيقي ms2811 ، هو الفرح الذي ينطلق من قاعدة ممتدة في كيان الإنسان ~~وحياته ، من خلال امتدادها في قضية المصير ، ولن يكون ذلك إلا بالالتقاء ~~بالله في فضله ، في ما يفيض على الناس من هدايته ورضوانه ، وما يمطرهم به ~~من شآبيب رحمته ، لأن العيش مع الله يمثل الخير الذي لا شر معه ، والراحة ~~التي لا تعب فيها ، والسرور الذي لا حزن معه ، والأفق الواسع الذي لا يضيق ~~عن شيء ، ولا يتعثر في موقف. أما مال الدنيا وشهواتها وأطماعها وطموحاتها ، ~~فهي الأشياء التي يلتقي بها الإنسان في الطريق ، فيمر بها مرورا عابرا ، ثم ~~يتركها لفقر طارئ أو مقيم ، أو لألم شديد ، أو حزن خانق ، أو فشل ذريع ، أو ~~خسارة فادحة ، أو موت يأكل ذلك كله ، ليسلمه إلى المصير المحتوم حيث الهلاك ~~والعقاب عند الله. ولكن فضل الله ورحمته يحفظان الإنسان ويحوطانه ويسلمانه ~~إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة ، فيشعر الإنسان معهما بالأمن ~~والطمأنينة ، وفي ذلك الفرح كل الفرح ، حتى في أشد ساعات الحزن ، وفي أقسى ~~حالات الشدة ، لأنه يشعر أنه يعاني ما يعانيه تحت عين الله ورعايته ، فيهون ~~عليه كل شيء لأنه بعين الله ، وفي سبيله ، بعيدا عن كل أثقال الهموم PageV11P329 # والغموم ، لأن الحياة عنده رسالة تحتوي كل انفعالات الذات ومشاعرها ، ~~وليست حركة في صعيد الذات على حساب قضايا الرسالة وأهدافها. # ( @QUR@012 قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ) ~~إنه الله ، هو الذي ينزل الرزق ، وهو الذي يحدد للناس ما يأخذون منه ، مما ~~فيه صلاحهم ، أو ما يدعون منه ، مما فيه فسادهم ، فإذا أنزل حلالا فعليهم ~~أن يتبعوه ، وإذا أنزل حراما فعليهم أن يتركوه ، أما إذا لم ينزل شيئا من ~~التحريم فيه ، فلا بد لهم من أن يأخذوا بأسباب الرخصة إذا لم يمنعهم عنه ، ~~ولا يجوز لهم أن يشرعوا فيه من عند أنفسهم ، فيحللون منه شيئا ويحرمون شيئا ~~آخر مما لم يأذن به ، انطلاقا من أهوائهم ونزواتهم. # * * * ### ||| ** التحليل والتحريم المزاجي # ( @QUR@08 قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) فهل أخذتم ms2812 إذنا من الله ~~في ذلك. وهو الذي يملك أمر التشريع كما يملك أمر الوجود ، أم أنكم تفترون ~~على الله ، فتأخذون لأنفسكم صفة التشريع من دون إذنه ، وتنسبون إليه أمرا ~~لم يصدر فيه شريعة؟ وتلك هي القاعدة العامة في كل ما لم تثبت حجيته وشرعيته ~~، فإن نسبة الحكم فيه إلى الله غير جائزة من قريب أو من بعيد ، لأنها ~~افتراء عليه. ( @QUR@09 وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) ~~هل يتركهم من دون عقاب ، وقد أساؤوا إليه بالكذب عليه ، وأساؤوا إلى الناس ~~بتعريضهم للمفسدة في ما أحلوه وهو حرام ، أو تفويت المصلحة عليهم في ما ~~حرموه وهو حلال. ( @QUR@06 إن الله لذو فضل على الناس ) في ما أفاض عليهم ~~من رزقه ، وأغدق عليهم من نعمه ، وشرع لهم من شرائعه ، مما يستوجب شكرهم PageV11P330 # بالخضوع له وإطاعته والعمل بما يرضيه ، ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يشكرون ~~) فيتمردون ويكذبون عليه ، ويبتعدون عن ساحة رحمته. # * * * PageV11P331 ### ||| * الآيات # ( @QUR@042 وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) @QUR@010 ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) @QUR@04 الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (63) @QUR@015 لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تفيضون ): الإفاضة : الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه. ~~وتفيضون : تدخلون. # ( @QUR@01 يعزب ): يغيب. # ( @QUR@01 مثقال ): المثقال ما يوزن به. PageV11P332 # ( @QUR@01 ذرة ): نملة صغيرة. # * * * ### ||| ** وما يعزب عن ربك مثقال ذرة # إنه العلم الإلهي الذي ينفذ إلى أعماق حياة الإنسان ، فيعرف كل دخائلها ~~وخصوصياتها ، ويطلع على كل أعمالها ونشاطاتها ، ويكشف كل أسرارها وخفاياها ~~، مما يوحي للإنسان بأن عليه أن يراقب الله في كل شيء ، وأن يحسب حسابه في ~~كل عمل ، ويخاف مقامه في كل شأن. # * * * ### ||| ** الله شاهد على الأعمال # وتنطلق الآية لتقرر ذلك كله ، من خلال توجيه الخطاب إلى النبي ، في معرض ms2813 ~~توجيهه إلى الناس ومخاطبتهم به : ( @QUR@04 وما تكون في شأن ) من الشؤون أو ~~حال من الأحوال ( @QUR@05 وما تتلوا منه من قرآن ) في ما تقرأه لنفسك أو ~~تبلغه للناس في مجال الدعوة والهداية ( @QUR@04 ولا تعملون من عمل ) ما خفي ~~منه وما ظهر مما يتعلق بحياتك أو بحياة الآخرين في حركة العلاقات الإنسانية ~~في الحياة ، في القضايا الخاصة والعامة ( @QUR@07 إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه ) أي تدخلون فيه وتمارسونه. فالله ( @QUR@06 يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور ) [غافر : 19] ، ( @QUR@022 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ) ~~[المجادلة : 7]. # * * * PageV11P333 ### ||| ** كل الأشياء حاضرة لله # ( @QUR@022 وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) فكل الأشياء حاضرة لديه ، ما ظهر ~~منها وما بطن. وكيف يغيب عنه شيء ، وهو الذي خلق كل شيء ( @QUR@07 ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك : 14] إن البعد والقرب يمثلان حاجزا عن ~~الرؤية والمعرفة ، أو مقربا لهما بالنسبة للناس الذين يعيشون الحواجز ~~المادية في كل أمورهم ، أما خالق الأشياء ، فلا يحجزه شيء عن شيء ، ولا علم ~~شيء عن علم شيء ، وكل الأشياء موجودة في كتابه في اللوح المحفوظ ، في علمه ~~الواسع الشامل. # * * * ### ||| ** أولياء الله امنون # ( @QUR@04 ألا إن أولياء الله ) الذين اطلع الله عليهم في خفاياهم ~~وأسرارهم ، فرأى منهم صدق النية وإخلاص العمل واستقامة الطريق ، وسلامة ~~الهدف ، فرضي عنهم وأمنهم في مصيرهم. # ( @QUR@06 لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وكيف يخاف المؤمنون بالله ~~المخلصون له ، وكيف يحزن المتقون الطائعون العاملون في سبيله ، ( @QUR@04 ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون ) الله في كل أعمالهم وأقوالهم وعلاقاتهم ( ~~@QUR@05 لهم البشرى في الحياة الدنيا ) في ما يلهمهم الله من الشعور بالرضا ~~والطمأنينة والسعادة ، مما يعيشون معه البشرى كما لو كانت وحيا منزلا منه ( ~~@QUR@01 وفي PageV11P334 # @QUR@01 الآخرة ) في ما تستقبلهم به الملائكة بالبشارة بالجنة التي كانوا ~~يوعدون ( @QUR@04 لا تبديل لكلمات الله ) بما وعد به أولياءه ، والله لا ms2814 ~~يخلف وعده ( @QUR@04 ذلك هو الفوز العظيم ) الذي يمثل السعادة المطلقة في ~~ما يواجه به الإنسان قضية المصير حيث يعيش النجاح ؛ كل النجاح ، والفوز ؛ ~~كل الفوز ، فلا منتهى لسعادته. # * * * PageV11P335 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) ~~@QUR@025 ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) @QUR@015 هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ~~(67) @QUR@025 قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما ~~في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) ~~@QUR@09 قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) @QUR@013 متاع ~~في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) (70) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 العزة ): شدة الغلبة. PageV11P336 # ( @QUR@01 يخرصون ): يكذبون. # ( @QUR@01 مبصرا ): استعار الإبصار لليل ، والمعنى : مضيئا. # ( @QUR@01 يفلحون ): يفوزون. # * * * ### ||| ** الله يواسي نبيه # ( @QUR@03 ولا يحزنك قولهم ). كان المشركون يثيرون الكلام الجارح القاسي ~~للعقيدة والاتهامات غير المسؤولة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة ~~إلى ألفاظ السباب والشتائم ، وربما أثار هذا الجو الحزن في نفس النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، مما قد يوحي بضعف الموقف الذي لا يملك الكثير من ~~أدوات المواجهة ، وقد ينعكس على صورة الرسالة في الساحة وحركتها في الصراع ~~، ولكن الله أراد لنبيه أن لا يستسلم لكل نوازع الضعف ومشاعر الحزن ، لأن ~~كلمات الكفر لن تهزم الإيمان ، ما دام الإيمان يمثل الحقيقة التي تضرب ~~جذورها بأعمق أعماق الحياة ، بينما يعيش الكفر الاهتزاز على السطح ، بعيدا ~~عن أي عمق. ولذلك يقف الإيمان المنطلق من رحاب الله في خط المواجهة ليؤكد ~~موقفه الصامد الذي يتحمل الآلام والجراح والمشاكل بقوة من موقع الوثوق بنصر ~~الله ، والاطمئنان إلى رعايته وعنايته ، مما يجعل النتائج الإيجابية ~~الحاسمة للمؤمنين في نهاية المطاف. ولذلك كانت التربية الإلهية للرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد على أن عليه أن يتطلع إلى نهايات الأمور في ms2815 حركة ~~الصراع ، لا أن يتطلع إلى بداياتها ، وأن يفكر بالآلام والمشاكل التي ~~تواجهه كخطوة متقدمة في طريق النصر ، لأن عملية التغيير تفرض المعاناة كشرط ~~موضوعي للنجاح ، وإذا كانت المعاناة PageV11P337 # حركة روحية داخلية في سبيل الله ، فإنها توحي للإنسان المؤمن بالفرح ~~الروحي الذي تبتسم فيه الجراح ، وتصفق فيه الآلام ، وتتعمق فيه مشاعر القوة ~~التي تتصل آفاقها بالله القوي العزيز ، لتواجه التحديات التي يثيرها دعاة ~~الشرك والكفر والضلال بالحقيقة القرآنية. # * * * ### ||| ** العزة لله جميعا # ( @QUR@04 إن العزة لله جميعا ) فهو الذي يملك الأمر كله ، ويملك وجودهم ~~في ما يخططون ويثيرون من التهاويل ، فلا يملكون معه أي شيء إلا بما شاء ، ~~ولا يضرونه شيئا ، لأنهم في المواقع التي تمثل الضعف كله ، في مواجهة العزة ~~الإلهية التي تمثل القوة كلها ، مما يجعل له الغلبة في نهاية الأمر ، من ~~خلال ما أجرى عليه سننه الكونية. ( @QUR@03 هو السميع العليم ) الذي يسمع ~~ما يقولون ويعلم ما يضمرون وما يكيدون ، فهم مكشوفون لديه ، لا يسترهم منه ~~ساتر ، ولا يحميهم منه أي شيء. # ( @QUR@09 ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض ) فكل الموجودات ملكه ~~، لأنها مخلوقة له خاضعة لقدرته ( @QUR@08 وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء ) في ما تخلقه لهم أوهامهم ، وتثيره ظنونهم ، مما قد يتوهمون ~~أنه الحقيقة ، ولكنه يمثل الباطل ، فكيف يمكن أن يكون هذا المخلوق الضعيف ~~أيا كان ، شريكا لخالقه ، ( @QUR@08 إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~) ويخبطون خبط عشواء في حسابات التخرصات والتخمينات التي لا تملك أساسا ~~ثابتا في العقل ولا في الواقع. # * * * PageV11P338 ### ||| ** جعل الليل سكنا والنهار مبصرا # ( @QUR@07 هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) ولتخففوا فيه من عناء ~~التعب والجهد ، فتتجدد لكم القوة من خلاله ليوم عمل جديد ، ولولا ذلك لما ~~استطعتم أن تنطلقوا بعيدا في حركة العمل في الحياة ، ( @QUR@02 والنهار ~~مبصرا ) مفتوح العيون على كل إشراقة نور ، لأنه يثير النور في كل أفق ينطلق ~~فيه ، فيهديكم إلى سبل الحياة ، ويفتح أمامكم كل آفاق الحركة ، ويدلكم على ~~كل منابع الرزق ومصادره ، ولولا ذلك لعشتم ms2816 في ظلام مطبق لا تهتدون فيه ولا ~~تبصرون ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) لأن الإنسان الذي يعيش ~~مسئولية الكلمة التي يسمعها ، لا بد له من أن يتوقف عندها ولا يمر بها مرور ~~الكرام ، لأنها قد تمثل الحقيقة في مدلولها العميق ، كما قد تمثل الباطل في ~~إيحاءاتها العميقة ، فلا بد له من التفكير الواسع العميق الذي يعرفه الحق ~~من الباطل ، فلا يتردد ولا يتحيز ولا يضيع بين الاحتمالات المتنوعة ، ~~والكلمات المختلفة. وعند ما يفكر هؤلاء في الله ، وفي ما خلق من الموجودات ~~في السموات والأرض ، وما مهده للإنسان من صنوف المعاش ووسائله ، وما يتلوه ~~عليهم النبي من قرآن يؤكد لهم الحقائق الكونية الإيمانية ، فلا بد لهم من ~~أن يلتقوا بحقيقة الإيمان ، ويعرفوا أن كل دعوات الشرك هي أضاليل وأوهام لا ~~تثبت أمام النقد ، ولا تقف أمام الحوار. # * * * ### ||| ** ادعاء الولد لله # ( @QUR@04 قالوا اتخذ الله ولدا ) فقد قالوا عن الملائكة إنها بنات الله ، وعن PageV11P339 # عيسى إنه ابن الله وغير ذلك ( @QUR@03 سبحانه هو الغني ) المطلق الذي لا ~~يحتاج إلى أحد ، بل يحتاج إليه كل أحد. فما ذا يمثل الولد بالنسبة إليه ، ~~والناس إنما يشعرون بحاجتهم إلى الولد من مواقع الضعف في القدرة ليكون عونا ~~أو مساعدا لهم. ( @QUR@07 له ما في السماوات وما في الأرض ) فهو الخالق لكل ~~شيء ، فكيف يعيش الحاجة إلى أي شيء ، ليحتاج إلى الولد وإلى أمثال ذلك؟ ( ~~@QUR@05 إن عندكم من سلطان بهذا ) فإنكم لا تملكون حجة من علم أو سلطانا من ~~دليل ، ولكنه الوهم الذي لا يتصل بالعلم من بعيد أو من قريب ( @QUR@06 ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون ) وكيف يتحدث الإنسان عن قضايا الإيمان ~~والحقيقة من خلال الأوهام التي تدور في ذهنه؟ وكيف يتحرك في قضايا المصير ~~بهذه الطريقة؟ وهل يستطيع أن يتحمل مسئولية النتائج السلبية على مستوى ~~حياته وحياة الناس من حوله في ما يثيره من هذه الأضاليل التي لا ترتكز على ~~أساس من علم أو يقين؟ وماذا يقدم من جواب لكل الأسئلة التي ستوجه إليه في ~~يوم ms2817 الحساب بين يدي الله؟ # * * * ### ||| ** لا يفلح المفتري على الله # ( @QUR@09 قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) لأنهم لم ~~يأخذوا بأسباب الفلاح من الصدق في الكلمة ، والإخلاص في العمل ، والاستقامة ~~في الفكر والموقف ، بل أخذوا بأسباب الخسران ، في ما اختلقوه من أكاذيب ، ~~وفي ما مارسوه من أضاليل. وإذا كانوا قد حصلوا على بعض النتائج السريعة من ~~مال أو جاه أو شهوة ، فما ذا يبقى لهم من ذلك؟ ( @QUR@03 متاع في الدنيا ) ~~يستمتعون به حينا من الزمن ، ويستسلمون معه لبعض ملذاتهم وشهواتهم PageV11P340 # وانفعالاتهم الحميمة. ( @QUR@03 ثم إلينا مرجعهم ) فيقفون للحساب وقفة ذل ~~وهوان ( @QUR@07 ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) فذلك هو ~~المصير المحتوم للكافرين الذين عاشوا الكفر فكرا وقولا وعملا وتمردوا على ~~الله الذي خلقهم ، ولم يركنوا إلى ركن وثيق من الحجة القاطعة والبرهان ~~القوي ، فليعتبر الآخرون بذلك ، وليعيدوا النظر في حساباتهم ، إذا كان لهم ~~شغل في مصيرهم في الدنيا والآخرة ، قبل فوات الأوان. # وفي ضوء هذه الآيات ، يمكن للإنسان أن يستوحي ، أن مشكلة الكفر والضلال ~~متصلة بمشكلة الجهل في الإنسان ، الذي لا يحاول أن يبحث عن الحقيقة من خلال ~~استخدامه للوسائل التي أراده الله أن يأخذ بها في ما خلقه من وسائل المعرفة ~~، وبذلك يضيع في متاهات الأوهام ، فيستسلم للنتائج المدمرة التي تدمر له ~~حياته الروحية في الداخل ، وحياته العملية في الخارج ، وتسلمه إلى المصير ~~المحتوم الذي هو العذاب الشديد في الآخرة ، يوم يقوم الناس لرب العالمين. # * * * PageV11P341 ### ||| * الآيات # ( @QUR@034 واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) @QUR@016 فإن توليتم فما ~~سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) ~~@QUR@017 فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) (73) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غمة ): كربة. # ( @QUR@02 اقضوا إلي ): أي افرغوا من أمركم. # ( @QUR@01 توليتم ): أعرضتم. # * * * PageV11P342 ### ||| ** اتل عليهم نبأ ms2818 نوح # وهذا جانب من جوانب قصة نوح مع قومه ، في ما يمثله من قوة موقف النبوة ~~أمام خصومها ، فليس هناك ضعف في العزيمة ، ولا خلل في الإرادة ، ولا ارتباك ~~في الحركة ، بل هي الرسالة الواثقة بنفسها المطمئنة إلى سلامة مواقعها ، ~~المتحركة باستقامة واتزان إلى هدفها ، ولذلك لم يكن لموقفه هذا طابع الجانب ~~الشخصي الذي يتجمد عند التجربة المحدودة في نطاق الزمان والمكان. وفي ضوء ~~ذلك ، كان الله يريد لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يتبني هذا الموقف ~~في مواجهته لحالة التحدي العنيفة التي تتمثل في موقف قومه ، ليكون رد ~~التحدي فعلا متحركا مستمرا في خط الرسالات ، لا رد فعل من خلال حالة طارئة ~~، فهو انطلاقة الرسالة في حركة الصراع المستمر بين الكفر والإيمان منذ بدأ ~~الأنبياء يقفون في الساحة من أجل دعوة الناس إلى الله الحق ، ولذلك فقد ~~كانت أدوات الصراع واحدة في طبيعة الشخصية ، ونوعية الكلمات ، وحيوية ~~الأساليب ، وفاعلية الحركة ، وصفاء الروح ، وطيبة القلب ، ورهافة الشعور ، ~~وصلابة الموقف. # * * * ### ||| ** تجربة نوح مع قومه # ( @QUR@04 واتل عليهم نبأ نوح ) من أجل أن تعرفهم موقفك من خلال موقفه ، ~~ليعرفوا أسلوب الرسالة في المواجهة في أسلوبك معهم ، من خلال المقارنة بينه ~~وبين أساليب الأنبياء ، ( @QUR@010 إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي ) فاعتبرتموه PageV11P343 # شيئا كبيرا على مشاعركم وأوضاعكم ، فاستثقلتموه ، ورأيتم أنفسكم في موقف ~~قوي لا يسمح للآخرين الذين لا يملكون موقعا اجتماعيا متقدما في سلم الطبقات ~~الاجتماعية ، أن يواجهوا علية القوم بالدعوة إلى الله ، وبذلك كان موقفكم ~~مني سلبيا في دعوتي إياكم إلى الانسجام مع خط الرسالة ، ( @QUR@03 وتذكيري ~~بآيات الله ) التي تفتح قلوبكم على الحقيقة من أقرب طريق ، وتوجهكم إلى ~~الخير في موارده ومصادره ، وتربطكم بخط المسؤولية الذي يبدأ في حركته ~~الصاعدة من بداية حياة الإنسان لتنتهي إلى يوم القيامة في مواجهة نتائجها ~~بين يدي الله ، ليكون العمل منطلقا في أجواء الرسالة وآفاق الله. # وبذلك كان هذا التذكير المستمر الذي لا يمثل حالة شخصية تنطلق من تجربة ~~خاصة ، بل يمثل ms2819 وحيا إلهيا ينطلق من وحي الله ليثير الإنسان نحو التفكير ~~الذي يقوده إلى محاكمة الأشياء ودراستها ومناقشتها بشكل موضوعي هادئ ، ~~ليتحرك نحو إدارة الحوار مع الآخرين من موقع مسئولية الفكر على أساس قضية ~~المصير في ما يتصل بحياته وحياة الناس من حوله. # وتلك هي مهمة الرسول ، أن يفتح العقول للتأمل والتفكير ، وأن يفتح الساحة ~~للحوار والمناقشة ، بعيدا عن كل الضغوط النفسية والعملية ، لأنه هو الذي ~~يتحمل مسئولية شق الطريق إلى الهدف ، فلا يمكن أن يتراجع تحت تأثير أية ~~حالة مضادة ، ولهذا وقف نوح معهم الموقف الذي يوحي بالقوة المرتكزة على ~~قاعدة التوكل على الله ومواجهة كل التحديات في الساحة من قبلهم ( @QUR@03 ~~فعلى الله توكلت ) في موقفي في حركة الرسالة نحو الدعوة والتغيير مهما كانت ~~ردود فعلكم ( @QUR@03 فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) في ما تملكونه من طاقات ~~بشرية ذاتية أو مساندة ( @QUR@06 ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) أى مستورا ، ~~بل واجهوا الموقف بكل سلبياته التي تثيرونها بكل وضوح وصراحة ( @QUR@05 ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون ) واستعملوا كل ما يقع تحت أيديكم من وسائل الضغط ولا ~~تمهلوني ساعة ، وهذا هو ندائي الأخير إليكم لتسمعوا ولتستجيبوا لنداء الله ~~، ولتهتدوا بهداه ، PageV11P344 # ( @QUR@02 فإن توليتم ) وأعرضتم ، فلن يضرني ذلك ، لأني لا أتحرك في ~~مواقع الرسالة والهداية من حسابات الربح والخسارة ، في ما أطمع أن ينالني ~~منكم من نفع مادي أو غيره ، أو من دفع ضرر مثله ، لأشعر بالضعف أمام حالتكم ~~هذه ، لأني أنطلق في ذلك كله من الله ، لأصل إليه وألتقي بمغفرته ورضوانه ~~من موقف المسؤولية ، ( @QUR@09 فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ) ~~فهو غاية المأمول في كل شيء ، وهو الذي يمنح عبده عطاياه في الدنيا والآخرة ~~( @QUR@05 وأمرت أن أكون من المسلمين ) الذين يعيشون إسلام الفكر والقلب ~~والعمل لله في كل شيء ، مهما كانت الظروف قاسية والتحديات صعبة ، من خلال ~~ما يمثله ذلك من ضغط نفسي ومادي على الإنسان ، وبذلك كان الإصرار على ~~الموقف مظهرا من مظاهر الإسلام الشامل لكل أجواء الحياة. # ( @QUR@06 فكذبوه فنجيناه ومن معه في ms2820 الفلك ) ولم تتوقف مسيرة الرسالة ~~أمام الضغوط والتحديات ، بل استمرت في حركة هؤلاء الذين أنجاهم الله من ~~الغرق ( @QUR@02 وجعلناهم خلائف ) يخلفون الأمم السابقة في حمل الرسالة ~~وإدارة شؤون الحياة ، أو يحملون مسئولية الحياة في ما أوكله الله للإنسان ~~من خلافته في الأرض ( @QUR@04 وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) وكان نهاية ~~أمرهم أن لا قوا عذاب الله في الدنيا قبل أن يلاقوه في الآخرة ، ليعتبر من ~~بعدهم بذلك ، فلا يكذبوا ولا يعرضوا ، بل يستسلموا لرسالة الله ولرسله ( ~~@QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) الذين أعرضوا وكذبوا وتمردوا على ~~خط الرسل والرسالات. # * * * PageV11P345 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) @QUR@014 ثم ~~بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين (75) @QUR@010 فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر ~~مبين (76) @QUR@011 قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون (77) @QUR@016 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون ~~لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) @QUR@06 وقال فرعون ~~ائتوني بكل ساحر عليم (79) @QUR@010 فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما ~~أنتم ملقون (80) @QUR@017 فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله ~~سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) @QUR@07 ويحق الله الحق بكلماته ~~ولو كره المجرمون ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نطبع ): الطبع : أن تصور الشيء بصورة ما. PageV11P346 # ( @QUR@01 وملائه ): جماعته. # ( @QUR@01 لتلفتنا ): لتصرفنا. # ( @QUR@01 الكبرياء ): الترفع عن الانقياد. وقيل هي الملك وقيل العظمة ~~والسلطان. # ( @QUR@01 يصلح ): يزيل ما فيه من فساد بعد وجوده. # * * * ### ||| ** إرسال موسى وهارون إلى فرعون # ( @QUR@07 ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم ) فلم تقف المسيرة عند نوح ، ~~لأن الله أراد للإنسان أن يواصل رسالة المعرفة من خلال الوحي في ما لا يملك ~~وسيلة معرفته ، أو في ما يحتاج في معرفته إلى جهد كبير لا تتوفر لديه بعض ~~طاقاته ، ليكون ذلك هو الأساس الذي تنطلق من قاعدته قضية النمو والتطور في ~~حركة الحضارة الإنسانية التي يريد الله لها أن ms2821 تتحرك من مواقع روحية وفكرية ~~واقعية. # وهكذا كانت الرسالات منطلق هدى ، وينبوع خير ، وحركة إبداع ، ويقظة روح ( ~~@QUR@02 فجاؤهم بالبينات ) إن الرسالات لا تمثل الصدمة التي تهز في الناس ~~شعورهم ، بل تمثل الفكرة التي تحرك فيهم عقولهم ، ولذلك كانت أدواتها فكرية ~~عقلانية ، فلا تدعو الناس إلا من خلال الحجة التي تدفعهم إلى التفكير ، ~~وتقودهم إلى التأمل والحوار ، لأن ذلك هو الذي يجعل للقناعات قوتها في حساب ~~العقيدة ، ويؤكد لها مواقعها في مواقع الصراع. ولكن PageV11P347 # الكثيرين من الناس لا يريدون أن يفكروا من موقع عقلي موضوعي ( @QUR@08 ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) من غير قاعدة للتكذيب ، بل كانت ~~القضية مزاجا وشهوة وتمردا على أساس الذاتية التي تحدد مواقفها من خلال ~~انفعالاتها ( @QUR@05 كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) فنختم على عقولهم بسبب ~~ما اختاروه لأنفسهم من العدوان على الرسل والرسالات ، بعد أن أغلقوا قلوبهم ~~عن كل كلمات الحق وجمدوا مشاعرهم عن الاستجابة لنداء الله ، فكانت النتيجة ~~هي ابتعاد العقول عن الإيمان ، وذلك من خلال ما ربط به الله الأمور في ~~قانون السببية الذي يتصل فيه المسبب بالسبب. # ( @QUR@010 ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا ) في ~~المرحلة الصعبة التي كان يعيشها المستضعفون تحت سلطة هذا الطاغية وجماعته ، ~~مما كان يفرض حالة إنقاذ غير عادية ، من أجل أن تتحرك المسيرة الإنسانية ~~بعيدا عن الضغوط التعسفية التي تلغي إرادتها الحرة ، وتؤخر اندفاعها نحو ~~التقدم في مجالات الفكر والحضارة ، فكان إرسال موسى وهارون بالنبوة من أجل ~~تحقيق عملية الإنقاذ التي تتحرك في خط التوعية على مستوى الدعوة ، وفي خط ~~التعبير على مستوى المواجهة ، ( @QUR@04 فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) ~~فلم يناقشوا فكر الدعوة من موقع الفكر ، بل واجهوه بالاستكبار الذاتي ~~الطاغي الذي يوحي للنفس بأنها على حق دائما مهما كانت طبيعة الطروحات ، ~~ولذلك فإنهم يتحركون في أجواء الجريمة ، فيجرمون على مستوى الفكر وعلى ~~مستوى الواقع وعلى مستوى العلاقات ، في ما يؤيدون ، وفي ما يرفضون ، وذلك ~~لإرضاء غريزة الكبرياء عندهم التي تدفعهم لأن يجحدوا الحق ويضطهدوا ms2822 أهله في ~~عملية إذلال وإخضاع. وتلك هي سيرة الطغاة والظلمة والمستكبرين الذين يعيشون ~~الجريمة من مواقع الاستكبار. # * * * PageV11P348 ### ||| ** دعوى السحر في رسالة موسى # ( @QUR@05 فلما جاءهم الحق من عندنا ) لم يخضعوا له ، ولم يستسلموا ~~لآياته وبراهينه ، بل أصروا على العناد والجحود ، وحاولوا أن يثيروا الضباب ~~في وجه الرسول الذي يحمل الحق إليهم ، فأنكروا رسالته ، ( @QUR@05 قالوا إن ~~هذا لسحر مبين ) في الوقت الذي كانوا يعرفون فيه الفرق بين السحر الذي يمثل ~~الوجه الخادع من الصورة ، وبين الحق الذي يجسد العمق الدقيق في ملامحها ~~الأصيلة ، ولكنهم كانوا يبحثون عن كلمة ، أية كلمة ، تبرر لهم هذا الموقف ~~أمام الناس البسطاء ، ليضللوهم وليحجبوا عنهم الحقيقة من خلال غشاء الضلال ~~، تماما كما هم دعاة الباطل في كل زمان ومكان ، من خلال ما يثيرونه من ~~الغبار في وجه الدعاة إلى الله من تهم كاذبة ، وكلمات ضالة ، وحركات مضللة. # * * * ### ||| ** رد موسى # ( @QUR@02 قال موسى ) مستنكرا قولهم ( @QUR@04 أتقولون للحق لما جاءكم ) ~~يحمل الحجة الواضحة والبرهان القاطع ( @QUR@02 أسحر هذا ) لتعطلوا حركته في ~~الساحة ، ولتبطلوا قدسيته في النفوس بالإيحاء بمعنى السحر فيه ، ليتعامل ~~الناس معه تعاملهم مع ألاعيب السحر وتهاويله ، من موقع الدهشة والتعجب ، لا ~~من موقع الإيمان والاقتناع ( @QUR@03 ولا يفلح الساحرون ) لأنهم يخادعون ~~الناس ، ويزيفون لهم الصورة الحقيقية للأشياء ، ويتلاعبون بحياتهم كما ~~يتلاعبون بأنظارهم ، وبذلك كان موسى يشجب السحر من خلال إعلانه عن خسارة ~~الساحرين في قضية المصير ، PageV11P349 # ليواجه الدعاية المضادة ، بقوة الهجوم على الفكرة المثارة حول رسالته ، ~~ليتعرف الناس فيه وجه النبي الذي يرفض السحر من ناحية المبدأ ، بعيدا عن ~~وجه الساحر الذي يزهو بسحره ليربح تصفيق الناس ولمعان عيونهم بالدهشة ~~والإعجاب. # ( @QUR@07 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ) قالوها ، في ~~عملية إنكار للنتائج السلبية التي يواجهون من خلالها هزيمة كل مفاهيم ~~الصنمية المتخلفة التي ورثوها من آبائهم ، فعاشت في داخلهم في مواقع ~~القداسة الجاهلة التي ترى في الماضي بكل جهله وتخلفه معنى التقديس ، فلا ~~يمكن أن يناقشه أحد ، مهما كانت درجة الخطأ فيه ، لأنهم لا يميزون بين ~~العاطفة التي تحكم ms2823 علاقتهم بالماضي ، وبين العقيدة التي تخضع لاعتبارات ~~الحق المرتكز على الحجة والبرهان ، ولو فكروا جيدا في المسألة ، لرأوا أن ~~هؤلاء الآباء هم بشر كبقية البشر ، فقد يصيبون الحقيقة ، وقد يخطئونها ، ~~فلا بد من مناقشة فكرهم وعاداتهم وتقاليدهم ، تماما كما نناقش فكر الآخرين ~~الذين يعيشون معنا ، لأن الزمن لا يعطي للشخص أو للفكر معنى الحقيقة في ~~حركته ، بل كل ما هناك ، أنه يفسح المجال للطاقة الفاعلة أن تتحرك في مجاله ~~، لتعبر عن نفسها بما تملكه من ملامح الحق والباطل ، وبذلك يصبح من حق أي ~~إنسان يفكر بغير الطريقة التي يفكر بها الأقدمون ، أن يعمل ليغير الفكر ~~الذي تركوه ، والبناء الذي بنوه ، فليس لأحد أن ينكر عليه ذلك ، بل كل ما ~~هناك أن لهم أن يناقشوه في طروحاته ، كما يناقش هو الآخرين ، في ما طرحوه. ~~ولكن هؤلاء الذين واجهوا موسى لم ينطلقوا من موقع التفكير والإخلاص للحقيقة ~~عند ما أنكروا عليه ذلك ، وقالوا له : ( @QUR@06 أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا ) ثم وجهوا خطابهم إلى موسى وهارون معا ، ( @QUR@05 وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض ) لأنهم يظنون أن الناس مثلهم لا ينطلقون من قاعدة الحق ~~عند ما يعارضون ، بل يعتبرون الدعوة الجديدة التي يثيرونها في الساحة وسيلة ~~من وسائل الإمساك بالسلطة ، PageV11P350 # والحصول على الامتيازات الاجتماعية والسياسية ، والوصول إلى مواقع ~~الكبرياء في الأرض ، وبهذا كان موقفهم من موسى وهارون ، هو موقف الذي يدافع ~~عن امتيازاته ، بمواجهة الامتيازات التي يريد الآخرون أن يكتسبوها في ~~طموحاتهم وأطماعهم ، ولهذا أطلقوا الصرخة في وجه الرسولين الأخوين ( ~~@QUR@04 وما نحن لكما بمؤمنين ) فافعلا ما تريدان ، فلن نستمع لكما ، ولن ~~نفكر في ما تقولانه ، لأننا لن نتنازل عما نحن عليه من عقيدة وسلطة. # * * * ### ||| ** رد فرعون # وفكر فرعون أن يهزم موسى بالسحر ، لأن للسحر تأثيره الكبير على الناس ، ~~وظن أن موسى لا يستطيع مواجهة هذا التحدي ، فسينهار أمام الرعب الهائل الذي ~~يثيره السحر في روحه ، فيفقد قوته الروحية أمامه ، وتنهزم قاعدته المعنوية ~~في نفوس الشعب. وهكذا نادى قومه : ( @QUR@016 وقال فرعون ائتوني بكل ساحر ~~عليم* ms2824 فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) في موقف يوحي ~~لهم بالاستهانة بهم ، في ما يحاول أن يثيره من الشعور الخفي في داخلهم بقوة ~~موقفه وباطمئنانه إلى النتيجة الحاسمة لصالحه في نهاية المطاف ، ليهزم ~~موقفهم بذلك. # * * * ### ||| ** إبطال عمل السحرة # ( @QUR@011 فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ) لأنه ~~لا يمثل PageV11P351 # الحقيقة ، بل يمثل الوجه الخادع للأشياء الذي لا ينفذ إلى عمق الواقع ، ~~بل يظل صباغا باهتا على السطح ، وسيزول في أول صدمة. أما الحق ، فإن جذوره ~~ضاربة في أعماق الحياة ، وذلك هو الفرق بين ما يفسد الحياة ، وبين ما ~~يصلحها ، وتلك هي القصة بين الزيف والإخلاص ، ( @QUR@06 إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين ) لأن الله قد أقام الحياة على أساس الحق ، فلا يسمح للفساد ~~أن يتعمق فيها ، فلا يلبث إلا قليلا ثم يزول كما تزول الفقاقيع من على وجه ~~الماء ، وكما يتبخر الزبد مع الهواء ، ويبقى الحق في حركة الحياة ليمتد ~~معها ما امتد الإنسان في الزمن ( @QUR@04 ويحق الله الحق بكلماته ) التي ~~تعطي له الثبات والقوة والعمق والامتداد ، ويؤكدها بقدرته وحكمته ( @QUR@03 ~~ولو كره المجرمون ) لأنهم لا يمثلون شيئا في ميزان القدرة ، أو في حركة ~~الحياة. # * * * PageV11P352 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) @QUR@013 وقال موسى ~~يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) @QUR@010 ~~فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) @QUR@05 ~~ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ) (86) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذرية ): الذرية : الجماعة من نسل القبيلة. # ( @QUR@01 يفتنهم ): يصرفهم عن دينهم. # ( @QUR@01 المسرفين ): المجاوزين الحد. # * * * PageV11P353 ### ||| ** فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه # ( @QUR@07 فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ) فلم يؤمن منهم إلا قليل ، ~~ولكنهم لم يكونوا مطمئنين لمصيرهم ، وذلك من خلال الضغوط الصعبة التي ~~يستطيع فرعون أن يمارسها ضدهم ، وبذلك كان إيمانهم ( @QUR@07 على خوف من ~~فرعون وملائهم أن يفتنهم ) عن دينهم ، وذلك بالتأكيد على نقاط الضعف ~~الكامنة في ms2825 نفوسهم وفي حياتهم التي تبعث فيهم الاهتزاز في الموقف ~~والانتماء. # ( @QUR@05 وإن فرعون لعال في الأرض ) في ما يحاوله من السيطرة الغاشمة ~~على المستضعفين ، والعمل على إذلالهم ، وتدمير شخصيتهم ، وسحق إرادتهم ، ~~للإيحاء الدائم لهم بأنهم في المرتبة الدنيا ، وهو في المرتبة العليا ( ~~@QUR@03 وإنه لمن المسرفين ) الذين أسرفوا في التمرد والعصيان والطغيان ~~والجحود والكفران ، حتى تجاوزوا كل الحدود. وأي إسراف أعظم من ادعاء ~~الربوبية. # ( @QUR@08 وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ) في ما يوحيه الإيمان ~~به من الإيمان بقدرته المطلقة التي لا تقف عند حد ، مما يعني الشعور بالأمن ~~في ظله ، والاطمئنان لرعايته ولرحمته ( @QUR@02 فعليه توكلوا ) واعتمدوا ، ~~فلا تخافوا معه أحدا مهما كانت عظمته ، ومهما كان دوره ( @QUR@03 إن كنتم ~~مسلمين ) لله أمركم وحياتكم في كل شيء ، فذلك هو سبيل القوة لمن أراد أن ~~يعيش معنى القوة في روحه وفكره وحياته ، ليواجه التحدي الكبير في ما يثيره ~~أعداء الله من تهاويل. وتجاوبوا مع هذا النداء ، فعاشوا الشعور بالقوة في ~~نطاق التوكل على الله ، الذي يوحي بالأمن أمام احتمالات المستقبل ، فلا ~~يخاف من أشباح الغيب الكامنة في الزمن الخفي ، ولا يشعر بالشلل من ذلك ، بل ~~يجد في الله ضمانة من كل خوف واهتزاز ( @QUR@04 فقالوا على الله توكلنا ) ~~فهو ثقتنا في كل شيء ، وهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء. ( ~~@QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) PageV11P354 # فلا نسقط أمام التجربة القاسية والاختبار الصعب ، بل اجعلنا ممن يثبت في ~~كل الاهتزازات ، فلا يشعر هؤلاء الظالمون بأنهم على صواب في ما يرون ، إذا ~~رأونا نتساقط أمام الفتنة العمياء ( @QUR@05 ونجنا برحمتك من القوم ~~الكافرين ) فلا تسلطهم علينا من خلال القوة الغاشمة التي يملكونها ، بل ~~اشملنا برعايتك ورحمتك في كل أمورنا الحاضرة والمستقبلية ، حتى لا نحتاج ~~إلى أحد غيرك ، ولا نلجأ إلى أحد سواك. # * * * PageV11P355 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا ~~بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) @QUR@029 وقال موسى ربنا ~~إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ms2826 عن سبيلك ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~(88) @QUR@011 قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون (89) @QUR@027 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده ~~بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين (90) @QUR@07 آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ~~(91) @QUR@014 فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس ~~عن آياتنا لغافلون (92) @QUR@024 ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم ~~من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون ) (93) # * * * PageV11P356 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبوءا ): اتخذا. # ( @QUR@01 اطمس ): الطمس : إزالة الأثر بالمحو. # ( @QUR@01 واشدد ): هنا بمعنى اطبع. # ( @QUR@01 وجاوزنا ): المجاوزة : الخروج عن الحد. # ( @QUR@01 بغيا ): ظلما. # ( @QUR@01 وعدوا ): ظلما. # * * * ### ||| ** موسى يؤمر ببناء قاعدة للمواجهة # ( @QUR@09 وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ) لتبقى ~~قاعدة للانطلاق في عملية صنع القوة المستقبلية ، لأن بدايات النصر قد لاحت ~~، فلا مجال للاهتزاز في المواقع ، بل لا بد من الإيحاء بالثبات ، في ما ~~تمثله إقامة البيوت من ذلك ( @QUR@03 واجعلوا بيوتكم قبلة ) أي متقابلة في ~~مواجهة بعضها البعض ، لأن ذلك يحقق إمكانات المواجهة أمام أي خطر داهم ~~كأسلوب من أساليب تجميع القوة. # ( @QUR@02 وأقيموا الصلاة ) التي تمثل الطابع الروحي الذي يطبع هذا ~~المجتمع PageV11P357 # الجديد الذي يرتكز على أساس عبادة الله في مواجهة عبادة الطاغوت. وربما ~~كان الاكتفاء بإقامة الصلاة باعتبارها المعراج الروحي الذي يجسد معنى ~~الإيمان بالله في مواقف العبادة والخضوع ( @QUR@02 وبشر المؤمنين ) بالنصر ~~على فرعون وبداية التحرك من أجل نهاية الطغيان ، ليبدأ عهد جديد يرف فيه ~~لواء الحق والعدل على رؤوس الجميع ، فلا يبقى هناك مجال لأي ضغط خارجي كافر ~~، مهما كان نوعه. ويمكن أن يتوسع معنى البشارة ليشمل أجواء الآخرة التي ~~تتلقى فيها الملائكة وفود المؤمنين بالبشرى بالجنة التي كانوا يوعدون. # * * * ### ||| ** دعاء موسى على فرعون # ( @QUR@012 وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ) في ما مكنتهم فيه من أسباب ms2827 القوة ، من مال كثير ، وجاه عظيم ، مما ~~جعل منهم الفتنة للناس الآخرين ، ومكنهم من استغلال ذلك في عملية الإغواء ~~والإضلال ( @QUR@04 ربنا ليضلوا عن سبيلك ) في ما اعتاده الناس من ممارسة ~~الضغط النفسي عليهم بالزينة التي تبهر الأبصار وتغري النفوس ، وبالأموال ~~التي تضعف المواقف وتسحق الإرادة ( @QUR@04 ربنا اطمس على أموالهم ) ~~وامحقها ، لئلا يكون لهم سبيل من سبل الضلال في ذلك كله ( @QUR@03 واشدد ~~على قلوبهم ) أي اطبع على قلوبهم حتى لا تنفتح على أي فكر يوحي لهم ~~بالامتداد في حياة الناس ، وربما فسر بمعنى آخر على خلاف الظاهر ( @QUR@06 ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) لعل الظاهر أنها من تتمة الدعاء ، أي ~~وعذبهم العذاب الأليم الذي ينتظرهم في نهاية المطاف ، فيؤمنوا من موقع ~~العذاب الذي يلتقون معه بالحقيقة. وقد يعتبرها البعض معطوفة على قوله: ( ~~@QUR@03 ليضلوا عن سبيلك )، وهو غير ظاهر. # * * * PageV11P358 ### ||| ** العبرة من دعاء موسى # وقد نستوحي من ذلك أن الطغاة والظالمين يتوصلون إلى إضلال الناس والسيطرة ~~عليهم من خلال الحالة الاستعراضية التي يحاولون من خلالها التأثير على ~~نفسية الناس لإضعافها بمظاهر الزينة والمال والجاه التي تبهر الأبصار وتعشي ~~العقول ، مما قد يقتضينا معالجة هذه المؤثرات الضاغطة بمختلف أساليب ~~التوعية التي تضع القضية في نصابها وحجمها الطبيعي ، وذلك من جهة تخفيف ~~الضغط على مواقفهم من خلال ذلك. # وقد لا يكون النبي موسى عليه السلام في موقف المنفعل الذي يريد أن يعالج ~~المسألة بالدعاء المتحرك من موقع المأزق الذي يحيط به ، بل كانت القضية أن ~~التجارب قد استنفدت معهم ، وأنهم يقفون في الطريق ليمنعوا الرسالة من أن ~~تتحرك في خط الدعوة ، وفي مجال تحقيق الأهداف ، وليعطلوا حركة الحرية في ~~نفوس المستضعفين من خلال دعوة النبي ، وذلك بالضغوط المباشرة تارة ، ~~وبالضغوط غير المباشرة أخرى ، فلم يكن هناك مجال إلا بالقضاء عليهم ، لتبقى ~~الساحة خالية من الحواجز الصعبة التي تمنع الانطلاق ، لئلا تنسحق أمام ~~حالات الشلل والجمود الذي أريد لها أن تنسحق أمامها. وهكذا كان ، فقد أوحى ~~الله إلى موسى وهارون بما يريد ( @QUR@05 قال قد أجيبت دعوتكما ms2828 فاستقيما ) ~~وسيحل العذاب بفرعون وجماعته ، فاستقيما في موقع القوة الجديد الذي ستحصلان ~~عليه بعد إهلاك الطاغوت ، وتابعا المسيرة في الخط الذي أراد الله لكما أن ~~تسيرا عليه ، لأن الإنسان قد يضعف أمام السلطة ، فيترك ما كان يدعو إليه ، ~~ويستسلم للدوافع الذاتية والمؤثرات الشيطانية إذا لم ينفتح على الله في كل ~~الأحوال ، ( @QUR@06 ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) طريق الحق ، ولا ~~يهتدون إلى غايات الخير والعدل والإيمان. PageV11P359 # وذلك هو أسلوب التربية القرآنية ، الذي يوحي بأن من الضروري متابعة ~~الإيحاء للدعاة إلى الله بالحذر من الانحراف ، بعيدا عن أية حالة ذاتية ، ~~مما يمكن للناس أن يجعلوه مانعا عن توجيه النصح ، من عظمة الشخصية ، وحجم ~~الموقع ، لأن المسألة لا تتصل بمستوى الذات ، بل ترتبط بضخامة التحديات ~~التي قد تزلزل الإنسان ، وقد تهوي به إلى مكان سحيق. ولا نريد في هذا ~~المجال أن نتحدث عن قصة العصمة التي تمنع النبي عن الانحراف مما يمنع من ~~توجيه النصح إليه في هذا الاتجاه ، لأننا نحسب أن تأديب الله لرسله ، هو ~~أحد المؤثرات في العصمة التي تمنحهم مناعة الموقف وقوة الالتزام. وقد لا ~~تفوتنا الملاحظة في أسلوب القرآن ، الذي يعبر دائما عن الكافرين والظالمين ~~بأنهم لا يعلمون ، مما يعني أن مشكلة هؤلاء أنهم لم ينفتحوا على الحقيقة من ~~موقع جهل ، أو من موقع غفلة وتمرد ، فقد لا يعرفون الحق مباشرة ، وقد لا ~~يعرفون نتائج البعد عنه عند ما يختار الإنسان لنفسه ذلك. # * * * ### ||| ** ملاحقة فرعون لبني إسرائيل # ( @QUR@04 وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) في ما هيأه الله لهم من وسائل ~~الخلاص من ظلم فرعون بطريق المعجزة ( @QUR@05 فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ~~وعدوا ) من دون حق ، من موقع العدوان ، ورأى أن الطريق ممهدة أمامه ~~لملاحقتهم ، وظن أن الله يلطف به كما لطف بهم ، ولكن جاءه الموج من كل مكان ~~( @QUR@04 حتى إذا أدركه الغرق ) استعرض كل حياته ، بكل ما فيها من كفر ~~وبغي وطغيان وعدوان على الناس ، وانفتحت له آفاق الإيمان فجأة ، وانجلت عن ~~عينيه وعن قلبه غشاوة الضلال. # * * * PageV11P360 ### ||| ** إعلان فرعون إيمانه # ( @QUR@02 قال ms2829 آمنت ) في لهجة خشوع وابتهال ( @QUR@09 أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنوا إسرائيل ) فهو الإله الحق ، وكل ما عداه خرافة وتضليل ( ~~@QUR@03 وأنا من المسلمين ) الذين يسلمون أمرهم إلى الله ويطيعونه في ما ~~يأمر به وينهى عنه ( @QUR@01 آلآن ) تقول آمنت وتبت وأسلمت ، في الوقت الذي ~~لا تملك فيه أية قدرة أو سلطة أو اختيار ( @QUR@03 وقد عصيت قبل ) عند ما ~~كنت تملك ما حولك ومن حولك ، فلم تفكر بالإيمان بل كنت تحاربه وتضطهد من ~~يتبعه ( @QUR@03 وكنت من المفسدين ) الذين أفسدوا حياتهم بالكفر والعصيان ، ~~وأفسدوا حياة الناس بالظلم والعدوان. # * * * ### ||| ** العبرة من نجاة بدن فرعون # ( @QUR@07 فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) وعبرة لمن اعتبر ، ~~وعظة لمن اتعظ ، وليعرف الناس أن الامتداد في الضلال والمعصية لا يبلغ ~~المدى الذي يريده أصحابه ، بل يقف في نهاية المطاف عند حد لا يتعداه ( ~~@QUR@07 وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) لأنهم لم ينفتحوا على ~~المجالات التي توحي إليهم بالتأمل والتفكير وتقودهم إلى الحوار ليواجهوا ~~الحقيقة من أقرب طريق .. وذهب فرعون وقومه. # * * * PageV11P361 ### ||| ** اختلاف بني إسرائيل # ( @QUR@06 ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) أي منزل صدق ، المراد به ~~المنزل الصالح الجيد ، في ما يشتمل عليه من خير وخصب وبركة. وقد نقل عن ~~العرب أنهم يضيفون الصدق إلى المكان ويقصدون به الصلاح ، ( @QUR@03 ~~ورزقناهم من الطيبات ) في ما أغدقه الله عليهم من بركات الأرض والسماء ، ~~ليشكروه وليوحدوا موقفهم على أساس كلمته ، المنطلقة من وحيه الذي أنزله على ~~موسى في التوراة ، ولكنهم تمردوا واختلفوا فيما بينهم على كثير من الأشياء ~~( @QUR@05 فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ) الذي يوضح لهم الحقيقة في ما ~~اختلفوا فيه ، فلم يتركهم لجهلهم ، بل أراد أن يبين لهم كل شيء في التوراة. ~~ولكن القضية عندهم لم تكن مشكلة مصادر المعرفة ، بل الروحية التي تربطهم ~~بآفاقها ، فلم يعيشوا مسئولية العلم في الإذعان للحق الذي يكشفه ، بل ~~استسلموا لأنانيتهم التي تمنعهم من الرضوخ للآخرين في ما يتحركون به من ~~أسباب المعرفة ( @QUR@010 إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون ms2830 ) وذلك عند ما يقوم الناس لرب العالمين ، ليواجهوا الحجة في ما ~~اعتقدوه وفي ما لم يعتقدوه ، وما اختلفوا فيه ، فيقف كل إنسان أمام النتائج ~~السلبية والإيجابية التي تنعكس على موقفه ، من دون لف أو دوران ، لأن ~~الموقف هناك هو موقف الصدق الذي لا يحتمل كذبا ولا رياء ولا نفاقا ولا ~~هروبا من المسؤولية. # * * * PageV11P362 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من ~~قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) @QUR@010 ولا تكونن ~~من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) @QUR@08 إن الذين حقت ~~عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) @QUR@08 ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم ) (97) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الممترين ): الامتراء : طلب الشك مع ظهور الدليل. # * * * ### ||| ** تأكيد صدق الدعوة بما جاء في الكتب السابقة # وهذا أسلوب قرآني يخاطب فيه الله نبيه ، لا ليوجه الخطاب إليه بالذات ، PageV11P363 # بل ليوجهه إلى الأمة التي يمكن أن يضللها الآخرون من اليهود وغيرهم ، ~~ليثيروا في داخلها الشك والريبة حول صدق هذا القرآن ، ومدى ارتباطه بالوحي ~~، وانسجامه مع الكتب التي أنزلها الله على رسله ، ليقودها من خلال هذا ~~الخطاب إلى مواجهة هذا الشك بالحجة القاطعة في التأكيد على ارتباط مفاهيمه ~~وأحكامه بما جاء في الكتاب الذي سبقه وهو كتاب موسى الذي أنزله الله إماما ~~ورحمة. أما كيف يثبت ذلك ، فهو بالسؤال للذين يقرءون الكتاب ليتحداهم ~~بإظهار ما يخفونه منه ليدخل في مقارنة معه. # * * * ### ||| ** نبوة محمد في الكتب السابقة # ( @QUR@07 فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) وذلك بما ربما يثيره هؤلاء من ~~التهاويل من حيث طبيعة الوحي وغير ذلك ( @QUR@06 فسئل الذين يقرؤن الكتاب ~~من قبلك ) وتحداهم أن يظهروه ويقرءوه للناس ويفسروه لهم ، فستجد أنهم لا ~~يجرءون على ذلك ، بل يتراجعون أمام هذا التحدي ، لأنهم يعرفون كيف تظهر ~~الحقيقة من خلال ذلك ، وكيف تؤكد للنبي صدقه ، كما تؤكد للآخرين ذلك ( ~~@QUR@09 لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) أي الشاكين فيه لأنك ~~لا تواجه حالة من حالات الشك إلا لتجد معها إشراقة ms2831 من إشراقات اليقين ( ~~@QUR@07 ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ) تمردا وعنادا ، لا لشبهة ~~عرضت لهم ، ولا لدليل قام عندهم ، مما جعلهم يفقدون الثبات في الموقف ، ~~والوضوح في الرؤية ، فلا تتبع منهجهم ( @QUR@03 فتكون من الخاسرين ) الذين ~~خسروا كل شيء عند ما خسروا الله ، في ما يمثله ذلك من خسران كبير لقضية ~~المصير كلها. # * * * PageV11P364 ### ||| ** الذين حق عليهم العذاب # ( @QUR@06 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك ) وذلك من خلال كفرهم وتمردهم ~~وطغيانهم ، فقد توعدهم عليه بالعذاب ، فهم ( @QUR@02 لا يؤمنون ) بالله ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ( @QUR@04 ولو جاءتهم كل آية ) لأن ذلك لا ~~يقنعهم بالحق ، فهم لا يبحثون عن أسس القناعة ، لأنهم لا يريدون الاقتناع ( ~~@QUR@04 حتى يروا العذاب الأليم ) فيواجهون عند ذلك الحقيقة التي تجعلهم ~~وجها لوجه أمام حقيقة الإيمان بالله من دون أي غشاء أو غطاء. # * * * PageV11P365 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) (98) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@04 فلو لا كانت قرية ): أي فلو لا كان أهل قرية. # ( @QUR@01 الخزي ): الانكسار. # * * * ### ||| ** التوبة تمنع من العذاب # ( @QUR@07 فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها ) أي لو أن هذه القرى ~~آمنت بما جاءت به الرسل من آيات وبينات ، لنفعها إيمانها وأنقذها من عذاب ~~النار ، كما PageV11P366 # ينفع الإيمان أصحابه في ما وعد الله به المؤمنين من الجنة التي أعدها ~~للمتقين المؤمنين ، ولكنها لم تؤمن ، فلم تنتفع بنتائج الإيمان ( @QUR@03 ~~إلا قوم يونس ) الذين دعاهم نبيهم إلى الإيمان فتمردوا عليه ، بالرغم مما ~~أقامه عليهم من الحجة القاطعة ، فدعا الله عليهم ، فوعده بإنزال العذاب ، ~~ليخبرهم بذلك ، من دون أن يعرفه أن يعرفهم بأن ذلك مشروط بعدم رجوعهم إلى ~~الله وتوبتهم من ذنوبهم ، ليكون ذلك منطلقا للإحساس بضرورة التوبة عند ما ~~يجدون أنفسهم على شفا حفرة من العذاب. وهكذا كان ، فقد شعروا بالإيمان ~~يقتحم عليهم آفاقهم لينزرع في قلوبهم .. ( @QUR@02 لما آمنوا ) واطلع الله ~~على صدقهم في موقفهم ( @QUR@07 كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) ~~لما أظهروه من الندم والخضوع والرجوع ms2832 إلى الله ( @QUR@03 ومتعناهم إلى حين ~~) مجيء أجلهم الذي أجله الله لهم كرامة لإيمانهم. وسيجيء الحديث عن قصة ~~يونس وقومه عند ما يتعرض القرآن لتفاصيلها في ما يأتي من حديث. # * * * PageV11P367 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين (99) @QUR@014 وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون ) (100) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الرجس ): قيل هو النتن ، وقيل العذاب. # * * * ### ||| ** الإيمان لا يكون إلا بالاختيار # ( @QUR@09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) لأن الله قادر على أن PageV11P368 # يخلق الإيمان في نفس الإنسان ، كما هو قادر على خلقه وإيجاده من عدم ، ~~ولكن الله لم يشأ ذلك ، بل جعل الإيمان خاضعا لإرادة الإنسان واختياره ، من ~~خلال المؤثرات التي تدفعه إلى ذلك ، وفي مقدمتها الدعوة إلى الله بالحكمة ~~والموعظة الحسنة والحجة الواضحة. فلما ذا تتعقد يا محمد من كفر هؤلاء الذين ~~يرفضون الاستجابة لندائك في دعوتك ، ولماذا تواجه المسألة بطريقة أخرى ~~تحاول أن تفرض نفسها على الآخرين من موقع الضغط والإكراه ، في الوقت الذي ~~لا تملك إلى ذلك سبيلا؟ ( @QUR@06 أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ~~وهذا استفهام إنكاري يحمل معنى النفي ، إذ لا مجال للإكراه ، فالفكر لا ~~يخضع لكل أدوات الضغط ، لأنه يعيش حريته من موقع تكوينه الحر ، ولذلك فلا ~~بد من التأمل والتفكير ليعرف الإنسان ماذا يأخذ وماذا يدع من ذلك كله ( ~~@QUR@08 وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ) من خلال أسباب الإيمان ~~العادية التي أذن الله لعباده أن يأخذوا بها في ما يريدون أن يملكوا به ~~السعادة في الدنيا والآخرة ، فإذا استجمعت شروط الإيمان من الوعي والإرادة ~~والقناعة ، كان الإيمان حالة طبيعية في النفس ، أما إذا لم يجتمع لها ذلك ، ~~فإن الإيمان سيبتعد عنهم بشكل طبيعي ( @QUR@06 ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون ) لأنهم يمثلون في فكرهم وسلوكهم وكفرهم وعصيانهم ، كل ألوان ~~القذارة والخبث ، مما يجعلهم بعيدين عن رحمة الله التي لا تشمل إلا الذين ~~يعيشون الطهر الفكري والروحي ، وقريبين من عذابه ms2833 الذي يصيب أولئك الذين ~~يختنقون في عفن الكفر والروح والعمل. # * * * PageV11P369 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون (101) @QUR@015 فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) @QUR@010 ثم ننجي رسلنا ~~والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) (103) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تغني ): تكفي. # ( @QUR@01 والنذر ): جمع نذير ، وهم الرسل الذين أرسلهم الله لينذروا ~~العباد. # * * * ### ||| ** دعوة إلى التأمل في آيات الله # ( @QUR@07 قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض ) إنها الدعوة الدائمة ~~للنظر الذي PageV11P370 # يتحرك في كل اتجاه ، ليصعد إلى السماء ، فيشاهد ما فيها من آيات الله ، ~~وليهبط إلى الأرض ، فيتطلع إلى ما في داخلها وعلى سطحها وفي جنباتها من ~~ألوان ومخلوقات وظواهر ، وليفكر في ذلك كله كيف يتحرك في نظام دقيق لا ~~ينحرف ولا يزول ، بل ينطلق من حكمة وتنظيم عميق ، ليخرج بالنتيجة الحاسمة ، ~~وهي أن الله هو الخالق الحكيم القوي القادر الذي لا ينتقص أحد من عزته ، ~~ولا يساويه أي شيء من خلقه. ولكن الكافرين لا يريدون الخوض في شؤون الإيمان ~~من مواقع الفكر ، بل ينطلقون إليها من موقع اللامبالاة ، ولا يقفون من هذه ~~الدعوة موقف الجدية والاهتمام ، بل يواجهونها من خلال اللامسؤولية البعيدة ~~عن كل نتيجة حاسمة على طريق الخير والهدى والإيمان. # ( @QUR@03 وما تغني الآيات ) التي أودعها الله في الكون أو التي أنزلها ~~على الرسل ( @QUR@01 والنذر ) الذين أرسلهم الله لينذروا عباده ويخوفوهم ~~عقابه ، ( @QUR@04 عن قوم لا يؤمنون ) ولا يحملون مسئولية الإيمان ، لأن ~~الإنسان لا ينتفع بما لا يريد الانتفاع به. # * * * ### ||| ** الانتظار مع المنتظرين # ويطرح القرآن التساؤل : وماذا بعد ذلك؟ ماذا ينتظر هؤلاء من كل هذا الكفر ~~والتمرد والعصيان؟ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الخزي في الدنيا والآخرة ، وهل ~~يعتبرون بذلك ، أم أنهم يسخرون ويطلقون المسألة في حجم التحدي للنبي ، ~~كأنهم يستعجلون الأمر ويشككون في ارتباطه بالله القادر على ذلك ، ( @QUR@06 ~~قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) لأنني لا أملك القدرة الذاتية على ذلك ~~، بل كل ما عندي أن أنذركم ms2834 لقاء يوم القيامة ، وأبلغكم ما أوحى به الله PageV11P371 # إلي. ويبقى الأمر لله في ذلك ، فهو أعلم بما يحكم وما يريد وما يفعل ، ~~ويبقى لنا أن ننتظر أمر الله في ما يحدث لنا وللآخرين ، وينزل الله عقابه ~~على الكافرين ، ( @QUR@010 ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين ) جزاء إيمانهم وإخلاصهم لله وللرسول وللرسالة ، في كل ما قالوه ~~وعملوه أو واجهوه من مصائب ومشاكل وبلايا. # * * * PageV11P372 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ~~(104) @QUR@09 وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ~~@QUR@016 ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين (106) @QUR@024 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) (107) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حنيفا ): الحنف : هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة. # ( @QUR@01 يمسسك ): المس يقال في ما يكون معه إدراك بحاسة اللمس ، ويقال ~~في كل ما ينال الإنسان من أذى. # * * * PageV11P373 ### ||| ** التعبير عن الموقف بأسلوب المناجاة # ويستمر المشركون في ضلالهم وعنادهم وكفرهم ، وينتقل النبي من خط الدعوة ~~المباشرة إلى أسلوب المواجهة بطريق غير مباشر ، وذلك من خلال التعبير عن ~~موقفه الحاسم الواضح مقابل موقفهم الرافض للإيمان من خلال الشك ، كما ~~يظهرون ، أو من خلال العناد كما يبطنون. فقد يكون أسلوب المناجاة الذاتية ~~في التعبير عن الموقف الحاسم في خطوطه العامة ، أكثر فاعلية من أسلوب ~~الحوار المتبادل الذي يفرض على الإنسان الكثير من أدوات المواجهة التي ~~تتحدى الجانب الذاتي في الإنسان ، بينما يتمثل هذا الأسلوب في عرض الفكرة ، ~~بعيدا عن رد الفعل تجاه الآخرين ، مما يعطي له شيئا من القوة ، وكثيرا من ~~الحرية في الحديث عن التفاصيل. # * * * ### ||| ** رفض عبادة غير الله # ( @QUR@010 قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) فلم تقتنعوا بما ~~عرضته عليكم من حجج وبينات ، فهذا شأنكم في ms2835 ما تتخذون من مواقف لا بد لكم ~~من أن تتحملوا مسئوليتها ، أما أنا ، فعلى بينة من أمري في ما أعتقده وأدعو ~~له ، من خلال وضوح الرؤية للقضايا؟؟؟؟ ، وقوة الحجة عندي ، ولذلك فإني أرفض ~~كل ما اتخذتموه من آلهة ( @QUR@07 فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) من ~~أصنام وأشخاص وموجودات كونية ، لأنكم لا ترتكزون على أساس من علم ومعرفة ، ~~كما أنكم لا تملكون أية قوة ذاتية في ما يتصل بحياة الأشخاص والأشياء PageV11P374 # ( @QUR@05 ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) ويملك أمر الحياة والموت ، فهو ~~الذي يسيطر على الكون كله ، وهو الذي يجب أن يعبده الناس وحده ، لأنه هو ~~الذي يملك كل شيء ، ولا يملك غيره شيئا إلا من خلال ملكه. # ( @QUR@05 وأمرت أن أكون من المؤمنين ) وذلك من خلال إشراقة الحياة في ~~قلبي وروحي وفكري التي تطل بي على معرفة الله في أرحب أفق ، وأوسع طريق ، ~~وأعمق مجال. وبذلك يكون الداعية هنا ، منسجما مع دعوته من موقع الصدق ~~والإيمان ، قبل أن يدعو الآخرين إلى الانسجام معها من مواقع التصديق ~~والاقتناع ، فيكون قدوة في حركة الإيمان في الفكر والروح ، كما هو قدوة في ~~حركة الممارسة العملية في الحياة ، فيلتقي الناس معه في إيمانه ، كما ~~يلتقون معه في حياته المنطلقة في شخصيته. # * * * ### ||| ** إقامة الوجه للدين الحنيف # وهنا يتحرك الالتفات في الحديث ، فينتهي دور المتكلم الذي يتحدث عن ~~معاناته الذاتية في مسألة العبادة والإيمان من قاعدة الرفض لعبادة الآخرين ~~وإيمانهم ، ويبدأ دور السامع الذي يقف في موقف المؤمن الخاضع الذي يتلقى ~~التعليمات والأوامر الصادرة من الله في خط السير ومنهج الحركة. ويتحول ~~النبي هنا إلى عبد لله ينصت بخشوع ، ليتحرك من خلال الطاعة بخضوع ، ليؤكد ~~التوحيد المطلق في حياته كل حياته من خلال خط الاستقامة الذي يرتبط ~~بالحقيقة في البداية ، ليتصل بها في نقطة النهاية ، بعيدا عن كل ميل أو ~~انحراف أو هروب. PageV11P375 # ( @QUR@05 وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) إنه يمثل نهج الحياة الواحد ، الذي ~~لا نهج غيره ، في ما يمثل من مصلحة الإنسان في الحياة. وبذلك كان ms2836 الدين هو ~~الهدف الذي ينبغي أن تتوجه إليه كل الوجوه في عملية تطلع والتفات ، وتتحرك ~~نحوه كل الخطى في عملية لقاء وتواصل ، وتنطلق إليه كل الأفكار والمشاعر في ~~عملية وعي وانتماء وتعاطف. ولهذا كان النداء الإلهي يؤكد على إقامة الوجه ~~للدين ، بحيث تتصلب النظرة نحوه فلا تبتعد عنه ولا تميل إلى غيره ، ويتأكد ~~الموقف معه. والوجه هنا كناية عن الذات والشخصية والكيان ، ليتحقق التزام ~~الإنسان كله ، بالدين كله ، بفكره ومفاهيمه وشريعته وأسلوبه في الحياة ، ~~بكل إخلاص ، في ما يتعلق به ، مع الميل عن كل شيء غيره ( @QUR@04 ولا تكونن ~~من المشركين ) الذين ينحرفون عن خط الاستقامة في العقيدة والعبادة ~~والانتماء ، فيلتزمون غيره في ذلك كله. # * * * ### ||| ** دعوة لنبذ الشرك # ( @QUR@010 ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) ولا يملك أية ~~قدرة ذاتية في إدارة شؤونك في الخط السلبي أو الإيجابي ، مما يوحي بالعجز ~~أمام قدرة الله المطلقة. وكيف يدعو الإنسان ، في مواقع الحاجة إلى المعونة ~~، إنسانا عاجزا مثله ، أو موجودا لا يملك شيئا من الحس والحياة ، فكيف يملك ~~أسرار القدرة في ذاته؟ إنه ليس إيحاء بالارتباط بالله من خلال النفع والضرر ~~، تماما كما يقول للإنسان : لا ترتبط بفلان لأنه لا فائدة من الارتباط به ~~لاستجلاب النفع أو دفع الضرر ، بل هو إيحاء بأن هؤلاء لا يملكون أساس ~~الألوهية من خلال حركة القدرة في داخلهم ، ( @QUR@06 فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين ) الذين يظلمون PageV11P376 # أنفسهم بالارتباط بمواقع العجز والشلل ، ويبتعدون عن خالق القوة والقدرة ~~، ( @QUR@09 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ) لأنه هو الذي يملك ~~أمره عند ما يرسله ، كما يملك أمره عند ما يريد الإمساك به أو رده عن أحد ، ~~( @QUR@06 وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) لأنه مصدر الخير في كل الأشياء ، ~~لكل الأشخاص ، وهو المهيمن على ذلك كله ، ولا يملك أحد التدخل في ما يريده ~~، بتعطيل ذلك ، أو برده ، فهو الذي يعطي الخير بحكمته وبرحمته. # ( @QUR@09 يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) الذي تتحرك ~~مغفرته من ms2837 خلال رحمته ، وتنطلق رحمته لتشمل كل المذنبين والخاطئين بسعة ~~عفوه وغفرانه. # * * * PageV11P377 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) @QUR@011 ~~واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) (109) # * * * ### ||| ** يا أيها الناس .. قد جاءكم الحق من ربكم # وتنتهي السورة بالإعلان الحاسم الذي يريد الله فيه للنبي أن يحدد للناس ~~الموقف النهائي في ما يتعلق بالدعوة إلى الإيمان بالله ، فليست القضية ~~قضيته الشخصية ، لتكون الاستجابة له نفعا ذاتيا يقدمه الناس له أو ليكون ~~التنكر له ضررا عليه ، ولا هي مسألة هيمنة ذاتية يتحمل النبي مسئوليتها ~~عنهم من موقع السيطرة عليهم ، بل لهم ملء الحرية في تحديد الموقف من موقع ~~إرادتهم وقناعتهم ليتحملوا هم المسؤولية. # * * * PageV11P378 ### ||| ** القضية قضية حق لا ذات # ( @QUR@09 قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ) فهو الكلمة الأخيرة ~~التي لا كلمة بعدها ، لأنها كلمة الله التي يجب على الناس الارتباط بها من ~~موقع القناعة والإيمان ، ( @QUR@05 فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) لأن ~~الهداية تمثل صلاح أمره وسلامة مصيره في الدنيا ، بسبب ما تنظم له من شؤون ~~حياته على أساس الخير والمنفعة ، كما تمثل خلاصه في الآخرة ، من خلال ما ~~تحقق من رضوان الله وما تنتهي إليه من دخول الجنة ( @QUR@05 ومن ضل فإنما ~~يضل عليها ) في ما يمثله الابتعاد عنها من الدخول في متاهات لا يعرف ~~الإنسان نهاياتها ، وقد تنتهي به إلى النار في الآخرة ، ( @QUR@04 وما أنا ~~عليكم بوكيل ) فلا أملك إجباركم على ما لا تريدون ولا أتحمل مسئوليتكم في ~~ما تعملون أو تنحرفون ، لأن دوري الكبير هو في عملية الإبلاغ والإنذار ~~لتبقى لكم حرية الإرادة والاختيار. # وتلك هي كلمة الله للنبي في ما يريد أن يبلغه للناس ، أما كلمته له ~~فتتعلق بالدعوة في ما تخطط له من خط السير ، وفي ما تواجهه من تحديات ، ~~وهذا ما تمثله الآية ، ( @QUR@04 واتبع ما يوحى إليك ) فهذا هو نهجك ، أن ~~تتحرك في فكرك وأسلوبك وشريعتك من ms2838 خلال وحي الله ، ( @QUR@07 واصبر حتى ~~يحكم الله وهو خير الحاكمين ). إن التحديات لا تهزم صاحب الرسالة ، ولا ~~تسحق إرادة الداعية ، بل تزيده ثباتا وتصلبا وإصرارا على المواجهة ، لأنها ~~تستنفر طاقاته ، وبذلك يتحول الصبر إلى عنصر قوة وتماسك وثقة بالمستقبل ~~الكبير الذي وعد الله به رسله عند ما جعل لكل بداية نهاية ، ولكل مشكلة حلا ~~، ولكل نصر موعدا لا يخلفه. وعلى هذا الأساس ، كان الانتظار يمثل الصلابة ~~في الموقف الذي PageV11P379 # يتحرك وهو واثق بأنه سيلتقي بالنصر في الطريق ، وذلك من خلال الثقة بالله ~~وبوعده الكبير ، وهو ما ينتظره المؤمنون الدعاة العاملون في كل زمان ومكان. ~~وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * PageV11P380 ### | الفهرس # تفسير سورة التوبة [1 129] # وقفة مع بعض خصوصيات ~~السورة................................................. 7 # سبب تسميتها ~~التوبة........................................................ 7 # سبب تسميتها ~~براءة......................................................... 8 # هل هي سورة ~~مستقلة!....................................................... 9 # لماذا تركت البسملة في ~~بدايتها!................................................ 9 # أغراض ~~السورة............................................................ 10 # الآيتان [1 ~~2]................................................................ 13 # معاني ~~المفردات............................................................ 13 # القران يعلن البراءة من ~~المشركين.............................................. 13 # براءة من الله ~~ورسوله....................................................... 15 # الآيات [3 ~~5]................................................................ 18 # معاني ~~المفردات............................................................ 18 # الإعلان يتحدث عن ~~التفاصيل.............................................. 19 # يوم الحج ~~الأكبر........................................................... 20 PageV11P381 # القطيعة الكاملة مع ~~المشركين................................................ 20 # الدعوة إلي ~~التوبة.......................................................... 21 # الله لا يعجزه ~~شيء......................................................... 22 # تبشير الكافرين ~~بالعذاب.................................................... 23 # استثناء المعاهدين من ~~البراءة................................................. 23 # الأشهر ~~الحرم.............................................................. 25 # الآية ~~[6]..................................................................... 27 # معاني ~~المفردات............................................................ 27 # إجارة المشركين ~~المستجيرين.................................................. 27 # إبلاغ المأمن لسماع كلام ~~الله............................................... 28 # الحوار المفتوح للاهتداء إلي ~~الحقيقة........................................... 30 # سياسة المواجهة مع ~~المشركين................................................ 31 # الآيات [7 ~~11].............................................................. 35 # معاني ~~المفردات............................................................ 35 # القرآن يتحدث عن حيثيات ~~البراءة........................................... 36 # شروط العهد مع ~~المشركين.................................................. 37 # مشاعر المشركين تجاه ~~المؤمنين................................................ 38 # نقض العهود ~~والذمم....................................................... 40 # شروط الدخول في ~~الإيمان.................................................. 40 # الآيات [12 ~~16]............................................................. 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم................................................ 43 # قتال أئمة ~~الكفر.......................................................... 44 # الحث علي قتال ~~الناكثين................................................... 45 # الله أحق ~~بالخشية.......................................................... 46 PageV11P382 # قتل المشرك وشفاء صدر ~~المؤمن.............................................. 47 # اختبار ~~الإيمان............................................................. 48 # الآيتان [17 ~~18]............................................................. 50 # معاني ~~المفردات............................................................ 50 # منع المشركين من إعمار ~~المساجد............................................. 51 # حبطت أعمال ms2839 ~~المشركين.................................................... 51 # المساجد يعمرها ~~المؤمنون.................................................... 52 # الآيات [19 ~~22]............................................................. 54 # معاني ~~المفردات............................................................ 54 # مناسبة ~~النزول............................................................. 55 # لا مقارنة بين الإيمان ووظائف خدمة ~~الحج.................................... 55 # الأفضلية عند الله للإيمان ~~والجهاد............................................ 56 # الهجرة في سبيل ~~الله........................................................ 57 # الآيتان [23 ~~24]............................................................. 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 59 # مناسبة ~~النزول............................................................. 60 # الإيمان هو ألذي يحدد الولاية لا النسب ~~والمال................................ 61 # الولاية لا تتحرك في خط ~~القرابة............................................. 62 # عصبية ~~القرابة............................................................. 63 # الآيات [25 ~~27]............................................................. 64 # معاني ~~المفردات............................................................ 64 # يوم حنين .. للعبرة ~~والتأمل................................................. 65 # الكثرة لا توجب ~~النصر..................................................... 65 # الآية ~~[28].................................................................... 68 # معاني ~~المفردات............................................................ 68 PageV11P383 # إنما المشركون ~~نجس......................................................... 68 # نجاسة المشركين مادية ~~ومعنوية............................................... 70 # اختلاف الفقهاء حول المقصود ~~بالنجاسة..................................... 70 # خوف ~~الفقر.............................................................. 71 # الآية ~~[29].................................................................... 73 # معاني ~~المفردات............................................................ 73 # مع أهل الكتاب: القتل أو ~~الجزية............................................ 73 # إمكانات التعايش مع أهل ~~الكتاب.......................................... 74 # تشريع ~~الجزية.............................................................. 75 # القرآن يصف أهل الكتاب بعدم ~~الإيمان...................................... 77 # كيف نفسر ذلك!....................................................... 78 # الكفر العملي والكفر ~~النظري............................................... 79 # القتال لبسط القانون لا ~~للإخضاع........................................... 83 # القتال إجراء ~~وقائي........................................................ 83 # الجانب الإنساني في ~~الجزية.................................................. 84 # الآيات [30 ~~33]............................................................. 86 # معاني ~~المفردات............................................................ 86 # الانحراف في عقيدة اليهود ~~والنصاري......................................... 87 # تأليه ~~عزيز................................................................ 88 # تأليه ~~المسيح.............................................................. 89 # الأحبار والرهبان أرباب من دون ~~الله.......................................... 90 # إطفاء نور الله .. والله متم ~~نوره.............................................. 91 # الآيتان [34 ~~35]............................................................. 94 # معاني ~~المفردات............................................................ 94 # بشري للذين يكنزون الذهب والفضة بالعذاب................................ 95 PageV11P384 # تحول الرهبنة إلي مظهر ~~استغلال............................................. 95 # مسئولية ~~الموقع............................................................ 97 # الذين يكنزون الذهب ~~والفضة.............................................. 98 # الوجهة التشريعية لتحريم اكتناز الذهب ~~والفضة................................ 98 # عذاب الذين يكنزون..................................................... 101 # آية الكنز عامة وشاملة لكل ~~الناس......................................... 102 # الآيتان [36 ~~37]........................................................... 104 # معاني ~~المفردات.......................................................... 104 # أشهر حرم فيها القتال .. وتحريم ~~النسيء.................................... 105 # الأشهر الحرم ~~أربعة....................................................... 105 # قيمومة الدين ~~الإسلامي.................................................. 106 # أمر بقتال كافة ~~المشركين.................................................. 107 # النسيء زيادة في ~~الكفر................................................... 107 # الآيتان [38 ~~39]........................................................... 109 # معاني ~~المفردات.......................................................... 109 # تعبئة المسلمين ~~للقتال..................................................... 110 # لوم علي التثاقل ~~للقتال................................................... 110 # ميزان الدنيا في ~~الآخرة.................................................... 111 # التهديد بالعذاب علي عدم ~~النفو........................................... 112 # الآية ~~[40].................................................................. 114 # مناسبة ~~النزول........................................................... 114 # كلمة الله العليا وكلمة الكفر ~~السفلي....................................... 115 # نصرة ms2840 الله ~~للرسول........................................................ 116 # ثقة النبي ~~بالله............................................................ 117 # نزول السكينة علي ~~النبي.................................................. 118 PageV11P385 # الآية ~~[41].................................................................. 119 # الدعوة الي النفور خفاقا ~~وثقالا............................................. 119 # الآيات [42 ~~48]........................................................... 121 # معاني ~~المفردات.......................................................... 122 # كشف نفاق المعتذرين عن القتال.......................................... 122 # طلب الغنيمة بدون مشقة................................................ 123 # معني العفو عن ~~النبي...................................................... 124 # معني خطأ ~~النبي.......................................................... 125 # الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وغير ~~المؤمنين............................... 126 # إنما يستأذن ~~المرتابون..................................................... 127 # إرادة الخروج تستلزم إعداد ~~العدة........................................... 127 # خروج المنافقين يسبب الاضطراب في صفوف المسلمين....................... 128 # الآيات [49 ~~52]........................................................... 130 # معاني ~~المفردات.......................................................... 130 # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا.......................................... 131 # أساليب التهرب من ~~القتال................................................ 131 # نوايا المنافقين تجاه ~~النبي................................................... 132 # التسليم لله بقضائه ~~وقدره................................................. 133 # التربص بإحدي الحسنيين................................................. 134 # الآيات [53 ~~57]........................................................... 136 # معاني ~~المفردات.......................................................... 136 # فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم............................................ 137 # لا تقبل نفقة من دون ~~إيمان............................................... 138 # الأموال والأولاد .. مظاهر ~~خادعة......................................... 138 # الحلف بالله لتغطية حقيقة ~~الكفر........................................... 139 PageV11P386 # الآيات [58 ~~60]........................................................... 141 # معاني ~~المفردات.......................................................... 141 # ذم المنافقين للنبي علي أسلوب توزيعه ~~للصدقات.............................. 142 # القناعة من ~~الإيمان....................................................... 142 # موارد نفقات ~~الصدقة..................................................... 143 # الآيات [61 ~~63]........................................................... 145 # معاني ~~المفردات.......................................................... 145 # مناسبة ~~النزول........................................................... 146 # من أساليب إيذاء المنافقين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~.................................... 146 # إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم القول إنه ~~أذن.......................................... 147 # تبرير الخطأ بالحلف ~~بالله.................................................. 148 # جزاء من يحادد الله ~~ورسوله................................................ 149 # الآيات [64 ~~66]........................................................... 150 # معاني ~~المفردات.......................................................... 150 # في بعض أجواء ~~المنافقين.................................................. 151 # حذر المنافقين من كشف القرآن ~~لهم........................................ 151 # عذر أقبح من ذنب...................................................... 152 # اعتذار المنافقين غير ~~مقبول................................................ 153 # الآيات [67 ~~70]........................................................... 154 # معاني ~~المفردات.......................................................... 155 # حقيقة المنافقين ~~ووظيفتهم................................................. 155 # نتيجة النفاق .. عذاب ~~مقيم.............................................. 157 # الاعتبار بمن مضي من ~~الكفار............................................. 158 # الآيتان [71 ~~72]........................................................... 160 # معاني ~~المفردات.......................................................... 160 PageV11P387 # المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض..................................... 160 # المؤمنون يتولون بعضهم ~~بعضا............................................. 161 # معالم ~~المؤمن............................................................. 161 # جزاء الإيمان جنة ~~عدن................................................... 162 # المرأة والرجل .. مسئولية ~~واحد............................................. 163 # الآيتان [73 ~~74]........................................................... 164 # معاني ~~المفردات.......................................................... 164 # مجاهد الكفار ~~والمنافقين................................................... 165 # استعمال القسوة علي الكفار ~~والمنافقين...................................... 165 # التستر بالحلف ~~بالله...................................................... 166 # الآيات ms2841 [75 ~~78]........................................................... 168 # معاني ~~المفردات.......................................................... 168 # ومنهم من عاهد الله .. فنقض ~~العهد....................................... 168 # نقض العهد نتيجة عدم التقوي............................................ 169 # نقض العهد يعقبه نفاق في ~~القلب.......................................... 170 # الآيتان [79 ~~80]........................................................... 171 # معاني ~~المفردات.......................................................... 171 # مناسبة ~~النزول........................................................... 171 # السخرية من ~~المتصدقين................................................... 172 # استغفار النبي لا ينفع ~~المنافقين............................................. 173 # الآيات [81 ~~87]........................................................... 175 # معاني ~~المفردات.......................................................... 175 # القرآن يتحدث عن المخلفين.............................................. 176 # الفرح للتخلف عن ~~الجهاد................................................. 177 # التحجج ~~بالح............................................................ 177 PageV11P388 # الضحك القليل مقابل البكاء ~~الكثير........................................ 178 # رفض خروج ~~المنافقين..................................................... 179 # إخراج المنافق من أحكام ~~الإسلام........................................... 180 # اعتذار أولي القوة عن ~~الخروج.............................................. 181 # الآيتان [88 ~~89]........................................................... 182 # مجاهدة المؤمنين بأموالهم ~~وأنفسهم.......................................... 182 # المجاهدون مصيرهم ~~الجنات................................................ 183 # الآيات [90 ~~93]........................................................... 184 # معاني ~~المفردات.......................................................... 184 # أعذار التخلف ~~المشروعة.................................................. 186 # الاعتذار غير ~~المشروع..................................................... 187 # الآيات [94 ~~96]........................................................... 189 # معاني ~~المفردات.......................................................... 189 # رفض أعذار ~~المتخلفين.................................................... 190 # الآيات [97 ~~99]........................................................... 193 # معاني ~~المفردات.......................................................... 193 # الأعراب .. كافرون ~~ومؤمنون.............................................. 194 # الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا................................................. 194 # ومن الأعراب مؤمنون.................................................... 195 # الآيات [100 ~~102]........................................................ 197 # معاني ~~المفردات.......................................................... 197 # السابقون .. ~~والمنافقون................................................... 198 # المنافقون من ~~الأعراب..................................................... 198 # المعترفون ~~بذنوبهم......................................................... 199 PageV11P389 # الآيات [الآيات 103 ~~106]................................................. 200 # معاني ~~المفردات.......................................................... 200 # خذ من أموالهم صدقة .. وأدعهم إلي ~~العمل................................. 200 # الزكاة تطهير ~~للنفس...................................................... 201 # الدعوة إلي ~~العمل........................................................ 203 # معني أن يري ~~الله......................................................... 203 # المرجون لأمر ~~الله......................................................... 204 # الآيات [107 ~~110]........................................................ 205 # معاني ~~المفردات.......................................................... 205 # مناسبة ~~النزول........................................................... 206 # مسجد ضرار والقيمة الحقيقية للمسجد..................................... 207 # الموقف تجاه من يتستر بأعمال ~~الخير........................................ 208 # دوافع مسجد ضرار...................................................... 208 # عدم الاعتراف بشرعية المسجد............................................ 210 # المساجد تؤسس علي التقوي.............................................. 211 # الموقف الواعي والموقف ~~المزاجي............................................ 212 # بنيان التقوي وبنيان ~~الشك................................................ 213 # الآيتان [111 ~~112]........................................................ 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # المؤمن بائع والله ~~يشتري................................................... 216 # تشريع الجهاد ثابت في كل ~~الرسالات....................................... 217 # المتاجرة مع الله ~~رابحة...................................................... 217 # صفات المؤمنين الذين باعوا أنفسهم ~~لله..................................... 218 # الآيتان [113 ~~114]........................................................ 220 # معاني ~~المفردات.......................................................... 220 PageV11P390 # مناسبة ~~النزول........................................................... 221 # ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر ~~للمشركين................................. 222 # رفض الاستغفار لأولي القربي من ~~المشركين................................... 223 # استغفار إبراهيم ~~لأبيه..................................................... 224 # الآيتان [115 ~~116]........................................................ 226 # العناد ms2842 المؤدي إلي ~~الضلال................................................. 226 # لا ضلال بعد الهدي..................................................... 227 # معني ~~الإضلال........................................................... 227 # الآيتان [117 ~~118]........................................................ 229 # معاني ~~المفردات.......................................................... 229 # توبة الله علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقومه........................................... 230 # معني توبة الله علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~............................................ 231 # مقاطعة المتخلفين ~~الثلاثة.................................................. 231 # الآية ~~[119]................................................................ 234 # معاني ~~المفردات.......................................................... 234 # كونوا مع ~~الصادقين...................................................... 234 # الانتماء إلي مجتمع ~~الاستقامة.............................................. 235 # الدعوة إلي التقوي ~~والصدق............................................... 235 # الحذر من الانتماء إلي جماعات ~~الضلال..................................... 236 # الآيتان [120 ~~121]........................................................ 237 # معاني ~~المفردات.......................................................... 238 # للجهاد متاعبه .. ~~وثوابه.................................................. 238 # خطأ المتخلفين عن ~~الجهاد................................................. 238 # ثواب الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~............................................. 239 # الآية ~~[122]................................................................ 241 PageV11P391 # معاني ~~المفردات.......................................................... 241 # القرآن يدعو المؤمنين للنفر للتفقه ~~والإنذار................................... 241 # الجهاد واجب كفائي..................................................... 242 # النفر ~~للتفقه............................................................. 243 # مهمة ~~الفقراء............................................................ 244 # الآية ~~[123]................................................................ 245 # معاني ~~المفردات.......................................................... 245 # قتال الكفار ~~القريبين..................................................... 245 # الجهاد مرتبط بظروف المصلحة............................................ 246 # الآيات [124 ~~127]........................................................ 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # كيفية مواجهة المؤمنين والمنافقين لنزول ~~السورة................................ 248 # السورة تزيد المؤمنين ~~إيمانا.................................................. 248 # السورة تزيد المنافقين ~~رجسا................................................ 249 # الآيتان [128 ~~129]........................................................ 251 # معاني ~~المفردات.......................................................... 251 # القرآن يتحدث عن صفات الرسول......................................... 252 # لقد جاءكم رسول من أنفسكم............................................ 253 # لا يضر الرسالة إعراض الناس ~~عنها......................................... 253 # خاتمة سورة ~~التوبة........................................................ 254 # سورة يونس [1 109] # الأجواء العامة لسورة ~~يونس................................................ 259 # الآيتان [1 ~~2].............................................................. 261 PageV11P392 # معاني ~~المفردات.......................................................... 261 # قياس الرسالة بمستوي ~~الذات.............................................. 261 # التعجب من الوحي إلي رجل منهم......................................... 262 # التهمة بالسحر ~~المبين..................................................... 263 # الآيتان [3 ~~4].............................................................. 264 # معاني ~~المفردات.......................................................... 264 # إنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده................................................... 265 # قدرة الله في ~~خلقه........................................................ 265 # الاستواء علي ~~العرش..................................................... 266 # تدبير شؤون الكون...................................................... 266 # لا شفيع إلا ~~بإذنه....................................................... 266 # الآيتان [5 ~~6].............................................................. 268 # معاني ~~المفردات.......................................................... 268 # مظاهر نعم الله في ~~الحياة.................................................. 269 # الضياء ~~والنور............................................................ 269 # تقدير القمر ~~منازل....................................................... 270 # اختلاف الليل ~~والنهار.................................................... 270 # الآيات [7 ~~10]............................................................. 272 # معاني ~~المفردات.......................................................... 272 # ملامح أصحاب النار وأصحاب الجنة....................................... 273 # الراضون بالحياة ~~الدنيا..................................................... 273 # الله يهدي المؤمنين ~~بإيمانهم................................................. 274 # الآيات [11 ~~14]........................................................... 276 # معاني ~~المفردات.......................................................... 276 # ثم جعلناكم خلائف من بعدهم........................................... 277 PageV11P393 # الله ms2843 لا يستجيب لعجلة ~~الإنسان........................................... 278 # اللجوء إلي الله عند ~~الضر................................................. 279 # الخلافة في ~~الإرض........................................................ 280 # الآيتان [15 ~~16]........................................................... 281 # معاني ~~المفردات.......................................................... 281 # مطالب الكفار ~~التعجيزية................................................. 282 # حقيقة مطالب الكفار.................................................... 283 # رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الهاديء.................................................. 283 # آراء المفسرين حول طلب ~~الكافرين......................................... 284 # القرآن مشيئة ~~الله........................................................ 285 # الآيات [17 ~~20]........................................................... 286 # معاني ~~المفردات.......................................................... 286 # تصرفات الذين لا يرجون لقاء ~~الله.......................................... 287 # عبادة ~~الأصنام........................................................... 287 # إحاطة الله بأمور ~~الكون................................................... 288 # المجتمع البشري ~~الأولى.................................................... 288 # الطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار ~~المعجزة...................................... 289 # الآيات [21 ~~25]........................................................... 290 # معاني ~~المفردات.......................................................... 291 # إنما بغي الناس علي ~~أنفسهم............................................... 291 # مكر الناس بعد رحمة ~~الله.................................................. 292 # السير في البر ~~والبحر..................................................... 292 # البغي بعد ~~النجاة........................................................ 293 # تشبيه الحياة الدنيا ~~بالماء................................................... 294 # الدعوة إلي دار ~~السلام.................................................... 296 PageV11P394 # الآيات [26 ~~30]........................................................... 298 # معاني ~~المفردات.......................................................... 298 # هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت.......................................... 299 # ثواب ~~المحسنين........................................................... 299 # جزاء ~~السيئات........................................................... 300 # يوم القيامة تنقطع الروابط بين ~~المشركين..................................... 301 # الله هو المولي ~~الحق........................................................ 302 # الآيات [31 ~~36]........................................................... 303 # معاني ~~المفردات.......................................................... 303 # هل من شركائكم من يهدي إلي الحق!...................................... 304 # الله هو الرازق والمالك ~~والمدبر............................................... 304 # بدء الخلق ~~وإعادته....................................................... 306 # الهادي إلي ~~الحق......................................................... 307 # الظن لا يغني من الحق ~~شيئا............................................... 309 # الآيات [37 ~~44]........................................................... 310 # ما كان هذا القران أن يفتري من دون ~~الله................................... 311 # القرآن لا يمكن أن يفتريه ~~بشر............................................. 311 # مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكذيب ~~الكافرين..................................... 313 # السمع هو سمع العقل.................................................... 315 # البصر هو بصيرة ~~الإيمان.................................................. 316 # الآيات [45 ~~47]........................................................... 317 # معاني ~~المفردات.......................................................... 317 # الحشر والتعارف يوم ~~القيامة............................................... 317 # الله شهيد علي ~~الأعمال.................................................. 318 # لكل أمة رسول.......................................................... 319 PageV11P395 # الآيات [48 ~~56]........................................................... 320 # معاني ~~المفردات.......................................................... 320 # يوم القيامة .. وعد الله ~~الحق............................................... 321 # التساؤل عن الوعد ~~بالعذاب............................................... 321 # الضرر والنفع من ~~الله..................................................... 322 # لكل أمة أجل........................................................... 323 # ندامة الكافرين يوم ~~القيامة................................................ 324 # وعد الله ~~حق............................................................ 325 # الآيات [57 ~~60]............................................................. 27 # معاني ~~المفردات.......................................................... 327 # القرآن موعظة ~~وشفاء..................................................... 328 # فضل الله خير مما ~~يجمعون................................................. 329 # التحليل والتحريم ms2844 ~~المزاجي.................................................. 330 # الآيات [61 ~~64]........................................................... 332 # معاني ~~المفردات.......................................................... 332 # وما يعزب عن ربك مثقال ذرة............................................. 333 # الله شاهد علي ~~الأعمال.................................................. 333 # كل الأشياء حاضرة ~~لله................................................... 334 # أولياء الله ~~امنون......................................................... 334 # الآيات [65 ~~70]........................................................... 336 # معاني ~~المفردات.......................................................... 336 # الله يواسي ~~نبيه.......................................................... 337 # العزة لله ~~جميعا........................................................... 338 # جعل الليل سكنا والنهار ~~مبصرا............................................ 339 # ادعاء الولد ~~لله.......................................................... 339 PageV11P396 # لا يفلح المفتري علي ~~الله.................................................. 340 # الآيات [71 ~~73]........................................................... 342 # معاني ~~المفردات.......................................................... 342 # اتل عليهم نبأ ~~نوح....................................................... 343 # تجربة نوح مع ~~قومه....................................................... 343 # الآيات [74 ~~82]........................................................... 346 # معاني ~~المفردات.......................................................... 346 # إرسال موسي وهارون إلي فرعون........................................... 347 # دعوي السحر في رسالة موسي............................................ 349 # رد موسي............................................................... 349 # رد ~~فرعون............................................................... 351 # إبطال عمل السحرة...................................................... 351 # الآيات [83 ~~86]........................................................... 353 # معاني ~~المفردات.......................................................... 353 # فما آمن لموسي إلا ذرية من ~~قومه.......................................... 354 # الآيات [87 ~~93]........................................................... 356 # معاني ~~المفردات.......................................................... 357 # موسي يؤمر ببناء قاعدة ~~للمواجهة.......................................... 357 # دعاء موسي علي فرعون.................................................. 358 # العبرة من دعاء ~~موسي.................................................... 359 # ملاحقة فرعون لبني ~~إسرائيل............................................... 360 # إعلان فرعون ~~إيمانه...................................................... 361 # العبرة من نجاة بدن ~~فرعون................................................. 361 # اختلاف بني ~~إسرائيل..................................................... 362 # الآيات [94 ~~97]........................................................... 363 PageV11P397 # معاني ~~المفردات.......................................................... 363 # تأكيد صدق الدعوة بما جاء في الكتب ~~السابقة.............................. 363 # نبوة محمد في الكتب ~~السابقة.............................................. 364 # الذين حق عليهم العذاب................................................. 365 # الآية ~~[98].................................................................. 366 # معاني ~~المفردات.......................................................... 366 # التوبة تمنع من ~~العذاب.................................................... 366 # الآيات [99 ~~100]......................................................... 368 # معاني ~~المفردات.......................................................... 368 # الإيمان لا يكون إلا ~~بالاختيار............................................. 368 # الآيات [101 ~~103]........................................................ 370 # معاني ~~المفردات.......................................................... 370 # دعوة إلي التأمل في آيات ~~الله.............................................. 370 # الانتظار مع ~~المنتظرين..................................................... 371 # الآيات [104 ~~107]........................................................ 373 # معاني ~~المفردات.......................................................... 373 # التعبير عن الموقف بأسلوب ~~المناجاة......................................... 374 # رفض عبادة غير ~~الله...................................................... 374 # إقامة الوجه للدين ~~الحنيف................................................. 375 # دعوة لنبذ ~~الشرك........................................................ 376 # الآيتان [108 ~~109]........................................................ 378 # يا أيها الناس .. قد جاءكم الحق من ~~ربكم.................................. 378 # القضية قضية حق لا ذات................................................ 379 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV11P398 ![](https://books.rafed.net/Books/3274_tafsir-men-wahi-alquran-12/images/image001.gif) PageV12P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3274_tafsir-men-wahi-alquran-12/images/image002.gif) PageV12P003 ![](https://books.rafed.net/Books/3274_tafsir-men-wahi-alquran-12/images/image003.gif) PageV12P004 ### | سورة هود ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وثلاث وعشرون PageV12P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) @QUR@09 ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ms2845 وبشير (2) @QUR@025 وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ~~وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) @QUR@08 إلى الله مرجعكم وهو ~~على كل شيء قدير ) (4) # * * * ### ||| ** كتاب أحكمت آياته # ( @QUR@01 الر ) من الحروف المقطعة في القرآن التي تحدثنا عن الوجوه ~~المتصورة فيها في أول تفسير سورة البقرة. ( @QUR@03 كتاب أحكمت آياته ) أي ~~أحكمت آيات هذا الكتاب ، والمراد بالإحكام في ما يذكره صاحب تفسير الميزان ~~«ربط بعض الشيء ببعضه الآخر ، وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر بحيث يعود الجميع ~~شيئا واحدا بسيطا غير ذي أجزاء وأبعاض» (1). ( @QUR@05 ثم فصلت من لدن ~~حكيم ) والمراد بالتفصيل في رأيه هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشيء PageV12P007 # المتصل بعضها ببعض ، والتفرقة بين الأمور المندمجة كل منها في آخر. وقد ~~أوضح ذلك بقوله: «وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أولا ثم مفصلة ثانيا ، ~~معناه أن الآيات الكريمة القرآنية على اختلاف مضامينها ، وتشتت مقاصدها ~~وأغراضها ، ترجع إلى معنى واحد بسيط وغرض فارد أصلي لا تكثر فيه ، ولا تشتت ~~، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصدا من المقاصد ، ولا ترمي إلى هدف ~~إلا والغرض الأصلي هو الروح الساري في جثمانه ، والحقيقة المطلوبة منه. # فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتت آياته وتفرق أبعاضه إلا غرض واحد ~~متوحد ، إذا فصل كان في مورد أصلا دينيا ، وفي آخر أمرا خلقيا ، وفي ثالث ~~حكما شرعيا ، وهكذا كل ما تنزل من الأصول إلى فروعها ، ومن الفروع إلى فروع ~~الفروع لم يخرج من معناه الواحد المحفوظ ، ولا يخطئ غرضه ، فهذا الأصل ~~الواحد بتركبه يصير كل واحد واحدا من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق ~~والأعمال ، وهي بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على ~~أجسادها تعود إلى ذاك الأصل الواحد. # فتوحيده تعالى بما يليق بساحة عزه وكبريائه مثلا في مقام الاعتقاد هو ~~إثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وفي مقام الأخلاق هو التخلق بالأخلاق ~~الكريمة من الرضى ، والتسليم ، والشجاعة ، والعفة ، والسخاء ، ونحو ذلك ، ~~والاجتناب عن الصفات الرذيلة ، وفي مقام الأعمال والأفعال ms2846 الإتيان بالأعمال ~~الصالحة ، والورع عن محارم الله» (1). # * * * PageV12P008 ### ||| ** مناقشة مع صاحب الميزان # وقد يكون هذا التفسير جميلا ، في ما يوحي به من ارتكاز الخط العقيدي ، ~~والأخلاقي ، والعملي ، على قاعدة واحدة وهي التوحيد الخالص ، ولكننا لا نجد ~~في سياق الآيات ما يدل على تعيينه ، كما لا نلاحظ في كلمتي الإحكام ~~والتفصيل ما يوحي بذلك ، لأن المفسر الجليل ، لاحظ في الآية المقابلة بين ~~الكلمتين ، فاعتبر الإحكام في مقابل التفصيل ، مما يعني أن هناك شيئا ~~مجموعا أريد تفصيله ، وذلك من خلال تواردهما على موقع واحد. # ولكننا نستقرب تفسير كلمة الإحكام بالإتقان في ما يريده الله من عدم وجود ~~خلل في ترتيب هذه الآيات وتنظيمها ، ودلالتها على المعاني بوضوح كما يكون ~~المراد من التفصيل في ما يظهر الأسلوب المبسط الذي يعمل على توضيح الأفكار ~~وتنويعها ، بطريقة واضحة لا مجال فيها للغموض والإبهام الحاصل من الإجمال ~~في عرض الفكرة. وبذلك تكون الآية والله العالم واردة في سياق التعرض للجانب ~~الفني للآيات ، من حيث الشكل المتضمن في تركيب الكلمات وتأليفها ، بالمستوى ~~الذي لا يوجد فيها أية ثغرة لجهة توازن الحركة الفنية وتكاملها ، ولجهة ~~المحتوى ، الذي يتضمن تفصيل الأفكار وتوضيحها ، في ما يريد القرآن أن يبلغه ~~للناس من أحكام ومفاهيم بالطريقة التي لا لبس فيها ولا خفاء. # وقد تكرر الحديث في القرآن عن هاتين النقطتين ، للإيحاء بمدى ما يتوفر ~~عليه من عناصر البلاغة التي تجمع إلى جانب التماسك والدقة في الأسلوب ، ~~الوضوح في العرض الحاصل من تفصيل الفكرة ... والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV12P009 ### ||| ** التوحيد في خط المنهج # ( @QUR@04 ألا تعبدوا إلا الله ) هذا هو الأساس في دعوة الرسول بما ~~تتضمنه من معنى الربوبية التي تفرض العبادة ، وبما تحتويه من معنى التوحيد ~~الذي يدفع إلى الإخلاص ، فإذا كان الله هو الرب الخالق المنعم ، فلا بد أن ~~تعبده المخلوقات شكرا لنعمه ، واعترافا بعظمته ، وإذا كان هو الواحد الذي ~~لا إله غيره ، فلا بد أن تتوجه العبادة إليه ولا تتوجه إلى غيره. # ومن خلال ذلك يلقى الإنسان النتائج الإيجابية في الدنيا والآخرة ، على ms2847 خط ~~الالتزام في العقيدة والعمل ، والنتائج السلبية على خط الانحراف ، لما ~~تمثله حياة الإنسان الذي يعبد الله انطلاقا من حركة الفكر إلى حركة ~~الالتزام من خضوع لله ، في خدمة الحياة وتنميتها ، وتطويرها على الصورة ~~التي يرضاها الله ، في مقابل ما يمثله سلوك الإنسان الذي يعبد الشيطان حيث ~~تتحرك به حياته في أجواء الفوضى والعبث والقلق والتمرد ، على كل قيم الحياة ~~الكبيرة ، وتلك هي قصة العبادة الحية المتحركة المنفتحة على كل النشاطات ~~الفكرية والعملية للإنسان في الحياة التي تجعل الزمن كله في خدمة الله ، في ~~ما يريد النبي أن يدعو إليه وأن يثيره في أذهان الناس ليقربهم إلى الحياة ~~من خلال قربهم إلى الله ، في عملية إنذار بالعقاب ، وبشارة بالثواب. # ( @QUR@05 إنني لكم منه نذير وبشير ) في ما أوحاه من رسالاته ، وفي ما ~~سنه من شرائع أحكامه ، في ما ينتظركم من خير في الدنيا والآخرة ، إذا سرتم ~~في صراطه المستقيم ، وما ينتظركم من شر في الدنيا والآخرة ، إذا انحرفتم ~~عنه واتبعتم سبل الشيطان ، وهذا هو عنوان الدعوة وطابع الرسالة ، أما خط ~~السير وحركة العمل فخطواته ، ( @QUR@03 وأن استغفروا ربكم ) لينطلق الخط ~~الجديد من موقع التراجع النفسي والعملي عن الخطوط المنحرفة ، حيث كانت ~~الخطى تضطرب ، PageV12P010 # والأجواء ترتبك ، ليلجأ الإنسان إلى الله بروحية النادم الذي يحس بالذنب ~~بعمق ، ويعيش ثقل الخطيئة بمسؤولية ، فيطلب من الله المغفرة والرضوان في ~~خشوع المذنب الخاطئ ، ليشهده على قلبه وفكره ، إنه يريد أن يفتح صفحة بيضاء ~~جديدة معه ، لا يفكر معها بخطيئة ، في ما يحمل من هم المصير ، ( @QUR@03 ثم ~~توبوا إليه ) بما توحيه التوبة من موقف عملي حاسم يؤكد النية بالعمل ~~والإرادة بالحركة ، ويحول الإنسان إلى طاقة جديدة تتحرك على طريق الحق ~~والخير والإيمان ، لتنفتح على الله في أوامره ونواهيه ، بعد أن كانت تتحرك ~~على طريق المعصية والضلال ، وبذلك كان الاستغفار يمثل الخطوة النفسية ~~الأولى نحو التوبة التي يعلن فيها الإنسان خضوعه لله ، وخوفه منه ، ومحبته ~~له ، وطلبه العودة إليه وإلى ساحة رضوانه. أما التوبة فتمثل الخطوة الثانية ~~العملية التي ms2848 يبدأ بها تأكيد الموقف على الخط الصحيح ، وتجسيد الرغبة ~~بالعمل في الاتجاه السليم في نطاق الالتزام بالمبادئ ، والانضباط أمام ~~الحكم الشرعي. # وهذا ما يجعل الإنسان موضعا لرحمة الله ، ولاستقبال فيوضاته وألطافه ( ~~@QUR@06 يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ) بما يرزقكم من نعمه ، وبما ينزل ~~عليكم من بركاته ، وينشره حولكم من رحمته بإشاعة الأجواء الروحية التي تفتح ~~حياتكم على الاطمئنان النفسي الذي يطرد من الداخل كل عوامل القلق والحيرة ~~والضياع ، وعلى العلاقات الإنسانية التي تتسم بالصدق والإخلاص ، وعلى ~~الطيبات المتنوعة ، في ما تأكلون وتشربون وتتلذذون ، وتحققون من رغائب ~~وشهوات ، وغير ذلك من نتائج الانضباط على خط الله سبحانه في دينه ، وشريعته ~~، وهداه الذي يحقق لكم الاستقرار المادي والروحي على مستوى الأشياء الكبيرة ~~والصغيرة في الحياة ، إلى الأمد الذي حدده الله للإنسان من عمر. # ( @QUR@05 ويؤت كل ذي فضل فضله ) في ما قام به من عمل الخير وهجران الشر ~~، وتحقيق الغايات التي أراد الله للحياة أن تصل إليها من طاعة الطائعين ، وجهد PageV12P011 # المجاهدين ، وهداية الضالين ، ومواجهة كل تحديات الكفر والظلم والطغيان ، ~~فالله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى. # والظاهر أن المراد من الفضل ، والقيمة الروحية العملية الصادرة عن ~~الإنسان المؤمن ، في ما يمثله عمله من طاعة الله وليس المراد به الزيادة في ~~ما ذكره بعض المفسرين لأن الكلمة وإن كانت بحسب مدلولها اللغوي تعني ذلك ، ~~إلا أنها بحسب مدلولها العرفي في استعمالات الناس ، تعطي معنى الخير كله في العمل. # ( @QUR@02 وإن تولوا ) أى تتولوا عبر انسياقكم في خط الإعراض عن ~~الاستجابة لنداء الله الذي يوجهه إليكم من خلال رسوله ورسالته ( @QUR@06 ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ) لما ينتظر العاصين المنحرفين من عقاب ~~وعذاب في ذلك اليوم الكبير في أهواله وشدائده ومواقف الناس فيه ، لأنه يوم ~~الحساب الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، عند ~~ما يقف الناس أمام الله ، ويقومون لرب العالمين ، ( @QUR@03 إلى الله ~~مرجعكم ) لتجدوا عنده النتائج النهائية لأعمالكم الخيرة أو الشريرة ، ( ~~@QUR@05 وهو على كل شيء ms2849 قدير ) في الدنيا والآخرة ، بما يتصرف به من شؤون ~~عباده في الحياة والموت ، والنفع والضرر ، والثواب والعقاب ، لأن الأمر كله ~~بيده ، فلا يملك معه أحد أى شيء ، في ما يريد وفي ما لا يريد. # * * * PageV12P012 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) (5) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قيل : نزلت في الأخنس بن شريق وكان حلو الكلام يلقى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره ، عن ابن عباس. وروى ~~العياشي بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : أخبرني جابر بن عبد الله أن ~~المشركين إذا مروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طأطأ أحدهم رأسه وظهره ، ~~هكذا ، وغطى رأسه بثوبه ، حتى لا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فأنزل الله هذه الآية (1). # * * * PageV12P013 ### ||| ** الله يكشف سر المشركين # كان المشركون ينطوون على حقد دفين لرسول الله ، ولكنهم كانوا يظهرون له ~~المحبة والصداقة ، ليتمكنوا من الدس والكيد للإسلام بطريقتهم الخاصة ، ولكن ~~الله يكشف سرهم ويظهر أمرهم لرسوله ، لينجيه من كيدهم ومكرهم ، وهذا ما ~~أثارته هذه الآية. # ( @QUR@04 ألا إنهم يثنون صدورهم ) وثنى الشيء : عطف بعضه على بعض فطواه ~~أي إنهم يطوون صدورهم وقلوبهم على العداوة للرسول ، والبغض لرسالته ، ( ~~@QUR@02 ليستخفوا منه ) فلا يظهرون ذلك في فلتات لسانهم ، لئلا يطلع عليه ، ~~فينكشف أمرهم لديه ، ( @QUR@04 ألا حين يستغشون ثيابهم ) أي يغطون أنفسهم ~~بها ، بما توحيه الكلمة من الحالات النفسية الخفية ، ( @QUR@05 يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون ) فيطلع على كل ما يخفونه أو يضمرونه ، لأنه المطلع على ~~كل شيء ، العالم بخفايا الأمور ، ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) فلا ~~يخفى عليه شيء من خلجات المشاعر ، ونبضات القلوب ، وخفايا الضمائر ... فإذا ~~استطاعوا أن يستخفوا عن الرسول ، فهل يستطيعون الاستخفاء عن الله؟ وهل ~~يضمنون لأنفسهم ، أن الله لا يطلع رسوله على كل ما في داخلهم من خفايا ~~وأسرار؟!. # * * * PageV12P014 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين ms2850 ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 دابة ) من حيث اللغة : الحي الذي من شأنه أن يدب ، وقد صار في ~~العرف مختصا بنوع من الحيوان. # ( @QUR@01 مستقرها ): مستقر الشيء : موضع قراره. # ( @QUR@01 ومستودعها ): مستودع الشيء : هو الموضع الذي كان فيه قبل ~~استقراره من صلب أو رحم أو بيضة. # * * * ### ||| ** الإمداد الإلهي الدائم # ... وإذا كان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ويراقب ما يفكر فيه الناس ~~، ليحاسبهم على أعمالهم من خلال علمه بخلفيات العمل من نوايا ، PageV12P015 # وليحمي رسله وعباده من مكر الماكرين وكيد الظالمين ، فإن الله يعلم كل ~~شيء عن مخلوقاته ، ويدبر أمورها وما تحتاجه من شؤون الرزق الذي يحفظ ~~استمرار وجودها وقوة حياتها ، وذلك بما قدره وقضاه في كتاب الكون ، حيث جعل ~~لكل شيء مستقرا يعيش فيه ويتحرك ، ومستودعا ينمو فيه ويتطور ، ويستعد لرحلة ~~الحياة في الأصلاب أو الأرحام أو البيض أو غير ذلك ... # وفي ضوء ذلك ، كانت العلاقة بين الله وخلقه ، لا سيما ما يدب من مخلوقاته ~~الحية في الأرض ، تتمثل في الإمداد الدائم لتلك المخلوقات بالنعم المتنوعة ~~التي تكفل استمرار وجودها ، مما يجعلها تتحرك في طمأنينة دون قلق ولا ~~ارتباك. وهي تعرف في الوقت نفسه أنها تقع أينما تكون تحت الإشراف الإلهي ~~الذي يرعاها ، لأنه يعرف مستقرها ومستودعها ، ويحيط بكل شؤونها وأمورها ... # * * * ### ||| ** الله مصدر الرزق لكل حي # ( @QUR@05 وما من دابة في الأرض ) سواء كانت من الزواحف ، أو من ذوات ~~القوائم التي تمشي على رجلين ، أو على أربع ، أو التي تطير في الهواء ، ( ~~@QUR@04 إلا على الله رزقها ) فهو الذي خلقها ، وتكفل برزقها بما أعده من ~~أسباب الرزق ومفرداته وعناصره في الكون ، وفي ما سخره من ظواهر وقوى تدفعها ~~إلى السعي والكفاح للأخذ بتلك الأسباب والحصول على نتائجها ، الأمر الذي ~~يبعدها عن الاتكالية التي تعكس الاسترخاء ، وتوجهها نحو التوكل الذي يعكس ~~الثقة ويدفع إلى الحركة. ( @QUR@02 ويعلم مستقرها ) الذي يتحرك فيه وجودها ~~، ( @QUR@01 ومستودعها ) الذي يمثل الموضع الذي بدأت فيه عملية النمو في ~~طريقها إلى الوجود ، و ( @QUR@04 كل في كتاب مبين ) في ما قدره الله للوجود ~~من قوانين وأسباب وسنن ms2851 طبيعية ، في نطاق النظام الكوني الذي أحاط بكل شيء ~~قدرة وعلما وتدبيرا. # * * * PageV12P016 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@031 وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) @QUR@022 ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أمة ): تطلق على الجماعة ، وعلى المدة من الزمن وهي المرادة هنا. # ( @QUR@01 وحاق ): أي نزل وأحاط. # * * * ### ||| ** معرفة البشر محدودة # إن الإنسان إذا أراد أن يستوحي من عظمة الله ، وعلو قدرته ، وسعة سلطانه ~~من خلال التأمل الواعي الكبير ، فلينظر إلى السماوات والأرض التي PageV12P017 # خلقها الله ، حين لم يكن هناك أي موجود يعي ذلك بفكره وعقله ، ولم يكن ~~هناك إلا هو. ولكن ، لن يستطيع أحد أن يدرك كيف حدث هذا ، وماذا كان قبل ~~خلق السماوات والأرض ، وما صورة الكون في ذلك الوقت ، وما أبعاد الزمن ، إذ ~~لم تكن مقاييسنا الفلكية لحركة الزمن قد وجدت آنذاك ، وليس عندنا من خلال ~~المعرفة الذاتية ، المنطلقة من مواقع التأمل والملاحظة والتجربة ما يعطينا ~~المعرفة الكافية حول كل علامات الاستفهام وغيرها ... وكل ما هناك ليس إلا ~~تخمينا يتخبط في ظلام الشك ، وضباب الوهم. # ولكن الله لم يحجب عنا علمه ، فقد أوحى الله لرسله ببعض اللمحات ، التي ~~توضح بعض ملامح الصورة ، بالمستوى الذي لا يخرجنا من آفاق الضباب ، لأن ما ~~أراد الله لنا أن نعلمه ، هو بعض لمحات الصورة ، لا كلها ، وفي هذا المجال ~~، فليس لنا إلا أن نقف حيث أراد الله لنا أن نقف ، ( @QUR@08 وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ) قد تقدم الحديث عن هذه الفقرة في صورة ~~الأعراف في الآية 54 ، وربما كان من المفيد الإشارة إلى أن تقدير اليوم ~~بالفترة الزمنية المحددة لليوم في هذا الكون الذي نعيش فيه الآن ، لا دليل ~~عليه ، إلا بما يتبادر إلى الذهن من أن إطلاق الخطاب القرآني يوجب انصراف ~~الذهن ms2852 إلى ما يفهمه الناس الذين أنزل عليهم القرآن ، ولو كان المراد غيره ، ~~لبين لنا حدوده كما ورد في الحديث عن يوم الآخرة في تقديره بألف سنة ، أو ~~خمسين ألف سنة ، حسب اختلاف الموارد ، والظاهر من خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ، إتمام عملية الخلق بجميع ما قدره الله فيها من أنظمة وموجودات ، ~~فلا ينافي ذلك ما ورد في سورة حكم السجدة من خلق السماوات في يومين ، وخلق ~~الأرض في يومين مما سيأتي الحديث عنه في محله في السورة المذكورة إن شاء الله. # ( @QUR@04 وكان عرشه على الماء ) فلم يكن هناك إلا الماء الذي كان مظهر ~~قدرة الله وسلطانه ، مما أستعير له لفظ «العرش» وهو التعبير الكنائي عن موضع PageV12P018 # الملك والسلطة ، وقد يطرح البعض تساؤلا حول العمق الذي ينتهي إليه الماء ~~: هل هو الأرض ، أو شيء آخر؟ وإذا كان هو الأرض ، فما المراد من الأرض التي ~~تأخر خلقها عن الماء؟ هل هي اليابسة التي يقف الماء على حدودها ، أو ماذا؟ ~~ونحن لا نريد أن نخوض في تفاصيل ذلك ، لأننا لا نملك علمه ، فلنترك أمره ~~إلى الله ، كما تركنا كثيرا من الأمور التي لا طريق لنا إلى معرفتها إلا من ~~خلال وحيه. # * * * ### ||| ** الإنسان وغاية الخلق # ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) فتلك هي الغاية من خلق الإنسان في ما ~~توحيه كلمة خلق السماوات والأرض ، أو تتضمنه من خلق إنسان في نطاق ذلك ، ~~وتحديد خط السير له في ما يريده الله ، من عمارة الأرض على حسب ما خططه ~~الله ، لتكون الحركة المتنوعة موضع اختبار وابتلاء وامتحان له ، في طاعة ~~الله في ما أمره به ، أو نهاه عنه ، وفي معصيته له ، وليدفع الناس إلى ~~التسابق في العمل الأفضل ، والكلمة الأحسن ، والخلق الأرحب ، والفكر الأعمق ~~، والنتائج الفضلى ، في ما يبني الحياة على أساس العلم والخير والتقوى ، ~~ويرفع مستوى الإنسان ويجعل من نظام الحياة القائم على جهد الإنسان وإرادته ~~، مثالا للنظام الكوني المتناسق ، ليتحقق التناسب الذي أراده الله بين ~~انضباطية الإنسان ونظامية الكون. # وهكذا نفهم أن ربط الحديث عن ms2853 خلق السماوات والأرض ، بإثارة التسابق نحو ~~العمل الأحسن ، ينطلق من الدور المميز لموقع الإنسان في عملية الخلق هذه ، ~~ومن تحمله المسؤولية بعد أن تحدد للخلق معناه على مستوى الغاية التي تخرجه ~~من العبثية الجامدة. PageV12P019 # وإذا كان الإنسان مدعوا إلى المبادرة نحو العمل الأحسن ، فإن ذلك لا يمثل ~~الحالة النهائية ، بل يعتبر انطلاقة إيمانية نحو المواقع الجديدة في الآخرة ~~، ليقف الإنسان هناك عند حدود مصيره ، من خلال طبيعة عمله في الدنيا. # * * * ### ||| ** أساليب الضلال وبينات الهدى # ولكن بعض الناس لا يواجهون هذه المسألة بالجدية اللازمة ، في مات يجب أن ~~يفكر الإنسان به ، أو يحاور فيه ، فيعملون على إثارة علامات الاستفهام حوله ~~، بطريقة السخرية السطحية ، وهذا ما تحدثنا عنه الفقرة التالية : ( @QUR@07 ~~ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ) ليكون ذلك حافزا للاستعداد الفكري ~~والعملي لهذا المستقبل الجديد المثير للانتباه ، ( @QUR@08 ليقولن الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) في ما يمثله السحر عندهم من حالة غيبية ترتبط ~~بالقضايا التي لا تتصل بالحس ، أو في ما يتمثلونه في شخصية النبي الذي ~~يخبرهم بالغيب ، من شخصية الساحر في مضمون دعوته المرتبطة بالآخرة ، أو في ~~أسلوبه الذي يدهش العقول ويؤثر في النفوس ، ولكن كيف حكموا على هذه الدعوة ~~بالسحر؟ وما الذي يربط بين السحر الذي يمثل حالة استعراضية ، وبين هذه ~~الفكرة التي توحي بأن هناك عالما آخر ، يحاسب فيه الناس على أعمالهم في هذه ~~الدنيا؟ ليس هناك جواب ولا تعليق إلا أنهم لا يريدون إثارة التفكير ، ~~وامتداد الحوار ، بل كل ما يريدونه هو إثارة الغبار في وجه الدعوة ، لينصرف ~~الناس عنها ، تماما كما يفعل الكثيرون الآن عند ما يحاولون الإيحاء للبسطاء ~~بضرورة الابتعاد عن الفكر الديني ، من خلال وصفه بكلمات «الخرافة» ~~و «الرجعية» و «الابتعاد عن المنهج العملي» ، وغير ذلك من الكلمات التي لا PageV12P020 # تحمل إلا الإثارة في عالم الضباب ، وتلك هي أساليب الكفر والضلال في ~~مواجهة بينات الهدى والإيمان ، كجزء من حركة الصراع في ساحة الدعوة والتحدي ... # ( @QUR@07 ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) أي إلى ms2854 مجموعة معينة ~~من السنين ، تبعا للحكمة الإلهية في عالم العقاب والثواب في الكون ، في ما ~~يريده الله من تخطيط النظام فيه ، ( @QUR@03 ليقولن ما يحبسه ) في استفهام ~~تعجيزي ، يقصدون به استعجال العذاب في أسلوب من التحدي والسخرية والإنكار ، ~~ولكن الله يقرر الحقيقة الحاسمة التي تحكم هذه الأمور ، فلكل شيء وقت محدود ~~، فإذا جاء وقته فلا بد أن يتحقق ما يريده الله ، ( @QUR@06 ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم ) لأن إرادة الله لا تنفك عن المراد ، ( @QUR@06 وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزؤن ) وحل بهم العذاب الأليم الذي سخروا منه ، وواجهوا ~~الحقيقة الحاسمة التي لا مفر منها. # * * * PageV12P021 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور ~~(9) @QUR@013 ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه ~~لفرح فخور (10) @QUR@010 إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ~~وأجر كبير ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أذقنا ): الذوق : مصدر : ذاق ، أي تناول الشيء بالفم لإدراك ~~الطعم ، وسمى الله سبحانه إحلال اللذات بالإنسان إذاقة لسرعة زوالها ، ~~تشبيها بما يذاق ثم يزول. وقد يكون المراد هنا : خبر نعم الله واختبرها. # ( @QUR@01 نزعناها ): النزع : قلع الشيء عن مكانه. # ( @QUR@01 ليؤس ): فعول من يئس ، واليأس : القطع بأن الشيء المتوقع لا ~~يكون ، ونقيضه الرجاء. # ( @QUR@01 نعماء ): النعماء : أنعام أو نعم أثرها على صاحبها. PageV12P022 # ( @QUR@01 ضراء ): الحالة التي تضر ، كالفقر والشدة والعذاب ، وهي نقيض ~~السراء. # ( @QUR@01 السيئات ): المراد بالسيئات بقرينة المقام : المصائب والبلايا ~~التي يسوء الإنسان نزولها عليه. # ( @QUR@01 فخور ): فعول من فخر يفخر ، وهو الذي يكثر فخره ، بتعداد ~~مناقب نفسه ، وهذه صفة ذم لما فيها من التكبير على من لا يجوز أن يتكبر عليه. # * * * ### ||| ** سلبيات الإنسان قابلة للتغيير # للإنسان خصائصه السلبية في نظر القرآن ، لوجود نقاط ضعف في شخصيته ~~الداخلية ، تنعكس على مواقفه العملية في الخارج. وتتنوع هذه الخصائص ~~السلبية تبعا لتنوع نقاط الضعف ، ولكنها مهما تنوعت وامتدت في حياته ، ~~فإنها لا تمثل خصائص لا تنفصل عن حركة الذات في وجودها ، لتكون ضريبة لازمة ~~للإنسان في حياته ، بل هي من الخصائص القابلة للتبديل والتغيير ، بفعل ~~التربية والممارسة ms2855 والوعي المنفتح العميق. # ( @QUR@05 ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ) من الصحة والأمن والغنى والعلم ~~وغير ذلك ، فعاشها مدة من الزمن ، يتقلب في نعمائها وينهل من لذائذها ، ~~ويستمتع بخيراتها ، جاهلا بأن هذه النعم إلى زوال ، لأن سنة الحياة قائمة ~~على التغير والتبدل ، واستسلم في ظلها لأحلامه ، كما يستسلم الحالمون إلى ~~الأجواء السحرية اللذيذة ، وجاءت المفاجأة لتطوي صفحة وتفتح أخرى ، فقد ~~أذقناه حلاوة النعمة فترة من الوقت ( @QUR@03 ثم نزعناها منه )، فإذا ~~بالصحة تنقلب إلى مرض ، والأمن إلى خوف ، والغنى إلى فقر ، والعلم إلى جهل ~~ونسيان ... PageV12P023 # فكيف كان شعوره أمام ذلك كله؟ هل يتقبله بعقل واع منفتح ، يدرس الظاهرة ~~الإيجابية الماضية من خلال أسبابها ، ويناقش الظاهرة السلبية الحاضرة ، من ~~خلال مؤثراتها الواقعية ، مما يجعله يواجه النتائج في كلتا الحالتين ~~بعقلانية هادئة تتحرك فيها حسابات الشعور من خلال حسابات العقل؟ أو أنه ~~يواجه المسألة بالانفعال العنيف الباحث عن الأجواء المأساوية ليغيب فيها ، ~~وعن العنف المتمرد ليتحرك فيه؟ إن النتيجة هي اختياره للجانب الثاني ، لأن ~~عنصر الانفعال أقوى لديه من عنصر العقل ، ( @QUR@03 إنه ليؤس كفور ) فلا ~~يخضع الأشياء للدراسة الواقعية ليفهم أن من الممكن للمشكلة أن تجد الحل ، ~~وأن الحالة الصعبة قد تتحول إلى حالة سهلة ، وأن العسر قد يتحول إلى حالة ~~إشراق ينطلق في أجواء الضياء. وهو لا يلجأ إلى منطق الإيمان ليعرف أن قدرة ~~الله لا تقف عند حد ، فلا مجال لليأس أمام قدرته ، بل يبقى الأمل في خضرة ~~دائمة ، ونمو مستمر ، ولذلك فهو يسقط في وحول اليأس ، ويتخبط في ظلمات ~~الكفر ، فيعيش في قلب الدوامة إلى غير قرار ، هذا في الحالة الإيجابية التي ~~تتحول إلى حالة سلبية. # * * * ### ||| ** الزهو المتكبر والشخصية المهتزة # ( @QUR@06 ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ) فحصل على الصحة بعد المرض ، ~~وعلى الغنى بعد الفقر ، وعلى الأمن بعد الخوف ، وانطلقت الإشراقة الروحية ~~في حياته ، لتبدد الظلمة التي عاشت في أحداقه مدة طويلة من الزمن ، فاستسلم ~~للخير المستجد في حياته ، استسلام الاسترخاء الذي يبحث عن أرض يتمدد عليها ~~، لا عن تجربة يستفيد منها ms2856 ، في ظواهر قابلة للتغيير والتبديل ... PageV12P024 # وهكذا سيطرت عليه الغفلة ، فلم ينفتح على مخاوف المستقبل ، ولم يتحفظ ~~أمام المفاجآت ، ( @QUR@04 ليقولن ذهب السيئات عني ) انفتحت الحياة أمامي ~~بكل مجالاتها الواسعة ، فلا انغلاق ولا ضيق ، فليفتح المستقبل لي كل أبوابه ~~، لأن موعد الشروق قادم بكل امتدادات الحياة ، ( @QUR@03 إنه لفرح فخور )، ~~ليس هو الفرح الهادىء الذي يستمتع بالنتائج الحاضرة بطريقة لا أثر فيها ~~للبطر وللخيلاء ، بل هو الفرح المتحرك بالزهو الاستعراضي المتكبر ، الذي ~~يعمل على الإيحاء بعظمة الذات ، وسحر الشخصية ، كما أنه ليس الفخر الواقعي ~~الذي يقف أمام حدود القيمة داخل حركة الحياة من حوله ، بل هو الفخر ~~المتعاظم بالمجد الضخم الذي ارتفع إليه من دون بحث عن مواقع القيمة في حركة ~~الحياة الواقعية ، وتلك هي الشخصية المهتزة الواقعة في مهب الريح ، فلا ~~مجال لديها لأي استقرار في الفكر والشعور والموقف ، لفقدانها القاعدة ~~الصلبة التي ترتكز عليها في انفعالها بالأحداث ، وفي تأثرها بالقضايا ، وفي ~~التزامها بالمواقف ، وذلك هو سر الضعف في عمق هذه الشخصية القلقة غير ~~المتوازنة. # * * * ### ||| ** الصابر لا يطغيه الربح ولا تصرعه الخسارة # ولكن هناك نوعا آخر من البشر ، يملك الإيمان إلى جانب العقل ، والتركيز ~~إلى جانب العلم ، فهو يفهم الحياة كنوع من الانفتاح والوعي والواقعية ، ~~وبذلك ، فإنه يستطيع الوقوف بعيدا عن الاهتزاز ليثبت على الأرض الصلبة ، ~~المتصلة بالعمق الأعمق من قوة الحياة في الإيمان .. وهؤلاء هم المؤمنون ~~الصابرون ، الذين انفتحوا على الصبر من خلال الإيمان ، وارتبطوا بالإيمان ~~من خلال مواقع الصبر ، والتزموا بخط العمل الصالح ، على أساس PageV12P025 # ذلك كله. # ( @QUR@03 إلا الذين صبروا ) ففهموا سر الحياة من خلال الهدوء الذي يصنعه ~~الصبر الإيجابي في داخل الشخصية ، وفي رؤيتهم أن الحياة بكل مظاهرها ~~المفرحة والمحزنة ، خاضعة لعوامل وأسباب طبيعية أودعها الله في سننه ~~الكونية ، فإذا جاء الخير ، فإن معنى ذلك أن أسبابه متوفرة ، وإذا جاء الشر ~~كان معناه ، أن الإمكانات لا تسمح بولادة الخير في الحياة وفي الإنسان ، ~~تماما كما يجيء الليل وهو يحدق بالنهار ، أو يشرق النهار وهو يحمل في داخله ~~تهاويل قدوم ms2857 الليل ، فلا مشكلة مطلقة هنا ، ولا حل مطلق هناك. بل هناك ~~الواقعية الصافية التي تواجه الأرباح بصبر ، فلا يطغيها الربح ، كما تواجه ~~الخسائر بصبر ، فلا تصرعها الخسارة ، وهؤلاء هم الذين صبروا ولم يتزلزلوا ، ~~بل ثبتوا أمام المتغيرات في الحياة ، واعتبروها مسئولية محددة سواء تعلقت ~~بحياتهم الشخصية ، أم بحياة الناس العامة ، وهذا ما عاشوه عند ما صبروا ~~وتحملوا نتائج المسؤولية ( @QUR@02 وعملوا الصالحات ) فجزاهم الله عن ذلك ~~خيرا كثيرا ، ورفع درجتهم عنده ، لأنهم أخلصوا له العبودية بالقول والعمل ، ~~( @QUR@05 أولئك لهم مغفرة وأجر كبير )، وتلك هي نهاية الصابرين العاملين ~~الصالحين. # * * * PageV12P026 ### ||| * الآية # ( @QUR@028 فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لو لا ~~أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وضائق ): فاعل من ضاق ، بمعنى ما يضيق به صدرك ، وضيق الصدر : ~~كناية عن الغم والحزن. # ( @QUR@01 كنز ): ما يدخر من المال ، وهو في الشرع كل مال لا يخرج منه ~~حق الله تعالى من الزكاة وغيرها. # * * * ### ||| ** طروحات استعراضية للتشكيك بالدعوة # ... وينطلق الحديث بوضوح عن المشاكل التي تعترض مسيرة النبي في رسالته ، ~~فتعمل على خلق جو نفسي متأزم له أمام ما تثيره التحديات الكافرة من PageV12P027 # مقترحات تعجيزية ، لا يستهدف أصحابها منها حل مشكلة فكرية ، أو إزاحة ~~شبهة إيمانية ، بل يستهدفون إغراق الرسول بالطلبات التي لا تمثل شيئا في ~~طبيعتها أمام الرسالة في مفاهيمها وقضاياها ، وشرائعها ، بغرض شغل الداعية ~~عن مهمته ، وإبعاده عن هدفه ، فيضيق صدره ، وربما يفكر بالتراجع عن بعض ما ~~يريد إثارته ، لأنه لا يشعر بالتجاوب منهم ، بل يرى بدلا من ذلك تشويشا ~~وتشويها ، وتلاعبا بالمواقف ، وابتعادا عن الجدية ، وتهربا من المسؤولية في ~~جو من اللامبالاة ، يوحي بأن الدعوة لن تحصل على نتيجة ، فلما ذا يتعب نفسه ~~، ويجهد بدنه بما لا طائل منه. # وتلك هي الصورة التي واجهها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما كان ~~يطرحه الكفار من طروحات استعراضية للإيحاء أمام الآخرين ، بضعفه في دعوى ~~نبوته ، لأنه لا يملك أسباب القوة ms2858 التي يعتبرونها علامة للصدق ، في حركة ~~الأنبياء ، وهي في زعمهم القدرة على تغيير الظواهر الكونية ، واجتراح ~~المعجزة استجابة لأي اقتراح يقترحه الآخرون. وذلك هو الخطأ الذي قد يعرفونه ~~ولا يجهلونه في التصور ، يتظاهرون بالاعتقاد به ، ليخفوا حقيقة القصد السيئ ~~، من وراء طروحاتهم ، فإن النبي لا يحمل مهمة تغيير الكون في طواهره ، بل ~~يتحمل مسئولية تغييره في مناهجه وطريقة التفكير ، والعمل في خطواته الفكرية ~~والعملية ، من خلال التبليغ والتبشير والإنذار ... ويبقى لله أمره ، في ما ~~يقضي وفي ما يفعل ، لأنه المسيطر على ذلك كله. # * * * ### ||| ** مقترحات الكفر # ( @QUR@06 فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ) مما لا يتقبله الكافرون ، ولا ~~ينسجم مع أفكارهم وأهوائهم ، ولا يتوافق مع مصالحهم وأجوائهم ... ، لتضمن PageV12P028 # بذلك رضاهم عنك ، أو لتوفر على نفسك موقف الرفض الذي يوحي به التحدي ~~الصادر منهم ، ليستريحوا إلى دعوتك في القضايا الأخرى التي لا تثير لديهم ~~مشاكل كثيرة ، لأنها لا تتناول القضايا الحيوية في واقعهم ، وهذا ما يفعله ~~بعض العاملين من الدعاة إلى الله ، إذ يهملون بعض مسائل الدعوة وأفكارها ، ~~ليحصلوا على النتائج الإيجابية في أصل الموقف ، أو بعض تفاصيله البسيطة ~~التي لا تثير أحدا ، ليكون ذلك هو المدخل إلى قناعات الآخرين وأفكارهم ، ~~لأن الحصول على بعض الموقف المؤيد منهم ، أفضل من خسارة الموقف كله. وربما ~~كانوا خاضعين في ذلك ، لحالة نفسية انهزامية ، تدفعهم إلى التراجع الجزئي ~~عن خط الدعوة ، لضمان التأييد والمحبة والرضى من مجتمعهم ، الذي لا يطيقون ~~إهماله أو غضبه. # ( @QUR@03 وضائق به صدرك ) في ما يثيره داخل نفسك من حالات الحرج الشديد ~~، والمشقة الكبيرة ، تحت ضغط الصراع الداخلي بين ما تريد أن تقوله ، وبين ~~ما لا تريد أن تقوله ، مما يوحي بالأزمة النفسية التي يضيق بها الصدر ، ~~وتضعف معها الروح ، عند ما يعرضون عليك بعض ما لا تستطيع القيام به من ~~طلبات تعجيزية لم يمكنك الله من القيام بها ، ولم يمنحك القدرة عليها. ~~وهناك تقف موقف العاجز أمامهم ، مما ينعكس على موقعك في المجتمع أمام ~~البسطاء الطيبين الذين لا يعرفون خلفيات الأمور ، ولا ms2859 مواقع التحدي التي ~~ينبغي للإنسان الاستجابة لها أو لا. # ( @QUR@07 أن يقولوا لو لا أنزل عليه كنز ) مما يعنيه الكنز من امتلاك ~~قوة مالية تجعله في مواقع الأغنياء القادرين الذين يشعر الآخرون بالهيبة ~~تجاههم ، والضعف أمامهم ، فيستجيبون لهم في ما يدعونهم إليه ، على أساس ~~استجابة الضعيف للقوي. # ( @QUR@04 أو جاء معه ملك )، يرفده بقوة روحية كدليل على الدعم السماوي PageV12P029 # له ، فإن الملك يؤكد في وعيهم ، مساندة الملائكة في مواجهة التحديات ~~البشرية ، مما يضعف قوة مواقفهم ، لأن البشر لا يستطيعون الثبات أمام قوة ~~الملك ، فيتصاغرون أمامه ، خضوعا لهذه القوة العجائبية القادمة من السماء. # * * * ### ||| ** إنما أنت نذير # ولكن ذلك كله لا معنى له ، فلا بد للناس من أن يفهموا دور النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي يخطئ الناس في فهمه ، وينحرفون عن معناه ، فليس ~~النبي شخصا قادما من الغيب ، أو متحركا في أجوائه ، وليس له من الغيب إلا ~~علاقة الوحي الذي لا يدرك الناس سره ، وبعض ما يثيره الله أمامه من معاجز ~~أو معلومات غيبية ، يرى الله في تعرفه عليها الصلاح لهم ، ولذلك لا مجال ~~للاستجابة إلى مقترحاتهم ، لأنها لا تمثل شيئا في حسابات المعرفة ، ولأن ~~النبوة حملت في داخلها عوامل قوتها ، ولأن الاستجابة لهم تمثل تقريرا للخطأ ~~الذي أقاموا عليه فهمهم لخط النبوة وشخصية النبي .. # ( @QUR@03 إنما أنت نذير )، بما تنذرهم به من عقاب الله في الدنيا ~~والآخرة ، إذا تركوا الإيمان ، والتزموا بالكفر ، وتمردوا على الله. فإذا ~~قمت بهذا الدور ، فقد قمت بمسؤوليتك خير قيام ولا ضير عليك في ما يتهامسون ~~به بينهم ، أو في ما يثيرونه في الجو ضدك من الإيحاء بضعفك في خط المواجهة ~~، لأن ذلك متروك لله سبحانه ، فهو المسيطر عليهم ، والوكيل على كل شيء يحيط ~~بهم من قريب أو من بعيد ، ( @QUR@05 والله على كل شيء وكيل ). # * * * PageV12P030 ### ||| ** هل كان النبي يخضع للضعف؟ # وهنا يمكن سؤال : ماذا تعني هذه الآية في تقييم شخصية النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فهل كان النبي يضعف أمام التحديات ، لتجيء هذه الآية ~~وأمثالها من ms2860 أجل أن تقوي ضعفه ، أو تسند له موقفه ، أو تخفف عنه أحزانه ، ~~وتطيب به نفسه ، وتزيل عنه آلامه؟ وهل جاءت في أجواء التأنيب الإلهي له ، ~~أو ماذا؟. # والجواب عنه : إن الآية ليست في مورد الحديث عن الحالة الواقعية الفعلية ~~التي كانت تحيط بموقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو تمثل شخصيته ، بل كانت ~~في مورد تقييم الطبيعة الموضوعية لما يمكن أن تثيره التحديات التعجيزية في ~~الحالة الإنسانية من ضعف يبحث دائما عن الهروب ، مما يمكن أن يحطم شخصيته ~~أو يسيء إلى موقعه ، أو يتعقد من ذلك ، فيتحول إلى مخلوق مختنق بأزمته ، ~~وربما كان هذا السبب هو السر في الإتيان بكلمة «لعل» التي توحي بإمكانية ~~الموضوع ، لما تختزنه مثل هذه الأمور من نتائج على مستوى الانفعالات ~~الإنسانية ، في مواجهة عوامل الإثارة. # وبذلك يمكن أن تكون الآية عاملا وقائيا يريد الله به حماية النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الوقوع في مثل هذه التجربة ، أو الخضوع لهذا ~~الانفعال ، أو تكون عملية إيحائية للعاملين من خلال النبي ألا يستسلموا ~~لهذه الحالة ، لو واجهوا مثلها ، انطلاقا من فهمهم لطبيعة الدور الذي أوكله ~~الله إليهم من الدعوة إلى سبيله بالوسائل الواقعية المألوفة ، مما يجعلهم ~~لا يعيشون الضعف في مواجهة هذه التحديات ، لأنهم لا يعتبرونها تحديا لدورهم ~~أو لقدرتهم الطبيعية ، بل كان ما هنالك ، أنها التحدي لما يتوهمه أولئك من ~~دور ، دون ارتكاز إلى علم أو إيمان. # * * * PageV12P031 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) @QUR@016 فإلم يستجيبوا لكم ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ) (14) # * * * ### ||| ** التحدي في مواجهة أساليب الكفار # ... وهذا أسلوب من أساليب التشويه لصورة الرسالة والرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم في نظر الناس ، فهم ينسبون إلى الرسول أنه افترى على ~~الله كذبا ، في ما نسبه إليه من هذا الكتاب ، لأنهم يدعون أنه من صنع النبي ~~ومن إبداعه ، أو أنه أساطير الأولين اكتتبها ، علمه إياه ms2861 المعلمون الذين ~~يعرفون أساطير الأولين وعلومهم ، وبذلك تتحول الرسالة إلى مضمون مفترى ، لا ~~حقيقة له. # ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ) على الله ، يوحي الله به إليه ، وهو لا ~~يمكن أن يكون رسولا من قبله ، لأن الرسول بنظرهم لا يمكن أن يكون بشرا. ~~ولكن كيف أثبتوا هذا الافتراء ، وما الوثائق التي قدموها في دعواهم ، من ~~مقارنة بين هذا القرآن وبين أساطير الأولين ، أو من إثباتات تؤكد دراسة ~~النبي على غيره من أساتذة الديانات الأخرى ، أو من عرض التاريخ التفصيلي ~~للنمو العلمي PageV12P032 # والثقافي لشخصية النبي ، في ما درسه ، وفي ما ناقش فيه ، وفي ما أثاره من ~~قضايا وأمور فكرية قبل النبوة؟!! # * * * ### ||| ** افتراضات لا تثبت أمام النقد # ليس هناك شيء من ذلك ، وإذا كانت هناك بعض الأشياء التي حدثنا عنها من ~~قبيل ، ( @QUR@03 إنما يعلمه بشر ) [النحل : 103] ، أو : ( @QUR@08 أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) [الفرقان : 5] ، فإنها لم تكن ~~إلا افتراضات وأوهاما لا تثبت أمام النقد ، ولا ترتكز على أساس ، بناء على ~~ما حدثنا به القرآن ، أو تحدث به التاريخ ، لأن مثل هذه الأمور لا تخفى على ~~أحد لو كان لها أساس من الحقيقية ، لأن التحديات المضادة للنبي وللنبوة ~~كانت تفرض كثرة الحديث عنها لو توفرت. # مع ذلك ، فإن القرآن لم يدخل في مناقشة هذا الموضوع معهم في هذه الآية ، ~~لأنهم لم يكونوا في موقع يسمح بدخول الآخرين في نقاش حر معهم لمعرفتهم ، ~~مقدما بخسارتهم في ظل فقدان الحجة القوية في ما ادعوه وقالوه. بل أطلق في ~~وجههم التحدي الذي يدفع بهم إلى موقع الدفاع ، بعد ما كانوا في موقع الهجوم ~~، وهذا أبلغ أسلوب في مواجهة التعنت والتمرد والعناد ، فإنه يحطم زهو الطرف ~~الآخر ، عما يحاول أن يظهره من القوة ، في ما يثيره من تحديات وتهاويل. # * * * ### ||| ** بماذا تحدى القرآن الآخرين؟ # ( @QUR@06 قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) أي مماثلة لهذه السور التي ~~تعتبرونها مفتريات فإذا كان ما أقوم به بشريا ، فإن البشر الآخرين بما ~~يملكون من قدرة ، أو PageV12P033 # بما يحصلون عليه منها بالدراسة والتدريب والتفكير ، يمكن ms2862 أن يقوموا ~~بمثلها. # وقد أثار المفسرون عدة أسئلة في مقام التعليق على هذه الآية : # منها : عن سر التحدي بالقرآن ، هل هو في إطار البلاغة والفصاحة ، وإذا ~~كان الأمر كذلك ، فما معنى تحدي الآخرين من غير العرب في ذلك ، فإن عجزهم ~~عنه ، لا يعني نفي قدرة البشر الذين يملكون المعرفة في هذا المجال ، وما ~~معنى الحديث في آية أخرى ، عن عدم اختلاف آيات القرآن ، كأساس لإثبات أنه ~~من الله ( @QUR@010 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ~~[النساء : 82]؟؟ وعلى ضوء هذه المناقشة ، فإن بعض المفسرين يرى : أن التحدي ~~«عام لكل ما يتضمنه القرآن الكريم من معارف حقيقية ، والحجج والبراهين ~~الساطعة ، والمواعظ الحسنة ، والأخلاق الكريمة ، والشرائع الإلهية ، ~~والأخبار الغيبية ، والفصاحة والبلاغة» (1). # ولكن من الممكن التحفظ على ذلك بأن التحدي إنما يكون بالمعجز الذي لا ~~يستطيعه أحد ، بالوسائل التي يملكها الناس ، في ما يستعملونه لمثل هذه ~~الأمور ، وهذا مما قد نستطيع الموافقة عليه في مجموع القرآن من خلال ضم ~~بعضه إلى بعض ، في ما اشتمل عليه من أسرار الكون والحياة والإنسان والتشريع ~~، ومن قضايا الغيب ، بالإضافة إلى أسلوبه البليغ. ولكن كيف نستطيع الموافقة ~~على ذلك في التحدي بالسورة ، أو بالسور العشر ، التي يمكن أن تكون مشتملة ~~على معنى محدود ، لا يمثل شيئا من الأسرار الخفية أو المطالب العالية ، أو ~~الأمور الغيبية ، أو العملية ، التي لم يكن الناس يملكون وسائلها ، أو التي ~~يمكن للناس أن يصلوا إليها بدون وسائل ، كما هو الحال في عصر النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف يمكن أن نفهم التحدي والإعجاز في ذلك؟ # من هنا يمكن القول ، بأن التحدي بالسورة أو بأكثر منها يوحي بأن الإعجاز ~~لا بد أن يكون مشتركا بين السورة في حدودها ، وبين القرآن كله ، PageV12P034 # وليس ذلك إلا ما ذكروه من قضية البلاغة والفصاحة. أما الأمور الأخرى ، ~~فإنها قد تكون دليلا على الصدق ، لا مظهرا للإعجاز ، وقد تحدثنا قليلا عن ~~ذلك في تفسير سورة البقرة ، أما الحديث عن تحدي كل البشر ، فهو أسلوب ms2863 كنائي ~~يريد الإيحاء بأن المسألة إلهية لا بشرية. # و «منها» عن رقم العشرة ، ما خصوصيته؟ وما المراد منه؟ وقد اختلف في ذلك ~~دون الوصول إلى نتيجة حاسمة. ولعل أقرب هذه الوجوه إلى الصواب ما ذكره صاحب ~~مجمع البيان ، في كتابه ، قال : «فإن قيل : لم ذكر التحدي مرة بعشر سور ، ~~ومرة بسورة ، ومرة بحديث مثله؟ فالجواب : أن التحدي إنما يقع بما يظهر فيه ~~الإعجاز من منظوم الكلام ، فيجوز أن يتحدى مرة بالأقل ومرة بالأكثر» (1). # وقد علق على هذا صاحب الميزان بقوله : «أقول : وهو يصلح وجها لأصل التحدي ~~بالواحد والكثير ، وأما التحدي بالعشر بعد الواحدة ، ولا سيما على ما يراه ~~من كون إعجازه بالبلاغة فحسب ، فلا» (2). ولكن من الممكن أن يكون مقصود ~~صاحب مجمع البيان ، هو أن الرقم لا خصوصية له ، بل يذكر كنموذج للقلة في ~~التعبير بالواحد ، وقد يذكر كنموذج للكثرة في التعبير بالعشرة ، أو بغيرها ~~في ما تعارف عند العرب من أساليب التعبير ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الألوهية قدرة مطلقة # ( @QUR@09 وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) في ما يمكن أن ~~تواجهوا به القرآن ، من قدرة المحاكاة ، ممن تعتبرونهم شركاء الله ، فإن ~~مستوى الشريك لا بد أن يكون مساويا في القدرة لمستوى شريكه في موضوع ~~الألوهية ، التي PageV12P035 # تفرض القدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء. هذا إذا كان المقصود بكلمة ( ~~@QUR@03 من دون الله ) الشركاء الذين يدعونهم من دون الله ، أما إذا كان ~~المقصود بها كل من هو غير الله ، فيكون كناية عن كل من يملك القدرة على رد ~~التحدي عبر ما يملكه من معلومات ، لأن ذلك لا بد أن يكون ملحوظا في كل ~~حالات التحدي ، سواء أريد به التحدي بالبلاغة ، أم التحدي بجميع العناصر ~~التي اشتمل عليها القرآن. فكما لا يمكن توجيه التحدي لمن لا يعرف العربية ، ~~كذلك لا يمكن توجيه لمن لا يعرف شيئا من أسرار الكون ، ومن معارف الحياة من ~~الأميين ، أو الجاهلين ، الذين لم يأخذوا من أسباب العلم بشيء حتى القراءة ~~والكتابة. # * * * ### ||| ** دليل الحقيقة # ( @QUR@03 فإلم يستجيبوا لكم ) لأنهم ms2864 لا يملكون إمكانات الاستجابة للتحدي ~~، ( @QUR@05 فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ) الذي لا يعجزه شيء ، مما يعجز ~~الآخرون عن الوصول إليه ، فذلك هو الدليل الذي يؤدي إلى اليقين بأن القرآن ~~لم ينزل بعلم بشر كالنبي محمد صلى الله عليه وآله أو سلم أو غيره ، بل نزل ~~بعلم الله وحده. # والظاهر من وحدة السياق أن الخطاب للمؤمنين الذين يريد الله أن يقدم ~~إليهم الدليل الواضح على ما آمنوا به ، من باب تقرير الحقيقة من خلال ~~التجربة الحية الماثلة للعيان ، ويمكن أن يكون خطابا للمشركين بتقدير توجيه ~~القول إليهم من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أمره الله بتوجيه ~~التحدي إليهم ، أي «فقل أو فقولوا» فأقام متعلق القول مقامه. ( @QUR@05 وأن ~~لا إله إلا هو ) في ما تفرضه القدرة المطلقة التي يملكها دون غيره ، ( ~~@QUR@03 فهل أنتم مسلمون ) له بالتصديق به ، وبرسوله وبرسالته. # * * * PageV12P036 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون (15) @QUR@016 أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وزينتها ): الزينة : تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة. # ( @QUR@01 نوف ): التوفية : تأدية الحق وإيصاله إلى صاحبه بكماله. # ( @QUR@01 يبخسون ): البخس : نقصان الحق ، أو هو نقص الأجر. # * * * ### ||| ** هدف الحياة # ما هدفك في الحياة؟ وما مداك في كل ما تقوم به من أعمال ، أو تخطط PageV12P037 # له من مشاريع؟ إنك تعيش في هذا الوجود في نطاق المادة التي تتحرك معها ، ~~وتتحرك معك ، من شهوات ، وغرائز ، وعلاقات ، ومصالح ، وما إلى ذلك ، مما ~~تشتمل عليه هذه الحياة من مفردات ، فهل ما تعيش فيه هو كل همك ، فأنت ~~مستغرق فيه إلى أعمق أعماقه ، لا ترفع عينيك عنه إلى ما هو أبعد منه ، ولا ~~تدفع فكرك إلى ما هو أسمى منه ، بل أنت مشدود إليه بكل حواسك وفكرك ووجدانك ~~، فهو نهاية المطاف لديك ، إذا حصلت عليه حصلت على السعادة ، وإذا لم تحصل ~~عليه توحي لنفسك بالشقاء ، وبالتعاسة ، والسقوط؟ أو أن لك هدفا أسمى ms2865 من ~~حركة الواقع حولك ، فأنت تحرك الواقع من خلاله؟ وهو الغاية من وجودك في ما ~~تفهم فيه مسألة وجودك ، فالحياة بالنسبة إليك مرحلة تسبق غاية؟ # وبذلك تكون قيمتها تابعة لقيمة الغاية ، سلبا وإيجابا ، وبذلك ترتبط كل ~~الشهوات ، والغرائز ، والمصالح ، والعلاقات ، والأوضاع ، بعلاقتها بالهدف ~~الأسمى ، لجهة القرب منه ، وذلك الهدف هو الله في عبوديتك له ، وفي ما ~~يجسده العمل بطاعته من مظهر حي للعبودية ، وذلك ما تعنيه كلمة الدار الآخرة ~~بما تواجهه فيها من نتائج على مستوى النعيم أو الجحيم. # إن هاتين الآيتين توحيان للإنسان بأنه إذا حدد ما يريده في الحياة ، فإن ~~الله سيعطيه ما يريده منها ، على الطريقة التي يفكر بها على الصعيد ~~الإيجابي أو السلبي. # * * * ### ||| ** سنة الله # ( @QUR@06 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها )، بحيث كانت الحياة في ~~دائرتها PageV12P038 # المادية ، التي يتعبد فيها الإنسان لذاته في نطاق الجسد ، أو في مطامع ~~علاقاته ، هي كل همه وكل حياته ، أما قيم الروح المرتبطة بالله بما تتضمنه ~~من تضحيات ، وبعد عن المادة العمياء ، فهو بعيد عنها بعد الأرض عن السماء ، ~~إن من جعل إرادته محبوسة في هذه الدائرة فإن الله سيعطيه ما يريد ( @QUR@08 ~~نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) أي لا ينقصون منها ، بل ~~يأخذونها كاملة غير منقوصة ، لأن الله قد ربط الأشياء بأسبابها فمن أراد ~~شيئا وعمل له ، فإن من سنة الله أن يحصل عليه ، ولكنه لن يحصل على أكثر من ذلك. # وإذا كان هذا هو شأن الدنيا في ما يواجهه الإنسان فيها ، فإن شأن الآخرة ~~كذلك ، فمن عاش لقيم الدنيا ، فإنه سيتنكر لقيم الآخرة ، وسيحصل على نتائج ~~هذا التنكر في ما أعده الله له من عذاب ( @QUR@08 أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار ) جزاء لما عملوه ( @QUR@03 وحبط ما صنعوا ) لأنهم لم ~~يحصلوا منه على نتيجة ، فقد تركوا الدنيا كلها وجميع ما فيها من لذائذ ~~وشهوات ، وخلفوها وراء ظهورهم ولم يبق لهم منها شيء يستفيدون منه في دارهم ~~الجديدة ، وهذا معنى الإحباط في عمقه الروحي ، ( @QUR@04 وباطل ما كانوا ms2866 ~~يعملون )، لأنه لا يمثل إلا الشيء الفاقد لمعناه ، الذي لا يتضمن إلا ملء ~~الفراغ الوقتي ، من دون نتائج تتجاوز اللحظات الزمنية التي يمر بها ، فإذا ~~ذهبت اللحظة ذهب العمل ، وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفكر فيه عند الإقدام ~~على أي عمل ، وهو ما يستقبله من نتائج إيجابية تجعل له امتدادا في حسابات ~~المستقبل. # * * * PageV12P039 ### ||| * الآيات # ( @QUR@039 أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك ~~في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) @QUR@023 ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) @QUR@011 الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) @QUR@024 ~~أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف ~~لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) @QUR@09 أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) @QUR@07 لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الأخسرون (22) @QUR@014 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا ~~إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) @QUR@011 مثل الفريقين ~~كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ) (24) # * * * PageV12P040 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بينة ): البينة : الحجة : الفاصلة بين الحق والباطل. # ( @QUR@01 يعرضون ): العرض : إظهار الشيء ، ومعنى العرض على الله : أنهم ~~يقفون في المقام الذي يريه العباد للمطالبة بالأعمال. # ( @QUR@01 الأشهاد ): جمع شاهد ، وهو العالم الذي يبين ما علمه. # ( @QUR@01 عوجا ): العوج : العدول عن طريق الصواب. # ( @QUR@01 وأخبتوا ): الإخبات : الطمأنينة ، وأصله الاستواء من الخبت ، ~~وهو الأرض المستوية الواسعة فكأن الإنبات خشوع مستمر على استواء فيه. # ( @QUR@01 مثلا ): المثل : قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول. # ( @QUR@01 كالأعمى ): العمى : عبارة عن فساد آلة الرؤية. # ( @QUR@01 والأصم ): الصمم : عبارة عن فساد آلة السمع. # * * * ### ||| ** مثل الفريقين المؤمن والكافر .. هل يستويان؟ # في أجواء هذه الآيات ، نلتقي بالساحة التي تتحرك فيها الدعوة بين الذين ~~يتحركون إيجابيا في خط الإيمان والطاعة والانفتاح ms2867 على الله ، وبين الذين ~~ينطلقون سلبيا في خط الكفر والتمرد والتكذيب والصد عن سبيل الله ، ثم نواجه ~~النتائج الحاسمة في يوم القيامة ، فإذا بالفريق الأول يعيش في رضى الله ~~ورحمته ليخلد في الجنة ، أما الفريق الثاني ، فيعيش الخسارة الكبرى ، ~~والضياع والعذاب الأليم ... وذلك في ظل أجواء مليئة بالحركة تحتوي الحاضر PageV12P041 # والمستقبل ، للإيحاء بارتباط الجانب العملي بالجانب العقيدي ، وامتداد ~~أجواء الحياة الدنيا في خط الانحراف والاستقامة ، إلى الحياة الأخرى ، في ~~خط الثواب والعقاب. # * * * ### ||| ** وضوح الإيمان # ( @QUR@06 أفمن كان على بينة من ربه ) في ما هيأ الله له من وسائل ~~المعرفة ، بحيث يملك وضوح الرؤية في العقيدة التي تجعل إيمانه يصدر عن ~~قناعة وثبات ، ( @QUR@03 ويتلوه شاهد منه ) أي ويتبعه شاهد يشهد له ، على ~~صحة ذلك ، بالمستوى الذي لا يترك هناك مجالا للشك ، كأية قضية من القضايا ~~التي تتأكد لدى المؤمنين من خلال الدلائل البينة ، والشهود الموثقين. وقد ~~اختلف المفسرون في شخصية هذا الذي كان على بينة من ربه ، هل هو رسول الله ، ~~أو المؤمنون الذين كانوا معه ، أو جميع المؤمنين؟ واختلفوا كذلك في طبيعة ~~هذه البينة ، هل هي القرآن ، أو العقل والوجدان ، أو شيء آخر غير ذلك؟ ~~وكذلك في شخصية الشاهد هل هو القرآن ، أو جبرائيل ، أو الإمام علي ، أو غير ~~ذلك من الاحتمالات؟ # لقد تعددت الروايات حول هذه المسألة بالشكل الذي لا يمكن الركون إليها ~~لخلل في سند بعضها ، وارتباك في مضمون بعضها الآخر ، ولا نجد في هذا المجال ~~أوثق من عدم الخوض في ذلك ، لأن التفسير لا يختلف كثيرا في المعنى الأساس ~~الذي تستهدفه الآية ، فقد يكفينا من المعرفة بذلك أن نفهم من الآية ~~المقارنة ، بين من كان يعيش وضوح قضية الإيمان لديه ، مما هداه الله إليه ~~بشكل قاطع ، فهو لا يحتاج إلى شيء آخر في زيادة المعرفة ، ويتبعه شاهد منه ~~يؤكد هذه الحقيقة للآخرين ، سواء كان هذا الشاهد رجلا يملك المعرفة الكاملة ~~للمسألة ، أم كتابا يشهد على صحة هذا الإيمان وصدقه أمام الآخرين ، PageV12P042 # وبين من كان لا يعيش وضوح ذلك ms2868 ، لأنه لا يريد الاهتداء ، ولا يخضع له ، ~~وقد نجد في كثير من الاحتمالات المذكورة في هذا المجال ما لا يتناسب مع ~~سياق الآية. فلنجمل ما أجمله الله ، ولنطلب الوضوح في ما أراده لنا من ~~قواعده ، ولنرجع علم ما أبهم علينا أمره إليه. # * * * ### ||| ** الله يؤاخي بين الرسالات # ( @QUR@06 ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) في ما تمثله التوراة من ~~قاعدة للفكر وللتشريع ، أراد الله للناس أن يتمثلوها فكرا وعملا خلال ~~حياتهم في الفترة التي سبقت نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ~~أبقى الله من مفاهيمها وأحكامها في مضمون رسالته ، لأن التوراة كانت كما ~~يبدو أول كتاب سماوي شامل أنزله الله على رسله ، بحيث غدا إماما لبقية ~~الكتب ، لأن الله أراد أن يؤاخي بين رسالاته وكتبه في الأسس الثابتة من ~~العقيدة والتشريع ، وجعل من كل رسول امتدادا للرسول الذي سبقه ، ومن كل ~~كتاب مصدقا للكتاب الذي جاء بعده ، أو قبله ، بما يتضمنه من وحي ينظم أمر ~~العباد ، ويهديهم به إلى سواء السبيل. وربما كان ذكر كتاب موسى ، في هذا ~~السياق ، باعتباره مؤكدا للإيمان في كثير من تفاصيله التي تصدق هذا الكتاب ~~في المبدأ والتفاصيل. # ( @QUR@03 أولئك يؤمنون به ) أي بالكتاب وهو القرآن المستفاد من سياق ~~الآية ، لأنهم يملكون البينة على هذا الإيمان. ( @QUR@05 ومن يكفر به من ~~الأحزاب ) المتمثلة في جماعات الكفر والشرك والضلال ، ( @QUR@02 فالنار ~~موعده )، لأنه لا يملك الحجة على ما يعتقده من كفره وضلاله ، في ما يملك ~~الله الحجة البالغة عليه ( @QUR@04 فلا تك في مرية ) أي في شك ( @QUR@01 ~~منه ) أي من هذا الكتاب الذي أنزله الله عليك ، مهما أثاروا حولك من تهاويل ~~الشك ، لأن ما تملكه من البينة PageV12P043 # الداخلية والخارجية لا يمكن أن يقترب إليه الشك ، ( @QUR@04 إنه الحق من ~~ربك ) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلا مجال للريب فيه ~~من أي طريق ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) لأنهم لا ينفتحون على ~~المعرفة بمسؤولية ، بل ينطلقون معها من خلال المزاج والشهوة والإحساس ، ~~ولذلك فإنهم يعيشون أجواء ms2869 اللامبالاة أمام الكثير مما يطرح عليهم من دعوات ~~وقضايا تتصل بالمصير ، وتدفع بالإنسان إلى أن يعيش الجهد والمعاناة ~~والالتزام بالخط المستقيم ، انسجاما مع المسؤولية الشاملة للإنسان أمام الله. # * * * ### ||| ** مدلول اللعنة الإلهية # ( @QUR@07 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) بما يوحي به الافتراء من ~~تزييف للصورة الحقيقية التي يريد الله للحياة وللإنسان المزيد من الارتباط ~~بها ، فيسيء بذلك إلى الحياة والإنسان ، وقد تقدم بعض الحديث عن هذه الفقرة ~~في أكثر من موضع من هذا التفسير ، ( @QUR@04 أولئك يعرضون على ربهم ) في ~~موقف الحساب الذي يواجهون فيه نتائج أعمالهم السيئة ، وافتراءاتهم الكاذبة ~~، ( @QUR@02 ويقول الأشهاد ) الذين كانوا يراقبون أعمالهم ، من الأنبياء ~~والأولياء ، ويستمعون إليهم في ضلالهم ويتحملون منهم ألوان الاضطهاد : ( ~~@QUR@05 هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) في ما نسبوا إليه من أقوال وحرفوه من ~~كتبه ، وبما شرعوه من أحكام ، ( @QUR@05 ألا لعنة الله على الظالمين ) ~~الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم ، لأن الظلم ، بما يكشف من خلفيات ، ~~ونوايا شريرة ، وآفاق عدوانية في النفس ، وفي ما يؤدي إليه من نتائج سلبية ~~على مستوى واقع الحياة العقيدية والعملية ، يبعد الإنسان عن ساحة رحمة الله ~~، ويقربه من ساحات غضبه ، وذلك هو مدلول اللعنة الإلهية في كل المجالات ~~التي يعلن فيها لعنته على أحد من خلقه. PageV12P044 ### ||| ** الانحراف يضع الحواجز بين الناس وبين الله # ( @QUR@05 الذين يصدون عن سبيل الله ) فيمنعون الناس من الانطلاق في الخط ~~المستقيم ، ( @QUR@02 ويبغونها عوجا ) فيريدون لهم أن يسيروا في الخط ~~المنحرف الأعوج على مستوى العقيدة ، وعلى مستوى العمل ، بما يثيرونه من ~~الشكوك والشبهات ، وبما يوجهونه إليهم من تحديات ، أو يفرضونه عليهم من ~~ضغوط نفسية أو جسدية ، وهكذا يعلنون الحرب على الله في أكثر من جهة ، ~~ويساهمون بذلك في إضلال الناس وإبعادهم عن الله ، فأية جريمة أفظع من هذه ~~الجريمة ضد الله وضد الناس؟ إنك تمنع الخير عن نفسك عند ما تمنعها عن ~~الاستجابة للهدى ، ولكنك لا تكتفي بذلك ، بل تعمل على أن تمنعه عن الناس ، ~~فتسيء إلى قيمة الخير الصادر عن الله ، وإلى الناس جميعا. إنها صورة هؤلاء ms2870 ~~الذين يضعون الحواجز بين الناس وبين الله ، ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم ~~كافرون ) فإن مظهر الإيمان بالآخرة هو مراقبة الله في كل موقف ، والخضوع ~~لإرادته في كل مجال ، بينما يتمثل الكفر في التمرد عليه في القول والعمل ~~والموقف ، كأمثال هؤلاء ( @QUR@06 أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ) لأنهم ~~لا يملكون أية قوة ذاتية بعيدا عما يريده الله لهم من القوة ، ولكن الله ~~يمهلهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى ، من خلال حكمته التي أودعها في الكون ، وأجرى ~~عليها سننه ، في تسيير أمور الحياة على نهج معين. فإذا جاء الأجل الذي ~~تنتهي إليه الفترة ، فإنه يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، ولن يعجزه أحد منهم ، ~~مهما كانت قوته. # * * * PageV12P045 ### ||| ** ضلال وإضلال # ( @QUR@08 وما كان لهم من دون الله من أولياء ) ينصرونهم من دونه ، لأن ~~ما يزعمونه من هؤلاء الأولياء مخلوقون له ، خاضعون بتكوينهم لإرادته ، فلا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بالله ، فكيف يملكونه لغيرهم؟ ( @QUR@03 ~~يضاعف لهم العذاب ) جزاء ضلالهم وإضلالهم ، فيحصدون العذاب بسبب هاتين ~~الجريمتين ، ( @QUR@07 ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) وذلك ~~لأن الله قد سلبهم السمع والبصر من خلال امتناعهم عن توجيه آذانهم إلى ~~الاستماع ، وعدم استفادتهم من بصرهم ، وبهذا يتبين أن عدم استطاعتهم للسمع ~~، وعدم كونهم مبصرين ، لم يكن ناتجا عن حالة العجز الذاتي عن ذلك ، بل عن ~~عجز طارئ كانوا هم السبب فيه ، في ما أودعه الله في الأشياء من علاقة ~~المسبب بالسبب ، فإذا أراد الإنسان الاستماع ليسمع ، كان السمع أمرا طبيعيا ~~له ، وكذلك البصر إذا أراد الإبصار ، أما إذا لم يرد ذلك وأغلق أذنيه ~~بإغلاق قلبه ، أو أغلق عينيه بإغلاق المعنوي أو روحي ، فإنه لا مجال لسمع ~~أو بصر ، فيكون وزان هذه الفقرة ، وفق قوله تعالى : ( @QUR@015 لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) [الأعراف : ~~179] ، أو قوله تعالى: ( @QUR@013 وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير* فاعترفوا بذنبهم ) [الملك : 10 11] مما يوحي بأن المسألة لا ~~تخرج عن إطار الإرادة والاختيار عندهم. # * * * ### ||| ** خسران النفس ومواجهة ms2871 الهلاك # ( @QUR@04 أولئك الذين خسروا أنفسهم ) فقد واجهوا الهلاك الأبدي بكفرهم ، مما PageV12P046 # جعلهم يخسرون كل شيء بخسارتهم قضية المصير ، وذلك هو معنى خسارة النفس ، ~~لأن الحياة في العذاب ، لا تمثل حياة ، بل موتا محتوما هو أقسى من الموت ~~الطبيعي ، الذي يمنح الإنسان الراحة السلبية لعدم الإحساس معه بالألم ~~والعذاب ، بينما لا يذوق الإنسان المعذب بالنار طعم الحياة ، ولا يملك راحة ~~الميت ، كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@06 ثم لا يموت فيها ولا يحيى ) ~~[الأعلى : 13] ، وتلك هي الخسارة العظمى ، ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون ) فلم يحصلوا على شيء منه ، وذهب كل ما افتروه وكذبوا به على الله ، ~~أدراج الرياح ، كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لأنه لا يملك من ~~الحقيقة شيئا ليبقى ببقائها ، ولا يثمر لهم أية نتيجة ، في ما استهدفوه من ~~أطماع ومكاسب. # وجاء في الميزان : «عن الفراء أن ( @QUR@02 لا جرم ): في الأصل بمعنى : ~~لا بد ولا مجالة ، ثم كثرت ، فحولت إلى معنى القسم وصارت بمعنى «حقا» ولهذا ~~تجاب باللام ، نحو : لا جرم لأفعلن كذا. انتهى» (1). وعلى هذا فإن المعنى ~~يأخذ معنى التأكيد بالقسم : أي حقا إنهم في الآخرة هم الأخسرون. # أما الوجه في أنهم هم الأخسرون ، فقد يكون الأساس فيه اعتقادهم بأن ~~الحياة هي الفرصة الأخيرة للإنسان ، لإنكارهم لليوم الآخر ، ولهذا فإنهم لا ~~ينتظرون أي عقاب على أعمالهم ، فيستسلمون لشهواتهم وأطماعهم في استرخاء ~~لذيذ ، فإذا بهم يفاجأون بعذاب ينتظرهم في الآخرة ، لا يتوقعون مثله ، ~~بينما ينتظر غيرهم من العاصين العذاب ، فلا تصدمهم المفاجأة ، وقد يكون ~~الأساس أن الكافرين يفقدون كل شيء في الآخرة ، بينما لا يفقد العاصون الذين ~~لا يخلدون في النار ، إذا عذبوا فيها ، إلا بعضا من فرص الآخرة. والله ~~العالم. # * * * PageV12P047 ### ||| ** بين عمى القلب وإشراقة الفكر # ( @QUR@08 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ) أي ~~استسلموا إليه وخشعت قلوبهم له ، وشعروا بعمق إيمانهم وصفاء وجدانهم بأن ~~الأمر كله له ، وأن طاعته هي فوق كل طاعة ، وأن هدف الإنسان هو تحقيق رضاه ~~في كل شيء ، فكان جزاؤهم من الله سبحانه ms2872 أن أقبل عليهم برحمته ، وأفاض ~~عليهم من رضوانه ، ودعاهم إلى جنته ، ( @QUR@06 أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون ) وذلك هو الفارق بين الكافرين وبين المؤمنين في النتائج النهائية ~~لهؤلاء وأولئك ، أما مثلهم في ما توحي به صورتهم في حركة الواقع ، فقد عبرت ~~عنه الآية الكريمة : ( @QUR@06 مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع ) بما يعكسه الكفر من عمى القلب والروح والشعور ، وما يعبر عنه ~~الإيمان من إشراقه الفكر والعقل والعاطفة ، أو بما يمثله الكفر من صمم عن ~~نداء الله ، ورفض للاستماع إليه ، وما يوحي به الإيمان من انفتاح القلب على ~~كلمات الله في كل قضايا الحياة ، ( @QUR@05 هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ) ~~لتطلعوا على عمق الأفكار والمواقف بنتائجها الإيجابية والسلبية ، وما ينتهي ~~إليه أمر الإنسان في عالم الرفض القبول. # * * * PageV12P048 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) @QUR@011 أن ~~لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) @QUR@029 فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) ~~@QUR@020 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده ~~فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) @QUR@023 ويا قوم لا أسئلكم ~~عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ~~ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) @QUR@010 ويا قوم من ينصرني من الله إن ~~طردتهم أفلا تذكرون (30) @QUR@031 ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ~~الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أراذلنا ): الرذيل : الخسيس الحقير من كل شيء ، والجمع أرذل ثم PageV12P049 # يجمع على أراذل ، كقولك كلب وأكلب وأكالب ، ويجوز أن يكون جمع الأرذل ، ~~فيكون مثل أكابر جمع الأكبر. # ( @QUR@01 الرأي ): الرؤية ، أي : رؤية العين. والرأي أيضا : ما يراه ~~الإنسان في الأمر ، وجمعه آراء. # ( @QUR@01 بطارد ): الطرد : الإبعاد على جهة الهوان ، وتطارد الأقوال ms2873 : ~~حمل بعضها على بعض. # ( @QUR@01 تزدري ): الازدراء : الاحتقار ، افتعال من الزراية. يقال : ~~زريت عليه إذا عبته وأزريت به إذا قصرت به. # * * * ### ||| ** مع نوح في خط الدعوة # وهذه جولة جديدة مع رسالة نوح عليه السلام ، في خط الدعوة ، وحركة الحوار ~~، ومواجهة التحدي ، حيث يريد الله أن يركز أمامنا القاعدة التي تلتقي عليها ~~الرسالات ، في إطار المسيرة الإنسانية المستوعبة لكل تطلعات الإنسان في ~~الحياة ، مما يحتاج إلى التوفيق فيه بين رغباته الذاتية في الجانب المادي ~~والروحي ، وبين رسالية الإيمان بالله. # ثم في ما يريد الله أن يعرفنا من طبيعة الذهنية التي كانت تتحكم بقوم نوح ~~، فتدفعهم إلى الرفض والتمرد والعصيان ، دون الرجوع إلى قاعدة فكرية أصيلة ~~، تناسب حجم الفكرة وما تفرضه من فكر وتأمل ومسئولية ، ثم في موقف نوح الذي ~~يمثل الأسلوب الوديع ، والمواجهة القوية الحاسمة التي لا تقدم أية تنازلات ~~على حساب الرسالة ، ولا تتسامح في مسألة دعم المؤمنين مهما كانت الظروف ، ~~ثم في الوقفة الرسالية التي يقف فيها الرسول أمام العالم PageV12P050 # بعيدا عن كل الوضعيات الاستعراضية ، ليواجهه من مواقع إنسانيته التي لا ~~تبتعد عن الواقع في الوقف نفسه الذي تلتقي فيه الوحي ، من خلال النظرة ~~الموضوعية للحياة وللناس. # وتلك هي قصة نوح ، النبي ، الداعية في إيحائها الدائم الذي يمكن أن يتحرك ~~في مواقف الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان ، في ما تلتقي فيه صفة الدعوة ~~بين الأنبياء وبين أتباعهم ، وفي ما ينبغي لهم أن يتحركوا من خلاله على ~~أساس وضوح القاعدة التي ينطلق منها خط الدعوة ، وفي الرد الحاسم الوديع ~~الذي يجب أن يحكم خط المواجهة ، وفي الحماية القوية التي يشمل بها الداعية ~~كل المؤمنين البسطاء الذين يتبعونه في مقابل المستكبرين المترفين الذين ~~ينظرون إليهم باحتقار واستهزاء. # * * * ### ||| ** العبادة كلمة جامعة للنهج الرسالي # ( @QUR@05 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) ليبلغهم رسالة الله في كلمات ~~موحية حاسمة ، فقال لهم : ( @QUR@04 إني لكم نذير مبين ) لأنذركم المصير ~~الذي ينتظركم في الدنيا ، ويواجهكم في الآخرة ، نتيجة ما تمارسونه من عبادة ~~الأوثان وما يتبعها من القيم المادية ms2874 المستغرقة في الطين ، وفي غرائز اللحم ~~والدم ، بعيدا عن كل المعاني الروحية السامية التي ترفع الإنسان إلى الله ، ~~فتجعل لحياته معنى يتجاوز صورتها المادية ، وتثير فيها روح السمو ، وامتداد ~~القيمة ، وانفتاح الإنسانية على عمق الروح التي تتجاوز الذات إلى حياة ~~الآخرين ، فالعلاقة بالله ليست مجرد حالة عبادية ذاتية يرتبط فيها بالله ~~ذاتيا ، بل هي حالة روحية ، تجعل قضية الإيمان شيئا أساسيا في حركة الحياة ~~، لا مجرد حالة ذهنية تجريدية ، وترف فكري لا علاقة له بالحياة والإنسان ~~على مستوى المصير. PageV12P051 # ( @QUR@05 أن لا تعبدوا إلا الله ) لتلتقي لديكم العبادة بالخط المستقيم ~~الذي ينبغي لها أن تسير عليه ، لأن عبادة غيره لا تحمل أي معنى في حساب ~~الحقيقة ، وفي ميزان القيمة ، لأن كل من هو غير الله مخلوق له ومحتاج إليه ~~في كل شيء ، فكيف يعبده من هو مثله في المخلوقية والحاجة؟ وقد تحدثنا سابقا ~~، أن العبادة تمثل الكلمة الجامعة للنهج الإلهي الرسالي الذي يتحرك فيه ~~الإنسان انسجاما مع إرادة الله ، لأنه يمثل خط السير في كل تفريعاته ~~ومداخلة ومخارجه ، ويلتقي جانب التوحيد فيها ، بتوحيد الفكر والشريعة ~~والمنهج ، في كل أقوال الإنسان وأفعاله على أساس كلمة الله ، فلا مجال ~~لغيرها في ما يفكر فيه ، أو في ما يشرعه ، أو ما يتحرك فيه من منهج ، ولهذا ~~اقتصر القرآن في حديثه عن رسالة نوح عليها ، في الوقت الذي نعرف فيه أن ~~هناك تفاصيل كثيرة ، تتعلق بالقضايا الجزئية التي تحكم حياة الناس في ما ~~يريده الله منهم. # * * * ### ||| ** لهفة الرسول # ( @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) وفي هذا التعبير بالخوف نستشعر ~~المعنى الإنساني الذي ينطلق به الرسول ، ليوحي إلى الناس أنه ليس إنسانا ~~يفكر فيهم بطريقة جامدة ، ورسمية تتوسل المفردات القانونية في حساب الجزاء ~~، بل هو إنسان يتحدث معهم بلغة الإحساس والشعور والعاطفة ، عما يراه كمثل ~~الشمس من مستقبل مؤلم للمتمردين وما سيواجهونه من العذاب الأليم في يوم ~~القيامة ، إذ يناديهم في ما يشبه اللهفة الملتاعة ، ليرجعوا عن غيهم وكفرهم ~~لئلا يلاقوا العذاب الشديد. ومن خلال ذلك ms2875 نفهم ما على الداعية أن يعيشه من ~~تفاعل مع مشاكل الآخرين ، ليعتبر الانحراف لديهم PageV12P052 # مشكلة ترتبط بإحساسه تجاههم ، ليتحسسوا العاطفة في كلماته ، وتعبيراته ، ~~ونظرات عينيه ، ونبضات قلبه ووجهه ، وذلك هو خط سير الأنبياء ، مما يجب أن ~~تتحرك البشرية معه في طريقها الطويل ، وتلك هي دعوة نوح النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لقومه ، فكيف أجابوه؟ # * * * ### ||| ** الفهم الخاطئ للنبوة # ( @QUR@011 فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا ) ~~فكيف يمكن أن تكون نبيا ، في ما توحي به النبوة من سر الغيب الذي لا بد أن ~~يكون الحامل له شخصا غيبيا كالملائكة ، ويعود هذا الفهم الخاطئ للنبوة ~~لديهم إلى عدم وعيهم لدور النبي في حياة الناس ، الذي يفرض أن يكون النبي ~~من البشر لا من غيرهم ، ليتفاعلوا معه من موقع التكوين الذهني والحسي ~~المشترك. # ( @QUR@09 وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) وهذه هي ~~نقطة الضعف التي يعتبرونها أساس امتناعهم عن اتباع نوح ، لأن النخبة التي ~~تمثل طليعة المجتمع لم تكن ضمن الجماعة المؤمنة به ، فإيمان النخبة به ، في ~~ما لو حصل ، يشكل سببا في انسجامهم معه ، واتباعهم لرسالته ، وذلك لما ~~للنخبة في اعتبارهم من عمق في الفكر ، وامتداد في حساب العقل ، والقوة ، ~~والمستوى الاجتماعي ، ولكن المحيطين به كانوا من الجماعة المرذولة ، التي ~~تمثل الطبقة السفلى في المجتمع من جهة الذهنية والامتيازات والثروة ~~الاقتصادية ، وهم من الفقراء والمساكين ، ولم يأت إيمان هؤلاء عن تأمل أو ~~تفكير ، بل جاء انفعاليا سطحيا سريعا ، لرغبة في الحصول على موقع ، أو لضعف ~~في الفكر ، وهذا ما تمثله كلمة : ( @QUR@02 بادي الرأي ) أي قبل التأمل ، ~~وهو الرأي الذي يبدو للذهن لأول وهلة ، كخاطرة سريعة طارئة. PageV12P053 # إنه المفهوم الخاطئ في تقييم الأشخاص باعتبار مستواهم الاجتماعي ~~والاقتصادي أساسا للتقدير ، بدلا من المستوى الروحي والفكري ، كما أن هناك ~~انحرافا في تحديد القاعدة التي يرتكز عليها الإيمان ، فإن الأساس فيه هو ~~التفكير في طبيعة مضمون الدعوة الموجهة إلى الناس ، للحكم على ما تشتمل ~~عليه من عناصر الخطأ والصواب ، لا ms2876 التطلع إلى طبيعة الأشخاص الذين يؤمنون ~~بتلك الدعوة ، فالعقيدة لا بد أن تخضع للمعاناة الفكرية الذاتية ، لا ~~للتقليد والمحاكاة للآخرين. # ( @QUR@06 وما نرى لكم علينا من فضل ) وهذا هو الأمر الثالث الذي يرونه ~~مانعا من اتباعه ، فهم يرون الإيمان بالرسالة امتيازا اجتماعيا يقدمه ~~المؤمنون للداعية ، أو للرسول ، لتبوئه مركز القيادة للمجتمع ، فلا بد من ~~أن يكون له بعض التميز في المستوى الاجتماعي ، لجهة امتلاك الجاه ، أو ~~المال ، أو القوة ، أو غير ذلك ، ليتقبل الناس الخضوع له من موقع القيمة ~~الطبقية التي يتمتع بها ، بينما لا يمتلك نوح والمؤمنون معه ، شيئا من تلك ~~الفضائل يصلح أساسا لاتباعهم ، ( @QUR@03 بل نظنكم كاذبين ) لأنكم لا ~~تملكون قاعدة «صدق» تتأسس على مستوى اجتماعي أو موقع مالي وغير ذلك ، لذلك ~~ليست دعوتكم سوى وسيلة من وسائل الحصول على النفوذ الذي تفقدونه ، لا ~~الإيمان الذي تعتقدونه. # * * * ### ||| ** كشف الخطأ # فما ذا كان جواب نوح؟ # ( @QUR@014 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من ~~عنده )، وهو هنا يناقش ما استبعدوه من فكرة النبوة للبشر ، ليؤكد أن مثل ~~هذه الأمور لا تخضع لمثل هذه الطريقة في التفكير ، بل تخضع لقيمة الدلائل ~~والبراهين التي يرتكز PageV12P054 # عليها الرسول ، في ما يقدمه منها. فهو يقول لهم : هذا ما أريد أن أثيره ~~أمامكم ، فإني أملك من البينات الواضحة على الإيمان برسالتي ما أقتنع به ~~مصدقا بأني رسول من الله إليكم ، فقد أعطاني الله البينة على ذلك وآتاني ~~رحمة من عنده بما أفاضه علي من موقع الرسالة ، ووضوح الرؤية للأشياء ، ~~الأمر الذي يجعلني في موقع القوة ، في ما أؤمن به وأدعو إليه ، وما المانع ~~من أن يكون البشر رسولا ، ما دامت مسئولية الرسول لا تمثل حركة في الغيب ، ~~بل هي حركة في الواقع ، خاضعة للخصائص التي يملكها العاملون في ساحته؟! ~~وماذا أفعل لكم إذا كنتم خاضعين للفكرة الخاطئة التي ورثتموها عن آبائكم ، ~~فمنعتكم عن التفكير المستقل الأصيل ، لما يطرح عليكم من بينات وبراهين؟! ( ~~@QUR@02 فعميت عليكم ) كنتيجة للجو الفكري والنفسي الخانق الذي خضعتم ms2877 له ، ~~فحجب عنكم وضوح الرؤية للأشياء ، ( @QUR@01 أنلزمكموها ) ونفرضها عليكم ، ~~إذا لم تفرضوها على أنفسكم من موقع القناعة والإيمان الصادر عن التأمل ~~والتفكير ، ( @QUR@03 وأنتم لها كارهون ) مما يبعدكم عن الانفتاح على الفكر ~~الذي يقدم إليكم ، بعمق وواقعية وتدبر. # ( @QUR@06 ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا ) فلم أطرح عليكم تقديم أي امتياز ~~مالي شخصي لي كأجر على الرسالة ، لتفسروا الموقف على أساس الطمع في مكاسب ~~وأرباح يبحث عنها الآخرون في مواقف مماثلة. # ( @QUR@05 إن أجري إلا على الله )، فهو الذي حملني مسئولية الرسالة ، ~~وهو الذي وعدني الأجر من عنده ، في ما أعده لرسله ولأوليائه المجاهدين من ~~ثواب عظيم ، يدفع الدعاة العاملين في سبيله إلى التضحية والعطاء بلا مقابل ~~دنيوي ، ( @QUR@05 وما أنا بطارد الذين آمنوا ) استجابة لما تطرحونه من طلب ~~استبعادهم عن ساحة الرسالة في الحياة ، كأساس لتفكيركم بالإيمان بها ، لأني ~~لا أملك أمرهم ، كما لا أملك أمر تقييم ما في نفوسهم وصدق إيمانهم من خلال ~~الأسس التي ترتكزون عليها في الحكم على الأشياء والأشخاص ، أو من خلال ~~الاتهامات PageV12P055 # التي تثيرونها حول مواقعهم ، كما أنكم لا تملكون موقع الحكم عليهم ، ( ~~@QUR@03 إنهم ملاقوا ربهم ) ليواجهوا النتيجة الحاسمة لموقفهم ، فهو العالم ~~بخفايا الناس بما تختزنه من صدق الإيمان ، وجدية المواقف ، ( @QUR@04 ولكني ~~أراكم قوما تجهلون ) في طريقتكم في التحدي ، وأسلوبكم في التقييم والحكم ~~على الواقع. # ( @QUR@08 ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ) فهم عباد الله الذين ~~آمنوا برسالته ، وجاهدوا في سبيل ذلك ، فاستطاعوا الحصول بجهادهم على محبة ~~الله ورضاه ، كمظهر من مظاهر القرب منه فكيف أطردهم ، وهم أحباء الله ، ~~وأولياؤه ، وهل تنصرونني من الله ، إن أنا طردتهم تحت تأثير إلحاحكم علي في ~~ذلك؟ إن الله يعاقبني على هذا الموقف ، لأنه لا يرضى من رسله الإساءة إلى ~~عباده المؤمنين ، بل يريد لهم أن يقوموا بنصرتهم ورعايتهم وحمايتهم من كل ~~عدو أو حاقد. # ( @QUR@02 أفلا تذكرون )، وتعرفون مواقع الأمور في مواردها ومصادرها ، ~~ونتائجها الإيجابية والسلبية. # ( @QUR@06 ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) لأدعوكم إلى الإيمان من خلال ~~التأثير النفسي المعنوي أو ms2878 المادي ، الذي يضغط على أفكاركم ، لتؤمنوا بي ، ~~وعلى مواقفكم لتسيروا معي ، ( @QUR@03 ولا أعلم الغيب ) لأجعل من ذلك أساسا ~~للدخول إلى قناعاتكم من خلال ما يمثله ذاك العلم من قوة ذاتية أمام الآخرين ~~، لاتصاله بالعوالم الغيبية التي تجعله محيطا بخفايا الحاضر والمستقبل وبما ~~تضمره ، النفوس ، أو في ما تشتمل عليه قضايا الواقع ، فليس من مهمة الرسول ~~أن يكشف للناس الخفايا من خلال النبوءات ، بل كل مهمته كشف الواقع من خلال ~~الخطط والأعمال ، ( @QUR@04 ولا أقول إني ملك ) لأجاريكم في اعتقادكم : ~~بفكرة المنافاة بين البشرية والرسالة ، وضرورة أن يكون النبي ملكا من ~~الملائكة PageV12P056 # ليكون أكثر اتصالا بالغيب ، فيصبح أكثر انسجاما مع النبوة التي هي حالة ~~غيبية ، ( @QUR@05 ولا أقول للذين تزدري أعينكم ) من المؤمنين الفقراء ~~والمساكين ( @QUR@04 لن يؤتيهم الله خيرا ) لأنهم لا يملكون موازين القيمة ~~بحيث ينالون عندكم ما تقدمونه للآخرين من خير على أساسها ، ( @QUR@05 الله ~~أعلم بما في أنفسهم ) من الإيمان والصدق والإخلاص لله ، وللحياة ، والإنسان ~~، والله يعطيهم الامتياز والموقع اللائق بهم ، والدرجة التي يستحقونها على ~~أساس عملهم الصالح ، ( @QUR@04 إني إذا لمن الظالمين ) إذا فعلت ذلك أكون ~~ظالما لهؤلاء في الحكم عليهم بغير الحق ، وفي إذلالهم وإسقاطهم من الموقع ~~الكبير الذي أراد الله لي وللمؤمنين أن أضعهم فيه ، في ما يفرضه إيمانهم ~~وعملهم. # * * * PageV12P057 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين (32) @QUR@010 قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم ~~بمعجزين (33) @QUR@018 ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) @QUR@012 أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جادلتنا ): الجدال ، والمجادلة : المقابلة بما يفتل الخصم من ~~مذهبه بحجة أو شبهة. # والفرق بين الحجاج والجدال ، أن المطلوب بالحجاج ظهور الحجة ، والمطلوب ~~بالجدال الرجوع عن المذهب. # ( @QUR@01 بمعجزين ): الإعجاز : هو الفوت بالهرب. # ( @QUR@01 نصحي ): تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه ، ونصحت له الود : PageV12P058 # أي أخلصته. # ( @QUR@01 يغويكم ): الإغواء بمعنى الإهلاك ، فالمعنى : يريد أن يهلككم. # ( @QUR@01 افتريته ms2879 ): الفرق بين افتراء الكذب وقول الكذب ، أن قول الكذب ~~قد يكون على وجه تقليد الإنسان فيه لغيره ، وأما افتراء الكذب فهو افتعاله ~~من قبل نفسه. # * * * ### ||| ** قوم نوح يطالبونه بإنزال العذاب # ... وجاء جوابهم انفعاليا لا يحمل أية مناقشة لما طرحه عليهم من أفكار ، ~~بل هو التشنج والهروب من الموقف ... # ( @QUR@07 قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) ولا نملك أي جواب لما ~~تقول ، ولسنا مستعدين للدخول معك في حوار ، لأننا لا نريد أن نؤمن بك ~~وبرسالتك مهما اعتمدت من أساليب وقدمت من أفكار ، فإذا كان لك ما تهددنا به ~~في إنذارك لنا ، ( @QUR@03 فأتنا بما تعدنا ) من العذاب الأليم ، ( @QUR@04 ~~إن كنت من الصادقين ) وهذا مظهر تحديهم لنوح ، لاعتقادهم أنه غير قادر على ~~رد التحدي بمثله. # * * * ### ||| ** المنطق الهادىء للأنبياء # ولكن الأنبياء لا يواجهون التحدي بانفعال ، أو بإحباط ، لأنهم لا ينطلقون ~~من موقع ذاتي ، بل يعتبرون أنفسهم مجرد رسل يبلغون الناس ما يأمرهم الله به ~~، فإذا واجههم الناس بالتمرد والتحدي فإنهم يرفعون الأمر إلى PageV12P059 # الله ، لأنه موجه إليه قبل أن يكون موجها إليهم ، لذا كان جواب نوح صورة ~~للموقف الرسالي الهادىء الذي لا تزلزله التحديات. # ( @QUR@07 قال إنما يأتيكم به الله إن شاء ) لأن الله هو الذي يملك أمر ~~إنزال العذاب بكم من مواقع قدرته ، ومنه يصدر الإنذار ، ولست إلا مبلغا لما ~~أرسلني به ، وقد قدر بمشيئته التي خضعت لها الأشياء أن لكل شيء وقته ، فما ~~مدى قدرتكم حتى تطلقوا التحدي بمثل هذه الطريقة الاستعراضية؟ وما وعيكم ~~لقدرة الله على عباده التي جربتموها في ما مر بكم من مصائب وأهوال ، وما ~~تشاهدونه من حوادث الموت والفناء في الحياة؟! ( @QUR@03 وما أنتم بمعجزين ) ~~لأنكم لا تملكون الهرب من قضاء الله وقدره ، ولا تستطيعون الوقوف أمام عذاب ~~الله في أي وقت جاءكم ، وفي أي مكان. # ( @QUR@08 ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ) في ما أستخدمه من ترغيب ~~وترهيب يدفعني إليه ما أحبه لكم من النجاة والنجاح ، ( @QUR@06 إن كان الله ~~يريد أن يغويكم ) من خلال زيادة غوايتكم لأنفسكم بالجحود ms2880 والتمرد ، ~~وبالتهرب من حوار الفكر والإيمان ، مما يجعل من الغواية عن طريق الرشد ~~نتيجة طبيعية لذلك ، في ما ربط الله به الأشياء بأسبابها ، فإن الله جعل ~~للرشد سببا ، وللغواية سببا ، إذا أخذ الناس به كانت إرادة الله في حصوله ~~بالسبب ، وهذا هو تفسير نسبة إرادة الغواية إلى الله ، ( @QUR@02 هو ربكم ) ~~القادر على تغيير ما أنتم فيه بسبب غير طبيعي ، ولكن حكمته اقتضت أن تخضع ~~الحياة في كل شيء لسننه الطبيعية التي أودعها في الكون ، ليتحرك الناس من ~~موقع الإرادة والاختيار ، لا من موقع القهر والإجبار ، ( @QUR@02 وإليه ~~ترجعون ) فيحاسبكم علي ما قدمتم من الأعمال السيئة في طريق الغواية ~~والضلال. # ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ) ويصرون على اتهامه بذلك علي الرغم من ~~براهين الصدق التي قدمها إليهم ، كأسلوب من أساليب التجريح والتشوية ~~لموقفه. PageV12P060 # ولكن نوحا لا يخضع لذلك ، بل يبقى في هدوء الروح الرسالي ، وصفاء الفكر ، ~~( @QUR@05 قل إن افتريته فعلي إجرامي ) ولا شأن لكم في ما أتحمله من ~~مسئولية إزاء ذلك ، إن أراد الله أن يعذبني عليه ، ولكني أعرف من صدق ~~الدعوة ، وسلامة الموقف في نفسي ما يجعلني بعيدا عن ذلك ، وما يدفعني إلى ~~الثقة بالرسالة بالمستوى الذي يبعدني عن موقع رد الفعل الذي أردتم وقوعي ~~فيه. ( @QUR@04 وأنا بريء مما تجرمون ) كما أني لا أتحمل مسئولية كفركم ~~وتمردكم ، لأنني أقمت عليكم الحجة ، ولم أقصر في الدعوة والتبليغ ، وبقي ~~عليكم تحمل مسئولية عملكم لأن الله جعل مسئولية الجزاء فردية ، يتحمل على ~~أساسها كل إنسان عمله ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # ذلك هو منطق الأنبياء الهادىء الذي يطرح الفكرة بقوة ، ويواجه الموقف ~~بحسم ، ويرد التحدي بعقل هادئ ، وفكر منفتح ، وهو ما ينبغي للدعاة إلى الله ~~أن يستوحوه ويسيروا على هداه في كل زمان ومكان. # * * * PageV12P061 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون (36) @QUR@011 واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) @QUR@019 ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من ~~قومه سخروا منه قال إن ms2881 تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) @QUR@010 ~~فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبتئس ): الابتئاس : حزن في استكانة ، وهو افتعال من البؤس. # ( @QUR@01 واصنع ): الصنع : جعل الشيء موجودا بعد أن كان معدوما. # ( @QUR@01 الفلك ): هي السفينة ، مفردها وجمعها واحد. # ( @QUR@01 بأعيننا ): الأعين : جمع قلة للعين ، وإنما جمع للدلالة على ~~كثيرة المراقبة وشدتها. # ( @QUR@01 سخروا ): السخرية : إظهار خلاف الإبطان على وجه يفهم منه ~~استضعاف العقل ، ومنه التسخير : التذليل. ويكون استضعافا بالعقل. # * * * PageV12P062 ### ||| ** يا نوح لا تبتئس من قومك # وانتهت مهمة نوح في الدعوة ، فقد استنفذ كل التجارب والأساليب ، فلم يؤمن ~~له إلا نفر من قومه ، أما الباقون فقد ازدادوا تمردا وطغيانا ، فلم ينفع ~~ترغيب معهم أو ترهيب ، بحيث لم يبق أمل في هدايتهم وإيمانهم ، وجاء دور ~~العذاب ... ولكن الله أراد أن يعلن ذلك لنوح بأسلوب ينعش روحيته ولا يشعر ~~معه بالهزيمة ، أو بالتقصير ، لقيامه بمهمته كنبي خير قيام ، وصبره علي ما ~~لا يملك عليه أحد صبرا خلال مسيرة دعوته التي امتدت طويلا ، امتداد عمره ، ~~دون تأفف أو ضجر ، ولم يسقط أمام كل تحديات الكفار. # ( @QUR@017 وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون ) من كفر وعصيان لأنك قد أقمت عليهم الحجة بمختلف الوسائل ~~، ويسرت لهم كل سبل الهداية فامتنعوا عن السير فيها ، وبذلك فإنهم يتحملون ~~مسئولية أفعالهم كلها ، فلا تتعقد من جهتك الشخصية ، لأنك لم تقصر ، ولا من ~~جهتهم فهم لا يستحقون الرحمة ، التي رفضوا إسباغها عليهم في ظل الالتزام ~~بدين الله ، ولا تلتفت إلى كل هذا التاريخ الشاق المليء بالجهد والمعاناة ، ~~فقد أديت رسالتك ، وقمت بمهمتك خير قيام ، ولم يبق عليك إلا أن تساهم في ~~الإعداد لمرحلة العذاب ، استجابة لطلب الله في نطاق قدرتك. # * * * ### ||| ** نوح يصنع الفلك # ( @QUR@02 واصنع الفلك ) أى السفينة ( @QUR@01 بأعيننا ) أى برعايتنا ، ~~باعتبار أن عمله كان بنظر الله بحيث لا يستطيع أن يمنعه أحد من ذلك ( ~~@QUR@01 ووحينا ) في ما أمره الله ، وفي ما علمه من طريقة الصنع ، ومهد له ms2882 ~~من تبيان وسائله ، ( @QUR@03 ولا تخاطبني في PageV12P063 # @QUR@02 الذين ظلموا ) بالعفو عنهم ، انطلاقا من طهارة مشاعرك وطيبة قلبك ~~، فقد صدر الحكم عليهم من الله ، وانتهي أمرهم بذلك ، لأنهم لا يستحقون ~~الرحمة من الله بعد أن رفضوا رحمته في رسالته وفي شريعته ، فحق عليهم ~~العذاب ، ( @QUR@02 إنهم مغرقون ) بطريقة عجيبة معجزة لا يتصورها أحد منهم ~~، ولا تخطر لهم على بال. # * * * ### ||| ** إن تسخروا منا فإننا نسخر منكم # ( @QUR@02 ويصنع الفلك ) ويستمر في صناعته بجد واجتهاد في الليل والنهار ~~، ولكن عمله ذاك كان محل استغراب ، لأن المنطقة التي يعيش فيها كانت فلاة ~~لا وجود للماء فيها ، أو في المواقع القريبة منها ، بما يوحي أن عمله ذاك ~~كان حالة من العبث ، أو مظهرا لغياب العقل ، لذا كان موضع سخرية قومه : ( ~~@QUR@08 وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) بما يحملونه من عقد خبيثة ~~ضده ، تجعلهم يعملون على تدمير شخصيته ، وعلى إذلاله ، وبما يحمله حكمهم ~~على الأشياء من سطحية وتسرع لا ينفذ إلى أعماق الأمور ، فلو فكروا بطريقة ~~موضوعية ، لنظروا إلى تاريخ حياته الذي يكشف لهم عن قوة فكره ، وسلامة نظره ~~، ولسألوه عن سر عمله الغامض في الظاهر ، باعتباره صادرا عن شخص يملك العقل ~~الكامل ، والذهنية المتوازنة ليتمكنوا بعد استجماع كل عناصر الموضوع الحكم ~~، ولكنهم ينطلقون من موقع الرغبة في تحطيمه ، لا من موقع الرغبة في الفهم ~~الصحيح للأمور. # ولكن الله أراد لنوح أن يرد الأسلوب بمثله ، لأن الفكر إنما يكون لمن ~~يحترمون الفكر ، والحوار ينشأ مع من يريدون الحوار ، أما من يريدون التحطيم ~~والتدمير ، عن قصد وتصميم شرير فلا بد من مواجهتهم بأسلوبهم ، لأن ذلك ما ~~تقتضيه الحكمة في مواجهة الموقف بما يتطابق مع مقتضى الحال ، وهكذا أراد ~~الله له أن يقول ، في ما ألهمه من وحي الحكمة : ( @QUR@06 قال إن تسخروا ~~منا فإنا نسخر PageV12P064 # @QUR@03 منكم كما تسخرون )، فذلك هو رد الفعل على الموقف ، ولكنه يختلف ~~في دوافعه عما انطلقتم فيه ، فإذا كانت سخريتكم ناشئة عن عقدة ، أو عن جهل ~~لطبيعة العمل الذي أقوم به ، فإنا نسخر منكم من ms2883 موقع اطلاعنا على النهاية ~~السيئة التي ستنتهون إليها ، ( @QUR@010 فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم ) من دون أن تشعروا ، أو تفكروا ، أو تواجهوا ذلك ~~بجدية ومسئولية ، فإن من يرقص في مأتمه ، أو يعبث بما يمثل قضية المصير ~~عنده أدعى للسخرية مما تسخرون منه ، لأن مقدار العبث فيه أشد من العبث الذي ~~تتصورونه في صنع السفينة ، التي ستكتشفون أن صناعتها أمر جدي كل الجدية لا ~~مجال فيه لأي عبث ، أو جهل ، أو ما يشبه ذلك. # * * * ### ||| ** المواجهة بالفكر ليست دائما ناجحة # وهذا هو الأسلوب الذي نستوحيه ، في مقام الدعوة إلى الله ، عند ما ~~يعترضنا الكافرون بأسلوب السخرية ، لتمييع الجو المحيط بالدعوة ، وتعريضه ~~للضحك والعبث بهدف إسقاط الدعوة ، لا سيما إذا وقف الداعية للدفاع عن الفكر ~~بأسلوب جدي ، واستخدم في ذلك أدلة علمية ، فإن الجو الضاحك العابث يحول ذلك ~~إلى مادة جديدة للسخرية ليحطموا وقار العلم الذي يمثله الفكر بأدوات الجهل ~~، مما يجعل من الموقف الجاد موقفا خاسرا على أكثر من صعيد. ولذلك فإن ~~الموقف الحكيم هو مواجهة هؤلاء بأساليبهم ، سخرية بسخرية ، واستهزاء ~~باستهزاء ، لإحداث صدمة قوية عند المستهزئين تسقط موقفهم ، وتهزم أساليبهم ~~، فيتراجعون أو ينهزمون ، في حيث يقف الداعية موقف المنتصر المتماسك ، الذي ~~لم يسمح للعبث أن يحطم موقع الجد من فكره ، ولم يدع للضعف أن يقترب من ~~شخصيته ، لينعكس ذلك على موقع الرسالة الثابتة في ساحة الحق. # * * * PageV12P065 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) ~~@QUR@011 وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) ~~@QUR@020 وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني ~~اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) @QUR@023 قال سآوي إلى جبل يعصمني من ~~الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين (43) @QUR@019 وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء ms2884 ~~وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وفار ): الفور : الغليان وأصله الارتفاع. # ( @QUR@01 التنور ): تنور الخبز : وهو مما اتفقت عليه اللغتان الفارسية ~~والعربية ، ويحتمل اللفظ أن يكون كناية عن اشتداد غضب الله تعالى وقيل إن ~~المراد به PageV12P066 # وجه الأرض. # ( @QUR@01 مجراها ): مجراها : من الجري ، وهو السير. # ( @QUR@01 ومرساها ): من الإرساء وهو الثبوت ، أي بسم الله مسيرها ~~وثبوتها ( @QUR@01 معزل ): المعزل : مكان عزلة وانفراد. # ( @QUR@01 أقلعي ): أي أمسكي عن المطر. # ( @QUR@02 وغيض الماء ): أي غار في الأرض. # ( @QUR@01 الجودي ): جبل في الموصل كما قيل. # * * * ### ||| ** السفينة أعدت للانطلاق ... وكان الطوفان # وتم صنع السفينة ، وأعدت للانطلاق ، واستكمل نوح عمله الذي أمره به الله ~~( @QUR@06 حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ) أي وارتفع التنور وتفجر ، ~~والمراد به على وجه الأرض كما قيل وهناك أقوال أخرى ويمكن أن يكون ذلك على ~~وجه الكناية تشبيها لفوران الماء من الأرض بفوران النار وارتفاع اللهب من ~~التنور. وامتد الماء من الأرض ، وأصبحت السفينة صالحة للانطلاق ، ( @QUR@07 ~~قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ) أي ذكرا وأنثى من الحيوان مما يستطيع ~~حمله ، ( @QUR@06 وأهلك إلا من سبق عليه القول ) واحمل أهلك معك جميعا إلا ~~من حكم الله عليه بالهلاك ، ( @QUR@07 ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ) ~~فهؤلاء من كتب لهم النجاة مع نوح ، أما الآخرون فقد كان حق عليهم القول ~~بالغرق والهلاك. # ( @QUR@03 وقال اركبوا فيها )؛ قالها لكل الذين أمره الله بحملهم معه ، وابتدأ PageV12P067 # خط السير ب ( @QUR@04 بسم الله مجراها ومرساها ) فهي تجري باسمه وبإرادته ~~وبقدرته ، وترسو وتقف باسمه وبإرادته وبقدرته ، ( @QUR@04 إن ربي لغفور ~~رحيم ) فهو الذي يغفر لنا ذنوبنا التي أسلفناها بلطفه الإلهي ، وهو الذي ~~يرحمنا في ما ننتظره من رحمة الله في كل أمورنا المستقبلية. # * * * ### ||| ** الولد العاق # ( @QUR@06 وهي تجري بهم في موج كالجبال ) وسارت السفينة بهم وارتفع الموج ~~حتى كاد أن يصبح كالجبال في علوها ، وأيقن الجميع هلاكهم عند ما أخذ كل شيء ~~يغرق. وأسرع الكثيرون يطلبون الهرب ، ومن بينهم ابن نوح الذي كان قد تمرد ~~على أبيه ، فلم يؤمن بدعوته ، وعاش مع قومه ms2885 تحت تأثير أمه ، في حركة الكفر ~~، حتى إذا جاء أمر الله لم يصعد إلى السفينة مع من صعد ، فنظر إليه نوح ~~وناداه ( @QUR@06 ونادى نوح ابنه وكان في معزل ) فقد اعتزل أباه ( @QUR@04 ~~يا بني اركب معنا ) فهذا هو سبيل النجاة الوحيد ، ( @QUR@04 ولا تكن مع ~~الكافرين ) الذين سينتهي أمرهم إلى الهلاك. # ولكن هذا الولد الضال العاق لم يلتفت إلى نداء أبيه ، لأنه يعيش التمرد ~~ضد رسالته ، أولا ، ولأنه لم يعرف طبيعة هذا الطوفان ، ثانيا ، ( @QUR@07 ~~قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) ظنا منه بأنه سينجو ، لأن ارتفاع الماء ~~إلى أعالي الجبل ليس أمرا طبيعيا ، ( @QUR@010 قال لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من رحم ) لأن القضية أبعد من الوضع الطبيعي المعتاد لصورة الفيضان ~~عند الناس ، فالمسألة مسألة غضب الله الذي أراد تدمير كل مظاهر الحياة ~~الكافرة للبشرية ، على الأرض ، ( @QUR@06 وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين ) وأبوه ينظر إليه في حسرة ولهفة ، ولكنها ليست حسرة الأب الذي ~~يفقد ولده في الدنيا ، بل هي حسرة الأب الذي PageV12P068 # يفقده في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** نهاية تاريخ # وانتهى كل شيء بإرادة الله وقدرته ، ولم يبق إلا المؤمنون الذين بدأ بهم ~~تاريخ الجيل الثاني للبشرية ، ( @QUR@05 وقيل يا أرض ابلعي ماءك ) لتختزنها ~~عيونا تتفجر في المستقبل ، ( @QUR@03 ويا سماء أقلعي )، وكفي عن هطول ~~الأمطار التي أغرقت الأرض. ( @QUR@02 وغيض الماء ) وغار في أعماق الأرض ، ~~فلم يبق منه إلا ما كان فيها قبل ذلك من أنهار وعيون ، ( @QUR@03 واستوت ~~على الجودي ) فوقفت السفينة واستقرت على جبل الجودي ، وهو جبل بالموصل في ~~ما قيل ، ( @QUR@04 وقيل بعدا للقوم الظالمين ) الذين أبعدهم الله عن رحمته ~~بكفرهم ، وضلالهم ، وتمردهم ، على الرسل والرسالات. # * * * PageV12P069 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين (45) @QUR@024 قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) @QUR@019 ~~قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني ms2886 أكن من ~~الخاسرين (47) @QUR@019 قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ~~ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) @QUR@019 تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين ) (49) # * * * ### ||| ** القرابة للرسالة لا للنسب # ... ويقيت لدى نوح النبي الإنسان ، مسألة يريد أن يعرف أبعادها ، هي ~~موضوع ولده ، فقد وعده الله أن ينقذ أهله ، وولده من أهله ، فكيف غرق؟ هذا ~~ما أبهم أمره عليه ، فواجه ربه بالسؤال ، في خشوع واستعطاف. PageV12P070 # ( @QUR@012 ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ) في ما ~~وعدتني أن تنقذ أهلي عند ما أمرتني أن أحملهم ، وهو منهم ، ولكن ذلك لم ~~يحدث ( @QUR@03 وأنت أحكم الحاكمين ) فلا يصدر عنك شيء إلا لحكمة لا يدركها ~~أحد غيرك. # ( @QUR@07 قال يا نوح إنه ليس من أهلك ) الذين أمرتك بحملهم معك ، وتعهدت ~~لك بإنقاذهم ، ( @QUR@04 إنه عمل غير صالح ) أما أهلك فهم الصالحون ~~السائرون على طريقك ، لأنهم هم الذين يرثون الأرض ليصلحوها ، أما غير ~~الصالحين فلا فرق بينهم وبين الآخرين من الكافرين ، ولا يمكن أن تطلب مني ~~أن أقربهم إلي لقربهم منك ، فلا فرق عندي بين عبادي جميعا ، لأنهم يتساوون ~~أمامي في الخلق ، فأقربهم إلي أقربهم إلى خط الرسالات ، وأبعدهم عني أبعدهم عنه. # وهكذا تتحدد القرابة لا على أساس ما تربطه العاطفة النسبية بالرسول ، بل ~~الأساس هو العلاقة الرسالية. وكان الأمر في بدايته واضحا عند المراجعة ~~والتأمل ، فالوعد بحمل أهلك كان مختصا بغير من سبق عليه القول بالهلاك ، ~~وقد كان ولدك منهم ، فلا تستسلم للعاطفة في انفعالاتك ، ( @QUR@07 فلا ~~تسئلن ما ليس لك به علم )، ولعل المراد من هذا التعبير الكناية عن عدم ~~كونه حقا لتعرف عنه ذلك باعتبار أن الباطل لا أساس له ، ليتعلق به العلم ، ~~وربما كان المقصود به الكناية عن الفعل الإلهي الذي يخفى سره عن الناس ، أي ~~: فلا تسأل ما لا تستطيع معرفته ، وقد فسره الكثيرون بأنه يتعلق بنجاة ابنه ~~، وهو غير واضح من سياق اللفظ ms2887 ( @QUR@06 إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) ~~الذين لا ينطلقون في رغباتهم من الخط الصحيح الذي يتناسب مع خط الحق ~~المرتبط بالإيمان ، لأن ذلك يعبر عن جهل في شخصية الإنسان ، بينما ينطلق ~~العالمون بحقائق الأشياء وفق ارتباط رغباتهم بالحق ، لأن الإيمان يمثل ~~الانسجام بين الفكر والرغبة ، كيلا يعيش المؤمن الازدواجية بين ما يفكر فيه ~~، وبين ما يشتهيه ويطلبه. # ( @QUR@012 قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم ) مما لا يتفق ~~مع الحق ، PageV12P071 # لأن إيماني بك يفرض علي أن أريد ما تريده ، وأرفض ما ترفضه في كل شيء ، ~~وأنت المسدد لي في ذلك كله ، وأنت الهادي إلى طريق الصواب ، فأجرني من ~~الانحراف ، واعصمني من كل ما لا يلتقي مع إرادتك ، ( @QUR@04 وإلا تغفر لي ~~وترحمني ) في ما تعبر عنه العبودية لله من خشوع واستكانة ، تتمثل بطلب ~~المغفرة والرحمة ، وإن لم يكن هناك ذنب ، لأن الكلمة أصبحت تعبيرا عن ~~المضمون الروحي الخاشع أمام الله ، أكثر مما هي تعبير عن مضمونها اللغوي ، ~~( @QUR@03 أكن من الخاسرين ) لأن الخسارة العظمى هي فقدان رحمة الله ~~ومغفرته التي تمثل البعد عن مصدر القوة الذي يمد الإنسان بالثبات والحياة. # * * * ### ||| ** بين العصمة والعاطفة النبوية # وقد يتساءل المتسائل عن مدى انسجام هذه الآيات في مدلولها مع عصمة ~~الأنبياء ، فكيف يمكن لنوح النبي الذي وقف أمام كل تحديات الانحراف الكافر ~~، من كل القوى الشريرة ، طوال هذا العمر المديد الذي يقارب الألف سنة ، كيف ~~يمكن له أن يعيش لحظة الضعف أمام عاطفة الأبوة ، ليقف بين يدي الله ، طالبا ~~إنقاذ ولده الكافر ، من بين كل الكافرين ، وكيف يخاطبه الله بهذا الأسلوب ~~الذي يقطر توبيخا وتأنيبا ، ويتراجع نوح مستغفرا طالبا الرحمة كيلا يكون من ~~الخاسرين؟؟! # ويمكن لنا أن نجيب عن ذلك ، أن المسألة ليست مسألة عاطفة تتمرد ، ولكنها ~~عاطفة تأمل وتساؤل ، فربما كان نوح يأمل أن يهدي الله ولده في المستقبل ، ~~وربما كان يجد في وعد الله له بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل ، لأنه من ~~أهله ، ولم يلتفت إلى كلمة ( @QUR@05 إلا من ms2888 سبق عليه القول ) لأنها لم تكن PageV12P072 # واضحة. وهكذا كان منسجما مع خط الإيمان عند ما نادى نداء المتوسل ~~المستفهم ، وكان الرد الإلهي منسجما مع ما أراده الله له من العصمة ، ~~كأسلوب من أساليب تربية الله لأنبيائه ليمنع عنهم الانحراف العاطفي ، قبل ~~حدوثه ، إذا ما كانت الأجواء جاهزة لذلك ، لو لا لطف الله بهم ، وقد تكون ~~الشدة في الرد لونا من ألوان التأكيد على ذلك. # وكان الانسجام النبوي مع خط التربية الإلهي رائعا في التعبير عن روحية ~~الخضوع والخشوع بالكلمات المستغفرة المسترحمة الخائفة من الخسران ، خشية أن ~~يكون في هذه الحالة المستفهمة المتأملة بعضا من ذنب ، وإن لم يكن ذنبا ، أو ~~بعضا من تمرد ، وإن لم تكن كذلك ، ومن الطبيعي ألا يبتعد ذلك عن خط النبوة ~~المستقيم الذي عاش العمر كله جهادا في سبيل الدعوة إلى الله ، تحت رعاية ~~الله ، ووقف الآن في خط الاستقامة محاولا إخضاع كل عواطفه لروحيتها بتوفيق ~~الله وبرحمته. # * * * ### ||| ** مهبط السلام # ( @QUR@08 قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ) فقد منحه الله نعمة ~~السلام الروحي المتمثل في الطمأنينة النفسية التي تشيع في داخله ، والسلام ~~الإلهي الذي يتمثل في رحمة الله المرفرفة حوله. كما أعطاه نعمة البركات ~~الفياضة التي تجعل منه عنصر خير ونفع للناس وللحياة من حوله ، ( @QUR@04 ~~وعلى أمم ممن معك ) أي واهبط أنت وأمم معك بسلام منا وبركات ، لأنهم اتبعوك ~~وآمنوا بك ، وشاركوك في خط جهادك الطويل ، فكان لهم من الخير والثواب ما ~~كان لك ، ( @QUR@02 وأمم سنمتعهم ) وهذه جملة مستأنفة تشير إلى أن المستقبل ~~سيتمخض عن أمم PageV12P073 # أخرى لا تؤمن بك وبالرسالات والرسل من بعدك ، بل تتحرك في خط الكفر ~~والضلال والعصيان ، وسنمتعهم ما امتدت بهم الحياة التي قدرناها لهم ، ~~ولكنهم لن يفلتوا من العقاب ، مهما امتد بهم العمر ، وأقبلت عليهم الحياة ، ~~بل سيواجهون نتائج المسؤولية وجها لوجه يوم القيامة ( @QUR@05 ثم يمسهم منا ~~عذاب أليم ). # * * * ### ||| ** تلك من أنباء الغيب # ( @QUR@06 تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ) في ما نكشفه لك من غيب ~~التاريخ الذي لم تحضره ، ولم ms2889 يحضره أحد معك ، ( @QUR@06 ما كنت تعلمها أنت ~~ولا قومك ) لأنها لم تنقل إليكم في كتاب ، أو في رواية شاهد من الناس ، ( ~~@QUR@07 من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) فإن لك في الصبر على ما ~~تلاقيه من قومك وفي الامتداد في خط الدعوة دون تراجع ، مما توحيه التقوى ~~التي تستمد القوة والثبات في الموقف من الله كل خير وعاقبة طيبة ، تماما ~~كما حصل عليها نوح وقومه ، في ما اتقوا الله وأطاعوه. # * * * PageV12P074 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون (50) @QUR@014 يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري ~~إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) @QUR@018 ويا قوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا ~~مجرمين (52) @QUR@016 قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) @QUR@016 إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) @QUR@07 من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) @QUR@018 إني توكلت على الله ربي وربكم ما ~~من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) (56) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فطرني ): فطر الشيء فطرا : أي شقة ، فظهر ما فيه. ومنه : فطر ~~الله الخلق ، أي : خلقهم ، فهو فاطر السماوات والأرض ، أي : خالقها. PageV12P075 # ( @QUR@01 مدرارا ): مبالغة في الدر ، وهو القطر المتتابع غير المفسد. # ( @QUR@01 اعتراك ): أصابك. # ( @QUR@01 بناصيتها ): الناصية : قصاص الشعر وأعلى الجبهة ، والمراد ~~بأخذها هنا : ملك الأمر كله. # * * * ### ||| ** هود يدعو قومه # وهذا نبي آخر جاء بعد تلك الفترة التي أعقبت فترة نوح ، حسب الترتيب ~~القرآني في ذكر الأنبياء ، وهو هود المبعوث إلى قوم عاد الذين كانوا يملكون ~~من القوة البدنية ، ما أصبح ميزة لهم على الآخرين حتى قيل في حديث قصص ~~الأنبياء إنهم من العمالقة ، وكانت قضية الشرك والتوحيد في العقيدة ~~والعبادة هي القضية التي بدأ بها رسالته ، باعتبارها العنوان الشامل لكل ~~تفاصيل الفكر والعمل ومفرداتهما. # ( @QUR@04 وإلى عاد أخاهم هودا ) فقد كان منهم في ms2890 العشيرة ، ( @QUR@010 ~~قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) فهي الحقيقة الفكرية والعملية ~~التي تتمحور حولها كل حقائق الحركة الإنسانية في الحياة ، وتوجه كل خطواتها ~~إلى الطريق المستقيم ، ( @QUR@04 إن أنتم إلا مفترون ) وكاذبون في ما ~~تدعونه وتعبدونه من أوثان ، وفي ما تتخذونه لكم من شرائع وأحكام ، بعيدا عن ~~نهج الله وشريعته. # ( @QUR@06 يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا ) لأني ليست تاجر مبادئ ورسالات ~~يستغلها في سبيل تحقيق الربح ، والحصول على الثمن من أتباعه ، فلا أريد ~~منكم أي امتياز مادي ومعنوي ، لأن الرساليين الذين يعيشون حياتهم للرسالة ~~لا يبتغون منها عوضا ، بل قد يفكرون بالتضحية بالمال وبالجاه إذا احتاجت حركة PageV12P076 # الرسالة لذلك ، لأن الهم الكبير لديهم هو رضوان الله وثوابه ، ( @QUR@06 ~~إن أجري إلا على الذي فطرني ) وخلقني من عدم ، فله الفضل علي في نعمة ~~الوجود كله. ولهذا فإن الدعوة إلى عبادته ، ورفض ما عداه ، يمثل الوجه ~~المشرق لعملية الشكر الإنساني بين يدي الله ، بالإضافة إلى أنه الوجه ~~الأصيل للحقيقة الكونية والعملية في الحياة ، ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) ~~وتناقشون المسألة من موقع الفكر ، لا من موقع الغريزة ، لتعرفوا طبيعة ~~القاعدة التي ترتكز عليها حياتكم ، وطبيعة الرسول الذي يدعوكم إلى الانطلاق ~~في خط الله. # ( @QUR@07 ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) فقد انحرفتم كثيرا عن ~~طريقه ، وتمردتم على إرادته ، وعصيتم أحكامه ، مما يستتبع الابتعاد عن ساحة ~~رحمته ، والوقوع في ساحة غضبه ، فارجعوا إليه في وقفة استغفار ، ليغفر لكم ~~ذنوبكم إذا عرف منكم صدق النية ، وإخلاص الموقف ، وتوبوا إليه توبة نصوحا ~~تعلن الندم عما مضي ، وتقرر التغيير في ما يأتي ، فهو ولي الإنسان والحياة ~~، فمنه قوته ، ومنه نعمته ، ومنه قبل ذلك كله ، سر حياته ، فلا يستطيع ~~الإنسان الانفصال عنه ، بل لا بد من الرجوع إليه في كل الأمور ، فإذا كنتم ~~تريدون زيادة القوة ، لتواجهوا كل تحديات الآخرين من حولكم بشكل أقوى ، ~~وإذا كنتم تريدون خصب الأرض التي تسكنونها ، ووفرة الماء الذي تشربونه ، ~~فارجعوا إليه ، بخشوع وخضوع ، ( @QUR@04 يرسل السماء عليكم مدرارا ) في ~~هطول متتابع ، فيحيي زرعكم ms2891 وأنعامكم ، ( @QUR@04 ويزدكم قوة إلى قوتكم ) ~~لأنه خالق القوة كلها ، فمنه وجودها ومنه حركتها ونموها ، ( @QUR@03 ولا ~~تتولوا مجرمين ) أي لا تعرضوا عن هذه الدعوة ، وعن الله ، لتسيروا في خط ~~الجريمة في العقيدة وفي السلوك. # * * * PageV12P077 ### ||| ** بين التوبة وزيادة القوة # وقد يطرح البعض سؤالا حول هذا التلازم بين التوبة ، وزيادة القوة ، وهطول ~~المطر ، في الوقت الذي نعرف فيه أن الله قد أجرى لكل شيء سببا ، فقدر ~~لزيادة القوة شروطا لا بد من تحققها ، وجعل للمطر أسبابا لا بد من حصولها. # وقد يجاب عنه ، بأن هذا لا يمنع من وجود المعجزات ، فلعل المسألة في ~~الآية خاضعة لهذا الأساس ، ويمكن أن تكون الغاية من ذلك الإيحاء النفسي لهم ~~بأن الله هو مصدر النعم ، فإذا انحرفوا عن طاعته ، فإن النعمة تكون مهددة ~~بالزوال ، في ما يمكن أن يحققه من أسباب زوالها بطريقة بأخرى ، فيمنع عنهم ~~قطر السماء ، ويضعف قوتهم ، وإذا أقبلوا عليه ورجعوا إليه فإنه يهيئ لهم ~~أسباب ما يحتاجونه ويريدونه ، في ما يهمهم أمره. وهكذا تكون المسألة مسألة ~~تنمية لروحية العقيدة في ما يتفرع عنها من الجانب العملي ، الذي قد يغفل ~~عنه الآخرون عند ما يفقدون الإحساس بالإيمان ، فلا يشعرون بالارتباط بين ~~الله وبين حركة النعم في حياتهم سلبا أو إيجابا ، والله العالم. # هذا ما قاله هود ، فما ذا كان جواب قومه؟. # * * * ### ||| ** التخلي عن التفكير والإيمان بالخرافة # ( @QUR@015 قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ~~وما نحن لك PageV12P078 # @QUR@01 بمؤمنين ) لقد أنكروا عليه الدليل على رسالته ، واعتبروها مجرد ~~دعوى لا ترتكز على أساس ، لأنهم لا يريدون التأمل والتفكير ، في ما يدعوهم ~~إليه من عبادة الله وحده ، والإخلاص له في الطاعة ، والارتباط به في خط ~~السير ، إذ لم تكن قضية دعوتهم للإيمان بنبوته هي المسألة الأولى لديه ، بل ~~كان همه أن يتأكدوا عبر حجتها والدليل من حجتها دون حاجة إلى معجزة أو ما ~~يشبه المعجزة. # ولعلنا نلاحظ في ذلك ، أن الإلحاح كان يرتكز على مضمون الرسالة ، لا على ~~صفة الرسول ، بحيث كانت صفة ms2892 الرسولية طريقا إلى الانسجام مع خط رسالته. ~~وهكذا كان إنكارهم للبينة منطلقا من عدم وعيهم للرسالة في ما تحمله من ~~دلائل الصدق ، واعتبارهم المعجزة في خوارق العادة هي الأساس في الالتزام ~~بالدعوة ، لذا رفضوا الابتعاد عن آلهتهم ، وترك عبادتهم باعتبار أن قوله لا ~~يرتكز على دليل حسب زعمهم وقد رفضوا الإيمان به ، كمجموعة متضامنة في ~~الوقوف ضده. # ويتصاعد موقفهم الرافض مسلحا بمنطق خرافي يزعم أن للآلهة تأثيرا سلبيا ~~على من يعارضونها ويرفضون عبادتها ، ويدعون الناس إلى البراءة منها ~~والابتعاد عنها ، ولذلك كانوا يرون في موقف هود دلالة على بعض الخلل في ~~عقله ، فلا يتصورون المسألة منطلقة من حالة إيمان بالرفض ، بل يعتبرونها ~~منطلقة من موقع اهتزاز في التفكير ، وهذا ما عبروا عنه بقولهم : ( @QUR@07 ~~إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) في ما يمثله ذلك من جنون يفقد معه ~~الإنسان صوابه وسلامة فكره. # * * * PageV12P079 ### ||| ** هود في ذروة التحدي # ويبادر هود إلى إنهاء هذا الحوار الذي يدور في حلقة مفرغة ، بإعلانه ~~موقفا يرسم الحد الفاصل بينه وبينهم ، ويميز الحق من الباطل ، كيلا يظنوا ~~أن في مقاطعته للحوار لونا من ألوان الضعف ، أو حالة من حالات التردد ، أو ~~نوعا من أنواع القناعة بما يقولون في الداخل مع إظهار الرفض له ، ( @QUR@04 ~~قال إني أشهد الله ) الذي يطلع على السرائر ، فيعرف حقيقة موقفي وما أؤمن ~~به ، وما أرفضه ، ( @QUR@01 واشهدوا ) علي بإقراري الذي أعلنه أمامكم في ما ~~أعتقده وأتحرك فيه من خط ، ( @QUR@06 أني بريء مما تشركون من دونه ) ~~بعبادتكم لهذه الأصنام التي ما أنزل الله بها من سلطان ( @QUR@02 فكيدوني ~~جميعا ) إذا كنتم تملكون قوة الكيد لي والتآمر علي ، بأنواع الضغوط ~~المختلفة القاهرة ( @QUR@03 ثم لا تنظرون ) أي لا تمهلوني لحظة واحدة ، ~~وتلك هي ذروة التحدي الرسالي الصادق القوي الذي يقف فيه النبي وحده أمام ~~القوى الكافرة ليقول لهم : ( @QUR@02 فكيدوني جميعا ) فيتصاغرون أمامه ولا ~~يستطيعون مواجهة التحدي بمثله ، مما يوحي بأن الإنسان الذي يستمد قوته من ~~ربه ومن عناصر القوة في شخصيته ، ثم يقف أمام الناس ، ليثير أمامهم حقيقة ms2893 ~~ذلك بتصميم ، يستطيع أن يهزم موقف الآخرين ويدخل الرعب فيهم. # * * * ### ||| ** المؤمنون والحرب النفسية # وهذا ما يحتاجه الدعاة والمجاهدون في سبيل الله ، من استثارة الإحساس ~~بالقوة الفاعلة في داخلهم ، لينطلقوا منها في مواجهة من يحاولون استعراض ~~عضلاتهم وتوظيف ذاك الاستعراض في حرب الأعصاب ، ليهزموا المؤمنين نفسيا قبل ~~الدخول في المعركة الفاصلة ، ولذلك فإن من المفروض على العاملين أن يقتحموا ~~الساحة بأسلحة الحرب النفسية ، وذلك بالإعلان عن PageV12P080 # القوة الروحية القادرة على الثبات والاستمرار في حمل الرسالة والجهاد في ~~سبيلها لتبقى للموقف قوته ، وللرسالة دورها في حركة الحياة ، في وعي ~~الأعداء والأصدقاء معا ، وفي تعميق إحساس الدعاة بهذا الإمداد الروحي الذي ~~يعيشه المؤمن مع شعوره بالاستسلام الكلي لله ورعايته ، فلا يشعر بالضعف ~~أمام الآخرين ، ولا بالخوف أمام المجهول ، كنتيجة للتوكل في العقيدة. # * * * ### ||| ** لا قوة لأحد إلا بإذن الله # وهذا ما أراد هود تأكيده أمام قومه من خلال موقفه : ( @QUR@06 إني توكلت ~~على الله ربي وربكم )، فهو مصدر القوة في الحياة لأنه مصدر حياة كل حي ، ~~وهو المهيمن على كل شيء ، فلا تستطيعون إضراري إذا لم يأذن الله بذلك ، ~~لأنكم لا تملكون القوة الذاتية ، ولا يملكها أحد من خلقه. ( @QUR@07 ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) في ما يحمله الأخذ بالناصية وهي أعلى الجبهة من ~~معنى كنائي ، يفيد السيطرة على الأمر كله من جميع جوانبه. وهذا ما يوحي ~~بحماية الإنسان المتوكل على الله بوعي داخلي ، من كل سوء ( @QUR@05 إن ربي ~~على صراط مستقيم ) في ما تمثله عقيدة الإيمان من قاعدة ، وفي ما تتحرك به ~~شريعته من خط ونهج ، للفكر وللسلوك معا ، ولهذا فإنني سأظل سائرا في هذا ~~الخط المستقيم ، ولن أنحرف عنه تحت تأثير أي ضغط أو تهديد ، أو طمع أو شهوة ~~، مما تحاولون إثارته أمامي بأساليبكم المتنوعة المليئة بالترغيب والترهيب ~~، لأن ذلك هو معنى الإيمان بالله الذي يجعل الحياة ، بكل آفاقها وساحاتها ، ~~تبدأ منه وتنتهي إليه. # * * * ### ||| ** تحفظ على فكرة # وقد حاول بعض المفسرين أن يجعل من التحدي الذي أطلقه هود في PageV12P081 # وجه قومه ، معجزة ms2894 لهود ، وأيد ذلك صاحب الميزان في تفسيره بقوله : «ذلك ~~أن ظاهر الجواب أن يقطع به ما ذكر من الرد في صورة الحجة ، وفيها قولهم ( ~~@QUR@03 ما جئتنا ببينة )، ومن المستبعد جدا أن يهمل النبي هود عليه السلام ~~في دعوته وحجته التعرض للجواب عنه ، مع كون هذا التحدى والتعجيز صالحا في ~~نفسه لأن يتخذ آية معجزة» (1). # ونحن نتحفظ على هذه الاستفادة ، لأن سياق الآية هو رد التحدي بصلابة في ~~الموقف ترفض التراجع ، والتنازل ، أمام التهديدات ، لا المجابهة بالبينة ~~التي أرادوها ، لأن ما أرادوه كما يبدو ، هو المظاهر الخارقة للعادة حسيا ، ~~أو لأن ما ذكروه لم يكن طالبا للبينة ، بقدر ما كان إنكارا عناديا لما قدمه ~~من البينة ، فهم ليسوا في موضع من يبحث عن الحقيقة من موقع الحوار ، بل هم ~~في وضع من يريد إنكار ضوء الشمس. كما أن موقف هود ، هو موقف من يريد إنهاء ~~الحوار ، لا البدء في حوار جديد حول المعجزة الجديدة. # * * * PageV12P082 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما ~~غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) @QUR@014 ولما جاء ~~أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) ~~@QUR@012 وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد ~~(59) @QUR@017 وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ~~ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لعنة ): أي أنهم فعلوا ما يستوجب اللعن دنيا وآخرة. ومعني ~~اللعن البعد عن كل خير. # * * * ### ||| ** استكمال الحجة # ويستكمل هود حجته عليهم في نهاية المطاف ، ( @QUR@02 فإن تولوا ) أى إن ~~تتولوا وتعرضوا عن الإيمان بالرسالة ، فهذا شأنكم ومسئوليتكم التي ~~تتحملونها تجاه مصيركم الذي عرفتكم سلبياته وإيجابياته على مستوى الكفر ~~والإيمان ، وبذلك فقد أديت ما علي ، وألقيت عليكم الحجة من الله ، ( ~~@QUR@06 فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ) ولم أدخر جهدا ، على مستوى ~~المضمون والأسلوب ، ( @QUR@04 ويستخلف ربي قوما غيركم ) فلستم أول الكافرين ~~، ولستم آخر البشر ، فإذا لم تؤمنوا فلن ينتهي الإيمان من العالم ، فسيأتي ms2895 ~~قوم آخرون يستخلفهم الله ليعمروا الأرض ، PageV12P083 # وليعلموا بطاعته ، ويسيروا على هداه ، ( @QUR@03 ولا تضرونه شيئا ) لأنه ~~الغني عن عباده في طاعتهم ومعصيتهم ، فلا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره ~~معصية من عصاه ، بل هم الرابحون في طاعته ، والخاسرون في معصيته ، لأن الله ~~لم يأمرهم إلا بما فيه صلاحهم ، ولم ينههم إلا عما فيه فسادهم ، ( @QUR@06 ~~إن ربي على كل شيء حفيظ ) بما يوحيه ذلك من إحاطة بكل الأشياء علما وملكا ~~وسيطرة ، ولذلك فلن يفلت أحد منه ، لأنه محيط بهم إحاطة الحافظ بالمحفوظ. # * * * ### ||| ** ونزل العذاب على عاد ونجي هود # ... وجاء أمر الله ، ونزل العذاب ، وتساقط كل الذين كانوا يستعلون على ~~الناس بالقوة الكبيرة التي كانوا يملكون ، ويتمردون من خلالها على الله ~~ورسله ورسالاته ، فإذا بهم أعجاز نخل خاوية ، فلا ترى لهم من باقية ، وبقيت ~~الحياة ، لمن كانوا دعاة إلى الإيمان بالله ، والعاملين في سبيله ، لأنهم ~~خدموا الحياة من موقع ارتباطها بالله ، والتزامها برسالته. # ( @QUR@010 ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ) في ~~ما يرحم الله به عباده المؤمنين ، مما يحيطهم به من ألطافه ، ويرعاهم به من ~~حنانه وعطفه ( @QUR@04 ونجيناهم من عذاب غليظ ) مما أنزله الله على قومه من ~~الكافرين. # * * * ### ||| ** لا عذر للضعفاء في الاستسلام لواقعهم # ( @QUR@012 وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد ) وتلك هي قصة العذاب الذي ينزله الله بعباده نتيجة لأسباب تستدعيه ، ~~فإن الله يعذب الجاحدين بآياته ، العاصين رسله بعد إقامة الحجة عليهم بما ~~لا يدع لهم مجالا لريب أو لشبهة ، المستسلمين للجبابرة الطغاة المعاندين ~~للحق ، في ما يأمرونهم به من الكفر والضلال ، فإذا وقفوا بين أمر الله ، ~~وأمر هؤلاء ، تركوا PageV12P084 # أمر الله ، واتبعوا أمرهم ، وهم يعلمون ، بوحي فطرتهم ، أن ما يدعوهم ~~إليه الله هو الحق ، وأن ما يدعو إليه هؤلاء هو الباطل ، ولكنهم يضعفون ~~أمامهم ، وتتساقط مواقفهم بسقوط إرادتهم ، والله سبحانه لا يرى للضعفاء ~~عذرا في الاستسلام لحالة الضعف أمام الأقوياء ، إذا استطاعوا أن يأخذوا ~~بأسباب القوة ، ولو بالانتقال إلى موقع آخر يمكنهم من ms2896 ذلك. # وفي هذه الفقرة إيحاء بأن الغالب في ضلال الشعوب المستضعفة ، هو سيطرة ~~القوى المستكبرة التي تقودها إلى ذلك ، كظاهرة من الظواهر الاجتماعية ~~لتفاوت مواقع القوة والضعف بين الناس على أكثر من مستوى في بعض المجتمعات. # * * * ### ||| ** درس من تجربة هود # ( @QUR@05 وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ) في ما تمثله اللعنة من البعد عن ~~ساحة رحمة الله ، بما أنزل الله بهم من العذاب ، ليبقى ذلك إعلانا عن ~~الطابع العام الذي يغلب على تلك المرحلة من التاريخ ، ودرسا لكل من يسير في ~~هذا الاتجاه. ( @QUR@05 ألا بعدا لعاد قوم هود ) ليظل هود الوجه الرسالي ~~المشرق الذي تلتقي في شخصيته الروح الرسالية المنفتحة على الواقع بكل سعة ~~الصدر ومرونة الصبر ، والإرادة القوية التي تواجه التحديات بصلابة دون أن ~~تتنازل أو تتراجع أمام تهاويل المخاوف التي تثار حولها ، والحكمة العميقة ~~الواعية التي تواجه بها الذهنيات البدائية لهؤلاء الناس الذين يملكون قوة ~~الجسد دون قوة الفكر ، لعملهم على تنمية أجسادهم دون تنمية أفكارهم. لذلك ~~استخدم هو أساليب بسيطة في الدعوة ، حيث تطرح الفكرة ببساطة لا تحوجهم إلى ~~بذل الجهد في فهم الدعوة. وكانت الأساليب العملية في الحركة التي ترق عند ~~الحاجة إلى اللين ، وتعنف عند الحاجة إلى العنف ، دون أي تأثير على موقف ~~عاد الكافر المتمرد الذي لا يخضع لتفاهم الحوار ، ولا لتفهم الفكر ، بل كل ~~ما عنده هو المزيد من الجهل والغرور والكبرياء والتقليد .. # * * * PageV12P085 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي ~~قريب مجيب (61) @QUR@022 قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا ~~أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) @QUR@023 ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) @QUR@018 ويا قوم هذه ناقة الله ~~لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ms2897 (64) ~~@QUR@011 فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) ~~@QUR@018 فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي ~~يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) @QUR@08 وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) @QUR@012 كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود ~~كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ) (68) # * * * PageV12P086 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 أنشأكم من الأرض ): أوجدكم منها. # ( @QUR@02 واستعمركم فيها ): من العمران ، أي : جعلكم تعمرونها. # ( @QUR@01 مرجوا ): نرجو منك الخير. # ( @QUR@01 مريب ): المريب : الموجب للتهمة والريبة. # ( @QUR@01 تخسير ): أي : خسرانا. # ( @QUR@01 آية ): المراد بالآية هنا : المعجزة. # ( @QUR@01 فذروها ): دعوها. # ( @QUR@01 داركم ): الديار : البلد. # ( @QUR@01 جاثمين ): ساقطين على وجوهم. # ( @QUR@01 يغنوا ): غني بالمكان : أقام فيه. # * * * ### ||| ** وإلى ثمود أخاهم صالحا # ... وهذا نبي من أنبياء ما قبل التاريخ في ما يقال أرسله الله إلى قومه ~~ثمود الذين كانوا من العرب العاربة ، ومن سكان القرى الواقعة بين المدينة ~~والشام ، كما يذكر بعض المفسرين ، وليس لدينا أي مصدر تاريخي موثوق يحدثنا ~~عن تفاصيل حياتهم ، بل المصدر الصحيح هو القرآن الذي PageV12P087 # يفيدنا بأنهم كانوا أمة من العرب على ما يدل عليه اسم نبيهم ، وقد كان ~~منهم ، نشأوا بعد قوم عاد ولهم حضارة ومدنية ، وكانوا يعمرون الأرض ، ~~ويتخذون من سهولها قصورا ، وينحتون من الجبال بيوتا آمنين ، كما جاء في ~~قوله تعالى : ( @QUR@025 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في ~~الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين ) [الأعراف : 74]. ومن شغلهم الفلاحة بإجراء العيون ~~وإنشاء الجنات والنخيل والحرث : ( @QUR@04 وزروع ونخل طلعها هضيم ) ~~[الشعراء : 148]. # * * * ### ||| ** ثمود تخاف على امتيازاتها # وقد كانوا يعيشون في ضلال الوثنية والشرك ، تحت تأثير ساداتهم وكبرائهم ~~الذين كانوا يتحكمون بالتوجيه الفكري والعملي لأتباعهم ، ويوحون إليهم بأن ~~طاعتهم هي السبيل الأقوم لنجاحهم وحصولهم على الخير والرشاد. ولذلك فإن ~~المتتبع لأصواتهم وأصوات أمثالهم لا يشعر بأنها تنطلق من حالة اقتناع ~~ومعاناة ، بل يشعر أنها أصوات الآخرين المستكبرين الذين يوحون إليهم خرف ~~القول غرورا. لذا كانت مشكلة هؤلاء مع الأنبياء أنهم يدعون إلى عبادة الله ~~الواحد حيث تسقط كل الرموز ms2898 البشرية وغير البشرية في الأرض ، فلا يبقى إلا ~~وحيه ، ولا يحكم إلا شرعه ، ولا يترك لأي بشري مجال الحصول على أي امتياز ~~إلا من خلال عمله ، بينما كانت حياة هؤلاء متحركة من خلال الامتيازات التي ~~فرضوها لأنفسهم ، وأقنعوا الآخرين باستحقاقهم لها بما يملكونه من مال أو ~~قوة أو جاه ، وفي ما كانوا يدعونه لأنفسهم من حق الولاية على الناس ~~لرعايتهم الأصنام ، ووكالتهم عنها ، إلى غير ذلك من الخرافات والأضاليل ، ~~الأمر الذي يجعل صراعهم ضد الأنبياء صراعا من أجل حماية PageV12P088 # مصالحهم ، لا من أجل حماية خط تفكيرهم. # * * * ### ||| ** التصور الديني للحياة # ( @QUR@014 وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ) وتلك هي الدعوة الواحدة التي تلخص كل شرائع الله وكل تعاليمه ، ~~فالله هو المنطلق في كل شيء ، والمرجع في كل أمر ، فله الخضوع كله ، وله ~~الأمر كله. وهذا هو جوهر التصور الديني للحياة ، فإما أن يكون الإله الذي ~~يلتقي الكون أمامه هو الله ، وإما أن يكون غيره ، ولكل منهما خطوط وآفاق ~~وتعاليم وأهداف ... فلا مجال للشركة ، ولا مجال للتبعيض. # ( @QUR@04 هو أنشأكم من الأرض ) فمنها خلقتم ، فأنتم جزء من ترابها ، ~~ولكن بصورة أخرى ، تتحرك فيها الحياة ، وينطلق معها الفكر ، ( @QUR@02 ~~واستعمركم فيها ) أي وطلب منكم عمرانها وإحياءها ، بما تملكونه من طاقات ~~الفكر وإمكانات العمل ، للاستمرار في العيش ، لأن للعيش شروطا ، لا بد ~~للإنسان من توفيرها وتحصيلها إذا وجه طاقاته نحوها ، وهذا ما سخره الله ~~للإنسان في ما أودعه في الأرض من ثروات ، وفي ما أعده من أدوات ، ومكنه ~~فيها من قدرات. # وفي هذا الجو ، لا بد للإنسان من عيش الإحساس العميق بالارتباط بالله ، ~~عند استجابته لدعوة الأرض للارتباط بها ، ليعرف بأن ارتباطه التكويني ~~بالأرض من خلال قدرة الله ، يفرض عليه الانفصال العملي عنها ، عند ما تقوده ~~إلى التمرد على الله ، أو عند ما تثير فيه ميل الاستسلام للشهوات ، بعيدا ~~عن خط المبادئ ، وحركة الرسالات ، لأن الله ، الذي خلق الأرض ، وخلق ~~الإنسان منها ، هو الذي يحكم في كل ما يدور ms2899 فيها ، ويتحرك عليها ، لأنه ~~صاحب السلطة في ذلك كله ، وهو العالم بالصلاح والفساد في جميع موارده PageV12P089 # ومصادره. # ( @QUR@04 فاستغفروه ثم توبوا إليه ) لأن أول خطوة يخطوها الإنسان على ~~طريق تصحيح الخطأ وتقويم الانحراف عن خط الإيمان ، هي الوقفة المعترفة ~~النادمة المعبرة عن حالة التراجع ، وذلك بالاستغفار الذي يتوسل فيه الإنسان ~~إلى الله ، أن يقبله ضمن من غفر له ذنوبه ، وبالتوبة التي تعبر عن حالة ~~الندم العميق على الماضي ، والعزم على التصحيح في المستقبل ، ليبدأ السير ~~في الخط المستقيم الجديد من حاضر لا يثقله الماضي ، ومن روح لا ترهقها ~~الذكريات السوداء ، لأن التوبة تمحو ذلك كله ، ولأن الغفران يحول ظلمة ~~المعصية إلى إشراقة الطاعة ، ( @QUR@04 إن ربي قريب مجيب ) فهو ليس بعيدا ~~عن دوافع المعصية في الإنسان ، من شهوات وأهواء قد تغلبه ، لأنه خالقه ، ~~وهو ليس بعيدا عن تطلعات الإنسان للمغفرة ، وأحلامه في الرحمة ، فهو قريب ~~إلى روحه وفكره وشعوره وحياته ، بحيث لا يوجد أقرب إليه منه. فيلجأ إليه ~~لحل كل مشكلة ، ولإقالة كل عثرة ، ولتخفيف كل هم وألم. فهو المجيب لكل ~~دعواته وطلباته للرحمة وللمغفرة في شؤون الدنيا والآخرة ، وذلك هو الطريق ~~المستقيم. # * * * ### ||| ** دعوة صالح تصدم القوم # ولكن القوم يواجهونه عوضا عن الإيمان بالرسالة بخيبة أملهم فيه ، فقد ~~كانوا يجدون فيه الشخص العاقل الوديع الذي يفكر بالأمور بطريقة معقولة ~~موزونة ، فلا يبتعد في تفكيره عن واقع المجتمع ، ولا يتمرد على تقاليده ، ~~ولا يسيء إلى أوضاعه ، كما هو شأن كل الرموز الاجتماعية المحترمة ، التي ~~تكسب احترامها من محافظتها على التوازن في العلاقات الاجتماعية بما لا يزعج ~~الساحة ولا يتنكر للمألوف. ولهذا فقد كانت دعوة صالح لهم بمثابة الصدمة ~~التي أخذتهم بعنصر المفاجأة. # * * * PageV12P090 ### ||| ** أوهام تحكم الفكر # ( @QUR@09 قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ) فقد كانت الآمال ~~معقودة عليك في قيادة المجتمع نحو الخير لا نحو الشر ، ( @QUR@06 أتنهانا ~~أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) من الأوثان التي قدسها الآباء وعبدوها أجيالا؟ ~~ألا تسيء بذلك إلى ذكرى الآباء ، وتتمرد على قداستهم؟ فهل يمكن أن نحكم ms2900 ~~عليهم بالجهل وتقديس الخرافة في ما عبدوه كما تقول؟ وهل نستطيع الادعاء ~~بأننا نفهم أكثر مما يفهمون ، ونعرف أكثر مما يعرفون ، وهم أصحاب التجربة ~~والفكر والسبق في التاريخ؟ وهل يتعلم الجيل الحاضر ، إلا من الأجيال ~~الماضية؟ هكذا كانت كل هذه الأوهام تتسابق إلى أخيلتهم في ما يعتبرونه ~~أساسا لتقييم الفكر ، أو تقديس التاريخ ، أو لتمايز المجتمعات. # ( @QUR@07 وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ) فقد لا تكون المسألة ~~بالنسبة إليك مجرد فكرة تريد إثارتها أمامنا أو دعوتنا إليها ، بل قد تكون ~~هناك خلفيات وأهداف مشبوهة تتصل بطموحاتك ومصالحك ، مما قد يتعارض مع ~~أوضاعنا وطموحاتنا ومصالحنا ... ولهذا فإننا ننظر إلى المسألة نظرة اتهام ~~منشؤها سوء الظن بك ، وبما تضمره من سوء للمجتمع ، وهكذا يبدو أن هؤلاء ~~القوم لم يرغبوا في مناقشة المسألة من ناحية المضمون على أساس احتمال ~~الصواب والخطأ فيها ، لأن رفضهم للدعوة حاسم ، بل أرادوا مناقشتها من ناحية ~~الدوافع الذاتية الكامنة خلفها ، والله العالم. # * * * PageV12P091 ### ||| ** الحوار الفكري ثم المعجزة # فما ذا كان رد صالح؟ # ( @QUR@010 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) في ما أعيشه من ~~إيمان بالله وبالرسالة وبالوحي الإلهي النازل علي ، كأي إنسان يعيش ~~المعاناة الداخلية والحسية لاتصال قناعاته بالوجدان ، ( @QUR@03 وآتاني منه ~~رحمة ) في ما كلفني به من حمل الرسالة ، ومنحني إياه من صفة النبوة ، فهل ~~أترك ذلك كله ، لأسير على أهوائكم ، وأجتنب هداه ، لتمنحوني بعض امتيازات ~~ثقتكم؟ وما الذي أنتفع به من ذلك؟ ثم ماذا تفعلون لي ، إذا تمردت على الله ~~ورفضت رحمته وجحدت بينته ، وأراد الله أن يعاقبني على ذلك ، وهو القادر علي ~~في كل وقت وفي كل مكان؟ ( @QUR@06 فمن ينصرني من الله إن عصيته ) إنكم لا ~~تستطيعون فعل شيء أمام الله ، ولا تملكون لي ولا لأنفسكم نفعا ولا ضرا إلا ~~بإذن الله ، ( @QUR@04 فما تزيدونني غير تخسير ) فما ذا وراء محاولتكم في ~~إبعادي عن الدعوة إلى الله ، إلا المزيد من الخسارة على مستوى الدنيا ~~والآخرة؟! # ... وانتقل الحديث إلى مجال آخر ، فقد أراد الله لصالح أن ms2901 يجرهم إلى ~~الإيمان عن طريق آخر غير طريق الحوار الفكري ، وذلك بتقديم «الناقة ~~العجائبية» التي كانت آية من آيات الله ، ليفكروا بمسألة الإيمان في هذا ~~الاتجاه ، باعتبار أن ذلك قد يكون دليلا على صدق النبي صالح في دعوى ~~النبوة. # ( @QUR@07 ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية )، ولم يذكر القرآن لنا ~~التفاصيل عن طبيعة المعجزة في هذه الناقة ، مما جعل الروايات تختلف في ~~تفسير ذلك اختلافا يقترب بها من الأساطير ، فلتراجع في مظانها من كتب ~~التفسير ، لأننا لا PageV12P092 # نجد كبير فائدة في تناولها ما دام القرآن لا يريد أن يدخل في تفاصيلها ، ~~لأن دور القصص القرآني هو إعطاء الدرس من مجمل القصة ولا يعطي للفكرة ~~امتدادها الزمني ، مما يجعل القصة ترتبط بالجوانب العامة ، لا بالجوانب ~~الخاصة ، ( @QUR@05 فذروها تأكل في أرض الله ) فلا يتعرض لها في أي مكان ~~أرادت أن ترعى من أرض الله ، لأن الله جعل لها الحرية في ذلك بما أوحاه إلي ~~، ( @QUR@03 ولا تمسوها بسوء ) لأن لها عند الله حرمة كبيرة ، لكونها نموذج ~~الآية المتحركة التي يرى الناس من خلال خصائصها الدليل على عظمة الله من ~~جهة ، وصدق الرسول من جهة أخرى ، ( @QUR@03 فيأخذكم عذاب قريب ) لأن معنى ~~قتلها ، هو إعلان الحرب على الله ، والتمرد على إنذاره ، ومواجهة الموقف ~~الإلهي بالتحدي الذي يسخر من وعيد الرسول لهم بعذاب الله ، لإبطال مصداقية ~~الرسالة في حركة المجتمع ، وتفرقة المؤمنين من حوله ، فضلا عن غير ~~المؤمنين. # * * * ### ||| ** الرضى بالعمل يساوي المشاركة به # ( @QUR@01 فعقروها ) فكمن لها شخص منهم ، فضربها وقتلها ، بعد الاتفاق مع ~~القوم ، فحملهم الله مسئولية ذلك جميعا ، لأن عامل الرضى يتساوى في النتيجة ~~عند الله ، مع عامل المشاركة ، ( @QUR@010 فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ~~ذلك وعد غير مكذوب ) لقد تحركت المسألة في خط القرار الحاسم الذي حدد ~~للعذاب موعدا ، بعد ثلاثة أيام ، لأن العذاب سنة الله في الأمم السالفة ، ~~عند ما ينزل آية على قوم فيجحدونها. # وربما اعتبر هؤلاء ، أن هذا الإنذار ليس جديا ، أو أنهم لم يثقوا بالموقع PageV12P093 # الذي يمثله صالح عند الله ms2902 ، فلم يكترثوا لذلك ، وأصروا على ما عزموا عليه ~~، فجاء العذاب : ( @QUR@010 فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا ) لأن الله كتب على نفسه الرحمة بمن آمن به وعمل في سبيله ، ( ~~@QUR@03 ومن خزي يومئذ ) بما يمثله العذاب من عار وخزي عند ما ينزله الله ~~على أحد من عباده ، كنتيجة لغضبه ، ( @QUR@05 إن ربك هو القوي العزيز ) ~~الذي إذا أراد شيئا فعله ، ولا قوة لأحد في الوقوف أمامه في ما يريد وفي ما ~~يفعل ، فليس لأحد إلا الخضوع أمام العزة القوية القادرة القاهرة المهيمنة ~~على الأمر كله. # * * * ### ||| ** النهاية المحتومة # ( @QUR@04 وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) التي رجفت لها قلوبهم ، وارتعدت لها ~~فرائصهم ، لأنها كانت من الشدة بالمستوى الذي يصعق له الإنسان ، فلا يملك ~~حراكا ( @QUR@04 فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) أي ساقطين على وجوههم ، ( ~~@QUR@04 كأن لم يغنوا فيها ) أي لم يقيموا فيها ، وهو كناية عن زوال أي أثر ~~من آثار الوجود والحركة منها تماما كما لو لم يكن فيها أحد ، وتلك هي ~~العبرة الواعية لمن يريد أن يعتبر ، بما تبينه من نتائج سلبية مدمرة للتمرد ~~على الله ، ( @QUR@05 ألا إن ثمود كفروا ربهم ) اي جحدوه ، وهذا هو البيان ~~الذي يقدمه الله للناس ، ( @QUR@03 ألا بعدا لثمود ) وهذه هي النتيجة ~~الطبيعية لكفرهم ، لأن الله يبعد الكافرين عن رحمته ، فيعذبهم في الدنيا ~~والآخرة. # * * * PageV12P094 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) @QUR@018 فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) @QUR@09 وامرأته ~~قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) @QUR@013 قالت يا ~~ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) @QUR@014 قالوا ~~أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) ~~@QUR@011 فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) ~~@QUR@05 إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) @QUR@015 يا إبراهيم أعرض عن هذا ~~إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ) (76) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 فما لبث ): أي ms2903 : أسرع وما أبطأ. # ( @QUR@01 حنيذ ): المشوي بالحجارة المحماة ، دون أن تمسه النار مباشرة. PageV12P095 # ( @QUR@01 نكرهم ): نكره وأنكره واستنكره بمعنى واحد ، ضد عرفه ، أي : ~~أن إبراهيم لم يعرف سببا لامتناعهم عن الأكل. # ( @QUR@01 وأوجس ): الإيجاس ، الإحساس ، أي أحس بالخوف منهم. # ( @QUR@02 يا ويلتى ): الويل كلمة للتفجع. # ( @QUR@01 بعلي ): البعل : الزوج ، وجمعه بعولة وبعول وبعال. # ( @QUR@01 لحليم ): الذي يصبر على جهل الغير وأذاه ، ولا يعالجه ~~بالعقوبة. # ( @QUR@01 أواه ): مبالغة في التأوه مما يكره. # ( @QUR@01 منيب ): الذي يرجع إلى الله في كل أمر. # * * * ### ||| ** الخوف ليس سلبيا بذاته # ... وهذه قصة إبراهيم مع الملائكة عند ما زاروه لإبلاغه إرادة الله في ~~إهلاك قوم لوط لأنهم طغوا وأفسدوا الحياة ، وتمردوا على أمر الله ، ~~ولتبشيره بغلام حليم ، بعد أن بلغ وزوجته مبلغا من الكبر لا يأملان معه ~~بالإنجاب ، ولكنها المعجزة التي أراد الله إكرام نبيه إبراهيم بها ، كما هي ~~المعجزة في إهلاك قوم لوط. # ( @QUR@09 ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام )، ~~فقابلهم بالإكرام والتحية كأي ضيوف عليه ، وبادر إلى تقديم الطعام إليهم ~~بشكل سريع ( @QUR@06 فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) أي شوي على حجارة محماة ~~بالنار ، أو مطلق المشوي من دون خصوصية ، ولكنهم امتنعوا عن الطعام ، لأن ~~الملائكة لا PageV12P096 # يأكلون كما يأكل البشر ، ( @QUR@07 فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ) ~~فلم يدرك سببا لذلك لأنه مخالف للأمر المألوف في سلوك الضيف مع صاحب البيت ~~، ( @QUR@03 وأوجس منهم خيفة ) نظرا للغموض الذي لف الموقف ، فهو لا يعرفهم ~~بأشخاصهم ، والامتناع عن الأكل يوحي في عرف الناس آنذاك بالعداوة وبإضمار ~~الشر للمضيف ، مما جعله يحس بالخوف والقلق ، ولا مانع من حدوث مثل ذلك ~~للأنبياء الذين يعيشون الضعف البشري الذي تخضع له المشاعر الذاتية ، ولكن ~~بالمستوى الذي لا يؤدي إلى السقوط في المعصية ، ولا يوحي بالانسحاق ، ولا ~~يمنع من العصمة. # ولعل سر عظمتهم في تمثلهم خط التوازن بين نقاط الضعف التي تؤكد بشريتهم ، ~~ونقاط القوة التي تنطلق من حركة الإيمان والرسالة في روحيتهم ، فلا مشكلة ~~في إحساس الإنسان بالخوف ، بل في الاستسلام له ، وليس الخوف حالة سلبية في ms2904 ~~ذاته ، بل قد يكون حالة إيجابية بما يشكله من حماية للإنسان من الأخطار ~~المهلكة التي تحيط به. ولذا كان إبراهيم خاضعا لتأثير هذه الحالة الطبيعية ~~من الإحساس بالخوف أمام ظاهرة غامضة فاجأته بما يشبه الصدمة ، ولكن ~~الملائكة لم يأتوا ليخلقوا عقدة الخوف ، وليثيروا في داخله القلق ، ( ~~@QUR@08 قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) فلسنا من البشر ، ولا نريد ~~بك شرا ، بل نحن مرسلون إلى قوم لوط لأداء مهمة إلهية ، تستهدف إهلاكهم ~~بالطريقة التي أمرنا الله بها. # * * * ### ||| ** البشرى المستغربة # ( @QUR@02 وامرأته قائمة ) تستمع إلى هذا الحوار الدائر بين زوجها وبين ~~هؤلاء ، ( @QUR@01 فضحكت ) والظاهر أن المراد به الحيض ، الذي هو من معاني ~~الكلمة في PageV12P097 # اللغة ، ويؤيده تفريع البشرى على ذلك ، لأن الحمل يتوقف على وجود حالة ~~الحيض لدى المرأة ، وكان قد انقطع عن زوجة إبراهيم في السابق ، ( @QUR@06 ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) وقد كانت هذه البشرى المزدوجة ~~للإيحاء باستمرار النسل ، وأما رد فعلها فاكتنفه المزيد من الدهشة ~~والاستغراب ، والإنكار الحائر ، ( @QUR@09 قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا ) فنحن في سن لا تسمح لنا بذلك لأنه خارج عن السنة التي ~~اعتادها الناس في حياتهم ، ( @QUR@04 إن هذا لشيء عجيب ) لا نفهم سره ~~وحقيقته. # * * * ### ||| ** رحمة الله تأتي بالعجائب # ولكن الملائكة يردونها إلى التفكير من خلال الإيمان ، فالمؤمن لا يخضع في ~~تصوره لمسألة الإمكان وعدمه للمألوف مما اعتاده الناس في حياتهم ، بل عليه ~~أن يطل على الأفق الإيماني الواسع الذي يلتقي بالله في قدرته المطلقة التي ~~لا يحدها شيء ، وأن عليه أن يفكر بأن الأشياء المألوفة لا تحمل في ذاتها ~~عنصر الوجود ، بما تتضمنه من علاقة المسبب بالسبب ، إلا من خلال الله ~~القادر على أن يخلق أشياء أخرى لم يألفها الناس ، لحكمة ما ترتئيها القدرة ~~الإلهية المتحركة وفق موازين حكيمة. # إنهم يثيرون فيها حس الإيمان العميق ، لتفكر في هذا الاتجاه ، لأن المؤمن ~~إذا سار في تفكيره على هذا المستوى فإنه سينفتح على الحياة بكل ما فيها من ~~انطلاقات الأمل ، حتى في الطرق المسدودة ms2905 ، لأنه يشعر أن السدود ، مهما بلغت ~~من الأحكام والقوة ، لا تثبت أمام قدرة الله الذي إذا أراد أن يهدمها تحولت ~~إلى هباء في أقل من لحظة. وهذا ما يجب على المؤمن الداعية المجاهد ، أن ~~يعيشه في خط الدعوة والجهاد ، فلا يتعقد من مشكلة ، بل يعمل PageV12P098 # على استنفاد كل التجارب ، لينتظر الفرج الكبير من خلالها ، أو من خلال ~~الغيب ، فلا يستسلم لليأس عند ما تحاصره عناصره من كل جهة. # وبهذا يبقى للمؤمن في حياته ، عين على الواقع حيث يخوض التجربة ، وعين ~~على الغيب متفائلا بالأمل الكبير القادم من غيب الله. وهكذا كان جواب ~~الملائكة لزوجة إبراهيم ، للإيحاء بذلك كله : ( @QUR@05 قالوا أتعجبين من ~~أمر الله ) وهو الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد ، ( @QUR@06 رحمت الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت ) في ما أفاض عليهم من نعمه وألطافه السالفة ، وفي ~~ما يفيضه عليكم في الحاضر والمستقبل. وإذا انطلقت رحمة الله وبركاته في ~~حياة الإنسان ، فإنها تفتح له كل الأبواب ، وتيسر له كل عسر ، وتأتي إليه ~~بالعجائب على أكثر من صعيد ، ( @QUR@03 إنه حميد مجيد ) فله المحامد كلها ~~في ذاته ، وفي ما يرحم به عباده ، وله المجد كله ، في ما يملكه من قدرة ، ~~وفي ما يتصف به من عظمة. # * * * ### ||| ** إبراهيم عليه السلام يتشفع لقوم لوط # ( @QUR@07 فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ) فاطمأن إلى هؤلاء ~~المحيطين به ، وشعر بالراحة لوجودهم معه ، فهم الملائكة المقربون إلى الله ~~الذين جاءوا إليه ببشارة الوليد المرتقب ، والحفيد المؤمل ، ولذلك أخذ ~~حريته في الحديث ، وبدأ يدافع عن قوم لوط ، ليصرف العذاب عنهم ، أملا في ~~هدايتهم في المستقبل ، لينالوا رحمة الله ، وذلك في ما حكاه الله عنه : ( ~~@QUR@04 يجادلنا في قوم لوط ) إما باعتباره حالا ماضية ، «أو بتقدير فعل ~~ماض قبله وتقديره ، أخذ يجادلنا إلخ ، لأن الأصل في جواب «لما» أن يكون ~~فعلا ماضيا» (1)، كما في تفسير الميزان ، ( @QUR@03 إن إبراهيم لحليم ) لا ~~يحب المعاجلة في العقوبة والانتقام ، PageV12P099 # ( @QUR@01 أواه ) كثير التأوه لما يحيط به أو يشاهده من السوء ، وهو ~~كناية عن تأثره بذلك وانفعاله ms2906 بآلام الآخرين ، ( @QUR@01 منيب ) إلى الله ~~في كل أموره ، فلا يعترض على الله في شيء ، ولكنه يتشفع ويتوسل ويرجو ، في ~~ما لم يعلم فيه حتمية القضاء والإرادة. # ولم يكن إبراهيم يعرف حدود المسألة ووصولها إلى الحسم الذي لا مرد له ، ~~لأن القوم لم يتركوا أي مجال للرحمة ، فقد استنفد لوط معهم كل الوسائل دون ~~جدوى ، فازدادوا تمردا وطغيانا ، ولذلك أعلن الله له على لسان ملائكته ~~المنزلين : ( @QUR@05 يا إبراهيم أعرض عن هذا ) ولا ترهق نفسك بالتفكير أو ~~التدخل فيه ، ( @QUR@05 إنه قد جاء أمر ربك ) الذي لا مرد له ، ( @QUR@05 ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ) فلا مدفع له ، ولا مجال معه ، لجدال مجادل ، ~~أو شفاعة شافع. وسكت إبراهيم ، لأنه لا يريد إلا ما يريده الله ، فما دام ~~الله قد أراد عذابهم ، فليكن ذلك عن رضى وقناعة وإيمان. # * * * PageV12P100 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب (77) @QUR@027 وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ~~قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد (78) @QUR@013 قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك ~~لتعلم ما نريد (79) @QUR@011 قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ~~(80) @QUR@030 قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح ~~أليس الصبح بقريب (81) @QUR@012 فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) @QUR@08 مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد ) (83) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 سيء بهم ): أي : وقع لوط في ما ساءه بسبب مجيء الرسل. PageV12P101 # ( @QUR@01 ذرعا ): الذرع : منتهى الطاقة ، ومثله الذراع ، أي : صعب عليك ~~احتماله. # ( @QUR@01 عصيب ): العصيب : الشديد. # ( @QUR@01 يهرعون ): يسرعون. # ( @QUR@01 رشيد ): الرشيد : العاقل. # ( @QUR@02 ركن شديد ): الركن الشديد : الناصر الذي يعصمه من قومه. # ( @QUR@01 فأسر ): السرى : بالضم ، والإسراء : يكون في الليل ، والسير ~~يكون في النهار. # ( @QUR@01 بقطع ): بكسر القاف ، أي : جزء منه. # ( @QUR@01 سجيل ): السجيل : الطين المتحجر. # ( @QUR@01 منضود ms2907 ): وضع بعضه على بعض. # ( @QUR@01 مسومة ): عليها علامة. # * * * ### ||| ** لوط يشعر بالحرج # وجاء الملائكة إلى لوط ، بصورة ضيوف من البشر ، ذوي وجوه جميلة ، تثير ~~غرائز قومه الذين انحرفوا عن السبيل السوي ، باتجاه الشذوذ الجنسي المذكر ~~الذي سمي ب «اللواط» ، وكانت هذه مشكلة لوط اليومية التي يعاني منها عند ما ~~يأتيه ضيوف أمثال هؤلاء ، فيحاولون الاعتداء عليهم ، فيعمل لوط PageV12P102 # على الدفاع عنهم بما يملكه من وسائل قد لا تثبت أمام ما يملكونه من القوة ~~والكثرة المسيطرة ، لذا شعر بالحرج عند ما جاءه هؤلاء في ما حدثنا الله عنه. # ( @QUR@06 ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ) لما كان يخافه من مشاكل قد ~~تعترض هؤلاء الضيوف ، أو تعترضه في الدفاع عنهم ، إلى درجة إحساسه بعدم ~~الرغبة في استقبالهم كيلا يقع في هذا الحرج المخجل أمامهم. وهذا هو سر ~~شعوره بالسوء عند ما استقبلهم ( @QUR@03 وضاق بهم ذرعا ) بما تعبر عنه ~~الكلمة من العجز عن إيجاد منفذ أو مهرب. فقد تحولت المسألة عند قدومهم ، ~~إلى أمر واقع لا مجال معه للتخلص منهم ، ولا بد له من مواجهة الموقف بكل ~~سلبياته ومشاكله ( @QUR@04 وقال هذا يوم عصيب ) أي شديد ، لأنه سيواجه فيه ~~قومه ، بصراع عنيف سيخوضه ضدهم دفاعا عن ضيوفه الذين جاءوا إليه في صورة ~~غلمان مرد يتميزون بالجمال المثير ، وأخذ ينتظر اللحظة الحاسمة ، التي ~~اعتادها من سلوك قومه. # * * * ### ||| ** استخدام كل الوسائل لمواجهة الانحراف # ( @QUR@04 وجاءه قومه يهرعون إليه ) ويندفعون نحوه بسرعة ، فقد شاهدوا ~~هؤلاء الضيوف وتنادوا للحصول على هذه الوليمة الشهية ، بطريقة عدوانية ~~تتوسل الهجوم على بيت لوط ، حتى إذا لم يستطيعوا الحصول عليهم بالحسنى ، ~~عمدوا إلى استخدام أسلوب القوة ، ووسيلة العنف ، ( @QUR@05 ومن قبل كانوا ~~يعملون السيئات ) في ما كانوا يقترفونه من معاص ومنكرات ، ويقومون به من ~~أنواع الفحشاء ، فهم معتادون على ذلك ، ولا يجدون حرجا في الإعلان عن ~~رغباتهم الشريرة ومقاصدهم الفاحشة ، ولهذا جاءوا بمثل هذا الأسلوب الهجومي ~~، ولم يخجلوا من الإعلان للوط عن رغبتهم في ممارسة الفحشاء مع ضيوفه. PageV12P103 # وحاول لوط صدهم بكل ما لديه من وسائل الصد ms2908 ، وردعهم عن هؤلاء الضيوف بما ~~يملك من إمكانات الردع ، حتى انتهى إلى العرض الأخير ، وهو أن يعرض بناته ~~عليهم : ( @QUR@08 قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم )، ولعل من البديهي ~~أنه لا يعرضهن عليهم للزنى ، لأنه لا يمكن أن يردع عن فحشاء بفحشاء ، بل ~~الظاهر أن عرضه كان على أساس الزواج بقرينة قوله : ( @QUR@03 هن أطهر لكم ) ~~لأن الطهارة لا تتم إلا بهذه الوسيلة ، ( @QUR@02 فاتقوا الله ) في ما ~~تقدمون عليه من عصيان أمره بارتكاب الفاحشة ، والاعتداء على الناس ، ( ~~@QUR@04 ولا تخزون في ضيفي ) لأن اعتداءكم على ضيوفي يجلب لي الخزي والعار ~~بين الناس ، لأنني لم أستطع حفظهم من العدوان عليهم بارتكاب الفاحشة معهم ، ~~مما يفرض عليكم معرفة ظروفي والمحافظة على كرامتي وموقعي ، فإذا لم تعترفوا ~~لي بموقع النبوة ، فلا بد على الأقل أن تعترفوا بأني رجل منكم تتصل كرامتي ~~بكرامتكم ، فما يصيبني من الخزي والعار سيصيبكم. # ولكن يبدو أن كل هذه الأساليب لم تنفع معهم ، فأطلق الصيحة اليائسة ~~الأخيرة : ( @QUR@04 أليس منكم رجل رشيد ) عاقل ، يفكر بطريقة متزنة ويدير ~~الأمر على أساس العدل والحكمة؟! ولكن أحدا لم يستجب لعرضه الذي رفضوه بسرعة ~~، ( @QUR@09 قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ) لأننا لا نرى لنا فيهن ~~حقا ، ونظرا لعدم رغبتنا بالنساء كما لغيرنا من الناس الذين يجدون فيهن ~~موضوعا لإشباع حاجاتهم ، ويلتمسون الوسائل المشروعة للحصول عليه ، لأن ما ~~يجعل من الشيء حقا لأحد لدى نفسه ، رغبته الذاتية فيه ، ورغبة المجتمع في ~~تحقيق وصوله له ، وهذا ما لا يتيسر في مجتمع قوم لوط الذين كانوا يأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء ، ( @QUR@04 وإنك لتعلم ما نريد ) من قضاء ~~شهواتنا في رجال أمثال ضيوفك ، ممن قد لا يتيسر لنا الحصول عليهم في كل وقت. # * * * PageV12P104 ### ||| ** المدد الإلهي # وأسقط في يديه ، فقد استنفد كل الوسائل ولم يحصل على نتيجة ، ووقف موقف ~~العجز والضعف ، بعد أن اجتمع الكل ، للضغط على موقفه ، ولم يبق من يمكن أن ~~يستعين به من الناس ، فبدأ يتحدث بلغة التمني اليائس : ( @QUR@06 قال لو أن ~~لي ms2909 بكم قوة ) فيكون لي من بينكم الجماعة المؤمنة التي أستعين بها على دفع ~~الشر عن ضيوفي ، ( @QUR@05 أو آوي إلى ركن شديد )، أي عشيرة مانعة قوية ~~تقف معي في مواجهتكم ، بما تمثله العشيرة من حماية لأفرادها وما يتعلق بهم ~~من أهل وضيوف ، ووقف موقف الحائر الذي لا يملك أية وسيلة للدفاع. # وجاءه المدد من الله ، وتدخل الملائكة الذين كان مظهرهم يوحي بالضعف مما ~~يغري هؤلاء القوم بالانقضاض عليهم ، دون أن يملك لوط أمر الدفاع عنهم ، ~~وأعلنوا عن صفتهم الملائكية للوط ، وأوضحوا له دورهم الإلهي في إنزال ~~العذاب بقومه : ( @QUR@09 قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) ولن ~~يقدروا أن يصيبوك بسوء ، فلا تحمل هم إحساسك بالضعف تجاههم ، لأنك قوي ~~بالله الذي بسط عليك حمايته ، فلن تحتاج بعد ذلك إلى قوة ذاتية من نفسك ، ~~أو من قومك ، أو من عشيرة مانعة تحميك ، وعليك أن تعد نفسك للخروج من البلد ~~، وتنفذ التعليمات الموجهة إليك لتحقيق النجاة لك ولأهلك. # ( @QUR@05 فأسر بأهلك بقطع من الليل ) أي قطعة منه ، أو بعض منه ، ( ~~@QUR@04 ولا يلتفت منكم أحد ) وهو كناية عن الانطلاق بعزم ، لا مجال فيه ~~للالتفات والانصراف عنه ( @QUR@02 إلا امرأتك ) التي كانت على نهج القوم في ~~كفرهم وضلالهم ، كما كانت تتعاون معهم ضدك فتخبرهم بمن يأتي إليك ، وتسهل ~~لهم مهمة الاطلاع على أسرارك ، ( @QUR@04 إنه مصيبها ما أصابهم ) من العذاب ~~لأنها منهم ، فلا PageV12P105 # يميزها عنهم شيء ، ولا قيمة لعلاقتها بك لأن الله يجزي كل إنسان بعمله ، ~~فلا يغني أحد عن أحد شيئا ، ولا يضر أحد أحدا شيئا. # * * * ### ||| ** أليس الصبح بقريب؟! # ( @QUR@03 إن موعدهم الصبح ) موعد العذاب النازل بهم ، فلا خوف من ~~الانتظار الطويل ، ولا بد من العجلة في الخروج ، لأنه لم يبق هناك وقت كثير ~~لنزول العذاب ، ( @QUR@03 أليس الصبح بقريب ) فلم يبق لبزوغه إلا سواد هذا الليل. # ... وخرج لوط بأهله ، وجاء العذاب بكل ثقله وقوته وشدته ( @QUR@06 فلما ~~جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ) فقد خسف الله بهم الأرض فانقلبت عليهم ، ( ~~@QUR@06 وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) وهي الطين المتحجر ms2910 المتراكم ~~بعضه فوق بعض ، ( @QUR@03 مسومة عند ربك ) أي معلمة بعلامة خاصة من الله ، ~~ولا تصيب إلا من يستحقها ، ( @QUR@05 وما هي من الظالمين ببعيد ) فلا يأمن ~~الكافرون الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، وظلموا الناس بالعدوان ، من عذاب ~~الله ، إذا أصروا على الكفر والبغي ، فإن الله لهم بالمرصاد وسيجزي ~~الحاضرين بما جزى به الماضين ، فإذا لم يجزهم بما جزاهم به نفسه ، فإنه ~~يجازيهم بما يقاربه. # * * * PageV12P106 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط (84) @QUR@015 ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) @QUR@011 بقيت الله خير لكم ~~إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ) (86) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والميزان ): الوزن : تعديل الشيء بغيره في الخفة والثقل بآلة ~~التعديل. # ( @QUR@01 تبخسوا ): البخس : النقص والعيب. # ( @QUR@01 تعثوا ): العثو : الفساد. # ( @QUR@01 مفسدين ): أي : متعمدين. # ( @QUR@01 بقيت ): ما يبقى بعد إيفاء الكيل والميزان من الربح الحلال ، ~~وإن قل. # * * * PageV12P107 ### ||| ** على قاعدة التوحيد تواجه الانحرافات # وهذه قصة نبي آخر أرسله الله إلى قومه ليعالج واقع الانحراف الفكري ~~والعملي ، لا سيما ما يتعلق منه بالجانب الاقتصادي المتمثل بالتطفيف في ~~المكيال والميزان ، باعتبار أن ذلك يمثل الروحية المظلمة المليئة بالأنانية ~~، التي لا تنظر إلا إلى حماية مصالحها ، ولو كان ذلك ، على حساب مصالح ~~الآخرين. وقد أراده الله أن يعالج الانحراف بتركيز الخط على القاعدة ~~الإيمانية التي تربط الإنسان بالله في كل أموره ، لينظم بالتالي علاقته بكل ~~مفردات الحياة ، وبكل أفراد الناس. وهذا هو الخط المستقيم في عملية الإصلاح ~~، فإنك لن تستطيع أن تصل إلى النتيجة الحاسمة في القضاء على الظاهرة ~~المنحرفة من خلال معالجتها بطريقة مباشرة في نطاق حدودها الضيقة ، لأن ~~العوامل الانحرافية يمكن أن تطوق عملية الإصلاح بأكثر من أسلوب ، وبأكثر من ~~جو ، ولهذا فإن الأنبياء الذين يرسلهم الله إلى بعض الشعوب التي تعيش ~~انحرافا معينا ، ينطلقون في توجيههم من التأكيد على القاعدة التي يخضع لها ~~الحل ، لا على ظاهرة الانحراف ms2911 بشكل مستقل ، كما نلاحظ ذلك في قصة لوط مع ~~قومه ، وفي قصة شعيب مع قومه ، هذه التي نواجهها الآن في حديث هذه الآيات. # ( @QUR@014 وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره ) فإن توحيد العبادة لله ، في ما يوحيه من رفض لكل شريك له ، على ~~مستوي العقيدة أو العبادة ، يوحد الذهنية والموقف والحركة في هذا الاتجاه ، ~~ويحقق للإنسان المؤمن الانضباط على الخط ، في الدائرة التي يتحرك فيها ~~الإيمان ويطوف فيها وحي الله ، وهذا ما استوحاه شعيب في تركيزه على معالجة ~~الظاهرة من خلال التوحيد ، ( @QUR@04 ولا تنقصوا المكيال والميزان ) فإن ~~الله لا يرضى بذلك ، لأن هذا PageV12P108 # من تسويلات الشيطان الذي يريد أن يقودكم إلى السير في خط الظلم والأنانية ~~والضلال ، ( @QUR@03 إني أراكم بخير ) في ما أغدقه عليكم من النعم الوافرة ~~، من المال ، وسعة الرزق ، وخصب الأرض ، وما إلى ذلك ، مما يجعلكم بغنى عن ~~هذه اللعبة الشيطانية ، التي تتوسلونها للحصول على الزيادة عن حقكم ، وسلب ~~الآخرين حقهم ، لأن من يحتاجون ذلك هم الذين يعيشون في ضيق من الحال ، ~~الأمر الذي يوحي بأنكم تنطلقون في ذلك من موقع عقدة الطمع لا من موقع ~~الحاجة ، ( @QUR@06 وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) وهو يوم القيامة الذي ~~يحيط فيه عذاب الله بكم من كل الجهات ، فلا مجال للهرب ، ولا منفذ للخلاص ، ~~فلا بد لكم من التفكير بالقضية من زاوية أمر الله ونهيه ، عند ما تفكرون ~~بالمسألة. # * * * ### ||| ** الخلل الاقتصادي يفسد توازن المجتمع # ( @QUR@05 ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ) فللناس حق في أن تؤدوا إليهم ~~ما يستحقونه كاملا من دون نقصان ، تماما كما تفكرون في حقوقكم على الناس ~~عند ما تتبايعون وتتشارون ، فتطلبون منهم أن يؤدوا إليكم حقكم وافيا بجميع ~~جهاته ، ( @QUR@04 ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) لأن ذلك يعتبر نوعا من أنواع ~~السرقة والخيانة ، فإنك إذا بعت إنسانا شيئا ، فإن البيع يوجب ملكيته له ، ~~فإذا أنقصت منه جزءا ، فإنك تكون سارقا له ، كما لو كان قد اشتراه من غيرك ~~لأن النتيجة واحدة ، ( @QUR@05 ولا تعثوا في ms2912 الأرض مفسدين ) أي لا تفسدوا ~~في الأرض ، ولا تمارسوا أعمال الخيانة حال كونكم مفسدين ، في مقام التأكيد ~~على النهي عن الفساد. # إن من المفروض على الإنسان المؤمن الذي يوحد الله في العبادة ، أن PageV12P109 # يخضع له في ما يفرضه الخط الإلهي التشريعي ، وقد أراد الله للإنسان أن ~~يعتبر الدور الموكول إليه هو إصلاح الأرض بنشر العدل والأمانة والخير ~~والسلام ، قولا وفعلا ، فإذا مارس الفساد في نشاطاته العامة والخاصة ، فإنه ~~يكون قد خان دوره أمام الله. وهكذا أراد شعيب من قومه أن يتحركوا ضمن هذا ~~الخط الذي ينهاهم عن الفساد ، وأبرز مظاهره ، أي التطفيف في المكيال ~~والميزان باعتبار أن الخلل الاقتصادي في الأمة ، يفسد توازن المجتمع ، ~~ويفقده أساس الثقة ، بنسفه القاعدة الأخلاقية التي ترتكز عليها حركة ~~الاقتصاد ، ولا يبقى هناك أية ضمانة للطمأنينة والسلام ، وعلى هذا الأساس ~~فإن التطفيف لا يمثل بنفسه خطورة كبيرة ، إلا بما يكمن خلفه من خلل في ~~القاعدة الأخلاقية العامة التي يرتكز عليها الفكر والسلوك وقد جاءت هذه ~~الآية تأكيدا للفكرة وتوسيعا لها ، وضربا للقاعدة ، بعد ما كانت الآية ~~الأولى إشارة للجانب السلبي منها في إطاره المحدود. # * * * ### ||| ** في المال الحلال بركة # ( @QUR@07 بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ) الظاهر أن المراد من هذا ~~التعبير ( @QUR@02 بقيت الله ) هو ما يحصلون عليه من ربح يزيد على رأس ~~المال ، يعود إليهم من خلال معاملاتهم التجارية ، فإن ذلك هو المال الحلال ~~الذي يجعل الله فيه الخير والبركة ، فينبغي لهم أن يقنعوا به ، ويستمروا في ~~هذا السبيل الذي قام عليه نظام الحياة بين الناس ، حتى يهيئ الله لهم ، من ~~ذلك ، الكثير من الخير والبركة ، فإن هذا أفضل لهم من السرقة والخيانة وغير ~~ذلك من الأساليب التي تدمر حياتهم ، وتهدد مصيرهم في الدنيا والآخرة. وهذا ~~هو خط الإيمان الذي PageV12P110 # يجب على المؤمنين أن يسيروا عليه ، ويؤكدوا التزامهم به في كل مراحل ~~حياتهم. # ( @QUR@04 وما أنا عليكم بحفيظ ) فلم يجعلني الله حفيظا عليكم بطريقة ~~القوة والإجبار ، بل أنا رسول من الله إليكم ، لأبلغكم أوامره ونواهيه ، ~~ولأفتح ms2913 عيونكم على الجانب المشرق من الحياة الذي تلتقون فيه برضى الله ~~ورحمته ولطفه. فإذا تمردتم وعصيتم ، وقادكم ذلك الى السقوط في مهاوي الهلاك ~~، فلا أملك لكم من الله شيئا إذا أراد الله أن يعذبكم في الدنيا بخطاياكم ، ~~أو في الآخرة بكفركم وضلالكم. # * * * PageV12P111 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) @QUR@036 قال يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب (88) @QUR@023 ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم ~~مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) ~~@QUR@09 واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) @QUR@020 ~~قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولو لا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) @QUR@016 قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من ~~الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) @QUR@020 ويا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب (93) @QUR@018 ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~(94) @QUR@010 كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) (95) # * * * PageV12P112 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أخالفكم ): أرجع. # ( @QUR@01 يجرمنكم ): أي لا يكسبنكم. # ( @QUR@01 شقاقي ): الشقاق : المباعدة بالعداوة إلى جانب المباينة وشقها. # ( @QUR@01 نفقه ): الفقه : فهم الكلام. # ( @QUR@01 رهطك ): الرهط : عشيرة الرجل وأصله. # ( @QUR@01 لرجمناك ): الرجم : الرمي بالحجارة. # ( @QUR@01 أعز ): الأعز : نقيض الأذل. # ( @QUR@01 ظهريا ): الظهري : بكسر الظاء : المتروك وراء الظهر ، لا ~~يعتني به. # ( @QUR@01 مكانتكم ): المكانة : الحالة التي يتمكن بها صاحبها من عمله. # ( @QUR@01 وارتقبوا ): انتظروا. # ( @QUR@01 الصيحة ): صيحة العذاب. # ( @QUR@01 جاثمين ): الجاثم : البارك على ركبتيه مكبا على وجهه. # ( @QUR@01 بعدا ): دعاء بالهلاك. # * * * PageV12P113 ### ||| ** السخرية سلاح القوم # ... وهكذا ينتهي حديث شعيب في الدعوة إلى توحيد الله ، وفي تطبيق ~~تعليماته ، ليبدأ ms2914 ردهم عليه ، فما ذا قالوا؟ هل ناقشوا التوحيد كفكرة في ~~مقابل فكرة الشرك؟ أو هل دافعوا عن فكرة التطفيف من الموقع الذي هاجمه ~~شعيب؟ هل أكدوا فكرة الصلاح فيها ، في مواجهة ما أثاره من فكرة الفساد ~~والإفساد ، لتكون القضية هي قضية فكر يواجه فكرا؟ # إنهم لم يفعلوا ذلك ، بل لجأوا إلى أسلوب الإثارة لمواجهة الموقف معتمدين ~~على السخرية ، والكلمات الاستعراضية التي لا ترتكز على حجة أو دليل بغرض ~~التهرب من المسؤولية ، وتحطيمه نفسيا. وأخذوا يسخرون من صلاته باعتبارها ~~المظهر البارز لتوحيد العبادة لله ، والخط الفاصل بين موقفه وموقفهم ، حسب ~~ما ورد في دعوته لهم إلى عبادة الله بأسلوب الصلاة ، فحاولوا أن ينظروا ~~إليها باستهانة وازدراء وتهكم ، باعتبارها مصدر الإيحاء في حديثه ، فهم لم ~~يجدوا فيها شيئا مهما ، شكلا ومضمونا ، لأنهم لا يستطيعون استيعاب المعنى ~~الروحي العميق للصلاة ، لأن تأثيراتها لا تتمثل في الشكل ، بل تحتاج إلى ~~المعاناة الداخلية التي تثير الفكر ، وتهز الكيان ، وتوقظ الروح. # وهكذا لم يفهموا كيف يمكن للصلاة أن تدفع النبي شعيبا إلى التحرك في موقع ~~المسؤولية ، ليقف في خط المواجهة ، ويأمرهم بما أراد الله أن يأمرهم به ، ~~ويشهد الله ، وهو بين يديه ، أنه قد أدى رسالته ، وقام بمسؤوليته. # ( @QUR@010 قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) إننا ~~نراك تصلي دائما ، ثم تنطلق لتثير معنا الحديث المستمر عن رفض عبادة ~~الأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها ، فصارت جزءا من شخصيتنا ، تعبيرا عن ~~امتداد الآباء في PageV12P114 # وجودنا بكل عقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم ، كمظهر حي للوفاء وللالتزام بخط ~~العشيرة بما تمثله من أفكار وأعراف ، تمتد في الحاضر والمستقبل كتاريخ أصيل ~~يصنعه الماضي. وإذا كانت القضية في هذا المستوى ، فكيف يمكن لنا أن نترك كل ~~هذا التاريخ الضخم ، من عبادة هذه الأوثان ، لنستسلم لما تثيره صلاتك فيك ~~من مشاعر ومواقف ، لتأمرك بأن نترك ما يعبد آباؤنا ، فأين هو موقع الصلاة ~~من شخصيتنا كلها ، وأين هي قيمتها من تاريخنا كله؟ # * * * ### ||| ** التشريع يحول دون حرية التصرف المطلق بالمال # ( @QUR@07 أو أن نفعل في ms2915 أموالنا ما نشؤا ) إنك تتحدث إلينا بلغة غير ~~سليمة ، فلا علاقة للصلاة بأموالنا ، ولا علاقة للتوحيد والشرك في ذلك ، ~~ولا علاقة لك أنت بأموالنا التي ورثناها من آبائنا ، أو التي حصلنا عليها ~~بجدنا وجهدنا وسعينا ، فهي تخصنا وحدنا ، وليس لأحد أن يفرض علينا كيفية ~~التصرف بها ، إننا نملك فيها كل الحرية التي هي فوق كل أمر ، وفوق كل تشريع. # إن رفض هؤلاء القوم للمبدأ التشريعي الذي يحرم التطفيف ، يرجع إلى اعتقاد ~~خاطئ ، وهو حرية التصرف المطلق ، في ما يملكه الإنسان من مال ، فليس لأي ~~تشريع أن يقترب من هذه الحرية بأي نوع من أنواع التضييق والتقييد ، وهذا ما ~~يعبر عنه احتجاجهم على ذلك بقولهم : ( @QUR@07 أو أن نفعل في أموالنا ما ~~نشؤا ). # وقد كان شعيب منسجما مع القاعدة الإلهية التي لا تعتبر الحرية وعدمها ، ~~إلا بالمقدار الذي يحقق للإنسان مصلحته العامة ، وللحياة توازنها الدقيق ، ~~ولذا كان التشريع يتحرك على أساس تحقيق هذا التوازن عند ما يمنح الحرية أو ~~يقيدها ، في ما يحلل أو في ما يحرم ، وقد كان التطفيف نوعا من PageV12P115 # أنواع الاستغلال الخبيث الذي يجسد التعدي على حقوق الناس ، وسرقة أموالهم ~~، مما يسبب إخلالا بالتوازن الذي تريد الأديان إقامته في حياة الناس ، لجهة ~~تحقيق العدالة في التعامل كضمان لتساوي طرفي المعاملة في الأخذ والعطاء ، ~~تبعا للالتزام العقدي الذي ينظم الحقوق والواجبات. وعلى هذا الأساس جاء ~~تحريم التطفيف ، منعا للفساد في الأرض. # * * * ### ||| ** من رحم الاقتصاد الحر ولد الاستعمار # وقد نخرج من هذا كله بنتيجة حاسمة ضد كثير من الدعوات التي تبشر بمبدإ ~~الاقتصاد الحر الذي يسمح للإنسان بكل أنواع التعامل ، ما كان منه مضرا ~~بمصلحة الإنسانية ، وما كان غير مضر ، ويوفر للإنسان الحماية القانونية ~~لعمليات الإفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي يمارسها تحت شعار ~~التجارة الحرة التي تحركها دوافع الربح والخسارة ، بعيدا عن أي جوانب ~~أخلاقية أو إنسانية. # وهذا ما يتمثل في التفكير الرأسمالي الحديث الذي يشجع الإفساد ، ويحميه ~~في إطار الحرية الاقتصادية التي تعتبر في مفهومهم إحدى ركائز الحرية ~~الأساسية في ms2916 الكون. # وقد أدى هذا التفكير إلى إفساح المجال لولادة الاستعمار الذي يستعبد ~~الشعوب ، ويستغل ثرواتهم الطبيعية ، ويحولهم إلى وحدات استهلاكية ، لتصريف ~~المنتجات الصناعية بكل ما يستلزمه ذلك من حماية التخلف والجهل والخرافة ، ~~والوقوف بقسوة ، ضد كل نوازع التحرر والاستقلال السياسي والاقتصادي. # وقد كان من نتائجه الكبيرة العمل على إثارة الخلافات الدينية والاجتماعية ~~والإقليمية ، وغيرها ، وتحويلها إلى نزاع مسلح معقد طويل ، PageV12P116 # يستنزف طاقات الشعوب وثرواتها من أجل تحريك مصانع الأسلحة التي لا تزدهر ~~إلا في الحروب ، مما يجعل من السياسيين في كل بلد ، عملاء طبيعيين لأصحاب ~~تلك المصانع ، من أجل دفع الفتنة أشواطا إلى الأمام ، وإثارتها من جديد ، ~~كلما قاربت الركود والهدوء. # * * * ### ||| ** الحرية الاقتصادية بين الإسلام والرأسمالية # إن حوار شعيب مع قومه يؤكد لنا «رفض الحرية الاقتصادية ، بمفهومها ~~الرأسمالي ، الذي لا يخضع للمفهوم الإنساني والأخلاقي ، ولا يضع موضوع ~~الحرية المالية ضمن نطاق مصلحة الإنسان ، وتوازن الحياة ، ليسمح بما يدخل ~~في ذلك ، ويمنع ما يخرج عنه ، في كل زمان ومكان. # وربما نشعر بالحاجة إلى التأكيد على كثير من المؤمنين ، أو العاملين في ~~سبيل الله ، الذين يغفلون عن الخط الدقيق الفاصل بين الحرية الاقتصادية كما ~~تفهمها الرأسمالية وبين الحرية الاقتصادية كما يفهمها الإسلام من خلال ~~تشريعه الملكية الفردية وحمايته لها. إن الرأسمالية تطرح شعار قوم شعيب ~~الذي عبر عنه القرآن الكريم في احتجاجهم على منعهم من فعل ما يشاءون ، ~~لأنهم يرون الحق لهم في ذلك كله ، بينما يطرح الإسلام شعار شعيب : قال ( ~~@QUR@06 إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت )، وقوله : ( @QUR@05 ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين ). فهو يؤمن بالملكية الفردية بشرط ألا يستغلها أصحابها في ~~إفساد البلاد والعباد ، سواء في ذلك مصادرها ومواردها. فإذا تحولت إلى عنصر ~~إفساد ، وقف الإسلام ليقيدها ، بكل قوة وعنف ، لتجري الحياة على أساس من ~~الحرية الملتزمة ، لا الحرية المنفلتة» (1). PageV12P117 ### ||| ** محاولات غير مجدية لاحتواء الرسول # ( @QUR@04 إنك لأنت الحليم الرشيد ) بما تملكه من هدوء الطبع وسعة الأفق ~~، وعمق النظرة للأمور بحيث تراعي الموازين الحقيقية للأشياء ، فكيف صدر منك ~~هذا التصرف ، وهذا الكلام ms2917 الذي يدل على النزق ، وعلى عدم الحكم السليم على ~~القضايا؟ إنهم يحاولون بهذا الأسلوب القيام بعملية تطويق عاطفي ، واحتواء ~~نفسي له ، بإثارة شعوره بمكانته الرفيعة عندهم ، كي يقوده ذلك إلى التراجع ~~عن موقفه ، ليحتفظ بهذه المكانة ، كما هو شأن الكثير من الناس الذين يريدون ~~الحصول على ثقة المجتمع ، بالانسجام مع ما يحب ويرغب. ولكن أنبياء الله لا ~~يعيشون لأنفسهم ، بل يعيشون لرسالتهم ، ولذلك فإنهم لا يتنازلون عن خط ~~الرسالة لحساب الذات ، وإذا أرادوا الوصول إلى ثقة المجتمع ، فإنما ~~يريدونها على أساس الثقة بالرسالة ، لتكون قيمة الذات ، في ما تجسده من ~~السلوك الرسالي ، لا في ما تجسده من صفات الذات ، ولذلك رأينا النبي شعيبا ~~يقف أمامهم بقوة من دون أي تأثر عاطفي بما قالوه. # * * * ### ||| ** بينات ... وأهواء # ( @QUR@010 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) لما أعيشه في ~~مسألة الإيمان من وضوح الرؤيا والدلائل والبينات التي أكرمني بها الله ، ~~إلى درجة عدم إحساسي بأي حالة من حالات الشك والريب في صحة ما أنا عليه ، ~~وفي صدق ما أدعو له ، ( @QUR@04 ورزقني منه رزقا حسنا ) بما أغدقه علي من ~~نعمه وألطافه ، وبما رزقني من رسالته ، فلا بد لي من أن أقف لأدعو ، وأتحرك ~~لأتحدى بالأسلوب الذي يحقق القناعة للفكر ، ويركز القوة للموقف ، ويبعث ~~الامتداد في الدعوة ، PageV12P118 # وليست المشكلة هي أن يرضى الناس أو لا يرضوا ، بل كل مشكلتي ، هي أن يرضى ~~الله عما أقوم به في مجال تأدية الرسالة ، وإخلاص الدعوة. # ( @QUR@08 وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه )، فلم أنهكم عن شيء ~~إلا وقد ألزمت نفسي بتركه ، انطلاقا من قناعتي بما يتضمنه من المفسدة ، وما ~~يؤدي إليه من الضرر ، وبذلك فإن موقفي ينطلق من موقع القناعة والإيمان ، لا ~~من موقع الرغبة في التحكم بكم ، والتضييق عليكم ، والتقييد لحريتكم ، كما ~~تزعمون. لأجل ذلك ، كان لا بد لي من إثارة الفكرة أمامكم ، لحثكم على ~~الدخول معي في نقاش فكري حولها ، ولكنكم واجهتم المسألة باللامبالاة ، ~~وابتعدتم عن مسئولية ما تحملونه من عقيدة ، وما يلقي ms2918 عليكم من فكر ، ~~فاستسلمتم لعقائد آبائكم التي لا ترتكز على أساس ، ولحرية الأهواء التي لا ~~تخضع لقاعدة ، فوقفتم هذا الموقف السلبي الساخر المتعنت. إن ذلك شأنكم في ~~التصرف الذي سوف تتحملون مسئوليته أمام الله ، في الدنيا والآخرة ، أما أنا ~~فسأبقى في ساحة الرسالة من أجلكم ، لأقدم لكم النصح الذي يصلح أمر دنياكم ~~وآخرتكم. # * * * ### ||| ** دين الله لإصلاح الإنسان والحياة # ( @QUR@06 إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) هذا هو الشعار الذي أرفعه في ~~حركة الرسالة ، وهذا هو مضمون مفاهيمها وتشريعاتها ، وهذا هو الهدف الذي ~~أسعى إليه من وراء موقفي معكم ومع الناس ، فليس لدي هدف شخصي في ما أدعوكم ~~إليه ، ولا أريد ممارسة السيطرة عليكم ولا التحكم بكم ، بل كل ما أريده ~~تأدية الرسالة في إصلاح الإنسان والحياة ، على هدي دين الله ، ولذا فإنني ~~ألتزم في نفسي وفي حياتي العملية بما أدعوكم إليه ، وهل يريد الإنسان لنفسه PageV12P119 # إلا الخير ، ( @QUR@04 وما توفيقي إلا بالله ) وسأستمر في السير إلى ~~الهدف ، متطلعا إلى توفيق الله ورعايته ، معتمدا على الله فهو الذي يهيئ ~~لعباده الأسباب ، ويدبر لهم الأمور. # * * * ### ||| ** الله هو الكافي # ( @QUR@02 عليه توكلت ) في كل ما أريد أن أقدم عليه ، في إمكاناتي ~~الذاتية التي رزقني بها الله ، وفي كل ما يمكن أن يواجهني في حاضر الحياة ~~ومستقبلها ، من تهاويل المجهول الذي جعل الله أمره بيده ، فهو الكافي له ، ~~والحامي منه ، لأنه يكفي رسله من كل شيء ، في حدود الحكمة والمصلحة ، ولا ~~يكفي منه شيء ، لأنه القادر على ما لا يقدرون عليه ، والمهيمن على كل شيء ~~من مخلوقاته الناطقة والصامتة ، ( @QUR@02 وإليه أنيب ) فهو المرجع في ~~الدنيا ، والملاذ في الآخرة ، وإليه المصير. # وهذا هو موقف القوة الواعية التي أراد شعيب أن يعيشها في نفسه لئلا تهتز ~~أمام ضغوطهم ، وليبينها لهم ، حتى يشعروا بطبيعة القوة التي يملكها ~~بالاعتماد على الله ، والتوكل عليه في جميع أموره مما يجعل لموقفه قوة ~~بارتكازه على الغيب أولا ، وعلى قوة شعيب الذاتية ثانيا. # * * * ### ||| ** تحذيرات شعيب لا تلقى الصدى المطلوب # ثم يتابع شعيب ممارسة الضغط النفسي ms2919 عليهم ، فيعيدهم إلى ما ينتظرهم من ~~نتائج الكفران والجحود ، الذي أصاب السابقين من الكافرين ( @QUR@05 ويا قوم ~~لا يجرمنكم شقاقي ) أي لا يدفعنكم خلافكم معي ، ومعاداتكم لرسالتي ، ( ~~@QUR@07 أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ) من الأمم السالفة ، ( @QUR@04 وما ~~قوم لوط منكم PageV12P120 # @QUR@01 ببعيد ) من الأمم القريبة من تاريخكم مما يجعلكم قادرين على ~~معرفة الآثار التي تركوها ، والمدائن المخسوفة التي لا تزال ماثلة أمام ~~أعينكم ، لأن الأعمال التي عذبهم الله بها هي أعمال التمرد على الله ، ~~والكفر برسالته ورسله التي تقومون بها الآن. # ( @QUR@02 واستغفروا ربكم ) وافتحوا قلوبكم لله ، وأشهدوه عليها بالإحساس ~~العميق بالندم ، والابتهال الخاشع إليه ، واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم في ~~ما أسلفتم من ذنوب ( @QUR@03 ثم توبوا إليه ) في موقف عملي ، يؤكد رجوعكم ~~عما أنتم فيه ، ويدفع بكم إلى الموقف الصحيح الذي يضع أقدامكم على الصراط ~~المستقيم الذي يؤدي إلى الحصول على مغفرته ورحمته ورضوانه ، ( @QUR@04 إن ~~ربي رحيم ودود ) فمنه الرحمة الواسعة لعباده ، والمودة الرحيمة التي يسبغها ~~عليهم من لطفه وعطفه. # ولعل في تعبيره عن الرب ، بالإضافة إليه ، بعد أن كان قد أضافه إليهم ، ~~إشارة إلى ما يملكه من المعرفة به في صفاته الحسنى ، وجهلهم بتلك الصفات. ~~بينما كان هدف إضافته إليهم في دعوتهم للاستغفار والتوبة ، الإيحاء بأنهم ~~المربوبون له ، لا إلى غيره من الأرباب التي يتوهمونها ويدعونها من دونه ، ~~الأمر الذي يفرض عليهم المبادرة للحصول على رضاه. # ... ويستمر شعيب في إنذارهم وترويضهم بمختلف الأساليب ، ولكنهم لا ~~يرتدعون ، ولا يسمعون ، فهم في شغل عن التفكير بذلك ، لانصرافهم إلى ~~التفكير بالوسائل التي يضعفون بها موقفه ، ويهزمون بها رسالته ، ( @QUR@08 ~~قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ) فليس لهذه الأفكار التي تثيرها ~~أمامنا ، أي صدى في نفوسنا لأنها بعيدة عن الأجواء التي عشناها في حركة ~~العبادة ، فقد تعودنا على نمط من الفكر والسلوك ، عايشناه ، ولا مجال معه ~~للنظر في تفكير جديد أو دعوة جديدة ، لأن ذلك يدفع بنا إلى الاهتزاز في PageV12P121 # المواقف ، والابتعاد عن مواقعنا التاريخية المرتبطة بالآباء والأجداد. ~~هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ms2920 فإن من يريد تغيير المجتمع على أساس دعوته لا بد ~~من أن يملك القوة الاجتماعية التي تفرض على الناس اتباعه ، والخضوع له ، ~~لأن قضية التغيير تمثل نوعا من أنواع القوة التي لا تملكها بيننا ، ( ~~@QUR@04 وإنا لنراك فينا ضعيفا ) فأنت لا تملك قوة ذاتية جسدية أو مالية ، ~~أو معنوية ، تعزز موقفك ، ( @QUR@04 ولو لا رهطك لرجمناك ) فأنت تملك نفرا ~~قليلا من عشيرتك ، وهو ما يعبر عنه بكلمة الرهط ، نراعي موقفهم ونحترم ~~موقعهم ، ولذلك فإننا لا نسيء إليك ، لأننا لا نريد الإساءة إليهم ، كونهم ~~انسجموا مع موقفنا منك ، فلم يتبعوك في ما تدعونا إليه ( @QUR@04 وما أنت ~~علينا بعزيز ) فليست لك أية منعة أو عزة أو كرامة ، مما يجعلنا ننظر إليك ~~نظرة استهانة واحتقار ، فلا نعبأ بك ولا بما تقول. # ولكن شعيبا لا يتراجع عن موقفه ورسالته ، بل يتابع العمل على تصحيح ~~مفاهيمهم الخاطئة والمنحرفة عن الخط المستقيم ( @QUR@08 قال يا قوم أرهطي ~~أعز عليكم من الله )، مما يدفعكم إلى احترامي لحساب قومي ، ولا تستجيبون ~~لما أبلغكم به من رسالات الله ، لحساب الله ربكم وربي ، فأي منطق هو هذا ~~المنطق الذي توازنون من خلاله بين عباد مخلوقين ، هم رهطي ، وبين رب ~~العالمين جميعا ، فتشعرون بالتعاطف مع هؤلاء ، وتتركون مراقبة الله القوي ~~القادر القاهر الجبار ... ( @QUR@03 واتخذتموه وراءكم ظهريا ) أي جعلتموه ~~وراء ظهوركم ، كناية عن نسيانه وعدم الاعتناء به ، وهذا منتهى السفه في ~~التفكير وفي العمل ، يفقد معه الإنسان اتزانه في تقييم الأشياء ، وتقدير ~~موازين القوة ، ومواقع القدرة. ( @QUR@05 إن ربي بما تعملون محيط ) # * * * ### ||| ** وقفة العزة # ثم يقف شعيب وقفة القوة والعزة التي يستمدها من إيمانه بالله وتوكله PageV12P122 # عليه ، ليؤكد لهم صلابة موقفه ، ومتانة مركزه ، وقوة شخصيته ، وبأنه ~~سيمضي في طريقه ، بالرغم من كل تهاويلهم وتهديداتهم ، ولن يتوقف عن السير ~~في الطريق إلى الله ، مهما قالوا ، ومهما فعلوا. # ( @QUR@05 ويا قوم اعملوا على مكانتكم ) أي تابعوا الحال التي أنتم عليها ~~في المجالات التي تملكون فيها إمكانات الحركة وظروف العمل ، فهذا شأنكم في ~~ما تريدون وما لا تريدون ، ( @QUR@02 إني عامل ms2921 ) في الخط الذي أسير عليه ~~لأني واثق بسلامته ، وصحته ، ولن يغير قناعاتي شيء مما تهددون به ، أو ~~تثيرونه ضدي ... وسترون النتائج السلبية لمواقفكم الكافرة على مستوى الدنيا ~~والآخرة ، مقارنة بالمواقف الإيجابية لموقفي في السير على خط الرسالة. ( ~~@QUR@09 سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ) ويرتفع عنكم غشاء ~~الجهل والضلال الذي يغشي عيونكم وقلوبكم ( @QUR@04 وارتقبوا إني معكم رقيب ~~) ولن يطول انتظاري وانتظاركم فسيأتيكم العذاب الشديد ، وستعرفون من الكاذب ~~، والصادق في ساحة الصراع. # ( @QUR@010 ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ) ~~وجاء العذاب ، وامتد في كل ساحاتهم حتى لم يبق منهم أحد ، أما شعيب ~~والمؤمنون معه فقد أنجاهم الله منهم ، لأنهم آمنوا بالله وصدقوا معه ، ~~وثبتوا في مواقف الاهتزاز ، كذلك يرحم الله عباده المؤمنين ( @QUR@04 وأخذت ~~الذين ظلموا الصيحة ) التي صعقتهم فلم يستطيعوا حراكا ولا دفاعا ، ولم ~~يملكوا ثباتا لأقدامهم في أي موقع ( @QUR@04 فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) لا ~~يتحولون عنها ( @QUR@04 كأن لم يغنوا فيها ) كأن لم يقيموا فيها ، فقد ذهب ~~كل أثر للحياة فيها من خلالهم ، كما لو كانوا يعيشون فيها منذ الأزل ، ( ~~@QUR@03 ألا بعدا لمدين ) قرية شعيب ، وهو الدعاء بالهلاك على سبيل الكناية ~~( @QUR@03 كما بعدت ثمود ) قوم هود الذين أهلكهم الله وأبعدهم عن ساحة رحمته. # * * * PageV12P123 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) @QUR@010 إلى فرعون ~~وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) @QUR@09 يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) @QUR@09 وأتبعوا في هذه ~~لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ) (99) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وسلطان ): الدليل الظاهر. # ( @QUR@01 وملائه ): أشراف القوم. # ( @QUR@02 أمر فرعون ): أفعاله وتصرفاته. # ( @QUR@01 الورد ): الورد : بلوغ الماء ، والورد : الماء بالذات ، ~~واستعمل هنا في النار مجازا. # ( @QUR@01 الرفد ): العطاء. # ( @QUR@01 المرفود ): المعطى. # * * * PageV12P124 ### ||| ** حديث موسى عليه السلام وفرعون # ويتابع الله حديث الأمم السالفة ، والطواغيت الذين طغوا وبغوا وتمردوا ~~على الله ، ويدعو إلى أخذ العبرة من ذلك كله ، ويختصر الله في هذه السورة ~~قصة موسى عليه السلام مع فرعون من الجانب الذي كرس أجواء السورة لإثارته ، ~~وهو جانب النهايات السيئة للبعد عن خط الأنبياء ms2922 والقرب من خط الطواغيت ، ~~سواء بالنسبة إلى الطواغيت أم تابعيهم. # ( @QUR@06 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ) بما أتاه الله من ~~معجزات ودلائل وبراهين ، وبما أراده الله له من القوة في الموقف الذي يوحي ~~بالسيطرة على فرعون وجماعته ، ( @QUR@03 إلى فرعون وملائه ) فلم يستجيبوا ~~له ، ( @QUR@03 فاتبعوا أمر فرعون ) في ما أمرهم به من الكفر بالله ، ~~والتمرد على رسله ، ( @QUR@04 وما أمر فرعون برشيد ) لأنه لا ينطلق من ~~قاعدة التفكير العاقل الذي يوازن بين الأمور ليعرف الصالح من الفاسد ، ~~والخير من الشر ، ويحسب الأرباح والخسائر في ما يأخذه أو في ما يدعه من ~~الأشياء ، ولذلك دفعهم إلى السير في طريق غضب الله الذي يؤدي بهم إلى النار. # ( @QUR@04 يقدم قومه يوم القيامة ) فيكون لهم إماما في الآخرة ، فيواجهون ~~باتباعهم له مصير الهلاك والعذاب ، كما كان لهم إماما في الدنيا فاختاروا ~~معه الكفر والضلال ، ( @QUR@05 فأوردهم النار وبئس الورد المورود ) والورد ~~هو الماء الذي يرده الناس ليرتووا منه ، واستعمل هنا في النار مجازا ~~للتدليل على أنهم اتبعوه ليشفوا غليلهم ، ولكنهم اكتشفوا في نهاية المطاف ~~أن الغاية التي وصلوا إليها كانت على عكس ذلك. # ( @QUR@04 وأتبعوا في هذه لعنة ) بابتعادهم عن الله ، فأبعدهم عن رحمته ، ~~وترك الدعاء عليهم بذلك سنة متبعة إلى يوم القيامة ، ( @QUR@05 ويوم ~~القيامة بئس الرفد المرفود ) PageV12P125 # فسوف يواجهون العطايا السيئة التي لا تحقق لهم أي هدف مما كانوا يرجونه ~~لجهة قضاء حوائجهم من خلال فرعون ، بل يحصلون على خلاف ذلك ، نارا محرقة ~~مهلكة وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين. # * * * PageV12P126 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) @QUR@024 ~~وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) @QUR@012 وكذلك ~~أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) (102) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قائم ): الشيء القائم : هو الموجود بنحو من الأنحاء ، ولو ~~بآثاره. # ( @QUR@01 وحصيد ): الحصيد : قطع الزرع من الأصل ، ويقال : حصدهم بالسيف ~~إذا قتلهم ، وهنا بمعنى : المتساقط على الأرض. # ( @QUR@01 تتبيب ): من تبت يده ms2923 ، أي : خسرت. # * * * ### ||| ** ... وتبقى العبرة # ... وينتهي هذا العرض من قصص الأنبياء مع شعوبهم ، ويبقى للقصة PageV12P127 # دور العبرة ، ويبقى للعبرة دور الفكرة التي تفلسف للناس مسألة العذاب ~~لتربطها بالذهنية التي كانت تحكم الكافرين في تصورهم لحقيقة الإله ، ومعنى ~~العبادة ، وفي ممارساتهم للحياة المنحرفة على غير خط الله ، فتلك هي فلسفة ~~الموقف الإلهي الذي أقام الحجة على الناس من خلال الرسالة ، وأنذرهم ~~بالعذاب من خلال ذلك. # ( @QUR@06 ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ) في ما تلوناه عليك من أحاديث ~~أهلها الذين واجهوا الأنبياء بالكفر والتمرد ، ( @QUR@02 منها قائم ) على ~~أعمدته وبنيانه ( @QUR@01 وحصيد ) متساقط على الأرض لا يبين منه شيء للناظر ~~البعيد ، ( @QUR@02 وما ظلمناهم ) لأننا عرفناهم طريق الخير والشر ، ~~ورزقناهم وسائل المعرفة ، وجعلنا لهم العقل ليحدد لهم خط الهدى ، وأرسلنا ~~إليهم الأنبياء ، وفتحنا لهم كل سبل النجاة على أساس الفكر والوحي والإرادة ~~، وأنذرناهم بالعذاب الأليم ، وجعلنا النتائج الإيجابية والسلبية تتحدد ~~وفقا لمواقع الحرية والاختيار التي يملكونها ، وما ظلمناهم من أمرهم من شيء ~~، ( @QUR@03 ولكن ظلموا أنفسهم ) لأنهم لم يأخذوا بأسباب النجاة ، ولم ~~يرتكزوا في حياتهم على قاعدة ثابتة من الهدى والإيمان ، بل اتبعوا غير الله ~~من آلهة الكفر ، ( @QUR@015 فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ~~من شيء لما جاء أمر ربك ) لأنها لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ، لافتقارها ~~إلى القوة الذاتية ، كونها مخلوقة لله محتاجة إليه في وجودها ، وفي كل شيء ~~آخر ، فكيف تملك لغيرها النفع والضرر ، وكيف تستطيع أن تدفع عن الناس أمر ~~الله ، ( @QUR@04 وما زادوهم غير تتبيب ) لأن اتباعهم لهم ، وعبادتهم إياهم ~~أوقعاهم في خسارة الدنيا والآخرة ، وهذا هو معنى التتبيب ، ( @QUR@08 وكذلك ~~أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ) فإنه يرسل عليها الخسف ، والصيحة ، ~~والطوفان ، والزلزال ، وغير ذلك ، كما تراه أمام عينك ، وكما تسمعه من ~~الآخرين بأذنك ، ( @QUR@04 إن أخذه أليم شديد ). # * * * PageV12P128 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس ~~وذلك يوم مشهود (103) @QUR@05 وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) @QUR@010 يوم ~~يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي ms2924 وسعيد (105) @QUR@09 فأما الذين شقوا ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) @QUR@015 خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) @QUR@018 وأما ~~الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~عطاء غير مجذوذ (108) @QUR@020 فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون ~~إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) (109) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مشهود ): يشهده الخلائق. # ( @QUR@01 معدود ): معين في علم الله. PageV12P129 # ( @QUR@01 زفير ): الزفير : أول صوت الحمار. # ( @QUR@01 وشهيق ): الشهيق : آخره. وقد كنى بهما سبحانه عن آلام أهل ~~النار وأحزانهم. # ( @QUR@01 مجذوذ ): مقطوع. # ( @QUR@01 مرية ): المرية : الشك. # * * * ### ||| ** منهم شقي وسعيد # ( @QUR@08 إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ) ذلك أن صدق الله وعده ~~بالعذاب في الدنيا ، يوحي لعباده بصدق وعيده في الآخرة ، مما يبعث في نفس ~~الإنسان الواعي الخوف الوجداني من العذاب بحيث يتحرك في حياته على أساس ~~انتظار ذلك اليوم ، ( @QUR@05 ذلك يوم مجموع له الناس ) فلا يغيب عنه أحد ~~من أول الخلق إلى آخره ( @QUR@03 وذلك يوم مشهود ) يشهده الخلائق كلهم ، ( ~~@QUR@05 وما نؤخره إلا لأجل معدود ) تبعا للحكمة الدقيقة التي أراد الله ~~للحياة أن تخضع لها في بدايتها عند ما بدأ الله الخلق ، وفي نهايتها ، عند ~~ما يعيدهم إليه ويحشرهم يوم القيامة. # ( @QUR@07 يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ) فله الأمر كله ، ولا يملك أحد ~~لنفسه ولا لغيره شيئا ، فلا يتكلم إلا من أذن الله له بالكلام ، ( @QUR@03 ~~فمنهم شقي وسعيد ) من خلال ما اختاروه لأنفسهم من شقاء بعد الانحراف عن ~~الخط المستقيم ، وعدم الإيمان بالله ، وبرسله ، وبرسالاته ، والعمل بطاعته ~~، أو من خلال ما اختاروه لأنفسهم من سعادة بالانسجام مع وحي الله وتعاليمه. # ( @QUR@05 فأما الذين شقوا ففي النار ) فذلك هو موقعهم في الآخرة ، ( ~~@QUR@04 لهم فيها زفير وشهيق ) مما يعانوه من ضغط العذاب وشدته ، وما ~~يعيشونه من أحزان العقاب PageV12P130 # وآلامه ، ( @QUR@06 خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) فلا مجال ~~للتخلص من العذاب في أي وقت ، بل يمتد بهم ذلك بامتداد السماوات والأرض ، ( ~~@QUR@04 إلا ما شاء ms2925 ربك ) لأن الأشياء كلها تخضع لمشيئته ، فلا حتمية لشيء ~~في الدنيا أو في عالم الخلود إلا من خلال إرادته التي تعطي الأشياء وجودها ~~، وتمنح الموجودات استمرارها ، فمشيئة الله تحكم كل شيء في البداية ، ~~والاستمرار ، والنهاية ... ولعل هذا هو الملحوظ في هذا الاستثناء ، لتأكيد ~~الإرادة الإلهية التي إذا حكمت على الأشقياء بالخلود في العذاب ، فإنه من ~~الممكن أن ترفع ذلك عنهم في المستقبل ، لأن هذا الحكم مربوط بالمشيئة ~~الإلهية ، التي قد تعلق حكم خلودهم في النار أو تمد بذاك الحكم إلى الأبد ، ~~( @QUR@05 إن ربك فعال لما يريد ) فهو المهيمن على كل شيء ، فكل شيء خاضع ~~لإرادته. # ( @QUR@03 وأما الذين سعدوا ) بإيمانهم الخالص لله وبأعمالهم الصالحة ، ( ~~@QUR@012 ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) ~~فإذا شاء الله لهم الخروج منها فلا بد أن تتحقق مشيئته ، ( @QUR@03 عطاء ~~غير مجذوذ ) أي غير مقطوع ، إشارة إلى استمرار البقاء في الجنة ، على أساس ~~ما يوحيه عدم الانقطاع في عطاء الرحمة والرضوان والنعيم. # * * * ### ||| ** الجنة والنار بين الخلود والأجل المحدود # وقد يثأر سؤال حول التعبير بكلمة : ( @QUR@04 ما دامت السماوات والأرض ) ~~، فهي تحدد الخلود بالشكل الذي قد يوحي بأنه إذا كان للسماوات والأرض أجلا ~~محدودا ، فيترتب عليه وجود أجل محدود للجنة والنار ، باعتبار وجودهما في ~~نطاق السماء والأرض ، وربما يؤكد ذلك بعض الآيات التي حددت للسماء والأرض ~~أجلا كما في سورة الأحقاف : ( @QUR@021 حم* تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم* ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين ~~كفروا عما أنذروا PageV12P131 # @QUR@01 معرضون ) [الأحقاف : 1 3] ، وقوله تعالى في سورة الأنبياء : ( ~~@QUR@016 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا ~~علينا إنا كنا فاعلين ) [الأنبياء : 104]. # على أن هناك آيات تدل على الخلود الأبدي للجنة والنار كقوله تعالى في ~~سورة التغابن : ( @QUR@08 جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) ~~[التغابن : 9] ، وقوله تعالى في سورة الأحزاب : ( @QUR@011 وأعد لهم سعيرا* ~~خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا ) [الأحزاب : 64 65] ... # فكيف يمكن التوفيق بين ذلك؟ # * * * ### ||| ** الميزان ms2926 ... رأي ومناقشة # وقد أجاب صاحب الميزان عند ذلك بقوله : «والذي يحسم الإشكال أنه تعالى ~~يذكر في كلامه أن في الآخرة أرضا وسماوات ، وإن كانت غير ما في الدنيا بوجه ~~، قال تعالى : ( @QUR@010 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله ~~الواحد القهار ) [إبراهيم : 48] ، وقال حاكيا عن أهل الجنة : ( @QUR@013 ~~وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ) ~~[الزمر : 74] ، وقال يعد المؤمنين ويصفهم : ( @QUR@04 أولئك لهم عقبى الدار ~~) [الرعد : 22]. # فللآخرة سماوات وأرض كما أن فيها جنة ونارا ولهما أهلا ، وقد وصف الله ~~سبحانه الجميع بأنها عنده ، وقال : ( @QUR@07 ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق ) [النحل : 96] ، فحكم بأنها باقية غير فانية. # وتحديد بقاء الجنة والنار وأهلهما بمدة دوام السماوات والأرض إنما هو من ~~جهة أن السماوات والأرض مطلقا ، ومن حيث إنهما سماوات وأرض PageV12P132 # مؤبدة غير فانية ، وإنما تفنى هذه السماوات والأرض التي في هذه الدنيا ~~على النظام المشهود ، وأما السماوات التي تظل الجنة مثلا ، والأرض التي ~~تقلها وقد أشرقت بنور ربها ، فهي ثابتة غير زائلة ، فالعالم لا يخلو منهما ~~قط»! (1). # وقد نلاحظ أن ما استظهره العلامة الطباطبائي من الآيات التي ادعى دلالتها ~~على فناء السماوات والأرض في عالم الدنيا غير دقيق ، لأن الآية التي تتحدث ~~عن تبديل الأرض ليست ظاهرة في تبدل الحقيقة بل يمكن أن يكون المقصود بها ~~تبدل الصورة ، وهذا ما يؤكده الحديث عن تحول الجبال إلى قاع صفصف ، كما أن ~~الآية التي تتحدث عن طي السماء قريبة من هذه الصورة. أما الآية التي تتحدث ~~عن خلق السماوات والأرض بالحق وأجل مسمى ، فليس من الضروري أن يكون الأجل ~~المسمى أجلا لهما ، بل ربما كان الملحوظ فيه كما يرى بعض المفسرين ~~المخلوقات التي تعيش عليها من خلال الحق الذي يراد لها أن تتحرك فيه ، ومن ~~خلال الوقت الذي وقت لها ... # وعلى كل حال ، فليس هناك من دليل على وجود سماوات وأرض في عالم الآخرة ~~غير ما هو في عالم الدنيا ، ولا دلالة في قوله تعالى : ( @QUR@07 وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من ms2927 الجنة حيث نشاء ) [الزمر : 74] فلعلها تصلح دليلا على أن ~~الجنة في الأرض كما يستفيده البعض ، أو على وراثة المؤمنين للأرض ، وللجنة ~~التي يتحركون فيها بحرية ، وهكذا في آية تبدل الأرض. # أما الحديث عن الخلود في دائرة دوام السماوات والأرض ، فلا يفرض أن يكون ~~هناك وقت محدد لهما ، بل يمكن أن يكون تعبيرا طبيعيا عن ارتباط الجنة ~~والنار بالمكان الذي يوجدان فيه ، تماما كما هو الأمر في حالة التعليق ~~بالمشيئة ، كأسلوب من أساليب التنوع في التعبير الإيحائي ، للإيحاء ~~بالعوامل المؤثرة في امتداد الخلود في خط الأبد ، وعلاقته بطبيعة الأشياء ~~التي لا تحمل PageV12P133 # في ذاتها عناصر الحتمية إلا من خلال استكمال الشروط الطبيعية في الوجود ، ~~والإرادة الإلهية في حركة الكون كله ... ويبقى للآيات الأخرى الحديث عن ~~طبيعة الواقع الفعلي للشروط ، وعما تقتضيه المشيئة الإلهية من جهة أخرى ، ~~وربما كان هذا المقدار من البحث كافيا في استيضاح طبيعة المسألة في هذه الآية. # * * * ### ||| ** الجمود في العقيدة # ( @QUR@04 فلا تك في مرية ) أي في شك وريب ، ( @QUR@03 مما يعبد هؤلاء ) ~~مهما حاولوا أن يثيروا من القلق في الموقف ، ومن الشك في الفكرة ، لأن ~~الأساس الذي يرتكزون عليه لا يخضع لقاعدة فكرية بل كل ما لديهم من الحجة هو ~~أن آباءهم كانوا يعبدونها ، فهم يقلدونهم في عبادتهم تلك ، ( @QUR@08 ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ) وذلك هو سر الجمود في العقائد ~~والعادات والتقاليد ، لأن الأبناء لا يريدون الابتعاد عن خط الآباء ، ~~لشعورهم بالغربة الروحية في حال الاختلاف عنهم ، ولكن ذلك لا يعتبر مبررا ~~لهم مهما حاولوا إقناع أنفسهم به ، والله سوف يحاسبهم على عبادتهم المنحرفة ~~لأنه قد أقام عليهم الحجة بما يدعو إليه العقل ، ويرشد إليه الوحي ، ( ~~@QUR@03 وإنا لموفوهم نصيبهم ) من العذاب ( @QUR@02 غير منقوص ) لأنهم ~~يستحقونه لعنادهم وتكبرهم. # * * * PageV12P134 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110) @QUR@010 وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم إنه بما يعملون خبير ) (111) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاختلف ): الاختلاف : ذهاب كل واحد إلى جهة ms2928 غير جهة الآخر. # ( @QUR@03 شك منه مريب ): شك مريب : مثل عجب عجيب ، أو ظل ظليل ، أي : ~~قوي دائم ، ومعناه : ترجيح الكذب على الصدق. # * * * ### ||| ** اختلافهم في كتاب موسى (عليه السلام) # ... ويبقى تاريخ الرسالات خاضعا للصراع الذي يخوضه الرسل في ساحة الفكر ~~والعمل ، ضد من يحاربون الحقيقة ، في مجال البحث والممارسة ، بل ويريدون ~~للحياة أن تتحرك في الخطوط المنحرفة حيث تكثر المنعطفات ، وتختلف الغايات ، ~~خلافا للخط المستقيم الذي تتمثل فيه حقيقة PageV12P135 # القضايا في ظل وضوح الرؤية ؛ ولذلك فهم يختلفون في ما لا يختلف فيه ، ~~ويثيرون النزاع في ما لا يوحي بالنزاع ، بهدف استثارة وبث الأوهام في ~~مواجهة الحقيقة ، لإسقاط الفكرة. # ولم يكن كتاب موسى بدعا من الكتب التي أنزلها الله على رسله ، ولم يكن ~~موسى فريدا في التحديات التي واجهته ، ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) ~~الذي أردناه حكما بين الناس ، وفرقانا بين الحق والباطل ، ليحل لهم المشكلة ~~، وليوضح لهم الحقيقة ، وليحسم لهم الأمور في ما اختلفوا فيه ، لأنه الوحي ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولكن هؤلاء المعقدين لم ~~يلتقوا بالوضوح البارز فيه ، فحاولوا أن يثيروا الضباب حوله ، ليحجبوا ~~الرؤية عنه ، ( @QUR@02 فاختلف فيه ) من موقع البغي والحسد وما إلى ذلك من ~~عوامل شريرة ذاتية ، فانحرفوا عنه ، وابتعدوا عن صراطه المستقيم ، وكان من ~~الممكن لله القادر على كل شيء أن يعذبهم في الدنيا ، ولكن حكمته اقتضت أن ~~يفسح لهم المجال ، وأن يمهلهم ليأخذوا حريتهم في اختيار الطريق الذي ~~يريدونه لأنفسهم ، وليملي لهم ما شاء من الإملاء ، زيادة في إقامة الحجة ~~عليهم ، حتى لا يترك لهم مبررا ، في أي موقع من مواقع الشبهة. # ( @QUR@08 ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ) في ما اختلفوا فيه ، في ~~عملية حاسمة لا مجال فيها للتردد ، لأنها تتمثل في العذاب الذي ينزل على ~~المتمردين ، ( @QUR@05 وإنهم لفي شك منه مريب ) لأنهم لا يرتكزون على أساس ~~متين في مصادر هذا الشك وموارده ، بل يرجعون فيه إلى ما يطوف في فكرهم من ~~خيالات وأوهام ، وما يثور في حياتهم من ms2929 أهواء وأطماع ، مما يوحي بالريب في ~~الدوافع والخيالات ، أكثر مما يوحي بالفكر وبالجدية في مواجهة الأفكار. # ولكن الله لا يترك الأمر لهم كما يريدون ويشتهون ، بل يؤخرهم ليوم لا مرد ~~له من الله ( @QUR@02 وإن كلا ) أي كل واحد منهم ، ( @QUR@03 ليوفينهم ربك ~~أعمالهم ) في ما PageV12P136 # عملوه من خير أو شر ، فيجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، فهو ~~المطلع عليهم في خفاياهم وأسرارهم ، ( @QUR@04 إنه بما يعملون خبير ) لا ~~يغيب عنه شيء من ذلك ، مما يوحي للإنسان بالحذر والتحفظ أمام ما ينتظره من ~~عذاب الله ، نتيجة ما يمارسه من أعمال وذنوب. # * * * PageV12P137 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ~~(112) @QUR@017 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون ) (113) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاستقم ): الاستقامة : الاستمرار في جهة واحدة ، وأن لا يعدل ~~يمينا ولا شمالا. # ( @QUR@01 تطغوا ): الطغيان : تجاوز المقدار في الفساد. # ( @QUR@02 ولا تركنوا ): الركون إلى الشيء : هو السكون إليه بالمحبة له ~~، والإنصات إليه ، ونقيضه النفور عنه. # * * * ### ||| ** فاستقم كما أمرت # ... وهكذا يريد الله للمسيرة الجديدة ألا تنحرف كما انحرف أتباع الرسالات ~~السابقة ، بل أراد أن تسير في خطها المستقيم الذي رسمه الله للناس على صعيد ~~الفكر أو العمل أو الموقف أو العلاقات ، فلا يتجاوزونه إلى غيره ، PageV12P138 # ولا يبتعدون فيه إلى الحد الذي ينفصلون به عن القاعدة الثابتة. وهذا ما ~~أكده الله في أكثر من آية حين اعتبر الاستقامة أساسا للشخصية الإسلامية ، ~~كما أنها التزام بتوحيد لله في القاعدة ، ثم هي استقامة على هذا الخط في كل ~~شيء ، فكل الحياة في مناهجها وأساليبها وعلاقاتها ترتبط به ، لأن الفكر ~~والعمل ، يتحركان بين خط الشرك وبين خط التوحيد ، فلا مجال أمام الإنسان ~~سوى اختيار أحدهما ، فمن انحرف عن خط التوحيد وجد نفسه في خط الشرك ، ولذلك ~~كانت الاستقامة لا تعني للإنسان المسلم شيئا آخر سوى الالتزام بخط التوحيد ~~في حركة الفكر والعمل. # من هنا جاءت دعوة الله إلى النبي وإلى المؤمنين للاستقامة في قوله تعالى ~~: ( @QUR@06 فاستقم كما أمرت ms2930 ومن تاب معك ) من المؤمنين الذين اتبعوك ~~وتركوا الشرك ، لأن ذلك يمثل معنى الإخلاص لله ، بالسير في خط رضاه ، ( ~~@QUR@02 ولا تطغوا ) أي لا تتجاوزوا الحدود المرسومة لكم ، كما تجاوزها ~~الآخرون ، في تحريف المفاهيم ، وتغيير الأفكار ، وإرباك الأهداف. # * * * ### ||| ** الرسول مكلف كسائر المؤمنين # ولعل في هذا الأمر الموجه للنبي وللمؤمنين معا ، إيحاء بأن النبي لا ~~يختلف عن المؤمنين في المسؤوليات التفصيلية لخط السير ، لأنه يتحرك في ~~حياته ، بصفته المسلم الأول الذي لا بد أن يطبق الإسلام على نفسه ، قبل أن ~~يدعو إليه ، ليكون الداعية بالقدوة ، قبل أن يكون الداعية بالكلمة ، وبهذا ~~يمكننا استيحاء الرد على الذين يفرضون للنبي تكليفا غامضا يختلف عن تكليف ~~بقية المسلمين ، فيرون أننا لا نستطيع اعتبار أي عمل يقوم به ، لا سيما في ~~خط الجهاد ، لأنه أعرف بتكليفه الشرعي الذي قد لا نعرفه. PageV12P139 # إننا نستوحي من هذه الآيات وغيرها ، أن الله يخاطبه كما يخاطب غيره ، ~~لأنه مسئول عما هم مسئولون عنه ، إلا أنه يختلف عنهم بصفة القيادة الرسالية ~~والحاكمية ، التي تجعل مسئولياته أكثر ثقلا من مسئولياتهم ، ولكنها لا ~~تبتعد عن الخطوط العامة للتشريع في مجال الدعوة والحكم ، ولو لا ذلك لما ~~كان هناك معنى للقدوة التي ترى في سلوكه شريعة ، كما هي الكلمة منه شريعة ~~ورسالة. # * * * ### ||| ** حذار الخلط بين الكفر والإسلام # وهذا ما نريد أن نثيره في حركة العاملين في سبيل الله ، في خط الدعوة ~~إليه ، أو الجهاد ضد الكفر أو الانحراف ، وذلك أن يلتزموا خط الاستقامة في ~~الفكر ، أمام عوامل الانحراف المتنوعة التي تحاول أن تتجه بالفكر الإسلامي ~~، إلى خطوط كافرة أو قريبة من خط الكفر ، تحت واجهات غائمة لا تملك من ~~عناصر الأصالة والوضوح الشيء الكثير ، بل تثير بدلا من ذلك الكثير من ~~الشكوك والشبهات التي تخضع لكثير من أساليب الالتواء والانحراف ، وذلك في ~~ما يحاول العابثون من الخلط بين الكفر والإسلام ، في مزيج من الأفكار التي ~~تحمل مضمون الكفر في إطار الإسلام. إن عليهم الانتباه إلى ذلك بدقة وحذر ، ~~لئلا ينحرفوا من حيث يريدون الاستقامة ms2931 ، فيعطوا الانحراف قداسة الإسلام. # وهذا ما وقع فيه بعض العاملين تحت تأثير المتغيرات الفكرية والسياسية ~~والاجتماعية التي فرضت نفسها على الساحة الإسلامية بدخول بعض التيارات ~~الكافرة والمنحرفة في حركة الواقع ، حيث كان لتلك التيارات تأثير على فكر ~~العاملين وطريقتهم في فهم الواقع والتحرك معه ، فأحدث ارتباكا وتعقيدا في ~~حركتهم ، وأدخل بعض المفاهيم الكافرة ، في صلب منظومة المفاهيم الإسلامية ، ~~كما نلاحظ في تطعيم الإسلام بالديمقراطية والاشتراكية والماركسية PageV12P140 # في بعض الأحيان ، أو في إخضاع حركة الفكر الإسلامي للتيارات الفلسفية ~~اليونانية ، وما إلى ذلك. # * * * ### ||| ** الانسجام بين الفكر والأسلوب # وكما هو الحال في خط الفكر ومضمونه ، لا بد من التزام خط الاستقامة في ~~المنهج والأسلوب ، باعتماد الأحكام الشرعية في أسلوب العمل ، ومنهج التحرك ~~، لأنه من الممكن # أن يتأثر العاملون بأساليب العمل ، ومناهج تفكير التحرك التي يستخدمها ~~الكافرون والضالون في مساعيهم للسيطرة على الواقع عمليا ، ومقدرتهم بفضل ~~ذلك على إخضاع الأجواء لأساليبهم ونهجهم في العمل. وهذا ما يفرض على ~~القيادات الفاعلة أن تخطط للتحرك بطريقة تحقق الانسجام بين الفكر والأسلوب ~~، ليعينوا العاملين على معرفة الخط المستقيم في الوسائل ، كما يعرفون الخط ~~المستقيم في الغايات ، لأن الجهل يدفع الناس إلى الضلال باسم الهدى ~~فيتجاوزون الخطوط المرسومة لهم من قبل الله الذي يراقبهم في معاناتهم في ~~سبيل المعرفة والممارسة ، أو تقصيرهم فيه ، ( @QUR@04 إنه بما تعملون بصير ~~) فلا يخفى عليه شيء من سرهم وعلانيتهم ، ولا حجة لهم في تبرير ما يعملون ~~أمامه كما يفعلون أمام الآخرين الذين يجهلون واقع الأمور ، وحقائق الأشياء. # * * * ### ||| ** التعايش مع الظالم : العبرة بالنتائج لا النوايا # ( @QUR@05 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ) أنفسهم في الانحراف بالعقيدة عن ~~مسارها الصحيح ، والتحرك في خطوط الكفر والشرك والضلال ، أو الذين ظلموا ~~الناس ، بسبب ما يملكونه من قوة وسيطرة وسلطان وذلك بالاستسلام لفكرهم PageV12P141 # وخططهم العملية ، والخضوع لعمليات الإذلال للمؤمنين والمستضعفين التي ~~يمارسونها ، ومشاركتهم في التحرك السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي ~~يقومون به ، لأن ذلك يؤدي إلى تعزيز قواعد الظلم في الأمة على مستوى ~~التشريع والتنفيذ ، فإن قوة الظلم تكبر وتنمو بانضمام ms2932 أفراد من الأمة ~~للظالم الذي يستفيد من ذلك لدعم حكمه وظلمه ، ولذلك فلا بد من دراسة ~~الخطوات الإيجابية التي يتحرك بها الناس مع الحكم الظالم ، تحت ضغط الظروف ~~الذاتية أو الخارجية الطارئة ، وذلك بالتدقيق في تأثير تلك الخطوات على ~~واقع الظلم ، ومدى تقويتها للحكم والحاكم ، سواء كان الوصول إلى تلك ~~النتائج مقصودا من قبلهم أم لم يكن مقصودا ، لأن العبرة في مثل هذه الأمور ~~النتائج لا النوايا. # وعلى ضوء هذا ، فإن التعامل مع الظالم في المجالات العامة والخاصة ~~استجابة لمطالب التعايش ، أو العيش المشترك ، يخضع في شرعيته وعدم شرعيته ~~للطبيعة العملية للنتائج الواقعية الإيجابية لمصلحته ، فقد يختلف باختلاف ~~الظروف ، في تأثيرها الإيجابي أو السلبي على الواقع ، وقد يختلف باختلاف ~~الشكل ، أو النية للتعامل أو العلاقة ، مما يفرض على الناس ملاحظته بدقة ~~وحذر ، لئلا يتحول ذلك إلى حالة ركون للظالم واستسلام له ، من حيث يريد ~~الناس أو لا يريدون ، فيتعرضون لعقاب الله من حيث لا يشعرون ، ( @QUR@02 ~~فتمسكم النار ) جزاء لهذا العمل السيئ الذي يفسد حياة البلاد والعباد ، في ~~الحاضر والمستقبل ، بإفساح المجال للظلم أن يقوى وينتشر ، وللظالم أن يبسط ~~سلطته على المستضعفين ، ( @QUR@07 وما لكم من دون الله من أولياء )، في ما ~~يمكن الاستعانة به من القوى المحيطة بالإنسان من أهله وذوي قرباه ، أو من ~~أصدقائه ، ( @QUR@03 ثم لا تنصرون ) لأنهم لا يملكون أية قوة أمام الله ، ~~خالق القوة للحياة كلها ، فكيف يمكن أن تقف تلك القوى أمامه؟ ... # * * * PageV12P142 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) @QUR@07 واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ) (115) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 طرفي النهار ): الغدوة والعشية ، والمراد من الطرف الأول : ~~الصبح ، والطرف الثاني : الظهر والعصر. # ( @QUR@01 وزلفا ): الزلف من الليل : الساعات الأولى منه ، واحدتها زلفة ~~، وسميت بذلك لقربها من النهار ، والمراد بها هنا : المغرب والعشاء. # ( @QUR@01 واصبر ): الصبر : حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك ~~الحق ، وضده : الجزع. # * * * ### ||| ** إن الحسنات يذهبن السيئات # ( @QUR@02 وأقم الصلاة ) كمظهر من مظاهر العبودية لله التي تؤكد مسئولية ms2933 ~~الإنسان في أعماله ومواقفه ، وبذلك كانت الدعوة إليها تتعدى كونها فريضة PageV12P143 # إسلامية في الجانب العبادي الحاضر المحدود في نطاقه ، إلى البعد الروحي ~~الواسع الذي ينطلق بالإنسان نحو أهداف أخرى يسعى إليها في الحياة كإنسان ~~مسلم ملتزم ، يختزن الطاقة الروحية التي تعينه على تحمل أعباء المسؤوليات ، ~~ولهذا كانت هذه الفريضة ، تكليفا يشمل كل جوانب الحياة اليومية في الليل ~~والنهار ، وكانت الدعوة إلى إقامتها ، ( @QUR@02 طرفي النهار ) في أوله ~~ووسطه حتى النهاية ، ( @QUR@03 وزلفا من الليل ) وهي الساعات الأولى منه ~~القريبة من النهار ، وذلك ما يحقق للإنسان الاستقامة على الخط المستقيم ، ~~ويفتح حياته للحسنات على صراط التوبة ، وفي حركة الطاعة ، وهذا ما جعله ~~الله أساسا لتصحيح الموقف ، ولإنقاذ المصير ، فإن الحسنة تمحو السيئة ، في ~~ما تختزنه من معنى التوبة والإخلاص لله في داخلها ، وفي ما تمثله من موقف ~~عملي حاسم ، ( @QUR@04 إن الحسنات يذهبن السيئات ). # * * * ### ||| ** في الصلاة سر النجاة # وقد ورد في بعض الأحاديث أن المراد بالحسنات هو الصلوات التي يصليها ~~الإنسان ، فإنها تذهب السيئات التي قبلها ، وبهذا اعتبرت هذه الآية أرجى ~~آية ، وأكثرها مجلبة للأمل بمغفرة الله ، وربما كان ذلك من باب التفسير ~~بالمصداق على سبيل التطبيق. وربما كان خاضعا لشروط داخلية وخارجية في طبيعة ~~العمل الصلاتي لدى المؤمن ( @QUR@03 ذلك ذكرى للذاكرين ) ليتعرفوا من خلاله ~~سر النجاة ، وليتذكروا دائما أن الارتباط بالله ، والشعور بحضوره الدائم في ~~وعي المؤمن ، وحركة حياته ، هو الأساس للحصول على رضاه ، والانضباط في خط طاعته. # وإذا كانت الصلاة تحقق للإنسان هذا الوعي العميق الممتد بذكر الله ، PageV12P144 # فإن السير في هذا الاتجاه قد يكلف الكثير من الآلام والتضحيات والخسائر ، ~~مما يخلق الحاجة الملحة إلى الإرادة القوية القادرة على مواجهة كل التحديات ~~الداخلية والخارجية ، ولا بد من طاقة داخلية روحية ، تملك على الإنسان ~~موقفه ، فلا ينهار ، وتحفظ له خطواته فلا تهتز ولا تنحرف ، وهي طاقة الصبر ~~الذي يمنع الإنسان من أن يصرخ من الألم ، أو يتلوى من الجراح ، أو يسقط ~~أمام الخطر ، وهذا ما أراد الله لنا أن نواجهه في الساحة ، فلا ms2934 نكتفي ~~بالصلاة على أهميتها الحيوية والعبادية والروحية ، بل لا بد من تكاملها مع ~~الصبر موقفا وحركة ومنهج حياة ، ( @QUR@01 واصبر ) على كل مسئوليات الساحة ~~، ونتائجها السلبية ، وظروفها الصعبة ، ليتحقق لك من خلال ذلك الإحسان ~~للناس وللحياة ولنفسك ، بكل ما يفرضه من تضحية وعطاء ومعاناة ، فستلاقي ~~جزاء ذلك غدا عند الله ، ( @QUR@06 فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) لأنه ~~لا يضيع أجر من أحسن عملا. # * * * PageV12P145 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@027 فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في ~~الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا ~~مجرمين (116) @QUR@08 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) (117) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 القرون ): جمع قرن ، وهو أهل كل عصر ، وشاع تقديره بمئة سنة. # ( @QUR@01 بقية ): بقية الشيء : ما يبقى منه ، يقال : بقية السلف الصالح ~~أي : من بقي منهم بعد ذهاب أكثرهم. # ( @QUR@01 أترفوا ): الترف : النعمة والجدة ، أي اتبعوا ملذات الدنيا ، ~~فأبطرتهم وأفسدتهم. # * * * ### ||| ** المعصية والكفر إجرام # ( @QUR@07 فلو لا كان من القرون من قبلكم ) أي كان المطلوب أن يكون من هؤلاء PageV12P146 # القوم الذين عاشوا في القرون السالفة ، ( @QUR@02 أولوا بقية ) جماعة ~~جاءت بعدهم وانتهجت سلوكا على غير الطريقة التي ساروا عليها ( @QUR@05 ~~ينهون عن الفساد في الأرض ) من موقع المسؤولية عن إصلاح الدنيا وتهديم ~~الفساد ، ولكن لم يحدث ذلك فقد تبع الخلف السلف في طغيانه وتمرده في عملية ~~الفساد والإفساد ، ( @QUR@05 إلا قليلا ممن أنجينا منهم ) من الأنبياء ~~والمؤمنين الذين اتبعوهم في الإيمان بالرسالة وجاهدوا في سبيل الله ، ~~وهؤلاء يمثلون القلة في المجتمع الذي سيطر عليه المترفون بكفرهم وضلالهم ، ~~ممن ظلموا أنفسهم ومن حولهم من الناس ، والحياة التي تحيط بهم ، ( @QUR@06 ~~واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ) من مال وشهوات وأطماع في ما تدعوهم إليه ~~من ظلم للناس ، واحتكار لأرزاقهم ، وتحكم فيهم بما لا يرضى به الله ، ~~وانقياد للذائذهم وشهواتهم ، واستسلام لدعوات الشيطان وخطواته في ما يأمرهم ~~به ، أو ينهاهم عنه ، وتركهم لدعوة الله في السير على الصراط المستقيم في ~~خط العقيدة والعمل. # ( @QUR@02 وكانوا مجرمين ) وأية جريمة أعظم من الاستعلاء ms2935 على الناس ، ~~وإفساد حياتهم ، وتدمير عقيدتهم ، وإبعادهم عن الله ، وتشوية أفكارهم ~~وتصوراتهم ، وإقامة الحواجز بينهم وبين رسل الله ودعاة الحق ، إنها الجريمة ~~البشعة لأنها تمثل الاعتداء على الحياة بكل روحيتها وعمقها الإنساني ~~وامتدادها الرسالي نحو الله. # * * * ### ||| ** الله الرحيم العادل # ( @QUR@08 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) لأن العذاب لا ~~يمثل حالة عقدة ، كما هو الحال لدى الناس الذين يحكمون فيتحركون في حكمهم ~~من موقع العقدة الذاتية التي تتلذذ بعذاب الآخرين وترتاح بظهور الألم في ~~حياتهم ، وتشعر بالعظمة أمام مشاريع هلاكهم ، ولكن الله غني عن PageV12P147 # ذلك كله ، فهو الخالق والرازق والمنعم ، الذي يملك القوة كلها ، وهو ~~الرحيم بعباده ، وهو الحكيم الذي لا يتصرف إلا وفق الحكمة في الثواب ~~والعقاب فلا يعاقب إلا على أساس ما يمثله العقاب من مصلحة للإنسان ، وسلامة ~~للحياة ، وذلك في الحالات التي يستسلم فيها الناس للتمرد والعصيان والطغيان ~~والانحراف ، والإفساد لحياة الناس ، فإن العقاب يمثل حالة رادعة ، ومعاملة ~~للمسيء بما يستحق من عذاب ، بينما يمثل الثواب تكريم المحسن بما يستحق من ~~نعيم وإلا كان المحسن والمسيء بمنزلة سواء. أما إذا كان الناس مصلحين في ~~فكرهم وعملهم ، فإن الله لا يمكن أن يعاقبهم لأنهم لم يرتكبوا ذنبا يعاقبون ~~عليه ، بل عملوا عملا يثابون عليه ، فيكون العقاب في هذه الحال ظلما ، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # * * * PageV12P148 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) ~~@QUR@015 إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين ) (119) # * * * ### ||| ** ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة # ( @QUR@07 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة )، فإن قدرته في خلقهم على ~~الشكل الذي خلق فيه أجسادهم هي قدرته نفسها على خلق الطريقة التي يستخدمون ~~بها عقولهم وأفكارهم ، لأنه قادر على كل شيء يتعلق بهم في أصل الخلق ~~وتفاصيله ، فإذا أراد أن يجعلهم على مستوى واحد في التفكير ليصلوا إلى ~~نتيجة واحدة ، أو ليكونوا في أصل وجودهم على تصور واحد لكل القضايا ~~المتعلقة بالإيمان والحياة ، فهو قادر ، لأنه ms2936 إذا أراد شيئا فإنه يتفتح على ~~القضية الحاسمة ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~) [النحل : 40]. # ( @QUR@03 ولا يزالون مختلفين ) في ما اقتضته سنة الله في وجود الإنسان ~~من اختلاف في مستوى التفكير وطريقته ، وتنوع في التجربة وطبيعة النتائج ~~التي ينتهي إليها كل منهم ، مما يوجب كثيرا من التنازع والارتباك في شؤون ~~الحياة الخاصة PageV12P149 # والعامة للناس ، ويؤدي إلى الانحراف عن الخط المستقيم ، والبعد عن خط ~~الإيمان والاقتراب من خطوط الكفر والضلال. # * * * ### ||| ** لماذا يحدث الخلاف بين الناس؟ # وتلك هي طبيعة الحرية التي جعلها الله للإنسان في إرادته ، في ما تتحرك ~~به في الخطوط المتوازية للفكر والعمل لما يراه الله من الحكمة في ذلك ، ~~بعيدا عن أي محذور عقلي ، لأن الله جعل من الضوابط الذاتية التي تحدد ~~للإنسان خط السير في مناهج الفكر وأساليبه ، وطبيعة المضمون ، مما لو ~~اختاره وسار عليه لاستطاع أن يصل إلى نتيجة واحدة ، ولكن مشكلته ، أن ~~نوازعه الذاتية تتدخل في نهج تفكيره ، وفي عملية الاختيار ، كما أن أوضاعه ~~العاطفية والانفعالية ، قد تؤثر على قراراته الفكرية ، فتختلط عليه الأمور ~~، وتتشابك القضايا ، ويفقد وضوح الرؤية لما يحيط به. # وبذلك يحدث الخلاف بين الناس الذي يؤدي إلى أكثر من نتيجة سلبية على ~~مستوى الواقع الإنساني العام ، ( @QUR@04 إلا من رحم ربك ) من المؤمنين ~~الذين تقبلوا ما أفاضه الله على الناس من رحمته فاختاروا الإيمان من مواقع ~~الوضوح ، وساروا في خط الهدى على ضوء العقل الواعي الذي يتابع الأمور ~~بتركيز واتزان. ذلك أن بعض الناس يتعامل مع الرحمة الإلهية بالانفتاح في ~~الوعي والفكر المسؤول ، فيصل إلى الحقيقة من أقرب طريق ، أما البعض الآخر ، ~~فيعيش لونا من الضباب العاطفي والحسي ، ويستغرق في دائرة من الانغلاق ~~الفكري عن مواقع الحقيقة فيبتعد عنها. # * * * PageV12P150 ### ||| ** غاية الخلق الرحمة أم الاختلاف؟ # ( @QUR@02 ولذلك خلقهم ) لينفتحوا على آفاق رحمته ، في ما يريده لهم من ~~الالتزام بطاعته التي تحقق لهم مصالحهم المادية والروحية ، والابتعاد عن ~~معصيته التي تبعدهم عما يفسد حياتهم أو يضرها ، وهذا المعنى يلتقي بمضمون ~~الآية الكريمة التي ms2937 تحدثت عن غاية الخلق ، وهي : ( @QUR@06 وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : 56] ، وهذا التفسير أولى من إرجاع الفقرة ~~إلى الاختلاف باعتبار ما يوحيه من تنوع في الأفكار والأذواق والأدوار ، ~~التي تقتضيها طبيعة الحياة في حركتها ، مما لا يمثل حالة سلبية في واقع ~~الإنسان ، لأن التنوع يلعب دورا محرضا لتحريك الحياة وتطويرها على الصعد ~~كافة ، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين ، ولكن الظاهر من سياق الآية أنها ~~تؤكد على مسألة الهدى والضلال في عالم الوحدة والاختلاف ، وتعتبر الاختلاف ~~مظهرا سلبيا لارتكازه على البغي والعدوان كما صرحت في أكثر من آية ، ولذلك ~~كان الاستثناء بفقرة ( @QUR@04 إلا من رحم ربك ) التي تعتبر الرحمة نعمة ~~تستحقها الفئة التي اختارت الإيمان في ما حاولت أن تمارسه من مسئولية ~~الحرية في الإرادة بما ينسجم مع تشريع الله. # وربما كانت الفقرة التالية دليلا على مثل هذا الجو المتحرك في السلوك ~~الإنساني ، القائم على أساس المسؤولية الداخلية والخارجية عن أعماله أمام ~~الله ، ( @QUR@05 ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك ) وإرادته الحاسمة في حكمه ~~النافذ في الأشياء ، في المطيعين والعاصين الذين يمثلون الخط الإيجابي ~~والسلبي في نطاق الاختلاف الإنساني ، ( @QUR@06 لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين ) في ما يمثله هذا المفهوم من امتلاء الجنة بالناس والجن ~~الذين أطاعوا الله في ما أمر به أو نهى عنه ، ولم يعصوه في ذلك في قليل أو ~~كثير ، كما هو الحال في امتلاء جهنم بالعاصين من الجنة والناس على ما ينص ~~عليه منطوق الآية. # * * * PageV12P151 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه ~~الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) @QUR@09 وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون (121) @QUR@03 وانتظروا إنا منتظرون (122) @QUR@016 ~~ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك ~~بغافل عما تعملون ) (123) # * * * ### ||| ** معاني المفردات : # ( @QUR@01 نقص ): القصص : الخبر عن الأمور بما يتلو بعضه بعضا. # ( @QUR@01 أنباء ): والنبأ : الخبر بما فيه عظيم الشأن. # ( @QUR@01 نثبت ): نقوي. # ( @QUR@01 مكانتكم ): مكانة الإنسان : حاله التي تمكنه من العمل. # * * * PageV12P152 ### ||| ** القصة في حركة الرسالة # وهكذا تلخص لنا نهاية ms2938 السورة الدور القصصي الذي تضمنته ، والنتيجة ~~المرعبة التي تنتظر غير المؤمنين ، ويحتمل غموض التهديد الصادر عن الله أن ~~يحدث أي شيء من الذي يملك الأمر كله ، وإليه ترجع العبادة كلها ، فهو في ~~حضور دائم ، في كل شيء ، ومع كل شيء. # ( @QUR@06 وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ) الذين سبقوك في المرحلة ، ~~فبلغوا وعملوا وواجهوا كل أنواع التحدي والتمرد ، وثبتوا في مواقع الاهتزاز ~~، وانتصر الله لهم في أكثر من موقف ، فوقفوا في الموقع القوي الذي زادهم ~~قوة إلى قوتهم. ولكن ما مهمة هذا العرض القصصي؟؟ هل هو مجرد حكاية التاريخ ~~، وسرد أحداثه ، أو هو تخطيط إلهي لتثبيت موقف النبي ، أمام الهزات النفسية ~~التي قد يتعرض لها أمام التحديات الصعبة التي تواجه حركة الرسالة؟ إن الله ~~يثبت لنا الشق الأخير في المسألة ، فالقرآن كتاب رسالي يخطط للرسول طريقه ، ~~في التفكير والإحساس ، ويوجه السائرين على خط الرسول أن يقفوا في مواقع ~~الثبات والقوة أمام حالات التحدي ، لأن سرد التاريخ الرسالي أمام الرساليين ~~يجعلهم يستشعرون الخط الثابت الذي تتحرك فيه الرسالات فيسيرون عليه امتدادا ~~لحركة التاريخ في ما يلتقي فيه الأنبياء في خط الدعوة والتغيير. # ( @QUR@04 ما نثبت به فؤادك ) فلا يقترب إليك القلق ، ولا يدنو منك ~~الاهتزاز ، وفي هذا بعض الإيحاء بأن الله يربي نبيه بآياته أمام ما يمكن أن ~~يعانيه من مشاعر سلبية في مواجهة واقع صعب يتحداه ، بوصفه بشرا يتأثر بما ~~حوله من دون أن يغير ذلك شيئا من طبيعة الموقف ، فيأتي القرآن ليفتح قلبه ~~على الأفق PageV12P153 # الرحب من التاريخ ، ليبدع تاريخا جديدا منفتحا للرسالة ، وهذا ما ينبغي ~~للرساليين أن يواجهوه عند قراءة التاريخ الرسالي في القرآن ، حيث التجربة ~~الرسالية النبوية التي تفتح القلوب على الله ، وتحرك المشاعر في اتجاه النور. # * * * ### ||| ** دور القرآن في حياة الإنسان # ( @QUR@03 وجاءك في هذه ) الآيات ( @QUR@01 الحق ) الذي يحتوي كل ~~المفاهيم المتعلقة بقضايا الإنسان في الكون والحياة بالطريقة التي تحتوي ~~الخير كله ، وتلتقي بالثبات كله ، فلا مجال للاهتزاز ولا للاختلاط بالباطل ~~في أي اتجاه ، ( @QUR@03 وموعظة وذكرى للمؤمنين ) في ما ms2939 يفتح قلوبهم على ~~الله ، واليوم الآخر ، فتخشع قلوبهم لذكر الله ، وترتعد فرائصهم للحديث عن ~~عقابه ، وتنتعش أرواحهم لذكر ثوابه ، فتلتقي الموعظة بالذكرى في عملية ~~انفتاح وتأمل وتدبر وتذكر لقضية المصير في الآخرة. وهذا هو دور القرآن في ~~حياة الإنسان ، فهو لا يغفل حركة الإنسانية في أعماقه ، ولكنه يفتح لها ~~الآفاق التي تجعلها تبدع وترق وتصفو ، وتثير المشاعر في اتجاه التركيز ~~المصيري للحياة في عملية تنمية وتوعية وتذكير. # ( @QUR@07 وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم ) وتصرفوا بما يحلو ~~لكم في المواقع التي أنتم فيها ، وخذوا حريتكم في ما تفيضون فيه من أعمال ، ~~وفي ما تتحملونه من مسئوليات ، فقد اخترتم سبيل الكفر ، وتمردتم على الله ~~في ذلك كله ، ( @QUR@02 إنا عاملون ) فلن نتوقف عن السير في الخط الإلهي ~~مهما تحملنا من جهد ، ومهما كلفنا ذلك من تضحيات ، لأننا نجد فيه الخير ~~الذي يبني الحياة على أساس ثابت من الإيمان والعمل الصالح ، ( @QUR@01 ~~وانتظروا ) نتائج أعمالكم السيئة في ما تتحركون به من خطط الشر القائمة على ~~الكفر والشرك ، PageV12P154 # وستعرفون من خلال ذلك صدق وعيد الله لكم بالعذاب ، ( @QUR@02 إنا منتظرون ~~) ذلك لأننا آمنا به لإيماننا بالرسول. # ( @QUR@04 ولله غيب السماوات والأرض ) بما يعلمه من شؤون خلقه وأعمال ~~عباده ، وهو المسيطر على ذلك ، فلا مهرب لأحد منه ، ولا ملجأ إلا عنده ، ~~لأن إرادته هي التي تحيط بكل شيء ، وتصنع كل شيء ، وتتدخل في كل التفاصيل ~~الصغيرة والكبيرة ، ( @QUR@04 وإليه يرجع الأمر كله ) وليس لأحد معه شيء ، ~~فهو الواحد في ألوهيته ، وهو المستحق للعبادة ، ( @QUR@01 فاعبده ) ولا ~~تعبد غيره ، ( @QUR@02 وتوكل عليه ) في كل أمورك ، فلا تخف من أشباح الغيب ~~التي يمكن أن يواجهك بها المجهول ، الذي لا تملك أمره قدرة واختيارا ، ~~وتقدم إلى حياتك ورسالتك بقوة وثبات ، فإن الله يكفي المتوكلين عليه من كل ~~شر ، ( @QUR@05 وما ربك بغافل عما تعملون ) فلا تغفلوا عن مراقبته ، في كل ~~عمل ، لتخلصوا له وتطيعوه ، فلا يصدنكم الشيطان عن ذلك بوسوسته وتثبيطه ، ~~وكيده وحبائله وغروره ، فيبعدكم عن الله ، ويصرفكم عن الحق من حيث لا ~~تشعرون ، وتلك ms2940 هي الرقابة الداخلية التي يريد القرآن إثارتها في وعي ~~الإنسان ، فيشعر بالحضور الإلهي في كل أموره وأعماله ، فينضبط في موقع ~~المسؤولية ، ويثبت في مواقف الاهتزاز ، لتحصل له العصمة من ربه ، في ما ~~يرحم به عباده ، وفي ما يفيضه عليهم من لطفه ورضوانه ، إنه أرحم الراحمين. # * * * PageV12P155 ### | سورة يوسف ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة واحدى عشرة PageV12P157 ### ||| ** جولة في آفاق السورة # ... وهذه سورة مميزة تدور فيها قصة أسرة من أسر الأنبياء ، فتجد فيها ما ~~تجد في المجتمع الذي يحيط بها من ألوان التناقضات في الأخلاق والسلوك ، ~~وتحس معها بالوداعة الصافية ، التي تصطدم بالتعقيد النفسي المليء بالحسد ، ~~وتلتقي عندها بالشخصية النبوية الهادئة التي تتحسس الخير في داخلها ، ~~وتحاول أن تنشر على من حولها معانيه ، في مواجهة أفعال البشر التي تتعمد ~~الإساءة إلى الخير ، لتشير لهم بأن الخير هو الأصل في الإنسان ، وهكذا ~~نستوحي منها ، أن البيئة الخيرة ليست السبب الوحيد لصنع الإنسان الخير ، ~~كما أن البيئة الشريرة ، في المقابل ، ليست السبب الوحيد لصنع الإنسان ~~الشرير ، فيمكن للعوامل الأخرى أن تتدخل سلبا أو إيجابا في صنع الشخصية ~~الإنسانية مما يفرض على العاملين في خط التغيير ألا يستريحوا للجو الإيجابي ~~الذي يحيط بالمجتمع ، ويعتبروه ضمانة ضد ظهور الاتجاه السلبي في الواقع ، ~~كما أن عليهم ألا ييأسوا من الأجواء السلبية ، فيمتنعوا عن العمل في ~~الاتجاه الإيجابي المضاد. # ونلاحظ من خلال شخصية النبي يوسف عليه السلام في هذه القصة ، كيف يثبت ~~الإنسان المؤمن الذي يعيش صفاء الإيمان ووداعته في مواقف الاهتزاز ، على ~~الرغم من الضغوط النفسية والمشاكل الداخلية التي تتحدى صبره وإيمانه ~~وصلابته ، أمام ما يلاقيه من تعسف واضطهاد ، وما يواجهه من إغواء وإغراء ، ~~وذلك بلجوئه إلى الله في موقف الشدة ، والاستعانة بإيمانه في PageV12P159 # موقع الاهتزاز ، فيحصل على الثبات والتماسك والامتداد في الخط المستقيم. # ثم نلاحظ من ناحية أخرى كيف يتعهد الله عباده المؤمنين بالرعاية والعناية ~~في حالات الشدة ، كما تعهد يوسف عليه السلام فنقله من حالة إلى حالة ، برفق ~~، ولطف ، وحنان ، حتى وصل به إلى ما يريده له من ms2941 القوة في موقع السلطة ~~الشاملة التي أباحت له تنفيذ حكم الله في المجتمع بكل حكمة واتزان ، وكيف ~~ساهم ذلك كله في التأثير على حالات الانحراف لدى إخوته ، فرجعوا إلى الله ~~وتابوا إليه ... وخلاصة التجربة التي مرت بها هذه الأسرة تؤكد أنه من ~~الممكن للإنسان أن يقوم من عثرته إذا توفرت له الظروف الملائمة. وتقدم لنا ~~آيات السورة أكثر من فكرة ، بما تعكسه من الأجواء المشبعة بالإغراء ، أو ~~الأجواء الضاغطة بالبلاء والشدة ، وكيف يسقط بعض الناس أمام هذه التجربة أو ~~تلك ، وكيف ينجح آخرون بالامتحان ، لتحافظ حركة الإنسان في كل مواقع ~~التجربة الصعبة ، على التنوع الذي يمليه ويحدد وجهته السلبية والإيجابية ~~اتجاه الإنسان الفكري ، إذا ما توفرت لذاك التوجه المناخ المناسب من إرادة ~~قوية تمنع الانحراف ، أو إرادة ضعيفة تؤكد الانحراف وتقويه ، لذا على ~~الإنسان المؤمن أن يكون واعيا لدوره الذي يريده الله له ، فينتبه إلى ما ~~حوله ومن حوله في عملية تأمل ، ووعي ، وإرادة ، وتأهب للانطلاق. # ويبقى لنا أن نواجه كل التفاصيل في حركة آيات السورة. # * * * PageV12P160 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@05 الر تلك آيات الكتاب المبين (1) @QUR@06 إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون (2) @QUR@016 نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) (3) # * * * ### ||| ** نحن نقص عليك أحسن القصص # ( @QUR@01 الر ) من الحروف المقطعة التي ألمحنا في ما مضى من التفسير إلى ~~الوجوه المذكورة فيها ، فراجع. # ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين ) في إشارة إلى المضمون الفكري لآيات ~~القرآن المبينة للخط المستقيم الذي يجب أن يسير عليه الناس ، في ما يحملونه ~~من مفاهيم ، وما يتحركون فيه من خطوات ، وما يسددونه من أهداف ، لأن دور ~~الكتاب هو توضيح الصورة الحقيقية التي يريد الله للحياة أن تكون عليها. ~~وذلك ما ينبغي على الإنسان أن يستحضره في نفسه عند ما يريد تركيز مفاهيمه ، PageV12P161 # والتخطيط لطريقه ، ليستهدي بهدى الله. # ( @QUR@06 إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) فقد اختار الله رسوله ~~من أمة تنطق بالعربية لتكون المنطلق الأول للرسالة ، من حيث الإيمان بعقيدة ~~الإسلام والسير على ms2942 شريعته ، وحمل رسالة الدعوة إليه ، وكان لا بد لهذه ~~الأمة أن تملك الوضوح في وعيها للرسالة وفي فهمها لها ، الأمر الذي فرض أن ~~ينزل القرآن بلسان عربي مبين ، وهكذا أنزله الله قرآنا عربيا ، ليبني للأمة ~~، التي نزل فيها ، عقلها وفكرها ، لتعقل ما يريد الله لها أن تعقله من شؤون ~~الحياة العامة والخاصة. # ( @QUR@010 نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) الذي ~~أطلق القصة ، بهدف إظهار العبرة التي تفتح القلوب والعقول على كلمة الله ، ~~وتزيل عنها حجاب الغفلة ، بما تعنيه المعرفة من يقظة الفكر والروح ، ( ~~@QUR@06 وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) في ما يفرضه عدم العلم من غفلة عن ~~كثير من شؤون الحياة والتاريخ. # * * * PageV12P162 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) @QUR@016 قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ~~فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين (5) @QUR@025 وكذلك يجتبيك ~~ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رؤياك ): الرؤيا : تصور المعنى في المنام على توهم الأبصار. # ( @QUR@01 كيدا ): الكيد : ضرب من الاحتيال ، وقد يكون مذموما وممدوحا ، ~~وإن كان يستعمل في المذموم أكثر ، وكذلك الاستدراج والمكر. # ( @QUR@01 يجتبيك ): الاجتباء : الاختيار. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام يقص على أبيه رؤياه # ... وجاء يوسف إلى أبيه ، وكان أثيرا عنده حبيبا إليه ، لجماله ووداعته PageV12P163 # وصفاء روحه ، وجلس عنده يقص عليه رؤياه الغريبة التي أثارت في نفسه القلق ~~لما تشتمل عليه من جو يوحي بالسمو ، ولكنه حافل بالغموض ، فأراد من أبيه ~~الذي أكرمه الله بالنبوة أن يفسر له اسرار هذه الرؤيا ، ليوضح له معالم ~~المستقبل من خلالها ، وربما كان يعتقد ، أنها رؤيا صادقة فحاول أن يعرف ~~طبيعتها ، وربما كان حائرا بين هذا النوع من الرؤيا الصادقة ، أو الرؤيا ~~الحالمة ، فأحب أن يجلو كنهها ، كأي إنسان في مثل عمره الذي كان يلتقي ~~بأوائل الشباب. # * * * ### ||| ** الحدس النبوي # ( @QUR@04 إذ قال يوسف لأبيه ) يعقوب : ( @QUR@07 يا أبت ms2943 إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا ) من هذه الكواكب المتناثرة في السماء ، ( @QUR@05 والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين ) كما يسجد الناس للشخص العظيم تحية واحتراما وخضوعا. فما ~~معنى ذلك؟ وما مداه؟ وكيف يمكن أن تسجد هذه المخلوقات الكونية العظيمة لبشر ~~مثلي؟! وما موقعي من ذلك كله؟! # ويستشرف يعقوب بحدسه النبوي مستقبل ولده يوسف من خلال هذا الحلم العجيب ، ~~فيرى فيه شخصا عظيما يسمو على أهله بالمكانة والمنزلة ، إلى مستوى يشعرون ~~معه بأن عليهم أن يتعاملوا معه كما يتعاملون مع الملوك العظام ، الذين كانت ~~تقاليد ذلك العصر تفرض على الناس أن يقدموا لهم فروض الاحترام بطريقة ~~السجود. # * * * ### ||| ** حسد الإخوة # على أن يعقوب كان يعرف أن أولاده الآخرين يحسدون يوسف على ما PageV12P164 # يتميز به عنهم من جمال وذكاء ووداعة وصفاء ، وعلى ما له من المنزلة عند ~~أبيه ، كنتيجة لما يملكه من هذه الصفات وغيرها التي أهلته للمعاملة المميزة ~~، وكان يخشى على يوسف منهم ، لأن العقدة التي كانوا يشعرون بها تجاهه قد ~~توحي إليهم بالتآمر عليه ، والتخلص منه إذا تحدث إليهم عن رؤياه ، وفهموا ~~منها مستقبله الكبير الذي قد يقفون فيه موقف الخاضع الحاسد له عند ما يصبح ~~غدا في موقع رفيع يفوقهم ، ولأن الحسد يدفع أصحابه إلى الكيد للمحسود ~~وأذيته بشكل مباشر ، وليس عبر تسليط عين الحسد كما يعتقد الناس عموما. فأحب ~~يعقوب تحذير يوسف من أن يقص رؤياه عليهم في ما أوحاه له من مستقبل باهر ~~ينتظره ، يجعله في موقع الكيد من إخوته. # * * * ### ||| ** عقدة الشيطان # ( @QUR@08 قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ) لأنها توحي لهم بتفوقك ~~عليهم في مستقبل عمرك ، فقد يستوحون منها ما استوحيت ، من أنهم هم الكواكب ~~التي تسجد لك ، ( @QUR@03 فيكيدوا لك كيدا )، فيسعوا إلى هلاكك ، ليمنعوا ~~ما ينتظرك من مستقبل مشرق ، ظنا منهم أنهم يستطيعون تغيير ما يريد الله له ~~أن يكون ، وهذا ما تسوله لهم أنفسهم الأمارة بالسوء الغارقة في ضباب ~~الأوهام والأحلام الكاذبة ، والواقعة تحت تأثير أفكار الشر والجريمة التي ~~يبثها فيهم الشيطان ، من خلال العقدة المتأصلة ms2944 بالذات التي يتعامل معها ~~بطريقة تزيدها تعقيدا ، ويزيد بالتالي في ضلال الإنسان الذي يستسلم له ~~فيحركه في اتجاه معصية الله ، ليفسد عليه حياته ، ومصيره ، فيقوده إلى عذاب ~~الله في الآخرة ، وتلك هي العقدة الشيطانية التي بدأت بخروجه من دائرة رحمة ~~الله ، لامتناعه من السجود للإنسان الأول المتمثل بآدم ، فكانت عقدته ~~الكبيرة ، أن يجر ذريته إلى النار ليكون مصيرهم ومصيره واحدا ، على غرار ما ~~يفعله الأعداء مع PageV12P165 # أعدائهم ( @QUR@05 إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) في مقاصده ووسائله. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام وبداية المسيرة # وهكذا بدأت المسيرة التي أرادها الله ليوسف على طريق النمو الفكري ~~والروحي الذي يمهد له السير في طريق الأنبياء الصالحين الذين يربيهم الله ~~على خط هداه ، من خلال المعاناة الجسدية والروحية التي يواجهون فيها عملية ~~تدريب يومية ، تقوي إرادتهم ، وتوسع آفاقهم ، وتفتح لهم نوافذ التفكير على ~~أكثر من جانب من جوانب الغيب والحياة. وقد كانت رؤيا يوسف بداية طيبة له ، ~~تفتح له باب التفكير في آفاق هذه الرؤية الواقعية ، وفي كيفية النفاذ إلى ~~المواقع المميزة في حياة الناس ، كما سنرى ، في ما يأتي من قصة يوسف ، وهذا ~~ما أراد الله أن يوحي به إلى يوسف في بداية أمره ، في ما خاطبه به ، وفي ~~تنمية إحساسه الداخلي في ما ألهمه الله منه ، أو في إخبار أبيه له ، أو في ~~ما يقترب من ذلك. # ( @QUR@03 وكذلك يجتبيك ربك ) فيمن يجتبيه من عباده ، ويصطفيه منهم ، ( ~~@QUR@04 ويعلمك من تأويل الأحاديث ) وتفسيرها في ما يستشرف به الناس أمور ~~المستقبل من خلال أحلامهم ، ( @QUR@06 ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ) بما ~~يغمرهم به من لطفه ورحمته ، وبما يفتحه لهم من أبواب الخير ، أو ينزل عليهم ~~من وحيه ورسالته ، أو يخرجهم منه من ضيق وعسر ، ( @QUR@08 كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ) اللذين خصهما الله بكرامة الرسالة والقرب ~~إليه ، ( @QUR@04 إن ربك عليم حكيم ) فهو الذي يعلم الغيب كله ، لأنه هو ~~الذي خلق المستقبل كله ، وهو الذي يجري الأمور كلها ، على وفق حكمته في ~~العطاء للعباد والمنع عنهم ، في ms2945 المجالات المادية والمعنوية. # * * * PageV12P166 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) @QUR@015 إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) ~~@QUR@014 اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين (9) @QUR@016 قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت ~~الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آيات ): الآية : العلامة والعبرة. # ( @QUR@01 عصبة ): العصبة : الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض. # ( @QUR@02 غيابت الجب ): غور البئر وما غاب منه عن أعين الناظر ، وكل ما ~~غيب شيئا وستره فهو غيابة. PageV12P167 # ( @QUR@01 السيارة ): جمع سيار ، وهو المسافر. # * * * ### ||| ** المعاناة الصعبة # وتبدأ القصة في حياة يوسف من موقع المعاناة الصعبة التي تجعله يعيش ~~الكثير من الآلام ، ويقع في العديد من المشاكل ، ويصطدم في أكثر من موقف من ~~مواقف الصراع النفسي على مستوى أخلاقه ومبادئه ، ويدخل في كثير من مجالات ~~الدعوة إلى الله ، وينفتح على أجواء جديدة لا عهد له بها من قبل. ولكن ~~النتائج الأخيرة تفتح له أبواب الخير بأوسع مجالاتها ، وكان لإخوته دور ~~شرير ، حاولوا فيه ، الدفع به إلى الهلاك ، وقد عاشوا حياتهم في جو بعيد عن ~~الإيمان والأخلاق ، ولما ضاقت بهم سبل الحياة لجأوا إلى أخيهم ، وانتهى ~~الأمر بهم للخضوع له ، فانتصر الخير على الشر ، والوداعة على التعقيد ، ~~والمحبة على الحقد ، انتصر يوسف في روحه ورسالته وإخلاصه لله. # والآيات الواردة في السورة تبعث على التفكير ، وتثير في النفس الكثير من ~~المشاعر الروحية الطاهرة التي تدفع الإنسان إلى الرجوع إلى الله ، والثقة ~~به ، في أشد حالات التحدي ، وفي أقسى ألوان البلاء ، فلا مجال لليأس ، ولا ~~موقع للانهيار والسقوط ، وهذا ما أراد الله لنا أن نتمثله في هذه القصة ~~الحافلة بألوان التعقيد في العلاقات الإنسانية بين الإخوة ، والمليئة ~~بالمشاعر الخانقة. # * * * ### ||| ** أخذ العبرة # ( @QUR@07 لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ) الذين يريدون معرفة PageV12P168 # حقائق أمور الحياة ، والاستفادة من تجارب الآخرين التي شاهدوها ، أو ~~سمعوها ، ليضيفوا ذلك إلى ما يملكونه من تجارب ذاتية ، ليتسع لهم جانب ~~المعرفة بحركة المستقبل في ms2946 حياتهم العامة والخاصة ، وفي هذا إيحاء بالجانب ~~الفكري للقصة ، الذي يريد القرآن توجيه الإنسان إليه لأخذ العبرة منه ، ~~وعدم الاكتفاء بالجانب التفصيلي للأحداث بما تخفيه من لهو فكري وتسلية ~~ذاتية ، فالهدف الاستفادة من التفاعل الإنساني مع تجربة الآخرين لتحديد ~~الخطوات العملية المستقبلية وما يصلح للحياة ، أو ما لا يصلح لها ، وهكذا ~~تبدأ القصة في حياة يوسف وإخوته ، بآلام يعانيها يوسف وتحدد ما يستقبله من أحداث. # * * * ### ||| ** المعيار الخاطئ # ( @QUR@010 إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة )، وهذا ~~ما أثار في نفوسهم الحقد ، فقد كانوا عشرة من أم ، وكان يوسف وأخوه من أم ~~أخرى ، وربما كان ليعقوب بعض العاطفة المميزة لهما ، كنتيجة لبعض الخصائص ~~الروحية أو الأخلاقية التي يتمتعان بها ، ولصغر سنهما الذي يجعلهما بحاجة ~~إلى الاحتضان العاطفي من جهة ، وما يستثيره ذاك السن من عاطفة حميمة ، تجعل ~~الكبير يهفو إلى الصغير من جهة أخرى ، ولكن الكبار عادة لا يفهمون ذلك ، لا ~~سيما مع اختلاف الأم الذي يبعث على التعقيد في نفوس الأولاد تبعا للتعقيد ~~بين الأمهات ، وكان هؤلاء يفكرون بالقضية وفق معيار التفوق العددي الذي ~~يدفع إلى ترجيحهم على الأقل ، أو انطلاقا مما يوحيه العدد الكبير من قوة ~~تتيح لهم تصحيح ما يعتبرونه خطأ في تمييز أبيهم في مشاعره الأبوية تجاه ~~أولاده ، الأمر الذي عبروا عنه بقولهم الذي أشار إليه الله في قوله تعالى : ~~( @QUR@05 إن أبانا لفي ضلال مبين ) مما نستوحي منه أنهم كانوا لا يحترمون ~~شخصية النبي في أبيهم ، وهو الذي لا ينطلق في سلوكه من عقدة PageV12P169 # ذاتية ، بل من حالة عقلانية روحية لا تبتعد عن خط الرسالة في السلوك ~~الذاتي ، أو في السلوك العام ، لأن دور النبي أن يكون القدوة في كل شيء ، ~~لأنه يمثل الرسالة في حياته كما يمثلها في كلماته ، من خلال التكامل بين ~~الكلمة والفعل في حركة الرسالة والرسول. # وقد يحدث ذلك للعديد من الأبناء الذين يستسلمون للعلاقة الطبيعية بين ~~الأب وولده التي قد تتحرك في تفاصيل الحياة في أجواء التبدل الطبيعي في ~~البيت ms2947 العائلي ، فلا يشعرون بالهيبة تجاه الأب التي يشعر بها الآخرون. ~~وربما قادهم ذلك إلى فقدان التأثر بالجوانب الأخرى من شخصية الأب ، أو عدم ~~الشعور بقدسيتها وعظمتها ، فينعكس ذلك على نظرتهم إليه في مشاعره وسلوكه ، ~~بعيدا عن التعمق في طبيعة ذلك كله. # * * * ### ||| ** الخطة الشريرة # وبدأت الخطة الشريرة تتفاعل في تفكيرهم ، وقرروا التخلص منه بأية طريقة ~~ممكنة ، لأن ذلك هو السبيل إلى أن يستقلوا بعاطفة أبيهم عند ما ينسى يوسف ~~ويتقرب من جديد إليهم ، لملء الفراغ العاطفي الأبوي لديه ، وهكذا طرحوا ~~المسألة على بعضهم البعض. # ( @QUR@05 اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ) ليضيع في التيه ، أو ليموت في ~~الجب ، أو لتأكله السباع ، ( @QUR@04 يخل لكم وجه أبيكم ) فلا يجد أمامه ~~غيركم فيتجه بكل عاطفته إليكم. إنها الفكرة المسيطرة على أذهان الجميع ، ~~بحيث كان كل واحد يقولها لإخوته ، ونلاحظ أنهم لم يتحدثوا عن أخ يوسف ، ولم ~~يفكروا بالتخلص منه ، لانصراف العاطفة الجياشة تجاه يوسف ذي الميزات ~~الجسدية والروحية ، أما أخوه ، فقد كان موقعه من حديثهم كونه الأخ الشقيق ~~ليوسف ، ومن المعلوم أن يوسف لم يكن شقيقهم من ناحية الأم ، التي اعتبروها ~~مسئولة عن هذا العطف PageV12P170 # غير العادي من أبيهم ليوسف ، وهكذا كانت الفكرة الشريرة خاضعة للحالة ~~النفسية المعقدة التي نفذ الوسواس الشيطاني منها إليهم ، ليوحي لهم بارتكاب ~~الجريمة أولا ، ثم بالتوبة ، وهذا هو دأب الأسلوب الشيطاني في مواجهة لحظة ~~الخوف الإنساني من الله عند ما يهم الإنسان بارتكاب ما يخالف أمره ، إذ ~~يعجل المعصية للإنسان ، ويمنيه بالتوبة ، ثم يدفعه إلى التسويف فيها بعد ~~ذلك ، وهكذا قال بعضهم الآخر ، إن عليكم ان تقوموا بهذه الجريمة ، وتتوبوا ~~إلى الله بعدها ، ( @QUR@05 وتكونوا من بعده قوما صالحين ) في ما تقومون به ~~من أعمال صالحة ، وعبادات خالصة. # وربما كان بعضهم يكن عاطفة لأخيه ، ولكن بالمستوى الذي يبعد عنه فكرة ~~الموت بيد إخوته ، فاقترح اقتراحا معينا في هذا الاتجاه ، ( @QUR@010 قال ~~قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب ) أي في أعماق البئر التي ~~لا تغرق من يقذف فيها ، لقلة ما تحتويه ms2948 من الماء ، ( @QUR@03 يلتقطه بعض ~~السيارة ) من القوافل السائرة على طريق البئر ، فيكتشفونه عند ما يريدون ~~الاستقاء منها ، فيأخذونه ويبيعونه ، فيضيع في البلاد النائية ، ويفقد ~~بالعبودية حرية الحركة. فهذا هو الحل الذي يحقق الخلاص من يوسف ، ويمنعنا ~~من القيام بجريمة قتله ، فابدءوا بالتخطيط العملي لذلك ، ( @QUR@03 إن كنتم ~~فاعلين ) ومصرين على تصميمكم في إبعاد يوسف عن أنظار أبيه. # * * * PageV12P171 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) ~~@QUR@08 أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) @QUR@013 قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) @QUR@09 ~~قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) @QUR@017 فلما ذهبوا ~~به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم ~~لا يشعرون (15) @QUR@04 وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) @QUR@019 قالوا يا ~~أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن ~~لنا ولو كنا صادقين (17) @QUR@018 وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يرتع ): أي يتنعم. # ( @QUR@01 نستبق ): الاستباق : افتعال من السبق ، ومنه المسابقة ، وهو ~~على ثلاثة أوجه: سباق بالرمي ، وسباق على الخيل والإبل ، وعلى الأقدام. PageV12P172 # ( @QUR@01 متاعنا ): المتاع ما يحمله المسافر من زاد ولباس. # ( @QUR@01 سولت ) التسويل : تزيين النفس ما ليس بحسن ، وقيل : هو تقدير ~~معنى في النفس على الطمع. # * * * ### ||| ** تنفيذ المؤامرة # واتفقوا على تنفيذ خطة المؤامرة ، وجاءوا إلى أبيهم في أسلوب استعطاف ~~يوحي بالمحبة ليوسف ، وينكر على أبيهم شكه فيهم وعدم ائتمانه لهم عليه ، ~~الأمر الذي يظهر عدم سماحة في ما مضى لهم باصطحابه معهم في مشاريع الخروج ~~للبر وللبساتين ، للهو واللعب ، بهدف الترويح عن النفس في الهواء الطلق. ( ~~@QUR@09 قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف )، ونحن إخوته الذين ~~يكنون له كل محبة الأخ لأخيه ، ويحبون له ما يحبون لأنفسهم من الراحة ~~والانطلاق ، تماما كما يشعر أحدنا بالنسبة لبقية إخوانه ، ( @QUR@03 وإنا ~~له لناصحون ) في ما ينصح به الأخ أخاه. إننا لا نجد لموقفك ms2949 السلبي مرارا ~~سوى الغلو في العاطفة الأبوية والتعلق به بطريقة تكاد تخنقه وتمنع عنه ~~التحرك في الهواء الطلق ، وأنت تشك في كل شيء يتحرك من حوله ، حتى لنشعر ~~أنك تتهمنا بالعمل على إيذائه والتآمر عليه. # ( @QUR@05 أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ) لأن من حق الشاب أن يمارس مع ~~الشباب اللهو واللعب والانطلاق في الهواء الطلق ، لتتفتح روحه ، وتصفو ~~أفكاره ، وترتاح مشاعره ، لأن لكل مرحلة من مراحل العمر حقها في التنفس ~~والانطلاق ... وكيف يمكن أن يظل معك محبوسا في دائرة الالتزامات PageV12P173 # الاجتماعية التي يلتزم بها الشيوخ في تقاليدهم وأوضاعهم وعلاقاتهم ~~الاجتماعية!؟ إن هذا هو السجن بعينه. إننا نريد منك أن تحرره من ذلك كله ، ~~وأن تثق بنا كما يثق الأب بأولاده الذين عاشوا معه الحب كله ، والإخلاص كله ~~، ولا تخف عليه من أي سوء فإنا سنحميه بما نحمي به أنفسنا ، ( @QUR@03 وإنا ~~له لحافظون ) من كل عدوان بشري أو حيواني. # ولكن أباهم صرف الحديث إلى جانب آخر ، فلم يؤكد اتهامه لهم بالعداوة له ، ~~بل أثار أمامهم مسألة أخرى ، وهي خوفه عليه من الذئب الذي قد يفترسه عند ~~غفلة إخوته عنه في لهوهم ولعبهم ، ( @QUR@013 قال إني ليحزنني أن تذهبوا به ~~وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ) لأن طبيعة أجواء اللهو واللعب ، ~~توحي بالغفلة عن كثير من الأشياء المهمة ، للحالة المحمومة التي تتحكم ~~بالأعصاب وبالمواقف. وجاء في بعض الروايات أن يعقوب كان يريد أن يلقنهم ~~الحجة في ما يعتذرون به بعد تنفيذ خطتهم ، في ما أخبره الله به ، الأمر ~~الذي لم يكن واردا عندهم في تفكيرهم حول الموضوع ، والذي لم يثبت عندنا ، ~~وإن كان ممكنا ، وقد أجابوا أباهم بأن هذا الخوف لا مجال له أمام عددهم ~~الكبير ، فإذا غفل عنه واحد أو أكثر منهم ، فكيف يغفل عنه الآخرون؟ # وكانت المسألة تمثل التحدي الكبير لهم في إطار ما يريدون الحصول عليه من ~~ثقة أبيهم حيال أغلى الأشياء عنده ، ومن ثقة الناس بهم في حفظ الأمانة ~~الأخوية والإخلاص لها ، والاهتمام بها في أعلى درجات الاهتمام ( @QUR@06 ~~قالوا ms2950 لئن أكله الذئب ونحن عصبة ) في العدد والقوة ، ( @QUR@03 إنا إذا ~~لخاسرون ) وأي خسارة أعظم من خسارة الإنسان ثقة الناس به ، في أكثر الأشياء ~~اتصالا بالجانب الحميم من حياته ، وهذا ما أراد أن يؤكده في موقفهم ~~الاستعراضي الذي يحاولون من خلاله الإيحاء لأبيهم بأنهم في مستوى المسؤولية ~~وفي أعلى درجات الوعي واليقظة والقوة والإخلاص ، لأن المسألة تمثل حالة ~~متصلة بالذات ، في تقييمهم الشخصي والروحي. PageV12P174 # ووافق يعقوب على ما طلبوه منه ، وأرسل يوسف معهم ، فنجحوا في الخطوة ~~الأولى من خطتهم المرسومة. ( @QUR@09 فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابت الجب ) واتفقوا على تنفيذ المؤامرة ، فتعاونوا على شد وثاقه ، في ~~فظاظة وغلظة لم تأبه لتوسلات يوسف المستغيثة بوداعة ، بحثا عن أمل في ~~الانفلات منهم ، ولكن عبثا يحاول ، فأنزلوه إلى أعماق البئر وتركوه هناك ، ~~وتم لهم ما أرادوه ، وقد أراد الله ليعقوب أن يوحي إليهم بما فعلوه بالرمز ~~والإشارة في أسلوب من الاتهام الخفي الذي يحس به المتهم من خلال كلمة أو ~~همسة أو نظرة ، ( @QUR@08 وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ~~) بطريقة خفية موحية ، وهذا ما فعله يعقوب في ما نراه من ختام هذا الفصل. # * * * ### ||| ** دموع التماسيح # ( @QUR@04 وجاؤ أباهم عشاء يبكون ) ويعلو الصراخ بشكل يوحي بالفاجعة في ~~عملية إثارة الشعور بالذنب على طريقة دموع التماسيح التي لا تتحرك من ~~الأعماق ، بل تبقى في دائرة الشكل ، ( @QUR@06 قالوا يا أبانا إنا ذهبنا ~~نستبق ) في سباق عنيف يغفل الإنسان فيه عن نفسه وعمن حوله ، ولم يكن من ~~الممكن ليوسف أن يستبق معنا لصغر سنه وضعف جسمه ، ( @QUR@04 وتركنا يوسف ~~عند متاعنا ) ليقوم بحراسته ، وابتعدنا عنه في تراكضنا نحو الهدف ، فاستغل ~~الذئب هذه الفرصة ، فلم يجد عنده أحدا ، ولم يملك أن يدافع عن نفسه ، ( ~~@QUR@02 فأكله الذئب ) وتلك هي الحقيقة الصارخة التي عشناها بكل ما يختزنه ~~الإنسان من قساوة الألم ، وعنف الحزن ، وفداحة الخسارة ... ولا نملك ما ~~نؤكد به لك هذه الحقيقة ( @QUR@04 وما أنت بمؤمن لنا ) لأن الشك يغلب جانب ~~ثقتك بنا ، مع أن الأمر محتمل جدا ، لكثرة ms2951 ما تقع فيه أمثال هذه الحوادث ، ~~وقد كنت أول من أثار المسألة أمامنا على أساس الاحتمال الذي استبعدناه ~~واستقربته ، ولكن ، ماذا نقول لك PageV12P175 # أمام حالة الشك التي تنطق بها كل لمحة في عينيك ، وكل نبضة في وجهك ، وما ~~الطريق التي نرفع فيها عن أنفسنا الشبهة ، ونؤكد لك الحقيقة؟. # إن من المؤسف أن تفقد ثقتك بنا وتتهمنا بما لا دخل لنا به ( @QUR@03 ولو ~~كنا صادقين ) في ما نخبرك به. ولكن ما القيمة في أن يكون الإنسان صادقا ، ~~وهو لا يملك الحجة القاطعة على صدقه؟. # * * * ### ||| ** الصبر أمام الفاجعة # وكانوا قد نزعوا عن يوسف قميصه ، ولم يمزقوه كما يفعل الذئب عند أكل ~~الفريسة مما يتنافى مع دعواهم ولطخوه بدم كذب ، ( @QUR@05 وجاؤ على قميصه ~~بدم كذب ) كشاهد على دعواهم ، ولكن يعقوب لم يقتنع بذلك ، لا سيما بعد أن ~~أوحى إليه الله بما عملوه ، ( @QUR@06 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) غير ~~هذا الذي تدعونه ، ولن أدخل معكم في التفاصيل ، لأكشف لكم ما أعلمه أو ما ~~أحسه عن الموضوع ، فلم يأت الوقت المناسب لذلك ، ( @QUR@02 فصبر جميل ) ~~أمام هذه الفاجعة التي أصابتني في الصميم ، ( @QUR@05 والله المستعان على ~~ما تصفون ) فهو الذي يعين عبده على مواجهة الفواجع والكوارث بالصبر ~~والتسليم والثقة بما عند الله من آفاق الأمل ووسائل الفرج ، وهو الذي يكشف ~~الحقيقة التي عملتم على إخفائها ، وهو الذي يهيئ لي الوسائل الكفيلة ~~بإيصالي إلى النتائج الطيبة التي تحل المشكلة على أفضل وجه. # * * * PageV12P176 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام ~~وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) @QUR@09 وشروه بثمن بخس دراهم ~~معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) @QUR@032 وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واردهم ): الوارد : هو الذي يتقدم القوم ليستقي لهم. # ( @QUR@01 دلوه ): الدلو : مؤنث ، وقد يذكر ، وأدلى دلوه ، أرسلها في البئر. # ( @QUR@02 يا بشرى ): كلمة تقال عند البشارة ms2952 ، مثل : يا عجبا عند العجب. # ( @QUR@01 وأسروه ): أخفوه. # ( @QUR@01 بضاعة ): سلعة ومكسبا. # ( @QUR@01 وشروه ): باعوه. PageV12P177 # ( @QUR@02 بثمن بخس ): البخس : النقص من الحق. # ( @QUR@01 مثواه ): الثواء : الإقامة ، والمثوى : موضع الإقامة ، ~~والمراد بأكرمي مثواه : أحسني معاملته. # ( @QUR@01 مكنا ): مكنا له في الأرض : جعلنا له مكانة فيها. # * * * ### ||| ** سوق النخاسة والثمن البخس # ( @QUR@02 وجاءت سيارة ) مارة على طريق البئر الذي كان فيه يوسف ، ( ~~@QUR@02 فأرسلوا واردهم ) الذي يرد مواقع الماء فيطلبه لقومه ، ( @QUR@02 ~~فأدلى دلوه ) في البئر وأخرجه ، فإذا به أمام المفاجأة السارة ، فقد كان ~~ينتظر خروج الدلو بالماء ، فإذا به يخرج بغلام جميل الصورة صغير السن ، هو ~~يوسف الذي تعلق بالدلو عند ما أنزله صاحبه إلى البئر للاستقاء به ، ( ~~@QUR@05 قال يا بشرى هذا غلام ) فالتفت إلى قومه ليبشرهم بالربح الذي يمكن ~~أن يحصلوا عليه إذا ما باعوا الغلام الذي وجد في البئر في سوق النخاسة. ( ~~@QUR@02 وأسروه بضاعة ) فقد أخفوه لديهم لأنهم خافوا أن يبصره أهله ~~فيطالبوهم به ، ( @QUR@04 والله عليم بما يعملون ) فهو المطلع على السر ~~وأخفى ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة ، وهو الذي أراد ليوسف أن يسير في هذا ~~الاتجاه ليصل إلى النتائج الطيبة في نهاية المطاف ، فإذا كانوا قد أخفوه عن ~~الناس فلا يمكن أن يخفوه عن الله الذي يحيط بهم من كل جهة ويشمل يوسف بكل ~~رعايته. # ( @QUR@05 وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) والشراء هنا بمعنى البيع ، فقد ~~باعوه بثمن زهيد بدراهم محدودة ، يمكن معرفتها بالعدد لقلتها ، ( @QUR@01 وكانوا PageV12P178 # @QUR@03 فيه من الزاهدين ) لأنهم أرادوا التخلص منه بسرعة ، والحصول على ~~ثمنه بأي مقدار كان ، حذرا من أن يكتشفهم أهله ويأخذوه منهم قبل أن يبيعوه ~~ويقبضوا ثمنه. والظاهر أن الضمير راجع إلى القوم الذين أخرجوه من البئر ~~وأسروه بضاعة لأن السياق يوحي بذلك ، ولا يلتفت إلى احتمال أن إخوة ليوسف ~~هم الذين باعوه ، بعد أن اكتشفوا إخراج السيارة له ، فادعوا أنه عبدهم ~~فباعوه منهم ، لأن هذا خلاف الظاهر. # * * * ### ||| ** بدء التمكين # ( @QUR@08 وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ) فقد أعجبه هذا ~~الغلام ، ونفذ إلى قلبه ، بحسنه ووداعته وصفاته الروحية والأخلاقية ، مما ~~قد لا ms2953 يجتمع في العبيد الذين يعرضهم النخاسون في سوق النخاسة ، فأراد من ~~امرأته ألا تعامله بالشدة والقسوة التي كان يعامل بها العبيد ، بل أراد ~~معاملته باللطف والإكرام ، كإنسان يستحق الإعزاز والاحترام ، لينتفع به ، ~~ويعتمد عليه في الأمور الخاصة ، ويكون موضع سره يأتمنه على خصوصيات البيت ~~وأسراره ، أو يتبناه ، لأنه كان عقيما لا ولد له ، وهذا ما أوحى به إلى ~~امرأته : ( @QUR@06 عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ). # وهذا ما أراد الله أن يهيئه ليوسف من وضعية تمكنه من السير في اتجاه ~~تقوية مركزه ودعم مكانته ، لا سيما بعد أن يتجاوز بنجاح الظروف المثيرة ~~والأحداث الصعبة ، مما أهله لفرصة الاعتماد عليه في تفسير الحلم الكبير ~~للملك ، لأن الله قد ألهمه ، تأويل الأحاديث بطريقة تسمح له جلاء الكثير من ~~غوامضها. # ( @QUR@05 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) فجعلناه في الموقع الذي يمكنه من ~~بلوغ المنزلة الكبيرة ، ( @QUR@04 ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) لنهيئ له ~~المدخل الطبيعي PageV12P179 # للنفاذ إلى ذلك المجتمع الكبير المعقد ، الذي لا يسمح لأحد بدخوله إلا من ~~باب الامتيازات الخاصة التي يملكونها ، ( @QUR@04 والله غالب على أمره ) في ~~ما يريد أن ينفذه من مشيئته وإرادته في خلقه ، فلا راد لمشيئته في جميع ~~الأمور ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) فلا يعرفون علاقة كل شيء ~~بالله لأن الأسباب مهما تعددت وتنوعت ، فإن أمرها ينتهي إليه ، فهو القادر ~~على تغييرها من حال إلى حال ، وتوجيهها بالاتجاه الذي يريده ، وهو أمر لا ~~يلتفت إليه الناس عند تقدير عواقب الأمور. # * * * PageV12P180 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) ~~@QUR@023 وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال ~~معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) @QUR@020 ولقد همت ~~به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين (24) @QUR@023 واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا ~~سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ~~(25) @QUR@019 قال هي راودتني عن نفسي وشهد ms2954 شاهد من أهلها إن كان قميصه قد ~~من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) @QUR@010 وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين (27) @QUR@013 فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن ~~إن كيدكن عظيم (28) @QUR@010 يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من ~~الخاطئين ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ولما بلغ أشده ): استكمل قوته جسما وعقلا. PageV12P181 # ( @QUR@01 وراودته ): المراودة : المطالبة بأمر بالرفق واللين. # ( @QUR@01 وغلقت ): التغليق : إطباق الباب بما يعسر فتحه. # ( @QUR@01 هيت ): أقبل أو أسرع. # ( @QUR@01 همت ): الهم : العزم على الفعل. # ( @QUR@01 وقدت ): القد : شق الشيء طولا. # ( @QUR@01 وألفيا ): وجدا. # * * * ### ||| ** يوسف يؤتى حكما وعلما # ... وعاش يوسف ، لا كما يعيش من هم في سنه من الشباب حياة اللهو والعبث ، ~~بل عاش حياة فكر وتأمل وعلم ، ودراسة واقعية للساحة التي تحيط به لما ~~تقتضيه الحكمة من معايشة للواقع ، وفهم له ، وملاحقة لخصوصيات التجارب ~~المختلفة كي يصدر الحكم على الأشياء من قاعدة الوعي العميق لطبيعتها وطبيعة ~~انطلاقها وحركتها ، وقد وهبه الله من فضله ، ما يكفل وصوله إلى الغايات ~~التي يريدها من حركة حياته في خط رسالته وتدبيره ، كونه أحسن النية ، وصدق ~~العمل ، وسار في الطريق المستقيم. # ( @QUR@06 ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) فأصبح من أولي الحكم الذين ~~يقصدون للحكم من موقع فكري عميق واسع ، وعلم غزير شامل ، جزاء لصبره ~~وإحسانه ، لما يمثله الصبر في حياة الإنسان من تعميق للفكر وتوسيع له ، ~~أمام مصاعب الحياة ومشاكلها التي لا يتحملها إلا الصابرون ، وبما يمثله ~~الإحسان PageV12P182 # من انفتاح على الكون في حاضر الحياة ومستقبلها ، بالشكل الذي يغني ~~التجربة ، ويوسع الأفق ، ويوحي بالامتداد ، ( @QUR@03 وكذلك نجزي المحسنين ~~) في ما نخصهم به من مواهب ونعم في الحكم والعلم والقدرة. # * * * ### ||| ** تجربة الإغراء الصعبة # وبدأت التجربة الصعبة في حياته ، فها هو يواجه الإغراء بأشد صوره ، مما ~~لا يملك الامتناع عنه ، إذا أراد لحياته أن تستمر في النعيم الذي يتقلب فيه ~~، والامتيازات التي يملكها ، وإلا فقد ذلك كله ، مع خطر على الحرية التي ~~يعيش فيها ، وخوف على حياته من الهلاك. # إنه في سن المراهقة حيث تتفتح الغرائز في ms2955 فضاء الشهوة ، وتضيع المشاعر في ~~أجواء العاطفة ، ويلتهب فيها الجسد في نيران الأحاسيس ، ويتحرك فيها ~~الإنسان في غيبوبة الأحلام الضبابية المبهمة التي تثير الجو من حوله ، ليحس ~~بأنه يسبح في بحور من الحب والخيال ، مواجها المزيد من أمواج الحس التي ~~تطغى على فكره وحكمته. # ففي البيت تعيش امرأة تضج شهوة وعاطفة إزاء ما يملك من حسن في ملامحه ~~الجميلة ، وهي في الوقت نفسه ، امرأة تتبوأ مواقع السلطة والقدرة ، فلا يرد ~~لها أحد طلبا ، ولا تمتنع عنها رغبة ، سواء من قبل زوجها ، أم من قبل أصحاب ~~النفوذ الذين يحيطون بها ، فكيف بهذا الشاب الذي لا حول له ولا قوة ، لأنه ~~عبد مملوك اشتراه زوجها بماله ليخدمه ويخدمها ويستجيب لكل طلباتهما ~~ورغباتهما ، وقد كانت تشعر أن ما تريده من قضاء الشهوة معه ، لا يمثل إلا ~~بعض الرغبات الطبيعية التي يجب عليه تلبيتها كعبد لأسياده. وبدأت عملية ~~الإغراء والمعاناة معا ، وتحركت كل الضغوط الجسدية والخارجية لتلاحق إرادته ~~لتسقطها أمام التجربة الصعبة. PageV12P183 # ( @QUR@09 وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب ) في عملية ~~هجوم عاطفي يوحي إليه بأجواء الإغراء ، ويحرك فيه مكامن الشهوة ، ويمنع عنه ~~طريق الهروب ، ولعل في التعبير بأنه في بيتها إيحاء بالجو الضاغط الذي يحيط ~~به ، لتوفره على الاختلاط والسيطرة اللذين يسهلان مهمة السقوط. ( @QUR@03 ~~وقالت هيت لك ) في صوت يشبه الفحيح المحموم الذي يخرج من أعماق الغريزة ، ~~فقد استعدت كل الاستعداد الروحي والشعوري والجسدي لهذا الموقف ، واعتبرت ~~الحصول على ما تريده حالة طبيعية ، ومهمة سهلة لا تحتاج إلا إلى طلب ~~الاستجابة من يوسف ، ولهذا كانت الدعوة بهذا الأسلوب الذي يختصر الموقف في ~~كلمة مشبعة بالرغبة الحميمة «هلم إلي» ، ولكن يوسف كان في عالم آخر ، فهو ~~لا يعيش الاستغراق في عالم الحس وتحقيق الارتواء الغريزي ، كقيمة إنسانية ~~حيوية يستهدفها الشباب عموما ، بل يعيش لنداء الروح ، في ما تنطلق به من ~~روحية الإيمان ، وإحساس الوفاء ، فهو لا ينظر إلى ما في داخله من أشواق ~~الحس ، بل يتطلع إلى ما في روحه من آفاق ms2956 السمو نحو الله ، وهذا ما عبر عنه ~~في كلمته التي صورها الله لنا بقوله : ( @QUR@03 قال معاذ الله ) في كلمة ~~مؤمنة موحية تعبر عن الرفض الحازم من جهة ، وعن اللجوء إلى الله ، ~~والاستجارة به من هذا النداء الشبق المفعم باللهفة والإغراء ، الذي يكاد ~~يفترس منه روح الطهر ، ويدفعه إلى العهر والفجور. # * * * ### ||| ** مواجهة الإحسان بالإحسان # ثم انطلق ليتحسس المسألة من جهة أخرى ، وهي مسألة الوفاء لسيده الذي أحسن ~~مثواه ، فكيف يمكن أن يخونه في زوجته؟ إنه لو فعل ذلك فسوف يحس بالاحتقار ~~لنفسه ، كما يحس أي خائن ، ( @QUR@02 إنه ربي ) الذي رباني بما PageV12P184 # تتضمنه الكلمة من معنى التربية والرعاية والسيادة ، ( @QUR@02 أحسن مثواي ~~) في ما أعده لي من منزل وإحسان وحرية وراحة ، فلا بد من أن أواجه الإحسان ~~بالإحسان ، فلا أظلمه بالإساءة إليه وخيانته مع زوجته ، لأن ذلك لن يحقق لي ~~النجاح والفلاح في عواقب الأمور ، ( @QUR@04 إنه لا يفلح الظالمون ) الذين ~~يظلمون أنفسهم بالمعصية ، ويظلمون غيرهم بالخيانة ، لأن النتائج لن تكون في ~~صالح دنياهم أو آخرتهم. # وقد ذهب بعض المفسرين إلى إن الحديث عن الله لا عن سيده ، فقد استعاذ ~~يوسف به من الخضوع لإغراء الشهوة ، ثم عبر عن إحساسه بنعمة الله بالمستوى ~~الذي يردعه عن الاندفاع للخيانة ، ولهذا كان من المناسب إثارة جانب ~~الاحترام الذي يشعر به يوسف تجاه سيده ، وربما كان التعبير بكلمة ( @QUR@01 ~~ربي ) متعارفا في الحديث عن السيد المالك في ذلك المجتمع ، كما أن كلمة ( ~~@QUR@02 أحسن مثواي ) قد تكون أقرب إلى علاقة يوسف بزوجها الذي رعاه وحماه ~~من التشرد والضياع الذي يعاني منه العبيد عادة بالانتقال في أسواق النخاسة ~~من مالك إلى مالك ، ومن بلد إلى بلد ، بينما كان ليوسف في قلب هذا الإنسان ~~موقع الولد ، كما عبر ( @QUR@03 أو نتخذه ولدا ) وإن لم يصل ذلك إلى مستوى ~~التبني ، ولو كان الحديث عن الله لكان من المناسب الحديث عن النعم الكبيرة ~~التي تتصل بوجوده وخلقه ورعايته في كل الأمور. # أما عدم تقدم ذكره ، أو قرب ذكر لفظ الجلالة من موقع الضمير ، فليس ms2957 بشيء ~~يحقق الظهور لما يريدونه ، لأن الحديث عنه قد تقدم في قوله ، ( @QUR@03 ~~وقال الذي اشتراه ) كما أن جو الحادثة يوحي به بشكل بارز ، فإن الموقف من ~~الزوجة التي تريد خيانة زوجها يبعث على التفكير بالزوج بطريقة طبيعية ، ~~تماما كما لو ذكر باللفظ. # إنها ملاحظات قد ترجح الوجه الذي نستقربه ، والله هو العالم بحقائق آياته. # * * * PageV12P185 ### ||| ** ولقد همت به .. وهم بها # ( @QUR@03 ولقد همت به ) في اندفاعها نحوه ، من أجل أن تحتويه بكل ما ~~لديها من عاطفة وشهوة وإغراء في حركة ضاغطة ، مشبوبة من موقع الضعف الأنثوي ~~الغريزي الذي لا يرتكز في الجانب الآخر من الشخصية على قاعدة من العقل ~~والإيمان اللذين يمكن لهما أن يحققا حالة من التوازن والانضباط. وهكذا رأت ~~أن الظروف الصعبة التي يعيشها هذا الغلام الجميل الذي وضعته الأقدار تحت ~~سلطتها ، تساعدها على تحقيق أغراضها الغريزية منه ، فيستسلم لسلطتها ~~وإغرائها ( @QUR@02 وهم بها ) في حالة شعورية طبيعية ، يتحرك فيها الإنسان ~~غريزيا من دون تفكير ، لأن من الطبيعي لأي شاب يعيش في أجواء الإثارة أن ~~ينجذب إليها ، تماما ، كمن تتحرك غريزة الجوع في نفسه بكل إفرازاتها ~~الجسدية عند ما يشم رائحة الطعام ، وهذا أمر يلتقي فيه المؤمن بغير المؤمن ~~، لأنه من شؤون الإحساسات الغريزية للجسد ، ولكن القضية تتناول الموقف الذي ~~يحدد للإنسان شخصيته من مواقع الإيمان والالتزام ، أو مواقع الكفر ~~والانفلات. وهكذا نتصور موقف يوسف ، فقد أحس بالانجذاب نحوها لا شعوريا ، ~~وهم بها استجابة لذلك الإحساس ، كما همت به ، ولكنه توقف وتراجع ، ورفض ~~الحالة بحزم وتصميم ، لأن موقفه ليس متعمدا ، كما هو موقفها ، ليندفع به ~~نحو النهاية ، كما اندفعت هي ، ولكن انجذابه الجسدي كان يشبه التقلص ~~الطبيعي ، والاندفاع الغريزي. # * * * ### ||| ** الموقف اليوسفي # إنها لحظة من لحظات الإحساس ، عبرت عن نفسها ثم ضاعت وتلاشت PageV12P186 # أمام العقيدة الراسخة ، والقرار الحازم المنطلق من حساب دقيق لموقفه من ~~الله لو أطاع إحساسه ، وهذا ما عبر عنه قوله تعالى : ( @QUR@06 لو لا أن ~~رأى برهان ربه ) في ما تعنيه كلمة البرهان من الحجة في الفكرة التي توضح ~~الرؤية ms2958 ، وتكشف حقيقة الأمر ، فيحس ، بعمق الإيمان ، أنه لا يملك أية حجة ~~في ما يمكن أن يقدم عليه ، بل الحجة كلها لله ، وربما كان جو هذه الآية هو ~~جو قوله تعالى : ( @QUR@012 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : 201]. وقد نستوحي ذلك من مقابلة كلمة ( ~~@QUR@02 وهم بها ) لكلمة : ( @QUR@02 بلغ أشده ) فقد اندفعت إليه بكل قوة ~~وضراوة واشتهاء ، فحركت فيه قابلية الاندفاع ، وكاد أن يندفع إليها لو لا ~~يقظة الحقيقة في روحه ، وانطلاقة الإيمان في قلبه ، وبذلك كان الموقف ~~اليوسفي ، انجذابا وتماسكا وتراجعا مستوحى من الكلمة ومن الجو الذي يوحي به ~~السياق معا (1). # * * * PageV12P187 ### ||| ** هل في الآية ما ينافي العصمة؟ # لقد تحدث المفسرون كثيرا عن تأويل هذه الفقرة لما لها من علاقة بعصمة ~~يوسف ، معتبرين أنه قد لا يكون نبيا آنذاك ، ولكن رأي الكثيرين ، أن العصمة ~~تسبق النبوة ، كما تلحقها أو ترافقها ، ويرى بعض آخر أن النبي إذا لم يكن ~~معصوما قبل البعثة ، فمن الطبيعي أن يكون ذا مناعة أخلاقية لا تسقط أمام ~~أية حالة من حالات الإغراء ، لأن مسألة النبوة ليست وظيفة تتعلق بالدعوة ، ~~بل هي مسألة تتصل بالعمق المتأصل في روحية النبي من قوة الشخصية تؤهله ~~للقيام بمهمة تغيير العالم. # هذا بالإضافة إلى شهادة الله له ، بأنه من عباده المخلصين في آخر الآية ، ~~مما يفرض أن يكون الإخلاص لله في العبودية ، سرا مركوزا في شخصيته ، لا ~~حالة طارئة عليها. # ولكننا في الوقت الذي نلتقي مع هؤلاء في جو الفكرة ، مع بعض التحفظات في ~~تفاصيلها ، نعتقد أن العصمة ، أو المناعة الروحية ، أو القوة الأخلاقية ، ~~لا تتنافى مع الحالة الإنسانية التي تخضع لعوامل التأثر الطبيعي الإنساني ~~بالرغبة والرهبة ، بل إن كل ما تؤمنه ، هو الالتزام الفكري والروحي والعملي ~~بالخط المستقيم ، فلا ينحرف في موقف ، ولا يسقط في تجربة ، أما التهاويل ~~والخطرات ، والمشاعر ، فهي أمور طبيعية ، لذلك فلا مجال لإثارة الشبهة حول ~~موقف يوسف ، كما يظهر في الآية ، مما يدفع إلى كثير من التأويل والتكلف ~~الذي يبتعد عن المضمون ms2959 الحقيقي لها. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام ينصرف عن السوء # ( @QUR@05 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) بما يلهمه الله لعباده من فكر ، PageV12P188 # وما يثير فيهم من شعور ويفتح لهم من أفق ، بهدف عصمتهم من السقوط أمام ~~التجربة ، أو الانحراف أمام الإغراء ، ليستقيم لهم الدرب في الأفق الواضح ، ~~فيحصلوا على ثقة الأمة ، في مواقع الصدق في القول والعمل ، لتلتزم بما ~~يأمرون أو ينهون عنه ، من موقع الثقة ، وهذا ما أراد الله ليوسف أن يبلغه ، ~~من خلال رؤية البرهان الإلهي الذي استطاع أن يعصم موقفه ، ويضبط مشاعره ~~الحسية ، ( @QUR@04 إنه من عبادنا المخلصين ) الذين أخلصوا لله الإيمان ، ~~فاقتربوا من وحيه ، والتزموا بشريعته ، وانسجموا مع هداه ، فرعاهم الله ~~واحتضن روحهم وفكرهم ، وحياتهم العامة والخاصة. ولا بد لنا أن نثير في هذا ~~المجال ، أن الصرف عن السوء والفحشاء ، ليس أمرا بعيدا عن حرية الإرادة ~~والاختيار ، بل هو قريب منها كل القرب ، لأن الله لم يجبره على الابتعاد عن ~~المعصية ، بل أثار أمامه الأفكار التي تبعده عنها بشكل تلقائي وعفوي. # * * * ### ||| ** الكيد العظيم # ( @QUR@02 واستبقا الباب ) فقد اندفع يوسف إلى الباب ليهرب منها ، ~~وليتخلص من ضغطها العنيف الذي كاد أن يسقطه في الإغراء ، واندفعت هي خلفه ، ~~لتمنعه من الهرب ، ولتفرض عليه الاستجابة لنداء الشهوة ، في عملية سباق ~~يحاول فيه كل واحد منهما أن يسبق الآخر. ولكنها استطاعت أن تلحقه قبل أن ~~يفلت من يديها ، ( @QUR@04 وقدت قميصه من دبر ) من الخلف ، ومزقته عند ما ~~كانت تجذبه إليها ليرجع إلى داخل البيت ، وكانت المفاجأة لهما بالمرصاد ، ( ~~@QUR@04 وألفيا سيدها لدى الباب ). وفوجئ بالموقف الملتهب أمامه ، ولكنها ~~لم ترتبك ولم تخف منه ، بل حاولت أن تحول المسألة إلى اتهام ليوسف ~~بالاعتداء عليها ، لتعاقبه على امتناعه عن الاستجابة لها ، بتشويه صورته ، ~~واستغلال الفكرة الشائعة عند الناس ، أن الرجل هو الذي يعتدي على المرأة ، ~~وليس العكس ، وربما كانت تشعر بتأثيرها العاطفي الكبير على زوجها ، كما ~~نستوحي من PageV12P189 # أسلوب مواجهته لها بالاتهام بعد ذلك ، وهكذا حاولت الإيحاء بأن مسألة ~~إدانة يوسف بمحاولة الاعتداء عليها ، أمر مفروغ منه ، لا ms2960 يحتاج إلى ~~المناقشة أو الإثبات ، لأن الموقف أبلغ شاهد على ذلك ، ولهذا كان حديثها مع ~~زوجها في نوعية العقوبة التي يستحقها كجزاء على ذلك ، ( @QUR@013 قالت ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) وهكذا حددت له طرفي ~~الاحتمال في ما يختاره من العقوبة. # ( @QUR@05 قال هي راودتني عن نفسي ) ولكنه دفاع ضعيف لا يخضع لطبيعة ~~الفكرة الشائعة عند الناس التي تجعل المرأة في موقف الضعف ، في هذا الجانب ~~، بينما يقف الرجل في موقف العدوانية عليها ، إلا أن هناك عنصرا جديدا ~~يتدخل ليقوي موقف يوسف بشهادة لا تحدد طبيعة ما حدث بشكل مباشر ، ولكنها ~~تضع أمام العزيز الزوج أساس الحكم في المسألة ، بطريقة لا تقبل الشك ، ~~لأنها تتناسب وطبيعة الأشياء. # ( @QUR@04 وشهد شاهد من أهلها ) مما يجعله في مستوى الثقة ، لأنه لا يتصل ~~بيوسف من قريب أو من بعيد ، لتكون شهادته له موضع شبهة : ( @QUR@010 إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ) لأن من المفروض في الرجل الذي ~~يعتدي على المرأة جنسيا ، أن يواجهها بالهجوم ، وجها لوجه ، كما يفترض ~~بالمرأة التي تدافع عن نفسها ، في هذه الحال ، أن توجه ضرباتها إليه في ~~وجهه ، وأن تمزق قميصه لجهة الصدر ، ( @QUR@010 وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين ) لأن المرأة عند ما تريد الضغط على الرجل الذي يرفض ~~مراودتها له ، لا بد لها من ملاحقته وهو يهرب منها ، مما يؤدي إلى تمزيق ~~الثوب ويكون ذلك من الخلف ، تبعا لموقعها منه ، وموقعه منها ، في عملية ~~الملاحقة ، وبهذا تكون دعواها كاذبة في الحديث عن مبادرته بالعدوان عليها. # واقتنع العزيز بهذه الملاحظة لأنها قريبة لمنطق الأشياء ، ( @QUR@06 فلما ~~رأى قميصه قد من دبر ) صدق يوسف بأنها راودته عن نفسه ، والتفت إليها في موقف PageV12P190 # استنكار وتأنيب ، ( @QUR@04 قال إنه من كيدكن ) لما كان يحمله في نفسه من ~~انطباع عن كيد النساء اللواتي يقمن ضعفهن الأنثوي في مخاطبة شهوة الرجل ~~وغريزته ، واستعمال ذلك الضعف كسلاح ضده ، في ما تذرفه من دموع في حالة ~~الشكوى ms2961 ، وفي ما تقدمه من أساليب أخرى في محاولة لإقناع الآخرين بظلامتها. ~~وفي هذا الاتجاه سارت زوجة العزيز في موقفها من يوسف ، مستغلة وجوده عندها ~~في البيت ، وحاجته إليها في ظروف العبودية التي فرضت عليه ، ويقظة غرائز ~~المراهقة في دمه وأعصابه ، وعند ما امتنع عليها لاحقته في محاولة منها ~~للضغط عليه ، ولما فاجأها زوجها بالموقف الشائن بادرت إلى اتهام يوسف ~~بالاعتداء عليها ، اعتقادا منها بأن طبيعة الأمور في مثل هذه الحالات تفرض ~~على زوجها تصديقها وتكذيب يوسف ، ( @QUR@03 إن كيدكن عظيم ) لأن المرأة ~~تملك من الوسائل الخفية ، ما تستطيع به السيطرة على الموقف من أوسع السبل. # * * * ### ||| ** الكيد وضعف المرأة # وقد ذهب البعض ، إلى أن التاريخ البشري الذي عزل المرأة عن النشاط الفكري ~~والعمل الجدي الواسع في حركة الحياة ، وحبسها في دائرة البيت وأضاء الأجواء ~~الخاصة المحيطة بموقعها من الرجل جعلها تتجه إلى تفجير طاقاتها في التخطيط ~~للدفاع عن نفسها ، بالتآمر والكيد والحيل المتحركة في أجواء الخفاء ، في ~~مجتمع النساء والرجال معا ، ولهذا كانت هذه الوسائل نتيجة طبيعية لانطلاقة ~~عبقريتها الذهنية بكل طاقاتها في هذا الاتجاه فأبدعت فيه ، ككل إنسان يكرس ~~لشيء ما كل طاقاته الفكرية والعملية. وبهذا فإن الحيل والمكيدة لا تمثل ~~حالة طبيعية في المرأة ، بل تمثل لونا من ألوان النشاط PageV12P191 # الذهني والعملي الذي تحركه أجواء معينة يمكن للرجل أن يقوم به أيضا في ~~أجواء مماثلة ، إلا أن ما يميز المرأة في هذا الشأن أن موقعها الضعيف أمام ~~الرجل والحواجز التي تحول دون حصولها على ما ترغب تجعل الكيد أسلوبا تحتاجه ~~للوصول إلى ما تريد ، خلافا للرجل الذي يتمتع بفضل سلطته وقوته وموقعه ~~المميز ، بحرية الحركة ، وإمكانات الوصول إلى ما يريد من أقرب طريق بشكل ~~مباشر ، دون حاجة للحيلة الكبيرة ، والفكر الدقيق. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام يخرج من التجربة بنجاح # لذا أصدر الزوج الحكم لمصلحة يوسف ، ولكنه أراد للقضية ألا تأخذ حجما ~~كبيرا يصل بها إلى مستوى الفضيحة ، لأن ذلك يضر بمركزه ، أو يعقد علاقته ~~بزوجته التي كان يحبها كما يبدو من ms2962 ملاحظة دورها المميز معه . وبهذا فقد ~~اعتبرها لونا من ألوان العبث الذي يدعو إليه الضعف الأنثوي ، فتوجه إليها ~~وإلى يوسف ، وقال له : ( @QUR@04 يوسف أعرض عن هذا ) وانس كل ما يتعلق به ، ~~ولا تتوقف عنده ، واعتبره أمرا طارئا ، ككل شيء يحدث بسرعة ، وينتهي بسرعة ~~، وقال لامرأته : ( @QUR@02 واستغفري لذنبك ) في مراودتك ليوسف بما يمثله ~~ذلك من عدوان عليه ، ومن خيانة لحقوقي الزوجية ، ( @QUR@04 إنك كنت من ~~الخاطئين ) في ما كنت تحاولينه من الوقوع في الزنى بطريقة الضغط والعدوان ، ~~مما يجعل الخطيئة مضاعفة في الموقع الذي تقفين فيه. # وهكذا أسدل الستار على هذا المشهد في نطاق المشكلة التي أثارها هذا الوضع ~~الطارئ القلق في البيت ، وعاد كل واحد إلى عالمه الخاص ، وهدأ كل شيء في ~~الداخل ، ونجح يوسف في الامتحان الروحي الإيماني في أول تجربة صعبة تهز كل ~~وجدانه ، وكل وجوده. # * * * PageV12P192 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) @QUR@032 فلما سمعت بمكرهن أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما ~~رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ~~(31) @QUR@019 قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ~~ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) @QUR@017 قال رب ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شغفها ): أي بلغ شغاف قلبها ، أي باطنه ، وقيل : وسطه. # ( @QUR@01 وأعتدت ): أعدت وهيأت. # ( @QUR@01 متكأ ): ما يتكأ عليه من فرش ونحوه. # ( @QUR@01 وقطعن ): جرحن. PageV12P193 # ( @QUR@01 فاستعصم ): طلب العصمة وامتنع عما أرادت منه. # * * * ### ||| ** شياع الخبر # ومضت امرأة العزيز في حبها ليوسف ، يأخذ عليها كل كيانها ووجدانها ، ~~ويملأ كل حياتها ، ولكنها لم تجرب أن تمارس الضغط الجسدي عليه ، بعد فشل ~~التجربة الأولى ، بل كانت تحاول إثارته بكل ما تملك من وسائل الإغراء ، في ~~كل وقت ، مستغلة ضعف موقعه كعبد ، أمام قوة موقعها منه كسيدة ومالكة له ، ~~وتعاظم هذا الحب الذي ms2963 بدأ يعبر عن نفسه في نظرات العيون ، وحركات الجسد ، ~~وكان الشغل الشاغل لها ، فلم تستطع معه أن تحفظ لنفسها بهذا السر ، فعرف ~~الناس بذلك من خلال ما كانوا يشاهدونه في طريقة معاملتها له ، وفي ما كانوا ~~يلاحظونه أو يستنتجونه من مراودتها له ، وهكذا شاع الخبر بين الناس ، ~~وتلقفته أفواه النساء اللاتي رأين فيه مادة طيبة للحديث ، ولونا من ألوان ~~التندر والسخرية بامرأة العزيز التي كن يضمرن لها بعض الحسد ، لموقعها ~~المميز في الوسط الاجتماعي الذي ينتمين إليه ، وهذا ما حدثنا القرآن عنه. # * * * ### ||| ** مكر النسوة # ( @QUR@010 وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه ) ~~وتدعوه إلى ممارسة الفحشاء معها ، ( @QUR@03 قد شغفها حبا ) وملأ كل قلبها ~~حتى الأعماق ، وسيطر على كيانها ، حتى دفعها إلى الخيانة ، ( @QUR@05 إنا ~~لنراها في ضلال مبين ) وأي ضلال أبعد وأوضح من عشق السيدة لعبدها ، في ما ~~يمثله ذلك من خسة في النفس ، وخروج عن التقاليد ، وتنكر للموقع الاجتماعي ~~الذي تقف فيه ، فإذا PageV12P194 # كان المجتمع الراقي يبيح للمرأة أن تخون زوجها وتتخذ لها عشيقا ، فإن ~~عليها أن تتخذه من داخل الطبقة المميزة التي تنتمي إليها ، لئلا تسيء إلى ~~تقاليدها الطبقية التي تفرض إقامة الحواجز بينها وبين الطبقة السفلى ، فلا ~~تتنازل السيدة فيه لعبدها مهما كانت الظروف ، في أية لفتة عطف ، فكيف يسمح ~~لها أن تدعوه إلى نفسها في علاقة جنس؟! وهكذا بدأ الحديث عنها يتخذ منحى ~~خطيرا في تشوية سمعتها وتحقير مكانتها ، والتنديد بخروجها عن الأخلاق ~~الطبقية التي يحترمها مجتمعها ، ويرى في الخروج عنها ضلالا مبينا ، ~~وانحرافا خطيرا ، وربما كان هذا الحديث صادرا عن سوء نية ، وشعور بالحسد ~~لها ، لا عن إخلاص للقيم الاجتماعية ، والتقاليد الطبقية. # * * * ### ||| ** خطة الالتفاف # ( @QUR@03 فلما سمعت بمكرهن ) بما يتحدثن به عنها ، وما يسعين له من ~~تحقير لمكانتها في المجتمع ، ( @QUR@02 أرسلت إليهن ) في دعوة اجتماعية لا ~~توحي بأي طابع مميز ، تماما كما هي عادة النساء في اجتماعاتهن الخاصة ، ~~لمناسبة فرح أو حزن ، أو للأخذ بأسباب اللهو ، أو التحدث في أي أمر طارئ ، ~~أو في أي ms2964 شيء يملأ الفراغ ، ويمتع النفس ، وكانت تريد مفاجأتهن ، والالتفاف ~~على مكرهن بمكر أشد في عملية ذكية لتوريطهن بما تورطت به ، ولايقاعهن في ~~خطيئة التمرد على تقاليد المجتمع الطبقية ، فدعتهن إليها ، ( @QUR@03 ~~وأعتدت لهن متكأ ) في ما يوحي به ذلك من المجلس المميز الذي يستسلمن فيه ~~للراحة والاسترخاء ، ليأخذن حريتهن في الجلوس وفي الحديث في جو عائلي حميم. ~~( @QUR@05 وآتت كل واحدة منهن سكينا ) لتقطع به الفاكهة التي قدمتها إليهن ~~في هذا المجلس ، وهنا كانت المفاجأة التي لم يتهيأن لها ، فلم يكن في ~~البرنامج أو هكذا يبدو أن يخرج يوسف إليهن ، أو يجلس معهن ، لأن التقاليد ~~الطبقية لا PageV12P195 # تسمح بذلك. ( @QUR@03 وقالت اخرج عليهن ) في أمر حاسم صادر من السيدة ~~لعبدها ، فخرج إليهن ، لأن موقعه يفرض عليه الطاعة لسيدته ، فإذا بالزلزال ~~الروحي والعاطفي والشهواني يهز كل كيانهن ، ويسيطر على كل مشاعرهن ، في ~~اندفاعة ساحقة ، ( @QUR@03 فلما رأينه أكبرنه ) لإشراقة وجهه وجمال صورته ، ~~وسحر ملامحه ، وحلاوة شخصيته. # * * * ### ||| ** الدخول المفاجئ # لقد كان ذلك كله مفاجأة لهن ، لأنهن كن يتصورنه على صورة العبيد الذين لا ~~يملكون أية ميزة جمالية ، ولهذا كن ينكرن على امرأة العزيز أن تراود فتاها ~~عن نفسه ، وأن تعشقه ، وقد لا يكون ذلك الإنكار ناشئا من احترامهن للأخلاق ~~والعفة ، لأن مجتمعهن الطبقي لا يعير ذلك أهمية ، بل قد يكون ناشئا من ~~اعتبار موقفها شذوذا في التصرف ، وانحرافا في الذوق تستسلم معه المرأة ~~الكبيرة ، لعبد لا جمال فيه أو إثارة ... أما الآن ، فقد وجدن لها كل العذر ~~، لأنهن وقفن أمام هذا الجمال الباهر العظيم في ذهول وانجذاب ، فقدن معه ~~السيطرة على مشاعرهن ، ووعيهن ، حتى لم يعدن يعقلن ماذا يفعلن ، فعند ما ~~رأينه ، تركن تقطيع الفاكهة بالسكاكين التي قدمت لهن لذلك ، ( @QUR@02 ~~وقطعن أيديهن ) من دون شعور ، فإذا بالدماء تسيل ، وهن لا يشعرن بالألم ~~أمام سكرة النشوة بهذا الجمال ، ( @QUR@03 وقلن حاش لله ) في تعبير يستنكر ~~وصفه بالكلمات المألوفة التي تجعله من صنف البشر ، كأنهن يقلن حاش لله أن ~~يكون كذلك في ما يقوله الناس عنه ، ( @QUR@03 ما هذا بشرا ms2965 ) لأن البشر لا ~~يملكون مثل هذا الجمال الروحي الذي لا مثيل له ، ( @QUR@05 إن هذا إلا ملك ~~كريم ) في ما يتصورن به الملائكة من السمو في الجمال الخارق الذي لا يدانيه ~~جمال في الكون ، لأنهم يمثلون أقصى حدود الروعة في التكوين. # * * * PageV12P196 ### ||| ** تبرير الانحراف # وهنا جاء دور امرأة العزيز لتدافع وتبرر علاقتها المنحرفة بيوسف التي ~~عرضتها لهجوم هؤلاء النسوة ، ( @QUR@05 قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ) فإذا ~~كنتن قد فقدتن شعوركن وإراداتكن وعقولكن أمام النظرة الأولى لهذا الملاك ~~الجميل ، فما حال المرأة التي تعيش معه في البيت في كل أوقاتها ، في خلوة ~~كاملة ، توحي لها بكل إغراء الحرية ، أمام إغراء الجمال ، فهل علي لوم إن ~~فعلت ما فعلت ، أو ثارت عواطفي تجاهه ، إنها التجربة الصعبة التي لا مثيل ~~لها ، فالنيران تلهب مشاعري وأحاسيسي وغرائزي كالجحيم ، دون أن أتمكن من ~~إطفائها ، بل أعاني الشعور بالحقارة أمام نظرته المتعففة الورعة المتعالية ~~عن الإغراء التي ترفض كل هذا الجمال الذي أقدمه له ، وتستهين به ، وتحتقره ~~، كما يثير في الرغبة التي تشتد أمام الامتناع من جهة أخرى. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام بين ضغوط الإغراء والتهديد بسجنه # وربما شعرت أن حديثها يضعها في موقف الضعف ، فكيف يمتنع هذا العبد عليها ~~، وهي السيدة المالكة له ، المسيطرة عليه ، وكيف يرفضها وهي التي تساقط كل ~~الرجال تحت أقدامها؟ ولهذا أرادت أن تستعرض قوتها أمامه ، وأمامهن ، لئلا ~~يحتقرن موقعها منه فقالت: ( @QUR@05 ولئن لم يفعل ما آمره ) من الخضوع ~~لرغباتي وشهواتي ، ( @QUR@04 ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) بما أملكه من ~~تأثير على زوجي وعلى أولي الأمر ، يتيح لي الضغط لإدخاله السجن حيث يشعر ~~بحقارة موقعه ، ويعرف حقيقة قدره ، فيقف عند حدوده ، ولا يتمرد على أسياده ~~، ولا يتعالى على رغباتهم في وقفة عز وكبرياء. PageV12P197 # وشعر يوسف بأنه محاصر بهذا الجمال المتنوع بين امرأة العزيز التي تدعوه ~~إلى نفسها في الليل والنهار بكل ما تملكه من أساليب الإغراء والإغواء ، ~~بهدف إثارة غريزته وشهوته ، وبين هؤلاء النسوة اللاتي عرفنه في هذا اللقاء ~~، وبدأن يراودنه عن نفسه ، بطريقة خفية أو معلنة ms2966 ، وربما يلاحقنه في ~~المستقبل ليؤثرن عليه ، وقد يحاولن الضغط عليه بتهديده بطريقة أو بأخرى ، ~~بالسجن أو غيره ، كما ذكرت امرأة العزيز ... فما ذا يفعل؟ إنه يخشى على ~~نفسه أن يميل إليهن ، ويسقط في التجربة أخيرا ، لأن القدرة على المقاومة قد ~~تضعف وتتلاشى أمام ضغوط الإغراء ، ونداء الغريزة. # * * * ### ||| ** اللجوء إلى الله # إن يوسف بشر كبقية البشر ، يتأثر بما يتأثرون به ، ويستجيب لما يستجيبون ~~له ، ولو لا رعاية الله وعصمته له ، لانقاد لها في ما دعته إليه ولكنه ها ~~هو يستعين بالله ، في هذا الموقف كما استعان به في الموقف السابق ، ويريد ~~له أن ينقذه الآن ، كما أنقذه من قبل ، إنه يفضل كل مصائب الدنيا وآلامها ، ~~على موقف معصية لربه ، ولهذا لجأ إلى الله وصرخ بكل قلبه ، في دعاء خاشع ~~حار مبتهل ، وبروحية العبد الذي تحضر كل مشاعره وأحاسيسه ، ويتحرك كل عقله ~~وإرادته ، طلبا للنجاة من ملاحقة الشيطان له ، الذي يريد إسقاط عفته ~~وأمانته وإرادته ، ويبعده عن محبة الله ، إنه ينشد الخلاص من هذا الحصار ~~الشهواني الغريزي الذي يعرض عليه الجمال المتنوع بكل كنوزه. # * * * PageV12P198 ### ||| ** السجن أحب من ارتكاب المعصية # ( @QUR@08 قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) من ارتكاب الفاحشة ، ~~والخضوع لتأثير الإغراء ، لأن السجن مع رضاك ، أفضل عندي ، وأحب إلي ، من ~~الحرية واللذة والمتعة مع معصيتك ، لأن في رضاك سعادة الروح في الدنيا ~~والآخرة ، وفي غضبك ، شقاء الروح في الدنيا والآخرة. إنني أقف بين سعادة ~~الأبد في خط الطاعة مع ظلام السجن ، وبين شقاء الأبد في حركة المعصية ، في ~~نور الحرية ، فأرى في السجن السعادة ، وفي الحرية الشقاء ، فأعني يا رب على ~~بلوغ رضاك ، وقو إرادتي لتقف في ساحة محبتك ، وامنعني من أن أقارف معصيتك. ~~( @QUR@04 وإلا تصرف عني كيدهن ) بما تمنحني إياه من قوة الإيمان والإرادة ~~، وبما تبعدني به عن أجواء الإغراء ، ( @QUR@02 أصب إليهن ) وأمل إلى تحقيق ~~رغباتهن التي قد تستجيب لها رغبتي ، ( @QUR@03 وأكن من الجاهلين ) الذين ~~خسروا أنفسهم يوم القيامة ، لقاء لذة فانية لا تمثل شيئا في عالم السعادة ~~والخلود. ms2967 # * * * ### ||| ** بين تكبل الجسد وحرية الروح # وهكذا تتمثل ، في هذا الموقف النفسي الإيماني الروحي المتمرد على أشد ~~أنواع الإغراء ، أروع مواقف الرفض للانحراف ، من أجل أن يستقيم للمؤمن خطه ~~، ويتعمق إيمانه ، ويستمر في حركته الصاعدة إلى الأعلى. # إنه الموقف الذي يوازن فيه الإنسان بين حرية جسده في التحرك في خط ~~الشيطان ، وبين حرية روحه في التحرك في خط الله. PageV12P199 # لقد فكر يوسف أن الاستسلام لرغبة امرأة العزيز وصويحباتها في ممارسة ~~الفاحشة معهن يجعله عبدا لهن ، وبذلك يفقد إنسانيته فكرا وشعورا وحركة ~~إيمان ، وربما كان يفكر أن عبوديته لامرأة العزيز التي كان يعيشها لم تكن ~~مشكلة كبيرة له ، لأنها كانت تمثل حجزا لحريته في حركة الحياة العادية ، من ~~تنقلات وتوقيت لليقظة والنوم ، وعمل على خدمتها وخدمة زوجها ولكن ذلك كله ~~لم يكن ليقترب من عمق المضمون الروحي لإنسانيته ، ببعدها الأخلاقي والسلوكي ~~التزاما بأوامر الله ونواهيه. # أما الاستسلام لما يردنه له من شهوات ، فيمثل السقوط في الهاوية حيث يفقد ~~إمكانية رفض ما يرفضه أخلاقيا وروحيا ، وإمكانية قبول ما يؤمن به من خلال ~~مبادئه ورسالته ، وبهذا تتحقق عبوديته بأقسى دلالاتها في نفسه ، فلا تبقى ~~حالة العبودية من الخارج بل تتحول إلى عبودية الإرادة والقرار ، حيث لا ~~يملك أن يقرر بحرية ، ولا يستطيع أن يوجه إرادته باستقلال ، ولهذا اختار ~~السجن الذي تتكبل فيه حركة الجسد لتتنفس روحه هواء الحرية. وهكذا انطلق ~~الإنسان الحر في شخصه ، ليولد مستقبلا جديدا له يحقق من خلاله الحرية لأمته ~~وللناس أجمعين. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي الموقف؟ # وهكذا نريد استيحاء هذا الموقف ، في كثير من المواقف التي يواجه فيها ~~المؤمنون الضغوط القاسية : الخيار بين السجن والانحراف ، أو بين الاضطهاد ~~والخيانة ، حيث يضطرون للمفاضلة في كثير من الحالات بين قضية الرسالة ، ~~وقضية الذات ، فيختار البعض حريته تحت تأثير تبريرات تصور له التراجع كما ~~لو أنه حالة اضطرار تحل فيه المعصية وتسوغ الانحراف ، لتبني PageV12P200 # المنطق الفردي في تقييم الأمور ، بعيدا عن المنطق الجماعي الذي يربط بين ~~حركة الفرد ، وبين النتائج السلبية أو الإيجابية على قضية ms2968 الأمة والرسالة. # ولعل يوسف قد أطلق هذا النداء الحي من أعماق روحه عند ما وجد إرادته في ~~موقع يتهددها بالسقوط ، فصرخ في ابتهال المؤمن أمام ربه ، ليستعين بالله ~~استمدادا للقوة الكفيلة بكبح المشاعر لمصلحة الإيمان. # وهذا ما تفرضه حاجة الرسالة إلى المواقف الثابتة على خط التضحية والإيمان ~~، بدلا من الكلمات الاستعراضية التي لا تحقق سوى الضوضاء التي تضيع في ~~الهواء. # ولعله من الضروري ، لبناء هذه الشخصية ، التأكيد على تشكيل خطة تربوية ~~متكاملة ، تشمل جانب الفكر والروح والشعور ، من خلال الكلمة الموحية ، ~~والجو الروحي ، والقدوة الحسنة ، فإن تأسيس عمق الإحساس الداخلي بالرفض ~~والقبول أمام ما يمكن أن يتعرض له المسلم سلبا أو إيجابا ، يجعل من عملية ~~الرفض والقبول تلك عملا روحيا يراقب فيه ربه ، في روحانية وصفاء ، ويتمرد ~~معه ، على كل النوازع الذاتية والعوامل الخارجية ، التي تحاول الانحراف به ~~عن الخط المستقيم ، فيعيش حالة السمو في أخلاقيته بالمستوى الذي يجعله ~~منسجما مع إيمانه ورساليته نظريا وعمليا. وهذا ما يحفظ لنا المسيرة ~~الإسلامية التي يواجه فيها الإسلام كل تحديات الكفر والضلال التي تضغط على ~~الفكر والشعور والحركة ، مما يفرض على المؤمنين الحصول على القوة الروحية ~~التي تدفعهم إلى التضحية على كل الأصعدة ، والانطلاق من زوايا الحاضر نحو ~~المستقبل الرحب ، الذي تصنعه الآلام الكبيرة لخدمة القضايا الكبيرة. # * * * PageV12P201 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ~~@QUR@011 ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) (35) # * * * ### ||| ** صرف الكيد # وهكذا أفاض الله عليه من رحمته ولطفه ورعايته ، فاستطاع أن يتخلص من ~~كيدهن ، بالموقف القوي ، والإرادة الصلبة ، والإيمان المنفتح ، فلم يستجب ~~لكل ما أحاطته به تلك المرأة من إغراء يخاطب فيه مشاعر الغريزة ، وأحاسيس ~~الشهوة ، ولم يخضع لكل الضغوط التي تحاصر حريته ، وتهدده بالسجن وبغيره من ~~وسائل التعذيب. # ( @QUR@03 فاستجاب له ربه ) الذي يستجيب لكل عبد مخلص يدعوه ، بكل خشوع ~~وخضوع ، لينقذه من البلاء ويعصمه من السقوط في وهدة الانحراف ، ( @QUR@03 ~~فصرف عنه كيدهن ) بتثبيت موقفه على خط العفة والصدق والإيمان ، وتهيئة الظروف PageV12P202 # التي ms2969 تضغط عليهن وتمنعهن من احتواء مقاومته ، بالأساليب المتنوعة الساحرة ~~، ( @QUR@04 إنه هو السميع العليم ) الذي يسمع دعاء عباده ويعلم ما في ~~داخلهم من صدق الشعور ، ونقاء الروح ، والرغبة في الالتزام. # * * * ### ||| ** ديدن المجتمعات المستكبرة # ( @QUR@08 ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ) التي تبين صدق يوسف في ~~دفاعه عن نفسه ، في براءته من التهمة الموجهة إليه ، ( @QUR@03 ليسجننه حتى ~~حين ) للخروج من إحراج المجتمع الذي يلاحقهم بالتنديد ، لما يمثله موقف ~~امرأة العزيز من خروج على تقاليد الطبقة الرفيعة التي ترفض الخيانة مع ~~العبد ، وإن كانت تقبلها مع الحر المنتمي إلى الطبقة الرفيعة ، لذا أجمع ~~الكل على التآمر على يوسف والإيحاء بأنه هو من راود سيدته عن نفسه فامتنعت ~~عنه ، الأمر الذي يحفظ للعائلة الكريمة سمعتها ، ويجعلها ضحية لاعتداء أثيم ~~، وهكذا كان السجن هو الحل للمشكلة الاجتماعية التي عاشوها ، وللفضيحة ~~الكبرى التي كادت تطوق سمعتهم ومكانتهم ، وذلك ديدن المجتمعات المستكبرة ، ~~التي تعمل على حماية القيم الظاهرية الخادعة في سلوك أفرادها بالعمل على ~~إلصاق التهمة بالمستضعفين الذين لا يحترمهم المجتمع ، ولا يجد أي حق لهم في ~~عيش كريم ، وإرادة حرة ، وعدالة شرعية ، لأن ذلك هو حق الأحرار ، لا حق ~~العبيد. # وربما كان السجن تنفيذا للتهديد الذي أطلقته ، في وجه يوسف ، وسيلة من ~~وسائل الضغط عليه ليستجيب لها ، ودعت زوجها إلى تنفيذه في البداية ، وتحدثت ~~به إلى صويحباتها في النهاية ليعرف ، من خلال فقدان حريته ، ورفاهية الحياة ~~التي كان يتمتع بها في بيت سيدته ، أن الانسجام مع رغبتها ، هو الأولى به ، ~~والأفضل له. # * * * PageV12P203 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال ~~الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك ~~من المحسنين (36) @QUR@026 قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) @QUR@026 واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا ms2970 وعلى ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) @QUR@010 يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) @QUR@032 ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 يا صاحبي ): الصاحب : الملازم لغيره على وجه الاختصاص. PageV12P204 # ( @QUR@02 الدين القيم ): هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه. # * * * ### ||| ** السجن ساحة للدعوة # ودخل يوسف السجن بروحية الإنسان المؤمن الذي لا يعتبر السجن مشكلة ومأساة ~~، بل يرى فيه موقع الانتصار على النوازع الجسدية ، وعلى الضغوط الخارجية ~~التي تتحدى فيه إرادة الإيمان ، وقوة الالتزام. وفي هذا الجو كان يفكر بإن ~~عليه ألا يتجمد في مشاعر الوحشة والفراغ لينتهي إلى حالة كئيبة من الضياع ~~الروحي ، بل أن يستثمر فرص الحركة التي تتيحها الساحة له. وفكر أنه ليس ~~الوحيد الذي يدخل السجن ، فهناك من دخلوا قبله ، وهناك من سيدخلون بعده ، ~~وفيهم الكافرون والضالون ، وحدد دوره بأن يستفيد من الأجواء الهادئة التي ~~يعيشها السجين ، والمشاعر البائسة التي يخضع لها ، والآمال الطيبة التي ~~يرجوها في يقظته ونومه ، والحالات النفسية الصعبة التي يحتاج فيها إلى من ~~يساعده في مواجهتها مما يفسح المجال للهدوء في فكره ، والحياد في موقفه ، ~~الأمر الذي يسهل على يوسف عليه السلام دخول قناعاته وتغييرها على أساس الحق ~~والصواب ، وذلك هو شأن المؤمن الداعية الذي يعيش هم الدعوة إلى الله ، ~~وهداية الناس إلى طريق الحق ، فلا يترك فرصة إلا ويستفيد منها في حركته نحو ~~الهدف الكبير ، فهو في التفاتة دائمة لما حوله ، ولمن حوله ، وترقب مستمر ~~للأجواء الملائمة التي تفتح له قلوب الناس وعقولهم على الحق. # ( @QUR@04 ودخل معه السجن فتيان ) فتعرف إليهما ، وتعرفا إليه ، ونشأت ~~بين الثلاثة صحبة وألفة ، لما تفرضه طبيعة الوجود في السجن من حاجة إلى من PageV12P205 # يستريح إليه السجين ويرتاح للحديث معه ، ليخفف من وحشته ، وهكذا بدأ ~~الحديث في شؤون كثيرة متنوعة ، وكان هذان الشخصان قد شاهدا في منامهما ، ~~حلمين غريبين أثارا ms2971 في نفسيهما القلق والحيرة ، لأنهما لم يستطيعا فهم السر ~~الذي يكمن خلفهما فأحبا أن يحدثا يوسف عنهما ، فلعلهما يجدان لديه التفسير ~~الواضح الذي يكشف لهما هذا الغموض ، فقد لاحظا امتلاكه لفكر هادئ ، وعقل ~~متحرك ، وشخصية حكيمة ، وهذا ما جعلهما يمنحانه الثقة الكبيرة. # * * * ### ||| ** إحسانه جذبهما إليه # ( @QUR@06 قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ) ولم أستطع معرفة المضمون ~~الواقعي لذلك في ما يحيط بحركة الحياة من حولي ، ( @QUR@011 وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ) فما معنى الخبز؟ وما سر حمله ~~على الرأس؟ وماذا يمثل أكل الطير منه من رمز؟ فهل هو رمز للنعمة أو للعطاء ~~، أو هو رمز للنقمة والفناء؟ ( @QUR@02 نبئنا بتأويله ) لأن للأحلام تأثيرا ~~في الكشف عن حركة الإنسان في المستقبل ، بما توحيه من تشاؤم أو تفاؤل يعرف ~~الإنسان كيف يحدد اتجاه موقفه ، ( @QUR@04 إنا نراك من المحسنين ) الذين ~~يحبون أن يعطوا من مواقع ما يعرفون ، فلا يبخلون بالمعرفة على من يحتاج ~~إليها ، لأن ذلك هو معنى الإحسان الذي ينطلق من حس الخير في الإنسان ، تجاه ~~من حوله. # وقد جاء في بعض الكلمات التفسيرية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في ~~ما روي عنه في قوله : ( @QUR@04 إنا نراك من المحسنين ) قال : «كان يقوم ~~على المريض ، ويلتمس المحتاج ، ويوسع على المحبوس» (1). وربما كانت هذه PageV12P206 # الأمور وما يدخل في جوها الأخلاقي ، هي التي جعلتهما ينجذبان إليه ، ~~وينفتحان عليه هذا الانفتاح الروحي الذي يعيش فيه الإنسان جوع المعرفة إلى ~~فكر العارفين. # * * * ### ||| ** توسل التأويل لهداية الفتيين # ولم يكن ليوسف شأن بالجانب الذاتي لما سألاه عنه ، ولم يكن في صدد ~~الإيحاء بإمكاناته العلمية في تأويل الأحلام ، أو في غيره من الأمور ، بل ~~كان يتوسل هدايتهما إلى الصراط المستقيم من خلال ذلك ككل داعية إلى الله ، ~~يتحسس ضرورة استخدام كل طاقاته في سبيل الدعوة والهداية ، وتحريك علاقاته ~~بالناس ، في هذا الاتجاه. وهذا ما أراد يوسف أن يثيره أمامهما عما وهبه ~~الله من إمكانات علمية ، تمكنه من استيحاء الأحلام ومعرفة ما تحمله من ~~أسرار المستقبل وخفاياه ms2972 ، أو في استلهام الإشراق الروحي الذي أودعه الله في ~~قلبه ، واستكشاف آفاق المستقبل في حياة الناس. # ( @QUR@07 قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ) لقد سألاه عن تفسير ~~ما رأياه من الحلم فأجابهما بأنه يملك أن يخبرهما بما سيأتيهما من طعام ، ~~قبل إتيانهما به ، لأن الله أمده بمعرفة بعض جوانب الغيب ، وربما كان السبب ~~في ذلك أنه يريد أن يؤكد لهما سعة المعرفة التي يملكها ، كوسيلة من وسائل ~~تعميق ثقتهما بشخصيته للتأثير عليهما وعلى قناعتهما الفكرية ، لأن معرفته ~~تلك ينبغي أن تمنحهما الثقة بالطاقة الروحية المميزة التي توحي لهما بضرورة ~~الاهتداء بهديه ، والانسجام مع دعوته ومنهجه في الحياة ، لا سيما وأنه يتصل ~~في ذلك كله بالله من أقرب طريق. ( @QUR@08 بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي ) مما يعلم به عباده الذين يعدهم لرسالته ، فيلهمهم علم ما ~~لم يعلمه الناس ويزيدهم PageV12P207 # معرفة تجعلهم في مواقع القيادة والتوجيه ، وذلك بعد أن يطلع على قلوبهم ~~فيجد فيهم صدق الإيمان به ، والإخلاص له ، وعمق المعرفة به ، ورفض كل شريك له. # ( @QUR@09 إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ) وانفصلت عن كل ~~الأفكار التي يرتبطون بها ، والمفاهيم التي يحملونها ، والأوضاع التي ~~يعيشونها لأن قضية الإيمان بالله واليوم الآخر ليست حالة شعورية طارئة ~~تتمايز بها المشاعر الذاتية فقط ، بل هي قاعدة للفكر وللحياة ، لارتكازها ~~على أسس العقيدة والشريعة والأخلاق ، فهناك خطان لحركة الإنسان في الحياة ، ~~لا يلتقيان في أي موقع ، خط الإيمان بالله واليوم الآخر ، وخط الإلحاد أو ~~الشرك به ، فلكل واحد منهما منهج للوعي وللسلوك وللعاطفة ، وهذا ما جعلني ~~أعيش الانفصال عن هذا المجتمع الذي اختار الابتعاد عن خط الإيمان بالله ~~واليوم الآخر ، والاقتراب من خط الكفر ، ( @QUR@02 هم كافرون ) ولا يمكن ~~للمؤمن أن يلتقي بالكفر في طريق ، ( @QUR@06 واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ) وهؤلاء الذين حملوا رسالة التوحيد لله إيمانا ودعوة ومنهج ~~حياة ، في ما يحمله فريق الإيمان في عقله وقلبه ، من رسالة وإيمان ودعوة ~~ورفض للشرك. # ( @QUR@08 ما كان لنا أن نشرك بالله من ms2973 شيء ) لأن الذي يكتشف روح التوحيد ~~، لا يمكن أن يلتقي بخط الشرك في العقيدة والعبادة ، ( @QUR@07 ذلك من فضل ~~الله علينا وعلى الناس ) بما أعده لهم من سبل الهداية والصلاح من خلال ~~الوحي الذي خص به رسله ليبلغوه للناس ، فيهتدون به ، مما يلزمهم بالشكر له ~~، والشعور بالجميل الذي يطوقهم به ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ~~فيشركون به ، في عبادتهم لغيره دون حجة لهم في ذلك ، ولا دليل لهم عليه. # * * * PageV12P208 ### ||| ** وهم الأرباب # ( @QUR@03 يا صاحبي السجن ) اللذين أشعر بأن لهما علي حق الصحبة في رحلة ~~السجن مما يلزمني بالنصيحة في الفكر ، والموعظة في السلوك ، لأن الإنسان ~~المؤمن ، هو الذي يحس بمسؤولية إرشاد الناس إلى خط التوحيد بما يمثله من ~~استقامة في العقيدة والعبادة ، فيعمل على إثارة تفكيرهم ليقتنعوا من موقع ~~الفكر ، ويعملوا من موقع القناعة ، لأن الإيمان لا يرتكز في حياة الإنسان ~~على المشاعر العاطفية ، بل يرتكز على أساس التأملات الفكرية ، وهذا ما أراد ~~أن يثير تفكيرهما فيه ، حين طرح عليهما هذا السؤال : # ( @QUR@07 أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ما الذي يملكه ~~هؤلاء الأرباب الذين تعبدونهم من دون الله من الصفات التي لا بد أن يتميز ~~الإله بها ، ليستحق العبادة من خلقه ، من قدرة على الخلق وإعطائهم لنعمة ~~الحياة ، ومنحهم لما ييسر لهم سبل الحياة ويمهد لهم سبل الراحة فيها؟! ( ~~@QUR@015 ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان ) لقد تخيلتم صورا في أشياء أو أشخاص ، وتوهمتم قوى خفية في ~~مخلوقات ، وصنعتم لها من فكركم أسرارا وأوضاعا وصفات لا واقع لها ، بل هي ~~خيال ، لا تملك من الحقيقة إلا وجودها المادي المحدود الذي يتساوى فيه مع ~~كل الموجودات الأخرى ، أما الربوبية أو الألوهية وغيرها من صفات الخالق ~~المعبود ، فلا وجود لها في عمق هذه الأشياء ، فهي مجرد أسماء أطلقتموها ~~عليها دون أي أساس لذلك في عناصرها الحقيقية. ولكن الله هو الحقيقة التي ~~تحتوي الوجود كله ، وتسيطر عليه ، وتقهر كل القوى فيه ، لأنه مخلوق له ، ~~وخاضع في ms2974 حركته كلها لإرادته ، وهو الذي يحكم كل مسيرته ، فلا حكم لغيره ، ~~ولا سيطرة لسواه. # * * * PageV12P209 ### ||| ** الحكم والعبادة لله وحده # ( @QUR@04 إن الحكم إلا لله ) فهو الذي يحدد للإنسان خط العبادة ، وخط ~~السير ، فلا يملك أن يختار لنفسه إلا ما يختاره الله له ، بأوامره ونواهيه ~~، ( @QUR@05 أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) بما تمثله العبادة من خضوع له في ~~التشريع ، وفي الحكم ، وفي كل شؤون الحياة ، فلا أمر إلا أمره ، ولا حكم ~~إلا حكمه ، ولا شريعة إلا شريعته ، وهذا ما يجعل الشرك في العبادة ، مسألة ~~لا تتعلق بالجانب العبادي التقليدي على مستوى الصلاة والصيام والحج ونحوها ~~، بل تتعلق بالخط الذي يتحرك فيه الإنسان في حياته ، وما يلتزم به من أحكام ~~، وما يعيشه من أوضاع وعلاقات ، فمن اختار شريعة غير شريعة الله ، ومنهجا ~~غير منهجه ، وقيادة غير قيادته التي أراد للناس أن يلتزموها ، فقد أشرك ~~بعبادة الله غيره ، لأن هذا الخط يجسد الخضوع المطلق لله في واقع الحياة ~~بما تعنيه العبادة من معنى الخضوع. # * * * ### ||| ** الدين القيم # ( @QUR@03 ذلك الدين القيم ) المستقيم الذي يقوم على إدارة شؤون الحياة ~~والإنسان ، ويحكم كل شيء فيها والذي يتلخص في كلمة واحدة ، هي إخلاص ~~العبادة لله وحده ، فذلك ما يمثل خط السير من البداية إلى النهاية ، ويحدد ~~الاتجاه ، في كل صعيد. ومن هنا نعرف أن الدين الذي أراده الله لعباده ، هو ~~الذي يعيش الإنسان فيه مع الله في كل شيء ، بحيث يشعر بالارتباط به في ~~الأمور كلها ، ويلتقي به في كل المواقع ، حتى أن كل العلاقات تمر به ، وكل ~~الشرائع تلتقي عنده ، وتبقى كل التفاصيل خاضعة لهذا الخط في البداية ، وفي ~~خطوات السير ، وفي النهاية ، حيث يبدأ الإنسان منه لينتهي إليه ، دون ~~التواء أو PageV12P210 # انحراف. وهذا ما يجب أن يفهمه الناس ويسيروا عليه ، ( @QUR@05 ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ) فينحرفون من موقع الجهل ، لا من موقع التفكير المضاد ، ~~فيبتعدون عن الخط من حيث لا يعلمون. # وهكذا أراد يوسف لهما أن يعيشا هذا الجو ، وينفصلا عن أجواء الضلال التي ~~عاشاها في المجتمع الكافر الذي ms2975 كانا جزءا منه. ولا ندري هل استجابا له ، أو ~~أنهما كانا يستعجلان معرفة تأويل الحلمين اللذين طلبا تأويلهما ، لأن ~~القرآن لم يحدثنا عن ذلك ، باعتبار أنه لا يجد كبير أثر فالجانب الأهم هو ~~في ما أراد أن يوحيه من ضرورة الالتزام بخط الدعوة في ساحات مماثلة لساحة ~~السجن ، حيث يملك الإنسان من حرية الحديث ، وإمكانات التأثير في الآخرين ، ~~ما لا يملكه في غيرها ، مما يفرض عليه عدم التعلل بالأعذار الواهية أمام ~~نفسه أو أمام الآخرين ، للتقاعس عن أداء المهمة أو التحرك في خط الرسالة. # * * * PageV12P211 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) @QUR@018 وقال للذي ~~ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع ~~سنين ) (42) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تستفتيان ): الاستفتاء : طلب الفتيا. # ( @QUR@02 بضع سنين ): البضع : القطعة من الدهر. # * * * ### ||| ** وحدثهما عن مستقبلهما # ... وهكذا انتهى بهما يوسف إلى ما يريدانه من تأويل حلميهما ، الذي PageV12P212 # كان مفاجأة سارة لأحدهما ، وسيئة للآخر. # ( @QUR@05 يا صاحبي السجن أما أحدكما ) وهو الذي حلم أنه يعصر الخمر ( ~~@QUR@03 فيسقي ربه خمرا ) فيكون ساقيا للسلطان ، لأن ذلك هو ما يوحي به هذا ~~الحلم ، ( @QUR@02 وأما الآخر ) الذي كان يحمل الخبز على رأسه فتأكل الطير ~~من رأسه ( @QUR@05 فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) عند ما يبقى نهبا لكل طير ~~حيث يستمر الصلب عادة مدة طويلة تغري الطير بالأكل منه ، في ظل فقدان ~~الحماية له ، ( @QUR@05 قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) فهذا هو القضاء الذي ~~استوحاه يوسف من حلم هذا ، وحلم ذاك ، فليس الأمر بيده ليمنع الفاجعة عن ~~المنكوب الذي سيصلب فتأكل الطير من رأسه ، لأنه ليس إلا مفسرا للرؤيا ، أما ~~الأمر فهو بيد الله. # ( @QUR@06 وقال للذي ظن أنه ناج منهما ) وهو من قال له إنه سيكون ساقيا ~~للعزيز ، مما يجعله قريبا منه ، أثيرا لديه ، مسموع الكلمة عنده ، ( ~~@QUR@03 اذكرني عند ربك ) في ساعات نشوته وسروره ، وحدثه عن مشكلتي في ~~السجن الذي دخلته بلا ذنب ، واطلب إليه أن يخرجني ms2976 منه ، ( @QUR@04 فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه ) في غمرة مشاغل وضعه الجديد ، لعدم اهتمامه الكافي بوضعية ~~يوسف ، كون علاقته به لم تتعد المستوى السطحي للعلاقات الطارئة التي لا ~~يبقى منها بعد انفصال طرفيها سوى الذكريات. # * * * ### ||| ** مزاج الطاغية هو القانون # وهكذا استمر يوسف في السجن ، بسبب حكم الطغاة الذين لا يحترمون الإنسان ، ~~ولا يشعرون بأية مسئولية تجاهه ، لا سيما إذا كان من طبقة العبيد ، الذين ~~لا يمثلون في قانون المجتمع أية قيمة تدفع إلى الاحترام ، أو تدعو إلى ~~الاهتمام. لذلك فإن قضاياهم تتعلق بمزاج الطاغية وإرادته ، فإذا اقتضى ~~مزاجه إطلاق حرية العبد ، كان ذلك هو القانون الذي ينفذ ، وإذا نسي الموضوع كله ، PageV12P213 # أو كان مزاجه أن يبقى السجين في سجنه دون محاكمة ، فهذا هو خط «العدالة» ~~الطاغوتية الذي لا يخضع لقاعدة إنسانية أو سماوية ، ( @QUR@05 فلبث في ~~السجن بضع سنين ) لا نملك تحديدها ، ولكنها كما قيل تتراوح بين الثلاث ~~والعشر ، وربما أكثر ، حددها البعض بكونها اثنتي عشرة سنة. # * * * ### ||| ** لا مشكلة في طلب الحاجة من العبد # وقد يثير البعض ، على ما طلبه يوسف من صاحبه الذي نجا ، سؤالا مثيرا ، ~~وهو كيف يطلب حاجته من العبد ، بينما يفرض الإيمان على المؤمن ألا يطلب ~~شيئا من غير الله؟ وربما جاء في بعض الروايات ، أن الله عاقب يوسف على ذلك ~~، فأنسى الرجل ذكر أمره للعزيز ، والجواب : إننا لا نرى في ذلك أي مساس ~~بالإيمان ، فضلا عن أن يكون ذلك خطيئة يستحق عليها العقوبة ، لأن من حق ~~المؤمن أن يستخدم للوصول إلى أغراضه الحياتية الأشخاص الذين يملكون خدمته ، ~~وذلك من خلال التوسل إلى الله في إنفاذ كل أموره ، وهداية الآخرين إلى ~~العطف عليه والسعي في حوائجه ، مما لا يجعل في الموضوع أية مشكلة له من ~~قريب أو من بعيد. # * * * PageV12P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا ~~تعبرون (43) @QUR@08 قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ~~(44) @QUR@011 وقال الذي نجا منهما وادكر بعد ms2977 أمة أنا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون (45) @QUR@022 يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن ~~سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ~~(46) @QUR@014 قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا ~~قليلا مما تأكلون (47) @QUR@015 ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما ~~قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) @QUR@011 ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه ~~يغاث الناس وفيه يعصرون ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عجاف ): جمع عجفاء ، أي المهزولة. # ( @QUR@01 تعبرون ): عبرت الرؤيا : فسرتها. PageV12P215 # ( @QUR@01 أضغاث ): جمع ضغث وهو قبضة ريحان أو حشيش ، أو قضبان ، وهو ما ~~لا تستطيع أن تعرف حقيقته أو واقعه. # ( @QUR@01 دأبا ): العادة ، والمراد به هنا : الدوام على الزرع. # ( @QUR@01 تحصنون ): أي تحرزون. # ( @QUR@01 يغاث ): أي يفرج الله عنهم ويطلق الغيث على المطر وعلى ما ~~ينبت بسببه. # ( @QUR@01 يعصرون ): يستخرجون العصير مما يعصر ، كالعنب والزيتون ، وهو ~~كناية عن الخصب. # * * * ### ||| ** الرؤيا الغريبة # ... ومرت الأيام ، وبقي يوسف في السجن يعاني قساوته ، ويواجه ظلماته ، ~~وربما كان يلتقي بالسجناء القادمين ، فيعظهم ويرشدهم ويهديهم إلى سواء ~~السبيل ، كجزء من مهمته الرسالية ، وربما استطاع أن يحقق الكثير من النتائج ~~الإيجابية على هذا المستوى دون أن يتحدث القرآن عنه ، لأنه لا يدخل في حركة ~~الفكرة في أحداث القصة ، كما هي الحال مع كثير من التفاصيل التي يغفلها ~~القرآن ، أو يختصرها ، أو يكتفي بالإشارة إليها ، لعدم وجود أية علاقة ~~بينها وبين الأفكار التي يريد إثارتها من خلال القصة ، وقد يكون الاكتفاء ~~بذكر حديث يوسف مع صاحبيه في السجن وموعظته لهما ، وتفسيره لما رأياه من ~~حلم للإيحاء بالشخصية الرسالية ليوسف ، ولعلاقة حديثه معهما بتطور قصته ~~والتغير الذي طرأ على مواقعه في النهاية. PageV12P216 # وقد تحول الرجل الذي كان معه في السجن ، إلى ساق للملك ، ولم يحدث ما ~~يذكره بيوسف ، ليذكر أمره للملك ، من أجل إخراجه من السجن ، حتى جاءت ~~الحادثة التي هزته ، وذكرته بشخصية يوسف ، في أجواء الحاجة إليه ، التي قد ~~تمنح هذا الساقي موقعا متقدما عند الملك ، فقد رأى هذا الملك مناما غريبا ، ~~لم يعرف تفسيره ms2978 ، ( @QUR@010 وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع ~~عجاف )، وهو أمر غريب لأن السمين القوي هو الذي يمكن أن يغلب الضعيف ~~الهزيل ، نظرا لطبيعة قوته ، وليس العكس ، ( @QUR@05 وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات )، فما ذا يعني الاخضرار في هذه السبع ، واليباس في السبع الأخرى؟ ~~وما الذي جعل هذه تخضر ، وتلك تيبس ، في الوقت الذي لا يختلف فيه مكان ~~إحداهما عن الأخرى؟ ( @QUR@010 يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم ~~للرءيا تعبرون ) لأن الرؤيا في مفهومهم هي الرمز الحقيقي للمستقبل ، بما ~~يختزنه من أحداث غيبية قد تعبر عن نفسها بألوان الوحي الداخلي الذي يتحول ~~إلى نوع من أنواع الإنذار للإنسان ، بما ينتظره من مفاجات مخيفة ، ليستعد ~~لها من أجل تخفيف نتائجها السلبية في حياته المقبلة ، أو إلى نوع من أنواع ~~البشارة ، بما ينتظره من أحداث سارة ، ليعيش مشاعر السرور ، في روحه وفكره ~~، على أساسها. # * * * ### ||| ** هل للأحلام حقيقة في الواقع؟ # وربما كان في هذا الفهم بعض الصواب نستوحيه من قصة يوسف التي توحي بأن ~~للأحلام عمقا في حركة الواقع الإنساني ، ومدلولا حقيقيا في ما يعنيه الرمز ~~الحي ، للحاضر والمستقبل ، وفي ما نفهمه من أن معرفة أسرارها تحتاج إلى ~~إلهام رباني ، يلهم الله فيه بعض عباده ، ما يستطيعون به تحليل تفاصيلها ، ~~وتوضيح مبهماتها ، فقد يعطي الله بعضهم سعة المعرفة في ذلك PageV12P217 # كله ، وقد يمنح البعض القليل من ذلك ، وربما لا يستطيع الإنسان الجزم ~~دائما بأن هناك قواعد ثابتة لمعرفة طبيعة الرمز وعلاقته بالواقع ، على ~~الشكل المطلق ، فقد تختلف القضية حسب اختلاف الأجواء المحيطة بالرمز ~~ودلالته من حيث الشخص والزمان والمكان ، في ما يتسع فيه الأمر لأكثر من ~~احتمال ، ولكن هل معنى ذلك ، أن للمسألة بعدا كليا يفرض وجود حقيقة مع كل ~~حلم ، أو أن للمسألة بعدا جزئيا في هذا المجال؟ فقد تكون بعض الأحلام ، رد ~~فعل لحالة نفسية ، أو غذائية أو عملية ، أو استذكارا لأوضاع ماضية في حياته ~~، مما يجعلها صورة لما تختزنه النفس من مشاعر ، وأفكار وانفعالات ، أو لما ~~يعيشه الجسد من ms2979 حاجات. # ليس لدينا ما يؤكد الشمولية الكلية للمسألة ، بل قد نجد أن العكس هو ~~الصحيح في ما نراه من عدم الصدق في الكثير من الأحلام ، وارتباط بعضها ~~بالعوامل الذاتية الخاصة. # أما حول طبيعة القاعدة العملية التي تخضع لها الرؤيا وتصلح مقياسا لصدقها ~~أو كذبها ، فإننا لم نقف لها على أساس ثابت ، بل ليس هناك سوى الحدس ~~والتخمين ، أو التعليلات المنطلقة من إخضاع الإنسان لنظرية العامل الواحد ، ~~كما نلاحظ في التعليل الذي يقدمه فرويد ، والذي يعطي الأحلام مداليل جنسية ~~، تتحول فيها رموز الأحلام إلى رموز للأعضاء التناسلية أو الحالات الجنسية ~~وما إلى ذلك ، ارتكازا على نظريته. ولكن مثل هذه الاحتمالات أو النظريات لا ~~ترتكز على أساس قطعي لها ، يجعلها في دائرة الحقيقة العلمية ، كما لا تنطلق ~~من حجج علمية مقنعة تجعلها في نطاق النظرية العلمية المعقولة ، ولهذا فإننا ~~لا نستطيع الجزم بشيء من هذا القبيل ، تجاه ما نشاهده أو ينقل إلينا من ~~أحلام ، إلا من خلال النتائج التي نواجهها في المستقبل مما يتطابق مع صورة ~~المنام ، أو نجدها في واقعنا الحاضر. PageV12P218 # إنها لون من ألوان الغيب الداخلي في عالم النفس الذي لم نستطع أن نبلغ ~~فيه المدى الواسع من آفاقه لأننا لم نعرف طريقة النفس ، أو الروح ، في ~~إدراكها للمستقبل مما يدخل في عالم النبوءات من خلال الفكر أو الإلهام ، أو ~~من خلال الأحلام ، وربما يكشف الله للإنسان في المستقبل بعض الوسائل التي ~~تقوده إلى معرفة بعض حقائقه بطريقة أو بأخرى. # ولكن ذلك كله لا يمنع الإنسان من محاولة استيحاء رموز ودلائل أحلام ~~الآخرين خاصة ما يمكن أن يفتح قلبه على آفاق الإيمان ، أو يدفعه إلى تصحيح ~~خطأ من الأخطاء ، أو يمنعه من السير في طريق منحرف ، فإن ذلك يعتبر أسلوبا ~~من أساليب التوعية ، ووسيلة من وسائل الهداية ، وهذا ما ينبغي أن يستفيد ~~الدعاة إلى الله منه لدى سماع ما يرويه الآخرون من أحلامهم ، لأن الأحلام ~~باب واسع من أبواب الدعوة. # * * * ### ||| ** تفسير الرؤيا # وهكذا أراد الملك من خاصته ، أن يفسروا له ms2980 رؤياه ، إذا كانوا ممن يملكون ~~هذه المعرفة ، ولكنهم لم يهتدوا إلى ذلك سبيلا ، ( @QUR@03 قالوا أضغاث ~~أحلام ) وتشبيه هذه الرؤيا بالأضغاث ، يعود لكونها تمثل مجموعة من الأشياء ~~المتفرقة في طبيعتها والتي تختلط فيها الرؤية ، فقد تجذبك واحدة إلى جهة ، ~~بينما تجذبك الأخرى إلى جهة ثانية ، وهكذا لا تستطيع من خلال ذلك أن تحكم ~~على أي وجه من وجوه الواقع ، تماما كما هي قبضة الحشيش أو الرياحين أو ~~القضبان ، التي لا يقف من خلالها الإنسان على حقيقة ، أو يعرف منها بعضا من ~~الواقع. وهذا ما أرادوا أن يوحوا به إلى الملك ، كتعبير عن طبيعة هذا الحلم ~~غير المفهوم ، أو كتعبير عن مستوى ثقافتهم الذاتية في تفسير الأحلام كما ~~يوحي به قوله تعالى : ( @QUR@05 وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) لنفسر لك PageV12P219 # طبيعته ومدلوله. # ( @QUR@07 وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة ) أي بعد حين من الزمن ، ( ~~@QUR@03 أنا أنبئكم بتأويله ) من خلال وسائلي الخاصة للمعرفة ، ( @QUR@01 ~~فأرسلون ) إلى الشخص الذي يملك سر المعرفة للأحلام ، فقد عشت التجربة الحية ~~معه إذ فسر لي رؤيا سابقة ، كانت حياتي كلها الآن شاهد صدق على صحة تفسيره ~~، وهكذا أرسله الملك وخاصته إلى يوسف ، فبادره بقوله : ( @QUR@015 يوسف ~~أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر و ~~(1) @QUR@02 أخر يابسات )، أي رمز هو هذا الرمز ، وأي معنى هو هذا المعنى ~~الذي يحتويه ، لقد عجزنا عن فهمه ، وعاش الجميع في حيرة من ذلك ، وتحول ~~الأمر إلى ما يشبه القلق على المستقبل الذي ينتظرنا جميعا ، وكلنا مشدودون ~~إلى تفسيرك ، وملهوفون إلى جوابك ، فأعطنا الجواب ، ( @QUR@06 لعلي أرجع ~~إلى الناس لعلهم يعلمون ) حقيقة الأمر فيطمئنون إلى مستقبل حياتهم. # ( @QUR@05 قال تزرعون سبع سنين دأبا ) بدون انقطاع ( @QUR@02 فما حصدتم ) ~~منه ( @QUR@03 فذروه في سنبله ) واحفظوه بطبيعته لئلا يتلف ويهلك ، ولا ~~تتصرفوا فيه ( @QUR@04 إلا قليلا مما تأكلون ) مما تحتاجونه في الغذاء بكل ~~اقتصاد ، ( @QUR@011 ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن ) بما ~~تواجهونه من حالة الجفاف والجدب التي تتحول إلى مجاعة وحرج وشدة في ms2981 أكثر من ~~جانب ، مما يجعل الناس يأكلون كل ما اختزنوه في سني الخصب والرخاء ، ( ~~@QUR@04 إلا قليلا مما تحصنون ) وتدخرون وتحتفظون به من القليل القليل ، ~~كأن هذه السنين سباع ضارية تكر على الناس لافتراسهم وأكلهم ، فيقدمون لها ~~ما ادخروه من الطعام فتأكله وتنصرف عنهم ، وبذلك تصبح البقرات السمان ، ~~رمزا لسني الرخاء ، والبقرات العجاف رمزا لسني الشدة ، وكذلك الحال بالنسبة ~~للسنبلات الخضر والسنبلات اليابسات. # ( @QUR@011 ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) فيأتيهم ~~الغوث من PageV12P220 # الله بالمطر الذي يروي الأرض ، ويغذي الينابيع ، ويرفد الأنهار ، فتخصب ~~الأرض وتخضر وتؤتي أكلها في كل موسم ، وينصرف الناس إلى استغلال خيرات ~~الأرض بعصر الثمار وصناعة الدهن والشراب وغير ذلك ، وتنكشف الغمة وترجع ~~الحياة إلى طبيعتها ، بعيدا عن كل العوامل الطارئة التي تمنع الأرض خصبها ، ~~والسماء بركاتها. # * * * ### ||| ** خطة يوسف لاجتياز الأزمة # وربما احتمل بعض المفسرين ، ألا يكون يوسف في موقف المفسر للحلم الذي رآه ~~الملك بشكل مباشر ، بل كان في موقف الموجه إلى ما يجب أن يفعله في السنين ~~السمان والعجاف ، ولهذا كان خطابه لهم أن يزرعوا دأبا ، ثم أمره أن يذروه ~~في سنبله ، ولا يستثنوا منه إلا القليل مما يأكلونه ، وبأن يدخروا منه في ~~السنوات العجاف القليل مما يحصنونه ، ثم ينتهي ذلك الكابوس فلا يحتاجون عند ~~ذلك إلى ممارسة أي تحفظ غير عادي. # وهذا توجيه قريب إلى الجو التعبيري في الآيات ، وربما قصد من ذلك الإيحاء ~~بأنه يملك الخطة التي تنظم لهم اجتياز الأزمة الخانقة في زمن الشدة ، عبر ~~تحقيق التوازن في زمن الرخاء ، كوسيلة من وسائل دخوله في الموقع الاجتماعي ~~من مركز قوة. # * * * PageV12P221 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) @QUR@029 ~~قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~(51) @QUR@012 ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن ms2982 الله لا يهدي كيد الخائنين ~~(52) @QUR@015 وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي ~~غفور رحيم ) (53) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ما بال النسوة ): أي ما شأنهن. # ( @QUR@02 ما خطبكن ): الخطب : الأمر الذي يعظم شأنه. # ( @QUR@01 حصحص ): بانت حصة الحق. # * * * PageV12P222 ### ||| ** تفسير الحلم أثار اهتمام الملك # وجاء هذا الساقي بالتفسير الموجه للحلم الملكي الذي أثار في وجدان الملك ~~الإحساس بخطورة الوضع الاقتصادي لحياة الناس مستقبلا ، إذ سيتراوح وضعهم ~~بين التخمة ، والمجاعة ، كما يبين الحلم الغريب ، وربما شعر بأن هذا الرجل ~~الذي أعطى التفسير لهذا الحلم ، يملك فكرا عميقا ، وذهنا منفتحا أثار في ~~نفسه الرغبة في التعرف إليه ، والاستفادة منه ، والاستعانة به في مواجهة ~~المشاكل التي يمكن أن تطرأ مستقبلا ، ولعله ربط بين تفسير الحلم في هذا ~~الاتجاه ، وبين خبرته في هذا المجال ، وهكذا أبدى رغبته في استقدامه إليه ، ~~وإخراجه من ظلام السجن. # ( @QUR@04 وقال الملك ائتوني به ) لأعرف تفاصيل هذا التفسير ، فإن الذي ~~أطلق الفكرة من خلال الحلم لا بد أن يكون مطلعا على تفاصيلها ، لا سيما في ~~ما نلاحظه من خطورة المستقبل الذي يطل عليه. وذهب الرسول يستدعي يوسف ، إلى ~~الملك ، ويستحثه للخروج من السجن والقدوم إلى أجواء الحرية ، حيث ينتظره ~~جاه عريض قد يحصل عليه بحظوته لدى الملك الذي استطاع أن يثير اهتمامه ~~الكبير. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام يطالب بإظهار براءته # على أن يوسف الذي شعر أن المستقبل ينتظره من موقع الحاجة إلى ما يحمله من ~~معرفة لم يلهث وراء ذلك كله ، ولم ينبهر به ، لأنه يعرف أن الله الذي علمه ~~تأويل الأحلام ، هو الذي يدبر أموره ، فيعزز له مواقعه في هذه الساحة وفي ~~الساحات الأخرى ، ولهذا تحدث مع الرسول من موقع الإنسان الواثق بنفسه ~~وبدوره ، من خلال ثقته بربه ، فأراد أن يبرز من موقع الماضي PageV12P223 # النظيف الطاهر الذي حاولت امرأة العزيز وصويحباتها ، أن يشوهنه بالأساليب ~~الإعلامية المضادة التي حاولت إظهاره كإنسان يتحرك من مواقع الغريزة ~~الجنسية ، ليعبث ويراود ويستجيب للمراودة ويعتدي ، ويدخل السجن بسبب ذلك ؛ ~~لقد أراد أن يخرج من السجن ms2983 خروج الأبرياء الذين دخلوه ظلما دون أي ذنب ، ~~لأن الذنب الذي نسب إليه لا يمثل شيئا من الحقيقة. # ( @QUR@03 فلما جاءه الرسول ) وطلب منه المجيء إلى الملك والاستجابة ~~لرغبته في الحضور عنده ، ( @QUR@04 قال ارجع إلى ربك ) وسيدك ، وبلغه أني ~~لن أخرج من السجن إلا بعد أن يظهر براءتي من التهمة التي وجهت إلي ، ( ~~@QUR@07 فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) وأردن منه الاستجابة ~~لرغبتهن ، وعند ما رفض ذلك كدن له ، بتلفيق تهمة الاعتداء ضده ، ( @QUR@04 ~~إن ربي بكيدهن عليم ) فهو يعلم خفايا أمورهن ، وأسرارهن والإساءة له. # * * * ### ||| ** حصحص الحق وظهر # وأرسل الملك في استدعاء النسوة ، ومن بينهن امرأة العزيز ( @QUR@08 قال ~~ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ) هل رأيتن فيه سوءا واستجابة لهذا النوع ~~من الإغراء؟ وهل قام بمبادرة معينة في هذا الاتجاه؟ فليس من الطبيعي ألا ~~يكون له دخل في هذا الجو العابق بالشهوة والإغراء ، ما شأنكن في ذلك كله ، ~~وما دوركن فيه؟ ( @QUR@08 قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) فلم تكن ~~المراودة منا له نتيجة لقبوله بذلك ، واستعداده للتجاوب ، لأننا لم نلمح في ~~نظراته وفي حركاته ، وفي طريقته في الكلام ، وبالتصرف أي شيء يوحي بالسوء ~~من ناحية الأخلاق ، فقد كان بناؤه الأخلاقي ثابتا متينا ، وبهذا برأن يوسف ~~من كل ما نسب إليه. # وتوجهت الأنظار إلى امرأة العزيز التي لم تعبر بعد عن نظرتها PageV12P224 # للمسألة ، وهي المسؤولة الأولى عما حصل ، ولكنها عاشت يقظة ضمير ، ووقفت ~~وجها لوجه أمام الحقيقة ، ( @QUR@06 قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ) ~~وظهر ، ولا بد لي من الاعتراف به ، لما أعيشه من تأنيب الضمير ، نتيجة ما ~~سببته له من آلام ومشاكل خارج السجن وداخله ، جراء الاتهامات الباطلة التي ~~نسبتها إليه في محاولة الاعتداء علي ، ( @QUR@07 أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين ) في نفيه التهمة عن نفسه ، وإثباتها علي ... وهكذا حصل يوسف ~~على الاعتراف الواضح الصريح بشكل لا يقبل الشك ، ( @QUR@06 ذلك ليعلم أني ~~لم أخنه بالغيب ) ولم أتحدث عنه بسوء في غيبته ، فلم يحصل مني ضده أي كلام ~~سيئ ms2984 إلا ما قلته في حضوره في بداية الأمر ، فقد أخطأت معه ، ولكني لم أخن ~~سمعته ، لأني أعلم أن الخيانة لا تجدي نفعا ، ( @QUR@06 وأن الله لا يهدي ~~كيد الخائنين ) بل يكشف كيدهم بأكثر من وسيلة ، فيقفون في موقف الخزي ~~والعار أمام الجميع ، وهذا ما لا أريده لنفسي. # ( @QUR@03 وما أبرئ نفسي ) في ما عملته وأقدمت عليه ، لأنها ككل النفوس ~~التي تتحرك فيها الغرائز ، وتثور فيها الشهوات لتدفع أصحابها إلى الخطيئة ، ~~( @QUR@04 إن النفس لأمارة بالسوء ) بما يكمن في داخلها من نوازع السوء ~~وتهاويله ، ( @QUR@04 إلا ما رحم ربي ) في ما يعصم الإنسان ، ويثيره في ~~نفسه من عوامل الهداية ، ( @QUR@04 إن ربي غفور رحيم ) يغفر الذنب لمن تاب ~~وأناب إليه ، ويرحم عبده الذي يسقط أمام نقاط الضعف ، ثم يحاول أن يستقيم ~~ليتابع السير في خط الطاعة والإيمان. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام يخضع المجتمع لإيمانه القوي # وهكذا وقفت هذه المرأة المتمردة المتعالية ، خاشعة أمام الله ، في موقف ~~نقد ذاتي يدفعها إلى الجهر بالحقيقة التي كانت تحاول إخفاءها وإلصاق التهمة PageV12P225 # بيوسف ، مرتكزة في ذلك على القيم الفاسدة للمجتمع التي تعطي للقوي الحق ~~في إلصاق التهمة بالضعيف ، وإدخاله السجن على ذنب لم يرتكبه ، ويبقى القوي ~~خارج دائرة الإدانة ، لأنه فوق مستوى الاتهام ، على أساس التقاليد الطبقية ~~، التي تجعل العدالة خاضعة للتمييز العنصري ، وقد كان لثبات يوسف بإيمانه ~~القوي ، وشعوره بالقوة الكبيرة داخل ذاته ، وإصراره على تحمل أقسى الآلام ~~مستقيما على خط الرسالة أكبر الأثر في إخضاع المجتمع ، الذي تمثل امرأة ~~العزيز القمة فيه ، كما أضاف حاجة الملك إليه ، عنصر قوة جديدة إلى رصيده ~~قربه من مستوى الطبقة التي أدانته إن لم ترفعه فوقها ، مما أحدث هزة عنيفة ~~في داخل الشعور ، وحركة يقظة في أعماق الضمير ، وهذا ما ساهم بإيضاح ~~الحقيقة وإعلانها أمام الملأ ، لا سيما أن الملك يريد ذلك. # ولم تقف القضية عند حاجة الملك ، بل امتدت إلى داخل الروح ، لتتحول إلى ~~حالة مناجاة ذاتية ، تضع الظاهرة المنحرفة في موقعها الطبيعي من حركة ~~الغرائز في داخل الجسد وحركة الانحراف في ms2985 واقع النفس ، لأن الغرائز عند ما ~~تستيقظ في الجسد وتلتهب ، توحي للنفس بمختلف الأفكار والأهواء ، وتدفعها ~~إلى التمرد والعصيان والانحراف ، ولكنها لا تقف أمام ذلك ، في دائرة القضاء ~~الحتمي الذي لا فكاك منه ، بل يمكن لها أن تتحرر منه في آفاق رحمة الله ~~التي توحي للنفس بالهداية ، وللخطوات بالاستقامة ، وللإرادة المنحرفة ~~بالتراجع نحو الإرادة المستقيمة ، وهذا ما يعيشه الإنسان بين يدي الله في ~~وقفته الخاشعة في حالة التوبة التي تتعلق بمغفرة الله ورحمته ليفسح لها ~~المجال في رضوانه ، ويقبلها في خط هداه. # وقد نستوحي من موقف يوسف المتعالي على السجن ، الواثق بنفسه ، كيف يمكن ~~للمؤمن العامل في سبيل الله ، الداعي إلى دينه ، أن يملك الإصرار على موقفه ~~، في مواقع التحدي ، ويتحمل الألم والحرمان ، ليعطي الصورة الواضحة عن قوة ~~الموقف الإيماني المرتكز على العقيدة الحقة ، وليدفع PageV12P226 # الآخرين إلى التراجع عن مواقفهم المهزوزة ، والانتقال إلى الخط الصحيح ~~الذي يؤدي بهم إلى الخير والرحمة والفلاح. # * * * PageV12P227 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين (54) @QUR@08 قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ~~(55) @QUR@017 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا ~~من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) @QUR@07 ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون ) (57) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أستخلصه ): أجعله خالصا لنفسي. # ( @QUR@01 مكين ): المكين : صاحب المكانة والمنزلة. # * * * ### ||| ** الملك يستخلصه لعلمه وأمانته # ... وهكذا برز يوسف كشخصية مميزة أمام الملك ، فهو يملك العلم والخبرة ~~اللذين يؤهلانه للتخطيط للحكم ، وللدولة بشكل سليم ، كما يملك PageV12P228 # الطهارة الأخلاقية ، والعمق الروحي اللذين يساعدانه على سلامة التنفيذ ، ~~دون أي خلل أو انحراف ، مما يضيف قوة جديدة للحكم متمكنة من إدارة الدولة ~~بطريقة ناجحة ، ومعالجة للمشاكل الصعبة ، والأزمات الخانقة. وهكذا فكر ~~الملك أن يستدعيه ليساعده على إدارة أمور الدولة. # ( @QUR@06 وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ) لأني بحاجة إلى العقل ~~الذي يفكر ، والإرادة التي تحسم ، والأمانة التي تحفظ ، والوداعة التي تحب ~~وترعى وتحنو ، وهذا ما لم أجده لدى كثيرين ممن يجتمعون حولي لأجل أطماعهم ~~وشهواتهم ، إذ ms2986 إن قربهم من الحاكم يتيح لهم بعض فرص الحكم للعبث والسرقة ~~والظلم ما توفرت الفرص المناسبة لذلك. وجاء يوسف بعد أن حصل على البراءة من ~~التهمة التي ألصقت به ، ليتحمل المسؤولية من موقع التاريخ المشرق الطاهر ~~الذي لا يلوثه جموح الغرائز في اتجاه الجنس المنحرف ، ولا يسقطه الضعف ~~المتهالك أمام حالات التحدي. # لقد جاء يحمل في شخصيته ، الوعي والقوة والثقة بالموقع وبالنفس ، وبالروح ~~التي تشعر بأنها ليست بحاجة إلى الآخرين ، لتسقط أمام رغباتهم ، بل إن ~~الآخرين هم الذين يشعرون بالحاجة إليها ، لتفرض عليهم شروطها. وهكذا قابل ~~يوسف الملك ، الذي عبر أمام الناس أنه يريد أن يستخلصه لنفسه ، ليستفيد من ~~طاقاته أعظم استفادة ، ( @QUR@02 فلما كلمه ) عرف طبيعة القوة التي يتمتع ~~بها ، والعقل الذي يحمله ، والشخصية الصلبة التي يملكها ، ( @QUR@06 قال ~~إنك اليوم لدينا مكين أمين ) فلك المكانة التي تتيح لك تنفيذ كل رغباتك ، ~~ولك منا الثقة التي تجعلنا نأتمنك على كل شيء ، فاطلب ما تريد من مواقع ~~المسؤولية ، لأنك تعرف حجم قدراتك وطبيعة خبرتك في إدارة أمور المجالات ~~التي ترتئيها. # لقد أراد أن يتحمل المسؤولية ، التي لم يطلبها يوسف لنفسه ، بل كانت PageV12P229 # تكليفا من الملك في ما نستوحيه من التأكيد على مكانته المفضلة لديه ، ~~وإعلانه الثقة بأمانته. وهكذا اقترح يوسف عليه أن يعهد إليه بمسؤولية ~~الجانب الاقتصادي ، لأنه يملك المؤهلات والخبرة التي تمكنه من إنجاح خطته ~~المرسومة لتخفيف الأعباء الثقيلة التي تواجه البلد ، ( @QUR@08 قال اجعلني ~~على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) وهكذا طلب من الملك أن يعهد إليه أمر حفظ ~~وتدبير الشأن المالي على مستوى الصرف والرعاية ، وإدارة الموارد والمصادر ، ~~بما يملكه من علم ، وكأنه يريد أن يقول له : إنه سيكون في مستوى الثقة التي ~~وضعها فيه. # وهكذا كان ، فقد عهد إليه الملك إدارة الشؤون الاقتصادية للبلد ، وأصبح ~~بذلك في موقع كبير يستطيع من خلاله ، تحقيق هدفه في إقامة العدل ، ورعاية ~~المستضعفين ، فهو ليس من الذين يزحفون إلى المواقع المتقدمة في المجتمع ، ~~أو في الدولة ، لأجل طموحات ذاتية ، ولو كان يسعى إلى ms2987 شيء من هذا القبيل ~~لاستطاع تخفيف الكثير من الآلام التي تحملها في السجن ، وفي خارجه كي يبقى ~~في ساحة الإيمان ، بعيدا عن كل أجواء الانحراف ... إنه صاحب رسالة ، ولهذا ~~فإنه يعمل على توفير الامتداد لها في حياة الناس من خلال بعض المواقع ~~المتقدمة في الدولة. # * * * ### ||| ** بين الإصلاح الجزئي والحل الشامل # ونستطيع أن نستوحي من هذا الموقف ، أن بإمكان المؤمنين الاستفادة من بعض ~~الفرص السياسية والاجتماعية التي تمنحهم حرية الحركة ، وتسهل لهم أمر تطبيق ~~مبادئ الإسلام في بعض مجالات الحياة ، فلا يجب عليهم من وجهة النظر هذه أن ~~ينتظروا إقامة الدولة التي تخطط للساحة كلها ، بل يمكنهم أن يعملوا على سد ~~بعض الفراغات ، وحل بعض المشاكل ، واحتلال PageV12P230 # بعض المواقع ، التي تمكنهم من إصلاح بعض قضايا الواقع ، لأن الله يريد ~~للإنسان أن يساهم في حل ما يمكن حله ، دون انتظار للحل الشامل. # ولكن سلوك مثل هذا التوجه ، يتوقف على ألا تكون فرصة الحل الكامل جاهزة ~~على الطريق ، ولا تحتاج سوى بعض الخطوات التنفيذية للوصول إليها ، فإن ~~الموقف حينئذ يتبدل باتجاه العمل على رفع كل الحواجز التي تعيق الوصول إلى ~~الهدف الكبير ، وبذلك يكون الإصلاح الجزئي عملا غير صحيح ، لأنه يعطل ~~الحركة السريعة نحو تحقيق النتائج الكبيرة ، ويجمد حالة التوتر الضروري ~~لدفع عملية الوصول. إننا نريد استيحاء هذا المبدأ من قصة يوسف ، في مواجهة ~~الرأي القائل بضرورة الابتعاد عن مؤسسات المجتمع غير المؤمن ، ويؤكد على ~~الثورة الشاملة ، ويرفض الإصلاح الجزئي بقطع النظر عن الظروف التي قد تفرض ~~تأخير الوصول إلى الثورة الشاملة. # * * * ### ||| ** سر العبودية ومكانة يوسف عليه السلام # ( @QUR@09 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ) بما استطاع ~~أن يحصل عليه من خلال العناية الإلهية التي شملت تاريخه من سلطة مطلقة في ~~أمور الدولة ، بحيث أصبحت الأرض ، هناك ، تحت سلطته ، له أن يتحرك فيها حيث ~~يشاء بوصفه حاكما مطاعا يخضع الجميع لإرادته. وتلك هي رحمة الله التي يشمل ~~بها عباده المؤمنين الذين يخلصون له العبودية ، ويلتزمون خط الطاعة ، فلا ~~ينحرفون تحت عوامل ms2988 الإغراء أو القهر أو التهديد ، ( @QUR@04 نصيب برحمتنا ~~من نشاء ) لأن الأمر لله في كل شيء فإذا أراد شيئا تحقق ، ( @QUR@04 ولا ~~نضيع أجر المحسنين ) الذين أحسنوا لله القول والعمل ، فأثابهم الله برحمته ~~التي تتسع لكل خير في دنياهم في ما يمكن لهم من الملك أو في ما يحل لهم من ~~المشاكل ، ( @QUR@07 ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) لأن أجر ~~الدنيا زائل ، PageV12P231 # مهما كان كبيرا وعظيما ، بينما يشمل أجر الآخرة كل حياة الإنسان في ~~النعيم الخالد ، في رحاب الله التي لا نهاية زمنية لامتدادها. # وهذا ما ينبغي للمؤمنين أن يفكروا به ، كهدف كبير من أهداف تضحياتهم ~~الكبرى ، وذلك بأن يحصلوا على ثواب الله في الآخرة ، لأنه الثواب الباقي ، ~~ولا يجعلوا من ثواب الدنيا كل همهم بل بعضا من ذلك ، فالإخلاص لله لا ينفي ~~أن يطلب الإنسان الدنيا من الله ، كما يطلب الآخرة منه ، لأن سر العبودية ~~هو أن تخضع لله ، باعتباره المرجع الوحيد لك في كل طلباتك ، دون فرق بين أن ~~تكون طلباتك للدنيا أو للآخرة ، مع التأكيد على القيمة الكبيرة لثواب ~~الآخرة مقابل ثواب الدنيا. وبذلك يحقق الإيمان العملي لحياة الإنسان ~~التوازن بين حاجات الجسد ، وأشواق الروح ، ويحتوي تطلعاته ، في آفاق الدنيا ~~، ورحاب الآخرة ، فلا يعزله عن اهتمامات الدنيا ، شريطة أن تكون مرتبطة خطا ~~وهدفا بالآخرة ، كقيمة تحكم الواقع لتبعث فيه الروح وتمنع عنه التجمد في ~~نطاق المادة. # ولا بد للمؤمنين من ناحية أخرى أن يضعوا في حساباتهم بأن القرب من الله ، ~~والتمتع بفيض رحمته وإحسانه ، يتوقف على أن يعيش الإنسان الإحسان في قوله ~~وفي عمله ، لأن الله يجازي الإحسان بالإحسان ، فلا يمنع رحمته عن المحسنين. # * * * PageV12P232 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ~~@QUR@017 ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني ~~أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) @QUR@010 فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ~~عندي ولا تقربون (60) @QUR@06 قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) ~~@QUR@014 وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى ms2989 أهلهم لعلهم يرجعون ) (62) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 منكرون ): لم يعرفوه. # ( @QUR@01 جهزهم ): حملهم الجهاز ، وهو ما يعد من متاع وغيره ، والمراد ~~به هنا الطعام الذي جاءوا من أجله. # ( @QUR@01 رحالهم ): الرحال : جمع رحل ، وهو ما يوضع على ظهر الدابة ~~كالسرج ، والمراد به هنا : أوعيتهم التي توضع فوق السرج ونحوه. # ( @QUR@01 انقلبوا ): رجعوا. # * * * PageV12P233 ### ||| ** السنوات العجاف # ... ومرت الأيام .. وابتعد يوسف عن أهله .. وابتعدوا عنه .. وربما نسيهم ~~بعد انقطاع أخبارهم عنه ، وربما نسوه بعد انقطاع أخباره عنهم .. وتحول ~~الجميع لدى بعضهم البعض إلى ذكرى تغيب عن الفكر أمام ضغط الأحداث ~~المتلاحقة. # وجاءت السنوات العجاف ، وأجدبت الأرض ، وقل النتاج أو انعدم ، وضاقت ~~أحوال الناس في أرضهم ، وبدأوا يبحثون عن الطعام في مناطق أخرى لم يزحف ~~إليها الجدب ، أو لم يترك أثره الكبير عليها. وكانت فلسطين التي يقيم فيها ~~النبي يعقوب وأهله ، إحدى المناطق التي عرض عليها الجدب ، واشتد فيها الأمر ~~على الناس ، وربما سمعوا أن عزيز مصر قد فتح خزائن الطعام للناس ، وأنه ~~يوزعها بينهم بطريقة عادلة ، وقد كانت مصر الخصبة في أرضها ونيلها سوقا ~~للمناطق القريبة منها. وهكذا أعد إخوة يوسف العدة للسفر إليها ، ليجلبوا ~~منها الطعام إلى أهلهم ، وذلك بطريقة تجارية يستبدلون فيها بضاعة ببضاعة ، ~~أو بنقد. # * * * ### ||| ** وجاء إخوة يوسف عليه السلام # ( @QUR@05 وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه ) لأنه كان المسؤول الأول عن توزيع ~~الطعام ، بناء على الخطة الاقتصادية التي وضعها ، مما يفرض أن يكون المشرف ~~على عملية التنفيذ ، فكان يستقبل القادمين للشراء ، ويتفاوض معهم على مقدار ~~ما يطلبونه من طعام ، وما يدفعونه من سعر ، ( @QUR@04 فعرفهم وهم له منكرون ~~) لأنه كان صغيرا عند ما فارقوه ، وربما تغير الكثير من ملامحه الظاهرة ، ~~وربما لكونهم لا يحتملون وجوده في هذه المواقع ، لأن طبيعة الظروف التي ~~أحاطت به لا تسمح بذلك ، لا سيما وأن القافلة التي عثرت عليه PageV12P234 # باعته ، كعبد في أسواق النخاسة ، الأمر الذي جعلهم يستبعدون الفكرة حتى ~~لو قربتها إلى أذهانهم بعض الملامح البارزة في وجهه. ومن المعلوم ، أن ~~عملية الاستذكار ، تحتاج إلى حالة ذهنية معينة قادرة على ربط ms2990 معطيات الماضي ~~بالحاضر ، وإلا بقي الواقع مجرد حالة حيادية لا توحي إلا بما يتحرك حولها ~~من أحاسيس محدودة بالحاضر. أما بالنسبة ليوسف ، فقد كانت ملامحهم في ذهنه ، ~~لأنهم كانوا كبارا عند ما فارقهم ، ولم يحدث في حياتهم تغيير يذكر ، يبعد ~~الصورة البارزة لديه. لهذا كانت رؤيته لهم ، بمثابة الصدمة التي أعادته إلى ~~الماضي ، وربما يكون قد ساهم في ذلك أنهم كانوا قد ذكروا أسماءهم ، ومواقع ~~بلادهم عند قدومهم ، فمن المتعارف لدى الناس ، سؤال الغرباء عن هويتهم ~~وبلادهم. # وهكذا عرضوا على يوسف ، ما جاءوا لأجله فقدم لهم كل ما يريدون ، وزاد لهم ~~في الكيل ، وأكرم وفادتهم. وربما كان من الطبيعي ، أن يدور بينه وبينهم ~~حديث عن حياتهم وعن أبيهم وأهلهم لاتصال ذلك باهتمامات يوسف ، فلا بد له أن ~~يسأل ، بعد أن عرفهم ، عن التفاصيل التي تهمه من أمرهم ، ومن أمر من يحبهم ~~، بالطريقة التي لا تثير انتباههم واستغرابهم ، وقد يكون الحديث قد وصل بهم ~~إلى ذكر أخ شقيق لهم وآخر غير شقيق عند ما حدثوه عن عددهم ، وعن أشياء أخرى ~~لم يتعرض لها القرآن ، لأن أسلوبه ، في القصة ، يتناول المواقف المهمة في ~~حركة الشخص أو القضية دون الدخول في التفاصيل الصغيرة. # * * * ### ||| ** طلب أخاه وعمق الثقة معهم # ( @QUR@03 ولما جهزهم بجهازهم ) وأرادوا أن يرحلوا إلى بلادهم ، وجاءوا PageV12P235 # ليودعوه ، وعرف منهم أنهم سيعودون من جديد ، ليأخذوا مقدارا آخر من ~~الطعام ، لأن مشكلة فقدان الغذاء التي يعيشونها ستستمر لفترة طويلة ، ( ~~@QUR@06 قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) لأتعرف عليه ، كما تعرفت عليكم ، ~~ولأكرم وفادته كما أكرمت وفادتكم ، لأن هذا التعارف بيننا قد أوجد رابطة ~~وثيقة ، لا بد لها أن تمتد إلى جميع أفراد العائلة ، ( @QUR@05 ألا ترون ~~أني أوفي الكيل ) فقد أعطيتكم حقكم وافيا ، ولم أستغل حاجتكم إلي ، لأنقص ~~كيلكم ، كما يفعل المحتكرون ، ( @QUR@03 وأنا خير المنزلين ) باستضافتي لكم ~~في المنزل الرحب الذي وجدتم فيه كل إعزاز وإكرام ... ( @QUR@010 فإن لم ~~تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ) فهذا هو شرط استمرار التعاون ~~بيننا ، فامتناعكم عن المجيء به ms2991 إلي ، لأتعرف عليه ، يوحي بعدم الثقة بي ، ~~ويدل على عدم احترامكم لطلباتي التي أحاول من خلالها توثيق الصلة بكم. لعل ~~إخوة يوسف قد استغربوا هذا الطلب ، أو فهموه كدليل من دلائل المودة التي ~~يظهرها يوسف لهم ، وأثاروا الحديث معه ، حول صعوبة تنفيذ هذا الطلب ، لأن ~~هذا الولد محبوب لدى أبيه إلى درجة عدم مقدرته على مفارقته ، وقد لا يثق ~~بنا ، في المحافظة عليه ، لأنه أخ غير شقيق. ووعدوه بالتجربة لتحقيق طلبه ( ~~@QUR@06 قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ) من أجل تنفيذ طلبك الهادف ~~لتعميق الثقة بيننا ، واستمرار علاقتنا في المستقبل. # وأراد يوسف أن يؤكد الجو الحميم لعلاقته بهم ، ليدفعهم إلى العودة إليه ، ~~بعد أن يؤكدوا طبيعة الصلة الوثيقة التي تربطه بهم لدى أهلهم ، ( @QUR@02 ~~وقال لفتيانه ) الذين يساعدونه في إدارة عملية التجارة ، ( @QUR@04 اجعلوا ~~بضاعتهم في رحالهم ) وأرجعوها إليهم حتى يكون ما أخذوه مجانا ( @QUR@06 ~~لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ) فيجدون فيها المفاجأة الكريمة التي ~~توحي بالثقة ، وتدفع إلى العودة ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) إلينا في سفرة جديدة. # * * * PageV12P236 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل ~~معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) @QUR@017 قال هل آمنكم عليه إلا كما ~~أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) @QUR@026 ~~ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) @QUR@024 قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا ~~أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) @QUR@028 ~~وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم ~~من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ~~@QUR@030 ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء ~~إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ) (68) # * * * PageV12P237 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ونمير ): أي ms2992 نجلب الميرة ، بكسر الميم ، وهي : الطعام. # ( @QUR@02 كيل بعير ): حمله. # ( @QUR@01 موثقا ): عهدا. # ( @QUR@02 يحاط بكم ): تغلبوا على أمركم. # * * * ### ||| ** أرسل معنا أخانا # ... وعاد إخوة يوسف من مصر إلى بلادهم ، يحملون الطعام لأهلهم ، كما ~~يحملون هم إقناع أبيهم بإرسال أخيهم معهم إلى عزيز مصر ، ليتمكنوا من ~~الاستمرار في التجارة الرابحة التي وجدوا فيها الحل لمشكلتهم الاقتصادية ، ~~لأن توثيق العلاقة بالعزيز يسهل ذلك ، بينما يؤدي تعقيد العلاقة به ، إلى ~~مزيد من الخسارة والحرمان. لقد كانوا يعيشون هذا الهم في نفوسهم ، لأنهم ~~كانوا يعلمون أن أباهم لا يثق بأنهم سيحافظون على أخيهم ، فقد سبق أن ~~وافقهم على خروج أخيهم يوسف معهم ، فجاءوا إليه في المساء ، يحملون قميصه ~~الملطخ بالدم الكاذب ، زاعمين أن الذئب قد أكله. ولكنهم اتفقوا على مواجهة ~~الموضوع بحزم عاطفي معه ، مقتنعين بأنه سيخضع لهذا الطلب ، تحت تأثير ~~الحاجة الناشئة عن الأزمة التي يعيشها الجميع. PageV12P238 # ( @QUR@04 فلما رجعوا إلى أبيهم ) واستراحوا إليه ، وأخذوا يحدثونه عما ~~قالوه وما عملوه ، وما جاءوا به من الطعام ، وما لقوه من العزيز من حسن ~~وفادة وجميل رعاية ، حتى إذا وصلوا إلى حديث العودة من جديد ، للحصول على ~~ما يحتاجونه من الطعام مرة ثانية ، بعد نفاد ما جاءوا به ، ذكروا له الشرط ~~الصعب الذي اشترطه العزيز عليهم ، ( @QUR@06 قالوا يا أبانا منع منا الكيل ~~) في المرة الثانية ، إلا أن يكون معنا أخونا غير الشقيق ، ليكتمل عددنا ~~أمام العزيز ، ( @QUR@04 فأرسل معنا أخانا نكتل ) الطعام الذي نحتاج إليه ، ~~لأن ذلك هو السبيل الوحيد للحصول على الكيل ، ( @QUR@03 وإنا له لحافظون ) ~~في تأكيد يستهدف زرع الثقة في نفسه من خلال المواثيق التي يعطونها له ، ~~لإذهاب القلق من نفسه. # * * * ### ||| ** الله خير حافظا # ( @QUR@011 قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ) فقد ~~أكدتم لي ما تحاولون تأكيده الآن بالأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة ، ~~وسقطت كل تأكيداتكم أمام المأساة التي لم تستطيعوا تقديم حجة قاطعة لي تثبت ~~براءتكم منها في ما أقدمتم عليه ، أو في ما قصرتم به. ولكن ماذا أفعل أمام ~~إلحاحكم الشديد ، في ظل ما ms2993 نعيشه من أزمة خانقة ، لا تسمح لي بحرية اختيار ~~ما أريده ، وما لا أريده. ولكن تعجبي من هذا الشرط لا ينقضي ، فما علاقة ~~العزيز بأخيكم ، وما دخل عملية الكيل التي هي عملية محض تجارية بهذا كله؟ ~~فلأسلم الأمر إلى الله ، فأرسله معكم ، مبتهلا إليه تعالى أن يحفظه من كيد ~~الكائدين ، وبغي الظالمين ، فهو الملاذ في كل الأحوال ، ( @QUR@06 فالله ~~خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) فليس لنا إلا رحمته التي وسعت كل شيء ، منها ~~وجودنا ومنها استمرار كل نعم الحياة حولنا. # * * * PageV12P239 ### ||| ** إعطاء المواثيق # وتمت المسألة بسلام ، وحصلوا على الموافقة ، التي أرادوها في شأن إرسال ~~أخيهم معهم ، وبدأوا يفتحون الأكياس ، وهنا كانت المفاجأة ، فهذا هو متاعهم ~~الذي دفعوه للعزيز بدلا عن الطعام الذي اشتروه منه بمثابة الحجة القاطعة ~~على ما يؤكد الثقة بالعزيز ، وحسن إخلاصه لهم ، وأنه لا يريد بهم إلا خيرا ~~، ( @QUR@012 ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما ~~نبغي ) وما نريد أكثر من هذا الذي فاجأنا الآن ، ولم نكن على علم به عند ما ~~فارقنا العزيز ، ( @QUR@04 هذه بضاعتنا ردت إلينا ) فلننطلق على بركة الله ~~من موقع الثقة ، بقلب قوي مطمئن ( @QUR@02 ونمير أهلنا ) ونجلب لهم الطعام ~~، ( @QUR@02 ونحفظ أخانا ) بما نحفظ به أنفسنا من كل سوء ، ( @QUR@06 ~~ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ) في ما نؤمله من كرم العزيز الذي شاهدناه ، ~~( @QUR@015 قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم ) فقد كان القلق يفترس مشاعره ، ويأكل قلبه ، مما جعله يعيش ~~الصراع بين الإذن لهم في اصطحابه معهم ، وبين الامتناع عن ذلك ، لأن تجربته ~~السابقة معهم كانت حاضرة في ذهنه وقلبه وتوحي له بعدم الثقة بهم. إنه يبحث ~~عن أساس للثقة ، لا مجال لتحصيله إلا بالكشف عن المستقبل من خلال الغيب ~~ليحصل على الاطمئنان ، فطلب منهم أن يعطوه المواثيق على الالتزام بحمايته ، ~~بكل ما يملكون من إمكانات ووسائل ، بحيث يستنفدون كل إمكاناتهم في هذا ~~السبيل ، ولا يبقى لهم مجال لاستخدام أية وسيلة ممكنة إلا إذا كان ms2994 هناك جمع ~~كبير يحيط بهم مما لا يستطيعون الثبات أمامه ، وهذا ما يعذر به الناس في ~~مثل هذه الأمور. وهكذا طلب منهم أن يحلفوا ، ويعطوا المواثيق والعهود على ~~ذلك كله ( @QUR@09 فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ) فهو ~~الشاهد على ذلك ، وهو الكفيل بإتمامه ، لأنه المهيمن على الأمر كله. # * * * PageV12P240 ### ||| ** حاجة في نفس يعقوب! # وبذلك استطاع أن يوحي لنفسه بالثقة ، فارتاحت مشاعره من الشك والقلق ، ~~وانسابت عاطفته ، لتحتوي أولاده كلهم من جديد ، عند ما أراد أن يودعهم ، ~~فقد خاف عليهم من حسد الحاسدين ، لما يمكن أن يثيره دخولهم دفعة واحدة إلى ~~المجلس الذي يجتمع إليه الناس من الدهشة والإعجاب بهذه المجموعة من الإخوة ~~الرجال الذين يملكون القوة في الجسد والتوافق في الرأي ، والوحدة في الموقف ~~، فأراد أن ينصحهم بنصيحة أبوية تبعدهم عن أجواء الحسد الذي يبعث على الكيد ~~والتآمر من قبل الحاسدين. # ( @QUR@08 وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد ) فإن ذلك قد يشكل إثارة في ~~نفوس الحاضرين ، فيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ، ( @QUR@04 وادخلوا من أبواب ~~متفرقة ) كي تضيع الصورة الحقيقية القوية بذلك ، ولا تلفتوا الأنظار إليكم. ~~وليس في هذا ما يمنع القضاء إذا أراد الله له أن يحدث ، ولكنه قلق الوالد ~~على أولاده الذي يبحث عن أية وسيلة لحمايتهم ، عبر رعايته المباشرة لهم أو ~~عبر تزويدهم بوصايا ونصائح تكفل لهم ذلك ، ( @QUR@07 وما أغني عنكم من الله ~~من شيء ) إن أراد بكم سوءا فهو المالك لكل شيء ، ( @QUR@04 إن الحكم إلا ~~لله ) في كل أمور عباده ، ( @QUR@02 عليه توكلت ) في جميع أموري ، ( ~~@QUR@03 وعليه فليتوكل المتوكلون ) في إرجاع كل القضايا إليه ، فهو المعول ~~عليه في الشدة والرخاء. # ( @QUR@014 ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء ) لأن مثل هذه الوسائل لا تمنع الخطة المرسومة التي يريد الله للناس أن ~~يخضعوا لها في قضائه وقدره في علاقة المسببات بالأسباب ، فإذا أراد الله ~~شيئا هيأ أسبابه. وهكذا لم يرد يعقوب أن يغير القضاء ، أو يعطل الأسباب ( ~~@QUR@06 إلا حاجة ms2995 في نفس يعقوب قضاها ) في ما كان يريده لهم من تحفظ يبعدهم ~~عن المشاكل من PageV12P241 # بعض النواحي. ولم نعرف من خلال القرآن نوعية هذه الحاجة بالتحديد ، لكن ~~ربما كانت حالة من الطمأنينة الداخلية التي أراد أن يعيشها في نفسه ، وربما ~~كانت حاجته الملحة إلى رجوع يوسف إليه ، التي هيأ الله له أسباب تحقيقها في ~~سفر إخوته مع أخيهم غير الشقيق إليه ، الذي انتهى بلقاء يوسف وأخيه لأبيه ~~وأمه ، وبذلك يكون الضمير في «قضاها» راجعا إلى الله ، لا إلى يعقوب كما ~~يذهب إلى ذلك بعض المفسرين ، وربما كانت تلك الحاجة شيئا لا نعلمه ، مما قد ~~يكون معلوما لدى يعقوب مما علمه الله إياه من أسرار الغيب في ما يمكن أن ~~نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@05 وإنه لذو علم لما علمناه ). ولعل ~~المراد به العلم الخاص الذي يلهم الله به الأنبياء أو يوحي به إليهم من ~~علمه ، الذي لا يريد أن يبينوه ، بل يريد لهم أن يعيشوه ، ويكتفوا في ~~تبيانه على طريقة الإشعار أو الإيحاء لمصلحة ما هناك. ( @QUR@05 ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ) لأنهم يتعاملون في أمورهم من خلال الرؤية المحدودة ~~للأشياء ، مما يحجب عنهم الكثير من الأسرار التي تختفي في غيب المستقبل ، ~~أو في خلفيات الحاضر. # * * * PageV12P242 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون (69) @QUR@015 فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في ~~رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) @QUR@06 قالوا وأقبلوا ~~عليهم ما ذا تفقدون (71) @QUR@012 قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل ~~بعير وأنا به زعيم (72) @QUR@012 قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض وما كنا سارقين (73) @QUR@06 قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) ~~@QUR@011 قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) ~~@QUR@033 فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ~~ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء ~~وفوق كل ذي علم عليم ) (76) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آوى ): ضم. ms2996 PageV12P243 # ( @QUR@01 تبتئس ): تحزن. # ( @QUR@01 السقاية ): وعاء يسقى به. # ( @QUR@01 بعير ): جمل. # ( @QUR@01 صواع ): مكيال. # ( @QUR@01 زعيم ): كفيل. # * * * ### ||| ** خطته لاستبقاء أخيه # ... ووصل الإخوة إلى مصر ، ومعهم أخوهم غير الشقيق ( @QUR@04 ولما دخلوا ~~على يوسف ) وسلموا عليه ، وعرفوه على أخيهم ، ( @QUR@03 آوى إليه أخاه ) ~~وقربه إليه وحدثه بحميمية توحي بأن هناك علاقة غير عادية بينه وبينه ، ~~وانفرد به أو همس في أذنه بشكل مفاجئ بالحقيقة الصارخة التي هزت أخاه الذي ~~ربما كان قد نسي يوسف ، ( @QUR@04 قال إني أنا أخوك ) الشقيق ، فلا تشعر ~~بالوحدة معهم ، لما تلاقيه من اجتماعهم مع بعضهم ، وانفرادهم دونك ، ( ~~@QUR@05 فلا تبتئس بما كانوا يعملون ) ولا تحمل هم ما كان يصدر منهم نحوك ، ~~فهذا أوان الفرج والانفتاح على الحياة ، من خلال المحبة الصادقة والأخوة ~~المخلصة الطاهرة ، ولن ترجع إليهم لتعود إلى حياة القهر والإيذاء. وأخذ ~~يدبر الخطة التي يستطيع بواسطتها العذر في استبقائه عنده ، والحجة التي ~~تبرر ذلك أمامهم دون أن يضطر إلى استعمال العنف ضدهم للوصول إلى إقناعهم ~~بذلك ، لأنه لا يريد أن يبطل الفكرة الطيبة العادلة التي حملوها عنه. # * * * PageV12P244 ### ||| ** بين الغاية والوسيلة # ( @QUR@08 فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ) وهي الصاع التي ~~كانت تستعمل للسقاية ، فقد أمر فتيانه أن يجعلوها في متاع أخيه ، ( @QUR@03 ~~ثم أذن مؤذن ) وصاح صائح رافعا صوته للإعلام بوجود شيء مفقود في رحل ~~القافلة ، ( @QUR@02 أيتها العير ) أي القافلة ( @QUR@02 إنكم لسارقون ). # هل ذلك حكم عليهم بالسرقة؟ ولكن كيف ذلك وهم لم يسرقوا؟ هل هو وارد على ~~سبيل التورية؟ على أساس سرقتهم ليوسف من أبيهم ، وبيعهم له ، أو أنه مجرد ~~توجيه للتهمة من ناحية شكلية على سبيل الاستفهام ، من أجل الوصول إلى ما ~~توخاه يوسف من احتواء أخيه عنده؟ وقد لا يكون في ذلك أية مشكلة ما دامت ~~الغاية نظيفة ، والوسيلة لا تضر أحدا ، لأن المسألة لا تعدو أن تكون مجرد ~~ضغط نفسي على إخوة يوسف ، بما يتضمنه الموقف من إحراج لهم أمام أبيهم ، ~~ولكنه لا يؤذيهم في شيء ، بل قد ينفس عقدتهم ضد يوسف وأخيه ، فقد تكون هذه ~~الحادثة فرصة للتشفي من ms2997 هذا الأخ الذي حل محل يوسف في قلب أبيه دون أن ~~يملكوا فعل شيء حياله ، لا سيما أن الأب ما زال يعيش هم يوسف في نظراته ~~إليهم التي لا تخلو من ملامح الاتهام. # وفي تلك الحادثة يمكننا أن نستوحي فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة ، إذا ~~كانت الغاية أعظم من ناحية الأهمية ، لأنها بذلك تنظف الوسيلة ، وتطهرها. ~~وهكذا واجه فتيان يوسف إخوته باتهامهم بالسرقة ، وفوجئ هؤلاء الشباب ~~بالتهمة ، فهم لم يسرقوا لأنهم ليسوا بحاجة إلى السرقة ، بالإضافة إلى أنهم ~~يعرفون ما فعلوا ، الأمر الذي يثبت براءتهم ، أما أخوهم غير الشقيق فليس في ~~تاريخه حالة سرقة ، مما جعلهم يجزمون بأن التهمة ناشئة من سوء تفاهم ، أو ~~من سوء فهم للواقع. لقد كان النداء صدمة كبيرة لهم ، ومفاجأة سيئة. PageV12P245 # ( @QUR@06 قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون ) حتى تتهمونا بالسرقة؟ ( ~~@QUR@04 قالوا نفقد صواع الملك ) وهو صواع مميز لا يمكن أن نتسامح به ، ~~لأنه يخص الملك ، لذا فإن الحصول عليه أمر غاية في الأهمية ، ولمن يأتي به ~~جائزة كبيرة ، ( @QUR@05 ولمن جاء به حمل بعير ) من الطعام ، ( @QUR@03 ~~وأنا به زعيم ) أي كفيل ، قالها المنادي للإيحاء بالثقة بأنه هو يضمن حصول ~~من يأتي بالصواع على الجائزة ، إذا لم يستطع الوصول إلى الملك الذي أمر ~~بها. وربما كان في ذلك ما يخفف من وقع التهمة ، فقد تحرك إعلان المنادي ~~بالشكل الذي يوحي وكأن فقدان الصاع قد لا يكون نتيجة سرقة ، بل نتيجة ضياعه ~~بين الأدوات خطأ ، أو شبه خطأ ، ولهذا حاولوا أن يدافعوا عن أنفسهم ، ~~ويظهروا براءة ساحتهم. # * * * ### ||| ** التدبير الإلهي الخفي # ( @QUR@09 قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ) فقد عرفتم ~~سلوكنا وطريقتنا في التعامل معكم ، وربما يذكر بعض المفسرين أن إخوة يوسف ~~أعادوا البضاعة التي وضعها يوسف في رحالهم ظنا منهم أن في الأمر خطأ ما ، ~~مما يوحي بأمانتهم. ولكن مثل هذا غير دقيق ، بلحاظ كلامهم مع أبيهم الذي ~~كان يوحي بأنهم كانوا مقتنعين بأن هذه البضاعة قد ردت إليهم ، إحسانا ~~وترغيبا لهم في الرجوع. ومهما كانت ms2998 المسألة ، فها هم يقفون ليشهدوهم بأنهم ~~لم يأتوا ليفسدوا في الأرض بالعبث بأملاك الملك عن طريق السرقة ، ( @QUR@03 ~~وما كنا سارقين ) في الماضي لنسرق في الحاضر ، لأن ذلك ليس من أخلاقنا ولا ~~من عاداتنا. ولم يعلق فتيان يوسف على ذلك ، بل تركوا لهم أن يتحدثوا بما ~~يشاءون. # ولكنهم بوحي من يوسف الذي كان يعرف شريعة يعقوب في عقاب PageV12P246 # السارق ، سألوهم عن ذلك ، ( @QUR@06 قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ) في ~~دعواكم الأمانة ، وإنكاركم للسرقة ، لأننا لا نريد أن نعاقب السارق بمقتضى ~~شريعتنا ، بل نريد أن نلزمكم بما تفرضه شريعتكم ، لتعلموا أننا لا نقصد ~~استغلال موقعكم الضعيف عندنا بأن نفرض عليكم ما نريد ، بل نترك الأمر لكم ~~في اكتشاف المسألة وفي الحكم عليها. ( @QUR@08 قالوا جزاؤه من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه ) وذلك بأن يسترق ويستعبد ، أو يؤسر ليفعل به صاحب المال ما يشاء ~~، وتلك كانت شريعة يعقوب في معاقبة السارق ، ( @QUR@03 كذلك نجزي الظالمين ~~) الذين ظلموا غيرهم بالاعتداء على ماله ، وظلموا أنفسهم بالانحراف عن أمر الله. # ( @QUR@05 فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ) ليبدو الأمر طبيعيا لهم ، فلا ~~يثير أي شك لديهم بوجود خطة لإبقاء أخيه ، فلم يجد في أوعيتهم شيئا مما ~~أثار في نفوسهم الاطمئنان إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون اشتباها. وهنا كانت ~~المفاجأة التي تنتظرهم : ( @QUR@05 ثم استخرجها من وعاء أخيه ) ووقفوا ~~جميعا أمام هذه الصدمة الكبيرة لا يعرفون ماذا يفعلون وكيف يفسرون الأمر ~~بعد أن واجهتهم الحقيقة الصارخة. # ( @QUR@03 كذلك كدنا ليوسف ) ودبرنا له الحيلة في الوصول إلى هذه النتيجة ~~السعيدة التي كان يحبها ويرتضيها ، إنه التدبير الإلهي الخفي ، ( @QUR@07 ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) لأن دين الملك وشريعته أن يسجن السارق أو ~~يعاقبه ، ولكن الله ألهمه أن يلزمهم بما تفرضه شريعة يعقوب ، فحصل على ما ~~يريد ، ولعل هذا هو المراد بقوله : ( @QUR@04 إلا أن يشاء الله ) فإذا شاء ~~أمرا هيأ أسبابه ، ( @QUR@04 نرفع درجات من نشاء ) كما رفعنا مكانة يوسف ~~بالعلم والتقوى ، فبلغ ما بلغه من الشأن ، ( @QUR@05 وفوق كل ذي علم عليم ) ~~حسب ms2999 ما تفرضه طبيعة اختلاف الدرجة في المعرفة ، وربما كان في هذا بعض ~~الإيحاء بما يميز يوسف عن إخوته في العلم ، لأنهم كانوا يحملون بعض العلم ~~حسب ما ذكر المفسرون. # * * * PageV12P247 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم ~~يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) @QUR@016 قالوا يا ~~أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ~~(78) @QUR@013 قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون (79) @QUR@037 فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا ~~أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ) (80) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استيأسوا ): يئسوا. # ( @QUR@01 خلصوا ): انفردوا عن الناس. # ( @QUR@01 نجيا ): متناجين متشاورين. # ( @QUR@01 فرطتم ): قصدتم. PageV12P248 # ( @QUR@01 أبرح ): أفارق. # * * * ### ||| ** خطة يوسف عليه السلام والهدف الكبير # ... وأسقط في أيديهم أمام هذا الدليل الصارخ ، والحجة القاطعة ، ولكنهم ~~أرادوا وضع أنفسهم في موقع يميزهم على صعيد مستوى الأمانة والشرف عن أخويهم ~~الآخرين من غير أمهم لئلا تنزل مكانتهم عند العزيز ، وكأنهم يريدون أن ~~يقولوا له : لقد أتينا إليك في المرة الأولى ، ولم يحدث فيها ما حدث الآن ، ~~لأننا لا نقوم بمثل هذه الأعمال التي قام بها أخونا هذا وأخوه ، الذي سبقه ~~إلى القيام بهذا العمل ، من قبل ، ولكنها إرادتك الحاسمة التي فرضت علينا ~~المجيء به إليك ، دون أن نعرف طبيعة العدوى التي سرت إليه من أخيه. ربما ~~كان هذا ما كانوا يفكرون به عند ما تحدثوا مع يوسف بهذه الطريقة. # ( @QUR@09 قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) وحاول المفسرون أن ~~يبحثوا في تاريخ يوسف عن هذه السرقة التي ألصقوها به ، كما لو كانت حقيقة ، ~~ولم يدر في أذهانهم ، أن المسألة قد تكون مجرد كذبة استثارها حقدهم على ~~يوسف وأخيه ، وعقدتهم التي يحملونها في داخل نفوسهم. وإلا فما معنى الحديث ~~عن يوسف ، وما المناسبة التي تفرضها ms3000 طبيعة المشكلة التي يعيشونها في مسألة ~~السرقة ليتحدثوا بهذا الأسلوب؟! # ( @QUR@07 فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) وحاول أن يسيطر على ~~انفعالاته التي كاد أن يطلقها لتواجههم بأكاذيبهم ، ولترد لهم الكيل كيلين ، لأنه PageV12P249 # لا يريد لخطته التي رسمها للوصول إلى هدفه الكبير في ضم أخيه إليه ، ~~واستقدام أبويه ، وحل المشكلة نهائيا بينه وبين إخوته أن تفشل ، مع ما ~~يتضمن ذلك من معاناة كبيرة في الضغط على المشاعر وتحمل المتاعب ، ولكنه في ~~الوقت نفسه واجههم من موقعه الكبير ليحملهم المسؤولية كمجموعة ، لأنهم ~~يتحملونها في العمق ، في تاريخهم معه ، وإن لم يكونوا مسئولين عن السرقة في ~~ما دبر أمره. لقد أطلق الكلمة الصارخة التي تدينهم ، وتبعد أخاه ، كما ~~تبعده هو عن مجرى اتهاماتهم ، ( @QUR@04 قال أنتم شر مكانا ) في تفكيركم ~~وعملكم ، فليس لكم أن تواجهوا المسألة بهذه الطريقة التي تحاولون من خلالها ~~أن تلصقوا الشر بالآخرين ، وتبرئوا أنفسكم منه ( @QUR@04 والله أعلم بما ~~تصفون ) في ما تتهمون به الآخرين. # * * * ### ||| ** خذ أحدنا مكانه # ( @QUR@012 قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه ) ~~ولا بأس بأن تتجاوز حرفية القانون نظرا للظروف الصعبة التي تحيط بهذا الأخ ~~، لأن له أبا شيخا يرتبط به ارتباطا عاطفيا قويا فوق مستوى العادة ، بحيث ~~يشكل احتجازه بالنسبة له صدمة عنيفة قد تودي بحياته. فإذا كانت المسألة ~~تمثل لديك حالة ثأر واقتصاص ، فمن الممكن أن يتحمل أحدنا المسؤولية عنه ، ~~لأننا نمثل مجموعة واحدة ، إذا أساء أحدنا فكأن الآخرين أساءوا أيضا ، ولك ~~على هذا الأساس أن تأخذ أي واحد منا ، فلا تتحمل أية مسئولية شرعية سلبية ~~نتيجة ذلك ، ( @QUR@04 إنا نراك من المحسنين ) الذين يتغلب فيهم جانب ~~الرحمة على جانب الانفعال ، فيتحركون من مواقع الإحسان إلى من حولهم ، في ~~ما يتمثل في سلوكهم من الرأفة واللطف ، ومراعاة الظروف المحيطة بكل قضية ، ~~بكل واقعية وبكل مرونة وإخلاص. PageV12P250 # ولكن يوسف يتمسك بحكم الشريعة ، فلا يريد أن يتجاوز حرفية النص لأنه لا ~~يوافق على ذلك ولا يجد مبررا له. أما العاطفة ، فإنها لا تمثل ms3001 شيئا أمام ~~تطبيق الشريعة ، والاستسلام لها قد يعطل حالة التوازن في العدالة التي ~~يريدها الله لعباده ، في أحكام شريعته. ( @QUR@010 قال معاذ الله أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متاعنا عنده ) لأن هذا من الظلم الذي لا نوافق على اقترافه ، ~~( @QUR@03 إنا إذا لظالمون ) وهذا ما لا يمكن أن نتحمل مسئوليته أمام الله. ~~وهكذا حسم يوسف المسألة فلم يترك لهم مجالا للأخذ والرد. # * * * ### ||| ** هو خير الحاكمين # ( @QUR@05 فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ) واجتمعوا مع بعضهم يتداولون ~~الرأي ، حول ما يمكنهم القيام به لمواجهة حرج موقفهم من أبيهم ، ( @QUR@012 ~~قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ) فإذا كنتم لا ~~ترون في هذا الميثاق الذي أخذتموه على أنفسكم ، أمام الله ما يلزمكم ~~بالبقاء ، لملاحقة قضية أخينا ، والحفاظ عليه ، فإني أرى نفسي ملزما ~~بمتابعتها ، ما أمكنني ذلك ، ولن أعيد التجربة السابقة في التفريط بأخي هذا ~~، ( @QUR@06 ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) وبعتموه بثمن بخس ، وتركتم مصيره ~~للضياع ، فلا نعلم الآن عنه شيئا ... وربما يتكرر الأمر مع أخيه ، فيضيع في ~~أجواء الاسترقاق ، كما ضاع أخوه ، ( @QUR@07 فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي ) في الذهاب إليه ، لأكون في حل من عهدي ، بعد ما أكون قد قمت به من ~~جهد في سبيل تخليص أخي ، ( @QUR@04 أو يحكم الله لي ) بأن يفتح لي أبواب ~~النجاح ، أو أبواب العذر ، ( @QUR@03 وهو خير الحاكمين ) بما يدبره من أمر عباده. # * * * PageV12P251 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا ~~بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) @QUR@011 وسئل القرية التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) @QUR@018 قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ~~(83) @QUR@013 وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو ~~كظيم (84) @QUR@012 قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين (85) @QUR@013 قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون (86) @QUR@021 يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف ms3002 وأخيه ولا ~~تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) (87) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سولت ): زينت. # ( @QUR@01 كظيم ): الكظيم : الممسك للحزن في قلبه لا يبثه إلى غيره تعالى. PageV12P252 # ( @QUR@01 حرضا ): مشرفا على الهلاك. # ( @QUR@01 بثي ): البث : الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه. # ( @QUR@01 فتحسسوا ): التحسس : طلب الشيء بالحواس كالسمع والبصر. # * * * ### ||| ** الصدمة الكبيرة # ... وبقي كبيرهم هناك ، التزاما بعهده ، وتخلصا من الموقف المحرج أمام ~~أبيه ، وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم ، ليخبروه بتفاصيل ما حدث بالطريقة ~~الحكيمة الحاسمة : ( @QUR@014 ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك ~~سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ) فقد شاهدنا القوم يخرجون صواع الملك من ~~متاعه ، ( @QUR@04 وما كنا للغيب حافظين ) عند ما أعطيناك الميثاق بشكل ~~مطلق ، فلم نكن نعرف في ظل الأجواء العاطفية التي تحجب الرؤية أنه يمكن أن ~~يسرق. ولكن الواقع فاجأنا بغير ما نتوقع ، وهذا ما جعلنا نواجه الحقيقة معك ~~، لنتحمل مسئوليتنا أمام هذه الحادثة التي تهزنا وتحطمنا ، على المستوى ~~النفسي ، جميعا. # وربما لا تجد لديك أي أساس للثقة بنا ، ونحن لسنا في صدد الدخول معك في ~~نقاش حول ذلك ، فهو أمر لا يصل بنا إلى أية نتيجة ، ولكن المسألة لم تحدث ~~في زاوية خفية من زوايا مصر ، بل حدثت في الساحة العامة حيث تجتمع القوافل ~~للتموين وللشراء وللانطلاق ، وحيث يلتقي أهل البلد ، والقادمون إليها ، ~~ونحن ، ندعوك إلى سؤال الناس كلهم هناك ، والقافلة التي كنا فيها من ~~منطقتنا ، فإذا كنت لا تثق بنا ، فهل تفقد الثقة بكل هؤلاء؟! PageV12P253 # ( @QUR@05 وسئل القرية التي كنا فيها ) بجميع من يعيش فيها من أفراد ، ( ~~@QUR@04 والعير التي أقبلنا فيها ) أي القافلة التي تضم الإبل ، ( @QUR@02 ~~وإنا لصادقون ) في كلامنا عن أخينا وما حدث لنا بسببه من الخزي والعار ... ~~لقد علمهم كبيرهم أن يقولوا ذلك لأبيهم ، كي يحاصروا بذلك كل جوانب الرفض ~~عنده ، فدخلوا على أبيهم ، وتحدثوا إليه بذلك كله ، وكان ذلك بمثابة الصدمة ~~الكبيرة له ، ولكنه يعرف أخلاقية ولده ، فقد رباه أحسن تربية ، ورعاه أفضل ~~رعاية ، وخبر كل ما يحمله من خلفيات ms3003 طيبة ، ولذلك فقد كانت حكاية سرقته ~~لصواع الملك أمرا لا يمكن أن يصدق ، لأن السرقة ليست خلقا لديه ، ولا تمثل ~~حاجة عنده ، فلما ذا يسرق؟ وكيف ذلك؟ # * * * ### ||| ** الصبر الجميل والإحساس بالفرج # لهذا كان رد فعله مختلفا عما كان أولاده يأملونه ، بعد تقديم كافة ~~البراهين له ، ( @QUR@06 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) إن هناك شيئا ما في ~~هذه القضية ، ولا بد من وجود خلل ما في بعض التفاصيل ، فهو لا يثق بأولاده ~~، بعد ما صدر عنهم في قصة ولده يوسف. إن هناك غموضا في الجو ، وعليه أن ~~يتماسك أمام الفاجعة ، فلا يواجهها بالانفعال السريع ، بل بالصبر ، لذا ~~أعلن لهم عن مشاعره ، وموقفه ، ( @QUR@02 فصبر جميل ) وللصبر نتائجه الطيبة ~~على مستوى عواقب الأمور ، واستطاع الصبر أن يفتح قلبه على آفاق الفرج ~~الكبير في ساحات رحمة الله. # وها هي صورة يوسف تلمع في ذهنه فلا يلمح فيها أي شحوب يقربها من أجواء ~~الموت ، وها هي صورة أخيه تلتقي بصورته ، فهل هي صدفة أو أن هناك وحيا ~~ربانيا يهمس في قلبه أن المشكلة تقترب من الحل ، وأن اللقاء بهما قريب ، ~~وأن شمل العائلة سيجتمع في الأجواء الحميمة التي تخفف الآلام ، PageV12P254 # وتصفي القلوب؟؟ وهذا ما عاشه يعقوب كنبي يستشرف الغيب ، في مثل لمعة ~~الضوء الخاطفة ، ( @QUR@06 عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ) إنه الإحساس ~~العميق بالفرج القريب الذي يستمده من الله ، ( @QUR@04 إنه هو العليم ~~الحكيم ) الذي يعلم خفايا الأمور ، ويدبر خلقه برحمته ، ويحتوي حياتهم ~~بحكمته. # * * * ### ||| ** كظم الحزن # ( @QUR@02 وتولى عنهم ) وأعرض بوجهه عنهم ، وغرق في أمواج الذكريات ، ~~وتحركت عاطفته ، وانسابت الدموع في قلبه ، قبل أن تتفجر في عينيه ، وتذكر ~~يوسف ، ( @QUR@05 وقال يا أسفى على يوسف ) فقد كان قرة العين ، وثمرة ~~الفؤاد ، بما يحمله من المعية الفكر ، وروحانية الروح ، وجمال النفس والجسد ~~، ( @QUR@04 وابيضت عيناه من الحزن ) لما كان يذرفه من دموع حارة حزينة حتى ~~فقد بصره ، ودمعه كان ينساب بهدوء ، كتعبير صاف عن عمق الحزن ، لكن يعقوب ~~لم يجزع ولم يثر أية مشكلة لمن حوله ، ( @QUR@02 فهو كظيم ) يكظم حزنه ms3004 ~~ويحبسه ، ولكنه يعيشه وحده ، في خلوات وحدته. # * * * ### ||| ** الشكوى إلى الله # وفوجئ أولاده بحديثه عن يوسف ، فقد أصبح شيئا قديما جدا ، وانتهى كحقيقة ~~، لقد أصبح ذكرى ميتة ، فما باله يعيدها إلى الحياة ليربك حياتهم من جديد ، ~~وليبعث فيهم عقدة الإحساس بالذنب؟ ولهذا واجهوه بعنف يتوسل أن يرحم نفسه أو ~~أن يرحمهم ، لما اختزنوه من شعور بالألم : ( @QUR@05 قالوا تالله تفتؤا ~~تذكر يوسف ) أي لا تنفك تذكر يوسف الذي ذهب في ذمة التاريخ ، وانقطعت ~~أخباره حتى يئسنا جميعا من عودته مما يجعل الحديث عنه ، أمرا لا PageV12P255 # فائدة منه ، كما أنه لا فائدة من السعي للبحث عنه. وهكذا أرادوا أن ~~يقولوا له إن الإلحاح في استثارة الحزن من خلال استثارة الذكرى لن ينتهي ( ~~@QUR@03 حتى تكون حرضا ) أي مشرفا على الهلاك ، ( @QUR@04 أو تكون من ~~الهالكين ) الذين تسقطهم الصدمة النفسية في قبضة الموت. # ولكنه جابههم بأن الأمر لا يعنيهم ، وهو لا يشكو إليهم أمره ، لأنهم لا ~~يفهمون مشاعره وآلامه أولا ، ولا يستطيعون أن يقدموا له شيئا ثابتا ، بل ~~يشكو أمره إلى من يسمع شكواه ويملك أن يحل مشكلته ، ( @QUR@04 قال إنما ~~أشكوا بثي ) وهو الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه ، ( @QUR@09 ~~وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) لأن معرفتي بالله ، وما يفيضه ~~على عباده من رحمته ، وما يتسع له لطفه ، يجعلني كبير الثقة بمصير يوسف ، ~~لأنه إذا ابتعد عن رعايتي له ، فإن رعاية الله ولطفه يفوق كل ما أختزنه له ~~في قلبي من حب ورحمة. وإذا كنت أحزن ، أو أعيش الهم ، فلأن جانب الضعف في ~~الإنسان يخلق لديه ، من خلال التفكير بالتفاصيل ، مشاعر سلبية تثير شجونه ، ~~وتدمر استقراره النفسي. وهكذا بدأ الأمل يخضر في نفسه ، وينمو مع روحانية ~~الحديث الذي كان يعيشه في مناجاته لله ، حتى كاد أن يلامس مصير يوسف المشرق ~~، كما لو كان يراه. ولهذا طلب من أولاده ، أن يعودوا إلى مصر من جديد ~~ليبحثوا عنه ، حيث تركوا أخاه ، لأن في داخله إحساسا لا يعرف حقيقته ، بأن ~~يوسف قد التقى بأخيه ms3005 ، وأنه من الممكن أن يجدوه حيث يوجد أخوه. # * * * ### ||| ** لا تيأسوا من روح الله # ( @QUR@07 يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ) واطلبوه بكل ما ~~تستطيعون توسله من أساليب تتحرك فيها حواسكم السمعية والبصرية ، فلعلكم ~~تواجهون المفاجأة التي لا تخطر لكم على بال ، ( @QUR@05 ولا تيأسوا من روح ~~الله ) وفرجه ، لأن PageV12P256 # المؤمن يبقى واثقا بالله في كل أموره مهما ضاقت عليه الأحوال ، ومهما ~~تعقدت من حوله الظروف ، ( @QUR@09 إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون ) لأن اليأس من الفرج لا يخلو من أحد أمرين ، إما الشك بقدرة الله ~~، وإما الشك بعلمه ، لأن الذي يمنع من حل المشكلة هو العجز عنها ، أو عدم ~~معرفة أبعادها ، وكلاهما كفر بالله .. # * * * ### ||| ** اليأس يوجب الكفر # وهذا ما قرره الرازي في تفسيره حيث يقول : «واعلم أن اليأس من رحمة الله ~~لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال ، أو غير عالم ~~بجميع المعلومات ، أو ليس بكريم ، بل هو بخيل ، وكل من هذه الثلاثة يوجب ~~الكفر ، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة ، وكل واحد ~~منها كفر ، ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا ...» (1) # ومن خلال ذلك نعرف أن القرآن الكريم أراد أن يقتلع جذور اليأس من نفس ~~الإنسان بإعادته إلى إيمانه لينطلق معه في وعي ويقظة كبيرين ، يجعلانه يشعر ~~بالأمل الذي يتفجر من ينابيع الإيمان كمثل الشعاع المنسكب من قلب الشمس في ~~روعة الشروق. # وبهذا يلتقي الإيمان بالأمل في وحدة رائعة تجعل الروح التي تشع أحدهما ~~على الإنسان ، تشع على الآخر أيضا كما هي حال كل شيئين متلازمين في الوجود. PageV12P257 # أما اليأس فجذوره الكفر وإن لم يشعر الإنسان به بشكل مباشر. وعلى ضوء هذا ~~، فإن على الإنسان الذي يعيش اليأس في قلبه ، أن يعيد النظر في إيمانه ، ~~ليعرف إن كان منطلقا من أساس متين ، أو لا. # وربما كان في طلب يعقوب منهم أن يتحركوا في ساحات العمل ، حتى في حالات ~~اليأس بعض الإيحاء بأن على الإنسان ألا يستسلم ms3006 لحالة اليأس عند ما تحتل ~~داخله ، ولا يحاول في سبيل الوصول إلى مواقع الأمل أن ينطلق في حالة ~~تجريدية ، بل ينبغي له ، أن يتحرك على الأرض ويحرك الإمكانات المتوفرة لديه ~~، ليصل إلى الأمل الكبير من خلال الحركة المتصلة بالحياة المتحركة من حوله. ~~وبذلك يتخلص الإنسان من عوامل اليأس النفسية ، بخطوات العمل الواقعية ، ~~لتنعكس المسألة عنده ، فإذا كان التصور الأسود يجمد أمام الإنسان حركة ~~الحياة ، فإن الحركة تحول الحالة النفسية المظلمة إلى حالة مشرقة من خلال ~~المقولة التي تجعل التجربة في خدمة الفكرة ، بدلا من أن تكون الفكرة حاجزا ~~أمام التجربة. # * * * PageV12P258 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) ~~@QUR@010 قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) @QUR@023 ~~قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) @QUR@09 قالوا تالله لقد آثرك ~~الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) @QUR@011 قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) @QUR@012 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ) (93) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الضر ): المجاعة. # ( @QUR@02 ببضاعة مزجاة ): البضاعة المزجاة : الرديئة أو القليلة. # ( @QUR@01 آثرك ): اختارك وفضلك. PageV12P259 # ( @QUR@01 تثريب ): التثريب : التعنيف والعقوبة. # * * * ### ||| ** همهم الطعام # ورجعوا من جديد إلى مصر بعد أن أمرهم أبوهم أن يعودوا إليها. ولم يكن ~~همهم البحث عن يوسف وأخيه ، بل كان كل همهم أن يبحثوا عن الطعام ، لنفاده ~~لديهم ، وعدم وجود ثمن يكفي لشراء ما يحتاجونه منه ، ولهذا كانت طريقتهم في ~~العرض والطلب ، توحي بالاستعطاف والمسكنة. # ( @QUR@010 فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) ~~وحاصرتنا المجاعة من كل جانب ، وكبرت حاجتنا إلى ما عندك من الطعام ، ( ~~@QUR@03 وجئنا ببضاعة مزجاة ) أي رديئة أو قليلة لا تتناسب مع ما نريده منك ~~من حيث الكمية أو النوعية ، ( @QUR@03 فأوف لنا الكيل ) ولا تنقص منه شيئا ~~من موقع كرمك ، ( @QUR@02 وتصدق علينا ) ولا تطلب منا المساواة ms3007 في البدل ، ~~من موقع إحسانك ، ( @QUR@04 إن الله يجزي المتصدقين ) الذين يبذلون أموالهم ~~للفقراء بلا مقابل حبا بالله ، وتقربا إليه .. # * * * ### ||| ** يوسف عليه السلام يحاكمهم # وانتظروا أن يتجاوب مع ما طلبوه بعض الشيء ، وأن يتحدث معهم في التفاصيل ~~، وربما كان يدور في ذهنهم ، أنه سيعترض على ذلك ، أو يفرض عليهم بعض ~~الشروط ، ولكنهم لم ينتظروا أن ينقلهم إلى حديث يوسف وأخيه ، وأن يحاكمهم ~~على ما فعلوه معهما في الماضي. PageV12P260 # ( @QUR@07 قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ) هل عرفتم النتائج السلبية ~~لما فعلتموه ، والآلام والأزمات النفسية التي أحدثتموها في حياتهما؟! إنكم ~~لا تحاولون استعادة ذلك ، لأنكم لا تشعرون بتأنيب الضمير ، فعقدتكم المرضية ~~تجاههما تبرر لكم كل ما فعلتموه ، ( @QUR@03 إذ أنتم جاهلون ) لا تعرفون ~~نتائج أعمالكم ، كما لا يعرف الجاهلون نتائج أعمالهم. # * * * ### ||| ** أجر المحسنين # وكان حديثه بمثابة صدمة أعادتهم إلى الماضي فتذكروا ملامح يوسف ، في ~~ملامح وجه العزيز ونبرات صوته ، وشعروا بروح الإيمان التي حدثهم عنها أبوهم ~~يعقوب وما تمثله من انتظار الفرج من الله تواجههم الآن ، فعرفوا في هذا ~~العزيز أخاهم يوسف ، في ما يشبه الوحي ، أو اللمعة الفكرية والروحية التي ~~تشرق في الذات ، فتضيء جوانب الحاضر من خلال الماضي. ( @QUR@04 قالوا أإنك ~~لأنت يوسف ) هل هذا وهم وخيال ، أم هي الحقيقة التي تواجهنا؟! ( @QUR@09 ~~قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا ) بلطفه وكرمه ، وأكرمنا من حيث ~~أردتم إهانتنا ، وأعزنا من حيث أردتم إذلالنا ، وفتح لنا باب الحياة بأوسع ~~مجالاتها. فأين نحن الآن وأين أنتم ، أليس في ذلك عبرة لكم ودرس كبير؟ إن ~~القوة لا تصنع وحدها المستقبل ، وإن العدوان لا يحقق نجاحا ، بل الله ، ~~الذي يتقيه المؤمن ، ويصبر امتثالا لأوامره ، هو الذي يصنع للإنسان مستقبله ~~كما صنع له ماضيه وحاضره ، وهو الذي يحقق له النجاح في حياته ، ( @QUR@04 ~~إنه من يتق ويصبر ) بما توحيه التقوى من إحسان العمل لله ، ويؤكده الصبر من ~~إحسان للذات وللحياة ، ( @QUR@06 فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) الذين ~~أحسنوا النية ، والعمل في كل خطوات الفكر والحياة. # * * * PageV12P261 ### ||| ** طلب الغفران # وخضعوا ms3008 للمنطق الإيماني في حديث يوسف الذي كان يتحدث ليس فقط من موقع ~~الإيمان بل من موقع القوة التي يلمسها إخوته في سيطرته الواسعة على موارد ~~الثروة في هذا البلد ، ولهذا كان تأثيره عليهم كبيرا ، وكانت فرحتهم به ، ~~كندمهم على ما بدر منهم تجاهه. ( @QUR@09 قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين ) واختارك وفضلك ، في العلم والحلم ، والكمال في العقل ، ~~والجمال في الجسد ، وها أنت في الموقع الرفيع ، ونحن في الموقع الوضيع ، ~~فاغفر لنا ما بدر منا تجاهك وتجاه أخيك ، فإنك الكريم ابن الكريم. ( ~~@QUR@04 قال لا تثريب عليكم ) أي لا عقوبة ولا تعنيف بل المسامحة والعفو ، ~~والاستغفار لكم والابتهال إلى الله أن يعفو عنكم ، وسيستجيب الله مني ذلك ، ~~( @QUR@04 اليوم يغفر الله لكم ) ذنوبكم في ما ارتكبتموه من إساءة وعدوان ، ~~( @QUR@03 وهو أرحم الراحمين ) فلا يمكن أن يعاقبكم لحسابي ، بعد أن عفوت ~~عنكم وطلبت منه العفو والغفران لكم جميعا. وهكذا عادت المياه إلى مجاريها ، ~~وانتهت كل المشاكل التي حكمت تاريخ العلاقات بينهم. وبقيت مشكلة يعقوب الأب ~~الذي عانى الكثير من غياب ولديه عنه ، وهنا فاجأ يوسف إخوته بطلبه إليهم في ~~هذا المجال. # * * * ### ||| ** المعجزة الخارقة # ( @QUR@09 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ) بعد أن يشمه ~~بقدرة الله التي بها تحيا العظام وهي رميم ، فلا يعجزها أن تعيد البصر إلى ~~النبي الذي PageV12P262 # أطاع الله في نفسه ، وفي الناس. إنها المعجزة الخارقة التي قد تكون كبيرة ~~بالنسبة للناس ، ولكنها لا تمثل شيئا أمام قدرة الله المطلقة التي لا يقف ~~عندها حد. # ( @QUR@03 وأتوني بأهلكم أجمعين ) ليجتمع الشمل ، وتنتهي كل الآلام ، ~~ويعود الفرح الروحي للقلوب التي عاشت في أجواء الحزن والأسى زمنا طويلا. # * * * PageV12P263 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون ~~(94) @QUR@06 قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) @QUR@020 فلما أن جاء ~~البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون (96) @QUR@09 قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) ~~@QUR@09 قال سوف أستغفر ms3009 لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) (98) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فصلت ): تجاوزت المكان الذي كانت فيه. # * * * ### ||| ** المفاجأة الصارخة # ( @QUR@03 ولما فصلت العير ) وتحركت القافلة من المكان الذي كانت فيه ، ~~وسارت في اتجاه أرض كنعان ، حيث يسكن يعقوب ، ( @QUR@02 قال أبوهم ) لمن PageV12P264 # حوله من أولاده الباقين معه ، أو للناس الذين يحيطون به ( @QUR@04 إني ~~لأجد ريح يوسف ) وأحس بها ، كما لو كان إلى جانبي ، ( @QUR@04 لو لا أن ~~تفندون ) أي تسفهون رأيي وتنسبونني إلى الخرف وضعف الرأي. وربما كان المراد ~~من إحساسه بريح يوسف ظاهرها ، وهي الرائحة التي يحملها الثوب ، فتكون ~~القضية على وجه الإعجاز ، لأن المسافة بين المكانين ، هي مسيرة ثمانية أيام ~~أو عشرة ؛ وربما يكون الأمر على سبيل الكناية في ما كان يفكر به من قرب ~~لقائه به ، في حالة من حالات الصفاء الفكري والروحي تؤهله لأن يحس بالشيء ~~كما لو كان معه ، ينظر إليه ، ويشم رائحته ... وقد يكون هذا الاحتمال أقرب ~~إلى جو الآية الثانية ، لأن الأمر لو كان على حسب الظاهر ، لكان مثار ~~استغراب بطبيعته ، أكثر مما يكون مستغربا بمدلوله ، والله العالم. # ( @QUR@06 قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ) الذي لا زلت مصرا عليه في ~~اعتقادك بحياة يوسف ، وقرب لقائك به دون أن تلتفت إلى خطأ هذا التصور ، ~~لأنه لو كان حيا لجاء منه خلال هذه المدة الطويلة خبر ، فمن غير الطبيعي أن ~~تنقطع أخباره ، وهو على قيد الحياة. وسكت على مضض ، وسكتوا على انفعال ، ~~وجاءت القافلة بالمفاجأة الصارخة ، ووصل البشير يحمل قميص يوسف ... ( ~~@QUR@09 فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا ) وعادت إليه نعمة ~~البصر ، وفرح الحياة في ما أراد الله أن ينعم به على يعقوب من فرحة الشعور ~~بحياة يوسف من جهة ، ورؤيته إياه ، برد بصره ، على وجه الإعجاز من جهة أخرى ~~.. ( @QUR@011 قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) في ما ~~أؤمله من رحمة الله ، وفي ما استشعره من لطفه ورضوانه ، مما يجعلني لا أفقد ~~الأمل بأي شيء من أمور الحياة في ما يختزنه غيبه ، ولا أجد ms3010 مجالا لليأس ، ~~حتى لو أحاطت بي المشاكل من كل جهة ، وفي أكثر من صعيد. # * * * PageV12P265 ### ||| ** اعترفوا بالخطإ ووعدهم بالاستغفار # ( @QUR@09 قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) فقد عشنا ~~حياة الحقد والضغينة ضد أخوينا ، حتى آذيناهما غاية الإيذاء ، وعرضنا حياة ~~أخينا يوسف للخطر ، وبعناه بثمن بخس دراهم معدودة ، وحملناك من الهموم ما ~~أثقل حياتك ، وأفقدك بصرك ، فلم تستمتع بحنانك وعطفك عليه ، ونحن لم نفسح ~~لك المجال للراحة ... ولكن الله أراد غير ما أردنا ، ودبر غير ما دبرنا ، ~~فرفع أخانا ووضعنا ، فكنا في موضع الخطيئة التي ترهق أرواحنا وضمائرنا ، ~~وتشوه شعورنا بصفاء الحياة وطهارتها من حولنا ، فاستغفر لنا ذنوبنا ، لأننا ~~لا نملك الكلمة الطاهرة التي نتوجه بها إلى الله ، ولا نملك الروح الصافية ~~التي ينفتح فيها دعاؤنا عليه من خلالها ، أما أنت فإنك تملك الروح الصافية ~~التي ينفتح فيها الإيمان ، من موقع النبوة ، وروح الطهر من موقع الأبوة ~~الطاهرة. وكان أبوهم عند حسن ظنهم فاستجاب لهم ووعدهم بالاستغفار في الوقت ~~الذي يستجيب الله فيه دعاء الداعين ، واستغفار المستغفرين ( @QUR@09 قال ~~سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) الذي يغفر خطايا المسيئين ~~المنيبين ، ويرحم المستغفرين من ذنوبهم. # * * * PageV12P266 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين (99) @QUR@047 ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت ~~هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ~~وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما ~~يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) @QUR@021 رب قد آتيتني من الملك وعلمتني ~~من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني ~~مسلما وألحقني بالصالحين (101) @QUR@014 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما ~~كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) (102) # * * * ### ||| ** الحلم يتحول إلى حقيقة # ... وبدأت النهاية السعيدة ، لرحلة الحزن الطويلة التي عاشها يعقوب ، ~~لفراق ولده يوسف ؛ ورغم طول الغياب ، كان يمتلك إحساسا يتحرك من مواقع PageV12P267 # الإيمان بالله ، والثقة ms3011 برحمته ، وإلهاما روحيا يتحسس فيه الأمل الكبير ~~بعودة يوسف إليه. أما الآن ، فإن انطلاقة الضوء قد عادت إلى عينيه ، ~~والتماعة البشرى قد أشرقت في روحه ، فها هو البشير يحدثه عن يوسف العزيز ~~الذي رفع الله مكانته فجعله حاكما يدير شؤون الدولة الاقتصادية ، وها هو ~~يدعوه إليه ، ليحدثه عن رحلة العذاب الطويلة ، وعما أنعم الله عليه ، من ~~الإرادة القوية المنفتحة على الرسالة ، ومن الموقف الصلب أمام حالات ~~الإغراء ، ومن حركة الدعوة في أجواء السجن وظلماته ، ومن سعة المعرفة في ~~تأويل الأحلام ، وتحليل الأمور التي دفعت به إلى هذا الموقع الكبير ... # وهكذا سار يعقوب مع عياله وأولاده ، ليلتقي بالحلم الذي تحول إلى حقيقة ؛ ~~( @QUR@07 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ) وضمهما إليه ، ليمسح ~~دموعهما ، ويخفف حزنهما ، ( @QUR@07 وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) ~~أي أقيموا فيها وامكثوا طويلا دون أن يعكر صفوكم أحد ، فلكم مطلق الحرية في ~~أن تتحركوا كما تشاءون دون خوف ولا وجل ... وقد جاء في مجمع البيان : ~~«وإنما قال لهم : آمنين لأنهم كانوا في ما خلا يخافون ملوك مصر ، ولا ~~يدخلونها إلا بجوازهم». (1) # ( @QUR@04 ورفع أبويه على العرش ) وهو السرير الذي يمثل موقع المسؤولية ~~التي كان يشغلها في البلاد ، ( @QUR@03 وخروا له سجدا ) وكان المتعارف ~~لديهم تماما كما يمثل الانحناء لونا من ألوان التحية لدى بعض الشعوب ، ولا ~~يمكن اعتبار ذلك منافيا لتوحيد الله في العبادة ، لأن السجود العبادي هو ما ~~يعيش الإنسان فيه معنى العبودية بأن يقصد من خلاله التعبير عن الخضوع ~~المطلق. # ( @QUR@012 وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) أي ~~رؤياه التي كان قد # قصها على أبيه في أول السورة في قوله : ( @QUR@07 يا أبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا PageV12P268 # @QUR@05 والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ).. # * * * ### ||| ** برأ إخوته بنسبة الإساءة إلى الشيطان # ( @QUR@011 وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ) إلى هذه ~~الأرض الخصبة ، وجعلكم في الموقع الأعلى الذي يهيئ لكم أفضل العيش ، وأكرم ~~المواقع ، وفتح قلوبنا على الصفاء والمحبة والإخلاص ، بعد المحنة ms3012 السوداء ~~التي مرت بنا في جو العداء الذي يتعارض مع روح الأخوة الصافية ، ( @QUR@08 ~~من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) وهذه غاية اللياقة في تبرئة إخوته ~~من الإساءة إليه ، وذلك بنسبة المسألة إلى الشيطان ، ليفسح لهم بذلك مجال ~~الاعتذار ، ( @QUR@05 إن ربي لطيف لما يشاء ) فمن لطفه هذا اللقاء الطيب ، ~~وهذا الصفاء الروحي الفياض ، ( @QUR@04 إنه هو العليم الحكيم ) الذي يعلم ~~ما يحتاجه عباده ، فيدبر أمورهم على مقتضى الحكمة. # * * * ### ||| ** مناجاة يوسف عليه السلام # وهكذا انفصل يوسف عن الجو الذي يحيط به ، واستغرقت روحه في مناجاة لله ، ~~تنسى كل الناس وتغيب عن كامل أجوائهم ، لتعيش الحضور مع الله في كل شيء ، ~~فبينما هو يخاطب أباه ، إذا به ينسى ذلك ليخاطب الله سبحانه : ( @QUR@05 رب ~~قد آتيتني من الملك ) في ما مكنتني من الوسائل الكثيرة التي قفزت بي إلى ~~مواقع الحكم والسيطرة على مقاليد حياة الناس ، ( @QUR@04 وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث ) وما استطعت به أن أفتح الحياة على مواقع الخير في الإنسان ، PageV12P269 # وأدفع الإنسان إلى البحث عن الحقيقة في كل جوانب ذاته وحركة كيانه ، ( ~~@QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) وخالقهما على أساس القدرة والحكمة ، فكل ~~شيء فيهما مخلوق لك ، وكل مخلوق بينهما عبد لك ، وكل حركة في داخلهما ~~وخارجهما ، خاضعة لقدرتك ، فمن يملك ، معك ، أي شيء ، فأنت المالك لكل شيء ~~، ومنك تستمد الأشياء قوتها ، وعلاقتها ... لا من غيرك ، ( @QUR@05 أنت ~~وليي في الدنيا والآخرة ) بما تملكه من ولاية الخلق والقدرة والنعمة واللطف ~~والرحمة ، فمنك أستمد سعادتي وهنائي في ما تتفضل به علي من غفران ذنوبي ~~وإدخالي الجنة التي وعدت بها عبادك المتقين ، ولم تبخل بها على عبادك ~~الخاطئين التائبين ، الذين يتضرعون إليك بقلوب نادمة على ما فرط منهم في ~~جنب الله ، وهذا ما أريد أن أطلبه منك ، وأعيشه بين يديك ، في ما أستقبل به ~~حياتي ومماتي ، ( @QUR@02 توفني مسلما ) واجعل ختام حياتي إسلاما بالروح ~~والقلب واللسان ، كما كانت بداية حياتي كذلك ، ( @QUR@02 وألحقني بالصالحين ~~) الذين آمنوا بك من موقع الصدق في الإيمان ، وأصلحوا أعمالهم من موقع ~~الإخلاص في العمل ، وساروا ms3013 على منهجك في الحياة ، في ما يعملون به ، ~~ويطرحونه من قضايا ، وأوضاع ومشاريع ... # * * * ### ||| ** أنباء الغيب دليل صدق النبوة # ( @QUR@06 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) فلم يكن يا محمد علم به من ~~خلال قراءة أو سماع أو مشاهدة قبل ذلك ، بل هو مما أوحيناه إليك من الغيب ~~الذي تكفل الله بعلمه ووحيه ، وذلك دليل صدقك في نبوتك ، ( @QUR@06 وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم ) على إلقاء يوسف في الجب ، وتلبيسهم الأمر على ~~أبيهم ، PageV12P270 # وزعمهم أن الذئب قد أكله ، ثم بيع القافلة التي اكتشفت وجوده في البئر له ~~، وغير ذلك من الأمور التي لم يكن النبي حاضرا فيها ، ولا سمعها من أحد ، ~~في ما خططوا له ، ( @QUR@02 وهم يمكرون ). # وهذا ما أراد الله أن يثيره أمام القوم هناك كسبيل من سبل التحدي لما ~~يعرفونه ، ولما لا يعرفونه مما يؤكد لهم أن ذلك كله وحي من الله ... # * * * ### ||| ** الإرادة الصلبة والقلب الكبير # وهكذا تنتهي قصة يوسف ، في هذه السورة ، لنرى فيه ملامح الإنسان المؤمن ~~الواعي المنفتح ، الذي يملك الإرادة الصلبة الصامدة ، أمام كل عوامل ~~التهديد والإغراء ، بفضل إيمانه القوي الذي ينمو معه في كل لحظة ، لشعوره ~~العميق بمراقبة ربه ، وبحضوره في كل ما حوله ومن حوله ، ثم تستوقفنا فيه ~~دقة الملاحظة ، وسرعة الحركة ، وعمق الحيلة ، إذا ما أراد الوصول إلى مراده ~~دون أن يسيء إلى مبادئه. كما يدهشنا ذلك القلب الكبير الذي لا يتعقد ولا ~~يحقد ، بل يحاول أن يذكر الذين أساءوا إليه ، ليعفو عنهم ، وليستغفر لهم ، ~~كما فعل مع إخوته. وبعد ذلك نجد فيه الإنسان الذي شعر دائما ، بموقع نعم ~~الله عليه في حياته ، في ما يتذكره من ماضيه ، وفي ما يعيشه في حاضره ، وفي ~~ما يتمناه لمستقبله ، وأخيرا نتوقف عند ذلك الموقف المبتهل إلى الله ليذكر ~~آلاءه ، وليمجده في ذلك كله ، وليشكره عليه ، في خشوع العبد ، وخضوع ~~العابد. # * * * PageV12P271 ### ||| ** القرآن يثير الحقائق دون تعقيد # وقد نلاحظ ، في سياق سرد هذه القصة ، أن القرآن يتحدث عن الجوانب ~~العاطفية للإنسان ، بشكل طبيعي ، ومن دون تعقيد ، وعن مواقع ms3014 الضعف الذي ~~يعتري الإنسان في هذا الجانب مما يوحي بضرورة استثارة نقاط القوة فيه ، من ~~أجل تحقيق التوازن الذي يحمي الإنسان من الانحراف ، ويمنعه من السقوط. # وقد نجد في هذا التوجه ، أن الإسلام لا يمانع من الحديث عن الجوانب ~~العاطفية من حياة الإنسان ، بما فيه من تفاصيل لجهة التعبير عن الحب ، ~~والتفنن في استخدام الحيلة للوصول إلى الإثارة ، بأسلوب لا يصل إلى مستوى ~~الفحش. فإن تناول هذه التفاصيل قد يحقق شيئا من المعرفة بنقاط ضعف وقوة ~~الشخصية الإنسانية ، ويوحي بضرورة السعي لتأكيد التربية الروحية ، والبناء ~~الأخلاقي ، على أساس المعرفة التفصيلية بحقائق الأشياء ، لأن إغفال مثل هذه ~~التفاصيل قد يحجب كثيرا من الحقائق الإنسانية ، وقد يؤدي بالتالي إلى خلل ~~على مستوى العمق والشمول في تقويم الأشياء. # ومن هنا نستوحي شرعية الاطلاع على الثقافة الجنسية ، والعاطفية ، ~~بالأسلوب العلمي الذي يعطي الفكرة ، بعيدا عن كل عوامل الإثارة ، لأن ~~المعرفة قد تبعد الإنسان عن الكثير من المزالق ، بينما يؤدي الجهل إلى ~~الاندفاع في كثير من الخطوات المنحرفة ، في ما يريد أن يخطط له المنحرفون ، ~~أو يثيره الكافرون. # * * * PageV12P272 ### ||| ** الحزن الإنساني لا يسيء إلى الإيمان # وقد نستفيد من شخصية يعقوب النبي كيف يمكن للإنسان أن يتوازن في مشاعره ~~الذاتية ، فيعطي للحزن بعده الإنساني ، دون أن يسيء إلى إيمانه وصبره ، لأن ~~الصبر لا يتنافى مع انسياب العاطفة ، دموعا تنهار وحزنا يعتمل في القلب ، ~~بل هو فعل تماسك في وعي الموقف ، وضبط الحركة ، واتزان الكلمة ، بحيث لا ~~يسيء الإنسان معه إلى المبادئ التي يحملها. # * * * ### ||| ** الروح المطمئنة لا تيأس أمام الكوارث # ونلاحظ في الجانب الآخر من الشخصية النبوية هذا الامتداد الروحي في آفاق ~~الذات وفي أجواء الغيب ، فلا ييأس أمام الكوارث ، ولا يسقط أمام التحديات ، ~~بل يستمد من إيمانه بالله القوة على استثارة الأمل الكبير من قلب الغيب ، ~~انطلاقا من الثقة بالرحمة الإلهية التي توحي للإنسان في كل وقت بانتظار ~~الفرج ، في حركة المستقبل ... وبذلك تبقى له قوته ، ويتجدد فيه عزمه على ~~الاقتحام ، وترتكز حياته على أساس ثابت. # وفي ms3015 هذا وذاك ، نجد في شخصية يعقوب الأبوية ، والنبوية ، المزيد من ~~اللمعات الروحية واللمسات العاطفية ، والابتهالات في خشوع القلب ، وخضوع ~~الروح أمام الله بحيث يواجه هذا الشيخ الجليل ، كل مشاكل الحياة ، بروح ~~مطمئنة هادئة ، وبإحساس يعمقه الامتداد الروحي في رحاب الله. # * * * PageV12P273 ### ||| ** النهايات السيئة للخطوات الشريرة # فإذا انتقلنا إلى إخوة يوسف ، فإننا نجد النموذج الحي لكثير من الناس ~~الذين يحملون العقد النفسية ، نتيجة بعض الأوضاع الاجتماعية المحيطة بهم ، ~~التي تتحول إلى سلوك عدواني ضد من حولهم ، ثم يثوبون إلى رشدهم ، ويلتفتون ~~إلى أخطائهم ، عند ما يصطدمون بالنتائج السلبية التي تضغط على مصالحهم ، ~~وتسيء إلى أوضاعهم ، وتكشف خفاياهم للناظرين. فنخرج من ذلك بنتيجة واضحة ~~حول طبيعة النهايات السيئة ، للخطوات الشريرة ، والمستقبل المعقد المرتبك ، ~~للشخصيات المعقدة التي لا تنفتح على الحياة من مواقع الخير والسلام. # * * * ### ||| ** بين الانسياق للغريزة والشخصية العدوانية # وربما نلتقي في نهاية المطاف بشخصية المرأة التي تنساق مع غرائزها ~~الملتهبة ، فتستخدم كل الوسائل الممكنة لإشباعها ، وتندفع بعيدا في هذا ~~الاتجاه ، حتى تفقد توازنها ، فلا تبالي بالفضيحة التي تطوق مركزها ~~الاجتماعي ، وتسيء إلى مصداقيتها فيه ، بل تواجه المسألة بروح التحدي ~~للمجتمع الذي ينكر عليها ذلك ، عاملة على دفعه لخوض تجربتها المنحرفة ، ~~لتسقط بذلك زيف مظاهر الحفاظ على شرف الطبقة الرفيعة. وهكذا تثور الغريزة ~~في داخلها وتحولها إلى شخصية عدوانية تعمل من موقع القوة الذي PageV12P274 # تحتله طبقيا على تدمير من لا يستجيبون لرغباتها ، فتهدد بالسجن ، ~~وبالإذلال ، وبكل ما تملكه من وسائل الضغط. # * * * ### ||| ** صموده عليه السلام أمام إغرائها دفعها لتبرئته # إنها شخصية امرأة العزيز التي تبلورت في صراع الغريزة الذي خاضته مع يوسف ~~، وفي صراع رد الفعل الذي مارسته مع صويحباتها من نساء المدينة ، اللواتي ~~تناولنها بأحاديث السوء ، ولكن زهو شخصيتها يتضاءل في نهاية المطاف أمام ~~شخصية يوسف القوية الصامدة في مواجهة كل أساليب الإغراء التي مارستها لجذبه ~~، وكل وسائل التهديد التي استعملتها ضده ، فيتكلل صموده بالنجاح حين تقف ~~أخيرا أمام الملأ لتعلن براءته ، ولتعترف بالممارسات السيئة التي قامت بها ~~ضد يوسف ، انطلاقا من خلفيات ms3016 سيئة تثيرها الأهواء ، وتحركها الشهوات. # * * * ### ||| ** مخاطرة الخلوة # وقد نجد في أجواء هذه الإنسانة اللعوب ، بعض ما يبرر تصرفاتها السيئة ، ~~فقد يكون في وجود الشاب الساحر ، الفائق الجمال ، الدائم في كل أوقات الليل ~~والنهار داخل البيت ، وفي غياب زوجها الذي قد يكون بارد العاطفة تجاهها ، ~~بعض الإثارة المتحركة المتجددة ، التي ما إن تبرد حتى تلتهب ، وما إن ~~يضبطها العقل حتى تطغى عليها العاطفة. وهكذا حتى سيطر PageV12P275 # عليها شيطان الغريزة بتهاويله المتنوعة ، بعد أن شجعها موقع يوسف الضعيف ~~منها بصفته عبدا وخادما مضطرا للاستجابة لرغبات سادته ، وموقعها منه كسيدة ~~آمرة قادرة لا ترد طلباتها ممن حولها ، فكيف يمكن لعبدها أن يرد شيئا لها؟ # إننا لا نعتبر في ذلك مبررا بمستوى الحجة ، لأن الله جعل للعقل المؤيد ~~بالرسالات قوة التحكم بحركة الجسد وباندفاعه نحو الغريزة ، ولكننا نعتبره ~~نوعا من أنواع الضغط الذي قد يضعف مقاومة الإنسان ، ويشل الإرادة. ولهذا ~~كره الإسلام خلوة الرجل بالمرأة ، لأن الشيطان سيكون ثالثهما في ما تمثله ~~الغريزة من وسوسة الشيطان. # وربما نجد ما يماثل ذلك الجو في ما استحدثه الناس من جهة استخدام الرجال ~~داخل البيوت ، واستخدام النساء في الإدارات ، وهذا ما أدى إلى زيادة ~~الاختلاط ، وكثرة فرص الخلوة ، بين الذكر والأنثى ، واستثارة الغرائز ، كما ~~أدى إلى الكثير من انحرافات الشباب والفتيات من الأولاد والبنات والزوجات ~~والأزواج ، وحدوث المشاكل الكثيرة على أكثر من مستوى. # * * * ### ||| ** الحذر من الانسياق وراء الانحراف # وهذه مشكلة تواجه المجتمع المسلم عند ما يأخذ بقيم المجتمع الكافر ، ~~فيعيش الازدواجية بين ما تفرضه القيم الجديدة في حياته من أوضاع ، وما ~~تثيره القيم الإسلامية في فكره وشعوره ، من أحاسيس وأفكار ، وبذلك يبدأ ~~الصراع في الداخل ، ليفسد على الإنسان سلامه النفسي ، وفي البيت ، ليحطم ~~سلامه العائلي ، وفي المجتمع ، ليهدم علاقاته الاجتماعية الخاضعة لضغط ~~التقاليد PageV12P276 # والأوضاع العامة. # وهذا ما ينبغي للمسلمين أن يفهموه ويحذروه عند ما يريدون العيش في ~~المجتمعات المنحرفة ، كيلا ينساقوا وراء الصراعات الجديدة بشكل لا شعوري ، ~~عند ما يواجهونها بطريقة تجزيئية ، دون ربطها بالهيكل العام وبموقعها ms3017 من ~~التخطيط الاجتماعي ، حيث الجذور العميقة لحالات الانحراف ، لأن لكل عادة أو ~~تقليد ، امتدادا في بنية المجتمع الذي يتبناها ، فلا يمكن لنا أن ننقل عادة ~~معينة مزروعة في مجتمع خاضع لعقيدة معينة ، إلى مجتمع آخر خاضع لعقيدة أخرى ~~، لأن ذلك سوف يسيء إلى الجو العام للمجتمع ، ويفسده بطريقة لا شعورية. # * * * ### ||| ** الاستفادة من التجربة # إنها قصة مليئة بالمواقف السلبية والإيجابية التي تحفل بها حركة الإنسان ~~في الحياة ، فلا بد للقارىء من التفكير فيها ، والتدبر العميق لأحداثها ~~ومدلولاتها ، من أجل الاستفادة من التجربة التاريخية ، في إغناء التجربة ~~المعاصرة والمستقبلية ، لتحقيق التوازن الإنساني في الحياة ، على هدى ~~الإسلام في فكره وتشريعه وأخلاقيته. # * * * PageV12P277 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) @QUR@010 وما تسئلهم ~~عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) @QUR@011 وكأين من آية في ~~السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) @QUR@07 وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) @QUR@014 أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من ~~عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ) (107) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غاشية ): الغاشية : العقوبة الشاملة. # ( @QUR@02 تأتيهم الساعة ): القيامة. # ( @QUR@01 بغتة ): فجأة. # * * * PageV12P278 ### ||| ** نجاح الدعوة يحتاج للإعداد والصبر # ... وهذه نقلة جديدة إلى الجو العام الذي يعيشه الإنسان في مواجهة الدعوة ~~إلى الإيمان ، وذلك في الحالات التي يجري التحرك خلالها بسلبية قلقة لا ~~ترتكز على أساس موضوعي ، أو ركن وثيق ، وهذا ما يجب أن يعيه الداعية إلى ~~الله ، في تعامله مع الواقع المهتز من حوله ، ليواجهه من موقع الثبات ، لا ~~من موقع الاهتزاز. # ( @QUR@06 وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) لأن قضية الإيمان لا تتعلق ~~فقط بما يعيشه الداعية الرسالي من حرص على النجاح في دعوته ، في ما يقدمه ~~من أفكار ، وفي ما يثيره من أجواء ، وفي ما يبدعه من وسائل وأساليب ، بل ~~القضية تخضع لعوامل أخرى ، تعود إلى طبيعة الوضع النفسي والفكري الذي يعيشه ~~الناس الذين يدعوهم ، فقد يكون ضغط الواقع على قرارهم ، أكثر من ضغط الفكرة ~~الرسالية ، وقد تقف العوائق الذاتية ، سدا منيعا يحول بينهم وبين الاستجابة ~~للدعوة ، وقد يتم الاصطدام ببعض الظروف الموضوعية ms3018 التي يتحرك من خلالها ~~الإنسان ، في لعبة القوى الموجودة في الساحة ، وما تحدده من ميزان القوة ~~والضعف ، تبعا لذلك. # وهكذا نجد أن على الداعية الرسالي ، ألا يصاب بالإحباط ، أو يسقط أمام ~~محدودية النتائج التي نحققها على مستوى عدد المستجيبين لدعوته ونوعيتهم ، ~~في بداية الأمر ، لأن مشروع التغيير الفكري والعملي للحياة وللناس ، ليس ~~بالأمر السهل الذي يمكن أن يتم ، بين عشية وضحاها ، تحت تأثير خطبة طويلة ، ~~أو موعظة بليغة ، أو تحليل إسلامي دقيق ، أو غير ذلك من وسائل التوعية ، بل ~~هو أمر يتعلق بالواقع الموضوعي ، للإنسان في فكره وعاطفته وحياته وظروفه ~~المتحركة في أكثر من اتجاه ، مما يتطلب إعدادا PageV12P279 # للإنسان ، وللساحة ، وسيطرة على الظروف ، وتحريكا للعوامل الإيجابية في ~~الساحة ، ومواجهة للعوامل السلبية ، وصبرا طويلا ، يجتاز كل الصعوبات ~~ويواجه كل العقبات بالنفس الطويل. فقد تمر السنون على الداعية دون أن يقطع ~~شوطا كبيرا نحو الهدف ، وقد لا يجد من حوله إلا أعدادا قليلة ممن استجابوا ~~لدعوته ، واهتدوا بهداه ، والتزموا بمسيرته. # * * * ### ||| ** فشل التجربة لا يعني فشل الفكرة # إن التغيير حركة في مواجهة تيار عنيف ، لا بد للذين يحركونه ، أو يتحركون ~~فيه من أن يعرفوا أن اندفاعة التيار قد لا تسمح إلا بخطوات قليلة متقدمة ~~إلى الأمام ، وقد تفرض ، في بعض الحالات الانكفاء إلى الخلف تحت ضربات ~~التيار. ولكن العضلات القوية التي تتقبل الضربات بصلابة ، والإرادة الحاسمة ~~التي تواجه الضغط باندفاع وتحد سوف تستطيع أن تقهر التيار ، ولو بعد حين. # فمن الواجب أن تستمر المواجهة ولا تسقط تحت تأثير الهزائم أو حالات الفشل ~~المحدودة ، لأن الهزيمة في موقع لا تعني هزيمة الساحة ، ولأن الفشل في ~~التجربة ، لا يعني فشل الفكرة. # * * * ### ||| ** أجر الداعية على الله # ( @QUR@05 وما تسئلهم عليه من أجر ) إن عليك أن تتابع مسيرتك مهما لاقيت من PageV12P280 # صعوبات ومهما واجهت من تحديات ، لأنك لن تفقد شيئا في هذا السبيل ، لأن ~~الذين يخافون من ضغوطات المجتمع عليهم ، أو انحساره عنهم ، هم الذين ~~يتقدمون منه ، ليأخذوا أجرا على جهدهم ، من مال وجاه وشهرة ، أو موقع قوة ms3019 ~~يمكنهم من تحقيق بعض الأغراض الذاتية ، ولهذا فإنهم يخشون على كل هذه ~~الامتيازات المطلوبة ، من الضياع. # أما الرسل والدعاة فهم لا يريدون أجرا على جهدهم إلا من الله ، لأنهم ~~يتحركون من مواقع الرسالة ، لذا فهم لا يجدون ما يفقدونه ، أو يخسرونه من ~~أموال الناس وامتيازاتهم ، لأن القرآن ، في فكره وشريعته ومنهجه ، ليس سلعة ~~للتجارة ، ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين ) في ما يريد الله أن يذكر ~~الناس به مما يرفع مستواهم في الحياة ، ليعرفوا أن الدنيا ليست فرصة للهو ~~والعبث ، بل هي فرصة لإقامة الحق والعدل ، والطاعة لله ، والعبودية له في ~~جميع ذلك ؛ حتى اللهو أو العبث عند ما يسمح الله به ، فإنه لا بد أن يكون ~~بالطريقة التي تجدد نشاط الإنسان ، وتغذي حيويته ، ولا تبعد روحه ، ووعيه ~~للحياة عن الله ، ليدرك بعد ذلك ، أن الآخرة شيء لا يتنكر لحاجات الدنيا ~~الواقعية التي تحفظ للإنسان حياته وتحقق له وجوده. # * * * ### ||| ** الإعراض عن التذكر إغلاق لباب الهدى # إنها الذكرى التي تفتح الروح والفكر والقلب والحياة على الله ، حتى ليحس ~~الإنسان بأنه يلتقي بالله في كل وجه من وجوه الحياة ، وفي كل مظهر من مظاهر ~~حركة الإنسان في الكون ، ولكن الناس لا يتذكرون ، بل يعيشون الغفلة التي ~~يختارونها دون أن يفرضها عليهم أحد ، لأنهم يمرون بلا مبالاة ، أمام عوامل ~~الوعي ، والانفتاح والتذكر. PageV12P281 # ( @QUR@06 وكأين من آية في السماوات والأرض ) بما تشتمل عليه من أسرار ~~الإبداع ، وعظمة الخلق ، وروعة القدرة ، التي تفتح فكر الإنسان وروحه ، على ~~عظمة الله سبحانه ، وتقوده إلى الإيمان من أقرب طريق باقتحامها عليه كل ~~حواسه ، وكل فكره ، وحياته ، فلا يشعر إلا والإيمان قد نفذ إلى كيانه من ~~جانب الشعور ، ومن جانب الفكر ، ومن حركة الحياة في داخله تماما ، كما هي ~~الروائح العطرة التي تدخل إلى مسام الجسد فيشعر الإنسان بها ، كما لو كانت ~~شيئا في الفكر ، وفي الروح والشعور ، ولكنهم ( @QUR@05 يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون ) فلا يتطلعون إليها بأبصارهم ولا يصغون إليها بقلوبهم ، ولا ~~يتأملون فيها بأفكارهم وعقولهم ، وبذلك يغلقون على أنفسهم ms3020 كل باب للهدى ، ~~وكل نافذة للإيمان. # * * * ### ||| ** الإيمان بالتوحيد يخضع لحسابات دقيقة # ( @QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ربما يؤمن هؤلاء ، ~~ولكنه الإيمان الذي يمثل حالة فكرية ، لا تلامس الشعور ، أو حالة نظرية لا ~~تتحرك في الواقع ، أو حالة عاطفية لا تؤكدها الإرادة ، ولهذا فإن الإيمان ~~عندهم لا يتحول إلى موقف يحدد موقعهم من كل الحالات المحيطة بهم ، بل هو ~~مجرد شبح في الذاكرة وصورة في الذهن. أما الواقع فإنه يحتضن الكثير من ~~أوضاع الشرك في الطاعة ، عند ما يعصون الله ، ويطيعون غيره ، رغبة أو رهبة ~~، أو حينما يستغرقون في تعظيم ذات بشرية ، حتى يصلوا بها إلى مستوى التأليه ~~، أو ما يقرب منها ، ويتوجهوا إليها في ابتهالاتهم كما يتوجهون إلى الله ، ~~وينسبوا إليها الأفعال التي لا تنسب إلى الله. PageV12P282 # وقد جاء عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير هذه الآية قال : «شرك ~~طاعة ليس بشرك عبادة ، والمعاصي التي يرتكبون ، فهي شرك طاعة أطاعوا فيها ~~الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة لغيره ، وليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير ~~الله.» (1) # وعن أبي عبد الله «جعفر الصادق عليه السلام » في تفسير الآية قال : «هو ~~قول الرجل: لولا فلان لهلكت ، لولا فلان لأصبت كذا وكذا ولولا فلان لضاع ~~عيالي ، ألا ترى أنه جعل شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه؟ قال : قلت : فيقول ~~: لولا أن الله من علي بفلان لهلكت؟ قال : نعم لا بأس بهذا». (2) # وفي هذا التفسير ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عن قول الله تعالى ( ~~@QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال : «من ذلك قول الرجل : ~~لا وحياتك» (3). # وعلى ضوء هذا نعرف أن مسألة الإيمان التوحيدي بالله لا بد أن تخضع ~~لحسابات دقيقة ، على مستوى الالتزام الفكري بالنظر إلى الأشياء ، فلا يمكن ~~أن ترى مع الله أحدا ، أو تجعل أي مخلوق قريبا في نظرتك إليه ، من مستوى ~~نظرتك إلى الله ، وألا تعطي أحدا من العباد موقعا أعطاه الله لنفسه ، ولا ~~تتكلم عنه بأسلوب أراد الله أن نتكلم به عنه. وهكذا يجب ms3021 أن يمتد الأمر إلى ~~العمل فلا طاعة إلا لله ، ولا التزام إلا بالخط الذي يرضاه وينتهي إليه ، ~~ولا حركة إلا في آفاق شريعته حيث يلتقي التوحيد العبادي الذي يريد الله لنا ~~أن نلتزمه بخط التوحيد العقيدي. # وبذلك نعرف كيف نعيش الشرك في كثير من مواقعنا الفكرية والعملية ، PageV12P283 # التي تتحرك في خط الغلو تارة ، أو في ما يقترب منه ، أو في خط الانحراف ~~عن الخط الشرعي بالالتزام في طاعة غير الله ، الذي يتمثل في أكثر من مظهر ~~من مظاهر عبادة الشخصية التي يكون الشخص فيها هو الأساس في القيمة ، ويكون ~~الدين مجرد موقع من مواقع عظمته ، فلا تنطلق عظمته ، في وعينا ، من دوره ~~الديني ، بل تنطلق عظمة الدين من دوره هو. وهكذا نجد الإسلام يتأطر بالشخص ~~، بدلا من أن يتأطر الشخص بالإسلام. # * * * ### ||| ** لا مأمن من المفاجئات # ( @QUR@07 أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ) تغشاهم فتحول بينهم ~~وبين الرؤية في ما تثيره من الدخان ، أو في ما تلتهب به ، ( @QUR@04 أو ~~تأتيهم الساعة بغتة ) فتفاجئهم بالموت الذي يحيط بهم من كل جانب ، فلا ~~يستطيعون هروبا منه ولا فكاكا ، ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ) لأن القضية لا ~~تنتظر أي إعداد. فهل يأمنون تلك المفاجآت؟ وما الذي يؤمنهم منها؟ لا أمان ~~إلا بالعمل الصالح ، والإيمان الخالص ، والانفتاح على الله ، وعلى الناس من ~~موقع الحق والخير ، والهدى والسلام. # * * * PageV12P284 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين (108) @QUR@029 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) @QUR@019 حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا ~~عن القوم المجرمين (110) @QUR@023 لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما ~~كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون ) (111) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بأسنا ): البأس : العقاب. # ( @QUR@01 عبرة ): كل حادثة تعبر للإنسان عما ms3022 يهتدي به ويتعظ. # * * * PageV12P285 ### ||| ** إعلان الثبات على نهج الاستقامة # وهذه خاتمة المطاف في السورة ، حيث أراد الله أن يوجه نبيه للإعلان عن ~~ثبات موقفه على الخط الذي أراد له أن يسير ويثبت عليه ، بالرغم من كل ~~التحديات والصعوبات والخصومات. # ( @QUR@03 قل هذه سبيلي ) وطريقي وسنتي ، التي أسير عليها دون خوف ولا ~~وجل ولا تراجع ، وتتلخص في خط واحد تتفرع منه كل الخطوط الأخرى في حركة ~~الإنسان في الحياة ، ( @QUR@05 أدعوا إلى الله على بصيرة ) في وعي عميق ~~للدعوة ، وفي علم واسع بالرسالة ، والدعوة إلى الله هي دعوة إلى الخير كله ~~الذي يدعو الله إليه ، وإلى العدل كله الذي يأمر به عباده ، وإلى الحق كله ~~الذي يثبت به أولياءه ... وهكذا تختصر الحياة كلها في كلمة على نهج الآية ~~الكريمة : ( @QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ~~) [فصلت : 30] فالدين كلمة واحدة تتلخص في ربوبية الله للإنسان ، ~~والاستقامة على إيحاءات هذا الشعار ومعناه. وإذا كان الإنسان يدعو إلى الله ~~، فإن الدعوة إلى الله تنفي الدعوة إلى غيره ، في الفكر والمنهج والحياة ، ~~فلا يمكن الدعوة إلى مخلوق إلا لارتباطه بالله ، والتزامه بخطه وعبوديته له ~~؛ وهذا هو التوحيد الخالص الذي يؤكد ضرورة مرور كل شيء بالله في نطاق ~~العلاقات العامة والخاصة ، وهذا ما يجب أن يعلنه كل داعية بناء على ما أراد ~~الله لنبيه أن يقوله : ( @QUR@03 أنا ومن اتبعني ) تعظيما له من كل سوء ومن ~~كل شريك ، ( @QUR@06 وسبحان الله وما أنا من المشركين ) الذين يدعون إلى غيره. # ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) فلم ~~تكن بدعا من الرسل بل أنت واحد منهم في الصورة ، وفي الدعوة ، وفي خط السير ~~، وفي وحي الله لك ، وفي انتسابك إلى هذه القرى البسيطة التي ينتسب إليها PageV12P286 # الناس عموما ، فلا بد للناس أن يتبعوك امتثالا لأمر الله ، واستجابة ~~لدعوته ، لأن السير على خلاف ذلك قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. ( @QUR@011 ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) من ms3023 الذين ~~آثروا الحياة الدنيا وزينتها على الدار الآخرة ونعيمها ، فلم يبق لهم شيء ~~من الدنيا ، وجاءهم العذاب من حيث لا يحتسبون ، ( @QUR@05 ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا ) ربهم ، وعملوا لما عند الله ، وأقبلوا على الآخرة فحصلوا على ~~رضوان الله في جنته ، وذلك هو الفوز العظيم الذي يتنافس فيه المتنافسون ، ( ~~@QUR@02 أفلا تعقلون ) وتميزون بين ما تفنى لذته وتبقى تبعته ، وبين ما ذهب ~~أثره ، ويبقى ثوابه ، فإن الذين يحكمون عقولهم هم الذين يختارون الآخرة على ~~الدنيا ، والباقي على الفاني. # * * * ### ||| ** وجاء النصر # ( @QUR@04 حتى إذا استيأس الرسل ) واستنفدوا كل التجارب ، واستعملوا كل ~~الأساليب ، وواجهوا الناس من كل جانب ، وعلى أكثر من صعيد ، ولم يستجب لهم ~~أحد ، بل قابلهم الناس من حولهم ، بالجحود والنكران ، ولاحظوا كل ما يحيط ~~بهم من أجواء مظلمة ، وأوضاع صعبة ، ( @QUR@04 وظنوا أنهم قد كذبوا ) في ما ~~شاهدوه من الدلائل والظواهر حتى وصل الأمر بهم إلى مستوى اليقين ، ووقفوا ~~بين يدي الله ، يشكون إليه أمرهم ، وينتظرون أمره ، ويأملون نصره ، ( ~~@QUR@02 جاءهم نصرنا ) فنعذب من نشاء ممن حقت عليه كلمة العذاب ، ونثيب من ~~استحق الغفران ( @QUR@03 فنجي من نشاء ) من عبادنا ورسلنا الصالحين ، ( ~~@QUR@06 ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) بل ينالهم العذاب من كل جانب ومكان. # * * * PageV12P287 ### ||| ** عبرة القصص # ( @QUR@07 لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) الذين يحركون عقولهم من ~~أجل أن يفهموا كل ما يسمعونه ليستفيدوا منه في إغناء تجربتهم ، وتثبيت ~~مواقفهم ، ( @QUR@04 ما كان حديثا يفترى ) من النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ( @QUR@05 ولكن تصديق الذي بين يديه ) من الكتب ~~والرسل ، ( @QUR@03 وتفصيل كل شيء ) مما يحتاجه الناس من أمور معاشهم ~~ومعادهم ، ( @QUR@01 وهدى ) يهتدي به الناس إلى الصراط المستقيم ، ( ~~@QUR@03 ورحمة لقوم يؤمنون ) في ما يفتح الله به عقولهم وحياتهم على الخير ~~، ويرحمهم بواسع رحمته ، إنه أرحم الراحمين. # * * * PageV12P288 ### | الفهرس # تفسير سورة هوة : [1 123] # الآيات [1 ~~4].................................................................. 7 # كتاب أحكمت ~~آياته....................................................... 7 # مناقشة مع صاحب ~~الميزان.................................................... 9 # التوحيد في خط ~~المنهج..................................................... 10 # الآية ~~[5]..................................................................... 13 # مناسبة ~~النزول............................................................. 13 # الله يكشف سر ~~المشركين.................................................. 14 # الآية ~~[6]..................................................................... 15 # معاني ~~المفردات............................................................ 15 # الإمداد الإلهي ms3024 ~~الدائم....................................................... 15 # الله مصدر الرزق لكل ~~حي................................................. 16 # الآيتان [7 ~~8]................................................................ 17 # معاني ~~المفردات............................................................ 17 PageV12P289 # معرفة البشر ~~محدودة....................................................... 17 # الإنسان وغاية ~~الخلق....................................................... 19 # أساليب الضلال وبينات ~~الهدي............................................. 20 # الآيات [9 ~~11].............................................................. 22 # معاني ~~المفردات............................................................ 22 # سلبيات الإنسان قابلة ~~للتغيير............................................... 23 # الزهو المتكبر والشخصية ~~المهتزة.............................................. 24 # الصابر لا يطغيه الربح ولا تصرعه ~~الخسارة.................................... 25 # الآية ~~[12].................................................................... 27 # معاني ~~المفردات............................................................ 27 # طروحات استعراضية للتشكيك ~~بالدعوة....................................... 27 # مقترحات ~~الكفر........................................................... 28 # إنما أنت ~~نذير............................................................. 30 # هل كان النبي يخضع للضعف!............................................. 31 # الآيتان [13 ~~14]............................................................. 32 # التحدي في مواجهة أساليب ~~الكفار.......................................... 32 # افتراضات لا تثبت أمام ~~النقد............................................... 33 # بماذا تحدي القرآن ~~الآخرين!................................................. 33 # الألوهية قدرة ~~مطلقة....................................................... 35 # دليل ~~الحقيقة.............................................................. 36 # الآيتان [15 ~~16]............................................................. 37 # معاني ~~المفردات............................................................ 37 # هدف ~~الحياة.............................................................. 37 # سنة ~~الله................................................................. 38 # الآيات [17 ~~24]............................................................. 40 PageV12P290 # معاني ~~المفردات............................................................ 41 # مثل الفريقين المؤمن والكافر .. هل ~~يستويان!.................................. 41 # وضوح ~~الإيمان............................................................. 42 # الله يؤاخي بين ~~الرسالات................................................... 43 # مدلول اللعنة ~~الإلهية........................................................ 44 # الانحراف يضع الحواجز بين الناس وبين ~~الله................................... 45 # ضلال وإضلال........................................................... 46 # خسران النفس ومواجهة ~~الهلاك.............................................. 46 # بين عمي القلب وإشراقة ~~الفكر............................................. 48 # الآيات [25 ~~31]............................................................. 49 # معاني ~~المفردات............................................................ 49 # مع نوح في خط ~~الدعوة..................................................... 50 # العبادة كلمة جامعة للنهج ~~الرسالي........................................... 51 # لهفة ~~الرسول.............................................................. 52 # الفهم الخاطئ ~~للنبوة........................................................ 53 # كشف الخطأ............................................................. 54 # الآيات [32 ~~35]............................................................. 58 # معاني ~~المفردات............................................................ 58 # قوم نوح يطالبونه بإنزال ~~العذاب............................................. 59 # المنطق الهاديء ~~للأنبياء..................................................... 59 # الآيات [36 ~~39]............................................................. 62 # معاني ~~المفردات............................................................ 62 # يا نوح لا تبتئس من ~~قومك................................................. 63 # نوح يصنع ~~الفلك.......................................................... 63 # إن تسخروا منا فإننا نسخر ~~منكم............................................ 64 PageV12P291 # المواجهة بالفكر ليست دائما ~~ناجحة......................................... 65 # الآيات [40 ~~44]............................................................. 66 # معاني ~~المفردات............................................................ 66 # السفينة أعدت للانطلاق ... وكان ~~الطوفان................................. 67 # الولد ~~العاق............................................................... 68 # نهاية ~~تاريخ................................................................ 69 # الآيات [45 ~~49]............................................................. 70 # القرابة للرسالة لا ~~للنسب................................................... 70 # بين العصمة والعاطفة ~~النبوية................................................ 72 # مهبط ~~السلام............................................................. 73 # تلك من أنباء ~~الغيب....................................................... 74 # الآيات [50 ~~56]............................................................. 75 # معاني ~~المفردات............................................................ 75 # هود يدعو ~~قومه........................................................... 76 # بين التوبة وزيادة ~~القوة...................................................... 78 # التخلي عن التفكير والإيمان ~~بالخرافة.......................................... 78 # هود في ذروة ~~التحدي...................................................... 80 # المؤمنون ms3025 والحرب ~~النفسية.................................................... 80 # لا قوة لأحد إلا بإذن ~~الله.................................................. 81 # تحفظ علي ~~فكرة.......................................................... 81 # الآيات [57 ~~60]............................................................. 83 # معاني ~~المفردات............................................................ 83 # استكمال ~~الحجة........................................................... 83 # ونزل العذاب علي عاد ونجي ~~هود............................................ 84 # لا عذر للضعفاء في الاستسلام ~~لواقعهم...................................... 84 PageV12P292 # درس من تجربة ~~هود........................................................ 85 # الآيات [61 ~~68]............................................................. 86 # معاني ~~المفردات............................................................ 87 # وإلي ثمود أخاهم ~~صالحا.................................................... 87 # ثمود تخاف علي ~~امتيازاتها................................................... 88 # التصور الديني ~~للحياة...................................................... 89 # دعوة صالح تصدم ~~القوم.................................................... 90 # أوهام تحكم ~~الفكر......................................................... 91 # الحوار الفكري ثم ~~المعجزة.................................................... 92 # الرضي بالعمل يساوي المشاركة ~~به............................................ 93 # النهاية ~~المحتومة............................................................ 94 # الآيات [69 ~~76]............................................................. 95 # معاني ~~المفردات............................................................ 95 # الخوف ليس سلبيا ~~بذاته.................................................... 96 # البشري ~~المستغربة.......................................................... 97 # رحمة الله تأتي ~~بالعجائب................................................... 98 # إبراهيم عليه السلام يتشفع لقوم ~~لوط........................................ 99 # الآيات [77 ~~83]........................................................... 101 # معاني ~~المفردات.......................................................... 101 # لوط يشعر بالحرج....................................................... 102 # استخدام كل الوسائل لمواجهة ~~الانحراف.................................... 103 # المدد ~~الإلهي............................................................. 105 # أليس الصبح بقريب!؟................................................... 106 # الآيات [84 ~~86]........................................................... 107 # معاني ~~المفردات.......................................................... 107 PageV12P293 # علي قاعدة التوحيد تواجه ~~الانحرافات....................................... 108 # الخلل الاقتصادي يفسد توازن ~~المجتمع....................................... 109 # في المال الحلال ~~بركة...................................................... 110 # الآيات [87 ~~95]........................................................... 112 # معاني ~~المفردات.......................................................... 113 # السخرية سلاح القوم.................................................... 114 # التشريع يحول دون حرية التصرف المطلق ~~بالمال............................... 115 # من رحم الاقتصاد الحر ولد ~~الاستعمار...................................... 116 # الحرية الاقتصادية بين الإسلام ~~والرأسمالية.................................... 117 # محاولات غير مجدية لاحتواء ~~الرسول........................................ 118 # بينات ... ~~وأهواء........................................................ 118 # دين الله لإصلاح الإنسان ~~والحياة.......................................... 119 # الله هو ~~الكافي.......................................................... 120 # تحذيرات شعيب لا تلقي الصدي المطلوب.................................. 120 # وقفة ~~العزة.............................................................. 122 # الآيات [96 ~~99]........................................................... 124 # معاني ~~المفردات.......................................................... 124 # حديث موسي عليه السلام وفرعون........................................ 125 # الآيات [100 ~~102]........................................................ 127 # معاني ~~المفردات.......................................................... 127 # ... وتبقي ~~العبرة......................................................... 127 # الآيات [103 ~~109]........................................................ 129 # معاني ~~المفردات.......................................................... 129 # منهم شقي وسعيد....................................................... 130 # الجنة والنار بين الخلود والأجل ~~المحدود....................................... 131 PageV12P294 # الميزان ... رأي ~~ومناقشة.................................................. 132 # الجمود في ~~العقيدة........................................................ 134 # الآيتان [110 ~~111]........................................................ 135 # معاني ~~المفردات.......................................................... 135 # اختلافهم في كتاب موسي (عليه السلام)................................... 135 # الآيتان [112 ~~113]........................................................ 138 # معاني ~~المفردات.......................................................... 138 # فاستقم كما أمرت....................................................... 138 # الرسول مكلف كسائر ~~المؤمنين............................................. 139 # حذار الخلط بين الكفر ~~والإسلام........................................... 140 # الانسجام بين الفكر ms3026 ~~والأسلوب............................................ 141 # التعايش مع الظالم: العبرة بالنتائج لا ~~النوايا.................................. 141 # الآيتان [114 ~~115]........................................................ 143 # معاني ~~المفردات.......................................................... 143 # إن الحسنات يذهبن السيئات.............................................. 143 # في الصلاة سر ~~النجاة.................................................... 144 # الآيتان [116 ~~117]........................................................ 146 # معاني ~~المفردات.......................................................... 146 # المعصية والكفر ~~إجرام..................................................... 146 # الله الرحيم ~~العادل....................................................... 147 # الآيتان [118 ~~119]........................................................ 149 # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة....................................... 149 # لماذا يحدث الخلاف بين ~~الناس!............................................ 150 # غاية الخلق الرحمة أم ~~الاختلاف!........................................... 151 # الآيات [120 ~~123]........................................................ 152 PageV12P295 # معاني ~~المفردات.......................................................... 152 # القصة في حركة ~~الرسالة................................................... 153 # دور القرآن في حياة ~~الإنسان............................................... 154 # تفسير سورة يوسف [1 111] # جولة في آفاق ~~السورة..................................................... 159 # الآيات [1 ~~3].............................................................. 161 # نحن نقص عليك أحسن القصص.......................................... 161 # الآيات [4 ~~6].............................................................. 163 # معاني ~~المفردات.......................................................... 163 # يوسف عليه السلام يقص علي أبيه رؤياه................................... 163 # الحدس ~~النبوي........................................................... 164 # حسد الإخوة............................................................ 164 # عقدة الشيطان.......................................................... 165 # يوسف عليه السلام وبداية ~~المسيرة......................................... 166 # الآيات [7 ~~10]............................................................. 167 # معاني ~~المفردات.......................................................... 167 # المعاناة ~~الصعبة........................................................... 168 # أخذ ~~العبرة.............................................................. 168 # المعيار ~~الخاطئ........................................................... 169 # الخطة ~~الشريرة........................................................... 170 # الآيات 11 ~~18]............................................................ 172 # معاني ~~المفردات.......................................................... 172 # تنفيذ ~~المؤامرة............................................................ 173 # دموع ~~التماسيح.......................................................... 175 PageV12P296 # الصبر أمام ~~الفاجعة...................................................... 176 # الآيات [19 ~~21]........................................................... 177 # معاني ~~المفردات.......................................................... 177 # سوق النخاسة والثمن البخس............................................. 178 # بدء ~~التمكين............................................................ 179 # الآيات [22 ~~29]........................................................... 181 # معاني ~~المفردات.......................................................... 181 # يوسف يؤتي حكما وعلما................................................. 182 # تجربة الإغراء ~~الصعبة..................................................... 183 # مواجهة الإحسان بالإحسان.............................................. 184 # ولقد همت به .. وهم ~~بها................................................. 186 # الموقف ~~اليوسفي......................................................... 186 # هل في الآية ما ينافي ~~العصمة!............................................. 188 # يوسف عليه السلام ينصرف عن السوء..................................... 188 # الكيد ~~العظيم........................................................... 189 # الكيد وضعف ~~المرأة...................................................... 191 # يوسف عليه السلام يخرج من التجربة بنجاح................................ 192 # الآيات [30 ~~33]........................................................... 193 # معاني ~~المفردات.......................................................... 193 # شياع ~~الخبر.............................................................. 194 # مكر ~~النسوة............................................................. 194 # خطة الالتفاف.......................................................... 195 # الدخول ~~المفاجئ......................................................... 196 # تبرير ~~الانحراف.......................................................... 197 # يوسف عليه السلام بين ضغوط الإغراء والتهديد بسجنه...................... 197 PageV12P297 # اللجوء إلي ~~الله.......................................................... 198 # السجن أحب من ارتكاب المعصية......................................... 199 # بين تكبل الجسد وحرية ~~الروح.............................................. 199 # كيف نستوحي الموقف!.................................................. 200 # الآيتان [34 ~~35]........................................................... 202 # صرف الكيد............................................................ 202 # ديدن المجتمعات ~~المستكبرة................................................. 203 # الآيات [36 ~~40]........................................................... 204 # معاني ~~المفردات.......................................................... 204 # السجن ساحة ms3027 للدعوة.................................................... 205 # إحسانه جذبهما ~~إليه..................................................... 206 # توسل التأويل لهداية ~~الفتيين............................................... 207 # وهم ~~الأرباب............................................................ 209 # الحكم والعبادة لله ~~وحده.................................................. 210 # الدين ~~القيم............................................................. 210 # الآيتان [41 ~~42]........................................................... 212 # معاني ~~المفردات.......................................................... 212 # وحدثهما عن مستقبلهما.................................................. 212 # مزاج الطاغية هو ~~القانون.................................................. 213 # لا مشكلة في طلب الحاجة من العبد....................................... 214 # الآيات [43 ~~49]........................................................... 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # الرؤيا ~~الغريبة............................................................ 216 # هل للأحلام حقيقة في ~~الواقع!............................................. 217 # تفسير ~~الرؤيا............................................................ 219 PageV12P298 # خطة يوسف لاجتياز الأزمة............................................... 221 # الآيات [50 ~~53]........................................................... 222 # معاني ~~المفردات.......................................................... 222 # تفسير الحلم أثار اهتمام ~~الملك............................................. 223 # يوسف عليه السلام يطالب بإظهار ~~براءته................................... 223 # حصحص الحق وظهر.................................................... 224 # يوسف عليه السلام يخضع المجتمع لإيمانه ~~القوي............................. 225 # الآيات [54 ~~57]........................................................... 228 # معاني ~~المفردات.......................................................... 228 # الملك يستخلصه لعلمه ~~وأمانته............................................. 228 # بين الإصلاح الجزئي والحل ~~الشامل......................................... 230 # سر العبودية ومكانة يوسف عليه ~~السلام.................................... 231 # الآيات [58 ~~62]........................................................... 233 # معاني ~~المفردات.......................................................... 233 # السنوات العجاف....................................................... 234 # وجاء إخوة يوسف عليه السلام............................................ 234 # طلب أخاه وعمق الثقة معهم............................................. 235 # الآيات [63 ~~68]........................................................... 237 # معاني ~~المفردات.......................................................... 238 # أرسل معنا ~~أخانا......................................................... 238 # الله خير ~~حافظا.......................................................... 239 # إعطاء ~~المواثيق........................................................... 240 # حاجة في نفس يعقوب؟.................................................. 241 # الآيات [69 ~~76]........................................................... 243 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 PageV12P299 # خطته لاستبقاء ~~أخيه..................................................... 244 # بين الغاية ~~والوسيلة....................................................... 245 # التدبير الإلهي ~~الخفي...................................................... 246 # الآيات [77 ~~80]........................................................... 248 # معاني ~~المفردات.......................................................... 248 # خطة يوسف عليه السلام والهدف الكبير................................... 249 # خذ أحدنا مكانه........................................................ 250 # هو خير الحاكمين....................................................... 251 # الآيات [81 ~~87]........................................................... 252 # معاني ~~المفردات.......................................................... 252 # الصدمة ~~الكبيرة.......................................................... 253 # الصبر الجميل والإحساس ~~بالفرج........................................... 254 # كظم الحزن............................................................. 255 # الشكوي إلي ~~الله........................................................ 255 # لا تيأسوا من روح ~~الله.................................................... 256 # اليأس يوجب الكفر...................................................... 257 # الآيات [88 ~~93]........................................................... 259 # معاني ~~المفردات.......................................................... 259 # همهم ~~الطعام............................................................ 260 # يوسف عليه السلام يحاكمهم............................................. 260 # أجر ~~المحسنين............................................................ 261 # طلب الغفران........................................................... 262 # المعجزة ~~الخارقة........................................................... 262 # الآيات [94 ~~98]........................................................... 264 # معاني ~~المفردات.......................................................... 264 PageV12P300 # المفاجأة ~~الصارخة........................................................ 264 # اعترفوا بالخطإ ووعدهم ~~بالاستغفار......................................... 266 # الآيات [99 ~~102]......................................................... 267 # الحلم يتحول إلي ~~حقيقة................................................... 267 # برأ إخوته بنسبة الإساءة إلي ~~الشيطان....................................... 269 # مناجاة يوسف عليه السلام............................................... 269 # أنباء الغيب دليل صدق ~~النبوة............................................. 270 # الإرادة ms3028 الصلبة والقلب ~~الكبير.............................................. 271 # القرآن يثير الحقائق دون ~~تعقيد............................................. 272 # الحزن الإنساني لا يسيء إلي ~~الإيمان........................................ 273 # الروح المطمئنة لا تيأس أمام ~~الكوارث....................................... 273 # النهايات السيئة للخطوات ~~الشريرة......................................... 274 # بين الانسياق للغريزة والشخصية ~~العدوانية................................... 274 # صموده عليه السلام أمام إغرائها دفعها ~~لتبرئته............................... 275 # مخاطرة ~~الخلوة............................................................ 275 # الحذر من الانسياق وراء ~~الانحراف.......................................... 276 # الاستفادة من ~~التجربة.................................................... 277 # الآيات [103 ~~107]........................................................ 278 # معاني ~~المفردات.......................................................... 278 # نجاح الدعوة يحتاج للإعداد ~~والصبر......................................... 279 # فشل التجربة لا يعني فشل ~~الفكرة.......................................... 280 # أجر الداعية علي ~~الله.................................................... 280 # الإعراض عن التذكر إغلاق لباب الهدي.................................... 281 # الإيمان بالتوحيد يخضع لحسابات ~~دقيقة..................................... 282 # لا مأمن من ~~المفاجئات................................................... 284 PageV12P301 # الآيات [108 ~~111]........................................................ 285 # معاني ~~المفردات.......................................................... 285 # إعلان الثبات علي نهج ~~الاستقامة.......................................... 286 # وجاء النص............................................................. 287 # عبرة القصص........................................................... 288 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV12P302 ![](https://books.rafed.net/Books/3276_tafsir-men-wahi-alquran-13/images/image001.gif) PageV13P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3276_tafsir-men-wahi-alquran-13/images/image002.gif) PageV13P003 ### | سورة الرعد ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثلاث وأربعون PageV13P005 ### ||| ** آفاق سورة الرعد # لكلمة الرعد معنى يوحي بالرهبة من خلال التأثير الذي يحدثه في الجو ~~بالتقاء الصوت الداوي بالشرارة الملتهبة التي تملأ الفضاء نورا يوحي ~~بالحريق واللهب ، فيجعل الناس أصابعهم في آذانهم حذر الموت. والرعد في هذه ~~السورة يتحول إلى ظاهرة كونية تسبح الله فيمن يسبحه ، وتحمده فيمن يحمده ، ~~على ما يحتويه الكون من عجائب وأسرار تنطلق بحمد الله والثناء عليه. وفي ~~هذه الأجواء تمثل السورة جولة رائعة في الكون الذي يحوي الآيات لقوم يعقلون ~~ويوقنون ، بما تفتحه الظواهر الكونية المتنوعة في السماء والأرض من آفاق ~~عقلية ، فتلتقي بالله في أكثر الحقائق وضوحا وإشراقا لتبعث اليقين في قلب ~~الإنسان ، وتمتد به إلى الإيمان بالقرآن والرسول واليوم الآخر ، الأمر الذي ~~يوحي بالفكرة التي يؤكدها القرآن في أكثر من سورة ، بأن دور النبي ليس ~~تغيير الكون بالمعاجز ، بل دوره الإنذار وإثارة العقل والفكر والوجدان. # ثم يوجه الحديث إلى المؤمنين الذين أبصروا وعقلوا واستجابوا لله وحصلوا ~~على المثوبة الكبيرة والأجر العظيم ، وإلى غيرهم ممن اتخذوا من دونه أولياء ~~، ولم يميزوا بين الحق والباطل. ويقارن بين هؤلاء وأولئك ، فيثير مثل ~~الأعمى والبصير ، والظلمات والنور ، ومثل الزبد الذي يذهب جفاء ms3029 في مقابل ما ~~ينفع الناس ويمكث في الأرض ، كدليل على الفرق بين الحق والباطل. PageV13P007 # وهكذا تدخل السورة في أجواء الرسالات السابقة في حديثها عن الأنبياء ~~السابقين ، وتنتقل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسله الله ~~بالقرآن المحتوي تفصيل كل شيء ليبلغه للناس ، وليواجه كل التحديات التي ~~تواجهه بالسخرية. وهذه المسألة ليست جديدة ، فقد استهزئ بالرسل من قبله ، ~~وسينال الجميع جزاءهم في الآخرة كما نالوا بعضه في الدنيا. وينطلق النبي في ~~مسيرته مع أهل الكتاب الذين يفرحون بما أنزل الله ، بينما ينكر فريق من ~~الأحزاب عليه ذلك ، ولكنه يصمد في موقفه ، كما يريد الله له ، لأن مهمته ~~البلاغ ، وعلى الله الحساب. # ولا توجد مشكلة بالنسبة له في أن يكذبه المكذبون إذا كان الله يشهد بصدقه ~~، وكفى به شهيدا. من هنا ، على العاملين في خط الرسالة أن يستوحوا من هذه ~~السورة الإصرار على مواجهة كل أساليب السخرية والتعذيب والتكذيب ، والإخلاص ~~لله سبحانه في كل خطوات الدعوة ، دون أي ضعف أو حاجة لاعتراف الآخرين ~~وشهادتهم ، كأساس للثقة بالموقف ، لأن شهادة الله فوق كل شهادة. PageV13P008 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@015 المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون ) (1) # * * * ### ||| ** تلك آيات الله ... فتدبروها # ( @QUR@01 المر ) من الحروف المقطعة في القرآن التي تحدثنا عنها في أول ~~سورة البقرة. # ( @QUR@03 تلك آيات الكتاب ) التي أنزلها الله ، ليعيش الإنسان من خلالها ~~الفكر الذي أراد له حمله ، والمنهج الذي أراد له الاقتداء به ، والطريق ~~الذي حبب إليه سلوكه ، والشريعة التي فرض عليه تطبيقها ، والجو الذي أراد ~~له العيش PageV13P009 # فيه. إنها تتحرك أمامنا روحا حية تتجسد في الكلمة التي تجسد في حركتها ~~الفكرة ، حيث تنطلق في رحابها كل قيم الروح ، وتنفتح في آفاقها كل ألطاف ~~الله ، في ما يرحم به عباده. إنها أمامنا ، فيجب أن لا نعرض عنها ، ولا ~~ننساها ، ولا نواجهها بأسلوب اللامبالاة ، ولا نتجمد في نطاق حروفها لنقف ~~عند سر البلاغة فيها ، أو لنبدع لها ألحانا تسحرنا أجواؤها بحيث تلتقي ms3030 ~~الكلمة الحلوة بالصوت الشجي ، بل علينا أن ننطلق في رحابها الواسعة الشاملة ~~المطلقة من رحاب الله ، لنأخذ من قاعدتها الفكرية حركات امتداد الساحة ، ~~على أكثر من صعيد ، ولنبدع من روحها أكثر من روح تصفو وتخشع وتناجي وتمتد ، ~~وتبدع وتحنو وتواجه وتتحدى وتسالم وتحارب وتفكر وتحاور وتهدي وتعلم ، من ~~خلال روح الله التي أفاض منها على الحياة رحمة ولطفا وحبا وسلاما. # علينا أن نواجه آيات الكتاب من موقع المسؤولية النابع من وعي الحركة في ~~العمق وامتداد الدعوة وثورة الهدى. إنها إيحاءات الإشارة الإلهية إلى نبيه ~~، إذ يريد منه أن تتحد شخصيته مع الناس في طاعتهم لله وانسجامهم مع وحيه ، ~~لأنه يريد أن يكون فكرهم فكره وشريعتهم شريعته ، وأسلوبهم أسلوبه ، ~~وأخلاقهم أخلاقه ، ومنهجهم منهجه. ولهذا كان يخاطبهم من خلاله ، ويحدثهم ~~بما يحدثه به ، حتى أنه يلطف بهم في الخطاب من خلال لطفه بالرسول ، ويعنف ~~بهم من خلال تعنيفه له. # وهكذا كانت الإشارة للتأمل والاستيحاء والانفتاح ، ليدرك الناس مواقع ~~الحق في كلماته ومفاهيمه وآفاقه ، في مواجهة من يريدون إثارة الضباب حول ~~الكتاب ، ليوحوا للناس بأنه يمثل الباطل ، وليأتي التأكيد بأنه الحق منسجما ~~مع الإيحاء الذاتي الذي يختزن الحكم من خلال الجو العام. # * * * PageV13P010 ### ||| ** معنى الآيات # من الغريب أن يذهب بعض المحققين من المفسرين ، إلى تفسير لفظ الآيات ، ~~بالآيات الكونية المنتشرة في الآفاق ، فيكون المراد بالكتاب عندئذ هو الكون ~~الذي يحتوي هذه الآيات. ويرى هؤلاء المفسرون في الآيات التالية دليلا على ~~ذلك ، كونها تشتمل على تفصيل آيات الله في الكون ، من رفع السماوات بغير ~~عمد ومد الأرض وتسخير الشمس والقمر ، وغير ذلك من الآيات الدالة على توحيد ~~الله سبحانه ، الذي يفصح عنه القرآن الكريم وتندب إليه الدعوة الحقة. # ويتابع هذا المحقق قوله : «وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى نوعين من ~~الدلالة ، وهما الدلالة الطبيعية التي تتلبس بها الآيات الكونية من السماء ~~والأرض وما بينهما ، والدلالة اللفظية التي تتلبس بها الآيات القرآنية ~~المنزلة من عنده تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم » (1). # ولكننا نلاحظ ms3031 على هذا الكلام ، أن استعمال الكتاب تعبيرا عن الكون ، سواء ~~كان بالاستعمال الصريح لدلالة اللفظ على المعنى ، أو بطريقة المجاز بلحاظ ~~ما يشتمل عليه القرآن من الآيات الكونية ، ليس مألوفا في الاستعمالات ~~القرآنية ، وبالتالي فهو خلاف الظاهر. كما أن السياق لا يؤكد مثل هذا ~~الاستعمال ، لأنه من الممكن أن يكون في هذه الآية كما هو الظاهر توجيه ~~للإنسان إلى التأمل في آيات القرآن ليفهم جوانب الحق فيها في ما تشتمل عليه ~~تلك الآيات PageV13P011 # من الأسرار ، ليكون ذلك بمثابة مقدمة للتأكيد على أنها منزلة من الله على ~~أساس الحق الذي لا ريب فيه ، لينطلق الإنسان مع القرآن المنزل من عند الله ~~، فيتابع آياته بما تشتمل عليه من دلالة على توحيد الله واليوم الآخر. فإن ~~الانطلاق من موقع الحق ، في أي موقع ، يوحي بالكثير من الوضوع في الرؤية ~~بطريقة أكثر اهتماما وتركيزا. # ( @QUR@06 والذي أنزل إليك من ربك الحق ) الذي لا يخالطه شك في ما ~~يستوحيه الإنسان من إشراقات الحق ، ودلائل الإعجاز ، وأسرار الروح ، ( ~~@QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) لأنهم لا يتدبرونه في عمق الفكر ~~وامتداد الرؤية. فالإيمان لا يتعمق في النفس والفكر ، باللمحات الخاطفة ~~التي تخطر بالبال ، بل يحتاج إلى الدراسة العميقة والتفكير المنفتح والرؤية ~~الواسعة الممتدة التي تؤدي إلى القناعة والاطمئنان. وبهذا نعرف أن الإيمان ~~يلتقي بالعلم ، من أقرب طريق ، وبالفكر من أوسع المجالات ، فلا مجال ~~للإيمان بدون فكر يناقش القضايا ، ولا أساس للقناعة بدون علم يؤكد الحقائق. ### ||| * * * * PageV13P012 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) @QUR@024 وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن ~~كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (3) @QUR@027 وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رواسي ): الجبال الرواسخ. ms3032 # ( @QUR@02 يغشي الليل ): يلبس ظلمة الليل النهار. # ( @QUR@01 وجنات ): بساتين. PageV13P013 # ( @QUR@01 صنوان ): جمع صنو وهما نخلتان من أصل واحد. # ( @QUR@01 الأكل ): ما يؤكل. # * * * ### ||| ** جولة في رحاب الكون ... من أجل الإيمان # كيف يحصل الناس على قناعة الإيمان بالله وتوحيده؟ هل يمكن لنا القول كما ~~يقول بعض متفلسفة الأديان : إن الإيمان فوق العقل ، فلا مجال لتحصيل الأول ~~عن طريق الثاني ، ولا يمكن لك أن تطالب مؤمنا ببرهان عقلي على إيمانه ، ~~لأنه حالة تلتقي بالوجدان بطريقة لا شعورية ، وتتحرك مع المشاعر بأسلوب ~~روحي ، فهو الغيب الذي لا يملك الحس أن يلتقي به ، وهو الإحساس الداخلي ~~الذي لا تملك المعادلات العقلية أن تقترب منه؟ # هل الإيمان حالة شعورية ، أم هو حالة عقلية تتحرك في أجواء الشعور؟ إن ~~الله يجعل الإيمان منطلقا من موقع الفكر ، فلا بد للإنسان من مناقشة كل ~~الطروحات التي تدعوه ليؤمن بها ، ولا بد له من أن يخوض معها صراع الفكر عند ~~ما تتعدد أو تتنافر ، ليصل إلى الرأي الأرجح من خلال النتائج الحاسمة لهذا ~~الصراع. ولا يقبل الله للإنسان أن يقلد في إيمانه ، أو يعتمد على ما لا ~~يجوز الاعتماد عليه في ميزان العقل ، ولهذا ذم المقلدين لآبائهم ، لأن ~~القرابة لا تبرر الخضوع لرأي القريب دون أي أساس شرعي. # ثم كيف نصل إلى الإيمان من خلال العقل؟ هل نتحرك في نطاق المعادلات ~~العقلية التجريدية المعقدة التي يثيرها الفلاسفة في تحليلاتهم ليكون ذلك هو ~~الأساس الوحيد للإثبات ، أم أن هناك وسائل أخرى تتصل بالحس PageV13P014 # الإنساني لجهة ما يشاهده الإنسان أو يلمسه؟ # إن القرآن يريد للإنسان أن يقرأ في صفحات الكون ما يراه من ظواهر الطبيعة ~~، وعجائب الخلق في الأرض والسماء ، ويفكر ويتدبر ليصل إلى النتائج الحاسمة ~~على مستوى العقيدة والحياة ، وليكون إيمانه صافيا صفاء النور في السماء ، ~~عميقا عمق الينابيع في الأرض ، منسابا في كل لمحة ضوء تحدق فيه ، وفي كل ~~آية كونية تملأ البصر بعجائبها ، والعقل بأسرارها ومدلولاتها. إنه الإيمان ~~الحي الذي يتجسد في كل ما يعيشه الإنسان في نفسه ، وما يحيط به من ms3033 آفاق ~~وأوضاع وموجودات. # * * * ### ||| ** رفع السموات واستوى على العرش # إن ما تريد الآية أن تثيره ، هو أن تحرك الإيمان في وجدان الإنسان من ~~خلال فكر الحياة. ( @QUR@07 الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ). ~~فإذا فكر الإنسان بالخالق وبحث عنه ، أمام كل العقائد التي تتنوع في حديثها ~~عنه ، وتطلع إلى السماء وما فيها من كواكب فخمة سابحة في الفضاء ، وتأمل ~~كيف استطاعت أن تثبت في مواقعها من دون ركائز ، وحاول أن يدرس كيف حدث ذلك ~~، هل هناك ركائز خفية تختلف عما ألفه الإنسان من الأعمدة التي تمسك الأشياء ~~المرتفعة في الفضاء ، ومن صنعها؟ ومن الذي يملك القوة والقدرة على فعل ذلك؟ ~~لا شك أن الإنسان لن يجد بعد البحث إلا الله الواحد القهار. وقد نلاحظ في ~~هذا المجال أن الآية تتحدث عن الظاهرة العجيبة لتجعلها موضع تفكير الناس من ~~جديد ، كي يدركوا سر العظمة فيها بالنظرة العامة ، أو بالنظرة العلمية ~~الدقيقة ، فيخرجهم بذلك من حالة الألفة معها التي أفقدتهم الشعور بعناصر ~~الإبداع وأسرار العظمة. PageV13P015 # ( @QUR@04 ثم استوى على العرش )، بما توحي به كلمة الاستواء من السيطرة ~~المطلقة ، وبما تمثله كلمة العرش من مركز هو الأعلى في خلق الكون ، أو من ~~التعبير عن موقع السلطة على سبيل الكناية. وربما كان التعبير بكلمة ( ~~@QUR@01 ثم ) دلالة على الترتيب الزمني بين خلق السماء وخلق العرش الذي ~~يمثل المركز الأعلى في مواقع الخلق في ما يعنيه العلو من درجات دنيا وعليا. ~~أما حقيقة الموضوع ، فإن الله ليس جسما يحتويه المكان ليجلس على عرش معين ~~في مكان معين ، ولكنها مناسبات التعبير في الشكل والمضمون. # * * * ### ||| ** تسخير الشمس والقمر ومد الأرض # ( @QUR@03 وسخر الشمس والقمر )، بما وضعه لهما من قوانين ثابتة ، في ~~حركتهما الكونية المتصلة بالظواهر الأخرى ، الأمر الذي يجسد إرادة الله في ~~إرادة الأشياء في الوجود حسب مشيئته وتخطيطه ، فلا مجال لانحراف أي شيء ~~منها عن مداره ، أو لابتعاد أي شيء منها عن غايته المرسومة ، فكل الأشياء ~~مسخرة له ، في ما يبني به الحياة ، ويدبر لها أمرها. ( @QUR@04 كل يجري ~~لأجل مسمى ms3034 )، فقد جعل الله لهما ولكل شيء في السماء والأرض أجلا معينا ، ~~وأمدا محدودا ، في حركته المرسومة التي قدرها الله له. # ( @QUR@02 يدبر الأمر ) فيحرك كل شيء في نطاق خطة حكيمة تضع كل شيء في ~~موضعه ، وتلاحق كل أوضاعه وترعاها في تقدير دقيق وتدبير حكيم. ( @QUR@02 ~~يفصل الآيات ) الكونية على رأي بعض التفاسير وذلك في فصل الأشياء بعضها عن ~~بعض ، وتمييزها في خصائصها ودقائقها بحيث لا تختلط الأشياء فيها ولا ترتبك ~~الظواهر والموجودات ، أو الآيات المنزلة من عند الله كما في تفسير بعض آخر ~~وذلك بتوضيحها وكشف حقائقها وخصائصها ، بحيث لا تخفى PageV13P016 # على أحد ، ولا يشتبه أمرها على الناس ، ليعرفوا ، من خلال ذلك ، كيف ~~يعرفون الله بعظمته وحكمته وتدبيره ، وكيف يؤمنون به في وحيه ورسالته ، ~~لينتهي ذلك بهم إلى استلهام تدبير الله في منع العبث في انتهاء الحياة إلى ~~اللاهدف واللامعنى الذي يتحدث عنه المنكرون للآخرة. فقد لا يكون للحياة ~~القائمة على التنظيم في الخلق وفي المسؤولية معنى إن لم تكن نهايتها واقعة ~~في الخط العملي لحركة المسؤولية في ميزان النتائج الحاسمة. ( @QUR@04 لعلكم ~~بلقاء ربكم توقنون ) من خلال عناصر اليقين التي يوحي بها الفكر ، وتتحرك ~~فيها الشواهد والبينات. # ( @QUR@04 وهو الذي مد الأرض ) وبسطها بطريقة دقيقة صالحة للعيش وللنمو ~~والحركة للموجودات التي أراد لها الله أن تعيش فيها من إنسان وحيوان ونبات ~~يحتاج وجودها إلى قواعد ثابتة في العمق والامتداد ، ( @QUR@03 وجعل فيها ~~رواسي ) بما أودعه فيها من جبال ضاربة في أعماق الأرض وشامخة في أعالي ~~الفضاء ، لتحقق التوازن الذي يركز للأرض الثبات والصلابة ، حتى لا تسقطها ~~زلازل ، ولا تهزها براكين ، حفاظا على طبيعتها الممتدة المنتجة ، ( @QUR@01 ~~وأنهارا ) تجري وتمتد لتبعث في الأرض الخصب والحياة ، لتزدهر بالخضرة ~~المعشبة ، وبالأشجار المثقلة بالفواكه والثمار ، وبالزروع الحاملة للحب ، ~~وبالري الذي يبعث الحياة في كل شيء. ( @QUR@07 ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين ) انطلاقا من قانون الزوجية الذي أودع الله فيه سر عظمته ، ~~ووحدة خلقه ، حيث تلتقي فيه أصغر ذرة في الكون ، بأكبر مخلوق فيه ، مع كل ~~هذا التنوع في ms3035 الشكل والحجم والخصائص والنتاج ، ومن خلاله يتم التلاقح عند ~~الإنسان والحيوان والنبات ، ويتحقق التفاعل الذي يعطي الحركة للجماد. وقد ~~ذكر في تفسير الزوجين في الثمرات : أن المراد هو الصنف الذي يخالفه صنف آخر ~~سواء كانا صنفين لا ثالث لهما أم لم يكونا. # وقال في تفسير الجواهر في قوله تعالى : ( @QUR@02 زوجين اثنين ): «جعل ~~فيها من أصناف الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى في أزهارها عند تكونها ، فقد أظهر PageV13P017 # الكشف الحديث أن كل شجر وزرع لا يتولد ثمره وحبه إلا بين اثنين ذكر ~~وأنثى. فعضو الذكر قد يكون مع عضو الأنثى في شجرة واحدة كأغلب الأشجار ، ~~وقد يكون عضو الذكر في شجرة والآخر في شجرة أخرى كالنخل ، وما كان العضوان ~~فيه في شجرة واحدة ، إما أن يكونا معا في زهرة واحدة ، وإما أن يكون كل ~~منهما في زهرة وحده ، والثاني كالقرع ، والأول كشجرة القطن ، فإن عضو ~~التذكير مع عضو التأنيث في زهرة واحدة» (1). # وقد علق صاحب تفسير الميزان على ذلك بقوله : «وما ذكره وإن كان من ~~الحقائق العلمية التي لا غبار عليها ، إلا أن ظاهر الآية الكريمة لا يساعد ~~عليه ، فإن ظاهرها أن نفس الثمرات زوجان اثنان لا أنها مخلوقة من زوجين ~~اثنين ، ولو كان المراد ذلك لكان الأنسب به أن يقال : وكل الثمرات جعل فيها ~~من زوجين اثنين. # نعم ، لا بأس أن يستفاد ذلك في مثل قوله تعالى : ( @QUR@08 سبحان الذي ~~خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ): [يس : 36] ، وقوله : ( @QUR@010 ~~وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) [لقمان : 10] ، وقوله ~~: ( @QUR@07 ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون )، [الذاريات : 49]» (2). # وما ذكره صاحب الميزان يقوم على طبيعة التركيب اللفظي الجاري على سبيل ~~الحقيقة ، ولكن يمكن أن توحي أمثال هذه الآيات بأن المراد من هذه الآية ما ~~ينسجم مع معناها ، لأن الظاهر أن الله يريد تأكيد هذه الحقيقة الكونية في ~~كل شيء ، فتكون هذه الآية تطبيقا لهذه الظاهرة الكلية في النبات. وربما ~~يكون المراد منها معنى خفيا لم يدرك الإنسان سره في طبيعة الثمرات. # ( @QUR@03 يغشي ms3036 الليل النهار ) بانتشار الظلمة في الفضاء بالطريقة التي ~~تغطي الآفاق PageV13P018 # التي كانت مشرقة بضوء النهار ، ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ~~لأن الفكر إذا تحرك على مستوى الظواهر بما توحيه وتدل عليه ، يستطيع أن ~~يدرك طبيعة الحكمة في انسجام القوانين المشتركة التي تخضع لها تلك الظواهر ~~، وفي الأسرار البديعة التي تختزنها خصائص كل واحدة منها ، فينتهي إلى ~~الإيمان عند الإله الواحد الذي يبرر معنى وجود الكون وحركته السائرة إلى ~~مستقرها المرسوم. # ( @QUR@04 وفي الأرض قطع متجاورات ) متقاربات في الموقع والطبيعة والجو ~~ولكنها مختلفة من طيبة إلى سبخة ، ومن صلبة إلى رخوة ، ومن صالحة للزرع ~~والشجر إلى أخرى عكسها ، مع التقائها جميعا على طبيعة واحدة ، هي خصوصيتها ~~الأرضية ، ( @QUR@04 وجنات من أعناب وزرع ) تختلف في أشكالها وأنواعها ~~وخصائصها ، ( @QUR@02 ونخيل صنوان )، والصنوان جمع صنو : وهي النخلة لها ~~رأسان وأصلهما واحد ، ( @QUR@02 وغير صنوان ) وهي النخلة ذات رأس واحد ، في ~~مقابل النخلات الأخرى ، ( @QUR@03 يسقى بماء واحد ) فلا فرق بين الماء الذي ~~تسقى به هذه ، والماء الذي تسقى به تلك ، فمن أين جاء هذا التغاير في ~~الخصائص ، ( @QUR@06 ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) إذ تتميز كل واحدة عن ~~الأخرى في إنتاجها ، وإذا كان التمايز موجودا في الأسباب الأولى ، فكيف ~~يكون تفسير ذلك على المستوى الأعمق الذي يلتقي فيه الجميع عند طبيعة واحدة ~~لا تملك أي نوع من أنواع التمايز ، مما يبعث على التساؤل من جديد : كيف حدث ~~هذا ، ومن أين ، ومن الذي أودع سر التنوع في الأشياء ما دامت الأشياء لا ~~تملك في ذاتها ما يحتم تمايزها! ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) ~~ويحركون عقولهم لمعرفة الحقيقة الإيمانية التي تشير إلى أن الله وحده هو ~~الذي أبدع ذلك كله ، وهو الذي أودع في الطبيعة الواحدة سر الاختلاف في ~~الأنواع والأصناف والأفراد. # * * * PageV13P019 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك ~~الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (5) @QUR@020 ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم ~~المثلات وإن ms3037 ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ~~@QUR@016 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل ~~قوم هاد ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأغلال ): جمع غل ، وهو قيد تشد به اليد إلى العنق. # ( @QUR@01 بالسيئة ): النقمة. # ( @QUR@01 الحسنة ): النعمة. # ( @QUR@01 المثلات ): جمع مثلة ، وهي العقوبة مع وجود أثر يدل عليها ~~كجدع الأنف ونحوه. # * * * PageV13P020 ### ||| ** الكافرون ينكرون بعثهم خلقا جديدا # ( @QUR@02 وإن تعجب ) من شيء يثير الدهشة في نفسك ، لأنه لا ينطلق من ~~منطلق معقول ، ( @QUR@02 فعجب قولهم ) هؤلاء الذين ينكرون المعاد ، وهم ~~يؤمنون بالله الخالق للإنسان ، القادر على كل شيء ، بما يرددونه من حديث ~~الكفر : ( @QUR@03 أإذا كنا ترابا ) بعد أن تفنى أجسادنا وتتحول إلى تراب ، ~~( @QUR@04 أإنا لفي خلق جديد ) نعود فيه إلى الحياة أجساما تتحرك ، وروحا ~~تحس وتفكر. وكيف يمكن للجماد أن يتحول إلى حياة ، وكيف يعقل للتراب أن يصير ~~روحا وحركة وشعورا؟ أما وجه العجب في ما يقولونه ، فهو أن الإيمان بالله ~~الذي خلق الإنسان ، يفرض الإيمان بقدرته على إعادته ، لأن جانب الإيجاد ~~أكثر صعوبة من جانب الإعادة. إنه الكفر الذي لا ينطلق من العقل ، بل من ~~الألفة والعادة التي تجعل الإنسان ينكر ما يخرج عن المألوف لديه ، وإن كان ~~قريبا لحسابات عقله ، ( @QUR@04 أولئك الذين كفروا بربهم ) دون حجة أو ~~برهان ، ( @QUR@04 وأولئك الأغلال في أعناقهم ) جزاء لهم على الكفر الذي ~~ينطلق من حالة عناد لا من حالة فكر ، ( @QUR@06 وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون ) لأن الله قد جعلها للجاحدين به وباليوم الآخر ، وللمنحرفين في ~~الحياة عن خط هداه ، الأمر الذي أبعدهم عن رحمة الله ، عند ما انفصلوا عنه ~~في حركة المسؤولية أمامه ، فلا مجال لهم للحصول على نتائج رحمته ، بدخول ~~جنته والابتعاد عن ناره. # ( @QUR@04 ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة )، وهو أسلوب الكفار في التحدي ~~الذي لا يسعى إلى مد جسور الحوار وإيجاد أرضية للتفاهم ، بل يسعى إلى تنفيس ~~عقدة الغيظ التي تعتمل في داخلهم أمام حالة العجز التي يشعرون بها في ~~مواجهة الطرح الفكري للرسالة والإيمان ، فيطلبون من النبي من موقع ms3038 التحدي ~~الإتيان بالعذاب ليدمر الكافرين ، إذا كان هناك عذاب من قبل الله ، بهدف ~~إحراج النبي ، أو تدمير النفس ، وإنهاء لحالة الحيرة التي يعيشونها PageV13P021 # بين إمكان تحقيق ذلك وعدم إمكانه. وهكذا يستعجلون السيئة وهي العقاب الذي ~~يترتب على كفرهم وعنادهم ، قبل الحسنة التي هي ثواب الله الذي ينبغي ~~للإنسان أن يتطلع إليه من خلال رحمة الله ، والسير على خط الإيمان والطاعة ~~، ( @QUR@05 وقد خلت من قبلهم المثلات )، وهي العقوبات التي تترك أثرها ~~على الجسد ، التي كان ينزلها على الكافرين من قبلهم ، فلا يتعظون ولا ~~يخافون ولا يأخذون العبرة من هذا الماضي لحساب الحاضر ، وهي حال الناس ~~الذين لا يدرسون الأمور بالعمق الذي يربطهم بحقيقة الحياة الحاسمة ، بل من ~~موقع اللحظة الحاضرة التي تتحرك فيها الشهوة والمصلحة والعوامل الذاتية ، ~~مما يجعلهم يختارون لأنفسهم المصير الذي لا ينسجم مع مصلحتهم الحقيقية ، ~~ولا يلتفتون إلى أن الله يملك العقاب كله ، والثواب كله ، ويرجع إليه أمر ~~المصير الذي يلتقي فيه كل الناس ، الأمر الذي يفرض عليهم أن يرجعوا إليه ~~ويرتبطوا بخط طاعته ، إذا أرادوا لأنفسهم الخير والنجاح. # ( @QUR@07 وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) لأنفسهم بالمعصية فيعفو ~~عنهم ، إذا عرف منهم صدق النية في التوبة ، والإخلاص في الموقف ، ( @QUR@04 ~~وإن ربك لشديد العقاب ) للمتمردين والعاصين والمعاندين الذين يصرون على ~~الكفر والمعصية. وربما كان المراد من المغفرة هنا ، إمهال الله لعباده ~~العصاة ، أو الكفرة ، وعدم تعجيل العقوبة لهم ، باعتبار أن الآية تتعرض ~~لحالة واحدة تتعلق بالكافرين ، ولا تتحدث عن صفات الله في المطلق ، وهذا ~~احتمال قريب ، لو لا أن الأسلوب القرآني قد درج في أكثر موارده على هذا ~~النوع من الحديث عن الله بشكل عام ، في نطاق الأمور الجزئية دون الارتباط ~~بالحالة الخاصة. # ( @QUR@010 ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه ) في أسلوب ~~خبيث هدفه إظهار النبي عاجزا أمام الناس لمعرفتهم المسبقة بعدم استجابته ~~لمثل هذه الطروحات ، أو لاعتقادهم بعجزه عن ذلك أو لتخيلهم عدم صدقه في ~~دعواه النبوة ، كونها متلازمة في زعمهم مع المعجزة الكونية ms3039 الظاهرة ، وهذا هو PageV13P022 # المراد من الآية وهي المعجزة. ( @QUR@03 إنما أنت منذر )، تنذر الناس ~~عقاب الله إذا كفروا أو عصوا ، ولست معنيا بتغيير الظاهرة الكونية في هذا ~~الموقع أو ذاك ، لأن ذلك ليس شأن الأنبياء أو مهمتهم ، إلا في الحالات ~~الصعبة التي يفرضها التحدي أو تقتضيها مصلحة الرسالة ، لأن المعجزة ليست ~~أسلوبا يراد منه إخضاع الناس للفكرة ، بل هي وسيلة من وسائل توضيح الصورة ~~في بعض المواقف ، وإزالة الإشكالات في بعضها الآخر ، والله يريد للإنسان أن ~~يحصل على القناعة من موقع الفكر والتأمل والحوار ، في ما يقدمه النبي في ~~رسالته ، من أفكار وأساليب تدعم صدق الرسالة ، وتؤكد مضمونها لدى الناس ، ~~في خط الهداية الذي يوصلهم إلى الإيمان والطاعة ويقربهم من الله ، وينظم ~~أمورهم على أساس الهداية. ( @QUR@03 ولكل قوم هاد ) يقيم عليهم الحجة في ما ~~كانوا يجهلونه ، فيعرفونهم كل تفاصيله ويدفعهم إلى الالتزام العملي بما ~~يعرفونه ، ويوجههم إلى وسائل ذاك الالتزام. وبذلك يتحرك خط الهداية في حركة ~~الأنبياء والأوصياء والأولياء والعلماء ، التي يريد الله لها أن تحتوي ~~الساحة كلها ، فلا تترك موقعا بعيدا عن نشاطها. # وقد نستوحي من ذلك كيف ينبغي للدعاة إلى الله العاملين في سبيله ، أن ~~يؤكدوا على هذه الشمولية في عمل الدعوة في خط الهداية ، ليملئوا المواقع ~~كلها بالمبلغين والوعاظ والمرشدين الذين يبلغون رسالات الله ، ويرشدون ~~الضالين ، لدخول كل القلوب وفتح كل الأبواب للحق. # * * * PageV13P023 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل ~~شيء عنده بمقدار (8) @QUR@05 عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) ~~@QUR@014 سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب ~~بالنهار (10) @QUR@035 له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ~~إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا ~~فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تغيض ): الغيض : ذهاب المائع في اتجاه العمق ، ويستعمل الغيض ~~في النقصان ، وهو المراد هنا. # ( @QUR@01 المتعال ): المستعلي على كل شيء ( @QUR@01 وسارب ): السارب : ~~الجاري بسرعة. ms3040 PageV13P024 # ( @QUR@01 معقبات ): حفظة يعقبون الإنسان في مسيره إلى الله. # * * * ### ||| ** صفات الله من خلال عظمة الخلق والامتداده # كيف يتصور الإنسان الله ، وكيف يحاول الوصول إلى أجواء المعرفة وحدودها؟ ~~هل يستغرق في ذات الله ليتعرف حقيقته وكنهه؟ أو ينصرف إلى صفاته التي تتجلى ~~في طبيعة الألوهية ومفهومها وفي عظمة الخلق وامتداده؟ # إن القرآن يدفعنا إلى النهج الثاني ، لأن الاستغراق في ذات الله لا يؤدي ~~إلى أية نتيجة في حساب المعرفة ، لأنه سبحانه لا يخضع في وجوده للحس ليعرفه ~~الناظرون واللامسون ، بل هو فوق الحس كله ، يحيط بالأشياء ولا يحيط به شيء ~~فلا مجال لتحديد حقيقته ، لأنها لا حدود لها ، ولا مجال لمعرفتها لأنه لا ~~سبيل إليها. فلا بد من أن نعرف الله في آثار خلقه ، ومظاهر عظمته ، ومواقع ~~نعمته ، وهذا ما أرادت هذه الآيات أن تثيره في وعي الإنسان ووجدانه من تصور ~~للألوهية في اعتقاد الإنسان بالله. # ( @QUR@06 الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) فهو الذي أبدع سر الخلق في وجود ~~الإنسان في أحشاء أمه ، ومن البديهي أن يحيط علما بكل شيء يتصل بمن خلق ، ~~فهو اللطيف الخبير. # ( @QUR@05 وما تغيض الأرحام وما تزداد ) لعل المراد بما تغيض الأرحام : ~~ما تنقصه فلا يعود شيئا ، وهو السقط الذي يقل حمله عن ستة أشهر ، فيسقط قبل ~~أن يكتمل نموه ، والمقصود ب «ما تزداد» : ما يولد لأكثر من تسعة أشهر ، ~~ويرى صاحب الميزان : أن الأنسب للمعنى اللغوي الذي ذكره الراغب في المفردات ~~، من أن كلمة ( @QUR@02 تغيض الأرحام ) أي تفسده الأرحام ، فتجعله كالماء PageV13P025 # الذي تبتلعه الأرض أن يكون المراد به دم الحيض الذي ينصب فيها فتصرفه ~~الرحم في غذاء الجنين ، وما تزداد هو الدم الذي تدفعه إلى خارج كدم النفاس ~~والدم أو الحمرة التي تراها في أيام الحمل أحيانا (1). # وقد يستظهر القارئ ، من خلال الجو السياقي للآية ، أن التعبير وارد على ~~سبيل الكناية في طبيعة أوضاع الحمل في رحم الأنثى ، مما قد يسقط ، فلا يبقى ~~له أثر في الرحم ، كالماء الذي لا يبقى له أثر في الأرض ، فينقص لأنه ms3041 لم ~~يضف إلى الوجود شيئا ، أو أنه وجد ، ثم زال. أما ما يزداد فهو الذي يستقر ~~ويبقى أو يتكاثر ، فليس الحديث عن شيء آخر تحمله الأنثى بل هو تفصيل له ~~والله العالم. # ( @QUR@04 وكل شيء عنده بمقدار ) حيث تضع الحكمة الإلهية للأشياء حدودا ~~على مستوى الكم والنوع والشكل والجو الذي يحيط بها ، تبعا لحاجات النظام ~~الكوني إلى بلوغ غايته في حركة الحياة ، فلا مجال للعبث أو للفوضى أن تبعد ~~الأشياء عن الخضوع لقاعدة تحكمها ، أو لقانون يسيطر عليها. فقد جعل الله ~~للكون قوانينه ونظمه التي تحدد للأشياء مسارها ، وللإنسان نظامه ، وهذا ما ~~جعل العلماء ، في كل دراستهم للظواهر الكونية ، ينطلقون من قاعدة مسلمة وهي ~~: أن لكل واحدة منها سرا خفيا ، ونظاما متقنا ، قد لا يدركه الباحث في ~~البداية لغموضه ، ولكنه يصل إليه ، من قريب أو من بعيد ، عند ما يتحرك نحوه ~~من موقع البحث والتحليل والتأمل. # ( @QUR@02 عالم الغيب ) الذي لا يدركه الحس ، في الحاضر والمستقبل ، ( ~~@QUR@01 والشهادة ) الذي يمثل الحضور الحسي للأشياء التي لا يمتنع فيها ~~الإدراك البسيط بأدوات الإحساس ، ( @QUR@01 الكبير ) الذي يصغر كل مخلوق ~~أمام حجم عظمته ، ويتصاغر كل عظيم عنده ، ( @QUR@01 المتعال ) الذي لا يبلغ ~~أحد علو شأنه PageV13P026 # ورفعة قدره ، فهو المتعالي على كل شيء من حقيقة موقع العلو الذاتي في ~~وجوده. وهذا ما يجعلنا نقف أمام جلاله العظيم ، في خشوع العبد أمام سيده ، ~~والمخلوق أمام خالقه ، لنشعر بأنه يحيط بكل شيء ، لدينا وفينا ومعنا وحولنا ~~من كل ما خفي وما ظهر ، فلا يغيب عن علمه شيء ، ولا يقترب من علوه وعظمته ~~شيء ، ( @QUR@08 سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ) لأن الإنسان هو الذي ~~يختلف عنده حال الجهر وحال السر من خلال ارتباط وعيه للمسموعات بأدوات ~~السمع عنده. أما الله الذي أحاط بسر الإنسان ، حتى عند ما يكون قوله فكرة ~~في الذهن ، فإن الجهر والسر يتساويان في موقع علمه ، ( @QUR@04 ومن هو ~~مستخف بالليل ) يستتر بظلامه فلا يراه أحد ( @QUR@02 وسارب بالنهار ) بما ~~يظهره نور النهار في ملامحه ومظاهر حركته ، لأن الظلام ms3042 قد يحجب عن الإنسان ~~معرفة ما في داخله ، ولكنه لا يحجب عن الله ذلك ، لأنه مطلع عليه بحضوره ~~عنده ، لأن الأشياء كلها حاضرة لديه في كل مواقع علمه. # ( @QUR@07 له معقبات من بين يديه ومن خلفه ) وتدخل الآية ضمن حديث الله ~~عن تدبيره لحياة الإنسان عبر قواعد وضوابط وقوانين تحكمها في ثلاث نقاط : # 1 إن الله قد جعل للإنسان في حياته عوامل وعناصر تحيط به من كل جوانبه ~~وتتعاقب على مدار الساعة بحيث يتبع بعضها بعضا بشكل متواصل ، وهذا ما عبر ~~عنه بالمعقبات التي تتناوب في حياته ، فلا تتركه وحده ، ( @QUR@04 يحفظونه ~~من أمر الله ) بما يمثله ذلك الأمر من أوضاع وأخطار تجرها إليه سنن الله ~~المودعة في الكون ، مما قد يهدم حياته ، ويهزم استقراره ، إذا واجهها وحده ~~، دون ما وفره الله لصونه من عناصر الحماية والدفاع في نفسه وجسده ، بحيث ~~لا يشعر الإنسان بالقلق والضياع أمام الكون الكبير المملوء بالأخطار ~~والمهالك ، بل يشعر بالثقة الكبيرة ، لما ركبه الله في داخله من أجهزة ، ~~وهيأ له من أسباب ، وما أحاطه به من عناية ورعاية. فحسبه أنه يتحرك في ~~أجواء الحفظ الشامل من قبل الله. PageV13P027 # 2 ( @QUR@010 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ): وهي ~~النقطة الثانية في تدبير الله لأمر الإنسان ، فهو لم يخض الإنسان للقوانين ~~الحتمية التي تتحكم به وتصوغه بطريقة جامدة ثابتة لا يملك معها لنفسه أية ~~فرصة للتغيير وللتبديل ، بل خلقه خلقا حيويا يتحرك بفعل الإرادة المتحركة ~~التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف ، مما يجعل مصيره محكوما لإرادته ، فهو ~~الذي يصنع تاريخه بقراره الإرادي الحر ، وهو الذي يملك تغيير واقعه بتغيير ~~الأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تحكمه وتحرك حياته ، فقد أراد الله ~~للإنسان أن يملك حريته ، ويتحمل مسئولية نفسه من موقع هذه الحرية ، كما ~~أراد أن يدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في ~~الداخل ، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به ، بقدر علاقتها به ، ~~وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف ، وليست ms3043 الظروف هي ~~التي تصنعه. # وعلى ضوء ذلك ، نستطيع اعتبار العامل الأساس في التغيير هو الإنسان بما ~~يحمله من مفاهيم وأفكار حول الحياة الدائرة حوله ، ذلك أن المشاريع ~~المتنوعة التي تحكم الواقع ، تبدأ كفكرة ثم تتحول إلى مشروع ، وهذا ما يؤكد ~~تكريم الله للإنسان في إرجاع أمره إلى نفسه ، فهو الذي يغير واقعه بتغيير ~~نفسه ، وهو الذي يغير نفسه بعمق إرادته وامتداد أفقه. # 3 ( @QUR@08 وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ): فهو صاحب الكلمة ~~الأولى والأخيرة في مستقبل الإنسان ، في حياته وموته ، في قوته وضعفه ، وفي ~~صحته ومرضه ، وهكذا يملك الله إيقاع السوء بالإنسان ، كما يملك دفعه عنه ، ~~ولا يملك أحد له شيئا إذا أراد الله به شيئا ( @QUR@06 وما لهم من دونه من ~~وال ) يلي أمرهم ويدفع عنهم ذلك كله. وهذا ما يؤكد للإنسان ارتباطه بربه ~~بالمستوي الذي ينقطع بذاك الارتباط عن غيره ، طلبا لحماية نفسه من أي شر ، ~~الأمر الذي PageV13P028 # يدفعه للابتعاد عن إقامة أي علاقة مع الآخرين بغرض تأمين الحماية لذاته ، ~~فالله هو الذي يجب أن يفكر به من هذه الناحية ، بالإضافة إلى النواحي ~~الأخرى التي تفرض على الإنسان أن يعبد الله من موقع حقيقة الألوهية فيه ، ~~والعبودية في الإنسان. # * * * PageV13P029 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ~~@QUR@019 ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) @QUR@027 له دعوة الحق ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ ~~فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) @QUR@011 ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 السحاب الثقال ): السحاب المثقلة بالماء. # ( @QUR@01 المحال ): الكيد ، والمكر الحق ، وشديد المحال شديد القدرة ~~والعذاب ، وقيل شديد القوة والعذاب. # ( @QUR@01 بالغدو ): جمع غدوة ، والغدوات جمع غداة ، وهي الصباح. # ( @QUR@01 والآصال ): جمع أصيل وهو المساء ما بين العصر والمغرب. PageV13P030 ### ||| ** ارتباط الظواهر الكونية بالله # وتتتابع صفات الله ... ليصل الحديث إلى الأفق الواسع الذي يحتوي ms3044 الحياة ~~كلها ، فإذا بالظواهر الكونية لا تتحرك من مواقعها المحددة ، بل تتحول إلى ~~هاجس داخلي ينتظر فيها الإنسان رحمة الله ، أو يخاف عذابه. فيرتبط بخالقه ~~ارتباط الحياة به حيث يجد الأمن والملاذ والأمل والطمأنينة ، وتلتقي ~~العقيدة بالحياة من أقرب طريق ، ويتصل الإيمان بحركة الكون على أفضل وجه. # ( @QUR@04 هو الذي يريكم البرق ) الذي يلمع في الأفق فيأخذ بالبصر ويخطفه ~~، ( @QUR@01 خوفا ) بما ينذر به من صواعق قد يصيب بها من يشاء فتحرقه وتدمر ~~ما حوله ، ( @QUR@01 وطمعا ) بما يبشر به من مطر يبعث الخصب في الأرض ويملأ ~~الينابيع ويدفع بالحياة إلى موسم أخضر جديد ، ( @QUR@03 وينشئ السحاب ~~الثقال ) المثقلة بالماء وذلك من خلال المؤثرات الكونية التي توجد المطر ~~وتدفعه إلى الأرض ، ( @QUR@03 ويسبح الرعد بحمده ) والتسبيح تعبير عن ~~الإحساس بالعظمة وتنزيهه عن كل نقص. وبذلك أمكن لكل شيء أن يسبح بحمده ~~بمختلف الوسائل ، سواء كان بالكلمة ، أو بالصورة ، أو بمظهر العظمة ، أو ~~بروعة الإبداع ، أو بسر المعنى الكبير الكامن فيه. إنه الفرق بين الكلمة ~~التي تسبح بمدلولها ومعناها ، وبين الوجود الذي يسبح بحضور الحقيقة فيه. ~~وهكذا يجد الإنسان في كل شيء تجسيدا لتسبيح الله ، والثناء عليه ، بما يدل ~~عليه من معاني العظمة والتنزيه له. # ( @QUR@03 والملائكة من خيفته ) بما يتمثلونه من خشية لله وإحساس بعظمته ، PageV13P031 # فيسبحونه إعلانا للطاعة ، وابتعادا عن المعصية ورغبة في ثوابه ، وخوفا من ~~عقابه. إنه الخوف الذي يحرك الإحساس بالمسؤولية في وعي المخلوق ، انطلاقا ~~من الإحساس الواعي بالعظمة ، وليس الخوف الذي يستحق الذات ويسقط إحساسها ~~بالحياة ، ( @QUR@06 ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) ويصرفها عمن يشاء ، ~~وهذا المعنى يوحي به جو الآية ، ولعل الاقتصار على فقرة التخويف بإرسال ~~الصواعق ، سببه أن السياق هو سياق التخويف والترهيب. # ( @QUR@04 وهم يجادلون في الله ) بين من يشك فيه وبين من يشرك به ، من ~~دون حجة يستندون إليها ، ولا برهان يعتمدون عليه. وبذلك يخبطون خبط عشواء ~~في جدالهم ، منطلقين من استبعادات لا أساس لها ، أو موروثات لا حجة عليها. ~~ولو انفتحوا على آيات الله في الكون ، وتأملوا في مظاهر ms3045 عظمته ومواقع نعمته ~~، لما جادلوا بالباطل ، بل لكانوا انطلقوا في طريق أحق بكل قوة وانفتاح ، ~~ولأدركوا كيف ينبغي لهم أن يخافوا الله ويحذروا عقابه ، فلا يستهينوا ~~بتوحيده. ( @QUR@03 وهو شديد المحال ) أي شديد القوة والقدرة ، فلا يعجزه ~~هؤلاء الذين يجحدونه أو ينكرون توحيده ، أو يتمردون عليه ، فسيأخذهم ~~بالعذاب أخذ عزيز مقتدر. # ( @QUR@03 له دعوة الحق ) بما يوحيه إلى رسله من فكر يلتزم به الناس ، ~~وعمل يقومون به ، ومنهج يتبعونه ، ومفاهيم يحملونها ، وشريعة يسيرون عليها ~~على أساس الحق ، دون أن يترك أية ثغرة تحدث فراغا في أفكارهم ومشاعرهم ~~وخطواتهم العملية في الحياة. وهكذا تكون الاستجابة لله استجابة للحق في كل ~~شيء ، وانطلاقة في الصراط المستقيم الذي لا يقترب إليه الانحراف ، لأن ~~الباطل إنما يكون نتيجة فقدان الوضوح في الرؤية ، أو نتيجة عقدة ضعف تحركها ~~حالة رغبة أو رهبة تستغل الباطل في الوصول والهروب. # * * * PageV13P032 ### ||| ** الخضوع لعظمة الله # والله هو القادر على كل شيء والغني عن كل أحد ، والمتعالي على كل ذلك ، ~~والمحيط بكل شيء حي علمه. من هنا تلتقي دعوة الحق التي يحملها الأنبياء ~~بالتوحيد المطلق لله الذي يجعله الرب والملاذ والمرجع في كل شيء ، في الفكر ~~والعاطفة والحياة وفي الشريعة والمنهج والطريق ، فلا إله إلا هو ، ولا فكر ~~إلا وحيه ، ولا شريعة إلا شريعته ، ولا حياة إلا الحياة التي تنطلق من هداه ~~وتلتقي برضاه. ( @QUR@04 والذين يدعون من دونه ) ويعبدون غيره ، مما سولت ~~لهم أنفسهم اعتبارهم شركاء لله لضعف يعتري أنفسهم ويسحقهم أمام مظاهر القوة ~~التي يملكها أولئك الشركاء الوهميون. إنه الباطل الذي لا ينطلق من أساس ~~ثابت ، ولا يحقق لدعاته أو للسائرين معه أية حماية أو رعاية ، فهؤلاء ~~الرموز من الشركاء ( @QUR@04 لا يستجيبون لهم بشيء ) في أي مطلب يتقدمون به ~~، فليس مثلهم في ذلك ( @QUR@07 إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ) دون ~~أن يرفعهما إلى فمه ، ( @QUR@03 وما هو ببالغه ) نتيجة المسافة بين موقع ~~الماء وموقع فمه ، فلا يكون لهم من الطلب إلا صورته فقط دون أية نتيجة ~~إيجابية ، تماما كما هو حال صاحب ms3046 المثل الذي يطلب الري بعيدا عن أسبابه ~~الطبيعية. ( @QUR@03 وما دعاء الكافرين ) في التزامهم بعبادة هؤلاء الشركاء ~~( @QUR@03 إلا في ضلال )، لأنه لا يتلقي بالجانب المشرق الذي يهتدي به ~~الناس إلى سواء السبيل. # * * * ### ||| ** ولله يسجد ما في السموات والأرض طوعا وكرها # ( @QUR@06 ولله يسجد من في السماوات والأرض ) بما يمثله السجود من الخضوع المطلق PageV13P033 # لله على مستوى المظهر في تعفير الجبهة في الأرض ، أو في الانقياد الإرادي ~~لأوامر الله ونواهيه ، أو في استجابة الموجودات للنظام الكوني الذي يحكمها ~~في الأرض أو في السماء. إنه السجود الذي ينطلق من مبدأ الخضوع ، ولكنه ~~يتنوع في مظاهره وأشكاله. ( @QUR@02 طوعا وكرها ) لدى المخلوقات التي تملك ~~إرادة تتحرك من خلالها في الحياة ، أو لدى الموجودات التي لا تملك الحس ~~والعقل والإرادة ، فتسير طبقا للسنن الكونية التي أودعها الله فيها بحكمته ~~، ( @QUR@03 وظلالهم بالغدو والآصال ) الظاهر أن المراد منها ظلال الأشياء ~~التي تسجد لله ، في طريقة وقوعها على الأرض ، تماما كما هو الساجد الذي يخر ~~بسجوده إلى الأرض ، وذلك كناية عن شمول السجود لكل الأشياء ، حتى للظلال ~~التي هي خيالات الأجسام. وقد خص تعالى الغدو والآصال بالذكر ، لأن الظل ~~يمتد ويطول في هذين الوقتين دون وقت الظهيرة ، والله العالم. # * * * PageV13P034 ### ||| * الآية # ( @QUR@045 قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار ) (16) # * * * ### ||| ** قل الله خالق كل شيء # وينطلق الأسلوب القرآني في إثارة الحوار مع المشركين حول مسألة التوحيد ~~والشرك ، ليدفعهم من خلال ما يقدمه إليهم من براهين ، إلى التفكير ~~والمواجهة الواقع بما يصلون إليه من نتائج حاسمة على مستوى العقيدة ، ( ~~@QUR@05 قل من رب السماوات والأرض ) الذي خلقها وأوجدها ، وحرك ما فيها من ~~ظواهر وموجودات؟ ( @QUR@02 قل الله ) ولا تنتظر منهم جوابا ، لأن الموضوع ~~ليس محل خلاف لديهم ، فالشرك المتمثل في عبادتهم للأوثان ، لا يمنعهم من ~~الاعتراف بالله الذي ms3047 هو مصدر خلق الكون ، إلا أن هؤلاء الشركاء كما يوحي ~~القرآن يعتقدون أنهم يملكون الحظوة عند الله ، كما لو كانوا آلهة صغارا ~~يتصلون بالإله PageV13P035 # الكبير ، ( @QUR@05 قل أفاتخذتم من دونه أولياء ) تعبدونهم وتستنصرونهم ، ~~وترجعون إليهم ، وتدعونهم من دون الله. وليس الاستفهام واردا هنا لطلب ~~المعرفة ، بل للإنكار ، لأن الذي يرتبط بإله غير الله ، لا بد من أن يبحث ~~فيه عن بعض ملامح الألوهية وصفاتها ، بما تمثله من شمولية القدرة وامتدادها ~~وعظمتها ، فكيف يمكن أن يكون هؤلاء كذلك وهم ( @QUR@06 لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا )، وهذا أمر تكشفه التجربة الحية لطبيعة قدرتهم المحدودة ، ~~حيث يتبدى عجزهم أمام أية حالة اعتداء عليهم ، أو أية حالة ضعف تعرض لهم ، ~~فهم خاضعون في جانب جلب النفع أو دفع الضر للعوامل المحيطة بهم ، المرتبطة ~~بقدرة الله الكونية في علاقة المسببات بالأسباب. # إنها الظاهرة التي تدعو إلى التأمل وعدم إعطاء الأشياء حجما أكبر منها ، ~~بجعلها ترتفع إلى موقع لا تستحقه عبر التفكير الواعي بنقاط الضعف الكامنة ~~في طبيعة الأشياء ، وعدم الاستغراق في نقاط القوة. ( @QUR@04 هل يستوي ~~الأعمى والبصير ) أي الكافر الذي يشبه الأعمى ، لأنه لا يحاول معرفة الأمور ~~من مواقع الإشراق التي تكشف حقيقتها ، ذلك أن حالة العناد والتمرد قائمة من ~~الجهل الذي يجعله يهمل البراهين التي تقدم له ولا يفكر فيها وتكون نظرته ~~إلى الأمور سطحية ومن وراء ضباب كثيف. أما المؤمن ، فينطلق من موقع النظرة ~~العميقة المنفتحة في نطاق الحجة الواضحة ، والبرهان المشرق والرؤية البعيدة ~~، فهو مشرق في فكره وفي قلبه ، وفي انطلاقته في خط الإيمان. إنه الفرق بين ~~الأعمى في قلبه ، وبين البصير في عقله ، تماما كالفرق بين الأعمى والبصير ~~في عينيه ، هل يستويان : ( @QUR@05 أم هل تستوي الظلمات والنور ) بما تمثله ~~أجواء الكفر من ظلمات بعضها فوق بعض ، وبما تمثله أجواء الإيمان من نور فوق ~~نور ، هل يستويان مثلا في النتائج التي يحصل عليها الإنسان السائر في هذه ~~الأجواء أو تلك ، على مستوى التفكير ، وتقييم الأمور ، وطبيعة النظرة إليها ~~والمصير؟ # ( @QUR@09 أم جعلوا لله شركاء ms3048 خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم )، لأن ~~الشرك الواقعي PageV13P036 # ينطلق من دراسة شيئين ومقارنتهما على مستوى الطبيعة والصفات ، فإن تشابها ~~أو تقاربا أمكن وضعهما في مستوى وموقع واحد ، فإذا كان أحدهما من موقع ~~الألوهية لقدرة أو صفة محددة يملكها ، فمن الطبيعي أن نضع الآخر في هذا ~~الموقع ، على أساس التساوي أو التشابه ، ولكن ذلك لا مجال له عند المقارنة ~~بين قدرة الله وقدرة من اتخذهم المشركون شركاء ، فإن الله هو الذي خلق ~~الكون كله وباعترافهم ، ولم يخلق هؤلاء شيئا منه ، ( @QUR@05 قل الله خالق ~~كل شيء ) فكيف يساويه غيره من العباد الذين لم يخلقوا شيئا وهم يخلقون ، ( ~~@QUR@02 وهو الواحد ) في ربوبيته وفي قدرته المطلقة التي لا يحدها شيء ، ~~وفي كل صفاته الحسنى ( @QUR@01 القهار ) في جبروته وعظمته ، فلا يقترب منه ~~أحد ، ولا يساويه شيء ، فله الملك وله الحمد والمجد والكبرياء ، تعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. # * * * PageV13P037 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@042 أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) @QUR@027 للذين استجابوا لربهم الحسنى ~~والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ~~أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زبدا ): ما يعلوا الماء من الرغوة ويسمى غثاء. # ( @QUR@01 رابيا ): عاليا. # ( @QUR@01 جفاء ): الجفاء : الباطل. # ( @QUR@01 المهاد ): الفراش. # * * * PageV13P038 ### ||| ** كذلك يضرب الله أمثال الحق والباطل # للمثل في القرآن قيمة كبري في تجسيد المفاهيم العامة السلبية منها ~~والإيجابية ، لأنه يعطي المفهوم صورته الواقعية في حركة الحياة ، حيث يمكن ~~للإنسان أن يعيش معناه في الواقع ، بدلا من أن يعيشه في الخيال المجرد. وقد ~~صور الله الكافر أعمى ، والمؤمن بصيرا ، ليتجسد للإنسان إشراق الفكر في ~~إشراقه البصر ، كما تتجسد ظلمة الكفر في ظلمة البصر ، ولكي تمتد الصورة في ~~المقارنة بين الكفر والإيمان ، تماما كما هي المقارنة بين الظلمة والنور. ~~أما هذه الآية ms3049 ، فإنها تقارن بين الحق والباطل في صورة أخرى. # ( @QUR@04 أنزل من السماء ماء ) ينهمر من السحاب المثقل بالماء ، ( ~~@QUR@03 فسالت أودية بقدرها ) فامتلأت مساحات الأودية بالماء في العمق ~~والامتداد ، ( @QUR@04 فاحتمل السيل زبدا رابيا ) وهو ما يعلو الماء من ~~الرغوة ويسمى غثاء. ومن خصائص هذا الزبد أنه يتبخر في الهواء ويضمحل تماما ~~، ( @QUR@011 ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) ~~... وهناك زبد آخر ، يعلو المعادن من الذهب والفضة والنحاس التي تصهر في ~~النار من أجل صنع الحلي أو الآلات الخاصة ، فيبقى المعدن في صلابته ، ~~ويتبخر الزبد ويضمحل تماما. وتلك هي صورة واقع الوجود المادي للأشياء ، ~~لجهة ما يبقى منه وما يضمحل ، وما يثبت وما يزول. ( @QUR@05 كذلك يضرب الله ~~الحق والباطل )، بما يمثله الحق من صلابة وثبات في عمق صدور الفكرة ، وبما ~~يمثله الباطل من خيال يطفو على السطح ، ويتوهج لبعض الوقت ، ثم يشحب رويدا ~~رويدا حتى يتلاشى تماما ، لأنه لا يملك أي أساس في العمق. وتلك هي الفكرة ~~التي نستوحيها من المثل الواقعي ( @QUR@04 فأما الزبد فيذهب جفاء ) باطلا ~~لا ثبات له ولا امتداد ، عند ما يتبخر ويضمحل تدريجا ، ( @QUR@04 وأما ما ~~ينفع الناس ) من الماء الذي يملك جوهر الخصب والري ، ومن المعدن الذي يملك PageV13P039 # جوهر الصلابة والثبات ، ( @QUR@03 فيمكث في الأرض ) تبعا للعمق الذي ~~يتمثل فيه الخير والحياة ، ( @QUR@04 كذلك يضرب الله الأمثال ) ليفهم ~~الإنسان الصورة في الفكر من خلال الصورة في الواقع ، وهذا هو الأسلوب ~~التربوي القرآني الذي يعتبر الواقع أساسا للمعرفة ، حيث يكمن التقاء الحس ~~بالتصور المجرد ، فيخلق التوازن في وعي الإنسان للفكرة. # وهكذا يستطيع الإنسان أن ينفذ إلى آفاق المعرفة المختلفة في أنواعها ، ~~التي منها المعرفة التجريدية التي تمثل ترفا فكريا لا فائدة منه في حركة ~~الحياة ، سواء على مستوى العقيدة أو العمل ، وهو جهد قد يحرك الفكر في ~~معادلاته ، ولكنه لا يحقق له أي غنى في العمق وفي الامتداد ، بل يتبخر ~~تماما كما يتبخر الزبد الطافي على وجه الماء أو المعدن. # ومنها المعرفة الواقعية التي تمثل تلبية لحاجة فكرية ms3050 على مستوى إغناء ~~العقيدة وتأسيس القاعدة الفكرية التي ينطلق منها الإنسان في حياته العامة ~~والخاصة ، وتدفعه إلى إغناء تجربته العملية من خلال وعي أسرار الحياة ~~والظواهر الكونية والإنسانية ، والموجودات المتنوعة من حوله ، والاستفادة ~~منها في تطوير وتنظيم أوضاعه الحياتية والاجتماعية والثقافية والحضارية. # إنه الفرق بين المعرفة التي لا يثبت منها شيء ينفع الناس ، وبين المعرفة ~~التي تنفع الحاضر والمستقبل. فلا بد للإنسان من أن يحسن الاختيار ، فلا ~~يختار إلا ما ينفع ويمكث في قضايا الحياة والمصير ، ويتخفف من الثقافة ~~النظرية التي لا تلبي أي حاجة إنسانية على مستوى الفكر والعمل ، كما حصل في ~~عصور التخلف ، التي أغرقت الفكر الإنساني بالكثير من المعادلات الافتراضية ~~والحذلقات اللفظية ، والألغاز والمعميات وغيرها مما لا يسمن ولا يغني من جوع. # ( @QUR@04 للذين استجابوا لربهم الحسنى )، هؤلاء الذين أقبلوا على دعوة ~~الحق في PageV13P040 # رسالات الله التي جاء بها الأنبياء ، فآمنوا بها وعملوا على أساسها ~~وساروا على منهجها ، لهم الأجر والثواب ، والمنفعة على مستوى الدنيا ~~والآخرة ، بما تمثله دعوة الله من حق ينفع الناس ، ويمكث في الأرض على كل صعيد. # ( @QUR@04 والذين لم يستجيبوا له ) وابتعدوا عنه وأقبلوا على الشيطان في ~~أوهامه وخيالاته ، ( @QUR@011 لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به ) أنفسهم مما يواجهونه من العذاب الأليم. ( @QUR@04 أولئك لهم ~~سوء الحساب ) نظرا لسوء أعمالهم ، ( @QUR@04 ومأواهم جهنم وبئس المهاد ) ~~الفراش الذي يفترشونه ، من نار تحرق أجسادهم بلهيبها وعذابها. # وتلك هي صورة المصير التي يريدنا الله أن نتمثلها لنختار صورتنا يوم ~~القيامة ، من خلال ما نختاره من موقف ومن خط عملي نسير عليه في الدنيا. # * * * PageV13P041 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب (19) @QUR@07 الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) ~~@QUR@013 والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب (21) @QUR@019 والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا ~~مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) ~~@QUR@015 جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ms3051 وذرياتهم والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب (23) @QUR@07 سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~(24) @QUR@023 والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويدرؤن ): يدفعون. # ( @QUR@01 عقبى ): من العاقبة وهي النهاية التي تؤدي إليها البداية إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر. PageV13P042 # ( @QUR@01 عدن ): الإقامة. # * * * ### ||| ** صفة المؤمن وصفة المنافق # ما هي صفة المؤمن بالله ، وكيف يتعامل مع الناس والحياة ، وكيف يقيم ~~علاقاته العامة والخاصة؟ هل يخضع للعبة الشيطانية التي تفسد الكون من حولها ~~أو يتمرد عليها ليصلح الساحة من حوله؟ وما هي مسئوليته أمام الله ومع ~~الناس؟ هل هو سلبي أو إيجابي؟ وما هي صفة الكافر أو المنافق في مقابل ذلك؟ # تحدد هذه الآيات الملامح البارزة للمؤمن وغيره ، من موقع العقل الذي ~~يحركه بإيجابية ووعي ، بينما لا يملك الآخرون أن يحركوه في الاتجاه السليم. # * * * ### ||| ** من يعلم ليس كالأعمى # ( @QUR@08 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق )، لانفتاح قلبه على ~~النيات والدلائل الواضحة وتحريك فكره ، للحصول على قناعة ثابتة من موقع ~~وضوح الرؤية للأشياء بمستوى الإيمان ، بأن النبي لا ينطق عن الهوى ، إن هو ~~إلا وحي يوحى ، بما يمثله الوحي من منطق الحق القادم من رحاب الله. هل يمكن ~~أن يكون هذا ( @QUR@03 كمن هو أعمى ) لا يبصر النور الذي يتفايض على الكون ~~من حوله ليملأه إشراقا وانفتاحا على حقائق الحياة؟ ومن ثم ، فإنه لا يستطيع ~~إدراك القضايا المعقدة التي لا تحتاج إلى إشراق المعرفة ووضوح الرؤية ، ولا ~~يتمكن من أن يفتح صفحة حياته ليتذكر فتنفعه الذكرى ، في تنظيم حياته على ~~منهج سليم؟ # * * * PageV13P043 ### ||| ** صفات أولي الألباب # ( @QUR@04 إنما يتذكر أولوا الألباب ) أي ذوو العقول الذين يعون مسئولية ~~أعمالهم ، ويتحملون نتائجها بكل وعي وصبر ، ويرتفعون إلى مستوى المسؤولية ~~الكبيرة بقوة وانفتاح ، ولا يتجمدون أمام المشاكل الكثيرة التي تصادفهم في ~~الطريق ، فيسقطون عندها ، ويتراجعون عن أهدافهم الكبيرة. # هكذا نفهم دور العقل في حركة الشخصية المتوازنة في الإسلام ، وهكذا نقدر ~~قيمته في إثارة ms3052 التأمل في حقائق الحياة ، وفي استعادة التجربة الماضية ~~واستفادة العبرة للمستقبل منها ، وليتفهم الإنسان من خلال التعمق في فهم ~~القضايا ، كيف يمكن أن يخطط لحياته على أساس واضح وسليم ، ونستوحي من ذلك ~~كيف يريد الإسلام للعقل أن يرتبط بالواقع ، ولا يغرق في خيالات التجريد ، ~~لأن هدف الفكر هو خدمة الحياة في حركة الواقع ، لا خدمة التنظير في رحاب ~~الخيال. # ( @QUR@04 الذين يوفون بعهد الله ) ويلتزمون بما عاهدوا الله عليه من ~~الإيمان به وبرسله وبكتبه وبشريعته ، وبما عاهدوا عليه الناس أمام الله أو ~~من خلال شريعته ، من التزامات عقدية أو شخصية أو جماعية ، أو من مواثيق ~~أخلاقية في نطاق السلوك الاجتماعي العام ، ( @QUR@03 ولا ينقضون الميثاق ) ~~لأن المسألة عندهم ترتبط بالقاعدة الأخلاقية للشخصية المتوازنة في خط ~~السلوك العملي الذي يحكم كل حياتها. # ( @QUR@08 والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) من العلاقات الإنسانية ~~على مستوى الأرحام والجيران والمؤمنين ، والمستضعفين الذين يحتاجون إلى ~~الرعاية. أما كيفية الصلة ، فلا يمكن تحديدها في أسلوب أو وسيلة ، بل تشمل كل PageV13P044 # الإمكانات التي تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضرر ، وتسهل لهم سبل الحياة ~~، وترفع مستواهم في كل جوانب المعرفة والعمل. وعلى ضوء ذلك ، نستوحي أن ~~المؤمنين لا يعيشون اللامبالاة والعزلة عن الناس من حولهم ، بل يلتصقون ~~بالمجتمع من موقع المسؤولية التي فرضها الله على الناس في التواصل والتبادل ~~والتراحم والتعاطف ، الذي يجعل الحياة وحدة روحية وعملية على طريق الله. # ( @QUR@05 ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب )، فيدفعهم خوفهم من الله إلى ~~الالتزام بأوامره ونواهيه ، ومراقبته في كل شيء في السر والعلانية ، ~~ويقودهم خوفهم من الحساب الدقيق الذي يلاحق كل أعمالهم السيئة بالتدقيق ~~والمحاسبة ، إلى الانضباط في خط السير ، فلا ينحرفون تحت تأثير شهوة ، ولا ~~يسقطون تحت رحمة نزوة ، بل يتوازنون في موقفهم الإيماني أمام المسؤولية. # ( @QUR@05 والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم )، بما يمثله الصبر من التزام ~~عملي بما يحبه الله ويرضاه على الرغم من النتائج السلبية لذاك الالتزام ، ~~وما يجري عليهم من الآلام خسائر مادية ومعنوية نتيجة الحرمان على أكثر من ms3053 ~~صعيد. وهؤلاء الصابرون لا ينطلقون في موقفهم الصامد من حالة ذاتية ، بل من ~~التقرب إلى الله في معاناتهم وتحمل الآلام والتضحيات. وبذلك يتعمق الصبر في ~~نفوسهم كحالة نفسية جهادية عميقة ، في عمق الارتباط بالله والإيمان به. # ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) التي تفتح قلوبهم لله ، وتعرج بأرواحهم إليه ~~، وتدفعهم للتفكير الدائم بالإخلاص له في موقع الممارسة العملية للعبودية ~~المطلقة له ، أمام الألوهية القادرة الرحيمة ، فيعيشون الحرية أمام العالم ~~كله ، لشعورهم العميق بالعبودية لله ، وتتأكد كل القيم الكبيرة في الحياة ، ~~من خلال ما تخلقه روحية الصلاة في ركوعها وسجودها وكلماتها من آفاق روحية ~~ومناهج عملية ، تلتقي بالجانب المشرق من الفكر والحياة. # ( @QUR@05 وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) بما يمثله الإنفاق من معنى العطاء PageV13P045 # الذي يمتد من روح الإنسان المتحركة بالخير ، إلى حياة الآخرين ، ليشبع ~~جائعا وليروي ظامئا وليكسو عريانا وليغيث ملهوفا ، وليقضي حاجة وليفرج كربة ~~وليقوي ضعيفا أو يعلم جاهلا ، أو يهدي ضالا ، إلى غير ذلك من موارد الإنفاق ~~في سبيل الله الذي يتحرك في حالة السر عند ما تدعوا الحاجة إلى الإسرار ~~بالإنفاق لحفظ كرامة الإنسان المحتاج ، أو يتحرك في حالة الإعلان عند ما ~~تدعو الحاجة إلى الإعلان ، لتشجيع الآخرين على ذلك أو لتسجيل موقف في هذا ~~المجال المصلحة إنسانية أو إسلامية. # ( @QUR@03 ويدرؤن بالحسنة السيئة ) بانفتاحهم على الجانب الإنساني الخير ~~من شخصية الإنسان الذي يعيش رحابة الصدر ، وسعة الأفق وإنسانية النظرة ~~وروحية المعاملة ، فلا يتعقد من الإسائة إليه ليتحول ذلك إلى حالة مرضية في ~~نفسه ، بل يحاول أن يمتص السلبيات ليحولها إلى إيجابيات ، ويواجه السيئات ~~بروحية تطمح إلى تبديلها بالحسنات ، فيحسن لمن أساء إليه ، ويعفو عمن اعتدى ~~عليه ، ويصل من قطعه ، حتى يجعل من ذلك حافزا يدفع الطرف الآخر للتراجع عن ~~خطئه ، والرجوع إلى ربه ، انطلاقا من القناعة بأن الفعل الأخلاقي متعلق ~~بالإحساس الداخلي بالمبدأ ، لا من موقف رد الفعل ، باعتبار القيمة ~~الأخلاقية عملية تبادلية يقدم فيها الإنسان إلى الآخرين مقابل ما قدموه ~~إليه ، أو ينتظرهم ليتسلموا زمام المبادرة في عمل الخير معه. # وعلى ms3054 ضوء ذلك ، نستطيع أن يفهم كيف يعد الإسلام الإنسان المسلم لقيادة ~~الحياة من حوله ، ليتغلب على كل سلبياتها الانفعالية ، بواسطة عقله الذي ~~يخطط للمستقبل الواسع ، إذا فكر الناس من حوله بالزوايا الضيقة للحاضر ، ~~وبواسطة روحه التي تنفتح على مشاكل الآخرين ، بالروحية التي تعمل على حلها ~~، لا على تعقيدها ، فإن ذلك هو السبيل للسيطرة على الساحة ، بسياسة ~~الاحتواء الفكري والأخلاقي الذي لا يترك جانبا فارغا من الخير ، أو من ~~الحركة الجدية في اتجاه التجربة الواقعية لأعمال الخير. PageV13P046 # ( @QUR@013 أولئك لهم عقبى الدار* جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم ) حيث يجمع الله الذين كانوا يعيشون جو الصلاح في الدنيا ~~في علاقاتهم الاجتماعية الحميمة ، بحيث لا يفقدون في الآخرة أجواء المشاعر ~~الذاتية التي كانت تهز وجدانهم وتثير أرواحهم في الدنيا. # ويتكامل الجو الروحي إلى أعلى المستويات ، بلقائهم في الملأ الأعلى ~~مخلوقات الله ، الذين يتلقونهم بالترحيب والإكرام والبشارة من الله ، ( ~~@QUR@06 والملائكة يدخلون عليهم من كل باب )، ليرتفعوا بهم إلى الجو ~~الملائكي السامي العابق بروحانية الإخلاص لله ، في إحاطة شاملة ورعاية ~~كبيرة ، فلا يجدون للغربة أي مكان في مشاعرهم ، بل يجدون بدلا من ذلك الأنس ~~والفرح العظيم. # ( @QUR@07 سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )، إنها كلمة السلام ~~التي تحمل كل معاني الأمن والطمأنينة والصفاء والانفتاح على رحابة الواقع ~~الجديد ، حيث يشعرون فيه بقيمة المعاناة الشاقة التي عاشوها في الدنيا ، مع ~~صبرهم على كل المكاره التي واجهتهم في خط الالتزام الشامل. فعاقبة الصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس ، وجزاء العاملين في سبيل الله ، دار الله ~~وجنته التي أعدها لعباده المتقين ، الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه ، فنعم ~~أجر الصابرين. # * * * ### ||| ** الناقضون للعهود # ( @QUR@014 والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل )، وهذا هو الجانب الآخر من الصورة الاجتماعية للعلاقة مع الآخر ، ~~فهؤلاء لا يلتزمون بعهدهم الذي عاهدوا الله عليه بشكل مباشر ، أو غير مباشر ~~، ويتراجعون عن PageV13P047 # التزامهم التعاقدي مع الناس بعد عهدهم الموثق معهم ، لأنهم لا يملكون ~~القاعدة الروحية التي ms3055 تجعلهم يحترمون كلمتهم وعهدهم ، وتجعلهم يخافون ربهم ~~في ما يقومون به أو لا يقومون به. فهم يربكون بأعمالهم هذه حياتهم وحياة ~~الناس من حولهم ، ويعرضونها للاهتزاز بفعل جو انعدام الثقة الذي تخلقه ~~تصرفاتهم بين الناس ، لأنها تهز أسس التعامل في تنظيم العلاقات بين الناس. # ( @QUR@03 ويفسدون في الأرض )، من خلال ما يملكونه من إمكانات ومواقع ~~وفرص وامتيازات عامة وخاصة ، يستغلونها في عملية إفساد الواقع السياسي ~~والاجتماعي والاقتصادي والأمني ، ليحصلوا من ورائها على أرباح لحسابهم ~~الخاص ، أو لحساب من يتبعونهم من دون الله ، بالإساءة إلى البلاد والعباد ، ~~فينصرون الظالم ، ويخذلون العادل ، ويشجعون المجرم ، ويدعمون الخائن ، ~~ويضغطون على كل أعمال الخير ودعوات الإيمان ، ( @QUR@03 أولئك لهم اللعنة ) ~~التي تبعدهم عن رحمة الله ورضوانه بسبب أعمالهم التي أبعدتهم عنه ، وجعلتهم ~~يستحقون اللعنة ، ( @QUR@03 ولهم سوء الدار ) في نار جهنم التي لا تجد دارا ~~أشد سوءا منها ، لما تشتمل عليه من عذاب وعقاب أبدي خالد. # * * * PageV13P048 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) @QUR@020 ويقول الذين كفروا لو لا ~~أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) ~~@QUR@011 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~(28) @QUR@08 الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يبسط ): يوسع. # ( @QUR@01 ويقدر ): يضيق. # ( @QUR@01 متاع ): ما فيه متعة ولكنها قليلة. # ( @QUR@01 أناب ) الإنابة : الرجوع إلى الحق بعد الضلال. # * * * PageV13P049 ### ||| ** الرزق من عند الله # ( @QUR@06 الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) إنها سنة الله في الكون ، ~~فقد أودع فيه سبحانه قوانين وسننا ، تحكم حياة الإنسان وتوجه مسيرته ، ~~وتوفر بالتالي لفريق من الناس ، سعة الرزق من حيث ظروف العمل ، أو طبيعة ~~الموقع في إمكانات القدرة ووسائل الإنتاج ، في حين تضيق تلك الأسباب بفريق ~~آخر منهم ، فيضيق رزقهم تبعا للظروف والأجواء والمواقع والإمكانات ~~والوسائل. # ذلك أن للرزق أسبابه ، في حركة الإنسان ، وفي ظروفه المحيطة به ، تبعا ~~لقانون السببية الذي يحكم الكون ، بناء على التخطيط الإلهي ، مما يجعل من ~~نسبة التوسعة ms3056 والتضييق إلى الله نسبة حقيقية ، لسيطرته المطلقة على الظروف ~~والقوانين والضوابط التي تحكم الحياة. وقد لا ينافي ذلك اختيارية بعض ~~الظروف التي يصنعها الإنسان بحركته السلبية أو الإيجابية ، لأن عملية ~~الاختيار هذه ، تتحرك ضمن الدائرة الكونية التي تحكمها سنن الله وتديرها ~~مشيئته ، ككل الأشياء الخاضعة للتقدير الإلهي بشكل عام ، ولكنها تتضمن ~~هامشا من الحرية يسمح للإنسان بالحركة في النطاق الخاص ، بحيث يبقى رزق ~~الإنسان في حدود التقدير الإلهي ، فلا يزيد أو ينقص عما قدره الله في حركة ~~الأسباب والمسببات ، مما يفرض عليه أن يواجه سعة الرزق وضيقه ، بطريقة ~~متوازنة ، لا مجال فيها للفرح بمفاجأة غير منتظرة ، لأن الشيء الذي يحصل ، ~~بحصول سببه ، لا بد منه أن يكون حالة طبيعية في واقع الإنسان ، تماما كما ~~هو الحال في طلوع النهار أو قدوم الربيع ، ولكن الناس يغفلون هذه الحقيقة ، ~~ويرون أن جهدهم وحده بعيدا عن حركة السنن الكونية ، هو الأساس في عملية ~~الربح والزيادة ، من دون أن يكون للتقدير الإلهي دخل في ذلك كله. وهذا ما ~~يحدثنا عنه الله تعالى في قوله : ( @QUR@03 وفرحوا بالحياة الدنيا )، ~~واستسلموا لها واستغرقوا PageV13P050 # في تفاصيلها ، وواجهوا أرباحها وسعتها ، من موقع الفرح الطاغي الذي تثيره ~~المفاجأة ، وتحكمه الشهوة. ولكن لو فكر هؤلاء الناس بحجم الحياة الدنيا ~~وحدودها ، إذ يستسلمون للفرح بها كما لو كانت هي الفرصة الأولى والأخيرة ~~لدى الإنسان ، لما استسلموا لها هذا الاستسلام ، ولما فرحوا بها هذا الفرح ~~، بل لوقفوا أمامها موقفا متوازنا ، يحدد دورهم فيها ، ودورها في مصيرهم ، ~~ويقف بحدودها عند حدود أعمارهم ، ولأدركوا الحقيقة الكونية التي تعتبر ~~الدنيا بالنسبة إلى الآخرة ، مجرد متاع يستمتع به الإنسان ثم يتركه ( ~~@QUR@07 وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) مقابل حياة الإنسان في ~~الآخرة الممتدة في أجواء الخلود ورحابه ، حيث يتحدد موقعه فيها تبعا لعمله ~~في الدنيا في خط الإيمان والكفر ، وحركة الطاعة والمعصية. # ولكن الكافرين بالله وبرسله ، لا يريدون مواجهة حقائق الأشياء ، التي ~~يقدمها الرسل إليهم ، فلا يدخلون معهم في حوار منتج ، حول الرسالة في ~~مفاهيمها ، والرسول ms3057 في دعوته ، بل يهربون الى مواقع التحدي نتيجة عقد ~~تحكمهم ، وتدفعهم إلى تسجيل المواقف. ( @QUR@010 ويقول الذين كفروا لو لا ~~أنزل عليه آية من ربه ) بما تمثله المعجزة من خرق للمألوف في أوضاع الكون ، ~~كما في معجزة موسى أو عيسى عليهما السلام ، لزعمهم أن تحرك النبوة في أجواء ~~المعجزة هو قاعدة عامة ، من دون التفات إلى أن دور المعجزة هو رد التحدي ذو ~~الطابع ، العام ، حفاظا على سلامة الرسالة الخاصة التي تفرضها الاقتراحات ~~المزاجية والتي تهدف إلى شغل النبي بها. # * * * PageV13P051 ### ||| ** الضلال والهداية من الله # ( @QUR@06 قل إن الله يضل من يشاء ) من خلال أسباب الضلال التي تتحرك في ~~حياة الأشخاص ، وربما كان من بينها ، إرادة الإنسان للضلال ، أو إهماله ~~الأخذ بأسباب الهدى في فكره وفي خطواته العملية في الحياة ، ( @QUR@04 ~~ويهدي إليه من أناب ) إلى الله ورجع إليه وأقبل على مواقع الهداية في آفاق ~~الحق وحرك فكره في كل موقع من مواقع الكفر ، وفي كل موقف من مواقف الحوار. ~~وبذلك ينطلق الضلال من مواقع الاختيار الإنساني في نطاق ظروفه المحددة ، ~~وينطلق بالهدى في هذا الاتجاه. وتبقى نسبة الأمرين لله سبحانه ، من حيث ~~علاقة كل الأشياء في الكون بإرادته من خلال قانون السببية ، الذي يجعل حركة ~~السبب تابعة للإرادة ، في الوقت الذي يكون ارتباطه بالمسبب خاضعا للمشيئة ~~الإلهية في حركة الكون. # * * * ### ||| ** ذكر الله سكينة لنفس المؤمن # ( @QUR@02 الذين آمنوا ) بالله ، ووعوا حقيقة الإيمان ، وعرفوا موقع الله ~~من وجود الكون والإنسان ، وسيطرته المطلقة على مقدرات الأمور ، فلا يوجد ~~شيء إلا من خلال إرادته ، فإذا أراد شيئا كان ، وإذا لم يرد لم يكن ، ولا ~~يملك أحد أن يتدخل في ما يريد أو في ما لا يريد ، ومن خلال ذلك يشعر ~~المؤمنون بالطمأنينة النفسية مع الله ، من موقع الإيمان بقدرته ورحمته ~~ورعايته وتدبيره ، فلا مجال للشعور بالقلق والضياع والحيرة ونحوها من ~~المشاعر النابعة من حالات الاهتزاز النفسي ، أمام أحداث الحياة ومشاكلها ، ~~لأن الله هو الذي PageV13P052 # يتكفل بحل ذلك كله ، على أساس القاعدة الصلبة التي أقام عليها نظام ~~الإنسان ms3058 والحياة ، وفتح له الآفاق التي يلجأ فيها إليه ، ليرحمه ويلطف به ، ~~حتى في قضاياه الجزئية ، ووعده بالاستجابة له ، إذا دعاه ، في حدود مصلحته ~~في دنياه وآخرته ، وكل شيء عنده بمقدار. # وهكذا يرجع المؤمنون إلى الله كلما أصابهم حزن ، أو أحاطت بهم المشاكل ، ~~ويذكرونه بالتسبيح والدعاء في حالة من الخشوع والإيمان والانفتاح ، ( ~~@QUR@09 وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) فتسكن إلى ~~رحمته ، وتهفو إلى لطفه ، وتستسلم لرعايته وتدبيره ، وهذا ما نستوحيه مما ~~حدثنا الله به عن رسوله ليلة الهجرة في غار حراء ( @QUR@016 إذ يقول لصاحبه ~~لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها )، ~~[التوبة : # 40] فقد كانت ثقته بالله وبرحمته ورعايته ، هي الأساس في هذه الطمأنينة ~~التي هزمت الخوف والحزن معا ، بدلا من أن تسقط مهزومة أمامهما ، وليس ~~المراد بالذكر هنا كما يظهر الذكر بالكلمة ، بل المراد به الذكر في المواقف ~~، حيث يعيش الإنسان الشعور بحضور الله في داخله ، فلا يغيب عنه ، في أي ~~موقف من مواقف الاهتزاز أمام تحديات الحياة ومشاكلها ، فيتماسك ويتوازن ~~ويقوى ويشتد ويثبت أمام الله ، ليحس بالثقة بين يديه .. وذلك هو زاد المؤمن ~~في الحياة ، وتلك هي قيمة الإيمان الروحية ، التي تجعله يختزن عناصر الثقة ~~بالحياة من خلال الثقة بالله. # ( @QUR@06 الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم ) بما تعنيه الكلمة من ~~الموقع الطيب ، وهو الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين ، ( @QUR@02 ~~وحسن مآب ) يرجع اليه مصير الناس حيث يستريحون ، ويشعرون بالروح والراحة ~~والرضا والطمأنينة والأمان في ظل رحمة الله ولطف عنايته واستحقاق مثوبته ، ~~وذلك هو الفوز العظيم. # * * * PageV13P053 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@028 كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب (30) @QUR@051 ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ms3059 قارعة أو تحل قريبا من ~~دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خلت ): مضت. # ( @QUR@01 متاب ): اسم مصدر من تاب. # ( @QUR@01 قارعة ): مصيبة. # * * * PageV13P054 ### ||| ** ثقة الداعية بالله # ( @QUR@09 كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ) فمضت في التاريخ ~~بكل أوضاعها المتنوعة من الكفر والإيمان ، والرشد والغي ، والهدى والضلال ، ~~في التزامها بالرسالات وإيمانها بالرسل ، أو انفصالها عنها وعنهم ، فلم تكن ~~هذه الأمة بدعا من الأمم التي أرسل الله إليها رسله الذين تتحرك في مسيرتهم ~~، ( @QUR@05 لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ) من هذا القرآن في آياته التي ~~تبين لهم رسالة الله وشريعته ، ولكنهم لم يستجيبوا لك ( @QUR@03 وهم يكفرون ~~بالرحمن ) فلا يؤمنون به أو لا يؤمنون بتوحيده ، بل يشركون به شرك عقيدة أو ~~عبادة ، اتباعا لأهوائهم ، في الابتعاد عن الصراط المستقيم ، فلا تتراجع ~~أمام جحودهم وكفرهم ، بل تابع رسالتك ، واعمل على تأكيد الدعوة وإعلان ~~التوحيد ، بكل قوة ، ولا تحزن ولا تكن في جانب الضعف ، لأنك في موقف القوة ~~في العقيدة وفي الشريعة ، وفي المنهج. ( @QUR@03 قل هو ربي ) الذي أدين له ~~بالربوبية ، وألتزم به في مواقف العبودية ، ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) في ~~ما أتمثله من خط التوحيد ورفض الشرك ، في كل جوانب الحياة ، ( @QUR@02 عليه ~~توكلت ) في كل أموري التي يتحرك الغيب معها ، في ما لا أعرف كنهه ، ولا ~~أدرك سره ، ولا أستوضح أمره من قضايا المستقبل وأخشى تهاويله وأشباه ~~ومشاكله ، فألجأ إليه ، بعد استنفاد كل الوسائل التي أملك أمرها ، وأعرف ~~حدودها. ويبقى للمستقبل خط التوكل الذي ينفتح فيه الشعور بالأمن والطمأنينة ~~من خلال الله ، فهو الملاذ والمرجع فإياه أدعو ( @QUR@02 وإليه متاب ) ~~فأوجه إليه التوبة من ذنوبي التي أسلفتها ، وأفتح له كل حياتي المستقبلية ، ~~التي أثير فيها كل تاريخ حياتي الماضية بالتوبة والإيمان. # ( @QUR@06 ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) فتحركت معه ، ( @QUR@04 أو قطعت ~~به الأرض ) وشققت به أنهار وعيون ( @QUR@04 أو كلم به الموتى ) فجعلها ~~تتكلم ، لكان هذا القرآن PageV13P055 # الذي أنزله الله بدلائله وبرهانه. ولكن لما ذا يتحدث الكافرون بهذه ~~الطريقة؟ ويقدمون هذه الاقتراحات؟ ms3060 هل المسألة هي مسألة مزاج ذاتي ، أو ~~مسألة عناد وتعنت ، أو هي مسألة إيمان واقتناع؟ فإذا كانت المسألة مزاجا ~~وعنادا ، فإن الله لا يستجيب لذلك ، لأن الرسالات لم تأت لتعالج حالات ~~مزاجية ، أو عقدا نفسية ، بل جاءت للتخطيط لمسيرة الإنسان الإيمانية في خط ~~الفكر والعمل ، وإذا كانت القضية إيمانا في ما يريد الله أن يمهده من وسائل ~~الإيمان ، فإن للقرآن دلائله وبراهينه التي تؤكد أساس الإيمان وقاعدته ، ~~وحركته وآفاقه ، وليس للناس من الأمر شيء في ذلك كله ، وفي غيره ( @QUR@04 ~~بل لله الأمر جميعا ) في ما يريد وفي ما لا يريد ، بعيدا عن كل ما يقترحونه ~~، أو ما يريدونه. # ( @QUR@04 أفلم ييأس الذين آمنوا ) وقد جاء في تفسيرها ، أن المراد بكلمة ~~«ييأس» يعلم أو يتبين ، على لغة هوازن ، وربما كان المراد منها معناها ~~اللغوي المعروف من اليأس في مقابل الأمل والرجاء على سبيل الكناية عن ~~المعرفة ، باعتبار أن نفي اليأس يؤكد الرجاء الذي يقترب بالفكرة من حركتها ~~في صعيد الفكر والواقع ، الذي يؤدي إلى المعرفة الإيمانية بأن الله قادر ~~على أن يهدي الناس جميعا إلى خط الإيمان بالوسائل التكوينية الضاغطة على ~~فكر الإنسان وإرادته ، فلا يملك فكاكا ، ولا يستطيع انفصالا عن الخط ، ( ~~@QUR@07 أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) بالجبر والإكراه ، ولكن الله ~~العزيز الحكيم اقتضت حكمته أن يجعل مسألة الإيمان خاضعة للإرادة والاختيار ~~، بعد إقامة الحجة ، بكل وسائل المعرفة ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من ~~حي عن بينة. # ( @QUR@04 ولا يزال الذين كفروا ) وتمردوا وواجهوا الرسول بالتكذيب ( ~~@QUR@04 تصيبهم بما صنعوا قارعة ) من أنواع البلاء التي يرسلها الله إليهم ~~في الدنيا فتقع عليهم ، ( @QUR@05 أو تحل قريبا من دارهم ) لتملاهم بالخوف ~~، ولتوحي إليهم بقدرة الله عليهم ، وتؤكد لهم أنهم أضعف من أن يتمردوا على ~~الله ، أو يعاندوا وحيه ، فيشغلهم بأنفسهم وبمشاكلهم ، ( @QUR@04 حتى يأتي ~~وعد الله ) بالنصر من عنده ( @QUR@04 إن الله لا يخلف PageV13P056 # @QUR@01 الميعاد ) ما وعد به رسله من النصر والمعونة والتأييد. # وهكذا تبقى للمؤمنين العاملين في خط الدعوة إلى الله ، ثقتهم الكبيرة ~~بالله ms3061 وبنصره ، لأن الله قد أخذ على نفسه ، في ما وعد به رسله والداعين إلى ~~رسالاته ، أن ينصرهم ما داموا في خط النصرة لدينه ، والجهاد في سبيله. # * * * PageV13P057 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف ~~كان عقاب (32) @QUR@039 أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء ~~قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) @QUR@014 ~~لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فأمليت ): أمليت. # ( @QUR@04 قائم على كل نفس ): رقيب عليها ومدبر لأمورها. # * * * PageV13P058 ### ||| ** أخذ العبرة والعظة من التاريخ # يبقى للتاريخ دور العبرة والعظة والإلهام للأجيال المقبلة ، في جوانبه ~~السلبية والإيجابية ، في ما يريد الله للناس أن يستلهموه ويتعظوا به ~~لحياتهم المستقبلة في كل قضايا الحياة ، من دون أن يتحملوا مسئوليته ، لأن ~~التاريخ مسئولية الأجيال التي صنعته ، وللآخرين مسئولية العبرة والاستيحاء. # وهكذا يريد الله للناس الذين عاشوا الرسالة في بداية الدعوة ، أو الذين ~~جاؤوا بعدها ، كما يريد للذين يحملون مسئولية الرسالة في الدعوة ، وفي ~~الممارسة ، أن يدرسوا تاريخ الرسل السابقين ، ليستفيدوا من التجربة الحية ~~الواعية في انطلاقة الرسالة ، ويغذوا بمعطيات تجربة المرحلة السابقة مرحلة ~~أخرى ، لا ترتبط بزمن محدد ، بل تمتد بامتداد حركة الحقيقة الخالدة في ~~الحياة ، لتتكامل المسيرة على مستوى تكامل المراحل ، وتتتابع الدروس والعبر ~~على مستوى القضية الواحدة. # * * * ### ||| ** تجربة الرسل من قبل # ( @QUR@05 ولقد استهزئ برسل من قبلك ) أي من قبل أصحاب الامتيازات ~~الطبقية والعائلية والاقتصادية الذين يحتلون مواقع القيادة الفكرية في ~~المجتمع ، والذين هم غير مستعدين للاستجابة لمن هم أراذل الناس بادي ، ~~الرأي ، لا سيما إذا كانت الأفكار التي يطرحونها بعيدة عن المألوف من ~~عاداتهم وعقائدهم ، وغريبة عن تراث الآباء والأجداد ، فيواجهونهم بالسخرية ~~والاستهزاء ضد PageV13P059 # مواقعهم الاجتماعية وأفكارهم الغريبة. ( @QUR@05 فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم ) فلم أعاجلهم بالعقاب ، بل تركت لهم الفرصة ، في المال والعمر ~~والموقع والظروف ، ليمتدوا ms3062 ما شاءت لهم ظروفهم تلك في الامتداد ، على ما هم ~~فيه ، لتقوم الحجة عليهم في ما اعتقدوه ومارسوه من أعمال ، واتخذوه من ~~مواقف ، فحق عليهم القول ، وعاجلتهم بالعذاب الشديد في الدنيا قبل الآخرة ، ~~( @QUR@03 فكيف كان عقاب ) وكيف تساقطوا أمام العقاب فلم ينفعهم ما كانوا ~~فيه ولم ينصرهم أحد ممن كانوا يعبدونهم من دون الله. # ( @QUR@08 أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) ويعلم خفاياها وأسرارها ، ~~ويملك كل أمورها في ما يدبر به أمر خلقه ، ويسيطر عليها في كل ما تقوم به ~~من أعمال وتتخذه من مواقف ، ويملك مجازاتها في كل شيء ، كمن هو مخلوق في ~~نفسه ، محدود في قدرته ، من هؤلاء الشركاء الذين دعوهم من دون الله ، دون ~~حجة أو برهان كما يوحي قوله تعالى : ( @QUR@03 وجعلوا لله شركاء ) كالأصنام ~~التي عبدوها ، والأشخاص الذين أطاعوهم في معصية الله ، ( @QUR@02 قل سموهم ~~) وأشيروا إليهم بالأسماء التي تليق بالإله والمعبود الذي يتميز بصفات ~~القدرة والعلم والغنى والخلق والرزق وغيرها من صفات الجلال والكمال ، فهل ~~تستطيعون ذلك؟ وهل يثبت هذا الموقف أمام الحقيقة؟ إن النتيجة ستكون سلبا ، ~~وستواجهون الخزي والعار في دعواكم هذه. # ( @QUR@07 أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) هذا التعبير كناية عن عدم ~~وجود ما لا يعلمه الله محيط بكل شيء ، فلو كان له وجود لعلمه ، ( @QUR@04 ~~أم بظاهر من القول ) مما لا يثبت أمام النقد ، ولا يرتكز على حقيقة ، كما ~~في الكثير من الأقوال التي لا تعبر عن أية مسئولية عن قضايا العقيدة ~~والحياة. إنه التساؤل الذي يواجه هؤلاء ، حول ما اعتقدوه ، وما عبدوه ، ولا ~~يملكون له جوابا ، ( @QUR@05 بل زين للذين كفروا مكرهم ) وما دبروه للرسول ~~وللرسالة من مكائد وأضاليل ، وما أثاروه حولهما من شكوك وشبهات ، ( @QUR@03 ~~وصدوا عن السبيل ) القويم الذي أراد الله للناس PageV13P060 # أن يسيروا عليه ، وذلك من خلال ما سول لهم الشيطان وأولياؤه من أوهام ، ~~وزينه لهم من مواقف ، وحركهم نحوه من مشاريع وأعمال. وهكذا تركهم الله ~~لضلالهم ، وأوكلهم إلى أنفسهم ، بعد ما بين لهم الحق وأضاء لهم السبيل ، ~~فتركوه وراء ms3063 ظهورهم ، وانطلقوا إلى عالم الظلمات ، يتخبطون فيها ، ( ~~@QUR@07 ومن يضلل الله فما له من هاد ) لأن للهداية وسائلها التي دل الله ~~الإنسان عليها ، فمن أخذ بها عن إرادة واختيار فقد أخذ بأسباب الهدى ، ومن ~~تركها عن تمرد وعناد فقد وقع في هاوية الضلال ، ويتركه الله لنفسه ، فيضل ~~عن الهدى ، ولا يجد من دون الله هاديا ولا نصيرا. # ( @QUR@05 لهم عذاب في الحياة الدنيا ) بما أعده الله لهم من عذاب نفسي ~~أو جسدي أو نحو ذلك ( @QUR@03 ولعذاب الآخرة أشق ) وأشد وأبلغ في تأثيره ~~على الإنسان لدوامه وقسوته وكثرته ، ( @QUR@06 وما لهم من الله من واق ) ~~يقيهم نتائجه ، ويدفع عنهم ضرره أو يخلصهم منه ، لأن الله إذا أراد شيئا في ~~شخص ، فلا يملك أحد أن ينصره من الله. وهكذا يواجه الكافرون المصير المحتوم ~~، وجها لوجه ، جزاء تمردهم وعنادهم وضلالهم. # * * * PageV13P061 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم ~~وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) @QUR@025 والذين ~~آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما ~~أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) @QUR@020 وكذلك ~~أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله ~~من ولي ولا واق ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مآب ) المآب : المرجع. # ( @QUR@01 واق ): الواقي : الحافظ. # * * * ### ||| ** الجنة عقبى المتقين والنار عقبى الكافرين # إذا كانت النار هي التي تنتظر الكافرين في الدار الآخرة ، فإن الجنة هي ~~التي تنتظر المتقين في ما أعده الله لهم من رحمة وكرامة. PageV13P062 ### ||| ** المتقون يلبون نداء الدعوة # ( @QUR@05 مثل الجنة التي وعد المتقون )، وهم الذين آمنوا بالله وعملوا ~~بأوامره ونواهيه ، ( @QUR@04 تجري من تحتها الأنهار ) فتظل الأرض فيها في ~~حالة إعشاب دائم ، وخضرة ، متحركة ، وخصب خصيب ، ( @QUR@02 أكلها دائم ) لا ~~ينقطع في أي مكان منها وفي أي فصل من الفصول ، فيمكن لهم أن يأكلوا من ~~ثمارها كل حين ، ( @QUR@01 وظلها ) دائم لكثافة أوراق أشجارها واستمراريتها ~~على مدى الزمن ، أو لحالة أخرى لا يعلمها إلا الله ، ( @QUR@04 تلك عقبى ~~الذين اتقوا ) في ms3064 ما أعده الله للتقوى من نتائج إيجابية شاملة على مستوى ~~الدار الآخرة ، ( @QUR@03 وعقبى الكافرين النار ) لما يمثله الكفر من تمرد ~~على الله ، وجحود به دون حجة ولا برهان. # ( @QUR@07 والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ) وهؤلاء هم الذين ~~ينفتحون على الحق الذي عرفوه من الكتاب المنزل على موسى ، ووجدوه متطابقا ~~مع الحقيقة التوراتية ، فعرفوا من خلال ذلك صدقك في ما تدعوهم إليه ، ~~واطمأنوا لدعوتك ورسالتك التي تجمعت الشواهد على تأكيد صدقها. # وهؤلاء هم الذين لا يتحزبون للإطار الذي يتحركون في داخله ، ولا يتعصبون ~~لحدوده اسما كان أو فئة أو شعارا ، بل ينفتحون على الحقيقة ، ويلاحقونها ~~أينما كانت ، ويتنازلون عن كل شيء من الماضي أو الحاضر لحسابها. وهذا هو ~~الفرق بين من يؤمن بالفكرة ومن يتحزب لشكليات التحرك في خارجها. # ولكن من هم هؤلاء؟ ربما يذكر البعض أن المراد بهم أصحاب النبي الذين ~~آمنوا به وصدقوه ، أعطوا القرآن وفرحوا بإنزاله ، فيكون المراد بالكتاب ~~القرآن. ولكن هذا خلاف المصطلح الذي يستعمله القرآن في أهل الكتاب ، PageV13P063 # فإن المراد به في الظاهر هو الكتاب المنزل على موسى وعيسى وغيرهما ، وهم ~~اليهود والنصارى والمجوس. # وقد يكون المراد منهم أهل الكتاب الذين عاشوا في بداية البعثة كما يذكر ~~صاحب تفسير الميزان فيقول : وقد أثبت التاريخ أن اليهود ما كانوا يعاندون ~~النبوة العربية في أوائل البعثة وقبلها ، ذاك العناد الذي ساقتهم إليه ~~حوادث ما بعد الهجرة ، وقد دخل جمع منهم في الإسلام أوائل الهجرة وشهدوا ~~على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكونه مبشرا به في كتبهم ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@09 وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ) ~~[الأحقاف : 10]. # وأنه كان من النصارى قوم على الحق من غير أن يعاندوا دعوة الإسلام كقوم ~~من نصارى الحبشة على ما نقل من قصة هجرة الحبشة وجمع من غيرهم ، وكذا كان ~~المجوس ينتظرون الفرج بظهور منج ينشر الحق والعدل وكانوا لا يعاندون الحق ~~كما يعانده المشركون ، وهو قريب (1). # ( @QUR@05 ومن الأحزاب من ينكر بعضه ). ربما كان المقصود بهم هؤلاء ms3065 ~~الذين ينكرون التوحيد بمعناه القرآني ، ويلتزمون التثليث ويختلفون مع ~~الإسلام في بعض مفاهيمه وأحكامه ، ويمتنعون عن الإيمان بالإسلام ، انطلاقا ~~من الحالة الحزبية التي تغلق عليهم نوافذ التفكير وتضع الحواجز الذاتية ~~والعصبية بينهم وبين معرفة الحقيقة. # ولكن الله يريد لنبيه أن لا يضعف أمام حالة الإنكار ، ولا يتراجع عن ~~دعوته ، لأن القضية لديه واضحة وضوح الحقيقة في خط الوحدانية التي يبدأ ~~فيها كل شيء من الله وينتهي إليه ، لجهة تأكيد المفاهيم الإيمانية ، وحل ~~الإشكالات ، ومواجهة التحديات. إنها الدعوة التي تختصر كل شيء بكلمة ~~التوحيد في الحياة كلها. PageV13P064 # ( @QUR@09 قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به )، بما يمثله ذلك من ~~توحيد في العقيدة والعبادة ، على أساس الإيمان الداخلي بالعقيدة كلها. ~~وبذلك تكون الدعوة إلى الله لا إلى غيره منطلقة من حالة معاناة داخلية ~~موضوعها الفكرة التي تتحرك فيها الدعوة. # ( @QUR@04 إليه أدعوا وإليه مآب ) فهو المرجع في كل شيء ، في الدنيا وفي ~~الآخرة ، وهو الملاذ ، فكيف يرتبط الإنسان بغيره ، أو يدعو إلى غيره أو ~~يرجع إليه؟! # ( @QUR@04 وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) بما يمثله القرآن من إرادة إلهية ~~تحكم الحياة بالشريعة الشاملة التي تضمنها القرآن النازل باللسان العربي ~~الذي أراده الله ، لأن الله لم يبعث نبيا إلا بلسان قومه. وقد يكون من ~~الضروري أن نشير إلى خطأ الفكرة التي تستوحي من الصفة العربية للحكم ، أن ~~خصائص الذات العربية تتمثل في القرآن باعتباره حكما عربيا ناشئا من البيئة ~~العربية أو الإنسان العربي ، لأن الحديث عن الإنزال يدفع ذلك ، كما أن ~~الحديث عن مواجهة أهواء من حوله أي البيئة العربية المحيطة به ، يمثل ردا ~~على ذاك الاستيحاء أيضا. # ( @QUR@03 ولئن اتبعت أهواءهم ) وما يريدون أن يضلوك به ، لتحصل على ~~محبتهم وثقتهم ورضاهم ( @QUR@05 بعد ما جاءك من العلم ) من وحي الله ، الذي ~~يحقق لك وضوح الرؤية للحقيقة بما لا يدع مجالا للشك أو للريب ، ( @QUR@06 ~~ما لك من الله من ولي ) ينصرك من دون الله ، ( @QUR@02 ولا واق ) يقيك من ~~عذابه ، وهذا هو الخطاب الذي يوجهه الله إلى الأمة من ms3066 خلال النبي ، لأن ~~القضية عنده في مستوى الوضوح ، الذي لا يمكن أن يخضع فيه لأي ضعف أو تهديد ~~أو ابتزاز. # * * * PageV13P065 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) @QUR@08 يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) @QUR@013 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) (40) # * * * ### ||| ** يمحو الله ما يشاء ويثبت ... # ( @QUR@09 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) تماما كما ~~أنت عليه في كونك بشرا ، بكل ما تفرضه البشرية عليك من حاجات مادية وعلاقات ~~ومنها علاقات الزواج ، وما ينتج عنها من تناسل. وبذلك فإنهم لا يحملون أية ~~خصوصية غيبية ، تقربهم ولو بشكل محدود من حالة الألوهية ، فليس لهم قدرة ~~على تغيير نظام العالم بناء على طلب أو اقتراح في تحويل الصحراء إلى جنات ~~وأنهار ، وفي إسقاط السماء قطعا متناثرة على الأرض ، أو غير ذلك ، مما ~~يتصوره الناس من قدرات من خصائص النبوة وإمكاناتها ، فهم عباد مكرمون ~~مطيعون لله ، لا يملكون عمل أي شيء في شؤونهم الخاصة إلا بالله ، فكيف PageV13P066 # يملكون قدرة تغيير نظام الكون بذاتهم؟ # ( @QUR@09 وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) وهو إذن تقتضيه ~~حكمته وتفرضه إرادته إصلاحا لأمر يقضيه بحكمته ، ويفرضه بإرادته ، إصلاحا ~~لأمر الناس وتقوية لحركة الرسالات ، ولكنه ليس شيئا لازما للذات الرسولية ، ~~بل هو شيء يقوم به بطريقة منفصلة عن ذاته ، وذلك بتعلق إرادة الله بالشيء ~~بشكل مباشر أو غير مباشر ، تبعا للمصلحة العامة. ( @QUR@03 لكل أجل كتاب ) ~~والظاهر أن المراد به ، أن لكل وقت من الأوقات حكما معينا يكتبه الله ويحكم ~~به ، تقديرا للأشياء في أوقاتها. # ( @QUR@08 يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ): هل هذه الفقرة ~~من الآية تتعلق بالمحو والإثبات في عالم المعرفة ، وما يبديه الله للناس من ~~علوم ، دون أن يبين لهم شروط وجود الأشياء وبقائها ، فيمحو الله بعض ما ~~أثبته في علم الناس لمصلحة ما ، ويثبت بعض ما محاه لديهم ، دون ms3067 أن يختلف ~~علمه في ذلك كله ، لأن لديه علم حقيقة الأشياء الذي تعبر عنه كلمة أم ~~الكتاب؟ # أم أن هذه الفقرة تتعلق بالمحو والإثبات في عالم التكوين ، باعتبار أن ~~الله يتصرف في الكون ، فيغير ما يريد تغييره ، ويمحو ما أثبته من ظواهر ~~الكون وأحداث الحياة ، ويثبت بعض الأشياء وعنده أم الكتاب ، باعتبارها ~~الأساس في ما أجراه من سنن وقوانين حاكمة على طبائع الأشياء ، وبما توحيه ~~الكلمة من أن للأشياء أساسا ثابتا عند الله؟ # ربما كان المعنى الثاني هو الأقرب لكلمة : «لكل أجل كتاب» في ما توحيه من ~~أن للأوقات خصائصها في حكم الله على القضايا والأوضاع والأحداث ، سلبا أو ~~إيجابا ، فقد يثبت الله شيئا في وقت ، ثم يمحوه في وقت آخر ، أو العكس ، ~~لأن الاختلاف في مقتضيات الأشياء باختلاف الأوقات PageV13P067 # منطلق من إرادة الله في المحو والتثبيت ، لا من خصائص الأشياء الذاتية ، ~~وبذلك تكون الفقرة بمثابة التعليل للثانية ، فيتحقق الانسجام بين الفقرتين ~~.. ولعل هناك وجوها أخرى يذكرها المفسرون ، لا تعدو أن تكون مجرد احتمالات ~~أو تخصيصات بأمور لا دليل عليها من سياق الآية ، والله العالم. # ( @QUR@06 وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم ) من عذاب الدنيا وبلائها ( ~~@QUR@02 أو نتوفينك ) فلا تراه ، فلا مشكلة في ذلك ، لأن مسألة عقابهم في ~~الدنيا ليست مسئوليتك ، ومسئوليتك فقط تنحصر في التبليغ والدعوة والإرشاد. # ( @QUR@03 فإنما عليك البلاغ ) الذي تقيم به الحجة على الناس أمام الله ( ~~@QUR@02 وعلينا الحساب ) بعد ذلك ، بما يمثله عملهم من نتائج سلبية أو ~~إيجابية على مستوى المصير. # * * * PageV13P068 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا ~~معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) @QUR@018 وقد مكر الذين من قبلهم فلله ~~المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ~~@QUR@015 ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن ~~عنده علم الكتاب ) (43) # * * * ### ||| ** سنة الله في الكون .. عبرة متجددة # وتبقى سنة الله في الكون قصة متجددة يريد الله لعباده استلهامها من أجل ~~وعي منفتح للحياة في ما يجب عليهم أن ms3068 يثيروه في داخل أنفسهم ، ليثبتوا به ~~إيمانهم ، ولتخشع به قلوبهم لذكر الله. # ( @QUR@08 أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها )، بما نهلكه من ~~ناس عليها وبما نغيره فيها من ازدهاب ونحوله إلى خراب ، حتى تظل في حالة ~~نقصان دائم من PageV13P069 # أهلها ، الذين يعمرونها بالعلم والحضارة وغير ذلك ، الأمر الذي يوحي ~~بغلبة الله وسيطرته على الكون ، فلا يتم شيء إلا ويتحول إلى نقص ، ولا يعمر ~~شيء إلا ليصير إلى خراب ، فلا يملك الناس من أمر يريدونه من خلود وكمال ~~وازدهار شيئا ، لأن إرادة الله هي التي تحكم كل جوانب حياتهم بسننه الحتمية ~~في الكون ، ( @QUR@05 والله يحكم لا معقب لحكمه ) فإذا أراد شيئا ، فإن ~~إرادته هي الغالبة القاهرة التي لا يغلبها شيء ولا يقهرها أحد ، ولا مجال ~~لأحد أن يكون له حكم في مقابل حكمه ليتابعه وليمنعه من الثبات والبقاء ، ( ~~@QUR@03 وهو سريع الحساب ) لا يحتاج في حسابهم إلى جهد ، ولا يتوقف على أي ~~شيء مما اعتاد الناس أن يتوقفوا عنده ، ليمنعهم مما يريدونه وليؤخرهم عما ~~يقصدونه ، ( @QUR@05 وقد مكر الذين من قبلهم ) فدبروا ما شاءت لهم حيلتهم ~~في التدبير ليبطلوا سنة الله في نصرة رسله وإتمام رسالته ، ( @QUR@03 فلله ~~المكر جميعا ) فهو المدبر القوي الذي يهيئ الأسباب للنصر من حيث لا يشعرون ~~، وهو الذي يقهر كل خططهم ويبطل كل مكرهم بالطرق الخفية الدقيقة التي ينظم ~~بها الأمور ويحكم بها الكون ، ( @QUR@05 يعلم ما تكسب كل نفس ) فيحيط بها ~~من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم ، فلا تملك أمامه أي سبب من أسباب القدرة على ~~منع حكمه فيها في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@010 وسيعلم الكفار لمن عقبى ~~الدار* ويقول الذين كفروا لست مرسلا ) عند ما يقوم الناس لرب العالمين ، ~~وينطلق المحسنون المؤمنون المتقون إلى الجنة في رضوان الله ونعيمه ، جزاء ~~لأعمالهم الصالحة. ويلتفت الكافرون ليروا أنفسهم في ضياع ، وضلال يؤديان ~~بهم إلى النار ، فتتحول كل أعمالهم في الدنيا إلى حسرات عليهم ، دون أن ~~يملكوا تغيير أي شيء منها. # ( @QUR@06 قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) فهو ، أي الله تعالى ms3069 ، الذي ~~يعلم صدق ما أقول مما ألهمني إياه ، وأوحي إلي به ، فارجعوا إلى وجدانكم ~~الصافي ، بعيدا عن كل تعقيدات الهوى والأنانية والبغضاء ، كما رجعت إلى ~~صفاء الرؤية في وجداني ، في ما عشته من وحيه وقرآنه ، فستجدون ما أقوله PageV13P070 # حقا ، وستملكون وضوح الرؤية للأشياء من خلال ذلك ، لأن المشكلة في كل هذا ~~هي الكفر الذي تعيشونه أو تدعون إليه ، والذي يصيب تفكيركم بخلل كبير ، فلا ~~تملكون معه إمكانية الوصول إلى الحقيقة. # وهذا الاستشهاد بالله ، يوحي بالثقة المطلقة التي يعيشها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في وعيه للحق في رسالته وفي قوة موقفه ، بحيث يستطيع ~~أن يواجه العالم كله بشهادة الله له ، وبالارتكاز إلى رجوع كل إنسان إلى ~~صفاء وجدانه بعيدا عن غشاوة الهوى وظلمة الكفر ليعرف الحقيقة من أقرب طريق. ~~والاستشهاد بالله أيضا ، للذين يستلهمون وجدانه ، فإذا لم يكتفوا بذلك ، أو ~~لم يريدوا استلهام المعرفة منه ، فثمة طريق آخر. ( @QUR@04 ومن عنده علم ~~الكتاب ) الذي أنزله الله على موسى وعيسى ، مما يشهد بصدق رسالته ، لأن ~~الكتاب جاء مبشرا به ومصدقا لرسالته. # وقد يستوحي الإنسان من هذه الفقرة قوة التحدي وثبات الموقف ، عند ما يضع ~~أهل الكتاب الذين تخصصوا في معرفته ، وجها لوجه أمام هذه الحقيقة ، ليخرجوا ~~الكتاب أمام الناس ، ليكون الحجة الدامغة في صدق دعواه وصحة رسالته. # * * * PageV13P071 ### | سورة إبراهيم ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها اثنان وخمسون PageV13P073 ### ||| * أجواء سورة إبراهيم العامة # من إبراهيم كانت بداية تاريخ الرسالات التي تركت ظلالها الفكرية والروحية ~~على ما بعدها من الرسالات ، وقد تميزت شخصيته بالصفاء الروحي والبساطة ~~والعفوية والانفتاح على الله في كل الأوضاع والمواقف. ولعل هذا هو السبب في ~~تسمية هذه السورة باسمه ، للإشارة إلى دوره المؤسس الذي مهد فيه لمن بعده ~~من الأنبياء ، وذكر بالنبوات السابقة له ، وانتهى إلى الرسالة الخاتمة ، ~~وهي رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أنزل الله القرآن عليه ليخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور. # ومن خلال ذلك ، تنفتح السورة على قصة موسى الذي أراد أن ينقل قومه إلى ~~منابع النور في ms3070 رسالة الله ، وينطلق بهم في مجارية ، عبر ما يأمرهم به الله ~~وما ينهاهم عنه ، ويعرفهم أن الرسالات جاءت لمصلحة الإنسان بوصفها حاجة ~~إنسانية لا حاجة إلهية. وهكذا تنتقل السورة نقلة رائعة إلى مشهد من مشاهد ~~يوم القيامة ، لتعرف الناس مسئوليتهم الفردية ، حتى حين خضوعهم لضغط قوة ~~خارجية ، كقوة المستكبرين والشياطين ، لأن الضغط لا يشل القدرة ، بل يعين ~~اتجاه حركتها ، في الوقت الذي تملك الإرادة فيه التحرك في الاتجاه المضاد. # ونواجه معها مثل الكلمة الطيبة ، والكلمة الخبيثة ، لنستوحي من ذلك أن ~~الكلمتين تختصران الموقف من الحياة كلها ، على مستوى العلاقات والمواقع PageV13P075 # والأوضاع ، فلا مجال للحياد بين الموقفين اللذين تمثلانه. # وعند ما تتحدث السورة عن إبراهيم ، وتصوره في بيت الله الذي بناه في مكة ~~، مبتهلا خاشعا يدعو ربه أن يجعل هذا البلد آمنا ، بوصفه رمزا للموقع الذي ~~يريد الله للناس أن يعيشوا فيه تجربة السلام الروحي بمعانيه التي توحدهم ~~وتقرب مواقفهم وتدفعهم إلى التعاون في بناء الحياة كلها على أساس كلمة الله. # وهكذا تنتهي السورة بالتأكيد للرسول على متابعة الطريق ، بكل قوة وثقة ، ~~فإن الله لا يخلف وعده ، فهو عزيز ذو انتقام ، وسيرى الظالمون نتائج ما ~~يعملون وما على الرسول إلا البلاغ المبين. # وبذلك ، فإن السورة تمثل حركة الرسالة من نقطة البداية إلى نقطة النهاية ~~، لتذكر الناس ، ولتكون فرصة انطلاقة روح ، ويقظة وعي ، وانفتاح حياة. # * * * PageV13P076 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) @QUR@014 الله الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) @QUR@016 الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد ~~(3) @QUR@019 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وويل ): الويل : الهلاك. # ( @QUR@01 يستحبون ): يختارون ويؤثرون. PageV13P077 # ( @QUR@01 بلسان ): اللسان : اللغة. # * * * ### ||| ** وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # ( @QUR@01 الر ) وهي من الحروف التي تقدم الكلام عنها في ms3071 أول سورة البقرة ~~، ( @QUR@03 كتاب أنزلناه إليك ) وهو القرآن ( @QUR@06 لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور ) ليشرق بآياته في عقول الناس التي عاشت في ظلام الكفر ~~والخرافة والتقاليد السخيفة ، وغرقت في ضباب الجهل ، ولتنطلق في حياة الناس ~~رسالة تنير الدرب للسالكين ، وشريعة تنظم حياتهم ، ومنهجا يسدد خطواتهم ~~فيها. وهكذا كان دور القرآن دورا تغييريا لينقل الناس من المفاهيم المظلمة ~~إلى الحقائق المشرقة ، ومن أجواء الجاهلية إلى رحاب الإسلام ( @QUR@02 بإذن ~~ربهم ) في ما يخطط لهم من وحيه ( @QUR@04 إلى صراط العزيز الحميد ) الذي ~~يوجه الناس نحو الخط المستقيم الذي يؤكده بأسباب القوة والقدرة ، فلا ~~يستطيع أحد أن ينتقص من عزته ، أو يسيء إلى جوانب الحمد في ذاته سبحانه. # وقد نستوحي من ذلك أن الله لا يريد للقرآن أن يدفع الناس إلى تغيير ~~مفاهيمهم فحسب ، ويحولهم ثقافيا من الجهل إلى العلم ، ومن الخرافة إلى ~~الحقيقة ، ومن الكفر إلى الإيمان ، بل يريد لهم أن يؤكدوا ذاك التحرك في ~~تحريك الواقع من حولهم ، لأن الدين ليس حالة ثقافية مجردة ، بل هو حالة ~~فكرية وروحية تسعى للتغيير عبر خطة واقعية شاملة ، تتكامل فيها النظرية ~~والتطبيق. وهذا ما نفهمه من التعبير بشكل مطلق عن الإخراج من الظلمات إلى ~~النور ، لأن الناس إذا اكتفوا بالجانب الفكري من المسألة ، وتركوا الجوانب ~~الواقعية ، فإن الظلمات تبقي متحكمة في حياة الناس ولا يتحقق هدف الرسالة PageV13P078 # في تحويل الجانب المظلم من حياتهم إلى جانب مشرق. ولعل التأكيد على ~~الصراط في الآية يوحي بذلك. # ( @QUR@09 الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) فإذا كان يملك ذلك ~~كله ، فلا بد من أن يملك التصرف في تنظيم حياة الإنسان على الأرض ، لتنسجم ~~مع الخطة التي أراد للأرض أن تتحرك من خلالها ، وللإنسان أن ينطلق منها في ~~حياته الفكرية والعملية ، كي يعيش العبودية المطلقة أمام الربوبية المطلقة ~~، في خط الإيمان والطاعة والالتزام ، فذلك ما يضمن للإنسان أمنه من العذاب. ~~أما من يتمرد على الله ، ويخرج من خط العبودية ، فلا مجال للأمن لديه ، ( ~~@QUR@05 وويل للكافرين من عذاب شديد ms3072 ) في ما يعنيه الويل من حالة الإحباط ~~والسقوط والاستغاثة في مواقف الضعف ( @QUR@06 الذين يستحبون الحياة الدنيا ~~على الآخرة ) بما تمثله الحياة الدنيا من القيم المادية التي يخلد بها ~~الإنسان إلى الأرض ، فلا يرتفع إلى الآفاق الروحية ، ولا يسمو الى آفاق ~~الله ، بل يظل في حالة انحطاط ، مع غرائزه وانفعالاته ، مقابل الآخرة ، ~~التي تمثل القيم الروحية والإنسانية التي تدعو الإنسان للتجرد من جانبه ~~الغريزي ، وتوجهه نحو السمو بآفاق فكره وروحه وحياته ، وتدفعه إلى التخلق ~~بأخلاق الله ، والالتزام بشريعتة حيث يمكن أن يلتقي بالخير من أقرب طريق. # ( @QUR@04 ويصدون عن سبيل الله )، بوقوفهم ضد الدعاة إليه ومنعهم الناس ~~من الاستماع إليهم ، ومن الانسجام مع طروحاتهم ، وتعاونهم مع قوى الكفر ~~والشر والضلال لتأكيد مناهجهم ، في الفكر والعمل ، ولإبعاد الناس عن سبيل ~~الله الذي هو الإسلام كله ، وزجهم في سبيل الشيطان الذي هو الكفر كله ، ~~والانحراف كله. ( @QUR@02 ويبغونها عوجا ) فلا يريدون السير على خط ~~الاستقامة ، بل يعملون على خط الالتواء والانحراف والاعوجاج. ( @QUR@04 ~~أولئك في ضلال بعيد )، فقد امتد سيرهم في خط الانحراف الفكري والعملي ، ~~فتاهوا في مجاهل الكفر والعصيان ، حتى بلغوا في الضياع شأوا بعيدا. PageV13P079 # وإذا كان الأساس في عذاب الكافرين وبعدهم عن ساحة رحمة الله ، هو تفضيلهم ~~الدنيا على الاخرة ، وصدهم عن سبيل الله ، وسيرهم في خط الاعوجاج ، فإن ~~المسألة قد تطال غير الكافرين من المسلمين الذين قد يعيشون الإسلام في ~~أفكارهم ، كحالة ثقافية ، ولكنهم يعيشون الكفر في خطهم العملي ، في ما ~~تمثله من قيم سلبية تسيء إلى مسيرة الإيمان والطاعة والالتزام. # ( @QUR@09 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم )، ليفهموا ~~دعوته ، ويعوا رسالته من خلال المعرفة بها ، بوصفهم القاعدة الأولى التي ~~ينطلق منها ويعمل من خلالها على تأسيس مرتكز صلب للحركة ، بهدف الامتداد ~~إلى حياة الآخرين. وهذا هو سبب نزول كل كتاب بلغة النبي المرسل ، ولغة قومه ~~، ليبين لهم الرسالة باللغة التي يعرفونها والطريقة التي يفهمونها ، وليقيم ~~عليهم الحجة ، ( @QUR@04 فيضل الله من يشاء ) من موقع اختياره للضلال ~~بابتعاده عن خط الهدى ( @QUR@03 ويهدي ms3073 من يشاء ) باختياره سبيل الهدى على ~~خط المعرفة التي تفتح القلوب على الله ، والعقول على الحق في رسالته ( ~~@QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي انطلقت عزته من مواقع قدرته وأحاطت حكمته ~~بمواقع علمه. # * * * PageV13P080 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ~~وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) @QUR@026 وإذ قال ~~موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) ~~@QUR@011 وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) ~~@QUR@013 وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يسومونكم ): يذيقونكم. # ( @QUR@02 ويستحيون نساءكم ): يسبقونهن أحياء للاسترقاق. # ( @QUR@01 تأذن ): من الأذان وهو الاعلام. # * * * PageV13P081 ### ||| ** رسالة موسى إلى قومه # لم تكن مسألة إخراج الناس من الظلمات إلى النور شأنا خاصا بهذا القرآن ، ~~أو بهذا الرسول ، ولكنه هدف الرسالات كلها ، والرسل كلهم ، فهذا نبي الله ~~موسى جاء إلى قومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور استجابة لنداء الله الذي ~~كلفه بحمل الرسالة إلى قومه ابتداء ، ثم إلى الناس جميعا. # ( @QUR@04 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) التي أنزلها عليه في التوراة ( ~~@QUR@07 أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ) بما تدعوهم إليه من عبادة ~~الله الواحد الأحد ، ورفض كل أشكال الصنمية والعبودية للأحجار أو الأشخاص ~~وبما تقودهم إليه من التزام بالشريعة الكاملة التي تحدد لهم منهج حياتهم ، ~~ليتحركوا بوعي ينطلق من الحكمة ، ويلتقي بالخير والإحسان والرحمة. # ( @QUR@03 وذكرهم بأيام الله ) بما توحيه نسبة الأيام إلى الله من كونها ~~أزمنة تتميز بنعمه أو بلائه كمظهر من مظاهر قدرته وسطوته ورحمته وعذابه في ~~تاريخ الأرمنة السابقة ، وحركة المستقبل في الأزمنة اللاحقة. وهدف التذكير ~~هنا ، حثهم على التفكير بالارتباط بالله ، من أقرب طريق ، بنشدان رضاه ~~ورحمته ، والخوف من سخطه وعقابه ، والالتزام بالخط الذي يريدهم أن يسيروا ~~عليه. وبذلك يكون هدف الذكرى إطلاق وعي ، بعلاقته بالله واتصال حياته به في ~~جانب العافية والبلاء ، ليخطط وينفذ من هذا الموقع. # ( @QUR@07 إن ms3074 في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) بما يفرضه البلاء من الحاجة ~~إلى الصبر ، وما توحي به النعمة من الشكر ، أو في ما يقتضيانه معا من صبر ~~على المسؤولية التي تحتويهما معا ، وشكر على النتائج الإيجابية التي ~~تثيرهما معا. PageV13P082 # ( @QUR@04 وإذ قال موسى لقومه )، وهو يريد تذكيرهم بأيام الله السالفة ~~التي أهلك فيها فرعون وقومه ، وأنقذهم فيها ، بطريقة معجزة مثيرة ، لا يملك ~~القدرة عليها إلا الله ، ( @QUR@09 اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل ~~فرعون ) وظلمهم وبغيهم ( @QUR@03 يسومونكم سوء العذاب ) بمختلف الوسائل ~~التي يملكونها ، والأوضاع التي يفرضونها ( @QUR@02 ويذبحون أبناءكم ) لئلا ~~ينشأ جيل جديد ، يملك أمره ، ويستعد للوقوف بقوة أمام الطغيان والاستعباد ، ~~من مواقع الشعور بالعزة وإرادة الحرية ، مما يجعل من وسائل الإبادة الشاملة ~~، الحل للهواجس المرعبة التي تطوف بأذهان الطغاة والمستكبرين الذين لا ~~يستطيعون مواجهة شعوبهم بمنطق العقل والعلم والإقناع ، فيلجئون إلى منطق ~~القهر والقتل والإذلال ، ( @QUR@02 ويستحيون نساءكم ) إبقاء للنساء لخدمة ~~بيوت الطغاة ، ( @QUR@06 وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) وأي بلاء أعظم من ~~هذا البلاء الذي يشعر فيه الإنسان بانسحاق إنسانيته تحت إرادة هؤلاء الذين ~~يعطون لأنفسهم الحق في التحكم بمصائر الناس وإبادتهم ، والضغط على حرياتهم ~~، والقضاء على مستقبلهم؟ # ( @QUR@03 وإذ تأذن ربكم ) بما يعنيه الأذان من إعلان عن الإرادة الإلهية ~~التي تحدد لهم الخط المستقيم الذي يحكم علاقتهم بالله في جانب الرحمة ~~والنقمة ، أو في طبيعة الثواب والعقاب ، ( @QUR@03 لئن شكرتم لأزيدنكم ) في ~~مفهوم الشكر العملي الذي يقتضي استعمال نعم الله في طاعته ، للحصول على ~~رضاه ، تعبيرا عن الامتنان الروحي والعملي له ، فإن ذلك قد يحقق زيادة في ~~نمو النعمة ، على أساس أن النعمة التي تتحرك في نطاق ظروفها الطبيعية ، لا ~~بد من أن تحقق قدرا كبيرا من النتائج يزيد عما إذا كانت حركتها بعيدة عن ~~ذلك. وربما كانت الزيادة وعدا من الله لهم ، بما يريد أن يفيض عليهم في ~~الدنيا من كثرة النعم ، أو بما يريد أن يفيضه عليهم في الآخرة بإدخالهم ~~جنته والحصول على رضاه ، فإن ذلك يعني انضمام نعم الآخرة ms3075 إلى نعم الدنيا ، ~~باعتبار أن ذلك يمثل مضمون الزيادة ، والله العالم. PageV13P083 # ( @QUR@02 ولئن كفرتم ) وجحدتم النعمة ، بجحود الله أو رسله أو اليوم ~~الآخر ، واستهنتم بوعيد الله وبما أعده للكافرين وللضالين من عقوبة ، ( ~~@QUR@03 إن عذابي لشديد )، لما يمثله من جزاء صعب على مستوى العذاب في ~~الآخرة. # ( @QUR@09 وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ) من كل ما خلقه ~~الله ( @QUR@04 فإن الله لغني حميد )، لأن مسألة إيمان الناس بالله ليست ~~حاجة إلهية ، ليكون الكفر نقصانا وضررا بالذات الإلهية ، فإن الله هو الغني ~~المطلق في كل شيء عن عباده في وجودهم وفي إيمانهم وطاعتهم ، فلا يضره كفر ~~الكافرين وعصيانهم ، كما لا ينفعه إيمان المؤمنين وانقيادهم ، بل المسألة ~~هي انتفاع الناس بالإيمان الذي يعيشون فيه اللقاء بالحقيقة الإلهية ~~والالتزام بنهجها القويم ، وتضررهم بالكفر الذي يمثل ظلام العقل والوجدان ~~والشعور والمنهج ، الذي يبعدهم عن الله الغني المحمود في كل شيء. # * * * PageV13P084 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) ~~@QUR@033 قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) @QUR@029 قالت لهم رسلهم إن ~~نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن ~~نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) @QUR@017 وما ~~لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون ) (12) # * * * PageV13P085 ### ||| ** ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم # ( @QUR@017 ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله ) الظاهر أن هذا الكلام تتمة لحديث موسى مع قومه ~~، إذ لو كان خطابا موجها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين من ~~قومه ms3076 ، لكان من المناسب أن يتحدث عن أقوام الأنبياء الذين يعرفونهم ، كقوم ~~موسى وعيسى. والآية تستخدم أسلوب التذكير بالتاريخ للبرهان على النتائج ~~السلبية للكفر والانحراف ، من خلال ما عاشه الكافرون من عذاب الله في ~~الدنيا قبل الآخرة بغرض ردع الكافرين المتأخرين ، عند ما يقفون أمام ~~المعادلة الإلهية التي لا تفرق بين الماضي والحاضر في أساس الثواب والعقاب ~~، فإذا كان كفر أولئك سببا في نزول العذاب ، فإن كفر هؤلاء لن يكون بعيدا ~~عن استحقاقهم لما استحقه أولئك الذين ( @QUR@03 جاءتهم رسلهم بالبينات ) ~~التي تفتح عقولهم بالحجة الواضحة والبرهان القاطع على الحقيقة من أقرب طريق ~~، ودعوهم للإيمان على هذا الأساس ليفكروا ويتأملوا ويقتنعوا ، ( @QUR@04 ~~فردوا أيديهم في أفواههم ) تعبيرا عن الغيظ ، فقد ذكر أن رد اليد إلى الفم ~~يمثل مظهرا حيا للإعراض ولشدة الغيظ ، ( @QUR@06 وقالوا إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به )، لأننا لم نقتنع به بديلا عن عقيدة الشرك لدى الآباء والأجداد ~~، ( @QUR@07 وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب )، بل إننا في شك يتزايد ~~في مضمون الدعوة وشكلها وصاحبها ، كلما امتدت الدعوة فينا. ولكن هل هم ~~جادون في ادعائهم الريب والشك في هذه الدعوة؟ وكيف يوفقون بين الالتزام ~~بالكفر الذي يعني الجحود والنكران والقناعة المضادة المضادة لخط الإيمان ، ~~وبين التأكيد على الشك الذي يمثل حالة التذبذب بين مضمون الإيمان ومضمون ~~الكفر؟ فإن هذا يشبه الجمع بين الشك بالشيء واليقين بخلافه ، إلا أن يكون ~~المراد من الكفر عدم الإيمان الذي يلتقي بالشك ، لا الإيمان بالعدم ، ولهذا ~~كان رد الفعل لدى الرسل ، أنهم ناقشوا مسألة الشك ولم يناقشوا مسألة ~~الإيمان بالعدم. # وقد نلاحظ أن هؤلاء يحاولون التهرب من خط الالتزام بمثل هذه PageV13P086 # الادعاءات ، لأن القضية لو كانت قضية الشك الجدي في مضمون الدعوة ، لكان ~~من المفروض أن يقفوا ليدخلوا في تفاصيل العقيدة ومسائل الدعوة ، ليثيروا ~~علامات الاستفهام حول النقاط المثيرة للريب ، الباعثة على الشك ، ولكنهم ~~تركوا القضية في دائرة الإبهام والغموض ليثيروا الضباب ، وليهربوا من حركة ~~المسؤولية في خط الحوار. وهذا هو ديدن كثير ممن لا يريدون مواجهة ms3077 الدعوة ~~بمسؤولية فكرا وممارسة ، فيلجئون إلى الإيحاء بالشك من زاوية فكرية يبحثون ~~من خلالها عن اليقين ، في حين أنهم ينطلقون من مواقع العناد الذي لا يريدون ~~التعبير عنه بصراحة. # * * * ### ||| ** تأكيد الرسل على حقيقة وجود الله # ( @QUR@08 قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض )، إن قضية الشك ~~في كل القضايا ، لا بد من أن تخضع لمعطيات تحتويها داخليا أو خارجيا فيما ~~يتمثل فيه الغموض أو الالتباس الذي يحجب الوضوح عن الرؤية ويعقد الحل ~~للمشكلة ويبتعد بالفكرة إلى آفاق الضباب. وهذا ما يمكن ملاحظته في كثير من ~~الأمور التي يختلف فيها الناس ، وتتعدد فيها الآراء ، لتعدد وجوهها ~~وإمكانات تفسيرها. ولكن هل يمكن أن يقترب الشك من إشراقة الشمس في رابعة ~~النهار ، أو يلتقي الغموض بالصحو المنتشر في صفاء السماء؟ # بالتالي ، كيف يمكن أن يتحدث هؤلاء عن الشك في وجود الله أو في توحيده ، ~~وهم يعيشون حضوره في وجودهم ، في ما يفكرون ، وفي ما يحسون ، وفي ما ~~يمارسونه من شؤون الحياة. هذا الحضور الذي لا يغيب عن شيء ، ولا يغيب عنه ~~شيء ولا يخلو منه شيء ، وهو الذي فطر السماوات والأرض بقدرته ، ففي كل ~~ظاهرة إشراقة لوجوده ، ودلالة على توحيده. إن المسألة لا تحتاج إلى تحليل ~~فلسفي يضيع معه الإنسان في ضباب الفكر ودخانه ، بل يكفي لتأكيدها حس صاف ~~يتطلع إلى ما حوله ، PageV13P087 # وفكر ينطلق في آفاق الكون للالتقاء بالحقيقة الإلهية في وعي الوجدان ~~وصفاء الحس وإشراقة الفكر ، بعيدا عن كل شبهة وعن كل غموض. ولهذا فإن الشك ~~الذي يحصل لدى البعض ، لا يعبر عن حالة فكرية ، بل يعبر عن عقدة مرضية ~~وانحراف. # إنه الله الحاضر في الوجدان الصافي ، الذي فطر السموات والأرض ، وفطر ~~الإنسان بقدرته ، ولم يخلقه عبثا ، بل أراد له أن يتحرك في نطاق المسؤولية ~~، فإذا انحرف عن خطها الأصيل في لحظات الضعف ، فإنه لا يهمله ولا يتركه ، ~~بل يظل يرعاه ويدعوه ليؤكد له رحمته ولطفه وعطفه ، ( @QUR@05 يدعوكم ليغفر ~~لكم من ذنوبكم ) في دعوتكم للسير على نهجه الأصيل الذي بعث به ms3078 رسله ، ~~لمنعكم بذلك عن المعصية ، قبل الوقوع فيها ، أو تخليصكم من نتائجها بعد ~~الوقوع فيها ، بما تمثله المغفرة في الخط الأول ، من وقاية للإنسان ، وبما ~~تمثله في الخط الثاني ، من رحمة له ، وإبعاد له عن الوقوع في الهلاك ، ( ~~@QUR@04 ويؤخركم إلى أجل مسمى )، ليترك لكم الفرصة للتراجع عن خط الانحراف ~~، وللابتعاد عن خط الكفر. وذلك هو منطق الرسل الذين يريدون لأممهم اللقاء ~~بالله والقرب منه من أقصر طريق من موقع نعمة الوجود والحياة. فما ذا كان ~~جواب هؤلاء؟ هل ناقشوا الفكرة وحاوروا؟ # الواقع أن شيئا من ذلك لم يحصل ، بل هربوا إلى زاوية أخرى ، يثيرون من ~~خلالها الشك حول رسالة الرسل ، بطرحهم بعض المفاهيم القلقة حول شخصية ~~الرسول ، الذي لا بد من أن يكون من طينة غير طينة البشر ، كأن يكون من ~~الملائكة أو من نوع آخر. # * * * ### ||| ** تمسك أقوام الرسل بعبادة الآلهة المزيفة # ( @QUR@013 قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا ) ما هي ميزتكم علينا ليكون لكم دور الرسل ، ويكون لنا دور الأتباع ~~، وحديثكم PageV13P088 # عن الله وتوحيده وعبادته ليس سوى خطة تخريبية ضد المقدسات التي كان يتعبد ~~لها الآباء والأجداد ، لذا نعتبرها عدوانا علينا وعلى التاريخ الذي نحترمه ~~ونتعاطف معه ونقدسه. # ( @QUR@03 فأتونا بسلطان مبين ) يؤكد ما تدعونه من نبوة تمثل الاتصال ~~بالله الذي يعني بطريقة وبأخرى امتلاككم لقوة خارقة قادرة على تغيير مظاهر ~~الكون حولها ، كما أن الله قادر على ذلك ، ولكننا لا نرى لكم مثل هذه القوة ~~وهذا السلطان ، فأنتم لا تقدمون إلا الكلام تدعوننا من خلاله إلى توحيد ~~الله ونفي الشركاء عنه ، كأي شخص عادي يحمل دعوة إلى فكر معين. # ( @QUR@016 قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من ~~يشاء من عباده )، فنحن لا ننفي البشرية في أصل وجودنا وفي حركة هذا الوجود ~~، ولكننا ننفي الفكرة التي تعارض بشرية الرسول ، فإن الرسالة هي كرامة من ~~الله لبعض عباده الذين أراد لهم أن يحملوا تعاليمه إلى الناس ، فما المانع ~~من أن ms3079 يكرم الله الإنسان بحمل الرسالة ويمن عليه بها؟ وما الفرق بين ~~الإنسان وبين الملك في هذه النقطة ، ما دامت القضية قضية رسالة وتبليغ ، لا ~~قضية تغيير لنظام الكون ، للتفريق بين الإنسان والملائكة؟ ثم من قال إن ~~الملائكة يملكون قدرة خارقة غير ما يملكه الإنسان ، ما دامت المسألة متعلقة ~~بقدرة الله التي يمكن أن يعطيها أو يسلبها لأي مخلوق من عباده؟ # ( @QUR@09 وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله )، لأننا لا نملك ~~القدرة الذاتية على ذلك ، ولا يملكها غيرنا ، بل هي ملك الله وحده ، فإذا ~~لم يأذن لنا بذلك إذنا تكوينيا ، فكيف يمكن أن يكون لنا هذا السلطان ، فهو ~~الخالق والرازق والقادر على كل شيء والمرجع في كل شيء ، ( @QUR@04 وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون ) لأنه هو الذي يملك القدرة على أي شيء يريدون ~~الحصول عليه أو الحماية منه. # وهذا ما ننطلق منه ونسير عليه ، فإننا لم نبدأ الطريق إلا من خلال PageV13P089 # توكلنا عليه ( @QUR@06 وما لنا ألا نتوكل على الله ) من موقع الثقة ~~المطلقة به ( @QUR@03 وقد هدانا سبلنا )، وعرفنا طريق الحق والباطل ، وقوي ~~إرادتنا في اتجاه الحق حتى اهتدينا عبر ما آمنا به من عقيدة ، وحملناه من ~~رسالة ، وبلغناه من دعوة إلى سواء السبيل. وليست عندنا مشكلة تجاه ما ~~تمارسونه ضدنا من ألوان الإيذاء ، لأننا نعرف مسبقا أن الرسالة ستواجه ~~تحديات تجعلنا ندفع ضريبة استمرارنا بها ، ( @QUR@04 ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا ) لأن صاحب الرسالة يدرك جيدا ، أن القوى المضادة تعمل على إسقاط ~~روحه المعنوية وهزيمته نفسيا بهدف إبعاده عن الساحة ، ولهذا فإن من ~~مسئوليته أن يثبت ويتحمل الحرمان والاضطهاد والإذلال ، للانتصار على تمرد ~~المعاندين وجحودهم في نهاية المطاف. فالثقة بالله وبالنتائج الإيجابية التي ~~يحملها المستقبل ، يدفعنا إلى مواصلة خط السير ، مهما واجهنا من مصاعب ~~ومشاكل وآلام ، ( @QUR@04 وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) لأنه هو الذي ~~يحميهم من كل أخطار المجهول ومشاكله ، فهو حسبهم ونعم الوكيل. # * * * ### ||| ** شعار الرسل هو الأنسب للدعوة # وهذا هو شعار الرسل الذي ينبغي للدعاة إلى الله ، والعاملين في سبيله ، ~~أن يحملوه في ms3080 كل مراحل مسيرتهم التي يواجهون فيها التحديات الصعبة من قبل ~~قوى الكفر والضلال ، وأن يتمثلوه في أنفسهم ، وأن يعيشوه في وجدانهم ، إذا ~~أحاطت بهم الأخطار والأهوال ، وواجهوا مخاوف المجهول ، لأن الله يملك الأمر ~~كله ، ويحيط بعلمه وقدرته بكل جوانب المجهول وخفاياه وكل مخاطره وأهواله ، ~~والإيمان العميق به يملأ النفس ثقة وقوة واطمئنانا بملئه فراغ الإنسان كله ~~بلقاء الله الدائم ، بحيث لا يترك مجالا للحيرة والقلق والضياع ، أمام الخط ~~الثابت الواضح الذي يتصل بالإرادة الإنسانية في ما يملك الإنسان أمره في ~~الحاضر ، والذي يلتقي بالإرادة الإلهية ، في ما لا يملكه الإنسان في ~~المستقبل. وبذلك لا ينطلق التوكل من حالة هروب من الواقع ، كما لا يمثل ~~حالة فراغ في التصور والممارسة في الحياة. # * * * PageV13P090 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) @QUR@010 ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) @QUR@05 واستفتحوا وخاب كل جبار ~~عنيد (15) @QUR@07 من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) @QUR@016 يتجرعه ~~ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ) (17) # * * * ### ||| ** خيبة كل جبار عنيد # ويستمر الحديث بين الرسل وبين الكافرين من أممهم ، دون فرق في المنطق ~~والموقف بين أمة وأمة ، حيث لا يوجد فكر يحكمها ، بل عنف يتمسك به من لا ~~يتقنون فن الحوار ، ولا يحملون قوة الفكر ، ولا يعيشون وعي الموقف. # ( @QUR@011 وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا )، إنه موقف أخير وإنذار حاسم ، لا مجال معه للتسويات بينهم وبين PageV13P091 # الرسل ، فلا بد من أن ينسجم الرسل مع الأجواء العامة التي تحكم حياة ~~أقوامهم ، لجهة ما يعتنقونه من أفكار ، وما يضعونه من مشاريع ، وما يتخذونه ~~من مواقف ، وإلا فليلتمسوا بلادا أخرى يعيشون فيها ، حتى لا يهدموا وحدة ~~الأمة. وبذلك فإن العودة في ملة الكفار التي اشترطها أولئك على الرسل لا ~~تعني أن الرسل كانوا كفارا كما يدل المعنى الحرفي للعبارة ، لأن ذلك لا ~~ينسجم مع التاريخ الإيماني للرسل ، بل إنهم ms3081 كانوا غير معارضين بالمعنى ~~الحركي للكلمة ، وإن كانوا كذلك بالمعنى الفكري للإيمان. وهكذا وقف ~~الكافرون ليطرحوا عليهم الابتعاد عن خط المعارضة والتحدي في حركة الإيمان ~~تحت تأثير التهديد بالإبعاد عن أرضهم. إنهم يستضعفون الرسل ليخضعوا لمنطق ~~القوة ، لأن الرسول كان وحيدا في البداية والجميع ضده إلا من اتبعه من ~~الضعفاء. # ولكن الله لا يترك رسله لهذا الموقف الذي يضغط عليهم بكل قوته وجبروته ، ~~( @QUR@05 فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين )، فهذه هي إرادة الله في ~~إهلاك هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، وظلموا الناس من حولهم ، بعد أن أقام ~~الله عليهم الحجة تلو الحجة من خلال الرسل ، فلم يأخذوا بأسباب الإيمان ، ~~بل أمنعوا في خط الكفر والعناد والضلال. وهكذا أراد الله أن يعيش الرسل ~~الشعور بالقوة ، عند ما يتابعون الموقف بصلابة وقوة ، ويستقرون في أرضهم ~~بعد أن يخرج منها الظالمون إلى غير رجعة بعد أن يهلكهم الله ، ( @QUR@04 ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم )، فتكونون أولى بالقوة ، ويكونون أولى بالسقوط ~~، ( @QUR@06 ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) فراقب الله في كل مواقفه وخشي ~~عذابه الذي توعد به المنحرفين عن هداه ، فأطاع الله في كل أوامره ونواهيه. # ( @QUR@01 واستفتحوا )، أي طلبوا الفتح والانتصار على الرسل ومن اتبعهم ~~من المؤمنين ، ولكنهم لم يحصلوا على شيء مما أرادوه ، ( @QUR@04 وخاب كل ~~جبار عنيد ) من هؤلاء الذين عاشوا الكبرياء ، في ما كانوا يتمتعون به من ~~مال وجاه PageV13P092 # وقوة ، دفعهم إلى العناد والتمرد والجحود ، فلم ينفعهم ذلك كله ، ( ~~@QUR@03 من ورائه جهنم ) التي دخلوها من خلال أعمالهم السيئة وعنادهم ~~وكبريائهم ، ( @QUR@04 ويسقى من ماء صديد ) وهو القيح المختلط بالدم ( ~~@QUR@01 يتجرعه ) الكافر عند ما يحس بالعطش ( @QUR@03 ولا يكاد يسيغه ) أي ~~يبتلعه لأن نفسه لا تتقبله ، لما يثيره في داخله من مشاعر القرف ، ( ~~@QUR@05 ويأتيه الموت من كل مكان ) من خلال العذاب الغليظ الذي يحيط به من ~~كل جهة حتى يشعر وكأن نفسه تزهق من ذلك ويتمنى لو يريحه الموت ويتحول ~~بالنسبة له إلى حلم لذيذ يطلبه ، ولكن الموت لا يأتي إليه ( @QUR@03 وما هو ~~بميت ) فتبقى مكامن الإحساس في جسده ms3082 ، ليتعذب بها ، وليمتد عذابه ما امتدت ~~حياته ( @QUR@04 ومن ورائه عذاب غليظ ) في حجمه ونتائجه ، وذلك جزاء ~~الكافرين المتكبرين المعاندين. # * * * PageV13P093 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ) (18) # * * * ### ||| ** أعمال الكفار لا قيمة لها عند الله # إن قيمة العمل الذي يستحق ثواب الله ، لا تتحدد في طبيعته الذاتية لجهة ~~الكم والنوع ، بل تتحدد على ضوء خلفياته داخل وعي الإنسان ، وانطلاقه من ~~الإخلاص لله حبا له والتزاما بأوامره. فإذا كان وراء العمل غاية ذاتية أو ~~تجارية ، فإنه يفقد قيمته عند الله. وقد ورد في حديث الإمام علي عليه السلام ~~: «من يعمل لغير الله يكله الله لمن عمل له» (1). فالإسلام يريد أن يؤكد ~~في وجدان الإنسان وفي حياته ، على العمل المنطلق من قاعدة ثابتة في النفس ، ~~تضمن استمرار دوافعه الخيرة ونهجه القويم ، وتحمي الحياة من الأطماع ~~والأهواء التي تتحكم بالإنسان. PageV13P094 # وقد يندرج في إطار العمل لله ، ما ينطلق من الذات دون خليفة تجارية تتطلب ~~ربحا ماديا أو معنويا وامتيازات دنيوية ، فإن الظاهر في مثل هذه الحال أنه ~~متأت عن إيمان راسب في داخل النفس وعمق الضمير ، تحت ضغط مشاكل الحياة أو ~~أمور أخرى تعيق الإحساس بامتداده الروحي في الأعماق. # ( @QUR@04 مثل الذين كفروا بربهم ) لجهة نتائج أعمالهم التي قاموا بها ، ~~على أساس خط الكفر حيث لا ينطلق الإنسان من قاعدة أخلاقية أو روحية ترتبط ~~بالله ، ( @QUR@08 أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) فلم تبق منه ~~شيئا ، ( @QUR@06 لا يقدرون مما كسبوا على شيء )، لأن الريح التي عصفت به ~~حولته إلى ذرأت ضائعة في الفراغ ( @QUR@04 ذلك هو الضلال البعيد ). وأي ~~ضلال أعظم وأبعد مما يقوم به الإنسان ويجهد نفسه فيه ، من أعمال شاقة ~~ومتعبة دون أن يحصد منها أية نتيجة إيجابية في مصيره النهائي حيث يحتاج ~~الإنسان إلى كل جهد قام به مهما كان صغيرا. إنه الضياع الذي يمثل الخسارة ~~على كل صعيد. # * * * PageV13P095 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ms3083 بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد (19) @QUR@05 وما ذلك على الله بعزيز ) (20) # * * * ### ||| ** قدرة الله على إيجاد خلق جديد # إن قضية الايمان والكفر ، ليست من القضايا التجريدية التي يدرسها الإنسان ~~من مواقع التحليل الفكري المجرد ، بعيدا عن حقيقة وجود الإنسان في نفسه ، ~~وفي قدرته المحدودة أمام قدرة الله المطلقة ، وفي ارتباط وجوده بالله من كل ~~جهة ، بحيث إن استقلاله وثباته وتماسكه مرتبط بالله في حين أن الله غني ~~بالمطلق عنه وعن كل المخلوقات الأخرى ، بالتالي فإن زوال أي إنسان تماما ، ~~ومجيء خلق آخر غيره ، كما جاء هو بعد زوال مخلوقات أخرى قبله ، لا يمثل ~~مشكلة بالنسبة لله. # ولهذا كان الاتصال بالله ، من خلال الحق ، هو الذي يعطي لوجود الإنسان ~~عمقا ، ولحياته امتدادا حيث يصبح جزءا من خطة الحق التي أراد الله PageV13P096 # أن تحكم قوانينها ونظمها الحياة ، وليتحسس الإنسان منها كيف يمكن للإيمان ~~أن ينطلق في داخله قويا قوة الحق ، ثابتا ثبات السماء والأرض. # ( @QUR@08 ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق )، في ما أودعه من ~~سنن كونية تتحرك من خلالها الظواهر والمخلوقات ، وفي خلقه الإنسان والحيوان ~~والنبات والجماد. وإذا كان الله قادرا على هذا الخلق العظيم بحجمه ، الذي ~~يمثل الإنسان جزءا صغيرا منه ، فإنه قادر على التصرف بخلقه ، وجودا وعدما ~~لقدرته التي بها قوام السماوات والأرض ، مما يفرض على الناس أن يرجعوا إليه ~~ويرتبطوا به ، ليتمكنوا من الامتداد في الوجود ، ( @QUR@06 إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد )، لأنه الغني المطلق الذي لا حاجة به إلى أحد من خلقه ، ~~بل الخلق محتاجون إليه ، ولا فرق بين مخلوق ومخلوق عنده في ذلك ( @QUR@05 ~~وما ذلك على الله بعزيز ). # * * * PageV13P097 ### ||| * الآيات # ( @QUR@034 وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم ~~سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) @QUR@044 وقال الشيطان لما ~~قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ms3084 لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم ~~وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ~~(22) @QUR@017 وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ) (23) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وبرزوا لله ): ظهروا له. # ( @QUR@01 مغنون ): دافعون. # ( @QUR@01 محيص ): منجى ومهرب. PageV13P098 # ( @QUR@01 بمصرخكم ): مغيثكم. # * * * ### ||| ** حوار الضعفاء والمستكبرين والشيطان يوم القيامة # تتناول الآيات موقف المواجهة الصعب يوم القيامة ، بين الضعفاء ~~والمستكبرين من جهة ، والعذاب الذي يلقونه جميعا عقابا على ما عملوا وما ~~أسلفوا من خطايا وذنوب وجرائم ، كانت تجسد التمرد على الله وعلى رسله ~~وشرائعه ، من جهة أخرى ، في حوار تتنوع طبيعته تبعا لاختلاف مواقع أطرافه ~~والعلاقات التي كانت سائدة بينهم ، ونجد في هذه الآيات النموذج الرائع الذي ~~يوضح لنا الفكرة بأسلوب حي. # * * * ### ||| ** وبرزوا لله جميعا # ( @QUR@03 وبرزوا لله جميعا ) ظهروا لله في موقف المسؤولية الحاسم الذي ~~لا يملكون فيه إلا النطق بالحق ، بعيدا عن كل عوامل القوة والضعف التي كانت ~~تحكم علاقاتهم في الحياة ، فهم الآن متساوون أمام الله بصفتهم الحقيقة التي ~~توحدهم جميعا كعبيد أمامه. # ( @QUR@08 فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ) لقد كنا نمثل ~~الفئة المسحوقة التي لا تملك أن تريد أو لا تريد بما تعنيه التبعية في كل شيء. # إن الآية تؤكد لنا كيف واجه الجميع نتائج المسؤولية في عذاب الله ، وإن ~~اختلفوا في نوعية العذاب ، وتصور لنا موقف أولئك الذين أخضعوا إرادتهم ~~لإرادة الآخرين ولنزواتهم في حين كانوا يستطيعون تحرير أنفسهم وإرادتهم من ~~تلك التبعية ، ولكنهم خضعوا أمام مظاهر القوة ومطامع المال التي ساقتهم ~~للسير خلف المستكبرين دون وعي ولا شعور. PageV13P099 # إنهم الآن يستيقظون على ما وصلوا إليه من واقع يحاولون التخلص من بعض ~~قسوته على الأقل ، متوجهين إلى من كانوا يتبعونهم في كل شيء ، طالبين منهم ~~تحمل تبعاتهم في الآخرة ، مقابل ما تحملوه من تبعاتهم في الدنيا ، تماما ~~كما كان الحال في الدنيا حيث كان الرئيس يقدم لأتباعه الحماية من المتاعب ~~والمشاكل ، مقابل ما يقدمونه من خدمات ms3085 تصل إلى درجة المخاطرة بالحياة. # وينطلق سؤالهم ، بلهجة متوسلة يائسة ، تحمل كثيرا من خيبة الأمل ، وعدم ~~الثقة بالنتيجة ، كما توحي كلمة «من شيء» في سؤالهم ( @QUR@09 فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء )، أي شيء ، ولو بالمقدار الذي يخفف عنا ~~قسوته وشدته؟ # وتجسد الصورة القرآنية تهرب أولئك المستكبرين ، باعتبار الموقف يائسا من ~~كلا الطرفين ، فهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ، فكيف يملكون لأتباعهم الحماية ~~، حيث لا متسع للحساب ، ولا مجال للهروب ، بل أمامهم الاستسلام اليائس ~~للمصير الذي تعبر عنه هذه الكلمة القرآنية أبلغ تعبير : ( @QUR@05 قالوا لو ~~هدانا الله لهديناكم )، لأن المشكلة أننا ابتعدنا عن الله وتمردنا عليه ، ~~ولم نهتد بهداه ، بعد أن أقام علينا الحجة وتركنا لأنفسنا ، دون أن يتدخل ~~بقوته لفرض الهداية علينا ، فضللنا وأضللناكم لأنكم جعلتم حياتكم تبعا ~~لحياتنا. لذا نقف هنا جميعا وجها لوجه أمام نتائج المسؤولية الصعبة ، دون ~~أن يكون هناك فرق بيننا في الموقف ، لأننا مشتركون في تجميد إرادة الحق في ~~وعينا ، في ما يحكم به العقل والوجدان ، والذي جاءت به الكتب وبلغه الرسل ، ~~واتبعنا شهواتنا ومطامعنا ، فلا بد لنا من أن نواجه الحقيقة ، بكل صعوبتها ~~وقسوتها ( @QUR@09 سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص )، ومهرب من ~~المصير الأسود الذي لا نملك إلا أن نتقبله ونخضع له ، لأننا لا نملك له ~~تغييرا ، PageV13P100 # سواء سقطنا جزعا أو استسلمنا للصبر. # وقد نفهم من جواب هؤلاء المستكبرين ، نوعا من الهروب من طبيعة المسؤولية ~~، فهم لا يعتبرون أنفسهم مسئولين عن ضلال أتباعهم ، لأن الهداية تكون من ~~الله ، فإذا لم يوفرها لهم ، فكيف يمكن أن يوفروها هم لغيرهم. وفي ذلك ~~تجسيد لغاية اليأس في الموقف. # فالله يريد من خلال هذا النص أن يصور للمستضعفين في الدنيا ، كيف تتجسد ~~مواقف الندم واليأس في الاخرة ، ليواجهوا واقعهم ، مواجهة من سيتحمل ~~مسئوليته وحده ، ولذا فإن عليه أن يبدأ الحساب على هذا الأساس. # * * * ### ||| ** تملص الشيطان من مسئولية الضلال # ولعل من الطريف في هذا الحوار أن الشيطان يتدخل كطرف ثالث ، ليبرىء نفسه ~~من مسئولية ms3086 ضلال كلا الطرفين ، التابعين والمتبوعين ، مؤكدا الفكرة الدينية ~~التي تقرر حرية الإرادة التي فطر الله الإنسان عليها ، فليست هناك قوة ~~قاهرة تشلها بدون اختيار صاحبها ، حيث يورد القرآن الكريم : # ( @QUR@05 وقال الشيطان لما قضي الأمر ) وحسمت المواقف ، وانطلقت إرادة ~~الله التي تقود الكافرين والعاصين إلى النار ، وتقود المؤمنين إلى الجنة ، ~~ولم يبق هناك مجال للدفاع أو للاعتذار ، فقد جاء إبليس ليتخفف من بعض ثقل ~~المسؤولية التي يحملها الناس له في عملية الإغواء والإضلال ، ليجعلها على ~~عاتق الناس الضالين : ( @QUR@05 إن الله وعدكم وعد الحق )، بالجنة ~~للطائعين المؤمنين ، وبالنار للعاصين المتمردين ( @QUR@02 ووعدتكم فأخلفتكم ~~)، في ما منيتكم به ودفعتكم إليه ، مما لم يتحقق ، لأن الأمر كان مجرد ~~خدعة وتضليل ، من أجل تحقيق ما أريده من إضلالكم ، وقد عرفكم الله طبيعة ~~الدور الذي أقوم به PageV13P101 # في حياتكم ، وهو دور الإغراء والخديعة والتزيين وتصوير الحق بصورة الباطل ~~، والباطل بصورة الحق ، وتشوية الصورة الجميلة ، وتجميل الصورة المشوهة ، ~~بما أملكه من وسائل وأدوات. وهذا هو كل شيء في دوري معكم ، ولا أملك معه ~~أية قوة إضافية تمكنني من الضغط على إرادتكم بطريقة قاهرة ( @QUR@011 وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي )، بما تتضمنه أساليب ~~الدعوة وأجواؤها من عناصر الإغراء والإغواء ( @QUR@04 فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ) لأنني أتحرك في وسائلي وأهدافي من خلال الخط الواضح الذي أعلنت ~~السير فيه أمام الله ، منذ طلبت منه الإنظار إلى يوم القيامة. ولكن ماذا عن ~~دوركم أنتم ، لماذا لم تلتفتوا إلى أساليبي ووسائلي وغاياتي التي عرفكم ~~الله إياها ، وقد أرسل إليكم الرسل ليحذروكم مني ، وخلق لكم العقل الذي ~~يستطيع أن يحاكم كل الدعوات التي أثيرها في حياتكم ، وكل التهاويل ~~والأحاسيس التي أعمل في سبيل الضغط على مشاعركم من خلالها؟ فليتحمل كل واحد ~~منا مسئولية نفسه ، ( @QUR@03 ما أنا بمصرخكم ) فإذا استغثتم بي من العذاب ~~، فلن أستطيع أن أدافع عنكم ( @QUR@03 وما أنتم بمصرخي ) فلا تملكون لي ~~شيئا إذا استصرختكم واستغثت بكم ، ( @QUR@06 إني كفرت بما أشركتمون من قبل ~~)، فأنا لا أقر ولا أعترف بجعلكم ms3087 إياي شريكا لله في العبادة ، ( @QUR@05 ~~إن الظالمين لهم عذاب أليم ). # وهكذا أغلق الملف الذي يمثل هذه الحالة التي تتحرك فيها الضغوط النفسية ~~أو الجسدية لتلغي إرادة فريق من الناس ، تحت تأثير العوامل الداخلية ~~والخارجية ليواجه كل مسئوليته ، من موقع حرية الإرادة التي تستطيع أن تعبر ~~عن نفسها بألف طريقة وطريقة ، كما لو لم يكن هناك ضغط ، لا من المستكبرين ، ~~ولا من الشيطان نفسه الذي يحمله الناس كلهم مسئولية إضلالهم ، ويلعنونه ~~لذلك. فليس هناك سلطة في الإضلال حتى للشيطان ، بل كل دوره هو أن يوسوس ~~ويثير ويدعو الإنسان إلى الاستجابة له ، بعيدا عن دعوة الله ، وتلك هي ~~مهمته الأساسية ، ويبقى ، بعد ذلك ، للإنسان دوره في PageV13P102 # التفكير والمقارنة بين دعوة الله ، ودعوة الشيطان ، فإذا سار مع دعوة ~~الله ، كان ذلك باختياره ، وإذا انطلق في طريق الشيطان ، فبإرادته سارت ~~خطواته ، فلما ذا يلقون اللوم على الشيطان ، ولا يلقون اللوم على أنفسهم ، ~~في الوقت الذي لم يكن منه إلا إثارة مكامن الشهوة ، وتزيينها للنفس ، بينما ~~كان منهم التصميم والإرادة والعمل؟! # وهكذا تأخذ الفكرة مجالها الطبيعي في الكلمة الأخيرة للشيطان ، التي يقرر ~~فيها حمل الإنسان لمسؤولية إرادته ، في مقابل حمل الشيطان لمسؤولية وسوسته ~~وإضلاله ، دون أن يستطيع أحدهما تخليص الآخر. # ويبرز في خاتمة المطاف العنصر المثير الذي يجعل الشيطان يكفر بإشراكهم ~~إياه بالله ، ليبقى الإنسان المنحرف المتمرد على الله ، وحده ، دون ناصر أو معين. # ويدخل الجميع النار ، ويبقى هناك فريق واحد ، لم يستسلم للمستكبرين ، ~~لأنه كان يملك قوة الموقف الذي يستطيع من خلاله أن يتمرد على كل طروحاتهم ، ~~ويتحدى كل ضغوطاتهم ، ويواجه كل ألا عيبهم ، ولم يستسلم للشيطان ، بعد ما ~~اكتشف خداعه وتضليله ، وعرف كل النتائج السلبية التي تحصل من اتباعه والسير ~~معه ، واستطاع هذا الفريق أن يكتشف الطريق المستقيم الذي يؤدي به إلى الله ~~، ويربطه بالجانب الخير من الحياة. # ( @QUR@014 وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم ) بما أعده للمؤمنين عاملي الصالحات من نعمة ~~ورحمة وكرامة ، ( @QUR@03 تحيتهم فيها ms3088 سلام ) تعبيرا عن تكريم الله لهم ، ~~لما توحيه كلمة السلام من معاني الطمأنينة الروحية التي تفتح قلب الإنسان ~~على كل خير وحق وإيمان. # * * * PageV13P103 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء (24) @QUR@012 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) @QUR@013 ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) @QUR@018 يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء (27) @QUR@012 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم ~~دار البوار (28) @QUR@04 جهنم يصلونها وبئس القرار (29) @QUR@012 وجعلوا ~~لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) @QUR@021 ~~قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اجتثت ): اقتلعت واستؤصلت. # ( @QUR@01 قرار ) القرار : الاستقرار. PageV13P104 # ( @QUR@01 البوار ): الهلاك. # ( @QUR@01 يصلونها ): يقاسون حرها. # ( @QUR@01 بيع ): البيع : الفدية. # ( @QUR@01 خلال ): الصداقة. # * * * ### ||| ** مثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة # ( @QUR@06 ألم تر كيف ضرب الله مثلا ) للفكرة التي تتحرك التي خارج نطاق ~~الحس بالنموذج المتجسد في دائرة المادة التي يطالها حس الإنسان البصري ، ~~ليكون ضرب المثل أسلوبا حيا من أساليب تمثل الفكرة بطريقة حية موحية ، لأن ~~الناس يتمثلون المحسوسات أكثر مما يتمثلون المعقولات ، الأمر الذي يجعل ~~تشبيه مدلول المعقول بالمحسوس سبيلا لتقديم المعقول إلى الذهن. وهذا ما درج ~~القرآن على استعماله في تقديم أكثر من فكرة في أكثر من موقع ، بأوضح ~~الأساليب وأقربها إلى الوعي ، بهدف إيصالها. # من هنا استخدمت الآية الكلمة الطيبة بأوسع معانيها ، في مداليلها الفكرية ~~والعملية لجهة ما يتصل بالعقيدة والشريعة والأخلاق ، والمنهج العملي لحركة ~~الحياة من حول الإنسان ، للتدليل على ما يريد الله للناس أن يعيشوه في ~~أفكارهم وعلاقاتهم ومواقفهم العامة والخاصة. # ( @QUR@09 كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) بما يمثله ~~ذلك من عمق في امتداد جذورها في الأرض بمستوى يمنحها القوة والثبات ، بحيث ~~لا يمكن لأية ريح أن تقتلعها ms3089 ، مهما كانت قوتها ، ومن ارتفاع في حركة نمو ~~الفروع وامتدادها في السماء ، ( @QUR@06 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها )، فليس PageV13P105 # لثمرها وعطائها وقت محدود ، لما أودعه الله فيها من عناصر النمو الذاتية ~~والقدرة على الاستمرار في التفاعل مع كل العوامل الخارجية المحيطة بها. # فإذا حاولنا استيحاء هذا المعنى في فهم الكلمة الطيبة ، فسنجد أنها تمتد ~~بالعمق من حياة الإنسان حيث يوجد ما يصلحه ويقويه وينميه في دائرة الحق ~~الثابت في الكون ثبات الجذور في الأرض ، لأنه لا يمثل حالة طارئة أمام فكرة ~~سريعة ، لينتهي بانتهاء تلك الحالة ، بل هو ظاهرة ثابتة مستمدة من ذاتية ~~القوانين التي أودعها الله في الكون كما أنها تمثل الأصول القوية التي ~~تتفرع منها قضايا العقيدة والسياسة والاقتصاد والاجتماع ، وما يتعلق بها من ~~أوضاع وعلاقات ومواقف ، تستوعب كامل آفاق الحياة العامة وتغطي بعطائها ~~الدائم كل ما يحتاجه الإنسان في حركة الوجود من حوله. وهكذا تقدم عملية ~~المقارنة بين الشجرة الطيبة التي يتمثلها الإنسان في حسه ، وبين الكلمة ~~الطيبة التي يتمثلها في وعيه ، توضيحا للصورة ضمن الأسلوب القرآني في إيضاح ~~حالات الغموض والإبهام. ( @QUR@06 ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ~~)، أن التمثيل الحقيقي لحقائق الأشياء يدفع الناس إلى التذكر عبر التأمل ~~والتفكير العميق المنفتح على الحقيقة. # * * * ### ||| ** مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة # ( @QUR@03 ويضرب الله الأمثال ) في الجانب الآخر من الصورة ، أي خط السلب ~~في الحياة ، حيث الانحراف عن الخط المستقيم ، نتيجة بعض الرواسب الذاتية أو ~~الاجتماعية التي تبعد الإنسان عن القيم الروحية والإنسانية. # ( @QUR@03 ومثل كلمة خبيثة ) في ما يتمثل فيها من معاني الكفر والضلال والزيف PageV13P106 # والنفاق وغير ذلك مما يتصل بالعقائد الفاسدة ، والأخلاق الذميمة والخبيثة ~~والصفات السيئة ، ( @QUR@02 كشجرة خبيثة ) لا يطيب ثمرها ، ولا تعطي ظلا ( ~~@QUR@04 اجتثت من فوق الأرض ) أي استؤصلت من سطح الأرض ( @QUR@04 ما لها من ~~قرار ) لأنها لا تملك عمقا في الجذور يمتد بها في التربة ويمنحها قوة ~~الثبات في الأرض ، وبذلك ، فإن من الممكن لأي اهتزاز أن يطيح بها ويسقطها. # وهذا هو المثل الحسي للكلمة الخبيثة التي ms3090 لا تملك في مضمونها ثباتا قادرا ~~على تثبيتها في حركة الواقع ، لأنها لا تمثل حقيقة ، ولا تملك حجة تثبت ~~موقعها في الفكر الذي يتحرك من مواقع البرهان ، ولا تحقق عمليا أي نفع ~~للناس وللحياة ، لتكون منافعها سببا لامتدادها في حياة الناس. # وهكذا ينبغي للناس أن يواجهوا الكلمات في مداليلها الفكرية والشعورية ~~والعملية ، وفي تأثيرها على وعي الشخصية الإنسانية للفكر ، وعلى حركة ~~الساحة في الواقع ، وعلى عمق النتائج في الحياة ، فلا يتوقفوا أمام الأجواء ~~الخيالية أو الضبابية أو السحرية التي تستهوي مشاعرهم بشكل سريع ، ولكنها ~~تذوب في دخان الغرائز والشهوات ، لأن قيمة الكلمة هي في عمقها وامتدادها ~~وفعاليتها في خط الخير. # * * * ### ||| ** تثبيت الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة # وهذا ما ينبغي للمؤمن أن يعيشه ويتحرك فيه ويسمو إليه ، لينطلق في الحياة ~~الفكرية التي تمثل خط السير لديه ، من قاعدة ثابتة على أساس الحق في ~~المضمون ، والحجة في الحق ، لئلا تهتز حياته باهتزاز قناعاته عند أول ريح ~~تهب على فكره من هنا وهناك ، إنه القول الثابت بالحجة الواضحة القوية التي PageV13P107 # يستطيع الإنسان من خلالها أن يقف في ساحة الصراع بخطوات ثابتة ، لا يملك ~~أهل الباطل أن ينحرفوا به عنها ( @QUR@09 يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا ) بحيث لا يسقطون أمام الفتنة ، ولا ينهارون أمام ~~الاضطهاد ، ولا ينحرفون أمام الإغراء ( @QUR@02 وفي الآخرة ) في وقوفهم ~~بثبات أمام الله ، في لحظات الحساب دون أن تهزهم أو تسقطهم أهوال القيامة ، ~~لأنهم يملكون الرؤية الواضحة لكل الحق الذي اعتقدوه أو عملوا به. فهم ~~يملكون لكل سؤال جوابا ، ولكل عمل تفسيرا ، ذلك أن الإيمان الذي يتعمق في ~~الفكر والروح والشعور ويمتد في الحياة ، يمنح صاحبه الثبات في الخطى ، ~~والقوة في الموقف. # * * * ### ||| ** إضلال الله الظالمين # أما الذين كفروا ، بما يمثله الكفر من أوهام وتخيلات لا تثبت أمام النقد ~~أو التحدي لافتقارها إلى الحجة ، فإنهم يزدادون ضلالا كلما امتدت بهم ~~الحياة ، لأنهم ولروحية العناد التي تحكمهم ، لا يريدون لضلالهم أن يتحول ~~إلى هدى ، فيتركهم الله لضلالهم في الدنيا ، من ms3091 خلال اختيارهم لذلك ، ~~ويحملهم مسئوليته في الآخرة ، بالنتائج السلبية التي يفرضها ، وهذا هو معنى ~~إضلال الله لهم ، إذ إنه يترك لحياتهم حرية التحرك من مواقع الأهواء ( ~~@QUR@03 ويضل الله الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتمرد والعصيان ~~، فاختاروا لأنفسهم الضياع في الطريق ، والضلال عن الهدف السوي والصراط ~~المستقيم ، ( @QUR@04 ويفعل الله ما يشاء ) مما تقتضيه الحكمة في تدبير ~~أمور الناس وفي شؤون الحياة ، لأنه هو الذي لا راد لمشيئته ، فإذا أراد ~~شيئا كان. # ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا )، فلم يستجيبوا لما ~~تفرضه عليهم نعمته من مسئولية الشكر العملي بالايمان والطاعة ، ولم يثمروا ~~نتائج لهذا PageV13P108 # النعمة بشكل خير ، بل عملوا على توجيهها بالاتجاه المعاكس الذي لا يريد ~~الله أن تسير فيه ، وحولوها بذلك من مصدر خير ونجاة للناس ، إلى مصدر شر ~~وهلاك لهم وللحياة ، فضلوا وأضلوا ( @QUR@04 وأحلوا قومهم دار البوار ) أي ~~دار الهلاك ( @QUR@02 جهنم يصلونها )، جزاء لكفرهم وعصيانهم ( @QUR@02 ~~وبئس القرار ) لأنهم لا يطمئنون فيه إلى مصير مريح لما يلاقونه من عذاب ~~متواصل لا نهاية له ، ولا انقطاع. # ( @QUR@03 وجعلوا لله أندادا ) لما ابتدعوه من آلهة ، بحيث أعطوها ~~القداسة وعبدوها ، وأخلصوا لها الطاعة ، ( @QUR@03 ليضلوا عن سبيله ) لما ~~يمثله ذلك من انحراف عن المنهج الذي يريد الله للناس أن يتخذوه في حياتهم ~~العامة والخاصة ، وابتعاد عن الأهداف التي يريد الله للحياة أن تتجه إليها. ~~( @QUR@02 قل تمتعوا ) وخذوا حريتكم في ما تتقلبون به من حياة وصحة وأمان ، ~~واستسلموا للحظة الحاضرة التي تشغلكم عن التفكير بالمصير الذي تتجهون إليه ~~، فتؤدي بكم إلى الغفلة الخادعة التي تثير فيكم الشعور بالثقة في المستقبل ~~، والقوة في الموقف ، ( @QUR@04 فإن مصيركم إلى النار ) لأنها النهاية ~~الطبيعية لتلك البداية. وهذا هو منطق الرسالة الذي يخاطب به الرسل هؤلاء ~~المعاندين المتكبرين الذين أصروا على الكفر والعصيان ، أما الذين لا تزال ~~قلوبهم مفتوحة للموعظة وللنصيحة ، فإن هناك منطقا آخر ، يوجه إليهم بأسلوب آخر. # * * * ### ||| ** دعوة المؤمنين للصلاة والإنفاق # ( @QUR@04 قل لعبادي الذين آمنوا ) الذين يريدون النجاة في الدنيا ~~والآخرة ، ويبحثون عن أفضل السبل المؤدية إليها ، ( @QUR@02 يقيموا ms3092 الصلاة ~~) لأنها معراج روح PageV13P109 # المؤمن إلى الله ، والناهية له عن الفحشاء والمنكر ، والمنفتحة به على كل ~~الآفاق الروحية التي تسمو به في رحاب الله وتحرك فيه كل عوامل الخير في ~~الحياة ، ( @QUR@05 وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) بما يمثله الإنفاق ~~من روحية عطاء تنفتح على مشاكل البائسين والمحرومين وآلامهم بكل إيجابية ~~المسؤولية ، وتتلمس المواقع الصعبة لتواجهها بكل ما يمكن أن يخفف من ~~صعوبتها ويدفعها إلى طريق الحل ، دون فرق بين حالة الإسرار التي قد تفرضها ~~الحاجة إلى حفظ كرامة هؤلاء البائسين الذين يريدون للناس أن يكتشفوا واقع ~~الحاجة في حياتهم ، وبين حالة الإعلان ، التي قد تفرضها الحاجة إلى تشجيع ~~الآخرين على الخير ، بتشكيل القدوة الحسنة لهم. وهكذا يعيش المؤمن في ~~الإنفاق ، معنى العبادة العملية من موقع التقرب إلى الله ، والاتجار معه ~~الذي لا ينتفع العباد بشيء كما ينتفعون به ، ( @QUR@010 من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلال ) وهو يوم القيامة الذي يستطيع أي إنسان أن يكتسب فيه ~~شيئا لم يكتسبه من قبل ، لأنه يوم مواجهة الإنسان لنتائج المسؤولية ، لا ~~يوم التحرك في خطها ، لذا لا يستطيع أن يعتمد في النجاة على أي علاقة صداقة ~~وقرابة أقامها ، لأنه اليوم الذي لا يغني فيه أحد عن أحد ، وإن كانت خلة ~~المؤمنين لا تنقطع ، بل تمتد إلى يوم القيامة ، ولكن امتداد الخلة شيء ، ~~والانتفاع بها يوم القيامة للنجاة من العذاب شيء آخر. # * * * PageV13P110 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ~~(32) @QUR@09 وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) ~~@QUR@015 وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 دائبين ): دائمين. # * * * ### ||| ** نعم الله على العباد لا تحصى # ينفتح التصور الإنساني ، على آيات عظمة الله في الكون ، ومواقع قدرته ، ~~وحركة نعمته ، من خلال ما يشاهده الإنسان ببصره ، ويعيشه في وجوده ، ويلتقي ~~به في كل مفردات حياته ، وذلك بانفتاحه ms3093 على التربية القرآنية التي تدعو PageV13P111 # الإنسان إلى الالتقاء بالله في طاعته ، من خلال تربية الإحساس بعظمة الله ~~في نفسه ، لتتحرك الطاعة من أعماق الذات ، لا من خارجها ، ولتلتقي الحركة ~~السائرة نحو الهدف بالقاعدة الروحية في خط مستقيم لا التواء فيه ولا ~~انحراف. # ( @QUR@05 الله الذي خلق السماوات والأرض ) بما فيها من أكوان وخلائق ~~ونظم وأوضاع تنطلق فيها النعمة من مواقع القدرة ، ( @QUR@04 وأنزل من ~~السماء ماء ) أودعه على سطح الأرض وفي عمقها ، فأبدع فيها قدرة الخصب ~~والنمو ، وشق داخل الحبة والنواة سر الثمرة والشجرة ، ( @QUR@06 فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم )، تأكلونه أو تلبسونه أو تستمتعون به ، ولو لا ذلك ~~لما أمكن للحياة أن تنمو في داخل أجسادكم ، وللقوة أن تتحرك في وجودكم ، ( ~~@QUR@07 وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) بما أودعه في أجواء البحر ~~من نظم وأوضاع تسمح للسفن أن تبلغ أهدافها من خلاله ، ( @QUR@03 وسخر لكم ~~الأنهار ) التي تتدفق من الينابيع الكامنة في أعماق الأرض ، ومن الثلوج ~~المتفجرة من قمم الجبال ، فتتحول إلى حركة متدفقة تبعث الخير والخصب ~~والنماء في كل أرض تمر عليها ، وتشكل للإنسان وللحيوان ، شريان الحياة الذي ~~تنطلق منه وتتحرك من خلاله ، ( @QUR@05 وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) لا ~~ينقطعان عن الحركة في النظام الكوني الذي يؤمن الشروط الطبيعية لبقاء ~~الحياة على الأرض وفي الجو ، من خلال هذين الكوكبين اللذين يتدخلان في ~~نظامها المتقن البديع ، في أكثر من سر في حركة الحياة في الكون ، ( @QUR@04 ~~وسخر لكم الليل والنهار ) في تنظيمهما لحياة الإنسان على القاعدة الثابتة ~~المريحة التي تعطي الجسم راحته وهدوءه في الليل مع ما يؤمنه الظلام من سكون ~~وراحة ووداعة ، وإطلاق حركته في تحصيل لقمة العيش مع ما يؤمنه النهار من ~~إشراق النور وانفتاح كل مطالب الإنسان في الحياة. وهكذا تلتقي الرؤية ~~الواعية بالله في الكون ، حيث يشعر الإنسان ، بأن الله قد أودع فيه الشروط ~~الطبيعية لوجود حياته واستمرارها ، وهذا هو معنى تسخير كل الظواهر PageV13P112 # الكونية للإنسان ، بحيث يشعر أن كل ما فيها من عناصر القوة كان رحمة من ms3094 ~~الله به ، وليس هذا هو كل شيء في مظاهر نعمة الله على الإنسان ، بل هناك ~~الظواهر الأخرى المبثوثة في كل مكان من حوله ، وفي داخل جسمه ، مما أعده ~~الله للإنسان ، لينعم به في كل ما يحتاج اليه. # ( @QUR@05 وآتاكم من كل ما سألتموه ) مما تحتاجه حياتكم ، في كل صغيرة ~~وكبيرة ، مما تعرفون سره ، أو تجهلونه ، أو مما تحسون به ، أو لا تشعرون به ~~، ولكنكم تجدون آثاره في حياتكم. ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~)، وكيف يستطيع الإنسان إحصاء مواقع نعم الله في حياته ، في مفرداتها ~~الصغيرة والكبيرة التي تتجلى آثارها في كل لحظة ، بالمستوى الذي يجعل كل ~~شيء من حوله مظهرا من مظاهر نعم الله عليه ، لعلاقته بالحياة التي يحياها ، ~~في المبدأ وفي التفاصيل. # ولكن إحساس الإنسان اللازم بالشكر لهذه النعم العظيمة التي لا تحصى ، ~~والتزامه بالطاعة والخضوع لله ، وتحريكه لتلك النعم في ما يرضاه له من وجوه ~~الخير كتعبير عن ذاك الشكر ، لا يتمثل في سلوكه وفي حركة حياته ، ( @QUR@04 ~~إن الإنسان لظلوم كفار ) فهو يظلم نفسه بالكفر والمعصية ، ولا يؤدي إلى ربه ~~حقه من الشكر لنعمه ، بل يعيش الكفران والجحود في أكثر مظاهر وجوده ، عند ~~ما يستعمل نعم الله عليه في معصية الله ، وهذا ما أشار إليه الإمام علي ~~عليه السلام في كلمات حدود فيها المستوى الأدنى لمسؤولية الإنسان أمام نعم ~~الله عليه : «أقل ما يلزمكم لله ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه» (1). # ولكن ما معنى هذا الوصف للإنسان بأنه ظلوم كفار ، هل هي صفة لازمة ~~للإنسان في سر وجوده ، وخاصية من خصائصه الذاتية ، وإذا كان الأمر كذلك ، ~~فما معنى المسؤولية عن سلوك لا إرادة له فيه ولا اختيار ، وكيف يعاقب PageV13P113 # الإنسان على ما لم يكن له دخل فيه؟ # هذه أسئلة تدور في الذهن أمام هذا الحكم القرآني على نوع الإنسان ، فكيف ~~نجيب عنها؟ # والجواب عن ذلك ، أن الآية لا تتحدث عن خصائص الذات ، ولكن عن الصفة ~~كظاهرة في السلوك ، لأن الأغلب في الناس ، أن يعصوا الله في الصغير وفي ~~الكبير ms3095 ، وأن يجحدوا نعمه في حياتهم العملية ، فهم لا يعيشون العصمة في ~~فكرهم وإرادتهم ، وفي عملهم ومواقفهم ، مما قد يسمح باختلال التوازن ، بين ~~التصور والواقع ، والإيمان والحركة ، ولما تفرضه ساحات الفراغ الفكري ~~والعملي من ثغرات ، تدعو الشيطان إلى الاختباء في داخلها ، والعمل بما ~~تقتضيه. # ومن خلال هذا الواقع الظاهر في واقع الإنسان ، تأتي الدعوة إلى التفكير ~~والانضباط والاستقامة في الخط وفي العمل ، وإلى جهاد النفس في ذلك كله ، من ~~أجل أن يتغير الإنسان في فكره ، ويملك الوضوح في رؤيته ، والقوة في إرادته ~~، ليغير مصيره ومصير العالم من حوله ، فليس الانحراف قدر الإنسان وقضاءه ~~الذي لا يملك الفرار منه ، بل هو الظاهرة الطارئة الخاضعة لبعض العوامل ~~الداخلية والخارجية التي يملك الإنسان وسائل التغلب عليها وقهرها على كل ~~الأصعدة. # * * * PageV13P114 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام (35) @QUR@015 رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) @QUR@026 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) @QUR@018 ربنا إنك تعلم ما ~~نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) ~~@QUR@013 الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع ~~الدعاء (39) @QUR@09 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ~~@QUR@08 ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) (41) # * * * ### ||| ** مناجاة إبراهيم ربه بعد بناء البيت # وفي أجواء الإيمان ، مع النداء الإلهي الذي يدعو فيه عباده للعودة إليه PageV13P115 # والالتزام بأوامره ونواهيه على الخط المستقيم ، الذي يمثله خط الرسالات ~~الذي يبدأ من الله ويسير معه وينتهي اليه ، في هذه الأجواء النابضة بالروح ~~الخاشع أمام الله والمتحرك في سبيله ، نلتقي بإبراهيم النبي الذي انفتح على ~~الله بكل روحه وعقله وحياته ، في موقع المشاعر الذاتية ، وفي ملتقى ~~المسؤوليات الكبيرة في الحياة. # إنه الإنسان النموذج ، الذي يرجع إلى الله في كل صغيرة وكبيرة ، ويبتهل ~~إليه ms3096 لمواجهة صعوبات الحياة ، ومشاكل العمل ، واهتزاز الخطى في الطريق ، ~~وهو لا يحمل هما للذات ، بل كل همه الرسالة ، ولا يتعقد من سيطرة الهموم ~~المتنوعة عليه ، بل ينفتح على الله في همومه ، ليخفف منها ويعود حرا طليقا ~~بعيدا عن كل الأغلال النفسية التي تقيد حرية انطلاق الروح في رحاب الله. ~~إنها قصة السائرين مع الرسالة ، فلا مشكلة لهم مع الناس إلا من خلال حركة ~~الرسالة في الحياة ، وهذا ما تمثله قصة إبراهيم على أكثر من صعيد. # * * * ### ||| ** دعاء إبراهيم # ( @QUR@08 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا )، وذلك بعد أن وضع ~~الحجر الأساس لبناء هذا البلد ، وهو مكة ، وأقام فيه البيت الحرام ، ليكون ~~المنطلق للمجتمع الجديد الذي يلتقي به من قاعدة الإيمان بالله ، وتوحيد ~~العقيدة والعبادة له. ولم يفكر في البداية إلا في الطابع الروحي الذي يريد ~~أن يصبغ هذا البلد ، ويميزه عن بقية البلدان ، فقد أراده أن يكون بلد سلام ~~يشعر فيه الناس ، مع كل خلافاتهم ونزاعاتهم ، بالأمان بين يدي الله ، فلا ~~يعتدي إنسان على آخر ، بل يعيش تجاهه أحاسيس السلام الروحي القادم من الله ~~، من خلال الممارسة بإشاعة جو السلام وتشريع تحريم القتال فيه. PageV13P116 # وإذا كان السلام هو طابع هذا البلد الذي أراده إبراهيم له ، فلا بد لهذا ~~السلام من أن يرتكز على قاعدة في الروح وفي الفكر ، وأي قاعدة أعظم تأثيرا ~~في النفس ، وأكثر قوة على الثبات ، من توحيد الله ورفض عبادة غيره ، لأنها ~~القاعدة التي تخطط للإنسان المنهج الذي تنطلق منه كل مشاريعه العامة ~~والخاصة ، في علاقاته بالحياة وبالآخرين ، حيث يتأكد شعوره بالتقوى في كل ~~شيء ، في أجواء العقيدة الرافضة لشرك الفكر والانتماء ، وفي أجواء العمل ~~الرافض لشرك العبادة ، وهذا ما عبر عنه إبراهيم عليه السلام في ما حكاه الله ~~عنه بقوله: # ( @QUR@05 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام )، حيث تمثل عبادة الأصنام ~~استجابة لتسويلات الشيطان وما يثيره ، في مكامن الذات ومشاعرها الحميمة ، ~~من دافع للانسجام مع الجو العام الذي يسيطر عليه الشرك ، بطريقة تجعل ~~الأجواء الخارجية البعيدة عن الحق ms3097 مسيطرة على الآفاق الداخلية للذات ، ~~فتنحرف عن الخط المستقيم ، طلبا لرضى أو تأييد هذا الفريق أو ذاك ، وهذا ~~الشخص أو ذاك ، لأنهم يملكون السلطة والمواقع الاجتماعي المتقدم الذي تضعف ~~مقدرة الذات على الرفض أمامه إلا إذا توفر لها تأييد الله ورعايته له ، وهو ~~أمر يتحقق بالابتهال إليه أن يمنح الإنسان القوة في الموقف الرافض الحاسم ، ~~كما يمنح بنيه في الحاضر والمستقبل مثل هذه القوة في مواجهة كل شرك في ~~العقيدة أو في العبادة ، من دون فرق بين الأصنام البشرية أو الحجرية أو ~~الخشبية ، أو غير ذلك مما اعتاد الناس على عبادته والارتباط به على كل ~~مستوى من مستويات العلاقة النفسية والعملية. # ( @QUR@06 رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) ممن كانوا لا يملكون الوعي ~~المنفتح على حقائق الحياة ، ولا يدققون في الأفكار المطروحة عليهم ، فلا ~~يلتفتون إلى الخرافة وهي تتحرك في هذه الفكرة أو تلك ، تضخيما لبعض الأشخاص أو PageV13P117 # الظواهر أو الأشياء ، وغير ذلك من أساليب التضليل الفكري والروحي ~~والشعوري ، الذي يخضع الإنسان لمؤثرات داخلية أو خارجية تملك عليه كيانه ~~وتتوه به. # وهكذا كانت هذه الأصنام مصدر ضلال للكثيرين من الناس ، من خلال الفكرة ~~الضالة التي أريد لها أن تحكم صورتها .. فإن الصنمية فكرة يحركها الوهم ~~والخيال لا الواقع. وقد تكون المشكلة فيها أنها تفصل إحساس الإنسان بالشيء ~~عن واقع ذاك الشيء شكلا ومضمونا ، بحيث يضخم الإحساس من حجم صورته إلى درجة ~~تفقد الإنسان التوازن في التعامل معه. # ولعل من أفضل أساليب مواجهة الصنمية ، العمل على تعرية موضوعاتها من كل ~~التهاويل التي أحاطت بها ، والأسرار التي أثيرت فيها ، والمشاعر التي تحركت ~~حولها ، ليعرفها الناس بحجمها العادي ، تماما كأي شخص آخر ، وكأي حجر آخر ، ~~أو أية ظاهرة أخرى ، وذلك بالأسلوب الحكيم الذي يعرف كيف يواجه الخرافة ، ~~بالمنطق العقلي الهادىء البعيد عن عنصر الإثارة الانفعالية. # ( @QUR@04 فمن تبعني فإنه مني )، من هؤلاء المؤمنين الواعين الذين ~~يدرسون الوقائع من موقع خصائصها الحقيقية التي تكشف أن الله هو خالق كل شيء ~~، وأن كل من عداه في الكون ms3098 مخلوق له ، وأن بين حقيقة الخالق والمخلوق فرقا ~~شاسعا لا مجال معه لمنح المخلوق صفة الخالق ، ولا النزول بالخالق إلى مستوى ~~المخلوق ، وأن الضعف أمام مثل هذه الأضاليل لا يبرر الانحراف ، ولا يمثل ~~حجة أمام الله ، بل لا بد للإنسان من أن يأخذ بأسباب القوة المتوفرة بكثرة ~~لاكتشاف الحقيقة ، واتباع دعوة الأنبياء في توحيد الله في كل شيء ، ~~والاندماج الروحي بهم ، من خلال الالتزام الكامل بدعوتهم. # ( @QUR@05 ومن عصاني فإنك غفور رحيم )، لأن المسألة لا تتعلق بالجانب الذاتي PageV13P118 # ليعود الأمر إلي كشخص ، بل تتعلق بالجانب الرسالي المتصل بالله. وبذلك ~~فإن المسألة تعود إلى الله ، فهو الذي يملك عقابهم على معصيتهم له ~~وابتعادهم عن خط طاعته ، وهو الذي يملك المغفرة والرحمة لهم ، إما بهدايتهم ~~إلى الصراط المستقيم ليملكوا الرحمة من خلال أسبابها ، وإما بالتفضل عليهم ~~بها تبعا لمقتضيات الحكمة. وإذا كان الله قد تحدث في القرآن أنه لا يغفر ~~لمن يشرك به ، فإن ذلك لا يعني استحالة ذلك منه ، كما لا يعني أن طلب ~~إبراهيم ذلك منه يمثل انحرافا ، لأنه خاطب الله بإرجاع الأمر إليه ، من ~~موقع القلب المفتوح المتسامح الذي تنفتح فيه الروح النبوية على الحياة كلها ~~وعلى الآخرين بكل رحابة. # وإذا كان إبراهيم قد بدأ إقامة البلد الجديد على أساس البيت الحرام ، ~~ليكون قاعدة روحية لعبادة الله ، للطائفين والركع السجود ، فقد فكر أن ~~يستعين بالله في تحويل قلوب الناس إليه ، وإلى هذه الأسرة الصغيرة التي هي ~~جزء من أسرته ، لأن المسألة تحتاج إلى الرعاية الإلهية غير العادية ، في ~~مثل ظروف هذه الأرض الصعبة ، حيث لا زرع فيها ولا كلأ يغري بالمجيء إليها ~~والسكن فيها. # ( @QUR@012 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم )، ~~لا من أجل الحصول على مكاسب دنيوية مادية أو معنوية ، لأن الأرض لا توفر ~~الفرصة لذلك ، ( @QUR@03 ربنا ليقيموا الصلاة ) ليعمروا البيت الحرام ~~بالعبادة ، وليعلموا الناس مناسكهم ، فيألف الناس من خلالهم الحج إلى هذا ~~البيت استجابة لنداء إبراهيم الصادر من الله إليه. وهكذا كان ترك ms3099 النبي ~~إبراهيم أهله هناك دون أية رعاية مادية مباشرة ، ليكونوا الأسرة الأولى ~~التي تمثل قاعدة الحج للبيت الحرام ، وكان ذهابه إلى أرض أخرى من أجل إكمال ~~رسالته الشاملة لكل الناس تضحية رسالية من قبله ، ( @QUR@06 فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوي إليهم ) وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض ، لتكون قاعدة ~~تجارية وثقافية ، بالإضافة إلى كونها PageV13P119 # قاعدة روحية تدفع الناس للمجيء إليها طلبا للرزق ، ( @QUR@03 وارزقهم من ~~الثمرات ) التي تحصل من خلال توارد الناس وتكاثر الوفود ، ليطمئنوا إلى ~~رعاية الله لهم ، جزاء لإخلاصهم وطاعتهم ، وليعرفوا موقع نعمة الله عليهم ، ~~( @QUR@02 لعلهم يشكرون ) فيزدادوا عبادة لله وإخلاصا له ، من موقع الشكر ~~العملي المتجسد في حركة الحياة المؤمنة المخلصة. # ( @QUR@07 ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن )، من نوايا وأفكار وتطلعات ~~وحاجات تختفي في زوايا قلوبنا ومشاعرنا أو تظهر في كلماتنا وأفعالنا ، فلا ~~نحتاج إلى الكلام الكثير معك من أجل أن نظهر لك ما نريد أو نفسر لك ما نخفي ~~، لأنك العالم بكل شيء. وإذا كنا ندعوك ونبتهل إليك ، ونزيد في الإلحاح ~~بطلباتنا ، عليك ، فلأننا نعرف أنك تحب منا ذلك لما يمثله من معنى العبادة ~~والخشوع والخضوع ، ولما يوحيه إلينا من حقيقة العبودية في فقرها إلى ~~المعبود ، وحاجتها المطلقة إليه ، بمقدار غناه المطلق عنها. فليس عندنا ما ~~نخفيه عنك لأنه ليس هناك في أية زاوية من زوايا الوجود ما يخفى عليك ، ( ~~@QUR@011 وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء )، فكيف تخفى ~~عليه حاجاتنا الخفية والظاهرة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ( @QUR@09 الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) بعد أن ~~انقطع الأمل أو كاد ، فاستجاب لدعائي ، ( @QUR@04 إن ربي لسميع الدعاء ) ~~لعباده الذين يجد في قلوبهم الإخلاص له وفي حياتهم الحاجة إليه ، في أجواء ~~الاعتماد الكلي عليه روحيا. # ( @QUR@06 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ) بما تمثله الصلاة من إخلاص ~~عميق لله مصدره الإحساس الواعي بالعبودية له ، والانفعال الإيماني ، فكرا ~~وشعورا ، بالنداء الإلهي الذي يدعوه للسير على الخط المستقيم الذي حدده ~~الله في كتبه وعبر ms3100 رسله ، إنها اللهفة الحارة الخاشعة الحميمة التي تنساب ~~بكل خشوع المؤمن وخضوعه بين يدي الله ، ( @QUR@03 ربنا وتقبل دعاء ) لأن ~~ذلك هو المظهر PageV13P120 # الحي لرضاك ، وللإحساس الروحي ، بأنك تقبل عبدك في ساحة رحمتك ولطفك. # ( @QUR@08 ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) وفي هذا ~~الدعاء ما يعكس انفتاح روحية الإنسان المسلم على الناس كلهم ، فهو لا يعيش ~~في زاوية ضيقة ، تحددها حاجاته ومصالحه الذاتية ، بل يمتد إلى الآخرين ، ~~ليطلب من الله الرحمة والمغفرة لهم في الدار الآخرة ، ويتطلع إلى والديه من ~~موقع عرفان الجميل ، بعيدا عما إذا كانا مؤمنين أو غير مؤمنين ، إذا ما صح ~~أن أب إبراهيم لم يكن مؤمنا ، على أساس الظاهر القرآني الذي يوحي بكونه ~~متمردا على الإيمان والمؤمنين ، خلافا لنظرية جمهور كبير من العلماء الذين ~~يرون فيها أن آباء الأنبياء بأجمعهم من المؤمنين انطلاقا من ظاهر الآية ~~الكريمة ( @QUR@03 وتقلبك في الساجدين ) [الشعراء : 219] في خطاب الله ~~للنبي الذي ينتمي بنسبه إلى إبراهيم ، ويؤولون الآيات التي تتحدث عن والده ~~، بأن الرجل كان عما له في الحقيقة ، وإن كان أبا في التربية. # وقد لا نجد مانعا من دعاء إبراهيم لوالديه ، على فرض أنهما كانا كافرين ، ~~على أساس الإحساس بالرحمة لهما لا على أساس الشعور باستحقاقهما لذلك ؛ ~~والله العالم. # * * * PageV13P121 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار (42) @QUR@09 مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم هواء (43) @QUR@026 وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل ما لكم من زوال (44) @QUR@014 وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ) (45) # * * * ### ||| ** أحوال الظالمين يوم القيامة # ويعود الحديث إلى يوم القيامة في حديث الحساب والجزاء الذي ينتظر هؤلاء ~~الناس اللاهين العابثين بالمسؤوليات ، الغافلين عن مستقبل أعمالهم ، وعن ~~موقفهم بين يدي الله. # * * * PageV13P122 ### ||| ** الله لا يغفل عن عمل الظالمين # ( @QUR@07 ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) كما يبدو من إهمال ~~أمرهم ، والصبر عليهم ms3101 ، والإملاء لهم ، وتركهم لأنفسهم في ما يعملون من ~~أعمال ، وما يمارسونه من جرائم ، فإن ذلك لا يعني أن الله لم يطلع عليهم ~~داخل حياتهم ، أو أنه راض عنهم ، ولكن حكمته اقتضت قيام نظام الحياة على ~~الإرادة والاختيار ، ليكون الإنسان مسئولا ، وليواجه نتائج مسئوليته يوم ~~القيامة ، لأن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل. # أما المراد بالظالمين ، فإن الظاهر من السياق أنهم الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر أو بالمعصية ، أو الذين ظلموا الناس بغيا وعدوانا. وعلى كل حال ، ~~فإن المعنى الأول يوحي بالمعنى الثاني ، لأن استعمال كلمة الظلم في التعبير ~~عن الكفر أو المعصية ، يوحي بأن الظلم مرفوض عند الله ، بالمستوى الذي يرفض ~~فيه الله الكفر ، من موقع كونه ظلما. وهكذا نجد أن الله لا يغفل عن ~~الظالمين ، لمجرد أنه لا يعاقبهم في الدنيا ( @QUR@06 إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار ) في حالة تطلع مذهول ، يجعلها مفتوحة متصلبة أمام ~~الأهوال المخيفة التي تواجههم في ذلك اليوم ( @QUR@01 مهطعين ) مسرعين في ~~حركة مشيهم تلبية لدعوة الداعي ، لا يملكون أي نوع من التماسك والتوقف ( ~~@QUR@02 مقنعي رؤسهم ) أي رافعي رؤوسهم أمام الهول الكبير. # ( @QUR@04 لا يرتد إليهم طرفهم ) أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والحذر ، ~~( @QUR@02 وأفئدتهم هواء ) لا تنطوي على أي شيء من الإدراك والشعور ، فقد ~~أذهب الرعب كل ما فيها ، فكأنها ليست بشيء ، كما هو الهواء لا يمثل أي شيء ~~في داخله. PageV13P123 # إنها الحقيقة الهائلة المرعبة التي المرعبة التي لا بد من أن يعيشها كل ~~الناس في الدنيا ليواجهوا الموقف عبرها في الآخرة ، ولهذا كان من الضروري ~~للأنبياء وللرسل وللمرشدين من بعدهم أن يقوموا بعملية توعية وإبلاغ وإنذار للناس. # * * * ### ||| ** الأجل لا يؤخر # ( @QUR@05 وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ) على كفرهم وعصيانهم وتمردهم ، ~~وانحرافهم عن طريق الله ، فيحاولون الهروب منه بأية طريقة ممكنة ، ويعملون ~~على تفادي مواجهة هذا الواقع الصعب ، ملتمسين لأنفسهم الأعذار والمبررات ، ~~ويطلبون من الله المهلة التي تتيح لهم إمكانية التراجع عن الخط المنحرف ~~الذي ساروا فيه ، ليستقيموا من جديد على خط الله ورسله ، ( @QUR@012 فيقول ~~الذين ms3102 ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل )، لأن ~~المسألة لم تكن واضحة في السابق عند ما كنا في الدنيا كما هي واضحة الآن. ~~لقد كنا في غفلة عن هذا ، في ما كنا نخوض فيه من مطامعنا وعلاقاتنا ~~وشهواتنا التي كانت تحجب عنا وضوح الرؤية للأشياء ، فلتكن لنا مهلة جديدة ، ~~وليس من الضروري أن تكون طويلة ، لندلل بها على صدق إيماننا وصحة نظرتنا ~~الجديدة للأمور ، وسلامة موقفنا في السير على الخط المستقيم ، ولكن الله ~~يرد عليهم ذلك ، أن الغفلة لم تكن حالة لا إرادية في حياتهم ، بل كانت حالة ~~متعمدة للهروب من الحقائق الواضحة ، ومن مناقشتها بوعي وإخلاص ، كما يريد ~~الله لهم أن يناقشوها. وهذا ما أكده إنكارهم لليوم الآخر الذي عبروا عنه ~~بتشديد النفي ، باليمين المغلظ الذي كانوا يؤكدون فيه خلودهم ( @QUR@09 ~~أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) فهل كانت المسألة صادرة عن حالة PageV13P124 # اللاوعي ، أو عن حالة وعي يدرك طبيعة الأمور ولكنه يهرب منها ويتمرد ~~عليها؟! ذلك أن الأمور التي تذكركم بزوالكم من الدنيا موجودة ( @QUR@06 ~~وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) ممن كانوا مثلكم في الكفر والتمرد ~~والعصيان ( @QUR@05 وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) في ما أوقعناه عليهم من ~~العذاب ، وفي ما أنزلنا بهم من هلاك ( @QUR@03 وضربنا لكم الأمثال ) التي ~~تثير فيكم التفكير والحذر من أن يحل بكم مثل ما حل بهم في الدنيا ، ~~وأنذرناكم بمختلف الأساليب ، بما يمكن أن يحدث لكم ، مما هو أكثر من ذلك ، ~~في الآخرة ، فلم تعتبروا ولم تتعظوا ، بل انطلقتم في الكفر والغي والعدوان ~~، من مواقع التكبر والعناد ، فلا حجة لكم في طلب تكرير التجربة من جديد ، ~~لأن التجربة الأولى لم تكن تجربة قصيرة ، بل كانت طويلة طول العمر الذي ~~عشتموه ، الأمر الذي فسح أمامكم مجالا واسعا للتراجع والتغيير والتبديل ~~الكبير. # * * * PageV13P125 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال (46) @QUR@011 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو ~~انتقام (47) @QUR@010 يوم تبدل الأرض غير الأرض ms3103 والسماوات وبرزوا لله ~~الواحد القهار (48) @QUR@06 وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) ~~@QUR@06 سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) @QUR@010 ليجزي الله كل ~~نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) @QUR@013 هذا بلاغ للناس ولينذروا به ~~وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وبرزوا ): ظهروا. # ( @QUR@01 مقرنين ): مشدودين. # ( @QUR@01 الأصفاد ): جمع صفد وهو القيد. # ( @QUR@01 سرابيلهم ): جمع سربال وهو القميص. PageV13P126 # ( @QUR@01 قطران ): نوع من الدهن تدهن به الإبل إذا جربت وللنار فيه ~~اشتعال شديد. # ( @QUR@01 وتغشى ): تعلو وتغطي. # ( @QUR@01 بلاغ ): التبليغ على ما ذكره الراغب (1). # * * * ### ||| ** ارتداد مكر أهل الباطل عليهم يوم القيامة # يحاول الباطل بكل جنوده وأسلحته وأدواته ، أن يعقد الظروف ، ويثير ~~المشاكل ، ويخلق المنازعات والمشاحنات ، ويحرك الرواسب والخلفيات ، ويبعث ~~الشكوك والشبهات ، ويمارس كل الأساليب الانفعالية في مواجهة الأساليب ~~العقلانية ، ويضع الخطط الخبيثة وكل ما يدخل في دائرة الكيد والمكر والحيلة ~~والخداع ، لمحاربة الحق في ساحة صراعه المرير معه. # * * * ### ||| ** مكر أهل الباطل تزول منه الجبال # ( @QUR@03 وقد مكروا مكرهم ) في كل المواقف والأعمال والأوضاع التي ~~أثاروها في وجه الحق ( @QUR@03 وعند الله مكرهم ) لا يغيب عنه شيء من ~~خفاياه ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما يخفيه الناس من مؤامراتهم وخططهم ~~الخبيثة ، وذلك هو ضمان حماية المسيرة الإيمانية الواعية المنفتحة على الحق ~~وأهله ، PageV13P127 # واستمرار مضيها في طريقها المستقيم ، بكل قوة وعزيمة وإخلاص ، ( @QUR@06 ~~وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) بما يمثله من ضخامة وصلابة وشدة ودهاء. # * * * # وقد نستوحي من ذلك نقطتين ### ||| ** مراقبة خطط الأعداء # الأولى : متابعة مخططات أهل الباطل والكفر والضلال والطغيان ، ومواجهة ~~نتائجها على مستوى القاعدة والأسلوب ، إضافة إلى التفكير الدقيق بالخصائص ~~التي تميز هذه الخطة أو تلك ، وبالعناصر الإيجابية أو السلبية هنا وهناك ، ~~وبالنتائج العملية التي تحصل من هذه الحركة أو تلك ، وهكذا تنطلق الدراسة ~~الشاملة ، لتضع بين أيدينا المزيد من المفردات ، والكثير من القضايا التي ~~تعيننا على وضع الخطة المضادة التي تحمي الساحة من جهة ، وتواجه الصراع ~~بالقوة التي تهزم الآخرين من جهة أخرى. # إن المسألة التي يجب أن تحكم موقفنا في الهجمة الشرسة التي تندفع نحونا ms3104 ~~من مواقع الباطل وخططه الشريرة ، هي أن لا نتحرك بعقلية ردة الفعل العاطفية ~~، التي تثير في النفس الحزن والألم ، وتوحي للفكر بالسلبية ، وتدفعنا ~~للمزيد من الخوف والضعف والجمود ، بل أن نتحرك بعقلية الفعل الذي يخطط في ~~اتجاهين : ### |||| ** أحدهما : يركز الحق على أساس قاعدة فكرية ثابتة تمد الجوانب الأخرى ، سياسية ~~واجتماعية واقتصادية وثقافية وعسكرية ، بشكل متوازن ومتواصل ، ليعرف ~~العاملون قاعدة الانطلاق ، وخط السير ، ونهاية الطريق ، PageV13P128 # بعيدا عن كل الرياح القادمة من بعيد ، الملائمة وغير الملائمة. ### |||| ** ثانيهما : يخطط ضد الباطل ، من موقع المفاهيم والأسس التي تحكم تلك القاعدة أو تتفرع ~~منها ، وبذلك لا يكون التحرك لونا من ألوان رد الفعل ، بل فعلا يهزم فعل ~~الآخر ورد فعله ، في عملية ملاحقة لكل المتغيرات الواقعية التي تطرأ على ~~الظروف الموضوعية المحيطة بالصراع على أكثر من صعيد. # إن من الضروري للعاملين أن لا يكونوا في حالة انفصال عن حركة الساحة من ~~حولهم ، وما يطرأ عليها من اهتزازات ومتغيرات ، بل عليهم أن يرتبطوا ~~بأحداثها ارتباطا عضويا بحيث يصبحون جزءا فاعلا من حركة الواقع ، لا يستكين ~~لظروف الكل ، بل يعمل على أن يعطي الكل من حيويته وفاعليته وحركيته ، قوة ~~جديدة ، وحيوية جديدة. # * * * ### ||| ** كيد الرجل والمرأة # الثانية : إن في الآية إشارة إلى هذا الكيد العظيم الذي تكاد الجبال أن ~~تزول منه ، مما قد يوحي بخطإ الفكرة القائلة بأن الخطر كل الخطر هو في كيد ~~النساء انطلاقا من الآية الكريمة في سورة يوسف : ( @QUR@03 إن كيدكن عظيم ) ~~، فإننا قد نلاحظ أولا : أن هذه الكلمة جاءت في سياق ما نقله الله من كلام ~~العزيز ، لا من كلام الله في موقع تقرير الفكرة تأسيسا أو إمضاء ، وثانيا : ~~أن هذه الآية تؤكد أن كيد الرجال قد يصل إلى المستوى الذي تزول منه الجبال ~~، مما قد يوحي إلينا بأن كيد المرأة لا يبلغ هذا المبلغ مهما كان عظيما ، ~~بل قد نفهم من ذلك أن كيد المرأة هو من نتائج كيد الرجل الذي قد يثير ~~أمامها الكثير من أجواء الانحراف ، أو يعرضها لكثير من أجواء ms3105 الضغط تدفعها ~~إلى مواجهته PageV13P129 # بوسائل الحيلة والمخادعة التي تملكها في دائرتها الصغيرة المحاصرة ~~بالضغوط. # * * * ### ||| ** انتقام الله من المجرمين يوم القيامة # ( @QUR@06 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) في ما وعدهم به من الرعاية ~~والحماية والنصرة والتأييد والقوة. # ( @QUR@05 إن الله عزيز ذو انتقام ) فهو الذي لا يمكن لأحد أن يغلب ~~إرادته أو ينتقص من عزته ، وهو الذي ينتقم لأولياء الحق من أولياء الباطل ، ~~بالطريقة التي يحددها ، وفي الموعد الذي يريده ، دون عجلة في أمره ، لأن ~~الذي يعجل هو الذي يخاف الفوت. # ( @QUR@06 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات )، وهو أمر حدثنا الله ~~عنه في أكثر من آية ، تصويرا لفناء الأرض عبر تحولها إلى غبار منتشر ، أو ~~إلى قاع صفصف ، وتحول السماء إلى كون تتناثر فيه الكواكب وتتساقط ، وغير ~~ذلك مما لم يوضح لنا تفاصيله ، ومما لا نستطيع تصوره بشكل واضح ، لأننا لا ~~نملك النموذج الذي نستطيع وعي الصورة من خلاله ( @QUR@04 وبرزوا لله الواحد ~~القهار )، في وقفة مواجهة حاسمة لنتائج أعمالهم في الدنيا ، من خير وشر ، ~~حيث يعذب الله الكافر بكفره ، ويثيب المؤمن بإيمانه. # ( @QUR@06 وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد ) مشدودين في الأغلال ( ~~@QUR@03 سرابيلهم من قطران ) أي ثيابهم من مادة شديدة الالتهاب ، ( @QUR@03 ~~وتغشى وجوههم النار ) التي يتصاعد لهيبها ليغطي وجوههم وهي صورة مرعبة ~~للمصير المحتوم الذي يواجهه هؤلاء المجرمون الذين ساروا في خط الاجرام الفكري PageV13P130 # والعملي ، ليفسدوا في الأرض على مستوى قضية العقيدة ، أو على مستوى ~~الشريعة ، فكانوا حربا على الله ورسوله ، فضلوا وأضلوا ، ومنعوا الكثيرين ~~من السير في طريق الهداية ، فكان جزاؤهم النار وبئس المصير ( @QUR@010 ~~ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب ). # وإذا كان البعض يستبعدون مثل هذا العقاب كجزاء على جريمة الإنسان ، لأنها ~~مهما كبرت ، فلن تكون بحجم هذا العذاب ، فإننا نثير أمام هذا البعض أن ~~العقاب لا بد من أن يكون منسجما مع حجم النتائج العملية السلبية في حياة ~~البلاد والعباد ، وليس من الضروري أن يكون منسجما مع حجم الجريمة على مستوى ~~الكم ، وأية جريمة أفظع من جريمة ms3106 الكفر بالله الذي يبعد الحياة عن الانسجام ~~مع شريعة الله ، في أوامره ونواهيه. # * * * ### ||| ** مقاصد تنزيل الكتاب # ( @QUR@03 هذا بلاغ للناس ) أنزله الله على نبيه ، ليحدد الفواصل بين ~~الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، ( @QUR@02 ولينذروا به ) ليفكروا من ~~موقع المسؤولية ، بواقعية وموضوعية ، فهو يتضمن منهجا في التفكير وأسلوبا ~~للحوار لا يسمح للخلاف أن يتحول إلى عقدة ذاتية لدى أطرافه ، بل يجعله ~~أرضية للتجاذب الفكري الذي يخضع للبراهين القوية والبينات الواضحة ، مما ~~يجعله منطلقا للبقاء ، وفرصة للوصول إلى نوع من الصداقة الفكرية ، أو ~~التفاهم الفكري على الأقل ، بما يثيره القرآن في نفوس المؤمنين من ضرورة ~~الانطلاق في مواجهة PageV13P131 # الخلافات ، من الهدف الإسلامي الكبير في تحويل الأعداء إلى أصدقاء ، بدلا ~~من تحويل الأصدقاء إلى أعداء. ولعل أسلوب الإنذار والتخويف ، يحقق بعض ~~الصدمة النفسية القوية التي قد تخلص الإنسان من ذاتية الأنانية ، وتدفعه ~~إلى التفكير الموضوعي السليم ، لأن الغالب في حالات استخدام الأساليب ~~العدوانية ، انطلاقها من غياب الشعور بالمسؤولية على مستوى وعي النتائج ~~السلبية الكامنة في هذا التصرف أو ذاك. # ( @QUR@05 وليعلموا أنما هو إله واحد ) بما يمثله التوحيد من عنوان كبير ~~للإسلام في دعوته وشريعته ومنهجه للحياة ، لأن ذلك يربط الحياة بالله عمليا ~~، حيث يجرد الإنسان من أي انتماء أو علاقة بالعناوين والأشخاص والأفكار ~~والأشياء ، التي تدخل الفكر والقلب والشعور من طريق غير طريق الله ، كما هي ~~حال كثير من الشخصيات التي يراد لها أن تطبع الإنسان بطابعها الذاتي على ~~حساب ارتباط شخصيته بالله بهدف إبعادها عنه ، كقاعدة مركزية للحياة. # على ضوء ذلك ، ينبغي للمؤمنين أن يواجهوا قضية التوحيد والشرك من موقع ما ~~تمثله من خط فاصل بين الانحراف والاستقامة ، في جميع مفردات الحياة الخاصة ~~والعامة على جميع المستويات ، والمقياس الذي يمكن أن تقاس به صحة الأشياء ~~وفسادها ، في دائرة الخطأ والصواب ، ولا يواجهونها كحالة فكرية مجردة لا ~~عمق لها ولا امتداد. # إن التوحيد يختصر كل شيء في الفكر والشريعة والمنهج ، فهو الذي يحدد ~~للأفكار هويتها لا العكس ، ( @QUR@03 وليذكر أولوا الألباب ) الذين ينفتحون ~~على قضايا الحياة ms3107 ، في خط العقيدة والتشريع ، من موقع العقل الذي يفكر ، لا ~~من موقع العاطفة التي تلتهب شعورا. وبذلك يعملون على أن يقفوا أمام أية ~~ظاهرة ، أو أية قضية ، أو أي موقف يريدون أن يقفوه ، موقف من يثير الوعي ~~العميق الذي تمثله الذكرى ، من خروج الإنسان من أجواء اللامبالاة بالأشياء ~~التي تحيط به ، إلى أجواء الاهتمام المسؤول ، الذي يدعو الإنسان إلى الأخذ PageV13P132 # بأسباب المعرفة ، والتحرك من خلالها إلى مواقع العمل. # إن القرآن هو البلاغ الصادر من الله إلى الناس ، والذي يريد منهم أن ~~يستمعوا إليه ، أو يقرءوه ، ليتمثلوه في وعيهم ووجدانهم ، ليثير فيهم الخوف ~~من نتائج المسؤولية ، وليحرك فيهم الاهتمام بالقضايا التي أراد الله لهم أن ~~يواجهوها في حياتهم ، في إطار الالتزام بأمره ونهيه ، وليحطم في داخلهم ~~حالة الاسترخاء ، والكسل الفكري والروحي ، والضياع العملي ، وذلك من أجل أن ~~يتحول الإنسان إلى طاقة حية فاعلة مسئولة ، تفكر بالعقل ، وتدعو إلى ~~اعتباره أساسا لاكتشاف الإيمان ، ولتحويل الإنسان من إنسان يقلد إلى إنسان ~~يبدع ويلتزم بالخط المستقيم المنطلق من رحاب الله ، المتصل بمسيرة الرسل ~~وآفاق الرسالات. # * * * PageV13P133 ### | سورة الحجر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسعة وتسعون PageV13P135 ### ||| ** أجواء سورة الحجر العامة # وهذه السورة ترصد حركة الرسالة وموقف النبي أمام التحديات ، وأمام ~~الكلمات اللامسؤولة التي أطلقها الكافرون في مواجهة الرسول والرسالة ~~والقرآن العظيم ، وكيف واجهها بالكلمة المسؤولة والخطوة المدروسة ، بعيدا ~~عن كل حالات السخرية والاستهزاء والتحدي التي لا ترتكز على قاعدة. # وفي هذا الجو ، نلتقي بأكثر من قصة ، بدءا بقصة الخليقة ، عند ما خلق ~~الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له ، وكيف تمرد إبليس الذي كان يعيش في ~~مجتمع الملائكة على أمر الله ، وكيف بدأ الصراع بين إبليس وبين الإنسان في ~~الأرض بعد إبعاد الله له عن جنته ، وكيف انطلق الناس بين من يطيعون الله ، ~~ومن يطيعون الشيطان ، لتمتد نتائج ذلك من الدنيا إلى الآخرة ، حيث لقاء ~~الجنة أو النار. # ثم نقف عند قصة إبراهيم وزيارة الملائكة له ، وحديثهم معه في أمر يخصه ~~ويمثل بشارة من الله له ، وعند مهمة تعذيبهم قوم ms3108 لوط الذين تمردوا على الله ~~وعلى رسوله .. ثم عند قصة أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح ، وذلك بغرض تحريك ~~تفكير الإنسان وحثه على الاعتبار والامتثال لأمر الله في الوقوف أمام مسألة ~~المصير في الدنيا وفي الآخرة ، موقف المسؤول الذي يعيش الانضباط في كل ~~حالاته. PageV13P137 # وكما انطلقت البداية من مواقع الحق الثابت الذي استطاع أن يتحرك بقوة في ~~خط الرسالة أمام الباطل ، فقد جاءت النهاية لتجعل الحق أساسا لخلق السماوات ~~والأرض ، ولتضع الإنسان وجها لوجه أمام مسئوليته التي يفرضها الحق. # وهكذا أراد الله من النبي أن يواصل مهمة الوقوف بحزم أمام الباطل ، فلا ~~يحزن ولا يتزلزل ولا يتراجع ، بل يظل ثابتا بالعقل المفتوح على الله ~~بالتسبيح والسجود والعبادة. حتى تنتهي الحياة وتتبين كل حقائق الكون ، ~~ويأتي اليقين ليعلن أن الرحلة السابقة ، وهي رحلة الحياة الدنيا ، قد انتهت ~~، وأن رحلة الحياة الآخرة ، التي تنفتح على الجنة للمؤمنين وعلى النار ~~للكافرين ، قد بدأت. # وهكذا تتحرك السورة في كل آياتها ، لتثير أمام الإنسان قضايا العقيدة في ~~مضمونها وتاريخها الرسالي ، وحركة الصراع في الطريق ، ليأخذ الإنسان منها ~~العبر والدروس التي تقوده إلى النجاح في الدنيا والآخرة. # * * * PageV13P138 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) @QUR@07 ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين (2) @QUR@07 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون (3) @QUR@08 وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) @QUR@07 ما ~~تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) (5) # * * * # ( @QUR@07 ما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب .. ) # ( @QUR@01 الر ) من الحروف المقطعة في القرآن التي سبق الحديث عنها في ~~سورة البقرة. # ( @QUR@03 تلك آيات الكتاب ) التي أنزلها الله على نبيه لتكون دستورا ~~للحياة ، أو منهجا لخط السير ، في ما يمثله الكتاب من وحي الله الممتد في تاريخ PageV13P139 # الرسالات ، حيث يلتقي الرسل على القيم الروحية التي أراد الله أن تحكم ~~الحياة ، في نطاق من القواعد العامة الثابتة ، التي تسمح لبعض المتغيرات ~~الطارئة بفعل الزمن أن تدخل في تحديد التشريع الإلهي حلالا أو حراما ، حسب ~~المصلحة التي يعرفها الله. ( @QUR@02 وقرآن مبين ) في دلالاته ms3109 الفكرية ، ~~وتوجيهاته العملية التي تحدد الفواصل بين الحق والباطل ، بالمستوى الذي لا ~~مجال فيه لأي شك وريبة. # ولعل القصد من وراء هذه الإشارة ، الإيحاء بأن على الإنسان الواعي أن ~~يتأمل ويتدبر في هذه الآيات ، ليكتشف أصالة الحق فيها ، وخطأ هؤلاء الكفار ~~الذين يتهمون مفاهيمها بالأساطير ، ويلصقون بالنبي تهمة الجنون. # ( @QUR@07 ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) عند ما تتضح لهم ~~النتائج العملية المترتبة على كفرهم ، والمواقف الخاطئة التي وقفوها من ~~النبي ، في اليوم الصعب الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين ، ويشاهدون فيه ~~وجه الحق في حركة الإسلام ، وكيف يلتقي المؤمنون الذين أسلموا حياتهم لله ~~واتبعوا رسله ، بالفوز العظيم ، وكيف يخسر الكافرون المتمردون مصيرهم في ~~الآخرة. إنهم يشعرون بالسقوط هناك ، ويتمنون لو كانوا من المسلمين في ~~الدنيا لينالوا درجة المسلمين في الآخرة ، ولكنها مجرد تمنيات ، لا تلبث ~~إلا قليلا ، حتى تتحول الى حسرات. # ( @QUR@03 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا )، فهذا هو كل هدفهم في الدنيا ، فليست ~~الحياة عندهم إلا ما يملأ البطون ويغذي الحس ويشبع الغريزة ، ويخلد فيه ~~الإنسان إلى الأرض ، بعيدا عن آفاق السمو الروحي والفكري ، حيث القيم ~~والمثل التي تجعل من الحياة حركة رسالة ، لا حركة غريزة ، لأن الغريزة ليست ~~سوى حاجة طارئة ، بينما تمثل الرسالة المضمون الحي لوجود الإنسان وحركة ~~الكون. وفي هذا الابتعاد تكمن مشكلتهم في ما يطمحون إليه ، فاتركهم مع PageV13P140 # هذا النهج المادي الذي يخضعون له في مسيرتهم ، ليشبعوا نهمهم ، ويتركوا ~~لغرائزهم العنان ، ( @QUR@02 ويلههم الأمل ) الطويل الذي يشعرون معه ~~بالامتداد في خط العمر ، لغفلتهم المطبقة التي تمنع عنهم الإحساس بالموت ~~القادم إليهم بشكل مفاجئ ، ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) نتائج ذلك كله عند ما ~~يواجهون المصير الأسود الذي يقفون فيه وجها لوجه أمام النار وبئس القرار. # ( @QUR@08 وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ) فلكل جماعة من الناس ~~، في أية قرية أو منطقة ، أجل معلوم عند الله ، يقف عنده تاريخها ، وتنتهي ~~معه حياتها ، فلا مجال للخلود. ولهذا فلا معنى للأمل الطويل الممتد ، ولا ~~بد لهؤلاء من أن يستفيدوا من هذا الحد الواقع ms3110 في دائرة البداية والنهاية ، ~~ليحققوا نموهم الفكري والعملي الذي يحقق للحياة معناها ، ويرفع قيمتها في ~~ميزان الله ، في المشاريع التي يقومون بها ، استثمارا لطاقاتهم ، ورفعا ~~لمستوى الحياة من حولهم ، واستجلابا للنفع للناس ، فينالون بذلك الدرجة ~~الرفيعة عند الله. إن العمر فرصة ممارسة المسؤولية ، ولا بد من المسارعة في ~~الاستفادة منها قبل فوات الأوان ، ( @QUR@05 ما تسبق من أمة أجلها ) الذي ~~حدده الله لها بحسب ظروفها وإمكاناتها الذاتية والخارجية ، ( @QUR@02 وما ~~يستأخرون ) فللبداية حد تنطلق منه ، وللنهاية حد تقف عنده ، ولا يملك أحد ، ~~مهما كانت قدرته ، تقديم ما أراد الله تأخيره ، أو تأخير ما أراد الله ~~تقديمه. # * * * PageV13P141 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) @QUR@08 لو ~~ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) @QUR@09 ما ننزل الملائكة إلا ~~بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون (9) @QUR@07 ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) @QUR@08 وما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) @QUR@05 كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين (12) @QUR@07 لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) @QUR@09 ولو ~~فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) @QUR@08 لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) @QUR@07 ولقد جعلنا في السماء بروجا ~~وزيناها للناظرين (16) @QUR@05 وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) @QUR@07 إلا ~~من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) @QUR@011 والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) @QUR@08 وجعلنا لكم فيها ~~معايش ومن لستم له برازقين ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الذكر ): القرآن. PageV13P142 # ( @QUR@01 شيع ): جمع شيعة : وهي الفرقة المتفقة على مبدأ واحد دينا ~~وعقيدة. # ( @QUR@01 نسلكه ): ندخله. # ( @QUR@01 يعرجون ) العروج : الصعود. # ( @QUR@01 سكرت ): سدت. # ( @QUR@01 شهاب ): شعلة من النار. # ( @QUR@01 رواسي ): الجبال. # ( @QUR@01 موزون ): المقدر بقدر. # * * * ### ||| ** طلب المكذبين رؤية الملائكة # ( @QUR@07 وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر )، قالوها ، على سبيل ~~السخرية والاستهزاء ، فقد نادوه بهذا النداء ، في الوقت الذي كانوا ينكرون ~~نزول الوحي عليه من قبل الله ، وربما كان إتيانهم بالفعل المبني للمجهول ، ~~للإيحاء بكونهم يجهلون مصدر هذا الذكر ، مما يبعث على عدم الوثوق به ( ~~@QUR@02 إنك لمجنون ) لأنك تدعي أمرا لا يدعيه من يزن الأمور ms3111 بميزان العقل. ~~وكيف يمكن لبشر أن يدعي نزول الوحي عليه من السماء ، وهو أمر لا يمكن حدوثه ~~للبشر ، لأن للنبوة علامات لا نجدها عندك ، ( @QUR@04 لو ما تأتينا ~~بالملائكة ) معك ليشهدوا بما تدعيه ، فإتيانك بهم هو السبيل الوحيد للدلالة ~~على أن هناك علاقة بينك وبين العالم العلوي الذي يمثل الملائكة جزءا منه ( ~~@QUR@04 إن كنت من الصادقين ) بما PageV13P143 # يفرضه الصدق من وجود دلائل وعلامات عليه ، ( @QUR@09 ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ) وهذا جواب الله لهم على ما اقترحوه ، فإن ~~الله لا يحدث أي أمر خارق للعادة ، كنزول الملائكة ، إلا بالحق الفاصل الذي ~~يستتبع نزول العذاب عليهم في حال إنكارهم له ، فلا ينظرهم الله بعد ذلك ، ~~ولا يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة ، وتلك هي سنة الله في عباده حال استجابته ~~لما يقترحونه من معجزات ، فهو لا يمهلهم بعدها إذا استمروا على التمرد ، ~~ولعل هذا التفسير لكلمة الحق هو أقرب الوجوه لأجواء الآية ، والله العالم. # * * * ### ||| ** حفظ الذكر # ( @QUR@04 إنا نحن نزلنا الذكر ) الذي تواجهون آياته بأساليب السخرية ، ~~دون وعي أو مسئولية ، لأنكم لم ترتكزوا في موقفكم من الرسالة على موقع ~~التأمل والتدبر ، لتعرفوا عمق الإعجاز فيه ، وتلتفتوا إلى أن الله هو الذي ~~أنزل آياته لتكون نورا وهدى للناس ، وأن البشر لا يمكن أن يأتوا بسورة من ~~مثله ، لأن خصائصه الإبداعية شكلا ومضمونا فوق قدرتهم ، ( @QUR@03 وإنا له ~~لحافظون ) من الضياع ومن التحريف ، ليبقى وثيقة إلهية معصومة يرجع الناس ~~إليها في كل جيل عند ما تشتبه الأمور ، وتضطرب الأفكار ، وتختلط المفاهيم ~~وتتحرك التيارات المضادة أو التحريفية ، وتكثر الأكاذيب على صاحب الرسالة ، ~~فإن القرآن يبقى المرجع المعصوم الذي يمثل الحقيقة الإلهية في كل آياته ، ~~والميزان الصادق الذي يمكن للناس من خلاله أن يحددوا الحديث الصادق من ~~الكاذب ، عند عرض التركة الكبيرة من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليه ، لأن ما خالفه زخرف ، كما جاء في الحديث عن أئمة ~~أهل البيت ، بحيث يستطيع العارف بخصائص أسلوبه ، أن يكتشف زيف كل كلمة تضاف ms3112 ~~إليه ، في ما يضعه الواضعون ، أو يحرفه المحرفون ، فلا تقترب الكلمة من ~~الآية ، إلا لتبتعد عنها ، فلا تؤثر على سلامة النص القرآني في وعي ~~المسلمين. وهذا ما نلاحظه PageV13P144 # في إجماع المسلمين ، إلا شاذا منهم ، على أن النص القرآني الموجود بين ~~يدي الناس ، هو كل ما أنزله الله على رسوله دون زيادة أو نقصان وأن الباطل ~~لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. # * * * ### ||| ** بطلان التحريف # تنقل بعض كتب الحديث أحاديث تشير إلى زيادة كلمة هنا ، أو نقصان كلمة ~~هناك ، أو سورة كاملة في موضع آخر ، ولكن الذين ينقلونها يلاحظون دائما أن ~~مثل هذه الكلمات لم تذكر بعنوان الإضافة إلى النص القرآني ، بل بعنوان ~~التفسير الذي يتناول المعنى المصداقي لها كما لو كان جزءا منها ، كما ~~يلاحظون أن الكثير من هذه الأحاديث موضوع من قبل بعض الكذابين الذين يريدون ~~إرباك العقيدة الإسلامية ، أو الرؤية الإسلامية للحياة فكرا وتشريعا ، أو ~~الذين يريدون تأكيد بعض الخلافات الفكرية بين المسلمين من خلال القرآن. # وعلى ضوء ذلك ، نلاحظ أن أي فريق يتحدث عن مثل هذه التحريفات زيادة أو ~~نقصانا ، لم يستطع مس النص القرآني وسلامته على مستوى الواقع في حياة الناس ~~، فلم يحدث في شرق البلاد الإسلامية أو غربها أن وجدت ولو نسخة واحدة ، ~~تحمل أية زيادة أو نقصان في الكلمات المنسوبة إلى النص القرآني ، مما يدل ~~على عبثية هذا النوع من النقل أو الاعتقاد وعدم قدرته على النفاذ إلى واقع ~~المسلمين ، فقد بقي ذاك الادعاء مجرد رواية في هذا الكتاب أو ذاك ، ككثير ~~من الروايات التي تتناقلها الكتب دون إحداث أي تأثير إيجابي في المسيرة ~~الفكرية والعملية العامة. # * * * PageV13P145 ### ||| ** مصحف الزهراء # يتحدث بعض الناس عن وجود كتاب اسمه «مصحف الزهراء» انطلاقا من بعض ~~الأحاديث المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام التي قد توحي لدى هذا البعض ~~بأنه يمثل «قرآنا آخر» أو شيئا من القرآن ، فمن خلال ما جاء في مضمون بعضها ~~: (إنه ثلاثة أمثال قرآنكم)، (وما فيه حرف من القرآن). وفي بعض الروايات ~~كما ورد ms3113 عن الإمام جعفر الصادق (عندي الجفر الأبيض ... ومصحف فاطمة ... أما ~~والله ما فيه حرف من القرآن ولكنه إملاء رسول الله وخط علي) مما يوحي بأنه ~~ليس مصحفا كبقية المصاحف لجهة ما توحيه كلمة المصحف ، ولكنه كتاب حديث ~~يشتمل على أحكام الشرع ونحوها مما أملاه رسول الله على علي عليه السلام ، ~~وفي بعض الأحاديث أن فيه وصية فاطمة. # ولعل الملاحظ في مثل هذا الموضوع الذي يثير مثل هذه الضجة لدى كثير من ~~الكتاب ، أنه يتحرك ضمن خطة إعلامية تستهدف تسجيل نقطة سلبية ضد بعض ~~المذاهب الإسلامية دون نقد أو تمحيص ، وفي الواقع إن أي مسلم مخلص يستطيع ~~أن يعرف كذب مثل هذه الإثارة ، من خلال ملاحظة واقعية وهي أنه لو فتش في ~~شرق الأرض وغربها على نسخة واحدة من مصحف فاطمة ، لم يجدها ، لعدم وجود ~~المصحف أساسا في كل الأوساط حتى بطريقة خفية ، كما أن أحدا لا يعتقد ~~بوجوده. # * * * ### ||| ** تأويل القران لمصلحة الخلافات # ويبقى أن نتناول في شأن حفظ القرآن من قبل الله ، التركة المثقلة من PageV13P146 # الأحاديث التي تتدخل في تفسير القرآن لمصلحة هذا الفريق أو ذاك ، ~~بالمستوى الذي يسيء إلى الفهم القرآني المنفتح عند ما تحاصره التفاصيل من ~~كل جانب ، مما يجعل النص القرآني أدبا رمزيا ، لا تعبر فيه الكلمة عن ~~المعنى إلا بطريقة بعيدة جدا ، تقصيه عن الأسلوب البلاغي ، إلى درجة أننا ~~نلاحظ من خلال ذلك ، أن هؤلاء الناس قد يهمهم حماية مذاهبهم وأفكارهم ~~الخاصة ، أكثر مما يهمهم حماية كتاب الله ، إذ لا يكفي وجود حديث واحد من ~~شخص ثقة بحسب الموازين الفنية في علم الحديث ، لنرفع اليد عن الإشراق ~~التعبيري للقرآن بما يتضمنه من معنى ، أو يدل عليه من ظاهر ، لأن القرآن ~~يمثل الكتاب المعصوم الذي نقطع بصحة كلماته المنسجمة مع أروع الأساليب ~~الفنية في اللغة العربية ، فلا بد في تأويله ، والخروج عن ظاهره ، من وثيقة ~~حديثية بالقوة التي تتناسب مع قوته ، أو تكون قريبة منه مع ضرورة دراسة ~~طبيعتها المضمونية ومدى ملاءمتها للأجواء العامة للقرآن روحا ومنهجا ms3114 وفكرا. # إننا نضع هذه الملاحظة أمام المهتمين لدراستها ، حتى لا نضيع في متاهات ~~الأحاديث الكثيرة التي تؤول القرآن ، وتتصرف في مضامينه ، بطريقة وبأخرى ، ~~دون أية محاكمة دقيقة ، فنبتعد بذلك عن صفاء الوحي الإلهي ، لنفرض عليه ~~فكرا من فكرنا ونخضعه لخلافاتنا ، فلا يصلح بعد ذلك لأن يكون حكما في ما ~~نختلف فيه ، لابتعادنا عن صفاء مدلوله ، وإشراق معانيه. # * * * ### ||| ** حفظ الله للقرآن ... في مستوى الحقيقة # إن استمرار القرآن لدى جميع المسلمين ، في صيغة واحدة ، في ما يلتزمونه ~~كمصدر للتشريع ، وفي ما يقرءونه في الصلاة وفي غيرها ، وفي ما يثيرونه على ~~ضوئه في حياتهم من مفاهيم وعقائد ، هو دليل على حفظ القرآن ، PageV13P147 # فليس هناك في العالم الإسلامي كله ، ولا في غيره ، صيغة أخرى أو نسخة ~~أخرى يختلف فيها القرآن لدى مذهب عنه لدى مذهب آخر ، بالرغم من وجود كلمات ~~شاذة هنا أو هناك ، فإن مثل هذه الكلمات لم تستطع أن تنفذ إلى مستوى ~~العقيدة العامة. وإذا كان بعض الذين ذهبوا إلى القول بالتحريف يملكون موقعا ~~متقدما من حيث العلم والوثاقة لدى أهل مذهبهم ، فإنهم لم يتمكنوا من النفاذ ~~إلى واقع الناس العقيدي والعملي ، كما أنهم لا يملكون الوعي الذي يستطيعون ~~به إدراك خطورة هذا الاتجاه على مستوى العقيدة الإسلامية ، عند ما يتسرب ~~الخلل إلى النص القرآني. هذا إلى جانب أن هؤلاء لا يملكون الذوق الفني الذي ~~يعينهم على فهم أسرار اللغة العربية ليقارنوا بين هذه الكلمات التحريفية ، ~~وبين الأسلوب القرآني المعجز ، فبقي كلامهم لغوا وجدلا عقيما لا قاعدة ~~ثابتة له ، غرضه تسجيل النقاط على غيرهم من الفرق لحسابات مذهبية أو سياسية ~~، لذا لا بد من الابتعاد عنه عند تناول القرآن. # * * * ### ||| ** استهزاء الناس بالرسل من قبلك # ( @QUR@07 ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ) فلم تكن أول رسول يرسله ~~الله إلى الناس ، فقد سبقك رسل كثيرون بعثوا إلى الأمم الأولى ، التي بدأ ~~تاريخها مع بداية التاريخ حتى يومك هذا ، ولم يكن سلوك قومك معك وما لاقوك ~~به من استهزاء ، بدعا من السلوك ، فقد عايش أقوام ms3115 الرسل الآخرين مثل ذلك ~~السلوك مع رسلهم ( @QUR@08 وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ) ~~لأنهم لا يستطيعون مواجهة الحجة ، فيلجئون إلى السخرية ، ليبرروا هروبهم من ~~الحجة الدامغة ، وابتعادهم عن خط الحق ، وليسقطوا عن الرسل تأثيرهم في ~~المجتمع ، لما يوحيه الاستهزاء من عدم الاحترام للشخصية التي يطالها. PageV13P148 # ( @QUR@05 كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) من خلال ما يشتمل عليه من إبداع ~~الأسلوب وروعة المضمون ، وإشراق الجو ، ولكن مشكلتهم أنهم لا يعيشون إرادة ~~الإيمان ليستريحوا إلى دلائله ، وليفكروا في طروحاته ، وليناقشوا أفكارهم ~~على ضوئها كي يصلوا إلى معرفة الحقيقة الإيمانية ، ولذلك فإنهم ( @QUR@07 ~~لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين )، فقد سبقهم إلى هذه الطريقة ، في ~~مواجهة دعوات الرسل بالتكذيب والاستهزاء ، آباؤهم وأجدادهم ، هروبا من ~~الإيمان وتجاوزا لكل الموازين الفكرية والروحية والعملية التي تدعو إليه. # * * * ### ||| ** مظاهر كونية تدل على عظمة الله # ( @QUR@09 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ) استجابة ~~لاقتراحهم إيجاد سبيل يستطيعون من خلاله الوصول إلى العالم السماوي حيث ~~يعيش فيه الملأ الأعلى من الملائكة وغيرهم ، ليطلعوا على أسرار ذلك العالم ~~التي قد تتضمن أسرار عالمنا الذي نعيش فيه ، وما يتحكم فيه من نظم وقوانين ~~، مما يسهل عليهم الوصول إلى الإيمان من أقرب طريق ( @QUR@04 لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا ) وغشيت بطريقة سحرية تحرك البصر في دائرة الوهم الذي يوحي ~~برؤية ما ليس حقيقة ، ( @QUR@04 بل نحن قوم مسحورون ) أي أن رؤيتنا تلك هي ~~نتيجة السحر وليس استنادا إلى واقع. وخلفية هذا الرد أن هؤلاء المجرمين لا ~~يفكرون بما يعرض عليهم ، لأن ذلك سوف يحرجهم إمام الحقيقة ، وأمام أنفسهم ، ~~وأمام الناس ، ولهذا فإنهم يتهربون باستمرار من كل الحجج التي تلاحقهم ، ~~برفضها أو بتأويل الظواهر ، حتى إذا لم يجدوا مجالا للهروب ، أعلنوا العناد ~~بكل صلف وقساوة وكفران. # ( @QUR@05 ولقد جعلنا في السماء بروجا ) منازل الشمس والقمر ، التي خلقها ~~الله على PageV13P149 # هذا المستوى وأطلق عليها اسم البروج ، تشبيها لها بالقصور لعظمتها ، ~~وتدليلا على القدرة الإلهية في إبداعها من الضخامة والعلو دون قواعد ثابتة ~~ترتكز عليها ، بالإضافة إلى ms3116 ما فيها من نظام يمد الكون كله بالدفء والنور ~~والحياة ، ويحقق للناس النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى ، حتى عادت ~~السماء مظهرا للقدرة من جهة ، وللنعمة من جهة أخرى. # ( @QUR@02 وزيناها للناظرين )، بما تمثله الكواكب المتلألئة والنجوم ~~الزاهرة من جمال وزينة تثير الشعور بالمتعة والجمال لدى الناظرين ، وتحثهم ~~على التفكير بما خلفها من عوالم وأكوان. ( @QUR@05 وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم ) بوضع حاجز بين وصول تلك المخلوقات القادرة على الاطلاع على أسرار ~~الخلقة وعظمة التكوين وأخبار العالم العلوي بما تملكه من قدرات ذاتية ~~أودعها الله فيها ، وبين السماء ، لمنعها من اختراق الحجب ، والوصول إلى ما ~~خلفها من عوالم ، ( @QUR@04 إلا من استرق السمع ) فنفذ من خلال بعض الثغرات ~~التي يحاول أن يستمع منها إلى بعض ما يدور في أجواء السماء ، ولكنه لا يبلغ ~~هدفه ، لأنه كلما اقترب منها وحاول الوصول إلى ما يريد ، سلط الله عليه ~~شيئا يمنعه من ذلك ، ( @QUR@03 فأتبعه شهاب مبين ) كمثل الشعلة الملتهبة ~~الخارجة من النار ، كما نلاحظ في الأجرام المضيئة ، كأن الواحد منها كوكب ~~ينقض دفعة واحدة من جانب إلى آخر ثم لا يلبث أن ينطفئ. # وقد يتساءل المرء ، عن المنطقة التي يمكن أن ينفذ إليها الشياطين لاستراق ~~السمع ، وما هي هذه الأحداث التي تدور في هذا العالم الذي يسمى السماء ، هل ~~هناك ملائكة يتحدثون بأسرار الكون وقضايا الناس فيحاول الشياطين التعرف ~~عليها ، ليملكوا من خلالها السيطرة على العالم الأرضي؟ وما هي هذه الشهب ، ~~هل هي مثل الأجرام التي نشاهدها في السماء ، أم أنها حواجز طبيعية تمنعهم ~~من الوصول إلى غاياتهم؟ أو ماذا؟ إنها علامات استفهام ، مفتوحة على علامات ~~استفهام أخرى عند الدخول في التفاصيل ، PageV13P150 # ولكن الإجابة عنها غير موجودة بشكل كاف يشفي الغليل ويرفع الحيرة. لذا ~~يحسن أن نترك أمرها إلى الله ، لأنها في دائرة الغيب الذي احتفظ به لنفسه ، ~~ولم يعرفنا تفاصيله ، ولم يكلفنا معرفته ، لعدم امتلاكنا وسائله. # ( @QUR@02 والأرض مددناها ) في هذا الامتداد المنبسط طولا وعرضا الذي ~~جعلها صالحة للحياة وللسكنى ، وللزرع ولغير ذلك ، ولو لا ms3117 ذلك لما استطاع ~~الموجود الحي أن يتحرك أو يحيى فيها بسهولة ، ( @QUR@03 وألقينا فيها رواسي ~~) ثابتة في أعماقها ، لتمنعها من الاهتزاز ، وهي الجبال الشامخة ( @QUR@06 ~~وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) على أساس التقدير الذي يراعي الحاجة بشكل ~~دقيق ، من حيث الخفة والثقل ، فلكل شيء أودعه الله في الأرض من النبات ~~وغيره ، ميزان دقيق يوازن بينها وبين ما تحتاجه الحياة والإنسان ، فلا يزيد ~~شيء عن الحاجة ، ولا ينقص عنها ، ولكل شيء منها تقديره الذي يتحقق فيه ~~التناسب والانسجام بين الأمور ، ضمن النظام الذي يحكم الأشياء بالحكمة ~~والتقدير ، ( @QUR@04 وجعلنا لكم فيها معايش ) مما تأكلون وتشربون وتحفظون ~~به حياتكم ( @QUR@04 ومن لستم له برازقين ) من مخلوقات سخرناها لكم دون أن ~~نجعل رزقها عليكم ، كالحيوانات وغيرها ، بل تكفلنا برزقها. # في هذا العرض السريع ، حيث تلتقي العظمة بالنعمة ، وتنطلق الحياة ضمن ~~نظام متوازن زاخر بالروعة والجمال ، ويتحرك الإنسان في رعاية الله وحمايته ~~التي تدبر كل شؤونه وأموره ، حتى يشعر بأن الحياة كلها له ، وفي خدمته ، ~~ليشكره على ذلك من موقع الإحساس بضرورة الانسجام في حركته مع النظام الكوني ~~الذي أراد الله أن لا يسيء إليه الإنسان ، بالانحراف عن غاياته ومقاصده ، ~~وهكذا نجد في هذا الجو الكوني ما يدفع الإنسان إلى الشعور بالروحانية ~~الفياضة بالرحمة واللطف الإلهيين ، ليرتبط بالله أكثر ، إحساسا بارتباط كل ~~وجوده به ، في كل شيء ، ومع كل شيء. وبذلك يلتقي ، في داخله ، جانب الإحساس ~~، بجانب التصور في حالة مشرقة من وضوح الرؤية وسلامة الشعور. # * * * PageV13P151 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) ~~@QUR@012 وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم ~~له بخازنين (22) @QUR@06 وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) @QUR@07 ~~ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) @QUR@07 وإن ربك هو ~~يحشرهم إنه حكيم عليم ) (25) # * * * ### ||| ** وإن من شيء إلا عندنا خزائنه # تجسد هذه الآيات قصة العقيدة التوحيدية الصافية التي تتطلع إلى الله ، ~~ولا تتطلع إلى غيره ، في كل شيء موجود في حركة الحياة ، أو تنتظر وجوده. ~~إنها كلمات الله في خلقه ونعمه ms3118 التي يشتمل عليها التكوين من حقائق وموجودات ~~تتصل بالواقع الكوني ، وترتبط بنظامه ، وتتكامل في عملية تحقق الوجود ~~وتطوره ، بطريقة تدريجية ، كالينبوع الذي يختزن في داخل الأرض البحيرات ~~الكبيرة ، ولكنه يتفجر بالعطاء تدريجيا. فالأشياء كلها مخزونة في علم الله ~~، وحاضرة في قدرته ، ومتحركة من خلال حكمته ، وتلك هي الحقيقة الإلهية التي ~~تقف الأبصار شاخصة إلى ما تراه منها وإلى ما لا تراه ، وتخشع PageV13P152 # النفوس خاضعة ، لما تحتويه ولما لا تحتويه ، فهو مصدر الفيض ، وسر وجود ~~كل شيء. # ( @QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) في ما يتمثل في الإحاطة العلمية ~~بالأشياء من خزائن ، وفي ما يتمثل في ساحة القدرة من مواقع وآفاق ، هل هو ~~المطر الذي يختزنه الله في الأعماق وفي الآفاق ، أو هو الأشياء كلها؟ ~~الظاهر من الآية ، أن المسألة تتحرك في خط الشمول ، لأنها واردة في مجال ~~تحديد القاعدة الكلية لإحاطة الله بالأشياء وقدرته عليها ، ولا خصوصية ~~لخزائن الماء في ذلك. ( @QUR@05 وما ننزله إلا بقدر معلوم ) توحي كلمة ~~الإنزال بالعلو في المكانة والقدرة ، وليس من الضروري أن تكون دالة على ~~الجانب المكاني منها لتختص بما ينزل من السماء من مطر ، وهكذا أجرى الله ~~الحياة على نظام دقيق ، تتجدد فيه الأشياء وتتدرج في تكاملها في خط ~~الامتداد ، كما تتكامل في خط العمق والعرض والارتفاع ، تبعا للحكمة في ~~تقدير حاجة الحياة إلى ذلك. # ( @QUR@03 وأرسلنا الرياح لواقح ) أراد الله في حركة هبوب الرياح أن تحمل ~~الذرات التي تكمن في نطفة ذكور النبات لتلقح بها إناثها على أساس قانون ~~الزوجية التي قررها القرآن في الكون كله .. وربما يرى البعض أن المسألة ~~تتصل بدور الرياح في عملية إنزال المطر ، من خلال ما تحدثه من الحركة في ~~أجواء السحاب ، وهو أمر محتمل ، ولكنه ليس بواضح ( @QUR@05 فأنزلنا من ~~السماء ماء فأسقيناكموه ) فهو المصدر الأساس لكل الماء الموجود في خزانات ~~الأرض الجوفية ، وعلى سطحها ، مما يشربه الإنسان والحيوان والنبات ( ~~@QUR@04 وما أنتم له بخازنين ) بل هو من خزائن الله المودعة في علمه وفي ~~قدرته ، فهو الذي يدفعه إليكم ، وهو ms3119 الذي ينظم حركته على سطح الأرض ، وفي ~~أعماقها ، وهو الذي يحولها إلى طاقة حية في كل شيء حي في الحياة. # ( @QUR@04 وإنا لنحن نحيي ونميت )، من خلال السنة الجارية في الكون في PageV13P153 # قوانين الحياة والموت ( @QUR@02 ونحن الوارثون ) الذين نرث الأرض ومن ~~عليها بعد أن تنتهي الحياة فيها ويموت الخلق جميعا ، لأن الله هو الواحد ~~الذي لا شريك له في ملكه ، ولا انتهاء لقدرته ، وهو الحي القيوم الذي لا ~~تأخذه سنة ولا نوم ، ( @QUR@07 ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين ) لأن الزمن لجهة ما يحتويه من موجودات ، حاضر بكل مراحله أمام ~~الله ، فلا فرق في إحاطة علم الله وقدرته بها بين الموجودات السابقة ~~والموجودات اللاحقة ، ( @QUR@04 وإن ربك هو يحشرهم ) بعد ما يبعثهم إليه ، ~~ليكون الجزاء بالأعمال ( @QUR@03 إنه حكيم عليم ) في تحديده حركة المسؤولية ~~في الحياة ، ونتائجها في ما بعد ، وفي علمه بكل ما أسروه وما أعلنوه. # * * * PageV13P154 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) @QUR@07 والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم (27) @QUR@012 وإذ قال ربك للملائكة إني خالق ~~بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) @QUR@09 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين (29) @QUR@04 فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) @QUR@07 إلا ~~إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) @QUR@09 قال يا إبليس ما لك ألا تكون ~~مع الساجدين (32) @QUR@011 قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون (33) @QUR@05 قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) @QUR@06 وإن عليك اللعنة ~~إلى يوم الدين (35) @QUR@06 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) @QUR@04 ~~قال فإنك من المنظرين (37) @QUR@04 إلى يوم الوقت المعلوم (38) @QUR@010 ~~قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) @QUR@04 إلا ~~عبادك منهم المخلصين (40) @QUR@05 قال هذا صراط علي مستقيم (41) @QUR@011 ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) @QUR@04 وإن ~~جهنم لموعدهم أجمعين (43) @QUR@08 لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ~~(44) @QUR@05 إن المتقين في جنات وعيون (45) @QUR@03 ادخلوها بسلام آمنين ~~(46) @QUR@010 ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) ~~@QUR@08 لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) (48) # * * * PageV13P155 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صلصال ): الطين اليابس ms3120 غير المطبوخ. # ( @QUR@01 حمإ ): الطين المتغير إلى السواد. # ( @QUR@01 مسنون ): المتغير. # ( @QUR@01 سويته ): أتممته. # ( @QUR@01 رجيم ): أي مرجوم والمراد به هنا المطرود من رحمة الله. # ( @QUR@01 فأنظرني ): أمهلني. # ( @QUR@01 سرر ): جمع سرير. # ( @QUR@01 نصب ): التعب. # * * * ### ||| ** عقدة الشيطان من الإنسان # بداية خلق الإنسان ، كيفيتها ومصدرها وظروف صراعه مع إبليس ، ونتائجه ، ~~قضايا كرر القرآن الحديث عنها في أكثر من سورة ، ليذكر الإنسان أولا بأصله ~~الترابي ويدفعه إلى الإحساس الدائم بالتواضع كحقيقة من حقائق إنسانيته ، ~~وليذكره ثانيا ، بالعقدة الإبليسية التي تشكلت مع بداية خلقه على الأرض ، ~~فقد أعلن إبليس الحرب على الإنسان لمنعه من الإيمان ، ومن التحرك الإيجابي ~~في خط المسؤولية أمام الله ، لإبعاده عن طاعة الله ، وعن PageV13P156 # رحمته وجنته ، تنفيسا لعقدة إبعاده عن الجنة ، بإبعاد الأكثرية من أولاد ~~آدم عنها. # * * * ### ||| ** مادة خلق الإنسان والجان # ( @QUR@08 ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون )، الصلصال هو ~~الطين الجاف ، باعتبار أن أصل الكلمة هو تردد الصوت من الشيء اليابس ، ~~فاستعير لكل شيء يابس ، باعتبار أن اليباس يبعث على تردد الصوت ، والحمأ هو ~~الطين الأسود المنتن ، والمسنون هو المتغير ، ومنه قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~لم يتسنه ) [البقرة : 259] أي لم يتغير ، كأن الله خلق الإنسان من تراب ، ~~ثم تحول التراب إلى طين ، ثم تركه حتى جف وتغير واسود وأنتن. # ( @QUR@07 والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) وهو مخلوق حي عاقل يعيش ~~مع الإنسان على الأرض ولكن في مجتمع منفصل عنه ، دون أن يبرز أي مظهر من ~~مظاهر حياته أو حركته على الأرض مع الإنسان ، إلا في حالات خاصة ، وهو ~~مخلوق كالإنسان تماما يعقل ويفكر ويتحمل المسؤولية أمام الله في الحياة ، ~~ثم يموت ويبعث ليواجه نتائج المسؤولية ، لكنه يتميز عن الإنسان بحرية أكبر ~~، لما أودعه الله فيه من خصائص وأسرار ، لا نملك إمكانية اكتشافها لمحدودية ~~طاقاتنا وتجاربنا في هذا المجال ، كما أننا لا نملك أية وثيقة حية للوصول ~~إلى ذلك إلا ما عرفنا الله إياه في كتابه ، أو ما شرحه النبي في سنته ، مما ~~ثبت النقل فيه عنه بشكل موثوق. وقد بين الله لنا في هذه الآية ms3121 ، أنه خلق ~~الجان من نار السموم ، ولعل المراد بها الريح الحارة التي تؤثر تأثير السم ~~، كما أفاد الراغب (1) في تفسير معناها ، مما حولها إلى نار ، أو جعلها ~~قريبة إلى النار ، ولكن كيف كان ذلك ، هذا ما لم يبين لنا الله أمره. PageV13P157 # ولكن لماذا بين الله لنا هذه الحقيقة التكوينية؟ # لعل السبب في ذلك أن إبليس كان من الجن ، كما شرح الله لنا في آية أخرى ، ~~وأن شعوره بامتياز مادة خلقه وهي النار على التراب الذي هو مادة خلق ~~الإنسان ، هو الذي جعله يرفض الأمر الإلهي بالسجود للإنسان. # * * * ### ||| ** الأمر بالسجود لآدم # ( @QUR@014 وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون* ~~فإذا سويته ) كملت خلقه حتى تمت صورته ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) توحي ~~كلمة النفخ بوجود تجويف داخلي ، لأن معنى النفخ إدخال الهواء في الجسم بفم ~~أو بغيره ، وتوحي كلمة (روحي) بقدرة الله الذي أبدع الروح في داخل جسم ~~الإنسان ، كقوة مستقلة في ذاتها عن البدن ، ولكنها تتصل به لتحرك فيه ~~الحياة ، ثم تنفصل عنه بعد ذلك لتموت فيه الحركة والحياة. ( @QUR@03 فقعوا ~~له ساجدين ) لأن هذا المخلوق يتميز بصفات تجعله في موقع متقدم عن غيره من ~~الموجودات ، لحملة رسالاتي ، وقيامه بعبادتي ، وإرادته شؤون بناء الحياة ~~على الأرض خلافة لي ، وتحكيمه الإرادة القوية في عملية الاختيار بين الخير ~~والشر في عملية المواجهة والصراع وغير ذلك من الأمور التي تجعل منه مخلوقا ~~مميزا ، مما يفرض على الملائكة أن يسجدوا له ، تحية لله وخضوعا ، أو يسجدوا ~~لآدم ، تعبيرا عن خضوعهم لما يريد الله أن يخدموا به مصالحه التي أوكل الله ~~إليهم أمرها كما يحتمل بعض المفسرين. وعلى كل حال ، فإنه أمر إلهي لا بد من ~~إطاعته ، كأي أمر آخر ، وليس للملائكة الاعتراض ، أو السؤال عما لا يريد ~~الله أن يعرفهم به. وهكذا وقف الملائكة وقفة الخضوع لله ( @QUR@04 فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون ) لم يتخلف منهم أحد عن هذه الفريضة ( @QUR@02 إلا ~~إبليس ) الذي كان يعيش في مجتمع الملائكة كأي واحد منهم ، وهكذا كان الأمر ms3122 ~~متوجها إليه ، PageV13P158 # كما هو متوجه إليهم ، ولكنه لم يكن منهم ، بل كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه و ( @QUR@05 أبى أن يكون مع الساجدين ) بل وقف وقفة التمرد والكبرياء ، ~~في حالة نفسية معقدة خاضعة للنوازع الشريرة التي ينسى فيها عواقب فعله ، ~~وموقعه من ربه ( @QUR@09 قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين ) هل هي ~~غفلة ، أو نسيان ، لما تفرضه عليك طبيعة العبودية من استسلام لأمري دون أي ~~توقف أو تأمل أو اعتراض أو تمرد؟ وكيف حدث ذلك منك؟ ولماذا؟ # * * * ### ||| ** معصية إبليس # ( @QUR@011 قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون )، فلم ~~أعصك يا رب من موقع التمرد عليك ، فقد عبدتك طويلا ، وأطعتك كثيرا ، ولكن ~~المسألة أنك أردتني أن أسجد لمخلوق مثلي ، لم أستطع أن أفهم معنى السجود له ~~، فإذا كان ذلك لعلو مكانته ، وتعبيرا عن الخضوع له ، لتكون حياتي في خدمته ~~، فإن مكانتي تعلو مكانته ، فقد خلقته من طين أسود منتن ، بينما خلقتني من ~~نار تنطلق منها الشعلة الملتهبة اللافحة التي تفني التراب ، وتفتت الطين ، ~~وبذلك يفقد السجود معناه ، وإذا كان السجود لك ، سجود تحية له ، فالمسألة ~~هي المسألة ، لماذا لم يسجد هو لي ، ما دمت أفضل منه؟! # * * * ### ||| ** طرد إبليس من الجنة # ( @QUR@05 قال فاخرج منها فإنك رجيم ) أي مطرود من الجنة ومن رحمتي ، ~~فهذا هو الجواب عن موقفك ، فلا مكان في الجنة إلا للمطيعين لله ، الخاضعين ~~لأوامره PageV13P159 # ونواهيه ( @QUR@06 وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين )... بما تمثله اللعنة ~~من إبعاد عن رحمة الله ، لأنه افتتح معصية الله في الكون من موقع الكبرياء ~~الذي يبغضه الله لأنه رداؤه الذي تفرد به ، فكيف إذا كان ذلك الكبرياء ~~سبيلا للتمرد عليه في مواجهة أمره المباشر ، وهكذا كانت هذه المعصية مميزة ~~عن بقية المعاصي ، لأن إبليس كان مصرا على الاستمرار في مواجهة الأمر ~~الإلهي بالتمرد ، لأن موقفه من الإنسان كان موقف عقدة ، لا حالة طارئة ، ~~وهذا ما يكشفه موقفه المستقبلي من الإنسان ، حيث يفكر بإلحاق الأذى به في ~~كل مكان وزمان. # * * * ### ||| ** إمهال ms3123 إبليس إلى الوقت المعلوم # ( @QUR@06 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ) أمهلني إلى آخر موعد تتحرك ~~فيه المسؤولية في حياة الإنسان ، وإلى آخر يوم يقف فيه ليواجه نتائج ~~المسؤولية بين يديك. إنه آخر طلب أقدمه إليك ، فإذا كنت قد عصيتك الآن ، ~~فقد أطعتك في ما مضى كثيرا .. إنها رغبتي الأخيرة ، لأني إذا كنت فقدت ~~الجنة بسبب هذا المخلوق الذي سيمتد في ذريته إلى وقت طويل ، فلا تحرمني ~~فرصة الثأر لنفسي منه ، واستجاب الله دعاءه ، لا لكرامة منه عليه ، ولكن ~~لأن رغبته تلك التقت بالحكمة الإلهية التي شاءت أن يعيش الإنسان حركة ~~الإرادة والاختيار من مواقع الصراع بين الخير والشر ، والحق والباطل ، ~~تماما كما أراد لأبيه آدم أن يكون كذلك ، فلا بد من عنصر يثير الإحساس ~~بالشر ويقويه في نفسه ، في مواجهة العنصر الذي يثير الخير فيها وينميه ، ~~ليختار الخير من موقع القناعة ، ويرفض الشر من موقع وعيه للعناصر التي ~~تقوده إليه ، ومقاومته لتأثيرها في موقفه .. وإذا اختار الشر ، فإنه يختاره ~~من موقع الإرادة التي تتحمل PageV13P160 # مسئوليتها ، على أساس الوعي للنتائج السلبية في هذا الجانب ، وللنتائج ~~الإيجابية في الجانب الآخر .. فتقوم الحجة عليه ، بذلك ، من عند الله ، ~~لتكون الحجة البالغة له في كل عناصر الاختيار لدى الإنسان ( @QUR@08 قال ~~فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم ). إن لك أن تعيش جنبا إلى جنب ~~مع هذا الإنسان في جميع مجالات حياته ، فالساحات مفتوحة لك معه ، كما هي ~~الساحات مفتوحة له معك ، لكل منكما إمكانات الصراع وأدواته ، ومن الطبيعي ~~أن تكون الغلبة للأقوى في هذه الساحات ، لتقفوا غدا بين يدي في اليوم ~~الحاسم المعلوم الذي يعرفه المطيعون والعاصون على السواء. وبذلك حصل إبليس ~~على ما يريد ، فاطمأن وبدأ يكشف عن نواياه وعن مشاريعه التضليلية في حياة ~~الإنسان. # ( @QUR@04 قال رب بما أغويتني ) وألقيت بي في مهاوي الغي ، ومواقع الضلال ~~، وأبعدتنى عن ساحات رحمتك وطردتني من جنتك ، بسبب هذا المخلوق الضعيف ( ~~@QUR@04 لأزينن لهم في الأرض ) المعصية ، وأحول الحق في نظرهم إلى باطل ، ~~وأ تفنن في إبداع وسائل ms3124 الإغواء والإغراء ، وفي تغيير الصورة الحقيقية ~~للأشياء ، فأجعل الحسن قبيحا عندهم ، وأجعل القبيح حسنا في نظرهم ، وأزين ~~لهم الأوضاع المنحرفة الشاذة ، لتبدو مستقيمة معقولة لديهم ، حتى أصرفهم ~~عنك وعن صراطك المستقيم ، ( @QUR@02 ولأغوينهم أجمعين ) لأني أملك لكل فريق ~~منهم وسيلة تمكنني من دخول عقله وقلبه ، فهناك من يغويه الجمال ، أو المال ~~، أو الجاه ، وهناك من تغويه العصبية ، وتتحكم به الأنانية ، وهناك من تلعب ~~به الأوهام ، وتضيعه الأحلام ، وتعبث به الأفراح والآلام .. وهكذا أجلب ~~الجميع إلى ساحتي ، حيث الغواية اللاهية العابثة التي ترهق العقل ، وتتعب ~~الفكر ، فلا يهتدي إلى الرشد سبيلا ، ( @QUR@04 إلا عبادك منهم المخلصين ) ~~الذين أدركوا الحقيقة في عمق المعرفة ، فأخلصوا لك من خلال صفاء العقيدة ، ~~وروحية الإيمان ، وصلابة الموقف ، وصدق الالتزام ، فراقبوك في سرهم ~~وعلانيتهم ، فخلصت لك نياتهم وأعمالهم ، وأحسوا تجاه ربوبيتك PageV13P161 # المطلقة إحساس العبودية المطلقة ، فكان لهم في طاعتك شأن عظيم ، وفي ~~الإخلاص لك دور كبير ، حتى تحولت الحياة عندهم إلى موقف عبادة ، في كل حركة ~~حياة ، فلم أستطع النفاذ إليهم من أية زاوية من زوايا فكرهم ، ولم أتمكن من ~~الدخول إلى خلفيات مواقفهم ، أو إلى عمق مشاعرهم ، ولم أقترب من أحلامهم ~~وتطلعاتهم وأهدافهم في الحياة ، لأنهم كانوا معك في كل ذلك ، فلم يتركوا لي ~~فراغا أملك فيه حرية الحركة ، وإمكانات الإغواء والإضلال .. هؤلاء الذين ~~أعطاهم الإيمان قوة روحية في الداخل ، فاستطاعوا أن يحققوا لحياتهم مناعة ~~في الخارج. هؤلاء لا يملك الغي إليهم سبيلا ، ولا يلتقي بهم الانحراف في أي ~~موقع ، ( @QUR@05 قال هذا صراط علي مستقيم )، إنه الخط الذي لا التواء فيه ~~ولا انحراف ، الذي جعله الله قاعدة لحركة الإنسان في الحياة ، يفصل من ~~خلالها بين من يسقطون أمام التجربة الصعبة وبين الذين يملكون التماسك أمام ~~الاختيار الصعب. # ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) لأنهم يملكون مواقفهم من حيث ~~يملكون إيمانهم ، ويسيطرون على أنفسهم من حيث يسيطرون على نوازعهم وشهواتهم ~~، لأن من ملك نفسه ملك شهوته ، ومن ملك شهوته فلا مجال لأي سلطان للشيطان ~~عليه ، لأن الشيطان لا يأتي ms3125 الإنسان إلا من خلال نقاط الضعف التي تفتحها ~~شهواته ونوازعه ، ولهذا فإنك لا تملك أي سلطان على السائرين في هذا الاتجاه ~~، ( @QUR@05 إلا من اتبعك من الغاوين ) الذين عاشوا الحياة في أجواء ~~اللامبالاة في خط العقيدة ، وساحة العمل ، فضلوا الطريق إلى الحق ، والتقوا ~~بك في أجواء الضلال ، فاتبعوك في ما سولت لهم من معاص ، واستسلموا إليك في ~~ما زينت لهم من وجه الباطل ( @QUR@04 وإن جهنم لموعدهم أجمعين )، فهي ~~الموعد الذي ينتظر الكافرين والمشركين والطاغين والباغين والمتمردين على ~~الله ( @QUR@08 لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) فهي تتسع للداخلين ~~إليها ، ولا تضيق عن أحد منهم ، لأنها تنفتح من خلال هذه الأبواب على أكثر PageV13P162 # من موقع ، ولكل فريق منهم باب يدخل منه تبعا لموقعه من العذاب والنار ~~نوعا وموقفا ، فقد قسم الله مواقع النار على الكافرين من عباده بما يتناسب ~~مع طبيعة كفرهم. # * * * ### ||| ** حال المتقين في الجنة # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات وعيون ) الذين اتقوا الله في ما فكروا به ، ~~فلم يفكروا إلا خيرا ، وفي ما تكلموا به ، فلم ينطقوا إلا بحق ، وفي ما ~~عملوه ، فلم يعملوا إلا بطاعة الله ، وإذا طاف بهم الشيطان في بعض أمورهم ، ~~فإنهم يفتحون عيونهم على الله ، فتزول الغشاوة عنهم ، ويبصرون الصراط ~~المستقيم ، في وضوح من الرؤية ، ويلتقون بالإيمان في سلامة من التفكير ، ~~هؤلاء الذين عاشوا الحياة من مواقع المسؤولية عند ما عاشوها في ساحات ~~التقوى ، أعد الله لهم جناته التي تتفجر فيها الينابيع بالماء الصافي صفاء ~~نفوسهم ، العذب عذوبة مشاعرهم ، وأعطاهم فيها روح السلام. # ( @QUR@03 ادخلوها بسلام آمنين ) إنه النداء الإلهي الذي ينطلق باللطف ~~والرحمة لينساب في أرواحهم أمنا وسلاما ، فلا يحسون معه بخوف ، ولا يشعرون ~~أمامه بحزن ، بل هو السلام الهادىء العميق والسرور المنفتح على كل جمالات ~~الجنة وأفراحها ... وتلك هي النهاية الحلوة السعيدة التي يتطلع إليها ~~المؤمنون الأتقياء عند ما يعانون آلام الحياة ، ويعيشون مشاكلها ، ويواجهون ~~صعوباتها ، ويصبرون على سلبياتها ، من أجل الله ، في ما يحملونه من رسالاته ~~، وفي ما يتحركون به من أوامره ونواهيه. # ( @QUR@06 ونزعنا ms3126 ما في صدورهم من غل ) أي من حقد ، فأهل الجنة يعيشون ~~المحبة بعيدا عن الحقد ، لأن الحقد لا مكان له في النفس المؤمنة ، لا سيما في PageV13P163 # رحاب الجنة التي تتسع لتطلعات كل الناس ومشتهياتهم ، فلا تخص بذلك ، من ~~أهلها ، قوما دون قوم ، ليتنازعوا على ما فيها كما كانوا يتنازعون في ~~الدنيا ، ولا تضيق بجماعة دون جماعة ، ليتزاحم الناس على هذا الموقع أو ذاك ~~، كما كانوا يفعلون في الدنيا ، فيؤدي بهم ذلك إلى العداوة والبغضاء. وهكذا ~~يعيشون الانفتاح الروحي على مجتمعهم كله ، ويلتقون في مواقع المحبة والرحمة ~~( @QUR@01 إخوانا ) بما توحيه الأخوة من معاني الإخلاص والحب والمواساة ~~والعطف والحنان ( @QUR@03 على سرر متقابلين ) في جو من الانفتاح الكامل على ~~بعضهم البعض ، فلا حجاب يحجبهم في حياتهم ، ولا حواجز تحجز أحدهم عن الآخر ~~، ( @QUR@08 لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) وهذه هي الصورة التي ~~يريد الله للناس أن يعيشوها في الدنيا ، وربما كانت الآية إشارة إلى عدم ~~وجود الغل في صدورهم لجو التقوى الذي يعيشونه ، ويكون التعبير بالنزع كناية ~~عن ذلك ؛ والله العالم. # * * * PageV13P164 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) @QUR@05 وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم (50) @QUR@04 ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) @QUR@09 إذ دخلوا ~~عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) @QUR@07 قالوا لا توجل إنا ~~نبشرك بغلام عليم (53) @QUR@08 قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ~~(54) @QUR@07 قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) @QUR@08 قال ومن ~~يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) @QUR@05 قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(57) @QUR@06 قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) ( @QUR@06 إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم أجمعين (59) @QUR@06 إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) ~~@QUR@05 فلما جاء آل لوط المرسلون (61) @QUR@04 قال إنكم قوم منكرون (62) ~~@QUR@07 قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) @QUR@04 وأتيناك بالحق ~~وإنا لصادقون (64) @QUR@014 فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا ~~يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) @QUR@09 وقضينا إليه ذلك الأمر أن ~~دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) @QUR@04 وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) ~~@QUR@06 قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) @QUR@04 واتقوا الله ولا تخزون ~~(69) @QUR@05 قالوا أولم ننهك عن العالمين ms3127 (70) @QUR@06 قال هؤلاء بناتي إن ~~كنتم فاعلين (71) @QUR@05 لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) @QUR@03 ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) @QUR@08 فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل (74) @QUR@03 إن في ذلك PageV13P165 # @QUR@02 لآيات للمتوسمين (75) @QUR@03 وإنها لبسبيل مقيم (76) @QUR@05 إن ~~في ذلك لآية للمؤمنين (77) @QUR@05 وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) ~~@QUR@05 فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) @QUR@05 ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين (80) @QUR@05 وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) ~~@QUR@06 وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) @QUR@03 فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين (83) @QUR@06 فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) (84) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الغابرين ): الغابر : الباقي والماكث ، وقد يستعمل فيمن ذهب ومضى. # ( @QUR@03 بقطع من الليل ): طائفة منه. # ( @QUR@02 واتبع أدبارهم ): كن على أثرهم. # ( @QUR@02 وقضينا إليه ): أوحينا اليه. # ( @QUR@01 مشرقين ): أي داخلين في وقت شروق الشمس. # ( @QUR@01 للمتوسمين ): أصحاب الفراسة الصائبة. # ( @QUR@01 الأيكة ): الشجر الملتف الكثيف. # ( @QUR@01 لبإمام ): للإمام معان شتى والمراد به هنا الطريق. # * * * PageV13P166 ### ||| ** تقابل المغفرة والعذاب # ( @QUR@06 نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ) أخبرهم هذه الحقيقة ، ~~ليقودهم ذلك إلى الرجوع إلي من موقع الإحساس بأن الخطيئة يمكن أن تذوب أمام ~~المغفرة ، وبأن الخاطئ يمكن أن يأمل بالرحمة ، ليبدأ من جديد حركة ~~المسؤولية في الخط المستقيم ، في جو روحي حميم ، يبعده عن نوازع اليأس ، ( ~~@QUR@05 وأن عذابي هو العذاب الأليم ) وهذه حقيقة أخرى تقف قبالة حقيقة ~~المغفرة الإلهية ، وتوازن في وعي الإنسان بين ما يفتح للقلب أبواب الرجاء ~~ويحفظه من الانغلاق على مشاعر اليأس ، وما يفتح الضمير على أجواء الخوف ~~ويمنعه عن الامتداد في العصيان ، وهذا ما يجب أن يعيشه الإنسان العاصي أمام ~~ربه لتتحرك في داخله كل العناصر التي تحفظ له إنسانيته وتدفعه إلى خط ~~التوازن في مشاعره الروحية ، ومشاريعه العملية. # * * * ### ||| ** ضيف إبراهيم والبشرى بالولد # ( @QUR@04 ونبئهم عن ضيف إبراهيم ) الملائكة الذين أرسلهم الله إليه ~~بمهمة محددة تتحرك في خط الرحمة من جهة ، وفي خط العذاب من جهة أخرى ، ( ~~@QUR@05 إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ) في تحية روحية تنفتح على كل معاني ~~السلام في المواجهة ، لتثير كل المشاعر الحميمة على مستوى العلاقة ، ( ~~@QUR@04 قال إنا منكم وجلون ) لعدم وجود أي علاقة سابقة لكم توحي بالأمن ، ~~كما أن طبيعة الأجواء المحيطة ms3128 بقدومكم وغرابتها ، أو الأشكال المثيرة التي ~~تتمثلون فيها ، توحي بوجود شيء خفي ينذر بالخوف ، ( @QUR@03 قالوا لا توجل ~~) لا تخف ، فليس لك عندنا إلا الخير PageV13P167 # والفرح ، فنحن رسل ربك القادمون إليك برسالة منه تحوي أكثر من قضية ، ( ~~@QUR@04 إنا نبشرك بغلام عليم ) يملك المعرفة الواسعة التي تؤهله لأن يكون ~~ذا شأن كبير. وكانت مفاجأة إبراهيم كبيرة في هذا الخبر ، لأن إنجابه طفلا ~~بعد هذا السن الكبير أمر يتخطى المألوف في الطبيعة في هذه المسألة ، مسألة ~~ولادة ولد له بعد هذا السن الكبير الذي قد لا يوحي بذلك ، خاصة وأن امرأته ~~لم تكن في سن الحمل ، أو أنه مر عليها زمن طويل لم تحمل به ، مما جعل ~~احتمالات العقم لديها كبيرة ، ( @QUR@08 قال أبشرتموني على أن مسني الكبر ~~فبم تبشرون ) إنكم تتحدثون بأشياء لا يتقبلها الوجدان في ما ألفناه من هذه ~~الأمور ( @QUR@03 قالوا بشرناك بالحق ) الذي انطلق من وحي الله وإرادته ~~وقدرته التي يتسع لها كل شيء ، ( @QUR@04 فلا تكن من القانطين ) اليائسين ، ~~لأن اليأس متعلق بالنظر من زوايا ضيقة تحاصر قدرة الإنسان وإرادته ، ~~لتحصرها في داخلها المحدود. أما عند النظر في الآفاق اللانهائية التي تنطلق ~~في رحاب الله وسعة قدرته ، فلا مجال إلا للأمل الكبير الواسع الذي تسقط ~~أمامه كل نوازع اليأس والتشاؤم ، لأن الحدود والحواجز والموانع كلها تتهاوى ~~أمام الامتداد اللانهائي لقدرة الله ، فكيف يمكن لك أن تقنط من أن يرزقك ~~الله ولدا بعد هذه السن المتقدمة. ( @QUR@08 قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون ) الذين لا يعرفون الله حق معرفته ، ولا يملكون الوعي الإيماني ~~الذي ينفتحون فيه على الله بالنظرة الواسعة والفكرة المشرقة والخط ~~المستقيم. # * * * ### ||| ** الإرسال إلى قوم لوط # ( @QUR@05 قال فما خطبكم أيها المرسلون )، ما هي قصتكم؟ وما هي حاجتكم؟ ~~هل هناك شيء آخر غير هذه البشارة ، لأنني لا أجد فيها مبررا لهذه المظاهرة PageV13P168 # الملائكية القادمة من عند الله؟ إنني أتصور أن هناك مهمة موكولة إليكم في ~~شأن يتعلق بواقع الناس. # ( @QUR@06 قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين )، وهم قوم لوط الذين تمردوا ms3129 ~~على الله ، ومارسوا الجريمة الأخلاقية ، بعد جريمة الكفر والضلال ، لنعذبهم ~~بأمر الله ، ولندمرهم جميعا ( @QUR@06 إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ) فلا ~~يمس أحدا منهم السوء ، ولا ينالهم العذاب ( @QUR@06 إلا امرأته قدرنا إنها ~~لمن الغابرين ) الهالكين ، لأنها سارت مع قومها في خط التمرد على الله ~~ورسوله ، فلم تغن عنها علاقتها الزوجية بلوط أي شيء. # وهكذا انتهت مهمتهم لدى إبراهيم ، واتجهوا إلى لوط لإخباره بالقرار ، ( ~~@QUR@09 فلما جاء آل لوط المرسلون* قال إنكم قوم منكرون ) فليست لنا أية ~~معرفة سابقة بكم ، فمن أنتم؟ وما هي قصتكم؟ وماذا تريدون؟ إن المسألة توحي ~~بجهل مطبق يعيشونه ، ( @QUR@07 قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) ~~ويكذبون به من العذاب والهلاك الذي كنت تنذرهم به ( @QUR@04 وأتيناك بالحق ~~وإنا لصادقون ) في وعيدنا ، وسترى ذلك بعينيك عند ما تحل الساعة الحاسمة ، ~~وتتم كلمة الله عليهم ، وينزل عليهم الغضب منه ، وما عليك إلا تلقي ~~التعليمات ( @QUR@05 فأسر بأهلك بقطع من الليل )، عند ما يتقدم الظلام ~~وينتشر ، وقبل أن يطلع الصبح ، لئلا يكتشف أحد أمرك ، فيعطلوا مهمتك في ~~الإسراع بالنجاة ( @QUR@02 واتبع أدبارهم ) وكن في آخرهم لترعاهم وتتفقدهم ~~لئلا يضيعوا في هذا الظلام البهيم ( @QUR@04 ولا يلتفت منكم أحد ) خلفه ~~لئلا يرى العذاب النازل فيفزع أو يجزع ، أو لشيء آخر ( @QUR@03 وامضوا حيث ~~تؤمرون ) حيث يريد الله لكم أن تصلوا إلى نقطة تحقق لكم النجاة. ( @QUR@07 ~~وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء ) أي آخرهم ، كناية عن استيعاب الهلاك ~~لهم جميعا ، وذلك بالتأكيد على الآخر الذي يوحي بما يحدث للأول ( @QUR@02 ~~مقطوع مصبحين ) فإذا جاء الصباح فلن يبقى منهم أحد ، ولا يرى لهم أثر. ~~وهكذا عرف لوط طبيعة المهمة التي جاؤوا بها ، ونوعية النتائج المنتظرة التي PageV13P169 # قد تحدث في اليوم الثاني. # * * * ### ||| ** تمادي قوم لوط في الفحش # ( @QUR@04 وجاء أهل المدينة يستبشرون ). فقد جاءتهم هذه الغنيمة الجديدة ~~التي يستطيعون من خلالها إشباع رغباتهم الجنسية الشاذة ، فربما كانوا ~~يعيشون حالة جوع جنسي إلى نوع جديد من البشر ، بعد أن استهلكوا أنفسهم في ~~هذه الفعلة الشنيعة ... وقد يكون الملائكة الذين جاؤوا إلى ms3130 لوط في صورة ~~فتيان صباح الوجوه ، يحركون الشهوة. وهم في موقع ضعف ، لأنهم أضياف لوط ~~الذي كان ضعيفا بين قومه. وفوجئ لوط بهم وأخذه الإحساس بالحرج الشديد ، لا ~~سيما بعد أن اطلع على شخصيتهم الملائكية المتمثلة في صورة بشر مما يجعل ~~جريمة الاعتداء عليهم مضاعفة ( @QUR@06 قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ) ~~بالاعتداء عليهم مما يجلب لي العار عند ما يتناقل الناس خبر عجزي عن الدفاع ~~عن ضيوفي ضد من اعتدوا عليهم ( @QUR@02 واتقوا الله ) وراقبوه في شأن ما ~~تقدمون عليه من فحشاء ( @QUR@02 ولا تخزون ) فإن في ذلك الخزي كل الخزي ~~بالنسبة لي. ( @QUR@05 قالوا أولم ننهك عن العالمين ) فلما ذا تستقبل ضيوفا ~~، إذا كنت لا تريد لنا أن نعتدي عليهم ، وربما كان المعنى ، لماذا تجير ~~أحدا منهم ، أو تدفع عنهم ، أو تمنع بيننا وبينهم ، انطلاقا من رسالتك التي ~~توحي لك بأن ما نقوم به هو المنكر الذي يجب أن تنهى عنه ، وتقف حاجزا بيننا ~~وبينك. ( @QUR@06 قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين )، لأن هذه العلاقة بهم ~~هي العلاقة الإنسانية الطبيعية التي يمكن أن تمارسوا الجنس معها بطريقة ~~مشروعة. وقد يكون المراد ببناته ، كل النساء ، كما يقال وهو بعيد ، ( ~~@QUR@05 لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون )، وقيل : إنه خطاب من الملائكة ~~للوط ، فهم يقسمون له بأن الكلام لا يفيد مع هؤلاء الذين غلبت عليهم PageV13P170 # غوايتهم التي لا أمل أن يثوبوا منها إلى رشد ، بل يظلون يتحيرون فيها ~~ويترددون ، فكيف يمكن أن يركنوا إلى وعظك وإرشادك ، فاتركهم لمصيرهم ~~المحتوم الذي اختاروه بأنفسهم ، بعد قيام الحجة عليهم من الله. # * * * ### ||| ** نزول العذاب على قوم لوط # ( @QUR@03 فأخذتهم الصيحة مشرقين ) عند شروق الصباح ، ولعل الصيحة كناية ~~عن العذاب الذي نزل بهم بشكل مفاجئ ، كما هي الصرخة التي تنطلق بطريقة غير ~~متوقعة ( @QUR@03 فجعلنا عاليها سافلها )، في زلزال عنيف يقلبها رأسا على ~~عقب ( @QUR@05 وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) أي من طين متحجر ، كان في ما ~~يقال ينزل على الشخص فيقتله بطريقة صاعقة ، ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين ) الذين ينظرون إلى الوقائع والأحداث والأشخاص ms3131 نظرة تأمل وفراسة ~~وتدقيق بحثا عن المعرفة حتى تتضح لهم السمات البارزة للأشياء في العمق ، ~~وهكذا يريد الله لهؤلاء أن ينطلقوا في استيحاء الدرس الذي تضمنه هذا العذاب ~~الذي نزل بهؤلاء المتمردين المنحرفين ، ليعتبروا به في حياتهم الخاصة ، وفي ~~حياة الآخرين الذين يمارسون ما مارسه هؤلاء من انحراف. # ( @QUR@03 وإنها لبسبيل مقيم ) والظاهر أن الضمير يعود إلى المدينة التي ~~كانت تقع على السبيل الذي يسير عليه الناس ، المقيم الثابت الذي يستطيع كل ~~مسافر أن يشاهد آثاره وما حل فيه من عذاب ودمار. وقيل : إنها كانت تعرف ~~باسم سدوم ، كما عن بعض المفسرين ( @QUR@05 إن في ذلك لآية للمؤمنين ) ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ويستوحون من هذا العذاب المنهج العملي ~~الذي يتحركون به في الحياة في خط الايمان ، لئلا يلاقوا المصير الذي لاقاه هؤلاء. # * * * PageV13P171 ### ||| ** ظلم أصحاب الأيكة والحجر # ( @QUR@07 وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين* فانتقمنا منهم ) والمراد بهم ~~قوم شعيب الذين عذبهم الله ، كما عذب قوم لوط ، لتمردهم وطغيانهم ، فقد ~~ظلموا أنفسهم بالكفر والعتو والضلال ( @QUR@01 وإنهما ) أي قرية لوط وشعيب ~~( @QUR@02 لبإمام مبين ) ويقال : إنه الطريق الواضح ، فقد كانا واقعين في ~~طريق الناس بحيث يستطيعون أن يشاهدوهما عند مرورهم بهما. # ( @QUR@05 ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ) والمراد بهم ثمود قوم صالح ، ~~والحجر هو اسم المكان الذي كانوا فيه ، كما قيل ، وقيل أيضا : إنه يطلق على ~~كل مكان أحيط بالحجارة ( @QUR@05 وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ) فلم ~~يكن تكذيبهم من موقع الشبهة التي تتيح ذلك أو تبرره ، بل كان من موقع الحجة ~~التي أقامها الله عليهم بعد إنزال الآيات الكثيرة التي أعرضوا عنها ولم ~~يفكروا فيها أو يناقشوها ليعرفوا وجه الحق فيها ( @QUR@06 وكانوا ينحتون من ~~الجبال بيوتا آمنين ).. وبذلك كانوا يملكون وسائل الرفاه والقوة ومظاهر ~~الحضارة التي تجعلهم من سكان الدور لا من سكان الخيام ، كما يخضعون لنظام ~~قوي من الحكم أو من العلاقات يشعرون معه بالأمن في سكناهم ، أو في أنظمة ~~مجتمعهم ، ( @QUR@03 فأخذتهم الصيحة مصبحين ) فنزل عليهم العذاب ، المفاجأة ~~، في ما يشبه الصيحة عند الصباح ، ( @QUR@06 فما أغنى ms3132 عنهم ما كانوا يكسبون ~~) من وسائل القوة ، أو من مواقع الثروة ، أو من مظاهر الحضارة في ما يبنونه ~~من دور وقصور ، بل خضعوا للعذاب النازل عليهم دون أي قدرة على الدفاع أو ~~المقاومة ، لأن قدرة الله فوق كل شيء. # * * * PageV13P172 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) @QUR@05 إن ربك هو الخلاق العليم (86) ~~@QUR@07 ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) @QUR@015 لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين ~~(88) @QUR@05 وقل إني أنا النذير المبين (89) @QUR@04 كما أنزلنا على ~~المقتسمين (90) @QUR@04 الذين جعلوا القرآن عضين (91) @QUR@04 فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين (92) @QUR@03 عما كانوا يعملون (93) @QUR@06 فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين (94) @QUR@03 إنا كفيناك المستهزئين (95) @QUR@08 ~~الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) @QUR@07 ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون (97) @QUR@06 فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) ~~@QUR@05 واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) (99) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 لا تمدن عينيك ): لا تنظر. # ( @QUR@02 واخفض جناحك ): تواضع ، خفض الجناح كناية عن التواضع. # ( @QUR@01 عضين ): أجزاء. PageV13P173 # ( @QUR@01 فاصدع ): اجهر. # * * * ### ||| ** في الأجواء الرسالية لحركة الصراع مع المشركين # وهذه جولة أخيرة في أجواء حركة الرسالة والرسول في ساحة الصراع مع ~~المشركين الذين وقفوا بوجه المفاهيم الجديدة التي طرحها الوحي الإلهي بهدف ~~تغيير الفكر والسلوك والعلاقات التي تمس قضايا الحياة كلها. # * * * ### ||| ** خلق السموات والأرض بالحق # ( @QUR@08 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق )، الذي يجعل ~~لكل ظاهرة من ظواهرها ، ولكل حركة من حركاتها ، ولكل موجود فيها ، سرا ~~كونيا ثابتا يمنع من العبث فيها ، وغاية حكيمة تخرجها من اللغو والباطل ، ~~الأمر الذي يلتقي فيه النظام الذي يحكم ظواهر الكون ، بالنظام الذي يحكم ~~حياة الإنسان على قاعدة ثابتة تحكم الخلق كله ، وبذلك يتحرك الخط الذي أراد ~~الله للحياة أن تسير عليه ، في اتجاه الحق في التكوين والتشريع والممارسة ~~في الدنيا ، ليكون الأساس الذي تلتقي فيه نتائج المسؤولية في الآخرة ، ( ~~@QUR@03 وإن الساعة لآتية ) وهي الحقيقة الإلهية الممتدة في عالم الغيب ~~التي يؤكدها الله للإنسان لتحضر في وعيه هاجسا يثير لديه ms3133 حس الالتزام كموقف ~~ثابت يتخذه في كل مواقعه. ( @QUR@03 فاصفح الصفح الجميل )، والخطاب موجه ~~إلى رسول الله ، وإلى كل داعية في مسيرته ، في أن لا يتعقد من أي موقع ~~للباطل ومن كل حركة لأهله ، بل ينفتح على الناس كلهم ، ليفتح على الحق ~~عقولهم ، من خلال العفو عن PageV13P174 # مشاريعهم العدائية ، ومواقفهم التشنجية ، ويصبر على ما يلاقي منهم ~~بانتظار أن يعثروا على الحقيقة في رحاب الرسالة ، إنه الصفح الجميل ، لا عن ~~الجريمة في الفكر والممارسة ، بل عن التجاوزات والتحديات التي يقوم بها ~~الكفار في مواجهة الرسالة والرسول ، لاستناد الموقف الرسالي إلى قاعدة ~~الإيمان بالله الذي ينصر بحكمته وقدرته رسله ، ولهذا فإن الصفح يأتي نتيجة ~~إحساس بقوة مستمدة من الله. ( @QUR@05 إن ربك هو الخلاق العليم ) ولعل في ~~التعبير بكلمة (ربك) بعض الإيحاء بالخصوصية التي يستشعرها الرسول في علاقته ~~بالله ، ليجد القوة من خلالها ، وفي كلمة (الخلاق) ما يمتد إلى حياة الناس ~~كلهم باعتبار أنهم مخلوقون لله ، الذي خلق الحياة والموت ، وكلمة (العليم) ~~تمثل إحاطة الله بكل شيء يخفى على العباد علمه ، بما يوحيه ذاك العلم من ~~ثقة بحمايته لهم من حيث لا يعلمون. # * * * ### ||| ** السبع المثاني # ( @QUR@05 ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) ذكر المفسرون أن المراد بها ~~السبع الطوال في أول سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ~~والأعراف ويونس ، أو الأنفال مع التوبة بدلا من يونس. ولكن المروي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من أهل البيت ، أن المراد بها سورة الفاتحة ~~المشتملة على سبع آيات. أما كلمة المثاني ، فقد ذكر المفسرون بأنها مشتقة ~~من التثنية أو الثني بمعنى التكرير أو الإعادة لتكرر المعاني في آيات ~~القرآن ، أو لتثنية قراءة الحمد في الصلاة ، أو لأنها تجمع بين الربوبية ~~والعبودية ، أو لغير ذلك من المعاني المستوحاة من طبيعة الكلمة على أساس ~~هذا الاشتقاق. # وذكر صاحب الميزان أن المثاني جمع مثنية اسم مفعول من الثني بمعنى اللي ~~والعطف والإعادة قال تعالى : ( @QUR@02 يثنون صدورهم ) [هود : 5] وسميت PageV13P175 # الآيات القرآنية مثاني لأن بعضها يوضح حال البعض ويلوي وينعطف ms3134 عليه كما ~~يشعر به قوله : ( @QUR@03 كتابا متشابها مثاني ) [الزمر : 23] حيث جمع بين ~~كون الكتاب متشابها يشبه بعض آياته بعضا وبين كون آياته مثاني ، وفي كلام ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفة القرآن : «يصدق بعضه بعضا» ، وعن علي ~~عليه السلام فيه : «ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض» ، أو هي جمع مثنى ~~بمعنى التكرير والإعادة ، كناية عن بيان بعض الآيات ببعض (1). # وقد لا يستطيع الإنسان الجزم بوجه معين من هذه الوجوه المحتملة ، مما ~~يجعل من الكلمة كلمة محملة ، لا سيما إذا أردنا تطبيقها على سورة الفاتحة ، ~~أو على السور السبع الطوال ، فلنترك أمرها لله. # ( @QUR@02 والقرآن العظيم ) الذي يمثل الحجة الواضحة ، والبرهان القاطع ، ~~الذي يوحي بالحق في الفكر والشريعة ، وفي المنهج الذي يخطط للإنسان وللحياة ~~، فليكن لك في ذلك الغنى كل الغنى والقوة كل القوة ، في بناء القاعدة ، وفي ~~مواجهة الحياة ، وانطلق في طريقك بكل قوة وثبات. # * * * ### ||| ** التوجيه الإلهي للنبي بالقناعة والتواضع # ( @QUR@09 لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) أي ما لدى ~~الكافرين من الزينة والمال والجاه ، فإن ذلك لا يمثل قيمة تدعو إلى تعظيمهم ~~وإكبارهم ، وتدفع أصحاب النفوس الضعيفة إلى الشعور بالانسحاق والانبهار ~~أمامهم ، فإن ذلك كله عرض زائل ، لم يمتعهم الله به لرفعة منزلتهم عنده ، ~~ولكن ليبتليهم به ، ويختبر كيفية مواجهتهم له بالشكر والانسجام مع ~~مسئوليتهم أمام الله. فلا تلتفت إلى ذلك ، وأعرض عنهم وعن كل ما يحيط بهم ~~من زخارف الحياة PageV13P176 # الدنيا ( @QUR@03 ولا تحزن عليهم ) في ما تلقاه منهم من كفر وتمرد ~~وابتعاد عن الله ، لأنهم لا يستحقون ذلك ، فقد أقمت عليهم ، بما قدمته ~~إليهم من دلائل وبراهين ، الحجة من الله ، ولكنهم تمردوا واستكبروا وساروا ~~بعيدا في خط الانحراف ، مما يجعل قضيتهم قضية من يرفض الرحمة التي قدمت ~~إليه ، لا قضية من يستحق الرحمة لما وقع فيه. إنها قضية الاختيار السيئ ~~الذي لا يلتقي بالخير ، فلا بد من تركه ليمتد في طريق الشر ، ويمعن في ~~السير فيه بعيدا إلى الوادي السحيق. # ( @QUR@03 واخفض جناحك للمؤمنين ) الذين ms3135 أخلصوا لله إيمانهم ، وتحملوا ~~الكثير في سبيل الوصول إليه ، وجاهدوا من أجل الثبات على إيمانهم ، وعملوا ~~الكثير من أجل الدعوة إليه ، إن عليك أن تعطيهم الرحمة كل الرحمة ، ~~والتواضع كل التواضع في روحك وكلماتك وأسلوبك في التعامل معهم ، حاول أن ~~تجعلهم يسكنون إليك ، وينفتحون عليك ، فلا يشعرون بالحرج من الحديث معك ، ~~عن كل ما يحسون به من آلام وهموم وآمال ، بل يجدون عندك القلب المفتوح الذي ~~يستقبل كل أمورهم ، ليواجهها بالرفق والانفتاح والحنان ، لتحل لهم ما أشكل ~~عليهم من قضايا وتقضي لهم ما يريدونه من حاجات ، لأنهم جناحك الذي به تطير ~~، وقاعدتك التي تنطلق منها نحو المستقبل الذي تتحرك فيه أجيال المؤمنين ، ~~لتحمل عبء الرسالة في الدعوة والحركة والجهاد. # وتلك هي دعوة الله لكل العاملين الذين يتسلمون مركز القيادة في الدعوة ، ~~أو الحكم ، أو الواقع السياسي أو الاجتماعي ، مما يحقق لهم موقعا متقدما في ~~السلم الاجتماعي يدفعهم إلى الشعور بالعلو ، أو بالبعد عن المؤمنين ~~المستضعفين الذين يحتلون في حركة حياتهم أسفل درجات السلم الاجتماعي ~~لافتقارهم إلى مقومات الضغط على الواقع من مال وجاه أو غير ذلك ، فليس لهم ~~إلا إيمانهم الصادق ، وتصميمهم على السير في هداه ، بكل ما لديهم من عزم ~~وصدق وإرادة. PageV13P177 # إن الله يريد للقادة ، أن ينفتحوا على القاعدة الإيمانية ، باعتبار ~~الإيمان قيمة ترفع المؤمن إلى أعلى درجات السلم في المجتمع الإيماني ، ~~بعيدا عن كل اعتبارات المال والجاه ، وإلا كان القائد منفصلا عن الخط ، ~~وبعيدا عن أجواء الإيمان وأجواء الله. وهذا ما لا يريده الله للعالمين في ~~سبيله الذين يجب أن يعطوا المؤمن كل القوة ، لأن ذلك الموقف هو الذي يحقق ~~لحركة الإيمان القوة ، حيث يشعر المؤمن بالمعنى العميق لقيمة الإيمان ، ~~وحيث يتحدى القائد امتيازات المجتمع المنحرف ، بالوقوف إلى جانب من لا يملك ~~تلك الامتيازات من المؤمنين. # ( @QUR@05 وقل إني أنا النذير المبين ) قلها يا محمد بكل قوة ، لتؤكد لهم ~~الصفة من موقع القوة وهو موقع المنذر الذي ينقل إليهم صورة ما يمكن أن ~~يواجهوه من مصير محتوم يخافونه. ms3136 قل لهم الكلمة التي تؤكد قوتك وإرادتك ~~الحاسمة ، وموقعك من ربك الذي أراد منك أنت الضعيف مالا وقوة أن تقول لهم ~~كلمته التي لا لبس فيها ولا غموض ، ولا تلتفت إلى رد الفعل ، لأن الرسالة ~~تفرض عليك أن تقول كلمتك بقوة ، وتمشي لأنهم سيلحقون بك في نهاية المطاف. # * * * ### ||| ** المقتسمون # ( @QUR@04 كما أنزلنا على المقتسمين ) الظاهر كما ورد في الميزان أن : ~~«المراد بالمقتسمين هم الذين يصفهم قوله بعد ( @QUR@04 الذين جعلوا القرآن ~~عضين ) وهم على ما وردت به الرواية قوم من كفار قريش جزءوا القرآن أجزاء ~~فقالوا : سحر ، وقالوا : أساطير الأولين ، وقالوا : مفترى ، وتفرقوا في ~~مداخل طرق مكة أيام PageV13P178 # الموسم يصدون الناس الواردين عن رسول الله (1) فأنزل الله عليهم العذاب. ~~وقد جاء في الدر المنثور : «أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال : سأل ~~رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أرأيت قول الله : ( @QUR@04 كما ~~أنزلنا على المقتسمين ) قال : اليهود والنصارى. قال : ( @QUR@04 الذين ~~جعلوا القرآن عضين ) قال : آمنوا ببعض وكفروا ببعض» (2). وقد علق صاحب ~~الميزان على ذلك فقال : «وفيه أن السورة مكية نازلة في أوائل البعثة ولم ~~يبتل الإسلام يومئذ باليهود والنصارى ذاك الابتلاء» (3). # ولكن تبقى في التفسير مسألة تفسير الإنزال بإنزال العذاب على قوم من قريش ~~، وهو أمر لم تنقله لنا السورة ، لا سيما إذا عرفنا أن الله لم ينزل على ~~أمة الرسول ما كان قد أنزله على الأمم الأخرى من عذاب ، وهذا يقرب احتمال ~~أن يكون المراد بالإنزال هو إنزال الكتاب وهو التوراة عند اليهود ، ~~والإنجيل عند النصارى ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الأمر بالثبات والمجاهرة بالدعوة # ( @QUR@07 فو ربك لنسئلنهم أجمعين* عما كانوا يعملون ) وسيواجهون نتائج ~~ما عملوه من خير أو شر ، في الجانب الإيجابي والسلبي من حركتهم في الحياة ( ~~@QUR@03 فاصدع بما تؤمر ) وجاهر به بقوة ، ولا تتوقف أمام أية حالة من ~~حالات التحدي ( @QUR@03 وأعرض عن المشركين ) الذين يقفون أمامك ، ليواجهوا ~~الدعوة بالتآمر والكيد PageV13P179 # والتمرد على الله ، فإنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما يريدون من إجهاز على ~~الإسلام ، الأمر الذي يفرض عليك ms3137 مواصلة السير من المواقع الثابتة التي ~~تفرضها الرسالة ، وعدم التوقف للرد على أي كلمة تصدر هنا وهناك ، لأن ~~الكلمات التي لا تصدر على أساس المسؤولية ، لا ينبغي أن تثير اهتمام ~~الداعية أو تعقد نفسيته ، أو تضعف حركته أو توقف مسيرته ، ( @QUR@011 إنا ~~كفيناك المستهزئين* الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ) بإهلاكهم ~~من جهة ، أو بتدمير خططهم من جهة أخرى ، وإضعاف موقفهم في المعارضة ~~والمواجهة وتقوية موقفك في تأكيد رسالتك في ساحة الدعوة والعمل. # وقد لا يكون من الضروري أن تحصل كفاية الله النبي المستهزئين ، بالطريقة ~~الغيبية التي تحصل بإبعادهم وتدميرهم ، بشكل مباشر ، بل قد تحصل بالوسائل ~~الواقعية المتمثلة بالأخذ بالأسباب الطبيعية المؤثرة في نجاح الدعوة ، ~~بثبات الرسول والمسلمين معه ، أمام أوضاع التحدي ، واهتزاز موقف المعارضين ~~، وخلخلة مواقعهم لضعف موقفهم الداخلي الذي لا يحمل قضية ولا يدافع عن ~~رسالة ، بل يتحرك من جوانب ذاتية لا عمق لها في الحياة ، ولا امتداد يكفل ~~لها الاستمرار والبقاء ، وفي ضوء ذلك ، ينبغي للعاملين أن يتطلعوا إلى نصر ~~الله ولطفه ، من مواقع العمل الدائب الذي يحقق للساحة أفضل النتائج ~~الإيجابية عبر الأسباب الواقعية التي تحكم القضايا والأشياء ، ولا بد لهم ~~من أن يواجهوا المشاكل الطارئة بعقل مفتوح ، لا يتعقد من نتائجها السلبية ، ~~بل يعتبرها حالة طبيعية ، تثير الرغبة في التفكير ، بدلا من أن تثير الحزن ~~والانفعال. # * * * ### ||| ** علاج ضيق الصدر بالتسبيح والسجود # ( @QUR@07 ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) كأي إنسان يتأثر بالكلمة ~~السيئة التي PageV13P180 # توجه إليه ، وبالموقف الشرير الذي يتحدى الخير فيه ، وبالمشاكل الصعبة ~~التي تعترضه ، مما يجعل الإنسان محاصرا بالتحديات من كل جهة ، فيضيق صدره ، ~~وتثور مشاعره ، وتتوتر أعصابه ، إنها الحالة الطبيعية التي تحدث لكل بشر ، ~~والنبي بشر ، ينفعل بما ينفعل به الآخرون ، ولكن الفرق بينه وبينهم ، هو أن ~~الانفعال ينطلق في حياته من قاعدة الرسالة ، بينما ينطلق في حياة الكثيرين ~~من موقع الذات ، وهذا ما يجعل من انفعاله في مواجهة التحديات ، عنصرا ~~رساليا لا ينتج حالة سلبية في مستوى العقدة ، بل ينتج ms3138 حالة روحية مبتهلة ~~إلى الله ، في مستوى الموقف ، ولهذا رأينا الرسول ، في المواقف الصعبة التي ~~يضغط فيها أعداء الله عليه بالكلمة والموقف ، يلجأ إلى الله في ابتهال ~~المتضرع ، وخشوع الخاضع ، الذي يرجع إلى ربه ، ليستعين به على ذلك كله ، ~~ولهذا كانت تتمة الآية ( @QUR@03 فسبح بحمد ربك ) وأخلص له ، وافتح قلبك ~~لآياته ، وعش في رحابه ، فستجد كل الحنان والرحمة والعطف واللطف ، الذي ~~يرفعك إلى الآفاق الروحية العليا ، حيث ينفتح لك ألف أفق وأفق من السماوات ~~المليئة بالأمل الكبير في نصر الرسالة على خصومها ، وانفتاح الدرب للسائرين ~~على هداك ، الحالمين بالجنة الخضراء في ظلال الله ، ( @QUR@03 وكن من ~~الساجدين ) الذين تتحول حياتهم كلها إلى سجود لله بالوجه والفكر والقلب ~~والحياة ، فلا خضوع إلا لله ، ولا فكر إلا من خلال وحيه ، ولا عاطفة إلا في ~~آفاق رضاه ، ولا حركة للحياة إلا في الاتجاه الذي يرعاه دينه ، وتخطط له ~~شريعته. إنه السجود الكوني الذي يتحد فيه الإنسان مع السماء والأرض والشمس ~~والقمر والنجوم ، والبحار والأنهار والطيور والحيوان والنبات ، وكل ~~الموجودات التي تسجد له ، من خلال حركة الإبداع في عمق وجودها ، ومظهر الحق ~~والجمال في ذاك الوجود ، الذي يتحول إلى تسبيح بحمده ، ( @QUR@010 وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) [الإسراء : 44]. لأن للتسبيح ~~لغة تتنوع حسب تنوع مظاهر الوجود في الكون ، كما أن للسجود معنى ، يختلف ~~حسب اختلاف عمق PageV13P181 # الخضوع لله في الوجود. # * * * ### ||| ** العبادة حتى اليقين # وماذا بعد ذلك؟ # إنها العبادة لله التي تجعل كل الحياة له ، في كل رفة جفن ، ونبضة قلب ، ~~ونفحة فكر ، ووثبة شعور ، وفي كل تمتمة شفة ، وفي كل نفحة روح. فلا يغيب ~~الله عن وجدان المؤمن ، ولا يبتعد عن حركته ، فهو الحاضر أبدا في الكيان ، ~~حضوره في الكون كله ، وفي الحياة كلها ، وتلك هي العبادة التي تنطلق فيها ~~إنسانية الإنسان ، لتعيش في رحاب الله ، وترتفع إلى الملأ الأعلى ، حيث لا ~~وجود إلا لله ، حيث السعادة المطلقة ، في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر. ms3139 # وهكذا يريد الله للإنسان النبي ، وللإنسان الداعية في خط الرسالة ، ~~وللإنسان الذي يعيش في أجواء النبوة والدعوة ، أن يرتفع في آفاق العبادة في ~~حياته ، في نداء حميم واعد بروحانية تعمر الفكر والقلب والشعور. # ( @QUR@05 واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) في نهاية الحياة ، لتقف على ~~الشاطئ الآخر ، أمام الموت الذي لا يلغي حياتك وإحساسك بالحياة ، ولكنه ~~ينقلها إلى عالم جديد ، تعيش فيه مع رضوان الله ، من خلال الحياة التي كانت ~~تسبح لله ، وتسجد له ، وتعبده ، كما يمكن لها أن تعبده ، وتلك نهاية المطاف ~~للإنسان الذي يستريح للوحي ، فيستريح إلى المصير الأبدي في جنان الله. # * * * PageV13P182 ### | سورة النحل ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وثمان وعشرون PageV13P183 ### ||| ** أجواء سورة النحل العامة # سميت هذه السورة باسم (النحل) لأن الله تحدث فيها عن النحل في قوله تعالى ~~: ( @QUR@013 وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون (68) @QUR@024 ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ، يخرج من ~~بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) ~~[النحل : 68 69]. # ولعل في التأكيد عليها من بين آيات الله في خلقه توجيه الاهتمام إلى ~~النظام الدقيق الذي يتميز به مجتمع النحل ، مما يمكن أن يثير في وعي ~~الإنسان الكثير من القضايا المتصلة بحياته. # وهي من السور المكية المدنية التي تتحرك آياتها لتأكيد العقيدة في ~~موضوعاتها الكبرى ، وهي التوحيد ، والوحي ، والبعث ، وتؤكد السورة على ~~التوحيد من خلال عالم الكون الواسع وما يتمثل فيه من أسرار عظمة الله في ~~خلقه ومن آفاق رحمته في نعمه ، بالإضافة إلى المقارنة مع كل من يتخذهم ~~الناس شركاء لله في العبادة ، وتجريدهم من كل صفات القدرة ، وإرجاعهم إلى ~~حجمهم الطبيعي وهو أنهم مخلوقون لله ، خاضعون في وجودهم لقدرته في كل شيء ، ~~ولا يملكون معه أي شيء مهما كان صغيرا. # أما في مسألة الوحي ، فتنطلق الآيات لتدخل في بعض تفاصيله ، ثم PageV13P185 # تواجه كلمات التشكيك اللامسؤولة الصادرة عن المشركين والكافرين ، التي ~~تشكك به وتنسبه إلى بعض البشر الذين يزعمون أنهم كانوا يعلمون النبي ms3140 ويلقون ~~إليه هذه الآيات ، ثم تتحرك الآيات باتجاه حركة الوحي الرسالة ، في حياة ~~المؤمنين ، في آفاق الدعوة ، والثبات عليها ، وفي حركة الهجرة ، والجهاد في ~~أجواء الصراع داخل الواقع الإسلامي وخارجه على أكثر من مستوى ، وفي مواجهة ~~التحديات الكافرة التي كانت تنال من الإسلام والمسلمين. أما شأن البعث ، ~~فتنطلق الآيات للحديث عن يوم القيامة كحقيقة وكواقع وكساحة لمواجهة ~~المسؤولية أمام الله وللخضوع لنتائجها الإيجابية ، في ما ينتظر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات الأجر الكبير والثواب العظيم في جنة الله الخالدة ، ~~ولنتائجها السلبية في ما ينتظر الكافرين والمتمردين على الله من العقاب ~~الشديد والعذاب الأليم في نار جهنم الخالدة .. ونلتقي في ذلك كله ~~بالأخلاقيات الإسلامية التي تؤكد على الصبر وسعة الصدر ، والدفع بالتي هي ~~أحسن ، وغير ذلك من القيم الروحية الإسلامية التي تثير في الإنسان كل نوازع ~~الخير ، وتوجهه إلى مواقع الحق والعدل والإيمان ، ليكون الإنسان الواعي ~~المنفتح على الله بإيمانه ، والمنطلق مع الحياة من خلال انفتاحه على الله. # * * * PageV13P186 ### ||| * الآيات ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@09 أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ~~@QUR@018 ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه ~~لا إله إلا أنا فاتقون (2) @QUR@07 خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون (3) @QUR@08 خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) (4) # * * * ### ||| ** لا تستعجلوا أمر الله # ( @QUR@05 أتى أمر الله فلا تستعجلوه ).. اختلف المفسرون في المعنى ~~المراد من هذه الكلمة ، فقال بعضهم إنه العذاب الذي تحدث الله عن استعجال ~~المشركين له ، على سبيل الاستهزاء أو التعجيز ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 قل أرأيتم إن أتاكم عذابه PageV13P187 # @QUR@08 بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون ) [يونس : 50] ، وقال ~~بعضهم إنه يوم القيامة الذي كان يلح المشركون على السؤال عنه دائما كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) [يس : 48]. ~~وذكر صاحب تفسير الميزان أن «المراد بالأمر ، ما وعد الله النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا وأوعد المشركين مرة بعد مرة ، في كلامه ، ~~أنه سينصر المؤمنين ويخزي الكافرين ويعذبهم ms3141 ويظهر دينه بأمر من عنده ، كما ~~قال : ( @QUR@06 فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) [البقرة : 109]. ~~وإليه يعود أيضا ضمير ( @QUR@02 فلا تستعجلوه ) على ما يفيده السياق ، أو ~~يكون المراد بإتيان الأمر إشرافه على التحقق وقربه من الظهور ، وهذا شائع ~~في الكلام ، يقال لمن ينتظر ورود الأمير : هذا الأمير جاء ، وقد دنا مجيئه ~~ولم يجيء بعد» (1). # ونحن نتحفظ على هذا الاستظهار ، لأننا إذا أردنا استنطاق كلمة الأمر ، ~~فإن هناك أكثر من مورد لها في القرآن ، مما يجعل الإنسان في حيرة كبيرة ، ~~أمام الواقع التطبيقي للكلمة ، لأن أمر الله ، يشمل كل إرادته في الحياة. # أما ما ذكره من ظهور الآيات في الخطاب للمشركين ، والاحتجاج عليهم ، ~~والإيحاء لهم بأنهم لا يستطيعون الانتصار على المؤمنين ، بل إن القضية تفرض ~~هزيمتهم في النهاية عند ما يأتي أمر الله بالنصر ، أما هذا ، فلا ينهض ~~أساسا للاستظهار ، لأن أجواء هذه الآية وما بعدها ، هي أجواء الإنذار ~~الحاسم الذي يؤكد للإنسان أن الله هو وحده القوة القاهرة القادرة ، التي ~~يجب أن يتعبد الناس لها ، ويخضعوا لها ، وهو الإله الذي يملك كل النعم التي ~~تحيط بهم والقادر على أن يحرمهم منها في أية لحظة. # إن هذه الأجواء توحي بأن المسألة هي مسألة عذاب ينتظر الجاحدين في الآخرة ~~، لا مسألة هزيمة تنتظرهم في الدنيا ، ويضاف إلى ذلك ، أن كلمة PageV13P188 # الاستعجال التي وردت في الآية تتحدث عن العذاب الذي كان الكافرون ~~يستعجلون الأنبياء إنزاله. # إن ذلك كله يجعلنا نستظهر هذا المعنى الذي يوحي بأن أمر الله قد جاء ، من ~~خلال قرار الله الحاسم الذي يملك القدرة على تنفيذه ، وملاحقة كل المتمردين ~~عليه ، مما يجعل من قضية الوقت ، مسألة غير أساسية في الموضوع ، لأن الوقت ~~لا يمثل مشكلة إلا للذين يضيع الوقت الفرصة عليهم ، أما بالنسبة إلى الله ، ~~فإنه لا يخاف الفوت ، فلا يعجل في تنفيذ إرادته. ومن هنا جاءت الآية لتؤكد ~~المسألة كما لو كانت حاضرة ، فلا مجال لاستعجالها ، لأنها آتية لا ريب فيها ~~في وقتها المقرر عند الله. # ( @QUR@04 سبحانه وتعالى عما يشركون ms3142 ) في ما يعبدونه من أوثان ، وما ~~يخضعون له من أشخاص لا يملكون لهم ولا لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، فكيف يملكون ~~لهم الحماية من أمر الله الواحد الذي لا شريك له في خلقه ، ولا شبيه له في ~~عظمته ، ولا منازع له في أمره ، ولا مضاد له في قدرته. # * * * ### ||| ** المراد من كلمة الروح # ( @QUR@05 ينزل الملائكة بالروح من أمره ) بما يتمثل في كلمة الروح من ~~معنى القوة التي تتحرك بالحياة وتتحرك بها الحياة ، ولكن ما هو معناها في ~~عمق الكلمة الواقعي؟ # ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به هو الوحي الإلهي ، الذي يعطي الحياة ~~معناها الحي المتحرك في الفكر والشريعة والمنهج والحركة ، بما يمكن أن ~~يحققه للإنسان من تقدم وانفتاح وحيوية ، كما هي الروح عند ما تدب في PageV13P189 # الجسد ، فتعطيه نشاطا من خلال حركة الحياة في داخله. # ولكن صاحب تفسير الميزان لم يوافقهم على ذلك ، بل اعتبر أن الروح «موجود ~~مستقل ذو حياة وعلم وقدرة ، وليس من قبيل الصفات والأحوال القائمة بالأشياء ~~، كما ربما يتوهم ، وقد أفاد بقوله : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) ~~[الإسراء : 85] أنه من سنخ أمره ، وعرف أيضا أمره بمثل قوله : ( @QUR@016 ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون* فسبحان الذي بيده ملكوت كل ~~شيء ) [يس : 82 83] فدل على أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء ~~أي الوجود الذي يفيضه عليها لكن لا من كل جهة ، بل من جهة استناده إليه ~~تعالى بلا مادة ولا زمان ولا مكان كما يفيده قوله : ( @QUR@06 وما أمرنا ~~إلا واحدة كلمح بالبصر ) [القمر : 50] فإن هذا التعبير إنما يرد في ما لا ~~تدريج فيه ، أي لا مادة ولا حركة له. فتحصل أن الروح كلمة الحياة التي ~~يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيته ، ولذلك سماه وحيا وعد ~~إلقاءه وإنزاله على نبيه إيحاء في قوله : ( @QUR@06 وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ) [الشورى : 52] ، فإن الوحي هو الكلام الخفي والتفهيم بطريق ~~الإشارة والإيماء ، فيكون إلقاء كلمته تعالى كلمة الحياة إلى قلب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms3143 وحيا للروح إليه» (1). # ثم يناقش التفسير الأول بقوله : «وأما قوله : إن الروح بمعنى الوحي أو ~~القرآن وكذا قول بعضهم إنه بمعنى النبوة ، فلا يخلو من وجه بحسب النتيجة ، ~~بمعنى أن نتيجة نزول الملائكة بالروح من أمره هو الوحي أو النبوة ، وأما في ~~نفسه وهو أن يسمي الوحي أو النبوة روحا ، باشتراك لفظي أو مجازا ، من حيث ~~إنه يحيي القلوب ويعمرها ، كما أن الروح به حياة الأبدان وعمارتها ، فهو ~~فاسد لما بيناه مرارا أن الطريق إلى تشخيص مصاديق الكلمات في كلامه تعالى ، ~~هو الرجوع إلى سائر ما يصلح من كلامه لتفسيره دون الرجوع إلى العرف وما يراه PageV13P190 # في مصاديق الألفاظ. والمتحصل من كلامه سبحانه أن الروح خلق من خلق الله ، ~~وهو حقيقة واحدة ذات مراتب ودرجات مختلفة ، منها ما في الحيوان وغير ~~المؤمنين من الإنسان ، ومنها ما في المؤمنين من الإنسان .. ومنها ما يتأيد ~~به الأنبياء والرسل» (1). # ونلاحظ من خلال هذا العرض الذي أفاض به المفسر الجليل السيد الطباطبائي ~~رحمه الله ، في الحديث عن حركة الكلمة في مواردها في القرآن ، أنه يحاول ~~تأكيد التفسير من خلال التوقف عند كلمة «الروح» على أساس إرادة معنى واحد ~~جوهري في مواردها ، وهكذا في كلمة «الأمر» ، وذلك من خلال التوقف عند ~~المدلول الحرفي للكلمة هنا وهناك ، وهذا ما لاحظناه من استنطاقه الآية ~~الكريمة ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [يس : ~~82]. ليعتبرها كل مدلول الأمر ، وليمتد بعد ذلك في تفسيره بأنه أمر غير ~~مادي ، لتكون النتيجة أنه هو الروح ، في ما استفاده من قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ) [النحل : 77]. # ولكن قد نتحفظ على هذا الفهم لأن كلمة «الأمر» التي تنسب إلى الله ، أو ~~تضاف إلى اسمه ، تختزن المعنى المتمثل في إرادته ، أو في فعله ، أو في السر ~~الخفي الذي لا يعرفه أحد إلا الله ، وليس من الضروري أن يكون المعنى واحدا ~~في كل موضع من موارد استعمالها ، فإذا وردت الكلمة في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء ms3144 : 85] فيمكن أن نستوحي منها أنها ~~السر الذي يختزنه الله في علمه ، ويخفيه عن عباده ، لأنه من خصوصياته ، أما ~~في قوله تعالى : ( @QUR@05 إنما أمره إذا أراد شيئا ) [يس : 82] إلخ ، ~~فإننا نفهم منها فعله الذي لا يحتاج فيه إلى جهد وتعب أو وقت طويل. وهكذا ~~نجد أن تطبيق المعنى يختلف في الموردين .. ولا نفهم وجها لاستفادته من كلمة ~~( @QUR@04 إنما أمره إذا أراد PageV13P191 # @QUR@01 شيئا ) [يس : 82] ، أن الأمر هو شيء لا مادة له ولا حركة ، لتكون ~~النتيجة أنه «الروح». # إننا نجد في هذا التفسير الكثير من التكلف البعيد عن روح النص القرآني ، ~~الذي لا يتجمد معناه في حرفيته ، بل يتعداه إلى آفاق أخرى تلتقي فيها ~~الاستعارة والكناية والمجاز ، بآفاق واسعة من المعاني المتحركة في أكثر من مجال. # وهكذا نستطيع أن نستوحي من ( @QUR@05 ينزل الملائكة بالروح من أمره ) ~~المعنى الذي يلتقي بالوحي ، أو بالقرآن في التطبيق ، في ما تمثله كلمة ~~الروح من معنى الحياة التي تعطي الفكر والشعور والواقع حيوية جديدة ، تماما ~~كما هي الروح عند ما تدب في الجسد ، فتبعث فيه الحركة والحياة. # ( @QUR@05 على من يشاء من عباده ) ممن يصطفيهم الله لوحيه ، لما تحويه ~~عقولهم وأرواحهم من صفاء وطهر ، تجعلهم في مستوى عال يلتقون فيه بمعاني ~~الوحي ، وممن يختارهم الله لرسالته ، لما يمتلكونه من قوة وإرادة وعزيمة ~~وشجاعة في الكلمة والموقف ، يؤهلهم لمواجهة التحديات الصعبة من أعداء الله ~~، الذين يوجه الأنبياء إليهم كلمة الله القوية الحاسمة المنذرة التي ~~يواجهون فيها الموقف النهائي ، الذي لا مجال فيه لأي تراجع أو تردد أو ~~اهتزاز ، لأنه الموقف الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ~~لأنه المنهج الذي أراده الله للحياة ، لترتكز من خلاله على أساس القاعدة ~~الثابتة الممتدة في الأعماق ، من حيث العمق ، وفي الآفاق ، من حيث الامتداد ~~، والخط الذي أراد الله للإنسان أن يتحرك فيه في الصراط المستقيم. # ( @QUR@02 أن أنذروا )، الإنذار يعني تحميل الإنسان المسؤولية في مواجهة ~~النتائج السلبية لعمله ، من اهتزاز الدنيا ، وعذاب الآخرة ، في حال إغراقه ~~وابتعاده عن المدار الصحيح ms3145 الذي تقتضيه القاعدة والخط. # * * * PageV13P192 ### ||| ** مبدأ التوحيد # ( @QUR@05 أنه لا إله إلا أنا ) التوحيد هو المبدأ الذي ينطلق منه كل ~~الحق ويصب فيه ، حيث تلتقي الحياة كلها في منهج واحد ، لا تتعدد معه السبل ~~، ولا تتحير فيه الإرادات ، ولا تختلف فيه الغايات ، فهو البداية وهو ~~النهاية ، يربط بينهما خط السير الواضح المستقيم ، ( @QUR@01 فاتقون ) ~~والتقوى هي الالتزام بالنهج الإلهي ، وما يأمر به الله عباده من أعمال ~~وأقوال وعلاقات ، وما ينهاهم عنه من ذلك كله ، والإصرار على الانضباط الذي ~~لا يسمح بالاهتزاز والانحراف والحيرة ، بل يركز الإرادة على أساس الوضوح في ~~الرؤية ، والقوة في اتخاذ القرار ، وفي تنفيذه. وبذلك يمكن لنا أن نلخص ~~ونختصر العقيدة في تفاصيلها ، والشريعة في مناهجها وأحكامها ، والمفاهيم في ~~جزئياتها ، وكلياتها ، في الإسلام وكل الأديان الأخرى ، في كلمتين هما ~~التوحيد والتقوى. # هل يكفي أن يتصور الإنسان الله بشكل مجرد يحلق به في آفاق لا مجال يحويه ~~إلا الغيب ، الذي لا يدركه إلا بطريقة غائمة؟ أم لا بد له من اختزان الصورة ~~في وعيه ، من خلال عظمة الله في خلقه ، ومن خلال رحمته في نعمه؟ # * * * ### ||| ** خلق السموات والأرض بالحق # ( @QUR@04 خلق السماوات والأرض بالحق )، الذي جعله أساس التكوين ، في ما ~~أودعه في هذه العوالم الضخمة الواسعة من أسرار خفية ، وسنن وقوانين تحكم ~~مسيرة الكون في خط واضح محدد لا ينحرف ولا يهتز ولا يبتعد عن إرادة الله. ~~وهكذا أراد الله للسماوات والأرض بما خلقه فيها من مخلوقات واعية عاقلة ~~مريدة أن ترتكز على الحق في التشريع ، فجعل لها نظاما في العبادة والعمل ، PageV13P193 # وفي كل شيء يحكم حركتها في الحياة ، فتحس هذه المخلوقات كلها بأن كل شيء ~~صغير أمام عظمته ، وأنه هو وحده العظيم المنزه عن كل قبيح وعن كل شريك ، ~~فترتفع أصواتها بالتسبيح له : ( @QUR@03 تعالى عما يشركون ). # * * * ### ||| ** خلق الإنسان من نطفة # ( @QUR@04 خلق الإنسان من نطفة )، لا تمثل شيئا مهما على مستوى الحجم ، ~~بل هي نقطة مني صغيرة تتحول إلى مضغة فعلقة تندرج في دور التكامل الجسدي ~~لتصبح صورة إنسان كامل ينطق ويفكر ms3146 ويتحرك ، ويبتعد عن الإحساس بحقارة ~~البداية ، ( @QUR@04 فإذا هو خصيم مبين ) يجادل في الله ، ويخاصم في شؤون ~~العقيدة ، وقد يقوده الجدال إلى الكفر ، وقد تؤدي به المخاصمة إلى الضلال ، ~~وقد يتساءل عن وجوده كيف بدأ ، دون أن يفكر بالأفق الأعلى الذي يفسر هذا ~~الوجود وكيفية خضوعه للحتمية التي تربط بين حركة الممكن في الكون ، وبين ~~إرادة الواجب في وجوده ، كما قد يتساءل كيف يمكن أن يبعثه الله من جديد ، ~~بعد أن يتحول إلى تراب ، لأنه لا يفكر ببدايته التي كانت من عدم ، حيث لا ~~يستبعد أن تكون النهاية عودة للوجود من خلال ما كان ، وإرادة في حركة الشكل ~~، مع وحدة الجوهر. # وفي ذلك إيحاء إلهي للإنسان بأن الخصام والجدال قد يطرقانه في زهو كاذب ، ~~وعظمة فارغة ، بقدرته على الوصول إلى نتائج ضخمة ، يؤكد من خلالها ذاته ، ~~فيبتعد بذلك عن التفكير في عمق الأشياء لجهة ما انطلقت منه ، وما ارتكزت ~~عليه ، مما يؤدي به إلى الكفر والضلال ، عند ما يبتعد عن نقطة الانطلاق ~~التي ركز الله السماوات والأرض عليها ، وهي الحق الذي لا ريب فيه. # * * * PageV13P194 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) @QUR@07 ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) @QUR@014 وتحمل أثقالكم إلى بلد ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) @QUR@09 والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) @QUR@010 وعلى الله ~~قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جمال ): الزينة. # ( @QUR@01 أثقالكم ): الأمتعة. # ( @QUR@02 قصد السبيل ): الطريق المستقيم. # * * * PageV13P195 ### ||| ** الأنعام من نعم الله على الإنسان # يريد الله للناس أن يلتقوا به من خلال مفردات حياتهم اليومية ، حيث تشكل ~~الحيوانات الأليفة بما تتضمنه من منافع للناس على مستوى المأكل والمشرب ~~والملبس والتنقل ، جزءا أساسيا من مفردات تلك الحياة ، وحيث يمكنهم أن ~~يتحسسوا فقرهم المطلق لله وحاجتهم المطلقة إليه ويشعرون بالتالي بحضوره ~~الشامل الدقيق في حياتهم ، فيزدادون إيمانا به ، ويفكرون بالعودة إليه ، ~~عند ما يغريهم الشيطان بالابتعاد عنه ، لأنهم لا يملكون الانفصال عنه ، ~~لارتباط حياتهم كلها به. وبهذا يتحول ms3147 الإحساس بالمادة ، إلى عنصر فاعل في ~~نمو الجانب الروحي في شخصية الإنسان ، لما تتضمنه من عظمة تشير إلى عظمة ~~الله في خلقه ، ولما تدل عليه من نعمة تشير إلى رحمة الله. الأمر الذي يجعل ~~من المادة شيئا روحيا في المعنى والإيحاء ، بعد أن كانت شيئا ماديا في ~~الشكل والصورة ، وبهذا نستطيع أن نحرك المعاني الروحية في كل مظاهر المادة ~~في الحياة ، كأسلوب تربوي متوازن ، لا يلغي في المادة خصائصها المادية ، في ~~ما يفرضه العلم من وعي للقوانين الطبيعية التي تحكمها في وجودها التكويني ، ~~ولكنه ينفذ إلى داخل تلك القوانين ليبصر فيها معنى القدرة والحكمة والرحمة ~~والنعمة التي توحي للإنسان بالمعنى الإلهي الكامن في سر الأشياء. # * * * ### ||| ** فوائد الأنعام للإنسان # ( @QUR@01 والأنعام ) من الإبل والغنم والبقر ( @QUR@04 خلقها لكم فيها ~~دفء ) تتقون به البرد ، بما تلبسونه أو تتدثرون به ، أو تجلسون عليه ، من ~~جلودها وأصوافها وأوبارها ، التي تمنحكم مقدارا من الحرارة تبعد عنكم ~~الإحساس بالبرد ( @QUR@01 ومنافع ) في ما تستفيدونه من هذه الأشياء أو من ~~ألبانها وشحومها في PageV13P196 # حاجاتكم العامة ( @QUR@02 ومنها تأكلون ) مما تستطيبونه من لحومها ~~وشحومها ( @QUR@03 ولكم فيها جمال ) وهي تتحرك في وداعة واستسلام ، وتتجمع ~~في هدوء. ويقوي إحساس الإنسان بجمالها ذاك ، كونه يملكها ويرعاها في ~~استسلامها له ، ونظرتها الحانية إليه ، وانقيادها له عند ما يدفعها أمامه ، ~~أو يلحقها به ، وكونها جزءا من المنظر الجميل الذي تشكله في حياته. ( ~~@QUR@02 حين تريحون ) وتردون الماشية بالعشي من مراعيها ، ( @QUR@02 وحين ~~تسرحون ) وتخرجونها بالغداة إلى المرعى. # ( @QUR@010 وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس )، ~~فهي تسهل لكم الانتقال إلى البلاد البعيدة ، بما توفره عليكم من عناء حمل ~~ما تحتاجون إليه منها من متاع لا تستطيعون حمله لمسافات قريبة إلا بالجهد ، ~~فكيف بكم إذا كان لمسافات بعيدة. وتلك نعمة عظيمة لا يحسها إلا من عاش أو ~~يعيش في المناطق التي تمثل فيها الأنعام الوسيلة الوحيدة لنقل الأمتعة ( ~~@QUR@04 إن ربكم لرؤف رحيم ) في ما تمثله هذه النعم الحسية من معاني الرأفة ~~والرحمة من خلال تسخيرها لكم ، وتسهيلها عليكم. ms3148 # ( @QUR@04 والخيل والبغال والحمير لتركبوها )، فقد خلقها الله لكم ~~لتنتفعوا بها في الركوب والتنقل من مكان إلى آخر ، ليخفف عنكم جهد السير ~~وليقرب لكم المسافات ( @QUR@01 وزينة ) لكم في الصورة الرائعة الجميلة ~~لمنظر ركوبكم عليها. وهكذا نجد أن الله يريد الإيحاء للإنسان بأن الجمال ~~والزينة يمثلان نوعا من أنواع النعمة التي من بها على الإنسان ، كما ~~يتميزان بقيمة إنسانية ، يريد الله من الإنسان أن يحس بها في حياته ، ( ~~@QUR@04 ويخلق ما لا تعلمون ) من وسائل الركوب التي قد يلهم الإنسان ~~اكتشافها ، ويسهل له استعمالها ، أو ما يخلقه الله من الحيوان. # وبهذا نستطيع استيحاء الفكرة الدينية التي تدعو الإنسان للتطلع إلى كل ~~تطور في وسائل الحياة ، بشكل إيجابي تدفعه لاكتشاف ذاك الجديد واستعماله. # * * * PageV13P197 ### ||| ** الله يهدي إلى الطريق المستقيم # ( @QUR@04 وعلى الله قصد السبيل ) والقصد كما ذكره الراغب وغيره استقامة ~~الطريق (1) وهو كونه قيما على سالكيه يوصلهم إلى الغاية. وربما كان من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي السبيل القاصد ، أي الطريق المستقيم ، وقد ~~نسبه الله إلى نفسه ، لأن الهداية منه ، في ما أودعه في الفطرة من استعداد ~~، وما منحه من وسائلها الحسية والمعنوية التي إذا استعملها الإنسان اهتدى ~~إلى الصراط المستقيم ، ولكن السبيل ليست منحصرة بالخط المستقيم الذي يهدي ~~الله الناس إليه ، بل هناك نوع آخر منه ( @QUR@02 ومنها جائر ) منحرف عن خط ~~الاستقامة في ما يتحرك فيه الناس بتزيين الشيطان وتسويله وخداعه وتضليله ~~الذي ينحرف بهم إلى الكفر والضلال والبغي والطغيان. # وقد جاء حديث الله عن الطريق المستقيم والطريق المنحرف ، بمناسبة الحديث ~~عن الإعداد الإلهي الدواب لتسهيل الوصول إلى البلاد البعيدة ، حيث يبلغ ~~الناس عندها غاياتهم التي يستريحون إليها. وقد نسب الله السبيل القاصد إليه ~~، لأنه هو الذي تلتقي عنده كل وسائل الهداية ، وترجع إليه كل أسبابها ، بما ~~لا يلغي عملية الاختيار لدى الإنسان. أما الانحراف عن الطريق ، فإنه يمثل ~~عدم الأخذ بأسباب الهداية ، مما يجعلها حالة إنسانية مرضية ، يتحمل الإنسان ~~مسئوليتها ، وإن كانت مقدماتها بيد الله ، مما يمكن نسبة الفعل إليه في بعض ~~الآيات على ms3149 سبيل المجاز. # وقد أفاض الكلاميون في استنطاق المعنى الحرفي للآية ، في مسألة الجبر ~~والاختيار ، وفي نسبة الإيمان إلى الله ، والضلال إلى الإنسان ، بما لا ~~مجال للإفاضة فيه هنا ، لأننا قد تحدثنا عن حرية الإرادة للإنسان في أكثر من PageV13P198 # موقع في معرض تفسير الآيات المتعلقة بهذا الموضوع ، وأشرنا إلى أن ~~التأكيد على الجانب الحرفي للكلمة دائما ، يبعد القرآن عن روعة التعبير ~~وجماله وبلاغته ، في كثير من الأحيان ، حيث لا يتحرك المفسرون من استيحاء ~~للقرآن في ما هو ظاهر فيه ، بل ينطلقون من استيحاء له ، في ما يتبنونه من ~~مواقف وآراء ليخضعوه لذلك ، ولو جاء التفسير على حساب جانب البلاغة في ~~القرآن. # ( @QUR@04 ولو شاء لهداكم أجمعين ) ولكنه أراد لكم أن تسيروا في الطريق ~~المستقيم الذي أوضحه لكم وأعد كل وسائله ، من موقع الاختيار ، كما حملكم ~~مسئولية اختياركم الطريق المنحرف لتواجهوا النتائج الإيجابية ، أو النتائج ~~السلبية ، في هذا أو ذاك ، في الدنيا والآخرة. # * * * PageV13P199 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ~~(10) @QUR@016 ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) @QUR@015 وسخر لكم الليل والنهار والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) @QUR@013 ~~وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) ~~@QUR@021 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) ~~@QUR@011 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ~~(15) @QUR@04 وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) @QUR@07 أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون (17) @QUR@010 وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله ~~لغفور رحيم (18) @QUR@06 والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) @QUR@010 ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) @QUR@07 أموات ~~غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ) (21) # * * * PageV13P200 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تسيمون ): سامت الماشية ، إذا رعت ، أي ترعون أنعامكم من ~~النبات من غير كلفة. # ( @QUR@01 ذرأ ): خلق. # ( @QUR@01 مواخر ): جمع ماخرة ، والمخر شق الماء ، يقال مخرت السفينة ms3150 أي ~~جرت وشقت الماء يمينا وشمالا. # ( @QUR@01 تميد ): تميل وتضطرب. # ( @QUR@01 وعلامات ): العلامات ، المعالم التي يستدل بها على الطريق. # * * * ### ||| ** بعض ما أودع الله في الكون من النعم # ويستمر الأسلوب القرآني في تربية الإنسان على تنمية التصور الفكري ~~والروحي لعقيدة التوحيد ، من خلال ما أودعه الله في الكون من مواقع نعمه ~~وأسرار عظمته ، في ما يريد الله له أن يفكر به ، ويحرك عقله في آفاقه ، ~~ويهتدي به ، ويتذكر ما يقبل عليه من مصير وما يجب أن يواجهه من مسئولية. # وتلك هي قصة التربية القرآنية التي تؤكد دائما على الفكر أن يتحرك ، وعلى ~~العقل أن يناقش ، ليكون سبيلا للهداية ، ومنطلقا للوعي والتذكر ، فيستنطق ~~كل ما حوله ، وكل من حوله ، في عملية استيحاء واستذكار ، واستنتاج للفكرة ~~الهادية والخط المستقيم ، فلا يكون البصر مصدر PageV13P201 # استمتاع للهو ، بل مصدر معرفة للعبرة ، ولا تكون الأشياء المحيطة به أو ~~الموجودة أمامه ، مجرد جوامد في معطياتها الفكرية والروحية ، بل يتحول ~~الكون بذلك إلى مدرسة فكرية وروحية ، تغني التجربة ، وتمد الفكر بكل ألوان ~~التصور في جانب الفكر والعقيدة ، وتوجه الإنسان إلى المنهج الذي يجعل من ~~العقيدة حالة حية في الواقع ، بدلا من أن تكون حالة جامدة في الطريقة ~~النظرية في التفكير. # * * * ### ||| ** نعمة الماء على الإنسان # ( @QUR@07 هو الذي أنزل من السماء ماء لكم ) لتستفيدوا منه في تنمية ~~حياتكم وتطويرها ( @QUR@02 منه شراب ) تشربون منه ، أنتم وأنعامكم ، وكل ~~شيء حي يحتاج إلى الماء في استمرار وجوده ( @QUR@02 ومنه شجر ) ترتوي ~~بذورها الأولى بالماء فتنمو ، وتمتد جذورها في الأرض ، وترتفع أغصانها في ~~الفضاء ، وتتدلى أثمارها من الأغصان ، ( @QUR@02 فيه تسيمون ) من السوم وهو ~~رعي الماشية ، التي تتغذى بأوراق الشجر ، لتكون غذاء لكم بعد نموها وقوتها. ~~ويفصل القرآن هنا في شأن النبات الذي يستمد قدرته على الحياة والنمو ~~والامتداد من الماء الذي أنزله الله لتكون منه حياة كل شيء ( @QUR@010 ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ) التي تتنوع ~~بأشكالها وخصائصها ، مما لم تعتادوه أو تشاهدوه أو تكتشفوه ( @QUR@06 إن في ~~ذلك لآية لقوم يتفكرون ) ذلك أن ms3151 التفكير في خصائص هذه النباتات يقود إلى ~~اكتشاف سر عظمة الله ورحمته وقدرته المتجلية فيها. # * * * PageV13P202 ### ||| ** تسخير الشمس والقمر والليل والنهار # ( @QUR@09 وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) ~~لجهة تنظيم حياتكم بين النوم واليقظة والراحة والعمل ، والاستفادة من حركة ~~الشمس والقمر والنجوم ، من خلال الخصائص الكونية التي أودعها الله في هذه ~~المخلوقات ، مما يؤثر في حياة الإنسان والنبات وكل ما في الأرض والفضاء من ~~موجودات وأوضاع ، فينعكس على الإنسان في أصل وجوده وفي نموه وامتداده و ( ~~@QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) إذ يعملون عقولهم في اكتشاف أسرارها ~~وآثارها ، ليتعرفوا من ذلك على مدى تكريم الله للإنسان ، فقد خلقه في هذه ~~الأرض ، وأعد له في آفاقها الكونية في السماء ، كل ما يمكن أن يكون مصدر ~~راحة وخير وحياة ، ليلتقوا من خلال ذلك بالحقيقة الإلهية التي ترعى الحياة ~~بالحكمة ، والإنسان بالرحمة ، ( @QUR@07 وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه ) وما خلق من أصناف الأشياء المودعة في الأرض ، في ظاهرها وباطنها ، ~~من معادن ومركبات ، مما ينتفع به الإنسان ، وتتكامل به حركة الحياة في طريق ~~النمو والتطور ، ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) بما توحيه كلمة ~~التذكر من وعي للكون والواقع والمصير ، مما يجعل الإنسان يتوقف أمام كل شيء ~~يراه أو يسمعه أو يلمسه أو يكتشفه ، ليجعله موضع دراسة وتجربة ، ومصدر ~~معرفة واستذكار للنتائج الإيجابية أو السلبية التي يواجهها ، تبعا للتخطيط ~~الدقيق الذي يخضع له حياته. # وقد حاول صاحب تفسير الميزان أن يتوقف أمام اختلاف الكلمات في الآيات ~~الثلاث ، التي قد يكون المعنى فيها واحدا ، وذلك في قوله «يتفكرون» ~~و «يعقلون» و « يذكرون» ، ليستوحي منها اختلاف الموقع في كل واحدة منها. PageV13P203 # قال رحمه الله : «وهذه حجج ثلاث ، نسب الأولى إلى الذين يتفكرون ، ~~والثانية إلى الذين يعقلون ، والثالثة إلى الذين يتذكرون ، وذلك أن الحجة ~~الأولى مؤلفة من مقدمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكر ، والثانية ~~مؤلفة من مقدمات علمية لا يتيسر فهمها إلا لمن غار في أوضاع الأجرام ~~العلوية والسفلية وعقل آثار حركاتها وانتقالاتها ms3152 ، والثالثة مؤلفة من ~~مقدمات كلية فلسفية إنما ينالها الإنسان بتذكر ما للوجود من الأحكام العامة ~~الكلية كاحتياج هذه النشأة المتغيرة إلى المادة ، وكون المادة العامة واحدة ~~متشابهة الأمر ، ووجوب انتهاء هذه الاختلافات الحقيقية إلى أمر آخر وراء ~~المادة الواحدة المتشابهة» (1). # ولكن نرى في ذلك لونا من التكلف ، لأن إدراك الصلة بين هذه الأمور في ~~خصائصها العلمية وأسرارها الكونية ، يحتاج إلى فكر وعلم يتحركان في دائرة ~~العقل ، وينطلقان من وعي يعتبر المعرفة مصدرا للتذكر والاعتبار ، فليست ~~المسألة مسألة حاجة الأولى إلى مطلق التفكر ، والثانية إلى عمق التصور ~~العقلي ، والثالثة إلى حركة الفكر الفلسفي ، بل المسألة هي تنوع في التعبير ~~البلاغي ، لأن فهم خصائص كل منها سواء أكان في الأرض أم في السماء ، يحتاج ~~إلى عمق في الدراسة ، وإلى جهد في الاكتشاف ، أما الربط بينها وبين الحقيقة ~~الإلهية ، فإنه يحتاج إلى إعمال الفكر والعقل للوصول إلى التذكر والاستنتاج ~~من خلال المعرفة. # * * * PageV13P204 ### ||| ** خيرات الأرض ونعمها # ( @QUR@08 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ) بما أودعه فيه من ~~أسماك تصطادونها بسهولة ، لما هيأه لكم من وسائل الصيد ( @QUR@04 وتستخرجوا ~~منه حلية تلبسونها ) من اللؤلؤ والمرجان وغيرهما من الأصداف والقواقع التي ~~تستخرج من البحر. ( @QUR@04 وترى الفلك مواخر فيه ) تشق الماء وتفرق العباب ~~، لتحقق للإنسان الكثير من منافع الانتقال إلى أماكن بعيدة ، لا طريق لها ~~إلا البحر الذي سخره الله له ، بإخضاع قوانينه لخدمته ، عبر ما ألهمه إياه ~~من اكتشاف الوسائل التي تسيطر على جبروته وأهواله ( @QUR@03 ولتبتغوا من ~~فضله ) من خلال ركوبكم البحر ووصولكم إلى مصادر الرزق في المناطق البعيدة ( ~~@QUR@02 ولعلكم تشكرون ) الله على ما رزقكم إياه وأعده لكم من وسائل العيش ~~، وأصناف الرزق ، وعلى ما سخره لكم من مخلوقاته. # ( @QUR@07 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) وهي الجبال الرواسي التي ~~تحفظ للأرض توازنها ، حتى لا تهتز بالإنسان ، فتمنعه من الاستقرار عليها. ~~ويعلل علماء الطبيعة وجودها بنظريات كثيرة منها : «أن جوف الأرض الملتهب ~~يبرد فينكمش ، فتتقلص القشرة الأرضية من فوقه ، وتتجمد فتكون الجبال ~~والمرتفعات ، والمنخفضات ، ( @QUR@01 وأنهارا ) صنعت ms3153 مما تشتمل عليه الجبال ~~من ثلوج تذوب في الصيف ، فتجري لتتكون منها الأنهار ( @QUR@01 وسبلا ) ~~وطرقا يسلكها الناس بين الجبال والسهول ، لتسهل للإنسان الانتقال من مكان ~~إلى مكان ( @QUR@06 لعلكم تهتدون* وعلامات وبالنجم هم يهتدون )، في ما ~~جعله الله لهم من دلائل توضح مسالك الطرق ، وتمنعهم من الحيرة والضياع على ~~الأرض ، أما في الصحراء والبحار حيث لا علامات منصوبة مميزة ، فإن الله ~~ألهمهم الاهتداء بالنجم ، من خلال خارطة السماء التي اكتشفوا ما تبينه من ~~طريق السير. # * * * PageV13P205 ### ||| ** نعم الله لا تحصى # ( @QUR@07 أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) وكيف تفكرون؟ وما هو ~~الأساس الذي ترتكزون عليه في شرككم بالله عقيدة أو عبادة ، وفي اتخاذكم ~~أشخاصا أو أوثانا ، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا آلهة من دون الله. إن ~~الألوهية لا ترتبط بالمعنى النفسي الذي نعيشه تجاه الإله ، ولا بالمظهر ~~الشكلي له ، ولا بالأسرار الغامضة التي تحيط به ، ولا بالمعاني الغيبية ~~التي نصنعها له ، ولكنها ترتبط بالقدرة المطلقة التي تبدع الوجود من قلب ~~العدم ، وتخلقه خلقا جديدا ، فيتحول إلى كون ونظام وحياة ، تشمل الوجود ~~كله. وهو الله الواحد الأحد الذي يرجع كل شيء إليه ، وتصدر كل حياة منه ، ~~فهو الذي خلق الأشياء كلها بقدرته. وهو بذلك لا يمكن أن تشركوا به ، موجودا ~~ضعيفا ، لا يملك أية حياة في وجوده ، فكيف يمكن أن يعطي الحياة لغيره ، ~~وكيف يمكن إحداث التعادل بينه وبين الله سبحانه وتعالى؟! ولكنها الغفلة عن ~~الحقيقة الإلهية التي لا ريب فيها ، أفلا تذكرون ، وهو المنعم الذي أعطى ~~الخلق كله الحياة ، وزودها بكل ما يكفل لها القوة والنمو والاستمرار ، ~~وأعطى الإنسان الكثير من ذلك ، في ما سخر له من طاقات الكون الحية والجامدة ~~لتكون ، بأجمعها ، في خدمته. # ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) فكيف تنكرون الله ، وهو ~~الحاضر في وجودكم مع كل نعمة ، في ما تفكرون وتبصرون ، وفي ما تسمعون ~~وتلمسون ، أو تأكلون أو تشربون ... وكيف لا تشكرونه على ذلك كله؟ ( @QUR@04 ~~إن الله لغفور رحيم ) يغفر لكم ذنوبكم على الرغم من ذلك ، إذا ms3154 رجعتم عن ~~الخطأ ، ويرحمكم إذا انتبهتم للانحراف وتحركتم في خط الاستقامة. وتستمر ~~النعم الكثيرة ، بالتساقط عليكم بالخير والرحمة والبركة كل صباح ومساء ، دون PageV13P206 # أن تنقطع لذنب أذنبتموه ، أو لخطأ ارتكبتموه. وماذا بعد ذلك؟ هل تستطيعون ~~الاختباء من الله وراء الحواجز التي تحجبكم عن بعضكم البعض ، وتؤمن ~~لأسراركم الحماية من الآخرين ، في ما يصدر عنكم من أخطاء ومشاكل وأوضاع ، ( ~~@QUR@06 والله يعلم ما تسرون وما تعلنون )، فهو الحاضر معكم في كل ساحة من ~~ساحات حياتكم الداخلية والخارجية ، فكيف يمكن أن يكون كفركم وضلالكم ~~وإنكاركم لله وشرككم به سرا عليه ( @QUR@010 والذين يدعون من دون الله لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون ) وكيف يمكن أن تكون عبادتكم لمن لا يبتعد في ~~مستواه عن أصغر مخلوق لله فضلا عن عدم ارتفاعه إلى مقام الألوهية؟ فليس هذا ~~إلا دليلا على موت الفكر والقلب والضمير ، نتيجة الغفلة المطبقة التي تحجب ~~عن الإنسان رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي ، كما تمنعه من رؤية المصير كله ~~... إنه الموت الحقيقي ، لأن الحياة تفقد معناها معه ( @QUR@07 أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون )، فهم يتحركون كما لو كانوا يسيرون في ظلام ~~يطبق على الحياة كلها حتى يلغيها ، فلا يعرفون الزمن الذي يستفيقون فيه ~~ليواجهوا المسؤولية أمام الله الذي لا رب سواه. # * * * PageV13P207 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون (22) @QUR@013 لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا ~~يحب المستكبرين ) (23) # * * * ### ||| ** عدم الإيمان بوحدانية الله استكبار # ( @QUR@03 إلهكم إله واحد ) إن وحدانية الله حقيقة واضحة لا يغفل عنها أي ~~عقل يفكر بمسؤولية ولا يبتعد عنها قلب يتحسس الواقع ، وهو تصور صاف يعطي ~~الحياة معناها ، ويمنح الإنسان سر حياته ، حيث لا يمكن أن ينفصل إحساس ~~الإنسان بالحياة ، عن إحساسه بالوحدانية الإلهية التي منحته الحياة. # ( @QUR@06 فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) تنكر حقيقة التوحيد ، ~~وتلتقي بباطل الشرك ، ولكن لا من موقع القناعة ، بل من موقع الاستكبار ، ~~لأنها ترفض اللقاء بالحقيقة من خلال الفكر المسؤول ، والإحساس النقي ، أو ~~من خلال الوحي الذي يحمله ms3155 بشر ، لا يملك مالا أو جاها يقويه ، ولا يملك ما PageV13P208 # يميزه عن غيره من البشر ، كما يتميز الملك عن البشر في خلقه وارتفاع ~~مقامه في رحاب السماء ، ولذلك فلا مجال للتفكير بما يطرح ، وللحوار معه ، ~~لأن المسألة مسألة شخصية الرسول ، لا شخصية الرسالة ، ومستوى الموقع لا ~~مستوى الفكر ، خاصة إذا كان الرسول فقيرا أو يتيما أو غير منتم إلى الطبقات ~~العليا في المجتمع ، فإن ذلك يحسم مسألة الرفض لكل ما عنده ، دون سؤال ( ~~@QUR@02 وهم مستكبرون ) في تفكيرهم الذي يتحرك من موقع فوقي يمنعهم من ~~احترام فكر الآخرين ، وفي مشاعرهم ، التي تتحكم فيها عقدة الكبرياء وتمنع ~~عنها التفاعل بمحبة مع مشاعر الآخرين. وبذلك لا يكون الاستكبار حالة ~~اجتماعية منحرفة ، بل يتحول إلى نوع من الانحراف الثقافي والعقيدي والروحي ~~، الناشئ من الإصرار على الرأي الخاطئ تحت تأثير الحالة النفسية المعقدة. # ولكنهم يحاولون أن يغطوا هذه الحالة السلبية المعقدة فيهم والإيحاء بأن ~~رفضهم للعقيدة الجديدة أو للرسول ، ينطلق من موقف فكري حقيقي ، موضوعه ~~اختلاف المفاهيم الفكرية التي يحملونها عن قناعة عما تطرحه دعوة الرسول من ~~قضايا ومفاهيم ، لإكساب معارضتهم نوعا من الاحترام أمام جماعاتهم ، كي لا ~~تتحول إلى موقف عناد وتمرد دون أساس. ولكن الله يفضح المسألة كلها ، لأنه ~~يعلم خفايا الأشياء كما يعلم ظواهرها ( @QUR@09 لا جرم أن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون ) فلا يمكنهم إخفاء حقيقة الموقف عنه ، لأن علمه ينفذ إلى ~~ما يفكرون ، حتى يطلع على وساوس الصدور وخائنة الأعين ، الأمر الذي يفقدهم ~~محبة الله ، لاطلاعه على طبيعة الكبرياء المعقدة في مواقفهم ( @QUR@04 إنه ~~لا يحب المستكبرين ) لأن الاستكبار لا يمثل موقف انفتاح إنساني ، بل يمثل ~~حالة انغلاق معقد شيطاني مرفوض من الله ورسالاته ، لأنه يقهر إنسانية ~~المستضعفين من الناس ، وينحرف بالتفكير إلى اتجاه مضاد للحقيقة ، ويحول ~~الحياة من حوله إلى ما يشبه الجحيم. # * * * PageV13P209 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ~~@QUR@015 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم ألا ساء ما يزرون (25) @QUR@021 قد ms3156 مكر الذين من قبلهم فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون (26) @QUR@021 ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم ~~تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ~~(27) @QUR@019 الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا ~~نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) @QUR@08 فادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أساطير ): جمع أسطورة وهي الشيء المسطور في الكتب من غير دليل ~~على صحته. # ( @QUR@01 أوزار ): آثامهم. PageV13P210 # ( @QUR@01 القواعد ): جمع قاعدة ، أي الدعامة. # ( @QUR@01 السلم ): الاستسلام. # ( @QUR@01 مثوى ): مكان الثواء والإقامة. # * * * ### ||| ** منطق المستكبرين ومصيرهم في الآخرة # ما هو منطق هؤلاء المستكبرين في مواجهتهم للرسالة؟ وما هو مصيرهم في ~~الآخرة ، وما هو موقفهم من نتائج المسؤولية هناك ، أمام استحقاقات المصير؟ # * * * ### ||| ** رفض المستكبرين لما أنزل الله # ( @QUR@07 وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم )، هل فكرتم في مضمونه ، وفي ما ~~يؤكده من كلمة الله الفاصلة في قضايا العقيدة والشريعة وحركة الحياة ، وهل ~~حاولتم الانفتاح عليه من موقع التأمل والحوار لتصلوا إلى الحقيقة الكاملة ~~الكامنة فيه؟ فالانطلاق من موقع الحوار أو التأمل يؤمن للفكرة نضجا وعمقا ~~وثباتا ، وهو موقع مسئول لم يعتمده المستكبرون في مواجهة الرسالة لعدم ~~رغبتهم في التنازل عن مواقعهم العقيدية الموروثة عن آبائهم وعن تقاليدهم ~~وعاداتهم المرتكزة على مفاهيم الجاهلية ، الرافضة للتغيير. لذا فإنهم ~~يواجهون الدعوة بمواقف انفعالية يعبرون عنها بسلوكهم وكلماتهم ، حتى إذا ما ~~سئلوا عما أنزل الله عليهم من خلال رسوله وعن قيمته الفكرية ، ( @QUR@03 ~~قالوا أساطير الأولين ) في ما يقصه من حكايات تشبه الخرافات والأساطير ، ~~وما يذكره عن الآخرة ، PageV13P211 # في نعيمها وجحيمها ، وفي كل ما تشتمل عليه من أجواء ومواقف وقضايا ~~ومفاهيم. ولكن ما هو مفهومهم عن الأسطورة؟ هل هي القصة أو الفكرة التي لا ~~تتناسب مع مألوفاتهم ، أو هي ما لا يتناسب مع مقاييس الواقع؟ وما هي ~~مفاهيمهم حول الغيب؟ وهل يمكن اعتبار أية قضية غيبية خرافة ، حتى لو كان ~~للغيب أساس يقر ms3157 العقل بواقعيته؟ # إنها علامات استفهام ترتسم أمام الذهن ، عند ما يسمع مثل هذا الحكم ~~الانفعالي السريع الذي يلتقي فيه أولئك المستكبرون ، مع كثير ممن يطلقون ~~على التفكير الديني ، أو القصص الديني ، صفة «الأسطورة» دون الدخول في حوار ~~فكري حول مفهوم الكلمة ، وطبيعة القصة ودائرة الفكر. # إنهم يطلقونها شتائم هدفها محاربة طروحات الرسالة ، بإثارة الأجواء التي ~~تهزم الفكرة عبر خلق حالة انفعال تثير الدخان الذي يحجب الفكرة عن أجواء ~~الصفاء والهدوء. وهذا هو الأسلوب السلبي الذي يحمل أصحابه المسؤولية أمام ~~الله ، لأنهم بذلك لا يخطئون في قضية شخصية ضد شخص آخر ، بل يتحول الخطأ ~~إلى جريمة في حق الأمة التي يبتعد بها هذا الأسلوب عن الوعي والروحية ~~والشرعية التي تحكم حركة الواقع للناس. وهذا ما أرادت الآية التالية تقريره ~~بشكل حاسم ( @QUR@05 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة )، أوزار إساءتهم ~~إلى أنفسهم في الانحراف عن خط الاستقامة في جانب العقيدة والعمل ، ( ~~@QUR@06 ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) في ما يبعدونهم عن الحق ، ~~فيتحولون من خلال ذلك إلى عناصر كافرة أو ضالة ، بكل ما يمثله الكفر ~~والضلال من جريمة بحق مصيرهم في الدنيا والآخرة ، من دون أن يرجع ذلك إلى ~~أساس من علم ، بما يقتضيه العلم من حجة تتحرك في خط الحوار أو برهان ينطلق ~~في حركة العقل ( @QUR@04 ألا ساء ما يزرون ) بما يعنيه الوزر من الثقل الذي ~~يطبق بنتائجه السلبية ، وبعواقبه الوخيمة ، على الروح والحياة والمصير. وأي ~~وزر أكثر سوءا من هذا الوزر الذي يدفع بالإنسان إلى نار جهنم ، وغضب الله وسخطه! # * * * PageV13P212 ### ||| ** العذاب كان مصير المستكبرين من قبل # ( @QUR@05 قد مكر الذين من قبلهم ) فحاولوا أن يدبروا المكائد ، ويخططوا ~~لتهديم أسس العقيدة التوحيدية ، في فكر الإنسان وحياته. ولكن الله عطل كل ~~مؤامراتهم من حيث لا يشعرون ( @QUR@05 فأتى الله بنيانهم من القواعد ) فهدم ~~كل ركائزهم الفكرية ، من الكفر والشرك والضلال ، في الفكرة والمنهج ~~والأسلوب ، وذلك من خلال قوة الركائز التي انطلق منها الإيمان والتوحيد ~~والرشاد. # ( @QUR@05 فخر عليهم السقف من فوقهم ) لأن أي سقف ، مهما كانت ms3158 قوته ، لا ~~يمكن أن يحمي صاحبه ، إذا ارتكز على قاعدة منهارة ، لأنه لا يحمي نفسه. ~~ويريد الله بذلك أن ينبه أية جماعة تتطلع إلى الامتداد الواسع عبر فكرة ~~معينة أو محور معين ، أن كل ما تحققه سوف ينهار ويسقط إذا سقطت القاعدة ~~التي يرتكز عليها. # ( @QUR@06 وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) الذي يتنوع في طبيعته وفي ~~شكله ، حسب مقتضيات الحكمة الإلهية في ما ينزله على الكافرين من صنوف ~~البلاء الذي يتحول إلى حالة من العذاب ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. # ( @QUR@04 ثم يوم القيامة يخزيهم ) في موقفهم الحائر الخائف المهزوم أمام ~~هول المحشر ، في محضر الخلائق الذين يشهدون على جرائمهم ، ويشاهدون عذابهم ~~، ويتطلعون إليهم وهم واجمون أمام السؤال الحاسم الذي يوجهه الله إليهم ، ~~من موقع التأنيب والتوبيخ ، لما كانوا يعيشونه من انحراف ، في منطقهم ~~الضعيف الذي لم يرتكز على أساس من علم. # ( @QUR@07 ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) وتنازعون المؤمنين ~~الموحدين ، وتثيرون من خلالهم المشاكل في طريق الأنبياء والدعاة إلى الله. ~~فهل ترون لهم من موقع في هذا الموقف العظيم ، الذي كنتم تزعمون أنهم يملكون ~~فيه الامتيازات الكبيرة ، والحظوة العظيمة. ويلح السؤال عليهم ، دون أن ~~يملكوا له جوابا ، لأن هؤلاء الشركاء لا يملكون أية قوة ، ولا يمثلون أي ~~موقع. ويقف الذين أخذوا بأسباب العلم في الدنيا ، في ما حملوه من عقائد PageV13P213 # ومفاهيم ، واتخذوه من مواقف ، وأقاموه من علاقات ، جعلت حياتهم تتحرك في ~~المواقع الثابتة ، وفي الطريق المستقيم ، ومنحتهم بالتالي وضوح الرؤية ~~وسلامة التفكير في النظر إلى الأمور وإلى حركة الناس ، وأصبحوا بذلك في ~~موقع الحكم الذي يزن الأمور ، ليطلق الحكم العدل والكلمة الصحيحة ، ( ~~@QUR@010 قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) ~~لأنهم لم يكفروا من حالة شك في حقيقة العقيدة في حسابات الحق والباطل ، ~~ولكنهم كفروا من حالة عناد وتمرد ، بعد أن قامت عليهم الحجة من الله ، ~~ولذلك فإنهم يواجهون الخزي في الموقف ، في ما يلاقونه من العار كما يواجهون ~~السوء وهو العذاب في ما يواجهونه من عذاب ms3159 النار ( @QUR@05 الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم ) بما أخذوا به من أسباب الكفر والضلال ، ولم ~~يتراجعوا عنه حتى جاءهم الموت وهم كافرون ، فواجهوا حساب المسؤولية ، ( ~~@QUR@07 فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ) فاستسلموا للموقف ، لأنهم لا ~~يملكون أمام ذلك أية قوة ، وأي مهرب ، محاولين سلوك منطق المكابرة ، وإنكار ~~كل تاريخهم في الكفر والضلال والعصيان ، من موقع الدفاع الغريزي عن النفس ، ~~ظنا منهم بأن الإنكار ينفعهم في الآخرة ، كما كان ينفعهم في الدنيا ، حيث ~~كانوا في مواجهة أعمالهم السيئة يخدعون المسؤولين عن حسابهم بالتلاعب ~~بالألفاظ واستخدام الأساليب الملتوية في التهرب من المسؤولية ، وادعاء ~~البراءة ، فيتركون دون عقاب. ولكن الموقف هنا يختلف تماما عن الموقف في ~~الدنيا ، لأن الحاكم الذي يتولى مهمة الحساب هو الله الذي ( @QUR@06 يعلم ~~خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [غافر : 19]. ولهذا ، يأتيهم الرد حاسما في ~~الرفض لهذا المنطق الكاذب ( @QUR@07 بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ) ~~فهل تملكون دفاعا أمام الله؟ وهل تملكون الكلمة القوية التي تبرر لكم ذلك ~~كله؟ فلا بد لكم من مواجهة المصير المحتوم ( @QUR@08 فادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ) الذين يمثلون الخط الذي يتمرد على الحق ~~، وهو يعرفه ، وينحرف عن الخط المستقيم ، وهو يراه. # * * * # وبذلك كان هذا الخط يتحرك في اتجاه كل كفر وشرك وظلم وبغي وضلال. PageV13P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) @QUR@015 جنات ~~عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله ~~المتقين (31) @QUR@012 الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) @QUR@022 هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون (33) @QUR@010 فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ينظرون ): ينتظرون. # ( @QUR@02 وحاق بهم ): أحاط بهم. # * * * PageV13P215 ### ||| ** منطق المتقين ومصيرهم في الاخرة # ما هو منطق المتقين الذين عاشوا الحياة إيمانا في الفكر والروح ، ~~والتزاما في ms3160 العمل ، وما هو مصيرهم في الآخرة؟ # * * * ### ||| ** جزاء المتقين في الدنيا حسنة # ( @QUR@09 وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا )، بكل ما تحمله ~~هذه الكلمة من عمق في الروح ، وامتداد في الحياة ، وغنى في النتائج ، ~~وسعادة في المصير. إنها تمثل كل ما يربط الإنسان بالمعنى الإنساني لفكره ~~وخطه العملي في الحياة ، وطريقة إدارة علاقته بالناس وبالحياة ، مقابل معنى ~~الشر الذي يمثل انتفاء تلك الإنسانية في خلفيات فكره ، وحركات عمله ، ~~ونتائج خطواته. وذلك كله من موقع الاختيار الحر الذي يحدد فيه لنفسه ما ~~يريد ( @QUR@06 للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) هل هي من كلمات المتقين ~~، أو هي كلمة مستأنفة مما أراد الله أن يقرره كنتيجة لهذا الخير الذي ~~أعلنوه واجهة للعمل ، وساروا عليه من مواقع الالتزام؟ كل ذلك محتمل ، وإن ~~كان الأقرب إلى الجو السياقي في الحديث عنهم بصفة الغائب ، هو المعنى ~~الثاني ، وتلك هي النتيجة الطيبة ، فللمحسنين في مواقفهم وكلماتهم وأفعالهم ~~وتطلعاتهم في الحياة حسنة قد تكبر أو تصغر تبعا لحجم الإحسان العملي ، في ~~ما يتقرب به الإنسان إلى الله ، وينفع به الناس من أعمال ، طلبا لما عند ~~الله. فالآية تقرر المبدأ ، ولا تدخل في التفاصيل ، لأن المسألة في هذا ~~الموقف ، هي تحديد النتيجة التي تشير إلى طبيعة المصير الذي ينتظر هؤلاء ~~بعد ذلك. # * * * PageV13P216 ### ||| ** دار الآخرة للمتقين # ( @QUR@03 ولدار الآخرة خير )، في ما يتمثل فيها من رحمة ولطف ورضوان ، ~~جزاء على ما قدمه المتقون من عمل. وهكذا التقى الخير في العمل بالخير في ~~النتيجة ( @QUR@03 ولنعم دار المتقين ) التي يستريح فيها الإنسان إلى حياته ~~الجديدة في نعمة من الله ورضوان ، بالإضافة إلى الجانب الحسي من المتع التي ~~تنتظرهم في هذه الدار : ( @QUR@011 جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشاؤن )، فليس هناك حد لما يحققه الله لهم من أمنيات ~~، في ما يخطر في بالهم من أمور وحاجات وتطلعات ، فلهم أن يحملوا كما يحبون ~~لتكون أحلامهم حاضرة بين أيديهم ، دون حاجة إلى الانتظار والقلق والترقب ، ~~كما كانت حالهم مع الأحلام في ms3161 الدنيا ، حيث تنتهي أحيانا دون أن يتحقق شيء ~~منها. ( @QUR@04 كذلك يجزي الله المتقين ) الذين اتقوا ربهم في الفكر وفي ~~العمل ، في السر وفي العلن ، ( @QUR@04 الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) بما ~~توحيه كلمة الطيبة من طيبة في الروح ، وفي النية ، وفي الجو الذي يحيط بهم ~~في علاقات الحياة ، وفي الخط الذي يحكم كل تاريخ حياتهم من البداية إلى ~~النهاية ، حتى إذا جاءهم الموت ، كانوا على استعداد لمواجهة نتائج ~~المسؤولية بكل قوة وإيمان أمام الله ، لأنهم يعرفون النتيجة سلفا من خلال ~~تاريخهم المليء بالتقوى ، فهم ينتظرون الملائكة الذين يتوفونهم ( @QUR@03 ~~يقولون سلام عليكم )، في تحية طيبة توحي إليهم بكل معاني السلام الروحية ~~والعملية التي تنتظرهم في حياتهم الجديدة ( @QUR@05 ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون ) لأن الجنة لا تنال بالتمنيات بل بالأعمال ، وهذا ما ينبغي للناس ~~أن يتمثلوه في الدنيا ، عند ما يتمنون الجنة بعد الموت. فلا مجال هناك إلا ~~للعاملين المؤمنين الصالحين ، الذين يلتقون بالرحمة الإلهية من مواقع العمل ~~في خط الإيمان ، أما الكافرون والمشركون والمتمردون فما ذا ينتظرون ، ( ~~@QUR@01 هل PageV13P217 # @QUR@09 ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك ) ليلاقوا جزاء ~~كفرهم وعملهم. # * * * ### ||| ** الظالم ظالم لنفسه # ( @QUR@05 كذلك فعل الذين من قبلهم ) من الأمم السالفة ( @QUR@03 وما ~~ظلمهم الله ) بما أنزله عليهم من العذاب في الدنيا ، وما ينتظرهم منه في ~~الآخرة ، لأن الله لا يحتاج إلى ظلم أحد ، فهو القوي الذي لا حد لقوته في ~~كل شيء ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) فقد أقدموا على الكفر ، بعد ~~أن قامت عليهم الحجة على الإيمان ، ومارسوا المعصية بعد أن عرفهم الله ~~المصير الأسود الذي ينتظرهم من خلالها وكانوا يملكون القدرة على الاستقامة ~~في خط الإيمان وخط الطاعة ، فانحرفوا من موقع إرادة واختيار ، لا من موقع ~~ضغط وقهر ، ( @QUR@04 فأصابهم سيئات ما عملوا ) في ما تلتقي به المقدمات ~~بالنتائج ( @QUR@06 وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) من العذاب الذي كان ~~ينذرهم به الأنبياء ، وكانوا يواجهونه بالسخرية والاستهزاء ، فحل بهم ما ~~كانوا به يستهزئون. # * * * PageV13P218 ### ||| * الآيات # ( @QUR@032 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ms3162 دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين (35) @QUR@028 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) @QUR@014 إن تحرص على ~~هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) (37) # * * * ### ||| ** الإيمان والشرك اختياريان لا قسريان # ( @QUR@015 وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ) وذلك هو المنطق المهزوم الذي يحاول التهرب من المسؤولية ~~بإرجاع الشرك إلى مشيئة الله ، على أساس إحاطة الله بعباده في كل ما ~~يعتقدونه وما يمارسونه من أعمال ، فليس لهم أن يقوموا بأي فعل ، أو يتخذوا ~~أي موقف ، من دون أن PageV13P219 # يشاء الله لهم ذلك ، مما يجعل من الشرك مشيئة إلهية ، لا مشيئة ذاتية ، ~~بالتالي فإن انحرافهم العملي في ساحة المعصية حيث يحللون ما حرم الله أو ~~يحرمون ما أحل الله ، يعود إلى الله لا إليهم ( @QUR@06 ولا حرمنا من دونه ~~من شيء ) وهذا هو منطق المشركين الذين عاصروا النبي محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@05 كذلك فعل الذين من قبلهم ) من الكافرين ~~والمشركين من الأمم السابقة ( @QUR@06 فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) ~~لأن الله لم يجعل للرسول مهمة التدخل في تحويل قناعات الناس إلى الإيمان ~~بطريقة غيبية ، كما يوحي ربطهم بين الإيمان وبين المشيئة الإلهية لذلك ~~بطريقة ضاغطة لا مجال فيها للاختيار ، بل إن الله قد جعل مهمة الرسول ~~البلاغ ، في كل ما يريد الله أن يبلغه للناس من وحيه وتعاليمه ، ليختاروا ~~ما يريدون من ذلك من موقع حرية الإرادة ، لأن المشيئة لا تعني إلغاء ~~الإرادة ، بل تعني تأكيدها عند ما يشاء الله لهم الكفر أو الإيمان ~~باختيارهم ، بما وفره لهم من وسائل الاختيار. # * * * ### ||| ** للرسالات أهداف واحدة # ( @QUR@011 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~) وهذا هو المنهج الذي أراد الله أن يحكم ms3163 الحياة في حركة الناس ، فهو يرسل ~~إلى الناس الرسول ، ليبلغهم رسالاته ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة ، في ما أعده لهم من عقل قادر على التخطيط والوصول إلى النتائج ~~الكبيرة ، وما منحهم من إرادة وقدرة على الاختيار. # ولا تختلف الرسالات ، ولا الرسل ، في الخط العام الذي يحكم PageV13P220 # دعوتهم ، فهناك خط إيجابي يتعلق بالموقف من الله ، وهو أن يعبدوا الله ~~وحده ، بكل ما تعنيه العبادة من التزام بإرادة الله وأوامره ونواهيه ، في ~~كل شيء ، مهما كان صغيرا. وهناك خط سلبي يتعلق بالموقف من الناس ، وهو أن ~~يجتنبوا الطاغوت ، بكل ما توحي به الكلمة من نهج الطغيان في الحكم والشريعة ~~والمنهج والموقف والشخص ، الذي لا يلتقي بالله من قريب أو من بعيد. وبهذا ~~يكون كل ما عدا الله طاغوتا ، بينما يكون الالتزام بالنهج الذي حدده الوحي ~~، عبادة لله وخضوعا له. # ( @QUR@04 فمنهم من هدى الله ) بما هيأه من وسائل الهداية التي تؤمن ~~الوصول إلى سواء السبيل ( @QUR@05 ومنهم من حقت عليه الضلالة ) وثبتت في ~~حياتهم ، لأخذهم بأسباب الضلالة ، التي جعلت من خلالهم نتيجة حتمية تفرضها ~~علاقة المسببات بالأسباب. وهذه سنة الله في عالم الهداية والضلال ، ~~فاقرأوها في ساحة الحياة وتاريخ السابقين ، وتعرفوا النتائج السلبية للضلال ~~وللتكذيب. ( @QUR@08 فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) في ~~ما أنزله الله عليهم من عذاب. # ( @QUR@04 إن تحرص على هداهم )، فإن ذلك ليس ملك يديك ، لأن الهداية ~~ليست نتيجة للكلمة التي تلقيها ، وللعمل الذي تقوم به في هذا الاتجاه ، بل ~~هي ، إلى جانب ذلك ، نتيجة لحالة من يتلقاها الداخلية ، وللاتجاه الذي ~~يتبناه إراديا حيال أسباب الهداية ، كما أن الله لم يجعل لك سلطة في تحريك ~~إرادة الإنسان باتجاه معين ، بل ترك للأسباب أن تحدد نتائجها الطبيعية في ~~الحياة ... وهكذا لا تكون المسألة مسألة حرصك يا محمد على هداهم ( @QUR@06 ~~فإن الله لا يهدي من يضل ) لأنه لا يغير سنته في الكون في ما يجعله من ~~أسباب للهداية والضلال. وسيلاقون جزاء أعمالهم ، ولن يستطيعوا الخلاص من ~~ذلك ms3164 مهما حاولوا ذلك وتوسلوا إليه من وسائل. ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) ~~ينصرونهم من دون الله. وبهذا نعرف أن إضلال الله لهم لا يعني إجبارهم على ~~ذلك ، بل PageV13P221 # كل ما يعنيه هو أن الله خلق للضلال أسبابا ، وجعل للناس الاختيار في ~~الأخذ بها ، فصحت نسبتها إليه من خلال علاقته بخلق السبب ، وعلاقة المسبب ~~به ، والله العالم. # * * * PageV13P222 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) @QUR@011 ليبين لهم الذي يختلفون ~~فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) @QUR@010 إنما قولنا لشيء ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) (40) # * * * ### ||| ** القسم بإنكار البعث # ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم )، فأجهدوا أنفسهم ، وبالغوا في ~~اليمين ، لتأكيد ما يحملونه من فكرة تنكر وجود الآخرة ، ليقنعوا الآخرين ~~بأنه ( @QUR@05 لا يبعث الله من يموت ) لكن دون أن يقيموا أية حجة على ذلك ~~، لعدم وجود أي دليل عقلي يحكم باستحالة البعث ، فضلا عن الإيمان بالقدرة ~~المطلقة لله سبحانه ، فليس لديهم إلا الاستبعاد الناشئ عن خروج الموضوع عما ~~يألفه الناس من الأمور الحسية المعتادة. وليس في هذا الاستبعاد ، ما يفرض ~~سقوط الفكرة ، الأمر الذي جعلهم في موقع ضعف ، فلجئوا إلى استخدام الأيمان ~~المغلظة ، كطريقة لإيحاء نفسي بكون ما ينكرونه يمثل الحقيقة. PageV13P223 # ( @QUR@04 بلى وعدا عليه حقا ) تتخذ المسألة جانب التأكيد ، من قبل الله ~~، الذي يطرح القضية في نطاق الوعد الحق الذي لا يتخلف عن وقته ، وعند ما ~~يؤكد الله أمرا ، أو يعد به ، فإن معنى ذلك أنه يمثل كل الحقيقة التي لا ~~ريب فيها ، لأن الله هو خالق كل شيء ، من عدم ، وهو القادر على أن يعيد ما ~~خلقه إلى الوجود من جديد ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) لأنهم لا ~~يفكرون في ذلك من خلال العقل ، ولا يرجعون ، في قضاياهم ، إلى استلهام ~~الوحي الصادق ، ليتعرفوا منه حقائق الغيب. وتلك هي مشكلة الذين لا يعلمون ، ~~ولا يحاولون أن يخرجوا من جهلهم ، في ما يتعلق بحقائق الحياة المرتبطة ~~بالإيمان بالله ، لأنهم يعيشون أجواء اللامبالاة أمام القضايا ms3165 التي لا تتصل ~~بحركة الواقع الحسي في حياتهم ، ويجهلون خطورة ذلك على صعيد تحديد ~~المسؤولية في الدنيا والآخرة ، مما قد يؤدي بهم إلى فقدان وضوح الرؤية ~~الشاملة التي يحتاجونها في التخطيط لحياتهم ككل والسير بالتالي على الصراط ~~المستقيم ... وهذا ما جعل العلم مسئولية في الإسلام ، للجاهل أن يتعلم ، ~~وللعالم أن يعلم ، لأن قضية المعرفة في الواقع ضرورية لسلامة خط السير ، ~~تماما كما هي قضية الحركة نفسها ، كما أن مسألة الإيمان ليست بعيدة عن ~~الواقع ، في عملية صنع الشخصية ، وفي حركة الحياة. # ( @QUR@05 ليبين لهم الذي يختلفون فيه ) حيث كانوا ينقسمون في الدنيا ، ~~بين منكر للآخرة ومؤمن بها. فها هي الحقيقة واضحة الآن أمامهم ، يرونها رأي ~~العين ، من دون غموض. وهذا هو البيان الحسي ، بعد أن كان الرسل في الدنيا ~~يواجهونهم بالبيان الفكري. وهكذا تحسم الحقيقة الواضحة الخلاف في النهاية. ~~( @QUR@06 وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) في ما أنكروه من أمر ~~الآخرة ، ولكن ما الفائدة؟ إنهم يواجهون الآن نتائج المسؤولية في عذاب الله هناك. # * * * PageV13P224 ### ||| ** إرادة الشيء وقول كن # ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ). فكيف ~~يستبعدون إعادة الخلق من جديد ، وهم يدركون أبعاد قدرة الله التي لا نهاية ~~لها ، فالله لا يحتاج في إيجاد أي شيء إلى أسباب مادية كالأسباب التي ~~اعتادوها ، لأنه يخلق الأسباب والمسببات ، وإرادته ولا شيء غيرها سر وجود ~~الأشياء كلها ، فإذا تعلقت بشيء ، فلا بد من أن يوجد بها ، فلا تتخلف عنه ~~... ولعل المراد بالقول ، الإرادة التكوينية لا الكلمة. ولكنها الكناية ~~التي توحي بأن الأشياء حاضرة للوجود أمامه سبحانه خاضعة لإرادته بلسان ~~استعدادها ، كما لو كانت موجودات حية عاقلة تتلقى الأمر بالكلمة ، فتستجيب ~~بالممارسة. # * * * PageV13P225 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) @QUR@05 الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون ) (42) # * * * ### ||| ** المهاجرون في الله لهم الأجر الأكبر في الاخرة # وهذا نوع آخر من الناس ، عاش المعرفة فكرا وإيمانا ، وتحمل مسئوليتها ~~جهدا وعناء وتشردا ، من أجل أن يحولها ms3166 إلى فكر يشمل الناس كلهم ، وإلى ~~إيمان يحتوي الحياة كلها من موقع المسؤولية الرسالية التي أراد الله لعباده ~~أن يحملوها إلى أنفسهم وإلى الآخرين ، فهو لم يشأ أن ينكمشوا داخل ذواتهم ~~ليكتفوا بما لديهم من المعرفة لحياتهم الخاصة ، بل أراد لهم أن يتحملوا ~~مسئولية الدعوة إليها ، مهما كلفهم ذلك من جهد. وهؤلاء هم المهاجرون الذين ~~تمردوا على العذاب في سبيل الثبات على إيمانهم بالإسلام ، وصمدوا أمام ~~التحديات التي واجهتهم ، بكل قوة ، كي لا تنحرف بهم عن خط الدعوة إلى الله. ~~وهاجروا من مواقع الضعف التي عاشوا فيها الحصار المادي والمعنوي ، إلى ~~المواقع التي يعملون فيها على صنع القوة ، بهدف تركيز قواعد PageV13P226 # الإسلام في المجتمع الجديد ، ثم الالتفاف ، بالقوة الجديدة على المجتمع ~~القديم. # ( @QUR@08 والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا )، هؤلاء الذين هاجروا ~~من مكة إلى المدينة ، من أجل أن تكون العبادة لله وحده ، ومن أجل أن يكون ~~الدين كله لله ... والهجرة في الله ، هي الهجرة في سبيله ومن أجله ، على ~~أساس حماية دينه ودعوته من ضغط الضاغطين ، وتعسف المتعسفين ... فقد هاجر ~~هؤلاء ، لا طلبا للراحة ، ولا هروبا من المسؤولية ، كما يفعل بعض الناس ، ~~ممن لا يريدون أن يواجهوا مشاكل التحدي ونتائجه السلبية ، بل هاجروا ، بعد ~~أن ثبتوا وقتا طويلا ، وبعد أن ظلموا من قبل الكافرين ، وتحملوا الكثير من ~~العذاب ، من موقع الإصرار على الثبات في الإيمان ، والاستمرار في الدعوة ، ~~حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم ، فلم يعد لهم مجال للبقاء هناك ، أو التأثير ~~في الدعوة ، في الوقت الذي كانت فيه الأرض الجديدة تنتظرهم ، ليقوموا ~~بمسؤولية الدعوة فيها ، وليجاهدوا فيها ، ضد التحديات الكافرة التي بدأت ~~تحشد كل قوتها أمام الدعوة الإسلامية الجديدة. # وليست الآية في مضمونها الرسالي مختصة بالمهاجرين الأولين الذين هاجروا ~~من مكة إلى المدينة ، أو إلى الحبشة ، بل تشمل كل الذين يهاجرون في الله ، ~~ممن تضطهدهم القوى الكافرة أو الطاغية ، لأنهم قالوا ربنا الله ودعوا إليه ~~وجاهدوا في سبيله ، فيتحركون إلى مواقع أخرى ، من أجل التخلص من ضغط الحصار ms3167 ~~على الكلمة والحركة وعلى الدعوة ... ليأخذوا لأنفسهم حرية الحركة في الساحة ~~، من أجل بناء قوة جديدة ، ومجتمع إسلامي جديد. إن الهجرة تمثل الخط الطويل ~~المستمر الذي تتلاحق فيه حركة الأمة في أجيالها المتعاقبة ، في سبيل أن ~~يكون الدين كله لله ، وأن تتحرك الحياة من خلال وحيه ، وأن يلتقي الناس حول ~~منهاجه وشريعته ... وبهذا كان وعد الله مستمرا للمهاجرين الجدد ، كما كان ~~للمهاجرين القدامي ، الذين ظلموا PageV13P227 # ( @QUR@04 لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) بما نكفل لهم من التخلص من الضغوط ~~الهائلة التي كانوا يواجهونها ، وبما نحقق لهم من النصر الذي يطمحون إليه ، ~~وفي ما نمهده لهم من الوسائل التي يحتاجون إليها في تحقيق الغايات الكبيرة ~~التي يحملون رسالة تحقيقها في الحياة ( @QUR@03 ولأجر الآخرة أكبر ) من أجر ~~الدنيا ، لأنه الخير الذي لا شر معه ، والفرح الذي لا حزن فيه ، والسعادة ~~التي لا شقاء معها ، لأنه يلتقي برضوان الله الذي يتفايض على روح المؤمن ~~بالفرح الروحي الذي لا يستطيع الإنسان أن يعرف مداه ، في ما يحقق له من ~~أحلام ورغبات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فلا تعرف ~~نفس ما أخفي لها من قرة أعين. # ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) ذلك ، أن الإنسان في الدنيا ، خاضع في وعيه ~~وتقديره ورغبته لمشاعره الحسية ، مما يجعل كل طموحه ، في ما يأخذ به من ~~شؤون العمل ، ويتحرك فيه من خط السير ، يدور في ذلك الفلك ، وبذلك تكون ~~تطلعاته في الساحة العملية أقرب إلى آفاق الدنيا منها إلى آفاق الآخرة ... ~~ولذا جاء الوحي القرآني ، ليربطهم بالجانب الآخر من الصورة ، وهو جانب ~~الآخرة في ملذاتها ومشتهياتها وآفاقها الروحية ، وليعرفهم ذلك بالفكر ~~والإيمان ، لأنهم لا يستطيعون أن يتعرفوا عليه بالحس بفرض خلق التوازن ~~لديهم في حساب الأرباح والخسائر ، بين ما يحملونه من مسئوليات ، ويتحملونه ~~من حرمان قد تفرضه عليهم ساحة العمل ، وبين ما سيحصلون عليه من أرباح ~~ومنافع في الآخرة ، نتيجة طاعة الله في خط الدعوة والجهاد ، فيقودهم ذلك ~~إلى المزيد من التحمل والصبر والإصرار على تحمل الآلام ms3168 في سبيل الله. # ( @QUR@02 الذين صبروا ) وعاشوا آلام الصبر ، في العمق من مشاعرهم ، في ~~مواجهة فراق ما كانوا قد اعتادوا عليه من نمط عيش في أوطانهم التي فارقوها ~~، حيث ذكريات الصبا ، ومراتع الطفولة ، والأجواء الاجتماعية الحميمة في وسط ~~الأقرباء والأصدقاء الذين كانوا يحيطونهم بكل حب وحنان ورعاية ... وقد ~~فقدوا ذلك كله ، وانتقلوا إلى أرض جديدة ، لا تربطهم بها أية مشاعر خاصة ، PageV13P228 # بل كل ما هناك ، أنها أرض الرسالة ، وساحة الجهاد ، ومجتمع الإسلام ، مما ~~يفرض عليهم الضغط على مشاعرهم الخاصة ، واستبدالها بمشاعر عامة ، تحول ~~الجانب الشعوري فيهم ، إلى جانب حي ، يتغذى بالعلاقات الإيمانية الإنسانية ~~، بدلا من العلاقات الذاتية .. من أجل صنع الإنسان الجديد الذي لا يمثل ~~الحرمان من أجل الدعوة إلى الله عنده حالة سلبية في ذاته ، بل يمثل لونا من ~~ألوان الفرح الروحي الذي يعيش اللذة في رضا الله ، أكثر مما يعيشها في ~~إرضاء نوازعه الذاتية. من هنا ، فإن قيمة الصبر ، تكمن في ما يحققه للمؤمن ~~، من أجواء روحية تعطيه إمكانية التماسك ، وامتداد التحرك ، ومواجهة ~~الصعوبات بقوة ، وتحدي التهاويل باطمئنان ، وانتظار المستقبل بثقة ، بالرغم ~~من كل ما يثيره الآخرون أمامه من تهاويل الخطر ، حتى إذا وقف أمام الأشباح ~~المخيفة التي تحملها تهاويل المستقبل الغامض ، كان التوكل على الله هو ~~السبيل للحصول على حالة الهدوء النفسي ، والثقة بالنصر ، من خلال الثقة ~~بالله. وهذا ما وصف به الله المهاجرين الصابرين ( @QUR@03 وعلى ربهم ~~يتوكلون ) بما يعنيه مضمون التوكل ، من إرجاع الأمور كلها إلى الله ، في ما ~~لا يملك الإنسان الوسيلة العملية للتخلص منه ، أو لمواجهته بالإمكانات ~~العادية ، لأن الله هو الذي يملك الأمر كله وهو المستعان في كل شيء. وبذلك ~~فلن تتوقف المسيرة بالتوكل ، بل تبقى مستمرة في خط الدعوة إلى الله والجهاد ~~في سبيله ، مهما أثير أمام الدعاة من عقبات وتحديات وتهاويل ، غير أنها ~~تحاول التقاط أنفاسها لتعيد النظر في خططها ، وفي ما قطعته من مراحل على ~~الطريق ، وفي ما بقي لها منه ... وفي ما تواجهه من حواجز وموانع ، لتفكر في ~~ذلك كله ms3169 ، ولتدبر منه ما تستطيع تدبيره ، وتحل منه ما يمكن أن تجد له حلا ، ~~ثم تتوكل على الله في ما لا تستطيع السيطرة عليه ، وتترك الأمر فيه إليه ، ~~وهذا ما يجعل من التوكل مصدر حركة واعية في الواقع ، لا مصدر هروب من ~~مواجهته. # * * * PageV13P229 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون (43) @QUR@012 بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (44) # * * * ### ||| ** التأكيد على بشرية الرسل # ما هي شخصية الرسول؟ وما هي قدراته؟ هل هو إنسان غيبي في شخصه وفي ~~إمكاناته؟ هل من المفروض في الرسول الذي يرتبط بالله من خلال الوحي ، أن ~~يكون في طبيعته شخصا غير عادي ، كما هو الوحي شيء غير عادي في طبيعته؟ أو ~~هو إنسان مثل بقية الناس في شخصيته وفي قدرته ، لا يملك أن يغير شيئا من ~~سنن الكون التي أودعها الله في الحياة ، ولا يستطيع أن يكتشف الغيب؟ أسئلة ~~كانت تدور في ذهن الإنسان الذي عاصر الرسالات عند ما كان يرفض فكرة الرسول ~~البشر ، وعند ما كان يطلب من الرسول ، تفجير الينابيع من الأرض القاحلة ، ~~والصعود إلى السماء ، والإتيان PageV13P230 # بكتاب غير عادي منها. وهذه أفكار لا تزال تطال اعتقاد الإنسان المتأخر عن ~~عصر الرسالات ، بالنبي ، حيث يرى كشخصية غيبية في قدراتها ، إلى درجة ~~اعتقاد البعض بأن للنبي ولاية تكوينية على الحياة وعلى الناس ، كما يعتقد ~~الكثيرون بأنه يعلم الغيب إذا أراد ، من دون حدود. وغير ذلك من الاعتقادات ~~التي أبعدت شخصية النبي عن مستوى شخصية الإنسان في طبيعته وقدرته. # إن الآية التي أمامنا تحدد لنا المسألة ، كغيرها من الآيات المماثلة ، ~~دون فرق بين أن تكون جوابا عن الفكرة التي تتطلب في النبي شخصية الملك ، ~~وبين أن تكون جوابا عن الفكرة التي تتطلب فيه شخصية القادر على التغيير ~~التكويني للواقع. # * * * ### ||| ** الرسل من قبلك رجال نوحي إليهم # ( @QUR@08 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) فهم لم يتميزوا ~~بشخصية فوق إنسانية ، كما لم يملكوا قدرة غير عادية ms3170 ، بل كل ما اختلفوا به ~~عن الناس الآخرين ، اتصالهم غير العادي بالله عن طريق الوحي. أما المعجزات ~~التي تمثل الأعمال الخارقة للعادة ، فقد كانت حالة طارئة استثنائية اقتضتها ~~ظروف التحدي التي سعت لإسقاط الرسالة أمام جماهير الناس البسطاء ، بما ~~تملكه القوى المضادة ، من قوة طبيعية لا يملكها الأنبياء ، مما يجعلهم في ~~موقع ضعف ينعكس على حركة الرسالة بين الناس. وكان الأنبياء يصرحون بأن ذلك ~~كان بقدرة الله ، لا بقدرتهم ، وبإذن الله ، لا بإمكاناتهم ، استجابة ~~للظروف الطارئة التي فرضت ذلك ، أما في غير هذه الحالة ، فلا ضرورة ~~للمعجزات ، ولهذا رفض الأنبياء المعجزات الاقتراحية ، في الوقت الذي لا ~~فائدة من المعجزات الابتدائية ، بعيدا عن حالة التحدي العام ، لأن مهمة ~~النبي هو أن PageV13P231 # يبلغ الناس رسالة الله بالوسائل التي يستخدمونها عادة في الإقناع ، من ~~حيث الأسلوب والمنهج ، بعيدا عن أية حالة غيبية .. وليس من مهمة أن يغير ~~للكون نظامه ، أو يكشف للناس خفايا حياتهم ، أو ينبئهم بأحداث المستقبل ، ~~إلا في نطاق ما أراد الله له أن يبينه من خلال وحيه له ، في كتابه ، أو في ~~ما أراد له أن يبينه بطريقته الخاصة. # * * * ### ||| ** سؤال أهل الذكر # ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )، فهذا هو طريق الحصول ~~على المعرفة في شأن ما ، لا سبيل إلى تحصيله ذاتيا منها ، حيث قد يتوجب ~~الرجوع إلى أهل الاختصاص ، لأنهم يملكون الإحاطة بالأشياء بكل دقة ، ~~ويستطيعون توضيح كثير من خفاياها ومشاكلها. ولهذا كان من الضروري ، للذين ~~يؤمنون بالنبوة من حيث المبدأ ، وبالأنبياء في التاريخ الذي سبقهم ، ~~ويثيرون الشك في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لم يقم بما اقترحوه ~~عليه من معجزات ، ولأنه ليس ملكا من الملائكة ، أن يسألوا أهل الذكر ، ممن ~~اختصوا بالعلم في الكتب السماوية ، وعرفوا تاريخ الأديان وتاريخ الرسل ، ~~ليعلموهم ما لم يعلموا من خصائص الرسول الذاتية ، ليعرفوا أن محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بدعا من الرسل ، فلما ذا يطلبون منه ما لم يكن ~~في غيره ، إذا كانت طبيعة الرسالة ms3171 لا تفرض ذلك ، ولم يكن الرسل السابقون قد ~~فعلوا ذلك؟ # ( @QUR@02 بالبينات والزبر ) والبينات هي الآيات الواضحة الدالة على صدق ~~رسالتهم ، والزبر هي الكتب التي تتضمن تعاليمهم وتحفظها للآخرين من بعدهم. ~~وذكر بعضهم أنها متعلقة بقوله تعالى : ( @QUR@02 وما أرسلنا ) بتقدير وما أرسلنا PageV13P232 # بالبينات والزبر إلا رجالا نوحي إليهم. وذكر صاحب الميزان ، أنها متعلقة ~~«بمقدر يدل عليه ما في الآية السابقة من قوله : ( @QUR@02 وما أرسلنا ) أي ~~أرسلناهم بالبينات والزبر ... وذلك أن العناية في الآية السابقة إنما هي ~~ببيان كون الرسل بشرا على العادة فحسب ، فكأنه لما ذكر ذلك اختلج في ذهن ~~السامع أنهم ، بماذا أرسلوا؟ فأجيب عنه فقيل : بالبينات والزبر ، أما ~~البينات فلإثبات رسالتهم ، وأما الزبر فلحفظ تعليماتهم» (1). وهو تكلف لا ~~تقتضيه طبيعة السياق. # ( @QUR@08 وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )، تماما كما ~~أنزلنا على من قبلك من الأنبياء الكتاب ، على أساس ما يمثله من رسالة تشتمل ~~على العقائد والمفاهيم والشرائع التي أراد للرسول أن يتحمل مسئولية إيصالها ~~وتبيانها للناس ، ليهتدوا بها في حياتهم الخاصة والعامة ( @QUR@02 ولعلهم ~~يتفكرون ) ذلك أن الرسالات تخلق للإنسان منهج تفكير يقوده لاكتشاف كثير من ~~القضايا المتصلة بالعقيدة والعمل ، مما لا يجعله مجرد متلق للنصائح ~~والتعاليم ، بل يدفعه إلى الانطلاق من تلك التعاليم إلى آفاق الحياة ~~الواسعة بما تحتاجه من فكر يقود التفاصيل إلى الارتباط بالقواعد العامة ~~التي يريد الله لها أن تحكم الحياة كلها. # * * * PageV13P233 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (45) @QUR@07 أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ~~(46) @QUR@08 أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) @QUR@017 أولم ~~يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم ~~داخرون (48) @QUR@014 ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) @QUR@07 يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون (50) @QUR@012 وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون (51) @QUR@011 وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا ~~أفغير الله ms3172 تتقون (52) @QUR@012 وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر ~~فإليه تجئرون (53) @QUR@010 ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون (54) @QUR@06 ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ) (55) # * * * PageV13P234 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 داخرون ): صاغرون. # ( @QUR@01 واصبا ): لازما. # ( @QUR@01 تجئرون ): الجؤار ، الاستعانة برفع الصوت ، وتجأرون : ترفعون ~~أصواتكم مستعينين. # * * * ### ||| ** أساس الأمن من عذاب الله للمتمردين عليه # كيف يفكر هؤلاء الذين يتحركون في خط التمرد على الله ، وما هو أساس ~~شعورهم بالأمن في حالتهم هذه؟ إن المسألة هي الغفلة المطلقة التي استسلموا ~~من خلالها لما هم عليه من انحراف ، لأنهم لو فكروا تفكيرا واقعيا ، لرأوا ~~أن الخطر يحيط بهم من كل جهة. فإذا كانوا لا يجدون اليقين في ما يخبرهم به ~~الأنبياء ، فكيف يهربون من احتمالات الخطر التي تتهدد وعيهم ومشاعرهم أمام ~~احتمالات الصدق في دعوة الأنبياء. وهذا ما تريد الآيات أن تثيره ، ليواجه ~~الإنسان موقفه من الله ، من حالة وعي لموقعه الضعيف ، أمام القوة الإلهية ~~المطلقة. # * * * ### ||| ** لا أمن للماكرين من عذاب الله # ( @QUR@04 أفأمن الذين مكروا السيئات ) في ما يعنيه المكر من تدبير الحيل PageV13P235 # المتنوعة ، في التآمر على الرسول ، وعلى الرسالة ، وعلى الدعاة إلى الله ~~والعاملين في سبيله ( @QUR@05 أن يخسف الله بهم الأرض ) كما فعل بقارون من ~~قبلهم ، ( @QUR@07 أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ) كما فعل بقوم لوط ، ~~وبغيرهم من أقوام الأنبياء الآخرين ( @QUR@04 أو يأخذهم في تقلبهم ) وهم ~~يتحركون في أعمالهم التي يروحون فيها ويغدون ، بما يعنيه التقلب من تنوع ~~الحركة ( @QUR@03 فما هم بمعجزين ) لأنهم لا يملكون أية قوة ذاتية ، أمام ~~القوة الإلهية التي تأخذهم في هذه الحال ( @QUR@04 أو يأخذهم على تخوف ) ~~وهم يعيشون حالة الترقب والحذر من العذاب ، التي تدفعهم إلى الشعور بالخوف ~~الداخلي الذي يجعل الإنسان في حالة صعبة من القلق ، فلا يفاجئه العذاب بل ~~يكون مستعدا له. وذكر بعض المفسرين أن المراد بالتخوف التنقص ، وهو إيقاع ~~النقص بهم ، وذلك بأن يأخذهم الله بنقص النعم واحدة بعد واحدة تدريجيا ، ~~كأخذ الأمن ثم المطر ثم الرخص ثم الصحة ، وربما كانت المناسبة في هذا ~~المعنى ms3173 أن هذه التدريجية في إنزال العذاب ، تدفع إلى الخوف من المستقبل ~~الذي يكون العذاب الحاضر نذيرا به. ( @QUR@04 فإن ربكم لرؤف رحيم ) قد يكون ~~هذا تعليلا لأخذهم على تخوف ، باعتبار التنزل في عذابهم إلى هذا النوع من ~~العذاب الذي هو أهون الأنواع المتعددة لأنه رؤف رحيم ، أو لأن الأخذ بالنقص ~~، على حسب المعنى الثاني لا يخلو من مهلة أو فرصة يتنبه فيها من تنبه ، ~~فيأخذ بالحذر بتوبة أو غيرها. # ( @QUR@017 أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون ).. إنها دعوة للتطلع إلى الكون بما فيه من ~~أجسام لها ظلال كالأشجار والجبال والأبنية الموجودة على الأرض ، وغير ذلك ~~مما يتنقل فيه الظل من حالة إلى حالة ، فتارة يتحرك نحو اليمين ، وأخرى نحو ~~الشمال ، حيث تتعدد مواقع سقوط الظل خلف الشيء وعن شماله ، وذلك هو سر ~~الإتيان بالكلمة بصيغة الجمع. # إن حركة الظل المتنقلة من جهة إلى أخرى ، تمثل الخضوع لله والانقياد PageV13P236 # لإرادته في ما أودعه الله فيها من قوانين كونية تحكم وجودها ومسيرتها. ~~وفي ذلك تمثل سجودها الكوني لله كغيرها من الموجودات ، في حالة من الصغار ~~والانسحاق المطلق أمام قدرة الله ، الذي لا تملك عنه استقلالا لا في الوجود ~~ولا في الحركة. # إن معاينة خضوع هذه الموجودات التكويني لله ، يوحي للناس بضرورة التأمل ~~في الحقيقة الإلهية المبدعة التي هي سر هذا الوجود. # * * * ### ||| ** كل المخلوقات تسجد لله # ( @QUR@010 ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ) ويشمل ~~السجود كل المخلوقات الحية التي تدب على الأرض من إنس وجن وحيوان ، في ~~حركتها المحكومة للسنن الإلهية ، ذلك أن التذلل والخضوع التكويني أو ~~الإرادي لله ، يحمل معنى السجود وحقيقته ، وإن لم يتمثل فيه الشكل المادي ~~للسجود. # ( @QUR@04 والملائكة وهم لا يستكبرون )، أفرد الملائكة عما يدب في ~~السماوات والأرض ، لأن لها وجودا متميزا في طبيعته وفي حركته وفي الآفاق ~~الروحية التي ينطلق فيها ، ولكن ذلك الوجود المميز لا يدفعهم إلى الشعور ~~بضخامة الذات بالمستوى الذي ينسيهم موقعهم من الله ms3174 ، وحاجتهم المطلقة إليه ~~في كل شيء ، كما يفعل الغافلون من عباد الله الذين يستكبرون عن عبادته ~~لاستغراقهم في ذواتهم ، وغفلتهم عن كل شيء أو حقيقة تحكم الوجود خارجها ، ~~الأمر الذي يقودهم إلى نسيان الله والاستكبار في شعور مرضي بالعلو والرفعة ~~والكبرياء. PageV13P237 # إن الملائكة الذين يعيشون المعرفة لله بمستوى لا يحتجب عنهم فيه أي جانب ~~من جوانب عظمته ، كما يعيشون المعرفة لذواتهم ولموقعهم من الله ، وحاجتهم ~~إليه في كل شيء ، وحاجة كل الموجودات في كل الأمور إليه. إن تلك المعرفة ~~التي قد تتزايد وتتكامل وتنمو لديهم كلما ازدادوا اقترابا من الله بالعبادة ~~، وازدادوا اقترابا من حقيقتهم بالتأمل ، إن تلك المعرفة تزيدهم شعورا ~~بالانسحاق والتضاؤل والذوبان أمام عظمة الله المطلقة ، وتمنعهم عن أي شعور ~~بالكبرياء ، فضلا عن الشعور بالاستكبار أمامه ، وتدفعهم إلى أن يجسدوا ذلك ~~في طاعتهم له وخوفهم منه ( @QUR@04 يخافون ربهم من فوقهم )، ولكنه ليس ~~الخوف الذي ينطلق من الإحساس بشر مرتقب ، بل هو الشعور بالعظمة الذي يدعوهم ~~إلى الانضباط والالتزام بإرادة الله والإحساس بالانسحاق الكلي أمامه ، وهذا ~~ما نستوحيه من الإشارة إلى فوقية موقع الإله منهم ، الواردة بمدلولها ~~المعنوي لا الحسي في إيحاء بالقاهرية التي تستتبع المقهورية ( @QUR@03 ~~ويفعلون ما يؤمرون ) [50] كمظهر من مظاهر العبودية الخاضعة في مقابل ~~الاستكبار المترفع ، فهم لا يغفلون عن مقام ربهم ، لتتحول الغفلة عندهم إلى ~~نسيان ، ويؤدي بهم ذلك إلى حالة من الانحراف والتمرد والعصيان ، بل يعيشون ~~الوعي كله الذي يتحول إلى طاعة مطلقة. # ويقول صاحب تفسير الميزان في تعليل اختصاص الملائكة من بين الساجدين : ~~«وإنما خص سبحانه الملائكة من بين الساجدين المذكورين في الآية ، بذكر ~~شأنهم وتعريف أوصافهم وتفصيل عبوديتهم ، لأن أكثر آلهة الوثنيين من ~~الملائكة كإله السماء وإله الأرض وإله الرزق وإله الجمال وغيرهم ، وللدلالة ~~على أنهم بالرغم من زعم الوثنيين أمعن خلق الله تعالى في عبوديته وعبادته» (1). # * * * PageV13P238 ### ||| ** مظاهر الكون تدل على الوحدانية # ( @QUR@06 وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين )، يختلف أسلوب القرآن في ~~معالجة مسألة الشرك والتوحيد ، فهو لا يتحدث عنها هنا كمسألة خاضعة ms3175 للأخذ ~~والرد ، بل كأمر إلهي ، يفرض الفكرة بوصفها خطا عمليا يمنع الناس من تجاوزه ~~، لأنه يمثل الحقيقة. ولعل سر القوة في ذلك ، هو أن المشركين لا ينكرون على ~~الله صفة الألوهية وأنهم لا يعبدون الآلهة الأخرى التي يعطونها هذه الصفة ، ~~إلا لقربها من الله ، أو لوجود بعض خصائص القوة فيها. وبهذا نعرف أن أسلوب ~~الحسم يملك من ناحية إيحائية قوة تفوق ما يملكه الأسلوب الموضوعي في طرح ~~الفكرة ، في مواجهة فكرة أخرى ، لأنهم إذا كانوا يعبدون تلك الآلهة لتقربهم ~~إلى الله زلفى ، فمن البديهي أن يكون المنع الإلهي عن اتخاذ إله آخر ، ~~مسقطا لدعواهم وممارستهم بشكل حاسم. وهذا ما نستوحيه من الفقرة التأكيدية ~~التالية ( @QUR@04 إنما هو إله واحد ) لتقرير حقيقة الوحدانية بأسلوب مؤكد ~~، ثم إطلاق التحذير بأسلوب تهديدي ( @QUR@02 فإياي فارهبون ) بما يعنيه ~~الحصر من أمر بعدم الانقياد لأية قوة أخرى ، توحي بالخوف أو بالرهبة ، ~~وتدفع الناس إلى عبادتها من دون الله ، وحصر الانقياد بالله ، لأنه القوة ~~الوحيدة التي تسقط أمامها كل القوى مهما كانت عظيمة وكبيرة ومخيفة. # ( @QUR@05 وله ما في السماوات والأرض ) فكل هؤلاء الذين تدعون من دونه ، ~~هم خلقه وملكه ، فكيف يكونون شركاء له ، وهو الذي يملك الأمر كله في ~~السماوات والأرض ، ولا يملك هؤلاء شيئا من ذلك ، حتى أنفسهم ، فكيف يكونون ~~آلهة معه ، أو من دونه؟ # ( @QUR@03 وله الدين واصبا ) أي لازما ، وقد فسر الدين هنا بالطاعة ~~والالتزام بأمره ونهيه ، فيكون المراد من الآية أن لله الطاعة دائما في ~~جميع الأمور ، فلا PageV13P239 # انحراف عن طاعته ، ولا طاعة لغيره ، وذلك من موقع الوحدانية المطلقة. ~~وربما كان المراد من الدين معناه الشامل الذي يتسع للشريعة والعقيدة ، ~~فيكون المراد بالفقرة ، أن الله يملك التشريع كله ، وليس لأحد غيره أن يشرع ~~أي حكم أو يفرض أي أمر ، وله الطاعة في ذلك كله ، لأن من يملك الأمر والنهي ~~، يملك حق الالتزام بهما ، فهو الذي يجب أن يطاع ويخاف ويتقى ( @QUR@03 ~~أفغير الله تتقون ) فما الذي يملكه غيره من القوة ، وما الذي يجعلكم تأمنون ~~عذاب الله ms3176 بانحرافكم عن خطه المستقيم؟ # * * * ### ||| ** اللجوء إلى الله عند الشدة # ( @QUR@06 وما بكم من نعمة فمن الله ) وهذه دعوة للتفكير في مصدر النعمة ~~التي تحيط بالإنسان في كل تفاصيل وجوده ، سواء منها القوى الذاتية التي ~~تحرك أجهزة جسده ، أو العوامل الخارجية التي تمده بأسباب الحياة ، أو تسهل ~~له استمرارها بشكل أفضل. فهل يستطيع اكتشاف مصدر فعلي لهذه النعم كلها غير ~~الله؟ لا شك أن ذلك أمر غير ممكن ، لأن الأسباب المباشرة التي قد يلتقيها ~~الإنسان في بداية طريق بحثه ، تقوده إلى الله الذي خلق السبب وأودع فيه سر ~~السببية ، وأنه هو الذي خلق الإنسان ، وألهمه عمل ما يقوم بعمله ، أو صنع ~~ما يقوم بصناعته ، من أدوات النعم. وهذا هو الدليل على وحدانية الله ، في ~~حركة النعمة في الوجود ، إلى جانب الأدلة الكثيرة على وحدانيته ، في حركة ~~الخلق في الكون ، ولكن الإنسان يغفل عن ربه ، ويستمر في غفلته ، فينساه ، ~~وينسى معه كل التزام بطاعته ، ثم تأتي الصدمة التي تهز وجوده ، فترجعه إلى ~~وعيه وصوابه ، فيكتشف حاجته إليه من جديد ويلجأ إليه في ابتهال المضطر ~~الخائف الراجي الذي يتوسل إلى ربه ليكشف عنه ما أصابه من ضر ( @QUR@04 ثم ~~إذا مسكم الضر PageV13P240 # @QUR@02 فإليه تجئرون ) فترفعون أصواتكم إليه مستغيثين به. وقد تكونون من ~~المنكرين له ، وقد تكونون من الغافلين عنه ، أو من المشركين به أو بعبادته ~~، ولكن الفطرة العميقة المتصلة بكل خلجة من خلجات المشاعر ، وبكل نبضة من ~~نبضات القلوب ، وبكل حركة من حركات العقل ، تستيقظ وتتحرك وتهمس للحس ~~وللقلب وللعقل بكلمة الله ، ليعيش الإنسان معها من جديد ، فيحس بالحنان ~~والحب والعاطفة ، تهوي عليه من علياء الله ، الذي يعفو ويسامح ويرحم ويغفر ~~، فلا يشعر الإنسان بوجود حواجز تحول بينه وبين الأمل بالرحمة التي تكشف ~~الضر عنه ، وتفرج عنه غمه وهمه وكربه ، وهكذا ينطلق الإحساس بوجود الله في ~~الأعماق ليدلل على وحدانيته عن طريق الشعور والعقل ، لأن القلب لا يتجه إلا ~~إليه عند الشعور بالخطر ، كما أن العقل لا يهتدي إلا إليه عند البحث عن سر ~~الوجود. ms3177 # وبهذا يتأكد الارتباط بين الخالق والمخلوق في عمق الوجود الإنساني ، ~~ليكون الإحساس بالله الواحد ، هو العمق الروحي الذي يحكم حركة الإنسان في ~~الحياة ، وهذا ما يعنيه الوجدان الذي يحس بالله ، قبل أن تحكم معادلات ~~العقل بوجوده. # * * * ### ||| ** الشرك بالله عند الرخاء # ولكن الإنسان الذي يكتشف الله في حالة الاضطرار ، ويلجأ إليه من أجل دفع ~~الضر عنه ، لا يستمر على حالته تلك ، بل يتبدل ويتغير عند ابتعاده عن حالة ~~الشدة إلى حالة الرخاء ، ويستسلم مجددا إلى شهواته ومطامعه ونزواته التي ~~تبعده رويدا رويدا عن أصالة الشعور في وجدانه ، فينسى ربه ويغفل عن ~~مسئوليته ، ( @QUR@010 ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ) ~~فيعبدون غيره ، PageV13P241 # ويلتزمون بغير دينه. ولكن ذلك لا يحكم الوجود الإنساني كله .. فهناك فريق ~~آخر من الناس الذين يحافظون على نتائج الحركة الوجدانية ، في الشعور ومواقع ~~الحركة العقلية في الفكر. ويبقى وعيهم العميق للتوحيد ، حيا في ذواتهم ، ~~نابضا بالحركة والحياة ، وتستمر أفكارهم ومشاعرهم في تغذية التزامهم بالخط ~~المستقيم حتى النهاية ، في مواجهة الخط المنحرف الذي يلتزم به الكافرون ~~الغافلون المستسلمون لشهواتهم ( @QUR@03 ليكفروا بما آتيناهم ) من النعم ، ~~فيجمدوها بالفكر والممارسة ، ويمتنعوا عن شكرها. ولكن ماذا وراء ذلك وهل ~~تستمر الحالة بهم في طريق الخلود؟ ليس من الضروري مناقشة المسألة معهم ، ~~لأنهم ليسوا مستعدين للدخول في مناقشة هذه المسائل ... ولهذا كان الخطاب ~~لهم بطريقة أخرى ( @QUR@03 فتمتعوا فسوف تعلمون ) ما هي العواقب الوخيمة ~~التي تنتظركم ، وما هي النتائج السلبية التي تواجهكم ، عند الموت الذي ~~تفقدون معه كل هذه المتع الحسية التي أخضعتم حياتكم لها ، وبعد الموت ، حيث ~~تواجهون عذاب الله على ما قدمت أيديكم من الأعمال الشريرة. # * * * PageV13P242 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما ~~كنتم تفترون (56) @QUR@07 ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) ~~@QUR@09 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) @QUR@019 ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون (59) @QUR@012 للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ms3178 المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كظيم ): المغموم الممتلئ غيظا دون أن يبديه. # ( @QUR@01 يتوارى ): يستخفي. # ( @QUR@01 هون ): ذلة وخزي. # ( @QUR@01 يدسه ): يخفيه. # * * * PageV13P243 ### ||| ** ملامح انحراف عقيدي في مجتمع الدعوة الأول # للانحراف في العقيدة نتائج على مستوى التصور والممارسة ، في ما يمكن أن ~~يجعله المنحرفون لآلهتهم المدعاة من امتيازات ، وفي ما يمكن أن ينسبوه إلى ~~الله من أمور ، لأن الأساس إذا لم يكن مرتكزا على قاعدة العلم والحجة ، فإن ~~النتائج المتفرعة عنه ستخضع للهوى وللمزاج. وهذا نموذج مما كان مجتمع ~~الدعوة الأول يعيشه من تصورات. # * * * ### ||| ** الشرك بالله عن جهل # ( @QUR@04 ويجعلون لما لا يعلمون ) وهذا تعبير قرآني عن الآلهة التي ~~يدعونها من دون الله باعتبار أنهم لا يرتكزون إلى قاعدة فكرية أو علم ثابت ~~( @QUR@03 نصيبا مما رزقناهم )، فكانوا يخصونها ببعض الأموال والأشياء ، ~~ويخصون الله ببعضها الآخر. وقد أشار الله إلى ذلك في آية أخرى في قوله ~~تعالى : ( @QUR@031 وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا ~~لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) [الأنعام : 136] ولكن الله سبحانه ~~ينكر عليهم ذلك ، لأنهم لا يملكون مثل هذا الجعل ، طالما أن الله هو مصدر ~~الرزق ، مما يفرض أن يكون أمره إلى الله لا إليهم ، فليس لله حصة خاصة فيه ~~، بل هو لله كله ، هو الذي يجعله لهذا ولذاك في مجال التوزيع والتقسيم ، في ~~ما يشرعه من أحكام ، وليس لهم من ذلك أي نصيب ( @QUR@04 تالله لتسئلن عما كنتم PageV13P244 # @QUR@01 تفترون ) من هذه الأحكام. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في تفسير الآية # ولصاحب الميزان تفسير آخر للآية ، وذلك بأن يكون «المراد بما لا يعلمون ، ~~الأسباب الظاهرة التي ينسبون إليها الآثار على سبيل الاستقلال ، وهم جاهلون ~~بحقيقة حالها ، ولا علم لهم جازما أنها تضر وتنفع مع ما يرون من تخلفها عن ~~التأثير أحيانا. وإنما نسب إليهم أنهم يجعلون لها نصيبا من رزقهم مع أنهم ~~يسندون الرزق إليها بالاستقلال من غير أن يذكروا الله معها ، ومقتضاه نفي ~~التأثير عنه ms3179 تعالى رأسا لا إشراكه معها لأن لهم علما فطريا بأن الله سبحانه ~~له تأثير في الأمر» (1). # ولكن هذا لا يتناسب مع ظاهر الكلمات ، لأن مدلول عبارة ( @QUR@07 ويجعلون ~~لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ) هو الحصة ، على نحو التمليك ، كما أن جو ~~الآيات هو الحديث عن الأصنام التي يعبدونها من دون الله ، وهو الظاهر من ~~كلمة ( @QUR@03 لما لا يعلمون ) لأنه أشبه بالمصطلح القرآني للشريك المعبود ~~عندهم كما يوحي وصف المشركين بأنهم الذين لا يعلمون في قوله تعالى : ( ~~@QUR@06 قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) [البقرة : 113] وذلك في مقابل أهل ~~الكتاب ، مع أن أسلوب الآية هو نفسه الأسلوب الذي جاءت في سياقه آية تقسيم ~~المشركين الحصص بين الله وبين الشركاء ( @QUR@07 ويجعلون لله البنات سبحانه ~~ولهم ما يشتهون ) كان العرب يفضلون الذكور على الإناث ولا يرون للبنت قيمة ~~من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ، بل ينظرون إليها كمتاع ، ينتقل بالإرث ~~إلى الولد الأكبر ، ولكن ما يميزها عن PageV13P245 # المتاع أنها قد تجلب العار الى العشيرة عند ما تتعرض للسبي ، أو للاغتصاب ~~، وما إلى ذلك. ومما يلفت النظر أنهم كانوا ينسبون الإناث إلى الله فيقولون ~~عن الملائكة إنهم بنات الله ( @QUR@07 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا ) [الزخرف : 19] ، كما جعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، كما في ~~بعض الآيات. وهكذا نسبوا الإناث إلى الله ، الذي جل عن أن يكون له ولد ، ~~ذكرا كان أو أنثى. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه عليهم ، من خلال ما نستوحيه ~~من جو الآية هو ، لماذا هذا التصنيف لما يعتبرونه ولدا لله ، وجعله في ~~دائرة الإناث اللاتي لا يمثلن قيمة بالنسبة إليهم ولا يرضون لأنفسهم أن ~~يكون أولادهم منهن ، لذا كانوا يقومون بوأدهن عند إنجابهن ، هل هي استهانة ~~بمقام الله؟ أو هو تقدير خاطئ منهم ، نتيجة الفهم السيئ لطبيعة الملائكة أو ~~الجن ، وعلاقتهم بالله؟ # وليست الآية كما توحي به في معرض التنديد بهم لأن البنات لا يمثلن قيمة ~~لدى الله ، بل هو تنديد بهم لأنهم ينسبون إليه الولد ثم يجعلونه أنثى ، في ~~الوقت الذي لا ms3180 مجال لنسبة الولد إلى الله ، بالأساس ، ففي ذلك إساءة إلى ~~مقام الله سبحانه ، من جهة مبدأ النسب ، ومن ناحية التطبيق في مفهومهم ~~المنحرف حول الملائكة. # * * * ### ||| ** الاستياء من بشارة الأنثى # ( @QUR@09 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) إن الأنثى ~~تمثل مشكلة في المجتمع الجاهلي الذي يخاف من العار الذي تحمله لأهلها في ~~حالات وقوعها تحت سيطرة الأعداء ، ولذلك فإن البشارة بها ، تعني البشارة بالعار PageV13P246 # القادم من خلالها. وهذا ما يفسر اسوداد وجهه بما تعبر عنه كلمة الاسوداد ~~من ظلام وانفعال وتوتر شديد ، تعبيرا عن الشعور بالمأزق الذي وقع فيه ، ~~والعار المترتب في دائرة احتمالات المستقبل ، وذلك في مقابل ابيضاض الوجه ~~الذي يوحي بالإشراق الداخلي المنعكس عليه على أساس إشراقه المستقبل على ~~مستوى المصير. # وهكذا يواجه الواحد منهم ولادة الأنثى بغيظ متفجر يحتبس في الصدر دون أن ~~يتمكن من التعبير عنه بالقول أو الفعل لحراجة الموقف ، فيبقى كاظما لغيظه ، ~~بانتظار أن يعبر عنه بطريقة أخرى ( @QUR@08 يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به ) كأنه يفر من العار الذي أحاط به. ( @QUR@03 أيمسكه على هون ) أي ذلة ( ~~@QUR@04 أم يدسه في التراب ) وذلك بطريقة الوأد وهو دفنها حية. # * * * ### ||| ** تساوي الذكر والأنثى عند الله # ( @QUR@04 ألا ساء ما يحكمون ) لأن مثل هذا الانحراف في التصور لقضية ~~الذكر والأنثى ، لا ينسجم مع ما جاءت به الرسالات السماوية من مفاهيم ~~إنسانية تقضي بتساوي النظرة إلى كل منهما لجهة الطبيعة والقيمة والمسؤولية ~~، فإن الأنثى كما الذكر إنسان ، تقع استقامته أو انحرافه في دائرة مسئوليته ~~الشخصية ، ولا تتعداها إلى الأهل والعشيرة ، بالتالي فإن شرفها وعارها يقع ~~في تلك الدائرة أيضا ولا يتعداها ، وأي انحراف من المرأة يطال المجتمع ~~بالعار يجب أن يكون كذلك بالنسبة للرجل على المستوى الإنساني وإلا فإنه ~~يمثل انحيازا لا إنسانيا إلى جانب الرجل ، وحكما سيئا لا ينسجم مع العدالة ~~الإنسانية والإلهية في التشريع ، كما أن عملهم هذا بإمساك الأنثى على أساس ~~الذل والهوان ، أو وأدها في التراب وهي حية ، هو من الأعمال التي يحكم الله ms3181 PageV13P247 # بسوئها في حساب النتائج. # * * * ### ||| ** مثل السوء لمنكري الآخرة # ( @QUR@06 للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) وذلك من خلال ما يحملونه ~~من الفكر السيئ ، وما يمارسونه من الأعمال السيئة ، وما يخططون له من ~~الأهداف الشريرة ، وما يأخذون به من الوسائل السيئة ، مما يجعل أية فكرة ، ~~يمكن أن تكون تعبيرا ، عنهم مشحونة بالسوء ، من ناحية المعنى والإيحاء ، ( ~~@QUR@03 ولله المثل الأعلى ) الذي لا يصل إليه مخلوق ، لأن أية صفة من ~~صفاته تمثل الامتداد الذي لا حد له في كل مجال ، ولأن أسماءه الحسنى تمثل ~~التعبير الحي عن الحق كله ، وعن الخير كله ، وعن الرحمة كلها ( @QUR@03 وهو ~~العزيز الحكيم ) الذي لا يقترب أحد من ساحة عزته ، ليسيء إليها أو لينتقص ~~منها ، كما لا يبلغ أحد من البشر مستوى حكمته التي أحاطت بتدبيرها كل شيء ، ~~فكانت الحياة بجميع مظاهرها وقوانينها ، صورة ناطقة بأسرار حكمته ، في ~~انطلاقة الوجود ، وفي حركته ، وفي تفاصيله المتنوعة في جميع الموجودات. # * * * PageV13P248 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ~~@QUR@017 ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم ~~أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) @QUR@017 تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) @QUR@014 ~~وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون ) (64) # * * * ### ||| ** إذا جاء الأجل فلا تقديم ولا تأخير # ( @QUR@015 ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى ) وهو القادر على ذلك كله ، فهو الذي بدأ الحياة ~~بقدرته ، وهو الذي يستطيع PageV13P249 # إلغاءها بإرادته التي لا يعجزها شيء ، لأنه مالك الموت والحياة. وإذا ~~كانت المسألة مسألة الاستحقاق ، فإن الناس يستحقون ذلك لظلمهم أنفسهم ~~بالكفر والمعصية ، وظلمهم الحياة بالزيف والانحراف ، وظلمهم بعضهم البعض ~~بالقهر والغلبة ، ويمثل هذا الظلم ، في كل أنواعه وأشكاله ، ظلما لله ، في ~~حقه على عباده ، لتوحيده ، ونفي الشركاء عنه ، والالتزام بطاعة أوامره ~~ونواهيه ، والسير ms3182 على خط إرادته فكرا وحركة ، من أجل تجسيد الأهداف الكبيرة ~~والمثل العليا في الحياة. ولكن الله يمهلهم ليتراجعوا ، وليتوبوا ، ~~وليستقيموا على الطريقة اللازمة ، حتى يستنفد كل تجربة ، فلا يبقى لهم مجال ~~لأي عذر ، أمام الفرص المتاحة لهم في كل زمان ومكان ، حتى يبلغوا أجلهم ~~الذي حدده الله لهم ، بحسب حكمته ( @QUR@08 فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون ) لأن ذلك الأجل يمثل إرادة الله ، وإذا أراد الله شيئا ~~فلا راد له. # ( @QUR@04 ويجعلون لله ما يكرهون ) من البنات وغير البنات دون تبرير نسبة ~~ذلك إليه في كلمات لا مسئولة ولا معنى لها ، ولا هدف من ورائها ، غير تعمد ~~الإساءة إلى الله في تلك الكلمات ، وهو أصل يكاد يكون غير مفهوم ، لأنهم لا ~~ينكرون ألوهيته ، الأمر الذي يفرض احترامه وإجلاله ، ولكنه الجهل الذي يؤدي ~~بأصحابه إلى الهلاك. # ( @QUR@06 وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ) ذلك أن الكذب يطبع سلوكهم ~~وحياتهم في كل ما يقولونه عن الله وعن الناس وعن أنفسهم ، لأن الذين لا ~~يلتزمون بالحق في العقيدة ، ولا يتحملون مسئولية البحث عنه ، لا يمكن أن ~~يحترموا الحقيقة في كلامهم ، على حساب نوازعهم الذاتية وشهواتهم ومطامعهم ~~التي ينطلقون منها ويقررون على أساسها أن لهم الحسنى. وربما كان المراد بها ~~الجنة التي قد يرون أنهم يستحقونها دون حجة تؤكد ذلك أو علم. ولكن الله ~~يواجههم بالحقيقة الصارخة المنطلقة من شركهم وضلالهم وتمردهم على الله ~~سبحانه ( @QUR@07 لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ) أي السابقون PageV13P250 # المقدمون إلى عذاب النار ، لأن الفرط هو السبق ، والمفرط هو ما يقدم ~~ليسبق فلا يؤجل. # * * * ### ||| ** الشيطان يزين الأعمال # ( @QUR@07 تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ) الرسالات التي تنظم حياتهم ~~في جانب العقيدة والعمل ، على النهج الذي يضمن لهم سعادة في الدنيا والآخرة ~~، ولكنهم لم يأخذوا بالجانب الخير من هذه الرسالات ، بل أخذوا بالجانب ~~المضاد لها ، وعملوا في اتجاه الشر ( @QUR@04 فزين لهم الشيطان أعمالهم ) ~~وصور لهم الباطل حقا ، وألبس الحق ثوب الباطل ، وأخذ من الحق شيئا ، ومن ~~الباطل أشياء ، وجمعها في خليط ms3183 هجين صنع منه خطا للعقيدة أو للسياسة أو ~~للاجتماع ، وقاد الإنسان إلى السير عليه ، على أساس أنه خط الحق المستقيم ~~... وبذلك استطاع أن يجتذب مشاعرهم ويحتوي أفكارهم ، وحولهم إلى جماعة ~~شيطانية ، تتأثر بأساليبه ، وتسكن إلى أفكاره ( @QUR@03 فهو وليهم اليوم ) ~~في ما تمثله الولاية من النصرة والالتزام والاتباع ، وبذلك ابتعدوا عن ~~مواقع رحمة الله وخرجوا عن ولايته إلى ولاية الشيطان وابتعدوا بذلك عن ~~مواقع رحمة الله ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) جزاء على انحرافهم عن الخط ~~المستقيم. # ولكن الله لا يترك عباده للشيطان بل يتابع عملية إرسال الرسل إليهم ، من ~~أجل فرصة جديدة للهداية وللتوعية وللالتزام ، وذلك ، على أساس الثقة ~~بالإنسان الذي قد تبعده بعض الظروف أو الأوضاع ، أو النوازع ، بما تثيره ~~فيه من شبهات وشكوك ومشاكل ، عن رؤية الحق كما هو ، وتقوده بالتالي إلى ~~الضلال. ولكنه يمكن أن يتوقف في بعض الأحيان ليطرح علامات الاستفهام حول ~~المؤثرات الذاتية أو الموضوعية التي ساهمت في تكوين قناعاته أمام PageV13P251 # الفكر الجديد الذي يدعوه إلى التفكير وإعادة النظر في ما اتخذه من قرارات ~~، ويصل بالتالي إلى تغيير الاتجاه الذي انحرف معه. ولهذا كان تتابع ~~الرسالات يمثل استمرارية العمل على الوصول بالإنسان إلى الحق الذي لا ريب ~~فيه ، من خلال الوحي وما يتضمنه من فكر وشريعة ومنهج واضح ، ومن خلال ~~الرسول وما يمثله من خلق عظيم ، وروح منفتحة ، وأسلوب حكيم. ( @QUR@010 وما ~~أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) مما أثارته الأفكار ~~المريضة من شكوك وشبهات وخلافات ، فيكتشفون فيه طريق اليقين الذي يمتص كل ~~شبهة وشك وخلاف ( @QUR@04 وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )، انفتحت قلوبهم على ~~الله ، فالتقت بهداه في آيات وحيه ، وبرحمته في آفاق شريعته ومنهجه العملي ~~للحياة. # * * * PageV13P252 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون (65) @QUR@017 وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) @QUR@015 ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ms3184 ~~(67) @QUR@013 وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون (68) @QUR@024 ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج ~~من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ~~(69) @QUR@020 والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70) @QUR@022 والله فضل بعضكم على ~~بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه ~~سواء أفبنعمة الله يجحدون ) (71) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فرث ): ما يبقى من المأكول في الكرش بعد الهضم ويسمى الثفل. # ( @QUR@01 سائغا ): ما سهل مروره في الحلق. PageV13P253 # ( @QUR@01 يعرشون ): يرفعون من الكروم والسقوف. # * * * ### ||| ** جولة كونية في آفاق نعم الله # وهذه جولة كونية في آفاق نعم الله التي خلقها لعباده من أجل أن تستمر بها ~~حياتهم ، وتتلون بأنواع الملذات والمشتهيات ، ليعبدوه ، من موقع أنه الإله ~~المنعم الواحد ، وليشكروه من مواقع هذه النعم التي لا حياة لهم بدونها. ~~وذلك هو الأسلوب القرآني في إثارة وعي الإنسان بربه ، من خلال انفتاحه على ~~الحياة ، حيث تتحرك خطوات العقيدة في فكره من تحسس الحياة في وجدانه ، فلا ~~ينفصل جانب العقيدة عن جانب الحياة ، وهكذا يحس الإنسان المؤمن بحضور الله ~~معه من خلال كل النعم التي تحيط به من كل جانب. # * * * ### ||| ** نعمة إنزال المطر # ( @QUR@05 والله أنزل من السماء ماء ) وكانت الأرض جرداء لا تنبت شيئا ، ~~وميتة لا تنتج ولا تنمو فيها أية بذرة للحياة. حتى إذا نزل عليها المطر من ~~السماء ، وابتلت عروقها بقطراته ، وامتلأت خزاناتها بمياهه ، دبت فيها ~~الحياة ( @QUR@05 فأحيا به الأرض بعد موتها ). وذلك هو سر تجدد الحياة ~~بالماء ، الأمر الذي يدفع بالإنسان إلى التفكير في عظمة الله الذي أبدع ~~الحياة في الأرض ، كما أبدعها في الإنسان ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون ) فيصغون بمسامع قلوبهم لما يسمعونه من دلائل القدرة ، أو لما ~~يشاهدونه منها ، فيكون ذلك أساسا للقبول والقناعة ، لما توحيه PageV13P254 # الكلمة المألوفة في التعبير عن الموافقة بالسماع ، في قولهم : إن فلانا ~~يسمع ms3185 الكلام ، أي يقبله. # * * * ### ||| ** نعمة الأنعام وأخذ العبرة منها # ( @QUR@05 وإن لكم في الأنعام لعبرة ) ودرسا للإبداع الإلهي في خلقه ، ~~وفي نعمته ، في الإبل والبقر والغنم ( @QUR@04 نسقيكم مما في بطونه ) أي في ~~بطون ما ذكر منها ( @QUR@03 من بين فرث ) وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش ~~والأمعاء ( @QUR@01 ودم ) في مجرى الشرايين والأوردة ( @QUR@04 لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين )، وهذا هو مكان اللبن الخارج منها الذي يقع في مؤخر البطن ~~بين الرجلين ، ولعل اعتبار اللبن بين الفرث والدم راجع إلى مجاورته لهما ، ~~واجتماع الجميع داخل الحيوان. أما العبرة من ذلك ، فهو أن هذا اللبن السائغ ~~اللذيذ الخالص لم يتلوث بالفرث وبالدم ، ولم يختلط بشيء منهما ، بالرغم من ~~مجاورته لهما ، مما يوحي بالقدرة الإلهية التي تجمع كل هذه الأشياء ~~المتنوعة دون أن يتأثر أحدها بالآخر ، مع قربها من بعضها البعض ، ودقة ~~الحاجز الفاصل بينهما. وربما كان في هذا إيحاء بأن القادر على تخليص اللبن ~~من بين فرث ودم ، لا يعجزه أن يبعث الإنسان ويحييه بعد أن صار عظاما رميما ~~وذهبت في الأرض أجزاؤه ... # * * * ### ||| ** إنعام الله بأنواع الثمرات # ( @QUR@07 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ) وفي إمكانية تحول ~~هذه الثمرات إلى شراب مسكر ، ما يدفع الإنسان إلى التفكير في القدرة ~~الإلهية التي PageV13P255 # يجسدها ذاك التحول على الرغم من كونه لا يمثل صلاحا للإنسان بل فسادا له ~~، ولكن الآية لا تتناول تلك الخصوصية لجهة القيمة بل لجهة القدرة ، وبهذا ~~يجاب عن السؤال الذي يثأر أمامنا حول الحديث عن السكر كنعمة وكقيمة إيجابية ~~، في الوقت الذي حرم الله فيه الخمر أشد التحريم ، فقد اعتبرها رجسا من عمل ~~الشيطان ، ووسيلة من وسائل إثارة العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة ، فإن القضية قضية الخصائص الذاتية ، لا الخصائص الروحية ... ولعلنا ~~نلاحظ في الفقرة التالية ( @QUR@02 ورزقا حسنا ) أنه وصف الرزق بالحسن ، ~~وهو ما لم يصف به الكلمة السابقة ، للإيحاء بالصفة المضادة لمضمونها ، ( ~~@QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ) ممن يستعملون عقولهم لدراسة الخصائص ~~الدالة على سر العظمة في الخالق من خلال سر ms3186 الإبداع في المخلوق .. فمهمة ~~العقل لدى العقلاء ، أن يتحرك في الاتجاه الذي يمنحهم فكرة جديدة ، أو ~~تجربة نافعة ، لأن ذلك هو السبيل الذي يوصلهم إلى العقيدة الصحيحة ، ~~والرؤية الواضحة ، بعيدا عن كل انحراف أو تحريف أو التواء. # * * * ### ||| ** وحي الله إلى النحل # ( @QUR@013 وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون ). ويريد الله لنا أن نتطلع إلى النحل ، هذا المخلوق الصغير العجيب ~~الذي يبني بيوته في الجبال وفي الشجر وفي الكروم التي يرفعونها ، على مستوى ~~عال من الصنعة الهندسية ، كما يتبع نظاما متقدما في توزيع المسؤوليات ~~وتجميع العسل وفحص نوعية الغذاء الذي يتشكل منه قبل فرزه ، في نظام دقيق ~~متقن لكل خطوات حياة هذه المخلوقات التي لا تملك عقلا ، والتي تشكل الفطرة ~~أساسا لحركة حياتها ، ضمن السنة الكونية التي ألهم الله فيها كل نفس هداها ~~، لتحقق PageV13P256 # الغاية من وجودها ، لنفسها وللمخلوقات من حولها. وهكذا كان وحي الله ~~للنحل أن تتخذ لنفسها بيوتا ، ثم أن تبدأ في الإعداد للقيام بدورها الطبيعي ~~الذي أعدها الله له ، من أجل استمرار حياتها ، في ما فيه النفع للناس ( ~~@QUR@05 ثم كلي من كل الثمرات ) التي تشتمل على العناصر الغذائية المتناسبة ~~مع طبيعة الشراب الذي تريدين تحضيره وصناعته ( @QUR@04 فاسلكي سبل ربك ذللا ~~) في ما ذلله الله لك من وسائل للحصول على ما تريدين ، فإن الله قد جرت ~~حكمته أن يلهم المخلوقات ما تعمله ، وأن يسهل لها السبيل إلى ذلك. وبذلك ~~تكون النتيجة الطيبة الحلوة من ذلك كله ، في ما يتعلق بالنحل ، ( @QUR@06 ~~يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) تبعا لنوعية الغذاء الذي تتغذى به بين ~~الأبيض والأحمر والأصفر ( @QUR@03 فيه شفاء للناس ) من كثير من الأمراض. ~~وقد لا يكون من الضروري أن يكون فيه شفاء لكل الأمراض ( @QUR@06 إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون ) في ما تستدعيه من تفكير في دلالاتها وفي طبيعة العقيدة ~~التوحيدية التي توحي بأن الله وراء ذلك كله ، وأنه هو السر في كل تفاصيل ~~الوجود البديعة في مخلوقاته وفي منتوجاته. # وقد نقل بعض ms3187 المفسرين ، عن بعض المختصين ، أنه اكتشف أخيرا ، أن بعض ~~النحل عند ما ترتفع درجة الحرارة ، ينقل الماء في خراطيمه ويرشه داخل ~~الخلية ، في حين يهز بعضه أجنحته ليحرك تيارات من الهواء داخلها فيتبخر ~~الماء بسرعة ، ومع التبخر تنخفض درجة الحرارة ، وهذا بعض من الخصائص ~~الكثيرة التي أودعها الله في نظام خلق النحل وطريقة حياته مما لا يتسع هذا ~~التفسير للحديث عنه ، فليرجع إلى الكتب المختصة في هذا الموضوع. # * * * ### ||| ** الله وحده محدد أجال الناس # ( @QUR@04 والله خلقكم ثم يتوفاكم ) في الأجل المحدد لكم الذي قد يأتيكم وأنتم PageV13P257 # في طور الصبا أو في مرحلة الشباب ، أو في مرحلة الكهولة ( @QUR@06 ومنكم ~~من يرد إلى أرذل العمر ) وهو الهرم الذي يمثل حالة الوهن والضعف والشيخوخة ~~المتقدمة التي يستولي فيها الضعف على الجسم والعقل والذاكرة ( @QUR@06 لكي ~~لا يعلم بعد علم شيئا ) فينسى كل معلوماته أو أكثرها ، ويفقد التركيز في ~~ذلك كله ( @QUR@04 إن الله عليم قدير ) فلا يعزب عن علمه شيء ، في كل حركة ~~مخلوقاته ، وهو القادر على كل شيء ، فإذا تعلقت إرادته بشيء فلا راد لها. # * * * ### ||| ** التفضيل في الرزق # ( @QUR@07 والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) فلكل واحد منكم قدرته ~~الذاتية التي قد تختلف عن قدرة غيره. وربما تكون فرص الإنتاج لدى شخص ، ~~مختلفة عن الفرص الموجودة لدى شخص آخر. وهكذا تختلف ساحة العمل ، ومراحله ، ~~وعلاقاته ، وأوضاعه ، مما قد يساهم في حصول بعض الناس على رزق أكثر سعة من ~~بعضهم الآخر ، وبذلك يتفاضل الناس في الرزق ، فيصبح بعضهم غنيا وبعضهم ~~الآخر فقيرا ، تبعا لحركة الأسباب والمسببات في ذلك. وبذلك لا تكون المسألة ~~خارجة عن عنصر الاختيار لدى الإنسان بشكل مطلق ، بل قد يكون ذلك اختياريا ~~في بعض حالاته ، كمن يملك إمكانية العمل فلا يعمل ، أو كمن تتوفر له الظروف ~~الملائمة للإنتاج فلا ينتهزها ، وقد لا يكون اختياريا ، كمن وضعته الظروف ~~في دائرة ضيقة لا يستطيع الخروج منها ، أو كمن يتحرك في دائرة واسعة تسمح ~~له بالامتداد أو تحقق له الغنى بطريقة حتمية. # وهكذا تكون مسألة الرزق ms3188 خاضعة للنظام الكوني الذي أراد الله للإنسان PageV13P258 # أن يتحرك فيه ، على أساس الحكمة. وتلك هي الحقيقة الكونية التي أقام الله ~~الحياة عليها ، حيث تحكم قاعدة التنوع والتفاضل في كل دوائر الوجود الحية ~~والجامدة. ولكنه لم يترك للقاعدة التكوينية أن تحكم الإنسان بشكل قدري يحول ~~الفقر والغنى إلى معيار تتحدد على أساسه قيمة الذات ، بل وضع نظاما تشريعيا ~~يخلق التوازن بينهما على خط العدالة ، فجعل للفقير حقا في مال الغني لا هدر ~~لكرامته في أخذه ، كما جعل العطاء فريضة على الغني لا امتياز له فيه. # ولكن هذا الحديث كله ليس ما تريد الآية أن تثيره وتفيض فيه ، بل هو مقدمة ~~لحديث آخر يتعلق بحركة العقيدة في وعي الإنسان لقضية التوحيد لله ( ~~@QUR@012 فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ) ~~أي فإذا كان الله قد فضل بعض الناس على بعض في الرزق ، فإن الذين فضلوا لا ~~يقبلون بالتنازل عما يملكونه من امتيازات ، لمن ملكوه من عبيد وإماء ~~ليكونوا سواء في ذلك ، فكيف يمكن أن تساووا الله الذي يملك القدرة كلها ~~بهؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله الذي لا يملكون شيئا معه؟! هذا ~~أحد الوجوه التي ذكرت في تفسير هذه الفقرة من الآية. # وقد ذكر هناك وجه آخر كما جاء في الكشاف : «إن الموالي والمماليك أنا ~~رازقهم جميعا ، فهم في رزقي سواء ، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على ~~مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق ، فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم» (1). # وهناك وجه ثالث ذكره الزمخشري قال : «أي جعلكم متفاوتين في الرزق ، ~~فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم ، PageV13P259 # فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس ~~والمطعم» (1). # ولكن مدلول منطوق الآية ليس ظاهرا في ذلك كله ، لأن كل ما جاء فيه هو أن ~~الذين فضلهم الله على الآخرين في الرزق ، ليسوا مستعدين للتنازل عما فضلهم ~~الله به ، إلى هؤلاء الذين فضلهم الله عليهم ، وجعلهم مملوكين لهم ، ~~ليتساووا معهم في الرزق ، أو ms3189 أن المسألة تمثل حالة طبيعية في استمرار هذا ~~التفضيل ، في ما يعيشه هؤلاء من شعور وامتياز ، مما يحملهم على المحافظة ~~على ما هم فيه ، بعدم التنازل عنه للطبقات الأخرى. وبذلك تكون الآية واردة ~~في الحديث عن تأكيد هذه النعمة للإيحاء بضرورة الشعور بقيمتها في حياة ~~الإنسان ، لأن الغفلة عنها ، نظريا أو عمليا ، يعتبر جحودا للنعمة ، لا ~~يريد الله لعباده أن يعيشوه في سلوكهم العقيدي العام ( @QUR@03 أفبنعمة ~~الله يجحدون ) في ما يمثله النسيان لهذه النعمة من جحود على مستوى الحالة ~~الذهنية ، أو لما يمثله الشرك بالله وعبادة غيره من جحود واقعي عملي ، بعد ~~الانتباه بأن الله هو وحده المنعم ، في ما يفرضه شكر النعمة من الإخلاص لله ~~بتوحيده في العقيدة أو في العبادة. # * * * PageV13P260 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ~~@QUR@015 ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ~~ولا يستطيعون (73) @QUR@010 فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون (74) @QUR@027 ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (75) @QUR@029 وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر ~~على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) @QUR@019 ولله غيب السماوات والأرض وما ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير ) (77) # * * * PageV13P261 ### ||| ** تعداد نعم أخرى لله على الناس # ويستمر الحديث عن نعم الله على الإنسان ، كأسلوب من أساليب تعزيز الإيمان ~~به ، باعتباره ولي النعمة وولي الوجود. # * * * ### ||| ** خلق الأزواج من النفس # ( @QUR@06 والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) في ما يمثله الزواج من علاقة ~~روحية وجسدية تبني لكل من الزوجين حياته المطمئنة الهادئة التي يسكن فيها ~~إلى إنسان مثله ، يختلف عنه ببعض الخصائص التي تدخل في دائرة التنوع الذي ~~يشكل ms3190 سببا لتجاذب الطرفين وتفاعلهما ، وعاملا أساسيا من عوامل خلق ~~الطمأنينة على المستوى الجسدي ، حيث تتحقق سكينة الجسد بالإشباع الجنسي ، ~~وعلى المستوى النفسي ، حيث تقوم على التواد والتراحم الإنسانيين بما يمثله ~~الزواج من علاقة المودة والرحمة والوحدة الجسدية والروحية. # ( @QUR@06 وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) وتتعدى نعمة الزواج الفرد ~~إلى النوع ، إذ إن عملية التناسل في العلاقة الزوجية تنتج بنين يشكلون ~~امتدادا لوجود الإنسان الفرد بعد موته من خلال أولاده أولا وأحفاده ثانيا ، ~~وبذلك تحقق عملية التناسل حالة ذاتية وجدانية للإنسان الفرد ، تلبي له ~~رغبته الذاتية ، وحالة نوعية شاملة للإنسان النوع ، تحقق له الامتداد ~~الإنساني في الوجود. # ( @QUR@03 ورزقكم من الطيبات ) التي تجعل من حياتكم حياة طيبة ، في كل ما ~~تستطيبونه من طعام وشراب وزينة ، مما يدخل في ضرورات حياتكم من جهة ، أو ~~مما يتصل بلذاتها وشهواتها من جهة أخرى. PageV13P262 # ولكن هذا الحديث لا يمثل مجرد كلام عن الجانب المادي من هذه النعم ، بل ~~هو حديث عن الجانب الإيحائي الذي يحويه اتصال النعمة بالله من معنى توحيدي ~~يبعد الإنسان عن حالة الشرك ، على أساس أن التوحيد هو الحق ، وأن الشرك هو ~~الباطل ، وأن الانسجام مع الحق يمثل الشكر العملي للنعمة ، وأن الانفصال ~~عنه والارتباط بالباطل يمثل الكفر الواقعي بالنعمة. ( @QUR@02 أفبالباطل ~~يؤمنون ) في ما يؤمنون به من شرك في العقيدة وفي العبادة ( @QUR@04 وبنعمت ~~الله هم يكفرون ) أي ويكفرون بتوحيد الله ، وهو يمثل الكفر بنعمة الله ، ~~بشكل غير مباشر ( @QUR@013 ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السماوات والأرض شيئا ) لأنه لا يملك أن يرزق نفسه ، بعدم امتلاكه أي أساس ~~من القوة الذاتية ، ويتركون عبادة الله الذي يملك الوجود كله ، كما يملك ~~الرزق كله لما يتحرك فيه الوجود من موجودات ( @QUR@02 ولا يستطيعون ) أي لا ~~قدرة لهم بالفعل ، لما تمثله الاستطاعة من معنى القدرة الفعلية المباشرة .. ~~وإذا كان هؤلاء عاجزين عن تقديم أي شيء لهم ، فكيف يعطونهم ما يقدمونه لله ~~من العبادة! # * * * ### ||| ** النهي عن ضرب الأمثال لله # ( @QUR@04 فلا تضربوا لله الأمثال ) وذلك بأن ms3191 تجعلوا له الأشباه والنظائر ~~من بين خلقه ، من خلال ما تسبغونه عليها من صفات إلهية لا تملكها ، لتبرروا ~~عبادتها وتقديسها ، بعيدا عن الله سبحانه ( @QUR@06 إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون ) ولا تأخذون بأسباب العلم مما ألهمكم الله من فكر ، لو أخذتم به ~~واستنطقتموه لهداكم إلى الحقيقة ، أو مما أوحى به الله إلى رسله ، وأنزله ~~في كتبه .. فلو استمعتم إليه وفكرتم فيه ، لقادكم إلى الإيمان من أقرب طريق. # * * * PageV13P263 ### ||| ** مثل العبد المملوك # ( @QUR@019 ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ). # إن الله يضرب المثل من داخل حياة الناس ، لينقلهم من خلاله إلى الفكرة ~~التوحيدية التي تمثل مضمونه الفكري. وهو أسلوب عملي غايته تحريك فكر ~~الإنسان للدخول في مقارنة واعية ، بين ما يحيط به ، وبين الفكرة التي يريد ~~له الداعية أن يعتقد بها. وفي هذا المثل نشاهد في أحد جانبي الصورة عبدا ~~مملوكا لا يملك حريته في نفسه ، ولا في عمله ، ولا يقدر على شيء مما يقدر ~~عليه الآخرون. إنها صورة الإنسان المغلول اليد ، الفاقد للحرية ، الذي يعيش ~~تحت سيطرة الآخرين ، فلا يملك أن ينفع أحدا بأي شيء من مواقع إرادته. ~~ونشاهد في الجانب الآخر صورة الإنسان الحر الذي يملك الإمكانات الذاتية ~~التي مكنه الله منها في نفسه وفي ماله ، كما يملك حرية الحركة فيها ، ويعيش ~~روحية العطاء في علاقته بالآخرين ، فهو ينفق مما لديه سرا وجهرا ، في كل ~~موقع من مواقع العطاء الذي يحتاج إليه الناس من حوله ( @QUR@02 هل يستوون ) ~~هل يمكن للعقل المنفتح أن يساوي بين هذين الشخصين ، فيجعلهما في درجة واحدة ~~، وهل يمكن أن يستوي العجز مع القدرة ، والوجود الغني النافع مع الوجود ~~الفقير الذي لا يمثل أي شيء؟ وإذا كان العقل يرفض مثل هذه المساواة في ~~الوجود الإنساني ، فكيف يمكن للعقل أن يقبل المساواة بين المخلوق الذي لا ~~يملك أي شيء من القدرة الذاتية ، حتى في ما يتعلق بنفسه ، فيجعله شريكا لله ~~، وبين الخالق الذي يملك الوجود كله ms3192 ، ويمنحه كل ألوان الحياة التي تستمر ~~مفرداتها الحية والجامدة ، بنعمته وبقدرته. ( @QUR@02 الحمد لله ) أي ~~الثناء والمدح له ، في ما يتصف به من الصفات التي لا نهاية لها في مضمونها PageV13P264 # الإلهي ، ولا حد ، وليس لغيره مثل هذا الحمد ، بل كل حمد لغيره فهو مستمد ~~منه ، لأن كل شيء من شؤون المخلوقين هو مخلوق له ( @QUR@04 بل أكثرهم لا ~~يعلمون ) حقيقة الوجود ، وما هي خصائص الخالق ، وخصائص المخلوق ، لأنهم في ~~غفلة عن ذلك كله ، لاستغراقهم داخل الأفكار الموروثة التي لا يتحركون خطوة ~~واحدة بعيدا عنها في اتجاه فكر جديد. وتلك هي مشكلة الذين لا يعلمون ولا ~~يريدون أن يخرجوا من دائرة الجهل إلى دائرة العلم ، تحت تأثير العصبية ~~العمياء التي تقدس الخطأ ، وتحترم الخرافة ، وتستسلم للجهل ، لأنها لا تريد ~~أن تخرج من حالة الاسترخاء الفكري إلى حالة الجهد الذي يبحث فيه الإنسان عن ~~الجديد في العقيدة وفي الشريعة وفي الحياة. # * * * ### ||| ** مثل الرجل الأبكم والرجل العادل # ( @QUR@06 وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ) أي أخرس ( @QUR@04 لا يقدر ~~على شيء ) لا يملك أية قدرة ذاتية في نفع نفسه ، أو نفع الآخرين ( @QUR@04 ~~وهو كل على مولاه ) ثقيل عليه في ما يتحمله من أموره وحاجاته التي لا ~~يستطيع القيام بأي شيء منها لتخفيف العبء عنه ، فهو يعتمد عليه في كل ~~الأشياء ، ( @QUR@05 أينما يوجهه لا يأت بخير ) لعدم امتلاكه العقل الذي ~~يستطيع به إدراك الحسن من القبيح في القضايا المتعلقة بالواقع من حوله ~~وبالآخرين ليحدد موقفه منها ، كما لا يملك السمع الذي يستطيع أن يستوعب فيه ~~التوجيهات ، ولهذا فإنه لا ينفع صاحبه في ما يوجهه إليه من أعمال ، بل ربما ~~يأتي بالشر وهو يظن أنه الخير ، ويتحرك نحو القبيح وهو يحسب أنه الحسن. ~~وهذه هي الصورة PageV13P265 # المظلمة ، صورة الإنسان الأخرس الذي لا ينطق ، وقد لا يكون ممن يسمع ، ~~العاجز الذي يمثل وجوده عبئا ثقيلا على مولاه ، ولا يجلب له أي خير في أي ~~طريق يتوجه إليه. وهناك صورة أخرى ، تتميز بالإشراق ( @QUR@06 هل يستوي هو ~~ومن يأمر بالعدل ) وهو الإنسان ms3193 العاقل الذي يعي جيدا واقع الناس والحياة من ~~حوله ، فيميز بين الاستقامة والانحراف ، وبين العدل والظلم ، ويتدخل لتقويم ~~انحراف الواقع ، ولقيادة الناس إلى خط العدل ، بالكلمة وبالموقف ، ليجلب ~~لهم الخير ، في ما يمثله العدل من معنى الخير ، أو يدفع عنهم الشر ، في ما ~~يمثله الظلم من معنى الشر ، وهذا هو الإنسان القادر على الخير والعامل في ~~سبيله ( @QUR@04 وهو على صراط مستقيم ) في فكره وفي عمله. وإذا كان البعد ~~بين هذين الرجلين بهذا الوضوح ، مما يجعل اختيار الإنسان الأول أمرا لا ~~معقولا ، لا بد معه من اختيار الإنسان الثاني الذي يعطي الحياة معنى كبيرا ~~، ويحقق لها المنافع على أكثر من صعيد. فكيف تكون الحال عند ما يقف الإنسان ~~بين صورة الإنسان العاجز ، والذي لا يتحرك من موقع الخير ، ولا يملك القدرة ~~النافعة ، وبين صورة الخالق الذي يعطي الحياة وجودها وقوتها واستقامتها في ~~خط العدل .. أو عند ما يقف بين صورة الداعية إلى الكفر والضلال الذي لا ~~يقدم للحياة أي خير ، بل يأخذ منها ولا يعطيها ، ويضرها ولا ينفعها ، وبين ~~صورة الإنسان الذي يسير على الخط المستقيم ، ويأمر بالسير على خط الاستقامة ~~، ويحقق للحياة النفع الكبير من جهده ومن فكره ، هل يستويان؟ وربما كان جو ~~هذه الآية هو الجو نفسه الذي توحي به الآية الكريمة : ( @QUR@017 أفمن يهدي ~~إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) [يونس : 35]. # وهذه هي المعادلة القرآنية التي تقضي بالوقوف مع الذين يأمرون بالعدل ~~ويسيرون على الخط المستقيم الذي يصل بالناس إلى الأهداف الكبيرة في الحياة ~~، وهو الأمر الذي يحدد للإنسان المسلم الموقع السياسي الذي يتحرك PageV13P266 # فيه ، أو ينطلق منه ، في انسجامه مع خط العدل ، وارتباطه بالمصلحة العليا ~~للإنسان على مستوى نهايات الأمور لا بداياتها. وذلك هو الشعار الذي يرفعه ~~المسلم في خطوطه العريضة التي تشير إلى الخطوط التفصيلية في كل مفردات ~~الواقع وجزئياته. # ( @QUR@04 ولله غيب السماوات والأرض )، فهو الذي خلقها ، وهو الذي يعلم ~~خفاياها في حاضر الأشياء ومستقبلها ، لأنه الذي يستوي ms3194 عنده السر والعلانية ~~، وعلى الخلق أن يعيشوا وعي هذه الحقيقة في دائرة التصور والعمل ، ولا ~~يستسلموا للشعور بالأمن حيال ما لا يعلمون عاقبته ولا يطلعون على مصيره. بل ~~لا بد لهم والحال هذا من الاستسلام لله في كل شيء ، والالتزام بأوامره ~~ونواهيه والحذر من الساعة التي لا يملكون علمها ، ولكن الله يملك علمها ، ~~فقد تأتي بما يشبه المفاجأة ، بشكل سريع غير منتظر ( @QUR@09 وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) لأن لها وقتا لا يتقدم ولا يتأخر ، ولا ~~يملك إلا الله معرفته ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) فهو القادر على ~~أن يأتي بالساعة ، من حيث لا ينتظرها الناس ، وهو القادر كما توحي الآية أن ~~يؤاخذهم يوم القيامة ، على كل ما ارتكبوه من معاص وانحرافات ، في حين لا ~~يملك أحد أن يغير ما يريد. # * * * PageV13P267 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) @QUR@018 ألم يروا إلى الطير مسخرات ~~في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) ~~@QUR@025 والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا إلى حين (80) @QUR@025 والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم ~~نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) @QUR@06 فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ~~(82) @QUR@07 يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ) (83) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ظعنكم ): الظعن : السفر. # ( @QUR@01 إقامتكم ): الإقامة : الحضر. PageV13P268 # ( @QUR@01 أكنانا ): جمع كن ، وهو الموضع الذي يستتر صاحبه فيه. # ( @QUR@01 سرابيل ): جمع سربال وهو القميص. # * * * ### ||| ** تزويد الإنسان بأدوات المعرفة # ( @QUR@08 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا )، لأنكم لا ~~تملكون أية أداة من أدوات المعرفة التي تتيح لكم التحرك في اتجاه الحصول ~~عليها ، وبهذا فإن الإنسان يولد خاليا من كل معرفة إلا ما اختزنته الفطرة ~~في عمق الذات من استعداد للتعلم يشكل القاعدة لكل معرفة تأتيه من الخارج ، ~~( @QUR@04 وجعل لكم السمع ms3195 والأبصار ) حيث زودكم بأدوات المعرفة الحسية ، ( ~~@QUR@01 والأفئدة ) وهي أدوات المعرفة العقلية. وهذه هي النعم التي تفتح ~~للإنسان باب المعرفة لكل ما حوله ومن حوله ، ولكل القضايا التي قد تكون ~~بعيدة عنه ، بحيث لا يمكن أن يدركها بشكل مباشر ، ولكنه يدركها بطريقة ~~فكرية. ويريد الله للإنسان أن يتعمق في وعيه لقيمة هذه النعم ، ويدرك ~~أهميتها في حركة حياته ، ليعرف من خلال ذلك علاقتها بالله وبفضله عليه ، ~~ليتحول ذلك إلى موقف اعتراف بالجميل ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) ذلك لأن وعي ~~النعمة في طبيعتها وقيمتها ، يفرض الشكر القولي والعملي لله الذي أبدع هذه ~~النعمة للناس تسهيلا لحياتهم. # * * * PageV13P269 ### ||| ** تسخير الطير # ( @QUR@08 ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ) حيث تملأ أنواعها ~~المختلفة الفضاء. فهي بأجنحتها التي تنقبض وتنبسط عند التحليق ، تؤدي ما ~~سخرها الله له من مهمات تتعلق بها وبالحياة من حولها ، ضمن نظام الكون ~~الدقيق حيث تتوزع المخلوقات الأدوار فيه ، فلكل مخلوق دوره الذي قد يتحرك ~~فيه بفطرته وغريزته وقد يتحرك فيه بقوانينه الطبيعية التي أودعها الله فيه ~~، ويمارس حركته الذاتية بقدرة الله الذي جعل لكل شيء سنة من سننه التي ~~ترتبط فيها المسببات بأسبابها ، فهو الذي يخلق السبب ويودع فيه سر السببية ~~، كما يخلق في المسبب معناه وخصوصياته. وبذلك لا تكون إرادة الله للأشياء ~~منافية لعلاقة الأشياء بأسبابها ، كما لا يكون قانون السببية بعيدا عن ~~ارتباط الأشياء كلها بإرادة الله ... وذلك هو معنى التوحيد في الإسلام ، ~~الذي لا يلغي التفسير العلمي للأشياء ، بل يؤكده انطلاقا من إرادة الله ~~التي تعلقت بالأشياء من خلال قانون السببية في الكون. وهذا ما نستوحيه من ~~قوله تعالى عن الطيور : ( @QUR@04 ما يمسكهن إلا الله )، فهو الذي منحها ~~هذا التماسك الذي يمنعها من السقوط ، حيث لا أرض تقف عليها ، ولا قاعدة ~~تستند إليها ، بما أودعه في أجنحتها وتكوينها الجسدي من خصائص تمنحها ~~القدرة على الطيران الذي يتلاءم مع أجواء الفضاء ، ( @QUR@06 إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون ) فيعيشون روح الإيمان من خلال اكتشاف أسرار العظمة في ~~خلق الله في هذه المخلوقات ms3196 الطائرة ، ويتعمق هذا الإيمان في قلوبهم ، بتعمق ~~الفكر في دلالات هذا النظام العجيب في خلق الكون وما فيه من موجودات. # * * * PageV13P270 ### ||| ** مظاهر متنوعة لنعم الله على الإنسان # ثم تتحرك الجولة القرآنية في آفاق حياة الناس لتدلهم على آثار نعمة الله ~~فيها ، فتدخل إلى بيوتهم ، وإلى ما يسره الله لهم من طمأنينة العيش وراحته ~~فيها ( @QUR@06 والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) يتخفف الإنسان فيها من جهد ~~العمل ، وتعب التنقل ، ويحس فيها بأنه يسكن إلى أرض وسقف يتحقق له فيها ~~الكثير من السكينة والطمأنينة وراحة الروح والجسد. ولعل هذه المشاعر التي ~~يستوحيها الإنسان من كلمة السكن ، ومن معنى البيت في الواقع ، لا يفهمها ~~إلا الذين يفقدون البيت ، وينتقلون باستمرار من مكان إلى مكان في دوامة من ~~عدم الاستقرار. وقيمة البيت لا تتعلق بالجدران التي تحوطه والسقف الذي يظله ~~، بل في ما يتضمنه معنى السكن في داخله ، من حرمة معنوية جعلها الله له ، ~~إذ حرم الله على الآخرين دخوله دون إذن صاحبه ، والتلصص عليه ، والتجسس على ~~ما في داخله ، وأحل لصاحبه مواجهة كل من يحاول الاعتداء عليه بأي شكل من ~~الأشكال ، لأن الله يريد للإنسان أن يكون البيت ساحة مغلقة يمارس فيها ~~خصوصياته الذاتية والعائلية في الحدود التي أراد الله له فيها أن يعيش ~~حريته الخاصة. # ( @QUR@011 وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم ) ليس من الضروري دائما أن تكون البيوت ثابتة من حجارة وحديد وخشب ~~ونحوها ، فهناك نوع آخر من البيوت الخفيفة التي يحملها الإنسان معه عند ما ~~يسافر ، وينصبها حيث يشاء بسرعة ، عند ما يقيم ، كالبيوت التي كان العرب ~~وغيرهم من البدو يصنعونها على شكل الخيام ، ليقيموا فيها مدة ، ثم يحملونها ~~معهم عند ما يريدون السفر. لذا فإن خلق الله للانعام التي يصنعون من جلودها ~~البيوت الخفيفة المتنقلة تعد نعمة في هذا المجال ، ( @QUR@03 ومن أصوافها ~~وأوبارها PageV13P271 # @QUR@05 وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ) والأنعام نعمة أيضا لجهة ما ~~يصنعه الناس من صوفها ووبرها وشعرها من فراش وثياب ورياش يتناسب مع الحياة ms3197 ~~الداخلية في أجواء البيت وأهله. # ( @QUR@06 والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) تتفيأون به من حرارة الشمس ~~وحرارة الجو ، وليست الظلال مختصة بأوراق الشجر ، ولكن بكل ما يمكن أن يغطي ~~رأس الإنسان وجسده ويحميه من حرارة الشمس ولفحات الهجير ، ( @QUR@05 وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا ) وهي المواضع التي تكن الإنسان وتستره وتخفيه كالكهف ~~والمغارة ، حيث يمكن للإنسان بسكنها أن يقي نفسه من الحر والبرد والمطر ~~والرياح ونحوها. # ( @QUR@05 وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) وهي الثياب ، أو القمصان التي ~~تقي الجسد حرارة الجو ، ( @QUR@03 وسرابيل تقيكم بأسكم ) وهي الدروع التي ~~تحمي الإنسان من الأخطار التي يتعرض لها في حالات الحرب والقتال وتدفع عنه ~~ضربات الأعداء بالسلاح ونحوه ( @QUR@04 كذلك يتم نعمته عليكم ) في ما ~~أولاكم من فضله في حياتكم الخاصة والعامة ( @QUR@02 لعلكم تسلمون ) أمركم ~~إلى الله ، وتخضعون لأوامره ونواهيه ، من خلال إحساسكم بأن كل نعمة من الله ~~، وأن كل شيء راجع إليه. # ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا وانصرفوا عنك وعن دعوتك ، ورفضوا التأمل ~~والتدبر ، في ما أردت لهم أن يعرفوه ويفهموه ، من خلال العظمة المتمثلة في ~~الكون ، والنعمة المتمثلة في الحياة ، والوحي المنزل عليهم من الله ، ~~وأصروا على الاستمرار في غفلتهم وعنادهم ، لأنهم لا يريدون أن يغيروا ما هم ~~عليه من الكفر والشرك والضلال. # ( @QUR@04 فإنما عليك البلاغ المبين ) فإذا أبلغتهم رسالات الله ، ~~ودعوتهم إلى دينه ، فقد أديت ما عليك ، ويبقى علينا الحساب الذي يواجههم غدا PageV13P272 # يوم القيامة ، بعد أن قامت عليهم الحجة ، وحقت عليهم كلمة الله ( @QUR@03 ~~يعرفون نعمت الله ) في إحساسهم بالحياة المليئة بكل النعم الإلهية التي ~~أفاضها الله على الناس كما أفاض عليهم نعمة الحياة ( @QUR@02 ثم ينكرونها ) ~~في ما ينكرونه من دلالتها ، وفي ما يكفرون به من نتائجها ، وفي ما يجحدونه ~~من توحيد الله ومن عبادته ( @QUR@02 وأكثرهم الكافرون ) الذين يتحركون في ~~الحياة من مواقع الكفر بالله ، وبنعمه ، مما ينعكس سلبا على علاقة الإنسان بالله. # * * * PageV13P273 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون (84) @QUR@011 وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ms3198 ولا هم ~~ينظرون (85) @QUR@019 وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) ~~@QUR@010 وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) ~~@QUR@013 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون (88) @QUR@024 ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ~~وبشرى للمسلمين ) (89) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شهيدا ): شاهدا. # ( @QUR@01 يستعتبون ): يسترضون ويستصلحون. # ( @QUR@01 السلم ): الاستسلام والانقياد. PageV13P274 # ( @QUR@01 تبيانا ): بيانا. # * * * ### ||| ** عرض بعض مشاهد القيامة للعبرة # تتنوع مشاهد القيامة الواردة في القرآن ، بغرض دفع الناس لمعايشة صعوبتها ~~في الدنيا ، كي يتخذوا الموقف المسؤول الذي يجنبهم عذابها في الآخرة ، ~~والآيات التالية تدخل في هذا السياق. # * * * ### ||| ** لكل أمة شهيد # ( @QUR@06 ويوم نبعث من كل أمة شهيدا )، يشهد على أعمالها ومواقفها ~~وعلاقاتها في حركة الحق والباطل والكفر والإيمان ، ليقدم لله سبحانه حساب ~~المرحلة الزمنية التي شهد أحداثها في أمته ، وقد يكون هذا الشاهد نبيا ، أو ~~إماما ، أو عالما ، وقد تمثله النخبة الصالحة الواعية التي تواجه الأمة ~~بالدعوة والجهاد والمعاناة لتوجهها إلى الطريق المستقيم ، فتشهد لها أو ~~عليها أمام الله تبعا لتجاوبها مع دعوتهم تلك ، فإذا شهد الشهداء بقيام ~~الحجة على الكافرين ، واختيارهم مواقف الكفر ، ثبت الحكم على الكافرين ، ~~وواجهوا العذاب ( @QUR@05 ثم لا يؤذن للذين كفروا ) بالكلام والاعتذار ، ~~لأن البحث عن كلمات تبرر العمل لا يجدي في الآخرة ، كما هي الحال في الدنيا ~~، حيث يترك للمتهم حرية استخدام كل الأساليب المقنعة التي يدفع فيها التهمة ~~عن نفسه ، لأن محكمة الدنيا تبحث عن الحقيقة من خلال شهود الاتهام ورموزه ، ~~وشهود الدفاع PageV13P275 # ورموزه ، وبذلك ينبغي إعطاء الحرية للجميع في الحديث عن معلوماتهم ~~ومناقشتها بالطريقة الواضحة ، أما في محكمة الآخرة فإن الحقيقة الآتية من ~~مصادرها المعصومة تفرض نفسها على الموقف ، وبالتالي فإن الحكم على أساسها ~~لا يشكل أي مصادرة لحرية الكافر في الدفاع عن نفسه. وليست الشهادة في ~~الآخرة إلا لأجل إقامة الحجة عليهم أمام الناس ، لا من ms3199 أجل استيضاح الحقيقة ~~( @QUR@03 ولا هم يستعتبون ) أي لا يسمح لهم بالاستعتاب ، وهو طلب الرضا من ~~الله ، بالدعاء أو بالعمل الذي يصححون به أخطاءهم ، لأن باب الدعاء والعمل ~~قد أغلق بالخروج من الدنيا وبالدخول في الآخرة كما جاء في كلمة الإمام علي ~~عليه السلام : اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل (1). # ( @QUR@05 وإذا رأى الذين ظلموا العذاب )، وهم الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر أو الشرك والضلال ، في ما توحي به أجواء الآيات ( @QUR@03 فلا يخفف ~~عنهم ) إذا طلبوا التخفيف ، لأن حجم العذاب كان ملائما لحجم المعصية أو ~~الانحراف ، ( @QUR@03 ولا هم ينظرون ) إذا طلبوا الإمهال والتأخير إلى وقت ~~آخر. لأنه ليست هناك حالة منتظرة ، ليكون التأخير من أجلها ، فليس هناك إلا ~~المصير المحتوم. # * * * ### ||| ** تفرق الشركاء # ( @QUR@05 وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ) الذين كانوا يعبدونهم من دون ~~الله ، أو يطيعونهم ويخضعون لهم في معصية الله ، جهلا أو تجاهلا أو طمعا ، ~~وهم الآن يرون خطورة ما كانوا عليه ، ولا يجدون فرصة للتخلص من نتائجه ~~السلبية PageV13P276 # على مستوى المصير المظلم الذي يواجهونه. ( @QUR@09 قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ) فقد أضلونا وزينوا لنا الشرك ، ولولاهم ~~لكنا مؤمنين .. ولكن هذا المنطق لا ينفعهم في التخلص من المسؤولية ، حيث ~~يعلن أولئك الشركاء رفضهم للتهمة ( @QUR@05 فألقوا إليهم القول إنكم ~~لكاذبون ) لأنهم أشركوا بنا بعد وعيهم لعقيدة التوحيد الذي يحكم به العقل ، ~~وأوحاه الله في كتبه ، وليس لنا أي دخل في ذلك ، فلا نتحمل أية مسئولية عن ~~مصيرهم. # ( @QUR@05 وألقوا إلى الله يومئذ السلم )، فاستسلموا إليه من موقع العجز ~~، بعد أن كانوا يرفضون الانقياد لأوامره ونواهيه في الدنيا ، في ظل حرية ~~الإرادة التي منحهم إياها في حركة الطاعة والمعصية ، وكانوا يستعينون ~~بالطغاة والبغاة ويستقوون في مواجهة الأنبياء والمصلحين ، أما الآن فلا شيء ~~لديهم من القوة الذاتية أو الخارجية ولا يملكون من حرية الحركة في ما ~~يريدون شيئا. إن الموقف هو موقف الاستسلام والانقياد والعجز المطلق أمام ~~القوة الإلهية القاهرة المطلقة ، ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ~~فضاعت كل أفكارهم وجهودهم وافتراءاتهم ، وتبخرت ms3200 في الهواء. ولم يبق منها ~~شيء إلا ما يبقى من الجريمة في مواقع المسؤولية. # * * * ### ||| ** العذاب فوق العذاب # ( @QUR@013 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون )، لأنهم لم يكتفوا بالكفر الذي يفسدون من خلاله تصوراتهم ~~وأوضاعهم وعلاقاتهم في الحياة ، بما يتضمنه الكفر من تخريب للواقع العملي ~~على أساس إيحاءات الواقع الذهني ، بل أضافوا إلى ذلك الصد عن سبيل الله ، PageV13P277 # ومنع الرسالة من الوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم ، والضغط على دعاتها ~~وأتباعها بكل الوسائل التي تمنعهم من تحقيق أهدافهم الخيرة في الحياة. ~~وبذلك ساهموا في تعطيل حركة الحق والخير والعدل ، فأفسدوا الواقع بطريقة ~~سلبية من هذه الجهة ، كما أفسدوه بطريقة إيجابية مضادة ، من جهة أخرى ، في ~~ما قاموا به من الدعوة للكفر ، وإفساح المجال لقيمه الشريرة لتتركز في ~~الأرض ، فاستحقوا العذاب ضعفين ، من خلال إفسادهم لحياتهم ولحياة الناس من ~~حولهم ، كما جاء في آية أخرى : ( @QUR@05 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم ) [العنكبوت : 13] ، ( @QUR@09 ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم ) لأن قيمة الشهيد من الداخل ، أنه يفهم القضايا المحيطة بالمسألة ~~بعمق ، فلا يكتفي بظواهرها ، بل ينفذ إلى بواطنها ، حيث المشاعر التي تفسر ~~كثيرا من الأوضاع والخلفيات التي تتحرك من خلالها قضايا الواقع ، مما لا ~~يمكن أن يفهمه الآخرون الذين يأتون من خارج المجتمع غالبا إلا بجهد كبير. ~~وقد كرر هذه الفقرة في هذه الآية ، تمهيدا للفقرة التالية ( @QUR@05 وجئنا ~~بك شهيدا على هؤلاء ) والظاهر أن الإشارة بهؤلاء إلى الذين كذبوا محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم من قريش وغيرهم ، ولكن ليس معنى ذلك اختصاص شهادة ~~الرسول بهؤلاء ، لأن التعبير لا ينفي امتداد شهادته لغيرهم ، باعتبار أن ~~الحديث يتحرك في أجواء المواقع التي نزلت فيها الآية ، وتبقى للآيات الأخرى ~~، وللفكرة العامة التي تتحرك على أساسها الشهادة ، ما يمكن أن يكون بيانا ~~لسعة المساحة الزمنية والمكانية التي تنطلق فيها شهادة النبي على أمته ، في ~~زمانه وغير زمانه ، ولكن بشكل مباشر تارة ، وبشكل غير مباشر أخرى. # * * * PageV13P278 ### ||| ** الكتاب تبيان وهدى ورحمة # ( @QUR@06 ونزلنا ms3201 عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) يحتاجه الناس في حياتهم ~~العامة ، في ما يتعلق بنظامهم العقيدي والشرعي والأخلاقي ، على مستوى ~~المفردات والمنهج ، وليس من الضروري أن يكون المراد بكل شيء ، ما يشمل ~~العلوم بكل تفاصيلها ، والأشياء والموجودات بكل جزئياتها ، لأن ذلك ليس من ~~شأن الرسالة ، ولا من مهمة الأنبياء ، ولم ينقل في تاريخهم الطويل أي عمل ~~أو دعوة تشير إلى ذلك. # ( @QUR@02 وهدى ورحمة )، في ما يوضحه الله في الكتاب للناس من وسائل ~~الهدى وأسبابه ، وما يمهده لهم من طرق الهدى وسبله ، وفي ذلك كل الرحمة ~~للإنسان ، لأنه ليس هناك رحمة أكثر وأعلى من المعرفة بالنهج الذي يحقق ~~للإنسان الهداية في الدنيا والآخرة ( @QUR@02 وبشرى للمسلمين ) الذين ~~أسلموا أمرهم لله ، فالتزموا بشرائعه ، وأقروا بمنهجه ، وانفتحوا على ~~الحياة كلها من خلاله. # * * * PageV13P279 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) @QUR@020 وأوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن ~~الله يعلم ما تفعلون (91) @QUR@032 ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم ~~الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) @QUR@017 ولو ~~شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما ~~كنتم تعملون ) (93) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 تنقضوا الأيمان ): نقض الأيمان : نكثها ومخالفة مقتضاها. # ( @QUR@01 توكيدها ): عقدها. # ( @QUR@01 كفيلا ): ضامنا الوفاء. PageV13P280 # ( @QUR@01 أنكاثا ): النكث : النقض ، وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث ~~حبلا كان أو غزلا. # ( @QUR@01 دخلا ): الدخل : كل ما دخل الشيء وليس منه. # * * * ### ||| ** تعاليم أخلاقية لنظام حياة شامل # في هذه الآيات حديث عن الخطوط العامة للأخلاق الإسلامية في الدوائر ~~الواسعة لنشاطات الإنسان في أقواله وأفعاله وعلاقاته ومواقفه. # * * * ### ||| ** الأمر بالعدل والإحسان # ( @QUR@06 * إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) فللعدل مساحته الواسعة في ~~العلاقات الإنسانية ، الكلمات والمواقف ، ففي كل موقع من مواقع الحياة عدل ~~وظلم ، ولم يؤكد الإسلام على شيء كما أكد على العدل ، فقد اعتبره الهدف ~~الكبير ms3202 لجميع الرسالات الإلهية ، وقد تحدث عنه في الكلمة العادلة التي لا ~~تحابي أحدا حتى لو كان ذا قربى ، وفي الموقف العادل ، حتى إذا كان لمصلحة ~~العدو ضد الصديق ، والحكم العادل لكل إنسان ، وفي أي موقف ، بعيدا عن صفته ~~الدينية وموقعه الاجتماعي ، وانتمائه الجغرافي والقومي والعرقي ، ذلك أن ~~المرجع الوحيد في هذا الشأن هو الحق الذي يمتلكه صاحبه. فيجب أن يعطى صاحب ~~الحق ، حتى لو كان كافرا ، أما من عليه الحق ، أو من ليس له حق ، PageV13P281 # يخضع للحق ، حتى لو كان مسلما ، وهذا هو شعار الدنيا ، كما هو شعار ~~الآخرة في قوله تعالى : ( @QUR@09 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ~~) [غافر : 17]. # ولعل أهمية تأكيد الإسلام على العدل كقيمة إنسانية عامة ، أنه يريد ~~للإنسان أن يعيش العدل في نفسه كإحساس وشعور ، وأن يرفض التعاطف مع الظالم ~~، وإعانته ، لأنه يسعى لإدخال العدالة في التركيبة الشخصية للإنسان المسلم ~~التقي الذي يصنعه ، لذا فهو يرفض الظلم كإحساس كما يرفضه كموقف. # وللإحسان أهمية كبري من الناحية الإنسانية ، فهو الأسلوب العملي في تقديم ~~الخير للآخرين ، من موقع الحق الذي يمتلكونه في ذاك الخير ، أو من موقع ~~العطاء الذاتي. فإن الله يريد أن تنطلق العلاقات بين الناس على أساس حب ~~الخير وروح العطاء ، فقد أكد الإسلام في أكثر من آية على أن لصاحب الحق أن ~~يأخذ حقه ، ولكنه أحب للإنسان من موقعه كصاحب حق أن يعفو ويسامح ويتنازل ، ~~على أساس الإحسان. وربما كان هدف التقارن بين العدل والإحسان ، من أجل ~~تأكيد الحق لصاحبه وتركيز العدل على أساس ثابت في التشريع من جهة ، ومن أجل ~~تخفيف النتائج القاسية للعدل بإفساح المجال للإحسان لكي يخفف من حدته ، ~~بحيث يتحقق التوازن في حياة المجتمع وفي بناء الشخصية الإسلامية على أساس ~~من العدالة والتسامح. # ( @QUR@03 وإيتاء ذي القربى ) وهو العطاء لمن تربطهم بالفرد صلة قربى ، ~~باعتبارهم الخلية الأقرب إليه ، كخطوة عملية تمهد لتوسيع دائرة مسئوليته ~~الأخلاقية والاجتماعية في الدوائر الاجتماعية الأبعد ، إذا ما توافرت له ~~الإمكانيات. ولعل هذا الأسلوب أكثر واقعية ms3203 من الدعوة إلى احتواء المجتمع ~~كله ، في الشعور بالمسؤولية ، لأن تنفيذ ذاك الاحتواء أمر متعذر عمليا ، PageV13P282 # وبالتالي فإن تحديد مسئولية الإنسان في دائرة قرابته ، ليس نوعا من أنواع ~~تأكيد العصبية العائلية ، بل تدبيرا قائما على الملاءمة بين إمكانات الواقع ~~والتشريع ، بحيث يمكن الانطلاق منه في تعميق روح العطاء من خلال مشاريع ~~تكافلية أوسع على مستوى الوضع العام لعلاقاته الاجتماعية الأخرى الواسعة. # ( @QUR@05 وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) والنهي عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي من الخطوط الأخلاقية العامة التي تقع في الجانب السلبي من بناء ~~الشخصية الإسلامية ، وهي عناوين تلتقي معا في أكثر من مصداق خارجي ، على ~~الرغم من اختلاف الجانب الذي ترتبط به في واقع الإنسان الذهني والنفسي ~~والعملي ، فالفحشاء تمثل الأفعال والأقوال القبيحة التي تتجاوز العرف ، ~~وتقتحم المستور من حياة الناس وعلاقاتهم ، على المستوى الجنسي خاصة ، وتمس ~~شرفهم الشخصي أو العائلي. أما المنكر ، فيطلق على ما يقابل المعروف ، وبذلك ~~فإن مضمونه هو الفعل أو القول الذي يستنكره الناس لقبحه ، أو لمفسدته ، أو ~~لضرره ، وما إلى ذلك. ولعل من الطبيعي أن يستلزم هذا المضمون دخوله في ~~دائرة ما ينكره الله شرعا وما يريد للناس أن ينكروه في واقعهم ، استنادا ~~إلى المبررات الفعلية لذلك ، سواء تعارفوا على إنكاره ضمن مقاييسهم تلك أم لا. # أما البغي ، فالمراد به العدوان بالكلام أو الفعل على الناس ظلما ، سواء ~~تم ذلك في دائرة العلاقات الخاصة ، أو العامة ، وسواء طال حياتهم ~~الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وغيرها من المجالات حيث تتوسع حقوق ~~الناس لتتمثل في حق الأمة في الحكم العادل ، وحق الإمام العادل في طاعة ~~الأمة له ، وحق الناس على بعضهم البعض في الأمور المتصلة بأوضاعهم ~~القانونية أو الشرعية والأخلاقية. فيتحول كل انتقاص من هذه الحقوق ، أو ~~اعتداء عليها ، إلى عنوان للبغي وللظلم وللعدوان. PageV13P283 # وهكذا يريد الله للناس أن يلزموا خط العدل ويجتنبوا خط الظلم ، ويلتزموا ~~بالإحسان للناس جميعا ولا سيما ذوي القربى ، ويبتعدوا عن كل ما يسيء إلى ~~نظافة العلاقة أو العمل أو الكلمة أو الواقع وعن ms3204 كل ما ينكره الذوق والعرف ~~المتحرك في خط الشرع ، ويمتنعوا عن البغي والعدوان في أية حالة من الحالات ~~، وفي أي موقع من المواقع على جميع المستويات ، وتلك هي موعظة الله للناس ( ~~@QUR@03 يعظكم لعلكم تذكرون ) ذلك أن الموعظة تمثل تذكيرا بالقضايا المهمة ~~التي تنتظر حياة الناس بإيجابياتها في نطاق ما يرضي الله ، وتواجههم ~~بسلبياتها في نطاق ما يسخطه. ومهمتها استحضار وعي الإنسان ، وإحساسه ~~بالمسؤولية تجاه الدنيا والآخرة بشكل دائم. # * * * ### ||| ** الوفاء بعهد الله # ( @QUR@05 وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم )، فللعهد الذي يلزم الإنسان به ~~نفسه أمام الله ، حرمة تفرض احترامه معنى وممارسة. وقد أراد الله للإنسان ~~أن يفي بما ألزم نفسه به ، سواء تعلق ذلك بالتزام عملي أو علائقي أو مالي ~~تعهد به تجاه إنسان آخر ، أو تجاه ربه أو تجاه نفسه ، أو تجاه جهة من ~~الجهات ، إذ يتحول الالتزام الشخصي إلى إلزام شرعي ، فإن الله يريد للإنسان ~~أن يحترم كلمته في عهده ، فيعتبرها كما لو كانت قانونا شرعيا ملزما له في ~~ذاته ، بقطع النظر عن التزامه الشخصي به. # ولعل قيمة هذا الإلزام الشرعي ، أنه يجعل للعلاقات الإنسانية بما تحتاجه ~~من معاهدات وأحلاف ومواثيق ، قاعدة ثابتة ، يرتكز عليها الناس ويلتزمون بها ~~من موقع القداسة ، وتساهم في استمرارية الحياة على خط PageV13P284 # مستقيم ، لأن اهتزاز الالتزام بالعهد ، يفرض الاهتزاز في كل المشاريع ~~الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ويفقد الناس الأرض الثابتة التي يقفون ~~عليها في تطلعهم إلى المستقبل ( @QUR@05 ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) ~~لأن لليمين معنى مقدسا يرتبط بالله ، لما يوحيه من تقرير الكفالة الإلهية ~~لما أقسم عليه من فعل أو علاقة ، مما يجعل من نقضه إهانة لحرمة الله حيث ~~جعله شاهدا وكفيلا في قضية لا أساس لها في الواقع ، وهذا ما تعنيه الكلمة ~~القرآنية ( @QUR@05 وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) فهو من يكفل التزامكم ~~بالعمل ، ويتحمل مسئوليته ، فكيف يمكن أن تمارسوا ذلك وأنتم عازمون على ~~الإخلال باليمين ونقضه ، ( @QUR@05 إن الله يعلم ما تفعلون ) فهو المطلع ~~على سرائركم في ما تفيضون فيه أو تعزمون عليه ، فراقبوه في كل ms3205 شيء ، لأن ~~وراء كل عمل حسابا وثوابا وعقابا. # ( @QUR@09 ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) من يبرم ~~العهد ويؤكده على نفسه أمام الله للآخرين ، ليثقوا في حصول ما عاهدهم عليه ~~، ثم ينقضه ، كحال المرأة الحمقاء التي كانت تجهد نفسها بغزل الصوف ثم ~~تنقضه بعد ذلك من بعد قوة وتنكثه ، وهي كما نقل عن الكلبي ، امرأة من قريش ~~كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن غزلهن ولا يزال ~~ذلك دأبها ، وكانت تسمى خرقاء مكة ، ( @QUR@04 تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) ~~أي تتخذون أيمانكم أداة لخداع الناس وخيانتهم حيث توحون لهم من خلال ~~الأيمان المغلظة ، أنكم سوف تقومون بطريقة لا تقبل الشك بما حلفتم عليه ، ~~حتى إذا ما وثقوا بكم وحصلتم على ما تريدون ، نقضتم كل ما أبرمتموه ، ~~ونكثتم بكل ما عاهدتم عليه ( @QUR@07 أن تكون أمة هي أربى من أمة ) وغرضكم ~~من ذلك الحصول على زيادة تتميزون بها عن الآخرين ، في مال أو فرصة أو جاه ، ~~ونحو ذلك مما يتسابق الناس إليه ويتصارعون من أجل التفاضل فيه بأساليب ~~الخداع والغش والخيانة ، ( @QUR@04 إنما يبلوكم الله به ) فهو وسيلة من ~~وسائل الاختبار الإلهي ، حيث يضعكم الله أمام التجربة الحاسمة التي تتيح ~~لكم فرصة الاستقامة مع PageV13P285 # قدرتكم على الانحراف ، الأمر الذي يمكن أن يكشف صدق أيمانكم أو كذبها ، ~~حتى إذا ما اندفعتم وراء رغبة الحصول على مطمع أو شهوة أو نحو ذلك ، ~~واستسلمتم لتسويلات الشيطان التي تدعوكم إلى استغلال الفرص السانحة للإيقاع ~~بالناس وخداعهم للوصول إلى ما تريدون ، سقطتم في الامتحان ( @QUR@08 ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) من خير أو شر ، فتعرفون ~~هناك كيف تتحول الفرصة إلى غصة ، وكيف يكون التمرد على الله تدميرا لمصير ~~الإنسان نفسه في الآخرة ، وكيف تتحول الشهوات التي كانت في الدنيا تحرق ~~الأعصاب لتدفعها إلى المعصية ، إلى لهب يحرق الجسد في الآخرة. ويتضح لكم كل ~~ذلك ، بعد أن حاولتم الهروب منه ، بالتهرب من مواجهة الحقيقة التي تدعوكم ~~رسالات الله لمعرفتها. # * * * ### ||| ** التنوع حقيقة وجودية # ( @QUR@06 ولو ms3206 شاء الله لجعلكم أمة واحدة )، وأودع في تكوينكم العقلي ~~والجسدي سر الهداية ، بحيث تصبح أمرا قهريا ، لا حرية لكم في اختياره ، ~~وبذلك تتساوى درجة الهداية بين جميع الناس ، فتشكلون أمة واحدة ، في كل شيء ~~، لا تختلف في العقيدة ولا في الشريعة ، ولا في أي شأن من شؤون الحياة ، ~~ولكن الله لم يشأ للحياة كلها أن تسير على وتيرة واحدة ، فجعل من مخلوقاته ~~، ما يتحرك غريزيا إلى دوره المحدد في الحياة ، وخلق منها ما ينطلق من ~~القوانين المودعة في سر وجوده ، والتي تتحرك به تجاه التكامل مع نظام ~~الوجود ، وخلق الإنسان وزوده بالعقل القادر على إدراك الحسن والقبح ، وهيأ ~~له الحواس التي يستطيع بها معرفة طبيعة الأشياء التي تمون العقل بمواد ~~الفكر ، ثم أعطاه الإرادة التي ينفذ من خلالها إلى ما يدركه العقل من حسن PageV13P286 # الأشياء ، ويبتعد بها عما يدركه من قبحها ، وجعل للإنسان حرية الاختيار ~~بين خط الهدى وخط الضلال ، فقد يختار الهدى لأن عقله غلب شهوته ، وقد يختار ~~الضلال لأن الشهوة حجبت عن العقل وضوح الرؤية. # ( @QUR@07 ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) بما فتحه لهم من إمكانات ~~الهدى والضلال ذاتيا وموضوعيا ، حيث لا يأتي الضلال قهرا نتيجة الإرادة ~~التكوينية ، ولكنه يأتي عبر الوسائل التي تؤدي إليه ، في ما جعله من سببية ~~بين الضلال ومقدماته التي خولهم اختيارها وجعل أمرها بأيديهم ، والأمر نفسه ~~في الهدى. وهكذا فإن نسبة الضلال والهدى إلى الله لا تلغى الدور المباشر ~~الفاعل للإنسان الذي يملك إرادة الهدى باختيار وسائله ، وإرادة الضلال ~~باختياره لعناصر الضلال ( @QUR@04 ولتسئلن عما كنتم تعملون )، لأن الحرية ~~التي تملكونها في ممارسة دوركم الفكري والعملي هي أساس المسؤولية ، التي ~~تواجهون حسابها أمام الله ، ولو لا الحرية في الإرادة ، في الرفض والقبول ، ~~لكانت المسؤولية غير ذات معنى في ميزان العدل الإلهي ، الذي لا يمكن أن ~~يجبر الإنسان على أمر ثم يعاقبه عليه. # * * * PageV13P287 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) @QUR@015 ولا ms3207 تشتروا ~~بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ~~@QUR@015 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون ) (96) # * * * ### ||| ** استغلال صفة الإيمان # ( @QUR@05 ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ) ركزت الآية السابقة على النقض ~~الذي لا يتناسب مع إعلان الله كفيلا لمضمون اليمين ، وفي ذلك إساءة إلى ~~مقام الله كونه استعمالا لاسمه كأداة للخداع وللخيانة ، أما هذه الآية ، ~~فغرضها النهي عن اتخاذ الأيمان سبيلا لتحقيق الأغراض الذاتية المشبوهة ~~الباطلة ، وفي ذلك انحراف أخلاقي على مستوى الممارسة العملية ، يفقد خط ~~السير الذي يعتمده الناس ثباته ، ويفقد الشخصية توازنها وكذلك الحياة ، لأن ~~القضايا التي يقدسها الناس ويحترمونها في خطوطهم العقيدية ، هي ضمانة لثبات ~~الأرضية PageV13P288 # المشتركة التي يقفون عليها ويتوافقون على التعامل من خلالها ، وإذا ما ~~انتهكت تلك القداسة ، باستخدامها للخداع والغش ، فقدت تلك الأرضية ثباتها. ~~وهذا ما توحي به الفقرة التالية : ( @QUR@04 فتزل قدم بعد ثبوتها )، ~~ويتحول الانحراف بفعل ذلك إلى خلق جديد يسم شخصية الإنسان بالسوء ، تماما ~~كما هي حال الخطوات عند ما تهتز وتفقد التماسك فتسير إلى الطريق غير ~~المستقيم. ( @QUR@02 وتذوقوا السوء ) وهو العذاب الذي ينتظركم عند الله يوم ~~القيامة ويمكن أن يكون المراد به النتائج السيئة لأعمالهم الشريرة في ~~الدنيا ، ( @QUR@05 بما صددتم عن سبيل الله ) بأساليبكم الملتوية التي ~~جسدها أكثر من وجه من وجوه الإغراء والإغواء والخداع والدجل والخيانة ، ~~فأفسدتم العقيدة والسلوك ، ( @QUR@03 ولكم عذاب عظيم ) بحجم الجريمة التي ~~أجرمتموها ، والفساد الذي أحدثتموه في حياة الناس ، ( @QUR@06 ولا تشتروا ~~بعهد الله ثمنا قليلا ) بأن تبيعوا الالتزام بالحق ، وتتنازلوا عنه ، مقابل ~~منفعة خاصة ، الأمر الذي يقوم به كثير من الناس ، فيبتعدون عن مواقف الحق ، ~~وينقضون مواثيقهم التي أكدوها ، لأن هناك من يمنحهم على ذلك مالا أو جاها ~~أو فرصة مادية من فرص الحياة الفانية ، فيقفون آنذاك بين الدنيا والآخرة ، ~~حيث تخاطبهم الدنيا بشهواتها وإغراءاتها ، وتدعوهم الآخرة إلى الالتزام ~~بمواقف الحق طلبا لما عند الله في الدار الآخرة من رحمة ورضوان وجنات نعيم ~~مقيم ، فيفضلون الدنيا ms3208 على الآخرة ، ويختارون ما عند الناس على ما عند الله ~~، ( @QUR@06 إنما عند الله هو خير لكم ) مما يختارونه من متاع الدنيا ، ( ~~@QUR@03 إن كنتم تعلمون ) وتدركون الفرق بين المنافع الباقية والمنافع ~~الفانية. # * * * PageV13P289 ### ||| ** طلب ما عند الله # ( @QUR@03 ما عندكم ينفد ) لأنه مهما امتد وكبر حجمه فإنه ينتهي بالموت ~~الذي تتركون معه كل ما جمعتم من مال وما حصلتم عليه من جاه ، وما استمتعتم ~~به من شهوات ( @QUR@04 وما عند الله باق ) لأنه يمتد امتداد الخلود في ~~الدار الآخرة ، حيث نعيم الروح والجسد ، ورضوان الله ورحمته التي هي أساس ~~الخير كله للحياة كلها. لذلك لا بد للإنسان الذي يريد أن يواجه صعوبة تجربة ~~الوقوف بين زخارف الدنيا وإغراءاتها ومواقعها ، وبين حقائق الآخرة ~~ومسئولياتها ومتاعبها ، من الصبر الذي يفرض عليه الضغط على كثير من شهواته ~~ونزواته ، لمصلحة مبادئه وموقعه من ربه. وللصبر نتائج إيجابية كبيرة على ~~مستوى ما ينتظره الإنسان عند الله من الخير الكثير والفضل العظيم. # * * * ### ||| ** جزاء الصابرين # ( @QUR@08 ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )، وقد جعل ~~الله للصبر ميزة على سائر الأعمال ، لأنه يمثل القوة التي تعطي للعمل ثباته ~~وعمقه واستمراره ، وتحقق للشخصية خصائصها الأخلاقية والروحية من موقع ~~الإرادة الصلبة التي لا تضعف ولا تنهار أمام الإغواء والإغراء ، ولهذا كان ~~جزاء الصابرين هو أفضل الجزاء ، باعتباره أفضل الأخلاق وأحسنها ، بحيث يرفع ~~الصبر من قيمة أي عمل ، ويضفي عليه معنى إضافيا يفوق عناصره الذاتية ، من ~~خلال المعاناة التي يعيشها العامل أمام المصاعب التي تواجهه ، والآلام التي PageV13P290 # تحدث له ، ليتوقف القارئ أمام قوله : ( @QUR@01 بأحسن ) ليستوحي منها ~~بعضهم أن الله يلغي أجر الحسن من الأعمال ، ويعطيه للأحسن ، ونحو ذلك ، ~~ولعل هذا المعنى الذي استوحيناه هو الذي أشار اليه صاحب الميزان بقوله : ~~«المراد بذلك أن العمل الذي يأتون به وله في نوعه ما هو حسن وما هو أحسن ، ~~فالله سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه ~~، فالصلاة التي يصليها الصابر في الله يجزيه الله سبحانه لها أجر الفرد ms3209 ~~الأحسن من الصلاة وإن كانت ما صلاها غير أحسن ، وبالحقيقة يستدعي الصبر أن ~~لا يناقش في العمل ولا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيات المقتضية لخسته ~~ورداءته كما يفيده قوله تعالى : ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب ) [الزمر : 10]» (1). وربما كان مراده معنى آخر ، وذلك بأن الصبر ~~يعطي الصابر ميزة في الأجر على غيره ، حتى لو كان العمل لا يستحق ذلك في ~~ذاته. وعلى هذا الأساس ، فإن تعليقنا عليه ، هو أن الظاهر هو التأكيد على ~~أن الصبر يمنح العمل خصوصية جديدة يستحق بها الإنسان الأجر الزائد لما في ~~الصبر من قيمة للعمل ، والله العالم. # * * * PageV13P291 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) @QUR@08 فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) @QUR@010 إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) @QUR@09 إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100) @QUR@017 وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم ~~بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) @QUR@013 قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ~~@QUR@016 ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) @QUR@012 إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ~~لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) @QUR@011 إنما يفتري الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) (105) # * * * PageV13P292 ### ||| ** قيمة الذكر والأنثى بالعمل الصالح # ( @QUR@012 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ). ~~ليس في الإسلام فرق بين الرجل والمرأة لجهة تقييم الأعمال وتقدير النتائج ~~على مستوى الثواب والعقاب ، وليس لأي منهما خصوصية في حساب المسؤولية إلا ~~عمله وما يمثله من خلفيات روحية فكرية ، وما يتضمنه من جهد وعناء. وبذلك ~~كانت إنسانية المرأة في امتدادها الروحي والعملي ، أمام الله ، مساوية ~~لإنسانية الرجل ، فهما سواء في عبوديتهما لله ، وفي مسئوليتهما أمامه. ولكل ~~منهما بعد ذلك خصوصية دور تمليه خصائصه التكوينية وما فيها من إمكانيات ~~العطاء للحياة. # وللعمل الصالح قيمته ms3210 الخاصة عند الله ، عند ما يرتكز على قاعدة العقيدة ~~التي تجعل منه شيئا ثابتا في النفس ، وحركة فاعلة في العقل والروح والشعور ~~، لتصبح طبيعته ممتدة بامتداد الروح الذي أوحى به ، والفكر الذي انطلق منه ~~، والآفاق التي عاش فيها ، لأن هناك فرقا بين العمل الذي ينطلق من عادة ~~ذاتية أو من تقليد اجتماعي ، أو من مزاج شخصي ، أو من حالة فكرية طارئة لا ~~عمق روحي لها في شخصية الإنسان الفكرية ، وبين العمل الذي ينطلق من قاعدة ~~فكرية واسعة شاملة ، تتكامل فيها الأعمال ، وتتوزع فيها الأدوار وتغذي ~~بعضها بالمعاني التي يحملها البعض الآخر. # ولهذا أكدت الآية على ارتباط قيمة العمل الصالح بالإيمان بالله ، لأن هذا ~~الارتباط بالله يخرج العمل عن بعده الذاتي الخاص بشخص معين ، ويجعل منه ~~تجليا عمليا لحقيقة ذاك الارتباط ، على أساس حاجة الحياة إليه ، لا على ~~أساس حاجة العامل إلى نتائجه المادية. حتى أن الإنسان قد يقوم بالعمل PageV13P293 # الصالح على خلاف رغبته الخاصة ، انطلاقا من محبة الله للعمل ، لأن ~~الإيمان يجعله يفضل ما يحبه الله على ما تحبه نفسه. وهذا ما يمنح العمل ~~امتدادا في حياة الإنسان ، بحيث لا يخضع لاختلاف حالته المزاجية له ، أو ~~لاختلاف الظروف المحيطة بحياته. # إضافة إلى أن الله يريد للحياة أن تتحرك من خلال عبوديتها له وتوحيدها ~~إياه ، في حركة الطاعة ، مما يفرض وجود علاقة عميقة بين الإيمان بالله ~~وماهية العمل ، يستحق الإنسان على أساسها الأجر من الله ، لأنه إذا كان قد ~~عمل لغير الله أو لحالة مزاجية ، فليس له أي حق في الأجر ، إذ لا علاقة لله ~~بالعمل ، ليستحق مقابله شيئا عنده. # وفي ضوء ذلك ، جاءت الآية لتؤكد على شخصية العامل المؤمن بالله ، ~~بالإضافة إلى طبيعة العمل ، بحيث تتصل الصفة الذاتية للعقيدة في فكره ، ~~بالصفة الموضوعية للعمل الصالح ، فليس للكافر على الله شيء ، وإن كان عمله ~~جيدا في نفسه. وربما كان للعمل الصالح في نفسه بعض الآثار والنتائج المادية ~~التي قد تكون بمثابة الأجر التكويني الذي يجعله الله للعمل ، ليستمر في ~~وجوده الفاعل ms3211 من موقع الخصائص الذاتية له ، إذا لم تكن له دوافع إيمانية ~~وروحية تتصل بالله. # * * * ### ||| ** الحياة الطيبة # أما مسألة الحياة الطيبة ، ما هي؟ # هل هي في الدنيا ، أو في الآخرة؟ وإذا كانت في الدنيا ، فكيف نفسر PageV13P294 # المشاكل والصعوبات المادية والمعنوية التي تجعل من الحياة سجنا للمؤمن في ~~مقابل الرفاهية والنعيم والغنى والقوة التي يعيشها الكافر لتكون الدنيا جنة ~~له؟ على ما ورد : «إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». # ذكر بعضهم أن المقصود بالحياة ليست هي الحياة المادية التي يعيشها ~~الإنسان بموازين الحس والغريزة ، بل هي الحياة الروحية المعنوية ، ففي ~~الحياة أشياء كثيرة غير المال تطيب بها الحياة في حدود الكفاية ، فيها ~~الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه ، وفيها الصحة ~~والهدوء والرضى والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل ~~الصالح وآثاره في الحياة ... وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل ، ~~حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله (1). # ويؤكد صاحب الميزان هذا المعنى ، بطريقة أخرى فيقول : «الجملة بلفظها ~~دالة على أن الله سبحانه يكرم المؤمن الذي يعمل صالحا بحياة جديدة غير ما ~~يشاركه سائر الناس من الحياة العامة ، وليس المراد به تغيير صفة الحياة فيه ~~وتبديل الخبيثة من الطيبة مع بقاء أصل الحياة على ما كانت عليه ، ولو كان ~~كذلك لقيل : فلنطيبن حياته. فالآية نظير قوله : ( @QUR@011 أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) [الأنعام : 122] وتفيد ما ~~يفيده من تكوين حياة ابتدائية جديدة» (2). ويرى أن الله يعطيه من العلم ~~والقدرة ما ليس لغيره وهما «يمهدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها ~~فيقسمها قسمين : حق باق ، وباطل فإن ، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي ~~هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارة الفتانة ويعتز بعزة الله ، فلا يستذله ~~الشيطان بوساوسه ولا النفس بأهوائها وهوساتها ولا الدنيا بزهرتها لما يشاهد ~~من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها. PageV13P295 # ويتعلق قلبه بربه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته ، فلا يريد إلا وجهه ~~ولا يحب إلا قربه ، ولا يخاف ms3212 إلا سخطه وبعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة ~~مخلدة لا يدبر أمرها إلا ربه الغفور الودود ولا يواجهها في طول مسيرها إلا ~~الحسن الجميل ، فقد أحسن كل شيء خلقه ، ولا قبيح إلا ما قبحه الله من ~~معصيته. فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوة والعزة واللذة ~~والسرور ما لا يقدر بقدر ، وكيف لا ، وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها ~~ونعمة باقية لا نفاد لها ولا ألم فيها ولا كدورة تكدرها ، وخير وسعادة لا ~~شقاء معها» (1). # وهذا تفسير جميل ، وتحليل جيد للمعاني الروحية التي يختزنها الإيمان في ~~نفس المؤمن العامل بالصالحات ويثيرها في مشاعره وأجوائه ، ولكن المسألة هي ~~التقاء هذا التحليل مع سياق الآية التي وردت لبيان الجزاء الذي يمنحه الله ~~للإنسان الذي يعمل الصالحات وهو مؤمن ، مما يوحي بأن هذه الحياة التي ~~يمنحها الله له مفصولة عن الواقع الذي يعيشه الآن ، وليست حالة وجدانية أو ~~عملية في دائرته. وقد نلاحظ أن ما ذكره هذان المفسران الجليلان وغيرهما ، ~~هو من آثار الإيمان ، بينما تعتبر الآية أن الحياة الطيبة جزاء العمل الذي ~~ينطلق من الإنسان المؤمن ، والله العالم ، ولعل الأقرب ، هو أن يكون المراد ~~منها الدار الآخرة ، أو الجنة ، أو ما أشبه ذلك. # ( @QUR@06 ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وقد تقدم الحديث عما ~~يماثل تفسير هذه الفقرة في الآية السابقة. وقد يخطر بالبال أن المراد ~~بالأحسن ليس ما يقابل الحسن ، بل ما يقابل السيئ ، وذلك في ما نلاحظه دائما ~~في مجال الحديث عن الثواب والعقاب ، في الحديث عن الحسنة في مقابل السيئة ، ~~مما يوحي بأن المراد من الأحسن ، هو الحسنة ، كما قد نلاحظ PageV13P296 # ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@010 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن ~~الشيطان ينزغ بينهم ) [الإسراء : 53] فإن المراد به كما يظهر الكلمة الحسنة ~~الطيبة مقابل الكلمة السيئة الخبيثة التي يوحي ويعبث من خلالها الشيطان ، ~~لا في مقابل الكلمة الحسنة ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الاستعاذة بالله # ( @QUR@08 فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )، لأن ~~قراءة القرآن تفتح قلب ms3213 الإنسان وعقله وروحه وحياته على الخير كله ، والحق ~~كله ، ولا بد له من أن يعيش هذا الانفتاح على القرآن قبل أن يقرأه ويتعمق ~~في وحيه وهو يقرأه ، ويستمر في التحرك في نطاق مفاهيمه بعد أن ينتهي من ~~القراءة ، ليكون القرآن كتاب الحياة الذي ينبض مع كل نبضة في قلبه ، ويحلق ~~مع كل تحليقة في فكره ، وينطلق معه في كل حركة من حياته ، وليأخذ منه ~~عقيدته وشريعته وأسلوبه ومنهجه في الحياة ، وكل تطلعاته تجاه المستقبل ، ~~وليكون القرآن كل خلقه ، في ما يتميز به من خلق الإنسان الذي يحتوي كل ~~سلوكه في علاقاته ومعاملاته. ولهذا كان لا بد للقراءة القرآنية من جو روحي ~~منفتح على الله ، لينفتح على الحياة كلها من خلال الله. وهنا قد يتدخل ~~الشيطان ، فيلهيه عن ذكر الله ، ويجمد إحساسه وشعوره عن وعي الحقيقة ~~القرآنية ويصرفه عن الانطلاق مع مفاهيمه في أجواء حياته ، ليدفعه إلى أجواء ~~أخرى من اللهو والضلال والضياع ، فيلعب به كما يريد ، ويلهو بعقله وبفكره ~~كما يشاء ... ولذلك فلا بد من الاستعاذة بالله منه ، فيتذكر الله عند ما ~~يتذكر الشيطان ، فيستعين به ، ويستمد منه القوة في عقله وشعوره وإرادته ، ~~ليواجه كل خطوات الشيطان وأحابيله وخدعه وغروره وفتنته ، فيتخلص من سيطرته على PageV13P297 # كل نزوات اللحم والدم ، وكل شهوات المطامع. # وهذا ما نستوحيه من الاستعاذة بالله ، فهي ليست مجرد موقف يتطلع فيه ~~الإنسان إلى الله سبحانه ليحل له مشكلته ، بشكل مباشر ، دون أن يقوم بأي ~~جهد إرادي في هذا الاتجاه ، بل هي موقف يستجير فيه المؤمن بربه ، ليعيش ~~ثقته بالله من خلال إحساسه برحمته ، ويستعيد عقيدته بقوة الله ، التي تمد ~~كل الحياة بالقوة ، فينطلق في كل عملية مواجهة من هذا الموقع القوي ، ويعمل ~~، بكل طاقاته ، في خط المواجهة لكل تحرك مضاد له في إيمانه ، ثم ينتظر أن ~~تنهمر فيوضات الله وألطافه على روحه بردا وبركة وسلاما ، وبذلك ينتصر من ~~مواقع الإرادة والإيمان والممارسة ، فيخرج من سلطان الشيطان ليبقى في سلطان الله. # * * * ### ||| ** لا سلطان للشيطان على الذين آمنوا # ( @QUR@010 إنه ms3214 ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون )، بما ~~يمثله الإيمان من اتصال بالله ، وانفتاح عليه ، في عالم الغيب والشهادة ، ~~وثقة به ، ووعي لكل سننه في الحياة ، وفهم لحكمته ، وانتظار لرحمته ، وبما ~~يمثله التوكل عليه من أمل كبير في المستقبل الذي تحكمه إرادته ، في ما يدبر ~~أمره ، مما لا يستطيع المخلوق تدبيره ، لأن الله قد كلف عبده بما يستطيع ، ~~وتكفل بتدبير القسم الآخر ، وبهذا كان التوكل متصلا بخط المستقبل في حركة ~~الغيب ، بعد انطلاق حركة الإنسان الإرادية الواقعية من الحاضر ومقدمات ~~المستقبل ، سواء في مشاريع الحياة ، أو في مشاريع الإيمان ، أو في مشاريع ~~العمل المتحرك في أجواء الإيمان ، فهو يتحرك بسلطان الله بشكل غير مباشر في نطاق PageV13P298 # حركته الذاتية كإنسان ، وهو يخضع لكل سلطانه بشكل مباشر في ما يملك الله ~~أمره ، ولا يملكه هو. ولا سلطان في وعيه لأي سلطان غير سلطان الله. # ( @QUR@05 إنما سلطانه على الذين يتولونه ) ويخضعون له ، وينسون الله ~~ويذكرونه ، ويبتعدون عن ربهم ويقتربون منه ، ويستسلمون لحبائله وخدعه ، ~~ويهربون من حقيقة الإيمان بالله ، وبهذا تكون كل حياتهم ساحة للشيطان ، ~~يجول فيها ويصول ، لأنهم يفتحون كل قلوبهم له ، ويحركون كل عقولهم معه ، ~~ولا يؤمنون إلا به وبما يثيره من قيم زائفة وأخلاق فاسدة ومناهج منحرفة .. ~~هؤلاء المهزومون الخائفون الذي يتولون الشيطان ( @QUR@04 والذين هم به ~~مشركون ) لأن عيونهم وقلوبهم وعقولهم ، بل وكل حياتهم في غشاوة. # من هنا ، فإن قصة الشيطان مع الإنسان ليست قصة السيطرة المطلقة التي لا ~~يملك معها إرادة الفكاك منها ، ولكنها قصة الإنسان الذي يسلم كل أمره ~~للشيطان ، ويتنازل عن إرادته فلا يحركها في خدمة إيمانه ، وينسى إيمانه فلا ~~يستعيده في حركة حياته ، فيستولي عليه الشيطان ، كما يستولي العدو على أية ~~قلعة غير محصنة تسقط في يديه مع أول بادرة هجوم ، دون أن يلقى أية مقاومة تذكر. # * * * ### ||| ** حكمة تبديل الآيات # ( @QUR@017 وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ). لم تكن أحكام التشريع الإسلامي تنزل على ~~الناس ms3215 دفعة واحدة ، في وقت واحد ، بل كانت تنزل بطريقة التدرج ، بغرض خلق PageV13P299 # الانسجام بين الحكم الشرعي النازل ونمو الناس الفكري والروحي على هدى ~~الإسلام ، وكان ذاك التدرج ، يستعمل في بعض الحالات أسلوب التغيير والتبديل ~~في الأحكام ، تبعا لبعض المصالح التي يقتضي تحقيقها مراعاة الزمان والمكان ~~، بحيث تطلق مقيدة بتلك الحدود وتتغير بتغير المصالح التي اقتضتها ، إلى أن ~~يلد حكم جديد ثابت لمصلحة دائمة ، وقد يتمثل ذلك بالآية التي يمكن أن ينسخ ~~مضمونها آية قرآنية أخرى كما يرى البعض من نسخ الأحكام في القرآن ، أو ~~بالحديث النبوي ، على أساس النظرية التي تنكر النسخ في القرآن ، وتقره في ~~السنة. وكان الكفار من قريش ، يلاحقون ما يعتبرونه نقاط ضعف في حركة الدعوة ~~على مستوى التنزيل والتشريع ، ليواجهوا النبي بها ويسقطوا موقعه النبوي في ~~أذهان الناس ، لذا فقد رأوا في التبديل في مضمون الآيات أو الأحكام ، شاهدا ~~على الافتراء على الله لأنه لا يمكن أن يبدل الله كلامه ، أو يغير أحكامه ، ~~وذلك لأنهم لا يفهمون معنى التوقيت في المصلحة التي تكون أساسا للحكم ، مما ~~يفرض التبدل الطبيعي عند انتهاء الوقت الذي اقتضاه ، والتبدل في هذا الإطار ~~مسألة طبيعية بالنسبة للحكم الشرعي كما هو بالنسبة لأي موضوع آخر ، حيث لا ~~يكون التبدل دليلا على التنافي والتناقض فيه ، ليكون بالتالي دليلا على ~~الافتراء كما يزعمون وهذا ما أثارته الآية في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~والذين هم به مشركون ) فهو الذي يعلم المصالح الكامنة في الأشياء ، ويعرف ~~حدودها ، مما لا يعلم البشر الكثير منه ، أو لا يعلم الأكثر منهم ، وجه ~~المصلحة فيه. # ويتابع القرآن الإيحاء بالإرادة الإلهية ، في ما ينزله على أساس حكمته ~~التي لا تنحرف ولا تهتز ( @QUR@07 قل نزله روح القدس من ربك بالحق )، فقد ~~اقتضت حكمته أن تنزل آيات القرآن على سبيل التدريج ، كما توحي كلمة التنزل ~~التي تتضمن معنى التدرج مقابل كلمة الإنزال التي تنسجم مع الدفعة ، وذلك ~~بواسطة روح القدس كما ورد في هذه الآية أو الروح الأمين كما ورد في آية أخرى. PageV13P300 # وربما كان ms3216 المراد به جبرئيل الذي صرحت باسمه الآية الكريمة في قوله تعالى ~~: ( @QUR@09 قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ) [البقرة : 97] ( ~~@QUR@03 ليثبت الذين آمنوا ) لما يريده لحركتهم في الدعوة والعمل ، والجهاد ~~، من خضوع للقرآن في آياته التي توجه خطوة هنا وخطوة هناك ، وتخطط المسير ~~في هذا الاتجاه ، ثم تبدله في اتجاه آخر ، تبعا لمقتضيات الواقع العملي ، ~~الأمر الذي يخلق التفاعل بين حياة الناس والقرآن ، بحيث يعايشون ، بشكل ~~واقعي لا تجريدي ، القرآن في مفاهيمه وأحكامه. من هنا نستطيع أن نقرر ~~الحقيقة القرآنية في الأسلوب الواقعي ، وهي أن آياته كانت تحرك مسيرة ~~الدعوة وترعى حركة التغيير ، وتوجه خطوات الجهاد ، مما يجعل القرآن تجسيدا ~~للرسالة في الفكر والواقع. # ( @QUR@03 وهدى وبشرى للمسلمين ) في ما هيأه لمن أسلموا الفكر والروح ~~والحياة لله من سبل الهداية بآياته إلى سواء السبيل ، وفي ما يبشرهم به من ~~رحمة ورضوان وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها في رحاب الله. # * * * ### ||| ** صدق الكتاب مع كونه نازلا على بشر # ( @QUR@07 ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ) فقد كان مصدر هذا ~~الكتاب المعجز الذي تحداهم به ، في أسلوبه وفي مضمونه يحيرهم ؛ كيف جاء به ~~محمد ، وهو من عاش معهم ولم يتعلم القراءة والكتابة ، ولم يأخذ بقسط وافر ~~من الثقافة تمكنه من هذا الإبداع ذاتيا ، كما أنهم لا يريدون الاعتراف له ~~بالنبوة التي تلتقي بالوحي كتفسير لكل هذه الآيات التي أعجزت البشر ، لذا ~~أبعدوا عن أذهانهم احتمال أن يأتي بها بشر ، لأنهم لم يتعقلوا ولم يريدوا ~~تعقل الفكرة PageV13P301 # التي تجمع بين البشرية والنبوة ، وهكذا بحثوا عمن ينسبون إليه القرآن ~~ليكون معلما لمحمد ، ومبدعا لهذه الآيات ، واعتبروه شخصا غير عربي ، لأن ~~غالبية العرب كانوا من الأميين. وتلقف هذه الفكرة الكثير من الناس الذين ~~وجدوا فيها وسيلة للتشكيك بنبوة محمد ، وجوابا على جمعه بين الأمية وإبداع ~~القرآن. من هنا أخذ المبشرون والمستشرقون والمتغربون من المثقفين ، يربطون ~~بين ثقافة النبي وبين رعاية آخرين له في عصره وفي بلده ثقافيا. ولكنهم لم ~~يلتفتوا إلى أنهم لم يكتشفوا ms3217 جديدا في إثارة ذاك الإشكال ، ذلك أن القرآن ~~نفسه نقل عن معارضي الرسالة من قريش ، طرحهم للإشكال نفسه وخلده في آياته ، ~~ليفكر كل جيل ممن يقرأ القرآن في طبيعة التهمة ، وفي طبيعة ردها ، كي ~~يقتنعوا على أساس الحجة التي يقدمها في هذا الشأن ، ضمن النهج القرآني في ~~تربية العقيدة من خلال الفكر القائم على دراسة المشاكل المثارة حولها. # هذا بالإضافة إلى ما يوحيه من الثقة بالحق في نبوة النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالمستوى الذي لا يخشى فيه ذكر ما قيل في حقه ، تعليقا ~~على نبوته ، لأنه لا يرى فيها سببا معقولا للشك ، ليعيش الناس في المرحلة ~~البعيدة عن زمن الدعوة الثقة التي عاشها معاصر والدعوة ، من خلال سماعهم ما ~~كان أولئك قد سمعوه في رد قرآني على أولئك المشككين ( @QUR@04 لسان الذي ~~يلحدون إليه ) وينسبون إليه القرآن ( @QUR@05 أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ~~فكيف يمكن أن يكون هذا القرآن صنعة رجل أعجمي لا يحسن من العربية شيئا ، ~~وكيف يمكن لشخص أعجمي أن يأتي بهذا الإبداع الذي أعجز بلغاء العربية فلم ~~يستطيعوا أن يأتوا بمثله؟! # ( @QUR@012 إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ~~) لأن اختيارهم للكفر ، وابتعادهم عن خط الإيمان ، لم يكن ناشئا عن حالة ~~جهل لا مجال معها لتحصيل المعرفة ، بل كان ناشئا من حالة عناد وتمرد ، بعد قيام PageV13P302 # الحجة عليهم ، أو بعد توفر ما يمكن إقامة الحجة به ، بحيث لو درسوه ~~لاهتدوا إلى العقيدة الحقة. ولذا ، فإن الله يتركهم لأنفسهم ، دون أن يتدخل ~~لهدايتهم بشكل مباشر تكوينا ، لأن حكمته اقتضت أن يكون الهدى والضلال ~~تابعين للاختيار الإنساني. وسيعذبهم الله سبحانه على تمردهم وعنادهم ، ~~لأنهم يستحقون ذلك بعد قيام الحجة عليهم. # ( @QUR@08 إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) لأنهم لا ~~يستندون إلى قاعدة إيمانية تمنعهم عن الكذب الذي يمثل الارتباط بالباطل ، ~~مقابل ما يعنيه الإيمان من ارتباط بالحق ، ولهذا ورد في بعض الكلمات ~~المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عبد الله ms3218 بن جراد سأل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : هل يزني المؤمن؟ قال : قد يكون ذلك ، قال : هل يسرق ~~المؤمن؟ قال : قد يكون ذلك ، قال : هل يكذب المؤمن؟ قال : لا. ثم أتبعها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@08 إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله ) (1). # ( @QUR@03 وأولئك هم الكاذبون ) لأنهم يكذبون في إنكارهم للوحي القرآني ، ~~وللنبوة ، ولليوم الآخر ، وغير ذلك من شؤون العقيدة الصحيحة. # * * * PageV13P303 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) @QUR@013 ~~ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) @QUR@011 أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولئك هم الغافلون (108) @QUR@07 لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ~~@QUR@018 ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم (110) @QUR@015 يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى ~~كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ) (111) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شرح ): بسط ، وشرح للكفر صدره : أي بسط صدره للكفر فقبله قبول رضى. PageV13P304 # ( @QUR@01 استحبوا ): آثروا وقدموا. # ( @QUR@02 لا جرم ): لا شك. # ( @QUR@01 فتنوا ): ابتلوا ، الفتنة في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر ~~جودته ثم استعمل في مطلق البلاء والتعذيب. # ( @QUR@03 تجادل عن نفسها ): تدافع عن نفسها. # ( @QUR@01 وتوفى ): التوفية : إعطاء الحق تماما من غير تنقيص. # * * * ### ||| ** أسباب النزول # جاء في أسباب النزول في ما رواه الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل قال : ~~أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وذكر آلهتهم بخير ، ثم تركوه ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~: ما وراءك شيء؟ قال : شر ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير. قال ~~: كيف تجد قلبك؟ قال : مطمئن بالإيمان. قال : إن عادوا فعد ، فنزلت : ( ~~@QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) (1). # * * * PageV13P305 ### ||| ** الإيمان بالله حقيقة يجحدها جاهل أو معاند # في أكثر من آية من آيات القرآن تأكيد على أن الإيمان بالله يمثل ms3219 الحقيقة ~~التي لا ريب فيها ، وأن الذين يبتعدون عنها هم أحد فريقين ، الجاهلون الذين ~~لم ينفتحوا على الحق من موقع المعرفة الواعية ، والمعاندون الذين عرفوا ~~الحق ثم أنكروه ، ولهذا اعتبر الارتداد خيانة وجريمة لا مبرر لها ، لأنها ~~تصنف مرتكبيها في فريق المعاندين ، ذلك أن من آمنوا لا بد من أن يكونوا قد ~~اكتشفوا جانب الحقيقة في الإيمان ، فلا مبرر لتراجعهم عنه ، بعد وضوحه ، ~~ولهذا استحقوا العذاب. # * * * ### ||| ** الإكراه على الكفر والقلب المطمئن # ( @QUR@06 من كفر بالله من بعد إيمانه ) فانحرف عن مواقع الحق إلى مواقع ~~الباطل ( @QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) فكان اعترافه بالكفر ~~نتيجة ضغط وإكراه لم يملك معه أن يتماسك ، لأنه وقف بين خيارين ، فإما أن ~~ينطق بكلمة الكفر ، فيتخلص من أشد الآلام ، وأقسى العذاب ، وإما أن يرفض ~~فيموت تحت تأثير التعذيب ، فكان النطق بكلمة الكفر التي يريدها الكفار ~~الطغاة ، مظهرا لحالة ضعف إنساني يعيشها المؤمن ، والله لا يؤاخذه على ~~الخضوع ، لأنها مجرد كلمة يقولها ثم ينصرف بعدها إلى مواقع إيمانه ليعمل ~~ويجاهد ويواجه هؤلاء الكفرة الطغاة من موقع قوة جديد ، تمكنه من محاصرة ~~الكفر واحتواء الساحة ، لذا كان الإسلام واقعيا في مسألة مسئولية الإنسان ~~المؤمن في الإصرار على موقفه الإيماني ، ففرض عليه الالتزام بالموقف في ~~الحالات التي يمثل فيها الضعف إسقاطا للموقف كله ، ورخص له التراجع عنه PageV13P306 # بطريقة ظاهرية إنقاذا للموقف من الانهيار في بعض مراحله ، وحفظا للساحة ~~عند ما لا تستطيع مواصلة الجهاد والحركة تحت تأثير الضغوط القاسية التي ~~تتعرض لها بفعل القوة الطاغية التي يملكها أعداء الله. # وقد لا يكون الموقف موقف إكراه يعيشه المؤمن ، بل موقف ضغط تعيشه الساحة ~~كلها ، فتقضي المصلحة الإسلامية انتماء بعض المسلمين إلى خط من خطوط الكفر ~~، للحصول على أسرار ذلك الخط ، أو لتخفيف بعض أضراره ، أو لتفجيره من ~~الداخل ، أو لغير ذلك. وفي هذه الحالة يجوز للمؤمنين الذين يتحملون مسئولية ~~العمل للإسلام ، أو الذين يفرض عليهم ولي الأمر القيام بمثل هذه المهمات ~~والأدوار ، إعلان الانتماء إلى الكافرين ، لأن المصلحة الإسلامية ms3220 تجمد ~~الحكم الشرعي في حرمة هذا العمل ذاتيا ، وترخص في ممارسته ، كأي موقع من ~~المواقع الذي تتزاحم فيه المصالح الكامنة وراء التشريع ، فيقف الحكم الشرعي ~~في دائرة المصلحة الأهم والأقوى ، وهذا ما يمثله تشريع التقية التي لا تجوز ~~إلا في موارد حفظ النفس من الهلاك ، حيث لا مصلحة ملزمة في مواجهة الموت ~~ولا مفسدة كبيرة على الدين من ذلك. # وقد نلاحظ ، في هذا المجال ، أن الكافرين الذين يضغطون على المؤمنين ~~ليحصلوا منهم على اعتراف بالكفر أو الطغاة الذين يعذبون المستضعفين ليحصلوا ~~منهم على اعتراف ببعض الأمور ، لا ينطلقون من موقع قوة في طلبهم ذاك ، بل ~~من موقع ضعف شديد يشعرون به ، الأمر الذي يجعلهم يلهثون وراء كلمة اعتراف ~~بهم ، توحي لهم بانهزام الخصم وترضي كبرياءهم ، حتى وهم يوقنون بعدم كونه ~~اعترافا حقيقيا ، فلا يكون الكفر في هذه الحال سوى كفر كلامي يخفي تحديا ~~إيمانيا يخطط من خلاله المؤمن للانقضاض عليهم ، مستفيدا من غطاء الكفر ~~الشكلي الذي اعترف به ، لأن الضغط يصنع الحركة المضادة والعذاب يستثير ~~مشاعر الثورة على كل الواقع الذي يصنع مأساة الإنسان الفكرية والعملية ، ~~وإن كل وسائل التعذيب لا PageV13P307 # تستطيع تحويل قناعات الناس إلى قناعات مضادة ، لأن مواقع القناعة هي ~~مواقع الفكر التي لا تستطيع وسائل الضغط تحويلها. ولهذا فإن الله قد استثنى ~~المؤمنين الذين أكرهوا على كلمة الكفر ، من فئة المرتدين ، فلم يعتبر ذلك ~~ارتدادا عن الإيمان ، لأن قضية الارتداد هي قضية الكفر الذي يتسع له القلب ~~، ويتحرك فيه الموقف. # * * * ### ||| ** من يشرح صدره للكفر # ( @QUR@05 ولكن من شرح بالكفر صدرا ) في التزامه بالكفر كانتماء ، وكموقع ~~ودعوة في حركة الحياة ( @QUR@07 فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) لأنهم ~~لم يرتدوا من موقع شبهة بل من موقع عناد. # ( @QUR@07 ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) فاستسلموا ~~لإغراءات الكفر وامتيازاته وشهواته لما اعتبروا في ذلك من مظهر للسعادة ~~الذاتية ، ولم يفكروا بالآخرة ، كوجه من وجوه النشاط الإنساني الخير في ~~الدنيا ، وكمصير في ساحة النتائج العملية في الآخرة ، لأن قيمة الآخرة أنها ms3221 ~~تعطي الدنيا معناها فتحول أعمال الدنيا إلى أعمال للآخرة ، كما تتدخل في ~~تحديد المصير السعيد أو الشقي في الدار الآخرة. وبذلك كانت الحياة الآخرة ~~هي الهدف الذي يريد الله للناس أن يسعوا إليه في حياتهم الدنيا ، لما تمثله ~~في خط السير من قيم ومبادئ وأعمال ، ولا يريدهم أن يستغرقوا في الدنيا ، ~~بما تمثله من لحظات فانية وشهوات زائلة ونتائج واهية. ( @QUR@06 وأن الله ~~لا يهدي القوم الكافرين ) بل يتركهم لضلالهم الذي اختاروه لأنفسهم بعد أن ~~أقام عليهم الحجة ، حيث لا مجال لأي عذر ، من قريب أو من بعيد ( @QUR@06 ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم PageV13P308 # @QUR@02 وسمعهم وأبصارهم ) فإن اختيار الإنسان لأي موقف تجاه مسألة معينة ~~يغلق قلبه وسمعه وبصره عن رؤية الجانب الآخر من المسألة ، حتى بمستوى ~~الاحتمال الوجداني ، فيتعصب الإنسان لموقفه ، فلا يسمح لأي شيء آخر أن ~~يقترب من قناعاته ، وبذلك يكون هو من أغلق قلبه وسمعه وبصره ، بالتزامه ~~السبب الذي أدى إلى ذلك .. أما نسبته إلى الله ، فلأن الله هو الذي جعل ~~السببية بين المقدمات والنتائج ، وإن كانت المقدمات بيد الإنسان ، ( ~~@QUR@03 وأولئك هم الغافلون ) الذين استغرقتهم أجواء الكفر ، فغفلوا عن ~~أجواء الإيمان وعن النتائج السلبية التي تحكم موقفهم في الحاضر والمستقبل. # ( @QUR@07 لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) لأنهم لم يأخذوا بأسباب ~~الربح في الدنيا ، وأخذوا بأسباب الخسارة ، فواجهوا نتائجها الخاسرة من ~~مواقع الغفلة المطبقة على الحواس والعقول. # ( @QUR@09 ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ) وهم المؤمنون الذين ~~كانوا يتعرضون للبلاء والتعذيب من قبل المشركين الذين أرادوا بذلك أن ~~يفتنوهم عن دينهم ، وينحرفوا بهم عن الخط المستقيم ، ولكنهم قاوموا كل ~~وسائل الضغط والتعذيب ، ورفضوا التنازل عن مواقفهم ، ولما اشتد عليهم الضغط ~~وخافوا أن يضعفوا ، هاجروا إلى مواقع أخرى ، ليحصلوا على القوة فيها ~~ويعودوا إلى مواقعهم الأولى من خلال الجهاد ( @QUR@03 ثم جاهدوا وصبروا ) ~~لما يفرضه الجهاد على المجاهدين من الصبر الذي يتحدى كل الآلام والخسائر ~~والمشاعر الحميمة التي تثقلها الهجرة ، ويثقلها العذاب ( @QUR@06 إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم ) يغفر ms3222 ذنوبهم التي كانوا قد ارتكبوها في ساحة التجربة ~~ويفيض عليهم من رحمته التي تنهمر عليهم باللطف والرضوان والنعيم في الدنيا ~~والآخرة. # * * * PageV13P309 ### ||| ** مجادلة كل نفس عن نفسها يوم القيامة # ( @QUR@08 * يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها )، وهذا هو خط المسؤولية ~~الفردية التي يواجهها الإنسان أمام الله يوم القيامة ، فهو الذي يتحمل ~~مسئولية نتائج عمله سلبا أو إيجابا ، ولا يتحملها أحد غيره ، مهما كان ~~قريبا إليه ، وهو الذي يدافع عن موقفه ، ولا يملك أحد الدفاع عنه ، فعليه ~~أن يسمع السؤال بوعي ويجيب عنه بدقة في خلفيات العمل ودوافعه ، وظروفه ~~وأوضاعه ، ونتائجه وغاياته ، ثم تكون الكلمة الفصل لله ، فلا يملك أحد له ~~شيئا ، حتى على مستوى الشفاعة ، لأنها لو حصلت لا تتم إلا بإذن الله ، ( ~~@QUR@05 وتوفى كل نفس ما عملت ) من خير أو شر ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) ~~فالله لا يحتاج إلى ظلم أحد من عباده ، لأنه القوي الغني عن ظلمهم وعنهم ~~جميعا في كل شيء. # * * * PageV13P310 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~(112) @QUR@09 ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) ~~@QUR@013 فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه ~~تعبدون (114) @QUR@022 إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) @QUR@022 ~~ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) @QUR@05 متاع قليل ~~ولهم عذاب أليم (117) @QUR@015 وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) @QUR@019 ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم ) (119) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 رزقها رغدا ): الرزق الواسع. PageV13P311 # ( @QUR@01 بأنعم ): الأنعام : جمع نعمة. # * * * ### ||| ** ضرب الأمثال للعبرة # يهدف المثل القرآني أحيانا إلى إيصال الإنسان إلى ساحة الخير من خلال ~~إثارة تهاويل الشر ms3223 في خياله ، وإلى ساحة الأمن من خلال حشد صور الخوف في ~~ذهنه ، لتتحول تلك التهاويل والصور إلى مشاعر وأحاسيس مسحورة بمعاني الخير ~~والأمن والطمأنينة ، لتحول المعاني الحلوة إلى واقع حلو جميل يمتد من ~~الصورة الحلوة الجميلة ، فيستمر في تحريكها مع الواقع الحي في كل زمان ~~ومكان ، وهو ما نجده في هذه الآيات. # ( @QUR@013 وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان )، فهي تعيش الأمن بدون خوف ، والطمأنينة بدون قلق ، والاكتفاء ~~الذاتي في المأكل والملبس والمشرب دون جهد أو عناء ، ( @QUR@08 فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ) ولكنها لم تشكر الله على ذلك كله ، ~~بما يفرضه هذا الجو الآمن المطمئن الغني من انضباط في العلاقات والأعمال ~~والأقوال وابتعاد عن الاعتداء والإساءة إلى حياة وحرية أي إنسان ، وعدم ~~إثارة القلق والاهتزاز الروحي والمادي والمعنوي في الواقع الاجتماعي ~~والسياسي والاقتصادي بوضع الخطط الشريرة التي تقود إلى أكل أموال الناس ~~بالباطل ، والاتجاه بالمال إلى غير ما يريده الله ، بإفساد الحياة من خلاله ~~، ففي خطوات كهذه كفر عملي بالله ونعمه ، وهو ما حصل لهذه القرية التي كفرت ~~بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ، فأجاعها بعد شبع ، وأخافها ~~بعد أمن ، ولكن PageV13P312 # لا كعقوبة على العمل ، بل كنتيجة طبيعية لخصائص ذاك العمل في طبيعته ، ~~تماما ، كما هي النتيجة المتصلة بمقدمتها ، والسبب بمسببه ، وذلك قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 بما كانوا يصنعون ) فهم يجوعون لأن أعمالهم السيئة تؤدي ~~إلى الفقر الذي ينتج الجوع ، وهم يخافون لأن المشاكل والمعارك التي ~~يثيرونها تطرد الأمن. # وما يريد الله أن يثيره هنا هو علاقة العمل بنتائجه السلبية أو الإيجابية ~~في الدنيا والآخرة ، ليتمثل الإنسان معنويا صورة عمله السيئ في الآخرة ~~مقابل ما تمثله فيه من صورة إيجابية مادية في الدنيا ، ذلك أن النتائج ~~السلبية للعمل السيئ ، تقلب الصورة التي كان عليها العمل في الدنيا رأسا ~~على عقب. وهذا ما ينتظر الذين يواجهون الرسول بالتكذيب ( @QUR@07 ولقد ~~جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب ) الدنيوي أو الأخروي ( @QUR@02 وهم ~~ظالمون ) أنفسهم لما اختاروه ms3224 لها من مصير مظلم بسبب أعمالهم المظلمة ( ~~@QUR@06 فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) ومن الحلال الطيب يلتقي الإحساس ~~باللذة المادية ، التي يشتمل عليها خصائص المطعم والمشرب ، بالإحساس باللذة ~~المعنوية ، الذي يصنعه الشعور برضوان الله من خلال ما رزقه الله ، حيث ~~يتحول الاكتفاء بالحلال إلى طاعة وعبادة باعتباره وسيلة من وسائل الامتناع ~~عن الحرام .. ( @QUR@03 واشكروا نعمت الله )، في ما رزقكم إياه ، بالوعي ~~الروحي الذي يرى الله في كل نعمة ويحس بمسؤوليته عنها في كل ما يتصل بها من ~~شؤون الحياة ، وفي ما جعله الله لها من دور في واقع الإنسان ومصيره ( ~~@QUR@04 إن كنتم إياه تعبدون ) فإن للعبادة أنواعا كثيرة ، منها أن يذكر ~~الله في نعمه ، فيشكره بلسانه ، وبإحساسه الوجداني بارتباطها به ، ~~وبممارسته العملية في تحقيق الغاية الكبيرة منها في حياة الناس .. وبهذا ~~يلتقي الشكر بالالتزام الروحي والفكري بعبادة الله ، كما يعني الكفر بالله ~~، الكفر بنعمه بالقول والفعل. # * * * PageV13P313 ### ||| ** اللحوم المحرمة وحالات الضرورة # ( @QUR@012 إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به ) فعليكم أن لا تأكلوا من ذلك كله ، لأن الله لم يحرمه إلا لاستخباثه ~~الذي يخرجه عن الطيب الذي أحله الله لعباده ، سواء كان ذلك لجهة العناصر ~~المادية المضرة فيه ، أو لجهة العناصر الروحية السلبية ، وقد تحدثنا عن ~~مضمون هذه الآية في ما قدمناه من تفسير الآية المماثلة في سورة البقرة / ~~الآية 173 ، وفي سورة المائدة / الآية 3 ، وفي سورة الأنعام / الآية 145. ~~فليراجع التفسير في مكانه. # ( @QUR@010 فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) ومن رحمته أنه ~~لم يحرم على المضطر شيئا اضطر إليه رأفة به ورحمة بحياته ، بشرط أن لا يكون ~~باغيا ولا عاديا ، في مواقع اضطراره. # وهناك ملاحظة ذكرها صاحب الميزان «رحمه الله» حول سر التأكيد على هذه ~~المحرمات الأربع حتى كررها في أكثر من سورة مما نزل في مكة ومما نزل في ~~المدينة ، فقد نستطيع القول بأن هذه هي المحرمات التي حرمها الله في كتابه ~~، ولم يحرم غيرها ... أما بقية الأمور ، فقد أوكل الله ms3225 أمر تحريمها إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي حرم أشياء كثيرة موجودة في السنة الشريفة ، ~~ثم دعا الأمة إلى أن تأخذ بها في قوله تعالى : ( @QUR@08 وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [الحشر : 7] (1). وهي ملاحظة جيدة تستحق ~~الدراسة والاهتمام. # * * * PageV13P314 ### ||| ** الكذب على الله في التحليل والتحريم # ( @QUR@014 ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا ~~على الله الكذب ) ذكر جمهور المفسرين أن المراد به ، النهي عما كان ~~المشركون يحلونه كالميتة والدم وما أهل لغير الله به ، أو يحرمونه كالبحيرة ~~والسائبة وغيرهما ، ولكن صاحب الميزان يقول : إن السياق لا يؤيد هذا الوجه ~~، لأن الخطاب فيها إما للمؤمنين على ما يؤيده سياقها وإما لعامة الناس ، ~~فيكون المراد منها على هذا الأساس «النهي عن الابتداع بإدخال حلال أو حرام ~~في الأحكام الجارية في المجتمع المعمولة بينهم من دون أن ينزل به الوحي ، ~~فإن ذلك من إدخال ما ليس من الدين في الدين ، وافتراء على الله وإن لم ~~ينسبه واضعه إليه تعالى» (1). # ويحتمل أن لا يكون مقصود الجمهور الاختصاص بهذه الأمور ، بل المراد النهي ~~عن البدعة في التحليل والتحريم مطلقا ، ولكن الآية انطلقت من هذا المورد ~~الخاص باعتباره المورد الذي كان الانحراف يتحرك فيه ، والله العالم. # ( @QUR@06 إن الذين يفترون على الله الكذب ) فينسبون إليه ما لم يقله ، ~~ويشرعون ما لم يشرعه ( @QUR@02 لا يفلحون ) لأن ما يصيبهم من العذاب في ~~الآخرة أكثر مما حصلوا عليه من اللذة والمنفعة في الدنيا ( @QUR@05 متاع ~~قليل ولهم عذاب أليم ). # ( @QUR@09 وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ) وربما كان ~~المقصود به ما قصه الله على نبيه في سورة الأنعام وقد نزلت قبل سورة النحل ~~بلا إشكال بقوله : ( @QUR@012 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم PageV13P315 # @QUR@016 شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) [الأنعام : 146]. ولكنهم حرموا على أنفسهم ~~وعلى الناس أشياء أخرى لم يحرمها الله ، فضيقوا على أنفسهم وعلى الناس ، ~~وظلموا بذلك ms3226 أنفسهم ولم يظلمهم الله ( @QUR@06 وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون ) ككل الناس الذين ساروا في حياتهم دون وعي للنتائج السيئة ~~والعواقب الوخيمة لظلمهم. # ( @QUR@07 ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ) فلم يتحركوا من حالة ~~تمرد وكفر وعناد ، بل تحركوا من حالة جهالة لا تدرك حقائق الأشياء ولا تعرف ~~نتائجها ، أو تغفل عنه بعد معرفة فتندفع إلى العمل بدون حساب ... فانتبهوا ~~بعد ذلك ، وقرروا التراجع عما هم فيه ( @QUR@02 ثم تابوا ) وندموا على ما ~~فعلوا ( @QUR@04 من بعد ذلك وأصلحوا ) فغيروا مسيرتهم ، وعاشوا ، من جديد ، ~~في الخط الصحيح على هدى الله في أعمال الخير ، فقبلهم الله قبولا حسنا ( ~~@QUR@04 إن ربك من بعدها ) أي من بعد التوبة ( @QUR@02 لغفور رحيم )، فهو ~~الذي يغفر الذنوب للتائبين ، ويرحمهم برحمته ، ويدخلهم في جنته. # * * * PageV13P316 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) ~~@QUR@07 شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) @QUR@09 وآتيناه ~~في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) @QUR@012 ثم أوحينا إليك ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) @QUR@017 إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون (124) @QUR@022 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~(125) @QUR@012 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين (126) @QUR@014 واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك ~~في ضيق مما يمكرون (127) @QUR@08 إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ~~) (128) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قانتا ): مطيعا. PageV13P317 # ( @QUR@01 حنيفا ): مستقيما مائلا عن الباطل إلى الحق. # ( @QUR@01 اجتباه ): اختاره واصطفاه. # * * * ### ||| ** خط إبراهيم الرسالي عنوان الرسالات بعده # يعود الحديث القرآني باستمرار إلى إبراهيم ، الذي ينتسب إليه الرسل ، عند ~~تناوله التوحيد والمشركين والإسلام الذي كان إبراهيم يمثل الوجه المشرق في ~~إعلان خطه وتجسيد معناه. # ويتحدث الله عن إبراهيم في هذا الإطار كنموذج حي للنبي المطيع لله الموحد ~~له ، الذي اختاره لرسالته وهداه إلى صراط مستقيم ، وهو بذلك يتناول شخصيته ~~في ms3227 الدائرة الإنسانية المنفتحة على ساحة المسؤولية بين يدي الله ، دون ~~الدخول في أجواء المبالغة التي تصور الشخصية الغامضة ذات الأسرار الخفية ~~والآفاق النورانية السابحة في أجواء القدس ، وغير ذلك من الكلمات التي قد ~~تثير في النفس الكثير من مشاعر التعظيم ولكنها لا تقدم معرفة تفصيلية ~~بالنبي تملأ الوجدان وتغني الفكر. # * * * ### ||| ** إبراهيم كان أمة # ( @QUR@04 إن إبراهيم كان أمة ). جاء في المفردات أن المراد من كونه أمة أي PageV13P318 # قائما مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم : فلان في نفسه قبيلة (1)، ~~وقيل معناه الإمام المقتدى به ، وقيل إنه كان أمة منحصرة في واحد مدة من ~~الزمان لم يكن على الأرض موحد يوحد الله غيره. وعلى ضوء هذه التفاسير ، ~~نلتقي بشخصية إبراهيم التي تتجمع فيها خصائص الإنسان الذي تعيش شخصية الأمة ~~فيه وتمتد منه في حركة رسالته ، وتلتقي في أجوائه الروحية ، روحية الجماعة ~~في صورة الفرد .. وربما كان السر في ذلك ، أن الرساليين ، ولا سيما ~~الأنبياء منهم ، لا ينطلقون من حالة ذاتية ، تتحول معها الذات إلى دائرة ~~مغلقة تحجبهم عن الآخرين ، وتخنق في داخلهم روح الامتداد ، بل ينطلقون من ~~الروح الرسالية التي تمتد في شخصيتهم ، لتحوي الأمة بأسرها في حركة الرسالة ~~، فيسقط الحاجز بين روح الفرد وروح الجماعة. # ( @QUR@02 قانتا لله ) يعيش الطاعة لله ، والعبادة له كطبيعة ذاتية تملك ~~الدوام والاستمرار ( @QUR@01 حنيفا ) مائلا عن خط التطرف إلى دائرة ~~الاعتدال في الإخلاص للخط المستقيم الذي يمثله التوحيد. # ( @QUR@04 ولم يك من المشركين ) بل عاش التوحيد في روحه وفكره ووجدانه ، ~~كأفضل ما يكون التوحيد ، وأي توحيد أصفى وأنقى من الإسلام لله في كل شيء ، ~~حتى إذا خير بين أن يطيع الله في ذبح ولده وبين أن يستسلم لعاطفته في ~~الامتناع عن ذلك ، اختار الاستسلام لله على الاستسلام لعاطفته ( @QUR@02 ~~شاكرا لأنعمه ) في إخلاصه لله في عبوديته ، في ما يمثله ذلك من سمو الشكر ~~وعلو شأنه ، ( @QUR@01 اجتباه ) أي اختاره واصطفاه لرسالته ، لأنه يمثل ~~الشخص الذي تتحرك الرسالة في حياته الداخلية كجزء من ذاته ( @QUR@04 وهداه ~~إلى صراط مستقيم ) لما منحه من ms3228 وضوح الرؤية لما حوله ، ولما أوحى به إليه ~~من رسالته التي تحدد له الطريق وتخطط له خط السير ( @QUR@04 وآتيناه في ~~الدنيا حسنة ) ربما كان المراد بها PageV13P319 # المعيشة الحسنة ، وربما كان المراد بها النبوة ( @QUR@05 وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين ) بما اختص به الصالحين في عملهم وفي دعوتهم وجهادهم من درجات ~~عالية في ساحة رضوانه وفي نعيم جنته. # * * * ### ||| ** حنيفية إبراهيم # وامتد تأثير الخط الرسالي الذي انطلق به إبراهيم في رسالته التي أوحى بها ~~الله إليه ، حتى أراده الله أن يكون عنوانا للرسالات التي جاءت بعده ، حتى ~~جاء دور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@012 ثم أوحينا إليك أن اتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين )، فإذا كانت ملته هي الإخلاص في ~~التوحيد لله ورفض الشركاء له ، فإن الله يريد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يتبع هذا النهج في الدعوة ، وأن يتحرك مع هذا الخط في الرسالة. # ولعل في التأكيد على صفة الحنيفية في شخصه ونفي صفة الإشراك عنه ، ما ~~يوحي بأنه يمثل التجسيد للملة ، حتى تحول اسمه إلى صورة حية لها ( @QUR@07 ~~إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه )، ففرض عليهم السبت عطلة حرم فيها ~~العمل ، للتشديد عليهم واختبار طاعتهم لله فيه ، فمنهم من قبله ومنهم من ~~رفضه ، ولم يمتثلوا جميعا لله في ذلك كما يقتضي الإيمان ( @QUR@010 وإن ربك ~~ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) حول هذه القضايا التي ~~أثارها تشريع السبت ، وغيرها من أمور تتصل بالعقيدة والتشريع ، مما لم ~~يصلوا فيه إلى نتيجة .. ولكن الله سيحكم بينهم ويفصل بين الحق والباطل ، ~~فيعرف كل منهم موقفه ومصيره على أساس ذلك الحكم. # * * * PageV13P320 ### ||| ** أسلوب الدعوة في القرآن # ( @QUR@011 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن ). في هذه الآية يظهر الخط العريض لأسلوب الدعوة في القرآن ، ~~والكيفية التي ينبغي بها مواجهة الآخرين وإذا ما كانت تتم عن طريق العنف أو ~~عن طريق اللين والرفق. # إن الآية تحدد للأسلوب ثلاثة عناوين ، الحكمة ، والموعظة الحسنة ، ~~والجدال بالتي هي أحسن ms3229 ، فكيف نفهمها في حركة الحكمة؟ # * * * ### ||| ** كلمة الحكمة ودلالاتها # أما كلمة الحكمة ، فقد أخضعها اللغويون على عادتهم لمعان متعددة ، لو ~~دققت فيها لرأيتها أشبه بالمصاديق منها بالمفاهيم ، وإذا شئنا الوضوح في ~~التعبير ، نجد أنها بدلا من أن تحدد معنى اللفظ ، تشير إلى بعض ما يلتقي به ~~وينطبق عليه من الأمور الخارجية وغيرها. # وإذا ما استقرأنا كلمات اللغويين فيها ، ماذا نرى؟ نراها تبين المعاني ~~التالية : «العدل» ، و «الحلم» و «النبوة» و «ما يمنع من الجهل» و «ما يمنع من ~~الفساد» و «كل كلام موافق للحق» و «وضع الشيء في موضعه» و «صواب الأمر وسداده» ~~و «معرفة الأشياء بأفضل العلوم» وغير ذلك. # هذه بعض المعاني التي ذكرت لهذه الكلمة ، فهل باستطاعتنا اعتبارها معاني ~~للكلمة؟ لا نحسب الإيجاب سيكون جوابا لهذا التساؤل ، بل قد يكون PageV13P321 # السلب أقرب إلى الواقع في ذلك من دون الانتقاص في ذلك من قيمة اللغويين ~~أو القدح بهم ، لأن مهمتهم ليست تشخيص المعاني والمفاهيم الحقيقية للفظ ، ~~بل تشخيص موارد الاستعمال فحسب وبيان الصحيح منها من الفاسد. # وإذا ، فلا مانع من أن يضعوا أمام الكلمة عدة مصاديق للمعنى لا تصلح لأن ~~تكون مفهوما لها ، لمجرد أنها استعملت فيها في بعض موارد كلام العرب. # فنحن لا نعتبر هذه المفاهيم التي ذكرها اللغويون معاني للكلمة فيما يبدو ~~لنا لأننا لو رجعنا إلى موارد إطلاقها ، لما وجدنا لهذه المعاني أي صدى في ~~نفوسنا وفي أذهاننا عند إطلاقها ، فلا نستطيع أن نزعم لأنفسنا عند ما نجد ~~كلمة «حكمة» أننا نتمثل معها «العدل» أو «الحلم» أو «العلم» أو «النبوة» ~~وغيرها ، أو ندعي أن لفظ «الحكيم» يمثل لنا مفهوم «العادل» أو «الحليم» أو ~~«العالم» أو «النبي» كمفاهيم لهذا اللفظ. # ولكننا في الوقت نفسه لا نمانع من إطلاق هذا اللفظ على هذه الكلمات ، ~~لالتقائها جميعا بالمعنى الواسع للحكمة. فما هو معنى لفظ الحكمة إذا؟ # ما يبدو لنا من ملاحظة موارد استعمالها أن أقرب هذه المفاهيم إلى المفهوم ~~الذي نعنيه من لفظ «الحكمة» هو «وضع الشيء في موضعه» أو ms3230 «صواب الأمر ~~وسداده» ، فإن هذا المفهوم يحضر الذهن لدى سماع هذه الكلمة ، ولكننا لن ~~ندعي أنه هو المعنى نفسه ، بل نزعم أنه أقرب شيء إليه وألصق معنى به من بين ~~المعاني التي ذكرت له ، ومن هنا نجد أن صفة الحكمة تلتقي في كلامنا ب ~~«الخبرة» و «المران» و «التجربة» ، فنعتبر الإنسان المزود بهذه المعاني ~~إنسانا حكيما ، لأن له من تجاربه وخبرته ومرانه ما يساعده على PageV13P322 # إعطاء الرأي الصائب ، ويمنح خطواته وأعماله صفة التركيز وعدم الانحراف ~~والاهتزاز ، ويجعلها في محلها كما يقول التعبير الشائع وهو الذي يلتقي ~~بمفهوم «وضع الشيء في موضعه». ويتضح ما قلناه ، إذا لاحظنا التعبير ~~المتعارف : «عالج الأمور بحكمة» أو «سار فيه بحكمة» ، فإن المفهوم منه هو ~~الطريقة السديدة التي تجعل كل شيء في موضعه. وبذلك يمكننا معرفة وجه إطلاق ~~هذا اللفظ على «الكلام الموافق للحق» باعتباره إرجاعا للأمر إلى نصابه ، ~~ووضعا للحق في موضعه ، أو باعتباره صوابا وسدادا. # على ضوء ذلك ، يمكننا إطلاق هذه الصفة على العالم والعادل والحليم والنبي ~~، لأن اشتمال الإنسان على المبادئ ، وهي العلم والعدل والحلم والنبوة ، ~~تساعده على أن يضع الأشياء في مواضعها ، في العلم عند ما يبحث ويفكر ، وفي ~~الحلم عند ما يعفو ويسامح ، وفي العدل عند ما يقضي ويحكم ، وفي النبوة عند ~~ما يدعو ويبلغ ، فهي من مبادئ الحكمة ، لا الحكمة نفسها ، ذلك لأن الحصول ~~على ملكة وضع الشيء في موضعه ليس أمرا بسيطا يتعلمه الإنسان ويمارسه ، كما ~~يتعلم أية صنعة أو حرفة ويمارسها ، بل هو أمر معقد جدا يحتاج إلى معايشة ~~للقضايا والحوادث والأفكار ، واطلاع واسع على دقائقها وخصائصها ومداخلها ~~ومخارجها ، ومن هنا كان قوله تعالى في الحديث عن الحكمة : ( @QUR@011 يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) [البقرة : 269] ، ~~وكانت الحكمة من المنح الإلهية العظيمة التي امتن الله بها على عباده ~~وأنبيائه في حديثه عن داود عليه السلام ( @QUR@04 وآتاه الله الملك والحكمة ~~) [البقرة : 251] وعن آل إبراهيم ( @QUR@06 فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة ) [النساء : 54] .. ويلاحظ في الآية الأخيرة ms3231 مقارنة الحكمة بالكتاب ~~دلالة على أنها ترقى إلى مستوى الكتاب في السمو والرفعة ، كما يلاحظ ذلك في ~~كثير من الآيات المتفرقة. # وخلاصة القول : أن كلمة الحكمة تشير إلى مفهوم «وضع الشيء في PageV13P323 # موضعه» أو «صواب الأمر وسداده» إلا أن مبادئها تختلف ، كما أن مجالاتها تتعدد. # * * * ### ||| ** المراد من الدعوة بالحكمة في القرآن الكريم # ذلك ما نفهمه من لفظ الحكمة في اللغة حين نطلقها في كل مجال ، فما الذي ~~يريده القرآن منها هنا ، حين ينصح أو يأمر بأن تكون الدعوة بالحكمة؟ # هل الحكمة هنا محتوى للدعوة أو مضمون ، أم هي أسلوب وطريقة؟ # حاول بعض المفسرين أن يجعل الحكمة مضمونا للدعوة ومحتوى لها ، لا أسلوبا ~~من أساليبها ، فقد ذكر الشيخ الطوسي (ره)، في تفسيره «التبيان» أن الحكمة ~~هي «أن يدعوهم إلى أفعالهم الحسنة التي لها مدخل في استحقاق المدح والثواب ~~عليها ، لأن القبائح يزجر عنها ولا يدعو إليها والمباح لا يدعو إلى فعله ~~لأنه عبث ، وإنما يدعو إلى ما هو واجب أو ندب ، لأنه يستحق بفعله المدح ~~والثواب». # وفي «مجمع البيان» للشيخ الطبرسي : «أي بالقرآن .. وسمي القرآن حكمة لأنه ~~يتضمن الأمر بالحسن والنهي عن القبيح» (1). # وفي «الكشاف» للزمخشري : الحكمة هي «المقالة المحكمة الصحيحة وهي الدليل ~~الموضح للحق المزيل للشبهة». ثم قال : «ويجوز أن يريد القرآن أي أدعهم ~~بالكتاب الذي هو حكمة ...» (2). وفي الوجيز : «الحكمة هي الحجج الكاشفة عن دينه». PageV13P324 # هذا نموذج من التفاسير التي حاولت أن تجعل من الحكمة مضمونا للدعوة ، ~~ومتعلقا لها ، فهي تارة ، أمر بالحسن ونهي عن القبيح ، وأخرى ، الإتيان ~~بالآيات القرآنية في مقام الدعوة ، وثالثة إقامة الأدلة والبراهين على الحق ~~.. ولكن يبدو لنا أنها لا تنسجم مع طبيعة غرض الآية وهدفها الأخير ، فهي ~~ليست في مجال التحدث عما يلزم على النبي أن يدعو له فيأمر به أو ينهى عنه ، ~~لأن ذلك أمر واضح معلوم للنبي باعتباره نبيا مرسلا من قبل الله سبحانه ، ~~برسالة تتضمن أوامر الله ونواهيه وتعاليمه المتعلقة بأمر معاش الناس ~~ومعادهم ، كما أن من المعلوم لديه أن القرآن ms3232 يدخل ضمن نطاق الدعوة باعتباره ~~المعجزة البيانية الخالدة للرسالة الإلهية العظيمة. ولعلنا نلمح في كلمة ( ~~@QUR@03 إلى سبيل ربك ) ما يرشدنا إلى ذلك ، فإن سبيل الله الذي تجب الدعوة ~~إليه هو الإسلام بكل تعاليمه ومبادئه ، والقرآن بما فيه من أحكام وتعاليم. # أما التفسير بالحجج والأدلة والبراهين ، فهو غير وارد أيضا ، لأنه ليس ~~أمرا جديدا على الدعوة وعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن أساليب القرآن ~~ترتكز على ذلك ، كما أن طبيعة الدعوة تعتمد عليه ، لأنها انطلقت مع أدلتها ~~وبراهينها منذ اللحظة الأولى. # فما الذي يراد بها أولا؟ # يبدو لنا من خلال ما قدمناه حول مفهوم الكلمة ، أنها تعبير عن طبيعة ~~أسلوب الدعوة وضرورة اتصافه بالحكمة ، وسلوكه طريقها. فكأن الآية محاولة ~~للإرشاد إلى طريقة الدعوة العملية في هداية الناس وإرشادهم وكسب أكبر عدد ~~ممكن منهم إلى صف الدين والعقيدة ، وللإشارة إلى أن الحقيقة المجردة ~~العارية ، والواقع البسيط المجرد ، لا يمكن إلقاؤهما إلى الناس دون مقدمات ~~، ودون ملاحظة للظروف ودراسة لجو العمل ومجالاته. # وعلى ضوء هذا ، فإن المراد بالحكمة كما نفهمه منها هو السير على PageV13P325 # الطريقة الواقعية للعمل ، ونعني بها تلك التي تلاحظ الواقع الخارجي ~~للمجتمع الذي تعيش فيه ، وتدرس ظروفه العقلية والفكرية والنفسية ~~والاجتماعية ، وتضع كل ذلك في حسابها قبل بداية العمل. # وإذا ربطناها بالدعوة ، فسنجد أنها محاولة لتنبيه الدعاة إلى الله ، إلى ~~أن لا يكون الأسلوب المتبع لديهم في العمل واحدا من حيث النوع ، بل لا بد ~~من أن يختلف حسب اختلاف الواقع الذي تعيشه الدعوة ، أو يعيش فيه الدين ، ~~فإنه من الواضح أن الدعوة لن # تكون فعالة ، إذا حاولت أن تساوي بين الجاهل والمثقف في الفكرة التي تلقى ~~، والأسلوب الذي يتبع ، فإن الأدوات التعبيرية والمخزون الفكري الذي يملكه ~~كل منهما ، يختلف عما يملكه الآخر ، وأيضا ، فقد تقتضي بعض المواقف الجو ~~الحماسي والاندفاعي الصرف ، بينما يقتضي بعضها الآخر ، الجو الهادىء المتزن ~~الذي يتيح للفكر أن ينطلق ، وللروح أن تطمئن ، وللإنسان أن يفكر بهدوء. # وقد يدفعنا الجو في بعض الحالات إلى ms3233 عرض الفكرة بكامل تفاصيلها ، بينما ~~يدفعنا في حالات أخرى إلى الاكتفاء بعرض الخطوط الرئيسية فقط ، تاركين ~~للمستقبل وضع النقاط على الحروف. ذلك ما نفهمه من الحكمة هنا ، والذي قد ~~يلتقي مع كلمة «المرونة» في كثير من مدلولاتها ، لأن المرونة تقتضي عدم ~~انتهاج الداعية أسلوبا واحدا لا يتعداه في مجالات العمل ، بل تتطلب منه أن ~~يكون مرنا يلاحظ طبيعة الجو ، وطبيعة الموقف ، وطبيعة الإنسان المخاطب. # وقد نجد في تعبير علماء البيان عن البلاغة بأنها «مطابقة مقتضى الحال» ما ~~يوضح لنا معنى الحكمة ويقربها إلى أذهاننا لأنه يلتقي بها من أقرب الطرق. # ولا بد لنا في ختام الحديث حول هذه الكلمة من الإشارة إلى أن المرونة ~~التي ذكرناها ومطابقة مقتضى الحال وغيرهما ، لا تعني أن نصل إلى PageV13P326 # استخدام وسائل تتنافى والمبادئ العامة للإسلام الذي يرتكز على قواعد ~~أخلاقية متينة ، فإن هذا شرط لا بد منه على كل حال. # * * * ### ||| ** الموعظة الحسنة # ما هو المراد من كلمة «الموعظة الحسنة»؟ إن بعض المفسرين يقولون : إن ~~الوعظ الحسن هو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله ~~وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع. ويقول بعضهم الآخر : إنها التي لا ~~يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم بها. # ولعلنا نجد في تفسير الموعظة الحسنة بما ذكر تعبيرا عنها بما ينطبق عليها ~~، وأن هذا المعنى الذي يذكرونه ، من جملة مصاديق الموعظة الحسنة ، ولكن لا ~~بأس بذلك بعد أن كان المقصود هنا الإشارة إلى المراد القرآني للكلمة لا ~~المفهوم اللغوي المجرد. ولذلك فلا بأس علينا من الجري على هذا التفسير مع ~~التأكيد على التفسير الأخير الذي يعني بوضوح أن الموعظة الحسنة هي طريقة من ~~طرق التبليغ ، وأسلوب في الدعوة يحببها ولا ينفر عنها ، ويقرب إليها ولا ~~يبعد عنها ، وييسرها ولا يعسرها ، وأخيرا لا آخرا ، فهو الأسلوب الذي يشعر ~~المخاطب أن دور المخاطب معه دور الرفيق به الناصح له الباحث عما ينفعه ~~ويسعده. # إنها كما قال أحد الكتاب المعاصرين «التي تدخل القلب برفق ، وتعمق ~~المشاعر ms3234 بلطف ، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب ، ولا بفضح الأخطاء التي قد ~~تقع عن جهل أو حسن نية ، فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدى القلوب ~~الشاردة ويؤلف القلوب النافرة ويأتي بخير من الزجر والتأنيب». ونزيد على PageV13P327 # ذلك ، أن اللطف والرفق واللين في مقام الدعوة يشعر الإنسان بإنسانيته ~~ويوحي له بطريقة عفوية أنه أمام دعوة تفيض بالحب والحنان والخير. # * * * ### ||| ** الجدال بالتي هي أحسن # أما الفقرة الثانية وهي قوله تعالى : ( @QUR@04 وجادلهم بالتي هي أحسن ) ~~قد نستطيع اعتبارها بمثابة الإرشاد إلى الطرق التي يواجه بها الداعية ~~المسلم رد فعل المخاطب على الدعوة نفسها. # لقد أخذ القرآن الكريم بعين الاعتبار الكفار وأصحاب العقائد الإسلامية ، ~~وعرف أن الداعية سيصطدم بهم ، نتيجة اختلاف أفكارهم مع دعوته واتجاه الدعوة ~~لتحطيم معتقداتهم. لقد أخذ القرآن الكريم بكل ذلك بعين الاعتبار ، وهو يعلم ~~ما سينتهي إليه الداعية لو ترك وطبيعته في هذه الأجواء من ميل للثأر ~~لعقيدته ، حيث لا يمكن أن تربح الدعوة إلا مزيدا من المشاكل ومزيدا من ~~عوامل الإثارة العاطفية التي هي في غنى عنها. # لذا توجه القرآن إلى هذه الناحية ، وحاول أن يروض نفس الداعية ويوسع ~~آفاقه ، فيخرجه من نطاق ذاته إلى نطاق الحقيقة الواسع ويبعد عنه الكبرياء ~~الكاذبة التي تعتريه عند ما تهاجم ذاته ، ليأخذ بيده إلى التسامح ومراعاة ~~ظروف الآخرين وملاحظة واقعهم النفسي والعقلي. # وهو يحاول أن يلقي في روح الداعية تقبل مهاجمة دعوته من قبل خصومها كأمر ~~طبيعي جدا ينبغي تقبله كما الأمور الطبيعية التي نعيشها في حياتنا ، وأن من ~~وظيفته كداعية أن يكسب هؤلاء الخصوم إلى صف الدعوة ، ويقربهم إلى عقيدتها ، ~~ويربح فكرهم وإيمانهم ، لا أن يحطمهم PageV13P328 # ويغلبهم ، فليست مهمة الداعية هي مهمة من ينشد الغلبة على خصمه لإشباع ~~نزوعه إلى التفوق وإحساسه بالعظمة ، بل هي مهمة الإنسان الذي يمارس ~~إنسانيته بإعانة خصمه على التحرر من رواسب كفره ، والأخذ بيده نحو هذا ~~السبيل ، ليصبح صديقا له ورفيقا في رحلة الدعوة إلى الله. # وبهذا كان الجدل بالتي هي أحسن هو الطريقة المثلى ms3235 للوصول إلى ذلك الهدف ~~وبلوغ تلكم الغاية ، فإننا نلاحظ أن طرق الجدل التي تعتمد التماس نقاط ضعف ~~الآخر واستغلالها في توجيه الضربات المتلاحقة إليه ، بأسلوب عنيف لا يحترم ~~ذات الآخر وفكره ، لا تملك أن تقدم للعقيدة أية عقيدة كانت مؤمنا يعيش ~~الإيمان بروحه وعقله ، وذلك لأن هذه الطرق تطعن كبرياء الإنسان وكرامته في ~~الصميم وتوحي له بأنه يقف موقف المغلوب في فكره وعقيدته وموقف المهزوم في ~~ميدان الصراع الذي يشعر بأنه لا يستطيع ربح المعركة ولكنه لا يعتقد بأن ~~الحق في جانب خصمه ، ومن الطبيعي جدا أن يتغلب كبرياء الإنسان وعناده في ~~كثير من الأحيان ، على رغبته في الوصول إلى الحق ، وهنا لا يمكن للموقف أن ~~يقدم لنا سوى مزيد من المناقشات اللفظية والهامشية التي لا تقدم ولا تؤخر ~~شيئا في الموضوع. # من هنا ، وبوحي من شعورنا بعقم الطريقة السابقة ، نجد أنه لا بد من طريقة ~~تشعر المخاطب بأنه رفيق في رحلة الوصول إلى الحق ، وأنه محترم في ذاته ~~وتفكيره ، حينئذ لا تقف الكبرياء عقبة في الطريق ، لأن الإنسان لا يشعر في ~~هذا الجو بالاضطهاد ، وإنما يشعر بدلا من ذلك بالعزة والكرامة ، لأنه على ~~طريق كشف الحقيقة والوصول إلى سبيل أفضل ، دون أن يكون في البين مهزوم ~~ومنتصر أو غالب ومغلوب ، وإنما هو الهدف المشترك والسبيل الواحد. # * * * PageV13P329 ### ||| ** اختيار الأحسن شعار المسلم في الحياة # والدعوة إلى سلوك الطريق الأحسن في مقام الجدل والصراع الفكري ، ليست ~~بدعا في القرآن ، وليست دعوة تقتصر على هذا المجال ، بل هي دعوة قرآنية ~~تخاطب كل مجال من مجالات الصراع في الحياة وتتصل بكل علاقة من علاقات ~~الإنسان بأخيه الإنسان. إنها دعوة الله إلى الإنسان في قوله تعالى : ( ~~@QUR@012 ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ~~[فصلت : 34]. ( @QUR@016 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ ~~بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) [الإسراء : 53]. ( @QUR@08 وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [النساء : 86]. ( @QUR@07 واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) [الزمر : 55]. # هذه الدعوة ms3236 الصافية التي توحي إلى الإنسان أن مهمته في الحياة هي أن يثير ~~في الإنسانية عوامل الخير ويلتقي بها في عملية استثارة واستثمار ، بدلا من ~~إثارة عوامل الشر التي تهدم ولا تبني وتضر ولا تنفع ، وتدفعه في الوقت نفسه ~~إلى أن يجعل «اختيار الأحسن» في كل شيء وفي كل جانب من حياته ، شعاره الذي ~~يرفع في كل مكان وزمان. # وعلى ضوء هذا ، نجد أن سلوك الأسلوب الأحسن في مجالات الدعوة ، هو جزء من ~~الأسلوب العام للسلوك الإنساني الذي شرعه الإسلام في الحياة الاجتماعية. # * * * PageV13P330 ### ||| ** منهاج الدعوة العام # وفي نهاية المطاف ، نجد أن باستطاعتنا مع هذه الآية الكريمة أن نضع ~~أيدينا على دستور الدعوة وأسلوبها الذي شرعه الله في القرآن ورسمه للنبي ~~الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وللدعاة من بعده ، فهو الأسلوب الذي يحاول أن ~~يبني عقيدة ، ويخطط تفكيرا ، ويربح إيمان الإنسان وعقله. # وهو إلى جانب ذلك الأسلوب اليقظ الحذر الذي يملك دقة الملاحظة ، وعمق ~~النظر ، فيلاحق الحوادث بسرعة ، ويعيش الواقع بحذر ، ويعالج المشاكل برفق ~~ولين وحكمة .. وأخيرا ، لا آخرا ، فهو الأسلوب الذي يؤمن بأصالة جانب الخير ~~في نفس الإنسان ، وإمكان استثارته ورفع الحجب عنه ، وبأن على الدعاة إلى ~~الله أن يفسحوا المجال لهذا الجانب في البروز والظهور باتباع الأوضاع ~~الملائمة لذلك. # ومن الطريف ما ذكره بعضهم أن الطرق الثلاث المذكورة في الآية مترتبة حسب ~~ترتب أفهام الناس في استعدادها لقبول الحق ؛ فمن الناس «الخواص» ؛ وهم ~~أصحاب النفوس المشرقة القوية الاستعداد لإدراك الحقائق العقلية ، والشديدة ~~الانجذاب إلى المبادئ العالية ، والكثيرة الألفة بالعلم واليقين ، فهؤلاء ~~يدعون بالحكمة وهي البرهان. # ومنهم «عوام» وهم أصحاب نفوس كدرة ، واستعداد ضعيف ، مع شدة ألفتهم ~~بالمحسوسات وقوة تعلقهم بالرسوم والعادات ، قاصرون عن تلقي البراهين من غير ~~أن يكونوا معاندين للحق ، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة. # ومنهم «أصحاب العناد واللجاج» الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به PageV13P331 # الحق ، ويكابرون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، رسخت في نفوسهم الآراء ~~الباطلة ، وغلب عليهم تقليد أسلافهم في مذاهبهم الخرافية ، لا تنفعهم ~~المواعظ والعبر ، ولا تهديهم البراهين ms3237 ، وهؤلاء أمر بمجادلتهم بالتي هي أحسن. # ولكن هذا الرأي لا يرتكز على أساس واضح في الآية ، فإننا قد نلاحظ تأثر ~~أصحاب العناد واللجاج بالمواعظ وبالأساليب العاطفية ، كما قد يتأثر الخواص ~~بذلك ، وربما تأثر القسم الثاني ، بما يمكن أن يتأثر به الأول والثالث. فإن ~~النفس الإنسانية قد تخضع في كثير من حالات الضعف للكثير من الأجواء التي قد ~~لا تنسجم مع مستواها الفكري أو العاطفي ، فقد نجد مفكرا كبيرا معاندا ، ~~يؤمن بالإسلام ، انطلاقا من نقطة شعورية مربوطة بالجانب العاطفي من حياته ، ~~وقد يتأثر بموقف سياسي طارئ يتصل ببعض نوازعه الذاتية ، ونحو ذلك ، لأن ~~النفس الإنسانية لا تحكمها حالة خاصة محددة. # ( @QUR@011 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )، وعلى ~~ذلك فهو أعلم بالأساليب التي تهدي الإنسان إلى الحق ، وتقوده بعيدا ، عن خط ~~الضلال. # * * * ### ||| ** العقاب بالمثل أو الصبر # ( @QUR@07 وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) وذلك هو خط العدل في ~~الإسلام ، فقد جعل الله للمعتدى عليه ، في نفسه أو في ماله أو في عرضه ، ~~الحق بأن يرد الاعتداء بمثله ، فيعاقب المعتدي بمثل ما عاقبه ، ولا يزيد ~~عليه في ذلك ، في قليل أو في كثير ، لأن الزيادة تجاوز عن الحق وظلم. ( ~~@QUR@01 ولئن PageV13P332 # @QUR@04 صبرتم لهو خير للصابرين ) لأن الصبر على الاعتداء ، من الموقع ~~الذي يملك فيه رد العدوان والمجازاة بالمثل ، يمثل القوة الروحية التي تعيش ~~التعالي على نوازع التشفي والانتقام الذاتية ، وقد يحصل الإنسان بالصبر على ~~الكثير من النتائج الإيجابية على مستوى صون كرامته والحصول على حقه ، مما ~~قد لا يحصل عليه مع الرد بالمثل. وقد يفسح المجال لحل المشكلة بطريقة أخرى ~~تفتح القلوب على المحبة ، وتهيئ الساحة لمواقف اللقاء ، وتؤدي في نهاية ~~المطاف إلى التقاء القلوب على الخير والحق والعدل. # ( @QUR@05 واصبر وما صبرك إلا بالله ) في ما تواجهه من مشاكل وتحديات ~~قاسية تحاصرك أوضاعها غير المألوفة ، مما يترك في النفس آثارا سلبية من ~~الأحاسيس والأفكار والمشاعر. # * * * ### ||| ** الحزن على ضلال الكافرين ومكرهم # ( @QUR@03 ولا تحزن عليهم ) لأنهم لم يستجيبوا لنداء الحق ، فأضاعوا ms3238 على ~~أنفسهم فرصة السعادة الدنيوية والأخروية ، وعرضوا أنفسهم للهلاك ، ( ~~@QUR@06 ولا تك في ضيق مما يمكرون ) ويدبرون بأساليبهم الملتوية الخفية ~~التي تكيد لك وللدعوة بمختلف أساليب الكيد ، لما يملكونه من إمكانات ، فإن ~~الله سيفضح ذلك كله ، ويبينه لك ، ويسهل لك أمر مواجهته ، بما يفتح لك من ~~أبواب النصر على أعداء الله ، ( @QUR@05 إن الله مع الذين اتقوا ) وأخلصوا ~~له القول والعمل ، والتزموا بحركة العقيدة في الوجدان ، فحولوها إلى واقع ~~على مستوى الأعمال والأقوال والمواقف والعلاقات ، وخافوا الله في أنفسهم ~~وفي الناس ، في السر والعلن ، وانطلقوا مع التقوى ، في خط مستقيم يتحرك في ~~حدود الله ، ولا يتجاوزها ( @QUR@03 والذين هم محسنون ) في الخط العملي ~~للحياة ، الذي يحول الحياة إلى PageV13P333 # إحسان روحي وعملي يفتح القلوب على الخير ، لما يصنعه من أجواء الخير ، ~~وبما يثيره من مشاعر وأحاسيس ، مما يدفع بالإنسان إلى الارتفاع عن كثير من ~~نوازع الشر التي تقوده إلى الانحراف والضلال. وتلك هي مهمة التقوى في ~~الواقع الإنساني ، من خلال سلوك المؤمن في المجتمع ، وتلك هي مهمة الإحسان ~~في تلك الساحة ، أن تحقق الانضباط الذي يمنع الزلل ، والانفتاح الذي يمنع ~~الانحراف ويزيل التعقيد. # وفقنا الله للسير على خط التقوى والإحسان ، ورزقنا الله الصبر على ~~التحديات التي تواجهنا كمسلمين ، وكعاملين في خط الدعوة إلى الإسلام ، ~~وهدانا إلى صراطه المستقيم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * PageV13P334 ### | الفهرس # تفسير سورة الرعد [1 43] # آفاق سورة ~~الرعد................................................................. 7 # الآية [1]............................................................. ~~.......... 9 # تلك آيات الله ... ~~فتدبروها.................................................. 9 # معني ~~الآيات.............................................................. 11 # الآيات [2 ~~4]................................................................ 13 # معاني ~~المفردات............................................................ 13 # جولة في رحاب الكون ... من أجل ~~الإيمان................................... 14 # رفع السموات واستوي علي ~~العرش........................................... 15 # تسخير الشمس والقمر ومد الإرض.......................................... 16 # الآيات [5 ~~7]................................................................ 20 # معاني ~~المفردات............................................................ 20 # الكافرون ينكرون بعثهم خلقا ~~جديدا......................................... 21 # الآيات [8 ~~11].............................................................. 24 # معاني ~~المفردات............................................................ 24 # صفات الله من خلال عظمة الخلق ~~والامتداده................................. 25 # الآيات [12 ~~15]............................................................. 30 PageV13P335 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # ارتباط الظواهر الكونية ~~بالله................................................ 31 # الخضوع لعظمة ~~الله........................................................ 33 # ولله يسجد ما في السموات والإرض طوعا ~~وكرها.............................. 33 # الآية ~~[16].................................................................... 35 # قل الله خالق كل ~~شيء.................................................... ms3239 35 # الآيتان [17 ~~18]............................................................. 38 # معاني ~~المفردات............................................................ 38 # كذلك يضرب الله أمثال الحق ~~والباطل....................................... 39 # الآيات [19 ~~25]............................................................. 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # صفة المؤمن وصفة ~~المنافق................................................... 43 # من يعلم ليس ~~كالأعمي.................................................... 43 # صفات أولي ~~الألباب....................................................... 44 # الناقضون ~~للعهود.......................................................... 47 # الآيات [26 ~~29]............................................................. 49 # معاني ~~المفردات............................................................ 49 # الرزق من عند ~~الله......................................................... 50 # الضلال والهداية من ~~الله.................................................... 52 # ذكر الله سكينة لنفس ~~المؤمن............................................... 52 # الآيتان [30 ~~31]............................................................. 54 # معاني ~~المفردات............................................................ 54 # ثقة الداعية ~~بالله.......................................................... 55 # الآيات [32 34]....................................................... 58 # معاني ~~المفردات............................................................ 58 PageV13P336 # أخذ العبرة والعظة من ~~التاريخ................................................ 59 # تجربة الرسل من ~~قبل....................................................... 59 # الآيات [35 ~~37]............................................................. 62 # معاني ~~المفردات............................................................ 62 # الجنة عقبي المتقين والنار عقبي ~~الكافرين....................................... 62 # المتقون يلبون نداء ~~الدعوة................................................... 63 # الآيات [38 ~~40]............................................................. 66 # يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت................................................... 66 # الآيات [41 ~~43]............................................................. 69 # سنة الله في الكون .. عبرة ~~متجددة.......................................... 69 # تفسير سورة إبراهيم [1 53] # أجواء سورة إبراهيم ~~العامة........................................................ 75 # الآيات [1 ~~4]................................................................ 77 # معاني ~~المفردات............................................................ 77 # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه......................................... 78 # الآيات [5 ~~8]................................................................ 81 # معاني ~~المفردات............................................................ 81 # رسالة موسي إلي ~~قومه...................................................... 82 # الآيات [9 ~~12].............................................................. 85 # ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم.............................................. 86 # تأكيد الرسل علي حقيقة وجود ~~الله.......................................... 87 # تمسك أقوام الرسل بعبادة الآلهة ~~المزيفة........................................ 88 # شعار الرسل هو الأنسب ~~للدعوة............................................ 90 PageV13P337 # الآيات [13 ~~17]............................................................. 91 # خيبة كل جبار ~~عنيد....................................................... 91 # الآية ~~[18].................................................................... 94 # أعمال الكفار لا قيمة لها عند ~~الله........................................... 94 # الآيتان [19 ~~20]............................................................. 96 # قدرة الله علي إيجاد خلق ~~جديد............................................. 96 # الآيات [21 ~~23]............................................................. 98 # معاني ~~المفردات............................................................ 98 # حوار الضعفاء والمستكبرين والشيطان يوم ~~القيامة............................... 99 # وبرزوا لله ~~جميعا........................................................... 99 # تملص الشيطان من مسئولية الضلال....................................... 101 # الآيات [24 ~~31]........................................................... 104 # معاني ~~المفردات.......................................................... 104 # مثل الكلمة الطيبة والكلمة ~~الخبيثة.......................................... 106 # مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة............................................ 106 # تثبيت الله للمؤمنين في الدنيا ~~والآخرة....................................... 107 # إضلال الله ~~الظالمين...................................................... 108 # دعوة المؤمنين للصلاة ~~والإنفاق............................................. 109 # الآيات [32 ~~34]........................................................... 111 # معاني ~~المفردات.......................................................... 111 # نعم الله علي العباد لا ~~تحصي............................................. 111 # الآيات [35 ~~41]........................................................... 115 # مناجاة إبراهيم ربه بعد بناء ~~البيت.......................................... 115 # دعاء ~~إبراهيم............................................................ 116 # الآيات [42 ms3240 ~~45]........................................................... 122 PageV13P338 # أحوال الظالمين يوم ~~القيامة................................................. 122 # الله لا يغفل عن عمل ~~الظالمين............................................. 123 # الأجل لا ~~يؤخر.......................................................... 124 # الآيات [46 ~~52]........................................................... 126 # معاني ~~المفردات.......................................................... 126 # ارتداد مكر أهل الباطل عليهم يوم ~~القيامة................................... 127 # مكر أهل الباطل تزول منه ~~الجبال.......................................... 127 # مراقبة خطط ~~الأعداء..................................................... 128 # كيد الرجل ~~والمرأة........................................................ 129 # انتقام الله من المجرمين يوم ~~القيامة........................................... 130 # مقاصد تنزيل الكتاب.................................................... 131 # تفسير سورة الحجر [1 99] # أجواء سورة الحجر ~~العامة.................................................. 137 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 139 # ما أهلكنا من قرية إلا ولها ~~كتاب........................................... 139 # الآيات [6 ~~20]............................................................. 142 # معاني ~~المفردات.......................................................... 142 # طلب المكذبين رؤية ~~الملائكة.............................................. 143 # حفظ الذكر............................................................ 144 # بطلان التحريف......................................................... 145 # مصحف الزهراء......................................................... 146 # تأويل القران لمصلحة ~~الخلافات............................................ 146 # حفظ الله للقرآن ... في مستوي ~~الحقيقة.................................... 147 PageV13P339 # استهزاء الناس بالرسل من ~~قبلك............................................ 148 # مظاهر كونية تدل علي عظمة ~~الله.......................................... 149 # الآيات [21 ~~25]........................................................... 152 # وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه............................................ 152 # الآيات [26 ~~48]........................................................... 155 # معاني ~~المفردات.......................................................... 156 # عقدة الشيطان من الإنسان............................................... 156 # مادة خلق الإنسان ~~والجان................................................. 157 # الأمر بالسجود ~~لآدم..................................................... 158 # معصية إبليس........................................................... 159 # طرد إبليس من ~~الجنة..................................................... 159 # إمهال إبليس إلي الوقت ~~المعلوم............................................ 160 # حال المتقين في ~~الجنة...................................................... 163 # الآيات [49 ~~84]........................................................... 165 # معاني ~~المفردات.......................................................... 166 # تقابل المغفرة ~~والعذاب..................................................... 167 # ضيف إبراهيم والبشري ~~بالولد............................................. 167 # الإرسال إلي قوم ~~لوط..................................................... 168 # تمادي قوم لوط في الفحش................................................ 170 # نزول العذاب علي قوم لوط............................................... 171 # ظلم أصحاب الأيكة والحجر.............................................. 172 # الآيات [85 ~~99]........................................................... 173 # معاني ~~المفردات.......................................................... 173 # في الأجواء الرسالية لحركة الصراع مع ~~المشركين................................ 174 # خلق السموات والإرض بالحق............................................. 174 PageV13P340 # السبع ~~المثاني............................................................ 175 # التوجيه الإلهي للنبي بالقناعة ~~والتواضع....................................... 176 ~~المقتسمون.............................................................. 178 # الأمر بالثبات والمجاهرة ~~بالدعوة............................................. 179 # علاج ضيق الصدر بالتسبيح والسجود..................................... 180 # العبادة حتي ~~اليقين....................................................... 182 # تفسير سورة النحل [1 128] # أجواء سورة النحل ~~العامة.................................................. 185 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 187 # لا تستعجلوا أمر ~~الله..................................................... 187 # المراد من كلمة ~~الروح..................................................... 189 # مبدأ ~~التوحيد............................................................ 193 # خلق السموات والإرض بالحق............................................. 193 # خلق الإنسان من نطفة................................................... 194 # الآيات [5 ~~9].............................................................. 195 # معاني ~~المفردات.......................................................... 195 # الأنعام من نعم الله علي ~~الإنسان........................................... ms3241 196 # فوائد الأنعام ~~للإنسان.................................................... 196 # الله يهدي إلي الطريق ~~المستقيم............................................. 198 # الآيات [10 ~~21]........................................................... 200 # معاني ~~المفردات.......................................................... 201 # بعض ما أودع الله في الكون من ~~النعم...................................... 201 # نعمة الماء علي ~~الإنسان................................................... 202 PageV13P341 # تسخير الشمس والقمر والليل ~~والنهار....................................... 203 # خيرات الإرض ونعمها.................................................... 205 # نعم الله لا ~~تحصي........................................................ 206 # الآيتان [22 ~~23]........................................................... 208 # عدم الإيمان بوحدانية الله ~~استكبار.......................................... 208 # الآيات [24 ~~29]........................................................... 210 # معاني ~~المفردات.......................................................... 210 # منطق المستكبرين ومصيرهم في ~~الآخرة...................................... 211 # رفض المستكبرين لما أنزل ~~الله............................................... 211 # العذاب كان مصير المستكبرين من قبل..................................... 213 # الآيات [30 ~~34]........................................................... 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # منطق المتقين ومصيرهم في ~~الاخرة.......................................... 216 # جزاء المتقين في الدنيا ~~حسنة............................................... 216 # دار الآخرة ~~للمتقين...................................................... 217 # الظالم ظالم ~~لنفسه....................................................... 218 # الآيات [35 ~~37]........................................................... 219 # الإيمان والشرك اختياريان لا ~~قسريان........................................ 219 # للرسالات أهداف واحدة................................................. 220 # الآيات [38 ~~40]........................................................... 223 # القسم بإنكار ~~البعث..................................................... 223 # إرادة الشيء وقول ~~كن.................................................... 225 # الآيتان [41 ~~42]........................................................... 226 # المهاجرون في الله لهم الأجر الأكبر في ~~الاخرة................................ 226 # الآيتان [43 ~~44]........................................................... 230 PageV13P342 # التأكيد علي بشرية ~~الرسل................................................ 230 # الرسل من قبلك رجال نوحي إليهم......................................... 231 # سؤال أهل الذكر........................................................ 232 # الآيات [45 ~~55]........................................................... 234 # معاني ~~المفردات.......................................................... 235 # أساس الأمن من عذاب الله للمتمردين ~~عليه................................. 235 # لا أمن للماكرين من عذاب ~~الله............................................ 235 # كل المخلوقات تسجد لله................................................. 237 # مظاهر الكون تدل علي ~~الوحدانية.......................................... 239 # اللجوء إلي الله عند ~~الشدة................................................. 240 # الشرك بالله عند ~~الرخاء................................................... 241 # الآيات [56 ~~60]........................................................... 243 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # ملامح انحراف عقيدي في مجتمع الدعوة ~~الأول............................... 244 # الشرك بالله عن ~~جهل..................................................... 244 # مع صاحب الميزان في تفسير ~~الآية.......................................... 245 # الاستياء من بشارة ~~الأنثي................................................. 246 # تساوي الذكر والأنثي عند ~~الله............................................. 247 # مثل السوء لمنكري ~~الآخرة................................................. 248 # الآيات [61 ~~64]........................................................... 249 # إذا جاء الأجل فلا تقديم ولا ~~تأخير........................................ 249 # الشيطان يزين ~~الأعمال................................................... 251 # الآيات [65 ~~71]........................................................... 253 # معاني ~~المفردات.......................................................... 253 # جولة كونية في آفاق نعم ~~الله.............................................. 254 PageV13P343 # نعمة إنزال ~~المطر......................................................... 254 # نعمة الأنعام وأخذ العبرة ~~منها.............................................. 255 # إنعام الله بأنواع ~~الثمرات.................................................. 255 # وحي الله إلي ~~النحل...................................................... 256 # الله وحده محدد أجال ~~الناس............................................... ms3242 257 # التفضيل في ~~الرزق........................................................ 258 # الآيات [72 ~~77]........................................................... 261 # تعداد نعم أخري لله علي ~~الناس............................................ 262 # خلق الأزواج من ~~النفس................................................... 262 # النهي عن ضرب الأمثال ~~لله............................................... 263 # مثل العبد ~~المملوك........................................................ 264 # مثل الرجل الأبكم والرجل ~~العادل.......................................... 265 # الآيات [78 ~~83]........................................................... 268 # معاني ~~المفردات.......................................................... 268 # تزويد الإنسان بأدوات ~~المعرفة.............................................. 269 # تسخير ~~الطير............................................................ 270 # مظاهر متنوعة لنعم الله علي ~~الإنسان....................................... 271 # الآيات [84 ~~89]........................................................... 274 # معاني ~~المفردات.......................................................... 274 # عرض بعض مشاهد القيامة للعبرة.......................................... 275 # لكل أمة شهيد.......................................................... 275 # تفرق ~~الشركاء........................................................... 276 # العذاب فوق العذاب..................................................... 277 # الكتاب تبيان وهدي ~~ورحمة................................................ 279 # الآيات [90 ~~93]........................................................... 280 PageV13P344 # معاني ~~المفردات.......................................................... 280 # تعاليم أخلاقية لنظام حياة ~~شامل........................................... 281 # الأمر بالعدل ~~والإحسان.................................................. 281 # الوفاء بعهد ~~الله.......................................................... 284 # التنوع حقيقة ~~وجودية..................................................... 286 # الآيات [94 ~~96]........................................................... 288 # استغلال صفة ~~الإيمان.................................................... 288 # طلب ما عند ~~الله........................................................ 290 # جزاء ~~الصابرين........................................................... 290 # الآيات [97 ~~105]......................................................... 292 # قيمة الذكر والأنثي بالعمل ~~الصالح......................................... 293 # الحياة ~~الطيبة............................................................. 294 # الاستعاذة ~~بالله........................................................... 297 # لا سلطان للشيطان علي الذين ~~آمنوا....................................... 298 # حكمة تبديل الآيات..................................................... 299 # صدق الكتاب مع كونه نازلا علي بشر..................................... 301 # الآيات [106 ~~111]........................................................ 304 # معاني ~~المفردات.......................................................... 304 # أسباب ~~النزول........................................................... 305 # الإيمان بالله حقيقة يجحدها جاهل أو ~~معاند................................. 306 # الإكراه علي الكفر والقلب ~~المطمئن......................................... 306 # من يشرح صدره للكفر................................................... 308 # مجادلة كل نفس عن نفسها يوم ~~القيامة..................................... 310 # الآيات [112 ~~119]........................................................ 311 # معاني ~~المفردات.......................................................... 311 PageV13P345 # ضرب الأمثال ~~للعبرة...................................................... 312 # اللحوم المحرمة وحالات ~~الضرورة............................................ 314 # الكذب علي الله في التحليل ~~والتحريم....................................... 315 # الآيات [120 ~~128]........................................................ 317 # معاني ~~المفردات.......................................................... 317 # خط إبراهيم الرسالي عنوان الرسالات ~~بعده.................................. 318 # إبراهيم كان ~~أمة......................................................... 318 # حنيفية ~~إبراهيم.......................................................... 320 # أسلوب الدعوة في ~~القرآن................................................. 321 # كلمة الحكمة ~~ودلالاتها................................................... 321 # المراد من الدعوة بالحكمة في القرآن ~~الكريم................................... 324 # الموعظة ~~الحسنة.......................................................... 327 # الجدال بالتي هي أحسن.................................................. 328 # اختيار الأحسن شعار المسلم في ~~الحياة...................................... 330 # منهاج الدعوة ~~العام....................................................... 331 # العقاب بالمثل أو ~~الصبر................................................... 332 # الحزن علي ضلال الكافرين ومكرهم........................................ 333 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV13P346 ![](https://books.rafed.net/Books/3277_tafsir-men-wahi-alquran-14/images/image001.gif) PageV14P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3277_tafsir-men-wahi-alquran-14/images/image002.gif) PageV14P003 ### | سورة الإسراء ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وخمس وثلاثون PageV14P005 ### ||| ** سبب التسمية # لقد جاء اسم هذه السورة ms3243 عنوانا للحدث الضخم المعجز الذي جرى للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما قصه الله علينا في أول آية من السورة ، عند ما ~~أسرى به الله ( @QUR@07 ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى )، ثم من ~~المسجد الأقصى إلى السموات العلى ، في ما ذكرته السيرة في حديث المعراج ، ~~أو ما استفاده المفسرون من سورة النجم. # * * * ### ||| ** سورة بني إسرائيل # وقد أطلق على هذه السورة اسم (بني إسرائيل) لأنها تحدثت عن جانب مهم من ~~سلوكهم المنحرف ، الذي كان سببا لغضب الله عليهم وعقوبته لهم في الدنيا ~~والآخرة ، مما يراد إثارته في ذهن الناس الذين قد يواجهون مثل هذا الواقع. # * * * PageV14P007 ### ||| ** الإسراء بين الإجمال والتفصيل # وقد أجملت الآية الأولى من هذه السورة مسألة «الإسراء» ولم تفصل شيئا من ~~حوادثه ، لكن الروايات المتواترة أفاضت في الحديث عن ذلك. وربما طغى جو ~~الخيال على الكثير مما ذكر في خصوصياتها ، وذلك ما نلاحظه في بعض القضايا ~~التي قد لا يستطيع الباحث تفسيرها بطريقة معقولة ، لا سيما في ما أفاض فيه ~~المحدثون عن قصة المعراج ليلة الإسراء ، رغم أن الحدث امتد إلى وقت قصير لا ~~يسمح بتغطية ذلك كله ، لأن المسألة إذا كانت تحمل الإعجاز في طبيعتها ، ~~فإنها تبقى في دائرة القدرة المحدودة للنبي في خصوصيات بشريته التي تخضع ~~لعامل الزمان والمكان ، لا سيما وأن الإسراء كان بالجسد كما هو معروف بينهم. # وربما يمكننا مناقشة بعض هذه التفاصيل في مسألة تشريع الصلاة وغيرها ، ~~مما نرجو أن يوفقنا الله للحديث عنه في الكلام عن المعراج وتفاصيله في سورة النجم. # وقد تكون الرواية التي رواها الصدوق في أماليه ، عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام ، هي أكثر الروايات اختصارا وأقربها إلى الاعتبار ، فقد جاء في ~~أمالي الصدوق ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبد ~~الله جعفر الصادق عليه السلام قال : لما أسري برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس ، حمله جبرائيل على البراق ، فأتيا بيت ~~المقدس ، وعرض عليه محاريب الأنبياء ، وصلى بها ms3244 ورده ، فمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في رجوعه بعير لقريش ، وإذا لهم ماء في آنية ، وقد ~~أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه ، فشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~ذلك الماء وأهرق باقيه. PageV14P008 # فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال لقريش : إن الله جل جلاله ~~قد أسرى بي إلى بيت المقدس ، وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم ، وإني مررت ~~بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم ، فشربت من مائهم وأهرقت ~~باقي ذلك. فقال أبو جهل : قد أمكنتكم الفرصة منه ، فاسألوه كم الأساطين ~~فيها والقناديل؟ فقالوا : يا محمد ، إن ها هنا من قد دخل بيت المقدس ، فصف ~~لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه؟ فجاء جبرائيل ، فعلق صورة بيت المقدس ~~تجاه وجهه ، فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه ، فلما أخبرهم قالوا : حتى يجيء ~~العير ونسألهم عما قلت. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تصديق ~~ذلك أن العير يطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق. # فلما كان من الغد ، أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون : هذه الشمس تطلع ~~الساعة. فبينما هم كذلك ، إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص ، يقدمها جمل ~~أورق ، فسألوهم عما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : لقد كان ~~هذا ، ضل جمل لنا في موضع كذا وكذا ووضعنا ماء فأصبحنا وقد أهرق الماء ، ~~فلم يزدهم ذلك إلا عتوا (1). # * * * ### ||| ** الخلاف في كيفية الإسراء # وقد تباينت الآراء حول كيفية إسرائه صلى الله عليه وآله وسلم فقيل : كان ~~إسراؤه بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السموات ~~، وعليه الأكثر. وقيل : كان بروحه وجسده من مكة إلى بيت المقدس ، ثم بروحه من PageV14P009 # بيت المقدس إلى السموات ، وعليه جمع. وقيل : كان بروحه وهو رؤيا صادقة ~~أراها الله نبيه ، ونسب إلى بعضهم. # إلا أننا عند ما ندرس الآية المتضمنة للإسراء ، نرى أن الإسراء بالجسد هو ~~المعنى الظاهر منها ، وذلك لما توحي به كلمة «الإسراء» من معاني الحركة ~~والتنقل من مكان ms3245 إلى مكان ، وإن كان ظرفه هو الليل دون النهار ، وما توحي ~~به كلمة «عبده» من التعبير عن الذات بمعناها المادي والجسدي. # ولكن هذا لا يمنع من الخروج عن هذا الظاهر ، إذا قام دليل قطعي ينفيه ، ~~وجل ما بين أيدينا وجود بعض الروايات التي يسهل مناقشتها وإسقاطها ، كما في ~~رواية عائشة في ما نقل عنها بعض الرواة ، أنها كانت تقول : ما فقد جسد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الله أسرى بروحه ، فقد يكون هذا اجتهادا ~~منها لا رواية لأنها لم تسند ذلك إلى ما سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم تكن معه في ليلة الإسراء. # وقد يستوحى من حديث أم هانئ التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نائما عندها في تلك الليلة ، كما تقول ، إنها لم تفتقده ، ولكن لا ظهور ~~للحديث في ذلك. # وبذلك تبقى المسألة على طبيعتها من الناحية القرآنية في مدلولها اللفظي ، ~~لا سيما إذا كانت إمكانات القاعدة العقلية في ذاتها ، وفي موقعها من قدرة ~~الله التي لا تقف عند حد في نطاق قابلية المخلوق لحركة القدرة لا تمنع من ذلك. # وذلك هو الأساس في الإيمان بالغيب ، في ما جاء في القرآن والسنة ، فإن ~~الأشياء الممكنة ، لا يحتاج الإيمان بها إلا إلى سند موثوق به يؤكد وقوعها ~~، ولا يفوتنا في هذا المجال نقل بعض الآراء الفلسفية التي تفسر المعراج ~~بالروح. # فقد نقل عن صدر الدين محمد بن إبراهيم ، الفيلسوف الشيرازي ، في PageV14P010 # كتابه «مفاتيح الغيب» ، في المفتاح الرابع من مراتب الكشف ، قال : # «قد تكون المكاشفة على سبيل الملامسة ، وهي بالاتصال بين النورين ، كما ~~قال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : رأيت ربي فوضع كفه ~~بين كتفي ، فوجدت بردها بين ثديي ، فعلمت ما في السموات. ثم تلا : ( ~~@QUR@09 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) ~~[الأنعام : 75]. ويتابع ملا صدرا الشيرازي حديثه : رآه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالتجلي والمكاشفة ، ومنبع هذه المكاشفات هو القلب الإنساني ms3246 ، أي نفسه ~~الناطقة المنورة بالعقل العملي المستعمل بحواسه الروحانية ، وللنفس في ~~ذاتها عين وسمع كما أشير إليه في قوله تعالى : ( @QUR@010 فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [الحج : 46]. # وهذه الحواس الروحانية هي أصل هذه الحواس الجسمانية ، فإذا ارتفع الحجاب ~~بينها وبين هذه الخارجية ، اتحدت بالأصل ، فتشاهد ما يشاهده الأصل أي في ~~المكاشفة . بهذا المعنى يرى القلب كما ترى العين ، والروح تشاهد جميع ذلك ~~بذاتها ، لأن هذه الحقائق تتحد في مرتبتها عند كونها في مقام العقل ، لأن ~~العقل يحيط بكل الموجودات ، وهذه المكاشفة القلبية أعلى مراتب الكشف ويسمى ~~بالشهود الروحي ، فهي بمثابة الشمس المنورة ، بسموات مراتب الروح وأراضي ~~الجسد ، فهو بذاته أخذ من الله العليم الحكيم المعاني الحقيقية من غير ~~واسطة على قدر استعداد المكاشف. انتهى» (1). # ويرى صاحب تفسير الميزان أن الجائز أن يقال إن العروج كان بروحه ، «لكن ~~لا على النحو الذي يراه القائلون به من كون ذلك من قبيل الأحلام ، ومن نوع ~~ما يراه النائم من الرؤى ، ولو كان كذلك لم يكن لما يدل عليه الآيات PageV14P011 # بسياقها من إظهار المقدرة والكرامة معنى ، ولا لذاك الإنكار الشديد الذي ~~أظهرته قريش عند ما قص صلى الله عليه وآله وسلم لهم القصة وجه ، ولا لما أخبرهم ~~به من حوادث الطريق مفهوم معقول. # بل ذلك إن كان بعروجه صلى الله عليه وآله وسلم بروحه الشريفة إلى ما وراء هذا ~~العالم المادي مما يسكنه الملائكة المكرمون ، وينتهي إليه الأعمال ويصدر ~~منه الأقدار ، ورأى عند ذلك من آيات ربه الكبرى ، وتمثلت له حقائق الأشياء ~~ونتائج الأعمال ، وشاهد أرواح الأنبياء العظام وفاوضهم ، ولقي الملائكة ~~الكرام وسامرهم ، ورأى من الآيات الإلهية ما لا يوصف إلا بالأمثال كالعرش ~~والحجب والسرادقات. # والقوم لذهابهم إلى أصالة الوجود المادي ، وقصر الوجود غير المادي فيه ~~تعالى ، لما وجودا الكتاب والسنة يصفان أمورا غير محسوسة بتمثيلها في خواص ~~الأجسام المحسوسة ، كالملائكة الكرام ، والعرش ، والكرسي ، واللوح ، والقلم ~~، والحجب ، والسرادقات ... حملوا ذلك على كونها أجساما مادية لا يتعلق بها ~~الحس ولا يجري ms3247 فيها أحكام المادة ، وحملوا ، أيضا ، ما ورد من التمثيلات في ~~مقام الصالحين ، ومعارج القرب ، وبواطن صور المعاصي ، ونتائج الأعمال ، وما ~~يناظر ذلك ... إلى نوع من التشبيه والاستعارة ، فوقعوا في ورطة السفسطة ~~بتغليط الحس وإثبات الروابط الخرافية بين الأعمال ونتائجها وغير ذلك من ~~المحاذير» (1). # هذا ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي وصدر المتألهين الشيرازي. ونحن نرى ~~في هذا التفسير لمسألة العروج ، لونا من ألوان التفسير الغيبي الذي يلتقي ~~فيه العروج بالروح في غرابته للمألوف ، بالإسراء بالجسد في ذلك ؛ مما يجعل ~~من المسألة مسألة تأويل للفكرة ، لا مسألة توضيح وجداني لها. PageV14P012 # وفي ضوء ذلك ، قد يكون الأقرب للنهج القرآني وضع المسألة في دائرة ~~الغيبيات التي أثارها القرآن في مواقع العقيدة ، كالوحي والنبوة واليوم ~~الآخر في عمق العقيدة ، والمعجزة في حياة الأنبياء ، فلا نضطر للجوء إلى ~~التفسيرات البعيدة عن وجدان الإنسان العادي ، كما لاحظناه في ما قدمنا من ~~تفسير مسألة الإسراء. # * * * ### ||| ** حجية الخبر الواحد وقضايا الدين # وقد نحتاج أمام هذه الأمور إثارة الفكرة القائلة بأن القضايا الدينية ~~المتصلة بالمفاهيم والأوضاع المختلفة في أجواء الكون وأفعال الأنبياء وغير ~~ذلك مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية ، لا بد للالتزام بها من اليقين ، فلا ~~يكفي فيها الظن الحاصل من رواية خاصة لم تبلغ حد التواتر ، وبذلك نستطيع ~~التخلص من كثير من الروايات المتعلقة بالتفاصيل الدقيقة لخصائص الأوضاع ، ~~وملكات الأشخاص ، وأسرار الواقع ، لنرجع الأمر فيها إلى أهلها ، أو لنأخذ ~~منها بعض الإيحاءات والأجواء بعيدا عن جانب العقيدة. # وربما كان ضروريا أن يتوفر الباحثون في مسألة حجية الخبر الواحد ، في علم ~~الأصول ، على إثارة المسألة بشكل واضح أمام الناس ، لأن المشكلة أن ~~الكثيرين قد اعتمدوا على الروايات في الأمور الخارجة عن شؤون التشريع ، ~~بالشروط نفسها التي اعتمدوا فيها على التشريع ، بل ربما تطور الأمر إلى ~~التوسع في ذلك باعتماد الروايات الضعيفة ، مما أدى إلى إيجاد ركام هائل من PageV14P013 # الأحاديث المذكورة في الكتب الدينية التي يعتمد عليها الناس في تكوين ~~التصورات والقناعات المتعلقة بالعقيدة والحياة. # * * * ### ||| ** في أجواء السورة # تتناول هذه السورة ms3248 مسألة التوحيد المرتكز على تنزيه الله تعالى عن الشريك ~~عقيدة وعملا ، وذلك انسجاما مع المنهج الإلهي الخاص بهداية الأنبياء للناس ~~، والمثبتة في الكتب المنزلة عليهم من قبل الله تعالى ، كالذي جاءت به ~~التوراة وجاء به الإنجيل والقرآن لهداية الناس ( @QUR@03 للتي هي أقوم ) ~~[الإسراء : 9]. وإذا كان بنو إسرائيل قد رفضوا الهداية ، فتمردوا وأفسدوا ~~فعاقبهم الله في الدنيا والآخرة ، فإن الأمم الأخرى ستلاقي ما لاقوه من ~~عذاب ومشقة وعقاب ، انطلاقا ، من وحدة الإنسان في طبيعته ، في نقاط ضعفه ~~وقوته ، وفي حركة المسؤولية التي تنطلق في خط السلب والإيجاب ، وذلك لما ~~توعد به الله تعالى المتمردين من عقابه وما وعد به المطيعين من ثوابه ، بعد ~~إقامه الحجة عليهم من خلال ما أوحى به إليهم ، ويبقى للإنسان أن يحدد موقفه ~~بين العاجلة والآجلة. # ثم تحدد السورة المبادئ الأخلاقية العامة المتمثلة بالإحسان للوالدين ، ~~واجتناب قتل الأبناء خشية الفقر ، وتحريك الممارسة الاجتماعية في خط ~~التكافل الاجتماعي للقريب والمسكين وابن السبيل ، والتحذير من الزنى وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ومن الاعتداء على مال اليتيم ، ومن ~~التطفيف ... ثم تؤكد على العلم كأساس للقناعات الفكرية وللممارسات العملية ~~، وتدعو إلى التواضع والبعد عن الاختيال في الأرض مرحا وزهوا PageV14P014 # وغرورا ... وختمت السورة بالتركيز على التوحيد الذي انطلقت منه هذه ~~المبادئ ، كما بدأت به. # وتطرح الآيات هذه المبادئ للالتزام بها كقواعد أخلاقية سلوكية ، لكن ~~الناس يخالفونها ، فمنهم من يفتري ، ومنهم من يبتعد عن الاستقامة في خط ~~العقيدة فينحرف عنها ... ويبقى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معهم ليتابع ~~التبليغ ، ولينصحهم بقول التي هي أحسن ، لئلا يثير الشيطان العداوة بينهم ~~من خلال الكلمات القلقلة. # وتتنوع أغراض السورة في حركة الخط العام ، فتتحدث عن تفضيل بعض النبيين ~~على بعض ، وعن اختبار الله للناس من خلال ما يبتليهم به ، أو ما ينعم عليهم ~~، فقد يتبع البعض الشيطان ، فيسقط في الامتحان ، وقد ينجح البعض ، فيستعين ~~بالله ويلتجئ إلى ركنه الركين لمحاربة الشيطان بإيمانه ، والتزامه ، ~~وإصراره على موقفه ، وتقديره لتكريم الله له ولكل بني آدم ms3249 بما أنعم الله ~~تعالى عليهم في جميع المجالات. # وتتوقف السورة عند التجارب الصعبة والمحن والشدائد الكبيرة التي مر بها ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفعل المؤامرات التي كان يحيكها المشركون ، ~~وما استخدموه من وسائل الضغط والإكراه التي كانوا يلجأون إليها ليفتنوه عن ~~دينه ، إلا أن تثبيت الله تعالى له صلى الله عليه وآله وسلم يحبط كل مكائدهم ، ~~ويفشل كل وسائلهم ، ويحول بالتالي دون بلوغهم مآربهم ، هذا التثبيت الإلهي ~~هو الذي مكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تجاوز كل هذه المحن ، إذ لولاه ، ~~لنالت منه هذه الضغوط ، لأنها مما يتجاوز قدرة احتمال الإنسان بنفسه ، إلا ~~أن عظمة إيمان النبي وكماله الإنساني ومنزلته الرفيعة من الله تعالى ، وأخذ ~~الله بيده ورعايته له ، شكلت في مجموعها المقومات الرئيسية لصمود النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعدم تزحزحه عن الحق والرسالة قيد أنملة. PageV14P015 # ومهما كابر المكابرون ، وجحد الجاحدون ، وتمرد المتمردون ، في ما كانوا ~~يواجهون به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو يضعون الحواجز أمامه ، فإن الله ~~سبحانه الذي أرسله ، هو الإله الواحد وله الأسماء الحسنى ، التي يجب على ~~الناس أن يدعوه بها ، فهو الذي يملك العزة كلها ، وهو الكبير الذي لا ~~يدانيه أحد ، والواحد الذي لا شريك له ... وهكذا يلتقي آخر السورة بأولها ~~في الخشوع لعظمة الله ، والإيمان بوحدانيته المطلقة في خط العقيدة وحركة العمل. # * * * PageV14P016 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@021 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) (1) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سبحان ): اسم مصدر للتسبيح بمعنى التنزيه ، ويستعمل مضافا ، ~~وهو مفعول مطلق قائم مقام فعله ، فتقدير «سبحان الله» : سبحت الله تسبيحا ، ~~أي نزهته عن كل ما لا يليق به بساحة قدسه وكثيرا ما يستعمل للتعجب ، لكن ~~سياق الآيات يلائم التنزيه لكونه الغرض من البيان وإن أصر البعض على كونه ~~للتعجب. # ( @QUR@01 أسرى ): الإسراء : السري هو السير بالليل ، يقال : سرى وأسرى ~~به أي سار ليلا. والسير يختص بالنهار أو ms3250 يعمه والليل. # ( @QUR@02 المسجد الأقصى ): هو بيت المقدس. والقصي : البعيد. قد سمي ~~المسجد الأقصى لكونه أبعد مسجد بالنسبة إلى مكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومن معه من المخاطبين ، وهو مكة التي فيها المسجد الحرام. # * * * PageV14P017 ### ||| ** ذكر الله في التوجيه الإسلامي # ( @QUR@02 سبحان الذي ) يفيد معنى التنزيه لله تعالى عن كل ما لا يليق ~~بساحة قدسه وذاته من الصفات ، وبالتالي تعظيمه وتقديسه كما يليق به وبما ~~يليق به من صفات الجلال والجمال. من هنا فإن كلمة التسبيح ، لا يمكن أن ~~تصدر إلا عن فكر وروح وشعور عميق بالعظمة المطلقة لله تعالى ، وذلك من خلال ~~ما يتحسسه الإنسان في نفسه عند ما يذكر اسم الله ، أو عند ما يتذكر بعض ~~مظاهر عظمة خلقه ، أو الأفعال التي تتمثل فيها عجائب قدرته ... وهذا أسلوب ~~تربوي قرآني ، يستهدف صنع الشخصية الإسلامية ، التي تعيش الحضور الدائم لله ~~في أعماق كيانها ، وفي مفردات حياتها بشكل فاعل وحساس وواع بعظمته تعالى في ~~كل ما يحيط به من أكوان ، وفي كل ما يستثيره في فكره من أفعال الله في ~~الحياة ، وذلك في حركة تعبيرية موحية ، يتمثل فيها الذكر بالكلمة التي تعبر ~~عن المبدأ المتمثل في لفظ المصدر «سبحان» الذي هو مصدر للتسبيح قائم مقام ~~الفعل ، ككل مفعول مطلق يقوم مقام فعله ، في ما يراد التعبير عنه بأن ~~الفكرة تبرز ككائن حي مستقل ، بعيدا عن كونها انفعالا صادرا عن فاعل. # وتلك هي مهمة الحركة التعبيرية في ذكر الله في التوجيه الإسلامي ، أن ~~تنطلق لتعبئة الداخل الإنساني بالطاقة الروحية المنفتحة على الله ، في كل ~~ما تمثله الكلمة من الجلال المطلق ، والكمال اللامحدود ، ليبقى الإنسان مع ~~الله في كل مكان وزمان ، فلا يغيب عنه في أية انطلاقة للمسؤولية في حركة ~~الحياة. وهكذا كانت كلمة التسبيح في هذا السورة نافذة مفتوحة على مظهر قدرة ~~الله في قضية الإسراء التي تمثل المعجزة الكبيرة عبر تحديها المألوف في ~~حركة السير وفي أدواته وفي زمانه ، مما يحتاج إلى وقت طويل يتعدى الشهر ، ~~وذلك ما تعارف عليه الناس ms3251 من قطع المسافة بين مكة وبيت المقدس. # * * * PageV14P018 ### ||| ** ماذا نستوحي من صفة العبودية لله؟ # ( @QUR@04 سبحان الذي أسرى بعبده ) ربما كان وصف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية لله تعالى ، للإيحاء بالعمق الروحي الذي ~~يعيشه في خضوعه لله ، وإحساسه بعبوديته له في وعيه المنفتح على سر الألوهية ~~في رحاب العظمة ، وإخلاصه لدوره الرسالي في خدمة الرسالة ، واستغراقه في ~~الامتثال لإرادة الله في ما يأمر به وما ينهى عنه ، على مستوى التبليغ ~~والدعوة والحركة والحياة ، حتى كأن رسالته جزء من حركة العبودية في ذاته ، ~~ولون من لطف الله به وتقديره لروحيته ، لأن ذلك هو الذي يعمق في الإنسان ~~الإسلام لله في كل أموره ، فيحمله على الذوبان في خدمته ، ويندفع إلى ~~المسؤولية الملقاة على عاتقه بكل إخلاص واستسلام ، ويلتقي من خلال ذلك ~~بالناس في أجواء الدعوة على خط العبودية التي تتجسد في كيانه ، ليجسدها في ~~كيان الآخرين فكرا ومنهجا وحركة حياة. وهكذا تلتقي الرسالة بالنبي القدوة ~~في إخلاص العبودية ، كما تلتقي بالنبي الكلمة في الدعوة إليها. # وهذا ما يجب أن يتمثله الدعاة إلى الله ، العاملون في سبيل رسالته ، أن ~~يتمثلوا العبودية لله في وعيهم الفكري والروحي ، وفي خطواتهم العملية ، ~~لينفتحوا على الإخلاص له ، فلا ينحرفوا بخطواتهم ومشاعرهم ذات اليمين وذات ~~الشمال ، لينطلقوا في الدعوة من موقع المعاناة وفي العمل من موقع الواقع ، ~~وليؤكدوا دورهم من خلال الصدق ، ليكونوا دعاة للناس بغير ألسنتهم عند ما ~~يكونون عبادا مخلصين لله قبل أن يكونوا الدعاة إلى عبادته. # وربما كان لنا أن نستوحي من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~خلال صفة العبودية لله ، كيف ينبغي لنا أن نتحدث عن العظماء على مستوى ~~الأنبياء والأولياء والعلماء والأقوياء ، فلا نستغرق في استذكار عظمتهم ~~الذاتية ، بعيدا PageV14P019 # عن استيحاء عبوديتهم لله ، لأن ذلك قد يدفعنا إلى الاستغراق في علاقتنا ~~بهم إلى درجة الغلو في العقيدة ، أو الشرك في التصور والشعور ، أو الانحراف ~~في الطاعة والخضوع ، بينما يكون الحديث عن صفة عبوديتهم لله قبل الحديث عن ~~صفاتهم ms3252 الذاتية ، باعثا على الاستغراق في عظمة الله من خلالهم ، في عملية ~~إيحاء داخلي بأنهم لا يملكون أية صفة أو قيمة ذاتية في أنفسهم ، لأنهم عباد ~~الله الذين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بالله ، فما بهم من نعمة ~~فمن الله ... وهكذا يتوازن الفكر والشعور والإيمان في وعي الإنسان لعقيدته ~~بالله وعبوديته له ، وفي تقديره للناس الذين يملكون بعض جوانب العظمة من ~~حوله. ولعل هذا ما جعل الشهادة التي أرادنا الله أن نشهدها للنبي بالرسالة ~~، في حالة التشهد في الصلاة ، تفرض الحديث عن الشهادة له بالعبودية لله ، ~~قبل الشهادة له بالرسالة. # * * * ### ||| ** اللمسة الموحية # ( @QUR@01 ليلا ) هذا التأكيد على التصريح بالليل ، الذي تختزنه كلمة ( ~~@QUR@01 أسرى ) قد يكون للإيحاء بالجو الهادىء الذي يضفيه الليل ، مما ~~يتناسب مع هذا الحدث الإلهي العظيم الذي يراد به انفتاح النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الكون في هذه الرحلة الإلهية العجيبة ، حيث سيعيش ~~الإحساس الرائع بالصفاء الروحي ، والانطلاق الفكري ، والانسياب الشعوري ، ~~في حركة هادئة خفية يعيش فيها الإنسان حالة الانسجام بين أعماق ذاته والجو ~~من حوله ، مما يحقق له المزيد من الاستيحاء الدقيق للأفكار ، والاختزان ~~العميق للمشاعر ، وبذلك كانت PageV14P020 # الكلمة من أجل إعطاء هذا الحدث اللمسة الموحية ، التي قد لا يثيرها ~~المعنى الكامن في كلمة ( @QUR@01 أسرى )، لأن التلميح في بعض الحالات لا ~~يغني عن التصريح. # * * * ### ||| ** واحة السلام # ( @QUR@03 من المسجد الحرام ) الذي جعله حرما آمنا يأوي إليه الناس من ~~دون خوف ، ويلجأ إليه الحيوان من دون ذعر. إنه المنطقة التي جعلها الله ~~واحة للسلام في تلك الصحراء المقفرة المليئة بكل ألوان الخطر القادم من ~~أجواء الغزو والسلب والاعتداء. # إنه المسجد الذي ينفتح فيه الإنسان على السلام ، من خلال الروحانية ~~الفياضة بالمعاني الإنسانية الحميمة ، المتصلة بالله في ما يريد له أن ~~يتعمق في وعيه من الرحمة والمحبة والشعور بالمسؤولية الكبيرة عن الحياة ~~التي لا يجوز الاعتداء عليها ، إلا من أجل حمايتها ، أو حماية الحق الذي ~~يعطيها سر الحيوية والإشراق والامتداد ، وهكذا كانت حرمته انفتاحا على ~~الحياة في رحاب ms3253 السلام ، لا انغلاقا على القيود التي ترهق معنى الحرية في ~~الإنسان. وبذلك تولد الحرمات في الأرض لتمنحها رحابة الأفق الممتد إلى حركة ~~الحياة من حولها ، لا لتدفعها إلى زاوية محدودة ضيقة. # * * * PageV14P021 ### ||| ** مسجد الأنبياء # ( @QUR@03 إلى المسجد الأقصى ) الذي هو الأبعد بالنسبة إلى المسجد الحرام ~~، وهو بيت المقدس الذي عاش الأنبياء فيه عبادة لله ، ورسالة للناس ، وحركة ~~للحياة الروحية في أجواء التوحيد التي انطلقت من خلال رسالات الله ، التي ~~حملها الأنبياء من أجل أن يكون توحيد الله في العقيدة أساسا لتوحيده في ~~العبادة ، ولتوحيد الحياة من خلاله على منهج واحد للفكر والعاطفة والحياة. ~~وهكذا اكتسب هذا المسجد من النفحات الروحية التي عاشها الأنبياء فيه ، ومن ~~التسبيحات الخاشعة لله التي انطلقت من قلوبهم ، ومن الابتهالات الحميمة ~~الوديعة التي كانت ترتفع من عيونهم المليئة بالدمع الحار الذي يتفايض ~~بالمحبة لله والخشية منه ، ومن حركة الرسالة في خطواتهم المتحدية للشرك ~~وللكفر وللضلال ، والواقفة أبدا في مواقع رد التحدي بالكلمة تارة ، وبالصبر ~~أخرى وبالمواجهة ثالثة ... وهكذا كان هذا المسجد مصدر وحي للرسل وللناس ~~وللحياة ، كما كان موقع وحي من خلال ما كان يتنزل فيه من وحي الله على رسله ~~، ومنطلق حركة تدل الناس على الطريق المستقيم. # * * * ### ||| ** ما معنى البركة؟ # ( @QUR@03 الذي باركنا حوله ) في ما كانت البركة تمثله من امتداد وحركة ~~على كل الساحات المحيطة به ، لأن البركة ليست مجرد حالة غيبية روحية تثير ~~المشاعر القدسية في أجواء ضبابية حالمة ، بل هي إلى جانب ذلك قوة PageV14P022 # حركية روحية تندفع بالكلمة الطيبة التي تملكها ، وبالطاقة الحية التي ~~تحركها ، وبالأفق الرحب الذي تفتحه ، وبالشعور الحميم الذي تثيره ، ~~وبالخطوات الثابتة التي تقودها ، لتكون في جميع ذلك مشروع حياة تثيره ، ~~وبالخطوات الثابتة التي تقودها ، لتكون في جميع ذلك مشروع حياة نافعة مليئة ~~بكل ما يحقق للإنسان سعادته ، وللكون نظامه. # ومن خلال ذلك ، نفهم معنى الشخص المبارك ، فهو ليس الإنسان الحامل ~~للأسرار الخفية التي تدفع الناس إلى لمس ثيابه وجسده أو الطلب إليه أن يضع ~~يده على رؤوسهم ليأخذوا منه البركة ، بل ms3254 هو الإنسان الذي يعيش الطاقة ~~الروحية التي تحرك فيه كل إمكاناته لينشرها على الناس والحياة من حوله ، ~~لتنطلق خيرا ورحمة ومحبة وسلاما ، في نفع شامل غير محدود ، كما ورد في ~~تفسير قوله تعالى : في حديث عيسى عليه السلام عن نفسه ( @QUR@02 وجعلني ~~مباركا ) [مريم : 31] فقد جاء في التفسير أن معناه : وجعلني نفاعا للناس من ~~خلال ما توحي به البركة من امتداد للطاقة في حياة الناس. # وهكذا نفهم معنى الأرض المباركة ، في ما تعطيه من خيرات على مستوى ~~الثمرات المادية التي تنتجها أو على مستوى الثمرات الروحية التي توحي بها ~~على خط الرسالات والرسل الذين تحتويهم في كل زمان ... وبذلك نفهم سر ~~التعبير في قوله تعالى : ( @QUR@02 باركنا حوله ) بدلا من «باركناه» ، فقد ~~يكون السر في ذلك هو الإيحاء بأن البركة لا تتجمد في المسجد وتبقى فيه ، ~~ليأتي الناس إليه للحصول على البركة من أرضه وجدرانه ، بل تنطلق منه من ~~خلال ما تمثله رسالته من المسؤولية النابضة بالروح ، والمتحركة مع الواقع ، ~~لتمتد إلى كل مكان ، فتتحول البركة من نبع يتحرك داخل الأرض إلى نهر جار ~~ينساب في كل عقل وفي كل روح ، ويصل إلى كل أرض فيها للإنسان وجود ، ليملأها ~~بالخير والمحبة والحياة. ومن الطبيعي لهذه البركة المحيطة بالمسجد أن تكون ~~منطلقة منه ، مما يعني ذلك أن التعبير يختزن في داخله معنى البركة في ~~المسجد لما يوحيه من معنى البركة في ما حوله ، والله العالم. # * * * PageV14P023 ### ||| ** عمق الوعي في امتداد الآيات # ( @QUR@03 لنريه من آياتنا ) في ما عاشه من أجواء الإسراء الدالة على ~~عظمة القدرة وروعة النعمة ، وما رآه من مواقع الرسالات الأولى ، وما كشف ~~الله عن عينيه من آفاق الغيب كما ترويه تفاصيل القصة وهكذا كان هذا الحدث ~~الكبير نافذة للمعرفة ، تطل به على كثير من حركة الكون في ما غاب عنه من ~~أمره ، وعلى حركة الغيب في ما انفتح له من سره ، وعلى حركة التاريخ في ما ~~كشف الله له منه ، كما لو كان شيئا حاضرا لديه مما عاينه ورآه. # وربما نستوحي من ms3255 ذلك أن الله يريد لرسله أن تتكامل لهم المعرفة في آفاق ~~آيات الله ، من خلال ما يملكون الحصول عليه بشكل مباشر ، وما يحصلون عليه ~~بالقدرة الغيبية بشكل غير مباشر ، لأن ذلك هو سبيل التكامل في شخصية من ~~يريد أن يقوم بعملية تغيير العالم في الفكر والحياة ، مما يفرض عليه أن ~~يملك وعي المعرفة في أوسع آفاقها لتقوم به الحجة على الناس من موقع المعرفة ~~التي تقهر الجهل ، كما تقوم به من موقع المعجزة التي تصدم التحدي ، فينفتح ~~عقل الإنسان على الحقيقة من خلال الرسالة. # وربما نستوحي من ذلك ، أن هذه المهمة لا تنحصر في شخصية الرسول في ~~خصوصيته الذاتية التي تتميز بميزة الوحي ، بل هي خصوصية الرسالة التي تتصل ~~بهداية الناس ، مما يوحي للدعاة إلى الله ، أن ينفتحوا على المعرفة في أوسع ~~مجالاتها ، في ما يحتاجونه في قضايا التبليغ وحركة التغيير ، مما يجعل من ~~الداعية إنسانا في مركز القيادة على مستوى وعي الفكرة وانطلاق الحركة ، ~~ليستطيع التأثير في مجتمعة من مركز القوة والانفتاح. وهذا يفرض عليهم ~~الاطلاع على آيات الله في الكون ليزدادوا معرفة به ، نتيجة ما يشاهدونه وما PageV14P024 # يسمعونه وما يقرءونه ويفكرون به ، ليحققوا عطاء المعرفة من خلال سعة ~~العلم ، وعمق الفكرة ، وحيوية التجربة. # * * * ### ||| ** إحاطة شاملة # ( @QUR@04 إنه هو السميع البصير ) في ما يسمع من السر وأخفى من وساوس ~~الصدور وهمسات الشعور ، وما يراه من مخلوقاته الخفية في ظلمات البر والبحر ~~، وفي آفاق الفضاء ، مما لا تراه العيون ، ولا تلتقي به الحواس. وهذا تعبير ~~عن إحاطته بالأشياء على سبيل الكناية بما يمثله السمع أو البصر من وسيلة ~~المعرفة ، باعتبارهما المصدر الأصيل لأكثر المعلومات. فإذا كان الله هو ~~المحيط بالأشياء ، فإنه الذي يملك تسهيل الإحاطة بها لعبده من خلال القدرة ~~المطلقة عليها من جميع الجهات. # وربما كان التأكيد على هاتين الصفتين باعتبار أنه قد سمع من عبده ما عبر ~~به من إخلاصه وتوحيده له ، ورأى من خشوعه وخضوعه وعبادته وإطاعته ما جعله ~~يمنحه من لطفه ورعايته ، ليريه من آياته الكبرى كمظهر ms3256 من مظاهر التكريم ، ~~والله العالم. # * * * PageV14P025 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من ~~دوني وكيلا (2) @QUR@09 ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وكيلا ): كفيلا. # * * * ### ||| ** الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوات # وإذا كان الله قد أكرم عبده محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء ليريه من ~~آياته ، ويسهل له سبيل أداء الرسالة ، ويفتح له كل وسائل الهداية ، من أجل ~~أن يهدي الناس إلى رسالة الله ، فإن محمدا لم يكن بدعا من الرسل ، بل كان ~~يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوات التي يقف موسى في طليعتها ، لما كان ~~يمثله من جيل جديد من الرسل في الحركة والفاعلية والامتداد والشمول وكمال ~~الرسالة في الفكرة وفي التفاصيل ... وهذا ما جعل الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم يعيش آفاق PageV14P026 # موسى عليه السلام في ما كان يعيشه من آفاق الرسالات في أجواء المسجد ~~الأقصى ، وهذا ما جعل المناسبة مما يلتقي فيها الحديث عن الإسراء بالحديث ~~عن موسى وكتابه وشعبه. # * * * ### ||| ** موسى هدى لبني إسرائيل # ( @QUR@03 وآتينا موسى الكتاب ) وهو التوراة التي أنزلها الله عليه ~~ليبلغها للناس ، وليدفعهم إلى السير على هداها من خلال ما تشتمل عليه من ~~أسس العقيدة ، ومفاهيم الحياة ، وتفاصيل الشريعة ، وربما كان التعبير ~~بالكتاب كما يذكر صاحب الميزان للإيحاء بالمعنى الذي قد يطلق عليه في كلامه ~~تعالى ، وهو «مجموع الشرائع المكتوبة على الناس ، القاضية بينهم في ما ~~اختلفوا فيه من الاعتقاد والعمل ، ففيه دلالة على اشتماله على الوظائف ~~الاعتقادية والعملية التي عليهم أن يأخذوها ويتلبسوا بها» (1). # ولكننا لا نعتقد أن مثل هذا الإطلاق ، يصل بالتعبير إلى مستوى المصطلح ~~الذي يختزن خصوصية المعنى في داخله ، بل قد يكون مجرد تعبير عادي ، في ما ~~تعنيه الكلمة من الوحي الذي جمعه الله في كتاب يقرأه الناس ويكتبونه ، وليس ~~وحيا يعونه ويسمعونه فقط. والله العالم. # ( @QUR@04 وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) لينفتحوا من خلاله على آفاق ~~المعرفة ، ويتخلصوا من كهوف الجهل وظلماته ، ولينطلقوا إلى ساحة الحرية بعد ~~أن عاشوا أجواء الاستعباد ، وليعبدوا الله وحده ، ويبتعدوا ms3257 عن عبادة ~~مخلوقاته كما أراد لهم الشيطان ، ويسلكوا سبيل الهدى في ما يتحركون نحوه من ~~أهداف وغايات ، وما يتخذونه من وسائل ، ومقدمات وما يمارسونه من أفعال ، وما PageV14P027 # يرتبطون به من علاقات ، وما يعتنقونه من عقائد وأفكار. # وقد يسأل البعض عن هذه الخصوصية في جعل الكتاب هدى لبني إسرائيل في حين ~~نعرف أنه هدى للناس جميعا ، ولهذا كان موسى من أولي العزم ، الذي كانت ~~رسالته لا تقتصر على جماعة دون جماعة ، ولا تنحصر في مكان معين ، أو زمان معين؟ # والجواب عن ذلك ، أن الحديث عن بني إسرائيل قد يكون على أساس أنهم قاعدة ~~الانطلاق في حركة الرسالة ، فهم الجماعة الأولى التي جاء موسى عليه السلام ~~ليخلصها من ظلم فرعون ، كمقدمة لتخليص الناس الآخرين من ظلمه وظلم أمثاله ~~على أساس الشريعة. وتلك هي السنة الطبيعية لكل نبي أو مصلح ، في ما يحمله ~~من رسالة الوحي أو الإصلاح ، فإنه يتحرك من قاعدة محدودة ، وهي قاعدة قومه ~~أو محيطه ، لينطلق منها إلى الآخرين. # * * * ### ||| ** حركة الاستقامة # ( @QUR@05 ألا تتخذوا من دوني وكيلا ) والوكيل هو الذي يكفل إصلاح الشؤون ~~العامة أو الخاصة لموكله ، ويعمل على تدبير أموره وقضاء حوائجه ، ونحو ذلك ~~مما يمكن استعارته أو الكناية به عن الرب الذي يتولى مهمة الإنسان في كل ~~شؤونه وقضاياه ، وبذلك تكون هذه الفقرة تعبيرا عن النهي عن اتخاذ غير الله ~~ربا ، كبديل عن الله أو كشريك له ، وهذا هو معنى التوحيد الذي يؤكد الإيمان ~~بالله الواحد على مستوى العقيدة والعمل بتوحيد العبادة والطاعة ، وعلى ~~مستوى الخط بتوحيد الشريعة والمنهج العملي الشامل في الحياة. وبذلك تكون ~~الكلمة عنوانا لكل ما أوحاه الله لرسله من التفاصيل. وهذا ما حدثنا القرآن ~~عنه في الشعار الذي كان يطرحه الأنبياء كعنوان لدعواتهم للناس ، PageV14P028 # أن يعبدوا الله ولا يعبدوا غيره ، وفي الخط الذي سار عليه عباده الذين ~~جعل لهم الدار الآخرة ، في قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا ) [فصلت : 30] ، حيث اكتفى في ذلك بالإعلان عن توحيد ~~الربوبية لله ، والانطلاق في الحركة على ms3258 أساس الاستقامة على هذا الخط. # * * * ### ||| ** عبد شكور # ( @QUR@05 ذرية من حملنا مع نوح ) وهم الجيل الثاني للبشرية ، الذين ~~باركهم الله وأنقذهم من الطوفان ، لأنهم آمنوا برسالة نوح وأخلصوا لله ، ~~وتمردوا على قومهم ، ليبدأوا المسيرة الجديدة على أساس الإيمان بالله ~~والسير على هداه ، ولتتبعهم ذريتهم في ذلك ، من خلال وحي الله ورسالته ... ~~وهكذا كان هذا الجيل الذي عاش مع موسى من قومه ، من ذرية أولئك الذين أراد ~~الله هدايتهم بوحيه مع موسى ، كما أراد الله هداية أولئك بنوح عليه السلام ( ~~@QUR@04 إنه كان عبدا شكورا ) فهو أخلص لله العبودية ، التي تمثلت في هذا ~~الثبات على الموقف ، والاستمرار في مواجهة الصراع مع القوى الكافرة في هذا ~~الزمن الطويل الذي شارف على الألف سنة من دون تأفف أو تذمر ، حتى استنفد كل ~~الوسائل التي يملكها في حركة الدعوة ، ليرضى الله عنه في ذلك ، وليؤكد له ~~عبوديته الخالصة في كل المواقف والمواقع. وهذا هو المظهر الحي للشكر الذي ~~تؤكد الرسالات عليه ، من خلال الارتباط بالله والسير على مرضاته ، لأن الله ~~يريد للناس أن يشكروه بالطاعة ، باستعمال ما أنعم به عليهم مما يخدم الحياة ~~والإنسان ، لا بالكلمة المجردة والعاطفة الساذجة. # * * * PageV14P029 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا (4) @QUR@017 فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) @QUR@011 ثم ~~رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) ~~@QUR@023 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ~~ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~(7) @QUR@011 عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقضينا ): أي أعلمنا وأوحينا. # ( @QUR@01 ولتعلن ): العلو لغة الارتفاع ، وهو في الآية كناية عن ~~الطغيان PageV14P030 # بالظلم والتعدي ، يستفاد ذلك من عطفه على الإفساد عطف تفسير. وهو شبيه ~~بقوله تعالى في حديثه عن فرعون : ( @QUR@08 إن فرعون علا في الأرض وجعل ~~أهلها شيعا ) [القصص : 4]. # ( @QUR@02 أولي بأس ): البأس والبأساء : الشدة والمكروه. # ( @QUR@01 فجاسوا ): الجوس ms3259 : التخلل في الديار. يقال : تركت فلانا يجوس ~~بني فلان ، ويجوسهم ويدوسهم أي يطأهم. قال أبو عبيد : كل موضع خالطته ~~ووطأته فقد حسته وجسته. قال : وقيل : الجوس طلب الشيء باستقصاء (1). # ( @QUR@01 الكرة ): الرجعة. # ( @QUR@01 نفيرا ): النفير : العدد من الرجال. # ( @QUR@01 وليتبروا ): والتتبير : من التبار وهو بمعنى الهلاك والدمار. # ( @QUR@01 ليسوؤا ): من المساءة ، يقال أساء زيد فلانا إذا أحزنه. # ( @QUR@01 حصيرا ): حابسا. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل وسنن التاريخ # وكان من حديث الله لبني إسرائيل في ما أوحاه إلى موسى في الكتاب أنه أجرى ~~الحياة على سنة اجتماعية ، تخضع لها كل المجتمعات في عملية العلو والسقوط ، ~~وفي حركة التقدم والتأخر. فالاستغراق في الفساد ، والامتداد PageV14P031 # في العلو على الناس ، والاستكبار عليهم ، كل ذلك يولد مشاكل وسلبيات ~~كثيرة لهؤلاء المفسدين والمستكبرين ، وذلك لما تنتجه من آلام للناس ، ~~وتدمير لأوضاعهم ، واهتزاز لمواقعهم ، كما تنتج في مقابل ذلك ألوانا متنوعة ~~من الفساد الذاتي الذي يضعف مواقعهم الاستكبارية ، فيستسلمون لحالة استرخاء ~~ولهو واستسلام للراحة والدعة ، ويخضعون للأجواء التي توحي لهم بالأمن ~~والسلام ، بينما تتحفز القوى الأخرى المضادة للاستفادة من ذلك الواقع كله ~~في ظلم المستكبرين وتململ المستضعفين ، فتأتيهم الهزيمة من حيث لا يشعرون ، ~~فلا يستطيعون دفاعا ، ولا يملكون ثباتا في أي موقف أمام الثورة الهائجة ~~التي تدمر كل شيء من حولهم وتقضي عليهم. # * * * ### ||| ** التدخل الإلهي وقانون السببية # وتلك هي سنة الله في الحياة ، في ما أودعه في الكون من سننه في قوة الأمم ~~وضعفها وحياتها وموتها ، ولم يميز الله المؤمنين عن بقية خلقه في هذا ~~القانون الاجتماعي الكوني ، بل أراد لهم أن يسيروا كما يسير الناس ، ~~ليحصلوا على النتائج السلبية بسبب ما يتحركون فيه من فساد ، أو على النتائج ~~الإيجابية بسبب ما يمارسونه من صلاح ، وبذلك لا يكون تدخل الله في المسألة ~~بشكل مباشر ، بل يكون تدخلا بطريقة غير مباشرة ، من خلال ما أودعه في ~~الحياة من قانون السببية الذي يربط بين المسبب والسبب ، والنتائج ومقدماتها ~~... ولكن الله ينسب كل شيء إلى نفسه ، للإيحاء بأنه السبب الأعمق وراء كل ~~سبب ، والقوة المهيمنة على كل ظاهرة ms3260 ، ولتأكيد جانب التوحيد في مواجهة ~~عقلية الشرك ، التي قد تنسب الكثير من الظواهر إلى غير الله ، مما يشرك به ~~الناس في PageV14P032 # عبادته ، على أساس النظرة السطحية التي تنسب بعض الأشياء إلى مقارناتها ، ~~أو إلى الجهات المتصلة بها بشكل مباشر. # وقد أخبر الله بني إسرائيل ، بما سيحدث لهم في مستقبل أمرهم من بلاء ~~وتدمير ، بسبب ما يصدر عنهم من علو واستكبار ، وجعل ذلك خطا عمليا مستمرا ~~مع الحياة ضمن القانون الإلهي التكويني الذي يربط الظاهرة السلبية أو ~~الإيجابية بأسبابها الكونية. وهذا ما نحاول أن نثيره في معرض تفسير الآيات ~~الآتية. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل والإفساد في الأرض # ( @QUR@04 وقضينا إلى بني إسرائيل ) أي عهدنا إليهم وأعلمناهم بشكل حاسم ~~لا شك فيه ، مما نحيط به علما من حوادث المستقبل المتصلة بحياتهم ، ~~والمتحركة من خلال الأسباب الطبيعية الموجودة في الواقع الزمني المقبل. ( ~~@QUR@04 لتفسدن في الأرض مرتين ) أي لتفسدن حياة الناس بالكذب والنفاق ~~والغش والخداع والظلم والكبرياء والبغي بغير الحق ، على مستوى الاجتماع ~~والاقتصاد والفكر والعقيدة والسياسة والسلوك ... ( @QUR@03 ولتعلن علوا ~~كبيرا ) من خلال الشعور المعقد بالتفوق على الناس المرتكز على أسطورة شعب ~~الله المختار التي تغذي لديهم الشعور بالاستكبار والعلو الذاتي على الآخرين ~~، الأمر الذي يؤسس لاستضعاف كل من عداهم وإهدار كراماتهم ، وتدمير أوضاعهم ~~على جميع المستويات. # إنها نبوءة المستقبل التي توحي إليهم بأنهم سينحرفون عن تعاليم الكتاب ، ~~الذي يريد لهم أن يتخذوا مفاهيمه وشريعته قاعدة لبناء الحياة على أسس ثابتة ~~لا على أسس مهتزة ، ومنهجا لإصلاحها لا لإفسادها ، ولكنها PageV14P033 # شهوات اللحم والدم التي تبتعد بالناس عن خط التوازن في النظرة إلى ~~الأشياء ، ثم هناك انفعالات الفكرة الشوهاء التي تثير فيهم الغرور ، ~~وتدفعهم إلى العصبية ، وتقودهم إلى العدوان ... وهكذا عاشوا لعنة المستقبل ~~الذي سيصنعون شروره بأيديهم ، وسيسقطون في هزائمه بتصرفاتهم. وسينتظرون أن ~~تحل بهم اللعنة مرتين ، لأن الفساد الأكبر سيتكرر بهذا المستوى. # * * * ### ||| ** عقاب الدنيا والاخرة # وبدأت التفاصيل ( @QUR@04 فإذا جاء وعد أولاهما ) فتمردوا على الله ، ~~وتجبروا على العباد ، وبغوا في الأرض بغير حق ، وأكثروا فيها الفساد ، وضجت ~~البلاد ms3261 منهم ( @QUR@07 بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ) يملكون القوة ~~والسلطة والمنعة ، ( @QUR@03 فجاسوا خلال الديار ) وتخللوا فيها واستباحوها ~~، فقتلوا من قتلوا منهم ، ونهبوا ما نهبوا منها ، ودمروها تدميرا ... ( ~~@QUR@03 وكان وعدا مفعولا ) لا بد له من أن يتحقق بأسبابه الكونية ، ~~وبإرادة الله الذي جعل الأمور مرهونة بأوقاتها والأشياء مرتبطة بأسبابها. # وليس في نسبة الفعل إلى الله ، بالرغم من تحققه بالأسباب الطبيعية ، أي ~~مساس بعدالته ورحمته ، لأنه بمثابة جزاء لهم على ما فعلوه من إفساد ~~واستعلاء واستكبار ، ولا مانع من أن يعاقبهم الله في الدنيا بيد خلقه ، كما ~~يعاقبهم في الآخرة بواسطة ملائكته ، وكلا الأمرين عدل. # وقد ذكر بعضهم أن المستفاد من قوله تعالى : ( @QUR@02 عبادا لنا ) أن ~~هؤلاء المهاجمين كانوا من عباد الله المؤمنين ، وذلك بلحاظ نسبتهم إليه. ~~ولكننا نعرف أن الكفار هم عباد الله ، كما هم المؤمنون كذلك ، وإن لم ~~يقوموا بما تفرضه عليهم العبودية من فروض الطاعة والالتزام. PageV14P034 # ( @QUR@05 ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) فهزمتموهم كما هزموكم ، ودمرتموهم ~~واستبحتم ديارهم ونهبتم أموالهم ، كما فعلوا معكم في ما رزقكم الله من نعمه ~~العظيمة ، وأغدق عليكم رحمته من جديد. ( @QUR@06 وأمددناكم بأموال وبنين ~~وجعلناكم أكثر نفيرا ) لأنكم رجعتم إلى الله ، وأحسنتم سياسة الناس ، ~~وحملتم مسئولية الحياة كما يريدها الله من عباده ، وذلك هو خط الحياة في ~~سنة الله للناس في ما يحسنون أو يسيئون. # ( @QUR@07 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) لأن نتائج أفعال ~~الخير أو الشر تعود للإنسان الفاعل. ( @QUR@04 فإذا جاء وعد الآخرة ) ~~وأفسدتم الحياة من جديد ، واستكبرتم على العباد ، واستعليتم على الناس بغير ~~حق ، فستقعون مجددا في التجربة المرة ، ويهاجمكم الأقوياء الآخرون الذين ~~يملكون البأس الشديد ، ( @QUR@02 ليسوؤا وجوهكم ) ليطبعوها بطابع الحزن ~~والمرارة ، ويسموها بسمة الذل والمهانة من خلال سيطرتهم عليكم ، ( @QUR@06 ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة )، والمراد به في ما يظهر المسجد ~~الأقصى ، الذي هاجمه أعداؤهم مرتين واستباحوا حرمته ، وأخرجوهم منه ، ~~ودمروا كل أوضاعهم ، وقد نستوحي من هذا التعبير أن المهاجمين أولا ، هم ~~المهاجمون ثانيا ، ( @QUR@04 وليتبروا ما علوا تتبيرا ) وهو ما يوحي ms3262 ~~بالدمار الشامل الذي لا يبقى معه شيء. # * * * ### ||| ** أبواب الرحمة الإلهية # ( @QUR@04 عسى ربكم أن يرحمكم ) بعد ذلك التشريد والتنكيل والهلاك ، إذا ~~رجعتم إليه ، وعملتم بكتابه ، وسرتم على الصراط المستقيم ، مما يعيد إليكم ~~عزكم ومجدكم وامتدادكم في الأرض ، لأن الله لن يسلب من أمة رحمته إذا أخذت ~~بأسبابها بعد أن كانت قد ابتعدت عنها ، فهو جعل أبواب رحمته لمن أراد أن PageV14P035 # يدخلها ، ولكن ذلك لا يعني في أي حال أن الله يسمح للعبد أن يستغل ذلك في ~~السير مع خط الضلال من جديد ، أملا في أجواء الرحمة. ( @QUR@03 وإن عدتم ~~عدنا ) لأن الإفساد الجديد لن ينتج إلا دمارا جديدا لا ينتهي في الدنيا ، ~~ولكنه ينتهي إلى الآخرة ( @QUR@04 وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) تحصرهم فلا ~~يفلت منهم أحد. # * * * ### ||| ** حادثتان مدمرتان # وقد يتحدث المفسرون عن الجانب التاريخي للواقع التطبيقي لما أشار إليه ~~القرآن من حالتي الإفساد اللتين عاشهما بنو إسرائيل ، وحالتي التدمير ~~اللتين حلتا بهم ، فيذكرون أن هناك أكثر من حالة هجوم عليهم في تاريخهم ~~السحيق ، ولكن هناك حادثتين بارزتين ، كانتا مدمرتين لوجودهم وكيانهم ، ~~وإحداهما الهجوم الذي قام به الملك البابلي «نبوخذ نصر» قبل الميلاد بستة ~~قرون «وكان ملكا ذا قوة وشوكة من جبابرة عهده ، وكان يحمي بني إسرائيل ~~فعصوه وتمردوا عليه ، فسار إليهم بجيوش لا قبل لهم بها ، وحاصر بلادهم ، ثم ~~فتحها عنوة ، فخرب البلاد ، وهدم المسجد الأقصى ، وأحرق التوراة وكتب ~~الأنبياء ، وأباد النفوس بالقتل العام ، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة من ~~النساء والذراري وضعفاء الرجال ، فأسرهم وسيرهم معه إلى بابل ، فلم يزالوا ~~هناك لا يحميهم حام ، ولا يدفع عنهم دافع طول زمن حياة نبوخذ نصر وبعده ~~زمانا طويلا ، حتى قصد كسرى كورش أحد ملوك الفرس العظام بابل وفتحها ، ~~وتلطف على الأسرى من بني إسرائيل ، وأذن لهم في الرجوع إلى الأرض المقدسة ، ~~وأعانهم على تعمير الهيكل المسجد الأقصى وتجديد الأبنية ، وأجاز لعزراء أحد ~~كهنتهم أن يكتب لهم التوراة ، وذلك في نيف وخمسين PageV14P036 # وأربعمائة سنة قبل الميلاد. # والذي يظهر من تاريخ اليهود أن المبعوث أولا ms3263 لتخريب بيت المقدس هو بخت ~~نصر وبقي خرابا سبعين سنة ، والمبعوث ثانيا هو قيصر الروم إسبيانوس سير ~~إليهم وزيره طوطوز فخرب البيت وأذل القوم قبل الميلاد بقرن تقريبا» (1). # ولا يستبعد صاحب الميزان في تفسيره «أن تكون الحادثتان هما المرادتان في ~~الآيات» ولكنه يناقش الأمر بالقول : «إن فيها (في الآيات) إشعارا بأن ~~المبعوث إلى بني إسرائيل في المرة الأولى والثانية قوم بأعيانهم ...» ثم ~~يرفض ذلك على أساس أنه مجرد «إشعار من غير دلالة ظاهرة» (2). # وربما كان هذا الاستبعاد الذي أشار إليه صاحب الميزان ، هو الذي دعا بعض ~~المتأخرين إلى القول ، بأنها تحمل في داخلها الإيحاء بأن الآيات قد تتحدث ~~عن معركة بين المسلمين واليهود في العصر الحاضر ينتصر فيها المسلمون عليهم ~~، ثم يعود اليهود إلى النصر ، ثم إلى الهزيمة التي تدمرهم تدميرا. وهذا هو ~~الجو الذي يتحرك فيه الصراع الدامي بين العرب والمسلمين وبين إسرائيل. # ولكن مثل هذه الأمور لا تحمل في داخلها شاهدا على التحديد ، مما يجعل ~~المسألة خاضعة للاستنتاج الذاتي ، لا للشواهد العلمية. وقد درجنا في هذا ~~التفسير على عدم الاهتمام بتفصيل ما أجمله القرآن ، لأن ذلك لا يمثل مشكلة ~~كبيرة في ما هو المهم من إثارة القرآن للفكرة التي يريد منها إعطاء PageV14P037 # النموذج ، وتقديم الدرس ، بعيدا عن خصوصيات القصة في تفاصيلها الدقيقة في ~~أرض الواقع ، ولذلك فإننا نكتفي بالإشارة إلى الموضوع من دون الدخول في ~~مناقشات التفصيل. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي الآية؟ # إن المسألة ليست مسألة خصوصية بني إسرائيل بل هي مسألة الفساد في الأرض ~~الذي ينتج المشكلة للمفسدين ، من خلال الفئات التي تعاني من ضغط الفساد على ~~واقعها ، وتأثيره على حياتها ، فيدفعها ذلك إلى استجماع القوة من مواقع ~~الضعف لتهجم على الذين صنعوا لها الذل والألم والعذاب ، لتدمر وجودهم بكل ~~قسوة وقوة ، أو من خلال الفئات التي تترصد عوامل الضعف لتنال من مواقع ~~القوة للأقوياء. وقد تبدأ عملية التآكل الذاتي عند ما يستسلم فيه هؤلاء إلى ~~اللذات والشهوات ، ويكفون عن تنمية عوامل النمو والقوة ، فتجد الفئات ~~المتربصة بهم الفرصة ms3264 الذهبية التي تتيح لها التغلب عليهم ، وهزيمتهم بكل سهولة. # وهذا ما عاشه المسلمون في أكثر من موقع من مواقع تاريخهم عند ما هزموا في ~~الأندلس ، أو عند ما هزمهم التتار ، أو عند ما هزمهم اليهود في فلسطين ... ~~وهكذا تتحرك كل عوامل الضعف التي تفقد معها الشعوب والأمم الرغبة في الموت ~~، وتسترخي فيها لحب الحياة ، لتسقط كل إمكانات القوة لدى الكبار بأيدي ~~الصغار ، وتلك هي سنة الله في خلقه وفي الحياة. # * * * PageV14P038 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@016 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) @QUR@09 وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أجرا ): ثوابا. # ( @QUR@01 أعتدنا ): أعددنا # * * * ### ||| ** اتباع القرآن وسلامة المصير # وتنتقل الآيات من الحديث عن كتاب موسى ، وما فيه من إنذار لبني إسرائيل ~~إذا انحرفوا عن تعاليمه ، وما فيه من خير وبشارة لهم إذا انسجموا مع PageV14P039 # آياته واهتدوا به ... إلى الحديث عن هذا القرآن الذي أنزله الله على ~~رسوله خاتم الأنبياء ليكون خلاصة الرسالات السماوية في المبادئ العظيمة ~~التي تتحرك فيها القيم الروحية الإنسانية ، في ما يمكن أن يكون زادا للحياة ~~كلها في عقائدها ومفاهيمها وشريعتها ومناهجها الخاصة في الفكر والحركة ~~والسلوك ، مما يحمل في داخله الإيجابيات الكبيرة على مستوى سلامة المصير ~~للسائرين عليه ، كما يحتوي السلبيات المصيرية للمنحرفين عنه. وذلك هو شأن ~~كتب الله المنزلة على عباده ، فهي الهدى لمن اهتدى بها ، وهي الحجة على من ~~ابتعد عنها في الخط الفاصل بين الجنة والنار. # ( @QUR@07 إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) أي للملة ، أو للطريقة ، أو ~~للشريعة ، أو للحياة التي هي أكثر اتصالا بخط الاستقامة والتوازن بين خصائص ~~الإنسان وعناصر الحياة ، فلا يطغى جانب على آخر ، فتتوازن الدنيا والآخرة ~~والمادة والروح ، في حركة مشاريع الإنسان وخطواته وعلاقاته ، فلا يفكر ~~بالدنيا بعيدا عن الآخرة ، ولا يعيش أجواء الروح ، في انفصال عن أجواء ~~المادة ، بل تتروح المادة في وعيه ، وتتجسد الروح في خطواته ، وتلتقي ~~الدنيا بالآخرة في جميع الأفعال التي تتحرك من مسئوليته في الحياة ms3265 أمام ~~الله ... وهكذا يتحرك الإنسان في الحياة الفردية بالطريقة التي لا تسيء إلى ~~الحياة الاجتماعية ، في الوقت الذي لا يلغي فيه المجتمع شخصية الفرد وحريته ~~في نطاق الذات ، وبذلك كان الإسلام دينا واقعيا لا يبتعد بالإنسان عن ~~الحياة عند ما يريد أن يربطه بالله ، بل يؤكد له صلته بالله بمقدار تأكد ~~صلته بالناس وبالحياة ، باعتبار أن ذلك هو موضع رضا الله. # * * * ### ||| ** لا بد من فهم الإسلام بطريقة متوازنة # وفي ضوء ذلك ، لا بد للمسلم من أن يفهم الإسلام بطريقة متوازنة PageV14P040 # تواجه المسؤولية من جميع الجهات ، لئلا تنحرف به النظرة الخاضعة للجانب ~~الواحد عن النفاذ إلى القاعدة التي تحكم الخط الشامل للشريعة ، كما يفعل ~~بعض المؤمنين الذين يفهمون الإسلام من خلال نصوص الزهد دون مقارنتها بنصوص ~~المسؤولية عن حركة الحياة من حوله ، ونصوص الرخصة في الطيبات ، مما يجعل من ~~الزهد أداة لخدمة الحركة لا وسيلة لتجميدها ، أو الذين يدرسون أحاديث ~~استحباب العزلة عن الناس ، بعيدا عن الأحاديث التي تؤكد وجوب هداية الناس ~~ورعاية أمورهم وقضاء حوائجهم أو استحبابها ، مما يجعل من العزلة حالة ~~استثنائية تتحرك في نطاق الحاجة إلى التأمل والانفصال عن المجتمع في وقت ما ~~، لحماية روحيته من الانحراف ، وتصوراته من الخطأ ، وخطواته من الزلل. # * * * ### ||| ** القرآن والدعوة إلى اعتبار العقل أساس المعرفة # وقد نلاحظ هذا الخط الأقوم في القرآن ، في ما دعا إليه من اعتبار العقل ~~أساسا للمعرفة في العقيدة وحركة الحياة ، من حيث هو رسول داخلي ، ورأى فيه ~~الحجة على الإنسان وللإنسان ، في كل خطوات المسؤولية ، وأكد عليه كأساس ~~للوعي الفكري والروحي لديه. # ثم نلاحظ الدعوة إلى العلم كمنطلق للإيمان والحركة والحياة ، فالقرآن أكد ~~على أن مشكلة الانحراف في حياة الإنسان تكمن في الجهل ، واعتبر أن العلم هو ~~القيمة التي تميز الناس عن بعضهم البعض ، ورفض التسوية بين من يعلمون ومن ~~لا يعلمون ، وأراد للإنسان أن يقرأ كل ما ينمي فيه طاقة المعرفة ، أو يفتح ~~آفاقه على الجوانب الخفية للكون ، وأن يكتب كل ما يستفيده في ذلك PageV14P041 # ليحفظه للأجيال ms3266 ، في أول سورة أنزلها الله على رسوله. # وهكذا أراد للحياة أن تقوى وتشتد وتتركز ، في دائرة التطور الإنساني ، ~~والتقدم الحياتي على أساس العقل والمعرفة ، ليكون ذلك بمثابة القاعدة التي ~~تكفل استمرارها من موقع القوة والثبات ، وتكفل للإنسان النمو المتحرك في ~~أكثر من اتجاه ، مما يلتقي مع الخط الذي يخضع للتقويم والتصحيح في كل مرحلة ~~ينحرف فيها عن الاتجاه المستقيم ، بينما يتأكد الانحراف ويتعمق ويتحول إلى ~~عقيدة راسخة ، إذا انطلقت الحياة في أجواء الجهل والخرافة ، فلا يستقيم لها ~~طريق ، ولا يتحقق لها هدف. # وقد نلتقي بالخط الذي هو أقوم ، في النظرة الشاملة للإنسان في تأكيده ~~للعنصر الإنساني ، وابتعاده عن كل العوامل الطارئة التي لا تلتقي بالعناصر ~~الذاتية في كيانه ، فلم يجعل للنسب أو للعرق أو للغة أو للأرض أية ميزة في ~~حساب القيمة ، بل رأى في تنوع الخصائص أساسا للتنوع في النتائج العملية في ~~حركة الإنسان ، ودعاه إلى اعتبار القيمة كل القيمة في حركة خصائصه ~~الإنسانية في اتجاه الالتزام بالخط المستقيم المرتكز على طاعة الله ، التي ~~هي الخير كل الخير في القول والفعل وحركة العلاقات والتطلعات الروحية ~~للإنسان ، وهذا ما يعبر عنه بالتقوى ، التي تعني الانضباط في خط العقيدة ~~والشريعة ، وبذلك لم تكن خصائص الوجود هي التي تحدد للإنسان قيمته ، بل هي ~~حركة هذا الوجود في النتائج الكبيرة للحياة. # * * * ### ||| ** العدالة وحاكميتها على الواقع الإنساني # ونلتقي بالخط الأقوم في حركة العلاقات الإنسانية على مستوى الحكم PageV14P042 # والقاعدة ، في تأكيده على العدالة في جميع المجالات من دون تفريق بين ~~الناس ، في ما يختلفون فيه من علاقات العداوة والصداقة ، والقرب والبعد ، ~~والغنى والفقر ، والكفر والإيمان ... وارتفع بالمبدأ إلى المستوى الذي ~~اعتبره فيه هدفا أسمى لإرسال الرسل وإنزال الكتب ، مما يجعل من الشرائع ~~كلها في وحي الله ، وسيلة من وسائل التربية الإنسانية على مبدأ العدل روحا ~~وشعورا وفكرا وحركة حياة ، بحيث يكون المقياس في ارتفاع درجة الإيمان لدى ~~المؤمن ، بالمقدار الذي ترتفع درجة العدل عنده ، ولم يترك المسألة مجرد ~~حالة أخلاقية فكرية أو شعورية ، بل عمل ms3267 على التخطيط التشريعي لتحويلها إلى ~~مفردات شرعية تحكم الواقع الإنساني على مستوى الفرد أو الجماعة ، مما يؤكد ~~الخط على أساس الثبات من حيث المبدأ والحركة على مستوى الواقع. # * * * ### ||| ** الخط الأقوم وجانبا العزة والحرية # وقد نلاحظ حركة الخط الأقوم في التأكيد على جانبي العزة والحرية في حياة ~~الإنسان أمام الكون كله من جهة ، وأمام بقية أفراد الإنسان من جهة أخرى ، ~~وذلك من خلال إذعانه بعبوديته لله سبحانه ، ليكون انسحاقه أمام الله أساسا ~~للانطلاق في قوته من موقع ارتباطه بقوة الله دون غيره ، مما يجعل منه ~~منطلقا للقوة أمام الآخرين الذين هم عباد أمثاله ، مهما ملكوا من القوة ~~والسلطة. وربما كانت قيمة هذا التوجه ، أنه يوحي للإنسان بالعمق الذي ~~تختزنه إنسانيته على مستوى حرية الإرادة وانطلاقة الفكر ، حيث لا يعيش ~~الشعور بالانسحاق الداخلي أمام أية إرادة بشرية أخرى ، ولا يواجه الحدود ~~الضيقة للفكر الذي قد تفرضه سلطة معينة عليه ، لأنه يجد في إنسانيته الغنى PageV14P043 # الذاتي الذي يتفاعل مع إنسانية الآخرين دون الخضوع لها ، لأنه لا يجد ~~نقصا في موقعها الحياتي ، فهي مع الآخرين على حد سواء. # وهكذا تتحرك هذه التربية القرآنية في وعي الذات ، ليبقى الإنسان في ~~حقيقته عبدا لله ، يعيش الإحساس بالضعف أمامه ، ليستمد القوة منه في كل ~~لحظة ، من خلال انشداد الحاجة المطلقة إلى الغنى المطلق ، ويعيش حرا أمام ~~الآخرين ، في شعور دائم بالامتلاء الروحي من خلال استقلاله الذاتي عنه ، ~~فكرا وطاقة وحركة حياة. # ثم تنطلق هذه التربية في اتجاه آخر يتصل بقضية الحرية السياسية في واقع ~~الإنسان ، لتكون هذه القيمة الإنسانية أساسا لحركة متجددة شاملة على مستوى ~~الجهاد العنيف الدائم ضد كل قوى الاستكبار في الحياة ، بحيث يتحسس الإنسان ~~انحرافه عن خط الحرية والعزة والكرامة ، كما يتحسس حالة الخطيئة في أعماله ~~الخاصة. وهذا ما عبر عنه الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسيره لقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) [المنافقون : 8] حيث قال ~~معلقا على ذلك : «إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه ~~أن يكون ms3268 ذليلا» (1). مما يوحي بأن مسألة العزة ليست مسألة شخصية ، بل هي ~~مسألة روحية عامة لا يملك الإنسان حرية التصرف فيها. # وعلى ضوء ما تقدم ، فإننا نستوحي أن الإسلام يمثل ، في عمق تكوينه الفكري ~~والتشريعي ، الدين الذي يحمل قضية الحرية كقاعدة لحركة الإنسان في الحياة ~~في مواجهة قوى الاستعباد والاستكبار ، ويرى في مسألة الجهاد نتيجة طبيعية ~~لذلك ، بحيث يتم التفاعل بين ماهية القاعدة ، وماهية قضية الحرية في ~~المستوى السياسي والعسكري ، فيبطل الرأي القائل بأن الدين يمثل العنصر PageV14P044 # التخديري للإنسان ويوحي له بالاستسلام للأمر الواقع ، مهما كانت طبيعته ~~منافية لمصلحة الحياة في حركة الإنسان الواقعية. # * * * ### ||| ** واقعية التشريع # وقد يتمثل الجانب الأقوم في النظرة الواقعية إلى حدود التشريع في حياة ~~الناس حيث لم يفرض عليهم أي حرج في التكاليف ، بل جاء بالشريعة السهلة ~~السمحة القائمة على اليسر ، ولم يكلف الناس ما لا يطيقون ، ورفع عنهم ما لا ~~يعلمون وما أكرهوا عليه أو اضطروا إليه ، ورفع أحكام الضرر عنهم من خلال ~~القاعدة الشاملة «لا ضرر ولا ضرار» ، وأحاط الإنسان بقيود عملية جعلت ~~التكليف يتحرك بطريقة واقعية ، لا تجمد حركة الإنسان ، ولا تطلقها في ساحة ~~الفوضى ، مما جعل القيم السلبية تقف بهذه الحركة عند حدود المصلحة ~~الإنسانية العامة ، كما جعل للقيم الإيجابية مثل ذلك ، فقد يصبح الكذب ~~حلالا إذا كان وسيلة للخير الإنساني ، وقد يحرم الصدق إذا ابتعد عن مصلحة ~~الحياة ، وهو ما لا مجال لتفصيله الآن ، لأننا نريد التأكيد على الجانب ~~الواقعي للشريعة الذي يبتعد بها عن الجانب المثالي ، لأن المثالية في هذا ~~الإطار تغيب الواقع الإنساني الحقيقي وتجعل الشريعة غير صالحة للتطبيق. # * * * ### ||| ** لمن البشارة الروحية ولمن العذاب الأليم؟ # ( @QUR@05 ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ) فيؤدون لله حقه من ~~خلال ما PageV14P045 # ألهمهم من الإيمان به وبتوحيده كحقيقة تفرض نفسها على الفكر والوجدان ~~والشعور ، فيقومون بالعبادات التي فرضها عليهم لتعميق الجانب الروحي في ~~ذواتهم ، وللإيحاء الدائم بالحضور الإلهي في حركة الحياة من حولهم ؛ يجسدون ~~هذا الإيمان واقعا حيا في كلماتهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم ومشاريعهم العملية ~~، ليكون ذلك ms3269 كله منسجما مع الخط التشريعي الإلهي الذي جاءت به الرسالات ~~وبشر به الأنبياء كنظام كامل للإنسان وللحياة. وبذلك يكونون مخلصين لله من ~~خلال انفتاحهم عليه والتزامهم بأوامره ونواهيه ، ولأنفسهم بتوجيهها إلى ما ~~يحقق لها سعادة الدنيا والآخرة ، وللناس وللحياة وذلك بالتزامهم الضوابط ~~والحدود وبذلهم الطاقات وتفجيرهم ينابيع الخير وتحريكهم مواقع الحق ~~والعدالة والإيمان. # وهكذا استحقوا البشارة الروحية ، المنطلقة من جهدهم ومعاناتهم مما يكافئ ~~به الله عباده المحسنين ( @QUR@04 أن لهم أجرا كبيرا ) لأن الله لم يرد ~~للإنسان أن يتجرد من غريزة حب الذات القائمة على أساس الأخذ والعطاء ، ~~ولكنه أراد له أن لا يتجمد في تفكيره بالثمن أو بالعوض عند حدود الدنيا في ~~الجانب المادي منها ، بل يمتد إلى أبعد من ذلك في الجانب الروحي من قيم ~~الحياة ، الذي يملأ قلبه بالرضا والطمأنينة والسرور ، ويلتفت إلى آفاق ~~الآخرة ليحصل على نعيمها السابح في رضوان الله ، وهكذا أجمل الله لهم الأجر ~~في البشارة ، فلم يفصل لهم طبيعته ، ولكنه أطلق لهم التصور في أن يعيشوا ~~الشعور في دائرة حجمه ، فالله سيمنحهم الأجر الكبير الذي يمتد إلى نعيمه ~~ورضوانه ورحمته التي وسعت السموات والأرض. # أما الذين لا يؤمنون بالآخرة ، لأنهم لا يعيشون مسئولية الإيمان ، ~~فينطلقون في أجواء اللامبالاة إزاء قضية العقيدة أو مسألة الالتزام ، ولا ~~يجدون مشكلة في أي جانب فكري أو عملي ، ليناقشوه ويتحاوروا فيه ، ليلتزموه ~~أو يرفضوه ، بل كل همهم ينحصر في إشباع جوع الحس وإرواء ظمأ الشهوة PageV14P046 # وتلبية حاجات الهوى ، وهذا ما جعلهم يبتعدون عن الإيمان بالله حتى فقدوه ~~، وعن الالتزام بالوحي حتى تمردوا عليه ، فأساءوا إلى أنفسهم بما جلبوه لها ~~من متاعب ومشاكل ، وما أبعدوه عنها من منافع ومكاسب ، وما أوقعوها فيه من ~~مهالك ومزالق ، وأساؤوا إلى الناس لأنهم ظلموهم وأضلوهم في حياتهم وأثاروا ~~في حياتهم أجواء الكفر والضلال والانحراف ، وحركوا فيها خطوات التمرد ~~والظلم والطغيان ، فهم مشدودون إلى الأرض لا يتطلعون لحظة إلى السماء ، ~~ومرتبطون بالدنيا لا يفكرون بالآخرة ، وملتزمون بالمادة لا يعيشون قيم ~~الروح. وهكذا ضلوا وأضلوا بعد ms3270 أن قامت عليهم الحجة من الله ، من خلال ما ~~أعطاهم من عقل ، وما رزقهم من حواس ، وما وهبهم من وسائل الحركة ، وما ~~أحاطهم به من أجواء العناية ، فلم يكفروا عن عجز ، ولم يضلوا عن جهل. # أما هؤلاء فلهم بشارة من نوع آخر ( @QUR@09 وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما ) لأن المقدمات تفرض نتائجها ، ولأن العمل يفرض ~~الجزاء. وهذا هو جزاء الذين لا يعيشون مسئولية العمل ، فينحرفون به إلى غير ~~ما يريده الله للإنسان وللحياة. # * * * PageV14P047 ### ||| * الآية ### ||| * ( @QUR@08 ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ) (11) # * * * ### ||| ** مخاطر الاستغراق في عالم الحس # وهذه حقيقة إنسانية في التكوين الأولي للإنسان ، أو في الواقع العملي في ~~وجوده ، وذلك لارتباطه بالجانب الحسي للحياة وتطلعه إلى الصورة الظاهرة ~~فيها ، مما يجعله ينحرف نحوها دون حساب وتقدير ، تماما كما هو القفز من ~~موقع إلى آخر دون التدقيق في الهوة التي تفصل بين الموقعين ، وتفرض عليه ~~سلوك خط السلامة في طريق السير ، واكتشاف سبل جديدة ، مما يحتاج إلى وقت ~~طويل ، أو إلى تأمل عميق. وهكذا كان الإنسان يواجه دعوات الحق ، وأهداف ~~الخير في رسالات الأنبياء الذين كانوا يطرحون للناس نظام الحياة المرتكز ~~على الوحي الإلهي ، ويطلبون منهم الانسجام مع هذا الخط في أفكارهم وأقوالهم ~~وأفعالهم وعلاقاتهم ، ويحذرونهم من الانحراف عنه ، PageV14P048 # ويبشرونهم بالسعادة في الدنيا وبالجنة في الآخرة إذا أحسنوا الالتزام به ~~، وينذرونهم بالشقاء في الحياة وبالنار في الآخرة إذا أساؤوا السير على هداه. # ولكن الناس لا يدققون في فكر الدعوة ، ولا يتأملون في النتائج الإيجابية ~~والسلبية في ما يتحرك به التبشير والإنذار ، ولا يتروون في تحديد موقفهم من ~~حركة الرسالة ودعوات الرسل ، بل ينطلقون مع السطح الظاهر للأشياء ، ~~والنتائج المباشرة للواقع ، وتلح عليهم الدعوة إلى التفكير وعدم المبادرة ~~إلى السرعة في الإنكار ، ويظلون مشدودين إلى أوضاعهم الحسية ، فيستعجلون ~~العذاب الذي ينذرهم به الأنبياء ، ليتخلصوا من الإحراج ، أو ليتخففوا من ~~الإلحاح ، أو ليسخروا منهم ، لأنهم لا يعتقدون بجدية الموضوع ، فيطلبون أن ~~ينزل الله بهم العذاب ، كما قد يطلبون في ms3271 الحالات الطبيعية أن تنزل عليهم ~~السعادة ويهطل عليهم الخير وتفيض عليهم النعمة. إنهم يستعجلون ذاك كما ~~يستعجلون هذا ، لأنهم لا يفهمون معنى ارتباط المسببات بأسبابها ، وعلاقة ~~النتائج بمقدماتها ، وأن لكل شيء أجلا لا يعدوه ، وأن الله عند ما يعد ~~الناس بالخير أو يتوعدهم بالعذاب ، فإنه لا يستعجل الأمر قبل أوانه ، بل ~~يؤخره إلى أجل مسمى وفقا لما قدره للأشياء من أسباب وآجال تبعا لحكمته ~~الثابتة التي لا تهتز ولا تتزلزل. ولو عرف الإنسان كيف يفكر ليعرف النتائج ~~السلبية والإيجابية لخطواته العملية في الحياة ، لاستطاع أن يدرك الهول ~~العظيم لما يلاقيه من العذاب الذي لو التقى به ، لود أن يكون بينه وبينه ~~بعد المشرقين. # وهذا ما يمنعه من السير على الطريقة التي هي أقوم ، ومن الانفتاح على ~~البشارة والابتعاد عن أجواء الإنذار. # * * * PageV14P049 ### ||| ** شروط واقعية لتجنب السلبيات # ( @QUR@03 ويدع الإنسان بالشر ) ويطلبه في واقع أمره ، تخلصا من حالات ~~الترقب والانتظار والتفكير ، التي تربطه بالمستقبل الذي قد يأتي بعد وقت ~~طويل ، وبذلك يقع في كثير من الخسائر والهزائم والمشاكل ، لأنه لم ينتظر ~~الشروط الواقعية التي تنقذه منها أو من سلبيتها ، أو تبدلها إلى حالات ~~أفضل. ( @QUR@02 دعاءه بالخير ) كما يدعو بالخير في شوق ولهفة واستعجال ~~ليحصل على لذته ومنفعته في أقرب وقت. ولكن الإنسان لا يعي ما معنى استعجال ~~العذاب الذي يدمر مصيره ، ويحطم كل معنى للحياة فيه ، ولذلك يظل سادرا في ~~غيه ، فيرى أنه لا يمثل الحقيقة لأنه اعتاد على أن يكون مقياسها السرعة في ~~الوجود بشكل مباشر. # * * * ### ||| ** بين العجلة ومنطق الواقع # ( @QUR@03 وكان الإنسان عجولا ) تلك هي طبيعته التي يتحرك من خلالها ، ~~وهي الأساس للكثير من أخطائه وانحرافاته ومشاكله التي يتخبط فيها ، ولكن ~~ذلك لا يعني أنها الطبيعة الثابتة المتصلة بالتكوين الذاتي لوجوده ، بحيث ~~يكون التخلص منها تخلصا من جزء من ذاته ، بل هي الطبيعة المتحركة الناشئة ~~من ارتباطه بعالم الحس في حركة حياته ، فيمكن لها أن تهتز وتتراجع إذا أخذ ~~الإنسان بأسباب الفكر ، وتعامل مع الحياة بمنطق الواقع ، ودرسها من خلال ~~سنن الله ms3272 في الكون التي تفرض الانتظار سنة في بعض الأمور ، وعدة سنين في PageV14P050 # بعض آخر ، كما قد تفرض الانتظار مدة الحياة في ما يأتي في نهايتها أو بعدها. # وعلى ضوء ذلك ، لا بد من المعاناة والصبر وبذل الجهد من أجل الحصول على ~~الشخصية العاقلة المنفتحة المتأنية في انتظارها للقضايا الملحة ، المتأملة ~~في دراسة شروطها الواقعية ، على نهج الأمور الكونية الخاضعة لأكثر من مرحلة ~~سابقة على الوجود ، في عملية الوجود الفعلي لظواهرها. # * * * PageV14P051 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مبصرة ): مضيئة ومنيرة. # ( @QUR@01 لتبتغوا ): لتطلبوا. # * * * ### ||| ** الفضل الإلهي # أنها الحياة الخاضعة للحكمة في نظامها الكوني ، ففي كل ظاهرة سر ، PageV14P052 # وفي كل حركة حكمة. فالخلق ليس عبثا ، بل هناك قواعد تحكم كل شيء وتنظمه ~~وتفصله وتجعل كل الأمور مشدودة إليه ، مما يوحي للإنسان بأنه يعيش في كون ~~يتحرك ويقف بحساب ، ويجد فيه كل المنافع والغايات التي توجهه إلى وجهته ~~التي أراد الله أن يبلغها. وهكذا كان الليل والنهار آيتين من آيات الله ~~التي تحمل في مضمونها وحركتها أبلغ الدلالة على وجود الله وقدرته وحكمته ، ~~فهما ينقصان ويزيدان ويتعادلان ضمن معادلة كونية في حركة الأرض ونظام الشمس ~~، فلا ينحرفان عن خط التوازن قيد شعرة ، بل يلتزمان في حركتهما الكونية ~~الخط الدقيق الذي يسير باتزان وحكمة ودقة ، لينظم للكائنات وجودها ، وليؤمن ~~للإنسان الكائن الحي المتحرك شروط حياته في انطلاقة الشروق في الأرض ، حيث ~~يفتح النور كل عيونه ، وليعطي لكل موجود عينا مبصرة تحدق بما حولها ومن ~~حولها ، ليجد موارد رزقه ومصادره في الأرض التي تظهر له كل كنوزها ، ~~ليكتشفها في ما تخبئه في أعماقها من معادن وثروات وينابيع ، أو ليزرعها من ~~البذور التي تنمو وتخضر وتستطيل وتمتد ، فتمنحه الغذاء المتنوع من الخضرة ~~والفاكهة والحبوب الذي يمده بحيوية الحياة في داخله ، ويتحرك بما يفيده في ~~المجالات المختلفة المتنوعة ، سواء في عملية التواصل والتبادل بين أفراده ، ~~أو في طريقة السيطرة ms3273 التي يمارسها على ما خلقه الله من الحيوان في آفاق ~~الفضاء ، أو في أعماق البحار ، أو في أغوار الكهوف ، أو على سطوح الأرض وفي ~~سهولها وجبالها ، مما ينتفع بلحمه أو بجلده ، أو بلبنه ، أو بصوفه وشعره ~~ووبره ، أو مما ينتفع بركوبه أو بحمله الأثقال عنه أو غير ذلك من الخصائص ~~التي أودعها الله فيه من دواء أو غيره. وهكذا يجد في هذا النهار المبصر ، ~~العين الإلهية التي تفجر النور في الكون ، وتكشف عن عينيه كل غشاوات الظلام ~~الذي يمنع الرؤية. وهذا هو الفضل الإلهي في حركة الرزق وحماية الوجود وتنوع ~~الحياة. # * * * PageV14P053 ### ||| ** الإغفاءة الهادئة # وإذا جاء الليل ، فإنه يأتي بالظلام الذي تغيب فيه الأشياء عن النظر ، ~~وتنعدم فيه كل مظاهر التمايز بينها ، فليس هناك إلا هذا السواد الذي يلف ~~الكون كله ، حتى لتحس أنه قطعة واحدة ، لا تحمل أي شيء يوحي بالتنوع ، لولا ~~بعض الأجسام الضخمة التي تفرض ضخامتها على مواقع الإحساس ، عند ما تصطدم ~~بها بطريقة وبأخرى. ويهدأ الكون ، لأن الحركة التي يمنحها النور للموجودات ~~قد هدأت ، وآن للإنسان أن يستريح مع الكون ، ويأخذ لنفسه إغفاءة هادئة من ~~أجل أن يكتسب قوة جديدة ليوم عمل جديد ... وهكذا جعل الله الليل لباسا ~~والنوم سباتا ، كما جعل النهار نشورا. # * * * ### ||| ** آيتان للتفكر # ( @QUR@04 وجعلنا الليل والنهار آيتين ) كما هي الظواهر الكونية الأخرى ~~التي يريد الله أن يجعلها منطلقا للتفكير به ، والإيمان بوجوده نتيجة ما ~~يكتشفه الإنسان فيها من أسرار العظمة ودلائل الحكمة ، فيخشع للعظمة القادرة ~~الحكيمة ، ويتوازن في حركته أمامها ، لتستقيم للكون حكمته بخضوع الإنسان ~~العملي لله ، كما استقامت في خضوع الموجودات الكونية ، بحركة قوانينها ~~لخالقها العلي القدير. # ( @QUR@03 فمحونا آية الليل ) وما يمثله من السواد الحالك المنتشر على ~~سطح هذا الكون ، تماما كما هو السواد على الورق المتأتي مما يكتب عليه من PageV14P054 # حروف ، ويجيء النور ليمحو كل ذلك السواد ، لترجع صفحات الكون بيضاء نقية ~~لامعة. ( @QUR@04 وجعلنا آية النهار مبصرة ) من خلال ما يمثله البصر من ~~حركة النور في الأحداق ، فكأن النهار هو الذي يبصر ms3274 ، في ما يحتضنه من حركة ~~الشروق التي تمنح العيون معنى الإبصار بما تزيله من غشاوات الليل التي تمنع ~~الرؤية. ( @QUR@04 لتبتغوا فضلا من ربكم ) بما يفتحه الله لكم من خلال ~~النهار من أبواب الرزق في مختلف مجالات الحياة ، وذلك هو فضل الله الذي ~~يمنحه لعباده من تهيئة الأسباب الطبيعية لامتداد الحياة واستمرارها في ما ~~تحتاجه من غذاء وشراب وكساء وما إلى ذلك من الشؤون العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** التكامل بين الكون والإنسان # ( @QUR@04 ولتعلموا عدد السنين والحساب ) وهذه حكمة أخرى يستفيدها الناس ~~من نظام الليل والنهار ، فإن كل واحد منهما يمثل فاصلا زمنيا يحدد للإنسان ~~حجم الزمن ، ويجعل له نوعا من التمايز العددي ، الذي يمكن أن تتعدد فيه ~~السنون وغيرها من الأزمنة والأوقات ، وبذلك يمكن للناس أن ينظموا حساباتهم ~~في حركة العمر والمواعيد والأوضاع المختلفة في كل شؤون الحياة. وهكذا ينطلق ~~هذا النظام الكوني لينظم للناس طريقتهم في الحياة وليحصلوا على منافع كبيرة ~~وخير عظيم. وتلك هي قصة التكامل بين الكون والإنسان ، في ما يريد الله أن ~~يسخره له من خصائص الوجود التي تنمي له وجوده وتبني له حياته ، وما يريد ~~الله منه إلا أن ينسجم في حركته مع حكمة الله في الكون لئلا يفسد نظامه ~~بعبثه وانحرافه وتمرده. PageV14P055 # ( @QUR@04 وكل شيء فصلناه تفصيلا ) فلم يجعل الله أي شيء غامضا أمام ~~الإنسان ، في ما يريد الله أن يقيم الحجة به عليه أو أن يعرفه بوسائله التي ~~أعطاها له ، ولم يترك في الوجود شيئا إلا وأعطاه خصائصه وملامحه المميزة ~~التي يتميز بها عن بقية الأشياء ، لتتحقق لكل الأشياء نتائجها الإيجابية أو ~~السلبية من خلال ذلك. وقد أعطى الله للأشياء صفة الوضوح في أوضاعها الكونية ~~، سواء على مستوى الإنسان أو على مستوى الكون ، وحث على اكتشاف الأسرار ~~العميقة في الكون ، أو المسؤوليات العامة في الشريعة ، لأن التفصيل يتمثل ~~في طبيعة الأشياء في حركة الوجود والتشريع ، بحيث لو أراد الإنسان أن ~~يعرفها لما وجد هناك مانعا يمنعه من ذلك ، في مقابل الإجمال الذي يتمرد على ~~كل وسائل المعرفة. ms3275 # وتأتي هذه الآية في سياق الحديث عن الإنسان الذي يريد الله أن يهديه إلى ~~الحياة الأقوم من خلال المنهج الأقوم ، ومن خلال ما سخره له من وسائل ~~الهداية وأسباب الحركة وأجواء التوازن الكوني والعملي. # * * * PageV14P056 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا (13) @QUR@07 اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طائره ): أي عمله الذي طار عنه من خير وشر. # ( @QUR@01 منشورا ): نشر الكتاب بسطه. # ( @QUR@01 حسيبا ): رقيبا. # * * * ### ||| ** مصير الإنسان موكل إليه # ويتحرك المنهج الأقوم حين يؤكد القرآن على المسؤولية الفردية التي PageV14P057 # يتحملها الإنسان أمام الله ، فهو مسئول عن عمله ، لأن الله قد أودع عناصر ~~المسؤولية في خلقه من خلال ما خلق من العقل والإرادة وأدوات الحس التي يدرك ~~بها الأشياء ، وفي وحيه من خلال ما هداه الله إليه في ما يريد له أن يؤمن ~~به من الحق الذي يهدي إليه العقل من خلال الفكر ، وما يريد له أن يقوم به ~~من مسئوليات عملية يدركها بعقله أو سمعه أو بما يعرفه من وحي الله ، وبذلك ~~يتحمل المسؤولية من خلال الإرادة التي توحي له بالحركة ، وبالوسائل التي ~~يتمكن بواسطتها من الحفاظ على هذه الأمانة. # وقد نجد في هذه المسؤولية نوعا من أنواع التكريم الإلهي للإنسان ، لأنه ~~أوكل إليه أمر تقرير مصيره الدنيوي والأخروي بنفسه ، وبذلك كانت إرادة الله ~~أن يدير الكون ، ويدير نفسه من خلال نفسه في خط المسؤولية ، مما يوحي ~~بالتقييم الكبير لدوره المتحرك الفاعل المسؤول. وهذا ما تريد الآية أن ~~تثيره في وعي الإنسان ووجدانه ، في طبيعة علاقة المسؤولية بمصيره وفي ~~الموقف الأخروي الحاسم الذي يواجه فيه النتائج الإيجابية أو السلبية بنفسه ~~، فيحكم لنفسه أو عليها ، من موقع التقرير الدقيق الذي يسجل كل الأشياء ~~الصغيرة والكبيرة من قوله وفعله ، ليقرأه بكل وضوح وإذعان. # ( @QUR@06 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه )، والطائر هو التعبير ~~الكنائي عن المصير الشقي ، أو المصير السعيد ، تبعا لما كان يتشاءم به ~~الناس أو يتفاءلون به من أنواع الطيور التي يعتبرونها طيور نحس ms3276 أو طيور سعد ~~، فكأن الله يريد أن يوحي للإنسان بأن مصيره لا يأتيه من خارج ذاته أو هو ~~مرتبط بالحظ الذي يحمل له السعادة أو الشقاء دون أن يكون له دخل في ذلك ، ~~بل هو متصل بحركة وجوده ، من خلال عمله ، وبذلك فإنه معلق في عنقه ، وهذا ~~ما يوحي به التعبير من معنى المسؤولية اللازم له ، باعتبار أن العنق لا ~~يفارق الإنسان ما دام حيا بخلاف الأعضاء الأخرى. # * * * PageV14P058 ### ||| ** الكتاب المنشور # ( @QUR@07 ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) فقد أحصى الله عليه ~~كل ما فكر فيه أو قاله أو عمله من أمور الحق والباطل والخير والشر ، من ~~خلال علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة ، ومن خلال ملائكته الحفظة ، وأودع ~~ذلك كله في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وسيقدم له هذا ~~الكتاب منشورا لا يحتاج في قراءته إلى أي جهد من تقليب الصفحات ، وسيطلب ~~منه أن يقرأه ، ليسترجع من خلاله كل ذكرياته ، في كل مفردات حياته في ~~الدنيا. # ( @QUR@02 اقرأ كتابك )... وستتأكد وتشاهد في ما يفتحه أمامك من آفاق ~~الماضي السحيق كل صفحات حياتك ، وستعرف بعد ذلك كيف تحاسب نفسك وكيف ~~تحاكمها لتصدر الحكم لها أو عليها. لذلك لن تحتاج إلى حسيب أو حاكم ، فأنت ~~الحسيب وأنت الحاكم وأنت المحكوم ، لأن المسألة قد بلغت من الوضوح حدا لا ~~تحتاج فيه إلى شهود ، ولا تتجمد فيه أمام شبهة أو إشكال. ( @QUR@05 كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا ) فانظر كيف تواجه الموقف غدا ، من خلال ما تتحرك ~~به اليوم من أعمال الخير أو الشر ، أو مواقف الحق أو الباطل. # * * * PageV14P059 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تزر ) الوزر : هو الحمل الذي يثقل الإنسان. # * * * ### ||| ** تعميق حس المسؤولية # في هذه الآية ثلاث حقائق قرآنية تتصل بخط المسؤولية في حياة الإنسان : # الحقيقة الأولى : وهي التي تقررها الفقرة الآتية : ( @QUR@04 من اهتدى ~~فإنما يهتدي PageV14P060 # @QUR@06 لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها )، وخلاصتها ms3277 أن الهدى والضلال ~~خطان فكريان عمليان يتصلان بالإنسان في النتائج الجيدة التي يمثلها الهدى ، ~~أو في النتائج السيئة التي يمثلها الضلال ، لأن الهدى يربطه بمواقع الخير ~~في الدنيا والآخرة ، بينما يؤدي به الضلال إلى مواقع الشر ، أو إلى ~~الابتعاد عن مواقع الخير على الأقل ، الأمر الذي يوجب وصول النفع والضرر ~~إليه. أما الله سبحانه فإنه لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه ~~، ولذلك ، فإن من المفروض أن يفكر الإنسان في المسألة بطريقة ذاتية تحسب ~~حساب الربح والخسارة في الحياة من مواقع الذات ، كما يفكر بطريقة مبدئية ~~منطقية ، الأمر الذي يعمق حس المسؤولية لديه من أكثر من جانب. # * * * ### ||| ** بين التقاليد الجاهلية والمفهوم الإسلامي # الحقيقة الثانية : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقد جاءت كلمة ~~«وزر» في هذه الفقرة على سبيل الكناية عن الخطيئة التي يمارسها الإنسان ، ~~أو الخطأ الذي يقوم به ، ولا يحمل غيره مسئولية ذلك أيا كانت صفته أو طبيعة ~~العلاقة التي تربطه به من قرابة وزوجية وغيرهما ، من دون فرق بين مجازاته ~~في الدنيا ، أو في الآخرة. # وقد نستوحي من ذلك ، انسحاب المبدأ إلى الجانب المعنوي من العلاقات ~~الخاصة والعامة ، كما في مسألة الشرف التي قد يراها البعض ، ممن يتحركون في ~~أجواء الجاهلية العائلية أو القبلية ، خاضعة في الجانب السلبي لانحراف فرد ~~من العائلة أو القبيلة ، فإذا أخطأت امرأة مثلا بعلاقة غير شرعية PageV14P061 # كالزنى ، فإن أهلها وعائلتها يعتبرون ذلك عارا عليهم ، فيبادرون إلى غسل ~~العار يقتلها ، على أساس أنه لا يغسل إلا بالدم ، وقد يتحول هذا المفهوم ~~إلى حالة وحشية ، تضغط على المشاعر بطريقة همجية تؤدي إلى وأد البنات ، ~~لأنهم يخافون من العار إذا امتد العمر بالبنت فبلغت سن الشباب ، ووقعت ~~أسيرة لدى الأعداء ، فيسيء ذلك إلى شرفهم كما يدعون. وقد تنفجر هذه العقدة ~~في المبادرة إلى قتل الفتاة أو المرأة ، لمجرد اتهامها بالزنى ، وإن لم ~~يثبت ذلك بطريقة شرعية. # إلا أن هذا المفهوم الإسلامي المرتكز على خط العدالة ، يؤكد لنا خطأ هذا ~~السلوك ، ويقرر فردية الشرف ms3278 ، فللمرأة شرفها الشخصي الذي يتعلق بها ولا ~~يمتد إلى غيرها سلبا أو إيجابا ، وللرجل شرفه الشخصي كذلك ، على أساس طبيعة ~~السلوك الذاتي الصادر عنهما ، ولا علاقة لأحد بالآخر في هذا المجال ، ولا ~~فرق في ذلك بين الرجل والمرأة ، بينما نرى المفهوم الجاهلي يفرق بينهما ، ~~فيعتبر انحراف المرأة موجبا للعار على الأهل ، ولا يرى انحراف الرجل كذلك ، ~~لأنه قد يرى في الزنى الذي يمارسه الرجل مظهرا للقوة لا للضعف ، لأنه ~~العنصر الفاعل الإيجابي في هذه العملية ، أما المرأة فتمثل الجانب السلبي ~~الذي يعبر عن مظهر ضعف وانسحاق للشخصية. # وقد نجد من الضروري التأكيد على هذه المسألة في التربية الخلقية للإنسان ~~المسلم ، بحيث تتحول الحالة الأخلاقية لديه إلى حالة شعورية وفكرية ، فلا ~~يتأثر بما حوله من التقاليد الجاهلية في سلوكه العملي ، بل يكون الحكم ~~الشرعي هو الأساس في بناء عاداته وتقاليده الخاصة والعامة ، حتى لا يعيش ~~الازدواجية بين ما تفرضه الشريعة من مسئوليات ، وبين ما تفرضه التقاليد من ~~عادات وانفعالات ، وقد يخضع لضغط التقاليد أكثر مما يخضع لتأثير الشريعة. # * * * PageV14P062 ### ||| ** فكرة للتأمل # وقد يثأر في هذا المجال الحديث المأثور الذي يقول : «العامل بالظلم ~~والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم» (1).. والكلمة المأثورة عن الإمام ~~علي عليه السلام في نهج البلاغة : «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم. وعلى ~~كل داخل في باطل إثمان : إثم العمل به ، وإثم الرضا به» (2). فقد يرى فيه ~~البعض انحرافا عن المفهوم الذي نستوحيه من الآية في فردية المسؤولية ، لأن ~~اعتبار الراضي بالظلم أو بالعمل المنحرف شريكا للظالم والمنحرف ، يعني تحمل ~~البريء ذنب المجرم. # ولكن التأمل البسيط في المسألة لا يوحي بذلك ، فإن الرضا عبارة عن مشاركة ~~ولو على المستوى النفسي في عملية الظلم ، والإسلام يريد اقتلاع الظلم من ~~جذوره الفكرية والشعورية ، مما يجعل من الرضا بالظلم جريمة معنوية داخلية ، ~~تشوه روحية الراضي ، وتعده ليكون مشروع ظالم مستقبلي ، من خلال ما يمثله ~~الرضا من اعتبار الظلم لديه حالة طبيعية لا تثير في فكره أية حالة سلبية ~~مضادة ، بل تثير حالة شعورية ms3279 إيجابية ، الأمر الذي يجعله يمارس الظلم لدى ~~أول فرصة للقوة تمكنه من الظلم ، كما أنها تحقق للظالم حماية معنوية تحرس ~~له ظلمه ، إذ إنها تحيطه بالمشاعر الحميمة التي تقوي نفسيته وتدعم موقفه. ~~وهذا ما عبر عنه الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : «إنما ~~يجمع الناس الرضا والسخط. وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد ، فعمهم الله ~~بالعذاب لما عموه بالرضا» (3). PageV14P063 # ويقتصر جزاء هؤلاء على العقوبة الإلهية في الآخرة أو في الدنيا وذلك بما ~~ينزله الله من العذاب عليهم ، أو على الرفض المعنوي لهم من قبل الناس ، ~~فيذمونهم على ذلك ، ولا يمتد إلى معاملتهم بما يعمل به الظالم من عقوبات ~~جزائية أو جنائية ، فلا يقتل الراضي بالقتل كما يقتل القاتل ، ولا يرجم أو ~~يجلد الراضي بالزنى كما يحدث للزاني. وهكذا نجد أن الجانب القانوني للمسألة ~~على مستوى الشريعة ينسجم مع خط الآية ، فلا يحاسب الإنسان من ناحية قانونية ~~على أفكاره ومشاعره المنحرفة في ما يتصل بالتعاطف مع الانحراف نفسيا من دون ~~أن يشارك فيه ، بل يكفي في ذلك الذم المعنوي والإنكار النفسي والفكري. # * * * ### ||| ** انسجام السياسة الإسلامية مع الأخلاق # وفي هذا الجو ، نريد أن نثير بعض الأوضاع التي دخلت إلى ساحة السلوك ~~العملي للإنسان المسلم ، في حركة الواقع السياسي ، مما ينحرف عن خط العدالة ~~الذي تقرره هذه الآية. فقد شاع في عصرنا الحاضر خطف إنسان بريء وحجز حريته ~~، لأن شخصا من طائفة المخطوف الدينية أو من حزبه السياسي ، قد خطف شخصا من ~~طائفة هذا الخاطف ، كما شاع خطف طائرة تابعة لبلد معين ، وحجز ركابها ، ~~وتهديدهم بالقتل ، أو قتلهم في بعض الحالات ، لمجرد أن هذا البلد الذي يملك ~~الطائرة يحتجز بعض أصحاب الخاطف أو محازبيه ، أو لأن ذلك يمثل عنصر ضغط على ~~وضع سياسي معين ، أو الإعلان عن حالة سياسية أو إنسانية خاصة أو عامة. وقد ~~أصبح هذا الواقع أسلوبا متبعا في العمل السياسي ، وأداة من أدوات الضغط ، ~~حتى أنه اعتبر PageV14P064 # طابعا مميزا في بعض المجالات للعمل الإسلامي ، من خلال ما ms3280 يثيره الاعلام ~~المضاد من حركة الإرهاب الديني كما يسميه في هذا الاتجاه. # بيد أننا نثير هذه المسألة في أجواء هذا المفهوم الإسلامي للعدالة الذي ~~تثيره الآية لنؤكد على ضرورة انسجام الأسلوب السياسي للعمل الإسلامي الحركي ~~، مع الخط الأخلاقي للإسلام. # وقد يرى البعض أن مثل هذا الأسلوب يحمل كثيرا من الإيجابيات الواقعية ~~للتحرك الإسلامي ضد الظلم والاستكبار والكفر ، في خط المواجهة ، للتخلص من ~~الضغوط القاسية الصعبة التي يقوم بها الظالمون والكافرون والمستكبرون ضد ~~المستضعفين من المسلمين أو من غيرهم من الشعوب المضطهدة ، لأن المسلمين لا ~~يملكون القوة التي يملكها أولئك ، فيضطرون إلى مواجهتهم بما يملكون من ~~عناصر القوة التي تمثل عناصر ضعف لدى الآخرين ، وبذلك يمكن إخضاع المسألة ~~إلى القاعدة الأصولية العقلية ، التي تؤكد تقديم المصلحة الأهم على المفسدة ~~التي لا تبلغ درجة الأهمية ، فتؤدي إلى تجميد الحكم الشرعي التحريمي لمصلحة ~~الحكم الشرعي المرخص ، كما ورد في جواز قتل الأسرى المسلمين الذين يتترس ~~الكفار بهم في الحرب لمنع المسلمين من النصر ، أو في جواز الدخول إلى الأرض ~~المغصوبة لإنقاذ غريق أو إطفاء حريق. وعلى ضوء ذلك ، فإن المسألة تأخذ ~~بعدها الشرعي الذي لا يجعل منها عملا منحرفا عن خط الشريعة. # إننا قد لا ننكر وجود بعض الإيجابيات في هذه الأمور ، ولكننا نواجه كثيرا ~~من السلبيات في مقابل ذلك ، مما قد يترك انطباعا سلبيا على مستوى الدعوة ~~الإسلامية ، إذ إنه يؤدي إلى تشوية صورة الإسلام لدى الآخرين ، أو إلى ردود ~~فعل مضادة على المسلمين في مجال آخر. ولذلك فلا بد من الموازنة بين ~~الإيجابيات والسلبيات ، وعدم اللجوء إلى هذا الأسلوب إلا في PageV14P065 # الحالات الصعبة جدا التي لا مجال فيها للتخلص من الاضطهاد السياسي إلا ~~بهذه الطريقة ، مما يفرض الاحتياط التام والاقتصار على مواطن الضرورة ~~القصوى التي تحمل الأهمية الكبرى التي يصغر أمامها كل شيء ، حتى لا يتحول ~~الأمر إلى ما يشبه الأسلوب السياسي العملي للمسلمين. # * * * ### ||| ** العذاب بعد إقامة الحجة # الحقيقة الثالثة : وتمثلها الفقرة الآتية : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ) وخلاصتها أن ms3281 الله لا يعذب أحدا من الناس إلا بعد أن يقيم ~~الحجة عليهم بإرسال الرسل الذين يبلغونهم رسالات الله ( @QUR@010 ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) [الأنفال : 42] وهذه قاعدة عامة يؤكدها ~~الحكم العقلي الفطري في القاعدة المعروفة «قبح العقاب بلا بيان». وقد لاحظ ~~البعض أن الآية تتحدث عن حالة تاريخية في ما كان ينزله الله من عذاب دنيوي ~~على الكافرين به وبرسله ، ولا تتحدث عن طبيعة المسألة على سبيل القاعدة ~~الكلية ، ولكننا نلاحظ على ذلك أن أسلوب هذه الآية يوحي بأن هذا الأمر مما ~~لا يليق بالله أن يفعله ، لأنه لا ينسجم مع عدالته ورحمته ، مما يجعل ~~المسألة منطلقة على سبيل القاعدة. # وقد ذكر الأصوليون ، بأن بعث الرسول كناية عن إقامة الحجة في ما تتوقف ~~فيه المعرفة على إرسال الرسول. أما بخصوص ما يستقل به العقل ويتمكن من ~~الوصول إليه بوسائله الخاصة من خلال أدوات المعرفة الحسية أو غيرها ، فإن ~~الله يعتبر العقل حجة على الإنسان. وقد ورد في بعض الأحاديث المأثورة أن ~~العقل هو «الرسول الباطني» وأنه «رسول من داخل ، كما أن PageV14P066 # الرسول عقل من خارج». # وعلى هذا الأساس ، فإن الذين يتمكنون من البحث والتفتيش عن الحق ، ~~ويعرفون اختلاف الناس فيه ، لا يكونون معذورين إذا امتنعوا عن الفحص ~~والتعلم وأصروا على العناد في هذا الموقف ، لأن قيام الحجة لا يتوقف على ~~الوصول الفعلي ، بل يكفي فيه إمكانية الوصول بحيث لو بحث الإنسان عن الحق ~~لوصل إليه ، لأن الحقيقة الإلهية في متناول يديه. أما الذين لا يستطيعون ~~تحصيل المعرفة لأنهم لا يملكون وسائلها ، أو لم يلتفتوا إليها لأنهم لم ~~يسمعوا بأي مضمون من مضامين الرسالة ، كما في الذين يعيشون في مجاهل الدنيا ~~، أما هؤلاء فهم معذورون في عدم الإيمان بالحق بتفاصيله في ما لا يستقل ~~العقل به ، أما ما يستقل به العقل ، كالإيمان بالله أو بتوحيده ، فلا بد من ~~تحصيل المعرفة به ، بتوجيه التفكير إليه ، وعدم مواجهته بطريقة اللامبالاة ~~الفكرية. # * * * PageV14P067 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ms3282 ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مترفيها ): المترف : المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع منه. # ( @QUR@01 فدمرناها ): أهلكناها # * * * ### ||| ** شروط النجاح والهلاك # في هذه الآية حديث عن قانون اجتماعي من القوانين التي ركز الله الحياة ~~عليها ، وهي تكشف أسباب هلاك الأمم ، وتدمير المجتمعات. فقد جعل الله ~~للحياة قاعدة تتحرك من خلالها ، فالنجاح يتحقق إذا انطلقت الحركة من قاعدة ~~الحق والعدل والخير ، حيث تسود النظرة المتوازنة وعنصر الانضباط في علاقة PageV14P068 # القاعدة المؤمنة بالقيادة الصالحة ، فلا مجال للهوى أو العبث أو البغي أو ~~الفساد ، بل هناك النظام الذي يحكم القيادة في قيادتها للأمة ، ويحكم الأمة ~~في التزامها بتعليمات القيادة. وبذلك تتوازن الحركة ويستقر الواقع ، وتتطلع ~~الحياة إلى مستقبل قوي زاهر. أما إذا انطلقت الحركة من قاعدة الباطل والظلم ~~والشر ، التي تلتقي بفقدان التوازن في النظر إلى الأشياء ، وانعدام ~~الانضباط في طبيعة العلاقات ، فهناك الحكم الذي يخضع للمزاج ، والحركة التي ~~تنطلق وفق الهوى ، والحياة التي يعبث بها الفساد ، ويسيطر عليها البغي ~~والعدوان ، فإذا اجتمعت هذه الشروط ، كان مستقبل الناس الهلاك والدمار. # * * * ### ||| ** المترفون غايتهم الاستمتاع # ( @QUR@05 وإذا أردنا أن نهلك قرية ) فالإرادة الإلهية تتعلق بالأشياء ~~على أساس قانون السببية الذي أقام الله الكون عليه ، فإذا توفرت أسباب ~~الهلاك لهذه القرية أو تلك ، من خلال الظروف المحيطة بها ، والأعمال التي ~~تحدث فيها ، والعلاقات السيئة التي تحكمها ، فلا بد من أن يحصل المسبب وهو ~~الهلاك كنتيجة حتمية للقانون الكوني ، ( @QUR@01 مترفيها ) والمترفون هم ~~الذين يعيشون حياة الترف المتمثلة في إرواء ظمأ الحس من اللذة ، وإشباع جوع ~~الغريزة من الاستمتاع ، والأكل والشرب ، وتحويل الطاقات كلها نحو الحصول ~~على الجاه والوصول إلى مواقع الفساد ، بحيث يعتبر ذلك كله القيمة المثلى ~~التي تسقط أمامها كل القيم ، فلا قيمة لغيرها ، ولا حركة للعلاقات ~~الإنسانية إلا من خلالها. وهؤلاء المترفون هم الذين ينشرون الفساد ، لأنهم ~~لا يطيقون الحياة مع الصلاح والمصلحين ، ولا ينسجمون مع أفكارهم وأوضاعهم ، ~~ولا يستجيبون إلا لشهواتهم PageV14P069 # وأطماعهم ، بل قد يقفون ضدهم في عملية صراع عنيف ، ولذلك فإن المترفين ms3283 ~~يعملون على إخضاع الحياة لعناصر اللهو والعبث والفجور وتهيئة الأجواء ~~الملائمة لطريقتهم في الحياة ، ويثيرون الفساد في كل المجالات الفكرية ~~والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، بحيث يتحول الواقع إلى ما يشبه الفوضى ~~في ميزان القيم ، كنتيجة لانحراف الموازين عن خط الحق والاستقامة والإصلاح ~~، بحيث يصبح المعروف منكرا ، والمنكر معروفا. # * * * ### ||| ** فهم أمر الله للمترفين # ولكن كيف نفهم أمر الله للمترفين؟ # هناك تفسيران في هذا الصدد : الأول : أن المقصود بالأمر التكليف التشريعي ~~، فيكون المعنى أمرنا بالطاعة ، فلم يمتثلوا بل فسقوا ، كما يقال : أمرت ~~فلانا فعصاني ، وبذلك لا يكون في الآية أي إشكال من هذه الجهة ، لأنها تكون ~~منسجمة مع الموازين الفكرية الإسلامية. # الثاني : أن متعلق الأمر هو الفسق ، فيكون المعنى : أمرناهم بالفسق ~~ففسقوا فيها ، كما يقال : أمرته فأكل ، وهنا يأتي الإشكال : كيف ينسجم هذا ~~مع الخط السليم للعقيدة ، فكيف يأمر الله بالفسق كما جاء في قوله تعالى : ( ~~@QUR@022 وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون )؟ [الأعراف : 28]. # وقد ذكر في الجواب عن ذلك ، أن الأمر بالفسق ليس أمرا تشريعيا ، بل ~~المقصود به الأمر التكويني الذي يرادف الإرادة التكوينية التي تتعلق بأفعال PageV14P070 # العباد بشكل غير مباشر ، وذلك بتهيئة الأسباب الواقعية التي لا يستطيع ~~المترفون الفسق بدونها ، من القوة البدنية والفكرية والمال والسلاح والجاه ~~والشهوات ، ولكن ذلك لا يجعل من الفسق أمرا حتميا ، لأن بإمكانهم أن ~~يسخروها في الطاعة والخير ، وفق ما أراد الله لهم بالالتزام بالتشريع. فإذا ~~استعملوها في طريق الفسق ، كان الفعل مرتبطا بالله من ناحية أنه السبب ~~الأعمق الذي ترتبط به الأعمال ، وأنه الذي ربط بين السبب والمسبب ، غير أن ~~الإنسان هو الذي يحرك السبب نحو المسبب ، فيكون هو العنصر المباشر الذي ~~يتحمل المسؤولية ، لأن الله جعل له الحرية بين الفعل وعدمه. وهذا أسلوب ~~قرآني ، أشرنا إليه في كل مورد أسند فيه الفعل الصادر من الإنسان مباشرة ~~إلى الله. # ولعل التفسير الثاني هو الأقرب إلى ظاهر الآية ، كما نلاحظ ذلك ms3284 في دراسة ~~هذا التعبير من خلال التعبيرات المماثلة التي حذف فيها متعلق الأمر للدلالة ~~عليه بالفعل المسبوق بالفاء ، الذي يوحي بانفعال الفاعل بتحقيق الأمر ~~المتوجه إليه ، بينما نجد التفسير الأول بعيدا عن الفهم العرفي ، بالإضافة ~~إلى إنه لا وجه لاختصاص المترفين بتوجيه التكليف إليهم وعصيانهم له ؛ والله ~~العالم. # ( @QUR@03 فحق عليها القول ) الإلهي الذي تفرضه سننه الكونية ، ( @QUR@02 ~~فدمرناها تدميرا ) وأهلكناها بكل مظاهر الهلاك الروحي والفكري والاجتماعي ~~والسياسي ، جزاء لها على ذلك كله. # وخلاصة الفكرة ، التي تريد أن توحي بها الآية ، أن الله لا يريد إهلاك ~~أية قرية إلا بعد أن يتحرك فيها المترفون الذين يستغلون النعم التي أغدقها ~~الله عليهم في الفساد والإفساد اللذين يؤديان إلى الدمار الشامل. # * * * PageV14P071 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 القرون ): الأحقاب الماضية. # * * * ### ||| ** تجاهل العبر # وتلك هي سنة الله التاريخية التي مرت القرون وتتابعت ، وهي تفرض نفسها ~~على حركة التاريخ في حياة البشر ، الذين يستغرقون في الشهوات ، PageV14P072 # ويخلدون إلى الأرض ، ويبتعدون عن الله وعن رسله ، في ما أوحى به إليهم من ~~رسالاته. فقد أهلكهم الله بأكثر من وسيلة وبأكثر من مظهر. ( @QUR@04 وكم ~~أهلكنا من القرون ) من الذين عاشوا ( @QUR@03 من بعد نوح ) ممن أرادهم الله ~~أن يبدءوا الجيل الجديد للبشرية الذي يخلف قوم نوح ، الذين كفروا وطغوا ~~وتجبروا ، فأغرقهم الله وأهلكهم بالطوفان ، ولكن هؤلاء الذين جاؤوا من ~~بعدهم ، لم يعتبروا ولم يستفيدوا من تاريخ أولئك الذين دمرتهم ذنوبهم ~~بإرادة الله ، الذي يعلم كل شيء مما يفعله الناس في سرهم وعلانيتهم. ( ~~@QUR@06 وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) لأنه وحده المطلع على الحياة ~~كلها ، فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # * * * PageV14P073 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا ~~له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) @QUR@012 ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) @QUR@012 كلا نمد هؤلاء ~~وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) @QUR@011 انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على ms3285 بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) @QUR@09 لا تجعل مع ~~الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 العاجلة ): الدنيا. # ( @QUR@01 يصلاها ): يدخلها ، أو بمعنى يحترق بنارها. # ( @QUR@01 مذموما ): ملوما. # ( @QUR@01 مدحورا ): الدحر : الإبعاد. # ( @QUR@01 مخذولا ): أي ليس له من ينصره. # * * * PageV14P074 ### ||| ** مصير الإنسان رهن إرادته # وهذا حديث عن تأكيد ارتباط مصير الإنسان بإرادته في مضمونها وحركتها وفي ~~الواقع ، بحيث يحدد الله له النتائج السلبية أو الإيجابية في الدنيا ~~والأخرى من خلال طبيعتها ، مما يجعل من مسألة الحرية في الاختيار للإنسان ، ~~مسألة تتصل بالمعنى العميق لوجوده. # ( @QUR@04 من كان يريد العاجلة ) والظاهر أن المراد بها الدنيا التي ~~تختنق داخلها كل أفكاره وتطلعاته ومشاعره ، ولا يفهم للسعادة معنى إلا ما ~~يتصوره من نعيم السعادة الدنيوية ، فلا يفكر ولا يتطلع إلا إلى الطمأنينة ~~وراحة العيش. وهكذا نجده ينظر من هذا المنظار إلى القضايا والغايات ~~والأهداف ويعالج المشاكل والحلول في واقع هذه الحياة ، فليست هناك بنظره ~~مشاكل مستقبلية تتجاوز حدود هذه الدنيا من قريب أو من بعيد ، فهي البداية ~~وهي النهاية. ولعل التعبير القرآني الوارد في آية أخرى ، يقدم نموذجا عن ~~ذلك : ( @QUR@06 ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) [الأعراف : 176] بما ~~تمثله كلمة الإخلاد إلى الأرض وما تعنيه من الالتصاق بها ، والاستسلام ~~لطبيعتها والاستغراق في داخلها ، والتحديق في أبعادها ، بحيث لا ينظر إلى ~~أي أفق آخر بعيدا عنها فهي القيمة وهي المثال في ميزان طموحات الشخصية ~~وخصائصها. إن الإنسان الذي يعيش هذه الروح الغارقة في وحول الأرض لن يخيب ~~أمله في ما يريد ، بل سيحقق الله له ما يريده منها تبعا لمشيئته وحكمته ، ~~وهذا ما عبرت عنه الفقرة التالية ( @QUR@07 عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ~~) فلن يعطيه الله كل ما يريده ، بل سيختار له ما يتفق مع طبائع الأشياء ~~وأسبابها دون أن يتجاوز سننه الكونية لمجرد تحقيق رغباته ، وقد لا يحقق ~~الله ذلك لكل امرئ ، لأن خصائص الواقع الذي يحيط به لا تسمح بذلك. # وقد يتساءل البعض تعليقا على ذلك : إذا كانت القضية متعلقة بالأسباب PageV14P075 # الطبيعية الكامنة في حركة الأشياء ms3286 ، فكيف نفهم نسبة الله التعجيل إلى ~~فعله لبعض الناس دون البعض الآخر؟ ونجيب على ذلك بما أجبنا عنه في أمثاله ، ~~بأن إرادة الله للأشياء ، لا تعني دائما مباشرته لها ، بل يتحقق ذلك من ~~خلال سننه. ثم لماذا نفكر دائما باستبعاد علاقته تعالى بالسنن الكونية التي ~~يتحرك من خلالها كل شيء في الكون ما دام الله قد أقام الحياة كلها عليها؟ # ( @QUR@07 ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا )... وهذا هو جزاء ~~الذي ينكر الله ورسالاته ورسله واليوم الآخر ، أو لا يعمل في هذا الخط ، بل ~~ينحرف عنه إلى أجواء التمرد والعصيان ، فقد أقام الله عليه الحجة في ذلك ~~كله ، فلا عذر له في ما عمله من شر أو انتسب إليه من باطل ، لهذا سيحترق في ~~نار جهنم وهو مذموم لسوء فعله ، ومطرود لانحراف إيمانه. # ( @QUR@08 ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ) وهو الذي فهم ~~الحياة الدنيا فهما عميقا خاصا ، ينطلق من فهمه لمسألة الإيمان الذي يرى في ~~الدنيا مزرعة الآخرة ، فليس المطلوب منه أن يترك طيباتها وشهواتها ولذائذها ~~أو يبتعد عن قضاياها ، بل المطلوب منه أن لا يستغرق فيها من خلال هواه ، ~~ولكن ينطلق فيها من خلال خوفه مقام ربه ، وملاحظته العلاقة بين الممارسة ~~العملية في الدنيا وبين النتائج السلبية والإيجابية في الآخرة ، ليظل في ~~عملية اتصال دائم وثيق بالخط المتوازن من خلال ما يوحي به العقل ويتحرك به ~~المنطق ، مما يجعل من الآخرة ، التي يتمثل فيها رضوان الله ونعيم الجنة ، ~~هدفا لكل أعمال الدنيا ، لتكون دنيا الإنسان الحسية ، آخرة بمعنى انطلاقها ~~من رضوان الله. ولكن المسألة ليست إرادة تعيش في الأعماق ، بل هي الإرادة ~~التي تدفع نحو العمل ، وتقود إلى الهدف ، لتعيش الحركة الفاعلة المتصلة ~~بالخط الذي يربط الدنيا بالآخرة ، حيث يتركز الإيمان في عمق الشخصية ، لأن ~~السعي إلى الآخرة من خلال طبيعة العمل الصالح الذي ينسجم مع الخط الإيماني ~~، هو الذي يحقق الغاية التي حددها الله ، إذ لا بد من أن يكون الساعي إلى ~~الآخرة مؤمنا ، PageV14P076 # لأن المسألة ms3287 في المفهوم القرآني هي أن يكون الخط العملي منطلقا من الخط ~~الروحي والخط الفكري الإيماني ، ليكون له جذوره الضاربة في أعماق النفس ~~الإنسانية. # * * * ### ||| ** رحمة شاملة # ( @QUR@04 فأولئك كان سعيهم مشكورا ) فإن الله يشكر للمؤمن الذي يريد ~~الحصول على رضاه في الدنيا والآخرة ، ويعمل في سبيل ذلك بكل ما يملكه من ~~جهد وطاقة وإيمان ، ويعطيه من فضله ما يريد دون تحديد ، لأن الجزاء هنا ~~يلتقي بالعمل ، فلا ينقص حجمه عنه ، بل قد يزيد عليه ، إذ يمنح الله ~~الإنسان فضلا يضاعف له فيه الثواب العظيم. # ( @QUR@07 كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) الذي يمنح عباده العطاء ~~الجزيل الذي يريدونه من شؤون الدنيا والآخرة ، وذلك رحمة منه تشمل المؤمن ~~والكافر والمطيع والعاصي ، بعيدا عن موضوع الاستحقاق المؤسس على قاعدة ~~العمل ، لأن رحمته تنطلق من قاعدة التفضل التي تحركت الحياة كلها من خلالها ~~، تماما كما هي الشمس تطلع على البر والفاجر ، وكما هو المطر يهطل على ~~الأرض الخصبة والأرض الجديبة ، وكما هو الينبوع يتدفق من طبيعة العطاء في ~~ذاته. إنه العطاء الإلهي الذي يتدفق وينهمر ويمتد بالرحمة على أساس الحكمة ~~، ناهيك عن أن الله سبحانه وتعالى يربي عباده بالرحمة في نعمه ، كما يربيهم ~~بالنقمة في عذابه. # ( @QUR@05 وما كان عطاء ربك محظورا ) في طبيعته ، وفي مواقعه لدى الحياة ~~والإنسان. # * * * PageV14P077 ### ||| ** كيف نفهم تفضيل الله للناس ، بعضهم على بعض؟ # ( @QUR@06 انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) في الرزق من خلال الخصائص التي ~~أودعها الله فيهم ، وميزهم بها من قدرة في الفكر والقوة والحركة والظروف ~~المحيطة بهم ، فإن الحياة لا يمكن أن تنمو وتتنوع وتتطور إلا باختلاف مواقع ~~الإنسان وتنوع درجاته ، لتتكامل في خصائص القوة التي تتوزع على الأشياء ~~والأشخاص ، فيعطي هذا من قوته للآخر ، وتتفاعل خصائص هذا بخصائص ذاك. ومن ~~هنا نستطيع أن نقرر الفكرة التي تقول : إن التفضيل في الدرجات في الحياة لا ~~ينطلق من تفضيل في القيمة ، ليعيش الإنسان الذي يملك الدرجة العليا الإحساس ~~بأن ذلك تكريم من الله له ، ويعيش الإنسان الذي يقف في الدرجة السفلى ms3288 ~~الإحساس بأن ذلك تحقير من الله له ، فإن هذا الشعور لدى هذا أو ذاك ليس ~~دقيقا ، فقد يكون صاحب الدرجة السفلى في الرزق أقرب إلى الله من صاحب ~~الدرجة العليا ، بل ينطلق التفضيل من الحكمة الإلهية في توزيع حاجات الحياة ~~على الناس والمواقع والأشياء وفق الخصائص الذاتية التي تتميز بها ~~الموجودات. وبذلك يكون حال الإنسان المتميز في النعم التي يغدقها الله عليه ~~، كحال الأرض المتميزة بالخصب ، والشجرة الحافلة بالشهي من الثمر. ولو أن ~~الله أعطى الناس ما يستحقونه ، لاختل نظام الحياة التي لا يمكن أن تجتمع ~~حاجاتها وخصوصياتها في موقع واحد أو في مواقع محدودة ، لأن المطلق لا يمكن ~~أن يتحقق في المحدود. # وخلاصة الفكرة ، أن التفاضل في درجات الحياة لا يعني إعطاء الامتيازات ~~لأفراد معينين أو جماعات معينة ، بل يعني توزيع الخصائص تبعا لحاجات الحياة ~~، فهي تابعة لحاجة الواقع ، لا لقيمة الذات. وهذا ما نستوحيه من الآية ~~الكريمة التي تعلل التفاضل في الدرجات في بعض مواقعه بقوله PageV14P078 # تعالى : ( @QUR@04 ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) [الزخرف : 32]. # * * * ### ||| ** للآخرة أكبر درجات # ( @QUR@05 وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) لأنها تتميز عن الدنيا ~~بالأجواء الواسعة الممتدة بما يشبه المطلق الذي جاء في بعض الحديث عن ~~ملامحه في القرآن ( @QUR@09 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) ~~[السجدة : 17] وفي الحديث المأثور عن الجنة أن فيها «بما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (1)... إنها الموقع الإلهي الذي يتجلى فيه ~~تكريم الله للإنسان المؤمن العامل ، جزاء على إخلاصه في إيمانه وعمله ، عند ~~ما ينفذ الله وعده للمؤمنين الصالحين بالثواب العظيم. # وإذا كان الأمر يتعلق بتكريم للإنسان ، فإن من الطبيعي أن تختلف درجات ~~التكريم تبعا لاختلاف درجات الإيمان والعمل ، لأن ( @QUR@022 أني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7 8] مما يوحي بأن الخير هناك تابع لحجم العمل في ~~الكمية والنوعية هنا. وهذا هو الذي تختلف فيه درجات الآخرة عن درجات ms3289 الدنيا ~~في مقياس التفضيل ، فإن التفضيل في الدنيا تابع لحاجات الحياة في عملية ~~توزيع الأرزاق والخصائص على الأشخاص والأشياء ، بينما هو في الآخرة تابع ~~لعمل الإنسان المؤمن الذي يستمد قوته من الرحمة الإلهية في روح الإنسان ~~المؤمن وحياته ... PageV14P079 # ( @QUR@06 لا تجعل مع الله إلها آخر ) في تصورك للألوهية الخالقة القادرة ~~المنعمة الراحمة ، وفي تصوراتك العقيدية والفكرية ، لأنك لن تجد غيره خالقا ~~قادرا منعما رحيما ، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه بقدرته ، وأفاض عليه كل ~~النعم برحمته ، فكل شيء في الوجود مخلوق له ، فكيف يكون شريكا له؟ ولا تجعل ~~معه إلها آخر في العبادة والطاعة ، فإنه وحده المستحق للعبادة من خلال ~~العبودية الذاتية المطلقة التي يعيش فيها الخلق أمامه. وهكذا يكون التوحيد ~~في العقيدة والعبادة ، منسجما مع الطبيعة الإنسانية في نداء الفطرة الصادر ~~من الأعماق. ودليلا للعمل في الحياة ، فلا تترك السير على هداه ( @QUR@03 ~~فتقعد مذموما مخذولا ) لأنك ابتعدت عن مواقع الرحمة ومنابع النعمة ، فتعيش ~~مذموما ، لأنك أوقعت نفسك في الضياع والضلال ، ولأنك فقدت الصلة القوية ~~بالله ، عند ما انحرفت عن خط الاستقامة في العقيدة والعمل ، ففقدت النصير ~~الذي بيده النصر كله وله القوة كلها ، ولن تجد من دونه وليا ولا نصيرا ، ~~فتعيش مخذولا عاجزا ذليلا. # * * * PageV14P080 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما (23) @QUR@012 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا (24) @QUR@012 ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه ~~كان للأوابين غفورا ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تنهرهما ): تزجرهما بغلظة # ( @QUR@01 للأوابين ): الأواب : التواب الراجع عن ذنبه. # * * * PageV14P081 ### ||| ** الطاعة لله وحده # وهذا فصل جديد من السورة ، يتحرك في خط المنهج الأقوم في المبادئ ~~الأخلاقية العامة التي يريد الله لها أن تحدد للإنسان القاعدة العملية التي ~~تركز شخصيته على أساس ثابت في علاقته بالله وبنفسه وبالآخرين ، ليواجه ~~الحياة من خلال حدود الله التي أراد لعباده أن لا يتجاوزوها. # ( @QUR@06 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ms3290 ) هذا هو الخط الأول الذي يمثل ~~القاعدة العامة التي تتفرع منها كل الخطوط ، وهو توحيد العبادة لله ، من ~~خلال ما تمثله من الخضوع والطاعة والاستسلام لأوامره ونواهيه في كل شيء ، ~~ومن التمرد على كل الإرادات الأخرى التي تحاول أن تثير في داخله روح الخضوع ~~للطغاة والمستكبرين والشهوات والنزوات التي تجري في حياته مجرى الدم في ~~العروق ، وبذلك يواجه الإنسان الأشياء والأعمال والعلاقات من هذا الموقع ~~الذي يضع الحد الفاصل بين طاعة الله ومعصيته ، فيتحرك مع الطاعة لله ، ~~لأنها التجسيد العملي الحي للعبادة ، ويتمرد على معصية الله ، لأنها المظهر ~~الواقعي للانحراف عن العبادة التوحيدية. # * * * ### ||| ** مبادئ التعاملي الأخلاقي مع الوالدين # ( @QUR@02 وبالوالدين إحسانا ) وهذا هو الخط العملي الثاني الذي يثير في ~~الإنسان الإحساس به ، عند ما يستشعر الإحساس بالله ، فإذا كان الله هو ~~السبب الأعمق في وجوده ، فإن الوالدين يمثلان السبب المباشر لهذا الوجود ، وإذا PageV14P082 # كان الله هو الذي أنعم عليه بكل النعم التي جعلت لحياته قوة واستمرارا ، ~~فإن الوالدين قد عملا بكل ما لديهما من جهد ومعاناة وتضحية في سبيل تحريك ~~عناصر الامتداد في عمق وجوده. وهكذا أراد الله للإنسان أن يعي هذه الحقيقة ~~في علاقته بهما ، ويوحي لنفسه بالسر العميق الكامن وراء ذلك ، والمتجلي في ~~ما أودعه الله في قلبيهما من الشعور بالعاطفة والرحمة اللتين تتميزان ~~بالعطاء دون مقابل ، فيعانيان الألم والتعب من أجل أن تتكامل حياة ولدهما ~~وتلتذ وترتاح ، بكل روح طيبة معطاء. # وهكذا أراد له أن يحسن إليهما بالكلمة واللمسة واللفتة والحركة ، ~~وبالاحتضان الروحي الذي يحسان به عميقا ، كاحتضانهما له في طفولته وما ~~ينطوي عليه من عاطفة وحب وحنان. # ( @QUR@07 إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) فتقدم السن يؤدي إلى ~~اختلال المزاج وسوء الخلق ، وضيق الصدر ، مما ينعكس على تصرفاتهما التي ~~تتخذ جانبا سلبيا ضد الناس الذين يعيشون معهما ، لا سيما أولادهما الذين ~~يشعرون بالضيق من ذلك ، فيحدث بسببه رد فعل سلبي تجاههما ، مما يوجب صدور ~~الإساءة منهم إليهما ، لأن القوي عادة يضغط على الضعيف ويؤذيه ويهينه ، ~~وبذلك نفهم ms3291 أن الكبر ليس له خصوصية في ذاته ، بل الخصوصية له بلحاظ ما ~~يستتبعه من تصرفات تؤدي إلى ردود فعل سلبية من قبل الولد. # ( @QUR@04 فلا تقل لهما أف ) في عملية رد فعل للشعور بالضيق النفسي من ~~تصرفاتهما ، كمظهر من مظاهر التعبير عن الأفعال في أقل نماذجه ، فإذا لم ~~يجز ذلك ، فلا يجوز ما هو أشد منه ، لأن الأساس هو حرمة الإيذاء ، فيحرم ~~الأقوى في الإيذاء إذا كان الأضعف محرما. وقد جاء في كلمات أهل البيت عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : «لو علم الله لفظة أوجز في ترك ~~عقوق الوالدين PageV14P083 # من أف لأتى بها» (1). ( @QUR@02 ولا تنهرهما ) أي لا تغلظ عليهما بالزجر ~~والصوت الشديد القاسي ( @QUR@04 وقل لهما قولا كريما ) بالكلمة الحلوة ~~اللطيفة التي تحمل الحب والعطف والحنان وتوحي بالانفتاح والاحترام والإعزاز ~~والكرامة والابتسامة المشرقة والنظرة الحنونة. # ( @QUR@06 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وذلك يمثل التواضع والخضوع ~~قولا وفعلا برا بهما وشفقة عليهما ، كما يخفض الطائر جناحه إذا ضم فرخه ~~إليه ، فكأنه سبحانه قال : ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك وأنت صغير ~~، وبذلك نفهم كيف لا يريد الله للولد أن يستثير حس الكرامة في نفسه تجاه ~~أبويه كما يستثيره تجاه الآخرين ، بل لا بد له من أن يشعر بالذل الناشئ من ~~الشعور بالرحمة لهما ، لا من الشعور بالانسحاق الذاتي والانحطاط الروحي ، ~~كما يخضع الإنسان لمن يحبه حبا له ورحمة به ، فيتحمل منه ما لا يتحمله من ~~غيره ، ويتنازل له عما لا يتنازل عنه للآخرين ، ويعيش العفو والتسامح معه ~~إذا أخطأ. إنها الروح الإنسانية التي تنفتح على مواقع الرحمة ، فتهفو وترق ~~وتلين وتنساب بالخير والمحبة والسماح ، وتعرف كيف تميز بين مشاعر الرحمة ~~ومشاعر الذل أمام الآخرين ، فتواجه الذين أحسنوا إليها واحتضنوها بالرحمة ~~بالشعور الطاهر الخير نفسه ، لتستمر حركة الإنسانية نحو العطاء ، من خلال ~~مواجهتها بالاعتراف الحي بالجميل بالمشاعر التي تحفظ لها كل ما عملته من الخير. # ( @QUR@06 وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) ويتحول هذا الشعور بالرحمة ~~إلى استذكار للتاريخ الشخصي ms3292 لأبويه معه ، كيف كانا يتعبان ليرتاح ، ويجوعان ~~ليشبع ، ويسهران لينام ، ويتألمان ليلتذ ، ويضحيان بكل حياتهما من أجل أن ~~يربيا له جسمه وعقله ، وكيف كانا يحتضنانه بالعطف والحنان ، ويحفظانه من PageV14P084 # كل سوء ، ليأخذ القوة من ذلك كله. وتتجسد كل هذه الذكريات في عقله ~~ووجدانه وشعوره وحسه ، فتنفتح روحه بالحنان ، وهو يشهد هذا الضعف الذي ~~يرزحان تحته ويعانيان منه ، ويستذكر أنه كان أحد أسباب ذلك ، فيبتهل إلى ~~الله في دعاء خاشع ليرحمهما ويرعاهما ويحفظهما ، لأنهما كانا يعيشان الرحمة ~~له ، ويعانيان الجهد في تربيته ، لأن الله قادر على ما لا يقدر عليه من ذلك ~~، فرحمته تملك خير الدنيا والآخرة ، بينما لا يملك هو من ذلك شيئا. # * * * ### ||| ** حدود طاعة الوالدين # وهكذا نجد أن الله يريد أن يعمق الشعور الإنساني في نفس الولد تجاه أبويه ~~بالرحمة والمحبة والإحسان ، ليشعرا بأن هذا الجهد الذي بذلاه لم يذهب سدى ، ~~فهناك نوع من التعويض الروحي قد حصلا عليه. وعلى ضوء ذلك ، فإن الطاعة التي ~~يريدها الإسلام ، في طاعة الولد للوالدين ، هي طاعة الإحسان والشفقة وليست ~~طاعة المسؤولية من خلال طبيعة المضمون الذي تحتويه أوامرهما ونواهيهما ، ~~كما هو الحال في طاعة الله والرسول وأولي الأمر. فلو أمراه بما هو على خلاف ~~المصلحة في دينه أو دنياه ، أو بما فيه المفسدة في ذلك ، فلا يجب عليه ~~إطاعتهما ، ولكن لا بد له من أن يواجه الموقف بكثير من المرونة في الجو ~~والأسلوب عند إرادة المعصية. # * * * PageV14P085 ### ||| ** منهج الاجتهاد في القرآن والسنة # وقد يستوحي الإنسان من كثير من النصوص ، أن عليه أن يستجيب لهما في ~~الأمور التي يريدانها منه ، حتى إذا كانت على خلاف مزاجه ، أو على خلاف ~~مصلحته ، في ما لا يتضمن ترك واجب أو فعل حرام ، كما كانا يفعلان عند ما ~~كانا يقدمان مصلحته على مصلحتهما ... وهذاورد في كلمات بعض أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام : «وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل ...» (1) ولكن ذلك ~~لا يوحي بالإلزام الشرعي ، بل بما يشبه. الاعتراف بالجميل في أجواء ~~الاستحباب ، انسجاما مع خط الإحسان ms3293 الذي اعتبره القرآن عنوانا لعلاقة الولد ~~بوالديه. ولهذا رأى الفقهاء في الحديث النبوي المأثور : «أنت ومالك لأبيك» ~~(2) الذي خاطب به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد صحابته ، تأكيدا لعمق ~~العلاقة ، بالمستوى الذي يعيش فيه الشعور بأن وجوده إذا كان منطلقا في ~~طبيعته من وجود أبيه ، فمن الطبيعي أن يكون كل شيء تابعا له ، فلا ينبغي له ~~أن يشعر بالاستقلال في كل شيء ، كما هو شأن الفرع مع الأصل. على أن ما ورد ~~ليس شريعة قانونية تستعبد الولد وتجعل ماله ملكا شخصيا للوالد ، لأن أجواء ~~الحديث لا توحي بذلك ، كما أن الأسلوب القرآني لا ينسجم معه. # وفي رأينا ، أن منهج الاجتهاد الفقهي يرتكز على أساس اعتبار العنوان ~~الموجود في القرآن في بعض الموضوعات قاعدة للأحكام الشرعية التفصيلية التي ~~تتضمنها السنة الشريفة ، باعتبار أن السنة جاءت تفصيلا لما أجمله القرآن ~~وتفريعا لما فصله ، فهو الذي يعطي الفكرة العامة والعنوان الشامل ، وهي التي PageV14P086 # تحركه في المفردات الجزئية للحياة. ولذا ، فإن من المفروض دراسة النص ~~القرآني في مدلوله العام ، قبل دراسة السنة في مورده. ونأمل مناقشة هذا ~~المنهج وتفصيله في الدراسات الفقهية الاجتهادية. # * * * ### ||| ** مراقبة الله في النفس والعمل # ( @QUR@05 ربكم أعلم بما في نفوسكم ) فهو الذي يعرف من خفاياها ما لا ~~يعلمه الناس ، أو ما لا تعلمونه أو لا تلتفتون إليه إلا بعد حين ، ولذلك ~~فلا بد لكم من دراسة كل نبضات قلوبكم ، وخلجات مشاعركم ، ولفتات أعينكم ، ~~وخطرات أفكاركم ... قبل أن تتحول إلى حركة فاعلة في الداخل ، أو إلى جزء من ~~الذات ، في ما تمثله من مواقف روحية وفكرية ، لتستريحوا إلى النتائج ~~الإيجابية التي يرضاها الله ويحبها ، فإن العمل يبدأ من الداخل ويتحرك من ~~مواقع الفكرة والشعور فيه ، مما يفرض على الإنسان أن يحسب حساب الله في ~~حركة الفكرة في أعماق النفس ، قبل أن يحسب حسابه في حركة العمل في الخارج ، ~~ليطمئن للاستقامة على الخط قبل أن يبدأ في العمل ، ليضمن لنفسه رضوان الله ~~في الآخرة الذي يريده الإنسان في خط الطاعة لله. ms3294 # ( @QUR@03 إن تكونوا صالحين ) وذلك لما يمثله الصلاح من إخلاص لله في ~~الروح والفكر والشعور ، واستجابة له في الحركة والعمل ، لأنه ليس مجرد مظهر ~~يوحي بالخير ، بل هو قاعدة تشمل الفكر والروح والشعور والحياة ، في النية ~~والنبضة واللفتة والكلمة والحركة ... ( @QUR@04 فإنه كان للأوابين غفورا ) ~~وهم الراجعون إلى الله في ما ينوبهم ، أو المطيعون المحسنون ، أو الذين ~~يتوبون من ذنوبهم فيرجعون إليه بعد ابتعادهم عنه بالمعصية. هؤلاء الذين ~~يخلصون له في PageV14P087 # العبودية ، وينفتحون عليه في كل شيء ، ويلجأون إليه في جميع المشاكل ، ~~فيغفر لهم ذنوبهم ، ويرضى عنهم ، ويتقبلهم بقبول حسن ، ويدخلهم جنته ، وذلك ~~هو الفوز المبين. وربما كان في الآية نوع من التلميح لما يمكن أن يكون قد ~~صدر من الولد تجاه والديه من إيذاء في القول والفعل فتاب عن ذلك. # * * * PageV14P088 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) ~~@QUR@09 إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) ~~@QUR@012 وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ~~(28) @QUR@013 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ~~ملوما محسورا (29) @QUR@012 إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبذيرا ): إسرافا. قال صاحب مجمع البيان : التبذير : التفريق ~~بالإسراف ، وأصله أن يفرق كما يفرق البذر ، إلا أنه يختص بما يكون على سبيل ~~الإفساد ، وما كان على وجه الإصلاح لا يسمى تبذيرا وإن كثر (1). # ( @QUR@01 تعرضن ): الإعراض : صرف الوجه عن الشيء ، وقد يكون عن قلى ، ~~وقد يكون للاشتغال بما هو أولى ، وقد يكون للإذلال. PageV14P089 # ( @QUR@01 محسورا ): هو المنقطع به لذهاب ما بيده. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الكافي في حديث مرفوع إلى عجلان قال : كنت عند أبي عبد الله ~~عليه السلام فجاء سائل ، فقام إلى مكتل فيه تمر ، فملأ يده فناوله ثم جاء ~~آخر فسأله ، فقام فأخذ بيده فناوله ، ثم جاء آخر فسأله ، فقام فأخذ بيده ~~فناوله ، ثم جاء آخر ، فسأله فقام فأخذ بيده فناوله ، ثم جاء آخر ، فقال : ~~الله رازقنا وإياك. # ثم قال : إن رسول ms3295 الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يسأله أحد من الدنيا ~~شيئا إلا أعطاه ، فأرسلت إليه امرأة ابنا لها ، فقالت : انطلق إليه فاسأله ~~، فإن قال لك : ليس عندنا شيء ، فقل : أعطني قميصك. قال : فأخذ قميصه فرمى ~~به وفي نسخة أخرى : فأعطاه فأدبه الله تبارك وتعالى على القصد فقال : ( ~~@QUR@013 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا ) (1) والإحسار : الفاقة. # وجاء فيه أيضا حديث مرفوع إلى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام ~~قال : قال : علم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيف ينفق ، وذلك أنه ~~كانت عنده أوقية من الذهب ، فكره أن يبيت عنده ، فتصدق بها ، فأصبح وليس ~~عنده شيء ، وجاءه من يسأله ، فلم يكن عنده ما يعطيه ، فلامه السائل واغتم ~~هو ، حيثما لم يكن عنده ما يعطيه ، وكان رحيما رقيقا ، فأدب الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمره فقال : ( @QUR@013 ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) يقول : إن الناس قد يسألونك ~~ولا يعذرونك ، فإذا أعطيت جميع PageV14P090 # ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال (1). # * * * ### ||| ** التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم # في هذه الآيات حديث عن التوازن في تحريك المال وتوجيهه نحو المواقع التي ~~أراد الله للإنسان أن ينفقه فيها ، وتخطيط للأسلوب الأخلاقي الذي يواجه به ~~الإنسان الحالات الصعبة لبعض الناس المحتاجين للعون من دون أن يستطيع ~~القيام بأي شيء تجاهها ، ليعيش المشاركة الشعورية حيث لا يملك المشاركة ~~بالمساعدة المالية. # ( @QUR@04 وآت ذا القربى حقه ) في ما فرضه الله له من الحق ، أو ما ~~تقتضيه طبيعة العلاقة الخاصة من حق طبيعي. والمراد بذي القربى على ما يبدو ~~الذي يرتبط بالإنسان برابطة القرابة التي تفرض حقوقا واجبة تجاه بعض ~~الأقرباء كالأبوين والأولاد ، أو حقوقا مستحبة كصلة الرحم بين الأقرباء. ~~وهناك تفسير آخر ذهب إليه السدي ، وهو أن المراد به قرابة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك لما روي عن الإمام علي بن الحسين ms3296 (زين ~~العابدين) عليه السلام ، أنه قال لرجل من أهل الشام ، حين بعث به عليه السلام ~~عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية : أقرأت القرآن؟ قال : نعم. قال : ~~أما قرأت ( @QUR@04 وآت ذا القربى حقه )؟ قال : وإنكم ذوو القربى الذين ~~أمر الله أن يؤتى حقه؟ قال : نعم. وهو الذي روي عن الإمامين الباقر والصادق ~~عليهم السلام (2) ( @QUR@03 والمسكين وابن السبيل ) من خلال ما فرضه الله ~~لهما من الزكاة وغيرها. PageV14P091 # وهكذا تؤكد هذه الفقرة على العطاء الذي يحقق غايتين إنسانيتين في شخصية ~~المعطي ، من حيث انفتاح روحه على مشاكل الآخرين ، وتفاعله معهم ، مما يساهم ~~في تنمية المشاعر الروحية الطاهرة ، وامتداد مسئوليته في حياة الإنسان ~~المحروم ، وفي حياة هؤلاء الذين يرزحون تحت ضغط الحاجات الحياتية ، إذ عند ~~ما يعيشون روح المشاركة الإنسانية من إخوانهم ، يشعرون بالثقة في مواجهة ~~مشاكل الحاجة ، ويحسون بالطمأنينة النفسية أمام كل حالات القلق والخوف من ~~المجهول. وهكذا يركز التشريع الإسلامي قاعدة التكافل الاجتماعي في المجتمع ~~المسلم ، من موقع المفهوم الإسلامي الذي يفرض العطاء كمسؤولية ، ويؤكد على ~~الإحسان كحالة روحية إنسانية في أجواء الآخرة بعيدا عن الشعور بالشفقة ~~المذلة التي ترهق كرامة الإنسان. # * * * ### ||| ** التبذير نهج غير إسلامي # ( @QUR@03 ولا تبذر تبذيرا ) التبذير يمثل نوعا من صرف المال بطريقة غير ~~متوازنة في الكم والنوع ، بحيث لا يستفيد منه الإنسان ، على مستوى النتائج ~~، بشكل طبيعي ، بل قد يؤدي إلى لون من ألوان فقدان التوازن الفكري والعملي ~~في وظيفة المال في الحياة ، التي تتلخص في تلبية حاجات الإنسان العامة ~~والخاصة بحجمها المحدود ، دون أية زيادة مفرطة ، وبذلك يمثل التبذير المالي ~~حالة مزاجية تنطلق من الهوى النفسي الخاضع لبعض المؤثرات الذاتية المرضية ~~التي تلتقي بالفساد والإفساد بعيدا عن أية مصلحة معقولة للحياة. # ومن خلال هذا التفسير للتبذير ، نعرف أن طبيعته تلتقي بالصرف PageV14P092 # اللامسؤول الذي يعني العبث بالمال والانحراف به عن دوره الوظيفي في حياة ~~الإنسان ، فيشمل من حيث الإيحاء إنفاق المال في غير حقه وإن كان قليلا ، ~~ولا يشمل إنفاق جميع ماله في الحق ، لأن خسرانه ms3297 لماله يتضمن تعويضا مماثلا ~~من خلال ما حصل عليه من منفعة للحق وللإنسان. # وهذا ما يريد الإسلام للإنسان أن يمتنع عنه ، لأنه يؤكد على عدم ذهاب شيء ~~في الحياة بدون مقابل ، وهو ما يمثل مصلحة للحياة. # ( @QUR@05 إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) لأنهم يلتقون بهم في ~~الأساس الذي يرتكز عليه سلوكهم من اتباع الهوى ورفض العقل ، في ما يحركونه ~~من طاقاتهم ، وما يخضعون له من شهواتهم ، الأمر الذي يبعدهم عن الله ، ~~بابتعادهم عن خط الإيمان به وبتوحيده والاعتراف برسله ورسالاته ، وهذا ما ~~يريدهم الشيطان أن يثيروه كخط شامل لكل جوانب الحياة عندهم. ( @QUR@04 وكان ~~الشيطان لربه كفورا ) فهو يتحرك في مسار التمرد على الله ، وجحود نعمه ، ~~والانحراف بالإنسان عن خط الالتزام العملي بطاعة الله ... وهكذا يريد الله ~~أن يوحي بأن الانحراف العملي في أي مورد من الموارد حتى المالية ، يمثل ~~انحرافا عن خط الإيمان ، وليس مجرد حالة جزئية طارئة ، فهناك في السلوك ~~العملي خطان : خط الله ، وخط الشيطان ، فإذا ابتعد عن خط الله ، ارتبط بخط ~~الشيطان ، الأمر الذي يفرض على الإنسان ، المؤمن التدقيق في خطواته العملية ~~، ليعرف إلى أي الخطين تنتمي من خلال المدلول الإيماني للعمل ، وما يتضمنه ~~من نقاط القوة والضعف. # ( @QUR@03 وإما تعرضن عنهم ) بحيث لا تنفق عليهم لأنك لا تملك مالا ~~تستطيع أن تقدمه إليهم ، ولأنك تنتظر رزقا يمكنك من ذلك ( @QUR@04 فقل لهم ~~قولا ميسورا ) لينا لطيفا ، تفتح فيه قلوبهم على المستقبل الذي يعدهم ~~بالخير ، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لما نزلت هذه الآية ~~إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال : PageV14P093 # يرزقنا الله وإياكم من فضله (1). # ( @QUR@06 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) وهذا هو خط التوازن في الإنفاق ~~، فلا يريد الله للإنسان أن يمنع عطاءه بحيث لا ينفق من ماله شيئا ، كمن ~~تكون يده مقيدة إلى عنقه ، فلا ينزل منها شيء لعدم قدرته على الإعطاء ~~والبذل ، وهذا على سبيل المبالغة في النهي عن البخل والإمساك ، ( @QUR@04 ~~ولا تبسطها كل البسط ) بحيث تعطي كل ما ms3298 لديك فتكون بمنزلة من بسط يده كل ~~البسط ، ولم يبق له منه شيء ليحتفظ به للمستقبل ، ( @QUR@02 فتقعد ملوما ) ~~تعيش التأنيب النفسي إذ تلومك نفسك لأنك لم تبق لها بقية من مال يحفظ ~~لحياتك عزتها وكرامتها ، ( @QUR@01 محسورا ) تواجه الناس من موقع الحاجة ~~التي قد تنتهي بك إلى مشاكل مادية ومعنوية في حركة حياتك مع الناس. # * * * ### ||| ** بين التوازن في الإنفاق ومبدأ الإيثار # وربما يثأر هنا سؤال ، وهو كيف نوفق بين هذا المبدأ الذي لا يسمح للإنسان ~~ببذل كل ما عنده ، وبين الإيثار الذي يتحدث عنه القرآن كقيمة إنسانية ~~روحية؟ والجواب : إن هذا المبدأ يرتكز على أساس التأكيد على التوازن في ~~العطاء ، بحيث يبقى لديه بقية يستطيع من خلالها أن ينفع نفسه وينفع الآخرين ~~بتحريكها وتنميتها من جديد ، بينما يرتكز الإيثار على جانب تقديم منفعة ~~الآخرين على منفعة نفسه ، فإذا كان محتاجا إلى شيء ، فإنه يتنازل عنه إذا ~~طلبه منه الناس الذين يحتاجون إليه حتى ولو كان هذا الشيء هو كل ما عنده ، فلكل PageV14P094 # مبدأ مجال يختلف عن الآخر في مدلوله ومعناه ( @QUR@07 إن ربك يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر ) فيبقى العطاء متوازنا بين البسط والإمساك ، لتتوازن ~~الحياة من خلال ذلك تبعا لما يصلح أمر الناس في دنياهم ( @QUR@05 إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا ) بما يحتاجون إليه ، فيعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء في ~~ذلك ، ولكنه لا يعطي كل العطاء ولا يمنع كل المنع. # * * * PageV14P095 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطأ كبيرا ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خشية ): خوف. # ( @QUR@01 إملاق ): افتقار. # * * * ### ||| ** مخاوف وهمية # ربما تحدث الجريمة في حياة الإنسان ، انطلاقا من ضعف الإيمان بالله ~~وبقدرته على حل مشكلته المحدودة التي تعيش في حياته ، كمن ينتحر بسبب أزمة ~~خانقة تقوده إلى اليأس ، في الوقت الذي يمكن له أن ينفتح على آفاق PageV14P096 # الأمل من مواقع الثقة بالله الذي لا يعجزه شيء ، أو كمن يبخل بالمال ~~ويمتنع عن العطاء خوفا من الفقر ، غير ملتفت إلى أن الله الذي أعطاه بالأمس ~~يمكن أن يعطيه اليوم وغدا ms3299 ، فإن خزائنه لا تنفد ، وعطاءه لا ينقطع. وهكذا ~~يريد الله أن يعمق في داخل الإنسان الإحساس بحضور الله في حياته ورعايته له ~~في جميع أموره ، في كل وقت. وهذا ما عالجت الآية بعض مفرداته. # ( @QUR@05 ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) فقد تعتقدون أن كثرة الأولاد ~~قد تؤدي بكم إلى الفاقة التي توقعكم في مشاكل كثيرة ، فتسيء إلى عزتكم ~~وكرامتكم ، وتمنعكم من كثير من طيبات الحياة ، ولكن هذا الاعتقاد ليس ~~متناسبا مع عقيدة المؤمن بالله الذي يرزق عباده من فضله ، فهو الذي يتكفل ~~الآباء والأولاد ، لأن الله لم يجعل رزق الأولاد على الآباء من ناحية ~~تكوينية ، بل تكفل برزق الجميع ، فإذا فكر هؤلاء الآباء في مصدر الرزق الذي ~~يأتيهم ليقوموا بتدبير أمورهم ، فعليهم أن يفكروا أنه هو المصدر الذي يمد ~~أولادهم بالرزق. ( @QUR@03 نحن نرزقهم وإياكم ) لأننا لم نخلق مخلوقا إلا ~~وتكفلنا برزقه ، فلا يدفعكم الشيطان إلى قتلهم خوفا من الفقر ، انطلاقا من ~~هذه الأفكار التي تبعدكم عن خط الإيمان بالله والثقة بقدرته على كل شيء. # ( @QUR@05 إن قتلهم كان خطأ كبيرا ) لأنه لا ينسجم مع احترام إنسانية ~~الولد وضعفه ، من خلال مخاوف وهمية لا تبرر ذلك ، مما يجعل من قتله جريمة ~~لا يغفرها الله. وقد أريد من الخطأ هنا ما يرادف الخطيئة التي يتعمدها ~~الإنسان من دون مبرر ، وذلك مقابل الصواب على أساس التفسير الذي ذكره ~~اللغويون للخطأ في بعض معانيه ، وهو أن تريد ما لا يحسن إرادته وفعله ، لا ~~الخطأ الذي يقصد منه ما لا يتعمد الإنسان فعله. # * * * PageV14P097 ### ||| ** تنظيم النسل والظروف الطارئة # وقد نستوحي من ذلك رفض الإسلام للروحية التي تدفع بعض الناس إلى تحديد ~~النسل ، بالامتناع عن إنجاب الأولاد ببعض الوسائل المانعة من ذلك ، كالعزل ~~ونحوه ، وذلك بتأثير الخوف من أعباء الحياة التي قد تثقل الآباء ، وتقودهم ~~إلى الفاقة ، وتحملهم الجهد والعناء ، فقد لا يكون ما يقومون به خطيئة لأنه ~~لا يتضمن قتلا للحياة ، بل يتضمن منعا لها من أن تتحقق. ولكن الفكرة التي ~~تدفع إلى ذلك ، لا تتفق مع خط ms3300 الإيمان بالله والثقة به والتوكل عليه في ما ~~يرجع فيه الأمر إليه ، لكن هذا الفهم لا يعني إغلاقا لمبدأ تنظيم النسل على ~~أساس بعض المبررات الصحية والتربوية والاجتماعية ، لأن الاجتهادات ~~الإنسانية لا تمنعه ، مع مراعاة بعض التحفظات في بعض الوسائل ، كالإجهاض ~~والتعقيم ، بل كل ما نريده ، هو العمل على التوفيق بين الخط الإيماني ~~للإسلام ، في وعي الإنسان المسلم ، وبين الجانب الشعوري الذي يحرك الجانب ~~العملي له ليتوازن الإحساس مع الفكر والإيمان. # وقد نستوحي من ذلك أن الله قد أودع في الأرض الثروات التي تكفي الإنسان ~~في حاجاته الطبيعية ، وهيأ له الوسائل التي يتمكن من خلالها تحريك هذه ~~الثروات لتوفير تلك الحاجات ، كما أوجد الأوضاع الكونية والاجتماعية التي ~~تحقق التوازن في عدد أفراد الإنسان ، بالمستوى الذي لا تتحول فيه الكثرة ~~إلى حالة جنونية تحول الحياة إلى مشكلة لا تطاق. # ولكن الإنسان قد يتصرف في مثل هذه الأمور بطريقة سيئة ، في الانتاج ~~والتوزيع ، وفي إدارة شؤون الحياة ، مما يؤدي إلى إهدار كثير من الطاقات ~~وصرفها في غير مصلحة الناس ، كما نلاحظه في الأموال التي تصرف على PageV14P098 # إنتاج الأسلحة المدمرة ، وعلى بعض المشاريع العلمية التي قد تؤثر على ~~الحاجات الضرورية للحياة الإنسانية. وبذلك لا تكون المشكلة فقدان الموارد ~~الطبيعية الكافية للإنسان ، بل في توجيهها إلى غير وجهتها الحقيقية. # وربما احتاج الإنسان في ظل الظروف الطارئة إلى نوع من تنظيم النسل لتحقيق ~~بعض الأهداف المرحلية لمصلحة الحياة من حوله ، أو لتأكيد بعض مواضع القوة ~~للإسلام وللمسلمين ، ولكن ذلك لا يعتبر حالة طبيعية شاملة ، بل يبقى في حجم ~~المرحلة من حيث الكمية والنوعية ، تماما كما هي العناوين الثانوية التي ~~تجمد الحكم الشرعي في نطاق الظروف الطارئة التي تتحرك فيها تلك العناوين. # * * * ### ||| ** هل الآية تشير إلى وأد البنات؟ # وقد حاول بعض المفسرين أن يجعل النهي في الآية عن قتل الأولاد ، إشارة ~~إلى وأد البنات الذي كان معروفا في الجزيرة العربية. وهذا ما ذكره الزمخشري ~~في تفسير الكشاف حيث قال : «قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم ، كانوا يئدونهن ms3301 ~~خشية الفاقة ، وهي الإملاق ، فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم» (1). # ولكننا نلاحظ أن الآيات التي تعرضت لوأد البنات كانت تعالج المسألة من ~~ناحية خوف العار الذي قد يحدث للآباء كنتيجة لوقوع الأنثى في الأسر أثناء ~~حروبهم ، لا من جهة خوف الفاقة ، وهو ما نستوحيه من الآية الشريفة PageV14P099 # ( @QUR@028 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم* يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون ) [النحل : 58 59] هذا مع ملاحظة أن هذه الآية ذكرت الأولاد بشكل ~~عام ولم تخصص المورد بالأنثى ، مما يدل على أن الآية تتجه اتجاها آخر ، ~~يختلف عن طبيعة التفسير المذكور ، لأن طبيعة خوف الفقر مما يشترك فيه الذكر ~~والأنثى في مسئولية الآباء عن إعالتهم. وربما يقال : إن الذكر لا يمثل ~~مشكلة صعبة بالنسبة إلى الأب ، لأنه يمثل عنصرا إنتاجيا من جهة ، وقوة ~~دفاعية عن العائلة أو القبيلة من جهة أخرى ، بينما لا تملك الأنثى هذه ~~الميزة ، بل هي عنصر سلبي من الجهتين. ولكن هذا القول بسلبية العنصر ~~الإنتاجي لدى المرأة غير دقيق ، لأنها كانت تساعد في الإنتاج الزراعي ~~والحيواني ، بالإضافة إلى الخدمات التي توفرها للعائلة ، مما لا يقوم به ~~الرجل ، ولا تتسع ميزانية أي أب لتوفيره بالأجرة ، الأمر الذي لا يجعل من ~~الأنثى مشكلة في هذا الجانب ، بل قد يكون وجودها حلا لكثير من المشاكل ، ~~فيتعين أن لا تكون الآية هنا ، قريبة من أجواء وأد البنات ، وهناك ملاحظة ~~أخرى ، وهي أن الآية تعالج المرحلة الزمنية التي يكون فيها الولد عيالا على ~~الأب مما يثقل أوضاعه المادية ، ولا تعالج المسألة في امتدادها المستقبلي ~~عند ما يتحول الولد إلى عنصر إنتاج ، والله العالم. # * * * PageV14P100 ### ||| * الآية ### ||| * ( @QUR@08 ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاحشة ): ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. # ( @QUR@01 وساء ): بئس. # * * * # ( @QUR@03 ولا تقربوا الزنى ) # وهذا أحد الخطوط القرآنية التي تريد أن تحدد للإنسان مسيرته في نطاق ~~العلاقات الإنسانية ، وهو الخط الذي يضع له الحدود في دائرة العلاقة ms3302 ~~الجنسية ، فلا يرخص له القيام بأية ممارسة جنسية خارج نطاق الزواج ، لأن ~~ذلك يمثل الفاحشة التي تسيء إلى عنصر الطهارة لدى الإنسان ، فتلوث روحه PageV14P101 # وتنحرف به عن الاتجاه السليم ، بما لا ينسجم مع مصلحة الإنسان في نظام ~~حياته. فالله لم يرد للإنسان أن يعيش الغريزة الجنسية بشكل فوضوي ، كما لو ~~كانت استجابة سريعة لحالة طارئة في حجم اللحظة التي سرعان ما تأتي وتذهب من ~~دون أن تتعمق في حياته ، بل أراد له أن يعيشها في عمق المعنى الإنساني ~~للعلاقات ، بحيث يشعر معها بالهدوء والاستقرار والطمأنينة ، وتمتزج فيها ~~المادة بالروح ، وتحقق له نوعا من النظام المتوازن الذي تتحرك فيه هذه ~~العلاقة ، إذ في الوقت الذي تشبع الغريزة في جو نفسي هادئ مستقر تغمره ~~المودة والرحمة ، يبدأ مجتمع صغير بالتشكل انطلاقا من علاقة روحية وجسدية ~~تلتقي فيها الزوجية بالأمومة والأبوة ، لإنشاء نظام الأسرة الذي يجد فيه ~~الجميع المحضن الذي يرعى العاطفة وينمي الحنان ويوحي بالترابط الإنساني في ~~نطاق المحبة ، ويتحرك بالتالي في اتجاه التأكيد على المسؤولية التي تتوزع ~~على الجميع ، ليمارس كل فرد فيها دوره في حركة الحياة ، لتكون بمثابة ~~المدرسة الأولى في حمل المسؤولية العامة ، من خلال التدريب على ممارستها في ~~الإطار الخاص. # * * * # ( @QUR@06 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) # إن الزواج في الإسلام ليس مجرد شركة حياة تعاقدية ، بل يمثل وحدة حياة ~~روحية ومادية ، وذلك ما عبرت عنه الآية الكريمة ( @QUR@06 هن لباس لكم ~~وأنتم لباس لهن ) [البقرة : 187]. وهذا ما أراد الإسلام أن يبني الحياة ~~الاجتماعية عليه. وفي هذا المجال جعل نداء الغريزة الذي يصرخ في جسد المرأة ~~والرجل ، بمثابة القوة التي تدفع الإنسان إلى الاتصال بالآخر ، فتدعوه إلى ~~تعميق الصلة به وتوثيقها برباط وثيق ليعيش الخفقة واللهفة مع اللذة ، ~~ولتستمر معه الحياة حلوة رقيقة منفتحة ، فلا تعود الغريزة في حاجة الجسد ~~خاضعة للحظة ، بل PageV14P102 # تتحول إلى حركة حياة ، فيها من العاطفة الشيء الكثير ، ومن المسؤولية ~~والواقعية الأثر الكبير ، فتبعد الغريزة عن واجهة اهتمام الإنسان كقاعدة ~~للحياة ، وتغدو مجرد حاجة طبيعية إلى ms3303 جانب الحاجات الطبيعية الأخرى ، ~~وتتحرك سائر الاهتمامات في أجواء المسؤولية في حركة الواقع ، وبذلك تنعدم ~~الحالة الخيالية ، لتفسح المجال للحالة الواقعية في التصور النفسي لنداء ~~الغريزة. وقد جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه كان ~~جالسا بين أصحابه ، إذ مرت بهم امرأة جميلة ، فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال ~~عليه السلام : إن أبصار هذه الفحول طوامح وإن ذلك سبب هبابها ، فإذا نظر ~~أحدكم إلى المرأة تعجبه فليلامس أهله فإنما هي امرأة كامرأته (1). # وهكذا أراد الإمام اعتبار الجنس حاجة طبيعية يمارسها الإنسان في الدائرة ~~المشروعة ، بعيدا عن التصورات الخيالية التي قد تثيره في أجواء سحرية آتية ~~من جنان الأحلام السعيدة. # * * * ### ||| ** الزواج والزنى بين السلبيات والإيجابيات # وفي ضوء ذلك ، كان الزنى انحرافا عن هذا الخط المستقيم ، الذي يحقق ~~للإنسان حاجة غريزته داخل نظام الأسرة ، وسببا في إثارة الأجواء السلبية ~~التي تبعث الاهتزاز في عواطف الإنسان ، وتثير القلق في أوضاعه العامة ، ~~وتخلق له الكثير من العقد النفسية عند ما يواجه الموقف الحائر بين حاجة ~~الغريزة إلى الإشباع وبين حاجته إلى الاستقرار ، وهو إلى جانب ذلك يثير ~~الفوضى في الأنساب ، ويهدم الأسرة ، فتفقد التماسك العاطفي ، والفيض الروحي ~~، والجو الحميم الذي يشعر فيه أفرادها بأنهم يعيشون في وحدة روحية ، تقوم على PageV14P103 # أساس التكافل والتعاطف والشعور بالمسؤولية ووحدة المسير نحو المستقبل ~~بتعاون يرتكز على قواعد ثابتة. # إن علاقة الزواج التي يعتبرها الإسلام المنفذ الوحيد لإشباع نداء الغريزة ~~، قد تشتمل على سلبيات عاطفية أو قيود حياتية على مستوى الفرد والمجتمع ، ~~وقد تؤدي إلى مشاكل معقدة في حياة الزوجين ، ولكننا إذا درسنا الإيجابيات ~~التي حققها الزواج على مستوى حركة التاريخ ، فإننا سنجد نظاما إنسانيا ~~شاملا ، استطاع أن يحقق كثيرا من التوازن والاستقرار والطمأنينة في حياة ~~الإنسان ، بالرغم من اختلاف أوضاعه وتشريعاته وتقاليده تبعا لاختلاف الشعوب ~~البدائية والمتحضرة في ممارستها له. وإذا كان الزواج على المدى التاريخي قد ~~سبب ظلما على الزوج أو الزوجة أو لم يسبب ، فقد أنتج نظاما للعلاقات ~~الإنسانية الأسرية المتنوعة في وحدتها ، وتمكن من ms3304 إيجاد نموذج حي متحرك ~~للعلاقات الأخرى في الدائرة الاجتماعية الواسعة ، لا سيما وأن الفرد إذا ~~اعتاد على ممارسة المسؤولية في نطاق الأجواء الحميمة والمشاعر الطاهرة ، ~~كان ذلك وسيلة من وسائل امتداد هذا الجو في حياته العامة. # وإذا كان للزنى بعض إيجابياته القائمة على الاستجابة للنوازع العاطفية ~~والمشاعر الملتهبة والجوع الغريزي الذي قد يجد الإشباع في جهة دون أخرى ، ~~والانسجام مع الأجواء الحالمة التي يثيرها الجمال الجسدي أو التناغم الروحي ~~، فإن السلبيات التي تترتب عليه لا تقف عند حد ، لما يثيره من المشاكل ~~والتعقيدات والحرمان العاطفي والقلق الروحي ، لا سيما بالنسبة للمرأة التي ~~تميل بطبيعتها إلى الاستقرار الجسدي والعاطفي ، والتي قد تفقد إنسانيتها ~~أمام الصورة التي تعيش في خيال الرجل عنها ، من اعتبارها وسيلة للمتعة ، ~~بعيدا عن أية مراعاة للخصائص الإنسانية التي تجعل منها إنسانا يفكر ويعمل ~~ويتحرك في بناء الحياة. PageV14P104 # وإذا أردنا أن ندخل في المقارنة بين السلبيات والإيجابيات ، فسنجد ~~إيجابيات الزواج تتفوق كثيرا على إيجابيات الزنى ، بينما تتقدم سلبيات ~~الزنى على سلبيات الزواج ، وإذا كان الإنسان لا يستطيع الوصول إلى نظام لا ~~سلبيات فيه ، نظرا إلى محدودية الواقع الذي يتحرك فيه من حيث الشخص والساحة ~~والأدوات والأجواء ، فمن البديهي أن يختار النظام الذي يكون نفعه أكثر من ~~ضرره ، لتستقيم له حياته في الطريق الأقوم في اتجاه التكامل والتوازن ~~والاستقامة. # * * * PageV14P105 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) (33) # * * * ### ||| ** الأصل هو حرمة الإنسان # للحياة الإنسانية حرمتها وقدسيتها في نظام الرسالات السماوية ، فلا يجوز ~~لأحد الاعتداء عليها وإزهاقها ، إلا ضمن دائرة خاصة يتحرك فيها التشريع ~~بالرخصة من أجل المحافظة على الحياة بطريقة وقائية أو دفاعية ، أو من أجل ~~حفظ السلامة العامة للمجتمع كله. ولم يكن هذا التشريع مختصا برسالة معينة ، ~~بل هو شامل لجميع الرسالات كما ألمحنا إليه بل ربما كان هو القاعدة ~~الإنسانية العامة التي جرت عليها الأمم المتنوعة التي لم تلتزم بالرسالات ، ~~ولكنها تأثرت بها ms3305 بشكل غير مباشر ، أو انطلقت فيها من خلال PageV14P106 # طبيعة الفطرة التي توحي بذلك ، لأن الحياة التي لا تحمي نفسها بالضوابط ~~القانونية المتمثلة في التشريعات أو العادات والتقاليد ، سوف تهتز وتنعدم ~~في مهاوي السقوط والهلاك ، ولهذا أمكننا القول إن الأصل هو حرمة الإنسان ، ~~إلا ما قام الدليل الخاص على خلافه. # * * * ### ||| ** استثناءات واقعية # ( @QUR@06 ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ) جعل لها حرمة من خلال ~~رسالاته ورسله ( @QUR@02 إلا بالحق ) من جهة ما شرعه من القصاص أو ما أباحه ~~في حالة الدفاع عن النفس أو العرض أو المال أو المستضعفين ، أو ما رخص فيه ~~أو ألزمه من الهجوم على الأعداء الذين يخاف منهم على حرية الناس وسلامة ~~الحياة ، أو في مواجهة المفسدين في الأرض والمحاربين لله أو لرسوله ، أو في ~~بعض الحدود الخاصة لدى حدوث بعض الأوضاع والجرائم ، ونحو ذلك. ولعل الأساس ~~في ذلك كله ، هو إقامة نظام الحياة على أساس ثابت من الضوابط القانونية ~~التي تحفظ السلامة العامة للحياة وللفكر وللإنسان. # ( @QUR@03 ومن قتل مظلوما ) بدون حق ( @QUR@04 فقد جعلنا لوليه سلطانا ) ~~يتجلى في تشريع القصاص عقابا للقاتل ، وسلطنا وليه على قتله أو العفو عنه ( ~~@QUR@04 فلا يسرف في القتل ) فيقتل غير القاتل ، أو يقتل أكثر من شخص. ( ~~@QUR@03 إنه كان منصورا ) في ما جعله الله له من حق ، وما يحققه ذلك من ~~سلطة ، وما يثيره من أوضاع وأجواء واقعية ، فلا يستعجل بالانتقام لقريبه من ~~دون حق ، لأن الانتصار بالظلم الذي يأخذ البريء بجريرة المجرم ، لا يعتبر ~~انتصارا ، بل الانتصار الحقيقي ، هو أن PageV14P107 # تحطم قوة المجرم ، وتهدم حياته ، لأن ذلك هو الذي يحقق للعدل ثباته ، ~~وللحق استمراره ، وذلك هو السبيل القويم الذي تتحرك فيه الحياة من أجل ~~حماية قيمها الروحية والإنسانية العامة. # * * * PageV14P108 ### ||| * الآية # ( @QUR@017 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا ) (34) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وأوفوا بالعهد ): أتموا العهد ولا تنقضوا حفظه. # * * * ### ||| ** التشريع يحمي الضعيف من كل اعتداء # لليتيم حرمته في الإسلام ، لأنه يمثل الوجود الإنساني الطفولي الضعيف ~~الذي لا ms3306 يملك بحسب طبيعته أي لون من ألوان الحماية من الاعتداءات على نفسه ~~وماله ، مما يفرض على الناس من وجهة نظر التشريع الإسلامي أن يتحملوا ~~مسئولية حماية من كل معتد ، كما يفرض على التشريع أن يؤكد PageV14P109 # على خطورة المسألة في وعي الناس من حيث نتائجها السلبية على مستوى الآخرة ~~، إذا أهملوا أمره أو تصرفوا معه تصرفا غير شرعي ، أو من حيث نتائجها ~~الإيجابية ، فيما إذا قاموا برعايته وخدمته واحتضانه بالعطف والرحمة ، لأن ~~ذلك هو الخط الإسلامي العام الذي يستهدف حماية الضعيف وتقويته وحفظه من كل ~~اعتداء ، فإن الله لا يريد ظلم أحد ، على أساس حالة الاستضعاف التي يحس بها ~~الضعيف في نفسه ، أو يفرضها القوي عليه ، في المجالات التي لا يستطيع معها ~~الدفاع عن نفسه. # * * * ### ||| ** خطوات التشريع في حماية اليتيم # وقد جاءت هذه الآية لتحدد الخط المستقيم في طريقة التصرف في مال اليتيم ~~من أجل حمايته. # ( @QUR@04 ولا تقربوا مال اليتيم ) أى لا تتصرفوا فيه بأي نحو من أنحاء ~~التصرفات العملية والقانونية ، وذلك على سبيل الكناية ، في التأكيد على ~~المنع عن التصرف ، بالتركيز على المنع عن القرب منه ( @QUR@04 إلا بالتي هي ~~أحسن ) وذلك في الموارد التي تشتمل على المصلحة له ، في تنمية ماله وتحريكه ~~بالطريقة المثلى التي تحفظه وتصونه من الضياع ، مع ملاحظة التحفظات الشرعية ~~التفصيلية في هذا الجانب من حيث شخصية المتصرف بأن يكون وليا خاصا ، أو ~~عاما عند فقدان الولي الخاص ، من المجتهد العادل أو عدول المؤمنين ، ومن ~~حيث طبيعة التصرف في أنواعه ، مما تعرض له الفقهاء في كتب الفقه ، فلتراجع ~~هناك. والظاهر أن المقصود بالأحسن ، هو الأفضل من عدمه ، لا الأعلى على ~~جميع المستويات ، لأن ذلك ليس بمقصود ، على الظاهر. PageV14P110 # ( @QUR@03 حتى يبلغ أشده ) أي يبلغ سن البلوغ والرشد ، باعتبارها السن ~~الذي يشتد بها عوده ، ويقوى فيها جسده ، فإذا بلغ هذه السن ، فيجب أن يسلم ~~إليه ماله ، لأنه هو صاحب السلطة الوحيد على ماله ، بعد ارتفاع المانع الذي ~~كان يمنعه من التصرف فيه من ناحية تشريعية ، وذلك بارتفاع اليتم عنه ms3307 ، لأن ~~المصطلح الشرعي لليتيم يراد به الذي لم يبلغ الحلم ، فإذا بلغ الحلم فلا ~~يتم. وعند ذلك تنتهي مسئولية الآخرين تجاهه بصفته يتيما ، لتبدأ مسئوليتهم ~~عنه بصفته إنسانا ضعيفا في مجالات الضعف الأخرى ، كما تبدأ مسئوليته تجاه ~~نفسه وتجاه الآخرين. # * * * ### ||| ** الوفاء بالعهد وحفظ النظام الاجتماعي # ( @QUR@02 وأوفوا بالعهد ) وهو الالتزام الذي يلزم به الإنسان نفسه ، من ~~خلال مبادرة ذاتية ، أو بالتزامه برسالة أو منهج يلزمه بذلك ، فيشمل العهود ~~التعاقدية في المعاملات المالية ، أو في العلاقات الإنسانية ، أو في ~~المعاهدات الدولية ، أو في المسؤوليات الشرعية التي تمثل عهدا يتحرك في خط ~~الإيمان الذي يفرض على المؤمن الالتزام بأوامر الله ونواهيه ونحو ذلك. # إن الآية تؤكد على وجوب الوفاء بالعهد ، لأن الله يريد للإنسان أن يحترم ~~كلمته والتزاماته ، ويحترم الآخرين الذين يرتبط بهم بميثاق معين يتعلق ~~بالجانب الاجتماعي التنظيمي للحياة ، في الدوائر الخاصة والعامة للناس. # وهذا خط إسلامي عام ، يراد من خلاله حفظ النظام الاجتماعي للناس ، وذلك ~~بالتأكيد على عنصر الثقة فيه ، من خلال ما يفرضه من الالتزام PageV14P111 # بالعهود والمواثيق ، التي تدفع إلى الشعور بالطمأنينة والاستقرار النفسي ~~والعملي ، في ما يخط الإنسان لحركته ولحركة الناس من حوله ، ممن تتصل بهم ~~مسئوليته على أكثر من صعيد ، فيطمئن لما أخذه من الآخرين في مستوى حركة ~~العلاقات ، ويرتاح للمستقبل لاعتقاده بإخلاصهم لكلماتهم والتزاماتهم ، ~~الأمر الذي يمنح الساحة القوة والثقة والثبات. # ( @QUR@04 إن العهد كان مسؤلا ) إن الله يسأل عباده عن العهد كيف أعطوه ، ~~وما يشتمل عليه من مضمون شرعي أو غير شرعي ، وكيف حافظوا عليه بالوفاء به ، ~~فيما إذا كان يملك شرعية المضمون ، لأن الله يريد للإنسان أن لا يلزم نفسه ~~بأمر إلا إذا كان منسجما مع خط الإيمان ومدلوله ، فإذا التزم بعهد غير شرعي ~~، فلا يجوز له الوفاء به ، لأن قضية الوفاء تتحرك في خطين : مسئولية ~~الإنسان أمام الإنسان الآخر ومسئولية الإنسان أمام الله ، في ما يجب عليه ، ~~وما لا يجب أو لا يجوز ، كما إذا كان التزاما بفعل حرام ، أو خيانة الدين ~~أو الأمة. وهكذا ms3308 جاءت الآية لتحدد للإنسان مسئوليته عن العهد ، وذلك بطريق ~~حذف كلمة «عنه» التي تتعلق بها كلمة المسؤولية. وربما كانت على سبيل ~~الكناية ، باعتبار أن العهد يمثل الكلمة المسؤولية التي يجب أن تدافع عن ~~نفسها في موقع الالتزام والحركة ، من خلال ما تمثله من شخصية قائلها. وقد ~~يقال في هذا المجال إن الإنسان كلمة وعهد والتزام. # * * * PageV14P112 ### ||| * الآية # ( @QUR@011 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن ~~تأويلا ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالقسطاس ): القسطاس : الميزان. قيل فيه إنه رومي معرب ، وقيل ~~إنه عربي ، وقيل إنه مركب في الأصل من كلمة القسط وهو العدل ، وطاس وهو كفة ~~الميزان. # ( @QUR@02 وأحسن تأويلا ): أحسن عاقبة ومرجعا ، من آل يؤول إذا رجع. # * * * # ( @QUR@06 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ) # ( @QUR@07 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) وهذا هو خط ~~العدل في تنفيذ التعامل الذي يقع موضعا للتعاقد بين الناس ، فقد يحاول ~~بعضهم أن ينحرف PageV14P113 # عما التزمه من المقدار الذي يجب عليه أن يسلمه للطرف الآخر في التعاقد ، ~~فينقضه حقه إذا كال أو وزن له ، مستغلا غفلته أو جهله بالمقادير. وكانت هذه ~~الآية تأكيدا لما جاءت به أكثر من آية ، في تحريم التطفيف في المكيال ~~والميزان ، أو في إنقاص الناس أشياءهم التي يملكونها بالعقد ، لأن ذلك ~~يعتبر نوعا من إفساد الحياة من خلال هذه الصيغة الفاسدة من التعامل المالي ~~على مستوى التنفيذ والتطبيق. # ولعل من الواضح ، أن المسألة لا تنحصر بوجوب الوفاء في الكيل والوزن ، بل ~~يشمل ما يكون التقدير فيه بالعد ، أو بالمساحة ، أو بنحو ذلك ... فلا بد ~~للإنسان من أن يؤدي الحق كاملا غير منقوص ، بالقسطاس الذي وصف بالمستقيم ، ~~انطلاقا من عدم الانحراف فيه عن خط الحق الذي يستحقه الناس. # ( @QUR@04 ذلك خير وأحسن تأويلا ) لأنه يمثل العدل في حركة الحقوق ~~المالية وإيصالها إلى أهلها ، ويؤدي إلى تأكيد الثقة في العلاقات ~~الاجتماعية ، وبالتالي إلى احتواء المشاعر الخيرة واحتضانها لمصلحة الإنسان ~~في وجوده الفاعل في الحياة. ولعل المراد بكلمة ( @QUR@01 و (1) @QUR@02 ~~أحسن تأويلا ) الأحسن مآلا ومرجعا في ما ينتهي إليه أمرهم ms3309 ويرتكز عليه نظام ~~معاشهم في استقامة الحقوق على الخط المستقيم. # * * * PageV14P114 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسؤلا ) (36) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تقف ): القفو : اتباع الأثر. # * * * ### ||| ** القرآن يدعو للأخذ بأسباب العلم # وهذه قاعدة قرآنية في منهج المعرفة الذي يكون أساسا للإيمان والعمل ، في ~~المجال السلبي الذي يتحول إلى المجال الإيجابي ، وذلك بالابتعاد عن المجال ~~الأول. وقد أكد القرآن عليها في أكثر من آية ، وواجه الكافرين PageV14P115 # والمنحرفين بالمسؤولية ، من خلال انحرافهم عنها في ما ادعوه من إيمان ، ~~وفي ما أثاروه من حركة ، أو قاموا به من مشاريع ، لأنهم لم يأخذوا بالوسائل ~~المشروعة للمعرفة ، بل ارتكزوا على ما لا قيمة له في حساب المسؤولية. # ( @QUR@07 ولا تقف ما ليس لك به علم ) أي لا تتبع في قولك أو عقيدتك أو ~~عملك ما لم ترتكز فيه على أساس من علم يتمثل بالحجة التي تكشف الحقيقة ، ~~وتجلو الغموض ، وتثبت الفكر ، وتؤدي إلى الإيمان المستقر الثابت في عمق ~~الفكر والشعور. وهذا ما يتمثل في اليقين القاطع الذي لا مجال معه لأي ~~احتمال مضاد ، أو في الاطمئنان النفسي أو الفكري للفكرة بحيث لا يمثل ~~الاحتمال المضاد شيئا مهما أمام المستوى الكبير من الرجحان في جانب الإيجاب ~~، أو في الوسائل العقلانية أو الشرعية التي اعتمدها العقلاء أو صاحب ~~الشريعة كأساس للمعرفة ، بحيث تمثل الحجة المقبولة أمام الله ... ولعل هذا ~~هو المراد من كلمة «العلم» في ما جاء في القرآن من هذه الكلمة فقد لا يكون ~~المقصود بها القطع الذي لا يحتمل الخلاف ، بل الوعي للفكرة بالمستوى الذي ~~لا قيمة فيه لهذا الاحتمال ، إما لضعفه بحيث لا يعتنى به في حركة الوجدان ، ~~وإما لقيام الدليل في بناء العقلاء وفي تعليمات الشرع ، على عدم الالتفات ~~إليه. ويقابله الشك والظن اللذان أطلقا على ما لا حجة فيه من ناحية ذاتية ~~أو جعلية. وإذا لم يكن ما قلنا مضمونا وضعيا للكلمة ، فلا أقل من أن يكون ~~اللفظ منصرفا إليه ، لكثرة استعماله فيه. # وعلى ضوء ذلك ms3310 ، أنكر القرآن العلم على الملحدين والمشركين والمنكرين ~~للنبوة والرافضين للمعاد ، لأنهم لم يرتكزوا في أفكارهم ورفضهم على أساس من ~~الحجة التي تثبت أمام النقد ، وتكشف الحقيقة ، وتواجه الفكرة المؤمنة ~~بالفكر العلمي المنفتح ، بل اعتمدوا في ذلك على بعض الوسائل التي لا تمثل ~~شيئا في حساب القيمة العلمية ، كالاستناد إلى عقائد الآباء الذين لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون ، والارتكاز على عنصر الاستبعاد لبعض الأفكار التي PageV14P116 # لم يألفوها لأنها لا تدخل في نطاق الحس في الوقت الذي تؤكدها المعادلات ~~العقلية ، أو الوقوف أمام الأفكاري الجديدة التي يثيرها الأنبياء أمامهم ، ~~بشأن مسألة النبوة أو الوحي أو المضمون الفكري أو التشريعي للرسالات ، من ~~دون أن يدرسوا البراهين التي يقدمها الأنبياء ، والحجج التي يدعمون بها ~~رسالاتهم ويدعون الناس إلى الدخول معهم في حوار حولها ليتأملوا فيها ، أو ~~يفكروا بها ، وليناقشوها من موقع الفكر والوعي ، فيرفضون ذلك كله ، ~~ويبادرون إلى الرفض والإنكار والمواجهة ، ويجمدون عقولهم وأبصارهم وأسماعهم ~~عن الحركة في هذا الاتجاه. ولهذا عبر القرآن عنهم بأنهم لا يعلمون ، لأنهم ~~لا يملكون أساس العلم في ما يؤمنون به أو في ما يرفضون ، فليست المشكلة ~~لديهم هي الحجة المضادة ، بل هي عدم استنادهم في الأمرين معا إلى الحجة ~~البالغة الواضحة. # * * * ### ||| ** العلم أساس الحياة # ولعل المقصود بالآية ، هو توجيه الإنسان إلى الأخذ بأسباب العلم ، من ~~خلال النهي عن اتباع ما ليس له به علم ، فإن نفي الأخذ بالسلب يؤكد ضرورة ~~الأخذ بالإيجاب. وهذا ما نريد أن نثيره في ساحة الصراع الفكري ، كمسلمين ، ~~في ما نريد أن نلتزمه ، أو نناقشه ، أو نرفضه ، وهو البحث في الوسائل التي ~~تكون أساسا للمعرفة ، لتكون هي الأساس للأدوات التي نستخدمها في الحوار ، ~~لأن الابتعاد عن تحديد ذلك يجعل الحوار عقيما ، عند ما يلتزم كل فريق وسيلة ~~يرفضها الفريق الآخر ، فلا يلتقيان على قاعدة ، بينما يعطي التوافق على ~~الوسيلة الثابتة علميا قوة للحوار ، وذلك لما يعطيه من إمكانات الوصول PageV14P117 # إلى نتيجة إيجابية محددة. # * * * ### ||| ** الحاجة إلى حجة قوية في إثبات شؤون العقيدة والأخلاق # وهذا ما ms3311 ينبغي أن يلتزمه المسلمون في فكرهم العقيدي والعملي على مستوى ~~المفاهيم العامة والتشريعات العملية والأسس والأخلاقية ، بحيث يؤكدون على ~~الأساس العلمي الذي يمثل جانب الحجة المقنعة أو الدامغة ، تماما كما لو ~~كانت المسألة مسألة فتوى شرعية بالوجوب أو بالتحريم ، لأننا لا نجد فرقا ~~بين الحديث عن الحكم الشرعي والحديث عن المفهوم الإسلامي العقيدي والأخلاقي ~~في اعتباره حكما إسلاميا على مستوى الفتوى ، غير أن تلك فتوى في التشريع ، ~~وهذه فتوى في العقيدة والأخلاق ، فهما سواء في مسئولية انتساب الرأي إلى ~~الله ورسوله ، مما لا يجوز إلا بحجة قوية واضحة ، وربما كان التسامح في ~~تفاصيل العقيدة أو في مفردات الأخلاق أكثر خطورة وتأثيرا على الإسلام من ~~التسامح في حكم شرعي جزئي على مستوى بعض المجالات العبادية الخاصة. # ولعل المسألة لا تقف عند هذا الحد المتصل بالجانب الفكري في العقيدة ~~والأخلاق والتشريع ، بل تتعداه إلى تحديد الواقع الموضوعي لدى الأشخاص ~~والأشياء والمواقف السياسية والاجتماعية على مستوى التقييم والانتماء ~~والحركة ، فلا يجوز للإنسان المسلم أن يتبع الوسائل غير العلمية في ذلك كله ~~، كما لا يجوز له إصدار الحكم على الأشخاص والمواقف ، كنتيجة لبعض الظواهر ~~التي تحمل أكثر من وجه ، من دون أن يكون هناك أي سند شرعي يؤكد ذلك من موقع ~~الحجة ، فإن القاعدة الإسلامية تجعل الاحتمال لصالح المتهم ، لا لصالح ~~المدعي ، انطلاقا من عدم جواز الحكم إلا بالبينة PageV14P118 # الشرعية ، ومن لزوم الحمل على الصحة ما دام ذلك محتملا بطريقة معقولة ، ~~وإذا كان لا يجوز الحكم على أحد بدون دليل ، في داخل المحكمة أو في ساحة ~~المجتمع ، فلا يجوز أيضا قبول الأخبار التي تتحدث عن بعض خصوصياته إلا إذا ~~كانت الأخبار مشتملة على العناصر الشرعية التي يخضع لها الموقف الشرعي في ~~قبول الخبر أو رفضه ، أو التحفظ عليه ، وهذا ما تحدث عنه القرآن الكريم ~~والسنة المطهرة ، وفصله الفقه الإسلامي في مجالاته الاجتهادية. # * * * ### ||| ** الوسائل المشروعة للمعرفة # وخلاصة الفكرة أن الإسلام يريد للحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية ~~والاقتصادية أن تتحرك على أساس العلم ، الذي يستمد وسائله من ms3312 حركة الحواس ~~وحركة العقل في مجال المعرفة ، في واقع الفرد والمجتمع ، وفي واقع الحياة ~~العامة والخاصة. # ( @QUR@09 إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ) وذلك ~~باعتبار أن هذه هي وسائل المعرفة الحسية والعقلية التي تعتبر الحجة على ~~الحقيقة ، فيسأل السمع عما سمع ، وكيف سمع ، وما النتائج الصحيحة لذلك؟ ~~ويسأل البصر ، عما رأى ، وكيف رأى ، وما النتائج؟ ويسأل الفؤاد وهو العقل ~~عما وعاه من حقائق الحياة التي ترصدها الحواس الخمس وتكتشفها الملاحظة ، ~~وكيف كانت تفاصيل وعيه ، وكيف استطاع أن يحتوي ذلك كله ليحوله إلى معادلة ~~عقلية ثابتة كأساس للمعرفة والإيمان؟ # إن الله سيسأل هذه الوسائل الداخلية والخارجية عن طبيعة النتائج التي PageV14P119 # اختزنها الإنسان في وعيه ، مما يتصل بدورها في عالم المعرفة لديه ، فهل ~~هو صادق في ما يملكه من مصادر المعرفة ، أو غير صادق في ذلك؟ وستجيب ~~بالحقيقة الموضوعية في حياته ، وتتحدد من خلال ذلك كله طبيعة التقييم ~~لقناعته ، ونوعية المسؤولية التي يواجهها على هذا الأساس ، ولن يستطيع أن ~~ينكر شيئا من ذلك ، لأن الشهادة لا تأتيه من الخارج ، بل من الداخل الذي ~~يصرخ بالحقيقة من أقرب طريق. # * * * PageV14P120 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مرحا ): كبرا. # ( @QUR@01 تخرق ): تشق. # * * * ### ||| ** الموعظة تكون بالكلمة والقدوة # وهذه لفتة أخلاقية تقدم للإنسان المسلم نموذجا من السلوك الأخلاقي الأمثل ~~في السير بين الناس ، وتوحي إليه بضرورة تجسيد التواضع في مشيه كما يجسده ~~في سلوكه العملي ، على مستوى العلاقات العامة والخاصة في الحياة الاجتماعية ~~، لأن الله يريد للقيم الروحية في الداخل أن تبرز في الجانب PageV14P121 # الشكلي والمظهر الخارجي للإنسان ، حتى يتحول إلى أخلاق حية متجسدة تتحرك ~~بين الناس ، فيرى الناس فيه الموعظة في القدوة ، كما يرون فيه الموعظة ~~بالكلمة. # وقد تحدثت الآية عن ذلك من خلال إبراز الجانب السلبي المضاد ، الذي يوحي ~~بالجانب الإيجابي المنسجم مع الخط الإسلامي المستقيم. # * * * ### ||| ** الله يسخر من المتكبرين # ( @QUR@05 ولا تمش في الأرض مرحا ) وهي مشية الخيلاء والزهو والتكبر ~~والعظمة ، المملوءة بالفرح الداخلي ms3313 المتحرك من مواقع الأنانية ، النابضة ~~بالإحساس المرضي باحتقار الآخرين. ولماذا تمشي هذه المشية الاستكبارية التي ~~تدق فيها الأرض بقدميك بقوة ، حتى تكاد تسمع صراخ الأرض من تحتهما ، وترفع ~~رأسك وعنقك وكتفيك في وقفة استعلاء ، كما لو كنت تريد أن تزيد في طولك ~~مقدارا يعلو عن طولك الطبيعي؟ هل تريد أن تخرق الأرض فتنزل إلى أعماقها ، ~~أو تريد أن تبلغ الجبال في طولك؟ إن الأرض ستبقى في صلابتها التي لن تتأثر ~~بضربات قدميك ، وحجمك سيظل في ارتفاعه الطبيعي دون أن يزيد بوصة واحدة ، ~~فلما ذا تجهد نفسك وترهق قوتك بهذا العناء ، هل لتوحي للآخرين بأنك عظيم ~~وكبير في ذاتك ، كما أنت كبير وعظيم في طريقة سيرك؟ أيها الإنسان كن واقعيا ~~وتواضع ، فإنك لن ترتفع ألا بعلمك وإيمانك وأخلاقك واحترامك للآخرين ، وخذ ~~حجمك الطبيعي وتحرك من خلاله. ( @QUR@08 إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا ) إنها الكلمات الإلهية اللاذعة المليئة بالسخرية والاحتقار لهذا ~~الإنسان ، الذي يريد أن يرتفع من مواقع السقوط ، ويكبر من مواقع الصغار. # * * * PageV14P122 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@07 كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) @QUR@018 ذلك مما أوحى ~~إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سيئه ): السيئ : العمل القبيح ، الذي يمثل المعصية. # ( @QUR@01 مدحورا ): مبعدا من رحمة الله. # * * * ### ||| ** توحيد الفكر والعمل # ( @QUR@02 كل ذلك ) من الأخلاق السلبية التي تثقل روح الإنسان وحياته ~~بنتائجها الشقية ، ( @QUR@02 كان سيئه ) الذي يمثل معصية الله التي تنتهي ~~إلى سخطه ، وتؤدي بالإنسان إلى الجحيم ( @QUR@03 عند ربك مكروها ) لأن الله ~~يكره كل قبيح من الأخلاق PageV14P123 # والأفعال ، لما فيه من المفاسد والمضار على حياة الإنسان. # ( @QUR@01 ذلك ) المنهج الأخلاقي العملي الذي كانت المفردات المتقدمة ~~نماذج حية لأمثالها من القيم الروحية الإنسانية ، ( @QUR@06 مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة ) التي تعمق للإنسان رؤيته الواقعية ، التي يعرف بها موازين ~~الأشياء ومناسباتها ، بالطريقة التي تقربه من الصواب وتبعده عن مواقع الخطأ ~~في حركة النظرية والتطبيق. وبهذا نعرف أن الحكمة تمثل الخط العملي الذي ~~يدرب الإنسان على التحرك في الخط ms3314 المستقيم نحو الهدف الكبير الذي يلتقي ~~عنده العقل والإيمان والرؤية الواضحة لطبيعة الساحة العملية. # ( @QUR@06 ولا تجعل مع الله إلها آخر ) في عقيدتك وطاعتك ، في ما يمثله ~~توحيد الفكر والعمل ، فإن ذلك هو الذي يوحد لك المنهج الفكري والأخلاقي ~~والتشريعي ، فيمنع طريقك من الانحراف ، وخطواتك من الزلل ، وهدفك من ~~الضياع. أما إذا ابتعدت عن خط الاستقامة ، وعبدت آلهة الأرض من الطغاة ~~والمستكبرين ، فسترتبك خطواتك ، وستعيش الحيرة في تصوراتك والقلق في مشاعرك ~~والانهيار في مواقعك في ساحة الحياة ... ( @QUR@04 فتلقى في جهنم ملوما ) ~~تلوم نفسك على ما أسرفت فيه ، وما أسلفته من أعمال ومواقف ، ( @QUR@01 ~~مدحورا ) مطرودا مبعدا من رحمة الله. # * * * PageV14P124 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما (40) @QUR@010 ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا (41) @QUR@013 قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا (42) @QUR@06 سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) ~~@QUR@021 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أفأصفاكم ): أفخصكم. # ( @QUR@01 صرفنا ): بينا. # ( @QUR@01 ليذكروا ): ليتفكروا. # ( @QUR@01 نفورا ): بعدا. # ( @QUR@01 لابتغوا ): لطلبوا. PageV14P125 # ( @QUR@02 لا تفقهون ): لا تفهمون. # * * * ### ||| ** القول العظيم # في هذه الآيات حديث عن مسألة الشرك والتوحيد ، في التصورات الخرافية لدى ~~المشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي أجواء اللامبالاة التي ~~يعيشها هؤلاء إزاء التعاليم التي يثيرها القرآن في عقولهم ، فيرفضونها من ~~دون وعي أو مناقشة أو التفات إلى الأدلة التي تقود إلى التوحيد كحقيقة ~~ثابتة ، لا مجال لإنكارها لأي شخص يواجه الكون كله بنظرة منفتحة تطوف في ~~رحابه ، فيجد كل مظاهره في حركة وعي تكويني توحي بحمد الله وتسبيحه والخضوع ~~له في كل شيء. # ( @QUR@07 أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ) في ما ~~تحملونه في مفاهيمكم من احترام الذكر واحتقار الأنثى ، فتقولون إن الملائكة ~~بنات الله ، بينما تؤثرون أنفسكم بالبنين ، فكيف تبررون هذا الكلام؟ فإذا ~~كان الله خالق كل شيء ، فكيف يكرمكم بما لا يكرم به نفسه ، إذا كان ms3315 ذلك في ~~تصوركم أساسا للتكريم؟ ثم لماذا يتخذ الله لنفسه إناثا أو ذكورا بعنوان ~~الوالد ، وهو رب كل شيء ، والغني عن كل أحد ، فما حاجته إلى الولد؟ إن هذا ~~القول لا يملك أي معنى في مضمونه ، ولا يرتكز على أي دليل في إثباته. هذا ~~بالإضافة إلى ما يشتمل عليه من الخطورة في الجرأة على الله ، والإساءة إلى ~~مقامه العظيم. ( @QUR@04 إنكم لتقولون قولا عظيما ) في نتائجه الخطرة على ~~مستوى الانحراف في التصور ، والهلاك في المصير. # * * * PageV14P126 ### ||| ** تنوع الأسلوب القرآني # ( @QUR@06 ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ) وذلك بما أثرناه فيه من ~~تنوع الأساليب ، من أجل أن يلائم كل الأفكار ، ويلتقي بالحقيقة من أكثر من ~~طريق ، فإذا لم يقتنع البعض بالفكرة من خلال أسلوب ، اقتنع بأسلوب آخر ، ~~وإذا لم ينسجم مع بعض المفاهيم أو الأمثلة ، أمكنه أن يجد الانسجام في ~~مفهوم آخر أو مثل آخر ، ليعيش الناس الوعي القرآني في كل آية من آياته ، ~~وفي كل فكرة من أفكاره ، فيكون ذكرى لهم من خلال ما تطرحه الآيات أمامهم من ~~علامات الاستفهام ، أو تواجههم به من مشاكل المعرفة أو أخطار النتائج ~~السيئة في مسألة المصير. ولكن مشكلة هؤلاء أنهم يرفضون التفكير ، لأنهم لا ~~يريدون أن يغيروا ما اعتادوه وألفوه في معتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم ، مما ~~يجعل من أية دعوة تغييرية سببا في تعقيد مواقفهم ، وإثارة مشاعرهم ، ~~ونفورهم من الداعي ودعوته ، لأن ذلك يؤدي إلى إحراجهم وتعرية أوضاعهم عند ~~ما ينكشف الزيف الذي يختبئون خلفه ، فيبدو أمرهم للناس في صورة الذي ينكر ~~الحقيقة في مواقع الوضوح ، لا في مواقع الغموض ، وهكذا يواجهون ما يتلو ~~عليهم الدعاة من القرآن. # ( @QUR@04 وما يزيدهم إلا نفورا ) فكل آية يسمعونها تثير الحقد في نفوسهم ~~بدلا من المحبة ، والجهل بدلا من المعرفة ، لأنهم يتحركون في مواجهتهم له ~~من موقع عقدة ، لا من موقع تفكير ووعي وإخلاص ، ولكن القرآن يبقى في آياته ~~عنصر توعية وتذكير ، في مجالات الدعوة والتحدي ، ليكون حجة عليهم أمام الله ~~، وشاهدا على جهلهم وعنادهم ، وقد كان الشعار النبوي في حركة ms3316 الرسالات في ~~الدعوة ( @QUR@010 ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) [الأنفال : 42]. # * * * PageV14P127 ### ||| ** فكرة الشريك ليست واقعية # ( @QUR@013 قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا ) وهذه حجة وجدانية على نفي الشريك ، فإن الشركة في الألوهية تعني ~~قدرة الشريك على مواجهة شريكه ، وذلك لما يملكه من أسباب القدرة التي ~~تفرضها طبيعة الصفة الإلهية في ذاته ، وذلك من خلال حب السلطة والتوسع ~~والعلو الذي يدفعه إلى تأكيد عظمته واندفاعه للوصول إلى مقام ذي العرش ~~والدخول معه في صراع عنيف ، ولكن ذلك غير ثابت ، ولو حدث مثل ذلك ، لظهر في ~~الكون من خلال ما ينتجه من مظاهر الصراع أو الغلبة وتغير الحياة في نظامها ~~إلى نظام آخر ، ولكن الحياة لا تزال في طبيعتها لم يتغير شيء في قوانينها ، ~~ولم تحدث لها أية مشكلة ، مما يعني أن فكرة الشرك ليست واقعية ، ولا تخضع ~~لأي أساس ثابت. ولعل مساق هذه الآية هو مساق قوله تعالى : ( @QUR@010 إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) [المؤمنون : 91] ولا يبعد أن ~~يكون فيها بعض التلميح إلى الآية الكريمة ( @QUR@07 لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا ) [الأنبياء : 22] وذلك من خلال ما توحي به من الفكرة في ما ~~تدل عليه من بطلان وصولهم إلى ذي العرش ، الذي لا يمكن لنا أن نكتشفه إلا ~~من خلال استتباعه للنتائج السيئة التي يفرضها واقع الصراع على السلطة ، ~~وهذا ما لا نجد له أثرا على صعيد الكون كله. # ( @QUR@06 سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ) فهذه الكلمات التي ~~يطلقها هؤلاء في نسبة الشريك إليه لا تنسجم مع عظمته التي لا يقترب منها ~~شيء ، وقدرته التي لا يحدها شيء ، وربوبيته المهيمنة على كل شيء ، لأنه ~~خالق كل شيء ورازقه ، مما يجعل من أي كلام من هذا النوع إساءة لمقام جلاله ~~وقدسه ، وهو المنزه المتعالي عن كل ما يقولونه ، لأنه في المقام الأسمى ~~الذي لا يعلو عليه PageV14P128 # شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا يدانيه شيء مهما كان عظيما ، لأن ms3317 عظمته ~~في ذاته ، بينما تنطلق عظمة كل شيء من فيوضات عظمته ورحمته ، بل هي مظهر ~~عظمته في إعطاء كل شيء خلقه وقوته وحركته في الحياة. # * * * ### ||| ** الكون يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه # ( @QUR@021 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) «سبحانه» كلمة ومضمون ~~تنطق بها الموجودات كلها ، ممن تملك الوعي والإدراك والنطق ، وممن لا تملكه ~~، فكل موجود يفصح عن ذلك بمظاهر وجوده وخصائصه الدالة على عظمته وتنزيهه عن ~~كل شريك ، مما يوحي بانفراده بكل عناصر العظمة في ذاته. وهذا ما يستوحيه ~~الإنسان عند ما يتطلع إلى السماوات ، فيجد فيها تلك العوالم الشاسعة ~~الكبيرة المشتملة على أسرار الإبداع ، أو يتطلع إلى الأرض ، فيجد فيها ~~الجبال والصحاري والبحار والأنهار ، والموجودات الكامنة فيها ، والمتحركة ~~على صعيدها أو في أجوائها في ما لا يعرفه الإنسان من الموجودات الخفية ... ~~إنه يحس بوجدانه وبفكره كيف تنطق هذه الأكوان والموجودات بعظمة الله ، فلا ~~يملك إلا أن يخشع أمام العظمة المطلقة اللامتناهية ، ويعترف بأن الله هو ~~وحده خالق ذلك كله ، ولكنه لا يستطيع أن يتدرك عمق هذه التسبيحات الكونية ~~بما تختزنه من أسرار وما تثيره من أفكار ، لأننا لم ندرك من ذلك إلا القليل ~~القليل. # وقد أثار صاحب تفسير الميزان بعض الحديث حول ما إذا كان التسبيح هنا ، في ~~الموجودات الجامدة أو غير الناطقة ، تسبيحا حاليا ، يتمثل الإنسان فيه PageV14P129 # مظاهر العظمة الناطقة بوجودها بتنزيه الله وتعظيمه ، أو تسبيحا قوليا ، ~~باعتبار أن القول أو الكلام في حقيقته هو «الكشف عما في الضمير بنوع من ~~الإشارة إليه والدلالة عليه ، غير أن الإنسان لما لم يجد إلى إرادة كل ما ~~يريد الإشارة إليه من طريق التكوين طريقا ، التجأ إلى استعمال الألفاظ ، ~~وهي الأصوات الموضوعة للمعاني ، ودل بها على ما في ضميره ، وجرت على ذلك ~~سنة التفهيم والتفهم. وربما استعان على بعض مقاصده بالإشارة بيده أو رأسه ~~أو غيرهما ، وربما استعان على ذلك بكتابة أو نصب علامة. وبالجملة ، فالذي ms3318 ~~يكشف به عن معنى مقصود ، قول وكلام وقيام الشيء بهذا الكشف قول منه وتكليم ~~، وإن لم يكن بصوت مقروع ولفظ موضوع ، ومن الدليل عليه ما ينسبه القرآن ~~إليه تعالى من الكلام والقول والأمر والوحي ، ونحو ذلك مما فيه معنى الكشف ~~عن المقاصد ، وليس من قبيل القول والكلام المعهود عندنا معشر المتلسنين ~~باللغات ، وقد سماه الله سبحانه قولا وكلاما. # وعند هذه الموجودات المشهودة من السماء والأرض ومن فيهما ما يكشف كشفا ~~صريحا عن وحدانية ربها في ربوبيته ، وينزهه تعالى عن كل نقص وشين ، فهي ~~تسبح الله سبحانه» (1). # ثم يفيض في الحديث عن المسألة ، وينتهي إلى القول في معرض توضيح الفكرة ~~فيقول: «وبلفظ آخر ، إذا لوحظت الأشياء من جهة كشفها عما عند ربها ، ~~بإبرازها ما عندها من الحاجة والنقص مع ما لها من الشعور بذلك ، كان ذلك ~~تسبيحا منها ، وإذا لوحظت من جهة كشفها ما لربها ، بإظهارها ما عندها من ~~نعمة الوجود وسائر جهات الكمال ، فهو حمد منها لربها ، وإذا لوحظ كشفها ما ~~عند الله سبحانه من صفة جمال أو جلال ، مع قطع النظر عن علمها وشعورها بما ~~تكشف عنه ، كان ذلك دلالة منها عليه تعالى وهي آياته. PageV14P130 # وهذا نعم الشاهد على أن المراد بالتسبيح في الآية ليس مجرد دلالتها عليه ~~تعالى ، بنفي الشريك ، وجهات النقص ، فإن الخطاب في قوله : ( @QUR@04 ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم ) إما للمشركين ، وإما للناس ، أعم من المؤمن والمشرك ، ~~وهم على أي حال يفقهون دلالة الأشياء على صانعها ، مع أن الآية تنفي عنهم ~~الفقه» (1). # وإننا نتحفظ في ما ذكره من شمول الكلام ، للدلالة على كل ما يكشف عن ~~المقصود حتى لو لم يكن باللفظ ، وذلك لصحة السلب عن غير موارد الدلالة ~~باللفظ ، ولذا يقال للأخرس إنه لا يتكلم ، كما يقال للحيوانات ذلك. وأما ما ~~نجده في بعض الإطلاقات ، فإنه وارد على سبيل الاستعارة المجازية. # وقد لا نستطيع اعتبار هذا البحث ذا ثمرة عملية ، لأن الجميع ممن يعتبر ~~التسبيح للموجودات واردا على نحو الحقيقة أو المجاز ، متفقون على طبيعة ~~المضمون ms3319 التسبيحي الدالة على عظمة الله وتنزيهه ، ولكننا أشرنا إليه لما ~~فيه من الطرافة. # وقد ختم القرآن الآية بقوله تعالى : ( @QUR@04 إنه كان حليما غفورا ) ~~للتدليل على أن الله لا يواجه هؤلاء الذين يشركون به ، أو ينفرون من ~~الاستماع إلى آياته ، بالعقاب العاجل ، بل يمهلهم ليراجعوا أفكارهم ، ~~وليتعرفوا على مواقع الخطأ في مواقفهم ، ليتوبوا ويرجعوا إليه ، فيغفر لهم ~~ذنوبهم ، ويشملهم بعنايته ورحمته ، لأنه الحليم الغفور. # * * * PageV14P131 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا (45) @QUR@019 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) @QUR@019 ~~نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا ) (48) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حجابا ): ستارا. # ( @QUR@01 أكنة ): أغطية. # ( @QUR@01 وقرا ): ثقلا في الأذن. # ( @QUR@01 نفورا ): بعدا. # ( @QUR@01 نجوى ): مسارون : يتناجون في ما بينهم. PageV14P132 # ( @QUR@01 مسحورا ): مخبول العقل. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قيل نزل قوله ( @QUR@03 وإذا قرأت القرآن ... ) الآية في قوم كانوا يؤذون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالليل إذا تلا القرآن وصلى عند الكعبة ، وكانوا ~~يرمونه بالحجارة ويمنعونه عن دعاء الناس إلى الدين ، فحال الله بينه وبينهم ~~حتى لا يؤذوه. عن الزجاج والجبائي (1). # * * * ### ||| ** الحجاب المستور # إنها الصورة الحية للجماعات التي كانت تواجه الدعوة الإسلامية الجديدة ~~بالجمود والتمرد ، من خلال الوجه الداخلي الذي يختفي وراء غشاء كثيف من ~~المظاهر الخادعة التي يستقرون وراءها من أوضاع ومواقع اجتماعية ومبررات سطحية. # ومن خلال هذه الصورة ، نستطيع التعرف إلى المشاكل المعقدة التي كانت تحيط ~~بالرسول الداعية في دعوته ، وتحاول أن تهزمه نفسيا بالأساليب النفسية ~~المثيرة. PageV14P133 # ( @QUR@012 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا ). ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية وجهين ، أحدهما : غيبي ، ~~فقد قال الكلبي : في ما نقله عنه صاحب مجمع البيان وهم أبو سفيان والنضر بن ~~الحارث وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب ، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند ~~قراءة القرآن ، وكانوا ms3320 يأتونه ويمرون به ولا يرونه (1)، وثانيهما : أن ~~فقرة ( @QUR@08 جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ) بمعنى ~~باعدنا بينك وبينهم في القرآن ، فهو لك وللمؤمنين معك شفاء وهدى ، وهو ~~للمشركين في آذانهم وقر وعليهم عمى ، فهذا هو الحجاب ، وهذا التفسير عن أبي ~~مسلم (2). # ولكن هذين الوجهين لا ينسجمان مع جو الآية الذي يؤكد على العنصر الذاتي ~~في رفض الإيمان ، هذا مع ملاحظة أن مثل هذه التفسيرات لا ترتكز على قاعدة ، ~~بل تنطلق غالبا من اجتهادات ذاتية ؛ فقد يتساءل المتأمل عن معنى هذا الحجاب ~~بين هؤلاء وبين النبي عند قراءته للقرآن بحيث لا يرونه ، فهل المسألة هي ~~حمايته من أنظارهم أو من الاعتداء عليه ، وهل القضية ذاتية بالنسبة إليه في ~~تلاوته للقرآن ، أم أنها للدعوة وللحوار وللتواصل معهم من أجل أن يهتدوا ~~به؟! ثم ما الوجه في اختصاص هؤلاء بذلك ، في الوقت الذي كان الكثيرون من ~~قريش ممن يرون رأي هؤلاء ويتصرفون على طريقتهم؟! # وما الفائدة في أجواء التفسير الثاني بالتأكيد على المباعدة الإلهية بين ~~القرآن وبين المشركين ليكون عمى لهم ، بينما هو شفاء للمؤمنين ، وذلك ~~بالتعبير عن المسألة بأنه حجاب مستور؟! # ولعل الأظهر في معناه هو الحجاب النفسي الذي جعله الله من خلال حالتهم ~~الداخلية في رفض الإيمان ومواجهة القرآن بطريقة اللامبالاة ، مما PageV14P134 # يجعلهم لا يدركون مضامينه في العقيدة والشريعة ، ولا يلتزمون مفاهيمه في ~~الكون والحياة ، كأية حالة داخلية رافضة في تأثيرها السلبي على وعي الإنسان ~~للمسألة المرفوضة. # أما خصوصية عدم إيمانهم بالآخرة ، فقد تكون ناشئة من كون هذا البعد عن خط ~~الإيمان بالآخرة يمنع الإنسان من مواجهة الأمور مواجهة فكرية وعملية مسئولة ~~في ما ينبغي أن يؤمن به أو يعمل به ، لأنه لا يجد أية ضرورة ضاغطة في هذا ~~الاتجاه ، فتبقى المسألة خاضعة للمزاج الذاتي الذي يلتقي بالعوامل الطارئة ~~البعيدة عن عمق الأشياء في نطاق المصلحة المنفتحة على حياة الإنسان. # أما توصيف الحجاب بأنه مستور ، مع أن المعنى يلائم التعبير بأنه ساتر ، ~~فقد ذكر البعض «أن «مفعول» فيه للنسب ms3321 أي حجابا ذا ستر ، نظير قولهم : رجل ~~مرطوب ، ومكان مهول ، وجارية مغنوجة ، أي ذو رطوبة ، وذو هول ، وذات غنج ، ~~ومنه قوله تعالى: ( @QUR@03 كان وعده مأتيا ) [مريم : 61] أي ذا إتيان» (1). # «وعن الأخفش أن «مفعول» ربما ورد بمعنى فاعل ، كميمون ومشؤوم بمعنى يامن ~~وشائم ، كما أن «فاعل» ربما ورد بمعنى مفعول ، كماء دافق أي مدفوق. فمستور ~~بمعنى ساتر» (2). # ويذكر صاحب الميزان وجها آخر ، وهو «أنه حجاب مستور عن الحواس ، على خلاف ~~الحجابات المتداولة بين الناس ، المعمولة لستر شيء عن شيء ، فهو حجاب معنوي ~~مضروب بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنه قارئ للقرآن حامل له ، وبين ~~المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة ، يحجبه عنهم فلا PageV14P135 # يستطيعون أن يفقهوا حقيقة ما عنده من معارف القرآن ويؤمنوا به» (1). # ولكن قد يرد عليه أن جو الآية يوحي بأن الوصف لتأكيد دور الحجاب في المنع ~~عن الإيمان ، من خلال كونه حائلا بين الناس وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الإيمان بالقرآن ، مما يقرب معنى الساتر لا المستور ، ويرجح أنه وارد ~~على نحو النسبة أو الفاعل ، فقد لا يكون هناك فائدة كبيرة في بيان خفاء ~~الحجاب عن الأعين ، اللهم إلا أن يكون ذلك فائدة للإيحاء بالعنصر الداخلي ~~المعنوي للحجاب في مقابل الحجاب الخارجي المادي. # ( @QUR@06 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) وهذا تأكيد للحجاب ، فإن ~~الأكنة جمع كن بالكسر وهو ما يحفظ فيه الشيء ويستر به عن غيره ، فكأن هناك ~~غشاء يغطي القلب ويمنعه من الانفتاح على حقائق القرآن ومفاهيمه ، ( @QUR@03 ~~وفي آذانهم وقرا ) أي ثقلا في السمع ، فيتلقونه كما يتلقى الشخص الثقيل ~~السمع الكلمة التي تلقى إليه ، فلا يسمعها إلا كما يسمع الصدى الذي لا يفهم ~~منه شيء لعدم تميز الملامح التفصيلية للكلمة فيه. وهكذا نجد القرآن ثقيلا ~~على أسماعهم ، فلا ينفتحون عليه انفتاح وعي لمفاهيمه ، لأن السمع لا يحقق ~~أية نتيجة للمعرفة إلا إذا انفتح العقل عليه ، وهذا ما نراه في الكثيرين ~~الذين يسمعون الحديث ، ولكن قلوبهم مشغولة بشيء آخر ، فلا يلتفتون إلى ~~معانيه ms3322 ، تماما كمن لم يسمع الحديث أصلا. # * * * PageV14P136 ### ||| ** الهروب من الحقيقة # ( @QUR@010 وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) لأنهم ~~لا يطيقون كلمة التوحيد التي تلاحق أفكارهم بالحقيقة الواضحة التي تفرض ~~نفسها على الفكر والشعور ، فتكشف لهم زيف الواقع العقيدي والعبادي الذي ~~يتحركون فيه ، فينفرون منها كما ينفر الإنسان من الأشياء التي تضغط على ~~مزاجه ، أو تطارد أفكاره. وهذا هو حال كل شخص يخاف من الحقيقة التي لا يريد ~~الاعتراف بها ، فيعمل على الهروب منها ، ليوحي لنفسه أو للآخرين بأنه لم ~~يواجهها ، ليكون ذلك عذرا له في الإنكار والرفض. # ( @QUR@08 نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك ) وهذا إيحاء من الله ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكل داعية للحق ، في مثل ظروفه ، بأنه يعلم كل ~~الخلفيات التي يختفي خلفها أعداؤه في ما يضمرونه في أنفسهم ، وما يهمسون به ~~في نجواهم ، وأنه يعرفه من ذلك ما يجهله ، بالوحي تارة ، وبالإيحاء الداخلي ~~أخرى ، ليواجه ذلك كله بالتحفظ والاستعداد للتخطيط المضاد. وهكذا أراد الله ~~أن يعمق الثقة ، في وعي النبي لدوره ، برعاية الله ، فهو أعلم بما يستمعون ~~به من آذانهم التي ترن فيها الكلمة عند ما تدخلها ، وكيف تدخل وتستقر ، وما ~~الروحية التي تكمن خلف ذلك؟ هل هي روحية الذي يستمع ليؤمن ، أو الذي يستمع ~~ليشاغب وليحرف الكلم عن مواضعه ، وليكتشف الأفق المظلم الذي يحرك أشباح ~~الحقد والسوء أمام الرسول أو الداعية؟؟ # وهو أعلم بما في قلوبهم التي يستمع بها الإنسان ، بالاستماع الداخلي الذي ~~تتحرك فيه الكلمة لتعمق فكرة ، أو لتثير شعورا ، أو لتحرك خطوة ، أو لتفكر ~~في خطة مضادة ... ليدبر المكائد وليزرع الأرض بالأشواك. وهكذا يستمع ~~الإنسان بقلبه ، كما يستمع بأذنيه ، والله هو المطلع عليها جميعا ، PageV14P137 # يعرف كيف يستمعون إليه بروحية الناس الذين ينظرون إليه بحقد واستهزاء ، ~~ويواجهون كلماته بإهمال وكيد. # * * * ### ||| ** دأب الخصوم على تشوية صورة الدعاة # ( @QUR@03 وإذ هم نجوى ) يتناجون في ما بينهم ، كيف يمنعونه من إبلاغ ~~رسالته ، وكيف يحولون بين الناس وبينه؟ وما الكلمة التي يقولونها للناس ~~كعنوان لشخصيته ms3323 التي لا يريدون لها أن تظهر في موقع الرسالة ، بل في موقع ~~آخر يحتقره الناس ولا يحترمونه؟ # ( @QUR@03 إذ يقول الظالمون ) من هؤلاء المشركين ، الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر والشرك ، وظلموا الرسول وصحبه بالتعسف والإيذاء والتآمر عليهم وعلى ~~الرسالة ، عند ما يحدثون الناس الذين اتبعوا الرسالة وآمنوا بالرسول ، ~~ليخذلوهم عنه. # ( @QUR@05 إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) خاضعا لأساليب السحر التي أثرت ~~على عقله وسلوكه وطريقته في الحديث مع الناس. وهذا هو دأب كل خصوم الرسالات ~~الحقة الذين يثيرون أمامها الكلمات التي تشوه صورة الدعاة والرسل ، بما ~~يحول بينهم وبين الناس نفسيا أو عقليا ، في عملية إيحائية بأنهم ليسوا في ~~مستوى القيادة الفكرية أو العملية ، وذلك لما يكمن في شخصياتهم من خصائص ~~سلبية ، انطلاقا من حالة مرضية أو عقلية. وهكذا كانت تهمة السحر من التهم ~~الكثيرة التي وجهت للأنبياء ، بين كلمة تصفه بالساحر ، لتجعل تأثيره في ~~الناس منطلقا من السحر لا من الفكر المقنع ، وبين كلمة تصفه بالمسحور ، ~~لتوحي بأنه لا يتحدث من موقع عقلي هادئ ، بل من موقع PageV14P138 # المجنون الذي لا يصدر عنه إلا التصرفات البعيدة عن الحكمة والاتزان. وما ~~تزال الكلمات تتنوع تبعا للأجواء النفسية التي يتأثر بها الناس سلبيا ، في ~~مواجهة الرسالات في كل زمان ومكان. # ( @QUR@05 انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) في أساليبهم المعقدة المتنوعة ، ~~التي يهربون بها من أنفسهم ومن الحقيقة التي تفرض نفسها عليهم ، أو من نظرة ~~الناس إليهم ، ليبرروا بذلك مواقفهم اللامسؤولة من الرسالة. ( @QUR@04 ~~فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) لأنهم لا يملكون طريقا واضحا يتحركون فيه ، ~~ليحصلوا على حرية الحركة واستقامتها في خط الهدف الواضح ، فإن الضال لا ~~يستطيع أن يمنح غيره الهدى ، أو يحدد لنفسه ولغيره الطريق المستقيم. ~~فليضربوا ما شاؤوا من الأمثال ، وليطلقوا الكلمات اللامسؤولة بكل الحقد ~~الكامن في أنفسهم ، فلا يشكل ذلك مشكلة بالنسبة للعاملين في الدعوة إلى ~~الله والعمل في سبيله ، بل كل مشكلتهم أن يحددوا لأنفسهم الخط الواضح ~~والهدف الكبير ، ويؤكدوا لها القناعات العميقة المستقرة ، ليثبتوا مواقعهم ~~عن طريق القوة الفكرية والإيمانية ووضوح الرؤية ms3324 للأشياء. # * * * PageV14P139 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) ~~@QUR@05 قل كونوا حجارة أو حديدا (50) @QUR@025 أو خلقا مما يكبر في صدوركم ~~فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى ~~هو قل عسى أن يكون قريبا (51) @QUR@09 يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ~~إن لبثتم إلا قليلا ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ورفاتا ): الرفات : ما تكسر وبلي من كل شيء. # ( @QUR@01 فطركم ): خلقكم. # ( @QUR@01 فسينغضون ): يحركون رؤوسهم بارتفاع وانخفاض استهزاء. # * * * PageV14P140 ### ||| ** المنطق الساذج # كيف يفكر هؤلاء؟ هل لديهم أفكار عميقة تواجه العقيدة بالبراهين المضادة؟ ~~وهل يعيشون مسئولية الفكر ، بعمق النظرة إلى القضايا ، ووضوح الرؤية إلى ~~الأشياء؟ # ليس هناك إلا مواجهة الحقائق ، بأنها لا تنسجم مع المألوف الذي عاشوه في ~~حواسهم وتجاربهم. وما ذا لدى الألفة من حجة تواجه بها العقل القاطع في ~~الفكر الذي يمثله؟! # ( @QUR@09 وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ) وهذا ~~هو المنطق الساذج الذي يخاطبون به عقيدة الآخرة في موقف رافض ، فتقادم ~~الزمن بعد الموت يحول الجسد إلى عظام ورفات جامد لا أثر فيه للحياة ، فلا ~~نبضة ولا حركة ، فكيف يمكن أن تدب الحياة فيه ، لينبض من جديد ويتحرك؟! إن ~~هذا لشيء عجيب يشبه الخرافة ، فكيف يتحول إلى عقيدة أو إيمان؟ ولكن المنطق ~~القرآني يثير المسألة بأسلوب التحدي الذي يصعد المسألة : ( @QUR@05 قل ~~كونوا حجارة أو حديدا ) في ما يتميزان به من الصلابة والشدة والخلو عن كل ~~أثر للحياة ، ( @QUR@06 أو خلقا مما يكبر في صدوركم ) مما تشاهدونه أو ~~تسمعون به. كونوا كما تشاؤون أن تتصوروا أنفسكم فيه ، وتبدلوا في أية صورة ~~من الصور ، فليست المشكلة كامنة في طبيعة الشكل الذي تتمثل فيه الحياة أولا ~~، ثم تموت ، لتعود من جديد في عملية البعث الأخروي ، بل هي مشكلة القدرة ~~التي تملك سر الحياة في البداية ، وفي النهاية ، ( @QUR@03 فسيقولون من ~~يعيدنا ) في سؤال ساذج يتحرك في حجم اللحظة ، لا في عمق الفكرة. وتلك هي ~~مشكلة الكثيرين ممن يتحركون في العقيدة ، بعيدا عن الأسس الفكرية التي ~~ترتكز عليها في محاكمة واعية عميقة للشبهات ms3325 التي تحيط بالمسألة ، واستنتاج ~~دقيق للمضمون. # * * * PageV14P141 ### ||| ** الخالق هو المعيد # ( @QUR@05 قل الذي فطركم أول مرة ) وهو الله الذي تعتقدون أنه خلقكم من ~~العدم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ، لأنه يملك القدرة على أن يعطي الحياة ~~سرها ، فهو القادر على أن يعيدها من جديد ، إذ إن عملية الإعادة أكثر سهولة ~~من عملية الخلق في الابتداء. ( @QUR@03 فسينغضون إليك رؤسهم ) ويحركونها في ~~حالة تعجب وينحنون أمامك انحناءة العاجز عن رد الحجة بمثلها لأنهم لا ~~يملكون ذلك ، فيبادرون إلى الهروب من الجواب ، إلى توجيه سؤال آخر يستبعد ~~المسألة في حساب الزمان ، وقد يكون في موقع الساخر منها. # ( @QUR@03 ويقولون متى هو ) فها هي الحياة تتقدم ، والأموات يتكاثرون ~~ويزدادون ويتحولون إلى عظام ورفات ، ولا نجد أحدا منهم يعود من جديد إلى ~~الحياة ، بالرغم من تقادم الزمن عليه ( @QUR@05 قل عسى أن يكون قريبا ) فهو ~~سر الله الذي اختص به ، ولم يعرفه لأحد من عباده حتى لأقرب رسله إليه ، ~~ولكنه سيأتي ، لأن الله الصادق في وعده قد أخبرنا به ، والعقل القاطع قد ~~حكم بإمكانه ... فانتظروه في إيمان الواثق بحصوله ، فقد يأتيكم قريبا من ~~حيث لا تشعرون ولا تعلمون. ( @QUR@04 يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) الذي ~~يتحرك من موقع قدرته ورحمته ونعمته ، التي يشعر فيها الإنسان بكل صفات ~~الحمد المتمثلة في ذاته المقدسة ، وتشعرون بحركة الحياة ، وهي تهتز وتضج ~~قليلا من الزمن ، وستواجهون الحقيقة هناك ، في ساحة المسؤولية ، بعيدا عن ~~كل جدل ، ففكروا الآن كيف تواجهون المسألة من هذا الموقع. # * * * PageV14P142 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (53) @QUR@014 ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) @QUR@015 وربك أعلم بمن في ~~السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ينزغ ): يفسد. # ( @QUR@01 زبورا ): كتابا أنزل على داود عليه السلام . # * * * PageV14P143 ### ||| ** مناسبة النزول # كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ، فيقولون ~~: يا رسول الله ، ائذن لنا في قتالهم ، فيقول لهم ms3326 : إني لم أؤمر فيهم بشيء ~~، فأنزل الله سبحانه ( @QUR@02 وقل لعبادي ) الآية عن الكلبي (1). # * * * ### ||| ** الكلمة المناسبة في الحوار # كيف تكون الكلمة التي يطلقها الإنسان في الحوار أو التخاطب الاجتماعي؟ هل ~~هي الكلمة التي يوحي بها المزاج ، في لحظة انفعال ، أو نزوة هوى ، أو هي ~~الكلمة التي يخطط لها العقل ، ويحركها الإيمان؟؟ # إن للكلمة مدلولها في حسابات الفعل ورد الفعل ، وأثرها السلبي أو ~~الإيجابي في حركة # العلاقات الخاصة والعامة ، وفي إثارة المشاكل أو في حلها ... وهذا ما ~~يريد القرآن توجيه الإنسان إليه في دراسة الفكرة التي يريد أن يحركها في ~~المجتمع ، ليختار الفكرة الأفضل التي تفتح القلوب على المحبة ، والمشاعر ~~على الرحمة ، والعقول على الخير والحقيقة. ثم يدرس الكلمة الأحسن التي لا ~~تختزن الحساسيات المعقدة ، ليقول الكلمة الأحسن في اللفظ والمدلول. ولا بد ~~له في ذلك من دراسة المسألة من جميع جوانبها بطريقة مقارنة ، ليرفض السيئ ~~والأسواء ، ويختار الحسن والأحسن. # * * * PageV14P144 ### ||| ** اختيار الأحسن تجنبا للتباغض # ( @QUR@06 وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) قل لهم يا محمد من موقع ~~الإلزام في مواضعه ، على أساس المصلحة التي تحمل في داخلها الخير الضروري ~~للناس ، ومن موقع النصيحة والاستحباب ، في مواضع الرخصة ، على أساس المصلحة ~~الراجحة التي لا تلزم ، فهذا هو السبيل لتركيز المجتمع في علاقاته العملية ~~، على أساس الألفة والمحبة والخير والرحمة ، ولإبعاده عن التناحر والاختلاف ~~والتباغض والتحاقد ، لأن الشيطان قد يدخل في خلفيات الكلمة وفي مداليلها ، ~~وفي إيحاءاتها وحساسياتها ، ليثير العداوة والبغضاء بين الناس. ( @QUR@04 ~~إن الشيطان ينزغ بينهم ) ويفسد علاقاتهم ، ويغري بعضهم ببعض ... فينبغي ~~الحذر منه ، وذلك بالابتعاد عن مداخلة وحبائله ووسائله الشيطانية ( @QUR@06 ~~إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) فهو يحاول الإيحاء له بالكفر والشرك ~~والضلال ، الذي يؤدي به إلى عذاب السعير. # * * * ### ||| ** الآية موجهة للناس كافة # وقد ذكر صاحب الميزان : «أن المؤمنين قبل الهجرة ربما كانوا يحاورون ~~المشركين فيغلظون لهم في القول ، ويخاشنونهم بالكلام ، وربما جبهوهم بأنهم ~~أهل النار ، وأنهم معشر المؤمنين أهل الجنة ، ببركة من النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان ذلك يهيج المشركين ms3327 عليهم ، ويزيد في عداوتهم ، ~~ويبعثهم إلى المبالغة في فتنتهم وتعذيبهم وإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والعناد مع الحق. فأمر الله سبحانه PageV14P145 # نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بقول التي هي أحسن» (1). # ولكن من الملاحظ أن مثل هذا الاستيحاء أو الاستظهار ، لا قرينة عليه من ~~ناحية الآية في مدلولها ، ولا من ناحية تاريخية في سلوك المؤمنين مع ~~المشركين. وربما كان استظهاره إرادة المؤمنين من قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~وقل لعبادي ) ما ينافي ذلك ، لأن السياق يوحي بأن المسألة هي من أجل تنظيم ~~حركة العلاقات بين المؤمنين في طريقة التخاطب والحوار ، وذلك في قوله تعالى ~~: ( @QUR@04 إن الشيطان ينزغ بينهم ) فإن الضمير راجع لعباده. # وإننا نرى في هذه الآية توجيها للناس كافة باتباع الكلمة التي هي أحسن في ~~الحوار من دون اختصاص بالمؤمنين ، لعدم ظهور كلمة (عبادي) في هذا الاختصاص ~~، بل إن حال الكلمة هي حال «يا أيها الناس» التي يراد من خلالها توجيه ~~الناس جميعا إلى القواعد العامة التي تنظم سلوكهم وحياتهم بشكل عام ، مما ~~يجعل المؤمنين يتحركون من خلال التزامهم بالشريعة ، إلى الالتزام بهذه ~~المبادئ الإلهية الإنسانية في بعدها الإنساني ، الذي يوحي إليهم بالانسجام ~~معها من خلال المسلمين وغيرهم ، ليخاطب المؤمنون بعضهم البعض بالتي هي أحسن ~~، فيعمقوا الصلة الروحية الإيمانية بينهم ، وليخاطبوا غيرهم من المشركين ~~والكافرين بهذا الأسلوب ، ليحطموا حواجز العناد والتمرد في داخلهم ، ~~ويقودهم إلى أجواء الإيمان من أقرب طريق. # * * * ### ||| ** استحضار علم الله أمام الإنسان # ( @QUR@03 ربكم أعلم بكم ) وبما يصلحكم أو يفسدكم ، ولذلك أمركم بما أمركم PageV14P146 # به ليصلح أمركم في الدنيا والآخرة من خلال التزامكم به وطاعتكم له ، ~~ونهاكم عما نهاكم عنه ليبعدكم عن إفساد أمركم ومصيركم في الدنيا والآخرة ، ~~من خلال انسجامكم معه وعدم عصيانكم له ، وبذلك فإن عليكم مواجهة المسألة من ~~هذا الخط ، والحذر من الانحراف عنه ، لأن الأمر في كل نتائجه السلبية ~~والإيجابية لله الذي يعلم كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من ذلك كله ، وليس ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا لغيره شيء ms3328 من أمركم ، في ما يمكن أن يحدث ~~لكم على مستوى المصير ، بل الأمر إليه وحده ( @QUR@03 إن يشأ يرحمكم ) ~~فيغفر ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم ( @QUR@04 أو إن يشأ يعذبكم ) بما ~~تستحقونه على مخالفة أمره ونهيه. ثم يلتفت بالخطاب إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليقول له : إن مهمته الإبلاغ ، وهي تنتهي عند حصوله منه. # ( @QUR@04 وما أرسلناك عليهم وكيلا ) حافظا لأعمالهم ، تتحمل مسئوليتها ~~وتؤاخذ بانحرافهم. وهذا المعنى الظاهر من الآية يتصل بالآية السابقة ، من ~~خلال ما يستفاد من الإيحاء بذكر الشيطان ، بالانحراف الذي يقود العباد إليه ~~ويجعلهم يقعون في معصية الله ، فيستحقون عذابه ، فكان من المناسب الإيحاء ~~بأن الله مطلع عليهم ، فيجب أن لا يغفلوا عنه ، ولا يستجيبوا للشيطان ، ~~وليعلموا أن أمرهم بيد الله ، فهو الذي يرحمهم في مواضع الرحمة ، ويعذبهم ~~في مواضع العذاب ، تبعا لاختلاف مشيئته في ذلك. # وقد استظهر صاحب تفسير الميزان أن قوله : ( @QUR@010 ربكم أعلم بكم إن ~~يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ) في مقام تعليل الأمر السابق ثانيا ، ويفيد ~~أنه يجب على المؤمنين أن يتحرزوا من إغلاظ القول على غيرهم ، والقضاء بما ~~الله أعلم به من سعادة أو شقاء ، كأن يقولوا : فلان سعيد بمتابعة النبي ، ~~وفلان شقي ، وفلان من أهل الجنة ، وفلان من أهل النار ... وعليهم أن يرجعوا ~~الأمر ويفوضوه إلى ربهم ، فربكم والخطاب للنبي وغيره أعلم بكم ، وهو يقضي ~~الأمر فيكم على ما علم من استحقاق الرحمة أو العذاب ( @QUR@02 إن يشأ PageV14P147 # @QUR@01 يرحمكم ) لا يشاء ذلك إلا مع الإيمان والعمل الصالح على ما بينه ~~في كلامه ( @QUR@04 أو إن يشأ يعذبكم ) ولا يشاء ذلك إلا مع الكفر والفسوق ~~، وما جعلناك أيها النبي عليهم وكيلا مفوضا إليه أمرهم ، حتى تختار لمن ~~تشاء ما تشاء ، فتعطي هذا وتحرك ذاك. # ومن ذلك يظهر أن الترديد في قوله : ( @QUR@07 إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ ~~يعذبكم ) باعتبار المشيئة المختلفة باختلاف الموارد بالإيمان والكفر والعمل ~~الصالح والطالح ، وأن قوله : ( @QUR@04 وما أرسلناك عليهم وكيلا ) لردع ~~المؤمنين عن أن يعتمدوا في نجاتهم على النبي صلى الله عليه ms3329 وآله وسلم والانتساب ~~إلى قبول دينه نظير قوله : ( @QUR@011 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ~~من يعمل سوءا يجز به ) (1). # إننا نلاحظ أن هذا الاستظهار مبني على ما استظهره في الآية السابقة ، من ~~توجيه النداء إلى المسلمين في طريقة مخاطبتهم للمشركين. وقد ناقشنا ذلك ، ~~لأنه لا يرتكز على أساس لفظي أو تاريخي ، بل هو مجرد استنتاج ذاتي لا ينسجم ~~مع السياق كما قدمنا ونلاحظ أيضا أن الأسلوب القرآني قد دأب على إثارة علم ~~الله أمام الإنسان ، وذلك كي يدفعه إلى مراقبته في داخل نفسه ، ليكون ذلك ~~سبيلا إلى الامتناع عن معصيته ، كما أن الحديث عن الترديد بين الرحمة ~~والعذاب ينطلق في سياق استحقاق العذاب ، الذي قد يكون موضعا للعفو أو ~~للعقاب ، من خلال مشيئته ، لا في اختلاف الموارد بين الإطاعة والمعصية. ~~وبهذا فإن ما ذكره لا يتناسب مع ذلك. # ( @QUR@06 وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ) لأنه هو الذي خلقهم ، ~~ويعلم سرهم وعلانيتهم ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض والسماء. وهذا ما يريد ~~الله من الإنسان أن يختزنه داخل ضميره ، ليشعر بالإحاطة الشاملة الممتدة ~~لكل الآفاق من حوله ، حتى يكون ذلك سبيلا لتعميق الرقابة الداخلية في نفسه ~~، فيمتنع عن PageV14P148 # التمرد على الله ومعصيته ، ويكون انطلاقة للوعي الفكري الذي يوحي بالثقة ~~بتنظيم الله للكون على مستوى التكوين والتشريع ، وإرسال الرسل الذين يقودون ~~الناس إلى الخير ، وإنزال الكتب التي توجه الحياة إلى التخطيط الدقيق الذي ~~يعطيها هداها. # * * * ### ||| ** اهتزاز الكون بالتسبيح # ( @QUR@06 ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ) بما ميزناهم من مواقع العمل ~~، وطبيعة المعجزة ، ونوعية الكتب ، وذلك بمقتضى الحكمة التي أقام الله ~~الحياة عليها. ( @QUR@03 وآتينا داود زبورا ) هذا الكتاب الذي يتميز ~~بالكلمة الأحسن المشتملة على حمد الله وتسبيحه ، وبالأسلوب الأحسن الذي ~~يثير أعمق مشاعر الإيمان ، في الانفتاح على الله سبحانه ، والخضوع له ، ~~والخشوع أمام جلاله ... وهكذا كان هذا السحر اللفظي ، والمضموني ، والروحي ~~الممتزج بالسحر الصوتي الذي يتميز به نبي الله داود عند ما يقرأ الزبور ، ~~يوجب الاهتزاز الكوني بالتسبيح لله ، حتى لتحس بأن الكون يسبح ms3330 من حوله ، ~~والطيور تسبح من فوقه. # ولعل في هذا بعض الإيحاء بأن الله قد يجعل الفضل بالكلمة الأحسن ، ~~والأسلوب الأحسن ، لأن الحياة قد تفتح قلبها للحقيقة من خلالهما ، وقد تهتز ~~لمشاعر الإيمان أمامهما ، ولأن ذلك يحقق إنسانية الإنسان في احترامه ~~للآخرين ، الذي يؤدي إلى احترام الآخرين له ولفكره من موقع المحبة ~~والانفتاح. # * * * PageV14P149 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا (56) @QUR@018 أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) @QUR@018 وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في ~~الكتاب مسطورا (58) @QUR@021 وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) (59) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الوسيلة ): طريق التقرب إلى الله. # ( @QUR@01 محذورا ): من الحذر ، وهو الخوف ، أي يحذره العاقل ويحترس منه. # ( @QUR@01 مسطورا ): مكتوبا. # ( @QUR@02 الناقة مبصرة ): أي دلالة واضحة عند من يبصرها. PageV14P150 # ( @QUR@02 فظلموا بها ): فكفروا بها. # * * * ### ||| ** وهم الشريك # وتبقى مسألة التوحيد هي الأساس الثابت ، الذي يخاطب الله به عباده ويدعو ~~نبيه ليحاورهم فيه ، فيواجه الأفكار الوهمية التي تدعم الشرك ، ويقتحم ~~المشاعر الخفية التي تحتضنه ، لأن هذه المسألة تشكل الخط العام للحياة الذي ~~تلتقي به كل الخطوط التفصيلية التي يريد الله للناس أن يتحركوا فيها. # ( @QUR@06 قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ) من هؤلاء الذين تعبدونهم ~~بمختلف وسائل العبادة وأشكالها ، وتعمقوا في دراسة خصائصهم الذاتية وطبيعة ~~قدراتهم ، ولا تواجهوا المسألة معهم من موقع الألفة التي تحجب عن الإنسان ~~الطبيعة المظلمة للأشياء ، أو من موقع التقليد الذي يستغرق الإنسان معه ~~بالمقدسات الموروثة بعيدا عن أي تفكير أو نقد موضوعي للأشياء ... وبادروا ~~بدراسة حاجاتكم الملحة المعقدة وما أنتم فيه من مشاكل وآلام وأوضاع صعبة ، ~~وقدموها إليهم فستلتقون بالحقيقة الصارخة : ( @QUR@05 فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ) وإزالته ( @QUR@02 ولا تحويلا ) عنهم إلى غيرهم. لأنهم لا يملكون ~~قدرة ذاتية من خلال العناصر الخاصة التي يتألف منها كيانهم المحدود ، بل لا ms3331 ~~يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا. # * * * PageV14P151 ### ||| ** إشكالات أمام النقاش # والظاهر أن الآية ليست بصدد الحديث عن دعائهم ، ليروا هل يستجيبون أو لا ~~يستجيبون لهم؟ ليلتقوا بالجانب السلبي من ذلك ، فيعرفوا بأنهم ليسوا في ~~مستوى الألوهية الذي يجعلهم شركاء لله سبحانه ليثير البعض في ذلك إشكالا ، ~~وهو أن الناس قد يسألون الله ، فلا يستجيب لهم لأنه لا مصلحة لهم في ذلك ، ~~أو لأن هناك مفسدة ، أو لأن هناك بعض الموانع التي تمنع من تنفيذ ذلك ... ~~فكيف يمكن أن يكون ذلك دليلا على نفي ألوهيتهم؟؟ # وقد أجاب البعض عن ذلك ، بأن «الله سبحانه إذا انقطع العبد عن كل شيء ، ~~ودعاه عن قلب فارغ سليم ، يستجيب له ، وأن غيره إذا انقطع داعيه عن الله ~~وسأله مخلصا ، فإنه لا يملك الاستجابة. # ويتابع الجواب فيقول : وعلى هذا ، فلا محل للمعارضة من قبل المشركين ، ~~فإنهم لا يستجاب لهم إذا دعوا آلهتهم ، وهم ، أنفسهم ، يرون أنهم إذا مسهم ~~الضر في البحر ، وانقطعوا إلى الله ، وسألوه النجاة ، نجاهم إلى البر ، وهم ~~معترفون بذلك. ولئن دعاه المسلمون على هذا النمط عن جد في الدعاء وانقطاع ~~إليه ، كان حالهم في البر حال غيرهم وهم في البحر ، ولم يخيبوا ولا ردوا. # ولم يقابل الله سبحانه في كلامه بين دعائهم لآلهتهم ودعاء المسلمين ~~لإلههم ، حتى يعارض باشتراك الدعاءين في الرد وعدم الاستجابة ، وإنما قابل ~~بين دعاء المشركين لآلهتهم وبين دعائهم أنفسهم له سبحانه في البحر عند ~~انقطاع الأسباب وضلال كل مدعو من دون الله» (1). # إننا نلاحظ على ذلك ، أن الآية واردة على سبيل الكناية ، لإظهار PageV14P152 # عجزهم الذاتي عن الاستجابة لهم ، لا للحديث عن نفي الفعلية في الزمن ~~المعين ، فلا مجال لورود الإشكال من الأساس. # وأما القول بأن الله يستجيب للإنسان إذا انقطع إليه ، فهو غير دقيق لأن ~~عدم الاستجابة لا ينحصر بصورة فقدان التوجه القلبي والروحي إلى الله ، بل ~~قد يكون من جهة عدم المصلحة فيه للداعي ، أو لوجود المانع من جهته ، أو من ~~جهة النظام الكوني للحياة. # وقد حاول بعضهم أن يثير ms3332 أمام هذه الآية إشكالا آخر ، وهو أن الظاهر من ~~الآية ، أن المقصود بهؤلاء هم الجن والإنس والملائكة ونحوهم من المخلوقات ~~الواعية العاقلة ، بقرينة الآية الثانية الآتية. وفي هذا المجال لا يمكن ~~نفي قدرتهم مطلقا ، لأن لهم قدرة خاصة ، ولو بمعونة قدرة الله كما يعتقد ~~هؤلاء القائلون بألوهيتهم فكيف يمكن نفي القدرة مطلقا؟ وبذلك قال بأن ~~الظاهر هو نفي القدرة المستقلة. # ولكننا نلاحظ على ذلك ، بأن المسألة ترتكز على إلغاء قدرتهم الخاصة ، ~~الخاضعة في وجودها لله ، المتحركة بإرادتهم ، والإيحاء بأنها لا تملك أن ~~تقدم إليهم شيئا ، إذا لم يأذن الله بذلك بطريقة غيبية ، لأن ما يملكونه من ~~القوة لا يقوم به لو أرادوا ذلك ، لأن الأمر من اختصاص القوة الإلهية التي ~~لم يعطها لأحد من عباده بطريقة ذاتية مستقلة. # * * * ### ||| ** حاجة الآلهة تطردها عن موقع الشريك # ( @QUR@03 أولئك الذين يدعون ) من هؤلاء الآلهة ، لا يشعرون أمام الله بأي PageV14P153 # استقلال ذاتي ، بل يحسون بالحاجة المطلقة إليه ، لاعتقادهم بالغنى المطلق ~~له ، ولذا فهم يحاولون الوصول إليه وإلى رحمته بأي طريق ، وفي عملية بحث ~~دائم ، ويبتغون إليه الوسيلة التي تقربهم إليه ليمارسوها ، وليحصلوا عليها ~~، وليتسابقوا في ذلك كله ، ليروا ( @QUR@02 أيهم أقرب ) من خلال طبيعة ~~وسيلته التي تتميز عن الوسيلة الأخرى لغيره. # والظاهر أن المراد من الوسيلة ، هي العمل الصالح الذي أراده الله سبيلا ~~للقرب منه ، لا الأشخاص الذين يتخذهم الناس وسائل للوصول إلى الله. ولعل ~~هذا هو المراد من قوله ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة )، [المائدة : 35] وذلك من خلال ما تعبر عنه الكلمة من ~~الطريق أو الأداة التي يتقرب بها الناس إلى الله ، ويصلون من خلالها إليه ~~بشكل مباشر. # ( @QUR@02 ويرجون رحمته ) في لهفة المترقب الذي ينتظر هطول الرحمة عليه ~~بالمغفرة والرضوان ، ( @QUR@02 ويخافون عذابه ) في شعور الإنسان المذنب ~~الذي يعرف أنه مستحق للعذاب ، ولذا فإنه يخاف عذاب الله ، ويحذر من وقوعه. ~~( @QUR@05 إن عذاب ربك كان محذورا ). يحذر منه الناس ، لما له من شدة في ~~طبيعته ونتيجته. # وعلى ضوء هذا ، فإن معنى الآية ، هو ms3333 ، كيف يمكن أن يدعي هؤلاء الناس ~~ألوهية هذه المخلوقات ، واعتبارها شريكة لله سبحانه ، مع أنها لا تشعر ~~بالاستقلال الذاتي في طبيعتها ، بل هي على العكس من ذلك تشعر بالحاجة ~~المطلقة إليه ، مما يدفعها إلى تلمس كل الوسائل التي تقربها إليه لتدرس ~~أيها أقرب إليها ، لتسلكها ، فيعرف أفرادها ( @QUR@02 أيهم أقرب ) ليحس ~~بالأمن والطمأنينة والنجاة من النار ... وترجو رحمة الله وتخاف عذابه ، فهي ~~في قلق دائم من ذلك كله ، فكيف يمكن أن تكون في موقع الشريك لله سبحانه ؟ # * * * PageV14P154 ### ||| ** كتاب التكوين وسنن الحياة # ( @QUR@09 وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ) بالموت أو ~~بغيره من الأسباب المهلكة ، كالزلزال والطوفان والإحراق ( @QUR@04 أو ~~معذبوها عذابا شديدا ) بالجوع والخوف ونقص من الأموال والثمرات ، وذلك ما ~~تؤدي إليه الأعمال التي يقوم بها المترفون والمستكبرون ويتبعهم عليها ~~المستضعفون ، لأن سنة الله في خلقه قد جرت على ربط النتائج بمقدماتها ، ~~والمسببات بأسبابها. ( @QUR@05 كان ذلك في الكتاب مسطورا ) في ما قدره الله ~~، في علمه ، في كتاب التكوين الذي أخضع الحياة كلها لقوانين وضوابط وأوضاع ~~تتحرك من خلالها للوصول إلى النظام الكوني ، الذي أراده الله خطا عمليا ~~وتكوينيا للموجودات العاقلة المتحركة بالإرادة ، وجعله خطا تكوينيا ~~للموجودات الجامدة أو النامية غير العاقلة. وقد تحدث بعض المفسرين عن ~~احتمال أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، الذي ذكر فيه كل شيء ~~بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له ، واستشكل العموم بأنه يقتضي ~~عدم تناهي الأبعاد. وقد قامت البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك ، فلا ~~بد من أن يقال بالتخصيص بأن يحمل الشيء على ما يتعلق بهذه النشأة. # ولكن هذا الوجه غير ظاهر من اللفظ القرآني ، بل الأقرب هو كتاب التكوين ~~في قوانينه العامة أو إرادة ما ذكرناه من علم الله ، الذي قد يستعار له لفظ ~~الكتاب الذي يسطر فيه العلم ، ولو أريد منه ذلك ، فلا مشكلة من جهة عدم ~~التناهي ، لأن من الممكن أن تكون الأمور مندرجة تحت عناوين عامة وضوابط ~~محدودة تحتوي جميع التفاصيل ، والله العالم. # * * * PageV14P155 ### ||| ** الموقف من طلب المشركين للمعاجز # ( @QUR@010 وما ms3334 منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) ظاهر هذه ~~الفقرة من الآية ، أن الله سبحانه كان يرسل الأنبياء بالآيات المعجزة التي ~~تخرق المألوف ، في ما يقترحه الناس عليهم ، أو ما لا يقترحونه ، ولكن تلك ~~الأمم السابقة ، كذبت بهذه الآيات ، مما جعلها لا تؤدي المهمة التي أرادها ~~الله من تخويف الناس والضغط عليهم لمصلحة الإيمان به وبرسله ، وذلك لما ~~تثيره في نفوسهم من الأجواء الروحية التي تدفعهم إلى الاهتمام والتفكير ~~بالمسألة الإيمانية من موقع ثابت ، الأمر الذي أدى إلى أن يرسل الله نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن ، الذي يخاطب في الإنسان عقله وفكره ~~ووجدانه ، ليفهم طبيعة الإيمان ويقتنع بها ، من خلال التفكير الذي يتلمس ~~الأسلوب والمضمون ، في ما يكتشفه من الإعجاز القرآني ، ومن الحقائق ~~الإسلامية الرسالية ، ولهذا لم يستجب لمقترحات قريش على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من تفجير الصخور إلى ينابيع ، ومن تحويل الصحراء إلى ~~جنات ، ومن الصعود إلى السماء ، ومن إنزال الكتاب السماوي بطريقة خارقة ~~للعادة ، لأن ذلك لن يحقق أية نتيجة ، ما داموا لا يملكون إرادة الإيمان ~~التي تدفعهم إلى دراسة الوسائل الفكرية والعملية الموصلة إليه ، ولهذا ~~فإنهم يواجهون المسألة من خلال أسلوبين في الرفض ، فإذا استجاب النبي لهم ، ~~فإنهم سيعتبرون ذلك سحرا وإذا لم يستجب لهم ، فإنهم سيرون في ذلك دليلا على ~~عجزه وابتعاده عن مقام النبوة. # ولكن ، إذا كانت الآيات مرادفة للتكذيب من قبل الكافرين ، فإن معنى ذلك ~~أنها عديمة الفائدة ، فكيف أرسلها الله عليهم ولم يمنعها عنهم ، كما منعها ~~في نهاية المطاف ، لأن ما يكون سببا للمنع لاحقا ، لا بد من أن يكون كذلك ~~في السابق ، لأن المحذور مشترك بين الزمانين ، أو الحالتين. PageV14P156 # وقد أجاب البعض عن هذا الإشكال بأن التكذيب مساوق للتعذيب في إرادة الله ~~، كما قرره في بعض آياته ، وذلك في حالات إنزال الآيات المقترحة من قبلهم ، ~~وهذا ما لا مجال له في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الله قد رفع ~~العذاب عنهم بسبب ms3335 وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ، وبسبب استغفارهم ~~كما جاء في الآية الكريمة : ( @QUR@012 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) [الأنفال : 33] فلو أن النبي استجاب ~~لمقترحاتهم لكذبوه ، ولكان ذلك موجبا لنزول العذاب عليهم ، مما لا يتناسب ~~مع هذه السنة الإلهية الجديدة في أمر الواقع الإسلامي. # وقد ورد التأكيد على هذا الوجه في رواية أبي الجارود ، عن أبي جعفر محمد ~~الباقر عليه السلام في تفسير الآية ، قال : وذلك أن محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم سأل قومه أن يأتيهم ، فنزل جبرائيل فقال : إن الله ~~عز وجل يقول : ( @QUR@010 وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ~~) وكنا إذا أرسلنا إلى قريش آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم ، فلذلك أخرنا عن ~~قومك الآيات (1). # ولكن هذه الرواية لا تخلو من مناقشة بحسب ظاهرها لأنها تعتبر أن الآية هي ~~رسول الله ، كما تتحدث عن أحداث سابقة في تاريخ قريش ، متضمنة للتكذيب ~~وللإهلاك. وهذا مما لا نعهده فيهم ، لأن الله لم يرسل إليهم رسولا قبل ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # وقد ورد في الدر المنثور : «أخرج أحمد ، والنسائي ، والبزار ، وابن جرير ~~، وابن المنذر ، والطبراني ، والحاكم ، وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في ~~الدلائل ، والضياء في المختارة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : سأل ~~أهل مكة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم ~~الجبال فيزرعون ، فقيل له : إن شئت أن تتأنى بهم ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي ~~سألوا ، PageV14P157 # فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم. قال : لا ، بل أستأني ~~بهم. فأنزل الله : ( @QUR@010 وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون ) (1). # * * * ### ||| ** النبوة الخاتمة تفرض آية مختلفة # وهناك توجيه آخر ، ربما لا يكون بعيدا عن جو الآية ، وهو أن نبوة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هي النبوة الأخيرة في تاريخ الإنسان ، فهي خاتمة ~~النبوات ، كما أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء. وهذا ما ~~يفرض ms3336 أن لا تكون الآيات هي الأساس الذي يرتكز عليه التحدي وينطلق منه ~~الإيمان ، لأن ذلك مما يذهب بذهاب الآية التي تتضمن عنصرا مؤقتا محدودا ، ~~الأمر الذي يؤدي إلى لغوية إرسال الآية وعبثيته ، لأن الساحة لا تملك آية ~~جديدة تعمل من أجل تجربة جديدة للإيمان ، بينما كانت الخطة تفرض الاستمرار ~~للعنصر الحي الذي يغذي الساحة بالإيمان في كل مرحلة وجيل ، مهما كفر ~~الكافرون وكذب المكذبون ، كما هو الحال في القرآن الذي يلتقي مع الخط ~~الفكري القائم على العقل والوجدان في هداية الناس إلى الله سبحانه في كل ~~خطوط الإيمان المتنوعة في الحياة. # أما في الأزمنة السابقة ، فإن الآية التي يرسلها الله مع الإنذار بالعذاب ~~تؤدي دورا معينا بالنسبة إلى الأمة التي تعيش في ذلك الزمن ، كما تؤدي دورا ~~تحذيريا بالنسبة إلى الأمم القادمة في مراحل النبوات المتأخرة. # إننا نستقرب مثل هذا التوجيه في فهم الآية ، وربما كان أقرب من PageV14P158 # التوجيه الذي ذكرنا سابقا بالنسبة إلى ظهور الآية ؛ والله العالم بحقائق آياته. # ( @QUR@06 وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) وهذا نموذج من الآيات ~~التي أرسل الله بها رسوله «صالح» ، فكذبوا بها وعقروها ، فأنزل الله عليهم ~~العذاب وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ولعل التأكيد على هذه النماذج «لأن آثار ~~إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم ، يبصرها صادرهم وواردهم» ، كما جاء ~~في تفسير الكشاف (1). # ( @QUR@05 وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) وتحذيرا للناس ، بعد أن قامت ~~عليهم الحجة بها ، فليس لهم عذر في الإنكار أو التمرد ، في ما تدل عليه هذه ~~الآيات من صدق النبي في رسالته ، وارتباط الرسالة بالله من خلال الوحي ، ~~ولذا فإنها تحمل في داخلها طبيعة الإنذار المستقبلي في حالات الانحراف ، ~~سواء على مستوى إثارة الخوف في عذاب الدنيا ، أو في عذاب الآخرة. # * * * PageV14P159 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طغيانا ): ظلما. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير ، عن سهل بن ms3337 سعد قال : رأى رسول PageV14P160 # الله صلى الله عليه وآله وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة ، فساءه ~~ذلك. فما استجمع ضاحكا حتى مات. فأنزل الله : ( @QUR@010 وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ). # وفيه أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر أن النبي قال : رأيت ولد الحكم ابن ~~أبي العاص على المنابر كأنهم القردة. وأنزل الله في ذلك : ( @QUR@010 وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ) يعني الحاكم وولده. # وفيه أخرج ابن أبي حاتم ، عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أريت بني أمية على منابر الأرض ، وسيتملكونكم فتجدونهم ~~أرباب سوء ، واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك ، فأنزل الله : ( ~~@QUR@08 وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ). # وفيه أخرج ابن مردويه ، عن الحسن بن علي أن رسول الله أصبح وهو مهموم ~~فقيل : مالك يا رسول الله؟ فقال : إني أريت في المنام كأن بني أمية ~~يتعاورون منبري هذا فقيل : يا رسول الله ، لا تهتم فإنها دنيا تنالهم. ~~فأنزل الله : ( @QUR@08 وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ). # * * * ### ||| ** حكمة إلهية في اختبار الناس # في هذه الآية وضوح في المعنى من جهة المفهوم العام الذي توحي به ، وغموض ~~من جهة التطبيق ، وذلك من جهة ما يراد من الرؤيا التي أراها الله للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وما يقصد من الشجرة الملعونة في القرآن ... حيث اختلف ~~المفسرون في ذلك. # فمدلول الآية يتضمن الإيحاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله قد أحاط بالناس PageV14P161 # في علمه ، فهو المطلع على كل شيء مما يضمرونه أو يظهرونه ، كما أحاط بهم ~~في قدرته ، فهو المهيمن على وجودهم كله ، فلا يستطيعون التحرك ، بمقدار ~~شعرة ، بعيدا عن سيطرته ، ولا يتمكنون من الهروب من ملكه. # وقد كان من حكمة الله أن يختبر الناس ، ويفتنهم بما يكون محلا للأخذ ~~والرد والنفي والإثبات ، سواء في ذلك الحوادث التي تحدث في ساحتهم ، أو ~~الظروف التي تضغط عليهم ، أو ms3338 الأجواء التي يثيرها في وجدانهم ، من خلال ما ~~يلقيه إلى النبي من كلمات أو ما يريه من منامات ، ليحدث بها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الناس ، فيختلفون حولها. وهكذا يريد الله أن يجعل ~~الرؤيا التي أراها له فتنة للناس ، كما هي الشجرة الملعونة في القرآن ، ~~ولكن الناس لا يواجهون ذلك بمسؤولية ، في ما يفرضه المصير من تأمل وتبصر ~~واستعداد ، فلا يخافون الله ، بل يزدادون تمردا وطغيانا من خلال أجواء ~~اللامبالاة التي يواجهون بها أمر الله سبحانه. # * * * ### ||| ** وجوه في تفسير الرؤيا والفتنة # ولكن ما هي هذه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ # ذكر صاحب مجمع البيان عدة وجوه في تفسيرها : # أحدها : أن المراد بالرؤيا رؤية العين ، وهي ما ذكره في أول السورة من ~~إسراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى بيت المقدس وإلى السموات في ~~ليلة واحدة ، إلا أنه لما رأى ذلك ليلا وأخبر بها حين أصبح سماها رؤيا ، ~~وسماها فتنة ، لأنه أراد بالفتنة الامتحان وشدة التكليف ، ليعرض المصدق ~~بذلك لجزيل ثوابه والمكذب لأليم عقابه. PageV14P162 # ثانيها : أنها رؤيا نوم رآها أنه سيدخل مكة ، وهو بالمدينة ، فقصدها فصده ~~المشركون في الحديبية عن دخولها ، حتى شك قوم ودخلت عليهم الشبهة ، فقالوا ~~: يا رسول الله ، أليس قد أخبرتنا أنا ندخل المسجد الحرام آمنين؟ فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم : أوقلت لكم إنكم تدخلونها العام؟! قالوا : لا ، فقال ~~: لندخلها إن شاء الله. ورجع ثم دخل مكة في العام القابل. فنزل : ( @QUR@06 ~~لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ). # ثالثها : أن ذلك رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قرودا تصعد ~~منبره وتنزل ، فساءه ذلك واغتم به ، روى سهل بن سعد عن أبيه أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك ، وقال له صلى الله عليه وآله وسلم : لم يستجمع ~~بعد ذلك ضاحكا حتى مات ، وروى سعيد ابن يسار أيضا ، وهو المروي عن أبي جعفر ~~«الباقر» وأبي عبد الله «الصادق» عليهما السلام (1). # رابعها : ما ذكره تفسير الكشاف من ms3339 احتمال أن يكون المراد بالرؤيا ، ما ~~يمكن أن يكون قد رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصارع المشركين في بدر ، ~~قبل المعركة ، فحدث به أصحابه في ما كان يروى عنه من قوله حين ورد ماء بدر ~~: «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» وهو يومئ إلى الأرض ويقول : هذا مصرع ~~فلان ، وهذا مصرع فلان ... فتسامعت قريش بما أوحي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من أمر يوم بدر وما أري في منامه من مصارعهم ، فكانوا ~~يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء (2). أما الشجرة الملعونة فقد فسرت ~~بأنها «عائلة بني أمية» على أساس الوجه الثالث في تفسير الرؤيا ، ويكون ~~اللعن في القرآن متعلقا بهم من خلال انطباق أحد العناوين الملعونة من ~~المنافقين والظالمين وأمثالهم ، وبذلك يحصل هناك انسجام بين الرؤيا وبين PageV14P163 # الشجرة الملعونة التي تمثل المضمون الواقعي للرؤيا. # أما مسألة الفتنة في ذلك ، فمن جهة المراكز التي يتبوءونها ، من خلال ~~الخلافة التي قد تخدع الكثيرين من الناس ، فتوحي إليهم بشرعية تصرفاتهم ~~الطاغية المستكبرة والمنحرفة عن خط الإسلام ، في ما يفتتن به الناس ، من ~~الأشخاص الذين يحملون صفات معينة تتصل بالدين ، مما يمنحها طبيعة القداسة ~~التي تحول الضلال إلى عنصر مقدس ، وتجعل لرموزه قداسة في ميزان التقييم ~~الديني للأشخاص. # وقيل إنها اليهود ، لأن الله تحدث عن لعنهم في القرآن ، وقيل إنها شجرة ~~الزقوم الملعونة من حيث طعمها ونتائجها السيئة ، قالوا : وإنما سمى شجرة ~~الزقوم فتنة لأن المشركين قالوا : إن النار تحرق الشجرة فكيف تنبت الشجرة ~~في النار وصدق به المؤمنون. # * * * ### ||| ** مناقشة الآراء # هذه هي خلاصة الآراء في معنى الكلمتين. وقد نلاحظ على التفسير الأول ~~للرؤيا بأنه خلاف ظاهر الكلمة التي تدل بحسب إطلاقها على ما يراه الإنسان ~~في المنام. كما أن التفسير الثاني لا ينسجم مع الطبيعة المكية للسورة ، مما ~~لا يتفق مع رؤيا دخول مكة التي كانت في المدينة ، حيث كانت متأخرة عن مورد ~~نزول الآية. # أما التفسير الرابع ، فقد تكون نقطة ضعفه أنه لا دليل على وجود رؤيا ms3340 من ~~هذا القبيل في هذا الشأن ، لأن ما ذكره الله من منام الرسول ، في يوم بدر ، ~~هو ما يتعلق بحجم الأعداء ، لا بمصارعهم. # وبذلك يكون التفسير الثالث أقرب إلى الذهن وإلى جو الآية من خلال PageV14P164 # ما توحي به كلمة الإحاطة من الانفتاح على الأشياء المستقبلية ، المتصلة ~~بحركة الإسلام في المستقبل في ما يريد الله أن يعرف به رسوله ، بما ينتظر ~~دينه من تطورات على صعيد التطبيق في حركة الواقع. كما أن مفهوم الفتنة ~~يلتقي بالواقع المنحرف الذي يقود إلى الارتباك ، أكثر مما يلتقي بما يختلف ~~الناس حوله من الأخبار. # ومن الأمور التي تؤكد هذا التفسير ، التقاء روايات أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام الذين هم الحجة في تفسير القرآن ، بروايات غيرهم من أهل السنة ~~، وانسجامه مع حركة الآية في تحذير الناس من الانحراف عن خط الله ، من خلال ~~الواقع المنحرف الذي يقودهم إلى الهلاك. # * * * ### ||| ** حكمة إلهية # ( @QUR@07 وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) فاطلع على كل ما يحدث لهم في ~~الحاضر والمستقبل ، وأراد لك أن تطلع على كثير مما يخفى عنك مما يتصل ~~بحركتك في خط الرسالة وحركتها في مواجهة أحداث المستقبل. ( @QUR@05 وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك )، كسبيل من سبل تعريفك بما قد يحدث لك ولأمتك ، ~~( @QUR@03 إلا فتنة للناس ) وذلك لما يمكن أن تثيره فيهم من اهتزاز وارتباك ~~، ( @QUR@04 والشجرة الملعونة في القرآن ) من هؤلاء الذين يتحركون ، ~~ليقودوا خط الضلال والانحراف بعيدا عن خط الإسلام والاستقامة ، أو هذه ~~الشجرة التي تحدث عنها القرآن ، فأثارت كثيرا من الجدال الناشئ عن عدم ~~الفهم ( @QUR@01 ونخوفهم ) بما يثيره فيهم الحذر الذي يوجههم نحو الخير. ( ~~@QUR@02 فما يزيدهم ) ذلك ( @QUR@03 إلا طغيانا كبيرا ) أي ظلمنا وعدوانا ~~من خلال أجواء الغفلة واللامبالاة التي تقودهم إلى الاستخفاف بكل حالات ~~الإنذار والتخويف ؛ والله العالم. # * * * PageV14P165 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد ~~لمن خلقت طينا (61) @QUR@015 قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى ~~يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) @QUR@010 قال اذهب فمن تبعك منهم ~~فإن جهنم جزاؤكم جزاء ms3341 موفورا (63) @QUR@019 واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا (64) @QUR@09 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا ) (65) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لأحتنكن ): لأقودن. مأخوذ من تحنيك الدابة ، إذا شد على حنكها ~~الأسفل بحبل يقودها به. أو لأقتطعنهم من الأصل ، من احتنك الأرض إذا جرد ما عليها. # ( @QUR@01 موفورا ): تاما ، مكملا. PageV14P166 # ( @QUR@01 واستفزز )، الاستفزاز : الاستخفاف والاستنهاض. # ( @QUR@01 وأجلب ): من الجلبة وهي الصياح. # * * * ### ||| ** تكرار قصة آدم وإبليس للغظة والاعتبار # وتبقى قصة آدم وإبليس ، هي القصة التي يراد لها أن توحي للإنسان بالحذر ~~انطلاقا من الخط الذي تحرك في بداية الخليفة ، وبدأ بحالة الكبرياء الذاتية ~~العنصرية ، التي دفعت إبليس إلى الامتناع عن السجود لآدم ، كما أمره الله ، ~~وإلى التخطيط لإضلال بنيه في المستقبل ليخرجهم من الجنة ، كما كان أبوهم ~~سببا لإخراجه من رحمة الله ، في ما تحركت به النوازع إلى هذا المصير. # وهذا ما يريد الله للإنسان أن يعيشه في مواجهة الشيطان ، كحقيقة ثابتة ~~تفرض نفسها عليه في عملية إغواء وإضلال ، ولكنها لا تستطيع أن تشله وتجمده ~~، لأنه يملك العقل الذي يحدد له مواقع الخير والشر كما يملك الوحي الذي ~~يقوده إلى تفاصيل الواقع ويحذره من نتائجها السلبية بطريقة حاسمة. # وتبقى القصة المتكررة في القرآن ، أسلوبا لا يريد أن يكرر الواقعة كخبر ~~للمعرفة ، بل يريد أن يحركها في كل موقع للفكر ، وللعظة ، وللاعتبار. # ( @QUR@05 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) تحية له وتكريما لمقامه ، أو ~~خضوعا لله الذي خلقه في أحسن الخلق وأورعه ، ( @QUR@03 فسجدوا إلا إبليس ) ~~لم يسجد ، لأنه كان يعيش في داخل نفسه عدم التوازن بين حس الكرامة في الذات ~~وحس العبودية لله ، فلم يعرف أن المخلوق لا يملك أية إرادة أمام الله ، فلا ~~بد له من أن يعيش الاستسلام المطلق لذاته المقدسة ، وأن كرامته مستمدة من ~~طاعته لله ، PageV14P167 # لا من استسلامه لنوازعه الذاتية ، وأن الله هو الذي يحدد للخلق مكانتهم ~~من خلال اطلاعه على عمق السر الذي يتمثل في وجودهم ، بعيدا عن كل الأوضاع ~~الظاهرة التي ms3342 تميز مخلوقا عن آخر بغض النظر عن المعاني الخفيه الكامنة في ~~الداخل. وبذلك ضاع إبليس عن الطريق السوي ، واختلطت المقاييس في ذهنه ، ~~فانحرفت به عن خط الوضوح في الرؤية ، واستغرق في ذاته ، كما لو كانت تملك ~~الأصالة الذاتية بعيدا عن كونها مخلوقة لله. ولا حظ العنصر الذي وجد منه ~~وهو النار ، والعنصر الذي صنع منه آدم وهو الطين ، ففضل عنصره من دون ~~التفات إلى أن الذي أودع الخصائص في النار هو الذي أودع الخصائص في الطين ، ~~وعرف سر الذات في كل منهما ، فهو الذي يحدد مواقع الفضل في هذا أو ذاك ، لا ~~المخلوق الذي لا يملك من المعرفة إلا ما عرفه الله. # * * * ### ||| ** عقدة الانتقام # ( @QUR@05 قال أأسجد لمن خلقت طينا ) أي كيف أسجد لهذا المخلوق الذي لا ~~يملك أي تفوق علي في عنصره ، وهو الطين. وتعاظمت الكبرياء في ذاته ، وتحركت ~~العقدة في نفسه ، وحاول أن ينفس عن هذه الحالة النفسية المعقدة ، بعد أن ~~يحصل على الخلود في الأرض ، ما دامت الحياة فيها ، فأعلن خطته الشريرة في ~~الانتقام من هذا المخلوق ، الذي سيكون له ولأولاده شأن في هذه الأرض ، وذلك ~~بالانتقام من أولاده. ( @QUR@06 قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ) أي أخبرني ~~عن هذا المخلوق الذي فضلته علي ، كيف كرمته علي وأنا في المستوى الأعلى ~~بالنسبة إليه. ( @QUR@07 لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ) أي ~~لأستأصلنهم بالإغواء ، وبذلك أبعدهم عن رحمتك ، وأنزلهم عن هذا المستوى ~~الذي رفعتهم إليه ، وأردتهم أن يديروا به الأرض من خلال وحيك ، وأن PageV14P168 # يخضعوها لإرادتك ، وأن يرتفعوا إليك بالطاعة ... ( @QUR@02 إلا قليلا ) ~~منهم ، ممن يرتفع إلى مستوى عقله ، ولا يخضع لنداء شهوته ، ولكنه يتوازن ~~فيعطي للشهوة دورها في حركة الحياة في الجسد ، بما يلبي حاجته الطبيعية ، ~~ويمنع عنها حريتها ، في ما يهدد حياتها وطهرها وصفاءها في آفاق الروح ، ~~ويتحرك في اتجاه الدور الطبيعي المميز الذي خلقه الله من أجله ، وهو ~~الخلافة في الأرض. # * * * ### ||| ** الإيحاء لإبليس باستعمال كل وسائل التضليل # ( @QUR@02 قال اذهب ) وتصرف بما يحلو لك ، مما قد تعتبره تنفيسا للعقدة ms3343 ، ~~وثأرا للكرامة ، وانسجاما مع كبرياء الذات ... ولكنه في الواقع مظهر الغرور ~~، يشعر صاحبه بالانتفاخ الذي لا يمثل شيئا من القوة ، بل يمثل أعمق نوازع ~~الضعف ، تماما كما هو الورم الذي يوحي بضخامة الجسد ، ولكنه يذهب كالهواء ~~... امض لشأنك وخذ حريتك. ولكن ما النتيجة ، وما العاقبة؟ فإن الأمور تعرف ~~بنتائجها لا بمقدماتها. ( @QUR@03 فمن تبعك منهم ) وأطاعك ، وترك عقله ، ~~وأطاع شهوته ، وعصى ربه ... ( @QUR@05 فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) لا ~~نقصان فيه. # ( @QUR@05 واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) أي استخفه حتى يستثيره نداؤك ~~ليسعى إليك ، وذلك بإثارة عناصر الإغراء والإغواء والتزيين والتحسين أمامه ~~( @QUR@04 وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) الجلبة الصياح الذي يصدر عن صاحب ~~الخيل والرجال من خلفه ، ليحثه على السبق واللحاق به ، والرجل جمع رجل ... ~~وهو وارد على سبيل الكناية والتمثيل ، مثل حاله في تسلطه على من يغويه ~~بمغوار أوقع على قوم ، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن ~~مراكزهم ، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة ، حتى استأصلهم كما ورد PageV14P169 # في الكشاف (1). وبهذا كانت الفكرة إيحاء للشيطان بأن يستعمل كل وسائله ~~وإمكاناته وقواه في سبيل الإضلال ( @QUR@04 وشاركهم في الأموال والأولاد ) ~~وذلك بتوجيههم إلى الوسائل غير الشرعية في اكتساب المال كالقمار والربا ~~والسرقة والغصب ، أو في إنفاقه في الموارد المحرمة ، أو بتوجيههم إلى ~~الوسائل غير الشرعية في إنجاب الأولاد عن طريق الزنى ، أو في التربي على ~~غير النهج الشرعي إذا كانت ولادته شرعية أو ما شاكل ذلك ... الأمر الذي ~~يجعل المال والولد شركة بين الشيطان وبين صاحبه ، من خلال علاقته المحرمة ~~به ، بالإضافة إلى النسبة الذاتية التي تنتسب فيها الأشياء إلى أصحابها ، ~~والأولاد إلى آبائهم. # ( @QUR@01 وعدهم ) بكل المواعيد الكاذبة التي تثير فيها أمامهم أحلام ~~المستقبل الذهبية ، التي تترتب على معصيتهم لله وانحرافهم عن خطه المستقيم ~~، وتؤدي بهم إلى الاستسلام إلى أماني المغفرة والرحمة والشفاعة ، ونحو ذلك ~~مما يخضع في طبيعته إلى شروط معينة. ( @QUR@05 وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ~~) فليس له حقيقة في الفكرة ولا في الواقع ، بل هو صورة في الخيال ، وحركة ~~في الوهم ms3344 والحس والشعور ، لأنه يظهر الباطل في صورة الحق ، والخطأ في مظهر ~~الصواب ، والانحراف في خيال الاستقامة. # * * * ### ||| ** نجاح الشيطان مع المستسلمين له # افعل كل ذلك ، واستنفد كل طاقتك ، واصرخ بأعلى صوتك ، فسوف لن يستمع إليك ~~ولن يتبعك إلا الضعفاء في عقولهم وإراداتهم ، الذين لا يعيشون في الآفاق ~~الرحبة من معرفة الله ، ولا يتحركون في مواقع المسؤولية ، بل PageV14P170 # يستسلمون للشهوات ويمارسون كل أوضاع الحياة من خلال اللامبالاة ، كما لو ~~كانت الحياة فرصة طيبة للهو والعبث ، بعيدا عن الفكر والهدى ، أما عباد ~~الله الذين يعيشون الإحساس بالعبودية في عمق الذات ، على أساس أنه سر ~~الوجود الإنساني في شعورهم بحاجتهم المطلقة لله في كل شيء ، من أول حركة في ~~رحلة الوجود حتى آخر نبضة منه ، فليست العبودية عندهم حالة طارئة ، تنطلق ~~من غلبة أو تشريع أو ما أشبه ذلك ، بل هي المعنى والحقيقة والمضمون في داخل ~~الشخصية ، فهم ينظرون إلى المسؤولية نظرة جدية ، تتصل بإنسانيتهم التي تعني ~~الانسجام مع النظام الكوني في حركته ، للوصول به إلى الغاية الأساسية ، ~~والتي تفرض النظرة إلى عناصرها الذاتية ، كأمانة لله عندها ، في ما يجب أن ~~تقوم به أو تتحرك به من خطط ومشاريع ... ولذلك فإنهم يعيشون الحرية أمام ~~الشيطان وأمام العالم ، بالعمق نفسه الذي يعيشون فيه العبودية أمام الله. # ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) لأن سلطانك على الذين يتبعونك ~~لا يعود سببه إلى ما تملكه من قوة مهيمنة ضاغطة ساحقة ، أو لضعف فيهم لا ~~يمكن أن يترجم إلى قوة ، بل هو ناشئ من تنازل هؤلاء عن قوتهم في الفكر ~~والإرادة ، واستسلامهم لك في ساحة الصراع ، ولكن عبادي الذين آمنوا بي ~~وبرسلي ، وأخلصوا لرسالتي ، يستنفرون كل طاقاتهم الفكرية والعملية لمواجهة ~~أساليبك الشيطانية وضغوطك الشهوية ، فلا تستطيع إغواءهم لأنهم يتمردون على ~~كل عناصر الإغواء الذاتية ، ولا تتمكن من إضلالهم ، لأنهم يصرون على السير ~~بقوة في اتجاه الخط المستقيم ، من خلال المنهج الفكري والعملي الذي خطته ~~الرسالات للإنسان من أجل بقائه مع الله في جميع أوضاعه العامة والخاصة ... ~~فهو الذي ms3345 يمد الإنسان بالقوة عند ما يريد أن يتحرك نحوه ويتجه إليه ، ويقوم ~~على رعايته وحمايته من كل شر يضغط عليه بما لا قيل له به. ( @QUR@03 وكفى ~~بربك وكيلا ) وكافلا لعباده المخلصين السائرين على طريقه وهداه. # * * * PageV14P171 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما (66) @QUR@018 وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) @QUR@015 أفأمنتم أن ~~يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) ~~@QUR@022 أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح ~~فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) (69) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يزجي ): الإزجاء : سوق الشيء حالا بعد حال. # ( @QUR@01 ضل ): هنا بمعنى غاب وذهب. # ( @QUR@01 حاصبا ): الحاصب : من حصبه بالحجارة : أي رماه بها. # ( @QUR@01 قاصفا ): كاسرا. # ( @QUR@01 تبيعا ): مطالبا أو محاسبا. # * * * PageV14P172 ### ||| ** مواجهة الحقيقة # وإذا كان الله وكيلا وكافلا لعباده ، فكيف لا يستذكر العباد ذلك ، وكيف ~~يغفل البعض عن الله ، فيرتبط في شعوره وإحساسه بالأمن ، بالجانب الحسي من ~~الحياة ، ولا يلتفت إلى أن الله الذي يمنح الإنسان النجاة في مظاهر الأمن ~~الحسي ، قادر على أن يسلبه ذلك في الموقع نفسه ، لأن الله يحفظ الإنسان ~~ويحرسه من حيث يحتسب أو لا يحتسب ، ويهلكه من حيث يشعر أو لا يشعر ، مما ~~يفرض عليه أن يتعلق بالله في خوفه وأمنه ، ولا يتعلق بمظاهر خلق الله ، لأن ~~الله هو الذي خلق أسباب الموت والحياة. وهذه هي الفكرة التي تعالجها هذه ~~الآيات في أكثر من نموذج من مواقع الحفظ أو الهلاك. # ( @QUR@07 ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ) ويجريها فيه بقوانينه ~~الطبيعية التي أودعها في الكون ، في حركة الرياح التي تخضع لها حركة السفن ~~في البحر. # ( @QUR@03 لتبتغوا من فضله ) في ما يرزقكم من رزقه الذي يسخره لكم في ~~البحر ، وما يوصلكم إليه من مواقعه في البر ، عند ما لا يكون هناك طريق بري إليه. # ( @QUR@04 إنه كان بكم رحيما ) فقد أغدق عليكم من شآبيب رحمته ms3346 في أصل ~~الوجود وفي حركته ، وهو يريد أن يوصلكم إلى النعيم في جنته ورضوانه في دار ~~السلام. # ( @QUR@05 وإذا مسكم الضر في البحر ) وثار الموج من كل مكان ، واهتزت ~~السفينة في قبضة الرياح الهائجة ، وعشتم الخوف والهلع ، ورأيتم الموت ~~أمامكم ماثلا في كل موجة ، وفي كل اهتزاز ... فإلى من تتجهون بقلوبكم؟ ومن ~~هو القادر على إنقاذكم؟ وكيف تتصرفون؟؟ فكروا جيدا في هؤلاء الذين تعبدونهم ~~من دون الله ، هل ترون فيهم ملجأ من الخوف ، ومهربا من الموت؟ هل يملكون ~~لكم نفعا؟ فهم لو كانوا في مثل حالتكم لما استطاعوا إلى الخروج من هذا PageV14P173 # المأزق سبيلا ، بل يخافون كما تخافون ، ويطلبون المدد من الغيب كما ~~تطلبون ، لأنهم عباد أمثالكم ، يحملون مثلكم نقاط الضعف الذاتية ، ولكنكم ~~خدعتم أنفسكم بمظاهر القوة التي يملكونها ، ولم تنفذوا إلى ما وراءها من ~~عوامل الضعف ، فعبدتموهم من دون الله ، حتى واجهتم الحقيقة الآن. فما ذا هناك؟ # * * * ### ||| ** الله هو القوة المطلقة المهيمنة # ( @QUR@05 ضل من تدعون إلا إياه ) لقد ضاع كل هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ~~من دون الله ، وتبخرت كل صورهم وأشكالهم وظاهر قوتهم في الهواء ، أمام قوة ~~الرياح وعسف الأمواج ، وتحولوا إلى أشباح تتطاير في الخيال ، ولا تملك أن ~~تتماسك لحظة في البال ... لقد ضاع هؤلاء جميعا ، وبقيت الحقيقة الثابتة ~~المشرقة التي مهما غفل الإنسان عنها فإنها تبرز من جديد ، لتفرض نفسها على ~~الفكر والشعور والوجدان ، ولتؤكد وجودها في الحياة من موقع حاجتها إليها في ~~كل لحظة. لقد ضاع كل هؤلاء إلا إياه. هو القوة المطلقة ، الإله الخالق ~~المهيمن على كل شيء ، والقادر على كل شيء. إنك لن تحتاج إلى أن تلفظ اسمه ~~لتعرفه ، لأن كل كيانك يتجه إليه من دون جهد ، بكل عفوية الحقيقة وبساطتها ~~الماثلة في كل شيء ، ولا يتجه إلى غيره ، لأنه ليس هناك من يستطيع أن ينقذك ~~من ضرك غيره ، ولكن الإنسان يبقى إنسانا في نسيانه وغفلته ، فلا يحتفظ في ~~وعيه بالحقائق التي تربطه بالعمق ، بل يظل في مستوى السطح حيث الذاكرة لا ~~تحوي إلا الأمور ms3347 الشخصية. # * * * ### ||| ** اللجوء إلى الله مظهر للإيمان لا حالة طارئة # ( @QUR@05 فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ) عن ذكره في ضمائركم ، وانحرفتم ~~عنه لأنكم PageV14P174 # شعرتم بالآمن على اليابسة التي تثبت أقدامكم في الموقع الصلب الذي تمتد ~~صلابته إلى أعماق الأرض ، فلا مجال للخوف من احتواء الأعماق لكم في ظلامها ~~المميت ، كما هو البحر الذي يشد الغريق إلى القعر ، ولا يعلو به إلى السطح ~~حتى يأخذ منه حياته. وتلك هي قصة الإنسان الذي لا يشده إلى الله عمق إيمانه ~~، بل يربطه به خوفه من الحوادث المحيطة به ، فيحتاج إليه في خلاصه منها ، ~~فإذا زالت الأحداث انقطعت صلته بالله. إن الإيمان لا يتنافى مع اللجوء إلى ~~الله في حالة الخوف ، بل يؤكده ، ولكنه يريد أن يكون الالتجاء إليه مظهرا ~~من مظاهر الإيمان ، لا مجرد حالة طارئة سريعة تأتي مع الحدث وتذهب معه ، ~~ولا تترك أي تأثير في الداخل كما تتركه النعمة العظيمة في نفس المنعم عليه ~~لصاحب النعمة ، بحيث يتذكره في كل وقت ، ويعترف بجميله ، ويعمل على أن ~~يشكره بكل وسائل الشكر القولية والعملية ، لا سيما إذا كانت النعمة في حجم ~~هذه النعمة التي تتحدث عنها الآية ، وهي إنقاذ الحياة من أخطار الموت. # * * * ### ||| ** الارتباط بالأمور المحسوسة # ( @QUR@03 وكان الإنسان كفورا ) بنعمة ربه ، لأنه يرتبط بالأمور المحسوسة ~~في حياته الماثلة بأشخاصها أمامه ، ولا يرتبط بالغيب الذي قد يكون حضوره في ~~حياته أعمق من الحس المتحرك حوله. ولذا فإنه يحتاج إلى المزيد من المعاناة ~~والتفكير والجهد في ممارسة الإيحاء الذاتي بالمفردات المتحركة في حياته في ~~حال الخوف والأمن ، والفقر والغنى ، والراحة والتعب ... التي تربطه بالله ~~وتوحي له دائما بحضوره سبحانه في حياته في الحالات الطبيعية ، لأنه السبب ~~الأعمق في الأشياء كلها ... وتلمس ظواهر الأمن في بعض الأشياء لا يعني عدم ~~قدرة الله على أن يثير عناصر الخوف فيها من حيث لا يعرف ، مما أودعه الله ~~في الكون من خصائص الأوضاع المألوفة أو غير المألوفة. PageV14P175 ### ||| ** دلالة الآية على وحدانية الله # وقد اعتبر علماء الكلام هذا المضمون المذكور في الآية ms3348 دليلا على وحدانية ~~الله سبحانه ، فالإنسان قد يخضع لحالة معينة كالإشراف على الغرق ، بعيدا عن ~~كل الوسائل التي تنقذ حياته ، لكننا لا نراه يعيش اليأس القاتل والاستسلام ~~الكلي أمام الموت الفاغر فاه ليلتهمه ، بل نرى الأمل يتحرك في قلبه في قوة ~~وحيوية واخضرار ، متعلقا بوجود قوة قادرة رحيمة ، وليس هناك معنى لذلك إلا ~~أن هناك سببا فوق الأسباب يرجع الأمر كله إليه ، وهو الله سبحانه الذي ~~تنطلق الفطرة من عمق الصفاء فيها ، لتلتقي به وتكشف وجوده وحضوره في حياة ~~الإنسان ، ولكن الشوائب الطارئة ، والزخارف المغرية ، والأهواء العابثة ، ~~هي التي تحجب الفطرة عن الله ، وتنتهي بالإنسان إلى الغفلة عنه. # ( @QUR@06 أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ) فكيف تأمنون لصلابة الأرض ~~التي تقفون عليها ، وأنتم تعرفون مبلغ قدرته التي يزلزل بها الأرض ، ويحول ~~الجبال إلى تراب تذروه الريح. ( @QUR@04 أو يرسل عليكم حاصبا ) يرميكم ~~بالحجارة أو يقصفكم بالريح المهلكة في البر ... فكيف تأمنون في البر من مكر ~~الله ما لا تأمنونه في البحر ، مع أن كل القوانين في البر والبحر طوع ~~إرادته وقدرته؟! # ( @QUR@07 أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ) فيرجعكم إلى البحر بسبب أو ~~بآخر ، ( @QUR@05 فيرسل عليكم قاصفا من الريح ) يقصف السفن فيكسرها ، ( ~~@QUR@03 فيغرقكم بما كفرتم ) بالله وبنعمه. ( @QUR@07 ثم لا تجدوا لكم ~~علينا به تبيعا )، وهو التابع الذي يتبع الشيء ، فيتابع المسألة مع الله ~~ليسأله لم فعل هذا أو ليحاسبه على ذلك ، لأن الله هو الأعلى الذي لا يقترب ~~من جلاله شيء ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # * * * PageV14P176 ### ||| * الآية # ( @QUR@017 ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (70) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كرمنا ): فضلنا بكثير من المميزات. # * * * ### ||| ** الإنسان خليفة الله # لقد خلق الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له ، تحية لهذا المخلوق الذي ~~يتميز بصفات كمالية ، وذلك لما تختزنه الإنسانية في داخله من عناصر النمو ~~في سبيل الكمال ، وخضوعا لله الذي كان هذا الإنسان مظهر قدرته ، وذلك لما ~~يتميز به من عقل ووعي وقدرة على الانفتاح على كل ms3349 جوانب المعرفة التي ~~تحتاجها الحياة في نموها وتطورها وبلوغها إلى مستوى الأهداف التي أراد الله ~~للإنسان تحقيقها ، وما يملكه من قابليات يحركها في قيادة الواقع ، ~~والاستفادة من كل ما سخره الله له في الأرض والسماء ، من أجل أن تتوازن ~~الحياة في PageV14P177 # المواقع المتنوعة التي يحمل كل منها خصوصية للفكر وللعمل وللحياة. # ولم يكن آدم بشخصه موضعا لهذا التكريم الإلهي ، في حفلة الخلق الأولى ، ~~وفي حركة الوجود بعد ذلك ، وفي امتداده في نطاق الزمن ، بل كان آدم الإنسان ~~النوع ، في كل مظاهره النوعية وخصائصه الإنسانية ؛ من العقل والعلم والقدرة ~~على التنوع في الحركة في مجالات النمو والإبداع ، هو سر هذا التكريم. # إنه سيد الأرض ، وحامل الرسالة ، ومستودع علم الله الذي يريد للإنسان أن ~~يحمله ، وخليفته في إدارة النظام الكوني ، بالمقدار الذي يستطيع معه أن ~~يستوعب إسراره ، ويملك حركته. وذلك هو الفرق بين الإنسان وبين الحيوان الذي ~~يملك الحياة ويمارس بعض الدور فيها ، ولكنه غير قادر على التطوير والتنويع ~~والحركة ، لأنه خاضع في حياته للفطرة الذاتية التي تتحرك وتقف بحساب دقيق ، ~~دون أن يملك القدرة على الخروج من هذه الدائرة ، بل هو في كل حياته خاضع ~~للإنسان ، مسخر له ، وواقع في أغلب مجالاته تحت سلطته. أما الجن ، فقد يملك ~~بعض الخصائص العقلية ، التي نعرفها من خلال مسئوليته أمام الله عن الإيمان ~~وعن الحركة في اتجاهه ، ولكنه على ما يبدو لا يملك هذا النوع من القدرة على ~~الإبداع الذاتي ، أو الاختزان الروحي للمسؤولية ، ولذا كان الإنسان هو ~~الرسول الذي أرسله الله من أجل أن يهديه ويرشده ويخطط له طريق الهدى ، كما ~~حدثنا القرآن عن ذلك في سورة الجن. # وإذا كانت هناك بعض العقائد التي توحي بالقدرة الخارقة التي تمكن الجن من ~~السيطرة على الإنسان والضغط عليه ، وتجميد عقله ، وإرباك حياته ، وتعقيد ~~مشاعره ، وإثارة أعصابه ، فإنها لا ترجع إلى أساس علمي أو ديني موثوق به ، ~~بل هي مجرد انطباعات واستنتاجات يحملها الناس من خلال الثقافات المشوشة ، ~~التي تفرض نفسها على الذهن ، حتى تحوله إلى ms3350 ما يشبه PageV14P178 # العقائد الموروثة. # وقد يكفي في قيمة الإنسان أمامه ، أن الله حمله مسئولية إدارة الحياة ~~وحده ، من خلال عقله وإرادته وإمكاناته المنفتحة على كل جوانب المسؤولية في ~~الحياة ، ولم يحملها لأحد غيره. # * * * ### ||| ** تكريم الإنسان في الأرض # ( @QUR@04 ولقد كرمنا بني آدم ) في تلك الخصائص الذاتية التي يستطيع من ~~خلالها اكتساب خصائص أخرى ، تضيف إلى عقله عقلا جديدا ، وإلى علمه علما ~~منفتحا ، وإلى حركته في الواقع قوة جديدة ... وقد استطاع الإنسان ، على مر ~~العصور ، في نماذجه العليا المتمثلة بالرسل والأئمة والأولياء ، وفي بقية ~~النماذج المتنوعة في طاقاتها ، أن يكون في المستوى الكبير في تحريك هذه ~~الطاقات ، وفي الوصول بالمعرفة إلى عوالم جديدة ، لم يكن له عهد بها من قبل ~~، وفي إدارة الحياة على طريقة مبدعة ، توحي بالعمق والسمو والامتداد ، في ~~ما تعبر عنه من حركة العقل والمعرفة والإرادة. # وإذا كانت هناك سلبيات كثيرة على مستوى الانضباط في خط المسؤولية ، وذلك ~~من خلال مظاهر الانحراف عن إرادة الله التشريعية في كثير من الأعمال ~~والأوضاع ، فإن هناك إيجابيات كثيرة ، على مستوى الإبداع في استخراج دفائن ~~الأرض ، واكتشاف آفاق السماء ، والتحرك على أساس إدارة المعرفة في خدمة ~~الحياة ، من خلال ما أراد الله له أن يفجره من أسرار الكون لخدمة الإنسان ~~والحياة. # * * * PageV14P179 ### ||| ** هل التكريم أصل فقهي؟ # وقد يخطر في البال ، أن لا يكون هذا الإعلان عن تكريم الله لبني آدم مجرد ~~حديث عما أفاض الله على الإنسان من ألطاف التكريم التكويني في طبيعته ودوره ~~في الحياة ، بل يتعداه إلى الخط التشريعي الذي يوحي بكرامة الإنسان كأصل من ~~أصول النظرة القرآنية إليه ، بحيث تؤكد كل تصرف يكرس كرامته ، وترفض كل ما ~~يؤدي إلى إهانته من موقعه الإنساني ، بعيدا عن العناوين الثانوية التي قد ~~تجيز إهانته والتعدي على حرمته ، على أساس بعض الأوضاع أو الصفات أو ~~الانتماءات المنحرفة عن خط الله ... فتكون لنا من خلال ذلك قاعدة شرعية ، ~~هي احترام الإنسان في نفسه وماله وعرضه ، كأصل إسلامي فقهي ، لا يجوز ~~الخروج عنه إلا بعنوان آخر مخصص ms3351 له. # وقد يكون الأساس في استيحاء هذا الأصل الفقهي من الآية ، هو أن الله إذا ~~كرم بني آدم في إعدادهم التكويني والعملي ، فإننا نستفيد من ذلك أنه يريد ~~لهم أن يؤكدوا هذه الكرامة على مستوى وجودهم الحياتي وفي علاقاتهم ~~الاجتماعية التي تحكم تصرف كل واحد منهم تجاه الآخر ، سيما وأن التصرف ~~السلبي المخالف لذلك يتنافى مع خط الكرامة الإلهية للإنسان ، لأنه ينتهي ~~إلى الإهانة لمن يريد الله احترامه. # أما ما ثبت في الشرع من جواز التعدي على أنفس بعض الناس وأموالهم ~~وأعراضهم ، فلأنهم أهدروا احترام إنسانيتهم بالانحراف عن الخط ، الذي أراد ~~الله لهم أن يحترموا أنفسهم ودورهم فيه ، فابتعدوا عن مواقع الكرامة ~~باختيارهم ، فلا مجال لاحترامهم بعد ذلك .. # وقد نستطيع استيحاء النظرة الإسلامية إلى بعض الأعمال التي يقوم بها PageV14P180 # المستضعفون في بعض البلاد ، كالهند ونحوها ، من جر العربة التي يركبها ~~الناس مكان الحصان أو الدابة التي تقوم بذلك ، فنرى أنها أمور تتنافى مع ~~مظهر الكرامة الإنسانية ، وأمثال ذلك من الأوضاع السلبية الموجودة في أكثر ~~من مكان. # إننا نريد إثارة هذه المسألة ، لما يترتب عليها من آثار شرعية عملية ، ~~ولما تثيره من مفهوم إسلامي أصيل حول الخط الإنساني في الإسلام. وإننا ~~نستقربه من ناحية علمية على أساس الاستيحاء الاستظهاري من الآية. وعلى ضوء ~~هذا ، فإننا لا نجد ضرورة للبحث عن أساس لاحترام الإنسان من خلال عنوان ~~معين ، بل يكفي عدم وجود عنوان آخر مضاد لذلك حسب الأدلة الخاصة. وندعو إلى ~~مناقشة هذا الرأي من ناحية تفسيرية وفقهية. # ( @QUR@04 وحملناهم في البر والبحر ) فسخرنا لهم قطع البراري والقفار ، ~~وتسلق الجبال ، وركوب البحار بالوسائل التي أعدها الله للركوب ، أو التي ~~ألهم الإنسان لمعرفتها والقيام بصنعها ، للتخفيف من عناء التنقل وحمل ~~الأثقال ، واختصار الزمن ، والوصول إلى الغايات الكبرى في الحياة من أقرب ~~طريق. وهذا مظهر حي من مظاهر تكريم الله للإنسان ، لأنه لا يريد له الوقوع ~~في الجهد والمشقة التي تثقل وضعه وتعطل كثيرا من حركته في الوجود. # ( @QUR@03 ورزقناهم من الطيبات ) في ما يأكلون ويشربون ms3352 ويتلذذون ~~ويستمتعون ويلبسون أو يسكنون ، ليعيشوا الحياة في رخاء ورفاهية وراحة ، ~~بعيدا عن الضيق والتعب وشظف العيش. # ( @QUR@06 وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) كالحيوان والجن ، اللذين ~~يعيشان في الأجواء التي يعيش فيها بنو آدم ، والتفضيل لا يأتي عبثا بل يعود ~~لقابلية الإنسان ، وللدور الذي أعده الله للإنسان في مسئوليته عن الحياة ، ~~وعن المخلوقات الموجودة فيها ، كما ألمحنا إلى ذلك في صدر تفسير الآية. # * * * PageV14P181 ### ||| ** هل الإنسان أفضل من الملائكة؟ # ويرد هنا سؤالان حول هذه الفقرة : # الأول : هل الآية تشمل الملائكة ، ليكون الإنسان أفضل منهم ، أو أن الآية ~~لا تعرض لهم ، فلا تدل على الموقف منهم ، فيرجع البحث في تقرير الوجه في ~~المسألة إلى الآيات الأخرى أو الأحاديث المتصلة بالموضوع. # وقد ذكر صاحب الميزان أن الغرض من الآية «بيان ما كرم الله به بني آدم ~~وفضلهم على سائر الموجودات الكونية ، وهي في ما نعلم الحيوان والجن ، وأما ~~الملائكة فليسوا من الموجودات الكونية الواقعة تحت تأثير النظام المادي ~~الحاكم في عالم المادة» (1). # ولكننا لا نجد للآية ظهورا في ذلك ، لا سيما إذا لا حظنا أن القرآن ~~الكريم يتحدث عن الملائكة في أجواء الحديث عن الإنسان ، سواء في بداية ~~الخليفة عند خلق آدم ، أو في بعض المجالات التي يتحدث فيها عن فكرة ~~الملائكة في وعي الناس ودعوى أنهم بنات الله ، أو أن المفروض في الرسول أن ~~يكون ملكا ، مما يجعل من الكلمة ( @QUR@02 ممن خلقنا ) لا تبتعد عن أجواء ~~الملك كما لا تبتعد عن أجواء الجن والحيوان. وإلا فمن الممكن أن يقول قائل ~~بأن الآية تتحدث عن المخلوقات المنظورة التي تعيش في الجانب الحسي من حياة ~~الإنسان ، فلا تشمل الجن لأنهم لا يتحركون في المحيط المألوف للإنسان ، وإن ~~كانوا يتحركون في وعيه من خلال العقائد التي يحملها الناس عنهم حقا أو باطلا. # وقد ذكر بعضهم أن الآية تدل على أن الملائكة أفضل من الإنسان حتى. PageV14P182 # الأنبياء عليهم السلام قال : لأن قوله تعالى : ( @QUR@05 وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا ) يدل على أن ها هنا من لم يفضلهم ms3353 عليه ، وليس إلا الملائكة ~~، لأن بني آدم أفضل من كل حيوان سوى الملائكة بالاتفاق. # ولكن هذا الوجه غير ظاهر من الآية ، إذا المذكور ، في هذا الوجه ، مجرد ~~استنتاج ، ويمكن المناقشة فيه ، على أساس أن التفضيل على الكثير ، لا ينفي ~~وجوده بالنسبة إلى غيرهم ، ويمكن أن يكون الأمر على سبيل التساوي بينه وبين ~~الملائكة. فلا دلالة في الآية على المسألة سلبا أو إيجابا. # أما الموضوع في ذاته ، فقد لا يكون فيه فائدة مهمة فكريا وعقيديا وعمليا ~~، لأنه من الأمور التي لم يكلفنا الله الاعتقاد بها ، وليس لها علاقة ~~بحياتنا العامة. وقد أفاض العلماء والمفسرون في تحليل المسألة من خلال ~~العمق الفلسفي ، الذي يحاول أن يجد في حرية الإرادة الإنسانية بين الخير ~~والشر ، أساسا لتفضيل الإنسان على الملك ، لأنه يتحرك في الخير من موقع ~~الاختيار ، بينما الملك مطبوع عليه. وبذلك انفتح باب آخر للخلاف يتصل بجانب ~~الثواب الذي يحصل عليه الملك ، لأنه لم يكن نتيجة إرادته في العمل ، مما لا ~~يجعل له فضلا يؤكد استحقاقه ... وغير ذلك من الأبحاث التي تدخل في الفكر ~~التجريدي الذي لا يؤدي إلى نتيجة ، كما هو الكثير من أحاديث التفضيل ~~التفصيلية بين الأنبياء ، مما أثار القرآن بعض الحديث فيه لمناسبات معينة ~~تتصل ببعض مظاهر النبوة ، أو الأحاديث عن تفضيل الإنسان على المخلوقات التي ~~أريد فيها تأكيد النعمة عليه ليشكر ربه على ذلك ، ولينطلق من هذا الموقع ، ~~من أجل التكامل في مدارج الكمال ... ولغير ذلك مما يتصل بحركة الإنسان في ~~الحياة وموقعه من الله في تعامله معه ، بعيدا عن مسألة التصور المجرد الذي ~~يراد من خلاله إثارة الزهو التجريدي بالمسألة على أساس ذاتي. ولكننا في ~~خاتمة المطاف قد نحتاج إلى الإشارة إلى الآيات التي ذكرها الله سبحانه في ~~بداية الخليقة ، في حوارة مع الملائكة حول خلق PageV14P183 # الإنسان واعتباره خليفة له ، وقدرته على وعي المعرفة بالأسماء كلها بما ~~لا يقدر عليه الملائكة ، أو بما اختصه الله به من دون الملائكة. ثم أمر ~~الملائكة بالسجود لآدم بصفته الإنسانية ، لا بصفته ms3354 الذاتية ، كما يظهر من ~~رد فعل إبليس الذي فهم المسألة من خلال النوع لا من خلال الشخص ، ولذا وجه ~~الانتقام إلى ذرية آدم. # إن هذه الآيات قد توحي بأن للإنسان دورا في الخليقة لا يقترب الملائكة ~~منه ، مما يجعل له بعض التميز عليه ، وإن كانت المسألة لا توضح تفضيله ~~عليهم من ناحية شمولية ؛ والله العالم. # السؤال الثاني : ما الفرق بين التكريم الذي جاء في أول الآية ، وبين ~~التفضيل الذي جاء في آخرها ، فهل هو وارد على سبيل التأكيد ، أم أن هناك ~~فرقا معنويا بينهما؟ # وقد أجيب عن ذلك بأجوبة كثيرة ، والظاهر أن كلمة التكريم واردة على أساس ~~النظرة إلى طبيعة الخصائص الذاتية التي خلقها الله فيه ، باعتبارها مظهرا ~~لكرامة الله وإعزازه له ، بعيدا عن تفضيله على غيره ، إذ لا مانع من أن ~~يكرم الله غيره بما أكرمه به أو بما يماثله في ذلك. # أما التفضيل ، فهو ناظر إلى المقارنة بين ما وهبه الله له وبين ما وهبه ~~لغيره لإثبات جانب الامتياز فيه ، وبذلك كان أحدهما يكمل الآخر في المعنى ، ~~ولا يكتفي بتأكيده له ؛ والله العالم. # * * * PageV14P184 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك ~~يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) @QUR@011 ومن كان في هذه أعمى فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) (72) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بإمامهم ): أي بمن اتبعوه وائتموا به. # ( @QUR@01 فتيلا )، الفتيل : ما كان في شق النواة. # * * * ### ||| ** من هو الإمام؟ # ( @QUR@05 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) إشارة إلى الموقف يوم القيامة ، ~~الذي يواجه الإنسان فيه المسؤولية أمام الله ، وذلك في ما تمثله كلمة ~~الإمام من المضمون الكامن في العنوان الذي يشير إلى طبيعة العمل الإنساني ~~ووجهته في خط المصير. PageV14P185 # وقد اختلف المفسرون في تفسير كلمة «الإمام» في الآية في وجوه عديدة كما ~~في مجمع البيان . # الأول : إن المراد به النبي ، باعتبار أن كل نبي هو الإمام لأمته ~~ولأتباعه. # الثاني : الكتاب المنزل من الله ، كالتوراة والإنجيل والقرآن والزبور ، ~~باعتبار أن المؤمنين به يتبعونه في أوامره ونواهيه وجميع تعاليمه. # الثالث : الشخص الذي يؤتم ms3355 به من الأئمة والعلماء. # ويجمع هذه الأقوال في ما ذكره في المجمع ما رواه الخاص والعام عن الرضا ~~علي بن موسى عليه السلام بالأسانيد الصحيحة أنه روى عن آبائه عليهم السلام عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال فيه : يدعى كل أناس بإمام زمانهم ، ~~وكتاب ربهم ، وسنة نبيهم. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال : ألا تحمدون ~~الله ، إذا كان يوم القيامة فدعا كل قوم إلى من يتولونه ، ودعانا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفزعتم إلينا ، فإلى أين ترون يذهب بكم؟ إلى ~~الجنة ورب الكعبة. (قالها ثلاثا). # الرابع : إن معناه بكتابهم الذي فيه أعمالهم (1). # ولعل المنصرف إلى الذهن في فهم الآية لأول وهلة هو المعنى الأخير بقرينة ~~ما بعده من تفصيل الكلمة من حيث طبيعة الكتاب ومضمونه. ولكننا نعتقد أن ~~الأقوال الثلاثة لا تبتعد عن ذلك من حيث المضمون ، أو من حيث الالتزام ~~والإيحاء ، لأن من الطبيعي أن الأعمال التي يتضمنها الكتاب هي الصورة ~~الملائمة أو المخالفة لتعليمات النبي ، وللكتاب الذي جاء به ، ولكلمات ~~الإمام أو العالم أو المرشد باعتبارهم يتحدثون بكلام الله وكلام نبيه. وعلى ~~ضوء هذا ، فإن مفهوم هذه الفقرة من الآية ، أن الله ينادي كل قوم بالرمز ~~الذي كانوا ينتمون إليه ، ويأتمون به في الحياة ، من نبي وكتاب ومرشد ، في ما PageV14P186 # يتضمنه من خطوط وتعاليم وإرشادات ، ليكون ذلك حجة لهم أو عليهم ، في ما ~~يشتمل عليه كتاب الأعمال من خير أو شر. وربما كانت كلمة الإمام أوفق ~~بالوجوه الثلاثة ، بقطع النظر عن القرينة التي ذكرناها ، لأنها مأخوذة من ~~الموقع المتقدم الذي يتبعه الإنسان ويسير خلفه ، أما إطلاقه على كتاب ~~الأعمال ، فعلى أساس العناية التشبيهية ، باعتبار أنه يمثل حركة المصير ~~الأخروي الذي يسير الإنسان وراءه ، لأنه هو الذي يحدد له خط السير هناك. # * * * ### ||| ** كل يرى عمله # ( @QUR@07 فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ) ويقبلون عليه ~~بشغف ولهفة ويدققون في كل تفاصيله بشوق ومحبة ، لأنهم يعرفون من خلال ~~ذكريات الدنيا كيف كانت أعمالهم منسجمة ms3356 مع خط الحق الذي جاء به النبي عن ~~الله ، ودعا إليه الأئمة والعلماء ، ويعرفون أن الله لا يضيع عمل عامل منهم ~~من ذكر أو أنثى ، ( @QUR@03 ولا يظلمون فتيلا ) ولا ينقصون منها شيئا ، حتى ~~بمقدار الفتيل ، وهو المفتول الذي في شق النواة ، أو في بطنها ، في ما ~~يمثله ذلك من الشيء الدقيق الخفي. # ( @QUR@05 ومن كان في هذه أعمى ) وهو الذي لم ينطلق في حياته من مواقع ~~النور التي جاء بها الكتاب المنزل من قبل الله ، أو التي بشر بها وخطط لها ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودعا إليها الإمام أو المرشد ، بل اتبع في ~~خطواته العملية هواه ، وهوى الناس الذين يضلونه من دون الله ، ويخططون له ~~الخطط الفكرية والعملية في اتجاه الضلال ، فكان يتخبط من زاوية إلى أخرى ، ~~ويصطدم بجدار هنا ، وآخر هناك ، ويتيه في متاهات الأفكار والأوهام التي لا ~~تؤدي به إلى هدف واضح قويم. وهكذا كان مثله مثل الأعمى الذي لا يرتكز في خطواته PageV14P187 # على وضوح الخط وإشراق الرؤية ، لأن الهوى النفسي لا يمثل الخط الواحد ~~الذي يحدد البداية والنهاية ، بل يمثل الخطوط المتحركة التي تختلف في كل ~~وقت تبعا للمزاج بين يمين ويسار ومتعرجات ملتوية ، بينما يمثل الهدى الإلهي ~~والنبوي والقيادي الملتزم ، النور الذي يتحرك في الفكر فيبعث فيه الإشراق ~~في الفكرة والوضوح في الرؤية ، ويتحرك في القلب ، فيبعث فيه النور في ~~النبضات والخفقات والمشاعر ، فلا يتصل إلا بمواقع النور الروحية في الحياة ~~، وينطلق في الحياة فيخطط للطريق ليحدد كل مواقعه في خط البداية والنهاية ~~وعلامات السير ، ويفتح في كل جانب من جوانبه بابا يطل على النور من أوسع ~~الآفاق ، ويشير إلى الخطوات كي تتحرك في مواقع النور حيث الرحابة في الأفق ~~وفي الأرض ... وهكذا تكون المواقع في الدنيا هي التي تحدد المواقع في ~~الآخرة ، فمن كان سائرا في خط الهدى ، فإنه سيسلك في ساحة الآخرة الطريق ~~الواضح المستقيم الذي يؤدي به إلى الجنة ، ومن كان متخبطا في عماه الفكري ~~والروحي والعملي في الدنيا ، وسائرا في طريق ms3357 الضلال ، ( @QUR@06 فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا )، لأنه سوف يجد أمامه النار التي تقوده إلى ~~المصير الأسود ، الذي لا ينتهي إلى أمد معين في نطاق الزمان. # * * * PageV14P188 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا (73) @QUR@010 ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا (74) @QUR@012 إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا ) (75) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليفتنونك ): ليصرفونك. # ( @QUR@01 لتفتري ): لتخترع. # * * * PageV14P189 ### ||| ** مناسبة النزول # وقد ذكر المفسرون في هذه الآيات عدة روايات في مناسبة النزول ، (منها) أن ~~قريشا قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا ندعك تستلم الحجر حتى تلم ~~بآلهتنا. فحدث نفسه وقال : ما علي أن ألم بها ، والله يعلم إني لكاره لها ~~ويدعوني أستلم الحجر. فأنزل الله تعالى هذه الآية. # (ومنها) أنهم قالوا له : كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا ، واطرد هؤلاء ~~العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان ، حتى نجالسك ونسمع منك. فطمع ~~في إسلامهم ، فنزلت الآية. # (ومنها) أنهم قالوا له : كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا ، واطرد هؤلاء ~~العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان ، حتى نجالسك ونسمع منك. فطمع ~~في إسلامهم ، فنزلت الآية. # (ومنها) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخرج الأصنام من المسجد ، ~~فطلبت إليه قريش أن يترك صنما على المروة ، فهم بتركه ثم أمر بعد بكسره ، ~~فنزلت الآية. # (ومنها) أن وفد ثقيف قالوا : أجلنا سنة ، حتى نقبض ما يهدى لآلهتنا ، ~~فإذا قبضنا ذلك ، كسرناها وأسلمنا. فهم بتأجيلها ، فنزلت الآية (1). # وإننا نحب أن نلاحظ أن هذه الروايات لا تقدم إلينا الصورة النبوية ~~المشرقة ، المتمثلة في شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرسالية الواعية ~~لطبيعة الساحة وشخصياتها والأساليب الملتوية التي يتبعونها ، بل تقدم إلينا ~~صورة النبي الذي يضعف أمام الأساليب الساذجة التي كانوا يحاولون خديعته ~~بها. إلا أن المسألة لا تكمن في البحث عن عصمته في حركة التبليغ ، ليتحدث ~~المتحدثون بأن ذلك لا ينافي العصمة ، إذ إنه لم يقدم لهم تنازلا على حساب ~~الرسالة ، بل كان يحاول ms3358 تجميد بعض الأساليب العملية لحساب الرسالة ، من أجل ~~تسهيل مهمة PageV14P190 # دخولهم في الإسلام ، كي يترك بعض الأشياء القاسية ضدهم ، حتى ينفتحوا ~~عليه وعلى الإسلام ... ولكن المسألة هي مسألة الشخصية الضعيفة التي تقدمها ~~إلينا الروايات. # ونحن لا نمانع من أن يكون القرآن هو السبيل ، الذي كان الله يريد من ~~خلاله أن يحدد للنبي خطواته العملية ، فيثبت له مواقفه ، ويحدد له مواقعه ، ~~ويربيه على أساليب الحركة في الدعوة والجهاد ، لتتكامل له التجربة والمعرفة ~~على هذا الأساس القرآني ، لأن دور القرآن في الإسلام في تدريجية نزوله ، هو ~~دور الكتاب الذي يلاحق الدعوة الإسلامية في بداية انطلاقها ، وحركتها قبل ~~الهجرة في أجواء الدعوة والتبليغ ، وفي حركتها الفاعلة المتحدية المحاربة ~~في أجواء التحدي والمواجهة. # إلا أن النبي كان هو القائد الرسالي ، الذي يثبت المواقف في مواقع ~~الاهتزاز ، فلا يمكن أن يعيش الاهتزاز في مواقع العمل ، كنتيجة لبعض ~~الأساليب الملتوية التي يثيرها المشركون معه ، لأن ذلك سوف يضعف موقفه ~~عندهم وعند المؤمنين به. ولذا فإننا نستبعد هذه التفسيرات للآية. # وهناك ثغرات أخرى : # (ومنها) أن الآية مكية ، بينما تتضمن بعض هذه الروايات حوادث مدنية ، ~~كتكسير الأصنام الذي كان بعد فتح مكة ، ومجيء وفد ثقيف إليه في المدينة كان ~~بعد الهجرة ، لا قبلها في مكة. # (ومنها): أنها لا تنسجم مع مضمون الآية ، الذي يوحي بأن المطلوب منه أنه ~~يكذب على الله في التبليغ ، فيفتري عليه غير ما أنزله عليه من وحي ، بما ~~يحدثه من آيات شخصية ، تتوافق مع طريقتهم في التفكير وفي الخط العملي ، ~~بينما تتحدث هذه الروايات عن تجميد بعض أساليبه في المواجهة ، أو PageV14P191 # بعض ممارساته العملية ، أو إمهال البعض في الدخول في الإسلام ، وما شابه ~~ذلك ، مما لا يدخل في أي لون من ألوان الافتراء على الله ، في الكلمة أو في ~~المضمون أو في توجيه العمل إلى غير وجهته. # * * * ### ||| ** النبي الصادق الأمين # وهذا حديث عن الأساليب التي كان المشركون يمارسونها مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، من أجل الانحراف به عن الخط الصادق في تبليغ ms3359 وحي ~~الله إلى الناس بكل دقة من دون زيادة أو نقصان. فقد كان الصادق الأمين ~~الدقيق في قول الحق والانسجام معه ، مهما كانت طبيعة هذا الحق الذي يريد ~~نقله إلى الناس ، من ناحية مضمونية أو عاطفية أو ذاتية ، فكيف لا يكون ~~صادقا في كلام الله؟! ولكن المشركين كانوا يجادلونه كي ينحرف عما أنزله ~~الله ، ليسلك اتجاها آخر في كلمات يصوغها لتقترب من أفكارهم. وكانت ~~المحاولة تفشل ، ولكنهم على ما يظهر لم يتراجعوا ، بل كانوا يصرون على ~~تجديد المحاولة ، بتغيير الأساليب التي تخاطب فيه الجانب العاطفي الحميم ، ~~وكانوا يعملون على الضغط عليه بواسطة أقربائه ومنهم عمه أبو طالب الذي كان ~~السفير بينه وبينهم ، ولكن النبي لم يتراجع عن موقفه ، بل تابع الصلابة في ~~الموقف ، إلى جانب المرونة في الأسلوب بالكلمة الحلوة واللفتة والنظرة ، ~~والبسمة والحركة ، من دون أن يقدم أي تنازل ، وذلك ما توحي به الكلمة ~~الحاسمة التي قالها لعمه (أبي طالب): # «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا ~~الأمر ، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». PageV14P192 ### ||| ** كيف نفسر الآية؟ # ذكر صاحب تفسير الميزان ، عن عيون أخبار الرضا ، بإسناده عن علي بن محمد ~~بن الجهم ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أن المأمون سأله : أخبرني عن قول ~~الله : ( @QUR@06 عفا الله عنك لم أذنت لهم ) [التوبة : 43] قال الرضا ~~عليه السلام : هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله بذلك نبيه ~~، وأراد به أمته ، وكذلك قوله : ( @QUR@07 لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين ) [الزمر : 65] وقوله تعالى : ( @QUR@010 ولو لا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) قال : صدقت يا بن رسول الله (1). # وعلى ضوء هذا ، فإن الجواب عن المشكلة ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليس هو المعني بالأمر الذي تضمنته الآيات ، بل المعني به هو المسلمون ، في ~~ما يواجههم من أساليب الكفار بالانحراف عن الخط المستقيم للحصول على محبتهم ~~وصداقتهم. # ولكن لا بد لنا من التأمل في هذه الآيات ، لندرس ms3360 طبيعة الأسلوب الذي جاءت ~~به ، للوصول إلى هذا الخطاب للأمة من خلال النبي ، فنلاحظ ، أن الآية ~~الأولى قد أثارت وجود أساليب مؤثرة ، لفتنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما ~~أوحى الله إليه ، وهي أساليب توحي بقوتها وتأثيرها بالمستوى الذي يمكن له ~~أن يضغط على المشاعر والأفكار ، التي لا تعيش الالتزام العميق بالرسالة ، ~~والثبات الصلب على المبدأ ، والوعي المنفتح على الأساليب الملتوية المحيطة ~~به ، لذا يمكن أن تكون واردة في مقام تصوير الحالة في ذاتها ، من خلال ~~طبيعة العناصر الموجودة في داخلها ، بقطع النظر عن خصوصية الشخص الذي توجه ~~إليه ، في PageV14P193 # ما يملك من قوة ذاتية مميزة ، وذلك للتنبيه على أن الكفار يمكن أن يثيروا ~~أمام الداعية إلى الله بعض الأساليب الساحرة المثيرة ، التي تضغط على ~~مشاعره وأفكاره بطريقة لا شعورية ، مما يفرض عليه أن يحترس من ذلك باللجوء ~~إلى إيمانه وعقله ، ليأخذ منهما الوعي الذي ينفتح على المسألة من موقع ~~العمق لا من موقع السطح. فهي تعالج الحالة من مواقع النظر إلى الإنسان في ~~طبيعة مواجهته للأسلوب في ذاته ، ولذلك تحدثت عن تثبيت الله للنبي ، الذي ~~لولاه لتأثر بتلك الأساليب. ومن الطبيعي أن التثبيت لم يكن حالة طارئة ، ~~كما توحي به الروايات التي تضمنت نزول الآية للتحذير من هذه الحالة ، مع أن ~~الظاهر هو أنها جاءت إخبارا عن حالة سابقة ، بل كان التثبيت ناشئا من قوة ~~الإيمان في شخصيته التي أودعها الله فيه من خلال لطفه ورعايته له ، الأمر ~~الذي يوحي للداعية المسلم أن يكون حذرا في مواجهة أساليب الإغراء والتخويف ~~التي تمارس معه أو ضده ، لئلا يسقط أمامها بطريقة غير إرادية. # * * * ### ||| ** إغراء النبي لتقديم التنازلات # ( @QUR@03 وإن كادوا ليفتنونك )، فيواجهونك بالأساليب التي تثير ~~الاهتزاز والانحراف في مسيرتك ، ( @QUR@04 عن الذي أوحينا إليك ) ليصرفوك ~~عنه ، ( @QUR@03 لتفتري علينا غيره ) لتزيد فيه ، فتقول علينا ما لم نقله ~~ولم ننزله إليه ، ( @QUR@03 وإذا لاتخذوك خليلا ) وصديقا ، لانسجامك معهم ~~واستجابتك لهم ، كما ينسجم الإنسان مع صديقه ويستجيب له. وهذا هو الأسلوب ~~الإغرائي الذي يحاولون من خلاله ms3361 أن يستميلوا النبي أو الداعية في ما يمكن ~~أن يحققه من نتائج ، أو يبلغه من غايات. وهذا ما نجده في الأساليب المتبعة ~~في واقعنا ، فالدعوات الفكرية أو PageV14P194 # السياسية أو الاجتماعية التي تريد أن تؤكد امتدادها في الساحة ، توحي ~~للآخرين بأساليب المودة الحميمة من أجل تقديم بعض التنازلات هنا ، وبعض ~~المواقف هناك ، ليكون ذلك سبيلا للاستفادة منهم في بعض المواقف والأهداف ، ~~باعتبار أن الأجواء الحميمة تستطيع أن تحقق للإنسان ما لا تحققه الأجواء ~~الفكرية من نتائج على صعيد الأهداف. وهذا ما يجب أن يتنبه له العاملون في ~~سبيل الله ، لأن هؤلاء لن يفتحوا قلوبهم لهم حتى يكونوا معهم في كل شيء ، ~~ولن يحصلوا منهم على شيء بهذه الطريقة. # * * * ### ||| ** ماذا توحي لنا الآية؟ # وقد نستطيع استيحاء قاعدة عامة من أجواء الآية ، وهي أن الإسلام لا يريد ~~للمسلم أن يفكر بالصداقة بطريقة ذاتية ، بل يريد له أن يفكر بها ويمارسها ~~على أساس اتصالها بالخط الفكري والعملي له ، بحيث لا تؤثر عليه تأثيرا ~~سلبيا من أية جهة كانت ، لأن الله يريد من المؤمن أن يخلص له ولرسوله ~~ولدينه ، أكثر من إخلاصه لأي شخص ، فالإيمان يتحرك في الجانب الشعوري من ~~شخصية الإنسان ، كما يتحرك في الجانب العقيدي والعملي لديه. # ( @QUR@010 ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) إنها ~~العصمة الإلهية التي وضعت في شخصيتك الخصائص الفكرية والعملية التي تمنعك ~~من التأثر بأية حالة من حالات الخديعة والإغراء والانحراف ... ولولاها لكان ~~لهذه الأساليب ، التي أثاروها أمامك ، تأثير كبير على شخصيتك كإنسان ، لأن ~~الإنسان يتأثر بالأساليب العاطفية التي تخاطب فيه العاطفة ، وتثير لديه ~~حالات الانفعال. ونلاحظ أن الآية عبرت بكلمة «كدت» التي تعني القرب والدنو ~~، مما يوحي بأن الثبات سابق عليها ، وأن المسألة تتصل بالأسلوب في قرب ~~التأثير. PageV14P195 # ( @QUR@06 إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) أي ضعف العذاب في حال ~~الحياة أو الموت ، أي لو أنك ركنت إليهم ، لعذبناك ضعف ما نعذب به المجرمين ~~في حياتهم ، وكذلك بعد مماتهم ، أي في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@06 ثم لا تجد ms3362 لك علينا نصيرا ) ينصرك منا ليخلصك من العذاب ~~الأليم. # * * * PageV14P196 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا (76) @QUR@011 سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد ~~لسنتنا تحويلا ) (77) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا يلبثون ): لا يبقون. # ( @QUR@01 تحويلا ): تبديلا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : نزلت في أهل مكة ، لما هموا بإخراج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم PageV14P197 # من مكة. عن مجاهد وقتادة ، وقيل : نزلت في اليهود بالمدينة ، لما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، قالوا له : إن هذه الأرض ليست ~~بأرض الأنبياء وإنما أرض الشام ، فائت الشام. عن ابن عباس (1). # * * * ### ||| ** ثبات في مواجهة الضغوط # ( @QUR@07 وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ) كان المشركون ~~يقومون بعده محاولات للضغط على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بشكل مباشر أو ~~غير مباشر ، من أجل أن يخرجوه من مكة ، ويتخلصوا من حركة الدعوة الإسلامية ~~التي تخرب كل مخططاتهم ، وتفسد عليهم شبابهم ، وتهدم كل امتيازاتهم المتصلة ~~بالجاهلية ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يثبت أمام كل تلك الضغوط ، ~~لأن مسألة وجوده في مكة ليست من المسائل المرتبطة بالجانب الذاتي ، أو ~~بالحالة الأمنية المحلية العامة ، بل كانت مرتبطة بالدور الذي أراد أن يقوم ~~به في مكة ، باعتبارها قاعدة للانفتاح على كل ما حولها من البلاد ، أو كل ~~من يتصل بموقعها في مواسم الحج والشعر والتجارة ، فيهيئ من خلال ذلك ~~القاعدة الجديدة التي ينطلق منها إلى العالم من مواقع القوة. فذلك وحده هو ~~الذي يمكن أن يمهد لإشارة الانطلاق إلى الخروج من مكة. ولهذا ، فإننا نعتبر ~~أن الهجرة لم تنطلق من حالة ضغط ، وإن رافقتها تلك الحالة ، بل انطلقت من ~~طبيعة الخطة التي كانت الهجرة فيها نهاية مرحلة ، وبداية مرحلة أخرى. # ( @QUR@06 وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) فلا يمكثون بعدك إلا قليلا في PageV14P198 # الحياة ، لو نجحوا في هذا المخطط الذي يخططون له. # ( @QUR@07 سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ) الذين كانت تواجههم أممهم ~~بمختلف أساليب الضغط الجسدي والمعنوي ms3363 ، ومحاولة إبعادهم عن أرضهم ... فقد ~~كان من سنة الله في حركة الرسل ، أن لا يسمح لهؤلاء الناس الذين قاوموهم ~~بالاستفادة من نتائج ظلمهم ، بل إن الله سينزل بهم العذاب الذي يهلكهم في ~~الدنيا ، قبل عذاب الآخرة. وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة : ( @QUR@016 ~~وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين ) [إبراهيم : 13]. # ( @QUR@04 ولا تجد لسنتنا تحويلا ) أو تبديلا ، لأنها تمثل القوانين ~~الكونية والاجتماعية التي جعلها الله أساسا لحركة الحياة في نظامها ~~المتوازن وخطها المستقيم. # * * * PageV14P199 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا (78) @QUR@012 ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا ) (79) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لدلوك ): لزوال. # ( @QUR@02 غسق الليل ): ظهور ظلامه. # ( @QUR@02 وقرآن الفجر ): صلاة الصبح. # ( @QUR@01 فتهجد ): تيقظ واسهر تاركا النوم. # ( @QUR@01 نافلة ): زيادة. # * * * PageV14P200 ### ||| ** الصلاة منبع للقوة المتجددة # ( @QUR@07 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ). ويبقى للصلاة دورها ~~الأساس في التعبئة الروحية ، التي تمد الرسول بالإمداد الروحي المنفتح على ~~الله سبحانه في مناجاة حبيبة للروح ، شهية للفكر ، عميقة الإحساس في القلب ~~والوجدان. وهذا ما نستوحيه من الكلمة المأثورة عن النبي في ما حبب إليه من ~~دنيا الناس حيث روي عنه أنه قال : «حبب إلي من دنياكم : النساء ، والطيب ، ~~وجعل قرة عيني في الصلاة» (1). وهذا ما يوحي باللذة الروحية التي يعيشها ~~في ذاته ، من خلال هذا اللقاء الروحي بالله ، فتقر عينه ، ويرتاح قلبه ، ~~وتصفو روحه ، وتتساقط المشاكل في هذه الأجواء الرحبة ، فلا تتحول إلى عقدة ~~يتأزم فيها الفكر والشعور ، بل تتحول إلى قضية تتحرك في خط المسؤولية التي ~~يعيش فيها الإنسان رسالية الفكر ، وتفاؤل الحل ، وامتداد الحياة. # إنها القوة المتجددة المتحركة ، التي يعيش معها الإنسان الحضور الإلهي في ~~روحه وقلبه وفكره وحياته ، فيخضر في داخله الأمل ، ويعشب فيه الفكر ، ~~وتتفايض في حياته ينابيع الخير ، وتناسب في مشاعره نبضات المحبة ، وتتحرك ~~في قلبه خفقات الرحمة ، وتلتقي في خطوات حياته مواقع المسؤولية. وهكذا كانت ~~الصلاة وسيلة حية من وسائل التنمية ms3364 الروحية ، والتعبئة الوجدانية ، في ~~أجواء الإنسان في حركة الحياة. # وهذا ما أراد الله إثارته في وعي الرسول بصفته الإنسان المسلم الأول ~~والسائرين في خطاه ، أن يقيم الصلاة في جميع أوقات اليوم ، كي تحتوي PageV14P201 # الزمن كله ، فلا يبتعد الإنسان عن الله في وقت ، حتى تأتيه الصلاة لترجعه ~~إليه في وقت آخر ، وبذلك لا يخلو ذهنه من الله في أية لحظة ، لأن عمق ~~المسؤولية المتصلة بالله ، تفرض تنمية هذا الحضور الدائم في وعيه ووجدانه ، ~~فتتحرك التوبة لتطوق المعصية ، وتنطلق الاستقامة لتواجه الانحراف ، ويتفجر ~~النور ليهزم الظلام ... وهكذا حتى يستطيع هذا الإنسان أن يغير نفسه ، ويطور ~~حياته بين يدي الله. # وهكذا كان الله يريد للإنسان أن يقيم الصلاة عند دلوك الشمس ، المفسر ~~بالزوال لدى بعض ، أو من لدن زوالها إلى غروبها لدى بعض آخر ، لتحدد له ~~صلاة الظهر والعصر ... وربما فسرها ثالث بالغروب. وحاول بعض أن يفلسف ~~المسألة في التفسيرين الأولين بأن أصله من الدلك ، فسمي الزوال دلوكا لأن ~~الناظر إليها يدلك عينيه لشدة شعاعها ، وفي التفسير الثالث ، أن الغروب سمي ~~دلوكا لأن الناظر يدلك عينيه ليتبينها ، كما ورد في مجمع البيان (1). # ولكن الظاهر هو التفسير الأول ، لأن الثالث ، يعني عدم التعرض لصلاة ~~النهار ، فلا تكون الآية شاملة لأوقات الصلاة كلها. # أما غسق الليل ، فهو ظهور ظلام الليل ، أو شدته ، وهو الذي يتمثل في ~~منتصفه ، وبذلك تكون متعرضة لصلاة المغرب والعشاء التي تمتد إلى ذلك الوقت. # ( @QUR@02 وقرآن الفجر ) أي صلاة الفجر ، باعتبار أن الصلاة تمثل الجو ~~القرآني لما تشتمل عليه من القرآن الذي هو روح الصلاة ، ذلك أن القراءة هي ~~التعبير التفصيلي عن الأجواء الروحية والفكرية والشعورية التي تثيرها ~~الصلاة في نفس المسلم المؤمن ، من خلال سورة الفاتحة ، والسورة الأخرى التي ~~تتلوها ، لا PageV14P202 # سيما سورة التوحيد ، في ما تجسده للإنسان من التصور العقيدي الذي يلتقي ~~بالله في توحيده ، وشمول ربوبيته للعالمين ، وإفاضة رحمته على الناس كلهم ، ~~وسلطته المطلقة على الطرق التي تحتاج إلى الهادي من الداخل أو الخارج. ~~وبهذا ينطلق الخضوع في الركوع ms3365 والخشوع في السجود ، والاستسلام في الموقف ~~وفي كل حركات الصلاة ، ليكون نتيجة لما عاشه الإنسان في القراءة فكرا ~~ووجدانا ، ليمارسه في الركوع تطبيقا وتجسيدا. # ( @QUR@05 إن قرآن الفجر كان مشهودا ) باعتبار أن وقت الفجر هو الخط ~~الفاصل بين الليل والنهار ، ففيه بعض ملامح الليل في هذا الغبش الضبابي ~~المثقل بالظلام وهو يتنفس النور ، وبعض ملامح النهار في حركة النور الباحث ~~عن الشمس في موعد الشروق. وبذلك تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، ~~ويشهده الله قبل ذلك وبعده. ولعل التعبير عن صلاة الصبح القرآني دون سائر ~~الصلوات ، باعتبار أنها الصلاة التي يتمثل فيها الجو القرآني في روحانيته ~~المتميزة بهدوء الليل وانفتاح النور ، لتكون الوجه الذي يشير إلى الصلوات ~~الأخرى بأبلغ تعبير ، وأروع صورة. # ( @QUR@06 ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) أي فاسهر واستيقظ ببعض الليل ، ~~كما عن بعض ، أو بالقرآن ، على رأي بعض آخر ، لتكون صلاة زائدة على الفريضة ~~، لتنتفع بها من خلال ما تحصل عليه من القرب لله والحصول على ثوابه. # ( @QUR@04 عسى أن يبعثك ربك ) في يوم القيامة ، أو في الدنيا والآخرة ، ( ~~@QUR@02 مقاما محمودا ) أي موقعا من مواقع الحمد ، أو مكانا مميزا محمودا ~~في موقعه وفي ثوابه ... وربما كان ذلك نظرا إلى مقام الشفاعة الذي جعله ~~الله للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في يوم القيامة ، بما يحمده عليه جميع ~~الخلائق لو كان الخطاب موجها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أما إذا كان موجها ~~إلى كل إنسان فإن المراد به والله العالم هو PageV14P203 # المقام الذي يناله المؤمن المخلص في صلاته ، وذلك لما يمنحه الله من ~~الثواب والكرامة والرضوان عنده. # * * * PageV14P204 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا (80) @QUR@09 وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) (81) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زهوقا ): الزهوق : الهلاك والبطلان. # * * * ### ||| ** الدعاء انفتاح حر مطلق على الله # كما أن للصلاة دورها في التعبئة الروحية عند المؤمن ، كذلك للدعاء دوره ~~الروحي في وجدانه ، ولكنه يتميز عنها كونه لا يتحدد بوقت ، فللإنسان أن ~~يدعو ربه في ms3366 كل وقت دون تحديد زمن معين ، ولا يتحدد بمضمون ، فله أن يدعو ~~بما شاء من القضايا التي تحيط بذهنه ، أو الأمور التي تتصل بحياته ، ولا PageV14P205 # يتحدد بكلمات معينة ، فله أن يختار ما يشاء منها والطريقة أو اللغة التي ~~يدعو بها. إنه يمثل الانفتاح الحر المطلق على الله في كل همومه وتطلعاته ، ~~سواء كانت صغيرة أو كبيرة ، وهذا ما يعبر عن الحاجة المطلقة إلى الله ، ~~واللجوء إليه في كل شيء ، والشعور العميق بالحضور الدائم معه ، في جميع ~~خصوصياته ، من أصغر شيء إلى أكبره ، والانفتاح على الأمل الكبير في الحياة ~~، الذي يشعر معه أنه لا مجال لليأس في كل موقع من مواقعها ما دام الأمر ~~مرتبطا بقدرة الله التي لا يثقلها أو يعجزها شيء ، فكل الموانع تتساقط ~~أمامه ، وكل الحواجز تتكسر عنده ، لأنه القادر على كل شيء ، والمهيمن على ~~كل وجود. # وقد أراد الله للإنسان أن لا يقتصر في الدعاء على حاجاته المادية المتصلة ~~بالجانب الحسي من حياته ، لئلا تكون اهتماماته العامة والخاصة في حديثه مع ~~الله محصورة في هذه الدائرة المادية ، فينعكس ذلك سلبا على تصوره للأشياء ، ~~من خلال ما يوحي به الدعاء من حالة ثقافية ، تنفتح فيها الآفاق على كل ~~الجوانب المهمة في الحياة ، التي تنمي في الإنسان الشخصية المتوازنة في ~~نظرتها إلى العنصر المادي والروحي معا ، وفق الطريقة التي خلق الله الحياة ~~عليها. وفي ضوء ذلك ، جاء القرآن ليقدم بعض النماذج المتصلة بالجانب العملي ~~المتحرك في الحياة ، في الخط الذي يسير عليه ، والأفق الذي يتطلع نحوه كما ~~نرى ذلك في الآية التالية ليلجأ إلى الله في تحديد الخطوط التي تحكم الجانب ~~العملي الحركي الرسالي ، كما ليلجأ إليه في تحديد الدوائر التي تتحرك فيها ~~حاجاته المادية. # * * * ### ||| ** دعوة لطلب الصدق في جميع المواقع # ( @QUR@05 وقل رب أدخلني مدخل صدق ) إنه الصدق الذي يحكم الاهتمامات ~~الروحية PageV14P206 # والعملية في كل مداخل الإنسان ومخارجه ، سواء في الأفكار التي يتبناها ~~كمدخل طبيعي لحركته في الحياة ، أو في العلاقات الخاصة والعامة التي تربطه ~~بالواقع وبالناس ، لتحدد له ms3367 موقعه في ساحات الصراع واللقاء ، على المستوى ~~الإيجابي أو السلبي ، أو في المشاريع المتنوعة التي تنظم للإنسان حركته ، ~~وتحدد له دوره وطريقه في الوصول إلى أهدافه وأسلوبه في ممارسة ذلك. وهكذا ~~يعيش الصدق في كل موقع يدخل إليه ، ويتحرك فيه ، لأن ذلك مما ينسجم مع دعوة ~~الحق ، كواجهة للرسالة ، وكعمق للحركة ، وكطابع للشخصية ، في ما يمثله ذلك ~~الواقع من انسجام الكلمة والأسلوب والموقف. # ( @QUR@03 وأخرجني مخرج صدق ) في جميع المواقف التي يريد الإنسان التحرك ~~منها إلى موقف آخر ، أو في كل المواقع التي تلتقي بالخط السلبي في الحياة ، ~~فلا يكون الموقف منطلقا من الزيف والدجل والرياء ، ولا يكون الموقع مختلفا ~~مع الثوابت المتصلة بالرسالة ، بل يستمد الصدق والثبات من حركته الإيجابية ~~في خط العقيدة والتشريع. # إنها الكلمة التي تعبر عن العقيدة ، وتنسجم مع الفعل. وهذه هي الدعوة ~~التي يطلقها المؤمن من كل قلبه ، مبتهلا إلى ربه أن يعينه على الإخلاص في ~~النية والفكر والشعور ، وعلى الصدق في القول والعمل في مواجهة الضغوط التي ~~تتحدى فيه ثباته ، وتخاطب انفعاله ، وتتلاعب بعاطفته ، وتضغط على حركته ... ~~إنه لا يريد أن يسترخي للدعاء ، ليكون بديلا عن الجهد والمعاناة في سبيل ~~تأكيد الموقف ، ليترك الأمر للإرادة الإلهية المباشرة في ما يدخل فيه ، وما ~~يخرج منه ، ولكنه يوحي بأنه يريد أن يتجه هذا الاتجاه ، ويعمل على تأكيده ، ~~ويعاني كل المعاناة في سبيله ، ويريد من الله أن يثبته في مواقع الزلل ، ~~ويقويه في مواطن الضعف ، كما يريد الله للإنسان أن يعمل ما يستطيع ، ~~ويستعين به على ما لا يستطيع. PageV14P207 # ( @QUR@06 واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) وتعبر كلمة السلطان عن جوانب ~~القوة والسلطة والمنعة التي تدعم الموقف من الداخل والخارج ، لينصره أمام ~~الأعداء في تحدياتهم لفكره ومواجهتهم لموقفه ، واعتدائهم على حياته ، ~~وإضعافهم لإرادته ، فلا يضعف أمام الباطل ولا يتنازل عن موقف الحق. # وهذا ما ينبغي للمؤمن أن يتعلمه ويربي نفسه عليه في اللجوء إلى الله ~~سبحانه في استمداد القوة والعون من عنده ، في كل مواقع الخوف والضعف ~~والاهتزاز. # * * * # ( @QUR@04 جاء ms3368 الحق وزهق الباطل ) # ( @QUR@05 وقل جاء الحق وزهق الباطل ) أي إعلان الحقيقة على الناس دون ~~خوف ، لأن مسألة إثارة الحق في وعي الناس لا يمكن أن تخضع لعوامل الإخفاء ، ~~بل لا بد من التأكيد على الموقف في ساحة التحدي ، ليعرف الناس كيف يواجهون ~~الحياة من مواقعه ، لئلا يضيعوا في غمار الضلال ، وهذا ما جعل الأنبياء ~~ينطلقون في دعوتهم للإيمان بالله والسير في طريقه ، بكل قوة وإصرار ومعاناة ~~، ويتحملون في سبيل ذلك كل الصعوبات ، ويقدمون أغلى التضحيات ... حتى فقد ~~الكثيرون حياتهم من أجله. # إنه الإعلان المتحدي ؛ لقد جاء الحق ، ودخل الساحة ، وسيفرض نفسه عليها ، ~~وسيواجه كل الأعداء ، وسيهجم على كل المواقع ، بكل أدواته وأساليبه وخطواته ~~العملية ، وزهق الباطل وهلك ، لأن الحق سوف يفضح كل نقاط ضعفه ، وسيكشف عن ~~كل الزيف الذي يختبئ داخله ، وعن كل السحر الزائف الذي يبرز ملامحه بطريقة ~~خادعة ... وسيواجه كل قواه ، وسيسقطه وينتصر PageV14P208 # عليه ، مهما امتد الزمن ، ومهما ارتبكت المواقف واهتزت المواقع ، فإن ~~الحقيقة ستفرض نفسها ، ولو بطريقة متحركة ، تتقدم حينا ، وتتأخر حينا آخر. # ( @QUR@04 إن الباطل كان زهوقا ) لا يحمل عناصر البقاء الحقيقية التي ~~تمنحه القدرة على الاستمرار والدوام ، إذ إنه لا يملك عمق الثبات في ذاته ، ~~بل كل ما هناك ، أنه يستعير عوامل القوة من الأوضاع الخارجية التي تحيط ~~بالساحة ، في عملية تجاذب وصراع. وهذا ما يريد الله للمؤمن أن يستوحيه في ~~نفسه ، وأن يؤكده في ساحته ، وإن وقفت هذه العوامل في مواجهته على مستوى ~~الفكر والسياسة والاجتماع. # * * * PageV14P209 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خسارا ): خسرانا وفشلا. # * * * ### ||| ** الأمراض الروحية والفكرية # في القرآن أكثر من حديث عن المرض الروحي والفكري ، الذي يترك آثاره سلبيا ~~على حركة الإنسان في الحياة ، ويبعده عن الوضع الطبيعي الذي يتمثل بالفطرة ~~الإنسانية الهادية التي تقوده إلى خط التوازن ، وتجعله يواجه المشاكل ~~الفكرية بالتأمل والبحث والحوار ، فلا يضيق بأية مشكلة تواجه قناعاته ، ولا ~~يتجمد أمام حالة تعصب ، ولا يرتبك في قرارته أو يعيش حالة ms3369 الحيرة ، بل ~~يتعامل مع المسألة الفكرية من موقع المسؤولية عل مستوى القناعة والموقف. ~~ومن هنا ، كان النفاق مرضا في القلب وفي الواقع ، كما كان الكفر كذلك ، لأن ~~الكفر يمثل الانحراف عن خط التوحيد ، من خلال عدم الارتفاع إلى مستوى ~~مسئولية الفكر المنطلق من مواقع الحجة ، والاستسلام للمزاج الذاتي الباحث ~~عن التنفيس عن عقدته بالهروب إلى أجواء اللامبالاة بعيدا عن الحوار. أما ~~النفاق ، فإنه يمثل الخلل النفسي الذي يعيش فيه الإنسان التذبذب PageV14P210 # العملي بين مفهومي الفكر والموقف ، وبذلك يعمل المنافق على خداع نفسه ~~وخداع غيره ، طلبا لبعض المكاسب والأطماع الشخصية. ويتفرع عن هذا المرض ~~الكثير من النتائج السلبية على حياته وحياة الناس من حوله ، من خلال ما ~~يتحرك به من حركات معقدة ، وما يثيره من أوضاع الاهتزاز الاجتماعي ، وما ~~يواجهه من انتماءات متنقلة ، تتقلب في الساحة تبعا للرياح القادمة إليها من ~~قريب أو من بعيد ، فيسيء بذلك إلى سلام المجتمع ، في واقعه الفكري والروحي ~~والسياسي والاجتماعي والأمني ... # * * * ### ||| ** الصحة الروحية # وجاء القرآن ليثير الاهتمام بالصحة الروحية ، بالقوة نفسها التي يعيش ~~فيها الإنسان الاهتمام بالصحة الجسدية ، وليؤكد على خطورة النتائج السلبية ~~على قضية المصير في الدنيا والآخرة ، وليعرف الناس ملامح هذا المرض في ~~الفكر والسلوك والعلاقات ، ويفتح لهم المجالات الواسعة لالتماس الشفاء من ~~مواقعه ، بالتركيز على صفاء الفطرة ، واستقامة الفكر ، وانفتاح الروح ، ~~ومسئولية الحركة والموقف في الخط العام الذي يؤكد على المبدأ والمنهج ، وفي ~~الخطوط التفصيلية التي تضع التطبيق السليم في خدمة النظرية. وفي هذا ~~الاتجاه كان الإلحاح على تزكية الروح من الداخل حتى العمق ، وعلى تعليم ~~الكتاب الذي يثير النظرية في خطوطها العامة والخاصة ، وعلى تعليم الحكمة ~~التي تعرف الإنسان مواقع التحرك في دراسة الساحة من حيث الشخص والجو ~~والظروف. # ( @QUR@06 وننزل من القرآن ما هو شفاء ) لمن قرأه وتدبره ووعاه وعمل به ، ~~وحمله دعوة مفتوحة للحياة كلها وللناس كلهم ... في روح مليئة بالجدية ~~والاهتمام والمسؤولية ، وبذلك يعرف كيف تكون سعادة الروح ، ونظافة الضمير ، ~~وسلامة الوجدان ، وصفاء الفطرة ، واستقامة الحياة ... ويلتقي بالصحة ~~النفسية ms3370 من أقرب PageV14P211 # طريق ، فيكتشف كيف يكون الفكر أساسا للقناعة ، وكيف يكون الحوار وسيلة ~~للوصول إلى مواقع الوحدة أو التفاهم ، وكيف تكون الصراحة أداة لاكتشاف ~~الحقائق ، وكيف يكون التعاون قوة للساحة ، وكيف يكون الانسجام بين القناعة ~~والموقف مظهرا للقوة ، فيلتقي بالإيمان القائم على الحجة ، وبالمسؤولية ~~المرتكزة على الوضوح ، وبالإخلاص المنطلق من خط التقوى وقاعدة الحق. # ( @QUR@02 ورحمة للمؤمنين ) في ما يفتح قلوبهم على النور الذي يتفايض ~~بالعلم واليقين والإيمان ، ويدفع مواقفهم إلى التكامل أو الوحدة أو اللقاء ~~، ويهذب نفوسهم بالطهر والعفة والصفاء ، ويحقق لهم الكثير من النتائج ~~الإيجابية على صعيد التخطيط الدقيق للفكر والشريعة والحياة ... وبذلك تتحول ~~الرحمة من عاطفة في القلب ، وإحساس في الشعور ، إلى حركة واعية مليئة بكل ~~ما يغني التجربة ، ويعمق الوجود. إنها رحمة الفعل ، لا رحمة الانفعال. ### ||| ** خسارة الظالمين # ( @QUR@05 ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) هؤلاء الذين يعيشون اللامبالاة ~~والاسترخاء أمام حاجات الجسد ، وينتقلون من خسارة إلى أخرى في طريقتهم في ~~الحياة ، وأسلوبهم في حركة العلاقات وطبيعة الانتماءات ، القائم على سياسة ~~اللف والدوران ، فيفقدون سلامهم النفسي والعملي ، ويتخبطون في الحيرة ~~والارتباك ، ويتحركون في نفق الضياع ... وتأتي آيات القرآن لتضعهم وجها ~~لوجه أمام الربح الحقيقي ، الذي يؤمن لهم سلامة الدنيا والآخرة ، ويحقق لهم ~~سعادة الروح إلى جانب سعادة الجسد ، ويقدم لهم ذلك كله بطريقة تفصيلية في ~~آياته البينات ، وفي تشريعاته الحكيمة ، وفي منهجه القويم ، فيرفضون ذلك ~~كله ، فيخسرون بذلك كل الخير في الدنيا ، ويضيفون إليه خسارة المصير في ~~الآخرة ، عند ما يواجهون الحساب الدقيق الذي ينتهي بهم إلى عذاب النار ، ~~جزاء على ما أنكروه من حقائق ، وما فرطوا فيه من مواقف ، وما أجرموا به من أعمال. # * * * PageV14P212 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان ~~يؤسا (83) @QUR@011 قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) (84) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ونأى بجانبه ): بعد بأحد شقيه : اليمين أو اليسار. وهو كناية ~~عن استكباره وتعاظمه. # ( @QUR@01 شاكلته ): طريقته ومذهبه. ويراد بها نيته. # * * * ### ||| ** التعلق بالظواهر # ويتناول القرآن طبيعة الإنسان الخاضعة للعوامل المباشرة ms3371 في حياته ، التي ~~يستسلم من خلالها للانفعالات السريعة المتصلة بالجانب الظاهر من الواقع PageV14P213 # دون النفاذ إلى العمق ، فيؤدي به ذلك إلى فقدان التوازن في النظرة ~~والموقف. # ( @QUR@04 وإذا أنعمنا على الإنسان ) فأعطيناه الصحة والأمن والمال ، ~~وسهلنا له أمور الحياة ، فأصبح في المستوى الكبير من الراحة والنعيم والعلو ~~في الموقع ... ( @QUR@03 أعرض ونأى بجانبه ) وتولى عن الله ، وابتعد عنه ، ~~وانقطع عن الاتصال به ، كمن يعرض بوجهه عن صاحبه ويتخذ لنفسه موقعا بعيدا ~~عنه ، في تعبير عن انقطاع الصلة الحميمة به ، أو عن العلو والاستكبار ... ~~فينسى الله ، ويغفل عن عمق الصلة الكونية التي تربط كل شيء من حوله به ~~تعالى في ما يتقلب فيه من النعم ، أو ما يتحرك فيه من الأوضاع ، فليس هناك ~~نعمة إلا من الله خالق كل شيء. ولكن المشكلة في الإنسان ، أنه لا يتعمق في ~~خصائص الواقع في نظرة تأمل وتفكير ليخلص إلى أنه لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا ، كما لا يملك أي شيء في الحياة إلا بالله ، مما يفرض عليه أن يفكر ~~بالله في كل موقع من مواقع النعمة ، وفي كل مظهر من مظاهر النجاح ، حتى ~~طاقاته الفكرية والجسدية ، التي يحركها في سبيل الحصول على موارد الحياة ، ~~فهي مظهر لقدرة الله في تنظيم وجوده الجسدي والعقلي ، الذي تتحرك أجهزته ~~بقدرة الله ، ولذا فإن عليه أن لا يستسلم للغفلة وللشعور بالذاتية ولشعور ~~القوة والاستقلال عن الله عند ما يواجه مواقع القدرة والنعمة في حياته ، ~~لأن الله الذي خلقها قادر أن يجمدها في أية لحظة. # ( @QUR@05 وإذا مسه الشر كان يؤسا ) وهذه هي النتيجة للارتباط الكلي ~~بالعناصر المادية المحيطة به ، والانشداد إليها كمصدر وحيد للقوة ، فإذا ~~انفصلت عنه ، وانطلقت الظروف المعاكسة التي تثير في حياته الخوف والجوع ~~والفقر ، فإنه يسقط أمامها ويستسلم لليأس ، وربما تؤدي به الصدمة إلى ~~الهلاك ، لأنه يجد أبواب الأمل موصدة أمامه ، ونوافذ الحياة مغلقة في وجهه. ~~وقد تتحرك الصدمة في اتجاه آخر ، فتهز مشاعره ، وتزيل الضباب عن عينيه ، ~~وتفتح قلبه على الله في قدرته المطلقة على حماية ms3372 الإنسان من حيث لا يشعر ، ~~ورزقه من PageV14P214 # حيث لا يحتسب ، فيرجع إليه في ابتهال الخاضع ، وإنابة المنيب ، وروحية ~~العبد الضعيف الذي يستمد القوة من الله عند ساعة الشدة. # إنه الإنسان الضعيف في حال قوته وضعفه ، فهو الضعيف حال القوة ، لأن ~~نظرته المستغرقة في مظاهر القوة المادية تضعف وضوح الرؤية عنده وإرادة ~~الجدية في حركة الحياة من حوله. فهو ضعيف أمام الواقع القوي المحيط به ، إذ ~~يشعر أنه أكبر منه ، ويتصاغر حجمه عنده ، وهو الضعيف الذي ينسحق عند ما ~~يعيش اليأس والسقوط والانهيار أمام كل عناصر الضعف ، ولا يحاول أن يستجمع ~~عناصر القوة من حوله ، من خلال التطلع إلى مصدر القوة للحياة كلها ، وهو ~~الله سبحانه. # وإذا كانت الآية تعرضت للجانب السلبي في حياته ، أمام الحالتين ، وحاولت ~~أن تبرز الصورة المشوهة لحركته ، فإنها لا تريد أن تعقده أمام ذلك ، بل ~~تريد إثارة إرادة التحدي في شخصيته ، من أجل أن يتحرك نحو مواجهة المستقبل ~~من مواقع الإيمان الذي تتوازن فيه الشخصية في حالتي القوة والضعف ، فلا ~~تطغيها القوة ، ولا يسقطها الضعف ، بل تظل مشدودة إلى الله ، لتشعر أن ~~القوة منه ، وأن الضعف يمكن أن يتحول إلى قوة من خلاله. والمقصود بالشر ، ~~هو الحوادث التي تصيب الإنسان بنقص في جسده ، أو في ماله ، أو في عرضه ، أو ~~في نفسه ، كالمرض والفقر والخوف والخسارة والهزيمة والموت ، ولعل التعبير ~~عنها بالشر ، باعتبار انعكاسها السلبي على صاحبها. ولكننا إذا نظرنا إلى ~~علاقتها بالواقع الكوني ، فإننا نجد فيها انسجاما مع الحكمة التي أقام الله ~~الكون عليها ، مما يجعلها خيرا بالنسبة إلى الواقع العام للإنسان ، وإن ~~كانت شرا ذاتيا بالنسبة إلى هذا الشخص بالذات. # * * * PageV14P215 ### ||| ** العمل صورة الشخصية الداخلية # ( @QUR@05 قل كل يعمل على شاكلته ) إن العمل هو صورة الشخصية الداخلية ~~للإنسان ، لأنه يعبر عن العناصر الذاتية التي تتمثل في الأفكار والمشاعر ~~والأساليب والعلاقات ... وذلك على أساس أن الإنسان إنما يتحرك من موقع ~~العوامل الفكرية والنفسية والعاطفية التي توجه حياته ، وبذلك اختلفت أعمال ~~الناس تبعا لاختلاف مكوناتهم الشخصية ، فإذا كان ms3373 الشخص ذا شخصية عقلانية ~~هادئة ، فإنه يواجه المشاكل بطريقة موضوعية بعيدة عن السرعة والارتجال ، ~~أما إذا كان ذا شخصية انفعالية ثائرة ، فإنه يعالج القضايا بطريقة انفعالية ~~سلبية سريعة التأثر بما حولها. وهكذا نجد الشخصية العالمة ، والجاهلة ، أو ~~الشجاعة والجبانة ، أو الكريمة والبخيلة. # * * * ### ||| ** وقفة مع حرية الإرادة # ولكن قد يتساءل البعض ، إذا كان العمل تابعا للشخصية في مكوناتها الذاتية ~~، وفي عناصرها الخاضعة للمؤثرات الداخلية من حيث المزاج ، أو للمؤثرات ~~الخارجية من حيث الظروف والأوضاع ، فأين يكون موقع الاختيار وحرية الإرادة ~~في تصرفات الإنسان ، ما دام خاضعا لمزاجه الانفعالي أو العقلاني ، أو ~~لشخصيته العالمة أو الجاهلة ، وما إلى ذلك؟! # والجواب عن ذلك : أن المؤثرات الداخلية أو الخارجية التي تمثل عناصر ~~الشخصية ، قد تثير في حياة الإنسان الأجواء السلبية أو الإيجابية المتصلة ~~بها ، ولكنها لا تفرض نفسها عليه بحيث تلغي إرادته وتشل حركته ، PageV14P216 # لأن هناك مساحة واسعة بين مفهوم الشخصية في الداخل من خلال المزاج ، أو ~~في الخارج من خلال الظروف ، وبين مفهوم العنصر العقلي ، الذي يدقق ويحاسب ~~ويحاكم ويصحح ويؤكد الموقف ، فقد جعل الله للعقل قوة مهيمنة على المؤثرات ~~السلبية في حياة الإنسان ، وأردفه بالوحي الذي يفصل له الأمور وينظم له ~~الخطوط ، وبذلك يبقى هناك مجال للتغيير ، وساحة للإرادة الحرة التي تضغط ~~على المزاج بعقل مفتوح. # وبهذا يبطل السؤال الذي يقول : ما جدوى الرسالات التي توجه إلى الناس ، ~~إذا كان كل إنسان يعمل على شاكلته التي خلق عليها ، أو التي اكتسبها من ~~خلال ظروفه الموضوعية؟! # إن المسألة لا تتعلق بحالة ضاغطة لا تترك مجالا للاختيار أو للتغيير ، بل ~~بمناخ يثير في النفس عوامل الانحراف ، ويحركها في اتجاه المعصية ، في الوقت ~~الذي يمكن للمناخ الآخر القادم من العقل أو من الوحي ، أن يحول الخطوات في ~~اتجاه آخر ، ويضعف العوامل السلبية ، ويقوي بدلا منها العوامل الإيجابية في ~~خط الاستقامة والطاعة .. # وهذا ما قرره الله في الآية الكريمة : ( @QUR@010 إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [الرعد : 11] التي أكدت على قدرة الإنسان على ms3374 ~~تغيير نفسه ، بتغيير الصورة الفكرية والشعورية الداخلية ، كوسيلة من وسائل ~~التغيير العملي على صعيد الواقع. # وهذا ما يؤكده الواقع في ما نراه من الأشخاص الذين يولدون في بيئة شريرة ~~تضغط على طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في الحياة ونوازعهم وتطلعاتهم في ~~حركة الواقع من حولهم ... ولكنهم يتمردون على هذا الواقع في أنفسهم ، على ~~أساس موقف تأمل يوحي بالصفاء ، أو موقف فكر يقود نحو التحول والتغيير ، أو ~~كلمة وحي سمعوها ، ففتحت لهم آفاقا جديدة من الحياة ، PageV14P217 # أو تجربة عاشوها فحركت في ذاتهم إرادة التغيير. # إن في نفس كل إنسان شخصية منفتحة طاهرة ، ترقد في أعماق الأعماق حيث تعيش ~~ينابيع الفطرة ومواقع الصفاء في الروح ، وربما تطغى عليها شخصية أخرى تتحرك ~~في أجواء الغريزة وفي نوازع الحس ، فتنطلق بالأعمال السلبية ، كما تنطلق ~~الشخصية الفطرية بالأعمال الإيجابية ، وقد تتغير كل منهما في اتجاه آخر ، ~~يغطي هذا الجانب ليبرز مكانه جانب آخر ، مما يجعل للعقل وللوحي وللتجربة ~~الواعية دورا كبيرا في عملية التغيير. وهكذا يعمل كل إنسان على صورته ~~الداخلية ووفق شاكلته الشخصية ، ولكن الله مطلع على خفايا الأمور ، في ما ~~يتحرك به الإنسان من نوازع وأفكار وشهوات مما يخفى أمره على الناس ، أو مما ~~تلتبس فيه النظرة إلى الواقع ( @QUR@06 فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) لأن ~~الله لا ينظر إلى مواقع الصورة في الخارج ، بل إلى مواقعها في الداخل ، مما ~~يحدد طبيعة التفاضل في الهدى ، أو طبيعة الضلال والهدى. # * * * PageV14P218 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا ) (85) # * * * ### ||| ** الروح في القرآن # كان المسلمون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أشياء كثيرة ، مما ~~يطوف في أفكارهم ، أو مما يسمعونه من كلام الله مما أبهم عليهم أمره ، وجاء ~~القرآن ليثير بعض هذه الأسئلة ، وليتحدث عنها وعن أجوبتها ، وكانت الروح من ~~هذه الأمور التي تكرر الحديث عنها في القرآن في موارد متفرقة ، كما في قوله ~~تعالى : في خلق آدم : # ( @QUR@09 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) [الحجر ms3375 : 29]. # ( @QUR@011 فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا ) [مريم : 17]. # ( @QUR@010 ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) [النحل : 2]. PageV14P219 # ( @QUR@09 تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) [القدر : 4]. # ( @QUR@016 وإنه لتنزيل رب العالمين* نزل به الروح الأمين* على قلبك ~~لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين ) [الشعراء : 192 195]. # ( @QUR@06 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [الشورى : 52]. # ( @QUR@05 ألقاها إلى مريم وروح منه ) [النساء : 171]. # ( @QUR@05 يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) [النبأ : 38]. # ( @QUR@04 تعرج الملائكة والروح إليه ) [المعارج : 4]. # والظاهر أن إطلاق كلمة الروح ليس على نهج واحد ، فقد يظهر من الآية ~~الأولى ( @QUR@06 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29] أن المقصود ~~بها التعبير الكنائي عن القدرة الخفية التي تمنح الحياة ، في ما يتمثل فيها ~~من عمق سر الحياة ، الذي يحول الجماد إلى كائن حي ، وذلك بلحاظ التناسب بين ~~معنى الروح الذي يمثل الحياة في ذات الله ، وبين إعطاء الحياة لآدم ، فكأن ~~الله أعطاه من روحه ما دب فيه الحياة لتتخذ معنى يلتقي بالله. # وهكذا يمكن أن يكون ذلك هو المراد في حكاية القرآن عن خلق عيسى ~~عليه السلام في ما حدثنا به عن مريم ابنة عمران : ( @QUR@010 ومريم ابنت ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ) [التحريم : 12] ... وربما ~~كان هذا التأكيد على «النفخ من روح الله» ناشئا من أن حركة الحياة في كلا ~~النموذجين ، لا تخضع للأسباب المألوفة أو للتدرج الطبيعي ، بل تخضع لما ~~تحمله الإرادة الإلهية المباشرة ، من السر الخفي للقدرة ، مما يوحي بالسبب ~~غير العادي ، في القدرة التي تعبر عن سر الروح الإلهي. أما الآيات التي ~~تتحدث عن الروح الذي أرسل إلى مريم أو الروح الذي يعرج مع الملائكة ، أو ~~الذي يقوم معهم يوم القيامة ، أو يتنزل معهم ، فالظاهر أنها تعبر عن مخلوق ~~سماوي ، رفيع PageV14P220 # المكانة عند الله ، ولذلك فإن الله يوكل إليه المهمات المرتبطة بالغيب ~~وبالوحي ، بمفرده ، أو مع الملائكة ، في الدنيا أو في الآخرة ، وقد تتحدث ~~بعض الأحاديث عنه ، بأنه جبرائيل ، أو أنه خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل. ~~وأما ms3376 ما ورد من الحديث عن الروح الذي أوحى به الله إليه ، أو تنزل الملائكة ~~به ، فقد يكون المراد به الوحي الذي نزل على الرسول ، في القرآن أو في غيره ~~، باعتبار أنه يمثل الروح الذي يمد الحياة بالقوة ، والإنسان بالنور الإلهي ~~في حركة الوجود من حوله. # * * * ### ||| ** التساؤل عن معنى الروح # أما هذه الآية التي نحن بصددها ( @QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي ) فقد يمكن أن يكون السؤال فيها عما تردد من الحديث عن الروح في ~~أكثر من آية ، مما جاء بشكل مبهم لا تحديد فيه ، الأمر الذي أثار علامة ~~استفهام لدى الناس. وربما كانت المسألة معرفة ما يراد من هذه الكلمة في ~~جميع مواقع استعمالها ، لأنها لا تمثل لديهم أية صورة تفصيلية ، باعتبارها ~~من الكلمات الغامضة لديهم. وبهذا كان الجواب أنها من أمر الله الذي لا يملك ~~معرفته إلا هو ، لأنه من الأمور البعيدة عن عالم الحواس الذي يمكن أن يطل ~~الإنسان من خلاله على مفردات المعرفة الحسية ، ولكنه لا يملك أية وسيلة ~~للإحاطة بالأمور التجريدية. # وقد يكون من البعيد أن يكون المراد بالروح هنا القرآن كما جاء في بعض ~~التفاسير لأنه ليس أمرا غامضا لديهم حتى يسألوا عنه ، كما أن إطلاقه عليه ~~كان على سبيل الاستعارة ، لا الحقيقة. # وقد ذكر بعضهم أن المراد به الروح الإنساني ، لأنه المتبادر من إطلاق PageV14P221 # الكلام ، ولهذا كان الجواب بالنهي عن التوغل في فهم حقيقته ، لأنه مما ~~استأثر الله بعلمه. وقد يكون هذا الوجه قريبا ، باعتبار أنه الأقرب إلى ~~أفكارهم بحسب مضمون الكلمة عندهم ، ولا يلتفت إلى قول من قال ، بأن التبادر ~~ممنوع في كلام الله تعالى ، لأن المسألة ، هنا ، هي مسألة سؤالهم عن الكلمة ~~في ما يدور الحديث عنها ، وما يتصورونه منها ، فهي من كلامهم لا من كلام ~~الله. وقد جاءت الآية لتنقل حديثهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . وإذا ~~كان الكلام من الله ، بقطع النظر عن هذه الملاحظة ، فإن كلامه ككلام غيره ، ~~في ما يتبادر منه ، لأنه يجري كلامه ms3377 على حسب ما لدى الناس من مصطلحات ~~وإطلاقات ، لأنه يخاطب عباده بما يفهمون. # ولكن هناك ملاحظتين أمام هذا الوجه : # الأولى : أن الظاهر هو أن المسؤول عنه ، هو الكلمة ، في مواقعها في ~~القرآن ، ولم يرد فيه استعمالها بمعنى الروح الإنساني. # الثانية : أن المسلمين ، أو العرب ، في صدر الدعوة ، لم ينقل عنهم أنهم ~~كانوا يتعمقون في فهم المعاني ، بحسب بعدها الفلسفي ، لتتحرك علامات ~~الاستفهام لديهم من موقع الغموض الذي يلفها ، فإنهم إذا أطلقوا كلمة الروح ~~، فإنما يطلقونها باعتبار ما تعبر عنه من معنى الحياة أو الذات أو ما يقارب ~~ذلك ، لا باعتبار المعنى المقابل للمادة ، ليكون السؤال عن هذه الطبيعة ~~التجريدية الخفية التي تكون سر الحياة. # ولكن لا مانع من أن يكون السؤال منطلقا بلحاظ سر الحياة الذي لا يملكون ~~الوضوح في معرفته ، لا بلحاظ المعنى المقابل للمادة ، بالنظرة الفلسفية. ~~ويؤيد ذلك ما جاء # في بحار الأنوار عن أبي بصير عن الإمام الباقر أو الإمام الصادق ~~عليهما السلام قال : سألته عن قوله : ( @QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل الروح ~~من أمر ربي ) قال : التي في الدواب والناس ، قلت : وما هي؟ قال : هي من PageV14P222 # الملكوت ، من القدرة». (1) # وقد حاول صاحب تفسير الميزان أن يجعل الجواب ( @QUR@05 قل الروح من أمر ~~ربي ) تفسيرا لكلمة الروح. قال : «فقد بان بما مر أن الأمر هو كلمة الإيجاد ~~، وهو فعله تعالى الخاص به ، الذي لا يتوسط فيه الأسباب الكونية بتأثيراتها ~~التدريجية ، وهو الوجود الأرفع من نشأة المادة وظرف الزمان ، وأن الروح ~~بحسب وجوده من سنخ الأمر من الملكوت ..» (2). # ولكن المتبادر من الجواب ، أن الله لم يرد أن يعرفهم طبيعتها باعتبارها ~~من أمره ، لأن ذلك لم يوضح أي شيء عندهم ، في ما هو حقيقة المعنى ، لأن ~~كلمة الإيجاد تمثل مصدر الوجود لا حقيقته ، كما أنه من الأمور المعروفة ~~لديهم ، في ما يعتقدونه من تعلق الإرادة الإلهية بوجود الأشياء ، بشكل ~~مباشر أو غير مباشر. ولهذا فإننا نستقرب أن يكون الجواب واردا لبيان أنها ~~من الأمور التي استأثر الله بها مما لا يستطيعون ms3378 الإحاطة به ، لأنه ليس من ~~الأمور التي تقع في دائرة الحس ليملكوا الوسائل إلى معرفتها ، لأن التعرف ~~على الأشياء لا يتم إلا بالوسائل التي يملكها الإنسان في فكره ووجدانه. ~~وعلى هذا الأساس ، تنسجم الفقرة التالية مع صدرها ( @QUR@06 وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا ) كإشارة إلى أنهم لا يملكون الكثير من العلم ، لأن مصادر ~~المعرفة محدودة لديهم ، في ما يتصورونه أو يتعرفون عليه من خلال الحس ؛ ~~والله العالم. # * * * PageV14P223 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا (86) @QUR@09 إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا ) (87) # * * * ### ||| ** دور الله تعالى في حركة العلم # وهذا حديث بالإيحاء للنبي ولمن اتبعه ، في شأن هذا القرآن ، الذي أوحى ~~الله به إليه ، ليفتح له من خلاله أبواب العلم ، في ما لا سبيل له إلى ~~العلم بدونه ، أو في ما لا مجال له للوصول إلى نتيجة حاسمة في مضمونه. وأن ~~الله هو الذي يحفظه ويركزه في وعي الإنسان ، ليبقى في ذاكرته ، فيستمد منه ~~الوعي والإيمان والمعرفة ، وذلك تبعا لمشيئته التي أراد بها الرحمة للرسول ~~ولأمته. PageV14P224 # ( @QUR@06 ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) من القرآن ، الذي منحك ~~ومنح الناس معك مقدارا من العلم ، بالأسباب التي يذهب بها العلم من الذاكرة ~~أو من الكتب. ( @QUR@07 ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ) يرده إليك وإلى ~~الآخرين ، لأن ما يأخذه الله فلا راد له إلا هو ، إذ إنه هو الذي يملك ما ~~لا يملكه أحد ، ويعطي الملك لمن يشاء في أي شيء ، ويمنعه عمن يشاء في أي موقع. # ( @QUR@04 إلا رحمة من ربك ) ينزلها عليك فتحفظ لك ذلك أو تزيده وتنمية ، ~~ليفتح عليك أبواب المعرفة التي تتسع معها ساحات الحياة. ( @QUR@05 إن فضله ~~كان عليك كبيرا ) من خلال ما أعطاك من العلم ، وما رزقك من القوة الفكرية ~~التي تركز قواعده ، وتقوي حركته في تقدم الإنسان. # وقد يكون هذا الأسلوب في مواجهة وعي الرسول للقرآن ، ملفتا للنظر لما فيه ~~من قوة التأكيد على الدور الإلهي الأساسي في حركة المعرفة وامتدادها ms3379 ، كما ~~هو في حركة الحياة لدى الرسول والناس ، بحيث لا يطمئن الإنسان لقوته الخاصة ~~المنبثقة عن العناصر الذاتية الكامنة في شخصيته ، كما يغفل فيه عن علاقة ~~الله بامتداد الحياة والعلم والقوة. # إن الأسلوب القرآني يتحرك من أجل تعميق الوعي التوحيدي في شخصية الإنسان ~~، في كل شيء يحيط به ، فلا يستسلم لمظاهر امتداد القوة لديه ، بعيدا عن ~~التفكير في قدرة الله على إزالتها في كل وقت ، ولا يغفل عن طبيعة القدرة ~~التي أوجدت في داخل الشخصية العوامل التي تساهم في الاستمرار في عملية ~~القوة الذاتية. # وهذا هو المنهج التربوي الذي ينبغي للعاملين في حقل التربية أن يحركوه ، ~~من خلال ما يستحدثونه من أساليب وما يثيرونه من أفكار. # * * * PageV14P225 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) @QUR@014 ولقد صرفنا للناس في ~~هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) (89) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ظهيرا ): معينا. # * * * ### ||| ** التحدي القرآني على ساحة المعرفة # ويبقى التحدي القرآني يفرض نفسه على ساحة المعرفة ، ليثبت بذلك أنه كلام ~~الله الذي يتضمن أسرارا في الشكل والمضمون ، بحيث لا يتمكن أحد من PageV14P226 # الإتيان بمثله ، وذلك لما يحتويه من دقائق وأسرار ، وما يتمثل فيه من ~~بلاغة وفن ... ولا يقتصر الأمر على الإنس ، بل يتعداه إلى الجن الذين كان ~~العرب يعتقدون أنهم يملكون قدرة خارقة فوق قدرة الإنسان ، فهم يقفون عاجزين ~~أمام هذا التحدي ، فلا يستطيعون لمواجهته سبيلا. واستمر القرآن طيلة هذه ~~القرون ، ولم يأت أحد بمثله يقابله في هذا الجو المتنوع التأثير على عقول ~~الناس وأرواحهم وشعورهم ... الذين يحسون فيه بمثل السحر من خلال ما يملك من ~~القوة المهيمنة على كل كيانهم الفكري والروحي والشعوري. # وذلك هو الدليل على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه ، وأنه ليس كلام البشر ، نبيا كان أو غيره ، وأنه لا يمكن لأحد أن ~~يزيد فيه شيئا مما لم يوح به الله ، لأنه لا يتناسب مع أسلوبه المعجز ، ~~بحيث ms3380 يبرز الفرق بشكل واضح بين ما هو القرآن ، وما هو التحريف فيه. # ( @QUR@05 قل لئن اجتمعت الإنس والجن ) بكل ما يملكون من طاقات الفكر ~~العلمية والأدبية ( @QUR@06 على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) في أسلوبه ~~المعجز ، ومضمونه العميق الواسع المتنوع ، وإيحاءاته الروحية والعملية ... ~~( @QUR@08 لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) وعضدا وناصرا ، لأن ~~المسألة غير مشروطة بتكامل الطاقات في سبيل تكامل النص في الإبداع الفني ، ~~بل مرتبطة بالسر الخفي الكامن في ذات النص ، مما يعيش الإنسان الإحساس به ~~دون أن يستطيع التعبير عنه ، أو تقليده ، أو محاولة تقديم نموذج مماثل له. # وقد أشرنا إلى رأينا في مسألة «الإعجاز القرآني» أثناء تفسيرنا للآية 23 ~~في سورة البقرة ، فليراجع هناك. # * * * PageV14P227 ### ||| ** أساليب متنوعة في القرآن والهدف واحد # ( @QUR@09 ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) التصريف هو ~~التكرير الذي تتنوع فيه الأساليب والكلمات ، وتلتقي عند هدف واحد في ~~التوعية المنفتحة على آفاق الحق في العقيدة والتشريع وحركة الحياة ، وفي ~~تركيز الإرادة على الصلابة في الموقف ، في عملية الاختيار التي لا تهتز ولا ~~تتزلزل أمام كل الضغوط النفسية المنطلقة من التهاويل والأضاليل والتحديات ~~والمتغيرات المتنوعة القادمة من كل اتجاه ، من خلال ما يمارسه الكافرون ~~والمضللون والمنحرفون من وسائل وأساليب. # لقد جاء القرآن ليواجه حاجة الإنسان إلى التنوع في انطلاقته في الحياة ، ~~فأراده أن يتحرك من خلال المنهج السائر على خط الفكر والتجربة والمعاناة ، ~~وهداه إلى الآفاق التي يمكن لها أن توسع نظرته ، وإلى المواقع التي يمكن ~~لها أن تغني تجربته ، وإلى المواقف التي يمكن أن تحدد له طريقه وتركز له ~~هدفه. وهكذا فإن القرآن منطلق فكر ومنهج حركة ، من أجل أن يهتدي الإنسان ~~إلى قيادة نفسه في الاتجاه السليم وإلى قيادة الحياة والآخرين إلى النهج ~~الأقوم ، الذي ينفتح على الله في أكثر من أفق للمعرفة ، وينفتح على المعرفة ~~في أكثر من مجال. ولكن الإنسان ينسى نفسه وينسى ربه ، فينسى موقعه في الكون ~~، ودوره في حركة المسؤولية وفي استلهام الوحي الإلهي في ما يحتاجه من ms3381 قضايا ~~المصير ، فيعيش اللامبالاة التي توحي له بالعبث والهروب من مواجهة الواقع ~~المسؤول ، فيكفر بالله ، وتتعاظم ضغوط الغريزة والانحراف في حياته ، ~~المتمثلة في سلوك الأكثرية كما أشار الله إلى ذلك : ( @QUR@05 فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا ) بالله وبالحق المنطلق من مواقع العقل ، الذي يكتشف ~~الحقيقة في صفاء الفطرة والوجدان ، ومن مواقع العقل ، الذي يكتشف الحقيقة ~~في صفاء الفطرة والوجدان ، ومن مواقع الوحي ، الذي يخطط لحركتها في ~~التفاصيل الدقيقة من حياة الإنسان. # * * * PageV14P228 ### ||| ** الأكثرية في النظرة القرآنية # وتلك هي فكرة القرآن عن الأكثرية في المجتمع ، في حديثه المتكرر عن ~~انحرافها عن خط الاستقامة في العقيدة والعمل ، لأنها تتحرك في مجرى التيار ~~الانفعالي الذي ينطلق من تأثير الغريزة ، ومن التعاطي السطحي الذي يغري ~~بالسهولة في مواجهة القضايا الحيوية في حركة الإنسان في الفكر والواقع ، ~~ومن عمق العلاقة بالمنفعة المادية في ما يواجهه من سلوك وتطلع ، مما يجعلها ~~تستسلم لكثير من النوازع والمشاعر الذاتية الملتهبة المثيرة ، فتسقط في ~~مواقع الانحراف ، بينما تظل الأقلية من الناس ، في مواقع الفكر المنفتح ~~العميق الذي يصبر على مشاكل الفكر ، لتتابع من خلال ذلك الوصول إلى الحلول ~~الملائمة ، كما تبقى في مواقف الإرادة القوية الصلبة التي تتحدى النوازع ~~الذاتية لتنظم حركتها داخل النفس والحياة ، وتواجه العوامل الخارجية القوية ~~التي تريد أن تهزم في الإنسان قوة الاندفاع للوقوف مع الرسالة والمبدأ ... ~~وتثبت كذلك في مواقع الحرية والعدالة. # وليس معنى ذلك ، أن هذا هو قضاء الأكثرية وقدرها الذي لا يمكن لها أن ~~تتجاوزه ، بل هو أمر واقع ناشئ من عوامل خارجية وظروف طارئة ، من خلال عدم ~~وجود خطة طويلة لاحتواء الساحة وتوجيهها ، وتحريك العناصر الإيجابية ~~الكامنة في داخلها ، والاستفادة من بعض العوامل الملائمة لحركة الرسالة ... ~~لأن سنة الله في الحياة قائمة على أن الكون لا يخضع لوجه واحد في حركته ، ~~بل يتغير من حال إلى حال ، تبعا للعوامل الداخلية والخارجية المتنوعة ~~الخاضعة لحركة التغيير. # ولهذا فإن علينا أن لا نستسلم للواقع الذي يتحرك من خلال الضغط PageV14P229 # الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي للأكثرية المنحرفة ms3382 ، بل لا بد لنا ~~من مواجهته بالدعوة والحركة والموقف ، من أجل الوصول إلى أكثرية جديدة ، ~~قائمة على الأسس الرسالية التي نتبناها في خطنا الفكري ، مهما كانت ~~التحديات كبيرة والظروف قاسية ، لأن الحياة لا تفتح ذراعيها إلا للذين لا ~~يستسلمون للأمر الواقع ، ولا ينسحقون تحت وطأة عوامل الضعف ، ولا يهزمون ~~أمام الأوضاع السلبية ... بل يعملون على تحويل عناصر الضعف إلى عناصر قوة ، ~~وإلى مواجهة الحالات السلبية بمواقف إيجابية ، وينظرون إلى الحياة نظرة ~~واقعية في تعاملهم مع نقاط القوة والضعف ، من أجل خلق واقع جديد على إنقاض ~~الواقع القديم. # وأخيرا إن القرآن عند ما يعالج مسألة الأكثرية من خلال النظرة السلبية ، ~~فإنه يريد تأكيد المسألة من الناحية الواقعية ، على أساس أنها لا تمثل ~~المقياس الصحيح للحقيقة ، كما يراه الناس في هذه الأيام ، بل ربما كانت ~~تلتقي على العكس من ذلك بنظرة الباطل ، ولكن لا مانع من أن تلتقي بالحق إذا ~~أحسن القائمون على حركة الرسالة السير معها بصدق وعزم وتركيز. # * * * PageV14P230 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) ~~@QUR@011 أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) ~~@QUR@012 أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا (92) @QUR@026 أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) ~~@QUR@015 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا (94) @QUR@014 قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا (95) @QUR@011 قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) (96) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كسفا ): بكسر الكاف جمع كسفة ، وهي القطعة من الشيء. # ( @QUR@01 قبيلا ): القبيل : الكفيل أو الجماعة. PageV14P231 # ( @QUR@01 زخرف ): زينة. # ( @QUR@01 ترقى ): تصعد. # * * * ### ||| ** الأنبياء والتصور المنحرف عنهم # لعل مشكلة الأنبياء هي في التصور المنحرف لدى الناس الذين كانوا يعيشون ~~معهم عن فكرة النبوة والنبي ، فقد كانوا يعتقدون بأن النبوة حالة غير عادية ~~، باعتبارها تفويضا إلهيا ms3383 للنبي ، فقد كانوا يعتقدون بأن النبوة حالة غير ~~خرقة ، لأنه وكيل تفويضا إليها للنبي بأن يتحرك في الأرض مع الناس بقدرة ~~خارقة ، لأنه وكيل الله لدى الإنسان ، فيجب أن يتمتع بإمكانات عظيمة يغير ~~بها الكون ، ويحكم بها الحياة ، فيعمل كل ما يريد ، أو ما يراد منه ، من ~~تغيير ظاهرة كونية ، أو الإتيان بما يعجز البشر عن مثله. # لذا كانوا يتصورون أن النبي لا يمكن أن يكون بشرا ، وكون محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك مثل هذه القدرة المطلقة ، فقد مثل ذلك مشكلة ~~في علاقة الناس به وإيمانهم برسالته ، مما أثار في فكرهم حالة شك أو ~~استهزاء. وفي هذا الاتجاه ، كان حوار قريش مع النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم حول مسألة الرسالة ، وشروطهم للإيمان بها وبه ، من ~~خلال ما كانوا يسمعونه من معجزة موسى أو عيسى ، وغيرهما من الأنبياء ~~عليهم السلام في ما يدهش الفكر ويخطف البصر من خوارق العادة ... وإذا كان ~~القرآن هو المعجزة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنهم لا يرون ~~في ذلك حالة غير عادية ، لأنها لا تتصل بالظاهرة الكونية ، بل ترتبط ~~بالعنصر الغني للتعبير ، مما يمكن أن يكون قمة في الإبداع لا يبلغها أحد ، ~~ولكنها لا تتلاءم مع معجزات الأنبياء الآخرين ، ولا تغير أية PageV14P232 # ظاهرة من ظواهر الحياة حولهم. # ولكننا نعلم أن الله قد أرسل رسله كي يفتحوا عقول الناس وقلوبهم على الحق ~~، من خلال المنهج الفكري الذي يقودهم إلى اكتشافه بالفكر الدائب على البحث ~~، والوحي المنفتح على تفاصيل الحقيقة ... ولم تكن المعجزة أساسا في ذلك ، ~~بل كانت ردا للتحدي الكبير الذي يحاول أن يسقط الدعوة أمام الناس ، كما في ~~مسألة فرعون وموسى وأمثالها. ولذلك لم يستجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~للتحديات الطارئة الذاتية ، لأنها لا تمثل شيئا في حركة الدعوة ، ولا تثير ~~أي غبار في وجهته العملية إلا بشكل بسيط. # * * * ### ||| ** عناد كافر متعنت # ( @QUR@010 وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) فيحول ~~الصحاري القاحلة ms3384 الجرداء إلى أرض يتفايض منها الماء ( @QUR@07 أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب ) بلمسة من يدك ، أو بلفتة من نظرك ، تماما كما هو شأن ~~الأنبياء الذين يحملون بركة النبوة القادرة على أن تحول الأرض الجرداء إلى ~~بساتين يهتز فيها الشجر ، وتمتد فيها الخضرة ، وتجري فيها الأنهار ... ( ~~@QUR@04 فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ) يمتد الخصب بذلك إلى كل جوانبها ( ~~@QUR@07 أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ) بحيث تتناثر النجوم قطعا ~~قطعا علينا ، كما أوحيت إلينا بذلك ، في تهديدك لنا ، إذا لم نؤمن بك ، أو ~~إذا تمردنا عليك ، ( @QUR@05 أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) في مجمع واحد ~~، لنقابلهم وننظر إليهم عيانا ، لنتحدث إليهم ونناقشهم في ما تدعونا إليه ، ~~لنعرف صدقك في دعوتك ، ( @QUR@06 أو يكون لك بيت من زخرف ) أي من ذهب ، ~~تصنعه بقدرتك النبوية التي تزعمها لنفسك ، فيكون ذلك شكلا من أشكال الإعجاز ~~عند ما يتحول بيتك هذا ، أو أي مكان تسكنه إلى بيت من PageV14P233 # ذهب ، ( @QUR@04 أو ترقى في السماء ) فننظر إليك وأنت تعرج إليها ... ( ~~@QUR@08 ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ) حتى لا تسحرنا بطريقة ~~معينة ، فتوحي إلينا بذلك من دون حقيقة. أما إذا جئتنا بالكتاب ولمسناه ~~بأيدينا ، وقرأناه بأعيننا ، فإن ذلك قد يكون دليلا على أننا نواجه حقيقة ~~مادية ، لا حالة تخييلية من فعل ساحر يسحر الأعين. # هذه هي الاقتراحات ، فاختر واحدة منها لنؤمن بك ، وبأنك رسول الله من ~~خلال ما تقدمه لنا من الإعجاز. # * * * ### ||| ** الواقعية في الخصوصية البشرية # ولكن الله يعلم رسوله بأن هذه الأمور لا تقع في نطاق قدرته ، لأنه بشر لا ~~يملك أن يقوم بأي عمل خارق للعادة من خلال قدراته الذاتية ، فهو مجرد رسول ~~يوحى إليه ليبلغ الناس ما يريد الله له أن يبلغه في وحيه ، وليس من شأن ~~الرسالة أن تغير الكون في نظامه الكوني ، بل إن دورها أن تغيره في نظامه ~~الإنساني العملي ... ولذلك ، فلا مجال لأي شيء مما تقترحونه ( @QUR@08 قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) وليس علي إلا أن أبلغكم رسالات ربي ، ~~وأفتح ms3385 عقولكم من خلال الحوار الذي يقودكم إلى الحجة على صدق الرسالة. # ( @QUR@08 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) في وحي الله على يد ~~رسوله ، ( @QUR@07 إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ) في استغراب يوحي ~~بالإنكار أو بالشك ، انطلاقا من التصور الخاطئ الذي يرى الرسالة شيئا من ~~شؤون الملك ، لا من شؤون الإنسان. ولكن الله يعالج المسألة بتصحيح هذا ~~التصور ، فإن الرسالة تفرض الدعوة بالفكر وبالقدوة ، فلا بد من أن يكون ~~الرسول من الناس ، ليكون تجسيده للرسالة في سلوكه أساسا للإيمان بواقعية ~~الفكرة التي يدعو إليها ، من PageV14P234 # خلال خصوصيته البشرية ، أما إذا كان ملكا ، فإن الناس سيحتجون بعدم ~~امتلاكهم قدرة الملك على تجسيد أخلاقية الرسالة في الحياة. وربما كانت ~~المسألة تتجه إلى المقولة التي تؤكد على أن الإنسان لا يتحمل النظر إلى ~~الملك ، ( @QUR@08 قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ) لكان من ~~الضروري أن يكون الرسول إليهم منهم ، ليتناسب فكره مع فكرهم ، وقدرته ~~العملية مع قدرتهم. ( @QUR@06 لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) لأن ذلك ~~هو الذي يجعل إمكانات النجاح متوفرة في تجربته الرسالية. # ( @QUR@06 قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) في ما أدعيه من رسالة ، وما ~~أبلغه من وحي ، فهو الذي يشهد لي بذلك ، ولو كنت كاذبا لأظهر ذلك للناس ، ( ~~@QUR@05 إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) يعلم ما يضمرون ، ويبصر ما يعملون. # وهكذا كانت هذه الآيات صورة حية للمشكلة الصعبة التي كان يثيرها هؤلاء ~~أمام الأنبياء ، من خلال ما كانوا يؤكدونه من تصور خاطئ عن النبوة ~~والأنبياء ، بالمستوى الذي يبعث الشك في مصداقيتهم أمام الناس ، ولكنهم أي ~~الأنبياء ينطلقون إلى الدعوة من موقع ثابت يرتكز على العقل والفكر ، ليقود ~~الناس إلى الحقيقة من أقرب طريق. # * * * PageV14P235 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا (97) @QUR@014 ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) @QUR@023 أولم يروا أن ~~الله ms3386 الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ~~ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) @QUR@014 قل لو أنتم تملكون خزائن ~~رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ) (100) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خبت ): الخبو : سكون النار عن الالتهاب. # ( @QUR@01 قتورا ): القتر : تقليل النفقة ، وهو بإزاء الإسراف وكلاهما ~~مذمومان. # والقتور المجبول على البخل. # * * * PageV14P236 ### ||| ** الهداية والضلال من الله # ( @QUR@05 ومن يهد الله فهو المهتد ) وهذا هو الذي فتح قلبه للرسالة ، ~~ففكر فيها وواجهها بالجدية الفكرية التي تعالج الأمور من موقع الفكر ~~المسؤول ، مما يجعله موضعا للطف الإلهي بالتأييد والتسديد والهداية ، لأن ~~السنة الالهية قد جرت على أساس أن الإنسان إذا سار في طريق الحق ، فإن الله ~~ييسر له سبل الوصول إليه ، ويفتح له الآفاق الرحبة لذلك ... وبذلك كانت ~~الهداية من الله ، من خلال عناصرها الذاتية في شخصية الإنسان ، ومن خلال ما ~~أعده الله من وسائلها ، وما أمده الله به من ألطافه الروحية والفكرية ... ( ~~@QUR@02 ومن يضلل )، فيوكلهم إلى أنفسهم ، بعد أن اختاروا طريق الضلال ، ~~فلم يعطوا الفكر حقه من التأمل والبحث ، بل اتبعوا أهواءهم في ممارسة قضايا ~~العقيدة من دون مسئولية ، فضلوا عن الطريق وتركهم الله لضلالهم ، ( @QUR@06 ~~فلن تجد لهم أولياء من دونه ) أي من دون الله لأن الله هو الذي يملك القوة ~~، ولا يملكه غيره ، وسيواجهون المصير الأسود المحتوم ، والصورة البشعة التي ~~يتمثلون بها يوم القيامة ، كتجسيد للحالة التي كانوا عليها في الأرض في ~~الامتناع عن استخدام أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم في سبيل المعرفة ، مما ~~جعلها غير ذات موضوع في حركة الشخصية في حياتهم ، ( @QUR@06 ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا ) لأن عيونهم لم تنفتح على مظاهر عظمة الله ~~لتقودهم إلى الإيمان بتوحيده. ( @QUR@01 وبكما ) لأن ألسنتهم لم تتحرك ~~للسؤال عن طبيعة القضايا التي أثارتها الرسالات ، في ما أثارته من مبادئ ~~وتفاصيل ، ( @QUR@01 وصما ) لأنهم أغلقوا أسماعهم عن الاستماع إلى آيات ~~الله وكلمات الرسول ، فكأنهم لا يملكون ذلك كله. # * * * PageV14P237 ### ||| ** جزاء الكافرين # ( @QUR@02 مأواهم جهنم ) فذلك جزاء الذين يرفضون الحق بعد قيام الحجة ~~عليهم من الله ، وذلك ms3387 هو مثواهم في عذاب مستمر ، ( @QUR@04 كلما خبت زدناهم ~~سعيرا ) فتصاعد اللهب من جديد ، وزادهم ذلك احتراقا على احتراق ، وعذابا ~~على عذاب ... ( @QUR@05 ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ) من مواقع التمرد ~~لا من مواقع الشبهة ، فلا عذر لهم في ذلك أمام الله. ( @QUR@09 وقالوا أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ) في منطق لا يرتكز على فكر ~~دقيق ، بل يتحرك من موقع الاستبعاد القائم على أساس النظرة السطحية إلى ~~الأشياء ، ولو فكروا جيدا ، لوصلوا إلى النتيجة الحاسمة التي تفتح عقولهم ~~وأبصارهم على آفاق قدرة الله. # ( @QUR@09 * أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ) وهم يؤمنون ~~بذلك ، ولا يرفضونه ، لأن الذين ينكرون المعاد لا ينكرون وجود الله وخلقه ~~للكون ، بل كل ما هناك أنهم يستبعدون خلق الإنسان من جديد ، فكيف يستبعدون ~~ذلك ، ويغفلون عن أن الله الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة ، التي هي أعظم ~~من خلق الإنسان ( @QUR@05 قادر على أن يخلق مثلهم )، ويحدد لهم نظاما في ~~مسألة الحياة والموت؟! # وفي هذه الإشارة إيحاء بأن على الإنسان أن يدخل دائما في عملية مقارنة ~~بين الأشياء ، في ما لم يألفه من الأفكار التي لا يجد لها تجسيدا في الواقع ~~، مما يقع في دائرة الغيب ، فيحاول أن يدرس أمثاله مما هو مألوف له ، ~~ليتعرف إمكان ذلك من إمكان هذا ، لئلا يحبس أفكاره في دائرة المألوف ، ~~فيمنعه ذلك من الإيمان بالحقائق الثابتة عقليا في دائرة الغيب. # * * * PageV14P238 ### ||| ** بخل ذاتي معقد # ( @QUR@06 وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) يعيشون الحياة في حدوده ، ويبعثون ~~فيه بعد الموت. وتلك هي الحقيقة التي تفرض نفسها على الإنسان من موقع ~~المقارنة بين الأشياء وأمثالها ( @QUR@02 فأبى الظالمون ) الذين ظلموا ~~أنفسهم بالكفر والعناد ( @QUR@02 إلا كفورا ) ورفضا للحق الثابت. وتبقى ~~مشكلة هذا الإنسان التي تفرض عليه الضلال ، وتقوده إلى الانكماش والاستغراق ~~داخل خصوصياته الذاتية ، بعيدا عن رحابة الحياة. وقد يكون من بين مظاهر ~~المشكلة ، هذا البخل الذي يمنعه من الانفتاح على الآخرين في مواقع العطاء ، ~~فينعكس ذلك على نظرته العامة للحياة وللمسؤولية في حركة الواقع من حوله. ms3388 # ( @QUR@07 قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ) التي تشتمل على نعم لا تعد ~~ولا تحصى ولا تنفد ، مهما أنفقتم منها ... ( @QUR@02 إذا لأمسكتم ) ومنعتم ~~الناس من الاستفادة منها ، ( @QUR@02 خشية الإنفاق ) وذلك لما تتميز به ~~طبيعة البخل الذاتي من الخوف المعقد من نتائج الإنفاق على طبيعة المستقبل ، ~~في الوقت الذي لا يحمل فيه الواقع أي أساس للخوف. ( @QUR@03 وكان الإنسان ~~قتورا ) ضيقا بخيلا ، مبالغا في الإمساك ، فلا ينفتح على خير ، ولا يركن ~~إلى أساس من وعي وانفتاح ، وقد يدفعه ذلك إلى أن يعيش الإمساك في مجالات ~~الفكر والمعرفة والهدى ، فلا يريد أن ينفق على نفسه أو على غيره من العلم ~~الذي بين يديه ، فيساهم في إضلال نفسه وإضلال الآخرين. # * * * PageV14P239 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) @QUR@016 قال لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) ~~@QUR@09 فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) @QUR@014 ~~وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا ) (104) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مسحورا ): ساحرا ، أو أعطيت علم السحر. # ( @QUR@01 بصائر ): دلائل يبصر بها الناس. # ( @QUR@01 مثبورا ): هالكا. # ( @QUR@01 يستفزهم ) يخرجهم. # ( @QUR@01 لفيفا ): التف بعضهم ببعض. # * * * PageV14P240 ### ||| ** الإيمان مصدر كل قوة # وهذا حديث عن حركة الرسالات في التاريخ ، من أجل أن يأخذ المسلمون منه ~~الدرس ، ويعرفوا أن القوة المهيمنة لا تمثل الحالة الضاغطة التي تشل قدرة ~~المستضعفين عن الحركة ، وتجمد مواقفهم عن الرفض ، وتسقط مواقعهم عن ~~الامتداد ... بل يمكن لهم أن يأخذوا من قوة الموقف الإيماني قوة جديدة تفرض ~~نفسها على الأقوياء ، مستندين إلى الإيحاء الدائم بأن الله مع الذين آمنوا ~~، وأن القوة ليست مطلقة للذين يملكونها ، ففي داخل كل واحد منهم مواقع ~~للضعف ، وأن الضعف ليس مطلقا للذين يعيشونه ، ففي ساحة كل واحد منهم موقع ~~للقوة ... فلا بد من التماسك أمام حالات الاهتزاز النفسي ، ليملك المؤمن ~~نفسه ، وليكتشف التوازن بين مواقع الضعف ومواقع القوة في دائرته ودائرة ~~الآخرين ، ليعرف كيف ms3389 يؤكد المواقف على هذا الأساس ، ويتعرف من خلال ذلك على ~~آفاق رعاية الله له في الحياة. # * * * ### ||| ** الله تعالى يحقق التوازن بين فرعون وموسى # وهذا ما نتمثله في هذه الآيات التي يختصر الله فيها قصة موسى عليه السلام ~~في كلمات قليلة ، توضح لنا كيف واجه موسى عليه السلام قوة فرعون ، وكيف حرك ~~الله له في ساحته الآيات التي هزمت نفسيته ، وكيف تعامل معها في الضغط على فرعون. PageV14P241 # ( @QUR@06 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ) والظاهر أن المقصود بها هي ~~ما أشار إليه في آيات أخرى ، من العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، ~~والقمل ، والضفدع ، والدم ، والسنين ، ونقص الثمرات ، وبذلك هيأ الله ~~سبحانه وتعالى الإطار الموضوعي والتربة الخصبة لحركة موسى عليه السلام ~~الرسالية على صعيد تبديل المناخ الانهزامي السلبي الذي كان يفرضه فرعون على ~~بني إسرائيل ، وذلك من خلال ما تحمله هذه الآيات من إشارات وآمال على مستوى ~~التدخل الإلهي لإنقاذهم مما هم فيه. ( @QUR@05 فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ) ~~موسى ، فأثارهم فيهم روحا جديدة من القوة التي توحي بالثقة العميقة بعد أن ~~عاشورا الانسحاق النفسي الذي أفقدهم حركة الإرادة الرافضة أمام جبروت فرعون ~~، حتى اعتبروا الضعف الكامن فيهم قضاء وقدرا ، لا يملكون مواجهته بوسائلهم ~~الخاصة ، وكان لا بد من الصدمة التي تتمثل بالمعجزة الخارقة التي تؤكد لهم ~~( @QUR@04 أن القوة لله جميعا )، وأن الجبار لا يملك قدرة مطلقة ، بل إن ~~قوته مستعارة من ضعف الآخرين ، أما قدرة الله ، فهي القوة التي لا تقف عند ~~حد ، وعلى المؤمنين أن يعتمدوا عليها ، ليواجهوا التجربة من موقع الانفتاح. # فاسألهم عن تجربتهم التي عاشوها من خلال ما تستنطقهم في أخبارهم عند ما ~~جاءهم موسى عليه السلام بالبينات وواجه فرعون ( @QUR@08 فقال له فرعون إني ~~لأظنك يا موسى مسحورا ) فلم يكن يفهم كيف يمكن للروح أن تستيقظ من موقع ~~المعرفة لتأخذ لنفسها القوة ، ولم يستطع أن يستوعب ما هو معنى التحدي في ~~الرسالي الذي يحمل الرسالة لتكون قوة للإنسان في الفكر والروح والحياة ، ~~وكيف يمكن للإنسان الذي يتصل بالله أن يعيش الحرية ms3390 الرافضة لكل ألوان ~~العبودية ، لأنه لم يعش تجربة سابقة في هذا المجال ، فالناس الذين يعيشون ~~معه ، هم ممن يتزلفون إليه ليحصلوا على أطماعهم منه ، أو ممن يخافون منه ~~فيتساقطون أمام جبروته ... ولم يكن ليفكر بأن هناك وجها آخر للحياة ، يطل ~~على عالم جديد من الفكر والحرية والإيمان ... كان السحر هو الذي يفسر ~~الظواهر غير PageV14P242 # المألوفة ، لأنه الأسلوب الذي يصور للإنسان الأشياء التي تبهر الأبصار ، ~~وتأخذ العقول ، وتتحول إلى حالة معقدة في حياته بحيث يتصرف بطريقة غير ~~مألوفة ، وبذلك يكون السحر هو التفسير الذي يملكونه ، لمواجهة مسار ~~الأنبياء الذين يتحركون بشكل غير معروف ، من خلال ما يقولون وما يفعلون ، ~~ولهذا كان رد الفعل لدى فرعون أنه اعتبره خاضعا لعملية سحر قام بها بعض ~~السحرة ضده ، فأصبح يتحرك بطريقة غير معقولة ، ويتكلم كلاما غريبا لا ينسجم ~~مع طبيعة الواقع. # ولكن موسى عليه السلام كان يعيش الثبات في الموقف والانفتاح في آفاق ~~الرسالة ، فلم ينفعل ولم يسقط أمام التحدي الفرعوني ، الذي يتعاطى كما لو ~~كان مريضا بالصرع الناشئ من السحر. # * * * ### ||| ** ليس للسحر أي عمق واقعي # ( @QUR@06 قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ) من الآيات البينات التي توحي ~~بالقوة الخارقة التي لا يملكها أي ساحر ، لأن السحر لا يمثل أي عمق في ~~الواقع ، بل يمثل تغيير الشكل ، ويبعث الاهتزاز في حركة الصورة في وعي ~~البصر ... بينما تتحرك هذه الآيات لتصنع واقعا جديدا في بعض مظاهر حياة ~~الناس ، مما يدل على أن هذه الأمور ليست من صنع البشر ، بل لم ينزلها ( ~~@QUR@04 إلا رب السماوات والأرض ) لتكون ( @QUR@01 بصائر ) تفتح عيون الناس ~~، الذين يكفرون بالله وبرسله ، على الحقيقة التي يرتكز عليها الإيمان ، ~~ليفكروا في المسألة من جانب آخر غير الجانب الذي تعودوا أن يوجهوا التفكير ~~نحوه ... وهذه هي مهمة الآيات التي ينزلها الله ، فهي ليست عرضا للقوة ~~لينبهر الناس بها في حالة انفعالية ، بل هي PageV14P243 # تحريك للفكرة ليقتنع الناس بالحق من خلالها ، وليكتشفوا ما لا يستطيعون ~~اكتشافه إلا من خلالها ، بفعل الضغوط التي يواجهونها في حركة العقيدة في ms3391 ~~حياتهم. # وهكذا أثار موسى عليه السلام أمام فرعون الحقيقة حول السر الذي يختفي وراء ~~هذه الآيات ، ليفكر بذلك في اتجاه جديد. ثم انطلق ليرد التحدي الذي مارسه ~~فرعون ضده في مجال التجريح الشخصي ، فإذا كان يظنه مسحورا لأنه دعا إلى ~~الإيمان بالله ، فإن موسى عليه السلام يوجه إليه الإنذار بالحقيقة المرعبة ~~الحاسمة التي تنتظره ، وهي الهلاك : ( @QUR@05 وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ~~). والثبور هو الهلاك ، وقد عبر بالظن محاكاة لأسلوبه في التعبير ، ~~فالمسألة لدى موسى عليه السلام هي مسألة يقين بالمصير الذي ينتظر هذا ~~الطاغية. وربما أراد موسى من هذه الكلمة شيئا آخر غير رد الفعل لمسألة ~~التحدي ، وهو إثارة الاهتمام لديه بالقضايا التي أثارها معه في موضوع ~~الإيمان بالله ، والابتعاد عن السلوك الطغياني ، وذلك من خلال إثارة مسألة ~~الهلاك أمامه في نطاق الجسد والروح ، ليعود إلى نفسه في فترة التأمل الذاتي ~~، أو في حالة الخوف النفسي ، في ما يمكن أن ينتظره من المصير المظلم في ~~الدنيا والآخرة ، ولكن فرعون لم يرجع إلى نفسه ، ولم يركن إلى ربه ، ~~فتعاظمت نفسه لديه ، وأخذته العزة بالإثم. وربما كانت كلمة موسى عليه السلام ~~عنصرا مثيرا مضادا في طبيعة المواجهة. ولذا بادر ، كما يبادر الكثيرون من ~~الطغاة ، إلى التصرف بطريقة طاغية استفزازية ، ليخنق هذه الانتفاضة الجديدة ~~لحركة الحرية المنبثقة عن روح البسالة ، وليسحق الروح التي بدأت تثير في ~~الساحة الكثير من حالات التململ الذي يقود إلى التغيير على أساس الإيمان ~~بالله ، الذي يقود النبي موسى عليه السلام حركته تحت لوائه. # * * * PageV14P244 ### ||| ** بين إسقاط الطاغوت وإقامة العدل # ( @QUR@05 فأراد أن يستفزهم من الأرض ) فيزعجهم في رزقهم وفي أنفسهم وفي ~~كرامتهم ، ليعيد إحكام تأثير سطوته عليهم. وحدثت أحداث كثيرة ، وكان ~~الاضطهاد الكبير الذي تعاظم حتى لم يعد محتملا عند المستضعفين ، وكان موسى ~~عليه السلام يخطط للانتقال إلى مواقع جديدة للقوة ، حيث يتخفف فيها المؤمنون ~~من الضغوط القاسية الصعبة. وجاء عقاب الله بطريقة غير عادية كما حدثنا به ~~القرآن في أكثر من آية ( @QUR@04 فأغرقناه ومن معه جميعا ) ولم يبق منهم ms3392 ~~أحد. وبدأت المواقع الجديدة تفسح المجال للمستضعفين ، ليأخذوا دورهم في ~~الحياة من جديد ، ليخوضوا غمار الحرية في حركتهم الرسالية ، وليعرفوا أن ~~القضية ليست في سقوط الطاغوت ، بل هي في معرفة كيفية إقامة العدل في الساحة ~~التي دمرها الظلم ، وعدم التحول في مواقع السلطة إلى طاغوت جديد. # ( @QUR@07 وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ) وأطيعوا الله ~~ورسوله في ما يأمركم به وينهاكم عنه ، مما يقربكم إلى الحق ، ويبعدكم عن ~~الباطل ... ( @QUR@04 فإذا جاء وعد الآخرة ) في يوم القيامة ، وجاءت ساعة ~~الحساب التي يثاب فيها المحسن على إحسانه ، ويعاقب فيها المسيء على إساءته ~~، ( @QUR@03 جئنا بكم لفيفا ) أي مجموعا ملفوفا بعضكم إلى بعض ، لتواجهوا ~~ما كنتم تختلفون فيه ، فيفصل الله بينكم في ذلك كله. # وهناك احتمال آخر ، في تفسير كلمة ( @QUR@02 وعد الآخرة ) وذلك بأن يكون ~~المراد به «ما ذكره الله سبحانه في أول السورة في ما قضى إلى بني إسرائيل ~~بقوله : ( @QUR@011 فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما ~~دخلوه أول PageV14P245 # @QUR@05 مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) وإن لم يذكره جمهور المفسرين ، ~~فينعطف بذلك ذيل الكلام في السورة إلى صدره ، ويكون المراد أنا أمرناهم بعد ~~غرق فرعون أن اسكنوا الأرض المقدسة التي كان يمنعكم منها فرعون والبثوا ~~فيها ، حتى إذا جاء وعد الآخرة التي يلتف بكم فيها البلاء بالقتل والأسر ~~والجلاء ... جمعناكم منها ، وجئنا بكم لفيفا ، وذلك إسارتهم وإجلاؤهم إلى ~~بابل (1). # ولكننا نلاحظ على ذلك ، أن مجرد وحدة الكلمة في الموردين لا يعني اتفاق ~~المعنى ، لأن الكلمة تأخذ مضمونها من خلال السياق الذي يحيط بها ، ولهذا ~~فإن السياق هنا ، يرتكز على مسألة فريق فرعون وفريق موسى ، اللذين اختلفا ~~في الدنيا ولم يصلوا إلى نتيجة حاسمة في موقع متوازن تتعادل فيه القوى ، ~~ويتحرك فيها الحوار على هذا الأساس ، فيريد الله أن يجمعهم في الآخرة ليفصل ~~بينهم في ما كانوا فيه يختلفون. # وبذلك فإن التفسير الذي جاء به جمهور المفسرين هو الأقرب إلى ظاهر الآية ~~؛ والله العالم. # * * * PageV14P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ms3393 ونذيرا (105) ~~@QUR@09 وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) ~~@QUR@018 قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) @QUR@08 ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا (108) @QUR@05 ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) (109) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فرقناه ): فصلناه. # ( @QUR@02 على مكث ): بتمهل وتأن. # ( @QUR@01 يخرون ): يسقطون. # * * * PageV14P247 ### ||| ** القرآن قاعدة الهدى والحق # ويعود الحديث عن القرآن ، باعتباره الكتاب الذي أراده الله أن يكون قاعدة ~~للهدى ، وأساسا لحركة الحق في الفكر والحياة ، لينطلق الإنسان في مسيرته من ~~موقع الثبات القائم على الوحي المنفتح على الكون كله في جميع أوضاعه ، وعلى ~~العقيدة كلها في جميع تفاصيلها ، وعلى الإنسان كله في جميع أفراده وامتداده ~~في حركة الزمن ، فهو الحقيقة الثابتة التي لا مجال للشك فيها ، ولا موضع ~~للزيادة والنقصان في آياتها. # ( @QUR@02 وبالحق أنزلناه ) فقد أراده الله أن يكون مصدرا للحقيقة في ~~حياة الإنسان ، من خلال ما يمثله من فكر ومنهج وتشريع ، ليركز الوعي على ~~أساس ثابت قوي لا يهتز ولا يزول ، فليس هناك عبث ولا لغو باطل في أي موقع ~~من مواقعه ، لأن الله هو الحق ، ولا يمكن أن يصدر منه إلا الحق الذي تلتقي ~~فيه الوسيلة بالهدف ، والنظرية بالتطبيق في انسجام كامل. # ( @QUR@02 وبالحق نزل ) وذلك من خلال ما يبلغه الرسول من آياته بكل صدق ~~وأمانة ، فلا يضيف إليه منه أية كلمة مهما كانت ، لأن دوره هو دور المبلغ ~~الذي لا يملك الحق في أي تغيير بالنص الموحى به من الله سبحانه وهكذا نزل ~~بالحق في ما كان يريد أن يؤكده من مبادئ وأفكار ، أو يحققه من مواقف ومواقع ~~وأوضاع. وقد أراد الله للقرآن أن يثبت الحق في الحياة وفي الإنسان ، وكان ~~لله ما أراد في حركة القرآن في خط التبليغ والحركة والواقع. # وإذا كان القرآن قد أكد على الحق ، كأساس للخط الذي يتحرك فيه الإنسان من ~~خلال المضمون الفكري والتشريعي والعملي ، فلا بد لنا من أن نستوحي ذلك في ~~كل أوضاعنا العامة والخاصة على مستوى الكلمات PageV14P248 # والمشاريع والعلاقات والخلفيات ms3394 النفسية لذلك كله ، فلا مجال للباطل في ~~شخصية الإنسان المسلم الذي يعتبر القرآن دستورا له ، وعنوانا لحركته في ~~الحياة ، مما يفرض العمل على التوازن في التخطيط التربوي على صعيد صنع ~~الشخصية الإنسانية. # ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) لتبلغ الناس كيف تكون البشارة ~~بالجنة للعاملين في خط الطاعة لله ، وكيف يكون الإنذار بالنار للسائرين في ~~خط معصيته ، وليس لك أن تغير أو تبدل ما أرسلت به من كتاب. # * * * ### ||| ** المغزى من إنزال القرآن تدريجيا # ( @QUR@02 وقرآنا فرقناه ) أي فصلناه ، ونزلناه آية آية وسورة سورة ... ( ~~@QUR@05 لتقرأه على الناس على مكث ) أي على مهل وتؤدة ، ليتفهموا الفكرة ~~بشكل تدريجي عند ما ينزل القرآن ليرسم الخطوط العامة ويحرك التفاصيل من ~~خلالها في نطاق المشكلة الطارئة التي تعتبر كنموذج لمشاكل مماثلة ، أو في ~~نطاق السؤال الذي يلتقي بأكثر من علامة استفهام مماثلة ، أو ليشجع حركة في ~~آفاق الجهاد ، أو ليقوي ضعفا في ساحات الصراع ، أو ليثير جوا نفسيا معينا ~~في مجالات التحدي ، أو ليؤكد موقفا أو يثبته في حالات الاهتزاز ، أو ليعالج ~~قضية بارزة من قضايا الفكر ، أو ليفسح المجال لتشريعات متنوعة في حركة ~~الواقع الإنساني ، أو ليضع المنهج للفكر والأسلوب والحركة ... وهكذا أراد ~~الله للقرآن أن ينزل ليرافق حركة الرسالة في خط الدعوة والجهاد ، ليواكب كل ~~مراحلها ، وليسدد خطواتها ، ويحل لها المشاكل المتحركة على أكثر من صعيد ، ~~على مستوى النظرية والتطبيق ... ليوحي بالحركة النموذج ، إلى جانب الفكرة ~~الخط ، مما يجعله يمثل حركية الإسلام في امتداد التجربة ، PageV14P249 # وبهذا الأسلوب استطاع أن يربي جيل الإسلام الأول الذي احتواه القرآن ~~بآياته ، حتى عمق في داخله أخلاقية الرسالة ، وقوة الإيمان ، وفاعلية ~~الحركة ، لأن الإنسان لم يكن منفصلا في حياته عنه ، بل كان يلاحق خطواته ~~أينما كان ، ويفرض نفسه على ذهنه ، فلا يستطيع الهروب منه أو الوقوف موقف ~~اللامبالاة أمامه ، لأن الواقع الذي عالجه كان يتمثل في صميم حياته. # ولو نزل القرآن دفعة لما كان له هذا التأثير التربوي ، بل ربما أهمل ~~الكثيرون من الناس قراءته نتيجة ضغط أشغالهم ، أو وجود ms3395 بعض الصوارف الخاصة ~~التي تمنعهم من ذلك ، كما يحدث للكثيرين من الناس الآن. وهذا ما ينبغي لنا ~~أن نتمثله في حركة الدعوة ، أو في خط الجهاد ، أو في ساحة الصراع ... فنثير ~~القرآن في كل موقع مناسب وفي كل حالة ملائمة ، لنجعل المسيرة منطبعة بطابعه ~~، ومتحركة بحركته ، في سبيل الوصول إلى الشخصية القرآنية المنطلقة من ~~مفاهيم القرآن وتشريعاته. # وهكذا أراد الله للنبي أن يقرأه على الناس بتأن ومهل ، ليتفهموه بهدوء ، ~~ويعيشوه بعمق ، ويبتعدوا بذلك عن طابع السرعة والانفعال. ( @QUR@02 ونزلناه ~~تنزيلا ) أي أنزلناه على مهل ، وهذا هو معنى التنزيل في كتب اللغة ، وبذلك ~~تكون الجملة توضيحا لما سبق. # * * * ### ||| ** تأثير القرآن وامتداد الزمن # ( @QUR@06 قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ) فلن يتوقف الأمر عليكم ليتحدد موقع القرآن PageV14P250 # تبعا لموقفكم منه ، من خلال ما قد تتخيلونه من أن الإيمان به يمنحه كل ~~القوة ، وأن الكفر به يضعفه ويسقطه عن التأثير والاعتبار. فقد يكون هناك ~~قوم آخرون غيركم ، ممن يعيشون في هذه المرحلة ، أو ممن يأتون بعدها ، وهم ~~الذين يملكون العلم عن دليل وبرهان ، ويعرفون سر الإعجاز فيه ، وسمو العظمة ~~في أسلوبه ومضمونه ، فيفهمونه جيدا ، ويخضعون له لإيمانهم العميق به ، لأن ~~العلم المنفتح هو الذي يفتح للإنسان أبواب الإيمان بالله وبرسالاته وبرسله. # ( @QUR@06 إن الذين أوتوا العلم من قبله ) أي من قبل نزوله ، سواء كانوا ~~ممن أوتوا الكتاب ، وهم أهل الكتاب المؤمنون الواعون ، أو كانوا من غيرهم ، ~~وهم الحنيفيون الذين ساروا على الخط المستقيم في التوحيد وتمردوا على خط ~~الشرك. ( @QUR@03 إذا يتلى عليهم ) القرآن في آياته التي تجسد عظمة الله ، ~~( @QUR@03 يخرون للأذقان سجدا ) في تعبير صارخ عن الخضوع المطلق لله ~~والانسحاق أمامه ، باعتبار أن السجود أعلى مظاهر الخضوع ، ويمكن أن يكون ~~ذكر الأذقان ، باعتبار أن الذقن أقرب أجزاء الوجه من الأرض عند السجود ، أو ~~يكون المراد بها الوجوه على نحو المجاز تعبيرا عن الكل بالجزء ، وهؤلاء ~~الذين يسجدون لله بهذه الروح الخاشعة الذليلة ينطلقون معرفتهم بالله الذي ~~يطل بهم على عظمته وأسرار قوته. # ( @QUR@03 ويقولون سبحان ربنا ) في ms3396 إحساس عميق بعظمة الله ، وانفعال بها ~~، وتسبيح خاشع يثيرها في انفتاح الروح على الله. # ( @QUR@04 إن كان وعد ربنا ) وهو إدخال عبادة المتقين الذين أخلصوا له في ~~الفكر والعمل الجنة ( @QUR@01 لمفعولا ) ثابتا في مواقع الصدق ، فلا بد له ~~من أن يتحقق في موعده فلا يتخلف عنه. # * * * PageV14P251 ### ||| ** الإيمان حركة شعورية وتعبدية أيضا # ( @QUR@03 ويخرون للأذقان يبكون ) في تعبير متحرك ناطق عن الروح الخاضعة ~~، بالسجود في مظهر ، وبالدمع في مظهر آخر ، ليشترك الكيان كله في التعبير ~~عن موقف الإنسان من الله في خط العبودية الذي يتحرك في حالة تصاعدية تبعا ~~للحالة الروحية المتنامية ؛ ( @QUR@02 ويزيدهم خشوعا ) وتذللا على أساس أن ~~التعبير عن المشاعر القلبية كلما ازداد إلحاحا ، كلما ازداد تأثيرا في نمو ~~الحالة النفسية ، لأن الممارسة تزيد في النمو الداخلي للروح وللضمير. # ونلاحظ ، في التأكيد على جانب التعبير عن الإيمان بالله ، بالهوي إلى ~~الأرض بالسجود ، وبالاندفاع في البكاء في حالة نفسية من الإجهاش الروحي ~~أمام الله ... بأن حركة الإيمان ليست مجرد حالة تجريدية في الذهن ، بل هي ، ~~إلى جانب ذلك ، حركة في الشعور وفي التعبير ، وزيادة في تعميق الذل ~~الإنساني في عبودية الإنسان لله ، لتكون المعرفة معنى في النفس وشعورا في ~~القلب وحركة في الإيمان وفي الواقع. # * * * PageV14P252 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) @QUR@021 ~~وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي ~~من الذل وكبره تكبيرا ) (111) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تجهر ): ترفع صوتك. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # ولعل هذا الاستيحاء من الآية كان منطلقا مما رواه في الدر المنثور ، عن ~~ابن عباس أنه قال : «صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ذات يوم ، ~~فدعا الله فقال في دعائه : يا الله ، يا رحمن ، فقال المشركون : انظروا إلى ~~هذا الصابئ ، ينهانا PageV14P253 # عن أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين. فأنزل الله : ( @QUR@06 قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن ) الآية» (1). # فإن نلاحظ على ذلك ، أن هذا التوجيه ms3397 لا يظهر من الآية ، فإن الظاهر منها ~~هو التأكيد على عدم الاقتصار على أي اسم من أسماء الله في الدعاء ، لأنها ~~بأجمعها تشير إليه ، وليست في معرض الحديث عن تعدد الآلهة في العبادة ~~ووحدتها. وقد يكون من البعيد أن الوثنيين يتوجهون إلى الأسماء حتى لو كان ~~مظاهرها الأبناء من الملائكة والجن ، فإن التدبر في حديث القرآن عن هؤلاء ~~يوحي بأنهم يعبدون الأوثان أو الملائكة أو الجن ، باعتبار قربهم إلى الله ، ~~بطريقة أو بأخرى ، لا باعتبار أنهم مظهر الأسماء أو ما يقرب من ذلك ؛ والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** أسماء الله ليست توقيفية # ( @QUR@06 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) أو أية كلمة من أسماء الله ~~تريدون أن تدعو الله بها. ( @QUR@06 أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) فإن ~~العبرة بالمضمون الذي تدل عليه الكلمة ، في ما تدل عليه من ذات الله ، فلا ~~مشكلة لأنه هو الذي يعطي الاسم حسنه وقداسته ، مما يجعل أي اسم من أسمائه ~~اسما حسنا. # وقد نستوحي من هذه الفقرة من الآية أن أسماء الله ليست توقيفية ، ~~فللإنسان أن يدعوه بأي اسم يعبر به عما يتناسب مع جلاله وكماله ، فليست ~~هناك حالة رسمية على مستوى المصطلح. وهذا ما نلاحظه في كل الأسماء PageV14P254 # التي وردت في القرآن في التعبير عنه بصفاته ، كالحليم والكريم والجبار ~~والمتكبر والغني والعليم والقادر والقوي والقاهر وأمثالها ، مما لا تجد فيه ~~أية خصوصية إلا دلالتها على مضمون الصفة التي يراد دعوة الله بها ، من خلال ~~ما يريد الإنسان إثارته أمام الله من خلالها. # وقد يكون الحديث عن كلمة الرحمن بالخصوص ، لأن العرب كانوا لا يألفون هذه ~~الكلمة في حديثهم عن الله ، كما يظهر من الآية الكريمة : ( @QUR@013 وإذا ~~قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) ~~[الفرقان : 60]. # وربما استوحى بعض المفسرين من الآية تأكيدها على توحيد الذات وتوحيد ~~العبادة ، في مقابل ما يراه الوثنيون من توحيد الذات وتشريك العبادة ، وذلك ~~لأنهم يعتبرون تعدد الأسماء في دعوة الله مظهرا لتعدد العبادة ، لأنها هي ~~التي يتوجه إليها الناس ms3398 ، أما الذات الإلهية المقدسة ، فهي أرفع من أن ~~يتمكن الناس من التوجه إليها. وجاءت الآية لتكشف وجه الخطأ في رأيهم ، بأن ~~هذه الأسماء مهما تنوعت ، فإنها تكشف عن الذات المقدسة ولا تمثل شيئا ~~مستقلا في نفسه. # * * * ### ||| ** اعتدال الصوت في الصلاة # ( @QUR@06 ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) أي لا ترفع صوتك بالصلاة ~~فتبالغ به ، ولا تخفض صوتك به حتى لا يسمعك أحد أو لا تسمع نفسك ، ( ~~@QUR@04 وابتغ بين ذلك سبيلا ) واجعله معتدلا متوسطا بينهما ، لأن جو ~~الصلاة يفرض التوازن في طريقة التلفظ بكلمات القرآن أو الدعاء أو التسبيح ، ~~فإن ذلك يساهم في استيعاب المضمون بطريقة هادئة روحية ، لا تجعل الكلمة ~~تغيب في الهمس ، PageV14P255 # ولا تصرخ في الجهر ، بل تتحرك في وعي السمع بما يضمن نفاذها إلى القلب ، ~~وانسيابها في الروح. # وقد اختلف الرأي في أن الحكم يشمل كل صلاة ، باعتبار أن ما يراد بكلمة ( ~~@QUR@01 بصلاتك ) الاستغراق ، أي كل صلاة ، فيكون حكما لكل صلاة ، أو أن ~~الحكم يتعلق بالمجموع من حيث المجموع ، أي أن لا يجهر بجميع الصلوات ولا ~~يخافت بها ، بل يجهر في بعض ويخافت في بعض ، ولكن الظاهر هو الأول ، لأن ~~الآية في معرض الحديث عن طبيعة الجو الصلاتي ، لا عن أفرادها ، وذلك من ~~خلال الطريقة التي يقرأ بها المصلي ، مما لا يتناسب مع التفريق بين صلاة وأخرى. # وإذا كانت بعض المذاهب الإسلامية تفرض الإخفات في القراءة في الظهرين ~~والجهر فيها في الصبح والعشاءين ، فلا بد من الالتزام معها بالتخصيص بحالة ~~القراءة أو بتوجيه ذلك بأسلوب آخر. وذلك متروك للبحث الفقهي. ### ||| ** تربية النفس بالتوجه الى الله # ( @QUR@013 وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ) ~~وهذه هي الكلمة التي يريد الله للإنسان أن يقولها في كل زمان ومكان ، ليعمق ~~في وعيه الفكري الإحساس الوجداني بالله في مظاهر عظمته ومواقع نعمته ، ~~فيتوجه إليه بالحمد والثناء ، من الموقع المنفتح على آفاق العظمة لديه ~~ليزداد إيمانا في كل كلمة حمد ، ويتعمق توحيديا في كل التزام بنفي الولد ~~عنه ورفض ms3399 الشريك له ، في العقيدة والعبادة ، ليقف الإنسان أمام الله الواحد ~~، فلا يتوجه إلى غيره ، ولا PageV14P256 # يخضع لسواه. إنه التوجيه التربوي الذي يريد أن يؤكد العقيدة في داخل ~~النفس ، أمام أية حالة اهتزاز أو ارتباك ، فلا يكفي أن تظل خاطرة في الضمير ~~، بل لا بد من أن تكون حركة في التعبير. # * * * ### ||| ** كلما عظم الله في النفس صغر الآخرون # ( @QUR@02 وكبره تكبيرا ) في الوعي الداخلي الذي يدخل دائما في مقارنة ~~بين عظمة الله وبين الآخرين ، ليشعر بأن الله أكبر من كل شيء ، وأقوى من كل ~~وجود ، لأنه هو الذي يعطي الأشياء حجمها وقوتها ، وهو المهيمن على ذلك كله. ~~وكلما عظم الله في النفس ، صغر الآخرون في الذهن ، فينعكس ذلك على الفكر ~~والحركة والعمل. # * * * PageV14P257 ### | سورة الكهف ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وعشرة PageV14P259 ### ||| ** سورة الكهف بين الاسم والمضمون # وهذه سورة مميزة بما اشتملت عليه من قصص ذات صفة عجائبية ، وهي تنسج من ~~ألوان الغيب العديدة ما يجعل القصص محاطة بغموض حسي كبير ، كما تحمل من ~~الإيحاءات المتنوعة ما يبرز بوضوح حركة الفكرة التوحيدية سواء على مستوى ~~العقيدة أو على مستوى الحياة ، أو على خط التربية الروحية والعملية للإنسان ~~، في ما يريد الله أن يثيره من خلال النظرة ، أو من خلال أحداث القصة. # ولا شك أن قصة أهل الكهف تثير الغرابة في حوادثها ، لخروجها عن المألوف ، ~~فقصة هؤلاء تمثل عودة الروح والحياة لهؤلاء القوم الذين فروا بدينهم من ~~الضلال ، واستفاقوا من جديد بقدرة الله بعد زمن طويل ، ليكونوا عبرة لجيل ~~آخر ، وآية لأجيال أخرى. ولعل تسمية السورة بالكهف تحمل لونا من ألوان ~~الإثارة للتفكير في أجواء الغيب ، ليتأكد للمؤمن ما يريده القرآن من تعميق ~~الإيمان بالغيب في وجدانه الروحي. # وتبقى للسورة حركتها في التأكيد على عقيدة التوحيد القائمة على نفي الولد ~~، ومواجهة التصور المنحرف الذي يريد أن يسبغ خصوصيات البشر على الله ، من ~~خلال بعض الانطباعات الساذجة التي تحاول أن تستغرق في استيحاء PageV14P261 # العظمة لبعض المخلوقات الغامضة ، كالجن والملائكة ، أو لبعض الأشخاص ~~الذين يحملون في حياتهم بعضا من ms3400 خصوصيات المعجزة تبرر بنظرهم وجود ارتباط ~~عضوي في علاقتهم بالله ، نتيجة ما يتوهمونه من أسرار الألوهية الكامنة في ~~ذواتهم. # ثم تتحرك اللمسات واللمحات المتنوعة في حركة إيحائية وتوجيه مباشر ، من ~~أجل أن يكون العمل الصالح هو الوجه البارز للإيمان الكامن في الذات عند ما ~~يتحول إلى تجسيد عملي في صعيد الواقع ، انطلاقا من الخط القرآني الذي لا ~~يحترم الفكرة إلا إذا تحولت إلى واقع في حياة الإنسان ، ولا يقبل الإيمان ~~إلا إذا اقترن بالعمل الصالح ، لأن الجانب الوجداني في الذات لا بد من أن ~~يطل على الجانب الواقعي من الحياة ، لئلا تبقى قضية الفكرة أو الإيمان مجرد ~~حالة تجريدية لدى الإنسان ، فتترك تأثيرها على الجانب التصوري الذهني بعيدا ~~عن الجانب الحركي في نمو الحياة وتطورها. # ويبقى للأسلوب القرآني في التبشير والإنذار الذي يلامس الروح الإنسانية ~~المتحركة في خطي الرغبة والرهبة ، دوره في حركة الفكر الذي يواجه المسائل ~~من مواقع المسؤولية والجدية ، ويدفع الواقع في اتجاه النتائج الإيجابية أو ~~السلبية المتصلة بالعمل في خط الرسالات. # وتبقى النماذج الإنسانية القوية في مواجهة الواقع الضاغط ، وفي انطلاقة ~~الفكر ، وفي حركة القدرة ، وفي قوة الإرادة ... هي الوجوه المتنوعة التي ~~تطل من السورة في حركة القصص الثلاث ، لتوحي للإنسان في كل زمان ومكان ~~بالفكرة التي تحتوي نقاط الضعف الإنساني لتحولها إلى حركة في اتجاه إثارة ~~نقاط القوة ، في ما يريد الله أن يثيره منها في حركة الوجدان ، وفي ثبات ~~الموقف العملي للإنسان في اتجاه التسامي والتطور والارتفاع. # * * * PageV14P262 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) ~~@QUR@015 قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا (2) @QUR@03 ماكثين فيه أبدا (3) @QUR@06 وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) @QUR@016 ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) @QUR@011 فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) @QUR@011 إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ms3401 (7) @QUR@06 وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عوجا ): العوج : العطف من حال الانتصاب ، والعوج بالفتح يقال ~~في ما يدرك بالبصر سهلا كالخشب المنتصب ونحوه ، والعوج بالكسر يقال PageV14P263 # في ما يدرك بالفكر والبصيرة. # ( @QUR@01 قيما ): مستقيما. # ( @QUR@01 بأسا ): عذابا. # ( @QUR@01 باخع ): قاتل ، مهلك. # ( @QUR@01 ماكثين ): خالدين. # ( @QUR@01 صعيدا ): الصعيد : ظهر الأرض. # ( @QUR@01 جرزا ): أرضا لا نبات فيها. # * * * ### ||| ** الوعي الروحي للذات الإلهية # وتبدأ السورة بحمد الله ، لتوحي للإنسان بالوقوف أمام الكتاب في مضمونه ~~الفكري والروحي ، وفي إيحاءاته التربوية ، باعتبار أنه مصدر للثناء على ~~الله ، لما يمثله ذلك من شؤون العظمة والنعمة لله ، ليتعلم الإنسان بأن ~~يكتشف في كل شيء مما يحيط به أو مما ينزل عليه ، وجها من وجوه الوعي الروحي ~~لله في مجال التصور للذات الإلهية. وتتحرك هذه الآيات للتأكيد على ذلك ، في ~~تفصيل سريع للمضمون الحركي للكتاب في أجواء التبشير والإنذار ، وفي احتواء ~~المشاعر السلبية للنبي ، في مواجهته للمشاكل الواقعية ، وإفرازاتها النفسية ~~عند ما يشاهد البعد عن الإيمان كظاهرة تتحدى رسالته في مجتمعة الذي كان يصر ~~على المكابرة والعناد. # * * * PageV14P264 ### ||| ** الحمد المطلق لله تعالى # ( @QUR@02 الحمد لله ) والحمد يعني الثناء. هذه الكلمة توحي بالحمد ~~المطلق في وعي عميق للجانب الذي ينطلق فيه الثناء. ( @QUR@05 الذي أنزل على ~~عبده الكتاب ) الكامل الشامل لمصالح الإنسان التي يحتاجها من فكر وعمل ~~ومنهج للحياة في ما أجمله من ذلك ، أو في ما فصله ، في الخط المستقيم الذي ~~لا التواء فيه ولا انحراف. ( @QUR@04 ولم يجعل له عوجا ) أي لم يجعله ~~ملتبسا لا يفهم ومعوجا لا يستقيم. # * * * ### ||| ** امتداد القرآن في حياة الإنسان # وهذا التأكيد على الجانب السلبي في التعبير عن الاستقامة في كتاب الله ~~ينطلق من دراسة الفكر ، الذي يثيره القرآن بوضوح وبساطة تجعله قريبا من ~~الوجدان ، في الوقت الذي لا يكون فيه بعيدا عن العمق ، لأن عمقه لا يعيش في ~~أجواء التكلف للفكرة والتعقيد في حركتها ، بل ينطلق من امتداده في الجانب ~~العميق من حياة الإنسان ، ومن دراسة التشريع الذي يواجه حاجات الإنسان من ~~موقع الفطرة السلمية ومن طبيعة الواقع الذي يتحرك فيه ms3402 ، مما يجعله يتحرك في ~~خط التوازن الذي لا يغفل أي جانب من جوانبه ، فلا يميل فيه جانب على جانب ، ~~بل تلتقي فيه الجوانب كلها في خط التكامل الإنساني. وهكذا ينطلق المنهج ~~القرآني في أجواء العقل والتجربة ، ليستفيد من الملاحظة الفكرية إلى جانب ~~الملاحظة الحسية ، في استلهام الفكرة التي تحكم حياته الفكرية والعملية. ~~وهذا ما يجب أن يستلهمه القارئ الواعي للقرآن ، لئلا يقع PageV14P265 # في الخطأ الذي ينحرف به عن خط الاستقامة ، عند ما يستغرق في الفهم الذاتي ~~الذي يخضع لكثير من الرواسب أو الانطباعات اللاشعورية التي تبتعد به عن ~~التوازن في النظرة ، أو الاستقامة في الفكرة. # * * * ### ||| ** منطلق الإسلام مصالح الناس # ( @QUR@01 قيما ) على الإنسان ، في ما يريد أن يرعى به مصالحه الفردية ~~والاجتماعية في الدنيا والآخرة ، ويمنعه من اختيار الجانب السيئ الذي يرهق ~~حياته ومصيره ، لأنه لا يملك في المفهوم القرآني نفسه ، فلا حرية له ~~للإضرار بها ، لأن الله الذي خلقه هو الذي يملك منه ما لا يملكه من نفسه. ~~وهذا هو الذي يجعل للإسلام في قرآنه القيمومة المطلقة على حركة الإنسان في ~~حياته ، ويضغط عليه في سبيل التطبيق الدقيق لآياته ، لأن الإسلام لم ينطلق ~~من حالة مزاجية عبثية ، بل انطلق من مصالح الإنسان في ما يأمر به ، ومن ~~المفاسد التي تربك حياته في ما ينهى عنه ، ولذلك فلا مجال له لاختيار فكر ~~آخر غير فكره ، أو شريعة مغايرة لشريعته ، فإن ذلك يمثل الانحراف الخطير عن ~~موقع العبودية لله ، وعن أساس المصلحة العليا للإنسان وللحياة التي يعيشها ~~في كل مجالاته. # * * * ### ||| ** المؤمنون والنعيم الخالد # ( @QUR@05 لينذر بأسا شديدا من لدنه ) وهو عقاب شديد من عند الله في يوم PageV14P266 # القيامة ، ينذر به الكافرين به وبرسله وبكتبه ، والمنحرفين عن دينه ~~القويم في العقيدة والعمل ... ( @QUR@05 ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات ) فيقرنون الفكر بالطاعة لكي يصلح أمرهم وحياتهم من خلال الشريعة ~~الحقة. ( @QUR@04 أن لهم أجرا حسنا ) حين يدخلهم الله جنته ، ليعيشوا ~~النعيم الخالد والرضوان الإلهي فيها. وهذا هو الأجر الحسن الذي ينتظره ~~المؤمنون العاملون ، في تطلعاتهم المستقبلية ، وفي ms3403 أشواقهم الروحية. ( ~~@QUR@03 ماكثين فيه أبدا ) فهو النعيم الخالد الذي لا خروج منه ولا فناء ~~له. وذلك هو الفرح الأبدي الذي يعيشه المؤمنون في أشواقهم وتطلعاتهم في ~~الدنيا ، وفي عيشهم في الآخرة. # * * * ### ||| ** الانعكاسات السلبية للشريك في حياة الإنسان # ( @QUR@06 وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) في إنذار خاص يضغط على ~~حالة الانحراف التصوري في العقيدة ، في نسبة الولد إلى الله ، سواء في ذلك ~~ما كانوا يقولونه عن الملائكة إنهم بنات الله ، وعن الجن في تعبير مماثل ، ~~وعن السيد المسيح إنه ابن الله ، كما يقولون عن عزير مثل ذلك. وقد كرر ~~الإنذار وخصصه ، للإيحاء بخطورة هذه الفكرة على مجرى الحياة العملية ~~للإنسان ، في انفعاله الوجداني ببعض المخلوقات ، وادعاء صلتها بالله بطريقة ~~تبتعد عن صفاء التوحيد ، وتسيء إلى عظمة الله التي تفرض تنزيهه عن مشابهة ~~المخلوقين ، وذلك مما لا يتناسب مع كماله وجلاله وتؤدي بالإنسان إلى الخضوع ~~للمخلوق بنسبة قريبة من خضوعه للخالق ، فيتأله في نفسه ، وينعكس ذلك على ~~مجرى حياته ، وعلى حركة الخرافة في عمق ذاته ، وسيطرة الجهل على قناعاته. # * * * PageV14P267 ### ||| ** تفاهة أدلة عقيدة الشريك # ( @QUR@07 ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) لأنهم لا يملكون أية أدلة أو ~~براهين على هذه العقيدة ، بل ينطلقون من انطباعات ساذجة ، متخلفة ، ناشئة ~~من الاستغراق في الجوانب البارزة للخصائص غير العادية أو غير المألوفة لهذه ~~المخلوقات ، التي يمنحونها هذه الصفة من دون التفات إلى أن الله قد يمنح ~~بعض عباده قدرات لا يمنحها لغيرهم ، لأن هناك دورا محددا يفرض ذلك ، أو لأن ~~طبيعة الموقع الذي يتحرك فيه هذا المخلوق يتوقف على ذلك. فالله الذي أعطى ~~القدرة المألوفة ، هو الذي يعطي القدرة غير المألوفة ، بالإضافة إلى أن ~~الألفة لا تمنح الشيء الحالة الذاتية الطبيعية ، ليكون المقابل لها حالة ~~خارقة خارجة عن الطبيعة ، فلو دققنا في عمق هذه الحالة أو تلك ، لرأينا سر ~~الإبداع والعظمة مشتركا بينهما ، في نوعية الخصائص التي يتميز بها هذا عن ~~ذاك ، ولكن الألفة تخفف عظمة الأشياء في الوجدان. # وهذا ما يفرض علينا ، وفي المنهج التربوي ms3404 للتصور ، عدم الاستغراق في ~~الظواهر المثيرة أو إعطائها قداسة غير حقيقية ، من خلال مشاعر الانبهار ~~التي يخضع فيها الإنسان لإحساس غير طبيعي في استيحاء العظمة الخارقة من بعض ~~الظواهر ، لأن الجهل بعمق السر الحقيقي للحالة أو للظاهرة ، لا يعني أن ~~نقفز إلى وضع التقديس لنجعله الوجه البارز للمسألة أو العمق الطبيعي لها ، ~~من دون أساس للاستغراق في دائرة التهاويل الغامضة المسيطرة على الفكر ~~والشعور. # * * * PageV14P268 ### ||| ** لا بد للمنطق التقديسي من موازين دقيقة # وربما كان علينا أن نعطي الأشياء حجمها الطبيعي في الدائرة الإنسانية عند ~~ما تتصل المسألة بتعظيم إنسان ما ، إذ لا بد من أن ندخل في عملية تقييم ~~دقيقة للمنطق التقديسي من خلال الخصائص المميزة ، لنعرف جيدا هل هي متصلة ~~بالذات في جوانب العظمة في عالم الأسرار ، أو هي متصلة بالدور في مواقع ~~الحركة للرسالة أو للرسول أو للولي ... وبذلك نبتعد عن التضخيم الذي يقودنا ~~إلى الغلو في الشخصية إذ نمنحها ما ليس فيها ، وبالتالي إلى الانحراف في ~~العقيدة والعمل. # ولعلنا إذا درسنا الكثير من التصورات الفكرية في العقيدة للأشخاص ~~وللأحداث ، لرأينا أننا في تقويمنا لها نحملها أكثر مما تتحمل ، وأننا لا ~~نملك الكثير من الأسس العلمية ، أو المصادر الموثوقة لكثير من هذه التصورات ~~والانطباعات ، تماما كهؤلاء الذين بلغ انحرافهم في الجانب الشعوري الغامض ~~المتعلق بالأشخاص والأشياء إلى الموقع الذي جعلوهم فيه أبناء لله من دون ~~أساس علمي ثابت. # * * * ### ||| ** مصير الإنسان مرتبط بصوابية تصوراته لله تعالى # ( @QUR@05 كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) لأنها الكلمة التي تسيء إلى موقع ~~الله في الوجدان ، وموقعه في ذاته ، وتنحرف بالإنسان عن التوازن في فهم ~~مسألة الألوهية. وهذا ما يعطي الكلمة الخطورة السلبية ، لأنها تتعلق ~~بالعقيدة في الله PageV14P269 # الذي هو مصدر الوجود ، ولا شك أن التصور الصحيح أو الخاطئ يقود المسيرة ~~الإنسانية إلى النتائج الإيجابية أو السلبية الكبيرة على صعيد المصير في ~~الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** لا أساس للشريك بالله تعالى # ( @QUR@04 إن يقولون إلا كذبا )، لأنهم لا يملكون أساسا لاعتبار هذا ~~القول صورة عن الحقيقة ، ولكننا نملك الدليل ms3405 على أنه يجانبها ويبتعد عنها ، ~~مما يجعله في موقع الكذب ، لا في موقع الصدق ، من خلال المعرفة بالله في ~~استغنائه عن الولد ، الأمر الذي يرمي هذه الكلمة في دائرة العبث واللامعنى ~~أو يطابقها بالشيء الذي ليس له موضوع أو أساس. # * * * ### ||| ** الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحسرته على الكفار # ( @QUR@05 فلعلك باخع نفسك على آثارهم ) الخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يعيش الألم والحسرة أمام بعد المشركين ~~وإعراضهم عن القرآن وعن الدعوة إلى الله ، وهذه المواقف تمثل خطوات ~~المشركين العملية على صعيد خط الرسالة ، تماما كما هي الآثار التي تتركها ~~أقدامهم على الطريق في حالة السير. وربما تؤدي به هذه المشاعر السلبية ~~الضاغطة إلى الهلاك ، عند ما تتعاظم أو تتحول إلى عقدة وتساؤل دائم عن ~~السبب في هذا الموقف المضاد ، وعن PageV14P270 # الضعف الذي يحيط بشخصه وبالساحة أمام قوة هؤلاء ، وعن أشياء كثيرة قد ~~تطوف في نفسه وتضغط على وجدانه ... ( @QUR@06 إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا ) والمراد به القرآن الذي أنزله الله عليه ، فتمتلئ روحه بالأسى ~~والأسف لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الإيمان به. # * * * ### ||| ** حسرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مظهر لكماله الإنساني # ونتساءل : هل هذا تعبير عن حالة حقيقية في مشاعر النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل يتناسب الوضع الشعوري مع العصمة لديه؟ ونجيب بأن ~~هذه المشاعر لا تمثل حالة نقص ، بل نجد فيها حالة كمال إنساني ، ذلك أنها ~~تصدر عن حس إنساني رهيف ناتج عن الشعور بالمسؤولية أمام الآخرين أيا كانوا ~~، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعي نفسه رسولا للعالمين ، وبالتالي منقذا ~~لهم ، ولهذا فبقدر ما يجد نفسه معنيا بالذين يتبعونه ، يجد نفسه معنيا ~~بالذين لم يتبعوه أمثال الجاحدين والكافرين ، لأن هؤلاء بحكم ما هم عليه ، ~~يستحقون الإشفاق أكثر من غيرهم ، لأنهم سيسقطون في مهالك الكفر والطغيان لا ~~محالة ، فليست هناك عقدة ذاتية ، بل هي حالة إنسانية رسالية ، في المستوى ~~الرفيع لروحية الإنسان تجاه الآخرين. # ثم ما الذي يمنع الرسول من الخضوع للحالات ms3406 البشرية التي يعيشها كل الناس ~~في مواقع الضعف البشري ، تماما ، كما يمرض ويتألم ويموت ، لأن المشكلة فيه ~~ليست هي نقاط الضعف الذاتية ، بل المشكلة هي تأثيرها على مستوى الشخصية ~~الرسالية في حركته في الحياة ، في آفاق الوجدان أو الواقع. ولا مانع من أن ~~يتأثر الإنسان الرسول ، كما يتأثر غيره ، بجحود الآخرين PageV14P271 # برسالته ، ويفرح بإقبالهم عليها ، لا سيما إذا كانت الرسالة لمصلحتهم ، ~~مما يجعل هذا الانفعال متصلا بالذات من جهة ، وبالجانب الإنساني من حياة ~~الناس من جهة أخرى. # وقد جاء القرآن الكريم في كثير من آياته ، ليوضح للنبي طبيعة هذا الجحود ~~وظروفه وأسبابه الطبيعية ، مما يجعله يشعر بأن المسألة لا تستحق هذا القدر ~~الكبير من الاهتمام النفسي ، أو الشعور بالخطورة على مستوى حياة الناس أو ~~الرسالة. # وإذا كان الخطاب موجها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن الامتناع عن ~~التأثر بهذا الموقف السلبي ، من قبل الكافرين ، موجه إلى كل داعية لله ~~وللإسلام ، بأن يعيش هذا الجو ، لئلا يقوده الانفعال السلبي إلى الوقوع في ~~الإحباط واليأس والسقوط ... فإن هذا قد يكون ممتنعا في شأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي تمنعه عصمته من ذلك ، ولكنه ليس ممتنعا في ~~الآخرين من الدعاة إلى الله ، الذين قد يسقطون تحت تأثير ضعفهم ، فيفقدون ~~التوازن الفكري والعملي في مواجهة الحالات السلبية في الواقع. # * * * ### ||| ** النعم وفلسفة البلاء الإلهي # ( @QUR@07 إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) وذلك بما أنعمنا على الناس ~~من جاه ومال وأولاد ، وأعطيناهم من امتيازات ، يستمتعون بها ، ويتنافسون ~~فيها ، وقد يتقاتلون في سبيل الحصول عليها كما يتعقدون في مواجهة قضايا ~~الحق والباطل والخير والشر من خلال تأثيرها على مصالحهم وأوضاعهم في خدمة ~~هذه الشهوات والامتيازات ... إنا جعلنا ذلك كله لهم ، من خلال ما أودعناه PageV14P272 # في الأرض من ذلك ، ولكن لا لأنه يمثل رسالة الحياة وهدفها ومعناها في ~~واقع الإنسان ، بل من أجل أن يكون موقعا للتجربة والحركة في اتجاه تأكيد ~~الإرادة ، على أساس اختيار القرار الأفضل لمصلحة الالتزام من قاعدة الحرية ~~الإنسانية في ms3407 مواقع الصراع ، لينطلق التسابق بين الناس من أجل تحديد الأحسن ~~في عملية إثارة للطموح في الاتجاه الصحيح. # * * * ### ||| ** وجوب عدم الاستسلام للدنيا # ( @QUR@04 لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) وذلك في ساحة تجربة الحياة التي ~~تتنوع فيها المغريات ، وتختلف فيها الشهوات ، وتتكاثر فيها الأطماع ، مما ~~يعيش الإنسان معه حالة التحدي الصارخ الذي يواجه إيمانه ويهز موقفه ، فإذا ~~انطلق ليتحرك في الاتجاه الأفضل الذي يتمرد فيه على الشهوة الحرام ، والمال ~~الحرام ، والجاه الحرام ... ويستبدل ذلك بالطاقة التي تخدم الحياة والإنسان ~~في خط الله ، فإنه يكون ممن يعيش التفاضل في العمل تجاه الآخرين ، أما إذا ~~سقط في التجربة ، فإنه يسقط في المصير. ومهما كان الوضع العملي للإنسان ، ~~في نتائجه السلبية أو الإيجابية ، فإن هذه الحياة الحلوة الرخية ، التي ~~تشتمل على الزينة المادية والمعنوية التي يستمتع بها الناس ، لن تبقى في ~~هذه الأرض ، فستعود أرضا لا تنبت شيئا ، كأنها تأكل النبات أكلا ، فلا تعطي ~~الحياة شيئا ، ولن تحقق للإنسان أية متعة. # ( @QUR@06 وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) أي أرضا لا نبات فيها ، ~~وهو كناية عن فقدان حركة الحياة فيها ، باعتبار أن النبات يمثل الحياة ~~النامية الحلوة التي تمد الإنسان بالقوة عند ما تمده بالغذاء ، وتمنح ~~الوجود جمالا ، من خلال PageV14P273 # ما تثيره فيه من الخضرة الطافرة الحلوة. # وهذه هي الصورة التي يريد القرآن أن يؤكدها في وعي الإنسان ، فلا يستسلم ~~لزينة الحياة الدنيا ، فيعتبرها شيئا خالدا يستريح له ، ويطمئن إليه ، ~~ويتحرك معه كهدف يسعى إليه ... بل عليه أن يعتبرها مجرد زينة طارئة ، كحالة ~~عابرة ، ليستغرق في داخلها في نطاق الفكرة التي يستوحيها ، والدرس الذي ~~يأخذه ، والعمل الذي يعمله ... ليبقى له ذلك منها ، كرصيد للدار الآخرة ، ~~عند ما تتحول الحياة إلى شيء لا أثر فيه لأية حركة ولأية حياة. # * * * PageV14P274 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) ~~@QUR@016 إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا ~~من أمرنا رشدا (10) @QUR@07 فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ~~@QUR@09 ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ms3408 لما لبثوا أمدا (12) @QUR@011 ~~نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الكهف ): المغارة الواسعة المحفورة في الجبل ، فإذا صغر فهو ~~غار أو مغارة. # ( @QUR@01 والرقيم ): أصله من الرقم وهو الكتابة ، والمراد به هنا اللوح ~~الذي كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف. # ( @QUR@01 أوى ): التجأ. # ( @QUR@01 الفتية ): جمع فتى من الفتوة والشباب. PageV14P275 # ( @QUR@03 فضربنا على آذانهم ): أنمناهم نومة عميقة لا تنبههم معها ~~الأصوات. # ( @QUR@01 أمدا ): غاية. # ( @QUR@01 نبأهم ): خبرهم. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وربما تذكر بعض الأحاديث المأثورة أنها كانت مورد سؤال من قريش لرسول ~~الله ، في ما تعلموه من أحبار اليهود. فقد نقل صاحب الميزان عن تفسير القمي ~~حديثا مرفوعا إلى أبي عبد الله عليه السلام قال : كان سبب نزول سورة الكهف ~~أن قريشا بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران : النضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن ~~أبي معيط والعاص بن وائل السهمي ليتعلموا من اليهود مسائل يسألونها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم . # فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم فقالوا : اسألوه عن ثلاث ~~مسائل فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق ثم اسألوه عن مسألة واحدة ، ~~فإن ادعى علمها فهو كاذب. # قالوا : وما هذه المسائل؟ قالوا : سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول ~~فخرجوا وغابوا وناموا ، كم بقوا في نومهم حتى انتبهوا؟ وكم كان عددهم؟ وأي ~~شيء كان معهم من غيرهم؟ وما كان قصتهم؟ وسلوه عن موسى حين أمره الله أن ~~يتبع العالم ويتعلم منه من هو؟ وكيف تبعه؟ وما كان قصته معه؟ وسلوه عن طائف ~~طاف مغرب الشمس ومطلعها حتى بلغ سد يأجوج ومأجوج من هو؟ وكيف كان قصته؟ ثم ~~أملوا عليهم أخبار هذه المسائل الثلاث وقالوا لهم : إن أجابكم بما قد ~~أملينا عليكم فهو صادق ، وإن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدقوه. PageV14P276 # قالوا : فما المسألة الرابعة؟ قالوا : سلوه متى تقوم الساعة! فإن ادعى ~~علمها فهو كاذب ، فإن قيام الساعة لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى. # فرجعوا إلى مكة واجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك ~~يزعم ms3409 أن خبر السماء يأتيه ونحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها علمنا أنه ~~صادق وإن لم يخبرنا علمنا أنه كاذب فقال أبو طالب : سلوه عما بدا لكم ، ~~فسألوه عن الثلاث المسائل. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : غدا أخبركم ولم يستثن ، فاحتبس ~~الوحي عنه أربعين يوما اغتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشك أصحابه الذين ~~كانوا آمنوا به ، وفرحت قريش واستهزءوا وآذوا ، وحزن أبو طالب. # فلما كان بعد أربعين يوما ، نزل عليه سورة الكهف ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرائيل لقد أبطأت ، فقال : إنا لا نقدر أن ننزل ~~إلا بإذن الله ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@010 أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) ثم قص قصتهم (1). # * * * ### ||| ** بين قصة أهل الكهف والغيب الإلهي # وهذا نموذج للناس الذين انطلقوا إلى الحياة من موقع الرسالة ، التي تؤكد ~~نفسها بالممارسة والعمل ، في مواجهة الناس الذين اختنقوا في داخلها وتجمدوا ~~في دائرتها ، فلم يتحركوا بعيدا عنها. ولكن ميزة هؤلاء المؤمنين أن الله قد ~~أدخل في قصتهم عنصر الغيب ، الذي يبعث على الدهشة ويدعو إلى الاستغراب ، ~~فقد أنامهم الله مدة طويلة ، ثم أحياهم من جديد لحكمة خفية ، من خلال ما ~~يريده من إثارة الأمور الخارقة للعادة في الحياة. PageV14P277 # وقد تكون القصة صادفت تعجبا واستغرابا لدى الناس آنذاك ، لأنهم إذا كانوا ~~يستبعدون أن ينكرون عودة الناس إلى الحياة بعد الموت في يوم القيامة ، فكيف ~~يتقبلون عودة بعضهم إلى الحياة في الدنيا بعد أن شبعوا موتا مدة ثلاثة قرون ~~أو تزيد؟! وهذا ما جعل القرآن الكريم في هذه الآيات يستنكر اعتبارها أمرا ~~عجيبا يدعو إلى الاستنكار ، لأن العجب إنما يكون في فعل الإنسان لما هو غير ~~عادي أو مألوف ، أما ما يكون من آيات الله ، فإن المسألة لا تدعو إلى أي ~~استغراب ، لأن الكون كله ، في مظاهره الكونية أو الإنسانية أو الحيوانية ، ~~مظهر لقدرة الله التي لا يعجزها أو يقف أمامها أي شيء. # وهذا ما أراد القرآن أن يعمقه في ms3410 وعي الناس من خلال القصة ، وما توحي به ~~من فكرة البعث ، كنموذج حي مصغر للفكرة ، بالإضافة إلى الدروس الأخرى التي ~~تريد للدعاة إلى الله أن يتمثلوها في وجدانهم الثقافي وحركتهم العملية في ~~خط الدعوة والجهاد. # * * * ### ||| ** أصحاب الكهف والرقيم # ( @QUR@010 أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) هل ~~تظن أن هناك عجبا في قصة هؤلاء ، التي كانت آية من آيات الله ، فهل يعجب ~~أحد من آياته؟! # والظاهر أن هؤلاء جماعة واحدة ، وإن ذكروا باسمين ، فهم أصحاب الكهف ~~لدخولهم فيه وحدوث ما حدث لهم في داخله ، وهم أصحاب الرقيم ، لأن قصتهم كما ~~يقال كانت مكتوبة في لوح منصوب هناك ، أو في خزانة الملوك. وهناك وجوه أخرى ~~، يقول بعضها إن الرقيم اسم الجبل الذي فيه PageV14P278 # الكهف ، أو الوادي الذي فيه الجبل ، أو البلد الذي خرجوا منه. # وقيل إنهم جماعتان ، فصل الله قصة جماعة ، ولم يفصل قصة الأخرى ، ولكن ~~هذا بعيد عن طبيعة الجو وحركة القصة في القرآن ، لأن إهمال قصة أصحاب ~~الرقيم ، بعد التعرض لذكرهم ، يبتعد عن جانب البلاغة في القرآن ، لأن طريقة ~~التفاهم بين الناس في أبسط مواقعها لا تسمح بأن يهمل الإنسان الحديث عن شيء ~~أو شخص أو جماعة ... بعد أن يكون قد ذكرها بالاسم في بداية الكلام ، لأن ~~ذكر ذلك يثير الاهتمام بالمعرفة ، ويدعو المتكلم إلى الاستجابة إلى ذلك. # * * * ### ||| ** الفرار من الظلم والاضطهاد # ( @QUR@05 إذ أوى الفتية إلى الكهف ) واستقروا فيه. ولكن لماذا جاءوا ~~إليه؟ هل أرادوا الخلوة للعبادة أو للتأمل أو للعزلة عن الناس كما يفعل ~~النساك في العصور السابقة في ما يحدثنا به التاريخ عن الكثيرين منهم أم ~~أنهم أرادوا الفرار بأنفسهم من اضطهاد الظلمة أو الكفرة الذين يضغطون على ~~حرية المؤمنين والمستضعفين؟ # إن الآية لا تصرح بشيء من ذلك ، ولكن الروايات تؤكد موضوع الفرار من ~~الاضطهاد. فقد جاء في تفسير القمي كما نقل عنه صاحب الميزان عن الإمام جعفر ~~الصادق عليه السلام ، قال : إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملك جبار ~~عات ، وكان يدعو أهل ms3411 مملكته إلى عبادة الأصنام ، فمن لم يجبه قتله ، وكان ~~هؤلاء قوما مؤمنين يعبدون الله عز وجل ، ووكل الملك بباب المدينة ، ولم يدع ~~أحدا يخرج حتى يسجد للأصنام ، فخرج هؤلاء بعلة الصيد ، PageV14P279 # وذلك أنهم مروا براع في طريقهم ، فدعوه إلى أمرهم فلم يجيبهم ، وكان مع ~~الراعي كلب ، فأجابهم الكلب وخرج معهم. # قال عليه السلام : فخرج أصحاب الكهف من المدينة بعلة الصيد هربا من دين ~~ذلك الملك ، فلما أمسوا ، دخلوا إلى ذلك الكهف والكلب معهم ، فألقى الله ~~عليهم النعاس (1). # وقد تكاثرت الروايات في الحديث عن خصوصياتهم وخصوصية الملك الذي كانوا في ~~زمانه ، وكيفية خروجهم ، وما إلى ذلك من أمور لا دخل لها بالفكرة القرآنية ~~في نطاقها العام. ولكن الروايات تتفق على فكرة الخروج على أساس التخلص من ~~ظلم الظلم الكافر ، الذي يريد أن يفرض على الناس وعليهم عبادة الأصنام ، ~~بالقهر والتعسف. ولم يكن بهم قدرة على المواجهة أو العيش في ظل هذا الجو ~~الضاغط ، لأنهم لا يجدون مبررا للخضوع له ، ليكونوا بانسجامهم مع الكفر ~~مصدر ضلال للناس ، فكانت خطتهم الهرب والخروج إلى منطقة خفية يبتعدون بها ~~عن مواطن الضغط الشديد ، ليستطيعوا التخطيط بهدوء للمرحلة المقبلة. وقد ~~يكون اختيارهم لهذا الكهف ، الذي يبدو أنه لم يكن بعيدا عن البلد ، ليكونوا ~~قريبين إلى الناس هناك ، فلعلهم يأتون إليهم أفرادا ، أو لعلهم يذهبون في ~~الليل خفية عن الأعين ليجتمعوا بهم ، ليتابعوا الدعوة إلى الإيمان ، لأنهم ~~لا يريدون الهروب من المسؤولية. وربما كانوا حائرين في أمرهم ، لا يعرفون ~~السبيل إلى الامتداد في خط الدعوة ، ولا يملكون الخطة التي يواجهون بها ~~المرحلة ، فأرادوا أن يأخذوا بعضا من الوقت للتفكير وللابتهال الخاشع إلى ~~الله ليلهمهم الصواب ، في ما يريدون الانطلاق فيه. # قد يكون هذا كله ، أو بعضه ، هو ما كانوا يعيشونه عند ما اندفعوا إلى PageV14P280 # الكهف واستقروا فيه. وشعروا بالأمن والاطمئنان ، فرفعوا أيديهم إلى الله ~~، ( @QUR@05 ربنا آتنا من لدنك رحمة ) في شعور عميق بالانفتاح على الله في ~~ساعات الشدة ، التي لا مجال فيها إلا للرحمة الإلهية التي تفتح ms3412 لهم أبواب ~~الحل ، وتنزل عليهم ألطاف الخير ، وتسير بهم في اتجاه النجاة ... وربما كان ~~لنا أن نستوحي من ذلك ، أنهم تركوا أمرهم إلى الله ، ولم يقترحوا شيئا ~~محددا ، بل كانوا يتطلعون إلى الرحمة المطلقة التي تغمرهم بالفيض الإلهي من ~~دون حدود. # ( @QUR@05 وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) في ما يريدون أن يواجهوه من مواقف أو ~~يسيروا فيه من مسالك ، أو ينطلقوا إليه من غايات ، لأنهم لا يملكون وضوح ~~الرؤية للمستقبل الذي ينتظرهم ، فقد كانوا يعيشون في الساحة التي يعرفونها ~~جيدا ويعرفون كيف يتعاملون معها ، ولكنهم الآن في ساحة مجهولة لا يعرفون ~~أين هي ، وكيف هي ، وما هي الأوضاع المحيطة بها ، الأمر الذي يجعلهم يخافون ~~الضلال في هذا الجو الغامض الموحش الذي لا يعرفون مداه. # * * * ### ||| ** ضرورة الرجوع إلى الله في كل الأوقات # وهذا ما قد يحتاج العاملون في سبيل الله إلى استلهامه في أوقات الشدة ~~ومواضع الحيرة ، عند ما تضغط عليهم القوى الكافرة والطاغية بضغوطها الوحشية ~~والهمجية ، ويتحيرون في مفترق الطرق ، فلا يعرفون إلى أين يسيرون. # إن الرجوع إلى الله في طلب الرحمة ، وتهيئة سبيل الرشاد ، يمنح المؤمنين ~~العاملين قدرا كبيرا من الاستقرار الروحي ، والطمأنينة النفسية ، والهدوء ~~الفكري ، والثقة بالمستقبل ... من خلال الثقة بالله ، والاطمئنان إليه ، PageV14P281 # والركون إلى ساحته الحصينة ... وبذلك يمكنهم مواصلة الطريق نحو الهدف ~~الكبير ، بالرغم من كل الصعوبات والتحديات التي تحيط بهم من كل جانب. # ( @QUR@07 فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ) قال صاحب الكشاف : أي ~~ضربنا عليها حجابا من أن تسمع ، يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها ~~الأصوات ، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه ، فحذف ~~المفعول الذي هو الحجاب ، كما يقال : بنى على امرأته ، يريدون : بنى عليها ~~القبة. (1). # وقال في مجمع البيان : ومعنى ضربنا على آذانهم سلطنا عليهم النوم ، وهو ~~من الكلام البالغ في الفصاحة. يقال : ضربه الله بالفالج إذا ابتلاه الله به ~~، قال قطرب : هو كقول العرب : ضرب الأمير على يد فلان إذا منعه من التصرف ، ~~قال الأسود بن يعفر وكان ms3413 ضريرا : # ومن الحوادث لا أبا لك أنني %~% ضربت علي الأرض بالأسواد # وقال : هذا من فصيح لغات القرآن التي لا يمكن أن يترجم بمعنى يوافق اللفظ ~~(2). وهكذا تؤكد الآية المعنى الكنائي ، الذي يعبر عن هذا النوم الثقيل ~~غير الطبيعي ، الذي يشبه الموت لو لا حركة الجسد التي توحي بالحياة ، في ما ~~توحي به الآيات الأخرى. # ومرت السنون ... في عددها القليل أو الكثير ، في ما يختلف الناس فيه. # ( @QUR@02 ثم بعثناهم ) من رقدتهم الطويلة ، كما يبعث الإنسان بعد الموت ~~، ( @QUR@07 لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) أي ليظهر من خلال ذلك الفريق PageV14P282 # الأكثر دقة في إحصاء السنين التي لبثوها في هذا النوم الطويل. ومن الممكن ~~أن تكون الإشارة إلى الناس الذين اختلفوا في أمرهم ، ومن القريب أن تكون ~~الإشارة إلى أصحاب الكهف الذين وقع الخلاف بينهم في تحديد المدة. وربما كان ~~المراد من نسبة العلم إلى الله ، كنتيجة لبعثهم من رقدتهم ، إظهار ما يعلمه ~~الله من ذلك ، وقد يكون ذلك من خلال الدراهم التي كانت معهم ، كما يذكره ~~بعض المفسرين. # * * * ### ||| ** السمو الروحي والفكري # ( @QUR@05 نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) بعيدا عن كل التفاصيل التي يذكرها ~~الناس في حديثهم ، مما يحمل من الأكاذيب والأساطير الشيء الكثير. # ( @QUR@04 إنهم فتية آمنوا بربهم ) فاهتدوا إلى طريق الإيمان ، وعاشوه ~~فكرا وروحا ومنهجا للإنسان وللحياة ، فانفتحوا على الله في كل أفكارهم ~~ومشاعرهم ومناهجهم وخطواتهم في الحياة ... فكان الله هو كل شيء عندهم في ~~عمق وجودهم المتحرك ( @QUR@02 وزدناهم هدى ) على أساس السنة الإلهية التي ~~تمد المؤمنين بالفيض الروحي الذي يشرق في حياتهم ، فيضيء لهم سواء السبيل ، ~~ويدلهم على مواقع السمو والرفعة والخير والعدل في الحياة. # وتلك هي السمة البارزة للمؤمنين في كل زمان ومكان ، من خلال ما يعيشونه ~~من السمو الروحي والفكري من مواقع الإيمان ، ومن النمو المتزايد في الهدى ~~الكامن في حياتهم من الداخل والخارج. # * * * PageV14P283 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) @QUR@019 هؤلاء قومنا اتخذوا ~~من دونه ms3414 آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا (15) @QUR@019 وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ~~ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 وربطنا على قلوبهم ): قوينا عزائمهم. # ( @QUR@01 شططا ): خروجا ومجاوزة عن الحد. # ( @QUR@02 بسلطان بين ) السلطان البين : الحجة الظاهرة. # ( @QUR@01 اعتزلتموهم ): تنحيتم عنهم. PageV14P284 # ( @QUR@01 مرفقا ): المراد بالمرفق هنا كل ما ينتفع به ، مأخوذ من الرفق ~~واللطف. # * * * ### ||| ** تقوية عزيمة المؤمنين # تشير هذه الآيات إلى الحالة الروحية والمعنوية للفتية في ما كانوا ~~يلتزمونه من إيمان ، وما يطرحونه من فكر أمام المجتمع الكافر الطاغي ، الذي ~~لا يملك فكرا يقنع به المعارضين له ، بل يملك قوة تضغط على حريات الناس ، ~~وتصادر قرارهم ، وتضطهد واقعهم ... فيضعفون أمامها ، وينسحقون تحت تأثير ~~سلطتها ، فيوافقون على ذلك كله. # ولكن لم يكن هؤلاء المؤمنون في هذا الموقع الضعيف ، بل كانوا في موقع ~~القوة التي استمدوها من الله ، فأعلنوا موقفهم بكل جرأة وصراحة ، وواجهوا ~~الضغط بمسؤولية وواقعية. # ( @QUR@03 وربطنا على قلوبهم ) أي شددنا عليها ، وأوحينا إليهم بالقوة ~~أمام التحدي ، فلم تهتز أمام التهديد ، ولم تعش الحيرة والقلق في مواقع ~~الضغط ، بل ثبتت من موقع القناعة المرتكزة على قاعدة الإيمان العميق. # ( @QUR@07 إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ) لقد كان قيامهم في ~~مجتمعهم ، أمام الطغاة ، أو أمام خط الكفر والانحراف ، فلم يقعدوا ، أو ~~يسترخوا ، أو يعيشوا الأجواء اللاهية العابثة التي تحاول أن تتخفف من ~~المسؤولية بالأعذار الواهية التي لا تقنع أصحابها فضلا عن غيرهم. لقد كان ~~حس المسؤولية عميقا في نفوسهم ، لأنهم يشعرون أن السكوت عن الباطل ، والخوف ~~من إعلان PageV14P285 # الحق أو من ممارسته ، يشجع المنحرفين على الامتداد في خط الانحراف ، ~~ويمنع المؤمنين من الانطلاق بقوة في خط الإيمان ، ولذا كان القيام يمثل ~~حركة المسؤولية في إيمانهم ، سواء كان قيامهم بين يدي ملك زمانهم دقيانوس ~~الجبار كما يقول بعض المفسرين الذي يحتمل أنهم كانوا في مجلسه ، أو كان ~~قيامهم في مجتمعهم الذي يعبد الأوثان ، ويصدر عنه الأمر بالسير على هذا ~~المنهج ، ويجبر ms3415 الناس على ذلك ... فكان قيامهم بالإعلان عن رفضهم لكل ~~الواقع الفكري والعبادي الذي يعيشون فيه ، والدعوة إلى الله بدلا من ذلك. ~~وربما كان المقصود وهو الأقرب إلى جو الآية قيامهم لله ونصرة الحق ، من دون ~~نظر إلى المكان ، أو إلى الشخص. ( @QUR@05 فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ~~) قالوا هذه الكلمة ، ليؤكدوا الحقيقة الإيمانية التي تضع الإنسان في ~~الدائرة الكونية الواسعة التي تشمل السموات والأرض وما فيهن وما بينهن ، ~~فهو جزء من هذا العالم الرحب المخلوق لله ، فلا يختص برب معين ليعبده من ~~دونه ، أو ليشركه بعبادته. ولذلك لم يكتفوا بالإعلان عن هذه الحقيقة ، بل ~~أعلنوا الرفض لفكرة كل الآلهة المدعاة ، في شكل بشر ، أو حجر ، أو أي شيء ~~آخر ... ( @QUR@05 لن ندعوا من دونه إلها ) لأن ذلك لا يمثل أي موقع للحق ، ~~بل هو الباطل في أكثر من صورة ، ( @QUR@04 لقد قلنا إذا شططا ) لو قلنا بما ~~يقوله هؤلاء المشركون ، لكنا بذلك نخرج عن الحد المعقول للفكر ، ونتجاوز عن ~~الحق وهذا هو معنى الشطط . # * * * ### ||| ** توهم وجود آلهة غير الله # ( @QUR@06 هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ) نتيجة ما توهموه من خلال أجواء PageV14P286 # القوة الظاهرة لبعض الأشخاص ، أمام الضعف الذاتي لأنفسهم ، مما أدى إلى ~~أن يتحرك الوهم لتضخيم الصورة ، بالمستوى الذي يمنحونها الكثير من الخيال ~~والمزيد من الأسرار ، ثم يعبدونها ، وهم بذلك يعبدون خيالاتهم وأوهامهم. ~~وهكذا فإنهم يسبغون صفات الألوهة على أحجار معينة ، يتفننون في تلوينها ~~وتحسينها وإتقانها وإبداعها في الصورة ، ثم يتصورون لها عمقا في السر ، أو ~~معنى في القوة. ولكن هل يملكون حجة على ذلك كله ، أو تفسيرا صحيحا لما ~~يقومون به من عبادة؟ إن القرآن يؤكد نفي ذلك كله ، فهم لا يملكون أي برهان ~~وأية حجة ، ( @QUR@06 لو لا يأتون عليهم بسلطان بين ) مما يقدمه العقل من ~~سلطان فكري على أية حقيقة ، ولكنه الافتراء والكذب الذي يمثل الخطورة ~~الكبرى على حياة الإنسان من خلال ما يمثله من افتراء الكذب على الله. ( ~~@QUR@07 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) لأنه يظلم الحقيقة الإيمانية ~~التي ms3416 تمثل خلاص الناس كلهم في جميع قضايا المصير في الدنيا والآخرة ، ويظلم ~~الله في حقه في العبودية له ، بالاستسلام له في كل شيء ، والسير مع تعاليمه ~~في خط الصدق الذي لا يهتز ولا ينحرف عن الحق. # * * * ### ||| ** اعتزال كل الآلهة المدعاة # ( @QUR@06 وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ) أي خرجوا من بين الناس ~~واعتزلوا مجتمعهم ، بعد أن فقدوا كل إمكانية لهدايتهم ، أو الحصول على ~~حريتهم في الدعوة إلى الله ... مما جعل من الاعتزال عنهم ضرورة وقائية ، أو ~~محاولة للوصول إلى موقع آخر ، يسمح لهم بالالتفاف عليهم من جديد. وهكذا ~~اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله ، وكل ما يتصل بهم ، إلا الله الذي لا يمكن PageV14P287 # لهم إلا أن ينفتحوا عليه ، لأنه هو الذي يفتح لهم كل آفاق الخير ، وكل ~~أبواب الفرج. وبذلك كان الاستثناء منقطعا ، لا متصلا ، أي إذ اعتزلتموهم ~~وما يعبدون من دون الله وما يتعلق بهم ، إلا الله فلم تعتزلوه ... كما جاء ~~عن ابن عباس ، في تفسير الآية ، في ما نقله صاحب مجمع البيان ، قال ابن ~~عباس : وهذا من قول تمليخا ، وهو رئيس أصحاب الكهف ، قال لهم : فإذا ~~فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبا يعني عبدة الأصنام وفارقتم ما يعبدون أي ~~أصنامهم إلا الله ، فإنكم لن تتركوا عبادته (1). وهناك احتمال آخر ، وهو ~~أن يكون استثناء متصلا ، من الموصول في قوله : ( @QUR@02 وما يعبدون ) ~~لأنهم كانوا لا ينكرون عبادة الله ، ولكنهم يشركون بعبادته غيره ، وبذلك ~~كان اعتزالهم لما يعبدونه من دون الله ، أما الله ، فإنهم لا يعتزلونه ، ~~وربما كان ابن عباس ناظرا إلى ذلك ، وربما كان أقرب إلى أجواء السياق في الآية. # ولكن صاحب تفسير الميزان لا يوافق على هذا الاحتمال ، لأنه «لم يعهد من ~~الوثنيين عبادة الله سبحانه مع عبادة الأصنام ، وفلسفتهم لا تجيز ذلك» (2) ~~. ولا ندري كيف نوافقه على ذلك ، في الوقت الذي نعرف أن قريشا الوثنية كانت ~~تعبد الأصنام ليقربوها إلى الله زلفى؟! # ( @QUR@08 فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ) وينجيكم من القوم ~~الظالمين ، ويفتح لكم أبواب الفرج من عنده ، ( @QUR@05 ويهيئ ms3417 لكم من أمركم ~~مرفقا ). والمرفق هو الشيء الذي يرتفقون به ، أي يحصلون على الرفق واللطف ~~واليسر من خلاله. # وهكذا دخلوا إلى الكهف ، وألقى الله عليهم النوم الثقيل ، الذي عزلهم عن ~~كل ما حولهم ومن حولهم في حالة موت ، مع وقف التنفيذ. # * * * PageV14P288 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@034 وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) @QUR@022 وتحسبهم أيقاظا وهم ~~رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تزاور ): تميل. # ( @QUR@01 تقرضهم ): تعدل عنهم. # ( @QUR@01 فجوة ): متسع من الأرض. # ( @QUR@01 أيقاظا ): الأيقاظ : جمع يقظ. # ( @QUR@01 رقود ): الرقود : جمع راقد. PageV14P289 # ( @QUR@01 بالوصيد ): عتبة البيت أو فناؤه. # * * * ### ||| ** تدبير إلهي معجز # كيف هو موقع الكهف من الشمس؟ وأين محلهم فيه؟ وكيف يتمثلون في وضعهم ~~العجيب في رقادهم؟ # هذا ما تمثله الآيتان وتتناولانه ، للإيحاء بالتدبير الإلهي المعجز الذي ~~أبقى الحياة في أجسادهم ، وألقى النوم في أجفانهم طيلة هذه المدة الطويلة ~~للاعتبار بذلك في الانفتاح على الله سبحانه من موقع الإحساس بعظمته ، ~~والخضوع لآياته. # ( @QUR@04 وترى الشمس إذا طلعت ) لو قدر لك أن تكون هناك وتطلع عليهم ، ~~فإن الصورة ستبرز أمام ناظر وكل ناظر إليهم ، ( @QUR@01 تزاور ) أي تنحرف ( ~~@QUR@04 عن كهفهم ذات اليمين )، فيقع نورها عليه ، فيتجدد جوه من خلال نور ~~الشمس ، ( @QUR@03 وإذا غربت تقرضهم ) أي تعدل عنهم ( @QUR@02 ذات الشمال ) ~~، فيقع شعاعها عليه ، ( @QUR@04 وهم في فجوة منه ) أي في مكان واسع منه ، ~~فقد كان كبيرا وله كوة ينفذ منها الهواء الطيب ونور الشمس ، فوقاهم الله ~~بذلك من تأثير حرارة الشمس عليهم ، في ما يمكن أن تتأثر أجسادهم بذلك ~~بتغيير ألوانهم أو ما يمكن أن تبلى ثيابهم به ... الأمر الذي يكسبهم حالة ~~مميزة في راحة الجسد وتجدد الهواء في حركة الشروق والغروب. # ( @QUR@04 ذلك من آيات الله ) وعجائبه التي لم يألفها الناس في ما ~~يشاهدونه من مظاهر الوضع الطبيعي لحركة الحياة في ms3418 الإنسان ، في هذا التدبير ~~المميز الذي استطاع أن يبقيهم أحياء في حالة نوم طويل ، من دون غذاء ولا ~~ماء ، وفي ظل ظروف مميزة عجيبة وفرت للحياة الداخلية في الكهف ظروفا طبيعية تسمح PageV14P290 # بامتداد الحياة. إنها قدرة الله التي لا يعجزها شيء. # * * * ### ||| ** آيات للتفكر # ( @QUR@05 من يهد الله فهو المهتد ) من خلال تتطلبه الهداية الإلهية من ~~الأخذ بأسبابها في توجيه الفكر إلى التأمل ، وتقوية الإرادة على الالتزام ~~بالموقف ، ومواجهة القضايا بالمسؤولية والجدية ، بالإضافة إلى ما يثيره ~~الله سبحانه في روح الإنسان السائر في طريق الهداية من ألطاف روحية ، ~~ولمعات فكرية ، تمنحه القوة والثبات في مواصلة السير على هذا الخط. وهذا ما ~~يريده الله للإنسان ، في انفتاحه على آيات الله التي تثير فيه التساؤل ، ~~وتدفعه إلى البحث ، وتقوده إلى التفكير ، وتوحي له بالقناعات الحاسمة ، لأن ~~هذه المقدمات لا بد من أن توصل إلى النتائج المطلوبة. # ( @QUR@07 ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) لأن ضلال الإنسان يخضع للفكر ~~اللامسؤول ، الذي يواجه قضايا الفكر والعقيدة والحياة بطريقة غير جدية ، ~~ويبقى في أجواء العبث واللهو واللامبالاة ، وبذلك يبتعد الإنسان عن مواقع ~~الهدى في الحياة ، فلا يجد له معينا على السير في الاتجاه الصحيح ، ولا ~~مرشدا يدله على طريق الصواب ليضع أقدامه على بدايته ، لأن مسألة الضلال ~~والهدى ، هي مسألة الإنسان في استعداده النفسي والفكري للانفتاح على الحق ، ~~ليبحث فيه ، أو ليستجيب لمن يقوده إليه أو يدله عليه ، لأن عناصر الهدى ~~متوفرة في كل الساحات ، فمن أخذ بها اهتدى ، ومن لم يأخذ بها ضل وربما تركه ~~الله لضلاله. # وقد أشرنا أكثر من مرة إلى أن نسبة الهدى والضلال إلى الله لا تعني ~~سلبهما عن الإنسان بشكل مباشر ، بل كل ما هناك أنهما يخضعان لقاعدة PageV14P291 # السببية في الأشياء التي تربط المسببات بأسبابها ، في تدبير الله لحركة ~~الإنسان والحياة ، باعتباره السبب الأعمق لكل الأشياء. # * * * ### ||| ** حالهم في الكهف # ( @QUR@04 وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) قيل ، إنهم كانوا مفتوحي الأعين حال ~~نومهم كالأيقاظ. # ( @QUR@05 ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) وذلك بتحريكهم من اليمين إلى ms3419 ~~الشمال ، ومن الشمال إلى اليمين ، لئلا تأكلهم الأرض ، ولا تبلى ثيابهم ، ~~ولا تبطل قواهم البدنية بالركود والخمول طول المكث. # ( @QUR@04 وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) أي بفناء الكهف ، تماما كما لو ~~كان جالسا في حالة استرخاء وتطلع وانسجام وحراسة. # ( @QUR@09 لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ) لأن طبيعة ~~المنظر العجيب الذي لا عهد للبشر به ، يوحي للناظر بأن هناك أسرارا خفية ~~مفزعة تختفي وراء هذا المنظر الغريب ، تماما كما لو كانت هناك أشباح أو ~~أسرار تثير الرغبة في الفرار ، وتدفع إلى الخوف حذرا من النتائج المخيفة ، ~~والمنظر المرعب. # * * * PageV14P292 ### ||| * الآيات # ( @QUR@038 وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ~~إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن ~~بكم أحدا (19) @QUR@013 إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا (20) @QUR@032 وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله ~~حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم ~~بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) ~~@QUR@033 سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ~~فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) (22) # * * * PageV14P293 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بورقكم ): بدراهمكم المضروبة. # * * * ### ||| ** البعث بعد نوم طويل # ( @QUR@02 وكذلك بعثناهم ) من نومهم الطويل ، الذي لم يشعروا فيه بالزمن ~~الذي بلغ ثلاثة قرون وتسع سنوات ، تماما كما يبعث الله الناس بعد الموت ، ~~دون أن يحسوا بطبيعة الأجيال التي تفصل بين يوم البعث وبين ساعة الموت ، ( ~~@QUR@01 ليتساءلوا ) كما يتحرك مثل هذا السؤال في الدار الآخرة بعد البعث. ~~( @QUR@011 قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ) لأنهم ~~يحسون بالامتلاء بالراحة والاكتفاء من النوم ، وهذا ما يوحي إليهم بأن ~~نومهم قد استمر وقتا يكفي لمنحهم مثل هذه القوة الجسدية ، كما لم يلاحظوا ~~أي تغير في ms3420 أوضاعهم يوحي بمرور الزمن. ولعل من الواضح أن اللام هنا في ~~«ليتساءلوا» ليست للغاية ، بل للعاقبة ، لأننا لا نفهم أن تكون الغاية من ~~بعثهم هو تساؤلهم ، وكذلك ما تقدم في أن بعثهم ليعلم مدة مكثهم في الكهف ، ~~فلا تنافي بين الموردين. # ( @QUR@05 قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ) في إحساس خفي ، بأن هناك وضعا غير ~~عادي في حالتهم ، أو في محاولة للابتعاد عن الجدل في ما لا فائدة منه ، ~~وكأنهم عاشوا الإحساس بالجوع بشكل ضاغط ، لا يمكن لهم أن يتحملوه ، إذ رأوا ~~أنه لا بد من خروج بعضهم لشراء الطعام ، حتى لو أدى ذلك إلى التعرض PageV14P294 # للخطر من قبل الكفار ، فقروا تكليف أحدهم بهذه المهمة وقالوا : ( @QUR@04 ~~فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ) وهي الدراهم المضروبة ، التي قيل إنها كانت ~~تحمل صورة الملك الذي كان في زمانهم ، وإن اسمه دقيانوس. # ( @QUR@02 إلى المدينة ) وقيل : اسمها طرسوس. ( @QUR@04 فلينظر أيها أزكى ~~طعاما ) ليختار الطعام الشهي اللذيذ ، ( @QUR@01 وليتلطف ) أي ليظهر اللطف ~~والرفق مع أهل المدينة في علاقته معهم حتى لا يحصل هناك أي خلاف يؤدي إلى ~~انكشاف أمرهم ، وبالتالي إلى انكشاف موقعهم ( @QUR@04 ولا يشعرن بكم أحدا ) ~~في أية مناقشة أو سؤال أو دخول في حوار مع الناس ، لأن ذلك يجلب لكم ~~المتاعب ، ويؤدي بكم إلى مواجهة الأخطار على مستوى قضية الإيمان والحياة. # ( @QUR@04 إنهم إن يظهروا عليكم ) فإذا تمكنوا من السيطرة عليكم وهم ~~الذين يملكون وسائل القوة والبطش والسيطرة ، ( @QUR@01 يرجموكم ) ويقتلوكم ~~بأبشع أدوات القتل وهو الرجم بالحجارة إذا أصررتم على البقاء في خط الإيمان ~~، وامتنعتم عن الخضوع لهم في السير في خط الكفر والضلال الذي يسيرون عليه ، ~~( @QUR@04 أو يعيدوكم في ملتهم ) إذا استسلمتم لنوازع الضعف الكامنة في ~~نفوسكم ، وعدتم إلى عبادة الأصنام التي تحررتم منها بعبادة الله ، وتحركتم ~~في خدمة الطغيان الذي رفضتموه وفارقتموه إلى غير رجعة. ( @QUR@04 ولن ~~تفلحوا إذا أبدا ) لأن هذا النهج الذي يتحركون فيه ، ويدعونكم إلى الالتقاء ~~معه ، لا يمثل أية فرصة للفلاح في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** أهل الكهف ... ومبدأ التقية # وقد أثار المفسرون في التعليق على هذه ms3421 الفقرة من الآية سؤالا وهو ، أن ~~أصحاب الكهف ، لو عادوا إلى ملة هؤلاء ، فإنهم لا يعودون إليها في الباطن ، PageV14P295 # بل يعودون إليها في الظاهر ، كالكثيرين من الذين يستعملون سبيل التقية ~~للفرار من الموت ، أو للتخلص من الحرج العظيم. وهذا ما أكده الله في كتابه ~~( @QUR@06 إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) [النحل : 106] ، وقوله تعالى ~~: ( @QUR@05 إلا أن تتقوا منهم تقاة ) [آل عمران : 28]. # وعلى ضوء ذلك كيف ينفي الفلاح الأبدي عنهم؟! # والجواب عن ذلك ، أن المسألة المطروحة أمامهم ، هو الالتزام بالخط الإلهي ~~الذي يؤدي إلى الرجم والهلاك ، أو الانحراف عنه وهو الذي يؤدي إلى فقدان ~~الفلاح الأبدي ، باعتبار أن طبيعة الأمر تدور بين هذين الموقفين ، ولا خيار ~~غير أحدهما : الهدى أو الضلال. ولم تكن مسألة التقية مطروحة لديهم كخيار ~~ثالث ، كما لم تكن مطروحة عندهم في البداية. # إنهم يريدون الموازنة بين الموقفين من ناحية موضوعية ، لا من ناحية ذاتية ~~؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** نموذج حي لوعد الله # ( @QUR@03 وكذلك أعثرنا عليهم ) كيف حدث هذا؟ هل انكشف أمرهم من خلال هذا ~~الشخص الذي أرسلوه إلى المدينة ليأتيهم بالطعام؟ ربما تذكر بعض الروايات ، ~~أن أمره انكشف من خلال النقود التي استغربها أهل المدينة ، حتى خيل إليهم ~~أنها جزء من كنز اكتشفه هذا الرجل ، أو لأن هذا الرجل بدا أمامهم غريبا في ~~ملابسه ولغته ، أو لأنه استغرب هذا التغيير فتساءل ، فأثار سؤاله الاستغراب ~~، فقالوا له : من أنت ، ومن أين جئت؟ فأخبرهم ، فاجتمع الناس عليهم بعد أن ~~قادهم إلى موضع الكهف ، فأماتهم الله بعد أن سألوه ، أو أرجعهم إلى ما ~~كانوا عليه. PageV14P296 # وهكذا عرف الناس أمرهم ، واستذكروا القصص التي كانوا يسمعونها من آبائهم ~~، ( @QUR@010 ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) هذه صورة ~~حية عن تجربة قريبة من أجواء فكرة البعث في الآخرة ، فقد بقي هؤلاء في حالة ~~موت مجمد ، يحمل بعض ملامح الحياة في حركة الجسد ، وبعض ملامح الموت في ~~فقدان الوعي والانفصال عن كل شيء في الواقع ، ولكنها لا تمثل حالة الغيبوبة ~~للإنسان الحي ، ولا حالة ms3422 السكون في الجماد. وها هم ينتفضون بعد ثلاثة قرون ~~ونيف ، ليواجهوا الحياة كأقوى ما تكون ، وكأعمق ما تتحرك في الكائن الحي. ~~إنه النموذج الحي الذي يعطي الفكرة معناها الواقعي ، ويوحي بصدق الإيمان في ~~العقيدة ، فيعلم الناس أن وعد الله ، الذي أوحى به لعباده من خلال رسله ، ~~هو الحق الذي لا ريب فيه ، وأن الساعة التي يقف فيها الناس للحساب أمام ~~الله ، هي الحقيقة التي لا تقبل الجدل ، لأن الله هو الذي وعد ، وهو أصدق ~~الواعدين ، وهو الذي أخبر ، وهو المحيط بكل شيء ، فكيف يشك الإنسان في ذلك ~~أو يرتاب؟! وهذا النموذج يجسد الفكرة في الواقع. # ( @QUR@04 إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) بعد أن ماتوا ، وبدأ التفكير في ~~مراسيم التكريم التي يريدون القيام بها تجاه هؤلاء المؤمنين ، الذين فروا ~~بدينهم فأكرمهم الله بأن جعلهم مظهرا لقدرته. ( @QUR@04 فقالوا ابنوا عليهم ~~بنيانا ) ليكون مظهرا للعظمة ورمزا للاحترام ، فيكون موقعا مميزا يقصده ~~الناس للزيارة وللفرجة ، تماما كما هي المعالم السياحية للعظماء في الأمة. ~~( @QUR@03 ربهم أعلم بهم ) في ما يسرون وما يخفون ، فليس لنا منهم إلا هذه ~~الأجواء الاحتفالية التكريمية ، في علاقة الناس بالذين يعيشون الأسرار ~~الخفية في الحياة. وهؤلاء هم الذين لا يرتبطون بالمسألة من موقع الاهتمام ~~بها كظاهرة روحية غيبية في وحيها للمؤمنين بالرجوع إلى الله والاقتداء ~~بهؤلاء المؤمنين ، بل يرتبطون بها كحالة اجتماعية مثيرة توحي بالغرابة ~~والعظمة. # * * * PageV14P297 ### ||| ** بناء المسجد عليهم للعبرة # ( @QUR@05 قال الذين غلبوا على أمرهم ) واستطاعوا أن يجعلوا الموقف لصالح ~~قرارهم ، وهم الذين عاشوا معنى الإيمان في شخصية هؤلاء ، وانفتحوا على ~~القيمة الروحية المتمثلة في تاريخ مواجهتهم للسلطات الكافرة في زمانهم ~~وتحديهم لمفاهيمها ، وفرارهم أخيرا بدينهم ، حتى لا يفقدوه أمام الضغوط ~~الصعبة ... فأرادوا أن يستلهموا ذلك في عملية تذكر ، وفي حالة اعتبار ، وفي ~~موقف يقظة ، ليعيشوا مع هذه الروح ومع حركة القيمة ، وفي رحاب ذلك التاريخ ~~، لئلا تكون مدافن هؤلاء ، مجرد موقع للسياحة واللهو والزهو التاريخي للأمة ~~، بل لتكون نقطة انطلاق لارتباط الحاضر والمستقبل في حركة الإيمان بالماضي ~~الذي يحتضن الإيمان كقوة في ms3423 الفكر والروح والموقف ... وهكذا قرروا ماذا ~~يصنعون ، فقالوا : ( @QUR@03 لنتخذن عليهم مسجدا ) ليحمل المكان معنى ~~المسجد في استلهام الروح ، من خلال روحيتهم واستذكار الثبات من خلال ثباتهم ~~، والانفتاح على الله على أساس ما كانوا ينفتحون بحياتهم عليه. وهكذا انطلق ~~تاريخ هؤلاء ليتمثل فيه الناس تاريخ الإيمان ، ومعنى السجود لله والعبادة له. # * * * ### ||| ** جدال تافه # ومر التاريخ ، وبدأ الناس يتناقشون في أمور لا فائدة فيها ولا غنى ، ~~بينما كان من المفترض أن يكون نقاشهم في دراسة تجربتهم ، وموقفهم ، وطبيعة ~~الدرس الذي يمكن استفادته للمستقبل ... وهذا هو ما يفعله التخلف في حياة ~~الناس ، عند ما يتجمدون في مسألة المعرفة على الأمور التافهة التي لا تمثل PageV14P298 # شيئا في مصلحة الإنسان في ما يتصل بحياته العملية ، فيغرقون في الأمور ~~التجريدية ، أو في الخلافات اللفظية ، أو في القضايا الشكلية ، أو في ~~الأعداد التي لا تعني شيئا ، أو في الأسماء أو الأنساب التي لا توحي بشيء ، ~~وغير ذلك مما لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله. وهذا ما يحدثنا القرآن عنه ~~، كمظهر من مظاهر التخلف التي ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها. # ( @QUR@08 سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ) ~~وسيقولون الكثير مما قد يعلمون منه القليل ، ويجهلون منه الكثير ، ويريد ~~الله لرسوله ، وللمسلمين من خلاله ، أن يختصروا المسألة بكلمة حاسمة تنهي ~~الخلاف : ( @QUR@04 قل ربي أعلم بعدتهم ) فلنترك الأمر لله ، في ما يعلمه ~~من خفايا الأشياء التي لا نملك أساسا لمعرفتها ، ولا نجد أية فائدة في ~~البحث عنها. ( @QUR@04 ما يعلمهم إلا قليل ) ممن استطاعوا التعرف على مصادر ~~التاريخ الموثوقة من وحي أو غير ذلك ، ( @QUR@06 إلا مراء ظاهرا ولا تستفت ~~فيهم ) لا تجادل إلا بطريقة سريعة يفرضها الواقع الذي من حولك ، ( @QUR@05 ~~ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) لأن ذلك لن يحقق لك أي شيء في المعرفة الحقيقية ~~النافعة التي يريدها الله للإنسان. # * * * ### ||| ** من وحي القصة # وهكذا تنتهي هذه القصة العجيبة ، ليبقى لنا منها الفكرة الموحية التي ~~تواجه المؤمنين المتمردين على عقيدة الانحراف في مجتمعهم ، فيرفضونها ~~ويلتزمون خط الاستقامة من خلال ms3424 الإيمان بالله ، فيواجهون الاضطهاد من القوى ~~المستكبرة في المجتمع ، ويخافون السقوط أو الانحراف تحت تأثير الضغوط ~~القاسية التي تلامس نقاط ضعفهم بطريقة وبأخرى ، فيخرجون من PageV14P299 # ساحة التجربة الصعبة ، لينطلقوا إلى موقع آخر يتأملون فيه طبيعة الساحة ~~التي يريدون اكتشافها في مجالات أخرى ، أو يعملون على التشاور حول الوسائل ~~العملية التي يحاولون اتباعها في سبيل الالتفات من جديد على ساحتهم ~~الطبيعية ، لأن البعد عن مواقع التجربة الصعبة الضاغطة قد يوحي للإنسان ~~ببعض الأفكار الجديدة ، التي لا يلتفت إليها في أجواء الضغط والتوتر. # وبذلك نستطيع أن نأخذ منها الفكرة التي تفرض على الإنسان الالتزام ~~بالعقيدة ، مهما كانت الضغوط كبيرة وقاسية ، كما تفرض عليه الهرب من مواقع ~~الضغط الذي يسقط أمامه ، إلى مواقع أكثر حرية وانفتاحا وثباتا ، ولكن لا ~~ليستغرق في ذاته ، بل ليعيش إيمانه ، ويستعد لجولة جديدة في ساحة الصراع ، ~~من أجل اكتشاف آفاق جديدة ، في مواقع عمل جديد. وتلك هي العبرة التي ~~نستفيدها في مواقعنا الصعبة التي نواجه فيها التحديات من أجهزة الكفر ~~والضلال الرسمية والمخابراتية ، بالمستوى الذي قد يسقط التجربة ، فإن ~~بإمكاننا اللجوء إلى كهف معين نختبئ داخله من أجل الحصول على فترة التقاط ~~للأنفاس ، أو مرحلة استعداد للوثوب ، أو فرصة للانطلاق في حركة جديدة. # وقد يخيل لبعض الناس أن ذلك يمثل لونا من ألوان الهروب ، الذي يمثل الضعف ~~الإنساني بمستوى لا يتناسب مع قوة الإيمان ، في ما يفرضه من ثبات واندفاع ~~وتضحية ، فلا ينسحب من المعركة مهما بلغت الضغوط وكثرت التحديات. # ولكن المسألة ليست بهذه الدرجة من النتائج السلبية في حركة الإيمان في ~~حياة المؤمن ، لأن الله يريد الثبات لعباده ، وذلك لتحقيق قوة لمواقعهم في ~~الساحة ، ولكن القوة ليست هي هذا الشكل الانفعالي من الاندفاع ، بل هي هذا ~~اللون من التخطيط الواقعي للأسلوب العملي الذي يرتبط بالموقع المتقدم PageV14P300 # للفكرة أو للحركة ، وبذلك يكون الثبات متصلا بنهايات الأمور لا ~~ببداياتها. فقد تنسحب من معركة ، لا لتنهزم منها ، ولكن لتأخذ موقعا أكثر ~~قدرة على المواجهة ، أو أوسع حرية في مجال الحركة ms3425 ، لتربح المعركة بطريقة ~~أفضل ، فإن هذا يمثل الإصرار على الثبات في الموقف ، أكثر مما يمثله ~~الاندفاع الانفعالي المتهور في ساحة الصراع. # * * * PageV14P301 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@07 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) @QUR@017 إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) (24) # * * * ### ||| ** كيفية مواجهة المؤمن للمستقبل # كيف يواجه المؤمن المستقبل؟ وكيف يفكر في المشاريع العملية التي يريد أن ~~يقوم بها في دائرته؟ # ربما كان من الطبيعي أن يخطط له في ما يحتاج إليه من وسائل وظروف وشروط ~~ومواقع ، لأن ذلك هو الأساس في أي عمل له مقدمات تتحرك نحو النتائج. # ولكن هل يعتبر المسألة حاسمة عند ما يستكمل ذلك كله في التخطيط أو PageV14P302 # في التحضير ، أم لا بد له من أن يبقى في مرحلة الانتظار للمفاجات ~~والمتغيرات التي يمكن أن تجمد المشروع ، أو تقلب الأمور رأسا على عقب؟ # ربما يختار البعض الموقف الأول ، لأن ذلك هو السبيل للانفتاح على الواقع ~~والحياة التي أودع الله فيها سننه الكونية والعملية التي تخضع الحركة ~~القانون السببية ، الذي يربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها ، مما ~~يجعل من النتائج أوضاعا حاسمة فيما إذا استجمعت القضية شروطها الموضوعية ~~وأسبابها الطبيعية ، ولو لا ذلك لتعطل الجهد عن التحرك نحو الأشياء من موقع ~~الإرادة الحاسمة. # وقد يرى هذا البعض أن هذا الاتجاه يمنع الخطوات من الاهتزاز ، والوعي من ~~حالة القلق ، ويؤدي بالتالي إلى مواجهة الحياة من موقع القوة. # إلا أن للقرآن أسلوبا آخر في المسألة ، فهو لا يمنع الارتباط بقانون ~~السببية ، ولكنه يريد للإنسان أن يعي وراء ذلك السبب الأعمق للأشياء ، الذي ~~يمكن أن يمحو ويثبت ويغير ويبدل بحسب مشيئته المهيمنة على الكون كله. ولذلك ~~فإن سببية أي شيء لشيء لا يفرض حتمية المسبب ، لأن مشيئة الله ، إذا جاءت ~~على خلاف ذلك ، كانت الغالبة على الأسباب من خلال ما تفرضه وتقتضيه. ولهذا ~~جاءت هذه الآية التي توحي بالعقيدة الصافية في المسألة الإلهية ، في ~~الدائرة التي يتحرك فيها علم الإنسان وإرادته ، أمام الدائرة التي يتعلق ~~بها ms3426 علم الله وإرادته ، فإن الإنسان قد يعلم شيئا من الأسباب ، ولكنه لا ~~يحيط بكثير منها ، لا سيما الأسباب الخفية ، كما أن إرادته لا تحيط بكل ~~مواقع المستقبل ، بينما يملك الله علم كل شيء ، ويتصل الحاضر والمستقبل ~~بإرادته ومشيئته. # * * * PageV14P303 ### ||| ** حصول ما في الغد متعلق بمشيئة الله # ( @QUR@011 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) فإن ذلك ~~هو الذي يضع الأشياء في مواقعها الطبيعية من حركة السنن الكونية في مسيرة ~~الإنسان الذي يمتلك قدرة محدودة في ما يتصل بوجود الأشياء ، ولكن هناك ~~عناصر أخرى للسببية كامنة في الزمان والمكان والأشخاص الآخرين ، لا يملك ~~الإنسان معرفتها لفقدان الأدوات التي تقوده إلى ذلك ، كما لا يملك السيطرة ~~عليها لأنها لا تتصل باختياره. ولكن الله يعلم الغيب كله ، ويحيط بالمستقبل ~~كله من خلال إحاطته بالحياة كلها ، فهو الذي يملك منها ما لا يملكه أحد ، ~~ويهيمن على حركتها بما لا يهيمن عليها أحد ، ولذلك كان تعليق الفعل بمشيئته ~~انسجاما مع الطبيعة الواقعية للقدرات المحدودة لدى الإنسان ، ومع العقيدة ~~الإيمانية بقدرة الله المطلقة. # وقد نستطيع توضيح المسألة في طبيعة العمل الإنساني المستقبلي من خلال ~~حركته في الحاضر ، بدراسة الموضوع في نطاقه الواقعي في الحياة ، بعيدا عن ~~مسألة الإيمان وعدمه ، فإن الذين يفكرون ماديا ، لا يمانعون من إمكانية ~~حدوث ظروف موضوعية ومتغيرات مستقبلية ، لم تكن موجودة في الخطة الواقعية ~~السابقة للمشروع المستقبلي عند التخطيط له ، كما لا يستبعدون عدم الاطلاع ~~في الحاضر على بعض الزوايا الخفية المتصلة ببعض جوانب المشروع ، لأن ~~القائمين على أي مشروع فردي أو جماعي ، لا يملكون الإحاطة بالواقع كله ~~وبالزمن كله ، الأمر الذي يفرض تعليق النتائج الحاسمة على عدم حدوث متغيرات ~~مانعة ، أو عدم انكشاف جوانب مضادة. # وبذلك نعرف أن التعليق على مشيئة الله لا يمثل حالة اهتزاز في ثبات PageV14P304 # الموقف ، أو انحراف عن موقع الثقة بالنفس ، بل يمثل انسجاما مع طبيعة ~~السنن الكونية للحياة التي يلتقي المؤمنون والكافرون على الإيمان بها ، وإن ~~اختلفوا في السبب الأعمق الذي يكمن خلفها ، فالمؤمن ms3427 يعيش معه الشعور برعاية ~~الله للحياة كلها ضمن نظام دقيق حكيم ، بينما يعيش الكافر الشعور بالضياع ~~أمام الغموض المطلق الذي يلف وجود الكون. # * * * ### ||| ** ذكر الله في حال النسيان # ( @QUR@04 واذكر ربك إذا نسيت ) لأن ذلك هو الذي يحفظ لك خط التوازن في ~~الموقف ، ويعينك على مواجهة الواقع من موقع المسؤولية ، ويقودك إلى التفكير ~~المنفتح على خفايا الشك ... على أساس دراسة السلبيات والإيجابيات معا ، ~~ومحاولة التعرف على سبل الرشاد والضلال ، لأن التفكير بالله يجعل الإنسان ~~واعيا لمواقع أقدامه في الطريق ، وذلك لما يمثله إحساسه بعبوديته لله من ~~معنى المراقبة والمحاسبة لكل فكره وشعوره وخطواته العملية في الحياة ، ~~الأمر الذي يوحي إليه بمواجهة المسألة من خلال العمق لا من خلال السطح ، ~~انطلاقا من حس المسؤولية الروحية أمام الله في الدنيا والآخرة. # وهذا ما يؤكده القرآن في أكثر من آية ، في موضوع ذكر الله الذي يربط بينه ~~وبين الالتفات إلى مصلحة الإنسان في نفسه ، بينما يؤدي نسيانه إلى نسيان ~~نفسه ، وذلك بمقتضى التحرك في الواقع بما يشبه الغيبوبة العقلية والروحية ~~عن العناصر الأساسية في حركة الحياة. وهذا ما يريد الله إثارته في هذه ~~الفقرة من الآية ، فيدعو المؤمن إلى أن يذكر ربه ، فلا يستسلم للنسيان الذي ~~تفرضه عليه الأشغال والأوضاع ، ولا يستغرق في خصوصيات الواقع الذي يستهلك فكره PageV14P305 # ووجدانه ، بل يعمل على استثارة إيمانه في عملية تأمل وتفكير ، ليذكر ربه ~~، فينطلق في حياته من موقع الوعي لا من موقع النسيان ، وليعرف مواطئ قدمه ~~في الطريق ، ملتفتا إلى احتمالات الغوايات في ما يمكن أن يتحرك به طريق ~~الإنسان نحو الرشاد. # ( @QUR@09 وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) في روحية الدعاء ~~الخاشع المبتهل ، الذي ينفتح فيه المؤمن على الله ليطلب منه أن يكون معه في ~~أجواء الهداية الواسعة التي تتسع لكل الطرق المتجهة إلى الله ، فيهديه ~~للطريق الأقرب إلى الرشاد ، لئلا تطول عليه المسافات ، فينحرف به خط السير ~~إلى غير ما يريد. # ولعل هذا الدعاء يمثل ، في وعي الإنسان المؤمن ، القلق الروحي الذي يدفعه ms3428 ~~لدراسة خطواته في محاولة متحركة لتقويمها وتصحيحها وتوجيهها في الاتجاه ~~الصحيح ، بعيدا عن نوازع الذات ، وقريبا إلى رحاب الإيمان بالله الذي يربطه ~~بالجانب المشرق من الحياة. # * * * PageV14P306 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@08 ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) @QUR@023 ~~قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من ~~دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) (26) # * * * ### ||| ** لبثهم في الكهف ثلاثة قرون ونيفا # ( @QUR@08 ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ) وهذا هو الرقم ~~الصحيح الذي يقطع جدالهم حول مدة لبثهم في الكهف على الطريقة العجيبة التي ~~أشار إليها القرآن. وربما احتمل بعض المفسرين أن ذلك من كلام أهل الكتاب ، ~~وأن الآية الأخرى رد عليهم. ( @QUR@05 قل الله أعلم بما لبثوا ) ليكون ~~الاتجاه إبقاء المسألة على إجمالها ، لأن معرفتها لا تعني شيئا للناس في ما ~~تستهدفه القصة ، ولكن الظاهر من الآية الأولى هو الجزم الذي يوحي بأن العدد ~~يقيني ، وبذلك تكون الآية الثانية تأكيدا للموضوع ، في مقابل الأرقام ~~الأخرى التي ربما كانوا قد ذكروها ، باعتبار أن الله أعلم بأحوالهم من ~~الآخرين ، لأنه المهيمن PageV14P307 # على الزمن كله وعلى كل أمورهم ، فهو يعلم منهم ما لا يعلمه الآخرون ، ( ~~@QUR@03 غيب السماوات والأرض ) فهو خالق الغيب والمسيطر عليه والمحيط به ، ~~فلا يملك أحد علمه إلا من خلال ما يريد الله له أن يعلمه. # ( @QUR@03 أبصر به وأسمع ) وهما من صيغ التعجب توحيان بدقة السمع والبصر ~~وكمالهما ، بالمستوى الذي لا يدانيه أي سمع وبصر ، وهو كناية عن إحاطته ~~الكاملة بالأشياء ، في ما يمثله السمع والبصر من وسيلة المعرفة ، فإن الله ~~يعلم حالهم حتى في أدق الأشياء خفاء ، ويسمع مقالهم حتى في أشد الكلمات ~~همسا. ( @QUR@06 ما لهم من دونه من ولي ) فليس لغيره الولاية عليهم ، بل ~~الولاية له وحده ، فكل ما في الكون محتاج إلى ولايته وخاضع له ، لأنه ~~الخالق للحياة كلها وللإنسان كله ، وهو الذي يمدها ويمده بقابلية الاستمرار ~~من خلال ما يفيض عليها وعليه من نعمه التي هي الشرط الأساسي للبقاء. ( ~~@QUR@05 ولا يشرك في حكمه ms3429 أحدا ) فهو الحاكم المستقل بحكمه ، فلا يشرك غيره ~~فيه ، لأنه لا يحتاج إلى أحد ، فهو المطلع على كل خفايا الأشياء والمهيمن ~~عليها ... فلا حاجة إلى مشورة أو معونة من أحد ، كما يحتاج الحاكم إلى ذلك ~~نتيجة محدودية علمه وقدرته. وهذا تأكيد للإحاطة الكاملة لعلمه سبحانه ~~وتعالى الذي يجعل ما يخبر به حقيقة كاملة لا ريب فيها ولا شك ، ولا غموض ~~ولا إبهام. # * * * PageV14P308 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من ~~دونه ملتحدا (27) @QUR@030 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ملتحدا ): ملجأ ، حرزا ، محيصا ، ميلا. # ( @QUR@02 بالغداة والعشي ): في الصباح والمساء. # ( @QUR@01 فرطا ): مجاوزا للحد. # * * * PageV14P309 ### ||| ** مناسبة النزول # وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن عيينة الفزاري أحد رؤوس ~~المشركين أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فرأى عنده جماعة من فقراء أصحابه ~~، فيهم سلمان الفارسي ، وعليه شملة قد عرق فيها ، وبيده خوص ورقة النخل ~~فقال عيينة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما يؤذيك ريح هؤلاء ، ونحن ~~سادات مضر وأشرافها ، فإن أسلمنا أسلم الناس ، وما يمنعنا من اتباعك إلا ~~هؤلاء ، فنحهم عنك حتى نتبعك ، أو اجعل لهم مجلسا ، ولنا مجلسا .. فنزلت ~~الآية (1). # وقد لا نستطيع الجزم بصحة هذه الرواية ، ولكن جو الآية يوحي بوجود شيء من ~~هذا القبيل ، لأن القرآن كان يرعى حركة الرسالة في شخصية الرسول وفي حركة ~~المؤمنين ، ليضع له ولهم المنهج من خلال القضايا المطروحة آنذاك ، التي ~~كانت تعتبر نقطة انطلاق لتأكيد المنهج وتثبيت القاعدة ، فلم تكن المسألة رد ~~فعل للواقع المضاد ، بل كانت بمثابة تحريك النظرية من موقع التطبيق ، ~~وتركيز القاعدة من خلال الواقع. # * * * ### ||| ** وحي الله هو الحقيقة النهائية # وهذا خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفته الرسالية التي تتحرك في ~~خط الدعوة إلى الله ، والعمل في سبيله ، والإشراف على حركة الواقع في ms3430 هذا PageV14P310 # الخط ... وبذلك يكون خطابا لكل داعية رسالي في طريقة حمله للدعوة ، وفي ~~علاقته بالمؤمنين ، لأن خصوصية الخطاب للدعوة في خطه ، لا للنبوة في شخصه. # ( @QUR@07 واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ) وبلغ للناس الحقيقة الحاسمة ~~الكاملة من دون زيادة ولا نقصان. ( @QUR@03 لا مبدل لكلماته ) لأن الله هو ~~الذي يوحي بالكلمة من موقع علمه الكامل بالأشياء في ما يصلح الحياة وما ~~يفسدها ، فلا مجال لأي تغيير أو تبديل فيها ، لأنها لا تنطلق من خلال ~~الظروف المحدودة القابلة للتغيير ، أو العلم المحدود الذي قد يكتشف الخطأ ~~في بعض معلوماته ... وهكذا يؤكد الله هذه الحقيقة ، ليعرف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والدعاة من بعده ، أن وحي الله هو الحقيقة النهائية ~~التي لا مجال فيها لأي تغيير ، فينطلقوا في الدعوة من موقع الثقة والثبات ، ~~لا من موقع الحيرة والاهتزاز. # * * * ### ||| ** الله هو المحيط بكل شيء # ( @QUR@05 ولن تجد من دونه ملتحدا ) ولن تستطيع أن تتجه إلا إليه ، لأنه ~~يحيط بك وبالكون كله من جميع الجهات ، وبذلك كانت كلماته هي الحقيقة التي ~~لا مجال للمعرفة إلا من خلالها في ما تحتاجه الحياة في وجودها المستقر ، ~~فلا مفر إلى أي مكان لغير الله ليميل إليه أو يلتجئ إليه. وبذلك ، يعيش ~~الداعية وحدة الاتجاه في حركة الرسالة ، من حيث وحدة الحقيقة ووحدة المصدر ~~لها ، وهو الله ، فلا تنحرف خطواته عن الخط المستقيم. # * * * PageV14P311 ### ||| ** الرساليون قوة الإسلام الحقيقية # ( @QUR@08 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) إنها كناية ~~عن التزام الموقف الرسالي للمؤمنين الضعفاء ، الذين آمنوا بالله وبالرسول ~~من موقع اليقين ، واتبعوا النبي من موقع الإخلاص ، وانفتحوا على الله ~~سبحانه من خلال وعيهم لحقيقة العبودية في وجودهم أمام الألوهية في ذات الله ~~، فابتهلوا إليه في حالات الخشوع ، ودعوه في مواقف الخضوع ، فهم يمثلون ~~القوة الحقيقية للإسلام في حركته ، لأنهم الذين يعيشون فكره بعمق وروحانيته ~~بصفاء ، ويتحركون في خطه بإخلاص ، ويواجهون التحديات في ساحة الصراع بقوة. ~~وهؤلاء هم الامتداد الرسالي في حركة الحاضر والمستقبل ، لأن الرسالة لا ~~تمثل في وعيهم ms3431 الفرصة السانحة للحصول على الامتيازات الاجتماعية أو المنافع ~~الشخصية ، بل تمثل في حركتهم الانطلاقة الواسعة نحو المسؤولية القائمة على ~~أساس التضحية بكل شيء في سبيل الله من أجل خدمة الحياة والإنسان ، في ما ~~يريد الله للعاملين أن يحققوه من ذلك. # وهكذا يريد الله من رسوله ، ومن كل داعية ، أن يحبس نفسه مع هؤلاء ، ~~ويقربهم إليه ، ويعيش معهم ، ويصبر على مشاكلهم ، ويتحمل سلبياتهم ، لأنهم ~~يعيشون مع الله في حياتهم وهو ما يمثله انقطاعهم إليه في الدعاء ، في مواقع ~~عبادته في الصباح والمساء ( @QUR@02 يريدون وجهه ) ولعله كناية عن إرادتهم ~~لله وحده في كل وجهتهم في الحياة ، سواء في التزامهم الفكري أو العاطفي أو ~~العملي ، أو في اتجاههم للحصول على رضاه ومحبته ، فهم في التزامهم وعملهم ~~لا يلتفتون إلى غيره ، فالله هو غاية الغايات في حياتهم ، فمنه تتحرك بداية ~~الحياة في كل خطواتهم ، وإليه ينتهي كل هدف وكل أمر ... وهذا هو الخط الذي ~~يريد للدعاة أن يلتزموه في اختيار المجتمع الذي يكونون جزءا منه ، أو ~~يلتزمون PageV14P312 # حركته ، أو يتعاطفون معه. إنه المجتمع الذي يخلص أفراده لله في الفكر ~~والروح والممارسة ، لأنه هو الذي يعطي لهم النمو الروحي من خلال الأجواء ~~الروحية ، ويحقق لهم الشعور بالثقة والثبات في الموقف من خلال القوة التي ~~يعيشها المؤمنون ويمارسونها في داخله ، وبذلك يكون المجتمع قوة لهم كما ~~يكونون قوة له ، من خلال ما يعطونه من فكر أو يثيرونه في داخله من مشاعر ~~وأجواء وقضايا. # ( @QUR@08 ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ) أي لا تصرف ~~عيناك عنهم فتتركهم إلى مواقع الغنى والثروة والجاه والأجواء اللاهية ~~العابثة التي تنادي الإنسان ليلهو ويعبث ويستمتع ويتزين ويستسلم للشهوات ~~ويستريح للمواقع الطبقية التي يعيشها مجتمع الامتيازات الذي يتفاضل فيه ~~الناس بالمال والجاه والنسب ونحو ذلك ، فإن الاتجاه إلى هذا المجتمع ، ~~والاستسلام له ، يمثل لونا من ألوان البعد عن روح الرسالة ، والانحراف عن ~~خط الله ، ويؤدي بالنهاية إلى احتقار المجتمع الفقير المؤمن ، والضيق به ، ~~والنفور منه ، الأمر الذي قد يساهم في إضعاف ms3432 الروح الرسالية لدى الرساليين ~~، وفي الإقبال على الأجواء اللاهية المثيرة التي تربط الإنسان بالجانب ~~المنحرف من الحياة ، على أساس القيم المنحرفة التي يلتزمها مجتمع الله ~~والعبث. # * * * ### ||| ** روحية مستكبرة # ( @QUR@07 ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) من هؤلاء الذين استسلموا ~~للغفلة في حركة وجدانهم الفكري والروحي ، فلم ينفتحوا على الله من موقع ~~الفكر والروح ، ولم يصغوا بأسماع قلوبهم إلى آياته ، ولم يلتفتوا إلى مواقع ~~قدرته وأسرار عظمته ، وعاشوا أجواء اللامبالاة أمام كل دعوات الحق والإيمان ~~، واستراحوا لما اعتادوه من أوضاع وعادات وتقاليد ، ولما حملوه من أفكار PageV14P313 # ومشاعر ، فلا يقبلون أي تغيير أو تبديل لذلك ، وهذا هو المراد من إغفال ~~الله لقلوبهم عن ذكره ، فليس المقصود أن الله يريد ذلك لهم بطريق الجبر ~~الذي لا يملكون معه الاختيار ، بل المراد حصوله من خلال قانون السببية الذي ~~يجعل الغفلة نتيجة حتمية للسلوك اللاهي المتمرد على كل دعوة للفكر وللحوار ~~، تماما كما في نسبة كل الأفعال الإنسانية إلى الله ، باعتبار أن حركة ~~السببية في حياتهم التي تربط النتيجة بالمقدمات ، هي التي أودعها الله في ~~كيانهم ، في الوقت الذي كانت حركة الأسباب بيد الإنسان. فالحتمية إنما هي ~~في طبيعة السببية لا في حركة السبب. # لا تطع يا محمد هؤلاء الغافلين عن ذكر الله ، الذين تقودهم غفلتهم إلى ~~الاستغراق في المعاصي والاستسلام للانحراف ، ولا تقبل على أي واحد منهم ، ~~لأنه بسلوكه يبتعد عن الله ، ويقترب من الشيطان. ( @QUR@02 واتبع هواه ) ~~فلم ينطلق في حياته من قاعدة ثابتة تحكم كل تصرفاته وأوضاعه ، بل انطلق ذات ~~اليمين وذات الشمال ، تبعا لهواه الذي يتغير حسب تغير الظروف والأوضاع. ( ~~@QUR@03 وكان أمره فرطا ) متجاوزا لحدود الحق في أفكاره وأقواله وأفعاله ، ~~ومنحرفا عن الصراط المستقيم. فإن إطاعته والانسجام معه ، يعني الالتزام بخط ~~الانحراف الذي يمثله ، لأن التفاصيل الجزئية تتبع القاعدة الكلية في طبيعة ~~الاستقامة والانحراف. # وهكذا رأينا كما جاء في مناسبة النزول هذه الروحية المستكبرة المتحركة من ~~الموقع الطبقي للمجتمع الذي يحتله هؤلاء ، ورأينا كيف أرادوا أن يثيروا هذا ~~الموقع في ساحة الإسلام ms3433 ، ليؤكدوا التمايز بين مجتمع المترفين ومجتمع ~~الفقراء ، فيعطي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء دورا يحتفظ لهم ~~بخصوصياتهم وامتيازاتهم ، ويعطي الآخرين دورا يشرف فيه على أوضاعهم ويحفظ ~~لهم كرامتهم ، أو يطرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفقراء من ساحة الإسلام ~~، ليكون الإسلام دين الأشراف من الفئة العليا المميزة في المجتمع ، ليمنحوه ~~موقعا متقدما من خلال PageV14P314 # الموقع المتقدم الذي يملكونه. # * * * ### ||| ** التقوى أساس في التفاضل # ولكن المسألة في هذا الجو ليست مسألة مجلس لهؤلاء أو مجلس لأولئك ، ليكون ~~ذلك أساسا لحل المشكلة التي أثارها الأشراف المترفون ، بل هي مسألة القيمة ~~الإسلامية الروحية التي أرادها الله للمجتمع في دائرة العلاقات الإنسانية ، ~~وهي المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات في ساحة القانون ، واعتبار ~~التقوى التي تمثل الإيمان العملي هي الأساس في التفاضل ، بعيدا عن أي موقع ~~طبقي أو مالي أو اجتماعي ، أو غير ذلك ... فإن الاستجابة لهؤلاء تعني ~~الإقرار لهم بالنظرة الفوقية التي ينظرون بها إلى المؤمنين الفقراء ، ~~واعتبار الامتيازات التي يدعونها لأنفسهم حقا شرعيا لهم على الآخرين ، مما ~~يؤدي إلى التنازل عن حركة القيمة الروحية الإنسانية في حياة الناس ، وهذا ~~ما لا يمكن الموافقة عليه ، ولهذا كان جو الآية ، يوحي بالرفض لهؤلاء ~~الأشراف ، والإهمال لهم والبعد عنهم في مواجهة رفضهم للمساواة مع ~~المستضعفين المؤمنين ، تأكيدا على أن قيمة الإيمان المنفتح على الله من ~~موقع الإخلاص هي أعلى من كل قيمة أخرى ، وعلى أن مهمة الرسول ، أو الداعية ~~، أن يلتزم خط المخلصين من المؤمنين ويرعاهم ، لأنهم الأساس في انطلاقة ~~المجتمع الإسلامي نحو التوازن والتكامل على خط الإسلام ، لأن الإيمان يمثل ~~في وجدانهم القناعة الفكرية والروحية التي يعيشون الحياة من أجلها ، بينما ~~يمثل الإيمان للمترفين الموقع الاجتماعي القوي الذي فرض نفسه على الساحة ، ~~ويريدون أن يتخذوا لأنفسهم مكانا داخله ، ليضيفوا على امتيازاتهم القديمة ~~امتيازات جديدة ، من خلال ما يمثله الإسلام من مركز قوة جديد ، ولهذا فهم ~~يتعاملون معه من مواقع الخارج عن عمق الذات ، بينما يتعامل المؤمنون PageV14P315 # المستضعفون معه من مواقع العمق الداخلي ms3434 للذات. وهذا ما يجعل المترفين ~~يبحثون في بعض أحكام الإسلام عما يتخذونه وسيلة لتبرير ترفهم ولهوهم وعبثهم ~~... ولو كان ذلك بطريقة التحريف واللعب على النصوص ، بينما يبحث المؤمنون ~~عن أفضل الطرق لتطبيق أحكام الله ، ولتغيير أوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم من ~~خلال ذلك ، وللاحتياط في تركيز المواقف على خط الشريعة ، بعيدا عما إذا كان ~~ذلك منفعة لهم أو لا. # * * * ### ||| ** استيحاء الآية في حركة الواقع # وقد نستوحي من هذه الآية كيف يتحرك المؤمنون العاملون ، من علماء أو دعاة ~~، في مواجهة الإغراءات التي يقدمها إليهم المجتمع المنحرف ، ليكونوا جزءا ~~منه ، ولينسجموا مع أوضاعه ، وليحصلوا على امتيازاته ... مما يفرض عليهم أن ~~يقدموا كثيرا من التنازلات في أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم ، وبذلك يبتعدون ~~نفسيا عن أجواء المستضعفين ، وينظرون إليهم نظرة مستعلية ، انطلاقا من ~~المواقع الجديدة التي ارتفعوا إليها ، عند ما يتحول الموقع الديني إلى مركز ~~من مراكز النفوذ الاجتماعي أو الرسمي الذي يعطي للشخص الذي يحتله هالة ~~كبيرة تفصله عن الجو الإيماني الفقير. وقد يؤدي ذلك إلى الابتعاد عن ~~المواقف الحاسمة في طرح الإسلام بشكل حاسم واضح ، في مواجهة الطروحات ~~الكافرة أو الضالة ، لأن ذلك قد يسيء إلى نظرة المجتمع الرسمي إليهم ، الذي ~~لا يتقبل أن يقدم الإسلام كحل شامل للحياة في مقابل الحلول الأخرى ، بل ~~يريد له أن يقدم كدين بمعناه التقليدي البعيد عن الحياة وعن حركة التحديات ~~على صعيد الواقع والإنسان. # إننا نلاحظ التأكيد على هذا الجانب ، من أجل أن يبتعد العاملون عن PageV14P316 # التجربة القاسية التي تبتعد بهم عن الاتجاه الصحيح إذا سقطوا أمامها ، ~~ليحافظوا على جديتهم في خط الالتزام ، ورساليتهم في خط الدعوة إلى الله ، ~~وانضباطهم في حركة الممارسة ، وليكونوا القاعدة التي تغير المجتمع بدلا من ~~أن تكون جزءا منه. # * * * ### ||| ** سؤال وجواب # وربما يتصور البعض من العاملين أن الاندماج في المجتمع المترف يساعد على ~~ربح مواقع متقدمة للإسلام ، وذلك لما يفتح لهم ، من خلالهم ، من آفاق ~~ثقافية واجتماعية وسياسية ، مما يعطي الإسلام قوة جديدة في مواجهة الكفر. ~~وقد يساهم إلى جانب ذلك في الاستفادة ms3435 من إمكاناتهم الاقتصادية في تشجيع ~~المشاريع الخيرية العامة ، التي يقوم بها العاملون من أجل حل المشاكل ~~الاجتماعية المعقدة ، مما ينعكس إيجابا على حياة المستضعفين الذين يستفيدون ~~من الخدمات التي تقدمها تلك المشاريع لهم. # ولكن هذا التصور ليس دقيقا ، بل يحمل بعض الخلل في تفاصيله ، لأن المسألة ~~التي يثيرها القرآن الكريم ، في ما نريد أن نستوحيه من علاقات الداعية ~~بالناس ، هي قضية عدم الاندماج في المجتمع المترف اللاهي ، البعيد عن روحية ~~الإيمان وفكره ، وإهمال المجتمع المؤمن المستضعف الذي يحمل مسئولية الدعوة ~~في خط الإسلام ، لأن ذلك يؤدي إلى كثير من السلبيات على صعيد مصداقية ~~الداعية ، ومسئوليته الإسلامية ، وروحانيته الإيمانية ، وتحوله إلى شخصية ~~اجتماعية ، تتحرك من خلال قيم المجتمع المنحرف ، وتمنحها شرعية إسلامية من ~~خلال الموقع الرسمي. # * * * PageV14P317 ### ||| ** من أساليب الانحراف في الإغراء # ولعل من الأساليب التي قد يلجأ إليها المجتمع المنحرف لاحتواء العاملين ~~الإسلاميين ، هو أسلوب التلويح بالإمكانات التي يملكها هذا المجتمع ، ~~لمساعدة الأهداف المتنوعة للعمل الإسلامي على مستوى الدعوة والحياة ، ~~فينطلق إليها العاملون من موقع الإخلاص ، ولكن اللعبة تبدأ في الالتفاف ~~عليهم ، والدوران حولهم ، من أجل أن تحاصرهم وتجمد مشاريعهم ، وتجعلهم ~~لاهثين وراء استكمال هذا المشروع أو ذاك ، عند ما تقدم لهم المساعدات على ~~دفعات ، من أجل أن تبقى الساحة خاضعة لهم بطريقة وبأخرى. وبذلك تأكل الحركة ~~الإسلامية أهدافها ، عند ما تتحول الوسائل إلى أهداف ، وتغيب الأهداف في ~~أجواء اللعبة المجنونة للمنحرفين. # إننا لا نمانع من الاستفادة من الفرص الاجتماعية والثقافية والمادية ~~والسياسية التي يمكن لهذا المجتمع أن يقدمها إلينا ، لأننا لا ندعو إلى ~~الانعزال الكامل عنه ، بل كل ما نريد أن نؤكده ، أن يكون للعاملين وعي ~~الواقع ، من خلال وعي حركة اللعبة في داخله ، من أجل أن يواجه الموقف ~~بطريقة ذكية واعية تلتف على اللعبة الخادعة لتعطل حركتها ، بدلا من أن تسمح ~~لها بالالتفاف عليها. # إن خلاصة الفكرة هي أن يكون مجتمع الإيمان هو الساحة التي يحترمها ~~العاملون الدعاة إلى الله ، ويتحركون فيها من موقع أن الإيمان هو القيمة ، ~~وليس ms3436 هناك شيء آخر يقترب من مستواها أو يعلو عليها ، بحيث يكون اللقاء ~~بالآخرين من داخل حركة هذا المجتمع لا من خارجه بطريقة مضادة له. # * * * PageV14P318 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي ~~الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) @QUR@012 إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) @QUR@028 أولئك لهم جنات عدن ~~تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سرادقها ): السرادق : الخيمة ، أو الدخان المرتفع المحيط ~~بالشيء. # ( @QUR@01 كالمهل ): كخثارة الزيت. # ( @QUR@01 مرتفقا ): متكأ. # ( @QUR@01 سندس ): ما رق من الثياب. PageV14P319 # ( @QUR@01 وإستبرق ): ديباج وقيل هو الحرير. # * * * ### ||| ** المضمون الفكري للإسلام # وهذا خطاب للنبي في الإعلان عن المضمون الفكري للإسلام ، في مواجهة ~~المضامين الفكرية الأخرى التي يتبناها دعاة الكفر والضلال ، وتأكيد على ~~حركة الدعوة الحاسمة في ساحة الصراع ، من أجل أن تضع الناس أمام مسئولياتهم ~~في إثارة التفكير لديهم في مسألة الكفر والإيمان ، من خلال البراهين ~~العلمية والعقلية التي تؤكد الخط الإسلامي وتثبت واقعيته ، لأن دور الدعاة ~~إلى الله يمكن في إثارة التفكير الجاد أمام علامات الاستفهام التي تطرحها ~~الدعوة في الساحة ، ليؤمن من يؤمن عن بينة ، ويكفر من يكفر عن بينة ، فلا ~~يكون للناس حجة على الله ، بل تكون الحجة له عليهم. # * * * ### ||| ** دعوة الرسول إلى التزام موقف حاسم من الكفار # ( @QUR@04 وقل الحق من ربكم ) قل لهؤلاء الناس ، بطريقة حاسمة ، هذا هو ~~الحق من ربكم في العقيدة والشريعة والمنهج ، في ما يريد الإسلام أن يخطط له ~~في حياة الإنسان. قلها ولا تخف ، ولا تتراجع ... مهما أثار الآخرون حولك من ~~تهاويل ومشاكل ، ومهما قدموا لك من إغراءات. قلها ، كلمة حاسمة لا تختفي ~~وراء الأقنعة المتعددة من الكلمات التي تحاول أن تهرب من التصريح بالإسلام ~~، كوجه للدعوة أو للحركة أو للموقف ، لأنها تخاف من السلبيات PageV14P320 # الكثيرة المترتبة على ذلك. قلها ، لتؤكدها في ms3437 وعي الناس وضميرهم ، من ~~موقع الوضوح في الفكرة ، والعمق في الإحساس ، والقوة في الانتماء ... لئلا ~~يضيع الناس عن الحق ، في ضباب الكلمات ، وتهاويل الأقنعة الملونة ، وخيرهم ~~بين الإيمان والكفر ، لا لتساوي بين الموقفين في النتائج ، على أساس الحرية ~~الفكرية التي تؤكد على الشكل في الممارسة ، بعيدا عن الالتزام بالمضمون ، ~~تماما كالكثيرين الذين يقدسون الحرية ويحترمون نتائجها ، على أساس أنها ~~التجسيد العملي لمبدأ الحرية ، الذي لا يلتزم موقفا معينا ، بل يلتزم ~~المضمون الذي يتحرك في دائرته. # * * * ### ||| ** مفهوم الإسلام للحرية # إن الإسلام يطرح الحرية ، كموقف إنساني طبيعي ، في مواجهته لمسائل الفكر ~~ومواقع العقيدة ، لأن عملية فرض القناعات ليست واردة في الطبيعة التكوينية ~~للإنسان ، فإن الفكر لا يمكنه الاستسلام لضغط القوة ، لتفرض عليه قناعاته ، ~~بل هو خاضع لضغط الحجة والدليل والبرهان ، باعتبار أنها التي تحتوي حركته. # ولكن الحرية لا بد من أن تتحرك من مواقع المسؤولية ، التي تثير لدى ~~الإنسان مسألة المصير كعنصر ضاغط على أجواء اللامبالاة التي يعيشها من خلال ~~الروحية اللاهية العابثة الخاضعة لحالة الاسترخاء ، لتضغط عليه كي يواجه ~~المسألة بجدية ، فيتأمل ويفكر ويبحث ويحاور ويحدد قناعته في نهاية المطاف ~~على أساس ذلك كله ، فإن هناك فرقا بين الموقف الذي لا تشعر بالمسؤولية في ~~تقريره ، وبين الموقف الذي تشعر فيه بأن النتائج قد تسيء إلى مصيرك. PageV14P321 # ( @QUR@03 فمن شاء فليؤمن ) إذا انطلق تفكيره في الخط المستقيم الذي لا ~~بد من أن يقوده إلى الحق الذي لا ريب فيه ، لأنه ينسجم مع الفطرة الإنسانية ~~السليمة. ( @QUR@03 ومن شاء فليكفر ) إذا استسلم لهواه ، وخضع لضغط تقاليده ~~وعاداته المتخلفة ، وشهواته المنحرفة ، ومزاجه المريض ، وتفكيره المعقد. إن ~~للإنسان الحرية في الاختيار بعد وضوح الحق أمامه ، وعليه أن يتحمل مسئولية ~~اختياره في جميع النتائج السلبية والإيجابية التي تنتظره. وإذا كان الإسلام ~~يقرر سلبية اختيار الكفر على المصير ، فلأنه لا يراه منطلقا من حالة فكرية ~~ليبرر للإنسان موقفه فيها ، بل يراه منطلقا من حالة مزاجية ، لا ترتاح ~~للفكر ، ولا تتحمل متاعبه ، وبذلك تتنكر لكل نتائجه. ولهذا كانت النار مأوى ms3438 ~~الكافرين ، لأن موقفهم ينطلق من حالة جحود وتمرد لا حالة اقتناع وإذعان ، ~~فوسائل الإيمان متوفرة للذين يأخذون بها من أقرب طريق. # ( @QUR@07 إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ) كناية عن إحاطة ~~النار بهم من جميع الجهات ، كما تحيط الخيمة بظلالها كل من هو في داخلها. ( ~~@QUR@02 وإن يستغيثوا ) من شدة العطش ، أو من شدة الحريق الذي يحيط بهم ~~فيطالبون بالماء لإطفاء حرارته ( @QUR@03 يغاثوا بماء كالمهل )، وهو خثارة ~~الزيت ، وهو شديد الاشتعال ( @QUR@06 يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ~~) أي متكأ ، وذلك كناية عن المصير السيئ. # ( @QUR@05 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) واختاروا الإيمان من موقع ~~فكرهم ، وحولوه إلى موقف وممارسة من خلال جديتهم في حركة المسؤولية ، ( ~~@QUR@07 إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) اتخذ لنفسه الموقف الصحيح المتوازن ~~في العمل الأحسن المرتكز على الفكر الأفضل. وبذلك كان يمثل العامل الكادح ~~في الحياة المسؤولة ، الذي كان كدحه لربه في المستوى الذي يستحق عليه الأجر ~~العظيم منه ، وهو ما يحفظه الله له في حساب الثواب والرضوان في يوم PageV14P322 # القيامة. # ( @QUR@08 أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ) وكلمة عدن تعني ~~الإقامة ، وبذلك كانت كلمة ( @QUR@02 جنات عدن ) تعني جنات الخلود على سبيل ~~الكناية. ( @QUR@06 يحلون فيها من أساور من ذهب ) وهذا متمثل بالزينة ~~الظاهرة التي تمنح الإنسان جمالا فوق جمال ( @QUR@05 ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس ) وهو نوع من الحرير الرقيق ( @QUR@01 وإستبرق ) وهو الحرير الغليظ ، ~~( @QUR@04 متكئين فيها على الأرائك ) جمع أريكة وهو السرير. ( @QUR@04 نعم ~~الثواب وحسنت مرتفقا ). # * * * PageV14P323 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) @QUR@011 كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم ~~منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) @QUR@013 وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو ~~يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) @QUR@012 ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) @QUR@012 وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) @QUR@016 قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) @QUR@08 ~~لكنا هو ms3439 الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) @QUR@020 ولو لا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) ~~@QUR@015 فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء ~~فتصبح صعيدا زلقا (40) @QUR@08 أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) ~~@QUR@020 وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على ~~عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) @QUR@011 ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) @QUR@09 هنالك الولاية لله الحق ~~هو خير ثوابا وخير عقبا ) (44) # * * * PageV14P324 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جنتين ): بستانين. # ( @QUR@01 وحففناهما ): أحطناهما. # ( @QUR@01 يحاوره ) المحاورة : مراجعة الكلام في المخاطبة. # ( @QUR@01 نفرا ): أنصارا وأعوانا. # ( @QUR@01 تبيد ): تفنى. # ( @QUR@01 قائمة ): كائنة. # ( @QUR@01 حسبانا ): أصل الحسبان السهام التي ترمى لتجري في طلق واحد ... # وأصل الباب الحساب ، وإنما يقال لما يرمى به حسبان لأنه يكثر كثرة ~~الحساب. والمراد بها هنا الآفة المهلكة. # ( @QUR@01 صعيدا ): أرضا لا نبات فيها. # ( @QUR@01 زلقا ): أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها. وأصل الزلق ما تزلق ~~عليه الأقدام ولا تثبت. # ( @QUR@01 غورا ): ما ذهب وغار في الأرض. # ( @QUR@02 وأحيط بثمره ): كناية عن الهلاك. # ( @QUR@02 يقلب كفيه ): كناية عن الندم. # ( @QUR@01 خاوية ): خالية ، فارغة ، هاوية. # ( @QUR@01 عروشها ): العروش جمع عرش وهو السقف. والمراد به هنا الكروم PageV14P325 # التي سقطت على الأرض. # ( @QUR@01 عقبا ): عاقبة. # * * * ### ||| ** الإيمان هو الثروة الحقيقية # وينطلق القرآن في الاتجاه المتمثل في رفض اعتبار الثروة المالية قيمة ~~حياتية كبيرة بعيدا عن الإيمان ومسئوليته ، وفيصور لنا صورة رجلين ، يملك ~~أحدهما الثروة والجاه والولد ، بينما لا يملك الآخر ما يملكه صاحبه ، ولكنه ~~يملك الإيمان بالله ، والإحساس بعظمته وبفضه على الإنسان في كل شيء ، مما ~~يجعله يحس بنعم الله عليه في كل مظهر من مظاهر وجوده ، ويعرف إلى جانب ذلك ~~قيمة الحياة ودورها ووظيفتها في مسئولية الإنسان ، فلا يستسلم لنعيمها ، ~~ولا يضعف أمام شقائها ، لأنه يعلم أن ذلك كله بيد الله ، الذي اقتضت حكمته ~~أن يزول ذلك كله ، فلا يبقى للإنسان منه إلا النتائج العملية لما قام به من ~~دور في الحياة. # وبهذا ms3440 يتجسد لنا الفارق الكبير بين العقليتين والاتجاهين في فهم الحياة ، ~~من خلال الحوار الذي أداره القرآن الكريم بين الرجلين ، لنستوحي منه الفكرة ~~التي تحكم الموقف في حساب القيم والمعاني الكبيرة في الإسلام. # إنها الصورة الرائعة التي يجسدها لنا القرآن في أسلوبه الرائع. فنحن نرى ~~في الصورة أن صاحب الجنتين قد بدأ الحوار مع صاحبه من موقع الإحساس بالقوة ~~والفوقية والامتياز ، بسبب ما يملك من كثرة المال والأتباع ، فكان خطابه ~~معه ينطلق من محاولته لإخضاعه نفسيا ، بمواجهته بواقع PageV14P326 # الفارق الكبير بينهما ، وتميزه عنه. # ( @QUR@04 واضرب لهم مثلا رجلين ) من هذا المجتمع المتنوع المتناقض ، ~~الذي يحمل في داخله الكثير من العقليات المختلفة في مسألة وعي القيم ~~المادية والروحية في الحياة ، فهناك الذين يعتبرون المادة كل شيء ، فهي ~~الأساس في المستوى الكبير والصغير في قيمة الإنسان ، وهي العمق الذي تكمن ~~فيه المشاعر الإنسانية التي تحكم العلاقات ، وهناك الذين يعتبرون القيمة ~~الروحية الأساس في احتواء العلاقات الإنسانية ، والتحكم في حركة الواقع ، ~~والارتفاع به إلى المستوى الأعلى في الحياة عند ما ترتفع في وجدان الإنسان ~~، أو تنخفض به إلى المستوى المنحدر فيها ، مما يؤثر سلبا على مشاعره. وهكذا ~~يتقابل هذان الرجلان ، أمام التناقض في المشاعر والمواقف في ما يتمثل به ~~واقع كل منهما في طبيعة العيش. وقد أراد الله أن يصور لنا هذين الرجلين ~~اللذين ( @QUR@05 جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب )، حيث تتهدل العناقيد ~~كمثل اللآلئ في أعالي الكروم ، ( @QUR@02 وحففناهما بنخل ) يحيط بهما ~~فيعطيهما جمالا وشموخا وارتفاعا ، ( @QUR@03 وجعلنا بينهما زرعا ) تخضر به ~~الأرض وتزهو وتزدهر وتنتج الكثير مما يغذي الروح والجسد والبصر ... ( ~~@QUR@08 كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ) فقد أعطت كل نتاجها ~~الشهي ، ولم تنقص منه أي شيء ( @QUR@03 وفجرنا خلالهما نهرا ) يسقي الكروم ~~والنخيل والخضرة المتنقلة في كل مكان ، فيمنحها الحياة والنمو والازدهار. ~~ثم نلاحظ استسلام صاحب الجنتين لحالة الرخاء والنعيم اللذين يتمتع بهما ، ~~واعتقاده استمرار ذلك كله في شعور طارئ بالخلود ، وثقة كبيرة بالمستقبل كله ~~في الدنيا والآخرة ، لو كان هناك آخرة كما يوحي ms3441 تفكيره انطلاقا من إحساسه ~~بضخامة شخصيته ، على أساس أن حالته المالية والاجتماعية تفرض علو شأنه ، ~~ورفعة منزلته ، وكرامته لدى الله. ولهذا ، فإنه مطمئن إلى وضعه كل ~~الاطمئنان. # * * * PageV14P327 ### ||| ** تفكير من يركن إلى دنياه # ( @QUR@013 وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز ~~نفرا ) فلدي المال الكثير الذي لا تملك إلا القليل منه ، ولدي الأتباع ~~الكثيرون ، بينما لا تجد إلا القليلين منهم معك ، فكيف تقف أمامي ، كما لو ~~كنت في المستوى الواحد الذي أقف عليه؟ ( @QUR@05 ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ~~) لأن أفكاره خيالية لا ترتكز على أساس من الواقع ، وخطواته العملية لا ~~تنطلق في الطريق المستقيم ، ولا تلتقي بالإيمان بالله من قريب أو من بعيد. ~~ومضى يسير في مشيته الزاهية بالكبر والخيلاء ، وهو يعيش أحلام الخلود في ~~ذاته وفي ملكه ، كما لو لم يكن هناك موت. ( @QUR@07 قال ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا ) فهذه الخضرة التي تزهو بالحياة بكل جنباتها ، وهذه الينابيع ~~المتدفقة في ساحاتها ، وهذه الأشجار الشامخة في أجوائها ... هي المظهر الحي ~~على قوة الحياة في داخلها ، مما يجعل فكرة فنائها فكرة لا تملك أية واقعية ~~وأي احتمال. # ( @QUR@04 وما أظن الساعة قائمة ) فلا مسئولية خارج نطاق الحياة. وإذا ~~كانت المسألة كما يقولون تحمل بعض الجدية ، فإن مركزي يخولني الحصول على ~~موقع مميز ، تكون الآخرة فيه هي صورة الدنيا التي أتقلب فيها على فراش ~~النعيم ، وأتحرك فيها في مواقع المجد. ( @QUR@08 ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا ) لأن الآخرة تمثل المستوى الأعلى للنعيم الذي يمنحه الله ~~للإنسان بدلا عن نعيم الدنيا. # وهكذا كانت صورة هذا الإنسان الذي يستريح للواقع الحاضر ، فلا يفكر في ~~مفاجات المستقبل ، ولا يتعمق في العناصر التي تحكم هذا الواقع وتحدد دوره ~~وحجمه وامتداده. أما صاحبه المؤمن الفقير ، فتتجسد لنا صورته الوديعة ~~القوية في موقفه الساخر من ذلك كله ، فهو لا يعتبر الثراء قيمة كبيرة ترتفع PageV14P328 # بصاحبه في حساب القيم ، ولا يرى فيه ضمانة قوية للمستقبل تبعث على ~~الاطمئنان به والاستسلام له ، لأن كل شيء ms3442 في الدنيا معرض للزوال بين لحظة ~~وأخرى ، بينما الله هو الثابت الوحيد ، منه نأخذ القوة ، لأنه مصدر القوة ~~في الوجود وفي معطياته ، وهو أساس الثقة بالمستقبل ، كما كان أساس الثقة ~~بالماضي. # ونراه يقف في حوارة مع صاحبه في موقع الإنسان الرسالي الذي يستنكر على ~~هذا الغني المزهو بغناه ، كفره باليوم الآخر ونسيانه لله ، ويبدأ في تذكيره ~~بنعم الله عليه ، وحاجته إليه في كل شيء ، ليبقى مشدودا إليه في حال ~~الإحساس بالقوة ، كما يشعر بالارتباط به في حال الإحساس بالضعف ، لأن القوة ~~به ، يهبها لمن يشاء ، ويسلبها ممن يشاء. # * * * ### ||| ** موقف المؤمن الرسالي من الركون إلى الدنيا # ( @QUR@016 قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ~~ثم سواك رجلا ) ثم كما لو كانت الحياة قد وجدت صدفة ، وتحركت من اللاشيء ، ~~وليس لها خالق ومدبر. كيف تتكلم بهذه الطريقة التي تجعلك تستغرق في ذاتك ~~وفي مالك ، من دون أن تتحسس مسئوليتك أمام الله؟ كيف وجدت؟ ألم تكن ترابا ، ~~ثم تحولت إلى نطفة ، ثم امتدت عملية النمو حتى تحولت إلى مخلوق سوي ، ثم ~~صرت رجلا؟! فمن الذي خلقك ، هل خلقت نفسك أم خلقك أحد؟ هل هناك غير الله ~~الذي خلقنا وكلفنا تحمل مسئولية الحياة؟ ولكنك استسلمت لنزواتك بعد أن رأيت ~~الإيمان يحملك المسؤولية في PageV14P329 # حياتك ، ورأيت في المسؤولية عبئا ثقيلا على شهواتك وأطماعك ، فكفرت لا عن ~~قناعة ، بل عن عقدة تتحرك من موقع نزوة. # ( @QUR@08 لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ) فقد وعيت حقيقة ~~الألوهية ، وأدركت حقيقة التوحيد من خلالها ، ورأيت أن التوحيد يتحرك في خط ~~العقيدة بالإيمان بالإله الواحد ، وفي خط العمل بعبادة الله الواحد. وهكذا ~~وقف ليدخل معه في الحديث عن العقيدة ، ليؤكد موقفه بقوة وصدق وحسم ... ~~وامتد الحديث بعد ذلك إلى أجواء المال والولد. # أما كثرة المال وكثرة الولد ، التي تقابلها قلة المال وقلة الولد لدى هذا ~~المؤمن ، فليست شيئا ، ما دام الله هو الذي يعطي ، وما دام المؤمن يشعر ~~بالارتباط به ، فما المانع من أن ms3443 يعطيه الله خيرا من جنته ، وما الذي يمنح ~~الغني الأمان ، بأن لا يرسل الله على هذا كله حسبانا من السماء ، فتصبح ~~الأرض مقفرة بعد اخضرار ، أو ظمأى بعد ارتواء. # * * * ### ||| ** الحياة خاضعة لمشيئة الله # ( @QUR@013 ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) فلم ~~تستغرق في داخل ذاتك ، ولم تستسلم إلى قوتك وإلى الأسباب المحيطة بك ، بل ~~عشت مع الله في شعور عميق بالحاجة المطلقة إليه في كل تفاصيل وجودك ، كما ~~كنت محتاجا إليه في أصل وجودك ، فتعرف أن الحياة كلها خاضعة لمشيئته ، وأن ~~كل قوة مستمدة من قوته ، وبذلك تنفتح على جنتك انفتاح الحذر الذي لا يعرف ~~ماذا يحدث لها لأنه لا يعلم مشيئة الله فيها ، فلا يثق بما تحمله من أحلام ~~، لأن الغيب قد يحمل لها الكثير من الأوضاع التي قد تقلبها رأسا على عقب. # * * * PageV14P330 ### ||| ** المقارنة بين الإيمان والمادة # وهنا يلتفت إليه ، ليدخل في عملية المقارنة التي أثارها هذا الغني المترف ~~بين ما يملكه من مال وولد ، وبين ما يملكه هذا العبد المؤمن الفقير ، ليثير ~~أمامه الفكرة الإيمانية التي توحي للمؤمن بأن يكون بما عند الله أوثق منه ~~بما عنده ، ما دامت المسألة في خط العطاء وخط المنع متصلة بالله. ( @QUR@07 ~~إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ) فليست هذه هي مشكلتي التي أعيش السقوط ~~أمامها أو الضياع فيها ، لأن هناك نافذة واسعة في روحي وفي عمق إحساسي ~~بالقدرة المطلقة لله والمتصلة برحمته الشاملة ، تطل بي على المستقبل في ~~انفتاحه على الأمل الكبير المنطلق من الله. # ( @QUR@07 فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ) فيعطيني كما أعطاك ، بل ربما ~~يعطيني أكثر مما أعطاك ، وقد يسلبك كل ما لديك عقابا على هذا الغرور الأهوج ~~وهذه الكبرياء الطاغية في التعاطي مع الآخرين. ( @QUR@05 ويرسل عليها ~~حسبانا من السماء ) وهو كناية عن الحدث الذي يسبب هلاك الأرض وزوال كل ما ~~فيها من خضرة وريعان ( @QUR@03 فتصبح صعيدا زلقا ) أي أرضا ملساء مقفرة لا ~~شجر فيها ولا نبات ، ( @QUR@04 أو يصبح ماؤها غورا ) ذاهبا ms3444 في باطن الأرض ، ~~( @QUR@04 فلن تستطيع له طلبا ) لأنه غاب في أعماقها فلا يعثر عليه أحد. # * * * ### ||| ** عاقبة المغرور بدنياه # وتكتمل الصورة بالمشهد الأخير للقصة ، فنشاهد أمامنا هذا الإنسان ، PageV14P331 # وقد أحيط بثمره ، يقلب كفيه على ما أنفق فيها من ثروته ويقول : ( @QUR@06 ~~يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ). # ( @QUR@02 وأحيط بثمره ) من كل جهة ، فلم يبق هناك أي أثر للحياة فيه ، ~~بل أصابه الهلاك والفناء من كل جانب ، وأحس أمام ذلك بالضياع والسقوط ، فقد ~~فقد كل شيء لأنه صرف كل ثروته في هذه الأرض ، لتكون الضمانة له في مستقبل ~~حياته ، وها هو الآن يواجه مصيرها المحتوم ، فنتمثله حائرا ضائعا لا يملك ~~أي شيء ( @QUR@07 فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ) من مال ، ( @QUR@04 ~~وهي خاوية على عروشها ) وذلك كناية عن كمال الخراب كما قيل فإن البيوت ~~الخربة المتهدمة تسقط أولا عروشها أي سقوفها على الأرض ، ثم تسقط جدرانه ~~على عروشها الساقطة والخوي السقوط ويشعر في هذا الجو بالحسرة الكبيرة على ~~موقفه المتمرد على ربه ، إذ إنه أشرك به في العقيدة والعبادة. # ( @QUR@07 ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ) ولم أبتعد عنه في ما أراده ~~لي من الخير في خط الإيمان ، وفي حركة الطاعة التي لا تتحرك بالإنسان ~~وبالحياة إلا إلى الحق والخير والصفاء والطهارة. # * * * ### ||| ** الإيمان بالله هو الحقيقة الثابتة # ويتجسد في نهاية المطاف الدرس الرائع ، حيث نجد الإنسان الطاغي المتجبر ، ~~المزهو بذاته وبثرائه ، عاريا من كل شيء أمام الحقيقة الكبيرة التي تملأ ~~الكون كله ، فلا نرى هناك إلا الذي يمنح ويأخذ ، ويعطي ويمنع ، فله الولاية ~~الحق على كل شيء ، ولهذا فإن الإيمان به ، واللجوء إليه ، والاستسلام PageV14P332 # لأوامره ونواهيه ... هو الخط الصحيح الذي ينتهي إلى الثواب الأفضل ، ~~والعاقبة الأفضل. # ( @QUR@08 ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ) من كل هؤلاء الذين كانوا ~~يحيطون به ، ويتزلفون إليه ، ويضخمون له شخصيته ، ويرفعون له مقامه ، ~~ويعرضون أنفسهم للدفاع عنه ، وينصرونه في مقابل أعدائه ، لأنهم إذا ~~استطاعوا نصرته على الآخرين ، فهل يملكون أن ينصروه من الله الذي هو ~~المهيمن على ms3445 كل شيء بقدرته؟! ( @QUR@03 وما كان منتصرا ) أي ممتنعا عن عقاب ~~الله لو أراد أن ينتصر لنفسه. # ( @QUR@04 هنالك الولاية لله الحق ) فهو المالك لكل شيء من الأرض ~~والإنسان والحياة ، فهو الذي يملك الأمر كله والتدبير كله ، وهو الحق ~~الثابت الذي لا ثبوت ولا وجود إلا له ... ( @QUR@03 هو خير ثوابا ) لمن ~~أطاعه وعبده وآمن به ، ( @QUR@02 وخير عقبا ) لمن اعتمد عليه ، فيجد لديه ~~العاقبة الحسنة والأجر الجزيل. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي القصة؟ # ويبقى لنا الأسلوب التربوي الذي يحول المثل إلى قصة للصغار والكبار ، ~~ويحول القصة إلى صور حية معبرة ، في اللوحة الفنية ، وفي العمل المسرحي ~~الرائع ، ليشترك المثل والقصة والصورة والمسرحية في توجيه الإنسان إلى ~~الحقيقة الكونية الخالدة ، التي لا يبقى فيها إلا وجه الله. # ولا يقتصر الأمر على السير في أحداث القصة ، بل تمتد التجربة الإسلامية ~~إلى استحداث أمثلة جديدة ، وحوار جديد يتسع للفكرة في أكثر من PageV14P333 # جانب من جوانب الفقر والغنى مقارنا بالإيمان والكفر ، كأسلوب من أساليب ~~تزاوج الإيمان مع الحياة ، في حركته الصاعدة أبدا نحو القمة ، والممتدة ~~أبدا في رحاب الله. # * * * PageV14P334 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط ~~به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) ~~@QUR@013 المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~ثوابا وخير أملا ) (46) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هشيما ): نباتا يابسا متكسرا. # ( @QUR@01 تذروه ): تنثره وتفرقه. # * * * ### ||| ** الحياة الدنيا كماء أنزل من السماء # ويبقى تقديم الأمثال في طريقة عرض الفكرة أسلوبا قرآنيا ، من أجل توضيح ~~الصورة ، وتحويلها في وعي الإنسان إلى حالة حسية وجدانية ، وذلك PageV14P335 # من خلال تحريك الحس في أجواء المعنى ، لتتحرك تفاصيل الفكرة مع حركة ~~تفاصيل الصورة في الواقع. # ( @QUR@05 واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ) التي يريد للإنسان أن يعيشها في ~~عمق وعيه ، من موقع التأمل المركز في طبيعتها الزائلة الفانية ، فهي تنطلق ~~على الخط الذي يتصاعد بالقوة والنضارة والجمال ، ثم يهبط نحو الضعف والذبول ~~والزوال ، حتى لا يبقى منها شيء ، وتفنى الصورة في الجسد ، ويفنى الجسد في ~~التراب ... وبذلك لا ms3446 يبقى من الإنسان إلا الاسم الذي يتردد على الشفاه ، ~~والذكرى التي تخطر على البال. وهذا ما يريد القرآن للإنسان أن يتمثله في ~~وجدانه ، عند ما تقفز الصورة الحلوة المغرية في دائرة عينيه ، لتسلب لبه ، ~~ولتثير حسه ، ولتوحي له بكل إحساس لذيذ ، ولتدفع به نوازع الحس اللاهي إلى ~~الغفلة العميقة التي تبعده عن الله ، وتنسيه نفسه ، وتحرفه عن قضية المصير. # وهكذا يريد الله للمثل أن يجسد لهم الفكرة الواقعية الكامنة خلف ظواهر ~~الدنيا ، من خلال الصورة الظاهرة المتحركة في الواقع الحسي. # ( @QUR@08 كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) في ما تحتويه ~~من البذور المتنوعة المتناثرة في داخلها وخارجها ، فتتحرك فيها الحياة ، ~~ويهتز فيها النمو ، وتتنوع فيها الألوان ، وتمتد فيها الأغصان ، وتمتلئ ~~بالأوراق وتتدلى منها الثمار الشهية ... وتدخل الأرض في موسم عرس جديد ~~للورود والرياحين والأشجار ، والزرع الأخضر الممتد في ساحاتها بمختلف أنواع ~~العشب والنبات ... ولكن الحياة مهما امتدت ، واخضرت ، وتحركت ، واهتزت ، ~~وأنتجت ، وأعطت النمو والحيوية والجمال للأرض ، فإن لها أمدا معينا وأجلا ~~محدودا ، تجف فيه الحيوية ، وينتهي موسم الورود ، وتتهاوى على الأرض ، ~~وتتفتت فتتحول إلى ما يشبه الفتات الترابي ... ( @QUR@02 فأصبح هشيما ) ~~مكسرا متقطعا ، ( @QUR@02 تذروه الرياح ) وتعبث به ، فتوزعه هنا وهناك ، ~~وتذهب به PageV14P336 # تارة ، وتجيء به أخرى. ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء مقتدرا ) فهو الذي ~~يخلق الحياة ، ويمنحها قوة الامتداد ، وتنوع الشكل ، ومواقع الحركة ... ثم ~~يدخلها بطريقة متنوعة في عالم الفناء ، من أجل التحضير لموسم حياة جديد. ~~وكما هو النبات تختلف فيه الحياة في النمو من فصل إلى فصل ، كذلك الإنسان ~~في حركة الحياة من بعد الموت الذي يعقب الحياة. وتلك هي قصة الدنيا في ~~الإنسان ، من خلال ما يطل عليه منها من مظاهر الحركة والنمو والبهجة ~~والنضارة والزهو والشباب ، وما يثيره في داخله من مشاعر الفرح والأمل ~~والقوة ، وما يغذيه في داخله من الغرائز والشهوات والميول ... إنها تتوهج ~~وتزهو وتجعله يعيش ما يشبه الأحلام الوردية ، ثم تبدأ بالضعف والتراجع ~~والانحسار ، وتتحول المشاعر الحلوة إلى مشاعر مرة يواجه فيها الإنسان الحزن ms3447 ~~واليأس والهزيمة ، وتنتهي إلى أن تتفتت في يديه ، وتتكسر في حياته قطعة ~~قطعة ، ثم يتهاوى معها إلى حيث يتحول إلى هشيم تتقاذفه رياح الفناء ، ويعود ~~إلى التراب ، لتذروه الرياح العاصفة من جديد في الفراغ. # * * * ### ||| ** زينة الحياة الدنيا # ( @QUR@05 المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) من خلال ما يدخل على ~~الإنسان منها من بهجة وأنس ، وما يستمتعه من شهوة وعاطفة وحركة وجمال .. ~~وما يحقق منها من منفعة وقوة وامتداد في شؤون الحياة ... فالمال يمثل في ~~حياته العنصر القوي الذي يفتح له أكثر الساحات ، ويجمع حوله الكثير من ~~الأعوان ، ويحقق له أحلى المشتهيات ، ويرفعه إلى الدرجة العليا في الموقع ~~السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، ويمنحه حرية الحركة في ما يريده لنفسه من طيبات PageV14P337 # الحياة الدنيا ومن أحلام المستقبل المتجددة أبدا. # أما البنون ، فهم الذين يمثلون له القوة العددية ، التي تجعله موجودا في ~~كل واحد منهم ، فيعطيه ذلك قوة جديدة ، والشعور بامتداد حياته فيهم ، فيحس ~~بأنه يحيا في كل واحد منهم حياة جديدة بعد الموت ... إنهم يهبونه الامتداد ~~العاطفي الروحي الذي يشعر فيه بالسلوى والأنس واللهو به في طفولتهم ، بحيث ~~يسترجع من خلالهم طفولته ، بما يأخذ من أسباب اللهو واللعب معهم بحب وعاطفة ~~... ويحس بالفخر والزهر والرفعة عند ما يحيطون به في شبابهم وكهولتهم ، حيث ~~يرى أنهم يمثلون مجدا يضاف إلى مجده ، وزهوا يقوي عنصر الزهو الذاتي في ~~شخصيته عند ما يتحولون إلى شخصيات فاعلة قوية في مجتمعاتهم ، لأنهم ينتسبون ~~إليه ويعود كل عنصر طيب منهم إليه ... وهكذا يعيش الإنسان مع ماله وولده ~~الزينة المادية والعاطفية والروحية والمعنوية ، ولكن ماذا بعد ذلك؟ # سيذهب المال عنه قبل أن يفارق الدنيا أو بعد ذلك ، وسيفارقه البنون أو ~~يفارقهم ، أو يتركونه أو يتركهم ، ويبقى وحده ، ويدفن في القبر وحده ، ~~ويحشر يوم القيامة وحده ، تماما كأية زينة للجسد ، مما يتزين به الناس ~~لبعضهم البعض ، حيث تزول عن الإنسان أمام أي حدث طارئ في الحياة. # * * * ### ||| ** الباقيات الصالحات # ( @QUR@02 والباقيات الصالحات ) من أعماله الخيرة الصالحة التي قام بها ~~في حياته مما يصلح أمور البلاد ms3448 والعباد ، ومن كلماته الصادقة النافعة التي ~~تكلم بها ، ليعلم جاهلا ، أو ليهدي ضالا ، أو لينصر مظلوما ، أو ليقوي ~~ضعيفا ، أو ليحل مشكلة ، أو ليؤيد حقا ، أو ليهدم باطلا ، أو ليركز عدلا ، ~~أو ليدفع ظلما ... PageV14P338 # وغير ذلك مما يمتد أثره في حياة الناس ، في حياته وبعد مماته ؛ ( @QUR@04 ~~خير عند ربك ثوابا ) لأن الله جعل ثواب الإنسان لما يبذله من جهد في سبيل ~~الحق والعدل والخير والحياة ، مما ينسجم مع أوامره ونواهيه ويتحرك في خط ~~رضاه. أما المال ، فلا قيمة له عند الله في ذاته وفي جمعه إلا إذا تحرك في ~~مواقع الخير ، وكان إنفاقه في سبيل الله. وأما البنون ، فإن قيمتهم عند ~~الله هي في الجهد الذي يبذله الإنسان من أجل أن يكونوا مؤمنين صالحين ، ~~يصلحون أنفسهم بالطاعة ، ويصلحون الناس بالعلم والهداية وحركة الخير ... ~~وبذلك يكون المال والبنون في حركة الجهد العملي للإنسان من أجل خدمة الحياة ~~في خط الله جزءا من الباقيات الصالحات ، فتكون كبقية أعماله وأقواله خير ~~ثوابا ( @QUR@02 وخير أملا ) في ما يأمله الإنسان من رحمة الله ومن عفوه ~~ورضوانه التي يحصل منها على سلامة المصير في الدنيا والآخرة ، بينما لا ~~يأمل من زينة الدنيا المجردة شيئا لمستقبله الأخروي ، ولا يجد أمامه هناك ~~أي ثواب. # وهذا ما ينبغي للإنسان أن يعيشه في تحريك تفكيره نحو التعمق في الدنيا ، ~~ليميز بين مفرداتها الفانية ، وبين مفرداتها الباقية ، ليكون كل جهده لما ~~يبقى ، ولا تكون حياته لما يفنى ويزول ويتلاشى مع الظلام. # * * * PageV14P339 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا (47) @QUR@016 وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل ~~زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) @QUR@028 ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ~~مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نغادر ): نترك. # ( @QUR@01 الكتاب ): صحيفة الأعمال. # ( @QUR@01 مشفقين ): خائفين. # ( @QUR@02 يا ويلتنا ): الويل : الهلاك. # * * * PageV14P340 ### ||| ** الحشر والمصير # ( @QUR@03 ويوم نسير الجبال ) فتزول عن مواقعها ، وتفقد تماسكها ، وتتفتت ms3449 ~~أحجارها وصخورها ، وتتحول إلى تراب خفيف يطير مع الرياح ، وتصير هباء. ( ~~@QUR@03 وترى الأرض بارزة ) بجميع جهاتها ونواحيها ، فلا يتوقف النظر أمام ~~حاجز ، ولا يحجبه عنها أي ساتر ، بل هو الامتداد المنبسط الذي يحتوي الأفق ~~كله في نظرة واحدة ممتدة. ( @QUR@05 وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) إنه ~~يوم الحشر للحساب الذي تفيق فيه الخلائق كلها من الأولين والآخرين ، وهم ~~شاخصون بأبصارهم وأفكارهم ومشاعرهم إلى الله ، ليواجهوا اللحظة الحاسمة في ~~مسألة المصير. # ( @QUR@04 وعرضوا على ربك صفا ) واحدا يمثل التساوي في كل المواقع ~~الذاتية ، فلا تفاضل بنسب ، ولا جاه ، ولا مال ، ولا جمال ، ولا غير ذلك ~~مما كانوا يتفاضلون فيه في الدنيا ويختلفون حوله ، وليس لهم في هذا الموقف ~~إلا العمل ، وبذلك يكتشفون سقوط الامتيازات الدنيوية في عمق القيمة الروحية ~~الإلهية. ( @QUR@06 لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) فقد دخلتم الدنيا من ~~دون أن تحملوا إليها أشياءها التي تمثل زينتها الخادعة الفانية ، وقد خرجتم ~~منها وأتيتم إلى ربكم من دون أن يكون معكم شيء منها. وتلك هي حقيقة العلاقة ~~التي تربطكم بها ، أو تربطها بكم ، مما يوحي إليكم أنها تمثل معنى الحاجة ~~في الحياة ، ودور الحالة الطارئة التي تتحرك في السطح من حياة الإنسان دون العمق. # ( @QUR@06 بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ) وخيل إليكم ، في استغراقكم في ~~هذه الأمور وانجذابكم إليها ، واستمتاعكم بها ، أنكم خالدون معها ، وأنها ~~خالدة لكم ، وأن الحياة ستمتد بكم إلى ما لا نهاية ، أو أنها ستنتهي إلى ~~اللاشيء ، لأنكم لم تكتشفوا العلاقة الحقيقية بالله من خلال وجودكم في ~~الدنيا ، أو من خلال حركة الحياة في هذا الوجود ، في حاجاتها وأوضاعها ، PageV14P341 # وعلاقاتها ، بل أخلدتم إلى الأرض في نظرة تائهة مشدودة إلى التراب ، ~~بعيدة عن الآفاق العليا التي تطل بالفكر على الحقيقة الإلهية التي تشمل ~~الكون كله ، وتحتوي الزمن كله ، وتوحي للإنسان بأن هناك سرا يكمن خلف ~~الحياة ، وأن الله لم يخلق الناس عبثا ، ولم يعفهم من المسؤولية ، لأن ذلك ~~هو معنى الحكمة في خلقه وفي تشريعه. وها أنتم تواجهون الموعد المحتوم الذي ms3450 ~~وعدكم به الأنبياء ، وتقفون فيه وجها لوجه أمام الحقيقة الحاسمة التي نسيتم ~~الاستعداد لها من خلال نسيانكم لها في الأساس. # * * * ### ||| ** كتاب الأعمال # ( @QUR@02 ووضع الكتاب ) كتاب الأعمال ، أمام كل واحد منهم فقد دنت ساعة ~~الحساب وإعلان النتائج ، وأراد الله لهم أن يحاسبوا أنفسهم ويحاكموها ، من ~~خلال قراءتهم الدقيقة لما في هذا الكتاب من دقائق الأعمال التي عملوها في ~~الدنيا. وعرفوا طبيعة الموقف ، واستذكروا ، كل ما قاموا به. ( @QUR@05 فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه ) خائفين من نتائجه على أنفسهم ، لأنهم يعلمون أن ~~العذاب ينتظر المجرمين عقابا على جرائمهم. ( @QUR@03 ويقولون يا ويلتنا ) ~~في ما يشبه الصراخ اليائس من النجاة ، والدهشة المذهولة من دقة التفاصيل ~~الخفية ( @QUR@08 ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ) فلم يغفل حتى ~~الأشياء الصغيرة التي قد لا يحس بها الإنسان بشكل واع ، بل يقوم بها بطريقة ~~اللاشعور التي تدفعه إلى القيام ببعض الأعمال ، بما يشبه العادة القاهرة ، ~~( @QUR@04 ووجدوا ما عملوا حاضرا ) أمامهم لم يغب عنهم منه شيء ، وسيواجهون ~~الحساب من خلاله ، ولن يحاسبوا على أي شيء لم يفعلوه. ( @QUR@04 ولا يظلم ~~ربك أحدا ) لأنه العادل القوي الذي لا يحتاج إلى ظلم أحد ، باعتبار الضعيف ~~هو الذي يظلم الآخرين ، لأنه يخاف منهم على نفسه ، فظلمه مظهر ضعف لا مظهر قوة. # * * * PageV14P342 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا (50) @QUR@013 ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا (51) @QUR@013 ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) @QUR@010 ورأى المجرمون ~~النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ) (53) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ففسق ): فخرج إلى حال تضرع به. # ( @QUR@01 عضدا ): ما بين المرفق إلى الكتف. والمراد به هنا النصير ~~والمعين. # ( @QUR@01 موبقا ): مهلكا. PageV14P343 # ( @QUR@01 مواقعوها ): واقعون فيها ، داخلوها. # ( @QUR@01 مصرفا ): مكانا تنصرفون إليه. # * * * ### ||| ** عقدة ذاتية تاريخية # ... وتبقى قصة إبليس في عقدته الذاتية من آدم ، تتحرك في أكثر من موقع ~~قرآني لتثير أمام الإنسان ms3451 الآدمي في نسبه ، امتداد هذه العقدة في حياة كل ~~فرد من أفراده ، وفي كل جيل من أجياله ، لأن الخطة الإبليسية كانت تستهدف ~~امتداد آدم في ذريته ، لا شخص آدم وحده. وهكذا جاءت الآية الكريمة لتذكر ~~الإنسان بانحرافه عن خط الحذر المصيري ، الذي يفرضه عليه وعيه الدقيق لما ~~يجب أن يفهمه في علاقته بإبليس وذريته من حركة التاريخ الديني في بداية ~~الخليقة ، في علاقة إبليس بأبيه ، وموقفه المتمرد على الله في التنفيس عن ~~عقدته المتحركة في عمق الأنانية المتكبرة ، وما يمكن أن يؤثر ذلك على حركة ~~الإنسان في الحياة تحت تأثير وسوسته وحيله وخديعته. # * * * ### ||| ** سجود الملائكة لآدم إلا إبليس # ( @QUR@06 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) طاعة لله ، وتعظيما له ~~في إبداع هذا المخلوق الفريد من نوعه ، وتحية لآدم في تكريم الله له في ~~وجوده ( @QUR@05 إلا إبليس كان من الجن ) ولم يكن من الملائكة ، ولذلك كان ~~يعيش قابلية الانحراف في PageV14P344 # ذاته ، من خلال العناصر المتنوعة الخاضعة لأكثر من نقطة ضعف ، ومنها ~~عنصره الناري الذي كان يجد فيه لونا من ألوان الامتياز عن الآخرين ، ولذلك ~~كانت مسألة خلق آدم وتكريم الله بأمر الملائكة بالسجود له ، صدمة عنيفة ~~موجهة إلى كبريائه ، وتحقيرا للجانب العنصري في شخصيته ، فأبى أن يسجد له. ~~( @QUR@04 ففسق عن أمر ربه ) في حالة تمرد وتحد ومواجهة لهذا المخلوق ~~الجديد ، وأعلن عزمه على إضلال ذريته حتى لا يحصلوا على كرامة الله لهم في ~~رضاه عنهم ، ورحمته لهم ، وإدخالهم الجنة التي وعد بها عباده المتقين ، ~~لأنه لا يريد أن يتميزوا عنه وعن ذريته ، فيدخل هو النار بينما يدخلون ~~الجنة. وإذا كان حظه هو هذا الحظ ، وعزمه هو هذا العزم ، فكيف يمكن لأبناء ~~آدم أن يستسلموا له أو يخلصوا لعلاقتهم به ، أو ينفتحوا عليه من موقع الثقة ~~به ... إن ذلك يمثل منتهى الجهل ، وغاية السذاجة ، ( @QUR@05 أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دوني )؟ تمحضونهم المودة ، وتعطونهم الثقة ، وتنتمون ~~لأوضاعهم ، وتنفذون خططهم الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية من ~~خلال ما يوحون به إليكم من أفكار وآراء ومشاعر ، ( @QUR@03 وهم لكم ms3452 عدو ) ~~لأنهم يضمرون لكم المكر الحاقد الذي يؤدي بكم إلى خسارة الدنيا والآخرة من ~~أكثر من وجه. # * * * ### ||| ** بئس البديل الشيطان # ( @QUR@03 بئس للظالمين بدلا ) حيث يظلم هؤلاء الذين يتبعون إبليس وذريته ~~أنفسهم ، فيتخذونهم أولياء ، وينكرون ولاية الله الذي خلقهم وأسبغ عليهم ~~نعمه ظاهرة وباطنة ، ودعاهم إلى السير في طريق الهدى الذي يؤدي إلى الجنة PageV14P345 # التي وعد بها عباده المتقين. وأية معاملة أكثر سوءا من معاملة يستبدل ~~فيها الشيطان بالله؟! # ثم ماذا هناك؟ وماذا يملك هؤلاء الشركاء الذين أطاعوهم وعصوني ، واتبعوهم ~~وتركوني ، وأحبوهم وأبغضوني؟ وما خصائصهم الذاتية والنوعية التي يتميزون ~~بها ، ليكونوا أرفع درجة من بقية الناس ، بحيث يمكن لهم أن يحملوا بعضا من ~~أسرار الألوهية في ذلك ، ليرتفعوا إلى درجة الشرك بالله؟! إنهم لا يملكون ~~أي شيء من ذلك ، بل هم مثل الناس الآخرين في ملامحهم الشخصية ، وعناصرهم ~~النوعية. # ( @QUR@05 ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ) فلم يكونوا أسبق الخلق ، ~~بحيث شهدوا خلق السموات والأرض دونهم ، ليكون ذلك أساسا للتفكير بأنهم قد ~~شاركوا الله في بعض ذلك ، ( @QUR@03 ولا خلق أنفسهم ) وكيف يمكن أن يشهدوا ~~ذلك وهم في دائرة العدم؟! وذلك جار على سبيل الكناية عن عدم إحاطتهم ~~بالواقع الكوني ، وبالواقع الذاتي لأنفسهم ، لأنه كان أسبق منهم ، فكيف ~~يمكن أن تكون لهم السيطرة عليه ، وهم لم يعرفوا شيئا من أسراره؟! ولعل في ~~التعبير بالإشهاد ، بدل الشهود ، نوعا من الإيحاء بأن الله هو الذي يملك ~~الأمر كله ، فلا يملك أحد شيئا إلا من خلال تمليك الله له ، فإذا لم يقدر ~~الله لهم بأن يشهدوا ذلك ، فلا يمكن أن يتحقق لهم شيء منه. # ( @QUR@05 وما كنت متخذ المضلين عضدا ) وهل يمكن لله سبحانه أن يمنح ~~هؤلاء شرف القرب إليه باتخاذهم شركاء له ، أو مساعدين له لو كان ذلك معقولا ~~في نفسه في الوقت الذي يخططون فيه لتحويل الحياة إلى قاعدة للضلال على ~~مستوى العقيدة والعمل في حركة الإنسان فيها ، ويعملون من أجل تحقيق ذلك من ~~خلال ما يوسوسون به من أفكار الشر ، وما يزينونه من أوضاع الضلال ms3453 ، مما ~~يجعلهم في الموقع المواجه للحركة الهادية الصالحة التي يريد الله للإنسان PageV14P346 # أن يلتزمها ، فإن الله يهدي إلى الحق ، ويقود إلى خط الهدى والصلاح ، ~~فكيف يمكن أن يكون مثل هؤلاء في موقع الشركاء والمعاضدين لله في ملكه من ~~هذه الجهة ، مع أن الفكرة ، في مسألة الشرك ، لا تملك أساسا معقولا في ~~ذاتها ، بل هي من الأفكار المستحيلة في ميزان العقل؟! # ( @QUR@06 ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ) فليستجيبوا لكم في هذا ~~الموقف الذي تتعرضون فيه للعذاب ، لينقذوكم منه ، أو لينصروكم فيه ، لأن ~~ذلك هو المظهر الطبيعي للألوهية في أقل مراتبها التي تفرض السيطرة المطلقة ~~، أو الكبيرة في موقف الحساب. إنها دعوة التحدي الصارخ الذي يوحي إلى هؤلاء ~~المخدوعين بهذه الأفكار الضالة ، بأن المسألة لا تملك أي أساس للقوة على ~~صعيد الفكر والواقع ، ليعيدوا النظر في اعتقادهم بها ، وليتخلصوا من التأثر ~~بها نهائيا. ( @QUR@01 فدعوهم ) في أكثر من نداء ، وفي أعمق صرخة ، ( ~~@QUR@03 فلم يستجيبوا لهم ) لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فكيف ~~يملكونه للآخرين ، لا سيما في هذا الموقف الذي ( @QUR@02 يوم لا (1) ~~@QUR@07 تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) [الانفطار : 19]. # ( @QUR@03 وجعلنا بينهم موبقا ) والموبق محل الهلاك وقد ذكر بعض المفسرين ~~أن المراد به النار أو مواقعها ، التي يهلك فيها الفريقان : المشركون ~~وشركاؤهم. وقد ذكر صاحب تفسير الميزان ، أن ذلك لا ينسجم مع التدبر في ~~كلامه تعالى : «فإن الآية قد أطلقت الشركاء وفيهم ولعلهم الأكثر الملائكة ~~وبعض الأنبياء والأولياء ، وأرجع إليهم ضمير أولي العقل مرة بعد مرة ، ولا ~~دليل على اختصاصهم بمردة الجن والإنس ، وكون جعل الموبق بينهم دليلا على ~~الاختصاص أول الكلام. فلعل المراد من جعل موبق بينهم إبطال الرابطة ورفعها ~~من بينهم ، وقد كانوا يرون في الدنيا أن بينهم وبين شركائهم رابطة الربوبية ~~، أو السببية والمسببية ، فكنى عن ذلك بجعل موبق بينهم يهلك فيه الرابطة ~~والعلقة من غير أن يهلك الطرفان ، ويومي إلى ذلك بلطيف الإشارة تعبيره عن ~~دعوتهم أولا بالنداء حيث قال : ( @QUR@02 نادوا شركائي ) والنداء إنما PageV14P347 # يكون في البعيد ، فهو ms3454 دليل على بعد ما بينهما» (1). # وقد نستطيع المناقشة في هذا التفسير أولا ، بأن الآية السابقة قد تصلح ~~قرينة على الاختصاص ، من خلال ما تحدثت به عن إبليس وذريته باعتبارهم شركاء ~~في عقيدة هؤلاء ، وثانيا بأن الآية لا تفرض بأن يكون الشركاء المزعومون في ~~النار ، لأن من الممكن أن يكون هؤلاء في موقع ، وأولئك في موقع آخر ؛ بأن ~~يكون المشركون في النار ، وبذلك فإنها تفصل بينهم وبين الآخرين الذين هم ~~خارجها ، وليس من الضروري أن يكونوا جميعا في النار ، في ما تقتضيه كلمة ( ~~@QUR@01 بينهم )، فقد وردت في آية أخرى في مورد اختلاف الموقع ، في قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من ~~قبله العذاب ) [الحديد : 13] والله العالم. # ( @QUR@06 ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ) لأن الجو الذي يحيط ~~بموقفهم يوحي بذلك ، ولأن الأعمال التي قاموا بها في الدنيا في نطاق ~~الجريمة ، تؤدي إلى النار ، من خلال ما سمعوه من إنذار الأنبياء والرسل بأن ~~النار هي عاقبة المجرمين ، إلا أن يعفو الله عنهم ، ولم يعف الله عنهم في ~~هذا الموقف ، كما يرون. وإذا كانت جريمتهم هي الشرك فإن الله لا يغفر أن ~~يشرك به. والظاهر أن المراد بالظن هنا هو الإحساس المتعاظم بالنتيجة الذي ~~يواجه الحقيقة بطريقة ضاغطة ، لا مجال للهروب منها. ( @QUR@04 ولم يجدوا ~~عنها مصرفا ) ينصرفون إليه ويبتعدون به عن النار التي تستقبلهم ليدخلوها ~~بعد قليل. # * * * PageV14P348 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا ) (54) # * * * ### ||| ** الجدل الكلامي الفارغ # ( @QUR@014 ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا ) وذلك بالأسلوب القرآني المتنوع الذي يعبر عن الفكرة بأكثر من ~~طريقة ، ويواجه الواقع الإنساني بأكثر من فكرة ، ويحرك الفكر في أكثر من ~~موقع ... لينفتح على الحقيقة من كل جانب ، فيهتدي بها من خلال استعمال ~~وسائل الهداية التي أودعها الله في شخصيته من السمع والبصر والعقل ... في ~~ما أراد الله له أن يحركها بطريقة واعية منفتحة. فليست هناك مشكلة في طبيعة ms3455 ~~الأسلوب القرآني الذي يطرح الفكرة ، ليكون للإنسان العذر في ضلاله ، بأنه لا PageV14P349 # يملك الوضوح الذي يؤدي به إلى الإيمان ، بل المشكلة في طبيعة العقدة التي ~~يعيشها الإنسان الذي يستسلم لنوازعه الذاتية في التمرد والانحراف ، لئلا ~~يغير عاداته أو أفكاره ، ولئلا يدخل في الأجواء الرسالية التي تثير في ~~داخله الإحساس بالمسؤولية ، وهو ما يمكن أن يتعب جسده ، أو يبعده عن مواقع ~~الراحة واللهو والاسترخاء في حياته ... ولذلك فإنه يلجأ إلى الهروب من ~~مواجهة الحقيقة الواضحة ، بالالتفاف عليها بطريقة الجدل الكلامي الفارغ ~~الذي يثير الغبار في وجهها ، ولكنه لا يستطيع أن يحجبها عن العقول. # ( @QUR@05 وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) في ما تعنيه هذه الكلمة من ~~الدخول في المنازعات والمشاجرات التي تريد أن تملأ الجو بالكلام ، وتشغله ~~بالبحث في القضايا الصغيرة الجانبية ، ليبتعد الناس عن الارتباط بالمسائل ~~الكبيرة في حركة العقيدة والحياة ، ولينصرفوا عن التفكير فيها بطريقة علمية ~~موضوعية ، عند ما تستهلك الهوامش الفكرية كل جهدهم ، فيأتون إلى المسألة ~~الحاسمة بجهد مثقل بالتعب ، وروح فارغة من القوة ، وإرادة متعبة من الخلاف ~~... وهكذا تضيع الحقيقة في غمار الجدل ، ويبتعد الإنسان عن العمق ، فلا ~~يلتقي بحقائق العقيدة إلا من خلال ستار كثيف من المشاعر المتوترة ، ~~والذهنيات المعقدة ، والكلام الفارغ. # * * * PageV14P350 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) @QUR@018 وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ~~واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) @QUR@030 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) @QUR@019 وربك ~~الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن ~~يجدوا من دونه موئلا (58) @QUR@08 وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا ~~لمهلكهم موعدا ) (59) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قبلا ): مواجهة ومعاينة. # ( @QUR@01 ليدحضوا ): ليزيلوا. PageV14P351 # ( @QUR@01 أكنة ): أغطية. # ( @QUR@01 يفقهوه ): يفهموه. # ( @QUR@01 وقرا ): ثقلا في السمع. # ( @QUR@01 موئلا ): ملجأ. # * * * ### ||| ** حواجز بين الدعوة والإيمان ms3456 بها # وتبقى مشاكل الدعوة هي التي تلح على الأجواء القرآنية ، لأنها تمثل ~~الحواجز التي تحول بين الناس وبين الإيمان ، من خلال خضوع مجتمع الكفر لبعض ~~الذهنيات المتخلفة ، أو العقليات المتحجرة ، أو العقد المتنوعة ، أو ~~الخلفيات الفكرية التي تجعل الإنسان يعيش في حصار دائم في دائرة الفكرة ... ~~وهذا ما يريد القرآن في هذه الآيات ، أن يحرك الحديث حوله مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ليثير أمامه الواقع لئلا يشعر بالضعف أمام حالة ~~التمرد ، وليعتبر المسألة طبيعية في نطاق هذا الواقع. # * * * ### ||| ** العصبية تمنع من الإيمان # ( @QUR@010 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم ) ~~ويتراجعوا عما هم فيه من الكفر والضلال ، فينفتحوا على آفاق الهدى ، ~~ويرجعوا إلى الله ، ويستغفروه عما أجرموا في حقه في التنكر لعقيدة التوحيد ~~، أو لخط الرسالة ... ( @QUR@05 إلا أن تأتيهم سنة الأولين ) الذين كانوا ~~يتمردون على الله وعلى الرسل ، بالكفر والضلال والعصيان ، لأنهم لا يريدون ~~الإيمان ، ولا يستعدون PageV14P352 # للدخول في حوار مع الرسل ، ولا يركنون إلى فكر يوجههم ، ولا إلى علم ~~يهديهم ، بل ينطلقون في مواقفهم من موقع العصبية الذاتية أو القبلية أو ~~التاريخية التي تربطهم بعقيدة الآباء والأجداد ، أو غير ذلك فيبادرون إلى ~~إطلاق التحدي في وجه النبي ، أن يأتيهم بعذاب الله الذي يهلكهم إن كان من ~~الصادقين. ويحاول النبي بكل الوسائل أن يقرب إليهم الفكرة ، ويحذرهم من ~~عذاب الله في الدنيا والآخرة ، فلا يستجيبون له ، فينزل الله العذاب عليهم ~~ويهلكهم بالصاعقة ، أو بالصيحة ، أو بالزلزال ، أو بالطوفان ، أو بغير ذلك ~~من ألوان العذاب ، فيستأصلهم ، فلا يبقى منهم أحد إلا المؤمنون. # وهذا ما عاشه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مواقف قومه منه ، ~~فقد أبوا أن يؤمنوا لأنهم لا يلتزمون إرادة الإيمان ، ولا يعيشونها ، ولم ~~يجدوا أمامهم إلا أن يهربوا من دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم إلى ~~الحوار ، وذلك بإطلاق التحدي في وجهه ، أن تأتيهم سنة الأولين ، فيستريح ~~منهم ، ( @QUR@04 أو يأتيهم العذاب قبلا ) أي مواجهة وعيانا ومقابلة ، بحيث ~~يرونه ويشاهدونه ms3457 عند إقباله عليهم ، ليؤمنوا بعد ذلك. أما تفسير العلاقات ~~بين طلبهم هذا ، وبين عدم الإيمان ، لتكون سنة الأولين أو إتيان العذاب ~~مانعا لهم عن الإيمان ، فقد يكون معناه ، أنهم كانوا يظنون أو يعتقدون أن ~~المسألة أعني العذاب ليست بهذه الجدية ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس ~~قادرا على الاستجابة لهم ، لأنهم لا يعتقدون بنبوته لعدم تقديمه لهم ~~المعاجز التي اقترحوها عليه ، وبذلك يعتبرون الطلب الذي يقدمونه خروجا من ~~مأزق الدعوة النبوية إلى الفكر والتأمل والحوار الذي لا يريدونه ... وبذلك ~~لا يكون هذا مانعا حقيقيا ، ولكنه مانع افتراضي باعتبار أنهم يتخذونه حجة ~~على عدم الإيمان ، لأن النبي لم يستجب لهم في ذلك ، مما يعتبرونه دليلا على ~~عدم صدقه بادعاء النبوة ، ولكنهم ليسوا جادين بذلك ، لأن النبي أراد لهم أن ~~يناقشوا الإيمان معه من موقع العقل والفكر ، ليهتدوا على هذا الأساس ، ~~بعيدا عن مسألة المعاجز ، أو التهديد بالعذاب المباشر ، PageV14P353 # لأن أمره بيد الله ، وقد اقتضت حكمته أن لا ينزل العذاب عليهم. # * * * ### ||| ** المرسلون دورهم إنذار الناس # ( @QUR@06 وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ) فذلك هو دورهم الطبيعي ~~في الرسالة ، فليس عليهم إلا أن يبشروا الناس بالنتائج الإيجابية التي ~~يحصلون عليها من الإيمان بالله وبرسله وبكتبه ، وينذروهم بالنتائج السلبية ~~التي يواجهونها من خلال الكفر بالدعوة الرسالية ، على مستوى الدنيا والآخرة ~~، ويبذلوا كافة الوسائل في سبيل الوصول إلى ذلك ، ويقدموا أفضل الأساليب في ~~سبيل تقريب الفكرة إلى عقولهم ... وتنتهي مهمتهم عند ما يستكملون كل جهدهم ~~في هذا السبيل. أما استجابة الناس لهم وإيمانهم برسالتهم ، فذلك أمر يعود ~~إلى أكثر من سبب يتصل بالناس من جهة في انفتاحهم على المرسل ، وبالظروف ~~المحيطة بحركة الرسول والرسالة ، كما يتصل بأسلوب النبي في الدعوة ، ولذلك ~~فليس هناك بأس عليه إذا لم يتم له ما يريد من الحصول على النتائج الحاسمة ~~فيما إذا كان المانع من قبلهم لا من قبله. # * * * ### ||| ** مجادلة الذين كفروا بالباطل # ( @QUR@04 ويجادل الذين كفروا بالباطل ) الذين يعرفون أنه الحق ، فهم ~~يعلمون كيف كانت نتيجة الزيف والخديعة ms3458 والمداورة والمناورة ، التي تراد من خلال PageV14P354 # الإرباك والتشويش والتشويه والتضييع ، وإبعاد الموقف عن الجدية ، وتحويله ~~إلى حالة من اللعب بالألفاظ ... ( @QUR@03 ليدحضوا به الحق ) ويبطلوه بهذه ~~الأساليب الملتوية الباطلة التي لا تحترم مسئولية الفكرة في الفكر ، ولا ~~إنسانية الحقيقة في الإنسان ، ( @QUR@02 واتخذوا آياتي ) التي أنزلتها على ~~رسلي ( @QUR@02 وما أنذروا ) به من عذاب في يوم القيامة ، جزاء لكفرهم ~~وضلالهم وطغيانهم ( @QUR@01 هزوا ) من خلال ما اعتادوه من مقابلة المواقف ~~الجدية المسؤولة ، بأساليب السخرية والاستهزاء التي تعطي الجو حالة الميوعة ~~، لا حالة الصلابة والجدية والثبات. # * * * ### ||| ** ظلم النفس بالكفر # ( @QUR@08 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ) لأنه يظلم نفسه بما ~~يعرضها له من الضلال والضياع والعقاب والمصير الأسود ، ويظلم غيره بتوجيهه ~~إلى ذلك ... ولعل ظلم النفس بالكفر هو أفظع الظلم ، لأنه يدلل على عمق ~~سيطرة الظلم كمبدإ على شخصيته ، بحيث لا يوفر نفسه عن الخضوع له ، فيعرضها ~~للعذاب الأبدي ، بعد أن قامت حجة الحق عليه ، فأعرض عنها ( @QUR@04 ونسي ما ~~قدمت يداه ) من الذنوب والجرائم التي تعرضه لغضب الله وعقابه ، فلم يتب إلى ~~الله منها. وهذه هي مشكلة الكافرين في كفرهم ، حيث يغفلون عن النتائج ~~السلبية المترتبة على طريقتهم. # ( @QUR@07 إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) لأن الغفلة والنسيان ~~يجعلان الإنسان يواجه الأمور بعقل لا ينفتح على الحق ، بل يعيش معه كما لو ~~كان هناك غطاء يحجب عنه الحقيقة ، وبأذن صماء كما لو كان هناك ضجيج يمنع ~~الكلمة أن تدخل إلى أعماق السمع. PageV14P355 # ( @QUR@08 وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ) للهدى أبوابه التي ~~أغلقوها بأنفسهم ، باتباعهم سبيل الغفلة والإعراض عن الحق ، فكيف يهتدي ~~الإنسان بدون عقل مفتوح ، أو أذن سميعة ، أو عين مبصرة؟! وهكذا يختار ~~الإنسان لنفسه الضلال ، باختيار الأسباب التي تقوده إلى ذلك ، فليست ~~الحتمية في الكفر كامنة في شخصيته ليكون مجبورا على ذلك ، بل هي كامنة في ~~إرادته من خلال حركته في الاختيار ، عند ما يعطل إرادته عن التحرك في ~~الاتجاه السليم. # * * * ### ||| ** الله الغفور ذو الرحمة # ( @QUR@04 وربك الغفور ذو الرحمة ) الذي يحتوي ms3459 الناس كلهم بمغفرته ورحمته ~~، سواء في ذلك غفرانه للذنوب من الأساس ، وإفاضته النعم عليهم من جميع ~~الجهات ، أو تأخير العقاب عنهم مع استحقاقهم للتعجيل ، وإبقاؤهم في الحياة ~~مع استحقاقهم للهلاك ... فإن ذلك من آثار مغفرته ورحمته. ( @QUR@07 لو ~~يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ) لأن ذلك هو النتيجة الطبيعية للتمرد ~~على الله ومخالفة أوامره ونواهيه ، ( @QUR@03 بل لهم موعد ) جعله الله ~~لعباده في مواجهة نتائج أعمالهم الخيرة بالرضوان والثواب ، وأعمالهم ~~الشريرة بالغضب والعذاب. ( @QUR@05 لن يجدوا من دونه موئلا ) أي ملجأ ~~يلجأون إليه منه ، ليهربوا منه ومن عذابه. # ( @QUR@05 وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ) أنفسهم بالكفر والضلال ~~والعصيان ، على أساس من الحكمة الإلهية في العقاب وفي تحديد موعده ، ( ~~@QUR@03 وجعلنا لمهلكهم موعدا ) ثابتا لا يتأخرون عنه. # * * * PageV14P356 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي ~~حقبا (60) @QUR@011 فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في ~~البحر سربا (61) @QUR@012 فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من ~~سفرنا هذا نصبا (62) @QUR@020 قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت ~~الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) ~~@QUR@09 قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لفتاه ): صاحبه أو خادمه. # ( @QUR@02 لا أبرح ): لا أزال. # ( @QUR@01 حقبا ): دهرا وزمانا. # ( @QUR@01 سربا ): مسلكا ومذهبا. PageV14P357 # ( @QUR@01 نصبا ): تعبا ووصبا ووهنا. # * * * ### ||| ** ملخص القصة الغريبة # وهذه قصة غريبة في طبيعتها ، إذ تشتمل على حوادث غير مألوفة ، كرجوع ~~الحوت إلى الحياة ، واتباع موسى النبي المرسل إلى الناس ، عبدا صالحا عالما ~~، ليتعلم منه ما يملكه من علم بواطن الأشياء التي لم يعلمها الله لموسى ~~عليه السلام ، وصرامة هذا العالم الصالح في حالة الانضباط الذي يجب أن يفرضه ~~موسى على نفسه ، بالصبر وترك السؤال في الأمور التي يحاول فيها إثارة فضوله ~~بأعلى الدرجات ، في ما لا يمكن الصبر عليه ، لا لغرابته ، بل لمخالفته ~~للقوانين المألوفة في شريعة موسى عليه السلام . ثم يحسم الأمر مع موسى ~~عليه السلام فيصر على مفارقته لأنه لم يلتزم بما شرطه عليه من الصبر ms3460 القاسي ~~، بعد أن يفسر له ما أبهم عليه من القضايا المثيرة للفضول. # * * * ### ||| ** أسئلة تثار حول القصة # وربما كانت هذه القصة مثيرة لأكثر من سؤال على مستوى التفاصيل العقيدية ~~لما يجب أن تكون شخصية النبي. # فكيف يمكن أن يكون النبي موسى عليه السلام محتاجا إلى التعلم من شخص آخر ، ~~مع أن الفكرة المطروحة لدى الكثيرين أن النبي لا بد من أن PageV14P358 # يكون أعلم الناس ، لا سيما في القضايا المتصلة بالجوانب العملية التي ~~تتحرك فيها الرسالة؟ # وكيف نفسر نسيان موسى عليه السلام للحوت ، أمام الفكرة التي تقول إن النبي ~~معصوم عن الخطأ والنسيان ، حتى في القضايا الحياتية؟ # وكيف نواجه مسألة هذا الصبر النبوي الذي ينفد أمام أية حالة غموض ، بعد ~~أن أعطى كلمته للعبد الصالح ، أن يتبعه من دون أي سؤال؟ # إنها علامات استفهام ترتسم أمام القارئ العادي للقرآن ، من خلال ما يملك ~~من تفاصيل معينة في النظرة الإسلامية للشخصية النبوية. وربما نجيب عن هذه ~~الأمور في تفاصيل تفسير الآية الآتية. # * * * ### ||| ** مع تفاصيل القصة # ( @QUR@010 وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين )، أي ~~ملتقاهما. وقد قيل : هو الذي ينتهي إليه بحر الروم من الجانب الشرقي ، وبحر ~~الفرس من الجانب الغربي. وهكذا كان يريد موسى عليه السلام أن يصل إلى الموعد ~~الذي يلتقي فيه العبد الصالح في النقطة التي قد توحي بها الآيات ، لأنها ~~المنطقة التي يتمثل فيها سر الحياة. ( @QUR@03 أو أمضي حقبا ) أي أو أظل في ~~هذا السير وقتا طويلا حتى أصل إلى هذه الغاية ، ( @QUR@04 فلما بلغا مجمع ~~بينهما ) ووصلا إلى الغاية المبتغاة ( @QUR@02 نسيا حوتهما ) الذي اصطحباه ~~ليأكلاه كما يبدو أو ليكون علامة على تلك النقطة ، ولكن هل كان ميتا ، أو ~~مشويا؟ ربما يذكر المفسرون ذلك وربما يلاحظ البعض بأن الآية ليست ظاهرة في ~~ذلك ، فإن PageV14P359 # الوارد فيها هو نسيان الحوت من دون أية إشارة إلى طبيعة وضعه. ولكن قد ~~تكون الفقرة التالية : ( @QUR@05 فاتخذ سبيله في البحر سربا ) دليلا على ~~حياته بعد الموت ، لأنها تتحدث عنه كما لو كان يتحرك ms3461 حركة اختيارية في ~~سلوكه الطريق إلى البحر الذي يدخل إليه ليغيب فيه ، وهذا هو معنى السرب ، ~~كما يستفاد ذلك من الآية التالية : ( @QUR@06 فلما جاوزا قال لفتاه آتنا ~~غداءنا ) من السمكة التي حملاها معهما ، ولعل ذلك هو الذي جعل المفسرين ~~يقولون إنه كان حوتا مشويا ، لأنه كان معدا للغداء. ( @QUR@05 لقينا من ~~سفرنا هذا نصبا ) أي تعبا ، لأن المسافة كانت طويلة على ما يبدو فشعرا ~~بالجوع. ولكن الغلام فاجأه بنسيانه لها في المكان الذي جاوزاه ( @QUR@09 ~~قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ) هناك من دون قصد إلى ذلك ~~، بل كان غفلة سانحة ( @QUR@04 وما أنسانيه إلا الشيطان ) في ما يمثله من ~~السيطرة على وعي الإنسان للأشياء ( @QUR@02 أن أذكره ) فأحدثك بما حدث له ~~من الأمر العجيب. ( @QUR@05 واتخذ سبيله في البحر عجبا ) في ما يمثله رجوعه ~~إلى الحياة من العجب. # ( @QUR@05 قال ذلك ما كنا نبغ ) ونطلب لأن ذلك كان هو العلامة التي ~~يلتقيان فيها مع العبد الصالح ( @QUR@03 فارتدا على آثارهما ) أي آثار ~~أقدامهما ( @QUR@01 قصصا ) في اتباع الأثر لئلا يضلا الطريق. وهكذا رجعا ~~إلى تلك النقطة. # وربما يكون نسيان موسى عليه السلام مذكورا للتغليب ، باعتبار أن أمر الحوت ~~متعلق بهما من دون أن تكون هناك حالة نسيان له من قبله ، لأن المسألة متصلة ~~بغلامه الذي كان موكلا بحمل الحوت وحفظه ، مما يجعل قضية الذكر والنسيان ~~قضيته الخاصة ، لا قضية موسى عليه السلام الذي لم يكن في موارد التوجه إلى ~~هذه المسألة ليرفض تذكره أو نسيانه لها. # * * * PageV14P360 ### ||| ** هل ينسي النبي؟ # وإذا أردنا أن نتجاوز هذه الملاحظة ، فإننا لا نجد هناك أي دليل عقلي أو ~~نقلي يفرض امتناع نسيان النبي لمثل هذه الأمور الحياتية الصغيرة ، لأن ذلك ~~لا يسيء إلى نبوته من قريب أو من بعيد ، ولكن ربما نلاحظ في هذا المجال أن ~~النبي إذا كان لا ينسى أمر التبليغ كما هو المتفق عليه بين المسلمين فلا بد ~~من أن يكون ذلك من خلال ملكة ذاتية تمنعه من النسيان ، بحيث تجعل وجدانه ~~واعيا للأشياء ، فلا تغيب ms3462 عنه عند ما ينفصل عنها ، مما يجعل المسألة غير ~~قابلة للتجزئة ، كما هي القضايا المتصلة بالملكات النفسية. # وقد يثير البعض أمام هذه الملاحظة ، أن مسألة التبليغ قد تكون موضعا ~~لتدبير إلهي غير عادي ، من أجل حفظ الرسالة من الضياع أو التحريف ، بحيث ~~يعطي وجدانه الرسالي إشراقة قوية ، تختلف عن وعيه للأشياء الأخرى ؛ والله ~~العالم. # * * * PageV14P361 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما (65) @QUR@011 قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) ~~@QUR@06 قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) @QUR@08 وكيف تصبر على ما لم تحط ~~به خبرا (68) @QUR@010 قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) ~~@QUR@012 قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ) (70) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خبرا ): معرفة. # ( @QUR@01 ذكرا ): بيانا. # * * * PageV14P362 ### ||| ** العبد الصالح هو الخضر # والتقيا بهذا العبد الصالح ، الذي لم يرد له ذكر في القرآن إلا في هذه ~~القصة. وتتحدث الروايات عنه أنه الخضر ، وفي حديث أئمة أهل البيت ~~عليهم السلام في ما رواه محمد بن عمارة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ~~«أن الخضر كان نبيا مرسلا ، بعثه الله تبارك وتعالى إلى قومه ، فدعاهم إلى ~~توحيده والإقرار بأنبيائه ورسله وكتبه» (1)... وقد تذكر بعض الأحاديث أنه ~~حي لم يمت بعد ، وليس هناك دليل قطعي يثبت ذلك ، كما أنه ليس هناك دليل ~~عقلي يمنع من ذلك من خلال قدرة الله المطلقة على ذلك وعلى أكثر منه. # ولا نجد هناك كبير فائدة في تحقيق الأمر في شخصيته وفي خصوصيته ، لأن ذلك ~~لا يتصل بأي جانب في العقيدة والحياة. ( @QUR@08 فوجدا عبدا من عبادنا ~~آتيناه رحمة من عندنا ) ربما كانت هي النبوة ، وربما كانت شيئا آخر مما ~~يرحم به عباده ، ويختص بعضهم بميزة خاصة في موقعه وفي ملكاته. ( @QUR@08 ~~آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) مما لم يؤته الله لغيره من ~~عمق الإحاطة بخفايا الأمور وتأويل الأشياء ، وهذا ما كان الآخرون ومنهم ~~موسى النبي عليه السلام بحاجة إلى الاطلاع عليه ، مما أراده الله ms3463 أن يسعى ~~إليه في اللقاء بهذا العالم الصالح. # ( @QUR@011 قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ) لأسترشد ~~به في مهماتي التي كلفني الله بها ، لأنني بحاجة إلى الاستزادة من العلم ، ~~باتباع الذين يملكون ما لا أملكه منه. # * * * PageV14P363 ### ||| ** ما مدى علم النبي؟ # وهذا حديث عن مدى علم النبي في سعته وشموله ، فهل من الضروري أن يملك علم ~~كل شيء ، أو أن المسألة تقتصر على ما أراد الله له أن يعلمه في ما يختص ~~بتبليغ رسالته وما تحتاجه من معرفة التفاصيل؟ فقد ذهب البعض إلى ضرورة ~~إحاطة النبي بعلم كل شيء ، بما في ذلك مفردات العلوم الطبيعية ، والقضايا ~~الجزئية ، لأن النبي يمثل الشخص الذي يجب على كل الناس أن يطيعوه ويقتدوا ~~به ، فلا بد من أن يكون أعلم الجميع ، لأن العقل لا يجوز إمامة الجاهل ~~للعالم ، ولو في الموارد الخاصة. # ولكن هناك رأيا آخر ، يقول : إن العقل لا يفرض ، في مسألة القيادة ~~والإمامة والطاعة ، إلا أن يكون الشخص الذي يتحمل هذه المسؤوليات محيطا ~~بالجوانب المتصلة بمسؤولياته ، في ما لا يحيط به الناس إلا من خلاله ، أما ~~الجوانب الأخرى من جزئيات حياتهم العامة ، أو من مفردات علوم الحياة ~~والإنسان ، أو من خفايا الأمور البعيدة عن عالم المسؤولية ، أما هذه ~~الجوانب ، فلا دليل على ضرورة إحاطته بها ، ولا يمنع العقل أن يكون لشخص حق ~~الطاعة في بعض الأمور التي يحيط بها على الناس الذين يملكون إحاطة في أشياء ~~أخرى لا يحيط بها ولا تتعلق بحركة المسؤولية. # وربما كانت هذه القصة دليلا على صحة هذا الرأي الذي نميل إليه ، كما يميل ~~إليه بعض العلماء القدامى ، لأنه يلتقي بالجو القرآني الذي يتحدث عن ~~الأنبياء بطريقة معينة بعيدة عما اعتاده الناس في نظرتهم إليهم من خلال ~~الأسرار الخفية والكمال القريب من المطلق. # * * * PageV14P364 ### ||| ** بين الاستغراق في اللحظة واستيعاب المستقبل # ( @QUR@06 قال إنك لن تستطيع معي صبرا ) لأن تعاملي مع الأشياء يختلف عن ~~تعاملك وتعامل الآخرين معها ، لأني أنظر إلى أبعاد القضايا في العمق على ~~مستوى حركة ms3464 الزمن في المستقبل ، بينما تنظرون إليها من خلال اللحظة الزمنية ~~الحاضرة ، والسطح الظاهر منها. وبهذا كانت نظرتي إلى الأمور من خلال ~~نهاياتها ، أما نظرتكم إليها ، فمن خلال بداياتها. وهذا هو سر المسافة بين ~~النظرة الشاملة الكلية للحياة ، وبين النظرة المحدودة الجزئية لها من خلال ~~ما تمثله المسافة بين البداية والنهاية. ولهذا فمن الصعب أن يصبر الفريق ~~الذي ينظر إلى القضايا من مسافة قريبة على الفريق الذي ينظر إليها من مسافة بعيدة. # ( @QUR@08 وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) مما قد ترى فيه انحرافا عن ~~الموازين ، التي تزن بها الأمور على أساس ما تراه قاعدة للشرعية أو ما ~~تتصوره منسجما مع طبيعة الواقع الذي تخضع في تقييمك له لرؤية معينة ، الأمر ~~الذي يجعلك تنتفض وتحتج وتستثير فضولك لتطرح السؤال تلو الآخر لتتعرف على ~~طبيعة المسألة ، أو لتسجل عليها نقطة احتجاج. وهذا أمر لا غرابة فيه ، لأن ~~الإنسان الذي ركب تكوينه على أساس غريزة الفضول ، في ما أراده الله من ~~إثارة قلق المعرفة في ذاته كسبيل من سبل الحصول عليها ، أو الذي يملك قاعدة ~~معينة للتفكير قد تختلف عن غيره ، لا بد له من أن يعبر عن موقفه بطريقة ~~متوترة لا تملك الصبر على ما يواجهه من علامات الاستفهام ، أو على ما يراه ~~من مظاهر الانحراف ... ولكن موسى عليه السلام يصر على الحصول على شرف ~~مرافقته ، لأن الله يريد له ذلك ، فهو مأمور باتباعه. PageV14P365 # ( @QUR@06 قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) في ما يصبر عليه طالب المعرفة ~~ويتحمله من الجهد النفسي والعملي في سبيل الحصول عليها. إنه العزم الذي ~~يتحرك في إرادتي التي لا أضمن امتدادها في خط الالتزام العملي إلا بمشيئة ~~الله ، في ما يقدره من أسباب ، وما يخلقه من ظروف ، وما يثيره في حياتي من ~~أفكار ومشاعر ، قد تغير العزم ، وتسقط الالتزام ... إن القضية هي أني أعدك ~~بالصبر ، فسأكون صابرا ، أتحمل كل النوازع الذاتية الصعبة ، ( @QUR@04 ولا ~~أعصي لك أمرا ) كما هو دور التلميذ مع أستاذه الذي يثق بكفاءته وحسن تقديره ms3465 ~~للأمور ، وإخلاصه في سبيل رفع مستواه. # ولكن العبد الصالح يريد أن يحدد المسألة في دائرة الأسلوب العملي للمعرفة ~~، فهو لا يريد أن يبادر تلميذه بالمعرفة ، ولا يريد له أن يبادره بالسؤال ، ~~بل يريد له أن يتأمل ، ويثير الفكرة في داخله ، ويحاول أن يتعمق في القضايا ~~من خلال المعاناة الفكرية التي تمنحه قوة عقلية متقدمة ، كما يريد له أن ~~يحصل على ملكة الصبر في مواجهة المشاكل الفكرية المعقدة ، فلا يستعجل ~~الوصول إليها قبل توفر عناصر النضوج لديه ، كي لا يتحول إلى إنسان سطحي في ~~تفكيره. # ( @QUR@07 قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء ) مما لم تعرف وجهه ، ولم ~~تحط بخفاياه ، ( @QUR@05 حتى أحدث لك منه ذكرا ) وأبدأ حواري معك ، عند ما ~~تحين اللحظة المناسبة ، التي أرى فيها المصلحة للحديث عن الموضوع معك. وهذا ~~هو شرطي الوحيد الذي أضعه أمامك ، للموافقة على مصاحبتي في هذا الطريق. # * * * PageV14P366 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) @QUR@08 قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ~~(72) @QUR@010 قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ) (73) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 إمرا ): داهية عظيمة. # ( @QUR@01 ترهقني ): تحملني. # * * * ### ||| ** درس موسى الأول # وابتدأت التجربة ، وبدأ الدرس الأول ... ( @QUR@01 فانطلقا ) في الطريق من PageV14P367 # أجل البحث عن موقع الفكرة على الطبيعة وفي الواقع ، لأن الدرس لم يكن ~~درسا نظريا ، ليجلسا على الأرض ، وليتحدثا عن القضايا المطروحة في الساحة ~~الفكرية والعملية ، وليحللا تفاصيلها ويدرسا المواقف الحاسمة على أساس ذلك ~~، بل كان درسا عمليا يتحرك فيه هذا العالم الصالح في الساحة الواقعية ، ~~التي قد يوحي الحدث فيها بشيء ، ولكن العمق الداخلي له يوحي بشيء آخر ، ~~ليترك الفكرة تتفاعل في داخل موسى عليه السلام ، من خلال حالة الاندهاش التي ~~يثيرها الموقف ، فتحفر في عقله ووجدانه وشعوره ، ليصل إلى النتيجة بنفسه ، ~~أو من خلال توجيه العالم له ، بعد أن تترك الفكرة آثارها في عمق شخصيته. ~~ولهذا انطلقا في رحلة البحث عن المعرفة. وربما تحدثا بحديث عابر ، وربما ~~كانا يسيران صامتين يفكر أحدهما وهو ms3466 موسى عليه السلام في المجهول الذي يقبل ~~عليه ، ويفكر الآخر وهو العالم في التجربة التي يريد أن يحركها في الدرس ~~الأول. ( @QUR@05 حتى إذا ركبا في السفينة ) التي مرت عليهما ، أو ذهبا إلى ~~موقعها في الشاطئ ، واستقر بهما المقام فيها ، ( @QUR@01 خرقها ) وأحدث ~~فيها ثغرة قد ينفذ الماء منها ، وفزع موسى عليه السلام من هذا العمل الذي ~~يشبه الجريمة ، وتوترت أعصابه لأن ذلك قد يؤدي إلى غرق السفينة عند ما ينفذ ~~الماء من هذه الثغرة فيغرقان ، في من يغرق من أهلها من دون أي مبرر شرعي ، ~~فاحتج على ذلك بشدة ، ( @QUR@04 قال أخرقتها لتغرق أهلها )؟ كيف تفعل ذلك ~~أو كيف تبرره؟ ( @QUR@04 لقد جئت شيئا إمرا ) أي داهية عظيمة. # ورد عليه العبد الصالح بهدوء ، ليذكره بوعده بأن يظل صامتا مهما رأى من ~~فعله ، ومهما أثار ذلك الدهشة في داخله ... حتى يفسر له هو العمل. ( ~~@QUR@08 قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ) لأن طريقتي في العمل تختلف ~~عن طريقتك ، فلا تستطيع أن تفهم طبيعة أعمالي ، إذا أردت أن تقيسها بما ~~تتخذه لنفسك من مقياس. وانتبه موسى عليه السلام لنفسه ، فكيف يستعجل الحكم ~~عليه ، وكيف يخالف ما عاهده عليه من الالتزام بالصمت أمام كل شيء يصدر منه؟! PageV14P368 # وبدأ في الاعتذار له عما بدر منه ( @QUR@05 قال لا تؤاخذني بما نسيت ) من ~~عهدي لك وهذا موقف ثان للنسيان يعيشه موسى عليه السلام في ذاته لأن النسيان ~~حالة اضطرارية لا يملك الإنسان معها عنصر الاختيار. ( @QUR@05 ولا ترهقني ~~من أمري عسرا ) أي لا تكلفني موقفا عسيرا على أساس ذلك. وقبل منه عذره. # * * * PageV14P369 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) @QUR@09 قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ~~(75) @QUR@013 قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ~~(76) @QUR@024 فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا (77) @QUR@012 قال هذا فراق بيني ms3467 وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا ) (78) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 استطعما ): طلبا الطعام. # ( @QUR@03 يريد أن ينقض ): أشرف على السقوط. # ( @QUR@01 فأقامه ): سواه. PageV14P370 # ( @QUR@01 بتأويل ): بتفسير. # * * * ### ||| ** درس موسى الثاني # وبدأ الدرس الثاني ، ولكن الموقف كان أكثر إثارة للدهشة والإنكار ، لأنه ~~كان يجسد الجريمة بطريقة طبيعية. ( @QUR@06 فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما ~~فقتله ) من دون أي ذنب جناه ، ومن دون أية مشكلة حادثة بينهما وبين هذا ~~الغلام. وبذلك كانت المسألة لا تحمل أي تبرير من أية جهة كانت ، لأن مبررات ~~القتل واضحة في مواردها الشرعية التي ليست موجودة في هذه الحادثة ، ولذلك ~~وقف موسى ليحتج بشدة على هذه الجريمة البشعة ، ( @QUR@03 أقتلت نفسا زكية ) ~~أي طاهرة ( @QUR@02 بغير نفس ) أي من دون أن يقتل نفسا محترمة؟ ( @QUR@04 ~~لقد جئت شيئا نكرا ) ينكره الشرع والناس والوجدان. # وقد أثار المفسرون الحديث حول ما إذا كان هذا الغلام غير بالغ ، باعتبار ~~ما تفسره كلمة الغلام ، ولكن بعضا آخر يرى الكلمة تتسع للبالغ كما تتسع ~~لغيره ، ويرى في اعتراض موسى عليه السلام بقوله : ( @QUR@05 أقتلت نفسا زكية ~~بغير نفس ) أن القتل لو حصل من الغلام لأوجب القصاص ، وهو مختص بالبالغ. # وأجابه العبد الصالح بهدوء ليذكره من جديد بعهده بالصمت ، ( @QUR@09 قال ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ) ولماذا لم تستفد من التجربة الأولى ~~التي عرفت فيها خطأ موقفك في اهتزاز مشاعرك أمام الحدث الذي لم تفهمه ، ولم ~~تفكر بأن من الممكن أن يكون له وجه آخر ، لا سيما وأنك لا تجد في ملامحي ~~شخصية الإنسان الشرير الذي يريد أن يؤذي الناس ويوقعهم في ضرر كبير؟ PageV14P371 # وأحس موسى عليه السلام بالحرج الشديد لمخالفته ، له للمرة الثانية ونكثه ~~بالعهد ؛ ( @QUR@08 قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ) لأني لن أكون ~~أهلا لمرافقتك ، باعتبار أن مسلكي يمثل عدم الانضباط أمام الكلمة المسؤولة ~~التي التزمت بها أمامك. ( @QUR@05 قد بلغت من لدني عذرا ) فقد أعذرت إلي في ~~ما قدمته لي من شرط ، وما حذرتني منه من ضعف. ووافق العبد الصالح على ~~الاستمرار معه ، وبدأ الدرس الثالث ، ليواجها ms3468 تجربة جديدة. # * * * ### ||| ** درس موسى الثالث # ( @QUR@08 فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها )، فقد كانا ~~جائعين ، ( @QUR@03 فأبوا أن يضيفوهما ) لأنهم كانوا من البخلاء الذين لا ~~يستقبلون الضيف ولا يكرمونه. وحانت منهما التفاتة ( @QUR@06 فوجدا فيها ~~جدارا يريد أن ينقض ) وينهدم ، إذ كان مشرفا على السقوط والانهدام ، فبادر ~~العبد الصالح إلى القيام بجهد كبير لتثبيته وإقامته. ولم يعجب هذا العمل ~~موسى عليه السلام ، لأنه في غمرة إحساسه بالجوع وابتعاد أهل القرية عن ~~الموقف الإنساني معهما يرى أن من الممكن الاستفادة من هذه الفرصة لطلب ~~الأجرة من أصحاب البيت ، للحصول على الغذاء بسبب ذلك. ( @QUR@06 قال لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا ) فلا يذهب جهدك هباء بدون عوض لأنهم لا يستحقون الإكرام ~~، إن كنت تستهدف الخير المحض من خلال ذلك. # ونفد صبر العبد الصالح ، ولم يستطع موسى عليه السلام أن يقدم اعتذاره ~~ويطلب الاستمرار معه ، لأنه قد أخذ على نفسه عهدا جديدا بعدم مصاحبة العبد ~~الصالح إذا عاد إلى سيرته الأولى في الاعتراض عليه ، وها هو يعود إلى PageV14P372 # الإخلال بكلمته من جديد. ( @QUR@05 قال هذا فراق بيني وبينك ) فلم تستطع ~~أن تكون التلميذ الملتزم بأصول التجربة لسلوك طريق المعرفة ، ( @QUR@07 ~~سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) لتعرف جيدا أن كثيرا من الأمور ~~الظاهرة بشكل معين ، قد يكون لها شكل آخر ومعنى آخر ، يمكن أن يغير ~~الانطباع عنها بطريقة حاسمة. # * * * PageV14P373 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ~~وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) @QUR@010 وأما الغلام فكان أبواه ~~مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) @QUR@09 فأردنا أن يبدلهما ~~ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) @QUR@035 وأما الجدار فكان لغلامين ~~يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن ~~يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما ~~لم تسطع عليه صبرا ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زكاة ): طهارة. # ( @QUR@02 وأقرب رحما ): أشد وصلا للقرابة والرحم. # ( @QUR@02 يبلغا أشدهما ): يكبرا ويعقلا. # * * * PageV14P374 ### ||| ** تبرير العبد الصالح خرقه للسفينة # وبدأت الإجابات على علامات الاستفهام التي ms3469 ارتسمت في ذهن النبي موسى ~~عليه السلام ، ومضى العبد الصالح العالم يفسر أفعاله. # ( @QUR@07 أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) ويتعيشون منها ، ~~فهي التي تحفظ لهم كرامتهم ، وتعينهم على القيام بمسؤولياتهم في إدارة ~~شؤونهم العامة والخاصة ، ( @QUR@03 فأردت أن أعيبها ) وأفتح فيها ثغرة تمنع ~~الطامعين بمصادرتها ، لقلة الرغبة في السفينة المعيبة ، لأحفظها لهم. ( ~~@QUR@06 وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ) صحيحة ( @QUR@01 غصبا )، فما ~~فعلته لم يكن عدوانا على الراكبين فيها والعاملين عليها ، بل صيانة لحقوق ~~أصحابها ، مع ملاحظة أن الثغرة لم تعرضها للخطر ، ولم تغرق الراكبين فيها ، ~~ولهذا نزلنا منها ، كما نزل الآخرون على خير وسلامة ، فأية مشكلة في هذا قد ~~تنافي العقل والعدل والشريعة؟ # * * * ### ||| ** توضيح سبب قتل الغلام # ( @QUR@05 وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ) من الذين يمثلون الإيمان ~~الفاعل المتحرك الذي يريد الله له أن يتجسد في الواقع بقوة وصلابة وامتداد ~~، ولذلك كانت إرادته في أن يجنبهما التجربة القاسية التي يتعرض لها الأبوان ~~في الصراع بين العاطفة والواجب ، عند ما يكون لهما ولد منحرف يعيش في دائرة ~~الكفر والضلال. ( @QUR@05 فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) وذلك باستخدام ~~موقعه العاطفي في سبيل إغوائهما للسير في خط الكفر والطغيان ، أو يكون ~~المراد كما يذهب. PageV14P375 # إليه البعض أن يضغط عليهما ، ويسيء معاملتهما ، ويحاصرهما في نشاطهما ~~الروحي ، وذلك من خلال طغيانه وكفره اللذين لا يراعي معهما أية قرابة وأية ~~عاطفة. ( @QUR@06 فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه ) أي طهارة في ما تمثله ~~من الخير والصلاح والإيمان ، ( @QUR@02 وأقرب رحما ) بمعنى أشد وصلا ~~للقرابة وللرحم فلا يرهقهما بشيء. # وهكذا نجد عملية هذا القتل ، مرتكزة على حجة إيمانية تتصل بالتوازن بين ~~مفسدة مهمة وأخرى أهم ، فكانت الغلبة للأهم. وإذا كان هذا الأمر غير مألوف ~~في طبيعة الممارسة ، باعتبار أن قتل إنسان ما ، لتجنيب إنسان آخر الضلال ~~بسببه ، ليس أمرا منسجما مع طبيعة الجزاء على مستوى حركة الصراع ، فإن ~~المسألة قد تكون ناشئة لاستحقاق هذا الإنسان القتل بكفره وطغيانه ، ولكن ~~ذلك لم يكن في مستوى الأولوية السريعة ، لو لا النتائج المستقبلية السلبية ms3470 ~~المترتبة عليه. وعلى كل حال ، فإن ذلك لم يكن تصرفا ذاتيا من العبد الصالح ~~، بل هو أمر إلهي أوحى به الله إليه بطريقة خاصة ، كما ستأتي الإشارة إليه ~~بعد ذلك في الآية التالية. # * * * ### ||| ** سبب إصلاح الجدار # ( @QUR@014 وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا ) مما أوجب رعاية الله لهما في غياب أبيهما الذي ~~اختاره الله إليه ، ( @QUR@07 فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ) ~~ليعيشا حياة طبيعية كريمة ، فلا يضيع كنزهما تحت تأثير سقوط الجدار الذي ~~يكشف عن موقع الكنز فيتناهبه الناس ، ولذلك فلم تكن المسألة خدمة لأهل ~~القرية الذين لا يعيشون قيمة PageV14P376 # العطاء ولا يستحقون الكرامة من الآخرين ، بل رعاية لهذين اليتيمين جزاء ~~لصلاح أبيهما. # ( @QUR@04 وما فعلته عن أمري ) ليكون حالة ذاتية تخضع للنوازع الخاصة ، ~~بل هو أمر الله سبحانه الذي أراد له أن يقوم بما قام به ، في حال مصاحبته ~~لموسى عليه السلام ، ليعلمه من خلال التجربة كيف يصبر على مواجهة الأشياء ~~التي قد تجد لها تفسيرا في العمق غير ما يلوح على السطح. وكيف يعيش التواضع ~~للعدم ، فلا يكون موقع النبوة ، بما يمثله من مستوى روحي عظيم ، مانعا له ~~من أن يسعى للانفتاح على علم جديد ، وللتواضع لأهله. # ( @QUR@07 ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) لأنك واجهت الأمور في ~~ظواهرها ، ولم تواجهها في مواقعها الخلفية العميقة. # * * * ### ||| ** كيف نفهم القصة ونستوحيها؟ # يلفت نظرنا في هذه القصة عدة نقاط : # 1 الأسلوب الوديع الذي يعبر عن روح التواضع للعلم والعلماء ، من دون نظر ~~إلى طبيعة المركز الاجتماعي أو الديني الذي يقف فيه العالم والمتعلم ، فنحن ~~نجد الأدب الرسالي في هذه الكلمات الهادئة المتعطشة للعلم التي خاطب بها ~~موسى عليه السلام هذا العبد الصالح : ( @QUR@08 هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا ). # 2 الأسلوب الواقعي الذي يعبر عن الروح العملية التي يعيشها العالم تجاه ~~المتعلمين ، بعيدا عن أية مجاملة تفرضها الأوضاع الاجتماعية ، أو أي PageV14P377 # أسلوب من أساليب اللف والدوران التي تحاول خداع الآخرين ، لتجعل منهم ~~أرقاما ms3471 تضاف إلى أرقام الأتباع الموجودين الذين يشاركون في تضخيم شخصية ~~الأستاذ ، من دون ملاحظة لاستفادتهم منه أو قابليتهم للتعلم والانتفاع بعلمه. # فقد لا حظ هذا العبد الصالح أنه يختلف عن الآخرين في طبيعة معرفته ~~بالواقع ، فهم يلتقون بالجانب الظاهر منه بينما يعتبر نفسه مطلعا على ~~الجوانب التي تختفي وراء الصور الظاهرية المألوفة للأشياء ، مما يجعلهم ~~يرفضون أو لا يتحملون طريقته في العمل وأسلوبه في معالجة هذا الواقع ، وسوف ~~لن يتقبلوها في نهاية المطاف. وبذلك تفقد الصحبة فائدتها ، وتتحول إلى مزيد ~~من المجادلات والمخاصمات التي لن تكون في مصلحة أحد ، ولا في مصلحة الحقيقة ~~على أي حال. # وعلى ضوء هذا ، أوضح له طبيعة سلوكه الذي يتعارض مع المألوف ، وأعلن له ~~مقدما أنه أي موسى عليه السلام لن يستطيع معه صبرا ، لأن الإنسان لا يملك ~~الصبر على ما لم يحط بمعرفته ، فلم يكن من موسى عليه السلام إلا أن وعده ~~بالصبر والطاعة المطلقة ... وكانت تعليمات العبد الصالح أن لا يسأله موسى ~~عليه السلام عن كل شيء يشاهده ويثير استغرابه ، أو يرسم علامات الاستفهام في ~~ذهنه ، مهما كان الشيء مثيرا أو غريبا ... وينتظر حتى يبدأه هو بالحديث عنه ~~وعن كل شيء شاهده ورآه. # وبهذا كانت العلاقة المتبادلة بينهما علاقة صحبة ترتكز على السعي نحو ~~المعرفة في إطار من الانضباط والواقعية. # 3 إن القضايا التي قام بها هذا العبد الصالح ، كانت تتحدى صبر موسى ~~عليه السلام بما أثارته من خروج عن الخط الشرعي ، كما في قضية قتل الغلام ، ~~وخرق السفينة ، لما في الأول من اعتداء على الأموال وتعريض الآخرين للخطر ~~من دون حق ، ولما في الثاني من اعتداء على الحياة بدون ذنب PageV14P378 # وكما في حادثة تثبيت الجدار وما أظهرته من إهمال لمبدأ استغلال الطاقة ~~التي يملكها الإنسان ، من أجل حماية نفسه من الجوع ، لا سيما مع الأشخاص ~~الذين لا يعيشون القيم في حياتهم العامة ... ولهذا كانت احتجاجات موسى ~~عليه السلام تتلاحق وتشتد في كل حالة من هذه الحالات ، حتى كانت الحالة ~~الأخيرة التي سبقها ms3472 التعهد الأخير بالصبر من قبل موسى عليه السلام ، وإعطاء ~~صاحبه الحرية في أن يفارقه ، إذا استمر في إثارة السؤال وفي نفاد الصبر. # وهكذا كان ، ولم يستطع موسى عليه السلام الصبر في الحالة الأخيرة ، وبدأ ~~العبد الصالح ، بعد أن نفذ تهديده بالفراق ، يشرح لموسى عليه السلام كل شيء ~~، ويوضح له طبيعة الأعمال التي أثارت استنكاره ، وكيف كانت مرتبطة بأمر ~~الله ، لا برأيه الشخصي. وليس من شأن هذا البحث ، أن ندخل في الحديث حول ~~تقييم هذه الأعمال ، من حيث انسجامها مع الخطوط المألوفة للشريعة ، أو ~~اختلافها عنها ، وخضوعها لحالة استثنائية اقتضتها طبيعة تلك الحالات الخاصة ~~... فإن لذلك بحثا آخر ، لا مجال له الآن. # بل كل ما نريده ، هو الاستفادة من الجو الذي عشناه في هذا الحوار ، ~~بتقرير فكرتين أساسيتين ، تدخلان في نطاق عمل الداعية إلى الله والعامل في ~~سبيل رسالته ... # أإن على الداعية أن يعيش الانضباط والصبر والصمت في الحياة العملية التي ~~تتحرك في اتجاه ممارسته المسؤولية ، إذا كانت الجهة التي يتبعها أو يتعاون ~~معها في مستوى الثقة الفكرية والدينية والعملية التي تبرر له أمر الاعتماد ~~عليها ، والسير معها ، فلا يسارع إلى الاعتراض في ما يوجه إليه من أوامر ، ~~وما يشاهده من أعمال تخالف ما هو مألوف لديه ، لأن ذلك قد يوجب الارتباك في ~~العمل ، والخلل في انضباط الصفوف ... بل يؤخر ذلك إلى PageV14P379 # الظرف المناسب ، والمكان المناسب ، حيث يكون ، من الممكن ، من وجهة عملية ~~، القيام بما يريده من إثارة السؤال والجواب. # ب إن على المؤمنين أن يتقبلوا بالصبر والتسليم ما يلقى إليهم من أحكام ~~الله ، مما لا يتفق مع الأفكار التي يألفونها ، لأن الله سبحانه أعلم بجهات ~~الصلاح والفساد ، فإذا حدثت لديهم شبهة في أي أمر من ذلك ، فليتهموا ~~أفكارهم في البداية وليحاولوا البحث بعد ذلك عن طبيعة الحكم وحيثيته ، ~~ليصلوا إليه ، في نهاية المطاف. # * * * PageV14P380 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) ~~@QUR@010 إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) @QUR@02 فأتبع ~~سببا (85) @QUR@025 حتى إذا بلغ مغرب الشمس ms3473 وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) ~~@QUR@013 قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) ~~@QUR@013 وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ) (88) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذكرا ): خبرا. # ( @QUR@02 مكنا له ): جعلنا له قوة وسلطانا. # ( @QUR@01 حمئة ): الحمأ : طين أسود. # ( @QUR@01 نكرا ): فظيعا. # * * * PageV14P381 ### ||| ** من هو ذو القرنين؟ # وهذه شخصية جديدة تتميز بالإيمان والقوة والحركة والمسؤولية ... كانت ~~مثارا لأكثر من سؤال لدى القوم المعاصرين للرسول ، وهي شخصية ذي القرنين ~~الذي قد يكون مذكورا في التراث اليهودي ، وقد يكون منقولا لدى مجتمع الدعوة ~~في ما يتناقله الناس من أحاديث الشخصيات التي تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة ~~، والخرافة بالعلم. # وقد لا نملك التاريخ الدقيق الذي يمكن أن يفصل لنا خصوصيات هذه الشخصية ~~في موقعها من الزمان والمكان ، أو في طبيعة الملامح الذاتية. وقد أفاضت ~~الأحاديث المأثورة المروية في تحديد اسمه ، وموقعه ، ومدة ملكه ، وفي سر ~~هذه التسمية الغريبة التي تجعل له قرنين ، مما لا يكون إلا للحيوان ، وهل ~~هما من ذهب أم من فضة؟ وغير ذلك مما لا يخضع لقاعدة أو يؤدي إلى نتيجة. # وقد ورد في بعضها ما يمكن أن نستوحي انسجامه مع الوحي القرآني في تحديد ~~شخصيته ، وذلك في ما رواه صاحب الميزان عن الشيخ الصدوق في «كمال الدين» عن ~~الأصبغ بن نباتة ، قال : قام ابن الكواء إلى علي عليه السلام وهو على المنبر ~~، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن ذي القرنين ، أنبيا كان أم ملكا؟ ~~وأخبرني عن قرنيه ، أمن ذهب أم من فضة؟ فقال له : لم يكن نبيا ولا ملكا ، ~~ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضة ، ولكن كان عبدا أحب الله فأحبه الله ، ونصح ~~لله فنصحه الله ، وإنما سمي ذا القرنين ، لأنه دعا قومه إلى الله عز وجل ، ~~فضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا ، ثم عاد إليهم فضرب على قرنه الآخر (1). PageV14P382 # وإذا صحت هذه الرواية ، فإنها تدل على أنه قد عاش ms3474 الدعوة إلى الله في ~~حياته ، من موقع المعاناة في خط التحدي والتحدي المضاد ، مما جعله عرضة ~~للاضطهاد ، كما هي حال الكثيرين من المصلحين المجاهدين الذين يعيشون الضعف ~~الذاتي والمادي في مجتمعهم ، فيتعرضون للضرب والاضطهاد من طغاة زمانهم ، ~~ولكنه قد أخذ بأسباب القوة ، حتى أصبح يطوف البلاد من موقع القوة الضاغطة ~~الكبيرة. # ولعل القرآن لا يستهدف من الحديث عنه إلا الجانب الإيحائي الذي يوحي ~~بالعبرة في ما يتمثل في ملامحه من قوة الإيمان ، وقوة الشخصية ، وحركة ~~المسؤولية الحاسمة أمام حالات الانحراف أو الاستقامة وتحريك القوة في ~~معاونة الضعفاء ، والابتعاد عن النوازع المادية في ما يقوم به من جهد ~~تجاههم. # وربما كان هذا هو النهج في القصص القرآني ، الذي لا يفيض في الحديث عن ~~التفاصيل ، فيقتصر على رسم ملامح الصورة عن الأشخاص الذين يتحدث عنهم ، ~~لأنه لا يعتبر القصة ملهاة لإثارة الفضول وإشباعه ، لتكون الأمور الجزئية ~~التفصيلية أساسا في حركة القصة ، بل يراها درسا فكريا أو عمليا ، من خلال ~~ما توحي به الملامح البارزة التي تمثل حركة القضية المطروحة في السير ~~العملي للشخصيات. وقد نحتاج إلى استلهام هذا النهج في كتابة التاريخ ، لأن ~~ما نستفيده للمستقبل من عبرة لا يحتاج إلى سرد الكثير من تفاصيله ، وبذلك ~~نبتعد عن الاستغراق في الملامح الذاتية للشخص العظيم ، نبيا كان أو إماما ~~أو وليا أو زعيما صالحا ، إلا في ما يتصل بالمعنى الرسالي أو القيادي من ذلك. # * * * PageV14P383 ### ||| ** قصة ذي القرنين # وهذا ما نريد أن نلتقيه في حركة القصة القرآنية في قصة ذي القرنين. # ( @QUR@04 ويسئلونك عن ذي القرنين ) لتكشف لهم غوامض شخصيته وخصوصية ~~تاريخه ، ليتعرفوا عليها من خلال حديثك ، أو ليتعرفوا دقة معلوماتك ، عند ~~ما يقارنون بينها وبين ما يملكونه من معلومات حصلوا عليها من مصادرهم ~~الموثوقة أو غير الموثوقة ، ليكون السؤال اختبارا لما تملكه من المعرفة. ( ~~@QUR@05 قل سأتلوا عليكم منه ذكرا ) يمنحكم الفكرة والعبرة ، بعيدا عن ~~الفضول الذاتي الباحث عن التفاصيل. # ( @QUR@05 إنا مكنا له في الأرض ) فأعطيناه من القوة والسلطة والسيطرة ، ~~( @QUR@05 وآتيناه من كل شيء سببا ms3475 ) من الوسائل الفكرية والروحية والمادية ~~، ومن القوى البشرية المتعاونة معه ، المؤيدة له ، ومن المواقع المتقدمة في ~~ساحات الصراع الواسعة على مستوى العالم الذي يحيط به. # ( @QUR@02 فأتبع سببا ) وتحرك من أجل الأخذ بهذه الأسباب التي تمهد له ~~الوصول إلى أهدافه الكبيرة ، عبر المسافات البعيدة الباحثة عن مشارق الشمس ~~ومغاربها. # ( @QUR@05 حتى إذا بلغ مغرب الشمس ) وهو الموقع الذي ينتهي إليه العمران ~~من جهة الغرب في ما يمكن له أن يبلغه لاصطدامه بحاجز مائي أو جبلي أو ما ~~إلى ذلك ... ( @QUR@05 وجدها تغرب في عين حمئة ) وربما كانت كناية عن مصب ~~أحد الأنهار ، حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج وهو الحمأ وتوجد ~~البرك كأنها عيون الماء ، فرأى الشمس تغرب من هناك ، ووجدها تغرب في PageV14P384 # عين حمئة كما يقول سيد قطب (1) وربما كانت النقطة عند شاطئ المحيط ~~الأطلسي الذي كان يسمى بحر الظلمات ، ويظن أن اليابسة تنتهي عنده ، فرأى ~~الشمس تغرب فيه. # ( @QUR@03 ووجد عندها قوما ) استطاع أن يسيطر عليهم بالقوة القاهرة التي ~~كان يملكها ، وأن يحكمها بالمنهج الذي يراه أساسا للحكم ، ولكنه ليس المنهج ~~الذي يتخذ السلطة وسيلة للقهر أو لأخذ المحسن بذنب المسيء ، أو للعمل على ~~خنق حريتهم ومصادرة إنسانيتهم ، كما يفعل الأقوياء. وهكذا واجه الخيار الذي ~~يقف أمامه في موقع الاختيار بين العذاب الذي يسومهم به ، وبين العفو ~~والتسامح والرحمة التي يعاملهم بها. وهذا هو ما يستوحيه من التعاليم ~~الإلهية المنزلة على الرسل الذين عاصرهم ، أو تقدموا عليه ، وذلك كما لو ~~كان يستمع إلى كلام الله بشكل مباشر ، لأن الإنسان الواعي المنفتح على ~~الرسالة يواجه كلام الله الذي يقرأه أو يسمعه ، كما لو كان يستمع إليه من ربه. # ( @QUR@012 قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) وفي ~~ضوء ذلك ، فليس من الضروري أن يكون هذا القول من الله وحيا إلهيا ، ليكون ~~ذلك دليلا على نبوته ، ولكن ما معنى هذا الخيار؟ هل أن القوم كانوا منحرفين ~~متمردين يستحقون العذاب جزاء لانحرافهم وتمردهم ، أم ربما كانوا يرجون ~~العفو والمعاملة الحسنة ms3476 على أساس جهلهم وتخلفهم ، مما يمكن أن يكون عذرا ~~لهم ، ليكون ذلك وسيلة من وسائل تراجعهم عن خط الانحراف عند ما يعيشون روح ~~التسامح التي تفتح قلوبهم وعقولهم على الخير القادم من الله؟! ووقف ذو ~~القرنين بين الخيارين ، ولكنه كان يريد أن يواجه المسؤولية من خلال الحكم ~~على الواقع الإنساني الذي عاشه هؤلاء في نتائجه العملية ، فلا بد من دراسة ~~تاريخ حياتهم ، ليعرف ماذا فعلوه من خير أو شر ، وما مارسوه من صلاح أو PageV14P385 # فساد ، ليكون ذلك هو الوجه البارز لحركته في حكم المجتمع في نطاق ~~المستقبل في ما يقوم به بشكل مباشر ، وما يمكن أن يقوم به الآخرون من بعده. # ومن جهة ثانية ، فإن هذا هو الخط المتحرك في النهج الذي يجب أن يحكم ~~سلوكهم في حياتهم العامة والخاصة ، ليكون ذلك هو حركة مسئوليتهم في ما ~~يواجهون الله به من ذلك. وهذا ما أكدته الآية الكريمة في ما نقلته عن جواب ~~ذي القرنين. # ( @QUR@06 قال أما من ظلم فسوف نعذبه ) في الدنيا وفق خط الشريعة العادل ~~التي تريد أن تؤكد النظام الكامل في المجتمع في علاقاته بين أفراده ، فتدفع ~~إلى عقاب الظالمين الذين يظلمون أنفسهم بالانحراف عن الخط المستقيم ، ~~ويظلمون غيرهم بالاعتداء على حقوقهم وحرياتهم ، لأن ذلك هو العنصر الرادع ~~الذي يمنعهم في المستقبل عن الامتداد في خط الانحراف والعدوان ، انطلاقا من ~~الحالة الإنسانية الخاضعة لمبدأ الثواب والعقاب. أما في الآخرة ، فإن ~~العذاب ينتظر الظالم لتمرده على الله في ما عصاه في أوامره ونواهيه. ( ~~@QUR@07 ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ) أي منكرا عظيما لا يعرف طبيعته ~~لأنه غير مألوف لديه ، في ما كان يألفه من ألوان العذاب في الدنيا. # ( @QUR@05 وأما من آمن وعمل صالحا ) في ما يمثله ذلك من التكامل بين ~~الحالة الفكرية في العقيدة وبين الحالة العملية في الاستقامة ، على خط ~~الإيمان بالعمل الصالح الذي يمثل المفردات التشريعية في دائرة رضا الله ، ( ~~@QUR@03 فله جزاء الحسنى ) أي فله المثوبة الحسنى جزاء عمله وإيمانه ، ~~ونضعه في المركز الكبير في الحياة ms3477 الاجتماعية ، ليكون ذلك تشجيعا للمحسنين ~~على إحسانهم ، وللآخرين على الأخذ بأسباب ذلك. ( @QUR@05 وسنقول له من ~~أمرنا يسرا ) في ما يعنيه القول من التكليف بالأعمال اليسيرة التي لا تشق ~~عليه ، لأن الجهد الذي بذله في الانضباط PageV14P386 # والالتزام بالسير على الخط المستقيم ، يفرض التخفيف عليه. وربما كانت ~~كلمة اليسر كناية عن المعاملة الطيبة التي تجعل للمحسنين موضعا للإكرام ~~والاحترام. # * * * PageV14P387 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 ثم أتبع سببا (89) @QUR@015 حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع ~~على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) @QUR@06 كذلك وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا (91) @QUR@03 ثم أتبع سببا (92) @QUR@013 حتى إذا بلغ بين السدين وجد ~~من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) @QUR@020 قالوا يا ذا القرنين ~~إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا (94) @QUR@012 قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل ~~بينكم وبينهم ردما (95) @QUR@019 آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) ~~@QUR@08 فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) @QUR@015 قال هذا ~~رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ) (98) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ردما ): حاجزا. # ( @QUR@01 زبر ): قطع. # ( @QUR@01 الصدفين ): الجانبين. PageV14P388 # ( @QUR@01 قطرا ): نحاسا أو حديدا أو رصاصا مذابا. # ( @QUR@02 أن يظهروه ): أن يعلوه. # * * * ### ||| ** إقامة السد # ( @QUR@03 ثم أتبع سببا ) وتحرك من خلال الوسائل المتوفرة لديه ، في ~~الانطلاق بعيدا في رحلة ثانية نحو الشرق ، فهيأ كل الأسباب لذلك ، ( ~~@QUR@05 حتى إذا بلغ مطلع الشمس ) في الجانب الشرقي في الصحراء الممتدة ~~أمامه حيث الأفق الواسع ، ( @QUR@010 وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا ) فهم يعيشون على الصعيد في العراء من دون أن يكون هناك أي ساتر ~~يسترهم من بناء ونحوه. # ( @QUR@06 كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ) فلم يغب عنا شيء مما كان يتحرك ~~فيه ، أو يقبل عليه ، أو يخطط له من مشاريع وأوضاع ... وربما كان ذلك على ~~سبيل الكناية في إحاطة الله بأموره ، بحيث كانت تحت عنايته ورعايته ورضاه ~~... أو في تعظيم أمره ، بحيث ms3478 بلغ من الدقة والسعة ما لا يحيط به إلا الله. # ( @QUR@03 ثم أتبع سببا ) في اتجاه آخر ، ( @QUR@05 حتى إذا بلغ بين ~~السدين ) وقد يكون المراد بهما الجبلين ، لأن السد يطلق على الجبل وعلى كل ~~حاجز يسد طريق العبور ( @QUR@08 وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ~~) في ما يوحي به ذلك من بساطتهم وسذاجة فهمهم ، بحيث لا يعيشون العمق ~~الفكري في مواجهتهم للمشاكل ، فيحتاجون إلى الشخص الذي يدبر لهم أمورهم ، ~~ويقودهم إلى الحلول الممكنة التي كانوا يستطيعون الوصول إليها بأنفسهم ، لو ~~كانوا يملكون الوعي الكامل المنطلق من حالة المعاناة الفكرية. وهذا ما ~~واجهوه مع أولئك الذين كانوا يعيشون في الجانب الآخر من المنطقة ، وراء ~~الجبلين ، فقد كان بإمكانهم أن يبحثوا عن الوسيلة التي يستطيعون أن يتخلصوا ~~بها من ضغطهم على واقعهم PageV14P389 # في ما يتحركون به من إفساد البلاد والعباد ، إما بالمواجهة ، أو ~~بالمعاهدة ، أو بغير ذلك من الأمور ، ولكنهم لم يجدوا هناك إلا إقامة السد ~~بينهم ، ليكون ذلك حاجزا طبيعيا يمنعهم من القدوم إليهم ، أو الهجوم عليهم. ~~وهكذا طرحوا المسألة على ذي القرنين بسذاجة وطيبة وبساطة. # ( @QUR@010 قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ) فهم ~~يغيرون علينا ويعملون فينا سلبا ونهبا وقتلا وتدميرا ... ولا نملك أية ~~وسيلة لرد عدوانهم علينا ، ومواجهة إفسادهم لحياتنا وحياة الناس من حولنا ، ~~( @QUR@04 فهل نجعل لك خرجا ) أي مالا يكون بمثابة الأجر لك على ما نطلبه ~~منك من عمل ، كما يعطى كل صاحب عمل أجر عمله ، مما يحفزه على القيام به ~~والاستمرار فيه ، لأن القليلين من الناس هم الذين يقومون بخدمة غيرهم من ~~دون أجر. # ( @QUR@06 قال ما مكني فيه ربي خير ) فقد أعطاني الله من أسباب القوة من ~~المال والسلطة ، ما هو خير لي من المال الذي تدفعونه لي ، ولذلك فإني أعمل ~~من أجل رضاه وذلك بتقديم الخدمات لكم وللآخرين من عباد الله الذين أستطيع ~~خدمتهم ، فمنه أطلب القوة والثواب ، ولذلك فإني مستعد للقيام بما تريدونه ~~مني ، ولكن ذلك يحتاج إلى مساعدة منكم بما تملكونه ms3479 من الإمكانات العملية ~~التي يقدمها العمال من جهد وقوة من أجل إتمام العمل. ( @QUR@02 فأعينوني ~~بقوة ) على بنائه وتحضير الوسائل الممكنة لذلك ، من مواد العمل وجهد ~~العمال. ( @QUR@04 أجعل بينكم وبينهم ردما ) فأسد الثغرة المفتوحة بين ~~الجبلين ، التي تفسح لهم المجال للنفاذ إلى مواقعكم. ( @QUR@03 آتوني زبر ~~الحديد ) وهي قطع الحديد التي تمثل الأساس في قوة السد وإحكامه ، بالإضافة ~~إلى ما يحتاج إليه من الحجارة. ( @QUR@05 حتى إذا ساوى بين الصدفين ) من ~~خلال قطع الحديد التي جمعوها له ، ووضعها في الثغرة الواقعة بين الحاجزين ، ~~فأصبحا كأنهما صدفتان تغلقان ذلك الكوم بينهما ، فصارا في مستوى القمتين ، ~~( @QUR@02 قال انفخوا ) على النار لتسخين الحديد ، ( @QUR@04 حتى إذا جعله ~~نارا ) من خلال توهجه واحمراره ، ( @QUR@05 قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) وهو PageV14P390 # النحاس المذاب الذي يتخلل الحديد ويختلط به ، فيزيده قوة وصلابة. # ( @QUR@04 فما اسطاعوا أن يظهروه ) بأن يرتفعوا فوقه لعلوه ، ( @QUR@04 ~~وما استطاعوا له نقبا ) بأن يثقبوه لينفذوا من خلال الثقب لصلابته وقوته. # * * * ### ||| ** طمأنينة المؤمن # وهكذا تم لذي القرنين ما أراده من إغلاق المنافذ التي كان ينفذ منها هذا ~~الجيش البشري يأجوج ومأجوج ليفسدوا البلاد ويهلكوا العباد ، وذلك انسجاما ~~منه مع مسئوليته الإيمانية في ما إراده الله من تقوية الضعيف بقدرته. وهناك ~~شعر بالراحة النفسية والطمأنينة الروحية التي يلمسها المؤمن عند ما يقوم ~~بمسؤوليته أمام ربه ، فيرى رحمة في القوة التي منحها الله له وفي الروحية ~~التي فتح فيها قلبه وعقله على مواقع الخير ، مما يعطي الموقف معنى الإيمان ~~الذي يعيش معه الإنسان ، بعيدا عن كل مشاعر القوة الذاتية والكبرياء ~~الشخصي. # ( @QUR@05 قال هذا رحمة من ربي ) فهو مكنني من الخير وهيأ لي الظروف ~~وساعدني على مساندة الآخرين لي في ما أريد القيام به في خط المواجهة ~~للمفسدين في الأرض ، وفي مجابهة القوة العدوانية بالقوة العادلة. ( @QUR@04 ~~فإذا جاء وعد ربي ) وقامت القيامة ، وزالت الجبال وتحولت إلى هباء ... ( ~~@QUR@02 جعله دكاء ) فلا يبقى منه شيء ، بل يتحول إلى تراب يطير مع الريح ( ~~@QUR@04 وكان وعد ربي حقا ) لا ريب فيه ، فهو أصدق من وعد ، فلا مبدل ms3480 ~~لكلماته وهو اللطيف الخبير. وربما كان المراد من الوعد الحق ، الزمن المحدد ~~الذي يختص بهذا السد عند اقتراب الساعة ، كما قد توحي به الآية الكريمة في ~~قوله تعالى في سورة الأنبياء : ( @QUR@013 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم ~~من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق ) [الأنبياء : 96 97] # * * * PageV14P391 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ~~(99) @QUR@05 وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) @QUR@011 الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) @QUR@014 أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ~~) (102) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصور ): قرن ينفخ فيه. # ( @QUR@01 نزلا ): ما يهيأ للنزيل ، وهو الضيف. # * * * ### ||| ** الموقف الحاسم # وتلك هي صورة يوم القيامة ، حيث تنطلق الجموع البشرية المحتشدة من PageV14P392 # الأولين والآخرين كالأمواج المتلاطمة التي يزحم بعضها بعضا ، ويعلو بعضها ~~فوق بعض استعدادا للموقف الصعب الحاسم. # ( @QUR@07 * وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) في وضع مضطرب متنافر بعيد ~~عن النظام. ( @QUR@03 ونفخ في الصور ) الذي يدعوهم إلى التجمع والانتظام في ~~موقف واحد. ( @QUR@02 فجمعناهم جمعا ) ووقف الجميع أمام رب العالمين ، وكان ~~الكافرون المتمردون في الموقف الخائف الحائر الذي يواجه المصير الرهيب. # ( @QUR@05 وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ) فعرفوها بكل ساحاتها ~~وزواياها ، وبكل لهيبها وعذابها ، وبكل طعامها وشرابها ، فوقفوا يحدقون ~~فيها بذهول ودهشة وارتباك ، ولم يستطيعوا الابتعاد عنها ، كما كانوا ~~يبتعدون في الدنيا عن ذكر الله وعن مواقع طاعته. # ( @QUR@07 الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ) فلا يبصرون آيات الله ، ~~ولا يقرءونها كما لو كان هناك غطاء يغطي أعينهم ، ( @QUR@04 وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا ) إذا تليت عليهم ، كما لو كانوا في حالة صمم ... وها هم ~~يواجهون الموقف بالعذاب الشديد ، فما ذا يفعلون الآن؟ وكيف يفكرون؟ هل ~~يعتقدون أن كل ذلك التمرد والكفر والطغيان يمكن أن يمر بدون حساب أو يذهب ~~بدون عقاب؟؟ هل القضية بهذه السهولة؟! إنهم لو فكروا بهذه الطريقة ، فإن ~~تفكيرهم يكون تفكيرا خاطئا. ( @QUR@09 أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي ~~من دوني أولياء ) يلقون إليهم بالمودة ، ويتوجهون إليهم بالعبادة ، ويخلصون ~~لهم ms3481 بالطاعة ، ويتركون عبادتي ولا أحاسبهم على ذلك. ( @QUR@05 إنا أعتدنا ~~جهنم للكافرين نزلا ) فهو مصيرهم المحتوم الذي ينتهون إليه لينزلوا فيه ~~أبدا من دون أن يستطيعوا الخروج منه. # * * * PageV14P393 ### ||| ** العبرة من القصة # وهكذا تنتهي قصة ذي القرنين ، مع إيحاءاتها الروحية ، ولمساتها الإيمانية ~~، لنواجه في شخصيته صفات الإنسان المؤمن ، الذي أخذ بكل أسباب القوة ، وطاف ~~بالبلاد طولا وعرضا ، ولكنه لم ينطلق بقوته ليظلم الناس ، أو ليستعلي عليهم ~~، أو ليفسد حياتهم ، بل انطلق من أجل مسانده الضعفاء ، وتأكيد الخط ~~الإيماني ، بما يجعل الحياة في قبضة الحكم العادل الذي يجازي المسيء على ~~إساءته ، ويثيب المحسن على إحسانه ، ويقف بعد ذلك أمام الله ليشهده على ~~اعترافه بعبوديته له ، وبحاجته إليه ، وبشعوره بأن كل ما يفعله ويقوم به هو ~~رحمة من الله عليه. وذلك هو النموذج الأمثل الذي يريد الله أن يقدمه ~~للإنسانية ، ليعيش الإنسان معه في عملية اهتداء واقتداء في مواجهة الذين ~~يعيشون القوة بعيدا عن مواقع المسؤولية ، فيفسدون حياة البلاد والعباد ، ~~ويبتعدون عن الله في كل أقوالهم وأعمالهم ، فيستحقون بذلك النار وبئس ~~القرار. # * * * PageV14P394 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) @QUR@011 الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) @QUR@014 أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ~~(105) @QUR@09 ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) ~~@QUR@010 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) ~~@QUR@06 خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) (108) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حولا ): تحولا. # * * * ### ||| ** الضياع الفكري والروحي # وتستمر الآيات القرآنية للتأكيد على العلاقة بالله في الإيمان به وفي ~~العمل بطاعته ، كقاعدة للنجاح والفلاح والحصول على النتائج الكبيرة الحاسمة PageV14P395 # في الدنيا والآخرة ، فهو الأساس في ذلك كله ، ولكن الناس قد يغفلون عنه ، ~~وقد يبتعدون بأفكارهم عن الخط الواضح في هذا الاتجاه ، فيستسلمون لبعض ~~الأفكار المضللة التي قد يرون فيها النجاة من كل خطر ، ثم تفاجئهم الحقيقة ~~في نهاية الطريق بالخطإ الكبير الذي وقعوا فيه ، فإذا بهم على شفير الهاوية ~~التي تنتظرهم لتذهب بهم إلى الهلاك الأبدي ، حيث ms3482 الحسرة الكبرى والمصير ~~الأسود. # ( @QUR@05 قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) الذين خسروا بدرجة عالية ، ~~لأنهم أضافوا إلى الخسارة الواقعية على صعيد النتائج العملية السلبية ، ~~خسارة الحلم الكبير الذي استسلموا له ، وعاشوا معه ومع الصورة الحلوة ~~الساحرة زمنا طويلا ، في ما كان يخيل إليهم من تحركهم في خط المستقبل ~~الواسع الذي تنتظرهم فيه الأحلام السعيدة ، فإذا به يتحول إلى ما يشبه ~~الكابوس الجاثم على صدورهم. ( @QUR@06 الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) ~~فتحركوا في مواقع التيه ، وعاشوا في أجواء الضياع الروحي والفكري والعملي ، ~~بعيدا عن الخطوط المستقيمة التي تؤدي إلى ساحات الأمان حيث الفلاح والنجاة ~~والنجاح. وهم ، في ذلك كله ، يطلقون الأفكار في أكثر من اتجاه ، ويخططون ~~للمشاريع على أكثر من صعيد ، ويثيرون المشاعر في أكثر من مجتمع ، فيستسلمون ~~للفكرة الخادعة التي توحي إليهم بأنهم على حق ، في الوقت الذي يتخبطون فيه ~~في الباطل ، وتخيل إليهم أنهم في مواقع الخير يتحركون ، بينما هم في أو حال ~~الشر يتخبطون ، فيسيئون إلى أنفسهم وإلى من حولهم وإلى الحياة في ذلك كله ~~... ( @QUR@05 وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ثم تنكشف لهم الحقيقة ، ~~فيسقطون صرعى الخيبة الكبيرة والخسران العظيم والحسرة الكبرى. # وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان في أحد فريقين : # الفريق الأول : الناس الذين يخضعون للتوجيه السيئ والتخطيط الشرير ، PageV14P396 # فيحملون الفكر الشيطاني في حركة العقيدة ومنهج الحياة تحت ووطأة أجواء ~~الخديعة والتضليل ، يقدسونه ويعظمونه ويرون فيه الخلاص كل الخلاص ، والنجاح ~~كل النجاح ، لأنهم عاشوا تحت ضغط هذا الفكر وفي دائرة الحصار النفسي التي ~~أحاطت بهم من كل جانب ، فلم تترك لهم نافذة يطلون منها على الاحتمال المضاد ~~والفكر الآخر. # الفريق الثاني : الناس الذين يعرفون الحق ، ولكنهم يتمردون عليه ، ~~ويعملون على أساس الانحراف عنه لأنه لا يتفق مع أطماعهم ، ولا يخضع ~~لشهواتهم ، ولا يحقق لهم امتيازاتهم في الحياة ... ولذلك فهم يحاولون أن ~~يلتمسوا لأنفسهم طريقا آخر ، ويتبنون فكرا آخر يتكلفون فيه الإيحاء لأنفسهم ~~لإقناعها بأنه سبيل النجاة ، لأنه يحقق لهم أمانيهم وأحلامهم في الحياة ~~الرخية السعيدة ، والعيش العزيز الكريم ms3483 ، ويبقون يلفون ويدورون حتى تتعمق ~~الفكرة داخل قناعاتهم من موقع الغفلة العميقة عن حركة الحقيقة في داخلها ~~... وربما كان الكافرون من هذا الفريق ، لأن القرآن لا يجد الكفر ناشئا من ~~حالة شبهة مضادة ، بل من حالة فكرة متبناة من خلال الأهواء والمطامع. وهذا ~~ما أرادت الآية التالية أن تثيره ، كنموذج لهؤلاء الناس الضائعين الذين ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا لأنفسهم وللآخرين # * * * ### ||| ** جزاء الذين كفروا : جهنم # ( @QUR@06 أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ) فلم ينفتحوا على آيات ~~الله في الكون وفي أنفسهم ، ليعرفوا عظمة الله ووحدانيته من خلال ذلك ، ولم ~~يلتفتوا إلى آيات الله في وحيه وفي رسالاته ليعرفوا الحقيقة الناصعة ~~الحاسمة المتمثلة PageV14P397 # فيه ، فكفروا به وبرسله من هذا الموقع ، ولم يفكروا باليوم الآخر الذي ~~حدثهم عنه الأنبياء وجاءت به الكتب المنزلة وقادهم إليه عقلهم الذي يربط ~~بين حركة الوجود في البداية وحركة البعث في النهاية ، وفي عقلانية المسألة ~~من حيث الإمكان ، فكذبوا بلقاء الله في ذلك اليوم ، فابتعدوا عن الاستقامة ~~، وتخبطوا في الطريق ، فضلوا عن مواقع الهدى ، إذ لم تتحرك أعمالهم من ~~قاعدة ، بل انطلقت عشوائيا ، فلم تؤد بهم إلى نتيجة ، وضاعت كلها سدى كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون على شيء مما كسبوا ... ( @QUR@02 ~~فحبطت أعمالهم ). وقد ذكر بعض المفسرين ، أن الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة ~~حين تتغذى بنوع سام من الكلأ ثم تلقى حتفها. وبذلك يتناسب التعبير مع طبيعة ~~أعمال الكافرين التي تتضخم وتنتفخ ، حتى يخيل إليك أنها ظاهرة صحة وعافية ، ~~ولكن الواقع يتكشف في نهاية المطاف ، عن ظاهرة مرضية داخلية عميقة توحي ~~بالهلاك والدمار. # ( @QUR@06 فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) لأنهم لا يملكون أية قيمة ~~حقيقة في ما تعنيه القيمة التي تعطي للإنسان وزنه عند الله ، من القاعدة ~~الروحية الإيمانية المنفتحة على الحقيقة ، من موقع الإشراق والوضوح ، لأن ~~الوزن الذي قد يتحرك من حالة الثقل الظاهري ، لا ينطلق من ثقل حقيقي في ~~المضمون ، بل من انتفاخ لا يحمل في داخله إلا الهواء ، وذلك لما يمثله ~~الباطل من ms3484 حالة انعدام في الوزن. ومن هنا ، فإن الله يهملهم ويلقيهم في ~~زاوية ما ، كأية كمية مهملة لا معنى لها ، وإذا كانت المسألة لا تملك حلا ~~وسطا ، فإما إلى الجنة وإما إلى النار ، وإذا كانت الجنة لا بد من أن تكون ~~نتيجة ثقل في القيمة وفي العمل ، فلا بد من أن تكون النتيجة لأمثال هؤلاء ~~هي النار. # ( @QUR@05 ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ) لأنهم غير معذورين في الكفر ، ~~لعدم رجوعهم فيه إلى حجة ( @QUR@04 واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ) فلم يرجعوا ~~إلى قاعدة للفكر في الرفض ، وإلى خط للحوار في الموقف ، بل عاشوا أجواء ~~السخرية PageV14P398 # والاستهزاء بآيات الله ورسله ، انطلاقا من حالتهم النفسية المتمردة ~~القلقة التي تهرب من جهد البحث عن الحقيقة لتستجيب إلى النوازع الذاتية في ~~أجواء الاستهزاء ، موحين لأنفسهم بأنهم في موقع القوة ، في الوقت الذي ~~تهاجمهم فيه كل نقاط الضعف ، ليكون ذلك غطاء للضعف الداخلي الباحث عن حالات ~~الاستعراض الكلامي والعملي. # * * * ### ||| ** جزاء الذين آمنوا : الجنة # ولكن هؤلاء ليسوا كل شيء في الصورة ، فهناك نموذج آخر من الناس عاشوا ~~الجدية الفكرية في ما يواجهونه من قضايا الفكر الإيماني ، والمسؤولية ~~العملية في مشاريع الواقع المتحركة في حياة الإنسان ، وهم المؤمنون الذين ~~يعملون الصالحات. وهؤلاء هم الذين يملكون الوزن الكبير في حساب القيمة ، من ~~خلال المضمون الحقيقي للشخصية الإنسانية على أساس الإيمان والعمل الصالح ، ~~وهم الذين يملكون النتائج الإيجابية في الدار الآخرة. # ( @QUR@010 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) ~~حيث ينزلون فيها في رياض النعيم ومع رفاق السعادة ، في حالة استرخاء روحي ~~حالم يستغرقون معه في أحلامهم السعيدة ، ومشاعرهم الحلوة. # ( @QUR@02 خالدين فيها ) لا يذوقون فيها الموت حتى على مستوى الوهم ، لأن ~~مسألة الخلود الأبدي تمثل الأساس في معنى الجنة على مستوى الجزاء الإلهي ~~للمؤمنين العاملين. وربما كان لهذا الخلود في هذه الجنات معنى خاص ، وطعم ~~لذيذ ، وحس متحرك متجدد ... لا يشعر فيه الإنسان بالملل الذي قد ينتج عن ~~الاستمرار في جو واحد ودائرة محدودة ، ولذلك فإن هؤلاء الذين PageV14P399 # ينزلون في هذه ms3485 الجنات ، لا يسأمون منها ولا من طعم نعيمها ولون سعادتها ، ~~فلا يعملون للخروج منها ، مهما امتد بهم الزمن. ( @QUR@04 لا يبغون عنها ~~حولا ) ومتحولا إلى دار أخرى. وتلك هي خصوصية نعيم الجن التي تتميز بها عن ~~نعيم الدنيا ، لأنها تمثل الجو الذي يتوازن فيه الشعور الداخلي بالسعادة في ~~الإنسان مع الواقع الطبيعي الذي ينفعل به ويلتقي معه. وهذا ما نستوحيه من ~~الكلمة المأثورة عن الجنة حيث فيها «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر» (1)، مما يمنع من عملية المقارنة بين الدنيا والآخرة في ذلك ~~، لأن أجواء الآخرة تختلف في العمق عن أجواء الدنيا ، بالرغم من أن طريقة ~~التعبير عن النعيم في الجنة بالأسلوب الحسي ، قد توحي بالمشابهة ، ولكن ~~المشكلة هي أنك لا تستطيع تقديم الصورة التي تقترب من أجواء المطلق ، إلا ~~بالوسائل التي لا تملك فيها إلا الصورة التي تعيش في ساحة المحدود. # * * * PageV14P400 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (109) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مددا ): المدد : مجيء شيء بعد شيء. # * * * ### ||| ** معنى كلمة الله # كيف يتصور المخلوق آفاق الخالق؟ هل هناك حدود معينة ، أم أن هناك الأفق ~~المطلق الذي لا حد له ولا آخر؟ # إن هذه الآية تتحدث عن بعض ذلك ، وتحاول أن تقرب للإنسان ملامح PageV14P401 # الصورة ، ليعيش تصور المطلق من خلال تصور المحدود ، ولكن بأسلوب يوحي ~~بالامتداد بما يقرب من أجواء المطلق. # إنها تتحدث عن كلمات الله والكلمة هي معنى يوجد باللفظ فهل أن كلمات الله ~~هي الألفاظ الصادرة منه؟ وهل يمكن صدور الكلمة من الله كما تصدر من الإنسان ~~من الفم ، والله ليس جسدا يتكلم بالمعنى المادي للكلام؟! # إن الكلمة قد تكون تعبيرا عن كل فعل يصدر من الله في مسألة الخلق ~~والإيجاد ، وهذا ما عبر عنه الله في كل مظاهر إرادته في حركة الأشياء في ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ~~[يس : 82] وذلك من خلال المضمون الداخلي للكلمة ms3486 ، باعتبار أنه دال على ~~الفعل. وهذا هو الذي جعل المسيح عليه السلام في خلقه كلمة الله ، باعتبار ~~أنه الدليل على وجوده وقدرته وعظمته. وربما كان المراد منها علم الله ، ~~باعتبار أن الكلام في مضمونه يمثل المعنى الحي للمعرفة ، فيكون المراد من ~~كلمات الله معلوماته. وقد يكون المعنى الأول هو الأقرب باعتبار الأسلوب ~~القرآني الذي جاءت فيه الكلمة منسجمة معه ، كما أشرنا إليه آنفا. # ولكن مسألة المعلومات لا تبتعد عن الجو في ما يريد القرآن دائما أن يؤكده ~~من إحاطة الله بالكون كله وبالحياة وبالإنسان من خلال علمه الواسع المطلق. # ولا يتنافى هذا الفهم مع المعنى الأول الذي قد يكون شاملا للكلمة التي ~~تعبر عن المضمون المتجسد للواقع في ما يعنيه فعل الله من ذلك ، كما يكون ~~شاملا للكلمة التي تعبر عن المعرفة بواسطة موادها في الحياة ، ليكون كناية ~~عن الاثنين معا ، حيث يتحرك علم الله في كل آفاق الحياة التي هي خلقه وفعله ~~وإرادته التكوينية في الوجود. # * * * PageV14P402 ### ||| ** علم مطلق # ( @QUR@014 قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ) والبحر هو الامتداد المائي الواسع العميق الذي قد يخيل للإنسان ~~أنه لا نهاية له في سطحه ولا قعر له في عمقه. والمداد هو هذا السائل الملون ~~الذي يستعمل للكتابة. وبذلك تتضح الصورة في وضوح الامتداد الذي يلتقي ~~بالمطلق في سعته وشموله وعمقه ، فكيف تكون النتيجة في تحول البحر إلى مداد ~~يكتب ويكتب ويكتب ... وينتهي البحر ، وتبقى الكلمات تبحث عن مداد جديد ، ~~فلو كانت الفرضية صحيحة وكان البحر مدادا لكلمات ربي ، ( @QUR@07 لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) لأن الله يخلق في كل لحظة شيئا جديدا ، ~~ويبدع في كل آن علما جديدا. وتتحول المسألة إلى حقيقة متحركة تلهث وراء ~~الجديد ، ونأتي ببحر جديد لا ساحل له في النظرة الساذجة ، ويتحول إلى مداد ~~... وتبقى الكلمات تبحث عن مداد جديد ، لأن جديدها يفرض نفسه على الحياة ~~والإنسان ( @QUR@04 ولو جئنا بمثله مددا ). # وهكذا ينطلق التصور البشري للمطلق من خلال المحدود ، ويقف ms3487 الإنسان حائرا ~~أمام الحقيقة المطلقة ، ليجد نفسه عاجزا عن الوصول إلى أية نتيجة إيجابية ~~حاسمة في هذا الاتجاه ، في حدود المعرفة الإنسانية ، الأمر الذي يوحي ~~للإنسان بالتواضع أمام العلم المطلق ، والإرادة المطلقة ، والقدرة المطلقة ~~... مهما ملك العالمون من أسباب العلم ومهما وصلوا إليه من مفرداته ، لأن ~~ذلك كله عبارة عن بعض خلق الله ، في ما صنعه الله في خلقه ، وما أوحى به ~~للإنسان من علمه ، فكيف يمكن له أن يطغى في علمه ، أو في قدرته؟! PageV14P403 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) (110) # * * * ### ||| ** الرسول رمز حي للرسالة # ... وتبقى الرسالة تؤكد على مبدأ البشرية في شخصية الرسول ، فإن اتصاله ~~بالله وصلته بالسماء ، لا يعطيه أية خصوصية من خصوصيات الألوهية ، ليكون في ~~ذاته سر الألوهة ، بل يظل في موقع الإنسان الذي يتلقى الوحي من خلال ما ~~يملكه من روحية الرسالة في ذاته ، ومن آفاقها الفكرية في عقله ، ومن ~~أخلاقيتها السامية الرفيعة في أخلاقه ... وتلك هي خصوصية الرسالة ، فهي لا ~~تعبر عن أسرار عميقة غامضة في شخصية الرسول ، بل تعبر عن التناسب بين ~~شخصيته وشخصية الرسالة ، ليكون التجسيد الحي لكل مضمونها الفكري PageV14P404 # والعملي والروحي ، ولتكون هي التعبير الحي عن كل صفاته وآفاقه وتطلعاته ~~... لتظهر الصورة في هذه الوحدة بين الرسالة والرسول ، الأمر الذي يجعل ~~اتباع الرسول حركة واقعية في الاتصال بالله واللقاء برضوانه ، مما يجعل من ~~العلاقة به علاقة برسالته ، لا لونا من ألوان الاستغراق في شخصيته ~~والارتباط بذاته ، لأن الله لا يريد للناس أن يلتقوا بالرسول من خلال ذاته ~~، بل من خلال أنه يمثل الرمز الحي للرسالة ، ليبحثوا في ذاته عن عناصر ~~الرسالة في فكره وروحه وجهاده المتحرك في أكثر من اتجاه ، وهذا ما أرادت ~~الآية التالية أن توحي به. # ( @QUR@05 قل إنما أنا بشر مثلكم ) فليست لي شخصية ذاتية تختلف عن ~~شخصيتكم ، وليس لي أي سر في قدرتي الجسدية تختلف عن قدرتكم ... فإني أجوع ، ~~وأشبع ms3488 ، وأمرض ، وأشفى ، وأحزن ، وأفرح ، وأعيش كل نقاط الضعف الذاتي في ~~جسمي كما تعيشون ، وأحيا كما تحيون ، وأموت كما تموتون. ولكن الفرق بيني ~~وبينكم هو أني رسول الله إليكم ، فأنا أتلقي الوحي من الله في وعي كامل ~~لحقيقته ، وفي استجابة روحية لروحيته ، وفي حركة منفتحة على كل مواقعه ~~ومواقفه ... ثم أبلغكم إياه من موقع الوعي والإيمان والمعاناة ، لأبشركم ~~بما ينتظركم من ثواب في خط الطاعة ، وأنذركم بما يواجهكم من عقاب في خط ~~المعصية ، ولأعمل على أن أقودكم إلى ساحة المسؤولية التي تعيشون فيها ~~الانفتاح على الله وحده ، والرجاء الخاشع ليوم لقائه ... ( @QUR@05 فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه ) ليحصل على محبته ورضاه ، ( @QUR@03 فليعمل عملا صالحا ) ~~من موقع التفاصيل الدقيقة للوحي في تخطيطه لحياة الإنسان في أقواله وأفعاله ~~... وليؤمن بالله الواحد في حركة العقيدة والعبادة ، ( @QUR@05 ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا )، فهذا هو طريق الخلاص ، وسبيل القرب إلى الله ، والحصول ~~على جنته في يوم اللقاء الكبير بالله سبحانه في اليوم الآخر. PageV14P405 # وهكذا انتهت السورة في أجواء الوحي والتوحيد ، في خط الرسالة والرسول ، ~~كما بدأت في هذه الأجواء الرسالية الرائعة. # * * * PageV14P406 ### | الفهرس # تفسير سورة الإسراء [1 11] # سبب ~~التسمية.............................................................. 7 # سورة بني ~~إسرائيل............................................................ 7 # الإسراء بين الإجمال ~~والتفصيل................................................ 8 # الخلاف في كيفية ~~الإسراء..................................................... 9 # حجية الخبر الواحد وقضايا ~~الدين............................................ 13 # في أجواء ~~السورة........................................................... 14 # الآية ~~[1]..................................................................... 17 # معاني ~~المفردات............................................................ 17 # ذكر الله في التوجيه ~~الإسلامي............................................... 18 # ماذا نستوحي من صفة العبودية ~~لله!.......................................... 19 # اللمسة ~~الموحية............................................................ 20 # واحة ~~السلام.............................................................. 21 # مسجد ~~الأنبياء............................................................ 22 # ما معني ~~البركة!............................................................ 22 # عمق الوعي في امتداد ~~الآيات............................................... 24 # إحاطة ~~شاملة............................................................. 25 PageV14P407 # الآيتان [2 ~~3]................................................................ 26 # معاني ~~المفردات............................................................ 26 # الحلقة الأخيرة في سلسلة ~~النبوات............................................ 26 # موسي هدي لبني ~~إسرائيل.................................................. 27 # حركة ~~الاستقامة........................................................... 28 # عبد ~~شكور............................................................... 29 # الآيات [4 ~~8]................................................................ 30 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # بنو إسرائيل وسنن ~~التاريخ................................................... 31 # التدخل الإلهي وقانون ~~السببية............................................... 32 # بنو إسرائيل والإفساد في ~~الإرض............................................. 33 # عقاب الدنيا ~~والاخرة....................................................... 34 # أبواب الرحمة ~~الإلهية........................................................ 35 # حادثتان ~~مدمرتان.......................................................... 36 # كيف نستوحي ~~الآية!...................................................... 38 # الآيتان [9 ~~10].............................................................. 39 # معاني ms3489 ~~المفردات............................................................ 39 # اتباع القرآن وسلامة ~~المصير................................................. 39 # لا بد من فهم الإسلام بطريقة ~~متوازنة........................................ 40 # القرآن والدعوة إلي اعتبار العقل أساس ~~المعرفة.................................. 41 # العدالة وحاكميتها علي الواقع ~~الإنساني....................................... 42 # الخط الأقوم وجانبا العزة ~~والحرية.............................................. 43 # واقعية ~~التشريع............................................................ 45 # لمن البشارة الروحية ولمن العذاب ~~الأليم........................................ 45 # الآية ~~[11].................................................................... 48 PageV14P408 # مخاطر الاستغراق في عالم ~~الحس.............................................. 48 # شروط واقعية لتجنب ~~السلبيات............................................. 50 # بين العجلة ومنطق ~~الواقع................................................... 50 # الآية ~~[12].................................................................... 52 # معاني ~~المفردات............................................................ 52 # الفضل ~~الإلهي............................................................. 52 # الإغفاءة ~~الهادئة........................................................... 54 # آيتان ~~للتفكر............................................................. 54 # التكامل بين الكون ~~والإنسان............................................... 55 # الآيتان [13 ~~14]............................................................. 57 # معاني ~~المفردات............................................................ 57 # مصير الإنسان موكل ~~إليه................................................... 57 # الكتاب ~~المنشور........................................................... 59 # الآية ~~[15].................................................................... 60 # معاني ~~المفردات............................................................ 60 # تعميق حس ~~المسؤولية...................................................... 60 # بين التقاليد الجاهلية والمفهوم ~~الإسلامي....................................... 61 # فكرة ~~للتأمل.............................................................. 63 # انسجام السياسة الإسلامية مع ~~الأخلاق..................................... 64 # العذاب بعد إقامة ~~الحجة................................................... 66 # الآية ~~[16].................................................................... 68 # معاني ~~المفردات............................................................ 68 # شروط النجاح ~~والهلاك..................................................... 68 # المترفون غايتهم ~~الاستمتاع.................................................. 69 # فهم أمر الله ~~للمترفين...................................................... 70 PageV14P409 # الآية ~~[17].................................................................... 72 # معاني ~~المفردات............................................................ 72 # تجاهل ~~العبر............................................................... 72 # الآيات [18 ~~22]............................................................. 74 # معاني ~~المفردات............................................................ 74 # مصير الإنسان رهن ~~إرادته.................................................. 75 # رحمة ~~شاملة............................................................... 77 # كيف نفهم تفضيل الله للناس، بعضهم علي بعض!........................... 78 # للآخرة أكبر ~~درجات...................................................... 79 # الآيات [23 ~~25]............................................................. 81 # معاني ~~المفردات............................................................ 81 # الطاعة لله ~~وحده.......................................................... 82 # مبادئ التعاملي الأخلاقي مع ~~الوالدين........................................ 82 # حدود طاعة ~~الوالدين...................................................... 85 # منهج الاجتهاد في القرآن ~~والسنة............................................. 86 # مراقبة الله في النفس ~~والعمل................................................. 87 # الآيات [26 ~~30]............................................................. 89 # معاني ~~المفردات............................................................ 89 # مناسبة ~~النزول............................................................. 90 # التكافل الاجتماعي في المجتمع ~~المسلم......................................... 91 # التبذير نهج غير ~~إسلامي................................................... 92 # بين التوازن في الإنفاق ومبدأ ~~الإيثار.......................................... 94 # الآية ~~[31].................................................................... 96 # معاني ~~المفردات............................................................ 96 # مخاوف ~~وهمية............................................................. 96 PageV14P410 # تنظيم النسل والظروف ~~الطارئة.............................................. 98 # هل الآية تشير إلي وأد ~~البنات!.............................................. 99 # الآية ~~[32].................................................................. 101 # معاني ~~المفردات.......................................................... 101 # ولا تقربوا ~~الزني........................................................... 101 # هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن............................................. 102 # الزواج والزني بين السلبيات ~~والإيجابيات..................................... 103 # الآية ~~[33].................................................................. 106 # الأصل هو حرمة الإنسان................................................. 106 # استثناءات ~~واقعية........................................................ 107 # الآية ~~[34].................................................................. 109 # معاني ~~المفردات.......................................................... 109 # التشريع يحمي الضعيف من كل اعتداء..................................... ms3490 109 # خطوات التشريع في حماية ~~اليتيم............................................ 110 # الوفاء بالعهد وحفظ النظام ~~الاجتماعي..................................... 111 # الآية ~~[35].................................................................. 113 # معاني ~~المفردات.......................................................... 113 # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا ~~بالقسطاس...................................... 113 # الآية ~~[36].................................................................. 115 # معاني ~~المفردات.......................................................... 115 # القرآن يدعو للأخذ بأسباب ~~العلم......................................... 115 # العلم أساس ~~الحياة....................................................... 117 # الحاجة إلي حجة قوية في إثبات شؤون العقيدة ~~والأخلاق...................... 118 # الوسائل المشروعة ~~للمعرفة................................................. 119 # الآية ~~[37].................................................................. 121 PageV14P411 # معاني ~~المفردات.......................................................... 121 # الموعظة تكون بالكلمة ~~والقدوة............................................. 121 # الله يسخر من ~~المتكبرين................................................... 122 # الآيتان [38 ~~39]........................................................... 123 # معاني ~~المفردات.......................................................... 123 # توحيد الفكر ~~والعمل..................................................... 123 # الآيات [40 ~~44]........................................................... 125 # معاني ~~المفردات.......................................................... 125 # القول ~~العظيم............................................................ 126 # تنوع الأسلوب القرآني ليناسب مختلف ~~العقول............................... 127 # فكرة الشريك ليست واقعية............................................... 128 # الكون يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه............................... 129 # الآيات [45 ~~48]........................................................... 132 # معاني ~~المفردات.......................................................... 132 # مناسبة ~~النزول........................................................... 133 # الحجاب ~~المستور......................................................... 133 # الهروب من ~~الحقيقة....................................................... 137 # دأب الخصوم علي تشوية صورة الدعاة...................................... 138 # الآيات [49 ~~52]........................................................... 140 # معاني ~~المفردات.......................................................... 140 # المنطق ~~الساذج........................................................... 141 # الخالق هو ~~المعيد......................................................... 142 # الآيات [53 ~~55]........................................................... 143 # معاني ~~المفردات.......................................................... 143 # مناسبة ~~النزول........................................................... 144 PageV14P412 # الكلمة المناسبة في ~~الحوار.................................................. 144 # اختيار الأحسن تجنبا ~~للتباغض............................................ 145 # الآية موجهة للناس ~~كافة.................................................. 145 # استحضار علم الله أمام ~~الإنسان........................................... 146 # اهتزاز الكون ~~بالتسبيح................................................... 149 # الآيات [56 ~~59]........................................................... 150 # معاني ~~المفردات.......................................................... 150 # وهم الشرك............................................................. 151 # إشكالات أمام النقاش................................................... 152 # حاجة الآلهة تطردها عن موقع ~~الشريك...................................... 153 # كتاب التكوين وسنن ~~الحياة............................................... 155 # الموقف من طلب المشركين للمعاجز........................................ 156 # النبوة الخاتمة تفرض آية ~~مختلفة............................................. 158 # الآية ~~[60].................................................................. 160 # معاني ~~المفردات.......................................................... 160 # مناسبة ~~النزول........................................................... 161 # حكمة إلهية في اختبار ~~الناس.............................................. 161 # وجوه في تفسير الرؤيا ~~والفتنة............................................... 162 # مناقشة ~~الآراء............................................................ 164 # حكمة ~~إلهية............................................................. 165 # الآيات [61 ~~65]........................................................... 166 # معاني ~~المفردات.......................................................... 166 # تكرار قصة آدم وإبليس للغظة ~~والاعتبار.................................... 167 # عقدة ~~الانتقام........................................................... 168 # الإيحاء لإبليس باستعمال كل وسائل ~~التضليل............................... 169 PageV14P413 # نجاح الشيطان مع المستسلمين ~~له.......................................... 170 # الآيات [66 ~~69]........................................................... 172 # معاني ~~المفردات.......................................................... 172 # مواجهة ~~الحقيقة.......................................................... 173 # الله هو القوة المطلقة ~~المهيمنة............................................... 174 # اللجوء إلي الله مظهر للإيمان لا حالة ~~طارئة................................. 174 # الارتباط بالأمور ~~المحسوسة................................................. 175 # دلالة الآية ms3491 علي وحدانية ~~الله.............................................. 176 # الآية ~~[70].................................................................. 177 # معاني ~~المفردات.......................................................... 177 # الإنسان خليفة ~~الله...................................................... 177 # تكريم الإنسان في ~~الإرض................................................. 179 # هل التكريم أصل فقهي!.................................................. 180 # هل الإنسان أفضل من ~~الملائكة!........................................... 182 # الآيتان [71 ~~72]........................................................... 185 # معاني ~~المفردات.......................................................... 185 # من هو ~~الإمام!.......................................................... 185 # كل يري عمله.......................................................... 187 # الآيات [73 ~~75]........................................................... 189 # معاني ~~المفردات.......................................................... 189 # مناسبة ~~النزول........................................................... 190 # النبي الصادق ~~الأمين..................................................... 192 # كيف نفسر الآية!....................................................... 193 # إغراء النبي لتقديم ~~التنازلات............................................... 194 # ماذا توحي لنا ~~الآية!..................................................... 195 PageV14P414 # الآيتان [76 ~~77]........................................................... 197 # معاني ~~المفردات.......................................................... 197 # مناسبة ~~النزول........................................................... 197 # ثبات في مواجهة الضغوط................................................. 198 # الآيتان [78 ~~79]........................................................... 200 # معاني ~~المفردات.......................................................... 200 # الصلاة منبع للقوة ~~المتجددة............................................... 201 # الآيتان [80 ~~81]........................................................... 205 # معاني ~~المفردات.......................................................... 205 # الدعاء انفتاح حر مطلق علي ~~الله.......................................... 205 # دعوة لطلب الصدق في جميع ~~المواقع........................................ 206 # جاء الحق وزهق ~~الباطل................................................... 208 # الآية ~~[82].................................................................. 210 # معاني ~~المفردات.......................................................... 210 # الأمراض الروحية ~~والفكرية................................................. 210 # الصحة ~~الروحية.......................................................... 211 # خسارة ~~الظالمين.......................................................... 212 # الآيتان [83 ~~84]........................................................... 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 213 # التعلق ~~بالظواهر.......................................................... 213 # العمل صورة الشخصية الداخلية........................................... 216 # وقفة مع حرية ~~الإرادة..................................................... 216 # الآية ~~[85].................................................................. 219 # الروح في ~~القرآن.......................................................... 219 # التساؤل عن معني ~~الروح.................................................. 221 PageV14P415 # الآيتان [86 ~~87]........................................................... 224 # دور الله تعالي في حركة ~~العلم.............................................. 224 # الآيتان [88 ~~89]........................................................... 226 # معاني ~~المفردات.......................................................... 226 # التحدي القرآني علي ساحة ~~المعرفة......................................... 226 # أساليب متنوعة في القرآن والهدف ~~واحد.................................... 228 # الأكثرية في النظرة ~~القرآنية................................................. 229 # الآيات [90 ~~96]........................................................... 231 # معاني ~~المفردات.......................................................... 231 # الأنبياء والتصور المنحرف ~~عنهم............................................ 232 # عناد كافر ~~متعنت........................................................ 233 # الواقعية في الخصوصية ~~البشرية............................................. 234 # الآيات [97 ~~100]......................................................... 236 # معاني ~~المفردات.......................................................... 236 # الهداية والضلال من ~~الله................................................... 237 # جزاء ~~الكافرين........................................................... 238 # بخل ذاتي ~~معقد.......................................................... 239 # الآيات [101 ~~104]........................................................ 240 # معاني ~~المفردات.......................................................... 240 # الإيمان مصدر كل قوة................................................... 241 # الله تعالي يحقق التوازن بين فرعون ~~وموسي................................... 241 # ليس للسحر أي عمق واقعي.............................................. 243 # بين إسقاط الطاغوت وإقامة العدل........................................ 245 # الآيات [105 ~~109]........................................................ 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 PageV14P416 # القرآن قاعدة الهدي ~~والحق................................................. 248 # المغزي من إنزال القرآن ~~تدريجيا............................................. 249 # تأثير القرآن وامتداد ~~الزمن................................................. 250 # الإيمان حركة شعورية وتعبدية ~~أيضا......................................... 252 # الآيتان [110 ~~111]........................................................ 253 # معاني ms3492 ~~المفردات.......................................................... 253 # مناسبة ~~النزول........................................................... 253 # أسماء الله ليست ~~توقيفية.................................................. 254 # اعتدال الصوت في الصلاة................................................ 255 # تربية النفس بالتوجه الي الله ~~تعالى.......................................... 256 # كلما عظم الله في النفس صغر الآخرون.................................... 257 # تفسير سورة الكهف [1 10] # سورة الكهف بين الاسم والمضمون......................................... 261 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 263 # معاني ~~المفردات.......................................................... 263 # الوعي الروحي للذات ~~الإلهية............................................... 264 # الحمد المطلق لله ~~تعالى.................................................... 265 # امتداد القرآن في حياة ~~الإنسان............................................. 265 # منطلق الإسلام مصالح ~~الناس.............................................. 266 # المؤمنون والنعيم ~~الخالد.................................................... 266 # الانعكاسات السلبية للشريك في حياة ~~الإنسان.............................. 267 # تفاهة أدلة عقيدة ~~الشرك.................................................. 268 # لا بد للمنطق التقديسي من موازين ~~دقيقة................................... 269 PageV14P417 # مصير الإنسان مرتبط بصوابية تصوراته لله ~~تعالى.............................. 269 # لا أساس للشريك بالله ~~تعالى.............................................. 270 # الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحسرته علي ~~الكفار....................................... 270 # حسرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مظهر لكماله ~~الإنساني............................... 271 # النعم وفلسفة البلاء ~~الإلهي................................................ 272 # وجوب عدم الاستسلام للدنيا............................................. 273 # الآيات [9 ~~13]............................................................. 275 # معاني ~~المفردات.......................................................... 275 # مناسبة ~~النزول........................................................... 276 # بين قصة أهل الكهف والغيب الإلهي...................................... 277 # أصحاب الكهف والرقيم................................................. 278 # الفرار من الظلم ~~والاضطهاد............................................... 279 # ضرورة الرجوع إلي الله في كل ~~الأوقات..................................... 281 # السمو الروحي والفكري.................................................. 283 # الآيات [14 ~~16]........................................................... 284 # معاني ~~المفردات.......................................................... 284 # تقوية عزيمة ~~المؤمنين...................................................... 285 # توهم وجود آلهة غير ~~الله.................................................. 286 # اعتزال كل الآلهة ~~المدعاة................................................... 287 # الآيتان [17 ~~18]........................................................... 289 # معاني ~~المفردات.......................................................... 289 # تدبير إلهي ~~معجز........................................................ 290 # آيات ~~للتفكر............................................................ 291 # حالهم في الكهف........................................................ 292 PageV14P418 # الآيات [19 ~~22]........................................................... 293 # معاني ~~المفردات.......................................................... 294 # البعث بعد نوم ~~طويل..................................................... 294 # أهل الكهف ... ومبدأ ~~التقية............................................. 295 # نموذج حي لوعد ~~الله..................................................... 296 # بناء المسجد عليهم ~~للعبرة................................................. 298 # جدال ~~تافه.............................................................. 298 # من وحي القصة......................................................... 299 # الآيتان [23 ~~24]........................................................... 302 # كيفية مواجهة المؤمن ~~للمستقبل............................................ 302 # حصول ما في الغد متعلق بمشيئة ~~الله....................................... 304 # ذكر الله في حال ~~النسيان................................................. 305 # الآيتان [25 ~~26]........................................................... 307 # لبثهم في الكهف ثلاثة قرون ~~ونيفا......................................... 307 # الآيتان [27 ~~28]........................................................... 309 # معاني ~~المفردات.......................................................... 309 # مناسبة ~~النزول........................................................... 310 # وحي الله هو الحقيقة ~~النهائية.............................................. 310 # الله هو المحيط بكل ~~شيء................................................. 311 # الرساليون قوة الإسلام ms3493 ~~الحقيقية............................................. 312 # روحية ~~مستكبرة.......................................................... 313 # التقوي أساس في ~~التفاضل................................................. 315 # استيحاء الآية في حركة ~~الواقع.............................................. 316 # سؤال وجواب........................................................... 317 PageV14P419 # من أساليب الانحراف في ~~الإغراء........................................... 318 # الآيات [29 ~~31]........................................................... 319 # معاني ~~المفردات.......................................................... 319 # المضمون الفكري للإسلام................................................ 320 # دعوة الرسول إلي التزام موقف حاسم من ~~الكفار............................. 320 # مفهوم الإسلام ~~للحرية.................................................... 321 # الآيات [32 ~~44]........................................................... 324 # معاني ~~المفردات.......................................................... 325 # الإيمان هو الثروة ~~الحقيقية................................................. 326 # تفكير من يركن إلي ~~دنياه.................................................. 328 # موقف المؤمن الرسالي من الركون إلي ~~الدنيا................................... 329 # الحياة خاضعة لمشيئة ~~الله.................................................. 330 # المقارنة بين الإيمان ~~والمادة.................................................. 331 # عاقبة المغرور ~~بدنياه....................................................... 331 # الإيمان بالله هو الحقيقة ~~الثابتة.............................................. 332 # كيف نستوحي القصة!................................................... 333 # الآيتان [45 ~~46]........................................................... 335 # معاني ~~المفردات.......................................................... 335 # الحياة الدنيا كماء أنزل من ~~السماء.......................................... 335 # زينة الحياة ~~الدنيا......................................................... 337 # الباقيات ~~الصالحات...................................................... 338 # الآيات [47 الي ~~49]......................................................... 340 # معاني ~~المفردات.......................................................... 340 # الحشر ~~والمصير........................................................... 341 PageV14P420 # كتاب الأعمال.......................................................... 342 # الآيات [50 ~~53]........................................................... 343 # معاني ~~المفردات.......................................................... 343 # عقدة ذاتية ~~تاريخية....................................................... 344 # سجود الملائكة لآدم إلا ~~إبليس............................................ 344 # بئس البديل ~~الشيطان..................................................... 345 # الآية ~~[54].................................................................. 349 # الجدل الكلامي ~~الفارغ.................................................... 349 # الآيات [55 ~~59]........................................................... 351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 351 # حواجز بين الدعوة والإيمان ~~بها............................................. 352 # العصبية تمنع من ~~الإيمان.................................................. 352 # المرسلون دورهم إنذار ~~الناس............................................... 354 # مجادلة الذين كفروا ~~بالباطل................................................ 354 # ظلم النفس بالكفر...................................................... 355 # الله الغفور ذو ~~الرحمة...................................................... 356 # الآيات [60 ~~64]........................................................... 357 # معاني ~~المفردات.......................................................... 357 # ملخص القصة الغريبة.................................................... 358 # أسئلة تثار حول ~~القصة................................................... 358 # مع تفاصيل القصة....................................................... 359 # هل ينسي ~~النبي!......................................................... 361 # الآيات [65 ~~70]........................................................... 362 # معاني ~~المفردات.......................................................... 362 PageV14P421 # العبد الصالح هو ~~الخضر.................................................. 363 # ما مدي علم ~~النبي!...................................................... 364 # بين الاستغراق في اللحظة واستيعاب ~~المستقبل................................ 365 # الآيات [71 ~~73]........................................................... 367 # معاني ~~المفردات.......................................................... 367 # درس موسي الأول....................................................... 367 # الآيات [74 ~~78]........................................................... 370 # معاني ~~المفردات.......................................................... 370 # درس موسي الثاني....................................................... 371 # درس موسي الثالث...................................................... 372 # الآيات [79 ~~82]........................................................... 374 # معاني ~~المفردات.......................................................... 374 # تبرير العبد الصالح خرقه ~~للسفينة........................................... 375 # توضيح سبب قتل الغلام................................................. 375 # سبب إصلاح الجدار..................................................... 376 # كيف نفهم القصة ونستوحيها!............................................ 377 # الآيات [83 ~~88]........................................................... 381 # معاني ~~المفردات.......................................................... 381 # من هو ذو ~~القرنين!...................................................... 382 # قصة ms3494 ذي القرنين........................................................ 384 # الآيات [89 ~~98]........................................................... 388 # معاني ~~المفردات.......................................................... 388 # إقامة ~~السد............................................................. 389 # طمأنينة ~~المؤمن.......................................................... 391 PageV14P422 # الآيات [99 الي ~~102]....................................................... 392 # معاني ~~المفردات.......................................................... 392 # الموقف ~~الحاسم.......................................................... 392 # العبرة من ~~القصة......................................................... 394 # الآيات [103 ~~108]........................................................ 395 # معاني ~~المفردات.......................................................... 395 # الضياع الفكري ~~والروحي.................................................. 395 # جزاء الذين كفروا : ~~جهنم................................................. 397 # جزاء الذين آمنوا : ~~الجنة.................................................. 399 # الآية ~~[109]................................................................ 401 # معاني ~~المفردات.......................................................... 401 # معني كلمة ~~الله........................................................... 401 # علم مطلق.............................................................. 403 # الآية ~~[110]................................................................ 404 # الرسول رمز حي ~~للرسالة.................................................. 404 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV14P423 ![](https://books.rafed.net/Books/3280_tafsir-men-wahi-alquran-15/images/image001.gif) PageV15P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3280_tafsir-men-wahi-alquran-15/images/image002.gif) PageV15P003 ### | سورة مريم ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وتسعون PageV15P005 ### ||| ** سبب التسمية # لقد أريد لاسم مريم بنت عمران أن يكون عنوانا لهذه السورة ، لأن الله ~~تحدث فيها عن قصة ولادتها لعيسى عليه السلام بما يتمثل فيها من أجواء روحية ~~، وما يحيط بها من أوضاع غيبية ، وما يهيمن عليها من إعجاز ، مما يجعل قصته ~~تتصل بأكثر من بعد من أبعاد العقيدة ، في عالم الغيب والشهود. # وربما كانت هناك غاية أخرى من تسمية السورة باسمها ، وهي التذكير بهذه ~~المرأة الطاهرة التي عاشت الإيمان في طفولتها وشبابها ، في ابتهال خاشع مع ~~الله ، في محرابها الذي كان موقعا من مواقع الفيض الإلهي بالرحمة ، واللطف ~~، والعطاء الروحي الذي كان ينهمر عليها من كل جانب. ولهذا فإنها كانت تعيش ~~هذا اللطف الإلهي بعمق في الروح ، وامتداد في الفكر ، فلا نستغرب حصول أي ~~شيء معجز في حياتها ، خلافا للاتي يعشن الإيمان بطريقة تقليدية محدودة ، ~~ونظرة ذاتية مغلقة. # هذا بالإضافة إلى أن ذلك كله يجعلها الإنسانة الوحيدة في عصرها التي يمكن ~~أن تكون موضعا لكرامة الله ، وإظهار قدرته ، في خلق هذه الظاهرة الإنسانية ~~الجديدة وهي ولادة عيسى (ع) من دون أب. فإن تاريخ مريم الناصع الذي يتفايض ~~بالطهر والعفاف يجعل إمكانية اتهامها بالزنى أمرا بعيدا جدا ويقرب فكرة ~~الإعجاز الغيبي بطريقة لا تقبل تأكيد الشك بها ، وإن كانت لا تمنع من ~~إثارته ، والله العالم. # * * * PageV15P007 ### ||| ** في أجواء السورة # أما أغراض هذه السورة ، فهي أغراض السور المكية التي تعمل على تحريك ~~الجانب العقيدي بأسلوب التبشير والإنذار ، ومحاولة التأكيد عليه من خلال ~~تقديم الأنبياء ms3495 والأولياء بطريقة قصصية ، تبرز لنا الأفكار التي كانت تتحرك ~~في ساحة الرسالة والأفكار المضادة التي كانت تواجه بها ، والأساليب التي ~~كان يستخدمها الأنبياء في سبيل الإقناع ، إلى جانب الأساليب التي كان ~~يستخدمها الكافرون في إثارة الغبار أمام رسل الله. وتطل من خلال ذلك كله ~~على فكرة التوحيد والشرك في ساحة الصراع العقيدي ، لتطرح الخط العريض ثم ~~تتحدث عن التفاصيل عبر نماذج الساحة عن الواقعية. # وهكذا تطوف السورة على كل فئات المجتمع على تنوع موقفها من الرسالة ، من ~~الذين أفاض الله عليهم بنعمة الهدى والإيمان ، والمغضوب عليهم الذين ~~ابتعدوا عن نعم الله ورحمته ، والتائبين الذين تراجعوا عن الضلال ، وساروا ~~في طريق الهدى المفتوح على كل حق وخير وإيمان ، ثم تواجه الجميع بالنتائج ~~الإيجابية والسلبية في مسألة الثواب والعقاب للتائبين وللغاوين. وهكذا تقدم ~~السورة جوا متحركا يجمع بين الفكرة والواقع. PageV15P008 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 كهيعص (1) @QUR@05 ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) @QUR@05 إذ ~~نادى ربه نداء خفيا (3) @QUR@014 قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) @QUR@013 وإني خفت الموالي من ورائي وكانت ~~امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) @QUR@08 يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وهن ): الوهن : الضعف ونقصان القوة. # ( @QUR@03 واشتعل الرأس شيبا ): الاشتعال في الأصل هو انتشار النار ، ~~ويقصد به هنا : انتشار الشيب في الرأس. # ( @QUR@01 شقيا ): الشقي : ضد السعيد ، والمراد به هنا : الخائب. # ( @QUR@01 الموالي ): المولى : أصله من الولى ، والموالي هم أقارب الرجل من PageV15P009 # جهة الأب ، وللمولى معان عديدة ، منها : الجار ، والصهر ، والحليف. # ( @QUR@01 رضيا ): مرضيا عندك. # * * * # ( @QUR@01 كهيعص ) تقدم الحديث عن أمثال هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض ~~السور ، والتي اختلفت الآراء في تفسيرها. وقد رأى بعض المفسرين ارتباطا بين ~~مضامين السور المصدرة بهذه الحروف ، جعلهم يعتقدون بوجود رابطة بين تلك ~~المضامين ودلالات الحروف ، بحيث تصبح الحروف المشتركة تعبيرا عن وجود معان ~~مشتركة. # ونحن لا نجد كبير فائدة في تحقيق مثل هذا الرأي ، لأنه لا ينطلق من ~~استنتاج متين فهو يركز على بعض النقاط التي نلمحها ms3496 في غير هذه السور ، ~~ويحاول تكلف النقاط الأخرى. # وقد وردت بعض الأحاديث المأثورة في تأويل هذه الكلمة عن بعض أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ، منها أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في ما رواه عنه ~~سفيان بن سعيد الثوري قال : ( @QUR@01 كهيعص ) معناه ، أنا الكافي الهادي ~~الولي العالم الصادق الوعد» (1). # وعن ابن عباس كما في الدر المنثور أن معناه : كريم هاد حكيم عليم صادق ، ~~وربما كان هذا اجتهادا من ابن عباس ، كما قد يكون في التفسير الأول استيحاء ~~أو ما يشبه ذلك ، على تقدير صحة الرواية. # * * * PageV15P010 ### ||| ** زكريا يناجي ربه # ( @QUR@05 ذكر رحمت ربك عبده زكريا ) هذا ما تريد السورة أن تذكر ~~المؤمنين به ليعرفوا كيف يرحم الله عباده الصالحين الذين يبتهلون إليه في ~~ما أهمهم من أمر دنياهم وآخرتهم ، من خلال نموذج مميز هو عبد الله الصالح ~~زكريا الذي كان يعيش المحبة لله ، كأعمق ما يعيشه الإنسان المؤمن الصالح ~~أمام ربه ، وكان موضعا لرحمة الله في تفاصيل قصته المثيرة للتفكير وللإيمان ~~، ( @QUR@05 إذ نادى ربه نداء خفيا ) فقد كان يعيش الإحساس بحضور الله في ~~حياته وهيمنته على وجدانه ، بحيث ينادى بشكل طبيعي ، كما ينادي أي موجود حي ~~في عالم الحس والشهود ، لأن غياب الله عن العيان لا يحجب رؤيته في عالم ~~الوجدان. وهكذا وقف زكريا لينادي ربه ، ليسمعه حاجته ، ولكنه لم يطلق صوته ~~عاليا ، بل تحدث بما يشبه الهمس الخفي ، لشعوره بالخشوع عند الحديث معه ، ~~وإدراكه بأن الله لا يحتاج إلى الجهر بالصوت ، ليسمع نداء عبده ، لأنه يعلم ~~السر وأخفى ، ويسمع وساوس الصدور ، فكيف لا يسمع تمتمات الشفاه؟! # ( @QUR@06 قال رب إني وهن العظم مني ) فقد ضعف جسدي ، واختلت قواه ، ولم ~~يعد هذا العظم الذي يعتمد عليه البدن في حركته وسكونه قادرا على حملي ، ~~لأنه فقد القوة والصلابة اللتين يتوقف عليهما نشاطه ، ( @QUR@03 واشتعل ~~الرأس شيبا ) فقد انتشر الشيب في رأسي ، تمام كما ينتشر اللهب في الهشيم ~~عند ما تشتعل فيه النار. فقد بلغت سن الشيخوخة التي تعطل في كل حيوية وقوة ~~ونشاط في ما ms3497 أريد القيام به من حركة الحياة ، ( @QUR@05 ولم أكن بدعائك رب ~~شقيا ) فقد عودتني أن تستجيب لي كلما دعوتك فأنت الرب العظيم القادر الذي ~~لا يضيق بأي دعاء مهما كان صعبا أو سهلا. ولذلك لم يضعف الأمل في قلبي ولم ~~يهتز ، أمام كل هذا الضعف ، ولم يجد اليأس طريقه إلى وجداني المنفتح على PageV15P011 # رحمتك وقدرتك ، وتلك هي سعادة الروح المتصلة بالله ، في ما تحبه ، وفي ما ~~تريده ، فلا مجال للإحساس بالشقاء الداخلي ، مهما كانت الأوضاع والظروف. ### ||| ** من هم مواليه وما ذا كان يخاف منهم # ( @QUR@05 وإني خفت الموالي من ورائي ) من هم هؤلاء الموالي؟ قيل إنهم ~~عمومته أو بنو عمه ، وقيل الورثة. ولكن ما الذي كان يخافه منهم؟ ذكر البعض ~~أن زكريا كان يخاف أن يرثوه ، كناية عن خوفه من أن يموت بلا عقب ، ولكن ~~التعبير لا يسمح باستيحاء ذلك لأن الكلمة توحي بأنه يخاف منهم أمرا من ~~الأمور التي تتعلق به وتتصل بساحته. وقد لا يكون من الطبيعي أن يكون مصدر ~~خوفه التركة التي سيخلفها من بعده ، لتكون المسألة أنه يخافهم ويخاف أن ~~يرثوها عنه ، لأن ذلك لا يتناسب مع ما يعلقه زكريا على مسألة الاستجابة ~~لطلبه من أهمية ، بالمستوى الذي يستعجل فيه تحقيق طلبه ذاك ، وهو الولد من ~~صلبه في تلك السن المتقدمة من العمر ، التي تجعل من تحقق ذلك الطلب عبر ~~الوسائل العادية أمرا مستحيلا ، ولا سيما إذا عرفنا أن مسألة الرغبة في ~~الولد بوصفه امتدادا في الوجود عبر الولد ، هي حاجة غريزية لم تسبب عدم ~~إمكانية إشباعها أية عقدة في حياة زكريا الأولى عند ما كان في فترة الشباب ~~، بعد اكتشاف عقم امرأته. فلما ذا لم يقدم ذلك الطلب بوقت مبكر ، ولما ذا ~~لم يحاول الزواج بغيرها إذا كان المانع منها لا منه ، وقد كان تعدد الزوجات ~~أمرا مشروعا لديهم كما نلاحظه في قصة إبراهيم عليه السلام . # ربما يذكر البعض أن صلاح مريم (ع) وكرامة الله عليها في ما شاهده من ~~أمرها جعله يحب الأولاد ليكون له منهم ms3498 ما يماثل مريم ، في قربه من الله ~~وكرامته عليه ، الأمر الذي أثار شعوره بالحرمان ، وأدى إلى الإلحاح بالدعاء ~~للاستجابة إليه في طلبه. PageV15P012 # ولكن هذا غير واضح من خلال التعبير في الآية ، بأن المسألة هي خوفه من ~~الموالي من بعده ، وتأكيده على صفات الولد الذي يطلبه ليكون مرضيا عند الله ~~، مما يوحي بأن هناك مهمة تنتظره في احتواء الساحة التي كان يملأها زكريا ، ~~ولا يريد لها أن تبقى فارغة من بعده. # ولعل هذا وغيره يوحي إلينا بأن من الممكن أن يكون قد خاف أن يفسد هؤلاء ~~ما استطاع الأنبياء والأوصياء من آل يعقوب إصلاحه من خلال عملهم على تنمية ~~الروح الرسالية في الساحة والجماهير ، الأمر الذي يجعل انقطاع نسله موجبا ~~لانقطاع هذه السلسلة المباركة من هذا التاريخ الرسالي المليء بالحركة ~~والجهاد. # ( @QUR@03 وكانت امرأتي عاقرا ) الأمر الذي يجعل المسألة صعبة أو مستحيلة ~~على مستوى الوضع الطبيعي ، فأراد أن يلتمس لنفسه الأمل من خلال قدرة الله ، ~~( @QUR@05 فهب لي من لدنك وليا ) بما تعنيه الكلمة من الشخص الذي يلي أمر ~~الإنسان فيعينه في حياته ، ويخلفه بعد موته ، وربما كان في التعبير بكلمة : ~~( @QUR@02 من لدنك ) ما قد يوحي بأن المسألة لا تتصل بالحالة الطبيعية ~~للسبب ، بل بالحالة الغيبية التي لا سبب فيها إلا للقدرة الإلهية المباشرة ~~، ( @QUR@05 يرثني ويرث من آل يعقوب ) ليكون امتدادا للخط الرسالي الذي ~~يدعو إلى الله ، ويعمل له ، ويجاهد في سبيله ، ولتستمر به الرسالة في روحه ~~، وفكره ، وعمله ... # * * * ### ||| ** ما المراد بالإرث؟ # وقد أثيرت في هذه الفقرة مسألة إرث المال وهل هو المراد بكلمة الإرث ، أو ~~أن المقصود به إرث العلم والرسالة ، لأن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ~~دينارا ، بل ورثوا شيئا من علومهم؟ وربما اتصل هذا الحديث بمسألة إرث PageV15P013 # السيدة العظيمة فاطمة الزهراء عليها السلام فدكا من أبيها محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ومدى صحة الحديث الذي واجهها به أبو بكر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه ~~صدقة». وغير ذلك ms3499 من التفاصيل. # وقد أشرنا في ما قدمنا من حديث أن المال لم يكن هو الأساس في الإرث في ~~تفكير زكريا ، لا من جهة أن الأنبياء لا يورثون ، ولا من جهة مشكلة من يملك ~~المال بعده ، بل إن خلو الساحة من بعده من شخص يحمل الرسالة هو ما يجعل ~~القضية في دائرة الخطورة في ما يتطلع إليه زكريا من مستقبل الرسالة ، لأن ~~الذين يأتون من بعده ويرثون موقعه ، ليسوا في مستوى المسؤولية ليترك الأمر ~~لهم في ما يقومون به في حركة الواقع. ولعل الحديث عن إرث آل يعقوب ، الذي ~~هو خط الرسالة ، يؤكد هذا المعنى. # ولكن ربما يلاحظ على ما ذكرناه ، أن كلمة يرثني ظاهرة بحسب طبيعة اللفظ ~~في معناه الحقيقي في إرث المال الذي لم يكن ملحوظا كهم من هموم زكريا في ~~دعائه هذا ؛ بل كان واردا على سبيل الإشارة إلى الولد في خصائصه العائلية ~~من حيث إنه وارث لأبيه ، لأن ذلك هو الذي يعين كلمة ( @QUR@01 وليا ) ~~بالولد الصلبي. ومما يؤيد ذلك أنه أهمل ذكر الإرث في آية سورة آل عمران في ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) [آل عمران : 38] ~~، حيث اقتصر على كلمة ( @QUR@02 ذرية طيبة ) ولم يلحقها بكلمة الإرث ، ~~لأنها تختزن في داخل معناها ذلك ، لأن الذرية وارثة لأبيها. وربما كان ذكر ~~آل يعقوب باعتباره من هذه العائلة ، فكأنه يثير المسألة على أساس امتداد ~~النسب الذي يتحقق بالولد الذي يرث أباه وعائلته. # وفي ضوء ذلك يمكن أن نسجل ملاحظة على مسألة وراثة النبوة أو وراثة العلم ~~، إذ هي ليست من خصوصيات الشخص في طموحاته التي يتطلبها من خلال طلبه الولد ~~، لأن النبي أو العالم عند ما يفكر بامتداد النبوة أو العلم من PageV15P014 # بعده لا يفكر بالجانب الذاتي في شخصه باعتبار أن إخلاصه للنبوة أو للعلم ~~يؤدي به إلى أن يطلب إرسال ابنه نبيا من بعده أو لتهيئة عالم ، تماما كما ~~هو مفاد الحديث الشريف : «العلماء ورثة الأنبياء» (1) مما يوحي بأن القضية ~~ليست قضية شخصية فيهم ms3500 ، بل هي مسألة امتداد العلم الذي بلغوه. أما احتمال ~~أن يكون زكريا قد طلب من ربه امتداد النبوة أو العلم في عقبه ، فإن سياق ~~الآيات لا ينسجم معه ، لأن الفكرة قد انطلقت من رؤيته مريم في صلاحها ~~وعبادتها وتقواها ، الأمر الذي جعله يفكر بالولد الصالح الطيب الذي عبر عنه ~~بالذرية الطيبة ، أو الرضي ، إذ لا معنى للحديث عن صفة الرضي إذا كان ~~المطلوب في الكلمة السابقة ( @QUR@01 وليا ) النبي أو العالم ، لأن مسألة ~~الرضي هي مسألة تختزنها الصفتان ، فلا معنى لاعتبارها طلبا آخر. # ومما يؤيد هذه الملاحظة في إرادة الوارث المالي من حيث هو كناية عن الولد ~~، أن هذه الآية وردت في احتجاج السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام على أبي ~~بكر عند ما منعها إرثها في فدك على أساس «أن الأنبياء لا يورثون» وذلك في ~~ما ذكره صاحب الاحتجاج ، قال : روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه ~~عليهم السلام أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك وبلغها ذلك جاءت إليه ~~وقالت له : «يا ابن أبي قحافة ، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ ~~لقد جئت شيئا فريا. أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ ~~يقول : ( @QUR@03 وورث سليمان داود )، وقال : في ما اقتص من خبر يحيى بن ~~زكريا : ( @QUR@010 فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) (2). ~~وجاء في الميزان نقلا عن الدر المنثور عن الفاريابي عن ابن عباس قال : «كان ~~زكريا لا يولد ، فسأل ربه فقال : ( @QUR@010 فهب لي من لدنك وليا يرثني ~~ويرث من آل يعقوب ) قال : يرثني مالي ، PageV15P015 # ويرث من آل يعقوب النبوة» (1). # وربما يخطر في البال احتمال أن يكون المراد في وجدان زكريا أن يرثه في ~~المال وفي خصائصه الأخرى التي يمنحه الله إياها ، فكأنه يقول هب لي ولدا ~~يمثل الامتداد لي في خصوصياتي المالية التي تنتقل إليه بفعل النسب ، وفي ~~خصوصياتي النبوية أو العلمية التي تتفضل بها عليه كما تفضلت بها علي. ولعل ~~استجابة الله لزكريا بولادة يحيى كانت تحقيقا ms3501 لرغبته في الولد الذي يرثه ~~ذاتيا ويرث النبوة ، حيث كانت النبوة إرثا في الشكل مع كونها في الواقع ~~تفضلا من الله. والله العالم. # ولا بد من الإشارة إلى الحديث الذي رواه الكليني في الكافي عن أبي ~~البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : «إن العلماء ~~ورثة الأنبياء ، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما أورثوا ~~أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا» (2). # لقد استدل البعض بهذا الحديث على تأكيد ما ذكره أبو بكر في روايته عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة. # ويمكن لنا أن نناقش الأمر بأن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، لم يرد أن ~~ينفي شرعية توريث الأنبياء المال الذي كانوا يملكونه ، بل إنه كان في مقام ~~الحديث عن أن الرصيد الأساس الذي يتركه الأنبياء لمن بعدهم هو الأحاديث ~~الرسالية المتضمنة لكل مفردات الرسالة ، لأن قضية جمع المال لم PageV15P016 # تكن هما كبيرا عندهم ، ليجتمع لديهم منه الكثير ليكون هو الإرث الأبرز بعدهم. # وبعبارة أخرى ، إن الإمام كان على نحو المبالغة يتحدث عن نفي واقع الإرث ~~لدى الأنبياء بحسب حالتهم المادية ، ولم يتحدث عن نفي الشرعية ، فكأنه قال ~~: إنهم لم يتركوا مالا لأنهم لا يملكونه ، لانشغالهم بالرسالة ، ولذلك لم ~~يورثوا درهما ولا دينارا ، لا أنهم تركوا مالا ولم يورثوه لمن بعدهم من ~~ورثتهم لعدم شرعية الإرث. والله العالم. # ( @QUR@03 واجعله رب رضيا ) مرضيا عندك من خلال إيمانه وعمله الصالح ، ~~وجهاده في سبيلك ، ودعوته إليك ، لتكون حياته في مستوى الرضا لديك. فهذا ~~ممن يمكن أن يسد الفراغ ، ويحمل العبء ، ويتحمل مسئولية الساحة كلها كما ~~تحب وترضى. # * * * PageV15P017 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ~~(7) @QUR@014 قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا (8) @QUR@014 قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم ~~تك شيئا (9) @QUR@013 قال رب اجعل لي ms3502 آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ~~ليال سويا (10) @QUR@011 فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا ~~بكرة وعشيا ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بغلام ): الغلام : اسم المذكر أول ما يبلغ. # ( @QUR@01 عتيا ): مصدر الفعل : عتا يعتو عتوا وعتيا ، فهو عات إذا غيره ~~طول الزمان إلى حال الجفاف واليابس ، ومعناه : أنه بلغ من الكبر إلى حال ~~يبست معها مفاصله وعظامه. # ( @QUR@01 آية ): علامة. PageV15P018 # ( @QUR@01 المحراب ): المصلى. # * * * ### ||| ** الله يستجيب لزكريا ويبشره بغلام # واستجاب الله دعاءه ، وحملت امرأته بعد يأس طويل ، وأوحى الله إليه بذلك ~~بطريقة خاصة. ولم يكن ينتظر الاستجابة الإيجابية بمثل هذه السرعة. # ( @QUR@013 يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ) ~~فقد أراد الله ألا يخيب أملك فيه ، ورجاؤك في رحمته ، فرزقك ولدا ذكرا سويا ~~، ومنحه اسما لم يحمله أحد من قبله ، فما ذا تريد بعد ذلك وقد منحك الله ~~كرامته التي يخص بها عباده الصالحين ، وأنبياءه المرسلين؟ # * * * ### ||| ** زكريا يتساءل متعجبا # ( @QUR@014 قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا ) فقد غيرني الزمان إلى حالة لم يبق لي معها شيء من الحيوية ~~فصرت تماما كالعود اليابس الذي لا خضرة فيه ولا حياة ، فكيف يمكن أن أهب ~~الحياة لغيري في مثل هذه الظروف الصعبة؟ وكأن زكريا قد فوجئ بأمر لم يكن ~~ينتظره لأنه لم يحسب أن الإنجاب يتم بمثل هذه السهولة ، وأن الدعاء يستجاب ~~بهذه السرعة ، وأن ما كان مستحيلا في نظره أصبح واقعا في حياته. وربما كان ~~يتصور أن دعاءه بالولد يدخل في نطاق التمنيات التي يتحدث بها الإنسان إلى ~~ربه ، دون أن يكون له طمع كبير في تحققها ، لا لأنه يشك في قدرة الله على ~~ذلك ، بل لأنه لا يعتقد أن الله يتدخل في الأمور بشكل مباشر PageV15P019 # لمصلحة شخص معين ، بعد أن جعل الحياة كلها خاضعة للسنن الكونية في وجودها ~~وفي حركتها العامة والخاصة. وهذا ما جعل السؤال ينطلق منه في ما يشبه ~~الصراخ العنيف ، كما توحي الآية. # ( @QUR@04 قال كذلك قال ربك ) وهذا ما ms3503 سمعه من الصوت الخفي الذي كان ~~يتحدث إليه دون أن يرى أحدا أمامه ، ولم يكن الله هو من كان يكلمه بل شخص ~~آخر غيره ، قد يكون ملكا ، أو أي شيء آخر ، ( @QUR@03 هو علي هين ) فلن ~~يصعب على الله أن يبدع القدرة فيك وفي زوجتك على إنجاب ولد بعد هذا العمر ~~الطويل ، ( @QUR@07 وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) فكيف تواجه فكرة ~~الإنجاب في هذا العمر بما يشبه المفاجأة؟ # وربما أراد زكريا أن يشعر بالطمأنينة القلبية إلى أن هذا الوحي الذي يلقى ~~إليه بواسطة هذا الصوت الذي سمعه ولم ير صاحبه هو وحي الله ، وأراد أن ~~يستوثق لقناعته ، فطلب آية لا يستطيع غير الله أن يحققها ، لأنها تتصل ~~بوحدانية القدرة لديه. # ( @QUR@05 قال رب اجعل لي آية ) ترتاح إليها نفسي ويطمئن لها قلبي ، ~~فأعرف أن هذه البشارة ، المعجزة ، هي منك ، وحدك ، حيث تكون هذه المعجزة ~~دليلا أكيدا على المعجزة القادمة ، ( @QUR@08 قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ~~ليال سويا ) وذلك بأن يحتبس لسانك وتعجز عن النطق طوال هذه المدة ، دون أن ~~يكون وراء ذلك علة أو صدمة ، سوى قدرة الله ، وفي عجزك ذاك آية دالة على أن ~~كل ما بك وما ينتظرك هو من الله ، وذلك مماثل لصوم الصمت الذي كان الناس ~~يقومون به وفاء لنذر ، أو اختيارا. وهكذا تم له ما أراد ، عرف سر قدرة الله ~~في نفسه ، وسر رحمة الله في قصته. وتفاعل الشعور بعظمة؟؟ في نفسه حتى تحول ~~الموقف النفسي عنده ، إلى موقف عملي في الدعوة إلى تسبيح الله في الصباح ~~والمساء ، في ما يوحي به التسبيح من التعبير عن PageV15P020 # عظمة الله في الكون ، ( @QUR@05 فخرج على قومه من المحراب ) في ما يشبه ~~الفرحة الكبرى ، ( @QUR@06 فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) لأن التسبيح ~~بما يعينه من استلهام عظمة الله من عظمة خلقه ، وبما يشيعه من إحساس ~~بالخشية من الله هو السبيل للالتزام الواعي بالخط المستقيم. # * * * PageV15P021 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) @QUR@06 ~~وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) @QUR@06 وبرا ms3504 بوالديه ولم يكن جبارا ~~عصيا (14) @QUR@09 وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الكتاب ): المراد به هنا : التوراة. # ( @QUR@01 الحكم ): العلم بالمعارف الإلهية ، أو هو الفهم. # ( @QUR@01 وحنانا ): العطف والرحمة. # ( @QUR@01 عصيا ): الأصل في معناه : الامتناع ، والمراد به هنا : أنه ~~كان رؤفا رحيما بمعاملته مع الناس. # * * * ### ||| ** الكتاب ليحيي # وتمت كلمة الله ، وولد يحيى لزكريا. وبدأ ينمو ويترعرع في أحضان PageV15P022 # التقى وفي أجواء الإيمان ، حتى إذا أكمل نموه الجسدي والروحي ، وانفتح ~~على الله بروحه ، وعلى الإيمان بفكره ، وعلى المسؤولية بكل وعيه ، جاءه ~~النداء الخفي من الله ، أن ينزل إلى الساحة ، حيث يحتدم الصراع بين الآراء ~~المتعددة والمذاهب المختلفة ، وحيث تتصادم الأهواء في النظر إلى القضايا ~~والأشياء بعيدا عن الموازين الدقيقة لها ، ليأخذ دوره في مواجهة ذلك كله ، ~~بكلام الله ، من موقع القوة المرتكزة على عمق الوعي وسعة الأفق ، وشمول ~~النظرة ، وقوة الإرادة ، وصلابة الموقف. # ( @QUR@05 يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) واحمل التوراة التي تشمل كل شيء في ~~العقيدة والتشريع والمنهج ، لتؤكدها في حياة الناس ، بالدعوة والحركة والخط ~~، ولا تضعف أمام كل عوامل التحدي ، وعناصر الضعف ، بل تقدم بكل قوة ، لأن ~~الأقوياء هم الذين يملكون ساحة الفكر بقوة فكرهم ، وساحة السلطة بقوة ~~شخصيتهم ، وثبات موقفهم. أما الضعفاء فيهزمهم الآخرون بأي أسلوب يضعف الروح ~~، ويزلزل الفكر ، ويهز الشعور ، فينسحبون عن مواقعهم بسهولة. هؤلاء ~~المنهزمون الضعفاء لا يمثلون شيئا في حركة الصراع ، ومواجهة التحدي. # وليست هذه الدعوة خاصة بيحيى ، بل تشمل كل الذين يحملون رسالات الله من ~~أنبياء أو مبلغين ، فإن على هؤلاء أن يحملوا رسالة الله بقوة وحسم ~~بامتلاكهم العمق في المعرفة وصلابة الموقف ووضوح الهدف وصلابة الإرادة ، ~~والهدف في مواجهة التحدي المضاد ، وامتلاك السلاح في مواقع الجهاد. وتلك هي ~~مسئوليتهم التي يريد الله لهم أن يحملوها ، ليتوازن الواقع على خط الهدف ، ~~وتندمج إرادة الإنسان في إرادة الله. وهذا ما أراده زكريا ، من خلال الولد ~~الذي طلب إلى الله أن يهبه إياه ، ليرثه ويرث من آل يعقوب ، في حمل الرسالة ~~، وفي ما تركه آل ms3505 يعقوب من كتاب وحكمة وقوة ، ليسيطروا على كل الذين يريدون ~~الانحراف بالناس عن الخط المستقيم. # * * * PageV15P023 # ( @QUR@03 وآتيناه الحكم صبيا ) # ( @QUR@03 وآتيناه الحكم صبيا ) وتلك هي المعجزة الإلهية الثانية في خلق ~~يحيى ، فقد ألهمه الله الوعي الكامل للحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه ، ~~في كل المواقع التي يبحثون فيها عن الحاكم العادل الذي يعرف الشريعة مصادر ~~وموارد ، ويميز بين مواقعها ، لتتحرك به النظرية في خطوة التطبيق. وهكذا ~~ملأ الحكم كيانه ، وتحرك في كل حياته وهو لا يزال صبيا ، لم يبلغ الحلم ، ~~ولم يصل إلى السن التي تؤهله لتبوءوا المواقع المتقدمة للحكم في نظر الناس ~~باعتبار أن الحكم هو عنوان كبير لنضج العقل واكتماله ، وسعة المعرفة واتزان ~~المشاعر ، وهي أمور لا تتحقق لصبي في عقله وحركته ، وبالتالي فإنه لا يكون ~~موضعا للثقة ، لأن ذلك يحتاج إلى قطع مراحل طويلة من النمو الطبيعي ومن ~~معايشة التجارب. ولكنها إرادة الله التي تتصل بالحياة ، فتمنحها كل عناصر ~~القوة وكل عوامل السرعة في النمو ، لأن إرادته لا تتخلف عن مراده في قضايا ~~التكوين في ما يجده من أسرار الحكمة في حركة الإنسان في الحياة. # وهذا ما يريده الله لعباده ، في ما يعده لهم من مواقع الكرامة ، ومنطلقات ~~الهداية بالأسباب المألوفة أو غير المألوفة. ولم تكن معرفة يحيى للحكم هي ~~كل ما كان يملكه هذا العبد الصالح الداعية ، بل كانت شخصيته جامعة لكل صفات ~~الكمال ، ( @QUR@03 وحنانا من لدنا ) بما أفاضه الله عليه من روحية الحنان ~~الإلهي الذي يغمر قلبه بالخير والرحمة ، فينسكب على حياة الناس رأفة ، ~~وعطفا ، ورحمة ، ومحبة ، فلا يعنف بهم ، ولا يقسو عليهم ، ولا يحملهم ما لا ~~يطيقون ، في ما يحملهم من مسئوليات ، ويدعوهم إليه من قضايا ، ويقودهم إليه ~~من مواقف ... ولعل هذا أقرب إلى الفهم في موقعه الرسالي الذي تلتقي فيه ~~الرسالة بالحكم. وربما فسره بعضهم بأنه نوع عطف وانجذاب خاص إلهي PageV15P024 # بينه وبين ربه غير مألوف ، وذلك نظرا إلى تقييد الحنان بقوله ( @QUR@02 ~~من لدنا )، إذ إنهم تستعمل في ما لا مجرى أو نظر فيه ms3506 بالنسبة للأسباب ~~الطبيعية العادية. # ولكننا لا نجد في الكلمة مثل هذا الإيحاء ، بل يكفي في صحة النسبة إلى ~~الله أن يكون العمل صادرا منه بإرادته بشكل أو بآخر ، وربما تكون دلالتها ~~على جانب الرعاية منه أكثر من دلالتها على الجانب غير العادي من ذلك. والله ~~العالم. # ( @QUR@01 وزكاة ) في ما يتكامل فيه من عناصر النمو والبركة والطهارة ، ~~أو في ما يغدقه على الناس من ذلك كله. # ( @QUR@02 وكان تقيا ) يعيش الخوف من الله والإحساس بمراقبته ، والالتزام ~~بأوامره ونواهيه ، في ما تحمله التقوى من وعي الخط الرسالي ، وإصرار على ~~تحريك الموقف ضمن ذاك الخط. وبذلك كان دوره دور القدوة التي توجه الناس ~~بالممارسة ، كما توجههم بالدعوة. # ( @QUR@02 وبرا بوالديه ) في ما يعيشه من روحية البر ، وأخلاقية الإحسان ~~التي تملأ قلبه شعورا بالرحمة ، واعترافا بجميل هذين الإنسانين اللذين كانا ~~السبب في وجوده ، بإرادة الله ، والعنصر الأساس في عملية نموه وتكامله ، ~~والقلب الكبير الذي أفاض عليه المحبة والخير والحنان ... وتلك هي الصفة ~~الروحية الأخلاقية التي تجعل منه إنسانا منفتحا على الآخرين في إنسانيته ، ~~ومتحررا من سجن الأنانية التي تحبس الإنسان في دائرة ذاته. # ( @QUR@04 ولم يكن جبارا عصيا ) كما هي حال الكثيرين ممن يحتلون المواقع ~~المتقدمة في المجتمع ؛ إذ إن مواقعهم تلك تدفعهم إلى الشعور بالقوة ~~المستعلية والجبروت المتكبر الذي لا يرون معه لأحد عليهم حقا ، ويرون ~~لأنفسهم كل الحق على الآخرين. بل هو ، على العكس من ذلك ، مجرد إنسان طيب ~~متواضع يرى للناس الحق عليه في ما قد يراه لنفسه أو في ما لا يراه لها ، PageV15P025 # فيتعهدهم إلى مواقع الهدى والرشاد ، وبذلك لم يكن خلقه قاسيا عصيا ، بل ~~كان رؤفا رحيما لينافي ما يصادفه من قضايا الناس وآلامهم ، وتلك هي روحية ~~السلام الذي يمثل الأمن الروحي في حياته الفردية وفي حياته الاجتماعية ، في ~~الدنيا والآخرة. # ( @QUR@04 وسلام عليه يوم ولد ) فأراده الله أن يكون محلا لكرامته ، ~~وموضعا لرحمته ، ( @QUR@02 ويوم يموت ) حيث ينتقل إلى رحاب الله وفي روحه ~~كل مشاعر السلام للناس وللحياة ، ( @QUR@03 ويوم يبعث حيا ) حيث يعيش ms3507 هناك ~~السلام المنفتح على الله ، فيقوده ذلك إلى رحاب الجنة التي هي دار السلام. # * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من القصة؟ # وقد نستوحي من قصة زكريا ويحيى أن الإنسان المؤمن لا يسقط في مشاعر اليأس ~~الخانقة عند ما تحاصره الموانع الطبيعية التي قد توحي إليه باستحالة ما ~~يطلبه واقعيا ، بل يبقى في أجواء الأمل الروحية التي تنفتح على قدرة الله ~~ورحمته ، وذلك من خلال عالم الغيب الذي يطل على الآفاق غير العادية من حياة ~~الناس في ألطاف الله الواسعة ، عند ما يرزقه من حيث لا يحتسب ، ويحرسه من ~~حيث لا يحترس ، ويحقق له الكثير من أحلامه من حيث لا ينتظر ... وهكذا انطلق ~~زكريا بالدعاء في الدائرة المستحيلة من ناحية واقعية على أساس الإيمان ~~بالله الرحيم بعباده القادر على كل شيء ، بكل عفوية وبساطة وانفتاح ، حتى ~~إذا استجاب الله له ما أراد ، استيقظ فيه حسه المادي الذي يربط الأمور ~~بأسبابها المعتادة ، فيستغرب خروجها عن المألوف. ولكن الله يرجعه إلى ~~وجدانه الروحي ، ويؤكد له ذلك بآيته المعجزة ، فيلتقي الانفتاح الروحي ~~والإيمان بكل قوة. PageV15P026 # وإذا لم يكن من العملي أن ننتظر المعجزة من الله كي نتحرك بواسطتها على ~~أرض الواقع ، لأنها لا تمثل قاعدة في حياة الناس ، بل استثناء لمصلحة معينة ~~في حياة الأنبياء والأولياء ، فإن لنا أن نستوحي في قصة زكريا القدرة ~~الإلهية على تحدي الصعوبات المادية ، وألا نستبعد الغيب في حياتنا الواقعية ~~، لا سيما في الأوضاع المعقدة الصعبة والتحديات القوية من أعداء الله ، مما ~~قد يمنحنا القدرة على التماسك ، وعلى حفظ توازن الموقف ، وصلابته ، أمام ~~حالات الاهتزاز الروحي والفكري والعملي ، الذي يمكن أن يتأتى عن مصادر ~~الضغط المختلفة لننتظر الفرج القادم من عمق الغيب في ما يثيره في حياتنا من ~~قضايا غير اعتيادية ، في ما يحركه الله في الساحة من غامض علمه ، مما لم ~~نستطع اكتشافه بإحساسنا المادي. # ثم إننا نلاحظ هذه الروحية التي تجعله يفكر بالولد المؤمل المطلوب من ~~الله خوفا منه على مستقبل الرسالة ، إذا تسلمها من ليسوا في مستوى ~~المسؤولية من ms3508 الأقرباء الغرباء عن مواقعها الأصيلة. ولذلك فإنه يريد الولد ~~الرضي الذي يتسلم المهمة من موقع الكفاءة الروحية والأخلاقية والعملية ، ~~ليحفظ الساحة من كل اهتزاز وانحراف واستغلال. # وإذا كنا مصيبين في استفادتنا هذا المعنى من الآيات ، فإن ذلك يؤكد لنا ~~أن هم الإنسان الرسالي الكبير هو مستقبل الأمة ، وليس فقط حاضرها لأن ~~تفكيره لا يقتصر على الحاضر فقط ، بل يتعداه إلى المستقبل في نظرته إلى ~~حركة الرسالة في الحياة ؛ كما يوحي إلينا بأن الولد الذي يعيش في أمنياته ، ~~لا يمثل مجرد حاجة ذاتية حدودها الرغبة الإنسانية في امتداد الحياة عبر ~~الأولاد تحقيقا لرغبة خفية بالخلود ، ولو عن طريق غير مباشر ، بل يمثل حاجة ~~رسالية لإكمال مشاريع رسالته الفكرية والعملية من خلال أقرب الناس إليه وهو ~~من يعتبر امتدادا لحركته الفاعلة على أكثر من صعيد. PageV15P027 # أما يحيى ، فهو صورة الإنسان الرضي التقي الزكي الذي يعيش الوداعة ، ~~والروحانية ، والطهارة ، والالتزام الواعي بالخط الإلهي ، الذي يريد الله ~~للإنسان أن يتعمق فيه روح التقوى ليحرك الحياة من حوله من خلال تلك الروح ، ~~ولكن ذلك لا يمنعه من أن يحمل الكتاب بقوة ، ويتحدى الواقع المنحرف بإيمان ~~، في وداعة تفتح القلوب على الحق من موقع أخلاقي ، وقوة تربط الإرادة ~~بالموقف الرسالة ليحطم الحواجز من بين يديه ومن خلفه ، وليفتح الساحة ~~الضعيفة على كلمات الله من قاعدة القوة ، ليكون ذلك مثلا حيا للداعية ~~الواعي الذي يحب الناس في وداعته وروحانيته ، ويحب الرسالة في حركة الدعوة ~~إلى الله في قوتها وصلابتها وهو مثل تفتقر إليه الحياة في حركة الوسائل ~~لتحقيق الأهداف. فمن بين المشاكل التي نعانيها في الواقع الرسالي ، هي ~~مشكلة الرساليين الذين لا ينفتحون على الجانب الإنساني المأساوي من حياة ~~الناس ، ومشكلة من ينفتحون على الرسالة ، من مواقع الضعف الإرادي. # * * * PageV15P028 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) ~~@QUR@011 فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ~~(17) @QUR@08 قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) @QUR@09 قال إنما ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ms3509 زكيا (19) @QUR@011 قالت أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) @QUR@015 قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله ~~آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 انتبذت ): اعتزلت. # ( @QUR@02 مكانا شرقيا ): إلى جهة الشرق. # ( @QUR@01 حجابا ): الحجاب : ما يحجب الشيء ويستره عن غيره ، وقد يكون ~~المراد به هنا : الانقطاع عن الغير والاعتكاف للعبادة. # ( @QUR@01 سويا ): كامل البنية. PageV15P029 # ( @QUR@01 أعوذ ): أعتصم. # ( @QUR@01 بغيا ): البغي : الزنى ، وهو هنا كناية عن النكاح. # ( @QUR@01 مقضيا ): محتوما. # * * * ### ||| ** مريم عليها السلام في أجواء المعجزة الإلهية # وهذه قصة أخرى ، في أجواء المعجزة الإلهية ، وهي تختلف عن قصة زكريا في ~~أنها تتحدى المألوف في عملية الخلق ، ذلك أن الخليقة التي بدأت بحفنة من ~~طين نفخ الله فيها من روحه فكان آدم ، وكانت حواء ، دون أب أو أم ، ثم كان ~~التوالد على أساس التقاء الرجل والمرأة ليكون الإنسان نتيجة هذا اللقاء ~~الزوجي. واستمرت البشرية في هذا الخط حتى أصبح القاعدة التي تحكم التصور ~~كما تحكم الواقع. # وجاءت قصة ولادة مريم (ع) لعيسى (ع) لتخرق هذا القانون الطبيعي بقوة ~~ولتعرف البشرية مخلوقا ولد من أم دون أب ، ولتفرض ولادته تصورا جديدا في ~~أجواء العقيدة ، من خلال التعمق في فهم سر قدرة الله في عملية الإيجاد ~~المتنوع في كل مظاهره الدالة على وحدانية الله وقدرته ، حيث لا تمنع ألفة ~~الوضع الطبيعي للتناسل التفكير الدقيق في إعجاز الأساس الذي أودع في لقاء ~~النطفة بالبويضة سر الحياة التي ينشأ عنها الإنسان. وبذلك لا يكون في إعجاز ~~الخلق فرق ، بين خلق آدم وخلق عيسى ، وخلق الناس بالطريقة العادية ، بل كل ~~ما هناك أننا ألفنا المعجزة في بعض صورها ، ولم نألفها في البعض الآخر. PageV15P030 # وقد جعل الله السيدة العذراء مريم (ع) عنوان القصة ، لأن حركة الخلق ~~انطلقت منها ومعها ، وحملت أكثر الملامح اتصالا بها ، من حيث المضمون ~~والموقف ، ومن حيث الإيحاءات الروحية في مسألة تقديم النموذج الأمثل للمرأة ~~من خلال الإنسانة المؤمنة التي يتحول ضعفها الأنثوي بفضل الإيمان والرعاية ~~الإلهية إلى عنصر قوة وثبات. # ( @QUR@04 واذكر في الكتاب مريم ms3510 ) الفتاة العذراء الطاهرة التي عاشت ~~أجواء خدمة الله في بيته ، فتعمق إحساسها الإيماني وطهارة فكرها وروحها ~~وشعورها ، لما يتفايض من أجواء المعبد على كيان الإنسان المؤمن المتعبد من ~~طهارة ، وها هي تبرز في موقف جديد لم تختره بإرادتها ، ولكنها تحركت نحوه ~~بطريقة تلقائيه لا شعورية ، ( @QUR@06 إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) ~~تماما كما تخرج أي فتاة لتخلو بنفسها لغرض التأمل أو العبادة أو ممارسة أي ~~نشاط خاص بشكل طبيعي لم يثر انتباه أحد ، كما توحي أجواء الآية. # ( @QUR@04 فاتخذت من دونهم حجابا ) لتكتمل لها الخلوة بنفسها ، من خلال ~~حاجز خلفه ، طبيعي أو صناعي أو صنعته بجهدها لهذا الغرض وأخذت تستسلم ~~لأفكارها ، أو لأحلامها ، أو لأوضاعها الخاصة ، وكانت المفاجأة لها ~~بالمرصاد ، وكانت المشكلة النفسية التي هزت كيانها بعنف ، ( @QUR@03 ~~فأرسلنا إليها روحنا ) ومهمته حمل سر القدرة الإلهية على خلق هذا الإنسان ~~الجديد ( @QUR@04 فتمثل لها بشرا سويا ) كأي بشر آخر ، في شكله وملامحه ~~العميقة. وفوجئت وارتعدت ، وانتفض الطهر في روحها وفي أعماقها ، ليحمي نفسه ~~، ليستعين بشيء أي شيء ، وهرعت إلى الله تستعين به وتستنجده ، فهو الذي ~~منحها هذا التمسك العميق بالحياة الطاهرة العفيفة التي تتمرد على كل رجس ، ~~وهو القادر على أن يحمي فيها هذا الطهر الذي اختارت بإرادتها أن تعيش كل ~~حياتها في دائرته. # * * * PageV15P031 ### ||| ** مريم عليها السلام ولقاء الروح # ( @QUR@08 قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) فهو الذي يجيرني منك ~~إذا اجتاح مشاعرك خاطر الشيطان في غريزتك ، وهو الذي يمنحك قوة الالتزام ~~بالتقوى كي لا تنجرف أمام نداء الشهوة في جسدك ، إن كنت ممن يعيشون التقوى ~~فكرا وروحا ومسئولية حياة أمام الله. # وانتظرت ردة الفعل منه ، هل يستجيب لها ، في ما يلهمه الله من تقوى ~~وهداية ، وفي ما يمنحها الله ، من خلاله ، من عطف ورعاية؟ وجاءت المفاجأة ~~الثانية ، بشكل أعنف ، ولكن بطريقة أخرى. ( @QUR@09 قال إنما أنا رسول ربك ~~لأهب لك غلاما زكيا ) وفزعت فزعا شديدا ، يوحي بالرعب ، وينذر بالهول ... ~~أهو جاد هذا الرجل؟ هل يقول الصدق أم يكذب؟ كيف يقول إنه رسول ms3511 ربها؟ ومن هي ~~في الناس حتى يرسل الله لها رسولا؟! إن ذلك من شأن الأنبياء ، وهي ليست ~~بذلك الموقع ، هل هي حيلة لخداعها للتغرير بها لتتقبل الموقف في شعور ~~بالقداسة؟ ثم ماذا يقول؟ إنه يعبر عن مهمته بأنه يريد أن يهب لي غلاما ~~زكيا. وكيف يحدث ذلك للفتاة العذراء دون أن تكون على علاقة بأي رجل ، وهي ~~العذراء الطاهرة التي لم يحدث معها ذلك ولن تسمح له بأن يحدث؟! # وهتفت بكل ذعر : ( @QUR@08 قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ) فلم ~~أتزوج من قبل لأنجب غلاما من علاقتي الزوجية ، كبقية النساء المتزوجات ، ( ~~@QUR@03 ولم أك بغيا ) كالنساء المنحرفات اللاتي يتصلن بالرجال خارج نطاق ~~العلاقة الشرعية. ولكنه قطع لها حدوث ذلك ، وأوحى إليها بأنه أمر يتجاوز ~~المألوف ، وسر لا يحيط به الناس ، فليس الغلام الذي ستنجبه وليدا يولد على ~~طريقة التوالد الطبيعي ، بل هو معجزة إلهية أكرمها الله بها فجعلها موضعا ~~لها ، ولا بد أن تنظر إليها من هذا الجانب ، بوصفها تجليا للقدرة الإلهية ~~التي تتجاوز الأسباب PageV15P032 # الطبيعية المعتادة ، تماما كما هي قصة خلق آدم. # ( @QUR@04 قال كذلك قال ربك ) فهي رسالة موجهة إليك في ما يعبر عنه قول ~~الله من إرادته التكوينية التي يقول فيها للشيء كن فيكون ، ( @QUR@03 هو ~~علي هين ) فلا يعجزني شيء في وجوده ، ولا في خصوصياته ، لأنني القادر الذي ~~لا يعجزه شيء مهما كان عظيما ، ( @QUR@03 ولنجعله آية للناس ) يدركون فيها ~~سر القدرة من خلال عظمة الخلق ، ( @QUR@02 ورحمة منا ) في ما نريد أن نعده ~~له من دور في حمل الرسالة للناس ، وفي رفع مستواهم الروحي والفكري والحياتي ~~... وتلك هي الإرادة الإلهية الحاسمة التي لا مجال للشك فيها ، ولا للتراجع ~~عنها ، ( @QUR@03 وكان أمرا مقضيا ) فلا مجال للمناقشة أو الاعتراض لأنها ~~إرادة الله وقضاؤه ، وعلى العباد الخضوع له. # * * * PageV15P033 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) @QUR@014 فأجاءها المخاض ~~إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) @QUR@010 ~~فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) @QUR@08 وهزي إليك ~~بجذع النخلة ms3512 تساقط عليك رطبا جنيا (25) @QUR@018 فكلي واشربي وقري عينا ~~فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قصيا ): بعيدا. # ( @QUR@01 فأجاءها ): جاء بها ، كناية عن الدفع والإلجاء. # ( @QUR@01 المخاض ): الطلق ، ووجع الولادة. # ( @QUR@01 نسيا ): النسي : الشيء الحقير الذي ينسى. # ( @QUR@01 سريا ): لكلمة سري عدة معان في اللغة منها : القائد ، والشريف ~~الرفيع ، وجدول الماء وهو المعنى الأنسب هنا. PageV15P034 # ( @QUR@01 جنيا ): الجني من الثمر : ما نضج وصلح للاجتناء والقطف ، وقد ~~يقال لما جني من ساعته. # * * * ### ||| ** المولود المعجزة # وتمت كلمة الله ، ودخلت مريم في عالم جديد مبهم ، لا تعرف لا طبيعته ولا ~~مدى خطورته ، بل كل ما كانت تشعر به أنها مقبلة على جو معقد ، ولكنها سلمت ~~أمرها لله ، واندمجت في التجربة ، وحاولت أن تغيب فترة الحمل عن المجتمع. # ( @QUR@05 فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ) بعيدا عن الناس ، حتى لا تثير ~~انتباه أحد. ومرت الأيام ... ، فلم يعرفنا القرآن الكريم ، هل استكمل الحمل ~~المدة المقررة له ، أو أن الزمن كان قصيرا ، ( @QUR@05 فأجاءها المخاض إلى ~~جذع النخلة ) أي فاجأها الطلق الذي يسبق الولادة ، وحملها ما أخذت تعانيه ~~من ألم إلى جذع النخلة لشعورها آنذاك بالحاجة إلى شيء صلب تستند إليه ~~لتكتسب قوة وتماسكا ، وولدت عيسى عليه السلام في ما يشبه الصدمة لمشاعر مريم ~~عليها السلام ، وتحرك الضعف الأنثوى فيها ليثير في داخلها الإحساس بالعجز عن ~~مواجهة هذا الحدث الذي لا تملك أن تدافع عن طبيعته أمام الناس ، فهم لا ~~يفهمون سر الإعجاز الإلهي الكامن فيه ، بل يردون فيه مظهر انحراف في ~~أخلاقيتها وسقوط في شرفها ، ونقص في عفتها ، لما توحي به أمثال هذه الحادثة ~~من وجود علاقة غير شرعية ، ما دام احتمال نشوء المولود عن علاقة زوجية ~~معلنة أمرا غير وارد في الموضوع. # وشعرت أن المسألة أكبر من طاقتها لا سيما وهي تعيش الوحدة ، فلا أنيس ~~تأنس به وتشكو إليه همومها الجديدة ليخفف عنها ، ولا صديق تبحث PageV15P035 # معه مشكلتها ليساعدها في الحل ، فأطلقت صرخة الإنسان الضعيف المسحوق الذي ~~شعر في لحظة كما لو أن ms3513 الحياة كانت عبئا ثقيلا عليه ، لأنها تحشره في زاوية ~~ضيقة من التجربة الصعبة التي لا يستطيع الخروج منها ، أو السيطرة عليها. ~~وكانت تواجه نتيجة هذا الموقف وضعا اجتماعيا بالغ الصعوبة يهدد سمعتها ~~وكرامتها وموقعها ؛ وهكذا ( @QUR@09 قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا ) حتى لا أواجه نظرات الاتهام القاسية. # وكانت المفاجأة الأولى التي شكلت انطلاقة هذا الوليد العجائبية ، إن مريم ~~سمعت كلاما لا بكاء ، وتلفتت يمينا وشمالا فلم تر أحدا هنا أو هناك ، وإذا ~~بالصوت يأتي من الأسفل ، حيث فراش الوليد ، إنه يتكلم ليفتح لها باب الرضا ~~والطمأنينة ، وليسبغ عليها سكينة الروح ، وهدوء المشاعر. # * * * ### ||| ** عيسى عليه السلام يكلم مريم عليها السلام # ( @QUR@05 فناداها من تحتها ألا تحزني ) من تهاويل المستقبل ومن نظرات ~~الناس وكلامهم ، فإن الله الذي أعدك لمثل هذه الكرامة القدسية ، لن يتركك ~~وحدك لتواجهي صعوبات الموقف ، إذ هو يدافع عن عباده المخلصين المتقين في ما ~~يملكون أمره ، فكيف لا يرعاهم في ما لا يملكون شيئا منه ، وها أنت ترين أن ~~الله قد أعد لك كل أسباب الحماية والرعاية ، فتطلعي الى ما أنت فيه ، ف ( ~~@QUR@05 قد جعل ربك تحتك سريا ) والظاهر أن المراد به جدول الماء الذي ~~يترقرق إلى جانبها فتستطيع أن تشرب منه دون أن تحتاج إلى بذل جهد لا ~~تستطيعه في وضعها الخاص. وتلك كرامة بارزة لها ، إذ لم يسبق لها أن شاهدته ~~من قبل ، ( @QUR@08 وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) في غير ~~وقته ، أو أنها كانت يابسة فاخضرت وأورقت وأثمرت رطبا جنيا لساعتها ، وهذه ~~كرامة ثانية ، ( @QUR@04 فكلي واشربي وقري عينا ) بهذا اللطف الإلهي العظيم ~~، واستقبلي الحياة بروح مطمئنة PageV15P036 # راضية في ظلال العناية الإلهية ، فإنك بعين الله ورعايته ، فقد تكفل أمرك ~~في البداية ، وسيكفله حتى النهاية. # أما الناس ، أما كلامهم ، أما نظراتهم ، القاسية ، أما اتهاماتهم الظالمة ~~، أما ذلك كله ، فليس مشكلتك على أي حال ، وليس من مسئوليتك أن تردي على ~~ذلك كله. فالمهم أن تأخذي من ثقتك بالله ، روح الشعور بالقوة ، والثقة ~~بالموقف ، وأن تواجهي ms3514 الموقف بطريقة اللامبالاة. ( @QUR@010 فإما ترين من ~~البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما ) وهو ما كان يعرف بصوم الصمت ، ( ~~@QUR@04 فلن أكلم اليوم إنسيا ) وبذلك يعرف أن القول هنا بمعنى التعبير ~~بالرمز والإشارة. # * * * PageV15P037 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) ~~@QUR@012 يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) ~~@QUR@010 فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) @QUR@08 ~~قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) @QUR@011 وجعلني مباركا ~~أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) @QUR@06 وبرا بوالدتي ~~ولم يجعلني جبارا شقيا (32) @QUR@09 والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فريا ): أي أمرا عظيما بديعا ، أو : أمرا قبيحا منكرا. # ( @QUR@01 الكتاب ): الظاهر أن المراد به هنا : الإنجيل. # * * * PageV15P038 ### ||| ** مواجهة مريم عليها السلام لقومها # وجاءت إلى أهلها ، لتواجه التجربة القاسية المريرة ، ولتكسر الحاجز ~~النفسي الذي يحول بينها وبين العودة إلى المجتمع ، ولكن من مركز القوة التي ~~أمدها الله بها ، في ما يبرئ ساحتها ، ويظهر طبيعة المسألة ، ويحل الإشكال ~~العالق بالأذهان. # ( @QUR@04 فأتت به قومها تحمله ) وكانت المفاجأة الكبرى لديهم ، وبدأ ~~التساؤل لمن هذا الولد الذي تحمله العذراء؟ هل من المعقول أن يكون ولدها ، ~~وهي العفيفة الطاهرة التي عاشت حياتها في المحراب ، في عبادة خالصة لربها؟! ~~كيف حدث هذا؟ وانقطع الشك باليقين ، وبدأ الهجوم. # ( @QUR@07 قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ) عظيما لما توحي به ولادة ~~هذا الصبي من حدث خطير بمستوى المعصية الكبيرة ، وهو أمر لا يصدق لو لا أن ~~الواقع يؤكده بقوة ، ( @QUR@03 يا أخت هارون ) الذي تتصل معه بالنسب ، أو ~~تشبهه بالصلاح ، ما ذا دهاك؟ ( @QUR@09 ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك ~~بغيا ) بل كانا عفيفين صالحين طاهرين ، فمن أين أخذت هذا السلوك السيئ؟ ( ~~@QUR@02 فأشارت إليه ) بكل هدوء ووداعة وقوة ، ليكلموه ، وليسألوه ، لأنها ~~لا تملك أن تتحدث إليهم ، وفاء بنذرها صوم الصمت. وخيل إليهم أنها تهذي ، ~~أو أنها تسخر بهم ، ( @QUR@08 قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) فهل ~~ينطق ms3515 مثله لينطق هو بالجواب ، وما قدر ما يحسن إذا كان يستطيع النطق؟ ولكن ~~انتظارهم لم يطل ، وجاءتهم المفاجأة من حيث لا ينتظرون ، في ما يشبه ~~الصاعقة .. فقد بدأ الطفل الرضيع توضيح الموقف بكلام واضح صريح. # * * * PageV15P039 ### ||| ** عيسى عليه السلام يدفع التهمة عن أمه # ( @QUR@08 قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) وهكذا أخذ يتحدث ~~إليهم عن صفته المستقبلية ، في ما يريد الله له أن يمارسه من دور ، أو يقوم ~~به من مسئولية ، فهو ، مهما أحاط خلقه وقدراته من أسرار ، لا يبتعد عن كونه ~~عبدا لله ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا به ، ولا يتحرك في أي وضع غير ~~عادي إلا بإذنه ، فلا مجال للغلو والارتفاع به فوق مستوى البشرية ، عند ~~النظر إليه في المستقبل. وهو من موقع عبوديته لله ، يتحرك في خط النبوة ~~التي أكرمه الله بها ، ويحمل الإنجيل وهو الكتاب الذي يتضمن رسالة الله ~~ووحيه ، تلك هي صفة عيسى عليه السلام الواقعية ، التي يعيش فيها بشرية ~~الإنسان ، ورسالية النبي ، وحركة الوحي في الدعوة. ( @QUR@05 وجعلني مباركا ~~أين ما كنت ) البركة هي نماء الخير في حياة الناس في ما ينفع البلاد ~~والعباد ، وعيسى عليه السلام كان مباركا ، لما يقدمه للناس من علم نافع يرفع ~~مستواهم ، وعمل صالح يغني وجودهم ، وينمي حركتهم ، ويحقق لهم مواقع القوة ~~ويحيطها بدائرة أخلاقية تحميها من الانحراف ، وتحمي الآخرين من عدوانها. # ( @QUR@06 وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ) وفي ذلك إشارة إلى عمق ~~هذين العنوانين البارزين في شريعة عيسى عليه السلام : الصلاة فيما تؤمنه من ~~سمو الروح عبر ارتفاعها إلى آفاق الله ، والزكاة بما تفرضه من احتواء ~~للحرمان الإنساني بالدعم والمساعدة قربة إلى الله. حيث يصبح السمو في آفاق ~~الله مقدمة للانطلاق إلى الواقع من الموقع نفسه. وهكذا يلتقي الجانب ~~السماوي بالجانب الروحي في مضمون كل الرسالات. # ( @QUR@02 وبرا بوالدتي ) بما يمثله البر من رأفة ورحمة ورعاية لهذه ~~الإنسانة التي تحوي أمومتها كل معاني الخير والعطاء ، مما يجعل البر هنا ~~اعترافا بالجميل PageV15P040 # وعاطفة إنسانية تشمل الوالدين وتمتد إلى كل ms3516 الناس الآخرين الذين يحسنون ~~إليه من حوله. # ( @QUR@04 ولم يجعلني جبارا شقيا ) في ما يعبر عنه بالجبروت النفسي من ~~طغيان الفكر والشعور والسلوك ، من موقع الإحساس الأناني بأن للذات الحق على ~~الناس ، دون أن يكون لأحد الحق عليها .. وما تنتجه الشقاوة من مشاكل للناس ~~في حياتهم وتضغط عليهم بالسوء والعذاب. ( @QUR@04 والسلام علي يوم ولدت ) ~~في ما تمثله مرحلة الولادة من وداعة وسلام روحي ، وبراءة ، تنشر السرور ~~والمرح في ما حولها ، وفيمن حولها ، ( @QUR@02 ويوم أموت ) لألقى وجه ربي ~~منفتحا على الإيمان والخير والطاعة ، فأعيش السلام الروحي مع الله عند ما ~~أقدم عليه مؤمنا طائعا مرضيا عنده ، ( @QUR@03 ويوم أبعث حيا ) لأرى في ذلك ~~الموقف كيف يمنحني الله رضوانه لأعيش في رحمته ونعمته في دار السلام. # على هذه الصورة قدم عيسى نفسه إلى الناس الذين أنكروا على والدته أمرها ، ~~ولم يبق شيئا غامضا في المسألة .. ولم يتحدث القرآن عن رد فعلهم على ذلك ، ~~وربما كان السبب فيه ، أنهم واجهوا الموقف بإيمان وقناعة ، لعدم امتلاكهم ~~لشيء يقولونه في الموضوع ، أو لأن الفكرة التي أراد الله إثارتها من خلال ~~القصة ، لا تحتاج التطرق إلى هذه النقطة من سياق القصة. # * * * PageV15P041 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) @QUR@016 ما ~~كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) ~~@QUR@08 وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) @QUR@011 فاختلف ~~الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) @QUR@011 أسمع ~~بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) @QUR@012 ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) @QUR@08 ~~إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يمترون ): يشكون ، أو يتنازعون. # ( @QUR@01 الأحزاب ): المراد بها : طوائف أهل الكتاب. # ( @QUR@01 فويل ): الويل : كلمة تهديد تفيد العذاب والخزي والهوان. # ( @QUR@02 يوم الحسرة ): يوم القيامة. # * * * PageV15P042 ### ||| ** اختلاف الأحزاب في عيسى عليه السلام # ( @QUR@04 ذلك عيسى ابن مريم ) في قصة ولادته ، وفي طبيعته البشرية ، وفي ~~رسالته ، من موقع الإيضاح الذي يمنع الشك والريب ، ويدفع إلى ms3517 الإيمان من ~~أقرب طريق ، ( @QUR@05 قول الحق الذي فيه يمترون ) أي أقول قول الحق الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بالرغم مما يتنازعون فيه من ~~الكلمات غير المسؤولة ، ومن الآراء التي لا ترتكز على حجة ، ولا تستند إلى ~~علم ، بل هو التكلف ، والتأويل ، والبعد عن الحق ، وذلك في ما ابتدعوه من ~~فكرة نسبة الولد إلى الله ، بقولهم عن عيسى إنه ابن الله .. ولكن ذلك لا ~~يرجع إلى أساس ، ولا يركن إلى حقيقة ، ( @QUR@07 ما كان لله أن يتخذ من ولد ~~) لأن إنجاب الولد ينطلق من موقع الحاجة ، وهو أمر لا يتناسب مع غنى الله ~~المطلق عن كل شيء ، فأية حاجة به إلى الولد ، وهو الذي لا يختلف مراده من ~~إرادته ، ( @QUR@08 إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) مما يجعل لبنوته ~~لله فرضية لا معنى لها في حساب الفكر ، ولا موقع لها في حركة الواقع. # وقد واجه عيسى هذه الفكرة مواجهة كاملة واضحة ، وذلك بدعوة الناس إلى ~~عبادة الله وحده ، باعتبار أنه ربه وربهم ، مما يؤكد معنى العبودية لله في ~~شخصه بالذات ، وفي الناس الآخرين ، مما يلغي أي نقاش حول ربوبيته ، أو وجود ~~بعض الأسرار الألوهية في شخصيته ، بل هو عبد الله ، كما أن الآخرين عبيد له. # ( @QUR@05 وإن الله ربي وربكم فاعبدوه ) واخضعوا له ، ونفذوا أوامره ، ~~وابتعدوا عن نواهيه ، في كل جوانب الحياة ، من أجل الحق والعدل والسلام ؛ ( ~~@QUR@03 هذا صراط مستقيم ) لأنه يصل النهاية بالبداية في خط مستقيم ، في ما ~~يوحد العلاقة بإله واحد ، ويحدد للإنسان الحرية أمام الكون كله ، وأمام ~~الناس كلهم ، ويشرع له ما يصلح أمره ، ويبعده عما يفسد حياته ، ويدفعه إلى ~~التوازن في كل الأمور ، PageV15P043 # فلا التواء ولا انحراف في أى تصور أو سلوك ، أو علاقة ، أو منهج للحركة ~~وللحياة. # ولا تحتاج المسألة في ذلك كله إلا إلى الوعي العميق لسر الألوهية المتصلة ~~بالوحدانية. وإلى دراسة الإنسان في عناصر ضعفه ، وعناصر قوته ، لما يكفل ~~عدم إخراج أي إنسان عن حدود الإنسانية المحتاجة في كل شيء ms3518 إلى مصدر القوة ~~والحياة ، هذه القوة التي تمثل الغنى المطلق مقابل فقر الإنسان المطلق في ~~ما تعنيه علاقة المخلوق بخالقه. ولهذا فإن من الضروري أن تكون الدراسة ~~للوجود ، في القوى الإنسانية والكونية ، خاضعة للموازين الدقيقة التي ترى ~~القوة الإنسانية في حجمها الطبيعي ، فلا تغلفها الأسرار الغامضة التي ~~يفرضها التصور المنحرف ، ويوحي بها الخيال الواسع. فإن كثيرا من حالات ~~الغلو في نظر الناس إلى الشخص العظيم ، تأتى عن الأوهام الذاتية ، ~~والتصورات الخيالية التي يضيفها الناس إلى الشخص ، فينفخون شخصيته دون ~~الاستناد إلى حقيقته في الواقع. # ( @QUR@04 فاختلف الأحزاب من بينهم ) في أمر عيسى ، هل هو إله متجسد ، أو ~~هو ابن الله ، أو هو ابن نبي مرسل ، أو هو شخص مزيف؟ فلكل واحد مقال يختلف ~~فيه عن الآخر. وهكذا كان منهم المحق ، والمبطل ، والمؤمن والكافر ، ( ~~@QUR@07 فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) وهو يوم القيمة الذي يقف فيه ~~الكافرون موقفا صعبا أمام الله لأنهم لا يملكون أية حجة في ذلك ، بل ~~استسلموا للشبهات والأهواء ، وامتنعوا عن التفكير العميق والحوار الرصين. # ( @QUR@03 أسمع بهم وأبصر ) فقد كانوا في الحياة الدنيا لا يسمعون ولا ~~يبصرون ، لأنهم أغلقوا منافذ سمعهم وبصرهم عن العلم النافع الذي يقودهم إلى ~~الحق والهدى ، ولكنهم الآن يسمعون كأفضل ما يكون السمع ، ويبصرون كأفضل ما ~~يكون البصر ، فما أسمعهم ، وما أبصرهم بالحق ( @QUR@02 يوم يأتوننا ) ~~فيشاهدون الحقيقة الناصعة دون أن يستطيعوا الهرب منها أو مواجهتها ، لأنها تفرض PageV15P044 # نفسها عليهم من كل جانب ، بعيدا عن النوازع الذاتية ، أو عن التصورات ~~الخيالية التي تقودهم إلى الانحراف. لقد انتهت فرصة التراجع عن الضلال ، ~~لأن الدنيا عمل ولا حساب ، والآخرة حساب ولا عمل ، فلا شيء ينفع بعد الآن ، ~~ولا مجال للانطلاق من جديد إلى الخط المستقيم ، ولا للتخلص من مسئولية ~~الضلال ومن نتائجه العملية ، وساحاته الجهنمية التي تحتوي الضالين جميعا في ~~عذاب شديد. ( @QUR@06 لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ) وربما أريد من ~~الضلال العذاب تعبيرا عن الشيء بنتائجه ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الله المالك للأرض # ( @QUR@03 وأنذرهم يوم الحسرة ) وعرفهم أهوال ms3519 يوم القيامة وأوضاعه ~~وطبيعته ، وكيف يمكنهم أن يتفادوا نتائجه المذلة المرعبة ، بتصحيح مواقفهم ~~، وتحسين أعمالهم في الدنيا ، بأنهم إذا لم يأخذوا بالتوبة ، وينطلقوا في ~~الاتجاه الصحيح فسيواجهون الحسرة كل الحسرة والندامة ، كل الندامة ( ~~@QUR@03 إذ قضي الأمر ) وانتهى وقت العمل ، وأبرم الحكم ، ( @QUR@03 وهم في ~~غفلة ) عن الالتفات إلى طبيعة المصير الذي ينتظرهم بسبب الضلال ، ( @QUR@03 ~~وهم لا يؤمنون ) بالله الواحد المنزه عن الشريك وعن الولد. وهكذا ، سوف ~~يقفون في موقف الحسرة لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى والإيمان. وما ذا بعد ~~ذلك؟ ومن الذي يأملون أن ينقذهم من عذاب يوم القيامة؟ ومن هو الذي سيبقى ~~لهم من كل هؤلاء الذين يشركونهم بعبادة الله فيطيعونهم ويعصون الله؟ سيموت ~~الجميع ، ولن يبقى إلا وجهه ، فهو ولي الأمر كله ، وهو ولي الحساب كله. # ( @QUR@04 إنا نحن نرث الأرض ) فلا مالك لها إلا الله ، ( @QUR@02 ومن ~~عليها ) فهم المملوكون لله في البداية وفي النهاية ، ( @QUR@02 وإلينا ~~يرجعون ) فيحاسبكم على ما قدمتم من خير أو شر ؛ فاستعدوا لذلك ، واحسبوا ~~حسابه ، لتعرفوا كيف تواجهون المسألة ، وكيف تؤكدون الموقف على أرض صلبة ~~قوية وقاعدة ثابتة. # * * * PageV15P045 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) @QUR@016 إذ ~~قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) ~~@QUR@014 يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ~~(43) @QUR@010 يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) ~~@QUR@012 يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) ~~@QUR@013 قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ~~مليا (46) @QUR@010 قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) ~~@QUR@014 وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا (48) @QUR@014 فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) @QUR@09 ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا ~~لهم لسان صدق عليا ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صديقا ): الصديق : صيغة مبالغة من الصدق ، أي : كثير التصديق بالحق. PageV15P046 # ( @QUR@02 صراطا سويا ): طريقا مستقيما معتدلا. ms3520 # ( @QUR@01 عصيا ): عاصيا. # ( @QUR@01 مليا ): دهرا طويلا. # ( @QUR@01 حفيا ): برا لطيفا. # ( @QUR@01 شقيا ): خائبا في مسعاه. # ( @QUR@03 لسان صدق عليا ): أي : ثناء حسنا ، وذكرا مرتفعا. # * * * ### ||| ** إبراهيم عليه السلام .. وأسلوب الدعوة النموذجي # إننا أمام حوار مثير يديره إبراهيم مع أبيه ، أو عمه الذي تبناه ، وقد ~~كان كافرا ، كقومه ، فقد رأى أن من أولى مهماته في الدعوة إلى الله ، أن ~~يبدأ بدعوة أبيه ، لأن بقاءه على الكفر ، يترك نقطة ضعف في موقفه وقد يخلق ~~له مصاعب داخلية تعطل بعض خطواته ، أو تجلب له مشاكل غير منتظرة. # وقد واجه الحوار صعوبة في البداية ، لأنه حوار الابن مع أبيه ، في مجتمع ~~يعطي للأبوة قيمة كبيرة ترقى إلى درجة التقديس الذي يلزم الأبناء الخضوع ~~المطلق لآبائهم ، ولهذا استخدم إبراهيم أسلوبا حذرا ، فلم يلجأ إلى أي عنصر ~~من عناصر الإثارة التي تتناول الذات بالتجريح والتبكيت ، بل حاول ، على ~~العكس من ذلك ، أن يشحن أسلوبه في الحوار ، بالعاطفة إلى درجة تجعل من ~~يقرأه يتصور أنه في حالة من حالات التوسل إلى أبيه تماما كما هي PageV15P047 # حالة من يخاطب إنسانا عزيزا ، معرضا للسقوط ، أو للهلاك ، ففيها يتحدث ~~الإنسان عادة بكل هلع ومحبة ، لإنقاذ من يوده بأي طريق. وبذلك نجد في ~~الحوار الذي تمثله الآيات المتقدمة ، بساطة الفكرة ووضوحها ، في إطار الجو ~~الحميم الذي يسود الموقف. # فنحن نلاحظ ، في أسلوب إبراهيم ، أنه حاول تبرير دعوته لأبيه بأنه قد ~~جاءه من العلم ما لم يأته ، ولذا ، فلا مانع هناك من وجهة اجتماعية أن يدعو ~~الابن أباه ، مع حفظ مقام الأبوة ، كما عبر عن شعوره العاطفي تجاه ضلال ~~أبيه ، وخوفه من أن يمسه عذاب الله. # وقد جاء رد أبيه ، ومن موقع من يشعر بسلطة الأبوة التي تضغط على الابن ~~ليسير على خطى أبيه ، وتهدده بالقوة والطرد والهجران ، إن خالف ذلك ، فلا ~~حوار ولا كلام بين الابن وأبيه ، إنما هو الأمر والطاعة ، فللأب أن يعلن ~~رغبته قبل أمره ، وللابن أن ينفذ من دون تردد أو تفكير. # إنها شريعة المجتمع ، آنذاك ، التي تجعل من علاقة الأبناء بآبائهم علاقة ms3521 ~~تشبه علاقة العبودية التي يعيشها العبيد أمام المالكين. # ولم يتراجع إبراهيم عن إثارة الجو العاطفي في إعلان موقفه الرسالي من ~~أبيه ، بعد أن رفض دعوته وقد استطاع فيه أن يوفق بين الرسالة والعاطفة ، ~~فجعل العاطفة طريقا إلى رسالته ، وشعورا بالمسؤولية تجاه أبيه ، ومحولا ~~الموقف ، الى موقف إنقاذ ، فكان رد فعله أن توجه إلى أبيه بالسلام ، ووعد ~~أن يدعو له بالمغفرة ، وبأن يوفقه الله تعالى لأسبابها من الهداية إلى ~~الإيمان ؛ وأعلن له ولقومه ، باعتبار أن أباه يمثل فريق الكفر ، بأنه ~~سيعتزلهم وما يعبدون من دون الله ، بعد أن قام بواجبه تجاههم. # وقد كان هذا الوعد من إبراهيم لأبيه بالاستغفار ناشئا عن أمله في أن ~~يتراجع أبوه عن موقفه ويعود إلى الله ، وليس ناشئا على الإطلاق عن إحساسه PageV15P048 # بأن القرابة تمثل امتيازا يميز أباه عن غيره ، ولذا أعلن البراءة منه بعد ~~أن يئس من إيمانه ، وظهرت عداوته له. # وإننا في هذا المجال ، نستطيع الاستفادة من هذا الأسلوب في المواقف التي ~~نحتاج فيها إلى دعوة الأشخاص الذين تربطنا فيهم بعض الروابط العاطفية من ~~نسب أو غيره ، لنتعلم من إبراهيم عليه السلام ، كيف نشحن الحوار بالمشاعر ~~التي تسهل المهمة ، بما تثيره لديهم من مشاعر تسهل انسجامهم مع الأجواء ~~الحميمة للحوار دون أن يخلق ذلك انجرافا مع العاطفة لمصلحة الكفر والضلال ، ~~لأن الأسلوب العاطفي في هذه الحال لا ينبع من حالة نفسية عفوية ، بل يرتكز ~~على تخطيط يعتبر العاطفة جزءا من الخطة العامة تخضع لما تخضع له تلك الخطة ~~من مرونة ووعى وثبات. # وعلى ضوء هذا نجد أن من واجبنا إعطاء الأسلوب بعض القوة في حالات أخرى ، ~~إذا ما عمل من ندعوهم على استغلال أسلوبنا العاطفي لأغراض في غير صالح ~~الدعوة إلى الله ، تماما كما كان عليه الأسلوب الآخر لإبراهيم ، في ما ~~أشرنا إليه ، ليظل الأسلوب ، في كلتا الحالتين ، منسجما مع خط الحكمة الذي ~~يريد الله للدعوة في سبيله أن تسير عليه. # وقد نشعر ، في نهاية هذا العرض ، بالحاجة إلى الاستفادة من الأجواء ~~الروحية في ms3522 بعض حالات الحوار ، بين أسلوب يربط المتحاورين بفضل الله ونعمه ~~، وبين أسلوب ينقل الموقف إلى ابتهال خاشع يمارسه الداعية للتأثير النفسي ~~على الآخرين عند ما يشغلهم عما هم عليه ، بروعة المناجاة ، وخشوع الابتهال. # هذه بعض الأفكار العامة حول هذه الآيات ، ولا بد لنا من الدخول في ~~التفاصيل التفسيرية لمفرداتها. # * * * PageV15P049 ### ||| ** إبراهيم عليه السلام يباشر الدعوة إلى الله # ( @QUR@08 واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ) قد يكون من ~~الضروري للنبي ، أو للداعية بشكل عام ، أن يستحضر في وعيه ملامح الشخصيات ~~الرسالية التي تمثل النموذج الأكمل لحركة الإنسان الرسالي في الدعوة ، ~~ليدرس أساليبها ، ويستلهم روحيتها ، وينتفع بتجربتها .. ومن أبرز هؤلاء ~~إبراهيم النبي وهو النبي الصديق الذي كانت حياته صدقا كلها ، مع نفسه ومع ~~ربه ومع الناس من حوله ، فلم يجامل أحدا في الحق ، ولم يهادن قريبا أو ~~بعيدا في مستلزمات الرسالة ، ولم يترك في حياته فراغا لغيرها ، بل كانت ~~الرسالة كل فكره ، وهمه ، وكل حياته .. فقد كانت تجربته غنية بالتنوع الذي ~~يحكم جوانبها ، كما كانت روحيته ، في علاقته بالله وفي إخلاصه للرسالة ، في ~~المستوى الأعلى من روحية الأنبياء والصديقين ، وقد يكون من بين تجاربه ~~الرائعة التي تعكس عمقه الروحي تجربته مع أبيه. # ( @QUR@016 إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا ) فقد رأى أباه يعبد الأصنام التي يعبدها قومه ، وهو بذلك خاضع ~~كغيره لعادة السير على خطي الآباء والأجداد وتقليدهم في السلوك. والسبب ~~غياب الوعي الفكري ، الذي يكفل عدم صدور أي عمل عن الإنسان إلا بعد دراسة ~~طبيعته وخلفياته ونتائجه ، ومدى انسجامه مع الجانب الخير من الحياة مع موقع ~~الحق في الفكر. وتبقي للعادة حرمتها وقداستها ويعمل الجميع على تبريرها بأن ~~يفرضوا لها أسرارا عميقة غامضة في قدراتها الذاتية في الخير والشر. # وهكذا أراد إبراهيم أن يثير التساؤل في تفكير أبيه ، وذلك بأن يطرح عليه ~~الجانب اللامعقول في هذه العبادة بطريقة بسيطة لا تكلف الإنسان بذل أي جهد PageV15P050 # في التفكير من أجل اكتشاف انحرافها عقيديا. ms3523 فحاول أن يهز جمود الموقف ~~عنده ، بطريقة الصدمة وأسلوب الإثارة ، فهاجم هذه المقدسات الصنمية بعنف. ~~فكيف يمكن له وهو العاقل الواعي الكبير في سنه ، أن يعبد هذه الحجارة التي ~~لا تسمعه إذا خاطبها الإنسان بحاجة أو سؤال أو خضوع وابتهال ، ولا تبصره ~~إذا وقف أمامها في وقفه عبادة ، لأنها لا تملك أي حس يوحي بالتأثر ~~والانفعال في ما يقوم به الآخرون تجاهها؟! فكيف يمكن أن تكون آلهة ، وهي ~~وإحساسها بنا أو بالآخرين غائب غيابا كليا عن الإنسان والكون والحياة؟ ثم ~~ما الذي تملكه من قوة وقدرة على التأثير بما حولها ومن حولها؟ إنها اللاشيء ~~في عالم المعقول ، أو في عالم الحركة ، فكيف تستجيب لدعوات الناس الذين ~~يعبدونها ، وكيف تدفع عنهم الضرر أو تجلب لهم النفع ، أو ترفع ضغط الواقع ~~عنهم؟ وما فائدة عبادتهم لها ، وما قيمتها على مستوى الوجود كي تعبد؟ # إنها اللافائدة ، واللامعقول ، واللاإحساس بأي شيء في الحياة. # * * * ### ||| ** إبراهيم عليه السلام يعظ أباه # ( @QUR@010 يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ) فقد عشت تجربة ~~الفكر التي أعطتني المعرفة التأملية ، وقد عشت تجربة الواقع ، فمنحتني ~~الثقافة العملية ، وقد ألهمني الله من وحيه الكثير من تفاصيل العقيدة ~~والشريعة ، والمنهج العملي في الحياة ، واستطعت من خلال ذلك كله أن أحصل ~~على المعرفة الواسعة التي تتيح لي هداية الناس ودعوتهم إلى الله. والمسألة ~~هنا ليست مسألة أب أو ابن ، بل هي مسألة جاهل وعالم. وليست قصة عمر كبير ، ~~أو عمر صغير ، لأن أهمية العمر هي في ما يختزن من تجربة ، لا في ما يستهلك ~~من لحظات زمنية. فإذا كان العمر خاليا من تجربة الفكر وتجربة الواقع ، فإنه ~~لا يمثل امتدادا في قيمة PageV15P051 # الزمن في حساب العلم. وهكذا فقد جاءني من العلم ما لم يأتك ( @QUR@04 ~~فاتبعني أهدك صراطا سويا ) يقودك إلى الإيمان بالله والعمل بما يرضيه ، ~~والانفتاح على الآفاق الحلوة في الحياة ، والوصول الى جنته ورضوانه .. ، ~~وذلك هو سبيل السعادة في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@05 يا أبت لا تعبد الشيطان ) في ما تمثله العبادة ms3524 من الطاعة له ~~بما يوسوس للإنسان من وساوس الشر ، وما يزينه له من أفعال الجريمة ، ومن ~~الابتعاد عن الله وعن خطه المستقيم ، إلى غير ذلك مما يجلب لك الشقاء في ~~الدنيا والآخرة ، فابتعد عنه ، واقترب من ساحة الله ، في خط عبادته ( ~~@QUR@05 إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) فقد عصى الله في البداية ، عند ما ~~أمره بالسجود لآدم ، وما زال مقيما على معصيته ، وداعيا الآخرين إليها ~~ليقودهم إلى عذاب السعير. # ( @QUR@09 يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) بسبب طاعتك للشيطان ~~وعصيانك لله ، ( @QUR@03 فتكون للشيطان وليا ) يتولى أمرك لأنك تتولى ~~مواقفه ومواقعه ، ومن كان الشيطان مولاه فإنه سائر إلى الهلاك ، ومن كان ~~الرحمن مولاه فإنه سائر إلى الخير والنجاح والفلاح. # ( @QUR@07 قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) كيف تتجرأ على الانفصال ~~عن خط أبيك فتتركه ، وتترك مقدساته ، وترغب عن آلهته؟ وما هذا اللغو الذي ~~تتحدث به ، وكيف تجرؤ على أن تتخذ لنفسك صفة الواعظ المرشد الموجه لأبيك؟ ~~متى كان الصغار يعلمون الكبار ، أو يناقشونهم في أقوالهم أو أفعالهم؟ هل ~~تريد أن أناقشك في كلامك ، أو أستمع إليك؟ أصحيح أنك تفكر بهذه الطريقة؟ ~~ردى الوحيد عليك هو أنك ( @QUR@03 لئن لم تنته ) عن هذه السلوك ، وعن هذا ~~الكلام ( @QUR@01 لأرجمنك ) وهذا يعني تهديده بالقتل رميا بالحجارة ، ( ~~@QUR@02 واهجرني مليا ) وابتعد عني وقتا طويلا فلا أراك ولا تراني ، لأني ~~بريء منك ، براءتي من عقيدتك وسلوكك. PageV15P052 # وهكذا رأينا أن أبا إبراهيم لجأ إلى أسلوب الكافرين التقليدي نفسه الذي ~~لا يجد الكافر فيه ما يقوله دفاعا عن موقفه ، لأن عقيدته لا تنطلق من موقع ~~فكر وقناعة ، فيلجأ عندئذ إلى التهديد والوعيد ، ليغطي بذلك ضعفه أمام ~~الكلمة الواعية المسؤولية. ( @QUR@03 قال سلام عليك ) فلن أستخدم الأسلوب ~~الذي استخدمته معي ، ولن أهددك كما هددتني ، فإذا كنت قد أعلنت الحرب علي ، ~~فإني أرد عليك بالسلام الذي يعيشه المؤمن تجاه الآخرين ، فيعفو عنهم ويصفح ~~إذا أساؤوا إليه ، وأجرموا في حقه ، ليدفع السيئة بالحسنة ، ويفسح لهم ~~المجال للتراجع عن موقفهم السيئ. ولو بعد حين. ms3525 # ( @QUR@03 سأستغفر لك ربي ) فلعله يستجيب لي فيفتح قلبك على الإيمان ، ~~ويهديك سواء السبيل ، فإن لم أستطع أن أصل إلى هدايتك بطريقتي الخاصة ، ~~فإني أطمع أن تهتدي بلطف الله وعنايته ، فسأدعوه وأبتهل إليه ( @QUR@04 إنه ~~كان بي حفيا ) فلا بد أن يسمع دعائي ، وهو الذي يعرف صلاح الأمر كله ، ولا ~~أزال أطمع في أن تكون لك فرصة للخير في حياتك. # ( @QUR@06 وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) لأن دعوتي إلى الخير منطلقة ~~من الله ، أما دعوتكم فهي إلى الشر القادم من الشيطان ، ولن يلتقي الباحثون ~~عن الخير بالباحثين عن الشر في نقطة من الطريق ، لأن طريق كل منهما يختلف ~~عن الآخر ، كما أن مجتمع كل منهما يختلف عن مجتمع الآخر. ولذلك فإني سأبتعد ~~عنكم ، كما تريدون ، وكما يفرض علي الموقف والموقع ، ( @QUR@02 وأدعوا ربي ~~) وأرجع إليه ، وأرجو رحمته ورضاه ، ( @QUR@06 عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ~~) لأنه يشمل عباده برحمته ، فيستجيب لهم إذا دعوه ، ويلبيهم إذا نادوه ، ~~ويقبل عليهم إذا ناجوه ، لأنه الرب الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه ، فلا يحجب ~~رحمته عن السائرين إليه ، الراجين رضاه. # ( @QUR@07 فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ) وأعطى من نفسه المثل الحي PageV15P053 # والنموذج الأكمل الذي يرفض كل مشاعر القرابة في مقابل مواقف الإيمان ، ~~لأن علاقته بالله تعلو فوق كل علاقة ، كما أن رضا الله يسبق رضا كل من يتصل ~~بهم من الناس. وهكذا ابتعد عنهم واعتزلهم ، فلما أكد الإخلاص في الموقف ، ( ~~@QUR@03 وكلا جعلنا نبيا ) وجعلنا النبوة في ذريته ، وامتدت الرسالة في ~~حياتهم ، وارتفعت درجاتهم في مواقعها ومواقفها ، لأنهم أخلصوا لله ، ( ~~@QUR@09 ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) في ما يعبر ذلك ~~من الثناء الجميل والذكر الحسن ، جزاء لهم على إيمانهم ، وجهادهم ، ~~وإخلاصهم لله ؛ وهكذا يكون جزاء العاملين في سبيل الله الداعين إليه ، ~~المنفتحين على رسالته ورضاه. # * * * PageV15P054 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) ~~@QUR@07 وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) @QUR@07 ووهبنا ~~له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) @QUR@011 واذكر في الكتاب إسماعيل إنه ~~كان ms3526 صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) @QUR@09 وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) @QUR@08 واذكر في الكتاب إدريس إنه كان ~~صديقا نبيا (56) @QUR@03 ورفعناه مكانا عليا ) (57) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقربناه ): رفعناه. # ( @QUR@01 نجيا ): النجي : المناجي ، وقد يكون بمعنى : الارتفاع ، على ~~تقدير : وقربناه مكانا رفيعا. # * * * PageV15P055 ### ||| ** رسل الله في إخلاصهم وجهادهم # ويمر القرآن ، في هذه الآيات على مجموعة من الأنبياء بطريقة سريعة ، تعطي ~~لمحة خاطفة عن صفة روحية ، أو أخلاقية أو رسالية في حياتهم الخاصة والعامة ~~، من أجل أن نتمثلهم في درجاتهم العليا ، في مستوى القدوة الصالحة للبشرية ~~الآتية من بعدهم ، الباحثة عن النموذج الأفضل الذي يوحي بميلاد عصر جديد ~~على مستوى الرسالة والحركة والإنسان. # ( @QUR@04 واذكر في الكتاب موسى ) هذا النبي العظيم الذي عاش تحديا كبيرا ~~في رسالته أمام فرعون ، وتعرض لأكثر من حالة اضطهاد مع المستضعفين ولم ~~يتراجع ، ولم يهن ، بل بقي مثابرا على دعوته ومهمته حتى استطاع أن يهزم ~~الطاغية في نهاية المطاف .. وبذلك يكون تذكره حافزا للعاملين على المزيد من ~~الاندفاع في الدعوة ، والثبات في مواقع الرسالة ، ( @QUR@03 إنه كان مخلصا ~~) أخلصه الله لنفسه فلم يكن فيه شيء لغيره ، لا في نفسه ولا في عمله ، ~~تتمثل فيه العبودية الخالصة لله في أعلى الدرجات وأرفع المستويات ، ( ~~@QUR@03 وكان رسولا نبيا ) حمله الله الرسالة في خط الدعوة ، ورزقه النبوة ~~في حركة الوحي. # ( @QUR@05 وناديناه من جانب الطور الأيمن ) في أول لقاء له بالوحي ~~المنطلق من الله ، في ذلك الجبل الذي كلمه الله فيه ، في الجانب الأيمن منه ~~، ( @QUR@02 وقربناه نجيا ) وناجاه فيه كأسلوب من أساليب الإيحاء بالقرب ~~المعنوي من الله. # وقد تميز عن الأنبياء بأن قرن الله به هارون أخاه في موقف النبوة ، ( ~~@QUR@04 ووهبنا له من رحمتنا ) التي أردنا بها أن نقوي موقعه ونشد أزره ، ~~فأرسلنا معه ( @QUR@03 أخاه هارون نبيا ) بعد أن سأل ربه أن يجعله وزيرا له ~~، وأن يشركه في أمره ، ليقوي به موقفه الثابت ويبعده عن مواقع الاهتزاز ~~أمام نقاط الضعف العملي على أكثر من صعيد. # * * * PageV15P056 ### ||| ** إسماعيل الصادق الوعد # ( @QUR@04 واذكر في الكتاب إسماعيل ) وهذا نبي آخر ms3527 ، قد لا يرقى إلى ~~مستوى موسى عليه السلام ، ولكنه يتميز بإيمان قوى ثابت ، وخلق عظيم ؛ ومن ~~مظاهر ذلك ( @QUR@04 إنه كان صادق الوعد ) مهما كلفه الالتزام بالكلمة من ~~جهد حتى في أشد المواقع صعوبة. وقد جاء في بعض الأحاديث المأثورة ، أنه وعد ~~رجلا فانتظره حولا تعبيرا عن الالتزام الصادق بالكلمة التي ألزم نفسه بها ، ~~أمام الآخرين الذين وعدهم بالوفاء ، فكانت الكلمة دستورا يحكم حياته ، لأن ~~الإيمان موقف ، والكلمة موقف .. # ( @QUR@03 وكان رسولا نبيا ) فكان من المفروض أن يدعو الناس بعمله قبل أن ~~يدعوهم بلسانه ، لأن ذلك أعمق أساليب الدعوة ، ( @QUR@05 وكان يأمر أهله ~~بالصلاة والزكاة ) ليربطهم بالجانب الروحي حيث يتمثل حضور الإنسان الفكرى ~~والشعوري والعبادي أمام الله عبر الصلاة ، وبالجانب المادي عبر المسؤولية ~~المادية تجاه الآخرين من المحرومين ، في النطاق الذي ينفتح فيه الإنسان على ~~الله ليعيش عبادة العطاء ، كما يعيش عبادة الصلاة. ( @QUR@04 وكان عند ربه ~~مرضيا ) من خلال إيمانه الكبير وعمله الصالح ، وجهاده القوي بين يدي الله. # * * * ### ||| ** إدريس الصديق # ( @QUR@08 واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ) وهناك أكثر من قصة ~~عن هذا النبي وعن قومه ، وعن تفاصيل الحوادث التي وقعت بينه وبينهم ، وعن ~~المرحلة التاريخية التي كان فيها ، ونذكر أنها كانت بين الفترة التي عاش فيها PageV15P057 # آدم والفترة التي عاش فيها نوح. ولكن ذلك كله لا يرجع إلى حجة أو يقين ، ~~ويحتمل أن تكون قد اختلطت ببعض الإسرائيليات التي استخدمت الخيال في وضع ~~قصص تؤكد مفاهيمها مستغلة ما أجمله القرآن من فصول حاولت ان تفصله بطريقتها ~~الخاصة. # وإننا نرى أن ذلك كله حديث لا أساس له ، ولا فائدة منه ، في سياق ما يريد ~~القرآن أن يتحدث عنه من أخبار أنبياء الله ، فقد فصل الحديث عن بعضهم لوجود ~~أكثر من قضية مهمة في تفاصيل حياتهم يحتاج الناس لمعرفتها للدرس والعبرة ~~والتأمل ... وربما كرر الحديث عن بعض المسائل في أكثر من موقع لعلاقتها ~~بأكثر من هدف ... بينما أجمل الحديث عن بعضهم الآخر ، لأن الواحد منهم يمثل ~~من ناحية المبدأ شيئا مميزا في خصوصيته ms3528 ، بعيدا عن مسألة النبوة ، كما هي ~~الحال في حديثه عن إدريس الذي اكتفي بوصفه صديقا نبيا ، فلنجمل ما أجمله ~~القرآن من أمره ، كي لا نقع في قبضة الخيال القصصي الذي تتحرك فيه الروايات ~~الموضوعة التي لا ترتكز على أساس من علم أو حجة ، ولنكتف بمعرفة أنه كان في ~~الدرجة العليا من كرامة الله في إيمانه وعمله ، وإخلاصه لربه على ما جاءت ~~به الآية الكريمة : ( @QUR@03 ورفعناه مكانا عليا ) لأن الله لا يرفع أي ~~شخص إلي المكانة الكبيرة من محبته إلا بواسطة ملكاته الذاتية ، ومواقفه ~~العملية. # * * * PageV15P058 ### ||| * الآيات # ( @QUR@029 أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) @QUR@011 فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) @QUR@012 إلا من تاب وآمن وعمل ~~صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) @QUR@011 جنات عدن التي ~~وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) @QUR@011 لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) @QUR@09 تلك الجنة التي ~~نورث من عبادنا من كان تقيا ) (63) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 واجتبينا ): اصطفينا. # ( @QUR@01 فخلف ): الخلف بفتح اللام : النسل الصالح ، وبسكونها : البدل السيئ. PageV15P059 # ( @QUR@01 غيا ): الغي : الخسران. # ( @QUR@01 عدن ): العدن : الإقامة. # ( @QUR@01 مأتيا ): آتيا. # * * * ### ||| ** الجنة لعباد الله الصالحين # ( @QUR@05 أولئك الذين أنعم الله عليهم ) وهم هؤلاء الذين تقدمت الإشارة ~~إليهم ، مما قصه الله من أمرهم ، بالإجمال أو التفصيل ، وهم زكريا ، ويحيى ~~، ومريم ، وعيسى ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وموسى ، وهارون ، وإسماعيل ~~، وإدريس ، الذين أنعم الله عليهم بالإيمان التوحيدي الخالص الذي ينفتح على ~~الله بروحية العبد الطائع الذي أخلص لله في العقيدة وفي الطاعة ، وأعطى من ~~فكره وعمله ، فلم يغضب الله لتمرده ولا لضلاله ، و ( @QUR@09 من النبيين من ~~ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ) من البقية الصالحة من المؤمنين الخالصين ~~الذين آمنوا بنوح النبي واتبعوه ، ( @QUR@04 ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ) ~~الذين امتدت النبوة فيهم وتحولت إلى خط متحرك في الدعوة إلى الله والجهاد ~~في سبيله ، ( @QUR@03 وممن هدينا واجتبينا ) من الذين ms3529 هداهم الله بما أفاض ~~عليهم من نور البصيرة ، وانفتاح العقل ، وصفاء الروح ، ومسئولية الحركة ، ~~واستقامة الطريق ، ووضوح الهدف ، وتقوى الفكر والعمل. # وقد يكون المراد من كل هؤلاء ، هم النبيون الذين أنعم الله عليهم ، كما ~~قد يفهم من قوله تعالى : ( @QUR@02 من النبيين ) حيث حددت المشار إليهم ~~بالنبيين ، ولكننا عند ما نلاحظ ذكر اسم مريم ، وهي ليست من الأنبياء فقد ~~نستوحي من ذلك أن المسألة أشمل من ذلك ، وتكون الإشارة إلى هؤلاء على أساس ~~أنهم يمثلون النموذج الأكمل للمهتدين الذين أنعم الله عليهم بالإيمان PageV15P060 # والتقوى ، واجتباهم لرسالته ولدينه. # ( @QUR@08 إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) في ما يمثله ~~السجود من خضوع لله في الشعور العميق بالعبودية ، وفي ما يعتبر عنه البكاء ~~من إحساس بالروحية الفياضة الخاشعة أمام خوف الله ، ومحبته في انفعال ~~إيماني عميق بالمضمون الروحي لآيات الله ، والإشراق الفكري لمعانيها. وهكذا ~~كان هؤلاء الرواد طليعة البشرية في حركة التسامي والعلاء ، والصفاء الروحي ~~، والإسلام لله ، ولكن الجيل الآتي من بعدهم ، لم ينفعل بهم ، ولم يسلك ~~طريقهم ، ولم يحمل رسالتهم ، ولم يتحمل مسئوليتهم ، بل كان سائرا في خط ~~الانحراف. # ( @QUR@04 فخلف من بعدهم خلف ) والخلف بالسكون هو البديل السيئ ، ~~وبالتحريك البديل الصالح كما يقال ، ( @QUR@02 أضاعوا الصلاة ) لأنهم لم ~~ينفتحوا على ما تحمله من سر الاعتراف بالعبودية ، وعمق الإيمان بالله ، ~~ومعني العروج الروحي عبرها إليه ، ( @QUR@02 واتبعوا الشهوات ) في ما ~~تأمرهم به أهواؤهم المنحرفة ، وتقودهم إليه أحلامهم المائعة ، بعيدا عن خط ~~الاستقامة ، ( @QUR@03 فسوف يلقون غيا ) في ما يلاقونه من جزاء الغي مجسدا ~~في عذاب الله. وهؤلاء ، هم الذين امتدوا بالغي والانحراف حتى جاءهم أمر ~~الله وهم كافرون. # * * * ### ||| ** الجنة سلام # ( @QUR@06 إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ) وعاش خط الاستقامة في العقيدة ~~والعمل ، ( @QUR@03 فأولئك يدخلون الجنة ) جزاء لما قدموه من إيمان وعمل ، ~~( @QUR@03 ولا يظلمون شيئا ) من ذلك كله لأن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ~~ذكر وأنثى ، ( @QUR@02 جنات عدن ) أي إقامة الخالدة في الجنة ، ( @QUR@05 ~~التي وعد الرحمن عباده بالغيب ) الذي يعيشونه من وحي الإيمان فيؤمنون به ms3530 ~~وإن لم يروه ، ( @QUR@04 إنه كان وعده مأتيا ) PageV15P061 # لأنه الذي لا يخلف وعده ، ( @QUR@04 لا يسمعون فيها لغوا ) مما يثقل ~~الروح ويتعب السمع من دون أن يكون له أي يغني الفكر ويعمق المعرفة ، لأن ~~أجواء الجنة في الأجواء المنفتحة على صفاء المعرفة المتحركة مع آفاق النور ~~، وعمق الروح الباحثة عن الله ، في الفكرة والكلمة ، والشعور ... ولا ~~يسمعون فيها أي كلام يخلق الأحاسيس المربكة للنفس ، أو يفتح القلب على ~~المعاني التي تزرع الحقد والشر والبغضاء في أعماق الضمير ، لأن الله أراد ~~للجنة أن تكون ساحة المحبة التي يعيش فيها المجتمع الإنساني بروح ملائكية ~~في طهرها وانفتاحها على الخير كله ، والمحبة كلها ، فلا يسمعون فيها ( ~~@QUR@02 إلا سلاما ) يتنزل عليهم من الله ، وتتلقاهم به الملائكة ، ~~وتبادرهم به الحور العين ، ويتبادلونه في ما بينهم ، ليعيشوا أجواء السلام ~~وروحانيته في مشاعرهم وكلماتهم ، حيث الأمن والرضا والاطمئنان الروحي ، ~~وليس هناك جوع للحنان ، لأن الله يمنحهم الحنان الإلهي كله ، وليس هناك عطش ~~للرحمة ، لأن الرحمة تتفايض عليهم كالنور المنهمر من قبل السماء في صفاء ~~الفجر ووداعته. # ( @QUR@05 ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) فلا يمتنع عنهم شيء مما يشتهون ~~متى شاؤوا ، ( @QUR@09 تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ) بما ~~تشتمل عليه من نعيم ويلتقي فيها من الخير والرحمة والرضوان. إنها للأتقياء ~~الذين عاشوا التقوى التزاما في الفكر ، ومعاناة في الروح ، وصفاء في الشعور ~~، وانضباطا في الخطوات العملية في حركة المسؤولية في الحياة ، مما كانوا ~~يعيشونه من مراقبة الله في السر والعلانية في إحساسهم العميق بحضور الله في ~~كل مجالاتهم في الحياة. فمن يرد الجنة ، فليرتد ثوب التقوى ، ولينهج منهجها ~~، وليلتق بالله في كل آفاقه وخلفياته وتطلعاته الفكرية والروحية على مستوى ~~الكون والإنسان والحياة. # * * * PageV15P062 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذلك وما كان ربك نسيا (64) @QUR@012 رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) (65) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نسيا ): النسي : فعول من النسيان. # ( @QUR@01 سميا ): السمي : الشبيه ، والمثيل. # * * * ### ||| ** الوجود والقدرة من الله ms3531 # ... وينطلق الوحي في حياة الأنبياء الذين حملوا الرسالة ، وفي حياة الناس ~~الذين اهتدوا بها والتزموا بمفاهيمها وأحكامها. ويندمج الناس مع أجواء ~~الوحي في أفكاره ومناهجه ، ومع خطوات النبيين في دعوتهم وجهادهم. وربما ~~تأخر الوحي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحيانا فيشق ذلك عليه فيستبطئه ، ~~ولكنه يأتيه PageV15P063 # ويخبره بأن الملائكة لا تتنزل إلا تنفيذا لأمر ربها ، فإذا أمرهم بالنزول ~~نزلوا ، وإذا لم يأمرهم به وقفوا وانتظروا خاشعين ، ( @QUR@06 لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء : 27]. # ( @QUR@05 وما نتنزل إلا بأمر ربك ) فنحن رسل الله إليك ، لتكون رسول ~~الله إلى الناس ، فلا تشعر بالإحباط والقلق ، إذا تأخرنا عنك ، ولا تحملنا ~~مسئولية ذلك لأننا نتنزل بأمر الله في الوقت الذي يعينه ، وفي المكان الذي ~~يحدده ، فهو يملك ما لا نملكه من أنفسنا ، ويحيط بكل وجودنا من جميع جهاته ~~، ( @QUR@04 له ما بين أيدينا ) مما نقدمه من أعمال ، أو مما يحيط بنا من ~~أوضاع ، ( @QUR@02 وما خلفنا ) مما يتصل بسر الوجود وحركته في الماضي ، ( ~~@QUR@03 وما بين ذلك ) فليس هناك فراغ في حياتنا في المكان أو في الزمان أو ~~في الأفعال ، أو في خصائص الوجود ، ليملأه غيره ، لأنه يملك كل شيء ويحيط ~~بكل شيء ويهيمن على الوجود كله ، ( @QUR@04 وما كان ربك نسيا ) فلا يغفل عن ~~تدبير شيء من خلقه ، ولا يهمل شيئا من أمورهم مما يفرض على مخلوقاته ~~التسليم المطلق له ، والخضوع الشامل لإرادته ، لأنه يعلم من دقائق حياتهم ، ~~وأسرار وجودهم ، ما لا يعلمونه من أنفسهم ، فليتركوا الأمر إليه ، ~~وليعتمدوا عليه في ذلك كله. # ( @QUR@03 رب السماوات والأرض ) الذي خلقها وخلق كل شيء فيها ، فهو ~~المهيمن عليها بعلمه وقدرته ، ( @QUR@02 وما بينهما ) من المخلوقات التي ~~تتحرك بإرادته ، لا شريك له في ذلك ، وهو المستحق للعبادة ، لأن كل من عداه ~~فهو مخلوق له ، فكيف يكون معبودا من دونه ، ( @QUR@01 فاعبده ) في كل ما ~~أمرك به ونهاك عنه ، واخشع له في نبضات قلبك ، وهمسات روحك ، واهتزازات ~~مشاعرك ، وابتهالات شفتيك ، وانقياد أعضائك ، وانسحاق إرادتك أمام إرادته ، ~~( @QUR@02 واصطبر لعبادته ) في ما يفرضه عليك الإخلاص ms3532 لها والاستمرار عليها ~~من معاناة للحرمان ، وتحمل للجهد ، ومجابهة للتحديات ، فإن توحيد الله في ~~العبادة يضع الإنسان في قلب المواجهة مع قوى الشرك في ما تمارسه عليه من ضغوط PageV15P064 # نفسية وجسدية ، وحصار مادي ومعنوي ، مما يجعل للصبر معني يتصل بالثبات ~~والاتزان والاستقامة علي الخط أمام عوامل الاهتزاز والانحراف ... وهذا ما ~~يحقق للإنسان وجوده الروحي أمام الله رب السماوات والأرض الذي لا رب غيره ، ~~فابحث في كل زاوية من زوايا السماوات والأرض وفي ما بينهن ، ( @QUR@04 هل ~~تعلم له سميا ) في ما يعنيه الاسم المعبر عن القدرة المطلقة التي يرجع ~~إليها الخلق ، والأمر كله ، فإنك مهما بحثت ، فلن تجد إلا قدرة محدودة ~~مستمدة من قدرته ، أو وجودا مستمدا من وجوده ، فكيف يعادله شيء من خلقه .. # إن السؤال لا يطرح المسألة من موقع الحاجة إلى المعرفة في حركة علامات ~~الاستفهام ، بل يطرحه من موقع الإنكار الحازم للفكرة في نطاق النفي المطلق ~~لكل مواقعها. # * * * PageV15P065 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) @QUR@010 أولا ~~يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) @QUR@09 فو ربك لنحشرنهم ~~والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) @QUR@010 ثم لننزعن من كل شيعة ~~أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) @QUR@08 ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ~~صليا (70) @QUR@09 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ~~@QUR@08 ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) (72) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جثيا ): الجثي : جمع الجاثي : الذي برك على ركبتيه. # ( @QUR@01 شيعة ): الشيعة : الجماعة المتعاونون على أمر واحد. # ( @QUR@01 عتيا ): العتي : مصدر على وزن فعول بمعني : التكبر والتمرد في ~~العصيان. # ( @QUR@01 صليا ): صلي النار يصلاها صلى وصليا : احترق فيها. # ( @QUR@01 ونذر ): نترك. # * * * PageV15P066 ### ||| ** الإنسان أمام فكرة البعث ... # وهذا حديث حول فكرة البعث التي يستبعدها الذهن البشري ، لأنها تتصل بغير ~~المألوف في قناعاته الفكرية ، ( @QUR@08 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا ) وهل يتحول الجماد إلى حياة؟ نعم ، إذ لو قارن الإنسان بين بداية ~~الخلق ونهايته ، وكيف وجد ، ( @QUR@010 أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من ~~قبل ولم يك شيئا ) فإن هذا التذكر يفتح أمامه ms3533 حركة الفكر في الاتجاه ~~السليم. فإذا كان الله يمنح الوجود للأشياء من قلب العدم ، فكيف لا يستطيع ~~أن يعيده إليها بعد الموت؟ وذلك هو الفرق بين الإنسان الذي يفكر في القضايا ~~في ملامحها السطحية ، وبين الإنسان الذي يفكر في العمق الكامن في خلفياتها ~~الداخلية ، وملامحها الإيحائية. # * * * ### ||| ** الكافرون يحشرون مع الشياطين # ( @QUR@04 فو ربك لنحشرنهم والشياطين ) لأنهم كانوا يعيشون الولاية لهم ، ~~باتباعهم لأوامرهم ، والعمل بما يريدون ، وجاء يوم القيامة ليواجهوا الموقف ~~على أساس وحدة مصير التابعين والمتبوعين ، ( @QUR@05 ثم لنحضرنهم حول جهنم ~~جثيا ) في جلسة ذليلة وهم باركون على الركب. وربما يفسر الجثو بمعنى ~~المجتمع من التراب والحجارة ، ليكون ذلك كناية عن إحضارهم زمرا وجماعات ~~متراكما بعضهم فوق بعض ، كما ورد عن ابن عباس. ( @QUR@05 ثم لننزعن من كل ~~شيعة ) ممن يتعاونون على أمر واحد ، أو ينطلقون في عقيدة واحدة ( @QUR@02 ~~أيهم أشد PageV15P067 # @QUR@03 على الرحمن عتيا ) فنأخذ الأكثر تمردا وعصيانا لله ، ليتميز ~~الأكثر مسئولية في عالم الكفر والضلال من الأضعف في ذلك. وربما كان ذكر ~~الله بصفة «الرحمن» للإشارة إلى خطورة تمردهم وبشاعته ، لأنهم قابلوا رحمة ~~الله الذي أفاض عليهم من رحمته كل خير وأبعد عنهم كل شر ، بالكفر والعصيان ~~، مما يجعل الجريمة مضاعفة في مدلولاتها الإنسانية. ( @QUR@08 ثم لنحن أعلم ~~بالذين هم أولى بها صليا ) أي مقاساة ومعاناة لحرها ، لأننا نعلم خفايا ~~أعمالهم ، وطبيعة إيمانهم مما يجعل موقع كل واحد منهم في ما يستحقه من ~~العذاب ، أو في درجاته ، معروفا لدينا من دون شك ولا شبهة. # * * * ### ||| ** هل الناس جميعا سيردون النار؟ # ( @QUR@09 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) الظاهر من الحصر ~~في هذه الآية ، أن الناس جميعا ، سيردون النار ، ولكن اختلف المفسرون في ~~معنى الورود ، هل هو الدخول ، أو هو المرور ، أو هو الحضور والإشراف عليها؟ ~~وقد حاول كل فريق أن يؤيد كلامه ببعض الآيات القرآنية التي وردت فيها هذه ~~الكلمة ، أو ببعض الروايات التي اختلفت في مفادها. وقد اعتبر البعض أنه لا ~~وجه لدخول الطائعين النار ، ولذلك حاول أن يوجه المسألة تجاه ms3534 كونها بردا ~~وسلاما على المؤمنين ، وتطهيرا للعصاة من ذنوبهم. # ولكن من الممكن أن يكون دخول النار غير ملازم للدخول في العذاب ، لأن ~~النار لا تشمل كل مواقع العذاب ، ولهذا نجد أن خزنة النار موجودون فيها ، ~~ولكنهم لا يصلون نارها ، ولا يذوقون عذابها. أما السبب في دخولهم إليها ، ~~أو حضورهم فيها فقد يجلوه ما ذكره صاحب مجمع البيان حيث قال : «وقيل إن ~~الفائدة في ذلك ما روى في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يدخل أحدا PageV15P068 # الجنة حتى يطلعه على النار وما فيها من العذاب ، ليعلم تمام فضل الله ~~عليه وكمال لطفه وإحسانه إليه ، فيزداد لذلك فرحا وسرورا بالجنة ونعيمها. ~~ولا يدخل أحد النار حتى يطلعه على الجنة وما فيها من أنواع النعيم والثواب ~~، ليكون ذلك زيادة عقوبة له على ما فاته من الجنة ونعيمها» (1). # وربما يحتمل أن تكون هذه الآية مع الآية الأخرى بمثابة المستثني ~~والمستثنى منه ، فيطرح الحكم في الجملة الأولى على أساس عام ، ثم تأتي ~~الجملة الثانية لتخرج المتقين من العموم ، وبذلك يكون الحكم في طبيعته ~~الواقعية مختصا بغيرهم. ولا بأس بهذا الاحتمال ، لو لا بعض الإشكال في ~~طريقة استفادته من الآية الثانية ( @QUR@04 ثم ننجي الذين اتقوا )، حيث إن ~~الظاهر منه هو إخراج المتقين من النار بعد دخولهم فيها ، ويبقى الظالمون ~~فيها ( @QUR@04 ونذر الظالمين فيها جثيا ). ولكن من الممكن أن يكون ~~الإنجاء من حيث عدم إدخالهم فيها ، لا إخراجهم منها بعد دخولهم فيها ، وهذا ~~تعبير شائع أن يقول قائل ، بأني نجيت فلانا من الهلاك إذا أبعدته عن مواقعه ~~ومنعته من الدخول فيها. والله العالم. # * * * PageV15P069 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) @QUR@09 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أحسن أثاثا ورءيا (74) @QUR@025 قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا ~~وأضعف جندا (75) @QUR@013 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ثوابا وخير مردا ms3535 (76) @QUR@08 أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا (77) @QUR@07 أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) ~~@QUR@09 كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) @QUR@05 ونرثه ما ~~يقول ويأتينا فردا ) (80) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نديا ): الندي والنادي : المجلس. # ( @QUR@01 ورءيا ): الرئي : المنظر والهيئة. # ( @QUR@02 والباقيات الصالحات ): الأعمال الصالحة. # ( @QUR@01 مردا ): المرد : المرجع والعاقبة. PageV15P070 # ( @QUR@01 مدا ): المد : الإمهال. # * * * ### ||| ** حديث الكافرين .. وجد الهم الباطل .. # وهذا منطق جديد للكافرين في مواجهة المؤمنين ، للإيحاء لهم بأن الإيمان ~~لا يحقق للمؤمنين أية إيجابيات على مستوى السعادة في الحياة الدنيا ، بينما ~~يعيش الكافرون الحياة الرغيدة الحلوة التي تجعل لهم المواقع المتقدمة في ~~حركة الحياة وقيادتها ، مما يعني أن المسألة لا تحتمل الجدل ما دامت ~~التجربة الحية هي المقياس الصحيح لسلامة أي خط فكري وعملي في الحياة ، وذلك ~~من خلال الفكرة التي تؤكد على أن الهدف الأساس من الاتجاهات التي يتبناها ~~الإنسان هو تحقيق السعادة في الحياة ، والوصول إلى الدرجات العليا في تأكيد ~~ذاته ووجوده المتحرك في الكون. وقد ينفعل الكثيرون بهذا المنطلق ، فيسقطون ~~أمامه ، ويتحركون في تحديد هوية الانتماء الفكري والعملي ، ولكن للقرآن ~~منطلقا آخر يهزم هذا المنطق بطريقة أخرى ، فلنتابع المسألة مع هذه الآيات. # ( @QUR@05 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) لتدفعهم إلى التفكير والتأمل ~~والحوار ، ولتفتح قلوبهم على آيات الله في الكون ، لتقودهم إلى الإيمان ~~بالله من موقع اليقين. ولكنهم لا يريدون أن يفتحوا عيونهم على عجائب خلق ~~الله ، أو يحركوا عقولهم في أسرار قدرته ، أو يصغوا بأسماعهم إلى آياته ~~المنزلة ، أو ينطلقوا مع المؤمنين في الحوار الجاد .. ، بل يريدون أن ~~يعيشوا اللهو والعبث واللامبالاة ، ويستريحوا إلى رخاء الحياة من حولهم ، ~~ويدفعوا المؤمنين إلى الاستغراق في مباهجها ولذاتها ... ، فإذا جاءتهم آيات ~~الله ( @QUR@09 قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما ) بما ~~يمثله ذلك من سعة ، وراحة ، ورخاء ، وجاه ، ومال ، وبنين ، وصحة ، وعافية ، ~~( @QUR@02 وأحسن نديا ) بما يمثله ذلك من سكن ، PageV15P071 # وموقع ، ومجتمع يتميز بدرجاته العليا ، وامتيازاته الرفيعة. # إنهم يتساءلون بهذه الطريقة ليتطلع المؤمنون إلى ما حولهم ، ليقارنوا بين ~~مجتمع المؤمنين في بؤسه ، وضعفه ms3536 ، وجهده ، ومشاكله ، وضيقه ، وبين مجتمع ~~الكافرين في سعادته الفائضة بالسرور ، وفي قوته ، وراحته ، وسعته ، ورخاء ~~العيش فيه ، فيتبدى لهم أن الإيمان لا يطعم أصحابه خبزا ، ولا يحقق لهم ~~سعادة في الحياة الدنيا ، ليعرفوا أن الحق في جانب الكافرين لا في جانبهم. ~~ولكن الله يريد للإنسان أن ينفذ إلى عمق الأمور بعيدا عن سطحها ، وإلى ~~نهاياتها من دون الاقتصار على بداياتها. وهكذا أراد له أن يلتفت إلى أن ~~الدنيا ليست نهاية المطاف في وجوده ، فهناك آخرة تحمل في ساحاتها النتائج ~~الحاسمة لعمله في الدنيا في ما يلتزمه من خطوط الخير والشر ، والحق والباطل ~~... فهناك عالم السعادة الذي يمثل العمق في حركة السعادة في وجوده ، وهناك ~~عالم الشقاء الحقيقي الذي لا سعادة معه. وبذلك لا تكون القيمة هي في ما ~~يحصل عليه الإنسان في الدنيا لأنها ستزول عنه ، وتزول معها كل مظاهر ~~السعادة فيها. # * * * ### ||| ** مصير الضالين المضلين # ( @QUR@05 وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) وهم الجماعات المقترنون في زمن واحد ~~، ( @QUR@03 هم أحسن أثاثا ) في ما يمثله ذلك من متاع ، ( @QUR@01 ورءيا ) ~~في ما يمثله من حسن المنظر مما أوتيه الإنسان من جمال الحياة الدنيا. فأين ~~ذلك كله؟ وأين أولئك الذين كانوا يعيشون متاعه وجماله؟! ( @QUR@05 قل من ~~كان في الضلالة ) باختياره لنفسه الطريق الفكري والعملي الذي لا يتحرك في ~~خط الهدى ، بل يعيش أجواء الضياع ، ( @QUR@04 فليمدد له الرحمن مدا ) في ما ~~اقتضته حكمته من إعطائه الفرص الكثيرة التي تتيح له أن يأخذ بكل أسباب ~~الراحة والرخاء في العيش والحياة ، مما PageV15P072 # يمكنه من الامتداد في الضلال على أساس إرادته المنحرفة التي اختارت خط ~~الضلالة في الوقت الذي كان باستطاعته الأخذ بأسباب الهدى المتوفرة لديه ، ~~فقد أقام عليه الحجة ، وهداه إلى الاختيار الحر في أمره ، ( @QUR@05 حتى ~~إذا رأوا ما يوعدون ) مما ينتظرهم ، ( @QUR@02 إما العذاب ) في الدنيا ، ( ~~@QUR@02 وإما الساعة ) في يوم القيامة ، ( @QUR@05 فسيعلمون من هو شر مكانا ~~) في ما يقبلون عليه من مواقع العذاب في النار ، ( @QUR@02 وأضعف جندا ) في ~~ما يجدونه من حولهم من جماعاتهم التي كانت على طريقتهم ms3537 في الدنيا ، ممن لا ~~يستطيعون نصرهم ولا نصر أنفسهم ، عند ما يواجهون الساعة الحاسمة من عذاب ~~الآخرة. ولكن ، ما فائدة ذلك العلم بالنسبة إليهم ، طالما أن الوقت لا يسمح ~~لهم بالتصحيح ولا بالتراجع؟! # * * * ### ||| ** الباقيات الصالحات # ( @QUR@05 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) في ما يتطلعون عليه من آيات ~~الله ونعمه ورضوانه في الآخرة ، في جنان الخلد ، مما يفتح آفاقهم على عوالم ~~جديدة لا عهد لهم بها من قبل ، فيزيدهم ذلك معرفة بالله ، واكتشافا لآفاق ~~الهدى في الفكر والانتماء ، ( @QUR@02 والباقيات الصالحات ) من أعمالهم ~~الخيرة التي عملوها في الدنيا ، فكتب الله لهم الأجر العظيم عليها في ~~الآخرة ، ( @QUR@04 خير عند ربك ثوابا ) من كل ما حصلوا أو ما كانوا يرغبون ~~الحصول عليه في الدنيا ، ( @QUR@02 وخير مردا ) في ما يرجعون إليه من دار ~~الخلود وهي الجنة. وهذا هو المقياس للسعادة في نتائج الأعمال في الدنيا ، ~~الذي يجب أن يأخذ به الناس في ما يأخذونه وفي ما يدعونه من أمور الانتماء ~~والعمل في الحياة الدنيا. # * * * ### ||| ** منطق الكافرين # ( @QUR@08 أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) وهذا هو ~~النموذج PageV15P073 # الواقعي للإنسان الذي أخذ بهذا المنطق الكافر واستسلم له ، واعتبر أن ~~النتائج التي يترقبها في الدنيا ستحصل لديه عاجلا أو آجلا ، ولهذا أكد ~~حصوله على المال والولد في ما يستقبل من حياته. # وقد ورد في بعض التفاسير ، أن هذا الرجل هو العاص بن وائل بن هشام القرشي ~~ثم السهمي ، وكان أحد المستهزئين ، وكان لخباب بن الأرت عليه حق فأتاه ~~يتقاضاه ، فقال له العاص : «أو لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ ~~قال خباب : بلى ، قال : فأخرني حتى أقضيك في الجنة استهزاء ، فو الله لئن ~~كان ما تقول حقا ، إني لأفضل فيها نصيبا منك. # ولكن الظاهر أن الآية تتحدث عن كلام الرجل الكافر ، بصيغة الجزم الذي لا ~~يتناسب مع كفره باليوم الآخر ، مما يوحي بأن المسألة تتصل بحصوله على ما ~~يريده في الدنيا ، جريا على المنطق الذي يربط بين الكفر والحصول على ~~النتائج الإيجابيه. وحديث العاص الذي نقله بعض ms3538 المفسرين لا يتناسب مع ~~مطالبة الرجل بحقه ، كما لا يتناسب مع الآية التي تتحدث عن رغبة ذاتية ~~بعيدة عن مطالب الآخرين عنده. # ( @QUR@02 أطلع الغيب ) في ما يأتي به المستقبل ، ( @QUR@05 أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا ) في ما يمكن أن يعتمد عليه من عهد عند الله ، ليطمئن إليه في ~~الحصول على ما يريد؟ ( @QUR@01 كلا ) فليس لديه علم الغيب ، ولا يملك عند ~~الله عهدا ، ( @QUR@03 سنكتب ما يقول ) من كلامه المتضمن للكفر ، ومن منطقه ~~الذي يرتكز عليه في آماله ، ( @QUR@05 ونمد له من العذاب مدا ) في ما ~~يستحقه منه فيعطيه الله ذلك تبعا لا انقطاع له. # ( @QUR@03 ونرثه ما يقول ) فهو الذي يبقى له من دنياه ، ويغني ماله وولده ~~ويتركه خلفه ، ( @QUR@02 ويأتينا فردا ) ليس معه شيء مما كان يزهو به أو ~~ينتصر به. وينهزم المنطق الكافر الذي كان يرى في الكفر خط السعادة ، بينما ~~يرى في الإيمان خط الشقاء ، ليرى الآن ، أن العاقبة كلها والخير كله ~~للإيمان في الدنيا والآخرة. # * * * PageV15P074 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) @QUR@06 كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) @QUR@09 ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) @QUR@07 فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم ~~عدا (84) @QUR@06 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) @QUR@05 ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا (86) @QUR@09 لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا (87) @QUR@04 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) @QUR@04 لقد جئتم ~~شيئا إدا (89) @QUR@09 تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا (90) @QUR@04 أن دعوا للرحمن ولدا (91) @QUR@06 وما ينبغي للرحمن أن ~~يتخذ ولدا (92) @QUR@010 إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ~~(93) @QUR@04 لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا (95) @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) (96) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ضدا ): أعداء. # ( @QUR@01 تؤزهم ): تزعجهم. # ( @QUR@01 وفدا ): جمع : وافد ، وهو القادم. PageV15P075 # ( @QUR@01 ونسوق ): السوق : الحث على السير. # ( @QUR@01 إدا ): الإد : الأمر العظيم المنكر الفظيع. # ( @QUR@02 يتفطرن منه ): التفطر : الانشقاق. # ( @QUR@02 وتخر الجبال ): تسقط. # ( @QUR@01 هدا ): الهد : الهدم. # ( @QUR@01 ودا ): الود والمودة : المحبة. # * * * ### ||| ** ( @QUR@05 واتخذوا من دون الله آلهة .. ) فما ذا كانت النتيجة؟ # .. وتستمر آيات السورة في الحديث ms3539 عن خلفيات الشرك في ذهنية هؤلاء ~~المشركين ، وعن تفكيرهم المتخلف المنحرف في تصورهم للذات الإلهية ، لتعالج ~~ذلك كله بالطريقة القرآنية التي تفضح هذه الذهنية وتتحدث عن النتائج ~~السلبية العملية في الدنيا والآخرة ، في ذلك كله. # ( @QUR@08 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ) تلك هي خلفية ~~الشرك لدى هؤلاء الناس ، فهم يشعرون بالضعف الذي يسيطر عليهم في كثير من ~~جوانب الحياة ، ويبحثون عن أساس للقوة والحماية ، فيلجئون إلى الملائكة ، ~~والجن ، والقديسين من البشر ، والطغاة من الملوك والرؤساء ، ويتخيلون لهم ~~خصائص مقدسة تمنحهم إمكانات عجائبية تنقذهم من الأشباح المخيفة والأحداث ~~المرعبة ، والأمراض المهملة ، والأوضاع الصعبة ونحو ذلك ... وتبدأ عملية ~~العبادة بالأساليب المتنوعة في تقديم القرابين وأداء طقوس الطاعة التي ~~ينفذون بها كل أوامرهم وتبعدهم عن نواهيهم ، ويتعاظم الخيال المقدس في ~~أفكارهم PageV15P076 # ومشاعرهم ، فيتصورونهم في مواقع الآلهة ، ويتحولون في وعيهم إلى شركاء ~~لله بدرجات متفاوتة. # وربما يفكر البعض من هؤلاء المتألهين ، أنهم الأقرب إلى الله ، من خلال ~~ذلك ، وهكذا هم يستطيعون التوسط إلى الله ، ليقربوهم إليه ، لأن عظمته تمنع ~~الناس العاديين من أن يتصلوا به في مرحلة التصور ، لتتحول إلى فكرة التقديس ~~في مرحلة العبادة. # إن القضية كل القضية ، هي أن الضعفاء الذين يعيشون المذلة ، يبحثون في ~~خيالات التخلف عما يعطيهم شيئا من العزة ويمنحهم شيئا من القوة. ولكنهم ~~سيكتشفون خطأ هذه الأفكار عند ما يواجهون هؤلاء الآلهة ، في يوم القيامة ، ~~في الموقف العصيب أمام الله ، إذ سيتبرأ كل هؤلاء منهم بعد أن يحملوهم ~~المسؤولية عن جميع أعمالهم ، لأنهم أضعف من أن يستطيعوا لهم شيئا. # * * * ### ||| ** آلهة الكفر يتبرءون من أوليائهم # ( @QUR@03 كلا سيكفرون بعبادتهم ) ويرفضونها لأنهم لا يرون في أنفسهم أي ~~سر للألوهية ليكونوا جديرين بالعبادة من دون الله ، ( @QUR@03 ويكونون ~~عليهم ضدا ) بتخلصهم من المسؤولية أمام الله. وربما احتمل بعضهم أن يكون ~~المشركون هم الذين يكفرون بعبادتهم ويكونون ضد الآلهة ، ولكن الظاهر من ~~السياق هو الاحتمال الأول ، لأن المشركين أرادوهم أن يكونوا لهم عزا فكانت ~~خيبة أملهم أن تحولوا إلى ضد لهم. ولعل ms3540 دراسة الآيات المتنوعة التي تعرضت ~~لعلاقة المستضعفين بالمستكبرين والحواريين بالمشركين وأوليائهم ، توحي بأن ~~الموقف المضاد هو موقف المستكبرين والشركاء للتخلص من تبعة المسؤولية PageV15P077 # التي يحملهم إياها المشركون والمستضعفون. # ( @QUR@09 ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) الأز هو ~~الهز ، وهو التحريك بشدة وإزعاج. والآية واردة على الأسلوب القرآني الذي ~~ينسب الأمور كلها لله انطلاقا من علاقة الأشياء به من خلال قانون السببية ~~التي أودعها في حركة الحياة والإنسان. كما نلاحظه في علاقة الشياطين ~~بالكافرين ، في ما يزين لهم الشياطين من أفعال الضلال ، وعلاقات الباطل ، ~~وأجواء الانحراف ، فيستسلمون لهم من موقع الاختيار السيئ ، وينصاعون ~~لمخططاتهم في الضلال والإضلال ، فتحدث النتائج بشكل طبيعي في ما يرتبط به ~~السبب والمسبب. وهكذا لا يجد هؤلاء عونا من أوليائهم وشركائهم على ما ~~يتعرضون له من شقاء وتعاسة. # * * * # ( @QUR@03 فلا تعجل عليهم ) # ( @QUR@07 فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ) فإن لهم أجلا لا يعدونه ، ~~وسيبلغون أجلهم الذي حدده الله لهم عند ما يتساقط الزمن من حياتهم يوما بعد ~~يوما ، وشهرا بعد شهرا .. وسنة بعد سنة .. إلى آخر العمر. وسيقفون جميعا ~~أمام الله ليحاسبهم على كل مواقفهم وأعمالهم ، فلن يفوت الله منهم أحد .. ~~فلما ذا تستعجل الأمر؟ وإنما يجعل من يخاف الفوت ، فلا يضق صدرك ، بل استمر ~~في رسالتك حتى يبلغ الله أمره. # ( @QUR@06 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) حيث يستدعيهم الله للوفادة ~~إليه ليكرمهم ويدخلهم جنته ، وليسبغ عليهم من لطفه ورضوانه. وينطلقون إلى ~~الله من حيث بدأوا السير إليه في الدنيا ليستنجزوه وعده لهم بالجنة التي ~~وعد بها المتقين ، وليطلبوا منه الرحمة والرضوان ، كما يفعل الوافدون إلى ~~أي شخص لحاجة ، أو لغير ذلك .. # * * * PageV15P078 ### ||| ** مصير المجرمين # ( @QUR@05 ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) لأنهم أجرموا في حق الله وفي ~~حق عباده ، كما يساق العطاشى إلى ورد الماء. أما هم فسيردون الحميم الذي ~~يغلي في بطونهم فيحرقها. ( @QUR@09 لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا ) لأن الشفاعة لله وحده ، فلا يملك أحد منها شيئا إلا بإذن ~~الله ؛ ولن يأذن ms3541 الله بها إلا للذين آمنوا صدقوا بكتبه ورسله ... وذلك هو ~~عهد الله بينه وبين عباده ، فإنه يغفر لهم إذا أذنبوا أو أخطئوا ويمنحهم ~~شفاعته ، أو يكرم بالشفاعة بعض عباده المتقين الصالحين من الأنبياء ~~والأولياء .. أما الكافرون بالله ، والمشركون به فإنهم لا يتعلقون من رحمة ~~الله بشيء ، لأنهم قطعوا كل صلة به ، حتى صلة الاعتراف به والإخلاص له في ~~العقيدة. فكيف يمكن أن يمنحهم شفاعته ورحمه ، وقد رفضوها بتمردهم وكفرهم؟ # * * * ### ||| ** الأبوة تنافي ربوبية الخالق # ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) قولا لا يستند إلى قاعدة ، ولا ~~يرتكز على حجة ، بل هو التخيل والتأويل ، بطريقة معقدة ، قد لا يفهمها حتى ~~قائلها ، أو بطريقة عامية ، يستهلكها العوام من الناس من دون وعي ، بل هي ~~الكلمات التي تبحث عن المعاني في أذهان أصحابها .. # ( @QUR@04 لقد جئتم شيئا إدا ) منكرا فظيعا لا يبلغ فظاعته شيء ، لأنه ~~يتصل بالعدوان الفكري على خالق العقل والكون والحياة ، ( @QUR@04 تكاد ~~السماوات يتفطرن منه ) ويتشققن من شدة الهول ، وخطورة الجريمة ، ( @QUR@02 ~~وتنشق الأرض ) PageV15P079 # وتتفتت ، ( @QUR@03 وتخر الجبال هدا ) فتسقط وتنهدم ، ( @QUR@04 أن دعوا ~~للرحمن ولدا ) لأن هذه المخلوقات الكونية لا تتحمل الإساءة إلى الله في أي ~~شيء يبتعد عن مستوى عظمته. # ( @QUR@06 وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) لأن ذلك يتنافى مع ربوبيته ، ~~والله هو الغني عن كل شيء ... ( @QUR@010 إن كل من في السماوات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا ) لأنهم يعرفون بعمق وجودهم أنهم مخلوقون له ، ومحتاجون ~~إليه من دون فرق بين مخلوق ومخلوق ، فمهما ارتفعت درجات بعضهم عن بعض ، ~~فإنها لا ترتفع عن درجة العبودية لله ، لأن امتيازاتهم الذاتية تتحرك في ~~دائرة العبودية والحاجة إليه في طبيعة الوجود والاستمرار. ولعل المراد ~~بإتيان كل هؤلاء للرحمن ، في مواقع العبودية ، هو انقيادهم في وجودهم وفي ~~إطاعتهم لله على أساس الإحساس بالعبودية والاعتراف بها بين يديه. # ( @QUR@04 لقد أحصاهم وعدهم عدا ) فهو الذي خلقهم ، وهو الذي يرزقهم ، ~~وهو المحيط بهم ، ولذلك فقد أحصى عددهم ووظائفهم وأمكنتهم ، في مظهر من ~~مظاهر قوته أمام مظهر خضوعهم وضعفهم. ( @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا ) مجردا ms3542 من كل مظاهر القوة وعناصر السلطة ومواقع الأمن ، حيث يقف وحده ~~أمام الله ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، ولا يجد له ناصرا من دون الله ، ~~فيواجه نتائج المسؤولية في ما أطاع وعصى. # ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) من ~~المودة وهي المحبة ، بحيث تفيض عليهم المحبة من بين أيديهم ومن خلفهم ، ~~وتعيش في داخلهم ، وتنزل عليهم من ربهم ، وذلك هو غاية ما يتمناه الإنسان ~~في إيمانه وفي عمله. # * * * PageV15P080 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) ~~@QUR@014 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) (98) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لدا ): جمع ألد ، وهو الشديد الخصومة. # ( @QUR@01 ركزا ): الركز : الصوت الخفي. # * * * ### ||| ** الله مهلك القرون # ويبقى للقرآن دوره الخالد في حركة الدعوة إلى الله ، في ما يتحدث به ~~الرسل ، وفي ما يثيره الدعاة في بلاغهم وفي حديثهم للناس .. # ( @QUR@03 فإنما يسرناه بلسانك ) وسهلنا لك السبيل إلى فهمه ووعيه ~~وتلاوته ، تماما كما لو كان حديثا تهمس به في ذاتك أو يتحرك في وجدانك ، ~~لتستوعب PageV15P081 # معانيه في خط التبشير والإنذار ، ( @QUR@03 لتبشر به المتقين ) في ما ~~ينتظر هم من الجنة ومن رضوان الله ، جزاء لطاعتهم وتقواهم وعبادتهم ، ( ~~@QUR@04 وتنذر به قوما لدا ) والمراد باللد ، جمع ألد ، وهو الشديد الخصومة ~~، أي لتحذر الذين يحترفون الجدل والنزاع والخصومة كأسلوب عملي في حياتهم ، ~~ولذلك فإنهم لا يفتحون قلوبهم لوحي الله ، بعفوية الحقيقة وبساطتها ، بل ~~يتعقدون منه ، ويعملون على إثارة الضوضاء من حوله في عملية هروب وإضلال ... ~~، ولذلك فإن مهمة الرسول ومن بعده من الدعاة ، هو إحداث الصدمة القوية التي ~~تهز القلب والروح والوجدان ، لتثير فيها الخوف والقلق في مستوى قضية ~~المصير. # وهذا ما ينبغي أن يعيشه الحاملون للقرآن ، الحافظون له ، الذين يتحملون ~~مسئولية إبلاغه للناس ، وذلك بأن يتحركوا به في المجتمع مبشرين ومنذرين ، ~~لا أن ينعزلوا به في دائرة ذواتهم وأشخاصهم بما لا يتعدى محيطهم ، لأنهم لا ~~يريدون أن يتحملوا مشاكل الدعوة ، ونتائج المواجهة والمجابهة ؛ إذ لو وقف ~~الناس جميعا هذا ms3543 الموقف ، ينتظرون بعضهم من يتسلم زمان المبادرة في ذلك ، ~~لمات القرآن في عقول الناس ، ولا نكمش في دائرة ضيقة من دوائر الواقع في ~~الحياة العامة. # إن الإنذار لأمثال الناس المعقدين المجادلين قد يفتح لهم أكثر من باب ~~للتفكير وللتأمل وللسؤال وللانقياد في نهاية المطاف ، ليدرسوا التاريخ ~~وليتعرفوا حركة المستقبل الذي يتصل بحياتهم ، في ما يأتي ، ليعرفوا كيف ~~يمكن لهم أن يضبطوا خطواتهم على الصراط المستقيم. # ( @QUR@05 وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) من هذه الجماعات التي كانت تتجمع في ~~دوائر محدودة فبادت وتناولتها أيدي الفناء ، فلم تبق على شيء منها ، ولم ~~يعد لها إلا ذكريات التاريخ القديم الضائع فلا يحس بهم أحد ، ( @QUR@04 هل ~~تحس منهم من PageV15P082 # يتحرك ليدل على الوجود. ولكن إذا جاء الموت ، فإنه لا يبقي أثرا من حركة ~~الحياة ، ومن صوت خفيف أو قوي يدل على مثل هذه الحركة ، أو يؤكد ذاك ~~الوجود. # وهكذا تنتهي السورة لتقود الإنسان إلى التأمل في كل التاريخ القديم ، ~~ولتحثه على صنع تاريخه الجديد في مستقبل حياته وذلك بطريقة تستلهم كل ~~أفكارها ومعانيها من أجواء التأمل ، لتأخذ العبرة دائما ، للمستقبل ، من ~~حركة الأجيال المتتابعة التي يطل منها كل جيل في تجربته على الجيل الآخر ... # * * * PageV15P083 ### | سورة طه ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وخمس وثلاثون PageV15P085 ### ||| ** مدخل عام للسورة # تثير هذه السورة في آياتها العمق الإنساني للنفس البشرية لمواجهة مسألة ~~المصير الأخروي من مواقع الاهتمام والجدية ، ومسألة الواقع الدنيوي من موقع ~~المسؤولية. وذلك من خلال توجيه القلب والعقل والوجدان للقرآن الذي هو ~~الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على قلب رسوله ، ليدعو به الناس إلى تعاليمه ~~بطريقة متوازنة واقعية ، لا تصل إلى مستوى الإجهاد الذي يشقي البدن ، في ~~وقت يريد الله القرآن تذكرة للذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب .. # ثم تنطلق السورة لتثير أمام القلب البشري التصور الإسلامي القرآني عن ~~الله ، ليبقى الإنسان ، من خلال التصور الشامل العميق ، واعيا لمسؤوليته في ~~إحساسه بالحضور الإلهي الذي ( @QUR@020 له ما في السماوات وما في الأرض وما ~~بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه ms3544 يعلم السر وأخفى ) [طه : 6 7]. # ثم تنفتح على الرسالة في شخصية الرسول ، فتلتقي بالنبي موسى عليه السلام ~~في دعوته إلى الله ومعاناته في سبيل ذلك ، وفي حركته القوية التي تصدم ~~الواقع الطاغي ، بالكلمة والأسلوب والموقف ، وفي حيوته شخصيته التي تتميز ~~بالإخلاص والتواضع والعفوية الرسالية ، والقوة المتحركة في أكثر من اتجاه ~~.. وهكذا تتنوع الصور والمواقف وتطل من خلالها على قومه وكيف واجهوه من ~~موقع التخلف الفكري ، ليزيد ذلك من التذكير بخشية الله ، والانفتاح على ~~تعاليمه وآياته. PageV15P087 # ثم تأتي قصة آدم التي تتكرر في القرآن ، لتربط الناس بالخط الفاصل بين ~~طاعة الله وطاعة الشيطان ، فتثير التاريخ الشرير له مع الإنسان في بداية ~~الخليقة ، وفي المقابل تفتح لهم الآفاق التي تطل بهم على أجواء النجاة ~~والهلاك ، لينطلق الناس في مسئوليتهم من خلال وعيهم للخط الإلهي الرسالي .. # ثم تتنوع الآيات في لمسات حية مؤثرة في ما يخاطب الله به رسوله ، ليصبره ~~على كل التصرفات السلبية التي كان يقوم بها المشركون ضده ، في ما يقولون ~~ويعملون ، وليبقى مع الله في تسبيح دائم في الليل والنهار ، وليصرف نظره عن ~~كل ما حوله من زخارف الدنيا ، وليحترم خصوصيات الآخرين في علاقاتهم فلا يمد ~~نظره إليهم ، ولينطلق مع أهله في صلاة دائمة لله ، لتكون الحياة كلها صلاة ~~روحية تحكم كل الواقع الذي يحيط به وبالناس. # وتنتهي الآية بالتحدي الكبير الذي يريد الله للرسول أن يطلقه في وجه ~~هؤلاء المتربصين بالرسول وبالرسالة ، ممن يريدون الشر وبها ، فيخاطبهم بكل ~~قوة : ( @QUR@011 قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى ) [طه : 135] ، لأن المسألة تتلخص بنتائجها ونهائيات الأمور هي التي ~~تحدد جدواها ، لأن العاقبة ، مهما اختلفت الأمور ، هي للتقوى التي تمثل ~~الالتزام بالمسؤولية أمام الله تجاه الحياة والكون والإنسان. # * * * PageV15P088 ### ||| * الآيات ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@01 طه (1) @QUR@05 ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) @QUR@04 إلا ~~تذكرة لمن يخشى (3) @QUR@06 تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) ~~@QUR@04 الرحمن على العرش استوى (5) @QUR@012 له ما في السماوات وما في ~~الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) @QUR@07 وإن تجهر بالقول فإنه ms3545 يعلم ~~السر وأخفى (7) @QUR@08 الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات : # ( @QUR@01 لتشقى ): الشقاوة خلاف السعادة. وشقيت في كذا : أى تعبت. # ( @QUR@01 تذكرة ): ما تستذكر به الحاجة. # ( @QUR@01 الثرى ): التراب الندى ، والمراد بما تحت الثرى : ما في جوف الأرض. # ( @QUR@01 تجهر ): الجهر بالقول : رفع الصوت به. # ( @QUR@01 السر ): هو الحديث المكتوم في النفس. # * * * PageV15P089 ### ||| ** الله يهون على نبيه # ( @QUR@01 طه ) من الحروف المقطعة التي تبدأ بها أوائل السور ، وقد تقدم ~~الحديث عنها في أول سورة البقرة ، وهناك احتمال أن تكون كلمة مستقلة ، ~~مقصود ، بها اسما للنبي ، أو للرجل ، أو لتكون فعل أمر بلغة طيئ ، بمعنى طأ ~~الأرض بقدمك ، أو لتكون اسما لله ، ولم يثبت ذلك بحجة مقنعة ، والتحقق من ~~ذلك لا يفيدنا في منهجنا التفسيري ، فليطلب ذلك من المطولات. # ( @QUR@05 ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) ربما كانت خطابا للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يثقل نفسه بالمزيد من الجهد الذي قد يفوق ~~الطاقة أثناء تأدية الرسالة ، أو لئلا يعيش الحالة النفسية الصعبة في ~~مواجهة الجحود والنكران الذي كان يقابل به من قبل الكفار والمشركين ، حيث ~~كان يتألم ويتحسر. وقد يطلق الشقاء على التعب ، وقد يطلق على الحالة ~~النفسية التي يتسبب بها الواقع المعقد. # وقد وردت بعض الروايات التي تفسير الشقاء بالتعب في العبادة ، فقد جاء في ~~تفسير القمي بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر «الباقر» عليه السلام وأبي عبد ~~الله «الصادق» عليه السلام قالا : «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~صلى قام على أصابع رجليه حتى تتورم ، فأنزل الله تعالى ( @QUR@01 طه ) بلغة ~~يا محمد ( @QUR@010 ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى ) ~~(1)». ورواه جماعة عن ابن عباس ، كما في الدر المنثور (2). إذا صحت هذه ~~الروايات فيمكن أن يكون هذا المورد ، من بين موارد التعب الذي كان يعيشه ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مجال الممارسة ، كما هو في مجال الدعوة ~~، لأن سياق الآية الأخرى ، يوحي بأن المسألة المطروحة هي الجحود الذي كان ~~يقابل به بالرغم من كل ms3546 جهوده ومعاناته ، فجاءت الآية PageV15P090 # لتوحي إليه بأن دورك هو دور المبلغ الذي يدعو ليسمع الآخرون ، ويبلغ ~~ليتذكر الغافلون. فإن مسئوليتك لا تتجاوز هذا الموقع ، وتبقى مسئولية ~~الآخرين في انفعالهم بما تدعوهم اليه ، وبما تذكرهم به ، فلما ذا تتألم ~~وتتحسر وتشقي نفسك؟ # ( @QUR@04 إلا تذكرة لمن يخشى ) لأن مشكلة هؤلاء الذين يكفرون ، أو ~~يشركون مع الله غيره في العقيدة ، وفي العبادة ، أنهم يعيشون الغفلة ~~المطبقة التي تمنعهم من الانفتاح على مواقع الوعي واليقظة والتذكر ، مما ~~يجعل الدعوة بمثابة الصدمة التي تكسر الجمود الذي تحجر في أفكارهم ومشاعرهم ~~، ليعودوا إلى أنفسهم وفطرتهم التي تقف بهم في مواجهة المسؤولية أمام الله ~~، في ما ينذرهم به من عقابه ، فتلين قلوبهم بفعل الخشية من الله ، وتطمئن ~~أفكارهم للفكر الذي ينطلق من قلب الوحي ، في ما تحدثت به آيات الله سبحانه ~~من أدلة وبراهين وإيحاءات. # ولعل التعبير بالتذكرة لا يخلو من استعارة لمعنى الوعي ، باعتبار أن ~~الغفلة تضاده ، كما أن النسيان ينافيه. وذلك للإيحاء بأن فكر الإيمان كامن ~~في الأعماق بحيث يعيشه الإنسان في وجدانه بطريقة لا شعورية من خلال الفطرة ~~، تماما ، كما هي الحالة الشعورية للأشياء المعلومة له ، بحيث لو استثاره ~~بطبيعته فإنه يكتشفها من أقرب طريق ، فتتحول مسألة الوعي والانتباه في ~~العمق ، إلى ما يشبه حالة التذكر ، والله العالم. # أما مسألة التأكيد على ( @QUR@02 لمن يخشى ) فلأن الخشية تثير في داخل ~~الإنسان المشاعر القلقة الحائرة التي تبحث عن الأمن والطمأنينة ، ~~والاستقرار الروحي أمام القضايا التي تثيرها الدعوة القرآنية في نفسه ، من ~~خلال علامات الاستفهام المتحركة في وجدانه ، في هذا الموقع أو ذاك ، فيدفعه ~~ذلك إلى التأمل العميق ، والتفكير الجاد ، في الطريق إلى الإيمان .. أما ~~الذي لا يخشى عذاب الله ، فإنه PageV15P091 # يعيش اللامبالاة أمام كل قضايا الفكر والإيمان ، ولذلك فإن التذكير لا ~~يحقق له أي شيء أمام الجمود الفكري المتحجر الذي يعيش في داخله. # ( @QUR@06 تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ) وإذا كان الله هو الذي ~~أنزل القرآن وهو خالق السماوات والأرض ، فإن ذلك يعني أنه قد تنزل ms3547 ممن يملك ~~القوة كلها ، ويسيطر على الكون كله ، ويحيط بكل ما فيه مما يصلح أمر الكون ~~والحياة والإنسان ، مما يعطي للقرآن ، في مفاهيمه وتشريعاته ومناهجه عمق ~~الحقيقة ، وقوة الموقع ، وثبات الخلود ، ويجعل الإنسان يستريح لكل ما فيه ~~في طمأنينة روحية وفكرية راضية. # * * * # ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) # ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) وتأتي كلمة الرحمن لتخفف من تأثير ~~الصفة العظيمة التي تضغط على المشاعر ، في ما توحي به من رهبة وروعة وقوة ، ~~عند ما يقف الإنسان أمام خالق السماوات والأرض ، لتكون صفة الرحمة موحية ~~بالانفتاح الحميم على الله ، بحيث يحس الإنسان أمام الله بالقرب من رحمة ~~الله ولطفه ورضوانه. # والاستواء على العرش ، كناية عن الاستيلاء على السلطة ، في ما تمثله كلمة ~~العرش من الموقع الأرفع والمقام الأعلى الذي يجلس عليه صاحب السلطان ليحكم ~~من خلاله ، وهذا رمز للملك. وهذا المعنى ليس مقصودا بذاته في معناه المادي ~~حتى بالنسبة إلى صاحب الملك في الدنيا ، فإذا قيل إن الملك قد جلس على ~~العرش ، فإنهم يريدون به استيلاءه على السلطة ، كما أن ذلك مستحيل بالنسبة ~~إلى الله ، باعتبار أنه ليس كمثله شيء ، فلا يمكن أن يكون PageV15P092 # جسما ، أو يحتويه مكان ، وهذا ما ورد به الحديث عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام في ما رواه عنه الصدوق في كتاب التوحيد ، قال في حديث طويل : ~~«قال السائل : فقوله : ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) قال أبو عبد ~~الله عليه السلام : بذلك وصف نفسه ، وكذلك هو مستول على العرش ، بائن من ~~خلقه من غير أن يكون العرش حاملا أو حاويا له ، ولا أن يكون العرش حاويا له ~~، ولا أن يكون العرش محتازا له ، لكنا نقول : هو حامل للعرش وممسك العرش ، ~~ونقول في ذلك ما قال : ( @QUR@04 وسع كرسيه السماوات والأرض ) (1) [البقرة ~~: 255]. # وإذا كان العرش يمثل في مضمونه الكنائي الموقع الذي يطل على الكون كله ، ~~فإن الاستواء عليه يمثل الإشراف على مواقع السلطة كلها ، من صغير الأمور ~~وكبيرها ، وقريب الأشياء وبعيدها ، فليس شيء أقرب إليه من شيء ، وكانت نسبة ~~الأشياء إليه على ms3548 حد سواء. وقد لا يكون هناك منطقة كونية تسمى بالعرش ، ~~ولكن ليس من الضروري أن تكون الآية ناظرة إليها ، لأنها تلتقي بالجانب ~~المعنوي منها ، لا بالجانب المادي. # ولعل مثل هذا الاستيحاء الكنائي في الآية لا يدخل في باب التأويل الذي ~~يذهب بعض الناس إلى ضرورة إبعاد القرآن عنه ، لأن ذلك يؤدي إلى جواز تأويل ~~جميع معارف الدين وأحكام الشرع ، وهو قول الباطنية ، بل إن ذلك يندرج في ~~الفهم البلاغي القرآني الذي لا يقتصر على حمل الألفاظ على معانيها اللغوية ~~الحقيقية ، بل يتسع للمعاني المجازية الواردة على طريقة الكناية والاستعارة ~~، على أساس وجود بعض القرائن العقلية واللفظية التي تصرف اللفظ عن ظاهره ، ~~فتكون المسألة من باب رد المتشابه إلى المحكم .. فإذا كان العقل يحيل فكرة ~~جسمية الله وخضوع أفعاله لما يخضع له خلقه في أوضاعهم المادية ، وإذا كان PageV15P093 # القرآن يؤكد أنه ليس كمثله شيء ، سبحانه وتعالى عما يصفون ، فإن ذلك يؤكد ~~المعنى الكنائي الجديد ، في إرادته من اللفظ ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الله المسيطر المطلق على الكون # ( @QUR@012 له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ) ~~ولعل هذه الآية تفصل امتداد هذه السلطة المطلقة وسعتها وعمقها ، فإذا كان ~~الله يملك كل الموجودات الحية والجامدة في السماوات والأرض وفي ما بينهما ، ~~وفي أعماق الثرى ، فإن ذلك يعني سيطرته المطلقة على ذلك كله ، ويفرض على ~~الخلق الذين حملهم المسؤولية ، أن يعيشوا الخضوع لسيطرته فيطيعوه في ما ~~أمرهم به ، وينتهوا عما نهاهم عنه. # ( @QUR@07 وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) وهكذا يتمثل حضور ~~سلطته الإلهية المطلقة في كل موقع من مواقع وجود خلقه ، بحيث يشرف عليه ~~إشرافا مباشرا من دون أن يغيب عنه شيء من أمورهم ، في ما يفعلون ويتكلمون ، ~~فليس هناك شيء أقرب إليه من شيء ، لأن الأشياء تتساوى لديه في جميع شؤونها. ~~وهذا ما يجعل مسألة الجهر بالقول أو الإسرار به ، واحدة في علمه لأنه يعلم ~~السر وأخفى ويسمع وساوس الصدور ، ولا يفوته شيء من كلام عباده مهما كان ~~خفيا في ms3549 مواقع السر العميقة الهامسة. # ( @QUR@05 الله لا إله إلا هو ) فهو وحده الإله الذي يملك الأمر كله ، ~~فلا أمر في حركة الوجود إلا أمره. وهو الذي يملك الكون كله ، فليس هناك أحد ~~إلا هو مملوك ومربوب ومخلوق له .. وتلك هي النتيجة الطبيعية PageV15P094 # لما تقدمت به الآيات السابقة من شمول القدرة والملك ، والربوبية المطلقة. # ( @QUR@03 له الأسماء الحسنى ) بكل دلالتها في صفات الكمال والجلال ~~المطلقة ، في ما يمثله التصور الصحيح للعقيدة الإلهية التوحيدية التي توحي ~~بالتفرد المطلق بالربوبية في كل شؤونها ، بعيدا عن مماثلة المخلوقين في أي ~~شيء من صفاتهم وأوضاعهم. # وهذا هو الأسلوب القرآني الذي يحرك الإيمان بالله في كل موقع من المواقع ~~التي يمكن أن يطل منها الإنسان على الله ، سواء في الحديث عن وحيه ، أم عن ~~مخلوقاته ، بحيث يستحضر ذكر الله في جوانب عظمته ، أو في امتداد ربوبيته ، ~~أو في الانفتاح على عظمته في ذاته المقدسة. فنحن نلاحظ أن الحديث قد انطلق ~~في البداية عن النبي في مسئوليته الرسالية عن الدعوة إلى الله بما أنزل ~~عليه من القرآن الذي كان تنزيلا من الله ، وهكذا بدأ الحديث عن الله في ما ~~يراد له من تأكيد التصور التوحيدي في أكثر من موقع ، لئلا يغيب عن الوجدان ~~في جميع الحالات. # * * * PageV15P095 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وهل أتاك حديث موسى (9) @QUR@018 إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) ~~@QUR@05 فلما أتاها نودي يا موسى (11) @QUR@09 إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى (12) @QUR@05 وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) @QUR@011 ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) @QUR@010 إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) @QUR@010 فلا يصدنك ~~عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) @QUR@05 وما تلك بيمينك يا موسى ~~(17) @QUR@013 قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى (18) @QUR@04 قال ألقها يا موسى (19) @QUR@05 فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى (20) @QUR@07 قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) @QUR@011 ~~واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء ms3550 من غير سوء آية أخرى (22) @QUR@04 لنريك من ~~آياتنا الكبرى ) (23) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آنست ): الإيناس : إبصار الشيء ، آنست : أبصرت. PageV15P096 # ( @QUR@01 بقبس ): القبس : الشعلة من النار على رأس عود. # ( @QUR@01 طوى ): اسم لواد في طور ، قد سماه تعالى بالوادي المقدس. # ( @QUR@01 يصدنك ): الصد : الصرف. # ( @QUR@01 فتردى ): الردى : الهلاك. # ( @QUR@01 أتوكؤا ): الاتكاء على العصا : الاعتماد عليها. # ( @QUR@02 وأهش بها ): الهش : خبط ورق الشجرة وضربه بالعصا ليتساقط على ~~الغنم فيأكله. # ( @QUR@01 مآرب ): جمع مأربة ، وهي الحاجة. # ( @QUR@01 سيرتها ): أي حالها أو طريقتها. # ( @QUR@01 جناحك ): الجناح : جناح الطائر ، واليد والإبط. # ( @QUR@03 من غير سوء ): من غير عاهة أو قبح. # * * * ### ||| ** ( @QUR@04 هل أتاك حديث موسى .. ) في بداية الرسالة؟ # .. وهذا فصل جديد من السورة يتحدث عن قصة موسى عليه السلام في نطاق حركة ~~التوحيد الإلهي في مسيرة النبوات ، وفي رعاية الله للأنبياء بالتأييد ~~واللطف ، ليمنحهم وسائل القوة التي يستطيعون من خلالها أن يثبتوا أقدامهم ~~على أرض صلبة ، في مواجهة كل عوامل الاهتزاز والتهويل ، وذلك بالوسائل ~~الغيبية التي تنطلق في مستوى القوة المضادة لتحقيق التوازن في البداية ~~لإفساح المجال للحركة أن تسير بواقعية وأمان ، ثم الانعطاف على الوسائل ~~العملية PageV15P097 # الإنسانية التي تكمل الطريق من خلال نقاط الضعف والقوة ، تبعا للظروف ~~الواقعية التي تتحرك على صعيد الواقع. # وإننا نعرف الغني الروحي والرسالي في قصة موسى ، في ما تشتمل عليه من ~~عناصر متنوعة تتصل بالشخص الداعية ، والشخصيات المضادة ، والتحديات الصعبة ~~، والمجتمع المعقد الجاهل الذي انطلقت الرسالة من أجل إنقاذه ، فتحول إلى ~~مجتمع ضاغط على حركتها التغييرية في المستقبل ، وأصبح مثيرا للمشاكل في ~~ساحتها أكثر مما أثاره خصومها وأعداؤها. # وربما كانت حركة القصة في السورة منسجمة مع البداية التي أرادت أن تركز ~~في وعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الابتعاد عن الشعور بالإحباط أمام ~~حالات التمرد والجحود ، لأن مهمته هي إبلاغ الرسالة للتذكير والتوعية. ~~وتبقى للظروف الموضوعية مسألة الامتداد أو التراجع ، في ما تحمله من نقاط ~~القوة ، وتبقى إرادة الله فوق ذلك ، في ما اقتضت حكمته أن تسير الأمور وفق ~~السنن الكونية التي أودعها في النظام الكوني للحياة وللإنسان. # إن القصة ms3551 تريد أن تطرح حركة موسى في الدعوة ، كتجربة رسالية رائدة في ~~طبيعة مواقع القوة المتحدية ، وفي نوعية المشاكل المتحركة في الساحة من ~~الداخل والخارج ، لتكون درسا للعاملين في خط الدعوة إلى الله ، لينظروا إلى ~~المسألة بطريقة واقعية ، وليعرفوا أن المعجزة عند ما تحدث فإنها لا ترافق ~~الرسالة في جميع المراحل ، بل تعمل على منحها الثبات في البداية ، ليتم ~~استكمال نشرها بالوسائل البشرية في المراحل الباقية في الطريق إلى الهدف. # ( @QUR@04 وهل أتاك حديث موسى ) كيف عاش التجربة الأولى ، وكيف اتصل ~~بالله سبحانه في أول انطلاقته الرسالية ، وهل أتاك حديثه في مواجهته لفرعون ~~، ولقومه من بعده وكيف واجه الصعوبات التي أثقلت روحه ، دون أن تحطم إرادته ~~في مواصلة المسيرة؟ PageV15P098 # ( @QUR@03 إذ رأى نارا ) من بعيد ، وكانوا بحاجة إليها للاصطلاء بها ~~وتحصيل الدفء في تلك الليلة الباردة ، ( @QUR@06 فقال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا ) لأذهب إليها ( @QUR@04 لعلي آتيكم منها بقبس ) للدفء ، ( ~~@QUR@05 أو أجد على النار هدى ) للسؤال عندها عن الطريق فقد يكون هناك أناس ~~متواجدون عندها. وذهب موسى إلى هناك ، وكانت المفاجأة. ( @QUR@05 فلما ~~أتاها نودي يا موسى ) وكان الصوت يأتيه بطريقة غير عادية ، فليس هناك شخص ~~يتحدث أمامه ، ولكن الصوت مسلط عليه من كل مكان حتى ليهتز كيانه معه ~~ليتساءل بعمق وحيرة .. من هو؟ ومن أين ، وكيف؟ ( @QUR@03 إني أنا ربك ) ~~وكانت الدهشة التي توحي بالرهبة ، وتؤذن بالخطورة ... إنه صوت الله .. إن ~~الله يكلمه من دون وسيط .. إنه الصوت الإلهي الذي ينفذ إلى كل روحه وقلبه ~~وضميره .. إنها الإشراقة الروحية التي تفيض عليه فيسبح في بحار النور ~~المائج بالرحمة واللطف والرضوان .. وأصغى بكل كيانه في انتظار ما هناك ، ~~ماذا يريد الله منه ..؟ وعقدت المفاجأة لسانه ... # * * * ### ||| ** حوار الوادي المقدس # ( @QUR@06 فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ) إن لهذا الوادي قدسيته ، ~~فلا بد لك أن تحترمه ، في مظهر تقديس يحترم الحضور الإلهي من خلال الصوت ~~الذي كلم موسى وأحاط به من كل مكان قائلا له : ( @QUR@03 إني أنا ربك ) فلا ~~يكن عندك موقع للشك ... وتفرض الحقيقة نفسها عليه فيطمئن ويهدأ ms3552 ويتابع ~~الاستماع بلهفة وشوق : ( @QUR@02 وأنا اخترتك ) لتكون رسولا من قبلي إلى ~~فرعون لتقوده إلى الإيمان ولتردعه عن الطغيان ، وإلى هذا الشعب الذي عاش ~~العبودية في عمق ذاته حتى أصبحت جزءا من كيانه ، بما يقدمه من فروض الطاعة ~~لمستعبديه دون إحساس بضرورة الثورة أمام المستعبدين لنيل الحرية التي PageV15P099 # تستقيم من خلالها إنسانيتهم. وأنا اخترتك لتكون رسولا إلى الحياة كلها ، ~~ليستقيم لها الطريق من خلال رسالتك وشريعتك ، ولتنتظم خطواتها في الخط ~~المستقيم. # ( @QUR@03 فاستمع لما يوحى ) وافتح قلبك لآياته ، وعقلك لأفكاره ، وسمعك ~~لكلماته .. وروحك لإحساساته .. وأعطه كل كيانك لتستوعبه كحقيقة وجدانية لا ~~مجال فيها لأي شك أو زيغ أو انحراف. # ( @QUR@07 إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) إنها الحقيقة الساطعة التي يشع ~~نورها على الوجود كله. إنها فكرة التوحيد التي تؤكد على وحدانية الخالق ~~الذي هو الله لا إله إلا هو ، وقد جاءت الرسالات لتعمقها في وجدان الإنسان ~~وعقله ، ليكون التصور للمسألة الإلهية صافيا نقيا في العمق التوحيدي بحيث ~~يمتزج الجانب العقلي بالجانب الوجداني الشعوري. # ( @QUR@04 فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) وهذا هو الخط الثاني العملي ~~للمسألة التوحيدية في العقيدة بما يمثله توحيد العبادة لله ، بالتزام ~~أحكامه في الجانب التشريعي من حياتهم ، والتزام مفاهيمه في الجانب الفكري ~~من ثقافتهم ، والتزام منهجه في الأسلوب العملي لحركتهم ، مما يجعل حركة ~~الإنسان في الحياة منسجمة مع حركة العقيدة في الداخل ، لأن الإخلاص في ~~التوحيد يفرض التحرك في خطين ، خط العقيدة ، وخط العمل. # وفي هذا الجو تأتي إقامة الصلاة لتحقق القوة الروحية التي ترتفع بالإنسان ~~إلى الله ليعيش عروج الروح إلى قدسه ، من خلال الجو الإيماني الذي يعيشه ~~الجسد في حركة العبادة ، مما يؤدي به إلى الإحساس بحضور الله في وعيه ~~ووجدانه ، بحيث يرى الله في كل شيء فيذكره في كل موقف .. # وهذا هو الوحي الأول الذي أوحى به الله إلى موسى عليه السلام ليكون عنوان ~~الرسالة في خطوطها التفصيلية الفكرية والعملية ، ليعرف من خلال نقطة PageV15P100 # البداية التي تحدد له خط السير ، لتلمس ملامح خط النهاية ، تماما ، كما ~~هو ms3553 المفهوم من الآية الكريمة : ( @QUR@07 إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا ) [فصلت : 30]. # ( @QUR@05 إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) وهذا هو الوحي الثاني الذي يضع ~~المسألة في دائرة المسؤولية ، من خلال الموعد الذي حدده الله ، والنتائج ~~التي تنتظر الإنسان هناك ، وهو يوم القيامة الذي يعبر عنه بالساعة التي لم ~~يبينها الله للإنسان ، ( @QUR@05 لتجزى كل نفس بما تسعى ) في ما تقدمه من ~~أعمال الخير التي تنال بها رضا الله ، وأعمال الشر التي تستنزل عقابه. # ( @QUR@07 فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ) ممن يعيش العمر في الدنيا ~~باعتبارها نهاية المطاف ، أو الفرصة الأولى والأخيرة ، فيعمل على ممارسة ~~الضغوط الفكرية والنفسية والعملية ، للوقوف في وجه الالتزام الفكري والعملي ~~بالخط الإيماني الذي يطل على الدار الآخرة في عملية اقتناع وإيمان ، ~~والحؤول دون الوصول به إلى نتيجة حاسمة في حركة الإنسان والحياة. إن مثل ~~هذا النموذج من الناس لا يمثل قيمة كبيرة في ميزان التقييم الاجتماعي على ~~مستوى الحق والواقع ، لأن عدم الإيمان ليس ناشئا من حالة فكرية مضادة ، بل ~~هو ناشئ من حالة مزاجية معقدة ، وقلق ذهني ساذج ، ونزعة شهوانية منحرفة. ~~فقد ركب رأسه ( @QUR@02 واتبع هواه ) فكان مقياسه للرفض وللقبول في مواقفه ~~، ما يقوده إليه هوى النفس بعيدا عن العقل ، فلا تستسلم لأساليبه ، ( ~~@QUR@01 فتردى ) لأنه يصل بك إلى الهلاك المحتوم في قضية المصير. # وها هي المفاجأة الثانية التي تعطيه الدليل على أن الرسالة تنتظره في ~~مواقع التحديات،. وأن الله لن يتركه وحده ، بل سيؤيده ويدعمه بقوة عجيبة لا ~~يثبت أمامها أي شيء. ( @QUR@05 وما تلك بيمينك يا موسى ) ولم يكن السؤال ~~استفهاما لمعرفة الحقيقة الكامنة في صعيد الواقع ، لأن المسألة ليست غامضة PageV15P101 # بالمستوى الذي تحتاج المعرفة فيها إلى سؤال ، بل هي على العكس من ذلك ، ~~واضحة من دون شبهة ، لأنها تمثل الصورة الحسية البارزة للعيان ، مع ملاحظة ~~طبيعية وهي أن السائل هو الله الذي يعلم كل شيء ولكن السؤال كان من أجل أن ~~يكون جسرا يتحرك فيه الحديث الذي يؤدي إلى الحوار. # ( @QUR@05 قال هي عصاي أتوكؤا عليها ms3554 ) عند ما يثقلني الجهد ، ويضعفني ~~التعب ، ( @QUR@04 وأهش بها على غنمي ) أي ، أجعلها وسيلة لإطعامها ، من ~~خلال خبط ورق الشجر وضربه بالعصا ليتساقط على الغنم فيأكله ، ( @QUR@04 ولي ~~فيها مآرب أخرى ) مثل الدفاع بها عن النفس أو عن الآخرين الذين تتصل ~~مسئوليتي بحياتهم العامة والخاصة أو غير ذلك .. # * * * ### ||| ** اكتشاف المعجزة # ( @QUR@04 قال ألقها يا موسى ) لتكتشف في ذلك شيئا جديدا لم تكن تتصوره ، ~~( @QUR@05 فألقاها فإذا هي حية تسعى ) وكانت هذه أول دلالة لموسى ~~عليه السلام على أن هناك حدثا يتجاوز المألوف قد دخل حياته. فكيف حدث كل هذا ~~التطور في لحظات ، وكيف تحولت العصا الجامدة اليابسة إلى حياة تتحرك في ~~صورة أفعى؟ وبدأ الخوف الغريزي يدب إلى قلبه من هذه الأفعى التي قد تؤذيه ~~أو تهجم عليه ، ( @QUR@04 قال خذها ولا تخف ) فلن تؤذيك لأن المسألة ليست ~~مسألة حية يراد لها أن تعيش في الأرض كبقية الحيات ، ولكن أريد لها أن تؤدي ~~دورا سريعا ، لتحقق انطباعا معينا ، ولتواجه تحديا ضاغطا ، ( @QUR@03 ~~سنعيدها سيرتها الأولى ) لترجع ، كما كانت ، مجرد عصا جامدة تتوكأ عليها ~~وتهش بها على غنمك وتمارس فيها مآربك الأخرى. وكانت هذه هي العلامة الأولى. # ( @QUR@04 واضمم يدك إلى جناحك ) أي تحت إبطك ، ( @QUR@02 تخرج بيضاء ) ~~في نقاء PageV15P102 # البياض وإشراقه ، ( @QUR@03 من غير سوء ) أي من غير مرض أو عاهة كالبرص ~~ونحوه ، ( @QUR@02 آية أخرى ) وهذه هي العلامة الثانية التي تدل على ~~الرسالة التي أو كل الله إلى موسى عليه السلام التحرك في مواقعها. # ( @QUR@04 لنريك من آياتنا الكبرى ) التي ستكون التحدي الكبير لما قد ~~تصادفه من ضغط وإنكار وجحود وتمرد .. ، لتنطلق إلى المهمة الصعبة بقلب قوي ~~ثابت ، لا تهزه كل التهاويل المحيطة به ، الضاغطة عليه. # * * * PageV15P103 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) @QUR@05 قال رب اشرح لي صدري (25) ~~@QUR@03 ويسر لي أمري (26) @QUR@04 واحلل عقدة من لساني (27) @QUR@02 ~~يفقهوا قولي (28) @QUR@05 واجعل لي وزيرا من أهلي (29) @QUR@02 هارون أخي ~~(30) @QUR@03 اشدد به أزري (31) @QUR@03 وأشركه في أمري (32) @QUR@03 كي ~~نسبحك كثيرا (33) @QUR@02 ونذكرك كثيرا (34) @QUR@04 إنك كنت بنا بصيرا ~~(35) @QUR@06 قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) @QUR@05 ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى (37) @QUR@06 إذ ms3555 أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) @QUR@022 أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) @QUR@035 إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم ~~على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من ~~الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) ~~@QUR@02 واصطنعتك لنفسي ) (41) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 اشرح لي صدري ): شرح الصدر : توسيعه. PageV15P104 # ( @QUR@01 واحلل ): الحل : ضد العقد. # ( @QUR@01 عقدة ): العقدة : جملة مجتمعة يصعب تفكيكها. # ( @QUR@01 يفقهوا ): يفهموا. # ( @QUR@01 أزري ): الأزر : الظهر. # ( @QUR@01 بصيرا ): عالما. # ( @QUR@01 سؤلك ): مطلوبك. # ( @QUR@01 مننا ): أنعمنا. # ( @QUR@01 أوحينا ): ألهمنا. # ( @QUR@03 فاقذفيه في اليم ): اطرحيه في البحر. # ( @QUR@01 وفتناك ): ابتليناك واختبرناك. # ( @QUR@02 واصطنعتك لنفسي ): جعلتك موضع صنيعتي وإحساني. # * * * # ( @QUR@03 اذهب إلى فرعون ) # ( @QUR@05 اذهب إلى فرعون إنه طغى ) في نظرته إلى نفسه ، فرأى نفسه إلها ~~أو شبه إله ؛ وفي نظرته إلى الناس ، فرآهم عبيدا له أو أقل من العبيد ؛ وفي ~~نظرته إلى الله سبحانه فأنكره وتمرد عليه واستخف بالعقيدة التي ترتبط به ~~وتشير إليه. # ولكن موسى يشعر بثقل المهمة الملقاة على عاتقه ، وضخامة المسؤولية في ما ~~تمثله من التحدي المضاد في عملية الصراع التي يخوضها في مسيرة PageV15P105 # الرسالة ، لا سيما وأن الشخص المعنى بالمسألة الرسالية هو فرعون الطاغية ~~الذي كان يستعبد المجتمع كله من حوله ، وكان المجتمع يخضع له في ذلك ، ولا ~~يفكر أن يثور في وجهه. وجاءت رسالته تستهدف تغيير المفاهيم العقيدية ~~والقانونية والأخلاقية بالطريقة التي تختلف فيها اختلافا كليا مع مفاهيم ~~العامة والخاصة من الناس ، فكيف يمكن أن يقوم بالعبء وحده؟ ( @QUR@05 قال ~~رب اشرح لي صدري ) وافتحه على كل القضايا التي تواجهه في الدعوة وفي ساحة ~~الصراع ، واجعلني أواجه الموقف برحابة الصدر ، وسعة الخلق ، ومرونة الفهم ، ~~وانفتاح الوعي ... ، فلا أضيق بأية مشكلة وأي موقف ، ولا أتعقد من أي شخص ~~في ما يثيره من إرباك وتعقيد ، ( @QUR@03 ويسر لي أمري ) في كل مواطن العسر ~~لأستطيع أن أقوم بهذه الرسالة من دون صعوبة تذكر. # ( @QUR@06 واحلل عقدة من لساني* يفقهوا قولي ) فقد ms3556 كان يعيش حبسا في ~~لسانه بحيث يمنعه من الطلاقة التي تفصح الكلمة بحيث يفهم الناس ما يريد أن ~~يقوله ، لأن الرسالة تتصل بطريقته في التعبير عنها. # وتلك هي مشكلته التي أراد العون من الله على تجاوزها وتسهيل صعوباتها ، ~~في ما يريد أن يمارسه من جهد ذاتي ، ( @QUR@013 واجعل لي وزيرا من أهلي* ~~هارون أخي* اشدد به أزري* وأشركه في أمري ) لأن المهمة تحتاج إلى جهد آخر ~~يشترك مع جهده في الدعوة والحركة والانطلاق ، ليعاون أحدهما الآخر في ما ~~يمكن أن يواجههما من مشاكل وقضايا وصعوبات ، خصوصا في جانب الدعوة التي ~~تتطلب طبيعة خاصة للكلمة والمنهج والأسلوب ، حيث يتمتع هارون بمميزات جيدة ~~لأن لسانه أفصح من لسان موسى ، كما جاء في سورة أخرى ، وتلك هي الروح ~~المتواضعة الجادة التي تدرس حجم المسؤولية ، وحجم إمكاناتها ، فإذا رأت ~~بعضا من الخلل الذي قد يصيب المسؤولية أمام ضعف الإمكانات ، فإنها لا تتعقد ~~ولا تهرب من الواقع ، لتلجأ إلى الذات في عملية استغراق في الإيحاء بالقدرة ~~الشاملة غير الموجودة لينعكس ذلك سلبا على حركة الموقف العملي ، PageV15P106 # بل تعمل على أن تستكمل القوة من جانب آخر ، لمصلحة العمل المسؤول. وهذا ~~ما فعله النبي موسى عليه السلام عند ما أراد من الله أن يجعل له شريكا في ~~أمره ، لأنه يعيش بعض نقاط الضعف التي يملك فيها هرون نقاط قوة .. # وهذا ما يجب على العاملين في سبيل الله ، أن يواجهوه في ما يتحملونه من ~~مسئوليات ، ليخلصوا للدور العملي في استكمال كل الإمكانات التي يحتاجونها ، ~~ولو كانت لدى الآخرين ، لأن ما نعانيه في ساحة العمل هو أن بعض العاملين قد ~~يدفعهم الشعور الأناني بالعظمة الفارغة ، فيسيئون إلى مسئولياتهم ، لأنهم ~~لا يريدون الاعتراف بالحجم المحدود لقدراتهم ، وبالإمكانات المتوفرة لدى ~~الآخرين. # وهكذا انطلق موسى عليه السلام ليعلن موقفه أمام الله في ما يريد أن يقوم ~~به مع أخيه ، بعد صدور الأمر الإلهي لهما بالانطلاق معا في دور النبوة ، ( ~~@QUR@05 كي نسبحك كثيرا* ونذكرك كثيرا ) في ما يوحي به التسبيح من تعظيم ~~لله في ms3557 المواقف العامة والخاصة التي يتحركان فيها ليثيرا عظمة الله في حياة ~~الناس ، وفي ما يوحي به ذكر الله من الإحساس بحضوره الدائم في الوعي ~~الإنساني في حركة المسؤولية ليلتزم بأوامره ونواهيه ، ولينضبط في ما يفرض ~~عليه من مواقف والتزامات ، ( @QUR@04 إنك كنت بنا بصيرا ) في ما نملك من ~~قدرات محدودة ، وفي ما نتطلع إليه للحصول على رضاك من خلال الالتزام بما ~~توحي إلينا به من وصايا وتعاليم. ( @QUR@06 قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ) ~~فقد استجاب الله طلبك ، وجعل هرون وزيرا لك من موقع المسؤولية ، وشريكا في ~~أمرك في خط النبوة .. # * * * PageV15P107 ### ||| ** النبوة .. والضعف البشري # وقد نلاحظ في هذه القصة ، أن النبوة لا تتنافي مع الضعف البشرى الذي قد ~~يعيشه النبي ويعترف به ، فيطلب إلى الله أن يقويه بإنسان آخر عليه ، لأداء ~~مهمته كما ينبغي ، مما يوحي بأن الجانب الغيبي لا يتدخل في تضخيم شخصية ~~النبي على حساب بشريته العادية ، بل يترك المسألة للطبيعة البشرية لتتكامل ~~بطريقة عادية ، وهذا ما قد يحتاج إلى مزيد من الدراسة في ما يطلقه علماء ~~الكلام حول صفات النبي ، بأن يكون أعلم الناس وأشجعهم وأكملهم في المطلق. ~~فإن تأكيد القرآن على نقاط الضعف في شخصية الأنبياء ، لا سيما في شخصية ~~موسى عليه السلام قد توحي بما لا يتفق مع ذلك. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام في اليم # ( @QUR@05 ولقد مننا عليك مرة أخرى ) في ما أراده الله لك من رعاية ~~وعناية ، فقد رعاك بلطفه ومحبته في بداية ولادتك في الوقت الذي كان فرعون ~~يذبح أطفال بني إسرائيل ( @QUR@06 إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ) فألهمناها ~~إلهاما أودعناه في وعيها من هذه الفكرة الغريبة الخطرة التي لا يمكن أن ~~تخطر لها على بال ، لأن الأم لا يمكن أن تدفع عن ولدها الخطر بخطر آخر ، ( ~~@QUR@04 أن اقذفيه في التابوت ) وأغلقيه عليه إلا قليلا ، ( @QUR@03 ~~فاقذفيه في اليم ) في ماء النهر ، أو البحر ، ( @QUR@03 فليلقه اليم ~~بالساحل ) بفعل الأمواج ، أو اندفاع التيار في اتجاه الساحل ، ( @QUR@05 ~~يأخذه عدو لي وعدو له ) وهو فرعون ، فتكون قد وقعت في ما ms3558 هربت منه. ولكن ~~هذا الوحي الإلهي قد خلق عندها نوعا من الطمأنينة النفسية ، تماما كما يحدث ~~للإنسان عند ما يخضع PageV15P108 # لفكرة معينة بشكل لا شعوري ، فيستسلم من دون أن يعرف لماذا حدث ذلك ، ~~وكيف تحرك في هذا الاتجاه. وهكذا كانت أم موسى واقعة تحت تأثير هذا الهاجس ~~الروحي الذي صور لها المسألة بتفاصيلها المحتملة التي تؤدي إلى الشعور ~~بالأمان في ما يمكن أن يتطور إليه أمر ولدها موسى باتجاه الأمان ، الذي ~~يوحي به القرآن .. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام في بيت فرعون # ( @QUR@04 وألقيت عليك محبة مني ) فقد أبصره فرعون ، وأمر خدمه أن يأتوا ~~به إليه عند ما وقف التابوت في زاوية من الشاطئ. وما إن أبصره حتى وقع حبه ~~في قلبه ، وبدأ الاستعداد لتدبير من يكفله ويحضنه ويرعاه ويربيه. # ( @QUR@03 ولتصنع على عيني ) أي ليكون صنع شخصيتك ، ونمو تربيتك ، وحركة ~~حياتك تحت رعاية الله ، وبعينه التي تلاحقه في كل أجواء طفولته الأولى ، في ~~ما أوحى به إلى أمه من تدابير الإنقاذ ، وما أودعه من محبة له في قلب فرعون ~~الذي لم يعرف قلبه الحب للطفولة البائسة المعذبة في شعبه ، وفي ما يدبره له ~~من رجوع كريم إلى أمه من جديد. # ( @QUR@03 إذ تمشي أختك ) فتدخل إلى بيت فرعون كإنسانة عادية لا علاقة ~~لها بالصبي ، فتجد القوم مشغولين به ، متسائلين عن المرأة الصالحة لرعايته ~~وكفالته ، فتستفيد من هذه الحالة الحائرة لتوجيه الاهتمام إلى أمه ، ~~باعتبارها الإنسانة القادرة على إرضاعه والعناية به .. ( @QUR@06 فتقول هل ~~أدلكم على من يكفله ) قالتها ، بكل عفوية ، لتوحي إليهم بأن المسألة لا ~~تعدو أن تكون مجرد اقتراح PageV15P109 # بريء. وهكذا تقبل القوم الاقتراح بكل بساطة ، ( @QUR@08 فرجعناك إلى أمك ~~كي تقر عينها ولا تحزن ) لتعود إليها بصفة جديدة ، وهي صفة المرضعة المربية ~~التي تملك حرية التصرف في ظل الرعاية والحماية الرسمية التي تبتعد به عن ~~نقطة الخطر ، وتمنحه إمكانية العيش الرغيد .. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام في خضم التجربة # ومرت الأيام .. ونشأ موسى قويا في بدنه ، جريئا في موقفه ، شجاعا في ~~حركته ، وجاءت المشكلة التي اصطدم ms3559 بها بشخص من قوم فرعون فقتله ، وعاش حياة ~~التشرد من خلال ذلك خوفا من مطالبتهم له بدمه ، ( @QUR@05 وقتلت نفسا ~~فنجيناك من الغم ) الذي كان يثقل صدرك ، في ما كنت تعيشه من قلق وحيرة وخوف ~~، ( @QUR@02 وفتناك فتونا ) أي واختبرناك اختبارا في ما ابتليناك به من ~~أحداث وأوضاع تثير المشاكل في حياتك ، وتعرضك للأخطار ، وجعلناك تعيش أكثر ~~من تجربة قاسية من أجل أن يشتد عودك ، وتقوى إرادتك ، وينمو عقلك من قلب ~~الأحداث الصعبة. # وتلك هي الفكرة الإيمانية القرآنية التي تعتبر الفتنة التي يفتن بها ~~الإنسان المؤمن في حياته ، في ما يواجه من بلاء وخطر وخوف ، امتحانا ~~واختبارا من أجل التدريب على مواجهة الصعوبات والخروج منها بقوة وسلام ، ~~للوصول إلى النتيجة المطلوبة الحاسمة ، وهي إعداد الإنسان المؤمن القوي ~~الذي لا يواجه الحياة من موقع السهولة والاسترخاء ، بل من موقع الصعوبة ~~والمسؤولية ، ليكون أقدر على حمل الرسالة ، ومواجهة التحديات أمام الأعداء. PageV15P110 # ( @QUR@05 فلبثت سنين في أهل مدين ) وهي المدينة التي وصلها عند خروجه ~~هاربا من ملاحقة السلطات الفرعونية له ، بعد أن قتل الفرعوني القبطي ، ~~والتقى بها شعيبا النبي عليه السلام الذي رعاه واستقبله بكل رحابة وإكرام ، ~~وزوجه ابنته واستطاع أن يكتسب في هذه المرحلة الكثير من الدروس في ما تعلمه ~~من شعيب وفي ما مر به من تجارب. # ( @QUR@06 ثم جئت على قدر يا موسى ) في ما قدره الله وخططه لك من هذه ~~المرحلة الصعبة من حياتك ، التي استكملت فيها عناصر شخصيتك القوية بعد كل ~~هذه الابتلاءات العظيمة ، ليجعلك صالحا لحمل الرسالة بكفاءة وقوة ، ( ~~@QUR@02 واصطنعتك لنفسي ) فأخلصتك لنفسي في ما أحسنت به إليك من اللطف ~~والرعاية لفكرك وروحك ، وخطواتك العملية في الخط المستقيم في الحياة ، ~~لتكون الرسول الذي يحمل رسالتي إلى الناس من موقع الإخلاص الروحي الكبير. # * * * PageV15P111 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) @QUR@05 اذهبا ~~إلى فرعون إنه طغى (43) @QUR@08 فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~(44) @QUR@010 قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) @QUR@07 ~~قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ms3560 (46) @QUR@021 فأتياه فقولا إنا رسولا ~~ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على ~~من اتبع الهدى (47) @QUR@010 إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ) (48) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ولا تنيا ): ونى في الأمر ، يني ونيا : وونيا ووناء وونى : ~~فتر ، وضعف. # ( @QUR@01 يفرط ): الفرط : التقدم. والمراد به هنا أن يعجل علينا ~~بعقوبته. # * * * ### ||| ** دعوة فرعون لعبادة الله # .. وجاء التكليف الإلهي المباشر لموسى وهارون بالتحرك من أجل حمل الرسالة ~~بشكل حاسم إلى فرعون ، لدعوته إلى الإيمان بالله والالتزام PageV15P112 # بأوامره ونواهيه ... وكان النداء الأول موجها إلى موسى باعتباره النبي ~~الأصيل ، بينما كان هارون نبيا في موقع الوزارة له .. # ( @QUR@04 اذهب أنت وأخوك بآياتي ) التي أنزلت عليك قسما منها وستتلوها ~~الآيات الأخرى ، ( @QUR@04 ولا تنيا في ذكري ) أي لا يعتركما الفتور والوهن ~~في ذكري ، في ما يمثله ذكر الله من الدعوة إلى الإيمان في خط الصراط ~~المستقيم الذي يقود عباده المؤمنين إليه ، وفي ما يوحيه في وعيهما الفكري ~~والروحي ، ليستمدا منه القوة على مواصلة الجهد ، وتحمل الصعوبات ، ~~وليراقباه في كل موقف من مواقف المسيرة التي تدفع للقلق وللاهتزاز في مواقع ~~الزلزال النفسي والعملي. # وهذا هو ما يحتاجه كل داعية في مسيرة الدعوة إلى الله ، على مستوى الجهاد ~~الفكري ، أو على صعيد الجهاد العملي الحركي وذلك بأن ينفتح على الله في عمق ~~فكره وشعوره ، ليبقى مرتبطا بالهدف الذي يتحرك نحوه وهو رضا الله ، لأن ~~الاستغراق في العمل الحركي قد يجعل الإنسان مشدودا إليه بحيث ينسى الغاية ~~في حركة الوسيلة ، وربما انحرف عن بعض خصوصيات المسؤوليات الشرعية في ~~الممارسات العملية في نظرته الذاتية إلى طبيعة العمل والعلاقات ، ولكي لا ~~تتحول حركة الدعوة إلى حالة صنمية في الوعي الحزبي أو الطائفي ، في الدائرة ~~الفكرية أو الشعورية. # ( @QUR@05 اذهبا إلى فرعون إنه طغى ) فادعى الربوبية لنفسه ، واستعبد ~~الناس ، ومضى يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، ويعيث في الأرض فسادا هو ~~وحاشيته المنحرفة الطاغية. ولما كان هذا الطغيان ناشئا من الجهل بحقائق ~~الأمور في ما ينبغي للإنسان أن يحمله من فكر ms3561 ، أو يعتنقه من عقيدة ، ومن ~~الغفلة عن الإيمان بالله الواحد القادر الحكيم الخالق الذي هو مالك ~~السماوات والأرض ، ومالك الموت والحياة ، الذي يجعل الإنسان مستغرقا في ~~ذاته ، وفي عناصر القوة الذاتية ، وفي مظاهر العظمة المادية المحيطة به ، ~~فيتعاظم في درجات الغرور PageV15P113 # حتى ليخيل إليه أنه في مواقع الآلهة ، لا سيما إذا عاش في مجتمع يعيش ~~الانسحاق أمام مظاهر العظمة المادية لدى هؤلاء. ولهذا كان من الضروري ~~للرساليين أن يخططوا في الدعوة ، من أجل تغيير المفهوم المنحرف لدى هؤلاء ، ~~لتتغير القاعدة الفكرية التي ينطلقون منها في ما يفكرون وفي ما يتحركون. ~~ولا بد في هذا المجال من دراسة أفضل الأساليب الفنية للخصائص الفكرية ~~والروحية من أجل تحقيق الاتصال الهادىء الذي ينفذ إلى القلب بمرونة ، بعيدا ~~عن كل عوامل الإثارة القاسية التي تشبه الصدمة القوية المضادة ، لأن ~~الأسلوب هو العنصر الحيوي في تحريك الفكر والشعور ، نحو الارتباط بالقناعات ~~الرسالية ، لأنه هو الذي يهيئ الجو النفسي للانسجام مع الفكرة في خطواتها ~~العملية ، ولهذا أكد الله سبحانه لهما أن عليهما أن يختارا الأسلوب اللين ~~في الكلمة والجو ، والابتعاد عن طبيعة الإثارة في ذلك ( @QUR@04 فقولا له ~~قولا لينا ) لا خشونة فيه ولا عنف ، ولا إثارة ، ( @QUR@02 لعله يتذكر ) ~~عند ما يقوده الأسلوب الحكيم إلى التفكير ( @QUR@02 أو يخشى ) عند ما تثير ~~فيه الذكرى الخوف أمام قضية المصير في ما ينتظره من عذاب الله. # * * * ### ||| ** أسلوب موسى عليه السلام في الدعوة إلى الله # وربما يوحي التحدث عن الغاية بكلمة ( @QUR@01 لعله ) بالترقب لحصول ~~التذكر والخشية ، انطلاقا من دراسة طبيعة تأثير الأسلوب في النتيجة ، بعيدا ~~عن الجانب الذاتي الخاص في الشخص المدعو ، فإن الأساليب الرقيقة الهادئة ~~التي تتعامل مع الأشخاص من موقع الدراسة الواعية لكل العوامل المؤثرة في ~~أفكارهم ومشاعرهم ، لا بد أن تؤدي إلى النتائج المرجوة. # وعلى هذا الأساس فإن المسألة لا تخرج عن طبيعتها ، بوجود بعض العوامل ~~المعاندة في حياة هذا الشخص أو ذاك .. لأن المبدأ يبقى قائما في PageV15P114 # علاقة النتائج بالمقدمات ، بنسبة غالبة. # وقد لا يرد في هذا ms3562 المجال الاعتراض الذي يقول كيف يقدم الله المسألة ~~بأسلوب الترقب الذي يعني إمكانية التذكر والخشية من قبل فرعون ، مع أن الله ~~يعلم بأن فرعون لا يقبل الانفعال بالكلمات الهادئة الرسالية التي يلقيها ~~موسى وهارون عليه .. # إن المسألة ، في ملاحظتنا للموضوع ، هي أن الترجي كان بلحاظ طبيعة ~~الأسلوب لا بلحاظ خصوصية الشخص والموقع ، والله العالم. # ( @QUR@010 قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ) وكانت قوة ~~فرعون وسطوته وجبروته في وعيهما ، حيث عاشاه في الواقع الظالم القاسي الذي ~~كان يمثل الظلم كأبشع ما يكون ، والطغيان كأقسى ما يكون. ولذلك فقد كانا ~~يخافان ألا يستمع إليهما ولا يستقبلهما ، لأنهما لا يملكان أمامه أي موقع ~~اجتماعي متقدم ، يسمح لهما بمقابلته والجلوس إليه ، فكيف يتمكنان إذا من ~~مواجهته بالموعظة والنصح والدعوة إلى الإيمان ، وما يستلزمانه من التنازل ~~عن امتيازاته؟ لقد كانت التجربة شبه مستحيلة ، ولهذا أعلنا خوفهما هذا أمام ~~الله بأن يتقدم إليهما بالعقوبة ، ويطردهما ولا يسمح لهما بالحديث وإتمام ~~الدعوة ، وتقديم الحجة ، أو يتجاوز الحد في ظلمه لهما أو لقومهما باللجوء ~~إلى وسائل ضاغطة قاسية. # وربما أثار بعض المفسرين الرأي القائل ، إن هذه الآية لا تنسجم مع الجو ~~الذي توحي به آية سورة القصص : ( @QUR@09 سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطانا فلا يصلون إليكما ) [القصص : 35] إذ إنها توحي بأن الله قد أعطاهما ~~الأمان في مثل هذا الموقف فكيف يخافان بعد ذلك؟ والجواب أن آية القصص تمثل ~~اختصار الموقف الذي فصلته هذه الآية على الطريقة القرآنية التي تشير إلى ~~جزئيات الموقف في مورد ، وتهمله في مورد آخر ، وربما كان الأمر PageV15P115 # بالعكس بأن كانت هذه الآية تصويرا للحالة النفسية التي يعيشانها في ~~مواجهة الموقف ، لتكون الآية الأخرى تقريرا للموقف في طبيعته ، فتكون ~~المسألة هنا مسألة اختلاف في الأسلوب. وقد أجاب بعضهم بأن خوفهما في تلك ~~الآية على نفسيهما ، وفي هذه الآية على الدعوة ، أو على قومهما ، وهو غير ~~ظاهر ، لأن الظاهر أن الموقف واحد في الآيتين. والله العالم. # * * * ### ||| ** الله يشدد عزم موسى عليه السلام وهارون ms3563 # ونلاحظ في هذه الآية نقاط الضعف البشرى التي يعيشها النبي والتي تتحرك في ~~شخصيته بشكل طبيعي ، حتى في مقام حمل الرسالة ، فيتدخل اللطف الإلهي من أجل ~~أن يمنحه القوة الروحية التي تفتح قلبه ، بعمق ، على التأييد الإلهي في ~~أوقات الشدة ، الأمر الذي يعطي الفكرة بأن النبي يتكامل في وعيه وقوته ~~وحركته في الرسالة. ( @QUR@07 قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ) فإنكما ~~لا تحملان رسالة عادية تبلغانها بالطرق العادية المألوفة لتواجها الموقف ~~بهذه الطريقة ، بل إنكما تحملان رسالة الله الذي يملك الأمر كله ، ويحيط ~~بالموقف كله ، فلا يعجزه شيء ، ولا يغيب عنه شيء. فلا تتعاملا مع المسألة ~~من زاوية المعطى المادي فقط ، بل انظرا إلى إيمانكما في العمق لتنفتحا على ~~الله سبحانه في حضوره الشامل الذي يوحي بالثقة والاطمئنان إليه ، ولا ~~تكترثا للقوة البشرية الطاغية مهما علا شأنها. لا تخافا من فرعون وجبروته ~~لأنكما تؤمنان بالله ، وتحملان رسالته ، وتعيشان رعايته وعنايته فأنتما ~~مستندان إلى قوة الله ، فلا تخافا إنني معكما ، كأقوى ما يكون الحضور ، ~~أسمع وأرى ، كأفضل ما يكون السماع الذي لا يغيب عنه شيء ، وكأوضح ما تكون ~~الرؤية التي لن يحجبها شيء. # ( @QUR@05 فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ) أعلنا صفتكما ليكون لكما قوة ~~التأثير عليه ، PageV15P116 # ليتوازن الموقف في ميزان القوة أمامه. قولا له إنا رسولا ربك ، اذكرا له ~~أن له ربا خلقه وأنعم عليه فهو يملك ما لا يملكه غيره ، وهو الذي يملك ~~حياته وموته ، لأن هذه الكلمة هي التي تخفف من كبريائه ، وتسقط سطوته ~~الطاغية عند نفسه ، وتوحي إليه بمشاعر الضعف ، فهو ليس ربا ولكنه مربوب ، ~~وليس سيدا ولكنه عبد .. # ثم أعلنا له المطلب الذي يتحدى موقعه ، واختصرا المسألة وقدماها بشكل ~~حاسم .. # * * * ### ||| ** المواجهة بين موسى عليه السلام وفرعون # ( @QUR@06 فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ) أطلق سراحهم ، أعطهم ~~حريتهم ولا تضطهدهم بألوان العذاب ، فلطالما استعبدتهم بدون حق لأنهم أحرار ~~، ولطالما أهدرت إنسانيتهم ، وأذللت عزتهم وكرامتهم .. إنها رسالة الله ~~إليك وليست كلمتنا الشخصية ، وإذا لم تصدق ذلك فسترى أنا ( @QUR@05 قد ~~جئناك بآية ms3564 من ربك ) تعرفك طبيعة الصدق في كلامنا في ما ندعيه من رسالة الله. # ( @QUR@05 والسلام على من اتبع الهدى ) إنها دعوة سلام للمهتدين ~~المنسجمين مع دعوة الهدى ، على مستوى التحية والعلاقة والانتماء ، في لفتة ~~إيحائية لفرعون أنه لا سلام معه إذا بقي على نهجه الاستكباري الكافر ~~المتحرك في طريق الضلال ، وأنه إذا أراد أن يمنح نفسه سلاما فعليه أن يتبع ~~الهدى في خط الرسالة الإلهية ، وهذا هو سر القوة في الموقف النبوي من موسى ~~وهارون. ثم يتصاعد الموقف في لهجة تهديدية قوية ضاغطة لا عهد له بها من قبل ~~في ما كان يستمع إليه من حديث الناس معه ، ( @QUR@09 إنا قد أوحي إلينا أن ~~العذاب على من كذب PageV15P117 # @QUR@01 وتولى ) إن ربك الذي خلقك والذي يملك حياتك وموتك قد أوحى إلينا ~~أن مسألة التمرد على خط الرسالة ليست مسألة هامشية في حياة الإنسان المتمرد ~~ليأخذ حريته فيها من دون أن يواجه أية نتائج سلبية على مستوى حياته الشخصية ~~في موضوع المصير ، بل هي مسألة خطرة يواجه فيها عذاب الآخرة جزاء تكذيبه ~~بالرسالة والرسول بعد قيام الحجة عليه ، وعقوبة على إعراضه عن السير في ~~الاتجاه الإيجابي للإيمان ، بعد فقدانه للعذر المبرر له. وفي ضوء ذلك لا بد ~~لك أن تحدد موقفك في الإسلام لله من خلال الرسالة ، هل تصدق أو تكذب؟ هل ~~تستجيب أو تعرض؟ لتحدد مصيرك على هذا الأساس .. # وقد يتساءل الإنسان القارئ لهذه الآيات هل هذا الكلام هو من القول اللين ~~، أو هو من القول الخشن؟ ويتابع بأن تفسير الآيات بهذه الطريقة التي توحي ~~بالتهديد أو بالقوة لا تتناسب مع الأسلوب اللين. # ويجاب عن ذلك ، أن لين الكلام لا يعني الابتعاد عن الخط الأصيل في الدعوة ~~للفكرة ، بل يعني مواجهة الإنسان بالفكرة بالطريقة التي لا تثير حساسيته ~~وعدوانيته ، وذلك بالأسلوب التي جرت عليه هذه الآيات في إثارة المسألة ~~بطريقة اللمحة واللفتة ، لا بطريقة المواجهة المباشرة ، مما يفسح المجال ~~للمخاطب ألا يعتبر نفسه معنيا بالمسألة ، لأن القضية كانت مطروحة في نطاق ~~العموميات التي ms3565 لا تسبب الإحراج المباشر لقائلها وسامعها .. # وهذا هو معنى القول اللين ، ألا تتنازل عن الفكرة بكل عناصرها الحية ، ~~ولكن بشرط أن تعالجها بالأسلوب الذي يجعلها تدخل الفكر والروح والشعور من ~~باب واسع. # * * * PageV15P118 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 قال فمن ربكما يا موسى (49) @QUR@09 قال ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى (50) @QUR@05 قال فما بال القرون الأولى (51) @QUR@011 قال ~~علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) @QUR@019 الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى (53) @QUR@09 كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ~~(54) @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ~~@QUR@06 ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) @QUR@08 قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) @QUR@014 فلنأتينك بسحر مثله فاجعل ~~بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) @QUR@08 قال موعدكم ~~يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ) (59) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@04 أعطى كل شيء خلقه ): أتقن خلق كل شيء. # ( @QUR@03 لا يضل ربي ): لا يخطئ ولا يجهل. # ( @QUR@01 وسلك ): سهل. PageV15P119 # ( @QUR@01 أزواجا ): أصنافا متعددة. # ( @QUR@01 النهى ): جمع نهية ، أي العقل. ويقال لأولي العقول : أولي ~~النهى لأنهم ينهون الناس عن القبائح. # ( @QUR@01 موعدا ): اسم زمان ، بمعنى : ميعادا معينا. # ( @QUR@02 مكانا سوى ): مستوي الأطراف لا انخفاض فيه ولا ارتفاع. # ( @QUR@02 يوم الزينة ): يوم العيد. # * * * ### ||| ** فرعون يتحدى وموسى عليه السلام يقبل التحدي # ... وكان فرعون يستمع إلى موسى بهدوء غريب ، فلم يثر ولم يتشنج ولم يتعقد ~~من هذا الكلام .. هذا ما يوحي به الجو على الأقل ، وربما أثار فيه نوعا من ~~التساؤل والفضول الباحث عن المعرفة ، فاستسلم لهذا الجو الغامض الجديد الذي ~~أخذ عليه كل شعوره حتى ليخيل إليه أنه يعيش في جو مسحور ، ( @QUR@05 قال ~~فمن ربكما يا موسى ) إنهما يحدثانه عن ربه ، كما لو كان معترفا به ولكن ~~الرب يحتاج إلى اعتراف من المربوب ليستكمل علاقة الربوبية بطريقة طبيعية ، ~~لأن الناس قد اعتادوا أن يتخذ كل واحد منهم ربا لنفسه ، في ما يتعبد له ، ~~أو يقدم له القرابين ، أو يمارس معه الطقوس ، انطلاقا من ms3566 شعوره بالضعف ~~أمامه ، أو بحاجته إلى قوة فوقية يخترعها خياله إذا لم تكن حقيقة ، أو ~~بالإيحاء الداخلي بأنه يملك أسرارا غيبية مقدسة بالمستوى الذي يجعله أقرب ~~إلى رب الكون من غيره ، فيقرب الناس إليه ليكون معبودهم. # وهكذا كان اعتراف موسى وهارون به موجبا لحدوث علاقة الربوبية PageV15P120 # والمربوبية بينهم. ولكن كيف ينسبانه إليه ، وهو لا يعرفه ولا يعترف به؟ ~~فليتجاهل هذه النسبة ، وليسألهما عن طبيعته ، فلعل المعرفة الحاصلة ، ~~بالجواب ، توحي إليه ببعض الأفكار التي تدفعه إلى موقف إيجابي أو سلبي في ~~المسألة. # ( @QUR@05 قال فمن ربكما يا موسى ) وكان الخطاب لموسى ، لأنه هو الشخص ~~الأصيل في الموقف في ما تصوره فرعون من دراسة المسألة ، وفي ما هو الواقع. ~~( @QUR@09 قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) فهو الذي أوجد كل شيء ~~ثم لم يهمله ليتركه ضائعا ، بل منحه الهدى الذي يتدخل في عمق وجوده وتكوينه ~~فينظم له حركة نموه وتكامله ووصوله إلى الغاية المطلوبة لوجوده. وبهذا كانت ~~ربوبيته للخلق منطلقة من طبيعة الإيجاد الذي يمنح الموجودات الحياة ، ومن ~~الإشراف الدائم والرعاية الكاملة لها في رحلة الوجود مما يوحي بالربوبية ~~الشاملة الكاملة التي لا تغيب عن الوجود في أية لحظة ، كما لا يغيب عنها ~~الوجود في أي وقت لاحتياجها الدائم إلى غناها المطلق. وهكذا قد نجد الهدى ~~قائما في الأشياء بذاتها عبر قوانينها الكونية المودعة فيها ، وقد نجده في ~~العقل الكامن في الإنسان الذي يدبر الوجود بشكل مباشر وبوعي اختياري مباشر. # ( @QUR@05 قال فما بال القرون الأولى ) ربما كان السؤال عن القرون الأولى ~~، في نطاق السؤال عن أمر المعاد ، الذي هرب إليه فرعون ، بعد أن أعياه ~~مواجهة أمر الربوبية في ما فصله موسى من الحديث عنها بما لا مجال فيه للرد ~~والاعتراض ، فكأنه قال لموسى ، ما حال الأمم والأجيال الماضية الذين لا ~~يرون ما ترى ، وقد ماتوا وانتهوا في عالم الفناء والنسيان ، فكيف يعذبون ، ~~كما تقول ، إن العذاب على ما أدبر وتولى ، وكيف يواجهون المسؤولية ، فكيف ~~يرجعون من جديد لينالوا ما يستحقون ، كما ms3567 تزعم. PageV15P121 # ( @QUR@011 قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) فكان جوابه ~~، أن علمها عند الله ، فهو محيط بأشخاصهم وأعمالهم ، فلا يفوته ، منها شيء ~~، ولا يغيب عنه شيء ، فهو مثبت في كتاب محفوظ واسع شامل ، لدى الله الذي لا ~~يضل عن حقائق الأشياء ولا ينسى ما علمه منها ، لأنها حاضرة لديه حضورا ~~مطلقا ، لا حدود له في كل جوانبها. وهكذا يملك أمرهم وحسابهم من خلال ~~إحاطته المطلقة بكل أمورهم في ما عملوه ، فيحاسبهم على ذلك بشكل دقيق. # ولكن هذا الاحتمال لا يظهر من الآية التي يبدو أنها مسوقة للحديث عن ~~الربوبية وذلك من خلال الاستمرار في هذا الشأن في الآيات التالية المتحدثة ~~عن صفات الله في حركة الخلق في الكون ، في ما يدل على عظمته وتوحيده وليس ~~فيها من حديث المعاد قليل أو كثير .. # * * * ### ||| ** فرعون يثير الأفكار السلبية في مواجهة موسى عليه السلام # وهناك احتمال آخر وهو أن السؤال متجه للحديث عن تاريخ الأمم الأولى ~~المنقرضة ليصرف موسى عن التكلم عن أصول المعارف الإلهية وإقامة البرهان على ~~صريح الحق في مسائل المبدأ والمعاد ، مما تنكره الوثنية ويشغله بما لا ~~فائدة فيه من تواريخ الأولين وأخبار الماضين ، فكان جواب موسى متعلقا ~~بإرجاع العلم بها إلى الله ، وأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب .. # وهناك احتمال آخر ، يقرب من هذا الاحتمال ، ولكنه يتجه اتجاها آخر ، وهو ~~أن فرعون أراد إثارة موضوع القرون الأولى ليثير الأجواء السلبية حول PageV15P122 # موسى ، لإيجاد جو عاطفي في المجتمع المحيط بموسى يدفع هؤلاء باتجاه ~~الدفاع عن آبائهم الذين يرميهم موسى بالضلال ، ويحكم عليهم بالعذاب. فكان ~~إيكال موسى علم هؤلاء في مصيرهم إلى الله الذي يعلم من جزئيات أعمالهم ما ~~لا نعلمه ، مما أحاط به ولم نحط ، لونا من ألوان الخروج من أجواء الجدل ~~الضائع الذي لا يؤدي إلى نتيجة ويدخل الحديث في متاهات انفعالية لا مجال ~~للخروج منها إلا بالوقوع في كثير من المشاكل الاجتماعية .. # وهذا أسلوب حكيم يحتاج الإنسان الداعية إلى الأخذ به ms3568 في مواجهة الأشخاص ~~الذين يريدون إيقاعه في أجواء الإثارة الاجتماعية أو السياسية الانفعالية ~~العاطفية التي يتحرك الناس فيها بعيدا عن أية حالة عقلية ، مما يخلق الكثير ~~من الإرباك العملي في مجال الدعوة إلى الله ، والجهاد في سبيله. فيحاول ~~الداعية الهروب من ذلك بتوجيه المسألة إلى اتجاه لا يثير الكثير من الجدل ~~بإيكال الأمر إلى الله في الأمور التي أحاط بها علمه ، والله العالم بحقائق آياته. # * * * ### ||| ** الله يحث عقل الإنسان على التفكر # ( @QUR@05 الذي جعل لكم الأرض مهدا ) تستطيعون العيش فيه في ما مهده لكم ~~من قرار وثبات وراحة ، ( @QUR@04 وسلك لكم فيها سبلا ) تمكن لكم التنقل في ~~أرجائها ، ( @QUR@04 وأنزل من السماء ماء ) وهو ماء الأمطار الذي يتحول إلى ~~بحيرات جوفية في أعماق الأرض ، فتتفجر منه الينابيع والأنهار ، ( @QUR@06 ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ) في ما أعطى الأرض من خصب وحيوية وقدرة على ~~تحويل التراب إلى عناصر تتكون فيها البذور التي تنمو فيها الخضرة والثمار ~~والفواكه المتنوعة ، ففي أشكالها وخصائصها وطعمها وريحها مصدر غذاء للإنسان ~~وللحيوان ، لتستمر PageV15P123 # الحياة التي تحتاج إلى قوته ، ( @QUR@03 كلوا وارعوا أنعامكم ) لتكون ~~الفائدة مزدوجة في ما تتغذون به ، وفي ما تتغذى منه أنعامكم التي جعلها ~~الله لكم غذاء ومركبا ، ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) الذين ~~يملكون العقول الراجحة ويستخدمونها وسيلة للتفكر في القضايا العقيدية ~~المتصلة بخالق الكون والحياة ، التي يستدل عليها من دقة النظام ، وعظمة ~~الخلق ، ووحدة القوانين الكونية. # وهذا هو الخط القرآني في مسألة العقيدة ، حيث يؤكد على المسألة العقلية ~~في حياة الإنسان ، فهو يحث العقل على التفكير في القضايا المطروحة في دائرة ~~العقيدة ، ليكون العقل هو الأساس في تكوين القناعات الدينية ، لا الانفعال ~~العاطفي. وبذلك تتلخص المعادلة القرآنية ، في أن الإنسان كلما ازداد عقلا ، ~~كلما انفتح على الإيمان من الباب الواسع ، وكلما ضعف إدراكه العقلي ، وزاد ~~انفعاله ، كلما ابتعد عن الإيمان وعن قضاياه ، خلافا للفكرة الشائعة التي ~~يرددها الماديون ، وهي أن المجتمع المتخلف هو الذي يلتزم الطريقة الدينية ~~في الفكر والحياة ، بينما يلتزم المجتمع المتحضر المثقف ms3569 جانب الطريقة ~~المادية. فإن القرآن يؤكد في أسلوب المعرفة على عنصر الوجدان الذي ينفتح ~~على إيحاءات الفطرة في العقيدة ، وعلى عنصر العقل الذي يؤكد صفاء الفكر ~~وعمق التأمل في التفاصيل ، لأن القضية ليست قضية أي فكر ذي طابع ديني ، بل ~~هي قضية الفكر الذي يثير الإيمان من خلال العقل في المبدأ والتفاصيل ، ~~بالطريقة التي تبتعد عن السطحية والخرافة. # ( @QUR@02 منها خلقناكم ) فمن تراب الأرض كانت البداية ، ( @QUR@02 وفيها ~~نعيدكم ) وإلى تراب الأرض ستعودون بعد الموت ، ( @QUR@04 ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى ) عند ما يأذن الله للحياة ببعثكم من قلب الأجداث. وهكذا ترون أنكم ~~جزء من هذه الأرض التي خلقها الله ونظمها وأدارها ، وأودع فيها قوانينه ، ~~وأنكم خاضعون لكل قوانين الحياة والموت فيها. كما أنكم تتحركون في ذلك كله ~~، وفي ما بعد ذلك ، PageV15P124 # بإرادة الله فكيف تجحدونه ، وكيف تتمردون عليه ، وكيف تواجهون الحياة ~~بعيدا عنه؟ # * * * ### ||| ** فرعون يأبى الحق # .. وهكذا كان جواب موسى حاسما في تجسيد عظمة الله في أفكار فرعون وقومه ~~بالتفكير الهادىء ، والعرض الموضوعي ، والاستعداد للامتداد بالحوار في جو ~~تتحرك فيه المعجزة بطريقة أو بأخرى ، مما جعل فرعون يشعر بالرهبة في هذه ~~القوة الجديدة التي تواجهه ، ( @QUR@04 ولقد أريناه آياتنا كلها ) في ما ~~قدمه إليه موسى من آيات الله التي تدل على صدقه في نبوته ، ( @QUR@02 فكذب ~~وأبى ) كأمثاله من الطغاة الذين يعتبرون امتيازاتهم فوق كل منطق ، وفوق كل ~~حقيقة ، ولهذا فإنهم لا يوافقون على الدخول في حوار حول قناعاتهم وأوضاعهم ~~، لأنهم لا يريدون تغييرها ، إذ قد يفقدون معها مكاسبهم الذاتية ومواقعهم ~~الطغيانية. ومن هنا فإنهم يمتنعون عن القبول بالطروحات الفكرية المضادة ، ~~بل يبادرون إلى رفضها من غير تبرير ، ويحاولون إثارة الشكوك حولها وحول ~~الدعاة الذين يقدمونها ويدعون إليها. وهكذا فعل فرعون في مواجهته لموسى ~~عليه السلام في أسلوب من أساليب الإثارة لمن حوله ، ليقفوا في وجه موسى ~~بطريقة عدوانية على أساس الدفاع عن وجودهم في أرضهم التي يخيل إليهم أن ~~موسى يريد اقتلاعهم منها ، وإبعادهم عنها بسحره. # ( @QUR@08 قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ms3570 ) وهذا هو الأسلوب ~~الذي يستهدف إبعاد المسألة عن نطاقها الفكري الإيماني الذي يريد أن يحرك ~~العقول نحو اكتشاف الحقيقة بالدخول في حوار حولها ، ليضعها في نطاق السحر ~~الذي كان مألوفا عندهم في ما كان يستعمله السحرة من الأعيب وأوضاع يسحرون ~~بها أعين الناس ، مما لا يرقى في نفوس الناس إلى مستوى القداسة ، بل PageV15P125 # يعتبرونها جزءا من امتيازات النظام الذي يعمل على إلحاق السحرة بخدمته ، ~~في ما يمنحهم من أموال ومواقع بشرط أن يتحركوا في مواقعه ، ويتبنوا مواقفه ... # ثم نراه يعمل على أساس إثارة الناس على موسى عليه السلام ، كما يفعل ~~الكثير من الإعلاميين اليوم في مواجهة الدعاة إلى الله ، والعاملين في ~~سبيله ، لإثارة المجتمع عليهم ببعض الشعارات المضادة التي تثير عدوانية ~~الناس ضدهم بحجة درء الأضرار التي تلحق بهم. # ( @QUR@03 فلنأتينك بسحر مثله ) فإن السحر لا يقابله إلا سحر مثله ، ~~وستجد هناك من هو الأقوى ، ( @QUR@04 فاجعل بيننا وبينك موعدا ) في زمان ~~معين ، ( @QUR@05 لا نخلفه نحن ولا أنت ) بل نلتزم به ، ( @QUR@02 مكانا ~~سوى ) أي مكانا وسطا في الساحة المشتركة. # ( @QUR@04 قال موعدكم يوم الزينة ) وهو من أعيادهم التي كانوا يجتمعون ~~فيها ويتزينون بها ، ( @QUR@04 وأن يحشر الناس ضحى ) فيجتمعون هناك في وقت ~~الضحى ليعرفوا كيف يكون التحدي الرسالي المستند إلى قوة الله ، في مواجهة ~~التحدي الفرعوني المستند إلى تهاويل الشيطان. # * * * PageV15P126 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) @QUR@015 قال لهم موسى ~~ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) ~~@QUR@05 فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) @QUR@013 قالوا إن هذان ~~لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) ~~@QUR@010 فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) ~~@QUR@012 قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) ~~@QUR@012 قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ~~(66) @QUR@05 فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) @QUR@06 قلنا لا تخف إنك أنت ~~الأعلى (68) @QUR@016 وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ~~ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) @QUR@08 فألقي السحرة سجدا ms3571 قالوا آمنا برب ~~هارون وموسى (70) @QUR@026 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) @QUR@019 قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا ~~من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) ~~@QUR@014 إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ~~والله خير وأبقى (73) @QUR@09 إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا PageV15P127 # @QUR@04 يموت فيها ولا يحيى (74) @QUR@010 ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) @QUR@012 جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) @QUR@018 ولقد أوحينا إلى موسى ~~أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) ~~@QUR@08 فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) @QUR@05 وأضل ~~فرعون قومه وما هدى ) (79) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 فجمع كيده ): المراد بكيده هنا : أصحاب كيده ، وهم السحرة. # ( @QUR@01 فيسحتكم ): يستأصلكم ويهلككم. # ( @QUR@02 وأسروا النجوى ): تناجوا سرا. # ( @QUR@02 بطريقتكم المثلى ): الطريقة المثلى : السنة. # ( @QUR@01 استعلى ): غلب. # ( @QUR@01 فأوجس ): أوجس : أحس واستمر ، والوجس : الصوت الخفي. # ( @QUR@01 تلقف ): لقف الشيء وتلقفه : أخذه بسرعة. # ( @QUR@01 لكبيركم ): رئيسكم ، معلمكم. # ( @QUR@02 من خلاف ): أي أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، والعكس ~~بالعكس. # ( @QUR@01 نؤثرك ): الإيثار : الاختيار. PageV15P128 # ( @QUR@01 تزكى ): تطهر من دنس الذنوب. # ( @QUR@01 دركا ): الدرك : اللحوق. # ( @QUR@01 فغشيهم ): غطاهم ، أي أن الماء قد غمرهم. # * * * ### ||| ** السحر يتحدى النبوة .. فيسقط أمامها # وهكذا انصرف فرعون لتهيئة السحرة الذين سيواجهون موسى بالتحدي ، في مشهد ~~عظيم ، يشهد الناس فيها هزيمة موسى فيقضي فرعون على أي أمل لدعوته إلى ~~الإيمان بالله ، والكفر بكل الآلهة المزيفين من الطغاة الجبابرة ، أمثاله ، ~~ويستقيم لفرعون بذلك عرشه وملكه وجبروته من دون خوف من أية حالة اهتزاز من ~~أي فريق كان. # ( @QUR@02 فجمع كيده ) بما يتجسد الكيد من رجال السحر الذين أعدهم ~~للتأثير على المجتمع ، في عرض مهيب للقوة التي يملكها أمام شعبه المسحور ~~بسحرة فرعون الأسطوري الذي لا يستطيع أحد حماية نفسه منه إلا بإرادة السحرة ~~المالكين له. وهكذا كان يكيد للناس من خلالهم ، فهم ms3572 أدوات كيده وحيله وخدعه ~~أمام الآخرين من شعبه أو من أقرانه ، أو أعدائه ، وأعدهم إعدادا هائلا ، ثم ~~حشد الناس لذلك ، ثم استكمل كل استعداداته للحدث العظيم ، ( @QUR@02 ثم أتى ~~) وواجه موسى من جديد ، فوقف مع السحرة في موقع ، ثم وقف موسى في موقع آخر. # وبدأت المواجهة .. وبدأ التحدي .. ولكن موسى لم يبغ استعراض القوة من ~~وراء هذا التحدي بهدف إيقاع الهزيمة بالسحرة كمنافسين ، لحساب PageV15P129 # الزهو الذاتي بعيدا عن مسألة الرسالة الهادية التي تعمل من أجل التوعية ~~على الإيمان ، لا القهر والغلبة. ولذلك وقف وقفة الرسول الذي ينذر هؤلاء ~~الذين جعلوا من أنفسهم أدوات إضلال للناس لخدمة الطاغية الجبار ، من دون أن ~~يحسبوا حساب النتائج السلبية المستوجبة عذاب الله في الدنيا والآخرة. ولهذا ~~كانت خطة موسى أن يثير الخوف من عذاب الله في أفكارهم ومشاعرهم ، ( @QUR@09 ~~قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ) في ما تعتقدونه من عقائد ~~باطلة ، وفي ما تنسبونه إلى مخلوقاته من قوى خفية غامضة ، وتتوسلون به من ~~وسائل مزيفة خادعة ، وتتمسكون به من شرائع باطلة كاذبة ، ( @QUR@01 فيسحتكم ~~) أي يستأصلكم ويهلكهم ، ( @QUR@05 بعذاب وقد خاب من افترى ) لأنه لن ينال ~~الفلاح في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** التنازع فيما بين أعوان فرعون # ( @QUR@03 فتنازعوا أمرهم بينهم ) بما أثاره موسى في مشاعرهم وأفكارهم من ~~الخوف والقلق والحيرة ، لأنهم شعروا أن هذا الرجل ليس ساحرا لأن لغة السحرة ~~ليست لغة فكر وهدى وإيمان ، بل هي لغة استعراض للقوة ، واستهانة بالآخرين ، ~~وشعور بالاستعلاء. ولهذا فقد دب فيهم الخوف من صدق هذا الرجل ، ومن قوته ~~الروحية الخفية التي لا تتحرك من حالة استعراض ذاتي ، وبدأ الخلاف بينهم ، ~~ولكن قوما منهم ، أو من خارجهم ، حاولوا أن يصرفوا المسألة عن الموقع ~~الحقيقي للنزاع والخلاف ، وهو الإيمان بالله وحده ، والكفر بكل الآلهة ~~المزيفة المدعاة ، ليثيروا الجانب القومي أو الإقليمي الذي يربط الناس ~~بالفئة الحاكمة من خلال الإيحاء بأنها هي التي تحمي للناس أرضهم ووجودهم ~~فيها ، أمام الجهات التي تريد أن تلغي وجودهم في أرضهم وتصادر حريتهم. PageV15P130 # وهكذا دبروا الفكرة بطريقة ms3573 خفية ، ( @QUR@02 وأسروا النجوى ) وأخفوها ~~وطرحوا الشعار المثير الذي يستهوي القلب ، ويلهب المشاعر ، ( @QUR@04 قالوا ~~إن هذان لساحران ) لا يملكان أية صفة للرسالة أو للنبوة ، ولكنهما يتظاهران ~~بذلك ليسيطرا على الناس بطريقة الإيحاء بقداسة موقعهما ليحققا أهدافهما ~~العدوانية ، فإنهما ( @QUR@06 يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ) ليكون ~~لهما ولشعبهما السيطرة على الأرض كلها ، ( @QUR@03 ويذهبا بطريقتكم المثلى ~~) ويغيرا كل أوضاعكم التي درجتم عليها مئات السنين ، فأصبحت جزءا من ~~شخصيتكم القومية وحققت لكم الغلبة على من حولكم ، وحصلت لكم ، بها ، ~~الامتيازات في الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، فما ذا تنتظرون ~~منهما؟ هل تنتظرون منهما أن يحققا ما يريدان فتندموا على ذلك من حيث لا ~~ينفعكم الندم ، ( @QUR@02 فأجمعوا كيدكم ) بما تملكونه من حيلة سحرية ، ~~وبكل وسائلكم وإمكاناتكم ، ( @QUR@03 ثم ائتوا صفا ) واحدا لا مجال فيه ~~للاختلاف ولا للتنازع ، لتكونوا قوة قاهرة ساحقة في مواجهة هذين ، ( ~~@QUR@05 وقد أفلح اليوم من استعلى ) فوقف في موقف التحدي ، ونجح فيه ، وحصل ~~على الموقف الأعلى في ساحة الصراع. ونجحت الخطة في إبعاد الموقف عن مواقع ~~الفكر والحوار ، إلى موقف المجابهة والتحدي ، ولكن إلى حين. # * * * ### ||| ** السحرة يلقون حبالهم وعصيهم # ( @QUR@012 قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ) إن ~~الساحة جاهزة للتحدي ، فهل تحب أن تكون البادئ بإلقاء عصاك لنرى ماذا تفعل ~~، أو ترغب أن نلقي حبالنا وعصينا لترى عظمة السحر الذي نملكه ، وقوة الموقع ~~الذي نقف فيه ، ( @QUR@03 قال بل ألقوا ) لأن الخطة الإلهية هي أن يستنفدوا ~~كل جهدهم لتكون النتيجة لموسى ، في التحدي الكبير. فألقوا حبالهم وعصيهم ( ~~@QUR@09 فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) واستعملوا كل ~~فنون السحر التي يتقنونها من أجل الإيحاء PageV15P131 # بالرهبة التي تزلزل قلب موسى وروحه ، وتهزم موقفه. وكانوا يملكون الفن ~~العظيم الذي يسحر العيون ويخلب الألباب حتى كاد موسى أن يتأثر بها كبشري ، ~~طاف به خيال الإنسان الذي يتأثر بسرعة بما يحيط به ، ( @QUR@05 فأوجس في ~~نفسه خيفة موسى ) حين راوده الضعف البشري خاصة وأن موسى لم يطلع على ~~التدبير الإلهي بكافة تفاصيله وجزئياته فتسرب ms3574 إلى نفسه الخوف. ولذا فإنه ~~كان ينتظر نداء الله وتعليماته حتى يطمئن قلبه للفوز. # * * * ### ||| ** الله يطمئن نبيه # ( @QUR@06 قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) لأن موقفك هو موقف الحق الذي ~~يستمد مصداقيته وقوته من الله سبحانه خالق كل شيء ومصدر القوة لكل قوي ، ~~فلا قوة إلا منه ، وهو الأعلى في كل موقع. # ( @QUR@07 وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ) فتتحول إلى حية عظيمة تأكل ~~كل هذه الحبال والعصي التي تشبه الحيات الوهمية والتي لا حقيقة لها ، ( ~~@QUR@04 إنما صنعوا كيد ساحر ) بما تعنيه الحيلة من سرعة الحركة ، واللعب ~~على العيون ، وتغيير الشكل بطريقة فنية ساحرة ، ( @QUR@05 ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى ) لأن ما يقوم به السحر ليس إلا مجموعة حيل وخدع يسحر بها عيون ~~الناس وعقولهم وهو يعلم ذلك تماما. وهذا يجعل مواقعه سريعة الاهتزاز ~~والسقوط في ما يمثله الباطل من الاهتزاز على أكثر من صعيد. # وألقى موسى ما في يده فإذا هي حية تسعى تتحرك باتجاه ما صنعوا ، فأكلت كل ~~الحبال والعصي ، فلم يبق منها شيء .. وحدقت عيون السحرة بها ، ثم بدأوا ~~يمسحون عيونهم .. هل هناك غشاوة عليها؟ أو أن ما يرونه حقيقة؟ إن هذا ليس ~~سحرا ، فهم يعرفون جيدا فنون السحر في ما يعلمونه منه أو PageV15P132 # يعلمونه للناس. وبدأوا يستذكرون كلامه عن الله وعن الإيمان به ، وعما ~~ينتظره المفترون عليه من العذاب ، وبدأت عملية المقارنة بين ما سمعوه منه ~~في البداية ، وما رأوه الآن ، فآمنوا بأن هذا الرجل رسول من الله وليس ~~ساحرا مثلهم ، وتعاظم شعورهم بالإيمان ، وبالمستقبل وبالمصير ، وأعلنوا ~~الموقف بشكل مفاجئ سريع. # * * * ### ||| ** سجود السحرة وإيمانهم # ( @QUR@03 فألقي السحرة سجدا ) أمام هذه الآية الواضحة العظيمة الدالة ~~على أنها من عند الله ، لا من البشر ، ( @QUR@05 قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى ) وكفرنا بفرعون وبما يأمرنا به من عبادة غير الله. # وفوجئ الطاغية الجبار ، وأسقط في يديه ، فقد أراد أن يسخر من موسى بإظهار ~~ضعفه أمام قوة السحرة ، ليدفع الناس بعيدا عنه من خلال ذلك. لقد أراد أن ~~يربح الشوط على موسى في ساحة ms3575 المعركة ، فإذا بموسى يربح المعركة كلها عليه ~~، وها هو يفقد قوته أمام الشعب كله ، ويخشى أن يفقد موقعه الألوهي أو ~~الملكي على الأقل ، فيتحرر العبيد من هذا الشعب ، ويتجرأ السادة الأحرار عليه. # ولهذا أراد أن يقوم بعملية استعراض للسلطنة أمام هؤلاء السحرة الذين ~~أعلنوا إيمانهم قبل أن يستأذنوه ، فهو كان يعتقد أن كل شيء لا بد أن يمر ~~بساحته وأن يحظى بموافقته ، لأنه يملك الفكر والإنسان والحياة ، فلا بد أن ~~يمنح الإذن الرسمي للمؤمنين ليكون إيمانهم شرعيا قانونيا ، وإلا فقد صفته ~~الشرعية ، واستحق على ذلك العقاب الأليم! # * * * PageV15P133 ### ||| ** السحرة المؤمنون أمام تهديدات فرعون # ( @QUR@07 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ) فكيف فعلتم ذلك ، إنها الجرأة ~~على الإله السيد العظيم الذي لا يجوز لأحد مهما كانت رتبته أن يقوم بأي عمل ~~، أو يعلن أي موقف يتعلق بنفسه أو بالآخرين ، إلا بعد أن يحصل على موافقته ~~، فهو الذي يحدد لهم ما يصلحهم ، وما يفسد حياتهم ، لأنه الذي يعرف من ذلك ~~ما لا يعرفون من أمور الحياة. ثم حاول أن يغطي فشله وضعفه ، ويمنع تأثر ~~الناس بموقف السحرة الإيماني أمام موسى عليه السلام ، فحاول أن يهرب من ~~المسألة بتصويرها بصورة الحالة التآمرية الخفية الحاصلة بين موسى وبين ~~السحرة للقيام بهذه التمثيلية المسرحية ، للإيقاع بفرعون ، وإضعاف ملكه ، ~~وإخراج أهل مصر من مصرهم. و ( @QUR@05 إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) ~~وبذلك كان دوركم دور التلاميذ الذين يخضعون لأستاذهم في ما يأمرهم به ، ~~وينهاهم عنه ، وفي ما يوجههم إليه. وهكذا أوحى أن دورهم كان امتدادا لدوره. # وبذلك حاول أن يستوعب مشاعر الجماهير لمصلحته ، تماما كالكثيرين من ~~الطغاة الذين يحاولون أن يدرسوا مع الأجهزة الإعلامية الفنية ما هي أفضل ~~الواجهات التي يثيرونها أمام الفئات المعارضة التي تهدد سياستهم وحكمهم ، ~~ليلصقوا بهم مختلف التهم التي تحاصرهم في الساحة الجماهيرية لتخفف من ~~تأثيرهم على الآخرين. وبذلك ينجحون في عزلهم عن الأمة مستغلين عجزها عن فهم ~~ألاعيبهم وأسرارهم ، وهذا ما يجعلنا نستوحي من هذا الأسلوب الفرعوني كيف ~~نواجه أسلوب الكثيرين من الفراعين ms3576 المعاصرين والمستقبلين في ما يضللون به ~~شعوبهم تجاه التحديات التي توجه إليهم من المصلحين الرساليين. PageV15P134 # ثم بدأت عملية التهديد بالعقاب ، في محاولة فرعونية لدفعهم إلى التراجع ~~عن موقفهم ، والابتعاد عن موسى ، ليضمن بذلك الحصول على بعض ما فقده من ~~القوة المعنوية أمام الجماهير. # ( @QUR@014 فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) أنا أو موسى ، لتعرفوا من هو الأقوى ، ومن ~~هو الأبقى. وستندمون لأن موسى عليه السلام لا يملك أي شيء من سلطة الدنيا ~~وسطوتها ، فلن تحصلوا منه على شيء ، بينما أملك كل شيء من حولي وكل مواقع ~~القوة والنفوذ ، فأعطى من أشاء وأمنع من أشاء ، وأقتل من أريد ، وأعفوا عمن ~~أريد .. # ولكن القوم قد دخلوا في عالم آخر .. فقد التقوا بالله في روحية الإيمان ~~به ، وقد انفتحوا من خلاله على عالم القدس والطهارة ، وعاشوا مع عالم الغيب ~~المطلق الذي لا تحده أية حدود. ولم تعد الدنيا تمثل لهم أي شيء في غناها ~~وفقرها ، ورفعتها وضعتها ، وقوتها وضعفها ، بل أصبحت الآخرة أكبر همهم ~~وأفضل طموحاتهم ، ولذلك كانت مواجهتهم له من موقع القوة الكبيرة المتحدية ~~في روحيتهم الهادئة الصافية المطمئنة. # * * * ### ||| ** السحرة يواجهون فرعون بقوة الإيمان # ( @QUR@08 قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) الواضحة التي تؤكد ~~لنا الحقيقة من دون شك أو شبهة ، فكيف نتنكر لها ، ونتركها من دون أساس؟ ~~وماذا تمثل أنت لنا أمام حقيقة الإيمان؟ وماذا تمثل طريقتك في الحياة؟ ما ~~هي قيمك؟ وما هي شريعتك؟ وما هي مفاهيمك؟ هل تثبت بالمقارنة أمام قيم ~~الإيمان وشرائعه PageV15P135 # ومفاهيمه؟ إن الحقيقة تفرض نفسها علينا وهي ان شريعة الله هي الشريعة ~~الحقة ، وأن شريعة البشر هي شريعة الباطل ، ولن نؤثر الباطل على الحق ، ~~مهما كانت الإغراءات ، ومهما كانت التهديدات ، ولن نؤثرك على الله ربنا ( ~~@QUR@02 والذي فطرنا ) وخلقنا وأوجدنا ، وما زال يرعى حياتنا بنعمه ولطفه ~~ورحمته .. ، فمن أنت أمام الله؟ وما حجمك وما قيمتك؟ وما هي قوتك؟ وما دورك ~~بالنسبة إلينا وإلى بقية الناس ، ليكون لك علينا وعلى ms3577 الناس حق الطاعة؟ من ~~أنت؟ إنك مجرد مخلوق ضعيف لا تملك لنفسك نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا موتا ~~إلا بالله. وما قدرتك؟ ومن أين لك كل هذه الإمكانات والوسائل؟ إنها من ~~الله. فقد أعطاك إياها لحكمة ، وسيسلبك إياها في أي وقت. فما ذا تريد وماذا ~~تستطيع أن تفعل؟ إنك قد تملك السيطرة الغاشمة على أجسادنا ، ولكنك لن تملك ~~السلطة على أفكارنا وأرواحنا ومشاعرنا التي ترفضك وترفض كل طريقتك وكل ~~الواقع المنحرف الكافر الذي تتحرك فيه وتتحكم به ، ( @QUR@09 فاقض ما أنت ~~قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) هل تريد أن تقتلنا ، هل عندك أكثر من ~~التمثيل والصلب والقتل؟ إننا لن نخسر الكثير ، إنها حياتنا الدنيا نفقدها ، ~~ونفقد شهواتها ومنافعها وملذاتها ، ونخسرها ، ولكنها لن تكون الخسارة ~~الكبيرة ، فهناك الدار الآخرة التي تنتظر المؤمنين ، لهم فيها رحمة الله في ~~ما أعد لهم من نعيم الجنة وسعادة الرضوان. # ( @QUR@06 إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ) التي أسلفناها في ماضي ~~حياتنا في ممارستنا الذاتية تجاه أنفسنا ، وفي معاونتنا لك في تضليل الناس ~~وحرفهم عن صراط الحق ، وها نحن نتوب إليه من موقع الإيمان به والالتزام ~~بخطه المستقيم في الحياة ، ليغفر لنا ذلك كله ، ( @QUR@05 وما أكرهتنا عليه ~~من السحر ) الذي كان أداة من أدوات الخداع والحيلة والضلال ، واستعراض ~~القوة لمصلحتك. ولكننا كنا مستكرهين في ما فرضته علينا من سلطة ، وأغرقتنا ~~فيه من ضلال ، وحددته لنا من دور ، وهددتنا به من قوة غاشمة ، وأغريتنا به ~~من مال وجاه PageV15P136 # وسلطة ... وها نحن نضرع إلى الله أن يغفر لنا واقعنا المنحرف كله ، ~~وستزول أنت ، وسيزول ملكك إن عاجلا أو آجلا. وسيزول كل هؤلاء الذين من حولك ~~، ممن يزينون لك الباطل ويشوهون لك الحق ، ويساعدونك في ظلم الناس ، ~~ويمنعونك عن العدل ، ويبقى الله .. ، ويبقى ملكه .. ، ( @QUR@03 والله خير ~~وأبقى ) للإنسان في الدنيا والآخرة ، لأنه الرب العظيم الذي يرحم خلقه ~~ويرعاهم ، ويهيئ لهم سعادة الدنيا والآخرة إذا أطاعوه وعملوا بما يحب. # ( @QUR@05 إنه من يأت ربه مجرما ) عاصيا منحرفا من دون أن يتوب ms3578 إلى الله ~~من ذنوبه ، أو يصحح طريقه ، ( @QUR@08 فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ) ~~لأنه لن يذوق فيها لذة الحياة ، ولن يستريح فيها في هدأة الموت وراحته ، بل ~~يظل في عذاب متحرك بين الموت والحياة ، جزاء على تمرده على الله وانحرافه ~~عنه من دون حجة ولا هدى. # ( @QUR@06 ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ) فكان إيمانه متحركا في مواقع ~~الفكر والروح والشعور ، ومتجسدا في حركة الواقع العملي في حياته وحياة ~~الناس من حوله ، بما يصلح أمره وأمرهم ، ويرفع مستوى حياته وحياتهم ، طاعة ~~لله ، وطلبا لرضاه ، ( @QUR@04 فأولئك لهم الدرجات العلى ) التي أعدها الله ~~لعباده المؤمنين الصالحين ، تبعا لدرجاتهم في الايمان والتقوى والالتزام ، ~~فكل درجة في الآخرة تقابل درجة في الإيمان في الدنيا ، ( @QUR@012 جنات عدن ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ) وطهر فكره وروحه من ~~كل أرجاس الباطل والشهوات والمطامع والضلال ، وذلك هو الفوز العظيم. # وهكذا استطاع هؤلاء أن يقفوا الموقف الذي يؤكدون من خلاله إيمانهم ~~وتمردهم على كل التهديدات القاسية التي وجهها إليهم فرعون ، لأنهم ارتفعوا ~~بإيمانهم بالله ، وانفتاحهم على عالم الغيب ، عن كل مواقع الخوف ونقاط ~~الضعف ، وانطلقوا مع قوة الله التي لا قوة فوقها أو معها .. إلا من خلالها .. # * * * PageV15P137 ### ||| ** دروس للمجاهدين # وهذا هو الدرس العظيم الذي يقدمه القرآن للمجاهدين الذين قد يقفون مثل ~~هذا الموقف أمام طغاة زمانهم ، فيواجهون التهديد بالسجن والقتل والصلب ، ~~ليتنازلوا عن مواقفهم ، وليتركوا مواقعهم ، وليسقطوا أمام التجربة الصعبة ، ~~فيتعلمون من هؤلاء السحرة الذين رفضوا كل الامتيازات التي كانوا يملكونها ~~في حكم فرعون من مال وسطوة وجاه ، لأنهم اختاروا الإيمان على الكفر ، ~~والهدى على الضلال ، والتزموا بالله وتركوا فرعون. فلم تعد الدنيا تمثل لهم ~~أي شيء ، أمام الآخرة التي تمثل لهم كل شيء. # * * * ### ||| ** انتصار موسى عليه السلام وهلاك فرعون # استطاع موسى أن يؤكد مواقع القوة في حركة رسالته بحيث ترك تأثيره على ~~قومه ، فعاشوا لأول مرة ، إرادة الحرية ونعمتها بعد ان كانوا يخافون من ~~مجرد التفكير فيها ولو في سرهم. وبدأت عملية ms3579 المواجهة على الأرض بين موسى ~~وفرعون. # ( @QUR@07 ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ) إلى أرض الحرية الجديدة ~~بعيدا عن سطوة فرعون ، فإذا لم تستطع أن تحصل على الإذن منه بأن يرسل معك ~~بني إسرائيل ، فتقدم لتتسلم زمام المبادرة من دون حاجة إلى إذنه ، لأنك لم ~~تعد بحاجة إليه بعد أن أصبحت في موقف القوة ، وأصبح هو ، في موقف الضعف. ~~وستجد أمامك معجزة جديدة ، فستدخل البحر من دون أن يكون هناك جسر PageV15P138 # تقطعه ، ولا سفينة تقلك وقومك ، وسيحول الله البحر إلى أرض يابسة حتى ~~تنتهي إلى الشاطئ الآخر ، فأسر بقومك ، ( @QUR@06 فاضرب لهم طريقا في البحر ~~يبسا ) فإذا ضربت البحر بعصاك فسينشق الماء أمامك ، وتبدو الأرض بشكل مفاجئ ~~معجز ، ( @QUR@05 لا تخاف دركا ولا تخشى ) لأنك تسير بأمان الله ، فلا تخاف ~~نقصا ولا تخشى ملاحقة ومضايقة من فرعون وقومه. # وسار موسى بقومه ، وانفتح لهم الطريق في البحر ، ( @QUR@03 فأتبعهم فرعون ~~بجنوده ) وقد هالهم ما استطاع موسى أن يبلغه بتنفيذ خطته من دون رضاهم ، ~~وساروا خلفهم ، وقد رأوا البحر مفتوحا أمامهم ، حتى إذا استكملوا عددهم ولم ~~يبق منهم أحد في الشاطئ ، جاءهم الموج من كل مكان ، ( @QUR@05 فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم ) من الماء ، وماتوا جميعا غرقا ، ولم يستفد أحد منهم في ما ~~عاشه من كفر وطغيان ، ( @QUR@03 وأضل فرعون قومه ) وضيع عليهم الدنيا ~~والآخرة ، ( @QUR@02 وما هدى ) لأنه استغل حياتهم لذاته ، فلم يهدهم سواء ~~السبيل. # * * * PageV15P139 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور ~~الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) @QUR@017 كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) @QUR@09 ~~وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) @QUR@06 وما أعجلك عن ~~قومك يا موسى (83) @QUR@09 قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) ~~@QUR@09 قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) @QUR@027 فرجع ~~موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم ms3580 موعدي (86) @QUR@015 ~~قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) @QUR@012 فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا ~~إلهكم وإله موسى فنسي (88) @QUR@012 أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) @QUR@017 ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم ~~إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) @QUR@09 قالوا ~~لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) @QUR@08 قال يا هارون ما ~~منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) @QUR@04 ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) PageV15P140 # @QUR@020 قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) @QUR@05 قال فما خطبك يا سامري (95) ~~@QUR@016 قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ~~وكذلك سولت لي نفسي (96) @QUR@028 قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا ~~مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم ~~لننسفنه في اليم نسفا (97) @QUR@012 إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ~~وسع كل شيء علما ) (98) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 فيحل عليكم غضبي ): وجب عليكم ولزم. # ( @QUR@01 أسفا ): صفة مشبهة من الأسف ، وهو الحزن وشدة الغضب. # ( @QUR@01 بملكنا ): الملك : الإرادة والاختيار. # ( @QUR@01 أوزارا ): أثقالا. # ( @QUR@02 لن نبرح ): لن نزال. # ( @QUR@01 عاكفين ): مقيمين ، ملازمين. # ( @QUR@01 فنبذتها ): فطرحتها. # ( @QUR@01 سولت ): زينت. # ( @QUR@02 لا مساس ): لا مخالطة ، كناية عن تحسره المداوم من الوحدة ~~والوحشة. PageV15P141 # ( @QUR@01 لننسفنه ): لنذرينه. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام في مواجهة رواسب الكفر عند قومه # ... وانتقل موسى بقومه إلى شاطئ الحرية والأمان ، وهلك فرعون وجنوده. ~~ولكن ، هل استوعب بنو إسرائيل أجواء الرسالة الروحية التي تنفتح بهم على ~~الله؟ وهل وعوا كيف استطاعت حركة موسى الرسالية أن تحررهم من عبودية ~~الإنسان ، لتنقلهم إلى عبودية الله في ما توحي إليهم بالحرية أمام الكون ~~كله؟ ربما كانت مسألة استيعاب الرسالة ، ووعي المعنى العميق للحرية يحتاج ~~إلى الكثير الكثير من الجهد والمعاناة ، والوقت الطويل. وهذا ما نحاول أن ~~نستوحي بعضه من هذا الفصل المثير ، في قصة موسى ، من هذه السورة. # ( @QUR@07 يا بني إسرائيل قد ms3581 أنجيناكم من عدوكم ) الذي استعبدكم واضطهدكم ~~وفرض عليكم نفسه من موقع الربوبية ، وسخركم لمطامعه ، فكنتم قاعدة ملكه ~~وجبروته ، وذبح أطفالكم واستباح نساءكم ، وعشتم زمنا طويلا معه ، من دون أن ~~تحلموا بالحرية الإنسانية التي تحترمون فيها إنسانيتكم ، فلم تفكروا ~~بالثورة عليه ، لأنكم كنتم تعيشون الانسحاق الروحي أمامه. وأرسلنا لكم موسى ~~برسالتنا ، فواجهه بها ، وأيدناه بنصرنا حتى انتصر عليه ، وجاء بكم من ~~مواقع العبودية إلى ساحات الحرية ، وأرجعنا لكم إنسانيتكم المسلوبة ، ( ~~@QUR@04 وواعدناكم جانب الطور الأيمن ) الذي واعد الله به موسى لينزل عليه ~~التوراة التي فيها شريعة الله التي تصلح لكم شؤونكم وتنظم لكم حياتكم ، ~~وتقودكم إلى واحة الرسالة الإلهية ، ( @QUR@04 ونزلنا عليكم المن والسلوى ) ~~الذي فيه الغذاء الشهي ، لتبدأوا حياة جديدة في رعاية الله وعنايته ، وفي ~~شعور غامر بالكرامة الإنسانية التي تربطكم PageV15P142 # بالأصالة وتسير بكم على هدى الخط المستقيم في الحياة. ( @QUR@05 كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم ) من المن والسلوى وغيرها مما أفاضه الله عليكم من ثمار ~~الأرض وأنعامها ، ( @QUR@03 ولا تطغوا فيه ) فتوجهوه إلى ما حرمه الله ~~عليكم ، أو تكفروا النعمة فيه ، فتمتنعوا عن شكرها ، ( @QUR@03 فيحل عليكم ~~غضبي ) الذي يطال كل عبادي المنحرفين عن خط الحق في رسالة الله ، ويمتنعون ~~عن شكر النعمة في خط الإيمان ، ( @QUR@06 ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) في ~~مهاوي الهلاك والسقوط ، لأن أساس القوة في حياة الإنسان ، هو ما يتصل بقوة ~~الله في وجوده ، فإذا انفصل عن الله ، وكله إلى نفسه ، وإذا غضب الله عليه ~~، وخرج عن رحمته. خرج عن ثبات الموقف ودخل دائرة الاهتزاز الذي يهوي به إلى ~~مهاوي الدنيا والآخرة. # ( @QUR@07 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ) وذلك بأن ينتقل من جو ~~الشرك إلى التوحيد ، ومن جانب الانحراف إلى خط الاستقامة ، ومن حركة الكفر ~~إلى حركة الإيمان والعمل الصالح. وبذلك تكون التوبة عنوانا للتراجع عن كل ~~الماضي الذي لا يلتقي بالله وبرسله ورسالاته ، وتكون مدخلا لاجتناب كل ~~أنواع الكفر والشرك ، والمعصية والانحراف ، ( @QUR@02 ثم اهتدى ) كنتيجة ~~للخط الذي تتحرك فيه التوبة والإيمان والعمل الصالح ، فيكون هو العنوان ~~الذي ms3582 يحكم حياة الناس في الاهتداء إلى الطريق المستقيم. # وقد لا يكون من الضروري أن يكون العطف ب ( @QUR@01 ثم ) موجبا للتراخي ~~الزماني ، بل يكفي فيه أن يكون هناك ترتيب في طبيعة حركة الأشياء ، تماما ~~كما هي النتيجة والمقدمات ، أو العنوان والمعنون. فإن ذلك هو الملحوظ في ما ~~يستهدفه القرآن من حركة الإنسان بأن تكون انتقالا دائما من الضلال إلى ~~الهدى ، ليكون الثبات والاستمرار في خط الهدى السائر إلى الله. # وهكذا يكون الانفتاح على الهدى والسير في طريقه ، موجبا لغفران الله PageV15P143 # للمهتدين ، عما أسلفوه من كفر وشرك وانحراف ، وفي ما يمكن أن يقعوا فيه ~~من خطايا وذنوب. # * * * ### ||| ** سقوط قوم موسى عليه السلام في التجربة # ( @QUR@06 وما أعجلك عن قومك يا موسى ) وهذا خطاب من الله لموسى ~~عليه السلام في مناجاته له في الطور ، فقد كان من المفروض أن يلتقي ربه مع ~~قومه ، ولكنه استعجل فوصل قبلهم ، ( @QUR@05 قال هم أولاء على أثري ) ~~سائرون خلفي ، ولكن شوقي إليك وحبي لك قادني إليك بسرعة ، ( @QUR@04 وعجلت ~~إليك رب لترضى ) فأنت الرب الواحد الذي ألقاه ولا ألقى غيره بكل قلبي وحبي ~~وإيماني لأنك غايتي ومقصدي وملجئي في كل شيء. ولهذا لم أنتظرهم بل عجلت ~~إليك لأحصل على حبك ورضاك ، لكن قومه لم يلحقوا به فكأنما أراد الله أن ~~ينبئه بالسؤال عن حقيقة حال قومه. # ( @QUR@07 قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ) واختبرنا إيمانهم بالتجربة ~~الصعبة التي تهز مشاعرهم ، وتزلزل كيانهم ، وتعيدهم إلى أجواء الأصنام التي ~~كانوا يعبدونها أو يعيشون أجواءها لنعرف صدق إيمانهم ، فسقطوا في الامتحان ~~، ( @QUR@02 وأضلهم السامري ) الذي صاغ لهم العجل وأخرجه إليهم بطريقة ~~عجيبة حتى كان له خوار ، كما لو كان من لحم ودم. ولم يكن هؤلاء هم السبعون ~~رجلا الذين جاؤوا معه لمناجاة الله ، بل هم الباقون مع هارون. # ( @QUR@06 فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) فقد هزته المفاجأة التي أسقطت ~~كل خططه بعد أن ركز على هؤلاء الذين بذل كل جهده في سبيل تحريرهم من ~~عبوديتهم لفرعون ، ليحررهم من عقلية الأوثان ليخلصوا العبادة لله ، ~~ويلتزموا ms3583 خط الإيمان به وحده. وجاء الآن ليأخذ من ربه وحي الشريعة التي ~~يريد ، من PageV15P144 # خلالها ، أن يبني المجتمع المؤمن الذي يصنع على عين الله ووحيه ، فكيف ~~حدث كل هذا الانحراف وبهذه السرعة؟ وكيف استسلموا للضلال؟ وأين كان هارون؟ ~~إنه يعيش الآن روح الغضب ، ومرارة الحزن ، وها هو يواجههم بالتأنيب والنقد ~~اللاذع ، ( @QUR@08 قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ) في ما أراده بكم ~~من رحمته بإنزال التوراة التي فيها الخير والهدى والنور والشريعة الجديدة ~~التي تنظم لكم أمركم ، وتدفعكم إلى الخير كله في طريق الله؟ لقد كنت معكم ~~عن قريب ولم يبدر منكم ما يشير إلى ما أنتم عليه الآن ، ( @QUR@03 أفطال ~~عليكم العهد ) في غيابي عنكم حتى نسيتم المواثيق والعهود التي أكدتها عليكم ~~في ما أكدته من عهد الإيمان وميثاقه ، في الإخلاص لله سبحانه ، وفي توحيده ~~في العقيدة والعبادة؟ إن غيابي عنكم لم يكن طويلا ، ( @QUR@08 أم أردتم أن ~~يحل عليكم غضب من ربكم ) فانحرفتم عن خط الاستقامة من دون مراعاة لحركة ~~العقيدة في حياتكم الفكرية والعملية ، وفي موقفكم من ربكم. فهل كنتم ~~تستنزلون غضب ربكم بذلك من دون خوف ولا وجل؟ ( @QUR@02 فأخلفتم موعدي ) في ~~ما كان يتمثل فيه موقفكم الروحي من الوعد العملي ، بأن تحسنوا خلافتي في ~~هذا الخط الإيماني الذي عشنا الحياة كلها والجهد كله من أجل أن نلتزمه ~~ونسير عليه ، وفي ما يعينه موقع القيادة في حركة القاعدة والنبوة في روحية ~~المؤمنين. # ( @QUR@05 قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ) في ما نملكه من أمرنا ، أو بما ~~صرفناه من أموالنا ، لأننا كنا مشدودين إلى حالة الإغراء الذي هيأه هذا ~~الرجل من خلال الأجواء النفسية التي استغل فيها جو الغفلة الذي نعيشه ، أضف ~~إلى ذلك الرواسب التي تستيقظ في نفوسنا فتترك تأثيراتها على حركة الإنسان ~~بطريقة لا شعورية ، ( @QUR@03 ولكنا حملنا أوزارا ) أي أثقالا ، ( @QUR@03 ~~من زينة القوم ) وربما كان المراد به قوم فرعون في ما تركوه من زينة ذهبية ~~، ( @QUR@01 فقذفناها ) في النار ، ( @QUR@03 فكذلك ألقى السامري ) ما عنده ~~كما ألقينا ما عندنا ، أو أنه ms3584 ألقى ما عندنا في النار ليحوله بطريقة معينة ~~إلى تمثال ذهبي مثير ، ( @QUR@06 فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ) فهو لا PageV15P145 # يحمل أي مظهر للحياة في داخل تكوينه ، ولكنه يتميز بأن له صوتا كصوت ~~العجل ، مما يعطيه ميزة مقدسة توحي بأنه يحمل في ذاته بعض الأسرار الإلهية ~~، تماما كما هي الخصائص الشكلية التي تصنع في الأوثان التي كانوا يعبدونها ~~من أجل الإيحاء بعمق القداسة في شخصيتها ، ليخدعوا الناس البسطاء بذلك. # * * * ### ||| ** تحرك الرواسب الوثنية # وهكذا ابتدأت رواسبهم الوثنية تتحرك ، فهم يرون ، لأول مرة ، بعد هذه ~~الرحلة الطويلة مع موسى ، وثنا ينطلق في دائرتهم الاجتماعية ، وقد كانوا ~~سألوا موسى سابقا عند ما خرجوا من البحر فشاهدوا قوما يعكفون على أصنام لهم ~~، أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة ، ولكن موسى قال لهم ، ( @QUR@03 إنكم قوم ~~تجهلون ) [الأعراف : 138]. وها هم يسقطون أمام التجربة في غياب موسى ~~عليه السلام الذي يخافونه ويخشون غضبه ، ( @QUR@05 فقالوا هذا إلهكم وإله ~~موسى ) ربما قالها السامري ومساعدوه ، وربما قالها بعضهم لبعض ، ( @QUR@01 ~~فنسي ) في حكايتهم عن موسى الذي نسي إلهه هنا ، فمضى يطلبه في الطور ، أو ~~عن السامري الذي نسي حقيقة الوحدانية في الإله الذي هو رب كل شيء. # ويتدخل الوحي القرآني ليثير الإيحاءات التي تكشف زيف الموقف ، لفقدان ~~الأساس العقلي الذي يرتكز عليه في ما يملكه الإله من خصائص ذاتية من قدرة ~~التحرك ووعي الأشياء ، والتمكن من النطق على الأقل. ولكن هذا العجل لا ~~يستطيع أن يستجيب ، ولو بالإشارة ، إلى من يدعوه ، ولا يملك لهم أية قدرة ~~على النفع والضرر ، فكيف يتصورونه إلها لهم ولموسى بدلا عن الله الواحد ~~الذي دعاهم موسى إليه ودلهم عليه ، ( @QUR@012 أفلا يرون ألا يرجع إليهم ~~قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) بل هو مجرد شيء جامد لا حياة فيه ، مصنوع ~~للإنسان ، PageV15P146 # فكيف يكون صانعا له؟ أو أن مسألة الإله لديهم تختلف عما هو في الوعي ~~الدقيق للمسألة. # * * * ### ||| ** موقف هارون # ولم يقف هارون الذي كان يشهد كل هذا الانحراف ، موقف اللامبالاة السلبي ~~تجاه ذلك ، بل حاول ms3585 أن يثير في أنفسهم الفكرة الرافضة له ، ويعرفهم طبيعة ~~الموقف ، ليفكروا فيه بدقة ، فلا يستسلموا للأجواء الانفعالية المحيطة بهم. # ( @QUR@011 ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به ) فهو الصورة ~~المتحركة للامتحان والاختبار لإيمانكم ، ليظهر صدقه في ما تشتمل عليه ~~عقولكم من ركائز ، أو ليتبين زيفه ، على أساس أن الرواسب التاريخية للحالة ~~الصنمية هي التي تشدكم إلى الموقف في العقيدة والممارسة ، وأن اتباعكم ~~لموسى كان منطلقا من قوة شخصيته ، لا من الانسجام مع رسالته. فحاولوا أن ~~تنتبهوا إلى طبيعة الخطة الشيطانية التي نصبت لكم ، فلا تغمضوا عيونكم عنها ~~وفكروا بأن هذا لا يمكن أن يكون ربا لكم ، لأنه لا يملك أي عنصر من عناصر ~~الربوبية ، ( @QUR@03 وإن ربكم الرحمن ) الذي خلقكم من رحمته ، فجعلها ~~عنوانا لربوبيته ولخلقه ، فأنعم عليكم بنعمه الظاهرة والباطنة ، وأفاض ~~عليكم من لطفه وفضله ورعايته وعنايته ، في ما سخره لكم من الكون كله ~~لترتاحوا فيه ، ولترجعوا اليه ، ( @QUR@03 فاتبعوني وأطيعوا أمري ) لأنني ~~حجة الله عليكم ، ولن أدعوكم إلا إلى ما دعاكم إليه موسى من خير وصلاح. # ( @QUR@09 قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) لأننا لا ~~نركن إلا إليه فهو النبي الأصيل الذي حمل الرسالة ، وقاد المعركة ، وتحمل ~~المسؤولية ، أما أنت ، فإنك مجرد شريك ووزير مساعد تابع ، ولكنك لا تستقبل ~~الوحي كما PageV15P147 # يستقبله ، ولا تملك من الأمر ما يملكه. ولذلك لم يكن لك أي دور في حركة ~~الصراع مع فرعون إلا من خلال حضورك السلبي مع موسى ، فأترك الأمر لموسى ~~ليتدبره معناه ، ولنتدبره معه ريثما يعود. # ولم يقصر هارون في الدعوة والإرشاد ، ولكنه لم يكن عنيفا معهم كما كان ~~أسلوب موسى القائم على العنف والشدة ، لأنهم اعتادوا ، في ما يبدو ، على أن ~~يطيعوا الأوامر الصادرة إليهم من القوي في حسابات الرهبة المرتكزة على ~~مواقع القوة ، ومركز السلطة. ولم يركزوا حياتهم على أساس الفكر والتحليل ~~والتأمل ، فهم أقرب إلى المجتمع الذي ينفذ التعليمات من المجتمع الذي يحلل ~~الأفكار والمواقف ، تماما ككل الشعوب التي تعيش مدة طويلة تحت ms3586 الحكم الظالم ~~الطاغي الذي يربيها على أساس الطاعة المنفعة بالسوط الذي يسلطه على رؤوسهم ~~، والضغط الذي يمارسه على وجودهم وكان موسى ينتظر من هرون أن يكون حاسما في ~~مثل هذه المسائل ، لأن المسألة لا تتصل بالقضايا الجزئية الإجرائية ، بل ~~تتصل بالقاعدة التي ترتكز عليها الرسالة في مفاهيمها الأصيلة الأولى ، ~~ولهذا فقد كان رد فعله تجاه أخيه قاسيا. # * * * ### ||| ** معاتبة موسى عليه السلام لهارون # ( @QUR@012 قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري ) ~~لقد طلبت منك أن تصلح أمرهم ، وكنت تعرف ما هو الأسلوب الأفضل في عملية ~~الإصلاح من خلال التجربة المشتركة التي خضناها معهم في حركة الرسالة ، فما ~~الشيء الذي منعك أو دعاك لأن لا تتبعني في طريقتي أو في أسلوبي؟ أفعصيت ~~أمري الذي طلبت منك فيه أن تخلفني في قومي ، فتكون مكاني حتى كأني موجود ~~بينهم؟ ( @QUR@09 قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) إنى أناشدك الأم التي PageV15P148 # حملتنا معا مما جعل العلاقة بيننا أعمق من أية علاقة أخرى ، وأسترحمك أن ~~تهدأ وأن تبرد غضبك الذي دعاك إلى أن تتصرف معي بقسوة ، فتأخذ بلحيتي ~~وبرأسي لتشدهما بغير رحمة. وأريد منك أن تستمع لي بهدوء. # لم يكن الأسلوب الذي اتبعته ناشئا من موقف ضعف ، أو مخالفة للتعليمات ، ~~بل كان ناشئا من دراسة هادئة للموقف. فقد كان الجو المسيطر على الساحة ~~انفعاليا ، وقد كان بحاجة إلى شخصية تفرض نفسها على القوم من موقع قوة ~~تمارس تأثيرها عليهم ، بعيدا عن طبيعة الأسلوب الذي تتبعه معهم. فهي التي ~~يمكن أن تفرض نفسها على الجميع بقوة ، وهذا ما تملكه أنت ، في موقعك عندهم ~~، لأنك الذي هزمت فرعون أمامهم وحررتهم من العبودية له ، مما جعلك عندهم في ~~مواقع القوة العليا ، بالإضافة إلى صفتك الرسالية ، أما أنا فلا أملك ~~أمامهم ما تملكه ، ولذلك فقد يكون تدخلي العنيف موجبا لانقسام القوم بين ~~مؤيد ومعارض ، مما يوجب اختلال العلاقات في ما بينهم ، وإفساد الواقع ~~الاجتماعي الذي قد يتحول إلى قتال. وقد فهمت من كلامك أنك ms3587 تريد مني أن أصلح ~~بينهم ، ولهذا فقد أعلنت الموقف ، وتركت الحل الحاسم لك عند ما تعود ، ~~لتعالج المسألة من موقع الوحدة لا من موقع الخلاف. # ( @QUR@011 إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) في ~~جمع شملهم وتوحيد كلمتهم. وقد استوعب موسى حديث هارون معه في تبرير موقفه ~~في ما نستوحيه من الآية الكريمة : ( @QUR@011 قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا ~~في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) [الأعراف : 151]. # * * * PageV15P149 ### ||| ** ملاحظة على موقف موسى عليه السلام من هارون # ولنا ملاحظة ، على الموقف العنيف الذي اتخذه موسى عليه السلام من أخيه ، ~~هذا الموقف الذي أبدى فيه غضبا ظاهرا على ما وصل إليه حال قومه في غيابه. # إننا لا نجد في موقفه هذا ابتعادا عن خط الطاعة لله ليكون منافيا ~~للاستقامة الشرعية في دائرة العصمة ، ولكننا نجد فيه انسياقا مع نقاط الضعف ~~الانفعالية التي توحي بأن بشرية النبي قد تدفعه إلى نقاط الضعف الطبيعية ~~التي قد يغفل فيها عن بعض المناسبات الشكلية أو المعنوية. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام والسامري # ( @QUR@05 قال فما خطبك يا سامري ) كيف فعلت ما فعلته من هذا الأمر ~~الخطير الذي جئت به؟ وهذا هو معنى الخطب الذي هو الأمر الخطير الذي يهمك ، ~~( @QUR@012 قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ) ~~وتتحدث الروايات المتنوعة عن هذا الذي بصر به السامري وحده ، ولم يبصره ~~الآخرون ، عن رؤيته جبرئيل وقد نزل الوحي على موسى ، أو رآه على فرس من ~~الجنة أمام فرعون وجنوده حين دخلوا البحر فأغرقوا ، فأخذ قبضة من تراب أثر ~~قدمه أو أثر حافر فرسه ، ومن خاصة هذا التراب أنه لا يلقى على شيء إلا حلت ~~فيه الحياة ودخلت فيه الروح ، فحفظ التراب حتى إذا صنع العجل ألقى فيه من ~~التراب فحي وتحرك وخار ... # ولكن دراسة هذه الروايات تجعل الباحث يشكك بوثاقتها ، لأنها تتناقض PageV15P150 # في تفاصيلها ، لا سيما أنها تتحدث عن تأثير هذا التراب في منح الحياة لكل ~~ما يلقى عليه مما يجعلنا نقول إنه من الضروري ، في مثل ms3588 هذه الحال ، أن تدب ~~الحياة في المكان الذي حفظ فيه ، كما أن الظاهر القرآني لا يوحي بانبعاث ~~الحياة والروح في العجل المصنوع ، لأن التعبير القرآني يصفه جسدا له خوار ، ~~مما يعني جسدا خاليا من الروح ولكنه يحمل صوت العجل. ولو كانت المسألة كما ~~تقول الروايات ، لكان من المفروض التعبير عنه بالعجل. وعلى أي حال فهي ~~أخبار آحاد لا تقوم بها حجة في التفسير ، لأن حجية خبر الواحد ، في ما لم ~~يفد القطع والاطمئنان ، لا تعني إلا ترتيب الأثر الشرعي على مضمونه ، في ما ~~كان له أثر شرعي. أما الأمور التي تتضمن أخبارا عن قضايا كونية في السماء ~~أو في الأرض ، أو عن أحداث تاريخية فلا مجال للاعتماد على الخبر الواحد ~~فيها بنفسه ، بل يتبع القطع أو الاطمئنان ، من باب حجيتهما بعيدا عن الخبر. ~~فلنترك الموضوع لعلم الله ، كالكثير مما أجمله القرآن ولم نصل فيه إلى يقين ~~، لا سيما إذا كان الأمر مما لا يتعلق به خط العقيدة في ما يجب اعتقاده ، ~~أو خط العمل ، في ما يجب الالتزام به. # ( @QUR@04 وكذلك سولت لي نفسي ) فليس هناك سر خفي أدعيه من وحي أو غيب ، ~~بل كل ما هناك أني استسلمت لبعض رغبات النفس الأمارة بالسوء ، في ما سولت ~~لي بأن أثير في المجتمع أوضاعا قلقة تربك الجو ، وتنحرف بالمسيرة ، وتقوده ~~إلى الضلال ، تماما كأية حالة ذاتية يتحرك الإنسان من خلالها لتلبية رغبة ~~محمومة تسيطر عليه. ( @QUR@02 قال فاذهب ) واخرج من المجتمع كله ، وعش وحدك ~~ما دمت قد تحركت منساقا وراء رغباتك الخاصة ، على حساب سلامة المجتمع وفكره ~~ومصيره ، مما لا يمكن أن يمارسه عاقل مسئول يتحمل مسئوليته عن مصير مجتمع. ~~فإذا كنت قد فضلت الاستسلام لرغباتك ، وأغفلت المجتمع ، فعش مع نفسك لنفسك ~~، ( @QUR@08 فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) فلا تخالط الناس ولا تمس ~~أحدا ولا يمسك أحد ، كناية عن العزل PageV15P151 # الاجتماعي ، والمقاطعة العامة في كل أنواع العلاقات والمعاملات. # ( @QUR@05 وإن لك موعدا لن تخلفه ) إذا أراد الله لك هلاكا في الدنيا أو ms3589 ~~عذابا في الآخرة ، وذلك هو جزاء الذي يعمل على إضلال الناس وإبعادهم عن ~~الحق من دون شعور بالمسؤولية الاجتماعية ، أو بالرقابة الإلهية. ( @QUR@07 ~~وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) الذي صنعته لتضل به الناس وتبعدهم به ~~عن خط التوحيد ، ( @QUR@06 لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) فسيحرق ~~بالنار ويذري في البحر ذروا. وربما استفاد البعض من التهديد بإحراقه أنه ~~كان حيوانا ، لأن الذهب لا يحرق ، ولكن المذكور في الآية هو الزينة التي قد ~~تكون من الذهب الخالص ، وقد لا تكون كذلك ، فلا دليل فيه على ذلك. # ( @QUR@08 إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ) لأن كل من عداه فهو ~~مخلوق له ، فكيف يكون إلها من دونه؟ أو يكون شريكا له في الألوهية؟ وهو ~~الذي لا حد لعلمه ( @QUR@04 وسع كل شيء علما ) فكيف يكون المحدود في علمه ~~الذي يستمد علمه منه ، ويتحرك في دائرة مخلوقاته ، شريكا له ، أو ندا؟! # * * * # وتنتهي قصة موسى في هذه السورة بهذه الحادثة ، لأن هذا الجو الذي تحركت ~~به الآيات السابقة هو جو حركة العقيدة في الرسالة ، وحركة الرسول في ساحة ~~الصراع ، وحركة المجتمع في ساحة التنفيذ. وتركت بقية التفاصيل لموقع آخر ، ~~وهدف آخر. # وهكذا يكون دور قصة موسى عليه السلام دورا متحركا يتوزع أكثر من هدف قرآني ~~في ما يريد الله لعباده أن يتذكروا التاريخ من جوانبه المتنوعة في عملية ~~العطاء الروحي والفكري والعملي. # * * * PageV15P152 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ~~(99) @QUR@08 من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) @QUR@07 خالدين ~~فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) @QUR@08 يوم ينفخ في الصور ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا (102) @QUR@06 يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) ~~@QUR@012 نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ~~(104) @QUR@07 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) @QUR@03 ~~فيذرها قاعا صفصفا (106) @QUR@06 لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) @QUR@013 ~~يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ~~(108) @QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ms3590 ورضي له قولا ~~(109) @QUR@010 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) ~~@QUR@09 وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) @QUR@011 ومن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) @QUR@014 وكذلك ~~أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ~~(113) @QUR@017 فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه وقل رب زدني علما ) (114) # * * * PageV15P153 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصور ): نفخ في الصور : كناية عن الإحضار والدعوة. # ( @QUR@01 زرقا ): جمع أزرق ، والمراد بكونهم زرقا : كونهم عميا. # ( @QUR@01 يتخافتون ): يتحدثون بصوت خفي ، يتهامسون. # ( @QUR@01 قاعا ): القاع : الأرض الملساء. # ( @QUR@01 صفصفا ): الصفصف : المستوي من الأرض. # ( @QUR@01 عوجا ): العوج : الانخفاض. # ( @QUR@01 أمتا ): الأمت : الارتفاع اليسير. # ( @QUR@02 وعنت الوجوه ): خضعت وذلت. # ( @QUR@01 هضما ): الهضم : البخس والنقص. # ( @QUR@01 وصرفنا ): كررنا وفصلنا ، والتصريف : التحويل من حال إلى حال. # * * * ### ||| ** من مشاهد القيامة في القرآن # وتلك هي القصة في مضمونها الذي يشير إلى الإنسان في التزامه العملي ~~برسالات الله ، وتحويل الحياة في مجالاتها الفردية والاجتماعية إلى ساحة من ~~ساحات طاعة الله. وذلك هو الذي يلح على القلب الإنساني أن يخشى ، وعلى ~~العقل البشري أن يتذكر ، لأن الغفلة تعطل دور الإنسان وتمنعه من أن يعيش ~~مسئوليته بقوة وإخلاص. PageV15P154 # ( @QUR@08 كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) من الرسل في التاريخ ممن ~~كان لهم الدور الكبير في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ، لتعتبر ، ~~ويعتبر الذين اتبعوك ، في ما يمكن أن تأخذه من درس في تجربة الدعوة والحركة ~~، وفي ما يمكن أن تحصل عليه من خشية لله. ( @QUR@05 وقد آتيناك من لدنا ~~ذكرا ) بما أوحينا إليك من القرآن الذي تتنوع فيه الأفكار والمفاهيم والقصص ~~والمواعظ ، من أجل أن تتعرف من خلاله على حقائق الأمور وتفاصيل القضايا ~~التي تتصل بمسؤوليتك أمام الله في الدنيا والآخرة ، ف ( @QUR@08 من أعرض ~~عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ) بما يمثله الإثم من الثقل العظيم الذي ~~ينوء بحمله الظهر في ما يكلفه من جهد كبير على مستوى النتائج السلبية ~~للمسؤولية ، لأن الإنسان الذي يعرض عنه ، هو الإنسان الذي يبتعد ms3591 عن الخط ~~المستقيم بعد قيام الحجة عليه من الله في ما أنزله من آيات ، وقدمه له من ~~البينات ، فلم يكن له عذر في الانحراف عن الخط من شبهة أو ريب ، بل لله ~~الحجة عليه في كل ذلك. ( @QUR@02 خالدين فيه ) أي في الجزاء الذي يترتب على ~~الإثم ، ( @QUR@05 وساء لهم يوم القيامة حملا ) لأنه الحمل الذي يشقى به ~~صاحبه ، ينتهي به إلى النار وبئس القرار. # ( @QUR@04 يوم ينفخ في الصور ) فيحضر الناس جميعا إلى ربهم خارجين من ~~الأجداث ، ويقفون أمام الله ، ( @QUR@04 ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ) وهي ~~كناية عن العمى ، لأن العين إذا ذهب نورها أزرق ناظرها ، ويمكن أن يؤيد ذلك ~~بقوله تعالى : ( @QUR@06 ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ) [الإسراء : ~~97]. و ( @QUR@06 يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ) عند ما يدور الحديث ~~بينهم بشكل خافت لهول الموقف الذي يمنعهم من الجهر ، فيقدر البعض منهم ~~المدة التي قضوها في الدنيا بعشرة أيام ، استقلالا لها أمام موقف الخلود ، ~~أو لعدم شعورهم بها بشكل واقعي ، ( @QUR@012 نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ) لأنه لا خصوصية للعشرة ليؤكدوا عليها في ~~تقديرهم للزمن ، بل المسألة هي مسألة التعبير عن النسبة بين المدة الأرضية ~~المحدودة ، أمام المدة الأخروية الأبدية PageV15P155 # الخالدة ، مما يفرض الحديث عنه بأقل وحدة زمنية وهي اليوم ، ما دامت ~~المسألة نسبية على كل حال. # ( @QUR@03 ويسئلونك عن الجبال ) فيما كان يدور في أذهانهم من الفضول عند ~~الحديث عن يوم القيامة ، وعن نهاية الدنيا ، فيتساءلون ، ماذا يحدث لهذه ~~الموجودات الحجرية أو الصخرية الضخمة. ( @QUR@04 فقل ينسفها ربي نسفا ) فلا ~~يبقى منها شيء ثابت على الأرض ، فيذرها ويحولها إلى تراب يثيره الريح ، ( ~~@QUR@03 فيذرها قاعا صفصفا ) أرضا ملساء مستوية لا شيء عليها ، ( @QUR@04 ~~لا ترى فيها عوجا ) أي انخفاضا في ما تتمثل به الوديان السحيقة ، ( @QUR@02 ~~ولا أمتا ) أي مرتفعا ، بل تتساوى من جميع جوانبها بحيث تنبسط أمام الرؤية ~~بوضوح من دون حواجز على مستوى المنخفضات والمرتفعات. # ( @QUR@03 يومئذ يتبعون الداعي ) الذي يدعوهم إليه ليواجهوا الموقف بين ~~يدي الله ، ( @QUR@03 لا عوج له ms3592 ) أي من دون توقف أو تأخر أو امتناع ، ~~لأنهم لا يملكون قدرة التمرد على الدعوة ، فينساقون إليه تلقائيا. وربما ~~احتمل أن يكون الضمير في قوله : ( @QUR@03 لا عوج له ) راجعا إلى الداعي ، ~~فيكون المعنى أنه لا يهمل أحدا بسهو أو نسيان أو مساهلة. ولعل المعنى الأول ~~أقرب كما جاء في تفسير الميزان بقرينة الفقرة التالية : ( @QUR@03 وخشعت ~~الأصوات للرحمن ) فلا يملك أحد لنفسه شيئا للاعتراض أو للتوقف ليرفع صوته ~~أمامه ، بل هو يستسلم للدعوة الموجهة إليه ، ( @QUR@04 فلا تسمع إلا همسا ) ~~من خلال الرهبة المهيمنة على الموقف كله والذلة الساحقة التي لا يحس أحد ~~منهم بوجوده الذاتي فيها أمام الله. # ( @QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) ~~لأنه المهيمن على الجميع ، فلا يملك أحد منه شيئا ، فله الحكم الفصل ~~والقضاء العدل الذي يحاصر الجميع في دائرة مسئولياتهم ، فيحيط بكل ما فعلوه ~~، ويجازي كل واحد منهم بعمله ، ولا يقبل من أحد رجاء ولا شفاعة في حق نفسه ~~أو في حق غيره ، لأن أي واحد منهم لا يملك حقا ذاتيا في ذلك كله ( @QUR@04 ~~إلا من أذن له PageV15P156 # @QUR@01 الرحمن ) في الشفاعة فأراد الله أن يكرمه بها ليجعل له الكرامة ~~باستنقاذ من يريد الله أن ينقذه من النار ، ويرحمه برحمته ، وذلك هو الذي ~~رضى الله قوله في ما يعبر عنه القول من العقيدة الصافية الحقة ، والروح ~~الراضية المرضية ، والعمل الخالص الذي يتحرك في رضا الله من خلال وعي ~~الإيمان ، وطهر الإخلاص. # * * * ### ||| ** تقرير مبدأ الشفاعة # وفي ضوء هذه الآية نستفيد تقرير مبدأ الشفاعة التي تأكد وجودها لدى بعض ~~الأشخاص المقربين الى الله ، ولكن من خلال إعطاء الله له ذلك فيكون القصد ~~والتوجه لله في المسألة لا للشخص ، لأنه لا يملك من أمر الشفاعة شيئا في ~~نفسه. وذلك هو الحد الفاصل بين الاستغراق في الشخص من خلال الاستغراق في ~~ذاته ، وبين الاستغراق في الله على أساس الكرامة التي يمنحها لبعض عباده في ~~شفاعتهم للآخرين استجابة لإرادة الله له في ذلك ، وهذا ما يعطي للعقيدة ms3593 ~~صفاءها فلا يطلب أحد من مخلوق شيئا ، بل يكون الطلب كله لله ، والقصد إليه ~~في كل شيء حتى في الشفاعة التي لا يملكها أحد إلا بإذنه .. # * * * ### ||| ** جزاء الله لعباده # ( @QUR@010 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ) لأنه هو ~~الخالق لهم المحيط بهم في ما يخفون من أمرهم مما يسرونه ، أو في ما يظهرونه ~~منه مما يعلنونه ، فهم مكشوفون أمامه بكل دقائق وجودهم ، ولكنهم لا يحيطون ~~به علما ، لأنهم محدودون في عمرهم وفي تجربتهم وفي آفاق إدراكهم ، فلا ~~يعلمون إلا بما أراد لهم أن يعلموه ، ولا يحيطون إلا بما أراد لهم أن ~~يحيطوا به PageV15P157 # من شؤون السماء والأرض. وذلك كله كناية عن الإحاطة الكاملة التي توحي ~~إليهم بأن يخلصوا له القول فلا يقولون ما لا يعتقدون ، ويخلصوا له العمل ~~فلا يضمرون غير ما يظهرون في دوافعه ومقاصده. # ( @QUR@04 وعنت الوجوه للحي القيوم ).. في خشوع الموقف ، وانسحاق الذات ~~، وانحناء الإرادة التي تتطلع برهبة وخضوع ومحبة إنها الوجوه التي تعبر ~~ملامحها عن عمق النفوس الكامنة خلفها ، اللاهثة أبدا من أجل الفوز برضا ~~الله ، المتسامية نحو الدرجات العليا من فيوضات الله الحي الذي يمنح ~~الأجساد الفانية نبضا من حياة ، وهو القادر على أن يمنع عنها الحياة ، الحي ~~المطلق الذي لا حد لحياته ، لأنها ينبوع ذاته المقدسة التي تفيض عنها كل ~~حياة ، القيوم المهيمن على كل شيء القائم على كل أمر ، المشرف على الكون ~~والحياة والإنسان. # ( @QUR@05 وقد خاب من حمل ظلما ) لنفسه بالكفر والمعصية ، ولغيره بالقهر ~~والغلبة والعدوان ... فهو الذي لا يلتقي بالفوز في النعيم الإلهي ، لأن ~~الله هو العدل الذي يحب العادلين الذين يحملون العدل عنوانا لفكرهم وحركة ~~لحياتهم ، ومنطلقا لأهدافهم ، ويكره الظالمين الذين يملأون الحياة ظلما ، ~~في الفكر والحركة والإنسان. فلن يفلح الظالمون في ساحة الله يوم لا ساحة ~~إلا ساحته. # ( @QUR@06 ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) بأن يرتكز الإيمان في خطه ~~العملي على قاعدة فكرية في حركته الفكرية والروحية ، فيتزاوج العمل ~~والإيمان في شخصية الإنسان ليتحولا إلى حركة المسؤولية وفاعليتها ms3594 في الحياة ~~، إن هذا النموذج الإنساني هو النموذج الآمن المنفتح في الدار الآخرة ، ( ~~@QUR@05 فلا يخاف ظلما ولا هضما ) لأن الدار الآخرة هي دار العدل كما جاء ~~في آية أخرى : ( @QUR@09 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ) [غافر ~~: 17] ، ولأن الله لا ينقص حق أحد في ما يستحقه من الحسنات ، فهو القائل : ~~( @QUR@07 أني لا أضيع عمل عامل منكم من PageV15P158 # @QUR@03 ذكر أو أنثى ) [آل عمران : 195] ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ) [الزلزلة : 7]. وهكذا يواجه كل واحد مسئوليته في الدائرة ~~الإيجابية ، وفي الدائرة السلبية على مستوى الثواب والعقاب. # * * * ### ||| ** القرآن ... العربي # ( @QUR@04 وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ) ليفهمه الذين انطلق القرآن من ~~قاعدتهم ، فكانوا الأمة التي استقبلت الإسلام بوعيها وروحها ووجدانها ، ~~وحملته في أفكارها عقيدة ورسالة ، ومنهج حياة ، وشريعة حركة ، ومصير إنسان ~~، ليتحرك من خلالها إلى الأمم الأخرى في حركة الدعوة وفي خط الجهاد ، ( ~~@QUR@04 وصرفنا فيه من الوعيد ) فيما اشتمل عليه من تنويع الأسلوب ، ~~وانتقاله من حال إلى حال من أجل أن ينفتح الناس على الخوف القادم من آفاق ~~المستقبل الذي يحرك في النفس بعضا من قلق ، ولونا من ارتباك ، ولكن ، لا ~~لينسحق الإنسان في إرادته التي يسقطها الخوف ، بل ليرتفع في التزامه ودرجة ~~انضباطه في حساب المصير المستقبلي من خلال تطلعات الخوف في ساحات الواقع ، ~~ليتحرك فيه حس المسؤولية في ما يريد أن يفعل أو يترك ، ليؤكد الخطة في ~~حياته من موقع دراسة واعية للمستقبل في خط الأمان ، ( @QUR@02 لعلهم يتقون ~~) فينضبطون أمام أوامر الله ونواهيه ، ( @QUR@04 أو يحدث لهم ذكرا ) ~~فيتذكرون الحقائق الكامنة في فطرتهم التي حجبها الضباب القادم من قلب ~~الشهوات والمطامع والأحقاد ، وينطلقون من خلال ذلك ، للسير مع الله في خط ~~مستقيم جديد. # ( @QUR@04 فتعالى الله الملك الحق ) الذي يملك الكون كله والإنسان كله ، ~~فلا يقترب من ساحة قدسه أحد ، ولا يبلغ عمق حكمته مخلوق ، ولا ينتقص من ~~قوته وقدرته شيء ، فهو الذي يحب ويخاف ويرجى ، وهو الذي يستحق العبادة ~~والطاعة من كل مخلوقاته. PageV15P159 # ( @QUR@09 ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) أو ms3595 يستكمل من ~~الرسول الذي يأتيك به ، فإذا كنت تخاف أن يفوتك منه شيء ، فإن الله الذي ~~تكفل بإنزاله بطريقة غير عادية ، قادر على أن يحفظه لك بالطريقة نفسها. # ( @QUR@04 وقل رب زدني علما ) في ما تنزل علي من وحي ، وفي ما تفجره من ~~ينابيع الحكمة في قلبي ووجداني ، وتحركني فيه من دروس التجربة ، وتفتحه لي ~~من آفاق المعرفة ... فذلك هو الهدف الذي ينطلق الإنسان إليه في طبيعة ~~التكامل الفكري والروحي والعملي ، في ما يريد أن يحققه من بناء شخصيته على ~~أساس العلم الذي كلما نما في وجدانه ، كلما كان مصدر قوة جديدة للحياة في ذاته. # وهذا هو شعار الإسلام في حركة المعرفة لدى المسلمين الذين أوكل الله ~~إليهم أمر إدارة الأرض ، باعتبارهم النموذج المميز للإنسان ، ودعاهم إلى أن ~~يعرفوا علم ذلك كله ، ليعرفوا كيف يجعلون من وجودهم عليها مصدر قوة ، وعامل ~~نمو ، وحركة حياة ، وأعطاهم مقاييس القيمة من خلال المعرفة في قوله تعالى : ~~( @QUR@05 وقيل الحمد لله رب العالمين ) [الزمر : 9]. # * * * PageV15P160 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) ~~@QUR@09 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) ~~@QUR@013 فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ~~(117) @QUR@07 إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) @QUR@06 وأنك لا تظمؤا ~~فيها ولا تضحى (119) @QUR@014 فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) @QUR@015 فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) @QUR@06 ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) @QUR@018 قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض ~~عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) @QUR@012 ~~ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) @QUR@08 ~~قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) @QUR@08 قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) (126) # * * * PageV15P161 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عزما ): العزم : القصد الجازم إلى الشيء. # ( @QUR@02 ولا تضحى ): لا تبرز للشمس. # ( @QUR@02 لا يبلى ): لا يفنى. # ( @QUR@01 يخصفان ): جعلا يلصقان ورقة على ورقة. # ( @QUR@01 فغوى ms3596 ): الغي : خلاف الرشد. # ( @QUR@01 ضنكا ): الضنك : الضيق. # * * * ### ||| ** عهد الله إلى آدم عليه السلام # ويعود القرآن إلى حديث الإنسان الأول آدم مرارا ، للإيحاء بالضعف ~~الإنساني الذي يعرضه للسقوط أمام تجربة الإغراء ، حتى يخيل إليه أنه يمثل ~~الفرصة السانحة السريعة التي إذا لم يستفد منها وينتهزها فإنه يتعرض ~~للحرمان الأبدي. ولذلك فإنه يبادر إلى انتهازها مدفوعا بهذا التصور الوهمي ~~، ثم يكتشف بعد الوقوع في المشكلة بأن المسألة ليست بهذه السهولة ، وأن ~~النتائج الإيجابية الموعودة ليست بهذا الحجم ، فقد كان بإمكانه أن يصبر ~~ويحصل على نتائج جيدة أفضل ، وأكثر دواما وثباتا. ثم يطل القرآن دائما ، ~~على إبليس باعتباره المظهر الحي للانحراف في ما يزينه للإنسان ، ويوسوس له ~~، ويثير فيه المشاعر الشهوانية التي تنحرف به عن الصراط المستقيم ، ليستذكر ~~الإنسان دائما بأن الشيطان أخرج أباه من الجنة. وقد كان من PageV15P162 # الممكن ، بحسب طبيعة الأشياء ، أن يستمر فيها مع أولاده ، لو لا ثأر ~~الشيطان لطبيعته أمام النشأة الإنسانية الأولى. # ومن الطبيعي أن مثل هذا الجو القصصي الإيحائي لا بد أن يتحرك في رسم ~~الخطوط العامة لموازين الثواب والعقاب. # * * * ### ||| ** دروس من قصة آدم عليه السلام # ( @QUR@06 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ) وأوصيناه وحذرناه مما قد يواجهه ~~من تجربة الانحراف تسويلات إبليس الذي يحمل له أكثر من عقدة منذ أن عصى ~~إبليس أمر الله بالسجود لآدم ، في الوقت الذي لم يحمل له آدم أي شعور مضاد ~~، ولكن آدم لم يتعمق في وعي الموضوع ، ولم يأخذ الأمر مأخذ الجدية ~~والاهتمام ، وبقي مستمرا ببراءته العفوية والبساطة الصافية في مواجهته ~~للأشياء ، ( @QUR@01 فنسي ) ما ذكرناه به فترك الامتثال للنصيحة الإلهية ~~التي لم تكن أمرا تشريعيا يستتبع عقابا جزائيا ، بل كان أمرا إرشاديا يتحرك ~~من المنطق الطبيعي للأمور في ما ترتبط به النتائج بمقدماتها ، ( @QUR@04 ~~ولم نجد له عزما ) بما يعنيه العزم ، من التصميم على التنفيذ ، وتحريك ~~الإرادة في حسم الموقف بقوة ، لأنه كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان ، ~~والتجربة الضيقة أمام الآفاق الرحبة للمستقبل القريب أو البعيد. # ولسنا الآن في مجال الحديث عن ms3597 حكاية عصمة آدم ليتحدث المتحدثون أن هذا ~~الموقف كان قبل النبوة ، فلا يثير مشكلة في هذا الجانب ، أو ليقول البعض ~~بأن الأمر ليس مولويا لتكون مخالفته عصيانا تكليفيا ، بل هو أمر إرشادي ~~يشبه النصيحة ، فلا يترك أي أثر سلبي على مستوى الالتزام بالشريعة ، بل نحن ~~هنا في مجال التأكيد على أن الأسلوب القرآني لا يريد أن يعمق في PageV15P163 # ذهننا الإسلامي ، الفكرة التي تتحدث عن شخصية الأنبياء بالمستوى الذي ~~يوحي بأن هناك أسرارا فوق العادة تكمن في داخل شخصيتهم ، في ما هي الخصائص ~~الذاتية للشخصية. فهناك أكثر من نقطة ضعف خاضعة للتكوين الإنساني في طبيعة ~~الروح والجسد ، ويمكن أن تتحرك لتضع أكثر من وضع سلبي على مستوى التصور ~~والممارسة. # ( @QUR@09 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ) مما ~~يوحي لآدم بأن هذا المخلوق يعيش الذهنية السلبية ضده ، ( @QUR@08 فقلنا يا ~~آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ) وسيبذل كل جهده ليكيد لكما بألف طريقة وطريقة ، ~~ثأرا لأنانيته وعصبيته وعنصريته ، فانتبه إليه جيدا وتعامل معه كما يتعامل ~~العدو مع عدوه ، فيحذر من كل كلماته وخططه ، ولا يستسلم له انطلاقا من طيبة ~~قلب ، أو صفاء روح ، ( @QUR@05 فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) لأنه سيحاول ~~أن يبعدك عن رحمة الله كما ابتعد عن ذلك بعصبيته العنصرية ، وإذا لم تنتبه ~~إليه فسيجلب لك الشقاء في مستقبلك القريب والبعيد. ولما كان العهد متوجها ~~إلى آدم أفرد الخطاب بالشقاء ، ( @QUR@014 إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * ~~وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ) فستعيش فيها شبعانا كاسيا ، بعيدا عن حرارة ~~الشمس ، والمراد بعدم الضحو أن ليس هناك أثر من حرارة الشمس حتى تمس الحاجة ~~إلى الاكتنان في مسكن يقي من الحر والبرد. # ( @QUR@011 فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ) التي ~~إذا أكلت منها أعطتك خلود الحياة التي لا فناء فيها ، ( @QUR@03 وملك لا ~~يبلى ) في ما يشتمل عليه من سلطنة دائمة مطلقة لا تسقط أمام عوامل الاهتزاز ~~والسقوط. # وهكذا حاول الالتفاف على أحلامهما الإنسانية في الخلود والملك ms3598 الباقي من ~~دون أن يثير فيهما عقدة الخوف من المعصية لله ، ولهذا كان أسلوبه هو أسلوب ~~التحذير الذاتي ، والغفلة الروحية عن النتائج السلبية التي تنتظرهما PageV15P164 # إذا استسلما إليه. # وهذا ما يجب أن ينتبه إليه الإنسان في مواقفه العملية ، في ما قد يوسوس ~~إليه الشيطان من التأكيد على حركة الحلم الوردي في مشاعره بطريقة غير ~~واقعية ، مستغلا حالة الاسترخاء الروحي ، والغفلة الفكرية التي يخضع لها في ~~وجدانه ، مما يجعله مشدودا إلى الجانب الخيالي من أفكاره من دون مناقشة لها ~~في قليل أو كثير ، فينحرف من موقع الغفلة لا من موقع الوعي ، ومن أجواء ~~الحلم لا من أجواء الواقع ، كما حدث تماما لآدم وحواء عند ما كانا ينعمان ~~بسعادة الجنة ونعيمها في ظلال عفو الله ورحمته ورضوانه ، يتبوءان من الجنة ~~حيث يشاءان ، فليس لديهما مشكلة هناك. إلى أن جاء إبليس الذي لم يكن منه ~~إلا أن وسوس إليهما مستغلا جانب الغفلة ، فعزلهما عن الواقع ، ودفعهما إلى ~~التفكير بالخلود والملك الباقي فدفعهما للأكل من الشجرة التي نهاهما الله ~~عنها. ولو فكرا جيدا لعرفا أن الخلود والملك ليسا من الأشياء التي تحصل ~~بفعل الأكل من شجرة ، بل هما نتيجة الإرادة الإلهية التي تملك أمر الموت ~~والحياة ، والملك الباقي أو الفاني ، ولكنهما استسلما للجو الخيالي المشبع ~~بالأحاسيس الذاتية الحالمة. # إن الموقف المتوازن هو الموقف الذي ينطلق من القرار المبني على الدراسة ~~الموضوعية للأشياء ، وعلى النظرة الواقعية لموقعها من المستقبل مما يفرض ~~على الإنسان أن يتخفف كثيرا من أحلامه ، لمصلحة الكثير من أفكاره ومواقفه ~~الثابتة في الحياة. # ( @QUR@05 فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) في ما يعنيه ذلك من الإحساس ~~بالعري الذي يعيشان معه الشعور بالعار والخزي في الوقت الذي كانا يتحركان ~~ببساطة من دون مراعاة لوجود شيء في جسديهما يوحي بالستر ، لأن مسألة ~~الخطيئة في أفكارهما وأحلامهما لم تكن واردة في منطقة الشعور لديهما ، PageV15P165 # ولهذا كانا لا يشعران بوجود عورة ، لأن ذلك هو وليد الشعور بالمنطقة ~~الخفية من شخصية الإنسان في ما يختزنه في داخله من أفكار ms3599 وأحاسيس كامنة في ~~الذات. ( @QUR@06 وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) في عملية تغطية ~~وإخفاء وتخلص من العار ، ( @QUR@04 وعصى آدم ربه فغوى ) وابتعد عن خط الرشد ~~الذي يقود الإنسان الى ما فيه صلاحه في حياته المادية والمعنوية ، ولكن هذا ~~الانحراف الطارئ البسيط لم يكن حالة معقدة في عمق الذات تفرض عليه ~~الاستسلام للخطيئة كعنصر ذاتي لا يملك الانفكاك منه ، بل هو حالة إنسانية ~~تستغرق في الغفلة لحظة ثم تثوب إلى رشدها ، لتدخل في عالم الاستقامة من ~~جديد .. # * * * ### ||| ** كيف نفسر معصية آدم عليه السلام ؟ # وهناك حديث كثير في علم الكلام ، عن معصية آدم ، باعتباره نبيا معصوما ، ~~في ما تفرضه صفة النبوة من العصمة التي تحمي المجتمع من انحرافه في مقام ~~الدعوة ، أو في مقام التطبيق ، ويتساءل العلماء عن الآية التي تصرح ~~بالمعصية ، ويجيبون تارة بأن الجنة ليست موضع عمل أو تكليف حتى تكون محلا ~~لإثارة مشكلة الخطأ والصواب ، وأخرى ، بأن المعصية ليست لأمر تكليفي يستتبع ~~الجزاء والعقاب ، بل هي لأمر إرشادي يستتبع الضرر الذاتي الذي يترك تأثيره ~~على حياة الإنسان بعيدا عن مواقع الانحراف الفكري والروحي الذي يضر بالحياة ~~العامة للمجتمع. ويدور حديث آخر حول العصمة ، وهل هي عبارة عن سر مكنون في ~~الذات يولد مع النبي ، فلا يمكن أن ينفصل عنه؟ أو هي عبارة عن حركة ~~المسؤولية المنطلقة في حياته من مواقعها المراعية للإرادة الإلهية التي ~~تمنحها الإيمان وقوة الالتزام والانضباط أمام الاهتزاز في الإرادة تحت ضغط ~~نقاط الضعف؟ ويثير آخرون مسألة نبوة آدم بالمعنى المصطلح لدور النبي ، وما ~~يعنيه من حمل رسالة تتحرك في خط PageV15P166 # الدعوة والتبليغ ، وينقسم الرأي في إعطاء معقولية لدوره كرسول ، فمنهم من ~~ينكرها لفقدان المجتمع الذي يمكن أن يشكل ساحة للدعوة ، ومنهم من يثبتها ~~لأن فعليتها ، أي ممارسة الدور فيها ستتحدد في المستقبل بعد أن يتحول الجيل ~~الجديد إلى مجتمع يبحث عن القاعدة الفكرية الروحية ، لقيام بنائه. # وهكذا أثارت هذه الآية الكثير من الحديث عن جانب العصمة لدى الأنبياء ~~بشكل عام من خلال الإيمان بنبوة آدم ms3600 ، وعن نبوة آدم بالذات في ما ألمحنا ~~إليه مما لا نجد كبير فائدة في الدخول في تفاصيله في هذا البحث التفسيري. ~~ولكننا نستفيد منها نقطتين : # الأولى : إن النبوة تلتقي بمواقع الضعف البشري في أكثر من موقع ، ولا ~~تفرض الكمال الذي يبتعد عن طبيعته البشرية. # الثانية : إن القرآن لا يريد أن يعطي النبي هالة مقدسة في مجال التصور ، ~~بل يريد أن يدفع بالتصور إلى أن يتحرك بشكل طبيعي في فهم الشخصية من خلال ~~البعد الظاهري الذي يكشف عن العمق الداخلي ، عبر الوسائل العادية التي ~~يملكها الناس في معرفة عمق الأشياء من خلال ظواهرها. ### ||| ** الله ينوب على آدم عليه السلام # ( @QUR@03 ثم اجتباه ربه ) واصطفاه إليه واختاره لنفسه ، فلم يتركه حائرا ~~ضائعا في قبضة إبليس ، ( @QUR@02 فتاب عليه ) ورضي عنه ، ( @QUR@01 وهدى ) ~~وفتح له أبواب رحمته ، ودله على الطريق المستقيم ، وأراده أن يواجه الحياة ~~من مواقع قوة الإرادة في ساحة الصراع مع الشيطان ، ولعل الله سبحانه أراد ~~أن يجعل له من تجربة العصيان في الجنة ، فترة تدريبية للتعرف على طرق ~~وأساليب الشيطان من الكذب والغش والدجل والخيانة والرياء ، وذلك قبل أن ~~ينزل إلى الأرض التي PageV15P167 # أعده الله ليكون خليفة له فيها ، فيستفيد من تجربة سقوطه وخروجه من الجنة ~~نتيجة لإغواء الشيطان ويعمل على تفادي مكائده في الأرض بعد أن ذاق مرها في ~~الجنة ، خاصة وأنه سيوكل إليه دورا رساليا يجب أن يتسلمه وهو في مواقع ~~القوة لا الضعف. وهكذا أراد الله له أن يعيش الشعور برضا الله عنه ، ~~وهدايته له في ما يريد له أن يتحرك فيه. # ( @QUR@07 قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ) قالها لإبليس ، كما ~~قالها لآدم وحواء. وقد استحكمت العقدة بينهما ، فهذا إبليس يريد أن يضلل ~~آدم وولده ، وينحرف بهم عن طريق الله ، ويضع بينهم وبين الله الحواجز. وهذا ~~آدم يعمل على أن يحمل الرسالة لأولاده ، ويحمل أولاده الرسالة من بعده ، ~~ليحاربوا الشيطان ، وليحذروا منه ، وليقعدوا له كل مرصد ، وليفتحوا الحياة ~~كلها على الله ، ليكون الدين كله لله. قالها الله لهم ، ثم ms3601 بين لهم ~~البرنامج العملي الذي يمثل خط الهلاك ، وخط النجاة ، ( @QUR@011 فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) لأنه هو السبيل الذي ~~يقود الناس إلى الطريق المستقيم الذي يحقق لهم سعادتهم في ما يأخذون وفي ما ~~يدعون من شؤون الحياة الدنيا ، المستندة إلى البرنامج الرسالي الذي ينظر ~~الله فيه لخلقه في ما يصلحهم وفي ما يفسدهم ، وهو العالم بذلك والخبير به ، ~~فلا يحيط الخلق بما يحيط به المخلوق. # * * * ### ||| ** مصير المعرضين # ( @QUR@04 ومن أعرض عن ذكري ) الذي أنزلته عليه ، فلم يحاول أن يتفهمه ~~ويعيه ويلتزمه كخط للحياة ، ولم يحسب حساب الله في كل صغيرة وكبيرة من عمله ~~، بل حسب حساب هواه وشيطانه الذي يغويه ويضله ، ( @QUR@04 فإن له معيشة ~~ضنكا ) أي ضيقة ، لأنه لا يحصل على شيء منها إلا وتطلعت نفسه إلى شيء آخر ، فيشعر PageV15P168 # بالقلق والحسرة إذا لم يحصل عليه ، فإذا تحقق له ذلك انتقل إلى شيء آخر ، ~~فهو محاصر بحاجاته وتمنياته في ما يخلد فيه إلى الأرض ، فلا يتجاوزها إلى ~~الآفاق الرحبة التي ينطلق فيها إلى الله سبحانه ، ولذلك فإنه يبقى مختنقا ~~بالآفاق الضيقة ، والأجواء الخانقة التي ، مهما اتسعت ، فإنها تظل في دائرة ~~محدودة تضيق به ، فلا تمنحه الإحساس الغامر بالسعادة التي لن تحصل للإنسان ~~إلا بالإشباع الروحي. حتى المادة التي يغذي بها حاجاته الجسدية ، لا تعطيه ~~اللذة إلا إذا ارتفع بها إلى أجواء الروح فأعطاها شيئا من الروحية في النية ~~والجو والحركة. ومهما امتدت به هذه الحياة الدنيا ، ومهما أعطته من مباهجها ~~، فإنها محدودة بالموت الذي يلغى ويفسد كل شيء فيها. # قد يكون هذا المعنى هو الذي أثارته الآية في ما تريده من المعيشة الضنك ~~التي تدخل في حسابات الجانب الروحي من العيش ، وقد يكون هناك وجه آخر يذكره ~~المفسرون ، في ما قال بعضهم أنه عذاب القبر ، ولكن الظاهر أن الآية واردة ~~في مقابل معيشة المؤمن الذي يتبع هدى الله في ما تشتمل عليه من خصائص في ~~الحياة الدنيا ، لا في ما بعدها ، وقال بعضهم : إنه عذاب ms3602 النار ولكن ذلك ~~غير ظاهر ، لأنه جعل الحشر يوم القيامة تاليا له ، والمفروض أن عذاب النار ~~متأخر عن الحشر. # ( @QUR@04 ونحشره يوم القيامة أعمى ) لا يهتدي الطريق إلى الجنة ، لأن ~~الطريق مسدود أمامه ، بما وضعه من حواجز أمام نفسه في طريق الوصول إليها من ~~خلال أعماله .. # ( @QUR@08 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ) ربما يظهر من هذه الآية ~~أن العمى هنا هو عمى الحس بدليل مقارنة الإنسان له بالبصر في الدنيا ، ~~فيأتي بذلك الاعتراض بأن الظاهر من الآيات التي تتحدث عن يوم القيامة ، ~~كقوله تعالى : ( @QUR@03 ربنا أبصرنا وسمعنا ) [السجدة : 12] ، وقوله تعالى ~~( @QUR@02 اقرأ كتابك ) PageV15P169 # [الإسراء : 14] ، أن هناك بصرا في يوم القيامة. ثم كيف يأتي هذا الكلام ~~من الإنسان الذي كان بصيرا في الدنيا؟ وربما يوجه ذلك بأن «من الظاهر ~~المسلم به من الكتاب والسنة أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم ~~لها في الدنيا الذي نألفه في الطبيعة ، وكون البصير مبصرا لكل مبصر ، ~~والأعمى غير مدرك لكل ما من شأنه أن يرى كما هو المشهود في النظام الدنيوي ~~، لا دليل على عمومه للنظام الأخروي ، فمن الجائز أن يتبعض الأمر هناك ، ~~فيكون المجرم أعمى لا يبصر ما فيه سعادة حياته وفلاحه وفوزه بالكرامة ، وهو ~~يشاهد ما يتم به الحجة عليه وما يفزعه من أهوال القيامة ، وما يشتد به ~~العذاب عليه من النار وغيرها» (1). # ولكننا نتحفظ على هذا التوجيه لأن الظاهر من النص القرآني أنه يتوجه إلى ~~الناس بما يفهمونه من معاني الكلمات ، بالصورة المألوفة لديهم في تصورهم ~~للأشياء ولذلك فإن التبعيض في مسائل العمى والبصر بحسب اختلاف النظام ~~الأخروي عن النظام الدنيوي ، لا يدل عليه شيء ، إن لم يكن الدليل على خلافه ~~، كما ألمحنا إليه. أما ما نرجحه في المسألة ، فهو أن التعبير وارد على ~~سبيل المجاز من ناحية العمى والبصر القلبيين اللذين يتصلان بمنطقة الوعي ~~الفكري للإنسان لا بمنطقة الرؤية الحسية. وليس هذا التعبير بعيدا عن ~~الأسلوب القرآني ، فقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@010 فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب ms3603 التي في الصدور ) [الحج : 46] ، مما يوحي بأن ~~العمى الفكري والروحي ملحوظ في القرآن ، بل هو الأبرز في أجواء الحديث عن ~~الكافرين الذين يعتبرهم لا ينفتحون على الطاقات الحسية من السمع والبصر ~~بشكل واع ، فإن لهم عيونا لا يبصرون بها ، ولهم آذانا لا يسمعون بها ، كما ~~أنهم لا ينفتحون على الطاقة الفكرية التي يملكونها ، فإن لهم قلوبا لا ~~يعقلون بها. ولعل الدليل PageV15P170 # على إرادة العمى المعنوي القلبي في هذه الآية ما جاء في الآية الأخرى ~~جوابا على تساؤلهم. # ( @QUR@05 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ) في ما يعنيه النسيان من غفلة ~~عنها ، ومن بعد عن الصورة الحقيقية للمضمون الفكري لهذه الآيات ، لأنه لا ~~يملك الرؤية السليمة التي تجعله يبصر مواقع الهدى في كلمات الله ، أو لأنه ~~أهمل التركيز عليها من خلال أجواء اللامبالاة التي يمارسها تجاه الدعوة ~~الإلهية. ( @QUR@03 وكذلك اليوم تنسى ) ولهذا كان جزاء ذلك هو إهماله يوم ~~القيامة ، ونسيانه العملي من قبل الله ، بحيث لم يفتح الله له قلبه للأجواء ~~الروحية المنفتحة على السعادة والطمأنينة للروحيين ، كما لم يفتح قلبه لله ~~في دار الدنيا ، فكان العمى في الآخرة نتيجة للعمى في الدنيا ، كما كان ~~نسيانه لله هناك سببا في نسيان الله له هنا ، من ناحية عملية. والله العالم ~~بحقائق آياته. # * * * PageV15P171 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى (127) @QUR@017 أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) @QUR@010 ولو لا كلمة سبقت من ~~ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) @QUR@020 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ~~ترضى (130) @QUR@018 ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) @QUR@012 وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) ~~@QUR@014 وقالوا لو لا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف ~~الأولى (133) @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا ms3604 لو لا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) @QUR@011 قل كل ~~متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ) (135) # * * * PageV15P172 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أسرف ): تجاوز الحد. # ( @QUR@03 أفلم يهد لهم ): أفلم يبين لهم. # ( @QUR@03 ولا تمدن عينيك ): مد العين : مد نظرها وإطالته إلى شيء ، وهو ~~كناية عن التعلق به وحبه. # ( @QUR@03 زهرة الحياة الدنيا ): زينتها وبهجتها. # ( @QUR@01 متربص ): التربص : الانتظار. # * * * ### ||| ** العقل كأساس للمعرفة والإيمان # ( @QUR@08 وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ) وتجاوز عن الحد في ~~علاقته بالله ، كمن أعرض عن ذكر الله ونسي آياته ، فإن الله يضيق عليه ~~معيشته ، ويبعده عن رحمته ( @QUR@04 ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) من عذاب ~~الدنيا ، ( @QUR@08 أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ) أي ألم ~~يسلكوا سبيل الهدى ، ويتبين لهم حال الأمم السابقة التي أهلكناها في القرون ~~الماضية ، وهم ( @QUR@03 يمشون في مساكنهم ) ولم يعد لهم أي أثر. ( @QUR@06 ~~إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) أي أصحاب العقول الذين يحاولون أن يثيروا ~~التفكير في ما يشاهدونه ليحللوا الفكرة التي توحي بفكرة أخرى ، ليخرجوا ~~بالنتيجة الواقعية وهي أن مواقع القوة الطارئة التي يملكها الكثيرون من ~~الناس فيطغون ويعيثون في الأرض فسادا ، لا تدوم لهم ، لأن الله سيدمرهم في ~~الدنيا ، كما دمر السابقين من قبلهم ، ويعذبهم في الآخرة ، ليعيدوا النظر في PageV15P173 # مواقفهم المنحرفة في خط الكفر والضلال حتى لا يحل بهم ما حل بأولئك .. # وتلك هي قيمة العقل عند ما يتحرك ليواجه الأمور بدقة وموضوعية ، لينتهي ~~إلى النتائج الصحيحة ، من موقع المسؤولية عن الفكر والحياة ، بعيدا عن ~~الانفعال ، أو الانجرار تحت تأثير وضع تقليدي أو نفسي أو اجتماعي ، لأن ذلك ~~هو الذي يحفظ للفكر توازنه ، وللحياة ثباتها وقوتها واستقامتها في الاتجاه ~~السليم. ولذلك كان التوجيه القرآني يؤكد على قيمة العقل كأساس للمعرفة ~~وللإيمان ، وعلى دور أصحاب العقول ، كنموذج للفئة الواعية المؤمنة التي ~~تحمل مسئولية الحياة من موقع الحسابات العقلية الدقيقة. # * * * ### ||| ** بناء الأمم وفناؤها خاضع للسنن الكونية # ( @QUR@010 ولو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) أي لو لا ~~كلمة سبقت ms3605 من ربك لكان الهلاك لزاما على هذه الأمة التي عاندت الرسول وكفرت ~~به ، ووقفت في وجه الدعوة إلى الله ، لأنهم يستحقون ذلك بأكثر مما كان ~~يستحقه السابقون من الكفار ، ولكن الله سبحانه أراد بكلمة القضاء والحسم ~~التي يقدر فيها الأمور أن يؤخر عذابهم ، كرامة للدور الرسولي الذي يتمثل في ~~شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يرد أن ينزل العذاب على الأمة ~~مع وجوده فيها ، بل أراد للتجربة أن تمتد معه بالأسلوب العقلاني الذي يمنح ~~الناس فرصة بعد فرصة لكي يفكروا ويعتبروا ويستخلصوا النتائج الحاسمة في أمر ~~العقيدة ، لأن الفرق بين مرحلة الإسلام وبين مرحلة الأديان الأخرى ، هو أن ~~الأديان الأخرى السابقة انطلقت لتلبية حاجة مرحلة زمنية محدودة ، بينما ~~انطلق الإسلام ليكون دين الحياة الذي يستمر إلى نهايتها. ولهذا كان العذاب ~~يمثل الصدمة التي قد لا تتناسب مع الطبيعة الهادئة المنسجمة مع دور الإسلام ~~في التعبئة الفكرية PageV15P174 # لمصلحة الإيمان. هذا بالإضافة إلى أن الله أراد للحياة في حركة الأمم في ~~بقائها وفنائها أن تعيش في نطاق السنن الكونية التي تخضع لها الحياة في ~~الأشخاص والأمكنة والأوضاع. # * * * ### ||| ** الصبر في مواجهة الأضاليل # ( @QUR@04 فاصبر على ما يقولون ) من كلماتهم اللامسؤولة التي ينفسون فيها ~~عن غيظهم ، ويهربون فيها من إحساسهم بالعجز أمام قوة الرسالة. فليست ~~المشكلة في ما يقولون من أضاليل ، بل المهم هو مدى تأثير هذا القول في ساحة ~~الدعوة. وهذا ما لا يستطيعون أن يحققوا فيه شيئا كبيرا ، لأن الحقيقة سوف ~~تفرض نفسها على الحياة ، ولو بعد حين. ولذا فإن الصبر يمثل العامل الإيجابي ~~في هذا المجال ، لأن هؤلاء سوف يستهلكون كل وسائلهم ويجربون كل أساليبهم ، ~~وستتساقط بأجمعها أمام الرسالة في نهاية المطاف ، وسيدخل الجميع ، بعد ذلك ~~، في دين الله أفواجا عند ما ينقشع الضباب عن عيون السائرين. # * * * ### ||| ** التسبيح عامل قوة للإنسان # ( @QUR@08 وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) فإن التسبيح الذي ~~ترفعه إلى الله تعظيما وتنزيها له عن كل ما يلصقه به المشركون والكافرون ، ~~يفتح لك آفاقا واسعة ms3606 من الشعور بالقوة المستمدة من الله العظيم المنزه عن ~~كل عيب ، ويجعلك تعيش الإحساس بالاحتقار لكل من عداه مهما بلغت قوته. كما ~~أن الحمد الذي يتحرك مع التسبيح سوف يطل بك على كل صفة كمال وجلال لله PageV15P175 # سبحانه فينفتح لك الحق كله ، والخير كله ، والكمال كله ، والجلال كله ، ~~بما تمثله كلمة الله من آفاق المطلق الذي لا حدود له ، وهكذا يكون التسبيح ~~بالحمد انطلاقة روحية تخفف من أثقال الجهد الشديد الذي قد يسقط الإنسان من ~~خلاله في حالة من الإعياء ، أو اليأس ، ويقوده بعد ذلك إلى التراجع أو ~~الانسحاب ، لأن اللقاء بالله والعيش معه من خلال الذكر في تسبيح الله وحمده ~~، يعطي الإنسان الشعور بتجدد القوة وتعاظمها ، وبحيوية النشاط وفعاليته ، ~~ويدفعه إلى الامتداد تحت عناية الله ورعايته ، قبل أن يبدأ يومه ، لتكون ~~بدايته من موقع الاستعداد ليوم عمل رسالي جديد في الدعوة وفي الجهاد ، وقبل ~~أن يبدأ ليلته ، لينفض عنه سلبيات ما عاناه في يومه من صدمات وتحديات ، فلا ~~تترك تأثيرها على مشاريعه في الليل ، وليخطط لنشاط روحي إسلامي في الليل ~~بعيدا عن الانسحاق تحت تأثير الضغوط النفسية والمادية من حوله. # ( @QUR@04 ومن آناء الليل فسبح ) فإذا امتد الليل ، وانفتح في أعماق ~~الكون ، فسبح بحمد ربك لتعيش الصفاء الروحي الذي ينفذ إلى فكرك وقلبك ~~ووجدانك من ينابيع النور الإلهي الروحاني الذي يحول الليل إلى إشراقة روحية ~~ممتدة في كل زوايا النفس ، وجنبات العقل ، ( @QUR@02 وأطراف النهار ) أي ~~وسبحه في فترائه التي تتوزع في مواقيته ، للمقابلة بين الليل والنهار ، ~~تماما كما هي المقابلة بين ما قبل بدايته ونهايته ، ليكون التعبير شاملا ~~للوقت كله في مجملة ، وفي بداياته بطريقة بلاغية. وربما استفاد البعض ~~الإشارة في توزيع التسبيح على الأوقات ، أن المقصود بذلك هو الصلوات الخمس ~~وليس ذلك واضحا من التعبير ، بل ربما نستفيد مما يأتي من التأكيد على ~~الصلاة ، أن الحديث عنها ليس مقصودا هنا ، وإن كان الأمر ممكنا بلحاظ بعض ~~الاعتبارات ، والله العالم. # ( @QUR@02 لعلك ترضى ) وتطمئن وترتاح إلى اتصالك بالمبدأ الأعلى في تسبيح ms3607 ~~وتحميد وتمجيد ومناجاة موصولة بالله ، في رعايته ولطفه ورضوانه ، مما PageV15P176 # يجعلك راضيا بكل شيء يحدث لك من حلو الحياة ومرها ، وبؤسها ونعيمها ، ~~وسعادتها وشقائها ، لأن ذلك لا يمثل مشكلة للمؤمن ما دام يتحرك في محبة ~~الله ورضاه. # * * * ### ||| ** القناعة بقسمة الله ونعمته # ( @QUR@014 ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ) فقد يغفل القلب فيستغرق في الأجواء المحيطة به ، وقد ~~يسرح البصر فينشغل بالزخارف والمباهج التي تمتد أمامه ، فتتحرك العينان في ~~قلبه ، وفي وجهه .. لتتلهيا بما أغدقه الله على هؤلاء الطغاة ، أو غيرهم ، ~~من مال وجاه وبنين وشهوات ، يؤدي إلى الانبهار بالدنيا المحيطة بهم ، ~~والمتحركة في أوساطهم ، فيتمنى الإنسان لنفسه ما قسمه الله لغيره ، ويشعر ~~بالحسرة إذا لم يحصل على ما حصلوا عليه فيندفع للاعتداء على الآخرين بهدف ~~الحصول على ما يريد ولو بطريقة غير شرعية ، فينحرف عن الخط المستقيم ، ~~وينزلق إلى مهاوي الدنيا ومغرياتها. ولكن الدنيا زائلة مهما كبرت واتسعت ~~وامتدت ، لأن زخارفها زينة ليس إلا ، وهي لا ترفع شأنا ولا تضع وزرا ، بل ~~هي شيء يحلو للنظر فينبهر به ، أو هي شيء يتوهج ويشتعل ويلتهب ، ثم يخبو ~~تدريجيا ويتحول إلى رماد. ولهذا فإن على الإنسان المؤمن ألا يتعلق بها إن ~~أقبلت أو يتحسر عليها إن أدبرت ، بل يراها على حقيقتها كظاهرة طارئة فانية ~~مستهلكة زائلة ، وزعها الله على عباده تبعا لحكمته وبحسب مقادير الأشياء في ~~الكون على كل المستويات. # ( @QUR@04 ورزق ربك خير وأبقى ) بما يهيئه لك من رزق الدنيا والآخرة ، ~~فهو الأقرب إلى صلاحك في الدنيا في ما يصلح لك فيه أمر حياتك ، وهو الأقرب إلى PageV15P177 # سعادتك في الآخرة في ما يقرر لك سعادتك في مصيرك ، فتطلع إليه ، فهو ~~الأفضل والأبقى ، ولا تتطلع إلى غيره ، وحاول أن تشغل نفسك بمسؤوليتك في ما ~~أوكل الله إليك أمره من مسئوليات. # هل هذا دعوة إلى الابتعاد عن الحياة ، لتكون من آيات الزهد العملي الذي ~~ينصرف فيه الإنسان عن مباهج الحياة وطيباتها وزخارفها؟ أو هي دعوة للتوازن ~~في ms3608 النظرة إليها ، فلا يستغرق فيها ، ولا يتحسر عليها ، لما يحقق التوازن ~~في التعاطي معها بالمقادير المناسبة ودون مغالاة أو مبالغة. إننا نفهم من ~~الآية المعنى الثاني الذي يريد للإنسان أن يقنع بما رزقه الله ، وألا يعيش ~~الانبهار الذي يسقط روحه ، ويثقل فكره ، والله العالم. # ( @QUR@05 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) لأنها هي التي تعرج بك إلى ~~الله ، فتصفي لك روحك ، وتطهر قلبك ، وتفتحه على الخير كله ، وهي التي توحي ~~لك بكل المعاني الطاهرة ، والقيم الروحية ، والأخلاق العالية ، لتكون ملهمة ~~للتسامي الروحي ، والتركيز العملي. ولذلك فإن الإنسان المؤمن هو الذي يعمل ~~كي يكون مجتمعة الأقرب إليه ، مجتمع صلاة يتعبد فيها لله ، ويخلص فيها له ، ~~ويقترب فيها منه بروحه وقلبه وضميره ، ليكون المجتمع الذي يراقب الله في ~~سره ويتقيه في علانيته ، لأن ذلك ما يحقق له التوازن في العلاقات المنفتحة ~~على الله من موقع المسؤولية ، وعلى الإنسان من موقع الرحمة ، وفي المعاملات ~~الخاضعة للشروط الشرعية في ما يحل منها وفي ما يحرم ، وفي الكلمات المسؤولة ~~التي تعرف من أين تبدأ وإلى أين تنتهي في ما يصلح أمر الحياة من شؤون ~~المعرفة والحركة. ثم الأمر بالاصطبار عليها في نفسه ، في ما تحتاجه إلى وعي ~~للموقف فيها ، وللخشوع معها ، ولاستلهام معانيها في أقوالها وأفعالها ، فلا ~~يسرع فيها إسراع من يريد أن يفرغ منها ، من دون أن يستوعب دروسها ، ولا ~~يهملها في أوقاتها ومواقعها ، لأنها هي الأساس الذي يرتكز عليه امتداد ~~العمل في سائر جوانب الحياة ، لأنها تشير إلى العمق الأعمق في PageV15P178 # المسألة ، وهو الانفتاح على الله ، وتأكيد العلاقة معه في حركة التقوى في ~~داخل النفس وخارجها. # ( @QUR@07 لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) فليست الصلاة ، أو ~~مطلق العبادة حاجة لله لدى عبده ، لتكون بمثابة الرزق الذي يطلبه منه ، ~~لأنه الغني المطلق الذي يطلب ما يطلبه من عبده من موقع الناصح الذي يريد له ~~المصلحة. فالإنسان هو الذي يحتاج إلى الله في كل شيء ، فهو الذي يرزقه في ~~كل ما يحتاجه من شؤون الرزق في الحياة ms3609 ؛ ولكن المسألة هي مسألة التقوى وهي ~~العنوان الأنقى لحياة الإنسان في الدنيا ، ولمواقعة في الآخرة ، فهي التي ~~تبقى وتستمر. وتحقق للإنسان أفضل النتائج على مستوى قضية المصير. # * * * ### ||| ** المعجزة وسيلة لإقامة الحجة # ( @QUR@07 وقالوا لو لا يأتينا بآية من ربه ) ويبقى الهاجس الذي يطوف ~~بخيالات المشركين في حديثهم عن النبي ، هو المعجزة الخارقة التي تدهش النظر ~~بتغيير المألوف من الظواهر الكونية من حولهم ، تماما كما كانوا يسمعونه من ~~عصا موسى عليه السلام وإبراء عيسى عليه السلام الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ~~؛ ولذلك فقد كانوا يقترحون عليه أمثالها أو ما يقرب منها. ولكن المعجزة ~~ليست عملا استعراضيا يقوم به النبي من أجل إبراز قدرته التي تصدم الحس ، ~~وتلهب الخيال ، بل هي وسيلة من وسائل إقامة الحجة على الناس ، في ما يعتبر ~~بينة للرسالة ، في حالات الشك والريب في صدقية النبي ورسالته. ولذلك فإن ~~النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالقرآن الذي يشتمل على كل ما في ~~الصحف الأولى التي جاء بها الأنبياء السابقون مما لم يتعلمه عند أحد من ~~الناس ، كما يعرفونه من أمره ، في ما يعرفونه من دقائق حياته ، وهو الكتاب ~~الذي ( @QUR@04 لا يأتيه الباطل من PageV15P179 # @QUR@05 بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ، ولم يستطع أحد منهم ولا من ~~غيرهم أن يأتي بسورة من مثله ، بالرغم من التحدي الكبير الذي أثاره أمامهم ~~، ( @QUR@07 أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) فيجدون من خلال ذلك ~~الدليل على صدق القرآن في أحكامه وشرائعه وبيناته .. # وربما كان المقصود كما يذكر البعض التهديد بما يمكن أن يأتيهم من العذاب ~~على ما يقترحونه من الخوارق والمعجزات للتعجيز ، فإذا جاءتهم امتنعوا عن ~~الإيمان به كما كان يحدث للأمم السالفة الذين كان العذاب يرافق الكفر بعد ~~قيام المعجزة فيكون ذلك سببا لهلاكهم ، فتكون الآية تحذيرا لهم من ذلك ، ~~لينتهوا عنه. # ( @QUR@06 ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ) أي من قبل إنزال القرآن ~~وإرسال الرسول ، لأثاروا علينا المطالبة بالحجة القائمة على ما نريد منهم ~~من مسئوليات ، لنرى كيف يلتزمون بها ، ويطيعوننا من ms3610 خلالها ، و ( @QUR@014 ~~لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) في ~~ما تنزله علينا من العذاب ، ( @QUR@03 قل كل متربص ) في ما ننتظره من وعد ~~الله لنا بالرحمة والمغفرة ، وما أعده لكم من عقاب ، وفي ما تنتظرونه ، ~~أنتم ، من المشاكل التي تحيط بنا وتحاصرنا لتبطل دعوتنا ، وتهزم موقفنا. ~~وتبقى ساحة الصراع بيننا وبينكم حالة حركة دائبة وجهاد مستمر ، لتكون ~~النتيجة الحاسمة لمن يملك الحق ، ويلتزم بالصراط المستقيم ، ( @QUR@01 ~~فتربصوا ) لأنكم لا تزالون في حالة شك ، أما نحن فإننا نملك الرؤية الواضحة ~~من خلال الإيمان المنفتح الواعي ، ولذلك فإننا لسنا في موقع الانتظار القلق ~~، بل في مواقع الانتظار الحاسم الجازم الذي يعرف ما يريد ، وستظهر النتيجة ~~، ( @QUR@05 فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ) منا أو منكم ، ( @QUR@02 ومن ~~اهتدى ) في ما يلتزم به من خطوط الحياة ومناهجها المتحركة من أجل سعادة ~~الإنسان في قضايا المصير في الدنيا والآخرة. # * * * PageV15P180 ### | سورة الأنبياء ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة واثنتا عشرة PageV15P181 ### ||| ** جولة في آفاق السورة # سميت هذه السورة بهذا الاسم ، تأكيدا على مفهوم النبوة ، في التصور ~~المنحرف الذي كان يحمله الناس في كثير من مراحل حركتها ، حيث إنهم كانوا ~~يتوهمون قدرات خارقة للنبي الذي كانوا يتصورونه في صورة الملاك الذي يغير ~~الصورة الكونية التي أقام الله الكون على أساسها ، فكانت حركة الآيات في ~~هذه السورة تأكيدا للمفهوم الحقيقي الذي يعطي الفكرة الحاسمة التي تركز ~~فكرة النبي البشر الذي يوحي إليه من الله برسالاته ، بعيدا عن أية حالة غير ~~عادية من الناحية الذاتية. وقد جرت السورة على خط النهج القرآني الذي يربط ~~كل الأشياء بالتوحيد ، ويثير في الناس التفكير بالمعاد ليتدبروا وليتحركوا ~~في الاتجاه السليم ، من خلال الفكر ، والموقف ، والحركة ، والعبادة ، ~~لينتهي بهم إلى التفكير باليوم الآخر من أجل تحضير كل الأجواء الروحية ~~والمادية للوصول إلى ساحة رضا الله في الجنة. # ... ثم تنطلق السورة لتظهر حركة النبوة في ساحة التحدي ، فنجد الاتهامات ~~التقليدية الحائرة البائسة التي ينطلق فيها الكافرون من دون وعي لينتقلوا ~~من وصف النبي بالساحر ms3611 ، ثم بالأسطوري ثم نعته بالكذب ، وأنه شاعر .. وهكذا ~~لم تكن المشكلة لديهم أن يصدقوا في التهمة ، بل أن يشوهوا الصورة ، أمام أي اتهام. # وقد استفادت السورة من إيمان المعاصرين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالأنبياء السابقين ، فقارنت بينه وبينهم ، لتثبت لهم أنه لم يكن بدعا من ~~الرسل ، وأنه لا PageV15P183 # يختلف عنهم في قليل ولا في كثير ، فإذا آمنوا بهم فعليهم أن يؤمنوا به. # ثم كانت هناك جولة في قصص الأنبياء السابقين بشكل سريع ، فتحدثت عن موسى ~~، وهرون ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ولوط ، ونوح ، وداود ، وسليمان ، ~~وأيوب ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذي الكفل ، وذي النون ، وزكريا ، ويحيى ، ~~وعيسى ( عليهم السلام أجمعين). # وتنتهي الجولة بيوم الحساب وما يلقاه الكافرون والمؤمنون هناك ، وكيف ~~تكون العاقبة للمؤمنين الصالحين من عباد الله الذين يرثون الأرض ؛ وتتنوع ~~اللمحات الخاطفة التي تتحرك في السورة لتنتقل بالإنسان من موقع العقيدة ، ~~إلى حركة الأخلاق ، ومن أحداث الدنيا إلى أحداث الآخرة ، لتوحي إليه بأن ~~هناك وحدة في الخط الذي يربط بين المبدأ والمعاد ، وأن الله الواحد هو ~~المستعان على الهدى في الفكر والحركة والحياة ، وهو الذي يفتح قلب الإنسان ~~على آفاق الشروق المنطلقة من التوحيد الخالص الذي لا يرى فيه الإنسان إلا ~~الله ، فلا يعبد غيره ، ولا يخلص لسواه. # * * * ### ||| ** بين الإنسان الغافل والنبي الداعية # ما مشكلة الناس في ما يستمعون إليه من دعوة الله ومن قضايا الصراع بين ~~الحق والباطل؟ وما مشكلة الأنبياء أمام هؤلاء ، في تحركهم مع الدعوة؟ هل هي ~~قصة فكرة ترفض فكرة ، أو شبهة تناقش موقفا ، لتكون المسألة هي مسألة ~~القضايا الفكرية التي يثيرها الكافرون والمشككون ضد الدعوة؟ أو هي قصة ~~اللامبالاة الفكرية التي يواجهونها بها ، فهم يبتعدون عن التعمق في ما ~~يثيره من أفكار ونتائج ، لأنهم لا يريدون الانفتاح على الآفاق الواسعة في ~~مطالع الشروق؟ PageV15P184 # إنها الغفلة المتعمدة التي يرفض فيها الإنسان أن يفكر ويحاور ، أو يتراجع ~~أمام الحجة القوية التي يثيرها الآخرون ضد فكره فينغلق على الذات ، ويبتعد ~~عن الواقع الحاضر والمستقبلي نتيجة ما تتمخض عنه ms3612 المواقف السلبية من نتائج ~~خطيرة على مصيره. # وتلك هي مشكلة الأنبياء الذين يواجهون هؤلاء الناس الذين يحملون ، أو ~~يثيرون أفكارا خاطئة ، حول النبي والنبوة ، كما لو كانت أفكارا نهائية ~~حاسمة ، لا مجال فيها للجدل. # ويبقى للقرآن في قصة الإنسان الغافل ، ومشكلة النبي الداعية ، أن يبسط ~~المشكلة ، ويعالج الفكرة من حيث طبيعتها الموضوعية ، ونتائجها السلبية ؛ ~~لتكون درسا لإنسان المستقبل الذي يفتح قلبه للفكر القادم من الوحي المتحرك ~~في طريق العقل. # * * * PageV15P185 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) @QUR@011 ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) @QUR@015 لاهية قلوبهم ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون (3) @QUR@010 قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع ~~العليم (4) @QUR@014 بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا ~~بآية كما أرسل الأولون (5) @QUR@08 ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم ~~يؤمنون (6) @QUR@014 وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) @QUR@09 وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ~~وما كانوا خالدين (8) @QUR@08 ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا ~~المسرفين (9) @QUR@08 لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) ~~@QUR@010 وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) ~~@QUR@07 فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) @QUR@010 لا تركضوا ~~وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) @QUR@06 قالوا يا ~~ويلنا إنا كنا ظالمين (14) @QUR@08 فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا ~~خامدين ) (15) # * * * PageV15P186 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 محدث ): جديد ، وقيل : أي نزل سورة بعد سورة. # ( @QUR@01 قصمنا ): القصم : الكسر ، والمراد به : الهلاك. # ( @QUR@01 أترفتم ): الإتراف : من الترف ، وهو : التوسعة في النعمة. # ( @QUR@01 حصيدا ): الحصيد : المقطوع. # ( @QUR@01 خامدين ): الخمود : السكون ، والسكوت. # * * * ### ||| ** اللهو عن ذكر الله # ( @QUR@03 اقترب للناس حسابهم ) إن الحساب يقترب من الإنسان حتى ليكاد ~~يواجهه في كل لحظة تقترب به من الموت ، لأن الموت يعني الانتقال من دار ~~العمل ، التي هي الدنيا ، إلى دار الحساب التي هي الآخرة ، فيما عبر الإمام ~~علي عليه السلام في كلمته المأثورة : «اليوم عمل ولا ms3613 حساب ، وغدا حساب ولا ~~عمل» (1). وقد جرى القرآن على إثارة النتائج السلبية أمام الإنسان في مجال ~~التعبير عن الموت كما في قوله تعالى : ( @QUR@029 وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا ~~له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) [الزمر : 54 55] ، ~~حيث عبر عن الموت بالعذاب ، بلحاظ أن العذاب يستتبع الموت للخاطئين ~~المسرفين على أنفسهم الذين لم يتوبوا إلى الله. PageV15P187 # وهكذا اقترب للناس حسابهم باقتراب الوصول إلى دار الحساب من دون تحديد ~~لموعده ، هل هو بعد الموت مباشرة ، كما جاءت الروايات عن حساب القبر ، أو ~~هو عند قيام القيامة ، عند ما يقوم الناس جميعا لرب العالمين ، لأن المسألة ~~هي إثارة الحساب في وعيهم ووجدانهم ، ( @QUR@04 وهم في غفلة معرضون ) فقد ~~عاشوا الغفلة كأعمق ما يعيشها الإنسان الذي يبتعد فكره عن الحقيقة ، لأن ~~هناك أكثر من حاجز يحجزه عنها ، فيدفعه إلى الإعراض عن كل دعوة للحق ، لأنه ~~لا يعيش الوعي المنفتح عليه. # وقد أثار بعضهم التساؤل حول الجمع بين الغفلة التي توحي بعدم الانتباه ، ~~وبين الإعراض الذي يستلزم الالتزام ، لأنه يمثل موقفا سلبيا اختياريا من ~~الموضوع ، والجواب عن ذلك ، أن الإعراض يعبر عن حالة سلبية واقعية ، قد ~~تلتقي بالوعي للموقف ، أو بالغفلة عنه ، وذلك لأنه يمثل الإهمال الفعلي ~~لحركة المسؤولية في حياته من خلال موقف الحساب. والله العالم. # ( @QUR@011 ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) فهم ~~لا يعيشون الجدية في مواقفهم أمام المسؤولية ، بل يواجهونها من موقع اللهو ~~واللعب ، كمن يلعب بمصيره غافلا عن النتائج السلبية التي يلاقيها. وهذا ما ~~كانوا يمارسونه عند ما كان الأنبياء يأتونهم برسالات ربهم التي ترشدهم إلى ~~الفلاح في الحياة ، وتثير في داخلهم الشعور بالسمو الروحي الذي يلتقون من ~~خلاله بالله ، ويتضح لهم الكثير من المشاكل الواقعية التي تصادفهم في قضايا ~~الفكر والحركة والشعور. فقد كانوا يستمعون إلى الأنبياء استماع اللاعب الذي ~~لا يريد أن يشغل عقله بما يسمع ، أو ms3614 يربي روحه به أو يعيش المعاناة من ~~خلاله ، بل يريد أن يحرك حسه ، ويشغل فراغه ، فلا يكون همه مما يسمعه إلا ~~الأصداء التي تنطلق من الكلمات ، بعيدا عن معانيها ، أو الأجواء الساخرة ~~التي يحاول أن يثيرها في ما يتخذه من المواقف المضادة تجاهها. # * * * PageV15P188 ### ||| ** اللهو القلبي # ( @QUR@02 لاهية قلوبهم ) بكل زخارف الدنيا وزينتها ، وبكل مواقع الشهوات ~~ومراتعها ، وبكل مظاهر القوة وأدواتها ، فهي مشغولة بذلك كله ، مبهورة ~~بالألوان اللامعة ، بالصور الساحرة ، في حالة من اللهو المتحرك في نبضاتها ~~، المهتز في مشاعرها ، حيث لا تطمئن إلى هدوء الفكر ، وصفاء الروح ، ~~وإشراقة الوجدان لتكتشف ، من خلال ذلك كله ، أن وراء كل هذه الأوضاع ~~اللاهية الباهرة عمقا للحياة ، بما تختزنه من مشاكل ومتاعب وبلايا وآلام ، ~~مما قد ينسف كل هذا الواقع الذي يسترخون فيه ، ويطمئنون إليه ، فلو تصوره ~~الناس بحقيقته لابتعدوا عن الاستسلام لما يستسلمون له الآن ، وأعرضوا عن ~~اللهو الذي يأخذون به. # ولعل مشكلة اللهو القلبي أخطر من مشكلة اللهو الجسدي ، لأنه يستنزف كل ~~عناصر الإحساس الجدي في عمق الذات ، بينما يتحرك اللهو الجسدي ليشغل العين ~~واليد واللسان .. ، وبذلك يبتعد الإنسان عن خط الالتزام في حركة الواقع من ~~خلال الرسالة. # وقد أبعدهم هذا اللهو عن الارتباط بالحقيقة الرسالية ، ولكنه لم يبعدهم ~~عن الشعور بالخطر الذي قد يتهددهم ، نتيجة ما يثيره الرسول في أفكارهم من ~~إيمان يهز معتقداتهم ، وهداية تصيب عقول أبنائهم بالانحراف كما يتصورون. ~~ولذلك كانوا يحاولون أن يرسموا الخطط ، ويدرسوا الأساليب التي تنقذ ساحتهم ~~من ذلك كله. وهذا ما أثارته الفقرة التالية من الآية ( @QUR@04 وأسروا ~~النجوى الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر والانحراف ، وائتمروا في ما بينهم في ~~أجواء المناجاة التي كانوا يتداولون فيها الشعار المثير الذي يطرحونه في ~~الناس ، لإبعادهم عن خط الرسول ويحذرون به بعضهم البعض من الانجذاب إليه ، ~~مما يمكن أن يتأثروا به من دعوته ، وذلك في الدائرة السرية من أحاديثهم. # * * * PageV15P189 ### ||| ** مناقشة الكفار # ( @QUR@05 هل هذا إلا بشر مثلكم ) إنه تساؤل الكفار المتخلف الذي يطرح ~~مسألة البشرية كعنصر مضاد لفكرة النبوة في إيحاء يفرض ms3615 النبوة غيبا لا يليق ~~إلا بالمخلوقات الغيبية المتميزة عن الناس بأشكالها الخاصة ، وطاقاتها ~~المختلفة. وفي ضوء ذلك فإن القضية لا تعدو ، أن تكون من الأسرار الخفية ~~للبشر من خلال ما يتميز به السحرة الذين يتقنون الأساليب الفنية الساحرة ~~والألاعيب العجيبة المثيرة التي تأخذ بألباب الناس ، وتسحر أبصارهم ، وتثير ~~فيهم الأحاسيس والمشاعر الحميمة. إنه السحر الذي يتمثل في الكلمات ، فهل ~~تتركونه يؤثر فيكم من دون اختيار؟! # ( @QUR@04 أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) الأشياء المحيطة بكم ، على ~~طبيعتها ، في نظرة سليمة لا مجال فيها للإشكال والارتياب ، فكيف لا ~~تواجهونه بالرفض ، لتنقذوا عقولكم من سحره؟ # ولكن الرسول الذي يعيش وضوح الرؤية في صفاء الوحي والرسالة ، لا يهتز ~~أمام هذه التصورات والكلمات ، لأنه يعرف العقدة النفسية التي تكمن خلفها ، ~~والزاوية الضيقة التي تتحرك فيها ، بل يبقى ثابتا يتطلع إلى الله ، كمسؤول ~~أمامه ، خاضع له في كل شيء ، فهو يشير إليه ، في حديثه معهم ، ليوحي إليهم ~~بأن كلماتهم لا تهمه ولا تثيره ، ولا تسقط موقفه ، لأنه ليس مسئولا أمامهم ~~ليفكر في غضبهم ورضاهم ، أو في طريقة إيمانهم به ، أو تنكرهم له. ولذلك كان ~~جوابه حاسما ، مؤكدا أنه لا يملك من الأمر شيئا ، فقد بلغهم رسالة الله ، ~~وانتهى دوره في ذلك. # * * * PageV15P190 ### ||| ** القرآن يضع المسألة في نصابها الصحيح # ( @QUR@07 قال ربي يعلم القول في السماء والأرض ) فهو الذي يقرر إن كنت ~~صادقا في ما أدعيه من رسالته أو كنت كاذبا في ذلك ، وهو الذي يعلم إن كان ~~ما جئت به هو السحر ، أو الحق ؛ ( @QUR@03 وهو السميع العليم ) الذي يسمع ~~كلامي وكلامكم ، ويعلم سري وسركم في ما أضمر وتضمرون من الخير والشر في ذلك ~~كله. فليست المشكلة ما تقولون ، بل المشكلة ماذا يعلم الله من الحق الذي ~~يمثل حقيقة الموقف كله. # وهذا هو الموقف النبوي الثابت الذي يعبر عن الثقة بالله والنفس من خلال ~~الله ، مما يجعله يتابع طريقه بقوة ، ويمارس دعوته بصلابة ، ليوحي ، في ذلك ~~، للآخرين بالثقة بالموقف الذي يربط الأشياء كلها بالله ، ويتحدث عنه من ~~موقع حضوره الدائم المهيمن ms3616 على الأمر كله الذي يحيط بكل شيء علما ، ويحاسب ~~الناس على ما افتروه عليه في الدنيا والآخرة. ولكن القوم يتخبطون في ~~كلماتهم واتهاماتهم ، فهم لا ينطلقون فيها من قاعدة ، بل من حالة معقدة ~~يريدون أن يخرجوا من خلالها من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه ، أو وضعتهم ~~الرسالة في داخله ، لأنهم لا يملكون حجة منطقية ضده ليبرروا للآخرين في ~~مجتمعهم هذا الموقف السلبي في مواجهتها. ولهذا كانوا ينتقلون من تهمة إلى ~~أخرى ، فإذا كان السحر هو ما يمثل طابع الرسالة والرسول ، فإن معنى ذلك أن ~~هناك قاعدة لكل الموقف في ظواهره وفي خفاياه ، لأن السحر علم دقيق كبقية ~~العلوم بما يشتمل عليه من أسرار وضوابط وقضايا ؛ ولكنهم يشعرون أن الكلمة ~~لا تعطي مفعولها السلبي في الساحة لأن الناس تعرف السحرة في منطقهم وفي ~~حركاتهم مما لا يمت إلى القرآن ، أو إلى ما يفعله الرسول بصلة. وهكذا ~~انتقلوا إلى كلمة أخرى ، ( @QUR@04 بل قالوا أضغاث أحلام ) في PageV15P191 # ما تعبر الكلمة عنه من الرؤى التي تتمثل للإنسان في صور مضطربة ، وأحداث ~~غير متناسقة ، مما يراه في المنام ، من دون أن يكون لها أساس في الواقع ، ~~أو موقع من الفكر. # ولكن كيف تكون كل هذه الآيات المليئة بالفكر والروح والحركة والحياة ~~أحلاما مبهمة متناثرة؟ وكيف يمكن أن يعطي الضباب الوضوح في الرؤية ، أو ~~يمنح السحاب الأفق مزيدا من الإشراق؟ ولهذا أعرضوا عن ذلك لأنه لا يرتكز ~~على أساس معقول ، فلا يقبله منهم أحد من ذوي العقول ، فانتقلوا إلى كلمة ~~أخرى أقرب إلى التصديق ، ( @QUR@02 بل افتراه ) فهو يصنع الفكرة من داخل ~~ذاته ثم ينسبها إلى الله ، ليصدقها الناس من خلال القداسة ؛ وبذلك يملك كل ~~المعطيات التي تؤكدها. # ولكنهم يلاحظون هذا الإقبال العجيب على الإيمان بهذه الآيات مما لا يحصل ~~في كل مواقع الافتراء التي لا تترك أثرا عميقا ، ولهذا اختاروا كلمة تعطي ~~المسألة قوتها في نطاق الذوق الفني ، ( @QUR@03 بل هو شاعر ) يملك الفن ~~الرفيع الذي ينحت الكلمة الرائعة ، ويبدع الفكرة الرفيعة ، ويثير الإحساس ، ~~ويلهب الشعور ، ويقترب ms3617 في إيحاءاته من السمو في اللمحة واللفتة والأسلوب. ~~وبذلك كان القرآن يمثل الشعر في بلاغته. ثم تركوا التحدث عن طبيعته من خلال ~~العنوان الذي يثيرونه في ذاته ، ليثيروا المسألة من جانب آخر. فهم يناقشون ~~صفة الرسالية لدى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خلال المقارنة بينه ~~وبين الرسل الآخرين ؛ فهو يعترف ، كما يعترفون ، بأنهم رسل الله ، وقد ~~جاؤوا بالمعجزات الخارقة للعادة ، كدليل على رسالتهم ، ( @QUR@05 فليأتنا ~~بآية كما أرسل الأولون )؛ ولكنه لم يستجب لذلك فلم يأت بآية مماثلة فكيف ~~تريدوننا أن نصدق بنبوته ، وهل يؤمن الإنسان من دون دليل واضح؟ # ولكن القرآن يناقش طريقتهم في عرض المسألة ، لأنهم ليسوا جادين في طلب ~~الآية ، فهم لا يعيشون إرادة الإيمان في وجدانهم ، ولهذا كانوا لا PageV15P192 # يناقشون قضاياه بطريقة هادئة علمية ، بل يواجهونها بطريقة انفعالية لا ~~تستريح للهدوء الفكري في مناقشة الأمور. # ولو أرادوا الإيمان لأمكن لهم أن يكتشفوا في القرآن ، من خلال براهينه ~~الواضحة ، وآياته وأساليبه ، ما يمكن أن يقودهم إلى الإيمان من أقرب طريق. ~~وهم لم يكونوا بدعا من طلبهم المعجزة الخارقة ، بل كانوا كالكافرين الذين ~~تقدموهم ، فقد طلبوا من رسلهم المعجزات حتى إذا جاءتهم رفضوا الإيمان بهم ، ~~وقالوا عنها إنها سحر ، كما قال هؤلاء عن القرآن إنه سحر ، وتحدثوا عن ~~البشرية كعنصر مضاد للنبوة ، كما يتحدث هؤلاء. فما الفائدة بعد ذلك من ~~إنزال المعجزة ، ما دام الهدف الذي تؤكده لا يحصل منها وما دام هناك أكثر ~~من طريق تقوم به الحجة على الناس؟ # * * * ### ||| ** نماذج حية # ( @QUR@05 ما آمنت قبلهم من قرية ) طلبت ما طلبوا ، واستجاب الله لها حتى ~~إذا لم يتحقق منها الوفاء بما وعدت ، ( @QUR@03 أهلكناها أفهم يؤمنون ) وهم ~~يشابهونهم في العناد والاستكبار ومواجهة الأمور الحيوية بطريقة اللامبالاة. ~~( @QUR@07 وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) فهل يكون الرسول الذي ~~يرسله الله الآن ، إلا كمثل الرسل الذين أرسلهم الله قبلك ، ( @QUR@07 ~~فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) من العلماء بالكتاب الذي أنزل على ~~النبيين ، ممن تعتمدون عليهم ، في علمهم واطلاعهم ومعرفتهم ms3618 بالرسالات ، ~~فذلك هو سبيل العلم بما يجهله الناس ، وذلك بالرجوع إلى أهل الخبرة في ما ~~يختلفون فيه ليكونوا الحكم الذي يحسم الخلاف ؛ وستجدون أن كل هؤلاء متفقون ~~على أن أنبياء الله لم يكونوا ملائكة ، ولا طينة مميزة عن البشر ، بل كانوا ~~بشرا كبقية البشر في حياتهم وموتهم ، وضعفهم وقوتهم ، فلم تنقل لنا أية ~~حقبة زمنية من التاريخ نبيا ليس ببشر .. PageV15P193 # ( @QUR@09 وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ) فقد ~~كانوا يمارسون كل خصوصيات البشر في وجودهم الجسدي المادي الذي يحتاج إلى ~~الطعام والشراب ، فيفنى عند ما يصل إلى نهايته الطبيعية كما يفنى أي جسد ~~آخر ، من دون أية خصوصية تربطه بالخلود. # ( @QUR@03 ثم صدقناهم الوعد ) في ما وعدنا هم به من النصر على هؤلاء ~~المتمردين ، ومن النجاة منهم ومما يحل بهم من عذاب ، ( @QUR@03 فأنجيناهم ~~ومن نشاء ) من المؤمنين الذين اتبعوهم بإحسان ، ونصروهم بقوة ، وواجهوا ~~أهلهم بصلابة ، وتحملوا الاضطهاد بإرادة مؤمنة قوية ، ( @QUR@02 وأهلكنا ~~المسرفين ) الذين أسرفوا على أنفسهم وتجاوزوا حدود المعقول في ما يضمن ~~النجاة للناس في الدنيا والآخرة ، فلم يلتزموا بالإيمان الذي قامت به الحجة ~~عليهم من الله ، ولم يستجيبوا لنداء الله ، بل اختاروا الكفر والانحراف ~~الذي لا يستجيب لأي موقع قوة من مصلحة الإنسان. وهكذا حقت عليهم كلمة ~~العذاب من الله ، فأهلكهم وعذبهم بمختلف ألوان العذاب في الدنيا قبل ~~الآخرة. # ( @QUR@06 لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) الذي يفتح قلوبكم على الحق ~~من أوسع أبوابه ، ويرفع منزلتكم العقلية وموقعكم القيادي في الأمة ، بما ~~يتضمنه من المعارف والعلوم ، وما يثيره من المفاهيم العامة التي تنفتح على ~~مختلف خصوصيات الواقع المتحرك على أكثر من صعيد ، ويؤكد بذلك الدور المميز ~~للأمة التي تعمل على تجسيده في الحكم والتشريع والمنهج والأسلوب والحركة. ( ~~@QUR@02 أفلا تعقلون ) وتعملون على الأخذ بأسباب النمو العقلي في حركة ~~الفكر في مفرداته العقلية وروحيته الإيمانية الإيحائية بما يختزنه من أسرار ~~الكون ، وآفاق الغيب والتخطيط للواقع الإنساني ، في دنياه وآخرته. وهكذا ~~نجد القرآن يثير دائما أمام الإنسان أهمية العقل في بناء شخصيته ms3619 ، حيث ~~يعتبر الوحي والتجربة والتفكير منطلقات إثارة وتركيز لقوته العقلية ، ~~باعتبار أن PageV15P194 # العقل هو الذي يمثل عنصر المسؤولية في حياته وهو الذي يساهم في رفع مستوى ~~الواقع من حوله ، ويتجه به الى سعادة المصير في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** القرية الظالمة # ( @QUR@06 وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ) فكسرنا قوتها وأهلكناها ، ~~لأنها ظلمت نفسها بكفرها وضلالها ، وظلمت غيرها بتمردها وعدوانها ، ( ~~@QUR@04 وأنشأنا بعدها قوما آخرين ) ليستمر الوجود في لون جديد من الإنسان ~~والحركة ، ليجدد الحياة من حوله ، كدليل على أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ~~ولا في السماء ، وأن الناس ، مهما بلغوا من القوة ، فإنهم لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، أمام إرادته التي تهلك قوما وتنشئ آخرين. # ( @QUR@03 فلما أحسوا بأسنا ) وعذابنا القادم إليهم حاولوا الهرب منه ~~ليجدوا هناك ملجأ يلجأون إليه ، ( @QUR@04 إذا هم منها يركضون ) ولكن إلى ~~أين المفر والمهرب ، وكيف يفكرون أن يعثروا على مكان لا يملك الله أمره؟ ( ~~@QUR@02 لا تركضوا ) ولا تبتعدوا عن مواقعكم ، ( @QUR@05 وارجعوا إلى ما ~~أترفتم فيه ) من أسباب الترف ، حيث أعطاكم الله من نعمه المثيرة ما لم ~~تشكروه عليها ، ولم تتوازنوا في إدارتها ، ولم تتحملوا مسئوليتكم في ~~تحريكها لمصلحة الناس من حولكم ممن كلفكم الله إعانتهم ورعايتهم بما ~~يحتاجون إليه منها ، فعودوا إلى ذلك ، ( @QUR@01 ومساكنكم ) التي اتخذتموها ~~مواقع للظلم والاستكبار ، ( @QUR@02 لعلكم تسئلون ) من جديد ، عن هؤلاء ~~الفقراء والمساكين الذين كنتم تطردونهم عند ما يلجأون إليكم ، وتستكبرون ~~عليهم عند ما يعرفون إليكم حوائجهم. إنها العقلية الاستعلائية التي تريد أن ~~تتأله أمام المستضعفين من عباد الله من خلال ما كنتم تعيشونه من أفكار ~~ومشاعر وامتيازات ، ولكن أين هي الآن؟ هل تجدونها إذا بحثتم عنها في كل هذه ~~المواقع التي كنتم فيها؟ هل تحاولون الرجوع إليها؟ ألا تزالون في هذا PageV15P195 # التفكير المريض الذي يتحرك من مواقع العظمة الفارغة ، المتحرك من حالة ~~الانتفاخ الذاتي التي تحيطكم بمظاهر القوة ، وأوهام الخيال؟ وهكذا يخاطبهم ~~الله بالأسلوب الذي يسخر به منهم. # ( @QUR@01 قالوا ) وهم يواجهون المصير المحتوم ، في حالة شديدة من الشعور ~~بالإحباط والهزيمة ، والإحساس ms3620 بالندم ، والشعور بالويل ، في صراخ عميق ~~للشخصية المستكبرة المهزومة في داخلهم ، ( @QUR@05 يا ويلنا إنا كنا ظالمين ~~) فلم نفكر بالأمور بطريقة واقعية ، تبتعد عن تضخيم الأشياء الهزيلة وتصغير ~~الأشياء الكبيرة ، لأننا فقدنا قدرتنا على وضوح الرؤية ، مما كنا نأخذ به ~~من الخيالات والأوهام المريضة ، والاستسلام للمظاهر الخادعة التي تحيط بنا ~~في عملية استكبار واستعلاء ، ( @QUR@04 فما زالت تلك دعواهم ) المتوسلة ~~الذليلة أمام المصير المحتوم ، غير المحكومة بإرادة التراجع والاعتراف ، بل ~~انطلقت من خوف ساحق من النتائج السلبية المرعبة التي تنتظرهم ، ( @QUR@03 ~~حتى جعلناهم حصيدا ) فحصدناهم وقطعنا وجودهم من الأرض في عملية إبادة ~~واستئصال ، ( @QUR@01 خامدين ) في حالة سكون ، لا مجال فيها للحركة ، ولا ~~مظهر فيها للحياة. # * * * PageV15P196 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) @QUR@011 لو ~~أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) @QUR@013 بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نقذف ): القذف : الرمي البعيد. # ( @QUR@01 فيدمغه ): دمغه دمغا أي : شج رأسه حتى يبلغ الدماغ. والمراد ~~بالدمغ هنا : القمع والإبطال. # ( @QUR@01 زاهق ): زهق الشيء يزهق أي : هلك. # * * * ### ||| ** الغاية من خلق السموات والأرض # كيف يفكر هؤلاء الذين يعتبرون الحياة الدنيا فرصتهم الأولى والأخيرة؟ PageV15P197 # فيعتبرون أن لا هدف ولا غاية من وجود الإنسان؟ وهم ينكرون أمر المعاد ~~الذي سيواجه فيه الإنسان النتائج الإيجابية والسلبية على أعمال الخير أو ~~الشر الصادرة عنه في حياته ، لتتوازن الحياة في دائرة الهدف الذي يحكم ~~مسألة الوجود عنده ، ومسألة المسؤولية لديه. # ما معنى كلامهم هذا؟ # إنهم ينسبون العبث واللهو إلى خلق الله! فهل عملية الخلق هي لمجرد أن ~~تثير الانفعالات المرضية في النفس من خلال ما تتوزعه من حركات ومشاهد ~~وأوضاع ، وتخلقه من الأجواء اللاهية ثم تنتهي المسألة؟ وليس هناك إلا اللهو ~~الذي يملأ الفراغ ، ويثير الإحساس .. ولا يترك وراءه أي شيء في طبيعة ~~الواقع ، وحركة الوجدان؟! # ولماذا يعبث الله أو يلعب أو يلهو ، لينسبوا ذلك إليه؟! # إن هذه المعاني وليدة حاجة للإثارة ، ولملء الفراغ الذي يعانيه اللاعب أو ~~اللاهي ، وللتخلص من حالة السأم ms3621 والملل التي يعيشها ، مما لا يطيق معه ~~الطمأنينة إلى الهدوء النفسي والسلام الروحي ، فيلجأ للعب واللهو ، ليلقى ~~عندها بعضا من الهدوء .. # ما يدعيه هؤلاء هو من صفات المخلوقين الذين يعيشون الحاجة والفقر والفراغ ~~والسأم والملل والارتباك ، فيتخلصون من ذلك بالعمل تارة ، وباللهو واللعب ~~أخرى .. وهذا ما يجعل المسألة في أجواء المستحيل العقلي على الله ، ويجعل ~~نسبة ذلك إليه عدوانا على مواقع عزته وجلاله ، ويوحي بالتخلف الفكري ، ~~والسقوط الروحي اللذين يتمثلان في شخصية هؤلاء المتحدثين بهذه الطريقة ، ~~ويدلل على أنهم لم يفهموا طبيعة الأسس والقوانين الإلهية التي تحكم الكون ~~كله ، مما يجعل لكل ظاهرة قانونا ، ولكل حادثة سببا .. ، وهذا ما أرادت هذه ~~الآيات أن تثيره أمام الإنسان في تصويرها للمفاهيم الخاطئة PageV15P198 # المنحرفة المتخلفة التي كان يعيشها الناس في عهد الدعوة الإسلامية ، ~~ويواجهها الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان في مجتمعاتهم المتخلفة. # * * * ### ||| ** غاية الخلق # ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) إنه النموذج ~~الأمثل على الجد الذي لا جد مثله ، وعلى الحكمة التي تمتد إلى كل خصوصيات ~~الأشياء ، وتنفذ في أعماقها ، حتى تجد أن هناك خطة دقيقة لهندسة الكون من ~~بدايته إلى نهايته ، في استقراره واهتزازه ، وفي ضعفه وقوته ، وفي نموه ~~وتطوره ، في الظواهر الكونية ، والاجتماعية ، في ارتفاع المجتمع وسقوطه ، ~~وفي الحالات النفسية التي تحكم حركة الإنسان الداخلية وفي تأثره بما حوله ~~من الكائنات الحية والجامدة. وهكذا يجد المفكر الباحث في داخل وجدانه ، ~~إحساسا عميقا بأن وراء كل شيء في الوجود سرا وحكمة ، ولذا فإن المشكلة ~~المطروحة لديه ليست هي البحث عما إذا كانت الحياة خاضعة لحكمة أو أنها ~~مرتكزة على أساس الصدفة أو الفوضى ، بل المشكلة هي في اكتشافه نوعية الحكمة ~~، وطبيعة السر ، بعد أن كان وجوده من بديهيات الكون ، من ناحية المبدأ. # ولهذا فإن القضية التي تتحدث عنها الآية تتحرك لتأكيد نفسها في الوجدان ~~العميق ، في خطين : ### |||| ** الأول : هو استحالة نسبة اللعب إلى الله لأنه لا يتناسب مع حكمته ، ولا يليق بجلاله ~~، ولا معنى له ، إذ يمثل اللعب حاجة ms3622 ذاتية لملء الفراغ والحصول على الراحة ~~النفسية مما لا يتناسب مع عظمته سبحانه وغناه المطلق عن كل شيء ، وتنزيهه ~~عن كل نقاط الضعف مهما صغرت. ### |||| ** الثاني : هو الدراسة الدقيقة للظواهر العامة في الكون والحياة والإنسان PageV15P199 # التي توحي بأن الأرض خاضعة للتخطيط الدقيق في عمق الجدية الحكيمة لأسرار ~~السنة الإلهية ، وبأن السماء والفضاء الذي يفصل بينها وبين الأرض في ما ~~اكتشفه الإنسان منهما خاضع لمثل ذلك ، مما جعل الهاجس الذي يحس به العلماء ~~والمكتشفون في ملاحظاتهم الدقيقة للظواهر ، هو البحث عما وراء ذلك الذي ~~يحسون بوجوده ، بالفطرة والملاحظة ، ويعملون على معرفة كنهه. # ( @QUR@08 لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ) أي مما نملك من قدرة ~~مطلقة ، تمنح الأشياء وجودها ، ( @QUR@03 إن كنا فاعلين ) ولكننا لم نتخذ ~~ذلك ولم نرده ، لأننا لا نتخذ شيئا إلا من مواقع الحكمة التي تخضع لها كل ~~أفعالنا في حركة الوجود السلبية والإيجابية. فليس الأمر ، إذا لم نفعله ، ~~هو النقصان في القدرة ، بل الأمر ، هو ابتعاد ذلك عما يتناسب مع مقام ~~الألوهية في حكمته وغناه وقوته التي لا ينفذ إليها شيء من الضعف. # وقد اعترض صاحب الميزان على هذا التفسير الذي تعرض صاحب الكشاف لبعض ~~ملامحه ، «وفيه أن القدرة لا تتعلق بالمحال واللهو ومعناه ما يشغلك عما ~~يهمك بأي وجه وجه محال عليه تعالى. على أن دلالة ( @QUR@02 من لدنا ) على ~~القدرة لا تخلو من خفاء» (1). # ويمكن أن يرد ذلك ، بأن التفسير يرتكز على أساس أن الله لو أراد أن يفعله ~~لما كان هناك أي ضعف في قدرته ، مانع من حصوله ، ولكن طبيعته لا تتناسب مع ~~كماله وجلاله ، وبذلك يكون التعبير واردا على أسلوب الكناية ، في تصوير رفض ~~المسألة من ناحية المبدأ بحيث لو كان ممكنا لكان مرفوضا ، وهكذا يمكن رد ~~استبعاده لدلالة كلمة ( @QUR@02 من لدنا ) على القدرة ، فإنها واردة أيضا ~~على سبيل اختزان الكلمة للقدرة من خلال دلالتها على ما عند الذات PageV15P200 # الإلهية من القدرة المطلقة. والله العالم. # وهكذا نجد أن الله لم يخلق الحياة في السماء والأرض ms3623 وما بينهما ، لاعبا ، ~~ولو شاء ذلك لكان قادرا عليه ، كقدرته على كل الأشياء ، ولكنه لم يشأ ذلك ~~ولم يرده لأنه أراد للحياة أن تخضع للحق ، في كل مظاهرها وحركاتها بحيث يقف ~~بقوة ضد الباطل. # * * * ### ||| ** الحق يدفع الباطل # ( @QUR@06 بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ) إذ يريد الله للحق أن يحتوي ~~الحياة كلها من خلال ما أودعه فيها من أسرارها ، وشرائع أنزلها على رسله ، ~~أو من خلال الفطرة الكامنة في أعماق الوجدان الإنساني ، والعقل المرتكز في ~~كيانه ، فيعطي للحق معناه وفاعليته وقوته ، ويمنع الباطل أن يفرض نفسه على ~~منطق الحياة والوجود ، لأنه لا يملك عناصر البقاء في ذاته ، بل يعيش القوة ~~كحالة طارئة محكومة للأوضاع الخارجية المحيطة به. وبذلك ، لا بد أن تنتهي ~~حركة الصراع فيما بينهما بأن يسقط الحق الباطل ، فيفجره من الداخل ، بضربة ~~قوية في نهاية المطاف ، ( @QUR@03 فإذا هو زاهق ) أمام الحجة القاطعة ~~القوية التي لا تمنح الواقع الفرصة للخلود ، وأمام تفاصيل الوجود التي لا ~~يمكن للحق معها أن يسمح للباطل بالنفاذ إلى عمق الوجود. وهكذا تكون النتيجة ~~في النهاية لصالح الحق ، كما كانت البداية له أيضا ، مما يجعل مسألة الجدية ~~التي هي المظهر الأعلى للحق في معناه وحركته ، قانونا ثابتا في الكون. ~~وبذلك كانت قضية المعاد ، بما تمثله من الهدف الكبير لحركة الإنسان في ~~الحياة ، ضرورة عقلية وكونية ، في ما أرسله الله من رسالات ، وبعث من رسل ، ~~بالرغم من كل الكلمات اللامسؤولة ، والخيالات المنحرفة التي يثيرها ~~الكافرون والضالون ، PageV15P201 # ( @QUR@04 ولكم الويل مما تصفون ) من كلمات الكفر والضلال المتمثلة بجحود ~~أمر الرسالة والمعاد من دون حجة ولا برهان. # إن المسألة التي تفرض نفسها في صراع الحق والباطل هي أن الحق يحمل في ~~داخله عناصر البقاء من حيث انسجامه مع حاجة الحياة ، وطبيعة الأشياء ، ~~بينما يمثل الباطل في حركته ووجوده ، الظروف الاستثنائية الطارئة التي قد ~~تتغذى من أكثر من جهة. # ولهذا فقد يكون من الضروري للعاملين في ساحة الصراع أن يحددوا العناصر ~~المحقة الثابتة لأي موضوع ، وأن يدرسوا الظروف المتصلة به من ms3624 حيث علاقتها ~~بالصورة والموقع والعمق والامتداد ، لأنها ربما تغير طبيعة الأشياء ، ~~فمسألة الحق والباطل قد تكون نسبية في ما يتعلق بالواقع المتحرك للإنسان ، ~~إذ قد يكون الشيء حقا في زمان أو في موقع ، وباطلا في زمان أو في موقع آخر ~~، تبعا لحركة المتغيرات من حوله ، حتى لا نقع في سوء التقدير أو الفهم ~~للقضايا عند ما نواجه الأمور في دائرة المطلق ، فيخيل إلينا أن الحق باطل ~~والباطل حق ، لأننا لا نملك مقياس العناصر الثابتة والمتحركة في هذا ~~المجال. # وقد ينبغي لنا أن نواجه الظروف الطارئة التي تمنح الباطل قوة على مستوى ~~الأوضاع والساحات والأشخاص والأزمنة ، لنعرف كيف نحرك الصراع في مواجهتها ، ~~من حيث النظرة إلى طبيعة الفكرة والظروف ، حتى نحدد الأدوات التي نستعملها ~~في هذا المجال أو ذاك ، لئلا نخطئ من حيث نريد الإصابة ، أو نعتبر الإصابة ~~حركة في مواقع الخطأ. # وربما كان من مشاكل الساحة العملية ، هذه النظرة المطلقة للحق والباطل ، ~~مما يجعل المسألة في دائرة المثال ، فيبتعد بنا عن الدائرة الواقعية التي ~~تتغير فيها ملامح الأشياء تبعا لتغير ملامح الظروف المحيطة بها ، ثم هذا PageV15P202 # الاستغراق في عمق الباطل في النظرة بعيدا عن الأجواء والأوضاع المحيطة به ~~التي تعطيه قوة في ذاته ، أو تزيده قوة على قوة ، قد يدفعنا إلى الكثير من ~~الارتباكات والانحرافات في التحرك نحو الأهداف الكبيرة في مواقع التحدي في ~~المعركة. # ومن خلال ذلك نستطيع أن نفهم كيف يمكن انتصار الحق على الباطل على أساس ~~الأخذ بأسباب النصر ، بما نفهمه من طبيعتها وأدواتها وأساليبها والمدى ~~الزمني الذي يجب أن تقطعه ، كما نعرف من خلاله الأسباب التي تكمن وراء ~~الهزائم الكبيرة التي تصيب الحق وفي أكثر من موقع ابتعد فيه العاملون عن ~~فهم الأسباب الحقيقية لعوامل الصراع. # * * * PageV15P203 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون (19) @QUR@05 يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) @QUR@07 أم ~~اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) @QUR@013 لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) @QUR@06 لا ms3625 يسئل عما يفعل وهم ~~يسئلون (23) @QUR@022 أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من ~~معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) @QUR@015 وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يستحسرون ): الاستحسار : الانقطاع عن الإعياء. # ( @QUR@01 يفترون ): من الفتور ، لا من الافتراء ، والفتور : السكون. # * * * PageV15P204 ### ||| ** العبودية المطلقة لله # .. ويستمر الحديث عن الله في دائرة التوحيد المطلق الذي يطل على الوجود ~~كله ، بكل ما فيه من موجودات ومخلوقات ، ليوحي بالعبودية المطلقة الناشئة ~~من الملك المطلق الذي يحتويهم جميعا ، فلا أحد إلا وهو مخلوق له ، ولا شيء ~~إلا وهو مملوك له ، وبذلك فلا مجال لأن يتأله أحد أمام الله ، في ما يدعيه ~~لنفسه ، أو يدعيه له الآخرون ، بمجرد أنه يعيش في ذاته الإحساس بالحاجة ~~المطلقة ، والخضوع العميق بطريقة الممارسة العملية ، أو بطبيعة ما يختزنه ~~من شعور. # ( @QUR@05 وله من في السماوات والأرض ) هم خاضعون لإرادته لا يملكون من ~~دونه لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، وله أن يتصرف بشؤونهم بما يريد وكيف يريد. ( ~~@QUR@02 ومن عنده ) الذين يعيشون في مواقع القرب من رضوانه من الملائكة ~~المقربين ، ( @QUR@04 لا يستكبرون عن عبادته ) لأنهم يرون العبودية له أمرا ~~طبيعيا راسخا ، ويرون العبادة التي هي مظهر الاعتراف الحي بالعبودية ، ~~لازمة له في معناها ، ولهم في ذاتهم ، فهم خاشعون له منسحقون أمام عظمته ، ~~( @QUR@02 ولا يستحسرون ) أي لا يعتريهم إعياء ولا كلال مهما امتد بهم ~~الزمن ، أو كبر حجم العبادة ، أو كثر عددها ، لأن وعيهم الوجداني والروحي ~~لعلاقتهم بالله يجدد نشاطهم ، ويقوي روحانياتهم ، ويبعث فيهم روح التجدد. # ( @QUR@03 يسبحون الليل والنهار ) في شعور مستمر بالعظمة المطلقة التي ~~تدفع بهم إلى الإعلان الدائم ، والذكر المستمر المتحرك ، ( @QUR@02 لا ~~يفترون ) أي لا ينقطعون عنه أبدا. ( @QUR@07 أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون ) ويحيون الموتى ، وكيف يساوون بين المخلوقين والخالقين؟ وهل هذا ~~إلا وهم بائس مريض ، صادر عن عقلية متخلفة لا تملك الفهم الواعي لقضايا ~~العقيدة والشريعة؟ فإذا كان هؤلاء PageV15P205 # من مخلوقات الأرض التي تموت ms3626 ، ثم يبعثها الله وينشرها ، فكيف يكونون آلهة ~~يمنحون الحياة للآخرين ، وهم لا يملكون أن يمنحوها لأنفسهم ، بمنع الموت ~~عنها أو بعثها من جديد؟ ثم هل تملك الفكرة التي ينطلقون منها وهي : تعدد ~~الآلهة ، أساسا من عقل وفكر ، بقطع النظر عن طبيعة الأشخاص الذين يعتبرهم ~~الناس بهذه الصفة؟ إن الفكرة لا تملك احتراما عقليا يمكن الركون إليه في ~~تصور الأشياء. # * * * ### ||| ** تعدد الآلهة يستلزم الفساد # ( @QUR@07 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) إن الكون يتحرك بطريقة ~~متوازنة دقيقة في كل مجالاته وظواهره ، الثابتة والمتحركة ، حتى في الأمور ~~التي يعتبرها الناس مظهر خلل في حركة الواقع ، أو حالة تمرد في الطبيعة ، ~~فإنها تخضع لضوابط وقواعد ، تمنعها من الذهاب بعيدا في نتائجها السلبية ، ~~وتقربها من الاتصال بالنتائج الإيجابية في حركة الوجود الكوني من جهة أخرى ~~، وذلك في مثل الفيضانات والبراكين والزلازل والعواصف ونحوها. # وهكذا نجد ذلك متمثلا في حركة المجتمعات البشرية والحيوانية في جميع ~~الأسس التي ترتكز عليها في ولادتها وفنائها ، وفي ارتفاعها وسقوطها ، فلا ~~مجال للفساد في ما يحيط بها من ظروف وقواعد وأحكام. # إنه الدليل على القوة الواحدة الحكيمة القاهرة التي تخلق الشيء بحساب ، ~~وتحركه بنظام ، وتفنيه بقاعدة ، في إدارة حكيمة تشمل الكون كله ، وهو ~~الدليل على وحدانية الله. ولو كان الأمر كما يقول المشركون الذين يقولون ~~بالتعدد في خلق الكون ، أو في تدبيره ، لما كان هذا الأمر ممكنا لأن طبيعة ~~التعدد في الذات الإلهية الخالقة المدبرة تفرض اختلافا في الإدارة PageV15P206 # وتنوعا في التدبير ، مما يؤدي إلى التجاذب والتنازع والاختلال عند ما ~~يريد أحدهما شيئا ، لا يريده الآخر ، أو يريد خلافه ، فإن ذلك يبطل الوجود ~~إذا كان ذلك متعلقا بالخلق ، أو يعطل حركته إذا كان مرتبطا بالتفاصيل ، لأن ~~التعدد في الألوهية يفرض التوازن في القدرة ، في ما يقتضيه من القدرة ~~المطلقة للإله المطلق. # وقد يفرض البعض إمكانية التكامل في التخطيط والتدبير ، كما قد يحدث عند ~~بعض المخلوقين الذين يتكاملون في الإشراف على بعض الأعمال أو الأوضاع ، من ~~دون أن يؤدي التعدد إلى ms3627 الاختلال ، بل ربما قد يؤدي إلى التوازن في إغناء ~~التجربة بالقدرة المتنوعة. # ولكن ذلك قد يتم في بعض الأمور ، ولا يتم في جميعها ، وقد يحصل في داخل ~~النظام الذي يخضع له هذا الشخص أو ذاك ، في ما يمكن أن يؤثر في نمو العقل ~~هنا أو هناك ، ولكن ذلك لا يتم في مستوى الآلهة التي لا تتأثر بالنظام الذي ~~يحكمها من الخارج ليمكن فيه التكامل في التفكير ، بل هي التي تخلق النظام ~~وتصنعه ، فكيف يمكن أن يتوحد تدبير الآلهة من خلاله وبذلك يكون التعدد في ~~الذات أساسا للتعدد في خصوصيات الخلق وبالتالي في حركة الإيجاد. وإلا لم ~~يكن للتعدد معنى ، أو ضرورة ما دامت المسألة لا تخضع لما هو خارج عن الذات ~~، بل لما هو داخل في عمق طبيعتها ، وفي ذات التعدد. # وعلى ضوء ذلك فإن الدليل لا يتحرك من منطق جدلي فلسفي ، بل ينطلق من عمق ~~الحقيقة الواقعية للكون وللتعدد وللفساد. # * * * ### ||| ** سلطة الله المطلقة # ( @QUR@04 فسبحان الله رب العرش ) الذي يملك الكون كله في أعلى مواقعه ~~ومظاهره ، من خلال ما يمثله العرش من السلطة المطلقة المهيمنة على الوجود ~~بجميع مجالاته ، فكيف ينسب إليه المخلوقون شريكا له في الخلق والقدرة PageV15P207 # والتدبير ، فيبتعدون بذلك عن موقع جلاله ومجالات عظمته ، فتعالى الله ( ~~@QUR@02 عما يصفون ) مما يتصل بصفات المخلوقين التي ينسبونها إلى الخالق ~~القادر القاهر الجبار الذي ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) لأنه ~~هو الذي يملك الهيمنة على الكون كله بجميع مخلوقاته ، فمن هو الذي يسأله عن ~~أمره وفعله ، أو يعترض عليه في تدبيره ، ومن هو الذي يحيط بالأشياء ، كما ~~يحيط الله بها ، ومن هو الذي يعرف أسرارها ، في ما يجب أن يحدث أو ما ينبغي ~~ألا يحدث ، أمام الله ، وهو الحكيم المطلق الكلي الحكمة الذي لا يعزب عن ~~علمه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو الحق في ذاته وهو الحق في خلقه ~~وتدبيره وفعله. # إنها الكلمة التي تعبر في أسلوب كنائي تعبيري عن السلطة المطلقة ، ~~والإشراف المطلق ، لأن من خصوصيات ذلك ألا ms3628 يكون مسئولا أمام أحد في كل شيء ~~، فليس لأحد أن يقول له لم وكيف ، فله أن يفعل ما يشاء ، ويترك ما يشاء كيف ~~يشاء من دون حسيب ولا رقيب. أما الآخرون كل الآخرين ، مهما بلغوا من الحجم ~~في القوة والكثرة والنوعية ، فهم مخلوقون له ، خاضعون لقوته وإرادته ، فلا ~~يملكون أن يفعلوا شيئا إلا برضاه ، ولا تتحرك إرادتهم إلا من خلال إرادته. ~~ولذلك فإنهم مسئولون أمامه عن كل شيء ، فعليهم أن يقدموا تفسيرا عن كل كلمة ~~، وعن كل عمل ، وأن يطلبوا الإذن في ذلك كله ، فيأخذوا الرخصة منه ، وذلك ~~هو الفرق بين الخالق والمخلوق ، وبين الإله والمألوه ، والسيد القادر ~~القاهر ، والعبد الضعيف المقهور الذي لا يقدر على شيء فكيف يمكن أن يكون ~~غيره إلها معه من دون أن يكون له أية صفة من صفات الإله. # * * * ### ||| ** وحدانية الله # ( @QUR@05 أم اتخذوا من دونه آلهة ) صنعوها بأيديهم ، أو منحوها الهالة ~~القدسية بأوهامهم ، وكيف فعلوا ذلك؟ وما الأساس الذي اعتمدوا عليه؟ ( ~~@QUR@02 قل هاتوا PageV15P208 # @QUR@01 برهانكم ) لأن العقيدة لا بد أن تخضع للحجة القاطعة التي تملك ~~على العقل قناعاته ، فأين هو البرهان من ذات الإله وصفاته ، أمام الإله ~~الحق الذي دل على ذاته بذاته ، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته. # وفي كل شيء له آية %~% تدل على أنه واحد # فإذا كان لكم برهان فقدموه .. ولكنكم لم تقدموا شيئا يدل على ذلك ، بل ~~قام الدليل على خلافه ، لا سيما وأن الكتب السماوية تنفي وجود إله آخر غير ~~الله ، وتؤكد وحدانيته ، ( @QUR@04 هذا ذكر من معي ) وهو القرآن النازل على ~~من الله ، ( @QUR@03 وذكر من قبلي ) من الكتب النازلة على موسى عليه السلام ~~وعيسى عليه السلام التي تتحدث عن الإله الواحد ، في مواجهة عقيدة الشرك ، ~~فهل تجدون فيها أي إشارة إلى أي شريك لله كما تزعمون؟ وهل هناك كتاب آخر قد ~~أنزله هذا الإله على الناس؟ ( @QUR@05 بل أكثرهم لا يعلمون الحق ) ولا ~~يملكون الرؤية الواضحة للأشياء لأن الغفلة قد سيطرت على عقولهم ، ولذلك ~~فإنهم لا يملكون القاعدة التي تميز بين الحق والباطل ، ولا ms3629 يملكون الذهنية ~~التي تقودهم إلى العقيدة الحاسمة في ذلك كله ، ( @QUR@02 فهم معرضون ) عن ~~كل دعوة للتوحيد وعن كل دليل يؤكد الدعوة. # ( @QUR@014 وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~) في خطاب مستمر موجه إلى الناس كافة ، في إعلان حاسم لعقيدة التوحيد ~~باعتبار أنها العقيدة الصحيحة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من ~~خلفها ، وفي دعوة لتأكيد هذه العقيدة في حركة الإنسان في الحياة من خلال ما ~~يتعبد به المتعبدون ، ويمارسه المطيعون ، وذلك بعبادة الله وحده في نداء ~~ينطلق من الله بالذات ، من موقع الألوهية الحقة المهيمنة على الأمر كله ، ( ~~@QUR@05 لا إله إلا أنا فاعبدون ) في ما تفكرون به ، وتعيشونه من شرائع ~~وأوضاع وعلاقات ، وفي ما تخضعون له من انتماءات. # * * * PageV15P209 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) @QUR@06 ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) @QUR@015 يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) @QUR@013 ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) (29) # * * * ### ||| ** الادعاء بأن لله ولدا # ويستمر القرآن في مناقشة فكرة الشرك المتخلفة التي سادت بين الناس في ~~الجزيرة العربية. # ( @QUR@04 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) حيث كانوا يتحدثون عن الملائكة ، ~~فيزعمون أنهم أولاد الله سبحانه ، باعتبارهم مخلوقات غيبية غامضة موجودة في ~~السماء التي هي المكان الطبيعي لله في زعمهم ، وهم يحملون ملامح خارقة ~~تقترب من ملامح الصورة التي يحملونها عن الله ، مما يؤكد التقارب الذاتي بينهم PageV15P210 # وبينه ، تماما كما هو التقارب بين الأب وأولاده في الملامح والصفات. # وهكذا نجد أن فكرة الولد لله ، التي تمثلت في عقيدة بعض النصارى وبعض ~~اليهود ، وبعض العرب ، كانت ناشئة من القدرات الخارقة التي يدعونها لهؤلاء ~~، إذ إنهم يرون أنه لا يمكن أن يكون إلا عن نسبة إلهية عضوية ، نظرا إلى أن ~~أصحاب هذه العقيدة لا يتعقلون امكانية إعطاء الله لهؤلاء بعضا من القدرة ~~التي قد يصنعون بها ما يقومون به من معجزات ، أو ما يعيشونه من أوضاع ms3630 ~~مميزة. وفي ضوء ذلك نعرف أن التخلف في فهم الأمور هو المسؤول عن انحراف ~~العقيدة ، وأن الاستغراق في تضخيم الأشخاص من خلال ما يوحيه من تصورات ، ~~ويثيره من انفعالات هو الأساس في عبادة الشخصية ولو بطريقة غير مباشرة ، ~~مما يفرض على العاملين الحذر في إثارة الحديث عن صفات العظماء في تقييم ~~شخصيتهم ، وذلك باعتماد النظرة الموضوعية الهادئة ، بعيدا عن النظرة ~~الانفعالية الحادة. # * * * ### ||| ** بل عباد مكرمون # ( @QUR@05 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ) فإن عظمته في مقام ألوهيته ، ~~تتنزه عن ذلك ، لأن الولد يعني الحاجة ، ويعني المحدودية ، والجسمية ، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإن هؤلاء الذين يدعون لهم مثل هذه الصفة ، ~~لا يوافقون على ذلك في ما يعرفونه من أنفسهم وقدراتهم التي مهما كبرت وعظمت ~~فإنها لا تخرج عن كونها من خلق الله ، كما أنهم مخلوقون له ، كجزء من ~~مخلوقاته ، فليسوا أولادا له ، ( @QUR@03 بل عباد مكرمون ) أكرمهم الله ~~بتقريبهم إليه ، فمنحهم الدرجة العليا ، وأعطاهم الموقع الحسن ، ومنحهم ~~الميزة على بقية المخلوقين ، انطلاقا من حكمته التي تحدد مواقع المخلوقين ~~في الكون ، كما تخطط لحركة الأشياء فيه ، وانسجاما مع روحيتهم العميقة في ~~خضوعهم لله PageV15P211 # وانقيادهم له ، في آفاق العبودية المطلقة التي يعيشونها فكرا ، ~~ويتحسسونها شعورا ، ويتحركون فيها عملا وطاعة ، فهم ( @QUR@03 لا يسبقونه ~~بالقول ) حيث يعبر السبق بالقول عن معنى كنائي عن الاستقلال في الفكر ~~والكلمة والموقف ، الناشئ عن الشعور باستقلال الذات وحرية الموقف والموقع ، ~~فهم لا يرون لأنفسهم ذلك ، بل يلتزمون التبعية المطلقة التي ينتظرون فيها ~~الكلمة الإلهية ليلتزموها ويقولوها ، والخط الإلهي ليتحركوا فيه ، والشريعة ~~الهادية لينفعلوا بها ، ( @QUR@03 وهم بأمره يعملون ) فلا يتمردون في كلمة ~~، ولا ينحرفون في خط ، ولا يبتعدون عن هدف ، مما يريده الله لهم ولدورهم في ~~حركة الحياة ، فهم الخاضعون له ، وهو المسيطر على الأمر كله ، والمحيط ~~بسرهم وعلانيتهم ، في ما يحيطون به ، وما لا يحيطون به ، فهو يعلم منهم ما ~~لا يعلمونه من أنفسهم ، ( @QUR@06 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) في حاضر ~~الواقع الذي يتحركون فيه ، وفي مستقبله ، فلا يغيب ms3631 عن علمه شيء منه ، مهما ~~كان دقيقا وخفيا .. # تلك هي مواقعهم التي تتميز بها ملامحهم الشخصية ، فلا يتجاوزون حدود ~~مواقعهم أمام الله من خلال ما يعيشونه في داخل حياتهم الخاصة ، وما يتحركون ~~به من العلاقات في حياة الآخرين ، فلا يتصرفون معهم إلا بما يعلمون أن الله ~~يرضى عنه ، فلا يرون لأنفسهم الحرية في أن تتدخل العوامل الذاتية في ما ~~يريدون أن يتقدموا به إلى الله ، من الشفاعة لبعض الخاطئين ، أو المنحرفين ~~، لأنهم يعرفون أن الشفاعة ليست حالة ذاتية ينطلق بها المقربون إلى الله ، ~~ليستفيدوا من مواقع القرب ، في علاقاتهم الخاصة بالأشخاص ، ليقربوهم بعيدا ~~عن الله ، كما يفعل الناس في الدنيا ، ليتقرب الناس إليهم بما يتقربون به ~~إلى المقربين من الملوك والأمراء ، ليشفعوا لهم عنده ، فينفعلون بذلك في ما ~~يتحدثون به إلى رؤسائهم ، في قضايا الامتيازات والشفاعات ، وما إلى ذلك .. PageV15P212 # إن المقربين من عباد الله المكرمين ، سواء منهم الملائكة أو الأنبياء ~~والأولياء ، لا يعيشون الذاتية في مشاعرهم ، بل يتمثلون في وجدانهم العنصر ~~الروحي ، فهم يعرفون مواقع رضا الله فيتحركون فيها ، ومحال كرامة الله ~~ورحمته ، فينطلقون إليها ، ويعلمون أن الشفاعة كرامة يريد الله أن يكرم بها ~~بعض خلقه فيشفعهم فيمن يريد أن يغفر لهم ويرحمهم ، لأنهم في الموقع الذي ~~يمكن لهم فيه أن يقتربوا من رحمته ومغفرته ، ولذلك فهم يعرفون مواقع ~~الشفاعة فيمن يطلبون من الله أن يشفعهم فيهم فلا يشفعون للكافرين والمشركين ~~والمنحرفين الذين حاربوا الله ورسوله ، لأنهم ليسوا في المواقع التي ~~يستحقون فيها الرحمة ، ولأنهم لا يشعرون بأية عاطفة تجاههم ، ولا بأية ~~مسئولية عنهم. # ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) من خلقه ، في ما يعلمونه من مواقع ~~رضاه ، ( @QUR@04 وهم من خشيته مشفقون ) حيث يتمثلون في أنفسهم الإحساس ~~العميق بعبوديتهم لله فيخشون أن يخطئوا في كلمة ، أو حركة ، أو علاقة ، أو ~~عاطفة ، أو موقف ، مما يمكن لله أن يحاسبهم عليه ، فهم في مواقع الحذر في ~~مواقعهم من الله لأنهم لا يريدون لحياتهم أن تنفصل عن مواقع رحمته ورضاه. # * * * ### ||| ** جزاء المحسنين .. والظالمين # ( @QUR@07 ومن ms3632 يقل منهم إني إله من دونه ) من الناس الذين يعيشون بعض ~~ملامح الانتفاخ في الشخصية من خلال استغراقهم في ذواتهم ، أو من خلال ~~استغراق الناس في شخصياتهم ، وتضخيمهم لأدوارهم وإمكاناتهم ، مما يجعل ~~الذات تتعاظم في إحساسها الداخلي ، فتنسى عبوديتها لله ، وتعيش مشاعر ~~التأله المرضي في مواقع عقدة الضعف الكامنة في داخل الذات ، إن على هؤلاء PageV15P213 # الذين يضعون أنفسهم في هذا الموقع أن يعرفوا جيدا خطورة مثل هذا القول ~~على صعيد مصيرهم في الآخرة ، فإنهم إذا كانوا يعيشون بعض الامتيازات ~~الذاتية والاجتماعية في حياتهم الآن ، فإن ذلك لن ينفعهم شيئا ، وسيزول ~~عنهم بكل مظاهره ، وسيتركهم كل هؤلاء الذين يغرونهم بأنفسهم ، وسيواجهون ~~الموقف وحدهم ، بكل ما يحمل ذلك من مظاهر الضعف وعناصره ، وسيعرفون جيدا ، ~~أن الله قد قال ، بمعنى الإرادة الحاسمة التي لا تنفصل عن المراد ، إن الذي ~~يدعي الالوهية من دوني ( @QUR@03 فذلك نجزيه جهنم ) التي أعددناها للكافرين ~~والمشركين والمعاندين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والطغيان ، وكانوا ~~الظالمين أمام الله عند ما أشركوا به ما لم يأذن به ، ( @QUR@03 كذلك نجزي ~~الظالمين ) في خط العدل الإلهي الذي يريد للظالمين أن يواجهوا الجزاء ~~العادل لما ظلموا به ربهم وأنفسهم ، وظلموا به الحياة من حولهم عند ما ~~انحرفوا بها عن الصراط المستقيم. # * * * PageV15P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ~~وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) @QUR@013 وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) @QUR@08 ~~وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) @QUR@011 وهو الذي ~~خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رتقا ): الرتق : الالتئام والالتحام. # ( @QUR@01 ففتقناهما ): الفتق : ضد الرتق ، أي الفصل والانفصام. # ( @QUR@01 رواسي ): الرواسي : الجبال. # ( @QUR@01 تميد ): الميد : الاضطراب. # ( @QUR@01 فجاجا ): الفج : الطريق الواسع بين الجبلين. PageV15P215 # ( @QUR@01 فلك ): مدار كل من الشمس والقمر والكواكب. # * * * ### ||| ** الله سبحانه يفتق رتق السماوات والأرض # ويبقى التوحيد المطلق ، هو ما تريد السورة أن تعالجه وتؤكده من خلال ~~توجيه الإنسان إلى التفكير في خلق الله ، هذا التفكير الذي يوصله إلى ~~الدليل ms3633 على وحدانية الله في قدرته وعظمته ، في السماء والأرض ، ( @QUR@04 ~~أولم ير الذين كفروا ) بالله ، أو بتوحيده في الخلق وفي التدبير ، من خلال ~~ما يشاهدونه في الكون ، ويرونه بعقولهم ، ( @QUR@05 أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ) أي مضمومتين ملتحمتين ، إما في اتصال بعضهما ببعض ، بحيث يكون ~~المدلول أنهما كانتا تمثلان جسما واحدا ، أو في داخل كل واحدة منها بحيث ~~تكون مضمومة في أجزائها ، لا يتخللها أية ثغرة ، ( @QUR@01 ففتقناهما ) ~~ففصلناهما ، أو فصلنا كل واحدة منهما في أجزائها. وقد اختلف التفصيل ~~التطبيقي للفتق والرتق ، في ما تعنيه الآية ، أو تشير إليه ، فقد ذكر بعض ~~المفسرين كما جاء في تفسير الميزان : # «لا نزال نشاهد انفصال المركبات الأرضية والجوية بعضها من بعض ، وانفصال ~~أنواع النباتات من الأرض ، والحيوان من الحيوان ، والإنسان من الإنسان ، ~~وظهور المنفصل بالانفصال في صورة جديدة لها آثار وخواص جديدة ، بعد ما كان ~~متصلا بأصله الذي انفصل منه غير متميز الوجود ولا ظاهر الأثر ولا بارز ~~الحكم ، فقد كانت هذه الفعليات محفوظة الوجود في القوة ، مودعة الذوات في ~~المادة ، رتقا من غير فتق ، حتى فتقت بعد الرتق ، وظهرت بفعلية ذواتها ~~وآثارها. # والسماوات والأرض بأجرامها ، حالها حال أفراد الأنواع التي ذكرناها ، ~~وهذه الأجرام العلوية والأرض التي نحن عليها ، وإن لم تسمح لنا أعمارنا على PageV15P216 # قصرها ، أن نشاهد منها ما نشاهده في الكينونات الجزئية التي ذكرناها ، ~~فنرى بدء كينونتها أو انهدام وجودها ، لكن المادة هي المادة ، وأحكامها هي ~~أحكامها ، والقوانين الجارية فيها لا تختلف ، ولا تتخلف. # فتكرار انفعال جزئيات المركبات والمواليد من الأرض ، ونظير ذلك في الجو ، ~~يدلنا على يوم كانت الجميع فيه رتقا منضمة غير منفصلة من الأرض ، وكذا ~~يهدينا إلى مرحلة لم يكن فيها ميز بين السماء والأرض ، وكانت الجميع رتقا ~~ففتقها الله تحت تدبير منظم متقن ظهر به كل منها على ما له من فعلية الذات ~~وآثارها. # فهذا ما يعطيه النظر الساذج في كينونة هذا العالم المشهود بأجزائها ~~العلوية والسفلية كينونة ممزوجة بالتدبير مقارنة للنظام الجاري في الجميع. ~~وقد قربت الأبحاث العلمية الحديثة ms3634 هذه النظرة ، حيث أوضحت أن الأجرام التي ~~تحت الحس مؤلفة من عناصر معدودة مشتركة ، ولكل منها بقاء محدود وعمر مؤجل ~~وإن اختلفت بالطول والقصر» (1). # وقد توضح هذا المعنى النظرية القائمة وهي أن المجموعات النجمية ، ~~كالمجموعة الشمسية وتوابعها ، ومنها الأرض والقمر ، كانت سديما ثم انفصلت ~~وأخذت أشكالها الكروية ، وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها ~~وبردت. أما تعليقنا على ذلك ، فهو أن الفكرة طريفة ودقيقة ، ولكنها لا ~~تقترب من الحالة الوجدانية التي يريد الله للإنسان أن يعيشها في تجربته ~~الذاتية ، في ما قد يكون له بعض من العمق ، ولكنه يكون قريبا من الحس ، من ~~خلال ما يمكن له أن يلتقي فيه ، عن طريق المشاهدة بالفكرة. هذا بالإضافة ~~إلى أن استنتاج فكرة الرتق والفتق لما كانت عليه السماوات والأرض من التصاق ~~، من خلال انفصال المركبات الأرضية والجوية بعضها من بعض ، PageV15P217 # وانفصال أنواع النباتات من الأرض ، والحيوان من الحيوان ، والإنسان من ~~الإنسان ، لا يخلو من غموض وخفاء لأن اعتبار المسألة من خصوصيات المادة لا ~~من خصوصيات العناصر الذاتية أو النوعية للأشياء ، غير واضح. # أما النظرية العلمية ، فلا نستطيع إخضاع القرآن لها لأنها لا تمثل ~~الحقيقة الحاسمة. وهناك تفسير آخر مروي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام ، ~~في رواية «أن عمرو بن عبيد وفد على محمد بن علي الباقر عليه السلام لامتحانه ~~بالسؤال عنه ، فقال له : جعلت فداك ما معنى قوله تعالى : ( @QUR@010 أولم ~~ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ما هذا الرتق ~~والفتق؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : كانت السماء رتقا لا تنزل القطر ، ~~وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات ، ففتق الله السماء بالقطر ، وفتق الأرض ~~بالنبات (1). # وهذا المعنى أقرب من الأول لأن الفتق في الموجودات من الأمور الحادثة ~~الطبيعية من خلال ما يشاهده الإنسان من طريقة انفصال النبات عن الأرض ، أو ~~نزول المطر من السماء ، مما يمكن أن يوحي بأصل الحدوث في المبدأ ، من خلال ~~ملاحظة الحدوث في ما يتمثل فيه الفتق والرتق في حركة الأرض والسماء في ms3635 ~~مواسم المطر والنبات. هذا مع ملاحظة اقترابه من الفقرة التالية : ( @QUR@06 ~~وجعلنا من الماء كل شيء حي ) التي هي بمثابة النتيجة للفتق الأرضي والسماوي ~~، الذي ينزل من خلاله الماء من السماء ، ويتفجر من الأرض ، فيخرج منه ~~النبات. # * * * ### ||| ** دلائل وحدانية الله # ( @QUR@06 وجعلنا من الماء كل شيء حي ) فقد خلقه الله ليكون عنصرا حيويا ~~في ارتباط الحياة به سواء في ذلك الإنسان والحيوان والنبات وغيرهم مما أثبتته PageV15P218 # الأبحاث العلمية الحديثة ، سواء في أصل الوجود أو في استمراره. # ( @QUR@02 أفلا يؤمنون ) من خلال ما تثيره هذه الظاهرة من أفكار ومشاعر ، ~~وما تفتحه من آفاق للمعرفة ، في القوة الحكيمة المدبرة الخالقة للأشياء ، ~~ومما يجعل من الإيمان بالله حالة فكرية ووجدانية يتحرك نحوها الإنسان ~~بفطرته التي تحرك النظر وتوحي بالفكر. # ( @QUR@07 وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ) وهي الجبال التي تحفظ ~~توازن الأرض واستقرارها مما قد تختلف طبيعته ، فقد يكون من خلال التوازن ~~بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها ، مما تختلف فيها ~~المواقع في أنحاء الأرض ، وقد يكون بروز الجبال في مكان من الأرض معادلا ~~لانخفاض الأرض في موضع آخر ، وقد يكون هناك أشياء أخرى ، مما يتم به ~~التوازن مما قد يكتشفه العلم بطريقة أو بأخرى. # ( @QUR@06 وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ) فلم نجعلها أي الجبال ~~مغلقة أمام السائرين السالكين الذين يتحركون فيها ليصلوا من خلالها إلى ~~غاياتهم ، بل جعلنا في داخلها فجوات وثغرات بين حواجزها العالية ، لتكون ~~طرقا وسبلا ، ليهتدوا من خلال ذلك إلى مقاصدهم ، وليهتدوا إلى الإيمان ~~بالله عند ما يدرسون ما في ذلك من دلائل على وجود الله. # ( @QUR@04 وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) وذلك بما يتمثله الناس من صورة ~~السماء بالنسبة إلى الأرض ، في ما يشبه السقف على أساس إعطاء الفكرة من ~~خلال الصورة الظاهرة ، أما صفة الحفظ ، فقد تكون بمعنى الحفظ من استراق ~~السمع ، الذي يذكر القرآن أنهم كانوا يمارسونه في وقت ما ، وقد تكون بمعنى ~~الحفظ من بعض حالات الخلل الذي قد يحدث في بعض أنحاء الكون كالأرض ، من ~~زلازل ms3636 وبراكين وفيضانات ، مما يوجب انهدام جزء منها ، أو تصدعه ، أو غير ~~ذلك من المعاني ( @QUR@04 وهم عن آياتها معرضون ). PageV15P219 # ( @QUR@011 وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ) ~~لتنطلق الحياة في الأرض في نظام دقيق يمنحها الدفء والحركة والاستقرار ، من ~~خلال ما يمثله الليل والنهار من تنظيم الحياة الإنسانية في حركة المعاش ~~واسترخاء النوم والهدوء وما يمثله الشمس والقمر من حركة كونية في إدارة ~~أوضاع النمو والحياة ، ولكل منهما دائرة محدودة مضبوطة يتحرك فيها نظامه ، ~~من دون أى خلل أو انحراف أو تجاوز للحدود ، في ما قدره الله لهما من أوضاع ~~وحدود ، في أجواء الأرض ، مما يحيط بها أو يطل عليها من أنظمة وظواهر لتمتد ~~بها الحياة في شروطها الضرورية. # * * * PageV15P220 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) ~~@QUR@010 كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) ~~@QUR@017 وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ~~وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) (36) # * * * ### ||| ** كل نفس ذائقة الموت # .. وكانوا إذا ضاقوا بالنبي ذرعا ، فلم يستطيعوا أن يهزموا موقفه ، أو ~~يسقطوا حجته أو يقابلوا دعوته ، تمنوا له الموت ، لتنتهي قصة الصراع معه ~~بموته ، ليخلو لهم الجو لعبادة الأصنام ، وحماية امتيازاتهم وعاداتهم ~~وتقاليدهم التي جاء الإسلام ، من أجل أن يستبدلها بعادات وتقاليد جديدة ، ~~تنسجم مع مبادئ الإسلام في حياة الناس. # وأنزل الله آياته التي تناقش هذه التمنيات ، وتحاصرها في الدائرة : ( ~~@QUR@06 وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) فقد خلق الله الناس في آجال محدودة ~~، لا يملكون الامتداد في الحياة إلى ما هو أبعد منها ، من دون فرق بين ~~الأنبياء وغيرهم ، فليس للمقربين عند الله أي امتياز في هذا الجانب ، إذا ~~كان لك امتياز PageV15P221 # في النبوة أو غيرها من خلال درجات القرب إليه فستموت ، كما مات من قبلك ، ~~وسيموت من بعدك من هؤلاء وغيرهم ، ( @QUR@04 أفإن مت فهم الخالدون ) ~~ليخططوا ما شاؤوا من الخطط الممتدة في المستقبل بعيدا عنك ، في مواجهة دينك ~~، لذلك فإن كل هذه التمنيات في انتظار موتك ms3637 لا تنفعهم في شيء ، فقد يموتون ~~قبلك ، وقد يموتون معك ، ومهما امتدت بهم الحياة بعدك فسيموتون إن عاجلا أو آجلا. # ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) والمراد بالنفس ، الذات الإنسانية التي ~~تتعلق بها الحياة عند ما تدب الروح في الجسد ، وتموت عند ما تخرج منه. وهذا ~~قانون عام من القوانين الكونية التي أودعها الله في الحياة ، وبذلك كانت ~~الفرصة الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يرتفع بها إلى أسمى الدرجات عند الله ~~، من خلال ما يقدمه من عمل صالح مرتكز على خط الإيمان. # * * * ### ||| ** بلاء الخير والشر # ( @QUR@04 ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) بما يمثله البلاء من امتحان لكم ~~في ما تعيشونه من فكر إيماني ، وملكة روحية ، من خلال الأوضاع المتقلبة من ~~فقر أو غنى أو مرض أو صحة أو خوف أو أمن ، وما إلى ذلك من شؤون الشر والخير ~~، ليظهر قوة الإيمان في النفس أو ضعفه فيها من مواقع حركة الصراع في الحياة ~~بين الخير والشر في نفوسكم ، ( @QUR@02 وإلينا ترجعون ) لتقفوا في مواقف ~~الحساب الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. # ( @QUR@08 وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ) لأن مقاييسهم في ~~تقويم الأشخاص ليست هي الكفاءات العلمية ، والملكات الروحية والعقلية PageV15P222 # التي يملكها الإنسان ، للحصول على احترامهم الذاتي والاجتماعي ، بل هي ~~الامتيازات المالية أو الطبقية ، أو غير ذلك مما يتصل بالأمور الخارجة عن ~~الذات ، مما يستعيره الإنسان من نسبه أو ماله أو موقعه الاجتماعي ، وبذلك ~~فإنهم ينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نظرة سخرية وهزء ، لأن مستواه ~~الاجتماعي في دعواه للنبوة تحتاج الى مركز كبير ورفيع ، وهذا في نظرهم لا ~~يتناسب مع فقره ويتمه وفقدانه للمقومات الطبقية المرموقة في عرفهم ، ( ~~@QUR@04 أهذا الذي يذكر آلهتكم ) ويهاجمها ويعمل على إبعاد الناس عن ~~عبادتها ، في الوقت الذي لا يملك أي موقع يسمح له بذلك؟ # ( @QUR@05 وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) لأنهم لا يؤمنون بالله ، ولا ~~برسالاته ، ولذلك فإنهم يتنكرون لرسله ، ويستصغرون قدرهم ، ولا يفهمون ~~طبيعة العلاقة بين الرسالة والرسول في ما يفرضه المعنى الروحي للنبي ، ~~بعيدا ms3638 عن المعاني المادية للإنسان وللمجتمع. # * * * PageV15P223 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) @QUR@016 لو يعلم الذين كفروا ~~حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) @QUR@010 ~~بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) @QUR@013 ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) ~~@QUR@013 قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون ~~(42) @QUR@014 أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون (43) @QUR@018 بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا ~~يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) @QUR@011 قل ~~إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) @QUR@012 ولئن ~~مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) @QUR@020 ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل ~~أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) (47) # * * * PageV15P224 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا يكفون ): لا يدفعون ، يقال : كففته عني : أي دفعته ومنعته. # ( @QUR@01 فحاق ): نزل. # ( @QUR@01 يكلؤكم ): يحرسكم ، يحفظكم. # ( @QUR@01 يصحبون ): يجأرون ، يقال : أنا صاحب لك من فلان ، أي مجير لك منه. # ( @QUR@01 نفحة ): النفحة : الوقعة من العذاب. # ( @QUR@01 القسط ): العدل. # ( @QUR@01 حاسبين ): حسب يحسب حسبا : أحصى. # * * * ### ||| ** خلق الإنسان من عجل # ( @QUR@04 خلق الإنسان من عجل ) تلك هي مشكلة هؤلاء في سلوكهم أمام ~~الرسالة والرسول ، إنها مسألة العجلة ، التي تمنع الإنسان من التفكير ~~الهادىء العميق الذي يحدد له حسابات الحاضر والمستقبل في نتائجها السلبية ~~والإيجابية في قضية المصير ، فيحاول أن يواجه المواقف التي تحذره من ~~المشاكل الصعبة التي تنتظره كنتيجة لكفره بالرسالة التي يحملها الرسول ~~بطريقة انفعالية استعجالية لا تعبأ بالعواقب ، ولذلك فإنهم يستعجلون الآيات ~~التي يقترحونها من دون إبداء الاستعداد للإيمان بها ، الأمر الذي يؤدي إلى ~~إنزال العذاب بهم في نهاية المطاف. PageV15P225 # ( @QUR@04 سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) مما يوحي به ذلك من عذاب نار جهنم ~~الذي هو النتيجة الطبيعية للكفر ، في ما جعله الله من ملازمة بين العذاب ~~ونزول ms3639 الآيات ، فلما ذا العجلة؟ وما مكاسبها على مستوى حياتكم في دنياكم ~~وآخرتكم؟ # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) في كلمة تحد وتعجيز ~~للنبي والمؤمنين في تحديد يوم القيامة الذي يعرفون أو يحسون بأنه لا يملك ~~أمر تحديده ، لأنه من أمر الله الذي اختص بعلمه ، وكأنهم يهدفون من خلال ~~ذلك إلى إثارة الحيرة والقلق والشعور بالضياع في إيمان المؤمنين. # * * * ### ||| ** جاءهم العذاب بغتة # إنهم يتساءلون عن يوم القيامة ، ولكن هل يعرفون ماذا ينتظرهم في ذلك ~~اليوم؟ ( @QUR@013 لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا ~~عن ظهورهم ) فلا يملكون لها دفعا عند ما تواجههم من بين أيديهم ومن خلفهم ، ~~( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) لأنهم لا يجدون أحدا من هؤلاء الذين يدعونهم من ~~دون الله ، لينصروهم من عذاب الله ، ( @QUR@03 بل تأتيهم بغتة ) بل تأتيهم ~~بغتة بشكل مفاجئ ( @QUR@01 فتبهتهم ) وتقودهم إلى الحيرة ، فلا يعرفون ماذا ~~يفعلون أمامها ، وهي تهاجمهم من كل مكان ( @QUR@03 فلا يستطيعون ردها ) ~~عنهم لأنهم لا يجدون أية جهة ، مما حولهم ، تحميهم من لهيبها ، ( @QUR@03 ~~ولا هم ينظرون ) أية لحظة يتخففون منها. # ( @QUR@05 ولقد استهزئ برسل من قبلك ) بكل الأساليب العابثة التي توحي ~~بالاحتقار والسخرية ، ( @QUR@04 فحاق بالذين سخروا منهم ) وحل بهم ( ~~@QUR@04 ما كانوا به يستهزؤن ) من العذاب الذي توعدهم به الأنبياء ، فها هم ~~يواجهونه ولا PageV15P226 # يستطيعون فكاكا عنه ، ( @QUR@07 قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ) ~~ومن الذي يتولى حفظكم ورعايتكم من كل ما يمكن أن يأتيكم بالليل والنهار من ~~أهوال الدنيا وبلائها؟ ولكنهم لا يتوقفون أمام علامات الاستفهام التي تتحدى ~~جمودهم وانحرافهم وعصيانهم ، فلا يلتفتون إلى ما تثيره في حياتهم من قضايا ~~ومواقف للوعي والحذر ، ( @QUR@06 بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) فلا يعيشون ~~عظمة الله في وجدانهم ، ولا يفكرون في نتائج انصرافهم عن ذكره في مصيرهم ، ~~فيهربون من واقعهم الفاعل ، إلى الواقع اللاهي العابث دون تحمل أي مسئولية ~~أمام ما يواجهونه من مصير. ولكن الذين يعرضون عن الله لا بد أن يفكروا ~~بالحماية التي تنقذهم من عذاب الله ، في ما يملكون من ms3640 قوة للدفاع ، ولو ~~فكروا لما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، وهذا ما أراد القرآن أن يثيره أمامهم ~~زيادة في إثارة شعورهم بالإحباط. # ( @QUR@010 أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ) لأنهم ~~الضعفاء المخلوقون لله ، الخاضعون لإرادته ، ( @QUR@04 ولا هم منا يصحبون ) ~~ويحفظون أنفسهم من الله. والاستفهام إنكاري بمعنى النفي. # * * * ### ||| ** الله الغالب على عباده # ( @QUR@08 بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر ) وامتد بهم العمر ~~بفيوضات الأمل الطويل ، ولكنهم لم يستفيدوا من التجربة الماثلة أمامهم في ~~ما ينظرون من الأمم السالفة التي عايشوها وانقرضت جيلا بعد جيل. # ( @QUR@08 أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) بما يوحي به ذلك ~~من زوال الأمم وانقراضها الذي هو وجه من وجوه انتقاص الأرض من ساكنيها ، ~~أفلا يفكرون بأن من الممكن أن ينقرضوا كما انقرض أولئك ويزولوا كما زالوا ~~من دون أن يملكوا أية قوة مضادة للدفاع والحماية؟ ( @QUR@02 أفهم الغالبون ~~) أم الله PageV15P227 # الغالب إن أراد أن يضرهم أو يهلكهم أو يمسهم بعذاب؟ # ( @QUR@04 قل إنما أنذركم بالوحي ) النازل من الله ، بما ينذر به عباده ~~الكافرين والعاصين والطاغين ، فليست كلماتي هي الكلمات التي ألقيها عليكم ، ~~وليست تهديداتي هي التي أطلقها في ساحاتكم ، بل هي كلمات الله وإنذاراته ~~التي أريد أن أصدم بها أسماعكم وقلوبكم ، وأثير فيها خوفكم وحذركم ~~لتتوازنوا وتستقيموا في خط الإيمان والطاعة. ولكن المشكلة هي أن أسماعكم ~~مغلقة بالغفلة ، وقلوبكم مخنوقة بالضلالة ( @QUR@03 ولا يسمع الصم ) الذين ~~أغلقت آذانهم وقلوبهم ( @QUR@01 الدعاء ) للخير والهداية والاستقامة ( ~~@QUR@03 إذا ما ينذرون ) بالنتائج السلبية التي تواجههم عند الإعراض ~~والانحراف. # ( @QUR@06 ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ) الذي يعذبهم به على أعمالهم ، ( ~~@QUR@03 ليقولن يا ويلنا ) في نداء صارخ بالويل والإحباط ، ( @QUR@03 إنا ~~كنا ظالمين ) بما ظلمنا به أنفسنا بالكفر والضلال الغارق في الغفلة المطبقة ~~عن نداء العقل بالإيمان ، ونداء الله بالاستقامة والطاعة فلم نكن نعرف ، من ~~خلال الحس ، ما ينتظرنا من عقاب في الدار الآخرة ، ولو كنا نعرف ذلك لما ~~عملنا ما عملناه. # * * * ### ||| ** عدل الله # ( @QUR@03 ونضع الموازين القسط ) العدل ( @QUR@02 ليوم القيامة ) في حساب ~~الناس ms3641 على أعمالهم ، وهي كناية عن المقاييس التي يخضع لها التقييم الإلهي ~~للأعمال في ما يستحقه الناس عليها من عقاب وثواب ، من خلال ما تشتمل عليه ~~من دوافع وخصائص في ذاتها ونتائجها ، ( @QUR@04 فلا تظلم نفس شيئا ) فلا ~~يضيع منها شيء ، ( @QUR@06 وإن كان مثقال حبة من خردل ) باعتبار صغر وحدة ~~الخردل في الوزن وهو كناية عن الإتيان بالخفي الدقيق من الأعمال ، ( ~~@QUR@03 وكفى بنا حاسبين ) في ما نعرفه من خفايا الأعمال ودقائقها. # * * * PageV15P228 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) ~~@QUR@08 الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) @QUR@07 وهذا ~~ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) @QUR@09 ولقد آتينا إبراهيم رشده ~~من قبل وكنا به عالمين (51) @QUR@011 إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون (52) @QUR@05 قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) ~~@QUR@08 قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) @QUR@07 قالوا أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللاعبين (55) @QUR@013 قال بل ربكم رب السماوات والأرض ~~الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) @QUR@07 وتالله لأكيدن أصنامكم ~~بعد أن تولوا مدبرين (57) @QUR@08 فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون (58) @QUR@08 قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) ~~@QUR@07 قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) @QUR@08 قالوا فأتوا ~~به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) @QUR@07 قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يا إبراهيم (62) @QUR@09 قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ~~(63) @QUR@07 فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) @QUR@09 ثم ~~نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) @QUR@03 قال أفتعبدون من PageV15P229 # @QUR@08 دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) @QUR@09 أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) @QUR@07 قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ~~إن كنتم فاعلين (68) @QUR@08 قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ~~(69) @QUR@05 وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) @QUR@08 ونجيناه ~~ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) @QUR@08 ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) @QUR@015 وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (73) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الفرقان ): التوراة ، وسميت التوراة بالفرقان لكونها يفرق بها ~~بين الحق والباطل. ms3642 # ( @QUR@01 رشده ): الرشد : خلاف الغي ، وهو الاهتداء وإصابة الواقع. # ( @QUR@01 لأكيدن ): الكيد : التدبير الخفي على الشيء بما يسوؤه. # ( @QUR@01 جذاذا ): الجذ : كسر الشيء وتفتيته ، أي قطعا مكسورة. # ( @QUR@01 نكسوا ): النكس : قلب الشيء على رأسه ، والمراد به هنا : ~~العجز وعدم التراجع عن المكابرة. # ( @QUR@01 أف ): تبا لكم ولأعمالكم. # ( @QUR@01 نافلة ): عطية. # * * * PageV15P230 ### ||| ** التفاعل الحي بين النبي والناس # وهكذا أكدت الآيات السابقة مفهوم النبوة في قاعدته الإنسانية المطلة على ~~الغيب من خلال الوحي النازل من الله على البشر الذين اصطفاهم لرسالته ، من ~~أجل أن تتفاعل النبوة بقيمها التي يجسدها النبي في حياة الناس ، في خط ~~الدعوة التي تحول المؤمنين إلى دعاة للرسالة ، وفي خط الممارسة التي تثير ~~فيهم رسالية الفكر والكلمة والحركة والمنهج ، لتعيش الحياة النبوية في حركة ~~التفاعل بين النبي وقاعدته. وأثارت الكثير من الحديث حول النتائج الإيجابية ~~والسلبية التي تتصل بالمؤمنين والكافرين ، كما حاورت الكافرين في الجوانب ~~المتصلة بالشرك وباليوم الآخر. وجاء دور الحديث عن الأنبياء في حركة ~~التاريخ في الدعوة وفي الواقع ، بين إجمال وتفصيل تبعا للنقاط التي يريد ~~القرآن إثارتها في هذه السورة. # ( @QUR@05 ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ) وهي التوراة التي كانت أول ~~كتاب سماوي شامل في العقيدة وفي الشريعة ، لتكون الفارق بين الحق والباطل ، ~~( @QUR@01 وضياء ) ينير الدرب للسالكين في حركة الفكر والحياة ، ( @QUR@02 ~~وذكرا للمتقين ) في ما يريد أن يثيره في وجدانهم الروحي من عناصر الوعي ~~التي تبتعد بهم عن الغفلة ، أو تفتح قلوبهم على الحقيقة لتذكرهم ما قد نسوه ~~، لتوجههم إلى ما أغفلوه لأن هؤلاء ليسوا من النماذج الغارقة في عالم الحس ~~، الغائبة عن آفاق الله ، بل هم ( @QUR@04 الذين يخشون ربهم بالغيب ) لأنهم ~~إذا لم يكونوا قد رأوه بعيونهم فقد عرفوه بقلوبهم ، وأحسوا به بوجدانهم ، ~~وعاشوا معه في عقولهم ومشاعرهم ، وشاهدوه في كل آية من آيات عظمته ، حتى ~~أنهم يقفون أمامه وجها لوجه ، في إحساس عظيم بحضوره في حياتهم كأقوى ما ~~يكون الحضور ، وفي التزام كبير بالخط المستقيم الذي يؤدي إليه ، كأعمق ما ~~يكون الالتزام في شعور بالخوف والخضوع والرهبة ، وتعبير صارخ بالعبادة PageV15P231 # والابتهال ms3643 ، ( @QUR@04 وهم من الساعة مشفقون ) فكأنهم ينتظرون حلولها بين ~~لحظة وأخرى ليواجهوا عندها مسألة المصير بين يدي الله ، في النتائج ~~الإيجابية والسلبية للحياة التي عاشوها من قبل. # وهكذا عشنا في هاتين الآيتين مع موسى وهارون ، قصة الكتاب كيف تحرك في ~~تأثيره الإيجابي على الوعي والحياة ، وقصة المؤمنين به الذين عاشوه نهجا ~~للفكر وللعمل ، فالتقوا من خلاله بالالتزام في الخط ، وبالايمان بالله من ~~أقرب طريق. # ثم يطل تعالى في كتابه الكريم على المسلمين ليذكرهم بهذا الكتاب الذي نزل ~~عليهم ضياء وذكرا وفرقانا بين الحق والباطل ، من أجل أن يتخذوه دليلا على ~~كل ما يواجههم في الحياة من أحداث وقضايا ومشاكل ، ويلتزموا أحكامه ~~ومفاهيمه ، ويسيروا في خط شريعته. # ( @QUR@01 وهذا ) القرآن ( @QUR@03 ذكر مبارك أنزلناه ) على محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما أنزلنا الكتاب على موسى عليه السلام ( @QUR@03 ~~أفأنتم له منكرون ) من غير حجة ولا برهان ، بل انسجاما مع أجواء الشرك ~~والانحراف التي تعيشون فيها ، فتبتعدون بذلك عن المنهج الذي يصلح لكم ~~حياتكم ويبني لكم آخرتكم. # * * * ### ||| ** إبراهيم عليه السلام في مواجهة قومه # ويعود الحديث إلى النبي إبراهيم الذي يتميز بالشخصية المتحدية للشرك ~~بالأسلوب الهادىء القوي الذي يترك المسألة تتحرك على الأرض من خلال ما ~~يصنعه من مفرداتها ، ويثيره من علامات الاستفهام من حولها ، ليشعر الناس ~~بالمشكلة كما لو كانت صدمة عنيفة تواجه تصوراتهم وعقيدتهم بشكل حاسم PageV15P232 # لا يستطيعون الهروب منه ، فكان ينقلهم دائما من مواقع الهجوم ضد فكرة ~~التوحيد ، إلى مواقع الدفاع عن فكرة الشرك التي يلتزمونها مما يخلق في ~~داخلهم الشعور بالضعف على أكثر من صعيد. # وهذا هو المنهج الأمثل في الأسلوب العملي في قضية الصراع ، عند ما تدفع ~~خصمك إلى مواقع الدفاع ، لتضطره الى التراجع بسهولة من خلال ما أعددته ~~للساحة من وسائل الهجوم بطريقة واعية ، ومن خلال ذلك كان إبراهيم ~~عليه السلام يدير عملية الحوار معهم ، ليهز قناعاتهم المتحجرة أولا ، ~~وليقودهم في محاولة جادة مدروسة إلى قناعاته في نهاية المطاف. # ( @QUR@06 ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ) فقد أعده الله في تكوينه ms3644 ~~الفكري والروحي إعدادا صالحا ، من خلال ما أثاره في نفسه من علامات ~~الاستفهام ، وأدار فكره من المواقع التي تعطي لكل سؤال جوابا في دقة وعمق ~~وانفتاح ، وعرف من حركة الواقع من حوله الكثير الكثير من شؤون الناس في ~~أفكارهم وتوجهاتهم ومواقفهم ، حتى استطاع أن يختزن في وعيه الحس الاجتماعي ~~الذي يعرف من خلاله كيف يكتشف نقاط الضعف عند الآخرين ، ونقاط القوة في ~~نفسه ، ليواجه نقاط ضعفهم بنقاط قوته. وهكذا استطاع أن يحصل على الرشد ~~الفكري الذي يهديه إلى معرفة مواقع الخطأ والصواب في الأشياء المطروحة في ~~الساحة. # ( @QUR@03 وكنا به عالمين ) لأن الله هو الذي تعهده بالعناية والرعاية ، ~~بما هيأ له من إمكانات على جميع المستويات ، ومن خلال ما يتعهد به الأنبياء ~~من تربية فكرية وأخلاقية وروحية ، ليكونوا في مستوى حمل الرسالة ، وفي موقع ~~الاختيار الإلهي لتقوم بهم الحجة على الناس من موقع القوة الفكرية والروحية ~~، لأن الذي يريد أن يقود الناس إلى الرشد ، لا بد من أن يملك رشده ، لأن فاقد PageV15P233 # الشيء لا يعطيه ، ولأن الذي يحمل الرسالة من موقع إرادة التغيير الشامل ~~للواقع يجب أن يكون بالمستوى الذي يستطيع من خلاله أن يحرك عملية التغيير ~~على أساس الإمكانات الواسعة التي يملكها في هذا المجال. # وقد نستوحي من ذلك ، أن الموقع النبوي لا يملك خصوصية في هذا المجال ، ~~إلا من خلال طبيعة المستوى الأعلى الذي تتميز به النبوة عن المواقع الأخرى ~~في ساحات الدعوة والتبليغ ، فإن المسألة هي في العمق مسألة الداعية إلى ~~الله ، والعامل من أجل التغيير في خط هداه الذي يقف في الموقع القيادي ~~للأمة ، من حيث طبيعة الملكات الفكرية والروحية والاجتماعية التي يجب أن ~~يملك فيها رشده ، ليعطي للأمة رشدها. لذا لا يجوز أن تكون هذه المهمة مهمة ~~الدعوة والتبليغ والتوجيه السياسي والاجتماعي ملقاة على عاتق الذين لا ~~يحسنون حركة الدعوة في الفكر والمنهج والأسلوب ، ولا يستطيعون وعي الواقع ~~في عمقه وامتداده ، لأن ذلك ينعكس سلبا على مستقبل الإسلام والمسلمين ، في ~~ما يؤدي إليه من النتائج السلبية ms3645 ، ومن سيطرة التخلف على المسيرة الإسلامية كلها. # * * * ### ||| ** حوار بين إبراهيم عليه السلام وأبيه # ( @QUR@011 إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) ~~قالها لأبيه ، في موقف يوحي بأن الأبوة ، مهما كانت تختزن في داخلها من ~~الاحترام والهيبة ، لا تمنع الولد من مواجهتها بالأسئلة الحاسمة في القضايا ~~المتصلة بالعقيدة ، لأنها تتجاوز كل الانفعالات الشعورية في العلاقات ~~الإنسانية ، لتتركز في دائرة المواقف المصرية مما يعني بأن الحواجز النفسية ~~لا تمثل حائلا بين الإنسان وبين الآخرين في شكليات التقاليد والعادات ، بما ~~يريد أن يؤكده من قضايا الفكر والحياة. وقالها لقومه الذين يملكون في ~~المجتمع القديم السلطة PageV15P234 # الضاغطة على كل فرد من أفراد العائلة ، لا سيما كبار السن مثلهم ، وذلك ~~بشجاعة الروح الرسالية التي تملك أن تطلق التحدي وأن ترده ، في عملية ~~الدعوة والهداية والدفاع عن الحق. # ( @QUR@03 ما هذه التماثيل ) الحجرية التي تتعبدون لها في خشوع وابتهال؟ ~~ما دورها في حياتكم وحياة الناس؟ وما الأسرار الكامنة في داخلها التي ~~تميزها عن الأحجار الأخرى؟ هل هو الشكل والصورة أو ماذا؟ .. إنكم أنتم من ~~صنعها ، فلم تكن منزلة عليكم من الغيب ، ولولاكم لم يكن لها أية ميزة نوعية ~~، فهل فكرتم في ذلك كله؟ وهل وعيتم معنى العبادة في العمق ومستوى المسؤولية ~~المرعية بين العابد والمعبود ، في ما يمثله المعبود من قوة مطلقة ، في ~~الخلق والهيمنة والنعم الشاملة لكل جوانب الحياة .. وفي الموت والحياة؟ فهو ~~الذي يملك الأمر كله ، فلا يملك أحد منه ما يملكه منه ، وهو الذي يكفي من ~~كل شيء ، ولا يملك منه أحد شيئا ، فما ذا تملك هذه التماثيل من ذلك كله ، ~~وهل تستطيع أن تدفع عن نفسها الضرر القادم من أي واحد منا؟ # هل تملكون تفسيرا لذلك؟ وبالتالي هل لديكم ما تدافعون به عن عقيدتكم هذه ~~، ليكون ذلك مبررا لكم ولمن حولكم للسير في هذا الاتجاه؟ # * * * ### ||| ** جاهلية قوم إبراهيم عليه السلام # ( @QUR@05 قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ) فهم الذين أعطوها القداسة ~~والاحترام عند ما عبدوها خاشعين ، فقد رأيناهم يطلبون منها الرزق والولد ms3646 ~~والأمن والحياة .. ، ولم نعرف لماذا يقدسونها ويحترمونها ، وما هي مبررات ~~ذلك كله ، فلم يشرحوا لنا شيئا منه ، بل كل ما هناك ، أنهم أمرونا بالطاعة ~~فأطعنا ، وبالعبادة فعبدنا ، كما هو شأن الأولاد النجباء مع آبائهم العقلاء ~~، فليس لهم أن PageV15P235 # يعترضوا أو يناقشوا ، بل يجب أن يسلموا لهم الأمر كله. # ( @QUR@08 قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ) لأن خط العبادة في ~~العقيدة التي تعتنقونها ، لا ينطلق من وحي منزل ، بل هي الأهواء العابثة ، ~~التي تجعل من الوهم حقيقة ، ومن العبث قاعدة ، ومن الخرافة أساسا للحياة. ~~إنه التخلف العقلي والروحي والعملي ، يعيشه هؤلاء الآباء فيقودهم إلى ~~الضلال في ما يلتزمون به ، وما يتحركون فيه من شؤون العبادة والحياة ، ~~ويحولونه في عقولكم وحياتكم إلى إرث مقدس لا يحمل في ذاته شيئا من عمق ~~القداسة ، ولكنه التقليد الأعمى الذي يفرضه الآباء الجاهلون على الأبناء ~~المتخلفين. إنه الضلال الواضح الذي لا شبهة فيه ولا ارتياب. # ( @QUR@07 قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ) إنهم يتساءلون في ~~تعجب واستنكار لما صدر منه من كلام ضدهم وضد أصنامهم ، كأنهم لا يصدقون ~~جديته ، لأن من البعيد أن يفكر هذا الفتى بهذه الطريقة المتشنجة. ولذا ~~فإنهم يصوغون اعتراضهم بصيغة الاستفهام ليقودوه إلى التراجع من دون إحراج ~~ليعتذر إليهم بأنه قال ما قاله بأسلوب العبث واللعب ، ( @QUR@013 قال بل ~~ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ) إنه يريد ~~تأكيد الرفض للأصنام من موقع الجدية الفكرية التي تصل إلى مستوى الحقيقة ~~التي يشهد بها ، كما لو كان شاهدا عليها من صميم الحس والوجدان ، فهو لا ~~يرى إلها له ولقومه وللناس وللكون كله في السماوات والأرض إلا الله الواحد ~~الذي خلقهن من العدم من قاعدة القدرة المطلقة التي لا تقف عند حد ، فكيف ~~يمكن أن يدعي أحد الوهية غيره ، لا سيما إذا كان ذلك في صورة هذه الأحجار ~~الصماء التي حولوها بالفن البشري إلى تماثيل منحوتة من دون أي معنى ، ولذلك ~~فإنه يواجههم بالحكم بالضلال في موقفهم بطريقة حاسمة لا ms3647 تقبل الجدل. # * * * PageV15P236 ### ||| ** إبراهيم عليه السلام ومنطق القوة # ( @QUR@03 وتالله لأكيدن أصنامكم ) في تدبير خفي محكم يستهدف وجودها ~~واحترامها وقداستها في عملية تكسير وتحطيم ، لأن المسألة هي أن من الضروري ~~أن نواجه العقيدة الضالة المتخلفة ، بالتحليل الفكري المضاد الذي يفسح ~~المجال للقناعة الإيمانية من مواقع الفكر ، وبالتحطيم العملي الذي يدمر ~~هيبتها واحترامها في النفوس ، ليراها الناس ، على الطبيعة ، مجرد أحجار ~~جامدة لا تملك أن تدفع عن نفسها ضرا ولا تجلب لها نفعا. وهكذا كانت أفكاره ~~تتجه للتدبير الخفي الذي يؤدي إلى تكسيرها في عملية إثارة للجدل الفكري ~~الذي يقودهم إلى التفكير في الموضوع من موقع جديد ، فخاطبهم بلهجة التهديد ~~ولكن في سره ، لأن الإعلان لا يتناسب مع الكيد ، باعتبار أنه قد يدفعهم إلى ~~الاحتياط في المحافظة عليها ، ويبعد الخطة عن الوصول إلى أهدافها في إثارة ~~الحوار. لقد كان عقله يتحرك في أكثر من اتجاه ، ليكتشف الأسلوب المتحرك ~~الذي يستطيع من خلاله اقتحام التحجر الفكري الذي يعيشون فيه ، ليواجههم في ~~مناجاته الذاتية ، في خطاب عقلي موجه إليهم ، وتالله لأدمرن هذه الأصنام في ~~خطة دقيقة لا تملكون الوقوف أمامها ، على صعيد الفكر والواقع ، ( @QUR@04 ~~بعد أن تولوا مدبرين ) فيخلو الجو له في التحرك بحرية في ما يريد أن يقوم به .. # وذهب القوم إلى أعمالهم ، وبقي إبراهيم هناك ، أو أنه عاد إليها خلسة من ~~دون أن يشعر به أحد ، وتوجه إليها مكسرا ومحطما. # ( @QUR@02 فجعلهم جذاذا ) أي قطعا مكسورة من الجذ وهو كسر الشيء وتفتيته ~~، ( @QUR@03 إلا كبيرا لهم ) وهو الصنم الأكبر ، ( @QUR@03 لعلهم إليه ~~يرجعون ) في إيحاء PageV15P237 # خفي بأنه هو الذي صنع ذلك على أساس ما يعتقدونه فيه من سر القدرة التي ~~تخوله القيام بما يشاء ، كما يصنع الإله في حركة الحياة. فقد يفكرون بهذه ~~الطريقة فيرجعون إلى الصنم الأكبر ليسألوه ، فلا يملك جوابا فيدفعهم ذلك ~~إلى التفكير في الاتجاه السلبي لإعادة النظر في العقيدة الوثنية ، أو ~~يرجعون إلى إبراهيم ليتهموه ويناقشوه ، فيكون ذلك وسيلة لإثارة الحديث معهم ~~حول سلبيات المسألة ، أو لعلهم يرجعون إلى الله بالعبادة عند ms3648 ما يكتشفون أن ~~هذه الأصنام لا يمكن أن تكون آلهة. ولعل الأول أقرب ، لأن الظاهر أن هدف ~~إبراهيم هو أن يوحي إليهم باتهامه في ظاهر الكلام ، ليقودهم إلى الصدمة ~~الفكرية التي تهز قناعاتهم حول الموضوع. # وجاؤوا إلى المعبد ليمارسوا طقوس العبادة المألوفة لديهم ، واكتشفوا ~~طبيعة الحدث ، وثارت بهم الحمية ، وأقبلوا عليه من كل مكان بعد أن شاع ~~الخبر في الاعتداء على الآلهة ، وبدأوا يتساءلون في ما بينهم لاكتشاف ~~المعتدي الذي تجرأ على المقدسات ، ( @QUR@08 قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه ~~لمن الظالمين ) وأي ظلم أعظم من أن يسيء إنسان إلى مقام الآلهة المقدسة ~~التي تملك حق التعظيم والاحترام على الجميع ، وتمثل الكرامة الاجتماعية ~~للناس كلهم؟ فلا بد من اكتشافه لينال الجزاء العادل على جريمته. # ( @QUR@07 قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) فهو الوحيد بيننا ~~الذي يرفض عبادتها ، ويرمي الذين يعبدونها بالضلال والتخلف ، ويسيء إليها ~~في كلامه ونظرته إليها ، فهو المؤهل للقيام بهذا العمل الشنيع ، وإليه يجب ~~توجيه إصبع الاتهام. # ( @QUR@06 قالوا فأتوا به على أعين الناس ) وأحضروه إلى الاجتماع العلني ~~العام الذي يشهده الجميع ، ( @QUR@02 لعلهم يشهدون ) بما سمعوه منه ، ~~فيحرجونه بذلك ، فيعترف بما فعله أمامهم ، فيقررون عقابه. PageV15P238 # ( @QUR@07 قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) إننا نوجه الاتهام ~~إليك لأنك الوحيد من بيننا ، الذي لا يعبد الأصنام مما يجعلك في الموقع ~~الطبيعي للاتهام ، لأن الذي يعبد الأصنام لا يمكن أن يسيء إليها ، لأنه ~~يخاف من نتائج ذلك على نفسه وأهله ، ( @QUR@04 قال بل فعله كبيرهم (1) ~~@QUR@01 هذا ) فهو الوحيد الذي بقي سالما من هؤلاء ، مما يوحي بأنه هو الذي ~~قام بالعدوان عليهم ، إذ يختلف معهم ، من خلال ما يفرضه عامل الكبر من عظمة ~~القوة المؤهلة لإسقاط قوة الباقين. # ( @QUR@04 فسئلوهم إن كانوا ينطقون ) فهم الذين يجب أن يوجه إليهم السؤال ~~، لأنهم هم الذين كانوا محلا للاعتداء ، وهم الأعرف بالمعتدي. فوجهوا إليهم ~~السؤال إن كانوا يملكون منطقا للجواب ، إنه يريد أن يصدم عقيدتهم بالحقيقة ~~الدامغة ، ولكنهم لا يريدون أن يفكروا في نتائجها السلبية على العقيدة ، ~~ليقودهم إلى ms3649 التفكير من جديد ، وإلى القبول بإدارة الحوار حولها. وعلى ضوء ~~هذا ، فإن إبراهيم لم يكذب في كلامه باتهام الصنم الكبير ، لأنه لم يقصد ~~الحكاية عن الواقع ، بل قصد التمهيد لإظهار الحقيقة للوصول إلى النتائج ~~الإيجابية في خط الدعوة. # * * * ### ||| ** عجز القوم عن مواجهة حجج إبراهيم عليه السلام # ( @QUR@03 فرجعوا إلى أنفسهم ) وفكروا في المسألة بطريقة عصبية ، في هذه ~~التماثيل التي يعبدونها وفي هذا العجز الذي بدا من قدرتها ، فلا تملك أن ~~تدافع عن نفسها ، ولا تستطيع النطق ، ( @QUR@04 فقالوا إنكم أنتم الظالمون ~~) قالها كل واحد لنفسه ، لأنه ظلم نفسه بهذه العقيدة المتخلفة التي لا معنى ~~لها ، ولا مبرر PageV15P239 # إلا التقليد الأعمى للآباء ، أو قال كل واحد للآخر في عملية اعتراف مباشر بذلك. # ( @QUR@04 ثم نكسوا على رؤسهم ) أحسوا بالعجز عن مواجهة إبراهيم في ~~اتهامه للصنم الكبير بالعدوان ، لأن ذلك يكشف زيف عبادتهم لها ، ولكنهم لا ~~يملكون التراجع بل يريدون الإصرار على الخطأ ، فمضوا يواجهونه بأن ما طلبه ~~منهم من توجيه السؤال إلى الأصنام لا معنى له ، ( @QUR@05 لقد علمت ما ~~هؤلاء ينطقون ) فكيف نوجه السؤال إليهم ، وكيف نوجه الاتهام في ذلك إلى ~~الصنم الكبير الذي لا يحس ولا يعقل ولا ينطق ، إن ذلك كله يعني أنك أنت ~~الذي حطم الأصنام. # ( @QUR@011 قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ) ~~لأنهم لا يملكون الوعي ولا النطق ولا القوة ، فكيف يمكن أن يكونوا آلهة ، ~~وهم لا يملكون أدنى صفات المخلوق الحي ، ( @QUR@07 أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله ) إن ذلك يدعو إلى التأفف النفسي الذي يشعر الإنسان معه بالضيق ، ~~نتيجة ما يعيشه الناس من ضلال وتخلف وضياع ، ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) ~~وتحكمون عقولكم في ما تلتزمونه في شؤون العقيدة من الباطل والضلال ، ( ~~@QUR@07 قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ) فقد ثبت من أجواء ~~كلامه أنه هو الفاعل ، فيستحق الإحراق الذي هو جزاء المعتقدين على الآلهة ، ~~فإن ذلك هو المظهر الطبيعي لنصرة الآلهة ، مما يمنع كل المعتدين من فعل ذلك ~~في المستقبل. # * * * ### ||| ** الرعاية الإلهية لإبراهيم عليه السلام # ( @QUR@08 قلنا ms3650 يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) فقد ألقوه في ~~النار إنفاذا لحكم PageV15P240 # الإحراق ، ولكن الله سبحانه بقدرته برد النار التي ألقوه فيها ، وجعلها ~~سلاما عليه ، فلم تضره شيئا ، ولكن كيف ذلك؟ كيف عزلها الله عن التأثير في ~~جسد إبراهيم؟ هل هو بإيجاد طبقة عازلة بينها وبين جسده ، أو بتبريد النار ~~أو بغير ذلك؟ إننا لا نملك الجواب عن ذلك ، لكننا لا نرى ضرورة للخوض في ~~ذلك ، لأن المسألة من مسائل الإعجاز الإلهي التي اختص الله بعلمها في ما ~~يتمثل فيها من روابط التأثير. # ( @QUR@03 وأرادوا به كيدا ) في ما أرادوا اتهامه به ، ومن إصدار الحكم ~~عليه وتنفيذه ليقتلوه ، ويحرقوه ، ( @QUR@02 فجعلناهم الأخسرين ) الذين ~~واجهوا المعجزة الإلهية بالإحباط والسقوط عند ما رأوا كيدهم من دون تأثير ~~ولا نتيجة ، بل ربما كان ذلك موجبا لإيمان الناس بهذا الفتى الذي يتصرف ~~بطريقة عقلانية تجلب انتباه الناس إليه وإلى كلماته ، بحيث ، لو لا قوة ~~تأثير التقاليد على قناعاتهم ، لكان له شأن آخر في حياتهم ، فكيف تكون ~~الحال ، وهو الآن في موقع الإنسان العجائبي الذي يحمل في اللهب الأحمر ~~الناري سر المعجزة في هذه البرودة المنعشة. وهكذا يريد الله أن يعزز موقع ~~رسوله في قلوب الناس من حوله بما يؤكده من الدفاع عنه في خط التحديات ~~الكافرة المضادة. # * * * ### ||| ** تجربة النبي لوط عليه السلام # ( @QUR@02 ونجيناه ولوطا ) الذي آمن به وهاجر معه في ما حدثنا الله به : ~~( @QUR@08 فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي ) [العنكبوت : 26] ، ( ~~@QUR@06 إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) وهي الأرض المقدسة ، وهي ~~أرض الشام التي هاجر إليها إبراهيم عليه السلام ، التي جعل الله فيها من ~~البركة الروحية التي تمثلت بالأنبياء الذين قادوا المسيرة الرسالية بكل وعي ~~وإيمان وإخلاص وانفتاح على الناس ، وتلك هي البركة في العمق الروحي الذي ~~يحتوي الفكر والضمير والشعور PageV15P241 # والوجدان ، ويهيئ الحياة لموسم إيمان متحرك جديد. # ( @QUR@05 ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ) بما تمثل كلمة النافلة من معنى ~~العطية الإلهية التي تعبر عن محبته ورعايته له ( @QUR@03 وكلا جعلنا ~~صالحين). # ( @QUR@04 وجعلناهم أئمة يهدون ms3651 بأمرنا ) وذلك عند ما جعلهم الله أنبياء ~~يحملون الرسالة ويقومون بمهمة الإمام الذي يقوم بقيادة الأمة نحو أهدافها ~~الكبيرة ، في ما يعيشه من فكر وخلق وروحانية وانفتاح على كل معاني الخير ~~والحب والسلام من أجل هداية الناس إلى الله حتى لا يقوموا بشيء ولا يتركوا ~~شيئا إلا أن يعلموا أن في ذلك لله رضا ، وتلك هي مهمة النبوة والإمامة أن ~~تتحقق للإنسان الصلة العميقة الواسعة بالله في عملية اهتداء روحي وعملي ، ~~فلا انفصال بين حركة إنسانيته ، وبين حركة عبوديته ، بل يتواصلان ويتلاقيان ~~ويتداخلان في وحدة إنسانية روحية لا تجزئة فيها ولا ازدواجية ، وهذا هو ~~الخط المستقيم الذي يبدأ من الله وينتهي عنده. ولعل من البديهي ، أن يكون ~~للإمام كل الغنى الروحي والفكري والعصمة الفكرية والعملية ، ليؤكد غنى ~~التجربة في عناصرها الرسالية التي لا انحراف فيها ولا سقوط ولا ابتعاد عن ~~الأهداف ، وهكذا أراد الله لهؤلاء الأئمة أن يهدوا الناس بأمره. # ( @QUR@04 وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) في مواقع القدوة العملية ، في ما ~~يفعلون ، وما يريدون للآخرين أن يفعلوه ، من خلال ما يريد الله لهم أن ~~يحققوه من حركة ومنهج وهدف ، ( @QUR@04 وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) حيث ~~يلزمون بهما أنفسهم في سلوكهم الشخصي ، ويوجهون الناس إليهما في حياتهم ~~العملية ، ( @QUR@03 وكانوا لنا عابدين ) إذ إنهم يتمثلون الشعور بالانسحاق ~~أمام الله والانقياد إليه من خلال عبادة واسعة شاملة تتحرك في كل موقع لله ~~فيه أمر فيطيعونه ، وتقف في كل ساحة لله فيها نهي فيتركونه ، ليكونوا عباد ~~الله الذين ( @QUR@06 لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) [الأنبياء : ~~27] في خط الرسالة وخط الحياة. # * * * PageV15P242 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) @QUR@06 وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين (75) @QUR@012 ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم (76) @QUR@012 ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ) (77) # * * * ### ||| ** الله ينجي أنبياءه .. لوط ونوح عليه السلام # ( @QUR@04 ولوطا آتيناه حكما وعلما ) من أجل أن يفتح عقول أبناء المجتمع ~~وقلوبهم ms3652 على الله وعلى الحياة ، ويقودهم إلى السلام في الأمور التي ~~يتنازعون فيها ، أو التي يختلفون عليها ، وذلك من خلال حكمه الذي ينفذ إلى ~~عمق المشاكل ليحللها فيفهم كل خصوصياتها ، وذلك أن النبوة هي إلى جانب أنها ~~حالة رسالية فكرية هي حالة قيادية حركية تنفيذية تصل إلى الواقع النظري ~~بالعقل العملي. PageV15P243 # إلا أن لوطا العالم الحاكم الحكيم عاش حياة صعبة بين قوم لا يفهمونه ولا ~~يعرفون تطلعاته وأهدافه ، ولا ينفذون في وعيهم إلى الجانب العميق من ~~تعاليمه ، وإلى الأفق الواسع من حكمته ، بل كانوا مستسلمين لشهواتهم ~~الجسدية ، فقد كانوا يعملون الخبائث ويثيرون المشاكل في وجهه ، ويتعرضون ~~لكل الناس القادمين إليه ليعتدوا عليهم بالعمل السيئ ، وقد عمل لوط على ~~هدايتهم ، وصبر عليهم كأشد ما يصبر نبي على قومه حتى استنفد تجاربه كلها ، ~~إلا أن ذلك كله لم يؤد إلى نتيجة إيجابية في حساب الإيمان ، فكان مثله مثل ~~العالم الحكيم الصابر الثابت في موقفه ، المتمرد على كل نقاط الضعف في ~~الموقف فلا يكل ولا يمل ولا ييأس ، خلافا للعلماء الذين ينظرون إلى ~~المسؤولية من خلال مزاجهم فلا يرتاحون للمصاعب التي تواجههم ، ويتعقدون من ~~الكلمات التي يسمعونها ، والتحديات التي يواجهونها ، فيسقطون أمام ذلك كله ~~ويتراجعون عن الرسالة ، في موقف ضعف وهروب ، فينسون الآفاق الواسعة التي ~~تتيح لهم الحركة للوصول إلى الهدف المنشود. # ( @QUR@07 ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ) والمقصود أهل تلك ~~القرية ( @QUR@05 إنهم كانوا قوم سوء فاسقين ) فلا يستحقون رحمة الله ، ~~التي عرضها عليهم فرفضوها ، لأنها ترتكز على الإيمان والعمل الصالح في موقف ~~العباد من الله. أما لوط فقد فتح كل قلبه لله ، وجعل كل حياته بكل ~~إمكاناتها في خدمته ، فمنحه الله بذلك كل خير ورحمة ، ( @QUR@03 وأدخلناه ~~في رحمتنا ) في ما أفاض الله عليه من لطفه ورضوانه ، وأنقذه من الواقع ~~الصعب الذي كان يعيشه ، ومن العذاب الذي نزل على قومه ، ( @QUR@03 إنه من ~~الصالحين ) في فكره وروحه وموقفه من الحياة ومن الناس. # * * * PageV15P244 ### ||| ** نجاة نوح عليه السلام # ( @QUR@05 ونوحا إذ نادى من قبل ) حيث واجه تمرد ms3653 قومه وتعنتهم وكفرهم ~~وجحودهم ، بالرغم من كل الأساليب المتنوعة ، والوسائل الكثيرة ، التي سلك ~~سبلها من أجل هدايتهم إلى الله ، في مدى ما يقارب الألف سنة ، حتى طلب ~~الاستغاثة في نهاية تجاربه لكي ينزل الله عذابه بهم ، ويستبدل بهم جيلا ~~جديدا خاليا من العقد التي تمنع من ولوج طريق الإيمان ، فكان نداؤه في ~~استغاثته الأخيرة نداء النبي الرسول الذي لا يحمل عقدة اليأس في روحه ولكنه ~~يعيش هم الرسالة في تطلعاته ، ليبحث لها عن أفق جديد ، وجيل جديد ، ( ~~@QUR@02 فاستجبنا له ) نداءه عند ما قال : ( @QUR@03 أني مغلوب فانتصر ) ~~[القمر : 10] ، ( @QUR@02 فنجيناه وأهله ) الصالحين ( @QUR@03 من الكرب ~~العظيم ) الذي كان يعانيه في ذلك الجو الكافر الساخر الذي يمارس القوة ضده ~~، ويحاصر دعوته في كل مكان ، ويمنع الناس من الاستماع إليه ، ويضيق عليه ~~غاية التضييق حتى يحبس عليه أنفاسه ، الأمر الذي جعله يشعر بأن كل جهوده ~~تذهب هباء ، وأن الناس من حوله يتجهون إلى الانتحار الروحي من خلال أجواء ~~الكفر والتمرد والطغيان .. وكان يحب لهؤلاء الناس أن ينفتحوا على الله ، ~~وأن يهتدوا بهداه ، وأن يقتربوا من ساحة رحمته ورضوانه ، لأن ذلك هو سر ~~سعادة الدنيا والآخرة. وكان يتألم للمستضعفين منهم أنهم يخضعون للقوى ~~المستكبرة ، وينسحقون تحت وطأة ظلمهم ، من دون أي أساس لذلك ، ومن دون أية ~~فائدة لهم على مستوى الحاضر والمستقبل. # ( @QUR@06 ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ) فكانوا يمارسون ~~الاستعلاء والسيطرة ويوحون لأنفسهم وللآخرين بأنهم هم الذين يقررون الصواب ~~والخطأ في الأشياء ، ولا يريدون لأحد ، مهما كانت درجته ، أن يقرر لهم ما ~~يعتقدونه وما يلتزمونه وما يفعلونه. ولذا فإن أي طرح جديد لأي مفهوم مضاد لما PageV15P245 # يحملونه من مفاهيم ، لا ينال قبولهم ، بل يبادرون إلى تكذيبه من دون ~~تفكير أو مناقشة. وهذا ما فعلوه عند ما جاءهم نوح النبي بآيات الله فكذبوا ~~بها ، وسخروا منه ، واضطهدوه ، ( @QUR@04 إنهم كانوا قوم سوء ) إذ تتمثل ~~عناصر السوء في أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم ، ( @QUR@02 فأغرقناهم أجمعين ) ~~لينتهي جيل البشرية الأول الذي تحجر فيه الكفر وامتد به الضلال ، وأغلق كل ~~منافذ الوعي ms3654 في شخصيته ، ليستسلم للأجواء المتعفنة الخانقة في حياته. # * * * PageV15P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين (78) @QUR@014 ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا ~~مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) @QUR@010 وعلمناه صنعة لبوس ~~لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) @QUR@014 ولسليمان الريح عاصفة ~~تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) @QUR@012 ~~ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الحرث ): الزرع. # ( @QUR@01 نفشت ): النفش : رعي الماشية بالليل دون راع. # ( @QUR@01 لبوس ): اللبوس : اسم للسلاح عند العرب ، وقيل هو الدرع. # ( @QUR@01 يغوصون ): الغوص : النزول إلى قاع البحر لاستخراج ما في البحر ~~من اللآلي وغيرها. PageV15P247 ### ||| ** داود وسليمان عليهما السلام يحكمان في الحرث # يشير الله إلى داود في قصة حكمه وسليمان ، كنموذج للأنبياء الذين كانوا ~~يملكون النفاذ إلى حياة الناس في تفاصيلها اليومية من مواقع الامتيازات ~~النوعية في القوة والقدرة ، وفي الخصائص التي خصهم الله بها ، وذلك ، كجزء ~~من التصور العام الذي يريد القرآن أن يتمثله المؤمنون في مسألة النبوة ~~والأنبياء ليقفوا حيث يريد الله منهم أن يقفوا في قضايا الغيب المحدودة ، ~~فلا يتوسعون إلى أبعد من ذلك في ما تثيره الأوهام ، مما قد يقترب إلى أجواء ~~الخرافة ، كما يريد لهم أن يدرسوا الجوانب السلبية في الأجواء المحيطة بهم ~~، كما يدرسون الجوانب الإيجابية في ذلك. # ( @QUR@06 وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) في قضية تتعلق بالزرع أو ~~الكرم ، ( @QUR@05 إذ نفشت فيه غنم القوم ) فدخلت إلى الأرض المملوءة ~~بالزرع أو الشجر وعبثت فيه حتى أفسدته وأتلفت البعض منه ، وجاء أصحاب الحرث ~~إلى داود وسليمان فاختلف داود وسليمان في الحكم في المسألة ، فقضى داود ~~بالغنم لصاحب الزرع ، ولما علم سليمان بذلك قال لأبيه : الأرفق بالرجلين أن ~~يأخذ صاحب الأرض الغنم لينتفع بها ، لا على سبيل الملك ، وأن يأخذ صاحب ~~الغنم الأرض ليصلحها حتى يعود الزرع ، كما كان ، وعندها يترادان فيأخذ هذا ~~غنمه وذاك زرعه ، فاستحسن داود حكم ولده وعمل به ، ( @QUR@03 وكنا لحكمهم ~~شاهدين ms3655 ) فقد كان حكم كل واحد منهما تحت رقابة الله وفي حضوره ، فهو الشاهد ~~على ما يصدر من خلقه سواء كانوا من الأنبياء أم غيرهم ، ولا مانع من ~~الإتيان بضمير الجمع في مورد التثنية باعتبار معنى الجمع ، فقد يرد ذلك في ~~بعض الأساليب ، أما إعادة الضمير إلى الأنبياء ، كما قال به صاحب تفسير ~~الميزان ، ففيه غموض ، لعدم تقدم ذكر لهم في مجال الحكم بصيغة الجمع من PageV15P248 # خلال الواقع الخارجي. # ( @QUR@02 ففهمناها سليمان ) أي أوضحنا له الفهم الحقيقي للقضية أو ~~للحكومة ، فكان قضاؤه أقرب إلى الحق من فهم داود ، ( @QUR@04 وكلا آتينا ~~حكما وعلما ) في ما ينطلقان به من توجيه الناس إلى الحق في حياتهم العامة ~~والخاصة ، وفي منازعاتهم واختلافاتهم للوصول إلى الموقف الصواب ، لأن مهمة ~~الرسول تتحرك في خطين ، خط الوعي للحياة من خلال فكر يرفع به مستواها إلى ~~الدرجات العليا ، وخط العدل ، الذي يحل المشاكل على صعيد الفرد والمجتمع. ~~وبذلك كان العلم يمثل قوة الرسول في شخصيته ، كما أن الحكم ، يؤكد التزام ~~العدل في حركته. # * * * ### ||| ** الآية في خط العصمة # وقد نستطيع أن نثير السؤال كما أثاره الكثيرون ، كيف نفهم هذا الاختلاف ~~بين سليمان وداود في فهم حكم الشريعة في هذه القضية ، وكيف يصيب سليمان من ~~حيث أخطأ داود مع أن مسألة العصمة في عقيدتنا في الأنبياء أساسية ، لا سيما ~~في مسألة التبليغ للأحكام أو في مسألة التطبيق في مقام القضاء. # وقد ورد في الجواب عن ذلك أكثر من وجه ، فقيل إن حكم سليمان كان ناسخا ~~لحكم داود ، فقد حكم داود بما حكم به الأنبياء من قبله ، ولكن الله أوحى ~~إلى سليمان أن كل غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها ، ~~وقيل : إن داود أراد أن يعرف بني إسرائيل أن سليمان وصيه من بعده ، فلم ~~يختلفا في الحكم ، لأن داود لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعي PageV15P249 # بل في مجال إظهار موقع سليمان في النبوة ، بالطريقة التي توحي بالثقة به. ~~ولكن الجوابين لا يخلوان من غموض ، لأن النسخ ms3656 لا يمنع خطأ داود في حكمه ، ~~ولو بلحاظ هذه الحالة في هذا الزمان ، كما أن الظاهر من الآية أنهما كانا ~~ينطلقان من منطلق واحد ، فلا تباين ولا تعدد أمام إظهار الخطأ ليبدو حكم ~~سليمان في دائرة الصواب ، فهذا لا يتناسب مع طبيعة الواقع ، باعتبار أن ~~مجرد اعتماد داود على سليمان ووضعه في موقع الحكم يمكن أن يؤدي هذه المهمة ~~، من دون الإساءة إلى مقام داود ، فإن مثل هذا الأسلوب يبعث على فقدان ~~الثقة بحكمه. # وربما كان أساس الحكم واحدا في المسألة ، وهو ضمان صاحب الغنم للزرع ، ~~ولكن الاختلاف هو في طريقة تنفيذه ، فحكم داود برقابها لصاحب الحرث ، وحكم ~~سليمان بما هو أرفق منه ، وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في ~~تلك السنة ، مع ملاحظة أن قيمة الزرع تساوي قيمة رقاب الغنم كما أن قيمة ~~الرقبة تساوي منافعها المستوفاة في كل سنة عادة. وبذلك لم يختلفا في حكم ~~الله وإنما اختلفا في إجرائه في الدائرة التي يملكان فيها الحرية في ~~التطبيق ، في ما يكون مرجع الأمر فيه إلى رأي الحاكم في الموارد التي لا ~~تشتمل على تشريع محدد ، كما في موارد التعزيرات وأمثالها من التفاصيل التي ~~تقع في منطقة الفراغ التشريعي ، فيكون للحاكم أن يملأه بما يكون صالحا ، ~~وبذلك يكون تفهيم الله لسليمان المسألة ، هو الإيحاء له بالأسلوب الأرفق في ~~إجراء الحكم بالضمان. وقد لا يكون هناك أي مانع عقلي في خطأ النبي بهذا ~~المستوى ، إذا كان ذلك لمصلحة أخرى ، في تربية نبي آخر على الحكم ، وإظهار ~~فضله ، وإذا كان هذا النبي الموعود ابنا للنبي الأول ، وخاضعا له ومعترفا ~~بفضله ، مما لا يبعث على الإساءة إليه. وقد لا يكون من الضروري أن يكون في ~~ذلك إساءة لموقعه لدى الناس ، لأن الناس قد اعتادوا على اختلاف الحاكمين في ~~الحكم ، مع اعترافهم بأنهما ينطلقان من علم ومعرفة ، لا سيما PageV15P250 # إذا لم يكن هناك تشريع محدد في تفاصيل الحكم ، بل كان الأمر تابعا ~~لاجتهاد الحاكم وإن كان نبيا. # وربما لا نجد ms3657 في أدلة عصمة الأنبياء ما يفرض مثل هذه الدقة في صواب الحكم ~~، في ما لا يؤدي إلى ترك الحكم الواقعي ، كما في مثل هذه الحالة التي جاء ~~فيها الحكم على لسان سليمان مع موافقة داود عليه كما يبدو. # وإننا ندعو إلى دراسة المسألة من جديد ، على مستوى البحث القرآني من خلال ~~ما صوره القرآن من الملامح العامة لشخصية النبي ، في ما يؤكد بشريته ، مع ~~الإيحاء بالموقع المميز من الوحي والانفتاح على آفاق الكمال الإنساني من ~~مواقع القيادة. # * * * ### ||| ** تسخير الجبال لداود عليه السلام # ( @QUR@06 وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ) كيف كان هذا التسبيح؟ هل ~~هو صوت ينبعث من الجبال ، ومن الطير ، كما ينبعث من الإنسان ، أو هو شيء ~~خفي اختصت به الجمادات الصامتة ، ولغة الطير المتمثلة بالأصوات المنبعثة ~~منها في الهديل والزقزقة والتغريد ونحوها؟ أو هو الإبداع الفني الذي يتمثل ~~في الصوت التسبيحي لداود في لحنه وأنغامه ، الذي يهتز له الشعور حتى ليخيل ~~للإنسان بأن الكون يسبح معه ، من خلال ما يثيره من الأجواء الخاشعة في ~~الأفق الذي يسبح فيه ، فتشعر كما لو كانت الجبال والطير يسبحن معه؟! وربما ~~كان هذا قريبا إلى أجواء الخصوصية التي يثيرها التسبيح في الكون ، ولكن ~~كلمة التسخير توحي بوجود نوع من المشاركة الحقيقية التي لا نحيط بعلمها ، ~~ولكنا نؤمن بها من خلال الله الذي يعلم من أسرار خلقه ، ما لا نعلمه ، مما ~~اختص بعلمه ، ولم يعطه لأحد من عباده ، ( @QUR@02 وكنا فاعلين ) في ما نريد أن PageV15P251 # نخض به الأنبياء من الكرامات المعنوية التي نريد من خلالها ، إظهار فضلهم ~~على العالمين. # ( @QUR@04 وعلمناه صنعة لبوس لكم ) حيث علمه الله صنعة الدروع ، ( ~~@QUR@03 لتحصنكم من بأسكم ) فتحميكم من ضربات السلاح الموجهة إلى أجسادكم ، ~~وذلك حين ألان الله الحديد لداود مما جعل إنتاجه للدروع سهلا بحيث يمكنه ~~صنع الكثير منه ، ( @QUR@03 فهل أنتم شاكرون ) لهذه النعمة الكبيرة التي ~~تحمي حياتكم من الهلاك ، من دون أن تبعدكم عن ساحة الصراع. # * * * ### ||| ** الريح لسليمان عليه السلام # ( @QUR@03 ولسليمان الريح عاصفة ) أي سخرنا له الريح في شدة ms3658 هبوبها ، ~~وسرعة حركتها ، وقوة اندفاعها ، ( @QUR@02 تجري بأمره ) فيوجهها في أغراضه ~~حيث يشاء ، ولعل التأكيد على الريح العاصفة التي لا تختلف في تسخيرها له عن ~~الريح الهادئة ، يعود إلى أن تسخير العاصفة أكثر دلالة على القدرة من ~~الهادئة ، ( @QUR@05 إلى الأرض التي باركنا فيها ) وهي الأرض المقدسة ، أرض ~~الشام ، وربما كان المراد من تسخيرها وجريانها بأمره ، هو أنها تحمله إلى ~~حيث أراد منها لا جريانه إليها لترده إليها وتنزله فيها بعد ما حملته ، ~~والله العالم. # ( @QUR@04 وكنا بكل شيء عالمين ) إذ نحيط بحقائق الأشياء وأسرارها ، ~~ونسيطر عليها ، مما يجعلنا نتصرف بها كما نريد وحيث نريد. # ( @QUR@05 ومن الشياطين من يغوصون له ) فيستخرجون له من البحر ما يشاء من ~~اللآلئ وغيرها ، ( @QUR@04 ويعملون عملا دون ذلك ) في ما حدثنا الله عنه ~~بقوله : ( @QUR@011 يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ~~وقدور راسيات ) [سبأ : 13] ، ( @QUR@03 وكنا لهم حافظين ) حيث نحفظ دورهم ~~في خدمته ، فلا يهربون منه ، ولا يمتنعون عنه ، ولا يفسدون أمره وعمله. # * * * PageV15P252 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~@QUR@016 فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من ~~عندنا وذكرى للعابدين (84) @QUR@07 وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من ~~الصابرين (85) @QUR@06 وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) @QUR@023 ~~وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) @QUR@08 فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) @QUR@011 وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني ~~فردا وأنت خير الوارثين (89) @QUR@019 فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا ~~له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا ~~خاشعين (90) @QUR@011 والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين ) (91) # * * * PageV15P253 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الكفل ): الحظ. # ( @QUR@01 النون ): الحوت ، و ( @QUR@02 وذا النون ): النبي يونس ~~عليه السلام . # ( @QUR@01 نقدر ): نضيق عليه ، من قدر عليه رزقه : أي ضيق. # * * * ### ||| ** مع أيوب عليه السلام الصابر # ... وتمضي آيات القرآن في جولة سريعة على تاريخ الأنبياء في إيحاءات ~~متلاحقة بالرعاية الإلهية التي ms3659 كانت تحوطهم في قضاياهم الخاصة والعامة حتى ~~في المفردات الصغيرة من الواقع ، لتوحي من خلال ذلك ، أن الله لا يترك ~~عباده ورسله الذين أخلصوا له الإيمان والعمل ، ولا يهمل أوضاعهم ، وأنه ~~يسمع دعاءهم ومناجاتهم وشكاواهم ، ليستجيب لذلك كله ، بطريقة سريعة تحمل ~~الكثير من اللطف ، والكثير من الحنان. # ( @QUR@01 وأيوب ) هذا النبي الذي ابتلاه الله بأشد أنواع البلاء ، فذهب ~~ماله ومات أولاده ، وابتلي بمرض شديد ، مدة طويلة ، من دون أن يتأفف أو ~~يتضجر ، أو يعترض على الله في حكمه ، أو يتعقد من ذلك في حركة إيمانه ، مما ~~جعله مثلا يضرب به للصبر ، عند ما يتحدث الناس عن الصبر ، فيذكرون صبر أيوب ~~، ولكن ذلك لم يمنعه من الاستغاثة بالله ، والابتهال إليه لأن ذلك ما يريده ~~الله من عباده الصالحين الذين يستشعرون الإحساس بالحاجة المطلقة إليه ، لا ~~سيما في حال البلاء. PageV15P254 # وهكذا رفع أيوب صوته بالدعاء إلى الله ، بعد أن تمرد على كل نوازع الجزع ~~في نفسه ، وارتفع عن كل عوامل الإشفاق من حوله : ( @QUR@06 إذ نادى ربه أني ~~مسني الضر ) فقد أكل المرض كل مظاهر العافية في جسدي ، ( @QUR@03 وأنت أرحم ~~الراحمين ) وليس هناك من يرحمني غيرك ، وأنت الذي خلقت عبادك ، وأنعمت ~~عليهم ، وسخرت لهم الوجود كله برحمتك ولطفك ، ( @QUR@02 فاستجبنا له ) ~~دعاءه الذي يتضمن الإخلاص والخشوع والانقطاع والانفتاح الإيماني على ~~الاستعانة بالله دون غيره ، ( @QUR@05 فكشفنا ما به من ضر ) فرجع إلى صحته ~~وعافيته ، ( @QUR@04 وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) وعاد إلى حياته العائلية ~~المليئة بالعاطفة الغنية بالحنان حيث رزقه الله ذلك ، ( @QUR@03 رحمة من ~~عندنا ) في ما يتمثل فيه من مظاهر الرحمة التي تحركت بإرادة الله بطريقة ~~غير عادية ، في شبه معجزة ، ليظهر عنايته ورعايته لعبده الذي أخلص له ، ( ~~@QUR@02 وذكرى للعابدين ) الذين أخلصوا لله العبادة ليتذكروا الحقيقة ~~الإلهية التي تتحرك في حياة الناس ، لتوحي إليهم بأن البلاء الذي ينزل بهم ~~ليس عقوبة لهم دائما ، بل قد يكون امتحانا لإيمانهم واختبارا لصبرهم ، ~~وإظهارا للآخرين بأن المؤمن لا يسقط أمام البلاء ، ولا يتراجع عن مواقفه .. ~~ثم يلطف الله به ويرحمه ms3660 ويكشف ما به من ضر ويحسن إليه لأنه لا يضيع لديه ~~أجر من أحسن إليه عملا. # وقد أراد الله لهذه الحقيقة المزدوجة في البلاء الذي يرتكز على الصبر ، ~~وفي كشف الضر الذي ينطلق من الرحمة ، في هذا النموذج الإيماني الرائع الذي ~~يريد للمؤمنين أن يتمثلوه في كل زمان ومكان ، ليعرفوا بأن المؤمن لا يجزع ~~من البلاء ، مهما كان شديدا وقاسيا ، وبأن الله لا يخذل عبده ، بل يرحمه ~~ويلطف به ويحول عسره إلى يسر في نهاية المطاف. # * * * PageV15P255 ### ||| ** وإسماعيل وإدريس وذو الكفل # ( @QUR@07 وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين ) فقد حمل كل واحد ~~منهم الدعوة إلى الله وإلى دينه ، وتحمل الكثير من الآلام في سبيل إبلاغها ~~إلى الناس ، وصبر على ذلك كله ، من موقع الوعي العميق للرسالة في مواجهة ~~الأفكار المضادة ، والأهواء المعادية ، ولم تكن المسألة عندهم هي ما يحصل ~~لهم من نتائج إيجابية على مستوى أنصار الدعوة ، بل المسألة عندهم هي ما ~~يحققونه من رضا الله في تحقيق إرادته في أداء مهماتهم بأكمل وجه ، هذا ~~بالإضافة إلى ما عاشوه من المعاناة في التجربة الإيمانية الذاتية ، كانقياد ~~إسماعيل عليه السلام للذبح وصدقه بالوعد ، وما إلى ذلك. وكان الإيمان الصابر ~~، والروح الرسالية القوية هي ما يجمع بينهم ، وكان الالتجاء إلى رحمة الله ~~هو سر مواقفهم. ولكننا قد لا نملك الإحاطة بالتفصيلات الدقيقة لشخصيات ~~هؤلاء ، إلا في ما ذكره الله من ملامح شخصية إسماعيل مع أبيه إبراهيم ، وفي ~~صدقه للوعد ، وفي الخطوط العامة لشخصية إدريس ، وذي الكفل الذي اختلف في ~~أنه هل كان نبيا أو أنه عبد صالح .. # وقد لا يكون ذلك من الأمور المهمة على الصعيد القرآني ، إذ إن هذه السورة ~~تستهدف التأكيد على الثبات كقيمة كبيرة في حياة هذه الطليعة المتقدمة ~~التاريخية من الأنبياء أو الصالحين ، والإعلان عن رعاية الله لهم في حالات ~~البلاء بالوسائل الكفيلة برفعه أو تخفيفه عنهم ، ولو بعد حين. # ( @QUR@03 وأدخلناهم في رحمتنا ) وأنجيناهم من القوم الظالمين ، ومن كل ~~الضغوط القاسية التي كانت تثقل حياتهم بالمشاكل والآلام ، ( @QUR@03 إنهم ~~من ms3661 الصالحين ) الذين يستحقون كل رحمة وعناية ورعاية لأن أفكارهم وكلماتهم ~~وأعمالهم كانت صلاحا للحياة والإنسان في خط الرسالات الإلهية. # * * * PageV15P256 ### ||| ** الله يستجيب لذي النون # و ( @QUR@02 وذا النون ) وهو يونس بن متى الذي نسب إلى النون ، وهو الحوت ~~، لالتقامه إياه فأرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون فلبث فيهم مدة طويلة ، ~~فتمردوا عليه ، ولم يؤمنوا به فدعا الله عليهم ، وخرج من بينهم ، فتابوا ~~فرفع الله عنهم العذاب ، وهكذا يريد الله أن يحدثنا عنه ، ( @QUR@03 إذ ذهب ~~مغاضبا ) كما توحي به بعض التفاسير ، من خلال الشعور بخيبة الأمل في ما ~~بذله من جهد كبير لهدايتهم ، وما عاناه من آلام ومشاكل في المدة التي قضاها ~~بينهم. فكان محكوما بجو الداعية الذي يشعر بأن مهمته قد انتهت من دون أن ~~ينجح في الوصول إلى نتائج كبيرة. فانفصل عنها في حالة انفعال وغضب إزاء ~~الذين شاركوا في هذا الفشل. # وربما جاء في بعض القصص القرآني ، في ما يذكره الرواة من قصة يونس ، أنه ~~انفعل من رفع العذاب عنهم فذهب مغاضبا ، لأن ذلك قد يسقط موقعه من قومه ، ~~لأن ما وعدهم به من العذاب لم يتحقق ، فكأن المسألة ، بالنسبة إليه ، ~~انفعال ثأري للذات. ولكن هذا الرأي لا يتناسب مع العمق الإيماني الذي يتميز ~~به هذا الرسول الصالح في حركة الدعوة إلى الله ، وفي ابتهالاته الروحية في ~~حالة الشدة وفي حديث الله عنه بأنه من المؤمنين الذين يستجيب الله لهم .. # ( @QUR@05 فظن أن لن نقدر عليه ) قد يتبادر إلى الذهن أنه انطلق في غضبه ~~من حالة تمرد في الذات ، وهروب انفعالي يستغرق فيه الإنسان حتى ليخيل إليه ~~أنه يملك القدرة المطلقة على الذهاب إلى أي مكان شاء ، بعيدا عن قدرة الله ~~التي تحيط بكل شيء. وهكذا يبدو ، لأول وهلة ، أنه كان يظن في غفلة من الذات PageV15P257 # أنه حر في حركته ، وفي هروبه ، وبذلك انحرف عن خط العقيدة والإيمان وظلم ~~نفسه. ولكن المراد هنا من كلمة ( @QUR@01 نقدر ) المعنى الذي يلتقي ~~بالتضييق ، أو بالتحديد كما في قوله تعالى: ( @QUR@07 وأما إذا ما ابتلاه ms3662 ~~فقدر عليه رزقه ) [الفجر : 16] ، وهكذا يكون معنى الآية ، إن هذا العبد ~~الصالح خرج مغاضبا لقومه ، وهو يظن أنه قد ملك حريته ، بعد أن انتهت مهمته ~~، باستنفاد كل تجاربه في الدعوة إلى الله وعدم تجاوب قومه معه ، واستحقاقهم ~~العذاب على ذلك ، وقرب نزوله عليهم ، فلم يفكر بالمرحلة الجديدة من عمله ، ~~ولم ينتظر عودتهم إلى الإيمان من خلال التجربة الأخيرة التي قد تحقق نتائج ~~كبيرة على هذا الصعيد ، وهي مسألة تهديدهم بالعذاب ، الذي ثبت بعد ذلك أنه ~~كان الصدمة القوية التي أرجعتهم إلى عقولهم ، فانفتحت قلوبهم على الإيمان ~~بالله وبرسالاته من جديد. كما حدثنا الله عن ذلك في آية أخرى .. # لقد كانت لحظة انفعال تختزن الغضب لله ، ولكنها لم تنطلق للتفكير ~~بالمستقبل في آفاق الدعوة إلى الله ، التي تعمل على أن تطل على الآفاق ~~الواسعة من عقل الإنسان وروحه وقلبه لتنتظر منه انفتاحة إيمان ، ويقظة روح ~~، وخفقة قلب ... وفي هذا الجو كان خروجه السريع ، سرعة انفعالية في اتخاذ ~~القرار ، وقد لا يكون ذلك تهربا من المسؤولية ، وحبا للراحة ، وابتعادا عن ~~أثقال الرسالة ومشاكلها ، فربما كان الجو يتحرك في حالة شديدة من الحيرة ~~والغم والحزن ، مما يريد معه أن يخرج من هذا الجو الخانق ليجد لنفسه ملجأ ~~جديدا ، أو موقعا آخر للدعوة ، أو لأي مشروع جديد ، في هذا الاتجاه ، وهو ~~يظن أن الله لن يضيق عليه أمره ، في رزقه ، وفي حركته. وجاءت النتيجة غير ~~ما كان يتصوره أو ينتظره ، فالتقمه الحوت ، بعد أن وقعت القرعة عليه ، وعاش ~~في ظلمات البحر ، وجوف الحوت وظلمات الهم والغم ، وانفتحت أمامه من جديد ، ~~آفاق إيمانه الواسع ، فعاش روحيته مع الله في ابتهال وخشوع ، وبدأ يتذكر ~~لطف الله به ، ورحمته له ، ورعايته ، وتكريمه إياه من خلال ما اختصه به PageV15P258 # من رسالته وما سهل له من سبل الحياة ، وهداه إليه من وسائلها ، وكيف خرج ~~من دون أن يستأذن الله في ذلك ، أو ينتظر ما يحدث لقومه ، فانطلقت صرخته ~~المثقلة بالهم الكبير الروحي والرسالي والذاتي ، من كل أعماقه ، في استغاثة ms3663 ~~عميقة بالله وحده لا سيما في مثل ظروفه التي لا يملك أحد فيها أن يقدم إليه شيئا. # ( @QUR@08 فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ) فلا ملجأ لأي هارب أو ~~ضائع أو حائر إلا إليك ، ولا ملاذ إلا أنت ، فأنت القادر على كل شيء ، ~~والرحيم لكل مخلوق ، والعليم بكل الخفايا والمهيمن على الأمر كله ، والغافر ~~لكل ذنب ، والمستجيب لكل داع ، والمغيث لكل ملهوف ، والمفرج عن كل مهموم ~~ومكروب ... وليس لي غيرك أسأله كشف ضري والنظر في أمري ، فأنت ربي وسيدي ~~ومولاي وملاذي في كل الأمور ، ( @QUR@01 سبحانك ) إذ يختزن قلبي وعقلي ~~ووجداني الإحساس بعظمتك في كل مواقع العظمة في مجالات التصور ، وفي حركة ~~القدرة في الواقع ، في مظاهر الخلق والإبداع .. ، فيتحول ذلك إلى تسبيح ~~منفتح خاشع مبتهل إلى الله ، ( @QUR@04 إني كنت من الظالمين ) فقد ظلمت ~~نفسي في تحركي ، أو تقصيري في سبيل الدعوة ، من غير قصد ، ولا عمد ، وها ~~أنا ذا يا رب راجع إليك بكل قلبي وعقلي وحياتي ، لتتقبلني بكل لطفك ورضوانك ~~ورحمتك ، ولتكشف عني كل أجواء الحيرة والغم التي تغمرني بالآلام والمشاكل ، ~~فهل تستجيب لي؟ إنك أنت الذي تستجيب كل الدعوات لمن دعاك. # * * * ### ||| ** الله ينجي يونس من الغم # ( @QUR@05 فاستجبنا له ونجيناه من الغم ) الذي كان يسبب له مشاكل في نفسه ~~، وفي واقعه ، في تطلعه نحو مستقبله ، لأنه كان الإنسان الرسالي الذي لم يتمرد PageV15P259 # من المواقع التي يريد الله له أن يكون فيها ، بل كان ذلك من موقع ~~الاعتقاد بأن المهمة قد انتهت بالفشل ، من دون أن يكون لها بديل ، ( ~~@QUR@03 وكذلك ننجي المؤمنين ) الذين عاشوا الإيمان في روحيتهم وفي فكرهم ~~وفي حياتهم فكرا ودينا ورسالة ودعوة وموقفا للحياة ، حيث أخلصوا لله ~~العبادة. هؤلاء يتعهدهم الله برعايته فينجيهم من كل بلاء ، ويفتح لهم أبواب ~~الرحمة من أوسع الآفاق الرحيمة المنطلقة بالعفو والرضوان. # وهكذا نستوحي من هذه القصة الخاطفة ، أن الله قد يبتلي الدعاة المؤمنين ~~من عباده ورسله ، في ما يمكن أن يكونوا قد قصروا فيه ، أو تهربوا منه من ~~مسئوليات ، وأن ms3664 الداعية قد يضعف أمام حالات الفشل الأولى ، أو أوضاع الضغط ~~القاسية ، أو مشاكل الظروف الصعبة .. ، كنتيجة لفكرة انفعالية سريعة أو ~~لشعور حاد غاضب ، ثم يلطف الله بهم ، بعد أن يتراجعوا عن ذلك ، ويرجعوا ~~إليه ، فينجيهم من بلائه ، ويحوطهم بنعمائه ، ويسبغ عليهم من ألطافه وآلائه ~~، لئلا يتعقد الخطأ ، أو الانفعال في شخصيتهم ، لينطلقوا إلى الحياة من ~~روحية الصفاء الروحي ، والنقاء الشعوري من جديد ، ليبدأوا الدعوة من حيث ~~انتهوا ، ويتابعوا المسيرة بعزم وقوة وإخلاص. # ثم نلتقي مع الموقف المبدئي ، بالابتهالات الخاشعة الخاضعة لله المنطلقة ~~من روحية الإحساس بالعبودية التي يشعر المؤمن معها بأن الله يلتقيه في ~~مواقع الإنابة ، مهما كانت الخطايا والذنوب ، وأن الخطأ لا يتحول الى عقدة ~~، بل إلى فرصة للقاء بالله من جديد في مواقع التوبة الحقيقية الخالصة التي ~~يبدأ فيها التائب تاريخا جديدا وصفحة بيضاء من حياته. # * * * PageV15P260 ### ||| ** زكريا ينادي ربه # ( @QUR@011 وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ) فقد ~~بلغ زكريا من العمر عتيا ولم يرزقه الله ولدا ، وكان يحب ألا يترك الحياة ~~إلا وله ولد يرثه ويرث من آل يعقوب ، لتستمر به الرسالة ، في كل الأجواء ~~التي عاشها في الصلاح والخير وحركة الحياة ... وهكذا كان يتمنى ألا يعيش ~~الوحدة في الحياة ، التي يعيشها الإنسان العاقر الذي لا يمتد ظله معه ولا ~~يجد أحدا يستعين به في مواجهة الصعوبات ، أو يستعين به على الواقع .. وهكذا ~~نجد أن هذا العبد الصالح ، قد عبر عن تمنياته الروحية المتحركة من طبيعته ~~الإنسانية في ما أودعه فيه من الخصائص التي يرتبط فيها بالجانب البشرى ، ~~ليتكامل مع الجانب النبوي في حياته. وكان الدعاء الخاشع هو التعبير الصارخ ~~الواعي عن لهفة الحياة في أعماقه .. # ( @QUR@02 فاستجبنا له ) بعد أن بلغ به العمر مداه ، وكاد اليأس أن يأخذ ~~منه مأخذا ، ( @QUR@03 ووهبنا له يحيى ) في ما يشبه المعجزة الخارقة للعادة ~~، ( @QUR@03 وأصلحنا له زوجه ) التي كانت في سن لا يساعدها على الحمل. # ( @QUR@05 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) لأن الخير لم يكن في حياتهم ~~حالة طارئة ، أو ms3665 انفعالا سريعا ، بل كان قيمة روحية تتحرك في خط العقيدة ، ~~وحركة الرسالة على أساس المسؤولية المنفتحة على الناس كلهم ، الذين يحتاجون ~~الخدمات على كافة مستوياتها الفكرية والروحية والحياتية ... وبذلك كانت ~~مواقع الخير ، فرصة كبيرة ، تلامس الفرح الروحي في شخصيتهم ، كما لو كانت ~~المسألة مسألة لذة ، أو شهوة ، أو منفعة ، ولذا يسارعون إلى اغتنام الفرصة ~~التي تفتح أبواب الخير أمامهم. # وكان هذا الخير الذي يتحرك في عمق شخصيتهم ، نتيجة للإيمان بالله ، ~~والانفتاح عليه ، وهم يعتبرونه أساسا للمسؤولية في مواجهتهم لقضايا الحياة التي PageV15P261 # يريد الله لها أن تنطلق من قاعدة الخير وتتحرك في طريقه ، وتعيش في آفاقه ~~، كما يريد لعباده أن يأخذوا به ، وينفتحوا عليه ويعملوا من أجل تأكيده ~~كقيمة إنسانية رسالية مسئولة ، وذلك في أجواء اللقاء الكامل بالله ، حتى ~~يستلهم الإنسان روحيته في كل حال ، في أوقات الرغبة ، والرهبة ، لأن ذلك هو ~~التعبير الحي عن الانشداد إلى الله في كل الأمور ، بحيث يشعر الإنسان بأن ~~الله هو مصدر القوة والحياة ، فليس هناك أي شيء ساكن أو متحرك في داخل ~~شخصية الإنسان وفي خارجها إلا وهو مرتبط بالله ، محتاج إليه ، مما يوحي ~~بالشمول في الإحساس بالعبودية المطلقة أمام الله. وهذا ما عاشه هؤلاء الذين ~~يسارعون في الخيرات ، ( @QUR@03 ويدعوننا رغبا ورهبا ) لأن الدعاء هو ~~الأساس في التعبير عن الحاجة ، بقطع النظر عن طبيعتها ، في ما يرجوه الناس ~~أو يخافونه ، ( @QUR@03 وكانوا لنا خاشعين ) في رهافة الحس الايماني في ~~حياتهم ، وفي عمق الشعور الروحي في ذواتهم ، وفي انسحاقهم أمام عظمة الله ، ~~التي يتمثلونها في أفكارهم وقلوبهم. # * * * ### ||| ** عيسى وأمه مريم عليه السلام # ( @QUR@03 والتي أحصنت فرجها ) فعاشت العفة والطهارة كأقسى ما تكون العفة ~~، وكأنقى ما تكون الطهارة ، مما جعلها مثلا حيا للإنسانة المؤمنة العظيمة ~~التي عبدت الله فشعرت بمسؤولية العبادة في انسجامها مع حركة وجودها في ~~الحياة ، كأفضل ما تكون الأخلاق الفردية والاجتماعية ، وبذلك كانت موضعا ~~لكرامة الله ، في المعجزة الخارقة في حملها وولادتها ، وصبرها ، وقوتها ، ( ~~@QUR@04 فنفخنا فيها من روحنا ) فحملت بعيسى عليه السلام من دون أن ms3666 يمسها ~~بشر ، ( @QUR@04 وجعلناها وابنها آية للعالمين ) فهي نموذج المرأة الكاملة ~~في ساحات العفة والطهارة والقوة والإخلاص لله سبحانه ، وابنها يمثل آية ~~إلهية في ولادته وكلامه ، ويمثل حياة رسالية روحية رائعة ، في رسالته ، وفي ~~الكرامات التي أجراها الله على يديه في حياته. # * * * PageV15P262 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) @QUR@06 ~~وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) @QUR@012 فمن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) @QUR@07 وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) @QUR@010 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من ~~كل حدب ينسلون (96) @QUR@020 واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين ~~كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) @QUR@011 إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) @QUR@09 لو كان ~~هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) @QUR@07 لهم فيها زفير وهم فيها ~~لا يسمعون ) (100) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وتقطعوا ): التقطع : التفريق ، أي فرقوا دينهم وصاروا شيعا. # ( @QUR@01 حدب ): الحدب : الارتفاع من الأرض. PageV15P263 # ( @QUR@01 ينسلون ) النسول : الخروج بإسراع. # ( @QUR@01 حصب ): الحصب : الوقود ، وقيل : الحطب. # * * * ### ||| ** الأمة الواحدة # .. وفي هذا الجو الرسالي الروحي الذي يرعاه الإيمان بالتوحيد وتتعهده ~~الرسالات بالوحي ، ويطل عليه الله بالربوبية المطلقة ، التي تربط بين الناس ~~بعبوديتهم لله ، وانقيادهم إليه ، ليشعروا بأنهم يتوحدون به ، ويجتمعون ~~باسمه ، ويتحركون نحو الهدف الواحد في دنياهم وآخرتهم ، وهو عبادته التي هي ~~المظهر الحي للتوجه إليه ، والعمل بما يرضيه ، والبعد عما يسخطه ، في ما ~~يفرضه ذلك من تنفيذ إرادته في أمره ونهيه للحصول على رضاه. # ... في هذا الجو العابق بالروحانية ، المتحرك بالمسؤولية ، السائر مع ~~الرسل في خط الرسالات التي تلتقي ببعضها من خلال وحدة الفكرة ، والمفاهيم ، ~~والمناهج ، والأهداف بعيدا عن التفاصيل التي تفرضها طبيعة الزمن ، ~~وتستهلكها مراحل الحركة ، فتنطلق الوحدة من إحساس الإنسان العميق بإنسانيته ~~، لينطلق البشر كلهم من موقع الوحدة في العقيدة ، وفي التصور ، وفي الحركة ~~، في الدائرة الإنسانية الواسعة ، التي تحتوي كل الدوائر الصغيرة في ~~دائرتها ، في نطاق التصور الشامل الذي يرى في العائلة والقبيلة والقومية ~~والإقليمية مجرد خصائص في ms3667 النسب والجغرافيا والتاريخ ، لا تتحكم في الجوهر ~~الأساسي من ذات الإنسان وحقيقته ، بل تنوع له الملامح التي تغني التجربة ، ~~وتطور الوحدة وتبعث فيها المزيد من الاختلافات الفكرية والعملية PageV15P264 # التي تعطي الحياة الإنسانية حيوية وانفتاحا ووسيلة غنية تدفع نحو التعارف ~~واكتشاف الخصوصيات هنا وهناك. # إنها وحدة الإنسان ، من خلال وحدة الله ، كما توحي به وحدة العبادة أمام ~~وحدة المعبود ، فهي تنطلق من ذاتيتها ، لا من العوامل الطارئة عليها ، ~~فالكل عباد الله ، في ما تختزنه شخصياتهم من سر العبودية لله المنطلقة من ~~معنى المخلوقية فيهم ، في حاجتهم إليه في كل شيء ، وما يوحيه ذلك من إذعان ~~بربوبيته المهيمنة على الوجود كله في عمقه ، وامتداده ، وشموله ، وفي كل ~~تفاصيله. # وهذا ما يريد الله أن يثيره في الناس لكي يلتقوا ويجتمعوا ويتعارفوا ~~ويتعبدوا إليه من موقع الوحدة في العبادة التي تحرك فيهم الإحساس ~~بالمسؤولية في القيام بواجباتهم في دوائرهم الصغيرة التي تتصل بالدائرة ~~الكبيرة ، لئلا ينغلقوا على خصوصياتهم ، بل يرون العموم في الخصوصية ، ~~والشمول ، في الحدود. # ( @QUR@03 إن هذه أمتكم ) التي توحي بإنسانيتكم في الخصائص والمعاني ~~والآفاق الموحدة ، حتى في دائرة التنوع ، ( @QUR@02 أمة واحدة ) في ما ~~تعنيه من الفكر الواحد ، والخط المشترك ، والهدف الموحد ، فلا تجعلوا ~~الإنسانية حالة طارئة ، ليكون الذاتي فيكم هو العائلية أو الإقليمية أو ~~القومية ، لتجعلوا ذلك أساسا للانقسام والتمزق ، بل انطلقوا فيها من مواقع ~~الإنسانية التي تذكركم بالوحدة التي تلغي كل إحساس بالبعد أو التنافر ، أو ~~الفرقة والخلاف. وفي ضوء ذلك نعرف أن الوحدات الصغيرة في الدائرة الإنسانية ~~الشاملة لا تخضع للإلغاء المطلق في نظرة الإسلام إلى التنظيم الاجتماعي ، ~~بل يعمل الإسلام على أن يجعل لها دورا محدودا في حركته لتتحول إلى نوع من ~~الإحساس الذاتي بها على مستوى العاطفة والشعور والخصائص القريبة ، بعيدا عن ~~كل تعصب أو PageV15P265 # انغلاق ، ليتربى الإنسان على الخروج من دائرة ذاته إلى دوائر تتسع في ~~حالة من الانفتاح الفكري والروحي والعملي ، على أكثر من أفق ... فهي ليست ~~عنوانا لمنهج فكري يختلف الناس من خلاله ، بل هي ms3668 عنوان لخصائص تتنوع في ~~حياتهم من أجل أن يكتشفوا جانب اللقاء في مواقع الفراق ، وطبيعة الوحدة في ~~مجالات الانقسام. # ( @QUR@03 وأنا ربكم فاعبدون ) لتكتشفوا في وحدة الإنسانية ، وحدة الخالق ~~، لا ليتحول التوحيد إلى مجرد حالة ذهنية في التصور ، بل ليكون حالة روحية ~~في العمق الإنساني في حركة العبادة التي تعني التوحد في المنهج والمسؤولية ~~، من خلال ما تعنيه كلمة العبادة لله الواحد الذي خلقهم بقدرته ، ورعاهم ~~برحمته ، وأحاط بهم بعلمه ، وغذاهم بنعمه ... وهكذا تتوحد العبادة في ~~الخالق لتتوحد الحياة في المخلوق ، وليتوحد المخلوق في حركة الحياة. # * * * ### ||| ** لا كفران لسعي الساعين # ( @QUR@03 وتقطعوا أمرهم بينهم ) عند ما استغرقوا في خصوصياتهم ، وفي ~~عبادتهم ، فارتبطوا بالحالة الخاصة ، ولم يرتبطوا بالحالة العامة ، فعاش كل ~~واحد منهم في سجن ذاته ، واختنق في زاوية عائلته وقبيلته ، وحدد لنفسه ~~دائرة حزبه ، والتزم بالحدود الفاصلة بينه وبين الناس الآخرين ، بدلا من ~~التزامه بالأمور المشتركة بينه وبينهم. ولكن بماذا يفكر هؤلاء؟ هل يفكرون ~~بالخلود في الدنيا عند ما يمارسون الجريمة في الواقع ، أو يخلقون الصراع ~~الدامي الذي يمزق الحياة ، ويبعث الفرقة بين الناس ، ويحول الحياة إلى ~~كابوس ثقيل بدلا من أن تكون فرصة للانطلاق والنمو والتجدد والسعادة ~~والسلام؟ وبذلك يهربون من العقاب. إنهم سيواجهون المصير غدا ليقفوا بين يدي ~~الله ، ليحاسب كل واحد منهم على عمله ، ( @QUR@03 كل إلينا راجعون ) ~~ومجموعون إلى PageV15P266 # ميقات يوم معلوم ، ( @QUR@06 فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) وهو الذي ~~عاش الإيمان موقفا متجسدا ، لا انفعالا طارئا وكلمات سريعة استعراضية ، ~~فسعى في سبيل الخير ، وأكد الخط الصالح للحياة ، ( @QUR@03 فلا كفران لسعيه ~~) ولا جحود له ، ولا نسيان لكل دقائق وتفاصيل عمله ، ( @QUR@03 وإنا له ~~كاتبون ) في كتاب ( @QUR@05 لا يضل ربي ولا ينسى ) [طه : 52]. # ( @QUR@04 وحرام على قرية أهلكناها ) بعد أن كفرت وتمردت وعصت ربها ~~وانحرفت عن الصراط المستقيم ، ( @QUR@03 أنهم لا يرجعون ) ولكن ما معنى ~~ثبوت الحرمة وتعلقها بعدم رجوعهم ، مع أن المقصود كما هو الظاهر من السياق ~~، هو نفي رجوعهم ، مما يفرض أن تكون الحرمة ، بمعنى الترك ، متعلقة ~~بالرجوع؟ # واختلفت الآراء في ms3669 تفسير ذلك ، بين من حكم بزيادة كلمة «لا» وبين من ضمن ~~كلمة «حرام» معنى الواجب ، وبين من فسر الهلاك بمعنى الحكم به ، واعتبر أن ~~المعنى ، على ذلك ، هو امتناع رجوع هؤلاء المحكومين بالهلاك بذنوبهم ، إلى ~~التوبة ، وبين من حمل الرجوع على ما بعد الموت ، وبذلك يكون المعنى أن ~~الذين أهلكهم الله بالعذاب في الدنيا حرام عليهم أن لا يرجعوا بعد الممات ، ~~بل سيرجعون إلى الحياة ليواجهوا أعمالهم في يوم الحساب. # وهناك توجيه آخر للآية ، يرتكز على أن التعبير جار على أسلوب المجاز ~~العقلي ، حيث وضع فيه نتيجة تعلق الفعل بشيء ، وهو ما يؤول عليه حال ~~المتعلق بعد تعلقه به ، موضع نفس المتعلق ، فإذا كانت الحرمة تؤدي إلى ~~الترك ، كان من المناسب التعبير عن النتيجة وهي عدم الرجوع تدليلا على نفوذ ~~الفعل وتأكده ، نظير قوله تعالى : ( @QUR@06 ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) ~~[الأعراف : 12] ، حيث وضع عدم السجدة الذي هو النتيجة ، موضع نفس السجدة ~~التي هي متعلق المنع ، وهذا هو ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر ~~عليه السلام أنه PageV15P267 # قال : «كل قرية أهلكها الله بعذاب فإنهم لا يرجعون» (1). # وربما يخطر بالبال ، أن الآية تتحدث عن الحرمة لا بمعنى التكليف ، أو ~~الامتناع الواقعي ، بل بمعنى التأسف عليهم لأنهم عرضوا أنفسهم بالمعصية أو ~~الكفر ، ولأنهم لا يرجعون إلى الله فيتوبون إليه لينقذوا أنفسهم من ذلك ، ~~وربما كان هذا غير مناف لما جاء في الرواية عن الباقر عليه السلام لأنها ~~تقرر عدم رجوعهم ، ولا تتحدث عن طبيعة تعلق الحرمة بعدم الرجوع. والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** الوعد الحق # ( @QUR@05 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ) وأنهار السد الذي يحجزهم عن الناس ~~، ( @QUR@04 وهم من كل حدب ) أي من كل نشز وهو المرتفع من الأرض ، ( ~~@QUR@01 ينسلون ) أي يخرجون بسرعة واندفاع ، حتى تراهم أمامك في كل مكان ، ~~وقيل إن الضمير في «هم» كناية عن الخلق الذين يخرجون من قبورهم إلى الحشر ، ~~وهذا ما اختاره مجاهد الذي كان يقرأ من كل جدث وهو القبر ، ويدل عليه قوله ~~( @QUR@05 من الأجداث إلى ربهم ms3670 ينسلون ) [يس : 51] ، وهذا الوجه لا يخلو من ~~قرب ، ولكنه خلاف الظاهر. # ( @QUR@03 واقترب الوعد الحق ) الذي وعد الله به عباده ، فصدقهم وعده ، ~~وهو يوم القيامة ، ( @QUR@06 فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ) لا تطرف ~~ولا تتحرك ، فهي معلقة بالمشهد المرعب الذي يواجههم بالمصير المحتوم الذي ~~ينتظرونه ، في عملية انشداد ومتابعة للنتائج السلبية التي تصيب المنحرفين ~~عن الله ، والمتمردين عليه ، أمام النتائج الإيجابية التي يحصل عليها ~~المستقيمون على الخط ، والمطيعون لله ويراقبون حركة الموقع الجديد الذي ~~يقفون فيه ، وذلك PageV15P268 # في ما يشبه المفاجأة غير المنتظرة ، التي تدفع الإنسان إلى الحيرة ~~والذهول الذي يأخذ عليه بصره ، فلا يملك أن يطرف برمشة جفن ، وهكذا يأخذهم ~~الموقف الصعب ، فيقولون ، في ما يشبه الصراخ المذعور : ( @QUR@08 يا ويلنا ~~قد كنا في غفلة من هذا ) حيث كانت تشغلنا عن الله أمور الدنيا ، في شهواتها ~~ولذائذها ، وزخارفها ومباهجها .. ، مما جعلنا نفتقد الرؤية الواضحة للأشياء ~~، فلا نفكر بالمستقبل بطريقة واقعية ، ولا ننتبه إلى الموت وما بعده ، مما ~~كان يحدثنا عنه الأنبياء والرسل ، في ما يمكن أن نواجهه من ثواب أو عقاب ، ~~إذا أخذنا بالطاعة في أقوالنا وأفعالنا ، أو بالمعصية في ذلك كله ، فإن ذلك ~~إذا لم يصل بنا إلى اليقين على مستوى الحقيقة ، فلا أقل من أن يدفعنا إلى ~~الاحتمال الذي يفرض الحذر في التعامل مع المسألة على أساس النتائج المحتملة ~~، لا سيما إذا كانت تتصل بالمصير المحتوم النهائي لوجودنا كله ، ولكنها ~~الغفلة واللامبالاة ، وفقدان الجدية في حركة الحياة ، والبعد عن مواجهة ~~الأمور بمسؤولية هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن ، ( @QUR@03 بل كنا ~~ظالمين ) فقد ظلمنا أنفسنا بالكفر وبالمعصية ، لأننا اخترنا الغفلة ~~باختيارنا المنهج الأعوج الذي قادنا إلى ذلك كله. # * * * ### ||| ** نداء الله من قلب القيامة # ( @QUR@06 إنكم وما تعبدون من دون الله ) من الأصنام الحجرية ، والبشرية ~~، ( @QUR@02 حصب جهنم ) ووقودها الذي يزيد في اشتعالها ، ويضرم نارها من جديد. # ولعل من الواضح ، أن المراد مما يعبدون من دون الله ، هم الأشخاص الذين ~~وضعوا أنفسهم في مواقع الآلهة ، لا الذين كانوا يرفضون ذلك ، كالملائكة ms3671 ~~الذين كان يعبدهم بعض الناس ، أو عيسى عليه السلام الذي يعبده PageV15P269 # النصارى ، هذا بالإضافة إلى الأوثان التي تذكر الآية دخولها في النار ، ~~ليس للعذاب ، لأنها جماد لا يعقل بل للإيحاء بأنها لا تملك الأسرار الخفية ~~التي يدعونها لها ، أو لتعذيب الكفار والمشركين برؤية أصنامهم معهم في ~~النار ، أو لغير ذلك ، ( @QUR@03 أنتم لها واردون ) أي داخلون. # ثم هل تشاهدون هؤلاء الذين كنتم تتخذونهم آلهة من دون الله ، وتعتقدون ~~أنهم يملكون المصير كله ، وتخافون منهم ، ولا تخافون من الله ، أو الذين ~~تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زلفي ، من موقع الشرك بالله ، هل يمكن أن يكون ~~هؤلاء آلهة وهم يحترقون في النار معكم من دون أن ينصروا أنفسهم أو ينصروا ~~أحدا منكم؟ ( @QUR@06 لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ) فذلك هو الدليل على ~~أنهم مجرد مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا إلا بالله ، فهم ~~يدخلون النار كما يدخلها الذين يعبدونهم من دون الله ، لأنهم ادعوا مقاما ~~لا يملكونه ، وأضلوا الناس من حولهم ، فوقعوا في النار وأوقعوا غيرهم فيها ~~، ( @QUR@03 وكل فيها خالدون ) لا ينتهي عذابهم ، ولا تنتهي إقامتهم فيها ، ~~بل هو الخلود الدائم الذي لا يقف عند حدود الزمان. # ( @QUR@03 لهم فيها زفير ) يتردد في صدورهم من لهاث واختناق وحسرة عند ما ~~يتنفسون ، وهم يحترقون فيها ( @QUR@04 وهم فيها لا يسمعون ) لأنهم يعيشون ~~في شغل عما حولهم ، بما يقع عليهم من العذاب. # * * * PageV15P270 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) @QUR@09 ~~لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) @QUR@011 لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) @QUR@016 ~~يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين ) (104) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حسيسها ): الحسيس : الصوت الذي يحس به. # ( @QUR@02 كطي السجل ): السجل : حجر كان يكتب فيه. ثم سمي كل ما يكتب ~~فيه سجلا. # * * * PageV15P271 ### ||| ** من أحسن الله إليه لا يحزن # جاء في تفسير الميزان نقلا عن القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر ~~«محمد الباقر» عليه السلام قال : «لما ms3672 نزلت هذه الآية يعني قوله : ( @QUR@08 ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) وجد منها أهل مكة وجدا شديدا ، ~~فدخل عليهم عبد الله بن الزبعرى وكفار قريش يخوضون في هذه الآية ، فقال ابن ~~الزبعرى : أمحمد تكلم بهذه الآية؟ فقالوا : نعم ، قال ابن الزبعرى : لئن ~~اعترف بها لأخصمنه ، فجمع بينهما ، فقال : يا محمد أرأيت الآية ، التي قرأت ~~آنفا ، فينا وفي آلهتنا خاصة ، أم الأمم وآلهتهم؟ فقال : بل فيكم وفي ~~آلهتكم ، وفي الأمم وآلهتهم إلا من استثنى الله ، فقال ابن الزبعرى : خصمتك ~~والله ، ألست تثني على عيسى خيرا؟ وقد عرفت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه ، ~~وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة ، أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ، فضجت قريش وضحكوا ، قالت قريش : ~~خصمك ابن الزبعرى ، فقال رسول الله : قلتم الباطل ، أما قلت : إلا من ~~استثنى الله وهو قوله تعالى : ( @QUR@018 إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) (1). # وقد روى هذا المعنى بعدة طرق في روايات السنة والشيعة ، وهذا يؤكد الفكرة ~~التي يستوحيها القارئ من أجواء الآية السابقة من أن الذين يعبدهم المشركون ~~لا يتحملون مسئولية ذلك الشرك ، إلا من خلال موافقتهم على ذلك ، وتعريض ~~أنفسهم لموقع الربوبية. أما الذين يرفضون ذلك جملة وتفصيلا ، فإنهم بعيدون ~~عن أي موقع من مواقع العذاب ، لأنهم قريبون من الله PageV15P272 # بإخلاصهم وتوحيدهم له في العقيدة وفي العبادة ، ولذلك فإن هذه الآية إذا ~~كانت استثناء من الآية السابقة ، فإنها تكون بمثابة التصريح بما توحيه ~~أجواء تلك الآية ( @QUR@06 إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) وهم الذين وعدهم ~~الله بالمغفرة ، وبشرهم بالنجاة في الآخرة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~، وبلغوا رسالات الله ، فأقبلوا على الإيمان بقناعة فكرية عميقة واعية ، ~~وانسجموا مع الموقف الذي ينطلق في خط العمل الصالح ، وهؤلاء لا يختصون ~~بجماعة معينة ، بل يشملون كل الناس المؤمنين الصالحين ، وبذلك يخرج من ~~الآية السابقة ممن ذكرتهم الرواية ، من ضمن المجموع ، لا ms3673 من خلال الخصوصية ~~، لتختص الآية بهم ، لأنها تقرر المبدأ الذي ينجو به الناس من عذاب جهنم ، ~~وهو الإيمان بالله والعمل بمقتضياته. # ( @QUR@03 أولئك عنها مبعدون ) فهم بعيدون عن النار لبعد أعمالهم عن ~~أعمال الذين يدخلونها في جميع المجالات ، ( @QUR@03 لا يسمعون حسيسها ) في ~~ما يمثله صوتها الذي يثير الإحساس ويخيفه ويهزه ويرعيه ، لأن الله أراد أن ~~يبعدهم عن كل شيء يذكرهم بها أو يربطهم بأهوالها ، ليعيشوا الهدوء النفسي ~~الذي لا يعكر صفوه شيء مما يرى أو مما يسمع ، ( @QUR@06 وهم في ما اشتهت ~~أنفسهم خالدون ) حيث يعيشون في نعيم الجنة ورضوان الله ، في هذا الجو ~~الخالد من السعادة واللطف واللذة والنعيم ، الذي يوحي لهم بالاكتفاء الذاتي ~~في كل ما يشتهون ، حتى لا يبقى هناك شيء آخر يفكرون به في أية حاجة. # ( @QUR@04 لا يحزنهم الفزع الأكبر ) وهو الخوف الأعظم الذي يفزع منه كل ~~من في السماوات والأرض فترتجف منه القلوب ، وتخشع فيه الأصوات ، وتحزن فيه ~~النفوس ، بل يواجهون ، بدلا من ذلك البشارة الإلهية من الملائكة ، ( ~~@QUR@02 وتتلقاهم الملائكة ) باللطف والبشرى ، ( @QUR@05 هذا يومكم الذي ~~كنتم توعدون ) حيث وعدكم الله الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين. PageV15P273 ### ||| ** سيطرة الله المطلقة # ( @QUR@03 يوم نطوي السماء ) فتغيب وتختفي حتى لا يراها أحد ، وتبقى في ~~علم الغيب عند الله ، ( @QUR@03 كطي السجل للكتب ) وهو الصحيفة التي تشتمل ~~على الكتب من خلال ما تعبر عنه من الألفاظ والمعاني التي تسجل فيها فتغيب ~~عند ما يغلق السجل ، فلا يراها أحد. وذلك هو المظهر الحي لقدرة الله ، في ~~ما يوحي به من سيطرته المطلقة على الكون كله ، فيتصرف به كما يشاء فلا ~~ينتقص من قدرته شيء ، في ما يألفه الناس وما لا يألفونه. وبذلك فإن الله ~~قادر على أن يبعث الناس من الموت ، فيعيدهم إلى الحياة ، كما خلقهم من ~~العدم ، ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) لأن القادر على الخلق قادر ~~على الإعادة ، وسيحدث ذلك حتما لأن الله وعد به ، والله لا يخلف وعده ، ( ~~@QUR@05 وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) كل شيء مما نريد أن نفعله ، حيث ms3674 وعد ~~به العباد في رسالات الرسل. # * * * PageV15P274 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون (105) @QUR@06 إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) @QUR@05 وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) @QUR@011 قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فهل أنتم مسلمون (108) @QUR@013 فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن ~~أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) @QUR@08 إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ~~ما تكتمون (110) @QUR@08 وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) ~~@QUR@010 قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) (112) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آذنتكم ): الإيذان : إفعال من الإذن : وهو العلم بشيء ، أي ~~أعلمتكم ، ويتضمن معنى التحذير والإنذار. # * * * PageV15P275 # ( @QUR@04 الأرض يرثها عبادي الصالحون ) # كيف يجب أن يفكر أتباع الرسالات الذين يعيشون الإيمان فكرا وموقفا ومنهج ~~حياة؟ هل يواجهون المستقبل ، الذي يتحرك من حاضر مليء بالصعوبات والتحديات ~~التي يمثلها الكافرون والمنافقون والمشركون والضالون ، وقوى الشر والظلم ~~والطغيان؟ هل يتساقطون في وهدة اليأس أمام ذلك كله ، أو يتماسكون ، في ~~مواقفهم ، ليتطلعوا إلى الأمل الكبير القادم من وعد الله لعباده الصالحين ~~بالنصر الرسالي في نهاية المطاف؟ # إن الله يوحي إلى المؤمنين الصالحين بأن المسألة لا تحتمل الشك ، بل هي ~~في حجم الحقيقة الكونية التي يمثلها التكوين الإلهي في نهاية الحياة. # ولهذا فإن عليهم أن يتابعوا الجهاد في كل المواقع ، ويؤكدوا الرسالة في ~~جميع المواقف ليثيروا قضايا الحق في كل مجالات الحياة ، وكل مواقع الإنسان ~~، ويتحملوا الكثير الكثير من المشاكل والآلام والتضحيات ، لأن ذلك هو الذي ~~يحقق للمستقبل ثباته وقوته ، ويدفع به إلى الآفاق الرحبة في موعد الشروق. # ( @QUR@04 ولقد كتبنا في الزبور ) الذي أنزله الله على داود عليه السلام ( ~~@QUR@03 من بعد الذكر ) وهو التوراة ، كما قيل ، لأن الله سماها به في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) [النحل : 43]. ~~وقيل : هو القرآن لأن الله أطلق عليه ذلك في أكثر من آية ، ( @QUR@05 أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون ) فيسيطرون عليها سيطرة حكم وقيادة ورسالة ، ~~فينفذون برنامج الرسالات الذي يحول الأرض إلى ساحة للإيمان بالله ، وإطاعة ~~أوامره ، وربما ms3675 يضاف إلى ذلك وراثة الأرض ، في ما وعد الله عباده المتقين ~~في وراثة الأرض التي تطل على الجنة التي PageV15P276 # يتبوءون فيها مواقعهم كما يشاءون. # فهم الذين يرثون الحياة كلها في الدنيا والآخرة ، ليشعروا بالثقة بأن ~~الأرض ليست مجرد فرصة للأشرار في حكمهم وعبثهم وفسادهم ، بل قد تكون ، ولو ~~في نهاية المطاف ، فرصة للأخيار من أتباع الرسالات لينطلقوا بالحركة ~~الرسالية لتشمل الحياة كلها في مواردها ومصادرها وأوضاعها وأشخاصها .. ، ~~ليكونوا هم الجيل الأخير للبشرية الذين يسلمون الحياة إلى الله في الأرض ~~على خط الأمانة التي حملها للإنسان ليؤديها الى أهلها كاملة غير منقوصة ، ~~وليتسلموا من الله مواقعهم من رضوانه ومن جنته. # وقد كثرت الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أهل بيته ~~وأصحابه ، بأن الإمام المهدي عليه السلام ، هو الذي يرث الأرض مع أصحابه ~~الصالحين ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. # ( @QUR@06 إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) يعبدون الله ، كما يريد الله ~~لهم أن يعبدوه في إقامة العدل وإزهاق الظلم ، وفي الانفتاح عليه في كل ~~أمورهم وقضاياهم ، ليجعلوا الحياة كلها في طاعته وفي خدمته ، وفي الحصول ~~على رضاه. وهؤلاء هم الذين يشعرون أن في ما أنزله الله عليهم ما يبلغ بهم ~~إلى ما يريدون من أهداف في الدنيا والآخرة ، إذا ساروا على نهجه واتبعوا ~~هداه وانطلقوا مع شرائعه. # * * * ### ||| ** الرسول رحمة للعالمين # ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) لأنك جئتهم بالرسالة التي ~~تنفتح عليهم في كل أمورهم لتقودهم إلى الصراط المستقيم في الدنيا ، وإلى ~~النعيم الخالد في الآخرة ، وتثير فيهم كل نوازع الخير ، وتبتعد بهم عن ~~نوازع الشر ، PageV15P277 # وتركز العلاقات في ما بينهم على أسس ثابتة من القيم والمبادئ ، فلا تهتز ~~ولا تنحرف ، ولا تسقط ، بفعل المطامع والأهواء والشهوات ، وتوحي إليهم ~~بالسلام الروحي الذي يطوف بهم في كل آفاق الصفاء والنقاء والإشعاع والإيمان ~~والهدوء النفسي القائم على الخير والعدل والحياة. # أما رحمته في شخصه ، فقد كان يمثل الخلق العظيم الذي ينساب في قلب كل من ~~حوله حبا وعاطفة وروحا ms3676 وخيرا وسلاما ... وهكذا اجتمعت فيه رحمة الرسول ، ~~ورحمة الرسالة في الفكر والحركة والإنسان والحياة. # وهذا هو ما يجب أن يعيشه المسلمون في دعوتهم للإسلام ، وفي ممارستهم له ، ~~وفي حركتهم من أجله ، وذلك بتجسيد الرحمة في مواقفهم وكلماتهم وعلاقاتهم ~~وروحيتهم في كل المجالات ، لا أن تكون الرحمة حركة انفعال ، بل أن تكون ~~موقف حق وخير واستقامة وإيمان ، لأن الرحمة تمثل العمق في شخصية الإنسان ~~الفكرية والعملية ، فتتفاعل في كل دوائره الصغيرة أو الكبيرة ، ليكون ~~القدوة في الرحمة ، والرحمة في القدوة ، ( @QUR@011 قل إنما يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ) فهو الذي وحد الحياة في ربوبيته ، وفي ~~خلقه ، وهو الذي يريد للناس أن يتوحدوا في عبادته ، وفي شريعته ، وفي منهجه ~~في حركة الحياة ، لأنه يريد للبداية أن تحكم النهاية ، كما تحكم الخط الذي ~~يربط بينهما ، فلا يريد الانحراف والالتواء والابتعاد عن الاستقامة في الخط ~~الذي هو المظهر الحقيقي للوحدة. # قل لهم يا محمد هذا الوحي التوحيدي ليقبلوا عليه ، وليسيروا في خطه ، ~~وليؤمنوا بنهجه وليجعلوه قمة الوعي العقيدي والشعوري والعملي في حياتهم كلها. # * * * PageV15P278 ### ||| ** عذاب الكافرين بوحدانية الله # ( @QUR@02 فإن تولوا ) وأعرضوا واتبع كل واحد منهم إلها آخر يعبده من دون ~~الله ، وتفرقت بهم السبل ، فأخذ كل منهم طريقا يؤدي به إلى مطامعه وأهوائه ~~وشهواته ، بعيدا عن الدار الآخرة في ثوابها وعقابها ، ( @QUR@04 فقل آذنتكم ~~على سواء ) أي أعلمتكم وحذرتكم من الأخطار التي تواجهكم في هذا الطريق ~~المنحرف الذي تسيرون عليه ، فيتساوى فيها الجميع ، فلا فرق بين قوم وقوم ، ~~فستواجهون الموقف الصعب جميعا ، ( @QUR@07 وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون ) من العذاب الذي ينتظر الكافرين والعاصين والمنحرفين ، ( @QUR@08 ~~إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون ) لأنه يعلم السر والعلانية ، لأن ~~الله لم يوكل إلي أمر ذلك ولا علمه ، ولكنه الحق الذي لا مرية فيه ولا ~~ارتياب. # ( @QUR@05 وإن أدري لعله فتنة لكم ) فقد يريد الله أن يمتحنكم ويختبركم ~~ويفتنكم ، في ما أرادني أن أبلغكم إياه ليظهر ما في نفوسكم من مشاعر ومواقف ~~إزاء الدعوة إلى ms3677 الله ، ( @QUR@03 ومتاع إلى حين ) في ما يمهلكم ويستدرجكم ~~إلى إخراج كل ما تفكرون فيه ، وما تبطنونه في أعماقكم من شر وفساد. # * * * ### ||| ** الحكم لله رب العالمين # ( @QUR@04 قال رب احكم بالحق ) فقد بلغت كل ما أمرتني أن أبلغه ، وأديت ~~كل ما أردت أن أؤديه ، وقمت بكل ما أردتني أن أقوم به ، وها أنت يا إلهي ~~تعرف كل ما حدث ، مما قاموا به من كفر وجحود وإعراض ، فاحكم بيننا بالحق ، وأنت PageV15P279 # رب الحق ، ومنك وحيه ونهجه ، ( @QUR@06 وربنا الرحمن المستعان على ما ~~تصفون ) فأما أنتم أيها الكافرون الضالون المتمردون فإني أستعين بالله ~~عليكم وعلى ما تفعلونه وتصفونه من الباطل في ما تلتزمونه من دينكم وفي ما ~~تنكرونه علي من دين الله ، فالله هو المستعان في كل أمور الإنسان في ساحات ~~الصراع ، وإليه الملجأ وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * PageV15P280 ### | الفهرس # تفسير سورة مريم [1 98] # سبب ~~التسمية.............................................................. 7 # في أجواء ~~السورة............................................................. 8 # الآيات [1 ~~6].................................................................. 9 # معاني ~~المفردات.............................................................. 9 # زكريا يناجي ~~ربه........................................................... 11 # من هم مواليه وما ذا كان يخاف ~~منهم....................................... 12 # ما المراد ~~بالإرث!.......................................................... 13 # الآيات [7 ~~11].............................................................. 18 # معاني ~~المفردات............................................................ 18 # الله يستجيب لزكريا ويبشره ~~بغلام............................................ 19 # زكريا يتساءل ~~متعجبا....................................................... 19 # الآيات [12 ~~15]............................................................. 22 # معاني ~~المفردات............................................................ 22 PageV15P281 # الكتاب ~~ليحيي............................................................ 22 # وآتيناه الحكم ~~صبيا........................................................ 24 # ماذا نستوحي من ~~القصة!................................................... 26 # الآيات [16 ~~21]............................................................. 29 # معاني ~~المفردات............................................................ 29 # مريم عليها السلام في أجواء المعجزة ~~الإلهية..................................... 30 # مريم عليها السلام ولقاء ~~الروح............................................... 32 # الآيات [22 ~~26]............................................................. 34 # معاني ~~المفردات............................................................ 34 # المولود ~~المعجزة............................................................. 35 # عيسي عليه السلام يكلم مريم عليها ~~السلام.................................. 36 # الآيات [27 ~~33]............................................................. 38 # معاني ~~المفردات............................................................ 38 # مواجهة مريم عليها السلام ~~لقومها............................................ 39 # عيسي عليه السلام يدفع التهمة عن ~~أمه..................................... 40 # الآيات [34 ~~40]............................................................. 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # اختلاف الأحزاب في عيسي عليه ~~السلام..................................... 43 # الله المالك ~~للأرض......................................................... 45 # الآيات [41 ~~50]............................................................. 46 # معاني ~~المفردات............................................................ 46 # إبراهيم عليه السلام .. وأسلوب الدعوة ~~النموذجي............................. 47 # إبراهيم عليه السلام يباشر الدعوة إلي ~~الله.................................... 50 # إبراهيم عليه السلام يعظ ~~أباه............................................... 51 PageV15P282 # الآيات [51 ~~57]............................................................. 55 # معاني ~~المفردات............................................................ 55 # رسل ms3678 الله في إخلاصهم ~~وجهادهم............................................ 56 # إسماعيل الصادق ~~الوعد.................................................... 57 # إدريس ~~الصديق........................................................... 57 # الآيات [58 ~~63]............................................................. 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 59 # الجنة لعباد الله ~~الصالحين................................................... 60 # الجنة ~~سلام............................................................... 61 # الآيتان [64 ~~65]............................................................. 63 # معاني ~~المفردات............................................................ 63 # الوجود والقدرة من ~~الله..................................................... 63 # الآيات [66 ~~72]............................................................. 66 # معاني ~~المفردات............................................................ 66 # الإنسان أمام فكرة ~~البعث.................................................. 67 # الكافرون يحشرون مع ~~الشياطين............................................. 67 # هل الناس جميعا سيردون ~~النار!.............................................. 68 # الآيات [73 ~~80]............................................................. 70 # معاني ~~المفردات............................................................ 70 # حديث الكافرين .. وجد الهم ~~الباطل......................................... 71 # مصير الضالين ~~المضلين..................................................... 72 # الباقيات ~~الصالحات........................................................ 73 # منطق ~~الكافرين............................................................ 73 # الآيات [81 ~~96]............................................................. 75 # معاني ~~المفردات............................................................ 75 PageV15P283 # واتخذوا من دون الله آلهة .. فما ذا كانت ~~النتيجة!............................. 76 # آلهة الكفر يتبرءون من ~~أوليائهم.............................................. 77 # فلا تعجل ~~عليهم.......................................................... 78 # مصير ~~المجرمين............................................................. 79 # الأبوة تنافي ربوبية ~~الخالق.................................................... 79 # الآيتان [97 ~~98]............................................................. 81 # معاني ~~المفردات............................................................ 81 # الله مهلك ~~القرون......................................................... 81 # تفسير سورة طه [1 153] # مدخل عام ~~للسورة......................................................... 87 # الآيات [1 ~~8]................................................................ 89 # معاني ~~المفردات............................................................ 89 # الله يهون علي ~~نبيه......................................................... 90 # الرحمن علي العرش ~~استوي.................................................. 92 # الله المسيطر المطلق علي ~~الكون.............................................. 94 # الآيات [9 ~~23].............................................................. 96 # معاني ~~المفردات............................................................ 96 # هل أتاك حديث موسي .. في بداية ~~الرسالة!.................................. 97 # حوار الوادي ~~المقدس....................................................... 99 # اكتشاف المعجزة........................................................ 102 # الآيات [24 ~~41]........................................................... 104 # معاني ~~المفردات.......................................................... 104 # اذهب إلي فرعون........................................................ 105 PageV15P284 # النبوة .. والضعف ~~البشري................................................ 108 # موسي عليه السلام في ~~اليم................................................ 108 # موسي عليه السلام في بيت فرعون......................................... 109 # موسي عليه السلام في خضم التجربة....................................... 110 # الآيات [42 ~~48]........................................................... 112 # معاني ~~المفردات.......................................................... 112 # دعوة فرعون لعبادة ~~الله................................................... 112 # أسلوب موسي عليه السلام في الدعوة إلي ~~الله................................ 114 # الله يشدد عزم موسي عليه السلام ~~وهارون.................................. 116 # المواجهة بين موسي عليه السلام ~~وفرعون.................................... 117 # الآيات [49 ~~59]........................................................... 119 # معاني ~~المفردات.......................................................... 119 # فرعون يتحدي وموسي عليه السلام يقبل التحدي........................... 120 # فرعون يثير الأفكار السلبية في مواجهة موسي عليه ~~السلام.................... 122 # الله يحث عقل الإنسان علي ~~التفكر........................................ 123 # فرعون يأبي ~~الحق......................................................... 125 # الآيات [60 ~~79]........................................................... 127 # معاني ~~المفردات.......................................................... 128 # السحر يتحدي النبوة .. فيسقط أمامها.................................... 129 # التنازع فيما بين أعوان ~~فرعون.............................................. 130 # السحرة يلقون ms3679 حبالهم وعصيهم............................................ 131 # الله يطمئن ~~نبيه.......................................................... 132 # سجود السحرة ~~وإيمانهم................................................... 133 # السحرة المؤمنون أمام تهديدات ~~فرعون...................................... 134 # السحرة يواجهون فرعون بقوة ~~الإيمان........................................ 135 PageV15P285 # دروس للمجاهدين....................................................... 138 # انتصار موسي عليه السلام وهلاك فرعون................................... 138 # الآيات [80 ~~98]........................................................... 140 # معاني ~~المفردات.......................................................... 141 # موسي عليه السلام في مواجهة رواسب الكفر عند قومه....................... 142 # سقوط قوم موسي عليه السلام في ~~التجربة................................... 144 # تحرك الرواسب ~~الوثنية.................................................... 146 # موقف هارون........................................................... 147 # معاتبة موسي عليه السلام ~~لهارون.......................................... 148 # ملاحظة علي موقف موسي عليه السلام من هارون.......................... 150 # موسي عليه السلام والسامري............................................. 150 # الآيات [99 ~~114]......................................................... 153 # معاني ~~المفردات.......................................................... 154 # من مشاهد القيامة في ~~القرآن.............................................. 154 # تقرير مبدأ ~~الشفاعة...................................................... 157 # جزاء الله ~~لعباده......................................................... 157 # القرآن ... ~~العربي........................................................ 159 # الآيات [115 ~~126]........................................................ 161 # معاني ~~المفردات.......................................................... 162 # عهد الله إلي آدم عليه ~~السلام............................................. 162 # دروس من قصة آدم عليه السلام.......................................... 163 # كيف نفسر معصية آدم عليه السلام!...................................... 166 # الله ينوب علي آدم عليه ~~السلام........................................... 167 # مصير ~~المعرضين.......................................................... 168 PageV15P286 # الآيات [127 ~~135]........................................................ 172 # معاني ~~المفردات.......................................................... 173 # العقل كأساس للمعرفة ~~والإيمان............................................. 173 # بناء الأمم وفناؤها خاضع للسنن ~~الكونية.................................... 174 # الصبر في مواجهة ~~الأضاليل................................................ 175 # التسبيح عامل قوة ~~للإنسان............................................... 175 # القناعة بقسمة الله ~~ونعمته................................................ 177 # المعجزة وسيلة لإقامة ~~الحجة............................................... 179 # تفسير سورة الانبياء [1 112] # جولة في آفاق ~~السورة..................................................... 183 # بين الإنسان الغافل والنبي ~~الداعية.......................................... 184 # الآيات [1 ~~15]............................................................. 186 # معاني ~~المفردات.......................................................... 187 # اللهو عن ذكر ~~الله....................................................... 187 # اللهو ~~القلبي............................................................. 189 # مناقشة ~~الكفار.......................................................... 190 # القرآن يضع المسألة في نصابها ~~الصحيح..................................... 191 # نماذج ~~حية.............................................................. 193 # القرية ~~الظالمة............................................................ 195 # الآيات [16 ~~18]........................................................... 197 # معاني ~~المفردات.......................................................... 197 # الغاية من خلق السموات والإرض.......................................... 197 # غاية ~~الخلق.............................................................. 199 PageV15P287 # الحق يدفع ~~الباطل........................................................ 201 # الآيات [19 ~~25]........................................................... 204 # معاني ~~المفردات.......................................................... 204 # العبودية المطلقة ~~لله....................................................... 205 # تعدد الآلهة يستلزم ~~الفساد................................................ 206 # سلطة الله ~~المطلقة........................................................ 207 # وحدانية ~~الله............................................................. 208 # الآيات [26 ~~29]........................................................... 210 # الادعاء بأن لله ~~ولدا...................................................... 210 # بل عباد مكرمون........................................................ 211 # جزاء المحسنين .. ~~والظالمين................................................ 213 # الآيات [30 ~~33]........................................................... 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # الله سبحانه يفتق رتق السماوات ~~والإرض................................... 216 # دلائل وحدانية ~~الله....................................................... ms3680 218 # الآيات [34 ~~36]........................................................... 221 # كل نفس ذائقة الموت.................................................... 221 # بلاء الخير ~~والشر......................................................... 222 # الآيات [37 ~~47]........................................................... 224 # معاني ~~المفردات.......................................................... 225 # خلق الإنسان من عجل.................................................. 225 # جاءهم العذاب بغتة..................................................... 226 # الله الغالب علي ~~عباده................................................... 227 # عدل ~~الله............................................................... 228 # الآيات [48 ~~73]........................................................... 229 PageV15P288 # معاني ~~المفردات.......................................................... 230 # التفاعل الحي بين النبي ~~والناس............................................. 231 # إبراهيم عليه السلام في مواجهة ~~قومه....................................... 232 # حوار بين إبراهيم عليه السلام ~~وأبيه........................................ 234 # جاهلية قوم إبراهيم عليه ~~السلام........................................... 235 # إبراهيم عليه السلام ومنطق ~~القوة........................................... 237 # عجز القوم عن مواجهة حجج إبراهيم عليه السلام........................... 239 # الرعاية الإلهية لإبراهيم عليه ~~السلام......................................... 240 # تجربة النبي لوط عليه ~~السلام............................................... 241 # الآيات [74 ~~77]........................................................... 243 # الله ينجي أنبياءه .. لوط ونوح عليه ~~السلام................................. 243 # نجاة نوح عليه ~~السلام.................................................... 245 # الآيات [78 ~~82]........................................................... 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # داود وسليمان عليهما السلام يحكمان في ~~الحرث............................. 248 # الآية في خط العصمة.................................................... 249 # تسخير الجبال لداود عليه ~~السلام.......................................... 251 # الريح لسليمان عليه ~~السلام............................................... 252 # الآيات [83 ~~91]........................................................... 253 # معاني ~~المفردات.......................................................... 254 # مع أيوب عليه السلام ~~الصابر............................................. 254 # وإسماعيل وإدريس وذو الكفل............................................. 256 # الله يستجيب لذي النون................................................. 257 # الله ينجي يونس من ~~الغم................................................. 259 # زكريا ينادي ~~ربه.......................................................... 261 PageV15P289 # عيسي وأمه مريم عليه ~~السلام.............................................. 262 # الآيات [92 ~~100]......................................................... 263 # معاني ~~المفردات.......................................................... 263 # الأمة ~~الواحدة........................................................... 264 # لا كفران لسعي الساعين................................................. 266 # الوعد ~~الحق............................................................. 268 # نداء الله من قلب ~~القيامة................................................. 269 # الآيات [101 ~~104]........................................................ 271 # معاني ~~المفردات.......................................................... 271 # من أحسن الله إليه لا ~~يحزن............................................... 271 # سيطرة الله ~~المطلقة....................................................... 274 # الآيات [105 ~~112]........................................................ 275 # معاني ~~المفردات.......................................................... 275 # الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون............................................. 276 # الرسول رحمة ~~للعالمين..................................................... 277 # عذاب الكافرين بوحدانية ~~الله.............................................. 279 # الحكم لله رب ~~العالمين.................................................... 279 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV15P290 ![](https://books.rafed.net/Books/3281_tafsir-men-wahi-alquran-16/images/image001.gif) PageV16P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3281_tafsir-men-wahi-alquran-16/images/image002.gif) PageV16P003 ### | سورة الحج ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثمان وسبعون PageV16P005 ### ||| ** سبب التسمية # سميت هذه السورة بالحج لتضمنها دعوة الله إلى الحج في رسالة النبي ~~إبراهيم عليه السلام ، وللإيحاء بالمعنى العبادي الذي يتمثل في تنوع العبادة ~~في أفعالها وكلماتها وإيحاءاتها ، وفي النتائج العملية التي تلتقي بها مع ~~كل العبادات الأخرى ، من صلاة في بعض مفرداتها ، ومما يشبه الصوم ms3681 ، في ~~بعضها الآخر ، كما في حال الإحرام ، وفي المنافع التي يحصل عليها الناس من ~~خلال الاجتماع العالمي الذي يلتقي فيه المؤمنون من سائر أنحاء العالم ~~ليتدارسوا مشاكلهم ، وليتبادلوا خبراتهم ، وليتعارفوا في مواقعهم وأوضاعهم ~~، وليزدادوا حركة في اتجاه التقدم ، ولتتطور حياتهم من خلال ذلك كله ، ~~وليأخذوا بأسباب القوة في تحديات الصراع. وهكذا كان الحديث عن بعض فروع ~~الحج المتصلة بحركة العقيدة في حياة الإنسان ، حيث بدأت السورة بالدعوة إلى ~~التقوى ، باعتبارها التجسيد الحي لإحساس الإنسان بعبوديته لله تعالى في ~~مواقع الطاعة. ولذا فلقد تناولت السورة النماذج الإنسانية المنحرفة عن خط ~~التقوى ، عقيدة ودعوة ، على مستوى العلاقات في أكثر من موقع. ثم تناولت ~~الأجواء العقيدية التي يعيش فيها المؤمنون والكافرون ، لتثير من خلالها ~~مسائل التوحيد في مواجهة الشرك والإيمان باليوم الآخر لدى المنكرين وما ~~يترتب على ذلك من نتائج دنيوية وأخروية ، وذلك بالأسلوب القرآني الذي PageV16P007 # يجمع مفردات العقيدة من واقع حياة الإنسان والطبيعة ، ويضرب الأمثال ~~لتوضيح الفكرة باعتبار أن حركة الحس تغذي الوجدان .. ثم إن الآيات تطوف ~~بالفكر في تاريخ الأمم السابقة ، ليعتبر الناس بتجارب الآخرين في مواقفهم ~~السلبية من عبادة الله وتوحيده ، ليستفيدوا من تلك الدروس التي يحولون فيها ~~الواقع إلى تجربة إيجابية حاسمة في هذا الاتجاه. # وتختم السورة آياتها بالدعوة إلى السير على خط الإيمان في عبادة الله ، ~~وفي فعل الخير والاعتصام بحبله ، وفي الجهاد في سبيله ، وفي الالتزام بالخط ~~المستقيم الذي يكفل لهم شهادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهم باستقامة ~~الطريق الذي يسيرون فيه ، ويكفل أن يكونوا الشهداء على الناس في وعيهم ~~الإيماني لمسألة الرسالة والرسول ، وليؤكدوا إسلامهم أخيرا في إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله الذي هو نعم المولى ونعم النصير. # * * * PageV16P008 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) ~~@QUR@022 يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) (2) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زلزلة )؛ الزلزلة والزلزال : شدة الحركة على ms3682 الحال الهائلة. # ( @QUR@01 تذهل )؛ الذهول : الذهاب عن الشيء مع دهشة وحيرة. # ( @QUR@01 حمل )؛ الحمل بالفتح : الثقل المحمول في الباطن كالولد ، ~~وبالكسر : الثقل المحمول في الظاهر. # * * * PageV16P009 ### ||| ** دعوة إلى التقوى # ( @QUR@03 يا أيها الناس ) إنها الدعوة الشاملة للناس الذين يعيشون ~~الحياة من موقع إنسانيتهم الخالصة ، ليتخذوا الموقف السليم من الحياة على ~~قاعدة الإحساس بخطورة اللاانتماء واللامبالاة الفكرية والنفسية ، التي ~~تحملهم على الهرب من كل سؤال يتحدى ما اعتادوا من عقائد وأفكار وعادات .. # إنها الدعوة المنفتحة على المسؤولية التي تطل على أعماق الناس ، من قاعدة ~~الخوف من النتائج السلبية في الدار الآخرة ، لتدفعهم للتحرك على ضوء رسالات الله. # * * * ### ||| ** التقوى : مطابقة إرادة العبد لإرادة الله تعالى # ( @QUR@02 اتقوا ربكم ) الذي خلقكم ومنحكم نعمة الوجود بعد العدم ، وأفاض ~~عليكم النعم المتنوعة التي تطال الحياة بأكملها منذ الولادة حتى الوفاة. ~~فهو المهيمن على الأمر كله في الدنيا والآخرة ، وهو الذي يحدد مصير الإنسان ~~يوم القيامة .. بما يوحيه له من مراقبة في كل قول وفعل ، ليتحول ذلك إلى ~~حالة انضباط شاملة في كل مواقع حركته ، بحيث لا يفقده الله حيث يريد أن ~~يجده ، ولا يجده حيث يريد أن يفقده ، لتصبح حياته مطابقة لإرادة الله في ~~أوامره ونواهيه. فإن الإنسان كلما انفتح على عظمة الله ، كلما شعر ~~بالمسؤولية أكثر وسائر على الخط المستقيم. # * * * PageV16P010 ### ||| ** أهوال يوم القيامة # ( @QUR@05 إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) ففي ذلك اليوم زلزال عنيف تهز ~~مشاهد الهول والرعب والعذاب فيه النفوس ، مما يجعلها تفقد ثبات مواقفها على ~~الأرض التي فقدت صلابتها أمام اهتزاز الفكر والروح والشعور ، مما يجعل ~~الموقف مشابها للزلزال الذي تتساقط فيه السقوف والجدران والصخور وتخسف به ~~الأرض ، بكل ما يوحيه ذلك من خوف ورعب وذعر يتجاوز في أهواله كل حد. ( ~~@QUR@02 يوم ترونها ) في نتائجها الفظيعة التي تقتلع الإنسان من أعمق ~~مشاعره ، وأدق مناطق الإحساس لديه ، حيث ( @QUR@05 تذهل كل مرضعة عما أرضعت ~~) عند ما تكون في جو تنساب فيه مشاعر الأمومة في داخلها ، وتعيش فيه ~~الاندماج الروحي مع دفقات الحليب الطاهر من ثديها في الفم الصغير الذي يمثل ms3683 ~~ابتهال الطفولة الجائعة إلى الأمومة الحانية ، طلبا للحب والعطف والحنان ~~والغذاء والشراب ، إذ إن الأم هي سر الحياة منذ انطلاقتها في رحلة النمو ~~حتى تكاملها في مرحلة الوجود. ولكن على الرغم مما تشعر به الأم في موقف ~~الرضاع من تفاعل بين روحها ونداء رضيعها ، بحيث تحس بأن روحها تتحرك في ~~أحضانها ، فلا تغفل عن ابتسامته عند ما يبتسم ، وعن دمعته عند ما يبكي ، ~~وما يصنعه ذلك الإحساس من تحول في قطرات الحليب من حيث تدري أو لا تدري إلى ~~قطرات حب وحنان ، إلا أنها يوم القيامة أمام الرعب والخوف تذهل عنه وعن كل ~~ما حولها ، وتستغرق في التفكير بمصيرها ، فهي تعجز في لحظات الحيرة والذهول ~~عن التفكير إلا بنفسها ، لأن حدة المعاناة لا تترك لها أي مجال للالتفات ~~إلى أي شخص آخر. # ( @QUR@05 وتضع كل ذات حمل حملها ) وتسقط الحامل ولدها من بطنها من شدة ~~الذهول ، وتطرح كل ذات حمل ما يثقلها مما تحمله ، مهما كان عزيزا PageV16P011 # عليها ، لأنها لا تعي كل ما حولها ، ولا تملك المقدرة على الاهتمام بأي ~~شيء سوى نفسها التي تخاف عليها السقوط تحت مؤثرات الرعب القاتل. ( @QUR@03 ~~وترى الناس سكارى ) لا يعقلون أي شيء ، تماما كما لو كانت عقولهم قد خولطت ~~بالخمر ، ( @QUR@03 وما هم بسكارى ) فلم يذوقوا قطرة منها ، ولكنهم خاضعون ~~لسكرة الذهول التي أطبقت على أفكارهم ومشاعرهم ومكامن الرؤية فيهم. ( ~~@QUR@04 ولكن عذاب الله شديد ) في ما يشاهدون ويتصورون ويتخيلون من هذه ~~الأهوال العظام ، فيشتد الإحساس في داخلهم بالهول ، حتى ينفصلوا عن العالم ~~كله وعن كل ما فيه من مخلوقات وأحداث. # هل فكرتم كيف تواجهون هذا الجو وهذا المصير ، وكيف تتخففون من أثقاله؟ # إن الله لا يريد لكم أن تسقطوا أمام الخوف والهول ، وأن تتجمدوا عنده ~~وتواجهوا الموقف بطريقة لا واعية ، وأن يأتي الإيمان رد فعل على الخوف ، بل ~~يريد أن يكون الخوف أساسا حافزا للاهتمام الجدي ، كمقدمة للتفكير والتأمل ، ~~وصولا إلى الإيمان والتقوى الشاملة في خط الله. # * * * PageV16P012 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ms3684 ويتبع كل شيطان مريد (3) ~~@QUR@011 كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مريد ): المريد : الخبيث ، وقيل : المتجرد للفساد والمعرى من الخير. # ( @QUR@01 تولاه ): اتخذه وليا. # * * * PageV16P013 ### ||| ** نموذج ضال # هذا نموذج من الناس الذين يرفضون خط التقوى في حياتهم ، ويمتنعون عن ~~المواجهة الجادة للمسألة العقيدية بالفكر العميق والروح التقية ، ويتحركون ~~من خلال الأهواء في العلاقات والانتماءات ، لا يركنون إلى قاعدة من علم ، ~~أو إلى انطلاقة للفكر ، لأنهم لا يواجهون الحياة بالمسؤولية الفكرية التي ~~تعتمد على العلم في تحديد النتائج وتكوين القناعات ، بل كل ما هناك ، أنهم ~~ينتهزون الفرصة السانحة للحصول على المطامع والرغبات ، من أية جهة كانت ، ~~وفي أي موقع. # * * * ### ||| ** الجدال الشخصي والجدال الفكري # ( @QUR@08 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) فيدخل مع الآخرين في ~~جدل حول صفات الله وأفعاله ، وحول مسألة التوحيد والشرك ، ولكنه لا يملك ~~المعطيات العلمية التي تتيح له فرصة الدخول في الجدل المنتج الذي يقنع فيه ~~المتجادلون بعضهم بعضا بالحجة والبرهان ، حيث يكون الموقف موقف فكر يصارع ~~فكرا ، لا موقف شخص ينازع شخصا آخر ، لأن الجدال الشخصي لا يؤدي إلا إلى ~~المهاترات ، بينما يؤدي الجدال الفكري إلى تكوين القناعات. # وهذه هي مشكلة الكثيرين ممن يتخذون المواقف دون فكر ، ويدخلون في الجدل ~~دون امتلاك أدواته العلمية ، فتكون النتيجة هي إثارة الضوضاء والصخب ~~واستثارة الانفعالات لا أكثر. ويتمثل هؤلاء بالببغائيين الذين يقلدون PageV16P014 # الآخرين في مواقفهم وأفكارهم دون أن يفهموا طبيعتها وخلفياتها ونتائجها ~~الإيجابية والسلبية ، ويدافعون عن تلك المواقف والأفكار بحماس يفوق حماس ~~أصحابها ، فيستخدمون الوسائل الانفعالية الاستعراضية التي قد تؤدي إلى ~~التقاتل والتنازع ، ويثيرون المشاكل ويعيقون الثورة على الواقع الفاسد ~~والإصلاحات الفكرية والاجتماعية والسياسية ، بفعل تيار الجهل والفوضى الذي ~~يخلقونه في الحياة العامة. # * * * ### ||| ** القيادات الشيطانية # ( @QUR@04 ويتبع كل شيطان مريد ) وتلك مشكلة من يتبعون القيادات المنحرفة ~~التي تعمل على إثارة الفساد ، وإبعاد الناس عن خط الخير ، فيجمدون عقول ~~هؤلاء الناس ليتبعوا عقولهم دون وعي أو تفكير ، ليتحركوا عندها لتحقيق ~~مخططات الشر والظلم والضلال. # ( @QUR@02 كتب عليه ) في ms3685 ما قدره الله في الحياة من علاقة المسببات ~~بأسبابها ، في مسألة الهدى والضلال ، مما لا يتنافى مع مسألة حرية الإرادة ~~وعنصر الاختيار ، ( @QUR@03 أنه من تولاه ) واتخذه مرشدا وقائدا ورأى فيه ~~القدوة في كل شيء ( @QUR@02 فأنه يضله ) كنتيجة طبيعية يصل إليها من يغمض ~~عينيه ، ويغلق سمعه ، ويجمد عقله ، ويخضع حركته في الحياة لإيحاءات مثل هذا ~~الشيطان ، ويقلده في أقواله وأفعاله ، فإن ضلال هذا الشيطان المتبع سيكون ~~سببا في إضلال التابع وانحرافه ، لأن النتائج السلبية لا بد من أن تأتي من ~~المقدمات السلبية. # ( @QUR@04 ويهديه إلى عذاب السعير ) وهو نهاية خط الضلال والانحراف PageV16P015 # المنطق مع آفاق الشياطين ، لأنه يبعد الإنسان عن الله ، فيبتعد بذلك عن ~~الجنة ويقترب من النار. # * * * ### ||| ** بالعلم واتباع القيادة المؤمنة نتفادى هذا النموذج # عند قراءة كيفية تقديم القرآن الكريم لهذا النموذج المنحرف ، نلاحظ أن ~~هذا النموذج يتميز بصفتين ، الأولى : افتقاده إلى العلم الذي يفتح أمامه ~~أبواب الحق. والثانية : اتباعه الشيطان الخبيث الذي يريد للحياة أن تتحرك ~~في طريق الشر وأن تبتعد عن طريق الخير. وفي ضوء ذلك ، نفهم أن العلم قيمة ~~أساسية في شخصية الإنسان ، وفي حركة الواقع الفكري والعملي ، والتأكيد عليه ~~يمكن أن يؤدي إلى إطلاق الخلاف العقيدي والسياسي والاجتماعي ، من موقع ~~التنوع في الاجتهاد القائم على الدليل الذي قد تختلف الأنظار في فهمه ، ~~وبذلك يمكن أن يؤدي الحوار إلى اللقاء على أكثر من قضية من قضايا الخلاف ، ~~وإلى الانفتاح على الحق من أقرب طريق. # من هنا ، يجب التأكيد على ضرورة انطلاق القاعدة من مواقع الاقتناع الفكري ~~بالقيادة ، لا من مواقع التقليد الأعمى لها ، لا سيما في المسائل التي يمكن ~~للقاعدة أن تأخذ فيها بأسباب المعرفة ، أو من قاعدة الأساس الشرعي الذي ~~يعطي الإنسان الحق في اتباع قيادة مؤهلة تملك مواصفات معينة يأمن معها من ~~الوقوع في قبضة الضلال ، لما تملكه من العصمة أو العلم أو التقوى أو ~~الإيمان ، مما يجعله أي الإنسان بمأمن من الوقوع في قبضة الضلال ، بحيث ~~يتحول المجتمع إلى ساحة متحركة بالعلم والوعي مع القيادات ms3686 المؤمنة الواعية ~~التي تنفتح على الله وعلى المسؤولية من خلاله. # * * * PageV16P016 ### ||| * الآيات # ( @QUR@070 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ~~ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ~~@QUR@013 ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) ~~@QUR@012 وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 علقة )؛ العلقة : الدم الجامد. # ( @QUR@01 مضغة )؛ المضغة : القطعة من اللحم الممضوغة. PageV16P017 # ( @QUR@03 مخلقة وغير مخلقة )؛ تامة الخلقة وغير تامتها ، وقال ابن ~~الأعرابي : مخلقة : قد بدا خلقها ، وغير مخلقة : لم تصور. # ( @QUR@02 أرذل العمر ): أحقره وأهونه. # ( @QUR@01 هامدة ): الأرض التي لا نبات فيها إلا اليابس المتحطم. وهمود ~~الأرض : أن لا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر. # ( @QUR@01 وربت ): زادت وعلت. # * * * ### ||| ** حياة الإنسان والطبيعة دليل على البعث # تحدثت الآية السابقة عن الجدال بغير علم ، ومنشأه فقدان الوعي بالدار ~~الآخرة وعدم التركيز على الجانب الفكري في العقيدة ، لذا جاءت هذه الآيات ~~لتؤكد على الدار الآخرة كحقيقة إيمانية ، وعلى الأسلوب العلمي في الاستدلال ~~عليها ، ليصبح الجدال من موقع العلم ، منفتحا على المسؤولية يوم القيامة. # ( @QUR@09 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ) لأنه ليس شيئا منظورا ~~حتى يثبت حسيا لكم ، وبالتالي فإن وجوده قد يثير الشك لدى من لا يحركون ~~أفكارهم أمام الأشياء غير المألوفة ، في مثل هذه القضية التي يستبعدها ~~الاحتمال ولا يوافق عليها الفكر. ولكن تقريب المسألة إلى الحس الإنساني ~~وذلك عند ما نقارب أمثالها من الظواهر المحسوسة في الواقع ، بحيث تصبح ~~إرادة خلق الحياة من التراب الميت ، وتشكل إنسان حي منه ينمو ويكبر ويتحرك ~~، أمرا معقولا إذا ما نظر الإنسان إلى بداية خلقه ms3687 ، فيصل الفكر بذلك إلى ~~اليقين من مواقع الشك الإيجابي الباحث عن الحق. ( @QUR@04 فإنا خلقناكم من ~~تراب ) ميت تحول PageV16P018 # إلى نبات حي ، فغذاء يتفاعل مع أجهزة الجسم ، ثم تحول إلى دم ( @QUR@09 ~~ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ) وهي القطعة من اللحم في الطور القابل ~~للمضغ بحسب حجمه ، ( @QUR@03 مخلقة وغير مخلقة ) أي : تامة الخلق من حيث ~~اكتمال الصورة في الجنين ونفخ الروح فيه ، أو غير تامة من حيث عدم اكتمال ~~الحياة فيه ، ( @QUR@02 لنبين لكم ) أن البعث ليس أمرا بعيدا عن الوقوع ، ~~ففي حياة كل واحد منكم حالة بعث من التراب إلى الحياة ، ولكن الفرق أن ~~البعث فيكم يتحرك بطريقة تدريجية ، بينما البعث في الآخرة يأتي بشكل كامل ~~ودون مقدمات. # ( @QUR@08 ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) فتنمو المضغة حتى ~~تتحول إلى كائن حي ينمو بواسطة ما نرزقه إياه في الرحم من غذاء يتكامل نموه ~~( @QUR@03 ثم نخرجكم طفلا ) أي نخرجكم من بطون أمهاتكم وأنتم أطفال ، وقد ~~ذكرت بصيغة المفرد لأنه مصدر كما قيل ، ( @QUR@03 ثم لتبلغوا أشدكم ) وهو ~~السن الذي تشتد فيها الأعضاء وتتكامل فيها القوة ( @QUR@03 ومنكم من يتوفى ~~) وهو في سن الشباب ، أو في سن الكهولة التي لا يفقد فيها الإنسان وعيه ~~وقوته ، ( @QUR@06 ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) وهو أحقره وأهونه ، وهو ~~سن الهرم التي يفقد فيها الإنسان قواه ، وربما يفقد وعيه وذاكرته ، ( ~~@QUR@06 لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) فلا يبقى له من العلم ما يستطيع به ~~إدارة حياته أو تدبير أمره. # ( @QUR@03 وترى الأرض هامدة ) وهذه صورة أخرى من صور الحياة التي تنطلق ~~من صلب الموت ، حيث يتحول التراب الميت إلى قوة خضراء تزهو بالحياة ، وهي ~~صورة الأرض اليابسة الخالية خلوا تاما من علائم الحياة والنمو ، والتي يمر ~~عليها الإنسان عادة دون وجود شيء يستدعي انتباهه فيها ، ( @QUR@04 فإذا ~~أنزلنا عليها الماء ) الذي ينفذ إلى أعماقها ويسقي البذور المنثورة فيها ( ~~@QUR@01 اهتزت ) وتحركت بالنبات الذي يبدأ عملية النمو ( @QUR@01 وربت ) ~~وأخذت تعلو ويزيد ارتفاعها ( @QUR@05 وأنبتت من كل زوج بهيج ) من أنواع ms3688 ~~النبات التي تزهو في نضارتها PageV16P019 # فتبهج القلوب والأبصار. وهكذا تخرج الحياة من قلب التراب الميت. # ( @QUR@01 ذلك ) أي أطوار خلق الإنسان ، وخلق النبات ، وتدبير أمرهما في ~~الحدوث والبقاء ، يوحي بالدليل القاطع ( @QUR@04 بأن الله هو الحق ) الذي ~~يعطي الحق معناه ، في ما يخلقه من موجودات وأوضاع وأنظمة للكون وللحياة ~~التي لا يقترب إليها الخلل في تكوينها من قريب أو من بعيد ، وذلك من خلال ~~هذا التدبير الدقيق الشامل في كل شيء ، ( @QUR@03 وأنه يحي الموتى ) وهو ما ~~نستوحيه من صيرورة التراب الميت إنسانا حياء ، ومن صيرورة الأرض الميتة ~~بنزول الماء نباتا حيا. ( @QUR@05 وأنه على كل شيء قدير ) لأن ذلك كله جزء ~~من نظام الوجود الذي يكشف عن شمول القدرة لكل شيء. # * * * ### ||| ** بين فكرة البعث وترسيخ الإيمان # ( @QUR@06 وأن الساعة آتية لا ريب فيها ) لا من حيث إمكانها في ذاتها ، ~~لأن القدرة على ما يماثلها دليل على القدرة عليها ، ولا من حيث وقوعها ، ~~لأن الله هو الحق الذي يؤكد الحق في الواقع ، كما يؤكده في وحيه الذي يبلغه ~~لرسله ، ( @QUR@06 وأن الله يبعث من في القبور ) ليحاسبهم على أعمالهم ؛ إن ~~خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فذلك ما يدفع فكرة عبثية وجود الإنسان ، ويعطي ~~للحياة معنى الحق في ما يمثله من حركة المسؤولية التي تربط النهاية ~~بالبداية ، وتثير المسألة على أساس العناصر الثابتة التي توحي بأنها هي سر ~~الوجود في التكليف وفي الجزاء. وهذا ما ينبغي للإنسان أن يستحضره في وعيه ~~لمسألة وجوده ، فلا يرى فيه مجرد فرصة للهو والعبث ، بل يرى فيه تمثلا ~~لحركة القيم الروحية PageV16P020 # الثابتة التي توحي له بالمعاني الإنسانية كخط مستقيم من خطوط المصير. هذا ~~إضافة إلى إحساسه العميق بأن الإيمان بالله ليس حالة فكرية مشابهة ~~للمعادلات الرياضية ، بل هو في طبيعته حالة روحية تطل بالفكر على منطقة ~~الشعور ، لتتحول إلى تجسيد واقعي للعقيدة والشريعة في وعي الإنسان وحياته. # وهذا هو التأثير الذي يستهدف الإسلام أن تتركه فكرة البعث في حركة ~~الإنسان في وجوده وفي إيمانه ، لئلا يبقى وجوده مجرد مظهر عبثي ، ولئلا ms3689 ~~يتحول الإيمان إلى فكر جامد لا يوحي إلا بالأفكار التجريدية التي تضيع في ~~آفاق الخيال ولا تلتقي بحركة الواقع ، ليكون بالتالي وجها للوعي المنفتح ~~على الله من موقع المسؤولية. # * * * PageV16P021 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(8) @QUR@015 ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم ~~القيامة عذاب الحريق (9) @QUR@09 ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ثاني عطفه )؛ الثني : الكسر ، والعطف بكسر العين الجانب. وجاء ~~عن ابن عباس في قوله تعالى ( @QUR@02 ثاني عطفه ) أي متكبرا في نفسه (1). ~~وقيل : معناه : لاوي عنقه إعراضا وتكبرا عن الله ورسوله. # ( @QUR@01 خزي )؛ الخزي : الهوان والذلة والفضيحة. # * * * PageV16P022 ### ||| ** نموذج الضال المضل # وهذا نموذج آخر للذين يتحركون في الجدال من مواقع الجهل والضياع ويعرضون ~~عن كل دعوة للعلم والتأمل والحوار المنفتح على الفكر ... هؤلاء الذين لا ~~يكتفون بضلالهم الذاتي الذي يتخبطون فيه ، بل يعملون على جعل الحياة كلها ~~من حولهم ضلالا وابتعادا عن الحق المنطلق من وحي الله. # ( @QUR@06 ومن الناس من يجادل في الله ) فيثير الحديث حول الذات والصفات ~~والأقوال والأفعال والوحي والنبوات والمعاد ، ونحو ذلك مما يتصل بالله ، ( ~~@QUR@02 بغير علم ) دون مخزون من الأفكار والتأملات الذاتية التي ينتجها ~~العقل المجرد أو التجربة الشخصية ، ( @QUR@02 ولا هدى ) يتعلمه مما أنزله ~~الله من وحي على رسله ، ( @QUR@03 ولا كتاب منير ) مما كتبه أهل الحق من ~~تعاليم الله عقيدة وشريعة ، ( @QUR@02 ثاني عطفه ) أي الذي ينحرف بجانبه ، ~~فيكسره ، كالمعرض الذي لا يلتفت إلى من حوله ، وهو كناية عن الاستكبار ~~والإعراض عن الحق ، وذلك ( @QUR@04 ليضل عن سبيل الله ) من خلال الجدال ~~الذي يحركه في اتجاه الضلال ، بجميع الوسائل التي يثيرها في الساحة. # وقد ذكر البعض أن الفرق بين هذا النموذج والنموذج السابق ، مع التقائهما ~~بأنهما يجادلان في الله بغير علم ، أن هذا النموذج هو في المقلدين بفتح ~~اللام والآية السابقة في المقلدين بكسر اللام (1). # ولكن ذلك غير واضح ، فإن الآية الأولى إذا تحدثت عن اتباعه لكل شيطان ~~مريد ، فإن هذه الآية ms3690 انطلقت من عدم استناده إلى شيء ثابت ، مما قد PageV16P023 # يوحي بأنه قد يشبه الأول في انطلاقه من موقع الانتماء إلى المضلين ، وقد ~~يكون الفرق بينهما ، أن الأول يعيش الضلال في ذاته ، أما الثاني فيمارس ~~الدعوة إلى الضلال ، إضافة إلى ضلاله في نفسه ، مما يجعل جريمته أكبر ، ~~لأنه يعمل على إخضاع الحياة للضلال. # * * * ### ||| ** الخزي والعذاب للضال المضل # ( @QUR@04 له في الدنيا خزي ) لما يمثله الانحراف والضلال من عار وذل ~~وفضيحة على صاحبه ، لأن جهل الإنسان بالحقائق الواضحة ، وابتعاده عن ~~التفكير المنطقي في مواجهة القضايا العامة ، يفضحانه في ساحة الصراع الفكري ~~والعقيدي ، ( @QUR@05 ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) جزاء لتمرده على ~~الله ، بعد قيام الحجة عليه ، في ما أنكره وجحده ، وفي ما أشرك به دون علم. # ( @QUR@04 ذلك بما قدمت يداك ) ذلك هو الخطاب الحاسم الذي يواجه به عند ~~ما يستنكر أو يحتج أو يتساءل ، فقد قدمت يداك وأنت في الدنيا كل هذا النتاج ~~الضخم من الأعمال الشريرة القائمة على الكفر والضلال ، دون ركيزة من علم ، ~~ودون قاعدة من إيمان ، فهل هناك أي ظلم في ما تلقاه الآن من عذاب؟! ~~فعذاباتك نتيجة طبيعية لأعمالك ، وقد أنذرك الله وحذرك من كل ما تتعرض له ~~الآن. ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) ولكن الناس يظلمون أنفسهم ~~بالكفر والمعصية والضلال الشديد. # وهذا النموذج الذي تقدمه الآية يمكن معاينته في الواقع في صورة الذين ~~ينطلقون مع انتماءات الكفر والباطل ويتحملون مسئولية الدعوة إلى الأفكار ~~الضالة التي تمثلها تلك الانتماءات ، في مجال العقيدة والشريعة والمنهج و PageV16P024 # والحياة ، فيحفظون شيئا مما يلقى إليهم ، ويختزنون ملاحظات سريعة ، ~~ويشكلون أفكارا سطحية ينطلقون بها إلى الناس ، مستغلين بعض الأوضاع القلقة ~~، والزخارف الزاهية ، والمواقف المثيرة ، ليضلوهم بالشبهة والوهم والخيال ، ~~وليحاصروهم بالمشاكل المتحركة في كل موقع من حياتهم التي توحي لهم بألف ~~موقف ضلال. # * * * PageV16P025 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) ~~@QUR@014 يدعوا من دون الله ما لا يضره ms3691 وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد ~~(12) @QUR@010 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 على حرف ): على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل ~~لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة (1) وذلك على هدى ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 مذبذبين بين ذلك ) [النساء : 143]. # ( @QUR@01 فتنة )؛ الفتنة : المحنة. PageV16P026 # ( @QUR@01 انقلب ): رجع. # ( @QUR@01 المولى ): الولي الناصر. # ( @QUR@01 العشير ): الصاحب المعاشر ، أي : المخالط. # * * * ### ||| ** عبادة الله على حرف # وهذا نموذج آخر ، وهو الإنسان الذي لا ينطلق في إيمانه من موقع تأمل ~~وتفكير ، ولا يتحرك في عبادته لله من قاعدة روحية عميقة ، أو من رؤية واضحة ~~شاملة قوامها الانفتاح على الله والمعرفة الواعية به ، ولذلك فإنه يبقى ~~ثابتا ما دامت الأمور منسجمة مع أوضاعه النفسية والحياتية ، وما دامت ~~العبادة لا تكلفه جهدا كبيرا ، أو تضحية مادية أو معنوية ، ولا تربك له ما ~~اعتاده في حياته من تصرفات وعلاقات. أما إذا هدد الإيمان مصالحه بالتعقيد ، ~~وشكلت العبادة خطرا على اتجاهه في الحياة ، وأصبح التزامه يؤدي به إلى بعض ~~الخسارة ، أو بعض المشاكل ، أو يفرض عليه اتخاذ مواقف رافضة لشخص يحبه أو ~~موقف يلتزمه ، أو يفرض عليه الانسجام مع من لا ينسجم معهم ، أو السير في ~~طريق أو نحو غاية لا يرى فيها فرصة طيبة لأطماعه وشهواته ، فإنه يبادر إلى ~~الانقلاب على إيمانه ، والابتعاد عن عبادته ، بسرعة وحسم ، خوفا من خسارة ~~فرص الربح ، أو التعرض لتجربة الخسارة .. وهكذا تكون مسألة الإيمان بالنسبة ~~لهذا النموذج من الناس موقفا سطحيا لا عمق له ، وتكون العبادة في حياته ~~حركة في الشكل لا في المضمون. PageV16P027 # ( @QUR@07 ومن الناس من يعبد الله على حرف ) أي على طرف ، أو جانب واحد ، ~~فلا ينطلق في العبادة بشكل كلي وشامل بعد دراسة كل الاحتمالات والإمكانات ~~والاستعداد للنتائج الإيجابية أو السلبية التزاما بكل المواقف على جميع ~~التقادير .. وهو حال الكثيرين ممن يطلبون الإيمان في حال السلم والربح ~~والرخاء ، لا في حال الحرب والخسارة والشدة .. وبذلك ينطبع إيمانهم بطابع ~~الجو الذي يعيشونه في الداخل ، فهو ms3692 لا يكون مستقرا إلا على الأرض التي لا ~~تزورها العواصف ، ولا تسكنها الزلازل ، والتي يخيم عليها السكون .. إن هذه ~~الجماعات تمثل نموذج الإنسان الذي يعيش الاسترخاء في إيمانه ، كما يعيش ~~الاسترخاء في جسده ، في ما يشبه الخمول ( @QUR@05 فإن أصابه خير اطمأن به ) ~~واستراح له ، لأنه لا يلامس إلا الجوانب الإيجابية في حياته ، مما يرضي ~~طموحه ، ويريح حياته ، ( @QUR@03 وإن أصابته فتنة ) مما يفتن به الله عباده ~~من البلاء المتنوع في أجسادهم وفي أموالهم ، وفي شهواتهم وأهلهم وأولادهم ، ~~اهتز إيمانه أمام التجربة الصعبة ولم يستطع الثبات أمامها ، فيسقط ، ويسقط ~~معه النموذج الذي يمثله ، فهو نموذج يخيل له وللناس أنه ثابت قوي ، ولكن ~~إذا ما جاءته الفتنة ( @QUR@03 انقلب على وجهه ) وارتد عن دينه ، وابتعد عن ~~مواقع الخير في خط الله ، واقترب من مواقع الشر في خط الشيطان ، فيورطه في ~~أكثر من مشكلة ، ويوقعه في أكثر من مهلكة ، مما كان يظن فيها أنها تنجيه ، ~~فإذا بها ترديه ، ومما كان يحسب أنها تخفف عنه ، فإذا بها تشدد الأمر عليه. # * * * ### ||| ** بئس من يدعون إليه # ( @QUR@02 خسر الدنيا ) التي كان يؤمل فيها فخاب ظنه وخسر صفقة يمينه PageV16P028 # ( @QUR@01 والآخرة ) بخسارته الجنة بابتعاده عن رسالة الله ، واقترابه من ~~نار جهنم ، و ( @QUR@04 ذلك هو الخسران المبين ) لأنه يمثل الخسارة الشاملة ~~المطلقة التي لا ينفع معها أي ربح طارئ ، لأن أي قدر منه يبدو ضئيلا أمام ~~حجم الخسارة. # ( @QUR@010 يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ) لأنه يفتقد ~~الشعور والإرادة ، ولا يملك قوة مستقلة ، ولا يستطيع أن يحقق للآخرين أي ~~نفع ، أو يدفع عنهم أي ضرر ، لأنه ، سواء أكان مخلوقا حيا أم جامدا ، فهو ~~لا يملك في ذاته إلا ما ملكه الله إياه .. و ( @QUR@04 ذلك هو الضلال ~~البعيد ) لأن لجوءه إلى هذه المخلوقات لا يؤمن أي مصدر للقوة ، أو أي مورد ~~للنفع أو الربح يمكن أن يبقى للإنسان منه شيء في الدنيا والآخرة ، مما يجعل ~~اتجاهه ذاك يزجه في الضياع البعيد الذي لا يستطيع أن يرجع منه إلى أي هدى. ms3693 ~~( @QUR@06 يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ) لما يضعه من خطط تقود تابعه إلى ~~الشر الذي يعقد حياته في الدنيا ، ويهلكه في الآخرة ، مما يجعل ما يحصل ~~عليه من شهوات وملذات يحققها له أمرا غير ذي معنى. ( @QUR@02 لبئس المولى ) ~~الذي يأمل في نصرته ، فلا يجد لديه أية إمكانية للنصر ، لافتقاره إلى أي ~~قدر من القوة ، ( @QUR@02 ولبئس العشير ) وبئس الصاحب الذي يعاشره ، لأنه ~~لا ينفعه ، بل يقوده إلى الضرر المحقق في ما يوجهه إليه من مواقع الهلكة في ~~الدنيا والآخرة. # * * * PageV16P029 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) @QUR@022 من كان يظن أن لن ينصره الله ~~في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ~~ما يغيظ (15) @QUR@09 وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بسبب ): السبب كل ما يتوصل به إلى الشيء ، ومنه قيل للحبل سبب ~~، وللطريق سبب ، وللباب سبب كما قال الطبرسي (1). # ( @QUR@01 ليقطع ): القطع : معروف ، ومن معانيه الاختناق ، يقال : PageV16P030 # قطع : أي : اختنق ، وكأنه مأخوذ من قطع النفس كما جاء في الميزان (1). # * * * ### ||| ** الله ناصر نبيه # ( @QUR@07 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الذين اختزنوا ~~الإيمان في عقولهم ومشاعرهم كحقيقة للفكر وللعاطفة في دائرة التصور ~~والالتزام ، وعاشوه في ممارساتهم في دائرة المسؤولية العملية كخط للحياة ؛ ~~كان جزاؤهم ( @QUR@05 جنات تجري من تحتها الأنهار ) ينعمون بها في ساحة ~~رضوانه ( @QUR@05 إن الله يفعل ما يريد ) فهو الذي أراد لهم الكرامة ، وهو ~~الذي يحقق إرادته في الواقع ، ولا يستطيع غيره ذلك ، لأنه هو الذي يملك ~~الأمر كله ، ولا يملك غيره منه شيئا .. # ( @QUR@010 من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة )، والضمير ~~في ( @QUR@01 ينصره ) كما قيل راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان ~~المشركون في مكة يستهينون به ، ويستصغرون دور رسالته ، ويظنون أنه لا يملك ~~حمل الناس على الإيمان بها ، والدخول في دينه ، واتساع سلطانه ، لأن موقعه ~~الاجتماعي لا يتيح له ذلك ، ولأن رسالته تصدم العقيدة ms3694 العامة للناس ، لذا ~~كانوا ينتظرون سقوطه وانتهاء دوره بين لحظة وأخرى ، ولكنهم فوجئوا بانتصار ~~رسالته ، وتجسدها في الواقع ، ودخول الناس في دينه أفواجا ، فغاظهم ذلك ~~وخيب أملهم ، فجاءت الآية لتواجههم بذلك وتقول لمن لم يعجبه الأمر : ( ~~@QUR@04 فليمدد بسبب إلى السماء ) وذلك بأن يمد حبلا فيربطه بجذع شجرة عال ~~( @QUR@02 ثم ليقطع ) الحبل فيختنق به ( @QUR@06 فلينظر هل يذهبن كيده ما ~~يغيظ ) مما لا يعجبه من نصرة الله لنبيه؟! فكأن PageV16P031 # الآية تؤكد ، بأسلوب يشبه التحدي ، أن من لا يعجبه ذلك ، فلينتحر وليختنق ~~بغيظه ، لأنه لن يحقق ما يحبه مهما فعل ، فإما أن يقبل بالواقع وينسجم معه ~~، وإما أن ينسحب من الحياة. # وقد فسره البعض بإرجاع الضمير إلى ( @QUR@01 من )، وهو الشخص نفسه الذي ~~يعيش عدم الثقة بالله وبتدبيره لخلقه ، ودفعه الشر عنه وجلبه الخير له ، ~~والآية تدعو هذا الشخص إلى الصعود إلى السماء بأي سبب يملكه من وسائل ~~الصعود ، «ثم ليقطع المسافة فلينظر هل ينفعه كيده في إزالة غيظه لما يدعى ~~إليه من دين الله ، فإن الذي حكم الله به لا يبطل بكيد الكائد» (1). ومن ~~هنا ، فهو لن يستطيع أن يحقق شيئا لنفسه في الدنيا والآخرة ، لأنه لا يملك ~~من الأمر شيئا ، فهو إن لم يكن واثقا بأن الله هو القادر على رفع ما يمكن ~~أن يحل به من بلاء الدنيا أو عذاب الآخرة ، فليحاول أن يتوسل الحل من قدرته ~~الذاتية ، بعيدا عن الله ، وسيرى أنه لن يقدر على شيء من ذلك ، لأنه مهما ~~حاول الارتفاع صعودا إلى السماء ، أو النزول هبوطا إلى الأرض ، فلن يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بالله ، ولعل هذا الوجه أقرب إلى السياق العام ~~للآيات من الوجه السابق ، لأن إرجاع الضمير في ( @QUR@01 ينصره ) إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا ينسجم مع عدم ذكره في الآية من قريب أو من بعيد ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** الله يهدي من يريد # ( @QUR@04 وكذلك أنزلناه آيات بينات ) توضح الفكرة ، وتدل على طريق الهدى ~~، بما تشتمل عليه من دلائل على الإيمان ، وبراهين على قضاياه ، PageV16P032 # وتأكيدا ms3695 على عقلانية طروحاته ، في مواجهة طروحات الكفر التي لا تثبت أمام النقد. # ( @QUR@05 وأن الله يهدي من يريد ) الهداية ، ممن انفتح عقله وقلبه على ~~الحق. النازل في كتاب الله ، وعاش مسئولية الهداية بمتابعته لكل مفرداتها ~~التي يتحرك بها الفكر في موارد الحق ومصادره ، وفي ما يتنزل به الوحي من ~~آيات الله وشرائعه. وربما كان المعنى أن الله يهدي من يريد هدايته بما يهيئ ~~له من أسباب الهداية في نفسه وفي حياته من خلال حركة الواقع من حوله على ~~أساس قانون السببية ، لأن من لم تتعلق إرادته بهدايته ، فلا هادي له ، فلا ~~تكفي الآيات البينات في هداية من سمعها أو تأمل فيها ما لم يرد الله هدايته ~~كما يقول صاحب تفسير الميزان (1). # ولكن إرادة الله اقتضت أن يكون سبيل الهداية خاضعا لإرادة الإنسان ، ~~بانفتاح قلبه على الحق النازل من الله ، وبانفتاح عينيه وأذنيه على ما يوضح ~~له أسباب العظمة الإلهية ، ووسائل الهداية الروحية والفكرية ، وبذلك فلا ~~يكون هناك فرق بين التفسيرين في النتيجة .. ولا مانع من أن يكون الضمير ~~راجعا إلى الله ، وهو أمر جرى عليه الأسلوب القرآني ، حيث يربط الأمور كلها ~~بإرادة الله للإيحاء بأن كل شيء صادر منه ، لإخضاعه النظام الكوني لعلاقة ~~حتمية بين المسببات وأسبابها. # * * * PageV16P033 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) (17) # * * * ### ||| ** يوم القيامة يوم فصل الخلافات # وتستمر الخلافات حول العقيدة والشريعة والحياة والكون وقضايا الإنسان ~~العامة والخاصة بين الناس ، وتتطور الأساليب الجدلية والوسائل الإقناعية ~~التي يبتدعها كل فريق من أجل إخضاع الفريق الآخر لفكره ورأيه ، وقد تؤدي ~~الخلافات إلى نزاعات وحروب دامية ، وقد تنقضي الحياة دون أن يحقق أي فريق ~~منهم انتصارا على الآخر .. ولكن كل ذلك سينتهي غدا أمام الله عند ما يقف ~~الجميع بين يديه ، ويتجلى الحق واضحا بينا دون ريب ، مما لا يدع مجالا ~~لشبهة ، في أي شأن من تلك الشؤون التي كانت مثارا لخلافاتهم ، PageV16P034 # وتكون كلمة الله هي ms3696 كلمة الفصل ، لأنه الشاهد الحي على كل ما يختلفون فيه ~~من عالم الغيب والشهود ، لأن الغيب عندهم هو حقيقة الشهود عند الله. # ( @QUR@03 إن الذين آمنوا ) وهذا هو المصطلح الذي يستخدمه القرآن للدلالة ~~على المسلمين الذين التزموا شريعة الإسلام ، بإيمانهم بالنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ( @QUR@02 والذين هادوا ) وهم اليهود المنتسبون إلى ~~موسى الملتزمون بالتوراة ، ( @QUR@01 والصابئين ) الدين هم عبدة الكواكب من ~~الوثنيين أو هم قوم متوسطون بين اليهودية والمجوسية ولهم كتاب ينسبونه إلى ~~يحيى بن زكريا النبي عليه السلام كما قيل ( @QUR@01 والنصارى ) وهم المؤمنون ~~بعيسى عليه السلام ومن قبله من الأنبياء ويلتزمون بالإنجيل ، كما يلتزمون ~~بالتوراة ، ( @QUR@01 والمجوس ) وهم المؤمنون بزرادشت ، وكتابهم المقدس ~~«أوستا» ( @QUR@02 والذين أشركوا ) وهم عبدة الأوثان .. كل هؤلاء الذين ~~يقوم النزاع بينهم في الحياة على قاعدة العصبية الضيقة التي تحبسهم في ~~دائرة ذواتهم ومصالحهم ، فلا يحاورون بغية الوصول إلى الحق ، ولا يواجهون ~~قضاياهم العقيدية والعملية بالفكر ، ويبقى كل واحد منهم مكانه ، لا يسمح ~~لأحد بمناقشته في ما هو الخطأ والصواب ، لأن الانتماء عنده موقع ذاتي ، ~~ودائرة ضيقة ، لإمكان فيها لأي عنوان فكري في العمق وفي الامتداد ، مما ~~يؤدي إلى التقاتل والتحاقد وهلاك الحياة من حولهم ، ( @QUR@06 إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة ) في ما يحكم بينهم ، وفي ما يثيره أمامهم من وضوح ~~الرؤية للأشياء التي كانت خفية عنهم ، أو بعيدة عن مواقع وعيهم ، فلا يبقى ~~هناك مجال لشبهة ، ولا موقع لريب ، بل هي الحقيقة الإلهية الواضحة كما ~~النهار ، المشرقة كما الشمس ، في حدود النبوات الزمنية ، وفي طبيعة الرسل ~~الرسالية بما هي الكتب في حقائقها التي تتمرد على الانحراف والتحريف ، وبما ~~هي حقيقة الربوبية التي تتعالى عن الشرك والوثنية ، ليعرف الجميع كيف تبرز ~~الحقيقة الواحدة ، وكيف يتلاشى الضباب من موقع الصحو الروحي الباحث أبدا عن ~~الذوبان في آفاق الله ( @QUR@06 إن الله على كل شيء شهيد )، لأنه يملك PageV16P035 # الحضور كله في أدق الأشياء وأخفاها ، وأوضح الأمور وأجلاها ، ويعلم خائنة ~~الأعين وما تخفي الصدور. # وفي هذه الآية لون من ألوان التهديد الإيحائي ms3697 الموجه إلى من انحرفوا عن ~~الحقيقة وهم قادرون على الاستقامة ، وعاشوا في الضباب وهم في مواقع الصحو ، ~~واتجهوا إلى الضلال وهم يملكون إمكانية الاتجاه إلى الهدى ، فيقول لهم الله ~~: إنهم إذا كانوا يلتزمون ما يلتزمونه من ضلال وانحراف انطلاقا من حالة ~~تعصب أو ضيق أفق ، أو طمع ، ويرفضون اللقاء بالحق والهدى والاستقامة ، ~~تمردا وتكبرا واستعلاء ، ولا يقبلون بالحسم الفاصل بينهم في الموقف والموقع ~~، سيلتقون غدا بالموقع الحق الذي يقفون فيه بين يدي الله ليفصل بينهم في ما ~~كانوا فيه يختلفون ، وليعرفوا أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، لأن ~~الله هو الذي يملك الأمر كله. # * * * PageV16P036 ### ||| * الآية # ( @QUR@037 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ) (18) # * * * ### ||| ** كل ما في الكون ساجد لله # كيف يريد الله لنا أن نجسد عظمته في وعينا الفكري والروحي والعملي ، ~~لنتمثلها ونعيشها في إيماننا به؟ إنه يريدنا أن نتطلع إلى خلقه ، لنرى ~~المخلوقات كلها تمارس العبادة والخشوع أمامه بطرق متنوعة ، تختلف أشكالها ~~وأوضاعها تبعا لاختلاف طبيعة هذه المخلوقات. # ( @QUR@012 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ) من ~~مخلوقات عاقلة وغير عاقلة عبر خضوعها المطلق له ، وانفعالها بجلال عظمته ، ~~( @QUR@02 والشمس والقمر ) اللذان يجريان وفق النظام الكوني الموضوع لهما ~~من قبل الله ، هذا PageV16P037 # النظام الحاكم حركة الإنسان والحياة ، ( @QUR@01 والنجوم ) التي تتلألأ ~~في السماء ، فتبدو كما لو أنها مصابيح معلقة في الفضاء ، ولكنها في الواقع ~~أكوان فسيحة تختلف في طبيعتها وأشكالها وخصائصها ، ولكنها لا تختلف في ~~خضوعها لله ، عبر ما أودعه فيها من قوانين ونظم كونية ، يتجلى فيه السجود ~~الكوني له ، ( @QUR@02 والجبال والشجر ) الذي يهتز فيه الورق ويخضر ، وتنمو ~~فيه الثمرة وتنضج ، وتعلو فيه الأغصان وتتمدد ، وينطلق فيه جذعها ويرتفع في ~~الفضاء ، في موسم معين ، للاخضرار ، وللنمو ، وللقطاف ، ضمن تخطيط إلهي ~~كامل لا يبتعد عنه ولو مقدار شعرة ms3698 .. ( @QUR@01 والدواب ) التي يمشي بعضها ~~على أربع ، ويزحف بعضها على بطنه ، ضمن إلهام إلهي حدد لها حركة الحياة ~~وأخضعها لخط سير محدد يمثل سجودا واقعيا بأكثر من طريقة وطريقة .. ( ~~@QUR@03 وكثير من الناس ) الذين آمنوا بالله فكرا وشعورا وحركة حياة ، ~~فعفروا جباههم ووجوههم بالتراب على صورة ما يعنيه السجود في حياة الإنسان. # * * * ### ||| ** حق العذاب على العاصين # ( @QUR@04 وكثير حق عليه العذاب ) ممن تمردوا على الله فلم يؤمنوا به ، ~~ولم يطيعوه ، ولم يخضعوا له ، ولم يسجدوا بين يديه ، استكبارا وجهلا ، ~~فأهانهم الله بالعذاب الذي يذيقهم إياه يوم القيامة جزاء على انحرافهم ، ~~دون أية حجة لهم في ذلك كله ، ( @QUR@07 ومن يهن الله فما له من مكرم ) لأن ~~إكرام الله هو الإكرام ، فهو الذي يملك الأمر كله ، والقيمة كلها ، فلا ~~قيمة لإكرام غيره في الشكل والمضمون والامتداد ، لأن غيره لا يملك لنفسه ~~أية قيمة أو كرامة إلا بالله. ( @QUR@05 إن الله يفعل ما يشاء ) في ما يكرم ~~به عباده المؤمنين به المطيعين له ، أو PageV16P038 # في ما يهين به عباده الكافرين به العاصين له .. الذين يرفضون السجود له ~~في كل وجودهم. # * * * PageV16P039 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار يصب من فوق رؤسهم الحميم (19) @QUR@06 يصهر به ما في بطونهم والجلود ~~(20) @QUR@04 ولهم مقامع من حديد (21) @QUR@012 كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) @QUR@022 إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) @QUR@09 وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا ~~إلى صراط الحميد ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خصمان ): قال صاحب المجمع : «الخصم : يستوي فيه الواحد والجمع ~~، والذكر والأنثى. يقال : رجل خصم ، ورجلان خصم ، ورجال PageV16P040 # خصم ، ونساء خصم. وقد يجوز في الكلام : هذا خصمان اختصموا ، وهؤلاء خصم ~~اختصموا. قال الله تعالى : ( @QUR@07 وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ~~) [ص : 21] ، وهكذا حكم المصادر إذا وصف بها أو أخبر بها» (1). # ( @QUR@01 الحميم ): الماء الشديد الحرارة ، والحميم : القريب المشفق ~~كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 فما لنا من ms3699 شافعين* ولا صديق حميم ) ~~[الشعراء : 100 101] وقوله : ( @QUR@04 ولا يسئل حميم حميما ) [المعارج : ~~10] وقوله : ( @QUR@04 ولا يسئل حميم حميما ) [المعارج : 10] فكأنه الذي ~~يحتد حماية لذويه (2). # ( @QUR@01 يصهر )؛ الصهر : الإذابة ، أي : يذوب وينضح بذاك الحميم ما في ~~بطونهم من الأمعاء والجلود. # ( @QUR@01 مقامع ): جمع مقمعة ، وهي مدقة الرأس ، من قمعه قمعا : إذا ردعه. # وقال الراغب : «وهو ما يضرب به ويذلل ، ولذلك يقال : قمعته فانقمع ، أي : ~~كففته فكف» (3). # ( @QUR@01 الحريق ): المحرق ، كالأليم : المؤلم. # ( @QUR@01 وهدوا ): أرشدوا. # * * * ### ||| ** للكافرين عذاب الحريق # ( @QUR@05 هذان خصمان اختصموا في ربهم ) فمنهم من كفر بالله ، ومنهم من ~~آمن به .. وعاشوا الحياة صراعا فيما بينهم ، لأن لكل منهم خطا فكريا وموقعا PageV16P041 # للحكم وللسياسة وللحياة مختلفا يدور القتال حوله ، كما أن لكل منهم ~~قيادات وأتباعا وأوضاعا .. وتبقى الحياة ، ويبقى هذان الخصمان على صراعهما ~~ليحكما الحياة منذ البداية إلى النهاية ، ولكن ماذا بعد الحياة عند ما يقوم ~~الناس لرب العالمين؟! # ( @QUR@07 فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) فهم يلبسون النار ثيابا ~~تغطي أجسادهم وتسترها ، لكنها تلذعهم وتحرقهم ، ( @QUR@010 يصب من فوق ~~رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم ) أي : يذاب بالماء المغلي كل ما في ~~بطونهم من الأمعاء ( @QUR@01 والجلود ) التي تذوب وتنضح ( @QUR@011 ولهم ~~مقامع من حديد* كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ) يعيشونه ، فهم يكادون ~~يتمزقون غيظا في هذا الجو الذي يعانون منه ، ومن هذا المصير الذي انتهوا ~~إليه ، ويحاولون الخروج بالتوسل أو بمحاولة الهرب ، أو بأية طريقة أخرى ، ~~ولكنهم ما إن ينجحوا في ذلك حتى يعادوا إليها ( @QUR@02 أعيدوا فيها ) وقيل ~~لهم : ( @QUR@03 وذوقوا عذاب الحريق ) لأن عذاب الآخرة جزاء خالد لا يسمح ~~بأية فرصة للتفلت منه ولا يصل إلى أية نهاية. # * * * ### ||| ** للمؤمنين الصالحين جنات تجري من تحتها الأنهار # أما من آمنوا بالله وأطاعوه ، فلهم موقع آخر وشأن آخر : ( @QUR@018 إن ~~الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ) في ما يمثله ذلك من مظهر الإكرام والأنعام والرضوان ~~، ( @QUR@04 ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) بما يعنيه ذلك من الرقة والنعومة ~~والصفاء والإشراق .. ( @QUR@05 وهدوا ms3700 إلى الطيب من القول ) الذي التزموه في ~~حياتهم ، هذا الذي تعبر عنه المعاني الطيبة ، والروح الطيبة ، والمنهج ~~الطيب ، حيث يبتعدون PageV16P042 # في حياتهم وممارساتهم عن خبيث القول والعمل والمنهج وباطله ( @QUR@04 ~~وهدوا إلى صراط الحميد ) صراط الله المحمود في ذاته وفي فعله وفي رحمته ~~ورضوانه. # وهذا هو الفرق بين الذين يعيشون الكفر كخط في جميع أنواعه وبين الذين ~~يعيشون الإيمان كمنهج في جميع أوضاعهم وأعمالهم .. وهذا ما يجب أن يفكروا ~~به عند ما يفكرون في الاختيار بين ما يأخذون. وما يتركون. # * * * PageV16P043 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويصدون ): يمنعون. # ( @QUR@01 العاكف ): المقيم الملازم للمكان. # ( @QUR@01 والباد )؛ البادي : يقال للمقيم في البادية باد ، والمراد ~~بالبادي في الآية : الآتي إلى المسجد الحرام من الخارج. # ( @QUR@01 بإلحاد )؛ الإلحاد : الميل عن الخط المستقيم. # * * * PageV16P044 ### ||| ** جزاء الصد عن البيت الحرام # انطلقت دعوة الله في مكة ؛ البلد الذي جعله حرما آمنا يأوي إليه الناس من ~~كل مكان ليعبدوه في المسجد الحرام ، حيث يصلون ويطوفون بالبيت الحرام. ولكن ~~أهل مكة ، الذين كانوا يتخذون الشرك قاعدة لتفكيرهم ولعبادتهم ونهجا في ~~حياتهم ، واجهوا هذه الدعوة الجديدة بكل أساليب التعسف والتمرد والضغط ~~والنكران. وجاءت هذه الآية لتحدد لنا طبيعة هذه المواجهة ، وما أعده الله ~~لهم في الدار الآخرة. # ( @QUR@03 إن الذين كفروا ) من خلال اتباعهم الشرك ، وإصرارهم عليه ، ~~ورفضهم لكل البينات التي قدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم في كتاب ~~الله وفي حديثه ، واستمرارهم على عبادة الأصنام .. ( @QUR@04 ويصدون عن ~~سبيل الله ) فلم يكتفوا بالكفر الإشراكي في تفكيرهم وسلوكهم ، بل عملوا على ~~الوقوف ضد كل من يريدون الدخول في الإسلام ويتحركون في سبيل الوصول إلى ~~الحق ، الذي يبلغ بهم رضوان الله ورحمته ، فكانوا يلاحقون المؤمنين ~~ليعذبوهم ، وليشردوهم ، ويمنعون الذين يحبون الإيمان أن يدخلوا فيه بالضغوط ~~الصعبة القاسية التي يوجهونها إليهم ( @QUR@05 والمسجد الحرام الذي جعلناه ~~للناس ) لا فرق فيه بين فرد وآخر أو بين جماعة ms3701 وأخرى ممن يؤمن بالله ويريد ~~أن يعبده فيه ، أو ممن يريد أن يدخله ليؤمن بالإسلام ، فهو بيت الله الذي ~~أراده للناس كافة ، ( @QUR@04 سواء العاكف فيه والباد )، فالمقيم فيه ~~والآتي من الخارج إليه سيان ، لا يملك من يقيم في مكة منع القادم إليها من ~~دخول المسجد ، لأن خالق الأرض ومالكها هو من يملك إعطاء الإذن بالمنع ~~والدخول من موقع خلقه له ، ( @QUR@04 ومن يرد فيه بإلحاد ) ويميل عن الخط ~~المستقيم ، وذلك بالقيام بأي عمل يعيق وصول الناس إليه ، ويضر بحياتهم في ~~داخله ، عبر استخدام ما يملكه من قوة تمكنه PageV16P045 # من مواجهة حالات الضعف التي تحيط بالآخرين من المقيمين به أو الداخلين ~~إليه ، ( @QUR@01 بظلم ) أي بدون حق ، فإن ذلك ليس من حقه مهما قدم لتصرفه ~~من مبررات وأعذار ، لأن للناس حرية الدخول إلى الكعبة التي تمثل بيت الله ، ~~فيحجون إليها ، ويعبدونه فيها ، ولم يجعل لأحد سلطة منع الناس من ذلك ، إلا ~~في نطاق حمايتهم من الخطر وحمايتها من الضغط القاسي ، فمن أراد ذلك بدون حق ~~( @QUR@04 نذقه من عذاب أليم ) جزاء له على تمرده وعصيانه وظلمه ، تماما ~~كالكافرين والصادين عن سبيل الله. # * * * ### ||| ** الآية واختلاف المفسرين في بعض مفرداتها # وربما استوحينا من ذلك أن الله أعطى الناس المؤمنين حرية الدخول إلى ~~المسجد الحرام وممارسة العبادة الصحيحة فيه ، دون أن يكون لأي أحد سلطة ~~منعهم من هذا الحق ، إلا في نطاق النظام العام. وهذا يجعلنا نرفض ما ~~استحدثه حكام تلك البلاد من قوانين تمنع الدخول إليها لأداء فريضة الحج ~~والعمرة إلا بإذن منهم ، وحسب شروطهم ، مما يتنافى وأجواء هذه الآية. # وقد نستوحي من قوله تعالى : ( @QUR@04 سواء العاكف فيه والباد ) أن للناس ~~جميعا الحق في مكة ، فلا يملك أحد أن يمنع الناس من الإقامة فيها ، أو يمنح ~~نفسه حق تملك موقع فيها أو دائرة معينة ، لأن الله قد ساوى بين المقيم فيها ~~والخارج منها ، لأن الظاهر كما يقال أن المراد من المسجد الحرام ، هو مكة ~~كلها ، كما يظهر ذلك من قوله تعالى في سورة الإسراء ( @QUR@011 سبحان الذي ms3702 ~~أسرى بعبده ، ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) [الإسراء : 1] حيث ~~ذكرت أن النبي قد أسري به من المسجد الحرام في الوقت الذي كان PageV16P046 # الإسراء فيه من دار أم هاني في داخل مكة. # وقد جاء في التهذيب للشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء قال: ~~ذكر أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام هذه الآية : ( @QUR@04 سواء ~~العاكف فيه والباد ) فقال : كانت مكة ليس على شيء منها باب ، وكان أول من ~~علق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان ، وليس ينبغي لأحد أن يمنع ~~الحاج شيئا من الدور ومنازلها (1). # وقد ذهب إلى ذلك جمع من الصحابة والتابعين منهم ابن عباس وقتادة وسعيد بن ~~جبير ، ومن مذهب هؤلاء في ما نقله الفخر الرازي في تفسيره «أن كراء دور مكة ~~وبيعها حرام ، واحتجوا عليه بالآية والخبر ، أما الآية فهي هذه ، قالوا : ~~إن ارض مكة لا تملك ، فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي ، فلما ~~استويا ثبت أن سبيله سبيل المساجد ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : مكة ~~مباح لمن سبق إليها» (2). # وهناك قول آخر نقله الرازي أيضا ، فقال : «إن المراد جعل الله الناس في ~~العبادة في المسجد سواء ، ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس. قال ~~عليه السلام : يا بني عبد مناف ، من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن ~~أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار» (3). # وقد اختلفوا في المراد من الإلحاد فيه ؛ هل هو خصوص المنع عن الدخول فيه ~~، أو بعض الأشياء الأخرى ، كالمنع من عمارته ، أو الشرك أو نحو ذلك ، أو هو ~~الأعم من ذلك ، وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، في PageV16P047 # ما رواه أبو الصباح الكناني عنه : «كل ظلم يظلم به الرجل نفسه بمكة ، من ~~سرقة أو ظلم أحد ، أو شيء من الظلم ، فإني أراه إلحادا ، ولذلك كان ينهى أن ~~يسكن الحرم» (1)، وفي رواية «يتقي» بدل «ينهي». # وقد ذكر الفخر الرازي في وجه تعلق كلمة الإلحاد بالظلم أنه «لما كان ~~الإلحاد ms3703 بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ~~ما يكون ميلا إلى الظلم ، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد ، لأنه لا معصية كبرت ~~أم صغرت إلا وهي ظلم ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم )» ~~(2) [لقمان : 13]. # * * * PageV16P048 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود (26) @QUR@014 وأذن في الناس بالحج يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) @QUR@020 ليشهدوا منافع لهم ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا ~~منها وأطعموا البائس الفقير (28) @QUR@08 ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق (29) @QUR@024 ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له ~~عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور (30) @QUR@021 حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ~~@QUR@09 ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) @QUR@011 لكم ~~فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) @QUR@020 ولكل أمة ~~جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله ~~واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) @QUR@05 الذين إذا ذكر الله وجلت PageV16P049 # @QUR@010 قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون (35) @QUR@027 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) @QUR@020 لن ينال الله لحومها ~~ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما ~~هداكم وبشر المحسنين ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بوأنا )؛ بوأ له مكانا : أي جعل له مرجعا يرجع إليه ويقصده. # ( @QUR@01 رجالا ): راجلين. # ( @QUR@01 فج ): طريق. # ( @QUR@01 عميق ): بعيد. # ( @QUR@01 تفثهم )؛ التفث : قال في المجمع : «قال الأزهري : لا يعرف ~~التفث فيلغةالعرب إلا من قول ابن عباس وأهل التفسير ، وقال النضر بن شميل : ~~هو إذهاب الشعث» (1). وجاء في الميزان : «التفث : شعث البدن ، وقضاء التفث ~~: إزالة ما طرأ ms3704 بالإحرام من الشعث بتقليم الأظفار وأخذ الشعر ونحو ذلك ، ~~وهو كناية عن الخروج من الإحرام» (2). وقضى الشيء يقضي : إذا قطعه وأزاله. PageV16P050 # ( @QUR@01 حرمات ): جمع حرمة ، وهي ما لا يحل انتهاكه. # ( @QUR@01 حنفاء ): جمع حنيف ، وهو من استقام على دين الحق مائلا عن ~~الأديان الباطلة. # ( @QUR@01 سحيق ): بعيد. # ( @QUR@01 شعائر ): جمع شعيرة ، وهي العلامة ، وشعائر الله هي الأعلام ~~التي نصبها الله لطاعته. # ( @QUR@01 المخبتين )؛ الإخبات : الخضوع والطمأنينة ، وقوله : ( @QUR@02 ~~وبشر المخبتين ) فيه تلويح إلى أن من أسلم لله في حجه مخلصا فهو من ~~المخبتين ، وقد فسره بقوله : ( @QUR@015 الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) كما يقول ~~صاحب الميزان (1). # ( @QUR@01 والبدن ): جمع بدنة ، وهي الناقة السمينة ، من بدن بدنا : إذا ~~كثر لحمه. # ( @QUR@01 صواف ): مصطفة قد صفت أيديها وأرجلها عند النحر. # ( @QUR@02 وجبت جنوبها ): سقطت على الأرض على جنوبها ، وهو كناية عن موتها. # ( @QUR@01 القانع ): الراضي ، أو الفقير الذي يقنع بما أعطي ، سواء سأل أو لا. # ( @QUR@01 والمعتر ): الذي يتعرض لك لتعطيه. # * * * PageV16P051 ### ||| ** الحج عبادة منفتحة على الله # لم يكن المسجد الحرام مسجدا عاديا في طبيعته وخصوصيته ، ولم يأت بناؤه ~~تلبية لرغبة ذاتية في بناء مسجد للعبادة كما هي حال المؤمنين عادة ، بل جاء ~~نتيجة أمر من الله ، فقد أوحى لنبيه إبراهيم عليه السلام أن يبني هذا المسجد ~~ليكون بيتا له تعالى على مستوى العالم كله ، ليفد إليه الناس من كل بقاع ~~الأرض تلبية لدعوته الشاملة ، من أجل تحقيق المنافع الدنيوية والأخروية ، ~~المادية والمعنوية .. ولينطلق الناس من خلاله ، ومن خلال الأعمال المتنوعة ~~التي شرعها لهم في رحابه وأجوائه ، ليخلصوا له العبادة من موقع التوحيد ، ~~ولينفتحوا على عمق التوحيد في صفائه ونقائه ، في ما تعيشه أفكارهم ، ~~وتختزنه مشاعرهم ، وتتحرك فيه أوضاعهم ، في أقوالهم وأفعالهم وعلاقاتهم ~~ومواقفهم ، من خط يبدأ من الله وينتهي إليه ، فلا يمر الناس إلا من خلاله ، ~~ولا يلتقي بخصوصيات الحياة إلا في دائرة رضاه. # وهكذا كان الحج هو العبادة المنفتحة على أكثر من أفق للعقيدة ، والمرتكزة ~~على أكثر من قاعدة للحركة ، والقريبة إلى الجانب ms3705 العملي في الحياة ، في ما ~~يلتقي به الإنسان مع الله في أكثر من موقع ، وهذا ما نحاول استيحاءه من ~~خلال الآيات التالية. # * * * ### ||| ** يا إبراهيم ، طهر بيتي # ( @QUR@05 وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) فحدد الله له موقعا وأراده أن يجعله PageV16P052 # مرجعا يقصده الناس في رحلتهم إليه تعالى للعبادة ، وأن يعده إعدادا كاملا ~~لتحقيق النتائج الروحية التي يريدها الله من حركة العبادة في ساحاته ، ~~وأوحى إليه أن يؤكد على صفة التوحيد فيه ؛ من حيث الشكل ، بإعطائه صورة ~~بعيدة عن عبادة الأوثان التي توجد في أماكن العبادة عادة ويتعبد لها الناس ~~لتقربهم إلى الله زلفى ، ومن حيث المضمون ، في ما يثيره معنى التوحيد من ~~أفكار ومشاعر وآفاق روحية في عمق الذات ، وفي امتداد الحركة ، ومن حيث ~~شخصية الإنسان الذي يبني المسجد ويرعاه في ما يستهدفه منه ، وفي ما يركزه ~~عليه من أسس البناء ، ولهذا جاء النداء الإلهي لإبراهيم عليه السلام ، ~~ليختصر ذلك كله في قوله : ( @QUR@05 أن لا تشرك بي شيئا ) بما يعنيه ذلك من ~~إقامة قواعد المسجد كلها على أساس التوحيد ، الذي هو سر وجوده ، وهدف ~~العبادة فيه التي تجمع الحياة والإنسان لتقودهما إلى وعي العبودية الخالصة ~~لله ، ( @QUR@02 وطهر بيتي ) طهارة كاملة بمعناها المادي الذي يستدعي ~~النظافة من كل قذارة تسيء إلى جو التحليق في آفاق الطهارة الروحية التي ~~تختزنها روحية العبادة وتخلقها داخل الإنسان ، فإن الإسلام في كثير من ~~تشريعاته يبتعد عن التجريد ، ويعمل على إطلاق المعاني الروحية من حركة ~~الأشياء المحيطة بحياة الإنسان عادة ، ولذا ، فإن الله شرع الطهارة من ~~الحدث والخبث ، اللذين يمثلان القذارة المادية والمعنوية ، كشرط لصحة ~~الصلاة والطواف على سبيل الإلزام ، واستحبها لكثير من الأمور العبادية ~~الأخرى ، على سبيل الرخصة .. # وهكذا أراد المسجد طاهرا في أرضه ، كما أراد الإنسان فيه طاهرا في جسده ~~وثيابه ، لتعيش الطهارة الروحية في أجواء الطهارة المادية ، ليتكامل ~~المضمون الداخلي والشكل الخارجي ( @QUR@01 للطائفين ) الذين يقصدون البيت ~~للطواف حوله ، بصفته الرمز المادي للتحرك في فلك رضى الله عبر احترام ~~أوامره ونواهيه ، في كل المجالات التي يطوف ms3706 بها الإنسان في حياته ، وعلى ~~مستوى كل العلاقات التي يقيمها مع الناس من حوله ، سواء من يتصل بهم PageV16P053 # وينتمي إليهم ، أو من يتحرك في دوائرهم الفكرية والعملية ، وفي كل ~~الأماكن التي يتخذها الإنسان مواقع ثابتة أو متحركة لمشاريعه ولأوضاعه ~~العامة والخاصة ، ليكون ذلك كله مع الله في دائرة معينة يمثلها بيته ، وله ~~في العبادة التي يخلص فيها الإنسان لربه تماما كما هو الطواف بالبيت. ( ~~@QUR@01 والقائمين ) الذين يقومون لله في صلاتهم ، كرمز للقيام بين يديه في ~~طاعتهم له في كل شيء ، فهم يقومون له منتظرين أوامره ونواهيه ليطيعوها ، ~~وليخلصوا إليه الطاعة فيها وفي كل شيء ، ( @QUR@02 والركع السجود ) الذين ~~يتعبدون له في ركوعهم وسجودهم ، في ما يمثله الركوع والسجود من انحناء ~~الإنسان أمام الله بجسده وانسحاقه أمامه بجبهته ، كرمز لانحناء كل حياته ~~أمام إرادته ، بعيدا عن الخضوع الكامل بكل أشكاله وبكل معانيه. # فإذا استكملت البيت يا إبراهيم وأتممت بناءه وإعداده على قاعدة الطهر ~~والتوحيد ، فإن هناك مهمة أخرى تنتظرك ، وهي الإعلان عن الحج ودعوة الناس ~~إليه ، لتكون لهذا البيت خصوصية عبادية تختلف عن سائر بيوت الله ، وليمثل ~~الاتحاد البشري في الحياة ، باعتباره البيت العالمي الذي يلتقي فيه الناس ~~جميعا من كل الأجناس والألوان ، على عبادة الله ، ليعيشوا وحدة الإنسانية ~~من خلال وحدة الموقع الذي يقدسونه ويتعبدون فيه ، ووحدة العبادة ، كرمز ~~للإخلاص في إيمانهم بوحدة الله .. # * * * ### ||| ** وأذن في الناس بالحج # ( @QUR@04 وأذن في الناس بالحج ) وأعلن ذلك في كل نداءاتك ، كتشريع تقرره ~~وتثبته ، لا مجرد صوت تطلقه ، ليشعروا من خلال ذلك بأن هناك إلزاما إلهيا ~~يدفعهم إلى الامتثال ، ويقودهم إلى الطاعة ، ف ( @QUR@02 يأتوك رجالا ) راجلين PageV16P054 # سائرين على أقدامهم ، ( @QUR@03 وعلى كل ضامر ) أي بعير مهزول من شدة ~~التعب والجهد ، ( @QUR@05 يأتين من كل فج عميق ) أي طريق بعيد ، لما توحيه ~~كلمة العمق من امتداد ضارب في المجهول ، ( @QUR@03 ليشهدوا منافع لهم ) في ~~ما يحصلون عليه من خلال الحج من منافع دنيوية يحققها لهم اجتماعهم على ~~مستوى التعارف والتبادل والتعاون والتشاور في المشاكل التي يعيشونها فكرا ~~وواقعا ، عبر ms3707 ما يثيرونه من قضايا وما يحددونه من أهداف وما ينتظرونه من حلول. # وبذلك تسقط الحواجز المادية والنفسية التي تضعها الفواصل العرقية ~~واللونية والقومية بين الناس ، ليلتقوا على صعيد واحد هو الإيمان بالله ، ~~والسير على منهجه ، والالتزام بدينه ، والجهاد في سبيله ، طلبا لرضاه ، مما ~~يوفر لهم الخروج من الدوائر الضيقة التي يحبسون حياتهم فيها ، لينطلقوا إلى ~~الدائرة الواسعة التي تحتويهم جميعا ، مما ينقذهم من مشاكل التجزئة في حل ~~القضايا العامة التي قد يستغرقون معها في خصوصياتهم ، فيسيئون بذلك إلى تلك ~~القضايا من حيث يريدون أو لا يريدون ، لابتعادهم عن الأسس التي ترتكز عليها ~~القضايا الإسلامية لجهة علاقتها ببعضها البعض ، وارتباطها بالهدف الكبير ~~الذي يتحرك فيه الإسلام في الحياة. # وهكذا تتواصل المنافع الدنيوية في رحاب الحج ، لتصل إلى مستوى توحيد ~~الموقف السياسي ، والتصور الفكري ، وتحقيق التكامل الاقتصادي ، والمواجهة ~~الموحدة للقوى الطاغية وغيرها. وهذا ما يمكن الوصول إليه في هذا المؤتمر ~~العالمي السنوي الذي يتشكل بطريقة عفوية ، امتثالا لأمر الله في العبادة ، ~~ليمتد إلى امتثال أمره في حركة الإنسان في الواقع .. # أما المنافع الروحية التي تتداخل في أكثر من موقع مع المنافع المادية ، ~~فتأتي من التشريعات الإسلامية المتصلة بواجبات الحج المتنوعة التي تحقق لكل ~~جانب من جوانب شخصية الإنسان ، حركة روحية تغذي فيه علاقته PageV16P055 # بالله وإخلاصه له ، وشوقه للوصول إلى درجات القرب عنده في دار النعيم .. # وهكذا يريد الله للناس في الحج أن يأتوا إلى رحاب البيت ، ليشهدوا من ~~مواقع الوعي والمعاناة المنافع التي يجدونها أمامهم عند الوصول ، أو التي ~~يحققونها بعده ، ( @QUR@06 ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) هي أيام ~~التشريق التي تبدأ من يوم الأضحى حتى الثالث عشر من ذي الحجة ، على ما ذكر ~~في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أو هي أيام الحج .. ( @QUR@06 على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) من الإبل والبقر والغنم ، إذا ذبحوها أو ~~نحروها في نسكهم حيث جعل الله ذلك تعبدا منهم له تعالى ، لتكون قربانا له ، ~~إذ أحل لهم هذه الأضحية وجعل لها معنى يتصل بالجانب ms3708 الإيماني من حياتهم ، ~~مما يوحي بهذا التزاوج في التشريع بين ما هو روحي وما هو مادي في حياة ~~الناس ، إذ يجب أن لا يستغرقوا في حياتهم في جانب واحد ، فالله هو الذي خلق ~~الروح التي تلتقي به لتعبده ، وهو الذي خلق المادة لتكون شاهدا على سر ~~الإبداع في عظمته ، وهو الذي خلق الأنعام وأراد للإنسان أن يتقرب بها إليه ~~، تنمية للحياة التي شاء لها أن تكون خاضعة لقانون التضحية بحياة مخلوقة ~~لله من أجل حياة أخرى يريد لها أن تؤكد إرادته في دور الخلافة على الأرض .. # * * * ### ||| ** لماذا ذكر اسم الله على الذبيحة؟ # إن دراسة هذا التشريع الإسلامي الذي يقضي بذكر اسم الله على الذبيحة ، ~~كما يقضي بذكره في أمور أخرى في حياة الإنسان ، إلزاما واستحبابا ، PageV16P056 # يجعلنا نلاحظ أن هذا التشريع يمثل أسلوبا تربويا يوحي للإنسان بأن كل ~~حركة في حياته لا بد أن تأخذ شرعيتها من إذن الله بها ورعايته ، مهما كانت ~~صغيرة أو كبيرة ، لتكون مسيرته كلها من خلال الله ، بحيث تنطلق البداية منه ~~، وتصل النهاية إليه ، في رحلة العمر التي تستمد كل قوتها الحركية من قوته ~~ورحمته ، خلافا للذين يعبدون الأوثان ، ويتقربون إليها بقرابينهم ، ويذكرون ~~اسمها عليها ، فيشركون بالله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، نتيجة التخلف الفكري ~~والروحي الذي لا يرتكز على قاعدة معقولة من علم وفكر .. # * * * ### ||| ** الانتفاع بذبائح الحج # ( @QUR@05 فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) وهي رخصة شرعية بأكلها ~~تدفع احتمال التحريم الذي قد يتوهمه البعض ، على أساس أن القربان لا بد من ~~أن تأكله النار ، ولا يجوز للإنسان أن يأكل منه ، لأنه لله ، وما يكون لله ~~لا يجوز أن يأكله الإنسان. ولكن الله أراد أن يبين أن القربان يمثل معنى ~~داخل الإنسان عند تقديم الأضحية باسمه .. وتنتهي المسألة عند هذا الحد ، ~~وبعد ذلك تأتي قضية الانتفاع بالأضحية حتى لا تذهب طعمة للنار ، أو للتراب ~~، فللإنسان أن يأكل منها ، هدية من الله له ، وأن يعطي الفقراء القسم الآخر ~~( @QUR@03 وأطعموا البائس الفقير ) لتكون جزءا من التشريع المتكامل الذي ~~يفتح ms3709 للفقير الأبواب التي تسد فاقته ، وتقضي حاجته ، وتسكت جوعه .. # ومن خلال ما تقدمه الآية ، نستوحي ما ينبغي للمسلمين فعله بالذبائح التي ~~يمتثلون بذبحها واجب تقديم الأضحية يوم النحر ، فلا يلقونها في التراب دون ~~فائدة ، مما يعطي للآخرين انطباعا سلبيا عن التشريع الإسلامي الذي قد يتحول ~~، من خلال ممارسة كهذه ، إلى عمل عبثي ، تدفن معه ثروة حيوانية PageV16P057 # كبيرة تحت التراب ، في وقت يعاني فيه الكثير من الشعوب الإسلامية المجاعة ~~، علما أن القرآن أكد على استثمار تلك الأضاحي والانتفاع منها بشكل فردي أو ~~جماعي كجزء من المساهمة في حل مشكلة الفقر ، وهو ما يؤدي تركه إلى إلغاء ~~الهدف من التشريع نفسه ، وإلى تجميد الحكم الشرعي في صورة ذاتية ، بدلا من ~~أن يتحرك ليحقق لنفسه وللإنسان ، مصداقية الحل الإسلامي للحياة. # وربما تحتاج المسألة إلى دراسة فقهية ، لتجاوز الإشكالات الشرعية التي ~~يثيرها البعض حول المسألة ، ليصار إلى حلها من ناحية شرعية ، كما تحتاج إلى ~~دراسة عملية واقعية ، لمواجهة المشاكل العملية في تنظيم الذبح وتوزيعه .. # * * * ### ||| ** الخروج من الإحرام # ( @QUR@03 ثم ليقضوا تفثهم ) وهو ما أصابهم من الشعث والغبار ونحوهما مما ~~تفرضه قيود الإحرام ، لينظفوا أجسادهم ويقلموا أظفارهم ، ويأخذوا من شعورهم ~~، وليخرجوا من الإحرام ، لأن ذلك هو نهاية مدة الإحرام. # ( @QUR@02 وليوفوا نذورهم ) التي ألزموا بها أنفسهم ، وقد يكون المقصود ~~بها الإحرام ، إذ إنه شبيه بالنذر لجهة ما يتضمنه من معنى الالتزام ، وقد ~~يكون المقصود به النذورات الطارئة المتعلقة ببعض قضايا الإنسان الخاصة ~~والمهمة لديه ، ( @QUR@03 وليطوفوا بالبيت العتيق )، ليكون الطواف نهاية ~~العمل ، وقد جاء في الحديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أنه طواف النساء ~~، لأن الخروج من الإحرام يحلل للحاج كل شيء ما عدا النساء ، ولذلك فهو ~~يحتاج إلى الطواف PageV16P058 # لتصبح النساء حلالا عليه .. ولا يرى المسلمون الآخرون ذلك ضروريا ، ~~وتفصيل المسألة في الفقه. # والمراد بالبيت العتيق ، الكعبة ، التي كانت أول بيت وضع للناس كما جاء ~~في قوله تعالى : ( @QUR@08 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) [آل ~~عمران : 96] ، وذلك لقدم بنائها. # * * * ### ||| ** تعظيم حرمات الله خير مطلق ms3710 # ( @QUR@01 ذلك ) إشارة إلى ما تريد الآية تقريره من قضايا ( @QUR@04 ومن ~~يعظم حرمات الله ) وهي الدوائر التشريعية التي أحاطها الله بنواهيه ، أو ~~المواقع التي أراد الله من الناس احترامها ، فلا يتجاوزون الحدود التي ~~كلفهم بالوقوف عندها ، في ما تستدعيه الطاعة من خضوع لأمر الله ونهيه ~~تعبيرا عن العبودية ، لأن تعظيم هذه الحرمات يمثل تعظيما عمليا لله ينال به ~~الإنسان الدرجات الرفيعة عنده نتيجة القرب منه ، ( @QUR@05 فهو خير له عند ~~ربه ) في ما يعنيه الخير من النجاح والفلاح والسعادة والفوز في الدارين ، ~~لأن الأفعال المؤثرة إيجابا على مستوى قضية المصير ، هي التي تبقى وتخلد ، ~~وتعمق في نفس الإنسان وحياته الطمأنينة الروحية والعملية على كل صعيد .. ~~أما الانحراف عن خط الله ، والتمرد على إرادته ، فإنه قد يحقق له بعض ~~المكاسب واللذات ، وقد يجلب بعض الفرح الداخلي ، ولكنه لا يلبث أن يتحول ~~إلى حزن دائم ، وقلق عميق ، بسبب النتائج السلبية التي يتركها على مستوى ~~الدنيا والآخرة. # وقد نلاحظ أن الله قد أطلق الخير في الآية ، ولم يجعله متعلقا بشيء محدد ~~، للإيحاء بأن تعظيم الله بتعظيم حرماته ، يحمل الخير كل الخير PageV16P059 # للإنسان ، لأنه يمثل الخير الباقي عند الله ، لأن ما عندنا ينفد ، وما ~~عند الله باق .. # وإذا كانت حرمات الله تتحرك في كثير من الموارد والمواقع والأفعال ، ~~فإنها تشمل ما يأكله الإنسان من الحيوان ، فقد حرم الله أكل بعض الحيوانات ~~، وأحل أكل بعضها الآخر ، تبعا لما يصلح أمر الإنسان أو يفسده ، لأن أحكام ~~الله لجهة تحليل الأشياء وتحريمها ، تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في ~~داخلها ، أو في أجوائها ، ولهذا أحل الله الأنعام للإنسان ، ليأخذ منها ~~غذاءه ، رحمة به ، ورفقا بضعفه .. # * * * ### ||| ** أحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم # ( @QUR@07 وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) مما حرمه في سورة ~~المائدة في قوله تعالى : ( @QUR@025 حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله به ، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) [المائدة : 3]. هذا إذا فهمنا ~~المعنى الاستقبالي من الفعل المضارع ms3711 في كلمة «يتلى» ، لأن المائدة هي آخر ~~ما نزل من القرآن ، والمعنى : أن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما استثناه ~~في كتابه ، فحافظوا على حدوده فيها ، فلا تحرموا حلالها ، ولا تحلوا حرامها ~~، ففي ذلك تعظيم عملي لحرمات الله في خط الالتزام. # وقد رأى بعض المفسرين أن استخدام صفة الحاضر في عبارة : ( @QUR@03 ما ~~يتلى عليكم ) كان قد نزل في سورة الأنعام ، إشارة إلى استمرار التلاوة ، ~~باعتبار «أن محرمات الأكل نزلت في سورة الأنعام وهي مكية ، وفي سورة النحل وهي PageV16P060 # نازلة في آخر عهده صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وأول عهده بالمدينة ، وفي ~~سورة البقرة ، وقد نزلت في أوائل الهجرة بعد مضي ستة أشهر منها على ما روي ~~ولا موجب لجعل ( @QUR@01 يتلى ) للاستقبال وأخذه إشارة إلى آية سورة ~~المائدة كما فعلوه. # والآيات المتضمنة لمحرمات الأكل ، وإن تضمنت عدة أمور كالميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل به لغير الله ، إلا أن العناية في الآية بشهادة سياق ما ~~قبلها وما بعدها بخصوص ما أهل به لغير الله ، فإن المشركين كانوا يتقربون ~~في حجهم وهو السنة الوحيدة الباقية بينهم من ملة إبراهيم بالأصنام المنصوبة ~~على الكعبة وعلى الصفا وعلى المروة وبمنى ، ويهلون بضحاياهم لها ، فالتجنب ~~منها ومن الإهلال بذكر أسمائها هو الغرض المعني به من الآية ، وإن كان أكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير أيضا من جملة حرمات الله. # ويؤيد ذلك أيضا تعقيب الكلام بقوله : ( @QUR@07 فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور )، فإن اجتناب الأوثان واجتناب قول الزور ، ~~وإن كانا من تعظيم حرمات الله ، ولذلك تفرع ( @QUR@02 فاجتنبوا الرجس ) على ~~ما تقدمه من قوله : ( @QUR@09 ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه )، ~~لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في سياق آيات الحج بالذكر ~~ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحج يومئذ ، وإصرار المشركين على التقرب من ~~الأصنام هناك وإهلال الضحايا باسمها» (1). # وهذا الرأي قريب إلى الاعتبار ، ولكنه ليس متعينا ، لأن ما أهل لغير الله ~~به مشترك بين الآيات المذكورة. # * * * PageV16P061 ### ||| ** اجتنبوا الأوثان وقول ms3712 الزور # ( @QUR@04 فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) لما تمثله من قذارة روحية تشوه ~~صفاء التصور والمشاعر ، لربطها العبادة بالأوثان ، ولما توحيه من قذارة ~~فكرية تمثلها حالة التخلف التي يجسدها خضوع الإنسان للأحجار الجامدة ، التي ~~لا تملك أية قيمة ذاتية ولا أي معنى ، ولا تنطوي على أي سر من أسرار القوة ~~إلا ما تصنعه الأوهام الزائفة ، ولما تحركه من قذارة معنوية عمليا على ~~مستوى أقوال الإنسان وأفعاله ، فهو عند ما يتعبد لها في صلاته ، ويبتهل ~~إليها في دعائه ، ويقدم لها القرابين في نذوراته ، ويهل بها في ذبائحه ، ~~تنفذ الوثنية إلى روحه وفكره وممارساته ، فيتحجر ويتحول إلى مخلوق محدود في ~~آفاقه ، قذر في مشاعره وتطلعاته ، ولهذا لاحق الإسلام كل مظاهر الوثنية في ~~حياة الإنسان ، ليبعده عن كل الكلمات والحركات والعلاقات التي تمت إلى ~~الوثنية بصلة قريبة أو بعيدة ، لينأى به عنها من الداخل والخارج. ولذا جاء ~~هذا الأمر القرآني باجتناب معاني القذارة والخبث الكامنة فيها ، بحيث يصبح ~~أمر اجتنابها طبيعيا كما هو اجتناب أية قذارة حسية في الحياة ، وجاء أمر ~~اجتنابها في مناسبة الحج ، عند الطواف بالكعبة أو الصفا والمروة حثا لهم ~~للابتعاد عن عبادة الأوثان التي كان يلم بها المشركون ويذكرونها على ~~الذبائح أو القرابين ، من أجل أن يكون الحج نظيفا من ذلك كله. # ( @QUR@03 واجتنبوا قول الزور )، الذي يمثل الباطل في الفكر والعاطفة ~~والحياة ، والذي يتحول إلى انحراف في الخط العملي للإنسان ، لأن الكلمة ~~تعني الموقف ، في ما تعبر عنه من حركة الموقف في الداخل وفي الخارج ، ولذلك ~~فإنها قد تترك تأثيرا سلبيا على مجمل الواقع من حولها ، فتشوه صورته ، ~~وتزيف معانيه ، وتنحرف به إلى اتجاه آخر ، يضيع الحقوق إذا تحول PageV16P062 # إلى موقف شهادة زور ، ويبدل صورة الحقيقة في حركة الواقع إذا تمثل في ~~كلمة كذب في حياة الناس ، ويثير المشاعر القلقة الهائجة في مواقع الغريزة ~~إذا انطلق في أجواء الفحش والانحلال .. # إنها الدعوة إلى الابتعاد عن كلمة الباطل باعتبار أنها ضد كلمة الحق التي ~~جاءت الرسالات من أجل تأكيد الدعوة للاقتراب منها ms3713 ، أو الالتزام بها ، ~~والالتصاق بمعانيها والانفعال بإيحاءاتها ومشاعرها ، في الجو والحركة ~~والموقف. # لتكونوا ( @QUR@05 حنفاء لله غير مشركين به ) مستقيمين في الحق ومائلين ~~عن الباطل ، وذلك بالالتزام بالتوحيد الخالص الذي يرفض الشرك من موقع صفاء ~~التصور والفكر والشعور ، وحركة الحق في داخل الذات .. # فقد اتخذ الإسلام موقف التوحيد في مواجهة الشرك ، وموقف حق في مواجهة ~~الباطل ، وكان هدف كل عباداته ومعاملاته ، ومفاهيمه وقوام طريقته في إدارة ~~العلاقات وأسلوبه في الحركة ومنهجه في الحياة ، الوصول إلى هذين الأمرين ، ~~باعتبار أنهما يمثلان الخط العريض لحركة الإسلام في الفكر والتصور والعمل ، ~~وهذا ما جعل الآية تؤكد على اجتناب الرجس من الأوثان وقول الزور ، في سياق ~~الحديث عن العبادة في الحج ، لأن الحج موقف لتأكيد التوحيد في العقيدة ~~والعبادة وكلمة لترسيخ الحق في أعماق الذات. # وقد وردت عدة أحاديث تؤكد على تفسير الزور بالغناء ، ورأى فيها الفقهاء ~~دليلا على حرمة الغناء ، وربما جاء ذلك نتيجة المضمون الداخلي لكلمات ~~الغناء التي كان الباطل يغلب عليها ، مما يجعل تحريم الغناء مختصا بالمضمون ~~الكاذب ، أو الباطل فيه .. وربما كان ذلك نتيجة طبيعة اللحن الذي ينأى ~~بالمشاعر عن الحق أو يثير الأحاسيس الغريزية والشهوات الجامحة التي تبتعد ~~به عن طريق الهدى والحق .. PageV16P063 # وقد تحتاج دراسة مثل هذه الأحاديث الواردة في التفسير لمعرفة ما إذا كانت ~~تتناول الكلمة في معناها الشامل ، أو بعض مواردها الخاصة ، لأن ذلك يؤثر ~~على المواقف الفقهية المتخذة على مستوى القضايا العملية. # * * * ### ||| ** الشريك قمة السقوط # ( @QUR@07 ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) لأن التوحيد يمثل السمو ~~الفكري الذي يجعل الإنسان يتصل بسماوات الروح ، ويلتقي بالله الواحد الذي ~~لا إله غيره ، ويشعر بأنه مهما تحرك ، وإلى أي مكان انطلق ، وفي أي موقع ~~وقف ، وفي أي أفق عاش ، فسيلتقي بالله في حركة الفكر والشعور والروح ~~والحياة ، حتى أن الأرض لا تتجمد في المادة ، بل تتحول إلى حالة روحية ~~تلتقي بالسر المتحرك الكامن في كل مظاهر الحياة في داخلها ، الناطق ، أبدا ~~، بعظمة الله سبحانه المنفتح على عمق الإبداع في ms3714 ذاته المقدسة .. # وهذا ما يجعل من الشرك سقوطا فظيعا من الأعالي الممتدة في رحاب الله ، ~~لأنه يرمي الإنسان في حضيض الوثنية المحدودة ، التي تحجز الذات في حدود ~~ضيقة ، وتمنع الفكر من الارتفاع والسمو ، وتنصب له حواجز ، فلا يتحرك إلا ~~في أحاسيس اللذة والشهوة ، وترفع له أكثر من جدار يفقد أمامه فرصة الامتداد ~~في كل مجالات الحياة ، وتقوده إلى الاختناق داخل الزوايا المظلمة التي لا ~~يصلها النور القادم من روح الله ، لأن الصنم يمثل الجمود والتحجر الكامل ~~ويفتقر إلى المعنى ، كونه شيئا في المادة العمياء الميتة ، إذ الموت هو ~~فقدان الحياة ، وليس عدما كان بداية حياة. ولهذا فإن الشرك يمثل حالة سقوط ~~للإنسان ، كما لو كان في السماء ثم خر إلى الأرض ، دون أن PageV16P064 # يملك أي موقع للثبات ، ( @QUR@02 فتخطفه الطير ) لتذهب به حيث تشاء ، ~~فتطرحه في الأرض ، أو تأكله ، أو تمزقه وتتركه للرياح ، فلا يملك أن يستقر ~~من موقع إرادي ، ( @QUR@04 أو تهوي به الريح ) وهو يهوي ، لتلقي به ( ~~@QUR@03 في مكان سحيق ) بعيد لا قرار له ، مما يجعله معزولا عن حقائق ~~الحياة ، وعن قضاياها المتصلة بحركة المسؤولية ، لأن الذي يفقد التصور ~~الصحيح لله في آفاق التوحيد ، لا يملك ثبات التصور وعمقه وامتداده حول ~~الإنسان والحياة وطبيعة الصلة التي تربطهما بالله. وهكذا يسقط المشرك من ~~مواقع السمو إلى مواقع الحضيض ، ومن مواقف الارتفاع إلى مهاوي الانحدار ، ~~في ما يفكر به ويشعر به ويعيشه في أكثر من مجال من مجالات الحياة .. # * * * ### ||| ** تعظيم شعائر الله علامة التقوى # ( @QUR@09 ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ). تحدثت الآية ~~السابقة عن تعظيم حرمات الله ، وأنه خير له عند ربه لجهة ما يحصل عليه ~~الإنسان من نتائج إيجابية على مستوى المصير نتيجة الوقوف عند حدود الله ، ~~والابتعاد عن محرماته ، وفي هذه الآية حديث عن تعظيم شعائر الله التي تمثل ~~العلامات البارزة في الخط الطويل الذي رسمه الله للإنسان في مسيرته إليه ، ~~وحدد له فيه مفردات العبادة والمعاملة والعلاقة والانتماء. فقد جعل الله في ~~كل موقع من مواقع ms3715 الحياة علامة على أوامره ونواهيه ، في ما يصلح أمر ~~الإنسان أو يبعده عن الفساد ، ليكون التزامه بتلك الأوامر ونواهي دليلا على ~~طاعة الله ، حيث يلتقي الإنسان به عند كل حكم من أحكامه ، في مظهر حي من ~~مظاهر الطاعة التي تتجسد في تعظيم الشعائر الدينية ، تعظيما لله .. ويتمثل ~~ذلك في اهتمام الحاج بأن تكون الذبائح التي يقدمها أضحية أو قربانا لله ~~لجهة شكلها وحجمها PageV16P065 # وطبيعتها ، واحترامه لحدود الله عند ذبحها لتكون كاملة غير منقوصة .. # وفي ذلك دليل على التقوى التي تكمن في عمق الإنسان الذي يستشعر عظمة الله ~~ويخشع له في حركة العبادة في الداخل ، لتتحول إلى تقوى في العمل الذي هو ~~التجسيد الحي للمعنى الإيماني الروحي في الخارج .. وبذلك كانت العبادة في ~~الإسلام معنى لا يتحدد في الشكل ، بما يمثله من صورة ظاهرة ذات ملامح خاصة ~~، بل يمتد إلى المعنى الداخلي الذي يعيش في المضمون على مستوى التصور في ~~الفكر ، والخشوع في الشعور ، والخفقة في الروح ، ليتعمق الحضور الإلهي في ~~وعي الإنسان ، بالإضافة إلى حضوره في حركة الواقع ، ليجتمع له تقوى القلب ~~والجسد ، وليتكامل الموقف من خلالهما في تقوى الحياة كلها. # ( @QUR@06 لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ) في إشارة إلى ذبائح الحج التي ~~يعدها الحاج للهدي يوم النحر امتثالا لأمر الله ، فله أن ينتفع بلبنها ~~وبركوبها إلى الوقت المحدد للذبح أو النحر ، فإن إعدادها للهدي لا يجعلها ~~محرمة عليه قبل ذلك ، لأنها تكون ملكا له ، لا مانع من تصرفه بها بما لا ~~ينافي تقديمها لله في العبادة .. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه السلام : ~~اركبها. قال الرجل : يا رسول الله إنها هدي ، فقال : اركبها ويلك (1). ( ~~@QUR@05 ثم محلها إلى البيت العتيق ) وهو البيت الحرام الذي يشمل الحرم كله ~~، وهو أرض الحرام ، ومنها منى ، التي تذبح فيها الأنعام للهدي. # * * * PageV16P066 # ( @QUR@04 لكل أمة جعلنا منسكا ) # ( @QUR@02 ولكل أمة ) من الأمم السابقة ( @QUR@02 جعلنا منسكا ) تتمثل ~~فيه العبادة لله ، ويقدم فيه القربان ms3716 الإلهي ، وتذبح فيه الأنعام طاعة لله ~~.. فقد شرع الله ذلك في الأديان السابقة بطريقة قد تلتقي بتشريعات الإسلام ~~، وقد تختلف عنها لجهة خصوصيات المكان والزمان والتصرف ، لأن معاني العبادة ~~الإيحائية تتنوع لجهة حركة الجسد في القيام والركوع والسجود ، وفي الإنفاق ~~، وفي الامتناع عن الطعام والشراب ، وفي ذبح الأنعام التي رزقهم الله إياها ~~لمنافعها ، حيث يقومون بتقديمها إليه ، كرمز للشكر على هذه النعمة التي ~~تقيم حياتهم وتقويهم ، أو كهدية رمزية ، أمام طلباتهم التي يريدون منه ~~الاستجابة لها ، أو ما إلى ذلك ، مما لا يبتعد عن مصلحة الإنسان في ~~الانتفاع بها بعد ذلك ، ( @QUR@09 ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام ) فعليهم أن يذبحوها لله ، لا للأصنام ، ويذكر ما ، عليها اسمه ، ~~دلالة على الإخلاص له ، ( @QUR@03 فإلهكم إله واحد ) فلا تشركوا به شيئا في ~~العقيدة والعمل ، ( @QUR@02 فله أسلموا ) أمركم كله في الكلمة والممارسة ، ~~في ما يعنيه الإسلام هنا من الخضوع والانقياد والاستسلام لكل أوامر الله ~~ونواهيه. # ( @QUR@02 وبشر المخبتين ) الخاشعين لله المتواضعين له ، المنفتحين على ~~عظمته ، ( @QUR@06 الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) في خوف عميق يستشعرونه ~~في تصورهم العميق الممتد في الحياة للأسرار الخفية والظاهرة لمواقع العظمة ~~في خلقه ، فيقودهم ذلك إلى الخضوع لإرادته خوفا من عقابه الذي لا يفلت منه ~~أحد ، ( @QUR@04 والصابرين على ما أصابهم ) المتماسكين أمام التحديات ~~الكبيرة في الحياة ، وأمام ما يحل بهم من بلاء مادي أو معنوي في أنفسهم وفي ~~أهليهم وفي أموالهم ، وذلك بسبب الإيمان الضارب في أعماق الذات الذي يشكل PageV16P067 # ثبات الإنسان لاتصال القلب منه مع القوة المطلقة المتمثلة في ذات الله ، ~~( @QUR@02 والمقيمي الصلاة ) التي يعرج فيها الإنسان إلى الله بروحه ، ~~ويتحرك في مواقع طاعته بجسده ، حيث تصفو الروح بمناجاة الله ، ويخشع القلب ~~بذكره ، ويتطهر الجسد بطاعته في مواقع الطهارة ، ( @QUR@03 ومما رزقناهم ~~ينفقون ) فيعبدون الله بالصدقة التي يقدمونها للمحرومين من خالص أموالهم ، ~~وفي ذلك تتجسد العبادة في جوهر فكرة العطاء وحركتها ماديا ، فتتكامل ~~العبادة لدى هؤلاء ، في خشوع القلب ، وثبات الموقف ، وصلاة الروح والجسد ، ~~وحركة العطاء .. # وإذا ms3717 كان العطاء المالي هو مظهر العبادة عند ما ينطلق من رغبة القرب من ~~الله ، باعتبار أنه تعالى يحب إعانة عباده المحرومين ، فإن العطاء الفكري ~~والروحي ، الذي يتمثل في ما يقدمه الإنسان من فكر للجاهل ومن طاقة روحية ~~للضال ، أو من قوة نفسية للضعيف وغير ذلك من أنواع العطاء ، يمكن أن يكون ~~عبادة بمعناها الواحد ، عند ما تلتقي كل هذه الأشياء في موقف القربة إلى ~~الله ، والرغبة في الحصول على رضاه .. # وذلك هو السر الذي يشكل قوام بناء الشخصية الإنسانية في الإسلام ، في ما ~~يجتمع لديها من عناصر الحركة كلها في الحياة أمام الله. # * * * ### ||| ** البدن من شعائر الله # ( @QUR@06 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله )، فقد اعتبر الله نحر ~~الناقة السمينة عند البيت الحرام من وسائل القرب إليه كمظهر من مظاهر ~~عبادته وطاعته ، في ما يوحيه من دليل على حضور الله في وعي المؤمن وفي ~~حركته .. ( @QUR@03 لكم فيها خير ) لما تنتفعون به من لبنها ولحمها ووبرها ~~وظهرها عند ركوبكم عليها ، PageV16P068 # وفي حملها أثقالكم من بلد إلى بلد ، ( @QUR@05 فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف ) قائمات قد صفت أيديها وأرجلها عند النحر ، ولا تذكروا عليها غير اسمه. # وقد ذكر في صور النحر للإبل ، أن أفضل صوره ، هو أن يقام البعير واقفا ~~اتجاه القبلة وأن تعقل إحدى يديه ، ويتجه الناحر إلى القبلة أيضا ، ثم يضرب ~~في لبته بآلة حادة ، من سكين أو خنجر أو نحوهما. # ( @QUR@03 فإذا وجبت جنوبها ) أي سقطت جنوبها على الأرض ، وهو كناية عن ~~خروج روحها بالنحر ، ( @QUR@02 فكلوا منها ) فذلك مباح لكم ، ( @QUR@02 ~~وأطعموا القانع ) الراضي بما يعطي من غير مسألة ، ( @QUR@01 والمعتر ) الذي ~~يتعرض لك بالمسألة لتعطيه ، وكلاهما في مواقع الفقر والحاجة ، ( @QUR@03 ~~كذلك سخرناها لكم ) وأخضعناها لإرادتكم ، وجعلنا منافعها في خدمة حياتكم ~~لتنتفعوا بها ، ولتدركوا مواقع النعمة في خلقها ، ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) ~~الله الذي خلقكم وخلقها ورزقكم ورزقها ، وجعلها من موارد رزقكم ، فاستحق ~~عليكم الشكر بالقول اعترافا بجميل النعمة في صنعه ، وبالعمل طاعة له في ~~أوامره ونواهيه. # * * * ### ||| ** التقوى سر العبودية لله # ( @QUR@06 لن ينال الله لحومها ولا ms3718 دماؤها ) فإن الله غني عنها وعنكم ، ~~لأنه هو خالقها وخالقكم ، فلم يتعبدكم بنحرها لترجع منفعتها إليه ، تماما ~~كما هو الحال في العبادات كلها ، التي لن يرجع منها شيء إليه ، لأنه الرب ~~الغني عن عباده ، الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية من عصاه ، ~~( @QUR@04 ولكن يناله التقوى منكم ) في ما يعبر عنه موقف العطاء المادي بلا ~~مقابل تقربا إلى الله ، من حركة داخلية تنمي التقوى في النفس ، وتثيرها في ~~الواقع ، ذلك أن PageV16P069 # الممارسة كلما امتدت في حياة الإنسان ، كلما عمقت تجربته الروحية في ~~الداخل ، بحيث تصبح الحركة على المستوى العملي هي السلوك الذي يختزن الحالة ~~الروحية في المعني ، وبذلك تصبح الممارسة أسلوبا في التربية التي تبني ~~الداخل وتحدد ملامح الشخصية ، الأمر الذي يجعلنا نسعى إلى تعميق الفكرة في ~~النفس ، عبر تكرار العمل الذي يطبع معناها ويعكسه في الواقع. # والتقوى حالة روحية يتحسس الإنسان من خلالها في قلبه وروحه سر العبودية ~~لله ، لجهة وعي المسؤولية وتجسيدها حركة في الواقع ، في شعور عظيم بالحضور ~~الإلهي الذي يحيط بكل ما حوله ومن حوله ، وما فوقه ، وما تحته ، لأن الله ~~هو المهيمن على كل شيء ، والخبير بكل سر وعلانية ، وهو على كل شيء قدير. # وهي التي يمكن أن تضبط خطوات الإنسان في دروب الله ، وتحقق نظام الحياة ~~في نطاق إرادته ، وتملأ الدنيا حركة في المسؤولية ، ومسئولية في الالتزام ، ~~والتزاما بالله في كل شيء ، ولذلك كانت هدف الأهداف في كل تشريعات العبادة ~~في جميع مجالاتها وأنواعها ، وعلى اختلاف خصائصها القولية والفعلية. # ( @QUR@08 كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ) وتسبحوه وتعظموه ، ~~وتستحضروا عظمته ، وتتذكروا نعمته ، وتتطلعوا إلى أسرار الإبداع في خلقه ، ~~والقدرة المطلقة في قوته ، فإن الالتفات إلى مواقع هداية الله توحي بذلك ~~كله .. ( @QUR@02 وبشر المحسنين ) الذين عاشوا الحياة إحسانا في الفكر ~~والقول والفعل ، على مستوى قضايا الحياة والإنسان ، في خط إرادة الله ، في ~~أوامره ونواهيه. # * * * PageV16P070 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ) (38) # * * * ### ||| ** بين أمانة المؤمنين وخيانة ms3719 الكافرين لله # إن المؤمنين الذين أسلموا لله في دينهم ، بالالتزام به في خط العقيدة ، ~~والسير على هداه في خط العمل ، وجاهدوا في سبيل الله ، بكل ما يملكون من ~~جهد في أنفسهم وأموالهم ، إن هؤلاء المؤمنين ، هم الذين أخلصوا لله وحفظوا ~~الأمانة ورعوها ، أما المشركون والكافرون ، الذين أشركوا بالله في العقيدة ~~أو في العمل ، وجحدوا رسوله ، وانحرفوا عن شريعته ، فهم الخائنون لله ~~وللرسول وللحياة كلها ، والكافرون بكل الحقائق الإلهية التي جعلها الله ~~أمانة في أعناق الناس ، على مستوى الفكر والعمل ، وبذلك كان المؤمنون فريق ~~الله في الحياة ، بينما كان المشركون فريق الشيطان. وقد أكد الله التزامه ~~بتهيئة كل فرص الدفاع عن المؤمنين بتوفير أسباب النصر التي قد تأتيهم من ~~حيث يحتسبون ، في ما يأخذون به من الأسباب ، أو في ما يهيئه الله لهم منها من PageV16P071 # غامض علمه ، دلالة على الحب والرعاية ، بينما يخذل الآخرين ، ويمنعهم من ~~لطفه ، دلالة على السخط والإهمال. # * * * # ( @QUR@05 الله يدافع عن الذين آمنوا ) # ( @QUR@06 إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) عبر توفير الفرص الملائمة ~~للدفاع والنصرة ، وعبر إثارة مشاعر الأمن والقوة في نفوسهم ، وتهيئة الظروف ~~الملائمة لساحات الصراع بما يحقق لهم أسباب التحرك نحو النصر ، وتقوية ~~الدوافع الذاتية لمواجهة مواقع التحدي الكافر في حياتهم العامة والخاصة .. # وليس معنى ذلك أن الله قد التزم على نفسه نصر المؤمنين بصورة تكوينية ، ~~بحيث يصبح نصرهم أمرا حاسما ومباشرا تماما كما يخلق الله الأشياء بشكل ~~مباشر مما لا تنفصل فيه الإرادة الإلهية عن مراده ، بل معنى ذلك ، هو ~~اهتمامه بأمرهم من موقع محبته ورعايته لهم ، بحيث يلطف لطفا خفيا لا يلطف ~~به غيرهم ، وهو تعبير عن الحب عمليا بالدفاع عنهم مقابل موقف الرفض من ~~الكافرين الخائنين لأمانة الله ، على مستوى الإيمان. # * * * # ( @QUR@06 الله لا يحب كل خوان كفور ) # ( @QUR@07 إن الله لا يحب كل خوان كفور ) فالله لا يحب الخيانة في سلوك ~~الإنسان ، لأنها انحراف عن خط الاستقامة التي هي أساس ثبات حركة الإنسان في ~~قضاياه العامة وسبب استقرارها .. كما أن الله لا يحب الكفر ms3720 الذي يسيء إلى خط PageV16P072 # الالتزام بالحقائق الأساسية التي تمثل المنهج الفكري الممتد في الجانب ~~العملي منها ، لأن الله يريد للإنسان أن يتحرك في خط الالتزام على أساس ~~وضوح الرؤية في التصور والحركة .. وإذا كان الله لا يحب هؤلاء الذين ~~يلتزمون خط الخيانة والكفر ، فإنه يهملهم ولا يدافع عنهم ولا ينزل عليهم من ~~ألطافه ، بل يتركهم لأنفسهم ، ولسيرورة الأشياء الطبيعية التي قد تحقق ~~الهزيمة لهم ، فلا يتدخل لمنعها ، وقد يقعون في الضعف ، فلا يقويهم بوحيه ~~ورحمته ، بينما يتدخل في بعض الحالات ، لمنع هزيمة المؤمنين ، كما فعل في ~~معركة بدر والأحزاب وغيرهما ، أو قد ينزل وحيه أو ملائكته لتقوية موقف ~~المؤمنين إذا ضعفوا .. # وخلاصة الفكرة في الآية ، أن الله ينسب الدفاع عن الذين آمنوا إلى نفسه ، ~~بالطريقة نفسها التي ينسب فيها الأمور المتعلقة بالإنسان والحياة إلى ذاته ~~، عبر الوسائل المألوفة وغير المألوفة ، للإيحاء بالرعاية الخاصة التي ~~يمنحها للمؤمنين بلطفه ورحمته ، والله العالم. # * * * PageV16P073 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) ~~@QUR@036 الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو لا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) @QUR@017 الذين ~~إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور ) (41) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صوامع ): جمع صومعة ، وهي : بناء في أعلاه حدة كان يتخذ في ~~الجبال والبراري ، ويسكنه الزهاد والمعتزلون من الناس للعبادة ، والأصمع ~~كما يقول الراغب : اللاصق أذنه برأسه ، وقلب أصمع : جريء ، كأنه PageV16P074 # بخلاف من قال فيه : ( @QUR@02 وأفئدتهم هواء ) (1) [إبراهيم : 43]. # ( @QUR@01 وبيع )، البيع : جمع بيعة بكسر الباء وهي معبد لليهود ~~والنصارى. # ( @QUR@01 وصلوات ): جمع صلاة ، وهي : مصلى اليهود ، سمي بها تسمية ~~للمحل باسم الحال (2). وأصل الصلاة من الصلاء ، قال : ومعنى صلى الرجل : ~~أي أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصلاء الذي هو نار الله الموقدة .. ~~ويسمى موضع العبادة الصلاة ، ولذلك سميت الكنائس صلوات كقوله : ( @QUR@05 ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ms3721 ) (3). # ( @QUR@01 ومساجد ): جمع مسجد ، وهو موضع الصلاة اعتبارا بالسجود ، ~~ويطلق على معبد المسلمين. والمساجد أيضا مواضع السجود : الجبهة والأنف ~~واليدان والركبتان والرجلان ، كما في مفردات الراغب (4). # * * * ### ||| ** الرسول يقود الصراع السلمي في مكة # كانت المرحلة التي تلت النبوة في مكة ، مرحلة الدعوة إلى الإسلام بكل ~~الأساليب السلمية ، وقوامها الكلمة الطيبة ، والأسلوب الهادىء ، والابتسامة ~~الحلوة ، والقلب المفتوح ، والعقل المنفتح ، والصبر على التحديات ، باعتبار ~~أن نجاح الإسلام في الوصول إلى الناس في المستقبل أمر محسوم من خلال PageV16P075 # وضوح أفكاره وتشريعاته ومناهجه ووسائله وأهدافه ، وهو وضوح قد يحجبه غبار ~~التخلف والجهل والعصبية المتصاعد ، إلا أنه لا يلبث أن ينجلي ويفرض نفسه في ~~نهاية المطاف. # وهكذا كان رسول الله لينا في كلامه ، رقيقا في أسلوبه ، رحيما في قلبه ، ~~منفتحا في عقله ، لطيفا في ابتسامته ، في الوقت نفسه الذي كان فيه ثابتا في ~~موقفه ، صلبا في رسالته ، حاسما في قراره ، مصرا على دعوته ، يتقبل ~~التحديات بصبر ووداعة وانفتاح وإيمان ، ويتحمل الشتائم والإهانات ، ~~والكلمات القاسية الموجهة إليه من قبل المشركين ، ويتابع دعوته بالحكمة ~~والموعظة الحسنة ، ويجادلهم بالتي هي أحسن ، ويقودهم إلى الأخذ بالأساليب ~~الهادئة ، وبالتفكير الموضوعي العقلاني في سبيل الوصول إلى الحقائق. # وكان المسلمون يتعرضون للعذاب وللاضطهاد والتعسف ، فيصبرون تارة ، ~~ويتشنجون أخرى ، ويعبرون عن انفعالهم أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالكلمات الثائرة والأساليب القوية ، التي تستعجل فتح المعركة مع المشركين ~~، ما داموا قد بدأوها بوسائلهم التعسفية الضاغطة المثيرة ، ويعلنون له ~~بأنهم قادرون على تحقيق النصر إذا ما اجتمعت كلمتهم على موقف واحد متحد ، ~~أو على إظهار القوة في ساحة المواجهة ، على الأقل ، مما قد يدفع هؤلاء ~~الذين يتعسفون في حقهم ويعملون على اضطهادهم وخنق حريتهم ، إلى أن يحسبوا ~~ألف حساب قبل قيامهم بذلك ، لأنهم سيكيلون لهم الكيل كيلين ، والصاع صاعين. ~~وليس مهما أن يموتوا كلهم أو بعض منهم نتيجة المواجهة ، فإن ذلك أهون من ~~الذل الذي يعيشونه بين قومهم ، وهم يملكون أن يكونوا في موقف العز ، إذا ما ~~فعلوا ذلك. # ولكن النبي كان يقول لهم ms3722 : إني لم أؤمر بقتال ، لأن المسألة مسألة PageV16P076 # رسالة تبحث عن مفتاح سحري تفتح فيه العيون والعقول والآذان على الحق في ~~حركتها وفي مفاهيمها وشريعتها وغاياتها ، وتريد الوصول إلى هذا الهدف من ~~قبل المؤمنين بها والرافضين لها ، حيث يقوم المؤمنون بالإعلان عنها ، ~~والدعاية لها ، بترويج قناعاتهم الإيمانية بأنها تمثل الحق الذي لا ريب فيه ~~، أما الكافرون ، فيثيرون الانتباه إليها ، عبر ما يوجهونه إليها وإلى ~~الرسول من اتهامات ، أو عبر اضطهادهم للمؤمنين بها ، مما يثير التساؤل في ~~نفوس من لم يسمعوا بها ، أو ينتبهوا إليها ، ويحثهم على الانفتاح على ما ~~تطرحه من موقع التفكير والتأمل والحوار ، الأمر الذي قد يوصلهم إلى الإيمان ~~من أقرب طريق .. # وهكذا كانت الدعوة الهادئة هي السبيل لانتشار الإسلام في الجزيرة العربية ~~، كرسالة جديدة تثير الجدل ، وكحدث بارز يبعث على الاهتمام ، لا سيما وأن ~~الصراع يستهدف قريشا التي تقف في موقع الزعامة الدينية والثقافية والتجارية ~~لموقع مكة في حياة العرب ، مما يجعل لبروز الرسالة فيها أهمية تفوق الأحداث ~~العادية في مكان آخر ، مع أناس آخرين .. وهكذا دخلت مفردات الرسالة العامة ~~في حياة الناس من خلال أسلوب الصراع السلمي الذي قاده رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في تلك المرحلة .. # وقد يكون موقف المظلوم والمضطهد في بعض الحالات ، سببا في إثارة العطف ~~وتهيئة جو التعاطف النفسي معه ، أكثر من موقف المقاتل والمعتدي والمتحدي ، ~~وقد يكون تفجير الصراع عبر القتال سببا في توجيه نظر الناس إلى المعركة ، ~~وصرفهم عن عمق المعاني التي تكمن خلفها وتنطلق معها ، مما يمنع وصولهم إلى ~~حقيقة القضية التي يدور فيها الخلاف وينطلق منها النزاع .. لهذا كان لا بد ~~من مرحلة تأخذ الدعوة فيها حريتها في الحركة والانفتاح ، وفي التخطيط ~~الواعي للوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم. PageV16P077 # ولهذا كان النبي يأمر البعض بالصبر ، ويأمر البعض الآخر بالهجرة .. ~~للتخفف من الضغوط القاسية التي قد لا يتحملونها ، وللانفتاح بالدعوة على ~~جماعات أخرى ، كما حصل في الهجرة إلى الحبشة ، أو للقيام بمهمة الإعداد ~~للمجتمع الإسلامي الجديد ، كما في الهجرة ms3723 إلى يثرب. # * * * ### ||| ** فكرة الدعوة ... محل نقاش # على أساس هذا الأسلوب المرحلي الذي اتبعه النبي في الدعوة ، يستوحي البعض ~~أن العمل للإسلام يستدعي توزيعه على عدة مراحل ، بحيث لا ننتقل إلى مرحلة ~~جديدة إلا بعد استكمال المرحلة السابقة ، وهو وفق نظرتهم هذه يوزعون مراحل ~~الدعوة على ثلاث : أولها : مرحلة الدعوة التي لا يجوز العمل السياسي فيها ~~ولا الدخول في صراع مسلح مع القوى المعادية خلالها. ثانيها : مرحلة العمل ~~السياسي للوصول إلى الحكم والهيمنة السياسية على الواقع كله ، وهي مرحلة ~~تحتاج إلى كثير من الجهد للوصول بالأمة إلى النضج في اتخاذ قراراتها ، أو ~~الوصول بها إلى مواقع متقدمة في ساحة المسؤولية العامة. ثالثها : مرحلة ~~الجهاد المسلح ، الذي تواجه فيه الأمة التحديات من مركز القوة على كل صعيد. # وإذا كان التخطيط في العمل الإسلامي بهدف الوصول إلى الحكم والامتداد في ~~حياة الناس الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ضروريا برأينا ، ~~وكانت دراسة كل مرحلة من مراحل العمل بدقة وموضوعية ، للتعرف على طبيعة ~~تأثير الإسلام في الواقع ، وتأثر الناس به ، كقوة فاعلة متحركة في ساحة ~~التحدي ، أو رد التحدي ، لمعرفة ما يجب علينا أن نفعله أو لا نفعله PageV16P078 # في المرحلة اللاحقة ، أمرا ضروريا أيضا ، إلا أن الحديث عن المرحلية بهذه ~~«الطريقة الهندسية» التي تضع حدودا دقيقة لكل مرحلة ، بحيث تمنع أية مرحلة ~~لاحقة من التداخل مع المرحلة السابقة أو الاقتراب منها ، قد لا يكون واقعيا ~~بالمعنى الدقيق للكلمة لعدة أسباب: # أولا : إن ساحة الدعوة إلى الإسلام كبيرة وتشمل بلدانا كثيرة من العالم ، ~~مما يفرض تنوعا في الأسلوب بين البلاد الإسلامية وغيرها ، فالدعوة داخل ~~البلاد الإسلامية تتعلق بالتفاصيل ، أو بتشكيل مفاهيم جديدة يستخرجها ~~الداعية من الأحكام الشرعية ، ومقارنة تلك المفاهيم مع مفاهيم ~~المبادىءالأخرى ، بأسلوب معاصر ، في سياق مواجهة التحديات الثقافية التي ~~تفرض نفسها على الواقع الإسلامي من الخارج .. أما في البلاد غير الإسلامية ~~، فقد تحتاج الدعوة إلى عرض مفاهيم الإسلام العامة ، وتوضيح خطوطه العريضة ~~، ولكن بطريقة تختلف عن الطريقة التي استخدمت في صدر الإسلام ، وإن كانت ~~تلتقي ms3724 معها في بعض الأجواء .. # ثانيا : إن حركة المبادئ تختزن في داخلها حركة سياسية ، باعتبارها محاولة ~~لنسف القواعد الفكرية التي يرتكز عليها هذا الفكر السياسي أو ذاك ، لأن ~~التعقيدات المعاصرة جعلت السياسة جزءا من الاتجاه الفكري بعد أن كانت شأنا ~~ذاتيا ، أو جزءا من حركة الواقع على مستوى السطح ، مما جعل ساحة الصراع ~~السياسي متداخلة مع ساحة الصراع الثقافي ، في الخطوط العامة والتفاصيل ، ~~وفي حركة الواقع ، فلا يستطيع العاملون الابتعاد في حركتهم عن السياسة خلال ~~المرحلة الثقافية ، لأن الآخرين لا يسمحون لهم بذلك. # ثالثا : أن التوعية الفكرية تحوي من التعقيدات ما قد يفرض استخدام أساليب ~~متنوعة في التثقيف والتعبئة الثقافية لدى الأمة ، ومنها أسلوبا الجهاد ~~والممارسة السياسية ، لتوعية الأمة بالقضايا المصيرية وبالتحديات الكبيرة التي PageV16P079 # تواجهها ، التي لا ينفع في الوصول إليها أي أسلوب آخر ، لأن هذين ~~الأسلوبين يعطيان للثقافة حيوية دافقة في تشكيل الوعي ، بينما يمثل الأسلوب ~~التقليدي أسلوبا جامدا تنتقل فيه الخطوات ببطء ، وتنطلق معه المواقف ببرودة ~~وهدوء ، الأمر الذي يفرض التداخل بين التحرك الثقافي والتحرك السياسي ~~والجهادي. # رابعا : إن واقع التحدي قد يحمل للإسلام بعض الفرض التي تسنح بتحقيق ~~انتصارات حاسمة على الساحة ، إذا ما تم استغلال تلك الفرص في العمل السياسي ~~أو الجهادي للضغط على مواقع الأعداء وإسقاطهم ، ذلك أن ترك ذلك في وقته قد ~~يتسبب في ضياع أكثر من فرصة للتحرير ، أو للتثوير ، أو في تحقيق مكاسب ~~كبيرة على مستوى المستقبل. من هنا ، لا بد من التفكير في استخدام أساليب ~~تجمع المسألة الجهادية بالمسألة الثقافية ، ليلتقيا بالمسألة السياسية التي ~~تكون عبرهما أرضا قوية صلبة وثابتة. # من خلال هذا العرض الموجز ، نريد التأكيد على أن حركة الدعوة إلى الإسلام ~~على المستوى الثقافي والسياسي والجهادي ، لا تتأطر في خطوط عامة ترسم بشكل ~~دقيق ، بل تحتاج إلى مرونة تتداخل فيها المراحل ، أو تبعا لما يستدعيه ~~الواقع ، مما قد يفرض على الدعاة ملاحقة تطورات الواقع بشكل دائم ودراسة ~~التأثيرات السلبية أو الإيجابية لأساليب العمل المستخدمة في الدعوة إلى ~~الإسلام ، للاستفادة من ms3725 ذلك في الوصول إلى النتائج العملية الحاسمة على ~~أكثر من صعيد ، من أجل أن تكون الحركة الإسلامية قريبة من الواقع ، وبعيدة ~~عن المثالية في التصور والممارسة. # * * * PageV16P080 ### ||| ** بدء مرحلة القتال # ( @QUR@05 أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) لقد انتهت المرحلة التي كان ~~اللجوء إلى العنف والقتال في ساحتها أمرا سلبيا ، لأن ذلك كان يشكل خطرا ~~على التخطيط لانطلاقة الدعوة في الجزيرة العربية ، وللتحضير للمجتمع ~~الإسلامي الأول في يثرب ، فقد شكلت يثرب أرضا صلبة جديدة للإسلام ، حيث بدأ ~~يتحرك في نطاق واسع يملك أكثر من عمق في محيطه ، الأمر الذي يحميه من حالة ~~الاهتزاز والسقوط أمام ضغط المشركين ، ويجعله قادرا على فرض التحدي عليهم ، ~~أو على مواجهة تحدياتهم الكبيرة. # وهكذا جاء الإذن للمؤمنين بالقتال ، معللا بالحيثية الإنسانية التي تبرره ~~رساليا كونه شرطا لتحقيق التوازن الإنساني على مستوى حركة الواقع ، فهم ~~يقاتلون كرد فعل على قتال الآخرين لهم وظلمهم إياهم ، ويخوضون القتال ~~المفروض عليهم للخروج من الظلم الذي مارسه المشركون بالضغط عليهم وخنق ~~حريتهم. ولا بد لأية شريعة سماوية أو أرضية من أن تمنح المظلومين حق الدفاع ~~عن أنفسهم ، وتكفل لهم حرية ممارسة ذلك ، إذا أرادت للحياة أن تسير في خط ~~العدل ، وأرادت للإنسان أن يؤكد معناه في حركة الواقع ، وهي إن لم تفعل ذلك ~~، تحولت الحياة إلى فرصة للظالمين يصادرون فيها حرية المظلومين ، وهو أمر ~~تأباه قاعدة التشريع الإنسانية ، ولا تقتضيه العدالة الإلهية. وهكذا لم ~~تكتف الآية بتقرير الإذن الإلهي بالقتال ، بل أضافت إليه الوعد بالنصر ~~الحاسم وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@05 وإن الله على نصرهم لقدير ) ~~فلينطلقوا إلى القتال من موقع الشرعية والوعد الإلهي بالنصر ، وليعيشوا ~~الثبات والقوة القادرة ، بكل اندفاع واتزان. # ( @QUR@011 الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) ~~وهذا ما يضيف PageV16P081 # إلى الظلم ظلما جديدا ، فقد يظلمك الظالمون ، فيخنقون حريتك في الكلمة ~~والحركة ووسائل العيش ومواقع الحياة ، ويضيقون عليك الساحة الواسعة ، ~~ولكنهم مع ذلك يتركونك مع أهلك وولدك ، في أرضك التي ولدت فيها وترعرعت ، ~~وعمقت جذورك في جذورها ، حتى ms3726 أصبحت جزءا منها ، وأصبحت جزءا منك ، وهكذا ~~فإن وجودك في أرضك مع أهلك وأحبائك ، وما تلقاه من المباهج فيها ، يشعرك ~~ببعض التعويض عما تصادفه من الآلام فيها .. ولكن الذين يفرضون عليك الغربة ~~، ويخرجونك من أرضك ، ويقتلعونك من جذورك ، بعد أن يضغطوا على حريتك ، ~~ويمنعوك من اختيار النهج الذي تتخذه لنفسك في الحياة ، والفكر الذي تتبناه ~~، والحركة التي تختارها ، هؤلاء الذين يشردونك ويبعدونك عن ملاعب صباك ، لا ~~لشيء إلا لأنك تؤمن بالله الواحد ، وتعلن إيمانك هذا تقريرا للحقيقة ~~الكونية التي ينطق بها الكون بأسره وتقول ( @QUR@02 ربنا الله ) في مواجهة ~~كل شرك وثني يشوه الحقيقة ، ويبعد الإنسان عن صفاء التصور للعقيدة وللعبادة ~~وللحياة .. هؤلاء هم الظالمون البعيدون عن خط العدالة الإنسانية ، لذا فإن ~~قتالهم ما هو إلا لدفع ظلمهم المزدوج ، وما هو إلا عمل إنساني خدمة للإنسان ~~في الحياة ، وخدمة للحياة بتأكيد خط العدالة فيها. # * * * ### ||| ** فطرة التدافع .. توازن الحياة # ( @QUR@017 ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ). PageV16P082 # إن حركة الصراع والتجاذب بين الناس ، تكفل للواقع التوازن الدائم بين ~~قواه وتحفظ للحياة استقرارها وامتدادها وحيويتها ، حيث لا تعود السيطرة على ~~الناس وقهرهم مقتصرة على قوة واحدة دون غيرها ، وبذلك يقي ميزان القوى الذي ~~يرتفع في موقع ، وينخفض في آخر من وقوع ذلك ، أو يمنعه بأسلوب مباشر ، إذ ~~هو يشكل عاملا نفسيا يمنع البعض من الاعتداء على الآخرين تحت عنوان الخوف ، ~~أو يدفع البعض لتشكيل قوتهم لمواجهة القوى الأخرى. من هنا كانت إرادة الله ~~سبحانه تقتضي عدم حصر القوة في قطب واحد في الحياة ، بل وزعها سبحانه على ~~الناس جميعا ، ليدفع بعضهم عن بعضهم الآخر ، في ما يهيئه من وسائل واقعية ~~تخدم ذلك. ولذلك كان تشريع القتال منسجما مع هذه السنة التي فطر الله ~~الطبيعة الإنسانية عليها ، فقد أودع في الإنسان الكثير من الحوافز ~~الغرائزية التي تتحفز لمواجهة أي خطر من الآخرين يهدد الذات ، بتعطيل أو ~~إرباك أي مرفق من مرافق حياتها ، أو بالتأثير على ms3727 أية مصلحة من مصالحها ، ~~لتستمر الحياة الاجتماعية للناس في نظام دفاعي ذاتي متوازن .. # بالتالي ، فإن هذا الإذن الإلهي في القتال ، انطلق من طبيعة الفطرة ~~الإنسانية التي تستدعيه ، وهي طبيعة قد تنحرف عن الاتجاه السليم ، ولكن ~~الله أراد أن يؤكد ضرورة القتال على أساس القيم الإنسانية الروحية التي ~~تحركه في الاتجاه الصحيح ، الذي يحمي الإنسان ، ويمنعه من البغي والعدوان. # وهكذا ، نرى في قوله تعالى : ( @QUR@05 دفع الله الناس بعضهم ببعض ) ~~إشارة إلى سنة الاندفاع الفطري لمواجهة الأخطار التي تهدد مصالح الإنسان ~~الخاصة والعامة ، وقد لا تكون مختصة بالقتال فقط كما يرى البعض بل بكل ~~الوسائل الفكرية والعملية التي يستخدمها الناس في ساحات الصراع ، وقد لا ~~تكون هذه السنة مقتصرة على الإنسان ، بل تشمل بقية الموجودات الحية ، من ~~حيوانات وغيرها ، إذ إن الله أودع فيها حافزا فطريا للدفاع عن نفسها بأكثر من PageV16P083 # وسيلة ، لتحقيق التوازن في مجتمعاتها من خلال توازن القوى وتكافؤ الفرص ، ~~وتساوي المواقع. # ولكن دلالة الآية على ذلك قد تكون بالإيحاء لا بالمدلول اللفظي للكلمة ، ~~فالظاهر أنها جارية في أجواء الدفع القتالي في حركة القوة ، لأنها أكدت على ~~منع تهديم المعابد التي هي مظهر حيوي من مظاهر الحرية الإنسانية على مستوى ~~الالتزام بالإيمان بالله على طريقة خاصة ، وهي حرية ذات تأثير على وجود ~~الإنسان ذاتا وحركة في الحياة ، فمسألة الحرية لا تقع على الهامش بالنسبة ~~لتشكيل الذات ، بل تقع في الصميم ، لأن من لا حرية له ، لا إنسانية له ، ~~ذلك أن الضغط على الحرية يمثل إلغاء للإنسانية ، لا سيما إذا كان ضغطا يطال ~~حريته في الإيمان بالله ، وهو إيمان يضع الإنسان على الخط المستقيم الذي ~~يعبر عن سر الوجود وفكرته وحركته ، وطبيعة العلاقة بالله وبالإنسان والحياة ~~، مما يوحي بأن الدفاع عن الإيمان أمر حيوي بالنسبة إلى وجود الإنسان ، في ~~سبيل القضايا الكبيرة في حياته ، مما يجعل دفاعه دفاعا عن القاعدة الروحية ~~الثابتة في شخصيته ، باعتبار أن إيمانه بالله هو مرجع سلوكه الفردي ~~والاجتماعي النابع من داخله ، المتحرك في حركته في الحياة ms3728 مع الآخرين .. ~~وهكذا كان دفع الناس بعضهم ببعض تأكيدا على حريتهم في العبادة في مواجهة ~~التحديات ، ليكون المسجد والصومعة والبيعة ، الساحة التي يلتقي فيها الجميع ~~ليعبدوا الله ، وليكتشفوا في داخلهم سر العبودية لله الواحد ، وليتمردوا من ~~خلال هذا الوعي على كل مظاهر تأليه الإنسان ، فتكون الحياة كلها لله ، من ~~خلال كون الدين كله له. # ولعل التعبير بالدفع الذي يعني حركة التحدي بطريقة دفاعية أو وقائية ، ~~يوحي بالمعنى الإنساني الذي يبتعد عن العدوان في خط الهجوم ويتحرك في خط ~~حماية الحياة والحرية في دائرة رد العدوان .. PageV16P084 # إنها سنة الحياة وفطرة الله التي ينطلق منها الإنسان بشكل طبيعي عفوي لا ~~يحتاج تشكيلها إلى تعقيدات التربية ، بل إلى نوع من التخطيط والتنظيم الذي ~~يعرفه كيفية المحافظة على الخطوط التفصيلية في أوضاعه وعلاقاته وخطواته ، ~~ليحفظ حركته في هذا الاتجاه من الاهتزاز أو الانحراف أو السقوط ، بفعل ~~العوامل الذاتية أو الخارجية التي قد توحي له بالشر في طريق الخير ، ~~وبالانحراف في خط الاستقامة ، ليعرف هل هو سائر في الاتجاه الصحيح أو ~~الخاطئ. # * * * ### ||| ** الله ينصر من ينصره # ( @QUR@04 ولينصرن الله من ينصره ) من خلال ما يهيئه له من وسائل النصر ~~من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب ، وما يثيره في داخل نفسه من عوامل القوة ~~الروحية ، مما قد يحقق كثيرا من شروط النصر ، على المستوى المادي والمعنوي ~~.. وربما تتدخل القوة الإلهية في بعض الحالات بطريقة غيبية تمهد بعض ~~الأجواء التي قد لا تتحقق بدونها. وعلى كل حال ، فإن النصر الإلهي مهما ~~اختلفت وسائل ، فإنه لا يبتعد عن السنن الإلهية المودعة في الكون بالطريقة ~~المألوفة ، أو غير المألوفة ، في ما يأخذ به الإنسان من أسباب النصر ، التي ~~هي في عمقها الكوني والإنساني من الله الذي خلق الأسباب والمسببات ، سواء ~~كانت بطريقة مباشرة ، أو غير مباشرة. # ( @QUR@04 إن الله لقوي عزيز ) فلا يستطيع أحد منعه من تحقيق ما يريد ، ~~لأن قوته هي القوة المطلقة التي لا تقف عند حد ، ولا يملك أحد أن يقف أمام ~~إرادته ، في ما يحكم به ms3729 أو يقدره ، لأنه العزيز الذي لا يستطيع أحد أن ~~ينتقص من عزته شيئا. PageV16P085 # ( @QUR@014 الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ) لأن محاولتهم الحصول على القوة تنطلق من موقع ~~الإيمان المسؤول ، الذي يتحرك من خطة دقيقة قوامها الإخلاص لله في العبادة ~~، والمسؤولية تجاه الإنسان في روحية العطاء ، ومواجهة الواقع بإقامة الحق ~~وإزهاق الباطل ، لما يمثله الأمر بالمعروف من الأمر بالحق في حركة الفكر ، ~~على مستوى النظرية والتطبيق ، ولما يمثله النهي عن المنكر من رفض للمنكر ، ~~على مستوى الخط والممارسة .. في المجالات العامة والخاصة .. # هؤلاء الذين يعيشون المسؤولية في مواقع العطاء ، ويتحركون به في آفاق ~~الإخلاص لله ، ويعتبرون ما يملكونه من القوة فرصة للوصول إلى أهدافهم ~~الكبيرة ، وهي إقامة الحياة على أساس الحق المنطلق من الله ، لا امتيازا ~~ذاتيا غايته الحصول على مكاسب ذاتية لجهة تحقيق الأطماع المادية والشهوات ~~الحسية .. هؤلاء هم الذين ينصرهم الله بنصره ، لأن في انتصارهم انتصارا ~~للرسالات ، وحماية للإنسان من كل القوى الشريرة التي تدمر إنسانيته ، ~~وتنحرف به عن الاتجاه الصحيح. # ( @QUR@03 ولله عاقبة الأمور ) فهو مالك الأمور كلها ، وهو المبدئ ~~والمعيد ، منه البداية وبيده النهاية ، وإليه المرجع في كل شيء .. ومهما ~~امتد الإنسان في طغيانه ، أو تعاظم في قوته ، أو تمرد في حركته ، فلن ~~يستطيع أن يملك أمر نفسه ، فكيف يملك أمر غيره؟! فالله هو المهيمن عليه ~~وعلى حركته ، وله عاقبة الأمور كلها في جميع المشاريع الخاصة والعامة. # * * * PageV16P086 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) @QUR@04 ~~وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) @QUR@011 وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) @QUR@014 فكأين من قرية أهلكناها ~~وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) @QUR@023 أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) @QUR@014 ويستعجلونك ~~بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) ~~@QUR@011 وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ms3730 ثم أخذتها وإلي المصير (48) ~~@QUR@09 قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) @QUR@08 فالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) @QUR@08 والذين سعوا في ~~آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ) (51) # * * * PageV16P087 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نكير )؛ النكير : الإنكار. # ( @QUR@03 خاوية على عروشها ): خالية ، أي : ساقطة جدرانها على سقوفها ، ~~فهي خربة. # ( @QUR@01 مشيد )؛ المشيد : قيل : المرتفع من الأبنية ، وقيل : إن ~~المشيد ما طلي به الحائط من جص. # ( @QUR@01 معاجزين ): جمع معاجز ، من عاجزه معاجزة ، أي سابقه ليظهر عجزه. # * * * ### ||| ** تكذيب الأنبياء ظاهرة تاريخية # وهذا حديث عن المسيرة الطويلة للنبوات قديما التي استخدمت في انطلاقتها ~~الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، وبالكلمة الطيبة التي تفتح ~~عقول الناس وقلوبهم على الحق ، فواجه المجتمع ذلك بالرفض والتعسف ، أو ~~اللامبالاة والاستهزاء ، ولكن الأنبياء لم يتراجعوا ولم يسقطوا ، بل أكملوا ~~المسيرة حتى أتاهم أمر الله. # وهي قصة الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان ، التي تصدم تخلف المجتمع ، ~~بما يحمله من أفكار ، أو ما يعيشه من أوضاع ، أو يلتزمه من مواقف ، مما ~~يجعل الناس يخافون أية فكرة جديدة تسعى إلى التغيير ، لأنهم لا يريدون ~~الخروج من أجواء التخلف التي ألفوها حتى تحولت إلى جزء من تكوينهم الشخصي ، ~~ولهذا فهم يهربون من الأنبياء والمصلحين بكل الوسائل ، PageV16P088 # بالامتناع عن الاستماع إلى كلامهم ، أو الرفض للحوار معهم ، أو العمل على ~~اضطهادهم ، أو السخرية منهم ، أو إخراجهم من بينهم ، لأنهم يرون فيهم ~~التحدي لواقعهم ، والهزيمة لمفاهيمهم أو لعاداتهم وتقاليدهم الموروثة من ~~الآباء والأجداد ، وقد يموت الأنبياء والمصلحون بعد ذلك ، ولكن الرسالات ~~تبقى وتنفذ إلى الأعماق بطريقة خفية من حيث لا يشعر الناس ، لأن الرفض ~~للفكرة يختزن غالبا وعيا عميقا لمفرداتها يؤمن التفاعل معها بهدوء ، لتتحول ~~إلى قناعات فكرية بعد ذلك ، وهذا ما يمنع الدعاة إلى الله من اليأس عند ما ~~يواجهون الرفض في الطريق ، لأنهم يرصدون أملا جديدا للدعوة في المستقبل عند ~~ما تسقط الأغشية عن عيون الرافضين تحت تأثير ما ينفذ من مفردات الدعوة إلى ~~منطقة اللاشعور فيهم. # وقد يمتد بالكافرين الزمن ، ولكن الله يتدخل لنصرة ms3731 رسله ، بوسائل العقاب ~~الدنيوي الذي ينزله عليهم بعد استكمال الحجة ، ليفسح المجال لجيل جديد ، لا ~~يحمل النفسية المعقدة التي يحملها الجيل القديم .. # والله في آياته هذه يتحدث مع رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن كل هذا ~~التاريخ ، ليعيش هذه التجربة الطويلة ، وليعرف أن ما يحدث له الآن ، قد حدث ~~للأنبياء من قبله ، وأن الله سينصره ، كما نصرهم ، وأن الرسالة لا بد من أن ~~تستمر حتى تفتح قلوب الناس على الله ، وحياتهم على الحق. # * * * ### ||| ** إن يكذبوك فقد كذبوا من قبلك # ( @QUR@02 وإن يكذبوك ) يا محمد ، في ما يواجهك به قومك من أساليب الرفض ~~المتنوعة للرسالة ، ( @QUR@09 فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود* وقوم ~~إبراهيم PageV16P089 # @QUR@06 وقوم لوط* وأصحاب مدين وكذب موسى ) ولم يتراجع كل أولئك الأنبياء ~~، بل تابعوا الدعوة وأكملوا المسيرة حتى تمكنوا من تأكيد رسالتهم وفرضها. ( ~~@QUR@02 فأمليت للكافرين ) وتركت لهم مجال الامتداد في كفرهم ليستكملوا كل ~~التجربة ، وليأخذوا وقتهم بحيث تقوم الحجة عليهم ، ولا يكون للناس على الله ~~حجة على هذا المستوى ، لجهة الفرصة التي يملكونها ، أو المدة التي يأخذونها ~~، ولكن الله يمهل ولا يهمل ، ( @QUR@02 ثم أخذتهم ) بالعذاب بكل قوة ، ( ~~@QUR@03 فكيف كان نكير ) في ما يمثله من الإنكار البالغ في شكله وطبيعته ، ~~ومن الأخذ الشديد. # ( @QUR@04 فكأين من قرية أهلكناها ) فتطلع إلى ما حولك من بقايا البلاد ~~التي كان يسكنها هؤلاء ، فكم من قرية من قراهم أهلكنا أهلها وأخذناهم ~~بالعذاب ، ( @QUR@02 وهي ظالمة ) كونها واجهت الرسالة مواجهة شديدة ورفضت ~~كل مفاهيمها وشرائعها ، فظلمت نفسها ، كما ظلمت الحياة من حولها ، فاستحقت ~~بذلك العقاب الشديد ، والهلاك المحتوم ، ( @QUR@04 فهي خاوية على عروشها ) ~~سقطت جدرانها على سقوفها ، ( @QUR@02 وبئر معطلة ) أي وكم من بئر معطلة باد ~~أهلها وماتوا ، فليس هناك من يستقي منها ، أو ينزل عليها ، ( @QUR@02 وقصر ~~مشيد ) أي وكم من قصر مشيد لا ترى فيه أية حركة ، فقد هلك كل سكانه ، فلا ~~تبصر لهم شبحا ، ولا تسمع لهم حسيسا .. ولعل تنويع الحديث عن البئر والقصر ~~، يعود إلى أن أصحاب الآبار هم البدو ، وأن أصحاب القصور هم ms3732 الحضر. # * * * ### ||| ** المعرفة وليدة الفكر والحس الواعي # ( @QUR@09 أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) لأن العقل ~~يتغذى من PageV16P090 # الملاحظات الدقيقة التي تكونها آثار التجارب التي عاشها الآخرون ، ومما ~~يمكن أن يستخلصه منها من نتيجة حاسمة على صعيد حركة الإيمان بالله في ~~الحياة ، فإن الله خلق للإنسان العقل ليحركه في دراسة الأشياء واستنتاج ~~الأفكار منها ، لا ليجمده في أجواء الغفلة ، أو في ما يرضي الذات .. ( ~~@QUR@04 أو آذان يسمعون بها ) في ما يستمعون إليه من آيات الله التي يتلوها ~~عليهم الأنبياء ، أو من المواعظ البليغة التي يقدمها الوعاظ مما ينفعهم ولا ~~يضرهم ، أو من النصائح التي يقدمها إليهم الناصحون مما يعود عليهم بالخير ~~في الدنيا والآخرة ، فإن الله قد خلق للناس الآذان لتكون النوافذ التي تطل ~~على القلوب ، فتعطيها كل ما فكر به الآخرون أو أثاروه في حديثهم ، لتكون ~~بذلك انطلاقة في الوعي ، وحركة في الفكر ، ووضوحا في الرؤية للأشياء ... # ولكن مشكلة هؤلاء أنهم يعيشون العمى في حياتهم ، فيتخبطون في أفكارهم ~~ومواقفهم ، ويفقدون الرؤية الواضحة للأشياء ، وليس هذا العمى ناشئا من ~~فقدان النور في عيونهم ، فهم يملكون عيونا حادة البصر ، ولكنه عمى القلب ~~الذي يغلق فيه الإنسان بجهله وعناده كل نوافذ المعرفة التي تطل به على الله ~~.. وذلك هو العمى كل العمى ، لأن عمى البصر لا يسقط الإنسان تماما ، ولا ~~يمنعه من التعرف على ما حوله من الأشياء ، كونه يستطيع تحسسها بيده ، أو ~~بعصاه ، أو بالاستعانة بالآخرين ، أما عمى القلب ، فإنه يمنعه من تحديد ~~الموقف أمام كل القضايا المطروحة التي تتصل بالمصير ، مما يجعل من الإنسان ~~لعبة للرياح التي تعصف بالواقع ، أو خشبة تتقاذفها الأمواج ، فلا يملك معها ~~أن يحدد طريقه في اتجاه النجاة .. ولهذا جاءت الآية لتؤكد هذه الحقيقة : ( ~~@QUR@010 فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ). # وهذه اللفتة القرآنية التي تؤكد قيمة العقل الكبيرة الذي يعبر عنه القرآن ~~بالقلب في حياة الإنسان التي تدفعه إلى أن يعقل ويهتدي به ، فلا يجمده ~~ويستسلم إلى رواسبه المتخلفة ليشده ذلك ms3733 إلى عمق الهاوية في المصير. إن PageV16P091 # هذه اللفتة توحي بأن للعقل مركزا حيويا في معرفة الإسلام ، باعتباره ~~القوة الحقيقية التي تخطط للحياة من موقع الثبات والتوازن والعمق والانفتاح ~~.. وأن المجتمع العاقل هو المجتمع الذي ينفتح على الإيمان بالله من أقرب ~~طريق ، ويتحرك في الحياة من موقع المسؤولية. من هنا ، كانت الفكرة التي ~~تقول إن المجتمع الجاهل هو مجتمع الإيمان فكرة خاطئة لا أساس لها ، وإن هذه ~~اللفتة القرآنية في تأكيدها على دور العقل ، تفرض على القائمين على شؤون ~~الإسلام في الدعوة والواقع العمل على التخطيط لحركة عقلية نشيطة داخل ~~الشخصية الإسلامية ، ليستطيع المجتمع الإسلامي أن ينمو ويتطور من مواقع ~~العقل الذي يحقق له استقلال الإرادة في التفكير ، وفي اتخاذ القرار ~~المتوازن ، كما يحقق له القوة في مجالات الصراع الفكري بين الإسلام وخصومه ~~الفكريين ، وفي مواجهة التحديات القادمة من مواقع المستكبرين في الأرض ، ~~لأنهم إذا لم يتوفروا على ذلك ، بالرغم من السلبيات الناتجة عنه ، فسوف ~~يسقط المجتمع في وحول التخلف ، ولا يستطيع معه المحافظة على مواقعه ، فضلا ~~عن التقدم إلى الأمام لاحتلال مواقع جديدة ، لأن التخلف لا يمكن أن يثبت ~~موقعا ، ولا يستطيع أن يربح أي موقع. # * * * ### ||| ** استعجال الكافرين بالعذاب # ( @QUR@01 ويستعجلونك ) يا محمد ( @QUR@01 بالعذاب ) بطريقة لا تخلو من ~~التحدي والاستفزاز ، وربما تقترب من الاستهزاء ، لأنهم لا يرونه قادرا على ~~ذلك ، وأن الوعيد الذي يخاطبهم به من خلال آيات القرآن ليس جديا ، مما ~~يدفعهم إلى الامتداد في الشرك والإصرار عليه ، ولكن الله يواجههم بالحقيقة ~~القرآنية PageV16P092 # الإلهية ، وهي أن هذه الأساليب الاستعجالية الاستفزازية لا تغير من ~~الموقف شيئا ، فإن الله قد جعل لكل شيء أجلا لا يتجاوزه ، على قاعدة الحكمة ~~في تقدير الأشياء ، فلا يعجله عن ذلك شيء ، لأن الذي يعجل هو الذي يخاف ~~الفوت. ولما كان الله قد وعد المشركين بالعذاب ، فسيتحقق ذلك حتما ، ( ~~@QUR@04 ولن يخلف الله وعده ) لأنه قد يغفر أي شيء لأي شخص ، ولكنه لن يغفر ~~له الشرك العبادي الذي لا يرتكز على أساس ، وليس هذا أسلوبا من أساليب ~~التحدي ms3734 التي تهدف إلى الإقناع والإيمان بالإسلام ، ليكون الموقف هو الرد ~~عليهم بتحقيق هذا الوعيد ، بل هو مجرد تبيان لحقيقة إيمانية لإثارة الخوف ~~الداخلي فيهم من النتائج السلبية للامتداد في خط الشرك ، لدفعهم إلى اتخاذ ~~موقف جدي من موضوع الإيمان. أما الإيمان نفسه فله براهينه الخاصة التي ~~تنطلق من مضمونه ، ومن الأجواء المحيطة به. # ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) وسيأتيكم هذا اليوم حيث ~~ستواجهون العذاب الذي هو أشد عليكم من عذاب ألف سنة من أيامكم العادية لشدة ~~الهول الذي يحيط بالموقف هناك. فكيف تستعجلون ذلك؟ وعلى أي أساس؟ # ( @QUR@07 وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ) فكم من قرية أمهلتها كما ~~أمهلكم الآن ، ظلمت نفسها كما ظلمتم أنفسكم بالشرك .. ( @QUR@02 ثم أخذتها ~~) بالعذاب في الدنيا ، مما يوحي بالقدرة على تنفيذ الوعيد بالعذاب ، فكيف ~~تشكون في ذلك ( @QUR@02 وإلي المصير )، حيث تدخلون نار جهنم جزاء على ~~أعمالكم .. # * * * PageV16P093 ### ||| ** النبي نذير للناس # ( @QUR@01 قل ) يا محمد ، لكل هؤلاء الذين يستعجلونك بالعذاب ويقترحون ~~عليك القيام بالمعجزات الخارقة ، لا طلبا للإيمان بل تعجيزا وتحديا ، قل ~~لهم ، إن ذلك كله ليس داخلا في قدرتي ، ولا في مهمتي ، بل ذلك كله بيد الله ~~، فإن شاء استجاب لكل ما تطلبونه ، وإن شاء لم يستجب لأن الأمر إليه ، ( ~~@QUR@09 قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ) أنذركم عذاب يوم ~~القيامة إذا كفرتم ، وأبشركم بثواب الله في الجنة إذا آمنتم ، ولست مسيطرا ~~عليكم في مسألة الإيمان ، بل لكم الحرية في اختيار المصير الذي تريدون ~~الوصول إليه .. # ( @QUR@04 فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) في ما يمثله ذلك من الالتزام ~~الفكري والعملي بالإسلام الموحى به من الله ( @QUR@02 لهم مغفرة ) لما ~~قاموا به من خطايا طارئة ، ( @QUR@02 ورزق كريم ) مما أعده الله لهم من ~~أسباب النعيم في الجنة. # ( @QUR@04 والذين سعوا في آياتنا ) واجتهدوا ( @QUR@01 معاجزين ) أي ~~محاولين تعجيز الرسل عن إبلاغ رسالات الله عبر استخدام أساليب القهر ~~والتعسف والاضطهاد والسخرية ، ( @QUR@03 أولئك أصحاب الجحيم )، فهم أهل ~~النار المقيمون الدائمون فيها ، الخاضعون لعذابها ، المحترقون بنارها ، بكل ~~ما يمثله ذلك من ms3735 ذل وخزي وعار وهوان. # * * * PageV16P094 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم (52) @QUR@016 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) @QUR@021 وليعلم الذين ~~أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد ~~الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) @QUR@016 ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) @QUR@012 الملك ~~يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) ~~@QUR@08 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ) (57) # * * * PageV16P095 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فينسخ ): يبطل ، ويزيل ، ويدحض. # ( @QUR@01 شقاق ): الشقاق والمشاققة : المباينة والمخالفة. # ( @QUR@01 فتخبت ): تلين وتخشع له قلوبهم. # ( @QUR@01 مرية ): شك. # ( @QUR@01 مهين ): مذل. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في تفسير الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بمكة النجم ، فلما بلغ هذا الموضع : ( @QUR@06 أفرأيتم ~~اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى ) [النجم : 19 20] ألقى الشيطان على ~~لسانه : «تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى». قالوا : ما ذكر آلهتنا ~~بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا. # ثم جاء جبريل بعد ذلك قال : اعرض علي ما جئتك به ، فلما بلغ : تلك ~~الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، قال له جبريل : لم آتك بهذا ، هذا ~~من الشيطان ، فأنزل الله: ( @QUR@08 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) ~~(1). الآية. # ويقول صاحب تفسير الميزان : «الرواية مروية بطرق عديدة عن ابن PageV16P096 # عباس وجمع من التابعين ، وقد صححها جماعة منهم الحافظ ابن حجر» (1). # * * * ### ||| ** ملاحظات على مناسبة النزول # ولكننا نلاحظ على هذه الرواية : # أولا : أنها لا تنسجم مع عصمة النبي في التبليغ التي أعلنها القرآن في ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) [النجم ~~: 3 4] الذي يعني امتناع صدور أية كلمة منه إلا من خلال الوحي الإلهي ، وفي ~~قوله تعالى ms3736 : ( @QUR@018 ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ~~ثم لقطعنا منه الوتين* فما منكم من أحد عنه حاجزين ) [الحاقة : 44 47] الذي ~~يدل على امتناع صدور أية زيادة من النبي عما أوحى الله به إليه. # ثانيا : إن جو سياق الآيات لا ينسجم مع الكلمتين اللتين أقحمتا في السورة ~~حسب الرواية وكيف يتناسب هذا مع قوله سبحانه : ( @QUR@025 إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) [النجم : 23] فكيف صدر هذا الكلام ~~عن النبي ؛ هل كان عن غير وعي ، بأن كان ذلك سبقا من لسان بتصرف من الشيطان ~~سهوا منه وغلطا من غير تفطن ، كما ذكر البعض في مقام توجيه الرواية؟! # ولكن ذلك يفرض عليه أن ينتبه إلى المسألة بنفسه بعد أن يرجع إلى أجواء ~~السورة ويقرأها قراءة ذاتية كما هو مفروض ، كونه يعي القرآن النازل عليه من ~~خلال القراءة والتأمل والتفكير ، باعتباره القاعدة التي يرتكز عليها PageV16P097 # الفكر الذي يلقيه للناس .. وكيف يغفل عن المسألة حتى في الحال التي يعرض ~~فيها القرآن على جبريل؟! إن معنى ذلك أنه لا يعي التنافي بين هاتين ~~الكلمتين وبين تمام الآيات في هذا المجال. # أما إذا صدر منه ذلك عن وعي ، بقصد تقريبهم منه ، عبر ذكر آلهتهم بخير ، ~~فهل يمكن أن يتم ذلك في سياق الإساءة إلى الدعوة التي أراد أن يدفعهم إلى ~~الإيمان بها؟ فإن السعي إلى استرضاء من تريد إقناعهم بفكرة ما ، لا يكون ~~بتأكيد موقفهم والإساءة إلى الفكر المراد الإقناع به. ثم كيف يصدر ذلك من ~~الرسول وينسبه إلى الله ، وكيف لم ينتبه إلى أن سجودهم معه كان سجودا ~~للأصنام لا لله ، مما يفرض عليه أن يدرك طبيعة النتيجة السلبية التي انتهى ~~إليها الأمر؟! # ثالثا : إن هذه الرواية لو صحت تجعل من صدور شيء من هذا القبيل من النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في آيات أخرى أمرا محتملا ، باعتبار أن الشيطان ألقاها ~~على لسانه صلى الله عليه ms3737 وآله وسلم ، الأمر الذي يؤدي إلى عدم الثقة بكلام الله ~~، فمن الممكن كما يقول صاحب الميزان «أن يكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء ~~الشيطان ثم يلقي نفس هذه الآية : ( @QUR@08 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي ) الآية ، فيضعه في لسان النبي وذكره ، فيحسبها من كلام الله الذي نزل ~~به جبرئيل كما حسب حديث الغرانيق كذلك ، فيكشف بهذا عن بعض ما ألقاه وهو ~~حديث الغرانيق سترا على سائر ما ألقاه ، أو يكون حديث الغرانيق من كلام ~~الله ، وآية: ( @QUR@08 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) إلخ ... جميع ~~ما ينافي الوثنية من كلام الشيطان ، ويستر بما ألقاه من الآية وأبطل من ~~حديث الغرانيق على كثير من إلقاءاته في خلال الآيات القرآنية ، وبذلك يرتفع ~~الاعتماد والوثوق بكتاب الله من كل جهة» (1). PageV16P098 # رابعا : إن دراستنا لشخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تدل على أنه ~~كان واعيا كل الوعي لعقيدة التوحيد التي تمثل جوهر رسالته بمستوى لا يسمح ~~بوجود أية حالة التقاء بينه وبين المشركين لجهة ما يتعلق بالأوثان ~~وبعبادتها ، لأنه كان يعمل على تعميق الفصل بين عقيدة الشرك وعقيدة التوحيد ~~، كي لا يقترب الشرك من التوحيد ، ونلاحظ ذلك في سورة «الكافرون» التي تعبر ~~عن حساسية مفرطة ضد الشرك ، فهو ينتبه إلى أية كلمة تصدر من الآخرين في ذلك ~~، فكيف يغفل عما يصدر منه؟! # لقد كان التوحيد كل فكره ، وكان الوصول إليه كل هم دعوته ، والهدف الأساس ~~الذي سعى إلى إيصال الناس إليه ، فكيف يمكن أن يسيء إليه في كلامه؟! إن هذا ~~لا يمكن أن يقول به إنسان يحترم العقل في تحليله للأمور. # وعلى ضوء هذا ، فإننا لا نستطيع الوثوق بصدور هذه الرواية عن ابن عباس ، ~~أو سعيد بن جبير ، أو غيرهم من التابعين ، لأننا نحترم فكرهم ومعرفتهم ~~بالنبي وبالإسلام وبالقرآن ، فقد تكون هذه الرواية من الروايات الموضوعة ~~على لسان كثير من الصحابة ، يريد بها المنحرفون الإساءة إلى النبي وإلى ~~الإسلام ، لأنها تمثل مخالفة لكتاب الله الذي لا يجيز صدور مثل ms3738 هذا عن ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # وقد فسر المعترضون على هذه الرواية الآية بطريقة أخرى ، فقد ذكر صاحب ~~الميزان أن التمني في الأصل معناه : المني بالفتح فالسكون ، بمعنى : ~~التقدير ، وعليه يكون معنى قوله تعالى : ( @QUR@011 وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ) أي «إلا إذا تمنى وقدر بعض ما يتمناه من توافق ~~الأسباب على تقدم دينه وإقبال الناس عليه وإيمانهم به ، ألقى الشيطان في ~~أمنيته وداخل فيها بوسوسة الناس وتهييج الظالمين وإغراء المفسدين ، فأفسد ~~الأمر على ذلك الرسول أو النبي ، وأبطل سعيه ، فينسخ الله ويزيل ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم PageV16P099 # الله آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبي وإظهار الحق والله عليم حكيم» (1).. # وقد نلاحظ على هذا التفسير أنه حاول أن ينظر إلى مسألة إلقاء الشيطان في ~~الأمنية النبوية من خلال النظرة إلى الواقع الخارجي لحركة الأمنية في ساحة ~~الصراع بين خط الله وبين خط الشيطان ، مما يجعل الآية تطال أجواء إغراء ~~الشيطان للآخرين لجهة إبطال الأمنية في الواقع ، ولم يحاول أن ينظر إليها ~~من الداخل ، في ما تختزنه كلمة ( @QUR@04 ألقى الشيطان في أمنيته ) من معنى ~~إدخال شيء فيها بحيث تكون ظرفا له وموقعا من مواقعه ، لا حركة خارجية من ~~الآخرين في مواجهتها ، ليكون النسخ من خلال ذلك نسخا في حركة الواقع ، لا ~~نسخا في طبيعة الأمنية. # * * * ### ||| ** الآية وخطرات النفس النبوية # إن هذا المعنى الذي ذكره صحيح في الاعتبار ، ولكنه لا ينسجم مع ظهور ~~الآية في كلماتها ، كما نفهمه ، لأنها ظاهرة في وجود شيء ما من الشيطان ~~يلقيه في الأمنية ، وليس من الضروري أن يتجسد هذا الشيء فعليا في ما يصدر ~~عنه من قول أو فعل ، أو أن يكون منافيا للمبادئ التي يبشر بها ، بل قد يكون ~~انفتاحا عليهم بأن يشعرهم أنه يقبل إليهم ويستمع لهم دون أن يرفض ما ~~يقولونه أو يترك ما آمن به ، بل يوحي لهم بأنه يفكر بما يقولونه ، وذلك في ~~سبيل الإيحاء لهم بأن موقفه قد أصبح أكثر مرونة ، دون ms3739 أن يؤدي ذلك إلى ~~اهتزاز الموقف في حركة الرسالة ، أو إضعاف المؤمنين ، بل قد تكون المرونة ~~في الموقف لجهة علاقة النبي بالمشركين ، موجبا لتخفيف حالة التوتر النفسي PageV16P100 # تجاههم واهتزاز إيمانهم بذلك. # وقد تكون المسألة متحركة في خط الإيحاء باستخدام أسلوب يوحي بغير ما ~~يريده ، في محاولة لاحتواء الساحة ، بالموقف المهادن للمشركين والمجامل ~~لعقيدتهم ، دون إعطاء أي اعتراف بعقيدتهم أو الانجذاب إليها ، وذلك عبر باب ~~السكوت عنهم ، والاكتفاء بالإعلان عن وحدانية الله ، من ناحية إيجابية تعلن ~~وتقر عبادته ، دون الانطلاق في الناحية السلبية التي ترفض عبادة غيره ، ~~ليكون ذلك بمثابة الهدنة التي تخف فيها حدة الصراع ، من أجل خلق جو ملائم ~~للحوار معهم. # قد تكون هذه الأفكار وأمثالها هي التي كانت تخطر في ذهن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، في بعض الحالات الصعبة ، كما كانت تخطر في أذهان ~~الأنبياء والرسل من قبله ، عند ما تشتد التحديات أمام الدعوة ، ويتعرض ~~المؤمنون للزلزال النفسي تحت تأثير الضغوط الهائلة التي تضغط عليهم بقسوة. # ولكن هذه الأفكار لا تترك أثرا في الواقع ، ولا تنبع من موقع مستقر في ~~عمق الذات ، بل هي خطرات تطوف بالذهن ، وتتحرك بسرعة في مظاهر السلوك ، ~~فيتأثر بها المجتمع المؤمن بطريقة سلبية ، وينجذب إليها المجتمع الكفار ~~بطريقة إيجابية ، ولكنها سرعان ما تزول أمام الحاجة إلى الموقف الحاسم الذي ~~يفصل بين الإيمان والشرك بفاصل واضح ، لا مجال فيه لأية مهادنة أو لقاء ، ~~لأن المسألة تتصل بالأسس لا بالتفاصيل. ولعل هذا ما نستوحيه من قوله تعالى ~~: ( @QUR@035 وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا* ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا* إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ) [الإسراء : 73 75]. # إن هذه الآيات وأمثالها توحي بأن هناك شيئا ما يخطر بالبال ، ولكنه لا PageV16P101 # يثبت في النفس ، بل يطفو على سطح بعض الممارسات ، ثم ينتهي بشكل حاسم دون ~~أن يسيء إلى فكرة العصمة في الذات ، أو العصمة في التبليغ ms3740 ، لأن تأثر ~~الإنسان بما حوله على مستوى الخطورات الذهنية السريعة ، هو تماما كتأثره ~~بما حوله من الروائح الطيبة أو النتنة ، أو بما تثيره الأطعمة اللذيذة ~~القريبة منه ، من إفرازات جسدية في حالة الجوع أو الاشتهاء ، فإن العصمة لا ~~تلغي العنصر الإنساني الذاتي في شخصيته ، بل تلغي الحركة المنحرفة في خط ~~العقيدة التي يعتقدها ، والفكرة التي يتبناها ، والكلمة التي يقولها ~~والحركة التي يتحرك فيها .. # ربما يكون ما استوحيناه من معنى الآية تفسيرا لها ، لأنه يتناسب مع طبيعة ~~الأسلوب والكلمات المستخدمة فيها ، فهو يؤكد على أن الشيء الآتي من الشيطان ~~يدخل في عمق الأمنية داخل الذات ، ولا يتحرك في دائرة الآخرين الذين يعيشون ~~أجواء الرسالة ، بحيث يكون الإلقاء حركة في خط الأمنية لا في خط الآخرين ، ~~كما أنه لا يتنافى مع الشخصية النبوية الرسالية لجهة التزامها بالتوحيد ~~وإصرارها عليه ، وابتعادها عن كل الإيحاءات والكلمات التي تتنافي معه ، حتى ~~بنحو الغفلة والسهو ؛ والله العالم بحقائق آياته. # * * * ### ||| ** الله ينسخ ما يلقي الشيطان # ( @QUR@05 فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) ويزيله من فكر النبي أو الرسول ~~وقلبه ، حتى لا يبقى منه أي أثر سلبي على حركة الرسالة فكرة وأسلوبا ، لأن ~~الله يتعهد رسله بالرعاية في مشاعرهم وأفكارهم ، كما تعهدهم في حياتهم ~~وحركتهم في خط الرسالة ، رعاية لرسالته من خلالهم ، ( @QUR@04 ثم يحكم الله ~~آياته ) ويثبتها ، فلا يدع أي مجال للريب فيها ، من أية جهة كانت ، وذلك ~~بواسطة ألطافه التي PageV16P102 # يغدقها على رسوله ، فيمنع أي تحريف للكلمة ، وأية زيادة فيها ، لأن ذلك ~~هو السبيل لإحكام الآيات على أساس الثقة الشاملة بموافقتها للوحي الإلهي. ~~وليست المسألة كما صورته الرواية المدعاة ، من أن هناك زيادة سبقت إلى لسان ~~النبي ، ثم أزالها الله بعد ذلك ، وأرجع الآية إلى الكلمات الموحى بها من ~~الله .. وبذلك لا يكون التدرج الذي تتحدث عنه الآية «بالفاء» التي تدل على ~~التعقيب بلا فصل ، و «بثم» التي تدل عليه مع التراخي ، تدرجا زمانيا ، بل هو ~~تدرج بحسب الرتبة انطلاقا من طبيعة الارتباط بين الأشياء المذكورة في الآية ~~؛ والله ms3741 العالم. # ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) يحيط بكل شيء في الإنسان من الداخل والخارج ~~، ويتعهده بحكمة في كل ما يحتاج إليه من عناصر وشروط وأوضاع ، مما يوجب ~~اطمئنان الناس إلى سلامة خط الرسول في رسالته ، وحفظ القرآن في آياته ، ~~واستقامة حركته بين هذا وذاك. # * * * ### ||| ** ما يلقيه الشيطان فتنة لمرضى القلوب # ( @QUR@09 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ) من الكفر أو ~~النفاق ، ( @QUR@02 والقاسية قلوبهم ) الذين تحجرت قلوبهم بالجهل والتخلف ~~حتى لم تعد تنفتح على شيء من الفكر الحق ، وتجمدت مشاعرها بالغلظة والقسوة ~~، حتى لم تعد تنبض بالرحمة والخير ، وذلك بسبب هذه الأجواء التي تثيرها ~~الطبيعة الإيحائية لحركة النبي في الساحة ، فهي أجواء تجعل العزة بالإثم ~~تأخذهم من جهة ، باعتبار أقوال النبي تلك مظهر قوة لهم لما توحي به من ~~تنازلات لحسابهم ، أو تجعلهم يتحركون في طريق الفتنة لإضلال المؤمنين عن ~~دينهم ، باستغلال PageV16P103 # هيمنة الأجواء الهادئة على ساحة الصراع ، لإثارة فكرة التصالح بين الشرك ~~والتوحيد. # وقد نلاحظ أن أعداء الإسلام يستخدمون الكثير من هذه الأساليب التضليلية ، ~~مستغلين الروحية الطيبة الوديعة التي يتحرك فيها الدعاة إلى الله والعاملون ~~في سبيله ، والأساليب الموضوعية التي يستخدمونها في الحوار ، وما يبدونه من ~~انفتاح على الآخرين هدفه التغلب على الحقد والانغلاق ، الأمر الذي يوحي ~~لهؤلاء الآخرين ، أن هناك تنازلا في الفكرة ، واهتزازا في الموقف ، وتراجعا ~~عن خط الثورة ، وضعفا في القوة .. ولكن العاملين في ساحة الدعوة ينطلقون من ~~خطة محكمة تعرف ما تريد وكيف تصل إليه ، وتبقى في عملية نقد ذاتي متحرك ~~لمواجهة الأخطاء الطارئة ، قبل أن تتحول إلى انحرافات ثابتة .. # ( @QUR@05 وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ) وذلك في ما يثيرونه من الفوضى ~~والخصومة والجدل ، ليربكوا به الساحة ، وليعطلوا حركة المستضعفين في اتجاه ~~الحق والعدل والفلاح ، وبذلك تتحول أوضاعهم إلى مواقع للشحناء والبغضاء ~~والتفرق والتمزق الذي يمتد إلى أبعد الحدود التي تسمح بها وسائلهم وأوضاعهم ~~وظروفهم الفكرية والعملية. # * * * ### ||| ** ما يلقيه الشيطان تثبيت لإيمان المؤمنين # ( @QUR@010 وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ) لأن ~~انطلاقهم من مواقع ms3742 العلم في نظرتهم للأشياء ، يجعلهم في موقف الوعي والتفهم ~~لشخصية الرسول وحركته الداخلية والخارجية ، لمعرفتهم بالظروف المحيطة PageV16P104 # به ، التي تفرض تنوع أساليب العمل ، وتقتضي الكثير من المشاعر الإيجابية ~~لاحتواء الساحة ، مما قد يدخل فيه بعض الخطور الذهني الذي لا ينسجم مع ~~طبيعة الرسالة في جوها العملي ، ويعرفون كيف يرتفع الرسول عن كل ذلك سريعا ~~بوعيه المنفتح على الله ، والمتصل بالعمق الرسالي في قاعدة الفكر الإسلامي ~~وحركته ، ويواجهون أي شك بالفكرة الواضحة التي تؤكد أن الرسول مؤيد من ربه ~~بألطافه ، ومستقيم في سيره ، وصادق في كلمته ، وأمين على موقفه ، مما لا ~~يدع أي مجال لشبهة في أي مفهوم أو حكم شرعي أو آية قرآنية ، بل يرون أنه ~~الحق من الله ، في قناعة ثابتة مطمئنة ، فيؤمنون به إيمانا فكريا وروحيا ، ~~( @QUR@03 فتخبت له قلوبهم ) وتخضع له ، لأن ذلك هو معنى الإيمان المنفتح ~~الذي يتحرك في الذات من موقع العقل والفطرة ، حيث يهيمن على الكيان كله ، ~~بكل قوة وخضوع وإذعان. # ( @QUR@05 وإن الله لهاد الذين آمنوا ) إلى دينه عند ما يتحركون نحوه ~~بجدية في الفكر ومسئولية في الحركة ، فيشملهم الله بعنايته ، ويمنحهم لطفا ~~من لطفه ، فتشرق الهداية في قلوبهم ، فلا يجد الضلال إليها سبيلا ، من خلال ~~وضوح الرؤية الذي يعيش الإنسان فيه الصفاء والإشراق في أرحب الآفاق ، ~~ليقودهم ( @QUR@03 إلى صراط مستقيم ) لا عوج فيه ولا التواء. # * * * ### ||| ** الكافرون في مرية من الحق # ( @QUR@07 ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ) أي في شك من الحق الذي ~~يمثله القرآن المنزل من الله على رسله ، ولكن هذا الشك الذي يبعدهم عن ~~الإيمان ليس مرتكزا على أساس فكري يشكل علامات استفهام متعددة تبحث عن جواب ~~حول الكثير من قضايا التوحيد والرسالة والرسول ، بل يرتكز على أجواء PageV16P105 # اللامبالاة التي يواجهون بها المسائل ، وعلى رغبة التمرد على خط الالتزام ~~في الحياة ، كونه يحرك الخطوات في الخط المستقيم الذي قد يثقل أوضاعهم ، ~~ويرهق حياتهم .. ولهذا ، فإن هذا الشك السطحي الغارق في السلبية لا ينتهي ~~إلى إيمان ، كما هي حال الشك المنهجي الذي يبحث ms3743 دائما عن الحقيقة من خلال ~~ملاحقة الأفكار الإيمانية ومناقشتها طلبا لتكوين قناعات قاعدتها البحث ~~والتأمل ، ولذا فإن هذا الشك قد يصل في نهاية المطاف إلى الإيمان من أقرب ~~طريق .. # أما الكافرون ، فيستمرون على كفرهم رغبة في البقاء على عقيدة الآباء حتى ~~تأتيهم الساعة الموعودة وهي يوم القيامة ، ( @QUR@09 حتى تأتيهم الساعة ~~بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) يواجهون فيه نتائج كفرهم وتمردهم ، وهو يوم ~~لا يليه آخر يمكن أن يأملوا فيه الخروج من قساوة العذاب وضغطة ، لأن ما ~~بعده هو الهلاك ، وهذا هو معنى عقم اليوم .. وهكذا يواجهون الموقف الصعب ~~حيث تتكشف الأشياء ، فيقرون بالحقائق الإيمانية ولكن بعد فوات الأوان. # * * * ### ||| ** الملك لله .. وللكافرين عذاب مهين # ( @QUR@03 الملك يومئذ لله ) فلا يملك أحد لنفسه هناك شيئا ، فالله هو ~~المهيمن على الأمر كله ، ( @QUR@02 يحكم بينهم ) في ما اختلفوا فيه ، وفي ~~ما قاموا به من أعمال ، فهو الحاكم ولا حاكم غيره ، لذا لا بد للناس من ~~الاستعداد لذلك الموقف ، في ما يحتجون به لأنفسهم مما يخلصهم من العذاب من ~~خلال أعمالهم في الدنيا ، لأن الحكم هو حكم العدل الذي لا يظلم أحدا مثقال ~~ذرة ، فلكل نصيب من عمله ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ( @QUR@07 فالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ) هي مأواهم ومستقرهم لأنها هي ~~الجزاء الأوفى PageV16P106 # للمؤمنين العاملين في خط الصلاح والإصلاح ، في ما يأمرهم الله به أو ~~ينهاهم عنه ، ( @QUR@04 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) ولم يرجعوا إلى ~~عقولهم ليفكروا بالإيمان ومقدماته وبالقرآن وآياته ، بل انطلقوا بالكفر من ~~موقع التمرد ، وبالتكذيب من موقع الجهل ، ( @QUR@04 فأولئك لهم عذاب مهين ) ~~لأنهم كفروا بعد قيام الحجة عليهم ، فحقت عليهم كلمة الله بالعذاب المهين. # * * * PageV16P107 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) @QUR@07 ليدخلنهم مدخلا يرضونه ~~وإن الله لعليم حليم (59) @QUR@016 ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي ~~عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) @QUR@015 ذلك بأن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ms3744 الله سميع بصير (61) @QUR@017 ~~ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (62) @QUR@015 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ~~إن الله لطيف خبير (63) @QUR@012 له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله ~~لهو الغني الحميد (64) @QUR@027 ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك ~~تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله ~~بالناس لرؤف رحيم (65) @QUR@010 وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن ~~الإنسان لكفور ) (66) # * * * PageV16P108 ### ||| ** نعم إلهية وكفران بشري # ( @QUR@05 والذين هاجروا في سبيل الله ) وفارقوا ديارهم تحت ضغط التحديات ~~القاسية التي واجهتهم ، لأنهم آمنوا بالله واتبعوا رسوله وأصروا على السير ~~في خطه ، أو انطلقوا في عملية تكامل مع غيرهم من المسلمين من أجل الجهاد في ~~سبيل الله والدعوة إلى دينه ، ( @QUR@02 ثم قتلوا ) في ساحة الجهاد ( ~~@QUR@02 أو ماتوا ) في ساحة الدعوة أو في حال الاستعداد للجهاد ، ( @QUR@04 ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) في ما يمنحهم من نعيم الآخرة في الجنة ، ( ~~@QUR@05 وإن الله لهو خير الرازقين ) لأنه الذي يملك الرزق كله ، ويرزق ~~عباده الصالحين بغير حساب ، و ( @QUR@03 ليدخلنهم مدخلا يرضونه ) وهو الجنة ~~بما تحتويه من كل ما يشتهيه الإنسان ويطمح إليه من ملذات ومشتهيات ، جزاء ~~لهم على ما عانوه وقاسوه جراء خروجهم من ديارهم التي أحبوها وألفوها ، ( ~~@QUR@04 وإن الله لعليم حليم ) فهو العليم بما يرضي عباده المؤمنين ~~المجاهدين ويصلحهم ، وهو الحليم الذي لا يعاجل الظالمين بنقمته ، بل يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى هم بالغوه. # ( @QUR@07 ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به )، فكانت مواجهته للعدوان حادة ~~كهؤلاء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأهلهم ، حيث تحدوا وقاتلوا ~~العدوان عليهم لرد الظلم ودحره ( @QUR@03 ثم بغي عليه ) بالعدوان الذي لا ~~شرعية له ، ( @QUR@02 لينصرنه الله ) فيظهره على أعدائه ، وينصره بنصره ، ( ~~@QUR@04 إن الله لعفو غفور ) فلا يؤاخذهم بقتلهم أو جرحهم الآخرين خلال ~~جهادهم ، لأنهم أصحاب حق في عملهم ذاك ، لذا فإن العفو عنهم والمغفرة لهم ~~لا يعبر عن التجاوز عن ذنب اقترفوه ms3745 أو عن خطيئة ارتكبوها ، بل يعبر عن عدم PageV16P109 # مؤاخذتهم بذلك ، لأنه إنما يؤاخذ الذين يقتلون بالعدوان ، لا برد العدوان ~~، والله العالم. # * * * ### ||| ** ( @QUR@03 الله هو الحق .. @QUR@ هو العلي الكبير ) # ( @QUR@011 ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) ~~فيحل كل واحد منهما محل الآخر عبر اقتطاع الليل من زمن النهار ، أو عبر ~~هجوم ضوء الصباح على ظلمة الليل ، كما لو كان شيئا يلج في داخله .. ثم يتسع ~~الضوء ويمتد وينتشر في الفضاء ، فيملأ ما كان الليل يشغله من فراغ ، أو عبر ~~هجوم الظلام على النهار بالطريقة نفسها. # وقد يكون في ذلك إشارة إلى ما ذكره من نصرة المظلوم على ظالمة ، حيث يظهر ~~الله أحد المتضادين على الآخر ، كما يولج الليل في النهار أو يولج النهار ~~في الليل فيغلب أحدهما على الآخر. وربما كان ذلك تأكيدا على قدرة الله ~~المطلقة التي تتحكم بحركة الكون فتغيره من حال إلى حال ضمن السنن الكونية ~~التي أودعها في نظامه ، مما يوحي بعظمة القدرة الإلهية التي يعود المظلوم ~~إليها طلبا للنصرة على ظالمة. # ( @QUR@04 وأن الله سميع بصير ) يسمع كل ما يدور بين عباده من أقوال ، ~~ويبصر كل ما يقومون به من أفعال ، فيهيمن من خلال ذلك على الأمر كله ، ولا ~~يفوته منه شيء ، قريبا كان أو بعيدا ، ( @QUR@05 ذلك بأن الله هو الحق ) ~~فهو الحقيقة الوحيدة المطلقة التي امتد الكون من قدرتها وعاش نظامه بحكمتها ~~، وليس لأحد معه أية قدرة أو سلطة ، فهو صاحب الأمر كله ، وكل موجود مخلوق ~~له ، وكل نعمة منه ، وكل حركة بإرادته ، هو مرجع الكون كله ، وكل شيء هالك إلا PageV16P110 # وجهه .. وبذلك ، كان الحق منطلقا من سر وجوده ، فلا إله إلا هو ، ولا ~~معبود سواه ، ( @QUR@07 وأن ما يدعون من دونه هو الباطل )، لأنه لا يمثل ~~وجودا مستقلا بذاته ، بل وجودا مستمدا من الله ليس له أية قدرة ذاتية ، لأن ~~الله هو الذي أعطاه القوة ، ولا يملك أي أساس للسلطة والألوهية لعبادته ، ~~لأنه عبد فقير يعيش الحاجة إلى الله في كل شيء ، لا ms3746 يملك لنفسه ولا لغيره ~~ضرا ولا نفعا إلا بالله .. فكيف يمكن أن يكون موقع الألوهية الذي ادعاه ~~لنفسه أو ادعاه غيره له حقا في المعنى ، أو حقا في الواقع ، بل هو الباطل كله. # إن الألوهية تعني الحقيقة المطلقة المهيمنة على كل شيء ، وبذلك كان الله ~~في وحدانيته هو الحق ، وكان غيره في حاجته هو الباطل. ( @QUR@05 وأن الله ~~هو العلي الكبير ) الذي يتوحد بالعلو المطلق الذي لا يعلو عليه شيء ، ~~ويتوحد بالمنزلة الكبيرة فلا شيء أكبر منه ، ولا يمكن أن يدانيه أحد ~~ليشاركه في الألوهية. # * * * ### ||| ** الله الرازق اللطيف بعباده # ( @QUR@08 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ) على الأرض الميتة اليابسة ~~التي لا أثر للحياة فيها ، فيتفاعل الماء مع التراب وما يشتمل عليه من بذور ~~الزرع ، ( @QUR@03 فتصبح الأرض مخضرة ) فتمتلئ بما يأكله الناس والأنعام ، ~~ويغذي الروح والبصر ، ( @QUR@04 إن الله لطيف خبير ) بعباده في ما يخلقه ~~لهم من أسباب الرزق ، بما يحتاجون إليه من عناصر القوة لامتداد حياتهم ، ( ~~@QUR@07 له ما في السماوات وما في الأرض )، فهو مالك السماوات والأرض وكل ~~شيء فيها ، فهو الخالق والمدبر لها ، ( @QUR@05 وإن الله لهو الغني الحميد ~~)، فهو الغني عن خلقه ، لأنه الغني في ذاته ، بينما كل شيء يحتاج إليه في ~~وجوده وفي استمرار ذلك PageV16P111 # الوجود ، وهو المحمود في صفاته وأفعاله وفي رعاية خلقه ولطفه بهم. # * * * ### ||| ** تسخير الله ما في الأرض للناس # ( @QUR@09 ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ) لجهة ما تحتويه من أسباب ~~الرزق والاستقرار ، ( @QUR@05 والفلك تجري في البحر بأمره ) فتنقلكم إلى ~~الأماكن التي لا تملكون الوصول إليها إلا عن طريق البحر ، وألهمكم كيفية ~~التخلص من كل أخطار البحر والوصول إلى الشاطئ بسلام ، ( @QUR@08 ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) من خلال ما أودعه فيها من قوانين ~~وأنظمة تمنحها التماسك والثبات بقدرته التي لا يعجزها شيء وإن عظم ، ~~فالسماء بكل أفلاكها وكواكبها لا تستند إلى أي شيء من الأشياء التي يستند ~~إليها ما يضرب في الجو عادة ، فمن أين هذا الثبات وكيف ..؟ إن قدرة ms3747 الله هي ~~التفسير الوحيد لذلك ، وكل سر يكتشفه الإنسان فيه هو سر ينطلق من عمق ~~القدرة ، لأنه هو الذي خلقه وخلق نتائجه ، فهو مسبب الأسباب وهو سبب كل شيء ~~، وعلى الإنسان أن يفكر في ذلك كله ، ليهتدي إلى سر عظمة الله في خلقه ، ( ~~@QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) فمن مظاهر رأفته ورحمته بالناس تسخير ~~موجودات الكون لهم وجعلها خاضعة لإرادتهم ، لهم أن يستثمروا كل القوى ~~الموجودة فيها ، بما يكفل لهم الراحة والطمأنينة والقوة والاستمرار. # ( @QUR@03 وهو الذي أحياكم ) بعد أن كنتم في غياهب العدم ( @QUR@02 ثم ~~يميتكم ) بعد أن تأخذوا من الحياة كل ما تستطيعون أخذه والانتفاع به ، ( ~~@QUR@02 ثم يحييكم ) ليحاسبكم على كل ما قمتم به في حياتكم من أفعال الخير ~~والشر ، وما تحركتم به في خط الانحراف والاستقامة ، على ضوء ما كلفكم به من ~~مسئولية في بناء PageV16P112 # الحياة وتحريكها على الصورة التي جاءت في مضمون رسالاته ، ( @QUR@03 إن ~~الإنسان لكفور ) بما يحيط به من نعم ينبغي أن يشكر الله عليها ، بالإيمان ~~به ، والسير على نهجه ، والعمل بما يرضيه ، لكن مشكلة الإنسان أنه ينسى ربه ~~وينسى نعمه عليه ، فينسى نفسه ، ويجحد الحق المتمثل بالله ، ويخضع لشهواته ~~وغرائزه ، ويترك مسئولياته. # * * * PageV16P113 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ~~ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) @QUR@07 وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ~~(68) @QUR@09 الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ~~@QUR@018 ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير (70) @QUR@018 ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ~~ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71) @QUR@029 وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ~~آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ~~(72) @QUR@029 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ms3748 ~~منه ضعف الطالب والمطلوب (73) @QUR@09 ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي ~~عزيز (74) @QUR@011 الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع ~~بصير (75) @QUR@010 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور ) (76) # * * * PageV16P114 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 منسكا ): المراد بالمنسك هنا : الشريعة والمنهاج. # ( @QUR@01 ناسكوه ): عاملون أو ملتزمون به. # ( @QUR@01 سلطانا ): برهانا وحجة. # ( @QUR@01 يسطون ): يبطشون. قال في المجمع : «السطوة : إظهار الحال ~~الهائلة للإخافة ، يقال : سطا عليه يسطو سطوة ، سطا به ، والإنسان مسطو به. # والسطوة والبطشة بمعنى» (1). # ( @QUR@01 يصطفي )؛ الاصطفاء : أخذ صفوة الشيء وخالصته ، قال الراغب : ~~«والاصطفاء تناول صفو الشيء ، كما أن الاختيار تناول خيره ، والاجتباء ~~تناول جبايته» (2). # * * * ### ||| ** لكل أمة جعلنا منسكا # ( @QUR@04 لكل أمة جعلنا منسكا ) أي شريعة ومنهجا في عبادة الله ، ( ~~@QUR@02 هم ناسكوه ) سائرون عليه وملتزمون به ، ذلك أن مصلحة البشر تفرض ~~التغيير والتبديل على هذا المستوى نظرا لتطور التفكير وتغير الزمن. وبما أن ~~الله ينزل الأحكام حسب ما تقتضيه مصلحة عباده ، وفي ما ينسجم مع أوضاعهم العامة PageV16P115 # والخاصة ، فلا غرابة في أن تختلف المناسك التي جاء بها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، عن المناسك التي كانت مألوفة في الرسالات السابقة ، ~~( @QUR@04 فلا ينازعنك في الأمر ) أي ليس لهم أن ينازعوك ذلك ، لأن اختلاف ~~ما جاء به النبي عما جاء في الشرائع السابقة ، لا يدل على أنه ليس من عند ~~الله ، لأن حكمة الله قد اقتضت أن يغير خصوصيات المناسك والشرائع من رسالة ~~إلى أخرى. وبما أن الأمر كذلك ، فلا بد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الابتعاد عن ساحة التعقيد مما يثيره الكافرون من الضوضاء حوله ، ومحاولتهم ~~منهم التشكيك بصدق رسالته ، بحجة اختلافها عما يعرفونه من أحكام ، لأن أي ~~كلام يفتقد الحجة لا يملك ثباتا على المدى الطويل ، وبالتالي فإن تأثيره ~~الجزئي الذي يمكن أن يتركه لا بد من أن يزول بطريقة أو بأخرى أمام ظهور ~~الحقيقة الواضحة .. ولهذا دعا الله رسوله لمواصلة طريقه دون الاكتراث بكل ~~هذا الضجيج الذي يثيرونه أمامه .. # ( @QUR@07 وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ) ولا تتوقف ولا ms3749 تتراجع ، بل ~~استمر في الطريق الذي بدأته ودعوت إليه ، لأنك على هدى واضح يتحرك في خط ~~الاستقامة ، بحيث لا يستطيع أحد أن يسجل عليك نقطة في خط الانحراف. # * * * # ( @QUR@04 الله أعلم بما تعملون ) # ( @QUR@02 وإن جادلوك ) وأرادوا أن يصرفوك عن خط الدعوة وخط العمل في ~~سبيل الله ، فلا تدخل في تفاصيل الجدل الذي يثيرونه ، بعد أن أوضحت لهم ~~المبدأ الأساس الذي يحكم ذلك كله ، بل اختصر الموقف كله بكلمة واحدة ترجع ~~فيها الأمر إلى الله ، فهو الذي يعلم السر وأخفى ، ويعلم ما تنطوي عليه ~~الضمائر ، ( @QUR@05 فقل الله أعلم بما تعملون ) فمهما حاولتم إثارة الجدال ~~في محاولة PageV16P116 # منكم لتوظيف الموقف لصالحكم ولإظهار أنفسكم كأصحاب حق ، فإن الله يعلم ما ~~أنتم فيه ، ولا تفيدكم أمامه محاولة الظهور بغير مظهركم الحقيقي ، و ( ~~@QUR@09 الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) فهو الحكم ~~الفصل في الأمور كلها ، وسترون الجزاء الصعب الذي ستلقونه نتيجة ما كنتم ~~تختلفون فيه وتخالفون الحق وأهله. # ( @QUR@013 ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب ) ~~محفوظ لا يتغير ولا يتبدل ولا يسقط منه شيء سهوا أو نسيانا ، لأن الله فوق ~~السهو والنسيان ، وإذا فإن ما يقوم به الناس من أعمال تسيء إلى الله ورسله ~~ورسالاته محفوظ عنده وسيحاسب مرتكبوها عليها ، ( @QUR@05 إن ذلك على الله ~~يسير ) لأن من خلق المخلوقات ودبرها يسهل عليه حفظ كل ما يتعلق بها من أعمال. # * * * ### ||| ** عبادة غير الله لا تستند إلى أساس # ويستمر الحديث في أجواء حركة الرسالة مع الذين تمردوا على الله ، ولم ~~يذعنوا للحقائق ، وأصروا على جهلهم ، ولم ينطلقوا إلى مواقع العلم ليأخذوا ~~بها ليهتدوا سواء السبيل ... # ( @QUR@09 ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ) فهم لا يملكون أية ~~حجة من عقل أو وحي على ألوهية من يعبدونهم من دون الله ، فهؤلاء لا يتميزون ~~عن غيرهم من الموجودات المماثلة لهم في عناصرها وأشكالها بأية صفة خاصة ، ~~ولا علاقة لهم بالوجود في خلقه وحركته من قريب أو من بعيد ، فليس هناك ms3750 أساس ~~علمي أو منطقي تستند إليه فكرة عبادتهم ، وهم في عبادتهم تلك يلتزمون ما لا ~~يملكون حجة عليه ، ( @QUR@05 وما ليس لهم به علم ) لأنهم لو رجعوا إلى ~~عقولهم لما وجدوا فيها من الحقيقة ما يقودهم إلى الالتزام بهذه العبادة ، ولو PageV16P117 # التفتوا إلى خصائص هذه الأشياء لما وجدوا فيها ما يفرض عليهم الاعتقاد ~~بألوهيتها ، بل هو الجهل والتخلف اللذان يصور ان لهم المسألة بصورة الحقيقة ~~دون حجة أو أساس ، فهم يظلمون أنفسهم بالتزام عبادة هذه الأشياء التي ~~تقودهم إلى الهلاك في الآخرة ، كما تقودهم إلى الانحراف عن خط الحق في ~~الدنيا ، ويظلمون الحياة والناس عند ما يركزون خط السير في غير الاتجاه ~~الذي يلتقي بوحدانية الله ، ويظلمون ربهم عند ما يسيئون إليه ، ويبتعدون عن ~~شكره والالتزام بتوحيده ، أداء لحقه عليهم ، ( @QUR@04 وما للظالمين من ~~نصير )، لأنهم سيواجهون الموقف وحدهم ، بعيدا عمن يعبدونهم وينتصرون بهم ، ~~لأن هؤلاء لن ينصروهم ولن ينصروا أنفسهم لعجزهم عن فعل ذلك ، ولافتقادهم ~~القوة الذاتية ، وسيقفون وجها لوجه أمام العذاب الذي حكم الله عليهم به ، ~~ولن ينصرهم أحد منه. # * * * ### ||| ** وعد الله للذين كفروا # ( @QUR@05 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) دون لبس أو غموض ، وبوضوح يطل ~~على الحقيقة ، فإذا بالكافرين ، بدلا من الانفتاح على تلك الآيات ونتيجة ~~العقدة النفسية الخانقة التي تضغط عليهم ، يقفون حيارى بين إشراق الحقيقة ~~على الفكر والروح وبين ظلمات ماضيهم وواقعهم ، فيحاولون الهرب من هذا ~~الصراع الداخلي بمواجهة المؤمنين الذين أحرجوهم وحاصروهم بالحق القادم من ~~وحي الله ، فإذا كانت المواجهة ، برزت في ملامحهم هذه الصورة ، ( @QUR@06 ~~تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ) الذي يستبطن الرغبة في العدوان والتدمير ~~، ويعبر عن الحقد والكراهية ، ونحو ذلك من المعاني التي تختزنها كلمة ~~المنكر في مضمونها وإيحاءاتها ، ( @QUR@04 يكادون يسطون بالذين يتلون PageV16P118 # @QUR@02 عليهم آياتنا ) ويهجمون عليهم في عملية استعراض للقوة لإخافتهم ~~وإلحاق الهزيمة النفسية بهم ، ليتخلصوا منهم ومن مواقفهم الإيمانية ومن هذا ~~الجو الداخلي الذي يثيرونه فيهم ويعتبرونه شرا ، باعتبار أنه يبعدهم عن ~~عقيدة الآباء. # ( @QUR@05 قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ) الذي تحسبونه شرا ms3751 ، لتوازنوا بينه ~~وبين ما يعدكم الله به يوم القيامة من عذاب ، لتتخذوا الموقف على ضوء دراسة ~~واعية تقارب بين موقفين : ترك عبادة ما تدعون من دون الله ، أو النار ، ~~لتختاروا أهونهما على مستوى المصير ، ( @QUR@05 النار وعدها الله الذين ~~كفروا ) جزاء على كفرهم الذي لا يرجعون فيه إلى حجة ولا ينطلقون فيه من ~~موقع علم ، ( @QUR@02 وبئس المصير ) الذي اختاروه لأنفسهم اتباعا للأهواء ~~والشهوات ، في ما تقودهم إليه من الانحراف عن خط الله. # * * * ### ||| ** الهة الكفار : مثال العجز والضعف # ويستمر القرآن في حث الإنسان على المقارنة بين عظمة القدرة في ذات الله ، ~~وبين ضعف وحقارة ما يدعونه من دونه من شركاء ، لتتجلى أمام الإنسان تفاهة ~~ما يعتقده ، وانحرافه الروحي ، واهتزاز خطواته ، وليشاهد آلهته على حقيقتها ~~، فهي ليست إلا مجرد مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، إلا في ~~حدود ما وضعه الله فيها من قدرته .. وفي ذلك يتمثل ضعف تلك الآلهة المزعومة ~~أمام أضعف مخلوقات الله تعالى. # ( @QUR@07 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ) بكل عمق الفكر في عقولكم ~~، وبكل صفاء الوعي في وجدانكم ، لأنه أمر يتصل بالمصير الإنساني وحركة PageV16P119 # العقيدة ، لأن التفكير بالمثل المضروب هنا مسئولية هامة يتحدد على أساسها ~~الموقف من الحقائق التي يكشفها ، فاللامبالاة في مثل هذه الأمور قد تؤدي ~~بالإنسان إلى الهلاك الدائم على مستوى العقيدة وخط السير. # ( @QUR@022 إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ). تجسد هذه ~~الآية الكريمة ، عجز الهة الكافرين المطلق أمام أصغر مخلوقات الله وأحقرها ~~، في صورة رائعة ، تسخر من فكرة ألوهية هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله. # وأي صورة أبلغ من تلك التي تضع الآلهة بكل ما توحيه صفة الألوهية من قوة ~~في مشهدين ، أحدهما : اجتماعها على خلق ذبابة واحدة وعجزها عن ذلك ، بالرغم ~~مما تبذله من جهد في هذا السبيل ، وثانيهما : مشهد الذباب ، في كل ما يجسده ~~هذا المخلوق الصغير من معاني الضعف والصغر والحقارة ، من حيث الحجم ms3752 والقدرة ~~الجسمية ، وقد اندفع إلى هؤلاء الآلهة الكبار ، ليسلبهم شيئا ، أي شيء ، ~~فإذا بالآلهة يركضون خلفه ، ويلهثون لاسترجاع ما أخذه ولاستنقاذ ما سلبهم ~~إياه ، فلا يسترجعونه منه ، ولا يستنقذونه من براثنه إن كان للذباب براثن ~~؟! إنه أسلوب يجرد هؤلاء من صفات الألوهية من جهة ، ويعرضهم للسخرية ~~والاستهزاء من جهة أخرى ، ويؤثر على موقف هؤلاء الذين اعتقدوا بهم وعبدوهم ~~من دون الله ، عند ما يجدون أنفسهم في حالة لا يحسدون عليها ، لأنها لا ~~ترتكز على أساس ، ولا توحي بالاحترام إن لم توح بخلافه. # إنه الضعف المتبادل بين الطالب والمطلوب ، إذ يعيش كل واحد منهما نقطة ~~ضعف تختلف في طبيعتها عن نقطة ضعف الآخر ، فإذا كان أحدهما قويا في جسده ، ~~فقد يكون ضعيفا في حركته ، وإذا كان الآخر ضعيفا في جسمه ، فإنه يملك القوة ~~في سرعة حركته. PageV16P120 # إنه مثل يريد الله للإنسان أن يدرك من خلاله سر الضعف في الإنسان المتأله ~~، أو المؤله ، ليعي بعمق المعرفة أن هؤلاء لا يملكون في ذاتهم أي شرط من ~~شروط الألوهية ، بل يعيشون ضعف المخلوقين في وجودهم .. ولكن الناس لا ~~يرتفعون إلى الآفاق الفكرية التي تمكنهم من الإطلالة على عظمة الله من أوسع ~~المجالات ، بل ينكمشون في تصوراتهم ، ويبتعدون عن وعي الحقائق في عقولهم. # ( @QUR@05 ما قدروا الله حق قدره ) عند ما يقارنون به غيره ، ويشركون ~~بعبادته ما هو مخلوق له ، أو يقصرون في طاعته ، أو ينحرفون عن هداه ، ولا ~~يستغرقون في عظمته لتمتلئ قلوبهم بالخشوع له ، بعيدا عن كل من هو دونه ، ( ~~@QUR@04 إن الله لقوي عزيز ) لا يصل أحد إلى مستوى قوته ، لأن قوته مطلقة ~~لا تقف عند حد ، وليس لأحد قوة إلا به ، فالوجود كله يستمد قوته منه ، وهو ~~المهيمن على الأمر كله ، لا ينتقص أحد من عزته ، وهو العزيز الذي شملت عزته ~~الوجود كله ، لأنه يملكه بكل مواقعه ومظاهره ، مما يجعل كل شيء ذليلا أمامه ~~، لأن العزة لله جميعا .. # * * * ### ||| ** اصطفاء الله رسلا من الملائكة والناس # ( @QUR@05 الله يصطفي من الملائكة رسلا ) يوجههم في مهمات يريد ms3753 أن تتحقق ~~في ساحة الدنيا ، ويحملهم وحيه إلى رسله ، ( @QUR@02 ومن الناس ) الذين ~~يختارهم ليحملوا رسالاته إلى خلقه ، ويبلغوها إليهم ، من موقع لطفه بعباده ~~، فهو يريد أن يهديهم إلى طاعته التي بها صلاحهم ، ويبعدهم عن معصيته التي ~~هي سر فسادهم ( @QUR@04 إن الله سميع بصير ) يسمع كل ما يقولون ، ويبصر كل ~~ما يعملون ، فلا يغيب عنه من أمرهم شيء مما يقومون به في السر والعلانية ، لأنه PageV16P121 # يعلم السر وأخفى ، ويعلم وساوس الصدور ، ( @QUR@06 يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ) لأنه المحيط بكل خلقه وكل مواقعهم ، فلا يمتنع عليه معرفة شيء ~~من ذلك كله ، ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور )، فهو الذي بيده الحساب ، ~~وإليه المآب ، في ما يتنازعون فيه ، وفي ما يختلفون عليه ، وفي ما يقومون ~~به من أعمال خيرة أو شريرة. ويحتمل أن تكون عبارة ( @QUR@05 ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ) راجعة إلى من يصطفيهم الله رسلا من الملائكة والناس ، وذلك في ~~ما استظهره صاحب الميزان في تفسيره ، قال : «والآية كما ترى تنادي بأن ذكر ~~علمه بما بين أيديهم وما خلفهم للدلالة على أنه تعالى مراقب للطريق الذي ~~يسلكه الوحي فيما بينه وبين الناس ، حافظ له أن يختل في نفسه بنسيان أو ~~تغيير أو يفسد بشيء من مكائد الشياطين وتسويلاتهم ، كل ذلك لأن حملة الوحي ~~من الرسل بعينه وبمشهد منه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وهو بالمرصاد. ومن ~~هنا يظهر أن المراد بما بين أيديهم هو ما بينهم وبين من يؤدون إليه ، فما ~~بين أيدي الرسول الملكي ، هو ما بينه وبين الرسول الإنساني ، وما بين يدي ~~الرسول الإنساني هو ما بينه وبين الناس ، والمراد بما خلفهم هو ما بينهم ~~وبين الله سبحانه ، والجميع سائرون من جانب الله إلى الناس. فالوحي في مأمن ~~إلهي منذ يصدر من ساحة العظمة والكبرياء إلى أن يبلغ الناس ، ولازمه أن ~~الرسل معصومون في تلقي الوحي ، ومعصومون في حفظه ، ومعصومون في إبلاغه ~~للناس» (1). # وهكذا الاحتمال وجيه في نفسه ، وقريب إلى واقع المسألة ، ولكن استظهاره ~~من الآية غير واضح ، لأن الظاهر ms3754 أنها واردة لتأكيد إحاطة الله بالأشياء ، ~~على غرار ما جرى عليه الأسلوب القرآني من تأكيد صفات الله في الجو العام ~~للقضايا التي تثيرها الآيات ؛ والله العالم. PageV16P122 # وتلك هي الصورة التي يريد الله لعباده أن يتمثلوها في وعيهم العقيدي ~~لموقع ذات الإله العظيم ، ليتفرد في عقولهم وقلوبهم ، كما هو متفرد في ذاته ~~، عند ما يقارنون بوعي بين سر العظمة في ذاته وسر الحقارة في خلقه. # * * * PageV16P123 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77) @QUR@044 وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي ~~هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) (78) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اجتباكم ): اختاركم واصطفاكم لدينه. # ( @QUR@01 حرج ): ضيق. # ( @QUR@01 ملة ): دين. # * * * PageV16P124 ### ||| ** عناصر حركة الإيمان # إنه النداء الأخير يوجهه الله سبحانه إلى المؤمنين في نهاية هذه السورة ، ~~ليؤكد عناصر حركة الإيمان الثابتة في حياتهم ، وليثير في وعيهم التكريم ~~الإلهي لهم في ما أنزله عليهم من رسالة ، وفي ما أراده لهم من دور ، وفي ~~الطبيعة السمحة للمهمات الموكولة إليهم في خط التشريع ، في ما أمرهم به أو ~~نهاهم عنه. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) الذين يريد الله لهم أن يعيشوا الإيمان ~~فكرا وممارسة وموقف حياة ، فلا يبقى إيمانهم مجرد خواطر تعيش في العقل ، ~~ومشاعر تتحرك في الإحساس ، وتقاليد تنطلق في الممارسة .. ( @QUR@02 اركعوا ~~واسجدوا ) فإن الركوع والسجود يمثلان انحناء الإرادة الإنسانية بما توحي به ~~من انحناء روحي أمام الله حتى الانسحاق ، ( @QUR@02 واعبدوا ربكم ) فإن ~~العبادة هي خط تتمثل فيه الطاعة الإنسانية لله عبر تنفيذ أوامره وترك ~~نواهيه ، ومن ذلك يتجسد سر العبودية أمام حقيقة الألوهية حركة في خط ~~المسؤولية ، ( @QUR@02 وافعلوا الخير ) في كل مجالات الحياة الفردية ~~والاجتماعية ، وفي مختلف النشاطات الإنسانية ، فذلك يفتح قلب الإنسان وروحه ~~على الجانب الحلو من الحياة ، ويمنح الحياة تقدما وعمقا وحيوية ، ويربط ~~العنصر الإنساني الطيب بحركة الواقع .. ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ms3755 )، لأن ~~طريق الفلاح هو خط الخير المنطلق من عبودية الله والمتحرك في خط المسؤولية ~~في الحياة. # ( @QUR@05 وجاهدوا في الله حق جهاده ) لأن الله يريد للناس أن يواجهوا ~~التحديات بإرادة صلبة مستعدة لمجابهة كل الصعوبات ، وتحمل كل آلام الحرمان ~~، من أجل تحقيق الصورة التي يحب الله للحياة أن تكون عليها ويريد للإنسان ~~أن يبرز فيها ، ابتداء من جهاد النفس الذي يقتحم الأعماق ليحطم كل الحواجز التي PageV16P125 # تحول بينها وبين الانطلاق في طريق الخير ، إلى جهاد العدو الذي يخوض ~~المعارك انتصارا للشيطان ليبعد الإنسان عن طريق الله .. إنه خط الجهاد ~~المتحرك على أكثر من جهة يريد الله للناس بذل كل جهدهم لإعطائه حقه ، لجهة ~~توفير ما يحتاجه من شروط ، وتحريك ما يستلزمه من مواقع ، وإثارة ما يخدمه ~~من أجواء ، فلا يبقى أي شيء من طاقاتهم إلا وقد بذلوه في هذا السبيل إخلاصا لله. # ( @QUR@02 هو اجتباكم ) واختاركم من بين خلقه لتكونوا الأمة المرحومة ~~الداعية المجاهدة التي تحمل من خلال الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالة ~~الإسلام للناس كافة ، وحملكم مسئولية ذلك ، وتلك كرامة إلهية لا تفوقها ~~كرامة ، تفرض عليكم رعايتها وتحريكها في الاتجاه الذي يحبه الله. # * * * # ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ) # ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من حرج ) فقد أتاكم النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالشريعة السمحة السهلة ، وبالدين الذي هو في مجملة ~~يسر لا عسر فيه ، فهو يتناسب مع الطبيعة الإنسانية دون أن يحمل أي ضيق خارج ~~عن استطاعة الإنسان وقدرته. وكل ما يحسبه الإنسان عسرا في هذه الشريعة ~~السمحة ، ما هو بعسر أو ضيق إلا لمن يهرب من مواجهة التكليف بالالتزام الذي ~~يرفضه البعض ، تخففا من قيود المسؤولية مهما كانت. # وقد استفاد الفقهاء من هذه الفقرة قاعدة فقهية عامة ، تقضي بنفي الحرج في ~~التكاليف التي تستلزم الحرج ، وذلك برفع الحكم الذي يوقع المكلف في ضيق فوق ~~العادة أو الذي يتعلق بفعل حرجي .. وقد تحدث الفقهاء بشكل PageV16P126 # تفصيلي عن هذه القاعدة من حيث طبيعتها ومواردها وتفريعاتها ms3756 ، في ما ~~اتفقوا عليه من ذلك ، أو في ما اختلفوا فيه ، وقد رأى بعضهم أن الاضطرار ~~الذي هو حد التكليف الذي ترتفع به المحرمات ، أو تسقط به الواجبات ، هو ~~بنفسه الحرج الذي جاءت هذه الآية لرفعه ، لأن الاضطرار المأخوذ حدا للتكليف ~~ليس هو الاضطرار العقلي الذي تتوقف عليه الحياة ، بل هو الاضطرار العرفي ~~الذي تضيق به حركة الحياة في الواقع .. وتفصيل ذلك موكول إلى محله. # ( @QUR@03 ملة أبيكم إبراهيم ) الذي انطلقت شرائع الأنبياء بعده ، من ~~القاعدة العامة التي وضعتها مبادئ شريعته العامة ، بحيث كانت الرسالات ~~اللاحقة بمثابة التفاصيل المتنوعة لتلك المبادئ. # ( @QUR@05 هو سماكم المسلمين من قبل ) لأنه أول من أسلم لله ، بالإعلان ~~الكلي الذي انطلق من عقله وروحه ، وتحرك في كل مواقفه ، كما جاء في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) [البقرة : ~~131] ، وقد تحدث عن التزامه بهذا الخط في نفسه وولده في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) [إبراهيم : 35] ، وفي قوله تعالى : ~~( @QUR@017 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [البقرة : 132] وفي قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ) [آل عمران : 68]. # ( @QUR@02 وفي هذا ) أي : هذا الكتاب ، وفي منه عليهم بالإسلام الذي يؤكد ~~القاعدة العامة التي ارتكزت عليها الحياة لمن يأتي من بعدهم ، أو لمن عاش ~~معهم .. ( @QUR@08 ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) ~~وذلك عبر هذه الشريعة التي هي المقوم لأعمال الناس ومشاريعهم ، في ما يشهد ~~به النبي على أمته لجهة تطبيقها لهذه الشريعة والتزامها بها ، في خط الدعوة ~~والحركة ، وفي ما تشهد به هذه الأمة على سائر الأمم لجهة التزامها بالإسلام ~~ورعايتها له ، PageV16P127 # ( @QUR@04 فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وفي ذلك التطبيق العملي للإسلام ~~المنفتح على إرادة الله والخاضع لعبوديته له ، لما تمثله الصلاة من عبادة ~~في الروح وفي حركة الجسد ، وفي ما تمثله الزكاة من انقياد روحي وعملي لله ~~من خلال الإنفاق في سبيله. # ( @QUR@02 واعتصموا بالله ) لأنه الحقيقة الوحيدة التي ms3757 يرتبط بها كل ما ~~في الحياة من عمق وامتداد والتزام وانتماء ، لأن كل ما هو غيره ، مخلوق له ~~، ومنسوب إليه ، ومحتاج إليه ، فلا ثبات لأحد إلا من خلال الاعتصام به ~~وبحبله ، لأن كل من عداه مهتز بطبيعة الضعف الكامنة في ذاته التي تجعله ~~يتأثر بغيره. # ( @QUR@02 هو مولاكم ) الذي تستمدون وجودكم منه ، وتمتد حياتكم من خلال ~~رعايته ، ويستمر وجودكم من خلال نعمه التي تنظم ذاك الوجود وتقويه وتثبته ، ~~ومن خلال نصرته لكم على كل ما يواجهكم في الحياة من مواقع وتحديات. # ( @QUR@02 فنعم المولى ) الذي تلتزمون عبادته ، وتنتمون إلى دينه ، ~~وتعيشون في ظلال رحمته ، ( @QUR@02 ونعم النصير ) الذي يمنحكم نصره بلطفه ، ~~وينصركم على من هو دونه ، ولن يستطيع أحد أن ينصركم منه لأنه هو الذي يملك ~~القوة التي لا يملكها غيره. # * * * PageV16P128 ### | سورة المؤمنون ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة وتسع عشرة PageV16P129 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون (1) @QUR@05 الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) ~~@QUR@05 والذين هم عن اللغو معرضون (3) @QUR@04 والذين هم للزكاة فاعلون ~~(4) @QUR@04 والذين هم لفروجهم حافظون (5) @QUR@010 إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) @QUR@07 فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون (7) @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) @QUR@05 والذين ~~هم على صلواتهم يحافظون (9) @QUR@03 أولئك هم الوارثون (10) @QUR@06 الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أفلح ): قال الراغب : «الفلح» : الشق ، وقيل : الحديد بالحديد يفلح PageV16P131 # أي : يشق ... والفلاح : الظفر وإدراك بغية ، وذلك ضربان : دنيوي وأخروي. ~~فالدنيوي : الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا ، وهو البقاء والغنى ~~والعز ... وفلاح أخروي ، وذلك أربعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وغني بلا فقر ~~، وعز بلا ذل ، وعلم بلا جهل. ولذلك قيل : لا عيش إلا عيش الآخرة» (1). # ( @QUR@01 اللغو ): ما لا فائدة فيه من الكلام. # * * * ### ||| ** عناصر الإيمان والفلاح # من هم المؤمنون؟ هل هم الذين يعيشون الإيمان في دائرة التصور والاعتقاد ~~قناعة فكرية بحقيقة التوحيد والرسول واليوم الآخر ، لتكون مسألة الإيمان ~~لديهم هي مسألة عقيدة ، أما الالتزام العملي لديهم فلا يدخل ضمن إيمانهم ~~الذي يحقق لصاحبه الفلاح والنجاح على مستوى الدار الآخرة؟ # إن القرآن يصور ms3758 الإيمان في شخصية المؤمن التزاما عمليا بالخط العقيدي في ~~الواقع ، فلا يكفي الإيمان التجريدي في الذهن ، بل لا بد من أن يتجسد ~~الإيمان عمليا في الممارسة .. فالله أراد للإيمان أن يتجسد في مظاهر الحياة ~~ومفرداتها ، ولم يرد له أن يكون عنصرا بعيدا عنها ، ولهذا كان القرآن يؤكد ~~في النداءات التي يوجهها إلى المؤمنين ، على نتائج الإيمان العملية لجهة ~~الالتزام بخط التقوى في كل ممارساتهم وأخلاقياتهم وعلاقاتهم العامة والخاصة .. # * * * PageV16P132 ### ||| ** الخشوع في الصلاة # ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون ) هذا هو عنوان كل الصفات التالية التي يؤكد ~~القرآن فيها عوامل فلاح المؤمنين ، لجهة ما يحملونه من صفات ، وما يلتزمون ~~به من مواقف ، ليدلل على أن الله يريد للحياة أن تحمل المبادئ على المستوى ~~التطبيقي لا النظري فحسب. ( @QUR@05 الذين هم في صلاتهم خاشعون ) فالصلاة ~~ليست مجرد عمل عبادي يتجسد في حركات محددة يؤديها المؤمنون ، بل هي حالة ~~تعبيرية عن الذوبان في معنى العبودية ، والاستغراق في الإحساس بعظمة الله ، ~~ورحلة روحية تلتقي فيها روح الإنسان بالله عند ما تعرج إليه من خلال ~~الكلمات التي يقولها ، أو الأعمال التي يقوم بها ، ولا تجسيد لذلك إلا في ~~أجواء الخشوع ، الذي يحمل سر الصلاة في معناها العبادي ، ولهذا كان الثواب ~~للمصلي ، بمقدار خشوعه في قلبه ، وإقباله على ربه .. # إن الصلاة هي التعبير الحي عن الإيمان العميق بالتوحيد لله ، فلا بد من ~~أن يخشع الإنسان فيها أمامه بكل كيانه. # * * * ### ||| ** الإعراض عن اللغو # ( @QUR@05 والذين هم عن اللغو معرضون ) لأنهم يتحركون في الحياة من خلال ~~الاعتقاد بأن لكل موقع من مواقعها وظاهرة من ظواهرها ولكل لحظة من لحظاتها ~~الزمنية هدفا يتحرك في المعنى الكامن فيها ، والسر المتمثل في طبيعتها ، ~~والفائدة التي تحصل منها .. فليس لديهم مجال للغو الذي لا يحمل في مضمونه ~~أي نفع للإنسان ، أو أي هدف للحياة ، سواء تجسد ذلك في فراغ الكلمة الروحي ~~أو في تفاهتها المعنوية ، أو في ما تثيره من أجواء خالية من PageV16P133 # الفائدة بالنسبة للفكر أو الشعور. # إن الكلمة تعبير حي عن الشخص والواقع والهدف ، فإذا اقتربت ms3759 من اللامعنى ~~أو من اللاهدف ، أو من اللاجدية ، كانت انحرافا عن المسؤولية التي هي سر ~~حياة الإنسان .. # وليس معنى ذلك أن تكون الحياة جدا كلها ، لا مجال فيها للهو أو لمزاح ، ~~ولكن معنى ذلك أن يكون هناك هدف ، حتى للهو أو المزاح ، كأن تهدف لإعادة ~~النشاط إلى الإنسان أو أن تساعده على التخفف من مشاكله النفسية المعقدة وما ~~إلى ذلك. # * * * ### ||| ** فعل الزكاة # ( @QUR@04 والذين هم للزكاة فاعلون ) لأنهم يعيشون الإحساس بالمسؤولية ~~أمام حالات حرمان الناس المادي في الواقع ، ويشعرون بأن المال الذي يملكونه ~~ليس امتيازا خاصا يعيشونه بشكل أناني ، بل يمثل مسئولية إنسانية في العطاء ~~الذي يتضمن معنى العبادة لله ، كونه تقربا به إليه عبر رعاية المحرومين من ~~عباده .. وبذلك ، كانت الزكاة في التشريع وسيلة من وسائل تعميق المعنى ~~الإنساني في شخصية المؤمنين ، من أجل أن يرتبطوا عضويا بحياة الآخرين من ~~موقع الواجب ، لا من موقع التفضل ، مما يجعل للتكافل الاجتماعي في الإسلام ~~ركيزة قوية ثابتة ممتدة ذات معنى إيماني عميق في شخصية المؤمن. # * * * PageV16P134 ### ||| ** حفظ الفرج عن الحرام # ( @QUR@04 والذين هم لفروجهم حافظون ) بما يعنيه ذلك من التزام بحدود ~~الله الشرعية التي حددها لحركة الغريزة الجنسية ضمن نظام متوازن يكفل تحقيق ~~الإشباع والارتواء الجسدي الذي يطلبه الإنسان من العلاقة الجنسية ، وينظم ~~تلك العلاقة في إطار يحفظ الأسرة ، ويمنع الفوضى على مستوى الأنساب .. ~~ولذلك حصر العلاقة الجنسية بالعلاقات الزوجية ، وملك اليمين ، مما كان ~~التشريع يسمح به في العصور الماضية ، من خلال الأسباب الموجبة له .. ( ~~@QUR@010 إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) لأنهم ~~يشبعون حاجاتهم الطبيعية ضمن ما رخص لهم به التشريع الإلهي ( @QUR@04 فمن ~~ابتغى وراء ذلك ) من العلاقات غير الشرعية ، كالزنى أو اللواط أو السحاق أو ~~الاستمناء .. ( @QUR@03 فأولئك هم العادون ) الذين تجاوزوا حدود الله ، ~~واعتدوا على حرماته. # * * * ### ||| ** رعاية الأمانة والعهد # ( @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) فلا مجال لأن يخون ~~المؤمنون ما التزموا به أمام الله ، وأمام الناس ، لأن حفظ الأمانة هو سر ~~الإيمان الذي يعني مسئولية المؤمن بين يدي الله ms3760 في ما يفرضه واجبه الشرعي ~~من حفظ ما ائتمن عليه من دماء الناس وأموالهم وأعراضهم في إطار الخطوط ~~الشرعية العامة ، أو في التزاماته الذاتية من خلال ما يلزم به نفسه مع ~~الآخرين .. فإنه مسئول عن ذلك أمام الله ، باعتبار أن ذلك علامة بارزة من ~~علامات الإيمان. # والعهد كالأمانة ، مسئولية المؤمن ، باعتبار أنه يضبط حركة العلاقات PageV16P135 # الاجتماعية بين الناس ، ويشكل حفظه قاعدة التوازن في النظام العام ، فإذا ~~حفظت العهود والمواثيق التي تنظم للناس علاقاتهم ، تمكن المجتمع من تحصيل ~~الاستقرار والثبات ، أما إذا تحولت إلى ما يشبه الفوضى ، فقد المجتمع قوته ~~وتوازنه .. ولذلك كانت رعاية العهد ، كما رعاية الأمانة ، قاعدة إيمانية ~~تحدد ملامح المسلم الحقيقية ، التي تقربه من الله ، وتدنيه من جنته. # * * * ### ||| ** المحافظة على الصلاة # ( @QUR@05 والذين هم على صلواتهم يحافظون ) وذلك بالإتيان بها في أوقاتها ~~، ضمن الشروط الشرعية المعتبرة فيها ، دون أي نقصان في أفعالها وأقوالها ، ~~لأن ذلك يمثل تعبيرا عن الانضباط في خط الطاعة ، التي تفرض الدقة في مراعاة ~~موارد الطاعة على النهج الذي أراده الله ، ( @QUR@09 أولئك هم الوارثون* ~~الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) لأن الله قد جعل الجنة جزاء للمؤمنين ~~العاملين ، ولم يجعلها للمؤمنين الذين يكتفون من الإيمان بالتصور والتجريد ~~الذهني ليكونوا مؤمنين في الفكر ، كافرين في العمل والعلاقات. # * * * PageV16P136 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) @QUR@06 ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين (13) @QUR@021 ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله ~~أحسن الخالقين (14) @QUR@05 ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) @QUR@05 ثم إنكم ~~يوم القيامة تبعثون (16) @QUR@010 ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن ~~الخلق غافلين ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سلالة ): قال في المجمع : السلالة اسم لما يسل من الشيء ، ~~كالكساحة اسم لما يكسح ، وتسمى النطفة سلالة ، والولد سلالة وسليلة ، ~~والجمع : سلالات وسلائل. فالسلالة : صفوة الشيء التي يخرج منها كالسلافة» (1). PageV16P137 # ( @QUR@01 نطفة )؛ النطفة : القليل من الماء. # ( @QUR@01 قرار ): مقر ، والمراد به الرحم التي تستقر فيها النطفة. # ( @QUR@01 مكين ): متمكن ، «وصفت به الرحم لتمكنها في حفظ النطفة ms3761 من ~~الضيعة والفساد ، أو لكون النطفة مستقرة متمكنة فيها» (1). # ( @QUR@01 طرائق ): جمع الطريقة ، وهي السبيل المطروقة. # * * * ### ||| ** خلق الإنسان # جرى الأسلوب القرآني على إخراج الإنسان من جو الألفة الذي اعتاد أن ~~يشاهده أو يعيشه في نفسه أو في غيره من الموجودات ، ليبقى الإنسان على ~~اتصال بأسرار الوجود التي تشعره دائما بعظمة الله من خلال عظمة خلقه ، ~~وليظل على اتصال بالله في ما يستوحيه منه دائما من انطلاق الوجود كله ، ~~بجميع خصائصه وآثاره ، بحيث لا يرى شيئا إلا ويرى الله معه ، ليكون ذلك ~~أساسا ثابتا لالتزام الإنسان بالنظام الذي وضعه الله لحياته ، ليتكامل ~~التزامه مع النظام الكوني الذي أوجده الله بقدرته ، لأن الإنسان كلما أحس ~~بحضور الله أكثر ، كلما شعر بمسؤوليته أمامه بطريقة أقوى وأفضل. # ( @QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) فقد استخرج الله الإنسان ~~من الطين بشكل مباشر عند خلق آدم عليه السلام ، وبشكل غير مباشر عند خلق ~~أولاده الذين كونتهم الأغذية التي تتوالد من الأرض والماء ، ( @QUR@06 ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ) فتحول الطين إلى نطفة استقرت في أصلاب الآباء ، ~~ثم انتقلت إلى PageV16P138 # أرحام الأمهات ، ( @QUR@07 ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ) ~~وقد ورد الحديث عن ذلك في أول سورة الحج ، ( @QUR@06 فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ) بالطريقة الدقيقة التي ركب الله فيها أعضاء الإنسان ~~ونوعها وجعل لكل منها دورا وخصائص ، ( @QUR@04 ثم أنشأناه خلقا آخر ) ~~متكاملا في شكله وصورته وفي اتصال أعضائه وتناسقها ، ( @QUR@04 فتبارك الله ~~أحسن الخالقين ) فمهما صنع الناس من الأشياء البديعة المتقنة ، فإنهم لا ~~يبلغون إبداع الله وإتقانه في الخلق ، ودقة التكوين ، وعظمة القدرة ، وسر ~~الحيوية في الشكل والروح والحركة .. وإذا كان هناك قيمة لما يصنعه الناس ، ~~فإن قيمته إنما هي في محاكاتهم خلق الله في ما يشاهدونه منه ، أو يستوحونه ~~من أوضاعه أو يلهمهم الله الاستفادة منه .. وقد نستفيد من ذلك عدم اختصاص ~~كلمة الخلق بالله ، لأن الخلق كما يقال هو التقدير وقياس الشيء من الشيء ، ~~وهو لا يختص به تعالى ، وقد ورد في كلامه سبحانه نسبة ms3762 الخلق إلى غيره وذلك ~~في قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) [المائدة : ~~110] ، وقوله : ( @QUR@02 وتخلقون إفكا ) [العنكبوت : 17]. # * * * ### ||| ** موت الإنسان وبعثه # ( @QUR@05 ثم إنكم بعد ذلك لميتون )، لأن طبيعة الجسم الإنساني تنتهي ~~إلى الانحلال والفناء ، فقد قدر الله للإنسان أجلا معينا لا يتعداه ضمن ~~نظام وضعه للإنسان وللحياة في وجوده وموته ، ولكن ذلك لن يكون موتا نهائيا ~~تنعدم الحياة فيه فلا تعود ، بل إن هناك مرحلة جديدة لحياة جديدة يقدم ~~الإنسان فيها حساب أعماله في الحياة الماضية أمام الله ، من أجل حياة قادمة .. # ( @QUR@05 ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) ليتحقق بذلك الهدف النهائي PageV16P139 # لحركة الإنسان من الحياة إلى الموت ، ثم إلى يوم البعث. # ( @QUR@05 ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ) المقصود بالطرائق السبع : ~~السموات السبع ، لأنها ممر الأمر النازل من عنده تعالى إلى الأرض ، كما ~~يقال ، ولكن قد يكون المراد بها معنى آخر ، وهو أن بعضها فوق بعض ، لأنه ~~يقال : طارق بين الثوبين إذا لبس أحدهما الآخر .. # * * * ### ||| ** ما الله بغافل عن خلقه # ( @QUR@05 وما كنا عن الخلق غافلين ) لأن الله الذي خلق الإنسان وصوره ~~بأحسن صورة ، وسخر له الكون ليستفيد منه في استمرار حياته ، لن يترك عبده ~~ويغفل عن رعايته في كل ما يحتاج إليه ، كما أنه تعالى لن يتركه يتخبط في ~~وعورة الطريق دون أن ينزل عليه رحمته ، ويدفع عنه أسباب البلاء برحمته ~~وقدرته ، وهو لن تأخذه سنة في مراقبته في كل ما يؤديه من أعمال ، وما ينطق ~~به من أقوال ، وهكذا ، يعيش هذا الإنسان الشعور بأن الله يحيط به من بين ~~يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ، فلا يقوم إلا بما يمليه عليه هذا الشعور ~~... وبذلك يظهر اتصال هذه الفقرة بما قبلها ، في سياق التأكيد على أن الله ~~وراء كل شيء ، وهو المدبر لكل شيء ، كي لا يغفل الإنسان عن ربه عند ما يفكر ~~بما حوله ، أو بما فوقه أو تحته أو بنفسه # * * * PageV16P140 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب ~~به لقادرون (18) @QUR@013 فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ms3763 وأعناب لكم فيها ~~فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) @QUR@09 وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت ~~بالدهن وصبغ للآكلين (20) @QUR@015 وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) @QUR@04 وعليها وعلى الفلك ~~تحملون ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بقدر ): أي بمقدار معلوم. # ( @QUR@02 طور سيناء ): جبل سيناء. PageV16P141 # ( @QUR@01 وصبغ )؛ الصبغ : الإدام الذي يؤتدم به .. # * * * ### ||| ** من مظاهر نعم الله # ( @QUR@03 وأنزلنا من السماء ) أي المنطقة العالية ، لأن كل ما علا ~~الإنسان وأظله فهو سماء ، ( @QUR@02 ماء بقدر )، وهو المطر النازل حسب ~~حاجة البلاد والعباد التي يحددها التدبير الإلهي ، ( @QUR@03 فأسكناه في ~~الأرض ) حيث تختزنه في آبارها وأنهارها وعيونها ، وتمتلئ به الخزانات ~~الجوفية. العميقة في باطن الأرض ، ( @QUR@05 وإنا على ذهاب به لقادرون ) ~~بكل الوسائل الخفية أو الظاهرة التي تمنع الناس من الانتفاع به ، كأن تجففه ~~، أو تبخره ، أو غير ذلك من الأمور التي يعلمها الله سبحانه ، ( @QUR@013 ~~فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ) ~~من رطب أو تمر أو عنب أو زبيب ، ( @QUR@05 وشجرة تخرج من طور سيناء ) وهي ~~شجرة الزيتون التي تكثر في تلك المنطقة ، ( @QUR@02 تنبت بالدهن ) أي : ~~تثمر ثمرة تشتمل على الدهن المعروف بالزيت ، ( @QUR@02 وصبغ للآكلين ). ~~ولعل تخصيص هذه الأشجار يعود إلى كونها منتشرة في بلاد العرب التي نزل فيها ~~القرآن ، أو لما ذكره بعضهم من خصائص مميزة تشتمل عليها. # ( @QUR@04 وإن لكم في الأنعام ) وهي الإبل والبقر والغنم ( @QUR@01 لعبرة ~~) أي درسا تعتبرون به وتستوحون منه سر النعمة التي أنعم الله بها عليكم ، ~~كما تستوحون منه الرعاية التي يشملكم بها من خلالها ، ( @QUR@04 نسقيكم مما ~~في بطونها ) اللبن اللذيذ الذي تتنوع منافعه ، ( @QUR@04 ولكم فيها منافع ~~كثيرة ) في أصوافها وأوبارها وأشعارها ، ( @QUR@02 ومنها تأكلون ) من ~~لحومها ، ( @QUR@04 وعليها وعلى الفلك تحملون ) من مكان إلى مكان ، فهي ~~تختصر عليكم الزمن عند قطع المسافات الشاسعة ، وتخفف عنكم الكثير PageV16P142 # من جهد السير وعنائه وحمل الأثقال .. # وتلك هي بعض نعم الله التي أنعمها عليكم ، أفلا تشكرون؟!. # * * * PageV16P143 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله ms3764 غيره أفلا تتقون (23) @QUR@026 فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا ~~إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (24) @QUR@010 إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى ~~حين (25) @QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون (26) @QUR@032 فأوحينا إليه أن ~~اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون (27) @QUR@015 فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد ~~لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) @QUR@08 وقل رب أنزلني منزلا مباركا ~~وأنت خير المنزلين (29) @QUR@07 إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ) (30) # * * * PageV16P144 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الملأ ): رؤوس القوم وأشرافهم. # ( @QUR@01 يتفضل ): أي : يتشرف ويترأس عليكم ، بأن يصير متبوعا وأنتم له ~~تبع ، فيكون له الفضل عليكم (1). # ( @QUR@01 جنة ): جنون. # ( @QUR@01 فتربصوا ): فانتظروا. # ( @QUR@01 بأعيننا ): تحت نظرنا. # ( @QUR@01 فاسلك ): ادخل. # ( @QUR@01 استويت ): استقريت. # * * * ### ||| ** نوح عليه السلام مع قومه # ولم تقتصر نعم الله على العباد في ما سخره لهم من قوى كونية ، أو في ما ~~خلقه من حيوان ينتفعون به ، بل تعدت ذلك إلى النعم الرسالية التي تضمنت ~~توجيههم إلى ما يصلح أمورهم في الدنيا والآخرة بالإيمان والعمل الصالح ، من ~~خلال رسل الله ورسالاته التي بلغوها للناس ، ليهتدوا بها في ظلمات الحياة .. PageV16P145 # وهذه جولة جديدة في تاريخ الرسل ، وفي النتائج السلبية التي واجهوها في ~~إبلاغهم لرسالاتهم من قبل قومهم. # ( @QUR@05 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) ليهديهم سواء السبيل ، وليبلغهم ~~رسالة الله ، ( @QUR@05 فقال يا قوم اعبدوا الله ) وحده ولا تشركوا به شيئا ~~، ( @QUR@05 ما لكم من إله غيره )، لأن الآلهة التي تصنعونها بأيديكم ، أو ~~التي ترفعونها إلى مقام الألوهية بإرادتكم ، أو التي تفرض نفسها عليكم من ~~مواقع القوة أو السلطة أو المال ، لا تحمل أي سر من أسرار الألوهية ، ولا ~~تملك أي موقع من مواقعها لجهة ما تمثله من قوة مطلقة لا تقف عند حد ، ~~ومعرفة غير محدودة ، بحيث لا يغيب عنها شيء ، وغنى مطلق لا تحتاج معه إلى ms3765 ~~أحد أو إلى شيء ، فارجعوا إلى عقولكم لتفكروا فتهتدوا بها ، وتحركوا مع ~~فطرتكم التي تؤكد لكم بأن هذا السلوك الذي تسلكونه لا يحقق لكم أي مقدار من ~~الأمن من الخوف الذي تعيشون ، ( @QUR@02 أفلا تتقون ) الله الذي خلقكم ~~ورزقكم من الطيبات ومن كل شيء ، وهداكم سواء السبيل ، لتقودكم التقوى إلى ~~الإيمان بوحدانيته في خط العقيدة والعبادة. # ولكن هؤلاء ليسوا طلاب فكر ، وليسوا رواد حقيقة ، بل هم أتباع شهوة ، ~~وطلاب منفعة ، ولهذا ابتعدوا عن التفكير في مضمون ما قدمه إليهم ، وفضلوا ~~المبادرة إلى الرفض من أقرب الطرق التي لا تكلفهم عناء البحث والحوار وصولا ~~إلى الحقيقة ، لأنهم لا يرغبون في معرفة الحقيقة والاطلاع على مواردها ~~ومصادرها. # * * * ### ||| ** اتهام نوح بالجنون # ( @QUR@011 فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ) فكيف ~~يمكن أن يكون PageV16P146 # نبيا مرسلا؟ وهل يمكن للبشر أن يصلوا إلى هذه الدرجة؟! إننا لا نؤمن بذلك ~~، فهو ككثير من الطامحين الذين يودون الوصول إلى مواقع اجتماعية متقدمة في ~~مجتمعهم من خلال الإيحاء للآخرين بأن لهم صفات خاصة أودعها الله بهم ~~ليسيطروا على الناس من خلالها ، فهو ( @QUR@04 يريد أن يتفضل عليكم ) ليكون ~~له الميزة والفضل عليكم ، فيرأس الناس من موقع النبوة ، ( @QUR@05 ولو شاء ~~الله لأنزل ملائكة ) فالملائكة أقرب إلى الله ، وبذلك يكونون أقرب إلى هذا ~~المركز الخطير ، فهل يمكن أن يستبدلهم بمثل هذا الإنسان الذي لا يتميز عن ~~الناس بأية صفة من الصفات ، ( @QUR@06 ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين )، ~~وهم بالنسبة لنا المصدر الأوثق للمعلومات الدينية ، التي نلتزمها كعقيدة ~~وسلوك ، فلم يرد منهم أي شيء من هذا القبيل. # ( @QUR@06 إن هو إلا رجل به جنة ) لأن الذي يدعي هذا الادعاء ، ويدعو إلى ~~التوحيد ورفض عبادة الأصنام ، لا بد من أن يكون به مس من جنون ، لأنه يتحدى ~~الناس كلهم في عقيدتهم وسلوكهم ، ويزعم لنفسه الاتصال بالله بشكل مباشر أو ~~غير مباشر ، ( @QUR@02 فتربصوا به ) أي أمهلوه واصبروا عليه حتى ينكشف أمره ~~، ( @QUR@02 حتى حين ) كي يرجع عن ذلك الجنون وإلا قتلتموه. # إنه موقف مرتبك ms3766 متخبط يدفعهم إلى البحث عن كلمة أية كلمة لمواجهة دعوة ~~الرسول ، وهم بنتيجته يرفضون الرسالة لبشر ، ويرضون الألوهية للحجر ، ~~وينكرون المبدأ في هوية صاحب الرسالة ، ثم يحكمون عليه بالجنون دون أي دليل ~~على ذلك ، فهم لم يروا في شخصيته أي خلل في رأي أو سلوك ، ولكنه المأزق ~~الذي يعيشه أصحاب الكفر والضلال ، فيبحثون عما يؤكدون به ضلالهم حتى ~~بالباطل .. وتلك هي قصة الناس في كل زمان ومكان ، في تنكرهم للحق ، ~~وإصرارهم على العناد ، دون إعمال الفكر والوجدان. # * * * PageV16P147 ### ||| ** طلب نوح النصرة من الله # ( @QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون ) فقد كان وحده ، ولكنه كان يشعر أن ~~الله معه ، وكان يستمد القوة من هذا الشعور ، كلما أرادوا أن يضعفوا موقفه ~~، أو يهزموا روحه. كان يوصل الليل بالنهار ، ويستنفد كل التجارب والأساليب ~~بغية الدخول إلى عقولهم وقلوبهم وحياتهم ، ولكنهم كانوا يزدادون عنادا كلما ~~ازداد إصرارا على دعوتهم إلى الإيمان حتى لم يبق له ما يقوله لهم ، فقد قال ~~كل شيء ، واستنفد كل الوسائل والأساليب ، لكنه بقي وحده ، مع قليل من ~~المؤمنين ، فدعا ربه يسأله النصرة عليهم جراء تكذيبهم له .. # ( @QUR@06 فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ): أي بنظرنا ، وهو تعبير ~~عن الحفظ والرعاية الإلهية ، كأن معه من الله حفاظا يكلأونه بعيونهم ، لئلا ~~يتعرض له أحد في ما يقوم به من عمل ، ( @QUR@01 ووحينا ) في ما نوحي به ~~إليك من طريقة الصنع ، وفي ما نعلمك من وسائل المواجهة ، ( @QUR@03 فإذا ~~جاء أمرنا ) بالطوفان الذي يغرق كل شيء حوله ( @QUR@02 وفار التنور ) ~~بالماء الذي ينبع منه ، كما لو كان في حالة غليان وفوران ، ( @QUR@04 فاسلك ~~فيها من كل ) مما حولك من الحيوان ( @QUR@02 زوجين اثنين ) من ذكر وأنثى ، ~~( @QUR@01 وأهلك ) من عيالك ( @QUR@06 إلا من سبق عليه القول منهم ) ممن ~~حقت عليه كلمة العذاب بكفره وضلاله من زوجك وولدك ، ( @QUR@05 ولا تخاطبني ~~في الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر والضلال ، لأن الموقف ليس موقف عاطفة تتحرك ~~فيه شخصية الأب تجاه ولده ، أو الزوج تجاه زوجته ، بل هو موقف حق ورسالة ~~تنطلق فيها العاطفة لتؤكد رفضها للكفر كله ms3767 حتى من أقرب الناس إليه .. ( ~~@QUR@02 إنهم مغرقون ) فيمن يغرق من الكافرين. # * * * PageV16P148 ### ||| ** قل الحمد لله # ( @QUR@05 فإذا استويت أنت ومن معك ) من المؤمنين ( @QUR@02 على الفلك ) ~~وتطلعت إلى قومك الكافرين وهم يغرقون ويهلكون وينتهي أمرهم بعقاب الله ، ~~فاذكر نعمة الله عليك وعلى هؤلاء الذين معك لما هداكم إلى دينه واختصكم ~~برحمته ونصركم بنصره ( @QUR@08 فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ~~) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وظلموا المؤمنين بالبغي والعدوان .. ( @QUR@05 ~~وقل رب أنزلني منزلا مباركا ) تزيد لي فيه النعمة وتمنحني فيه الاستقرار ( ~~@QUR@03 وأنت خير المنزلين )، لأنك الرب الرحيم الذي يشمل عباده برحمته ~~ويزيدهم من نعمته ، ( @QUR@04 إن في ذلك لآيات ) لمن يتذكر ويعتبر أمام ما ~~يشاهده من إنزال العذاب بالكافرين المتمردين على الرسل ، ( @QUR@03 وإن كنا ~~لمبتلين ) في ما نبتلي به العباد لنختبر مواقفهم في طريق الحق والباطل. # * * * PageV16P149 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) @QUR@014 فأرسلنا فيهم ~~رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) @QUR@025 ~~وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة ~~الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ~~@QUR@07 ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) @QUR@09 أيعدكم أنكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) @QUR@04 هيهات هيهات لما ~~توعدون (36) @QUR@010 إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ~~(37) @QUR@012 إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) ~~@QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون (39) @QUR@05 قال عما قليل ليصبحن نادمين ~~(40) @QUR@08 فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ) (41) # * * * PageV16P150 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قرنا )؛ القرن : أهل العصر الواحد. # ( @QUR@01 وأترفناهم ): نعمناهم ، من الترف وهي النعمة. # ( @QUR@01 هيهات ): اسم فعل بمعنى بعد. # ( @QUR@01 غثاء )؛ الغثاء : ما يحمله السيل مما يمر به من الأشياء ~~الحقيرة البالية. # * * * ### ||| ** قوم هود .. والصيحة # ( @QUR@06 ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) وهم عاد قوم هود عليه السلام ~~كما قيل بقرينة قوله تعالى : ( @QUR@08 واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم ~~نوح ) [الأعراف : 69] .. وكان هؤلاء الجيل الجديد الذي أعقب الجيل الذي هلك ~~بالطوفان ، ( @QUR@04 فأرسلنا فيهم رسولا ms3768 منهم ) حسب السنة المتبعة التي ~~تقضي بأن يكون النبي المرسل فردا من القوم الذين يعيش بينهم ، وكانت رسالته ~~في مجملها هي رسالة نوح عليه السلام ، ( @QUR@08 أن اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره ) من خلال التوحيد لله في العقيدة والعبادة والطاعة على خط المنهج ~~والشريعة ، فهذا الأصل الذي تتفرع عنه كل فروع الحركة والسلوك في الحياة ~~التي تدعو الناس كلهم من خلاله إلى التقوى والانضباط على الخط المستقيم ، ( ~~@QUR@02 أفلا تتقون ) وتراقبون الله في السر والعلانية ، ذلك هو الصراط ~~المستقيم. # ( @QUR@013 وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا )، PageV16P151 # وتحول الترف عندهم إلى طبقية تتجلى في النظرة الفوقية إلى من هم دونهم في ~~المستوى الاقتصادي ، وإلى قيمة اجتماعية ذات امتيازات خاصة تغريهم ~~بالمحافظة على عاداتهم وتقاليدهم ، وتمنعهم من الاقتناع بأية دعوة إصلاحية ~~، خطها التوحيد والاعتراف بحرية الإنسان وحقه في احترام إنسانيته ، دون أن ~~يكون للجاه والمال والنسب أية علاقة في ذلك ، ولذلك كانوا يواجهون أية دعوة ~~رسالية بالكفر والجحود ، وكانوا يرفضون التوحيد لله الذي قد يفقدون معه ~~الكثير من امتيازاتهم الطبقية ، لأن أمثال هؤلاء الغارقين بأجواء الترف ~~واللهو والعبث لا ينطلقون في مواقفهم من مواقع فكرية ، بل من مواقع طبقية .. # وهذا ما جعلهم يكذبون الرسول ويعلنون الكفر ويعملون على إثارة عواطف ~~الناس الذاتية تضده بأنه مثلهم في الشكل والعادات ، فكيف يقبلون أن يتقدم ~~عليهم دون أن تكون له أية ميزة خاصة؟! وفي ذلك محاولة استثارة الزهو الذاتي ~~وانتفاخ الشخصية لاستيلاد العداء الشخصي ضد الرسول بعيدا عن أية إثارة ~~فكرية .. وذلك من خلال المقولة التالية المماثلة لما كان يثيره قوم نوح : ( ~~@QUR@012 ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون )، ~~وربما تضمنت الإشارة إلى مسألة المساواة في الأكل والشرب بعض الإيحاء بأن ~~المساواة في القضايا الحسية تفرض مساواة في القضايا المعنوية ، باعتبار أن ~~ذلك الجانب المادي من الحياة هو مقياس التقييم لدى الناس .. # ويتابع هؤلاء عملية الإثارة السلبية في ما ينقله القرآن لنا من كلامهم ms3769 ( ~~@QUR@07 ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) لأن فقدان الامتياز ~~المادي في شخصية الرسول يعني أنه لا يحمل معه أي شيء يمكن أن يكون ربحا في ~~الموقف الذي يدعوهم إليه ، أو تعويضا عن الخسارة التي قد تلحقهم في ما يمكن ~~أن يحولهم عنه .. # * * * PageV16P152 ### ||| ** قوم هود ينكرون البعث # ثم يتابعون الحديث عن طروحاته ، فيواجهونها بالمنطق الانفعالي الذي ~~يستبعد اليوم الآخر استبعادا ، ولا يناقش إمكانية حدوثه عقليا : ( @QUR@09 ~~أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ) إنه الوعد الذي لم ~~نألف له مثيلا في ما عرفناه. وشاهدناه ، وهل ينقلب التراب إلى حياة ، وهل ~~تتحول العظام إلى إنسان؟ ( @QUR@04 هيهات هيهات لما توعدون ) إنه وعد بعيد ~~عن الواقع والحقيقية ، ( @QUR@010 إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~نحن بمبعوثين ) وتلك هي الحقيقة المادية التي تجسدها الحياة والموت الذي ~~يعقبها ويمتد ، فلا تتجدد الحياة منه أبدا ، كما يتحدث هذا الذي يدعي ~~الرسالة من الله ، فليس هناك أي عين أو أثر للحياة في أي شيء مات وانتهى .. # * * * ### ||| ** بعدا للقوم الظالمين # ( @QUR@08 إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا )، إنهم يحاولون التحدث ~~بطريقة إيحائية تمنع الناس من التفكير الموضوعي الهادىء ، ولهذا فإنهم ~~يصلون إلى النتيجة التي يريدون الوصول بالناس إليها مباشرة ، ( @QUR@04 وما ~~نحن له بمؤمنين ) فكيف تؤمنون به أنتم ، في الوقت الذي تعرفون فيه أننا ~~مصادر القرار؟! # ( @QUR@05 قال رب انصرني بما كذبون ) بعد أن استنفد جهده الفكري والروحي ~~والعملي ، ولم يبق لديه أي أمل في إيصالهم إلى الإيمان .. واستجاب الله له ~~دعاءه : ( @QUR@05 قال عما قليل ليصبحن نادمين ) على هذا الموقف المتمرد ~~المعاند الذي لا يرجع إلى حجة ولا يقف أمام حقيقة ، ( @QUR@03 فأخذتهم ~~الصيحة بالحق ) PageV16P153 # فأهلكهم الله بالصيحة التي هزتهم من الأعماق وصرعتهم ، بما يستحقونه من ~~ذلك ، ( @QUR@02 فجعلناهم غثاء ) كالأشياء الحقيرة التي يحملها السيل ، ( ~~@QUR@03 فبعدا للقوم الظالمين )، الذين بعدوا عن الله ورسله ، وظلموا ~~أنفسهم كما ظلموا الرسول والناس والحياة كلها ، فأبعدهم الله عن ساحة رحمته. # * * * PageV16P154 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) @QUR@07 ما تسبق من أمة ~~أجلها وما ms3770 يستأخرون (43) @QUR@019 ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ~~(44) @QUR@08 ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) @QUR@07 ~~إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) @QUR@07 فقالوا أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) @QUR@04 فكذبوهما فكانوا من المهلكين ~~(48) @QUR@06 ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) @QUR@011 وجعلنا ~~ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تترا ): من الوتر ، وهو الواحد تلو الآخر ، أي : بشكل متتابع. # ( @QUR@01 أحاديث ): جمع أحدوثة ، أي : يتحدث الناس بما جرى عليهم. PageV16P155 # ( @QUR@01 وسلطان ): حجة. # ( @QUR@01 عالين ): متكبرين. # ( @QUR@01 ربوة ): مرتفع من الأرض. # ( @QUR@01 ومعين ): الملاء الجاري. # * * * ### ||| ** تكذيب الأمم لرسلها # ( @QUR@04 ثم أنشأنا من بعدهم ) أي من بعد عاد ( @QUR@02 قرونا آخرين ) ~~جماعات متعددة في عصور متعددة ، ولكل منها أجل في ولادتها ونموها وحركتها ~~وموتها ، تحددها السنن الكونية التي أودعها الله في الحياة ، ( @QUR@07 ما ~~تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) فهم خاضعون لإرادة الله في ذلك ، وهي لا ~~تتخلف عن إنجاز ما تريد ، فإذا كان قد حدد لأية أمة حدا معينا ، فإنها لا ~~تسبقه أو تتجاوز مداه. # ( @QUR@04 ثم أرسلنا رسلنا تترا )، فقد كان الرسل ينطلقون في مراحل ~~متتابعة ، باعتبار ان الأمم تتلو بعضها البعض ، وأن الله جعل لكل واحدة ~~منها رسولا ، ( @QUR@06 كل ما جاء أمة رسولها كذبوه )، لأنه يريد تغيير ~~الواقع من حولهم ، من خلال تغييره الفكر الذي أنتجه ذلك الواقع وحرك خطواته ~~وركز مواقعه .. ولم يكن ذلك ملائما لما اعتادوه أو ألفوه ، ولم يكن منسجما ~~مع شهواتهم وملذاتهم التي تمثل القاعدة الثابتة التي يريدون إخضاع الحياة ~~لها ، ولم يكن الأمر مقتصرا على التكذيب ، بل كان ينتهي تارة إلى الضرب ~~والاضطهاد والإبعاد ، وتارة إلى القتل ، ( @QUR@03 فأتبعنا بعضهم بعضا ) ~~بالعذاب والهلاك ، ( @QUR@02 وجعلناهم أحاديث ) لمن بعدهم ، كما تتحدث ~~روايات التاريخ عن النتائج السلبية التي حصلت لهؤلاء نتيجة تكذيب رسلهم ، ~~ليكون ذلك عبرة للأمم اللاحقة عند مواجهة خط PageV16P156 # الرسالات ، ( @QUR@04 فبعدا لقوم لا يؤمنون )، لأنهم لم ينطلقوا من موقع ~~فكر ، بل من موقع الأهواء والشهوات. # * * * ### ||| ** موسى .. وفرعون # ( @QUR@06 ثم ms3771 أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا ) التي تتحرك في دائرة ~~المعجزة ، كانقلاب العصا ثعبانا ، وخروج اليد بيضاء تلمع ، ( @QUR@02 ~~وسلطان مبين ) في ما يملكان من البراهين القوية على صدق رسالتهما ، وقوة ~~موقفهما ، وكانت الدعوة الأولى ( @QUR@03 إلى فرعون وملائه ) أي : وقومه ، ~~باعتبارهم الطبقة المهيمنة على الواقع كله ، والقوة القاهرة التي تمنع ~~المستضعفين من ممارسة حرياتهم واختيار قناعاتهم الفكرية لجهة ما يؤمنون به ~~وما يجحدونه ويكفرون به ، فجاءت دعوتهما إلى الايمان وإلى رفع أيديهم عن ~~المستضعفين ، ليكون الدين كله لله ، ولتكون الحرية للمستضعفين من عباد الله ~~.. وربما كان ذكر فرعون لما يمثله من تسلط واستعلاء ، فكانت الدعوة موجهة ~~إليه أولا ، وذلك من باب أن الصدمة لا بد من أن توجه للسلطة العليا في بادئ ~~الأمر ، إضعافا لمركزها وزلزلة لمواقعها وإذهابا لهيبتها وإفساحا في المجال ~~أمام الضعفاء بالتمرد عليها عند سقوط قناع العظمة الزائفة المخفية تحته ~~نقاط الضعف ، بحيث يسقط تأثير القوة في القلوب ، عند ما تسقط مصداقيتها في ~~الواقع. # وجاء موسى وأخوه هارون إلى هؤلاء القوم ، وأعلنا لهم الدعوة إلى الإيمان ~~بالله الواحد ، والسير على النهج الرسالي في شريعته ، والابتعاد عن اضطهاد ~~المستضعفين .. وكان ذلك مفاجاة لهم ، فكيف يجرأ هذان اللذان لا يملكان أية ~~قوة على الوقوف موقف التحدي للعظمة الفرعونية التي تقف في PageV16P157 # مصاف الآلهة؟! ( @QUR@04 فاستكبروا وكانوا قوما عالين ) يعيشون الكبرياء ~~والإحساس بالعلو على الناس ، لما يملكونه من امتيازات طبيعية وما يحتلونه ~~من مراكز متقدمة ، وكانت الربوبية التي كان يتربع عليها فرعون ويريد للناس ~~أن يصدقوه قمة هذا العلو وهذه الكبرياء. # وشكلت الكبرياء أساسا لرفض كل موقف رسالي في شكله ومضمونه .. وكان المنطق ~~الذي يستخدمونه في الرفض منطق الطبقة العليا التي تحتقر الطبقة السفلى ، ~~وتحتقر كل طروحاتها ، لأن من يملك شرعية مخاطبة الطبقة العليا هم الذين ~~يقفون في المستوى نفسه من السلم الاجتماعي. # ( @QUR@04 فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ) في الشكل؟! والبشرية في نظرهم لا ~~تلتقي مع النبوة ، ( @QUR@03 وقومهما لنا عابدون ) مما يجعلهما في موقع ~~العبيد لنا ، فهل يجرأ العبد أن يدعو سيده إلى طاعته ms3772 ، وإلى السير خلفه؟! # ( @QUR@01 فكذبوهما ) بعد كل ما أبرزاه لهم من تحديات القوة التي تستطيع ~~أن تهزمهم في كل المواقف ، ( @QUR@03 فكانوا من المهلكين ) حيث أغرقهم الله ~~في البحر ، وجعلهم عبرة لأمثالهم ممن لا يعرف حده ليقف عنده. # * * * ### ||| ** بين موسى وعيسى عليه السلام # ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) وهو التوراة ( @QUR@02 لعلهم يهتدون ~~) ولكنهم لم يهتدوا به ، بل تركوه وراء ظهورهم ، وربما كان المراد بالضمير ~~بني إسرائيل الذين جاء موسى عليه السلام من أجل تحريرهم من عبوديتهم لفرعون ~~، وجعل العبودية خالصة لله وحده ، فأبوا إلا عبادة الشيطان ، ( @QUR@05 ~~وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) إذ إن الله خلق عيسى عليه السلام من دون أب ، ~~فولدته أمه عليه السلام من دون ذكر PageV16P158 # ( @QUR@03 وآويناهما إلى ربوة ) في فلسطين التي ولد فيها السيد المسيح ~~عليه السلام ، ( @QUR@02 ذات قرار ) يستقر فيه الإنسان ويطمئن ويهدأ ، ( ~~@QUR@01 ومعين ) أي وماء جار يرتوى منه. # * * * PageV16P159 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم (51) @QUR@08 وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) @QUR@09 ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) @QUR@05 فذرهم في ~~غمرتهم حتى حين (54) @QUR@07 أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) ~~@QUR@07 نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) (56) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتقطعوا ): تفرقوا. # ( @QUR@01 زبرا ): جمع زبور ، وهو الكتاب. # ( @QUR@01 غمرتهم ): الغمرة : معظم الماء السائرة لمقرها ، وجعلت مثلا ~~للجهالة التي تغمر صاحبها. # * * * PageV16P160 ### ||| ** التأكيد على بشرية الرسل # ( @QUR@06 يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ) فأنتم بشر ممن خلقت ، ولكم ~~الحق بأن تتمتعوا بطيبات الحياة الدنيا ، كما يتمتع غيركم ، لأن الله لم ~~يحرمها بحدودها المحللة على أحد من خلقه ، فكيف يحرمها على رسله ، ( ~~@QUR@02 واعملوا صالحا ) في كل ما أمركم به من التزام بخط الرسالة في ~~أنفسكم ، والدعوة إليه في حركة المسؤولية ، والجهاد في سبيله بأموالكم ~~وأنفسكم ، فذلك هو التجسيد العملي للإيمان بالرسالة ، والرمز المعبر عن شكر ~~النعمة ، ( @QUR@04 إني بما تعملون عليم )، هذه هي الحقيقة التي لا بد ~~للمؤمن من أن يعيشها في وجدانه ، بحيث يشعر بعمق بالرقابة الإلهية المهيمنة ~~عليه في كل أعماله الخفية والمعلنة ms3773 ، ليتأكد لديه خط الالتزام وحس ~~المسؤولية. # * * * ### ||| ** وحدة الرسالات # ( @QUR@05 وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) في وحدة الرسالة المتحركة في خط ~~التوحيد والشريعة المنطلقة باتجاه هدف واحد هو إقامة الحياة على كلمة الله ~~، وتحصيل رضاه بذلك .. وهذا ما يجمع الدعاة إلى الله والأدلاء عليه ، بعيدا ~~عن العلاقات الشخصية والمنافع الذاتية ، وهو ما يضم المؤمنين في دائرة ~~الوحدة ، بعيدا عن الأوضاع العائلية والعرقية والإقليمية ونحو ذلك مما ~~يختلف فيه الناس ويتوحدون. فلا بد من إقامة الوحدة على هذا الأساس ، بحيث ~~يشكل القاعدة والمنطلق مع مراعاة الوحدات الإنسانية الصغيرة أو الكبيرة في ~~ذات المؤمن ، والجانب العاطفي الذي يربطه فيها ، فالإسلام لا يريد إلغاء العنصر PageV16P161 # الإنساني الذاتي من أحاسيس الإنسان ومشاعره ، بل كل ما يريده هو أن لا ~~يؤثر على حركة المسؤولية الرسالية في حياته ، ( @QUR@03 وأنا ربكم فاتقون ) ~~فالقضية التي يجب أن تحكم علاقة الإنسان بربه في خطواته العملية هي قضية ~~التقوى في كل أفعاله وأقواله وعلاقاته ، لأنها هي التجسيد الحقيقي للإحساس ~~بالعبودية المطلقة لله ، فلا معنى لعبد لا يراقب سيده الذي هو ربه وخالقه. # * * * ### ||| ** كل حزب بما لديهم فرحون # ( @QUR@04 فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا )، فلم يمتثلوا للأمر الإلهي الموجه ~~إليهم بالتوحد من خلال رسالته ، بما يمثله ذلك من وحدة رسله ، ولم يدرسوا ~~ما أنزله الله على هؤلاء الرسل من مفاهيم واحدة قد تختلف لجهة بعض تفاصيل ~~التطبيق ، وقد تتنوع التشريعات التي تعبر عنها تبعا لاختلاف الزمن ، وما ~~يفرضه من تطور وتبدل في حاجات الإنسان ، مما يستدعي أن يجعل تحليل ما حرمه ~~سابقا أمرا واقعيا منطقيا ، لأن للتحريم أمدا معينا لا يتجاوزه ، وهذا يفسح ~~المجال لبروز حكم جديد يخالف الحكم السابق. وهكذا فإن اختلاف الرسل والكتب ~~التي حملوها لا يعني التعارض في المواقف ، أو التباين في الانتماء ، بل ~~يعني مرحلية الرسالات التي تستدعي أن يكون لكل رسالة نهاية محدودة ينتهي ~~دورها عندها ، ليأتي دور رسالة لاحقة تكمل الطريق الذي بدأته الرسالة ~~السابقة. # ولكن المشكلة أن هؤلاء انطلقوا من الدوافع الذاتية التي تغرقهم في ~~المطامع والمنافع والامتيازات ms3774 الخاصة ، وتجعلهم يرسمون حدودا أمام النبوات ~~، باعتبارها امتيازا خاصا بفريق دون آخر ، ويصبح النبي بالتالي رمزا PageV16P162 # لهذا الحزب أو ذاك ، بعيدا عما هي الرسالة ، وعما هي تقوى الله ، وتتحول ~~المسألة من حالة إيمان إلى حالة تحزب .. وبذلك يتقطع أمرهم ؛ فلكل منهم ~~كتاب ، ولكل منهم معبد ، ولكل جهة رسول ، ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ~~) وهو فرح ذاتي أناني يحلم بالانتصارات الفئوية العدوانية ، وليس فرحا ~~روحيا ينطلق من المواقف الرسالية التي تنفتح لأعدائها ، لتفتح قلوبهم على ~~الحق ، وتلاحق أصدقاءها بالنقد إذا انحرفوا عنه .. إنه معنى الرسالة في ~~الحزب الذي يحطم الحواجز بينه وبين الناس ، لتكون الرسالة هي خطابه لهم ، ~~لا شخصيته الذاتية ، على مستوى الفئة أو الطائفة أو ما يشبه ذلك. # * * * ### ||| ** الإسلام منفتح على كل الرسالات # وهذا الخط الإيجابي المنفتح ، هو خط الإسلام ، الذي جاء به رسول الله ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد جعل من صلب عقيدة الإيمان به ، الإيمان بكل ~~الرسل والرسالات السابقة ، ولم يفرق بين رسول ورسول ، لجهة الإيمان والكفر ~~، كما يفعل اليهود والنصارى ، كما صدق كل الكتب التي بين يديه ، لأنه يؤمن ~~بالكتاب كله ، لذا تحدث عن الإنجيل ومفاهيمه ، وعن التوراة وشرائعها ، كما ~~دعا الجميع إلى الوقوف عند ما يتفقون عليه معه ، وإلى الحوار في ما يختلفون ~~فيه معه ، ولم يتعقد من خلاف ، ولم ينغلق على أحد. # ( @QUR@05 فذرهم في غمرتهم حتى حين ) ولا تتوقف عن السير في طريقك الذي ~~أراد الله لك أن تسير فيه ، بل تابع رسالتك لتفتح أبواب المعرفة للناس ، ~~وتطل بهم على آفاق الله من نافذة الوعي والفكر والتأمل ، وليبق هؤلاء في ~~غمرتهم في أجواء الجهل والضلال ، وليمتدوا في ذلك ، حتى يأتي الوقت الذي ~~يلاقون فيه PageV16P163 # النتائج المرعبة لأعمالهم ، فإن لكل بداية نهاية يحددها ما تحتويه ~~طبيعتها الذاتية. # * * * ### ||| ** إنعام الله على الإنسان لاختباره # ( @QUR@07 أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) في ما يتقلبون فيه من ~~متاع يزهو به الإنسان من مال وولد من زينة الحياة ، ( @QUR@04 نسارع لهم في ~~الخيرات ) ليغتروا بها ويشعروا بالكبرياء لأنهم ms3775 كانوا ، جراء ما نالهم من ~~نعم الله ، موضعا لكرامته بالرغم من امتدادهم بالغي .. ولكنهم لا يلتفتون ~~إلى أن الله لا يعطي الناس من موقع كرامتهم عنده فقط ، بل من موقع الامتحان ~~والفتنة أحيانا لإظهار كل ما تخفيه شخصيتهم من خير أو شر ، ولهذا ، فإن ~~عليهم أن يفكروا أن ذلك لا يمثل الخير في ما يقبلون عليه ، لأن ذلك لن يدوم ~~لهم ، فسيفارقونه إن عاجلا أو آجلا ، وسيواجهون عذاب الله ، ( @QUR@03 بل ~~لا يشعرون )، لأن الغفلة التي بدأت في حياتهم من خلال استسلامهم لأسبابها ~~، امتدت معهم إلى نهاية الحياة .. # * * * PageV16P164 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) @QUR@05 والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون (58) @QUR@05 والذين هم بربهم لا يشركون (59) @QUR@010 والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) @QUR@07 أولئك ~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) @QUR@012 ولا نكلف نفسا إلا وسعها ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) (62) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وسعها )؛ الوسع : القدرة والطاقة. # ( @QUR@01 كتاب ): أي : صحائف الأعمال. # * * * PageV16P165 ### ||| ** المسارعون في الخيرات # من هم الذين يسارعون في الخيرات على مستوى أعمالهم في الدنيا في ما تمثله ~~من مبادئ الخير ، وعلى مستوى مصيرهم في الآخرة ، في ما يمثله من النتائج ~~السعيدة الخيرة في أجواء النعيم الخالد؟ # ( @QUR@07 إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) هؤلاء الذين عاشوا عظمة ~~الله في عقولهم ووجدانهم ، واستشعروا محبته في قلوبهم ، وأشفقوا على أنفسهم ~~من خشيته ، لأن للعظمة بعدا للحب يدفع للطاعة ، وبعدا آخر يدعو للخوف من ~~المعصية .. وهكذا كان هذا الإشفاق المتحرك من موقع الخوف من الله ، لا ~~يتمثل في الجانب الشعوري من حياتهم فقط ، ليكون مجرد حالة انفعالية طارئة ، ~~بل يتمثل في الجانب العملي من سلوكهم أيضا بحيث يصبح برنامجا عمليا للحياة ~~في خط القرب من طاعة الله ، والبعد عن معصيته. ( @QUR@05 والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون )، لأنهم تطلعوا إلى كل مظاهر الحياة ، في الكون وفي الإنسان ~~، في أجهزة جسمه ، وانطلاقة عقله وروحه ، وفكروا في تلك الآيات تفكير ~~الباحث عن الحقيقة ، وتعمقوا في أسرارها ليعرفوا دقة الصنع ، وإعجاز الوجود ~~، وقارنوا فيما ms3776 بينها ، ووقفوا على سر الوحدة فيها ، فعرفوا أن الله وحده ~~هو خالق ذلك كله ، ومبدعه ومدبره ، وبذلك كان الإيمان بالآيات مقدمة ~~للإيمان بالله .. وهنا تحدد قيمة المعرفة الكونية في حساب الإيمان ، فهي ~~ليست حركة عقلية مجردة للاستغراق داخل الفكرة ، بل انطلاقة فكرية وروحية ، ~~ينفتح الإنسان بها على عالم آخر يلتقي من خلاله بالله .. فالإيمان لا يرتبط ~~بالحقيقة بطريقة ساذجة ، بل يلتقي بها من خلال إعمال الفكر ، وتحصيل العلم ~~، لتشكيل قاعدة علمية وعقلية متينة يستند عليها. # ( @QUR@05 والذين هم بربهم لا يشركون ) وكيف يشركون به وهم يرون في آياته PageV16P166 # المنتشرة في الكون ، أن كل ما في الكون مخلوق له ، خاضع لإرادته ، بوجوده ~~المحدود الذي ينطق بالحاجة إليه ، فكيف يكون شريكا له في الألوهية ، وكيف ~~يمكن للناس أن يجعلوه شريكا له في العبادة ، وهو لا يملك أية خصوصية يستحق ~~بها ذلك ، بل على العكس ، يملك ما يبعده عن ذلك. # ( @QUR@010 والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) ~~هؤلاء الذين يعيشون حس الطاعة بشكل مرهف ، فيدققون في دوافع كل عمل يأتون ~~به كي لا يدخله الشرك الخفي ، ويفحصون جزئياته كي لا يقعوا في الخطأ أو ~~يتجاوزوا بعض الحدود من خلاله .. فإذا أتوا بعملهم ذاك إنفاقا كان أو قولا ~~أو غير ذلك ، نجدهم خائفين مشفقين ، أن لا يقبل الله منهم عملهم ذلك ، وأن ~~يحاسبهم عليه إذا رجعوا إليه ووقفوا أمامه ساعة الحساب ، حذرا من غفلتهم عن ~~بعض دقائقه وخفاياه. # ( @QUR@04 أولئك يسارعون في الخيرات ) لأنهم ارتكزوا في حياتهم على ~~القاعدة الصلبة التي ينطلق منها كل خير ، وهي الإيمان بالله وبتوحيده ، ~~والخوف منه ، والمحبة له ، والوجل من المصير يوم الحساب ، ولذلك فإنهم ~~ينتهزون كل فرصة لعمل الخير ، لئلا تفوتهم ، فتفوتهم سعادة الطاعة ونتائجها ~~السعيدة ، فيسارعون فيها .. ( @QUR@03 وهم لها سابقون ) لأن من يسارع إلى ~~الهدف الذي يحبه ، فلا بد من أن يسبق الناس إليه .. وتلك هي الجنة التي ~~يتنافس فيها المتنافسون ، وينطلق إليها المتسابقون ، ( @QUR@05 ولا نكلف ~~نفسا إلا وسعها )، فلكل طاقته على عمل الخير ، وعليه القيام ms3777 بما يستطيعه ~~منه ، فلن يطلب الله منه أكثر من ذلك ، لأن الله لا يكلف عباده بما لا ~~يطيقون ، لأنه ظلم لا يصدر منه سبحانه وسيجزيه الله جزاء ذلك ، ( @QUR@04 ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق ) يسجل لعامل الخير كل دقائقه وخفاياه ، ( @QUR@03 ~~وهم لا يظلمون ) شيئا من ذلك ، بل يأخذونه وافيا كاملا غير منقوص. # * * * PageV16P167 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون (63) @QUR@08 حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) ~~@QUR@07 لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) @QUR@09 قد كانت آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) @QUR@04 مستكبرين به سامرا ~~تهجرون (67) @QUR@010 أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ~~(68) @QUR@07 أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) @QUR@010 أم يقولون ~~به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) @QUR@016 ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم ~~معرضون (71) @QUR@09 أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) ~~@QUR@05 وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) @QUR@08 وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) @QUR@011 ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ~~للجوا في طغيانهم يعمهون (75) @QUR@08 ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون (76) @QUR@012 حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ~~إذا هم فيه مبلسون ) (77) # * * * PageV16P168 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يجأرون ): الجؤار بضم الجيم صوت الوحش ، كالظباء ونحوها ، عند ~~الفزع ، كني به عن رفعهم الصوت بالاستغاثة والتضرع ، وقيل : المراد به : ~~ضجتهم وجزعهم كما جاء في الميزان (1). # ( @QUR@01 تنكصون )؛ النكوص : رجوع القهقري ، وهو المشي على الأعقاب إلى ~~خلف ، وهو أقبح مشية ، مثل بها أقبح حال ، وهي الإعراض عن الداعي إلى الحق ~~كما جاء في المجمع (2). # ( @QUR@01 سامرا )؛ السامر : من السمر ، وهو التحدث بالليل. # ( @QUR@01 تهجرون ): من الهجر في الكلام ، وهو الهذيان أو الفحش في ~~المنطق. # ( @QUR@01 لناكبون )؛ النكب والنكوب : العدول عن الطريق والميل عن الشيء. # ( @QUR@01 للجوا ): تمادوا. # ( @QUR@01 يعمهون ): يتحيدون. # ( @QUR@01 استكانوا ): خضعوا وتواضعوا. # ( @QUR@01 مبلسون ): آيسون. # * * * PageV16P169 ### ||| ** الكفار بعيدون عن الخير # ( @QUR@06 بل قلوبهم في غمرة من هذا ) وهم المشركون أو المنحرفون عن الخط ~~الذين لا يأخذون بأسباب ms3778 الخير في ما يفعلون ويتركون ، بل يعيشون في واقعهم ~~الغفلة المطبقة لسيطرة الجهل على عقولهم ، والغفلة تلك تستغرق كل أفكارهم ~~ومشاعرهم ، فتحجب عنهم وضوح الرؤية ، وتصدهم عن اكتشاف ما هو الخطأ والصواب ~~في الأمور ، وتمنعهم من التفكير في ذلك كله .. # ( @QUR@05 ولهم أعمال من دون ذلك ) فالذين لا يسارعون في الخيرات ، ~~يقومون بخلاف أعمال المؤمنين ، فهم يبادرون إلى الأعمال الرديئة الخبيثة ~~التي لا تتناسب مع إنسانية الإنسان ، ومع مصلحة الحياة وطهارتها .. ( ~~@QUR@03 هم لها عاملون ) يختارون القيام بها عن سابق قصد وتصور وتصميم ، ~~مما يوحي بأن أعمالهم تلك ترتكز على قاعدة نفسية معقدة ضد الخير ، ومنفتحة ~~على الشر .. وهم يصرون على أعمالهم تلك دون أي حساب للنتائج السلبية التي ~~تترتب عليها على مستوى المصير ، كما لو كانوا يحملون الأمان بأيديهم .. # * * * ### ||| ** المترفون يجأرون من العذاب # ( @QUR@05 حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ) باعتبار أنهم يمثلون واجهة ~~المجتمع الضال الكافر وقيادته ، كونهم يملكون مواقع القوة فيه ، ويحركونها ~~في اتجاه إخضاع المستضعفين الذين يحتاجونهم لما يريدونه ، وبذلك يصبح ~~الحديث عن عذاب المترفين بالخصوص رمزا يوحي بتبعية الآخرين لهم في المصير ، على PageV16P170 # أساس تبعية الآخرين لهم في الموقف ، أو تأكيدا على سيطرة الله وقدرته ، ~~باعتبار أن الله إذا أخذ المترفين الذين يملكون أسباب القوة ، فإنه قادر ~~على أخذ الأقل منهم قوة ، بطريق أولى ، حيث يجتمعون في ما يشبه المفاجأة ~~لهم ، بفعل الصدمة الناشئة من الغفلة ، ( @QUR@03 إذا هم يجأرون ) ويرفعون ~~أصواتهم بالصراخ ، فلم ينتظروا الآخرة لأنهم لم يهتموا بها وبمواجهتها ، ~~ولم يفكروا بالعذاب لأنهم سخروا ممن أنذرهم به ، مما جعل مواجهته كحقيقة ، ~~كارثة تخرج الإنسان عن طوره في التعبير عن الانفعال .. ولكن النداء القادم ~~من الله يوضح بأن الصراخ لا يفيد في تخفيف العذاب أو رفعه عنهم ، لأن أحدا ~~لن يسمعهم ، أو يقدر على إعانتهم ونصرتهم من الله ، فإن الصراخ المنطلق ~~طلبا للنصرة ، أمر يشبه العبث. # ( @QUR@07 لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ) لأن الله إذا أراد شيئا ~~، فلا يملك أحد أن يقف أمامه ، لأن القوة لله جميعا في ms3779 كل شيء ، وفي كل زمان. # ( @QUR@05 قد كانت آياتي تتلى عليكم ) لتفكروا ولتحاوروا ولتفتحوا عقولكم ~~على الحق دون أي ضغط أو إكراه ، فالأنبياء كانوا يفتحون المجال أمامكم ~~لتصلوا إلى الحقيقة من أقرب طريق ، لأنها ليست من الأمور التجريدية التي ~~يمكن للإنسان مواجهتها بطريقة اللامبالاة ، كونها مرتبطة بمصير الإنسان في ~~الدنيا والآخرة ، لكنكم لم تستجيبوا لذلك كله ، ( @QUR@04 فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون )، فلا تقبلون عليها إقبال الوعي والجدية ، بل تتراجعون ~~وتدبرون عنها ، كما لو كانت شيئا تهربون منه. # ( @QUR@02 مستكبرين به ) أي مكذبين بالقرآن تكذيبا ينطلق من الكبرياء ~~المرضية التي تمنعكم من مواجهة الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم بالإيمان ، ~~ولم تكتفوا بالتكذيب السلبي والامتناع عن الإيمان ، بل اتخذتم موقفا عدائيا ~~، ( @QUR@02 سامرا تهجرون ) وجعلتم في أجواء الليل الطويلة من الإيمان ~~موضوعا للسمر PageV16P171 # اللاهي ، وللهذيان والفحش في القول ، والكلام اللامسؤول. # * * * ### ||| ** إنكار المشركين للقرآن لا يستند إلى أساس # ( @QUR@03 أفلم يدبروا القول ) الذي جاءهم به النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ليعرفوا كيف ينطلق من مواقع الصدق الذي لا مجال فيه ~~للكذب ، وكيف يدل على نفسه ، أسلوبا ومضمونا ، أنه كلام الله وليس من كلام ~~البشر ، وكيف يحكمون على ما لم يتدبروا فيه ، وكيف يشكون في ما لم يتأملوا ~~فيه؟! وإذا كانوا قد تدبروه ، فما ذا وجدوا فيه؟! فليتحدثوا عن الخلل الذي ~~يتضمنه ، وعن الشبهات التي يثيرها. ولكنهم لا يتحدثون بهذه الطريقة ، بل ~~يواجهون المسألة بأسلوب العناد الجامد الذي لا يفصح عن شيء ، لأنهم لا ~~يجدون ما يدافعون به عن موقفهم. # ( @QUR@07 أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) فكان إنكارهم منطلقا من ~~غرابة هذا الوحي على أسماعهم لأنهم لم يسمعوا به ، مع ، أنهم يعرفون أن ~~المسألة لم تكن بدعا من المسائل ، فقد سبق في التاريخ الذي يتناقلونه ، ذكر ~~الأنبياء السابقين ، كإبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام ، فما الغريب في نبوة ~~محمد ص؟ ( @QUR@04 أم لم يعرفوا رسولهم ) بصدقه وأمانته وعقله واستقامته ، ~~فقد عاش بينهم مدة طويلة لم يسجلوا عليه فيها أية نقطة ضعف في قول أو فعل ، ~~فهل يعقل أن ms3780 يكون توقفهم عن الإيمان به لأنهم لا يعرفونه ( @QUR@03 فهم له ~~منكرون ) كما ينكر الإنسان أي غريب يأتيه من بلاد بعيدة ليدعوه إلى بعض ~~الأمور دون أن يكون لديه ما يثبت الثقة به ، لأنه لا يملك معطيات تكشف ~~حقيقة أمره؟! # ( @QUR@04 أم يقولون به جنة ) فهل عقلوا معنى هذا القول؟ وهل درسوا عقله ~~وفكره وكلامه وسلوكه ودعوته ، فرأوا اختلالا في توازن شخصيته ، ليكون لهذا PageV16P172 # القول مبررا في الواقع؟ طبعا لا ، فليس للقول بجنونه أي مبرر ، لأنه يمثل ~~كل القوة والثبات والتوازن في كل عناصر شخصيته ، ولكن للمسألة سببا آخر ، ~~هو عقدتهم من مسألة الحق ، والعقلية العنيدة الجامدة التي يملكونها والتي ~~لا تواجه الرأي الآخر في مرتكزاته الفكرية ، أو لا تواجه الطروحات الجديدة ~~الداعية إلى التغيير بروحية البحث عن الحقائق الجديدة التي يفرضها تغير ~~الواقع وتغير معطياته ، لأنهم ليسوا مستعدين لتغيير عاداتهم وتقاليدهم ~~وموروثاتهم العقيدية ، تحت تأثير أي وضع ، حتى لو كان الحق واضحا فيه .. ~~إنه التعصب للباطل المتحجر في حياتهم ، الذي يجعلهم يكرهون الحق من موقع ~~هذا التعقيد الشعوري ، لا من موقع عدم القناعة به. # * * * ### ||| ** ما جاء به الرسول هو الحق # ( @QUR@03 بل جاءهم بالحق ) الواضح المرتكز على الحجة والبرهان ( @QUR@03 ~~وأكثرهم للحق كارهون ) لأنهم يريدون تأسيس حياتهم على الأهواء والشهوات ~~والأطماع التي تلتقي بالباطل من أقرب طريق ، وليسوا مستعدين لترك ذلك كله ، ~~والالتزام بالخط المستقيم الذي قد يتعب أوضاعهم التي اعتادوها ، ويمنع عنهم ~~ما حصلوا عليه من امتيازات .. # وقد نستوحي من الحديث عن كراهة الأكثرية منهم للحق ، أن القرآن يريد نزع ~~فكرة قداسة الأكثرية من الأذهان ، باعتبارها أساسا للإيمان بالحقائق ، لأن ~~الإيمان يمثل الحركة المضادة لتيار الشهوات الذي يوافق النفوس ، ولذلك فإن ~~من يتحملون ضربات التيار الذي يواجه خط الإيمان ، قليلون ، بينما يرتاح ~~للسير مع اندفاع التيار أغلبية الناس .. ولكن ليس معنى ذلك أن الأكثرية تقف ~~دائما ضد الحق ، بل إن الحق ليس دائما معها. PageV16P173 # وقد نلاحظ في هذا المجال أن الميل إلى معارضة دعاة الحق ليس حالة تاريخية ~~تعيش في الماضي ، لنتحدث ms3781 عنها كمصدر للعبرة ، بل هي حالة إنسانية عامة ~~ممتدة إلى الحاضر ، حيث نجد أن الدعاة إلى الله ، والعاملين في سلبيه ، ~~يعارضون ويضطهدون ، ويواجهون بالافتراءات والتهم المتنوعة ، لإعطاء تلك ~~المعارضة تبريرا منطقيا غير موجود في الواقع ، لأن رفض أولئك للحق الذي ~~يدعو إليه الأنبياء والدعاة متأت عن التزامهم بالباطل ، لذا فإنهم يرفضون ~~دعاته ، سواء أعلنوا موقفهم ذاك بصراحة ، أو حاولوا إخفاءه وراء ما يصنعونه ~~من أقنعة لتغطية الموقف. # * * * ### ||| ** الخضوع للأهواء يعرض الكون للاهتزاز # ( @QUR@09 ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) لأن ~~الخضوع للأهواء يستتبع عدم وجود ضوابط لأي شيء على صعيد التكوين والتشريع ، ~~لأنه لن يكون منطلقا من دراسة العناصر الضرورية التي تضمن للوجود أو ~~للإنسان صلاحه وثباته واستمراره ، لجهة ما تحتويه من أسرار وخصائص وتوازنات ~~في علاقة الأشياء ببعضها البعض ودورها في حركة الإنسان وحياته ، هذه ~~الخصائص التي تجعل لكل شيء هدفا ، ودورا ، وموقعا مميزا ، وتخلق نوعا من ~~التكامل بين عناصر الوجود وطبيعة الأشياء ، ولونا من ألوان التوازن في ~~أوضاع الناس في حياتهم العامة والخاصة ، وفي علاقة الإنسان بالكون والحياة .. # وإذا فقد الكون ضوابطه وقوانينه وركائزه فقد أي مصدر للثبات والامتداد ، ~~وإذا انعدمت في التشريع المصالح والمفاسد التي تحكم الأوامر PageV16P174 # والنواهي فقد التشريع فاعليته القوية في تنظيم حياة مستقرة للإنسان ، لأن ~~الأهواء لا تحكمها قاعدة أو قانون ، مما يجعل الكون كله عرضة للاهتزاز ~~وللفساد وللخلل ، وبذلك تفسد السماوات والأرض لو أريد لها أن تتحرك أو ~~تتغير أو تثبت أو تزول تبعا للأهواء المتنوعة والشهوات المتباينة والأمزجة ~~المتقلبة ، ويفسد من فيهن من إنسان وحيوان وغيرهما لو كانت الأنظمة ~~الموضوعة لها بعيدة عن منطق العقل ، وقريبة إلى منطق الهوى والشهوة ~~والانفعال. # إن المسألة في مجملها هي الفرق بين القاعدة واللاقاعدة ، فلا يمكن أن ~~يصلح شيء لا قاعدة له في ساحة الوجود أو التشريع ، وبذلك لا يمكن أن تكون ~~الأهواء أساسا لذلك كله .. ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية ، أن يتجاوز الناس ~~أهواءهم ونوازعهم ، لينظم الوحي حركتهم في الواقع كله ، ويصدم كل مرتكزاتهم ms3782 ~~الخاطئة ، ويغير كل عاداتهم المتخلفة ، وينسخ كل شرائعهم الباطلة. # * * * ### ||| ** إعراض المشركين عن ذكر الله # ( @QUR@03 بل أتيناهم بذكرهم ) وهو القرآن الذي يذكرهم بالحقائق التي ~~تفتح عقولهم على ما غفلوا عنه من عناصر الهدى ، وتذكرهم ما نسوه من قواعد ~~النجاة والنجاح .. وقد نسب الذكر إليهم ، باعتبار أن هدف حركته في الواقع ~~هو تذكيرهم ، ليكونوا القاعدة الإيمانية للمستقبل ، باعتبارهم أول من تحركت ~~الدعوة إليهم بالإسلام في وقت غفلوا فيه عن الحق ونسوا قواعد النجاة. ( ~~@QUR@04 فهم عن ذكرهم معرضون ) لأنهم يرفضون الانفتاح على كل آيات الله ، PageV16P175 # ويخافون من سيطرتها الفكرية على أذهانهم ، مما قد يدفعهم إلى تغيير ~~مواقفهم ، والابتعاد بالتالي عما ألفوه من مواقع شركهم. # ( @QUR@03 أم تسألهم خرجا ) مما عندهم من مال ، فيبتعدون عنك خوفا من دفع ~~هذه الضريبة ، ولكن لماذا تطلب منهم ذلك ، وأنت لا تحتاج إلى طلبه من أي ~~شخص أو جهة كما هي الحال عادة لدى من يطلبون؟ فأنت تملك الأفضل ( @QUR@03 ~~فخراج ربك خير ) مما لديهم ، لأن ما عندهم مستمد من الله ، ( @QUR@03 وهو ~~خير الرازقين ) لأنه يرزق الإنسان من موقع الغنى المطلق ، والرحمة الواسعة ~~، بينما ينطلق الآخرون من موقع الفقر والمنة على من يرزقونه. # ( @QUR@05 وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) لا التواء فيه ولا انحراف على ~~مستوى الفكر والحركة والحياة ، فهو خط تبدأ النقطة الأولى فيه من الله الذي ~~أعطى الإنسان نعمة الوجود ، ويستمر خط السير فيه مع الله في توحيده ورسالته ~~ونعمه التي تحيط به من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ~~ومن تحته ، لتنتهي إلى الله في اليوم الآخر الذي يقود عباده المؤمنين إلى ~~جنات النعيم. # * * * ### ||| ** انحراف المكذبين بالأخرة عن الصراط # ( @QUR@08 وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ) أي لمنحرفون ~~عن الخط المستقيم ، لأنهم لم يدرسوا الاتجاه الصحيح الذي يقودهم إلى النجاة ~~، فمشكلة عدم الإيمان بالآخرة ، أنها تمنع الإنسان من الاستعداد لها في ~~الدنيا أعمالا وأقوالا ، فينحرف عن الطريق وهو يعتقد أنه يسير في الخط ~~المستقيم ، ( @QUR@07 ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ) لما أقبلوا ms3783 على ~~الله بالشكر ، ولما تراجعوا PageV16P176 # عن غيهم ، بل لاستمروا فيه ، ( @QUR@04 للجوا في طغيانهم يعمهون )، ~~وتمادوا في عنادهم وطغيانهم الذي يترددون فيه ، فيذهبون ويجيئون دون أن ~~يهتدوا إلى سواء السبيل. # * * * ### ||| ** مصير الكافرين # ( @QUR@03 ولقد أخذناهم بالعذاب ) في الدنيا ، في ما أخذناهم به من صنوف ~~البلاء ، ليتضرعوا إلى الله وليرجعوا إليه ، ولكنهم ظلوا على غيهم وكفرهم ~~وغفلتهم عن الحق ، ( @QUR@05 فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) في خوف ~~العبد من ربه ، وإخلاصه له. # ( @QUR@012 حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ) ~~وقد يكون المراد منه الموت الذي يعقبه عذاب الآخرة ، ويستتبعه الموقف ~~الأخير ، حيث يفاجأون باليأس من الرحمة التي لن تنال الكافرين ، وذاك هو ~~المصير النهائي للكافرين ، في ما أخذوا به من بدايات الكفر والضلال. # * * * PageV16P177 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(78) @QUR@07 وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) @QUR@010 وهو الذي ~~يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) @QUR@06 بل قالوا ~~مثل ما قال الأولون (81) @QUR@08 قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (82) @QUR@012 لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (83) @QUR@08 قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) ~~@QUR@05 سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) @QUR@08 قل من رب السماوات السبع ~~ورب العرش العظيم (86) @QUR@05 سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) @QUR@014 قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) @QUR@05 ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) @QUR@05 بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ) (90) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنشأ ): خلق. PageV16P178 # ( @QUR@01 أساطير ): أباطيل وأحاديث خرافية. # ( @QUR@01 ملكوت ): الملكوت : الملك ، بمعنى السلطنة والحكم. # ( @QUR@01 تسحرون ): السحر : تخيل الشيء على خلاف ما هو عليه. # * * * ### ||| ** الفطرة الصافية تقود إلى الإيمان # لماذا يؤكد القرآن على أن مشكلة الكفر ، تتلخص في الغفلة من جهة ، واتباع ~~الهوى من جهة أخرى؟ # إن هذه الآيات هي الجواب عن ذلك ، لأن ربوبية الله للعالم ، ووحدانيته في ~~ذلك ، ليست من الأمور التي يحتاج الوصول إليها الكثير من الجهد الفكري ، بل ~~كل ما تحتاجه وجدان صاف ، وفطرة نقية ينفتح بها الإنسان على ms3784 وجوده من ~~الداخل أو على الأشياء التي تحيط به من فوقه أو من تحته ، أو من حوله ، فإن ~~ذلك وحده كفيل بأن يقود الإنسان إلى الإيمان بالله بطريقة فطرية عفوية لا ~~تعقيد فيها ، فهي لا تحوجه إلى البحث عن إجابات صعبة على إشكالات فكرية معقدة. # * * * ### ||| ** السمع والأبصار والأفئدة من نعم الله # ( @QUR@07 وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة ) فكروا في أنفسكم ~~، في الجسد الذي تتحركون به ، ألا ترون أن لكم أسماعا تلتقطون فيها أصوات ~~الموجودات PageV16P179 # المحيطة بكم ، وأن لكم أبصارا تشاهدون فيها كل المناظر التي تحيط بكم ، ~~وأن لكم عقولا تطوف بكل مفردات المعرفة التي تمتلئ بها حياتكم الباحثة أبدا ~~عن الفكر والحق والإبداع؟ هل هناك معنى للحياة دون هذه الطاقات التي تتعاون ~~في الوصول إلى هدى الوعي الذي يحرك حياة الإنسان في الاتجاه السليم؟ ~~فبالبصر والسمع يلتقط الكائن الحي كل المسموعات والمبصرات وكل ما يتحسسه ~~الإنسان من خلال تجربته الذاتية ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، عبر ما ينقل ~~إليه من تجارب الآخرين. وبالعقل ينظم كل التجارب الحسية التي يعيشها ~~ويحولها إلى نظم عقلية وملاحظات ، مما يفتح للإنسان كثيرا من أبواب الخير ~~والهدى والنجاة. # فهل تتصورن الحياة دون سمع؟ وكيف تستطيعون التعويض في المعرفة عما ينقله ~~إليكم السمع؟ وكيف يكون الوجود الإنساني أعمى بحيث يفقد كل تجارب البصر ~~التي تهديه إلى مواقع المعرفة ومنابع النور؟ وما قيمة السمع والبصر وكل ~~الحواس الأخرى في جسد الإنسان ، إذا لم يكن هناك عقل ينظم لها كيف تواجه ~~الحياة من موقع النور والقوة والاستقامة؟ # إنها النعم التي ترتفع بالإنسان ، عند ما تجتمع له ، إلى الآفاق التي ~~تربطه بالقضايا الكبرى ، وكليات الحقائق ، وقوانين الوجود ، وقواعد المعرفة ~~، وتقوده من خلال عمق العلم ورحابته إلى أن يكون القوة التي تقود الحياة ~~وتوجهها في الاتجاه الصحيح ، فهل تشكرونها ، وهل تعرفون أن الشكر في هذا ~~المجال ليس كلمة تقولونها ، وليس التفاتة عرفان بالجميل تتمثلونها أو ~~تعبرون عنها بابتسامة ، أو انحناءة ، أو هدية أو ما إلى ذلك ، مما اعتاد ~~الناس ms3785 أن يعبروا به عن شكرهم للجميل؟! بل هو حالة وجدانية تهز الكيان ~~اعترافا بالخضوع العميق للخالق الذي أبدع وأعطى ودبر ، وموقف طاعة دقيقة ~~شاملة لكل أوامره ونواهيه ، تعبيرا عن خضوع المخلوق للخالق في وعيه لسر ~~العبودية في ذاته للإله الذي خلقه ، إنه شكر الوجود الإنساني الحي المتحرك PageV16P180 # بالموقف لخالق الوجود .. ولكن ما تعيشونه خلاف ذلك .. فأنتم ( @QUR@03 ~~قليلا ما تشكرون ) فليس هناك إلا القليل القليل من الشكر الذي لا يعبر عن ~~الإحساس بالنعمة. # * * * ### ||| ** الله يسخر ما في الأرض للإنسان # ( @QUR@05 وهو الذي ذرأكم في الأرض ) وأوجدكم فيها وسهل لكم سبلها ، ~~وأخرج لكم ثروتها ، وسخر لكم كل طاقاتها لتخدم استمرار الحياة في وجودكم ، ~~ولم يهملكم ويترككم لتأخذوا حرية العبث بنظام الحياة ، وبطاقاتكم التي ~~أودعها فيكم ، بل فرض لكم خطا لا تتجاوزونه وحدا لا تتعدونه ، وجعل لكم ~~موعدا تلتقون فيه بنتائج المسؤولية في ساحة الحساب .. ( @QUR@02 وإليه ~~تحشرون ) لتعرفوا أن انطلاقة وجودكم بدأت به ، وستحشرون إليه في النهاية .. ~~فكيف تواجهون الموقف ، وكيف تتمثلون هذه النعمة؟ # * * * ### ||| ** الله المحيي والمميت وبيده الملكوت # ( @QUR@04 وهو الذي يحيي ويميت ) ويمسك بالوجود كله ، فلا تبتعد الحياة ~~بكل مظاهرها وأشكالها عن إرادته ، ولا يتحرك الموت بعيدا عن مشيئته ، فهو ~~مالك الحياة والموت .. ( @QUR@04 وله اختلاف الليل والنهار ) وهو الذي أبدع ~~اختلاف الحركة وتنوع أشكال الوجود ، في تتابعه ، في ما يحتوي النشاط ~~الإنساني كله ، وفي ما يثير الإحساس بالزمن الذي يمتد فيه الليل طويلا تارة ~~وقصيرا أخرى ، ليتبادل حركة الطول والقصر مع النهار ، بحيث يلهث الإنسان مع الزمن PageV16P181 # ويستغرق فيه ، ليطل من خلاله على حيوية الحركة ، وعلى نهاية الحياة في ~~نهاية المطاف ، ليؤمن بأن الحياة وإن اختلفت في أشكالها وأوضاعها ، فإنها ~~تبقى خاضعة لتدبير المبدع الذي خلق الوحدة في التنوع ، وأبدع من التنوع سر ~~النظام في الوجود كله .. # ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) لتقعوا على عمق المعرفة بالله من خلال التفكير ~~العميق بمظاهر الإبداع في خلقه ، ولتؤمنوا بأن هذه الحياة التي خضعت للنظام ~~الكوني ، لا بد من أن يتحرك فيها الإنسان من مواقع النظام الذي وضع الله ms3786 ~~شرائعه ، وأوحى إليه بآياته ، ليتكامل نظام الإنسان مع نظام الكون ، ولكن ~~مشكلة كل هؤلاء أنهم لا يفكرون بعقل ، بل بانفعال ، ويعالجون القضايا ~~الفكرية العميقة التي تحتاج إلى جهد عقلي دقيق بسطحية. # * * * ### ||| ** اتباع المشركين مواقف الأولين # ( @QUR@06 بل قالوا مثل ما قال الأولون ) الذين واجهوا الرسالات ~~بالانفعال نفسه ، ولم يواجهوها بالفكر ، فقلدوا موقفهم ذاك ، تقديسا للتراث ~~التاريخي ، وانسياقا وراء العاطفة التي تربطهم بالآباء ، فتدفع الموقف ~~العقيدي في اتجاه الخط العاطفي ، دون مناقشة للمضمون الفكري ، ودون اعتبار ~~للنتائج السلبية المترتبة على ذلك في قضية المصير. # ( @QUR@08 قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ) فكيف يتحول ~~التراب إلى عنصر حياة؟ وكيف تتحول العظام إلى جسد تضج الحياة في داخله ~~وتتحرك فيه ليواجه الحساب هناك ، فيسمع ويبصر ويفكر ويتكلم ويدافع عن نفسه ~~، ويتذكر كل أعماله؟ ( @QUR@07 لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ) لجهة ما ~~تحدث به الأنبياء ، PageV16P182 # ولكننا لم نر شيئا منه في ما عشناه من تجارب ، فلم يبعث أحد من الأجداد ~~في حياة آبائنا ، ولم يبعث أحد من آبائنا في حياتنا ، فكيف نستريح لمثل هذا ~~الوعد ، وكيف نؤمن به ونقتنع ، وليس هناك ما يثبت عمق الحقيقة فيه؟ ( ~~@QUR@05 إن هذا إلا أساطير الأولين ) الذين آمنوا بالخرافة ، لأنهم لم ~~يأخذوا بأسباب العلم والمعرفة ، ولم يتحركوا لمناقشة الأمور. # * * * ### ||| ** القرآن يدعو المشركين إلى التفكير وإعمال العقل # ولكن القرآن أراد إثارة القضية التي اعتبروها بمثابة الأسطورة من جانب ~~آخر ، ليفكروا بها في اتجاه مختلف ، ينفذ إلى النتائج بشكل غير مباشر ، ~~وذلك بأن يثير أمامهم بعض علامات الاستفهام التي تحرك تفكيرهم : ( @QUR@08 ~~قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون )؟ هل يملكها أحد ممن تعتبرونهم ~~شركاء لله؟ وهل تملكونها أنتم؟ ومن الطبيعي أن السؤال يطال الملك الحقيقي ~~الذي يتأتى عن الخلق والتصرف والتدبير ، لا الملك الاعتباري الذي يتصل ~~بالجانب القانوني .. # ( @QUR@02 سيقولون لله ) وهو الجواب الذي يفرض نفسه عليهم لقناعاتهم ~~الحقيقية بأن الله هو خالق كل شيء ، فهم ليسوا منكرين للخالق ، بل جل ما ~~لديهم أنهم يجعلون له شركاء في المرتبة الثانية ms3787 أو الثالثة ، من حيث ~~العبادة ، لا من حيث الألوهية. # ( @QUR@03 قل أفلا تذكرون ) لتفتحوا قلوبكم على الحقائق ، التي تطل بكم ~~على حقائق أخرى ، قد تختلف عنها بالشكل ولكنها تتفق معها بالعمق ، لأنها ~~تستند كلها إلى القدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء ، مما يجعل الذاكر لهذه ~~الحقيقة PageV16P183 # منفتحا بقناعاته على مفرداتها المتنوعة. # ( @QUR@08 قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ) ويعود السؤال من ~~جديد ، إلى الحديث عن السموات السبع التي يملك الناس في ذهنهم تصورا كبيرا ~~عنها في حجمها وارتفاعها وما فيها من مخلوقات ملائكية ونحوها ، ويعتقدون ~~أنها الأقرب إلى الله في ملكوته الأعلى .. وعن العرش العظيم الذي يمثل في ~~وعيهم الشعوري واللاشعوري ، المنطقة العليا الرفيعة التي يتمثل فيها مركز ~~السلطة الإلهية الذي يشرف على الكون كله في موقع الإيجاد والتدبير ، وربما ~~كانت له صورة ضخمة غامضة توحي بالكثير من ألوان العظمة ، مما يسمعونه عنه ، ~~أو يتخيلونه .. ويختزنون في أعماقهم الهيمنة الإلهية عليه .. # ( @QUR@02 سيقولون لله ) لأنهم لا يمكن أن يتخيلوا سيطرة غيره على العرش ~~، وملك غيره له ، لأنه إذا كان لمن يعبدونهم من الأوثان والبشر أية ميزة ، ~~كما يتصورون ، فإنما هي ميزة القرب من الله التي تجعلهم في محل الوسائط ~~التي تقضي الحوائج بإذنه ، وتقرب الناس إليه من خلالهم .. # ولعل التعبير بكلمة ( @QUR@01 لله ) بدلا من كلمة «الله» التي قد تتناسب ~~مع السؤال عن رب هذه العوالم ، يعود إلى ما تتضمنه من إيحاء بأن السؤال هو ~~عن المالك لها ، بسبب ما تحويه كلمة الرب من معنى الملك .. # ( @QUR@03 قل أفلا تتقون ) غضبه إذا انحرفتم عن خط الإيمان ، وتحركتم في ~~مواقع الكفر ، وسخرتم برسله وبرسالاته ، وبوعده ووعيده ، وتمردتم على ~~أوامره ونواهيه .. فمن ينصركم منه في يوم الحساب؟ ثم ألا تتقون التقوى ~~الفكرية التي تدفعكم إلى الإحساس بمسؤولية الفكر في حركته لاكتشاف حقائق ~~الكون والعقيدة ، لتفهموا من عمق النظرة ، أن الذي يملك الأرض ومن فيها ، ~~والسموات السبع والعرش العظيم ، لا يعجزه أن يعيد الميت إلى الحياة ، وأن ~~يحول التراب والعظام إلى كائنات حية من جديد كما ms3788 بدأها أول مرة عند ما PageV16P184 # أعطاها الحياة؟! # ( @QUR@06 قل من بيده ملكوت كل شيء ) الملكوت هو التعبير الآخر عن الملك ~~، وهو السلطنة على الأشياء من موقع الخلق والإبداع .. والسؤال الذي تطرحه ~~الآية على هؤلاء يستهدف توجيه نظرهم إلى كل ما حولهم ومن حولهم ، من ~~مخلوقات حية أو جامدة ، وثابتة أو متحركة ، وكبيرة أو صغيرة ، ليدرسوا ~~نشوءها ونموها وخصائصها الذاتية ، وليكتشفوا القوة الكامنة فيها ، هل هي ~~قوة ذاتية تنطلق من الداخل ، أم هي قوة مستعارة أو مستمدة من قوة أخرى ~~تملكها وتملك كل مواقع القوة فيها؟ إن السؤال يطرح نفسه على الإنسان عند ما ~~يفكر ، ويطرح نفسه على كل من يدعوهم إلى التفكير ، ليصل إلى معرفة القوة ~~التي تمنح الوجود كله ، بمفرداته الصغيرة والكبيرة ، سر القوة والحركة ~~والوجود والحياة ، هذه القوة التي يجسدها الله تعالى ، والتي هي القوة ~~الوحيدة المستغنية عما عداها. # ( @QUR@08 وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ) تلك هي خصوصية الملك ~~المطلق الذاتي الذي لا يستمد قوته ومعناه من غيره ، فهناك من المالكين من ~~قد يحمون غيرهم ويمنعون عنهم سيطرة القوى الأخرى وعدوانها عليهم ، ولكن ~~القوى العليا المسيطرة على هؤلاء المالكين الأقوياء تستطيع حماية الناس ~~منهم لو فكروا في العدوان عليهم ، فهؤلاء المالكون لا يملكون القوة إلا من ~~جانب واحد ، بينما يعيشون الضعف من الجانب الآخر ، فهم قد يمنحون الناس ~~الحماية من غيرهم ، ولكنهم لا يستطيعون منع القوى الكبرى من حماية الناس ~~منهم .. # ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الآية : من هو المالك الذي يملك كل ~~شيء ، ويستطيع أن يجير كل أحد من كل سوء يعرض عليه ، من أي سبب في الأرض أو ~~في السماء ، ولا يملك أحد أن يجير عليه إذا أراد أن يوقع PageV16P185 # السوء بأي شخص؟ هو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، كتعبير عن ~~القوة المطلقة التي تملك غيرها بكل وجوده وحركته ، ولا يملك غيرها شيئا ~~لديها في جميع الأمور. # ( @QUR@02 سيقولون لله )، فهو الذي بيده بالمطلق ملكوت كل شيء ، فكل شيء ~~مملوك ms3789 له خاضع له ومحتاج إليه ، ( @QUR@03 قل فأنى تسحرون ) أي تتخيلون ~~الأشياء في سلوككم العملي على خلاف ما هي عليه ، فإذا كنتم تقرون بالله ~~الذي يملككم ويملك ما تملكون ، ويحميكم من الآخرين ولا يملك أحد أن يحميكم ~~منه ، فلما ذا تبتعدون عن ساحة رضوانه ، ومواقع الإيمان به ، والإذعان ~~لقدرته على بعثكم من جديد؟ فكيف يتوهم عجز من بيده القدرة على كل شيء عن ~~ذلك؟ والظاهر أن التعبير بالسحر عن حالة التخييل التي تقود إلى الضلال وارد ~~على نحو الاستعارة والكناية ، باعتبار أن كلمة السحر تتضمن ذلك. # * * * ### ||| ** الأسلوب القرآني في إثارة الوجدان الشعبي # وهذا الأسلوب الذي يستخدمه القرآن لإثبات العقيدة من خلال مستلزماتها ، ~~يرتكز على إثارة التفاصيل الدقيقة التي تلتقي بالقاعدة وتوضحها من خلال ~~تحريك الجزئيات التفصيلية التي تثيرها في النفس شيئا فشيئا ، حتى يتعاظم ~~الشعور بها ، فتتضح الصورة للنفس ، بعد أن كانت تبدو ضبابية تحت تأثير ~~الأجواء الانفعالية وهيمنتها. # وقد يكون هذا الأسلوب ضروريا لإثارة الوجدان الشعبي الذي يتأثر PageV16P186 # بالأفكار المضادة التي تشغله عن كثير من الدقائق التي تنطلق منها العقيدة ~~، وذلك من خلال تقديم الجانب المألوف من تجارب حياته كمقدمة لإثبات غير ~~المألوف الذي يتصل بالغيب تارة ، وبالحس البعيد عن تجربته أخرى ، فنحتاج ~~إلى الدخول معه بتفاصيل حركة المعرفة ، ليمكن توزيع إيحاءات الفكرة الأساس ~~، على أفكاره ومشاعره بطريقة متدرجة تربطه بالمبدأ بشكل مدروس ، لأن ~~الوجدان الشعبي ، كما نلاحظ ، لا يرتبط بالفكرة من خلال الخطوط الكلية ، بل ~~من خلال الخطوط الجزئية. # * * * ### ||| ** إن المشركين لكاذبون # ( @QUR@03 بل أتيناهم بالحق ) الذي لا يبتعد عن مستوى عقولهم ، في ما ~~يريدون أن يفهموه منه ، ولا يتجاوز قواعد الدليل الفطري ، أو البرهان ~~العقلي ، الذي يثبت للآخرين مواقعه في خط العقيدة ، ( @QUR@02 وإنهم ~~لكاذبون ) في ما يظهرونه من عدم اقتناعهم بفكرة البعث ، واعتبارهم إياها في ~~دائرة الأساطير ، لأن من يؤمن بأن الله على هذا المستوى من العظمة المهيمنة ~~على الكون كله ، لا يكون صادقا في دعواه بأن عقيدة اليوم الآخر لا تملك من ~~موازين الحقيقة أي شيء. وبذلك ، فإن ms3790 أجوبتهم عن علامات الاستفهام التي ~~أثارتها الآيات السابقة ، تدل على اعترافهم بما يدعون إنكاره ، وعلى كذبهم ~~في هذا الادعاء .. # * * * PageV16P187 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) @QUR@06 عالم الغيب ~~والشهادة فتعالى عما يشركون ) (92) # * * * ### ||| ** ما اتخذ الله من ولد # ( @QUR@05 ما اتخذ الله من ولد ) وليس لهؤلاء الذين يعتقدون بمثل ذلك أي ~~دليل ، سوى ما قد يتخيلونه لبعض المخلوقات من الجن أو الملائكة أو الإنس ، ~~من قدرات غير عادية لا تتناسب مع طبيعة المخلوق العادي ، مما يؤدي بهم إلى ~~الاعتقاد بأن في شخصية هذه المخلوقات سرا من الألوهية ، التي تتمتع ~~بالقدرات الخارقة في علم الغيب ، أو في التحرك غير الطبيعي الذي يقطع ~~المسافات ، ويطير في الفضاء ، ويتحرك في السماء ، أو في الأعمال المعجزة ~~التي يقومون بها من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وما إلى ذلك من ~~أمور لا تحصل إلا لمن يملك في ذاته بعضا من الألوهية ، ولن تكون الألوهية PageV16P188 # شيئا يأتي من الخارج ، بل لا بد من أن تتأتى عن الارتباط العضوي بالإله ~~الواحد المهيمن ، كالبنوة التي توحي بوجود شيء منه داخل ولده ، نظرا لطبيعة ~~إرث الأبناء لخصائص الآباء. # ولكن هذا التفكير لا يخلو من السذاجة ، فإن البنوة تمثل نوعا من أنواع ~~المحدودية والحاجة التي يستحيل وجودها في واجب الوجود ، وهو الغني عن عباده ~~في كل شيء ، وليس هناك أي فراغ في ذاته لتسده مثل هذه الأمور. # أما هذه القدرات الخارقة والأعمال المعجزة ، فمن السهل أن يمنح الله ~~عباده بعضها ، تماما كما يمنح بعض ظواهره الكونية الخصائص العظيمة ، في ما ~~يركزه في داخلها من قوانين طبيعية ، لأنه على كل شيء قدير ، وليس من ~~الضروري أن تكون هذه الأمور خاضعة لعناصر ذاتية بالمعنى الإلهي للمسألة ، ~~لأنه لا دليل على ذلك ، ولا مقتضى له. # * * * ### ||| ** دليل وحدانية الله تعالى # ( @QUR@05 وما كان معه من إله ) وليس لدى من يدعون ذلك أية حجة وبرهان ~~عليه سوى تخيلاتهم المرضية المعقدة ms3791 التي توحي لهم ببعض الأخيلة الفكرية ~~التي تنسجها نقاط الضعف الشعورية الناتجة عن رواسب تاريخية وبدائية ، أو عن ~~بعض الأفكار المتخلفة التي تضخم ما لا يملك أية ضخامة فعلية ، وتمنح بعض ~~الأشخاص أو التماثيل صفات وهمية لا واقع لها. # وليست المسألة مجرد نفي للدليل ، بل هناك دليل عقلي قاطع على PageV16P189 # وحدانية الله ونفي الشرك ، توفره حسابات العقل من جهة ، ومعطيات الواقع ~~في النظام الكوني من جهة أخرى. # ( @QUR@06 إذا لذهب كل إله بما خلق )، لأن من خصائص التعدد وجود اختلاف ~~في طبيعة الذات ، يجعل لكل إله نظاما يختلف عن الآخر ، مما يوحي بأن ألوهية ~~أحدهما وربوبيته تختلف عن صاحبه ، فيستقل كل واحد بمنطقة من العالم يمارس ~~فيها قدرته المطلقة ويخطط فيها النظام الذي يرتئيه ، وبذلك تنفصل طبيعة ~~النظام الذي يحكم الكون إلى أقسام ، ويصبح لكل منطقة نظام مستقل لا يرتبط ~~بالنظام الذي يحكم المنطقة الأخرى. فقد يكون للإنسان على هذا الأساس تدبير ~~معين يختلف عما هو جار في تدبير الحيوان والنبات ، وهكذا عند ما نواجه ~~المخلوقات الأخرى والظواهر الطبيعية ، ولكن هذا يوجب التفكيك في النظام ~~الكوني ، ومن ثم التدافع والتجاذب الذي قد يؤدي إلى الفساد ، في الوقت الذي ~~نشاهد فيه وحدة هذا النظام وتناسق أجزائه وتوافق جوانب التدبير فيه. # ( @QUR@04 ولعلا بعضهم على بعض ) قد يكون سبب ذلك هو أن تعدد السلطات ~~يستلزم التنافس عند محاولة سيطرة كل إله على الآخر وما تفرضه طبيعة الصراع ~~، حيث يحاول كل منهما الاستعلاء على الآخر في ما يملكه من القدرة المطلقة ، ~~ولكن ذلك يعني اضطراب النظام الكوني وفساده ، في الوقت الذي لا نجد فيه أي ~~أثر لهذا الفساد في الواقع ، وبذلك تكون مسألة الاعتقاد بتعدد الآلهة جارية ~~على طبيعة الاعتقاد العام الذي ينظر إلى مسألة التعدد في الآلهة على طريقة ~~التعدد في الناس ، فلا تكون الملازمة خاضعة للمعادلات العقلية ، بل تكون ~~منسجمة مع الاستلزام العادي الناشئ من طبيعة الأشياء في حركة السطح ، لا في ~~حركة العمق. # * * * PageV16P190 ### ||| ** مناقشة مع صاحب الميزان # ولكن لصاحب الميزان فهما آخر ms3792 للمسألة ، يتجه بها إلى اعتبار الفقرة من ~~أدلة التوحيد ، في مواجهة تعدد الآلهة ، فيقول : # «وقوله : ( @QUR@04 ولعلا بعضهم على بعض ) محذور آخر لازم لتعدد الآلهة ~~تتألف منه حجة أخرى على النفي ، بيانه أن التدابير الجارية في الكون مختلفة ~~، منها التدابير العرضية ، كالتدبيرين الجاريين في البر والبحر ، ~~والتدبيرين الجاريين في الماء والنار ، ومنها التدابير الطولية التي تنقسم ~~إلى تدبير عام كلي حاكم وتدبير خاص جزئي محكوم ، كتدبير العالم الأرضي ~~وتدبير النبات الذي فيه ، وكتدبير العالم السماوي وتدبير كوكب من الكواكب ~~التي في السماء ، وكتدبير العالم المادي برمته وتدبير نوع من الأنواع ~~المادية. # فبعض التدبير ، وهو التدبير العام الكلي ، يعلو بعضا ، بمعنى أنه بحيث لو ~~انقطع عنه ما دونه بطل ما دونه لتقومه بما فوقه ، كما أنه لو لم يكن هناك ~~عالم أرضي ، أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم ، لم يكن عالم إنساني ، ولا ~~التدبير الذي يجري فيه بالخصوص. ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه ~~نوع عال من التدبير عاليا بالنسبة إلى الإله الذي فوض إليه من التدبير ما ~~هو دونه وأخص منه وأخس ، واستعلاء الإله على الإله محال. لا لأن الاستعلاء ~~المذكور يستلزم كون الإله مغلوبا لغيره ، أو ناقصا في قدرته محتاجا في ~~تمامه إلى غيره أو محدودا ، والمحدودية تفضي إلى التركيب ، وكل ذلك من ~~لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله فيلزم الخلف كما قرره المفسرون فإن ~~الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون الله وجوب الوجود ، بل هي عندهم موجودات ~~ممكنة عالية فوض إليهم تدبير أمر ما دونها ، وهي مربوبة لله سبحانه ، ~~وأرباب لما دونها ، والله سبحانه رب الأرباب ، وإله الآلهة ، وهو الواجب ~~الوجود بالذات وحده. بل استحالة الاستعلاء ، إنما هو لاستلزامه PageV16P191 # بطلان استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره ، إذ لا يجامع توقف ~~التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال ، فيكون السافل منها مستمدا في ~~تأثيره محتاجا فيه إلى العالي ، فيكون سببا من الأسباب التي يتوسل بها إلى ~~تدبير ما دونه ، لا إلها مستقلا بالتأثير دونه ، فيكون ما فرض إلها غير ms3793 إله ~~بل سببا يدبر به الأمر ، هذا خلف» (1). # ولكن هذا التفسير على طرافته لا ينسجم مع طبيعة التعبير ، والجو الذي ~~يريد إثارته في الذهنية البسيطة العامة ، التي لم تكن لتتصور مسألة التعدد ~~إلا بالطريقة التي تتعدد فيها المواقع السلطوية في ساحة الصراع ، فتمتد إلى ~~أن يعلو أحد الطرفين أو الأطراف على الآخر لتكون السلطة له وحده ، وهذا هو ~~الذي استخدمه القرآن في كلمة العلو التي ذكرها في قوله تعالى عن فرعون : ( ~~@QUR@03 إنه كان عاليا ) [الدخان : 31] وعن الذين جعل الله لهم الدار ~~الآخرة لأنهم : ( @QUR@03 لا يريدون علوا ) [القصص : 83] ، وذلك هو معنى ~~السلطة والسيطرة والكبرياء ، في ما يتمثل في طبيعة الشخص وفي موقعه ، لا في ~~طبيعة الدور الذي يمارسه من حيث توقفه على شيء آخر لا يتحقق بدونه. ولعل ~~النظرة الوجدانية إلى طبيعة التعبير ، توضح لنا كيف تبتعد الكلمة عن المعنى ~~الذي ذكره العلامة الطباطبائي في هذه الآية ، والله العالم. # ( @QUR@04 سبحان الله عما يصفون ) من نسبة الولد أو من نسبة الشريك إليه ~~، مما لا يمكن أن ينسب إليه ، ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) المحيط بكل ~~شيء ، وليس هناك أحد يحيط بما يحيط به ، فهو المتفرد في علمه ، وهو المتفرد ~~في قدرته ، ( @QUR@03 فتعالى عما يشركون ) من كل هؤلاء الذين لا يملكون من ~~العلم شيئا ، ولا يملكون من القدرة أي نصيب. # * * * PageV16P192 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 قل رب إما تريني ما يوعدون (93) @QUR@06 رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين (94) @QUR@07 وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ~~@QUR@09 ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) @QUR@07 وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين (97) @QUR@05 وأعوذ بك رب أن يحضرون ) (98) # * * * ### ||| ** دعاء وابتهال نبوي # ( @QUR@06 قل رب إما تريني ما يوعدون ). إنه التوجيه الإلهي الذي يريد ~~أن يعمق في وعي النبي ، وفي وعي كل الناس الذين يؤمنون به ويتبعونه ، ~~الإحساس بخطورة نتائج كفر الكافرين وشركهم وانحرافهم عن خط الله ، عبر ~~أسلوب الدعاء الذي يبتهل فيه النبي إلى الله ويقول : إذا شاءت إرادتك أن ~~تريني العذاب الذي يحل بالكافرين فلا تحشرني معهم ( @QUR@06 رب فلا تجعلني ~~في القوم ms3794 الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك ، وأبعدني في الدنيا ~~عن السير في هذا الاتجاه ؛ لتأكيد انفصاله عن مجتمعهم وعن أوضاعهم ، من أجل PageV16P193 # الانفصال عن مصيرهم الأسود الذي ينتظرهم في الآخرة. # ( @QUR@07 وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ) وهنا يوحي الله إليه بأنه ~~قادر على أن يريه بعض الذي وعدهم به من عذاب في الدنيا أو في الآخرة ، ولن ~~يصله شيء منه ، لأنه سيكون منفصلا عن المشهد كتجربة ، بل كل ما هناك أنه ~~يواجه التجربة من موقع المشاهدة .. # * * * ### ||| ** دفع السيئات بالتي هي أحسن # إنه الرسول ، والداعية ، والشاهد ، ولذلك فإن عليه أن لا يتعقد من كل ما ~~يقومون به من أعمال غير مسئولة ، ومن أوضاع متشنجة ، بل يواجه المسألة من ~~المواقع الرسالية التي تحاول الانفتاح على الآخرين بالأسلوب الأفضل الذي ~~يفتح القلوب على الرسالة من ناحية الكلمة والجو والحركة والبسمة وإشراقة ~~الروح ، لئلا يكون للناس حجة على الله وعلى الرسل. # ( @QUR@05 ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) فتلك هي مهمتك ، وذلك هو دورك ~~ومسئوليتك ، فليست القصة قصة صراع يتسابق فيه المتصارعون ليغلب أحدهم الآخر ~~أو يهزمه أو يسقطه أو يحطمه ، بل هي قصة هداية ينطلق فيها الرساليون ، ~~ليفتح أحدهم قلب الآخر وعقله وروحه وضميره وحياته على الحق النازل من الله ~~، ولذلك لا بد من أن لا يخضع الموقف لرد الفعل الذي يقابل السيئة بالسيئة ، ~~لتكون التهمة في مواجهة التهمة ، والشتيمة في مقابل الشتيمة وما إلى ذلك ، ~~لأن ذلك سوف يزيد الموقف تعقيدا ، ويؤدي إلى ابتعاد المواقع عن بعضها البعض ~~، وانغلاق القلوب عن وحي الرسالة ، ولذا كان لا بد من مقابلة السيئة ~~بالحسنة ، لتكون الكلمة الحلوة في مواجهة الكلمة المرة ، وليكون الأسلوب ~~الطيب في مواجهة الأسلوب الخبيث ، والقلب PageV16P194 # المفتوح في مواجهة القلب المغلق ، والبسمة في مقابل العبوس .. وهكذا .. ~~حتى يمتص هذا الجو كله المليء بالسلبيات والتعقيدات والمشاكل الصعبة. ثم ~~ماذا بعد ذلك؟ فليهتد من يهتدي ، أو فليضل من يضل ، لأن ذلك ليس مشكلتك ، ~~بل هي مشكلتهم. فإذا أديت واجبك وقمت بمسؤوليتك ، انتهى دورك ( @QUR@04 نحن ~~أعلم ms3795 بما يصفون ) ونحن نتكفل بهم وبحسابهم في كل ما قابلوك به من الإساءة ، ~~وفي كل ما تمردوا به على الله ، ( @QUR@07 وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين ) وهي أساليبهم وخطواتهم وتسويلاتهم التي يتخذونها وسيلة لدفع ~~الناس إلى الكفر أو الضلال ، فإن الله يعيذ عباده المؤمنين من ذلك كله ، ~~إذا اهتدوا إلى الطريق المستقيم ، وأصروا على السير فيه بقوة وإرادة ، ~~ويبعد عنهم كل كيد الشياطين ، ( @QUR@05 وأعوذ بك رب أن يحضرون ) في كل ~~مواقع الفكر والحركة والشعور والحياة. # * * * PageV16P195 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) @QUR@016 لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون (100) @QUR@010 فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون (101) @QUR@06 فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ~~@QUR@010 ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) ~~@QUR@06 تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) @QUR@08 ألم تكن آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) @QUR@08 قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~وكنا قوما ضالين (106) @QUR@07 ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ~~(107) @QUR@05 قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) @QUR@014 إنه كان فريق من ~~عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) @QUR@08 ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) @QUR@08 إني ~~جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون ) (111) # * * * PageV16P196 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تلفح ): تحرق. # ( @QUR@01 كالحون ): مكشرون في عبوس. # ( @QUR@01 اخسؤا ): كلمة تستعمل في زجر الكلاب. قال الراغب : خسأت الكلب ~~فخسأ ، أي : زجرته مستهينا به فانزجر (1). # * * * ### ||| ** لحظة مواجهة المصير # ويبقى هؤلاء المشركون ، أو الكافرون ، أو الضالون ، سائرين في غفلتهم ، ~~مستغرقين في شهواتهم ، لا يفكرون بالحاضر إلا من خلال الملذات الحسية التي ~~يحصلون عليها فيه ، ولا يتطلعون إلى المستقبل إلا على أساس ما يكفل لهم من ~~تحقيق الأطماع المادية والشهوات البهيمية ، فليست للمواقف وللمواقع في ~~أقوالهم وأفعالهم إلا حدود مصالحهم الخاصة الغارقة في ضباب أنانياتهم ، ~~وليست هناك مسئوليات ينطلقون من خلالها إلى مواجهة قضية المصير بطريقة ~~مستقيمة مسئولة ، بل هي الأهواء والغرائز على مستوى الحركات والعلاقات .. # ( @QUR@05 حتى إذا جاء أحدهم الموت ) وواجه ms3796 الموقف الصعب في ساعة الحساب ~~، وقابل المصير المحتوم في النار وجها لوجه ( @QUR@06 قال رب ارجعون* لعلي ~~أعمل صالحا PageV16P197 # @QUR@02 فيما تركت ) لأن الغفلة المطبقة التي كان يعيشها في الدنيا ، ~~كانت تحول بينه وبين إدراك هذا الموقف الذي يعيشه الآن ، ليجني نتائج عمله ~~المنحرف في طريق الكفر والضلال .. وها هو الآن يدرك صعوبة ما هو فيه من ~~مأزق ، ويحاول أن يتراجع عن موقفه ، ليخرج من مأزقه الصعب ، وليصحح الخطأ ~~الفادح الذي وقع فيه ، ولذا فإنه يطلب مهلة جديدة ليؤكد فيها إخلاصه لله ~~ومحاولته السير في خط الاستقامة على أساس الهدى والصلاح. # ( @QUR@03 قال رب ارجعون ) إلى الدنيا وساحة المسؤولية ( @QUR@05 لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت ) من الفرص الكثيرة الضائعة التي لم أحصل فيها على ~~أية نتيجة إيجابية لمصلحة المصير. وقد ذكر أن الخطاب للملائكة ، بعد أن ~~أطلق النداء لله ، بطريق الاستغاثة. ( @QUR@05 كلا إنها كلمة هو قائلها ) ~~لأنه لم ينطلق من أساس واقعي معقول لها ، فهذا التمني لم ينطلق من وعي ~~للمسؤولية ، بل من رغبة في الخروج من المأزق ، ليتدبر أمره بعد ذلك عند ما ~~يتخلص من أجواء الخطر ، كما كان يفعل في الدنيا ، في الحالات المشابهة التي ~~كانت تدفعه إلى الاستغاثة بكل ما حوله ومن حوله ليبتعد عن المشكلة ، حتى ~~إذا حصل على ما يريد رجع إلى ما كان عليه ، لأن غرائزه وشهواته تتحكم في ~~أوضاعه وممارساته .. وهذا ما عبر الله عنه في آية أخرى : ( @QUR@06 ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) [الأنعام : 28]. # ثم لا معنى لكل هذه الكلمة ، لأن الله قد أعطاه كل الفرص ، وقدم له كل ~~الدلائل التي تثبت له لقاء يومه هذا ، حيث سيواجه نتائج المسؤولية ، ولذا ~~فإنه لن يجاب إلى ما طلبه ، وسيواجه الموقف كله. # * * * ### ||| ** ما هو البرزخ؟ # ( @QUR@06 ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) الظاهر أن المراد به عالم ~~القبر كما PageV16P198 # يقول صاحب تفسير الميزان «وهو عالم المثال الذي يعيش فيه الإنسان بعد ~~موته إلى قيام الساعة ، على ما يعطيه السياق وتدل عليه آيات أخر ، وتكاثرت ~~فيه الروايات من طرق الشيعة ms3797 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت ~~عليه السلام ، وكذا من طرق أهل السنة» (1). # وقد جاء في تفسير القمي : البرزخ هو أمر بين أمرين ، وهو الثواب والعقاب ~~بين الدنيا والآخرة ، وهو قول الصادق عليه السلام : والله ما أخاف عليكم إلا ~~البرزخ (2). # وقد ورد في قوله تعالى : ( @QUR@03 ومن ورائهم برزخ ) عن الإمام زين ~~العابدين عليه السلام : «هو القبر وإن لهم فيه لمعيشة ضنكا. والله إن القبر ~~لروضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار» (3). # وهناك تفسير آخر للآية ، وهو أن «بينهم وبين الدنيا حاجزا يمنعهم من ~~الرجوع إليها إلى يوم القيامة ، ومعلوم أن لا رجوع بعد القيامة ، ففيه ~~تأكيد لعدم رجوعهم وإيئاس لهم من الرجوع إليها من أصله» (4)، وهو خلاف ~~الظاهر ، لأن الفقرة السابقة حاسمة لا تحتاج إلى تأكيد ، ولأن قوله : ( ~~@QUR@03 إلى يوم يبعثون ) يوحي بامتداد البرزخ إلى يوم البعث ، بينهم وبين ~~يوم القيامة ، لا بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ، والله العالم. # * * * PageV16P199 ### ||| ** القيامة .. وتقطع الأنساب # ( @QUR@04 فإذا نفخ في الصور ) وقام الناس من قلب الموت ، وعادوا إلى ~~الحياة من جديد ، ليواجهوا المصير ( @QUR@06 فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون ) لأن العلاقات النسبية التي أراد الله للناس الالتزام بها ، ~~والتعارف من خلالها ، والترابط على أساسها ، كان غرضها تنظيم الحياة ~~الاجتماعية ، لتتطور وتتكامل وتحقق مصلحة الإنسان العليا ، من خلال الدوائر ~~الصغيرة والكبيرة في ما تجتمع فيه أو تفترق .. فإذا كان يوم القيامة ، فإن ~~المسؤولية هي التي تحدد المصير ساعة الحساب ، ثم بعد ذلك يلتقي الجميع في ~~الجنة أو في النار ، ويكون هناك مجتمعان : مجتمع الجنة الذي يعيش فيه الناس ~~المتقون ( @QUR@07 هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن ) [يس : 56] ~~ويلتقون فيه مع بعضهم البعض ( @QUR@04 إخوانا على سرر متقابلين ) [الحجر : ~~47] في رابطة التقوى التي تتجاوز النسب ، لتلتقي برضوان الله وطاعته ، ~~ومجتمع النار الذي يلتقي فيه الكافرون والضالون ( @QUR@05 الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو ) [الزخرف: 67] ( @QUR@05 كلما دخلت أمة لعنت أختها ) ~~[الأعراف : 38] ، حيث تتقطع كل العلاقات ، وينكمش كل فرد داخل دائرة عذابه ~~الخاص الذي يختزن كل ms3798 الآلام فينشغل بها عن كل شيء .. وتتلاشى قيمة الأنساب ~~وما تصنفه من روابط ، ويبقى رابط الإيمان والتقوى الذي يتحول إلى نسب في ~~المعنى ، بدلا من النسب المتأتي عن علاقات الجسد .. وبذلك كان الحكم بسقوط ~~الأنساب منسجما مع أجواء يوم القيامة على كل حال ، فلا أنساب بينهم ( ~~@QUR@02 ولا يتساءلون ) لأن كل واحد منهم مشغول بنفسه ، ( @QUR@06 لكل امرئ ~~منهم يومئذ شأن يغنيه ) [عبس : 37] ، وإذا كان هناك تساؤل في بعض المواقع ، ~~فإنه ليس تساؤلا يتعلق باهتمام كل واحد بصاحبه ، بل هو اهتمام بالذات ، حيث ~~يعلن كل واحد من خلاله عن المرارة أو الثورة التي يعيشها تجاه الآخر الذي ~~شارك في إضلاله ، في محاولة للنجاة من العذاب حيث يخيل أنه من الممكن أن ~~ينجح وينجو عند ما يحمل الطرف الآخر PageV16P200 # مسئولية ما قام به من الأعمال ، كما هو حال المستضعفين والمستكبرين ، ~~والتابعين والمتبوعين .. وربما يحصل بعض التساؤل داخل الجنة بين أهلها ، أو ~~داخل النار بين أصحابها ، فلا ينافي ذلك التساؤل الحاصل بينهم في هذه الآية ~~، لأنها تعبير عن انشغال كل منهم بنفسه في ما يواجهه من أخطار القيامة ~~وأهوالها. # * * * ### ||| ** الكافرون وعذاب يوم القيامة # ( @QUR@03 فمن ثقلت موازينه ) بإيمانهم وعملهم الصالح ( @QUR@03 فأولئك ~~هم المفلحون ) لما أخذوا به من أسباب الفلاح. ( @QUR@07 ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) لأنهم لم يحصلوا من النتائج الصالحة ما يشكل ~~سببا للحصول على رضى الله ، بل حصلوا على العكس من ذلك النتائج السيئة التي ~~تخفف موازينهم عنده. من هنا ، فإن رضى الله سبحانه وتعالى هو الأساس الثابت ~~لأن يربح الإنسان نفسه ، لأن مسألة الربح والخسارة هنا ليست مسألة مكسب ~~معين أو حالة طارئة من حالات الكسب التي قد يحصل عليها الإنسان فيكون رابحا ~~في الموسم ، وقد لا يحصل عليها ، فيسجل في الخاسرين ، بل هي مسألة خسارة ~~المصير كله إلى الأبد حيث إنهم ( @QUR@03 في جهنم خالدون ) فلا مجال للخروج ~~منها إلى الجنة ، أو إلى أي موقع آخر بعيد عنها ، لو وجد مثل هذا الموقع ، ~~في غير الجنة. # ( @QUR@03 تلفح وجوههم النار ) في ما ms3799 تثيره من اللهب الذي يلامس الوجوه ~~فيحرقها حتى تسيل لحومهم على أعقابهم ، ( @QUR@03 وهم فيها كالحون ) في ~~صورة من العبوس الذي يجمع السواد والتكشير المملوء بالألم. # * * * PageV16P201 ### ||| ** الكافرون يطلبون فرصة جديدة # ( @QUR@05 ألم تكن آياتي تتلى عليكم ) لتفتح قلوبكم على الله في عظمته ~~وكبريائه وقوته ورحمته ، ولتدعوكم إلى التفكير في ذلك كله ، ولإقامة الحوار ~~حول كل ما يثيره دعاة الكفر والضلال من طروحات ومن شبهات للوصول إلى ~~الحقيقة الثابتة في وحدانية الله في العقيدة والعبادة ، ولكنكم أعرضتم عن ~~ذلك ، وتمردتم ، وتوجهتم إلى الطريق المنحرف ، وابتعدتم عن آيات الله ( ~~@QUR@03 فكنتم بها تكذبون ) دون أي عذر للجهل ، إن ادعيتم الجهل ، ومن دون ~~أية حجة على التكذيب ، إن ادعيتم علما بالأساس الذي يرتكز عليه ذلك. # ( @QUR@05 قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا )، فقد خضعنا لبعض التأثيرات ~~التاريخية ، في ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا ، أو لبعض المؤثرات ~~الاجتماعية ، في ما اكتسبناه من البيئة التي تأثرنا بها ، في دوائها ~~الصغيرة أو الكبيرة ، أو لبعض النوازع الذاتية التي استسلمنا ، من خلالها ، ~~لشهواتنا وأطماعنا ، فمنعتنا عن السير في طريق الله ، ( @QUR@03 وكنا قوما ~~ضالين )، لم نهتد إلى الطريق المستقيم ، لأن قلوبنا كانت في غفلة عن ذلك كله. # ( @QUR@03 ربنا أخرجنا منها ) وامنحنا تجربة جديدة للعودة إلى الدنيا ~~لنعمل في الاتجاه السليم في خط الإيمان الذي يطل بنا على طاعتك ، ويبعدنا ~~عن معصيتك ، وأعطنا فرصة حقيقية لتصحيح الخطأ ، ولتقويم الانحراف ، ولك ~~علينا العهد المؤكد أن لا نعود إلى ما كنا عليه ، ( @QUR@04 فإن عدنا فإنا ~~ظالمون ) لأنفسنا ، مما يجعلنا نستحق كل عقوبة ، وكل مهانة وإذلال. # * * * PageV16P202 ### ||| ** بين زجر الكافرين وفوز المؤمنين # ( @QUR@05 قال اخسؤا فيها ولا تكلمون )، إنه الزجر الإلهي الغاضب الذي ~~يعبر عن اشتداد سخط الله عليهم ، فلا مجال لأي كلام بعد أن أقام عليهم ~~الحجة ، وأعطاهم كل الفرص التي لا تترك مجالا لأي عذر ، ( @QUR@014 إنه كان ~~فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ) ~~هؤلاء الذين عاشوا الإيمان في عقولهم وفي قلوبهم ، وحولوه إلى خط عملي في ~~حياتهم ، وانطلقوا في ممارساتهم العامة ms3800 والخاصة ، في حذر الإنسان المؤمن ~~الخائف ، الذي يعبد الله ويطيعه ، وهو يخشى أن لا يتقبل الله منه ، أو أن ~~يقصر في أداء واجبه نحوه ، فلذلك يدعو الله بالغفران والرحمة لنفسه ، ~~ليستثير رحمة الله التي وسعت كل شيء ، في ما يكون قد أخطأ فيه ، وفي ما ~~يخاف فيه ذلك. ( @QUR@02 فاتخذتموهم سخريا ) بما كنتم تخوضون فيه من أحاديث ~~لاهية لا تتحرك من موقع الجديدة والمسؤولية ، مما جعلكم تجدون في إيمانهم ، ~~وفي كلماتهم الخاشعة المبتهلة لله ، وفي حركتهم الواعية المسؤولة ، وفي ~~وقفاتهم التقية عند حدود الله ، وفي إقامتهم العلاقات الإنسانية على أساس ~~رسالي يريد للرسالة أن تتجسد في حركة الواقع ، وفي غير ذلك ، مادة للسخرية ~~رسالي يريد للرسالة أن تتجسد في حركة الواقع ، وفي غير ذلك ، مادة للسخرية ~~والاستهزاء بأساليبكم التي تجعل من الجد هزلا ، ومن الحقيقة مهزلة ، ~~لتفقدوا هؤلاء احترامهم في نظر الناس. وما زلتم في أجواء اللهو والعبث ~~بالإيمان والمسؤولية والبعد عن التفكير بالله وبالآخرة وبالمصير ( @QUR@03 ~~حتى أنسوكم ذكري ) في ما كانوا يتحركون فيه من طاعات تتخذون منها مادة ~~للسخرية ( @QUR@03 وكنتم منهم تضحكون ) دون أي سبب ، إلا الجهل والضلال. # ( @QUR@05 إني جزيتهم اليوم بما صبروا ) على كل التحديات في كل المواقع ، ~~وعلى كل النوازع الذاتية والضغوط الاجتماعية ، وها أنتم ترونهم أمامكم ، أيها PageV16P203 # الساخرون بهم ، وهم يتجهون إلى رضوان الله في جنته ، وأنتم تنطلقون إلى ~~سخطه في ناره ، فأي الفريقين أحق بالسخرية ، في ما قدم ، وفي ما أخر؟! لقد ~~نالوا رحمتي بإيمانهم وعملهم الصالح المنطلق من مواقع الصبر ( @QUR@03 أنهم ~~هم الفائزون ). # * * * PageV16P204 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) @QUR@08 قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) @QUR@09 قال إن لبثتم إلا قليلا لو ~~أنكم كنتم تعلمون (114) @QUR@08 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون (115) @QUR@011 فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم (116) @QUR@018 ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) @QUR@07 وقل رب اغفر وارحم وأنت ~~خير الراحمين ) (118) # * * * ### ||| ** الاستخفاف بالكافرين يوم ms3801 القيامة # وتنتهي السورة بالحديث عمن كفروا بالبعث وأنكروه ، وتمردوا على الله وعلى ~~رسله ، وكانوا يرون الحياة في الدنيا فرصة لن تتكرر ، ففاجأتهم القيامة ~~بالواقع الجديد الذي يتحدى كل أفكارهم كل الكافرة العابثة .. وبدأ السؤال ، ~~في صيغة الاستخفاف بهم ، في هذا الموقف الصعب الذي أثار فيهم مشاعر PageV16P205 # الدهشة والحيرة والمفاجأة ، كما أوقع في قلوبهم الخوف والرعب ، من خلال ~~الأهوال التي يشاهدونها في يوم القيامة. # ( @QUR@07 قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ) لقد مرت عليكم الحياة هناك ، ~~واستسلمتم لكل أوضاعها وعشتم مع كل لهوها وعبثها ، فهل تحصون عددها؟ هل ~~تحسون بثقل الوقت الذي مر بكم ، كما تحسون بثقل النتائج التي حصلتم عليها ~~في ما قطعتموه من رحلة العمر في الدنيا ، ( @QUR@06 قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم ) لقد عشنا العمر حلما سريعا ، لأننا كنا مستغرقين في أجواء الغفلة ~~فيه ، فلم نشعر بطوله أو بقصره ، إننا نتصوره تماما كما لو كان يوما واحدا ~~أو بعض يوم ، ولكننا مع ذلك لا نستطيع التحديد الدقيق له ( @QUR@02 فسئل ~~العادين )، الذين كانوا يحصون أعمارنا. # ( @QUR@05 قال إن لبثتم إلا قليلا ) في حساب الخلود الذي ينتظركم بالعذاب ~~في الآخرة ، فقد يكون تعداد سني عمركم كبيرا في الدنيا ، ولكنه لا يمثل ~~شيئا في الآخرة ، ( @QUR@04 لو أنكم كنتم تعلمون )، ولكنكم لم تعرفوا ذلك ~~، لأنكم لم تشاءوا معرفته عبر ما منحه الله لكم من نوافذ المعرفة ، ولو ~~عرفتم قصر العمر في الدنيا ، وسر الخلود في الآخرة ، لعرفتم جيدا ولوعيتم ~~أن الدنيا هي ساحة المسؤولية في حركة الإنسان ، في ما يقوم به من عمل ، وأن ~~الآخرة هي ساحة الحصول على نتائج المسؤولية ، تماما كما هو الزرع والحصاد. # * * * ### ||| ** الوقت .. حياة نابضة بالتطلع إلى الله # وبذلك كانت قضية الوجود لا تمثل حركة في الفراغ ما بين عدمين ، بل كانت ~~حركة يتحول فيها العدم إلى وجود حي تتحرك فيه الرسالة وتعطيه PageV16P206 # مضمونا يبحث عن الله ليلتقي به ، ويعبده ، ويسير في الطريق الذي يوصل إلى ~~رضوانه ، بحيث يشكل فرصة الإنسان في الحصول على الخير كله في الآخرة .. ~~وهذا ms3802 ما يجب أن تفهموه ، عند ما تواجهون مسألة الوقت باعتباره عنوان الوجود ~~، فهو ليس لحظات زمنية ضائعة في الفراغ ، تبحث عمن يستهلكها ويعيدها إلى ~~العدم ضمن منطق اللامعنى واللامسؤولية ، في ما يمثله ذلك من معنى العبث ، ~~بل هو الحياة النابضة بالحركة التي تبحث عن مضمون فكري وروحي تتجسد فيه ، ~~لتحتفظ لنفسها بالخلود على أساس النتائج التي تعصر الزمن كله في حقيقة ~~إنسانية تلتقي بالله من موقع التوحيد والعبادة والطاعة في الدنيا ، لتحصل ~~على خلود الرضوان في الآخرة. # * * * ### ||| ** ( @QUR@04 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا )؟! # ( @QUR@04 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) في إنكاركم للآخرة الذي يعني ~~إنكاركم للمسؤولية عن الدنيا كلها ، ليكون الوجود مجرد حالة ضائعة في قبضة ~~العدم ، بعيدة عن كل هدف ، بل هي في خيالكم تمثل اللاهدف ، واللامعنى ، ~~تماما كمن يبني بيتا ثم يهدمه ، لتغيب كل ذرأت حجارته في الرمال ، لتعصف ~~بها الرياح وتذروها في الفضاء. إن معنى ذلك أنكم تنسبون العبث إلى الله في ~~خلقه عند ما تجردون الحياة من نتائجها السلبية أو الإيجابية في الاخرة ، ~~عبر إنكاركم لليوم الآخر ، كما لو كانت الحياة خلقت للعبث ، ( @QUR@04 ~~وأنكم إلينا لا ترجعون ) لنحاسبكم على أعمالكم في ما أسلفتموه منها من خير ~~أو شر ، ليكون ذلك هو سر الأسرار للحياة الدنيا .. PageV16P207 # ( @QUR@04 فتعالى الله الملك الحق ) الذي يحق الحق بكلماته ويزهق الباطل. ~~وإذا كان الله هو الحق ، فلا بد من أن يقيم الحياة على أساس الحق الذي ~~ينطلق من خطة ، ويتحرك نحو هدف ، فكيف يمكن أن يكون خلق الإنسان بعيدا عن ~~أهداف الآخرة في حسابها وثوابها وعقابها ، ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) ~~الواحد في ملكه وفي تدبيره ( @QUR@03 رب العرش الكريم )، في ما يمثله ذلك ~~من معنى الحكمة والقوة والعلو والرفعة المهيمنة على الكون كله ، وعلى ~~الإنسان كله. # * * * ### ||| ** لا فلاح للكافرين # ( @QUR@010 ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ) وكيف يملك إنسان ~~برهانا على الشرك ، والكون كله بجميع ظواهره وذرأته دليل على التوحيد ، ~~وعلى بطلان الشرك كله؟! ولكن الغفلة قد تستولي على عقول بعض الناس فتبعدهم ~~عن ms3803 الارتباط بحقائق الألوهية ، وتقودهم إلى الكفر ، فمن يفعل ذلك ( @QUR@04 ~~فإنما حسابه عند ربه ) ولن يجد إلا النتائج المرعبة التي تقوده إلى الخسارة ~~الدائمة. # ( @QUR@04 إنه لا يفلح الكافرون ) الذين لا يملكون أرضا من العلم ~~والبرهان يقفون عليها ، بل يعيشون الاهتزاز في الفراغ ، فلا يصيرون إلى ~~استقرار حتى يلاقوا النار وبئس القرار. وهكذا تنتهي السورة بالإعلان عن عدم ~~فلاح الكافرين ، مقابل ما ابتدأت به من حديث عن فلاح المؤمنين ، لأن ~~الإيمان في كل مفرداته هو سر الريح وسر النجاح ، كما أن الكفر بكل ممارساته ~~هو سر الخسارة وسر السقوط. # إن المسألة هي أن من التقى بالله في خط الإيمان والمعرفة والعمل فقد PageV16P208 # أدرك أسباب الفلاح ، ومن لم يلتق به في حياته العامة والخاصة ، في حركة ~~الفكر والعمل ، فقد أضاع فرصة النجاح في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@07 وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ) لأنك ترحم من موقع ~~اللطف الذاتي ، ولذلك فإن رحمتك تسع كل الناس ، حتى الخاطئين. # * * * PageV16P209 ### | سورة النور ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها أربع وستون PageV16P211 ### ||| ** سبب التسمية # لقد جاءت التسمية من خلال الآية الكريمة التي تحدثت ضمن السورة عن نور ~~الله وهي : ( @QUR@048 الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي ~~الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ). # إنه الموضوع الذي ينطلق من معناه وإيحاءاته كل إشراق الحياة وطهرها ~~وصفائها الذي تستمده من الله ، في ما ينفتح قلب الإنسان عليه ، وفي ما ~~يهديه الله إليه عبر إبداعاته الحسية والروحية. # إنه الإشراق الخالد الذي ينطلق من ينبوع القدرة المطلقة التي تنير ، ومن ~~سر العطاء الذي لا يقف عند حد ، والنور الذي لا ينفد .. ويوحي للإنسان بأنه ~~لن يلتقي بالظلام في عقله وروحه وحياته إذا التقى بالله في وحيه وفي شريعته ~~، وفي ينابيع الإيمان المتدفقة من عقل الرسول ووجدانه. # وفي هذه السورة بعض من نور الشريعة ms3804 ، وبعض من نور الرسول في حركة الحياة ~~وإشراقة الرسالة التي تقف في بدايات الطريق لتقود الناس كلهم إلى خط الحياة ~~النير الذي يربط البداية بالنهاية .. # * * * PageV16P213 ### ||| ** مضمون السورة # لقد أنزل الله هذه السورة لتكون آياتها دستورا عمليا للمسلمين ، في بعض ~~جوانب حياتهم ، حيث تحدثت عن علاقة الرجل بالمرأة ، وأكدت الآية على ~~القاعدة الشرعية التي تحكم تلك العلاقة على أساس تحضير الأجواء التي تمنع ~~الانحراف على هذا المستوى ، وتخلق مناعة داخلية ، وتواجهه بالردع القانوني ~~الحاسم الذي يدعو إلى عقاب المنحرفين ، ويمنع الاتهامات غير المسؤولة ، أو ~~الإشاعات الطائشة التي يمكن إرسالها على هذا المستوى ، ويضع حدودا تفصل بين ~~ما يجوز قوله وما لا يجوز ؛ فليس للإنسان الحرية في أن يقول كل ما يعلمه من ~~شؤون الناس أمام الآخرين ، بل هناك دائرة خاصة محددة تتسع لقول الحقيقة ~~بدقة ومسئولية ، بهدف تحديد الموقف ، لا إثارة الانتباه وتحريك النوازع ~~الذاتية العابثة ، ثم تعمل السورة على التذكير بوسائل الوقاية من الجريمة ، ~~وتدخل بعد ذلك في تحديد قواعد السلوك الاجتماعي ، وأسس التهذيب الأخلاقي في ~~حركة الفرد لجهة احترام وقته وحريته .. # وتضمنت السورة بعض اللمحات واللفتات والإيحاءات المتعلقة بتفاصيل العقيدة ~~والانفتاح على الله في حركة الكون ، وما في جنباته وآفاقه من نور متدفق ، ~~وما يوحي به ذلك كله من النور الإلهي الذي لا يملك الإنسان إلا أن ينفتح ~~عليه لامتداده اللانهائي وعمقه اللامحدود ، وانسيابه الإشراقي في ذروة ~~الصفاء ، في كل دفقة نور في أغوار الأرض وفي رحاب السماء .. وفيه تقدم ~~السورة نموذجا حيا يلامس الروح. # ثم يمتد الحديث إلى بعض ملامح المؤمنين الذين يرتفعون إلى مستوى الإخلاص ~~المتجسد في العبادة الخالصة لله التي تستغرق كل وجدانهم PageV16P214 # وحياتهم ، وإلى بعض مواقع الكافرين في الدنيا ، ومصيرهم المظلم في الآخرة .. # وهكذا كانت هذه السورة في برنامجها التربوي التشريعي ، وفي إيحاءاتها ~~الروحية الأخلاقية ، انطلاقة في حياة الإنسان الحركية ، وانفتاحا على آفاقه ~~الإنسانية ، واستغراقا عميقا في أغوار الإيمان الباحث أبدا عن الله ، في ~~إشراقة الصفاء الروحي المنطلق من النور الإلهي الذي يغمر الحياة كلها ms3805 حبا ~~وخيرا وسلاما ، فيشرق على العقل والروح والقلب والضمير ، ويمتد في الحياة ، ~~في كل مفرداتها وتفاصيلها ، ليكون نور السماوات والأرض الذي لا ينقطع ولا ~~يغيب ولا ينتهي .. # * * * PageV16P215 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيتان # ( @QUR@09 سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ~~(1) @QUR@026 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين ) (2) # * * * ### ||| ** الله يفرض آياته البينات # ( @QUR@01 سورة ) هذا هو العنوان الذي يعطي السورة معنى الوحي الإلهي ، ~~فالله هو الذي أنزلها على رسوله ، ولا بد للناس أن يستشعروا ذلك ، ليعيشوا ~~مع آياتها لطف الخالق بالمخلوق ، ورحمة الله بعبادة ، في ما يحيطه به من ~~رعايته التي تضمن لهم السعادة والهناء .. ( @QUR@02 أنزلناها وفرضناها )، ~~فقد أنزلها الله من موقع الألوهية القاهرة التي تأمرو تنهى وتفرض على الناس ~~الالتزام بأوامره ونواهيه ، ليتعاطى الإنسان معها تعاطي الخضوع للقوة ~~الخالقة القادرة ، وليشعر بأن عليه PageV16P216 # أن ينفذ ما يريده الله منه على أساس مسئوليته في الحياة ، حيث ينتظر ~~الثواب إذا أطاع ، ويترقب العقاب إذا عصى. # ( @QUR@04 وأنزلنا فيها آيات بينات ) مما يفتح للقلب الأفق الرحب على ~~معرفة الله ، ويثير في الروح الإشراق من روحه ، ويحلق بالعقل ليكتشف ~~الحقيقة في وحيه ، لتتخلصوا من ظلمات الجهل التي تسجن عقولكم ، ولتتحرروا ~~من عوامل الضلال التي تبعدكم عن مطالع النور ، ولتبتعدوا عن أجواء الغفلة ~~التي تبعدكم عن عوالم اليقظة .. # ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) كيف يجب للإنسان أن يتحرك ، وللحياة أن تعاش ، ~~وللعباد أن يلتقوا بالله من مواقع المحبة المتجسدة بالطاعة ، ومواقع الخوف ~~المتمثل بالابتعاد عن المعصية ، ليكون العمر كله في طريق الله. # * * * ### ||| ** حكم الزنى في الإسلام # ( @QUR@08 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) لأنهما ~~انحرفا عن القاعدة الاجتماعية التي أراد الله أن يخضع لها نظام العلاقات ~~الجنسية ، بما يكفل ضبط نوازع الغريزة وتلبية حاجتها ، ويؤمن الإيحاء ~~الداخلي الطاهر بأنها حاجة لتنمية الحياة في اتجاه هدف متوازن ، وليست قيمة ~~تتجمع في داخلها طموحات النفس .. ولهذا فإن عملية التنظيم والتخطيط في ms3806 هذا ~~المجال قد تحمل بعض سلبيات التحديد والتقييد ، ولكنها تمنح الإنسان ~~إيجابيات التوازن والاستقامة والتركيز ، تماما كما هي حاجات الحياة الأخرى ~~في داخل الجسد وخارجه ، التي لا يريد الله لها أن تموت ، لأنها جزء من حركة ~~الحياة في وجوده ، ولا يريد لها أن تطغى في أجواء الفوضى ، لأنها تقود ~~الإنسان إلى PageV16P217 # الموت ، في ما يخيل إليه أنها الحياة. # وقد جعل الله نظام الأسرة مرتكزا على هذه القاعدة التي ترى في عقد الزواج ~~شرطا لشرعية العلاقة بين الرجل والمرأة ، في ما يفرضه التعاضد الذاتي من ~~حقوق وواجبات على أساس المودة الروحية ، والرحمة الإنسانية ، والتشريع ~~الإلهي الذي يرعى ذلك كله وينميه ويقويه ، وضبط العلاقات النسبية لجهة ~~الأبوة والأمومة والبنوة ، وما يتفرع عنها ، بسلسلة طويلة من المسؤوليات ~~التي تنظم حركة العلاقات الاجتماعية ، بشكل دقيق ومتوازن. # فلم تعد مسألة الزنى مسألة فردية يستجيب فيها الإنسان لنوازعه الذاتية ، ~~أو نزوة غريزية يخضع الإنسان فيها لمشاعره الجنسية ، لتكون مجرد خطأ طارئ ~~من أخطاء الإنسان التي تترقب العفو ، أو تهرب من المسؤولية ، بل هي مسألة ~~تمرد على تركيبة النظام الاجتماعي ، مما يجعل الخلل الناتج عن هذا الانحراف ~~أو ذاك ، خللا يمس السلامة الاجتماعية ، وخطرا على استمرار التوازن في خط ~~المسيرة الإنسانية. ولهذا أراد الله أن يعطي لهذه المسألة حجمها الحقيقي ~~الذي يصل إلى حجم الجريمة التي تستوجب الردع الشديد الذي يمنع الإنسان من ~~الإقدام على ممارسة هذا الانحراف ، فجعل عقوبة كل من الزانية والزاني مائة ~~جلدة ، أي مائة سوط ، إذا لم يكونا محصنين ، أو لم يكن أحدهما محصنا ~~بالزواج. # أما إذا كانا محصنين ، أو كان أحدهما كذلك ، فإن الحكم هو الرجم ، الذي ~~أوضحته السنة النبوية الشريفة ، عبر ما تحدث به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وما فعله ، إذ إنه أقام هذا الحد وهو الرجم أكثر من مرة حصل فيها الزنى بعد ~~الإحصان .. ثم امتد ذلك الحكم بعد ذلك ، حيث كان القضاء الإسلامي يمارسه ~~دون اعتراض من أحد ، مما يدل على وضوح المسألة حتى أصبحت من المسلمات ms3807 ~~الفقهية ، بالرغم من عدم تعرض القرآن الكريم لذلك .. وإطلاقه PageV16P218 # الحكم بالجلد في الزاني والزانية دون تقييد. # وقد ثبت في علم الأصول ، أن القرآن يمكن أن يرفع اليد عن بعض ظواهره ، ~~بالسنة القطعية أو بما كان حجة شرعية من الظنيات .. # وقد نقل عن بعض المسلمين من الخوارج وبعض المعتزلة مخالفتهم لهذا الحكم ، ~~انطلاقا من مخالفة هذا الحكم وهو الرجم لإطلاق القرآن ، مما يفرض على ~~المسلمين الملتزمين بالقرآن رفضه ، لأن ما خالف كتاب الله فهو باطل وزخرف. # ولكن هؤلاء لم ينتبهوا إلى أن تخصيص العام القرآني ، أو تقييد مطلقة ، لا ~~يندرج في دائرة المخالفة ، بل يندرج في نطاق الشرح والتفسير الذي أوكل الله ~~أمره إلى رسوله ، في ما تتضمنه سنته الشريفة من تفصيل لما أجمله القرآن ، ~~أو تحديد لما لم يحدد كل أطرافه .. وهذا ما لاحظناه في كل تفاصيل العبادات ~~والمعاملات والعلاقات والحدود التي أطلقت الآيات القرآنية معناها ، لتقرر ~~المسألة من ناحية المبدأ ، ليسأل المسلمون بعدها رسول الله حول التفاصيل. ~~ولعل هؤلاء يعرفون أن عملية الجلد أو الرجم ، في دائرتهما الشرعية ، تحتاج ~~إلى إثباتات وشروط معينة ، لا يتكفل القرآن بتحديدها ، بل يرجع فيها إلى ~~السنة الشريفة. # ولسنا هنا في صدد تحقيق الموضوع بطريقة فقهية شاملة ، لأن مجال ذلك في ~~علم الفقه ، بل نحن هنا في صدد الإشارة إلى المسألة بالمقدار الذي يتصل ~~بالتفسير من حيث المدلول اللفظي للآية ، ومن حيث التفسير التفصيلي للحدود ~~التي يقف عندها الحكم الشرعي. # * * * PageV16P219 ### ||| ** قسوة العقوبة : علامات استفهام وإجابات # وقد يثير البعض علامات استفهام كثيرة حول قسوة هذه العقوبة ، ومدى ~~واقعيتها على ضوء تطور أساليب العقوبات في الواقع ، وعلى أساس التطور ~~الحضاري لجهة احترام إنسانية الإنسان الذي يقضي بالتخفيف من قساوة ووحشية ~~الوسائل التي تستخدم في عقابه ، فهي وسائل تستمد عنفها من أجواء العصور ~~القديمة ، حيث كانت تواجه الجريمة بالعقوبة المباشرة ، بعيدا عن مراعاة ~~القواعد النفسية التي تحددها دراسات التحليل النفسي. # وربما يتحدث البعض عن طبيعة الجريمة ، التي لا يراها بهذا الحجم من ~~الأهمية ، لأنها تتصل بحرية الإنسان ms3808 في التصرف بجسده ، كأية خصوصية من ~~خصوصياته التي لا تهم المجتمع ، كما لا يهمه ماذا يأكل كل فرد منه ، وماذا ~~يشرب ، وما هي الطريقة التي يفعل بها ذلك .. إلا في الحالات التي تمثل فيه ~~عدوانا على حق الآخرين ، كما إذا كان الزنى داخل الحياة الزوجية ، في ما ~~يقتضيه من عدوان على الزوج ، أو على بيت الزوجية ، مما يؤدي إلى دراسة ~~المسألة في نطاق محدود لا يرقى إلى هذا المستوى من العقوبة ، أو ما يقترب ~~منها .. # قد يثير البعض مثل هذه التساؤلات حول هذا الحد الشرعي للزنى ، أو ما ~~يماثله من الحدود الشرعية الأخرى ، لجرائم أخرى .. # ولكن للإسلام نظرة أخرى للمسألة ، ما يتصل بقسوة العقوبة ووحشيتها ، وفي ~~ما يرتبط بطبيعة الجريمة ونتائجها وحجمها. # أما المسألة الأولى ، فقد تناولناها في الحديث في ما تقدم من تفسير .. PageV16P220 # وإجماله أن الإسلام يرى دور العقوبة دورا عميقا ينفذ إلى أغوار النفس ~~الإنسانية ، ليواجه انحرافها بما يشبه الصدمة القاسية الرادعة التي لا ~~تعالج المسألة من الخارج في ما تثيره من ضغوط نفسية أو جسدية خفيفة ، بل ~~تعالجها من الداخل بما تخلفه من آثار عميقة في الجسد والنفس والواقع ، ~~لتحتوي الجريمة في طبيعتها الذاتية والموضوعية على أساس مواجهة ما مضى بأن ~~لا يمر دون عقاب .. ومواجهة ما يحدث في المستقبل ، بالأسلوب الوقائي الذي ~~يمنعه من الحدوث .. # ولم تأت المسألة نتيجة ذهنية قديمة أو حديثة في النظرة إلى وسائل الجريمة ~~، بل نتيجة الدراسة الواقعية لأفضل وسائل ردع الجريمة من خلال استخدام ما ~~هو أقوى وأكثر فاعلية في إثارة الخوف في نفس المجرم أولا ، حتى لا يكرر ~~جريمته ، وحتى يشعر بخطورة ما قام به على حياته وسمعته ، وفي نفس من يستعد ~~للقيام بالجريمة ثانيا ، ليحسب حساب النتائج السلبية الصعبة قبل أن يقوم ~~بالجريمة ، بحيث يكون العقاب رادعا له عن القيام بذلك. # وقد استطاعت التجربة الواقعية إثبات صحة هذه النظرة لجهة تقليل نسبة ~~الجريمة في المجتمع الإسلامي ، عن بقية المجتمعات الأخرى ، وذلك عند ما ~~يتاح للحدود الشرعية أن تأخذ طريقها ms3809 إلى التطبيق الجدي ، في نطاق ما يمكن ~~إثباته بشكل معقول. # ولعلنا لا نحتاج إلى المزيد من التحليل الموضوعي ، إذا أردنا التأكيد على ~~أن النتائج السلبية لاستخدام وسائل العقاب القاسية ، قد لا تكون كبيرة إذا ~~ما قيست بالنتائج الإيجابية على مستوى منع الجريمة ، تماما كما هي العملية ~~الجراحية التي يضطر الأطباء لإجرائها لضمان سلامة حياة المريض .. # وإذا درسنا القيود التي وضعها التشريع الإسلامي على وسائل الإثبات ، حتى ~~أنه لم يرخص للشهود أن يقوموا بالشهادة ، أو أن يقبلها القضاة ، إلا إذا PageV16P221 # جاءت صريحة بكل التفاصيل التي تحدد الزنى بكل دقة ، ولا تدع مجالا ~~للاحتمال الضعيف المضاد .. # وإذا لاحظنا كيف أن الشارع لم يرد للزاني أو للزانية إذا تابا أن يعترفا ~~، ولم يستحب للآخرين أن يقودوهما إلى الاعتراف ، لأن الله إذا ستر على عبده ~~فإنه لا يريد له أن يفضح نفسه .. # إذا عرفنا ذلك ، فإننا نفهم كيف يكون الحد الشرعي عاملا رادعا ، من خلال ~~ما يثيره في الذهن من صورة تهذب روحية الإنسان وتدفعه للتراجع عن خطئه إن ~~أخطأ ، وتحمي من يقوده ضعفه إلى محاولة الخطأ ، من الوقوع فيه. # * * * ### ||| ** موقع المسألة من حرية الإنسان # أما المسألة الثانية ، وهي حرية الإنسان في جسده ، فإنها مسألة تتصل ~~بالمعنى الديني لحرية الإنسان بشكل عام ، فإن الله لم يعط للإنسان الحرية ~~في أن يسيء إلى نفسه ، لأنه يملك منه ما لا يملك من نفسه ، فهو خالقه ~~ومدبره ، تماما كما هو الطفل بالنسبة إلى وليه ، ولهذا حرم عليه المطاعم ~~والمشارب والملابس والشهوات التي تضره من قريب أو من بعيد. # كما أن القول بأن الزنى أمر خاص لا يمثل تجاوزا للمجتمع أو خطرا عليه ، ~~ليس قولا دقيقا ، فهو يتصل بالنظام الاجتماعي الذي يحدد الخط الأخلاقي ~~لعلاقات الفرد والمجتمع ، حيث تشكل العفة والطهارة حدودا وقيمة أخلاقية ~~عليا لا بد من مراعاتها ضمن تلك العلاقات ، كما أن له علاقة في تحديد ~~الأنساب والوقوف عند حدود السلوك العام في تكوين النظام في الدوائر ~~الاجتماعية الصغيرة والكبيرة .. وليست مجرد حق للزوج ، لتكون العقوبة ms3810 PageV16P222 # خاضعة للخصوصية الزوجية ، في التعدي على الزوج ، أو على بيت الزوجية ، ~~لأن المسألة إذا أثيرت في هذا النطاق ، فإنه قد يعطي البعض من خلال تجريد ~~فكرة الحرية الفردية ، أن للزوجة الحق نفسه على هذا المستوى بما لا يتنافى ~~مع حق الزوج ، تماما كما هو الحال بالنسبة للزوج ، في القانون الوضعي. # * * * ### ||| ** القاعدة الأخلاقية في التشريع الإلهي # وبكلمة واحدة ، إن النظرة الإسلامية لطبيعة الأخلاق ودورها وحدودها لا ~~تنطلق من تفكير موضوعي مجرد ، بل من الخط الإلهي الذي ترسمه الرسالات في ~~شرائعها ، بحيث يكون التشريع الإلهي في ما يأمر به الله أو ينهى عنه ، لجهة ~~ما يريد أن يؤكده في ذات الإنسان من عناصر الشخصية ، ولجهة ما يريد أن يخطط ~~له من علاقات في حركته الاجتماعية ، هو القاعدة التي يتحرك من خلالها ~~الإنسان. # وليس معنى ذلك ، أن الخط الأخلاقي الرسالي يتحرك في المطلق ، في دائرة ~~التعبد الذي لا يخضع في طبيعته للحقائق الموضوعية في حركة الإنسان في ~~الحياة ، بل معناه أن المسلم لا يستطيع الاستقلال في نظرته إلى المسألة ، ~~ليتطلع إليها من خلال النظرة الذاتية ، أو الموضوعية المستقلة من خلال ~~المعطيات المتوفرة لديه ، في ما يملكه من أدوات المعرفة للعمق الواقعي ~~للأشياء ، بل عليه أن يختزن في داخله النظرة الدينية التي يسلم فيها لله ~~موقفه وأمره وتقييمه للأمور ، ويفكر في القاعدة الأخلاقية من خلال حدود ~~التشريع الثابت بشكل قطعي ، أو بحجة معتبرة .. وبذلك يكون الشرع هو الذي ~~يبني للمسلم مفاهيمه عن القضايا العامة ، بدلا من أن تكون مفاهيمه الذاتية هي PageV16P223 # التي تحكم على الشرع في خطوطه وحدوده ، بطريقة سلبية أو إيجابية ، تبعا ~~للانسجام معها أو عدمه. # وإذا كان الإسلام يفرض على الزاني أو الزانية هذه العقوبة ، فإنه لا يريد ~~للمسلمين الآخرين أن ينظروا إلى العقوبة نظرة عاطفية انفعالية ، تصوغها ~~النوازع الذاتية التي تتفاعل مع آلامهما وما تثيره في المشاعر والوجدان ، ~~لأن النتيجة الطبيعية لذلك أن تتحول المسألة إلى حالة احتجاج على الحكم ~~الشرعي من ناحية علمية ، لتنتهي إلى حالة تفاعل مع الجريمة بالتخفيف ms3811 من ~~شأنها في حساب السلوك ، والإيحاء الداخلي بأنها لا ترقي إلى مستوى هذه ~~العقوبة القاسية ، مما ينعكس سلبا على شعور الإنسان بالالتزام الديني ~~داخليا ، الأمر الذي يقوده إلى الانحراف تدريجيا .. وهذا ما أراد الله ~~تأكيده بقوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) كي ~~تكون عاطفة المسلم الإنسانية تابعة للخط الشرعي ، في ما يريد الله أن يؤكده ~~من طبيعة الرحمة ، تماما كما هو خضوع الخط الفكري للشريعة ، فإذا كان الله ~~قد أمر بجلدهما ، فلا بد من أن يكون للإنسان مصلحة عميقة في ذلك ، في ~~الدائرة الفردية والاجتماعية ، مما يجعل من العقوبة عملية جراحية على مستوى ~~النظام الأخلاقي للإنسان .. # وهذا ما يخط له منهج الإسلام التربوي بهدف صياغة الإنسان على صورة ~~الإسلام في الفكر والعاطفة والموقف. # وقد ورد في بعض الروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما ~~نقله الرازي في تفسيره : «يؤتى بوال نقص من الحد سوطا ، فيقال له : لم فعلت ~~ذاك؟ فيقول : رحمة لعبادك ، فيقال له : أنت أرحم بهم مني؟ فيؤمر به إلى ~~النار ، ويؤتى بمن زاد سوطا ، فيقال له : لم فعلت ذلك؟ فيقول : لينتهوا عن ~~معاصيك ، فيقول : أنت أحكم بهم مني؟ ، فيؤمر به إلى النار» (1). PageV16P224 # وهذا هو الخط الذي يعيش فيه الإنسان المسلم العقيدة الثابتة بأن الله هو ~~أرحم بعباده من كل أحد وأنه أحكم في تشريعه لهم من كل مخلوق ، لأنه الرحيم ~~العليم الخبير بما يصلح عباده ، في ما يعاقبهم به ، أو في ما يثيبهم به .. ~~وبذلك تكون العاطفة منطلقة من القاعدة الفكرية التي تغذي الشعور كما تغذي ~~العقل ، وتؤكد الموقف. # وقد فهم البعض من الأخذ بالرأفة ، أن لا يترك الجاني بعد ثبوت الجريمة ~~عليه ، ولا أن يخفف من حده ، بل يضرب تمام الحد ، وقال البعض الآخر : إن ~~المراد به أن لا يكون الضرب خفيفا لا يحس الجاني أذاه. والظاهر أن المراد ~~به أن لا يقف الناس موقف الرأفة بالمجرم بأي شكل من أشكالها ، سواء بالرثاء ~~له والإشفاق عليه ، أو بالتخفيف من كمية ms3812 الحد ، أو بالتخفيف من أذاه ، لأن ~~الغاية المفروضة هي أن يأخذ كل عقوبته بشروطها الشرعية ، دون أي إحساس ~~بالموقف السلبي تجاه ذلك. # ( @QUR@06 إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) لأن ذلك هو مظهر الإيمان ~~بالله في مواقع المسؤولية في اليوم الآخر ، الذي يجعل الناس يلتزمون رضاه ~~في ما يريد أن يرضوا به ، ويتعرفوا مواقع سخطه في ما يريد لهم أن يسخطوا عليه. # ( @QUR@05 وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وذلك بإعلانه بين الناس ، ~~وإقامته بمحضر منهم ، ليتعرف الناس عليهما ، ويفقدا موقعهما الاجتماعي ، ~~ليكون ذلك عبرة للآخرين ، ليرتدعوا عن التفكير بمثل جريمتهم ، ويكون ذلك ~~درسا لهم في المستقبل ، مما يجعل للعقوبة دورا تربويا على المستوى ~~الاجتماعي العام ، ودورا تأديبيا يطال الجاني نفسه. # وإذا كان الخطاب موجها إلى المؤمنين كافة ، فليس معنى ذلك أن لكل واحد ~~القيام به ، بل معناه أنه مسئوليتهم بشكل عام ، ولكن تنفيذه يكون من ~~صلاحيات ولي أمور المسلمين الذي تستقيم له المعرفة ، ويستقيم له التنفيذ. PageV16P225 # وهناك عدة تفاصيل فقهية في شروط الحد ، ومواقع الإلزام والرخصة فيه ، مما ~~لا مجال للبحث فيه الآن ، فلا بد من الرجوع إلى كتب الفقه في شأنه. # * * * PageV16P226 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) (3) # * * * ### ||| ** الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة # ( @QUR@07 الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ). هذه الجملة خبرية تتحدث ~~عن انتفاء إقامة علاقة بين الزاني وغير الزانية والمشركة ، فلا علاقة ~~للزاني بالمسلمة العفيفة .. ( @QUR@07 والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~) فلا علاقة بينها وبين غير هذين ، ( @QUR@04 وحرم ذلك على المؤمنين ) فليس ~~للمؤمن أن يتزوج الزانية ، وليس للمؤمنة أن تتزوج الزاني ، لأن ذلك محرم ~~على كل منهما. هذا هو التفسير الحرفي للآية ، ولكن هناك أكثر من علامة ~~استفهام حول التفاصيل ، فيما هو الطابع المعنوي لمفرداتها ولمجملها .. ~~وهناك أكثر من رأي في هذا المجال. # أولها : إن الآية واردة في الحديث عن طبيعة الظاهرة العامة التي تتمثل PageV16P227 # في أن العلاقات بين الناس ، لا سيما الزوجية ms3813 منها ، تقوم على التماثل في ~~الأخلاق والأعمال ، لأن المشكلة تنتج الألفة ، وهي تنتج العلاقة كما قال ~~الشاعر : «كل شكل لشكله ألف ...» ، فيكون المعنى أن الزاني الذي لا يراعي ~~قواعد العفة والطهارة في حياته على مستوى العلاقات ، ولا يؤمن بالضوابط ~~الإيمانية التي تقضي بالامتناع عن ممارسة الجنس غير المشروع ، لا يميل إلى ~~المرأة المؤمنة العفيفة الطاهرة التي تتبنى الإيمان قاعدة لسلوكها بما ~~يستلزمه من عفة ، لأنها ترفض كل سلوك الزاني ، بل يميل إلى المرأة الزانية ~~التي تتفق معه على قيم الانحراف والحرية في ممارسة الجنس غير المشروع ، ~~بعيدا عن القواعد الشرعية ، أو إلى المرأة المشركة التي لا تنطلق من قاعدة ~~الإيمان التي ترفض الزنى كله ، ولذلك فإن المسألة لا تثير لديها تجاه سلوكه ~~أي موقف سلبي من ناحية المبدأ ، مما يجعل الانسجام قائما بين الزاني ~~والزانية على أساس قوي .. وهكذا الزانية بالنسبة إلى الزاني أو المشرك ، ~~لأن لديهما خطا وجوا نفسيا وموقفا واحدا. # وبذلك تكون الآية في صدد الحديث عن التناسب الطبيعي الذي يقود إلى ~~التوافق العملي ، كظاهرة موجودة لدى الأعم الأغلب من الناس ، كما قيل في ~~تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ) ~~[النور : 26]. # ثانيها : إن الآية واردة في مجال التأكيد على أن شأن الزاني وطبيعة موقعه ~~المنخفض أخلاقيا وروحيا ، أن لا يتزوج إلا الزانية أو المشركة ، لأنها هي ~~التي تليق بانحطاط مستواه ، من خلال انحطاط مستواها ، بسبب ما تمارسه من ~~الزنى ، أو ما تعتقده من شرك بالله ، لأن المرأة المؤمنة لا يمكن أن تنحدر ~~إلى موقعه المنحط .. وكذا حال الزانية بالنسبة إلى الزاني والمشرك ، فتكون ~~الآية ، في صدد الإيحاء بما يمثله الزنى من حالة انحطاط روحي وأخلاقي ، ~~يمنع صاحبه من إقامة علاقة بين الزاني وبين الناس المؤمنين الطاهرين ، لأنه ~~لن يصل إلى مستواهم الإنساني الرفيع. PageV16P228 # ثالثها : إن الآية واردة في مجال التشريع الذي يريد تأكيد النهي من خلال ~~الجملة الخبرية ، التي قد تقوم مقام الطلب للفعل في مجال الوجوب ، أو الطلب ~~للترك في مجال التحريم ، وذلك على ضوء الأحاديث ms3814 الواردة في السنة الشريفة. # وخلاصة المعنى على هذا الرأي ، «أن الزاني إذا اشتهر منه الزنى وأقيم ~~عليه الحد ، ولم تتبين منه التوبة ، يحرم عليه نكاح غير الزانية والمشركة ، ~~والزانية إذا اشتهر منها الزنى وأقيم عليها الحد ، ولم تتبين منها التوبة ، ~~يحرم أن ينكحها إلا زان أو مشرك». # ويتابع القائل بهذا القول إكمال الفكرة فيقول كما جاء في تفسير الميزان : ~~«فالآية محكمة باقية على إحكامها من غير نسخ ولا تأويل ، وتقييدها بإقامة ~~الحد وتبين التوبة ، مما يمكن أن يستفاد من السياق ، فإن وقوع الحكم بتحريم ~~النكاح بعد الأمر بإقامة الحد ، يلوح إلى أن المراد به الزاني والزانية ~~المجلودان ، وكذا إطلاق الزاني والزانية على من ابتلي بذلك ، ثم تاب توبة ~~نصوحا وتبين منه ذلك ، بعيد من دأب القرآن وأدبه ..» (1). # وقد اعتمد صاحب هذا الرأي على الأحاديث الواردة في أسباب النزول ، ~~المؤكدة على الجانب التشريعي في الآية ، فقد أورد عن الدر المنثور : «أخرج ~~ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بجهد ~~إلا قليل منهم ، والمدينة غالية السعر شديدة الجهد ، وفي السوق زوان ~~متعالنات من أهل الكتاب ، وأما الأنصار منهن أمية وليدة عبد الله بن أبي ، ~~ونسيكة بنت أمية لرجل من الأنصار في بغايا من ولائد الأنصار قد رفعت كل ~~امرأة منهن علامة على بابها ليعرف أنها زانية ، وكن من أخصب أهل المدينة ~~وأكثره خيرا. PageV16P229 # فرغب أناس من مهاجري المسلمين في ما يكتسبن للذي هم فيه من الجهد ، فأشار ~~بعضهم على بعض : لو تزوجنا بعض هؤلاء الزواني فنصيب من فضول أطعامهن ، فقال ~~بعضهم : نستأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتوه فقالوا : يا رسول الله ~~، قد شق علينا الجهد ، ولا نجد ما نأكل ، وفي السوق بغايا نساء أهل الكتاب ~~وولائدهن وولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهن ، فيصلح لنا أن نتزوج منهن فنصيب ~~من فضول ما يكتسبن ، فإذا وجدنا عنهن غنى تركناهن؟ فأنزل الله : ( @QUR@03 ~~الزاني لا ينكح ) فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا الزواني المسافحات العالنات ~~زناهن (1). # وجاء في الكافي ، في أحاديث ms3815 أهل البيت عليهم السلام عن زرارة قال : سألت ~~أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@07 الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة ) قال : هن نساء مشهورات بالزنى ورجال مشهورون بالزنى ، ~~شهروا وعرفوا به ، والناس اليوم بذلك المنزل ، فمن أقيم عليه حد الزنى أو ~~متهم بالزنى لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه التوبة (2). # وقد جاء في حديث آخر عن حكم بن حكيم عن أبي عبد الله في الآية قال : إنما ~~ذلك في الجهر ، ثم قال : لو أن إنسانا زنى ثم تاب تزوج حيث شاء (3). # وقد نلاحظ في هذه الأحاديث أنها أكدت على النهي الموجه إلى المؤمنين ، في ~~دعوتهم إلى الامتناع عن نكاح أهل الزنى من المشهورين والمشهورات به .. ولم ~~تتعرض لتفسير صدر الآية ، كما نلاحظ في الرواية PageV16P230 # الأولى ، حيث تتناول الرغبة في الزواج على أساس الطمع بالانتفاع بمال ~~الزواني الذي حصلن عليه من الزنى .. # وفي ضوء ذلك ، يمكن أن نقف مع ظهور الآية في صدرها ، لنستفيد منه أحد ~~المعنيين الأولين في ما يراد تقريره من أن شبيه الشيء منجذب إليه ، مما ~~يقتضي أن من ينجذب إلى الزناة أو المشركين ، هم أمثالهم من الزانين أو ~~المشركين ، لأن جوهم النفسي في التصورات والمشاعر واحد .. أما المؤمنون ، ~~فلا يقدمون على ذلك ، لأن الإيمان يمثل الرفض الروحي والعملي للزنى والشرك ~~، مما يوحي بأن المؤمن يرفض من يمارسون ذلك ويعيشونه ، لابتعادهم عن ~~الأجواء والمواقف التي يفرضها الإيمان. # وقد يكون صدر الآية قرينة على أن الحرمة في الآية ليست واردة بمعنى ~~الإلزام ، بل هي جارية على الأسلوب الذي عالج مسألة علاقات أهل الزنى ~~والمشركين ، مما يوحي بأن الأسلوب هو نفسه المتبع في علاقات المؤمنين به ، ~~باعتبار وحدة السياق ، ولعل هذا هو الأساس الذي يعتمده الرأي الفقهي الذي ~~لم يحرم الزواج بالزناة ، بل رخص به البعض على كراهة ، واحتاط فيه البعض. ~~وربما أوحت الرواية الثانية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بذلك من خلال ~~التعبير بقوله : «لم ينبغ» ، الظاهرة في الكراهة ، بحسب المفهوم ms3816 منها عرفا ~~في ما يقال . # وقد تكون الحرمة أو الكراهة مستفادة بنحو الإيحاء ، على أساس المفهوم ~~الذي يعني أن كلمة «وحرم ذلك» ، تدل على أن المؤمنين لا يمارسون ذلك ، بل ~~إنه مما حرموه على أنفسهم ، والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV16P231 ### ||| ** الزنى لا يصدر عن مؤمن # وقد نحتاج إلى التوقف عند عدة نقاط في هذه الآية : # النقطة الأولى : إن الملحوظ هو المقابلة بين الزناة وبين المؤمنين ، مما ~~يوحي بأن الزاني لا يتصف بالإيمان من خلال زناه ، ويدل على أن الإيمان يمثل ~~نهجا عمليا في حركة المؤمن ، أو نهجا فكريا ، في ما يفرضه من انسجام عملي ~~واقعي ، وليس مجرد حالة ذهنية بعيدة عن الواقع .. وهذا ما أثاره الإمام أبو ~~جعفر الباقر عليه السلام ، في ما استوحاه من هذه الآية ، فقد جاء في كتاب ~~الكافي بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر محمد الباقر في حديث قال : ~~«وأنزل بالمدينة : ( @QUR@018 الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين )، فلم يسم الله الزاني ~~مؤمنا ، ولا الزانية مؤمنة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليس ~~يمتري فيه أهل العلم أنه قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ، فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص» (1). # وعلى ضوء ذلك نفهم أن الإيمان في معناه الحركي الشامل فكر وحركة في الخط ~~، فمن فقد أيا منهما فقد الإيمان. # * * * ### ||| ** انتفاء صفة الزنى عن التائب عنه # النقطة الثانية : إن روايات أسباب النزول تؤكد على إطلاق صفة الزاني PageV16P232 # والزانية على من يمارسون الزنى كموقف عملي ، بحيث يمثل بالنسبة لهم نهجا ~~أو تجارة ، وذلك من خلال التركيز على ظهور كلمتي الزاني والزانية في الجانب ~~العملي الفعلي من صفة الشخص ، أو في الصفة البارزة فيه لدى الناس ، أما من ~~كان الزنى حالة طارئة في حياته ، ثم ابتعد عنه وتاب إلى ربه ، فلا تصدق ~~عليه الكلمة فعلا ، بل يصح سلبها عنه ، مما يجعله خارجا ms3817 عن مدلول الآية. # * * * ### ||| ** رفض إقامة العلاقات بين المؤمنين والزناة # النقطة الثالثة : إننا نفهم من هذه الآية ، في ما توحي به ، أن ما تضمنته ~~من رفض العلاقة بين المؤمنين وبين الزناة ، ظهورا باللفظ أو بالإيحاء ، ~~يمثل لونا من ألوان العقوبة الاجتماعية على جريمة الزنى ، وذلك بالتأكيد ~~على أن مجتمع الزناة هو مجتمع معزول في طبيعة العلاقات ، لأن علاقة أفراده ~~محصورة ببعضهم البعض ، أو بمن يماثلهم في النهج العملي ، أما المجتمع ~~المؤمن ، فلا يقيم علاقة بهم من قريب أو من بعيد ، لأنه ينظر إليهم نظرة ~~الطيب إلى الخبيث ، بما تعنيه العفة من معنى الطيبة والطهارة ، وفي ما ~~يعنيه الزنى من معنى الخبث والقذارة. # وربما استطعنا أن نستفيد من ذلك خطا عمليا للمؤمنين يؤسس القاعدة التي ~~تنطلق منها علاقاتهم بالآخرين ، وهي الالتزام الأخلاقي الذي يتمثل في ~~السلوك ، فهو ما يوحد المجتمعات أو يقرب بينها ، لأن الله يريد أن يوحي ~~للإنسان المؤمن بأن المبادئ التي يؤمن بها هي الجسر الذي يربطه بالآخرين ، ~~لا مجرد النوازع الذاتية التي تشكلها المشاعر والمصالح ، مما يفرض مقاطعة PageV16P233 # المنحرفين والكافرين روحيا انطلاقا من الحاجز النفسي الذي يفصله عنهم ، ~~بحيث لا تمثل العلاقة الخارجية التي تفرضها الأوضاع العامة ، عمقا روحيا ~~يشد الناس المؤمنين إلى هؤلاء ، لتكون مجرد حالة طارئة من حالات الحياة ~~الاجتماعية العامة. # * * * PageV16P234 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) @QUR@011 ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يرمون ): يقذفون العفائف من النساء بالفجور والزنى. وقال في ~~الميزان : «الرمي : معروف ، ثم أستعير لنسبة أمر غير مرضي إلى الإنسان ، ~~كالزنى والسرقة ، وهو القذف ، والسياق يشهد أن المراد به نسبة الزنى إلى ~~المرأة المحصنة العفيفة» (1). # * * * PageV16P235 ### ||| ** عقوبة رمي المحصنات # وإذا كان القرآن يهتم بجريمة الزنى فيفرض عليها الحد القاسي الرادع ، ~~لإنقاذ المجتمع من مخاطرها على توازن النظام العائلي ، فإنه في الوقت نفسه ~~لا يسمح للناس أن يأخذوا حريتهم في إطلاق التهم جزافا ضد من ms3818 يشكون في قيامه ~~بذلك ، فيتحدثون بكل حرية عنه ، ليشوهوا سمعته ، أو لإيجاد نوع من الإثارة ~~الشعبية ضده ، وتأكيد الانطباع بارتكابه الجريمة التي قد لا يكون ارتكبها ، ~~وإقامة الحد عليه ، كما يحدث في كثير من الأحوال ، حيث تنطلق الإشاعات ~~اللامسؤولة القائمة على الظن والتخمين ، لتصدر حكما على برىء ، أو لتؤكد ~~جريمة ضد متهم .. # ولهذا فرض لإثبات هذه الجريمة أربعة شهود عدول ، لا يطلقون الكلام جزافا ~~، بل تحكمهم التقوى في هذا المجال ، بحيث لا تأتي شهادتهم إلا على أساس ~~الرؤية الحسية التفصيلية التي لا تترك أية شبهة في أكثر التفاصيل دقة ، ~~حذرا من خطأ العين في ما ترى ، أو خطأ الأذن في ما تسمع ، فتدعو الإنسان ~~الشاهد إلى أن يتهم سمعه وبصره ، حتى لا يستعجل في تكوين القناعة عن ~~الواقعة بطريقة سريعة. # ثم جعل على الذين يطلقون التهمة بشكل قطعي دون ثبوت الجريمة بأربعة شهداء ~~، الحد الشرعي للقذف وهو الرمي بالزنى ومقداره ثمانون جلدة. # ( @QUR@03 والذين يرمون المحصنات ) العفيفات ، سواء أكن من المتزوجات أم ~~غير المتزوجات .. وقد خص الاية بالنساء ، مع شمول الحكم للرجال ، لأن ~~المجتمع الغالب هو مجتمع الرجل الذي يوجه مسئولية الزنى إلى المرأة أكثر PageV16P236 # من الرجل ، باعتبارها العنصر الأضعف الذي لا يملك الكثير من فرض الدفاع ~~عن نفسه ، مما يجعلها عرضة لخطر الاتهام اللامسؤول ، ولهذا أراد القرآن ~~التأكيد على حمايتها بعيدا عن كل الامتيازات ، وتوجيه الوعي الإسلامي ~~للإنسان إلى رفض اعتبار الضعف أساسا للتصرف المجحف بحق الضعيف ، وذلك لأن ~~الإسلام يرى الحق في معطياته الواقعية هو الأساس الذي يحكم القوي والضعيف ~~معا بميزان واحد ، لذا اعتبر البينة العادلة قاعدة للحكم ، وجعل الحديث عن ~~الزنى في حق كل واحد ، خاضعا لقيام البينة على وقوعه. أما إذا انطلق الناس ~~في الحديث اللامسؤول ، فرموا المحصنات أو المحصنين ( @QUR@05 ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء ) يؤكدون مشاهدتهم للعملية الجنسية بتفاصيلها الدقيقة ، ( ~~@QUR@03 فاجلدوهم ثمانين جلدة )، لأنهم أجرموا في حق هؤلاء الناس ، ~~وأساءوا إلى سمعتهم ، دون أن يقدموا دليلا شرعيا لدعواهم ، فالتشريع يسعى ~~لحماية الناس من هذا العبث ms3819 الكلامي ، الذي ينتهك حق الإنسان في الحفاظ على سمعته. # ( @QUR@05 ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) لأن من يحترم القضاء العادل ~~شهادته هو الإنسان الذي يقف عند حدود الله في ما يأمر به أو ينهى عنه ، ~~بحيث يكون أمينا على إقامة الشهادة. # ( @QUR@03 وأولئك هم الفاسقون ) المنحرفون عن خط الطاعة ، السائرون في خط ~~المعصية ، بعيدا عن المسؤولية الشرعية في قضايا الناس العامة والخاصة. # ( @QUR@06 إلا الذين تابوا من بعد ذلك ) وأعلنوا الندم على ما بدر منهم ( ~~@QUR@01 وأصلحوا ) أمرهم ( @QUR@04 فإن الله غفور رحيم )، لأن التوبة تعني ~~التغيير الداخلي للنوايا والأفكار والدوافع التي تقود الإنسان إلى التمرد ~~على الله ، لتحوله إلى الانفتاح عليه ، والقرب منه ، ومما يريده لعباده ~~الصالحين. # وقد تحدث المفسرون عن رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة ( @QUR@01 وأولئك PageV16P237 # @QUR@02 هم الفاسقون )، لتكون التوبة غاية للحكم بالفسق ، فلا يحكم ~~بفسقهم بعد التوبة ، أو رجوعه إلى جميع الأحكام الموجودة في الآية ، وهي ~~الجلد وعدم قبول الشهادة ، بالإضافة إلى الفسق ، وذلك على ضوء البحث الذي ~~حرره الأصوليون ، من أنه إذا عقب الاستثناء جملا متعددة ، فهل يرجع إلى ~~الجميع أو يرجع إلى الأخيرة ، ولعل الأوفق بقواعد الكلام أن لا يتعين شيء ~~منهما بعد صلاحية الاستثناء لكل منهما ، ولكن رجوعه إلى الأخيرة متيقن ~~لثبوته في كلا الحالين .. # ويقول صاحب تفسير الميزان إن الظاهر رجوعه إلى الجملة الأخيرة بحسب ما ~~يعطيه السياق في الآية ، «لكنها لما كانت تفيد معنى التعليل بالنسبة إلى ~~قوله ( @QUR@05 ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) على ما يعطيه السياق كان لازم ~~ما تفيده من ارتفاع الحكم بالفسق ارتفاع الحكم بعدم قبول الشهادة أبدا ، ~~ولازم ذلك رجوع الاستثناء بحسب المعنى إلى الجملتين معا» (1). # وقد نلاحظ على ذلك ، أنه لا ظهور له في ما ذكره ، بل ربما نستوحي من قوله ~~تعالى: ( @QUR@04 فإن الله غفور رحيم )، كنتيجة للتوبة والإصلاح ، هو ~~ارتفاع العقوبة عنهم بالجلد ، وقبول شهادتهم ، وزوال الحكم بفسقهم ، لأن ~~ذلك هو ما يناسب الغفران والرحمة نظرا لرجوع الإنسان عن موقفه المنحرف في ~~الإساءة إلى المقذوف .. والله العالم. # * * * PageV16P238 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 والذين يرمون أزواجهم ms3820 ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) @QUR@09 والخامسة أن لعنت ~~الله عليه إن كان من الكاذبين (7) @QUR@011 ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) @QUR@09 والخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين (9) @QUR@010 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله تواب حكيم ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويدرؤا ): يدفع. # * * * PageV16P239 ### ||| ** مناسبة النزول # نقل الميزان عن تفسير القمي في سبب نزول هذه الآيات أنها نزلت في اللعان ~~، «فكان سبب ذلك أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك ، ~~جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلاني وكان من الأنصار وقال : يا رسول الله إن ~~امرأتي زنى بها شريك بن السحماء ، وهي منه حامل ، فأعرض عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فأعاد عليه القول ، فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات. # فدخل رسول الله منزله ، فنزلت عليه آية اللعان ، فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وصلى بالناس العصر ، وقال لعويمر : ائتني بأهلك ، ~~فقد أنزل الله عز وجل فيكما قرآنا ، فجاء إليها وقال لها : رسول الله يدعوك ~~، وكانت في شرف من قومها ، فجاء معها جماعة ، فلما دخلت المسجد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لعويمر : تقدم إلى المنبر والتعنا ، فقال : كيف ~~أصنع؟ فقال ، تقدم وقل : أشهد بالله إني لمن الصادقين في ما رميتها به ، ~~فتقدم وقالها .. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعدها ، فأعادها حتى ~~فعل ذلك أربع مرات ، فقال له في الخامسة : عليك لعنة الله إن كنت من ~~الكاذبين في ما رميتها به ، فقال في الخامسة : إن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين في ما رماها به ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن ~~اللعنة موجبة إن كنت كاذبا. # ثم قال له : تنح ، فتنحى ثم قال لزوجته : تشهدين كما شهد ، وإلا أقمت ~~عليك حد الله ، فنظرت في وجوه قومها فقالت : لا أسود هذه الوجوه في هذه ~~العشية ، فتقدمت إلى المنبر ms3821 وقالت : أشهد بالله أن عويمر بن ساعدة من ~~الكاذبين في ما رماني به ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~أعيديها فأعادتها ، حتى أعادتها أربع مرات ، فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : العني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين في ما ~~رماك به ، فقالت في الخامسة إن غضب الله عليها إن PageV16P240 # كان من الصادقين في ما رماها به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~ويلك إنها موجبة إن كنت كاذبة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لزوجها : اذهب فلا تحل لك أبدا ، قال : يا رسول الله ، فمالي الذي أعطيتها ~~، قال : إن كنت كاذبا ، فهو أبعد لك منه ، وإن كنت صادقا ، فهو لها بما ~~استحللت من فرجها ..» الحديث (1). # * * * ### ||| ** الملاعنة بين الزوجين # ولعل هذا التشريع جاء من أجل وضع المسألة في نصابها الصحيح ، في مواجهة ~~صعوبة الحالة التي يعيشها البيت الزوجي عند اتهام الزوج لزوجته بالزنى دون ~~أن يملك أية وسيلة من وسائل الإثبات الشرعية ، في ما يكون رآه بعينه دون ~~وجود أحد معه ، أو سمعه ممن يطمئن له ، دون أن يكون ذلك كافيا لإقامة الحجة ~~ضد الزوجة ، فكيف يمكن حل المشكلة ، التي قد لا يكون هناك سبيل إلى إثباتها ~~أو نفيها عبر وسائل الإثبات التي تحسم الموضوع وتؤكده أمام الجميع؟ لذلك ~~كان الحل الضغط النفسي الخاضع للجانب الإيماني في شخصية كل من الزوجين ، ~~على أساس ما يمكن أن تثيره فكرة الشهادة من انفعالات في نفس الاثنين ، حيث ~~يمكن أن يشكل ذلك تأكيدا لصدقه ، أو تأكيدا لكلامها في كذبه ، مع الإعلان ~~عن توجيه اللعنة لنفسه إن كان من الكاذبين ، أو توجيهها لنفسها إن كان من ~~الصادقين .. وحيث يمكن أن يستسلم الكاذب منهما للمؤثرات الروحية ويتراجع عن ~~موقفه في بعض مواقع تكرر اللعنة ، ثم في الموقف الحاسم الأخير ، مما يكون ~~الحل النهائي الممكن للمسألة ، فإذا لم تحل المشكلة عن هذا الطريق ، فإن ~~النتيجة تكون إغلاق PageV16P241 # ملف الحديث عنها ، بعد أن أكد كل ms3822 منهما موقفه ، دون الوصول إلى إدانة ~~المتهم ، مما يعني أن كلا منهما برأ نفسه مما رماه به الآخر ، بحيث لم يبق ~~مجال لاتهام أي منهما شريكه بشيء بعد ذلك ، الأمر الذي يقتضي إنهاء المشكلة ~~في جانبها الكلامي الاتهامي الذي يحكم ساحة الصراع ثم الفراق ، ثم حرمة ~~العلاقة بينهما أبديا ، لأن حدوث هذا النوع من اللعنة المتبادلة بين ~~الزوجين يجعل الحياة الزوجية غير صالحة للامتداد والاستمرار ... بالتالي ~~فإن كلا منهما يجب أن يذهب إلى حال سبيله حيث يمكن أن يعيش تجربة جديدة ، ~~في علاقة جديدة بإنسان آخر. # * * * ### ||| ** الملاعنة بديل عن الشهود الأربعة # ( @QUR@03 والذين يرمون أزواجهم ) باتهامهن وقذفهن بالزنى ( @QUR@06 ولم ~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) لأنهم واجهوا الجريمة بشكل مباشر دون حضور ~~أشخاص آخرين يشاركونهم الرؤية ، فهناك طريقة بديلة عن شهادة الأربعة من ~~الشهود الذين يتوقف على شهادتهم الحكم بالزنى ، تستبدل فيها شهادة الأربعة ~~بواحد ( @QUR@04 فشهادة أحدهم أربع شهادات ) يكرر فيها التهمة بشكل حاسم ~~مؤكد يشتمل على ما يشبه اليمين ( @QUR@04 بالله إنه لمن الصادقين ) في ما ~~يقوله عنها ، وبذلك تكون المسألة مشابهة لقيام اليمين مقام البينة. # ولم يكتف التشريع بذلك ، فقد يسهل على البعض أن يحلف بالله كذبا ، بل ~~أراد لمن يتهم زوجته بالزنى أن يشهد شهادة خامسة تختلف في الإيحاء القوي ~~الرادع عن تلك الشهادات ، وذلك بأن يوجه لنفسه لعنة الله إذا كان كاذبا ( ~~@QUR@09 والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ) مما قد يصعب على ~~الإنسان تحمله لما يثيره في داخله من إحساس بالضعف نتيجة وضع نفسه في PageV16P242 # موضع الملعون من قبل الله ، وذلك كأسلوب من أساليب الاحتياط للعدالة في ~~ما يراد لها إثباته من قضايا تتعلق بحياة الآخرين. # فإذا أكمل ذلك ، ثبت عليها الجرم ، واستحقت إقامة الحد عليها نتيجة ذلك ، ~~ولكن الله لا يريد للزوجة أن تقف موقف الخاضع لموقف زوجها الاتهامي لاحتمال ~~كذبه وافترائه عليها ، لذا جعل لها الحق في أن تدفع التهمة عن نفسها ~~بالطريقة نفسها. # ( @QUR@03 ويدرؤا عنها العذاب ) أي يدفع عنها حد الزنى ( @QUR@08 أن تشهد ms3823 ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ) في دعواه ، لتتضمن كل شهادة يمينا ~~يدفع ما أكده من صدق في ادعائه ، بتأكيد كذبه ، ( @QUR@09 والخامسة أن غضب ~~الله عليها إن كان من الصادقين ) في قوله .. وفي ذلك إيحاء داخلي باستنزال ~~غضب الله عليها ، في ما توحي به كلمة اللعنة من معنى الإبعاد عن الرحمة ، ~~إن كان صادقا في دعواه ، وبذلك يتوازن الموقفان ويتساقطان ، في ما أراد ~~أحدهما أن يثيره من هواجسه ووساوسه ، وأراد الثاني أن يؤكده من طهارته ~~وصدقه ، مما يؤدي إلى تنفيس الاحتقان ، وتجميد المشكلة في جانب الاتهام ~~والدفاع. # ( @QUR@06 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته )، ففي ما شرعه لكم من وسائل ~~تستطيعون بها تأكيد مواقفكم أو الدفاع عن أنفسكم مظهر فضل ورحمة ، ( ~~@QUR@04 وأن الله تواب حكيم ) يقبل عباده التائبين ، ويدبر أمورهم على أساس ~~من حكمته .. # أما جواب الشرط الذي تختزنه كلمة لو لا ، فقد يكون تقديره : لو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته وتوبته عليكم وحكمته في تدبير أموركم ، وتشريع الأحكام ~~التي تنظم حياتكم وتحل مشاكلكم ، لتحولت حياتكم إلى ساحة للمشاكل الخاصة ~~والعامة ، ولانتهيتم إلى السقوط في الخطيئة المميتة ، ولاختل نظام حياتكم ~~بالاهتزاز الدائم الذي يثيره وجود القضايا المعقدة التي لا تنتهي إلى حل عادل. PageV16P243 # ولم تتحدث الآيات عن نتائج المسألة لجهة استمرار العلاقة الزوجية بينهما ~~بعد اللعان أو انقطاعها ، لأنها كانت في سياق الحديث عن الحل الشرعي العملي ~~للمشكلة الصعبة التي يفقد فيها المدعي الحجة على دعواه ، وتفقد فيه المتهمة ~~المعطيات التي تظهر براءتها ، مما يوحي بالمزيد من التعقيد الذي يثير ~~الكثير من المشاكل. # ولكن السنة تحدثت عن الحرمة المؤبدة التي تقطع العلاقة الزوجية بينهما ، ~~ولا تسمح بعودتها بعد ذلك ، حتى بعقد جديد ، كما هو معروف بين فقهاء ~~المسلمين ، ولكن هناك رأيا آخر يتحفظ في حكم الحرمة المؤبدة حال اعتراف ~~الزوج بكذبه وإقامة الحد عليه ، فقد ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن لهما أن ~~يجتمعا بالنكاح إن شاءا ، إذ الذي أوجب الحرمة بينهما هو اللعان ، وما دام ~~قائما بينهما تقوم الحرمة ، وإذا ms3824 زال باعتراف الزوج بكذبه ولقائه حده ، ~~تزول بينهما الحرمة .. # ولسنا في صدد تحديد النتائج النهائية فقهيا ، لنناقش المسألة من هذه ~~الزاوية ، فذلك موكول إلى البحث الفقهي في الكتب المتخصصة. # * * * PageV16P244 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ~~(11) @QUR@013 لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا ~~هذا إفك مبين (12) @QUR@015 لو لا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13) @QUR@015 ولو لا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) @QUR@016 إذ ~~تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند ~~الله عظيم (15) @QUR@015 ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم (16) @QUR@09 يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن ~~كنتم مؤمنين (17) @QUR@07 ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ) (18) # * * * PageV16P245 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالإفك ): الكذب العظيم الذي قلب فيه الأمر عن وجهه كما يقول ~~في المجمع (1). وقال الراغب : ورجل مأفوك : مصروف عن الحق إلى الباطل (2). # ( @QUR@01 عصبة ): جماعة. # ( @QUR@01 كبره ): معظمه. # ( @QUR@02 أفضتم فيه ): خضتم به. # ( @QUR@01 تلقونه ): تتلقونه. # ( @QUR@01 بهتان ): افتراء ، سمي بالبهتان لأنه يبهت الإنسان المفترى عليه. # والبهتان : الكذب والزور العظيم عقابه. # * * * ### ||| ** قصة الإفك .. خلفيات وتأثيرات # وهذا حديث عن خط قرآني عريض يتناول مواجهة المؤمنين والمؤمنات للشائعات ~~التي يسمعونها ، لجهة ما يوجهه الناس إلى المؤمنين والمؤمنات من اتهامات ~~بالزنى وأمثاله من الأفعال الشنيعة التي تمثل انتهاكا لحرمة الإنسان PageV16P246 # المؤمن في عرضه .. # فليس للمؤمنين أن يأخذوا بتلك الاتهامات ، أو أن يثيروها في أحاديثهم ~~وكأنها حقائق ثابتة ، أو ما يقرب من ذلك ، بل لا بد لهم من التوقف عندها ~~والتفكير العميق فيها لتحديد طبيعتها من خلال التدقيق في شخصية قائليها وما ~~يمثلونه على مستوى الإيمان ، وفي شخصية الشخص الذي تتناوله بالاتهام ، ~~وشخصيته الإيمانية ، والظروف الموضوعية الداخلية والخارجية المحيطة بالقضية ~~كلها ، ليكون الاتهام في خط الحقيقة ، ويكون الحكم في ms3825 دائرة العدل ، في ما ~~فرضه للحقيقة من وسائل الإثبات ، وفي ما أراده الله للعدل من الحجج ~~والبينات. # ولم يتناول القرآن الكريم في هذه الآيات المسألة من باب الحديث عن مبدأ ~~عام يثيره التفكير في القضايا بشكل مطلق كما هي حال الفكر عند ما يثير ~~القضايا في دائرته الفكرية العامة ، بل تحدث عنها من موقع حدث كبير عاشه ~~المسلمون في قضية استهدفت بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شخص إحدى ~~زوجاته التي نسبت إليها شائعات الانحراف عن خط الطهر والعفة والوقوع في ~~الزنى مع بعض الناس ، مما أعطى المسألة بعدا خطيرا لما فيها من إساءة إلى ~~الجو الأخلاقي الداخلي في بيت النبي ، الأمر الذي قد يترك تأثيرا كبيرا على ~~مصداقيته الرسالية ، وموقعه المميز في حياة الأمة ، ويؤدي إلى هز الركائز ~~التي يقوم عليها البيت النبوي. # * * * ### ||| ** روايات في سبب النزول # وقد تحدثت روايات السيرة النبوية ، أن هذه الزوجة المستهدفة بالإشاعة هي ~~عائشة ، التي وردت الروايات عنها في تفاصيل القصة التي حدثت PageV16P247 # لها .. قالت : # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين ~~أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه. ~~قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج سهمي ، فخرجت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما نزل الحجاب ، وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه ، ~~فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوته تلك وقفل فدنونا ~~من المدينة قافلين ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت ~~حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار ~~(1) قد انقطع ، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا ~~يرحلون بي فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ، وهم يحسبون ~~أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم ، إنما تأكل المرأة ~~العلقة (2) من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ، وكنت ~~جارية ms3826 حديثة السن ، فبعثوا الجمل ، فساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، ~~فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فيممت منزلي الذي كنت به ، فظننت ~~أنهم سيفقدوني فيرجعون إلى ، فبينا أنا جالسة إذ غلبتني عيني فنمت. # وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأدلج (3)، ~~فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني وكان ~~يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، ~~والله ما كلمني كلمة واحدة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ ~~راحلته ، فوطئ على يديها ، فركبتها ، فانطلق يقود بي PageV16P248 # الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك في ~~من هلك. # وكان الذي تولى الإفك عبد الله إن أبي ابن سلول ، فقدمنا المدينة فاشتكيت ~~حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك ، ~~وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللطف ~~الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي فيسلم ثم يقول : كيف تيكم؟ ثم ~~ينصرف ، فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي ~~أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك ~~قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل ~~الغائط ، فكنا نتأذى الكنف أن نتخذها عند بيوتنا. # فانطلقت أنا وأم مسطح ، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا (1) من ~~ثيابنا ، فعثرت أم مسطح في مرطها (2)، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ~~ما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت : أي هنتاه (3) أو لم تسمعي ما قال؟ ~~قلت : وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت ~~إلى بيتي ، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كيف تيكم؟ فقلت : ~~أتأذن لي أن آتي إلى أبوي؟ قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من ~~قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله صلى ms3827 الله عليه وآله وسلم فجئت لأبوي ، فقلت ~~لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت : يا بنية هوني عليك ، فو الله لقلما ~~كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقلت : ~~سبحان الله ، ولقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي ~~دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. PageV16P249 # ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين ~~استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه ~~من الود ، فقال : يا رسول الله ، أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، وأما علي بن أبي ~~طالب فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وإن ~~تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال : أي ~~بريرة ، هل رأيت شيئا يريبك؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ، إن رأيت ~~عليها أمرا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها ~~فتأتي الداجن فتأكله. # فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستعذر يؤمئذ من عبد الله بن أبي ، ~~فقال وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في ~~أهل بيت؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت ~~عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. # فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، إن كان ~~من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا ~~أمرك. فقام سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ~~ولكن احتملته الحمية ، فقال لسعد : كذبت ، لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على ~~قتله. فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعد ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت ~~لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان : الأوس والخزرج ms3828 ، ~~حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر ، ~~فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. # فبكيت يومي ذلك ، فلا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي ~~وقد بكيت ليلتين ويوما ، لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع ، وأبواي يظنان أن ~~البكاء فالق كبدي. PageV16P250 # فبينما هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار ، ~~فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ثم جلس ، ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها ، وقد ~~لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، فتشهد حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا ~~عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ~~ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب ~~تاب الله عليه. # فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص (1) دمعي حتى ما أحس ~~منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : والله ~~ما أدري ما أقول لرسول الله! فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، قالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ! # فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله لقد ~~علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم ~~: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر والله ~~يعلم أني منه بريئة لتصدقني ، والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف ~~: ( @QUR@07 فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ). # ثم تحولت ، فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة ، وأن الله ~~مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ، ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ، ~~ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله ms3829 في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن ~~يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا يبرئني الله بها. # قالت : فو الله ما رام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل PageV16P251 # البيت حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي ، حتى ~~إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق ، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ~~أنزل عليه ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سري عنه وهو يضحك ~~، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة ، أما الله فقد برأك ، ~~فقالت أمي : قومي إليه ، فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي ~~أنزل براءتي ، وأنزل الله : ( @QUR@06 إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم ) ~~العشر الآيات كلها. # فلما أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر ، وكان ينفق على مسطح بن ~~أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال ~~لعائشة ما قال ، فأنزل الله : ( @QUR@011 ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ) إلى قوله : ( @QUR@01 رحيم ). قال أبو ~~بكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق ~~عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا (1). # * * * ### ||| ** مناقشة الرواية # وإننا نتحفظ على صدق هذه الرواية ، لأنها تسيء إلى الشخصية الرسالية التي ~~يتميز بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجهة تكوين الانطباعات السلبية عن ~~الناس ، لا سيما الأقربين إليه قبل التأكد من تحقق الأسس الشرعية التي تثبت ~~عناصر الاتهام .. فكيف يتصرف صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الطريقة السلبية مع ~~عائشة طيلة هذه المدة؟ وكيف يعيش داخليا المرارة النفسية إزاء هذه القضية ، ~~تماما كما لو كانت في حجم الحقيقة ، وكيف يتصرف معها بهذا الأسلوب القاسي ~~الذي يرهق نفسيتها ، ويوحي بأن ما نسب إليها هو الحق؟ PageV16P252 # وإذا كان بعض الناس يثير المسألة بصفتها مشكلة أحاطت بالمجتمع الإسلامي ~~في ما أثارته من إرباك وتعقيد وخلل ، في نظرته ms3830 إلى طبيعة البناء الأخلاقي ~~للبيت النبوي ، مما قد ينعكس سلبا على حركة الالتزام فيه ، أو مستوى الثقة ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان بعض الناس يثيرون المسألة في هذا ~~الاتجاه ، فإن ذلك لا يغير من التحفظات شيئا ، لأنه بإمكان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يواجه المجتمع الإسلامي من حوله بالأحكام الشرعية ~~التي تعالج مثل هذه القضايا ، حيث يتهم فيها الناس بعضهم بعضا دون حجة ، ~~لتكون هذه الحادثة مدخلا للتوعية العامة وتركيز المفاهيم الإسلامية في ~~وجدان المسلمين ، حتى إذا افترضنا أن حد القذف كان لاحقا لقصة الإفك ، لا ~~سابقا لها ، مما يحل مشكلة السؤال عن سبب امتناع النبي عن إقامة حد القذف ~~على القائلين ، ولكن ذلك لن يحل مشكلة السؤال عن سر امتناع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن استنكار تحريك الإشاعات الكاذبة ، أو القلقة ، أو ~~غير الثابتة بحجة شرعية ، في نواديهم ومجتمعاتهم الخاصة والعامة ، مما ~~يبتعد عن خط العدل. # وقد ذكر الكثير من المفسرين أن طهارة البيت النبوي ، وخلوه مما يسيء إلى ~~العفة ، هو من الأمور التي لا يجهلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنها تتصل ~~بالجانب العميق من قاعدة الثقة بالرسول والرسالة ، فكيف يرتاب النبي في هذا ~~الأمر؟! # إننا نلاحظ أن مثل هذه الروايات لا تتناسب مع ما نعرفه عن شخصية الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم الروحية المنفتحة ، التي حدثنا الله عنها في أكثر من ~~آية ، حيث نستوحي أنها شخصية ذات خلق عظيم تلتزم بالعلاقات الإنسانية من ~~خلال انفتاح روحه على الخير ، في ما توحي به الرسالة من الخير كله ، ومن ~~العدل كله .. وهي أي هذه الروايات توحي بالشخصية القلقة الحائرة التي لا ~~تعرف بسبب الانفعال والحيرة ماذا تفعل وكيف تتصرف ، مما يسيء إليه وإلى ~~أجواء الرسالة. PageV16P253 # ثم ما معنى سيادة هذا الجو في المجتمع المسلم واختلافهم على الوقوف مع ~~النبي في شأن كبير من شؤونه المتعلقة بالجانب العميق من شخصيته ذاتا وموقعا ~~وحركة على مستوى الرسالة في الواقع ، وكيف يتصرفون أمامه ms3831 بالطريقة المعقدة ~~التي تتحدث عنها الرواية؟ وكيف يتحدث بعضهم إلى بعض دون أن يحسبوا حسابا ~~لوجوده معهم مما تفرضه أبسط قواعد الاحترام للنبي الذي أخرجهم من الظلمات ~~إلى النور؟ فمهما كانت العقدة التي تختفي في شخصية البعض منهم ، ولكن ذلك ~~لا يدفع إلى مثل هذه المواجهة التي لا تتناسب مع طبيعة الواقع. # وهناك نقاط ضعف كثيرة ، صغيرة وكبيرة ، في هذه الرواية ، ليس مجال بحثها ~~الآن .. ولكننا نريد التأكيد من خلال بعض اللمحات الفكرية أن علينا دراسة ~~النصوص الدينية التي تتحدث عن النبي في ملامح شخصيته ، تماما كما ندرس ~~النصوص التي تتحدث عن ملامح الرسالة ، لأن شخصيته جزء من شخصية الرسالة ، ~~فلا مجال في وعينا للفصل بين الرسالة والرسول ، ما دام الله جعل الرسالة في ~~القدوة ، كما جعلها في الآية ، فهو القرآن المتجسد في حركة. الواقع ، كما ~~كان القرآن هو الفكر الذي يتجسد في حياة الناس. # ولهذا لا بد من دراسة مضمون النص صلى الله عليه وآله وسلم ، كما لا بد من ~~دراسة السند الذي يثبت صدق مصدر النص ، صلى الله عليه وآله وسلم بعيدا عن كل ~~الأجواء التي تثيرها فينا شخصية الأشخاص الذين ينقلون لنا التراث ، لأن ~~قضية الرسالة أكبر منهم. # * * * ### ||| ** قصة الإفك وروايات أخرى # وهناك روايات تتحدث عن أن قصة الإفك تستهدف شخصية أخرى .. PageV16P254 # فإذا كانت السيدة عائشة هي المستهدفة في الرواية السابقة وأمثالها من ~~الروايات ، فإن الروايات التالية تقول إن مارية القبطية هي المستهدفة وإن ~~عائشة هي التي رمتها بالزنى ، وذلك في ما رواه بعض الرواة عن الإمام أبي ~~جعفر الباقر عليه السلام كما جاء في تفسير القمي ، أنه قال : «لما هلك ~~إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حزن عليه حزنا شديدا ، فقالت ~~عائشة : ما الذي يحزنك عليه؟ ما هو إلا ابن جريح ، فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام وأمره بقتله. فذهب علي عليه السلام ~~ومعه السيف ، وكان جريح القبطي في حائط ، فضرب على عليه السلام باب البستان ~~، فأقبل جريح ms3832 له ليفتح الباب ، فلما رأى عليا عليه السلام عرف في وجهه الغضب ~~، فأدبر راجعا ولم يفتح باب البستان ، فوثب علي عليه السلام على الحائط ونزل ~~إلى البستان واتبعه ، وولى جريح مدبرا ، فلما خشي أن يرهقه (1) صعد في نخلة ~~وصعد علي عليه السلام في أثره ، فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة ، ~~فبدت عورته ، فإذا ليس له ما للرجال ، ولا له ما للنساء. # فانصرف علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : يا رسول ~~الله ، إذا بعثتني في الأمر أكون كالمسمار المحمي في الوبر أم أتثبت؟ قال : ~~لا بل تثبت. قال : والذي بعثك بالحق ما له ما للرجال وما له ما للنساء ، ~~فقال : الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت» (2). # وهذه الرواية أكثر إثارة لعلامات الاستفهام من الأولى. # أولا : إن جريح في ما تنقله كتب السيرة كان خادما خصيا لمارية أهداه ~~مقوقس عظيم مصر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأرسله معه ليخدمها .. فكيف ~~قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سماع الاتهام له ، مع كونه معروفا لديه ~~منذ جاء إليه؟ PageV16P255 # ثانيا : كيف يأمر رسول الله بقتل جريح لمجرد سماعه كلام عائشة ، مع أن ~~المسألة تحتاج إلى الدليل الشرعي الذي شرعه للناس ، مع أن حد الزاني غير ~~المحصن هو الجلد ، لا القتل. # ثالثا : لماذا لم يقم رسول الله الحد على زوجته ، لقذفها زوجته مارية ، ~~لا سيما بعد أن ثبت كذبها ، كما تقول الرواية ، وهو القائل : والله لو سرقت ~~فاطمة لقطعت يدها. # رابعا : إن هذه الرواية تتنافى مع ظاهر الآية التي تتحدث عن أن مسألة ~~الإفك ، لم تكن مجرد حديث شخصي هامس بين الناس وعائشة ، بل هو حديث جاءت به ~~عصبة من الناس ، وانتشر في المجتمع وتحول إلى ما يشبه المشكلة الكبيرة التي ~~استدعت نزول الوحي على الرسول ليعالجها ، وليجعل منها أساسا لقاعدة شرعية ~~واسعة في حياة المسلمين جميعا ، مما يجعل الرواية الأولى أقرب إلى السياق ~~القرآني من هذه الرواية. # وقد تكون مثل هذه ms3833 الروايات جزءا من تراث الوضع في الحديث الذي كان يكثر ~~فيه الكذب على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أهل البيت عليهم السلام ~~، مما أتقن فيه الوضاعون طريقة ترتيب الأحاديث بحيث تصبح موضعا للثقة ، ~~باعتبار وثاقة رواتها ، فقد كان الحديث يدس في كتبهم دون أن ينتبهوا إليه ~~.. ولذلك فإن وثاقة الأحاديث المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام يتأتى ~~من عرضها على الكتاب والسنة القطعية والموثوقة ، فما وافقهما كان مقبولا ، ~~وما خالفهما كان مردودا ، الأمر الذي نستوحي منه ضرورة دراسة المضمون ~~الداخلي للنص ، وعدم الاكتفاء بدراسة السند ، لأن القضية تتصل بعمق ~~المفاهيم الإسلامية في وعي المسلمين لها. # وقد لا نحتاج إلى أمثال هذه الروايات لوعي النص القرآني ، لأن القرآن لم ~~يتحدث عن الجانب الشخصي في مسألة الإفك ، حتى في علاقته بالبيت PageV16P256 # النبوي .. مما يدل على أن ذلك دخيل على التحليل القرآني للمسألة .. فقد ~~يكفينا أن نشير إلى أن هناك قصة مثيرة للاهتمام تتصل بمواقع مهمة في مجتمع ~~المسلمين آنذاك ، أثارت مشكلة كبيرة في داخله ، وأوحت بوجود انحراف أخلاقي ~~في الشخصية الإسلامية .. فجاءت الآيات لمعالجة هذه المشكلة وتصحيح الانحراف ~~، بعيدا عن صفة الشخص الذي أثيرت المسألة حوله ، تماما كما في كثير من ~~الآيات القرآنية التي كانت بعض الحوادث سببا لنزولها ، مما جعل الفكرة ~~تنطلق في نطاق الواقع ، بدلا من أن تنطلق في الوعي العام من موقع الفراغ. ~~وبهذه الروح سوف نحاول دراسة هذا الفصل من السورة. # * * * ### ||| ** إيجابيات قصة الإفك # ( @QUR@06 إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم ) فريق لا يعيش المسؤولية في ما ~~يلقيه من كلمات تسيء إلى الآخرين في حياتهم أو أعراضهم أو علاقاتهم ، لأنهم ~~لا يخافون الله ، ولا يحترمون إنسانية الإنسان ، ولا إيمانه ، في ما يفرضه ~~ذلك من التثبت من العناصر التي انطلق منها القول ، إن كان مسموعا للقائل ، ~~أو التوقف عند حدود الله في ما ينسبه إلى الناس ، إن كان القول منطلقا منه. ~~فهم يرتكزون في ذلك على نوازع الذات وعوامل الحقد ، ونزعات الهوى .. # وقد جاء الخطاب للمؤمنين ms3834 الذين اعتبرت هذه الجماعة منهم ، بلحاظ ما يراد ~~من المؤمنين ممن انتسب إلى الإيمان رسميا بكلمة الإسلام ، ودخل في مجتمعهم ~~.. وقد جاء في الروايات المأثورة في تفسير الآية أن الذين جاءوا بالإفك عبد ~~الله بن أبي ابن سلول ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة أخت زينب ~~زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم . PageV16P257 # ( @QUR@08 لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) لأن تقييم ما يحدث في ~~المجتمع في طبيعته ومضمونه هو خير وشر ، لا يتم بلحاظ ما يترتب عليه من ~~إساءة أخلاقية أو اجتماعية إلى شخص أو أكثر ، لجهة ما ، أو عكس ذلك ، بل ~~التقييم يتم على ضوء ما ينتج عن تلك الحوادث من نتائج إيجابية أو سلبية على ~~مستوى سلامة المجتمع ، في ما تثيره من أوضاع ترتبط بخط السير ، وبقضية ~~المصير ، مما يجعل الخير في البداية شرا في النهاية ، عند ما تكون ~~التأثيرات النهائية سلبية ، وقد يصبح الشر في البداية خيرا في النهاية ، ~~عند ما تكون التأثيرات النهائية إيجابية. # وإذا كان المسلمون قد اعتبروا حديث الإفك شرا لأنه يتضمن الإساءة إلى ~~شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وموقعه النبوي ، عند ما ينسب الزنى ~~إلى إحدى زواجاته ، مما قد يؤدي إلى فقدان الثقة بحركة الرسالة في شخصية ~~الرسول ، في ما يوحيه ذلك من عدم قدرته على حماية أقرب الناس إلى حياته ~~الخاصة من الانحراف ، ليترك الانطباع بضعف إرادته أو قدرته على التأثير ، ~~أو ما إلى ذلك من سلبية ، فإن الأمر لم يكن مقتصرا على ذلك ، لأنه في ~~الجانب الآخر من الصورة استطاع أن يتفاعل في الواقع الاجتماعي بطريقة مثيرة ~~، خلقت جوا عاصفا من النقاش والجدل ، مما جعل ظهور الحقيقة في النهاية ~~مدخلا لفرز المنافقين عن المؤمنين ، وكشف خلفيات الكفر في شخصيات البعض ~~منهم ، أو خلفيات الضعف والاهتزاز الإيماني في شخصيات البعض الآخر ، مما ~~يسقط موقعهم في النفوس ، ويفقدهم بالتالي قدرة التأثير السلبي في المستقبل ~~على حركة المجتمع المسلم ، في ما قد يفكرون فيه من مشاريع ثقافية ، الأمر ms3835 ~~الذي يحقق للإسلام وللمسلمين نتائج كبيرة على مستوى تحقيق المناعة الداخلية ~~ضد التأثيرات الثقافية السلبية في نفوذها إلى قناعات المؤمنين. PageV16P258 # هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن هذه الحادثة قد كشفت عناصر الخلل في ~~المجتمع المؤمن الذي كان يختزن ضعفا داخليا في عمق شخصياته التي انفعلت ~~بمشاعرها الذاتية ، أو بالكلمات الطارئة المتحركة في أجواء الإشاعات ~~الكاذبة ، فلم يقف أفراد هذا المجتمع من ذلك كله موقف التثبت أو التحفظ ، ~~ولم يلتزموا خط التقوى في ما يأخذونه من ذلك وفي ما لا يأخذون ، مما أدى ~~بهم إلى الانحراف عن العدل ، والوقوع في دائرة ظلم الآخرين. # وقد يكون الكثيرون منهم قد اكتشفوا في أنفسهم ما لم يكونوا قد اكتشفوه من ~~قبل ، لأنهم لم يلتقوا بتجربة حاسمة قوية في حجم هذه التجربة .. فكانت هذه ~~الحادثة بمثابة الصدمة الكبيرة التي أعادتهم ، أو أعادت الكثير منهم إلى ~~التفكير العميق في طريقة الخروج من هذا الواقع اللاأخلاقي .. # وهكذا جاءت الآيات القرآنية ، لتعمق هذا الشعور في وعي المجتمع المؤمن ، ~~ولتضع القضية في نصابها الشرعي الصحيح في نتائجها السلبية على مستوى مصير ~~الذين أثاروها ، ولتوجه المؤمنين إلى طبيعة الخطأ الذي وقعوا فيه ، وإلى ما ~~يجب عليهم أن يفعلوه أمام القضايا المستقبلية المماثلة ، مما يعتبر دستورا ~~إسلاميا أخلاقيا لحركة الإنسان المؤمن في أمثال هذه القضايا ، ليتحدد ~~المبدأ الأخلاقي الإيجابي من مواقع السلوك السلبي للإنسان في الواقع. # وهكذا كانت نتائج الحادثة إيجابية على صعيد مستقبل المجتمع المؤمن ، إذا ~~كانت سلبية على صعيد الواقع الحاضر. # ( @QUR@07 لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) في ما اقترفه من هذا الذنب ~~، تبعا لعلاقته به ، وحجم تأثيره فيه ، سواء في ذلك إثم الدنيا لجهة الحد ~~الذي يقام عليه ، أو لجهة الفضيحة التي افتضح بها ، أو إثم الآخرة ، في ما ~~عصى الله به بتجاوز حدوده التي أراد العباد أن يقفوا عندها. PageV16P259 # ( @QUR@07 والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) وهو الذي فكر وخطط وقام ~~بمهمة التنفيذ ، وألقى الكلمة الأولى التي تبعتها الكلمات الأخرى ، مما ~~يجعله مسئولا عن معظم ms3836 الحديث ، فإن من الطبيعي أن يكون عذابه عظيما ، لأنه ~~يتحمل من المسؤولية ما لا يتحمله الآخرون الذين شاركوه في العمل ، تبعا ~~للاختلاف في طبيعة حجم الجريمة بين عمله وعملهم .. وقد ذكر أن هذا الرجل هو ~~عبد الله بن أبي ابن سلول ، شيخ النفاق في المدينة. # وقيل : إن رسول الله دعاهم بعد أن نزلت آيات الإفك فحدهم جميعا ، غير أنه ~~حد عبد الله بن أبي حدين ، لأنه يتحمل المسؤولية المباشرة في قذفه لأزواج ~~النبي ، الذي تتضاعف فيه المسؤولية ، لأن في ذلك إساءة للزوجة وللنبي معا ، ~~في ما يستتبعه من مؤثرات عامة وخاصة. وربما اعترض البعض على مضاعفة الحد ~~بالنسبة إليه باعتبار أن السبب الذي اقتضى الحد ، وهو قذف زوجات النبي ، ~~مشترك بينه وبينهم ، لأن الجميع اشتركوا بعملية القذف. والظاهر أن هذا ~~الحكم لم يثبت ، ولو كان ثابتا ، لكان من المناسب أن تشير إليه الآيات التي ~~تحدثت عن هذا الحدث الكبير في مجال توجيه الأنظار إلى فظاعته ، وإبعاد ~~المسلمين عن ممارسة ما يماثله. # * * * ### ||| ** حسن الظن قاعدة إيمانية # ( @QUR@09 لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) فإن ~~المجتمع الإسلامي يمثل كيانا واحدا ينطلق من قواعد إيمانية أخلاقية ثابتة ~~في كل قضايا العلاقات وحركة السلوك ، ولذلك فإن طبيعة الإيمان في شخصية ~~المؤمن تفرض الالتزام العفوي بنتائج الإيمان الشرعية عمليا ، مما يجعل ~~النظرة إلى الآخرين إذا ما PageV16P260 # شك في تصرفاتهم ، بسبب اشتباه أمرهم عليه ، أو بسبب ما ينسبه الناس إليهم ~~، هي نفسها النظرة إلى نفسه ، وهو أمر يستدعي استبعاد صدور القبيح منهم ~~بشكل طبيعي ، واعتبار الجانب الخفي في سلوكهم مختزنا لبعض المعطيات التي قد ~~تفسره إيجابا .. # وهذا ما يفرض على المؤمنين والمؤمنات ، أن لا يصدقوا الإشاعات المنسوبة ~~إلى بعضهم لمجرد سماعهم ذلك ، بل لا بد لهم من أن يحملوها على الخير حتى ~~يثبت لهم الشر ، لأن مجرد الإشاعة التي لا ترتكز على حجة ثابتة ، لا تصلح ~~أساسا للحكم ، أو للاتهام القوي ، ولو لا ذلك لكان المجتمع المؤمن خاضعا ~~للاهتزاز أمام الأجهزة الكافرة أو الضالة ms3837 أو المنافقة ، التي تعمل على ~~إفقاد أفراده الثقة ببعضهم البعض ، وتحطيم كرامتهم ، والإخلال بتوازنه ~~المعنوي ، وإثارة المشاكل والخلافات في داخله .. ولذلك أراد الله سبحانه ~~للمؤمنين أن يواجهوا المسألة بقوة حاسمة ، ليعطلوا هذه الخطة الخبيثة ، ~~وليسدوا الطريق على مثيري الفتن من خلال إثارة الإشاعات في داخل مجتمعهم ، ~~فطلب منهم أن يظنوا بإخوانهم الذين هم بمنزلة أنفسهم خيرا ، وأن يطلقوا ~~الكلمة الحاسمة في وجوه المنافقين ، في ما أرادهم الله أن يقولوه. # ( @QUR@04 وقالوا هذا إفك مبين ) فإن الخبر الذي لم ينطلق قائله من حجة ، ~~أو لم يقدم عليه بينة ، محكوم عليه شرعا بالكذب ، بمعنى أن على المؤمنين أن ~~لا يرتبوا عليه آثار الصدق ، بل أن يرتبوا عليه آثار الكذب ونفي كل مضمونه ~~مع لوازمه ، بقطع النظر عن العمق الواقعي للخبر ، لأن القاعدة الشرعية تفرض ~~الحكم على الصدق والكذب ، على أساس وسائل الإثبات الشرعية من الناحية ~~السلبية أو الإيجابية. وهذا ما أشارت إليه الآية التالية : # ( @QUR@06 لو لا جاؤ عليه بأربعة شهداء ) فالحكم بكذب هؤلاء ينطلق من عدم PageV16P261 # تقديمهم الحجة الشرعية التي تثبت ما تحدثوا عنه من زنى ، فلو كانوا ~~صادقين لأقاموا الشهادة ، ( @QUR@09 فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله ~~هم الكاذبون )، لأن الدعوى التي لا ترتكز على قاعدة ثابتة ، لا قيمة عملية ~~لها في حسابات الصدق ، لا سيما إذا طالت كرامات المؤمنين وأعراضهم ، مما ~~يجعل المخبر إنسانا ظالما في كلماته ، التي لا تمثل إلا الشر المتحرك في ~~شخصيته ، لأنه يعلم أن كلماته لا تثبت مضمونها ، فلا يبقى منها إلا تشوية ~~الصورة ، وإثارة البلبلة في صفوف المؤمنين. # وقد تكون هذه الآية من بين المصادر الشرعية التي تشير إلى قاعدة الحمل ~~على الصحة في فعل المسلم عند احتمال صدور الفعل منه على الوجه القبيح ، ~~سواء دار الأمر بين صدور الفعل القبيح منه ، أو عدم صدور شيء منه أصلا ، أو ~~دار أمر الفعل الصادر منه بين العنوان القبيح والعنوان الحسن ، فإن الأصل ~~في فعله أن يحمل على الخير ، لا بمعنى تأكيد صدور الخير منه وإثبات ذلك في ms3838 ~~فعله على سبيل الحكم ، بل بمعنى أن لا يحمل فعله على الشر ، فلا يحكم عليه ~~بالظن الناشئ من النظرة السريعة ، أو الإشاعة الطائرة .. كما هي القاعدة ~~المعروفة التي تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، بمعنى التعامل معه ~~على أساس البراءة .. وهكذا يريد الإسلام أن يغلب جانب الخير في شخصية ~~المؤمن ، من خلال ما يوحيه إيمانه من ذلك ، فإن طبيعة التزامه بالإسلام ~~عقلا وروحا تقتضي اعتبار الخير هو الأصل في حياته حتى يثبت العكس. # * * * ### ||| ** الله يغدق رحمته وعفوه على المؤمنين # ( @QUR@09 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ) في ما ~~يمهلكم فيه ، ويمهده PageV16P262 # لكم من أسباب الوعي ، ووسائل التثبيت والتأييد ، وفي ما يفتحه لكم من ~~أبواب التوبة ، ويحققه من ألطاف العفو والرحمة ، لما يعلم وجوده فيكم من ~~رواسب جاهلية ، تجعلكم في غفلة عميقة متحركة في أكثر من مجال عاطفي ، بحيث ~~تبتعدون بشكل سريع عن الله وعن تعاليمه ، فتستسلمون لشهواتكم .. وهكذا أراد ~~لكم الانفتاح عليه في كل مرة ترغبون فيها العودة إلى صراطه المستقيم من ~~خلال التوبة والإنابة وتصحيح المسار .. ولو لا هذا اللطف الإلهي في رعايتكم ~~بالفضل والرحمة ( @QUR@04 لمسكم فيما أفضتم فيه ) وخضتم فيه من الكلام ~~اللامسؤول الذي يسيء إلى براءة الإنسان ، وإلى سلامة المجتمع واستقراره ( ~~@QUR@02 عذاب عظيم )، لأن ذلك هو الجزاء الطبيعي للعمل السيئ ، في طبيعته ~~ونتائجه كوسيلة من وسائل الردع النفسي عن الاستمرار به في مواقع مماثلة. # * * * ### ||| ** شناعة اتهام الناس بغير علم # ( @QUR@03 إذ تلقونه بألسنتكم ) فتأخذون القول الذي سمعتموه بطريقة سطحية ~~لا ترتكز على أية حالة من التثبت والوعي والتدبر ، وتديرون ألسنتكم فيه ~~فينتقل من لسان إلى لسان ، ( @QUR@07 وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) ~~وهذا هو الخطر في حركة الكلمة في لسان قائلها ، وفي الموقع الذي تنطلق فيه ~~في الدائرة الاجتماعية الصغيرة والكبيرة ، فتثير الأفكار غير الدقيقة فيما ~~إذا كانت الكلمة تحمل فكرا للآخرين وتشوه الصورة الجميلة ، وتحسن الصورة ~~المشوهة ، وتسيء إلى سمعة الأبرياء ، وتنطلق التهمة في حياة الناس الطيبين ~~دون أساس .. # ( @QUR@02 وتحسبونه هينا ) في ما ms3839 يوحيه الشيطان إليكم من تهوين المسألة في PageV16P263 # حجمها الواقعي ، فهي مجرد كلمات تخرج من اللسان وتدخل الأسماع ، وتملأ ~~الوقت ، ثم تتطاير في الهواء ، وليست عملا ذا نتائج على مستوى الواقع يخلق ~~مشكلة ويثير مأزقا .. ( @QUR@04 وهو عند الله عظيم ) لأنه افتراء على الناس ~~الأبرياء ، وتزوير للحقيقة ، واعتداء على أجواء الرسالة ، بما يتضمن من ~~إساءة إلى الأجواء الداخلية لحياة الرسول ، مما يؤدي إلى الخلل في التوازن ~~على أكثر من صعيد .. ثم من قال إن الكلمة ليست عملا؟ فهي قد تكون أخطر من ~~العمل ، فقد تحرق الكلمة المجتمع كله عند ما تنطلق انفعالاته في أجواء ~~الكلمة لتشتعل وتتحول إلى نار تحرق الحياة من حولها على أكثر من صعيد. وقد ~~قال الإمام علي عليه السلام في بعض كلماته القصار : «من لم يحسب كلامه من ~~عمله كثرت خطاياه» (1). # وقال : «ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا في ما يعنيه» (2). ( ~~@QUR@011 ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا )، لأننا لا ~~نملك أي أساس له ، فلا يكفي للإنسان أن يخوض في شؤون الناس ، وأن يحرك ~~الإشاعات التي تتحدث عنهم بالسوء ، بل لا بد له من إثبات ذلك بالبينة ~~الشرعية ، فإذا لم نستطع منع الناس من التكلم عن الآخرين بطريقة سيئة ، فلا ~~بد لنا على الأقل عدم مشاركتهم في ما يخوضون فيه ، ليرجع إلى الله قائلا : ~~( @QUR@04 سبحانك هذا بهتان عظيم ) في إعلان إيماني بتعظيم الله وتنزيهه. ~~وتنزيه الله هنا لون من ألوان الأدب القرآني الذي يعمل على تنزيه الله عند ~~إرادة تنزيه أحد ، ثم التأكيد على صفة البهتان العظيم في هذا الحديث القاذف ~~، الذي يسيء للأبرياء وللنبي بشكل غير مباشر ، لأن القائلين لم يقدموا شيئا ~~لإثبات ذلك. # ( @QUR@06 يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ) في اعتبار ذلك حالة طارئة ~~مرت ، دون PageV16P264 # أن تتحول إلى قاعدة للسلوك ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) لأن الإيمان يمنع ~~صاحبه من الإساءة إلى الناس من دون حق ، ويحثه على التراجع عن مثل هذا ~~السلوك ، إذا حدث منه ذلك غفلة في بعض ms3840 الحالات. # ( @QUR@04 ويبين الله لكم الآيات ) التي تحدد لكم الخط المستقيم في ~~الحياة ، والاتجاه السليم في حركة السلوك ، على مستوى علاقة الإنسان بنفسه ~~وبالآخرين ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) يعلم ما يصلحكم ، ويتصرف معكم ومع ~~الكون كله من موقع الحكمة المطلقة ، التي لا تضع شيئا إلا بحساب ، ولا ترفع ~~شيئا إلا بتدبير. # * * * PageV16P265 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) @QUR@010 ولو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) @QUR@036 يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ~~ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من ~~يشاء والله سميع عليم ) (21) # * * * ### ||| ** تحريم إشاعة الفاحشة # ما هو جزاء من يعيشون العقدة ضد الطيبين من الناس ، ويحاولون تشوية ~~صورتهم في الأذهان ، كوسيلة من وسائل التنفيس المرضي عن العقدة ، دون حساب ~~الآثار السلبية التي تنعكس على الفرد والمجتمع جراء ذلك كله؟ # إن الآية الكريمة تحدثنا عن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ~~، وعن عقوبتهم المنتظرة في الدنيا والآخرة. PageV16P266 # ( @QUR@09 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) وذلك بإثارة ~~الكلمات اللامسؤولية التي تتحدث عن حركة الفاحشة في حياة المؤمنين ، من أجل ~~إفساد طهارة الجو الإيماني الذي يغمر الجميع بأنفاس العفة ، حتى ليخيل إلى ~~الإنسان أن المجتمع يتفايض بالطهارة ويرفرف بالنقاء ، في ما يراه من توازن ~~الأفكار والمشاعر ، واستقامة الأخلاق والخطوات ، ونظافة العلاقات ، فيأتي ~~هؤلاء من هنا وهناك ، ليطلقوا الإشاعات الكاذبة ، بأن فلانا زنى ، وبأن ~~فلانة انحرفت .. ويخوضون في ذلك ، حتى يدفعوا الناس إلى الخوض فيه ، فيتبدل ~~الجو الطاهر إلى جو يوحي بالقذارة ، ويتغير الهواء النقي إلى هواء فاسد ، ~~ويتحول الإيحاء في حركة الحياة من اتجاه يثير المعاني الطاهرة في الروح ~~والشعور إلى اتجاه يثير المعاني القذرة في داخل النفس الإنسانية .. # وهكذا تساهم الإشاعات والكلمات اللامسؤولة في انحراف الفكرة والإحساس ، ~~والخطوة والموقف ، وتشكل خطوة تربوية سلبية ، بدلا ms3841 مما يريده الإسلام ~~للكلمات أن تتحرك فيه ، بحيث تكون خطوة تربوية إيجابية ، فإن. الإنسان ~~يتأثر بالمجتمع سلبا أو إيجابا من خلال الفكرة التي يحملها عنه ، أو من ~~خلال الجو الذي يحتويه بفكره وروحه وحركته. # وقد يكون هذا هو السبب في تحريم الإسلام لتداول الحديث في الجو الاجتماعي ~~العام عن الانحرافات الحقيقية التي تحدث في المجتمع بحيث تصبح تلك ~~الانحرافات حديث الناس كلهم ، لأن ذلك قد يخدش سلامة التصور الأخلاقي الذي ~~يحتاجه الإنسان في عملية النمو الذاتي ، بما يثيره من مشاعر سلبية منحرفة ، ~~كما قد يسيء إلى سمعة الإنسان المنحرف الذي لا يريد الإسلام أن يتحول الخطأ ~~عنده إلى عقدة مستحكمة بسبب خوض الناس فيه ، بل يريد أن يفسح له فرصة ~~التحرك نحو التصحيح في خطوة تراجعية دون أن يفقد شيئا من الإحساس بالكرامة ~~، ما دام الخطأ حالة طارئة خفية عاشها ، PageV16P267 # ويشعر بثقلها في داخله. # * * * ### ||| ** بين العمل الصالح والنفس الصالحة # إن الإسلام يؤكد على احترام الفرد في خطئه ، وحصر الخطأ في الدائرة ~~الخاصة المتصلة بالمسؤولية ، لينال جزاءه عليه ، أو ليتراجع عنه ، وعلى ~~احترام المجتمع في جوه العام ، وإبعاد الأجواء الشريرة ، وما يوحي بها من ~~كلام وخطوات .. وهذا في الحالات التي لا تفرض المصلحة العامة التشهير ~~بالمنحرف ، كعقوبة علنية ، من خلال ما يفرضه الردع القانوني الشرعي من ~~وسائل حاسمة في ذلك. # وقد ورد في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما رواه ~~الإمام الصادق عنه ، قال : من أذاع فاحشة كان كمبتدئها (1). # وقد تحدث الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن بعض النماذج التطبيقية للآية ~~، في ما رواه بعض أصحابه ، كما جاء في كتاب الكافي ، قال : من قال في مؤمن ~~ما رأته عيناه وسمعته أذناه ، فهو من الذين قال الله عز وجل : ( @QUR@012 إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ) (2). # وقد جاء التعبير عن هؤلاء الذين يعملون على إشاعة الفاحشة في المجتمع ~~المؤمن ، بقوله : ( @QUR@04 يحبون أن تشيع الفاحشة ) باعتبار أن الحب للشيء ~~يدفع إلى التحرك نحوه ms3842 ، أو باعتبار أن الفعل الذي يقوم به صاحبه ، ينطلق من ~~حب ذاتي له ، وذلك في لفتة إيحائية ، بأن الله يريد للإنسان أن يربي نفسه على PageV16P268 # تنظيف قلبه من الميل المنحرف والشعور العدواني والنية الشريرة ، لأن ذلك ~~هو أساس السير في خط الاستقامة في الحياة ، فلا يكفي في الصلاح أن يكون ~~العمل صالحا في طبيعته ، بل لا بد من أن تكون النفس صالحة في مشاعرها ~~ودوافعها .. وقد ورد في الحديث الشريف : «إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ~~ما نوى» (1)، وفي حديث آخر : «يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة» (2)، ~~مما يوحي بأن النية تمثل عمق المسؤولية في العمل ، وليس العمل وحده .. # وقد نستوحي من التعبير عن هؤلاء بأنهم من ( @QUR@08 الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا )، التأكيد على أن في نشرهم للفاحشة على مستوى ~~الكلمة سعيا لتحريك المجتمع في هذا الاتجاه ، من خلال تحطيم الضوابط ~~الأخلاقية التي تدفع الفرد إلى الالتزام بالخط الأخلاقي السليم. # وفي ضوء ذلك كله ، كانت العقوبة شديدة تشمل الدنيا والآخرة في ما جاءت به الآية. # * * * ### ||| ** العذاب الأليم لمحبي إشاعة الفاحشة # ( @QUR@06 لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) لأن هناك انتهاكا لحق ~~العباد ، في الإساءة إلى سلامة الفرد والمجتمع في كرامتهما وأخلاقيتهما ، ~~وإساءة لحق الله في عصيان نواهيه ، مما يستوجب مضاعفة العقوبة ، لتكون ~~للدنيا عقوبتها التي تحمي المجتمع من طغيان هؤلاء وامتدادهم في حياته ، ~~ولتكون للآخرة PageV16P269 # عقوبتها ، في ما يفرضه العدل الإلهي من مجازاة الإنسان على أعماله. # ( @QUR@05 والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ما تشتمل عليه هذه القضية من ~~مفاسد ونتائج سلبية على أكثر من صعيد ، مما يفرض الردع على كل المستويات. # ( @QUR@06 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ) في ما أولاكم من ألطافه ، وفي ~~ما أنزله عليكم من شرائع أراد بها صلاح حياتكم ، وفي ما فتحه لكم من أبواب ~~التوبة التي هي منطلق العفو والمغفرة ( @QUR@04 وأن الله رؤف رحيم ) لم ~~استطعتم أن تصلوا إلى شاطئ النجاة. # * * * ### ||| ** إلا تباعد عن خطوات الشيطان # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ) في ما ms3843 يأمركم ~~به من انحراف عن خط الاستقامة ، وفي ما ينهاكم عنه من سير في طريق الله ، ( ~~@QUR@04 ومن يتبع خطوات الشيطان ) لأن كل مبتغاه منع الإنسان عن السير في ~~الخط الذي يؤدي به إلى الجنة ، وإلى رضوان الله ، وذلك بإبعاده عن المعروف ~~وعن الوقوف عند الحدود التي أراد الله لعباده الوقوف عندها وعدم تجاوزها ، ~~( @QUR@012 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا )، لأن ~~الشيطان يملك من وسائل الإغراء والإغواء ما يدفع الإنسان إلى السقوط تحت ~~تأثيرها ، في ما يحرك به غرائز الإنسان وشهواته ، وفي ما يثير به أطماعه ~~وطموحاته ونوازعه الذاتية المنحرفة. ( @QUR@05 ولكن الله يزكي من يشاء ) ~~بما يفيض عليهم من لطفه ، وبما يفتحه عليهم من أفكار الخير ومشاعر الإيمان ~~، وبما يدلهم عليه من سبل الهدى والاستقامة في الحياة ( @QUR@03 والله سميع ~~عليم ) يسمع لمن سأله التزكية ، ويعلم من كان متطلعا إليها مستعدا لها. # * * * PageV16P270 ### ||| * الآية # ( @QUR@026 ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يأتل ): الايتلاء : التقصير والترك والحلف. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان : «قيل : إن قوله : ( @QUR@05 ولا يأتل أولوا الفضل ~~منكم ) الآية ، نزلت في أبي بكر ، ومسطح بن أثاثة ، وكان ابن خالة أبي بكر ، وكان PageV16P271 # من المهاجرين ومن جملة البدريين وكان فقيرا ، وكان أبو بكر يجري عليه ~~ويقوم بنفقته ، فلما خاض في الإفك قطعها وحلف أن لا ينفعه ينفع أبدا ، فلما ~~نزلت الآية عاد أبو بكر إلى ما كان وقال : والله إني لأحب أن يغفر الله لي ~~، والله لا أنزعها عنه أبدا ، عن ابن عباس ، وعائشة ، وابن زيد. # وقيل : نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا على أن لا يتصدقوا على رجل تكلم ~~بشيء من الإفك ، ولا يواسوهم ، عن ابن عباس وغيره» (1). # وقد يكون ورودها في ضمن آيات الإفك مؤيدا لهذه الروايات ، لأن مضمونها ~~بعيد عن ذلك لو لا هذه الملاحظة. # * * * ### ||| ** لا تقصروا في الإنفاق أيها المؤمنون # ( @QUR@06 ولا ms3844 يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ) أي لا يعمل أحد منكم على ~~أن يقصر أو يترك أو يحلف على الامتناع عن الخير ( @QUR@04 أن يؤتوا أولي ~~القربى ) ممن يمتون إليهم بصلة القرابة ، وفي رواية أن المقصود قرابة ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ( @QUR@01 والمساكين ) من الفقراء والمسحوقين ~~الذين لا يجدون العيش الكريم ( @QUR@04 والمهاجرين في سبيل الله ) الذين ~~تركوا بلادهم التي كانوا يجدون فيها الفرصة السانحة للعمل وللتجارة ، ~~ولكنهم فضلوا الهجرة للجهاد في سبيل الله ، فلم يستطيعوا أن يتفرغوا للحصول ~~على أسباب العيش ، أو لم يجدوا مجالا لذلك .. فأراد الله للمسلمين الذين ~~أتاهم من فضله المال ووسع عليهم في ذلك ، أن يتكفلوا أمرهم ويتحملوا ~~مسئولياتهم ، ولا يتعقدوا من الأخطاء التي قد تصدر عنهم بحقهم أو بحق غيرهم ~~، ( @QUR@02 وليعفوا وليصفحوا ) وليتخلقوا بأخلاق PageV16P272 # الله في العفو والصفح والمغفرة ، وليتخذوا ذلك وسيلة إلى طلب عفو الله ~~عنهم ، ( @QUR@06 ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) فإذا كنتم تحبون مغفرة الله ~~في ما أسأتم إليه أو عصيتموه ، فاطلبوا ذلك بالعفو عمن أساء إليكم ، ~~وستجدون الله في موقع المغفرة والرحمة لكم ( @QUR@03 والله غفور رحيم ). # * * * PageV16P273 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) @QUR@09 يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) @QUR@011 يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) (25) # * * * ### ||| ** قاذفو المحصنات في موقفهم أمام الله # وهذا تأكيد على فظاعة القذف بالزنى في حساب المسؤولية أمام الله ، وأثره ~~في إبعاد الإنسان عن رحمة الله ، ومواجهته للموقف في يوم القيامة على أساس ~~النتائج السلبية الحاسمة التي لا يستطيع تفاديها ، كما لا يتمكن من إنكار ~~ما فعله من أسبابها. # ( @QUR@04 إن الذين يرمون المحصنات ) اللاتي يعشن العفة كعنوان عريض ~~لسلوكهن في المجتمع ، نتيجة البناء الإيماني الذي تستند شخصيتهن عليه ، ~~والعلاقة PageV16P274 # الزوجية التي يرتبطن بها فتحميهن من نوازع الانحراف ، ( @QUR@01 الغافلات ~~) اللاتي ينطلقن في الحياة من موقع الغفلة عن كل الأحابيل والخطط التي يقف ~~خلفها المنافقون الذين لا يخافون الله في ما يطلقونه من كلمات غير لائقة ms3845 ~~بالناس ، أو في ما يثيرونه من أجواء غير طاهرة .. ( @QUR@01 المؤمنات ) ~~اللاتي يتحركن في حياتهن الفكرية والروحية والشعورية والعملية من قاعدة ~~الإيمان ، فتدفعهن إلى الثقة بأفراد المجتمع المؤمن ، بأنه لا يتعمد ~~الإساءة إليهن بكلمة أو بعمل ، فإن الاعتداء على كرامة هؤلاء المحصنات ~~الغافلات المؤمنات يمثل الظلم كله ، لما يختزنه من خلفيات نفسية خبيثة ، ~~ولما يثيره من مشاكل كبيرة معقدة في حياتهم العامة والخاصة ، لا سيما في ~~المجتمع الذي يحاسب المرأة في قضايا الانحراف أكثر مما يحاسب الرجل عنه ، ~~لأنه يرى مسئولية المرأة عن الانحراف أشد من مسئولية الرجل ، دون أي أساس ~~شرعي أو واقعي في ذلك كله .. ولهذا فإن الإشاعة الكاذبة قد تترك أثرها ~~تدميرا على سمعتهن يفوق ما تتركه هي نفسها من أثر على سمعة الرجل. # ( @QUR@04 لعنوا في الدنيا والآخرة ) بما يمثله اللعن من إبعاد لهم عن ~~الله وعن رحمته ومواقع كرامته ، فهم ليسوا من الله في شيء ، لأن العلاقة به ~~تعني الالتزام بحدوده في القول والعمل ، لأن الناس لا يقربون إلى الله ~~بذواتهم ، بل بأعمالهم التي يلتزمون فيها الخط الإلهي في ما يأمر به أو ~~ينهى عنه. # ( @QUR@03 ولهم عذاب عظيم ) على ما قاموا به من معصية ، وانتهكوه من ~~حرمات الناس ، وساهموا فيه من إرباك الحياة الاجتماعية الطاهرة للمجتمع ، ~~مما جعل المسألة في مستوى الجريمة الكبرى ، على أكثر من صعيد .. # ( @QUR@09 يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون )، ~~فلا مجال للإنكار في ذلك اليوم ، لأن اللسان سينطق بما قاله من كلمات محرمة ~~من قذف وكذب وغيبة ونميمة ، وستتحدث اليد عما قامت به من سرقة وقتل وجرح ~~ونحوها ، PageV16P275 # وستشهد الأرجل عما سعت إليه من معاصي تحتاج إلى قطع المسافات ونحو ذلك .. # * * * ### ||| ** الله هو الحق المبين # ( @QUR@05 يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) والمراد بالدين الجزاء العادل ~~الثابت الذي يتطابق مع طبيعة الجريمة التي اقترفوها ضد الناس الأبرياء ، أو ~~الذي يتطابق مع طبيعة الطاعة التي أطاعوها دون نقصان أو زيادة. # ( @QUR@06 ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) فهو الحقيقة المشرقة الثابتة ~~الواضحة التي لا ms3846 مجال للشك فيها فضلا عن إنكارها ، وهو الذي يؤكد الحق في ~~حسابه للناس كما يؤكده في ما يقرره من حقائق التشريع ومفاهيم العقيدة .. ~~وهناك يعرف الجميع الحق في ذات الله والحق في طبيعة الموقف على مستوى ~~الحساب والمصير. # * * * PageV16P276 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ) (26) # * * * ### ||| ** وقفة مع الآية # ( @QUR@04 الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ) جاء في مجمع البيان : ~~«قيل في معناه أقوال : أحدها : إن الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال ، ~~والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم ، والطيبات من الكلم للطيبين من ~~الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من الكلم. ألا ترى أنك تسمع الخبيث من ~~الرجل الصالح فتقول : غفر الله لفلان ما هذا من خلقه ولا مما يقول؟! عن ابن ~~عباس ، والضحاك ، ومجاهد ، والحسن. # والثاني : إن معناه الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال ، والخبيثون ~~من الرجال للخبيثات من السيئات ، والطيبات ، من الحسنات للطيبين من الرجال ~~، والطيبون من الرجال للطيبات من الحسنات ، عن ابن زيد. PageV16P277 # والثالث : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال ~~للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من ~~الرجال للطيبات من النساء ، عن أبي مسلم ، والجبائي ، وهو المروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله عليه السلام : قالا : هي مثل قوله : ( @QUR@07 الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة ) الآية ، أن أناسا هموا أن يتزوجوا منهن فنهاهم ~~الله عن ذلك ، وكره ذلك لهم» (1). # ولعل هذا اللون من تنويع الاحتمالات في الآية ناشئ من النظرة التجريدية ~~للآية دون أي دليل من داخلها ، أو من سياقها .. وقد يكون الأقرب في ذلك ، ~~هو ما روي عن الإمامين الصادقين عليه السلام ، لأن سياق السورة هو سياق ~~الحديث عن الزواني والمحصنات ، وعن المؤمنين والمؤمنات ، وعن الأجواء التي ~~تتحرك في دائرة العلاقات الزوجية التي يتحكم فيها الانسجام الأخلاقي بين ~~الزوجين ، مما يجعل من مسألة التوافق الروحي والإيماني عنصرا حيويا في ~~المسألة .. كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@014 الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو ms3847 مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ). وهكذا نستطيع ~~نفي أن يكون المراد من الطيبات أو الخبيثات ، ما خبث أو طاب من الكلام ، أو ~~ما طاب أو خبث من الأفعال ، بل المراد بالكلمتين هو المعنى المراد من ~~الطيبين والخبيثين ، مع فارق الذكورة والأنوثة ، لأن طبيعة الجو العام ~~للسورة كما ذكرنا وطبيعة المقابلة بين الكلمتين ، تقربان ذلك مع قرينة أخرى ~~سنشير إليها فيما بعد. # * * * PageV16P278 ### ||| ** الخبيثون الخبيثات والطيبون للطيبات # ( @QUR@02 الخبيثات للخبيثين ) أي : النساء الخبيثات للرجال الخبيثين ، ( ~~@QUR@01 والخبيثون ) من الرجال ( @QUR@01 للخبيثات ) من النساء ، ( @QUR@01 ~~والطيبات ) من النساء ( @QUR@01 للطيبين ) من الرجال ، ( @QUR@01 والطيبون ~~) من الرجال ( @QUR@01 للطيبات ) من النساء .. ولكن ما هو المراد من ذلك؟ ~~هل هو تقرير الواقع بحيث يكون المعنى أن واقع العلاقات الزوجية أو ما ~~يشبهها ، هو الانسجام بين الزوجين في الخبث والطيبة؟ ولكن هذا غير واقعي ، ~~لأن كثيرا من الطيبين والطيبات ابتلوا بزيجات خبيثة ، كما أن كثيرا من ~~الخبيثات ارتبطن بعلاقة زوجية مع رجال طيبين؟ أو هو تشريع للعلاقة الزوجية ~~، ليكون المعنى أنه لا بد للخبيثات من أن يتزوجن من الخبيثين ، فلو تزوجن ~~غيرهم ، لكانت العلاقة غير شرعية ، كما لن تكون هناك شرعية لزواج الطيب من ~~الخبيثة أو الطيبة من الخبيث .. ولكن هذا غير ثابت ، لأنه ليس من شروط ~~الزواج الشرعية؟! # والظاهر ، أن المسألة جارية مجرى التناسب القائم على الاتفاق في العقيدة ~~الطيبة ، والأخلاق والسلوك الطيبين ، مما يجعل الطيبين مناسبين للاتي يملكن ~~المواصفات نفسها ، وهو ما يجعل الانجذاب الروحي الذي يؤدي إلى العلاقة ~~الشرعية الزوجية أمرا طبيعيا ، كما أن المواصفات المضادة تخلق التناسب بين ~~الذين يتمتعون بهذه الصفات السلبية وتجعل العلاقة طبيعية بينهم باعتبار أن ~~كل شكل لشكله ألف. # ( @QUR@01 أولئك ) إشارة إلى الطيبين ( @QUR@03 مبرؤن مما يقولون ) عنهم ~~من الافتراءات لأن التزامهم بالخط الطيب في العقيدة والسلوك يفرض براءتهم ~~مما لا ينسجم مع إيمانهم والتزامهم الروحي والخلقي .. وهذا هو المنهج ~~المنطقي في تقييم الاتهامات المنسوبة إلى الأشخاص ، وهو دراسة الجو الداخلي ~~الذي يعبر عنه PageV16P279 # التزامهم الروحي والأخلاقي ، ويؤكده خطهم العملي على صعيد الواقع ms3848 ، ولكن ~~المستقيم قد ينحرف ، إلا أن انحرافه يبقى حالة طارئة لا حالة طبيعية .. ~~وهذا ما قد يوحي بأن المراد بالطيبين والطيبات الرجال والنساء ، باعتبار أن ~~الآية مسوقة لتبرئتهم جميعا ، كما أنها ليست مسوقة لإدانة الخبيثين فقط لما ~~ينسب إليهم من خبيثات الأقوال ، لأن مسألة الإدانة والتبرئة كانت ملحوظة في ~~نهاية الآية .. وهذه الفقرة واردة على سبيل التأكيد ، لا على سبيل التأسيس ~~، وهو خلاف الظاهر. ( @QUR@04 لهم مغفرة ورزق كريم ) أي لهؤلاء الطيبين ~~والطيبات العفو والمغفرة من الله ، والعطايا الكريمة في الآخرة ، ثوابا ~~وجزاء على ما سجدوه في الحياة من المعاني الطيبة في الإيمان والشعور ~~والسلوك والخط المستقيم. # * * * PageV16P280 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) @QUR@022 فإن لم تجدوا ~~فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ~~لكم والله بما تعملون عليم (28) @QUR@017 ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) (29) # * * * ### ||| ** الاستئذان من آداب الدخول إلى البيوت # وهذا لون من ألوان الأدب الإسلامي في احترام الناس ، في ما يحيطون به ~~أنفسهم من خصوصيات يريدون لها أن تحفظ أسرارهم العينية ، وما يؤدون إخفاءه ~~عن الناس أو حفظه لأنفسهم من أشياء خاصة يملكونها ، أو أسرار عملية أو ~~حميمة تطال ما ينوون القيام به من أعمال ، أو ما يمارسونه من PageV16P281 # شهوات على مستوى علاقتهم بأزواجهم ، وما إلى ذلك من أمور وقضايا وأسرار .. # فليس لأحد أن يدخل بيوت الناس إلا بعد أن يأذنوا له بذلك ، فإذا أذنوا له ~~فليدخل ، وإذا لم يأذنوا له ، فعليه أن يحترم إرادتهم ، ولا يتعقد من ذلك ، ~~وبذلك يحترم الإنسان الحياة الخاصة للآخرين ، كما يريد لهم أن يحترموا ~~حياته الخاصة .. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) الذين يتخذون الإيمان بالله وبشرائعه ~~عنوانا لكل مفردات حياتهم ، ولكل تصرفاتهم مع الآخرين ( @QUR@07 لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ) بالوسائل التي توحي بطلب الاستئذان ، ~~لينتبه أصحاب البيوت إلى أن هناك زائرا ms3849 يريد الدخول عليهم ، ليستروا ما لا ~~يريدون لهذا الزائر أن يطلع عليه ، وليخفوا ما يحبون أن يخفوه ، وليرتبوا ~~ما يحبون أن يظهروه ، أو يظهروا به على أعين الناس ، حتى لا يسيء إليهم ~~الزائر فيطلع على عوراتهم التي يريدون سترها ، وعلى خصوصياتهم التي لا ~~يريدون اطلاع أحد عليها .. # والاستئناس قد يراد به ما يقابل الاستيحاش ، فيكون بديلا عن الإذن ، لأن ~~الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا ، فهو كالمستوحش من خفاء الحال ~~عليه ، فإذا أذن له استأنس ، وقد يراد به الاستعلام والاستكشاف ، من أنس ~~الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال : هل ~~يراد دخولكم أو لا. # وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رواية أبي أيوب ~~الأنصاري قال : قلنا يا رسول الله ما الاستيناس؟ قال : يتكلم الرجل ~~بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح على أهل البيت. # وعن سهل بن سعد قال : اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال : لو أني أعلم أن تنتظر لطعنت به في عينك ، PageV16P282 # إنما جعل الاستئذان من أجل النظر (1). # وروي أن عليا عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله ، ~~أمي أستأذن عليها؟ فقال : نعم ، قال : ولم يا رسول الله؟ قال : أيسرك أن ~~تراها عريانة؟ قال : لا ، قال : فاستأذن (2). # وروي أن رجلا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتنحنح ، فقال ~~عليه السلام لامرأة يقال لها روضة : قومي إلى هذا فعلميه وقولي له : السلام ~~عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها ، فقال : ادخل. # وهكذا نجد أن المطلوب هو إعلام أهل البيت بأن هناك قادما يريد الدخول ~~عليهم بأية وسيلة من الوسائل المتنوعة التي يستحدثها الناس أو يطورونها من ~~الكلمة ، أو طرق الباب أو قرع الجرس ، أو ما إلى ذلك ، تبعا للعرف المتبع ~~بينهم .. # وقد ورد عن ابن مسعود وابن عباس : أي حتى تستأذنوا ، وقال ابن عباس : ~~أخطأ الكاتب فيه. وكان يقرأ : حتى ms3850 تستأذنوا (3). ولكن الظهر من الرواية ~~المتقدمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن كلمة الاستئناس هي الواردة ~~في الآية ، مضافا إلى تسالم المسلمين على قراءتها وكتابتها ، لا سيما من ~~أئمة أهل البيت عليهم السلام . وهكذا ، فإن القرآن يريد أن يقول للمؤمنين أن ~~لا تدخلوا بيوت غيركم حتى تستأنسوا .. # * * * PageV16P283 ### ||| ** التسليم على أهل البيوت # ( @QUR@03 وتسلموا على أهلها ) كبداية للقاء على أساس انفتاح الزائر على ~~أهل البيت ، وانفتاحهم عليه ، فذلك هو الشرط الحضاري لدخول بيوت الآخرين ، ~~أن يعلم الزائر رضى من يود زيارتهم بدخوله عليهم ، وأن يبدأ دخوله بالسلام ~~عليهم في ما يدل عليه سلامه على أهل البيت من إرادة المحبة والسلام لهم في ~~وجوده في بيتهم ، مما يعني احترامه لحقهم في الاحتفاظ بخصوصياتهم من جهة ، ~~وتقديره لإنسانيتهم في عدم فرض نفسه عليهم دون إذنهم في استقباله ( @QUR@05 ~~ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون )، لأن ذلك هو السبيل لبناء المجتمع على قاعدة ~~إنسانية يرعى فيها أفراده الحرية الشخصية التي يتمتع بها كل واحد ، في ~~حماية خصوصياته في بيته ، باعتبار أن البيت هو الساحة الطبيعية للحياة ~~الخاصة العائلية والشخصية ، لا يحق للناس اختراقها دون رضى صاحبها. # * * * ### ||| ** بين الإذن والرجوع عند إرادة دخول البيوت # ( @QUR@010 فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم )، لأن ~~المبدأ يقضي بعدم اقتحام الإنسان لبيت غيره حيث يحتفظ بخصوصياته الشخصية ~~والعائلية إلا برضاه ، فإذا كان صاحب البيت موجودا يجب انتظار رضاه ، وإذا ~~لم يكن موجودا يجب الانتظار حتى مجيئه لمعرفة إن كان يأذن بدخول المنزل أو لا .. # ( @QUR@012 وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون ~~عليم ) ففي حال رفض أصحاب البيت استقبال القادمين ، لارتباطهم بموعد سابق ، ~~أو لوجود PageV16P284 # عمل شاغل لهم ، أو لوجود مانع صحي أو ذاتي خاص أو ما إلى ذلك من موانع .. ~~فإن على هؤلاء القادمين أن يحترموا إرادة أصحاب البيت ، ولا يتعقدوا من هذا ~~الرفض ، ولا يفرضوا أنفسهم عليهم ، لأن من حقهم الطبيعي الإنساني الشرعي ، ~~أن لا يستقبلوا الناس إلا بموعد سابق ، نظرا ms3851 لما يعيشه الناس عادة من ظروف ~~ضاغطة في حياتهم الخاصة ، أو في علاقاتهم العامة .. وقد لا يكون هناك فرق ~~في النتيجة بين أن يصرحوا له بالرفض ، وبين أن يلمحوا له ، وبين أن يرى ~~التحفظ باديا على وجوههم ، مما يوحي بأنهم يواجهون الإحراج الكبير في ~~استقباله ، حياء أو خوفا أو نحو ذلك. # ولعل هذه القواعد الثلاثة ، تمثل البرنامج القرآني العملي في الدخول على ~~بيوت الناس الخاصة ، فليس للإنسان أن يدخل بيت غيره إذا لم يكن صاحبه ~~موجودا ولم يكن هناك إذن سابق له بذلك ، وعليه أن يرجع من حيث أتى إذا لم ~~يؤذن له بدخول البيت مع وجود أهله فيه وقيل له ارجع من حيث أتيت ، أما إذا ~~حصل الإذن ، فإن له أن يدخل من غير إشكال ، وبهذه القواعد يضمن الإسلام ~~للإنسان حريته في بيته ، فلا يقتحم أحد عليه حياته دون سابق إنذار ، مما ~~يجعله آمنا على كل أسراره وخصوصياته ، التي لا يريد أن يطلع أحد عليها. # * * * ### ||| ** الرخصة في الدخول إلى البيوت غير المسكونة بغير إذن # ( @QUR@011 ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ). ~~جاء في تفسير القمي أن الصادق عليه السلام قال : هي الحمامات والخانات ~~والأرحية تدخلها PageV16P285 # بغير إذن (1).. وهذه البيوت هي الشكل الثاني من المساكن ، وهي أماكن ~~عامة لا يختص بها أحد ، فهي مفتوحة للجميع من المسافرين وغيرهم ، وبذلك ~~يكون بناؤها لهذه الغاية وإيقافها على هذا النحو العام بمثابة إذن للناس في ~~دخولها ووضع أمتعتهم فيها ، تبعا للحدود التي وضعت لها من قبل الواقفين لها ~~، وبذلك يكون المراد بأنها غير مسكونة ، أي غير معدة للسكن الخاص بحسب ~~طبيعتها. # وربما احتمل البعض أن يكون المراد بها بيوت التجارة والحوانيت التي تشتمل ~~على المتاع الذي يريد الناس شراءه ، فإن للناس أن يدخلوها ليشتروا منها ما ~~يريدون ، لأن وضعها التجاري يمثل إذنا عاما للجميع في دخولها من قبل ~~أصحابها ، وهو غير ظاهر .. # ( @QUR@06 والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) فهو الذي يطلع على حياة ~~الإنسان الداخلية في ما يسره أمام ms3852 الناس أو يعلنه لهم ، مما يفرض عليه أن ~~يشعر بالرقابة الإلهية الدائمة على حياته الخفية والمعلنة ، لأن ذلك كله ~~عنده على حد سواء. # * * * PageV16P286 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون (30) @QUR@078 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يغضوا )؛ الغض : إطباق الجفن على الجفن. ويقول في المجمع : PageV16P287 # أصل الغض : النقصان ، يقال : غض من صوته ومن بصره ، أي : نقص (1). # ( @QUR@01 بخمرهن ): الخمر : جمع خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها. # ( @QUR@01 جيوبهن ): جمع جيب ، وهو فتحة في أعلى القميص ، والمراد بها ~~هنا : الصدور. # ( @QUR@01 لبعولتهن )؛ البعولة : الأزواج. # ( @QUR@01 الإربة ): الحاجة. # * * * ### ||| ** من أحكام النظر .. والستر # من أهداف الإسلام ، النفاذ إلى داخل الإنسان لتزكية روحه ، وتربية شخصيته ~~عبر تثبيت خط الاستقامة في حياته ، بحيث يصبح التزامه بذاك الخط جزءا من ~~تركيبته الداخلية ، فتتأتى عنه الأفعال بطريقة عفوية ، لا نتيجة حالات ~~التزام طارئة تضغط على حركته تارة ، وتخفف عنه أخرى .. ولذلك كان التشريع ~~خاضعا لخطة متنوعة الأحكام ، متعددة المواقع ، هدفها الإحاطة بالإنسان من ~~جميع أبعاده ، ليستقيم له الخط ، وتتعمق التجربة ، فتتحرك الفكرة العامة من ~~موقع القوة .. # لذا جعل علاقة الرجل بالمرأة ، وعلاقتها به ، محكومة لقواعد دقيقة ، تضبط ~~الأوضاع المثيرة للشهوة ، وحركة الغريزة في الجسد ، كي تكون العلاقة بينهما ~~طبيعية نظيفة ، تدخل ضمن النطاق الأخلاقي الواسع لنظافة الروح والجسد ، على ~~أساس مبدأ العفة في شخصيتهما الذي يتشكل تحت تأثير الممارسة التي تحرك ~~الفكرة في الذات ، وتحقق المناعة في الحركة .. PageV16P288 # وقد جاءت هذه الآيات لتتحدث عن موضوعين مهمين في ms3853 هذا المجال ، وهما موضوع ~~النظر ، وإظهار الزينة ، لما لهما من تأثير على إثارة المشاعر الغريزية ، ~~فإن النظرة قد تعكس الانجذاب الغريزي ، فهي تغذي الخيال ، وتثير الريبة ، ~~وتحرك الأحاسيس في اتجاه الانحراف ، لأن ما يراه الإنسان من صور قريبة من ~~الحس ، مثيرة لحرارة الغريزة ، يتفاعل مع العوامل الخفية في الإنسان ذاته ~~ويؤثر عليه سلبا .. # أما إبداء الزينة ، فإنه يهيئ الجو النفسي للإغراء الذاتي من قبل المرأة ~~في ما يثيره في داخلها من شعور بالجانب الجمالي في جسدها ، وبالقيمة ~~الكبيرة لما تملكه من مفاتن مثيرة ، تجتذب إعجاب الرجل ، وتثير غرائزه ، ~~مما يجعل الجانب الأنثوي في حياة المرأة ، في موقع الأهمية الكبيرة من ~~شخصيتها ، إذ يؤمن لها الحصول على الموقع المميز في قلب الرجل ، أو في ~~حياته .. ويؤدي ذلك بها إلى مراقبة حالات الانفعال بجمالها ، ليتحول ذلك ~~لديها إلى حركة متنوعة في وسائل الإغواء التي تلتقي بالإلحاح على الاهتمام ~~بزينتها وتحريك غريزتها .. وبذلك تفقد الاهتمام بالجوانب الأخرى من شخصيتها ~~، مما ينعكس سلبا على حياة المجتمع المسلم وعلى السلوك الأخلاقي العام. # * * * ### ||| ** اعتراضات وردود # وقد يرى البعض في أن ذلك كله معناه أن الإسلام يحاول اضطهاد المرأة ~~بإلغائه شخصيتها الأنثوية ذات الأصالة والعمق فيها ، وحد حريتها في التعبير ~~عن تلك الشخصية بإظهار زينتها التي وهبها الله لها كنعمة من نعمه الكبيرة ~~على الإنسان ، كما أنه يريد للرجل والمرأة أن يعيشا الكبت أمام مواقع ~~الجمال في الحياة ، مما يخلق لديهما عقدة مستعصية ، كما هي حال الإنسان ~~أمام كثير من PageV16P289 # حالات الحرمان والكبت. # ويعتبر هذا البعض أن في منع إظهار الزينة وتحريم النظر إليها خوفا غير ~~مبرر من الجمال ، الذي هو مظهر من مظاهر قدرة الله في خلقه ، ونعمة من نعمه ~~على الإنسان والحياة. وقد يضيف هذا البعض ، أن قيمة العفة هي في عدم سقوط ~~الإنسان أو انحرافه أمام مواقع الإثارة الغريزية التي يحملها الجمال الجسدي ~~، بما يملكه من قوة أخلاقية تجعله يواجه ذلك كله بشكل طبيعي .. وليست العفة ~~في الهروب من تلك المواقع ، لأن الهروب يعكس ms3854 ضعفا ذاتيا أمام عناصر ~~الانحراف ، مما يعني أن القوة لا تتحرك إلا في الابتعاد عن المشكلة ، لا في ~~مواجهتها .. إن وجود القاعدة الأخلاقية في الإنسان ، يعني أن يقترب من ~~المحرقة ولا يحترق ، لا أن يهرب بعيدا عنها .. # والجواب عن ذلك كله : إن الإسلام لا يريد تحطيم شخصية المرأة الأنثوية ، ~~بل يحاول تأكيدها كحالة إنسانية طبيعية ، متصلة بامتداد الإنسان في الحياة ~~، وتلبية حاجاته الغريزية في الجنس ، كما هو الحال في الأكل والشرب ونحوهما ~~، مما يفرض أكثر من حاجة للإثارة لدى الرجل والمرأة معا ، على مستوى ~~المشاعر الروحية التي يعيشها كل منهما في حركة العلاقة ، واللذات الحسية ~~التي يحصلان عليها في نداء الغريزة .. # ولكن الإسلام يريد للجانب الأنثوي في المرأة كما يريد للجانب الذكوري في ~~الرجل أن لا يلغي بقية جوانب شخصيتها ويجعل الحياة كلها في خدمته ، فتتحرك ~~المرأة في المجتمع بروحية الأنثى التي تبحث عن كل ما يثيرها أو تثيره ، ~~ويتحرك الرجل بروحية الذكر الذي يبحث عن الإثارة الجنسية فقط ، بل يريد ~~لهذا الجانب الخاص في كل منهما ، أن يتحرك في دائرة العلاقة الزوجية ، التي ~~تقوم على الاختيار الحر للشريك المناسب سلوكيا وجماليا ونفسيا ، ليستطيع ~~معه إشباع جوع الغريزة وإرضاء نزعة الأمومة والأبوة في PageV16P290 # الإنسان ، وتهيئة الجو المناسب للمشاركة الروحية العاطفية بأكثر من أسلوب. # إن الإسلام يطرح الزواج كقاعدة شرعية للعلاقات الجنسية ، وللتنفيس عن ~~حاجة الذكورة والأنوثة إلى الانفتاح على هذا الجانب المهم من الحياة ، ويرى ~~المجتمع النسائي ساحة تستطيع المرأة فيها أخذ حريتها في إبداء الزينة ، ~~وإرضاء نزعتها إلى إظهار جمالها الجسدي ، والحصول من خلال ذلك على الإشباع ~~الذاتي على هذا المستوى .. ولكنه لم يفسح المجال لها للانطلاق في الحياة ~~العامة من موقعها الأنثوي ، ولم يفسح للرجل الحرية في الاستمتاع الحر ، ولو ~~من ناحية النظر ، بجمال المرأة ، لأن ذلك يسيء إلى هدوء الحالة النفسية ~~المتوازنة ، ويجعل المسألة تتحول إلى ما يشبه الفوضى الجنسية في نهاية ~~المطاف. # أما حكاية العقد النفسية الناشئة من ذلك ، ومسألة التساؤل عن سبب الخوف ~~من الجمال ms3855 الذي هو مظهر القدرة والنعمة الإلهية ، وقضية اعتبار العفة موقفا ~~في داخل التجربة لا في خارجها ، فقد يكفي في مواجهتها الإشارة إلى نقطة ~~مهمة ، وهي أن العقدة في الذات ، تنشأ غالبا من الاستغراق العميق في ~~الأشياء الممنوعة ، أو المرغوبة غير المقدورة ، مما يؤدي إلى نوع من الصراع ~~العنيف في الداخل ، بين الشريعة أو الواقع ، وبين الرغبة أو الحاجة ، ~~فتتحول الحالة الشعورية المعقدة الحائرة بين مواقع الشد والجذب ، إلى عقدة ~~نفسية تخنق طمأنينة الذات. # من هنا ، يمتنع تحويل التحريم إلى عقدة ، وذلك عند ما يقف الإنسان أمام ~~المحرمات الشرعية ، فيعيش الجو الإيماني الذي يفتح قلبه وعقله على الله في ~~آفاق رضوانه ، على أساس حاجة الإنسان إلى رعايته ، كحاجته إليه في وجوده ، ~~وشعوره بمعرفته بما يصلحه وما يفسده أكثر من معرفته ذلك من نفسه .. ثم إن ~~المقارنة الفكرية الإيمانية بين المصلحة العامة التي لا تبتعد في PageV16P291 # كثير من آفاقها عن صالح الإنسان الفرد ، وبين المصلحة الخاصة التي قد ~~تلبي رغبته من جهة ، ولكنها تصدم كثيرا من الرغبات الأكثر أهمية وإلحاحا من ~~جهة أخرى ، إن هذه المقارنة ستربطه بالواقع ، وتفتح عينيه على النتائج ~~السلبية والإيجابية لمواقع الاختيار فيه إلى أن يكون قناعة نفسية ، ~~بالمضمون الاجتماعي المنفتح على الحياة ، في موقع التحريم ، فلا يترك ~~الامتناع عنه إلا بعض الآثار الخفيفة التي تمر في منطقة الحس والشعور مرورا عابرا. # أما حكاية الجمال وتفاعله في الذوق الإنساني الفني أو الجمالي ، فلا ~~تنحصر في هذه الدائرة الخاصة ، حيث يختلط الذوق بالغريزة ، والشعور الفني ~~بالمشاعر الجنسية ، الأمر الذي ينعكس سلبا على السلامة الاجتماعية على ~~مستوى المبادئ العامة ، ويجعل الحفاظ على القضية العامة مسئولية التشريع في ~~تخفيف عوامل الانحراف من ساحات الواقع ، وتضييق الدوائر المعقدة التي تسيء ~~إلى النظام الأخلاقي العام. # إن الفن والجمال لا يمثلان قيمة مطلقة في نظر الإسلام ، بل يمثلان موقعين ~~من مواقع الإبداع الذي يطل بالإنسان على الله وعلى الحياة من القاعدة ~~الروحية الأخلاقية ، ولا يقترب به من الساحات التي تهتز فيها هذه القاعدة ~~تماما ms3856 ككل الأشياء الحلوة في الحياة التي لا بد للإنسان من أن يتذوق ~~حلاوتها المعنوية والمادية ، بالطريقة التي لا تؤدي إلى سقوطه. # إن النظرة إلى الحياة لا يمكن أن تتحرك من مواقع المطلق في تقييم ~~مفرداتها ومعطياتها ، لأن الحياة لا تختزن المطلق في وجودها ، بل تنطلق من ~~خلال الحدود الموضوعة في أكثر من ساحة. لذا لا بد من مواجهة كل القضايا على ~~الطريقة النسبية التي توازن بين حد وحد ، في تأثيره الإيجابي والسلبي على ~~القضايا الكبرى في الحياة. وعلى ضوء هذا ، فإن على الفن أو الجمال ، PageV16P292 # أو المفردات الأخرى التي يحتويها الوجود ، أن تكون في خدمة النظام العام ~~للإنسان ، بدلا من أن يكون النظام في خدمتها ، لأن ذلك يسيء إلى تناسق الفن ~~، وجمالية الجمال ، في ما قد يؤدي إلى تشوية للصورة ، وقبح في الواقع. # أما حكاية العفة في داخل التجربة لا في خارجها ، فهو أمر صحيح ، ولكن لا ~~بد من التربية التي تمنع الإنسان من السقوط في المحرقة ، ومن إسقاط التجربة .. # إن القيود الشرعية في دائرة العلاقات الإنسانية ، تستهدف دائما حماية ~~الأجواء العامة من كل النتائج السلبية التي يمكن لها أن تحرك هذه العلاقات ~~في دائرة الاهتزاز ، لا من موقع الثبات ، الأمر الذي يزيدها مناعة وقدرة ~~على مواجهة كل الضغوط القاسية التي تختزن الرياح المجنونة في أكثر من أفق. ~~ولهذا فإنها تنطلق في اتجاه تعميق التجربة في داخل الذات ، لا في اتجاه ~~الهروب منها. # وهكذا نصل في ختام هذا العرض إلى نتيجة حاسمة ، وهي أن الأحكام المتعلقة ~~بالنظر ، وبإبداء زينة المرأة ، ترتبط ارتباطا تاما بالفكرة العامة التي ~~يريد الإسلام أن يثيرها في حياة الإنسان من أجل علاقة نظيفة ، وشخصية زكية ~~، وسلوك متوازن ، في مجتمع الرجل والمرأة ، فلا يجوز النظر إلى هذه ~~التشريعات بشكل مجرد لفصلها عما ترتبط به عضويا من أشياء ، تماما كما في ~~أية دراسة علمية لأي حكم إسلامي شرعي ، فإنه لا بد من التعرف على الدائرة ~~التي يرتبط بها ويتحرك فيها من أجل فهم الخط العام الذي ينطلق فيه ms3857 ويسير معه. # * * * PageV16P293 ### ||| ** غض البصر # ( @QUR@05 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ). ذكر أكثر المفسرين أن الأمر ~~بالغض هنا يعني ترك النظر رأسا ، وربما احتمل البعض أن يكون كناية عن خفض ~~النظر بحيث لا يملأ الناظر عينية بما ينظر إليه ، وذلك لما ذكره البعض من ~~أن غض البصر هو كسره في مقابل ما ذكره آخرون من أنه عبارة عن إطباق الجفن ~~على الجفن ، مما يمنع النظر رأسا. وقد يوحي الحديث الوارد في سبب النزول ~~بالمعنى المشهور ، فقد جاء في الكافي بإسناده عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر ~~عليه السلام قال : استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة ، وكان النساء ~~يتقنعن خلف آذانهن ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ودخل في ~~زقاق قد سماه ببني فلان ، فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو ~~زجاجة ، فشق وجهه ، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على صدره وثوبه ، ~~فقال : والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأخبرنه. قال : فأتاه ، ~~فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : ما هذا؟ فأخبره ، فهبط ~~جبرئيل بهذه الآية : ( @QUR@015 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) (1). ولكن قد يخطر في ~~الذهن أن جو القصة يوحي بأن الشاب كان ينظر بملء عينيه بطريقة مشبعة ~~بالاشتهاء والالتذاذ ، مما لا يقتضي أن يكون المطلوب هو ترك النظر ، بل خفض ~~البصر وكسره ، بحيث لا يمثل التحديقة الواسعة التي تدرس تفاصيل الجسد ~~ومواضع الفتنة فيه ، ويكون معنى الآية كناية عن ترك النظر بشهوة ، أو ~~بامتلاء .. PageV16P294 # وقد نستطيع تأكيد هذا الوجه بالتعمق في مدلول كلمة ( @QUR@01 من ) ~~الظاهرة في التبعيض ، مما يجعل المطلوب غض بعض البصر لا جميعه ، وذلك لأن ~~مقابلة الجمع بالجمع في قوله : ( @QUR@03 يغضوا من أبصارهم ) تقتضي التوزيع ~~على الأفراد ، بحيث يكون المعنى : ليغض كل واحد من بصره ، لا بصره كله. وقد ~~ذكر بعضهم ، أن مفاد التبعيض يتصل بموضوع النظر ، لا بطبيعته ، أي : غض ~~النظر عما يحرم والاقتصار على ما ms3858 يحل ، ولكنه خلاف الظاهر ، لأن المتبادر ~~من كلمة البصر العين ، وبذلك يكون التبعيض متصلا بها ، لا بما تتوجه إليه ~~أو تنظر إليه ، وجوز الأخفش في ما نقله صاحب الكشاف أن تكون مزيدة ، وأباه ~~سيبويه (1). ولعله هو الصحيح ، لأن الزيادة لا دليل عليها .. # وذكر صاحب تفسير الميزان ، أن كلمة (من) لابتداء الغاية لا مزيدة ، ولا ~~للجنس ، ولا للتبعيض ، كما قال بكل قائل ، والمعنى : يأتوا بالغض آخذا من ~~أبصارهم (2). وهو خلاف الظاهر ، لأن الآية مسوقة للحديث عن طبيعة النظر لا ~~عن الابتداء والغاية. # وعلى ضوء ذلك ، فإن الآية ظاهرة في ترك تعمد النظر إلى ما يواجهه الإنسان ~~من الأشياء المحرمة عليه ، مما يجعله لا يواجه الأشياء البارزة أمامه منها ~~ومما يلتقي بها بطريق الصدفة ، بالتحديقة المملوءة ، بل بكسر النظر عنها ، ~~والانصراف عن التعمق في تفاصيلها. # * * * PageV16P295 ### ||| ** خلاف في مدلول الآية # وهناك خلاف آخر في مدلول الآية ، وهو في ظهورها في إطلاق المتعلق ، حيث ~~يحرم النظر إلى أجساد المؤمنات بشكل مطلق يشمل كل أجزاء الجسد ، لأن حذف ~~المتعلق يفيد العموم ، لا سيما إذا لاحظنا أن إرادة طبيعة المبدأ في نفسه ~~لا تتفق مع ورود الفقرة في مقام الإفادة لحركة التكليف في أفعال المؤمنين ، ~~إذ لا فائدة من الحديث عن وجوب الغض ، بعيدا عن الحديث عن المتعلق .. # وقد يرى هؤلاء أن توجه الأمر بالغض للمؤمنين هنا ، وللمؤمنات هناك ، يجعل ~~الدلالة واضحة بأن على المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عن المؤمنات ، وعلى ~~المؤمنات أن يغضضن أبصارهن عن المؤمنين ، فيكون المتعلق مذكورا من خلال ~~المقابلة ، بحيث يفيد العموم في الطرفين. # ولكن هناك وجهة نظر أخرى ، وهي أن من الممكن أن تكون الآية واردة في ~~تقرير المبدأ كمدخل للحديث عن التشريع ، على أن يأتي الحديث عن التفاصيل في ~~مواقع أخرى من الكتاب ، باستيحاء ذلك من حرمة إبداء الزينة مثلا ، باعتبار ~~أن ما حرم على المرأة إبداؤه ، يحرم على الرجال النظر إليه ، أو من خلال ~~ظهور ذلك في كونه من حرمات المرأة التي لا يجوز التعدي عليها من قبل الرجال ms3859 ~~، أو من السنة من خلال ما فصله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المواضع ~~التي يحرم النظر إليها من جسد المرأة ، أو من جسد الرجل ، ولعل هذا ما أشار ~~إليه بعض المفسرين في قولهم بظهورها في وجوب الغض عما يحرم والاقتصار ~~بالنظر على ما يحل (1)، وذلك بلحاظ استفادة ذلك من الأدلة PageV16P296 # الخاصة ، وبذلك لا يكون حذف المتعلق مفيدا للعموم ، كما أن المقابلة بين ~~المؤمنين والمؤمنات في التكليف ، لا يظهر منه أن كل واحد من الفريقين هو ~~المقصود بموضع النظر مطلقا ، وربما جاءت بعض الأخبار الدالة على أن متعلق ~~وجوب الغض هو الفروج ، كما ورد في الكافي في روايته عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام من قوله في مقام التفسير : فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ~~ينظر المرء إلى فرج أخيه (1). # وقد يتأيد ذلك بأن ذكر المتعلق في الجملة الثانية ، يدل على أنه هو ~~المقصود من الجملة الأولى التي حذف فيها المتعلق. # * * * ### ||| ** حفظ الفروج # ( @QUR@02 ويحفظوا فروجهم ) الظاهر من حفظ الفرج هو حفظه من الزنى ، ولكن ~~وردت الأحاديث المتفرقة بأن المراد به هنا هو حفظه من النظر ، كما جاء ~~الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : كل شيء في القرآن من حفظ ~~الفرج فهو من الزنى إلا هذه الآية ، فإنها من النظر (2). وروي ذلك عن ابن ~~زيد في ما نقله عنه صاحب الكشاف قال : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن ~~الزنى إلا هذا فإنه أراد به الاستتار (3). # وهو أمر قريب ، توحي به أجواء هذا الفصل من السورة ، الذي يدور الحديث ~~فيه عن قضايا الستر والنظر ، في ما يأتي من تفاصيل الستر الذي أراده PageV16P297 # الله للمرأة ، مما يجعل المسألة في هذا المجال غير بعيدة عن ذلك ، فتكون ~~هذه الآية وما بعدها بيانا لما يجب أن يغض البصر عنه ، وما يجب أن يستره عن ~~النظر ، لا سيما إذا عرفنا أن حفظ العورة عن النظر واجب على الرجل والمرأة ~~، سواء كان الناظر رجلا أو امرأة ، كما أن النظر إلى ms3860 العورة محرم على الرجل ~~والمرأة للمماثل ولغيره ؛ والله العالم. # ( @QUR@03 ذلك أزكى لهم ) لأن ذلك ما يحفظ لهم طهارة الروح والجسد ، ~~بالابتعاد عن العوامل المثيرة للغريزة التي قد تؤدي إلى الانحراف ، لأن ~~الاقتراب من عناصر الاحتراق قد يدفع في كثير من الحالات إلى الوقوع في ~~المحرقة. ( @QUR@05 إن الله خبير بما يصنعون ) في ما يقومون به من أعمال ~~الانحراف ، وعلى هذا الأساس ، فإن عليهم أن يستشعروا رقابة الله عليهم ، ~~حتى لا يشعروا بالأمن إذا كانوا في غفلة عن أعين الناس ، لأن عين الله لا ~~تغيب عن شيء ، ولا يغيب عنها شيء. # * * * ### ||| ** مواضع الستر # ( @QUR@05 وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) فلا يملأن عيونهن من النظر ~~إلى ما يحرم النظر إليه ، ولا يتعمدنه ( @QUR@02 ويحفظن فروجهن ) من الزنى ~~، أو من النظر ، فيسترنها عن عيون الناظرين أو الناظرات. # وقد يثأر الحديث في هذه الفقرة من الآية حول ظهورها في حرمة نظر النساء ~~إلى الرجال بالتقريب الذي جرى الحديث فيه عن نظر الرجال إلى النساء ، وقد ~~يؤكد ذلك الحديث المعروف عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قصة ابن أم ~~مكتوم عن أم مكتوم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا ~~بالحجاب ، فدخل علينا ، PageV16P298 # فقال : احتجبا ، فقلنا : يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال : ~~أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ (1). وقد تذكر هنا بعض الأحاديث المؤيدة ~~مقابل الأحاديث المعارضة وذلك في قصة فاطمة بنت قيس ، التي رواها مسلم وأبو ~~داود ، وفيها أنه لما طلقها زوجها أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~تعتد في بيت أم شريك الأنصارية ، ثم قال : إن تلك المرأة يغشاها أصحابي ، ~~اعتدي في بيت أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك .. # وقد حاول البعض أن يجمع بين المسألتين ، بأن قال : ليست الشدة في نظر ~~النساء إلى الرجال الأجانب مثل الشدة في نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات ، ~~فلا يحل لهن أن يقصدن النظر إليهم وجها ms3861 لوجه في المجالس ، ولكن يحل لهن أن ~~ينظرن إليهم وهم يمشون في الطرق ، أو يلعبون ألعابا غير محرمة من البعيد ، ~~بل لا حرج أن ينظرن إليهم في البيوت عند الحاجات الحقيقية. # ولكننا نلاحظ أن السياق واحد في الأمر المتوجه إلى المؤمنين ، وفي الأمر ~~المتوجه إلى المؤمنات ، مما يوحي بأن الحكم وارد في الموضوع من ناحية ~~المبدأ بعيدا عن التفاصيل ، ليترك ذلك لنصوص أخرى ، أو من ناحية المعنى ~~الداخلي الذي يختزنه النظر العميق في التحديق الذي يوحي بالإثارة ، فيكون ~~الأمر واردا في اختصار النظر ليكون حالة طبيعية طارئة ، لا حالة مقصودة ~~مثيرة ، أو من ناحية المورد الخاص وهو الفرج ، في ما تقدم من الاحتمال. # وقد نستطيع استيحاء هذا المعنى من السيرة المستمرة بين المسلمين في عدم ~~احتجاب الرجال عن النساء ، وعدم نهي النساء اللاتي ينظرن إلى الرجال PageV16P299 # بشكل طبيعي في الحياة العامة والخاصة ، ولو كان ذلك محرما بشكل بارز ، ~~لكانت المسألة من المسائل الملحة في المجتمع الإسلامي التي يكثر السؤال ~~عنها من ناحية التكليف الشرعي ، مع أننا لم نجد لذلك أي أثر كبير في الفقه ~~الإسلامي في صدر الإسلام وفيما بعده. # * * * ### ||| ** حرمة إبداء الزينة للنساء # ( @QUR@03 ولا يبدين زينتهن ) ذكر بعضهم أن المقصود بالزينة هنا مواضع ~~الزينة ، لأن نفس ما يتزين به كالقرط والسوار لا يحرم إبداؤه ، وبذلك يكون ~~النهي عن إظهار الزينة من باب الكناية عن إظهار مواضعها ، لأن ستر الزينة ~~لا ينفك عن ستر مواضعها .. وقد ذكر صاحب الكشاف في تقريب ذلك قال : «وذكر ~~الزينة دون مواقعها ، للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر ، لأن هذه الزينة ~~واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء ، وهي الذراع ~~والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن ، فنهى عن إبداء الزينة نفسها ، ~~ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع ، بدليل أن النظر ~~إليها غير ملابسة لها ، لا مقال في حله ، كان النظر إلى المواقع أنفسها ~~متمكنا في الحظر ، ثابت القدم في الحرمة ، شاهدا على أن النساء حقهن أن ~~يحتطن في ms3862 سترها ، ويتقين في الكشف عنها» ... ويتابع ويقول : «فإن قلت : ما ~~المراد بموقع الزينة ، ذلك العضو كله ، أم المقلد الذي تلابسه الزينة منه؟ ~~قلت : الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية ، وكذلك مواقع ~~الزينة الظاهرة : الوجه موقع الكحل في عينيه ، والخضاب بالوسمة في حاجبيه ~~وشاربيه ، والغمرة في خديه ، والكف والقدم موقعا الخاتم ، والفتخة والخضاب PageV16P300 # بالحناء» (1). # وقد يذكر البعض أن المراد بالزينة معناها الظاهر ، وهو ما تزين به من حلي ~~وملابس ونحوهما مما تتزين به النساء عامة في رؤوسهن ووجوههن وغيرها من ~~أعضاء أجسادهن ، مما يعبر عنه في هذا الزمان بكلمة التجميل عامة .. وبذلك ~~تكون الآية ظاهرة في النهي عن التبرج الذي تبدي المرأة به كامل زينتها. # ولعل هذا الاحتمال هو الذي يظهر من طبيعة الكلمة في مدلولها اللغوي ، ~~الذي يعني ما تتزين به المرأة من الأشياء الخارجية .. ولا ينافي ذلك أن ~~الزينة مما يجوز إظهاره في نفسه ، لأن المقصود به هو الزينة في مكانها من ~~الجسد ، لا في مكان آخر .. ولكن هناك حديثا عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام رواه الكافي بإسناده عن الفضيل ، قال : سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن الذراعين من المرأة ، أهما من الزينة التي قال الله تبارك ~~وتعالى : ( @QUR@05 ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن )؟ قال : نعم ، وما دون ~~الخمار من الزينة ، وما دون السوارين (2)، مما يؤكد أن المراد بها مواضع ~~الزينة. # * * * ### ||| ** الزينة المسموح بها # ( @QUR@04 إلا ما ظهر منها ) الظاهر أن المراد منه الوجه والكفان ~~والقدمان ، وذلك في ما جاءت به الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ~~قال : قلت له : PageV16P301 # ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما ، قال : الوجه والكفان ~~والقدمان (1).. وقد يظهر من بعض الروايات عنه ، في قول الله عز وجل : ( ~~@QUR@04 إلا ما ظهر منها ) قال : الزينة الظاهرة : الكحل والخاتم (2)، وفي ~~بعضها الخاتم والفتخة ، وهي القلب .. مما يوحي بالمعنى المتقدم وهو إرادة ~~الزينة نفسها في موقعها لا موقعها فحسب. # وقد جاء في بعض التفاسير أن المراد بقوله : ( @QUR@03 ما ظهر منها ms3863 ) أي : ~~ما كان ظاهرا لا يمكن إخفاؤه ، أو ظهر بدون قصد الإظهار من هذه الزينة. ~~وهذه الجملة تدل على أن النساء لا يجوز لهن أن يتعمدن إظهار هذه الزينة ، ~~غير أن ما يظهر منها بدون قصد منهن ، كأن يخف الرداء لهبوب الريح وتتكشف ~~بعض الزينة مثلا ، أو كان ظاهرا بنفسه لا يمكن إخفاؤه كالرداء الذي تجلل به ~~النساء ملابسهن ، لأنه لا يمكن إخفاؤه ، وهو مما يستجلب النظر لكونه على ~~بدن المرأة على كل حال ؛ فلا مؤاخذة عليه من الله تعالى ، وهذا هو المعنى ~~الذي بينه عبد الله بن مسعود ، والحسن البصري ، وابن سيرين ، وإبراهيم ~~النخعي لهذه الآية. ويتابع هذا المفسر القول : وعلى العكس من ذلك قول غيرهم ~~من المفسرين : إن معنى ( @QUR@03 ما ظهر منها ) ما يظهره الإنسان على ~~العادة الجارية ، ثم هم يدخلون فيه وجه المرأة وكفيها بكل ما عليها من زينة ~~، أي أنه يصح عندهم أن تزين المرأة وجهها بالكحل والمسحق والصبغ ، ويديها ~~بالحناء والخاتم والحلق والأسورة ثم تمشي في الناس كاشفة وجهها وكفيها .. ~~وهذا المعنى للآية مروي عن عبد الله بن عباس وتلامذته ، وإليه ذهبت طائفة ~~كبيرة من فقهاء الحنفية .. # ويعلق هذا المفسر على ذلك فيقول : أما نحن ، فنكاد نعجز عن أن نفهم PageV16P302 # بأي قاعدة من قواعد اللغة يجوز أن يكون معنى ( @QUR@02 ما ظهر ): ما ~~يظهره الإنسان بقصده ، فهذا واضح لا يكاد يخفى على أحد ، والظاهر من الآية ~~أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ويرخص فيما إذا ظهرت من غير قصد ، فالتوسع ~~في هذه الرخصة إلى حد إظهارها عمدا مخالف للقرآن ومخالف للروايات ، التي ~~يثبت بها أن النساء في عهد النبي ما كن يبرزن إلى الأجانب سافرات الوجوه ، ~~وأن الأمر بالحجاب كان شاملا للوجه ، وكان النقاب قد جعل جزءا من لباس ~~النساء إلا في الإحرام». # والظاهر أن هذا النوع من الاجتهاد في فهم القرآن في أحكامه التشريعية ~~خاضع للواقع الذي يعيشه المفسر في محيطه في طريقة الحجاب ، مما يجعل هذه ~~الصورة قريبة إلى ذوقه ، وفهمه ، فيؤدي به ذلك ms3864 إلى أن يفهم القرآن على هذا ~~الأساس .. وربما كان ذلك هو المسؤول عن كثير من فتاوى الفقهاء في وجوب ستر ~~الوجه والكفين. ونحن نريد أن نناقش هذا الفهم من خلال التركيز على عبارة : ~~( @QUR@04 إلا ما ظهر منها ) التي استفاد منها هذا المفسر الظهور الطارئ ~~العفوي الذي لا يكون عن اختيار شخصي للإنسان .. فقد نلاحظ أن هذا لا يؤدي ~~إلى النتيجة التي أرادها ، لأن ظهور الشيء بنفسه قد يكون من خلال طبيعة ~~الوضع الاجتماعي الذي درج عليه الناس في حياتهم ، بحيث يمارسونه بطريقة ~~عفوية ناشئة مما جرت العادة والجبلة على ظهوره ، والأصل فيه الظهور ، كما ~~يقول صاحب تفسير الكشاف (1). # ولم يثبت من الروايات الأمر بالنقاب بحيث يكون ساترا للوجه ، ولعل PageV16P303 # الإشارة إلى ضرب الخمر على الجيوب ، في ما يأتي من الآية ، يوحي بأن ~~الوجه لا يطلب فيه الستر لأنه لو كان كذلك لكان الأولى بالذكر ، باعتبار أن ~~إظهاره من الأمور التي لا يقتصر فيها الأمر على جماعة معينة من الناس في ~~الصدر الأول من الإسلام ، بينما كان كشف الصدور شاملا لكل العصور. # وقد نستطيع استيحاء جواز كشف الوجه والكفين مطلقا من خلال التأكيد على ~~حرمة سترهما في حال الإحرام ، لأنه الحالة التي قد يتأكد فيها الستر إذا ~~كان واجبا ، فالكشف لا يتناسب مع طبيعة الأجواء الطاهرة التي يراد للحاج أن ~~يبتعد فيها عن مواقع الإغراء ، مما يجعلنا نستوحي أن هذا الأمر الجائز ~~بطبعه في الوضع العام ، أصبح واجبا في حال الإحرام كي تعاني المرأة من ~~حرارة الشمس في وجهها ، ما يعانيه الرجل من حرارتها في رأسه ، في ما ورد به ~~الأثر : «إن إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه» (1). # * * * ### ||| ** ضرب الخمر على الجيوب # ( @QUR@04 وليضربن بخمرهن على جيوبهن )، أي : يلقين بخمرهن وهي أغطية ~~الرأس على جيوبهن ، والجيب في ما قيل : فتحة القميص ، والمراد بها الصدر من ~~باب إطلاق اسم الحال على المحل. وعلى ضوء ذلك ، فإن واجب النساء ستر صدورهن ~~ونحورهن بالغطاء الذي يستر رؤوسهن .. وقد ذكر أن جيوب النساء في ms3865 الجاهلية ~~كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها ، وكن يسدلن الخمر من ~~ورائهن فتبقى مكشوفة ، فأمرن أن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها (2). PageV16P304 # ( @QUR@05 ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) أي : أزواجهن ، فللزوج أن يرى ~~من امرأته ما شاء ، ( @QUR@05 أو آبائهن أو آباء بعولتهن ) من الآباء ~~والأجداد للأب وللأم ، لصدق الأب على الجميع ( @QUR@02 أو أبنائهن ) ويشمل ~~الأولاد وأولادهم. # ( @QUR@03 أو أبناء بعولتهن ) ويشمل أحفادهم ، ( @QUR@02 أو إخوانهن ) من ~~الأب والأم أو من أحدهما ( @QUR@06 أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن ) ~~الأولاد والأحفاد. # اما جواز إبداء الزينة لهؤلاء ، فلأن العلاقة التي تربط المرأة بهم علاقة ~~ذات طابع خاص ، محكومة للحواجز النفسية التي تمنعهم من التفكير الجنسي ~~والانجذاب الغريزي تجاهها بسبب الأحكام الشرعية والتقاليد الاجتماعية ~~والقيم الإنسانية العميقة في وعي الناس التي تجعلهم من المحارم مم ، أيجعل ~~الانجذاب الجنسي إليهم عملية انحراف بعيدة عن المألوف وعن الوضع الطبيعي ~~للعلاقات الإنسانية. # لكن هذا الموضوع قد يخضع لكثير من الاهتزازات النفسية التي تدفع الإنسان ~~إلى الانحراف والشذوذ ، وتحمله على الاعتداء على ابنته أو أخته أو ابنة ~~أخته أو أخيه ، بسبب التوجيهات اللاأخلاقية التي تثير الغريزة في الاتجاه ~~المتمرد على الحرام ، أو بسبب الأفلام الخلاعية ، أو القصص المثيرة ، ونحو ~~ذلك مما أصبحنا نسمع الكثير منه في عالمنا المعاصر. # ولذلك ، فلا بد من الرقابة الدائمة على حركة العلاقات ، وضبط الأجواء ~~المثيرة ، والعمل على إيجاد الضوابط الخارجية بالإضافة إلى الضوابط ~~الداخلية في عمق الذات .. فقد دلت التجارب على أن الاعتماد على التقاليد في ~~مثل هذه الأمور لا يحقق أية ضمانة عاصمة ، فمن السهل تفتيت القيم الروحية ~~والأخلاقية عند وجود اتجاه تربوي مضاد لها بالوسائل المنحرفة المتنوعة. # ( @QUR@02 أو نسائهن ) اختلف في المراد بالنساء هنا ، هل المراد النساء ~~المسلمات ، فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف زينتها على غير المسلمة ، PageV16P305 # فيجب عليها التستر منها كما تتستر أمام الرجال الأجانب ، أم أن المراد ~~جميع النساء ، وتكون الإضافة بلحاظ الانسجام مع طريقة التعبير في ما ~~قبلها؟! وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يوحي بكراهة ms3866 إبداء ~~الزينة لغير المسلمات من النساء ، فقد جاء في كتاب الفقيه : روى حفص بن ~~البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال : لا ينبغي للمرأة أن ~~تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية ، فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن (1). وتحقيق ~~ذلك موكول إلى كتب الفقه. # ( @QUR@04 أو ما ملكت أيمانهن ) من الإماء والجواري ، وقيل : إنه يشمل ~~العبيد ، وروي ذلك عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، والمسألة موضع خلاف ~~فقهي لدى فقهاء المسلمين .. ( @QUR@07 أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال ) وهم الأشخاص الذين لا يشتهون النساء ، من الخدم والأجراء ، ممن ~~تقدم بهم السن ، أو كان لديهم عجز جسدي يعطل قدرتهم على الجنس ، أو كان ~~لديهم ضعف عقلي يجعلهم في حالة اللاوعي المتوازن ، فإن إبداء الزينة لهم لا ~~يسبب أية إثارة ، ولا يسيء إلى عفة المرأة. # ( @QUR@08 أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) وهم الأطفال غير ~~المميزين الذين لم يعرفوا طبيعة وظائف عورات النساء من الناحية الغريزية ، ~~ولم يفرقوا بينها وبين بقية أعضاء الجسم ، وقيل : إن ذلك كناية عن عدم ~~البلوغ ، وذلك بأن يراد من قوله : ( @QUR@05 لم يظهروا على عورات النساء ) ~~أي : لم يقووا ولم يظهروا ، من الظهور بمعنى الغلبة على أمور يسوء التصريح ~~بها للنساء ، كالجماع ونحوه. # ( @QUR@08 ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) كالخلخال والعقد ~~والقرط والسوار ، وقد نستوحي من ذلك وجوب الابتعاد عما يثير الرجال ويدفعهم إلى PageV16P306 # التفكير بالعلاقات المحرمة. # ( @QUR@08 وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) لتصلحوا ~~ما فسد من أعمالكم ، ولتبتعدوا عن عوامل الانحراف ، ولتنطلقوا في خط ~~الإيمان المتحرك على أساس الأخلاق القرآنية ، لأن ذلك يهيئ لكم أسباب ~~الفلاح في الدنيا والآخرة ، فإن التوبة تمثل الندم على ما حدث في الماضي من ~~انحرافات ، والعزم على تصحيح العمل في المستقبل. # * * * PageV16P307 ### ||| * الآية # ( @QUR@017 وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأيامى ): جمع أيم : وهو الشخص الذي لم يتزوج ، ذكرا كان أو أنثى. # * * * ### ||| ** الزواج من الصالحين # في هذه الآية ms3867 علاج لمفهوم اجتماعي طبقي يرتكز على أساس اعتبار الثروة ~~عنصرا حيويا في إقامة العلاقات الزوجية بين الناس ، مما يجعل المجتمع يرفض ~~الفقير أو الفقيرة اللذين يريدان الزواج مهما كانت درجة PageV16P308 # الكفاءة العلمية والروحية والأخلاقية التي يتمتعان بها ، ويقبل في ~~المقابل الغني حتى لو لم يكن لديه شيء من كفاءة العلم والروح والأخلاق. # ( @QUR@02 وأنكحوا الأيامى ) غير المتزوجين ( @QUR@01 منكم ) أي : من ~~الأحرار ( @QUR@03 والصالحين من عبادكم ) أي : العبيد المملوكين لكم ~~المتميزين بالصلاح في سلوكهم العملي ، ( @QUR@01 وإمائكم ) من النساء ~~المملوكات الصالحات ، ولا تمتنعوا عن تزويجهم ، أو تسهيل أمور زواجهم بسبب ~~فقرهم ، لأن الفقر ليس عيبا في الإنسان ، وليس صفة لازمة له ، بل هي حالة ~~طارئة ناشئة من ظروف موضوعية خارجة عنه ، وقد تتبدل الظروف والأحوال ، ~~فينقلب الفقر إلى غنى ، بما يهيئه الله من أسباب الرزق ، لأن ذلك كله بيد ~~الله .. # وعلى ضوء هذا ، فلا تتوقفوا عن تسهيل تزويجهم بل ادرسوا أخلاقهم ، ~~واتركوا مسألة الفقر والغنى لله ، ( @QUR@07 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله ) بما يتفضل به على عباده ( @QUR@03 والله واسع عليم ) فلا يضيق عنه ~~شيء ، ولا يضيق بأي شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أمور عباده ومن شؤون الحياة ~~التي تحيط بهم .. وقد جاء الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال : «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه فإن لم تفعلوا تكن فتنة ~~في الأرض وفساد كبير ..» (1)، مما يؤكد استحباب تزويج صاحب الخلق والدين ~~وإن كان فقيرا ، ويوحي بخطورة الاستغراق في الجانب المالي من شخصية الزوج ، ~~لأن ذلك يؤدي إلى إفساد العلاقات الزوجية بإبعادها عن العناصر الأساسية ~~لإنجاحها وهي صفات الإنسان الذاتية. # وقد نستوحي من الآية تشجيع الفقير على الزواج دون أن يمنعه الفقر من ذلك ~~، فقد جاء عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال : «من ترك PageV16P309 # التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله عز وجل ، إن الله عز وجل ، ان ~~الله عز وجل يقول : ( @QUR@07 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ms3868 فضله )» (1). # * * * PageV16P310 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@048 وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم ~~من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ~~(33) @QUR@013 ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ~~وموعظة للمتقين ) (34) # * * * ### ||| ** التزام العفة عند تعذر النكاح # في الآية الأولى حديث عن نقاط ثلاث : # النقطة الأولى : في قوله تعالى : ( @QUR@010 وليستعفف الذين لا يجدون ~~نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ). # وهي التي تعالج الحالات التي يعيش فيها الناس ظروفا صعبة تمنعهم من PageV16P311 # الزواج لأنه يتوقف على بعض الإمكانات المادية التي لا يملكونها أو على ~~بعض الشروط التي لا تتوفر لديهم .. فكيف يتصرفون ؛ هل ينحرفون عن خط العفة ~~، فيلجئون إلى العلاقات غير الشرعية ، أو يلتزمون بالعفة في معاناة نفسية ~~شاقة ويصبرون على نداء الغريزة في أجسادهم ، حتى تتحسن الظروف وتتوفر ~~الإمكانات؟. # إن الآية تضع الالتزام بالعفة خيارا وحيدا لهم ، لأن الزنى قد يوفر لهم ~~إرواء شهواتهم ، وإشباع غرائزهم ، ولكنه يخلق لهم مشاكل كثيرة على أكثر من ~~مستوى ، مما يسيء إلى إنسانيتهم الصافية المنفتحة على الله ، بينما تمثل ~~العفة الغنى الروحي الذي يحس فيه الإنسان بقوة شخصيته ، كلما استطاع أن ~~يواجه النوازع الذاتية المنحرفة ، بالإيمان القوي ، والتقوى الصلبة .. ~~فليصبروا ( @QUR@05 حتى يغنيهم الله من فضله )، في ما يهيئه من أسباب ~~الرزق التي تساعدهم على الزواج. # وعلى ضوء ذلك ، توحي الآية القرآنية بأن الفقر ليس مبررا شرعيا للانحراف ~~، فلا بد للفقير من الصبر حتى تزول الظروف الخانقة التي تحاصره وتمنعه من ~~الزواج. # * * * ### ||| ** مكاتبة العبيد والإماء # النقطة الثانية : ( @QUR@017 والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ). # وهذه وسيلة من الوسائل التي شرعها الإسلام لتحرير الأرقاء من العبيد ~~والإماء وهي المكاتبة ، وهي عبارة عن عقد بين المملوك ومالكه يقضي بأن PageV16P312 # يدفع المملوك للمالك مقدارا من المال في ms3869 وقت معين ، قسطا واحدا أو أقساطا ~~، فإذا أداها كاملة تحرر بشكل كامل ، وإن أدى منه بعضا تحرر بقدره إن كان ~~العقد غير مشروط بتأدية الجميع ، وإلا انتظر إكمال الجميع في الحكم بحريته. # وقد أراد الإسلام للمالكين أن يستجيبوا للعبيد إذا أرادوا ذلك ، تأكيدا ~~لإرادة الحرية في شخصية العبد ، وتسهيلا لحركة الحرية في حياته ، وهذا هو ~~قوله تعالى في الآية : ( @QUR@05 فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) وربما أوجب ~~بعض الفقهاء الاستجابة لهم في هذا الطلب ، على أساس ظهور الأمر بالوجوب ، ~~وقد أوكل الله ذلك إلى قناعة السيد بأن العبد يملك الخير في اتفاقه هذا ، ~~ولم يذكر كذلك مقياسا معينا ، مما يوحي بأن الأمر وارد على سبيل الإرشاد ، ~~لا على سبيل الإلزام. # «والمراد بالخير في ما ذكره البعض ثلاثة أمور ، الأول : أن تكون بالعبد ~~الأهلية لأداء مال المكاتبة بالكسب والحرفة ، كما روى أبو داود في المراسيل ~~عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@05 ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا )، قال : «إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم ~~كلا على الناس». الثاني : أن يكون من حيث الأمانة جديرا بأن يعاهد سيده ثقة ~~بصدق قوله ، فإنه إذا لم يكن كذلك وكاتبه سيده ، فلا يكون منه إلا أن ~~يستريح من خدمة سيده وينفق كل ما يكسب في الوقت نفسه. والثالث : أن لا يكون ~~السيد يعرف فيه من النوازع الخلقية السيئة ، أو عواطف العداوة للإسلام ~~والمسلمين ، ما يخاف ، على أساسه ، أن تكون حريته خطرا على المجتمع ~~الإسلامي. وبكلمة أخرى ، يجب أن يكون العبد حيث يرجى منه أن يكون بعد حريته ~~فردا صالحا من أفراد المجتمع الإسلامي ، لا عدوا متربصا له الدوائر. والذي ~~ينبغي أن يلاحظ بصفة خاصة في صدد هذا البحث ، أن أغلبية الأرقاء في ذلك ~~الزمان كانت تتألف من أسارى الحرب ، فكانت الحاجة شديدة جدا إلى PageV16P313 # الاحتياط والدقة في أمرهم» (1). # وقد جاء في بعض كلمات الإمام الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل : ( ~~@QUR@05 فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) قال : الخير ms3870 أن يشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويكون بيده عمل يكتسب به ~~أو يكون له حرفة (2). وربما كانت كلمة الخير تختزن أكثر من معنى يتصل ~~بسلوكه في الحياة العامة. # ( @QUR@06 وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) ولعله إشارة إلى إيتائهم من ~~الزكاة المفروضة ، فقد جعل الله أحد مصارفها في الرق ، وربما كان ذلك إشارة ~~إلى إسقاط شيء من مال المكاتبة ، أو مساعدتهم بالتبرع لهم والتصدق عليهم ، ~~فإن ذلك يعجل في حريتهم. والحديث في التفاصيل موكول إلى كتب الفقه. # * * * ### ||| ** الحض على عدم إكراه الإماء على البغاء # النقطة الثالثة : ( @QUR@08 ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ~~) فقد جاء في تفسير القمي ، قال : «كانت العرب وقريش يشترون الإماء ويضعون ~~عليهن الضريبة الثقيلة ويقولون : اذهبن وازنين واكتسبن ، فنهاهم الله عن ~~ذلك» (3). # ولم يكن التعليق على إرادة التحصن واردا مورد الشرط الذي يوحي بالرخصة في ~~الإكراه على تقدير عدم إرادة التحصن ، بل هو وارد مورد بيان الموضوع ~~للإكراه ، كما تقول : «إن رزقت ولدا فربه تربية صالحة ، فإنه لا معنى لأن ~~يستفاد منه : إن لم ترزق ولدا فلا تربه ، لأنه يكون من قبيل انتفاء الشيء PageV16P314 # بانتفاء موضوعه .. ومقامنا من هذا القبيل ، فإنه لا مجال للإكراه على ~~تقدير عدم إرادة التحصن ، لأن الإكراه يمثل إجبار الفتيات على الزنى مع ~~رغبتهن في العفة ، فمع عدم رغبتهن في ذلك ، فإن الطلب لا يكون منسجما مع ~~الرغبة .. وربما كان الوجه في هذا التعليق الإيحاء للموالي ، بأن الفتيات ~~إذا أردن التحصن ، فإنهم أولى بإرادته. # ( @QUR@04 لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) في ما تريدون الحصول عليه من ~~أموال أو مواقع عامة أو خاصة في المراكز الاجتماعية والسياسية ، مما لا ~~يدوم لكم مهما امتد بكم العمر ، لأنكم ستفارقون ذلك عند ما تموتون ، أو قبل ~~أن تموتوا ، ثم تواجهون مسئوليته عند ما تبعثون ، فهو مجرد عرض زائل لا ~~امتداد له ولا ثبات. # ( @QUR@09 ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) سواء في ذلك ~~النساء المكرهات على ms3871 الزنى ، أو الذين أكرهوهن عليه ، لأن الله لم يحمل ~~الإنسان المكره مسئولية الفعل الذي أكره عليه ، فالفعل الذي يقع في دائرة ~~الحساب ، هو الفعل الذي يتحرك من موقع الوعي والإرادة ، فإذا انتفت الإرادة ~~الحرة ، انتفى العقاب ، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث ~~أنه قال : «رفع عن أمتي ... ما استكرهوا عليه ..» (1)، وكذلك إذا تاب ~~الذين أكرهوهن وأصلحوا ، فإن الله يغفر للجميع ، ويشملهم برحمته ، بمعنى ~~أنه لا يعاقبهم ولا يحملهم نتائج ذلك الفعل الشنيع. # وإذا كانت الآية قد تناولت الإماء من النساء ، فإن أجواءها تطال المبدأ ~~الذي يشمل الحرائر اللاتي يردن العفة ، في الوقت الذي تضغط فيه الظروف ~~عليهن كي يخضعن لإرادة بعض الرجال الذين يدفعونهن لبيع أجسادهن والاتجار ~~بها للانتفاع بما يكسبنه من مال من وراء ذلك. PageV16P315 # ومن خلال ذلك نستوحي أن الله يندد بهذا الأسلوب القذر من الاستغلال ، حيث ~~يستغل البعض ظروف بعض النساء الصعبة التي تحملهن على اللجوء إلى هؤلاء ، ~~فيعمدون للاستفادة من ذلك وإيقاعهن في حبائلهم ، ثم دفعهن إلى الخضوع ~~لأطماعهم الخاصة .. وهناك من يعملون على إجراء عقد زواج مع بعض الفتيات ~~الباحثات عن حياة مستقرة ، ثم وبعد وقوع الفريسة في حبائلهم يتاجرون بأجساد ~~أولئك الفتيات في سوق الزنى ، لدى الباحثين عن اللذة ، فلا تملك الفتاة ~~أمام ضغوط الرجل في هذه الحال أن تريد أو لا تريد ، أو أن تتخلص من ذلك .. # * * * ### ||| ** الآيات موعظة للمتقين # ( @QUR@05 ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ) في ما أراده الله للناس أن ~~يهتدوا به من مفاهيم عامة تفتح قلب الإنسان وعقله على الله وعلى ما يوحيه ~~في رسالاته ، مما يرتفع به إلى المستوى الأعلى في الفكر والروح والحياة .. ~~( @QUR@06 ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ) في ما عاشوه من تجارب فاشلة أو ~~ناجحة ، مما يمكن أن تستفيدوا منه في ما تواجهونه من مشاكل الحياة في مسائل ~~الإيمان والكفر ، والنجاح والفشل ، والربح والخسارة ، فتأخذون منها ما يوفر ~~عليكم الوقوع في تجارب مماثلة ، قد تجهدكم ، وقد تتعبكم ، وقد تسقطكم ، ~~ولكن الله يعطيكم ms3872 الفكرة المنطلقة من تجارب الآخرين ناضجة قوية دون جهد ~~ودون مشكلة .. ( @QUR@02 وموعظة للمتقين ) في ما تفتح قلوبهم على الحق ~~النازل من الله ، المنطلق من ينابيع الروح ، المحلق في آفاق الجنة التي وعد ~~الله عباده المؤمنين بها ، إذا أحبوه وأطاعوه وعبدوه وخضعوا له .. وتلك هي ~~مهمة الموعظة في كيان الإنسان التقي الذي تلتقي الموعظة بقلبه ، كما يلتقي ~~المطر بالأرض الطيبة التي PageV16P316 # تنفتح من خلاله على البذور الطيبة ، أما الإنسان الذي أغلق قلبه عن الحق ~~، فإنه كالأرض المجدبة التي لا تنفتح بذورها للمطر ، فلا يؤثر فيها شيئا ~~إلا بقدر ما يصيبها بالبلل. # * * * PageV16P317 ### ||| * الآية # ( @QUR@048 الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كمشكاة ): كوة في الحائط غير النافذة ، يوضع فيها المصباح ~~ونحوه ، فتحصر النور وتجمعه. # ( @QUR@01 دري ): يشبه الدر في صفائه. # * * * PageV16P318 # ( @QUR@04 الله نور السماوات والأرض ) # ( @QUR@04 الله نور السماوات والأرض ) ما هي مهمة النور؟ إنها إعطاء ~~الأشياء ملامحها الحقيقية التي لا تظهر بطبيعتها ، بل تحتاج إليه من أجل أن ~~تتجسد في صورتها للناظرين ، وهذا ما عبرت عنه الكلمة التي تحدث بها القدماء ~~: ما كان ظاهرا بنفسه مظهرا لغيره ، من المحسوسات للبصر. ولكن كيف أطلقت ~~على الله؟ # يفسر البعض ذلك ، بأنه كناية عن الوجود الذي تستمد الأشياء الأخرى منه ~~وجودها ، وهذا ما جاء في تفسير الميزان قال : «وإذا كان وجود الشيء هو الذي ~~يظهر به نفسه لغيره من الأشياء كان مصداقا تاما للنور ، ثم لما كانت ~~الأشياء الممكنة الوجود إنما هي موجودة بإيجاد الله تعالى ، كان هو المصداق ~~الأتم للنور ، فهناك وجود ونور يتصف به الأشياء وهو وجودها ونورها المستعار ~~المأخوذ منه تعالى ، ووجود ونور قائم بذاته يوجد ويستنير به الأشياء. فهو ~~سبحانه نور يظهر به السماوات والأرض ، وهذا هو المراد بقوله : ( @QUR@04 ~~الله نور ms3873 السماوات والأرض )، حيث أضيف النور إلى السماوات والأرض ، ثم حمل ~~على اسم الجلالة» (1). # ويرى البعض الآخر (2) أن المراد من النور مفهومه الحقيقي وهو ما تظهر به ~~الأشياء ، وليس كما يقوله البعض : بأن الله تعالى والعياذ بالله شعاع يسير ~~186000 ميل في كل ثانية وينعكس على الشبكية في العين ، ويؤثر في مركز PageV16P319 # البصارة في الدماغ. فهذه الكيفية المخصوصة للنور ، ليست بشاملة لحقيقة ~~المعنى الذي قد اخترع له الذهن الإنساني هذه الكلمة ، بل أطلق عليه هذه ~~الكلمة باعتبار الأنوار التي تأتي تحت تجربتنا في هذه الدنيا المادية ، فكل ~~كلمة من كلمات اللسان الإنساني تستعمل لله تبارك وتعالى ، إنما تستعمل ~~باعتبار مفهومها الأساسي ، لا باعتبار مدلولها المادي ، فنحن نستعمل لله ~~تعالى كلمة البصر مثلا ، فليس معناها أن له عضوا يسمى العين ويرى به ~~كالإنسان والحيوان ، وكذلك نستعمل له كلمة السمع ، فليس معناها أنه يسمع ~~بأذنيه كما يسمع الإنسان ، وكذلك نستعمل له كلمة البطش والأخذ ، فليس ~~معناها أن له آلة تعرف باليد فيأخذ الإنسان بيده. فكل هذه الكلمات إنما ~~تستعمل لله تبارك وتعالى على وجه الإطلاق لا بمعنى من المعاني المحدودة ، ~~ولا نكاد نظن أن من يملك العقل يمكن أن يقول باستحالة أن يوجد للسمع والبصر ~~والبطش شكل غير الشكل المحدود المخصوص الذي نعرفه لها في هذه الدنيا ، وعلى ~~هذا ، إذا قيل عن النور إنه لا يوجد المصداق لمعناه إلا في صورة ذلك الشعاع ~~الذي يخرج من جرم لا مع وينعكس على غطاء العين ، فإن هذا القول لا يكون إلا ~~من خطأ الفهم وضيقه. إن كلمة النور لم تطلق على الله سبحانه وتعالى بهذا ~~المعنى الضيق المحدود ، وإنما أطلقت عليه بمعناها المطلق الواسع غير ~~المحدود ، أي أن الله سبحانه هو وحده «سبب الظهور» في هذا الكون. أما ~~الأجرام اللامعة التي يبعث منها النور ، فما نالت نورها ولا هي تنور الكون ~~إلا بالنور الذي قد أنعم به عليها الله سبحانه وتعالى ، وإلا فما عندها شيء ~~يمكن أن تنور به غيرها. # وكلمة ( @QUR@01 نور ) تستعمل للعلم أيضا ms3874 ، كما يعبر عن الجهل بالظلمة ، ~~فالله سبحانه وتعالى نور الكون ، بمعنى أنه لا يمكن أن تعرف الحقائق معرفة ~~مباشرة في هذا الكون إلا به ، سبحانه وتعالى ، وإلا فإنه لا يمكن أن يكون ~~فيه شيء PageV16P320 # غير ظلمة الجهل والضلالة بدون الارتشاف من فيض كرمه وهدايته. # وقد ذكر صاحب تفسير الكشاف أن المراد من نور السموات والأرض الحق ، شبهه ~~بالنور في ظهوره وبيانه ، كقوله تعالى : ( @QUR@09 الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور ) [البقرة : 257] أي : من الباطل إلى الحق. ~~وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين : إما للدلالة على سعة إشراقه ~~وفشو إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض ، وإما أن يراد أهل السموات والأرض ~~، وأنهم يستضيئون به (1). # وذكر بعضهم أن المراد بنور الله عظمته في قدرته وعلمه وحكمته ، وتتجلى ~~هذه العظمة في خلق الكون ، فكل شيء في أرضه وسمائه يدل دلالة صريحة واضحة ~~على وجود الله وعظمته ، وبهذا يتبين معنا أنه لا فرق بين أن نقول : السموات ~~والأرض نور الله ، وبين أن نقول : الله نور السموات والأرض ، لأن معنى ~~الجملة الأولى أن عظمة الكون تدل على عظمة الله ، ومعنى الثانية ، أن عظمة ~~الله تتجلى في عظمة الكون (2). # * * * ### ||| ** معنى النور في الآية # ولكن ، قد نحتاج إلى استشعار الجانب الفني في التعبير من الناحية ~~البلاغية ، لأن ذلك يوحي إلينا بالفكرة التي تتحرك في الكلمة ، وفي ضوء ذلك ~~نطرح سؤالا : ما المعنى الذي تختزنه كلمة «النور» في حركتها بعلاقة الله ~~بالسماوات والأرض ، وما هي القضية التي يريد الله أن يوجهنا إليها؟ PageV16P321 # هل يريد الله أن يوجهنا إلى ارتباط وجود الكون في السماوات والأرض بوجوده ~~، باعتبار أنه الظاهر بنفسه في وجوده ، المظهر لغيره ، في ما يوجد غيره به؟ ~~ولكن ذلك لا يمثل الحقيقة التي يحتاج جو الآية إلى تأكيدها ، كما يلوح لنا ~~من خلال تأمل السياق العام للمعنى. # أو أنه يريد أن يحدثنا أنه سبب ظهور الكون ، الذي قد يكون قريبا إلى ~~المعنى الأول ، أو أنه هو نفسه ، أو عن الحق الذي يشبه النور في ms3875 الظهور ، ~~أو عن عظمة الله وقدرته؟ إن ذلك كله لا يتفق مع الجو العام للآية .. # والذي يلوح لنا ، أن الآية تتحرك في أجواء الهداية التكوينية التي تخضع ~~لها السماوات والأرض ، لأن الحديث ينتهي في ختامها بالهداية ، وذلك في قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 يهدي الله لنوره من يشاء ) من خلال مواقع الهداية في ~~الحياة ، وقد جاء في آية أخرى قوله تعالى : ( @QUR@03 والله متم نوره ) ~~[الصف : 8] بما قد توحي به من معنى الهداية في ما تختزنه من مبادئ وشرائع ~~تقود الناس إلى الله. # وفي ضوء ذلك ، يمكن أن يكون المعنى على سبيل الكناية أن الله هو الحقيقة ~~الوحيدة التي تمد الكون بالهداية ، وتسهل له حركته في الاتجاه السليم ، ~~وتنظم له أموره ، وتحفظ توازنه .. وبهذا يكون الله هو محرك الكون إلى مواقع ~~هدايته ، تماما كما هو النور الذي يضيء للأشياء مواقع السلامة في الحياة ، ~~فهو نور السماوات والأرض الذي تهتدي به في وجودها المتحرك نحو غاياتها .. # * * * ### ||| ** تشبيه نور الله بمشكاة # ( @QUR@02 مثل نوره ) في الصورة التي يريد العقل أن يتمثلها في وعيه المادي PageV16P322 # للأشياء غير المادية ، على أساس أن المادي في وجوده لا يستطيع أن يعيش ~~وضوح الرؤية والإدراك الحقيقي للموجودات الغيبية المطلقة فيما وراء المادة ~~، ( @QUR@01 كمشكاة ) تحصر النور وتجمعه ، فلا ينفذ إليه الهواء. # ( @QUR@03 فيها مصباح المصباح ) الذي يمثل النموذج الأعلى للإنارة ، بحيث ~~لا يفوقه مصباح آخر في ذلك ( @QUR@06 في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري ) أي ~~: موضوع في داخل قنديل من الزجاج الذي يبلغ المستوى الأعلى من الإنارة ( ~~@QUR@09 يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ) ليست في مواقع ~~الشروق لتصيبها الشمس عند شروقها فقط ، وليست في مواقع الغروب ليقتصر وصول ~~الشمس إليها عند غروبها ، بل هي في موقع لا يظلها فيه شجر والجبل ولا حائط ~~، فتصيبها الشمس عند الشروق والغروب في الصباح والمساء ، مما يجعل زيتها ~~صافيا نقيا ( @QUR@03 يكاد زيتها يضيء ) ويشرق من خلال صفائه ( @QUR@04 ولو ~~لم تمسسه نار ) لأنه يضيء دون إحراق ، مما يجعل إشراقه مضاعفا عند الإحراق .. # ( @QUR@03 نور على نور ) في ما ms3876 يتضاعف فيه النور من خلال المصباح ومن ~~خلال الزجاج ومن خلال الزيت النقي الصافي .. وهكذا تكتمل صورة الإشراق الذي ~~ينفذ إلى كل الأشياء المحيطة به والموجودة حوله ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا ~~يحجبه شيء ، وهذا هو المعنى الذي تريد الآية الإيحاء به ، وهو الموقع الذي ~~ينطلق منه النور ليقتحم الظلام المحيط بالمكان ، فلا يبقى معه شيء من ~~الظلمة. # وهذا هو نور الله الذي يريد للناس أن يكتشفوه ، ليكشف لهم كل غوامض الكون ~~وظلمات الحياة وغياهب المشاكل ، في ما يتمثل به من وحيه المتحرك مع مفاهيم ~~دينه ، ودقائق شريعته ، وتفاصيل منهجه ، فهو الذي يستطيع أن يمنحهم الهدى ~~الذي لا ضلال معه ، والحق الذي لا باطل فيه ، والوضوح الذي لا غموض يعتوره ~~.. وهو الذي يريد لهم أن يفتحوا عقولهم PageV16P323 # عليه ، وقلوبهم له. ( @QUR@05 يهدي الله لنوره من يشاء ) من عباده الذين ~~انفتحوا على الحقيقة ، فانفتحت عليهم الحقيقة من خلال نور الله الذي يطل ~~على العقول والقلوب والمشاعر. # وهكذا يريد الله للإنسان أن يهتدي بنوره في خطوات ، حياته ، كما أراد ~~للسموات والأرض أن تهتدي به في حركة وجودها الكوني الذي تقوم عليه الحياة. ~~( @QUR@04 ويضرب الله الأمثال للناس ) في ما يمثله أسلوب ضرب المثل للناس ~~من توضيح الحقائق التي قد لا يدركونها بشكل مباشر ، مما يفرض الإيحاء بها ~~بأسلوب آخر ، يعتمد على اللفتة والإيماءة والصورة المعبرة الموحية. ( ~~@QUR@04 والله بكل شيء عليم ) في ما يريد أن يهدي به عباده إلى سواء ~~السبيل. # * * * PageV16P324 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال (36) @QUR@019 رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ~~@QUR@014 ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب ) (38) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالغدو ): جمع غداة ، وهو الصباح. # ( @QUR@01 والآصال ): جمع أصيل ، وهو العصر. # ( @QUR@01 وإقام ): الإقامة ، وحذفت التاء تخفيفا. # * * * PageV16P325 ### ||| ** مهمة المساجد في المفهوم الإسلامي # ما المعنى الذي يختزنه المسجد والجو الذي يحتويه؟ وما هي صفة الرجال ~~الذين يمثلون ms3877 مجتمع المسجد في ما يقولون ويفعلون؟ وما هي النتائج التي ~~تترتب على ذلك؟ # ( @QUR@06 في بيوت أذن الله أن ترفع ) وهي المساجد التي جعلها الله مكانا ~~لعبادته ، وأراد لخلقه أن يرفعوها في العمران الذي تقوم به أعمدتها ويرتفع ~~به سقفها ، وفي العبادة التي أراد الله أن ترتفع أرواح عباده بها إليه ، ~~فتعرج إليه في مواقع العبودية ، وفي آفاق الصفاء والشروق والنقاء .. وهكذا ~~يريد الله أن ترتفع البيوت بالمعاني الروحية الصافية التي تبني للإنسان ~~إنسانية ، وتحرك دوافعه الإيمانية في الحياة ، وتوحي له بالمعاني الخيرة ~~التي تجعل منه إنسان الخير لا إنسان الشر. # تلك هي مهمة المساجد في المفهوم الإسلامي ، أن تكون حضنا لروح الإنسان ~~ومصنعا لبناء شخصيته ، ومنطلقا لتأصيل أهدافه ، وخطا لتحريك خطواته ، ~~وموقعا للبدايات التي يحدد على أساسها خط السير إلى غاياته .. وذلك من خلال ~~أجواء الذكر والدعاء والخشوع والتلاوة والصلاة .. # وليس مهمتها تجسيد الفن والإبداع الإسلامي وتمثيل معاني الجمال ، وتحريك ~~الذوق من خلال إبداع الزخرفة وجمال الهندسة وفخامة البناء ، وهي مظاهر عظمة ~~مادية بحتة يحاول الكثيرون تأكيدها في أماكن العبادة الإسلامية ، لأن ~~الإسلام يريد أن يشمل المسجد البساطة والعفوية التي لا تشغل الإنسان عن ~~انطلاقه الروحي بين يدي الله ، في ما توحي به الزخرفة من شواغل البصر التي ~~تشغل الفكر والشعور. PageV16P326 # ( @QUR@06 في بيوت أذن الله أن ترفع ) والإذن يوحي بمعنى الانقياد لله ~~والارتباط به ، لحاجة الإنسان إلى صدور الإذن من الله له ، في ما يريد أن ~~يقوم به من عمل ، وما يريد أن يرفع من بيوت ، فليس له أن يبتدع ما لا يعلم ~~أن الله يأذن به ، أو ما يعلم أن الله لا يأذن به ، من ناحية عامة أو خاصة. # ( @QUR@03 ويذكر فيها اسمه ) في ما يعنيه الذكر لاسم الله من استحضار ~~ذاته في نفوس عباده ، ليكون ذلك منطلقا للشعور بحضوره الدائم في حياتهم ، ~~ليدفعهم ذلك إلى المزيد من التوحيد في العبادة ، أو في الطاعة ، أو في حركة ~~الحياة. # * * * ### ||| ** ملامح شخصية المؤمنين # ( @QUR@05 يسبح له فيها بالغدو والآصال ) عند ما تشرق الشمس ms3878 في بداية يوم ~~جديد وعند ما تغرب في نهايته ، حيث يتحرك التسبيح ليوحي للنفس الإنسانية ~~بمعاني العظمة الإلهية التي يراد لها أن تنفعل بتلك العظمة في عملية انفتاح ~~على خط عبوديتها لله ، وطاعتها له ، ليكون اليوم منفتحا على الله في بدايته ~~ونهايته كوسيلة من وسائل الامتلاء بروحيته وعظمته ، في مواقع رحمته .. # ( @QUR@09 رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله )، لأن حضور الله ~~في ذواتهم أقوى من حضور أي شيء غيره فيهم ، من الأشخاص أو الأعمال التي ~~تشغل الناس وتهيمن على حياتهم. فهم إذا ذكروا الناس ذكروا الله معهم ~~باعتبار أنهم عباده المخلوقون له ، المتحركون في تدبيره ، المتقلبون في ~~نعمه ... وإذا ذكروا التجارة ذكروا حدود الله وموقع رزقه الله فيها ، في ما ~~يريد لعباده أن PageV16P327 # يتحركوا فيه من مواطن رزقه ، ولذلك فإن عملهم في البيع والتجارة لا ~~يشغلهم عن ذكر الله بل يزيدهم ارتباطا به ، وتلك هي الشخصية التي يريد الله ~~للناس أن يعيشوا ملامحها الأصيلة في ذواتهم ، بحيث تكون علاقتهم بالله أقوى ~~من كل علاقاتهم الأخرى ، وتكون هي العلاقة الوحيدة الأصلية التي تخضع لها ~~كل العلاقات الأخرى على مستوى القرب والبعد ، والقوة والضعف ، فلا يستغرقون ~~في أي شيء آخر بعيدا عن الله ، بل يكون استغراقهم به هو الذي يحدد لهم مدى ~~الاستغراق في شؤون الآخرين والأشياء الأخرى. # ( @QUR@02 وإقام الصلاة )، وهي العبادة التي يعيش معها الإنسان حضور ~~الله في كل كيانه وحياته ، ( @QUR@02 وإيتاء الزكاة ) وهي العطاء المادي ~~المنطلق من روحية العطاء الروحي ، الذي تتحول فيه العبادة لله والرغبة في ~~القرب إليه إلى حركة إنفاق على الفئات المحرومة ، وبذلك تخرج العبادة من ~~حالة الاستغراق الذاتي المجرد في آفاق الله ، لتصبح حالة في الواقع العملي ~~الذي يتصل بحياة الإنسان نفسه ، وبحياة الآخرين. # ( @QUR@06 يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار )، وذلك في ما تواجهه ~~من فزع وهول يوم القيامة ، فتضطرب وتشخص وتهتز وتزيغ ، على النهج الذي جاءت ~~به الآية في قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~) [الأحزاب : 10]. وربما قيل بأن المراد بتقلب ms3879 القلوب والأبصار هو تقلب ~~أحوالها وتغيرها ، فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها لا تفقه ، وتبصر ~~الأبصار بعد أن كانت عميا لا تبصر ، «فتنصرف القلوب والأبصار يومئذ عن ~~المشاهدة والرؤية الدنيوية الشاغلة عن الله الساترة للحق والحقيقة ، إلى ~~سنخ آخر من المشاهدة والرؤية ، وهو الرؤية بنور الإيمان والمعرفة ، فيتبصر ~~المؤمن بنور ربه ، وهو نور الإيمان والمعرفة ، فينظر إلى كرامة الله ، ~~ويعمى الكافر ولا يجد إلا ما يسوؤه» ، أما «توصيف اليوم بقوله : ( @QUR@04 ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار ) على هذا الرأي لبيان سبب الخوف ، فهم إنما ~~يخافون اليوم لما PageV16P328 # فيه من تقلب القلوب والأبصار ، وإنما يخافون هذا التقلب لما في أحد شقيه ~~من الحرمان من نور الله والنظر إلى كرامته ، وهو الشقاء الدائم والعذاب ~~الخالد ، وفي الحقيقة يخافون أنفسهم» (1). # ولكن الظاهر هو الوجه الأول ، لأن المسألة المطروحة هي الخوف الذي يدفع ~~إلى الانضباط على خط الطاعة والتقوى ، مما يجعل القضية قضية الهول الذي ~~يواجههم في يوم القيامة ، الذي تكرر الحديث عنه في القرآن كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ) [الإنسان : 10] ، ~~لأن الصفة التي يؤكدها القرآن في حديثه عن يوم القيامة ، هي الجو المرعب ~~الذي يحكم ذلك اليوم ؛ والله العالم. # ( @QUR@05 ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ) وتلك هي غاية العمل الذي يقومون ~~به في خط التقوى والإخلاص لله والانفتاح عليه ، وسينالون الجزاء عليه ~~بالدرجة الأحسن والأفضل بحيث يجزيهم في كل باب جزاء أحسن عمل في ذلك الباب ~~... ومرجع ذلك في ما يقوله بعض المفسرين إلى أنه تعالى يزكي. أعمالهم ، فلا ~~يناقش فيها بالمؤاخذة في جهات توجب نقصها وانحطاط قدرها ، فيعد الحسن منها ~~أحسن (2). وربما كان المقصود به هو الجزاء المضاعف ، كقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [يونس : 26] ( @QUR@03 ويزيدهم من ~~فضله ) في ما يتفضل به عليهم ، مما قد لا تقتضيه طبيعة العمل من جزاء ، ~~وذلك ما نستوحيه من الآيات التي تتحدث عن العطاء الإلهي بدون حساب ، كما في ~~قوله تعالى : ( @QUR@011 أولئك هم المتقون* لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء ~~المحسنين ms3880 ) [الزمر : 33 34]. # ( @QUR@06 والله يرزق من يشاء بغير حساب ) وذلك في ما تكفل لهم من رزقه في PageV16P329 # مواقع رحمته ، التي لا تضيق بشيء ، ولا يضيق عنها شيء ، بل تتسع لكل ما ~~في الحياة من مجالات العطاء ، فهو الكريم الذي لا حد لكرمه ، وهو الرحيم ~~الذي وسعت رحمته كل شيء. # * * * PageV16P330 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) ~~@QUR@033 أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بقيعة ): القيعة : جمع قاع ، وهو المستوي من الأرض. # ( @QUR@01 الظمآن ): العطشان. # ( @QUR@01 لجي ): عظيم الماء الذي تتراكم أمواجه. # ( @QUR@01 يغشاه ): يغطيه # * * * PageV16P331 ### ||| ** أعمال الكافرين كسراب # ماذا يبقى للكافرين من أعمالهم التي يعيشون في أنفسهم الشعور بأنها ~~تمنحهم الخلاص وتفتح لهم آفاق الأحكام في ما تقربوا به إلى آلهتهم ، وما ~~تحركوا به في حياتهم مما يعتبرونه من مواقع الخير؟ # إن الكفر لا يرتكز على حقيقة ثابتة في واقع الكون ، بل هو وهم يطوف حول ~~سطح الذهن ، فلا يمثل إلا الفراغ الموحش القاتل الذي لا يمتلئ بشيء ، ولهذا ~~فإن كل الأعمال والأوضاع التي تنطلق منه وتعتمد عليه لا تحقق أية نتيجة ~~إيجابية على مستوى المصير ، لأن ما ينطلق من الوهم لا بد من أن ينتج الوهم ~~الذي لا يمنع الحقيقة المضادة أن تفرض نفسها على النهاية. # ( @QUR@014 والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ) ما هو السراب؟ إنه الصورة الوهمية للماء الذي يلمع في ~~المفازة كالماء نتيجة انعكاس الشمس على الأرض المستوية في الأفق البعيد ، ~~فيخيل للظمآن الباحث عن الماء لري عطشه أنه ماء في الصحراء المترامية ~~الأطراف ، فيركض إليه ولكنه يبتعد عنه ، وتبقى الصورة تركض أمامه لتغريه ~~بالاستمرار في الركض ، حتى إذا انتهى به السير إلى أقصى ما يستطيع بلوغه ، ~~لم يجد هناك ms3881 أي شيء يوحي بالماء ... وهذا هو حال الكافرين في ما يقومون به ~~من الأعمال والقرابين التي يقدمونها لآلهتهم الموهومة ، إذا يتصورون لها ~~قدرات مزعومة ، وأسرارا لا حقيقة لها ، وهم يأملون الحصول على نتائج ~~إيجابية على مستوى أحلامهم ومصيرهم ، ولكنهم لا يحصلون على أي شيء من ذلك ~~في نهاية المطاف ، تماما كما هو حال الراكض وراء السراب بحثا عن الماء ، ~~حتى إذا أدركه لم يجده شيئا. PageV16P332 # ( @QUR@05 ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) وتلك هي المفاجأة الكبرى التي لم ~~يحسب لها حسابا ، لأنه لم يكن يؤمن بأن هناك حياة تنتظره بعد الموت ، وأن ~~هناك حسابا يواجهه بتاريخ أعماله في الدنيا ، وأنه سيقف بين يدي الله وقفة ~~العبد الحائر الخائف ليوفيه حسابه على ما أسلف من الكفر ومن العمل المرتكز ~~عليه ، ( @QUR@03 والله سريع الحساب ) فلا تعجزه كثرة العباد وكثرة الأعمال ~~الصادرة عنهم عن اختصار الزمن الذي ينتهي به حسابهم. وفي هذا الجو ورد أن ~~الإمام أمير المؤمنين ع سئل : «كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم»؟ فأجاب : ~~«كما يرزقهم على كثرتهم» (1)، لإحاطة علمه بكل شيء. # ( @QUR@05 أو كظلمات في بحر لجي ) أي تتراكم أمواجه ، فيتصاعد الموج فيه ~~( @QUR@05 يغشاه موج من فوقه موج ) في ما يثيره ذلك من فقدان الرؤية ( ~~@QUR@03 من فوقه سحاب ) يحجب ضوء الشمس ، وبذلك يكون الجو مكفهرا مدلهما لا ~~يوحي بأية إشراقة تدل على الطريق ، أو تفتح النظر إلى الأفق ، ( @QUR@010 ~~ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها )، لأن الظلمات قد حجبت كل ~~مواقع الرؤية .. # وهذا هو حال الكافرين الذين لم ينفتحوا على مواقع نور الإيمان ، لتشرق ~~أرواحهم وعقولهم بمعرفة الله ، وتهتدي خطواتهم إلى طريقه ، بل غرقوا في ~~ظلمات الكفر التي تمنعهم من إدراك أسرار الحياة الواسعة ، في ما يحيط بهم ~~من آفاق الكون ، وفي ما تختزنه في أعماقها من دلائل وبينات ... واستغرقوا ~~في ظلمات ذواتهم وشهواتهم وأطماعهم ، وأخلدوا إلى الأرض ، فلم يرتفعوا إلى ~~مجالات المعرفة الفسيحة ، وكانت نفوسهم في ظلمات الفكر والروح والعمل ، ~~ظلمات بعضها فوق بعض ، إذا تحرك في أي ms3882 طريق نحو أي هدف ، فإنه لا يبصر ~~طريقه ولا يعرف مواطئ قدمه ، لأنه لا يملك النور الإلهي PageV16P333 # المنطلق من المنابع المنفتحة على أفق المعرفة .. # ( @QUR@06 ومن لم يجعل الله له نورا ) يفتح به سبل الحق أمامه ويهديه ~~إليها ، مما إذا سار فيها اهتدى إلى مواقع النور ، وإذا انحرف عنها واتبع ~~طريقا آخر في خط الظلمات ، فإن الله لا يعطيه نورا جديدا من مواقع غيبه ، ~~وذلك في ما جرت به حكمته من أنه يفتح لعباده آفاق المعرفة ومواقع الهدى ~~ويدلهم عليها ، ويقودهم إليها ، فإذا أغلقوا ذلك على أنفسهم بالتمرد ~~والعصيان ، لم يفتحها لهم من جديد .. وهكذا ينسب الله الحرمان إليه ، ~~باعتبار أنه تركهم للظلمات ، فضاعوا في غياهبها ، لأن من لم يجعل الله له ~~نورا ( @QUR@04 فما له من نور ) لأن الله وحده هو من يهب النور لعباده في ~~مواقعه الحسية والمعنوية ، وليس هناك نور لدى غيره. # * * * PageV16P334 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@021 ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) @QUR@07 ولله ملك ~~السماوات والأرض وإلى الله المصير ) (42) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صافات ): باسطات أجنحتها في الهواء. # * * * ### ||| ** تسبيح الكائنات لله # ( @QUR@010 ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض )، والله هنا ~~يوجه الفكر الواعي للنظر إلى حركة القدرة في الظواهر الكونية والموجودات ~~الحية العاقلة وغير العاقلة ، في وجودها الذي يوحي بمواقع العظمة الإلهية ~~في إبداع الخلق ، وفي PageV16P335 # تعبيرها عن ذلك بالصورة الحية التي تتمثل فيها كل ملامح الجمال والروعة ، ~~وبالصوت المعبر بأنعامه عن الإحساس بعظمة الخالق ، وفي الكلمات التي تتضمن ~~كل معاني التعظيم والإجلال .. # إن النظرة الواعية العميقة التي تلاحق كل هؤلاء ، الذين تحتضنهم السموات ~~والأرض في حركة النظام الكوني ، توحي للإنسان بوجود تسبيح خفي يجعل ~~الموجودات تنضم إلى بعضها البعض في موسيقى داخلية ترتفع كمثل الصلاة ، ~~وتهمس بروح التسبيح ، لتعبير عن تعظيمها الوجودي لخالقها العظيم. # ( @QUR@02 والطير صافات ) في الفضاء الواسع ، تسبح الله بأصواتها ~~المتنوعة التي تختلف فيها المعاني ، تماما كما هي لغات الإنسان. # ( @QUR@05 كل قد علم ms3883 صلاته وتسبيحه ) في ما ألهمه الله من طريقة التعبير ~~عن أحاسيسه ومشاعره ( @QUR@04 والله عليم بما يفعلون ) لأنه هو المحيط ~~بالكائنات بكل أسرارها الداخلية وملامحها الخارجية وخطواتها العملية في ~~الكون كله. # ( @QUR@04 ولله ملك السماوات والأرض ) فهو وحده المالك لهما ، والمهيمن ~~عليهما ، والمدبر لهما ، لأنه هو خالقهما ، فمنه البداية ، بداية وجود كل ~~شيء ( @QUR@03 وإلى الله المصير ) والمرجع ، ليحاسب الناس على أعمالهم من ~~خير أو شر ، وقد يكون المعنى : وإليه مصير الأمور ، لأنه وحده القادر على ~~تدبيرها ، باعتبار أنه من أوجدها ، فهو يملك الأمر كله فيها. # * * * PageV16P336 ### ||| * الآيات # ( @QUR@038 ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) @QUR@010 يقلب الله ~~الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) @QUR@031 والله خلق كل ~~دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي ~~على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) @QUR@011 لقد ~~أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (46) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يزجي ): يسوق سوقا رقيقا. # ( @QUR@01 يؤلف ): يجمع. PageV16P337 # ( @QUR@01 ركاما ): متراكما بعضه فوق بعض. # ( @QUR@01 الودق ): المطر. # ( @QUR@01 برد ): القطع الثلجية المتجمدة الصغيرة. # * * * ### ||| ** مظاهر عظمة الخلق # وهذا مشهد كوني آخر ، يريد الله للإنسان أن يفكر فيه ويتأمله ، لينطلق من ~~خلال ذلك إلى الاستغراق في عظمة الله ، ليكون الكون كله مدرسة متحركة ~~لمعرفة الله ، والإيمان به. # ( @QUR@06 ألم تر أن الله يزجي سحابا ) فيسوقه ويدفعه من مكان ( @QUR@03 ~~ثم يؤلف بينه ) ويجمعه ( @QUR@08 ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ~~) بعد أن يثقل ويشتد ( @QUR@06 وينزل من السماء من جبال فيها ) أي في هيئة ~~الجبال الضخمة لضخامة حجمها ( @QUR@02 من برد )... ولعل الإنسان لا يتصور ~~السحب على هيئة الجبال الكثيفة الضخمة ، كما يتصورها الراكب في الطائرة ، ~~وهي تعلو فوقها أو تسير بينها ، وهكذا يتمثل في السحب مشهد الجبال في كل ~~خصائصها عند ما يتنزل ms3884 منها الماء السائل ، أو الثلج المتجمد ، أو في ~~ارتفاعها وانخفاضها. # ( @QUR@08 فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ) تبعا لحكمته في توزيع ~~المطر في ما يريد الله أن يحققه من شؤون الحياة والإنسان ، من خلال ~~تأثيراته الإيجابية أو السلبية .. ( @QUR@05 يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) ~~جراء قوة الضوء ونفاذه الصاعق بحيث يكاد أن يذهب بالبصر عند ما يواجهه ~~ويلامسه. وهكذا يعي الإنسان الحقيقة الإلهية من خلال الظواهر الكونية ~~الخاضعة لإرادة الله ومشيئته في كل PageV16P338 # مفرداتها الصغيرة والكبيرة ، ليؤمن بأن الله هو وراء ذلك كله. # ( @QUR@04 يقلب الله الليل والنهار ) في حركة الزمن التي يتبدل معها ~~الليل إلى نهار ، والنهار إلى ليل ، في نظام متقن دائم متواصل ، لا يقف عند ~~حد ، ولا يتعثر أمام أية عقبة ، ( @QUR@06 إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) ~~الذين يرون في الظواهر منطلقا للتفكير والدرس والاعتبار ، لا أداة للهو ~~وللمتعة ، وبذلك يلتقي عندهم البصر الداخلي الذي تجسده البصيرة بالبصر ~~الخارجي الذي يمثل النظر. # * * * ### ||| ** مشيئة الله مصدر الوحدة والتنوع # ( @QUR@06 والله خلق كل دابة من ماء )، فالماء أصل الحياة ترجع إليه كل ~~الموجودات الحية بشكل مباشر أو غير مباشر ، دون أن يعني ذلك وحدة الشكل ~~والجوهر ، بل التنوع في طبيعتها ، وفي أشكالها ، وفي وظيفتها في حركة ~~الحياة ، مما يوحي بعظمة القدرة التي تحقق التنوع من موقع الوحدة. # ( @QUR@05 فمنهم من يمشي على بطنه ) وهي الزواحف ( @QUR@05 ومنهم من يمشي ~~على رجلين ) كالإنسان والطير ( @QUR@05 ومنهم من يمشي على أربع ) كالبهائم ~~والسباع ، ( @QUR@04 يخلق الله ما يشاء ) لأن مشيئته سر الخلق ، فهي مصدر ~~الوحدة والتنوع ، والحركة والسكون .. ( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) ~~فهو الكلي القدرة الذي لا يعجزه شيء مهما كان حجمه وحقيقته ، لأن إيجاد أي ~~شيء ، لا يتوقف على شيء آخر خارج قدرة الله ، فيكفي أن يشاء وجود الشيء كي ~~يوجد وتدب فيه الحياة. # ( @QUR@04 لقد أنزلنا آيات مبينات ) في ما أنزلناه من القرآن ، في هذه ~~السورة وفي غيرها ، مما يوضح للناس حقائق العقيدة والحياة ، لتوجههم إلى ~~التصور الصافي النقي الذي لا غموض فيه ولا ms3885 ارتياب ، ليهتدوا من خلال ذلك إلى PageV16P339 # الصراط المستقيم في دينه وفي شريعته وفي منهجه العملي في الحياة .. ( ~~@QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) في ما يرسمه من خطوط وينزله ~~من آيات ، وفي ما يضعه من شرائع ، ويوضحه من حقائق وقضايا ومناهج ، فمن أخذ ~~بها اهتدى ، ومن ضل عنها ابتعد عن النهج الصحيح. # * * * PageV16P340 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) @QUR@011 وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) @QUR@07 وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين (49) @QUR@016 أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف ~~الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) @QUR@018 إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون (51) @QUR@010 ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتولى ): يعرض. # ( @QUR@01 يحيف )؛ الحيف : الجور. # * * * PageV16P341 ### ||| ** بين الإيمان وثبات الانتماء # وهذا نموذج من الناس الذين يخضعون انتماءهم إلى الرسالة لمصالحهم ، فإذا ~~التقت الرسالة بمصالحهم تلك أيدوها ، وإذا ابتعدت عنها رفضوها وتمردوا ~~عليها .. وهكذا تكون مسألة الانتماء لديهم خاضعة للمصلحة الذاتية ، لا ~~للقناعة الفكرية الرسالية ، مما يجعلهم يتلونون تبعا للألوان التي تطرأ على ~~الموضوع ، دون أصالة في القناعة والانتماء .. ويضع الله موقف هؤلاء في ~~مواقع النفاق الذاتي التي تكون فيها المصلحة الشخصية هي المرتكز ، بحيث ~~يهتز معها التحرك ليتحول إلى حالة من الاهتزاز في العلاقات والكلمات ~~والأفعال ، فيكون الإنسان ذا موقفين : داخلي وخارجي ، وذا وجهين : مشرق ~~ومظلم ، وذا كلامين : كافر ومؤمن ، فيخسر الطمأنينة في الدنيا ، والمصير في ~~الآخرة. # ( @QUR@04 ويقولون آمنا بالله وبالرسول ) في إعلان للانتماء وللموقف ~~المرتبط بخط الرسالة في حركة الإيمان ، ( @QUR@01 وأطعنا ) في انفعال عملي ~~بالمضمون الشرعي لأوامر الله ونواهيه ، ولتعاليم الرسول وشرائعه ، ولكن ~~حركة الواقع الاختبارية التي تواجه الناس بالمشاكل والتحديات في مواقع ~~الالتزام ، تجعل البعض يثبت أمام التجربة الصعبة ويستمر في خط الإيمان ، ~~ويسقط البعض في الامتحان ، فلا يطيقون الآلام التي تفرضها أحيانا المواقف ~~الصلبة ، ولا ms3886 يتحملون الخسائر المعنوية والمادية التي قد تحصل في ساحة ~~الصراع بين الحق والباطل. # ( @QUR@07 ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ) الإعلان الحماسي الاستعراضي ~~الذي أطلقوه في الحالة التي لا تتضمن التحديات في ما توحي به البدايات من ~~الأحلام الخالية من حركة المشاكل. PageV16P342 # ( @QUR@03 وما أولئك بالمؤمنين ) لأن الإيمان يمثل العقيدة القوية ~~الثابتة في فكر الإنسان وقلبه ، المتجذرة في عمق حياته ، المتحركة في خط ~~أهدافه ، فإذا اهتزت به الأرض ، بسبب عوامل الاهتزاز ، عمل على منحها ~~الثبات من خلال النظرة المستقبلية الواعية الواثقة بالله ، والحركة ~~المنفتحة على الواقع في عملية تخطيط مدروس يحسب حساب كل المتغيرات الطارئة ~~بدقة ، ويوحي للإنسان بالاستعداد لذلك كله. # ومن خلال ذلك ، نستطيع أن نفهم أن الإيمان ليس كلمة ، وليس موقفا ظاهريا ~~، بل هو عمق فكري وروحي وعملي يتجسد في موقف وحركة والتزام. لهذا نفت الآية ~~صفة الإيمان عن هؤلاء ، لتثبتها في ما بعد للملتزمين بالخط ، الثابتين عليه ~~، وتمضي الآيات في إبراز بعض ملامح هذا الاهتزاز العملي الذي يوحي بفقدان ~~القاعدة الفكرية للانتماء. # * * * ### ||| ** ملامح الاهتزاز في نفوس المنافقين # ( @QUR@07 وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ) لتكون شريعة الله ~~المنطلقة من مضمون الإيمان هي الحكم في ما بينهم ، في ما تميز به بين الحق ~~والباطل ( @QUR@04 إذا فريق منهم معرضون ) لا يستجيبون للدعوة ، لأنهم غير ~~مستعدين للالتزام بنتائج الحكم الذي يستهدف إقامة الحق إذا ما كان في غير ~~مصلحتهم ، ولكنهم إذا عرفوا أن النتيجة ستكون لصالحهم ، أقبلوا على الدعوة ~~، واستجابوا لها ، لأنهم يستجيبون أولا وآخرا لمصلحتهم ، لا لانتمائهم الذي ~~يدعونه ، ( @QUR@07 وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) وهذا ما يفعله ~~كثير من الناس إذا ما واجهوا مشكلة مع الآخرين ، فهم يبادرون إلى سؤال أهل ~~الاختصاص بالشريعة ، ليعلموا كيف يكون مجرى الدعوى ، وهل تكون لصالحهم إذا ~~أثيرت أمام الحاكم الشرعي ، PageV16P343 # أو تكون لغير صالحهم ، فإذا رأوها منسجمة مع ما يريدون أقبلوا إلى حكم ~~الشريعة ، وإلا أعرضوا عنها. ولكن ، لم يفعلون ذلك؟ وكيف يواجهون المسألة ~~بهذه الطريقة؟ # يطرح القرآن التساؤلات في نطاق الاحتمالات ms3887 المطروحة : ( @QUR@03 أفي ~~قلوبهم مرض ) في ما يمثله النفاق من مرض روحي وفكري ، ( @QUR@02 أم ارتابوا ~~) بعد أن كانوا يعيشون القناعة بالحق الذي يمثله حكم الله ، فحدث لهم الشك ~~بعد ذلك ، ( @QUR@07 أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ) ويجور عليهم ~~ويظلمهم في حكمه؟ ولكن هل يعقل أن يفعل الله ذلك؟ فما هي حاجة الله إلى ~~الظلم وهو العادل الذي لا يظلم أحدا من عباده ، والقوي الذي تهيمن قوته على ~~كل شيء؟ # ويأتي الجواب المنطلق من عمق شخصية هؤلاء في كل أفكارهم وأعمالهم : ( ~~@QUR@04 بل أولئك هم الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم بالانحراف والمعصية ~~والابتعاد عن حكم الله. # * * * ### ||| ** الملتزمون بحكم الله ورسوله هم المفلحون # ( @QUR@015 إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~أن يقولوا سمعنا وأطعنا )، لأن تلك الطاعة تجسيد للموقف الإيماني في صورته ~~الواقعية ، في ما يمثله من التزام بالرسالة لتأكيد مسألة الانتماء ، ~~ولتعميق الإخلاص لله ولرسوله في مظهرهم العملي بالطاعة .. ( @QUR@03 وأولئك ~~هم المفلحون ) لأن سبيل الفلاح الوحيد في حياة الناس ، هو الارتباط بالله ~~في علاقتهم بكل شيء حولهم ، باعتبار أن كل ما في الحياة هو من الله وله ، ~~وأن الإنسان نفسه هو ملك الله. # ( @QUR@04 ومن يطع الله ورسوله ) في أقواله وأفعاله وعلاقاته والتزاماته ، بحيث PageV16P344 # تكون الطاعة خطه المستقيم في كل حياته ( @QUR@03 ويخش الله ويتقه ) ~~فيراقبه في كل شيء ، ويحسب حسابه في جميع الأمور ، بحيث تشكل التقوى عمق ~~فكره وروحه وحياته وحركته في مجرى الأحداث ، فهو يعيش مع الله ، ويدرك سر ~~عظمته وقوته ، ويعرف موقع نعمته في وجوده وفي كل تفاصيل حياته ، ويخاف من ~~عقابه ، ويرغب في ثوابه ، فيلتقي بأوامره ونواهيه من أقرب طريق ، وذلك هو ~~سبيل الفوز في الدنيا والآخرة ، فمن أخذ بهذا الخط من الناس ( @QUR@03 ~~فأولئك هم الفائزون ) الذين يحصلون على رضى الله وجنته ونعيمه في الدار ~~الآخرة .. # * * * PageV16P345 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@017 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) @QUR@023 قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ms3888 حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين ) (54) # * * * ### ||| ** الله خبير بطاعة المنافقين الكاذبة # ويتقدم المنافقون إلى رسول الله ، وقد شعروا بأن مواقفهم المهتزة بدأت ~~تثير الشك لديه ولدي المسلمين المخلصين في إيمانهم ، وبأنهم لم يستطيعوا ~~إخفاء ملامح النفاق في حركتهم العملية في الواقع الإسلامي ، وهكذا أرادوا ~~أن يتقدموا إليه ليظهروا وقوفهم في خط الطاعة في الحرب الدائرة بين ~~المسلمين والكافرين ، ليحصلوا على الثقة من جديد .. # ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) كما يفعل من يشعر في داخله بسوء PageV16P346 # موقفه ، ويحس بإدراك الآخرين لخفاياه ، أو بعدم ثقتهم بإخلاصه ، فيبادر ~~إلى الأيمان المغلظة التي يطلقها بمناسبة وغير مناسبة ، ليؤكد صدقه بهذا ~~الأسلوب الحاسم. وهكذا جاءوا وأقسموا الأيمان المغلظة ( @QUR@03 لئن أمرتهم ~~ليخرجن ) من ديارهم وأموالهم ، ولكن الله أراد للرسول أن يصدمهم بقوة ، ~~ويواجههم بالحقيقة الداخلية المظلمة التي تختفي وراء صورتهم المشرقة .. ( ~~@QUR@03 قل لا تقسموا ) لأنكم مهما أقسمتم ، فإن ذلك لن يغير من القناعة ~~بنفاقكم ، بل ربما تكون كثرة الأيمان أساسا للشك والاتهام ، لأن الإنسان ~~الواثق من صدقه وبراءته يستخدم الأسلوب الطبيعي في إثارة قضيته ، ولا يبتدئ ~~إثارتها بتقديم التأكيدات غير العادية ، لأنه لا يرى ضرورة لذلك ما دام لا ~~يجد في موقفه أساسا لأي شك أو اتهام. # ( @QUR@02 طاعة معروفة ) أي أن طاعتكم ليست طاعة حقيقية سببها الالتزام ~~بالرسالة والرسول ، بل هي طاعة ظاهرية منطلقة من مواقع الكذب والرياء ، ~~غرضها تفادي الإحراج ، كي لا ينكشف أمركم لدى الجميع ، ولكن أمركم معروف ~~لله الذي يعرف بواطن الأشياء وخفايا الأمور. # وذكر بعض المفسرين أن معناها : قل «لا تقسموا ، فالخروج إلى الجهاد طاعة ~~معروفة من الدين ، وهو واجب لا حاجة إلى إيجابه بيمين مغلظ» (1). وهو خلاف ~~الظاهر من سياق الآيات. # ( @QUR@05 إن الله خبير بما تعملون ) وقد أخبرنا الله عنكم بما فيه ~~الكفاية ، مما جعلكم معروفين لنا بكل وضوح. # * * * PageV16P347 ### ||| ** إن تطيعوا الله والرسول تهتدوا # ( @QUR@05 قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) فهذا هو الخط المستقيم الذي ~~ينبغي لكم ولكل الناس التزامه في كل المواقف والمواقع ، وعدم الانحراف عنه ~~قيد شعرة ms3889 ، استنادا إلى قناعة حقيقية في الفكر والروح والشعور ، من خلال ~~الإيمان العميق الصافي الواضح ، ( @QUR@02 فإن تولوا ) أي أعرضتم وامتنعتم ~~عن الاستجابة له ، وأصررتم على الكفر والنفاق ، ( @QUR@04 فإنما عليه ما ~~حمل ) من مسئولية التبليغ ، فلا بد له من أن يخلص في ذلك ويبذل كل جهده ~~ليوصل الدعوة إلى كل أذن ، ويدخلها في كل قلب ، ويثيرها في كل مكان .. فإن ~~قام بما يجب عليه فقد قام بمسؤوليته أمام الله ، وإن أهمل ذلك فإنه يتحمل ~~نتائج ذلك أمام الله ، ( @QUR@03 وعليكم ما حملتم ) من الانقياد والطاعة ( ~~@QUR@03 وإن تطيعوه تهتدوا )، لأن ذلك هو الخط المستقيم الذي يصل بكم إلى ~~الله ، وهو غاية الغايات في كل شيء ، ولكن مهما كانت مواقفكم منه ، فلن ~~تضروه شيئا .. ( @QUR@06 وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) فذلك هو دوره ~~أمام الله وأمام الناس. # * * * PageV16P348 ### ||| * الآيات # ( @QUR@038 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون (55) @QUR@08 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا ~~الرسول لعلكم ترحمون (56) @QUR@011 لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ~~ومأواهم النار ولبئس المصير ) (57) # * * * ### ||| ** وعد المؤمنين بالخلافة # قد يعيش المؤمنون في صراعهم مع الكافرين والطاغين حالة من الضغط القاسي ~~الذي يهدد الطمأنينة والشعور بالأمن والاستقرار ، لما يثيره الكافرون من ~~مشاكل لهم ، وما يضعونه من عراقيل في طريقهم ، وما يفرضونه من حصار على ~~تحركاتهم ، الأمر الذي يعيق تقدمهم في اتجاه الوصول إلى تحكيم PageV16P349 # الإيمان في حركة الحياة ، كعنوان لحكم الإسلام في فكره وشريعته ، مما ~~يقودهم إلى اليأس والانسحاق تحت تأثير عوامل الضعف الذاتية والخارجية. ولكن ~~الله يريد لهم الاستمرار في الانفتاح على الأمل الكبير القادم منه ، لأن ~~التغيير في الحياة لا يحدث في حدود زمنية ضيقة ، بل يحتاج إلى مدى طويل من ~~الزمن والتخطيط ، يعمل فيه على محاصرة الخطط المضادة ، وإضعاف القوى ~~المعادية ، وتقوية المواقع الخيرة الإيمانية ، مع مواكبه دائمة للمتغيرات ~~والظروف المتحركة لدراسة إمكانات ms3890 استغلالها في التحرك الجديد .. فإن تغيير ~~الإنسان يختلف عن تغيير المكان ، لأن هندسة الشخصية الإنسانية تحكمها أفكار ~~ومشاعر متحركة قابلة للتغيير وللتبديل مع كل المتغيرات الواقعية ، بينما ~~تحكم هندسة المكان خطوط ثابتة لا تقبل التغيير والاهتزاز .. فالإنسان عنصر ~~متحرك قلق ، بينما الأرض والحجارة وما إلى ذلك عنصر ثابت مستقر .. # ولهذا ، فإن على المؤمنين مواصلة السير ، والأخذ بأسباب التغيير التي ~~سنها الله في الكون ، والتقوي بوعد الله لهم بالنصر في مستقبل الحياة. # ( @QUR@010 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض ) فيجعل لهم القوة والسيطرة والخلافة ، بحيث يصبحون الأمناء على ~~إدارة شؤون الأرض التي يسيطرون عليها ( @QUR@05 كما استخلف الذين من قبلهم ~~) من الأمم السابقة التي عاشت الاضطهاد والقهر والإذلال ، ولكن الله جعلها ~~في موقع الانتصار والقوة ، فاستطاعت تكوين مجتمعاتها الصالحة ، كما حدثنا ~~الله عن بعض هؤلاء في قوله تعالى : ( @QUR@033 وما لنا ألا نتوكل على الله ~~وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون* ~~وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين ) [إبراهيم : 12 13] وبذلك تكون الإشارة إلى القوم ~~الصالحين الذين سبقوهم من أتباع الأنبياء. PageV16P350 # وذكر بعضهم «أن المراد بالذين استخلفوا من قبلهم بنو إسرائيل ، لما أهلك ~~الله فرعون وجنوده ، فأورثهم أرض مصر والشام ، ومكنهم فيها كما قال تعالى ~~فيهم : ( @QUR@016 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين* ونمكن لهم في الأرض )» (1) [القصص : 5 6]. # وقد رد عليهم صاحب تفسير الميزان بقوله : «إن المجتمع الإسرائيلي المنعقد ~~بعد نجاتهم من فرعون وجنوده ، لم يصف من الكفر والنفاق والفسق ، ولم يخلص ~~للذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا حينا على ما ينص عليه القرآن الكريم في ~~آيات كثيرة ، ولا وجه لتشبيه استخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~باستخلافهم وفيهم الكافر والمنافق والطالح والصالح. # ولو كان المراد تشبيه أصل استخلافهم بأصل استخلاف الذين من قبلهم وهم بنو ~~إسرائيل كيفما كان ، لم يحتج إلى أشخاص المجتمع الإسرائيلي للتشبيه به ، ~~وفي زمن نزول الآية ، وقبل ms3891 ذلك أمم أشد قوة وأكثر منهم كالروم والفرس وكلدة ~~وغيرهم» (2). # ونلاحظ على هذه المناقشة ، أن المراد بالآية ، والله العالم ، هو المجتمع ~~المؤمن الصالح من خلال الواجهة العامة التي تحكم مسيرته وهي الإيمان والعمل ~~الصالح ، كعنوانين للخط الذي كان هو الأساس في اضطهادهم ، وليس من الضروري ~~أن يكون كل أفراد المجتمع ملتزمين بالإيمان ، تماما كما هو حال كل مجتمع ~~يتحرك من أجل التخلص من وضع ظالم ، أو من حكم كافر ، أو من خط منحرف ، فإن ~~المسألة التي تحكم قضية الاستخلاف فيه ، هي القيادة التي تتحرك معها ~~الجماعات الكبيرة في المجتمع ، مع وجود أفراد قليلين أو كثيرين ، يخالفون ~~توجه القيادة ، أو الجماعات الملتزمة. PageV16P351 # وهكذا رأينا أن الآية التي تحدث عنها هذا البعض ، كانت تتحدث عن الذين ~~استضعفوا من بني إسرائيل في مقابل فرعون وهامان ، كما أشارت إليه في ما بعد ~~: ( @QUR@08 ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) [القصص : ~~6] وذلك على أساس أن واجهة المجتمع الإسرائيلي هي الدعوة إلى الإيمان ~~بقيادة النبي موسى عليه السلام مع الذين اتبعوه ، في الوقت الذي بقيت فيه ~~جماعات كثيرة من بني إسرائيل تعيش عقلية العبودية على أساس قيم المجتمع ~~الفرعوني ، ولكن ذلك لا يمنع أن السلطة قد تغيرت من سلطة يحكمها الكفر إلى ~~سلطة يحكمها الإيمان والعمل الصالح. # وقد يكون الاحتمال الذي ذكره هذا البعض ، في أن المراد ب ( @QUR@03 الذين ~~من قبلهم ) بنو إسرائيل ، قريبا إلى الذهن ، باعتبار أن المرحلة التاريخية ~~التي استطاعت فيها حركة الأنبياء إسقاط الطغاة ، والحصول على القوة وتكوين ~~المجتمع المؤمن المنفصل عن ضغط الطغاة ، هي مرحلة النبي موسى عليه السلام ~~بعد مواجهته للطاغية فرعون .. ولم نجد في القرآن أي تلميح لمرحلة يتحرك ~~فيها المؤمنون من موقع التمكين لهم في الأرض إلا هذه المرحلة ، مما يبعث ~~على اعتبار هذا التطبيق مقبولا قرآنيا. # ( @QUR@06 وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) وذلك بانتشاره بين الناس ، ~~بحيث يتحول إلى مركز قوة في الساحة الفكرية والعملية ، لكثرة المنتسبين ~~إليه ، والداعين إلى اعتناقه ، والمتحركين من خلال مفاهيمه ، والدارسين له ms3892 ~~، والحاكمين باسمه ، مما يجعل من حركته في حياة الناس حركة قوية متجذرة في ~~عمق الواقع الإنساني على أكثر من صعيد. # * * * PageV16P352 ### ||| ** الله يبدل خوف المؤمنين أمنا # ( @QUR@05 وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) عند ما ترتفع الضغوط القوية ~~القاسية عن المؤمنين ، وتسقط التحديات الكبيرة أمام مواقع قوتهم ، وتكتمل ~~لهم عناصر القوة ، وتقل عناصر الضعف ، ويتحولون إلى أمة كبيرة واسعة ~~الانتشار ، كثيرة الموارد ، قوية المواقع والمواقف والتحديات ... فهناك ~~يعيشون الأمن الذي لا خوف فيه على أصل الوجود ، كما كانوا في بداية الدعوة ~~، لأن وجودهم غير محكوم لأي اهتزاز أو ضعف ، ويتحركون على أساس الواقع ~~الطبيعي الذي قد يختلط فيه الأمن بالخوف تبعا لما تفرضه مفردات الصراع ~~العامة التي يدور حولها الخلاف وتتحرك فيها الحروب. # ( @QUR@05 يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) لأن المجتمع الذي يتحرك من خلال ~~الإسلام بقوة ، لا يسمح ببقاء الأوهام الكبيرة التي تسيطر على العقل والروح ~~والشعور وتتحرك مع الواقع ، بحيث ترفع بعض الأشخاص في وعي الناس إلى مصاف ~~الآلهة ، لأن الإسلام في فكره التوحيدي وفي مفاهيمه العميقة الدقيقة في ~~تفسير الكون وحركة المجتمعات في الحياة ، لا يترك مجالا لمثل هذه الأوهام ~~الشركية ، بل يجعل التوحيد في العقيدة وفي العبادة أساسا لحركة الإنسان في ~~الداخل والخارج. # وعلى ضوء ذلك ، نستطيع أن نفهم أن تغيير الحكم في المجتمع من خلال مراكز ~~القوة فيه ، هو الذي يحقق المناعة ضد الانحراف للمؤمنين ، وهو الذي يدفع ~~الحائرين إلى السير في طريق الهدى بما يؤمنه من أجواء الاستقامة ، ليحصن ~~الساحة من كل عوامل الاهتزاز والإضلال ، ( @QUR@07 ومن كفر بعد ذلك فأولئك ~~هم الفاسقون )، لأن الكفر لا ينطلق ، في النظرة القرآنية ، من حالة PageV16P353 # فكرية ثابتة ، تبرر للكفر مفاهيمه ، وتؤكد له قناعاته ، بل ينطلق من ~~الضغوط النفسية التي يستجيب فيها الإنسان للضعف الذاتي الكامن في داخله ~~أمام تحديات مواقع القوة ، ولذلك فإن الإنسان في المجتمع المؤمن المتحرك في ~~المواقع الحرة للفكر ، وفي الآفاق الواسعة للإيمان ، وفي الساحات الكبيرة ~~للحرية وللعدالة ، لا يملك مبررا للكفر ، لأن الشبهة الطارئة لا تتحول إلى ~~عقدة ms3893 في داخله ، لوجود الحرية التي تقبل مناقشة كل الشبهات والإجابة عنها ، ~~الأمر الذي يجعل من السير في طريق الكفر حالة تنطلق من موقع العقدة لا من ~~موقع الفكر ، بحيث يخرج الإنسان بها عن التزاماته في حركة الوجود ، التي ~~تتطلب منه الاعتراف بالله إلها واحدا ، والسير على خط شريعته ومنهجه .. ~~وذلك هو شأن الفاسقين الذين يعيشون الحرية أمام الله ، والعبودية أمام عبيده. # * * * ### ||| ** اختلاف المفسرين حول المقصودين بالاستخلاف # وقد اختلف المفسرون في تطبيق الآية على الواقع التاريخي أو المستقبلي ، ~~وفي تحديد المقصودين بالذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين وعدهم الله ~~بالاستخلاف. # فهناك من قال : إن المراد بهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين ~~كانوا يعيشون الخوف والضغط والاضطهاد من قبل المشركين الذين كانوا يملكون ~~السيطرة المطلقة على المؤمنين ، فوعدهم الله أن يجعلهم الخلفاء على الناس ~~من بعدهم ويمكنهم في الأرض ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا ، وهذا ما حدث لدى ~~سيطرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده ، وسيطرة المسلمين على المنطقة ~~كلها .. # وهناك من قال : إنها تعم الأمة كلها في ما أفاء الله عليها من انتصارات PageV16P354 # وفتوحات جعلتها في مدة طويلة من الزمن تهيمن على الأمر كله ، حتى أصبح ~~الإسلام القوة الكبرى في العالم ، وشعر المسلمون بالعزة والكرامة والأمن ~~والقوة والسيطرة. # وهناك من قال : إن المراد بها الخلفاء الراشدون ، ومنهم من قال : إن ~~المراد بها المهدي المنتظر ، وقد وردت عدة روايات في هذا الرأي أو ذاك. # وإننا نعتقد أن الآية جاءت من أجل أن تثير في نفوس المسلمين الثقة ~~الكبيرة بالله وبأنفسهم ، وتكشف لهم الغيب الإلهي الذي يتحرك من سنن الله ~~في الكون ، في ما يمنحهم الله من لطفه وفي ما يأخذ به الناس من أسباب النصر ~~، في الدعوة والحركة والجهاد ، في كل ما تحتاجه الحياة من عناصر القوة ~~للرسالة وللإنسان ، كي لا يتساقطوا تحت تأثير الضغوط الصعبة التي تطبق ~~عليهم وتحيط بهم من كل جانب ، وكي لا يضعفوا أمام نوازع الضعف الكامنة فيهم ~~، ليستمروا في التحرك ، وليتابعوا المسيرة بقوة ms3894 وجد وإخلاص .. # ولم تكن لتقتصر على مرحلة من المراحل ، أو جيل من الأجيال ، لأنها تؤكد ~~الموقف على أساس الإيحاء برعاية الله للإسلام والمسلمين على امتداد مسيرتهم ~~في خط الحياة ، ولذلك فمن الممكن تطبيقها على كل مرحلة استطاع الإسلام فيها ~~أن يحكم ويمتد ويهيمن ، واستطاع المسلمون أن يعيشوا فيها الطمأنينة والقوة ~~والثبات ، وعلى كل مرحلة مستقبلية تتصف بهذا الوصف. ولكن ، مهما اختلفت ~~التطبيقات ، فلا بد من إدخال المرحلة الأولى للدعوة وذلك تثبيتا من الله ~~للمسلمين كي لا يخضعوا للاهتزازات التي كانت تتحرك في حياتهم ، وللضغوط ~~المحيطة بهم .. ليثبتوا على المبدأ ، ويلتزموا بالإسلام. # جاء في نهج البلاغة كلام قاله علي لعمر ، عند ما استشاره لانطلاقه لقتال ~~أهل فارس حين تجمعوا للحرب ، قال عليه السلام : إن هذا الأمر لم يكن نصره ~~ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده PageV16P355 # الذي أعزه وأمده ، حتى بلغ ، ما بلغ ، وطلع ما طلع ، ونحن على موعود من ~~الله ، والله منجز وعده وناصر جنده (1). # فلننطلق مع وعد الله ليكون عنوانا لكل مسيرتنا المتحركة بين الأشواك ، ~~على طريق مزروعة بالألغام ، وفي مواجهة كل قوى الشر ، لنؤمن ، من مواقع ~~الارتباط بالله في كل موقف ، والاعتماد عليه في كل شيء ، بأننا منتصرون ، ~~مهما أطلت علينا أشباح الهزائم ، وأننا آمنون ، مهما أحاطت بنا عوامل الخوف ~~، وأننا الأقوياء ، مهما تحركت في حياتنا نقاط الضعف ، وأننا بالله ننتصر ، ~~وبه نأمن ، وبه نملك القوة التي تمنحنا الثبات والصمود في كل المواقع. # وأما قوله تعالى : ( @QUR@08 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول ~~لعلكم ترحمون ) فالتناسب من جهة مضمونة قائم وصريح مع ما سيق من آيات قبله. ~~فقوله تعالى : ( @QUR@04 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أمر منه تعالى ~~بطاعته في ما شرعه لعباده من عبادات وطاعات ، وتخصيصه هنا للصلاة والزكاة ~~بالذكر فحسب ، فلكونهما ركنين أساسيين من أركان التكاليف التي ترجع إليه ~~تعالى وإلى الناس. # وأما قوله : ( @QUR@02 وأطيعوا الرسول )، ففيه تقرير لولاية الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الناس ، وإمضاء لحكومته وقضائه عليهم. # وأما قوله : ( @QUR@02 لعلكم ترحمون ms3895 ) فواردة مورد التعليل لأوامره هذه ~~مجتمعة ، وذلك لما يتعلق بها من مصلحة العباد في الدنيا والآخرة. فالتزام ~~أوامر الله تعالى ، والتزام أوامر الله تعالى ، والتزام أوامر نبيه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) من شأنه أن يعم الصلاح في أوساطهم ، وأن يرفع من ~~بينهم بذور الشقاق PageV16P356 # والنفاق ، وأن يجعلهم ملتزمين خط الحق والاستقامة الذي تنعقد له وحده ~~مفاتيح الخير والبركة ، لا سيما إذا ما كان منطلقه الله تعالى ، ومراده ~~الله تعالى. # وأما قوله تعالى : ( @QUR@011 لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ~~ومأواهم النار ولبئس المصير ) ففيه تأكيد قاطع لما سلف من وعده تعالى ~~باستخلاف المؤمنين في الأرض وتمكينهم منها وإبدالهم خوفهم أمنا ، وذلك من ~~خلال مخاطبته تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الجزم القاطع ، بأن لا ~~يظن الكفار أنهم معجزون الله في أرضه فيحولون بينه وبين مشيئته بما عندهم ~~من القوة. # ومن الآية تفوح معالم بشرى واضحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بأن مآل ~~الكفار إلى الانهزام ، ومآل المؤمنين إلى النصر. # * * * PageV16P357 ### ||| * الآيات # ( @QUR@050 يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم ~~حكيم (58) @QUR@019 وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن ~~الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) @QUR@023 ~~والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ~~غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ملكت أيمانكم ): العبيد والإماء. PageV16P358 # ( @QUR@01 الحلم ): البلوغ. # ( @QUR@01 جناح ): إثم. # ( @QUR@01 والقواعد ): العجائز. # * * * ### ||| ** أحكام استئذان الدقيق والأطفال # وهذا حديث عن لون من ألوان الأدب الاجتماعي في الإسلام ، لجهة دخول ~~الأولاد والرقيق على الكبار من أهل البيت ، حتى تتبنى التربية خطا واضحا ~~محددا في هذا المجال ، يمنع الانحراف من جهة ، ويوحي باحترام حرية الفرد في ~~حياته ms3896 الخاصة ، خاصة في حالات الاسترخاء التي يخلو فيها الإنسان لأهله ~~ولنفسه دون قيد ، مما يجعل البيت يعيش نظاما متوازنا يعرف فيه كل واحد ~~موقعه وحدوده في ما يتعلق باقتحام خلوات الآخرين ، طفلا كان أو بالغا .. # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) من العبيد ~~والإماء على سبيل التغليب ( @QUR@05 والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) من ~~المميزين من الأطفال الذين يعيشون أجواء المعاني الجنسية للعلاقات بحيث ~~يميزون بين وظائف الأعضاء ويفهمون طبيعة ذلك كله ( @QUR@011 ثلاث مرات من ~~قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ) وهو كناية عن كونهم على حال ~~لا يحبون أن يراهم الأجنبي عليها ، ( @QUR@07 ومن بعد صلاة العشاء ثلاث ~~عورات لكم ) لأنكم تكونون في هذه الحالة وحدكم أو مع أهلكم في حالة من ~~التحرر في اللباس وفي الوضع الجسدي ، بحيث تستترون عن الآخرين فيها ، فلا ~~تريدون أن يفاجئكم أحد على مثل هذه الحالة ، فلا بد لكم من أن تتولوا ~~تربيتهم وتعودوهم على عدم الدخول عليكم إلا بعد PageV16P359 # الاستئذان منكم في هذه الأوقات التي تعودتم فيها أن تأخذوا حريتكم ~~الشخصية في داخل بيوتكم أو غرفكم .. # أما خارج هذه الأوقات التي لا يكون فيها الاسترخاء الجسدي حالة طبيعية ~~للشخص في بيته ، فلا مشكلة في ترددهم عليكم ( @QUR@06 ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن ) لأنكم تكونون في أوضاع محتشمة لا تسيء إلى خصوصياتكم وإلى ~~طهارة تفكيرهم الذي ينبغي أن يعيشوه تجاه هذه القضايا الخاصة ، لذا فإن ~~باستطاعتهم أخذ حريتهم في ذلك ، ( @QUR@05 طوافون عليكم بعضكم على بعض ) في ~~ما يحتاجه كل واحد من الآخر في خدماته. # ( @QUR@05 كذلك يبين الله لكم الآيات ) التي توضح للإنسان منهجه وطريقته ~~في الحياة ، ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) يعلم أحوالكم ويراعي قواعد الحكمة ~~في ما يدبره من أموركم في تخطيط التشريع ، وفي حركة الواقع. # ( @QUR@011 وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم )، وهم البالغون من الرجال والنساء الأحرار ، لأن هناك حواجز شرعية ~~تمنعهم من الدخول بدون إذن. # ( @QUR@08 كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ) وعليكم أن ms3897 تفهموها ~~وتلتزموا حدود الله فيها ، لأنها منطلقة من وحي الله الذي يعلم كل شيء ~~ويحكم بالمصلحة في حياة الإنسان. # ( @QUR@07 والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ) لأنهن بلغن سنا ~~كبيرا لا يرغب أحد معه في الزواج منهن ، وقيل : هن اللائي يئسن من الحيض. # ( @QUR@06 فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) بأن يتخففن من الحجاب ، ~~فيضعن بعض ثيابهن عن بعض جسدهن ( @QUR@03 غير متبرجات بزينة ) بأن لا يظهرن ~~في طريقتهن في اللباس ما يوحي بالزينة ويظهر محاسنهن بطريقة أو بأخرى ، وهي ~~استثناء من الحجاب الواجب على النساء. PageV16P360 # ( @QUR@04 وأن يستعففن خير لهن ) أي يطلبن مواقع العفة ومظاهرها ~~بالاحتجاب الذي يبعد الجسد عن الرؤية التي قد توحي بالشهوة ، وإن كان ذلك ~~أمام الأشخاص الذين لا يعيشون المشاعر الطبيعية في العلاقات الجنسية ، ~~فيرغبون بمن لا يرغب بها في الحالات العادية ( @QUR@03 والله سميع عليم ) ~~يسمع ما يسأله عباده في حاجاتهم الخاصة والعامة ، ويعلم ما يصلح أمورهم وإن ~~لم يسألوه منه. # * * * PageV16P361 ### ||| * الآية # ( @QUR@076 ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ) (61) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أشتاتا ): متفرقين. # * * * PageV16P362 ### ||| ** القرآن ينظم الحياة العامة والخاصة للإنسان # تتناول هذه الآية حركة الناس في علاقاتهم الخاصة ، وما ينصرفون إليه من ~~الأكل في بيوت بعضهم البعض ، وهي أمور تقتضيها طبيعة ظروفهم الخاصة ، أو ما ~~تفرضها الأجواء الحميمة التي تشيع في علاقات القرابة والصداقة ، حيث تتفتح ~~مشاعرهم الداخلية على بعضهم البعض ، فتجعلهم لا يجدون أي حرج أو أية مشكلة ~~في تناول الطعام من بيوت أقربائهم أو أصدقائهم. وتتناول هذه الآية إلى جانب ~~ذلك الانفراد أو الاجتماع في الأكل ، وإلقاء الإنسان ms3898 التحية على أصحاب ~~البيت أو على نفسه عند دخول البيت ، إذا لم يكن هناك من أحد .. # وقد نستوحي من الحديث عن مثل هذه الأمور ، أن الإسلام يلاحق الإنسان في ~~حياته الخاصة ، لينظم علاقاته فيها ، كإيحاء بأن هذا الدين لا يترك صغيرة ~~ولا كبيرة من حركة الواقع ، إلا وضع لها حكما شرعيا ترخيصيا أو إلزاميا ~~لتنظيم الحياة العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** من أحكام دخول البيوت والأكل فيها # ( @QUR@012 ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) ~~وأمثالهم من أصحاب العاهات التي تجعل من اكتساب الرزق والعمل أمرا صعبا ~~عليهم ، مما يجعلهم في حاجة ماسة إلى تناول قوتهم من بيوت هؤلاء المذكورين ~~في الآية ، وليس لهؤلاء خصوصية تجعل الحكم محصورا بهم ، لكن التنصيص PageV16P363 # عليهم ، قد يعود إلى كونهم المنوذج البارز في هذا الحكم الترخيصي فيما ~~بين الناس الآخرين. # ( @QUR@03 ولا على أنفسكم ) إذا كانت إليكم حاجة ، أو في الحالات ~~الطبيعية من حياتكم ( @QUR@04 أن تأكلوا من بيوتكم ) وقد يكون في الحديث عن ~~بيوت الناس أنفسهم إشارة إلى أن النظرة الإسلامية تريد أن تصنع من المجتمع ~~الإسلامي وحدة في حركة العلاقات والممارسة ، بحيث لا يجد فيه الإنسان فرقا ~~بين بيته وبيوت هؤلاء الناس من الأقرباء والأصدقاء ، من خلال ما توحي به ~~الآيات التي تؤكد على أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض .. ( @QUR@028 أو بيوت ~~آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم ~~أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه ) من ~~البيوت التي جعل لكم أصحابها السلطة عليها وعلى ما في مخازنها من طعام ، في ~~ما يوحي به إعطاء المفتاح من تمكين من البيت وما فيه. ( @QUR@02 أو صديقكم ~~) أي : بيت صديقكم .. # ( @QUR@08 ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) فليس هناك أية ~~مشكلة في أن يأكل الرجل وحده دون أن ينتظر غيره ليؤاكله أو يشاربه ، كما ~~كان يظن بعض الناس ، في ما يقال ، أثناء نزول الآية. # وقد نحتاج إلى التأكيد من ناحية فقهية على أن إذن ms3899 الأكل في هذه البيوت ~~التي ذكرتها الآية ، وارد في الحالات الطبيعية التي لا يعلم فيها بكراهة ~~أصحابها لأكل الآخرين منها ، لأن الآية تشرع عدم الحاجة إلى الإذن ، في ~~الأوضاع التي لا يحتاج فيها الإنسان إليه ، وفي الوضع الطبيعي الذي يكون ~~الداخل إلى البيت مقبولا من أصحابه ، أما في حالات الكراهة البارزة التي ~~تدل على رفضه للأكل ، فلا يجوز ، والله العالم. # * * * PageV16P364 ### ||| ** التسليم : من آداب دخول البيوت # ( @QUR@06 فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) وهذا من آداب الدخول إلى ~~البيوت ، فعلى الإنسان إذا دخل أي بيت من بيوت الناس أن يسلم عليهم ، وأما ~~التعبير عنهم بكلمة ( @QUR@01 أنفسكم ) فللدلالة على ارتباط المجتمع العضوي ~~، بحيث يكون بعضهم من بعض ، باعتبار أن ما يجمعهم من الإيمان يوحدهم في ~~دائرة واحدة ، تماما كما هو الجسد الواحد ، فإذا ما سلم الإنسان على أخيه ~~المؤمن ، كان كمن سلم على نفسه ، وربما استوحى منها بعضهم أن على الإنسان ~~أن يسلم على نفسه في حال دخوله البيت إذا لم يكن فيه أحد ، لأن السلام على ~~الآخرين بصفة أنهم نفسه يقتضي ذلك .. # وهكذا نجد أن السلام يمثل الكلمة التي توحي بالانفتاح على الآخرين ~~بالمشاعر الطيبة السلمية الوديعة ، وبالاحترام الاجتماعي لموقع أصحاب ~~المنزل في منزلهم ، كما أنه إيذان بوجود الزائر بطريقة لبقة ، مما يفتح ~~القلوب على بعضها البعض ، ويدفع إلى المحبة ، ( @QUR@06 تحية من عند الله ~~مباركة طيبة )، في ما شرعه الله من آداب اللقاء بين المؤمنين في الدائرة ~~الاجتماعية التي أراد لها أن تتحرك في أجواء السلام الروحي الذي يعبر فيها ~~كل واحد من الناس عن مشاعر السلام التي يحملها تجاه الآخر ، مما يجعل ~~المجتمع يعيش في خير كثير دائم ، وروح طيبة غنية بالمعاني الروحية السلمية ~~الخيرة في حياة الإنسان ، ( @QUR@05 كذلك يبين الله لكم الآيات ) التي تجعل ~~الحياة العامة داخل المجتمع الإسلامي مباركة طيبة في نظامها العام ( ~~@QUR@02 لعلكم تعقلون ) في ما تتحركون به في خط العقل الواعي المستقيم على ~~طريق الله. # * * * PageV16P365 ### ||| * الآيات # ( @QUR@039 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر ms3900 جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم (62) @QUR@027 لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) @QUR@022 ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ~~والله بكل شيء عليم ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أمر جامع ): الأمر الجامع : الأمر الهام الذي يقتضي الإجماع ~~عليه والتعاون فيه. PageV16P366 # ( @QUR@01 يتسللون ): السلة : السرقة في خفية ، والتسلل : الخروج في خفية. # ( @QUR@01 لواذا ): يلوذ بعضهم ببعض ويستتر به. # * * * ### ||| ** المؤمنون في خط الطاعة يستأذنون الرسول # في الآيات لون من ألوان الأدب الذي يحكم علاقة المؤمنين بالرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وربما يشمل ذلك علاقة المؤمنين بكل القيادات الشرعية ~~التي تحكم أمورهم لجهة ما يجب أن يكون عليه سلوك القاعدة مع القيادة في ~~المهمات الكبيرة التي تتعلق بالقضايا العامة ، سواء السلمية أو الحربية أو ~~الأمنية أو الاجتماعية ، فلا بد لكل فرد في هذه الحال أن يضع نفسه تحت تصرف ~~القيادة ، فلا يذهب إلى أي مكان ، ولا يغيب عن نظرها إلا بعد أن يأخذ الإذن ~~منها في ذلك. # ( @QUR@06 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ) وعاشوا هذا الإيمان ~~في عمق الفكر والشعور وحركة الحياة ، في ما يفرضه من التزام بطاعة الله ومن ~~انسجام مع شريعة رسوله ، من خلال ما تمثله طاعة الرسول في الخط العام وفي ~~مفردات الواقع ، إذ إن الإيمان ليس مجرد فكر يتحرك على مستوى المعادلات ~~الفكرية ، بل هو فكر ينفتح على كل مفردات الحياة في حركة الإنسان ، ( ~~@QUR@06 وإذا كانوا معه على أمر جامع ) يرتبط بالحياة العامة للناس جميعا ~~ويتصل بالسلم والحرب ( @QUR@04 لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) ليحدد لهم مواقعهم ~~داخل الساحة أو خارجها ، على ضوء حاجة الخطة لهم أو عدم حاجتها لهم. # تلك علامة إيمان تمثل انضباطا في الالتزام بالقيادة في تفاصيل الحركة ms3901 PageV16P367 # الخاصة والعامة ، وذلك ما يؤكده قول الله : ( @QUR@08 إن الذين يستأذنونك ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ) في الموقف العملي في خط الالتزام ( ~~@QUR@04 فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ) في ما يريدون أن ينصرفوا إليه من ~~شؤونهم الخاصة ، فادرس المسألة على أساس حاجة الخطة لذلك ( @QUR@04 فأذن ~~لمن شئت منهم ) إذا رأيت أن الحاجة الاجتماعية ليست بالخطورة التي تفرض ~~وجودهم معك ، وأمنعها عمن تجد ضرورة وجوده معك ( @QUR@03 واستغفر لهم الله ~~) لما قد ينتابهم من شعور بالإثم لذهابهم عنك ، أو لما قد يدور في خاطر ~~بعضهم من رغبة في الاحتيال عند طلب الإذن منك للخروج ، ثم يعود لنفسه ~~لتستغفر له ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم )، لأنه يعرف نقاط ضعفهم في ما قد ~~ينحرفون فيه من الفكر والسلوك ، ثم يتراجعون طلبا للمغفرة والرحمة. # * * * ### ||| ** آداب التعامل مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@08 لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) وهذا تأكيد من ~~الله على التزام الأدب الإيماني في التعامل مع الرسول ، في ما يدعوهم إليه ~~من قضايا ترتبط برسالته ، أو ترتبط بقيادته وولايته على المسلمين في إدارة ~~شؤونهم العامة ، عند ما يدعوهم إلى العمل الصالح ، أو ليشاورهم في أمور ~~الحرب والسلم ، أو إلى الصلاة جامعة ، أو إلى غير ذلك ، فعليهم أن يعتبروا ~~الدعوة ملزمة على مستوى الواجبات الشرعية ، تماما كما هي العبادات في ذاتها ~~، ولا ينظروا إلى دعوته نظرتهم إلى دعوة بعضهم بعضا باعتبار أنها غير ملزمة ~~لهم ، لأن طبيعة علاقة القيادة بالقاعدة تختلف عن علاقة القاعدة ببعضها ~~البعض ، لأن الأولى أي علاقة القاعدة بالقيادة تتصل بالجانب المصيري في ~~تنظيم المجتمع من أجل سلامة خطه وتوازن موقعه ، بينما تتصل الثانية PageV16P368 # بالعلاقات الاجتماعية الخاصة التي يملك فيها كل واحد حريته أمام الآخر ، ~~بعيدا عن كل حالات الإلزام الذاتي والاجتماعي ، وعن القضايا العامة في ~~مضمونها المصيري الذي يرقى إلى مستوى الأهمية الكبرى. # وقد جاء في بعض احتمالات التفسير للآية أن المراد به أن لا تنادوه كما ~~ينادي بعضكم بعضا ، أي لا تسموه إذا دعوتموه : يا محمد ، ولا تقولوا : يا ms3902 ~~ابن عبد الله ، ولكن شرفوه وعظموه في الدعاء وقولوا : يا رسول الله. # وذكر بعضهم أن المراد به دعاؤه عليهم لو أغضبوه ، أي : لا تتعرضوا لمواقع ~~دعائه عليكم ، فتستهينوا به كما يستهين أحدكم بدعاء صاحبه عليه ، فإن الله ~~لا يرد له دعاء. # ولكن الأقرب هو ما ذكرناه من الوجه الأول ، لأن سياق الآية مع الآيات ~~التي قبلها يوحي بأن الجو هو جو الطاعة والانسجام مع خط قيادته في إدارة ~~شؤون الأمة ، كما أن الفقرة التي بعدها توحي بذلك أيضا. # * * * ### ||| ** فليحذر المنافقون الفتنة # ( @QUR@07 قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) أي ينسحبون برفق ~~واحتيال ويلجأون إلى مكان خفي أو إلى أشخاص آخرين يستترون بهم ولا يستجيبون ~~لدعوة النبي ، في عملية احتيالية إيحائية بأنهم لم يكونوا موجودين وقت ~~الدعوة ، أو كانوا مشغولين ببعض المسائل المهمة التي تبرر غيابهم عن الحضور ~~إلى المجتمع الذي دعا إليه ، فإن هؤلاء ليسوا بعيدين عن نظر الله ورقابته ~~وعلمه ، إذا كانوا يحسبون أنفسهم بعيدين عن رقابة الرسول ، لأن دعوته هي ~~دعوة الله في ما أمره به من أداء رسالته أو القيام بشؤون قيادته. PageV16P369 # وهذه صورة من صور النفاق ، حيث يعطون للنبي وجها من شكليات الطاعة ، ~~ولكنهم ينسحبون من الساحة في أوقات الشدة ، لأنهم لا يطيقون الالتزام ~~بالمسؤوليات العامة التي يفرضها عليهم الرسول ، ولا يريدون الانسجام الجدي ~~عمليا مع أجوائها. # ( @QUR@05 فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ويتركون الاستجابة لدعوته في ~~ما يريده منهم ، أو في ما يكلفهم به ، ( @QUR@03 أن تصيبهم فتنة ) وهي ~~البلية التي قد تصيبهم في أنفسهم وفي أهلهم وأموالهم. وقد روي عن الإمام ~~جعفر الصادق عليه السلام في ذلك ، أن الله قد يسلط عليهم سلطانا جائرا (1) ~~.. لأن مخالفة الرسول في السير على هدى الله في خط الشريعة يفسح المجال ~~لاختلال المجتمع وسيطرة حكام الجور عليه ، الذين لا يرحمون عباد الله .. ~~وقد يكون هذا مجرد نموذج تلتقي عنده المشاكل التي تصيب الناس المنحرفين عن ~~أمر الله ونهيه ، لأن هناك أكثر من مشكلة تحدث الفتن والقلاقل والحروب ، ~~وتربك مسيرة المجتمع ms3903 الأخلاقية والاقتصادية كنتيجة لمخالفة أمر الله. # ( @QUR@04 أو يصيبهم عذاب أليم ) في ما ينتظرهم من عذاب الله سبحانه في ~~يوم القيامة ، وهذا شاهد آخر على أن الأقرب في تفسير قوله : ( @QUR@08 لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) هو الاحتمال الأول الذي ~~أوردناه ، لا الاحتمالان الآخران .. والله العالم. # * * * PageV16P370 # ( @QUR@05 لله ما في السماوات والأرض ) # ( @QUR@07 ألا إن لله ما في السماوات والأرض ) وتلك هي الحقيقة الكونية ~~الواضحة التي لا بد للإنسان من أن يعيها وعيا تاما ، ليعرف من خلال ذلك ~~مسئوليته أمام الله ، وخضوعه له ، كما يعرف عمق ارتباط الشريعة بالمصلحة ~~الحقيقية للإنسان ، لأن مالك السماوات والأرض وما فيهن يعلم ما يصلحها وما ~~يفسدها أكثر من أي شخص آخر ، وبذلك تكون الشريعة مطابقة للحاجات الواقعية ~~التي تتمثل في عمق وجودهم. # ( @QUR@05 قد يعلم ما أنتم عليه ) من شؤونكم العامة والخاصة ، في حاضركم ~~ومستقبلكم ، لأنه العالم بغيب ذلك كله ، فيشرع لكم ما ينسجم معه. # ( @QUR@03 ويوم يرجعون إليه ) في يوم القيامة ، فهو العالم بالبداية ~~والنهاية ، وهو الذي يضع لكم خط السير في ما ينزل من سور ، وفي ما يفرض من ~~أحكام ، ويريدكم أن تسيروا عليه بأن تحللوا حلاله وتحرموا حرامه ، ليكون ~~ذلك هو الأساس الذي يرتكز عليه مصيركم في الآخرة .. وهو يعلم ذلك كله .. # ( @QUR@07 فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم )، فعليهم أن يراقبوا ~~أنفسهم وأعمالهم ، وينظروا حصيلة عمرهم كله من أعمال الخير ، لأن الله لا ~~يغيب عنه شيء من ذلك. وهذا ما ينبغي للإنسان أن يعيشه ، فيكون المسؤول أمام ~~الله في كل ما يفكر به ، أو يعمل به ، أو يثيره في حياته من أوضاع وعلاقات ~~، وأن يجعل كل مفردات حياته الفردية والاجتماعية خاضعة لعلاقته بالله ، ~~وحركة المسؤولية في وجوده. # والحمد لله رب العالمين PageV16P371 ### | الفهرس # تفسير سورة الحج [1 78] # سبب ~~التسمية.............................................................. 7 # الآيتان [1 ~~2].................................................................. 9 # معاني ~~المفردات.............................................................. 9 # دعوة إلي ~~التقوي.......................................................... 10 # التقوي: مطابقة إرادة العبد لإرادة الله ~~تعالى................................... 10 # أهوال يوم ~~القيامة.......................................................... 11 # الآيتان [3 ~~4]................................................................ 13 # معاني ~~المفردات............................................................ 13 # نموذج ~~ضال............................................................... 14 # الجدال الشخصي والجدال ms3904 ~~الفكري........................................... 14 # القيادات ~~الشيطانية........................................................ 15 # بالعلم واتباع القيادة المؤمنة نتفادي هذا ~~النموذج............................... 16 # الآيات [5 ~~7]................................................................ 17 PageV16P373 # معاني ~~المفردات............................................................ 17 # حياة الإنسان والطبيعة دليل علي ~~البعث...................................... 18 # بين فكرة البعث وترسيخ ~~الإيمان............................................. 20 # الآيات [8 ~~10].............................................................. 22 # معاني ~~المفردات............................................................ 22 # نموذج الضال ~~المضل....................................................... 23 # الخزي والعذاب للضال ~~المضل............................................... 24 # الآيات [11 ~~13]............................................................. 26 # معاني ~~المفردات............................................................ 26 # عبادة الله علي ~~حرف...................................................... 27 # بئس من يدعون ~~إليه....................................................... 28 # الآيات [14 ~~16]............................................................. 30 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # الله ناصر ~~نبيه............................................................ 31 # الله يهدي من ~~يريد......................................................... 32 # الآية ~~[17].................................................................... 34 # يوم القيامة يوم فصل ~~الخلافات.............................................. 34 # الآية ~~[18].................................................................... 37 # كل ما في الكون ساجد ~~لله................................................. 37 # حق العذاب علي ~~العاصين.................................................. 38 # الآيات [19 ~~24]............................................................. 40 # معاني ~~المفردات............................................................ 40 # للكافرين عذاب ~~الحريق....................................................... 4 # للمؤمنين الصالحين جنات تجري من تحتها ~~الأنهار.............................. 42 PageV16P374 # الآية ~~[25].................................................................... 44 # معاني ~~المفردات............................................................ 44 # جزاء الصد عن البيت ~~الحرام................................................ 45 # الآية واختلاف المفسرين في بعض ~~مفرداتها.................................... 46 # الآيات [26 ~~37]............................................................. 49 # معاني ~~المفردات............................................................ 50 # الحج عبادة منفتحة علي ~~الله................................................ 52 # يا إبراهيم، طهر ~~بيتي....................................................... 52 # وأذن في الناس ~~بالحج....................................................... 54 # لماذا ذكر اسم الله علي ~~الذبيحة!............................................ 56 # الانتفاع بذبائح ~~الحج....................................................... 57 # الخروج من ~~الإحرام......................................................... 58 # تعظيم حرمات الله خير ~~مطلق............................................... 59 # أحلت لكم الأنعام إلا ما يتلي ~~عليكم....................................... 60 # اجتنبوا الأوثان وقول ~~الزو................................................... 62 # الشريك قمة ~~السقوط...................................................... 64 # تعظيم شعائر الله علامة ~~التقوي............................................. 65 # لكل أمة جعلنا ~~منسكا..................................................... 67 # البدن من شعائر ~~الله....................................................... 68 # التقوي سر العبودية ~~لله.................................................... 69 # الآية ~~[38].................................................................... 71 # بين أمانة المؤمنين وخيانة الكافرين ~~لله........................................ 71 # الله يدافع عن الذين ~~آمنوا.................................................. 72 # الله لا يحب كل خوان ~~كفور................................................ 72 PageV16P375 # الآيات [39 ~~41]............................................................. 74 # معاني ~~المفردات............................................................ 74 # الرسول يقود الصراع السلمي في ~~مكة........................................ 75 # فكرة الدعوة ... محل ~~نقاش................................................. 78 # بدء مرحلة ~~القتال.......................................................... 81 # فطرة التدافع .. توازن ~~الحياة................................................. 82 # الله ينصر من ~~ينصره....................................................... 85 # الآيات [42 ~~51]............................................................. 87 # معاني ~~المفردات............................................................ 88 # تكذيب الأنبياء ظاهرة ~~تاريخية............................................... 88 # إن يكذبوك فقد كذبوا من ~~قبلك............................................ 89 # المعرفة وليدة الفكر والحس ~~الواعي............................................ 90 # استعجال الكافرين ~~بالعذاب................................................. 92 # النبي ms3905 نذير ~~للناس.......................................................... 94 # الآيات [52 ~~57]............................................................. 95 # معاني ~~المفردات............................................................ 96 # مناسبة ~~النزول............................................................. 96 # ملاحظات علي مناسبة ~~النزول.............................................. 97 # الآية وخطرات النفس ~~النبوية............................................... 100 # الله ينسخ ما يلقي ~~الشيطان............................................... 102 # ما يلقيه الشيطان فتنة لمرضي ~~القلوب....................................... 103 # ما يلقيه الشيطان تثبيت لإيمان ~~المؤمنين..................................... 104 # الكافرون في مرية من ~~الحق................................................ 105 # الملك لله .. وللكافرين عذاب ~~مهين........................................ 106 PageV16P376 # الآيات [58 ~~66]........................................................... 108 # نعم إلهية وكفران ~~بشري................................................... 109 # الله هو الحق .. هو العلي ~~الكبير........................................... 110 # الله الرازق اللطيف ~~بعباده................................................. 111 # تسخير الله ما في الإرض ~~للناس............................................ 112 # الآيات [67 ~~76]........................................................... 114 # معاني ~~المفردات.......................................................... 115 # لكل أمة جعلنا منسكا................................................... 115 # الله أعلم بما ~~تعملون..................................................... 116 # عبادة غير الله لا تستند إلي ~~أساس......................................... 117 # وعد الله للذين ~~كفروا..................................................... 118 # الهة الكفار: مثال العجز ~~والضعف......................................... 119 # اصطفاء الله رسلا من الملائكة ~~والناس...................................... 121 # الآيتان [77 ~~78]........................................................... 124 # معاني ~~المفردات.......................................................... 124 # عناصر حركة ~~الإيمان..................................................... 125 # ما جعل عليكم في الدين من حرج......................................... 126 # تفسير سورة المؤمنون [1 118] # الآيات [1 ~~11]............................................................. 131 # معاني ~~المفردات.......................................................... 131 # عناصر الإيمان ~~والفلاح................................................... 132 # الخشوع في ~~الصلاة....................................................... 133 PageV16P377 # الإعراض عن ~~اللغو....................................................... 133 # فعل ~~الزكاة.............................................................. 134 # حفظ الفرج عن ~~الحرام.................................................... 135 # رعاية الأمانة ~~والعهد...................................................... 135 # المحافظة علي ~~الصلاة..................................................... 136 # الآيات [12 ~~17]........................................................... 137 # معاني ~~المفردات.......................................................... 137 # خلق الإنسان........................................................... 138 # موت الإنسان ~~وبعثه...................................................... 139 # ما الله بغافل عن ~~خلقه.................................................... 140 # الآيات [18 ~~22]........................................................... 141 # معاني ~~المفردات.......................................................... 141 # من مظاهر نعم ~~الله....................................................... 142 # الآيات [23 ~~30]........................................................... 144 # معاني ~~المفردات.......................................................... 145 # نوح عليه السلام مع ~~قومه................................................. 145 # اتهام نوح ~~بالجنون........................................................ 146 # طلب نوح النصرة من ~~الله................................................. 148 # قل الحمد ~~لله............................................................ 149 # الآيات [31 ~~41]........................................................... 150 # معاني ~~المفردات.......................................................... 151 # قوم هود .. والصيحة.................................................... 151 # قوم هود ينكرون البعث.................................................. 153 # بعدا للقوم ~~الظالمين....................................................... 153 PageV16P378 # الآيات [42 ~~50]........................................................... 155 # معاني ~~المفردات.......................................................... 155 # تكذيب الأمم لرسلها.................................................... 156 # موسي .. وفرعون....................................................... 157 # بين موسي وعيسي عليهما السلام......................................... 158 # الآيات [51 ~~56]........................................................... 160 # معاني ~~المفردات.......................................................... 160 # التأكيد علي بشرية ~~الرسل................................................ 161 # وحدة الرسالات......................................................... 161 # كل حزب بما لديهم فرحون............................................... 162 # الإسلام منفتح علي كل الرسالات......................................... 163 # إنعام ms3906 الله علي الإنسان ~~لاختباره........................................... 164 # الآيات [57 ~~62]........................................................... 165 # معاني ~~المفردات.......................................................... 165 # المسارعون في ~~الخيرات..................................................... 166 # الآيات [63 ~~77]........................................................... 169 # معاني ~~المفردات.......................................................... 169 # الكفار بعيدون عن ~~الخير.................................................. 170 # المترفون يجأرون من ~~العذاب................................................ 170 # إنكار المشركين للقرآن لا يستند إلي ~~أساس.................................. 172 # ما جاء به الرسول هو ~~الحق................................................ 173 # الخضوع للأهواء يعرض الكون ~~للاهتزاز..................................... 174 # إعراض المشركين عن ذكر ~~الله............................................. 175 # انحراف المكذبين بالأخرة عن ~~الصراط....................................... 176 PageV16P379 # مصير ~~الكافرين.......................................................... 177 # الآيات [78 ~~90]........................................................... 178 # معاني ~~المفردات.......................................................... 179 # الفطرة الصافية تقود إلي ~~الإيمان............................................ 179 # السمع والأبصار والأفئدة من نعم ~~الله...................................... 179 # الله يسخر ما في الإرض ~~للإنسان.......................................... 181 # الله المحيي والمميت وبيده ~~الملكوت.......................................... 181 # اتباع المشركين مواقف ~~الأولين.............................................. 182 # القرآن يدعو المشركين إلي التفكير وإعمال ~~العقل............................. 183 # الأسلوب القرآني في إثارة الوجدان ~~الشعبي................................... 186 # إن المشركين ~~لكاذبون..................................................... 187 # الآيتان [91 ~~92]........................................................... 188 # ما اتخذ الله من ~~ولد...................................................... 188 # دليل وحدانية الله ~~تعالى................................................... 189 # مناقشة مع صاحب الميزان................................................ 191 # الآيات [93 ~~98]........................................................... 193 # دعاء وابتهال ~~نبوي....................................................... 193 # دفع السيئات بالتي هي أحسن............................................ 194 # الآيات [99 ~~111]......................................................... 196 # معاني ~~المفردات.......................................................... 197 # لحظة مواجهة ~~المصير...................................................... 197 # ما هو ~~البرزخ!........................................................... 198 # القيامة .. وتقطع ~~الأنساب................................................ 200 # الكافرون وعذاب يوم ~~القيامة.............................................. 201 PageV16P380 # الكافرون يطلبون فرصة جديدة............................................ 202 # بين زجر الكافرين وفوز ~~المؤمنين............................................ 203 # الآيات [112 ~~118]........................................................ 205 # الاستخفاف بالكافرين يوم ~~القيامة......................................... 205 # الوقت .. حياة نابضة بالتطلع إلى ~~الله...................................... 206 # أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا!؟............................................. 207 # لا فلاح ~~للكافرين........................................................ 208 # تفسير سورة النور [1 64] # سبب التسمية.......................................................... 213 # مضمون السورة.......................................................... 214 # الآيتان [1 ~~2].............................................................. 216 # الله يفرض آياته ~~البينات................................................... 216 # حكم الزني في ~~الإسلام................................................... 217 # قسوة العقوبة: علامات استفهام ~~وإجابات................................... 220 # موقع المسألة من حرية ~~الإنسان............................................ 222 # القاعدة الأخلاقية في التشريع ~~الإلهي........................................ 223 # الآية ~~[3].................................................................... 227 # الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة.......................................... 227 # الزني لا يصدر عن مؤمن................................................. 232 # انتفاء صفة الزني عن التائب ~~عنه........................................... 232 # رفض إقامة العلاقات بين المؤمنين ~~والزناة.................................... 233 # الآيتان [4 ~~5].............................................................. 235 PageV16P381 # معاني ~~المفردات.......................................................... 235 # عقوبة رمي ~~المحصنات..................................................... 236 # الآيات [6 ~~10]............................................................. 239 # معاني ~~المفردات.......................................................... 239 ms3907 # مناسبة ~~النزول........................................................... 240 # الملاعنة بين ~~الزوجين...................................................... 241 # الملاعنة بديل عن الشهود ~~الأربعة.......................................... 242 # الآيات [11 ~~18]........................................................... 245 # معاني ~~المفردات.......................................................... 246 # قصة الإفك .. خلفيات وتأثيرات.......................................... 246 # روايات في سبب ~~النزول................................................... 247 # مناقشة ~~الرواية........................................................... 252 # قصة الإفك وروايات أخرى............................................... 254 # إيجابيات قصة الإفك.................................................... 257 # حسن الظن قاعدة ~~إيمانية................................................. 260 # الله يغدق رحمته وعفوه علي ~~المؤمنين........................................ 262 # شناعة اتهام الناس بغير ~~علم............................................... 263 # الآيات [19 ~~21]........................................................... 266 # تحريم إشاعة ~~الفاحشة.................................................... 266 # بين العمل الصالح والنفس ~~الصالحة......................................... 268 # العذاب الأليم لمحبي إشاعة ~~الفاحشة........................................ 269 # إلا تباعد عن خطوات الشيطان........................................... 270 # الآية ~~[22].................................................................. 271 # معاني ~~المفردات.......................................................... 271 PageV16P382 # مناسبة ~~النزول........................................................... 271 # لا تقصروا في الإنفاق أيها ~~المؤمنون......................................... 272 # الآيات [23 ~~25]........................................................... 274 # قاذفو المحصنات في موقفهم أمام ~~الله........................................ 274 # الله هو الحق ~~المبين........................................................ 276 # الآية ~~[26].................................................................. 277 # وقفة مع ~~الآية........................................................... 277 # الخبيثون الخبيثات والطيبون ~~للطيبات........................................ 279 # الآيات [27 ~~29]........................................................... 281 # الاستئذان من آداب الدخول إلي البيوت ~~................................... 281 # التسليم علي أهل ~~البيوت................................................. 284 # بين الإذن والرجوع عند إرادة دخول ~~البيوت................................. 284 # الرخصة في الدخول إلي البيوت غير المسكونة بغير ~~إذن....................... 285 # الآيتان [30 ~~31]........................................................... 287 # معاني ~~المفردات.......................................................... 287 # من أحكام النظر .. ~~والستر............................................... 288 # اعتراضات وردود........................................................ 289 # غض البصر............................................................ 294 # خلاف في مدلول الآية................................................... 296 # حفظ الفروج............................................................ 297 # مواضع ~~الستر............................................................ 298 # حرمة إبداء الزينة ~~للنساء.................................................. 300 # الزينة المسموح ~~بها........................................................ 301 # ضرب الخمر علي الجيوب................................................. 304 PageV16P383 # الآية ~~[32].................................................................. 308 # معاني ~~المفردات.......................................................... 308 # الزواج من ~~الصالحين...................................................... 308 # الآيتان [33 ~~34]........................................................... 311 # التزام العفة عند تعذر ~~النكاح.............................................. 311 # مكاتبة العبيد ~~والإماء..................................................... 312 # الحض علي عدم إكراه الإماء علي ~~البغاء.................................... 314 # الآيات موعظة ~~للمتقين................................................... 316 # الآية ~~[35].................................................................. 318 # معاني ~~المفردات.......................................................... 318 # الله نور السماوات ~~والأرض............................................... 319 # معني النور في ~~الآية....................................................... 321 # تشبيه نور الله ~~بمشكاة.................................................... 322 # الآيات [36 ~~38]........................................................... 335 # معاني ~~المفردات.......................................................... 325 # مهمة المساجد في المفهوم ~~الإسلامي........................................ 326 # ملامح شخصية المؤمنين.................................................. 327 # الآيتان [39 ~~40]........................................................... 331 # معاني ~~المفردات.......................................................... 331 # أعمال الكافرين كسراب.................................................. 332 # الآيتان [41 الي ~~42]......................................................... 335 # معاني ~~المفردات.......................................................... 335 # تسبيح الكائنات ~~لله...................................................... 335 PageV16P384 # الآيات [43 ~~46]........................................................... 337 # معاني ~~المفردات.......................................................... 337 # مظاهر عظمة الخلق...................................................... ms3908 338 # مشيئة الله مصدر الوحدة ~~والتنوع.......................................... 339 # الآيات [47 ~~52]........................................................... 341 # معاني ~~المفردات.......................................................... 341 # بين الإيمان وثبات ~~الانتماء................................................ 342 # ملامح الاهتزاز في نفوس ~~المنافقين.......................................... 343 # الملتزمون بحكم الله ورسوله هم ~~المفلحون..................................... 344 # الآيتان [53 ~~54]........................................................... 346 # الله خبير بطاعة المنافقين ~~الكاذبة........................................... 346 # إن تطيعوا الله والرسول ~~تهتدوا.............................................. 348 # الآيات [55 ~~57]........................................................... 349 # وعد المؤمنين ~~بالخلافة..................................................... 349 # الله يبدل خوف المؤمنين ~~أمنا.............................................. 353 # اختلاف المفسرين حول المقصودين بالاستخلاف............................ 354 # الآيات [58 ~~60]........................................................... 358 # معاني ~~المفردات.......................................................... 358 # أحكام استئذان الدقيق ~~والأطفال........................................... 359 # الآية ~~[61].................................................................. 362 # معاني ~~المفردات.......................................................... 362 # القرآن ينظم الحياة العامة والخاصة ~~للإنسان.................................. 363 # من أحكام دخول البيوت والأكل فيها...................................... 363 # التسليم: من آداب دخول البيوت.......................................... 365 PageV16P385 # الآيات [62 الي ~~64]......................................................... 366 # معاني ~~المفردات.......................................................... 366 # المؤمنون في خط الطاعة يستأذنون ~~الرسول................................... 367 # آداب التعامل مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~.......................................... 368 # فليحذر المنافقون ~~الفتنة................................................... 369 # لله ما في السماوات ~~والأرض.............................................. 371 ### |||| * والحمدلله رب العالمن PageV16P386 ![](https://books.rafed.net/Books/3282_tafsir-men-wahi-alquran-17/images/image001.gif) PageV17P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3282_tafsir-men-wahi-alquran-17/images/image002.gif) PageV17P003 ### | سورة الفرقان ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها سبع وسبعون PageV17P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) ~~@QUR@019 الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2) @QUR@022 واتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ~~ولا حياة ولا نشورا ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبارك ): البركة بفتحتين : ثبوت الخير في الشيء كثبوت الماء ~~في البركة ، وبالكسر فالسكون مأخوذ من برك البعير إذا ألقى صدره على الأرض ~~واستقر عليها ، ومنه التبارك بمعنى ثبوت الخير الكثير وفي صيغته دلالة على ~~المبالغة على ما قيل ، وهو كالمختص به تعالى لم يطلق على غيره إلا على سبيل ~~الندرة. PageV17P007 # ( @QUR@01 الفرقان ): هو الفرق سمي به القرآن لنزول آياته متفرقة أو ~~لتمييزه الحق من الباطل ، ويؤيد هذا المعنى إطلاق الفرقان في كلامه على ~~التوراة أيضا مع نزولها دفعة واحدة ، قال الراغب في المفردات : والفرقان ~~أبلغ من الفرق لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل ، وتقديره كتقدير رجل ~~قنعان يقنع به ms3909 في الحكم ، وهو اسم لا مصدر في ما قيل ، والفرق يستعمل فيه ~~وفي غيره (1). # ( @QUR@01 للعالمين ): جمع عالم ، ومعناه : الخلق. قال في الصحاح : ~~العالم الخلق والجمع العوالم ، والعالمون أصناف الخلق. # * * * ### ||| ** القرآن مصدر الخير الإلهي # ( @QUR@06 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ). إننا إذا تطلعنا إلى الله ~~سبحانه في عظمته ورحمته ، فإننا نتطلع إلى الخير الكثير الصادر منه الذي ~~يملأ الكون والناس والحياة ، لنستغرق في ذلك كله ، فنرى في ذاته ينبوع ~~الخير الذي لا نهاية له ولا انقطاع ، ونتوجه إليه أن يمنحنا منه كل ما ~~نحتاج إليه لارتباط وجودنا بإرادته وبنعمته ورحمته ، ونستوحي من إنزاله ~~القرآن على عبده محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف ينطلق الخير ~~ليتحرك في توجيه الإنسان إلى ما فيه صلاحه في انفتاحه على الله في آفاق ~~المعرفة ليلتقي بالمسؤولية في حركته في الدنيا السائرة نحو الآخرة من أجل ~~مواجهة نتائج المسؤولية بين يديه ، مما يجعل من التصور للقرآن تصورا للخير ~~الإلهي الروحي الذي ينزله على رسوله تماما كما ينزل المطر على الأرض ~~ليمنحها الخير والبركة التي تنتج الخصب والرخاء. PageV17P008 # أما كلمة الفرقان ، فقد تكون تعبيرا عن العمق الفكري والعملي الذي يوحي ~~به القرآن ، ليحدد الفروق الفاصلة بين الحق والباطل ، لئلا تبقى هناك شبهة ~~أمام أية قضية من قضايا الحياة التي يختلف فيها الرأي في ما يأخذ به ~~الإنسان أو يتركه من شؤونها العامة والخاصة .. ولم ينزل الله القرآن على ~~عبده ليكون شأنا خاصا يكلفه به مهمات شخصية ، بل ( @QUR@03 ليكون للعالمين ~~نذيرا .. )، ليستمع إليه الإنس والجن ، فيخلق في داخلهم الشعور بالخوف من ~~الانحراف عن خط المسؤولية بما تمثله من رضى الله وغضبه في مواقع الرضى ~~والسخط ، وبذلك لا يكون الخوف الذي يثيره القرآن في داخل الإنسان حالة عقدة ~~ذاتية ، بل حالة انطلاق في الفكر والجدية الواعية من أجل مواجهة الأمور على ~~أساس الموقف الصلب المتحفز الذي يحتاط لكل شيء ، دون أن يهمل أي شيء فيه ~~رضى الله ، لا على أساس الاسترخاء الذاتي الذي يدفع بالإنسان إلى التسويف ms3910 ~~في العمل وفي تقويم الخط وتصحيحه. # وتلك هي قصة النفس الإنسانية التي لا بد من أن تهزها بعمق في عملية إثارة ~~، تماما كما هي الأرض التي إذا أثرتها أعطت كل خير وخصب وحياة. # وإذا كانت كلمة العالمين شاملة لكل أصناف الخلق من الجماد والنبات ~~والحيوان والإنسان والجن والملك ، فإن المقصود بها في الآية المخلوقات ~~الواعية العاقلة التي تحتاج إلى الإنذار من أجل أن تتوازن وتستقيم في حركة ~~الحياة. # * * * ### ||| ** لله ملك السموات والأرض # ( @QUR@05 الذي له ملك السماوات والأرض ) فلا يملكها غيره ، فله الهيمنة ~~عليها ، لأن ملكيته لها لم تكن مستمدة من مالك آخر ، كما هو الملك القانوني الذي PageV17P009 # يخضع لحدود معينة ، وضوابط محددة ، تحدد له الخطوط التي يتحرك فيها ، بل ~~كانت مستمدة من طبيعة خلقه وإيجاده ، فهو الذي أعطاها سر الوجود وملامحه ~~التفصيلية ، مما جعل كل شيء فيها بيده ، وبذلك فإنه الذي يعلم كل ما يتعلق ~~بها ويشرف على تحريكه من أكثر من موقع ، وتلك هي العقيدة المنفتحة على كل ~~فروعها من نفي الولد ، ونفي الشريك، ( @QUR@03 ولم يتخذ ولدا ) لأن الولد ~~مظهر حاجة للاستعانة به على مواقع الضعف ، وللامتداد من خلاله في الحياة من بعده. # والله هو الذي يملك القوة كلها في الكون ، فأي حاجة به إلى معين ، وهو ~~الحي الدائم الذي لا زوال له ، فأي حاجة به إلى امتداد للحياة بغيره؟! وليس ~~لفكرة الولد بالمعنى المادي ، أو الروحي ، إلا الوهم الذي لا يستوعب فيه ~~الإنسان عظمة خلق الله ، من خلال ما أراد الله أن يلبسهم من نعمه وفضله ، ~~فلا يفكر أنها هبة من الله لعبده ، كما يهبه الوجود ، بل يحاول أن يتخيل أن ~~ذلك دليل ارتباط عضوي بالله وانتساب إليه ، تماما كما هي الأوهام التي ~~يصنعها الناس لبعض مخلوقات الله ، في ما يتخيلونه لها من أسرار غامضة ، ~~وقداسة خفية ، فيمنحونها صفة إله ، من دون أي أساس لذلك كله في الملامح ~~الذاتية لها ، في ما يمثله مظهر وجودها بكل تفاصيله. # ( @QUR@06 ولم يكن له شريك في الملك ) يساويه ويعاونه ، أو يضاده ، فلا ms3911 ~~شيء لأحد معه ، فهو الذي يملك السماوات والأرض وما فيهن وما فوقهن وما ~~بينهن وما تحتهن ، فكل موجود مخلوق له ومحتاج إليه في استمرار وجوده بكل ~~دقائقه وخصائصه ، فكيف يمكن أن يكون شريكا له ، وكيف يمكن للمخلوق أن يرتفع ~~إلى مستوى الخالق ، أو يأخذ بعض خصائصه ، وهل يمكن أن تجتمع في شخص واحد ، ~~الحاجة المطلقة إلى كل شيء ، في ما يمثله معنى المخلوق ، والغنى المطلق عن ~~كل شيء في ما يمثله معنى الخالق والإله؟! # * * * PageV17P010 ### ||| ** السنن الكونية خاضعة لتدبير الله # ( @QUR@05 وخلق كل شيء فقدره تقديرا .. ) وأعطى كل شيء قانون حياته ، مما ~~خلقه من سنن كونية للوجود ، وجعلها خاضعة لتدبيره ، وجارية على نهج حكمته. ~~ولذلك كانت الفطرة تتجه إلى البحث عن سر الأشياء ، في ما تختزنه من عمق ~~السببية التكوينية في حركة الوجود ، من خلال وعيها للنظام الكوني الكامن في ~~عمق الظواهر ، مما كان مرتبطا بالخلق منذ بدايته ، فلم تكن هناك حالة فراغ ~~بين ما هو الخلق ، وما هو القانون الذي يحكمه ويديره ، بل كان التقدير ~~لازما له في طبيعته. ولذا فإن الله يتولى تدبير الكون من خلال سننه الكونية ~~، كما يشرف على حركته من خلال هيمنته على تلك السنن ، لأنها لا تملك ~~الاستغناء عنه ، بل هي مشدودة إلى قدرته وإرادته بطبيعة انشداد الوجود ~~بنفسه إليه ، فلا خالق غيره ، ولا مدبر سواه. # ( @QUR@07 واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا ) لأنهم لا يملكون السر ~~المطلق للوجود في ذواتهم ليستطيعوا من خلال ذلك أن يمنحوا الوجود لشيء آخر ~~، ( @QUR@02 وهم يخلقون ) حيث كانوا عدما ، ثم تحولوا إلى الوجود بخلق الله ~~لهم ، ( @QUR@06 ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا )، لأن ذلك كله خاضع ~~للتدبير الإلهي الذي يملك وحده الضر والنفع من ناحية المبدأ والتفاصيل ، ~~لأن سبب ذلك كله بيده ( @QUR@07 ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) لأن ~~للموت أسبابه الطبيعية التي هي بيد الله وبإرادته ، وبتقدير سببيته من ~~خلاله ، وللحياة والنشور أسبابهما الخاضعة لله في كل مجالاتهما ، وليس بيد ~~هؤلاء شيء منها ، فكيف يمكن أن يكون هؤلاء ms3912 آلهة ، وهم لا يملكون أي شيء من ~~خصائص الآلهة ، في ما يتصرفون به في شؤون خلقهم ، وما يدبرونه من أمورهم ، ~~ويحركونه من شؤون الحياة والموت والنشور؟! PageV17P011 # إن المسألة لا تحتاج إلى عمق في الفكر ودقة في التحليل ، بل كل ما هناك ، ~~أن الوجدان الصافي الحر سوف يكتشف حقيقة الوحدانية لله ، ونفي الشريك عنه ، ~~من موقع البداهة الفطرية السليمة. # * * * PageV17P012 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فقد جاؤ ظلما وزورا (4) @QUR@09 وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا (5) @QUR@012 قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) @QUR@017 وقالوا ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) @QUR@017 ~~أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا (8) @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 إفك ): الإفك : الكذب. # ( @QUR@01 أساطير ): الأساطير : جمع أسطورة بمعنى الخبر المكتوب ، ويغلب ~~استعماله في الأخبار الخرافية. PageV17P013 # ( @QUR@01 اكتتبها ): الاكتتاب هو الكتابة ، ونسبته إليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه أميا لا يكتب إنما هي بنوع من التجوز لكونه ~~مكتوبا باستدعاء منه ، وقيل الاكتتاب بمعنى الاستكتاب. # ( @QUR@01 تملى ): الإملاء : إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه ~~ويعيه ، أو إلى الكاتب ليكتبه ، والمراد به في الآية هو المعنى الأول على ~~وفق السياق. # ( @QUR@02 بكرة وأصيلا ): البكرة والأصيل : الغداة والعشي ، وهو كناية ~~عن الوقت بعد الوقت. وقيل المراد أول النهار قبل خروج الناس من منازلهم ~~وآخر النهار بعد دخولهم في منازلهم ، وهو كناية عن أنها تملى عليه خفية. # ( @QUR@01 الأمثال ): الأمثال : المثل هنا بمعنى الوصف. # * * * ### ||| ** كيفية مواجهة المجتمع المكي لمنطق الرسالة والرسول # كيف واجه المجتمع المكي الخاضع لسيطرة المشركين من قريش منطق النبوة؟ ~~وكيف كان يتحدث أفراده عن الرسول وعن القرآن؟ وما هي الخليفة الذهنية وراء ذلك؟ # هذا ما تصوره لنا هذه الآيات. # * * * ### ||| ** افتراءات الكافرين # ( @QUR@08 وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ) فليس وحيا من الله ms3913 كما PageV17P014 # يزعم محمد بل هو من فكره الذاتي الذي صنعه ونسبه إلى الله ، ليحصل على ~~الموقع المميز بيننا ، فهو كذب لا يخضع لحقيقة ، ( @QUR@04 وأعانه عليه قوم ~~آخرون ) من أهل الكتاب ، أو ممن يملكون ثقافة الكتاب في ما يتحدث به عن قصص ~~الأولين ومفاهيم الكون والحياة والعقيدة والدار الآخرة ، مما لا يملك ~~معرفته لأنه لا يملك مصادرها ، ( @QUR@04 فقد جاؤ ظلما وزورا ) في كلامهم ~~هذا ، لأنهم لم ينطلقوا من مواقع شاملة لحقائق الأمور ، ليستطيعوا الجزم ~~بالافتراء في هذا القرآن ، لأن ذلك يعني اطلاعهم على الأساس الذي يكون به ~~الإنسان رسولا أو غير رسول ، أو على ما يتميز به كلام الوحي عن غيره ، في ~~ما هو المضمون الفكري للكلام ، كما أنهم لم يقدموا أي دليل على مساعدة ~~الآخرين له في ذلك ، في ما شاهدوه من طبيعة العلاقة في ما بينه وبينهم ، أو ~~في ما يعرفونه من ثقافته الذاتية وثقافتهم ، فليس هناك إلا الانطلاق من ~~فرضية معقدة لا تخضع لفكر ، ولا تتحرك من معلومات ، وإنما تخضع للعقدة ~~الذاتية في داخلهم ، في ما يواجهون به التحدي الرسالي الذي واجههم به ~~الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ولهذا أطلقت الآيات الحكم على هذا ~~الكلام الذي قالوه ، فاعتبرته ظلما ، من جهة أن الاتهام لم يكن دقيقا في ~~معطياته ، كما جعلته حكما غير عادل ، وأنه زور ، لأن أي حكم لا ينطلق من ~~مواقع العلم ، فهو باطل. # * * * ### ||| ** قالوا : القرآن .. أساطير الأولين # ( @QUR@04 وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ) ولو بواسطة تكليفه الذين ~~يحسنون الكتابة ، أو بمعنى استكتبها كما قيل وذلك من خلال منافاة الكتابة ~~للأمية في شخصيته. والأسطورة ، هي الخبر المكتوب ، ويغلب استعماله في ~~الأخبار PageV17P015 # الخرافية. ولكن ، هل كانوا يتحدثون عن الطبيعة الخرافية للقصص والأخبار ~~التي جاء بها القرآن ، أو كانوا يتحدثون عن الأخبار في مضمونها الذاتي ~~البعيد عن التقييم النقدي؟ # ربما كانت المسألة تندرج في الجانب الأول من السؤال ، لأن القرآن حدثنا ~~عن الذهنية الجاهلية التي كانت تستبعد فكرة البعث والنشور والجنة والنار ، ~~مما قد يجعل الحديث عن ذلك لديهم ms3914 حديثا عن فكرة خرافية ، وربما كان الهاجس ~~لديهم هو التنديد بفكرة الوحي الذي تختزنه النبوة في دعوى النبي ، مما يجعل ~~البحث عندهم متصلا بالجهة التي أملت عليه حديثه ، ليؤكدوا بشريتها ، لا ~~ألوهيتها. وهذا ما يخطر في البال عند القراءة التأملية للآية التي ركزت ~~التأكيد على أن هذه الأحاديث ليست وحي الله ، بل هي أحاديث الأولين ، التي ~~هي عبارة عن قصص الأولين في تاريخ الأنبياء وأممهم ، مما كان أهل الكتاب ~~يعلمونه ولم يكن في وعيهم مرفوضا في ذاته من الناحية الخرافية ، لا سيما ~~إذا عرفنا أن التفكير الخرافي لم يكن بعيدا عن ذهنهم باعتباره تفكيرا ~~عقلانيا قريبا من الحقيقة ، أو متطابقا معها. # ( @QUR@05 فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) من هؤلاء الذين يملكون المعرفة ~~ويلقونها إلى الناس ليحفظوها ويعوها ، وإلى الكتاب ليكتبوها. وبذلك يكون ~~المصدر الأصيل للمعرفة عنده بشريا ، تماما كما هو الحال لدى الآخرين ممن ~~يملكون الثقافة من التعلم عند أهلها من أهل الكتاب وغيرهم ، في الغداة ~~والعشي ، في ما يعنيه ذلك من الكناية عن التكرار في الوقت ، أي وقتا بعد وقت. # * * * ### ||| ** القرآن من الله # ( @QUR@08 قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ) ويحيط بكل ~~الأشياء التي لا PageV17P016 # يستطيع أن يحيط بها سواه ، لأنه الذي خلق الكون كله ، فهو يعلم السر ~~الخفي الكامن فيها كما يعلم الأمور الظاهرة ، ولذلك فلا بد لكم من دراسة ~~هذا الوحي الذي أنزل عليكم من موقع العمق والدقة في الفهم والتحليل ، حتى ~~تدركوا أنه لا يمكن أن يكون قول بشر ، لأن الأسرار الكامنة في حقائق ~~القضايا والمفاهيم والتشريعات التي يتضمنها ، ليس باستطاعة الناس إدراكها. ~~فقد يملك الناس معرفة الأمور التي تعيش في داخل تجربتهم الفردية والجماعية ~~، ولكنهم لا يملكون المعرفة التي تبتعد عن مواطن الحس ومواقع الفكر ، مما ~~في آفاق السماء ، وأعماق الأرض ، لأن ذلك يحتاج إلى بعض الوسائل التي لا ~~تتوفر لديهم إلا بعد جهد كبير في زمن طويل ، فلا بد لهم من التفكير في ~~المسألة من هذا الجانب ، من دون عقدة ، ليعرفوا كيف يمكن لهم ms3915 مواجهة الموقف ~~في حركة الرفض والقبول. # ( @QUR@04 إنه كان غفورا رحيما ) فهو لا يعامل عباده بمثل أعمالهم ، ~~فيتركهم لأنفسهم ليضيعوا في متاهات الجهل ، وليضلوا عن طريق الصواب ، بل ~~يغفر لهم جهلهم ، فيوحي إليهم بما يفتح لهم أبواب العلم ، لينفتحوا عليه من ~~موقع الإيمان ، وعلى الحياة من موقع المعرفة الواعية الشاملة ، ويرحمهم بما ~~يرسله إليهم من الرسل الذين يبلغونهم رسالاتهم ، ويلطفون بهم في أسلوب ~~التبليغ ، ويعلمونهم كل ما يجهلونه ، مما يتصل بمصيرهم العملي في الدنيا ~~والآخرة. # * * * ### ||| ** استنكار الكفار لبشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@09 وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) أي ما ~~لهذا الذي يدعي الرسالة في شخصيته يصف نفسه بالرسول ، وهو لا يملك من PageV17P017 # مظاهر ذلك شيئا؟ كيف يمكن للرسول أن يكون بشرا في ممارساته الغذائية التي ~~تتمثل في أكله للطعام ليسد جوعه كما نأكل ، وفي حركته الجسدية ، التي تتمثل ~~في مشيه في الأسواق ليكتسب عيشه ، كما نفعل ، في الوقت الذي نرى فيه ~~الرسالة تتصل بالغيب الإلهي في ما يفرضه ذلك من ضرورة اتصاف الرسول بالمعنى ~~الغيبي في شخصيته ، وبالكيان التجريدي في ذاته ، فلا يكون له حاجات المادة ~~، ولا ضغط الحاجة ، لأن الذي يتلقى وحي الإله لا بد من أن يكون فيه شيء من ~~سره ، تبعا للانسجام بين الغيب في المعنى والغيب في الذات؟! # إننا نجد من خلال تفكيرهم هذا ، أن المضمون الفكري لهؤلاء في شخصية ~~الرسول يحمل الاحتقار للإنسان في بلوغ هذه الدرجة من السمو ، والإيمان ~~بعجزه عن التلقي للوحي الإلهي من موقع القصور الذاتي لديه ، لأن ذلك هو ~~موقع الملائكة المقربين القريبين إلى أجواء الإله ، البعيدين عن قذارات ~~الجسد الإنساني وعن حدوده المادية. # ( @QUR@08 لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) ليكون ذلك سبيلا من سبل ~~التصديق برسالته ، وليكون الملك هو الذي يحمل الرسالة من الله من خلال ~~قابليته لذلك ، وهو الذي يعلم هذا الشخص قواعدها ومفاهيمها ، ويتدخل في ~~تعميق شخصيته بالإيحاء الروحي الغيبي الذي يثير في ذاته المعنى الغيبي ~~والعمق الروحي ، ثم يتحرك معه ms3916 في الساحة لينذر الناس معه فيصدقوه بذلك عند ~~ما يرون الملك الرسول يتحرك في الإنذار مع الإنسان الرسول. # ( @QUR@010 أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ) ثم تصغر الصورة ~~عندهم ، وتنكمش المطالب ، فلا بد من وضع غير عادي يتميز به هذا الرسول ~~ليقنع الناس برسالته ، وليفهموا بأن هناك شيئا غيبيا في ذاته ، فلو ألقي ~~عليه من السماء كنز يجعله غنيا عن الآخرين أو كانت له جنة منتجة مثقلة ~~بالفواكه PageV17P018 # والخضروات التي يتغذى منها ، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق للاكتساب ~~كما يفعل الناس ، لو حدث ذلك له ، لأمكننا أن نصدقه في هذه الصفة الغيبية ~~التي يدعيها لنفسه. # ( @QUR@07 وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) وهذا ما حاولوا أن ~~يتحدثوا به ليصرفوا الناس عنه ، ليتهموه بالجنون ، أو أنه شخص مسحور خاضع ~~لتأثيرات السحرة الذين استطاعوا أن يسحروه فيجعلوه يتخيل الأشياء التي لا ~~وجود لها ، أو يدعي أمورا لا حقيقة لها. # ( @QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) لقد ~~عاشوا المأزق الكبير عند ما واجهتهم حقائق الرسالة التي لم يستطيعوا الوقوف ~~أمامها ، ولذلك كانوا يبحثون عن كلمة ، أية كلمة ، وعن صفة ، أية صفة ، حتى ~~يثيروها أمام الناس لإثارة الشك في عقولهم ، ولإبعاد مواقفهم عن التأثر ~~بمواقفك ، في ما يمكن أن يلصقوه بك من اتهامات في صدقك وعقلك ، وطبيعة ~~شخصيتك ، ولذلك تخبطوا وضلوا ، فلم يقفوا عند قاعدة معقولة ثابتة ، ولم ~~يحصلوا على نتيجة حماسة ، لأنك استطعت أن تكسب الناس إلى رسالتك ، وأن تفتح ~~أكثر من طريق إلى عقولهم ، وبذلك لم يستطيعوا أن يفتحوا أي طريق إلى كلمات ~~السوء التي كانوا يريدون أن يضللوا بها عقول الناس. # * * * PageV17P019 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ويجعل لك قصورا (10) @QUR@08 بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب ~~بالساعة سعيرا (11) @QUR@09 إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ~~(12) @QUR@09 وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) ~~@QUR@08 لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) @QUR@013 قل ms3917 ~~أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) ~~@QUR@010 لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) @QUR@016 ~~ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ~~ضلوا السبيل (17) @QUR@021 قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ~~من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) ~~@QUR@015 فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا (19) @QUR@020 وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك ~~بصيرا ) (20) # * * * PageV17P020 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قصورا ): القصور جمع قصر وهو البيت المشيد العالي. وتنكير ~~(قصورا) للدلالة على التعظيم والتفخيم. # ( @QUR@01 تغيظا ): الغيظ أشد الغضب ، والتغيظ هو إظهار الغيظ. # ( @QUR@01 وزفيرا ): الزفير تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه. # ( @QUR@01 مقرنين ): مقيدين. # ( @QUR@01 ثبورا ): الثبور : الفساد والهلاك. # ( @QUR@01 بورا ): فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد ، ~~كما قيل كسد حتى فسد ، عبر بالبوار عن الهلاك. # ( @QUR@01 صرفا ): الصرف : بفتح الصاد : الدفع. # ( @QUR@01 فتنة ): الفتنة هنا الامتحان. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # روي في الدر المنثور حول هذه الآيات ، ما من شأنه أن يوضح لنا بعضا من ~~الصورة التي توحي بها مفرداتها. # جاء في الدر المنثور للسيوطي : «أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس ، أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث ~~، وأبا البختري ، والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة ، ~~وأبا جهل بن هشام ، وعبد الله بن أمية ، وأمية بن خلف ، PageV17P021 # والعاصي بن وائل ، ونبيه بن الحجاج ، اجتمعوا ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا ~~إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه ، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد ~~اجتمعوا لك ليكلموك. # قال : فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له : يا محمد إنا ~~بعثنا إليك لنعذر منك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تريد به مالا جمعنا ~~لك من أموالنا ، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك ، وإن كنت تريد ملكا ~~ملكناك. ms3918 # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما لي مما تقولون ، ما جئتكم به ~~أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم ~~رسولا وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، ~~وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا : يا محمد ~~، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك ... فسل لنفسك ، وسل ربك أن ~~يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا ~~من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش ، كما ~~نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا ، كما تزعم ، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ~~، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. # فأنزل الله في قولهم ذلك : ( @QUR@06 وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~)، إلى قوله : ( @QUR@08 وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ) ~~، أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا ~~تخالفوه لفعلت» (1). # * * * PageV17P022 ### ||| ** عدم مصداقية الكفار في اتهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم # كيف يثير هؤلاء اقتراحاتهم أمام دعوة النبي ، وكيف يطلقون التحديات في ~~مواجهتها ، فهل هم جادون في ذلك ، أو أنهم يتحدثون بطريقة غير مسئولة من ~~أجل إثارة الأجواء التي تبعد الساحة عن التفكير في القضايا الفكرية ~~العقيدية التي دعا إليها النبي ، كما يفعل الكثيرون الذين لا يريدون للناس ~~أن يستغرقوا في الدعوة التي يقدمها المفكرون والمصلحون إليهم ليفكروا فيها ~~وفي مضمونها ليقتنعوا بها ، أو ليدخلوا معهم في حوار حولها ليكون ذلك سبيلا ~~لإدخالها إلى مناطق التفكير الجاد لديهم ، فيبادر أولئك المعارضون لطرح ~~أمور هامشية بعيدة عن المواقع الحقيقة للدعوة ، بالتأكيد على شخصية الداعية ~~، أو بإثارة الشكوك حوله أو حول الدعوة ، ليثور الجدل في ذلك بدلا من أن ms3919 ~~يتحرك في القضايا الأصلية؟! # كيف يطلب هؤلاء منه أن يقوم بتلك الأعمال الخارقة التي لا يستطيع أي بشر ~~بقدرته العادية أن يحققها ، وهل كانت دعوى النبوة تعني القيام بمثل ذلك أو ~~تختزن في مضمونها ادعاء القدرات الغيبية أو العمق الإلهي الذي يمكنه من ~~تحقيق ذلك؟ لقد كان النبي يعلن دائما أنه بشر يحمل الرسالة ، مما يعني ~~اقتصار العلاقة الإلهية المميزة بشخصيته ، التي يختلف بها عن بقية الناس ، ~~على الوحي الذي ينزله الله عليه ليبلغه للناس كرسالة إلهية ، بعيدا عن كل ~~شيء آخر ، لأن ذلك هو دور النبي في الحياة ، فليس دوره أن يغير صورة العالم ~~في صفته التكوينية ، بل كل دوره أن يغيره في صفته الفكرية والعملية في حركة ~~الحياة والإنسان. حتى المعجزة ، ليست غاية في الرسالة ، بل هي وسيلة ~~لمواجهة التحدي الكبير حولها ، ولم تكن بقدرة النبي بل كانت بقدرة الله. # * * * PageV17P023 ### ||| ** تبارك الله # ( @QUR@09 تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) الذي اقترحوه عليك من ~~الكنز والجنة أو ما شابه ذلك ، ( @QUR@08 جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا ) فإن الله الذي خلق الكون كله وخلق الإنسان فيه ، لا يعجزه شيء ~~من ذلك ، ولكن ، لماذا يجعل لك ذلك بطريقة غير عادية ، من دون حاجة بك إلى ~~ذلك ، لا من جهة الدور ، ولا من جهة الذات؟ هل يجعل ذلك لأنهم اقترحوه عليك ~~، وهل يمكن أن يقف النبي أمام الناس ليكون كل عمله أن يواجه في كل يوم ~~اقتراحات جديدة في تغيير الأوضاع الكونية ، ليرضي هذا أو ذاك في أساليب لا ~~توحي بالجدية في الطرح ، بل توحي باللعب؟! # وقد نستوحي من هذا الرد الإلهي على اقتراحاتهم التعجيزية للنبي أن ~~المسألة المطروحة في ما قد يشاء الله تحقيقه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هي ~~الجنات في الدنيا لا في الآخرة خلافا لما ذكره البعض ، وذلك من خلال طبيعة ~~الجو الذي توحي به الآية. # * * * ### ||| ** مصير المكذبين بالرسالة # ( @QUR@03 بل كذبوا بالساعة ) وأنكروا الحساب ، فلم يتحركوا في مواقع ~~الرفض والقبول ، والإيمان والكفر ، من ms3920 الإحساس بالمسؤولية ، بل تحركوا من ~~موقع اللهو واللعب واللامبالاة ، مما جعلهم لا يفكرون بالقضايا المصيرية ، ~~في ما يتصل بالنبوة من مسألة المصير ، بالطريقة الدقيقة التي تحسب حساب الواقع PageV17P024 # الجدي للمسألة ، ليناقشوا طروحات النبي ، في ما يدعوهم إليه ، وفي ما ~~يأمرهم به أو ينهاهم عنه ، وفي ما يؤكد نبوته ، بالأسلوب الفكري ، ~~وبالمناقشة المتزنة. وهذا هو السر في مواقف الكثيرين الذين يهزلون في مواقع ~~الجدية ، ويسخرون في مجالات الحقيقة ، لأنهم لا يحسبون حساب النتائج ~~السلبية على مستوى المصير ، في ما هو العقاب والجزاء .. ( @QUR@05 وأعتدنا ~~لمن كذب بالساعة سعيرا ) لأنه لم ينطلق من فكر يؤكد له ذلك ، بل انطلق من ~~فقدان التوازن في البحث عن الحقيقة بالوسائل المعقولة للمعرفة ، من خلال ما ~~تستقبله من أجوبة ومعلومات ، وبذلك أهملوا الحجة البالغة التي أقامها الله ~~عليهم من حركة العقل في داخلهم ، وحركة النبوة في آيات الوحي في حياتهم ، ~~فكان انحرافهم من دون حجة ، وعصيانهم من دون قاعدة ، وهذا هو سر العذاب ~~دائما الذي يتوعد الله به عباده الكافرين والعاصين ، لأنهم واجهوا المسألة ~~بمنطق اللامبالاة التي أوقعتهم في الانحراف ، في الوقت الذي كانت الظروف ~~الداخلية والخارجية في كيانهم وحياتهم منفتحة على الحقائق الإلهية في ~~الإيمان والطاعة والاستقامة. # ( @QUR@09 إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ) إنها الصورة ~~المثيرة للنار التي تكاد تلمح فيها الإحساس الواعي في مواجهة هؤلاء الذين ~~تمردوا على خالقهم بالكفر والعصيان ، وذلك من خلال لهيبها ، فكأنها تتحفز ~~للانقضاض عليهم من موقع النقمة الداخلية المتوثبة في ما تظهره من غيظ ، ~~وتتنفس به من صوت يتردد في ثورتها الملتهبة بالغضب والانفعال ، ( @QUR@05 ~~وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ) لا يكادون يملكون فيه حرية الحركة لضيقة ( ~~@QUR@01 مقرنين ) مصفدين بالأغلال ( @QUR@03 دعوا هنالك ثبورا ) وهو الهلاك ~~الذي يتحول إلى نداء استغاثة ينطلق من الأعماق في كلمة تعبر عن الحسرة ~~العميقة .. وا ثبوراه. # ( @QUR@05 لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ) لأنكم لن تواجهوا نوعا واحدا من ~~الهلاك ، ( @QUR@03 وادعوا ثبورا كثيرا ) فهناك أكثر من موقف يواجهكم فيه ~~الهلاك ، وأكثر من PageV17P025 # نوع من أنواع ms3921 العذاب الذي ينتظركم في النار ، وربما كان المعنى ، أن هذا ~~النداء لن يفيدكم سواء أطلقتموه مرة واحدة ، أو أكثر من مرة ، لأن العذاب ~~سيستمر ، فلا ينفع فيه الدعاء والاستغاثة أصلا. # * * * ### ||| ** مصير المصدقين بالرسالة # ( @QUR@01 قل ) لهم يا محمد : ( @QUR@01 أذلك ) السعير الذي تواجهونه في ~~النار جزاء لكفركم وعصيانكم ( @QUR@07 خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) ~~الذين آمنوا بالله واتقوه وجاهدوا في سبيله من موقع إحساسهم بالمسؤولية من ~~خلال ما رزقهم الله من سمع وبصر ، ووهبهم من عقل ، مما يحركونه في سبيل ~~المعرفة ، ويصلون من خلاله إلى مستوى الإيمان واليقين ( @QUR@04 كانت لهم ~~جزاء ومصيرا ) حيث أعطاهم الله من فضله ، وفتح لهم جنته ، واحتواهم برضوانه ~~ومنحهم حرية الاختيار والتمني ، فليس هناك شيء مما يحبونه يحرمون منه ، ~~فلهم أن يطلبوا ما يريدون ( @QUR@04 لهم فيها ما يشاؤن ) فهم قد حرموا ~~أنفسهم الكثير مما حرمه الله في الدنيا ، وقد صبروا على مرارة الجهاد في ~~سبيل الله ، طمعا بما وعدهم الله من رضوانه ، وما أشار به إليهم من نعيمه ~~في جنته. وها هم الآن يصلون إلى الله في مواقع لطفه وحنانه ، فلا جهد ولا ~~مرارة ولا حرمان ، بل هو الراحة والحلاوة والعطاء الإلهي الذي لا يقف عند ~~حد ، فليطلبوا ، فكل شيء في متناول أيديهم ، وليحلموا فلن ينتظروا أية لحظة ~~في سبيل تحقيق أحلامهم ، وليشتهوا ، فينالوا كل مشتهياتهم ، ( @QUR@06 ~~خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا ) فقد وعدهم الله ذلك الوعد على مستوى ~~الواقع ، وقد سألوه في مشاعرهم وفي ابتهالاتهم ، وها هو الجواب على تطلعات ~~ذلك السؤال الذي التقت به الدنيا والآخرة. PageV17P026 # ( @QUR@07 ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ) في صعيد واحد ، في موقع ~~المسؤولية ، حيث يقف المعبودون والعابدون الذين عاشوا الانحراف عن خط ~~التوحيد في ما قدمه هؤلاء من فروض العبادة لأولئك من دون الله ، وما تقبله ~~أولئك منهم ، أو شجعوهم عليه ، أو طلبوه منهم مما كان يخيل إليهم من ضخامة ~~شخصيتهم بالمستوى الذي يتحولون به إلى مستوى الآلهة ، أو ما لم يتقبلوه ~~منهم ، من المعبودين الذين لا يرون لأنفسهم ms3922 أي سر يوهلهم لذلك ، كالملائكة ~~الذين كان يعبدهم بعض الناس من دون الله ( @QUR@05 فيقول أأنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء ) من خلال ما دعوتموهم إليه ، أو ما زينتموه لهم ، من عبادتكم ~~( @QUR@04 أم هم ضلوا السبيل ) من خلال جهلهم بحقيقة الألوهية ، بما هو ~~التوحيد في الإله ، أو تجاهلهم لحركة المعرفة في العقل ، ولإيحاءاتها في ~~الشعور ، ولموقعها في الحياة. # وهذا هو السؤال الذي يريد أن يجسد أمام العابدين لغير الله ، كيف ينظر ~~الذين يعبدونهم من دون الله إلى أنفسهم أمامه ، وكيف يتطلعون إلى هذه ~~العبادة الإشراكية الزائفة. ( @QUR@012 قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء ) إننا نعيش عمق الإحساس بعظمة الوحدانية في ~~ألوهيتك ، فليس لدينا أمامك إلا الانسحاق والذوبان الذي يتحول إلى تسابيح ~~نطلقها في سمائك. فمن موقع الإيمان العميق نوحدك ، وإذا كان التوحيد هو سر ~~الإيمان فينا ، فكيف ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء ، فنواليهم ونخلص ~~لهم ونتقبلهم ، وهؤلاء هم الذين عبدونا من دونك ، وقدموا لنا فروض العبادة ~~بدلا منك. ولكن كيف حدث ذلك؟ # ( @QUR@06 ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر ) فقد عاشوا في إحساسهم ~~المليء بالشهوات ، الغارق في أمواج الأحلام ، وامتدوا بالمتع الحسية حتى ~~استغرقوا فيها ، وشغلوا بها حتى انفصلوا عن كل ما عداها من حقائق العقيدة PageV17P027 # والحياة ، فنسوا الله ونسوا أنفسهم وغابوا عن التطلع إلى اليوم الآخر ، ~~واحتضنوا العظمة الفانية ، وتركوا العظمة الخالدة ، وإذا عاشت الشهوة كقيمة ~~كبيرة في حياة الإنسان ، وتحركت المتعة ، كهدف أصيل في الذات ، فإن ذلك سوف ~~يصنع له آلهة كثيرة من الخيال ، في ما يستغرقه من غيب الأوهام ، وفي ما ~~يثيره من ضباب الأحلام. # وهكذا نسي هؤلاء الذكر ، وعاشوا الغفلة في غيبوبة الفكر وضياع الشعور ، ~~فلم ينفتحوا على التوحيد في مواقع الوعي ، وعلى الإيمان في مطالع الشروق. ~~وإذا نسي الناس الذكر ، التقوا بالأصنام البشرية والغيبية والحجرية ، وضلوا ~~ضلالا بعيدا. # ( @QUR@03 وكانوا قوما بورا ) أشقياء هالكين في إسرافهم على أنفسهم ~~بالكفر والضلال ، ( @QUR@04 فقد كذبوكم بما تقولون ) بما تمنحونهم من صفات ~~الألوهية ، أو ما تقدمونه من ms3923 فروض العبادة ، وأعلنوا البراءة منكم ، فلم ~~يكن لهم أي دور في إضلالكم ، بل كنتم أنتم الضالين ، ( @QUR@03 فما ~~تستطيعون صرفا ) بأن تصرفوا عن أنفسكم العذاب بشفاعتهم أو بعبادتهم ( ~~@QUR@02 ولا نصرا ) بأن تجدوا لكم ناصرا ينصركم من عذاب الله. # ( @QUR@03 ومن يظلم منكم ) نفسه بالكفر والعصيان ( @QUR@03 نذقه عذابا ~~كبيرا )، لأن الأمر كله لنا وليس لأحد معنا شيء ، ولا يستطيع أحد أن ~~يمنعنا مما نريده. وهذا ما ينبغي أن يعيشه الناس كلهم في مسألة العقيدة ~~والطاعة ، في ما يظلمون به أنفسهم ، أو يظلمون به ربهم في تجاوزهم لما له ~~عليهم من حق. إن الانحراف عن الحق ، في الموقع الذي يستطيع الإنسان أن يبلغ ~~الحق أو يكتشفه ، يعني الوقوع في العذاب لا محالة. ( @QUR@05 وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين ) الذين آمن بهم هؤلاء ( @QUR@07 إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق ) كما تأكل أنت الطعام ، وتمشي مع الناس في الأسواق ، PageV17P028 # فلست أول الأنبياء الذين يتصفون بالبشرية ، ويتحركون على طريقة البشر في ~~حياتهم المادية والروحية ، فلما ذا يتطلبون فيك ما لم يتطلبوه في غيرك؟! ~~ولماذا يستغربون بشريتك ، أو يتطلبون الملائكة معك ، أو ما شابه ذلك؟! # ( @QUR@04 وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) حيث تمثل بشرية النبي امتحانا للناس ~~في إيمانهم عند ما يأتيهم النبي بشرا عاديا كبقية الناس ، لا يحمل في ذاته ~~أية خصوصية تميزه عنهم ، فيدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد ، ويبلغهم ~~وحيه الممتد في كل جوانب الحياة ، مما يجعل من الإيمان اختبارا لحيوية ~~الفكر وأصالته وحركته في طريق الإيمان القائم على المعرفة ، بعيدا عن كل ~~العوامل التي تخطف بصره ، وتسلب لبه ، وتثير شعوره ( @QUR@01 أتصبرون ) على ~~التحديات الكبيرة التي تواجهكم بالأوهام التي تنحرف بكم عن خط الإيمان ، ~~وعلى الجهد الطويل الذي يفرض عليكم الوقوف عند مواقع العمق في الكفر ، ~~والانفتاح في الرؤية ، والامتداد في الإحساس ، وعلى المشاكل المتنوعة ~~المعقدة التي تتحدى راحتكم وأمنكم وشهوتكم ومزاجكم في حياتكم العامة ~~والخاصة ، مما يثيره أمامكم أعداء الله والإيمان؟ # ( @QUR@03 وكان ربك بصيرا ) عارفا بكل ما تحتاجون إليه في نظام حياتكم ، ~~في ما تسيرون نحوه ms3924 من سعادة أو شقاء ، فيدفعكم إلى ما فيه السعادة ، ~~ويمنعكم عما يجلب لكم الشقاء. # * * * PageV17P029 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) @QUR@010 يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) @QUR@09 وقدمنا ~~إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) @QUR@07 أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) @QUR@07 ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا (25) @QUR@09 الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يرجون ): الرجاء : ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه ، ~~ومثله الطمع والأمل. # ( @QUR@01 لقاءنا ): اللقاء : المصير إلى الشيء من غير حائل. # ( @QUR@01 عتوا ): العتو : الخروج إلى أفحش الظلم. # ( @QUR@01 حجرا ): الحجر : الممنوع منه بتحريمه ، وقد جاء في المفردات : ~~كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك (1). وعن الخليل : كان الرجل يرى الرجل PageV17P030 # الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم ، فيقول : «حجرا ~~محجورا» ، أي حرام عليك حرمتي في هذا الشهر ، فلا يبدأه بشر (1). # ( @QUR@01 محجورا ): محرما. # ( @QUR@01 وقدمنا ): قصدنا. # ( @QUR@01 هباء ): الهباء : الغبار الدقيق. # ( @QUR@01 منثورا ): المنثور : المتفرق. # ( @QUR@01 مستقرا ): المستقر : مكان القرار كالبيت. # ( @QUR@01 مقيلا ): المقيل : مكان القيلولة. # * * * ### ||| ** نموذج لمنطق المشركين الهروبي من الحقيقة # وهذا نموذج من المنطق الهروبي الذي يحاول المشركون أن يهربوا من خلاله من ~~مواجهة الحقيقة الرسالية التي كانت تريد لهم مواجهة منطق الرسول بالحوار ~~القائم على الفكر في ما يثيره أمامهم من حقائق الإسلام في رسالته ، فيثيروا ~~الأمور البعيدة عن اتجاه الموضوع. # ( @QUR@05 وقال الذين لا يرجون لقاءنا ) ولا يترقبون وقوعه ، لأنهم لا ~~يؤمنون بالقيامة التي يقفون فيها أمام الله ليواجهوا حساب أعمالهم في ~~الدنيا. وبذلك كانوا لا يمارسون الموقف من منطق المسؤولية ، بل من منطق ~~الهروب واللامبالاة. PageV17P031 # ( @QUR@05 لو لا أنزل علينا الملائكة ) لنراهم رأي العين لنتعرف صدق ~~النبي في نزول الوحي عليه عند ما نشاهدهم كيف يلقون عليه الوحي وكيف ~~يلتقيهم ويحدثهم ويحدثونه ( @QUR@03 أو نرى ربنا ) في ما كانوا يعتقدونه من ~~تجسد الإله بحيث يمكن للناظر أن يراه ، لنسأله عنك وعما تدعيه من إرساله ms3925 لك ~~بالرسالة التي تدعونا إليها ، فذلك هو الذي يمكننا من تصديقك. وربما كان في ~~قوله ( @QUR@03 أو نرى ربنا ) نوع من التهكم منهم ، لأن «المشركين ما كانوا ~~يرونه تعالى ربا لهم ، بل كان عندهم أن أربابهم ما كانوا يعبدونهم ، والله ~~سبحانه رب الأرباب ، فكأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنك ترى أن ~~الله ربك ، وقد حن إليك فخصك بالمشافهة والتكليم ، وأنه ربنا ، فليحن إلينا ~~وليشافهنا بالرؤية كما فعل بك» (1). # ولكننا لا نستفيد من الآية ذلك ، بل كانت المسألة نوعا من التحدي له ، ~~إذا كانوا يعتقدون عدم صدقه في ادعائه الاتصال بالملإ الأعلى. أما حكاية ~~أنهم لا يرونه ربا لهم ، فهذا ما لم نلاحظه في ما قصه القرآن من عقيدتهم ~~بالله ، بحيث كانت الأصنام وسيلة تقريب لهم إلى الله. # ( @QUR@04 لقد استكبروا في أنفسهم ) من خلال ما يجدونه من العظمة لأنفسهم ~~بالمستوى الذي يمنعهم من الخضوع للحقيقة الإلهية التي يحملها شخص منهم ~~كمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنهم لا يرون له المقام الرفيع الذي يؤهله ~~للارتباط بعالم الغيب ، مما كانوا يزعمونه من العلاقة الطبيعية بين ما هي ~~الطبقة الاجتماعية في صفة الشخص ، وبين المهمة الرسالية له. وبذلك كانت ~~الكبرياء حاجزا بينهم وبين الإيمان ، مما قادهم إلى الطغيان ( @QUR@03 ~~وعتوا عتوا كبيرا ) أي طغوا طغيانا عظيما ، في تصرفاتهم وممارساتهم العامة ~~والخاصة. PageV17P032 # وقد أجاب القرآن على رغبتهم في رؤية الملائكة عند ما ينزلون إلى الأرض ~~أمامهم بأنهم سيرون الملائكة ، ولكن في عالم آخر ، وهو عالم القيامة ، غير ~~أن ذلك لن يكون مريحا لهم ، بل سيجلب الشعور بالخوف ، في مواقع الخطر من ~~خلال أعمالهم السيئة في الدنيا ( @QUR@07 يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ) لأنهم لم يقدموا أي عمل في طاعة الله مما يمكن أن يجلب لهم ~~البشرى من الملائكة ، كما يفعلون مع المؤمنين المتقين ( @QUR@03 ويقولون ~~حجرا محجورا ). هكذا يتحدث القرآن عن قول المشركين في ذلك اليوم ، إذا ~~رأوا الملائكة ، بهذه الكلمة ، ( @QUR@02 حجرا محجورا ) أي لنكن في معاذ ~~منكم مما تقصدوننا به من العذاب ms3926 ، أو عن قول الملائكة للمشركين هذه الكلمة ~~، حرام عليكم سماع البشارة بالجنة وبالنجاة أو ما شابه ذلك. # ( @QUR@06 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ) مما أرادوا به الحصول على ~~السعادة ، واستسلموا لنتائجه الحلوة في غفلتهم عن الموت وعما بعد الموت ( ~~@QUR@03 فجعلناه هباء منثورا ) تماما كما هو التراب الدقيق الذي يتناثر في ~~الهواء عند أول ريح تمر فلا يبقى منه شيء. وهكذا يواجهون الآخرة من دون ~~رصيد في ما يمكن أن يثبت لهم أقدامهم هناك ، أو يحقق لهم شيئا من السعادة ، ~~حتى أن أعمالهم الصالحة التي قاموا بها في الدنيا من خلال مزاج إنساني ، أو ~~عادة خيرة ، أو رغبة حميمة ، لا يبقى منها أي أثر ، لأنها لم ترتكز على ~~قاعدة الإيمان بالله ، ولم تنطلق من خلال الرغبة في رضاه ، وقد حصلوا على ~~ما يقابلها مما حصلوا عليه من نعيم الدنيا ، فلم يسلم منه شيء .. وهكذا ~~يقفون هناك وقفة المعدم الحائر الذي يشعر بأن كل شيء عنده قد تحول إلى لا ~~شيء في مسألة المصير الدائم ، فلم يعد له مكان إلا في النار. # ( @QUR@02 أصحاب الجنة ) الذين آمنوا بالله وعملوا صالحا ، وأخلصوا دينهم ~~الحق لله ، وانطلقوا في حياتهم على أساس محبة الله ، والرغبة في رضاه PageV17P033 # ( @QUR@03 يومئذ خير مستقرا ) بما منحهم الله من الأرض الصلبة الثابتة في ~~مواقع الحق ( @QUR@02 وأحسن مقيلا ) مما يرتاح إليه الناس ويقيلون فيه ~~فيشعرون بالراحة بعد التعب. وهكذا يلتمس هؤلاء المتقون الراحة والاستقرار ~~والظل الظليل بعد كل العناء الذي تحملوه في الدنيا. # ( @QUR@04 ويوم تشقق السماء بالغمام ) الذي يحجب ضوء الشمس ، وذلك في يوم ~~القيامة ، وتنفتح للناظرين فلا يسترها شيء ( @QUR@03 ونزل الملائكة تنزيلا ~~) بما يوكله الله إليهم من مهمات القيامة في شؤون الحياة الجديدة في حسابها ~~وثوابها وعقابها .. وتلك هي الفرصة التي يمكن أن يرى فيها هؤلاء وغيرهم ~~الملائكة ، وهي تتنزل من السماء بطريقة عجيبة ، ( @QUR@04 الملك يومئذ الحق ~~للرحمن ) فلا ملك لغيره ، وهو الملك الحق الثابت المهيمن على الأمر كله من ~~خلال حكمه وسيطرته على كل شيء ( @QUR@05 وكان يوما على الكافرين عسيرا ms3927 ) ~~لأنهم يقفون أمام الله الجبار القهار الذي أنكروه وعبدوا غيره ، أو أشركوا ~~به غيره ، من دون حجة ولا سلطان. وها هم يواجهون الموقف الصعب الذي يقدمون ~~فيه كل حسابات عملهم التي لا يملكون فيها أي حق في الرحمة ، أو أي موقع ~~للمغفرة والرضوان ، مما يجعل الموقف عسيرا عليهم في مواجهة المصير الأسود ~~من عذاب النار. # * * * PageV17P034 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا (27) @QUR@07 يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) @QUR@011 لقد ~~أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يعض ): العض : أزم بالأسنان ، وقوله تعالى : ( @QUR@03 ويوم ~~يعض الظالم ) عبارة عن الندم ، لما جرى به عادة الناس أن يفعلوه عند ذلك. # ( @QUR@01 فلانا ): فلان وفلانة كنايتان عن الإنسان ، وذكر البعض أن ( ~~@QUR@01 فلانا ) في الآية كناية عن الشيطان ، إلا أن السياق لا يساعد على ذلك. # ( @QUR@01 خذولا ): الخذلان ، بضم الخاء ، ترك من يظن به أن ينصر نصرته. ~~وخذلانه : أنه يعد الإنسان أن ينصره على كل مكروه إن تمسك بالأسباب ونسي ~~ربه ، فلما تقطعت الأسباب بظهور القهر الإلهي خذله وسلمه إلى الشقاء. # * * * PageV17P035 ### ||| ** عن الظالم على يديه ندما # ويقف المنحرفون الكافرون يوم القيامة وقفة الحسرة والندامة ، حيث يواجهون ~~نتائج العلاقات المنحرفة التي أدت بهم إلى الكفر والضلال ، بفعل الأجواء ~~الحميمة التي تثيرها في النفس ، وبتأثير المشاعر الحبيبة التي تنفذ إلى ~~الإحساس ، وبإثارة الأفكار الضالة التي تدفع العقل إلى الغيبوبة في أعماق ~~الضلال ، من خلال الرغبة في الوقوف مع الأصدقاء ، وهذه صورة حية من صور هذه ~~النماذج القلقة النادمة في يوم القيامة ، من خلال صورة هذا النموذج الحائر ~~الملتاع في أجواء الحسرة والندامة. # * * * ### ||| ** ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا # ( @QUR@05 ويوم يعض الظالم على يديه ) كما يفعل النادم الذي يكتشف ضياع ~~الفرصة الذهبية منه ، أو وقوعه في مواقع الخيبة والخسران ، بعد فوات الأوان ~~، فلا يجد لديه أي شيء يمكن أن ينفس فيه عن غيظه من نفسه ، إلا أن يعض ~~أصابعه. وهكذا يرى هذا الإنسان الظالم نفسه بالكفر والضلال كيف أن ms3928 علاقته ~~بالكافرين والضالين ابتغاء مطمع أو شهوة ، أو رغبة ، أو غفلة ، هي السبب في ~~وقوفه موقف الخزي يوم القيامة ، ويتذكر الشخص الذي كان له التأثير السلبي ~~على مصيره ، من خلال تأثيره على قناعاته وقراره ، مما أبعده عن العلاقة ~~الإيمانية بالرسول التي يجد فيها الآن موقع النجاة. # ( @QUR@07 يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) حيث كان يبلغني رسالات ~~الله ويبصرني مواقع الخير والفلاح في الدنيا والآخرة ، ويشق لي طريق الهدى ~~والنجاة في ما آخذ به ، أو أدعه من قضايا الحياة ، وشؤون المسؤولية. فلقد PageV17P036 # كانت الغفلة تحجبني عن التطلع إلى آفاق الرسالة في انطلاقات الشروق ~~الروحي في وحي الله .. ( @QUR@02 يا ويلتى ) أي يا هلاكي ، حيث يتعاظم ~~الشعور بالحسرة والندامة حتى يتحول إلى ما يشبه الاستغاثة والمناداة بالويل ~~الذي يعبر عن الإحساس المباشر العميق بالهلاك. # * * * ### ||| ** ليتني لم أتخذ فلانا خليلا # ( @QUR@05 ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) هذا الإنسان الذي عشت معه الصداقة ~~الحميمة التي كانت تنفذ إلى مشاعري العميقة فتحجب عني وضوح الرؤية للأشياء ~~، وتواجه أفكاري بالصدمة التي لا يثبت فيها أي فكر أمام حرارة الشعور ، ولا ~~يصمد فيها أي حق أمام باطل العاطفة في ليالي السمر التي يغفل الإنسان فيها ~~عن نفسه فيستسلم إلى غيره ، وفي أجواء الشهوات التي يفقد فيها إرادته ، فلا ~~تتماسك معها مواقفه ، كيف لم أنتبه إلى طبيعة فكره ، وسوء موقفه ، وبعده عن ~~ربه ، وعبادته لشهواته؟! كيف غاب عني هذا كله ، فلم أر منه إلا الصورة ~~الحلوة ، والشعور الحميم؟! # ( @QUR@07 لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ) وأبعدني عن الاستماع إليه ، ~~والتفكير به ، والتعمق في فهم مداليله ونتائجه ، والاهتداء بهداه ، في ما ~~يأمرني به ، أو ما ينهاني عنه. وها أنا الآن أقف موقف المسؤولية الصعب الذي ~~يواجه عذاب الله في النار ، ويقف هذا الإنسان ليتخلى عن كل مسئولية في ~~إضلالي ، فيحملني مسئولية ما أنا فيه ، من دون أن يكون له دور في ذلك ، ( ~~@QUR@017 كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني ~~أخاف الله رب العالمين ) [الحشر ms3929 : 16]. PageV17P037 # ( @QUR@04 وكان الشيطان للإنسان خذولا ) في كل ما يضله فيه مما ينحرف به ~~عن الصراط المستقيم. وبذلك يعيش الإنسان الإيحاء العميق ، من خلال هذه ~~الآية ، كيف يواجه خطوات الشيطان بوعي وحذر ، ليبتعد عن السير معها في ~~معصية الله ، وكيف يكون حذرا في صداقاته فيختار أصدقاءه من مواقع إيمانه ، ~~ولا يستسلم للمشاعر الحميمة في أحاسيسه حتى لا تغلبه مشاعره على مبادئه ، ~~وحتى لا تحتويه الصداقة بأوضاعها الضاغطة من ناحية عاطفية ، فيبتعد عن خط ~~الاستقامة ، ويقترب من خط الانحراف ، فيندم حيث لا ينفعه الندم. # * * * PageV17P038 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) ~~@QUR@011 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ) (31) # * * * ### ||| ** لكل نبي عدو من المجرمين # ويتابع الرسول رسالته ، ويتلو القرآن على قومه في بداية الدعوة ليفتح ~~عقولهم على الحق ، وقلوبهم على الإيمان ، وحياتهم على خط الشريعة الإسلامية ~~، ليهتدوا بذلك من خلال التأمل والتدبر والوعي العميق .. ولكنهم يعرضون عنه ~~، ويبتعدون عن ذلك كله ويهجرون آياته ، فلا يقبلون على سماعها أو تلاوتها ، ~~ولا يتدبرونها في عقولهم ومشاعرهم ، فيلجأ الرسول إلى ربه شاكيا في تقرير ~~مسهب متضمن لما قدمه في سبيل الدعوة ، وما بذله في سبيل الهداية. # * * * PageV17P039 # ( @QUR@06 إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) # ( @QUR@010 وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) من دون ~~أن أقصر في ما كلفتني وأمرتني بالقيام به من إبلاغ وإنذار ، وابتعدوا عني ~~إلا قليلا منهم. ولكن الله سبحانه يوحي إليه بأن الدعوة تصنع أعداءها كما ~~تصنع أصدقاءها ، فإن أفكارها تستثير الناس الذين يفكرون بطريقة مغايرة ، ~~ويتحركون من الموقع المضاد ، فيقفون ضدها لحماية أفكارهم ومصالحهم وأوضاعهم ~~التي يخافون عليها من حركة الدعوة الجديدة. وهكذا يتجمع الأعداء في روحية ~~الاجرام ليعملوا بكل وسائلهم في إسقاط الرسالة والرسول. # ( @QUR@07 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ) الذين يعيشون الجريمة ~~في مستوى الفكر ، فيعملون على قتل الحق بأضاليلهم الفكرية ، كما يعيشونها ~~في مستوى الحركة ليسقطوا الذكر الإلهي في مشاريعه التغييرية ، بكل وسائلهم ~~الإجرامية .. ولكنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا ms3930 ، فلن يستطيعوا إضلال ~~الرسول عما يدعو إليه من الهدى ، ولن يتمكنوا من إسقاط الرسالة في تأكيد ~~وجودها على الأرض ، لأن الله سينصر نبيه ويهديه ، وإذا أراد الله أن يهدي ~~أحدا فلن يضله أحد ، وإذا أراد أن ينصره فلن يهزمه أحد ، لأنه يكفي من كل ~~شيء ولا يكفي منه شيء ، ( @QUR@04 وكفى بربك هاديا ونصيرا ) في خط الهداية ~~، وفي حركة الصراع من أجل النصر. # * * * PageV17P040 ### ||| ** إيحاءات الآية في الدعوة # وهكذا ينبغي للدعاة في خط الرسالات أن يعيشوا هذه الحقيقة الرسالية في ~~ساحة الصراع ، لئلا يتعقدوا من ذلك ، فيسقطوا أمام التحديات ، ويخافوا من ~~النتائج السلبية على مستوى الدعوة ، لأن المسألة تدخل في نطاق الواقع ~~الطبيعي للأشياء ، من خلال ما تواجهه كل فكرة جديدة تتحرك ضد التيار ، مما ~~يجعل من مواجهة الفكر المضاد سبيلا إلى القوة بدلا من أن تكون سبيلا إلى ~~الضعف ، على أساس ما تمنحه من قوة جديدة للرساليين الذين يستنفرون كل ~~طاقاتهم من أجل المعركة وما يثيرونه من عوامل التحدي ويمارسونه من خبرة ~~متحركة على أكثر من صعيد ويعيشونه من ثقة كبيرة بالنجاح في شعورهم القوي ~~بأن الله معهم ، فلا يستطيع المجرمون من أعداء الرسالة إسقاطها بوسائلهم ~~المتعددة ، لأنهم لا يملكون كل مواقع القوة في الساحة ، فلله القوة جميعا ، ~~وعلى الرساليين أن يأخذوا بأسباب النصر ، لينتصروا ، وينتهزوا الفرص المعدة ~~لديهم للنجاح لينجحوا ، لأن الله يريد للناس أن يأخذوا بسننه في حركة ~~الدعوة والحياة ، فلا يغفلوها في حركتهم أو عملهم. # * * * PageV17P041 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك ~~لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) @QUR@08 ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا (33) @QUR@011 الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك ~~شر مكانا وأضل سبيلا (34) @QUR@09 ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه ~~هارون وزيرا (35) @QUR@09 فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~فدمرناهم تدميرا (36) @QUR@013 وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم ~~للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) @QUR@08 وعادا وثمود وأصحاب ~~الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) @QUR@07 وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا ~~تتبيرا (39) @QUR@016 ولقد ms3931 أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم ~~يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لنثبت ): الثبات ضد الزوال ، والإثبات والتثبيت بمعنى واحد ، ~~والفرق بينهما بالدفعة والتدريج. PageV17P042 # ( @QUR@01 فؤادك ): الفؤاد : القلب. # ( @QUR@01 ترتيلا ): الترتيل : التبيين في تثبيت. وهنا الإتيان بالآية ~~عقيب الآية ، وبالسورة بعد السورة. # ( @QUR@01 بمثل ): المثل : الوصف أي لا يأتونك بوصف فيك أو في غيرك ~~جاؤوا به عن الحق أو أساؤوا تفسيره ، إلا جئناك بما هو الحق فيه أو ما هو ~~أحسن الوجوه في تفسيره. # ( @QUR@01 تفسيرا ): التفسير : كما جاء في الراغب : المبالغة في إظهار ~~المعنى المعقول ، كما أن الفسر بالفتح فالسكون إظهار المعنى المعقول (1). # ( @QUR@03 يحشرون على وجوههم ): يسحبون عليها. # ( @QUR@01 الرس ): قال الطبرسي : الرس البئر التي لم تطو بحجارة ولا ~~غيرها (2). # ( @QUR@01 وقرونا ): القرن أهل عصر واحد ، وربما يطلق على العصر نفسه ، ~~والإشارة بذلك إلى من مر ذكرهم من الأقوام ، أولهم قوم نوح وآخرهم أصحاب ~~الرس أو قوم فرعون. # ( @QUR@01 تتبيرا ): التتبير : الإهلاك. # ( @QUR@01 نشورا ): النشور : البعث. # * * * ### ||| ** المشركون يثيرون شبهة نزول القران تدريجيا # كان المشركون يثيرون الشبهات حول القرآن ليشككوا في نزوله من عند PageV17P043 # الله وليبطلوا مفعول تأثيره في النفوس من خلال الإيحاء الداخلي بقداسته ~~الروحية ، وليحاولوا بالتالي إبطال الإيمان برسالة الرسول ، ليتحول في نظر ~~الناس إلى رجل عادي يختلق الكلام وينسبه إلى الله. # وقد كان من بين هذه الشبهات ، الحديث عن نزول القرآن عليه على دفعات ، في ~~الوقت الذي كانوا يسمعون عن التوراة والإنجيل ، بأنهما قد نزلا على موسى ~~وعيسى عليهما السلام دفعة واحدة ، وكما يوحي به لفظ الكتاب الذي يدل على ~~مجموعة من الفصول المترابطة ببعضها البعض تمثل وحدة الفكرة العامة الموزعة ~~على مواقع متعددة ، كما هو الدين في معناه الشامل الذي يتضمن العقيدة ~~والشريعة معا. # وفي ضوء ذلك ، فإن هذا النزول التدريجي الذي لا ترتبط فيه أجزاء الآيات ~~ببعضها البعض ، باعتبار أنه موزع على الحوادث والقضايا التي يعيشها الرسول ~~مع الناس ، وعلى المشاكل التي يثيرونها حوله ، قد يدل على أن المسألة تعبر ~~عن معاناة شخصية تتأثر بالأحداث ، فتصنع في كل ms3932 حدث فكرة تنسجم معه ، وتجيب ~~عن كل مسألة بجواب يخرجها من المأزق ، وتعالج كل قضية بما يتناسب معها من ~~الحلول .. وهكذا يفتقد النبي معنى الرسالة الكاملة الشاملة التي يقدمها ~~الله إلى البشر كحل متكامل لكل مشاكلهم في الحياة لينطلقوا فيه من موقع ~~القاعدة الثابتة التي يلجأون إليها في كل منطلق للحياة ، بل يكون مثل بقية ~~الناس الذين تتكامل لديهم الأفكار تبعا للمراحل التي تتكامل بها حياتهم. # وهذا ما عبرت عنه الفقرة التالية من هذه الآية : # ( @QUR@010 وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) أي دفعة ~~واحدة ، فلما ذا ينزل عليه على عدة دفعات تتنوع فيها الأفكار على أساس تنوع ~~الأوضاع ، واختلاف الحوادث والأشخاص؟ # * * * PageV17P044 ### ||| ** القرآن يجيب عن الشبهة # ولكن الله يثير أمامهم المسألة من موقع الصفة الحركية للرسالة ، والخط ~~التربوي للمسيرة الإنسانية في حركية الإسلام في تنمية الفكر والروح ، ~~ومراقبة الحركة في الوسيلة والهدف وفي مواجهة التحديات. # فلم يكن الإسلام مجرد فكر يراد للناس أن يختزنوه في وعيهم في مواقع نظرية ~~للمعرفة المجردة ، بل كان فكرا يراد له أن يتجذر في النفس والواقع والحياة ~~، لأن المقصود هو تنمية الروح الإسلامية في الإنسان ، في عملية صنع الأمة ~~على هدى الإسلام وتعاليمه. ولهذا كانت الخطة أن تطرح الفكرة في ساحة ~~التطبيق ، ليعيش المسلمون المشكلة ، فتتفاعل في عقولهم ومشاعرهم ، وتحتوي ~~أوضاعهم وعلاقاتهم ، لتأتي الآية بالحل المناسب الذي يستوعب الحالة كلها ، ~~فيرى الناس الحل في حجم المشكلة ، وفي صعيدها ، وينظرون إلى الفكرة وهي ~~تتحرك في الأرض بطريقة واقعية ، فيعيشون واقعيتها ، فتثبت في شخصيتهم في ~~عمق التأثير ، وبذلك تمنحهم المعرفة والتطبيق ، والثبات الفكري والروحي ~~والعملي على الخط المستقيم. وهناك فرق بين أن يأخذ الفكرة من مواقع التجريد ~~، وبين أن يأخذها من مواقع الواقع. فإن الانطلاق من الواقع يثبت الشخصية من ~~خلال الفكرة ، تماما كما هو الماء الذي ينفذ إلى الأرض ليمنحها الحيوية ~~والنمو في البذور الساكنة في التراب. # هذا هو الأساس في تنزل القرآن على دفعات من أجل أن يواكب القرآن المسيرة ~~كلها ليرعاها ms3933 ويشرف عليها ويجنبها المشاكل الصعبة ، وينظم لها خطوطها ~~التفصيلية ، على مستوى حركة القيادة والتزام القاعدة ونهج المسيرة ، لأن ~~ذلك يمنع الاهتزاز الروحي والفكري والعملي ، ويحفظ القاعدة من السقوط ~~والانهيار ، لأنها تتحرك بعين الله ورعايته وإشرافه ، في كل حركة ، PageV17P045 # وكل مشكلة. وهذا الذي أشارت إليه الفقرة التالية. # ( @QUR@04 كذلك لنثبت به فؤادك ) والفؤاد يعني الشخصية العقلية والروحية ~~التي قد تتعرض للاهتزاز بفعل المشاكل والتحديات التي تثير الإحساس السلبي ~~وتهز القلب بالآلام ، فكأن القرآن يحتوي ذلك كله ، في ما يمنحه من وضوح ~~الرؤية للأشياء بالمستوى الذي يفهم فيه طبيعة الموقع الذي يقف فيه ، ونوعية ~~الخط الذي يسير عليه ، والهدف الذي يسعى إليه ، فلا يبقى هناك مجال ~~للاهتزاز الروحي والنفسي والعملي. # وإذا كان الله يتحدث عن تثبيت النبي ، فإنه يتحدث عنه بصفته القيادية من ~~موقع انفتاحه على الأمة ، وقضاياها التي تتطلب معرفة الحلول الطبيعية لها ~~من خلال وحي الله. # * * * ### ||| ** سير النبي في خط التكامل # وقد نستوحي من ذلك ، أن الله يثبت رسله بوحيه ليتكاملوا بطريقة تدريجية ~~في الانطلاق باتجاه مدارج الكمال ، إذ يريد لهم وعي الفكر ، وحركية الخط ، ~~وحل المشكلة ، وثبات الموقف ، مما يوحي بأن مسألة الكمال النبوي ليس مسألة ~~دفعية حاسمة ، وليس في هذا أي منافاة مع عصمتهم عليهم السلام لأن هناك فرقا ~~بين ما هو الخطأ ، في ما يمارسه الإنسان ، وبين ما هو التكامل في ما يريد ~~أن يسمو فيه وينطلق أو يبلغه من مواقع السمو والكمال. # وهكذا أراد الله للقرآن أن ينزل على دفعات ليثقف الأمة بأفكاره وتعاليمه ~~بطريقة تدريجية لتثبيت القيادة ، ولتركيز القاعدة على أساس الخط المستقيم ، ~~وتوجيه المسيرة على أساس حركة النظرية في موقع التطبيق. # ( @QUR@02 ورتلناه ترتيلا ) فأنزلنا الآية عقيب الآية ، والسورة بعد ~~السورة ، كما PageV17P046 # يوحي به معنى الترتيل. # * * * ### ||| ** الاستفادة من الآية في حركة الدعوة المعاصرة # وإذا أردنا أن نطلق الآية في حركية الدعوة والعمل في سبيل الله ، فنستطيع ~~استبدال تدريجية النزول للآيات بتدريجية تحريك الآيات في مواقع العمل ~~والجهاد وفي منطلقات الدعوة بطريقة دقيقة ، نوزع فيها الآيات على ms3934 المسيرة ، ~~فتكون هذه الآية في نقطة هنا ، ونقطة هناك ، وتكون السورة في مرحلة أولى ، ~~لتكون السورة الأخرى في المرحلة الأخرى ، ليكون القرآن ثقافة الأمة في كل ~~مواقع السير ، حتى يعرفوا الفكرة في مواقع الحركة ، فلا تبتعد المسيرة عن ~~آفاق الإسلام في فكره وشريعته. # * * * ### ||| ** تعهد القرآن بمواجهة التحديات # ( @QUR@08 ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) وهكذا كان ~~التدرج في النزول ينطلق في مواجهة التحدي الذي كان يثيره الكافرون في بعض ~~المراحل ، من خلال الشبهات التي تثير الريب والاشتباه في ذهنية الأمة ، أو ~~من خلال الاتهامات التي يطلقونها في شخصية الرسالة والرسول ، ليسقطوا ~~تأثيرها أو تأثيره في حياة الناس ، أو من خلال الأفكار الباطلة المضادة ~~التي يراد لها أن تصارع الأفكار الحقة ، لتحتوي الفكر كله لمصلحة الكفر ~~والشرك .. فكان القرآن ينزل ليجيب عن الشبهات بإيضاح حقائق الأشياء وليرد ~~على الاتهامات ، بتسليط الأضواء على واقع الرسالة والرسول ، وليؤكد على ~~الفكر الحق ، PageV17P047 # بالعمق الفكري والروحي الذي يثبت الحق في أعماق الفكر والروح ، بالصورة ~~الأفضل ، والأسلوب الأحسن ، والتفسير الأوضح ، حتى تكون الحجة لله على ~~الناس في ذلك كله ، ولا يكون للناس على الله وعلى رسله أية حجة من قريب أو ~~من بعيد. # * * * ### ||| ** منهج القرآن في التحدي المضاد # وهذا ما ينبغي للعالمين في سبيل الله ، والدعاة إليه ، أن ينهجوه في حركة ~~التحدي المضاد عند ما يثأر الريب والشك والقلق والحيرة في فكر الأمة ~~وحركتها ، فلا يكفي أن نقدم الكتب الدراسية التحليلية الشاملة التي تعالج ~~المواضيع بطريقة عامة ، بل لا بد لنا من أن نحرك مفردات الأجوبة أمام ~~مفردات علامات الاستفهام ، ونثير جزئيات الحلول أمام جزئيات المشاكل ، ~~ونواجه مواقع الاتهام من خلال مواقع الدفاع ، لتعيش الأمة موقف القوة في ~~مجابهة القوة المضادة ، لتكون هناك كلمة في مقابل كلمة ، وحركة في مواجهة ~~حركة ، وحل في مجابهة مشكلة ، من أجل ثقافة تفصيلية عملية تحيط بالموقف من ~~جميع الجهات. # * * * ### ||| ** مصير الكافرين .. الحشر على وجوههم # ( @QUR@06 الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ) هؤلاء الذين يثيرون الغبار ~~في أجواء الرسالات ، ويحاربون رسل ms3935 الله وأولياءه ، من دون أن يملكوا أية ~~حجة على ذلك كله في إثارتهم وحربهم ، ( @QUR@05 أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ~~) وأي مكان أكثر شرا من جهنم في ما تمثله من خزي وعار وسوء مصير وعذاب أمام PageV17P048 # الخلائق كلهم ، وأي سبيل أضل من السبيل الذي يؤدي إلى النار حيث يعيش ~~الإنسان الشقاء الدائم الذي لا سعادة بعده ، وأي ضلال أكثر بعدا من الضلال ~~الذي يبتعد فيه الإنسان عن الله وعن لطفه ورحمته وعفوه ، فلا يأوي إلى ~~رضوانه؟! # وقد جاء الخلاف بين المفسرين حول المراد من الحشر على وجوههم ، هل هو ~~بمعناه الظاهر ، وهو الانتقال بهم وهم مكبوبون على وجوههم ، أو بمعنى السحب ~~، أو بمعنى الانتقال منكوسين أو كناية عن فرط الذل والهوان ، أو غير ذلك من ~~حمل اللفظ على بعض الأمور المعنوية ، وذلك بمعنى أنهم يحشرون وقلوبهم ~~متعلقة بالسفليات من الدنيا وزخارفها ، متوجهة وجوههم إليها؟ وليس هناك ما ~~يمنع عن حمله على معناه الظاهر الذي يجسد بحسب طبيعته الذل والهوان ، والله ~~العالم. # وهكذا كان الموقف من الرسالة والرسول بعيدا عن خط التوازن في التصور ~~والحكم من خلال الخصوصيات الذاتية التي أثاروها حوله ، ولذلك كانت نتيجته ~~العذاب في جهنم. وإذا كان هؤلاء المشاغبون في موقفهم من القرآن ، ممن ~~يؤمنون بالرسل والرسالات السابقة ، كما قد يوحي به كلامهم ، فإن عليهم أن ~~يستحضروا موسى وكتابه ، وغيره من الأنبياء ، ليعرفوا أن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بدعا من الرسل ، وأن كتابه لم يكن بدعا من ~~الكتب المنزلة من الله. # * * * ### ||| ** تذكير المكذبين بمصير من قبلهم # ( @QUR@09 ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ) حيث ~~يمثل ذلك التكامل في حمل الرسالة ، ومواجهة التحدي الكبير بالموقف الواحد ~~الصلب. ( @QUR@07 فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ) التي تدل ~~على توحيد الله PageV17P049 # وصدق الرسول في رسالته. ولم يستجيبوا إليهما في ما قدماه من الدعوة ~~الإلهية ، ( @QUR@02 فدمرناهم تدميرا ) جزاء لهم على ذلك ، ولذلك فإن على ~~هؤلاء المكذبين أن يحسبوا حساب المصير المدمر الذي سينتهون إليه في تكذيبهم ms3936 ~~للنبي وللقرآن. # ( @QUR@09 وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ) ~~ليعرفوا أن التكذيب للرسول بعد إقامته الحجة عليهم سيؤدي إلى النتائج ~~المدمرة في مصيرهم ( @QUR@02 وأعتدنا للظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم ~~ورسولهم والناس الذين أضلوهم ، ( @QUR@02 عذابا أليما ) في الآخرة بعد عذاب ~~الدنيا. # ( @QUR@04 وعادا وثمود وأصحاب الرس ) وأصحاب الرس قوم كانوا ينزلون على ~~بئر ، أرسل الله إليهم رسولا فكذبوا به ، وقد جاء في الحديث عن أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ما يوحي بأن النساء من هؤلاء كن يمارسن السحاق وهو ~~الشذوذ الجنسي في وطء المرأة للمرأة فقد جاء في الدر المنثور عن الإمام ~~جعفر الصادق عليه السلام : أن امرأتين سألتاه : هل تجد غشيان المرأة المرأة ~~محرما في كتاب الله؟ قال : نعم ، هن اللواتي كن على عهد تبع ، وهن صواحب ~~الرس ، وكل نهر وبئر رس قال : يقطع لهن جلباب من نار ودرع من نار ونطاق من ~~نار وتاج من نار وخفان من نار ، ومن فوق ذلك ثوب غليظ جلف جاس منتن من نار. ~~قال جعفر علموا هذا نساءكم» (1). # وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : «أين ~~أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفئوا سنن المرسلين وأحيوا سنن ~~الجبارين؟» (2). PageV17P050 # ( @QUR@04 وقرونا بين ذلك كثيرا ) ممن جاء من بعدهم من الأجيال ، ( ~~@QUR@04 وكلا ضربنا له الأمثال ) في ما أردنا تذكيرهم ووعظهم وإرشادهم ~~ليتحركوا في خط التوحيد على هدى الرسالات الإلهية ، ولكنهم لم يصدقوا ~~الأنبياء ، ولم يلتزموا بالموقف الرسالي الذي يهدي إلى الله سبحانه ، ( ~~@QUR@03 وكلا تبرنا تتبيرا ) والتتبير التفتيت الذي هو كناية عن تمزيقهم ~~وإهلاكهم حتى لم يعد لهم أي أثر في الحياة ، وقد ورد عن الإمام الصادق ~~عليه السلام في تفسير الكلمة : يعني «كسرنا تكسيرا» (1) على لغة النبط ، ( ~~@QUR@08 ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ) وهي قرية قوم لوط ~~الذين كانوا يمارسون الشذوذ الجنسي المذكر اللواط فأمطر الله عليهم حجارة ~~من سجيل. # ( @QUR@03 أفلم يكونوا يرونها ) ويشاهدون نتائج التكذيب للرسل وللرسالات ~~، لأنها تقع في طريق أهل الحجاز إلى الشام كما يقولون . ( @QUR@05 بل ms3937 كانوا ~~لا يرجون نشورا ) ومعادا في يوم القيامة الذي يواجهون فيه حساب المسؤولية ~~أمام الله. وهذا أوقعهم في الغفلة ، وقادهم إلى العناد والتكذيب ، انطلاقا ~~من شهواتهم الذاتية ، ورفضهم لخط الالتزام الذي يمنعهم من تحقيق مطامعهم ~~التي يحبون ويشتهون. وبذلك كان الإيمان بالمعاد أساسا للشعور العميق بضرورة ~~التوازن في القضايا الفكرية المثارة ، في ما تختزنه من حس المسؤولية أمام الله. # * * * PageV17P051 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) ~~@QUR@018 إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا (42) @QUR@09 أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون ~~عليه وكيلا (43) @QUR@015 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هواه ): الهوى : ميل النفس إلى الشهوة من غير تعديله بالعقل. # * * * ### ||| ** الذين يعبدون الهوى هم كالأنعام # كيف كانت طريقة الكافرين في الحديث عن الرسول في ما بينهم وبين الناس؟ ~~وكيف كانت نظرتهم إليه؟ PageV17P052 # إنهم لم يكونوا معقولين في ذلك ولا معتدلين أو واقعيين ، بل كانوا ~~يتحركون من موقع الخطة في الإيحاء بتهوين شأنه وتحقير موقعه ، من أجل أن ~~يبتعد الناس عنه ، من خلال نظرة الاستهانة به ، عند ما يفقدون الاحترام له ~~، مما ينعكس سلبا على النظرة إلى رسالته. ولهذا كانوا يتخذون أسلوب السخرية ~~والاستهزاء به ، بطريقة توحي بالضحك بدلا من الاحترام. # ( @QUR@06 وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ) من خلال ما يطلقه المستكبرون ~~من إشارات السخرية تجاه من هم دونهم في الموقع الطبقي ، ويعملون على ~~استخراج مواقع الهزء ، مما يمكن أن يكون مثارا لذلك ، ومما لا يكون كذلك ، ~~لأن المسألة عندهم ، ليست مسألة واقعية الهزء في شخصيته ، بل هي مسألة ~~إثارة الجو الساخر في أجواء الساحة العامة ، ليساهم ذلك في تنفيذ مخططهم في ~~إسقاطه. # ( @QUR@05 أهذا الذي بعث الله رسولا ) في إشارة ساخرة توحي باستبعاد ذلك ~~، لتقول للناس بأنه هل من المعقول أن يكون هذا الفقير ، اليتيم ، الذي لا ~~يملك موقعا اجتماعيا في الدرجة الطبقية العليا من المجتمع ms3938 ، رسولا لله؟ ~~ولماذا لا يكون غيره من أصحاب النفوذ المادي والمعنوي في حياة الناس ممن ~~تتناسب الرسالة مع درجته ليكون ذلك أساسا لنفوذها في قناعات الناس الذين ~~يأبون الخضوع في أفكارهم إلا للذين يقدمون لهم الخضوع في أوضاعهم العامة من ~~خلال امتيازاتهم الطبقية؟ # إنهم يشيرون إليه بطريقة تدعو الآخرين إلى الاستغراب والهزء والضحك من ~~هذا الداعية ، في هذه الدعوة التي يثيرها أمام الناس ، وكأنهم يريدون لهم ~~أن يفهموا أن مجرد النظرة إليه كافية للاستهزاء به من دون ضرورة للدخول في ~~التفصيل ، لأن طبيعة النظرة توحي بالفكرة ، ( @QUR@010 إن كاد ليضلنا عن ~~آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها ). إنه يملك أسلوبا ساحرا في نظرته إلى ~~القضايا ، وفي PageV17P053 # معالجته لها ، وفي طريقة إثارته للكلمة وللأسلوب في مواقع الإقناع ، ~~ولذلك ، فقد استطاع أن يزلزل البعض من الناس لمصلحة دعوته ، وتطور الأمر به ~~حتى بلغ درجة شديدة من الخطورة ، وذلك ، في محاولته الجادة لإرباك قناعتنا ~~بقداسة الآلهة التي نعبدها ، وربما استطاع أن ينفذ إلى بعض أفكارنا ~~ومشاعرنا ، وأن يترك تأثيره على إيماننا بها ، وقد كان من الممكن أن يحولنا ~~إلى الإيمان بالله الواحد والكفر بالأصنام ، لأن خطته كانت أن يشغلنا عنها ~~بحلاوة حديثه ، وأن يبعدنا عن الالتزام بها ، بروعة أساليبه ، لو لا أننا ~~انتبهنا إلى المسألة قبل فوات الأوان ، فجاهدنا مشاعرنا حتى لا تهتز معه ، ~~وواجهنا أفكارنا حتى لا تقتنع به ، واستطعنا أن نتحمل كل آلام المعاناة ~~المضادة لتوجهاته ، وصبرنا على آلهتنا ، والتزمنا الموقف الصلب معها على خط ~~الثبات في الإخلاص لها وعبادتها. # ولكن الله يواجه هذا المنطق بقوة الخالق الذي يتوعد عباده المشركين ~~المنحرفين عن خط الاستقامة ، ليوضح الفكرة الحاسمة التي تنتظر الجميع في ~~نهاية المطاف ، وذلك بقوله : ( @QUR@02 وسوف يعلمون ) هؤلاء الذين يقفون في ~~مواجهة الرسول بأساليب السخرية ( @QUR@03 حين يرون العذاب ) الذي ينتظرهم ~~يوم القيامة ، ( @QUR@03 من أضل سبيلا ) عند ما ينكشف لهم خط السير الذي ~~يؤدي إلى الجنة للملتزمين بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخط ~~الانحراف الذي يؤدي إلى ms3939 النار للذين التزموا عقيدة الكفر والإلحاد. # * * * ### ||| ** صفة عباد الأهواء # ( @QUR@05 أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) من هؤلاء الذين لا يتحركون في ~~انتماءاتهم وعلاقاتهم وكلماتهم وأعمالهم وكل مشاريعهم في الحياة ، من قاعدة ~~فكرية ، PageV17P054 # تحكم كل تطلعاتهم في الحياة ، وتدير أوضاعهم ، فيرجعون إليها إذا ضل بهم ~~الطريق ، ويقفون عليها إذا اهتزت المواقع ، بل يتحركون من خلال أهوائهم ~~التي تنطلق من مواقع غرائزهم ، وفي حركة الرياح العاصفة أو الهادئة التي ~~تطوف بالنفس ، من هنا وهناك ، بعيدا عن كل عوامل الثبات والاستقرار. # وبذلك كانت أهواؤهم بمنزلة الآلهة ، في ما يتعامل به الناس مع الآلهة من ~~تقديس واحترام وطاعة والتزام بخط الرضا الذي يتطلع إليه المؤمنون بهم ، فهم ~~يقتربون ويبتعدون ، ويتواصلون ويتقاطعون ، ويفعلون ويتركون ، ويقفون ~~ويتحركون ، على أساس ما تتطلبه منهم هذه الأهواء ، حتى إذا كان ذلك بعيدا ~~عن رضا الله ، وقريبا إلى سخطه. # أفرأيت هذا النموذج من الناس ، إنه يعيش القلق والحيرة والارتباك والضياع ~~، لأنه لا يملك أية قاعدة للاستقرار ، ولا يعيش الوحدة في ما يتطلع إليه ، ~~وفي ما يعبده ويلتزمه ، وفيمن يطيعه ، لأن الهوى الذي قد يكون واحدا في ~~المفهوم العام ، قد لا يكون واحدا في مفردات الحركة ، بل هو متنوع متقلب ، ~~مختلف حسب اختلاف المزاج والغريزة والجو والمحيط ، وغير ذلك بما يتأثر به ~~الإنسان بشكل متناقض حسب اختلاف الزمن فيما يحتويه ويتحرك في داخله من ~~مؤثرات. # وهذا التعبير القرآني عن الهوى بالإله في التزام الناس اتباع الهوى ، ~~إنما هو من دون اعتراف منهم بصفة الألوهية له ، بل قد تكون مستغربة منهم لو ~~أطلقها أحد عليه من خلال ذلك ، لأن للإله معنى متميزا مقدسا في وعيهم لا ~~يقترب من هذا الواقع الذي يعيشونه. إن هذا التعبير القرآني يوحي بأن حركة ~~المعنى في واقع الناس هي التي تحدد الالتزام بالألوهية ، وليس الانتماء ~~بالكلمة وبالصورة ، لأن الألوهية هي أن يلتزم الإنسان بالطاعة للمعبود ، PageV17P055 # وبذلك كان الاستسلام للهوى في كل ما يدفع إليه من مواقف يمثل الالتزام ~~بألوهيته من قبل هذا الإنسان ، تماما كما هي عبادة الأشخاص ms3940 حيث تتمثل في ~~إطاعتهم والخضوع لإرادتهم ، وإن لم يتخذوا لهم هذه الصفة بشكل مباشر. وهذا ~~ما جاء في القرآن في قوله تعالى في عبادة الناس للشيطان : ( @QUR@019 ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين* وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم ) [يس : 60 61] ، حيث اعتبر طاعة الشيطان عبادة له ، وإن ~~لم يعترف المطيعون بمعنى العبادة فيه ، كما أن عبادة الله تتمثل في السير ~~على خط طاعته والبعد عن معصيته. # ( @QUR@04 أفأنت تكون عليه وكيلا ) أي لست مسئولا عنه ومسلطا عليه ، على ~~سبيل الاستفهام الإنكاري ، لأنك لا تملك من أمره شيئا ، ما دام مستقلا في ~~إرادته ، ورافضا للالتزام بدعوتك. # ( @QUR@07 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) إنهم لا يحركون أسماعهم ~~في طريق المعرفة ، ولا يثيرون عقولهم في آفاق الحق ، من خلال الترابط بين ~~السمع الذي ينقل الكلمة وبين العقل الذي يبلور الفكرة من خلالها بالتأمل ~~والتفكير. # وربما كان هناك وجه آخر للحديث عن السمع أو العقل ، وهو ما ذكره صاحب ~~الميزان في قوله : «والترديد بين السمع والعقل من جهة أن وسيلة الإنسان إلى ~~سعادة الحياة أحد أمرين ، إما أن يستقل بالتعقل فيعقل بالحق فيتبعه ، أو ~~يرجع إلى قول من يعقله وينصحه فيتبعه إن لم يستقل بالتعقل ، فالطريق إلى ~~الرشد سمع أو عقل ، فالآية في معنى قوله: ( @QUR@011 وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) (1) [الملك : 10]. # ( @QUR@04 إن هم إلا كالأنعام ) التي لا تعي أي معنى في الكلمة التي ~~تسمعها ، فلا PageV17P056 # تثير فيها أي شيء. ( @QUR@04 بل هم أضل سبيلا ) وذلك من ناحتين : إحداهما ~~: أن الأنعام لا تملك العقل الذي يمكن أن تهتدي به إلى معرفة الحق ، بينما ~~يملك هؤلاء كل أدوات المعرفة ووسائلها ، فلا يعملون على الاهتداء بها. ~~وثانيتهما ، أن الأنعام لا تمارس الأعمال التي تدرك ضررها ، بينما يقتحم ~~هؤلاء ما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم. # * * * PageV17P057 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا (45) @QUR@05 ثم قبضناه إلينا قبضا ms3941 يسيرا (46) @QUR@011 ~~وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) ~~@QUR@013 وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا (48) @QUR@010 لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي ~~كثيرا (49) @QUR@09 ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~(50) @QUR@07 ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) @QUR@07 فلا تطع ~~الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) @QUR@015 وهو الذي مرج البحرين هذا ~~عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) @QUR@012 وهو ~~الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) @QUR@014 ~~ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 مد الظل ): المراد بمد الظل ما يعرض الظل الحادث بعد الزوال ~~من التمدد شيئا فشيئا من المغرب إلى المشرق حسب اقتراب الشمس من الأفق PageV17P058 # حتى إذا غربت كانت فيه نهاية الامتداد وهو الليل. وهو في جميع الأحوال ~~متحرك ، ولو شاء الله لجعله ساكنا. # ( @QUR@01 دليلا ): الدليل هي الشمس من حيث دلالتها بنورها على أن هناك ظلا. # ( @QUR@01 لباسا ): أي ساترا كاللباس. # ( @QUR@01 سباتا ): سكونا ضد النشور. # ( @QUR@01 نشورا ): أي جعل فيه الانتشار وطلب الرزق. # ( @QUR@01 وأناسي ): جمع أنسي ككرسي وكراسي. # ( @QUR@01 كفورا ): من كفران النعم. # ( @QUR@01 مرج ): خلط ، ومنه أمر مريج أي مختلط. # ( @QUR@01 فرات ): العذب جدا. # ( @QUR@01 أجاج ): المالح أو المر جدا أو شديد الملوحة. # ( @QUR@01 برزخا ): الحاجز بين شيئين. # ( @QUR@02 نسبا وصهرا ): النسب : هو التحرم من جهة الرجل ، والصهر : هو ~~التحرم من جهة المرأة. # * * * ### ||| ** آيات الله في الكون # وهذه جولة مع آيات الله في الكون وفي الحياة ، يريد الله للإنسان أن PageV17P059 # يكفر بها ليهتدي بها إلى وجوده ووحدانيته ، من خلال ما توحي به من دلائل ~~عظمته وما تثيره في الفكر من الانفتاح على عالم الإيمان والكفر والهدى ~~والضلال في شخصية الإنسان ، من خلال الإيحاءات والإشارات التي تقرب للإنسان ~~الصورة في ذلك. # ( @QUR@07 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) الذي تعيشونه كظاهرة يومية ~~متحركة ، تكتمل بها الصورة الكونية في سطح الأرض ، عند ما تشرق الشمس وتمتد ~~في الأفق ، فيمتد ms3942 الظل الذي يمثل المساحة الواسعة التي لا تشرق عليها الشمس ~~، بينما كانت تشمل الساحة كلها قبل إشراقة الشمس على الكون ، من دون أية ~~حركة ، ولكن الشمس تشرق ، ويمتد الظل معها ويتحرك ضمن ما تنكمش الشمس عنه ~~من الأرض ، تبعا للحواجز التي تحجزها عن امتداد نورها ، ( @QUR@04 ولو شاء ~~لجعله ساكنا ) مما يمكن أن يبدعه من الوضع الكوني الذي يجمد إشراق الشمس في ~~مكان ليتجمد الظل في المكان المقابل ، ( @QUR@05 ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ~~) فإن طبيعة الشروق في منطقة تحدد موقع الظل في المنطقة الأخرى التي تنحسر ~~عنها الشمس أو لا تصل إليها ، ( @QUR@05 ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) كلما ~~امتدت الشمس في الأفق واتسع نورها في الكون ، فإن الظل ينكمش ويتضاءل حتى ~~تصل الشمس إلى المدى الذي ترتفع فيه فتشرق على الأفق كله ، فلا يبقى للظل ~~موقع في الأرض ، ليمتد بعد ذلك من جديد. # ( @QUR@06 وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) في ما يمثله من حالة الستر ~~التي يوحي بها الظلام الذي يغشى الكون فيخفي كل الأشياء التي يمتد إليها ، ~~تماما كما هو اللباس الذي يلبسه الإنسان ليستر عورات الجسد وخفاياه ، ( ~~@QUR@02 والنوم سباتا ) في ما يطبق به على كل جوانب الحركة في الإنسان ، ~~حيث يجمد فيه كل نشاط عملي ، ويقطعه عن العمل ( @QUR@03 وجعل النهار نشورا ~~) إذ يثير اليقظة التي تمتد في كل كيان الإنسان فتدفعه إلى الحركة ~~والانتشار للقيام بالأعمال التي تتطلبها PageV17P060 # حاجات الحياة ، ولطلب الرزق ، ( @QUR@08 وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته ) تبشر بهطول المطر ( @QUR@05 وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) ~~والمراد بالسماء جهة العلو في أجواء الفضاء التي تطل على الأرض ، فجعلنا ~~السحاب المرتفع يحمل ماء طهورا يطهر كل شيء يصل إليه ، إذ يزيل الأوساخ ~~ويذهب بالأرجاس والأحداث. # ( @QUR@04 لنحيي به بلدة ميتا ) لا نبات فيها ولا حياة ، فتدب فيها ~~الحياة من جديد ، فيهتز العشب ، وتنفتح البذور ، ويخضر الزرع وينمو ويمتد ، ~~ويتدلى الثمر ، ( @QUR@06 ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ) وكلهم ~~يحتاجون الماء الذي هو سر بقاء الحياة في الجسد ، فلولاه لما أمكن ms3943 للحياة ~~أن تبقى أو تنمو وتتحرك ، وذلك كله دليل عظمة الله في خلقه ، ورحمته في ~~نعمته ، وحاجة الحياة كلها في النبات والحيوان والإنسان إليه ، في تدبيره ~~وحكمته ، مما يجعل ارتباط الجميع به بالمستوى الذي يستمد كل شيء حياته منه ~~، في البدء والامتداد ، وهذا ما يجب على الناس أن يتأملوه ويفكروا فيه ، ~~ليتعرفوا حقيقة التوحيد ، في مواجهة خط الكفر والرشد ، من خلال النظرة ~~الواعية العميقة ، والتفكير الصافي المنفتح. # ( @QUR@04 ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) قيل : إن الضمير في كلمة ( ~~@QUR@01 صرفناه ) يعود إلى الماء الذي تقدم ذكره في الآية السابقة ، ليكون ~~المعنى ، صرفه من قوم إلى قوم في عملية توزيع عادلة ، فلا يدوم نزوله على ~~قوم ليهلكوا ، أو ينقطع عن قوم دائما ليهلكوا ، بل يدور بينهم لينال كل قوم ~~نصيبهم منه بحسب المصلحة. # ويمكن أن يكون المراد تصريف الذكر وتنويعه بحسب الأساليب المختلفة في ~~تقريب الفكرة إلى النفوس ، وذلك عبر ما تقدم من الحديث عن القرآن بطريقة ~~وبأخرى. أما ارتباط التذكير ، كهدف ، من خلال المعنى الأول ، PageV17P061 # فهو ملاحظة هذا التوزيع العادل في إنزال الماء على العباد ، ليتعرفوا منه ~~عظمة الله ورحمته ، فيذكروا الله في إيمانهم. أما من خلال المعنى الثاني ، ~~فواضح في تكرر أمثال هذه الآية في القرآن ، حيث تتنوع أساليب القرآن في ~~توعية الناس بالمفاهيم التوحيدية ، وإذا ما عاشوها ، تذكروا وخرجوا عن ~~أجواء الغفلة التي يعيشون فيها ، ولكن ( @QUR@05 فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~) لأنهم لم ينفتحوا على المعاني المتنوعة بوعي وفكر وتأمل ، بل واجهوا ذلك ~~مواجهة اللامبالاة ، فأعرضوا ، وكان نتيجة ذلك الكفر بالنعمة ، والعقيدة ~~التوحيدية. # ( @QUR@07 ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) فقد كان لكل أهل قرية نبي ~~يبلغهم رسالات الله ، ولكن المسألة ليست تعدد الأنبياء والمنذرين ، لأن ~~العدد ليس هو الأساس ، بل المسألة هي قيام النبي برسالته في امتداد الساحات ~~التي تمثل خط المسؤولية لديه ، فيما يقوم به من إبلاغ وإنذار ، وفي إبلاغها ~~وإنذار الناس بعذاب الله لمن يجحد ويكفر ، واستعداد الناس للاستماع إليه ، ~~ولذلك أرسلناك يا محمد إلى القرى كلها ، وإلى ms3944 العالمين كلهم .. لأنك النبي ~~الذي يستطيع الاضطلاع بالمهمة الكبرى في إيصال الرسالة إلى كل قلب ، وفي ~~إدخال القرآن إلى كل أذن ، قد اطلع على امتداد فكرك وروحك وحركتك بما يشمل ~~الحياة كلها ويحتوي الرسالة كلها بطريق مباشر أو غير مباشر. # ( @QUR@03 فلا تطع الكافرين ) الذين يريدون لك الانسحاب من ساحة الدعوة ~~إلى توحيد الله ، وإلى مواجهة الوثنية في أصنامها وفي تقاليدها وفي شرائعها ~~، لتحصل على رضاهم ، فإنهم لا يريدون لك ، وللناس كلهم ، خيرا من ذلك كله ، ~~بل يريدون الشر كله عبر انحرافهم عن خط الإيمان بالله وبوحدانيته ، ودعوتهم ~~إلى الالتزام بالخط المنحرف في العقيدة والشريعة والسلوك ، فلا تطعهم ، ~~وأطع الله في كل ما أمرك به أو نهاك عنه ، وأراده لك من حمل رسالته ~~وإبلاغها إلى الناس كافة ، ومجاهدة كل من يقف في مواجهتها ، ليكون الحاجز PageV17P062 # الذي يحول بين الناس وبين سماع كلمة الله. # ( @QUR@04 وجاهدهم به جهادا كبيرا ) فليكن القرآن بمفاهيمه الحقة ، ~~ووسائله القوية الدامغة ، وأساليبه المتنوعة ، هو القوة التي توجهها إلى ~~مفاهيمهم الزائفة ، وخططهم الضالة ، وأفكارهم المنحرفة ، وذلك هو الخط الذي ~~يجب على الدعاة إلى الله حمله ، في مواجهتهم للكفر كله ، وللشرك كله ، وهو ~~خط الجهاد بالكلمة والحركة والممارسة على مستوى الفكرة والحياة ، وبكل ~~الوسائل التي تمثل الصدمة القوية في ساحة الصراع. # وتعود الآيات من جديد لتثير أمام الوعي الفكري للإنسان ، مظاهر قدرة الله ~~في الكون ، لينفتح على عظمة الله ، فيقوده ذلك إلى الإذعان بتوحيده ، عند ~~ما يدخل في مقارنة دقيقة ، بين ما هو الله في قدرته ، وما هو الإنسان في ~~عجزه ، وما هي الأصنام في جمودها وحقارتها. # ( @QUR@04 وهو الذي مرج البحرين ) وخلط بينهما من دون أن يفقد كل واحد ~~منهما خصوصيته الذاتية ( @QUR@03 هذا عذب فرات ) طيب الطعم ، كثير العذوبة ~~( @QUR@03 وهذا ملح أجاج ) أي ماء شديد الملوحة ( @QUR@03 وجعل بينهما ~~برزخا ) حاجزا خفيا من صنع قدرته بحيث يمنع التفاعل بينهما في عملية تأثر ~~وتأثير ، ( @QUR@02 وحجرا محجورا ) أي حراما محرما أن ينفذ أحدهما إلى عمق ~~الآخر ، فيختلط به ويبدل طعمه. # وربما كان في ms3945 ذلك «تنظير لأمر الرسالة من حيث تأديتها إلى تمييز المؤمن ~~من الكافر مع كون الفريقين يعيشان على أرض واحدة ، مختلطين ، وهما مع ذلك ~~غير متمازجين ..» كما يقول بعض المفسرين (1). # ( @QUR@06 وهو الذي خلق من الماء بشرا ) إذ خلق النطفة التي هي ماء مهين ~~يخرج من الرجل فيلقح بويضة المرأة ، فيتحول إلى بشر ، ( @QUR@03 فجعله نسبا ~~وصهرا ) الذي PageV17P063 # يحصل به التحريم من جهة الرجل ، وهو النسب ، ومن جهة المرأة ، وهي ~~المصاهرة. # ويذكر صاحب تفسير الميزان ، أن «هذا تنظير آخر يفيد ما تفيده الآية ~~السابقة ، أن لله سبحانه أن يحفظ الكثرة في عين الوحدة ، والتفرق في عين ~~الاتحاد ، وهكذا يحفظ اختلاف النفوس والآراء بالإيمان والكفر ، مع اتحاد ~~المجتمع البشري الذي بعث الله الرسل ، لكشف حجاب الضلال الذي من شأنه ~~غشيانه لو لا الدعوة الحقة» (1)، وهو أمر طريف ، ولكن ذلك غير ظاهر من ~~سياق الآية ، فإن الظاهر منه ، أن الحديث موجه للإيحاء بالجانب الفكري ~~العقيدي للتوحيد ، في مواجهة الشرك. # ( @QUR@03 وكان ربك قديرا ) قادرا على إبداع حياة متنوعة متحركة من الماء ~~، وينشئ من ذلك علاقات مختلفة في المجتمع الإنساني ، في علاقاته المتشابكة ~~المعقدة ، وذلك هو البرهان القاطع على أن الله هو وحده القادر على الكون ~~كله وعلى الحياة كلها ، في النفع والضرر. وبذلك كان هو وحده المعبود الذي ~~يستحق العبودية ، ويتفرد بالألوهية ، ولكن هؤلاء المشركين الذين استسلموا ~~لتقاليدهم المتحجرة الموروثة عن الآباء والأجداد ، يعيشون التخلف في ~~العقيدة والعبادة ، عند ما يلتزمون الأصنام في مواقع الآلهة ، ويعبدونها من ~~دون معنى .. # ( @QUR@09 ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ) فلا يملكون ~~أساسا لذلك في براهين الفكر أو إحساس الوعي ، ولا في الواقع في عطائه ~~وحركته ، لأن هذه الأصنام تمثل الجمود كله ، والعجز كله ، والتخلف كله ، في ~~الشكل والمضمون. # وهذا يوحي إلينا بأن الكفر لم ينشأ من حالة وعي منفتح على الوثنية ، PageV17P064 # خاضع للحجة المنطلقة من الفكر ، بل هو الاستسلام اللاواعي للتخلف الفكري ~~والروحي من خلال الالتزام بتقاليد الآباء ، بعيدا عما هو الحق والباطل في ~~ذلك ، مما يخلق ms3946 في العمق الذاتي للإنسان الكافر ، حالة شعورية عدوانية ضد ~~كل الإيمان والتوحيد ، ( @QUR@05 وكان الكافر على ربه ظهيرا ) يعيش التمرد ~~في نفسه على الله في الشرك والمعصية ، ويعمل على معاونة الشيطان وجنوده ~~وأتباعه على محاربة الله في دينه ورسله وشريعته. # * * * PageV17P065 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) @QUR@014 قل ما أسئلكم عليه ~~من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) @QUR@013 وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) @QUR@017 الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به ~~خبيرا (59) @QUR@013 وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد ~~لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) @QUR@011 تبارك الذي جعل في السماء بروجا ~~وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) @QUR@013 وهو الذي جعل الليل والنهار ~~خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) (62) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بروجا ): المراد بالبروج منازل الشمس والقمر ، وقيل : المراد ~~بها الكواكب السيارة المعروفة عند العرب. # ( @QUR@01 خلفة ): أي أن أحدهما يخلف الآخر. # * * * PageV17P066 ### ||| ** حدود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حركة الدعوة # كيف يريد الله للنبي أن يعيش دوره الحركي في الدعوة إليه حتى يواجه ~~التحديات من دون تعقيد أو تشنج ، فلا تهزمه حالات التمرد والعناد ، ولا يرى ~~في التجاوب معه من قبل المؤمنين به حالة غير طبيعية؟ وكيف يتابع سيره في ~~جميع الأحوال؟ وما الآفاق التي يعيشها ، وهو يتحرك في خط الدعوة؟ # ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) حيث ينطلق دور الداعية في ~~شخصيتك مبشرا برضوان الله ونعيمه لمن سار في اتجاه الإيمان وتحرك في أجواء ~~الطاعة ، وبغضب الله وعقابه لمن انحرف عن ذلك الاتجاه ، وسار في خط التمرد ~~على الله ، فلا تملك بعد ذلك أية قدرة على تغيير قناعاته ، المتصلة بالفكر ~~أو الشعور ، وإذا قمت بدورك في هذه الدائرة ، فقد انتهت مهمتك التي أرادك ~~الله أن تحققها في رسالتك. # ( @QUR@06 قل ما أسئلكم عليه من أجر ) فلست الشخص الذي يعمل للحصول على ~~امتيازات مادية أو معنوية من خلال الرسالة ، تماما ، كالكثيرين ممن ~~يستهدفون الوصول ms3947 إلى مطامع دنيوية ، من دعواتهم ، أو مشاريعهم ، لأنني لم ~~أنطلق من مبادرة ذاتية في كل ما أقوم به ، أو أسعى إليه في دائرة الدعوة ، ~~بل انطلقت من خلال رسالة الله التي حملني إياها ، وأرادني أن أعمل في سبيل ~~إبلاغكم آياتها ومفاهيمها وأحكامها ، مما يجعل من موقعي فيكم ، موقع الرسول ~~المسؤول الخاضع لمولاه الذي كلفه القيام بهذه المهمة ، بعيدا عن كل ~~الحسابات الذاتية ، فلا أسألكم أي أجر ، أو مطمع ، من جهة الرسالة ، بل ~~الأجر لكم من الله في الدنيا والآخرة ، إذا تجاوبتم مع الله في شريعته ~~ومنهجه ، وليس لي مصلحة مع أي فريق منكم في أية علاقة خاصة. # ( @QUR@08 إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) فهذا ما أتحرك في الدعوة ~~من أجله ، PageV17P067 # وأعيش له من أجل استكمال هدايته ، وأشعر بأني قد حصلت على نتيجة إيجابية ~~للرسالة من خلاله ، عند ما استطعت أن أوجه إرادته الحرة في اتجاه الإيمان ~~الذي يدفعه إلى أن يتخذ إلى ربه سبيلا يربطه به ويوصله إلى رحمته ورضوانه ، ~~وهذا هو الأجر الذي أسعى للحصول عليه ، لأن أعظم أجر للرسول في رسالته ، أن ~~يتجاوب الناس معه ، ويؤمنوا برسالته. # ولعل هذا الاستيحاء التفسيري أقرب إلى جو السياق في الآية مما ذكره جمهور ~~المفسرين من أن الاستثناء منقطع ، والمعنى ، هو أن من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا ، أي بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والإنفاق في سبيل الله ، ~~فليفعل ، وهذا مما لا دليل عليه. وهناك وجوه أخر ، يرجع بعضها إلى ما ~~ذكرناه ، ويبتعد بعضها عن السياق. # وربما كان ذكر الشخص المؤمن في مقام الاستثناء ، بدلا من الإيمان نفسه ، ~~للتأكيد على أنه يمثل كل هدفه في الدعوة من إيجاد الإنسان المؤمن الذي ~~يتحرك في خط الإيمان في ما يستجيب له من دعوة الرسالة في موقف الرسول ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** التوكل على الله # ( @QUR@06 وتوكل على الحي الذي لا يموت ) واعتمد عليه في كل أمورك ، ~~وتابع سيرك في رعايته ، ولا تلتفت إلى كل المعوقات التي تواجهك في الطريق ، ~~وإلى كل الأشخاص الذين يتمردون ms3948 عليك أو يسخرون منك ، فهو الذي يكفيك الأمر ~~كله ، لأنه خالق الجميع ورازقهم ، وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الباقي لك ، ~~الذي يشرف على الجميع ، ولا يفوته أحد منهم في أي زمان ومكان. وذلك هو سبيل ~~اختزان القوة في عمق شخصيتك ، لأن الإنسان الذي PageV17P068 # يتوكل على الحي الذي لا يموت ، لا يمكن أن يخشى أو يخاف من الذي يعيش ~~المدة المحددة التي تنتهي بالموت. # ( @QUR@02 وسبح بحمده ) وأذكره بالتعظيم في موقف الثناء عليه ، لتتعرف ~~على دلائل عظمته وآفاق حمده من خلال صفاته في كماله وجلاله وجماله ، مما ~~يملأ روحك وعقلك وضميرك بالخشوع بين يديه ، والخضوع لقدرته التي لا نهاية ~~لها ، وتطلع إليه في عمله الذي لا حد له في إحاطته بشؤون عباده إن أحسنوا ~~أو أساؤوا. # ( @QUR@05 وكفى به بذنوب عباده خبيرا ) فهو المطلع على سرهم وعلانيتهم ، ~~فلا يفوته شيء مما يضمرونه أو يخفونه أو يظهرونه ، مما يفرض عليهم أن ~~يراقبوه في كل أعمالهم ، فإن غفر لهم ، فبرحمته ، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته ~~من غير حاجة إلى من يعينه أو يعرفه أي شيء. # ( @QUR@09 الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) وقد كان ~~قادرا أن يخلقها بلحظة واحدة ، ولكن المسألة تتعلق بحاجة المخلوق إلى الوقت ~~في وجوده ، لا إلى حاجة الخالق إليه في طبيعة قدرته ، انطلاقا من حدود ~~الموجود في شروط وجوده ، لا من حدود قدرة الخالق في ذلك. # ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) الذي هو كناية عن الملك ، باعتباره من ~~لوازمه ، وقد يجسد الموقع الأعلى في الوجود من خلال استتباع سيطرته عليه ~~وعلى كل ما تحته من موجودات بطريقة كنائية. وفي كلتا الحالتين ، فإن ~~الاستواء لا يعني التجسد الذي توحي به الكلمة في مدلولها الحرفي ، بل يعني ~~السيطرة التي يوحي بها معناه من الاستيلاء على الموقع كله ، كإشارة للسيطرة ~~في الملك والقدرة والاحتواء ، ( @QUR@04 الرحمن فسئل به خبيرا ) إن هذا ~~الخالق هو الرحمن الذي أنشأ الخلق برحمته والذي أبدع التدبير من خلالها ~~أيضا. فهل تريد أن تعرفه بدلائله وبراهينه ومواقع معرفته؟ فتعال إلى ms3949 الرسول ~~الذي يملك معرفة PageV17P069 # ذلك كله ، فاسأله واستمع إليه وهو يبلغ آيات ربه التي تفصل الكثير من ~~صفات الله ، فهو الخبير بذلك كله. # ( @QUR@05 وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ) الذي خلقكم من موقع رحمته التي ~~امتدت إلى كل جوانب حياتكم فأفاضت عليكم النعم الوفيرة ، في كل زمان ومكان ~~، ( @QUR@03 قالوا وما الرحمن ) كأنهم لا يعرفون عنه شيئا ، كما لو كنت ~~تحدثهم عن شخص بشري مسمى بهذا الاسم ، إمعانا منهم في العناد والتجاهل ~~والابتعاد عن مواجهة الحقيقة المطلقة المتمثلة بالله في إشراق نور معرفته ~~التي تمتد في العقل والقلب والشعور ، وتتحرك في كل ظاهرة كونية من ظواهر ~~الوجود ، ناطقة بعظمته ، دالة على وجوده ، ويتصاعد جو الاستكبار والإصرار ~~في منطقهم ، ليتحدثوا معه من منطق الاستعلاء الذي يشعرون به تجاهه. # ( @QUR@03 أنسجد لما تأمرنا ) هل أنت الشخص الذي يفرض إرادته علينا ~~بالسجود لمن لا نعرفه ، أو لما لا نعرفه ، وإن لم نقتنع به ، فمن أنت؟ وما ~~موقعك؟ وبم امتزت علينا لنطيعك في ما تأمرنا ، ولنتعبد بأقوالك وتعليماتك؟ # ( @QUR@02 وزادهم نفورا ) وهروبا منه وابتعادا عنه ، لأنهم لا يريدون ~~الالتزام بالخط المستقيم الذي يحررهم من كل عوامل الانحراف ، ومن نوازع ~~العبودية والخضوع للشيطان. # * * * ### ||| ** الداعية ومواجهة أسلوب المشركين # وقد نلاحظ في أسلوب المشركين ، أن المسألة عندهم لم تكن مسألة مناقشة ~~الرسول في طرحه عليهم عبادة الله الرحمن ، بل كانت مسألة هروب من الدخول في ~~البحث الجدي للقضية ، لأنهم كانوا يستهدفون مواجهة الدعوة بكل PageV17P070 # الأساليب المتعنتة ، أو الساخرة ، من أجل إسقاط روح الرسول ، وتشوية صورة ~~الرسالة. # وهذا ما يجب للداعية أن يعيشه عند ما ينطلق أعداء الدعوة لمواجهته ~~بالأساليب المماثلة بغية إسقاط روحه ، وتشوية دعوته ، فلا ينفعل ، ولا يسقط ~~، ولا يتزلزل ، بل يواجه ذلك كله ، بما يستحقه من الرد الحاسم بالحكمة ~~والقوة ، والأسلوب المتزن المنفتح على كل جوانب القضية وأعماق المشكلة. # ( @QUR@06 تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) وقد يكون المراد منه منازل ~~الشمس والقمر من السماء أو الكواكب المتناثرة في الفضاء ، ( @QUR@03 وجعل ~~فيها سراجا ) وهي الشمس التي تضيء الكون كله فتطرد ms3950 الظلام منه ، ( @QUR@02 ~~وقمرا منيرا ) ينير الليل بضيائه الهادىء الذي يوحي بالأجواء الحالمة ، ~~والوداعة الروحية ( @QUR@06 وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) يخلف كل ~~منهما صاحبه ، في خصائصه الكونية التي تحتوي حياة الإنسان والحيوان والنبات ~~، فتبعث فيها روح التوازن ، حيث جعل الليل لباسا والنهار معاشا ، مما يفرض ~~على الإنسان أن يفكر فيه ، ليكتشف جوانب الدقة في الخلق ، والعظمة في ~~الإبداع ، ( @QUR@04 لمن أراد أن يذكر ) فيدفعه ذلك إلى وعي مسألة الإيمان ~~في ذاته ، وإلى موقع الله في حياته وحياة الكون كله ، فلا يغفل عنه طرفة ~~عين ، أمام هذا الوجود الذي ينفذ إلى كل لحظة من لحظات وجوده ، فيستوعب كل ~~جوانبه ، فيرى الله في كل شيء حوله ، في إشراقة النهار ، وفي ظلام الليل ، ~~( @QUR@03 أو أراد شكورا ) عند ما يرى حركة النعمة في ذلك عبر أجواء الراحة ~~التي تحتوي جسده ، فتدفعه إلى الهدوء في النوم الذي يطبق على حواسه ، فيبعث ~~فيها الخدر اللذيذ ، والراحة المنعشة ، أو عبر ما هيأه له من حركة اليقظة ~~المندفعة المتوثبة بالانطلاق نحو معاشه بما يكفل له الاكتفاء الذاتي ، ~~لتستمر حياته (1). PageV17P071 # وهذا ما ينبغي للإنسان أن يواجه به حركة الوجود في حياته ، ليلتفت إلى ~~مظاهر عظمة الله ، وإلى مواقع نعمه ، فيحس بالإيمان من حوله ، وهو ينطلق ~~بالوحي الذي يملأ العقل والوجدان ، ويلتقي بالحياة ، بما يملأ الحس والشعور ~~، ليجعل من الكون مدرسة للعقيدة ، ومنطلقا للقاء بالله في كل نعمه الظاهرة ~~والخفية. # وقد تكون مشكلة أولئك الكافرين بالله ، والمتمردين على طاعته ، أنهم لا ~~يواجهون الوجود من موقع المسؤولية في الفكر ، والوعي في الإحساس ، والحركة ~~في مواجهة الواقع. # * * * PageV17P072 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما (63) @QUR@05 والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) ~~@QUR@011 والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) ~~@QUR@04 إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) @QUR@011 والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) @QUR@022 والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما ms3951 (68) @QUR@08 يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا (69) @QUR@016 إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) @QUR@09 ومن تاب وعمل صالحا فإنه ~~يتوب إلى الله متابا (71) @QUR@09 والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما (72) @QUR@010 والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا (73) @QUR@013 والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) @QUR@09 أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ~~ويلقون فيها تحية وسلاما (75) @QUR@05 خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) ~~@QUR@013 قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) (77) # * * * PageV17P073 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هونا ): الهون على ما ذكره الراغب هو تذلل الإنسان في نفسه ~~لما لا يلحق به غضاضة (1). وذكر البعض ، أنه الرفق واللين .. وجاء عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام : «هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا ~~يتكلف ولا يتبختر» (2). # ( @QUR@01 يسرفوا ): الإسراف : مجاوزة الحد. # ( @QUR@01 يقتروا ): التقتير : التضييق. # ( @QUR@01 قواما ): القوام : الوسط العدل بين الإنفاق والتقتير. # ( @QUR@01 متابا ): مرجعا حسنا. # ( @QUR@02 قرة أعين ): السرور ، لأن العين تستقر عنده. # ( @QUR@01 الغرفة ): كناية عن الدرجة الرفيعة ، والغرفة لغة : البناء ~~فوق البناء ، مما يجعلها تختزن معنى العلو في مفهومها. # ( @QUR@01 لزاما ): لازما. # * * * ### ||| ** عباد الرحمن .. ملامح الشخصية الإسلامية # ما هي الصورة التي يريد الله لعباده ، أن يتمثلوها في سلوكهم العملي في ~~الحياة وفي أنفسهم ، وعلاقاتهم بالله والآخرين؟ ومن هم هؤلاء الذين اختصهم PageV17P074 # الله بانتسابهم إليه في كلمة ( @QUR@02 وعباد الرحمن ) وجعلهم من ~~المقربين إليه ، ووعدهم بجنته في الدار الآخرة؟ # إن هذا الفصل الأخير من السورة يلخص لنا بعضا من هذه الصفات التي تتنوع ~~في مواقعها من حياة الإنسان وحركته العملية في كافة جوانبها الروحية ~~والمادية ، وتكسبه ألوانا من الحركة في مواجهة الواقع. # * * * ### ||| ** عباد الرحمن # ( @QUR@02 وعباد الرحمن ) بما تعنيه الصفة الإلهية من معنى الرحمة التي ~~تمثل عمق المعنى في ذاته المقدسة ، وما توحي به من لطف الله بالإنسان في ~~روحيته وفي حركة حياته ووعيه لوجوده وفي عمق المسؤولية ، التي تربطه بالله ~~، وتجعله يتطلع إلى آفاق الرحمة الإلهية آملا أن ms3952 تحتويه بالخير والبركة ~~والتوازن ، والانضباط في السلوك العملي بين يدي الله. # ( @QUR@05 الذين يمشون على الأرض هونا ) فلا يرون المشي حركة استعراضية ، ~~ولا تنفيسا عن عقدة ذاتية في انفتاح الذات على شعور العظمة ، على طريقة ~~الخيلاء والتكبر ، ولكنهم يرونه مجرد وسيلة طبيعية للانتقال ، ولذا فإنهم ~~يتحركون فيها بالطريقة الطبيعية التي تحقق الهدف ، من دون زيادة ولا نقصان ~~، فلا يثقلون الأرض بضربات أقدامهم ، ولا يثقلون على أجسادهم بالزهو ~~والخيلاء ولا يسيئون إلى مشاعر الناس الذين يلتقونهم بحركات الكبرياء ، بل ~~يتحركون برفق وتواضع ، في تذلل المؤمن عند نفسه ، وتواضعه للناس. # ( @QUR@05 وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) فهم لا ينطلقون مع الناس ، ~~الذين يثيرونهم بالكلام القاسي اللامسؤول ، من مواقع ردة الفعل الغريزية ~~التي تتحرك بطريقة الإثارة ، في مواجهة الكلمة القاسية الغليظة بالكلمة ~~المماثلة في قسوتها وغلظتها ، أو في مقابلة الشتم والسباب ، بكلمات الشتم ~~والسباب المماثل أو PageV17P075 # غير المماثل ، بل يدرسون المسألة من موقع العقل المتأمل الواعي المنفتح ~~على الواقع من جميع جوانبه ، فإذا رأوا للموقف خطورة تستدعي الرد ، كان ~~ردهم لطيفا حماسا ، وإذا لاحظوا أن الجاهلين يتحركون في كلامهم من مواقع ~~الجهل الذي يتعمد الإثارة ، ليخلق مشكلة ، أو يثير فتنة ، أعرضوا عن الرد ~~المباشر وكانت روح السلام الذي يتفادى المشكلة والفتنة والإثارة ، هي ~~موقفهم ومنطقهم ، فاكتفوا بكلمة ( @QUR@01 سلاما ) هذا الرد العاقل المتزن ~~الموحي الذي يقول للجاهلين : لسنا هنا في معرض الانفعال للدخول معكم في حرب ~~، بل نحن هنا ، في موقع الإعراض عن جهلكم ، بروح السلام. # وهذه هي الطريقة الحكيمة التي يواجهون بها خطاب الجاهلين ، عند ما يحتاج ~~الموقف إلى ذلك ، على سبيل الكناية إمساكا منهم بالموقف وتحقيقا لمبتغى ~~المصلحة في ذلك. # ( @QUR@05 والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) فهم المؤمنون بالله ، ~~المنفتحون على ألوهيته في حقيقة التوحيد ، الخاشعون في إحساسهم العميق لله ~~سبحانه وتعالى ، المتحركون في مشاعرهم وأفكارهم في خط الممارسة العملية ~~الواعية ، الراكعون أمام الله ، بالخضوع له ، الساجدون مع انسحاق الإرادة ~~وذوبانها في جنبه تعالى القائمون في استسلام الروح والجسد والقلب والضمير ، ~~بين يديه ، حيث ينام ms3953 الناس في غفوة الغفلة. واسترخاء الجسد ، ويبيتون هم في ~~يقظة منفتحة واعية في سجود خاشع ، وقيام خاضع لله سبحانه ، كرمز للقيام ~~الدائم أمامه في حركة الحياة كلها. # ( @QUR@07 والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ) في توسل العبد بمولاه ~~، وخوفه من عقابه ، عند ما يعيش قلق المصير أمام خطاياه ، فيبتهل إلى الله ~~ليغفر له ذلك ويوفقه للاستقامة ، ليصرف العذاب عنه من موقع المغفرة ، ~~والطاعة. # ( @QUR@04 إن عذابها كان غراما ) وهو المصيبة التي تصيب الإنسان ، ~~والنائبة PageV17P076 # التي تنوبه وتلازمه في حياته ، ويمثل عذاب جهنم الخلود فيها. ( @QUR@04 ~~إنها ساءت مستقرا ومقاما ) وأي مكان أسوأ من المكان الذي يعيش فيه الإنسان ~~العذاب من جميع جهاته ، وأي استقرار هو هذا الاستقرار الذي يهتز الإنسان ~~فيه أمام لهيب النار؟ # ( @QUR@05 والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ) ولم يخرجوا عن الحد الطبيعي في ~~الإنفاق ، ( @QUR@02 ولم يقتروا ) في حالة بخل غير طبيعية ، ( @QUR@04 وكان ~~بين ذلك قواما ) وهو الحد الوسط الذي يمثل خط التوازن بين الزيادة المفرطة ~~والتقليل المفرط ، بحيث يعيش الوضع الطبيعي في مصرفه على صعيد الحاجة ~~العادية في مثل ظروفه وموقعه في دائرة الضروريات والكماليات ( @QUR@07 ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) فلا يؤمنون بإله آخر مع الله ولا ~~يشركون به أحدا ، ولا يقدمون فروض العبادة لغيره في جانب الشرك في العبادة ~~، ولا يرفعون أكفهم بالدعاء إلا له ليقضي لهم حاجاتهم ، وييسر أمورهم ، ~~ويخفف آلامهم ، فهو وحده الإله الذي يعبد ، وهو وحده الإله الذي يدعى في ~~قضاء الحاجات ، وحل المشكلات. # ( @QUR@08 ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ) الذي قرره الله في ~~الشريعة ، مما يوحي بأن الأصل في الإسلام هو احترام النفس وعدم جواز ~~إزهاقها إلا في الحالات التي وردت الرخصة فيها في الكتاب والسنة ، بحيث ~~تكون إباحة الدم استثناء على القاعدة. # ( @QUR@02 ولا يزنون ) فالزنى هو مسألة انحراف عملي وخلقي عن خط ~~الاستقامة الذي حدده الله للإنسان في العلاقات الجنسية القائمة على مبدأ ~~الزوجية بين الرجل والمرأة وفق ما أراده الله من التوازن في النظام ~~الاجتماعي ، من هنا كان الزنى ms3954 تجاوزا لحدود الله ، وتمردا على شريعته ، ( ~~@QUR@05 ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) وهو نتيجة الخطيئة ، وهو الجزاء بالعذاب ~~الذي يلقاه يوم القيامة ، وربما يراد به غضب الله الذي يستلزم الخطيئة ، إذ ~~توحي الكلمة بمعنى الحرام PageV17P077 # الملازم لسخط الله ، وقد يكون هذا أقرب ، باعتبار أن المعنى الأول مذكور ~~في الآية التالية : ( @QUR@08 يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ~~) بما يمثله العذاب من إهانة واحتقار. # وقد نلاحظ في الآية التأكيد على الخلود في النار للمشرك والزاني والقاتل ~~للنفس المحترمة ، مما قد يتنافى مع الآية الكريمة ( @QUR@020 إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما ) [النساء : 48] التي تدل على اختصاص الخلود في النار بالمشرك ، وأما ~~غيره فإن المغفرة تلحقه في نهاية الأمر بالإضافة إلى ما اشتهر بين العلماء ~~، بأن المسلم لا يخلد في النار حتى لو كان زانيا أو قاتلا. # وقد أجاب عنه بعض المفسرين بأنه محمول على اقتضاء طبع المعصية ، لذلك ~~فالقاتل والزاني يستحقان الخلود في النار ، باعتبار أن الزنى وقتل النفس ~~المحترمة من الكبائر ولكن المغفرة تلحقهما ، أو يحمل الخلود على المكث ~~الطويل الذي هو أعم من المؤبد أو المنقطع أو على غير ذلك (1). # ولكن يمكن أن يقال ، إن هذه المحامل ليست بأولى من حمل المغفرة لما دون ~~الشرك ، على قابلية ذلك للمغفرة ، لا على فعليتها ، وإلا لكان مقتضيا لعدم ~~دخول النار ، لأن ذلك ينافي المغفرة للذنب ، مع ملاحظة أن الإشارة إلى ~~الخلود في النار قد صرح بها في القرآن في هذه الآية وفي غيرها في القتل غير ~~المشروع وفي الزنى ، مما يرجح ما استظهرناه على ما ذكر من المحامل في ~~الاتجاه الآخر ، فتكون النتيجة أن كل شيء قابل للمغفرة ما عدا الشرك. ولكن ~~بعض الجرائم قد لا تلحقها المغفرة بطبيعتها ، بل لا بد في الحصول عليها من ~~التوبة ، كما هو الحال في الشرك. فالأمر فيها قد يكون مثل الشرك في النتيجة ~~مع اختلافه عنه في الطبيعة ، والمسألة محتاجة إلى ms3955 التأمل الدقيق ، والله ~~العالم. PageV17P078 # ( @QUR@07 إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) يؤدي به إلى تبديل الموقف ~~على مستوى الحالة الروحية ، والممارسة العملية ، ( @QUR@05 فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات ) لأنهم بدلوا السلوك المنحرف ، بالسلوك المستقيم ، ~~وانتقلوا إلى رضوان الله بالانتقال إلى طاعته. وبذلك يظهر أن التبديل لا ~~يعني أن السيئة تكون بمنزلة الحسنة ، بل المقصود والله العالم أن الله يمحو ~~أثر السيئة السابقة ويعطيه ، بعمله الصالح ، الحسنة ، وهي المغفرة التي لا ~~يبقى معها شيء من نتائج المعصية. # ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) فلا يغلق باب رحمته عن عباده ، ولا ~~يحجب مغفرته عن التائبين منهم والعاملين في سبيل رضاه ، بل يتلقاهم برحمته ~~ومغفرته ورضوانه بكل محبة وعطف ورضوان. # ( @QUR@09 ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) إذ التائب عن ~~الذنب بإعلانه عن الندم الذي يوحي بالعزم على التراجع ، وبالعمل الصالح ~~الذي يوحي بتبديل الموقف في اتجاه آخر ، يجسد الرجوع إلى الله في عملية ~~تصحيحية واعية على أكثر من صعيد ، فلا غرابة في أن يتقبله الله ويبدل ~~سيئاته حسنات. # ( @QUR@04 والذين لا يشهدون الزور ) وهو الباطل الذي قد يتمثل بصورة الحق ~~، وربما كان الظاهر منه شهادة الزور وهو الكذب في مقام الشهادة ، مما يريد ~~أن يوحي به الشاهد بأنه صدق ، وقد يراد منه اللهو الباطل كالغناء ونحوه ، ~~مما جاءت به بعض الأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام فقد جاء ~~في الكافي عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليهما السلام في قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 والذين لا يشهدون الزور ) قال : الغناء (1).. فيكون المعنى ، ~~والذين لا يحضرون الزور ، أي مجالس الباطل .. وقد يكون ذيل الآية في الفقرة ~~التالية يتناسب مع PageV17P079 # هذا المعنى كما يقول صاحب تفسير الميزان (1). # ( @QUR@05 وإذا مروا باللغو مروا كراما ) والمراد بالمرور باللغو ، ~~المرور بالذين يمارسون اللغو ، ويشتغلون به ، فلا يتوقفون عندهم ليستمعوا ~~إليهم ، أو ليخوضوا معهم فيه ، بل يعرضون عنه ويتابعون طريقهم إلى ما ~~يريدون تنزها عن ذلك ، لأن الإنسان المؤمن لا يفكر في الحياة إلا من موقع ~~الحصول على الفائدة في الدنيا والآخرة ms3956 ، فلا يتوقف ولا يستغرق في ما لا ~~فائدة فيه ولا منفعة لنفسه وللآخرين (2). # ( @QUR@05 والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ) التي أنزلها الله على رسله مما ~~يفتح قلوبهم على الله وعلى طاعته ، وعلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم من حكمة ~~أو موعظة حسنة ، من قرآن أو وحي سابق منزل ، فإذا دعاهم الناس إلى شيء من ~~ذلك ليسمعوه ، وليفكروا فيه ، وليعملوا به ، أصغوا إليها بمسامع قلوبهم ، ~~وفتحوا لها كل عقولهم ، ولم يعرضوا كما يعرض الكافرون. ( @QUR@05 لم يخروا ~~عليها صما وعميانا ) كما يفعل الذين لا يسمعون إذا قرئ القرآن عليهم ، أو ~~الذين لا يبصرون إذا قدم إليهم القرآن ليقرأوه. وهكذا يتحرك المؤمن في ~~مصادر المعرفة ليوجه إليها كل عقله وشعوره ليبني شخصيته من خلالها على أساس ~~العلم والإيمان ، وليهتدي بها إلى مواقع الهدى ، لأن المعرفة عنده مسئولية ~~وليست مجرد حالة طارئة في حركة الحياة من حوله (3). PageV17P080 # ( @QUR@010 والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) ~~بحيث يعيش الإنسان الشعور بالسرور عند ما ينظر إليهم وهم يؤمنون بالله ~~ويتحركون في خط طاعته ورضاه على أساس الالتزام بالحق في كل أقوالهم ~~وأفعالهم ، لأن الإنسان المؤمن لا يفكر في القضايا بطريقة ذاتية ، من خلال ~~العلاقات الخاصة في الحياة بزوجه وولده ، بل يفكر بطريقة إيمانية مسئولة. ~~وهذا هو ما يخصص التمنيات بالجانب الإسلامي من شخصية الأزواج والأولاد ~~بالإضافة الى ما يحبه الإنسان من جوانب أخرى. # ( @QUR@03 واجعلنا للمتقين إماما ) في ما يحبه المؤمن لنفسه من التقدم في ~~مجالات الخير ، والدعوة إلى الله والعمل في سبيله ، والالتزام بالخط ~~المستقيم في العقيدة والشريعة والحياة ، بحيث يبلغ الدرجة العليا في ذلك ، ~~حيث الإمامة والقيادة. وذلك هو طموح المؤمنين في الحياة ، في عملية التسامي ~~في آفاق التقوى في ما يجاهدون به أنفسهم ، ويطورون به معارفهم ، فلا تتوقف ~~طموحاتهم على شؤونهم الذاتية في الحاجات الدنيوية الطبيعية ، بل تنطلق إلى ~~مواقع رضوان الله ، انطلاقا مما دعا الله إليه عباده المؤمنين من استباق ~~الخيرات ، والمسارعة إلى المغفرة والجنة والتنافس في درجات الحصول على رضاه. # * * * ### ||| ** بالصبر ms3957 نوال النعم # ( @QUR@014 أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين ~~فيها حسنت مستقرا ومقاما ) لعل كلمة الغرفة واردة على سبيل الكناية عن ~~الدرجة العالية في الجنة ، والمقصود بالصبر الذي يبلغ به هؤلاء علو PageV17P081 # الدرجة في الجنة ، الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصيته ، والصبر على ~~ما يصيبهم من البلاء ، لأن ذلك يدل على الالتزام الكامل ، والروحية العالية ~~، والإرادة الصلبة ، والوعي الكامل ، والارتباط بالله من أوثق المواقع ، ~~ليكون لهم السعادة في الحصول على رضاه ، في مواجهة غضب كل الناس مع كل ضغوط ~~الحرمان المادية والنفسية والمعنوية على حياتهم. وهكذا تؤكد هذه الآية ~~وغيرها من الآيات أن الصبر يمثل الإطار للمضمون الإيماني في حياة الناس ~~الذي يحتوي كل مواقع الحياة الرسالية ومواقفها. فبالصبر يحصل الفلاح ، ~~وبالصبر يتأكد الخير والحق والصلاح ، وبالصبر ينال الناس ما عند الله من ~~النعيم والسعادة والرضوان في الجنة .. ويلقون فيها التحية من الله ، ~~والسلام من ملائكته ، في ما يعبر عنه من اللطف والرعاية والرحمة والحنان. # وهكذا نرى أن عباد الرحمن الذين يختصهم الله برحمته ، ويدعوهم إلى جنته ، ~~ويشملهم برضوانه ، هم الذين تتجسد فيهم ملامح الشخصية الإسلامية في الإيمان ~~بالله الواحد واليوم الآخر ، وفي التجسيد العملي في التزام طاعة الله في ~~أمره ونهيه ، وتطلعهم إلى السمو الروحي في آفاقه ، والارتفاع المتحرك في ~~طريقه ، وفي الاندماج بالمجتمع الذي يلتقي على كلمته. # وإذا كان الله قد تحدث عن بعض صفات هؤلاء الفتية من عباد الرحمن المخلصين ~~، فإن الحديث يطرح هذه الأمور كنماذج للصفات الإيجابية والسلبية التي تمتد ~~في كل أحكام الله في ما تمثله من قاعدة أخلاقية متحركة في مفرداتها العملية ~~في حياة الإنسان ، فإن الله يريد له أن يتخلق بأخلاقه ويلتزم بكل أحكامه ~~ويجعل كل حياته صورة حية لما هو الإسلام ، ولما هو الإيمان في مفاهيمه ~~العقيدية والروحية والعملية. # * * * PageV17P082 ### ||| ** الدعاء يمنح الرعاية الإلهية # ( @QUR@08 قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم ) أي إن الله لا يبالي بكم ~~ولا يعتني بشأنكم ولا يجعل لكم منزلة عنده ، لو لا دعاؤكم. ms3958 وهذا المعنى ~~واضح لا يحتاج إلى تفسير ، ولكن ما هو المراد من كلمة ( @QUR@01 دعاؤكم )؟ ~~هل المراد بها الدعاء إلى الله في ما يدعو الإنسان إليه من الإيمان به ~~وعبادته والعودة إليه من الضياع الذي يلف الإنسان في أجواء الضلال ، فيكون ~~المعنى أن الله لا يعبأ بكم في أي وضع من الأوضاع ، لو لا دعاؤه لكم ~~لتهتدوا ، ولتعبدوه وحده لا شريك له؟ أو أن المراد بها دعاء العبد لله في ~~ما يهمه من أمور الحياة ، أو في ما يحسه من مشاعر الإيمان به ، والخشوع له ~~، والخضوع إليه ، ليعبر عن توحيده ، بالكلمة ، والحركة والابتهال ، فيكون ~~المعنى أن الله لا يعبأ بكم ، لو لا دعاؤكم إياه ، في ما يمثله ذلك من ~~التصديق بوجوده ، والإذعان بوحدانيته ، والإخلاص لعبادته؟ # هناك من يختار الوجه الأول ، لأن الفقرة التالية لا تتناسب مع الوجه ~~الثاني ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) لأن ~~تفريع ذلك على ما قبله من تفريع السبب على المسبب بمعنى انكشافه بمسببه ، ~~أي أن السبب في عدم اعتناء الله بكم هو تكذيبكم به ، فلا خير يرجى منكم ، ~~فسوف يكون هذا التكذيب ملازما لكم أشد الملازمة ، إلا أن الله يدعوكم ليتم ~~الحجة عليكم أو يدعوكم لعلكم ترجعون عن تكذيبكم. # أما المعنى الثاني ، فإنه لا يلائم تفرع قوله ( @QUR@02 فقد كذبتم ) عليه ~~، وكان عليه من حق الكلام أن يقال : وقد كذبتم ، على أن المصدر المضاف إلى ~~فاعله يدل على تحقق الفعل منه وتلبسه به ، وهم غير متلبسين بدعائه وعبادته ~~تعالى ، فكان من حق الكلام على هذا التقدير أن يقال : لولا أن تدعوه. # ولكننا نلاحظ على هذا الاختيار التفسيري ، أن المعنى الثاني أقرب ، لأن PageV17P083 # الظاهر من الآية هو التركيز على العنصر الذي ينال به الناس اعتناء الله ~~بهم ورعايته لهم ، مما يصدر عنهم ، لا مما يصدر منه ، تماما كما تقول : لا ~~قدر لك عندي لو لا فعلك الكذائي ، أو لو لا قرابتك ، أو ما أشبه ذلك ، مما ~~يوحي بأن مدخول «لو لا» هو الشيء الذي يستحق بلحاظه ms3959 القرب إليه والاعتناء ~~به ، ليكون المعنى أن الدعاء هو الذي يمنحكم رعاية الله وعنايته بكم ، ~~باعتبار ما يمثله من الدلالة على إيمانكم به وخضوعكم له .. ولكنكم لم ~~تفعلوا ذلك لأنكم لم تلتزموا خط الإيمان ، فقد كذبتم به وبرسله ، وتمردتم ~~عليه ، وخضعتم لغيره ، ودعوتم سواه ، فسوف يكون إبعاده لكم لزاما لأنكم لم ~~تأخذوا بسبب القرب إليه. # أما حديث اقتضاء إضافة المصدر إلى فاعله ووقوعه منه ، فقد يكون ذلك لو ~~كان الحديث عن الماضي ، أما عند ما يكون الحديث عن العلاقة بين شيء وشيء في ~~ما يجب أن يكون أو يحدث من أجل تحققه ، فإنه لا يقتضي ذلك ، أو ليس ظاهرا ~~فيه على الأقل. # وقد وردت الرواية عن الإمام محمد الباقر عليه السلام كما ذكره العياشي في ~~تفسيره بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ~~كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدعاء؟ قال : كثرة الدعاء؟ أفضل ، وقرأ هذه ~~الآية (1). # وهكذا نفهم أن الدعاء هو الوسيلة التي يتوسل بها الإنسان إلى تجسيد الصلة ~~بربه والشعور العميق بحضور الله في حياته. فهو الذي يحصل من خلاله على ~~العلاقة الحميمة بالله ، وعلى الرعاية الإلهية له ، وهذا مما لم يحصل منهم ~~لتكذيبهم لرسالته ، وعكوفهم على عبادتهم للأصنام ، وامتناعهم عن عبادة الله ~~الواحد ، الأمر الذي أبعدهم عن الدعاء فابتعدوا عنه ، فابتعد الله عنهم ~~وانقطعت الصلة بينهم وبينه إلى الأبد. # * * * PageV17P084 ### | سورة الشعراء ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائتان وسبع وعشرون PageV17P085 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 طسم (1) @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين (2) @QUR@06 لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) @QUR@011 إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين (4) @QUR@011 وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا ~~كانوا عنه معرضين (5) @QUR@08 فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به ~~يستهزؤن (6) @QUR@011 أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ~~(7) @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) @QUR@05 وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 باخع ): الباخع : المهلك ، وبخع نفسه أهلكها. # ( @QUR@01 أعناقهم ): الأعناق : الرقاب ، وتطلق على الجماعات. # ( @QUR@01 زوج ): الزوج : الصنف. ms3960 # * * * ### ||| ** الله يطمئن رسوله # في بداية السورة ، يبقى القرآن في آياته عنوان الرسالة ، لأنه الكتاب ~~المنزل من الله على رسوله بالوحي ليبلغه للناس ، فيؤمن به بعض ، ويكفر به PageV17P087 # بعض ، ويتألم النبي لكفر الكافرين ، لأن المسألة عنده ، ليست نجاحه ~~الذاتي في ما يمثله ذلك من امتيازات تبعث على الزهو والرضا والسرور ، بل هي ~~نجاح الرسالة في اختراقها الحواجز النفسية والفكرية المضادة التي تحول ~~بينهم وبين الانفتاح على الحق في الدعوة ونجاح الإنسان الضال في التمرد على ~~نقاط ضعفه ، والانتصار على نوازعه المنحرفة. فقد كان كل همه أن يصل الناس ~~إلى الله من أقرب طريق ، ويأتي القرآن ليمسح على قلبه ، وليفتح روحه على ~~الله في ما يقدره من آفاق الرسالة في المستقبل. # * * * ### ||| ** تلك آيات الكتاب المبين # ( @QUR@01 طسم ) من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها في أوائل سورة ~~البقرة. ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين ) التي تنفتح على الهدى في الفكر ~~والحياة لتقود الضالين إلى مواقع الحق ، ولترتفع بإعجازها إلى آفاق السمو ~~في فصاحة الكلمة وبلاغة الأسلوب وإعجاز الكلام. # ( @QUR@06 لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) البخوع هو إهلاك النفس عن ~~وجد ، وهذه هي اللفتة الإلهية الموحية التي تلمس قلب النبي بالحنان والعطف ~~في ما كان يستشعره من الألم العميق الذي يأكل روحه ، لأنه ينظر إلى مستقبل ~~هؤلاء الناس ، فيرى فيه أكثر من مشكلة تتحدى سلامهم الروحي وأمنهم المادي ، ~~في ما هو القلق الذي يفترس اطمئنانهم ، والحيرة التي تأكل حياتهم ، والضياع ~~الذي يهدد نجاتهم ، فيتألم لهم لأنهم ابتعدوا عن خط الإيمان الذي هو مصدر ~~سعادتهم في الدنيا والآخرة ، ويتعمق الألم في داخله ، من موقع الرحمة في ~~قلبه ، وحركة المسؤولية في روحه وفكره ، حتى ليخيل للناظر إليه والمطلع ~~عليه ، أنه يكاد أن يهلك حزنا وأسفا. ولهذا خاطبه الله بأسلوب الترجي الذي ~~يوحي بقرب حدوث ذلك ، أو بإمكانه. PageV17P088 # وقد توحي هذه الكلمات للنبي بأن عليه أن لا يأخذ المسألة مأخذ الأهمية ~~القصوى بالمستوى الذي يضغط على حياته ، بل ينبغي له أن يتقبلها بشكل طبيعي ~~لأنه قد بذل كل جهده ms3961 في هدايتهم ، ولأن الرفض الذي يواجه به ، ليس رفضا له ~~بصفته الذاتية بل بصفته الرسالية ، مما يجعل القضية موجهة إلى الله سبحانه ~~، ولأنهم قد اختاروا الكفر بعد إقامة الحجة عليهم ، في وضوح الرسالة ، فلم ~~يكفروا من موقع غموض أو شبهة ، فلا حجة لهم في ذلك. وإذا كان النبي ينطلق ~~في شعوره العميق بالألم من موقع النصرة لله ، فإن الله قادر على أن يهلكهم ~~جميعا ، على أساس قدرته المطلقة ، ولكن حكمته في تنظيم حركة الناس في ~~الإيمان والكفر ، جعلته يؤخرهم إلى أجل مسمى ، فلا ضعف في الموقف ، بل هي ~~القوة التي لا تخاف الفوت. # ( @QUR@07 إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ) مما كان ينزل على الأمم ~~السابقة التي كانت تكذب الأنبياء ، فيضطرهم ذلك إلى الإيمان في مواقع ~~التحدي ، أو يهلكهم بما تشتمل عليه من العذاب ، ( @QUR@04 فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين ) إذعانا وخضوعا وانسحاقا أمامها. ولعل ذكر الأعناق هنا ورد على ~~سبيل الكناية أو المجاز في التعبير عن ذواتهم ، باعتبار أن الخضوع أول ما ~~يظهر في عنق الإنسان حيث يطأطئ رأسه ، فهم خاضعون لله في ما يريد أن يصنع ~~بهم أو ينزله عليهم ، فإذا شاء ذلك في أي وقت ، فلا بد لهم من أن يخضعوا له ~~، ولكنه لم يشأ ذلك من خلال حكمته ورحمته. # ( @QUR@07 وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ) من القرآن الذي جاءهم به ~~رسول الله والذي كان حدثا جديدا في حياتهم مما لم يألفوا أسلوبه ولم يعرفوا ~~مضامينه ، ( @QUR@04 إلا كانوا عنه معرضين ) لأنهم لا يطيقون الإيمان ~~بالوحي الجديد النازل على رجل منهم لا يملك الموقع الطبقي الذي يملكه علية ~~القوم ، كما هو المجتمع المتخلف الجاهلي الذي يخضع للأجواء الثقافية ~~التقليدية المرتكزة على عقائد PageV17P089 # الآباء والأجداد وتقاليدهم ، من دون نظر إلى المستوى الثقافي لمصادر ~~المعرفة التي يملكونها ، والدخول في مقارنة حادة بين ما هو موجود لديهم وما ~~هو مطروح في الرسالات الجديدة. إنه الفكر المتحجر والأفق الضيق والاستغراق ~~في حديث الماضي القابع في كهوف الظلام. # ( @QUR@02 فقد كذبوا ) بالذكر المحدث النازل على ms3962 الرسول ، ( @QUR@06 ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن ) مما لم يحيطوا بعلمه ، ولم ينتظروه ~~من العقوبات العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة ، فإن الله قد يمهل ~~الكافرين والمكذبين والضالين من عباده ولكنه لا يهملهم ، بل يلاحقهم ~~بالبلاء والعذاب من حيث لم يحتسبوا ، كما يرزقهم من خلال ذلك. # ( @QUR@011 أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ) فكيف ~~يصرون على التكذيب وهم يتحركون في الأرض وينظرون إلى ما أودعه الله فيها من ~~عجائب القدرة وآيات العظمة وملامح الإبداع في هذه النباتات المتنوعة ~~بأشكالها وخصائصها وأوضاعها وثمارها في قانون الزوجية في الكون الذي يشمل ~~الإنسان والحيوان والنبات والجماد ، مما يستطيع الإنسان أن يلمسه بحسه ~~المادي ، أو يكتشفه بحسه العقلي ، في ما يكتشفه من تنوع الملامح في ~~الزوجين؟ وكيف يمكن لمن أدرك وحدة الإبداع في التنوع ، أن يبقى على الكفر ~~والتكذيب؟ ( @QUR@04 إن في ذلك لآية ) لمن أراد أن يهتدي ويتعرف الحقيقة من ~~مصادرها اليقينية لأنها تشتمل على كل عناصر الإقناع بحقائق العقيدة التي ~~جاء بها الرسول ، ولكن هؤلاء الذين يواجهون هذه الآية الواضحة لا يريدون أن ~~يقرءوا فيها حقائق الإيمان ، انطلاقا من نوازعهم الذاتية المنحرفة المتمردة ~~على الحقيقة في مواقع العقيدة ( @QUR@04 وما كان أكثرهم مؤمنين ) لأن ~~الأكثرية تبقى في الغالب خاضعة للأجواء الانفعالية التي تجعلهم يتأثرون ~~بالضوضاء التي يثيرها قادة الكفر والضلال الذين يتعاملون مع نقاط الضعف ~~الشعورية والفكرية الكامنة في أعماق الجماهير ، في عملية إثارة وتضليل. ~~وتبقى الأقلية التي تعيش مسئولية الحق PageV17P090 # والإيمان بكل هدوء الفكر وصفاء الوجدان ورهافة الشعور ، لتلتقي به في ~~العمق الهادىء المتزن من الفكر ، فترتبط به من قاعدة الجدية في مواجهة ~~نتائج المسؤولية في حسابها الدقيق أمام الله. # ( @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) فهو القادر من موقع عزته أن يأخذ ~~المكذبين والمستهزئين بعذابه ونقمته ، وهو الرحيم الذي لا يتركهم لضلالهم ، ~~بل ينزل عليهم الوحي المبين ، ويرسل إليهم الرسل المبشرين والمنذرين ~~ليفسحوا لهم المجال لاكتشاف الهدى القادم من الله ، ولينفتحوا عليه بكل ~~صفاء الإيمان ووضوحه. # * * * PageV17P091 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وإذ نادى ms3963 ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) @QUR@04 قوم ~~فرعون ألا يتقون (11) @QUR@06 قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) @QUR@08 ~~ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) @QUR@06 ولهم علي ذنب ~~فأخاف أن يقتلون (14) @QUR@07 قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ~~(15) @QUR@07 فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) @QUR@05 أن أرسل ~~معنا بني إسرائيل (17) @QUR@010 قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين (18) @QUR@07 وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) ~~@QUR@06 قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) @QUR@011 ففررت منكم لما ~~خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) @QUR@08 وتلك نعمة تمنها ~~علي أن عبدت بني إسرائيل ) (22) # @QUR@03 * * * ### ||| ** موسى يتلقى الرسالة ويذهب الى فرعون # وتبدأ حركة القصة في السورة في قصص الأنبياء ، في ما بلغوه من رسالاتهم ، ~~وما عانوه من أممهم ، وما عاشوه من مشاكل ذلك كله ، لتكون درسا للعاملين في ~~سبيل الله من خلال تجربة النبوة في حركة الدعوة وفي PageV17P092 # مواجهة التحديات ، ولتؤكد للمعاندين قدرة الله على إنزال العذاب بهم في ~~الدنيا ، كما أنزل على غيرهم من الأمم السابقة لو لا مشيئته في تأخير ذلك ~~لحكمة يعلمها سبحانه . # وتقف بداية قصة موسى في الواجهة ، في تفصيل واف يرصد مفرداتها بشكل دقيق ~~ليوحي بالمواقف من مواقع العبرة الحية الفاعلة. # @QUR@03 * * * ### ||| ** الدين يواجه الظلم # ( @QUR@08 وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ) الذين ظلموا الناس ~~وعاثوا في الأرض فسادا. وقد انطلق النداء ليؤكد على حقيقة دينية حاسمة في ~~موقف الدين من الظلم والظالمين ، وهي أن الرسالة تتحرك في إرادة الله ~~لإرسال رسول ، على أساس وجود ظلم ضاغط على حرية الناس وحياتهم ، مما يفرض ~~مواجهة الموقف برسالة كاملة شاملة تنطلق في حركتها من قاعدة التوحيد لله ~~الذي يوحد الألوهية في ذاته ، ويحصر العبادة به ، ويرفض عبادة غيره ، مهما ~~كانت منزلته ودرجته ، ليكون التحدي للظلم والظالمين من خلال القاعدة ، لا ~~من خلال الحالة الطارئة ، مما يجعل الموقف أكثر قوة ، وأشد صلابة ، لأن ~~انطلاق التحدي من الجذور يختلف عن انطلاقه من السطح. وهكذا أراد الله لنبيه ~~موسى أن يتوجه إلى موقع السلطة ms3964 الأقوى في ساحات الظالمين ( @QUR@02 قوم ~~فرعون ) الذي سعى ليفرض نفسه ربا على المستضعفين من الناس من خلال قوته ~~وملكه ، وذلك بفعل طاعة قومه له وانقيادهم لإرادته ، وخضوعهم لسلطاته ~~والتفافهم حوله على خط العصبية العائلية أو على الطمع في حطام الدنيا ، ( ~~@QUR@02 ألا يتقون ) الله ، ويخافونه ، ويحسبون حساب الدار الآخرة ، في ما ~~يمكن أن PageV17P093 # يتعرضوا له من عذاب النار جزاء معاونتهم للظلم والظالمين. # @QUR@03 * * * ### ||| ** هل استعفى موسى عليه السلام من ربه؟ # ( @QUR@06 قال رب إني أخاف أن يكذبون ) لأنني أعرف فيهم الطغيان الذي ~~يمنعهم من الإذعان للرسالة ويدفعهم إلى احتقار الناس من حولهم ، ممن هم ~~دونهم في الطبقة الاجتماعية ، الأمر الذي يدعوهم إلى تكذيبي لما أبلغهم من ~~رسالاتك ، فلا فائدة من إرسالي إليهم ، لأن النتيجة معلومة بالرفض ، ( ~~@QUR@02 ويضيق صدري ) في مواجهة الضغط الذي أتعرض له منهم مما لا أستطيع ~~تحمله في قدرتي الذاتية ( @QUR@03 ولا ينطلق لساني ) مما أعانيه من حالات ~~احتباس الكلام حيث لا يسمح لي بالحوار والجدال وإدارة الصراع بالكلمات ~~القوية والأسلوب اللبق ( @QUR@03 فأرسل إلى هارون ) ليكون عونا لي على أداء ~~الرسالة ، لما يتميز به من صفات تسد النقص الذي أعاني منه كفصاحة اللسان ~~ونحوها ، ( @QUR@03 ولهم علي ذنب ) فقد قتلت شخصا منهم ( @QUR@03 فأخاف أن ~~يقتلون ) ثأرا له. # ونتساءل ، هل هو استعفاء من موسى عليه السلام وهروب من تأدية الرسالة على ~~أساس نقاط الضعف الذاتية التي تحدث عنها ، وعن المخاوف التي تطوف في ذهنه ~~أمام القيام بهذه المهمة الصعبة؟ وكيف يرفض رسالة الله إليه ، وكيف يهرب من ~~مسئوليته؟ والجواب : إن المسألة ليست مسألة استعفاء وهروب ورفض ، بل هي ~~مسألة شعور بالحاجة إلى المساعد والمعين بالنظر إلى المشاكل التي تنتظر ~~المهمة والمخاوف التي تحيط بها. وبذلك فإنه يبحث عن الوسيلة التي تحقق ~~للرسالة قوتها وسلامتها ، ولذلك لم يطلب من الله إعفاءه من الرسالة ، بل ~~طلب مشاركة هارون له في ذلك. PageV17P094 # ( @QUR@02 قال كلا ) لن ينالوا منكما بسوء ، لأن الله سوف يحميكما من ~~بطشهم بحمايته ، فتقدما معا إلى فرعون وقومه ، ( @QUR@02 فاذهبا بآياتنا ) ~~التي ستقهر موقفه وموقفهم ، فلن ms3965 تذهبا مجردين من السلاح ، بل تكون الآيات ~~المعجزة الدالة على العمق الإلهي للرسالة هي السبيل إلى هزيمة جبروته ، ( ~~@QUR@03 إنا معكم مستمعون ) في إيحاء إلهي بالرعاية المباشرة من الله لهما ~~، فلا مجال للخوف من سطوة فرعون ، لأن الله رب العالمين يشرف من موقع علمه ~~وقدرته المطلقة على الساحة كلها ، فهو يسمع كل الكلمات ويعرف كل نتائجها ~~ومداليلها ، فعليهما أن يطمئنا ويأمنا ، وعلى الجميع أن يدركوا قوة الموقف ~~الذي يملكه موسى في مواجهة فرعون أمام قوة الله سبحانه الذي يمنحهما قوة ~~التحدي. # ( @QUR@07 فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ) قولا له إن صفتكما ~~التي تقابلانه بها ، ليست صفة الأتباع الذين يطلبون بركته ، ويتطلعون إلى ~~عظمته ، ويتحركون طوع إرادته ، بل هي صفة رسول رب العالمين ، التي توحي ~~بالقوة والرهبة ، والعلو المهيمن على الموقع والكلمة والسلطة ، فهناك رب ~~العالمين الذي يملك الأمر كله ، والحياة والموت بيده ، فلا موجود غيره ، ~~إلا وهو مخلوق له ومفتقر إليه ، وخاضع لسلطانه ، وعبد له ، وخاشع أمامه ، ~~ونحن هنا نتحدث إليك باسمه لأننا نحمل رسالته. # وجاء التعبير بالمفرد ، بدلا من المثنى ، إما باعتبار كل واحد منهما ، أو ~~باعتبار وحدة الرسالة ، أو على أساس أن الرسول مصدر في الأصل ، فالأصل أن ~~يستوي فيه الواحد والجمع. # * * * PageV17P095 ### ||| ** معنى المطالبة بإرسال بني إسرائيل في بداية المواجهة؟ # ( @QUR@05 أن أرسل معنا بني إسرائيل ) لأن الله أراد أن يخرجهم من ~~استضعافهم الذي فرضته عليهم ، لتدعم ملك باستغلال قوتهم التي تحركها في ~~خدمتك وخدمة مشاريعك لتكون أنت القوي من خلال قوتهم ، ثم لترتد عليهم ~~لتستضعفهم على هذا الأساس ، بما توحي إليهم بالأسرار المقدسة التي تختزنها ~~شخصيتك بالطاعة المطلقة التي يفرضها موقعك ، وبما تخنق به وعيهم بأضاليلك ~~كما يفعل الطغاة من أمثالك في تضليل الشعوب وتجهيلهم من أجل أن يكون ذلك ~~سبيلا للسيطرة عليهم ، فيستسلمون لك باعتبار أنك ولي النعمة ، في الوقت ~~الذي يكونون فيه هم أولياء نعمتك ، في ما أعطوك من ثروة وقوة وسيطرة. # ولكن ، لا بد من أن نضع حدا لذلك ، لأن المستضعفين لا بد من أن ms3966 يأخذوا ~~بأسباب الوعي ويتخلصوا من مواقع التخلف ويفهموا طبيعة الظروف المحيطة بهم ، ~~والقدرات التي يملكونها ، ليعرفوا ماذا يريدون ، وماذا يراد بهم وما هي ~~حقوقهم ، وما هي مسئولياتهم ، ليتحركوا من مواقع الحرية. ولن يستطيعوا ~~الوصول إلى هذا المستوى من الوعي والمسؤولية والحركة إلا إذا خرجوا من هذه ~~الأجواء وتخلصوا من هذه الظروف واستبدلوا بها أجواء جديدة وظروفا مميزة حتى ~~يتنفسوا الهواء الطلق البعيد عن الوباء والعفونة ، الذي يغتسل بشروق الشمس ~~من جميع جوانبه ، فتنفذ إليه ليتعرفوا معنى الحرية في حركته. ولذلك فإن ~~المطلوب هو أن ترسلهم معنا ، لأننا سوف نفتح عيونهم على الحياة من خلال ~~الله ورسالته ، ليكونوا جيل الدعوة إلى الله ، والعمل في سبيله ، ~~والمدافعين عن قضية العدل في الكون ، في مواجهة مسألة الظلم في PageV17P096 # ساحات الظالمين ، لأن الذين عاشوا تجربة الظلم ، هم من أكثر الناس معرفة ~~بالبشاعة التي تتمثل بالظلم ، وبالجمال الرائع الذي يتحرك في شخصية العدل. # وقد نلاحظ أنه كيف يكون الطلب الذي يقدمه رسول رب العالمين هو إرسال بني ~~إسرائيل معه لا الرسالة الموجهة إلى فرعون وقومه؟ ولكن هذه الملاحظة تزول ~~إذا عرفنا أن ذلك هو الأسلوب الذي يراد به الإيحاء بالقوة ، ليكون المدخل ~~للحديث عن رب العالمين وعن معنى التوحيد ، وعن الرسالة التي تتحرك في حياة ~~العالمين جميعا ، في مفاهيمها وشرائعها ، كما ستجده في ما نستقبله من آيات ~~ومما قدمناه في ما سبق منها. # @QUR@03 * * * ### ||| ** ماذا نستوحي من هذا الأسلوب؟ # وقد نستطيع أن نستوحي من هذا الأسلوب ، كيف يمكن للداعية أن يبحث عن ~~المدخل للحديث عن الفكرة ، وتوجيه الحوار إليها ، من خلال المفردات ~~الواقعية المثيرة للاهتمام التي تدعو إلى إثارة كثير من علامات الاستفهام ~~حول الركائز التي ترتكز عليها هذه الأمور ، وإلى الدخول في جدل حولها ، في ~~ما تمثله من مشاكل الساحة ، أو الناس الذين يعيشون فيها. فقد لا يكون من ~~الضروري دائما أن نثير القضايا بشكل مباشر ، إذ ربما كان التفكير العام غير ~~معني بها في الأساس لعدم وجود ظروف ملائمة لذلك من ناحية نفسية وعملية ms3967 ، ~~مما يجعل من البحث عن موضوع مثير ، أمرا يحرك الحديث عن أكثر الأمور ~~اهتماما وحساسية وواقعية. # @QUR@03 * * * PageV17P097 ### ||| ** فرعون يذكر موسى عليه السلام بنعمه عليه # ( @QUR@010 قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ) فنحن ~~نعرفك منذ كنت طفلا رضيعا ، وقد عشت معنا كما يعيش الولد في أحضان أهله ، ~~فهم يعرفون نقاط ضعفه ، وطبيعة موهبته ، ومدى إمكاناته الفكرية ، وتطلعاته ~~الروحية ، وعلاقاته ، ومواقعه ، فمن أين جاءتك هذه الأفكار المثيرة ، وكيف ~~حدث لك مثل هذا الحدث العجائبي الذي تدعي وجوده في شخصيتك ما لم نلمح له أي ~~أثر لديك في ملامح تطورك ونموك على مستوى المعرفة والسلوك؟! فلست إلا واحدا ~~من هذا الشعب الضعيف المسحوق الجاهل ، الذي يدين بنعمته لمواقع الألوهية ~~عندنا ، ( @QUR@04 وفعلت فعلتك التي فعلت ) في قتلك للإنسان القبطي الذي ~~يتميز بأصله وطبقته عليك مما يؤكد وجود طبيعة الجريمة في تفكيرك وأخلاقك ، ~~بالإضافة إلى نزعة الفساد والإفساد الاجتماعي في سلوكك العملي ، فخلقت لنا ~~المشاكل الأمنية من دون مبرر ، ولم ترع حرمة التربية والرعاية التي منحناك ~~إياها ، ( @QUR@03 وأنت من الكافرين ) بالنعمة التي أغدقناها عليك ، فكيف ~~يتناسب ذلك مع ما تدعيه من الرسالة التي تستهدف الصلاح والإصلاح والخير ~~والفلاح للناس كافة؟ وكيف يكون رسولا من يكفر بنعمة سيده الذي رباه وأنعم ~~عليه بعد أن أنقذه من الهلاك؟ # @QUR@03 * * * ### ||| ** كيف اعترف موسى عليه السلام على نفسه بالضلال؟ # ( @QUR@06 قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ) أي الجاهلين بالنتائج ~~السلبية التي تترتب علي مما أدى إلى أكثر من مشكلة اعترضت حياتي وأبعدتني ~~عن أهلي وبلدي ، مع أن القضية كانت تحل بغير ذلك ، فلم أفعلها في حال ~~الرسالة ، لتكون تلك PageV17P098 # نقطة سوداء تسجلها علي في موقعي الرسالي ، بل فعلتها قبل أن يلهمني الله ~~الهدى المتحرك في خط الرسالة ، عند ما كنت ضالا لم أحدد لنفسي الطريق ~~الواضح المستقيم المنطلق من قواعد الشريعة المنزلة القائمة على التوازن في ~~ما يصلح الإنسان أو يفسده. وبذلك نستوحي من الفقرة في الآية ، أن الضلال ~~ليس بالمعنى الوجودي المضاد الذي يعبر عن الانحراف ، بل بالمعنى ms3968 السلبي ~~المعبر عن عدم معرفة طريق الهدى ، الذي يضيء به عمق الأمور على أساس ~~المصلحة الحقيقية للإنسان. # @QUR@03 * * * ### ||| ** القرآن يثير نقاط الضعف البشري في الأنبياء # وفي ضوء ذلك ، نفهم كيف يرينا القرآن الكريم نقاط الضعف البشري قبل ~~النبوة في شخصية النبي ، عند ما كان بعيدا عن الاهتداء التفصيلي بالشريعة ~~والمنهج ، خلافا للفكرة المعروفة لدى الكثيرين من العلماء الذين لا يوافقون ~~على أن النبي يمكن أن يضعف أمام عوامل الضعف الذاتي قبل النبوة أو بعدها ، ~~حتى في ما لا يشكل معصية أو انحرافا خطيرا عن الخط المستقيم. # وهكذا واجه موسى الموقف بشجاعة الاعتراف بما فعله قبل أن يبعث بالرسالة ~~ويهتدي بالحق من خلال الوحي النازل من الله ، فلم يسقط أمام التحدي الذي ~~وجهه فرعون للرسالة على أساس ما وجهه لشخصه من عمل سابق ، بل أكده في ~~مواقعه الذاتية ، قبل الرسالة ، أي قبل أن ينزل عليه الهدى الذي يدعو إليه ~~الناس الآن ، فارتكب ما ارتكبه في الجو الذي لو كان في الموقع الذي هو فيه ~~الآن لما فعله ، لا لأنه فعل حراما ، فلم يكن متعمدا للمسألة ، وربما كان ~~الشخص يستحق القتل ، بل لأنه لم يكن ضروريا PageV17P099 # بالمستوى الذي وصلت إليه القضية في نتائجها السلبية على مستوى حياته ~~الشخصية في ما أدت إليه من إرباك وتعقيد. # ( @QUR@04 ففررت منكم لما خفتكم ) خوفا من أن تقتلوني جزاء لما فعلته ، ~~وتشردت مدة طويلة من الزمن ، ( @QUR@04 فوهب لي ربي حكما ) في ما ألهمني من ~~الحق ، وما أوحى به إلي من النور الذي يضيء لي وللناس الطريق المستقيم الذي ~~يكفل السلامة لمن سار فيه واهتدى بهداه ، ( @QUR@03 وجعلني من المرسلين ) ~~الذين يحملون مسئولية الدعوة إلى الله والعمل في سبيله ، والإعلان بكلمة ~~الحق الصارخ أمام الناس أجمعين ممن كان في أعلى درجات السلم الاجتماعي أو ~~في أسفلها أو في وسطها. # ولماذا تستغرب أن يكون لي هذا الموقع الرسالي ، فتحاول أن تستذكر طفولتي ~~التي عشتها معكم؟ فهل هي قضية ذاتية أو اكتسابية لتتلمس ملامحها سلبا أو ~~إيجابا في حياتي الخاصة التي كنت ms3969 تعرف قسما منها ، أو هي قضية ربانية ~~متحركة من وحي الله ولطفه ورحمته؟ ثم كيف تكون التربية الأولى أساسا للحكم ~~على الشخصية بعد غياب طويل ، وسنين عديدة ، قد يحصل الإنسان فيها على معارف ~~جديدة ومواهب عالية تؤهله الأكثر المواقع تقدما في الحياة مما يجعل منطقك ~~بعيدا عن التوازن والتركيز والواقعية؟ # ( @QUR@08 وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) وجعلتهم عبيدا ~~تستخدمهم في سبيل تثبيت ملكك وتقوية سلطانك ، وتقهر إنسانيتهم بمصادرة ~~حريتهم ليتحولوا إلى أدوات مقهورة لتلبية رغباتك وتحقيق مرادك ، في ما تحبه ~~وما لا تحبه. # وقد يتساءل الإنسان : كيف يتحدث موسى عن شيء لم يسبق الحديث عنه في حوارة ~~مع فرعون؟ وقد يجاب عن ذلك بأن تذكيره بأنه كان قد تربى في بيته ، يحمل بعض ~~الإيحاء بأنه جزء من هؤلاء القوم الذين يتقلبون في نعمته PageV17P100 # ويخضعون لسلطانه ، تماما كما هو متاع البيت وأثاثه. ثم حديثه عن كفره ~~للنعمة ، نوع من التذكير بالنعم التي كان يغدقها على قومه وعليه. ويمكن أن ~~يكون الحديث بهذا الأسلوب منطلقا من كلام لم ينقله القرآن ، مما جرى ~~التداول عليه ، ليكون الجواب دليلا على ذلك. # * * * ### ||| ** منطق الأنبياء أمام منطق الطغاة # وقد نجد في هذه الكلمة القوية الحاسمة المتحدية ، الرد على الروح ~~المتعالية التي يحملها الطغاة في نظرتهم إلى ما يقدمونه لشعوبهم من موارد ~~استهلاكية ، وحاجات معيشية في دائرة الحصار الذي يطبق على حريتهم في ما ~~يريدونه للشعوب أن تتحول إلى أدوات صماء عمياء لأطماعهم وأغراضهم ، وللوصول ~~إلى غاياتهم الظالمة. وهنا تأتي الكلمة الرسالية لتقول لهؤلاء إن مسألة ~~الحرية هي أغلى من كل المتع والمنافع التي يقدمها السادة للعبيد ، لأن ~~الحرية تعني الارتفاع بالإنسانية إلى المستوى الأعلى في رحاب الحياة ، ~~بينما العبودية تعني الانحطاط بإنسانية الإنسان إلى أسفل دركات الحياة. ~~ولهذا فإنهم يرفضون الشبع مع العبودية ويفضلون الجوع مع الحرية على ذلك ~~كله. إنها كلمة ثورة الحرية المنطلقة من روح القيادة الرسالية في مواجهة ~~الظلم والطغيان. # * * * PageV17P101 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 قال فرعون وما رب العالمين (23) @QUR@09 قال رب السماوات ~~والأرض وما ms3970 بينهما إن كنتم موقنين (24) @QUR@05 قال لمن حوله ألا تستمعون ~~(25) @QUR@05 قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) @QUR@07 قال إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون (27) @QUR@09 قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون (28) @QUR@08 قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) ~~@QUR@05 قال أولو جئتك بشيء مبين (30) @QUR@07 قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين (31) @QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) @QUR@06 ونزع ~~يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) @QUR@07 قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ~~(34) @QUR@09 يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون (35) @QUR@07 ~~قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) @QUR@04 يأتوك بكل سحار ~~عليم (37) @QUR@05 فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) @QUR@05 وقيل للناس ~~هل أنتم مجتمعون (39) @QUR@07 لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) ~~@QUR@012 فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ~~(41) @QUR@06 قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) @QUR@07 قال لهم موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون (43) @QUR@09 فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون (44) @QUR@08 فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ~~(45) @QUR@02 فألقي السحرة PageV17P102 # @QUR@01 ساجدين (46) @QUR@04 قالوا آمنا برب العالمين (47) @QUR@03 رب ~~موسى وهارون (48) @QUR@021 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ~~(49) @QUR@07 قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) @QUR@011 إنا نطمع أن ~~يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ) (51) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لا ضير ): لا ضرر. # ( @QUR@05 لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ): تقطيع الأيدي والأرجل من ~~خلاف : أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، والعكس بالعكس. # ( @QUR@01 يأفكون ): الإفك هو صرف الشيء عن وجهه ، في ما يمثله السحر من ~~تخييل الصورة الزائفة للإيحاء بأنها صورة واقعية. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام وفرعون يتبادلان التحدي # وهكذا كانت إثارة موسى عليه السلام لقضية بني إسرائيل في ما طلبه من فرعون ~~من إرسالهم معه ، مدخلا للدخول في قضية الوحدانية الإلهية. # ( @QUR@05 قال فرعون وما رب العالمين ) إنه يتساءل عن هذه الكلمة الجديدة ~~على سمعه ، فقد كان يعرف أن هناك أكثر من رب تبعا لتعدد البلدان ، فهو رب ~~مصر ، وهناك رب آخر لبلد ms3971 آخر ، أما أن يكون هناك رب واحد للعالمين PageV17P103 # جميعا ، فهذا ما لم يسمع به ولم يخطر له على بال. # وربما كان يحاول أن يشغل الجو من حوله بعلامات الاستفهام التي تحول ~~المسألة إلى جدل بيزنطي يخفف من تأثير موسى عليه ، وذلك بالإيحاء بأن ~~المسألة التي يثيرها موسى عن رب العالمين من خلال دعواه بأنه رسول من قبله ~~، من المسائل المثيرة للجدل ، لإبعاد الوجدان الشعبي العفوي عن الارتباط ~~بها من أقرب طريق ، كما يفعل الكثيرون الذين يعملون على المناقشة في الأمور ~~البديهية ، لتوجيه الأنظار بعيدا عن طبيعة البداهة فيها ، بالإيحاء بأنها ~~قابلة للأخذ والرد. # * * * ### ||| ** مناقشة مع صاحب الميزان # وقد يثير بعض المفسرين المعنى التفسيري الإيحائي في اتجاه آخر ، وهذا ما ~~ذكره صاحب تفسير الميزان ، وذلك من خلال الانطلاق من طريقة الوثنيين في ~~تصور مسألة الألوهية «فهؤلاء يرون أن وجود الأشياء ينتهي إلى موجد واجب ~~الوجود هو واحد لا شريك له في وجوب وجوده ، هو أجل من أن يحده حد في وجوده ~~، وأعظم من أن يحيط به فهم أو يناله إدراك ، ولذلك لا يجوز عبادته ، لأن ~~العبادة نوع توجه إلى المعبود ، والتوجه إدراك. # ولذلك بعينه ، عدلوا عن عبادته والتقرب إليه إلى التقرب إلى أشياء من ~~خلقه ، ذوي وجودات شريفة نورية أو نارية هي مقربة إليه ، فانية فيه ، من ~~الملائكة والجن والقديسين من البشر المتخلصين من ألواث المادة الفانين في ~~اللاهوت الباقين بها ، ومنهم الملوك العظام أو بعضهم عند قدماء الوثنية ، ~~وكان من جملتهم فرعون موسى ، وبالجملة ، كانوا يعبدونهم بعبادة أصنامهم PageV17P104 # ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم ، بمعنى أن يفيضوا إليهم من الخير ~~الذي يفيض عنهم ، كما في الملائكة ، أو لا يصيبوهم بالشر الذي يترشح عنهم ، ~~كما في الجن ، فإن كلا من هؤلاء المعبودين يرجع إليه تدبير أمر من أمور ~~العالم الكلية ، كالحب والبغض والسلم والحرب والرفاهية وغيرها ، أو صقع من ~~أصقاعه ، كالسماء والأرض والإنسان ونحوها. # فهناك أرباب وآلهة يتصرف كل منهم في العالم الذي يرجع إليه تدبيره ، كإله ~~عالم الأرض ، وإله عالم ms3972 السماء ، وهؤلاء هم الملائكة والجن وقديسو البشر ، ~~وإله عالم الآلهة وهو الله سبحانه ، فهو إله الآلهة ورب الأرباب. # إذا عرفت ما ذكرناه ، بان لك أن لا معنى صحيحا لقولنا : رب العالمين ، ~~عند الوثنيين ، نظرا إلى أصولهم ، إذ لو أريد به بعض هذه الموجودات الشريفة ~~الممكنة بأعيانهم ، فهو رب عالم من عوالم الخلقة ، وهو العالم الذي يباشر ~~التصرف فيه كعالم السماء وعالم الأرض مثلا ، ولو أريد الله سبحانه ، فهو رب ~~عالم الأرباب ، وإله عالم الآلهة فقط دون جميع العالمين ، ولو أريد غير ~~الطائفتين من الرب الواجب الوجود ، والأرباب الممكنة الوجود ، فلا مصداق له ~~معقولا. # فقوله : ( @QUR@05 قال فرعون وما رب العالمين ) سؤال منه عن حقيقة رب ~~العالمين ، بيانه أن فرعون كان وثنيا يعبد الأصنام ، وهو مع ذلك يدعي ~~الألوهية. أما عبادته الأصنام فلقوله تعالى : ( @QUR@02 ويذرك وآلهتك ) ~~[الأعراف : 127] ، وأما دعواه الألوهية ، فللآية المذكورة ولقوله تعالى : ( ~~@QUR@04 فقال أنا ربكم الأعلى ) [النازعات : 24]. # ولا منافاة عند الوثنية بين كون الشيء إلها ربا وبين كونه مربوبا لرب آخر ~~، لأن الربوبية هو الاستقلال في تدبير شيء من العالم ، وهو لا ينافي ~~الإمكان والمربوبية لشيء آخر ، وكل رب عندهم مربوب لآخر ، إلا الله PageV17P105 # سبحانه ، فهو رب الأرباب لا رب فوقه ، وإله الآلهة لا إله له. # وكان الملك عند الوثنية ظهورا من اللاهوت في بعض النفوس البشرية بالسلطة ~~ونفوذ الحكم ، فكان يعبد الملوك كما يعبد أرباب الأصنام وكذلك رؤساء البيوت ~~في بيوتهم ، وكان فرعون وثنيا يعبد الآلهة وهو ملك القبط يعبده قومه كسائر ~~الآلهة. # فلما سمع من موسى وهارون قولهما : ( @QUR@04 إنا رسول رب العالمين ) تعجب ~~منه ، إذ لم يعقل له معنى محصلا ، إذ لو أريد به الواجب وهو الله سبحانه ، ~~فهو عنده رب عالم الأرباب دون جميع العالمين ، ولو أريد به بعض الممكنات ~~الشريفة من الآلهة كبعض الملائكة وغيرهم ، فهو أيضا عنده رب عالم من عوالم ~~الخلقة ، دون جميع العالمين فما معنى رب العالمين. ولذلك قال : ( @QUR@03 ~~وما رب العالمين ) فسأل عن حقيقة الموصوف بهذه الصفة ، بما هو موصوف بهذه ~~الصفة ms3973 ، ولم يسأل عن حقيقة الله سبحانه ، فإنه لوثنيته كان معتقدا بوجوده ، ~~مذعنا له ، وهو يرى كسائر الوثنيين ، أنه لا سبيل إلى إدراك حقيقته ، كيف ، ~~وهو أساس مذهبهم الذي يبنون عليه عبادة سائر الآلهة والأرباب كما سمعت» (1). # أما تعليقنا على ذلك فهو : إن هذا التحليل طريف ودقيق ، ولكننا لا نستطيع ~~فهمه من جو الآية ، فليست القضية عنده هي مفهوم رب العالمين ، أو رب عالم ~~الأرباب ، بل الظاهر أن القضية هي طرح مفهوم الإله الشامل للكون كله ~~وللعوالم كلها في مواجهة ربوبية فرعون وأمثاله. ولهذا رأيناه يتهدد موسى ~~بأنه سيتعرض للسجن إذا اتخذ إلها غيره ، كما رأيناه يتحدث مع هامان في قوله ~~تعالى : ( @QUR@026 وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب* ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء ~~عمله وصد عن PageV17P106 # @QUR@01 السبيل ) [غافر : 36 37]، مما يوحي بأنه ينظر إليه كإله منافس ، ~~فهو يثير مسألته من هذا الجانب استغرابا لوجود إله غيره ، أو لطرح عبادة رب ~~سواه في المنطقة التي يسيطر عليها. # ( @QUR@09 قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) فهو الرب ~~المسيطر على الكون كله الذي لا بد من أن يعبده الجميع من موقع عبوديتهم له ~~، وليس لأحد أن يدعي الربوبية لنفسه معه. فإذا كان كل واحد يدير منطقته ، ~~فهل يعقل أن لا يوجد هناك من يخلق الكون وما فيه ويديره؟ فهل وجد الكون ~~صدفة؟ وهل هو ذرة ضائعة في الفراغ؟ أما قوله : ( @QUR@03 إن كنتم موقنين ) ~~فقد يكون إشارة إلى ما قد يختزنونه في داخلهم بأن للسماوات والأرض وما ~~بينهما ربا ، ولكنهم غافلون عنه بالاستغراق في آلهة الأرض ، فأراد أن يقول ~~لهم بأن رب العالمين الذي أدعوكم إلى الإيمان به وإلى عبادته من خلال ~~رسالتي التي أحملها إليكم منه ، هو رب السماوات والأرض وما بينهما ، الذي ~~توقنون به ، فكيف توقنون بهذا وتنكرون ذاك؟! # ويعلق السيد الطباطبائي على هذه الآية في تفسير الميزان فيقول : «وقوله ( ~~@QUR@09 قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ms3974 ) جواب موسى ~~عليه السلام عن سؤاله : ( @QUR@03 وما رب العالمين ) وهو خبر لمبتدأ محذوف ، ~~ومحصل المعنى ، على ما يعطيه المطابقة بين السؤال والجواب : هو ( @QUR@05 ~~رب السماوات والأرض وما بينهما ) التي تدل بوجود التدبير فيها ، وكونه ~~تدبيرا واحدا متصلا مرتبطا ، على أن لها مدبرا ربا واحدا على ما يراه ~~الموقنون السالكون سبيل اليقين من البرهان والوجدان. # وبتعبير آخر : مرادي بالعالمين السماوات والأرض وما بينهما التي تدل ~~بالتدبير الواحد الذي فيها على أن لها ربا مدبرا واحدا ، ومرادي برب ~~العالمين ، ذلك الرب الواحد الذي تدل عليه ، وهذه دلالة يقينية يجدها أهل ~~اليقين الذين PageV17P107 # يتعاطون البرهان والوجدان. # فإن قلت : لم يطلب فرعون من موسى عليه السلام إلا أن يعرفه ما هذا الذي ~~يسميه رب العالمين؟ وما حقيقته؟ لكونه غير معقول عنده ، فلم يسأل إلا ~~التصور ، فما معنى قوله : ( @QUR@03 إن كنتم موقنين )؟ واليقين علم تصديقي ~~لا توقف للتصور عليه أصلا. # على أنه عليه السلام لم يأت في جواب فرعون بشيء ، غير أنه وضع لفظ ~~السماوات والأرض وما بينهما موضع لفظ العالمين ، فكان تفسيرا للفظ الجمع ~~بأسماء آحاده كتفسير الرجال بزيد وعمرو ، فلم يفد بالآخرة إلا التصور الأول ~~ولا تأثير لليقين في ذلك. # قلت : كون فرعون يسأله أن يصور له ( @QUR@02 رب العالمين ) تصويرا مسلم ، ~~لا شك فيه ، لكن موسى بدل القول بوضع ( @QUR@04 السماوات والأرض وما بينهما ~~) مكان العالمين ، وهو يدل على ارتباط بعض الأجزاء ببعض ، والاتصال بينها ~~بحيث يؤدي إلى وحدة التدبير الواقع فيها ، والنظام الجاري عليها ، ثم قيده ~~بقوله : ( @QUR@03 إن كنتم موقنين ) ليدل على أن أهل اليقين يصدقون من ذلك ~~بوجود مدبر واحد لجميع العالمين. فكأنه قيل له : ما تريد برب العالمين؟ ~~فقال : أريد به ما يريده أهل اليقين إذ يستدلون بارتباط التدبير واتصاله في ~~عوالم السماوات والأرض وما بينهما ، على أن لجميع هذه العوالم مدبرا واحدا ~~، وربا لا شريك له في ربوبيته لها ، وإذ كانوا يصدقون بوجود رب واحد ~~للعالمين ، فهم يتصورونه بوجه تصورا إذ لا معنى للتصديق بلا تصور» (1). # ولكن هذا الذي ذكره ms3975 المفسر الجليل لا يوحي به اللفظ ( @QUR@03 إن كنتم ~~موقنين ) لأن المسألة المطروحة ليست الاستدلال على أن للسماوات والأرض وما ~~بينهما ربا من موقع طبيعة الموضوع ، بل المطروح فيما بينهم PageV17P108 # هو تطبيق فكرة مخزونة في داخل عقولهم على الفكرة التي يطرحها عليهم ~~لإخراجهم من الاستغراب ، بتذكيرهم بما يؤمنون به وإخراجهم من أجواء الغفلة ~~عنه ، من دون الدخول في جدل حوله ، بإثارة علاقة الحاجة إلى المدبر ~~بالإيمان به ، والله العالم. # ( @QUR@05 قال لمن حوله ألا تستمعون ) إلى ما يقوله موسى عليه السلام عن ~~رب العالمين ، رب السماوات والأرض وما بينهما مما لم نسمعه ولم نألفه في ~~عقائدنا وأوضاعنا العامة والخاصة؟ فكأنه يريد أن يثير فيهم الاستنكار ~~الشديد نحوه ليهزم دعوته بأساليب الإثارة ضده. # ولكن موسى لم يأبه لذلك كله ، بل بقي مستمرا في دعوته في مواجهة التحدي ~~بالتحدي ليجعل الصفة الإلهية في ربوبيته مرتبطة بهم في وجودهم الذاتي في ~~الحاضر ، وفي وجود آبائهم في الماضي. # ( @QUR@05 قال ربكم ورب آبائكم الأولين ) فكيف تجهلون خالقكم وخالق ~~آبائكم الذي تستمدون وجودكم من خلال إرادته ، أو كيف تتجاهلونه؟ # ( @QUR@07 قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) فهو يهذي بكلام غير ~~مفهوم ، ولكن موسى يتابع كلامه في الإصرار على ذلك بأساليب متنوعة من دون ~~تقدير للنتائج السلبية المتعلقة به في حاضره ومستقبله ، ( @QUR@09 قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) هل تتطلعون جيدا إلى الشمس عند ~~ما تشرق في الكون في جهة معينة منه فتكشف لكم جانبا كبيرا منه يسمى بالمشرق ~~، وعند ما تغرب في جهة أخرى فتكشف جانبا آخر يسمى بالمغرب ، ألا يثير ذلك ~~فيكم الشعور بأن هناك قوة تحرك ذلك كله في حركة النور والظلام؟ لما ذا لا ~~تفكرون بعقولكم لتلتقي بالحقيقة الإلهية المطلقة في الكون ، لتعرفوا أن رب ~~العالمين الذي أدعوكم إلى عبادته في ما أحمله من رسالته هو رب السماوات ~~والأرض وما بينهما ، وهو رب المشرق والمغرب وما بينهما ، وأن تنوع الأسماء يشير PageV17P109 # إلى تلك الحقيقة الواحدة التي تشرق على الكون كله وتدبره بكل ms3976 ظواهره ~~ومفرداته؟ # إنها كلمات الإصرار على الموقف ، المنفتحة على نوافذ العقل والوجدان ~~واليقين التي توحي بالقوة الرسالية في الموقع الثابت الذي يقف فيه موسى في ~~وجه التحدي الكافر الذي يمثله فرعون وقومه. # * * * ### ||| ** فرعون يلجأ إلى التهديد بعد سقوط حجته # ولم يستطع فرعون أن يتمالك نفسه ، فقد خاف أن يظهر عجزه لقومه ، لو استمر ~~بهذا الأسلوب المتحرك مع علامات الاستفهام ، ومواقف الاحتجاج والاستنكار ، ~~فالتجأ إلى أسلوب الأقوياء الضعفاء عند ما يريدون أن يغطوا ضعف مواقفهم ~~الداخلية بمظاهر القوة الخارجية الاستعراضية ، وذلك بإطلاق كلمات التهديد ~~بالسجن. ( @QUR@08 قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) فليست ~~لك حرية اختيار الإله الذي تعبده ، لأن اختيار عبادة غيري في الأرض التي ~~أملكها وأستبعد أهلها وأشرف عليها من موقع الربوبية العليا ، تسيء إلى نظام ~~المجتمع كله في قضية العبادة والطاعة والانقياد ، ولذا فإن الحرية الفردية ~~التي تتيح لك أن تقول ما تريد أو تفعل ما تشاء ، تخضع لقيود النظام العام ~~للأمة كلها ، فتسيء إلى الناس كلهم ، فمن حق الرب الذي يدبر أمور عباده أن ~~يمنع الذين يسيئون للنظام ، ويعرضون السلامة العامة للخطر ، فلا بد لك من ~~أن تتراجع عن دعوتك وعن التزامك وتبدل مواقفك بالرجوع إلى عبادتي والاعتراف ~~بألوهيتي ، وإلا فمصيرك السجن الذي يتيح لك فرصة الاصطدام بالحقيقة ، في ~~لحظات الهدوء التي تمنحك التفكير الواقعي في الأمور ، بعيدا PageV17P110 # عن الخيالات اللاواقعية في قضايا الكون والحياة. # ولكن موسى لم يستسلم للتهديد ، فقد كانت رساليته تفرض عليه التنقل من جو ~~إلى جو ، بطريقة ذكية ، تجعل الجميع مشدودين إلى آفاق الرسالة. فإذا كان ~~فرعون يهدده بالسجن ، فإنه يطرح عليه الآيات البينات المنطلقة من عالم ~~الغيب الدالة على ارتباطه بقوة الله ، مما لا يستطيعه أي بشر مهما كانت ~~قوته ، ليكون ذلك حركة متقدمة في التحدي بالقوة أمام التهديد بالسجن من ~~موقع القوة الفرعونية. # ( @QUR@05 قال أولو جئتك بشيء مبين ) يوضح لك الحقيقة ، ويدلك على صدق ~~الدعوى ، فلا تبقى القضية بيننا قضية علامات استفهام تبحث عن أجوبة ، بل ~~تتحول إلى حركة الحقيقة ms3977 التي تفرض نفسها على العقل والشعور والواقع في صدمة ~~حاسمة لا تترك مجالا للجدل؟ فهل تبقى على أسلوب التهديد والوعيد إن جئتك ~~بذلك المعجز الخارق؟ # ( @QUR@07 قال فأت به إن كنت من الصادقين ) قالها وهو يشك في قدرته على ~~ذلك ، مع قلقه في إمكانية ذلك ، ولكنه لا يستطيع أمام الملأ من حوله ، إلا ~~أن يستجيب للطلب المتحدي لئلا يسجلوا عليه بذلك نقطة ضعف. # ( @QUR@06 فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) وكانت هذه الآية الأولى التي ~~أثارت الرعب والفزع في نفس فرعون ، لما تمثله من الخطورة والقوة غير ~~العادية ، ( @QUR@06 ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ) وقد كانت موضوعة في ~~جيبه فأخرجها منه ، وهذه هي الآية الثانية التي أثارت الدهشة في عيون ~~الحاضرين. # ( @QUR@07 قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ) فقد أسقط ما في يده ، ولم ~~تعد له أية حجة يجابه بها موقف موسى القوي ، فلم يكن ينتظر أن يكون الرد ~~بهذه الطريقة ، بل كان ينتظر جدلا ومناقشة واستغراقا في التفاصيل التي ~~يستطيع فرعون معها أن يلعب على الألفاظ ويستثير المشاعر ، لذا لم يبق لديه إلا PageV17P111 # عنصر التهويل والإثارة ومواجهة المسألة على أنها حالة سحر ، لأنها تشبه ~~ألا عيب السحرة ، لتكون شخصية موسى في نظرهم شخصية الساحر لا شخصية الرسول ~~، وبذلك يأخذ حجمه المحدود في نظرهم ، فلا يترك أي أثر إيجابي على مستوى ~~القداسة الروحية من خلال الرسالة مما قد يؤثر سلبا على علاقة الناس بفرعون. # ثم حاول أن يثير هؤلاء الجالسين حوله ، من خلال خطورة الخطة التي تستهدف ~~إخراجهم من أرضهم بالسيطرة عليها بواسطة سحره الذي يتميز بقدرات غير مألوفة ~~، الأمر الذي يفرض التفكير في الأمر بطريقة جدية توحي بالاهتمام في مستوى ~~الخطر ، وهذا ما توحي به الآية التالية : ( @QUR@09 يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره فما ذا تأمرون ) وتشيرون به علي ، حتى نتفق على الخطة المضادة ~~التي تهزم خطته وتبطل سحره؟ ولعل في التعبير بالأمر الصادر منهم إليه ، ~~نوعا من الإيحاء بالتنازل الذي يستهدف الوصول الذي تأييدهم بشكل يستوعب ~~ذواتهم ، في ما يرفع ms3978 منزلتهم عنده. # ( @QUR@011 قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين* يأتوك بكل سحار ~~عليم ) فإن السحر لا يبطله إلا السحر ، وإذا كان موسى ينطلق من خلال شخصية ~~الساحر في موقعه ، فهناك أكثر من ساحر لدينا ممن يملك علم السحر بالمستوى ~~الرفيع ، فلنمهل موسى وأخاه مدة من الزمن من دون اتخاذ أي إجراء سلبي ~~بحقهما حتى نستطيع إبطال سحرهما لئلا يتأثر الناس بهما ، ولنجمع كل ما ~~نستطيع جمعه من هؤلاء السحرة ثم نتصرف بما نراه بعد ذلك. # وهكذا كان ، ( @QUR@05 فجمع السحرة لميقات يوم معلوم ) وهو يوم الزينة ، ~~كما تقدم في سورة طه ، ( @QUR@05 وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ) في اجتماع ~~جماهيري حاشد ، ( @QUR@07 لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ) حيث ~~يظهر بطلان دعوة موسى ، فيتأكد الخط الفرعوني الذي يلزمه السحرة في دينهم ، ~~فيزداد رسوخا في التزام الناس PageV17P112 # خلال قوته وأصالته. # ( @QUR@012 فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين ) لنعرف أن جهدنا لن يكون جهدا ضائعا ، ولنتصرف من موقع المهنة ~~التي تريد أن تؤكد ذاتها في الربح الكبير ، مما يزيد الجهد حماسا وقوة ، ( ~~@QUR@06 قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ) فلن تقتصر المسألة على الأجر ~~المادي ، بل سيتبع ذلك الأجر المعنوي ، وهو القرب إلى مواقع الحظوة والسلطة ~~من فرعون ، لأنهم استطاعوا أن ينقذوا الملك من عوامل الاهتزاز الذي قد يهدد ~~أساسه ، ويسقط قوته. # ( @QUR@016 قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون* فألقوا حبالهم وعصيهم ~~وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ) وهكذا أطلق موسى التحدي ليوحي إليهم ~~بقوة موقفه وثقته بأن النتيجة الأخيرة ستكون لصالحه ، فليلقوا كل ما لديهم ~~من وسائل السحر. واندفعوا في عملية إيحائية بالدور الموكل إليهم في الدعاية ~~لربوبية فرعون ، وللتأكيد في وعي الجماهير أن قوته السحرية الخارقة هي التي ~~تجلب الحظ ، وهي التي تحقق الغلبة لأتباعه ، تماما كما يفعل العبيد مع ~~أربابهم. وهكذا كانوا مستغرقين في أحلام القوة الذاتية من خلال ما يملكونه ~~من عناصر الفن السحري ، وتمنيات الربح الوفير على المستوى المادي والمعنوي ~~من خلال وعود فرعون لهم ms3979 بالجائزة وبالقرب منه. وهنا كانت المفاجأة التي ~~قلبت الأمور رأسا على عقب ، وأسقطت كل حساباتهم ، وهزمت كل قواعد السحر ~~عنده ، لأن ما يرونه ليس سحرا ، ولكنه غيب من الغيب الذي لا يملكه إلا الله ~~( @QUR@08 فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ) استطاعت العصا التي ~~تحولت إلى ثعبان عظيم بقدرة الله أن تبتلع كل تلك الحبال والعصي ، بطريقة ~~غامضة لا يملكون لها تفسيرا في ما يعرفونه من قواعد السحر. # ( @QUR@010 فألقي السحرة ساجدين* قالوا آمنا برب العالمين* رب موسى ~~وهارون ) فقد رأوا عظمة الله في عظمة المعجزة ولم يروا فيها شخصية موسى في ~~قدراتها PageV17P113 # الذاتية ، لأنهم يعلمون من خلال اختصاصهم ، أنه لا يملك علم ذلك ولا ~~القدرة عليه ، ولهذا رأوا فيه الرسالة المنطلقة من الله الذي كان يصفه موسى ~~بأنه رب العالمين ، الذي عرفوه من خلال المعجزة فآمنوا به من خلال الرسالة ~~التي يمثلها موسى وهارون. # ( @QUR@07 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ) فقد اعتاد أن يضغط على تفكير ~~الناس في ما يؤمنون به أو يكفرون ، وما يتحركون فيه من مواقف ومشاريع ، فلا ~~بد من أن يستشيروه في مسألة الإيمان ليأخذ النتائج بما واجهه من موقف موسى ~~، فليس لهم أن يأخذوا موقفا حاسما قبله ، ولهذا فإنه لا يفهم أن من الحق ~~لأتباعه أن يكون لهم فكر مستقل وإرادة مستقلة في وعي الأشياء التي تحدث في ~~حياتهم ، أو يواجهون بها القضايا التي تتحداهم. ولهذا لم يحاول أن يفهم ~~المسألة في اتجاه القناعة الذاتية في موقف الإيمان ، بل حاول أن يفسره ~~بالتامر عليه ، في ما يفرضه من علاقة خفية بينهم وبين موسى ، لتكون القضية ~~تمثيلية في غلبة موسى عليهم ، لا حقيقية لتوحي بما أوحت به إليه ، وهكذا ~~أطلق التهمة الصارخة في وجوههم ، ليخرج من خلالها من مأزقه المحرج. # ( @QUR@014 قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون ) كيف أعاقبكم على هذه المؤامرة الخطيرة التي تعرضون فيها ~~كيان الملك للخطر ، ( @QUR@05 لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ) وذلك بأن ~~تقطع اليد ms3980 اليمنى مع الرجل اليسرى أو بالعكس ، ( @QUR@02 ولأصلبنكم أجمعين ~~) لتموتوا موثوقين مرتبطين بالحبال على الصليب. # ولكن ذلك لم يهزم إيمانهم ولم يضعف موقفهم ، بل واجهوه بصلابة في الإرادة ~~واستهانة بتهديده ، وارتفاع بالموقف إلى المستوى الرفيع في آفاق الله ( ~~@QUR@07 قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ) فلن يضرنا تهديدك وعذابك ، ~~لأننا سننتقل منه إلى الدار الآخرة التي يشملنا فيها ربنا برحمته ، ( ~~@QUR@07 إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ) PageV17P114 # التي أخطأناها عند ما آمنا بك وعملنا بخدمتك ، وكنا أعوانا لك على إضلال ~~الناس ، والإيحاء لهم بأنك صاحب القوة التي لا تقهر وبأن قوتنا مستمدة من ~~قوتك ، وأن انتصاراتنا خاضعة لبركة عزتك وقداستك. إننا نبتهل إليه ونخضع له ~~ونخشع بين يديه ليغفر لنا خطايانا ، لأننا أحسنا العمل وأخلصنا التوبة ، ~~وأعلنا الندم بصوت عال في الموقع الذي كنا نعلن فيه الإصرار من قبل. ونحن ~~نطمع أن يستجيب لنا انطلاقا من ( @QUR@04 أن كنا أول المؤمنين ) بربوبيته ~~ووحدانيته وبالكفر بك يا فرعون وبأضاليلك. # * * * PageV17P115 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) @QUR@05 ~~فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) @QUR@04 إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) ~~@QUR@03 وإنهم لنا لغائظون (55) @QUR@03 وإنا لجميع حاذرون (56) @QUR@04 ~~فأخرجناهم من جنات وعيون (57) @QUR@03 وكنوز ومقام كريم (58) @QUR@04 كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل (59) @QUR@02 فأتبعوهم مشرقين (60) @QUR@08 فلما ~~تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) @QUR@06 قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين (62) @QUR@013 فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل ~~فرق كالطود العظيم (63) @QUR@03 وأزلفنا ثم الآخرين (64) @QUR@05 وأنجينا ~~موسى ومن معه أجمعين (65) @QUR@03 ثم أغرقنا الآخرين (66) @QUR@08 إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (68) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أسر ): سرى : سار ليلا. # ( @QUR@01 لشرذمة ): الشرذمة : الطائفة القليلة من الناس. # ( @QUR@01 لغائظون ): غائظون : جمع غائظ ، يقال : غاظه واغتاظه وغيظه إذا PageV17P116 # غضبه. # ( @QUR@01 حاذرون ): جمع حاذر ، وهو المحترز المتيقظ ، وقال الطبرسي : ~~الحاذر الفاعل للحذر ، والحذر المطبوع على الحذر (1). # ( @QUR@01 مشرقين ): مشرقين : داخلين في وقت شروق الشمس. # ( @QUR@01 تراءا ): تراءى الجمعان : تقابلا ورأى كل منهما صاحبه. # ( @QUR@01 فرق ): بكسر الفاء : الجزء. # ( @QUR@01 كالطود ): الطود : الجبل. # ( @QUR@01 وأزلفنا ): قربنا. # * * * ### ||| ** هلاك فرعون وانتصار موسى عليه ms3981 السلام # وجاءت نهاية المطاف .. فقد قرر فرعون بعد هذا العناء الطويل في صراعه مع ~~موسى أن يستعمل القوة القاهرة المسلحة للقضاء على موسى وأتباعه ليحفظ هيبة ~~موقعه الإلهي وقوة ملكه. وبدأ يعد العدة لذلك ، وأوحى الله إلى موسى بالأمر ~~ليأخذ له عدته. # ( @QUR@06 وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ) من بني إسرائيل ، فتحرك ~~بالليل لتغطي انسحابك ، لتخرج بني إسرائيل معك من دون استشارة فرعون ، لأنك ~~في موقع القوة لا الضعف الذي يضطرك إلى أخذ موافقته. ولكن ذلك لن يخفف من ~~طبيعة المجابهة المسلحة التي قرر فرعون مواجهتك بها ( @QUR@02 إنكم متبعون ) PageV17P117 # ومطاردون وذلك من خلال المجموع الغفيرة التي دعاها للقيام بتلك المهمة ضدكم. # ( @QUR@05 فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ) يجمع الناس ويحشرهم إليه ، ~~ليثيرهم ضد موسى وقومه بطريقة إعلانية مضللة ( @QUR@04 إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون ) فلن يكلفنا القضاء عليهم جهدا كبيرا ، ولا مدة طويلة ، لأنهم ~~جماعة قليلة لا تمثل أية قوة في العدد والعدة والموقع. ( @QUR@03 وإنهم لنا ~~لغائظون ) يأتون بالأعمال والمواقف التي تجلب لنا الغيظ ، بما تثيره من ~~النتائج السيئة على مستوى قضايا العقيدة والعمل ، ( @QUR@03 وإنا لجميع ~~حاذرون ) نؤكد الحذر الذي يفرض علينا متابعة التحديات في مواقعها الكبيرة ~~والصغيرة ، لنهزمها وندمر كل مواقع قوتها قبل أن تطبق علينا بالخطة ~~الموضوعة المرسومة التي يعمل أصحابها على اغتيالنا وتدمير مصالحنا بطريقة ~~وبأخرى. # ( @QUR@07 فأخرجناهم من جنات وعيون* وكنوز ومقام كريم ) في خروجهم الذي ~~أرادوا من خلاله ملاحقة موسى وقومه ، فكانت النتيجة أنهم خرجوا من كل ملكهم ~~وفارقوا كل تلك الجنات والعيون والكنوز الكثيرة الغنية والسلطة الواسعة ، ~~فلم يرجعوا إليها ( @QUR@04 كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) فأبقيناهم بعدهم ~~وكانوا هم الوارثين لذلك كله. ( @QUR@02 فأتبعوهم مشرقين ) أي في وقت شروق ~~الشمس ليلا حقوهم في الضوء ، وكانوا قد قطعوا مرحلة كبيرة في سيرهم بالليل ~~، ( @QUR@03 فلما تراءا الجمعان ) ودنا بعضهم من بعض ، وأبصر بعضهم بعضا ، ~~( @QUR@03 قال أصحاب موسى ) الذين عاشوا القهر والاستعباد من فرعون حتى ~~تأصل الخوف في نفوسهم ، وتعمق الرعب منه في قلوبهم ، ففقدوا الثقة بأنفسهم ~~، وابتعدوا عن التفكير في قوة الله ms3982 من فوقهم ، ( @QUR@02 إنا لمدركون ) ~~فسيدركنا فرعون بجنوده وسيقبضون علينا ويقتلوننا أو يرجعوننا إلى العبودية ~~من جديد. # ( @QUR@02 قال كلا ) فلن يستطيعوا اللحاق بنا مهما حاولوا ، لأن القضية ~~ليست في PageV17P118 # مستوى القضايا العادية التي ترتكز على القدرة البشرية ، بل هي في مستوى ~~التدبير الإلهي الذي لا يخضع للأمور المألوفة في قوانين الطبيعة ( @QUR@04 ~~إن معي ربي سيهدين ) فهو الحافظ لي من الأعداء وهو الناصر لي عليهم ، في ما ~~وعدني به في بداية الرسالة. ولذلك فإني واثق بأنه سيدلني إلى الطريق الآمن ~~الذي لن يستطيعوا اللحاق بي من خلاله. # ( @QUR@08 فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) وانشق ، ( ~~@QUR@03 فكان كل فرق ) أي قطعة منفصلة من الماء ( @QUR@02 كالطود العظيم ) ~~أي كالجبل العظيم. وهكذا دخل موسى في قلب البحر ، ولكن في أرض يابسة يحيط ~~بها الماء من كل جهة. # ( @QUR@03 وأزلفنا ثم الآخرين ) وهم فرعون وجنوده وقربناهم إلى المنطقة ~~التي سار فيها موسى وقومه حتى يشعروا بالأمن في ملاحقتهم لهم ( @QUR@05 ~~وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ) فأخرجناهم من البحر إلى البر ( @QUR@03 ثم ~~أغرقنا الآخرين ) فقد انطبق البحر عليهم بعد خروج موسى وقومه. # ( @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) فقد رفضوا كل ما قدمه ~~لهم موسى من آيات وبينات ، من دون أن يملكوا أي أساس للرفض. فكان جزاؤهم ~~العقاب في الدنيا والآخرة. وعلى الأمم اللاحقة لهم أن تتفهم هذا الدرس في ~~ما تواجهه من دعوات الأنبياء ، فتعرف كيف يأخذ الله المتمردين أخذ عزيز ~~مقتدر ، ( @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) فلا يستطيع أحد أن ينتقص من ~~عزته ، كما أن رحمته تتسع لكل خلقه. # * * * PageV17P119 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) @QUR@06 إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون (70) @QUR@06 قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) @QUR@05 قال ~~هل يسمعونكم إذ تدعون (72) @QUR@04 أو ينفعونكم أو يضرون (73) @QUR@06 ~~قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) @QUR@05 قال أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون (75) @QUR@03 أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) @QUR@06 فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين (77) @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين (78) @QUR@04 والذي هو ~~يطعمني ويسقين (79) @QUR@04 وإذا مرضت فهو يشفين (80) @QUR@04 والذي يميتني ~~ثم يحيين (81) @QUR@08 والذي أطمع أن ms3983 يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) ~~@QUR@06 رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) @QUR@06 واجعل لي لسان صدق ~~في الآخرين (84) @QUR@05 واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) @QUR@06 واغفر ~~لأبي إنه كان من الضالين (86) @QUR@04 ولا تخزني يوم يبعثون (87) @QUR@06 ~~يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم (89) ~~@QUR@03 وأزلفت الجنة للمتقين (90) @QUR@03 وبرزت الجحيم للغاوين (91) ~~@QUR@06 وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) @QUR@07 من دون الله هل ينصرونكم ~~أو ينتصرون (93) @QUR@04 فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) @QUR@03 وجنود ~~إبليس أجمعون (95) @QUR@04 قالوا وهم فيها يختصمون (96) @QUR@06 تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين (97) @QUR@04 إذ نسويكم برب العالمين (98) @QUR@04 وما ~~أضلنا إلا المجرمون (99) @QUR@04 فما لنا من شافعين (100) @QUR@03 ولا صديق ~~حميم (101) @QUR@07 فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) @QUR@04 إن في ~~ذلك لآية PageV17P120 # @QUR@04 وما كان أكثرهم مؤمنين (103) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~) (104) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عاكفين ): العكوف : الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل ~~التعظيم. # ( @QUR@01 وأزلفت ): قربت. # ( @QUR@01 وبرزت ): من التبريز وهو الإظهار. # ( @QUR@01 للغاوين ): جمع غاو وهو من ضل عن طريق الهداية والحق. # ( @QUR@01 فكبكبوا ): تكرار لكب ، ومعناه الطرح والإلقاء. # ( @QUR@01 نسويكم ): نجعلكم سواء معه. # ( @QUR@01 حميم ): خالص الود. # * * * ### ||| ** إبراهيم يتحدى قومه # وتعود لنا قصة إبراهيم بصورة جديدة ، لتوحي لكل جيل ، لا سيما جيل الدعوة ~~الأول ، كيف كان النبي إبراهيم في بدايات عمره في الموقع القوي الصلب ~~المنفتح على حقائق العقيدة في توحيد الله ، أمام السلوك المنحرف الذي كان ~~يتحرك به قومه وأبوه في عبادة الأصنام ، ليناقش المسألة معهم بالطريقة التي ~~تفضح جهلهم وتخلفهم في فهم الخط التوحيدي، وكيف كان يملك الشجاعة والجرأة ~~الفائقة في مواجهة المجتمع كله من دون خوف ولا وجل. # * * * PageV17P121 ### ||| ** اتل عليهم نبأ إبراهيم # ( @QUR@04 واتل عليهم نبأ إبراهيم ) فإن تلاوة مثل هذا الحديث قد يترك ~~تأثيره الكبير على ذهنيتهم الإشراكية ، فيغيرون عقلية الشرك إلى عقلية ~~توحيدية ، لما يملكه إبراهيم من احترام وتقدير عندهم ، باعتبار انتسابهم ~~إليه ، ولما يتمثل في الحديث من لمعات فكرية ، وإشراقات وحدانية ، تضيء لهم ~~طريق التوحيد في حركة العقيدة ، ( @QUR@06 إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ) ~~في حوار جماعي معهم جميعا ، أو في حوارين منفصلين ، مع أبيه تارة ms3984 ، ومع ~~قومه أخرى ، فيكون الجمع بينهما من قبيل الإيجاز. فقد بدأ السؤال بطريقة ~~ساذجة تثير علامات الاستفهام في الموقع الذي يملك فيه الجواب البسيط عن كل ~~الأسئلة ، ولكنه يريد استنطاق هؤلاء عن الحقيقة المعروفة لديه ، لتسجل ~~عليهم اعترافا بالعقلية الصنمية ، ليكون ذلك مدخلا للحوار على أكثر من صعيد. # وربما احتمل البعض ، أن هذه المحاجة كانت من إبراهيم أول ما خرج من كهفه ~~ودخل في مجتمع أبيه وقومه ، ولم يكن شهد شيئا من ذلك قبل اليوم ، فحاجهم عن ~~فطرة ساذجة طاهرة. # ( @QUR@06 قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ) لأننا نرى أنها تختزن في ~~داخلها أسرارا مقدسة توحي بالعبادة التي تقربنا إلى الله زلفى ، أو إلى ~~الملائكة أو الجن أو الكواكب وغيرها ، مما لا يحيطون بكنهه ، ولا يملكون ~~الاتصال به بشكل مباشر. # ( @QUR@09 قال هل يسمعونكم إذ تدعون* أو ينفعونكم أو يضرون ) ليكون هذا ~~أساسا للعبادة من خلال القوى الخفية المخزونة فيها حيث تحتوي إمكانات النفع ~~والضرر ، ليكون في ذلك استجلاب للنفع أو دفع للضرر ، فهل يملك هؤلاء ذلك لكم؟ # ( @QUR@06 قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) فلم تكن العبادة ناشئة من ~~حالة عقلانية PageV17P122 # واعية مرتكزة على الدراسة والتأمل والتحليل ، بل هي ناشئة من إرث الآباء ~~والأجداد الذي تركوه لنا ، هذا الإرث الذي يحوي عقائد وشرائع وعادات ~~وتقاليد وأوضاعا وعلاقات خاصة أو عامة ، نشعر بضرورة المحافظة عليه بشكل ~~مقدس لقداسة ذكراهم عندنا ، فلا نحتقر شيئا احترموه ، ولا نحترم شيئا ~~احتقروه ، لأن ذلك وحده يعبر عن الوفاء لهم ، ويجعل لنا تواصلا وامتدادا ~~طبيعيا معهم في كل أمورهم. # * * * ### ||| ** إبراهيم يعلن العداوة للأصنام # ( @QUR@014 قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون* أنتم وآباؤكم الأقدمون* فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين ) من الموقع العقيدي الملتزم بالإيمان بالله ، ~~كعقيدة وعبادة ومنهج للحياة .. الذي يتنافى مع كل اتجاه آخر ، بحيث تتحول ~~الساحة إلى صراع مرير بين الاتجاهين ، لينسحب أحدهما لمصلحة الآخر ، بكل ~~الوسائل الممكنة ، بالرفق تارة ، وبالعنف أخرى. ولذا فإن موقفي هو موقف ~~العدو الذي يتحدى الأصنام ويرفضها ويعمل على تدميرها وإبعادها عن ذهنية ms3985 ~~الناس وحياتهم ، حتى لا تترك أي تأثير على الفكر والممارسة معا من دون ~~ملاحظة لأية مسألة عاطفية ذات صلة بالقرابة ، كما تدرجون عليه في ربط ~~الجانب العقيدي بالجانب العاطفي في التزامكم بعقائد الآباء من موقع الإخلاص ~~لهم ، فإن ذلك لا يربطني بشيء ، ولهذا فإنني لا أشعر بمسألة النسب ، كحالة ~~عاطفية عند ما تقف أمام مسألة العقيدة ، مما يجعلني أتحدث عنهم بصفة أنهم ~~آباؤكم ، مع أنهم آبائي أيضا (1). PageV17P123 # وعلى ضوء هذا ، فإننا نستطيع استيحاء القاعدة في اعتبار التضاد في ~~العقيدة أساسا للعداوة القلبية والفكرية والعملية ضد رموز الكفر والضلال ~~ومقدساتها ، في ما تمثله العقيدة من قاعدة مصيرية على مستوى واقع الإنسان ~~والحياة ، مما يجعل لها علاقة ووثيقة بكل القضايا المتصلة بهذا الجانب في ~~الموقع الصميم. فإذا كان الناس يضمرون العداوة للأشخاص الذين يصطدمون ~~بمصلحة قريب أو نسيب أو وطن أو سياسة ، فإن من الطبيعي أن توجه مشاعر ~~الإحساس بالعداوة للذين يرفضون الله ، أو يشركون به أو يحاربون دينه ~~وشريعته ، أو يضطهدون أولياءه بطريق أولى ، لأن ذلك أكثر أهمية في حساب ~~المصير. # ولكن ليس معنى العداوة التعسف والفوضى ، بل معناها الرفض والمواجهة التي ~~تتحرك بحسابات دقيقة قد يمكن بعضها في داخل النفس ، وقد تخرج في بعضها ~~الآخر إلى دائرة العلن ، تبعا للمصلحة العليا لقضية الإيمان ، مما يجعل ~~المسألة تدخل في دائرة الحركية في الأسلوب ، بينما يبقى لها عمقها الحاسم ، ~~المتمثل بالمبدأ. # وهكذا أعلن إبراهيم العداوة بشكل حاسم ليحدد الخطوط الفاصلة بين موقفه ~~وموقفهم ، فيكون فريقا مميزا في الساحة ، في نظرته إلى الآخرين ، وفي ~~نظرتهم إليه ، لتبدأ ساحة الصراع المريرة التي تثير علامات الاستفهام لدى ~~الناس حول القضايا التي يدور حولها الصراع ، ولتبدأ عملية الاختيار من ذلك ~~الموقع. # * * * PageV17P124 ### ||| ** كيف نستوحي الموقف؟ # وهذا ما قد نستوحيه في كثير من المواقف المتصلة بالمبدأ في خطوط التمايز ~~الواقعي للأشياء ، فقد لا يجوز إغفال القاعدة التي ترتكز عليها المواقف ~~التفصيلية ، وإبعادها عن الإعلان ، بحجة أن ذلك قد يثير الحساسيات ، ~~والمشاعر المتوترة ، مما قد يوحي بضرورة الهروب إلى ms3986 عناوين وشعارات أخرى .. ~~تحجب الحقيقة عن الناس. # إننا نعتقد أن مسألة الهوية العقيدية لا بد من أن تعلن ، ليكون التوافق ~~والتخالف من خلالها ، وليعترف بها الناس من موقعها الفكري والسياسي ، ~~لتتحرك التفاصيل من ذلك الموقع. فذلك هو السبيل لتحقيق التوازن في الحركة ، ~~لأن المشاعر المتوترة التي يثيرها الإعلان الحاسم سوف تتبخر وتهدأ ، لتفسح ~~المجال للأمر الواقع أن يفرض نفسه. # * * * ### ||| ** إبراهيم يعلن التزامه برب العالمين # ( @QUR@03 إلا رب العالمين ) قيل : إنه استثناء منقطع ، لعدم دخوله في ~~المستثنى منه ، لأنه ليس ممن يعبدونه ، فيكون المعنى : إنهم عدو لي ، لكن ~~رب العالمين ليس كذلك ، فإنه الرب الذي أعبده وأخلص له لأنه يملك مني ما لا ~~يملكه أحد ، وينعم علي بما لم ينعم به أحد علي. # ( @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين ) فهو الذي أعطاني سر الحياة بكل عمقها ~~وحركتها وتفاصيلها ، فلم يكن الخلق وجودا ضائعا في الفراغ ، بل كان نظاما ~~شاملا للحياة ، في كل حركة الهداية التي يهتدي بها الوجود إلى طعامه وشرابه ~~وجميع أوضاعه في حياته الخاصة والعامة ، حتى حركة الفكر عند ما يفكر ، PageV17P125 # والقلب عند ما ينبض ، والإحساس عند ما يرتبط بما حوله ، حتى ذلك كان في ~~نطاق نظام الهداية الذي أعده الله في تكوين الإنسان بطريقة واعية تتغذى ~~بعفوية الحياة في الجسم ، وحركة الإرادة في العقل والشعور. # ( @QUR@04 والذي هو يطعمني ويسقين ) في ما أعده لي من مواقع الطعام ~~والشراب في الأرض التي أعيش عليها مما يتفجر منها من الماء ، أو يهطل عليها ~~، أو ينبت فيها من النبات أو يتحرك فيها من الحيوان ، وما هيأه من وسائل ~~اكتشافها وتحريكها وترتيبها بالأسلوب الذي يحس فيه الإنسان بأن الله هو ~~الذي يطعمه ويسقيه .. بشكل غير مباشر. # ( @QUR@04 وإذا مرضت فهو يشفين ) فهو الذي يلهم الطبيب الذي يكتشف نوع ~~المرض ، ونوع الدواء ، أو يلهم المريض كيف يتصرف بطريقة وبأخرى ليكتشف ~~العلاج بنفسه من حيث يدري ولا يدري ، أو يحرك الصحة في جسده بطريقة غير ~~عادية. وفي هذا لفتة إيحائية إلى العمق الروحي الذي يختزنه المؤمن في روحه ~~بأن ms3987 الله هو الذي يشفي المريض ، وأن الأطباء والأدوية ونحوها هي من الأدوات ~~العادية أو غير العادية التي تتحرك بأمر من الله ، من ناحية تكوينية أو من ~~ناحية إعجازية ، فهو الذي يقصد بالرغبة ، ويبتهل إليه بالدعاء من أجل ذلك كله. # ( @QUR@04 والذي يميتني ثم يحيين ) فإن الذي بيده سر الحياة في البداية ، ~~يملك سر الموت في النهاية ، ثم يملك القدرة على إعادة الحياة في الجسد من ~~قلب الموت من أجل بعث جديد وحياة جديدة. # ( @QUR@08 والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) فهو الرحيم الغفار ~~الذي لا ييأس عباده من رحمته ومغفرته إذا أخطئوا معه بالمعصية ، بل هم ~~يأملون بأنه سيغفر لهم خطاياهم فلا يؤاخذهم بها يوم القيامة لأن رحمته سبقت ~~غضبه ، ولأنه يتقبل عباده التائبين إذا رجعوا إليه ، وأخلصوا التوبة له. PageV17P126 # وإذا كان إبراهيم معصوما عن الخطأ ، فهو لم يكن في سياق التأكيد على وجود ~~خطيئة صادرة منه ، بل كان في مجال الإيحاء بالغفران الإلهي للخاطئين في ~~مقام التأكيد على صفة الرحمة التي تفتح قلوب عباده ، على محبته وتقواه. # * * * ### ||| ** إبراهيم يناجي ربه # ثم انطلق إبراهيم بعيدا عن خطابهم وعن الحديث الذاتي الذي كان يوحي به ~~إلى نفسه وإلى من حوله في مناجاته الذاتية ، فقد أشرق الله في قلبه فاندفع ~~إليه يدعوه ويستعين به ويتحدث إليه عن تطلعاته وأمانيه الروحية : # ( @QUR@04 رب هب لي حكما ) أواجه به الأشياء والقضايا والأشخاص بالرؤية ~~الواضحة التي تتوازن فيها المعطيات التي تحيط بالأمور ، أو تتعمق في داخلها ~~، فيصدر عني الحكم عليها بطريقة متوازنة سديدة ، لا تخضع للخطأ في التقدير ~~، ولا للخلل في فهم الموقف ، في ما يتصف به الحس الاجتماعي من وعي للمجتمع ~~لما يصلحه ، ولما يفسده ، وما يختزنه العقل من عمق الحكمة ، ودقة المعرفة ، ~~ولما تتحرك به الخطى من تركيز واستقامة. وهذا ما يطلبه المؤمن لنفسه عند ما ~~يريد العيش بين الناس كعنصر حي فاعل في إدراكه للأمور وتقديره لحدودها ، ~~وفي إصدار الأحكام عليها بشكل حاسم دقيق ، حتى لا يبقى حائرا أمام الجهل ، ~~ومهتزا أمام العواصف ms3988 ، فيكون الإنسان الذي يعرف ما يريد لنفسه ، وما يريده ~~للناس في ميزان المسؤولية العامة والخاصة ، وهذا ما يعطيه الله للأنبياء ~~الذين يرسلهم إلى الناس ليقودوا الحياة من خلال رسالاتهم ، التي أوحى الله ~~بها إليهم ، وليعرفوا كيف يحركونها في وعي الناس وضمائرهم وحياتهم ، من ~~خلال ما ألهمهم الله من الحكمة البليغة ، وما عرفهم من نتائج التجربة ~~الواعية. PageV17P127 # ( @QUR@02 وألحقني بالصالحين ) بتوفيقي للأخذ بأسباب الصلاح في أفكاري ~~وأعمالي ، بأن تقودني إلى السير في طريق الصالحين ، فأقدم إليك الطاعات ~~وأجتنب المعاصي ، حتى أكون جزءا من المسيرة الطويلة التي يخلف فيها ~~الصالحون الصالحين ، حيث يجتمعون غدا في جنتك ، ويعيشون معا في رضوانك. # ( @QUR@06 واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) ليتحدث الناس عني من موقع ~~الصدق الذي أجسده في حياتي رسالة ودعوة وسلوكا عمليا في خدمة الناس وإصلاح ~~أمرهم وتوجيه حياتهم إلى ما فيه رضاك في الدنيا والآخرة ، فأكون الإنسان ~~الذي لا تتجمد شخصيته في حياته الخاصة ، بل تكون ممتدة في حياة الناس ~~الآخرين من بعده ، لتكون النور الذي يضيء عقولهم بما أعطاهم من معرفة شاملة واسعة. # وقد نستوحي من هذه الآية أن الأنبياء والصالحين لا يطلبون الذكر الممتد ~~من موقع الحالة الذاتية ، حيث تتطلب النفس زهو الذات الطامحة للخلود ، بل ~~يطلبون الذكر الخالد في خط الصدق الذي يلتزمونه في حياتهم ويدعون إليه في ~~رسالاتهم. فلا تكون القضية قضية ذات تبحث عن اسم خالد ، بل قضية رسالة تبحث ~~عن امتداد في ضمير الإنسان المستقبلي وحياته ، وبذلك تكون صفة الرسالة في ~~حركة الذات هي المطلوبة لديه ، وهذا هو الذي يمثل خلود الأنبياء بخلود ~~رسالاتهم. # ( @QUR@05 واجعلني من ورثة جنة النعيم ) الذين يمنحهم الله الحق في ~~الإقامة فيها ليكونوا من عمارها وسكانها والمتنعمين في نعيمها ، جزاء للعمل ~~الصالح المنطلق في خط الإيمان. # ( @QUR@06 واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) وذلك بأن توفقه للسير في طريق ~~الهدى ، ليكتشف ذلك بنفسه ، فيلتزم به في فكره وعمله ، فيكون ذلك سببا PageV17P128 # لحصوله على مغفرتك ورضوانك. وقد كان هذا الاستغفار منطلقا من وعد إبراهيم ~~لأبيه بذلك ms3989 في قوله تعالى ، كما نقل القرآن عن إبراهيم : ( @QUR@010 قال ~~سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) [مريم : 47]. # ( @QUR@04 ولا تخزني يوم يبعثون ) بما تخزي به عبادك الخاطئين الذين لم ~~يلتزموا التقوى في إيمانهم وعملهم ، وذلك بأن تجعلني من المطيعين الذين إذا ~~أخطئوا فإنهم لا يفعلون ذلك من موقع التمرد والإصرار ، بل من موقع الغفلة ~~والنسيان ، فإذا انتبهوا عادوا إلى طاعتك. فلا توقفني يا رب في مواقف الخزي ~~هناك ، عند ما يقوم الناس لك يوم القيامة ( @QUR@012 يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون* إلا من أتى الله بقلب سليم ) من الكفر والضلال والعداوة والبغضاء ~~والشر لعباد الله. فالقلب السليم يمثل ملامح الشخصية الإنسانية الإسلامية ~~التي تختزن في داخلها الخير كله ، والنصيحة لله ولرسله ولأوليائه ولعباده. ~~في الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينة قال : سألته ويقصد الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ) قال ~~: السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه. قال : وكل قلب فيه شرك أو شك ~~فهو ساقط ، وإنما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة (1). وفي ~~مجمع البيان روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : هو القلب الذي سلم من حب ~~الدنيا (2). باعتبار أن الخير في حياة الناس تابع للدوافع الروحية ~~للإنسان. # وهكذا تتمثل القيمة الإنسانية التي يتميز بها الإنسان في يوم القيامة ، ~~في القلب السليم الذي ينبض بالحق والخير والصلاح ، فيتجسد خيرا وبركة ~~ورسالة وإصلاحا للعالمين ، لأن القلب السليم لا ينتج إلا العمل الصالح ~~والخط السليم. PageV17P129 # أما قيم الدنيا من المال والبنين ونحوهما ، فلا قيمة لهما في ميزان ~~الأعمال ، لأنهما لا يمثلان أية رابطة وثيقة بالمعنى الإنساني ، في ما هي ~~الذات والعمل ، بل يمثلان شيئا منفصلا عنها ، فلا يتحولان إلى قيمة في ~~ميزان الرضا والعمل. # ( @QUR@03 وأزلفت الجنة للمتقين ) وقربت إليهم لينالوها من أقرب موقع من ~~دون جهد ، فلا يكلفون أن يبذلوا جهدا للوصول إليها ، ( @QUR@03 وبرزت ~~الجحيم للغاوين ) فأظهرت إليهم ليواجهوها من مكان بعيد ، ليندفعوا إليها ~~خاشعين خشوع الذل ms3990 في ساحات الضلال جزاء على ما قدموه بين أيديهم من أسباب ~~الغواية والبعد عن الله. # ( @QUR@011 وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون* من دون الله هل ينصرونكم ) ~~فيدفعون عنكم العذاب ( @QUR@02 أو ينتصرون ) لأنفسهم عند ما يواجهون عذاب النار. # ( @QUR@04 فكبكبوا فيها هم والغاوون ) أي ألقوا على وجوههم مرة بعد أخرى ~~، وهذا معنى الكبكبة ، والضمير فيها للأصنام على الظاهر والغاوون هم الذين ~~عاشوا في الغي بعبادتهم لهم. # جاء في الكافي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام في قول الله ~~عز وجل : ( @QUR@04 فكبكبوا فيها هم والغاوون ) هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ~~ثم خالفوه إلى غيره (1). # ( @QUR@03 وجنود إبليس أجمعون ) وهم قرناء الشياطين من الجن والإنس ( ~~@QUR@04 قالوا وهم فيها يختصمون ) عند ما يواجهون الحقيقة الصعبة التي ~~عاشوا حركة المسؤولية من خلال ما عاشوه في الدنيا من علاقاتهم الاجتماعية ، ~~فيستذكرون في وعيهم الذاتي كيف كانوا يخضعون لبعضهم البعض في التوجيه السيئ الذي PageV17P130 # كانوا يتحركون فيه. # ( @QUR@06 تالله إن كنا لفي ضلال مبين ) حيث أشركنا ، وانحرفنا في سلوكنا ~~( @QUR@04 إذ نسويكم برب العالمين ) فنطيعكم من حيث تريدون ، ونعصي الله من ~~حيث تأمرون ، ( @QUR@04 وما أضلنا إلا المجرمون ) الذين عاشت الجريمة في ~~كيانهم فكرا وحياة وسلوكا وضلالا وإضلالا ، فلم يكن لهم إيمان يمنعهم من ~~السير في خطوات الكفر ، ولم تكن لهم تقوى تجنبهم التحرك في ساحات المعصية ، ~~ولم يكن لهم انفتاح روحي على الله ليبعدهم ذلك عن أجواء الشيطان .. وهكذا ~~كانوا يستفيدون من غفلة الناس عن الإيمان والتقوى والروحانية ، ليضلوهم عن ~~سبيل الله ، وليذهبوا بهم بعيدا عن مواقع رضاه. # وجاء في الكافي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال : وقولهم : ( ~~@QUR@04 وما أضلنا إلا المجرمون ) إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل ~~فيهم إذ جمعهم إلى النار : ( @QUR@011 قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ). وقوله : ( @QUR@010 كلما دخلت أمة ~~لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا ) [الأعراف : 38] برىء بعضهم من بعض ~~ولعن بعضهم بعضا يريد بعضهم أن يحج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا جميعا من عظيم ~~ما نزل بهم ms3991 وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولا حين نجاة (1). # ( @QUR@04 فما لنا من شافعين ) يشفعون لنا في ذنوبنا فنتخفف بشفاعتهم من ~~نتائجها القاسية في عذاب النار ، كما كنا نأمل في الدنيا من شفاعة الشافعين ~~الذين يملكون الوسائل المادية والمعنوية التي يتوسلون بها إلى تخليص ~~أصدقائهم وأحبائهم من السجن والعقاب ، ( @QUR@03 ولا صديق حميم ) ينفتح على ~~آلامنا وحسراتنا فيخفف عنا ثقل ذلك كله بعطفه وشفقته ، ( @QUR@04 فلو أن ~~لنا كرة ) إلى الدنيا فنرجع إلى ما كنا فيه من فرص وظروف ملائمة ، لنصحح ما ~~فسد منا سابقا ، PageV17P131 # ولنقوم ما انحرفنا فيه ، ولنكمل ما نقص من إيماننا وأعمالنا ، فيستقيم ~~لنا السبيل ، ( @QUR@03 فنكون من المؤمنين ) الذين ينالهم الله بكرامته ، ~~ويرحمهم برحمته ، ويدخلهم في جنته. # ( @QUR@04 إن في ذلك لآية ) في ما يسمعه الناس من قصة إبراهيم ، التي ~~توحي بمعرفة وسائل الإيمان في توحيد الله في العقيدة والعبادة ، والتي ~~تتمثل فيها المعاناة القاسية في سبيل الله ، والحركية المتنقلة في أكثر من ~~موقع للفكر والعمل ، فيتعرفون أفاق الحق في حركة المعرفة ، حتى إذا ما ~~انفتحوا عليها بوعي وعمق وإخلاص ، آمنوا بكل قوة وامتداد. ولكن الأكثرية ~~الغارقة في أطماعها وشهواتها ، والبعيدة عن مواقع نجاتها ونجاحها ، لا ~~تنفتح على ذلك كله ، ( @QUR@04 وما كان أكثرهم مؤمنين ) لأنهم آثروا الحياة ~~الدنيا ولم يخافوا مقام ربهم ، ولم ينهوا النفس عن الهوى. # ( @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) فلا ينتقص من عزته أحد ، ممن يكفر ~~أو يشرك به أو يتمرد عليه ، ولا يمنعه ذلك من رحمة من يستحق الرحمة من هؤلاء. # * * * PageV17P132 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كذبت قوم نوح المرسلين (105) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم نوح ألا ~~تتقون (106) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (107) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(108) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) ~~@QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون (110) @QUR@05 قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~(111) @QUR@06 قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) @QUR@07 إن حسابهم إلا ~~على ربي لو تشعرون (113) @QUR@04 وما أنا بطارد المؤمنين (114) @QUR@05 إن ~~أنا إلا نذير مبين (115) @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين (116) @QUR@05 قال رب إن قومي كذبون ms3992 (117) @QUR@09 فافتح بيني ~~وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) @QUR@06 فأنجيناه ومن معه في ~~الفلك المشحون (119) @QUR@04 ثم أغرقنا بعد الباقين (120) @QUR@08 إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (122) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأرذلون ): جمع أرذل ، وهم اسم تفضيل من الرذالة. والرذالة : PageV17P133 # الخسة والدناءة. ومرادهم أن متبعيه هم من ذوي الأعمال الرذيلة والخسيسة. # ( @QUR@02 الفلك المشحون ): السفينة الممتلئة. # * * * ### ||| ** حوار نوح مع قومه # ومن قبل ذلك كان نوح النبي أحد أنبياء أولي العزم ، الذي كانت له جولة ~~طويلة مع قومه عبر الرسالة التي أرسله الله بها إليهم يدعوهم إلى الإيمان ~~بالله وتوحيده ونهجه السليم وصراطه المستقيم ، ولكنهم لم يؤمنوا بذلك كله ~~بل تمردوا عليه ، وساروا شوطا طويلا في خط المواجهة معه بكل أساليب السخرية ~~والتمرد والعصيان في كل مواقعهم ومواقفهم. # ( @QUR@04 كذبت قوم نوح المرسلين ) الذين يمثلهم هذا النبي الكريم في ~~دعوته التي تلتقي في عناصرها الأساسية برسالاتهم. وبذلك كان تكذيبهم له ~~تكذيبا لهم لأنهم يتفقون في دعوة التوحيد ، ولذا عد الله سبحانه الإيمان ~~ببعض رسله دون بعض كفرا بالجميع ، قال تعالى : ( @QUR@030 إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا* أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا ) [النساء : 150 151]. # ( @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) الله في ما أمركم به ونهاكم ~~عنه في شريعته ، وتراقبونه ، وتخافون مقامه ، ليكون في وجدانكم الشعور ~~بالمسؤولية الفكرية في كل معتقداتكم ، وبالمسؤولية العملية في عملكم. ~~والتعبير بالأخوة فيه بعض الإيحاء بالعمق الإنساني الذي يربط النبي بقومه ، ~~لأن الأخوة تمثل التواصل الشعوري الذي يحتضن آلام الإخوة وآمالهم ، ويتعهد ~~حياتهم باللطف PageV17P134 # والخير والصلة. # ( @QUR@04 إني لكم رسول أمين ) فقد تحملت الرسالة بمسؤولية وصدق ، وسأبقى ~~أمينا لما تحملته من مفاهيمها وأحكامها ومناهجها ، لأن المسألة ليست هي ~~طبيعة العلاقة الذاتية التي تربطني بكم ، بل هي عمق العلاقة الروحية التي ~~تربطني بالله الذي أوحى بها إلي ، وشرفني بحملها ، ثم تربطني بكم من خلال ~~الارتباط بالله ، ( @QUR@03 فاتقوا الله ms3993 وأطيعون ) في ما أبلغكم من رسالته ~~، وأقودكم إليه من السير على الصراط المستقيم الذي يبدأ من الله وينتهي ~~إليه. وإذا كنتم قد تعودتم في بعض تجاربكم على الأشخاص الذين يتخذون الدعوة ~~وسيلة إلى تحصيل الربح المادي ، فإني لست من هؤلاء ، لأنني حامل رسالة ولست ~~طالب مال. # ( @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) الذي ~~أرجو رحمته ، وأتطلع إلى لطفه ورضاه ، وأطمع بالنعيم في جنته في دار قدسه. ~~( @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) إنها الدعوة الدائمة التي تتكرر وتمتد في ~~وجدانكم لتهز أعماقكم ومشاعركم ، وتوجه حياتكم إلى الالتزام والانضباط في ~~خط المسؤولية في رحاب الله. # ( @QUR@03 قالوا أنؤمن لك ) في دعوتك لنا ، لنكون معك ، ( @QUR@02 واتبعك ~~الأرذلون ) وأنت لا تملك جمهورا مميزا من الطبقة العالية في المجتمع من ~~أصحاب السلطة والمال والنفوذ ، بل كل ما لديك هم هؤلاء السفلة الأراذل ~~الذين يتميزون بالخسة والدناءة ، فكيف تريدنا أن نتبعك وليس معك أحد من ~~طبقتنا ، فكيف نقبل أن ندخلهم في مجتمعنا من خلالك ، أو ندخل نحن في ~~مجتمعهم ، لحسابك؟ # ( @QUR@06 قال وما علمي بما كانوا يعملون ) فلست مسئولا عن أعمالهم التي ~~تنسبونها إليهم من رذالة ودناءة ، لأن مهمتي هي الدعوة إلى الله ، الذي ~~كلفني بدعوتهم PageV17P135 # إلى ذلك كما كلفني بدعوتكم ، لأن الجميع عباد الله الذين فرض عليهم ~~الإيمان به وبرسله والإطاعة له في أوامره ، فلا أملك أن أطردهم من ساحة ~~الإيمان العملية المحيطة بي ، ولا أملك حسابهم على ما يعملونه من موقع ذاتي ~~، لأفتح التحقيق حول ما تتحدثون به عنهم. # ( @QUR@07 إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) بالمعنى العميق لحركة ~~المسؤولية في حياة الناس ، فالرسالة رسالة الله ، والخلق عباد الله ، فهو ~~الذي يتولى حسابهم ، في ما كلفهم فيه من مواقع طاعته. # ( @QUR@04 وما أنا بطارد المؤمنين ) الذين آمنوا بالله وانفتحوا على الحق ~~في مواقع الرسالة ، ( @QUR@05 إن أنا إلا نذير مبين ) جئت لأنذر الجميع ~~وأخوفهم عقاب الله بكل وضوح وأمانة. وهذا كل شيء لدي ، فلا تكثروا الكلام ~~في ذلك ، ولا تفكروا بأن من الممكن أن أستجيب ms3994 لكم في كل ما تطرحونه من ~~مشاريع. # ( @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) فقد تمردت على ~~تقاليدنا وعقائدنا وأوضاعنا ، وجئت بطريقة جديدة في العقيدة والعبادة ~~والشريعة ، بما لا ينسجم مع تاريخنا ومجتمعنا ، فإذا لم ترجع إلى ما ندعوك ~~إليه من الآن ، فسنرجمك بالحجارة وتكون من الهالكين. # وهكذا لم يجدوا الكلمة المعبرة عن الفكرة المتزنة ، والحجة القوية ، التي ~~يجابهون بها فكرته وحجته ، كما هو شأن الضعفاء في الفكر ، الأقوياء بالمال ~~والرجال والسلاح ، فيضغطون من خلال القوة الغاشمة ، لا من خلال الحجة ~~البالغة. وبذلك أغلقوا باب الحوار ، ولم يبق هناك مجال لحديث دعوة أو كلمة ~~هداية ، بعد أن استنفدت كل أساليب الدعوة ، وكل كلمات الهداية. # ( @QUR@05 قال رب إن قومي كذبون ) وأغلقوا كل الأبواب علي ، فلا أجد أية ~~ثغرة في الموقف مما يمكن أن أنفذ منه إلى عقولهم وقلوبهم ومواقعهم ، ( ~~@QUR@04 فافتح بيني وبينهم فتحا ) يفصل بيننا ، ويحسم الأمر كله ، ليعرفوا ~~النتائج العملية الصعبة PageV17P136 # التي يواجهونها في موقع الكفر والتمرد ، على أساس إنذارك لهم بالعذاب إذا ~~كفروا وتمردوا ، ( @QUR@05 ونجني ومن معي من المؤمنين ) مما تنزله عليهم من ~~العذاب ، واجعلني بمنأى عن ذلك كله. # ( @QUR@06 فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ) المملوء منهم ومن كل ~~زوجين اثنين مما حدثنا الله عنه في سورة هود ، ( @QUR@04 ثم أغرقنا بعد ~~الباقين ) الذين كفروا بالله ، وتمردوا على رسله ، ( @QUR@013 إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز الرحيم ). # * * * PageV17P137 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 كذبت عاد المرسلين (123) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم هود ألا ~~تتقون (124) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (125) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(126) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) ~~@QUR@05 أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) @QUR@04 وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون (129) @QUR@04 وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) @QUR@03 فاتقوا الله ~~وأطيعون (131) @QUR@05 واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) @QUR@03 أمدكم ~~بأنعام وبنين (133) @QUR@02 وجنات وعيون (134) @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم (135) @QUR@09 قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ~~(136) @QUR@05 إن هذا إلا خلق الأولين (137) @QUR@03 وما نحن بمعذبين (138) ~~@QUR@010 فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان ms3995 أكثرهم مؤمنين (139) ~~@QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (140) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ريع ): بكسر الراء وفتحها : المكان المرتفع ، وأيضا الطريق ~~المنفرج ، ويطلق الريع بالفتح على نحو الزرع. # ( @QUR@01 مصانع ): المراد بالمصانع هنا : القصور التي لا خير فيها. PageV17P138 # ( @QUR@01 بطشتم ): البطش : العسف قتلا بالسيف ، وضربا بالسوط ، وهو في ~~صفته تعالى مدح ، وفي صفة العبد ذم. # * * * ### ||| ** هود مع قومه عاد # وهذه قصة نبي آخر من الأنبياء ، قصة هود الذي أرسله الله إلى قومه عاد ~~وهم من العرب العاربة الأولى الذين كانوا يسكنون الأحقاف من جزيرة العرب ~~ولهم مدينة راقية وأراض خصبة وديار معمورة ، فطغوا وبغوا وتجبروا وكذبوا ~~الرسل ، فأهلكهم الله بالريح العقيم وخرب ديارهم وعفى آثارهم. # ( @QUR@028 كذبت عاد المرسلين* إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون* إني لكم ~~رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون* وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين ) إنه المنطق نفسه الذي جاء به نوح لقومه في الدعوة إلى ~~الإيمان من موقع التقوى الذي يقود الإنسان إلى التفكير في كل ما يعرض عليه ~~من أفكار وآراء ، ولا بد له من أن يخاف الابتعاد عن الحق إذا أنكرها من ~~خلال الإهمال واللامبالاة والهروب من مواجهتها بالفكر الواعي المسؤول ، ~~فيقع في النتائج الصعبة التي يواجهها كل من أنكر الحق والتزم الباطل ، ~~بإرادة أو بإهمال ، ثم الإعلان عن الرسالة الأمينة من خلال أمانة الرسول ، ~~والدعوة بعد ذلك إلى التقوى في حركة الإيمان وفي حركة الطاعة في ما يمثله ~~ذلك من التزام بربوبية الله لعباده ، وقيادة الرسول للأمة ، والإعلان عن ~~رفض الأجر المادي الذي قد يفكرون بأنه هاجس الرسول في دعوته ، لأن الرسل لا ~~يطلبون الأجر إلا من الله وحده. # وهكذا نستوحي وحدة التوجه الرسالي لدى الأنبياء في خط الدعوة إلى الله ، ~~ووحدة الأجواء التي كانت تهيمن على أممهم ، مما لا يدفع إلى تغيير التفاصيل ~~في الطروحات العامة إلا بمقدار ضئيل. PageV17P139 # ( @QUR@03 أتبنون بكل ريع ) حيث كانوا يقومون بالبناء على رؤوس الجبال ، ~~( @QUR@02 آية تعبثون ) لأن ذلك لم يكن عن هدف معقول ، وحاجة ملحة ، بل ~~كانت المسألة ms3996 استعراضا ولهوا واتباعا للمزاج الذاتي الذي يبحث عن الزهو في ~~الشكل دلالة على الرفعة والقوة ، مما يجعل من القضية قضية عبث يمارسونه في ~~ما يبنونه ، وليست قضية حاجة في ما يحتاجونه ، ( @QUR@04 وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون ) وهي كما قيل الحصون المنيعة والقصور المشيدة والأبنية ~~العالية التي تمثل الثبات والدوام لقوتها وصلابتها وامتناعها عن الاهتزاز ~~والخلل والسقوط ( @QUR@02 لعلكم تخلدون ) إذ يخيل إليكم أن خلود البناء ~~وتمرده عن السقوط ، يؤدي إلى خلود الإنسان الذي يقيم فيه ، أو أن خلوده ~~يوحي بامتداد الذكر الخالد في التاريخ أو ما أشبه ذلك. # ( @QUR@04 وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) في استعراض القوة الجسدية والمادية ~~، والطغيان في استعمال وسائلها بالتعسف والقسوة والظلم للناس من خلال ~~العقلية المتجبرة المتحركة في مواقع الاستعلاء الذاتي على الناس ، تماما ~~كما هم الجبارون الذين لا يعيشون إنسانية الإنسان في حياتهم ، بل يتقمصون ~~شخصية الوحش في واقعهم ، فإذا بطشتم بالناس الذين هم أضعف منكم فإنكم ~~تبطشون بطش الجبارين الذين يبغون في الأرض بغير الحق ، فيستغلون قوتهم ~~لإضعاف الآخرين لا لمجرد الدفاع عن أنفسهم ، ولا يتوقفون عند حد معين ، بل ~~يتجاوزون كل الحدود المعقولة التي يتبعها الناس في أمثال ذلك. # ( @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) وراقبوه في كل أموركم ، فإذا كنتم ~~أقوياء ، فإن الله هو الأقوى ، وإذا كانت النعم المتوافرة لديكم هي الأساس ~~في سلوككم المنحرف لأنها توحي لكم بالعلو والرفعة ، فإن الله هو الذي ~~أعطاكم ذلك كله ، وهو القادر أن يسلبكم كل ذلك ، ( @QUR@010 واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون* أمدكم بأنعام وبنين* وجنات وعيون ) مما تأكلون منه ~~وتشربون وتستمتعون به من حاجات الحياة الذاتية في المال والبنين والشهوات ~~الحسية. فكروا جيدا بوعي التقوى أن PageV17P140 # النعمة الوافرة تفرض شكر المنعم ، وأن كفرانها يعرضها للزوال. ( @QUR@06 ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) في الدنيا والآخرة ، لأن مالك الدنيا ~~والآخرة هو الله الذي أعطاكم ذلك كله وحملكم مسئوليته. # ( @QUR@09 قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ) فلن يغير من ~~المسألة شيئا ، وهي أننا ماضون في عقيدتنا وعبادتنا للأصنام وعاداتنا ~~وتقاليدنا ، فلا قيمة ms3997 لكلامك ، لأنه لن يهز أي شيء من الثوابت التي عمقناها ~~في ذاتنا مما اعتقدناه واعتدناه وألفناه ، فلا مجال للمناقشة والجدل في ذلك ~~كله ، ( @QUR@05 إن هذا إلا خلق الأولين ) الذين نلتزم أخلاقهم من عادات ~~وأفكار وقضايا وأوضاع ، لأنهم القاعدة التي ننطلق منها ونرتكز عليها في ~~أعمالنا ومعتقداتنا. فإذا كانوا قد عبدوا الأصنام ، فلا بد من أن نعبدها. # وربما فسرها البعض بأن المراد هو الإشارة إلى دعوة هود إلى التوحيد ~~والموعظة ، باعتبارها من عادة الأنبياء السابقين عليه ، أو البشر الأولين ~~الماضين من أهل الأساطير والخرافات وهذا كقولهم : ( @QUR@05 إن هذا إلا ~~أساطير الأولين ) [الأنعام : 25]. والتفسير الأول أقرب إلى الفهم من ~~التفسير الثاني ، والله العالم. # ( @QUR@03 وما نحن بمعذبين ) لأن الحياة التي نعيش فيها هي نهاية المطاف ~~، فلا بعث بعدها ولا حياة حتى يتحدث المتحدثون ، كما تحدثت ، بأن هناك ~~عذابا على الكفر والضلال ( @QUR@02 فكذبوه فأهلكناهم ) بتكذيبهم وكفرهم ~~وعنادهم ، بعد قيام الحجة عليهم من الله ، ( @QUR@04 إن في ذلك لآية ) لمن ~~اعتبر بما أصاب من قبله من الأمم السالفة ، ليتخذها دليلا على النهج الحق ~~الذي يلتقي برضا الله سبحانه ، ( @QUR@09 وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم ) فلن ينتقص كفرهم من عزة الله التي تتحرك في حياة الناس ~~مع الرحمة ، فهو العزيز الذي لا يكلف عباده من موقع ضعف ، وهو الرحيم الذي ~~يفتح لهم أبواب رحمته ، ولكن الأكثرية منهم تبتعد عن رحمته ، فلا بد من أن ~~تلاقي نتائج ذلك في ما يصب عليهم من سياط نقمته. PageV17P141 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 كذبت ثمود المرسلين (141) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم صالح ألا ~~تتقون (142) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (143) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(144) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) ~~@QUR@05 أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) @QUR@03 في جنات وعيون (147) ~~@QUR@04 وزروع ونخل طلعها هضيم (148) @QUR@05 وتنحتون من الجبال بيوتا ~~فارهين (149) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون (150) @QUR@04 ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين (151) @QUR@06 الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) @QUR@05 ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (153) @QUR@011 ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية ~~إن كنت من الصادقين (154) @QUR@09 قال هذه ناقة لها شرب ms3998 ولكم شرب يوم معلوم ~~(155) @QUR@07 ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) @QUR@03 ~~فعقروها فأصبحوا نادمين (157) @QUR@010 فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين (158) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (159) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 طلعها ): طلع النخل : عنقود التمر في أول تكوينه وقبل أن يخرج ~~من كمه. PageV17P142 # ( @QUR@01 هضيم ): اليانع الناضج ، والداخل بعضه في بعض. # ( @QUR@01 فارهين ): من الفره ، وهو النشاط والفرح. # ( @QUR@01 المسحرين ): مبالغة في المسحورين. # ( @QUR@01 شرب ): بكسر الشين ، النصيب. # * * * ### ||| ** حوار صالح مع قومه ثمود # ويعود الحديث إلى قصة صالح مع قومه ثمود في دعوته إلى التوحيد ، ~~والالتزام بأوامر الله ونواهيه ، على النهج الذي دعا به هود مع عاد ، ~~فكذبوه في ذلك كله ( @QUR@028 كذبت ثمود المرسلين* إذ قال لهم أخوهم صالح ~~ألا تتقون* إني لكم رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون* وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) وهذا هو عنوان الدعوة وإجمالها وأمانة ~~الرسول واستغناؤه عنهم ليؤكد لهم معنى الأصالة في رسالته في امتدادها في ~~حركة خط الأنبياء الذين تقدموه ليستذكروا الكلمات نفسها والمواقف نفسها ~~والدور نفسه. # ( @QUR@05 أتتركون في ما هاهنا آمنين ) هلا نظرتم إلى ما أحاطكم الله به ~~من النعم الكثيرة التي لا تقف عند حد ، فهل تتصورون أن الله يترككم لأنفسكم ~~فيها لتمارسوا حريتكم في اللهو والعبث والابتعاد عن الإيمان والتقوى ، من ~~دون أية مسئولية في ما تأخذون به أو تدعونه؟ # ( @QUR@07 في جنات وعيون* وزروع ونخل طلعها هضيم ) والطلع في النخل ~~كالنور في سائر الأشجار ، والهضيم على ما قيل المتداخل المنضم بعضه إلى بعض. PageV17P143 # ( @QUR@05 وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ) فيما تمثله الفراهة ، من ~~معنى البطر ، أو الاتصال وانفتاح النفس على سعة الأفق ورحابته. # ( @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) فإن هذه النعم المحيطة بكم هي المدخل ~~الذي يطل بكم على عظمة الله ورحمته ، ويقودكم إلى طاعته عبر شكر النعمة. # * * * ### ||| ** لا تطيعوا أمر المسرفين # ( @QUR@04 ولا تطيعوا أمر المسرفين ) الذين أسرفوا على أنفسهم بالكفر ~~والشرك والانحراف عن طاعة الله ، لتأكيد امتيازاتهم واستكبارهم وظلمهم ~~للمستضعفين ، وهم الطبقة المترفة من أفراد المجتمع ، من أشراف القوم ~~وساداتهم ms3999 الذين أصروا على البقاء في مواقعهم الفكرية والعملية ، بعيدا عن ~~التغيير المنطلق من الدليل والحجة والبرهان ( @QUR@06 الذين يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون ) من خلال أفكارهم الكافرة ، وعباداتهم المشركة ، ~~وتقاليدهم المنحرفة ، وعلاقاتهم الفاسدة ، وأفعالهم الشريرة ، مما يؤدي إلى ~~اختلال النظام العام في الوجود الإنساني في الأرض ، وإلى إفساد الحياة من ~~حولهم مما يرفضه الله من كل عباده ، إذ حملهم مسئولية الإصلاح في أنفسهم ~~وفي الناس ، على مستوى الدعوة والعمل ، لينسجم النظام الإنساني مع النظام ~~الكوني في عملية تكامل وتوافق وامتداد. # وإذا كان الله يريد الحياة على أساس إقامة النظام العام في حركة الإنسان ~~، فلا بد من أن يتحمل الناس البسطاء مسئولية التمرد على هؤلاء المسرفين ~~المفسدين في الأرض. # ( @QUR@05 قالوا إنما أنت من المسحرين ) الذين خضعوا لألاعيب السحرة في عقولهم PageV17P144 # وأفكارهم ، فلا تستطيع أن تفكر بعقل متوازن ، أو تتكلم بكلام موزون معقول ~~، وهذا ما جعلك تدعي النبوة والرسالة من الله سبحانه مما لا يقبله عقل ولا ~~منطق ، و ( @QUR@05 ما أنت إلا بشر مثلنا ) فهل يمكن أن يكون البشر نبيا ، ~~وكيف يتصل البشر بالله في مواقع الغيب ، وكيف يميز الله بشرا عن بشر في ذلك ~~من دون أن يكون هناك امتياز ذاتي في الصورة والقدرة ، كما هي الحال بيننا ~~وبينك ، فإنك بشر مثلنا ، فلا يميزك أي شيء عن أي واحد منا ، فإذا كنت ~~صادقا في ذلك ( @QUR@06 فأت بآية إن كنت من الصادقين ) لنعرف صدق دعواك من ~~صدق دليلك ، لأن الدعوى التي لا يملك صاحبها دليلا عليها ، لا قيمة لها في ~~حساب الفكر والإيمان. # ( @QUR@09 قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) فهي آية من آيات ~~الله التي لم يسبق لكم أن رأيتم مثلها ، لأن في داخل شخصيتها معجزة إلهية ، ~~فهي تستطيع أن تسقي البلد كلها من لبنها ، مما لم يعهد في أية ناقة أخرى ، ~~ولكنها إذا أرادت أن تشرب ، فلا بد من أن لا يشرب معها أحد طيلة اليوم ، ~~فلا بد من تقسيم اليوم بينكم وبينها ، فلها شرب يوم كامل ترتوي فيه ms4000 من ~~الماء ليتحول إلى لبن ، ولكم شرب يوم معلوم. # ( @QUR@07 ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ) لأن ذلك يمثل التمرد ~~على الله في مواجهة آياته التي يتطلبها الناس ويقترحونها ، فإذا استجاب لهم ~~، فمعنى ذلك أن الله لا يمهلهم إذا كذبوا وتمردوا وأساؤوا. # ولكنهم تآمروا في ما بينهم على قتلها ، لأنهم لم يطيقوا انتصار صالح ~~عليهم بهذه المعجزة العجيبة التي لا يملكون لها أي تفسير مادي معقول ، ( ~~@QUR@03 فعقروها فأصبحوا نادمين ) لأنهم كانوا خاضعين في اندفاعهم العدواني ~~لقتل الناقة ، لحالة انفعالية مجنونة ، بفعل تأثير التوجيه الضال الذي ~~قادهم إليه المستكبرون من أصحاب الامتيازات الظالمة من رؤسائهم المنحرفين ، ~~للحفاظ على امتيازاتهم دون مصالح المستضعفين ، عبر ما يوحون به إليهم من أفكار PageV17P145 # عدوانية وأوهام مريضة وما يثيرونه في أجوائهم من الغفلة عن عواقب الأمور ~~، حتى إذا أكملوا الجريمة ، ونفذوا كل ما خطط المنحرفون ، انتبهوا إلى هول ~~النتائج السلبية التي يواجهونها في حرمانهم من اللبن الذي كانوا يشربونه ~~منها ، ومن العذاب الذي توعدهم به الله على لسان نبيه صالح ، الذي استهانوا ~~به وبوعيده وإنذاره ، فلم يحاولوا أن يلتفتوا إلى أن الذي جاء بهذه المعجزة ~~الخارقة ، يملك السر الذي يؤهله لمعرفة النتائج المستقبلة للتمرد والجحود ~~والكفران ، ( @QUR@015 فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) وقد تقدم تفسيره. # * * * PageV17P146 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط المرسلين (160) @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون (161) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (162) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(163) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) ~~@QUR@04 أتأتون الذكران من العالمين (165) @QUR@011 وتذرون ما خلق لكم ربكم ~~من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا لوط ~~لتكونن من المخرجين (167) @QUR@05 قال إني لعملكم من القالين (168) @QUR@05 ~~رب نجني وأهلي مما يعملون (169) @QUR@03 فنجيناه وأهله أجمعين (170) ~~@QUR@04 إلا عجوزا في الغابرين (171) @QUR@03 ثم دمرنا الآخرين (172) ~~@QUR@06 وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) @QUR@08 إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) ( @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (175) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الذكران ): جمع ذكر. # ( @QUR@01 عادون ): جمع عاد : وهو ms4001 المعتدي. # ( @QUR@01 القالين ): القالون : جمع القالي ، وهو المبغض. PageV17P147 # ( @QUR@01 الغابرين ): جمع الغابر ، وهو الباقي. # * * * ### ||| ** لوط يحاور قومه من موقع الرسالة # وهذا نبي آخر جاء برسالة الله إلى قومه ليواجه الانحراف الأخلاقي الذي ~~يتميزون به في سلوكهم الجنسي الشاذ المذكر ، فأراد أن يعالج المسألة ~~الأخلاقية لديهم من خلال المسألة العقيدية الروحية التي يرتبط الإنسان فيها ~~بالله ليطل على تفاصيل الحياة ومفرداتها العملية من هذا الموقع الثابت في ~~الفكر والإحساس والواقع ، الأمر الذي يوحي إلينا ، أن الانحراف العملي لا ~~يعالج بالطريقة المباشرة التي تخاطب مفرداته وخصوصياته بشكل مباشر ، بل ~~بالطريقة الفكرية التي تمتد إلى جذور العقيدة والروح والإحساس وتتحرك في ~~مفردات الحياة كلها ، لأن ذلك هو الذي يخلق الحوافز العميقة التي تدفع إلى ~~الطاعة في أوامر الله ونواهيه. فإذا كان الإنسان لا يعيش روح التقوى لله ، ~~فكيف يمكن أن تقنعه بشكل أساسي أن يترك لذاته وشهواته التي يحبها ويرتاح إليها؟ # * * * # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط المرسلين ) # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط المرسلين ) لأنهم انطلقوا في حياتهم من القاعدة ~~الغريزية في حركة الفكر والسلوك ، ولم ينطلقوا من الرسالات الإلهية التي ~~تتابعت في مدى الزمن بتتابع الرسل لتأمر الناس بتقوى الله وطاعة رسله في كل ~~قضايا الحياة وأوضاعها ، ( @QUR@07 إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون ) وقد ~~ذكر البعض أن لوطا لم PageV17P148 # يكن أخا لهم في النسب ، حيث كان من بلد آخر بعيد عنهم ، إذ جاء مع عمه ~~إبراهيم عليه السلام من بابل إلى مصر ثم إلى فلسطين حوالي القرن التاسع عشر ~~قبل الميلاد كما يقال وأقام في وادي الأردن. وبذلك كان أخا لهم من خلال ~~اندماجه معهم في المجتمع حتى عاد كواحد منهم في الحياة الاجتماعية العامة ، ~~ولكنه كان منفصلا عنهم في التفكير وطريقة الحياة والسلوك على أساس حمله ~~لرسالة الله التي بدأها بالدعوة إلى التقوى الفكرية والعملية في السير على ~~خط الاستقامة الذي يبدأ من الله من خلال وحيه وينتهي إليه في مواقع طاعته ورضاه. # ( @QUR@04 إني لكم رسول أمين ) أحمل رسالة الله كما أوحى بها إلي من دون ~~زيادة ms4002 أو نقصان ، لأن أمانة الرسالة تفرض علي ذلك ، باعتبارها الأمانة التي ~~أراد الله لي أن أؤديها إلى الناس بكل صدق وإخلاص ، ( @QUR@03 فاتقوا الله ~~وأطيعون ) لأن تقوى الله تتمثل في حركة الواقع باتباع الرسول وطاعته في كل ~~أوامره ونواهيه ، لأنه لا يمثل نفسه في ذلك كله ، بل يمثل وحي الله وإرادته ~~في جميع الأمور. # ( @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) فليست ~~لي أية مصلحة ذاتية عندكم مما يدعوكم إلى الاستجابة لي في دعوتي ، بل هي ~~مصلحتكم في ما أودع الله في عمقها من مصالحكم الحقيقة في حركة الحياة على ~~خط الله ، فلا أطلب منكم مالا ولا جاها ولا شهوة ، لأن كل همي هو الله في ~~رضاه عني في أداء رسالته كما يريد ويحب. ولن تخسروا شيئا في الاستجابة لي ، ~~إلا ما تفقدونه من جهلكم وتخلفكم وانحرافكم الذي سيتحول إلى علم وتقدم ~~واستقامة. # * * * PageV17P149 # ( @QUR@04 أتأتون الذكران من العالمين ) # ( @QUR@04 أتأتون الذكران من العالمين ) مما يدل على انحراف طبيعي في ~~حركة الغريزة التي تنطلق لتلبية حاجاتها الذاتية لدى المرأة من خلال ما ~~أعدها الله له من التكامل الروحي والجسدي مع الرجل على أساس العناصر ~~الطبيعية الحيوية في الإنسان ، ( @QUR@07 وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم ) في الحاجات الطبيعية في التنوع الجسدي في وظائفه الخاصة ~~المميزة؟! ( @QUR@04 بل أنتم قوم عادون ) تتحركون في مواقع الاعتداء على ~~الطبيعة والفطرة والشريعة ، وعلى حق الله عليكم بالإطاعة له في أوامره ~~ونواهيه. # ( @QUR@09 قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ) المطرودين من ~~أرضنا ، لأنك تدعو إلى تغيير عاداتنا ، وتسفيه أحلامنا ، وتشوية صورتنا ، ~~والتنكر لرغباتنا ، وتتدخل بعد ذلك بما لا يعنيك ، لأننا نملك الحرية في ~~التصرف بأجسادنا بالطريقة التي تحلو لنا ، بعيدا عن القيود والحدود. وما ~~دخل الله في ذلك كله ، وما دخل الشريعة في تبديل الأمزجة الإنسانية؟ لقد ~~تعديت حدودك يا لوط وتجاوزت الخطوط الحمراء التي لا يجوز لإنسان متوازن أن ~~يتجاوزها ، بل يجب عليه مراعاة اللياقات الاجتماعية ، فلا يسيء لعاداته ~~وتقاليده. # * * * ### ||| ** منطق دعاة حرية ms4003 الشذوذ الجنسي # ولكن الحقيقة ، أمام المنطق الذي يمكن أن يستوحى من تصورات قوم لوط ، في ~~ما ينطق به أتباعهم المعاصرون من الداعين إلى حرية الشذوذ الجنسي المذكر ، ~~كقضية من قضايا الحرية الفردية المقدسة ، أن ذلك لا يمثل PageV17P150 # أية حجة مقنعة ، لأن الله من وجهة النظرة الدينية التوحيدية هو الخالق ~~للإنسان والمدبر له والمالك لأموره كلها ، فلا بد من أن يأذن للإنسان بما ~~يأخذ به أو يدعه من أفعال ، لأنه يملك منه ما لا يملكه من نفسه ، وهو الذي ~~يتدخل ليحمي الإنسان من نفسه ، كما يحميه من عدوان غيره. # ثم إن الحرية ليست حالة مزاج منفصل عن النظام العام للفرد في مواقع ~~فرديته ، لأن الفردية المطلقة لا وجود لها ما دام الإنسان مرتبطا بالأفراد ~~الآخرين في الهيكل الاجتماعي المشترك المترابط في حاجاته وأوضاعه ، ~~المتكامل في غرائزه المتحركة من أجل استمرار وجوده في النوازع الخاصة ، أو ~~في العلاقات العامة ، فهناك خط يتصل في حركته بالفطرة الإنسانية الداخلية ~~والخارجية في تواصل الحاجات الجسدية وتفاعلها ، فلا بد من دراسة ذلك في ~~التخطيط لقاعدة الحرية الفردية بالمستوى الذي لا تتحول فيه إلى خطر على ~~الحرية الاجتماعية في حفاظ المجتمع على وجوده في علاقاته الأخلاقية ~~والغريزية والعاطفية. # وهكذا لم يكن لديهم أية حجة مقنعة في مواجهة دعوته ، بل كانت القواعد ~~المهددة بالنفي والتشريد والقتل هي سبيلهم إلى إسكات صوته وإسقاط موقفه ، ~~ولكن النبي لم يتراجع ، ولم يسقط ، ولم يغير موقفه ، بل رفع أمره إلى الله ~~في تقريره الأخير بعد أن أعلن لهم بأنه رافض لعملهم ، وبريء منهم ، ليحدد ~~الفواصل التي تفصله عنهم في ما يفصل المؤمن عن الكافر ، وفي ما يفترق به ~~التقي عن الشقي ، والمستقيم عن المنحرف. # ( @QUR@05 قال إني لعملكم من القالين ) المبغضين الرافضين له جملة ~~وتفصيلا. ( @QUR@05 رب نجني وأهلي مما يعملون ) من انحراف وعصيان ، ومما ~~يهددونني به من نفي وتشريد ، ( @QUR@07 فنجيناه وأهله أجمعين* إلا عجوزا في ~~الغابرين ) وهي زوجة لوط التي بقيت على عهدها لقومها لأنها كانت منسجمة ~~معهم في تفكيرهم وانحرافهم ، ( @QUR@01 ثم PageV17P151 # @QUR@02 دمرنا ms4004 الآخرين ) من قوم لوط بعد خروج لوط بما أنزله الله عليهم ~~من العذاب المدمر ، ( @QUR@06 وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) مما ~~أمطره عليهم من حجارة قاتلة مدمرة ، ( @QUR@04 إن في ذلك لآية ) لمن أراد ~~أن يعتبر ويتعظ به ( @QUR@09 وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم ). # * * * PageV17P152 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) @QUR@06 إذ قال لهم شعيب ألا ~~تتقون (177) @QUR@04 إني لكم رسول أمين (178) @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ~~(179) @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) ~~@QUR@06 أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) @QUR@03 وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم (182) @QUR@09 ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (183) @QUR@05 واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) @QUR@05 ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (185) @QUR@09 وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك ~~لمن الكاذبين (186) @QUR@09 فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ~~(187) @QUR@05 قال ربي أعلم بما تعملون (188) @QUR@010 فكذبوه فأخذهم عذاب ~~يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) @QUR@08 إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (190) @QUR@05 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) (191) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأيكة ): الشجر الملتف الكثيف. # ( @QUR@01 المخسرين ): بكسر السين والراء : جمع المخسر ، وهو الذي إذا PageV17P153 # عامله أحد الناس خسر لأنه يأخذ منه أكثر من حقه. # ( @QUR@01 بالقسطاس ): القسطاس : الميزان. # ( @QUR@01 تبخسوا ): البخس : النقص. # ( @QUR@01 والجبلة ): الخلقة والطبيعة. # ( @QUR@01 كسفا ): جمع كسفة : وهي القطعة. # ( @QUR@01 الظلة ): بضم الظاء : هي السحابة التي استظلوا بها من العذاب ~~فأحرقتهم. # * * * ### ||| ** حوار شعيب مع قومه # وهذا نبي آخر عاش مع جماعة من الناس في منطقة قريبة من مدين فيها شجر ~~كثير ، وكانوا يمارسون الانحراف الأخلاقي في علاقاتهم الاقتصادية بالناس ، ~~فيسيئون إليهم في مسألة التعامل المالي إذ يأكلون بعض حقوقهم بعد أن يأخذوا ~~لأنفسهم القدر الوافي ، ثم يدفعون لهم الناقص. فكانت رسالة شعيب إليهم أن ~~يتقوا الله في ذلك وفي غيره ، ليتوازنوا في السلوك العام مع أنفسهم ، ومع ~~الناس ، وكانت النهاية معه ، كما هي النهاية مع غيره ، أن يكذبوه ، فأنزل ~~الله بهم عذابه في الدنيا دون أن ينجيهم ذلك من عذاب الآخرة. # ( @QUR@03 كذب أصحاب الأيكة ) الغيضة الملتف شجرها ( @QUR@01 المرسلين ) ~~بتكذيبهم بأساس التوحيد للرسالات ms4005 ، ( @QUR@04 إذ قال لهم شعيب ) الذي لم ~~يكن قريبا إليهم كما يبدو ولذا لم يقل أخوهم ، ( @QUR@02 ألا تتقون ) الله ~~في الخط الفكري والعملي في حركة الحياة في مستوى الرسالات في ما يحبه الله ~~ويرضاه ، ( @QUR@03 إني لكم رسول PageV17P154 # @QUR@01 أمين ) لا يخونكم في نصيحة ، ولا يخون الله في رسالته ، فأنا ~~الأمين على حياتكم من خلال ما حملني الله من الرسالة الهادية ، ( @QUR@03 ~~فاتقوا الله وأطيعون ) فذلك هو المظهر العملي للإيمان بالله والاعتراف ~~بألوهيته. # ( @QUR@011 وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) لأنكم ~~لا تملكون لأنفسكم ولا لأحد غيركم نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله ، فلما ذا ~~أطلب الأجر منكم ولا أطلبه من الله سبحانه ، فلا أريد منكم شيئا إلا ~~الاستجابة لله في تفاصيل الرسالة كلها. ويا قوم ( @QUR@06 أوفوا الكيل ولا ~~تكونوا من المخسرين ) الذين ينقصون الناس أشياءهم فيوقعونهم في الخسارة ، ( ~~@QUR@03 وزنوا بالقسطاس المستقيم ) وهو الميزان الدقيق الذي تتوازن كفتاه ~~في الأخذ والعطاء ، على أساس العدل في الحقوق. ( @QUR@04 ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ) أي لا تنقصوهم حقوقهم ، ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ~~لا تفسدوا في الأرض بالإخلال في التوازن العام في السلوك الاقتصادي المنحرف ~~، الذي قد ينتهي إلى الانهيار في التعامل من ناحية مالية وأخلاقية ، فقد ~~أراد الله للحياة أن تتوفر فيها الطاقات الإنسانية على إصلاح الواقع ~~والحركة والفكر في كل ما يحيط بالإنسان ، وما يتحرك في حياته ، وما يفكر به. # وهكذا كانت رسالة شعيب لقومه ، أن يواجهوا الحركة التجارية في معاملاتهم ~~من مواقع الإصلاح لا الإفساد ، وذلك بإقامة التوازن في كل ما لهم وما عليهم ~~، من خلال المسألة الموضوعية التي تنظر إلى طبيعة الحق في المعاملة ، لا من ~~خلال المسألة الذاتية التي تنظر إلى طبيعة الذات في الربح والخسارة. وأن ~~تكون التقوى حافظا لخطواتهم من الزلل ، ومواقعهم من الانحراف ، إذا اقترب ~~الشيطان منهم في عملية إغواء وتضليل. # ( @QUR@05 واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ) والمراد بالجبلة الطبيعة ~~والفطرة الإنسانية التي أقام عليها أمر الخلق في ما أودعه في فطرتهم من ~~الرغبة في PageV17P155 # الخير واتقاء ms4006 الشر ، فإذا كان الله هو الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين ، ~~فيجب عليكم أن تتقوه وتراقبوه في كل أموركم ، لترتبوا قضايا الربح والخسارة ~~على أساس رضاه ، لا على أساس ما تحصلون عليه من نتائج مادية ، أو ما ~~تخسرونه منها ، لأنه يملك منكم ما لا تملكونه من أنفسكم وما لا يملكه منكم ~~غيركم. فكما أهلك الأقدمين من آبائكم فأصبحوا تحت رحمته في مماتهم ، فإنه ~~سيهلككم ويهلك أموالكم ولا يبقى لديكم شيء إلا رحمته ، فاتقوه لتحصلوا عليها. # ( @QUR@05 قالوا إنما أنت من المسحرين ) الذين لا يملكون عقولهم ، ~~ليميزوا بين الحق والباطل ، فقد استطاع السحر أن يترك تأثيره على شخصيتك ، ~~فأصبحت تتحرك كالمسحور الحائر الذي لا يعرف كيف يتصرف ، وكيف تتوازن ~~الأشياء في ذهنه وسلوكه ، فكيف نستمع إليك باحترام ، ونقبل دعوتك بإذعان؟ ~~ثم من أنت في المقياس الحقيقي للرسالة؟ وما الذي يميزك عنا ليكون لك حق ~~الطاعة علينا من خلال صفة الرسالة التي تدعيها لنفسك؟ ( @QUR@09 وما أنت ~~إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين ) الذين ينطلقون من الكذب ليحصلوا على ~~الامتيازات الذاتية في المجتمع ، على أساس ما يمنحونه لأنفسهم من صفات ~~عظيمة ، لأن ما تدعيه لا ينسجم مع مقياسنا للرسالة وللرساليين. # ( @QUR@05 فأسقط علينا كسفا من السماء ) أي قطعا من السماء المتناثرة ~~لتكسر رؤوسنا ، وتحرق أجسادنا ، ( @QUR@04 إن كنت من الصادقين ) في ما ~~تدعيه من علاقتك المميزة بالله التي تتيح لك أن تملك السيطرة على الكون ، ~~في ما تريد ، وما لا تريد. ( @QUR@05 قال ربي أعلم بما تعملون ) فلست ~~الديان الذي يفرض عليكم ما يشاء من عقاب على أعمالكم ، لأني لا أملك علم ~~ذلك ، ولا السلطة عليه ، فلله الأمر كله ، وإنما أنا رسول من قبله لأحمل ~~لكم رسالته ، ويبقى له ما يريد أن يفعله بكم من خلال اطلاعه عليكم وعلى ~~أعمالكم ، فإن شاء عجل وإن شاء أمهل ، ولن يفوته شيء من أمركم على كل حال. PageV17P156 # ( @QUR@010 فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ) وقد ~~ذكر المفسرون أنها سحابة استظلوا بها من حر أصابهم ، فأمطرتهم نارا أحرقتهم ms4007 ~~عن آخرهم. # ( @QUR@013 إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم ) وقد تقدم تفسيره. # * * * PageV17P157 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وإنه لتنزيل رب العالمين (192) @QUR@04 نزل به الروح الأمين ~~(193) @QUR@05 على قلبك لتكون من المنذرين (194) @QUR@03 بلسان عربي مبين ~~(195) @QUR@04 وإنه لفي زبر الأولين (196) @QUR@09 أولم يكن لهم آية أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل (197) @QUR@05 ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) ~~@QUR@06 فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) @QUR@05 كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين (200) @QUR@07 لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) @QUR@05 ~~فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) @QUR@04 فيقولوا هل نحن منظرون (203) ~~@QUR@02 أفبعذابنا يستعجلون (204) @QUR@04 أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ~~@QUR@05 ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) @QUR@06 ما أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون (207) @QUR@07 وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) @QUR@04 ~~ذكرى وما كنا ظالمين (209) @QUR@04 وما تنزلت به الشياطين (210) @QUR@05 ~~وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) @QUR@04 إنهم عن السمع لمعزولون ) (212) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 الروح الأمين ): جبريل عليه السلام . # ( @QUR@01 زبر ): الزبر : الكتب. PageV17P158 # ( @QUR@01 الأعجمين ): بياء النسبة وياء الجمع جمع الأعجمي ، وقال ~~الطبرسي : العجمي نقيض العربي ، والأعجمي نقيض الفصيح (1). # ( @QUR@01 لمعزولون ): ممنوعون ومصروفون. # * * * # ( @QUR@04 وإنه لتنزيل رب العالمين ) # وهكذا انتهى الأمر إليك يا محمد لينزل الله عليك رسالته ، لتبلغها للناس ~~كما بلغ الأنبياء من قبلك رسالاتهم ، وليواجهك قومك بالمنطق الذي واجه به ~~أقوام الأنبياء أنبياءهم بالرغم من وضوح الحجة على الحق في موقفك ورسالتك. # ( @QUR@04 وإنه لتنزيل رب العالمين ) إذ تتمثل في هذا القرآن أسرار ~~الإعجاز التي توحي بأنه كلام الله الذي لا يستطيع أن يدنو منه كلام ~~المخلوقين ، ( @QUR@04 نزل به الروح الأمين ) والمراد به جبرئيل الذي كان ~~ينزل بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكل أمانة ودقة وإتقان ، ~~فلا مجال للشك في زيادته أو نقصانه. وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على ذلك ~~في قوله تعالى : ( @QUR@018 قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن ~~الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ) [البقرة : 97] وقد أطلق ~~عليه صفة روح القدس في قوله تعالى : ( @QUR@013 قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) [النحل : 102]. # ( @QUR@02 على قلبك ) توحي ms4008 كلمة القلب بمعنى الوعي والإدراك في شخصية PageV17P159 # الإنسان ، من خلال ما تمثله النفس في احتضانها لكل المدركات والمعقولات ، ~~بكل مفاهيمها وإحساساتها. ولعل السر في عدوله عن كلمة (عليك) إلى كلمة قلبك ~~، للإيحاء بالجانب العقلي من شخصية النبي ، الذي هو الأساس في اختزان ~~الإنسان للوحي في ما يريده الله منه من إدراك وتعقل وإيمان. # وقد ذكر صاحب الميزان في تفسير ذلك وجها آخر فقال : «ولعل الوجه في قوله ~~: ( @QUR@06 نزل به الروح الأمين على قلبك ) دون أن يقول : عليك ، هو ~~الإشارة إلى كيفية تلقيه صلى الله عليه وآله وسلم القرآن النازل عليه ، وأن ~~الذي كان يتلقاه من الروح هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة ~~التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية. # فكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى ويسمع حينما كان يوحى إليه من غير أن ~~يستعمل حاستي البصر والسمع ، كما روي أنه كان يأخذه شبه إغماء يسمى برحاء الوحي. # فكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى الشخص ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع ~~الصوت ، غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين في ذلك كما ~~نستخدمهما. ولو كان رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين ، لكان ما يجده ~~مشتركا بينه وبين غيره ، فكان سائر الناس يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه. ~~والنقل القطعي يكذب ذلك ، فكثيرا ما كان يأخذه برحاء الوحي وهو بين الناس ~~فيوحى إليه ، ومن حوله لا يشعرون بشيء ولا يشاهدون شخصا يكلمه ولا كلاما ~~يلقى إليه» (1). # وهذا معنى طريف في ذاته ، ولكنه غير ظاهر من سياق الكلام ، بل كل ما هناك ~~أن الآية تشير إلى أن الله قد أنزله عليه ليعي كل مفاهيمه وليلقيه للناس من ~~خلال عمق الوعي الشامل في شخصيته ، ليكون القرآن في شخصيته عقلا يعي PageV17P160 # الفكرة ، وشعورا يختزن الإيمان. # ( @QUR@03 لتكون من المنذرين ) للناس من حولك بما يشتمل عليه من تفاصيل ~~الإنذار بالنتائج السلبية على تقدير الابتعاد عن خط الرسالة ، ( @QUR@03 ~~بلسان عربي مبين ) لأن الله ينزل وحيه على كل نبي بلسان قومه ليكون ms4009 ذلك ~~سببا لوعيهم له من خلال وعيهم لمعاني هذه اللغة ، ليكونوا الطليعة الأولى ~~التي تحمل الرسالة للآخرين من موقع فهمهم للإسلام ووعيهم لتعاليمه وتفاعلهم ~~مع مفاهيمه. # ( @QUR@04 وإنه لفي زبر الأولين ) أي صحف الأولين التي أنزلت على ~~الأنبياء من قبلك ، فقد اشتمل على كثير من التعاليم والوصايا والقصص التي ~~أرادها الله منهجا للأمم السابقة ، كما أرادها جزءا من خطة متكاملة للناس ~~الآن. وبذلك كان القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتب ، وخاتمة لحركة ~~الرسالات الإلهية ، يختصر كل مفاهيمها الأصلية في مفهوم جامع ، ويدفع ~~بالمفاهيم الجديدة للمستقبل ، مما يوحي بأنه الحق الذي لا ريب فيه لمن يؤمن ~~بالكتب المنزلة السابقة. # وقد اعترض صاحب الميزان على هذا الوجه في التفسير ، بأن «المشركين ما ~~كانوا يؤمنون بالأنبياء وكتبهم حتى يحتج عليهم بما فيها من التوحيد والمعاد ~~وغيرهما ، وهذا بخلاف ذكر خبر القرآن ونزوله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في كتب الأولين ، فإنه حينئذ يكون ملحمة تضطر النفوس إلى قبولها» (1). # ولكن الظاهر أن المشركين كانوا يعيشون من الناحية الثقافية في أجواء ~~الكتب المنزلة السابقة ، لا سيما ما يتصل بإبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام ~~، مما يوحي بوجود نوع من الاحترام والتعظيم لها والإيمان بها من ناحية ~~عامة. ولو تم ما ذكره من الملاحظة في عدم الإيمان بالكتب وبالأنبياء ، لكان ~~ردا على الوجه الذي ذكره من دون أن تكون طبيعته الملحمية PageV17P161 # موجبة لقبوله ، لأن بإمكانهم مناقشة الأمر كله ، كما يناقشون بالكتب ~~نفسها ، هذا أولا. # وثانيا ، إن القرآن لم يتحدث على الظاهر بأن الإشارة إليه مذكورة في ~~الكتب السابقة ، بل كل ما هناك أن اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~مذكورا على لسان الأنبياء السابقين ، إلا إذا كان ذكره صلى الله عليه وآله وسلم ~~لازما لذكر القرآن ، بينما تعدد الحديث في القرآن ، أنه مصدق لما بين يديه ~~من الكتب وأن ما تضمنه من بعض المعارف مذكور في صحف إبراهيم وموسى ~~عليه السلام ، والله العالم. # ( @QUR@09 أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ms4010 ) الذين كانوا ~~يتحدثون عن النبي وعن كتابه ودينه ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا ، مما يدل على أنه يرتكز على أساس الحقيقة الدينية المتوارثة عند أهل ~~الكتاب الذين يملكون الاحترام لدى المشركين في معرفتهم بالمسألة الدينية ~~باعتبارها من اختصاصاتهم في نظر الجميع. # * * * ### ||| ** الكذب يفتح أبواب العذاب # ( @QUR@011 ولو نزلناه على بعض الأعجمين* فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ~~) أي لو نزلناه بلغة العجم ، فقرأه على هؤلاء الذين ينكرونه الآن ، لأمكن ~~أن لا يؤمنوا به متعللين بأنهم لا يفهمونه في خصائصه الدالة على صدقه ، ~~ولكن ما عذرهم أمام هذا القرآن العربي الواضح الذي لا مجال فيه للريب أو ~~الشك في ما يفهمونه من كل مقاصدهم ، وهذا ما يمكن أن نستوحيه من الحديث عن ~~إنزاله ( @QUR@03 بلسان عربي مبين ) ومن قوله تعالى : ( @QUR@023 ولو ~~جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر PageV17P162 # @QUR@03 وهو عليهم عمى ) [فصلت : 44]. # وقال بعض المفسرين كما نقله صاحب الميزان : «إن المعنى : ولو نزلناه ~~قرآنا عربيا كما هو بنظمه الرائق المعجز ، على بعض الأعجمين الذين لا ~~يقدرون على التكلم بالعربية ، فقرأه عليهم قراءة صحيحة خارقة للعادات ، ما ~~كانوا به مؤمنين مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم ~~وشدة شكيمتهم في المكابرة» (1). ويرد عليه أنه لا شاهد له من السياق ، ولا ~~من ظاهر اللفظ ، بينما يملك الوجه الأول أكثر من شاهد. # ( @QUR@05 كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ) الذين أغلقوا وجدانهم عن ~~الانفتاح على الحق النازل من الله ، فكان من نتيجة ذلك أن دخلها الشك ~~والريب ، فتحركت بالأفكار السلبية الرافضة للإيمان في مواقع الحقيقة ، فلم ~~يقبلوا عليها بالفكر والتأمل والعمق في الملاحظة. وهكذا ترتبط المسألة ~~بطبيعة الأشياء ، فلن يتحرك الريب إلا في ما تحتويه الأرض الصالحة من بذور ~~خبيثة ، كما لا يتحرك الإيمان إلا في ما تحتويه الأرض الطيبة من بذور طيبة. ~~أما نسبة الفعل إلى الله ، فقد يكون ناشئا من الترابط الذي أودعه الله في ~~الناس في ms4011 علاقة المسببات بأسبابها. # فإذا كانت القضية تتحرك في هذا الاتجاه السلبي ، فقد يكون من الطبيعي ~~أنهم ( @QUR@03 لا يؤمنون به ) ويصرون على رفض الإيمان من دون أن يتراجعوا ~~عن ذلك ، إلى أن يأتيهم الموت ويواجهوا هناك الموقف الحاسم في الحاكم ~~العادل في رحلة النتائج السلبية على مستوى مصيرهم ، كرد فعل للنتائج ~~السلبية في قضية إيمانهم ، ( @QUR@09 حتى يروا العذاب الأليم* فيأتيهم بغتة ~~وهم لا يشعرون ) لأنهم كانوا في غفلة مطبقة لا تفسح لهم المجال للاستعداد ~~للموقف ، والتراجع عن الخطأ ، تماما ، ككل هؤلاء الذين يركبون رؤوسهم من ~~دون انفتاح على الجانب PageV17P163 # الآخر من الصورة ، فيستغرقون في الظلام حتى ينفتح عليهم النور فجأة في ~~الوقت غير المناسب ، والمكان غير المناسب. ويبدأ التساؤل ( @QUR@04 فيقولوا ~~هل نحن منظرون ) لنؤمن من جديد ، ونتراجع عن خط الكفر ونطيع الله في ما ~~أمرنا ونهانا ، وهذا تساؤل لا يبحث عن جواب ، ولكنه يعبر عن حالة نفسية ~~خانقة ، تثير الحسرة والندم في أعماقهم. # ولكن الله يستعيد موقفهم أمام نبيهم ، يوم كانوا يطلقون كلمات التحدي ~~التي تختزن السخرية والاستهزاء عند ما كانوا يقولون له : ( @QUR@03 فأتنا ~~بما تعدنا ) [الأعراف : 70] ، ( @QUR@05 فأسقط علينا كسفا من السماء ) ~~[الشعراء : 187] ، ويطلق أمامهم التساؤل الذي يستبطن التحدي المضاد الحاسم. # ( @QUR@02 أفبعذابنا يستعجلون ) فكيف يواجهون الموقف أمامه بهذا الشكل من ~~الاستهانة والسخرية ، وما الوسائل التي يملكونها للوقوف أمامه؟ وما الأسس ~~التي يرتكزون عليها في إنكار ذلك؟ # ( @QUR@04 أفرأيت إن متعناهم سنين ) وأمهلناهم وفتحنا لهم كل أبواب ~~الحياة الدنيا ، بما فيها من شهوات وطيبات ولهو ولعب ( @QUR@05 ثم جاءهم ما ~~كانوا يوعدون ) من العذاب ، فهل يجديهم هذا الإمهال نفعا ، وهل يدفع عنهم ~~ضرا؟ وماذا يجديهم أمام إصرارهم على الاستمرار في الكفر إلا زيادة في ~~المسؤولية وخطورة في النتائج السلبية على مستوى قضية المصير؟ ( @QUR@06 ما ~~أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) لأن ذلك الجو من الشهوات واللذات واللهو ~~واللعب سيزول ويتبخر أمام رياح الفناء وستبقى تبعاته وسيئاته. # وتلك هي مشكلة هؤلاء في مواجهتهم لدعوات الأنبياء في رسالاتهم ، فهم ~~يتحركون من عقدة الرفض الكامنة في تعقيدات الذات ms4012 ، ومن حالة الانفعال ~~المريض الغارق في أجواء الكبرياء ، فلا يمنحون أنفسهم فرصة للتفكير ، ولا ~~يتقدمون خطوة في ساحات الحوار ، بل يستغرقون في الحالة النفسية المرضية ، PageV17P164 # حتى يواجهوا الاستحقاقات المصيرية عند ما يلاقون العذاب ، فيندمون حيث لا ~~ينفعهم الندم ، ويتوسلون حيث لا مجال لأية وسيلة للتراجع. # ( @QUR@07 وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ) يبلغونهم رسالات ربهم ، ~~وينذرونهم نتائج الكفر والعصيان لتقوم عليهم الحجة ، فلا يملكون أية وسيلة ~~دفاع عن موقفهم إذا امتد بهم الطريق في التمرد على الله ، ( @QUR@01 ذكرى ) ~~ليدفعهم الإنذار إلى الانتباه من الغفلة ، والتذكر لكل ما حولهم ، وما ~~يقبلون عليه في المستقبل. وتلك هي فكرة العدالة التي يتحرك بها العقل الذي ~~يحكم بقبح العقاب من دون إقامة الحجة ، ويأتي بها الوحي في قوله تعالى : ( ~~@QUR@021 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [الإسراء : 15] ، ( @QUR@03 وما ~~كنا ظالمين ) في إهلاكهم بعد إنذارهم بمختلف الأساليب ، وتذكيرهم بأنواع ~~الوسائل. # * * * # ( @QUR@04 وما تنزلت به الشياطين ) # ( @QUR@04 وما تنزلت به الشياطين ) الذين يعتقد الجاهليون أنهم يتنزلون ~~على الكهان ، فيوحون إليهم بأخبار الغيب في أمور الكون والناس. وهذا ما ~~حاول البعض أن يربط به المضمون القرآني لينسب إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم شخصية الكاهن الذي يأتيه الجن الشيطاني بما ينقله من ~~الوحي وما يتحدث به من الغيب ، وهكذا أراد الله أن ينفي ذلك تأكيدا لما ~~ذكره من أنه ( @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ) [الواقعة : 80] ، ( @QUR@03 ~~وما ينبغي لهم ) لأنهم لا يمثلون التناسب والانسجام مع ما هو القرآن في ~~مضمون الحق الذي يبشر به والهدى الذي يدعو له ، لأن نفوسهم مجبولة على الشر ~~الذي تتحرك فيه عقولهم ، وتخفق به قلوبهم ، وتطوف به أخيلتهم وأحلامهم مما ~~يجعلهم بعيدين عن ذلك كله ( @QUR@02 وما يستطيعون ) PageV17P165 # الوصول إلى هذا الكلام ، لو أرادوا ذلك وحاولوه ، لأنه كلام الله الذي لا ~~يصل إليه إلا الذي أنزله الله عليه ، فهو ليس شيئا يصل إليه الإنسان ~~باختياره ووسائله الخاصة ، بل هو من الغيب الذي ms4013 يملك الله أمره ، ولا يملكه ~~أحد إلا من حيث ملكه الله إياه ، وهم إلى ذلك كما وصفهم الله : ( @QUR@04 ~~إنهم عن السمع لمعزولون ) فلا سبيل إلى أن يسترقوا السمع للاطلاع على ما ~~يجري في الملكوت الأعلى ، لأن الله يقذفهم بالشهب ، إذا حاولوا ذلك ، ~~فيمنعهم من استراق السمع. إنه الأسلوب القرآني الذي يريد أن يبعد الإنسان ~~عن الخرافة في العقيدة ، بأسلوب وجداني وعلمي من أجل قيادته إلى الارتباط ~~بالحقيقة من أقرب طريق. # * * * PageV17P166 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) @QUR@03 ~~وأنذر عشيرتك الأقربين (214) @QUR@06 واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~(215) @QUR@07 فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) @QUR@04 وتوكل على ~~العزيز الرحيم (217) @QUR@04 الذي يراك حين تقوم (218) @QUR@03 وتقلبك في ~~الساجدين (219) @QUR@04 إنه هو السميع العليم ) (220) # * * * ### ||| ** التوجيه الإلهي للنبي في حركة الدعوة # ما دام النبي في موقع الدعوة التي تواجه التحديات ، وما دامت التحديات ~~تتحرك لتضغط على مواطن الضعف في الداعية لتقوده إلى التراجع والانهزام أو ~~الانحراف ، كان لا بد من أن يتحرك الوحي القرآني لتثبيت الخط في الوعي ~~والحركة والواقع ، ولتوجيه الخطى في الساحة العملية إلى السير في الطريق ~~المستقيم على أساس الحكمة والحق والاعتدال. # * * * # ( @QUR@06 فلا تدع مع الله إلها آخر ) # ( @QUR@06 فلا تدع مع الله إلها آخر ) مما قد يدعوك إليه الآخرون في بعض PageV17P167 # طروحات التسوية التي تقودك إلى تقديم التنازلات من مواقفك ومواقعك في ~~العقيدة والحياة ، فقد يدفعونك إلى أن تقدم فروض العبادة إلى إله آخر ، أو ~~تدعو إلى عبادة غيره تحت تأثير نقاط الضعف في شخصيتك. # وإذا كان هذا الفرض غير وارد بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المعصوم عن الانحراف ، فإن القرآن قد اتخذ أسلوب مخاطبة الأمة من خلال ~~توجيه الخطاب إلى النبي ، للتدليل على مستوى الأهمية الذي ترقى إليه القضية ~~، مما يجعل الاحتياط في التأكيد عليها ، يأخذ الحجم الكبير الذي يتخذه ~~الخطاب القرآني في تحريك التوجيه إلى النبي ، لا إلى الناس ، للإيحاء ~~للدعاة إلى الله بأن عليهم أن يكونوا في موقع اليقظة من كل الوساوس التي ~~يثيرها المنحرفون ms4014 في صدورهم وفي حياتهم ، ( @QUR@03 فتكون من المعذبين ) ~~لأن الشرك يستدعي العذاب الشديد من الله. # * * * # ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) # ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) كقاعدة أولى لإنذار الآخرين ، لأن ~~الناس قد يتحدثون معه عن عشيرته بأنهم الأولى باتباعهم خط الدعوة في ما يجب ~~أن يلتقوا به من مفاهيمها وتعاليمها ، فإذا آمنوا به وصدقوه كانوا عونا له ~~على رسالته بالتفافهم حوله ونصرتهم له ، بينما يفرض الموقف المعاكس نتيجة ~~معاكسة ، لأنهم يكونون حجة عليه ، حيث يمكن أن يثأر الحديث لديهم بأنه لو ~~كان صادقا لصدقته عشيرته لأنه أعرف الناس بهم وأقربهم إليه. # وقد اختلف المفسرون في هذه الآية ، فقد جاء في الدر المنثور عن أبي أمامة ~~قال : «لما نزلت ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) جمع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم فأجلسهم على الباب ، وجمع نساءه وأهله ~~فأجلسهم في البيت ، ثم اطلع عليهم PageV17P168 # فقال : يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار واسعوا في فكاك رقابكم أو ~~افتكوها بأنفسكم من الله ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا. # ثم أقبل على أهل بيته فقال : يا عائشة بنت أبي بكر ، ويا حفصة بنت عمر ، ~~ويا أم سلمة ، ويا فاطمة بنت محمد ، ويا أم الزبير عمة رسول الله ، اشتروا ~~أنفسكن من الله واسعوا في فكاك رقابكن ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا ولا ~~أغني ، الحديث» (1). # ولكن يلاحظ على هذا الحديث ، أن الآية مكية ، فلا تتناسب مع الخطاب مع ~~عائشة وحفصة وأم سلمة ، اللاتي تزوجهن النبي في المدينة. # وفي مجمع البيان عن تفسير الثعلبي بإسناده عن البراء بن عازب قال : «لما ~~نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم ~~يومئذ أربعون رجلا ، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس (2)، فأمر عليا ~~برجل شاة فأدمها ثم قال : ادنوا بسم الله ، فدنا القوم عشرة عشرة ، فأكلوا ~~حتى صدروا. ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا بسم الله ~~فشربوا حتى رووا ، فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل ms4015 ، فسكت ~~صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ولم يتكلم. # ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ، ثم أنذرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من ~~الله عز وجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا. # ثم قال : من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في PageV17P169 # أهلي ويقضي ديني؟ فسكت القوم ، فأعادها ثلاثا ، كل ذلك يسكت القوم ويقول ~~علي عليه السلام : أنا ، فقال في المرة الثالثة أنت ، فقام القوم ، وهم ~~يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمر عليك» (1). # وهناك عدة روايات مماثلة لهذه الرواية في كثير من مضمونها ، مما روي عن ~~أبي رافع ، ورواه السيوطي في الدر المنثور ، وصاحب علل الشرائع. وقد نستوحي ~~منها الفكرة التي تؤكد على أن الالتزام بالرسالة في خط الدعوة والجهاد ~~والعمل ، والمؤازرة في ذلك كله ، هو القيمة كل القيمة ، والفضل كل الفضل ، ~~في علو الدرجة ، وسمو المكانة ، وجدارة الموقع ، وهذا ما جعل للإمام علي ~~عليه السلام الميزة الكبرى على الصحابة في علمه ونصرته وجهاده وتقدمه في ~~مجال الدعوة إلى الله. # * * * ### ||| ** واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # ( @QUR@06 واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) الذين آمنوا برسالتك ، ~~فانفتحوا على الله من خلالها ، والتزموا بالحق على هداها ، واتبعوك من موقع ~~النبوة والقيادة الحقة على أساسها ، وواجهوا كل تحديات الكفر والضلال في ~~مواقعها ، الأمر الذي يجعلهم في الدرجة العليا من المستوى الرسالي بعيدا ~~عما هو الموقع في الميزان الطبقي في الصعيد الاجتماعي ، لأن الرسالة تعطي ~~للجانب الرسالي في حركة الشخصية قيمتها ، فيتفاضل الناس في ذلك لا في النسب ~~والمال والجاه وغيره. PageV17P170 # وهذا ما يفرض على الرسول والدعاة والقادة الإسلاميين من بعده ، أن يحضنوا ~~المؤمنين الذين اتبعوه ، كما يحضن الطير أفراخه ، فيبسط إليهم جناحه ليضمهم ~~إليه ، ويجمعهم عنده ، وأن يرأفوا بهم ويرحموهم ويتواضعوا لهم من مواقع ~~الإيمان ، ليشعر المؤمنون بأن الإسلام قد أعطاهم قيمة كبيرة في التزامهم به ~~، وأن القيادة قد منحتهم موقعا متميزا في الموقع والعاطفة والرعاية في حركة ms4016 ~~الاتباع والطاعة والانقياد ، فتقوى نفوسهم وتشتد مواقفهم ، وتثبت خطواتهم. # ( @QUR@07 فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) لأن الرعاية والرأفة ~~والرحمة لا بد من أن تنطلق من أجواء الالتزام الإيماني المتمثل في سلوكهم ~~العملي بالاقتراب من طاعته والابتعاد عن معصيته ، فإن تبدل ذلك بالمعصية ~~والتمرد ، فلا بد من إعلان الموقف الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح ~~، وذلك بالبراءة من العمل المنحرف عن أمر الله ونهيه ، لأن ما يجمع الرسول ~~بالناس هو العمل ، فهو الذي يقربهم إليه إن انطلق في اتجاه الاستقامة ، وهو ~~الذي يبعدهم عنه إن تحرك في اتجاه الانحراف. # وهذا ما ينبغي للعالمين في سبيل الله ، والدعاة إليه ، أن يؤكدوه في ~~الالتزام بالجماعة التابعين لهم ، لا أن يكون الإطار الشكلي هو الأساس في ~~الموالاة ، بل يكون المضمون العملي هو الأساس في ذلك. وهذا هو الفرق بين ~~الطائفية في مدلولها العشائري ، والرسالية في مدلولها الفكري والروحي ~~والعملي. # * * * ### ||| ** نتائج التوكل على الله # ( @QUR@04 وتوكل على العزيز الرحيم ) الذي يمنح عباده القوة من قبله ، ~~فيعتزون PageV17P171 # بعزته ، ويفيض عليهم من رحمته ، فيحسون بالطمأنينة والسلام الروحي من ~~خلالها ، فإذا توكل عبده عليه ، وأسلم أمره إليه وواجه الحياة في كل ~~تحدياتها للرسالة المتحركة في خطواته الثابتة بالثقة الكبيرة في إيمانه ، ~~فإنه يسهل له كل الصعوبات ، ويجنبه كل المشاكل ، ويخرجه من أقسى المآزق ، ~~ويجعل له من أمره فرجا ومخرجا. # وهذا ما ينبغي للمؤمن الداعية أن يحركه في وعيه الرسالي ، فيأخذ القوة من ~~ربه ، ويحرك الرسالة في خطته ، ويجمع المؤمنين إليه وإلى كلمته ، ثم يواجه ~~الواقع كله بعزمه وإرادته ، لا يخاف من الناس ، ولا يخشى المفاجآت ، بل ~~يتوكل على الله في ما يمكن أن يحمله المستقبل من أحداث وأوضاع ، فهو الذي ~~يتكفل بذلك ، في ما يكله العبد إليه من أموره في طريق طاعته ورضاه ، لأنه ~~الرب العظيم العزيز الرحيم ( @QUR@04 الذي يراك حين تقوم ) لعبادته في جوف ~~الليل ، في موقف العبودية الخاشعة المبتهلة المنقادة إليه ، المنفتحة عليه ~~في آفاق النور الرحبة عند ما تهددها كهوف الظلام لتحاصرها بنوازع الضعف ms4017 ~~البشري التي تقود الإنسان إلى اليأس ، فيرحمك برحمته ، ويظلك بلطفه ( ~~@QUR@03 وتقلبك في الساجدين ) المصلين الذين يصلون معك ، أو يراك في تحركك ~~في أجواء السجود مع الفريق الذي يسجد لله خشوعا في ما يمثله مجتمع الساجدين ~~العابدين الذي تقف في مقدمته ، وفي طليعتهم ، على ما هو الظاهر من السياق ، ~~وأخذ به جمع من المفسرين. # وفي مجمع البيان في قوله تعالى : ( @QUR@03 وتقلبك في الساجدين ) «قيل : ~~معناه وتقلبك في أصلاب الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا ، عن ابن ~~عباس في رواية عطاء وعكرمة ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله صلوات ~~الله عليهما قالا : في أصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى أخرجه من PageV17P172 # صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم عليه السلام » (1). وقد استدل بهذه ~~الرواية الشيعة الإمامية ، على أن جميع آباء النبي موحدون ، وربما يثور ~~سؤال حول هذه الرواية من هذه الجهة بأنها تدل على أن آباء النبي أنبياء ، ~~فقد تقلب في أصلاب الموحدين من نبي الى نبي ، ولما كان هذا غير واقعي ، لأن ~~بعض آبائه لم يكونوا كذلك ، فلا بد من أن تكون المسألة واردة على نحو ~~القضية الجزئية ، بمعنى أن يكون قد تقلب في أصلاب الأنبياء باعتبار أن بعض ~~أجداده ، كإبراهيم وإسماعيل ، كانوا من الأنبياء ، وهذا ما توحي به الآية ، ~~لأنه ليس من المعقول أن تكون اللام مفيدة للعموم ، لأن معناه أن يكون قد ~~تقلب في أصلاب كل الساجدين ، وهو غير مراد قطعا ، والله العالم. ( @QUR@04 ~~إنه هو السميع العليم ) الذي يسمع قولك عند ما تدعوه وتبتهل إليه وتدعو ~~الناس إليه ويعلم جهادك في سبيله كما يسمع ما يصدر من خلقه من أقوال ، وما ~~يقومون به من أفعال. # * * * PageV17P173 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) @QUR@05 تنزل على كل ~~أفاك أثيم (222) @QUR@04 يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) @QUR@03 ~~والشعراء يتبعهم الغاوون (224) @QUR@07 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) ~~@QUR@05 وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) @QUR@019 إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا ~~أي ms4018 منقلب ينقلبون ) (227) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنبئكم ): أخبركم. # ( @QUR@01 أفاك ): كذاب. # ( @QUR@01 أثيم ): فاعل الإثم. # * * * ### ||| ** الشياطين تنزل على الأفاكين # لقد نسبوا إلى النبي الكهانة في ما كانوا يحاربونه به من الكلمات ~~اللامسؤولة التي يريدون أن يشوهوا بها شخصيته الرسالية ، لينظر إليه الناس من PageV17P174 # هذا الموقع الذي يتصورون فيه الشخص الذي يملك صلة بالجن والشياطين الذين ~~يوحون إليه ببعض الغيبيات والأفكار ، فيبطل تأثيره فيهم في أجواء القداسة ~~الرسالية التي تربطه بالله ، وتطل به على آفاق الغيب ومواقع الوحي الإلهي. ~~ولهذا جاءت هذه الآيات لتركز على هؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين ~~بالخيالات والأوهام الكاذبة فلا يملكون من الحقيقة شيئا ، بل يطلقون ~~الدعاوي في مصادرهم الغيبية من دون أساس ليعرف الجميع أن النبي ليس من هذه ~~الجماعة ، وأن رسالته لا تحمل ملامح كلماتهم الزائفة ، وأن الذين يتحركون ~~في طريق الكذب والإثم والجريمة هم جماعة الشياطين ، بقطع النظر عما إذا ~~كانت لهم صلة مباشرة بهم ، أو لم تكن لهم تلك الصلة ، بل كانت المسألة ~~مسألة الأجواء الشيطانية في الفكر والحركة. # ( @QUR@06 هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ) أيها الكافرون الذين تتحدثون ~~بأن النبي يستقبل الشياطين الذين يوحون له ما يتلوه عليكم من قرآن من دون ~~حجة لديكم في هذا الحديث ، ( @QUR@05 تنزل على كل أفاك أثيم ) من هؤلاء ~~الذين جعلوا الكذب المتعدد الألوان ، المتنوع الأوضاع ، المتحرك في كل ~~المواقع القلقة الخاضعة للاهتزاز ، وأولئك الذين يمارسون الجرائم والمعاصي ~~التي تغرق في أوحال الإثم ، فلا تصدر منهم إلا الخيالات المريضة والأكاذيب ~~الخبيثة والحكايات السخيفة التي لا تفتح العقل على حجة ، ولا تملأ القلب ~~بالحقيقة. # أما هذا الرسول الذي يأتي بالقرآن في حقائقه الفكرية والعملية التي تنظم ~~الحياة على أساس الحق ، وتحرك النظام في طريق العدل ، وتثبت الإنسان على ~~القاعدة الضاربة العمق في أعماق الوجود فلا يفسح المجال للعبث ، ولا يحرك ~~الخطى في مواقع الاهتزاز ، ولا يسمح للوهم أن يقترب من ساحة الحق ، ولا ~~للظلام أن ينفذ إلى مشارق النور. # أما هذا الرسول ، في ما يأتي به من الوحي ، فلا يمكن أن يكون ms4019 صاحب PageV17P175 # الشياطين في وحيه وفي حركته الرسالية ، بل لا بد من أن يكون الإنسان الذي ~~ينفتح على الله لينزل عليه وحيه في صفاء النور وطهارة الينابيع. # إن المسألة لا تحتمل جدالا ومناقشة ، لأنها مسألة الوضوح في المقارنة بين ~~ما هو الكذب والصدق ، وما هو الحق والباطل ، وما هو وحي الله ووحي الشيطان ~~الذي يريد جنده أن يمنحوا حديثهم بعض مواقع القداسة فيزعمون أنهم يستمدونه ~~مما يسمعونه من أخبار السماء ، في ما يوحون به إلى أتباعهم بأنهم يملكون ~~الوصول إلى مواقع التنصت على ما يدور في السماء من أخبار الأرض والإنسان ، ~~ولكنهم لا يرتكزون على أساس ثابت ( @QUR@04 يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) ~~في ما يدعونه من أحاديثهم وتهويلاتهم وأفكارهم المريضة ، فكيف يجتمع الصدق ~~الذي يمثله الرسول مع الكذب الذي يتمثل في كل نهجهم وطريقتهم في الحياة؟ # * * * ### ||| ** مناقشة اتهام النبي بالشعر # وتقولون إنه شاعر ، كهؤلاء الشعراء الذين يتحركون في الساحة ، ليمدحوا ~~هذا ويذموا ذاك ، ويحسنوا صورة هنا ويقبحوا صورة هناك ، وليثيروا الأوهام ~~والخيالات على حساب الحقائق ، وتتحدثون عن أسلوب القرآن أنه شعر أو يشبه ~~الشعر لتبتعدوا به عن طبيعته القرآنية المنطلقة من عمق الوحي الإلهي ، ولكن ~~، هل رأيتم ملامح الشاعر في روحيته ووجدانه وصدقه وصفاء روحه وإشراقة فكره ~~، وانفتاح قلبه على الخير والرحمة والحق؟ هل تمثلتم في شخصيته الملائكية ~~شخصية الشاعر الذي يلون الكلمة بألوان الباطل ، ويغذيهم بأكاذيب المضمون ~~غير الواقعي؟ ألا ترون بعدا كبيرا بين هذه الشخصية الرحبة التي عاشت آفاق ~~السمو مع الله وانفتحت على الخير كله في حياة الإنسان ، وبين الشخصية ~~المعروفة في مجتمع الشعراء الغارقة في أوحال الشهوات ، PageV17P176 # الغائبة في سكرات الخمر ، المتحركة مع أطماع الذات في أموال الآخرين ~~وامتيازاتهم؟ حدقوا في المسألة جيدا لتعرفوا حق الحديث من باطله. # ( @QUR@03 والشعراء يتبعهم الغاوون ) الذين يبحثون عن الخيالات البعيدة ~~عن الواقع والأوهام التي تهرب من الحقائق ، ويتحركون في مواقع الغي بعيدا ~~عن ساحة الرشد ، ويستمرون مع الجو ما دام رائقا ومنسجما مع أوضاعهم النفسية ~~ومصالحهم المادية ، فإذا اقترب الخطر منهم وتعقدت ms4020 الأمور في ساحاتهم وشعروا ~~بالمشاكل الصعبة تتحداهم هربوا وابتعدوا عن الشعر والشعراء ليحصلوا على ~~السلامة. # ولكن محمدا في رسالته يتبعه المؤمنون المخلصون الذين آمنوا بالله وبرسله ~~وباليوم الآخر ، واتبعوا النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لما في رسالته من ~~عمق روحي ورسالي يتعالى بالحياة ، حتى إذا ما واجهتهم أخطارها ، لتهزم ~~فكرهم وروحهم وموقفهم القوي أمام الحق ، يثبتون ويصمدون ، ويواجهون الأخطار ~~بروحية الإنسان الذي يعيش الشهادة في حياته ، ويتحرك مع عقلية الشهادة ~~وروحيتها في إقباله على الموت. # ( @QUR@07 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ) فليس لهم قاعدة ينطلقون منها ، ~~ولا موقع ثابت يقفون عليه ، ولا أفق واحد يتطلعون إليه ، فهم يتحركون مع ~~الرياح القادمة من هنا وهناك فيميلون معها حيث تميل ، ويقصدون في كل يوم ~~أرضا جديدة ، ويهيمون في واد جديد تبعا للأطماع والمصالح والشهوات ، فهم ، ~~من خلال ذلك ، أتباع الظلمة من الملوك والجبابرة لأنهم يملكون المال الذي ~~يسيرون خلفه ، ويحتوون الجاه الذي يتطلعون إليه ، فمن يدفع لهم أكثر فمدحهم ~~له أفضل ، وهكذا كانت الكلمة تابعة للهوى. # أما الرسول ، فإنه ينطلق من موقع الحق الذي لا يتغير ، مهما تغيرت الرياح ~~، فهو يعمل على أن يصنع الرياح في اتجاه فكره بدلا من أن يحركه في PageV17P177 # اتجاه حركة الريح من حوله. # ( @QUR@05 وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) لأنهم لا يتحركون من موقع ~~القناعات بل من موقع الأهواء والشهوات ، فليست الكلمة صدى العقيدة ، بل هي ~~صوت المصلحة ، ومما يجعل المساحة كبيرة بين ما يعتقدون ويقتنعون به ، وبين ~~ما هو واقع أفعالهم وممارستهم. أما الرسول ، فهو الذي يريد أن يحرك الكلمة ~~في مواقع العمل ، وينطلق بالفعل ليكون تعبيرا عن القول ليتم التطابق بينهما ~~في أرض الواقع. # * * * ### ||| ** هل الإسلام ضد الشعر؟ # ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل هذا موقف ضد الشعر؟ وهل الشعراء فئة ~~مذمومة عند الله ، فليس للإنسان الذي يريد أن يحصل على محبة الله ورضاه أن ~~يكون شاعرا؟ ولماذا هذا الموقف المعقد من الشعر والشعراء؟ وما الفرق بينه ~~وبين الموقف من الخطابة والخطباء؟ ms4021 وهل هناك إلا الاختلاف في الكلمة ~~الموسيقية في ما هو اللحن في الوزن ، وبين الكلمة غير الموسيقية في ما هو ~~الصوت في النثر؟ # والجواب : إن الموقف ليس موقفا ضد الشعر والشعراء ، فقد جاء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قوله : «إن من الشعر لحكمة» (1)، بل هو موقف ضد ~~الذهنية الغالبة لدى الشعراء في الظاهرة العامة لسلوكهم مما يجعلهم يستغلون ~~اهتمام الناس بالشعر كأسلوب يهز المشاعر ، ويثير العواطف ، في سبيل الوصول ~~إلى مطامعهم وشهواتهم عند ما يحركون الكلمة القصيدة في سوق المزايدات PageV17P178 # المالية ، فيكون لذلك تأثير سلبي على حركة الحق في حياة الناس ، وبذلك ~~يمكن أن تتضخم صورة غير ضخمة ، أو يشرق واقع مظلم من خلال إضاءة الكلمة في ~~مواقعه بعيدا عن حقيقة الضياء في الواقع. وهكذا يشاركون في غلبة الزيف على ~~الحياة في الأشخاص والأوضاع والمواقع. # أما إذا كانت القصيدة ، في مضمونها ، انتصارا للحق ، ودفاعا عن المظلوم ، ~~وإثارة لحركة الإيمان ، فإن الموقف يتبدل والحكم يختلف ، وهذا ما عبرت عنه ~~الآية التالية التي جاءت بمثابة الاستثناء عن تلك القاعدة العامة. # ( @QUR@013 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا ~~من بعد ما ظلموا ) فانطلقوا من قاعدة الإيمان في فكرهم ووجدانهم ، وتحركوا ~~في خط العمل الصالح في مواقفهم ومواقعهم ، وانفتحوا على الله في تفكيرهم ~~وأذكارهم ، وواجهوا الموقف الظالم الذي يفرضه عليهم الظالمون بالدفاع ~~والانتصار لأنفسهم وللآخرين من المظلومين ، فهؤلاء يملكون القيمة كل القيمة ~~تبعا للقيمة التي يمثلها الإيمان والعمل الصالح وذكر الله والانتصار للظلم ~~، مما يعني أن المسألة في الشعر هي مسألة المضمون والموقف ، وليست مسألة ~~الشكل والكلمة. وقد نقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الشعر : ~~ما تقول في الشعر؟ فقال : «إن المؤمن مجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده ~~، لكأنما ينضحونهم بالنبل» (1). وبذلك يتحول الشعراء إلى سلاح قوي في ~~المعركة تماما كما هو النبل عند ما يسدده المقاتل إلى صدور الأعداء. # ( @QUR@03 وسيعلم الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر والمعصية ، وظلموا غيرهم ~~بالبغي والعدوان ، ( @QUR@03 أي منقلب ينقلبون ) عند ms4022 ما يواجهون سوء ~~العاقبة في الدنيا وعذاب الله في الآخرة. والحمد لله رب العالمين. # * * * PageV17P179 ### | سورة النمل ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث وسبعون PageV17P181 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) @QUR@03 هدى وبشرى للمؤمنين ~~(2) @QUR@09 الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) ~~@QUR@010 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) ~~@QUR@010 أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) ~~@QUR@07 وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يعمهون ): العمى للبصر ، والعمه للبصيرة. # ( @QUR@01 لتلقى ): تعطى. # * * * ### ||| ** بشارة المؤمن وخسارة المنكر # ( @QUR@01 طس ) من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها. # ( @QUR@05 تلك آيات القرآن وكتاب مبين ) واضح الدلالة على ما يتضمنه من PageV17P183 # الأفكار العقيدية والروحية والعملية ، وها هي أمامكم بكل إشراقها ~~وحركيتها في وجدانكم وفكركم ، ( @QUR@03 هدى وبشرى للمؤمنين ) فهي تحدد لهم ~~الطريق المستقيم وتهديهم إليه وتدعوهم إلى السير عليه للوصول إلى محبة الله ~~ورضوانه ، وهي تثير أمامهم النتائج السعيدة التي يحصلون عليها من خلال ~~السير في خط الإيمان ، لما ينتظرونه من النعيم الخالد في جنة الله ، ومن ~~السعادة الدائمة في رضوانه. # ( @QUR@03 الذين يقيمون الصلاة ) في ما تمثله من القيام الخاشع الخاضع ~~بين يدي الله ، للاتصال بروحانية قدسه ، والاستمداد من لطف رحمته ، والتطلع ~~إلى ساحة قربه ، والوصول إلى غاية رضاه ، والانفتاح على كل رحاب الخير في ~~هداه وعلى كل مواقع الحق في مداه ، ( @QUR@02 ويؤتون الزكاة ) بما تمثله من ~~الامتداد في العطاء مما رزقهم الله من نعمه الواسعة للتدليل على أن عطاء ~~الله للإنسان يفرض عليه القيام بمسؤوليته في عطائه للإنسان الآخر ليشهد ~~الله على أنه لم يكن أنانيا في تقبله لما أنعم الله عليه ، بل كان كريما في ~~ذلك ، في ما يحس به في عمق إيمانه ، أن النعمة تستدعي حركة في داخلها ~~بالشكر ، وفي خارجها بالعطاء ، لينطلق التكافل الاجتماعي في مواقع النعمة ~~المتحركة من إنسان لآخر في مواقع المسؤولية ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم ~~يوقنون ) في ما يوحي به من انطلاق الإيمان من حركة الوجود في قدرة الله في ~~البداية كمظهر للقدرة والنعمة ms4023 ، وامتداده في حيوية الوعي في الإنسان كموقع ~~للمسؤولية ، ثم انفتاحه على البعث بعد الموت في وصول العمر إلى نهايته ~~وعودته إلى الحياة الجديدة ليقف بين يدي الله بكل مفرداته السلبية ~~والإيجابية ليواجه نتائج المسؤولية. وهذا هو الذي يجعل للإيمان بالآخرة ~~عمقا في توازن الأعمال واستقامتها. # ( @QUR@010 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) ~~حيث استغرقوا في خصوصياتها المزخرفة ، وزينتها الحلوة ، وجاذبيتها المغرية ~~، ولم يلتفتوا إلى ما ينتج منها من انعكاسات سلبية على حركة الإنسان ~~والحياة وقضايا المصير ، PageV17P184 # فاستسلموا للإيحاءات الجميلة التي تزين الأعمال في نظر أصحابها ، ولم ~~يدققوا في الجانب الآخر من الصورة الذي يظهر القبح الكامن في داخلها. وهكذا ~~استمروا في هذا الجو الذي يربط الإنسان بالسطح ولا يدفع به إلى العمق ، ~~فيبقى معلقا حائرا لا يعرف طريقه ولا يبلغ هداه. # ( @QUR@05 أولئك الذين لهم سوء العذاب ) بما قاموا به من أعمال تخالف ~~أوامر الله ونواهيه ، ( @QUR@05 وهم في الآخرة هم الأخسرون ) لأنهم خسروا ~~أنفسهم ، عند ما أحبطوا أعمالهم بالكفر ، فلم يبق لهم إلا السيئات التي ~~تجرهم إلى النار وبئس القرار. # ( @QUR@03 وإنك لتلقى القرآن ) الذي يحمل الهدى والبشرى للمؤمنين الذين ~~يتبعونك في الإيمان به والعمل بما يوحي إليهم من تعاليمه ، ( @QUR@04 من ~~لدن حكيم عليم ) في ما يوحي به من الحكمة ، وفي ما يفيضه من علمه الذي لا ~~حد له ولا نهاية. وهكذا يجد فيه الإنسان الخير كل الخير والحجة كل الحجة ، ~~والهدى كل الهدى في حركة الحياة والمصير. # * * * PageV17P185 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) @QUR@014 فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ~~ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) @QUR@07 يا موسى إنه أنا الله ~~العزيز الحكيم (9) @QUR@020 وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ~~ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) @QUR@011 إلا من ~~ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) @QUR@019 وأدخل يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات ms4024 إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين ~~(12) @QUR@08 فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) @QUR@011 ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آنست ): أبصرت. # ( @QUR@01 بشهاب ): شعلة. # ( @QUR@01 قبس ): قطعة من نار. PageV17P186 # ( @QUR@01 تصطلون ): تستدفئون. # ( @QUR@02 ولم يعقب ): لم يرجع. # ( @QUR@01 مبصرة ): واضحة. # * * * ### ||| ** خطوة النبي موسى عليه السلام الأولى مع الرسالة # وتظل قصة موسى ، ذات الأبعاد المتعددة التي تتحرك في أكثر من موقع ~~للعقيدة وللحركة والحياة ، في ما يتمثل فيها من موقعه وموقفه وتجربته في خط ~~المواجهة لفرعون وقومه كنموذج متحرك لكل المواقع المماثلة التي توحي بها ~~القصة للمستقبل على صعيد الأشخاص والأمكنة والأوضاع. # وقد اختصرت السورة القصة بين البداية في انفتاح موسى على الله من خلال ~~الرسالة في موقع المعجزة ، وبين النهاية في مواجهته للآخرين الذين جحدوا ~~رسالته من موقع التمرد فكانت نهايتهم في أجواء الهلاك. # * * * ### ||| ** موسى يأنس نارا # ( @QUR@04 إذ قال موسى لأهله ) وكان يبحث عن نار للدفء في أجواء البرد ~~القارس ، وقد لا يكون أهله متعددين ، فقد قيل إن امرأته وحدها هي التي كانت ~~معه ، وربما كان معه غيرها ، ( @QUR@03 إني آنست نارا ) أي أبصرتها من بعيد ~~( @QUR@03 سآتيكم منها بخبر ) فيمن يجتمع لدى النار من الناس ، فقد يخبرنا ~~عن الطريق الذي نريد أن نسير فيه ، أو يعرفنا ما نصنعه في هذه المرحلة من ~~السفر ( @QUR@04 أو آتيكم بشهاب قبس ) والشهاب هو الشعلة الساطعة من النار ~~الموقدة ، ومن العارض في الجو ، والقبس المتناول من الشعلة ، ( @QUR@02 ~~لعلكم تصطلون ) أي تحصلون على الدفء من PageV17P187 # خلاله في هذا المكان البارد. # * * * ### ||| ** موسى أمام المفاجأة الإلهية # وهنا كانت المفاجأة التي لم يحسب لها حسابا ، فقد كان يفكر أنه سيجد نارا ~~عادية كبقية أنواع النار المعروفة ، ولكنه وجد نارا مقدسة تختلف عما رآه ، ~~فليس هناك إنسان إلى جانب النار يلقي فيها الحطب ، ليستمر اشتعالها بشكل ~~عادي ، ولكنها تشتعل وتشتعل ( @QUR@014 فلما جاءها نودي أن بورك من في ~~النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ) وها هو يسمع كلاما ولا يرى شخصا ~~، ويستمع بذهول واستغراب ، إعلانا بالبركة التي ms4025 تمثل امتداد الخير في ~~الحياة ، ولكن من هو المبارك الذي ينفع الناس بمواقع الخير لديه ، ( ~~@QUR@04 بورك من في النار ) فهل هو الله باعتبار قدرته التي أوقدتها على ~~أساس أن صاحب القدرة موجود من ناحية معنوية ، في مظاهر قدرته ، كما هو ~~السلطان متمثل في مواقع سلطته؟ # وهناك وجوه أخرى تقول : إنه الملائكة الحاضرون فيها ، ومن حولها أي موسى ~~، أو أنه موسى وبمن حولها أي الملائكة ، أو نور الله وبمن حولها موسى ، ~~وغير ذلك مما لا دليل عليه. ويمكن أن تكون الكلمتان تعبيرا عن الله ، ~~باعتبار أنه محيط بالأشياء ومهيمن عليها في عمقها وسعتها ، فهو في الداخل ~~في عمق القدرة ، وحولها في امتدادها في حدود الأشياء ، لأن السياق يوحي بأن ~~المراد توجيه موسى إلى الله في مظهر قدرته بشكل غامض يوحي به ولا يعلن عنه ~~، ليكون ذلك مقدمة للإعلان عنه بطريقة واضحة. # ( @QUR@07 يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ) فتعال إلي ، وأقبل علي ، ~~واستمع إلى ما أقوله لك. واعتمد على قوتي أمام كل القوى ، واتبع هداي إذا ~~سلك الناس طرق الضلال ، فأنا العزيز الذي يهيمن على كل شيء ، ويكفي من كل ~~شيء ، ولا يكفي منه شيء ، وأنا الحكيم الذي أعطيت كل شيء هداه في ما يصلح PageV17P188 # أمره ، ويبتعد به عن مواقع الاهتزاز والفساد والسقوط ، وجعلت لكل شيء قدرا. # وانتبه موسى إلى الصوت الإلهي بكل وعيه وشعوره ، وعاش معه في ذهول وخشوع ~~، ووقف ينتظر المزيد. ماذا بعد ذلك؟ وما هي المهمة الإلهية الموكولة إليه؟ ~~وجاءت المفاجأة الثانية. # * * * ### ||| ** موسى أمام المفاجأة الإعجازية # ( @QUR@02 وألق عصاك ) وألقاها من دون أن يعرف كيف ولماذا هذا الأمر ~~الغريب ، ( @QUR@05 فلما رآها تهتز كأنها جان ) مما كان يتخيله من صورة ~~الجان الذي يتحرك ويتلوى ويرتفع ويهبط ( @QUR@02 ولى مدبرا ) واستمر في ~~هروبه من هذه الحية الصغيرة السريعة الحركة ، التي فسر بها بعض كلمة الجان ~~، ( @QUR@02 ولم يعقب ) ولم يعد إلى مكانه بما يتمثل بالخوف الغريزي الذي ~~يستسلم إليه الإنسان عند وجود ما يثيره ، بشكل عفوي ، وبالحيرة القلقة أمام ~~هذا الحدث المفاجئ المرعب ms4026 ، ( @QUR@09 يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي ~~المرسلون ) فأنت هنا أمام الله ولم يحدث ما حدث لك إلا بأمره ، فكيف تخاف ~~وأنت في أمنه وقد أعطاك الدور الكبير في حياتك وحياة الناس وهو الرسالة ~~الإلهية التي أدراك أن تبلغها للناس؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يخاف لديه ~~المرسلون ، وهو الذي تكفل لهم بالأمن والنصرة والتأييد؟ وكان هذا أول إعلان ~~للرسالة بشكل عفوي غير مباشر. # وهكذا يؤكد لنا القرآن نقاط الضعف البشري لدى الأنبياء بشكل طبيعي غريزي ~~، ثم يتدخل الوحي ليثبت النبي في وعيه لعناصر القوة في ذاته ، بما يحشده ~~الله من تعاليمه ، وما يفيض عليه من ألطافه ، وما يثيره النبي في تجربته من ~~إرادته. PageV17P189 # وقد أوحى الله إلى موسى من خلال هذه الآية كيف يمكن له أن يحصل على ~~الطمأنينة الداخلية في نفسه من كل عوامل الخوف التي تتحرك في شخصيته في ~~الداخل ، أمام مظاهر التخويف من الخارج ، ليعرف أن الله قد تكفل له ~~بالرعاية والأمن ، فلا مجال لأي شيء من بشر أو غير بشر أن يضغط على نفسه ~~بالتخويف والترهيب ، لأنه لن يترك أي تأثير ضده أمام رعاية الله له ( ~~@QUR@011 إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ) الظاهر والله ~~العالم أن الاستثناء منقطع مما يمكن أن يستفاد من الآية السابقة من الإيحاء ~~بأن غير المرسلين من هؤلاء الذين يظلمون أنفسهم بالابتعاد عن مواقع غفران ~~الله لا أمن لهم عنده ، فهم غير امنين من عقابه ولا قريبين من رحمته. فجاءت ~~هذه الاية لتكون استثناء من ذلك لتبين بأن هؤلاء الظالمين لأنفسهم بما ~~أساؤوا في العقيدة ، أو في العمل ثم أحسنوا بالإيمان والطاعة فبدلوا ~~مواقفهم على أساس الإنابة إلى الله ، سوف يغفر الله لهم ويرحمهم لأنه يقبل ~~التوبة عن عباده وهو الغفور الرحيم. وبذلك تتضمن كلمة ( @QUR@01 إلا ) معنى ~~كلمة «لكن» المفيدة للاستدراك كما هو مفاد الاستثناء المنقطع ، كما قيل. # ( @QUR@09 وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ) أي من غير برص ، ~~لأن البياض غير الطبيعي ms4027 لليد يلازم البرص عادة ، ( @QUR@06 في تسع آيات إلى ~~فرعون وقومه ) مما تقدم ذكره في سورة الإسراء في تفسير الآية 101 منها ، ~~وذلك للتأكيد لهم على موقع موسى من ربه وصدقه في دعواه الرسالة لتقوم الحجة ~~عليهم ، فتضغط على عنادهم ومكابرتهم ( @QUR@04 إنهم كانوا قوما فاسقين ) ~~فقد ارتفعوا بكبريائهم وغطرستهم عن مستوى طاعة الله وتقواه وانحرفوا عن ~~الخط المستقيم ، فكان لا بد لهم من صدمة قوية تصدم مقاومتهم وتضعف قوتهم ~~بتلك الآيات البينات التي يتمثل فيها التدبير الإلهي ، ليعودوا إلى أنفسهم ~~من جديد. # ( @QUR@04 فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ) بما تفتحه من حقائق وما تثيره من ~~أفكار وتلتقي PageV17P190 # به من موقع النور في حقائق الحياة في علاقة الله بكل ما فيها من قوى ~~ومظاهر وأوضاع ، ( @QUR@04 قالوا هذا سحر مبين ) لأن هذه الكلمة هي التي ~~يمكن أن تبرر الموقف المعلن لهم في رفض رسالة موسى ونبوته أمام الجمهور ~~الذي قد يطالبهم بالإيمان من خلال قوة الحجة التي تقدمها لهم الآيات ، وقد ~~كان السحر شائعا في حياة الناس الذين يرتبطون بالسطح في دراسة الأمور ولا ~~ينفذون إلى العمق ليكتشفوا الفرق بين المعجزة والسحر. # ( @QUR@06 وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) فلم يكن جحودهم ~~الذي بدر منها منطلقا من حالة فكرية تبرر لهم ذلك مما يمكن أن يكونوا قد ~~اكتشفوه في هذه الآيات من نقاط ضعف ، وما عرضه موسى في رسالته من مواقع رفض ~~، بل كان منطلقا من مشاعر الظلم العدواني الذي يرفض أن يقف فيه الإنسان عند ~~حده وحجمه الطبيعي ، ومن طبيعة الاستعلاء الذاتي أن يمنع الإنسان من القبول ~~بالحقيقة التي يتحدث بها الناس الذين هم أقل منه قدرا وطبقة في ما هي ~~الموازين المألوفة لدى المجتمع في تقدير الأفراد تبعا لقوة المال والجاه ~~والنسب. وهذا هو الذي يسفر جحود الكثيرين من الناس لحقائق الحياة والإيمان ~~، في طبيعة الموقف ، في الوقت الذي نلمح فيه الحقيقة في مواقع اليقين ~~المشرق بالعمق الإيماني المتفجر بينابيع النور. # وماذا كانت النتيجة؟ هل استطاعوا أن يطمئنوا إلى كفرهم وجحودهم وكبريائهم ~~في مواقع ms4028 السلطة؟ لم يبق لهم شيء من ذلك ، فأغرقهم الله وأسقط كل دورهم ~~الكافر والظالم ، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، ( @QUR@05 فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين ) الذين أفسدوا حياة الناس بالكفر ، وأوضاعهم بالظلم ~~والعدوان. واعتبر بذلك لتصل إلى الفكرة القائلة بأن الفساد قد يتحرك ليثبت ~~أقدامه في الواقع ، ولكنه لن يصل إلى الثبات في مواقعه وحركته مهما طال الزمن. PageV17P191 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين (15) @QUR@019 وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) @QUR@09 ~~وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) @QUR@020 حتى ~~إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) @QUR@024 فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يوزعون ): الوازع : المانع ، ويوزعون : يمنعون من الفوضى ~~ويسيرون سيرا منظما. # ( @QUR@01 أوزعني ): ألهمني. # * * * PageV17P192 ### ||| ** مع داود وسليمان في خط الرسالة # وهذا حديث عن داود وسليمان في بعض ملامح شخصيتهما في ما يملكانه من علم ~~وفضل وما حدث لهما من بعض القصص العجيبة التي يتصل بعضها بالغيب ، ويدل ~~بعضها على القوة في الموقف المسيطر في دين الله على المواقع المتنوعة ~~الأخرى ، وعلى الاتصال الدائم بالله في استشعار اللطف الإلهي من خلال ~~النعمة في حياتهما وحياة الناس والشكر العملي وغير ذلك مما قد نحتاجه في ~~منهج التربية وفي روحية الحركة والإحساس والحياة. # * * * ### ||| ** علم داود وسليمان # ( @QUR@05 ولقد آتينا داود وسليمان علما ) مما ألهمهما الله منه ، وحصلا ~~عليه من حركة الفكر والتجربة. ولكن هذا العلم الواسع الذي امتد حتى تجاوز ~~المألوف مما يملك الناس من علم ومعرفة ، لم يتحول لديهما إلى عقدة ، حيث ~~إنهما لم يختزنا في شخصيتهما ما يختزنه البعض من الشعور بالعظمة والفوقية ، ~~بل كانا يعيشان شعور أهل اليقين الذين يرون كل نعمة هي من الله ، فهو ms4029 ~~الواهب وهو المنعم ، وبالتالي ما تحدثا به ، فإنما يتحدثان بنعمة الله ~~وفضله ، ليجعلا من ذلك وسيلة للشكر ، لا أداة للتكبر والخيلاء. # وهكذا كانا يتحدثان بحمد الله ( @QUR@010 وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين ) فله الفضل وحده على ما أعطانا من علم ، وما مكننا ~~به من قوة ، وما سهل لنا من موقع متقدم في حياة الناس ، والثناء يكون له لا ~~للذات ، فمنه كل شيء ، وإليه يرجع الحمد في كل شيء. # ( @QUR@03 وورث سليمان داود ) كما يرث الابن أباه ، في ملكه وماله ، وكما يرث PageV17P193 # الأشخاص الموقع والدرجة ، وكما يرث الأنبياء الرسالة ممن تقدمهم ، لا ~~بمعنى الإرث المادي ، لأن الله هو الذي يعطي الرسالة والموقع والدرجة ~~العليا ، للمتأخر من الأنبياء ، وليس هو النبي المتقدم ، بل هو بمعنى ~~الامتداد الذي يجعل من كل واحد مرحلة متصلة بالمرحلة السابقة في ما هو ~~امتداد حركة النبوة في الحياة. # وهكذا أخذ سليمان موقع أبيه ، وأراد أن يعلن القوة التي يملكها في مواقع ~~المعرفة ، ليعرف الناس من قوته الجانب الذي يربطهم به ، ليزدادوا التصاقا ~~بشخصيته واتباعا لرسالته ( @QUR@07 وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ) ~~فكان لنا من ذلك ما نستطيع أن نتعرفه من حديثهم مع بعضهم البعض بطريقة ~~تفصيلية واضحة ، وما نستطيع أن نتحدث به معهم في ما نثيره من حديث ، وفي ما ~~نكلفهم به من مهمات بشكل مباشر ، تماما كما يكلف بعضهم بعضا في قضاياهم ~~التي تهمهم في مجتمعهم الواسع. # وعلى ضوء هذا ، فإن ما يتحدث به سليمان من حدود المعرفة لمنطق الطير ~~يختلف عن المعرفة التي يملكها بعض الناس من خلال الملاحظة المستمرة ، ~~والتأمل الدقيق ، مما يجعلهم يتعرفون على بعض الإشارات في أصوات الطير في ~~الحالات المتنوعة ، ولكن بشكل غير دقيق ولا تفصيلي ، بينما النبي سليمان ~~يعرف من ذلك كله سر التفاهم الدقيق تماما كما لو كان واحدا منهم في تفاصيل ~~أمورهم الخاصة ( @QUR@03 وأوتينا من كل (1) @QUR@01 شيء ) مما يعطيه الله ~~للإنسان من علم وقدرة وملك ونبوة وحكم ومال ونحو ذلك ، مما يمكن أن يحصل ms4030 ~~عليه الإنسان في ما يحتاجه موقعه المميز في حركيته وفاعليته بشكل طبيعي معقول. # ( @QUR@05 إن هذا لهو الفضل المبين ) الذي يعطينا موقع القيادة في حياتكم ~~، ويفرض عليكم الطاعة في ذلك كله ، لأن الفضل في الطاعة يثبت الفضل في PageV17P194 # الموقع تبعا للحاجة والحركة والدور بما يتنوع الناس به مما يملكونه ومما ~~لا يملكونه. # ( @QUR@09 وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) فقد ~~كانت المهمات التي أراد الله منه القيام بها في تنوعها واختلاف مواقعها ، ~~تفرض أن تكون له هذه السيطرة على الإنس في ما يريد أن يتحرك به في مجتمع ~~الإنسان ، وعلى الجن في ما يريد أن يثيره في مجتمعات الجن ، وعلى الطير في ~~ما يريد أن يكلفهم به من مهمات. # وليس من الضروري ، أن يكون لكل هذه الأصناف عقل وإرادة بالمستوى الذي ~~يملكون معه التصرف على أساس المسؤولية ، كما قد يحتمله بعض المفسرين ، حيث ~~اعتبر أن للطير في زمان سليمان عقلا بقدرة الله ، دون زماننا ، لأن مسألة ~~الجندية يكفي فيها وجود بعض الخصوصيات والقدرة التي يملك القائد تحريكها في ~~مهماته ، مما يملكه الطير بحسب طبيعته في كل زمان ومكان ، مما أعده الله له ~~، وألهمه هداه في شؤون الحياة ، وهكذا اجتمع له هؤلاء في مهمة محددة ~~يتحركون نحوها إلى هدف لم يحدثنا القرآن عن تفصيله. # ( @QUR@06 حتى إذا أتوا على واد النمل ) وهو من المناطق التي يتكاثر فيها ~~النمل بشكل كثيف كما توحي به الكلمة في نسبة الوادي إلى النمل ، ( @QUR@014 ~~قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون ) عند ما يسيرون في هذا الحشد الكبير ، فيطئونكم بأقدامهم وهم ~~غافلون أو عارفون. وهذا مما يوحي بأن لمجتمع النمل قيادة تدير شؤونهم ~~وتتولى تحذيرهم من الأخطار القادمة إليهم سواء كان ذلك بطريقة غريزية ، أو ~~بطريقة واعية ، مما لا نملك معرفته بتفاصيله الدقيقة ، ولكن الآية توحي ~~بشيء من هذا القبيل. وسمعها سليمان ، وكان يعرف منطق النمل كما يعرف منطق ~~الطير ، وعرف بنعمة الله عليه ما يثيره موكبه من اهتمام ms4031 حتى لدى النمل ، ( ~~@QUR@07 فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني ) PageV17P195 # ( @QUR@08 أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) حيث أعطيتني من ~~شؤون العلم والقدرة والنبوة ، وأعطيت أبوي من ذلك ومن غيره ، ( @QUR@04 وأن ~~أعمل صالحا ترضاه ) إذ يمثل ذلك شكرا عمليا للنعمة ، ويجسد وسائل القرب إلى ~~الله الذي يقرب عباده إلى رضوانه من خلال طاعتهم وإيمانهم. # ( @QUR@05 وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) حتى أكون جزءا من هذه ~~المسيرة الإنسانية الصالحة من عبادك في الدنيا ، وأكون جزءا من هذا المجتمع ~~الصالح القريب إليك بإيمانه وعمله ، والسعيد بجنتك ونعيمك في الآخرة. # وهكذا يستوحي الإنسان من خلال هذا الدعاء المنطلق من أعماق الروحية ~~الإيمانية لدى سليمان ، أن على الإنسان دائما أن لا ينفصل عن شعوره بالله ~~وبحاجته إليه وبإحساسه بفضله على وجوده كله ، حتى وهو في أعلى مواقع القوة ~~، ليبقى مشدودا إليه بعقله وشعوره ، وليفكر دائما أن وجوده مستمد من وجود ~~الله ، وأنه جزء من نعمته ، وأن عليه أن يشكر نعمته التي أنعم بها عليه ~~وعلى والديه ، لأن النعمة التي يغدقها الله على الوالدين هي نعمة على الولد ~~بشكل غير مباشر في ما يحصل عليه منهما من رعاية وعناية وما يمثله وجودهما ~~من النسب المباشر لوجوده. # كما أن عليه أن يبتهل إلى الله تعالى في أن يوقفه للقيام بالعمل الصالح ~~لتكون حياته مثالا للصلاح في كل مفرداتها وتطلعاتها إلى النمو والسمو ~~والتقدم والتقرب إلى الله ، وأن يدخله في المجتمع الصالح ، فلا يكون مجرد ~~فرد يعيش روحية الصلاح في نفسه وحركيته في عمله ، بل يكون جزءا من المجتمع ~~الصالح الذي يتفاعل معه ويتحرك في ساحاته ويعيش تفاصيله وينتهي معه في ~~مصيره. ولعلنا نستوحي من ذلك أن الإنسان المسلم يظل مشدودا إلى المجتمع ~~الصالح ليعلم من أجل تكوينه ويقوى به ويقويه. # * * * PageV17P196 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ~~(20) @QUR@09 لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) ~~@QUR@014 فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ms4032 ~~(22) @QUR@011 إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) ~~@QUR@017 وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) @QUR@014 ألا يسجدوا لله الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) @QUR@08 الله لا ~~إله إلا هو رب العرش العظيم (26) @QUR@07 قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين (27) @QUR@012 اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ~~ذا يرجعون ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وتفقد ): جاء في مفردات الراغب : التفقد التعهد لكن حقيقة ~~التفقد تعرف فقدان الشيء والتعهد تعرف العهد المتقدم (1). PageV17P197 # ( @QUR@01 سبإ ): اسم رجل تنسب إليه قبائل باليمن. # ( @QUR@01 بنبإ ): النبأ : خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن. # ( @QUR@01 الخبء ): والخبء ، على ما جاء في مجمع البيان : المخبوء ، وهو ~~ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه ، وهو مصدر وصف به ، يقال : خبأته أخبأه ~~خبأ ، وما يوجده الله تعالى فيخرجه من العدم إلى الوجود يكون بهذه المنزلة ~~(1). وبذلك يكون التعبير واردا على سبيل الاستعارة بلحاظ اختباء الأشياء ~~كلها قبل أن توجد في قلب العدم الذي لا يحيط به أحد إلا الله. # ( @QUR@01 تول ): تنح. # ( @QUR@03 ما ذا يرجعون ): ماذا يدور بينهم. # * * * ### ||| ** سليمان يسأل عن الهدهد ثم يحاوره # ( @QUR@02 وتفقد الطير ) كما يتفقد القائد جنوده ليتعرف الغائب منهم ~~والحاضر ، ولفت انتباهه غياب الهدهد عن نظره فلم يره ، ( @QUR@06 فقال ما ~~لي لا أرى الهدهد ) هل حجبه شيء عن عيني ( @QUR@04 أم كان من الغائبين ) من ~~دون إذن مني. فهو يجب عليه التقيد بنظام الحضور الدائم أمامي ما لم اذن له ~~، لما قد تفرضه الحاجة من وجوده ، أو لما يقتضيه نظام الطاعة. # ( @QUR@03 لأعذبنه عذابا شديدا ) إذا كانت جريمته تستوجب العذاب ، ( ~~@QUR@02 أو لأذبحنه ) إذا كانت تستوجب الإعدام ( @QUR@04 أو ليأتيني بسلطان ~~مبين ) أي بحجة قوية تبرر غيابه ، حيث يجب عليه تقديم الحجة الواضحة للدفاع ~~عن نفسه. PageV17P198 # ( @QUR@01 فمكث ) الهدهد ( @QUR@02 غير بعيد ) من الزمان ، فلم يمض وقت ~~طويل على غيابه ( @QUR@06 فقال أحطت بما لم تحط به ) من معلومات عن بعض ~~مواقع السلطة التي ms4033 قد تحتاج إلى اتخاذ موقف حازم منها من حيث الدعوة إلى ~~الإيمان بالله ، والسيطرة عليها ، في ما تمثله من مركز قوة ضد سلطة الحق ( ~~@QUR@05 وجئتك من سبإ بنبإ يقين ) فقد ذهبت إلى اليمن ودخلت إلى عاصمتها ~~سبأ واطلعت على طبيعة الناس فيها ونوعية الحكم المسيطر عليها ، وجئتك ~~بالخبر المفصل الواضح الذي يرتكز على اليقين. # ( @QUR@08 إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ) من لوازم السلطة ~~التي تركز موقع القوة الكبير لها في حياة الناس بحيث تستطيع أن تفرض ~~إرادتها عليهم بجميع الوسائل الضاغطة في أكثر من صعيد ، ( @QUR@03 ولها عرش ~~عظيم ) في ما تمثله الكلمة من معنى السيطرة والعلو في القوة والدرجة ، بحيث ~~تطل على الساحة من أعلى مواقعها. # ( @QUR@07 وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ) فهم من الوثنيين ~~الذين يعبدون الشمس ولا يعبدون الله ( @QUR@04 وزين لهم الشيطان أعمالهم ) ~~فقد استغرقوا في الإحساس بعظمة هذا الكوكب العظيم ، بحيث خيل إليهم أنه ~~الإله ، وغفلوا عن التفكير العميق بأنه مخلوق لله ، وخاضع لإرادته ، من ~~خلال ما جعله الله له من نظام دقيق في حركته وخط سيره ، وابتعدوا عن ~~الانفتاح على الله ، بقدرته المطلقة المتمثلة بجميع خلقه ، في ما يدل عليه ~~وجودهم وقدرتهم بأنهم مربوبون لرب عظيم ، فهو الغني عنهم بذاته ، وهم ~~المحتاجون إليه بطبيعة وجودهم. # وهكذا قادهم الشيطان إلى الشعور بأنهم على حق ، وأن أعمالهم كلها صواب ، ~~فحجب عنهم الرؤية الواضحة للأشياء ( @QUR@03 فصدهم عن السبيل ) المستقيم ، ~~لأن السير عليه يفرض الالتفات إليه ، والمعرفة لبدايته ونهايته ، كما PageV17P199 # يفرض الرغبة في سلوكه من موقع النتائج الطيبة التي قد يحصل عليها من خلال ~~ذلك ( @QUR@03 فهم لا يهتدون ) بعد أن فقدوا ملامح الصورة للواقع الذي يحيط ~~بهم ، أو يطل عليهم ، فأضاعوا سبيل الهدى ، وابتعدوا عن الفطرة الصافية ~~الكامنة في أعماقهم التي تدلهم على مواقع الشروق في حركة الحقيقة في الكون ~~والفكر والإحساس العميق. # ( @QUR@09 ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ) إن الله ~~هو الذي يخرج الأشياء من عمق العدم بقدرته التي لا يحدها شيء تماما ms4034 كما ~~يخرج الأشياء الكامنة في داخل السماوات والأرض مما لا يملك أحد الوصول ~~إليها ، فهو الذي ينبغي أن يسجد الناس له ، في ما يمثله السجود من الخضوع ~~للقدرة المطلقة المهيمنة على نظام الكون كله بجميع مظاهره وظواهره في ~~السماء والأرض. وما قيمة عظمة الشمس أمام عظمة الله الذي خلقها ووضع لها ~~القوانين والشروط التي تحكم حركتها ، بل إن عظمة التدبير فيها دليل على ~~عظمة المدبر لها ، وهو الله ، فكيف يسجدون لها ويتركون السجود لله الذي ~~يملك الأمر كله ، ( @QUR@05 ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) لأنه المحيط بكم ~~من عمق المعنى الخفي من وجودكم .. الى امتداده في المنطقة المعلنة منه. # ( @QUR@08 الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) فهو وحده الإله الذي ~~يستحق العبادة ، وكل من عداه هو مألوه له ومخلوق بقدرته ، وكل عرش في الكون ~~هو دون عرشه ، لأن قوته مستمدة من قوة الله ، في ما أعطاه من مواقع السلطة ~~لعباده ، مما يقدرون عليه ويملكونه من أشياء. # وقد يكون هذا من كلام الهدهد الذي يملك وعي ذلك بفطرته الصافية وغريزته ~~العفوية ، فيدرك وجه الحق والباطل في شؤون العقيدة بما يأخذه الناس منها ، ~~كما يملك معرفة مواقع الحب الذي يلتقطه في الأرض ليميز بين PageV17P200 # الصالح منه وغير الصالح ، بما ألهمه الله من علم ذلك كله. # وقد يكون من كلام الله كما درج عليه الأسلوب القرآني من الامتداد مع ~~الفكرة عند الحديث عن بعض مفرداتها بما تقتضيه طبيعة الأمور في تفاصيلها ~~الواقعية. # ( @QUR@07 قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) فقد كان الموقف الذي ~~يقفه الهدهد ، هو موقف المحاكمة التي يحتاج المتهم فيها إلى دليل على صدق ~~دفاعه ، ولم يقدم الهدهد في كلامه هذا إلا الدعوى من دون بينة. # * * * ### ||| ** سليمان يكلف الهدهد حمل رسالته # ( @QUR@05 اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ) واطرحه بينهم ، ( @QUR@03 ثم ~~تول عنهم ) أي ابتعد عنهم ، ( @QUR@04 فانظر ما ذا يرجعون ) في ما يخاطب به ~~بعضهم البعض مما يعلقون به على الكتاب ، بعد مناقشته فيما بينهم ، وهكذا ~~كان ، فقد فعل الهدهد ما أمره به ms4035 سليمان ، وألقى الكتاب إليهم بشكل مفاجئ ، ~~ولم يتبينوا له مصدرا. وكانت بلقيس ملكة سبأ هي التي تسلمت الكتاب وقرأته ، ~~فجمعت قومها للتحدث معهم في هذا الأمر العجيب. # * * * PageV17P201 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) @QUR@08 إنه ~~من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) @QUR@05 ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين (31) @QUR@013 قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا ~~حتى تشهدون (32) @QUR@013 قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك ~~فانظري ما ذا تأمرين (33) @QUR@013 قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) @QUR@08 وإني مرسلة إليهم بهدية ~~فناظرة بم يرجع المرسلون (35) @QUR@016 فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال ~~فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) @QUR@013 ارجع ~~إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37) ~~@QUR@011 قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) ~~@QUR@016 قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه ~~لقوي أمين (39) @QUR@038 قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) @QUR@010 قال ~~نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين PageV17P202 # @QUR@02 لا يهتدون (41) @QUR@014 فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ~~وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) @QUR@012 وصدها ما كانت تعبد من ~~دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) @QUR@028 قيل لها ادخلي الصرح فلما ~~رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ~~ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الملأ ): الملأ : أشراف القوم. # ( @QUR@01 مسلمين ): منقادين. # ( @QUR@01 أفتوني ): أشيروا علي. # ( @QUR@01 تشهدون ): تحضرون. # ( @QUR@03 لا قبل لهم ): لا طاقة لهم. # ( @QUR@01 صاغرون ): الصاغر : الراضي بالمنزلة الدنية. # ( @QUR@01 بعرشها ): العرش : سرير الملك. # ( @QUR@01 عفريت ): العفريت : الداهية الماكر. # ( @QUR@01 نكروا ): تنكير الشيء : تغييره من حال إلى حال. # ( @QUR@01 الصرح ): كل بناء ms4036 عال. # ( @QUR@01 لجة ): اللجة : معظم الماء. # ( @QUR@01 ممرد ): الممرد : المملس. PageV17P203 # ( @QUR@01 قوارير ): القوارير : الزجاج. # * * * ### ||| ** الملكة تقرأ كتاب سليمان وتستشير قومها # ( @QUR@022 قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم* إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) إنه الكتاب ~~الذي تدل طبيعته من خلال مرسلة وكلماته على أنه كتاب كريم ذو قيمة حقيقية ~~في مضمونه الذي يوحي بالأهمية والعظمة ، فهو يبدأ باسم صاحبه الذي يملك ~~القوة الكبيرة الساحقة التي تؤهله لأن يخاطبنا بهذه الطريقة الاستعلائية ، ~~وبالكلمة التي تتحدث عن الله الرحمن الرحيم الذي تبدأ كل القضايا باسمه ، ~~وتخضع كل الأشياء له ، كأنه يريد أن يثير قوة الله أمامنا إذا انحرفنا ~~وتمردنا ، ويقدم إلينا رحمته إذا قبلنا وأطعنا ، ويطلب إلينا أن لا نبتعد ~~عن مواقع سلطته ، ولا نتمرد عليها ، فلا نعلو ولا نستكبر ، بل نأتيه ~~منقادين طائعين مسلمين لما يريده منا من التزام وسلوك وموقف ، بعيدا عما ~~نختاره لأنفسنا من ذلك كله ، وبذلك كان يحمل التهديد والدعوة معا. # ( @QUR@013 قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون ) فجمعت أهل الرأي والمشورة عندهم ، ممن كانت ترجع إليهم وتتشاور ~~معهم ليعطوها الرأي الصواب في القضايا المهمة التي تحدث لها ولمملكتها ، ~~وطلبت منهم أن يقدموا إليها الفتوى وهي الرأي المدروس المرتكز على التأمل ~~والفكر وحساب الأمور بدقة في ما يمكن أن يحدث من خير أو شر أو ضرر أو نفع ، ~~وأوحت إليهم بالثقة الكبيرة بهم ، بحيث إنها لا تحسم أي أمر من أمورها حتى ~~يحضروا إليها ويشيروا عليها بما يرونه صوابا. # * * * PageV17P204 ### ||| ** الملكة تحاور قومها فيتركون لها حرية التصرف # ( @QUR@07 قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ) قالوا ذلك وهم يشعرون ~~بكل عوامل القلق والحيرة التي تأكل قلبها وتثير خوفها ، لأن الكتاب غير ~~عادي في لهجته وتطلعاته ، فهو يعني فقدان الاستقلال في الملك ، والخضوع ~~لملك آخر ، وهو يوحي بالموقف المجهول في طبيعته ونتائجه ، لأنها لا تعرف ~~ماذا يحدث لها إذا سلمت ، إذ لا تعرف ما الذي يريده سليمان منها ، وما ms4037 الذي ~~سيفعله بها وبقومها ، وماذا يحدث لها إذا قاومت ، لأنها لا تعرف مدى قوة ~~سليمان أو أنها تعرف خطورة هذه القوة ، في ما كانت تسمعه عنه قبل ورود ~~الكتاب عليها. ولذلك كان موقفهم هو الإيحاء بأنهم يملكون القوة العددية ~~والعسكرية التي يستطيعون من خلالها رد التحدي ، كما يملكون الشجاعة التي ~~يمكنهم من خلالها الانتصار في الحرب ، ولكن في النهاية ( @QUR@02 والأمر ~~إليك ) فأنت صاحبة القرار الأول والأخير ، لأنك الملكة القادرة التي تملك ~~الأمر كله ، ( @QUR@04 فانظري ما ذا تأمرين ) في مواجهة الموقف الجديد ~~الغريب ، ونحن مطيعون ذلك في كل ما تأمرين به. # ( @QUR@013 قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة وكذلك يفعلون ) فلا بد من دراسة المسألة بعمق وروية واتزان ، لأن ~~الحسابات دقيقة في مثل هذه الأمور ، لنعرف ماذا وراء هذا الكتاب وهذه ~~اللهجة ، فهل هو ملك أو داعية حق؟ لأنه إذا كان ملكا يملك القوة الكبيرة ~~المدمرة ويحمل ذهنية الملوك الذين يعملون على إخضاع الناس لسلطتهم بالقوة ~~وإذلالهم وتدمير البلاد وإفساد نظامها وتوازنها ، تكون القضية في مستوى ~~الخطورة التي لا بد من أن توضع لها الحسابات الدقيقة. أما إذا كان داعية حق ~~، فإن الأمر يختلف ، لأننا لن نحتاج إلى القوة ، بل إلى الحوار ، ولذلك فإن ~~الرأي هو أن PageV17P205 # نختبر الأمر ، فلا نواجه التهديد بتهديد مماثل ، بل نواجهه بهدية كريمة ~~لنعرف رد الفعل ، هل هو كلمة طيبة أو قاسية؟ وهل هم في مستوى خطورة كلمتهم ~~أو أنهم أقل من ذلك؟ ( @QUR@08 وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون ) حتى أحدد موقفي تبعا لذلك بالسلم أو بالحرب ، لأعرف من خلال ذلك ~~طبيعته ، فهل هو من الأشخاص الذين يمكن استمالتهم بالمصانعة وبتقديم ~~الهدايا الغالية الثمينة ، أو هو من الأشخاص الذين يرفضون ذلك ، لأنهم ~~أصحاب رسالة لا يخضعون للإغراء ، ولا يسقطون أمام المال؟ # * * * ### ||| ** سليمان يرد ويتحدى # ( @QUR@016 فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما ~~آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ) وهكذا أراد أن يوحي إليها وإليهم أن ~~المسألة ليست مسألة ms4038 مال يفتح القلوب على اللقاء ، لأن الذين ينفتحون على ~~الهدايا لتغيير مواقفهم ، هم الذين يشعرون بالحاجة إلى المال في ما ~~يواجهونه من فقر أو حرمان ويحسون بالضعف أمام ذلك ، أما هو ، فقد أعطاه ~~الله ملكا لم يعطه لأحد مثله ، مما يصغر كل ملك أو مال معه ، بخلافهم هم ~~الذين يفرحون بالهدايا التي يرسلونها ، لأنهم يرون لها شأنا كبيرا في مستوى ~~مواقعهم المتواضعة ، فليست المسألة كذلك ، بل هي مسألة سلطة تريد أن تبسط ~~ظلها على الأرض من حولها من خلال امتداد دعوتها إلى الحق في توحيد الله ~~وعبادته والطاعة لأمره ونهيه. وهكذا كان الجواب الحاسم الذي يضع القضية في ~~نصابها الصحيح. # ( @QUR@013 ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها ~~أذلة وهم صاغرون ) إن إرسال الهدية يعني المماطلة وعدم قبول الدعوة إلى ~~الطاعة والاستسلام ، ولذلك فإن الموقف هو تنفيذ التهديد ، ليعرفوا بأن هناك ~~قوة عليها لا يستطيعون PageV17P206 # مواجهتها ولا التمرد عليها مهما كانت قوتهم الذاتية ، وستكون النتيجة ~~أننا سنتغلب عليهم وسنخرجهم من بلادهم أذلة صاغرين. # قال سليمان هذا للرسول وهو يعرف أنهم سيستسلمون له عند ما يعرفون حجم ~~القوة ومستوى الرد ، ولكنه أراد أن يواجههم بالقوة المستمدة من الغيب الذي ~~منحه الله بعض وسائله ، ليكون ذلك وسيلة للاقتناع عند ما يعرفون عظمة ~~القدرة الإلهية التي تتمثل في هذا الفعل العجيب الذي يدل على أن القضية ~~ليست قضية ملك يراد له أن يتوسع ويكبر ، بل هي قضية رسالة يراد لها أن ~~تتركز في العقول والقلوب والمواقف .. وهكذا التفت إلى أعوانه من الجن الذين ~~يملكون القدرة على الحركة السريعة غير العادية ونقل الأشياء والأشخاص من ~~أماكن بعيدة بطريقة غير مألوفة ، وإلى أعوانه من الإنس الذين قد يملكون بعض ~~القدرة الروحية التي تتيح لهم القيام بذلك بقدرة الله ، بما منحهم الله من ~~علم ذلك. # ( @QUR@011 قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~) حتى إذا جاؤوا وجدت عرشها أمامها لتعرف موقع قدرة الله في ما أعطاه ~~لسليمان النبي ، فتسلم لله من ms4039 أقرب موقع ، بعيدا عن الحوار في تحليله ~~وتنظيره ، ( @QUR@012 قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ~~) فلن يحتاج الأمر إلى مدة زمنية بمقدار انتهاء الجلسة ، ( @QUR@04 وإني ~~عليه لقوي أمين ) لأني أملك القوة على حمله والإتيان به كما أملك الأمانة ~~في حفظه. و ( @QUR@06 قال الذي عنده علم من الكتاب ) وقد اختلف في اسمه بعد ~~أن ذكروا أنه من الإنس فقيل إنه آصف بن برخيا وزير سليمان ووصيه ، وقيل : ~~هو الخضر ، وقيل : رجل كان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب ، ~~وقيل : جبرائيل. # وقد اختلف في المراد بالكتاب الذي يملك هذا الشخص علمه ، هل هو الكتاب ~~المعروف مما جاءت به الرسالات الإلهية ، أو اللوح المحفوظ ، أو نوع PageV17P207 # آخر مما يوحي بالعلم الخفي الذي يملك أسرار الأشياء فيتيح له التصرف بها ~~بطريقة عجيبة لم تألفها القدرة الطبيعية للناس والأسباب المألوفة للأمور؟ # وقد لا يكون هناك كبير فائدة في الاستغراق في هذه الاحتمالات ، لأننا لن ~~نصل منها إلى نتيجة حاسمة بعد أن كانت غيبا لا نملك معرفته في طبيعته ~~ومصادره الموثوقة ، فلنقتصر منها على ما أجمله القرآن في أمره ولنستوح من ~~ذلك ، أن هذا العلم الذي يملكه هذا الشخص ، ليس من نوع العلم المألوف لدى ~~الناس ، الذي يكتسبونه بالفكر والتعلم ، بل هو من نوع العلوم الروحية التي ~~تطل على الغيب من موقع متقدم ، وتتيح لصاحبه أن يتصرف في الأمور الكونية ~~بما يشبه المعجزة. ولكن ، كيف تعلم هذا الرجل ذلك ، وما هي خصوصيته وما هي ~~مكانته؟ هذه علامات استفهام لا نجد جوابا عليها ، ولا نرى كبير فائدة في ~~إثارتها وفي البحث عنها في ما يجب علينا معرفته من شؤون العقيدة والحياة. ~~فكل ما ينبغي لنا التركيز عليه ، هو أن هذا الرجل العظيم قد اختصر المدة ~~الزمنية التي يحتاجها نقل العرش إلى مستوى اللحظة ، في مواجهة العرض الذي ~~قدمه العفريت الجني بما قبل قيام سليمان من مقامه. وهكذا قال لسليمان : ( ~~@QUR@08 أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) فلم ينته ms4040 هذا الرجل من كلامه ~~حتى كان العرش أمام سليمان. # ( @QUR@013 فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر ) وهكذا كان هذا الحدث العجيب الذي جعله الله نعمة لسليمان في ما ~~يمثله من مواقع القوة لديه مما يملكه أعوانه من وسائلها ، وتعامل معه في ~~خشوع وخضوع لله ، حيث أوحى لنفسه ولغيره ، أن هذا من فضل الله عليه ، مما ~~يتفضل به على عباده ورسله من نعمه ، ليختبرهم هل يشكرونه بالطاعة والاعتراف ~~بفضله ، أو يكفرون به ، بالتنكر له ولنعمه .. ( @QUR@05 ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ) لأن الله لا يحتاج إلى عباده في كل أفعالهم ، بل هم الذين يحتاجون ~~إليه في كل شيء ، حتى في الأمور التي يقومون فيها بفروض العبادة التي تمثل ~~الشكر العملي له ، PageV17P208 # فإنهم يحصلون من خلالها على صفاء الروح والعقل ، واستقامة السلوك العملي ~~في الخط الصحيح ، وينفتحون على العمق الإنساني في شخصياتهم عند ما يعبرون ~~عن انفعالهم بالقيم الروحية في استجابتهم للإحسان الإلهي في مواقع النعمة ~~الظاهرة والباطنة. ( @QUR@06 ومن كفر فإن ربي غني كريم ) لأنه إذا كان لا ~~يحتاج إلى وجود الإنسان ، باعتبار أنه هبة منه ، وليس حاجة له ، فكيف يحتاج ~~إلى التعبير اللفظي والعملي في حركته تجاه نعم الله ، وبهذا فإن كفر الكافر ~~للنعمة يرتد إليه ليعبر به عن حقارة الشعور الإنساني لديه ، ولا يرتد على ~~الله لأنه لا يؤثر في أي موقع من مواقع عظمته المطلقة وغناه الذاتي الذي لا ~~حد له ، وكرمه الفياض باللطف والرحمة الذي يشمل عباده كلهم بعطائه ، الكافر ~~منهم والشاكر. # * * * ### ||| ** العرش أمام سليمان # وهكذا عاش سليمان أمام هذه النعمة الإلهية بتسخير الله له القوة بجميع ~~وسائلها ، ليؤكد سلطته التي لن يحركها في خدمة ذاته ، بل في خدمة رسالته. ~~وبدأ يستعد للقاء ملكة سبأ التي اهتزت لتهديد سليمان ، فعزمت على القدوم ~~إليه للتعرف على أهدافه ومواقفه ، ولم يكن الإتيان بعرشها إلى مجلسه وسيلة ~~من وسائل التأثير على موقفها النفسي بما يشبه الصدمة التي تعبر بها إلى ~~روحية الفطرة الصافية ، ولكنه كان يريد ms4041 أن يثير فيها التفكير الذي يتحرك ~~بين السلب والإيجاب في الوقوف أمام هذه الظاهرة العجيبة ، ولهذا أراد أن ~~يجري فيه بعض التغييرات الشكلية التي قد تثير فيها احتمالا آخر ، لتتحير ~~فيه هل هو عرشها ، أو هو نسخة منه مشابهة له. # ( @QUR@04 قال نكروا لها عرشها ) بالطريقة التي قد لا توحي بملامحه ~~التفصيلية PageV17P209 # الحقيقية ، ( @QUR@08 ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ) ليختبر ~~عمق تفكيرها في التعرف على الظاهرة في موقف تأمل ، وعلى خلفية الفكرة التي ~~تختفي وراءها ، لأن المسألة عنده هي في إعداد الأجواء لهدايتها وهداية ~~قومها إلى الدين الحق ، لا لتأكيد السلطة العمياء على مواقعها القوية في ~~الساحة العامة ، ولذلك كانت إثارة التفكير لديها ولدى قومها ، هدفا ملحوظا ~~في كل حركة الظاهرة العجيبة على مستوى المرحلة الأولى من أجل الوصول إلى ~~الهدف الأعمق وهو الهداية في المرحلة الأخيرة. ( @QUR@05 فلما جاءت قيل ~~أهكذا عرشك ) هل يشبه شكله شكله؟ وهل ترين فيه الصورة الدقيقة كما لو كان ~~نسخة أخرى عنه؟ ( @QUR@03 قالت كأنه هو ) في دقة الملامح وتفاصيل الصورة ، ~~ولكن ليس من المعقول أن يكون هو ، لأنه لا يزال هناك في مكانه في اليمن ، ~~فكيف يمكن أن يكون هنا؟ # ( @QUR@04 وأوتينا العلم من قبلها ) في ما استطعنا أن نصل إليه من معرفة ~~حقائق الأشياء التي تقود إلى الهداية ، ( @QUR@02 وكنا مسلمين ) لله في ~~اطلاعنا على آياته ودلالاتها على الحق المنطلق في رحاب الله ، والمنزل منه. ~~والظاهر أنه نوع من التعليق على موقفها الحائر ، وخطها الضال ، لأنها لا ~~تملك القاعدة التي تعطيها سعة المعرفة وشمولها بالمستوى الذي يجنبها الضلال ~~، وربما كان المتكلم به ، هو سليمان. وقيل إنه من كلام الملكة ، فهي لما ~~رأت العرش وسئلت عن أمره ، أحست أن ذلك منهم تلويح إلى ما آتى الله سليمان ~~من القدرة الخارقة للعادة فأجابت بقولها : ( @QUR@04 وأوتينا العلم من ~~قبلها ) إلخ .. أي لا حاجة إلى هذا التلويح والتذكير ، فقد علمنا بقدرته ~~قبل هذه الآية أو هذه الحالة ( @QUR@02 وكنا مسلمين ) لسليمان طائعين له. # وهذا الوجه غير ظاهر ، لأن الجو الذي ms4042 يوحي به السياق ، هو التأكيد على ~~الضلال الناشئ من الجهل الذي كانت تتخبط فيه ويمنعها عن الإسلام الذي دعاها ~~إليه سليمان ، كما أنه لم يظهر من طبيعة حركة الموقف في القصة ، قبل هذه ~~المرحلة ، ما يوحي بوجود أساس للعلم بقدرته الغيبية الدالة على PageV17P210 # مواقع الإيمان برسالته ، مما يقتضي الإسلام له والطاعة لقيادته ، ( ~~@QUR@07 وصدها ما كانت تعبد من دون الله ) فلم تنفتح على الإسلام على أساس ~~الحواجز النفسية التي كانت تنتصب في داخل شخصيتها الذهنية في عبادتها لغير ~~الله مما كان يمنعها من اللقاء بالإسلام لله ، ( @QUR@05 إنها كانت من قوم ~~كافرين ) وهذا هو السبب في عبادتها للشمس ، فهي لم تكن نتيجة قناعة فكرية ~~في ما كانت تفكر به من شؤون العبادة بل كانت نتيجة تقليد للمجتمع الكافر ~~الذي تنتمي إليه بالنسب والتربية ، فتتأثر به تلقائيا بفعل الجو والعادة ~~والتربية. # ( @QUR@04 قيل لها ادخلي الصرح ) وهو البناء المشرف العالي الذي كان معدا ~~لنزولها كضيفة محترمة ، مما كان متعارفا عليه من تكريم العظماء في ~~استقبالهم وإعداد المكان اللائق بهم ( @QUR@04 فلما رأته حسبته لجة ) وهي ~~الماء الكثير ( @QUR@03 وكشفت عن ساقيها ) كما يفعل الإنسان عند خوضه الماء ~~، لئلا تبتل ثيابها. وقد كان ذلك من خلال صفاء الزجاج الذي يشبه صفاء الماء ~~الذي كان يجري من تحته ، حتى خيل إليها أنها تخوض في الماء ، ( @QUR@06 قال ~~إنه صرح ممرد من قوارير ) فهو مملس من الزجاج وليس بلجة ، وكانت تنظر إلى ~~كل هذا الجو المثير الذي يوحي بالعظمة التي تفوق عظمة الملوك وتلتفت إلى ~~سليمان ، فترى فيه تواضع الأنبياء ، ورحمة الرساليين ، فلم تلمح فيه أي ~~تكبر أو تجبر ، بل كانت تجد فيه الوداعة والصفاء والروحية الطاهرة. وربما ~~دخلت معه في حوار طويل حول عبادة الشمس وعبادة الله ، فاقتنعت بمنطقه ، ~~وعرفت حقيقة الأمر في العقيدة مما لم يفصل القرآن حديثه ، على طريقته في ~~اختصار التفاصيل ، لاهتمامه بالنتائج المتحركة في خط الهداية ، لأن طبيعة ~~الجو الذي انتهت إليه القصة يوحي بمثل ذلك. # * * * PageV17P211 ### ||| ** الملكة تعلن إيمانها بالله # ( @QUR@05 قالت رب إني ظلمت نفسي ms4043 ) في ما أسلفته في حياتي الماضية من ~~عبادة غيرك ومن السير في خط الضلال الذي أبعدني عن طاعتك ورضاك ، وها أنا ~~الآن تائبة إليك نادمة على ما مضى ، وعازمة على السير في الخط المستقيم في ~~العقيدة والطاعة ، ( @QUR@06 وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) لأنه ليس ~~ملكا يريد أن يضم الناس إلى سلطته من موقع ذاتي ، بل هو رسول يريد أن يجمع ~~الناس حول رسالته ، ويدلهم على رب العالمين ، مما يجعل القلوب مفتوحة عليه ~~، والعقول منقادة إليه ، وهو ما يجعل الناس تسير معه ولا تسير وراءه. وهكذا ~~استطاع سليمان من موقع القوة التي حطمت الحواجز ، وأسقطت روح التمرد لديها ~~، أن ينفذ إلى عقلها وقلبها من خلال انفتاح الفطرة الصافية على كلماته ~~ورسالته ، وقد يكون هذا الأسلوب حركة واقعية في طريق الهداية عند ما تكون ~~القوة سبيلا إلى تحطيم الحواجز ، لتنطلق الكلمة في الساحة الواسعة التي ~~ينفتح فيها العقل والقلب والوجدان على الحقيقة كلها في مواقع الصفاء. # * * * PageV17P212 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم ~~فريقان يختصمون (45) @QUR@014 قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ~~لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) @QUR@013 قالوا اطيرنا بك وبمن معك ~~قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) @QUR@010 وكان في المدينة ~~تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) @QUR@021 قالوا تقاسموا بالله ~~لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا ~~مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) @QUR@09 فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) @QUR@011 فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن ~~في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) @QUR@05 وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) (53) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالسيئة ): هنا بمعنى العذاب. # ( @QUR@01 الحسنة ): هنا بمعنى الرحمة. PageV17P213 # ( @QUR@01 اطيرنا ): تشاءمنا. # ( @QUR@01 رهط ): الرهط : من ثلاثة رجال إلى تسعة. # ( @QUR@01 خاوية ): خالية. # * * * ### ||| ** صالح مع قومه في خط الرسالة # وتتحدث السورة عن قصة صالح مع قومه ثمود في إجمال الموقف الذي يثير ~~المسألة في الذهنية المعقدة المتشنجة التي كان فيها الكافرون يتحركون ، على ~~أساس إهلاك الرسول تنفسيا للعقدة ، ورفضا للفكر ms4044 والحوار ، فكان جزاؤهم أن ~~أهلكم الله بعذابه ، وأنجى الرسول والمؤمنين معه ، ولم يحصل الكافرون على ~~أية نتيجة من ذلك كله. # ( @QUR@09 ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله ) في ما ~~تمثله كلمة العبادة من اختصار للرسالة في كل أفكارها وتطلعاتها ، لأنها ~~تعني الإيمان بالله والحركة المتنوعة في هذا الاتجاه ، بحيث لا يخضع ~~الإنسان في كل تفاصيل حياته إلا الله ، ولا يتجه في فكره وشعوره وحياته إلا إليه. # ( @QUR@04 فإذا هم فريقان يختصمون ) فهناك فريق الإيمان الذي انفتح عقله ~~على الدعوة ، ففكر بها ودخل مع الرسول في حوار إيجابي حولها واقتنع بها على ~~هذا الأساس ، وهناك فريق الكفر الذي أغلق عقله وشعوره عنها واستسلم لغرائزه ~~العدوانية ، فلم يقبل على مناقشة الطرح الإيماني ولم يرد أن يحرك خطواته في ~~هذا الاتجاه ، لأن الرفض لم يكن عنده حركة فكر بل حركة عقدة. # وقد نستوحي من بعض الآيات القرآنية السابقة في سورة الأعراف أن PageV17P214 # المؤمنين هم المستضعفون الذين تتحرك الرسالة من أجل إعادة الاعتبار إلى ~~إنسانيتهم في مجتمع الامتيازات الظالمة الذي يعمل على إلغائها ، فيقبلون ~~عليها من مواقع فطرتهم الصافية ، أما الكافرون ، فهم المستكبرون الذين ~~تنطلق الرسالة من أجل إعادتهم إلى مواقع الصفاء في الشعور الإنساني العميق ~~الذي يعمل على إبعادهم عن الظلم والعدوان والتكبر ، وتحويلهم إلى العدل ~~والمحبة والتواضع ، وإلغاء الامتيازات الظالمة في تعاملهم مع الناس ، وهذا ~~ما جاءت به الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@031 قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون* قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به ~~كافرون ) [الأعراف : 75 76]. ويظهر من الآية أن المستكبرين قد سيطروا على ~~بعض المستضعفين فأبعدوهم عن الإيمان. # ( @QUR@08 قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ) وذلك في ما كانوا ~~يبادرون إليه من سؤال العذاب الذي توعدهم به صالح إذا لم يؤمنوا به ، في ~~مواجهة سؤال الرحمة الذي يدعوهم إلى السير معه إذا آمنوا به. فهو يريد لهم ~~أن يفكروا ms4045 بمسألة الإيمان من خلال المعطيات الفكرية ، ومن خلال النتائج ~~الإيجابية والسلبية على مستوى قضية المصير ، لا أن يبادروا إلى طلب العذاب ~~بطريقة متشجنة. ( @QUR@06 لو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون ) لأن الله ~~يرحم المستغفرين المنيبين إليه. # ( @QUR@05 قالوا اطيرنا بك وبمن معك ) فقد جئت إلينا وكنا فريقا واحدا ، ~~وكنا بعيدين عن المشاكل المعقدة التي أثرتها في حياتنا من موقع دعوتك ، مما ~~جعلنا نتشاءم بك وبهؤلاء الذين آمنوا بك ، لأنكم جئتم بالشؤم المتحرك في كل ~~حياتنا العملية ، فاذهب عنا لنتخلص من كل مشاكلك ومن كل الشر الذي أحاط بنا ~~من كل جانب بسببك. PageV17P215 # ( @QUR@04 قال طائركم عند الله ) فهو الذي أنزل عليكم البلاء في ما ~~اخترتموه لأنفسكم من أسبابه ، وذلك هو سر ما يصيب الناس من الشرور والمشاكل ~~انطلاقا مما يقومون به من أعمال شريرة تستتبع ذلك. فليست القضية قضية أشخاص ~~يجلبون البلاء إلى المجتمع ، كما هو الطير الذي يجلب الشؤم إلى الناس ، مما ~~يعتقده البعض من ذلك ، بل القضية هي قضية أعمال تؤدي إلى ذلك ، مما جعله ~~الله من علاقة تكوينية أو جزائية بين الأشياء وأسبابها. # ( @QUR@04 بل أنتم قوم تفتنون ) بما تثيره الرسالة من قضايا يختلف الناس ~~عليها ، ليتخذ كل فريق منهم موقفا منها ، فيكون ذلك فتنة لهم واختبارا ، في ~~ما يأخذون به من الحجة التي يقدمها الأنبياء على الإيمان أو يرفضونه منها ، ~~ليتبين المعاند والمنقاد منهم ، ويتميز المؤمن من الكافر. وهكذا كان النبي ~~صالح يستهدف من حديثه هذا معهم ، أن يرجعهم إلى أنفسهم ، ليتخلصوا من ~~الأوهام المريضة التي تفسر لهم القضايا بطريقة غير صحيحة ، فتبعدهم عن ~~حقائق الحياة وخط المسؤولية. # ( @QUR@010 وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) كانوا ~~يخططون لإبقاء المجتمع تحت سلطة الكفر ، في أجواء الشر التي تفسد الواقع ~~بالامتيازات الظالمة التي يحصل عليها المستكبرون على حساب المستضعفين ، ~~وبالانحراف الفكري عن خطاب الإيمان الذي يوحد للناس حياتهم على أساس ~~الارتباط بالله وحده ، ليكون الارتباط بكل شيء في الحياة من خلاله. وهكذا ~~كان هؤلاء يشعرون بخطورة الرسالة الجديدة على ms4046 مواقعهم ومخططاتهم ، ويخافون ~~أن يكون الموقع المميز المستقبلي لصالح وللمؤمنين معه ، على حساب مواقعهم ~~الخاصة ، فيتغير الواقع من حولهم لمصلحة الرسالة ، وتختلف المفاهيم في ~~مسائل التقييم للأوضاع وللأشخاص ، فبدأوا يخططون لمواجهة هذا الخطر الجديد ~~عليهم ويتآمرون على صالح ومن معه. PageV17P216 # ( @QUR@03 قالوا تقاسموا بالله ) وتشاركوا في إعطاء الميثاق الذي نجتمع ~~عليه بالحلف بالله وتنفيذ ما نتفق عليه وعدم خيانته ، ( @QUR@02 لنبيتنه ~~وأهله ) أي لنقتلنه في الليل في ما يعنيه التبييت من القصد إلى السوء ليلا ~~في ما يريد أن يقوم به الناس ضد بعضهم بعضا من القتل ونحوه في جنح الظلام ، ~~( @QUR@03 ثم لنقولن لوليه ) من العشيرة إذا تحفز للثأر له ( @QUR@06 ما ~~شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) لأن الليل قد استطاع أن يغطي العملية ، فلم ~~يعرف أحد ماذا حدث ومن الذي قام به ، مما لا يجعل لأحد علينا حجة أو مستندا ~~يحاسبنا عليه أو يكذبنا به ، فيصدقنا وليه في ما نؤكده له من المواقف عند ~~ما لا يجد لديه ما يثبت المسألة في مواقعنا الخاصة. # ( @QUR@02 ومكروا مكرا ) في ما عقدوه من خطة خبيثة تستهدف مباغتة صالح ~~وأهله ليلا وقتلهم جميعا ، ( @QUR@05 ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) في ما ~~دبرناه بطريقة سريعة خفية من إهلاكهم قبل أن يصلوا إلى صالح من حيث لا ~~يشعرون ، ( @QUR@09 فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) ~~والمكر السيئ يحيق بأهله ، ويرتد على صاحبه. وهكذا خططوا لهلاك الرسول ، ~~ونفذ الله تهديده بإهلاكهم جميعا ، فانظر واعتبر وفكر أن الإنسان لا بد له ~~من أن لا يأمن مكر الله. # ( @QUR@05 فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) أنفسهم بالكفر والتمرد ، وبما ~~ظلموا الناس من الوقوف في الطريق أمامهم ليحولوا بينهم وبين السير في طريق ~~الهدى في خط الرسالة والرسول ، وذلك هو حكم الله على عباده المتمردين الذين ~~يرفضون الانسجام مع تعاليمه وأوامره ونواهيه ، ويحاربونه في رسالاته ورسله ~~، ( @QUR@06 إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) في ما يستنتجونه منه في أفكارهم ~~من دراسة الحاضر والمستقبل في معطياته المماثلة للماضي على أساس القاعدة ~~التي تحكم المسألة في ms4047 الزمان كله ، لأن الفكرة تتصل بطبيعة المبدأ PageV17P217 # في حركة الإنسان في الواقع ، لا بالمرحلة الزمنية الخاصة ، فمتى تحققت ~~الظروف الموضوعية في أي زمان ، فلا بد من أن تتحقق النتائج السلبية ~~الملازمة لطبيعتها. وفي ضوء ذلك ، نعرف أن قيمة العلم تكمن في حركة الفكر ~~التي تربط بين القضايا وتقيس بعضها على البعض الآخر ، لتأخذ من ذلك القاعدة ~~التي تحكم الأمور كلها من موقع الوحدة التي تربط بين الأشياء المتماثلة ، ~~أما الجاهلون ، فإنهم يتخبطون في ظلمات جهلهم ، باستغراقهم في خصوصيات ~~الواقع الصغيرة ، بحيث يبتعدون عن التطلع إلى الآفاق البعيدة المستقبلية ~~التي تنقذ الإنسان من الأخطار المحققة على صعيد الفكر والتأمل. # ( @QUR@05 وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) لأنهم ساروا على الخط ~~المستقيم في العقيدة والعمل بما يمثله خط الإيمان والتقوى الذي يقود صاحبه ~~إلى النجاح والفلاح. # * * * PageV17P218 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) @QUR@011 ~~أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) @QUR@015 ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(56) @QUR@07 فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) @QUR@06 ~~وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) (58) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الفاحشة ): الفحش والفحشاء والفاحشة : ما عظم قبحه من الأفعال ~~والأقوال. # * * * ### ||| ** لوط مع قومه في خط الرسالة # ( @QUR@06 ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ) التي يرفضها الذوق والعرف ~~والطبيعة ، من خلال المزاج الشهواني الذي يخضع لنزوات ذاتية ، بعيدا PageV17P219 # عن التوازن بين الحاجة والرغبة. ولهذا كانت فاحشة تتجاوز الحدود المرسومة ~~في إشباع الغريزة ، فلم ينطلق الوضع التكويني للرجل ليكون عنصرا سلبيا في ~~غريزة الجنس فيكون مفعولا ، بل ليكون عنصرا إيجابيا فاعلا في ذلك لأن ~~الإعداد الجنسي لا يقتصر على مجرد إمكانات الإشباع ، بل على الأجواء ~~المتنوعة المتفاعلة طبيعيا في ما يجمع بين الرغبة والحاجة في روحية ~~الممارسة وحركتها المادية. # ولهذا ، فإن القرآن يحدثنا عن لوط كيف كان يوبخ قومه ويحتج عليهم ، كيف ~~تأتون الفاحشة جهارا كمسألة طبيعية ( @QUR@02 وأنتم تبصرون ) وترون نتائجها ~~المضرة على مستوى حياتكم العامة والخاصة ، أو وأنتم في حال ms4048 يرى بعضكم بعضا ~~وينظر بعضكم إلى بعض ، كما ذكر بعض المفسرين. ولعل الوجه الأول أوفق بالجو ~~السياقي للآية ، لأن الظاهر أن التنديد بالفاحشة كان منطلقا من طبيعة ~~قيامهم بها من موقع الوعي لطبيعتها السلبية التي تستتبع الارتداع عنها ، لا ~~من قاعدة الرؤية الحسية لها ، لأن مشاهدة بعضهم البعض في ما تسالموا عليه ~~من الفعل لا يثير الرفض الفكري له ، والله العالم. # ( @QUR@07 أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ) في ما تتمثل به ~~الفاحشة في سلوككم العملي مما لا يتقبله الوجدان الفطري للإنسان من خلال ~~دراسته للإعداد الطبيعي للتفاعل الجنسي بين الرجل والمرأة في تكوين المرأة ~~وإعدادها للجنس الذي يجمع في داخله أكثر من نتيجة إيجابية طبيعية على مستوى ~~الحاجة الذاتية للشهوة وللرغبة ولاستمرار الحياة الإنسانية من خلاله ، كما ~~هو الحال في حركة الغرائز في جسد الإنسان في تنوع النتائج في العمل الواحد ~~، فكيف تأتون ذلك ( @QUR@04 بل أنتم قوم تجهلون ) لا تتحركون في حياتكم من ~~موقع الوعي المنفتح على طبيعة الأشياء ، بل من موقع الجهل الطاغي الذي لا ~~يحسب أي حساب للمصلحة والمفسدة في حياة الإنسان ، بل كل ما عنده هو ~~الانفعال بالمزاج الذاتي للرغبة الخاصة. PageV17P220 # ( @QUR@015 فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون ) فهذا هو الرد على دعوة لوط للتفكير في المسألة ، والحوار ~~حولها ، والابتعاد عنها ، لأنهم لا يملكون عمق الفكرة التي تفرض القناعة ، ~~بل كل ما عندهم ، هو الانفعال بالمزاج الذي يمنعهم من التجاوب معه في رفض ~~ذلك ، مما يجعلهم في موقف الضعف الفكري الذي يتحول إلى عنف عملي. وهكذا كان ~~النداء الذي انطلق من كل واحد منهم ليتجاوب في نداء الجميع ، بالمطالبة ~~بإخراج لوط وأهله من القرية ، لأنهم يعيشون طهارة الغريزة في حركة العلاقات ~~الجنسية ، فلا يسمحون بها إلا في الدائرة الطبيعية في نطاق العلاقات ~~الزوجية ، في ما توحي به الكلمة من اعتبار الطهارة في العلاقة ، من حيث ~~طبيعتها وشرعيتها هي الأساس في طهارة الفعل ، فليس الجنس قذارة في مفهوم ~~الرسالة ms4049 بل طريقة ممارسته في دائرة الانحراف. # * * * ### ||| ** نجاة لوط وأهله # ( @QUR@02 فأنجيناه وأهله ) بعد أن استكمل رسالته بمختلف الأساليب ، ولم ~~يبق هناك أي مجال لأية تجربة جديدة ، وبعد أن تحول الموقف إلى حالة عنف ~~للتدمير ، لا حالة حوار للإقناع ، ( @QUR@05 إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين ) الهالكين لأنها لم تستجب لحركة الرسالة في حياة زوجها بل تآمرت ~~عليه مع قومها فاستحقت العذاب معهم ، لأن الإسلام لا ينطلق في المسؤولية من ~~العلاقة الوثيقة بين النبي والآخرين في الناحية الذاتية ، بل الناحية ~~الرسالية ، ( @QUR@03 وأمطرنا عليهم مطرا ) من الحجارة ( @QUR@03 فساء مطر ~~المنذرين ) الذين لم يستجيبوا للإنذار. # * * * PageV17P221 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون (59) @QUR@027 أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء ~~فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم ~~قوم يعدلون (60) @QUR@021 أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها ~~رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) ~~@QUR@016 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله ~~مع الله قليلا ما تذكرون (62) @QUR@020 أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ~~ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ~~(63) @QUR@019 أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) @QUR@014 قل لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) @QUR@014 بل ~~ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) @QUR@09 وقال ~~الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون (67) @QUR@011 لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير PageV17P222 # @QUR@01 الأولين (68) @QUR@09 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المجرمين ) (69) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ذات بهجة ): ذات منظر حسن يبتهج به من يراه. # ( @QUR@01 يعدلون ): يحيدون عن الحق. # ( @QUR@01 خلالها ): بين أماكنها. # ( @QUR@01 رواسي ): الرواسي : الجبال. # ( @QUR@01 ادارك ): تتابع وتلاحق. # ( @QUR@01 عمون ): عمون جمع عم ، وهو أعمى القلب والبصيرة. # ( @QUR@01 أساطير ): خرافات. # * * * ### ||| ** مظاهر حكمة الله ms4050 ووحدانيته # لقد كانت عقيدة التوحيد هي الأساس في رسالة كل نبي ، لأنها هي وحدها التي ~~تحدد للإنسان خط السير ، وتوحده في جميع مجالات الحياة ، نحو الإله الواحد ~~، كهدف وحيد في العقيدة والعبادة والتشريع. وهذا ما استهدفه الكتاب في ~~آياته ، والرسل في دعواتهم ، وهو ما تعالجه هذه الآيات في إثارة الأسئلة ~~المتحدية حول الإله الواحد واليوم الآخر. # * * * PageV17P223 # ( @QUR@03 قل الحمد لله ) # ( @QUR@03 قل الحمد لله ) في عملية إيحاء داخلي للمؤمن بكل الصفات ~~الجلالية والجمالية التي تفتح قلبه على الله ليثني عليه بما هو أهله في ~~صفات عبده ، كما هو الأمر في صفاته في ذاته ، لأن أي حمد لأي مخلوق راجع ~~إليه ، لأنه مستمد من فيوضاته ونعمه ، فإذا كان الإنسان مظهر قدرة الله ، ~~فإن صفاته مظهر حكمته ونعمته ، فكل حمد راجع إلى حمده ، قلها دائما في آناء ~~الليل وفي أطراف النهار ، وفي جميع مواقع الحياة ، لأن ذلك هو الذي يملأ ~~قلبك بالله ، فلا ينبض بالإحساس بعظمة مخلوق إلا ليكون ذلك إحساسا حيا ~~بعظمة الله في عظمة خلقه. # ( @QUR@05 وسلام على عباده الذين اصطفى ) ليكونوا حملة لرسالته ، وأدلة ~~على توحيده ، وهداة لتعاليمه ، لأنهم في الموقع الرسالي المميز الذي يفرض ~~على الناس أن يرفعوهم إلى المستوى الأعلى في التقدير والتعظيم ، فيعبرون عن ~~ذلك بتحية السلام ، التي تتناسب مع أجواء السلام الروحي الذي يعيشون له ~~ويدعون إليه ، كدليل على وقوفهم معهم في ساحة التحدي مع الكافرين ، ~~وانفتاحهم على الجانب الرسالي من حياتهم ، واستعدادهم للسير على منهجهم. ~~وهكذا يريد الله للناس أن يعبروا عن مشاعر الدعم والتأييد للرساليين ، بكل ~~الكلمات والمواقف التي تمثل قوة الموقع الرسالي في حركة الناس. # ثم فكروا في ما يوحي به ذلك من اختزان عظمة الله في النفس ، والمقارنة ~~بينه وبين غيره ، مما يشرك الناس به في العبادة ، ليتساءلوا من قاعدة الفكر ~~المنفتح المقارن : # ( @QUR@04 آلله خير أما يشركون ) وسيخرجون بنتيجة حاسمة واحدة ، هي أن ~~الله هو الأعظم والأعلى والأقوى والأفضل في كل شيء ، لأنهم المربوبون له ، PageV17P224 # وهو الرب ، ولأنهم المحتاجون إليه وهو الغني ، ولأنهم المخلوقون ms4051 الذين ~~يستمدون كل شيء منه ، وهو الخالق ، فأي فضل لهم لا يرجع إليه؟! ولعل إثارة ~~هذا السؤال في الموقف العقيدي هو لتسجيل الفكرة ، لا لحاجتها إلى الإيضاح ~~والتحليل. ( @QUR@04 أمن خلق السماوات والأرض ) بما يتمثل فيها من عظمة ~~الخلق ودقة الصنع ، وضخامة القوة ، وتنوع الخصائص والأشكال ، وروعة الإبداع ~~، وجلالة المظهر ، وحكمة التدبير ، واستقامة الحركة ، فهل بعد هذا كله من ~~أحد هؤلاء الذين يتخذهم المشركون شركاء لله تعالى ، يستطيع خلق ذلك كله؟ ~~فإذا كان الجواب هو النفي وهو الحقيقة الوجدانية التي تلتقي بالواقع ~~وبالفطرة ، فهل هناك جواب إلا الله؟ # ( @QUR@016 وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها ) أفرأيتم هذا الماء الذي يهطل من السماء ، هل فكرتم ~~في حقيقته وما هي عناصره ومكوناته؟ وما هي الأسباب والقوانين التي حركته من ~~مواقعه وأنزلته إلى الأرض في مواسم معينة ، فتفاعل مع ترابها وبذورها ، ~~فأعطاها الحيوية والنمو والحياة حيث تحولت إلى حدائق وبساتين تبهج النفس ~~وتسحر النظر؟ وهل كنتم تستطيعون أن تقوموا بذلك بجهدكم الخاص بعيدا عما هي ~~القوانين الطبيعية التي أودعها الله في الأشياء؟ وهل يمكنكم أن تنبتوا ~~شجرها؟ وماذا تملكون من قدرات ذاتية في ذلك كله؟ هل هناك إلا الله وحده ~~الذي أبدع ذلك كله كما أبدع كل شيء في الوجود؟ # ( @QUR@03 أإله مع الله ) ليكون شريكا له في الألوهية وفي العبادة؟ وكيف ~~يكون ذلك ، فيمن لا يملك من مواقع القدرة وعناصر القوة ، في أي شيء ، إلا ~~ما أقدره الله عليه؟ وهل هو افتراض معقول؟ ( @QUR@04 بل هم قوم يعدلون ) عن ~~الخط المستقيم الذي يمثل الحق كله في العقيدة والعبادة ، من دون حجة أو ~~شبهة ، فيعملون على المساواة بين الله وبين غيره. PageV17P225 # ( @QUR@04 أمن جعل الأرض قرارا ) فهي مستقرة لا تهتز ، وبذلك يرتاح الناس ~~إلى العيش فيها والاستقرار عليها ، بالرغم من حركتها الدائبة على مستوى ~~اللحظة في دورانها المستمر ، ( @QUR@03 وجعل خلالها أنهارا ) في الفراغات ~~الموجودة في الفرج الواسعة أو الضيقة التي تتحرك فيها الأنهار ، ( @QUR@03 ~~وجعل لها رواسي ) وهي الجبال ms4052 التي تمنع الأرض من الاهتزاز ، ( @QUR@04 وجعل ~~بين البحرين حاجزا ) في اختلاط الماء العذب بالماء المالح من دون أن يؤثر ~~أحدهما على الآخر من خلال حاجز خفي ، من قدرة الله ، مانع من امتزاجهما ~~واتحادهما في طعم واحد ، كما هي طبيعة الأشياء. وربما أريد منه مواقع الماء ~~المالح ومواقع الماء العذب في ما هي المسافة بين البحر والنهر ، التي جعلت ~~الماء المالح في مكان أكثر انخفاضا من الماء العذب ، فيستمد الماء المالح ~~استمراره مما يأتيه من الماء العذب المتدفق من الأعالي ، ولو اختلف الأمر ~~وانعكس ، لفسد الماء العذب ، واختلفت الحياة. # ( @QUR@03 أإله مع الله ) يشاركه خلقه ويستعين به على أمره لتعبدوه من ~~دونه أو معه ، ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) ولا يميزون حقائق الأشياء ، ~~سواء منهم الذين يعيشون الشك والشبهة أو الذين يعيشون الغفلة أو العناد في ~~الفكرة المضادة. # * * * # ( @QUR@07 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) # ( @QUR@07 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) فهو الذي يرجع إليه ~~المضطر إذا ضاقت به الأمور ، واشتدت عليه الضغوط ، وكثرت حوله التحديات ، ~~وتعقدت أمامه المشاكل حتى بدأ يحس بالاختناق ، ويشعر بالحصار الذي يطوقه من ~~جميع الجهات ، فيرجع إلى ربه في إحساس خفي بالحاجة إليه ، وبأنه PageV17P226 # وحده الذي يملك التخفيف عنه ، والإجابة له ، وكشف السوء عنه ، من خلال ~~الوسائل الطبيعية التي أعدها الله في الكون والحياة ، أو من خلال الوسائل ~~غير الطبيعية التي يهيئها له من غامض علمه ، وخفايا قدرته. # فقد تكفل الله لعباده باستجابة الدعاء ، وأرادهم أن يتوجهوا إليه بذلك ~~كلما وقعوا في الاضطرار ، ووقعوا في قبضة السوء والبلاء. فمن هو القادر على ~~ذلك كله ، وهل يملك غيره ممن تدعونهم من دون الله ، القدرة على تحقيق أماني ~~العباد ومطالبهم واستجابة دعائهم في كل ذلك؟ وقد أراد الله لعباده أن ~~يشعروا دائما بالحاجة إليه في كل مواقع الضعف والشدة والبلاء ، وبالارتباط ~~به في كل أوضاعهم الخاصة والعامة ، وبالحقيقة الإيمانية التي توحي إليهم ~~بأنه وحده هو سر الفرج والعافية والحياة ، كما أراد لهم أن يتحسسوا ذلك في ~~مشاعرهم ، ويدركوه في ms4053 عقولهم ، ويعبروا عنه بألسنتهم ، ويحركوه في حياتهم ~~في وقوفهم بين يديه ، وابتهالهم إليه بالدعاء ، وركوعهم وسجودهم أمامه ، في ~~ما يثير في وجدانهم التواصل معه حتى في القضايا الصغيرة التي تمر بحياتهم. ~~وقد وعدهم الله بالإجابة في رفع اضطرار المضطر ، وكشف السوء عن المبتلى ، ~~وتفريج كرب المكروب ، وتنفيس غم المغموم ، في ما ينزل عليهم من ألطافه ، ~~ويحركه في حياتهم من أسبابه ، وفي ما يهيئ لهم من الوسائل الكفيلة بذلك من ~~حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون ، فهو يعرف شؤونهم ، وعمق حياتهم ، ~~والمصلحة في ذلك كله ، لأنهم قد يطلبون ما يرغبون فيه ما لا يتناسب مع ~~مصلحتهم ، وقد يحسبون ما لا خير فيه ، خيرا لهم. # وهكذا تكفل الله لعباده بإجابة الدعاء في مواقع رحمته بما يتناسب مع نظام ~~الحياة ، ومصلحة الإنسان ، وأراد للدعاء أن يثير في نفس الإنسان المؤمن ~~المشاعر الإيمانية في حركة الغيب المنطلق في رحاب الله ، بالإضافة إلى ~~الأحاسيس الطبيعية في حركة السنن الكونية المنطلقة من إرادة الله في حركة PageV17P227 # الكون ، لئلا يغرق الإنسان في الأحاسيس المنفعلة بالمادة فينسى الله ، أو ~~يعيش في حصار المشاكل الضاغطة على حياته ، فيقع في قبضة اليأس من روح الله ~~، أو يفقد المتنفس للفرج في حالات الضيق والشدة ، فيختنق في داخل مشاعره ~~المحاصرة ، ليبقى يثير التساؤل في عقله ووجدانه ، ليحدد اتجاه السير في ~~حياته الروحية الإيمانية ( @QUR@07 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ). # * * * # ( @QUR@03 ويجعلكم خلفاء الأرض ) # ( @QUR@03 ويجعلكم خلفاء الأرض ) في ما يمهده لكم فيها من ساحات الحياة ، ~~ويمكنكم فيها من القدرات التي تستطيعون من خلالها أن تحركوا كل عناصرها ~~وتنظموا أوضاعها ، وتقودوا حركتها ، وما يسخره لكم منها من قوى وقوانين ، ~~بحيث تخضع لكل ما تريدون وتحبون. وتلك هي الكرامة التي أكرمكم فيها الله من ~~موقع إنسانيتكم ، فجعل الأرض تحت تصرفكم واختياركم في ما أراده لكم من حركة ~~وخطة حياة ، وحملكم من عبء المسؤولية في وعي الرسالة في امتداد الأرض ~~وامتداد الزمن ، بحيث جعل لكل جيل منكم مرحلة يخلف فيها الجيل المتأخر ~~الجيل المتقدم ، لتبقى مسألة ms4054 الخلافة في الأرض للإنسان ، ساحة للمسؤولية ~~العامة ، وحركة في معنى الزمن الذي لا يعيش الفراغ في كل مواقعه من حركة ~~الإنسان فيه ، وبذلك كانت علاقة الإنسان بالله تنطلق في عمق الحاجة إليه ، ~~حيث يلجأ إليه ليكتشف عنه السوء في كل ما يعرض له من مشاكل الحياة وآلامها ~~عند ما تضيق به الأمور ، فلا يجد ملجأ إلا في رحاب الله ، وفي ما يمهده له ~~من خلافة الأرض ، مما يجعل وجوده فيها وحركته في ساحتها خاضعا لإرادته في ~~كل شيء ، فكيف يغفل الإنسان عن PageV17P228 # ذلك كله فينسى ربه؟ وهل يملك لنفسه شيئا بعيدا عن إرادة الله الذي يحيط ~~بوجوده كله؟ ( @QUR@06 أإله مع الله قليلا ما تذكرون ) أيها الغافلون الذين ~~يكفرون بالله ، ويستغرقون في شهواتهم وملذاتهم وأوضاعهم اللاهية ، فيعيشون ~~في غيبوبة النسيان ، ولا يدركون ما هناك من مسئوليات وما ينتظرهم من ~~النتائج الصعبة في يوم القيامة. # ( @QUR@06 أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ) عند ما يظلم الكون من حولكم ~~في الليل ، أو عند ما تطبق عليكم كل عناصر الظلام الأخرى ، وليس هناك من ~~علامات تدلكم على الطريق ، فهل تدركون من هو الذي يهيئ لكم أسباب الهدى في ~~ما أودعه من علامات كونية في السماء والأرض ، وما ألهمكم إياه من عناصر ~~المعرفة التي تحدد لكم خط السير ، عبر ما تستحدثونه من علامات وتكتشفونه من ~~قوانين في البر والبحر؟! # ( @QUR@07 ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) عند ما تحس الأرض بالظمإ ~~والجفاف ، ويشعر الإنسان بالعطش ، فتأتي الرياح العاصفة لتوحي بأن الأرض ~~سترتوي بالماء الذي يفيض في جنباتها ويملأ خزاناتها ، ويبعث الحياة في حبات ~~التراب ، وبأن الإنسان سوف يجد ما يبل به عروقه ، ويعيد إليه الحيوية من ~~جديد. وهكذا تنطلق الرياح لتزرع الحلم في الكون ، ولتدفع بالبشارة إلى ~~وجدانه ، قبل أن تنزل الرحمة وهي المطر الذي يبعث الحياة في أعماق الأرض ~~والإنسان ، ليجتمع الحلم والواقع في نعمة الله. إنه الله وحده الذي يرسل ~~ذلك ، ويفيض على الكون بالرحمة ، فكيف يشرك الإنسان به؟ وهل هناك غيره من ~~يملك ms4055 ذلك كله؟ ( @QUR@07 أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ) لأن كل ~~هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا من القدرة يقترب من قدرة الله ، فكيف يمكن أن ~~يكونوا شركاء وليس لهم من قدرة إلا من خلاله؟ # ( @QUR@05 أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ) فهو الذي خلق الخلق بكل خصائصه ~~وعناصره PageV17P229 # ومظاهره التي توحي بعظمة الخلق وقوة الخالق ، وهو الذي يعيده ويرجعه كما ~~كان بالبعث ، لأن القدرة على الإيجاد من عدم تدل على القدرة على الإعادة ~~بعد الموت ، لأن عمق القدرة لا يختلف في البداية عن النهاية ، بل قد تكون ~~البداية أكثر صعوبة من الإعادة ، لأنها تنطلق من دون مثال ، بينما تكون ~~الإعادة من خلال المثال ، وتلك هي الحقيقة الإلهية التي لا بد للناس من أن ~~يخضعوا لها من موقع الوجدان الذي يتطلع إلى الأشياء بوعي ، ويحاكمها بفكر ، ~~ويبلغ نتائجها بإيمان. # ( @QUR@05 ومن يرزقكم من السماء والأرض ) في ما أودعه في السماء من أسباب ~~الرزق من الأمطار ونحوها ، وفي ما جعله في الأرض من الأسباب التي تدفع إلى ~~الناس بكل ما يحتاجونه من أصناف الغذاء التي تقيم حياتهم وتحفظ وجودها ، ( ~~@QUR@04 أإله مع الله قل (1) @QUR@05 هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) في ~~دعواكم الشرك. فإن مسألة الصدق والكذب في قضايا العقيدة تنطلق من الأدلة ~~والبراهين التي يقيمها كل فريق على صحة دعواه ، في ما توحي به من عناصر ~~الحقيقة الكامنة فيها. وهكذا ترون مما قدمناه لكم من الأدلة على وحدانية ~~الله في قدرته وفي عظمته ، وفي خضوع كل شيء في الوجود له ، وفي ارتباط كل ~~موجود به من خلال حاجته المطلقة إليه ، واستغنائه عنهم جميعا ، ما يدل على ~~أنه الله الواحد الذي لا شريك له. فإذا كنتم تنكرون ذلك وتلتزمون الشرك ، ~~فقدموا لنا البرهان عليه لنناقشه من موقع الفكر ، لتكون الحقيقة بنت الحوار ~~، وليكون الحوار الهادىء العميق أساس الوصول إلى النتائج الحاسمة في ~~المعرفة ، فبذلك يحترم الإنسان نفسه ، ويحترم حركة الحياة من حوله. # * * * PageV17P230 ### ||| ** الأسلوب القرآني العقلاني في حركة الصراع # وهذا هو الأسلوب القرآني الذي يحرك مواقع الصراع الفكري ms4056 في ساحات العلم ~~والمعرفة ، لتكون الحجة التي يقدمها كل فريق على قناعاته ، هي القوة التي ~~يملكها في ذاته ليقنع بها نفسه ويقدمها إلى غيره ليحصل على قناعاته ~~الإيمانية من خلال المناقشة الفكرية العميقة التي تواجه عمق الأشياء بكل ~~صفاء وقوة. وذلك هو سبيل الإيمان في ما يريد الإسلام أن يبلغه من إيمان ~~الناس بحقائقه ، فلا يريد منهم الإيمان الأعمى القائم على إثارة الانفعالات ~~، لأن الانفعال قد يثير الفكرة في الوجدان في بعض الحالات ، ولكنه يطردها ~~عند تبدل الانفعال وتحوله إلى جانب آخر في حالة أخرى ، بينما يركز العقل ~~الإيمان على الحجة القاطعة ويتابع تأكيدها فيزيدها وضوحا وعمقا وإشراقا ~~وثباتا. وذلك هو سر قوة الإسلام في حركة إيمانه من موقع عقلانيته في مواجهة ~~قضايا الإنسان المؤمن العقلاني ، بدلا من الإنسان المؤمن الانفعالي الساذج. # وهكذا نستوحي من ذلك ، أن على الداعية إلى الله ، أن يأخذ بأسباب المعرفة ~~في حركته الرسالية في ساحة الصراع الفكري والعقيدي ، ليملك الحجة القوية ~~التي يستطيع أن يقنع بها الناس ، ويتحدى بها الشبهات التي يثيرها الكافرون ~~حول عقيدته ، وليواجه الحجة بالحجة ، ليكون الحوار منطلقا من قاعدة في ~~الفكر لا من حالة في الانفعال. # * * * PageV17P231 ### ||| ** الله عالم الغيب # ( @QUR@010 قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) لأنه هو ~~وحده الذي يملك السموات والأرض في كل آفاقها وأوضاعها وقضاياها وأسرارها ، ~~لأنه الخالق الذي يعرف كل سر خلقه من خلال إحاطته به وهيمنته عليه. أما ~~غيره من كل هذه الموجودات الحية ، فلا يملك من أمر السماء والأرض شيئا إلا ~~ما ملكه الله منهما ، ولا يعلم من أسرارهما شيئا إلا ما عرفه الله منهما. ~~فهو وحده الذي يعلم الغيب ويدبر الكون من خلال علمه كما يدبره من خلال ~~قدرته. فكيف يمكن أن يكون هؤلاء الذين يتخبطون في ظلمات الجهل في ما يحسونه ~~، وما لا يحسونه ، آلهة يشاركون الله ألوهيته وهم لا يملكون من خصائصها ~~شيئا ، حتى في خصوصيات المعرفة للمستقبل التي تعتبر عنصرا ضروريا للتخطيط ~~الكوني ، ( @QUR@04 وما يشعرون أيان يبعثون ) فهم ms4057 يواجهون مستقبل الآخرة ~~التي يتحدد فيها أمر المصير ، بنظرة حائرة لا يملكون معها أي موقع للمعرفة ~~، ليكون ذلك أساسا لتدبير أمورهم فضلا عن تدبير أمور غيرهم ، فكيف يمكن أن ~~يكونوا آلهة؟ # ( @QUR@05 بل ادارك علمهم في الآخرة ) أي انقطع علمهم بالآخرة وزال بحيث ~~لم يبق منه شيء انطلاقا من استغراقهم في علمهم بالجهات الأخرى من الدنيا ~~حتى نفد علمهم ، فلم يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة ، وعلى هذا الأساس ~~كان علمهم بها ساقطا كما لو كان موجودا ثم ذهب باعتبار وجود الاستعداد له ~~وعدم صرفه فيها. وهناك وجه آخر وهو ، أن «ادراك» بمعنى تكامل واستحكم ، ~~وتطبيق ذلك في معنى الآية على وجهين في ما ذكره صاحب الكشاف أحدهما : «أن ~~أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب منه ، قد حصلت لهم ~~ومكنوا من معرفته ، وهم شاكون جاهلون وهو قوله ( @QUR@03 بل هم في PageV17P232 # @QUR@06 شك منها بل هم منها عمون ) يريد المشركين ممن في السموات والأرض ~~، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع ، كما يقال بنو فلان ~~فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم. # فإن قلت : إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب ، وإن العباد لا علم ~~لهم بشيء منه ، وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به ، ~~فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم ~~والتمكن من المعرفة؟ قلت : لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ، ولا يشعرون ~~بالبعث الكائن ووقته الذي يكون منه ، وكان هذا بيانا لعجزهم ووصفا لقصور ~~علمهم : وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه ، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا ~~بد أن يكون وهو وقت جزاء أعمالهم : لا يكون ، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه ~~واستحكام العلم به. # الوجه الثاني : أن وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكم بهم ، كما تقول ~~لأجله الناس : ما أعملك! على سبيل الهزؤ ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إثباته ~~الذي ، الطريق إلى علمه مسلوك ، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى ~~معرفته» (1). # وقد ms4058 ناقش صاحب الميزان هذا التفسير ، بأنه لا يلائم ما يتبعه من الإضراب ~~بالشك والعمى (2). ولكننا نلاحظ أن المعنى الذي ذكره صاحب الكشاف أقرب إلى ~~جو التعبير ، وذلك من خلال التأكيد على علمهم بالآخرة مما يتناسب مع توفر ~~أسبابه ، مع عدم وجود قرينة لفظية على ما ذكره العلامة الطباطبائي في ~~الميزان من صرف علمهم في أشياء أخرى بالمستوى الذي لم PageV17P233 # يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة (1). وعلى ضوء ذلك ، ينسجم المعنى ~~المذكور في الكشاف مع الفقرة التالية ( @QUR@05 بل هم في شك منها ) من خلال ~~عدم أخذهم بأسباب العلم ، وحيرتهم أمام حديث الأنبياء عن الآخرة مما يجعلهم ~~في موقع الشك ( @QUR@04 بل هم منها عمون ) لا يدركون منها شيئا ، لأنهم ~~استغرقوا في أجواء اللهو والعبث ، وانصرفوا عن التفكير في أمر الآخرة ، ~~فعاشوا في مواقع العمى الفكري والروحي. # ومن هنا نفهم أن هذا التدرج في الحديث عنهم ينطلق من دراسة حالتهم ~~النفسية أمام واقع الدليل الذي يفرض الإيمان بالآخرة ويؤدي إلى العلم بها ، ~~أو يثير التفكير بها ، مما يجعل الانصراف عنه وقوعا في الشك والعمى عن ~~الحقيقة. # ( @QUR@09 وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون ) في ~~نظرة الاستبعاد أمام الشيء الخارج عن المألوف مما يجعل الرفض رفضا في مستوى ~~الشعور الحسي ، لا في مستوى الإدراك العقلي والنظرة الوجدانية العميقة. ~~وتلك هي مشكلة السطح الفكري الذي يتحرك من خلاله هذا النموذج من الناس ~~الذين لم يأخذوا بأسباب المعرفة من مواقعها الفكرية ، بل أخذوا بها من ~~مواقعها الشعورية الانفعالية ، فهم لا يناقشون المسألة من ناحية علاقتها ~~بقدرة الله الذي يملك أمر الإعادة كما يملك أمر البدء ، بل يناقشونها من ~~ناحية عدم رؤيتهم لمثل هذا الأمر في ما شاهدوه من مشاهد الحياة والموت ، ~~فكيف يمكن أن يخرج الموتى منهم أو من آبائهم من جوف الأرض ، ليعودوا إلى ~~الحياة ثانية ..؟ وكيف يمكن أن يصدقوا ذلك وهم لم يألفوه في حياتهم ، ولم ~~يدخلوا في تجربته من موقع المعاناة؟ # ( @QUR@07 لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ) في ما ms4059 أخبرنا به الأنبياء ~~الماضون PageV17P234 # والمحدثون ، ولم يتحقق لنا هذا الوعد ، ولا لآبائنا ، مما يوحي بأن ~~المسألة لا تصل إلى مستوى الحقيقة ، بل تبقى في حجم الأسطورة التي يثيرها ~~الكثيرون في آفاق الخيال ، ( @QUR@05 إن هذا إلا أساطير الأولين ) الذين ~~كانوا يتحركون في عقيدتهم في رحاب الخرافة التي اختلقوها ليفسروا بها ~~الكثير مما يجهلونه من قضايا الكون والحياة. # ( @QUR@04 قل سيروا في الأرض ) وتطلعوا إلى تاريخ الأمم التي كانت قبلكم ~~ممن كفروا بالله وبرسله وباليوم الآخر وتمردوا على حقائق الإيمان وشرائعه ~~من دون حجة ولا برهان ، فلم يكن لديهم أساس من العلم والمعرفة في ما ~~يرفضونه ، أو ينحرفون عنه من الحقيقة الإلهية والخط الرسالي ، مما يجعل ~~المسألة في حجم الجريمة ، لأن مفهوم الجريمة في المضمون القرآني ، لا يقتصر ~~على التمرد العملي في ما يقوم به الناس ضد بعضهم البعض ، أو ضد أنفسهم ، بل ~~يتعداه إلى التمرد الفكري الذي لا يملك الإنسان مقوماته ، ولا يتحرك به من ~~مواقع القناعة ، بل من مواقع العناد ، ولا سيما إذا كان في ذلك افتراء على ~~الله أو تكذيب بآياته. وهذا مما جاءت به الآيات مثل قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) [الأنعام : ~~21]. مما يجعل ذلك في المستوى الأعلى من الظلم الذي هو جريمة إنسانية في ما ~~يمثله من حالة عدوانية .. ولهذا فإن الآية تجعل من الدعوة إلى السير في ~~الأرض لدراسة مصير أمثال هؤلاء الكافرين ممن سبقهم ، تحذيرا لهم عن ملاقاة ~~المصير نفسه ( @QUR@05 فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) لتتفادوا الوقوع ~~في النتائج السيئة القاسية من خلال ذلك. # وقد يقول قائل : إن هذه الآية ليست ردا على ما أثاروه من الاستبعاد ، ومن ~~التأكيد على أسطورية هذه العقيدة ، بل هي مجرد تحذير وتهديد ، مما لا ينسجم ~~مع الأسلوب الفكري في بناء العقيدة. PageV17P235 # والجواب عن ذلك : إن المقصود من التحذير هو إيجاد صدمة نفسية قوية ضد ~~حالة الاستخفاف الفكري التي يواجهون بها مسألة العقيدة ، بالاستبعاد تارة ، ~~وبالاستهزاء أخرى ، وباللامبالاة ثالثة ، مما يجعل من حالتهم حالة ms4060 عدوانية ~~مضادة ، تستهدف إسقاط الموقف لا مناقشة الفكرة ، ولذلك فإن الرد لا بد من ~~أن يكون ردا مضادا للثقة النفسية التي يتمثلونها في موقفهم ، ليدفعهم ذلك ~~إلى إعادة النظر في أسلوبهم العملي من خلال الخوف من نتائج المصير. # وهذه هي الطريقة الحكمية التي ينطلق بها المنهج القرآني ، في مناقشة ~~مواقع الفكر بمواقع الفكر ومواجهة قضايا التمرد والاستخفاف واللامبالاة ، ~~بأسلوب الصدمة النفسية القائمة على التحذير والتهديد ، لأن ذلك هو خط ~~الحكمة في وضع الشيء في موضعه. # * * * PageV17P236 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) @QUR@09 قل عسى أن يكون ردف لكم ~~بعض الذي تستعجلون (72) @QUR@010 وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون (73) @QUR@08 وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) @QUR@010 ~~وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) (75) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ردف ): فعل ماض بمعنى : لحق وتبع. # ( @QUR@01 تكن ): تستر وتخفي. # * * * ### ||| ** الله يخاطب نبيه : لا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق # ( @QUR@03 ولا تحزن عليهم ) لأنهم لا يستحقون مثل هذه العاطفة النبوية ~~الطاهرة التي تنطلق من المواقع الإنسانية الصافية ، في ما تتحرك به مشاعر ~~النبوة من الألم والحزن على الذين يلقون بأنفسهم في التهلكة ويعرضونها ~~للضلال في PageV17P237 # الدنيا ، والعذاب في الآخرة. فهؤلاء الذين فتح لهم الله كل فرص الهداية ، ~~فأهملوها وواجهوها بالهرب والتمرد واللامبالاة ، ووجه إليهم ألطاف رحمته ، ~~وفتح لهم أبوابها ، فأغلقوها على أنفسهم ، ورفضوها بكل عناد وإصرار ، كيف ~~يستحقون المشاعر الإنسانية والنبوية الطاهرة التي تمردوا عليها. # ( @QUR@06 ولا تكن في ضيق مما يمكرون ) ويدبرون في الخفاء من وسائل ~~المواجهة للدعوة ، والرفض للرسالة والرسول ، بل لا بد من أن تتقبل ذلك بشكل ~~طبيعي باعتبار أنه من طبيعة الأشياء التي تفرضها ساحة الصراع في ما تنطلق ~~به الرسالات التي تريد أن تغير الواقع على أساس مفاهيمها ، فتهاجم كل أشكال ~~الشر والكفر والفساد ، بالمضمون الفكري تارة ، وبالحركة القوية أخرى ، ~~وبالأسلوب المتحرك المتنوع في أخلاقيته ومرونته وواقعيته ثالثة ، مما يشكل ~~خطرا على مواقع النفوذ في ساحة ms4061 الأمر الواقع ، فتتحرك للدفاع عن نفسها ~~بالتعسف والقهر والقتال ، وبالتخطيط العملي الذي يعمل على إرباك حركة ~~الرسالة والرسول في مجالات الدعوة والتغيير. # وفي ضوء ذلك ، لا بد من مواجهة المسألة بطريقة هادئة واعية لا تخضع ~~للانفعالات التي يضيق بها الصدر ، وتتعقد فيها المشاعر ، بل تتحرك للتخطيط ~~المضاد ، والحركة المضادة ، من أجل إكمال المسيرة في خط الأساليب الواقعية ~~التي تغير الواقع بأدوات الواقع ، لا بالانفعال. # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) في أسلوب التحدي الذي ~~يطلق الكلمة التي يعرف أنها لا تتحرك في اتجاه الرد الإيجابي ، لأن التوقيت ~~لا يحمل أي معنى حاسم في ميزان القضية المطروحة ، مما يجعل من الجو لونا من ~~الإحراج الجدلي الذي يستهدف تسجيل النقاط ، لا الوصول إلى النتيجة المطلوبة ~~، وهي القناعة باليوم الآخر من حيث الأساس في دائرة الحجة اليقينية ~~والانطلاق من ذلك إلى مواقع الالتزام بالخط الإيماني في الأمر الله ونهيه ، ~~( @QUR@01 قل PageV17P238 # @QUR@05 عسى أن يكون ردف لكم ) أي لحق بكم ( @QUR@03 بعض الذي تستعجلون ) ~~من العذاب وأنتم لا تشعرون ، فما الذي يؤمنكم من ذلك؟ وما هي النتيجة من كل ~~هذا الأسلوب الجدلي الساخر الذي تثيرونه في مواجهة الرسالة والرسول؟ هل ~~تسقطون به حقيقة ، أو تحلون به مشكلة ، أو تغيرون به الواقع الذي يفرض نفسه ~~عليكم في المواقف الحاسمة؟ # ( @QUR@06 وإن ربك لذو فضل على الناس ) في وجودهم بعد أن كانوا عدما ، ~~وفي حركة هذا الوجود في ألوان النعم التي لا تعد ولا تحصى في آفاق الكون ~~وفي مفردات الحياة ، مما يفرض عليهم الشكر بالكلمة والعمل ، في ما يعبر به ~~الناس عن خضوعهم وعبادتهم واعترافهم بالجميل ، والامتنان لمواقع النعم في ~~حياتهم ، ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يشكرون ) لأن القليلين هم الذين ينطلقون ~~من وعي الألوهية في موقع وجود الإنسان في امتداد النعم في دائرة الرحمة ~~الواسعة الشاملة للحياة كلها ، وللإنسان كله ، لأنهم هم الذين يفكرون ~~ويتأملون ويثيرون الحوار في كل مفردات العقيدة ، ليصلوا من خلال ذلك إلى ~~القناعة الوجدانية اليقينية. أما الأكثرية ، فإنها تتحرك غالبا من عمق ~~الانفعال ، وسذاجة ms4062 العاطفة ، وحركة الغريزة والمصلحة ، ولذلك كانت الغفلة ~~هي الطابع الذي يطبع حياتهم ، ويتمثل في مسيرتهم ، فيتعاملون مع النعم ~~الكثيرة تعاملهم مع الأشياء المألوفة التي لا تثير فيهم أي انتباه ، بل ~~يتابعون حياتهم معهم كأنهم لم يروا شيئا جديدا في ما يمكن أن يناقشوه أو ~~يفكروا فيه. # ( @QUR@06 وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ) مما يخفونه من أفكارهم الشريرة ~~ونواياهم السيئة وعقائدهم الفاسدة ، فلا يخفى عليه شيء من ذلك ( @QUR@02 ~~وما يعلنون ) في ما يفصحون به عن مواقفهم العلنية ( @QUR@06 وما من غائبة ~~في السماء والأرض ) مما يغيب عن الإنسان علمه ولا يغيب عن الله أمره ( ~~@QUR@04 إلا في كتاب مبين ) لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ليجزيهم ~~الله على ما عملوه من خير أو شر. # * * * PageV17P239 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ~~(76) @QUR@04 وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) @QUR@08 إن ربك يقضي بينهم ~~بحكمه وهو العزيز العليم (78) @QUR@07 فتوكل على الله إنك على الحق المبين ~~(79) @QUR@011 إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ~~(80) @QUR@014 وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ~~فهم مسلمون (81) @QUR@016 وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض ~~تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) @QUR@011 ويوم نحشر من كل ~~أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) @QUR@014 حتى إذا جاؤ قال ~~أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) @QUR@08 ووقع ~~القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ) (85) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فوجا ): الفوج : الجماعة. # ( @QUR@01 يوزعون ): يحسبون. # * * * PageV17P240 ### ||| ** آفاق القرآن ودوره # ما هي آفاق هذا القرآن؟ وما هو دوره؟ وما هي طبيعته؟ إنه ليس كتابا ~~تجريديا يتحدث عن الفكر في مجالات الفراغ ، ويحلق في آفاق الخيال ، بل هو ~~كتاب يرصد الواقع في الماضي والحاضر ، لينفتح فيه على طبيعة المجتمعات التي ~~يكثر فيها الخلاف وتتحرك فيها مواقع الصراع ، ليعالج ذلك كله بأسلوبه ~~المرتكز على الحكمة في الفكرة والمنهج ، فيجد فيه كل مجتمع نفسه ، ويحس ~~بأنه يمثل صورته الحقيقية في كل مفرداته وأوضاعه ، وهو في ms4063 الوقت نفسه يخطط ~~للطريق المستقيم الذي يصل بالناس إلى أهدافهم القويمة ، ويوحي لهم بكل ~~المعاني الخيرة التي تفيض بالحب والرحمة والسعادة والطمأنينة. # * * * ### ||| ** القرآن هدى ورحمة للمؤمنين # ( @QUR@07 إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ) الذين يمثلون الامتداد ~~التاريخي لمجتمع الرسالات ( @QUR@05 أكثر الذي هم فيه يختلفون ) من قضايا ~~العقيدة والحياة. ولكن لا لتكون القصة سبيلا للمتعة واللهو وملء الفراغ ، ~~كما يتحدث القصاصون عن التاريخ وحكاياته ، بل لتكون منطلق حديث عن عمق ~~الجذور الفكرية والروحية لتلك الخلافات وعما يمكن أن يصل إليه من النتائج ~~الحاسمة في قضايا الحق والباطل ، والخير والشر ، والانحراف والاستقامة ، ~~وذلك من أجل تصحيح الخطأ ، وتقويم الانحراف ، لأنه يستهدف تثبيت القواعد ~~الفكرية والأخلاقية التي جاءت بها الرسالات في حركة الحياة ، ( @QUR@04 ~~وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) الذين يتدبرون آياته ويحولونها إلى قناعات في ~~أفكارهم وأحاسيسهم ومشاعرهم ، ومواقف في خطواتهم ، وحركة في مواقعهم ، ~~فتنطبع بها حياتهم PageV17P241 # العملية ويعيشون في رحابها اللطف والرحمة والحنان. أما غير المؤمنين ~~الذين يمرون عليه مرورا عابرا ، فلا يتوقفون أمام مشارق النور في فكره ، ~~ولا عند مواقع الحق في نهجه ، ولا يتحركون في خطوط الاستقامة في طريقه ، ~~أما هؤلاء ، فإنهم لا يكتشفون فيه الهدى ، ولا يعيشون فيه الرحمة ، بل ~~يبقون في تخبطهم يتحيرون ، وفي ضلالهم يتيهون. # ( @QUR@05 إن ربك يقضي بينهم بحكمه ) الذي يفرق فيه بين الحق والباطل ، ~~فيدحض الباطل بالحق ، ويؤكد الحق بالحجة ، ويفصل بين الناس في ما اختلفوا ~~فيه في شؤون الدين والدنيا ، ( @QUR@03 وهو العزيز العليم ) الذي يملك ~~القوة التي لا يدنو إليها أحد ، فتؤكد مواقع العزة لديه ، ويملك العلم الذي ~~يحيط بكل شيء ، فلا يغيب عنه شيء من أمور الأرض والسماء والحياة والإنسان ، ~~فهو الملجأ والمقصد. # * * * # ( @QUR@03 فتوكل على الله ) # ( @QUR@03 فتوكل على الله ) واتجه إليه وأقبل عليه ، ولا تتوكل على غيره ~~، لأنه الذي يملك الأمر كله ، ولا يملكه أحد معه ، فهو الذي يملك كل أحد. ~~وذلك هو النهج الذي يريد الله لك أن تسير عليه ، ( @QUR@04 إنك على الحق ~~المبين ) الذي تعيش فيه الوضوح في الفكرة ، والإشراق في الموقع ms4064 ، ~~والاستقامة في الطريق ، فلا يهمك من أنكر ، ولا يضعفك من تمرد ، فليس هناك ~~موقع للضعف في حياة الرسول إذا كان واثقا من موقع الحق في رسالته حتى لو ~~أنكره الناس كلهم. وقد يكون في هذا التأكيد بأنه على الحق لون من ألوان ~~الإيحاء بقوة الموقف عند ما يقنع الإنسان بالحقيقة في فكره وفي نهجه وموقعه ~~، لأنه يرتكز على القاعدة الثابتة التي لا اهتزاز فيها ، ولذلك فإنه ينطلق ~~من خلال الثقة الكبيرة بالخط PageV17P242 # المستقيم ، فلا يبقى له إلا أن يجمع كل طاقاته ، ويحرك كل مواقعه ، ~~ويواجه كل التحديات ويتوكل على الله ، لتتأكد له الثقة بالوصول إلى الهدف ~~الكبير من خلال الله. # * * * ### ||| ** الموتى والصم والعمي لا يعقلون آيات الله # ( @QUR@04 إنك لا تسمع الموتى ) الذي لا تتحرك الحياة في أفكارهم ~~ومشاعرهم من موقع الوعي ، بل تتحرك فيها من موقع اللهو والبعث واللامبالاة ~~، فلا يواجهون الحقيقة من قاعدة المسؤولية ، في إحساس متبلد ، وتفكير ميت ، ~~فمثلهم مثل الموتى في نتائج الموقف وإن اختلفوا عنهم في شكل الحياة ، في ~~الحركة المادية في الجسد ، لأن المسألة في انطلاقة الانفعال بالرسالة هي ~~مسألة الحياة المنفعلة بالمسؤولية من خلالها لا مسألة الحياة في ذاتها ، في ~~ما تبتعد فيه الروح عن التفاعل مع الفكرة التي تواجهها في خط الدعوة ، لأن ~~فقدان الاهتمام بالشيء يعني فقدان الإحساس به. # ( @QUR@04 ولا تسمع الصم الدعاء ) الذي تدعوهم إليه ليفكروا فيه ويناقشوه ~~، ليقتنعوا به من خلال الحجة القائمة عليه ، مما يمكن أن يكون هؤلاء مثلا ~~حيا له ، على أساس أن السمع الذي يملكه الإنسان لا قيمة له إذا لم يعمل على ~~التوجه لما يثأر حوله من القضايا التي يتحدث بها الآخرون ، فإذا فقد التوجه ~~إلى ذلك ، كان السمع وعدمه على حد سواء ، وكان الإنسان الذي يملك السمع ~~بمنزلة الأصم في النتيجة العملية للموقف. وهكذا كان هؤلاء الفكرة بمنزلة ~~الصم عند ما يدعوهم النبي إلى الإسلام ( @QUR@03 إذا ولوا مدبرين ) ومعرضين ~~عن سماع الدعوة الرسالية ، من خلال أجواء العناد الروحي الذي يرفض الانفتاح ~~على كل دعوة للتفكير ms4065 وللحوار حول الرأي الآخر. PageV17P243 # ( @QUR@06 وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ) من هؤلاء الذين يعيشون العمى ~~العقلي والقلبي ، في ما يمكن أن يثيره النبي من القضايا الرسالية في ~~العقيدة والعمل ليدلهم على الطريق المستقيم الذي يدعوهم إلى رؤيته في ما ~~يواجهونه من الطرق المتنوعة ، ليعرفوا كيف تتحرك البدايات نحو النهايات في ~~خط الاستقامة ومجالات التوازن ، في قضايا الإنسان والحياة ، والعلاقة ~~بالله. ولكنهم أغلقوا عيون عقولهم وقلوبهم عن ذلك كله ، تماما كما هم العمي ~~في مواجهتهم للأمور التي تحتاج إلى بصر ، ولذلك فإن من غير الممكن أن يتمكن ~~النبي من هدايتهم ، لأن الشرط لذلك أن تكون لديهم إرادة الرؤية والاهتداء ، ~~فإذا فقدوا ذلك ، فإن المحاولة تتحول إلى نوع من البعث. # ( @QUR@06 إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) لأن الإيمان المنطلق من الفطرة ~~المنفتحة على حقائق الإيمان ، يجعل الإنسان المؤمن في حركة دائمة نحو ~~المعرفة التفصيلية لكل ما يريده الله للإنسان وللحياة ، في عمق المسؤولية ~~وامتدادها ، ليحدد موقفه من ذلك كله في خط الطاعة المطلقة لله ، والخضوع ~~الخاشع لإرادته ، وهذا هو دور المؤمنين في حركة الحقيقة القادمة من وحي ~~الله ( @QUR@02 فهم مسلمون ). # * * * ### ||| ** القول ... ودابة الأرض # ( @QUR@04 وإذا وقع القول عليهم ) وثبت الوعد الإلهي ، وجاء موعد القيامة ~~، واندفع الناس إلى الحشر ليواجهوا نتائج أعمالهم ، وربما كان المراد منه ~~العذاب الذي وعد الله المشركين به ، ( @QUR@06 أخرجنا لهم دابة من الأرض ~~تكلمهم ) وتعلن لهم النتائج العملية لما عاشه الناس مع الأنبياء ، في ما ~~أنزل الله عليهم من PageV17P244 # رسالات ، وأقام لهم من بينات وأظهره لهم من دلائل وآيات ، وتقول لهم : ( ~~@QUR@06 أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) لأنهم لم ينفتحوا على الحق ~~النازل من الله والمنطلق من خلال الفطرة والمتحرك في دائرة العقل ، بل ~~فضلوا العناد والتمرد والبعد عن الله ، وتعطيل كل عقولهم وحواسهم عن اكتشاف ~~الحق. وهذا التفسير مبني على ظهور الآية في اعتبار قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~أن الناس ) إلخ يمثل مضمون كلام البداية في ما أراد الله لها أن تعلنه على ~~الناس كنداء موجه من الله ، أو كنداء موجه ms4066 منها ، ولكن الله الذي أسند ~~الإخراج إليه بضمير المتكلم ، أسند الآيات إليه بالضمير نفسه. وهناك تفسير ~~آخر ذكره صاحب الميزان ، قال «وأما ما هو هذا القول الواقع عليهم ، فالذي ~~يصلح من كلامه تعالى لأن يفسر به قوله : ( @QUR@011 سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) [فصلت : 53] فإن المراد بهذه ~~الآيات التي سيريهم غير الآيات السماوية والأرضية التي هي بمرآهم ومسمعهم ~~دائما قطعا ، بل بعض آيات خارقة للعادة تخضع لها وتضطر للإيمان بها أنفسهم ~~في حين لا يوقنون بشيء من آيات السماء والأرض التي هي تجاه أعينهم وتحت ~~مشاهدتهم. # وبهذا يظهر أن قوله : ( @QUR@06 أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) ~~تعليل لوقوع القول عليهم والتقدير لأن الناس ، وقوله : ( @QUR@01 كانوا ) ~~لإفادة استقرار عدم الإيقان فيهم ، والمراد بالآيات الآيات المشهودة من ~~السماء والأرض غير الآيات الخارقة ، وقرئ «إن» بكسر الهمزة ، وهي أرجح من ~~قراءة الفتح ، فيؤيد ما ذكرناه وتكون الجملة بلفظها تعليلا من دون تقدير اللام. # وقوله : ( @QUR@06 أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ) بيان لآية خارقة من ~~الآيات الموعودة في قوله : ( @QUR@011 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق ) وفي كونه وصفا لأمر خارق للعادة ، دلالة على أن ~~المراد بالإخراج من الأرض إما الإحياء والبعث بعد الموت ، وإما أمر يقرب ~~منه ، وإما كونها دابة تكلمهم ، فالدابة ما يدب على الأرض من ذوات الحياة ~~إنسانا كان أو حيوانا PageV17P245 # غيره ، فإن كان إنسانا كان تكليمه الناس على العادة ، وإن كان حيوانا ~~أعجم كان تكليمه ، كخروجه من الأرض ، خرقا للعادة ...» # ثم قال : «ومحصل المعنى : أنه إذا آل أمر الناس وسوف يؤول إلى أن كانوا ~~لا يوقنون بآياتنا المشهودة لهم ، وبطل استعدادهم للإيمان بنا بالتعقل ~~والاعتبار ، آن وقت أن نريهم ما وعدنا إراءته لهم من الآيات الخارقة للعادة ~~المبينة لهم الحق بحيث يضطرون إلى الاعتراف بالحق ، فأخرجنا لهم دابة من ~~الأرض تكلمهم» (1). # ولكن هذا التفسير غير ظاهر من الآية ، وذلك بلحاظ السياق الذي دل على أن ~~المقصود ليس هو اضطرارهم للإيمان من ms4067 خلال كلام الدابة ، لأن الوقت هو وقت ~~الحساب على الكفر والضلال ، لا وقت الهداية للإيمان ، مع ملاحظة أن أمر هذه ~~الدابة لا يزيد في دلالته عما قدمه الله لهم من آياته الكونية أو آياته ~~الإعجازية ، بل قد تكون من خلال النظرة السريعة ، أقل منها ، وأن مسألة ~~الاضطرار إلى الإيمان في موعد القيامة أو في موعد العذاب ، لا يحتاج إلى ~~هذه الآية ، لأن كل ما في القيامة من مشاهد يؤدي إلى اليقين كل اليقين ~~بالحق كله. # إن السياق يوحي بأن المقصود هو إعلان الأمر على الناس بما كانوا يتحركون ~~فيه من الأخذ بالكفر ، للإيحاء إليهم بأن النتائج ستكون تابعة لذلك لأنهم ~~كفروا ، من موقع رفض الحجة ، لا من موقع الشبهة. وثانيا : إن قوله تعالى : ~~( @QUR@04 سنريهم آياتنا في الآفاق ) إلخ لا يظهر منه أن ذلك سيكون في ~~نهاية العالم وأن المقصود به هو غير الآيات التي أودعها الله في الكون وفي ~~الإنسان ، بل إن الظاهر هو جلاء تلك الآيات الخفية بما يمكن أن يظهره الله ~~منها من خلال وسائل المعرفة التي يحصل عليها الناس بعد ذلك من خلال تطور ~~العلم ، PageV17P246 # في وسائله ومكتشفاته ، والله العالم. # وقد أفاض المفسرون كثيرا في الحديث عن الدابة ، في طبيعتها الإنسانية ، ~~والحيوانية ، وفي صفاتها الغريبة وفي كيفية خروجها ومضمون كلامها ، مما لم ~~يثبت به حجة قاطعة ، وقد لا حظنا أن القرآن وضعها في موضع الإبهام ، ولم ~~يفصل أي شيء من هذه الأمور ، فلنترك الخوض في ذلك كله ، لأنه مما لا فائدة ~~فيه على مستوى النهج القرآني في مضمونه وإيحاءاته. # ( @QUR@09 ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا ) فلا يقتنع بما ~~تفرضه من الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، بل يبقى مستمرا في غيه وعناده ~~( @QUR@02 فهم يوزعون ) أي يحبسون ويوقفون بحيث يرد أولهم على آخرهم كما هو ~~معنى الإيزاع وذلك هو يوم القيامة الذي يحشر الله فيه الناس كلهم ، ~~المؤمنين منهم بآياته ، والمكذبين. # ( @QUR@010 حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ) لأنكم ~~لم تتعمقوا في دراستها ms4068 ، ولم تفكروا بمضمونها ولم تدخلوا مع الأنبياء في ~~حوار حولها ، ليكون لكم العلم بها بالمستوى الشامل الذي تعرفون من خلاله كل ~~مفرداتها وتفاصيلها ، وبذلك كان التكذيب مستندا إلى الجهل لا إلى حجة ، ( ~~@QUR@04 أما ذا كنتم تعملون ) في كل ما كنتم تفيضون فيه؟ فقد كانت كل ~~مواقفكم العقيدية والعملية ، وعلاقاتكم الاجتماعية ، توحي بالتكذيب القولي ~~والعملي ، مما لا تستطيعون إنكاره ومما لا بد لكم من مواجهته في النتائج ~~الصعبة في عذاب يوم القيامة. # ( @QUR@03 ووقع القول عليهم ) وصدر الحكم عليهم بالعذاب من الله سبحانه ( ~~@QUR@02 بما ظلموا ) أنفسهم بالكفر والتكذيب ، فلا يملكون دفاعا عن موقفهم ~~، ولا يجدون ناصرا من دون الله ( @QUR@03 فهم لا ينطقون ) لأن الناطق بين ~~يدي الله يوم القيامة ، هو الذي يملك الحجة على موقفه. # * * * PageV17P247 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) @QUR@018 ويوم ينفخ في الصور ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين (87) @QUR@018 وترى ~~الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير ~~بما تفعلون ) (88) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 داخرين ): أذلاء صاغرين. # * * * # ( @QUR@04 يوم ينفخ في الصور ) # ( @QUR@09 ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ) كيف ~~يمكن أن ينكروا الله وهم يرون كيف تتجلى عظمته في حركة الزمن ، في هذا ~~الليل الذي يختزن الظلام في عمقه ، فيوحي بالهدوء والاسترخاء والصفاء الذي ~~يعيش فيه الإنسان السكينة الجسدية والروحية التي تمنحه القوة ليوم جديد ، ~~وفي هذا PageV17P248 # النهار الذي يفتح النور عينيه ، فيبصر الكون كله من خلال الشمس التي تشرق ~~في عيون الكون ، ليعيش الإنسان معها كل عظمة الله عند ما تلمع عيناه بكل ~~شيء جديد .. # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) فهي العلامات الواضحة التي يجد ~~فيها الإنسان الدليل على وجود الله ووحدانيته بما يتحرك فيه النظام الكوني ~~الذي يوحي بعظمة الخالق المبدع لقوم ينفتحون على الإيمان من خلاله .. # ( @QUR@011 ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) هناك ~~حيث ينطلق الصوت ms4069 الغيبي الذي يؤذن بالقيامة التي يقف فيها الناس للحساب ~~ليواجهوا نتائج أعمالهم ، فيفزع الكافرون والخاطئون ويرتجف الخلق كلهم من ~~خلال عظمة المسؤولية بين يدي الله ، ( @QUR@04 إلا من شاء الله ) من عباده ~~الذين أودع السكينة في قلوبهم ، من خلال ما عاشوه من الصفاء الروحي للإيمان ~~في وجدانهم ومشاعرهم الروحية ، ممن اختارهم الله لرسالته ، ولرحمته ورضاه ( ~~@QUR@03 وكل أتوه داخرين ) خاشعين خاضعين لله في حال من الذلة والصغار الذي ~~يحس به العبد عند ما يسعى إلى لقاء مولاه ، في معنى العبودية التي يعيش ~~فيها الانسحاق أمام الله ، ولكنه ينطلق بالحرية أمام الكون كله ، على أساس ~~الفكرة الإيمانية التي تؤكد أن الإنسان يكون حرا في نفسه ومع الناس بمقدار ~~ما يكون عبدا لله. # ( @QUR@08 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) في أجواء يوم ~~القيامة ، في ما يظهر من سياق الآية بأن الله يسير الجبال ويحركها من ~~أماكنها في سرعة قياسية ، تماما كما هو السحاب عند ما يسير في الفضاء في ~~خفته وسرعته ، ولكنها لفرط سرعتها لا يحس بها الإنسان فيحسبها ثابتة ، وذلك ~~لأن الجرم الكبير إذا سار في سمت واحد وخط مستقيم ، فلا تدرك الأبصار ~~حركاته لضخامته وبعد أطرافه ، لا سيما إذا كان الرائي بعيدا عنه. PageV17P249 # وقد حاول بعض المفسرين الاستدلال بهذه الآية على دوران الأرض وحركتها ، ~~ولكنها على خلاف ظاهر السياق كما أشرنا إلى ذلك آنفا لا سيما أن هناك أكثر ~~من آية تتحدث عن تسيير الجبال كعلامة من علامات يوم القيامة. # ( @QUR@06 صنع الله الذي أتقن كل شيء ) في وجوده وحركته وذلك بما أودعه ~~في داخله من القوانين الطبيعية التي تنظم حركة الوجود كله في جميع مفرداته ~~وتفاصيله ، وهذا ما يلاحظه العلماء في دراستهم للظواهر الكونية ، حيث يرون ~~النظام الدقيق يحكم كل واحد منها ، من دون أي انحراف أو ميل عن الوضع ~~الطبيعي المتقن. # ( @QUR@04 إنه خبير بما تفعلون ) فهو الذي خلقكم كما خلق الأشياء كلها ، ~~ويعلم كل ما تفعلونه من خلال إحاطته بكل ما تتحرك فيه عقولكم وأجسادكم في ~~ما تخفيه وتعلنه ms4070 من أقوال وأفعال. # * * * PageV17P250 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ~~@QUR@013 ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون ) (90) # * * * ### ||| ** ليست الحسنة كالسيئة # ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله خير منها ) لأن الله يريد أن يقوي عمل ~~الخير في حياة الإنسان ، ليعيش من أجله ، فكرا وشعورا وعملا ، من أجل أن ~~يتجسد في ذاته ويمتد في حركته وينطلق في أهدافه ، ولهذا أكد الله في أكثر ~~من آية أن ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [الأنعام : 160]. ~~وأن الإنفاق في سبيل الله ( @QUR@010 كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة ) [البقرة : 261] ، كما ورد في الحديث أن درهم القرض بثمانية عشر. ~~وهكذا يحس العاملون بالحسنات أنهم موضع رعاية الله وكرامته في عالم الثواب ~~، ( @QUR@05 وهم من فزع يومئذ آمنون ) فقد أعطاهم الله الأمان جزاء على ~~أعمالهم التي كانوا يعيشون فيها السلام مع أنفسهم ومع ربهم ومع الناس. # ( @QUR@07 ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ) أي فكبوا على وجوههم ~~في النار PageV17P251 # لأن السيئة توحي بالتمرد على الله في جانب العقيدة والعمل ، فتستتبع غضبه ~~الذي يؤدي إلى دخول النار حيث ينادي المنادي هناك ، لكل هؤلاء الكافرين ~~والمتمردين ( @QUR@06 هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) فلا ظلم هناك ولا ~~ابتعاد عن الحق. # ومن خلال ذلك ، نفهم أن علاقة الإنسان بربه ، تنطلق من خلال العمل الذي ~~يوحي بالإيمان من مدلوله الروحي الإيجابي ، أو الذي يوحي بالكفر من خلال ~~المدلول نفسه في جانبه السلبي ، وأن الله يشجع المحسن على إحسانه بزيادة ~~الأجر عليه. # * * * PageV17P252 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ~~أن أكون من المسلمين (91) @QUR@015 وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) @QUR@011 وقل الحمد لله سيريكم ~~آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون ) (93) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 البلدة ): المراد بالبلدة هنا : مكة. # * * * ### ||| ** سيريكم الله آياته # ( @QUR@01 فإنما ) يا محمد ، قل لكل قومك الذين اتخذوا هذه البلدة ~~المقدسة وكعبتها المشرفة موقفا لعبادة الأصنام ms4071 ( @QUR@08 أمرت أن أعبد رب ~~هذه البلدة الذي حرمها ) فهو الذي خلقها بجبالها وسهولها وناسها وحيوانها ~~ونباتها ، وهو الذي أعطاها صفة القداسة عند ما جعلها حرما آمنا يأوي إليه ~~كل الناس من دون أن يخافوا عدوا ، حينما حرم فيها القتال على كل من في ~~داخلها أو خارجها ، PageV17P253 # وهو الذي يستحق العبادة ، فإذا دعوتكم لعبادته وحده ، فإنني أول من يلتزم ~~بذلك ويقوم به ، وإذا دعوتكم لرفض عبادة الأصنام من موقع أنها مصنوعة من ~~الأحجار أو الأخشاب ، فإنني أول الرافضين لذلك كله ( @QUR@03 وله كل شيء ) ~~في الكون كله ، فلا يملك أحد معه شيئا ، من هذه البلدة ، ومن غيرها ، فما ~~ذا تملك هذه الأصنام منه ، ( @QUR@05 وأمرت أن أكون من المسلمين ) الذين ~~عاشوا إسلام الفكر والقلب والحياة لله ، وهذا ما يجعل النبي ملتزما دعوته ~~من موقع الانتماء ، ومتحركا في خطها العملي من موقع الانقياد. # ( @QUR@03 وأن أتلوا القرآن ) على الناس كلهم ، لأفتح عيونهم وعقولهم ~~وحياتهم على مواقع الهدى ليفكروا بحرية ، ليختاروا الموقف الذي يناسبهم من ~~خلال وعيهم للنتائج الخيرة التي تترتب عليه في جانب الخير ، وليعترفوا ~~الموقف الآخر الذي يحتوي النتائج السلبية المترتبة عليه ، ( @QUR@05 فمن ~~اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) لأن نتائج الهدى تخص حياته في ما يصل من خلالها ~~إلى مواقع الخير والسلام ، ( @QUR@02 ومن ضل ) وانحرف عن الخط المستقيم ، ~~ولم يأخذ بأسباب الهدى فاتركه لاختياره وأبلغه أنك لست مسئولا عن ضلاله ، ~~لأنك أبلغته كل كلام الله وحذرته من عقابه ، ( @QUR@05 فقل إنما أنا من ~~المنذرين ) ليدلوا الناس على مواقع الهوة السحيقة التي يهلك من وقع فيها ، ~~ثم يترك لهم حرية اختيار المصير الذي يريدونه. # ( @QUR@03 وقل الحمد لله ) على ما اصطفاني لرسالته ، وهداني إلى دينه ، ~~وحملني مسئولية تبليغ الرسالة ، وأعلن لهؤلاء الذين يتطلعون إليك ويستمعون ~~لحديثك ، أو يعرضون عنك ( @QUR@03 سيريكم آياته فتعرفونها ) في أنفسكم وفي ~~الكون من حولكم وتعرفون الحقيقة الإلهية من خلالها ، ولا تستطيعون إنكارها ~~بعد ذلك عند ما يقف الجميع للحساب أمام الله ( @QUR@05 وما ربك بغافل عما ~~تعملون ) فحاذروا أن تكونوا في الموقع الذي تتعرضون فيه ms4072 لسخطه ، وحاولوا أن ~~تكونوا في مواقع رضاه ، لأن مسألة المصير لا تحتمل العبث واللامبالاة ، لا ~~سيما إذا PageV17P254 # كانت المسألة متصلة بالله سبحانه وتعالى ، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها ، وهو الذي يحاسب ويعاقب وهو شديد العقاب ، كما أنه الغفور ~~الرحيم. # * * * PageV17P255 ### | سورة القصص ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وثمانون PageV17P257 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 طسم (1) @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين (2) @QUR@09 نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) @QUR@019 إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه ~~كان من المفسدين (4) @QUR@012 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) @QUR@012 ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 علا في الأرض ): العلو في الأرض كناية عن التجبر والاستكبار. # ( @QUR@01 شيعا ): الشيع : جمع شيعة وهي الفرقة ، قال في المجمع : الشيع ~~: الفرق ، وكل فرقة شيعة ، وسموا بذلك لأن بعضهم يتابع بعضا (1). PageV17P259 # ( @QUR@01 نمن ): الأصل في معنى المن على ما يستفاد من كلام الراغب ~~الثقل ومنه تسمية ما يوزن به منا (1)، والمنة : النعمة الثقيلة ، ومن عليه ~~منا : أي أثقله بالنعمة. # * * * ### ||| ** صراع النبوة والطغيان # ( @QUR@01 طسم ) من الحروف المقطعة في القرآن التي تقدم الحديث عنها. # ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب المبين ) التي ينبغي للمؤمنين أن يقرءوها ~~ويتأملوها ويستلهموا معانيها في حياتهم بوعي ووضوح ، لأنها تقدم الفكرة ~~بعمق وجلاء ، من دون غموض ولا تعقيد ( @QUR@07 نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق ) اللذين كانا يمثلان الصراع الحاسم ، بين النبوة المتمثلة ~~بموسى عليه السلام في إيمانها بالله والتزامها بقضية الإنسان في حريته ~~وعدالة قضاياه ، وفي انطلاقها في خط المواجهة للمستكبرين من موقع المسؤولية ~~للدفاع عن المستضعفين ، وبين ما هو الطغيان والاستكبار المتمثل بفرعون الذي ~~عاش عبوديته لذاته ، فتعقدت أفكاره ومشاعره تجاه الناس ، وتضخمت شخصيته في ~~نفسه حتى ظن أنه إله وطلب من الناس أن يعبدوه ، ولذلك كان رد فعله عنيفا ~~أمام الدعوة التوحيدية لله والإعلان النبوي الحاسم له بأن يترك الناس ~~لحرياتهم في الفكر والحياة ... إنه الموقف المتحرك ms4073 بين الإنسان الذي يعيش ~~لربه وللناس من حوله ليؤكد حركة الرسالة في الحياة ، بعيدا عن ذاته ، وبين ~~الإنسان الذي يعيش لذاته وللنوازع الشريرة في مجتمعة ، بعيدا عن الله. # وهذا الموقف لا يمثل حالة تاريخية فريدة ، بل هو الموقف الدائم في صورة ~~الصراع الدائر في الحياة ، بين الإيمان والكفر ، والحرية والاستعباد ، PageV17P260 # والعدل والظلم ، ولذلك أراد الله للناس أن يتمثلوه بتفاصيله ، ليأخذوا ~~منه الفكرة والتجربة وحركة الرسالة في الواقع من موقع الحق ، لا من موقع ~~الخيال القصصي الفارق في الضباب ( @QUR@02 لقوم يؤمنون ) إذ يواجهون ~~التاريخ بوعي الإيمان ، فيأخذون منه العبرة ، ويستفيدون من درس الماضي ~~لحركة الحاضر والمستقبل. ولذلك كانت التلاوة لهم ، في الوقت الذي يريد الله ~~للناس كلهم أن يسمعوها ويفكروا فيها ، لأنهم وحدهم الذين يحملون مسئولية ~~الكلمة في ما يسمعونه أو يقرءونه منها. # * * * ### ||| ** فرعون الطاغية # ( @QUR@05 إن فرعون علا في الأرض ) بما كان يعيشه في ذاته من عقدة ~~الاستعلاء والاستكبار على الناس ، من خلال الامتيازات العائلية التي كان ~~يملكها ، والأموال التي كان يحويها ، والجماعات التي كانت تحيط به وتتزلف ~~إليه ، وتقدم له الطاعة والولاء ، مما جعله يشعر بنفسه ، كرب أعلى لهم ، ~~لأنه لم يجد صوتا يرتفع في مواجهته ليقول له : «قف مكانك ، ولا تتعد حدودك ~~، واخشع لربك الذي خلقك وأنعم عليك» ، فامتد في طغيانه ، وابتعد عن الخط ~~المستقيم ( @QUR@03 وجعل أهلها شيعا ) ففرق كلمتهم ، ومزق وحدتهم ، وأثار ~~النزاع والخلاف بينهم على مستوى علاقات الأفراد ، من خلال المصالح والأطماع ~~الذاتية ، وعلى مستوى علاقات الجماعات ، عبر الأوضاع العائلية والامتيازات ~~الطبقية وغير ذلك ، مما جعل المجتمع مستغرقا في مشاكله وخلافاته ، مشدودا ~~إلى الآفاق الصغيرة التي تحيط به ، مبتعدا عن قضايا المصير المتمثلة ~~بالإنسانية والحرية والعدالة .. ، خاضعا للقوة المستعلية المستكبرة التي ~~يعمل على الخضوع لها ، لتتدخل في شؤونه ، ولتتحكم في حياته. وهذا هو أسلوب ~~الطغاة في كل زمان ومكان في إحكام سيطرتهم على الشعوب ، بالعمل على PageV17P261 # إثارة الانقسامات والخلافات بين أفراد الشعب ، لينشغلوا بمشاكلهم الذاتية ~~عن التفكير في مواجهة الطغاة في مخططاتهم العدوانية. وهكذا كان أسلوب فرعون ms4074 ~~في هذا الجانب من خططه ، حيث اختار قسما من الناس ليكون فريقا له ، واختار ~~فريقا آخر ليكونوا ساحة لتجربة ظلمه وتنفيس عقدته ( @QUR@03 يستضعف طائفة ~~منهم ) وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في عداد الأسرى الأرقاء الذين يستخدمهم ~~في جميع حاجاته ، ليكونوا اليد العاملة المجانية التي توفر له كل ما يريد ~~من دون خسارة ، وكان ( @QUR@04 يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ) لاستخدامهن ~~في شؤونه وشؤون طبقته الاجتماعية. # وقد نقل البعض في سبب ذلك ، أن لهم عقيدة غير عقيدته ، فهم يدينون بدين ~~جدهم إبراهيم ويعقوب ، ومهما وقع في عقيدتهم من الانحراف ، فقد بقي لها أصل ~~الاعتقاد بإله واحد. وناقش بعض في ذلك معتبرا أن بني إسرائيل لم يكونوا في ~~الخط الإبراهيمي التوحيدي ، ولهذا قالوا لموسى عليه السلام بعد خروجهم من ~~البحر عند ما وجدوا قوما يعكفون على أصنام لهم ، ( @QUR@06 اجعل لنا إلها ~~كما لهم آلهة ) [الأعراف : 138] ، وذكر الشيخ المراغي في تفسيره : «أن ~~فرعون إنما اضطهد بني إسرائيل لأنه كان يتوجس خيفة من الذكران الذين ~~يتمرسون الصناعات وبأيديهم زمام المال ، فإذا طال بهم الأمد استولوا على ~~المرافق العامة ، وغلبوا عليها المصريين ، والغلب الاقتصادي ، أشد وقعا من ~~الغلب الاستعماري». # وذكر بعضهم : «أن كاهنا قال لفرعون : إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون ~~سبب ذهاب ملكه». وهناك قائل : إن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى بشروا ~~بمجيئه ، ولما علم فرعون بذلك خاف وذبح أبناء إسرائيل. # ولعل الرأي الأخير هو الأقرب إلى الذهن ، لأن فرعون لم يكن في موقع ~~الدفاع عن العقيدة ، ولهذا لم نجد موقفه من موسى دفاعا عن عقيدته ، بل كان PageV17P262 # دفاعا عن ملكه ، كما أن الوضع الاقتصادي لم يكن خاضعا للنظام الذي يمكن ~~أن تتسلط فيه الطبقة الدنيا على الطبقة العليا ، لوجود ضوابط متنوعة ، من ~~ذهنية العبودية المسيطرة على الفئات الكادحة ، ومن طبيعة المواقع ~~الاقتصادية لحركة الثروة ، ومن حالة التخلف المهيمنة على الواقع كله. ونحن ~~نعرف أن المجتمع الإسرائيلي آنذاك لم يكن منطلقا من حالة ثورة أو تمرد ، ~~ولم يكن منفتحا على حالة طموح في اكتساب المواقع ms4075 المتقدمة في السلطة أو في ~~الدائرة الاقتصادية ، بل كان هناك نوع من الاستسلام الخاضع للحكم الفرعوني ~~ولطبقته الاجتماعية ، مما يجعل الأقرب إلى التصور أن يكون هناك منام رآه ~~فرعون ، أو كهانة ، أو حديث نبوي سابق ، بحيث ولد خوفا لدى فرعون ، استباح ~~به قتل الذكور من الأطفال وإبقاء الإناث ، والله العالم. # ( @QUR@04 إنه كان من المفسدين ) الذين يتحركون في الحياة لخدمة ذواتهم ~~على أساس من إفساد حياة البلاد والعباد في العقيدة والحكم والشريعة ، وفي ~~حركة العلاقات العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** المستضعفون هم الوارثون للأرض # ( @QUR@08 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) وعاشوا الضعف في ~~قدراتهم وأوضاعهم وأفكارهم ، بحيث استغل الأقوياء ذلك ، فاضطهدوهم ~~واستعبدوهم وصادروا حريتهم ، وضغطوا على إرادتهم ، وسيطروا على مقدراتهم ، ~~وحاصروا كل حركة للتحرر وللتمرد بما يملكونه من أدوات الضغط والحصار ، ولكن ~~الله لا يترك الحياة تسير على إرادة هؤلاء وتخطيطهم ، بل يفسح المجال ~~للأسباب الطبيعية الكامنة في نظام الكون والإنسان لتفتح ثغرة PageV17P263 # هنا وثغرة هناك ، ولتمنح المستضعفين قوة من خلال إيجاد القيادة القوية ~~الصالحة ، وتهيئة الظروف الموضوعية الملائمة ، وتحريك الأوضاع الجامدة ، من ~~أجل أن ينطلق المستضعفون لبناء قوتهم ، واسترجاع حريتهم ، وملكية قرارهم من ~~جديد ، بما يمن الله به على عباده لتحقيق التوازن في حركة الإنسان في الأرض ~~، حتى لا يأخذ الظلم حريته في الثبات والامتداد ، ولا تبقى الحياة على نهج ~~واحد من الباطل والضلال ، بل تخضع لعوامل التغيير التي تعطي الإنسان حيويته ~~في الفكر والحركة ، وتمنحه الأمل الكبير في إمكانات التغيير عند محاصرة ~~الضغوط له ، لئلا ينسحق في روحه تحت تأثير القوى الضاغطة الساحقة. # وعلى ضوء هذا ، فإن الله لا يتدخل في الأمور عند ما يمن على عباده ~~المستضعفين بالطرق الغيبية دائما من حيث الأساس ، ولكنه يحرك الأسباب التي ~~تؤدي إلى ذلك ، ويمنحها بعض وسائل الغيب في ما تحتاج إليه منه في بعض ~~الحالات ، وقد جعل الله هذا سنة له في حركة الحياة في نتائجها العملية على ~~أساس الأسباب والمسببات. فلا يحسبن أحد ، أن وعد الله بشيء ، يحمل في داخله ~~تدخلا ms4076 إلهيا مباشرا يحقق للناس ما يحبونه وهم جالسون في بيوتهم في استرخاء ~~، بل لا بد لهم من الأخذ بالأسباب في الوصول إلى ما يريدون. # وهكذا يتحرك المستضعفون الذين يمن الله عليهم في ما وعدهم بقوله : ( ~~@QUR@02 ونجعلهم أئمة ) للأرض بما يرسلهم برسالاته ليكونوا أنبياء أو ~~أوصياء أو قادة في حكم الناس وإدارة شؤونهم وتنظيم حياتهم ( @QUR@02 ~~ونجعلهم الوارثين ) الذين يرثون الأرض ، إذ يريد الله أن يجعلهم خلفاء ~~ويمكنهم منها ويجعلها تحت سلطانهم ، ليعرفوا من خلال ذلك أن الضعف ليس قضاء ~~الله وقدره الذي لا يتغير ولا يتبدل ، بل هو حالة طارئة خاضعة لأسبابها مما ~~يمكن أن يتحول إلى قوة عند ما تتغير الظروف وتتبدل الأسباب ، بإرادة الله ، ~~بشكل غير اختياري للإنسان ، أو بإرادة الإنسان ، بما مكنه الله من عناصر ~~القوة ، ليعيشوا الفكرة PageV17P264 # المتحدية للقوة الغاشمة التي يحركها المستكبرون ضد المستضعفين ، ليواجهوا ~~المواقف من خلال العمل على تنمية القوة وتحريكها في اتجاه الحياة. # ( @QUR@04 ونمكن لهم في الأرض ) بأن نعطيهم إمكانات القوة ، ونرفع عنهم ~~سلطة المستكبرين ونمنحهم مواقع النفوذ في الحياة ، ( @QUR@05 ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ) في ما نريهم من مظاهر القوة ومواقعها للمستضعفين ~~الذين يتحركون في خط المواجهة لهما ولسلطتهما ( @QUR@03 ما كانوا يحذرون ) ~~ويخافون ، مما يخافه الطغاة من تنامي قوة المستضعفين وتعاظمها بحيث تشكل ~~خطرا مستقبليا على ما يملكونه من سلطة الظلم وقوة الاستكبار ، أو مما كان ~~يحذره قوم فرعون من نهاية ملكهم على يد شخص من بني إسرائيل. # وقد وردت بعض الروايات عن أئمة أهل البيت عليه السلام في الاستشهاد بهذه ~~الآية في موارد معينة ، كما في مسألة الإمام المهدي (عج) ونحوها ، والظاهر ~~أنها من باب الاستيحاء والتطبيق ، باعتبار أن الآية توحي بأن سيطرة ~~المستكبرين لا بد من أن تعقبها سيطرة المستضعفين ، مما يجعل من القضية سنة ~~إلهية ، ويوحي بأن النهاية في الدنيا سوف تكون للمستضعفين الذين يكونون ~~ورثة الأرض وخلفاء الله. # * * * PageV17P265 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ms4077 وجاعلوه من المرسلين (7) @QUR@013 ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين (8) @QUR@018 وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) @QUR@018 وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ~~إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10) ~~@QUR@010 وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) @QUR@016 ~~وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ~~ناصحون (12) @QUR@017 فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد ~~الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) @QUR@010 ولما بلغ أشده واستوى آتيناه ~~حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ) (14) # * * * PageV17P266 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأوحينا ): الإيحاء هو التكلم الخفي ، ويستعمل في القرآن في ~~تكليمه تعالى بعض خلقه بنحو الإلهام والإلقاء في القلب. # ( @QUR@01 اليم ): البحر وقد يكون المراد هنا نهر النيل. # ( @QUR@02 قرت عين ): فرح وسرور. قال الراغب : وقيل لمن يسر به قرة عين (1). # ( @QUR@01 فارغا ): صفرا من العقل ، لما دهمها من الخوف والحيرة حين ~~سمعت بوقوع الطفل في يد فرعون. # ( @QUR@01 ربطنا ): ثبتنا. # ( @QUR@01 قصيه ): القص : اتباع الأثر ، ومنه القصص في الحديث. # ( @QUR@04 فبصرت به عن جنب ): أي أبصرته عن جنابة أي عن بعد. # ( @QUR@02 بلغ أشده ): بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد عند ذلك قواه ~~ويكون في الغالب في الثامنة عشرة. # ( @QUR@01 واستوى ): الاستواء : الاعتدال والاستقرار. # * * * ### ||| ** نجاة موسى وتكريم الله له # ( @QUR@06 وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) وحملت به أمه كما تحمل كل أم ~~بولدها ، بشكل طبيعي ، لا تشعر معه بوضع غير عادي ، كما لم يشعر أحد من ~~بولدها ، بشكل طبيعي ، لا تشعر معه بوضع غير عادي ، كما لم يشعر أحد من ~~حولها بذلك ، ووضعته كما يوضع غيره من الأولاد ، وكان الخوف عليه PageV17P267 # كبيرا ، لأن فرعون كان يأمر بذبح الذكور من بني إسرائيل. # وجاء الوحي من الله ، بالإلهام القلبي الذي يعيش فيه الإنسان في لحظات ~~الصفاء الروحي ، في ما يحدث الإنسان به نفسه عند الوقوع في مشكلة صعبة ~~تحاصر وجدانه ، ولا يجد ms4078 لها حلا مما يحيط به من الأوضاع ، كما هو الحال مع ~~أم موسى التي كانت لا تجد مكانا تخبئ فيه ولدها ، لأن العيون تحيط بها من ~~كل جانب حتى أصبحت في حالة من الذهول الذي أربكها ولم تعرف معه أن عليها أن ~~ترضع وليدها حتى لا يموت من الجوع. وكانت الفكرة الإلهية تلمع في وجدانها ، ~~كمثل إشراقة النور ( @QUR@02 أن أرضعيه ) حتى يشبع ، ليكون ذلك زادا له ~~يحفظ به حياته في هذه الرحلة الخفية ، ( @QUR@03 فإذا خفت عليه ) من جنود ~~فرعون أن يأخذوه ويقتلوه ولم تجدي مكانا تضعينه فيه بمأمن عن عيونهم ، ( ~~@QUR@03 فألقيه في اليم ) وهو البحر ، أو النهر ، في زورق صغير ( @QUR@02 ~~ولا تخافي ) عليه من الغرق ، ( @QUR@02 ولا تحزني ) على فراقه. # وكانت تستغرق في هذه الفكرة ، تماما كما لو كانت تستمع إلى شخص يكلمها من ~~داخل شخصيتها ، وتتلقى منه التعليمات في صورة الخطة المرسومة التي تجعلها ~~تشعر بالأمن والطمأنينة. ( @QUR@03 إنا رادوه إليك ) في وقت قصير ، في وضح ~~النهار بحيث لا مجال لأي خوف ولأي خطر عند ما تصل الخطة إلى غايتها ، ( ~~@QUR@03 وجاعلوه من المرسلين ) الذين يجعلهم الله في المواقع الروحية ~~والفكرية العليا تمهيدا لمنحهم شرف تبليغ الرسالة. وربما كانت هذه الفقرة ~~مما ألهم الله به أم موسى ليعرفها خطورة موقعها الكبير في ساحة الرسالات ، ~~وربما كانت مما اقتضاه حديث النهايات العظيمة التي اقتضاها لطف الله في شأن ~~موسى. ولعل هذا هو الأقرب ، لأن ذلك لم يكن معلوما في حياة موسى في مراحلها ~~الأولى في ما حكاه الله لنا من قصته في القرآن بأساليبها المتعددة المتنوعة ~~الخصائص. PageV17P268 # ( @QUR@03 فالتقطه آل فرعون ) بعد أن أخذت أم موسى بالوحي الإلهي الداخلي ~~، ووصل الزورق الذي يحمل الوليد إلى ساحل قصر فرعون ليتم الله به إرادته ( ~~@QUR@03 ليكون لهم عدوا ) من موقع الرسالة التي تحدد العداوة والصداقة على ~~أساس موقف الآخرين منها ( @QUR@01 وحزنا ) من خلال النتائج السلبية على ~~حياتهم في ما تجره عليهم وعلى ملكهم من ويلات ، ( @QUR@06 إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين ) بما يعتقدونه من كفر وضلال ، ويمارسونه ms4079 من ظلم ~~وطغيان. ولذا فإنهم يستحقون هذه النهايات القاسية. وربما خالط فرعون بعض من ~~القلق والخوف والحيرة التي كادت أن تثير في نفسه بعض الأفكار الخائفة ~~السلبية في ما يتعلق بهذا الطفل الجديد اللقيط ، من هو؟ ومن أية فئة؟ وهل ~~هو من هؤلاء الذين يخاف منهم على مستقبله وملكه؟ ولكن امرأة فرعون الصالحة ~~الواعية التي ربما كانت تعيش حالة من الروحانية الخفية مما يمكن أن يكون قد ~~ألهمها الله من أمره كظاهرة تحترمها ولا تفهم طبيعتها ، وهذا ما جعلها ~~تقتحم على فرعون حيرته وفكره القلق : ( @QUR@03 وقالت امرأت فرعون ) التي ~~كانت تتطلع إليه بمحبة ، وهي جالسة إلى جانب زوجها ( @QUR@04 قرت عين لي ~~ولك ) حيث يمكن أن نحصل من مستقبل أمره على نتائج طيبة ( @QUR@02 لا تقتلوه ~~) كما تقتلون بقية أولاد بني إسرائيل ، لأنها أحست أنهم قد يقتلونه على ~~أساس التعليمات العامة ( @QUR@03 عسى أن ينفعنا ) في ما نستقبله من حياة ( ~~@QUR@03 أو نتخذه ولدا ) لأننا لم نرزق ولدا يزيل الوحشة الداخلية عنا ، ~~وهكذا أطلقت كلمتها في المجتمع الذي كان منعقدا في حضرة فرعون ( @QUR@03 ~~وهم لا يشعرون ) في ما وافقوا عليه من إبعاده عن القتل ، وما يمكن أن ~~يستقبلهم من النتائج المستقبلية الصعبة. ( @QUR@05 وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا ) كناية عن حالة الذهول والجزع الذي يستلب العقل ، مما يجعل القلب ~~فارغا من العقل الذي يفكر بهدوء. فقد كان سماعها لوقوعه في يد فرعون صدمة ~~قوية لها مما يمكن أن يحدث له من خطر القتل ونحوه. وذلك كما في قوله تعالى ~~: ( @QUR@02 وأفئدتهم هواء ) [إبراهيم : 43] PageV17P269 # أي جوف لا عقول فيها ، ومنه بيت حسان : # ألا أبلغ أبا سفيان عني %~% فأنت مجوف نخب هواء # وذلك أن القلوب مراكز العقول ، ألا ترى إلى قوله : ( @QUR@04 لهم قلوب ~~يعقلون بها )؟ (1). # ولعل هذا هو الأقرب من خلال سياق الآية ، إلا أن هناك تفسيرا آخر ذكره في ~~الكشاف واستقربه صاحب تفسير الميزان «أي وأصبح فؤادها فارغا من الهم حين ~~سمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه .. وقد علل صاحب الميزان ترجيحه له .. أن ~~ظاهر السياق أن ms4080 سبب عدم إبدائها له فراغ قلبها وسبب فراغ قلبها الربط على ~~قلبها ، وسبب الربط هو قوله تعالى لها فيما أوحى إليها ( @QUR@07 ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك )» (2). # ولكننا نلاحظ على ذلك أن الآية تتحدث عن موقف أم موسى ، كأم طبيعية لا ~~تعرف مصير ولدها الذي رمته في البحر ، فهي تفكر بحيرة وقلق في ما يعيش في ~~داخلها من الأفكار المتضاربة ، ولذلك فإن فراغ القلب يعني أنه لا يحمل في ~~داخله ما يمكن أن يحقق لها الثبات والاستقرار في الموقف. أما قوله تعالى : ~~( @QUR@04 إن كادت لتبدي به ) فإن الظاهر منه ، أنها كادت أن تصرح بأمره ~~وقصته للتعبير عن عمق القلق الذي يهزها ، فتفسد بذلك الخطة الموضوعة في ~~رجوعه إليها بالطريقة التي لا تثير أي شك في طبيعة القضية التي لو ظهرت ~~لأمكن لفرعون أن يفكر بأنها مؤامرة مدبرة ضده ، أو ضد قراراته. # ولعل من المعروف أن القلق أبلغ تأثيرا على الإنسان من الطمأنينة PageV17P270 # والفرح في ما يتحرك به الإنسان لإظهاره ، لأنه يهز عمق الكيان بما يشبه ~~الزلزال ، وقد يؤكد هذا المعنى قوله : ( @QUR@06 لو لا أن ربطنا على قلبها ~~) فإن الربط على القلب يستعمل دائما للتعبير عما يثبت القلب ويقويه ، تماما ~~كما يربط على الشيء المنفلت ليقر ويطمئن ، وذلك بإلهام الصبر والتسليم لأمر ~~الله ووعده. # وعليه يكون معنى قوله ( @QUR@04 إن كادت لتبدي به ) أي لتبدي بأنه ولدها ~~لأنها لم تملك نفسها فرحا وسرورا بما سمعت لو لا أن طمأنا قلبها وسكنا قلقه ~~الذي حدث به من شدة الفرح والابتهاج ( @QUR@03 لتكون من المؤمنين ) ~~المصدقين بوعد الله سبحانه المستسلمين لقضائه وقدره. ولعل دراسة الآية توحي ~~بأن أم موسى لم تكن قد عرفت تفاصيل ما حدث لو ولدها عند فرعون كما يوحي ~~بذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 وقالت لأخته قصيه ) أي حاولي أن تقتفي أثره ~~لتعرفي ماذا حل به؟ وأين استقر مكانه؟ ومن الذي احتضنه؟ ولو كانت تعرف ما ~~حدث له عند فرعون ، لما كان هناك حاجة إلى أن تطلب من أخته أن تقتص أثره ، ~~لأن ms4081 اقتفاء الأثر ينطلق من حالة الرغبة في معرفة نهاية الشيء أو طبيعته .. ~~وحاولت أخته أن تعرف ذلك فسألت وبحثت ( @QUR@04 فبصرت به عن جنب ) أي عن ~~بعد ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ) لأنها لم تحاول أن تظهر اهتمامها بالموضوع ، ~~بحيث يلوح ذلك في حركاتها ، بل نظرت إليه في أيدي الخدم نظرة عابرة ، كأي ~~شخص ينظر إلى الأشياء التي حوله بشكل طبيعي. # ( @QUR@05 وحرمنا عليه المراضع من قبل ) فلم يقبل على ثدي أية مرضعة منهن ~~مما جعلهم يعيشون مشكلة صعبة في تغذيته للإبقاء على حياته ، وكانت أخته قد ~~اقتربت من الجو أكثر بحيث أمكنها أن تعطي رأيا ، أو تشير بموقف ، وقد عرفت ~~طبيعة المشكلة ، وقررت أن تتدخل ليرجع الولد إلى أمه من خلال إحساسها الخفي ~~بأن هناك وضعا غيبيا خفيا لتحقيق الوعد الإلهي بعودته إلى أمه ، في ما كانت ~~تعيشه بالإلهام الداخلي الذي كانت تختزنه في وعيها الخاص ( @QUR@011 فقالت ~~هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ) ولعل من PageV17P271 # الطبيعي أن يكونوا قد استجابوا لذلك ، وسلموه إلى أمه التي جاءت بلهفة ~~عند استدعائها من قبلهم بواسطة أخته. # ( @QUR@08 فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ) عند ما يعيش ولدها ~~الحبيب في أحضانها ، وهي آمنة على حياته ، بل إنها مسئولة أمامهم عن ~~المحافظة على حياته باعتبار موقعه المميز في بيت فرعون ، فلا مجال لقلق ولا ~~للحزن ، ( @QUR@05 ولتعلم أن وعد الله حق ) في ما يعد الله به عباده في ~~قضاياهم التي تتحرك في موقع رحمته. وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي لا شك ~~فيها ، لأن الذي يخلف الوعد أحد شخصين ، إما العاجز وإما الكاذب ، أو ~~الجاهل الذي يظهر له الشيء بطريقة ثم يبدو له غيره فيتبدل رأيه وموقفه ، ~~وقد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ~~لأنهم لا ينفتحون على الأفق الواسع الذي يطل بهم على مفردات القضايا من ~~خلال القواعد العامة للإيمان ، ولذلك فإنهم يستغرقون في أوضاعهم الشخصية ~~المزاجية أو أفكارهم الارتجالية السريعة ، بعيدا عن أية معرفة عميقة في ~~حقائق العقيدة والحياة ms4082 ، وهذه هي مشكلة الناس في كل زمان ومكان أمام ~~الإيمان ، فهي مشكلة الجهل التي تغلق عليهم أبواب الحق ، وتدفعهم إلى ~~الاندفاع نحو الباطل. # وهكذا تعهد الله موسى بالرعاية في طفولته حتى تكامل جسده واستقر عقله ، ( ~~@QUR@03 ولما بلغ أشده ) وبلغ مبالغ الرجال وذلك بأن يصل إلى المرحلة التي ~~تشتد بها قواه وهي مرحلة الثمانية عشر من السن كما يقال ، ( @QUR@01 واستوى ~~) بحيث استقر في حياته واعتدل في توازنه ، ( @QUR@03 آتيناه حكما وعلما ) ~~وذلك عند ما ألهمه الله معرفة موازين الأمور التي يستطيع بها أن يعرف مصادر ~~الأحكام ومواردها فيبلغ بها مواقع العدل ، وأعطاه الله من أبواب العلم ما ~~يفتح له آفاق الحياة بحيث يتمكن من حل مشكلاتها ، ومن السيطرة على تحريك ~~قضاياها في الاتجاه السليم ، ( @QUR@03 وكذلك نجزي المحسنين ) فنتعهدهم ~~بالحفظ والرعاية PageV17P272 # ونرفع مواقعهم الفكرية والروحية في المستويات العليا من حركة العقل ~~والفكر ، ليكونوا أكثر قدرة على الإحسان للحياة من حولهم ، وللإنسان في كل ~~مواقعه. # * * * PageV17P273 ### ||| * الآيات # ( @QUR@038 ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) @QUR@013 قال ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) @QUR@09 قال ~~رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) @QUR@016 فأصبح في المدينة ~~خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين ~~(18) @QUR@033 فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما ~~تريد أن تكون من المصلحين ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 على حين غفلة ): أي دخل موسى المدينة والناس ذاهلون عنه. # ( @QUR@01 فاستغاثه ): الاستغاثة : الاستنصار ، من الغوث بمعنى النصرة. # ( @QUR@01 فوكزه ): الوكز على ما ذكره الراغب وغيره : الطعن والدفع PageV17P274 # والضرب بجميع الكف (1). # ( @QUR@01 فقضى ): القضاء هو الحكم ، والقضاء عليه : كناية عن الفراغ من ~~أمره بموته. # ( @QUR@01 ظهيرا ): معينا. # ( @QUR@01 يترقب ): ينتظر. # ( @QUR@01 استنصره ): طلب ms4083 نصره. # ( @QUR@01 يستصرخه ): يطلب غوثه ومعونته. # ( @QUR@01 لغوي ): الغوي : الضال. # * * * ### ||| ** موسى يخوض صراع القوة فيقتل قبطيا # وبلغ موسى مبلغ الشباب وكان قوي الجسد ، في عضلاته قوة وفي إرادته صلابة ~~، وجاءت التجربة الأولى التي دخل فيها الصراع الجسدي وتركت تأثيرا بالغا في ~~عمق شخصيته ، ( @QUR@02 ودخل المدينة ) وهي مصر ، في الظاهر ، ( @QUR@05 ~~على حين غفلة من أهلها ) وذلك عند ما يستريح الناس ويدخلون إلى بيوتهم ~~ليسكنوا إلى أنفسهم وأهاليهم ، فتخلو الشوارع والأزقة من المارة وذلك في ~~وقت الظهيرة ، أو وقت دخول الليل ( @QUR@07 فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته ) من بنى إسرائيل ( @QUR@03 وهذا من عدوه ) من الأقباط ، وكانا ~~يتقاتلان ( @QUR@08 فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ) لينصره عليه ~~( @QUR@02 فوكزه موسى ) وذلك بأن ضربه أو دفعه عنه بجمع الكف ( @QUR@02 ~~فقضى عليه ) من دون أن يكون قاصدا لقتله ، لأن همه الكبير أن يدفعه عن الذي ~~استغاثه ، ويخلصه من بين يديه ، كما هو ظاهر الاستغاثة التي توحي PageV17P275 # بوجود حالة من الخطر ، أو الألم الشديد. وفوجئ موسى بالنهاية القاسية ~~الصعبة ، وأدراك نتائجها السلبية على موقعه في البلد ، وحريته في الحركة. # * * * # ( @QUR@04 هذا من عمل الشيطان ) # ( @QUR@05 قال هذا من عمل الشيطان ) الذي يغري بين الناس بالعداوة ~~والبغضاء ، ويدفعهم إلى التقاتل الذي يؤدي إلى إزهاق الأرواح. وقد لا تكون ~~الإشارة إلى قتل القبطي ، بل إلى طبيعة العمل الذي دخل فيه ناصرا لا معتديا ~~، لأن الظاهر أن الإسرائيلي كان في موقع المعتدى عليه ، على أساس الواقع ~~الاجتماعي الذي يجعل بني إسرائيل في الطبقة السفلى ، بينما يضع الأقباط في ~~الطبقة العليا التي تضطهد من دونها ، وتنظر إليها نظرة استعلاء وتتعامل ~~معها بأساليب التعسف والاحتقار والإذلال ... وهكذا كانت نظرة موسى إلى ~~طبيعة العمل القتالي في الحالات الفردية بأنه من عمل الشيطان ، بعيدا عما ~~إذا كان الحق لهذا الفريق أو ذاك ، لأنه على أي حال يمثل العمل الذي يؤدي ~~إلى بعض على علاقات الناس ببعضهم البعض ( @QUR@04 إنه عدو مضل مبين ) لأن ~~دوره هو إثارة المشاكل التي تؤدي بالناس إلى الدخول في المشاحنات ، وتبعدهم ~~عن الله ms4084 الذي يريد للحياة أن تقوم على أساس المحبة والعدالة والسلام ... ~~وبذلك كان موقعه منهم ، هو موقع العداوة والإضلال مما يفرض عليهم أن ~~يواجهوه من هذا الموقع الذي يحتويهم بمشاكله وأضاليله. # * * * PageV17P276 ### ||| ** موسى يطلب الغفران من الله # ( @QUR@07 قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) وعاد موسى إلى ربه ، وقد شعر ~~بخطورة ما قام به ، ولكن هل كان يشعر بالذنب لقتله القبطي باعتبار أن ذلك ~~يمثل جريمة دينية في مستوى الخطيئة التي يطلب فيها المغفرة من الله؟ أو أن ~~المسألة هي أنه يشعر بالخطإ غير المقصود الذي كان لا يجب أن يؤدي إلى ما ~~انتهى إليه مما يجعله يعيش الألم الذاتي تجاه عملية القتل لأنه لا يريد أن ~~يبادر إلى القتل حتى لو كان المقتول عدوا له ، إذا كان يستطيع تفادي ذلك؟؟ # إننا نرجح الاحتمال الثاني ، لأن موسى لم ينطلق في المعركة من موقع ~~عدواني ذاتي ، لأنه لا يجد أية ضرورة ، أو أي مبرر ، للدخول في معركة مع ~~الأقباط في وعيه العقلاني لطبيعة التوازن في القوى الذي كان لا يسمح له ولا ~~لغيره من أن يحل المشكلة القائمة في مجتمع بني إسرائيل ، ولذا لم يكن من ~~همه أن يدخل في المعركة ، بل كان كل همه أن يدافع عن الإسرائيلي ويخلصه من ~~بين يدي القبطي الذي كان يريد أن يقتله ، كما يبدو ، وبهذا لم يكن في الأمر ~~جريمة ، بل كان الدخول شرعيا ، ولم تكن النتيجة مقصودة له ، ولكنه كان يفضل ~~أن لا يحدث ما حدث. وبذلك كان يرى في ذلك نوعا من الذنب الأخلاقي أو ~~الاجتماعي الذي يحس بالعقدة الذاتية منه. # وعلى ضوء هذا ، كان التعبير بأنه ظلم للنفس ، تعبيرا عن الحالة الشعورية ~~أكثر مما كان تعبيرا عن حالة المسؤولية ، وربما كان تعبيرا عن القلق من ~~النتائج الواقعية السلبية التي يمكن أن تترتب على ذلك في علاقاته ~~الاجتماعية بمحيطه في ما يحمله من أخطار مستقبلية على شخصه بالذات. أما طلب ~~المغفرة من الله ، فقد يكون ناشئا من الرغبة الروحية العميقة للإنسان ~~المؤمن ، أن يضع ms4085 PageV17P277 # أعماله بين يدي الله حتى التي لا تمثل انحرافا عن أوامره ونواهيه ، بل ~~تمثل نوعا من الخطأ الأخلاقي المبرر بطريقة ما ، ليحصل على لمسة الرحمة ~~الإلهية العاقبة بالحنان والعطف ، فيبلغ من خلال عصمته له الكمال في سلوكه ~~، والتوازن في أخلاقه ، مما يجعل من المغفرة لطفا في توازن الشخصية لا عفوا ~~عن ذنب. وهكذا كان اللطف الإلهي بموسى عليه السلام في ما يعلمه الله من حاله ~~في ظرفه الواقعي مما يحقق له الكثير من العذر في حساب المسؤولية ، ( ~~@QUR@06 فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) الذي تتحرك مغفرته من عمق رحمته ~~لتفيض على الإنسان الراجع إليه بكل خير وإحسان. # * * * ### ||| ** رب لن أكون ظهيرا للمجرمين # ( @QUR@09 قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) وكان موسى في ~~الأجواء الروحية التي يستلهم فيها روحانية الإيمان في ابتهاله لله ، وفي ~~انفتاحه على نعمه وألطافه ، وفي إحساسه بالحاجة إلى عفوه ورحمته ، وشعوره ~~بأن الله قريب منه ومن حياته في آلامه وآماله .. ويتعاظم في نفسه الحب لله ~~، في ما يفيض عليه من النعم الوافرة لديه. # وهكذا أراد أن يعبر عن شكره لله على ذلك كله بطريقة عملية ، فإذا كان ~~الله قد أنعم عليه بالقوة ، فلن يجعل القوة في نصرة المجرمين الذين أجرموا ~~في حق الله وحق عباده بالكفر والضلال والطغيان ، وإذا كان قد أنعم عليه ~~بالعلم فليجعله في خدمة المستضعفين لا في خدمة المستكبرين. فتوجه إلى الله ~~بأنه يعاهده بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين بسبب ما أنعم الله عليه من كل نعمه ~~الظاهرة والباطنة ، وبذلك كان الإيحاء الروحي للنعمة أنها تمثل مسئولية العبد PageV17P278 # أمام الله بأن يقابله بالشكر المتحرك في خط توجيه النعمة في طاعته ، لا ~~في معصيته ، على الخط الذي عبر عنه الإمام علي عليه السلام بقوله : «أقل ما ~~يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه» (1). # وكان لهذا الحدث تأثير مباشر على نفسية موسى عليه السلام في حركته الأمنية ~~في المجتمع ، حذرا من الأجواء العدوانية الفرعونية ضده. # ( @QUR@05 فأصبح في المدينة خائفا يترقب ) الشر من خلال ms4086 ثأر قوم القبطي ~~لقتيلهم ، وهنا كانت المفاجأة التي تنتظره لخوض تجربة جديدة مماثلة للتجربة ~~الماضية ، ( @QUR@04 فإذا الذي استنصره بالأمس ) من قومه ( @QUR@01 يستصرخه ~~) لينتصر له في معركة جديدة مع شخص آخر من الأقباط ، في نداء استغاثة مؤثر ~~... ولم يستجب موسى له ، فقد استوعب التجربة السابقة ، واحتوى نتائجها في ~~فكره وشعوره ، فقد لا يكون المستغيث دائما مظلوما ، بل قد يكون صاحب مشاكل ~~يتحرك في عملية الإثارة للنزاع والخلاف على أساس حدة طبعه ، أو رغبته في ~~العدوان ، فكيف يمكن له أن يستجيب له؟! وإذا كان موسى قد اندفع سابقا ~~للانتصار له ، فليس ذلك من موقع الانتصار للقريب ، بل من موقع الاعتقاد ~~بأنه مظلوم من قبل القبطي انطلاقا من دراسة طبيعة الأشياء في موازين الضعف ~~والقوة. ولكن المسألة الآن هي أن صاحبه يدخل في خلاف جديد ، مما يوحي بأنه ~~رجل يتعمد المشاكسة مع الآخرين ، وقد يكون انتصار موسى له أغراه في ذلك. # ( @QUR@06 قال له موسى إنك لغوي مبين ) فإنك لا تسلك طريق الرشد الذي ~~يفرض على الإنسان أن يحل الأمور بالتي هي أحسن ، بعيدا عن العنف ، أو أن ~~يبتعد عن الدخول في القضايا التي تثير الخلاف من حوله ، ( @QUR@09 فلما أن ~~أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ) ليدفعه عن صاحبه ، لينهي المعركة بسلام ~~أو ليواجه عدوانه بطريق القوة ، بعد أن امتنع عن الابتعاد عنه ، ( @QUR@08 ~~قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت PageV17P279 # @QUR@010 نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ) يواجه الناس ~~بالقهر والبطش والقتل ، ويحل المشاكل بالقوة والعنف ، ( @QUR@06 وما تريد ~~أن تكون من المصلحين ) الذين يبادرون إلى حل الأمور بالتي هي أحسن ، ~~فيصلحون ما فسد ويجمعون القلوب على المحبة بدلا من أن يجمعوها على العداوة ~~والبغضاء. # وجاء في تفسير الميزان : «ذكر جل المفسرين أن ضمير ( @QUR@01 قال ) ~~للإسرائيلي الذي كان يستصرخه ، وذلك أنه ظن أن موسى إنما يريد أن يبطش به ~~لما سمعه يعاتبه قبل بقوله : ( @QUR@03 إنك لغوي مبين ) فهاله ما رأى من ~~إرادته البطش فقال : ( @QUR@010 قال يا موسى أتريد أن تقتلني ms4087 كما قتلت نفسا ~~بالأمس ) إلخ ، فعلم القبطي عند ذلك أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس ، ~~فرجع إلى فرعون وأخبره الخبر ، فائتمروا بموسى وعزموا على قتله». ويعقب ~~صاحب الميزان على ذلك بقوله : «وما ذكروه في محله لشهادة السياق بذلك فلا ~~يعبأ بما قيل : إن القائل هو القبطي دون الإسرائيلي» (1). # وقد نلاحظ على ذلك أن السياق لا دلالة له على هذا التفسير ، لأن ائتمار ~~القوم به في ما أخبره به بعض الناس ، لا يدل على ظهور أمر القتل من خلال ~~القضية الثانية ، بل قد يكون على أساس القضية الأولى التي ذاعت وشاعت بين ~~الناس ، وبعثت الخوف في نفس موسى ، ولعل الذي يقتضيه الظهور هو أن يكون ~~الكلام للقبطي عند ما أراد موسى أن يبطش به ، فكان كلامه لونا من ألوان ~~المحاولة بدفع موسى عنه بذلك بعد أن خاف أن يقتله ، ولكن الوجه الذي ذكره ~~محتمل ، فقد ورد في بعض أحاديث الإمام الرضا عليه السلام المروية عنه في ~~حديثه مع المأمون ما يؤكد ذلك .. في ما جاء في كتاب «عيون أخبار الرضا» ، ~~والله العالم. # * * * PageV17P280 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون ~~بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) @QUR@010 فخرج منها خائفا يترقب ~~قال رب نجني من القوم الظالمين (21) @QUR@011 ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ~~ربي أن يهديني سواء السبيل (22) @QUR@027 ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي ~~حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) @QUR@015 فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ~~فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) @QUR@026 فجاءته إحداهما تمشي ~~على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه ~~القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) @QUR@011 قالت إحداهما يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) @QUR@029 قال إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ms4088 ~~وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) @QUR@015 قال ~~ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل ) (28) # * * * PageV17P281 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أقصى المدينة ): آخرها. # ( @QUR@01 يسعى ): يسرع في المشي. # ( @QUR@02 تلقاء مدين ): حذاءها ، وجهتها. # ( @QUR@02 سواء السبيل ): وسط الطريق. # ( @QUR@01 تذودان ): تمنعان غنمهما من ورود الماء. # ( @QUR@02 ما خطبكما ): ما شأنكما. # ( @QUR@03 حتى يصدر الرعاء ): حتى ينصرف الرعاء ، والرعاء والرعاة ~~والرعيان بمعنى واحد. # ( @QUR@01 استحياء ): شدة الحياء. # ( @QUR@03 وقص عليه القصص ): القصص : الحديث المقصوص. # ( @QUR@01 حجج ): جمع حجة ، وهي السنة. # * * * ### ||| ** إخبار موسى بائتمار القوم لقتله # وتعاظمت قصة قتل موسى للقبطي في أجواء آل فرعون ، وبدأوا يعدون العدة ~~للثأر منه ، وقد يكون الحديث بينهم على مستوى الهمس حتى لا يسمعه موسى ~~فيهرب منهم ( @QUR@06 وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ) إلى موسى بشكل سريع مثير PageV17P282 # ( @QUR@08 قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) ولا تزال المشاورات ~~دائرة بينهم ليصلوا إلى استكمال الخطة واتخاذ القرار الحاسم للتنفيذ ، ( ~~@QUR@05 فاخرج إني لك من الناصحين ) لتنجو بنفسك ، لأن القوم يملكون القوة ~~التي يستطيعون بها الوصول إلى أهدافهم ، لأنك إذا استطعت أن تقاوم شخصا ~~واحدا أو أكثر منهم ، فإنك لا تستطيع مقاومة الجميع. # ( @QUR@04 فخرج منها خائفا يترقب ) في حذر ويقظة حتى لا ينتبه إليه أحد ( ~~@QUR@06 قال رب نجني من القوم الظالمين ) الذين يتحركون من قاعدة الظلم في ~~ما يسيطرون عليه من مقدرات الناس بالقهر والغلبة ، وما يتحركون به من ~~أساليب العدوان على مصير الناس وإرادتهم في الحرية والحياة ، وما يريدون أن ~~يواجهوا به موسى بالقتل على أمر لم يتعمده ، بل صدر منه على سبيل الخطأ في ~~مجال الدفاع عن شخص مستضعف. # وقد نلاحظ في هذا الدعاء وما تقدمه ، وما يأتي بعده ، أن موسى كان مشدودا ~~بإيمانه وبكل كيانه إلى الله ، فهو يتوجه إليه في كل موقف ، وفي كل لحظة من ~~لحظات الشدة ، ليتحدث معه ، وليثير بين يديه آلامه وهمومه وتطلعاته في ~~الحياة ، وعلاقته بالأحداث من حوله ، مما يوحي بأنه كان على درجة كبيرة من ~~الروحانية النابضة بالإيمان ، بحيث لا ms4089 يواجه مشكلة إلا ويكون الله هو ~~المقصد فيها ، قبل كل الناس. وهذه هي ميزة الأنبياء في حياتهم قبل النبوة ، ~~في ملكاتهم الروحية التي تجعلهم في الموقع المميز الذي يؤهلهم لاصطفاء الله ~~لهم لرسالاته. # وهكذا لا حظنا أن موسى كان في خوفه الغريزي ووحدته يستمد القوة من الله ~~في شعوره الإيماني بحضوره معه ، بكل قوته الإلهية ، ولهذا فإنه يطلب منه أن ~~ينجيه من القوم الظالمين ، الذين يملكون القوة الغاشمة الكبيرة ، بقدرته ~~المطلقة التي لا حد لها. PageV17P283 # ولم يكن لموسى كما يبدو أي هدف معين يقصده ، وقد تكون هذه السفرة هي أول ~~سفر له في حياته ، لأن هدفه هو أن يهرب من قوم فرعون. # * * * ### ||| ** موسى يتجه إلى مدين # ( @QUR@04 ولما توجه تلقاء مدين ) ووصل إلى جهة هذه البلدة ورأى دلائل ~~العمران ، ( @QUR@07 قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) وقد يكون وصوله ~~إلى هذه البلدة بعد سفر طويل في الصحراء في مدى ثمانية أيام ، كما يقال ، ~~منطلق فرح روحي بأن الله لم يسلمه للضياع ، ولم يخذله في مسيرته ، بل أوصله ~~إلى شاطئ الأمان. فها هو الآن في بلد ، لا سلطة لفرعون عليه ، ولكنه كان ~~يعيش في قلق داخلي ، غريزي ، ولأنه لا يدري ما ينتظره في هذا الجو الجديد ~~الذي لا يعرف فيه أحدا. فرجع إلى ربه وبدأ يحدث نفسه عن اللحظة التي يهديه ~~فيها الله إلى السبيل السوي الذي يبلغ به هدف الطمأنينة في حياته انطلاقا ~~من رعاية الله له في ماضيه ، وعنايته به في حاضره. # ( @QUR@010 ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ) أغنامهم وهم ~~يتزاحمون ويتدافعون بحيث يتقدم القوي على الضعيف ، ( @QUR@05 ووجد من دونهم ~~امرأتين تذودان ) أي تحبسان أغنامهما من أن ترد الماء أو تختلط بأغنام ~~القوم. ولفت ذلك نظر موسى عليه السلام ، وعرف أنهما ضعيفتان عن الوصول إلى ~~ما تريدان في هذا الزحام الشديد ، وكان من أخلاقه أن ينتصر للإنسان الضعيف ~~ويعينه ويأخذ له بحقه ، فالتفت إليهما و ( @QUR@03 قال ما خطبكما ) أي ما ~~شأنكما ( @QUR@06 قالتا لا نسقي حتى يصدر ms4090 الرعاء ) ويخرجوا أغنامهم ، فهذه ~~هي العادة أن يتقدم الرجال النساء ، ( @QUR@03 وأبونا شيخ كبير ) لا يستطيع ~~أن يأتي إلى الماء ليسقي الأغنام PageV17P284 # ويتصدى للأمر بنفسه. # ( @QUR@06 فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ) ليستريح فيه من التعب ، وليتخفف ~~فيه من شدة الحر ، ولم يكن هناك من يتحدث إليه من قريب أو صديق ، فانطلق ~~يحدث ربه ، في مناجاة خاشعة شاكرة ( @QUR@09 فقال رب إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير ) في ما وهبتني من القوة ، وأعطيتني من الأمن ، ومكنتني من الحصول ~~على الغذاء .. فقد كنت في حاجة شديدة إلى ذلك ، لأني لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا بك ، وحدك ، لا شريك لك ، فلك الشكر ولك الحمد ... وهذا ما ~~ينبغي للإنسان المؤمن أن يختزنه في داخل نفسه من الشعور بالحاجة إلى الله ~~في ما أعطاه وفي ما يمكن أن يعطيه في ابتهال خاشع يحرك الإيمان في الذات ~~ويطور العلاقة بالله. # ( @QUR@05 فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ) في خفر العذارى ، وحياء ~~العفيفات ( @QUR@09 قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) فقد أحسنت ~~إلينا ، وقمت بجهد كبير في رعايتك لنا في سقي الأغنام ، وتوفير الماء لنا ، ~~وإبعادنا عن مزاحمة الرجال ، وقد أخبرنا أبانا بذلك ، وأراد أن يتعرف عليك ~~ليشكرك وليجزيك الجزاء الجميل ، وليعطيك أجرك على ذلك ، وليكرمك كرامة ~~المحسنين ، فتعال إلينا ، بكل تقدير وإعزاز ، ( @QUR@02 فلما جاءه ) وارتاح ~~إليه ، ورأى في روحانيته صفاء الإيمان ، وحنان الأبوة ، وروحية الرسالة ، ~~وانفتاح القلب الكبير ، اطمأن إليه وشعر بأنه يقف على شاطئ الأمان عنده ، ~~فبدأ يتحدث عن حياته ، وعن عمق المعاناة عنده ، ( @QUR@03 وقص عليه القصص ) ~~وعرف شعيب وهذا هو اسم الرجل كما تتحدث به الروايات أن هذا الشباب خائف من ~~فرعون وقومه ، وأنه يطلب المكان الذي يرتاح إليه ، ويأمن فيه. # ف ( @QUR@07 قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ) فإنهم لن يصلوا إليك في ~~هذا المكان ، لأنهم لا يملكون أية سلطة هنا. وربما شعرت إحدى الامرأتين PageV17P285 # بالحب يغزو قلبها لهذا الشاب القوي الأمين الذي يمتلئ أخلاقا وعفة ~~وإيمانا ، وخافت أن يفارقها ، وربما شعر ms4091 أبوها بذلك ، وبأن هذا الشاب قد ~~يريد الزواج كأي شاب في مثل عمره ، وقد يحقق له ذلك طمأنينة وراحة. وهكذا ~~ابتدرت البنت أباها بهذا العرض الذي يخفف إحراج الجميع ويحل مشكلة الموقف ~~مما قد يكون فكر به موسى أنه لا يمكن أن يبقى ضيفا إلى ما لا نهاية ، وأن ~~الخروج من هذا المكان قد يوقعه بالتيه. # ( @QUR@05 قالت إحداهما يا أبت استأجره ) فنحن بحاجة إلى من يلي أمورنا ~~ويدبر أوضاعنا ، وليس للمرأة أن تلي ذلك في مجتمعنا ، مهما كانت قوتها ، ~~لأن ذلك يخلق لها مشاكل كثيرة في علاقاتها العامة والخاصة. وقد عرفنا في ~~هذا الشباب القوة والأمانة اللتين تؤهلانه أن يكون في مستوى المسؤولية في ~~ما نحتاج إليه ، في ظروفنا هذه ، فهو شاب قوي يقوم بالمهمة الصعبة في إدارة ~~شؤوننا ، وأمين يحفظ أمانة المال والكلمة والسر والعرض ( @QUR@06 إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين ) الذي يتمناه كل أصحاب المهمات والأعمال. # ( @QUR@013 قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني ~~حجج ) فهذا هو المهر الذي تقدمه للزواج بمن تختارها منهما ، فتقيم بيننا ~~وتصلح أمورنا بقوتك وأمانتك ، ( @QUR@05 فإن أتممت عشرا فمن عندك ) كزيادة ~~تمن بها علينا ، من دون أن تكون شرطا منا عليك ، بل تكون على سبيل التبرع ، ~~( @QUR@05 وما أريد أن أشق عليك ) بما أعرضه عليك من ذلك ، ولك حرية ~~الاختيار في القبول وعدمه ، وسأحقق لك كل ما ترغبه من الوفاء والحفظ ~~والرعاية ، انطلاقا من روحية الإيمان في ذاتي ، وأخلاقية الصلاح في عملي ، ~~و ( @QUR@06 ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) الذين يوفون بالعهد ويرعون ~~الذمام. واستجاب موسى لذلك ، وفرح به ، فهذا هو العرض الذي يمنحه الاستقرار ~~في السكن ، والأمن في الموقع ، والراحة في الزواج ، وذلك هو أقصى ما يتمناه ~~في وضعه الحاضر. PageV17P286 # ( @QUR@04 قال ذلك بيني وبينك ) عهد وشرط ثابت ، ألتزم به في ما أعطيك من ~~عهد والتزام ، ( @QUR@03 أيما الأجلين قضيت ) ثماني سنين أو عشر ، ( ~~@QUR@03 فلا عدوان علي ) فليس لك أن تلزمني بالزيادة إذا كانت ظروفي تفرض ~~علي الاقتصار على الأقل ، وليس ms4092 لك أن تمنعني من تقديمها ، إذا كنت أريد ~~التبرع بها ، ( @QUR@05 والله على ما نقول وكيل ) فهو الشاهد علينا ، وهو ~~الحاكم بيننا إذا ما اختلفنا ، لأنه الشاهد على عباده الذين يلتزمون خط ~~الإيمان ، ويحسون برقابة الله عليهم في أمورهم الذاتية ، وفي التزاماتهم ~~العقدية في علاقاتهم مع الناس. # * * * PageV17P287 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) @QUR@020 فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) @QUR@020 وأن ~~ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا ~~تخف إنك من الآمنين (31) @QUR@025 اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ~~واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين (32) @QUR@09 قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ~~(33) @QUR@014 وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني ~~أخاف أن يكذبون (34) @QUR@015 قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) @QUR@015 فلما جاءهم ~~موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترىوما سمعنا بهذا في آبائنا PageV17P288 # @QUR@01 الأولين (36) @QUR@018 وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من ~~عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) @QUR@029 وقال ~~فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين ~~فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) ~~@QUR@012 واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ~~(39) @QUR@010 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين (40) @QUR@09 وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون (41) @QUR@010 وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين ) (42) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آنس ): الإيناس : الإبصار والرؤية. # ( @QUR@01 جذوة ): الجذوة : القطعة. # ( @QUR@01 تصطلون ): الاصطلاء : الاستدفاء. # ( @QUR@02 شاطئ الواد ): جانبه. # ( @QUR@02 اسلك يدك ): المراد بسلوك ms4093 يده في جيبه : إدخالها فيه. # ( @QUR@03 من غير سوء ): السوء كما قيل : البرص ، وهو بياض مرضي غير طبيعي. # ( @QUR@01 ردءا ): الردء بكسر الراء : المعين. PageV17P289 # ( @QUR@02 يا هامان ): وزير فرعون. # ( @QUR@01 صرحا ): بناء عاليا. # ( @QUR@01 أطلع ): أصعد. # ( @QUR@01 فنبذناهم ): طرحناهم. # ( @QUR@01 لعنة ): اللعنة : البعد عن رحمة الله. # ( @QUR@01 المقبوحين ): المبعدين عن الخير والموسومين بحالة منكرة. # * * * ### ||| ** الله يكلم موسى عليه السلام # وهذه جولة جديدة في رحلة موسى إلى الموقع الذي أعده الله له ، في مفاجأة ~~مثيرة لم تكن محسوبة في ذهنه ، على مستوى الاحتمال. وهكذا نسير مع هذه ~~الرحلة النبوية في عملية استيحاء واستلهام. # ( @QUR@04 فلما قضى موسى الأجل ) الذي التزمه على نفسه في خدمته لشعيب ، ~~وقيل إنه قضى أطول الأجلين. ( @QUR@02 وسار بأهله ) في ليلة شديدة البرد ~~كما توحي به الآية من حاجتهم إلى الدفء ، وربما كانوا قد ضلوا الطريق ، ( ~~@QUR@04 آنس من جانب الطور ) وهو الجبل ، ( @QUR@04 نارا قال لأهله امكثوا ~~) في مكانكم ( @QUR@03 إني آنست نارا ) أي أبصرتها ( @QUR@04 لعلي آتيكم ~~منها بخبر ) للدلالة على الطريق ، ( @QUR@04 أو جذوة من النار ) أي قطعة ~~منها ( @QUR@02 لعلكم تصطلون ) أي تتدفأون من البرد. # ( @QUR@07 فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن ) أي جانبه ( @QUR@03 في ~~البقعة المباركة ) التي باركها الله بتكليمه لموسى فيها ، أو بغير ذلك ( ~~@QUR@01 من PageV17P290 # @QUR@01 الشجرة ) القائمة هنا ، في ما كان يخيل لموسى أن الصوت ينطلق ~~منها باعتبار أنه كان يتحرك في أجوائها ( @QUR@08 أن يا موسى إني أنا الله ~~رب العالمين ). # وكانت المفاجأة المذهلة التي هزت كيان هذا الإنسان الذي كان يطمع أن يجد ~~في موقع النار دليلا على الطريق ، وجذوة للدف ، فإذا به يجد الفرحة الروحية ~~التي ترفعه إلى المستوى الأعلى في إشراقة الروح والعقل والقلب والحياة ، ~~ليكون دليلا على خط السير إلى الله ، كما يجد دفء الإيمان والروح. فها هو ~~الله يتكلم معه من دون وسيط ، ويعلن له عن اسمه في صفته الربوبية التي ~~تهيمن على العالمين ، للإيحاء بأن ذلك يعني الاتجاه إلى تنظيم شؤون ~~العالمين من خلال الرسالة التي ستكون بداية الانطلاق للتغيير في العقيدة ~~والمنهج والشريعة. # وهكذا أراد الله له أن يطمئن للموقف ms4094 الجديد ، فيحس بأنه يتكلم مع الله ، ~~مما يوحي بموقف غير عادي ، لتكون العلامة التي تملؤه بالثقة علامة غير ~~عادية ، مما لا يتمكن أي مخلوق بشري أو غير بشري من تحقيقها ، ليكون دليلا ~~على أن الله هو الذي فعل ذلك كله. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام والحية # ( @QUR@03 وأن ألق عصاك ) فألقى عصاه ، وهنا كانت المفاجأة المرعبة ~~المخيفة. ( @QUR@05 فلما رآها تهتز كأنها جان ) في صورة حية ، في ما كان ~~يتصوره الناس من صورة الجان ( @QUR@04 ولى مدبرا ولم يعقب ) في حالة هروب ~~من هذا المخلوق المخيف الذي يمكن أن يقضي على حياته ليتجه بعيدا عنه بحيث ~~لا يرجع إلى هذا المكان. وانطلق الصوت الإلهي من جديد. ليمسح على قلبه ~~بالسكينة PageV17P291 # الإلهية الروحية التي توحي له بالأمن والطمأنينة : ( @QUR@08 يا موسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ) فلم تكن المسألة هي أن يثير ذلك في نفسك ~~الرعب ، بل لتكون آية لك على أنك في الموقع الذي تتحرك فيه بقدرة الله ، ~~ولتشعر بالقوة في مواجهة التحدي الكبير الذي ينتظرك ، في ما ينتظرك من ~~رسالة وإبلاغ. # ( @QUR@04 اسلك يدك في جيبك ) أي في صدرك ( @QUR@05 تخرج بيضاء من غير ~~سوء ) الذي هو البرص ، ( @QUR@03 واضمم إليك جناحك ) أي يدك ، أو عضدك ( ~~@QUR@02 من الرهب ) أي الخوف ، وذلك بأن يجمع يديه إلى صدره إذا عرض له ~~الخوف .. وربما كان المراد به أن «يأخذ لنفسه سيماء الخاشع المتواضع ، فإن ~~من دأب المتكبر المعجب بنفسه أن يفرج بين عضديه وجنبيه كالمتمطي في مشيته ، ~~فيكون في معنى ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التواضع ~~للمؤمنين بقوله : ( @QUR@06 واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) [الحجر : ~~88] على بعض المعاني» (1)، كما جاء في تفسير الميزان ، ولعل المعنى الأول ~~أقرب ، وذلك من خلال تقييد خفض الجناح بقوله ( @QUR@02 من الرهب ) مما يوحي ~~بأنها من متعلقات النهي عن الخوف ، والله العالم. # ( @QUR@07 فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه ) لتقدمهما إليهم في ~~بداية الدعوة إلى الله التي تنطلق بها ، لتهديهم إلى سواء السبيل ، ولتبدأ ~~عملية التحدي لجبروت فرعون وطغيانه ، في ms4095 الموقف الرسالي الذي أعدك الله له ~~من أجل أن تخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وتخلصهم من هذا الجو الظلامي ~~الذي يثيره فرعون في حياة الناس ، ويؤكده قومه في حركتهم معه في تثبيت ~~قواعد الكفر والطغيان ( @QUR@04 إنهم كانوا قوما فاسقين ) في فكرهم وشعورهم ~~وسلوكهم في الحياة. # * * * PageV17P292 ### ||| ** تهيب موسى عليه السلام # ( @QUR@09 قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ) لقد تهيب موسى من ~~الإقدام على تحمل مسئولية الرسالة التي أراده الله أن يقوم بها في مواجهة ~~فرعون بالإيمان بالله والحرية للمستضعفين ، لأن له مشكلة شخصية معهم ، مما ~~جعله في موضع الملاحقة من قبلهم ليأخذوا بثأر القبطي الذي قتله ، الأمر ~~الذي يضعه في موقع الخطر في بداية الموقف ، فلا يبقى لديه مجال للدعوة. # وهناك نقطة أخرى ، وهي أن الرسالة تفرض الدخول في جدل مرير مع هؤلاء ~~القوم في ما يمكن أن يثيروه من شبهات ، أو يطالبوه بالحجة ، فيحتاج إلى ~~التحدث بطريقة مقنعة حاسمة ، بلسان فصيح ، وهذا ما لا يملكه موسى للكنة ~~كانت في لسانه ، مما يؤدي إلى ضعف موقفه الذي ينعكس سلبا على موقف الرسالة ~~في ما قد يثيره ذلك من سخرية ونحوها. لذلك كان بحاجة إلى شخص آخر يشاركه ~~المسؤولية ، ليواجه مثل هذا الموقف الطارئ معه ، أو ليكون بديلا عنه في ~~مقارعة الحجة بالحجة ، ولهذا فقد أراد أن يكون أخوه هارون معه ، ( @QUR@09 ~~وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا ) أي ناصرا ينصرني ويشد ظهري ~~، ( @QUR@01 يصدقني ) ويشرح بفصاحته مواقع الصدق في رسالتي ، ومواطن القوة ~~في موقفي ، ( @QUR@04 إني أخاف أن يكذبون ) فيفرض ذلك علي الدفاع والجدال ~~حول مفاهيم الرسالة ومواقعها. # ( @QUR@04 قال سنشد عضدك بأخيك ) ليكون قوة لك ، فلا تشعر بالوحدة معه ، ~~ولا تحس بالضعف من خلاله ، ( @QUR@03 ونجعل لكما سلطانا ) بما نظهره على ~~يديك من الآيات المعجزة التي تصيبهم بالإحباط والذهول ، وتدفعهم إلى الشعور ~~بالضعف أمامكما ، فلا يجدون أي مجال للهجوم عليكما ، بل يبدءون التفكير ~~بالطريقة التي يستطيعون فيها الثبات ، أمام هذه الحركة الجديدة التي ستجمع PageV17P293 # حولكما الرجال لتكونوا في مواقع ms4096 القوة بما كان بينك وبينهم ، لأن المسألة ~~ستتعدى هذا النطاق ، ولن يبقى موقعك ، في دائرة الشاب الإسرائيلي الذي ~~يلاحقه جنود فرعون ، بل سيكون موقعك موقع الرجل الذي يواجه فرعون بالذات في ~~مواقع القمة من سلطانه. فتقدما إلى خط المواجهة الرسالية ( @QUR@08 فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) في ساحة الصراع. وعلى ~~ضوء هذا ، كانت النتيجة الحاسمة في انتصار الرسالة على معارضيها أساسا ~~لتعميق الثقة في نفس موسى عليه السلام للانطلاق بالموقف بعيدا عن كل عوامل الخوف. # * * * ### ||| ** معجزة موسى مع القوم # ( @QUR@011 فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ) ~~لأنهم لم يعهدوا في تاريخهم ، ولا في حاضرهم ، مثل هذا الإعجاز ، ليفسروها ~~غيبيا على أساس ما يعلمونه من أفكار ، وما يعرفونه من نماذج. وكان السحر هو ~~الفن الخفي الذي يحكم ذهنية الساحة الشعبية العامة ، ويأخذ بعقولها ، وكان ~~يتطور في غرائبه وعجائبه من شخص إلى آخر ، فكان من الطبيعي أن يروا في ما ~~جاء به موسى لونا من ألوان السحر ، أو يثيروا ذلك أمام الناس ، لئلا يؤمنوا ~~به ، في ما قد يحقق لهم ذلك من صدمة قوية. وهكذا كانت كلمة السحر هي الكلمة ~~المثيرة التي أرادوا أن يسقطوا بها حجة موسى عليه السلام ليمنحوه صفة الساحر ~~، لا صفة النبي ، وليعطوا الآية الرسالية ، معنى السحر ، لا معنى المعجزة. ~~وبذلك اعتبروه ساحرا يفتري الكذب ، عند ما ينسبه إلى الله ، ويدعي من خلاله ~~الرسالة التي تثير أفكارا جديدة لا عهد لهم بها ، ( @QUR@01 وما PageV17P294 # @QUR@05 سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) مما يدل على أنها من مختلقاته ، ~~لا من الحقائق الإنسانية العامة ، لأنها لو كانت كذلك ، لعرفها آباؤنا ، ~~ولنقلوها إلينا. # ( @QUR@09 وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ) فإذا كنتم ~~تنسبونني إلى الكذب ، وتصفون ما جئت به بالسحر ، فإني لن أدخل معكم في نقاش ~~حول التفاصيل ، لأني لا أعتقد أنكم جادون في ما تقولون ، لأنكم تعرفون ~~السحر جيدا في ما جربتموه من ألوانه مما لا يشبه شيئا مما جئتكم به من ~~الآيات ، وإذا كان ms4097 هذا الذي أدعوكم إليه مما لم تسمعوه من قبل ، فليس معنى ~~ذلك أنه لا يمثل الحقيقة ، لأن لكم عقولا تستطيعون إذا حركتموها في معرفة ~~الحقيقة أن تميزوا بها الحق من الباطل في ما أعرضه عليكم ، لأن لكل جيل ~~معرفته التي يتميز بها عن الجيل السابق. # ولهذا ، فإن المسألة ليست منطلقة من قناعة ، بل من موقع عناد واستكبار ~~وتمرد ، مما يجعلني أقف في موقف الإصرار على رسالتي ، لأنها من الله الذي ~~يعلم : «من جاء بالهدى من عنده» ، وستعرفون ذلك إن عاجلا أو آجلا ، لأنكم ~~تنطلقون على أساس مواقعكم في السلطة لا على أساس مواقع المعرفة لديكم. أما ~~أنا ، فأنطلق من قاعدة الثقة المطلقة التي أعيشها في كل كياني ، ولن يزيدني ~~إصراركم على الرفض إلا إصرارا على الثبات عند ما أتطلع إلى ما يمنحني الله ~~من قوة الإيمان ، باعتبار أنني في الوقت الذي أحمل فيه رسالة الله إليكم ، ~~فإني أول من صدق بها ، فهو الشاهد على أني لست كاذبا ، وهو الذي يعلم بمن ~~جاء بالحق من عنده ( @QUR@05 ومن تكون له عاقبة الدار ) في الدنيا والآخرة ~~، لأنه الذي يعلم الغيب كله ، فلا تأخذكم الثقة بمواقعكم ، لأن القوة التي ~~تملكونها الآن ، لا تعني أنكم تملكون حركة المستقبل ، ففي المستقبل الكثير ~~مما تخافونه وتحذرونه من احتمال ، بل من يقين سقوط سلطة الظالمين ، وانتصار ~~سلطة الحق والعدل والحرية ، لأن هذه من سنن الله الكبيرة في الكون ، حيث ~~قال عز من قائل : ( @QUR@04 إنه لا يفلح الظالمون ) الذين عاشوا الظلم في ~~كل موارده PageV17P295 # على مستوى العقيدة ، في ما ظلموا به أنفسهم ، وظلموا به الحقيقة من الكفر ~~بالله ، أو من الإشراك به ، وفي ما ظلموا به الناس من الطغيان والتجبر ~~والتعسف ، والقتل والأسر والاضطهاد. # ( @QUR@011 وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) وذلك في ~~ما خيل إليه من سيطرة موسى على عقولهم ومشاعرهم من خلال ما قدمه من الآيات ~~والمنطق الرسالي ، لأنه شعر بتأثير ذلك في نفسه ، مع أنه صاحب السلطة وصاحب ~~المصلحة في الرفض ، فخاف ms4098 أن يؤثر ذلك على قومه. ولهذا أراد أن يقوم بأسلوب ~~إيحائي وبطريقة استعراضية ، فهو الحاكم الذي عودهم أن يفكر لهم ، وأن يكتشف ~~الحقائق التي يريدهم أن يؤمنوا بها ، لأنه عطل لهم تفكيرهم وأبعدهم عن ~~السعي للحصول على المعرفة بشكل مستقل. # ولهذا ، فالعقيدة تصدر عنه بمرسوم كما هي الشريعة التي قررها بمرسوم ، ~~كما هي سيرة الطغاة الذين لا يرون لشعوبهم قيمة في ميزان الفكر ، ولا يرون ~~لهم حقا في تقرير مصيرهم بأنفسهم ، وهذا ما جعله يواجههم بأن دعواه ~~الألوهية ، التي تجعله في موقع الإله المعبود ، وتجعلهم في موقف العبودية ~~له ، لم تنطلق من حالة ذاتية طموحة ، بل من موقع الحقيقة التي تفرض نفسها ~~على الواقع ، لأنه بحث في كل ما حوله ، فلم يجد إلها غيره يملك سلطة الحكم ~~، ويسيطر على مواقع القوة. أما ما قاله موسى ، فليس فيه أية حجة تؤكده ، ~~ولم يجد فيه هو برهانا قويا مقنعا ، ولذلك فإنه يؤكد لهم ضرورة البقاء على ~~ما هم عليه من خط العقيدة والعبادة. # ثم يبدأ الاستعراض الذي يراد من خلاله الإيحاء بأنه لا يقف في موقف ~~العناد ، بل في موقف الشخص الذي لا يدخر جهدا في الوصول إلى الحقيقة. مما ~~يملك من إمكانات التحرك نحوها ، ولذا فهو يطلب من الناس أن يجمدوا موقفهم ، ~~ولا يغيروه ، حتى تتم عملية استنفاد الجهد كله في السعي إلى معرفة PageV17P296 # هذا الإله ، ليعرفهم بعد ذلك ، كل ما وصل إليه ، ( @QUR@06 فأوقد لي يا ~~هامان على الطين ) الآجر الذي كانوا يستعملونه للبناء ، فيطبخون الطين ~~بالنار ليتماسك ويتحول إلى حجر صلب ( @QUR@03 فاجعل لي صرحا ) وهو البناء ~~العالي الذي يملك من خلاله التطلع إلى الأعالي في رحاب الفضاء ، ( @QUR@05 ~~لعلي أطلع إلى إله موسى ) إذ كان يتصوره شخصا ساكنا في طبقات الجو ، في ~~مكان ما ، في طريقة إيماء إلى الناس ليتصوروا الأمر كما لو كان هناك شخص ~~ينازع شخصا ، أو يبحث عنه ، أو يلاحقه في أماكن وجوده ، لتسقط هيبته من ~~النفوس كقوة خالقة قادرة مهيمنة على الكون كله ، كأسلوب من أساليب إضلال ms4099 ~~الناس. ثم يثير أمامهم الفكرة الموحية بأن الأمر لا يعدو أن يكون وهما ~~كاذبا من موسى عليه السلام ، لأنه لو كان كما يقول لتطلع الناس إليه في ~~الفضاء ، لعدم وجود ما يحجبه عنهم في القصر الذي يسكنه ، ( @QUR@04 وإني ~~لأظنه من الكاذبين ) لأنه لا يملك دليلا حسيا على ما يدعيه من وجود هذا ~~الإله الخفي. # وهذا الأسلوب الفرعوني ، يمثل لونا من ألوان التذاكي الطغياني لدى الطغاة ~~في إضلالهم للناس عند ما يواجههم الخطر على سلطانهم ويخافون من تأثر الناس ~~به ، فيعملون على التقرب إليهم بالأساليب المتحركة بين الإيحاء بالإخلاص ~~لهم ، والنصح لأمورهم ، وبين الاستعراض المسرحي في التأثير على مشاعرهم. # * * * ### ||| ** هلاك المستكبرين .. فرعون وجنوده # ( @QUR@07 واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق ) فتمردوا على الحق بعد ~~إذ جاءهم وعاندوا من موقع الاستكبار بعد قيام الحجة عليهم من جميع PageV17P297 # الجهات .. وتلك هي نتائج العقلية المستكبرة التي تعمل على اضطهاد الحقيقة ~~عند ما تتحرك في مواقع المستضعفين ، أو تهدد مواقعهم في سلطانهم ، أو ~~تدعوهم إلى التنازل عن امتيازاتهم ، فيعيشون الصراع الداخلي بين قوة ~~الحقيقة في منطقها ، وضغط الامتيازات في مطامعهم ومطامحهم ، بالإضافة إلى ~~احتقار الآخرين في دوائرهم الصغيرة الضعيفة ، فيتغلب عليهم طابع الاستكبار ~~ويدفعهم إلى العناد الأعمى الذي يبحث عن ذاته ، فيعمى عن رؤية الحق في ~~داخلها ، أو يتعامى عن ذلك ، فلا يدرك النتائج التي تهدد مصيره ، فيبقى ~~مستغرقا في اللحظة الحاضرة فلا يفكر بالمستقبل. # وهكذا كان فرعون وجنوده الذين خيل إليهم ، في حالة غياب الوعي عن وجدانهم ~~، واستغراق الشهوات في تفكيرهم ، أنهم خالدون في الدنيا ، وذلك في ما حدثنا ~~الله عنهم بقوله : ( @QUR@05 وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) ولكنه ليس الظن ~~الذي ينطلق من موقع الشبهة كما لو كانوا يعيشون مشكلة فكرية تتحدى فكر ~~الإيمان ، بل هو الظن الناشئ من حالة الغفلة المستغرقة في أجواء اللاوعي ~~الغارق في الأطماع والشهوات ، مما يجعلهم يوحون بذلك من خلال حركتهم مع ~~الناس على نهج قوله تعالى : ( @QUR@04 وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) ~~[النمل : 14] ، ( @QUR@05 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) بعد جولة ms4100 ~~طويلة من الصراع الذي خاضه موسى معهم ، ومن المعاناة التي عاشها في ~~مواجهتهم ، وبعد استغراقهم في الغي والضلال والطغيان ، فأغرقهم الله في ~~البحر. وانتهت بذلك أسطورة فرعون الذي لم يعرف قدر نفسه ، في حقارتها ~~البشرية ، أمام عظمة الله ، فأعلن نفسه للناس إلها من دون الله ، ( @QUR@05 ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) الذين مهما امتد ظلمهم ، فإنه لا يملك ~~القدرة على البقاء ، لأنه لا يملك عمقا في معنى الحياة ، بل يمثل عدوانا ~~عليها ، مما يجعلها تخضع له في وقت ما ثم تضمه في غيابات الموت ليبتعد عن ~~الإساءة إليها ، فلا يبقى منه شيء. # * * * PageV17P298 ### ||| ** مصير أئمة الضلال # ( @QUR@05 وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) من خلال المفاهيم الشركية ~~والخطط المنحرفة التي تبعد الإنسان عن الله ، وتقربه من النار. وهكذا تقف ~~كل القيادات الكافرة والضالة والطاغية ، لتكون في موقع الإمامة المضلة التي ~~تدعو إلى النار ، وليس المراد من الجعل المعنى التكويني منه ، وذلك ، بأن ~~يهيئهم الله لذلك من داخل العناصر الذاتية التي يكونها في عمق شخصيتهم ، ~~على سبيل الجبر ، بل المراد به حدوث ذلك بفعل الأسباب الاختيارية التي ~~تتحرك بها أفكارهم وإراداتهم في ما ينطلقون به من أفكار وخطط ومواقف ، ~~ليكونوا في المستوى الواقعي للإمامة المستعلية القائدة التي تعمل على إضلال ~~الناس الذي يؤدي إلى النار. ولكن قوتهم هذه قد لا تسمح لهم بأي امتياز في ~~يوم القيامة ، فهم هناك في موقع الخائف المنبوذ الذي لا يدفع عن نفسه ضرا ~~ولا يجلب لها نفعا ، ولا ناصر لهم من دون الله ( @QUR@04 ويوم القيامة لا ~~ينصرون ) لأن الله وحده هو مالك الأمر كله في الآخرة كما هو مالكه في ~~الدنيا ، ( @QUR@05 وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ) في ما يكتبه التاريخ عن ~~جرائمهم ومظالمهم وقبائحهم ، فإن التاريخ قد يجامل الظالمين بعض الوقت في ~~حياتهم أو حياة أتباعهم ، ولكنه لن يرحمهم في المستقبل عند ما يتخفف من كل ~~ألوان الضغط ، لأن الحقيقة لا بد من أن تفرض نفسها على الحياة لتضيء ~~للأجيال بعض العتمات من خلال الماضي. # ( @QUR@05 ويوم القيامة هم من ms4101 المقبوحين ) المنبوذين الذين لا يملكون في ~~صورهم إلا القبح الذي تشمئز منه النفوس ، وتنفر منه القلوب ، لأنهم سيقفون ~~هناك عراة من كل الثياب الاجتماعية التي تخفي عوراتهم ، وكل مساحيق PageV17P299 # التجميل التي تجمل ملامحهم ، ولا يبقى لهم إلا ذواتهم القبيحة التي يختفي ~~في داخلها العار الأخلاقي والروحي الذي يتمثل في حياتهم عارا على مستوى ~~الواقع كله. # * * * PageV17P300 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر ~~للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) @QUR@013 وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) @QUR@018 ولكنا أنشأنا ~~قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ~~ولكنا كنا مرسلين (45) @QUR@020 وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة ~~من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) @QUR@020 ~~ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) @QUR@027 فلما جاءهم الحق من ~~عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ~~قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون ) (48) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 القرون ): جمع قرن ، والمراد به أهل عصر من العصور ، فإذا PageV17P301 # انقضى أكثرهم قيل : انقضى القرن. # ( @QUR@03 فتطاول عليهم العمر ): أي طال عليهم الأمد الذي بينهم وبين ~~القرون الماضية. # ( @QUR@01 ثاويا ): مقيما. # * * * ### ||| ** الله يعطي موسى كتاب الهداية # وبدأ موسى دورا جديدا في إثارة وعي الرسالة في عقول قومه المستضعفين ~~الذين حررهم من استعباد فرعون لهم ، وأنقذهم من طغيانه ، ليبدأوا حياة ~~إنسانية حرة وعادلة ، وكان لا بد للحركة الجديدة في خط النبوة من كتاب يحدد ~~للناس مفاهيم الحق والباطل ، والخير والشر ، والظلم والعدل ، ويفصل لهم ما ~~يفعلون وما يتركون ، مما يأمر به الله مما يصلحهم ، ومما ينهى الله عنه مما ~~يفسد حياتهم ، وهكذا كان الأمر ( @QUR@010 ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ~~ما أهلكنا القرون الأولى ) التي سبقت زمنه ، كقوم نوح وإبراهيم وغيرهم في ~~فترة زمنية لم يكن للناس فيها عهد بالرسالات والرسل ms4102 ، فكان هذا الكتاب الذي ~~أنزل على موسى عليه السلام ( @QUR@02 بصائر للناس ) يبصر الناس الحق في ~~مفهومه الكلي ، وفي جزئياته العملية ، ( @QUR@01 وهدى ) في ما يهديهم إليه ~~من سبل الخير لئلا يضلوا عنه في سبل الشر ، ( @QUR@01 ورحمة ) في ما يحل ~~لهم من مشاكل الحياة الصعبة في قضاياهم المتنوعة ، مما كانوا يعانون منه من ~~متاعب وآلام ، في تحديات الواقع ، وفي ما يخطط لهم من مناهج وشرائع. # ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) في ما تثيره آياته في عمق شخصياتهم من أفكار ~~ومشاعر ، وما تفتحه لهم من آفاق ومشاريع ، فتنقذهم من الغفلة المطبقة عليهم. PageV17P302 # ( @QUR@09 وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) عند ما أنزلنا ~~عليه في الوادي الغربي ، أو الجبل الغربي ، التوراة التي جعلت من النبوة ~~حركة في تنظيم الحياة من حوله ، بعد أن كانت مجرد عقيدة في الفكر ( @QUR@04 ~~وما كنت من الشاهدين ) عليه ، ( @QUR@06 ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم ~~العمر ) وامتد التاريخ من بعده حتى كاد الناس أن ينسوا ذلك الخط في مضمونه ~~وقصته ( @QUR@09 وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ) لتعرف كيف ~~عاش موسى بينهم مدة طويلة ( @QUR@03 ولكنا كنا مرسلين ) لك إلى قومك لتقص ~~عليهم ذلك ، ليعتبروا به. # ( @QUR@06 وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) موسى لنبلغه الرسالة التي ~~يحملها إلى فرعون وقومه وليمتد بها بعد ذلك إلى الناس كافة ( @QUR@04 ولكن ~~رحمة من ربك ) أنزلها عليك ، بما عرفك من قصته ، في ما أنزله من آياته ( ~~@QUR@08 لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) في المجتمع الذي عشت فيه ، ~~وفي ما حوله من هؤلاء الذين ابتعدت عنهم الرسالات ، لبعد الزمن الذي انطلقت ~~فيه عنهم ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) في ما ينطلقون به من خلالها من وعي ~~وفكر وإيمان. # وهكذا تؤكد هذه الآيات في الحديث مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~ما أنزله الله عليه من قصة موسى ، هو الوحي المبين الذي لا ريب فيه ، ليكون ~~ذلك أساسا للإيمان في قومه من خلال الحق الذي يتحرك في الفكر والشعور ، لأن ~~النبي إذا لم يكن شاهدا ms4103 على ذلك التاريخ كله شهادة حضور ، فلا مجال لديه ~~للمعرفة به إلا من خلال الوحي ، لأن كثيرا من التفاصيل الموجودة فيه لم ~~تذكر في أي مصدر من المصادر الأخرى عند الناس. # وربما كانت هذه التأكيدات منطلقة من اللغط الذي كانت تثيره قريش حول ~~الرسول ، عند ما يحدثهم عن قصص موسى عليه السلام لتثير الشك فيه. # ( @QUR@08 ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) جزاء أعمالهم ~~وتمردهم PageV17P303 # على الرسول والرسالة ، ( @QUR@012 فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) فيكون ذلك حجة منهم على الله في ما ~~يتساءلون به : كيف ينزل الله عليهم العذاب على ضلالهم قبل أن يقيم عليهم ~~الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؟ ولهذا أرسل الله إليهم الرسول ليواجهوا ~~الموقف من خلال المسؤولية المباشرة للإيمان ( @QUR@05 فلما جاءهم الحق من ~~عندنا ) مما أنزله الله من آيات القرآن على رسوله ( @QUR@08 قالوا لو لا ~~أوتي مثل ما أوتي موسى ) من المعجزة الخارقة للعادة أو من التوراة ، وهذا ~~هو المنطق الذي أرادوا به من أن يهربوا من التفكير بالآيات في مضمونها ~~ووحيها الروحي والفكري ومنهجها العملي ، ليطلقوا الكلمة التي تربك الجو ~~العام للرسالة من دون أن يدركوا معناها. فإن الذين يطلبون أن يؤتى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بمثل ما أوتي موسى عليه السلام ، لا بد من أن يكونوا ~~مؤمنين بما أنزل على موسى ، ولكنهم ليسوا كذلك ( @QUR@07 أولم يكفروا بما ~~أوتي موسى من قبل ) فلم ينطلقوا في حياتهم الفكرية والعملية من موقع ~~التوراة ، لأنهم يلتزمون الشرك كمنهج للفكر وللعمل ( @QUR@03 قالوا سحران ~~تظاهرا ) سحر التوراة وسحر القرآن ليدعم بعضهما البعض ( @QUR@04 وقالوا إنا ~~بكل كافرون ) فلا نؤمن بهذا ولا بذاك. # * * * PageV17P304 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين (49) @QUR@023 فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ~~@QUR@06 ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) @QUR@08 الذين آتيناهم ~~الكتاب من قبله هم به يؤمنون ms4104 (52) @QUR@015 وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ~~إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) @QUR@012 أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) @QUR@015 ~~وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ~~لا نبتغي الجاهلين ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 وصلنا لهم القول ): بيناه آية بعد آية. # ( @QUR@01 مسلمين ): منقادين. # ( @QUR@01 ويدرؤن ): يدفعون. PageV17P305 # ( @QUR@01 اللغو ): ما لا فائدة فيه. # ( @QUR@03 لا نبتغي الجاهلين ): لا نخالطهم. # * * * ### ||| ** اتباع الهوى # لقد كانوا يتكلمون ويعارضون من موقع اللاحجة ، ولهذا كان الأسلوب الأمثل ~~في مواجهتهم هو أن يطلق التحدي في وجوههم ليقفوا في موقف الحيرة التي تمثل ~~حالة من الضعف الذي يجعلهم حائرين مذهولين ، ( @QUR@010 قل فأتوا بكتاب من ~~عند الله هو أهدى منهما أتبعه ) إن الذي يكفر بكلا الكتابين ، لا بد من أن ~~يكون منطلقا من وجهة نظر في معرفة عناصر الهدى في الفكر والمنهج والعمل ، ~~من خلال موازين الحق والباطل ، فإذا كان رفضكم لكل منهما على أساس أن أيا ~~منهما لا يمثل الحق ، فلا بد من أن يكون الحق في غيرهما ، لأن الله لا يمكن ~~أن يترك الساحة فراغا من الحق. وهنا يفرض السؤال نفسه : أين الكتاب الآخر ~~النازل من عند الله ، في ما ينزل على عباده من الحق حتى نتبعه إذا ثبت ~~لديكم أنه الأفضل والأهدى؟! ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في دعواكم ، وفي ~~منطقكم المثير ، ( @QUR@04 فإن لم يستجيبوا لك ) لأنهم لا يملكون الحجة على ~~ما أنكروه ، ولا يملكون المنطق في الاستجابة لما تطرحه عليهم ، ( @QUR@04 ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ) لأن الذي يتبع العقل لا بد من أن يتحرك في ~~منطقه ، من موازينه الدقيقة ، أما الذي يتبع الهوى ، فهو الذي يتحرك من ~~انفعالاته الذاتية الشهوانية ، وهذا الذي يضعهم في مواضع الضلال. # ( @QUR@09 ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) لأنه لا يجد قاعدة ~~يقف عليها ، ولا ملجأ يلجأ إليه ، ولا نهاية ينتهي إليها ، في نهاية الطريق ~~، بل يبقى PageV17P306 # في حالة ارتباك واضطراب ، لأن هدى الله وحده هو الذي يثبت الأقدام وهو ~~الذي يركز الخط الصحيح ms4105 في الاتجاه السليم ، وبدونه يقع الإنسان في قبضة ~~الضلال الذي يظلم به نفسه ، كما يظلم به غيره ، ( @QUR@06 إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) لأنهم أغلقوا على عقولهم أبواب الهداية ، ورفضوا الوحي ~~القادم من الله الذي يهديهم إلى سواء السبيل ، وبذلك كانوا رافضين للهدى ~~النازل عليهم من الله. # ( @QUR@04 ولقد وصلنا لهم القول ) أي أنزلنا عليهم القرآن وهو القول ~~الإلهي موصولا بعضه ببعض ، متتابعا لا انقطاع فيه ، في تواصل زمني فكري بين ~~الآية والآية ، وبين السورة والسورة ، في مضمون فكري روحي ينفذ إلى عمق ~~العقل والحس والحياة ، ويخاطب كل اهتماماتهم الفردية والاجتماعية ، في ما ~~يحبونه ويكرهونه ويحذرونه من مستوى حاضرهم ومستقبلهم ، ( @QUR@02 لعلهم ~~يتذكرون ) فلا يندفعون في عمل لا يعرفون صلاحه ، ولا ينطقون بكلمة لا ~~يعرفون صدقها ، أو ينطلقون في علاقة لا يعرفون شرعيتها على أساس من غفلتهم ~~عن ذلك كله. فإن مشكلة الانحراف الإنساني في كثير من مظاهره ، هي مشكلة ~~الغفلة التي تحجب وضوح الرؤية في كثير من الأشياء ، مما يؤدي إلى الاستغراق ~~في الشهوات والنوازع الذاتية ، من دون التفات إلى النتائج السلبية المترتبة ~~عليها على صعيد قضايا الدنيا والآخرة. # ولذلك كان الاهتمام القرآني باللمسات الروحية والفكرية التي تلامس العقل ~~والروح والشعور ، لتفتحها على الله من أوسع الآفاق. ولكن بعض الناس لا ~~يواجهون القرآن بالاهتمام الجدي ، بل يواجهونه باللامبالاة في قراءته ، وفي ~~تدبر معانيه ، وفي استلهام وحيه في قضايا الحياة كلها ، فيكفرون به ، ~~وبحقائق العقيدة والشريعة فيه ، بينما نجد بعض الناس يؤمنون به من موقع ~~الوعي المنفتح على كل كلمات الحقيقة فيه وكل كلماته حقيقة ، كما نجد ذلك في ~~بعض مؤمني أهل الكتاب الذين لم يرتبطوا بالكتاب من موقع الانتماء القائم PageV17P307 # على العصبية ، بل من موقع الإيمان القائم على الاقتناع بالمضمون الروحي ~~بالوحي النازل من الله ، وعلى الالتزام العملي به في حياتهم الخاصة والعامة ~~، مما يجعلهم ينطلقون بشخصية أخلاقية متينة لا تهتز للانفعالات الطارئة ، ~~بل تثبت للحقائق الثابتة ، فإذا رأوا داعية للحق ونذيرا بالوحي ، أقبلوا ~~عليه ، ليستمعوا إليه بكل قلوبهم ، ليعرفوا طبيعة ms4106 الصدق لديه ، ليتبعوه ، ~~وليؤمنوا به. وهذا ما يريده الله للناس كلهم في مسألة الإيمان بالرسالات ~~وبالرسل. وهذا ما أشار إليه كنموذج حي في هذه الآية ( @QUR@08 الذين ~~آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) لأنهم يعرفون صدقه من مقارنته بما ~~يعرفونه من الكتاب ، فيؤمنون به عن معرفة عميقة به. وقد يكون المقصود به ~~بعض نماذجهم ، وقد يكون المقصود به ، كل أهل الكتاب ، الذين يملكون علمه ، ~~كما ذكره بعض المفسرين ، ولكن الأقرب هو الاحتمال الأول ، لأن الواقع خلاف ~~ذلك ، باعتبار أن الكثيرين منهم قد كفروا به ، وعاندوا الرسول. # ( @QUR@010 وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ) من خلال ~~وضوحه في عقولهم ، في ما فكروا به وناقشوه مع العالمين به. ويتابعون قولهم ~~: ( @QUR@05 إنا كنا من قبله مسلمين ) لأننا نعرف حقائق الدعوة فيه ، في ما ~~نعرفه من تعاليم الأنبياء في الكتب المنزلة من قبله ، وما تتضمنه من ملامح ~~النبي القادم في آخر الزمان ، مما يجعلنا نتطلع إلى ملامحه في الواقع ، في ~~ما عرفناه منها في الكتاب. # ( @QUR@06 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) لأنهم آمنوا ، قبل أن ~~ينزل عليهم وحي القرآن ، بما أنزله الله من الكتاب على موسى عليه السلام ~~وعيسى عليه السلام ، ثم آمنوا بما أنزله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فصبروا على مشاكل التحدي أولا ، وثانيا. # ( @QUR@03 ويدرؤن بالحسنة السيئة ) فيدفعون الكلمة الخبيثة بالكلمة ~~الطيبة ، PageV17P308 # والأسلوب القاسي بالأسلوب اللين ، ويواجهون الخلق السيئ المتحرك في دائرة ~~الجهل ، بالخلق الحسن المتحرك في دائرة العلم ، لأنهم ينطلقون من منطق ~~الواقع الذي يوحي بأن الدخول في المشاحنات الكلامية ، وفي ردود الفعل ~~العملية ، على أساس العصبية والانفعال ، لا يؤدي غالبا إلى النتائج ~~الإيجابية في إيمان الكافرين وفي إقناع المتمردين وفي انفتاح المتعصبين ، ~~بل يزيد الكافر كفرا ، والمتمرد تمردا ، والمتعصب تعصبا ، ويثير المشاعر في ~~أجواء العداوة والبغضاء ، مما يمكن أن يدفعه الإنسان ، بكلمة حلوة ، ~~وابتسامة مشرقة ، وبأسلوب متوازن محبب ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) فهم ~~ينفقون مما أنعم الله عليهم ، لأن ما يملكونه هو لله تعالى ( @QUR@05 وإذا ~~سمعوا ms4107 اللغو أعرضوا عنه ) لأنه لا يحقق شيئا للكمال الإنساني في فكره وعمله ~~، بل يندفع بالكلام الباطل الذي لا جدوى منه ولا نفع فيه ، مما تعارف عليه ~~الناس في أوقات فراغهم من لغو القول ، أو في ما يثيرونه في خلافاتهم من سقط ~~الكلام من الهذر والسب والفحش وخشونة القول ، مما يدخل معه الإنسان في ~~متاهات روحية واجتماعية. ولذا يبادر هؤلاء المؤمنون ، إلى مجابهة اللاغين ~~الذين يريدون أن يجروهم إلى معركة كلامية أو إلى مشادة ذاتية ، بإغلاق ~~الملف كله ، بالإعراض عن كل ما سمعوه من اللغو الباطل. # ( @QUR@05 وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) فليتحمل كل واحد منا ~~مسئولية عمله ، وليرض بنتائجه الإيجابية والسلبية ، فلن يحاسب أحد منا على ~~عمل الآخر ، إلا إذا قصر في هدايته ، مع تمكنه من ذلك ، ولنترك الحديث ~~الدائر بيننا إذا كان يؤدي إلى مشاجرة ومباغضة ، من دون فائدة أو حاجة إليه. # * * * PageV17P309 ### ||| ** الافتراق على سلام # ( @QUR@02 سلام عليكم ) وتلك هي التحية المفتوحة على العلاقة الإنسانية ، ~~التي يبسط فيها الإنسان الأمن من جانبه للإنسان الآخر ، فيصدقه القول ، ~~بأنه سيمارس معه علاقة السلام ، فلا يعتدي عليه في أي شيء مما يحترمه الناس ~~في حياتهم الخاصة من نفس أو مال أو عرض .. ، وهذا هو أبلغ الأساليب في ~~إنهاء العلاقة ، بالافتراق على كلمة السلام التي تجعل كل واحد آمنا على ~~حياته عند ما ينفصل عن اللقاء بالآخر ، فلا يحمل هما لعدوان مقبل ، ولا ~~يفكر بنوازع البغضاء. ولذلك جعلها الإسلام ، التحية التي تبدأ العلاقة بروح ~~السلام ، وتنهي الموقف المعقد بروحيته أيضا ، ( @QUR@03 لا نبتغي الجاهلين ~~) ولا نريد أن نعقد بينهم علاقة صداقة ، أو باب معاشرة ، بل نريد أن نبتعد ~~عنهم حتى لا نستغرق في جهلهم ، فنكون مثلهم ، وذلك هو الخلق العظيم. # * * * PageV17P310 ### ||| * الآية # ( @QUR@013 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين ) (56) # * * * ### ||| ** إنك لا تهدي من أحببت # ( @QUR@05 إنك لا تهدي من أحببت ) لأن مسألة الهدى تتصل بالفكر والقلب ~~والشعور ، وليس لك سلطة على ذلك ، فأنت لا تملك منها ، إلا الكلمة التي ~~تلقيها ، والأسلوب الذي ms4108 تحركه ، والوجه الذي تطلقه بالبشر ، والجو الذي ~~تحيط به الناس الذين تريد هدايتهم بالعطف والحنان. ولكن ذلك قد يصطدم ~~بالكثير من النوازع الذاتية في ما تتحرك به الشهوات وفي ما تثيره المطامع ، ~~وبالكثير من الضغوط الخارجية ، في ما تعقده العلاقات العاطفية ، في ارتباط ~~الإنسان بأفراد المجتمع من أصدقاء ، وأقرباء ، وأصحاب مصالح ، وغير ذلك ، ~~مما يضغط على فكره وحياته ، أو في ما تثيره الأجواء المتحركة من حوله ، مما ~~ينظره ، أو يسمعه ، أو يلمسه ، أو يشمه ، أو يذوقه .. ، فيتغير تفكيره ، ~~وتتبدل قناعاته من خلال ذلك بين لحظة وأخرى ، لأن النفس الإنسانية لا تخضع ~~لترتيب هندسي في انفعالاتها أو معتقداتها ، فقد تحصل لها القناعة بالفكرة ~~من لمسة عاطفية ، بما لا تحصل مثلها من معادلة فكرية. PageV17P311 # ولهذا فقد كان أمر الهداية القلبية ، بإفاضة الإيمان على القلب ، راجعا ~~إلى الله الذي يهيمن على الإنسان بكل كيانه ويسيطر على أسباب الهداية في ~~الداخل والخارج بكل قدرته ( @QUR@05 ولكن الله يهدي من يشاء ) فلا تتعقد من ~~كفر من كفر ، وضلال من ضل ، وانحراف من انحرف ، ولا تحزن من ذلك ، ولا ~~تعتبر أن ذلك يعني فشلا في المهمة الموكولة إليك ، فقد قمت بأداء رسالتك ~~خير قيام ، ولم يكن ما حدث منهم ناشئا عن تقصير منك ، بل عن عوامل أخرى في ~~داخل التكوين الذاتي لشخصيتهم ، مما تنفعل به وتنطلق معه ، مما يعلمه الله ~~ولا تعلمه أنت ، فهو القادر على الهداية ( @QUR@03 وهو أعلم بالمهتدين ) من ~~خلال ما يطلع عليه من خفايا النفوس ، وغوامض الأسباب. # أما الحديث عن كيفية هداية الله للمهتدين الذين يشاء هدايتهم ، فهو من ~~الأحاديث التي لم تأت الآية لتثيرها ، لأن الاتجاه فيها ، هو تأكيد العمق ~~الذي تنطلق منه الهداية مما لا يملك الأنبياء والدعاة إلى الله إلا القليل ~~منه. وتبقى للآيات القرآنية الأخرى أن تتحدث عن عنصر الاختيار الإنساني ~~الذي يلتقي باللطف الإلهي الذي يفيض لطفه على الإنسان الذي يريد بالإيمان ~~ويسعى إليه ، ليكون الإيمان من الله ، في ما هو اللطف منه والأسباب من ~~تدبيره ، وليكون من الإنسان ms4109 من خلال الفكر والإرادة ، والحركة النابعة من ~~كيانه الذاتي. # وقد تحدثت بعض الروايات عن سبب نزول هذه الآية ، كما رواه في الدر ~~المنثور عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب ، أتاه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا عماه قل : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد ~~لك بها عند الله يوم القيامة ، فقال : لو لا أن تعيرني قريش يقولون : ما ~~حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عليك ، فأنزل الله عليه : ( ~~@QUR@010 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ... ) (1). PageV17P312 # وقد نلاحظ على ذلك : # أولا : لم يسند ذلك عن رسول الله ، ولا عن أحد من الصحابة الموثوقين ~~الذين عاصروا القضية المذكورة ، فلعله سمعها من شخص غير موثوق ، هذا مع ~~التحفظ الذي نسجله على شخصية أبي هريرة ، التي اختلف الرأي في توثيقها وعدم ~~توثيقها. ونحن نميل إلى الرأي السلبي ، ونحتمل أن يكون الحديث من موضوعاته ~~، لا سيما أنه يمس الإمام علي عليه السلام ، مما قد يغلب الظن فيه ، أنه كان ~~يتحرك في دائرة الصراع بين علي ومعاوية ، كما قيل : إن معاوية أراد من بعض ~~الرواية أن يضعوا أحاديث تنتقص من علي وأهل بيته. # ثانيا : إن الحديث يبعث على التساؤل ، فكلام أبي طالب يدل على أن مسألة ~~الإيمان بالوحدانية كانت واردة عنده ، من حيث المبدأ ، والحديث يوحي في أن ~~المانع منه خوف التعيير ، فكيف يخاف من ذلك ، ولا يخاف من عذاب الله ، في ~~الوقت الذي يعرف أنه صائر إليه ، وأن التعيير لا يضره شيئا؟ # ثالثا : إن دراستنا لتأريخ أبي طالب في ملامح شخصيته القوية التي كان ~~الآخرون يخافونها ويحترمونها ، تجعلنا نقتنع بأنه ليس بهذا المستوى من ضعف ~~الشخصية التي تجعله يترك إيمانه الذي يمثل عمق مصيره ، كما يمثل عمق عاطفته ~~تجاه النبي وموقع شرفه العائلي لو كان للقضية بعد ذاتي لمجرد الخوف من ~~تعيير قريش إياه بعد الموت. # رابعا : إن دراسة علاقته بحركة الإسلام في ساحة الصراع بين النبي وبين ~~قريش ، تؤكد لنا أنه كان مسلما ms4110 بدرجة عالية ، من خلال ما نستكشفه من كلامه ~~وطريقته في إدارة المسألة. # خامسا : إن أجزاء الآية التي سبقت هذه الآية ، تدل على أن القضية المثارة ~~هي قضية إيمان قومه الذين كانوا يواجهونه بالأساليب المتنوعة من PageV17P313 # خلال الكفر ، بحيث تكون جزءا من هذا الفصل من السورة ، مما تريد تأكيده ~~من حدود الدور النبوي في مسألة الإيمان ، بعيدا عما يحبه وعما لا يحبه في ~~الساحة ، والله العالم. # * * * PageV17P314 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) ~~@QUR@017 وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) @QUR@020 وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون (59) @QUR@015 وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما ~~عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) @QUR@017 أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو ~~لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) (61) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نتخطف ): من التخطف ، وهو أخذ الشيء على وجه الاستيلاء. # ( @QUR@01 بطرت ): البطر : الطغيان عند النعمة. PageV17P315 # ( @QUR@01 أمها ): المراد بأمها هنا : أكبرها أو عاصمتها. # ( @QUR@01 المحضرين ): المحشورين للحساب والجزاء عند الله. # * * * ### ||| ** قريش تبرر كفرها بالخوف على موقعها من العرب # إنهم يفكرون الآن في مواقعهم ، كموقع اقتصادي يحافظون على قوته ، وكموقع ~~سياسي يعملون على الحفاظ على سلامته ، وهذا ما يناقشه القرآن في هذا الفصل. # ( @QUR@08 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) هذه هي الحجة التي ~~خرجوا بها بعد أن أبطل القرآن في آياته ، والنبي في أحاديثه ، كل ما قدموه ~~من حجج مضادة في مسألة العقيدة ، فها هم الآن يتحدثون عن موقعهم الثابت ~~كقوة كبيرة مهيمنة على الواقع كله ، وعلى الناس كلهم ، في ما حولهم من ~~المناطق ، وفيمن حولهم من العرب ، وذلك من خلال قيادتهم لخط الشرك ، ~~وإشرافهم على القيم المنحرفة التي تتحكم بالذهنية العامة للناس بالإضافة ~~إلى الكعبة التي تكرست كموقع توحيدي ms4111 من لدن إبراهيم ، ولكنها تحولت كمركز ~~للأصنام في دائرة الجاهلية ، وذلك في مزج غامض بين الإيمان بالله الذي ~~تمثله الكعبة ، وبين الشرك به ، الذي تمثله الأصنام. وقد استطاعوا أن ~~يستفيدوا من ذلك موقعا اقتصاديا متقدما ، وموقعا ثقافيا بارزا ، فكانوا ~~سادة العرب ، وأشراف المنطقة. # إنهم حراس القيم العربية المنحرفة المتخبطة في أجواء الشرك والجاهلية ، ~~ولأن كل امتيازاتهم تقوم على هذا الدور ، فقد كانوا يراجعون حساباتهم ~~المادية قبل أن يفكروا بالدخول في الإسلام ، لأنهم بذلك سوف PageV17P316 # يفقدون كل دور مميز ، لأن الدين سيكون لله ، وستكون الحياة كلها في خدمة ~~القيم التي أوحى بها الله ، وستتحرك قيم جديدة لا مجال فيها للباحثين عن ~~ذواتهم في حركة الواقع ، لأن الذات سوف تكون في دائرة الإيمان في خدمة الله ~~والحياة لتؤكد وجودها لدى الله ، بقدر ذوبانها في خدمة عباده في ساحة ~~رسالاته. # ولكنهم كانوا يريدون التعبير عما في داخلهم بطريقة أخرى ، فهم يحتجون ~~بالخوف من التشريد والابتعاد عن أرضهم عند ما يهجم عليهم الناس انتقاما ~~منهم ، لأنهم تركوا الشرك واتبعوا التوحيد وتحولوا من دائرة الضلال إلى ~~رحاب الهدى. # ( @QUR@08 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) فلا يبقى منا أحد ~~فيها ، ولا يبقى لنا شيء منها ، عند ما تهجم علينا العرب من كل جانب ~~فتقتلنا وتنهب أموالنا ، لأننا سوف نواجههم معك عند ما تنشب الحرب بينك ~~وبينهم ، فنكون في موقع الضعف ، ويكونون في موقع القوة. وهذا ما يمنعنا من ~~الدخول في دينك ، لأننا لا نتحمل النتائج الصعبة المترتبة على ذلك ، ولكن ، ~~هل هم جادون في ذلك؟ وهل أن العرب ستقف هذا الموقف لو دخلت قريش في ~~الإسلام؟ أو أن المسألة ستتطور لمصلحة الإسلام ، باعتبار التأثير الكبير ~~لقريش على القرار العربي آنذاك لما تمثله من موقع متقدم في مصالح الناس هناك؟ # إن منطقهم هو منطق التهرب من المسؤولية ، لأنهم يعرفون أنهم يملكون أكثر ~~من موقع قوة في المنطقة المحيطة بهم ، وأن العرب سوف تدخل في الإسلام إذا ~~سارت قريش معه. فإن أكثر الحروب التي خاضها النبي ms4112 صلى الله عليه وآله وسلم كانت ~~بتدبير قريش وتآمرها على الإسلام والمسلمين ، وإذا كان النبي قد انتصر على ~~العرب بدون قريش ، فكيف إذا كانت معه؟! # * * * PageV17P317 ### ||| ** القرآن يرد عليهم بمنطق الإيمان والواقع # ولكن الله يرد عليهم بطريقة أخرى ، ليوجه تفكيرهم إلى جانب الثقة به ، ~~فهو الذي أعطاهم من فضله الكثير ، وسهل لهم العسير من أمورهم ، وهو القادر ~~على حمايتهم كما هو القادر على حماية دينه ، فلا بد لهم من أن يتجهوا في ~~اتجاه الثقة به في تركيز مستقبلهم على أساس قوي ، فهو الأساس للقوة والأمن ~~والثروة والجاه الكبير. # وإذا كان الإيمان هو الحقيقة الأصلية ، كما يعترفون به بمنطقهم التبريري ~~، فما قيمة الدنيا أمام عمق الحركة الإيمانية التي تربطهم بالله من أقوى ~~المواقع وأوسع الأبواب؟ ففيه الخير كل الخير ، والطمأنينة كل الطمأنينة ، ~~والحياة كل الحياة ، فأين يذهبون بعيدا عنه ، وكيف يهربون منه إلى من دونه؟ # ( @QUR@05 أولم نمكن لهم حرما آمنا ) فمن الذي جعل لهم هذا البلد الحرام ~~الذي يشعر أهله بالأمن من خلال احترام الناس لهم ، في ما تعبدهم به من الحج ~~إلى بيته المحرم ، فهل حققوا لأنفسهم ذلك الموقع ، ولبلدهم ذلك المستوى ، ~~أو أن الله هو الذي حقق لهم ذلك؟ فكيف يخافون الضياع إذا ساروا مع الله؟ ( ~~@QUR@05 يجبى إليه ثمرات كل شيء ) مما يجلبه الناس من أرزاقهم وأرباحهم ~~وزروعهم وصناعاتهم ، ( @QUR@03 رزقا من لدنا ) مما سهل الله لهم أمره ، ~~ويسر لهم مصادره وموارده ، فهو الرزاق لعباده ، بأسبابه ، وهو اللطيف بهم ~~في رحمته ، ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ولا يلتفتون إلى عمق التدبير ~~الإلهي في امتداد حياة الإنسان ، فيحسبون أن الأسباب الظاهرة المتحركة في ~~سطح الواقع هي كل شيء ، ويشتبه عليهم الأمر في ما يألفونه من ذلك ، فيخيل ~~إليهم أن الشرك PageV17P318 # وعبادة الأصنام هما السبب في النعم التي يتقلبون فيها ، ويخافون أن تزول ~~عنهم عند ما يتحولون إلى عبادة الله وحده ، انطلاقا من الجهل الكامن في ~~شخصيتهم على أساس التخلف الروحي والعقلي الذي يطبق عليهم من كل جانب. # ( @QUR@06 وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ms4113 ) فاتخذت الترف قيمة اجتماعية ~~، يتفاضل الناس بها ، وتحركت في ألوان البطر كأسلوب من أساليب انتفاخ ~~الشخصية بين أفرادها ، وامتد الأمر بهم حتى خيل إليهم أن الحياة قد استسلمت ~~لهم بكل لذائذها وشهواتها ، وأنها باقية لهم في ما يستقبلونه من الزمن في ~~رحاب الخلود ، في غفلة من وعي القلب والفكر لحقائق الحياة والإيمان ، فما ~~ذا حدث لهم؟ # ( @QUR@08 فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) فقد تركوها جميعا ، ~~وسيطر عليها الخراب والدمار ، ولم تتماسك من بعدهم إلا زمانا قليلا ، ثم ~~تساقطت على عروشها ، وأحاط بها الموت من كل مكان. # ( @QUR@03 وكنا نحن الوارثين ) الذين نرث الأرض وما عليها ، لأننا ~~المالكون للحياة ولمن يتحرك فيها ، وكل الخلق مملوكون لنا ، ونحن الباقون ، ~~والآخرون من عبادنا يسقطون تباعا في امتداد الموت في أجسادهم ومساكنهم ، ~~وكل ما يتعلق بعلاقتهم في الدنيا ، ونحن الذين نرث الكون كله ، فلا يبقى ~~إلا الله. وإذا كانت القضية هي هذه النهاية ، فما هي القيمة في كل هذا ~~البطر الذي تتقلبون فيه ، وهذه النعم المادية التي تستغرقون في لذائذها ~~وشهواتها؟ وما هو جانب الخلود فيها؟ فإذا لم تبق القرى التي طغت في معيشتها ~~في أجواء البطر ، فهل يبقى لكم ما أنتم فيه ، وهل تبقون أنتم في ما تتمنون ~~من الخلود؟ فكيف تفضلون القيمة الفانية ، التي هي المادة ، على القيمة ~~الباقية التي هي رسالة الإيمان؟ # * * * PageV17P319 ### ||| ** إهلاك القرى بعد إقامة الحجة عليها # ( @QUR@013 وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم ~~آياتنا ) أي حتى يقيم عليها الحجة بإرسال الرسول في عاصمة القرى التي يرجع ~~الناس إليها في أمورهم ، وينطلقون منها في انتماءاتهم العقيدية ، وخطوطهم ~~العملية ، باعتبارها ملتقى الأفكار ، وقاعدة القيادات ، وبهذا كانت الدعوة ~~التي يقوم بها الرسول ، منطلق تأمل وحركة حوار ، وقاعدة حجة ، حتى لا يبقى ~~لأحد عذر في كفر أو ضلال. # ( @QUR@07 وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) بما يأخذون من أسباب ~~الكفر ويتحركون من أوضاع الضلال ، فيظلمون أنفسهم لما يعرضونها له من ~~الانحراف عن خط الاستقامة ومن العذاب في ms4114 يوم القيامة ، فتكون الحجة من الله ~~عليهم ، ولا تكون لهم حجة على الله. ( @QUR@08 وما أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا وزينتها ) فهي مجرد حاجة طارئة تعيش مع الناس برهة من الزمن ~~، في ما يستمتعون به منها من شهوات ، وما يتزينون به من زينة ، ثم تتبخر ~~الشهوات مع الموت ، فتموت ، وتزول الزينة ، مع كل غبار العمر ورياح الفناء. ~~( @QUR@05 وما عند الله خير وأبقى ) لأنه النعيم الخالد في جنة الرضوان وفي ~~رحمة الله ورضوانه ، فليس هناك موت يفني النعمة ، وليست هناك طوارئ تزيل ~~الزينة وتفسدها ، ( @QUR@02 أفلا تعقلون ) لتفكروا كيف تختارون مواقعكم في ~~ما تختارونه من مواقفكم ، وكيف تميزون بين ما تبقى تبعته وتزول لذته ، وبين ~~ما يفنى تعبه وعناؤه ويبقى أجره وثوابه؟! وليست المسألة هي أن تتركوا طيبات ~~الحياة ، كأساس للقرب عند الله ، ولكن المسألة هي أن لا تتركوا الإيمان في ~~فكره وحركته ، لتأخذوا PageV17P320 # بالشهوات وتفضلوها عليه على أساس النظرة الحسية التي ترتبط بالأشياء بشكل ~~مباشر من خلال السطح ، بدلا من النظرة المعنوية الرسالية التي تنفذ إلى عمق ~~الأمور ، فتنفتح على الخير كله في رحاب الله. # ( @QUR@06 أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ) في ما أردناه منه من ~~الإيمان والعمل الصالح والالتزام بالرسالة والرسول ، ليحصل على الجنة ~~والرضوان في ما يلتقيه في يوم القيامة ، ( @QUR@05 كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا ) فذاق من لذائذها وشهواتها ، واستمتع بزينتها وزخارفها ، وأخلد إلى ~~الأرض ، واتبع هواه ، وترك الإيمان وخط التقوى ، ( @QUR@06 ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين ) الذين يقفون بين يدي الله ليحاسبهم على مواقفهم في ~~الكفر والعصيان ، فلا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ، فكيف يفكر ~~هؤلاء الكافرون؟ وكيف يفضلون النتائج الزائلة على النتائج الدائمة؟! # * * * PageV17P321 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) ~~@QUR@018 قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما ~~غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) @QUR@013 وقيل ادعوا شركاءكم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 حق عليهم ): وجب عليهم. # ( @QUR@01 القول ): المراد بالقول هنا : العذاب. ms4115 # ( @QUR@01 أغوينا ): الغواية : الضلال. # * * * PageV17P322 ### ||| ** الشركاء المزعومون يتنحون عن تحمل المسؤولية # ( @QUR@02 ويوم يناديهم ) في موقف القيامة التي يقوم فيها الناس لرب ~~العالمين ، ليواجهوا السؤال الحاسم ، عما كفروا وأشركوا وانحرفوا في الخط ~~العملي ، ليدافعوا عن موقفهم إن كان لهم دفاع ، وليرجعوا بالخزي والعار إن ~~لم يكن لهم شيء منه. ويتوجه الله بالسؤال إلى المشركين الذين كانوا يعبدون ~~غيره ، فيشركونه بالعبادة ( @QUR@06 فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) ~~أين قوتهم التي تدعونها لهم؟ كيف ترونهم الآن؟ وكيف تواجهون المسألة؟ # ( @QUR@05 قال الذين حق عليهم القول ) من الذين كانوا يضعون أنفسهم في ~~مصاف الآلهة أو من الذين كانوا يضعون أنفسهم في هذا المستوى ، فها هم ~~واقفون الآن والناس يشيرون بأيديهم إليهم ويتعرفون عليهم ، ويحملونهم ~~المسؤولية في ضلالهم أمام الله ، بعد أن تبرأوا من المسؤولية عنهم ، إنهم ~~يواجهون الله ، ليتبرأوا من المسؤولية الإضلال بعد إقرارهم بمسؤولية ~~الضلال. # ( @QUR@07 ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ) فقد كانت ~~غوايتهم بإغوائنا لأننا كنا غاوين ، فكما غوينا بإرادتنا واختيارنا من دون ~~أن يكون هناك ضغط علينا في ذلك ، بل هو من خلال استسلامنا للإغراء وللتزين ~~وللانحراف ، فإنهم غووا بإرادتهم واختيارهم ، فقد استمعوا إلينا واستسلموا ~~لمنطقنا ولم يرجعوا إلى عقولهم ، وإلى ما أنزلته عليهم من وحي ، وما أرسلته ~~إليهم من رسول ، فلا تحملنا مسئوليتهم فيكفينا ما نحمله من مسئولية أنفسنا. ~~( @QUR@02 تبرأنا إليك ) منهم في كل ما اعتقدوه وما عملوه ( @QUR@04 ما ~~كانوا إيانا يعبدون ) فلا علاقة لنا بهم من قريب أو من بعيد ، بل كانوا ~~يعبدون ما نسجته أوهامهم من آلهة وأوثان. # ( @QUR@03 وقيل ادعوا شركاءكم ) لينصروكم ويخلصوكم من عذاب جهنم ( ~~@QUR@01 فدعوهم PageV17P323 # @QUR@03 فلم يستجيبوا لهم ) فأدركوا أنهم كانوا مخدوعين في تفكيرهم ، ~~ضالين في عبادتهم ، فهؤلاء الذين كانوا يعبدونهم من دون الله في ما ~~يتخيلونه لهم من القوة ، لا يملكون شيئا لأنفسهم ، فكيف يملكونه لغيرهم ، ( ~~@QUR@06 ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ) في ما عرفوه من تاريخهم في ~~الدنيا ، ومن هذا النداء المحرج المتحدي في هذا اليوم ، ومن المنظر الهائل ~~الذي يشاهدونه أمام أعينهم الآن ... وطافت في ms4116 أذهانهم أمنية ، لو أنهم ~~كانوا يهتدون ليجتنبوا هذا الموقف الصعب ، ولكن كيف يمكن أن يبلغوها في هذا ~~الموقع الذي لا مجال فيه لأي تغيير أو تبديل. # * * * PageV17P324 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 ويوم يناديهم فيقول ما ذا أجبتم المرسلين (65) @QUR@07 فعميت ~~عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) @QUR@011 فأما من تاب وآمن وعمل ~~صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) @QUR@014 وربك يخلق ما يشاء ويختار ما ~~كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) @QUR@07 وربك يعلم ما ~~تكن صدورهم وما يعلنون (69) @QUR@015 وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) (70) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فعميت ): خفيت. # ( @QUR@01 الأنباء ): المراد بالأنباء : الأجوبة والأعذار. # ( @QUR@01 الخيرة ): الاختيار. # * * * PageV17P325 ### ||| ** الرجوع إلى الله # ( @QUR@02 ويوم يناديهم ) بالنداء الثاني الذي يؤكد لهم قيام الحجة عليهم ~~، إلا أنهم لا يستجيبون لها تمردا ، ( @QUR@05 فيقول ما ذا أجبتم المرسلين ~~) هل استمعتم إليهم؟! وهل دخلتم معهم في حوار؟! كيف كان ردكم عليهم؟! هل ~~كان إيجابا بالاستجابة لدعوة الإيمان بالله ، أو كان سلبا بالرفض لها؟! ولم ~~يكن السؤال استفهاما ، لأن الله يعلم كل شيء ، بل كان تأنيبا وتوبيخا ، ~~ولكنهم لا يجيبون ، لأنهم لا يدرون ماذا يقولون أمام الحق الذي يفضح واقعهم ~~المرير. # ( @QUR@04 فعميت عليهم الأنباء يومئذ ) فلا يبصرون في وجدانهم شيئا منها ~~، كما لو كان إحساسهم قد أصيب بالعمى ، وذلك من خلال الصدمة القاسية التي ~~واجهوها ، إذ لم يكونوا مترقبين لها في أية عملية حسابية ، فأغلقت عليهم ~~جميع الطرق وتقطعت بهم الأسباب ، ولذلك فهم لا يجيبون عن السؤال ولا يملكون ~~القدرة على التساؤل ليأخذ أحدهم بعض المعرفة من الآخر ليعتذر عما فعل ، ( ~~@QUR@03 فهم لا يتساءلون ) ولا يملكون السؤال ولا الجواب في أي شيء مما ~~يخطر في الذهن ، أو يوجه من الآخرين ، وذلك هو شأن المشركين في هذا الجو ~~القلق الخائف المترقب الذي لا يهتدي إلى أي شيء ( @QUR@06 فأما من تاب وآمن ~~وعمل صالحا ) أما المؤمنون الملتزمون الواعون ، فلهم شأن آخر ، وموقع آخر ، ~~( @QUR@05 فعسى أن يكون من المفلحين ) من هؤلاء الذين تراجعوا عن الكفر ~~بالتوبة والعودة إلى الإسلام والالتزام ms4117 بشرائعه في عملهم الصالح في خط ~~الخير والصلاح. # * * * PageV17P326 ### ||| ** وربك يخلق ما يشاء ويختار # ( @QUR@05 وربك يخلق ما يشاء ويختار ) فهو الخالق الذي يملك أمر الخلق ~~وخصوصياته ، في ملامحه الذاتية ، وفي حركته العملية ، وفي كل ما يحيط به من ~~أجواء ، وما يتخذه من أوضاع ، وهو الذي يقدر الأمر كله في كل ما يتعلق ~~بالناس. وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي لا بد لهم من إدراكها في موقعهم من ~~الله ، فهم مشدودون في وجودهم إلى إرادته ، كما هم مشدودون إليه ومرتبطون ~~به في تفاصيل الوجود وامتداده ( @QUR@04 ما كان لهم الخيرة ) لأنهم لا ~~يملكون من أمرهم شيئا فلا بد لهم من الانقياد إليه ، والاتكال عليه ، ~~وتحريك إرادتهم في خط إرادته ، لأنهم لا يملكون حرية التصرف بعيدا عن دائرة ~~التشريع الإلهي ، في ما كلفهم به ، كما لا يملكون القدرة على التحرك بعيدا ~~عن دائرة الإرادة الإلهية في حركة التكوين ، لينسجم الإنسان في ما يعتمد ~~عليه نظام حياته العملي مع ما يعتمد عليه في وجوده الواقعي. # ولعل الغفلة عن هذه الحقيقة الإيمانية في موقع الإنسان من ربه ، الذي ~~يحدد موقفه منه ، هي التي تدفعه إلى الانحراف ، وتقوده إلى التمرد على الله ~~سبحانه ، والبعد عن طاعته والتحرك في دوائر الشرك من خلال ما يشاهدونه من ~~عظمة غيره ، أو مما يتخيلونه له ، وما يغفلون عنه من عظمة الله المطلقة ~~التي تستمد الأشياء عظمتها منه ، ( @QUR@05 سبحان الله وتعالى عما يشركون ) ~~فلا عظمة لأحد أمام عظمته ، ولا قيمة له أمام قدرته ، ( @QUR@07 وربك يعلم ~~ما تكن صدورهم وما يعلنون ) فهو العالم بما يخفونه من أسرار وأفكار وما ~~يعلنونه منها ، فهم مكشوفون أمامه بكل شيء ، فلا يخفى عنه شيء من أمورهم ~~السرية والعلنية ، مما يوحي لهم بأن تكون أسرارهم في رضاه ، كما تكون ~~علانيتهم في رضاه ، لأنه المطلع على هذا وذاك. وإذا كان الله يعلم سرهم ~~وعلانيتهم ، كان هو PageV17P327 # الذي يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم ، فكيف يبتعدون عن أوامره ونواهيه؟ # ( @QUR@06 وهو الله لا إله إلا هو ) فكل من عداه مألوه له ، لأنه مخلوق ms4118 ~~له ، فكيف يكون شريكا له ، وهو الذي يجب أن يعبد دون سواه لأنه وحده ~~المستحق للعبادة ( @QUR@05 له الحمد في الأولى والآخرة ) ولا حمد لغيره ، ~~فكل حمد يرجع إليه ، لأنه السبب لكل ما يحمد الخلق عليه ، فهو المنعم عليهم ~~، بما يحمدهم الناس عليه في الدنيا وفي الآخرة ، لأنه وحده المهيمن على ~~الأمر كله في عقابه وثوابه ، ورحمته ورضوانه. # ( @QUR@02 وله الحكم ) وله الأمر لأنه المالك لكل شيء ، ولا يملك غيره ~~شيئا إلا ما ملكه إياه ، وإذا كان هو المالك للوجود كله ، فلا بد من أن ~~يكون هو المدبر له والحاكم فيه والآمر في حركته ، في ما يتحرك به عباده في ~~خط طاعته. # ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) ليحاسبكم على أعمالكم من خير أو شر ، فكيف ~~تتصرفون أمام هذه الحقيقة الإيمانية ، في ما تأخذون به ، أو تدعونه من أمور ~~الحياة الصغيرة والكبيرة؟! # * * * PageV17P328 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) @QUR@021 قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) @QUR@013 ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) @QUR@08 ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) @QUR@017 ونزعنا من كل أمة شهيدا ~~فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (75) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سرمدا ): بمعنى الدائم ، وقيل : هو من السرد والميم زائدة ، ~~ومعناه المتتابع المطرد. # ( @QUR@01 ونزعنا ): أخرجنا. # * * * PageV17P329 ### ||| ** الله هو الحق # ( @QUR@011 قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ) ~~في خط الزمن ، فلا لون له إلا هذا السواد المطبق الذي لا ينفذ منه النور ، ~~فهو الحالة الدائمة في كل أجواء الحياة ( @QUR@06 من إله غير الله يأتيكم ~~بضياء ) يتدفق في الكون فيعطي الزمن لون الضياء وإشراقة النهار ، ويتحرك ~~الإنسان معه ليجد كل ما حوله مضيئا ، يسهل له أمر معاشه ، ويفتح له أكثر من ~~نافذة على أكثر من موقع من مواقع حاجاته العامة والخاصة في الحياة ms4119 ، فهل ~~هناك قوة غير الله ، تملك أمره ، في ما تتصورونه ممن يملك القدرة فيمن ~~حولكم ، ( @QUR@02 أفلا تسمعون ) كلمة الحق التي تعبر عن الحقيقة الإيمانية ~~في وحدانية القدرة المطلقة المهيمنة على الكون كله لله سبحانه ، وحده؟! # ( @QUR@011 قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ) ~~في حركة النور في الزمن ، بحيث كان يفتجر في كل زاوية من زوايا الكون ، ~~ويخترق العيون بقوة شعاعه ، فلا تستطيع أن تنغلق على النوم في حالات ~~الإعياء ، ( @QUR@08 من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ) لترتاحوا ~~فيه من عناء التعب في إغماضة الجفون ، وسكون الجسد ، بما يمنحكم إياه ~~الظلام من استرخاء وهدوء ، ( @QUR@02 أفلا تبصرون ) كيف تتحرك الظاهرة ~~الكونية الإلهية من خلال قدرة الله في خلقه التي تدل على تفرده في كل شيء؟! # ( @QUR@011 ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله ) في تنظيمه الزمني الذي ينسجم مع مصلحة الناس في ما يحتاجون إليه من ~~الراحة والطمأنينة ، ومن السعي في سبيل تحصيل الرزق ، كمظهر من مظاهر رحمته ~~، بما يرحم الله به عباده ، وما يفيض عليهم من نعمه ( @QUR@02 ولعلكم ~~تشكرون ). # ( @QUR@08 ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) في نداء توبيخ PageV17P330 # وتأنيب وتعرية للموقف المنحرف الذي لم ينطلقوا فيه من حجة ، ولم يركنوا ~~فيه إلى أساس ، لتكون الحجة عليهم لله في موقف الحساب ، لأنهم لا يجدون ما ~~يجيبون به دفاعا عن موقفهم الضعيف ( @QUR@05 ونزعنا من كل أمة شهيدا ) عاش ~~أجواء الأمة ، وعرف تجربتها ، واطلع على أفكارها وانتماءاتها وسرها ~~وعلانيتها ، مما يجعله قادرا على تقييم ذلك في نفسه وتفصيله في شهادته. ~~وليست الشهادة لزيادة المعرفة ، ولكشف الواقع ، بل هي لتأكيد الموقف الحق ~~في وعي المبطلين ، وإعلانه على رؤوس الأشهاد ، لإظهار الحجة في موقف الحساب ~~، ليعلموا جميعا عدالة الله في عقاب الكافرين والضالين ، ( @QUR@03 فقلنا ~~هاتوا برهانكم ) على ما اعتقدتم وأعلنتم من الشرك ، ماذا يملك هؤلاء من ~~خصائص الألوهية ، وما الذي يؤكد على صحة الدعوى؟! فإن الحقيقة تتبع البرهان ~~القوي الذي يثبت محتواه باليقين القاطع ، ولكنهم لا ms4120 يجدون جوابا ، لأن كل ~~الحجج الواهية التي كانوا يخدعون بها البسطاء ، ويوهمون بها أنفسهم ، قد ~~تساقطت أمام النور الواضح الذي تشرق من خلاله حقيقة الوحدانية. # ( @QUR@04 فعلموا أن الحق لله ) في ما جاءت به رسله ، ونزلت به كتبه ، ~~وأن ما يزعمونه الباطل ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا يفترون ) فقد تبخر كل ~~شيء في الفراغ أمام حقائق التوحيد التي تصدم كل أضاليل الباطل ، فلا يبقى ~~منه شيء. # وقد يثير البعض سؤالا ، وهو أن وحدانية الله لا تحتاج إلى دليل في يوم ~~القيامة ، لأن الوضوح الذي يهيمن على الموقف كله لا يترك مجالا لأية شبهة ~~من أي نوع كان ، فكيف يطلب البرهان على شركهم ، لتكون النتيجة بعد ذلك ~~الوصول إلى حالة العلم ، بأن الله هو الحق؟ # والجواب عن ذلك ، أن التعبير هنا وارد على سبيل تصوير طبيعة المسألة PageV17P331 # من خلال توفر العناصر اليقينية في تأكيد الحقيقة ، في انطلاقهم من حالة ~~غير برهانية ، أما التعبير بكلمة ( @QUR@04 فعلموا أن الحق لله ) فالظاهر ~~أن المراد بها ، ظهور هذه المسألة في ذلك الموقف ، وكثيرا ما يعبر في ~~القرآن عن ظهور ما يعلمه الله بحصول العلم فيه من جهة إرادة ظهوره ، والله ~~العالم. # * * * PageV17P332 ### ||| * الآيات # ( @QUR@029 إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين (76) @QUR@026 وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين (77) @QUR@028 قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد ~~أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم ~~المجرمون ) (78) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فبغى ): طلب العتو بغير حق. # ( @QUR@01 مفاتحه ): والمفاتح جمع مفتح ، والمفاتيح جمع مفتاح ، ~~ومعناهما واحد ، وهو عبارة عما يفتح به الأغلاق. # ( @QUR@01 لتنوأ ): تثقل ، وناء بحمله ينوء نوءا : إذا نهض به مع ثقله عليه. # ( @QUR@01 بالعصبة ): الجماعة يتعصب بعضهم لبعض. أو حسب المجمع ms4121 : PageV17P333 # الملتف بعضها ببعضها (1). # * * * ### ||| ** قصة قارون # وهذه شخصية من شخصيات التاريخ القرآني ، تتميز بالغرور الذاتي ، الناشئ ~~من الإمكانات المالية الهائلة ، التي تمكنها من الارتفاع الطبقي على أفراد ~~مجتمعها ، والحصول على الامتيازات الاجتماعية من خلال ذلك ، والتحرك معها ~~على أساس الزهو الاستعراضي الذي يراد منه الإيحاء بالعظمة الكبيرة التي ~~يصغر أمامها الآخرون من الفئات الاجتماعية الفقيرة ، بحيث تسقط معنوياتهم ، ~~وتسحق إرادتهم وتزرع في داخلهم القيم المادية التي ترى في المال القيمة ~~الكبرى التي لا ترقى إليها قيمة في الحياة ، ويؤدي ذلك إلى سيطرة أصحاب ~~الأموال على المجتمع. # وقد جاء هذا الفصل ليصور للناس بعض ملامح هذه الشخصية المالية المغرورة ~~ومفاهيمها في الحياة ، ونظرة الناس إليها ، والخط القرآني الإيماني في ~~وظيفة المال ودوره في حياة الإنسان المؤمن. # * * * ### ||| ** قارون الباغي على قومه # ( @QUR@06 إن قارون كان من قوم موسى ) الذين حمل موسى رسالة تحريرهم من ~~سيطرة فرعون ليتحرروا من الخضوع للنهج الفرعوني في العقيدة والسلوك ، PageV17P334 # لأن حرية الإنسان في أفكاره تنطلق من حرية مواقعه في حركة السلطة غالبا. ~~وكان من المفروض ، أن يكون قارون مخلصا لحرية قومه ولحركة الإيمان الجديدة ~~في حياتهم ، ولكنه لم يكن بالمستوى الأخلاقي الذي يحميه من غرور المال ~~وزهوه ، فترفع بنفسه عن قومه ( @QUR@02 فبغى عليهم ) وتكبر ، وحاول أن يربك ~~حياتهم ، ويفسد قيمهم ، مستغلا قوته المالية التي تتيح له الحصول على مواقع ~~القوة والنفوذ في المجتمع. وقد كان حجم ماله كبيرا جدا ، مما سهل له الحصول ~~على ما يريد من ذلك ، ( @QUR@03 وآتيناه من الكنوز ) التي يخزن فيها أمواله ~~، ( @QUR@07 ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة ) فإذا كانت مفاتيح ~~بيوت المال تثقل الجماعة الملتف بعضها ببعض ، بحيث تزيد على العشرة ، فكيف ~~يكون حجم ما يملكه من مال في ما يمثله ذلك من كثرة هذه البيوت؟! # * * * ### ||| ** قوم قارون يقدمون له النصيحة # ( @QUR@011 إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) والظاهر أن ~~المراد بالفرح ، ليس الحالة النفسية الهادئة من السرور الطبيعي الذي يحصل ~~للإنسان عند أية حالة من حالات الانسجام مع ما ms4122 حوله أو مع من حوله ، لأن ~~هذا ليس أمرا سيئا ، من خلال القيمة الإنسانية للمشاعر الخاصة ، بل المراد ~~به البطر الذي يمثل شدة الفرح في ما يصل به الشعور إلى مستوى الإفراط في ~~الانفعال والتعلق بمتاع الحياة الدنيا ، بحيث يتحول إلى هزة ذاتية في ~~تعبيراتها الكلامية والسلوكية وفي انتفاخ الشخصية بشكل غير طبيعي. وهذا ~~المعنى هو ما نستوحيه من قوله تعالى في آية أخرى : ( @QUR@010 ولا تفرحوا ~~بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) [الحديد : 23] فإن الظاهر إرادة ~~الحالة الانفعالية من السرور PageV17P335 # الداخلي الذي يتحول إلى أجواء الخيلاء والفخر. # وهذا ما يبغضه الله في الإنسان ، الذي يريد له أن يكون متوازنا في ~~انفعالاته ، متواضعا في علاقاته ، هادئا في تأثره بالأشياء المحيطة به مما ~~يفرح أو يحزن ، فإذا كان متكبرا مختالا متعاليا على الناس ، كان عبئا على ~~الناس من حوله بما يثيره من انفعالات مضادة لحريتهم وكرامتهم وإنسانيتهم ~~... وهكذا كان يريده العقلاء من قومه الذين عرفوا القيم من قاعدة الإيمان ، ~~ولم يعرفوها من منطق الحجم المادي للأشياء ، فقد عايشوه في بداية أمره ~~وأرادوه أن يبقى معهم كما كان إنسانا ينفعل بالإيمان ، أكثر مما ينفعل ~~بالمال. # * * * ### ||| ** الفرق بين العمل الدنيوي والأخروي في الإسلام # ( @QUR@06 وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) فهي الغاية لكل ما وهبه ~~الله للإنسان في الدنيا ، فليس المقياس في أخروية العمل طبيعته الذاتية ، ~~بل هو عنوانه وعمقه وهدفه ، فإن كان رضى الله هو العنوان الذي يأخذ منه ~~العمل عنوانه وكانت الدار الآخرة في قيمها الروحية هي الهدف منه ، بحيث كان ~~الأساس هو الحصول على الموقع المميز والدرجة الرفيعة هناك مما يلتقي مع ~~القيم الكبيرة المعنوية التي تحقق مصلحة الإنسان في الحياة ، إذا كانت ~~القضية هي هذه ، فإن العمل يكون أخرويا حتى لو كانت صورته مادية دنيوية. # أما إذا كان الأساس في العمل ، هو الاستغراق في خصوصيات الدنيا ، في ~~شهواتها ولذائذها ، وأنانيتها وامتيازاتها ، مما يتسابق الناس إليه ، كقيم ~~الذات الضيقة وحاجاتها المحدودة مما لا ينفذ إلى أبعد من حدود الدنيا ، ولا ms4123 ~~يحمل في داخله هما أخرويا وبعدا روحيا ، فهذا هو العمل الدنيوي حتى لو PageV17P336 # كانت صورته روحية أخروية ، كبعض أعمال الخير التي يراد منها اكتساب عرض ~~زائل لا الحصول على رضى الله ، وكما في الصلاة ، المتحركة في أجواء الرياء. # وعلى ضوء هذا ، نعرف أن المسألة لا تتغير في صورة العمل وارتباطه بالحياة ~~من خلال مقياس العمل الدنيوي والأخروي ، بل في غاية العمل وروحيته ، عبر ~~الخط الفاصل بين ما يبقى أثره في الدنيا ، وبين ما تتحرك إيجابياته في ~~الآخرة ، وهكذا أراد قوم قارون منه ، أن يحرك ما له في اتجاه الحصول على ~~رضى الله الذي يمنحه معنى الخير ويؤدي به إلى الحصول على خير الآخرة ، ولم ~~يريدوا منه أن يترك ما آتاه الله من مال ، أو يخرج منه ، لأن ذلك ليس هو ~~المطلوب من الله. # ( @QUR@05 ولا تنس نصيبك من الدنيا ) فمن حقك أن تستعمل مالك في حاجاتك ~~الخاصة وشهواتك ولذاتك الذاتية ، فليس معنى ابتغاء الدار الآخرة في مالك أن ~~تنسى حقوق نفسك ، كإنسان يريد أن يعيش في الدنيا ويستمتع بطيباتها ، لأن ~~طبيعة مادية جسدك أن تحصل له على ما يحفظ له حياته ويحقق له راحته. وبذلك ~~يقف التوجيه الإسلامي في خط التوازن في حركة الممارسة الاقتصادية ، بين ~~الجانب المادي الذي يمثل حاجة الإنسان كجسد ، للاكتفاء الذاتي من متع ~~الحياة ، وبين الجانب الروحي الذي يمثل حاجة الإنسان ، كروح ترغب في الحصول ~~على الاستقرار في الدار الآخرة ونعيمها في رضى الله. وقيل : إن «معناه لا ~~تنس أن نصيبك من الدنيا وقد أقبلت عليك شيء قليل مما أوتيت وهو ما تأكله ~~وتشربه وتلبسه مثلا ، والباقي فضل ستتركه لغيرك فخذ منها ما يكفيك» (1) ~~ولكن هذا مع وجود بعض ملامح التفسير السابق فيه بعيد عن مساق الآية ، لأنها ~~لم تتحدث عن قيمة نصيبه ، بل عن طبيعة ما PageV17P337 # يرخصه الله له من نصيبه في الدنيا. # وقيل كما في تفسير الميزان «أي لا تترك ما قسم الله لك ورزقك من الدنيا ~~ترك المنسي ، واعمل فيه لآخرتك لأن حقيقة نصيب ms4124 الإنسان من الدنيا هو ما ~~يعمل به لآخرته ، فهو الذي يبقى له» (1). وهو خلاف الظاهر إلا أن يكون ~~راجعا إلى ما ذكرناه. # ( @QUR@05 وأحسن كما أحسن الله إليك ) فقد أعطاك الله من نعمه الكثير ، ~~من دون عوض إحسانا إليك ، فأعط الناس من ذلك ، على أساس الإحسان ، تأدبا ~~بأخلاق الله وشكر النعمة. # * * * ### ||| ** لا تبغ الفساد في الأرض # ( @QUR@05 ولا تبغ الفساد في الأرض ) ولا تستخدم مالك وما آتاك الله من ~~جاه وغيره في إفساد البلاد والعباد ، وتوجيه الحياة في حركتها في النمو ~~والامتداد نحو الفساد ، لتكون أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ~~قائمة على القوانين الفاسدة ، والعلاقات الجائرة والأوضاع المنحرفة مما ~~اعتادته القوى الكافرة والمستكبرة من استغلال مواقع نفوذها المالي والسياسي ~~والاجتماعي ، في إفساد الواقع ، وتهديم قوى الخير والصلاح ، وإثارتها الفتن ~~والحروب المدمرة ، والاهتزاز الروحي في تحريك السلبيات في حياة الناس ( ~~@QUR@05 إن الله لا يحب المفسدين ) لأن الله أقام الكون على الحق والتوازن ~~والخير والصلاح في حركة التكوين والتشريع ، ويريد لخلقه أن يتمثلوا ذلك في ~~وجودهم ، وبناء PageV17P338 # شخصياتهم وفي حركة حياتهم ، فلا يحب الذين يثيرون الفساد في الكون كله. # * * * ### ||| ** إنما أوتيته على علم عندي # ( @QUR@06 قال إنما أوتيته على علم عندي ) فلا دخل لله في ذلك ، فقد ~~خلقني الله من عدم وهذه حقيقة أؤمن بها ولكن المال الذي أملكه كان نتيجة ~~جهدي الذاتي ، وفكري المتحرك في اتجاه مواجهة الأوضاع الاقتصادية في الحياة ~~بالتخطيط الدقيق ، والحركة الزكية الدائمة ، والوسائل المتنوعة والوعي ~~الكبير ، وهذه هي النتيجة الطبيعية للعلم الذي أملكه ، والإرادة التي ~~أحركها. # وهذا هو منطق المستكبرين الغافلين الذين يرتبطون بالأمور بشكل مباشر من ~~خلال الحس السطحي ، ولا ينفذون إلى أعماقها في جذورها الحقيقية الممتدة في ~~عمق الأسباب الكامنة في واقع الأشياء. وهذا هو الذي حدثنا الله عنه في أكثر ~~من آية ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@063 فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا ~~خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون* قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا ms4125 يكسبون* فأصابهم ~~سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم ~~بمعجزين* أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون ) [الزمر : 49 52] وفي قوله تعالى : ( @QUR@040 أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة ~~وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون* فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) [غافر : ~~82 83]. # وهكذا كان هؤلاء ينطلقون في تفسيرهم وتقييمهم لما حصلوا عليه من PageV17P339 # نتائج ومواقع وأموال كبيرة ، من طبيعة نبوغهم العلمي على أساس العلاقة ~~بين الأشياء وأسبابها المادية ، ولا يحاولون الرجوع إلى طبيعة هذه الأسباب ~~، وعلاقتها بالنظام الكوني الذي أودع الله في داخله قوانينه الطبيعية ، ~~وسننه الاجتماعية ، ووسائله المادية ، مما لم يكن له أية إمكانية في الوجود ~~، بعيدا عن إرادة الله وقدرته في حركة الحياة والإنسان ، الأمر الذي يجعل ~~العلم من مفردات النظام العام للوجود ، وليس هو السبب الوحيد من جهة ، كما ~~أنه ليس شأن الإنسان باستقلاله من جهة أخرى ، لأنه هبة العقل الذي خلقه ~~الله ، وحركة الحواس التي أبدعها الله. # ( @QUR@017 أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا ) فلو فكر بعلمه ، لرأى أن الله وحده هو الذي يعطي بإرادته ~~في حركة قانون الحياة وهو الذي يمنع ويأخذ ، فهو القادر على السيطرة على ~~دورة المال في الأرض وفي ملكية الإنسان له ، وهو وحده الذي يملك أمر ~~الإنسان كله في وجوده وهلاكه ، ولا يملك أي شخص الخلاص من ذلك مهما كان ~~قويا في جسده وفي مركزه ، أو كان غنيا في ماله الذي اجتمع له. وليدرس تاريخ ~~الذين سبقوه من أصحاب القوة والمال والنفوذ ، فقد كانوا أشد منه قوة وأكثر ~~جمعا ، فقد استكبروا كما استكبر ، واغتروا بعلمهم كما اغتر ، ولكن الله ~~أهلكهم بذنوبهم وأخذهم بقوته. # ( @QUR@05 ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ) لأن أمرهم واضح ، وجريمتهم ~~محققة ، فلا مجال ms4126 فيها للأخذ والرد والسؤال والجواب ، لأن المسألة متصلة ~~بالله الذي يعلم كل شيء ، ويهيمن على كل شيء ، ولهذا فإنه يأخذهم أخذ عزيز ~~مقتدر من دون حاجة إلى أي سؤال أو أي تحقيق ، لأن ذلك كله من أجل معرفة ~~الجريمة ، فإذا كانت واضحة ، فلا مجال للبحث عن وسائل الإثبات. # * * * PageV17P340 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ~~ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) @QUR@016 وقال الذين أوتوا ~~العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ~~(80) @QUR@017 فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون ~~الله وما كان من المنتصرين (81) @QUR@027 وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ~~يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لو لا أن من الله ~~علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حظ ): الحظ : هو النصيب من السعادة والبخت. # ( @QUR@01 ويلكم ): الويل : الهلاك ، ويستعمل للدعاء بالهلاك ، وزجرا ~~عما لا يرتضى ، وهو في المقام زجر عن التمني. PageV17P341 # ( @QUR@01 يلقاها ): التلقية : التفهيم ، والتلقي : التفهم والأخذ. # ( @QUR@01 ويقدر ): بسكون القاف ، يضيق. # * * * ### ||| ** قارون يستعرض زينته فيسقط ضعفاء الإيمان # ( @QUR@05 فخرج على قومه في زينته ) في حركة استعراضية ، يحاول من خلالها ~~أن يبهر عيون الناس بقوته المالية ، مما يمنحه ذلك قدرة على إظهار مظاهر ~~الأبهة والزينة والجمال ، من الثياب التي يلبسها ، والخيول التي يركبها ~~ويستعرضها ، والخدم الذين يحيطون به ويخدمونه ، وما إلى ذلك مما يملكه ~~أصحاب الأموال الكبيرة ، ليخضع الناس لهم كهؤلاء الذين يخضعون للثراء ~~ولزخارف الحياة وبهارجها ، لأن الحياة الدنيا عندهم هي كل شيء ، فهي القيمة ~~والهدف في وجودهم. # ( @QUR@05 قال الذين يريدون الحياة الدنيا ) الذين بهرتهم زينة قارون ، ~~ورأوا فيها عظمة القوة وكانت هي كل غايتهم في الحياة ، في ما يسعون إليه ~~ويطلبونه ، فلا يرون وراءها غاية مما ينتظر الإنسان في الدار الآخرة عند ~~الله. وبهذا انطلقت تمنياتهم في تنهدة طويلة : ( @QUR@011 يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) فقد بلغ هذا الرجل غايته ، فيا ms4127 ليتنا نبلغ ~~مثل هذه الغاية التي هي منتهى السعادة! ولكن المسألة مسألة حظ ونصيب ، وقد ~~حصل قارون على الحظ العظيم دوننا ، فيا لسعادته الكبرى. # ( @QUR@04 وقال الذين أوتوا العلم ) من الناس الذين نفذوا إلى حقائق ~~الأمور بعلمهم ، وعرفوا نهاياتها بإيمانهم ، واستطاعوا الوصول إلى النتيجة ~~الحاسمة التي تؤكد للإنسان أن الدنيا بكل قوتها وزينتها عرض زائل ، لا يملك معه PageV17P342 # الإنسان ثباتا وعمقا وامتدادا ، وكان قولهم لهؤلاء البسطاء الذين يريدون ~~الحياة الدنيا وحدها ، في غفلة عن الآخرة : ( @QUR@08 ويلكم ثواب الله خير ~~لمن آمن وعمل صالحا ) فهو الضمانة الوحيدة للخلاص ، لأنه هو الذي يتعهد ~~الإنسان في حياته في ما يتعهده من النعم والرعاية والخير الكبير ، وهو الذي ~~ينتظره في الآخرة ليدخله جنته ، وليمنحه رحمته ورضوانه ، ليعيش النعيم ~~الخالد الذي لا فناء فيه ، ( @QUR@04 ولا يلقاها إلا الصابرون ) الذين ~~يصبرون على نوازع أنفسهم وشهواتها وعلى تحديات الآخرين واستعراضاتهم ، وعلى ~~انتظار الغاية الباقية في أجواء الأوضاع الفانية ، وعلى مرارة الآلام التي ~~تصيبهم من خلال مواقفهم ، وعلى قسوة الحياة الصعبة في مواقع رضى الله ، ~~وعلى مواجهة المسؤوليات الكبيرة من عمق الإرادة الإيمانية وصلابة العقيدة ، ~~لأن التحرك في مواجهة التيار القوي المندفع ، يحتاج إلى قوة التحمل لتلقي ~~ضربات التيار ، والصابرون وحدهم هم الذين يواجهون تيارات الكفر والضلال ~~والطغيان والمندفعة إلى حياتهم لإبعادهم عن طريق الله. # * * * ### ||| ** خسف الأرض بقارون # ( @QUR@04 فخسفنا به وبداره الأرض ) بعد أن بلغ بالتمرد غايته وتحدى الله ~~بغوايته ، فلم يبق منه شيء في الدنيا ، فدفن في الأرض قبل أن يموت ، ( ~~@QUR@09 فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ) من هؤلاء الذين كانوا ~~يخضعون له ويتزلفون إليه ويعاونونه على مواجهة أعدائه ، وعلى تحقيق رغباته ~~، لأن المسألة الآن هي مسألة قوة الله في عقاب عدوه ، فما ذا يملكون من قوة ~~أمام الله؟ ( @QUR@04 وما كان من المنتصرين ) لأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ~~ضرا ، فكيف يمكن أن ينتصر لنفسه من الله؟! PageV17P343 # ( @QUR@015 وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر ) فقد شاهدوه وهو ms4128 ينزل بجسده إلى الأرض ويستغيث ~~ولا مغيث له ، ورأوا بعقولهم ، أن المال لا يغني عن صاحبه شيئا أمام إرادة ~~الله ، لأن الله هو الذي يملك الأمر كله في العطاء والأخذ ، والموت ~~والحياة. وهكذا بدأوا الرجوع إلى الحقيقة التي فرضت نفسها عليهم ، وهي أن ~~الله وحده ، هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ، وأن الناس لا ~~يملكون من أمرهم شيئا إلا في ما ملكهم الله إياه. # وكلمة (وي) مفصولة عن كلمة (كأن) وهي كلمة تنبه على الخطأ والتندم ، ~~ومعناها أن القوم قد تنبهوا إلى خطأهم في تمنيهم. أما التعبير عن الفكرة ~~الصحيحة بكأن ، فربما يكون خاضعا للإعلان عن الصدمة التي تلقوها في مسألة ~~مصير قارون التي هزت قناعاتهم ، فبدأوا يتراجعون تدريجيا ، مما يجعل ~~التعبير على سبيل التشبيه الذي يوحي بالاحتمال القريب جدا. وهو تعبير ~~متعارف في ابتداء انكشاف الحقيقة ، التي كان يرى خلافها ، للإنسان ، فيقول ~~بعض الناس في ما كانوا ينكرونه ، كأن المسألة كانت على غير ما نعتقد ، ~~والله العالم. # ويقول صاحب الكشاف ، إن هذا المعنى في كلمة (وي) هو مذهب الخليل وسيبويه ~~، واستشهد عليه بقول الشاعر : # وي كأن من لم يكن له نشب %~% يحب ومن يفتقر يعش عيش ضر # وبما نقله الفراء ، أن أعرابية قالت لزوجها : أين ابنك؟ فقال : وي كأنه ~~وراء البيت. PageV17P344 # وعند الكوفيين ، أن ويك بمعنى ويلك (1).. ويكون المعنى ألم تعلم أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر. # ( @QUR@06 لو لا أن من الله علينا ) فلم يجعلنا مثل قارون في موقعه وفي ~~ذهنيته وسلوكه ( @QUR@02 لخسف بنا ) كما خسف به ( @QUR@04 ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون ) كيف فكرنا بهذه الطريقة ، وكيف قلنا ما قلناه مما لا مصلحة لنا ~~فيه ، كأن المسألة التي تقارب الصواب ، هي أن الكافرين لا يفلحون في الدنيا ~~والآخرة ، لأنهم انفصلوا عن الله الذي بيده وحده النجاح والفلاح. # * * * PageV17P345 ### ||| * الآية # ( @QUR@014 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين ) (83) # * * * ### ||| ** جزاء المتقين # ( @QUR@010 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ms4129 ) إنه ~~المقياس الدقيق في مسألة الذين ينالهم الله برحمته ، ويدخلهم في جنته ، ~~بعيدا عن كل الشكليات السطحية في سلوكهم ، فلا بد لهم من أن يعيشوا الحياة ~~الإنسانية في موقع التوازن الذي يعرف فيه الإنسان قدر نفسه بشكل دقيق ، كما ~~يعرف قدر غيره ، ليتواضع في نفسه عند ما يعرف نقاط ضعفها ونقاط قوتها ، ~~وليتواضع لغيره عند ما يقارن بين نقاط قوة الآخرين ، ونقاط ضعفه ، وبذلك ~~يعرف لكل إنسان حقه وقدره ، فيدفعه ذلك إلى الامتناع عن نزعة التكبر ~~والاستعلاء وإرادة العلو في الأرض على الناس. # وإذا كانت الآية تتحدث عن الإرادة كحالة داخلية في شخصية الإنسان ، فليس ~~المقصود بها الجانب الداخلي في ذاته ، كما لو كان معنى في النفس أو PageV17P346 # شعورا في الوجدان ، بل المقصود بها والله العالم الانعكاس الخارجي للحالة ~~، باعتبار أن كل ما في الداخل ، يظهر في الخارج ، وأن المشروع العملي يبدأ ~~فكرة ، ثم يتحول إلى واقع ، من خلال الرغبة في وصوله إلى درجة الفعل ، ~~وهكذا يكون التعبير بذلك عن المتكبرين الذين يتحركون في حكمهم وعلاقاتهم من ~~موقع الحالة الاستكبارية التي تحتقر الناس ويسخرون الحياة كلها ، في ما ~~تملكه من مقدراتها ، لخدمة أهدافهم الشخصية. # ( @QUR@02 ولا فسادا ) مما يتصل بالحياة العامة والخاصة للناس ، في ما ~~يخططون ويتكلمون ويعملون. والمراد بالفساد ، الحركة التي توجب الخلل في ~~توازن الفرد والجماعة في دائرة القيم الروحية والإنسانية ، وذلك بالعمل على ~~ظلم الناس وتوجيه حياتهم في خط الباطل ، وإبعاد القيادة العادلة عن مراكز ~~الحكم والنفوذ وإقرار الشريعة التي ترتكز على أساس التمايز في المواقع ~~لخدمة الانحراف بعيدا عن دائرة المساواة في خط الاستقامة ، في المجال ~~الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري ، فإن الله يرفض ذلك كله ، ~~ويرفض أهله ، ويريد للناس الذين يتقبلهم في جنته ، ويقبلهم في رضوانه ، أن ~~يعملوا على إصلاح البلاد والعباد في جميع الأمور. # وقد وردت الأحاديث المتنوعة في تطبيق الآية على الواقع ، كما في مجمع ~~البيان عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يمشي في ~~الأسواق وحده وهو دال يرشد ms4130 الضال ويعين الضعيف ، ويمر بالبياع والبقال ، ~~فيفتح عليه القرآن ويقرأ : ( @QUR@014 تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) ويقول : نزلت هذه الآية ~~في أهل العدل والمواضع من الولاة ، وأهل القدرة من سائر الناس» (1). # وفي الدر المنثور روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ~~«التجبر في PageV17P347 # الأرض والأخذ بغير الحق» (1). # ( @QUR@02 والعاقبة للمتقين ) فهم الذين يحبهم الله ويرضى عنهم ، لأن ~~التقوى التي عاشوها في أنفسهم ، وحركوها في سلوكهم وعلاقاتهم ، تمثل إرادة ~~الله في الحياة ، وتجعل الآخرة في متناول أيديهم ، لأنهم استحقوها بجهدهم ~~وجهادهم في سبيله. وهؤلاء المتقون ، هم الذين يريدهم الله أن يحكموا الحياة ~~في شؤون أنفسهم وفي شؤون الناس ، لأنهم هم الأمناء على العدل كله وعلى الحق كله. # * * * PageV17P348 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين ~~عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) (84) # * * * ### ||| ** ميزان العدل # ويبقى العدل والفضل والإحسان هو الميزان الذي يعامل الله به عباده في ما ~~يعطيهم من ثوابه وما يعاقبهم به. # ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله خير منها ) فقد يعطي الله للمحسن عشرا ~~أمثالها ، وقد يضاعف العدد إلى أكثر من ذلك ، تبعا لطبيعة العمل ونتائجه في ~~حياة الناس ، لأن الله يريد أن يشجع العاملين بالخير على الامتداد فيه من ~~خلال الإيحاء إليهم بالرضى والرحمة والألطاف الكبيرة ، ( @QUR@012 ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) لأن مسألة ~~العقوبة لا بد من أن تخضع للعدل الذي يوازن بين حجم العمل في طبيعته ~~وتأثيره ، وبين حجم الجزاء ، فلا يمكن زيادة العقوبة على ما يقتضيه حجم ~~العمل ، لأن ذلك ظلم ، يتنزه الله عنه ، بينما تكون الزيادة في الثواب حالة ~~إحسان وتفضل ، فلذلك اختلفت النتائج في الموضعين. # * * * PageV17P349 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) @QUR@015 وما كنت ترجوا أن يلقى إليك ~~الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) @QUR@016 ولا يصدنك ~~عن ms4131 آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ~~@QUR@019 ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له ~~الحكم وإليه ترجعون ) (88) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فرض ): أوجب. # ( @QUR@01 ظهيرا ): معينا. # * * * PageV17P350 ### ||| ** معاد الله # ( @QUR@05 إن الذي فرض عليك القرآن ) فكرا تركز عليه قواعد التفكير للناس ~~، وشريعة تنظم حياتهم ، ومنهجا يحدد لهم خط السير ، ومنطلقا للتحدي ضد ~~الذين يفرضون الشرك على فكر الحياة وحركتها ، مما يؤدي إلى أكثر من مشكلة ~~على مستوى الأوضاع العامة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين ، من ~~تشريدهم وتهجيرهم ، وتعذيب الكثيرين من المسلمين والمستضعفين ، الأمر الذي ~~قد يوحي للداعية بالقلق والحزن العميق ، ( @QUR@03 لرادك إلى معاد ) يؤكد ~~لك وللمسلمين معك الطمأنينة والاستقرار والقوة ، لأنه لم يفرض عليك القرآن ~~ليجعلك في دائرة الضياع والاهتزاز ، ولكن لينطلق بك في تجربة الدعوة إلى ~~ساحات الصراع التي تصنع للحياة تجربتها المريرة القاسية التي تثبت مواقع ~~الدعوة من حركة المعاناة الصعبة التي تختزن الآلام في عمق العاملين لتتحول ~~بعد ذلك إلى مواقف إنسانية على أساس الإسلام. فإن الرسالة لا تفرض نفسها ~~على الواقع ، إلا إذا خلقت في داخله ، وفي آفاقه ، اهتزازا وصراعا ومشاكل ~~فكرية وعملية ، ليكون هناك مؤيدون لها يعملون في سبيل تأييدها والدفاع عنها ~~، ومعارضون لها ، يعملون في سبيل تهديمها والهجوم عليها ، وتتصاعد الأزمات ~~وتشتد ، وتعصف الرياح وتثور ، ثم تكون الكلمة العليا لله ، وتعود الرسالة ~~إلى قاعدتها لتصنع القوة ، وتبني قواعد المستقبل. # واختلف المفسرون في هذا المعاد ما هو؟ «فقيل : هو مكة ، فالآية وعد له أن ~~الله سيرده بعد هجرته إلى مكة ثانيا ، وقيل : هو الموت ، وقيل : هو القيامة ~~، وقيل : هو المحشر ، وقيل : هو المقام المحمود وهو موقف الشفاعة الكبرى ، ~~وقيل : هو الجنة ، وقيل : هو بيت المقدس ، وهو في الحقيقة وعد بمعراج ثان ~~يعود فيه إلى بيت المقدس بعد ما كان دخله في المعراج الأول ، PageV17P351 # وقيل : هو الأمر المحبوب فيقبل الانطباق على جل الأقوال السابقة أو كلها» ~~(1). ويطرح صاحب تفسير الميزان بعد عرضه هذه الأقوال ms4132 رأيا خاصا يستوحيه من ~~مجمل الآيات السورة ، ليضع الآية في موقعها الحركي في السورة فيقول : ~~«والذي يعطيه التدبر في سياق آيات السورة هو أن تكون الآية تصريحا بما كانت ~~القصة المسرودة في أول السورة تلوح إليه ، ثم الآيات التالية لها تؤيده. # فإنه تعالى ، أورد قصة بني إسرائيل وموسى عليه السلام في أول السورة ، ~~ففصل القول في أنه كيف من عليهم بالأمن والسلام والعزة والتمكن بعد ما ~~كانوا أذلاء مستضعفين بأيدي آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وقد ~~كانت القصة تدل بالالتزام ومطلع السورة يؤيده ، على وعد جميل للمؤمنين أن ~~الله سبحانه سينجيهم مما هم عليه من الفتنة والشدة والعسرة ، ويظهر دينهم ~~على الدين كله ، ويمكنهم في الأرض بعد ما كانوا ، لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم. # ثم ذكر بعد الفراغ من القصة ، أن من الواجب في الحكمة أن ينزل كتابا يهدي ~~الناس إلى الحق تذكرة وإتماما للحجة ليتقوا بذلك من عذاب الله ، كما نزله ~~على موسى بعد ما أهلك القرون الأولى ، وكما نزل على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وإن كذبوا به عنادا للحق ، وإيثارا للدنيا على الآخرة. # وهذا السياق يرجي السامع أنه تعالى يستعرض صريحا لما أشار إليه في سرد ~~القصة تلويحا ، فإذا سمع قوله ( @QUR@08 إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد ) لم يلبث دون أن يفهم أنه هو الوعد الجميل الذي كان يترقبه ، وخاصة ~~مع الابتداء بقوله : ( @QUR@05 إن الذي فرض عليك القرآن ) وقد قدم تنظير ~~التوراة بالقرآن ، وقد كان ما قصه في إنجاء بني إسرائيل مقدمة PageV17P352 # لنزول التوراة حتى يكونوا بالأخذ بها والعمل بها أئمة ويكونوا هم ~~الوارثين. # فمعنى الآية : إن الذي فرض عليك القرآن لتقرأه على الناس وتبلغه وتعملوا ~~به سيردك ويصيرك إلى محل تكون هذه الصيرورة منك إليه عودا ، ويكون هو معادا ~~لك كما فرض التوراة على موسى ورفع به قدره وقدر قومه ، ومن المعلوم أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان بمكة على ما فيها من الشدة والفتنة ثم هاجر منها ~~ثم عاد ms4133 إليها فاتحا مظفرا وثبتت قواعد دينه واستحكمت أركان ملته وكسرت ~~الأصنام وانهدم بنيان الشرك ، والمؤمنون هم الوارثون للأرض بعد أن كانوا ~~أذلاء معذبين (1). # * * * ### ||| ** ملاحظات على «الميزان» # وقد نلاحظ على ما تقدم في عرض الأقوال بعض الملاحظات : # أولا : إن أكثر هؤلاء المفسرين قد تعاملوا مع كلمة ( @QUR@01 معاد ) ~~بالمطلق ، في ما يمكن أن تنطبق عليه ، ولم يلاحظوا خصوصية الجو الذي نزلت ~~فيه الآية ، أو السياق الذي وضعت في داخله كما نلاحظ ذلك في تفسيرها بالموت ~~، أو بالقيامة أو بيت المقدس ، مع أنه لا ربط بين فرض القرآن في حركة ~~الدعوة في الواقع ، وبين هذه الأمور. # ثانيا : إن ربط الآية بالجو العام في السورة من خلال استيحاء المعنى من ~~قصة موسى في إيحاءاتها ، يتوقف على نزول هذه الآية في جو نزول الآيات ~~السابقة ، بينما نجد أن هناك روايات تدل على نزول هذه الآية في حركة النبي PageV17P353 # في الهجرة إلى المدينة. # ثالثا : إن التفسير الذي ذكره الميزان لا يظهر من اللفظ بمثل هذه ~~التفاصيل ، مع ملاحظة أنه طريف في نفسه ، فإن الآية تتحرك في جو مستقل في ~~معالجته للظروف الموضوعية الصعبة التي كان يعيشها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، في داخل حالته النفسية ، وفي نطاق التحديات الكافرة. # رابعا : إن الأقرب هو إرادة مكة من الكلمة باعتبار أنها الأقرب إلى معنى ~~العود ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعيش هاجس العودة إلى مكة ، كما ~~يظهر ، بينما لا تتضمن المعاني الأخرى مثل هذه المناسبة ، بالإضافة إلى ~~الجو العام. ولعل ما يؤيد هذا ما رواه في تفسير الكشاف من أن الآية «نزلت ~~عليه أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين بلغ الجحفة في مهاجره ، وقد اشتاق ~~إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم فنزل جبريل ، فقال له : أتشتاق إلى ~~مكة؟ قال : نعم ، فأوحاها إليه» (1) أما استيحاء الأجواء العامة التي ~~ذكرناها في مقدمة تفسير الآية ، فينطلق من طبيعة العودة التي تفرض الانتصار ~~على القوى التي شردته منذ البداية ، ومن علاقة حركته بحركة القرآن في صراعه ms4134 ~~مع الآخرين ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الله أعلم بالمهتدين والضالين # ( @QUR@011 قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ) فهذا هو ~~القول الحاسم أمام كل الكلمات الجدلية التي يثيرها هؤلاء المشركون لإضاعة ~~الوقت وتمييع PageV17P354 # القضية ، فلا تدخل معهم في التفاصيل ، بل تقدم في دعوتك ، واترك الأمر ~~لله الذي يعلم من جاء بالهدى وهو رسوله ، ومن هو في ضلال مبين وهم ~~المشركون. وسينكشف الأمر غدا عند ما ترجع إلى مكة منصورا لتبين الحق لهم من ~~موقع قوة ، كما عاد موسى إلى بلده من موقع الرسالة القوي الذي انتصر به على ~~فرعون وأظهر به أمر الله ، فإن الله سيرعاك في كل مسيرتك لأنها مسيرة الحق ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # ( @QUR@07 وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب ) فلم يكن ذلك من الأمور ~~العادية في حياتك ، أو في حياة الآخرين ، لتفكر فيه ، أو لتحلم به ، أو ~~لتترقبه في حركة الواقع من حولك ، ( @QUR@04 إلا رحمة من ربك ) لكن الله ~~أنزله عليك ليكون رحمة منه عليك وعلى الناس كلهم ليخرجهم من الظلمات إلى ~~النور ، وليجعلك الرسول الذي يحمل شعلة الهداية بيده ، ويحقق الانتصار ~~للدين ليكون كله لله. # * * * ### ||| ** لا تكونن ظهيرا للكافرين # ( @QUR@04 فلا تكونن ظهيرا للكافرين ) لأنهم لن يحققوا للحياة إلا الضلال ~~والسقوط ، في ما يفكرون به ، ويتحركون في دائرته ، من كفر وفساد وانحراف ~~وابتعاد عن خط الله الذي أراد للناس أن يسيروا عليه ، مما يجعل الانتصار ~~لهم أساسا لانتصار القيم الفاسدة والاتجاهات المنحرفة. # من هنا فإن من مهمة الأنبياء والمصلحين أن يبتعدوا عن الانتصار لأي موقف ~~كفر ، في أي موقع كان ، وتحت تأثير أي عنوان من العناوين العامة والخاصة ، ~~لأن نتيجة ذلك هو إضعاف الإسلام في مواقعه وانطلاقاته في حركة PageV17P355 # الإنسان في الواقع. # وهذا ما ينبغي للعالمين في سبيل الله أن ينتبهوا إليه ، ليتعاملوا مع ~~الواقع الذي يضغط عليهم للتعاون مع الكافرين ، بحذر ودقة .. حتى لا يكون ~~التعاون انتصارا للكفر والكافرين ، بل يكون مقتصرا على ما يحقق المصلحة ~~الإسلامية العليا ms4135 ، بمقدار محدد مدروس في نطاق الخطة العامة ، لأن طبيعة ~~الظروف والحاجات الضاغطة قد تضغط على المسلمين ، في بعض الحالات ، ليقدموا ~~التنازلات السياسية والفكرية والاقتصادية التي تكون نصرا للكفر ومخططاته ~~على أكثر من صعيد. # ( @QUR@09 ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ) لأن الرسول الذي ~~يحمل مهمة تغيير العالم من خلال مفاهيم الرسالة وتشريعاتها لا يخضع للضغوط ~~الداخلية والخارجية التي تعمل على إضعاف موقفه ، وإرباك خطواته ، لأن ~~دراسته للساحة بكل قواها المضادة ، توحي إليه بصعوبة المهمة الموكولة إليه ~~، وتفرض عليه الاستعداد الطبيعي لمواجهة ذلك كله ، وتحمل كل النتائج ~~السلبية في سبيل ذلك من أجل النجاح في أداء الرسالة ، ولذلك فلا يمكن أن ~~يصده أحد عن آيات الله ، بعد أن أنزلها الله لتتحرك في عقول الناس ومشاعرهم ~~وحياتهم فكرا وعاطفة ومنهجا للسلوك. # ( @QUR@03 وادع إلى ربك ) وحده ، واطلب رضاه ، واجمع الناس حول عبادته ~~ورسالته ( @QUR@04 ولا تكونن من المشركين ) في ما يريد الآخرون أن يثيروه ~~في نفسك من الخوف والقلق ، ليربطوك بالأمر الواقع الذي يلتقي حوله الناس ، ~~في عملية إيحائية خفية بأن الانسجام مع الجو العام أقرب إلى الطمأنينة ~~والأمن والاستقرار في ما يحصل عليه من رضى الناس وتأييدهم. # ( @QUR@06 ولا تدع مع الله إلها آخر ) من هذه الأصنام التي صنعوها ~~بأيديهم ، أو من البشر الذين يتألهون في ما يزعمونه لأنفسهم من منزلة ~~الألوهية ، أو ما PageV17P356 # يعتقده الناس فيهم من ذلك. # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فهو وحده الذي يستحق الطاعة في إحساس الإنسان ~~بعبوديته له ، ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) الظاهر منها أن المراد من ~~الوجه بحسب الآيات القرآنية المماثلة هو الذات ، كما في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ) [الرحمن : 26 27] ، أو قوله ~~تعالى : ( @QUR@05 فأينما تولوا فثم وجه الله ) [البقرة : 115] فيكون ~~المعنى أن كل شيء فان إلا الله. # ولكن هناك تفسيرات أخرى وردت في بعض الأحاديث ، فقد جاء في الاحتجاج عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام ، في حديث طويل ، وأما قوله : ( @QUR@05 كل شيء ~~هالك إلا وجهه ) فالمراد كل شيء هالك إلا ms4136 دينه ، لأن من المحال أن يهلك منه ~~كل شيء ويبقى الوجه. هو أجل وأعظم من ذلك ، وإنما يهلك من ليس منه ، ألا ~~ترى أنه قال : ( @QUR@07 كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ) [الرحمن : 26 ~~27] ففصل بين خلقه ووجهه (1)؟ # وهذا حديث ضعيف الإسناد ، لا يمكن الاعتماد عليه في التفسير ، لا سيما أن ~~مضمونه لا ينسجم مع طبيعة المعنى البلاغي للتعبير وهو استعارة كلمة الوجه ~~للذات ، إذ لم يقل أحد بأن المستثنى هو الوجه كعضو مستقل في الجسد ، دون ~~بقية الأعضاء ، ليكون هناك حاجة للرد عليه ، ولهذا فإننا نتحفظ في صحة ~~نسبته للإمام علي عليه السلام ويرد علمه إلى أهله. # ويلحق بهذا الحديث ، ما جاء في الكافي بإسناده عن سيف عمن ذكره عن الحارث ~~بن المغيرة النصري قال : سئل أبو عبد الله «جعفر الصادق» عليه السلام عن قول ~~الله تبارك وتعالى ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) فقال : ما يقولون فيه؟ ~~قلت : يقولون : يهلك كل شيء إلا وجه الله ، فقال : سبحان الله لقد قالوا PageV17P357 # عظيما إنما عنى به وجه الله الذي يؤتى منه (1). # وقد نلاحظ أن هذه الرواية واردة في نفي عقيدة التجسيم لله ، مما قد يذهب ~~إليه البعض من تفسير الألفاظ القرآنية التي تنسب لله التجسيم من خلال اليد ~~والوجه ونحوهما ، وربما كان التفسير من باب الاستيحاء من أجواء المعنى ، ~~فإذا كان الله لا يفنى ، فإن دينه يملك إمكانات الثبات والبقاء ببقائه ، ~~والله العالم. هذا مع التنبيه على أن الرواية غير صافية السند ، فلا يمكن ~~الاعتماد عليها ، فلا بد من اتباع الظهور الذاتي للكلمة الواردة على نحو ~~الاستعارة ، والملحوظ في ظهور معنى الهلاك في الفناء ، وفي سياق الكلام ~~الذي يتحدث عن صفات الله في ذاته ، باعتبار أنه الواحد الباقي الذي يتميز ~~عن الخلق كلهم بدوامه. # ( @QUR@02 له الحكم ) من خلال أنه المالك للكون كله وما فيه من مخلوقات ، ~~فمن الطبيعي أن يكون له الحكم في كل شيء ، ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) ~~فانظروا كيف تواجهون الموقف عند ما تقفون أمامه ليحاسبكم على أعمالكم ، ~~لتواجهوا هناك قضية ms4137 المصير من خلال مواقعكم في الدنيا في ما أخلصتم ، وما ~~انحرفتم فيه من تهاويل الشيطان ونزغاته. PageV17P358 ### | الفهرس # تفسير سورة الفرقان [1 77] # الآيات [1 ~~3].................................................................. 7 # معاني ~~المفردات.............................................................. 7 # القرآن مصدر الخير ~~الإلهي.................................................... 8 # لله ملك السموات ~~والإرض................................................... 9 # السنن الكونية خاضعة لتدبير ~~الله............................................ 11 # الآيات [4 ~~9]................................................................ 13 # معاني ~~المفردات............................................................ 13 # كيفية مواجهة المجتمع المكي لمنطق الرسالة ~~والرسول............................. 14 # افتراءات ~~الكافرين......................................................... 14 # قالوا : القرآن .. أساطير ~~الأولين............................................ 15 # القرآن من ~~الله............................................................. 16 # استنكار الكفار لبشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~....................................... 17 # الآيات [10 ~~20]............................................................. 20 # معاني ~~المفردات............................................................ 21 # مناسبة ~~النزول............................................................. 21 PageV17P359 # عدم مصداقية الكفار في اتهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~................................. 23 # تبارك ~~الله................................................................. 24 # مصير المكذبين ~~بالرسالة.................................................... 24 # مصير المصدقين ~~بالرسالة................................................... 26 # الآيات [21 ~~26]............................................................. 30 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # نموذج لمنطق المشركين الهروبي من ~~الحقيقة...................................... 31 # الآيات [27 ~~29]............................................................. 35 # معاني ~~المفردات............................................................ 35 # عن الظالم علي يديه ~~ندما.................................................. 36 # ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا.............................................. 36 # ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا................................................... 37 # الآيتان [30 ~~31]............................................................. 39 # لكل نبي عدو من ~~المجرمين.................................................. 39 # إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا.......................................... 40 # إيحاءات الآية في ~~الدعوة.................................................... 41 # الآيات [32 ~~40]............................................................. 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # المشركون يثيرون شبهة نزول القران ~~تدريجيا.................................... 43 # القرآن يجيب عن ~~الشبهة................................................... 45 # سير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خط ~~التكامل........................................... 46 # الاستفادة من الآية في حركة الدعوة ~~المعاصرة................................... 47 # تعهد القرآن بمواجهة ~~التحديات.............................................. 47 # منهج القرآن في التحدي ~~المضاد............................................. 48 PageV17P360 # مصير الكافرين .. الحشر علي ~~وجوههم...................................... 48 # تذكير المكذبين بمصير من ~~قبلهم............................................. 49 # الآيات [41 ~~44]............................................................. 52 # معاني ~~المفردات............................................................ 52 # الذين يعبدون الهوي هم ~~كالأنعام............................................ 52 # صفة عباد ~~الأهواء......................................................... 54 # الآيات [45 ~~55]............................................................. 58 # معاني ~~المفردات............................................................ 58 # آيات الله في ~~الكون........................................................ 59 # الآيات [56 ~~62]............................................................. 66 # معاني ~~المفردات............................................................ 66 # حدود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حركة ~~الدعوة.......................................... 67 # التوكل علي ~~الله........................................................... 68 # الداعية ومواجهة أسلوب ~~المشركين........................................... 70 # الآيات [63 ~~77]............................................................. 73 # معاني ~~المفردات............................................................ 74 # عباد الرحمن .. ملامح الشخصية ~~الإسلامية................................... 74 # عباد ~~الرحمن.............................................................. 75 # بالصبر نوال ~~النعم......................................................... ms4138 81 # الدعاء يمنح الرعاية ~~الإلهية.................................................. 83 # تفسير سورة الشعراء [1 227] # الآيات [1 ~~9]................................................................ 87 # معاني ~~المفردات............................................................ 87 PageV17P361 # الله يطمئن ~~رسوله......................................................... 87 # تلك آيات الكتاب ~~المبين................................................... 88 # الآيات [10 ~~22]............................................................. 92 # موسي عليه السلام يتلقي الرسالة ويذهب الي ~~فرعون........................... 92 # الدين يواجه ~~الظلم......................................................... 93 # هل استعفي موسي عليه السلام من ~~ربه!..................................... 94 # معني المطالبة بإرسال بني إسرائيل في بداية ~~المواجهة!............................. 96 # ماذا نستوحي من هذا ~~الأسلوب!............................................ 97 # فرعون يذكر موسي عليه السلام بنعمه ~~عليه................................... 98 # كيف اعترف موسي عليه السلام علي نفسه بالضلال!........................ 98 # القرآن يثير نقاط الضعف البشري في ~~الأنبياء.................................. 99 # منطق الأنبياء أمام منطق ~~الطغاة............................................ 101 # الآيات [23 ~~51]........................................................... 102 # معاني ~~المفردات.......................................................... 103 # موسي عليه السلام وفرعون يتبادلان التحدي............................... 103 # مناقشة مع صاحب الميزان................................................ 104 # فرعون يلجأ إلي التهديد بعد سقوط حجته.................................. 110 # الآيات [52 ~~68]........................................................... 116 # معاني ~~المفردات.......................................................... 116 # هلاك فرعون وانتصار موسي عليه السلام................................... 117 # الآيات [69 ~~104]......................................................... 120 # معاني ~~المفردات.......................................................... 121 # إبراهيم عليه السلام يتحدي ~~قومه.......................................... 121 # اتل عليهم نبأ ~~إبراهيم.................................................... 122 PageV17P362 # إبراهيم عليه السلام يعلن العداوة ~~للأصنام................................... 123 # كيف نستوحي الموقف!.................................................. 125 # إبراهيم عليه السلام يعلن التزامه برب ~~العالمين................................ 125 # إبراهيم يناجي ~~ربه........................................................ 127 # الآيات [105 ~~122]........................................................ 133 # معاني ~~المفردات.......................................................... 133 # حوار نوح عليه السلام مع ~~قومه............................................ 134 # الآيات [123 ~~140]........................................................ 138 # معاني ~~المفردات.......................................................... 138 # هود عليه السلام مع قومه ~~عاد............................................ 139 # الآيات [141 ~~159]........................................................ 142 # معاني ~~المفردات.......................................................... 142 # حوار صالح عليه السلام مع قومه ~~ثمود...................................... 143 # لا تطيعوا أمر ~~المسرفين.................................................... 144 # الآيات [160 ~~175]........................................................ 147 # معاني ~~المفردات.......................................................... 147 # لوط عليه السلام يحاور قومه من موقع ~~الرسالة............................... 148 # كذبت قوم لوط المرسلين................................................. 148 # أتأتون الذكران من ~~العالمين............................................... 150 # منطق دعاة حرية الشذوذ الجنسي.......................................... 150 # الآيات [176 ~~191]........................................................ 153 # معاني ~~المفردات.......................................................... 153 # حوار شعيب عليه السلام مع قومه......................................... 154 # الآيات [192 ~~212]........................................................ 158 PageV17P363 # معاني ~~المفردات.......................................................... 158 # وإنه لتنزيل رب ~~العالمين.................................................. 159 # الكذب يفتح أبواب العذاب.............................................. 162 # وما تنزلت به ~~الشياطين.................................................. 165 # الآيات [213 ~~220]........................................................ 167 # التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حركة ~~الدعوة.................................. 167 # فلا ms4139 تدع مع الله إلها ~~آخر................................................. 167 # وأنذر عشيرتك ~~الأقربين.................................................. 168 # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.................................... 170 # نتائج التوكل علي ~~الله.................................................... 171 # الآيات [221 ~~227]........................................................ 174 # معاني ~~المفردات.......................................................... 174 # الشياطين تنزل علي ~~الأفاكين.............................................. 174 # مناقشة اتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالشعر.......................................... 176 # هل الإسلام ضد الشعر!................................................. 178 # تفسير سورة النمل [1 93] # الآيات [1 ~~6].............................................................. 183 # معاني ~~المفردات.......................................................... 183 # بشارة المؤمن وخسارة ~~المنكر................................................ 183 # الآيات [7 ~~14]............................................................. 186 # معاني ~~المفردات.......................................................... 186 # خطوة النبي موسي عليه السلام الأولي مع ~~الرسالة............................. 187 # موسي عليه السلام يأنس ~~نارا............................................. 187 PageV17P364 # موسيعليه السلام أمام المفاجأة ~~الإلهية...................................... 188 # موسيعليه السلام أمام المفاجأة ~~الإعجازية................................... 189 # الآيات [15 ~~19]........................................................... 192 # معاني ~~المفردات.......................................................... 192 # مع داود وسليمان عليهما السلام في خط ~~الرسالة............................ 193 # علم داود وسليمان عليهما ~~السلام......................................... 193 # الآيات [20 ~~28]........................................................... 197 # معاني ~~المفردات.......................................................... 197 # سليمان عليه السلام يسأل عن الهدهد ثم ~~يحاوره............................. 198 # سليمان عليه السلام يكلف الهدهد حمل ~~رسالته.............................. 201 # الآيات [29 ~~44]........................................................... 202 # معاني ~~المفردات.......................................................... 203 # الملكة تقرأ كتاب سليمان عليه السلام وتستشير ~~قومها........................ 204 # الملكة تحاور قومها فيتركون لها حرية ~~التصرف................................ 205 # سليمان عليه السلام يرد ويتحدي......................................... 206 # العرش أمام سليمان عليه ~~السلام........................................... 209 # الملكة تعلن إيمانها ~~بالله.................................................... 212 # الآيات [45 ~~53]........................................................... 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 213 # صالح عليه السلام مع قومه في خط ~~الرسالة................................. 214 # الآيات [54 ~~58]........................................................... 219 # معاني ~~المفردات.......................................................... 219 # لوط عليه السلام مع قومه في خط ~~الرسالة.................................. 219 # نجاة لوط عليه السلام ~~أهله............................................... 221 PageV17P365 # الآيات [59 ~~69]........................................................... 222 # معاني ~~المفردات.......................................................... 223 # مظاهر حكمة الله ~~ووحدانيته............................................... 223 # قل الحمد ~~لله............................................................ 224 # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء................................. 226 # ويجعلكم خلفاء الأرض................................................... 228 # الأسلوب القرآني العقلاني في حركة ~~الصراع.................................. 231 # الله عالم ~~الغيب......................................................... 232 # الآيات [70 ~~75]........................................................... 237 # معاني ~~المفردات.......................................................... 237 # الله يخاطب نبيه: لا تحزن عليهم ولا تكن في ~~ضيق........................... 237 # الآيات [76 ~~85]........................................................... 240 # معاني ~~المفردات.......................................................... 240 # آفاق القرآن ~~ودوره....................................................... 241 # القرآن هدي ورحمة ~~للمؤمنين.............................................. 241 # فتوكل علي ~~الله......................................................... 242 # الموتي والصم والعمي لا يعقلون آيات ~~الله................................... 243 # القول ... ودابة ms4140 ~~الإرض.................................................. 244 # الآيات [86 ~~88]........................................................... 248 # معاني ~~المفردات.......................................................... 248 # يوم ينفخ في ~~الصور...................................................... 248 # الآيتان [89 ~~90]........................................................... 251 # ليست الحسنة كالسيئة................................................... 251 # الآيات [91 ~~93]........................................................... 253 PageV17P366 # معاني ~~المفردات.......................................................... 253 # سيريكم الله ~~آياته........................................................ 253 # تفسير سورة القصص [1 88] # الآيات [1 ~~6].............................................................. 259 # معاني ~~المفردات.......................................................... 259 # صراع النبوة ~~والطغيان..................................................... 260 # فرعون ~~الطاغية.......................................................... 261 # المستضعفون هم الوارثون ~~للأرض........................................... 263 # الآيات [7 ~~14]............................................................. 266 # معاني ~~المفردات.......................................................... 267 # نجاة موسي عليه السلام وتكريم الله ~~له...................................... 267 # الآيات [15 ~~19]........................................................... 274 # معاني ~~المفردات.......................................................... 274 # موسي عليه السلام يخوض صراع القوة فيقتل ~~قبطيا........................... 275 # هذا من عمل الشيطان................................................... 276 # موسي عليه السلام يطلب الغفران من ~~الله................................... 277 # رب لن أكون ظهيرا للمجرمين............................................. 278 # الآيات [20 ~~28]........................................................... 281 # معاني ~~المفردات.......................................................... 282 # إخبار موسي عليه السلام بائتمار القوم ~~لقتله................................ 282 # موسي عليه السلام يتجه إلي ~~مدين......................................... 284 # الآيات [29 ~~42]........................................................... 288 # معاني ~~المفردات.......................................................... 289 PageV17P367 # الله يكلم موسي عليه ~~السلام.............................................. 290 # موسي عليه السلام ~~والحية................................................. 291 # تهيب موسي عليه السلام................................................. 293 # معجزة موسي مع القوم................................................... 294 # هلاك المستكبرين .. فرعون ~~وجنوده........................................ 297 # مصير أئمة الضلال...................................................... 299 # الآيات [43 ~~48]........................................................... 301 # معاني ~~المفردات.......................................................... 301 # الله يعطي موسي عليه السلام كتاب ~~الهداية................................. 302 # الآيات [49 ~~55]........................................................... 305 # معاني ~~المفردات.......................................................... 305 # اتباع ~~الهوي.............................................................. 306 # الافتراق علي ~~سلام...................................................... 310 # الآية ~~[56].................................................................. 311 # إنك لا تهدي من أحببت................................................. 311 # الآيات [57 ~~61]........................................................... 315 # معاني ~~المفردات.......................................................... 315 # قريش تبرر كفرها بالخوف علي موقعها من العرب............................ 316 # القرآن يرد عليهم بمنطق الإيمان ~~والواقع...................................... 318 # إهلاك القري بعد إقامة الحجة ~~عليها........................................ 320 # الآيات [62 ~~64]........................................................... 322 # معاني ~~المفردات.......................................................... 322 # الشركاء المزعومون يتنحون عن تحمل ~~المسؤولية............................... 323 PageV17P368 # الآيات [65 ~~70]........................................................... 325 # معاني ~~المفردات.......................................................... 325 # الرجوع إلي ~~الله.......................................................... 236 # وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار................................................ 237 # الآيات [71 ~~75]........................................................... 329 # معاني ~~المفردات.......................................................... 329 # الله هو ~~الحق............................................................. 330 # الآيات [76 ~~78]........................................................... 333 # معاني ~~المفردات.......................................................... 333 # قصة قارون............................................................. 334 # قارون الباغي علي ~~قومه.................................................. 334 # قوم قارون يقدمون له ~~النصيحة............................................ 335 # الفرق بين العمل الدنيوي والأخروي في ~~الإسلام.............................. 336 # لا تبغ الفساد في ~~الإرض.................................................. 338 # إنما أوتيته علي علم ~~عندي................................................ 339 ms4141 # الآيات [79 ~~82]........................................................... 341 # معاني ~~المفردات.......................................................... 341 # قارون يستعرض زينته فيسقط ضعفاء ~~الإيمان................................. 342 # خسف الإرض بقارون................................................... 343 # الآية ~~[83].................................................................. 346 # جزاء ~~المتقين............................................................. 346 # الآية ~~[84].................................................................. 349 # ميزان ~~العدل............................................................. 349 # الآيات [85 ~~88]........................................................... 350 PageV17P369 # معاني ~~المفردات.......................................................... 350 # معاد ~~الله................................................................ 351 # ملاحظات علي «الميزان»................................................. 353 # الله أعلم بالمهتدين ~~والضالين............................................... 354 # لا تكونن ظهيرا ~~للكافرين................................................. 355 ### |||| * الحمدلله رب العالمين PageV17P370 ![](https://books.rafed.net/Books/3283_tafsir-men-wahi-alquran-18/images/image001.gif) PageV18P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3283_tafsir-men-wahi-alquran-18/images/image002.gif) PageV18P003 ### | سورة العنكبوت ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع وستون PageV18P005 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@010 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون (2) @QUR@011 ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين (3) @QUR@010 أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ~~ما يحكمون (4) @QUR@012 من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو ~~السميع العليم (5) @QUR@010 ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن ~~العالمين (6) @QUR@012 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أحسب ): الحسبان : الظن. # ( @QUR@01 يفتنون ) الفتنة : الامتحان ، وقد تطلق على المصيبة والعذاب. # ( @QUR@02 لقاء الله ): المراد به : البعث ، وقيل : ملاقاة جزاء الله من ~~ثواب أو عقاب ، وقيل غير ذلك. # * * * PageV18P007 ### ||| ** التجارب مختبر الإيمان # ( @QUR@01 الم ) من الحروف المقطعة التي مر الحديث عنها في سورة البقرة ، ~~( @QUR@010 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) ليس ~~الإيمان كلمة ليقتصر دور الإنسان على التلفظ بها في التأكيد على صدق إيمانه ~~، ولكنه فكر يتحرك في عقل الإنسان ، وعاطفة تجيش في قلبه ، وكلمة تعبر عن ~~موقفه ، وحركة في الخط المستقيم الذي يربط بين البداية والنهاية في ما هو ~~عمق الفكرة وامتدادها في الحياة ، في كيانه ووجوده. # وفي ضوء ذلك ، لا بد من علامات واضحة ، تدل على كل هذه العناصر في ذاته ، ~~في ما هو الجانب الخفي من شخصية الإنسان ، الذي لا يظهر إلا بالتجربة الحية ~~المتنوعة المتحركة على أكثر من صعيد ، وفي أكثر من أفق ، بحيث تعمل على أن ~~تجرح داخله بالألم وبالمعاناة ، وتهز مواقعه بالكثير من مواطن الاهتزاز ، ~~وتربك خطواته بالعديد من أوضاع التعقيد ، وتثير انفعالاته في أكثر من موقع ~~مثير ، ليكون ذلك كله ms4142 امتحانا للعمق الداخلي للإيمان في فكر الإنسان ~~وحركته. # * * * ### ||| ** تنوع التجارب # فهناك التجربة الفكرية ، التي تثير أمامه الشبهات في خط العقيدة ~~وتفاصيلها وفي خط الشريعة ومفرداتها ، وفي مناهج الحركة وأساليبها ، في ما ~~يفكر به الآخرون من التيارات الفكرية المضادة والمنحرفة ، وفي ما يرسمونه ~~من علامات استفهام ، تحرك الشك في الفكر ، وتزرع الاهتزاز في القلب ، وتحول ~~الاطمئنان الداخلي إلى قلق مجنون ، لتكون حركته ضائعة بين خطوط PageV18P008 # الفكر وخطوط الإيمان. # وهناك التجربة العاطفية التي تقترب فيها الانفعالات من إيمانه ، على ~~مستوى الحالة النفسية التي تتحرك من خلال النوازع الذاتية في علاقات ~~الإنسان بأقربائه وأصدقائه ورغباته ، مما قد ينحرف به الإنسان عن خط ~~الاستقامة في العاطفة ، فيحب من لا يحبه الله ، ويبغض من لا يبغضه الله. # وهناك التجربة الواقعية التي تتحرك فيها المصالح والأهواء والشهوات ~~الذاتية ، لتعبر عن نفسها في الضغوط العملية التي تضغط على المواقف ~~الرسالية وتنحرف بالكثير من المواقع الإيمانية عن الاتجاه الصحيح ، وفي ~~الاهتزازات الحركية التي تمنع الإنسان عن الثبات والتوازن والاستقامة في ~~علاقاته وشؤونه وأوضاعه ، وفي التخطيط المعقد الذي يخطط للمشاريع العامة ~~والخاصة في دائرة العقد النفسية المنطلقة من الارتباكات الداخلية والخارجية ~~المحيطة به. # وهكذا تتحرك كل هذه التجارب في حياته ، لتصنع له أكثر من عاصفة تهز ~~أوضاعه الإيمانية ، فتزلزل عقيدته ، وتضلل مسيرته ، وتبعده عن أهدافه .. ~~ولتثير في حياته أكثر من عنصر من عناصر الإغراء التي تفتنه عن دينه ، ~~وتوجهه إلى الخضوع للجانب الغريزي في حياته ، مما يوحي بأن إيمانه من صنف ~~الإيمان المستودع الطارئ لا من صنف الإيمان العميق المستقر. # أما إذا تمرد على الخضوع لذلك كله ، فاستقام في مواقع الانحراف ، وثبت في ~~مواضع الاهتزاز ، واهتدى في الدروب الضائعة الى مواقع الهدى ، فإنه يؤكد ~~صدق إيمانه ، وقوة موقفه ، وسلامة خطه. # * * * PageV18P009 ### ||| ** الإيمان الشكلي والإيمان الحقيقي # إن مسألة المؤمنين في مسئولية الإيمان في حياتهم ، هي مسألة السابحين ضد ~~التيار القوي الجارف ، فلا يثبت أمامه إلا الأقوياء الذين يملكون فن ~~السباحة في الأمواج الهائجة التي تتلاعب بها التيارات ، ويتمتعون بقوة ~~العضلات التي ms4143 يستطيعون من خلالها أن يضربوا اندفاع التيار ، ويتلقوا ضرباته ~~، أما الضعفاء الذين تعودوا السباحة في المياه الهادئة ، في مجرى التيار ، ~~واستراحوا لنقاط ضعفهم في شخصياتهم الخائفة وعضلاتهم الخاثرة ، فإنهم سوف ~~يسقطون في قلب الأمواج ليدفعهم التيار إلى أعماق البحر. # وهكذا يريد الله أن يقول للذين آمنوا بالكلمة وبالانتماء الشكلي للإسلام ~~، إن الدخول في الإسلام ليس نزهة ينتقل الإنسان في أجوائها في الأرض ~~المعشبة الخضراء الزاهية بألوان الورود ، وليس استرخاء يرتاح فيه الإنسان ~~للخمول وللكسل ليعيش أحلام اليقظة البهيجة ، أو ليغط من خلاله في نوم عميق ~~، وليس هروبا من واقع تزدحم فيه مشاكل الحياة ، إلى واقع بعيد عن المشاكل ، ~~بل هو حركة في داخل المعاناة ، ورحلة طويلة إلى الله في الدروب الشائكة ~~والمواقع الخطرة ، حيث يتنقل فيها بين العقبات والصعاب ، في أعماق الوديان ~~، وفي وعورة الجبال في الليالي المظلمة ، وفي الأيام القاتمة المليئة ~~بالغيوم ، مما يفرض على السائرين معها الكثير من الصبر على الآلام ، ~~والتمرد على الحرمان ، والاستمرار في السير على الطريق المستقيم ، والتباعد ~~عن الطفيليات النفسية التي تستنزف روحية الإنسان المسلم فتبعده عن الآفاق ~~الروحية في رحاب الله. # وقد يلتقي الإنسان المسلم في ما يلتقي في طريقه إلى الله ، القوى PageV18P010 # المهيمنة على الواقع كله في دوائره الفكرية والسياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية التي تحاول أن تفرض سيطرتها على المسلمين جميعا ، وتدعوهم إلى ~~الخضوع لمفاهيمها وللانسحاق تحت إرادتها ، بحيث لا تبقى لهم أية إرادة ، ~~وتزرع في نفوسهم مشاعر الخوف والقلق والضياع لتبدد من داخلهم أي شعور ~~بالأصالة الإسلامية كخط ثابت يحتوي الإنسان والحياة ، ليعيشوا كهامش جانبي ~~على امتدادات الطريق للآخرين ، وقد يسقط الكثيرون أمام ذلك ، وقد يبقى ~~البعض منهم متماسكا متوازنا ثابت القدم ، قوي العزيمة ، منفتح الروح ، رحب ~~الأفق .. من خلال انفتاحه على الله سبحانه. # وفي هذه الأجواء ، لا بد من دخول الإيمان ساحة الامتحان ، في مواقع فتنة ~~الفكر والروح والجسد ، ليظهر جوهره الأصيل في دائرة الثبات والاهتزاز في ~~حركة الحق والباطل في الحياة. # * * * ### ||| ** فتنة الأولين # ( @QUR@05 ولقد فتنا الذين من قبلهم ) من الأمم ms4144 السابقة عند ما أرسلنا ~~إليهم الرسل وأنزلنا عليهم الكتب ، وعرفناهم طريق الخطأ والصواب والضلال ~~والهدى ، وجاءتهم الحياة الدنيا بكل زخارفها وبهارجها ، وحليت ، في أعينهم ~~، وعاشت في قلوبهم ، حتى بدأ البعض ينجذب إليها ، ويستغرق في شهواتها ، ~~فتمردوا على الأنبياء ، وكذبوهم ، واضطهدوهم ، وقتلوا الكثيرين منهم ، ~~وعاثوا في الأرض فسادا واستعبدوا الناس واستكبروا عليهم ، حتى أعلنوا ~~أنفسهم آلهة من دون الله. وبقيت هناك قلة منهم ممن فهموا الدنيا على ~~حقيقتها في مواقع المسؤولية التي تواجههم ، وتفتح قلوبهم على مواقع الخوف ~~من الله ، والمحبة له ، وتوحي إليهم بأن الحياة رسالة لا بد للإنسان من أن ~~يحملها ، ويتحمل PageV18P011 # الكثير من الآلام في سبيلها. وكانت المسألة في ما بين هؤلاء وهؤلاء هي ~~مسألة الصدق في العقيدة وفي الموقف ، ومسألة الكذب فيهما. وكان الله يريد ~~للصادقين أن يظهروا في مواقفهم الحقيقية للناس ليقتدوا بهم ، كما يريد ~~للكاذبين أن يظهروا في جوهرهم المزيف ، ليتجنب الناس الاغترار بهم. # ( @QUR@06 فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) وليس المراد حدوث ~~العلم لله ، كما يوحي به التعبير ، لأن الله يعلم مستقبل الإنسان ، في ما ~~يفعله عن سوء اختياره أو حسن اختياره ، وما لا يفعله كذلك ، قبل خلقه ، بل ~~المراد ظهور المسألة للناس من خلال ملامح الصدق في سلوكهم العملي ، أو من ~~خلال ملامح الكذب في ذلك ، فكان التعبير بمثابة استعارة كلمة العلم في ~~تعلقها بالله على الطريقة التي تتعلق بها بالناس. # * * * ### ||| ** انتصار الكافرين وهمي مؤقت # ( @QUR@05 أم حسب الذين يعملون السيئات ) من المشركين الذين كانوا ~~يمارسون الضغوط على المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم ، ومن الضالين الذين ~~يتحركون في طريق الله ، في ما يخيل إليهم من قوة الموقع ، وعمق الحيلة ، ~~وبما يدبرونه من مكائد في مواجهة الإسلام والمسلمين ( @QUR@02 أن يسبقونا ) ~~في ما يمثله السبق من الغلبة ، على أساس ما يحققونه من نجاح في إضلال ~~المؤمنين ، وما يثيرونه من غبار في وجه الدعوة إلى الله ، مما يوحي لهم ~~بالانتصار على الله وعلى رسله ، عند ما تتقدم مواقعهم في الشرك على مواقع ~~الإيمان. PageV18P012 # ( @QUR@03 ساء ما يحكمون ) فهذه النظرة ms4145 لا تنطلق من عمق الدقة في الحكم ~~على الأشياء ، لأن الله قد يسهل للكافرين بعض الوسائل ، ويهيئ بعض الظروف ، ~~للوصول إلى بعض غاياتهم ، في فترة معينة ، ولكن المسألة لن تأخذ الكثير من ~~ذلك في امتداد الزمن ، لأن الله يريد للصراع أن يأخذ مداه ، في ما أودعه ~~الله للحياة من السنن الاجتماعية ، في ما تخضع له حياة الناس من سنن في ~~دائرة النظام الشامل للكون. ثم تنطلق الدعوة للإيمان من مواقع الصراع قوية ~~صلبة في أجواء المعاناة ، بعد أن تكون قد اكتسبت الكثير من خصائص النجاح ، ~~وعناصر القوة ، وفتحت أكثر من ثغرة في جدار الكفر ، ليسقط الكفر على أساس ~~تحطيمه في النفوس في دائرة الصراع ، قبل تحطيمه في ساحة الواقع. # إن الكثيرين من الناس قد يتخيلون أن مسألة التقدم والتأخر في حركة ~~الرسالات والمبادئ الأخرى ، تمثل الانطلاقة الأولى في الحركة ، مما يجعل ~~هؤلاء أو بعضهم يسقطون أمام أية انتكاسة للإيمان على يدي قوى الكفر ، أو ~~أية هزيمة للمسلمين تحت ضغط الكافرين ، ويفكرون أن الله قد خذلهم في ما ~~يريدون ، وما يؤمنون به. ولكن هؤلاء يخطئون في ذلك ، فإن الله لا يريد ~~لدينه أن ينطلق في الساحة العامة للحياة ، من قاعدة المعجزة التي تختصر كل ~~الأسباب التي ترتبط بها النتائج في المواقع ، بل يريد له أن يبدأ في حركته ~~في نطاق عملية النمو الطبيعي الذي تتكامل به الموجودات في وجودها التكويني ~~أو العملي ، لأن ذلك هو السبيل الذي يعمق الفكرة في العقول وفي القلوب ، ~~ويصنع للإنسان تجاربه المتنوعة في مواجهة التحديات ، ويحقق له القوة في ~~وجوده. فإن الصراع كلما اشتد في ضغطة ، كانت النتائج الإيجابية لمصلحة ~~الإيمان ، والنتائج السلبية ضد الكفر ، أكثر تأثيرا ، في ما يعنيه ذلك من ~~أن الله يريد للإنسان أن يحقق إرادة الله باختياره ، بحيث يعطي الرسالة ~~شيئا من فكره وجهده في ما يؤمن ، وفي ما يحقق للآخرين من فرض الإيمان. PageV18P013 # ولهذا ، فإن الله قد يمهل الإنسان في غيه وكفره ، ولكنه لا يهمله ، بل ~~يهيئ لعباده الصالحين أكثر من ms4146 فرصة داخلية وخارجية للانتصار على الكافرين ~~ولو بعد حين .. # ثم قد تحقق المسألة لهؤلاء في بعض المواقع انتصارا في الدنيا ، ولكن ما ~~ذا بعد الموت ، فهل يسبقون إرادة الله في ذلك؟ ومن الذي يحميهم من الله؟ ~~ولكن ، كيف يفكر هؤلاء ، وبما ذا يحكمون ، هل ينطلقون من قاعدة ، أو ~~يتحركون من فراغ؟ ساء ما يحكمون. # * * * ### ||| ** هوية الذين يعملون السيئات # وقد اختلف المفسرون في هؤلاء الذين يعملون السيئات ، في تحديد هويتهم ~~فقيل : إنهم المشركون الذين كانوا يفتنون عن دينهم ، وقيل : إنهم المؤمنون ~~العصاة في ما يقترفونه من عصيان أمر الله ونهيه في تفاصيل الحياة. وقيل : ~~إن المراد بعمل السيئات أعم من الشرك وعمل المعاصي ، مما يجعل الآية عامة ~~لكل من يمارس السيئة على مستوى العقيدة وعلى مستوى العمل. # وقد اختار صاحب الميزان الوجه الأول ، ورفض الوجهين الأخيرين على أساس ~~مخالفة السياق الذي انطلقت فيه بداية السورة في الحديث عن الفتنة في نطاق ~~مسألة الإيمان والكفر ، مما يجعل الآية في دائرة المشركين الذين كانوا ~~يتحركون في اتجاه إيجاد أجواء الفتنة للمؤمنين ، في ما يقدمونه من إغراءات ~~، وما يثيرونه من ضغوط ، وما يحركونه من أوضاع. ثم استدرك بعد ذلك ، أن ~~الآية لو كانت مستقلة في نزولها ، بعيدا عن السياق ، لكان مقتضاها العموم، PageV18P014 # لأنه لا موجب لتخصيصها بخصوص الشرك ، أو بخصوص سائر المعاصي دون الشرك (1). # ونحن نلاحظ على ذلك ، أن بداية السورة لم تقتصر على الفتنة في العقيدة ~~ولكنها قد تشمل الفتنة في العمل ، في ما يرتبط به الإيمان في صدقه وكذبه ، ~~بالعمل على أساس الشريعة التي يفرضها الإيمان في الانسجام معها ، والابتعاد ~~عنها ، مما يجعل العموم هو طبيعة هذه الآية ، كما هو طبيعة ما قبلها. # * * * ### ||| ** الذين يرجون لقاء الله # ( @QUR@05 من كان يرجوا لقاء الله ) من هؤلاء المؤمنين الذين أحسنوا ~~السير في خط الإيمان في الفكر والعمل ، وراقبوا الله في سرهم وعلانيتهم ، ~~ورأوا في ذلك فرصة للقاء الله في الدار الآخرة للحصول على رضوانه ، والدخول ~~في جنته ، ولذا فإنهم يرجون ذلك ويحبونه وينتظرونه ، إذ لا ms4147 سبب لديهم ~~يدعوهم إلى الخوف من ذلك ، لأنهم لن يجدوا أية مشكلة في لقاء الله والوقوف ~~بين يديه ، في لحظة الحساب التي يواجه فيها الناس نتائج مسئوليتهم عن ~~أعمالهم في الدنيا ، في ما قدموه من خير أو شر. # ( @QUR@04 فإن أجل الله لآت ) في الوقت المحدد له ، فليعمل الإنسان في ~~الدائرة الإيمانية التي يريد الله أن يتحرك فيها ، في ما يقوله ويعبر عن ~~سره الخفي وفي ما يتحرك به في عمله ، فسيحفظ الله له ذلك كله ، ولن يضيع من ~~عمله شيء PageV18P015 # ( @QUR@03 وهو السميع العليم ) الذي يسمع ما يقوله عباده في سرهم ~~وعلانيتهم ويعلم ما تخفيه صدورهم من نواياهم وأفكارهم. # * * * ### ||| ** من جاهد فإنما يجاهد لنفسه # ( @QUR@05 ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) لأن الجهاد يمثل حركة الإرادة في ~~مواجهة النوازع المضادة في الداخل في ما تشتمل عليه شخصية الإنسان من شهوات ~~ورغبات ، وفي مواجهة القوى المنحرفة في الخارج ، في ما تحتويه الساحة من ~~أعداء ومعتدين. وذلك من أجل خلق التوازن الداخلي في شخصية الإنسان المسلم ~~بين خصائصه المادية وتطلعاته الروحية في ما يتطلبه الجسد من تلبية نداء ~~الرغبة وإرواء ظمأ الشهوة ، وفي ما يتطلبه العقل والروح من تنظيم الحاجات ، ~~وتحديد النزوات ، وذلك هو السبيل للحصول على طمأنينة النفس ، وسلامة الجسد ~~، واستقرار الحياة وسعادة المصير في رحاب الله ، مما يعود بالخير على نفسه. # وإذا أردنا أن ننظر إلى الجهاد الذي يعيشه المؤمن ضد كل عوامل الفتنة ~~والإغراء والتهويل التي تريد إبعاده عن دينه وتحويله إلى مواقع الكفر ، ~~فإننا سنجد في ذلك الخير كل الخير له ، لأن الثبات على الإيمان يمثل الثبات ~~على قاعدة الخير في الحياة من خلال الخط المستقيم الواحد الذي يضم الحياة ~~كلها في تصور واحد في كل مجالاتها العامة ، لتلتقي في بداياتها بالله ، ~~وتنتهي في نهاياتها الخيرة السعيدة إليه. # أما جهاد القوى المضادة التي تعمل على تأكيد سيطرة الظلم والشر والفساد ، ~~وتتحرك للعدوان على البلاد والعباد ، وتحمل الكفر كعقيدة ، والبغي PageV18P016 # كمنهج حياة ، فإنه يحقق للحياة سلامها واستقرارها وتوازنها ، لينعكس ذلك ~~على الإنسان ms4148 خيرا وبركة ومحبة وسلاما. # وعلى ضوء هذا ، كان الجهاد الإنساني في مواجهة عوامل الانحراف في نفسه ~~وقوى الشر في حياته ، حاجة إنسانية للاستقرار والطمأنينة يجلب فيها الإنسان ~~الخير لنفسه ، وليس حاجة إلهية في ما قد يتخيله البعض من حاجة الله إلى ~~عباده في ما يكلفهم به من شؤون الإيمان والعمل الصالح ، ليكون الأمر ~~بالجهاد من بعض ذلك ، لأن الله لا يحتاج إلى أحد في أي شيء ، لقدرته على كل ~~شيء ( @QUR@05 إن الله لغني عن العالمين ) بل هم الفقراء إليه لأن كل ما ~~يملكونه من وجودهم ومن تفاصيل هذا الوجود ، هو نعمة منه في طبيعته وفي ~~استمراره ، وهو القادر على أن يذهبهم جميعا بإرادته كما كان القادر على ~~إيجادهم وتدبير أمورهم بقدرته. # * * * ### ||| ** ثواب من امن وعمل صالحا # ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وثبتوا على إيمانهم في مواقع ~~الزلزال وأصروا على الاستقامة في العمل في دروب الانحراف ، فلم تغيرهم ~~الظروف الصعبة ، والإغراءات الحلوة ، والتهاويل القاسية ، بل زادتهم إصرارا ~~على الثبات ، ولذلك استحقوا رضا الله ومحبته وغفرانه ( @QUR@03 لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم ) في ما قد يكونون مخطئين فيه في بعض أجواء الغفلة ، أو في ما ~~عاشوه سابقا في زمان الكفر والعصيان بعد ما انتقلوا إلى رحاب الطاعة ~~والإيمان ، فلا يبقى من الماضي شيء للمستقبل ، بل يتحرك الحاضر والمستقبل ~~من دون أية عقدة تثير الحزن ، أو أية مشكلة تربك الحياة ، لأن الله لا يريد ~~للإنسان أن يبقى خاضعا PageV18P017 # لعقدة الذنب في ما أخطأ فيه في الماضي ، بل يريده أن يتحرر من ذلك ، ~~لتتجدد روحيته في الجو النظيف الطاهر ، والأفق الصافي المشرق ، ليكون ~~الإنسان الجديد التائب الذي تمحو توبته كل سواد الماضي ، ليبقى مجرد درس ~~للمستقبل ، ووعي لكل مشاكل الطريق ( @QUR@05 ولنجزينهم أحسن الذي كانوا ~~يعملون ) فلا يؤثر على درجتهم التي يرفعهم الله إليها ، أي شيء مما فعلوه ، ~~أو مما قد يعلق بها من سيئات صغيرة ، ولا ينقص من ثوابهم شيء ، لأن طبيعة ~~العمق في إيمانهم والثبات في مواقفهم والاستقامة في خطهم ، تجعل العمل ~~منطلقا من الروحية العالية التي ms4149 يجتمع فيها الإيمان والخير ، فيعطيه روحا ~~جديدة ، ومعنى كبيرا من معاني الإخلاص لله ، والانفتاح على رضوانه. # * * * PageV18P018 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@021 ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) @QUR@07 والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ووصينا ): التوصية : العهد ، وهنا : الأمر. # ( @QUR@01 جاهداك ): أي استفرغا مجهودهما في إلزامك. # * * * ### ||| ** الإحسان إلى الوالدين في غير معصية الله # قد تكون مشكلة بعض المؤمنين ، انحراف والديه بالكفر والشرك والضلال ، ~~فيضغطان عليه من خلال الناحية العاطفية في علاقته بهما ، لينحرف PageV18P019 # من حيث انحرفا ، وليكفر من حيث كفرا ، فيتحرج من ذلك عند ما يقف بين ~~عاطفته التي تضغط على قلبه لينفتح على والديه في ما يحبانه منه ، وبين ~~إيمانه الذي يضغط على إرادته لتؤكد الموقف في الانفتاح على الله في ما يحبه ~~منه من الثبات على الاستقامة. وقد أراد الله أن يبين للإنسان المؤمن أن ~~العاطفة التي تشده إلى والديه ، في ما أوصاه الله به من ذلك ، وفي ما ~~يتحسسه مما قدماه إليه من الجميل ، لا تفرض عليه الانشداد إليهما في مقام ~~الطاعة ، بل تفرض عليه التعاطف معهما في مقام الإحسان ، أما الطاعة فهي لله ~~، فإذا أمراه بما يحبه الله ، فعليه أن يطيعهما في مواقع طاعة الله ، وإذا ~~أمراه بغير ذلك ، فعليه أن يطيع الله ، ويعصيهما في ذلك. # * * * ### ||| ** الوصية بالإحسان للوالدين # ( @QUR@04 ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) أي توصية حسنة أو ذات حسن ، أي ~~أمرناه أن يحسن إليهما. وقد تحدثنا في هذا التفسير عن الخط القرآني في ~~مسألة الوالدين ، الذي جعل المسألة في دائرة الإحسان في مقابل العقوق ، ولم ~~يجعلها في دائرة الطاعة ، لأن طبيعة العنصر الذي يربط الولد بالوالدين ، لا ~~يمنح الوالدين هذا الحق ، لأنه لا يرتبط بالجانب العاطفي من شخصيته ، بل ~~يرتبط بالجانب الواقعي في إدراك المصلحة والمفسدة في الأشياء ، مما قد لا ~~يدركه الوالدان في أكثر الحالات .. ولهذا فإن الطاعة إذا التقت بالإحسان ، ~~بحيث كان تركها عقوقا من دون أن يسيء ذلك إلى مبادئ الود ms4150 ومصالحه الحقيقية ~~، فلا بد للإنسان من العمل على أساسها وإلا فلا. # * * * PageV18P020 ### ||| ** حدود طاعة الوالدين # ( @QUR@09 وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم ) أي إذا حاولا ممارسة ~~كل صنوف الضغوط النفسية والمادية عليك لحملك على الخروج من الإيمان إلى ~~الكفر ( @QUR@02 فلا تطعهما ) لأن الطاعة في أي موقع من مواقعها ، لا بد من ~~إخضاعها للقناعة بطبيعة الفعل أو الموقف من حيث الإدراك الواعي للمعاني ~~الحقيقية في ذاتهما ، التي تفرض على الإنسان القيام بهما ، أو الإيمان ~~بالجهة الآمرة في ما تملكه من حق الطاعة عليه في معنى الإيمان ، كما في ~~طاعة الله التي تنطلق من موقع عبودية الإنسان له ، وهذا مما لا يتوفر في ~~مسألة الوالدين اللذين لا يملكان هذا الحق ، لأن الولد ليس عبدا لوالديه. # وقد يكون التنصيص على الشرك ، مجرد نموذج لكل المواقف التي تتعارض مع أمر ~~الله ونهيه ، في ما يريدان منه الانحراف عنه ، أو التي تتعارض مع ما يحبه ~~الله ويرضاه ، حتى في الأمور المستحبة عند ما يرفضان منه القيام بها ، ~~انطلاقا من بعض العقد النفسية التي يحملانها ضد ذلك كله. # ( @QUR@06 إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) في خط الشرك ، وفي خط ~~التوحيد ، في ما يفرضه الخط الأول من عذاب النار وغضب الله ، وفي ما يفرضه ~~الخط الثاني من نعيم الجنة ورضوان الله ، ولذلك فلا بد لكم من التفكير في ~~الموضوع من وحي الشعور بالمسؤولية ، بعيدا عن التأثر بالانفعالات الذاتية. ~~( @QUR@07 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) لأن ذلك هو ~~مجتمعهم الذي عاشوا في داخله في الدنيا عند ما كانوا جزءا من المجتمع ~~المؤمن الصالح الذي يطيع الله ورسوله ويجاهد في سبيله ، وسيكونون في الآخرة ~~جزءا منه عند ما يدخل الله الصالحين في جنته ، ويفيض عليهم من رحمته. # * * * PageV18P021 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@031 ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين (10) @QUR@06 وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين ) (11) # * * * ### ||| ** الإيمان على ms4151 قياس المصالح الخاصة # للإيمان نتائجه الصعبة في حياة المؤمنين ، الذين يواجهون الكفر والكافرين ~~، فيتعرضون لضغوط قاسية من التعذيب والتنكيل والتشريد ، ليرجعوا عن إيمانهم ~~أو ليتراجعوا عن مواقفهم ، مما يفرض عليهم أن يستعدوا لذلك في روحية القوة ~~المنفحة على الله التي تستعلي على الآلام ، ولا تسقط أمام الضغوط ولا تنهار ~~أمام التحدي. # ولكن بعض الناس قد لا يتحملون ذلك ، لأنهم لا يعيشون مسئولية PageV18P022 # الإيمان ولا يدركون خطورته ، بل يعتبرونه مجرد موقف من المواقف التي ~~يصلون من خلالها إلى غاياتهم الذاتية في ما يحققونه لأنفسهم من مصالح ~~ومطامع ، ولهذا فإنهم يقيسون القضية بحجم النتائج الإيجابية أو السلبية في ~~الدائرة الخاصة ، لأنهم ليسوا أصحاب مبادئ ، بل أصحاب مصالح ، فإذا تأثرت ~~مصالحهم ، ثاروا على الإيمان والمؤمنين ، وابتعدوا عنهم ، واعتبروا القضية ~~ضريبة فادحة بالنسبة إليهم .. وإذا كانت هناك فرصة طيبة للربح ، اقتربوا من ~~خلالها من المؤمنين ، وأعلنوا انتماءهم للإيمان وللإسلام. # * * * ### ||| ** المنافق لا يصبر على الأذى # إنهم المنافقون الذين يعلم الله خفاياهم ، فلا يغيب عن علمه شيء من ذلك ~~كله ( @QUR@010 ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ) أي كان ~~الإيذاء متوجها إليه بسبب إيمانه بالله وعلاقته به ، من خلال تعرض مصالحه ~~للخطر وعلاقاته بمواقع القوة في الحياة للتعقيد ، أو تعرض جسده للتعذيب ~~والتنكيل. وقد فسر البعض الكلمة على أساس الحذف ، أي أوذي في سبيل الله ، ~~في ما يفرضه ذلك من ضريبة المواجهة في خط الجهاد. ولكن الظاهر أن الكلمة ~~ليست واردة في هذا السياق ، لأن هؤلاء الجماعة لم يتحركوا في خط الجهاد ~~ليلحقهم أذاه ، لا سيما أن السورة مكية ، في ما تقول بعض الروايات ، مما ~~يعني أنها دائرة في سياق الأذى المترتب على الالتزام العقائدي الإيماني ، ~~ولكنها يمكن أن تختزن بعض المعاني التي تشمل ذلك ، على أساس أن الإيذاء ~~المترتب على الالتزام العقائدي للشخص إنما يناله من جهة كونه موقفا في ~~مواجهة موقف الكفر ، وموقعا من مواقع القوة لله ، فإذا حدث ذلك للإنسان ~~منهم ( @QUR@02 جعل فتنة PageV18P023 # @QUR@03 الناس كعذاب الله )، فكما يهرب الإنسان من ms4152 عذاب الله فيترك كل ~~شيء يؤدي إليه لأنه لا يستطيع تحمله لخطورته وقسوته ، فإنه يهرب من فتنة ~~الناس في ما تحتويه من ضغوط وتهاويل ، وفي ما تثيره من مشاكل في داخل حياته. # * * * ### ||| ** ادعاء الإيمان عند النصر # ( @QUR@09 ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ) وذلك في ما يحصل ~~عليه المؤمنون من انتصارات على مستوى قوة الدعوة ، عند ما يرتاح الموقف ، ~~ويبتعد عن أجواء الاضطهاد والتنكيل. وقد فسرها البعض بالنصر الذي حصل ~~للمسلمين فيما بعد الهجرة ، لأنهم لم يحصلوا على أي موقع للقوة قبل ذلك ، ~~مما يمكن أن يعبر عنه بالنصر ، بل كانوا في موقع الضعف ، حيث اضطر البعض ~~منهم للهجرة إلى الحبشة. وعلى ضوء ذلك ، فإن الآية تكون مدنية لا مكية ، ~~على خلاف المعروف المشهور من ذلك وهو قريب ، مع إمكان إثارة ملاحظة معينة ، ~~وهي أن الآية كانت تعالج النماذج في نطاق الجو العام لحركة الدعوة في حياة ~~الناس المنافقين بين واقع الضعف وواقع القوة ، لا في نطاق الحالات الخاصة ، ~~لنبحث عن النموذج في داخل مرحلة معينة من خلال أفرادها ، والله أعلم. # * * * ### ||| ** الله أعلم بما في الصدور # ( @QUR@07 أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) فلا يخفى عليه منهم ~~شيء. فكيف يتحدثون مع المؤمنين بأنهم كانوا معهم ، وأنهم المخلصون لعقيدة PageV18P024 # الإيمان وللمجتمع المؤمن ، والله يعلم بما في صدورهم من عقيدة النفاق ~~التي تظهر الإيمان وتبطن الكفر؟! # ( @QUR@04 وليعلمن الله الذين آمنوا ) في ما يظهره من إخلاصهم له وللرسول ~~، وللإسلام والمسلمين ، في الصبر على الأذى في جنب الله ، ( @QUR@02 ~~وليعلمن المنافقين ) في ما يظهر من تناقض مواقفهم ، وابتعادهم عن الإخلاص ~~في العقيدة والعمل. # * * * PageV18P025 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) @QUR@011 وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أثقالهم ): الأثقال : جمع ثقل ، والمراد بها هنا الأوزار ، ~~والثقل في الأصل : متاع البيت ، يقال : ارتحل الناس بثقلهم وثقلتهم ، أي ~~بأمتعتهم. # * * * ### ||| ** من أساليب الكفار الخادعة في إضلال المؤمنين # وهذا ms4153 أسلوب خبيث من أساليب الكفار في إضلال المؤمنين في محاولة خداعهم ~~وفتنتهم عن الخط الإسلامي الأصيل ، فقد كانوا يعملون على مواجهة حس ~~المسؤولية الذي يعيش في مشاعر المسلمين ، فيدفعهم إلى الإيمان خوفا PageV18P026 # من عقاب الله في الآخرة ، في ما يستتبعه الكفر ، الذي هو من أعلى أنواع ~~الخطيئة ، من ذلك. فيقولون لهم : إذا كان هناك من مسئولية في الآخرة فإننا ~~نتحملها عنكم ، فلا تحملوا هما من هذه الجهة ، إذا سرتم معنا ، وعملتم ~~عملنا ، فإن النتيجة ستتساوى بالنسبة إليكم لو كان الحق معكم أو كان معنا. # وهذا الأسلوب لا يقتصر في تحريكه على هذا الجانب ، بل قد يمارسه الكثيرون ~~ممن يريدون أن يقودوا الناس إلى ارتكاب بعض الأعمال التي قد تكون محرمة ، ~~أو السير في بعض الأوضاع أو العلاقات التي قد لا يرضاها الله ، فيقولون لهم ~~: اعملوا هذا العمل على ذمتنا وتصرفوا في هذا الوضع أو ذاك على مسئوليتنا ، ~~وذلك من أجل مقاومتهم في الامتناع خوفا من عقاب الله ، أو من المسؤولية ~~أمام بعض الجهات المسؤولة. فما هو موقف الإسلام من ذلك؟ # هل للإنسان الاعتماد على هذا؟ وما هي طبيعة الموقف منه؟ # ( @QUR@07 وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ) في الكفر أو ~~الشرك واتركوا سبيل الإيمان والتوحيد ( @QUR@02 ولنحمل خطاياكم ) إذا كان ~~هناك في الأمر خطيئة ، في ما تزعمونه أو تخافونه من ذلك في أنفسكم ، تبعا ~~لتخويف الآخرين ممن يدعون النبوة ، فلا مشكلة عندكم في ذلك ، لأن الحق إذا ~~كان لنا ، فلا مسئولية ولا من يسألون ، وإذا كان الحق لكم فإننا سوف نحمل ~~ذلك عنكم ، مهما كانت الأوضاع والنتائج. # * * * ### ||| ** كل يحمل خطاياه # ( @QUR@07 وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ) لأنهم لا يملكون الأمر في ~~الآخرة عند ما يكون الحق في جانب المؤمنين ، بل الله هو المالك لذلك كله ، PageV18P027 # فهو الذي يعذب الكافرين بناره ، وهو الذي يؤمنهم من ذلك ، إذا كان للأمان ~~موقع في أمرهم. أما هؤلاء الكافرون ، فليس لهم من الأمر شيء في أنفسهم ، في ~~ما يملكونه من مواقع القدرة ، ولم يأذن لهم ms4154 الله في ذلك ، ليعتمدوا في تحمل ~~مسئولية الآخرين على إذن الله. وهذا هو الجواب نفسه لكل الأشخاص الذين ~~يخاطبون الناس بتحملهم للأعمال أو الأوضاع التي يطلبونها منهم ، في ذمتهم ، ~~أو مسئوليتهم ، فهم لا يملكون من الأمر شيئا ليدخل ذلك في عهدتهم ، ولم ~~يعطهم الله الإذن فيه. # ( @QUR@02 إنهم لكاذبون ) في ما يدعونه من هذا الموقع لأنفسهم ولكلماتهم ~~، وفي وعدهم لهؤلاء ، لأنهم يعلمون من أنفسهم أن ذلك امر لا حقيقة له. # * * * ### ||| ** حمل أثقالهم وأثقال من أضلوهم # ( @QUR@02 وليحملن أثقالهم ) في ما يحملهم الله من مسئولية هذا الكلام ، ~~ومن التسبب في إضلال هؤلاء البسطاء الذين قد يتبعونهم في ما يخدعونهم به ( ~~@QUR@03 وأثقالا مع أثقالهم ) في ما يقومون به من ذنوب وجرائم في حياتهم ~~الخاصة والعامة ، فلا يجدون أية قوة لأنفسهم ، ولا يجدون لغيرهم مثل ذلك ( ~~@QUR@06 وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) مما يتصل بعملهم في ما ~~يكفرون ويشركون ويعصون ، ومما يتصل بعمل الآخرين في ما يضللونهم بالإغراء ~~أو بالترهيب. # * * * PageV18P028 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) @QUR@06 فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ~~آية للعالمين (15) @QUR@013 وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (16) @QUR@027 إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند ~~الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) @QUR@013 وإن تكذبوا فقد ~~كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) @QUR@013 أولم ~~يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) @QUR@019 قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شيء قدير (20) @QUR@08 يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ~~(21) @QUR@017 وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (22) @QUR@013 والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك ~~يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) @QUR@020 فما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا اقتلوه أو ms4155 حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (24) @QUR@02 وقال إنما PageV18P029 # @QUR@025 اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ~~(25) @QUR@012 فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ~~(26) @QUR@018 ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ~~وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) (27) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 إفكا ): الإفك : الكذب. # ( @QUR@01 ينشئ ): الإنشاء : الإيجاد. # ( @QUR@01 تقلبون ): ترجعون وتردون. # * * * ### ||| ** من نوح إلى إبراهيم في رحلة الرسالة # وهذا فصل جديد من السورة يفصل الله فيه ما أجمله في صدرها من أنه قد فتن ~~الذين من قبلنا ، في ما واجهوه من التحديات الكافرة التي تحدى بها الكفار ~~رسل الله عند ما دعوهم إلى الإسلام ، في عقيدته ومنهجه. # * * * PageV18P030 ### ||| ** إرسال نوح إلى قومه # ( @QUR@05 ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) ليدعوهم إلى عبادة الله الواحد ، ~~( @QUR@07 فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) بحيث استنفد كل تجاربه في ~~وسائل الدعوة إلى الله ، فلم يترك كلمة من كلمات الهدى إلا وقالها ، ولم ~~يدع أسلوبا من أساليب الإقناع بالإيمان إلا واستخدمه بكل حكمة ولباقة وعقل ~~، فلم يستجيبوا له ، بل أصروا على الاستمرار في عبادة الأوثان ، وسخروا منه ~~ومن دعوته ، ( @QUR@02 فأخذهم الطوفان ) الذي غمر الأرض بالماء حتى ارتفع ~~إلى الجبال ، فلم يبق هناك ما يعصم من أمر الله ( @QUR@02 وهم ظالمون ) ~~لأنفسهم بالكفر ، وللحياة وللإنسان بالتمرد والطغيان .. فكان الطوفان عقابا ~~دنيويا على ذلك. # ( @QUR@03 فأنجيناه وأصحاب السفينة ) الذين ركبوا معه فيها ( @QUR@03 ~~وجعلناها آية للعالمين ) في ما تمثله السفينة أو ترمز له أحداث الطوفان من ~~نصرة الله لأوليائه ، وهو درس وعبرة للأجيال القادمة من الناس أن الله يرعى ~~رسله ، ويعاقب المتمردين عليه. # * * * ### ||| ** دعوة إبراهيم لقومه # ( @QUR@06 وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله ) ووحدوه في العبادة ، ( ~~@QUR@01 واتقوه ) وراقبوه في أعمالكم لتحملوا مسئوليتها في جميع مفرداتها ( ~~@QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) لأن توحيد الله في العبادة ، وتقواه ~~في حركة الحياة ، هما اللذان ينظمان للإنسان حياته ms4156 ويحركانها في الخط ~~المستقيم ، ويوحدان له منهجه وغايته عند ما ترتبط كل القضايا بالله ، وتتجه ~~كل الدروب إليه. # ( @QUR@06 إنما تعبدون من دون الله أوثانا ) في ما تصنعونه من الأصنام ~~الحجرية والخشبية مما لا يحمل أية قداسة ، ولا يمثل أي معنى ، في ما هو ~~الإله في PageV18P031 # خصائصه وصفاته ، ( @QUR@02 وتخلقون إفكا ) في ما تدعونه لها من الألوهية ~~، وفي ما تثيرونه حولها من أوهام وقداسات وتهاويل ، من فنون الكذب والخيال ~~، ولكن هل فكرتم في هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله ، وهل دخلتم في ~~مقارنة بينها وبين الله في قدرته وفي حاجتكم إليه؟ # * * * ### ||| ** الحاجة لا تطلب إلا من الله # ( @QUR@010 إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ) لأنهم لا ~~يملكون في ذاتهم أي شيء ، ولا يستطيعون تحقيق أي أمر من الضر والنفع ~~لأنفسهم ، فكيف يستطيعونه لغيرهم؟ فما معنى كل هذا التوجه إليهم ، والتوسل ~~بهم ، والخضوع لهم ، في ما تطلبونه من قضاء حاجاتكم ، وتوسعة أرزاقكم ، مما ~~هو بيد الله وبأمره ، لأنه الخالق للكون كله ، وهو المنعم علينا بكل ما جعل ~~فيه من النعم الصغيرة والكبيرة. # ( @QUR@04 فابتغوا عند الله الرزق ) فهو المالك له والقادر على إنزاله ~~إليكم ( @QUR@01 واعبدوه ) لأنه المستحق للعبادة في ألوهيته المطلقة التي ~~لا يقترب منها شيء ، في ما هي العظمة والقدرة ( @QUR@02 واشكروا له ) لأنه ~~الرب المنعم الذي ترجع كل النعم إليه ، فما بكم من نعمة فمن الله. # ( @QUR@02 إليه ترجعون ) في يوم القيامة لتواجهوا الحساب أمامه على ~~أعمالكم في قضية المصير مما يفرض عليكم الارتباط به في حاجاتكم وفي عبادتكم ~~وفي شكركم لنعمه ، لأن المسألة في غاية الخطورة ، على مستوى الوجود ~~والمصير. # * * * PageV18P032 ### ||| ** تكذيب الأمم السابقة للرسل # ( @QUR@07 وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ) فلستم أول من كذب الرسل ، ~~ولن تكونوا آخرهم ، ولن تغيروا من سنة الله ، في استمرار رسالته وتتابع ~~رسله ، شيئا ، ولن تستطيعوا إسقاط روحية الرسول الذي يعرف دوره جيدا ، ~~فينطلق إلى تأديته بكل إخلاص ، بعيدا عن طبيعة النتائج السلبية والإيجابية ~~على مستوى استجابة الناس لدعوته. # * * * ### ||| ** وظيفة الرسول : البلاغ المبين ms4157 # ( @QUR@06 وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) ليعرف الناس من خلاله ~~رسالة الله ليحددوا موقفهم منها على حسب تأثرهم بها ، أو تمردهم عليها. ~~وإذا كان الرسول يحب لرسالته أن تتأكد في عقول الناس وضمائرهم وتتحرك في ~~حياتهم ، فيتألم لابتعادهم عنها وتكذيبهم له ، فإن ذلك لا ينطلق من شعوره ~~بالتقصير في مهمته ، لأن مسألة الهداية الواقعية لا تتصل بالرسول وحده ، بل ~~تتصل إلى جانب ذلك بالناس وبالظروف الموضوعية المحيطة بهم ، وإنما ينطلق من ~~إحساسه الذاتي الرسالي بإشفاقه على الناس الذين يمثل انحرافهم عن الرسالة ~~انحرافا عن مصلحتهم في الدنيا والآخرة. # وهكذا يتابع إبراهيم رسالته في خطابه لقومه ، الذي يحدثنا الله عنه ، في ~~ما كان يقوله أو يفكر به. # * * * PageV18P033 ### ||| ** بدء الخلق والإعادة من سنخ واحد # ( @QUR@013 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ~~) ذكر بعض المفسرين أن المراد بالرؤية النظر العلمي دون الرؤية البصرية ... ~~والمعنى : أولم يعلموا كيفية الإبداء ثم الإعادة ، أي أنهما من سنخ واحد هو ~~إنشاء ما لم يكن ، وقوله ( @QUR@05 إن ذلك على الله يسير )... فيه رفع ~~الاستبعاد لأنه إنشاء بعد إنشاء. وإذا كانت القدرة المطلقة وإذا تتعلق ~~بالإيجاد فهي جائزة التعلق بالإنشاء بعد الإنشاء ، وهي في الحقيقة نقل ~~للخلق من دار إلى دار وإنزال للسائرين إليه في دار القرار (1). # وربما أمكن إرادة الرؤية البصرية على أساس مشاهدة عملية الخلق والإعادة ~~في ما يراه الإنسان من مظاهر الحياة في الأرض في ما تهتز به من زروع تنبت ~~ثم تموت ثم تهتز من جديد بالخضرة والحياة. # * * * ### ||| ** الاعتبار ببداية الخلق # ( @QUR@08 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) في ما تشاهدونه من ~~تنوع الخلائق واختلافهم في ألوانهم وأشكالهم وطبائعهم ، من غير مثال سابق ، ~~مما يوحي بعظمة القدرة واتساعها وشمولها لما يماثل ذلك في طبيعته ، الأمر ~~الذي تكون فيه عملية الإعادة نتيجة طبيعية لذلك ، باعتبار أنها أقل صعوبة ~~من عملية الإيجاد. PageV18P034 # ( @QUR@011 ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ) لأن ~~قدرته على النشأة الأولى تفرض قدرته ms4158 على النشأة الآخرة. # ( @QUR@08 يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ) أي تردون إليه ~~فيحاسبكم على أعمالكم فيعذب من يستحق العذاب ، ويرحم من يستحق الرحمة .. ~~لئلا تكون الحياة عبثا من دون نتيجة أو غاية. # ( @QUR@08 وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ) فإنكم خاضعون لحكمه ~~في ما يقدره ويقضيه في الأرض أو في السماء ، فلا تستطيعون دفعا لعذابه ، ~~ولا ردا لقضائه في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@09 وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير ) ولن يستطيع أحد أن يتولى أمركم من دون الله بحيث تستغنون به عنه ~~، أو يدافع عنكم فينصركم مما يريد الله أن يوقعه بكم من عذابه. # * * * ### ||| ** الكافر يائس من رحمة الله # ( @QUR@05 والذين كفروا بآيات الله ولقائه ) ولم يؤمنوا بها ولا بالرجوع ~~إليه في يوم القيامة ، ولذلك تصرفوا بعقلية الغريزة ، لا بروحية المسؤولية ~~، فعاثوا في الأرض فسادا ، وابتعدوا عن الخط المستقيم ، ( @QUR@04 أولئك ~~يئسوا من رحمتي ) لأن رحمة الله لا تنال الجاحدين له ، المعاندين لرسله ( ~~@QUR@04 وأولئك لهم عذاب أليم ) جزاء على كفرهم وعنادهم. # والظاهر أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى النبي ، وليس من كلام النبي ، ~~وإلا لكان من المناسب أن يقول : من رحمة الله. PageV18P035 # والمراد بآيات الله ، هي الدلائل الدالة على أصول العقيدة من التوحيد ~~والنبوة ، أما يأسهم من رحمة الله ، وهي الجنة أو المغفرة والرضوان ، ~~فينطلق من جحودهم لها ، أو من طبيعة قضاء الله بأن رحمته لا تنال الكافرين. # * * * ### ||| ** محاولة قتل إبراهيم # ( @QUR@04 فما كان جواب قومه ) على هذه الدعوة الواعية التي تفتح القلب ~~على الله من خلال التأمل العميق ، والنظرة الشاملة ، ( @QUR@06 إلا أن ~~قالوا اقتلوه أو حرقوه ) لأنهم لا يملكون الرد المتوازن الذي يناقش القضايا ~~المطروحة بدقة وعمق ، وذلك من خلال فقدانهم للحجة على ما ينكرون ، وما ~~يعتقدون ، مما يجعل موقفهم موقف الضعيف الذي لا يمكنه الدفاع بالأسلوب ~~العقلي ، فيدافع عن موقفه بالطريقة الغوغائية العدوانية بالتهديد بالقوة ، ~~( @QUR@04 فأنجاه الله من النار ) التي أضرموها ثم ألقوه فيها فجعلها بردا ~~وسلاما عليه ، وكان ذلك معجزة إلهية لإبراهيم ( @QUR@06 إن في ذلك ms4159 لآيات ~~لقوم يؤمنون ). # * * * ### ||| ** اتخاذ الأوثان للمصالح الخاصة # ( @QUR@012 وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ) فلم يكن اتخاذكم لها منطلقا من قناعة فكرية مبنية على حجة عقلية ، ~~بل كان منطلقا من علاقات المودة القائمة بينكم في الحياة الدنيا ، من خلال ~~القرابة أو الصداقة أو المصلحة ، مما يجعل للألفة دورها الكبير ، وللعاطفة ~~أهميتها العليا في تكوين العقائد والعادات والتقاليد ، ثم تتسع المسألة ، ~~فتتحول إلى عقيدة عامة للأمة. وهذا ما عبرت عنه الآيات القرآنية التي ناقشت ~~تقديس عقائد الآباء والأجداد ، PageV18P036 # وذلك في ما حدثنا الله به عن إبراهيم في قوله تعالى : ( @QUR@05 قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين ) [الأنبياء : 53] ، وفي قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~أو ينفعونكم أو يضرون* قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) [الشعراء : 73 ، 74]. # ولعل هذا هو الذي جعل الكثير من الأمم تعتز بتراثها القومي على أساس ~~طبيعة الارتباط العاطفي بالأرض واللغة المشتركة التي ينتمي إليها هؤلاء ، ~~بحيث يكون لذلك أثر كبير في تقديس المضمون التراثي بعيدا عما إذا كان حقا ~~أو باطلا. # وهكذا أراد إبراهيم أن يؤكد لهم الأساس اللاعقلاني الذي لا يملك أي ثبات ~~في حركة الحقيقة ، في ما يركزون عليه عقيدتهم وعبادتهم ، ليدعوهم إلى تحكيم ~~العقل في ذلك ، لأن العقيدة القائمة على المودة سوف تتبدل نتائجها إذا ~~تبدلت المودة وتحولت إلى عداوة ، مما يجعل كل فريق يلقي المسؤولية على ~~الفريق الآخر. # * * * ### ||| ** الكفار يكفر بعضهم ببعض # ( @QUR@06 ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ) عند ما يكفر بكم هؤلاء الذين ~~اتخذتموهم آلهة من دون الله ، ويتبرءون منكم ، كما قال الله سبحانه : ( ~~@QUR@06 كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [مريم : 82] ، وقوله ~~تعالى ( @QUR@04 ويوم القيامة يكفرون بشرككم ) [فاطر : 14] ، ( @QUR@03 ~~ويلعن بعضكم بعضا ) فتتراشقون باللعن في النار كما قال سبحانه : ( @QUR@05 ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها ) [الأعراف : 38]. # ( @QUR@06 ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) لأن ذلك هو الجزاء الإلهي PageV18P037 # للناس الذين لا يملكون حجة على العقيدة وعلى العمل ، بل كانت الحجة لله عليهم. # ويبقى للدار الآخرة في جحيمها ونعيمها دورها الكبير في إثارة الإحساس ~~الإنساني بالخوف من ms4160 المصير الذي يدفعه إلى الخروج من أجواء اللامبالاة التي ~~تجمد إحساسه بالمسؤولية ، فتمنعه من الانفتاح على الرسالة والرسول ( ~~@QUR@04 * فآمن له لوط ) ليكون داعية إلى الله ، ومرسلا من قبله إلى قومه ~~كما سيجيء في الآيات التالية. # * * * ### ||| ** هجرة إبراهيم إلى الله # ( @QUR@05 وقال إني مهاجر إلى ربي ) الظاهر من سياق الحديث أن القائل ~~إبراهيم عليه السلام ويؤيده موافقة ذلك مع الآية الكريمة في حكاية الله عن ~~إبراهيم عليه السلام في سورة الصافات : ( @QUR@06 وقال إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين )، [الصافات : 99] ، وقيل : إن الضمير راجع إلى لوط. # والهجرة إلى الله ، هي الخروج إلى الأرض الواسعة التي يملك فيها حرية ~~الحركة في عبادة الله والدعوة إليه والعمل في سبيله ، بعيدا عن كل الضغوط ~~التي تمنعه من ذلك ، وعن الحلقة المفرغة التي كان يدور فيها من غير جدوى في ~~دائرة قومه. وربما كان في الإشارة إلى إيمان لوط به ، نوع من الإيحاء بأنه ~~لم يؤمن معه من قومه إلا لوط. # والهجرة إلى الله ، شعار إيماني يحمله المسلم في قلبه ، ويحركه في حياته ~~، ليكون نقطة الانطلاق إلى الانفتاح على المواقع الجديدة التي يأمل فيها ~~الحصول على القوة عند ما تحاصره القوى المضادة في نقاط ضعفه لتجمده عن PageV18P038 # كل حركة ، ليستطيع من خلال ذلك ، العودة إلى الساحة من مركز قوة ليحولها ~~إلى ساحة إيمان ، أو العمل على توسعة آفاقه التي تقربه إلى الله وتقرب ~~الناس من الله ، لأن رسالته لا تقتصر على قومه بل تشمل كل الناس. # وهكذا رأينا أن هجرة إبراهيم إلى الله كانت السبب في بنائه للبيت ليكون ~~مثابة للناس وأمنا ومسجدا للطائفين والقائمين والركع السجود ، وانطلاق ~~الحنيفية إلى تلك المنطقة ، مما قد لا يحصل في بقاء إبراهيم في دائرة قومه. ~~وقد نجد في إعلان ذلك لقومه إيحاء لهم ، بأنه لن يضيع عند ما يتركونه ولن ~~يذل عند ما يخذلونه ، بل سيجد عند ربه الهدى في حكمته ووحيه ، وسيحصل على ~~العزة في قوته وجبروته ، وأن ربه ليس مجرد فكرة تجريدية يخلقها في داخل ~~نفسه ، كما يخلقون أصنامهم ms4161 من خلال أوهامهم ، بل هو حقيقة تهيمن على الكون ~~كله ، وتدبره وترعاه ، وترعى كل موجود فيه ، وتؤمن كل خائف في حياته. ولن ~~يستطيع أحد أن يرعاه كما يرعاه ربه ، أو يحميه كما يحميه الله. ولذلك فإنه ~~مهاجر إليه ، بعد خذلان قومه له واضطهادهم له ( @QUR@04 إنه هو العزيز ~~الحكيم ) لا يذل من نصره ولا يضيع من حفظه. # * * * ### ||| ** النبوة في ذرية إبراهيم # ( @QUR@09 ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) أي ~~كرمنا إبراهيم عليه السلام ، بأن جعلنا النبوة تمتد في أبنائه إسحاق ويعقوب ~~، وذلك لما كان عليه عليه السلام من تسليم قلبه لله تعالى ، ومن صبر على ~~تحمل أعباء الرسالة .. ولما حمله أولاده في قلوبهم من إيمان ، وفي سلوكهم ~~من التزام بأوامر الله ونواهيه ، بحيث استحقوا أن يكونوا موضعا لكرامة الله PageV18P039 # بالنبوة ، وإنزال الكتاب على أيديهم في ما أنزله الله على موسى وعيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما بعد. # ( @QUR@04 وآتيناه أجره في الدنيا ) في ما كرمه الله به من كتبه المنزلة ~~، وفي تخليد السلام عليه وعلى آله في كل رسالاته ، ليكون ذلك ذكرا خالدا له ~~في الناس ، ليذكروا روعة الإسلام لله في حياته ، وعظمة الجهاد في رسالته ، ~~وصفاء التأمل في حركة فكره ، ووداعة المحبة في نقاء روحه ، ( @QUR@05 وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين ) الذين ينالون كرامة الله في رضوانه وجنته ، في ~~المجتمع المتوازن الذي يعيشون في داخله روحية صلاحهم بعيدا عن الاختلاط ~~بالمجتمع غير الصالح ، في ما كانوا يعانون فيه من ضغط وخوف واضطهاد. فها هم ~~في الجنة ، مسرورون برضوان الله ، منفتحون على بعضهم البعض في خير ولطف ~~ومحبة وأخوة ، لم يعرفوا طعمها الحلو في الدنيا ، كما يعرفونه الآن. # ثم إننا نلاحظ أن الله يوحي إلينا بالحديث عن الأنبياء في اعتبارهم في ~~الآخرة من الصالحين ، أن مجتمع الصالحين في الجنة لا ينفصل فيه الأنبياء عن ~~المؤمنين الصالحين ، لأنه يتحدث أيضا في آية أخرى ، ( @QUR@07 والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) [العنكبوت : 9] ، كما يوحي بأن ~~الصلاح في الفكر والخط والعمل هو ms4162 العنوان الذي يفتح للإنسان أبواب الجنة ، ~~من خلال الرسالة التي يحملها ويبلغها ، أو يؤمن بها ويؤيدها ويجاهد في ~~سبيلها ، ( @QUR@04 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ). # * * * PageV18P040 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين (28) @QUR@023 أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ~~ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين (29) @QUR@06 قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) @QUR@015 ~~ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها ~~كانوا ظالمين (31) @QUR@016 قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) @QUR@023 ولما أن جاءت ~~رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك ~~إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) @QUR@012 إنا منزلون على أهل هذه القرية ~~رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) @QUR@07 ولقد تركنا منها آية بينة ~~لقوم يعقلون ) (35) # * * * PageV18P041 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ناديكم ): النادي والندي : المجلس إذا اجتمعوا فيه ، وتنادي ~~القوم : اجتمعوا في النادي. # ( @QUR@01 الغابرين ): الهالكين. # * * * ### ||| ** لوط في خط الرسالة من البداية إلى النهاية # ويعيد إلينا القرآن قصة لوط ليثير أمامنا بلاءه في قومه ، وفتنة قومه ، ~~في حركة غرائزهم نحو الشذوذ الجنسي المذكر ، وسقوطهم في الامتحان ، ~~بامتناعهم عن الانفتاح عليه في رسالته ، وعن التجارب معه في الابتعاد عن ~~الفاحشة في مجتمعهم ليكونوا قوما مؤمنين أطهارا في الحياة. # * * * ### ||| ** فحش قوم لوط # ( @QUR@01 ولوطا ) أي اذكر لوطا ، أو أرسلنا لوطا ( @QUR@06 إذ قال لقومه ~~إنكم لتأتون الفاحشة ) في ما تأتونه من اللواط ( @QUR@07 ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين ) فقد ابتدعتم هذا النوع من الشذوذ باستغراقكم في غرائزكم ~~الحيوانية ، واهتمامكم بها في محاولة لتطويرها بطريقة لا تخدم الحياة ، ولا ~~تنسجم مع طبيعتها الروحية والعملية ، وابتعادكم عن الانطلاق مع الآفاق ~~الواسعة للحياة التي يستكشف فيها الإنسان عظمة الله في الكون ، فيزداد ~~معرفة به وإيمانا بعظمته ، فيقترب بذلك من مواقع طاعته ، كما يبتدع فيها ، ~~بإلهام من PageV18P042 # ربه وهداية منه ، كل الوسائل التي تخدم الإنسان في الحياة ms4163 في ما ييسره من ~~شؤونها وأدواتها ، ( @QUR@03 أإنكم لتأتون الرجال ) من دون النساء ( ~~@QUR@02 وتقطعون السبيل ) أي الطريق. # * * * ### ||| ** تفسير قطع السبيل # وقد فسر قطع السبيل ، بأن المراد به قطع طريق التناسل أو إهماله ، وهو ~~الطريق الذي جعله الله سببا للتناسل من خلال إتيان النساء ، وذلك على سبيل ~~الكناية عن الإعراض عن النساء وترك نكاحهن ، وقيل : إن المراد به قطع سبيل ~~المارة بديارهم ، وكانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالخذف ، فأيهم أصابه ~~كان أولى به ، فيأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة دراهم ، وكان لهم قاض ~~يقضي بذلك. # ولعل الوجه الثاني أقرب لظهور اللفظ في ذلك ، ولعدم تعارف التعبير عن ترك ~~نكاح النساء بذلك ، وعدم تبادره إلى الفهم العرفي حتى على نحو الكناية ، مع ~~ملاحظة أنهم لم يكونوا تاركين لنكاح النساء بحيث تحولت المسألة عندهم إلى ~~شذوذ جنسي معقد رافض للوضع الطبيعي بشكل مطلق ، بل كل ما هناك أنهم يشتهون ~~الوضع المذكر ويمارسونه ، مما لا يؤدي إلى قطع التناسل. ويؤيد هذا القول ما ~~رواه العديد من أصحاب الجوامع عن أم هاني بنت أبي طالب ، ولفظ الحديث : ~~«قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله : ( @QUR@04 ~~وتأتون في ناديكم المنكر ) قال : كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل ~~ويسخرون منهم» (1). PageV18P043 # ولعل الحديث وارد لتفسير الفقرة الأولى ( @QUR@02 وتقطعون السبيل )، لأن ~~لفظه يتناسب معها ولا يتناسب مع الفقرة الثانية ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** إيتاء المنكر في النادي # ( @QUR@04 وتأتون في ناديكم المنكر ) فقد كانوا على ما يبدو يجتمعون في ~~مجلسهم الذي يلتقون فيه ، بصفتهم الاجتماعية ، فيمارسون الفحشاء ، أو ~~يقومون ببعض مقدماتها بطريقة علنية ، وبذلك تكون الفقرة تأكيدا لما تقدم ، ~~من جهة الحديث عن إتيانهم المنكر ، وبيانا لحدوث ذلك في النادي العام. # وقيل : المراد بإتيان المنكر في النادي ، أن مجالسهم كانت تشتمل على ~~أنواع المنكرات والقبائح مثل الشتم والسخف والقمار وخذف الأحجار على من مر ~~بهم وضرب المعازف والمزامير وكشف العورات واللواط ونحو ذلك. # والظاهر أن لوطا كان يريد إثارة الإنكار عليهم في ذلك كله ، ليقودهم إلى ~~الحوار ، ليؤدي ذلك إلى ms4164 تحليل الأمور بطريقة عقلانية من جهة ، وإلى تخويفهم ~~من المصير الذي ينتظرهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة من جهة أخرى ، على ~~ما هي الطريقة المألوفة في خط الأنبياء ، من تحريك العقل نحو التفكير ، ~~وتحريك الشعور نحو الخوف ، ليتوازن في شخصية الإنسان ، الجانب العقلي مع ~~الجانب الشعوري ، لأن ذلك هو سبيل التكامل في حركة الإنسان. # * * * PageV18P044 ### ||| ** رفض قوم لوط الدعوة # ولكن قومه كانوا مستغرقين في غرائزهم ، بحيث استطاعت أن تغلق نوافذ الفكر ~~وتثير في عقولهم دخانا من الشهوة المحترقة التي لا يطيقون الابتعاد عن ~~نارها. ولذلك فقد رفضوا الحوار ، وسخروا من دعوته ، وتحدوه بأن يفعل ما ~~يريد ، وهم يعتقدون أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا ، فضلا عما يريد ، لما ~~يرونه من ضعفه ، لأنه لا يملك قوة فيما بينهم ( @QUR@010 فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ) إذا كنت تهددنا به ( @QUR@04 إن كنت من ~~الصادقين ) في دعواك الرسالة ، وفي ارتباطك بالله بالمستوى الذي يستجيب فيه ~~لطلباتك في عذابنا. # * * * ### ||| ** دعاء لوط بالنصر # ( @QUR@06 قال رب انصرني على القوم المفسدين )، وهكذا التجأ إلى الله ~~عند ما واجهوه بكلمة التحدي التي يريدون من خلالها تحطيم موقعه بإظهار ضعفه ~~وعدم قدرته على تنفيذ ما هدد به ، وهو يعرف أنه لا يملك القدرة الذاتية على ~~ذلك ، فليس له إلا الرجوع إلى الله ، والاستنصار به. وهذا هو ما ينبغي ~~للمؤمنين العاملين في سبيل الله أن يعيشوه في مجالات الصراع العنيف بينهم ~~وبين الكافرين والظالمين ، فلا يستسلموا للضعف الذاتي ، بل يعملوا على ~~استنزال القوة والنصر من الله سبحانه ليكون لهم ذلك ، منطلقا للأمل ، وحشدا ~~للقوة النفسية. # واستجاب الله دعاءه ، ولكن كان من المفروض إعلام إبراهيم ، لأن لوطا PageV18P045 # على ما يبدو كان مرسلا ، من خلاله. # * * * ### ||| ** إعلام إبراهيم بإهلاك قوم لوط # ( @QUR@05 ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) بأن الله سيرزقه ولدا بعد ~~وقت طويل ( @QUR@06 قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ) التي يسكنها لوط ، ~~وربما كانت الإشارة إليها بكلمة «هذه» التي تدل على الإشارة إلى القريب ، ~~دلالة على قربها من مكان إبراهيم ms4165 في الأرض المقدسة ، ( @QUR@04 إن أهلها ~~كانوا ظالمين ) وتحول ظلمهم الى خطر عليهم وعلى الناس ، فاستحقوا العذاب بذلك. # ( @QUR@04 قال إن فيها لوطا ) فإذا كانوا ظالمين ، فإن لوطا ليس منهم ، ~~فكيف ينزل العذاب عليها وهو فيها ، فإن عذاب الله إذا نزل على أهل بلد شمل ~~الجميع ، فلا ينجو منه أحد ( @QUR@05 قالوا نحن أعلم بمن فيها ) فقد عرفنا ~~وجود لوط ، وقد خططنا لإخراجه منها مع أهله ما عدا امرأته قبل إنزال العذاب ~~، فإن الله قد أنزل العذاب عليهم لاستحقاقهم ذلك ولتمردهم على لوط ~~واستخفافهم به ، ولاستجابة دعائه بالنصرة عليهم ، فكيف يناله العذاب ، ( ~~@QUR@07 لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) الهالكين الذين يضمهم ~~غبار الموت لأنها كانت مؤيدة لقومها ضد لوط. # * * * PageV18P046 ### ||| ** هل كان إبراهيم يعلم أن لوطا لن يعذب؟ # وهناك لفتة جيدة ، ذكرها صاحب تفسير الميزان في تفسير كلام إبراهيم ~~للملائكة ( @QUR@03 إن فيها لوطا ) قال : إن إبراهيم عليه السلام ، لم يكن ~~ليجهل أن الله سبحانه لا يعذب لوطا وهو نبي مرسل ، وإن شمل العذاب جميع من ~~سواه من أهل قريته ، ولا أنه يخوفه ويذعره ويفزعه بقهره عليهم ، بل كان ~~عليه السلام يريد بقوله : ( @QUR@03 إن فيها لوطا ) أن يصرف العذاب عن أهل ~~القرية كرامة للوط لا أن يدفعه عن لوط ، فأجيب بأنهم مأمورون بإنجائه ~~وإخراجه من بين أهل القرية ومعه أهله إلا امرأته كانت من الغابرين. # والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى في سورة هود في هذا الموضع من ~~القصة : ( @QUR@031 فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط* إن إبراهيم لحليم أواه منيب* يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء ~~أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ) [هود : 74 76] (1). # وقد نلاحظ على ذلك ، أن الآية لا يظهر فيها ما ذكره ، ولهذا كان جواب ~~الملائكة بيانا لمصير لوط ، لا لمناقشة مصير قومه ، كما ذكر في سورة هود ، ~~ولا مانع من أن يكون إبراهيم عليه السلام قد أثار مصير قوم لوط معهم ، كما ~~أثار مصير لوط ، انطلاقا من النظرة السريعة للموقف على ms4166 أساس الإعلان ~~المفاجئ عن تعذيبهم ، تماما كما كان رد فعله السريع على البشارة ، باستغراب ~~ذلك واستبعاده ، وليس من الضروري أن يكون النبي مستحضرا في نفسه لكل الأمور ~~المتصلة بالأحداث ، بحيث يفقد عنصر المفاجأة في كل شيء ، فقد تكون فكرة ~~هلاك لوط مع قومه واردة على أساس أن الأمور التكوينية لا تفرق في بلاء ~~الدنيا بين الصالحين وغيرهم ، والله العالم. PageV18P047 # وقد جاء في الكافي ما ربما يؤيد التفسير السابق الذي ناقشناه ، بإسناده ~~عن أبي زيد الحماد عن أبي عبد الله «جعفر الصادق عليه السلام » في حديث نزول ~~الملائكة على إبراهيم بالبشرى قال : فقال لهم إبراهيم : لما ذا جئتم؟ قالوا ~~: في إهلاك قوم لوط فقال لهم : إن كان فيها مائة من المؤمنين أتهلكونهم؟ ~~فقال جبرئيل لا ، قال : فإن كان فيها خمسون؟ قال : لا. قال : فإن كان فيها ~~ثلاثون؟ قال : لا ، قال : فإن كان فيها عشرون؟ قال : لا. قال : فإن كان ~~فيها عشرة؟ قال : لا. قال : فإن كان فيها خمسة؟ قال : لا. قال : فإن كان ~~فيها واحد؟ قال : لا. قال : فإن فيها لوطا؟ قالوا : نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. قال الحسن بن علي عليه السلام : ~~لا أعلم هذا القول إلا وهو يستبقيهم وهو قول الله تعالى : ( @QUR@04 ~~يجادلنا في قوم لوط ) (1). # * * * ### ||| ** نزول العذاب على قوم لوط # ( @QUR@010 ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ) فقد كانت ~~زيارتهم له في مستوى المشكلة الكبيرة الصعبة التي تواجهه ، في موقف لا يملك ~~فيه القوة ، لخوفه من الاعتداء عليهم من قبل قومه ، لأنهم جاؤوا في صورة ~~شبان حسان الوجوه ، كما يقولون ، وهو لا يستطيع الدفاع عنهم ، مما أوجب ضيق ~~صدره وطاقته عن الاحتمال ، ومساءته في نفسه ولم يتركوا له المجال الطويل ~~ليعيش هواجسه الخائفة القلقة الحزينة. # ( @QUR@013 وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين PageV18P048 # @QUR@09 إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء ) أي عذابا من ~~السماء ( @QUR@03 بما كانوا يفسقون ) ليكون ذلك جزاء لهم على ms4167 فسقهم وفسادهم ~~الذي تجاوزوا به الحد. وهكذا كان ، وأغلق الستار على هذه الحادثة وهؤلاء ~~القوم ، ليعودوا مجرد ذكرى تثير العبرة وتدعو إلى التفكير. # ( @QUR@07 ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) ويقودهم العقل إلى ~~الفكرة التي تحذر الناس من بلاء الله وعذابه إذا امتدوا في طريق الكفر ~~والفساد ، لأن الله لا يريد للمفسدين أن يعيثوا في الأرض فسادا على امتداد ~~الزمن ، فقد يأتيهم العذاب من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون. # * * * PageV18P049 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم ~~الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) @QUR@07 فكذبوه فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) @QUR@016 وعادا وثمود وقد تبين لكم من ~~مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) ~~@QUR@013 وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في ~~الأرض وما كانوا سابقين (39) @QUR@028 فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ~~وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الرجفة ): الرجف : الاضطراب الشديد. # ( @QUR@01 جاثمين ): الجثم والجثوم في المكان : القعود فيه ، وهنا كناية ~~عن الموت. PageV18P050 # ( @QUR@01 حاصبا ): الحاصب : الريح العاصفة التي فيها الحصباء ، وهي ~~الحصى الصغار. # * * * ### ||| ** وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # ويتابع الله الحديث عن الأمم التي عاشت البلاء ووقعت في الفتنة وعن بعض ~~الشخصيات القلقة التي سقطت في الامتحان ، فأنزل الله عليها العذاب في ~~الدنيا قبل عذاب الآخرة. # * * * ### ||| ** نبي الله شعيب عليه السلام # ( @QUR@09 وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله ) وحده ، ولا ~~تشركوا به شيئا ( @QUR@03 وارجوا اليوم الآخر ) في أقوالكم وأعمالكم ~~وأوضاعكم وعلاقاتكم ، ولا تستغرقوا في الدنيا في ما ترجونه من شهواتها ~~ولذاتها وأرباحها ، لأن رجاء الدنيا سوف ينقلب إلى يأس وخيبة أمل ، أما ~~رجاء الآخرة ، فهو الرجاء الباقي الذي تتصل نتائجه بالله القادر على كل شيء ~~، المهيمن على الدنيا والآخرة. # ( @QUR@05 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) في ما تقومون به من إفساد البلاد ~~والعباد في قضاياهم العامة والخاصة ، ولا سيما في إفساد التوازن الاقتصادي ms4168 ~~في نقص المكيال والميزان. وهكذا نجد أن الأنبياء يركزون في دعوتهم على ~~التوحيد والإيمان باليوم الآخر ، والامتناع عن إفساد الأرض ، بإخلال ~~توازنها الاجتماعي والفكري والاقتصادي والأمني. فهم يتحدثون عن الخط العريض PageV18P051 # للمبدأ ، حتى في مواقع التفاصيل الصغيرة للفساد ، ليبقى المبدأ متحركا مع ~~التفاصيل ، حتى لا يفقد روحه ، ويبتعد عن هدفه. # ( @QUR@01 فكذبوه ) لأنهم لا يريدون للرسالة أن تغير واقعهم القائم على ~~الامتيازات الطبقية والاستغلال الاقتصادي والانحراف الروحي عن خط الله ، ~~ولهذا فإن المسألة عندهم لا ترتكز على أساس القناعات الفكرية للرسالة من ~~حيث قبولهم بها أو رفضهم لها ، بل ترتكز على أساس المصالح الذاتية التي ~~يخضع لها الموقف وتنطلق بها الحركة. ولذلك فقد كان تكذيبهم لشعيب تكذيبا ~~طبقيا لا فكريا ، فكان جزاؤهم من الله العذاب في الدنيا قبل الآخرة ، لأنهم ~~لم يرتبطوا به وبرسله من قريب أو من بعيد. ( @QUR@02 فأخذتهم الرجفة ) في ~~ما أوقعه الله بهم من الزلزال الذي لا يسمح لهم بالتقاط الأنفاس ، حتى ~~أصابهم الانهيار والاختناق من جراء ذلك ، ( @QUR@04 فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين ) أي قاعدين من دون حراك ، وهو كناية عن الموت. وربما كانت الرجفة ~~المذكورة في هذه الآية ناشئة من الصيحة التي زلزلت كيانهم فأسكنت قلوبهم عن ~~الحركة ، وذلك من خلال الآية الكريمة ( @QUR@08 وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) [هود : 94] لأن الصيحة المدوية قد تكون سببا في ~~الرجفة التي تؤدي إلى الموت. # ( @QUR@07 وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ) كيف أوقعنا الهلاك بهم ~~فبادوا. # ( @QUR@04 وزين لهم الشيطان أعمالهم ) في ما أثاره في عقولهم من تحسين ~~القبيح وتقبيح الحسن ، فلم يملكوا توازن النظرة إلى الأشياء ، وخيل إليهم ~~أن القوة تعني الحق ، وأن الضعف يعني الباطل ، وأن مواقع القوة البدنية ~~والاقتصادية تمنح الأقوياء الحق في السيطرة على الضعفاء ، والاستكبار على ~~الرسالة وأصحابها. وهكذا ابتعد بهم الشيطان في وسوسته وتثبيطه وكيده ومكره ~~وحبائله ، عن الله وعن رسله ، في ما دعوا إليه ، وفي ما جاهدوا من PageV18P052 # أجله ، ( @QUR@03 فصدهم عن السبيل ) المستقيم الذي ينطلق من الله في عمق ~~الفطرة وصفاء الروح ms4169 ( @QUR@02 وكانوا مستبصرين ) قبل ذلك ، في ما كانوا ~~يعيشونه من وحدانية الله وعبادته. # * * * ### ||| ** مصير المستكبرين # ( @QUR@03 وقارون وفرعون وهامان ) الذين كانوا يمثلون مراكز القوى ~~المالية والسياسية التي أفسحت لهم المجال في السيطرة الواسعة على الناس ، ( ~~@QUR@04 ولقد جاءهم موسى بالبينات ) ليهديهم إلى الله وإلى صراطه المستقيم ~~، ( @QUR@03 فاستكبروا في الأرض ) ودفعهم استكبارهم إلى إنكار الحق ، ~~والتعالي على الناس ، والتمرد على الرسل ، وحاولوا أن يدافعوا بقوتهم ، ~~ليبطلوا الرسالة ، ويهزموا الرسول ، ويطفئوا نور الله ، ولكنهم لم يستطيعوا ~~ذلك ، فقد أخذهم الله بعذابه ( @QUR@03 وما كانوا سابقين ) أي غالبين في ما ~~يمثله السبق من الغلبة على سبيل الكناية. # ( @QUR@08 فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ) وهي الحجارة ، ~~التي أنزلها الله على قوم لوط ، أو الريح التي تقذف بالحصى ، التي أرسلها ~~الله على عاد ( @QUR@04 ومنهم من أخذته الصيحة ) وهم قوم ثمود وقوم شعيب ( ~~@QUR@05 ومنهم من خسفنا به الأرض ) وهو قارون ( @QUR@03 ومنهم من أغرقنا ) ~~وهم قوم نوح ، وفرعون وهامان وقومهما. # ( @QUR@04 وما كان الله ليظلمهم ) لأن الله لا يظلم أحدا ، فإن الضعيف هو ~~الذي يحتاج إلى الظلم ، ليأخذ ما ليس له بحق ، أو ليدفع عن نفسه ضرر ~~الآخرين ، أما القوي ، فإنه يستطيع أن يصل إلى ما يريد دون أن يخاف من أحد PageV18P053 # لأن وجود الآخرين لا يضايق وجوده في قليل أو في كثير. وقد حذرهم الله ~~وأنذرهم بعقابه ، في ما أنزله على رسوله ، فلم يظلمهم بعد إقامة الحجة ~~عليهم ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) لأنهم ابتعدوا عن الحق وأهله ، ~~فاستحقوا العقاب. # * * * PageV18P054 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) @QUR@012 إن الله ~~يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) @QUR@08 وتلك الأمثال ~~نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) @QUR@010 خلق الله السماوات ~~والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين ) (44) # * * * # ( @QUR@04 وتلك الأمثال نضربها للناس ) # ( @QUR@07 مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ) يبتغون عندهم النصرة ، ~~ويطلبون منهم الرعاية والحماية ، ويريدون منهم جلب النفع ودفع الضرر ، ~~ليكونوا لهم قوة يركنون إليها ، وقاعدة ms4170 يرتكزون عليها ، وملجأ يلجأون إليه ~~، ( @QUR@04 كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) لتأوي إليه ، وتحمي نفسها مما ~~حولها من الأخطار ، ولكنه لا يحمل من البيت إلا اسمه ، ( @QUR@04 وإن أوهن ~~البيوت لبيت PageV18P055 # @QUR@04 العنكبوت لو كانوا يعلمون ) ويفكرون بعقولهم ، لأنه لا يملك ~~أساسا ، ولا يدفع حرا ولا بردا ، ولا يمنع من شيء ، فالشوكة تمزقه ، والريح ~~تنسفه. وهكذا هو موقع هؤلاء الأولياء من دون الله ، فهم لا يرتكزون على أية ~~قوة ذاتية من أية جهة من الجهات ، فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا ~~موتا وحياة ولا نشورا ، فكيف يملكونه لغيرهم. وإذا كان الأمر على هذا ~~المستوى ، فقد تأخذ القضية طبيعة القاعدة العامة التي تشمل كل جوانب الحياة ~~، في كل مواطن الولاية التي يركن الناس فيها إلى بعض الأشخاص الذين لا ~~تلتقي ولايتهم بولاية الله والرسول ، بل تلتقي بمواطن الكفر والضلال ، في ~~ما تتخذه لسيطرتها من مواقع ووسائل وأهداف. # ( @QUR@09 إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ) ويعلم طبيعته ، ولا ~~يجهل أمره ، لأنه هو الذي خلقه ، وهو الذي يدبره ، ويمنحه ما يحتاج إليه في ~~ما هو شرط امتداد وجوده ، ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي لا يغلبه شيء ~~ويتقن تدبير خلقه بأفضل طريقة ، وأحسن تدبير. # * * * ### ||| ** الغاية من ضرب الأمثال # ( @QUR@04 وتلك الأمثال نضربها للناس ) ليتفهموا حقائق الأمور من خلالها ~~، لأنهم يعرفون الأشياء غالبا بنظائرها ، فلا يرتبطون بها ارتباطا مباشرا ~~في آفاق المعرفة ، ولكن الأمثال تحتاج إلى فكر يتعرف طبيعتها ، وإلى عقل ~~يكتشف آفاقها ، لتتسع الفكرة في وعي الإنسان ، ليرتفع إلى مواطن السمو في ~~رحاب العقيدة الصافية. PageV18P056 # ( @QUR@04 وما يعقلها إلا العالمون ) الذين يبتعدون عن الفهم السطحي ~~الساذج للقضايا ، وينفذون إلى عمقها ، فيفهمون منها ما لا يفهمه العامة من ~~الناس ، الذين يأخذون منها شيئا ويأخذ أهل العلم منها أشياء كثيرة. # وهذه حقيقة بلاغية من أساليب التعبير الفني في اللغة العربية ، فإن كل ~~شخص يأخذ من المعنى الخصائص التي تتصل بدائرة ثقافته ، ولهذا فإن الناس ~~يختلفون في فهم النص الأدبي عند ما يحللونه ويدرسونه ، وفي إدراك أبعاده ~~الحقيقية التي قد تأخذ ms4171 في بعض الحالات بعدا أكثر مما يقصده صاحبه في إدراكه ~~الشعوري ، باعتبار أن طبيعة اللفظ تتسع لذلك ، وأن الحس الداخلي اللاشعوري ~~، قد يوحي إليه عند ما يتكلم بإيحاءات يختزنها اللفظ ، ولا يلتفت إليها ~~الشعور الطبيعي. # ( @QUR@05 خلق الله السماوات والأرض بالحق ) فلكل واحدة منها قانون يحكم ~~وجوده وحركته ، فليس هناك مظهر كوني إلا وفي طبيعته قانون طبيعي يرتبط ~~بقوانين الله الأخرى في الظواهر الأخرى ، بحيث يتكامل الوجود في حركته من ~~خلالها ، في ما يسمى بالسنن الإلهية الكونية في الوجود ، وإذا كان الحق هو ~~أساس الوجود التكويني للسماوات والأرض ، وإذا كان الله هو خالق ذلك كله ، ~~فلا بد للإنسان من أن يتخذه وليا دون غيره لأن كل من عداه فهو مخلوق له ، ~~خاضع لتدبيره ، ليس له من الأمر إلا ما قضاه الله ، وليس له من الخير إلا ~~ما أعطاه. ولا بد من أن تتحرك الحياة على هذا الأساس في دائرة الحق ، ~~لينسجم الكون في نظامه القائم على الحق مع الإنسان في خطه المستقيم المتحرك ~~بالحق ، ( @QUR@05 إن في ذلك لآية للمؤمنين ) الذين يدركون معانيها ، ~~ويلتفتون إلى إيحاءاتها ، فينتفعون بها ، ويتخذونها برنامجا لحركتهم في ~~العقيدة والحياة. # * * * PageV18P057 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) (45) # * * * ### ||| ** الأمر بتلاوة الوحي وإقامة الصلاة # للنبي دوره في الحياة ، ولأتباعه الخط الذي يمثله هذا الدور ، فهناك دعوة ~~وتلاوة ، وهناك عبادة وصلاة ، هناك مهمة تربوية للصلاة وهناك رقابة إلهية ~~دائمة ، وهذا ما تعالجه هذه الآية. # * * * ### ||| ** اتل ما أوحي إليك # ( @QUR@06 اتل ما أوحي إليك من الكتاب ) فقد أوحى به الله إليك لتقرأه ~~على الناس ليستمعوا إليه ، ويتفهموه ، ويعملوا بتعاليمه ، ولتعرفهم طريقة ~~فهمه وخطة العمل به. فليست التلاوة النبوية للكتاب مجرد قراءة تطرق حروفها ~~وكلماتها PageV18P058 # الأسماع ، ثم ينتهي كل شيء ، بل هي قراءة تركز الفكرة ، وتبلور العقيدة ، ~~وتتحرك في اتجاه العمل. ولهذا فإن القضية تحتاج إلى ملاحقة للناس في ما ~~قرأه عليهم ، وتدقيق في ما أخذوا به منه. # وإذا ms4172 كان النبي مسئولا عن تلاوة وحي الكتاب على الناس ، فإن الدعاة من ~~بعده مسئولون عن ذلك ، لأن قضية الدعوة مسئولية النبي والمسلمين معه ، ومن ~~بعده ، لأن الإسلام لا يمتد إلا بهذه الروح ، ولا ينمو إلا بهذه الطريقة. # * * * # ( @QUR@02 وأقم الصلاة ) # ( @QUR@02 وأقم الصلاة ) التي تعيش في داخلها الحضور الإلهي في نفسك وفي ~~حياتك ، فتزداد ارتباطا به ، وإحساسا بوجوده ، وخشوعا له ، وإطاعة لأوامره ~~ونواهيه ، لأن مشكلة الكثيرين من الناس الذين يؤمنون بالله ، أنهم لا يحسون ~~بحضوره في حياتهم ، بل يفكرون به ، كأية معادلة عقلية تعيش في أفكارهم ، ~~كحالة ذهنية مجردة ، لا كإحساس شعوري نابض بالحياة ، ولهذا يغيبون عن ذكره ~~، ويغيب في وجدانهم عن عمق الوعي في شخصيتهم ، فلا يترك الإيمان في داخلهم ~~أي أثر ، ولا يثير فيهم أي شعور حي. وهنا يأتي دور الصلاة ، في وقفة ~~الإنسان المتكررة اليومية بين يدي الله ، وذكره له وحديثه معه ، وركوعه ~~وسجوده بين يديه ، وخشوعه في سبحات الدعاء أمامه ، مما يجعله يشعر به كما ~~لو كان معه ، في ما يشبه إحساس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة ~~الهجرة بأن الله معه ، ( @QUR@08 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) ~~[التوبة : 40] مما جعله يشعر بالأمن والسكينة والاطمئنان ، كما لو كان الله ~~وجودا قويا حسيا معه. # وإذا كان للصلاة هذا الدور الكبير في الشعور بحضور الله في وعي الإنسان ، ~~فإن من الطبيعي أن يكون لها الدور العظيم في صنع الشخصية PageV18P059 # الرافضة للفحشاء والمنكر ( @QUR@06 إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ~~، في ما يثيره حضور الله في نفس المؤمن من الشعور برقابته القوية عليه وعلى ~~كل خفاياه ، لتتولد في داخله القوة الخفية الروحية الناهية عن كل ما يتجاوز ~~حدود الله ، وعن كل ما ينكره الله ولا يرضاه. وبذلك كانت الصلاة ، في عمقها ~~التشريعي ، عملا تربويا عباديا يعمل على صنع الشخصية الرافضة لكل معاصي ~~الله ، بحيث يكون الحد الفاصل بين الصلاة المقبولة والصلاة غير المقبولة ، ~~النتائج العملية التي تترتب عليها من حيث تحقيق النهي عن الفحشاء والمنكر ~~في شخصية ms4173 الإنسان ، وعدم تحقيق ذلك لديه. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف ~~: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» (1). # وليس معنى نهي الصلاة للمصلي عن الفحشاء والمنكر ، أنها تحدث ذلك الأثر ~~بشكل فعلي حاسم ، ليتساءل متسائل ، كيف يصدق هذا في الوقت الذي نرى فيه ~~الكثيرين من المصلين الذين يمارسون الفحشاء ويرتكبون المنكر ، بل إن المعنى ~~الصحيح لذلك هو اقتضاء الصلاة لذلك بحسب طبيعتها العبادية ، وإيحاءاتها ~~الروحية ، ومفاهيمها العملية ، بحيث لو عاش المصلي ذلك كله بوعي وتوجه قلبي ~~، وخشوع روحي وجسدي ، لحصل على ذلك. # * * * # ( @QUR@03 ولذكر الله أكبر ) # ( @QUR@03 ولذكر الله أكبر ) من ذلك ، فإن ما يترتب على الصلاة من تعميق ~~ذكر الله في نفس المؤمن المصلي أكبر من النهي عن الفحشاء والمنكر الذي PageV18P060 # يتحقق من خلالها ، لأنه هو الذي يحرك في روحه عوامل الخير وإيحاءاته ، ~~ويثير فيه الوعي للموقع الذي ينفتح فيه على ربه ، ويحوله إلى إنسان يرصد كل ~~ما يحبه الله ويرضاه ليفعله ، وكل ما يبغضه الله ويسخطه ليتركه. # وربما فسر ذلك بأن الذي تشتمل عليه الصلاة أكبر في تأثيره في النفس من ~~ذلك الأثر ، لأنه هو الذي يوحي به وبغيره من نتائج الخير. # ولعل المراد من ذلك ، أن علاقة الإنسان بالله التي يمثلها ذكر الله ، في ~~حضوره في نفسه وفي لسانه وحياته ، الذي يقف به عند حدود ما أحله الله وحرمه ~~في ما يختفي وراء رفضه للفحشاء والمنكر ، وما يوحي به من محبة لله وخوف منه ~~، هي أعظم من كل شيء ، وأكبر من كل عمل. لأن كل الأمور تلتقي عند الله ، ~~فهو الغاية في كل عمل وكل علاقة وغاية. فقد جاء الإسلام ليفتح قلب الإنسان ~~على الله ، لتكون الحياة كلها والدين كله لله ، على غرار قوله تعالى في آية ~~أخرى : ( @QUR@04 ورضوان من الله أكبر ) [التوبة : 72] فإن النتائج ~~المباشرة في القضايا الروحية العبادية لا تمثل شيئا أمام النتيجة العميقة ~~غير المباشرة ، وهي علاقته بالله ، وحضوره في نفسه. ( @QUR@04 والله يعلم ~~ما تصنعون ) من أعمالكم الخيرة والشريرة ، فعليكم ms4174 أن تراقبوا أنفسكم ~~لتعرفوا المعنى الكامن في الصلاة ، وفي الدين كله ، وفي علاقة الإنسان ~~بالله ، لتكونوا أكثر وعيا للهدف عند إقامة الصلاة ، فلا تكون إقامتها جهدا ~~ضائعا وعبئا لا معنى له ، كما ورد في حديث عن الإمام علي (ع): «كم من صائم ~~ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر ~~والعناء ، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم» (1). # * * * PageV18P061 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون ) (46) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تجادلوا ): أصل الجدال من جدلت الحبل أي أحكمت فتله ، فكأن ~~المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه. # * * * ### ||| ** منهجية الجدال في الإسلام # للفكر في الإسلام قيمته ، وللعقل احترامه ، في مجالات العقيدة والحياة ، ~~وللآخرين حقهم في أن يسمعوا وجهة نظر الرأي المخالف ، كما أن من حقنا أن ~~نسمع منهم وجهة نظرهم ، ليكون الحوار العقلاني الهادىء القائم على النظرة ~~الموضوعية للمضمون الفكري الذي تمثله العقيدة ، في ما يسمعه PageV18P062 # أو يتحدث به. وقد أراد الله للمسلمين أن يكون سبيلهم في صراعهم العقيدي ~~مع أهل الكتاب ، سبيل الحوار الذي يبحث في البداية عن مواطن اللقاء معهم ، ~~ليبدأوا بعد ذلك الحديث في الخلافات ، من هذا الموقع ، بروحية الوحدة ، ~~والرغبة في اللقاء على أرض مشتركة في نهاية المطاف. # * * * ### ||| ** المجادلة بالتي هي أحسن # ( @QUR@08 ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) بالكلمة الحلوة ~~الهادئة المعبرة الواضحة ، والأسلوب الحكيم الذي يرصد المشاعر والأحاسيس ~~ليحترمها ، ويدرس الذهنية لدى الطرف الآخر للحوار ليتعامل معها من خلال ~~نقاط الضعف والقوة ، والجو الملائم الذي يدرس الظروف المحيطة بالمسألة ، ~~ليحشد فيه كل ما يمكن أن يثير التفكير ، ويبعد الانفعال ، ويقرب من ~~الاقتناع الهادىء العميق ، لتكون المسألة فكر يصارع فكرا في أجواء الرغبة ~~في الوصول إلى الحقيقة التي تسمح بالتراجع عن الخطأ ، وتقود للانفتاح على ~~الصواب ، بعيدا عن مسألة تأكيد الذات ، كما هو الحال عند مجتمعات التخلف ~~التي تفهم الخلاف في الرأي ، قضية ذات ms4175 تصارع ذاتا ، مما يجعل الانفعال هو ~~طابع الحوار. # فهذا هو الأسلوب الأحسن الذي يقود الآخرين إلى احترام فكر الإسلام ، ~~ويقربهم من أجواء الوصول إلى النتائج الإيجابية السليمة ، ويحول الأعداء ~~إلى أصدقاء ، أما الأسلوب الذي هو الأسوأ ، فإن الإسلام يرفضه مع كل الناس ~~، لأنه يعقد الأمور بدلا من أن يحل مشاكلها ، وذلك مثل السباب والاتهامات ~~الظالمة ، والافتراءات الباطلة ، والكلمات الخشنة ، والأساليب المتشنجة ، ~~والأجواء الانفعالية ، والتأكيد على مواطن الخلاف بدلا من مواطن اللقاء ، ~~وغير ذلك مما يثير التعقيد والتشنج والارتباك على أكثر من صعيد ، ويحول ~~الساحة إلى ساحة قتال بدلا من ساحة سلام. ولكن الحوار الهادىء ، والجدال PageV18P063 # بالتي هي أحسن ، هو للذين يريدون الحوار ويتفهمونه ، دون الذين يريدون أن ~~يفرضوا إرادتهم على الناس بالقوة ويمنعوهم من التحرك بحرية في إبداء وجهة ~~نظرهم في مجالات الفكر. فهؤلاء لا بد من التعامل معهم بطريقتهم إذا لم ~~يرجعوا إلى الأسلوب الفكري الذي يريد أن يصل إلى نتيجة فكرية من خلال ~~الحوار ، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله بقوله : ( @QUR@04 إلا الذين ظلموا ~~منهم )، فقد يكون من الأفضل استعمال أسلوب المواجهة معهم ، بالقوة التي ~~تواجه قوة ، وبالعنف الذي يضغط على العنف. # * * * ### ||| ** البحث عن النقاط المشتركة في الحوار # فإذا عادوا إلى الحوار ، خاطبناهم بالطريقة التي هي أحسن التي تبحث عن ~~الأرض العقيدية المشتركة بيننا وبينهم ، كما قال الله سبحانه : ( @QUR@07 ~~وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ) فنحن نؤمن بالتوراة والإنجيل ~~كما نؤمن بالقرآن ، على أنها الكتب المنزلة من الله ، في ما تمثله من ~~الحقيقة في وحي الله ، ( @QUR@03 وإلهنا وإلهكم واحد ) فنحن وإياكم نؤمن ~~بالوحدانية لله ، مهما اختلفنا في تفاصيل طبيعة الإله ، ( @QUR@03 ونحن له ~~مسلمون ) بأفكارنا وقلوبنا وحياتنا. فتعالوا نبحث كيف يكون الإسلام لله ، ~~باتباع نهجه في العقيدة والشريعة وإطاعة أوامره ونهيه ، لنكشف من خلال ~~الحوار الموضوعي الهادىء ، هل أن اليهودية أو النصرانية تمثلان الخط الذي ~~يمتد بامتداد الحياة ، أو أنه يقف عند مرحلة معينة من الزمن ، ليفسح المجال ~~للدين الآخر الذي يستجيب للمتطلبات الجديدة للإنسان. وهكذا يكون الحوار ~~أساسا ms4176 لمواجهة القضايا الخلافية بروح اللقاء حول القضايا الوفاقية ، ~~باعتبار أنه يؤكد روحية الوصول إلى الحقيقة من دون تعقيد ، فلا يبقى للتعصب ~~المنطلق من أنانية الفكر الذاتي ، مجال في الساحة. # * * * PageV18P064 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ~~ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) @QUR@013 وما كنت ~~تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) @QUR@014 ~~بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ~~(49) @QUR@017 وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (50) @QUR@015 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) @QUR@019 قل كفى بالله بيني ~~وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا ~~بالله أولئك هم الخاسرون ) (52) # * * * PageV18P065 ### ||| ** كتاب الله .. آيات بينات ورحمة للمؤمنين # ( @QUR@04 وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ) على الطريقة التي أنزلناه فيها على ~~من قبلك من الأنبياء ، على أساس توحيد الله وإسلام الفكر والقلب والوجه ~~واليد واللسان ( @QUR@05 فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ) من خلال ~~الحقائق التي توحد بين الكتابين وتدلل على صدقه ، كوحي نازل من الله. وبذلك ~~يكون الإيمان به طبيعيا في حياتهم ، بحيث يكون التمرد من قبلهم ، تمردا على ~~قناعاتهم الداخلية في خط الانفعال على سبيل المكابرة للحق والتعصب للباطل. ~~( @QUR@05 ومن هؤلاء من يؤمن به ) ولعلها إشارة إلى المشركين الذين انفتحت ~~قلوبهم على إشراقة الحق في آياته ( @QUR@05 وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ~~) المتمردون الجاحدون الذين أغلقت أبصار قلوبهم ، فلم يروا أمامهم ملامح ~~الحقيقة في ما يقرءونه ويسمعونه من الكتاب ، أو الذين تعقدوا واستكبروا ~~فأنكروا الحق عنادا واستكبارا وانغلاقا على ذواتهم في دائرة أنانيتهم. # * * * ### ||| ** نفي كون القرآن ، من خط النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@07 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ) فلم يعرف أحد منك في تاريخك ~~السابق على الرسالة ، أنك كنت تقرأ الكتب الدينية أو غيرها ( @QUR@03 ولا ~~تخطه بيمينك ) ولم يعرف عنك الكتابة لما تفكر به ، أو تسمع ms4177 به ، لأنك لم ~~تتعلم ذلك من أي شخص ، بل كنت كغيرك من أبناء قومك أميا لا تمارس القراءة ~~والكتابة ، وقد أراد الله أن يبعثك نبيا أميا ، يبدع الرسالة من وحي الله ، ~~ويبلغها للناس ، ليعرفوا أنها وحي من الله ، وليست فكرا بشريا ، لأن النبي ~~الذي جاء به لا يمكن أن يكون ناقلا له من كتاب رسالي سابق ، لأنه لا يقرأ ~~الكتب ، ولا PageV18P066 # كاتبا له من إملاء شخص آخر ، لأنه لا يكتب. ولو كان الأمر على العكس من ~~ذلك ( @QUR@03 إذا لارتاب المبطلون ) الذين يخوضون في الباطل ، ليفرضوه على ~~الحياة ، من موقع الرغبة في تأكيد الأكاذيب لمصلحتهم الذاتية ، وقالوا إنه ~~قارئ كاتب ، فقد يكون استغل جهلنا بالرسالات في ما نزلت به التوراة ~~والإنجيل ، فنقل عنهما ما أراد ، وادعى الرسالة على هذا الأساس. # ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى هذا القول ، لأن النبي لم يكن شخصا منعزلا عن ~~قومه ليجهلوا طاقاته الثقافية ، ولم يكن بعيدا عن مجتمعهم ، بل كان قريبا ~~إلى حياتهم ، ولهذا كان مستودع أماناتهم ، مما يجعل العلاقة بهم علاقة ~~مستمرة. وإذا كانت له بعض الفترات التي يغيب فيها عنهم ليفكر ويتأمل في غار ~~حراء ، فهي لم تكن بالحجم الذي ينفصل به عن مجتمعة. ولهذا فقد قرأ هذه ~~الآية على قومه ، ولم يستنكرها عليه أحد ، إذ لو كانت غير حقيقية في ~~مضمونها ، لوجد فيها الكافرون فرصة لتكذيبه والرد عليه ، باعتبار أنهم ~~يعرفون تاريخه وملكاته من خلال معرفتهم بكل أوضاعه وخفاياه. # ولعل هذا الجانب التاريخي الذي رافق حركة هذه الآية المكية في مجتمع ~~المدينة ، هو الرد على الكثيرين الذين ينكرون صدق القرآن في هذه القضية ، ~~ممن لا يؤمنون بالقرآن كرسالة إلهية ، فإن غياب أي اعتراض من جانب مجتمع ~~النبي الذي كان يبحث عن أي شيء ، مهما كان نوعه ، يدل على أن المضمون هو ~~الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من أي مكان. # * * * ### ||| ** القرآن آيات بينات # ( @QUR@09 بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) فهم يعرفون ~~روعته وعمقه ، ويحفظونه من الضياع ، وذلك في ما يفهمونه منه ms4178 ويبلغونه من PageV18P067 # معانيه ، وبذلك لا يقتصر حفظه على الكتابة ، بل يمكن أن يحفظه هؤلاء الذي ~~يحملونه في صدورهم ، كعلم يختزنونه فيبلغونه للآخرين. وقد ذكر بعض المفسرين ~~أنه إضراب عن مقدر يستفاد من الآية السابقة ، كأنه لما نفى عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم التلاوة والخط معا تحصل من ذلك أن القرآن ليس بكتاب ~~مؤلف مخطوط ، فأضرب عن هذا المقدر بقوله : بل هو أي القرآن آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم ، وربما يكون بيانا لما يمثله الكتاب في صدور أهل ~~العلم من وضوح دلائله في مفاهيمه وإيحاءاته ، في مقابل المبطلين الذين ~~يجحدونه ، لأن أخذهم بأسباب العلم يجعلهم في موقع الواعين له ، المرتبطين ~~به ، فلا يهملونه ولا يجحدونه ، ( @QUR@05 وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) ~~الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، وبالشرك ، فعاشوا في غيبوبة بليدة عن مواقع ~~الوعي ، فلم ينفتحوا على آيات الله ، بل واجهوها صما وعميانا وجحدوها من ~~خلال العقدة المستحكمة في نفوسهم ، لا من خلال الفكر الذي يملك برهان الرفض. # * * * ### ||| ** نزول الآيات من عند الله # ( @QUR@08 وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه ) كما أنزل على سائر ~~الأنبياء ، كموسى الذي أنزل الله عليه معجزة العصا واليد البيضاء ، وعيسى ~~الذي أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله. وهكذا فإن النبي لا بد ~~له من آية بينة تقلب النظام المألوف للأشياء. ( @QUR@05 قل إنما الآيات عند ~~الله ) فليست من قبيل اقتراح يطرح عليه ، بل هي نوع من التدبير الإلهي الذي ~~يستقل به الله في كل المواقف والذي يرى فيه الحكمة والمصلحة للعباد ، كما ~~في الحالات التي لا يملك النبي فيها أن يدخل إلى المجتمع إلا من خلال القوة ~~غير المنظورة التي PageV18P068 # تجعله في خط المواجهة القوية للقوى النافذة في مواقع السلطة ذات التأثير ~~الكبير على الناس. وبذلك تكون المعجزة ردا للتحدي من ناحية وقائية أو ~~دفاعية ، وتمهيدا لحركة الرسالة من موقع قوة ، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى ~~ذلك في بدايتها ، وليست أسلوبا من أساليب إثبات الرسالة التي يراد للعقل أن ~~يقتنع بها من خلال ms4179 معطياته العامة. ولذلك كان جواب الرسول محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ما أراده الله أن يجيب به قومه ، أنه لا يملك ~~الآيات الخارقة للعادة ، وليس من مهمته أن يقدمها للناس لتكون جزءا من ~~رسالته ، بل هي تابعة للإرادة الإلهية وللتدبير الإلهي في ما يراه الله ~~سبحانه من الحكمة والمصلحة. ( @QUR@04 وإنما أنا نذير مبين ) لأنذركم ~~بالنتائج الصعبة التي تنتظركم في ما تتحركون به في اتجاهها ، ولأحاول ~~إقناعكم بالأفكار والمبادئ التي أوحى بها الله إلي ، لتكون حياتكم خاضعة ~~لها في مفاهيمها وحركتها في إطار العمل والمواقف والعلاقات. # * * * ### ||| ** الكتاب حجة بذاته # ( @QUR@08 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) فهو الدليل ~~على حقائق الإيمان ، في إعجازه الذي لم يستطع أحد أن يواجه تحديه ، ولو ~~بالإتيان بسورة من مثله ، وفي مناهجه التي تحترم العقل وتقود إلى التفكير ، ~~وتتحرك في ضوء المنهج العقلي والتجريبي ، لتكون المعرفة هي الأساس في حركة ~~العقيدة في داخل الشخصية ، سواء في ذلك معرفة الله ومعرفة الرسول ومعرفة ~~الإنسان في فكره وحياته وتشريعاته التي تتصل بالمبادئ العامة للحياة ، ~~وبالجانب التفصيلي لكل مفرداتها الصغيرة والكبيرة ، في ما يوحي بالتوازن ~~الدقيق في ما هي مصلحة الفرد والجماعة ، وحركة الروح والمادة ، في الخط PageV18P069 # الواقعي الذي لا يقترب من المثال ولكنه لا يلغيه من حساباته الروحية ، ~~وفي أساليبه التي يحركها بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن ، والدفع بالتي هي ~~أحسن ، والانفتاح على روح الإنسان وعقله في حركة العلاقات في دائرة الصراع ~~، ثم هو قبل كل شيء وبعد كل شيء ، الروح الصافية العميقة المنفتحة التي ترى ~~الله في كل شيء ، وتتعامل معه على أساس أنه كل شيء في الحياة ، فلا شيء إلا ~~وهو خالقه ، ولا نعمة إلا وهي منه ، ولا حمد إلا وهو مستمد من حمده ، ولا ~~إله إلا هو ، وهو أكبر من كل شيء ، وبذلك تتوحد العقيدة في وحدانيته ، ~~وتتجه الحياة كلها إليه من موقع الوحدانية ( @QUR@07 إن في ذلك لرحمة وذكرى ~~لقوم يؤمنون ) الذين يعرفون قيمته في إصلاح نفوسهم وحياتهم في ما يفتح ~~قلوبهم ms4180 على الإيمان بربهم الذي يرحمهم في كل ما يؤدي بهم إلى الفلاح ~~والنجاح ، أما غير المؤمنين ، فإنهم لا يتقبلون الرحمة الإلهية ، بل ~~يرفضونها برفضهم للإيمان بالله الذي يفتح أمامهم كل أبواب الخير في الدنيا ~~والآخرة. # * * * ### ||| ** كفى بالله شهيدا # ( @QUR@06 قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا ) فهو الذي يشهد لي بأني قد ~~صدقت في ما بلغته عنه وهو الذي يظهر الحق الذي أحمله في وحيه المنزل ، بكل ~~وسائله الخفية والظاهرة ، وليست المشكلة أنكم تكذبونني ، فإن ذلك سوف يسقط ~~في المستقبل أمام قوة الدعوة ، ولن يضعفني ذلك ما دام الله معي ، وهو ~~الشاهد على الأمر كله ( @QUR@05 يعلم ما في السماوات والأرض ) فلا يخفى ~~عليه شيء فيهما ، وقد أحاط بكل شيء علما ( @QUR@03 والذين آمنوا بالباطل ) PageV18P070 # ( @QUR@02 وكفروا بالله ) لأنهم أغلقوا عيونهم عن دلائل وجوده وتوحيده ( ~~@QUR@03 أولئك هم الخاسرون ) الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة. # * * * PageV18P071 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم ~~بغتة وهم لا يشعرون (53) @QUR@06 يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (54) @QUR@013 يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ~~ذوقوا ما كنتم تعملون ) (55) # * * * ### ||| ** ( @QUR@02 يستعجلونك بالعذاب .. ) فما ذا يجدون؟ # كانت قريش كسائر الشعوب التي تقدمتها تواجه الدعوة إلى الإيمان بالله ~~وبرسالته ، والإنذار الإلهي بالعذاب للكافرين بالله وبرسله ، بالإعراض ~~والسخرية والاستهزاء ومطالبة النبي بالعذاب الذي يتوعدهم به تماما ، كما هو ~~الحال في كل شخص يواجه التحدي بالقوة من الطرف الآخر ، عند ما يرد التحدي ~~بالكلمة القائلة : إذا كنت جادا وقادرا فنفذ تهديدك واستعمل قوتك. وهكذا ~~كان رد فعلهم على الدعوة باستعجال نزول العذاب عليهم ، فكيف كان رد الفعل ~~القرآني في ما أوحى به الله لرسوله؟ # * * * PageV18P072 ### ||| ** عذاب الكافرين لأجل مسمى # ( @QUR@02 ويستعجلونك بالعذاب ) الذي وعدتهم به ، ( @QUR@06 ولو لا أجل ~~مسمى لجاءهم العذاب ) لأن المسألة ليست مسألة المشاعر الانفعالية التي ~~يثيرونها في نفسك ، لتكون الاستجابة منا ردا على ذلك ، فنحن قادرون على ~~إنزال العذاب عليهم ، تماما كما ننزل عليهم المطر من السماء ، ونثير في ~~أجوائهم العواصف. ولكن المسألة هي أن الله قد جعل الحياة خاضعة لنظام دقيق ms4181 ~~في حركتها الكونية ، وفي تنظيم أمور الناس ، في استجابتهم للرسالة ، وفي ~~إنكارهم لها ، في ما هو الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة ، إذ القضية لا ~~تخضع لاقتراحات المقترحين ، ولا ينزل الله العذاب قبل الأجل المحدد له. ~~ولكن لا بد لهم من أن يفهموا كيف تتحرك بهم المفاجآت ، فقد يأتيهم أمر الله ~~من حيث لا يحتسبون ( @QUR@05 وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ) في ساعات ~~لهوهم وعبثهم وشغلهم واسترخاء الحياة من حولهم. # ( @QUR@02 يستعجلونك بالعذاب ) ولكن كيف يفكرون بهذه الطريقة ، أو لم ~~يعلموا أنهم إذا لم ينزل عليهم العذاب في الدنيا ، لأن الله لم يرد لهم ذلك ~~، فإن هناك عذابا أدهى وأعظم من ذلك ، ( @QUR@04 وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ~~) فلا تترك لهم مجالا للهروب وللخلاص ، بل ستطبق عليهم من كل جهة ( ~~@QUR@013 يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم ~~تعملون ) فقد تحولت هذه الأعمال إلى ألوان من العذاب الذي جعله الله جزاء ~~لكل الكافرين به والمنحرفين عنه. # * * * PageV18P073 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) ~~@QUR@07 كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) @QUR@017 والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~نعم أجر العاملين (58) @QUR@05 الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) ~~@QUR@012 وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لنبوئنهم ): التبوئة : الإنزال على وجه الإقامة. # ( @QUR@02 تحمل رزقها ): حمل الرزق : ادخاره. # * * * PageV18P074 ### ||| ** أيها المؤمنون المضطهدون .. إن أرضي واسعة # ( @QUR@04 يا عبادي الذين آمنوا ) واضطهدوا وعانوا الكثير من الضغوط ~~القاسية التي أراد المشركون من خلالها أن يفتنوكم عن دينكم ، ويمنعوكم من ~~عبادة الله ويضيقوا عليكم الأرض من حولكم ، لا تستسلموا لذلك كله ، ولا ~~تسقطوا أمام محاولاتهم ، بل انفتحوا على أرض جديدة لا يملكون معها أية ضغوط ~~عليكم. فليست الأرض التي يعيشون عليها هي كل الأرض ، بل هي مجرد نقطة ~~للانطلاق ، وبداية للتحرك للعالم كله ( @QUR@03 إن أرضي واسعة ) لا تضيق ~~بأحد ، ففيها أكثر من موقع للتخفف من الضغط ، وأكثر من مجال للحركة وللدعوة ~~وللعبادة ، وإذا فقدتم ms4182 القوة في موضع ، فهناك الكثير من مراكز صنع القوة ~~وتنميتها في مواضع أخرى ، وإذا لم تستطيعوا أن تأخذوا حريتكم في العبادة في ~~جهة ، فإن هناك أكثر من جهة تملكون فيها تلك الحرية. ( @QUR@02 فإياي ~~فاعبدون ) ولا تلتفتوا إلى أولئك الذين يريدون لكم أن تتركوا عبادتي ~~وتتجهوا إلى عبادة الأصنام من دوني تحت تأثير الأوضاع الصعبة التي يفرضونها ~~عليكم ليحاصروكم في داخلها. # جاء في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ~~في قوله تعالى : ( @QUR@07 يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ) يقول : ~~«لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك ، فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم فإن ~~أرضي واسعة ، وهو يقول : ( @QUR@07 فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) ~~فقال : ( @QUR@07 ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )؟ (1). # وفي مجمع البيان ، قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : «معناه إذا عصي الله PageV18P075 # في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها» (1). # * * * # ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) # ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) فلن يفلت منه أحد ، فلا يخوفكم به الذين ~~يريدون أن يفرضوا عليكم إرادتهم في اختيار الشرك وترك التوحيد ، بل تابعوا ~~نهجكم الإيماني في الانفتاح على الله والدعوة إلى دينه ، والجهاد في سبيله ~~، وانتقلوا من موقع إلى آخر ، وهاجروا إلى بلاد الحرية هربا من بلد ~~العبودية ، لأن ذلك هو الذي يقربكم من الله ، ويرفعكم إلى مستوى رضوانه ، ~~ويدخلكم في جنته ويبعدكم عن ناره لأنكم ستقفون بين يديه ، إن عاجلا أو آجلا ~~، مهما امتد بكم العمر وتحركت بكم الحياة ، فإن الحقيقة التي يؤكدها الله ~~لكم ويثيرها في وعيكم أن كل حي ميت ، ( @QUR@03 ثم إلينا ترجعون ) فاحسبوا ~~حساب الموقف هناك عند ما يدعوكم الله للحساب في ذلك اليوم. # * * * ### ||| ** بشارة الذين امنوا وعملوا الصالحات # ( @QUR@014 والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ) وتلك هي بشارة الثابتين على خط الإيمان أمام ~~اهتزازات الشرك ، PageV18P076 # والمستقيمين في نهج العمل الصالح أمام انحرافات الشر والفساد ، ~~والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ms4183 ربنا الله ، أو ~~الذين هاجروا تحت تأثير الضغط القاسي ، لأنهم لم يقبلوا الخضوع لإرادة ~~الوثنيين والمشركين ، ( @QUR@03 نعم أجر العاملين ) الذين كانت حياتهم كلها ~~عملا في سبيل الله وثباتا على دينه ، ( @QUR@02 الذين صبروا ) على البلاء ~~والتحدي ومرارة الفقر والتشريد والحرمان ، ( @QUR@03 وعلى ربهم يتوكلون ) ~~من موقع الثقة المطلقة به وبوعده في نصرة عباده الذين ينصرونه بالثبات على ~~دينه ، والانفتاح على الثقة بالمستقبل من قاعدة التوكل عليه والثقة به ، ~~والاستسلام له على أساس أنه يملك الحاضر والمستقبل ، ويملك حماية الإنسان ~~مما يخافه من وحشة المجهول الذي تتحرك فيه المتغيرات والمفاجآت غير ~~المحسوبة التي قد تقلب الكثير من الأوضاع ، وتخلط الكثير من الأوراق ، ~~وتربك الكثير من المعادلات الإنسانية. # * * * ### ||| ** الرزق على الله # ( @QUR@06 وكأين من دابة لا تحمل رزقها ) كأين للتكثير ، أي أن كثيرا من ~~الدواب التي تتحرك في الأرض لا تحمل رزقها ولا تدخره ، لأنها قد لا تملك من ~~وسائله الكثير ، ولكنها لا تموت من خلال ذلك ، لأن مسألة الرزق لا تخضع ~~دائما للقدرات الذاتية ، والأسباب العادية ، بل تخضع لتقدير الله وتخطيطه ~~في توزيع الرزق على الناس من خلال ما يخلقه من أسباب طبيعية وغير طبيعية ، ~~مما ينسجم مع الحكمة الإلهية في تدبير الكون كله ، وهكذا تفرض القضية ~~الإيمانية القائمة على أساس السنة الإلهية ، ( @QUR@03 الله يرزقها وإياكم ~~) في ما يهيئه لكم من وسائل الادخار ، ومن أسباب الحصول على الرزق ، أو في ~~ما يرزقكم PageV18P077 # من ذلك من حيث لا يحتسب ، ( @QUR@03 وهو السميع العليم ) الذي يسمع ~~دعاءكم في طلب الرزق عند ما تدعونه ، ويعلم ما تحتاجون إليه مما تملكونه ، ~~ولا يغيب عنه أي شيء في ذلك ، فلا تخافوا أن تموتوا من الفقر والحرمان ~~والجوع إذا هاجرتم في سبيل الله ، وواجهتم القوى التي تبعدكم عن دين الله ~~من الكافرين والطاغين ، فإنهم لن يمنعوا عنكم رزقا قدره الله لكم ، ولن ~~يتمكنوا من أن يقربوا أجلا أبعده الله عنكم ، كما قال أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب عليه السلام «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق ~~الله ، وإنهما ms4184 لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق». # * * * ### ||| ** عدم استسلام العاملين للتهاويل # وهكذا توحي الآية لنا أن على العاملين في سبيل الله أن لا يستسلموا ~~لتهاويل الخوف التي تثيرها القوى المستكبرة ضد القوى المستضعفة ، انطلاقا ~~من كل التهديدات التي تطلقها بالحصار الاقتصادي الذي تضيق معه فرص الحياة ~~وظروف العيش الهني ، باعتبار أنها التي تملك الثروة الغذائية ، فهي التي ~~تستطيع أن تمنع الناس من لقمة العيش ، وهي التي تملك أن تعطيها من خلال ~~قدراتها المادية على أساس شروطها الثقافية والأمنية والسياسية والاقتصادية ~~، في ما يضغط على حريات الأمة ويصادر إرادتها ، ويقيد مستقبلها بقيود ثقيلة. # إن الثقة بالله وبرحمته وقدرته على أن يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، فيعطي ~~من يشاء ، حتى لو منعه الناس ، ويمنع من يشاء حتى لو أعطاه الناس ، إن ذلك ~~هو الذي يؤكد للمؤمن ثقته بنفسه وبالحياة من حوله ، من خلال PageV18P078 # الثقة بالله الواسع الكريم الذي يتعهد خلقه في أعماق الأرض ، وفي آفاق ~~الفضاء ، في ما يصنعه لهم من ظروف وأوضاع ، وما يهيئه لهم من وسائل. # وبذلك يكون الإيمان الإيجابي المتحرك ، هو الأساس في حركة الحرية ، وفي ~~ارتفاع مستوى التحدي من جهة ، ورده من جهة أخرى. # * * * PageV18P079 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون (61) @QUR@014 الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له إن الله بكل شيء عليم (62) @QUR@022 ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) (63) # * * * ### ||| ** الله وراء كل أحداث الكون # إن الإيمان قوة عميقة في داخل الذات من خلال الفطرة الصافية التي تعيش في ~~الأعماق ، ولكن الإنسان قد يغفل عنها من خلال أسباب الغفلة التي تحجبه عن ~~مكامن الوعي في داخله ، ولهذا فإنه ينتبه إلى ذلك عند ما يتحداه السؤال بما ~~يشبه الصدمة التي تهز فيه كل عناصر القوة الإيمانية في شخصيته المسلمة ، ~~فيجيب عن السؤال المتعلق بكل أحداث الكون التي يتحرك الرزق من خلالها ، بأن ~~الله هو ms4185 الذي يقف خلفها ويشرف عليها ، ليكون الإيمان به هو الأساس في كل ~~حركة وموقع. # * * * PageV18P080 ### ||| ** الله خلق السموات والأرض # ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) ومن أودع فيهما حكمته ~~وقوته ومواطن الرزق في تدبيره ، ومن أبدع الظواهر الكونية والسنن الإنسانية ~~في حركتهما حتى استطاع الإنسان أن يطمئن للحياة فيهما بكل طمأنينة وراحة ، ~~( @QUR@03 وسخر الشمس والقمر ) ليعطيا الحياة الإشراق والدفء ، ويمنحاها ~~عناصر الامتداد في ما يتحركان فيه من نظام دقيق يعطي الإنسان توازنه من ~~خلالهما ( @QUR@02 ليقولن الله ) فهو الخالق والمدبر والمسخر. وتلك هي ~~الحقيقة الفطرية العميقة التي تفرض نفسها على قناعاتهم ، لأنهم لا يرون أية ~~قوة أخرى ممن حولهم جديرة بأن تكون هي التي تفعل ذلك كله ، باعتبار أن كل ~~القوى حادثة مفتقرة إلى من يعطيها سر الوجود وسر الحركة والامتداد فيه ، ~~كما أنهم لا يرون أن الحياة يمكن أن تنطلق بعيدا عن الخالق ، لأنها لا يمكن ~~أن تخلق من لا شيء أو تخلق نفسها. ولهذا فإن حضور الله في الكون ، هو ~~الحضور القوي الذي يفرض نفسه على الفكر والوجدان والحياة. # وإذا كان هذا هو الجواب فكيف يتصرفون هذا التصرف المضاد للحقيقة ، ( ~~@QUR@02 فأنى يؤفكون ) أي يصرفون عن الحق ، ويبتعدون عن الالتزام بنهجه في ~~إطاعة أمر الله ونهيه ، وفي الاعتراف بأن الله هو وحده مصدر كل شيء في ~~الوجود ، فلا شيء إلا وهو مخلوق له ومستمد منه. # * * * ### ||| ** الله يبسط الرزق ويقدر # ( @QUR@09 الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ) فهو الذي ينظم ~~حركة الرزق وكميته ونوعيته وتوزيعه للناس فيوسع على جماعة لأن الحكمة تقتضي ~~ذلك ، ويضيق على أخرى ، انطلاقا من الحكمة الخفية التي لا يعلمها إلا هو ، وقد PageV18P081 # يكتشفها بعض عباده. # ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) فهو الذي يعرف أسرار خلقه ، كما يعلم ~~ما يصلحهم وما يفسدهم في طبيعة قدراتهم وظروف الحياة من حولهم ، وهو الذي ~~يقدر ما يريد من أمورهم على حسب ما يعلمه من ذلك كله. # * * * ### ||| ** الله ينزل من السماء ماء # ( @QUR@013 ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به ms4186 الأرض من بعد ~~موتها ) مما يجعل النمو للأرض في ما يكمن في داخلها من البذور التي تهتز ~~بنزول الماء عليها ، وما يحقق الحياة للعناصر الحية من إنسان وحيوان ، من ~~إمكانات الحياة التي لا يمكن أن تستمر بدون الثروة المائية التي تختزنها ~~الأرض في أغوارها السحيقة ، لتتفجر منها الينابيع والأنهار ، ( @QUR@02 ~~ليقولن الله ) فإذا كان الله هو مصدر ذلك كله ، فهل يمكن أن يكون مصدر ~~الرزق غيره ، وهل من المعقول أن يدعوا اختصاصهم بذلك ليمنعوا غيرهم منه ، ~~أو ليروا فيه امتيازا لهم على غيرهم في موارده ومصادره ، ( @QUR@03 قل ~~الحمد لله ) الذي أظهر الحق ، وأكمل الحجة عليهم في ضرورة الالتزام بعبادة ~~الله ، ورفض عبادة الأصنام. ولكن المشكلة لديهم أنهم لا يحركون عقولهم في ~~آفاق الوعي ، بل يجمدونها في مواقع غرائزهم وشهواتهم ، ليكون الإحساس ~~المادي هو ما يشغل اهتماماتهم ، لا التفكير العقلاني الوجداني ( @QUR@04 بل ~~أكثرهم لا يعقلون ) لا بمعنى فقدان العقل الذي يملك قوة التفكير ، بل بمعنى ~~فقدان استخدامه كقوة متحركة تفكر وتحاكم وتناقش وتكتشف خفايا الأشياء ، ~~وترجع الأمور إلى مصادرها الحقيقية ، وتحركها في اتجاه خطوطها البارزة التي ~~تتجه إلى ما فيه مصلحة الإنسان وتطوره في مدارج الرقي والتقدم والسلام # * * * PageV18P082 ### ||| * الآية # ( @QUR@015 وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون ) (64) # * * * ### ||| ** مفهوم القرآن للحياة الدنيا والحياة الآخرة # ما هو مفهوم القرآن للحياة الدنيا؟ وما هو مفهومه للحياة الآخرة؟ وما هو ~~موقفه منهما؟ # إن هذه الآية تشرح الفكرة من خلال المقارنة بين الحياة الدنيا والدار ~~الآخرة. # * * * ### ||| ** الحياة الدنيا لهو ولعب # ( @QUR@07 وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ) ما ذا في الحياة الدنيا ~~، مما يتنافس فيه الناس ويتصارعون من أجله؟ إن هناك الأموال والأزواج ~~والأبناء والجاه PageV18P083 # المتحرك في مواقع الرئاسة ، وفي تجمعات الأتباع والأنصار ، وفي الشهوات ~~الحسية ، وما إلى ذلك من شؤون الحياة وقضاياها ، مما يأخذ الناس به فترة ~~يشغلون بها أنفسهم ويستغرقون فيها بالمستوى الذي يفصلهم عن القضايا المهمة ~~المرتبطة بمصيرهم ، ويشغلهم عن التفكير في أعماق ذواتهم ، وعن المستقبل في ms4187 ~~اليوم الآخر ، ثم يتركونه عند ما تهرب منهم الفرص ، وهم أحياء ، أو عند ما ~~تضيع منهم الحياة أمام استحقاق الموت ، مما يجعل المسألة في طبيعتها مسألة ~~لهو يملأ فراغ الإنسان ويشغل حياته ، ثم يفارقه بعد وقت قصير ، من دون أن ~~يبقى له منه إلا الانفعالات التي سرعان ما تتبخر وتذوب أمام الأحداث ~~الجديدة ، أو اللهو الجديد. # هذه هي الروحية التي تكمن وراء تعامل الناس مع قضايا الدنيا ، فلا نلمح ~~فيها إلا الحالات الانفعالية السريعة التي يجتمع فيها الناس حول هذه الأمور ~~التي يتولعون فيها ، ويستغرقون في لذائذها وشهواتها وحركاتها ، ثم تنتهي ~~فرصة ذلك ، ويتفرقون ، ويترك كل واحد منهم صاحبه ، كما يترك أدوات الشغل ~~التي تأخذ كل اهتماماته ، تماما كما هو اللعب الذي لا يحمل في داخله أي هدف ~~يمتد بامتداد الزمن ، بل يحمل في عمقه الانفعال المزاجي الذي يلتهب في ~~الذهن وفي العاطفة ، ثم يتبخر ليواجه الفراغ الجديد الذي يعيش الرعب أمام ~~الاستحقاقات الصعبة. # إن هذه الحياة الدنيا التي تتجرد عن قضية الرسالة التي تمنحها امتدادا ~~وبقاء وعمقا هي لهو ولعب ، لأنها لا تملأ الفراغ بما يبقى ، بل تشغله بما ~~يفنى ، ثم يترك الإنسان ذلك كله ليواجه الفراغ القاتل في غياهب الظلام. # * * * PageV18P084 ### ||| ** الدار الآخرة هي المستقر # ( @QUR@05 وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) وهذه الكلمة مصدر كالحياة ، ~~وقيل : الحياة التي لا موت فيها ، لأنها التي تعبر عن معنى الحياة بكل ~~دقائقها ومفرداتها ، فلا فراغ فيها للعدم ، ولذلك فإن الاهتمام بها ~~والتخطيط لها ، يحملان في داخلهما الحصول على الحياة الخالدة التي يملك ~~فيها الإنسان حياته ومصيره المشرق الذي ينير له كل مواقع الرضوان الإلهي ~~والنعيم الدائم. ولكن المسألة تحتاج إلى وعي كامل للخط والوسيلة والهدف ، ~~ومعرفة ممتدة عميقة واسعة ، مما قد يجهل الكثيرون من الناس طبيعته وخطورته ~~ليتداركوا الأوضاع السلبية التي يتحركون فيها ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) ~~ولكن الغفلة المطبقة على عقولهم تمنعهم من ذلك كله. # وعلى ضوء هذه المقارنة بين الحياة الدنيا ، التي تحمل دور الحالة الطارئة ~~التي تنتظر الموت في نهايتها ، وبين ms4188 الدار الآخرة التي تمثل الحياة الخالدة ~~التي لا موت فيها ، نستطيع استيحاء الفكرة التي تجعل الثبات للدور الإنساني ~~في الحياة قائما على الخط الذي يربط بين الدنيا والآخرة من خلال الرسالة ~~التي تحكم تفكير الإنسان وخطواته وتطلعاته في علاقته بالله ، مما يجعل ~~دنياه آخرة في نتائجها الممتدة بامتداد نتائج الرسالة في قضية المصير ، كما ~~يجعل من الآخرة عنوانا للدنيا وهدفا لها. وبذلك نفهم أن الإسلام لا يرفض ~~الحياة الدنيا ، إلا من خلال اعتبارها فرصة للهو واللعب الذي لا يجعل لها ~~عمقا في المصير ، ولذلك فإنه يقبلها ويدعو إليها ويعتبرها قيمة روحية إذا ~~تحركت في خط الرسالة المنفتحة على الله في رضوانه وعلى الجنة التي وعد الله ~~بها المتقين في الدار الآخرة. # * * * PageV18P085 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون (65) @QUR@06 ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون (66) @QUR@015 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) @QUR@017 ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين ) (68) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويتخطف ): التخطف كالخطف : استلاب الشيء بسرعة واختلاسه. # * * * # ( @QUR@05 أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ) # إن مشكلة هؤلاء الكافرين الذين يعلنون الكفر وينصرفون عن عبادة الله PageV18P086 # إلى عبادة غيره ، هي أنهم يناقضون أنفسهم في بعض الحالات التي يشتد عليهم ~~فيها الضغط في دائرة الخطر على الحياة ، فيلجئون إلى الله ، لأنهم لا يرون ~~أمامهم سبيلا للنجاة إلا اللجوء إليه. # * * * ### ||| ** اللجوء إلى الله عند انقطاع السبل # ( @QUR@04 فإذا ركبوا في الفلك ) وثارت بهم الرياح من كل الاتجاهات ، ~~وأحاط بهم الموج من كل مكان ، ورأوا الموت بأعينهم ، واهتزت بهم الفلك حتى ~~كادت أن تنقلب بهم لتغرقهم في أعماق البحر ( @QUR@05 دعوا الله مخلصين له ~~الدين ) أن ينقذهم من ذلك ، ويسير بهم إلى الشاطئ الأمين ، ليرجعوا إليه ~~ويعبدوه بإخلاص ويتجهوا بكل حياتهم إلى دينه ، ويتركوا كل ما سواه. ولكنها ~~مجرد حالة طارئة ، وانفعال سريع في حالة الخطر ( @QUR@04 فلما نجاهم إلى ~~البر ms4189 ) واستراحوا إلى السلامة ، وعاشوا الأمل الكبير في امتداد الحياة بهم ~~، تركوا كل عهودهم ومواثيقهم واستعدادهم ، في ما التزموا به على أنفسهم ~~أمام الله ، ونسوا ذلك كله ( @QUR@03 إذا هم يشركون ) بالله ، فيما تفرضه ~~عليهم أطماعهم ، فيرجعون إلى أوثانهم وأصنامهم وإلى آلهتهم التي يعبدونها ~~من دون الله. # * * * ### ||| ** لا مفر للكافرين من العذاب # كيف يكفر هؤلاء؟ ما ذا ينتظرون؟ هل يفكرون بالامتداد الخالد للحياة في ~~أجسادهم؟ هل ينتظرون أن تبقى لهم هذه الشهوات في أوضاعهم؟ PageV18P087 # ( @QUR@03 ليكفروا بما آتيناهم ) ما شاؤوا أن يكفروا ، وليمتدوا في عبادة ~~غير الله ( @QUR@01 وليتمتعوا ) بكل أطايب الحياة وشهواتها ولذاتها ، ( ~~@QUR@02 فسوف يعلمون ) عند ما يشاهدون عذاب الله في نار جهنم ، عند ما ~~تنتهي الحياة ، ويواجهون المسؤولية أمام الله. ثم كيف ينكر هؤلاء نعمة الله ~~عليهم في ما وهبهم من الأمن المستقر في بلدهم؟ # * * * ### ||| ** الحرم الآمن # ( @QUR@06 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ) وهو مكة وما حولها ، فقد جعله ~~الله حرما آمنا يأوي إليه الناس من كل مكان ، فيتعبدون ويتجرون ويجتمعون من ~~دون أن يخاف أحد على نفسه ، كما يشعر أهله بالحفظ والرعاية والخير الذي ~~يأتيهم من ذلك ( @QUR@04 ويتخطف الناس من حولهم ) في ما كان يعيشه العرب من ~~حالة استلاب وخطف في أوضاع الغزو التي يغير فيها بعضهم على بعض بالقتل ~~والسلب والنهب والسبي ، بحيث لا يشعر أحد بالأمن في مكانه. فكيف يغفلون عن ~~هذه النعمة العظيمة التي كانت هبة من الله ، استجابة لدعاء نبيه إبراهيم ~~عليه السلام ، ولا يشكرونها بالانفتاح على رسالة الله التي جاء بها محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليخرجهم من الظلمات إلى النور؟! # * * * PageV18P088 ### ||| ** الافتراء على الله أشد الظلم # ( @QUR@02 أفبالباطل يؤمنون ) في ما اتخذوه لأنفسهم من نهج الشرك في ~~حياتهم العامة ( @QUR@03 وبنعمة الله يكفرون ) في ما ابتعدوا به عن الأرض ~~وعن الإيمان برسالته. ( @QUR@07 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) بأن ~~ينسب إلى الله شريكا لا حقيقة له ولا واقع لموقعه ، فيعبده من دون الله. إن ~~ذلك هو الظلم الأكبر ، لأنه يشتمل على ظلم الله بالتجاوز عن حقه ms4190 في وحدانية ~~العبادة ، وعلى ظلم الحياة وظلم الإنسانية عند ما يفرض عليها السير في خط ~~لا يلتقي بالخير والصفاء والروحية الفياضة بالطمأنينة والاستقرار ، ( ~~@QUR@05 أو كذب بالحق لما جاءه ) برسالة الله في كتابه الذي يحمله الرسول ~~إلى الناس نورا وهدى ورحمة للمؤمنين. # ما هو مصير هؤلاء إزاء ذلك كله؟ هل يملكون حجة على ما هم عليه في هذا ~~التمرد على الله بالشرك والجحود ، وفي هذا التكذيب برسالته ، وفي النهج ~~المنحرف عنه في الفكر والعاطفة والحياة؟ وما ذا ينتظرون من الله إلا ~~العذاب؟ ( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى للكافرين ) برسالة الله وبنعمته ، وهل ~~يستحقون غير ذلك؟! # * * * PageV18P089 ### ||| * الآية # ( @QUR@09 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) (69) # * * * # ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) # من هم القريبون إلى الله الذين يفوزون بهذا القرب الإلهي إلى قلوبهم ~~وحياتهم؟ # من هؤلاء الذين يهديهم الله إلى طريقه ، ويدلهم على آفاق رضوانه ويتعهدهم ~~في مسيرتهم في هذا الطريق ، وفي تطلعهم إلى تلك الآفاق؟ # من هم الذين يشعرون بأن الله معهم في إحسانهم ، يوحي إليهم بأنه معهم عند ~~ما تضيق بهم الحياة ، وتشتد بهم الأزمات ، وتحف بهم الأخطار؟ # إنهم المجاهدون في الله ، الذين تحرك جهادهم في الدائرة الإلهية ، فلا ~~يتحركون به بعيدا عنها ، بل ينفذون في كل طاقتهم إلى ما يريده الله في جانب ~~العقيدة والعمل ، ليؤكدوا موقفهم عنده ، وليتحركوا معه في جهاد النفس ، PageV18P090 # لتكون جديرة في أفكارها وتطلعاتها وخطواتها بمحبة الله ، وفي جهاد ~~الشيطان ، ليعطلوا حركته ، وليفسدوا خططه ، وليبطلوا أثره ، وفي جهاد العدو ~~، ليحفظوا للإسلام قوته ، وللمسلمين حريتهم وعزتهم وكرامتهم ، وليهزموا ~~أعداء الله ويذلوهم ويسقطوا كل امتيازاتهم في القوة والامتداد. # ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وهي الطرق العديدة ~~المتنوعة التي تؤدي إلى الغايات التي يحبها الله في الحياة في ما يريد ~~للإنسان أن يحققه في نشاطه وجهده من أجل بناء الحياة على الأسس الأخلاقية ~~والروحية والعملية الثابتة ، كما تؤدي بالإنسان إلى الحصول على محبة الله ~~ورضوانه ، والدخول في جنته. # ( @QUR@04 وإن الله لمع المحسنين ) الذين أحسنوا العقيدة ، فكانت عقيدة ~~الحق ، وأحسنوا ms4191 العمل ، فكان العمل الصالح ، إن الله مع هؤلاء في رعايته ~~لهم ، ونصرته لمواقعهم ومواقفهم ، وتأييده وتسديده لكل خطواتهم في الحياة ، ~~لأن الله قريب من كل الذين ينطلقون في مبادئهم وفي أقوالهم وأعمالهم ~~ليتقربوا بذلك إليه ، لأنه يحب المحسنين ، وتلك هي غاية الإنسان في حياته ، ~~وسعادته في مصيره. # * * * PageV18P091 ### | سورة الروم ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ستون PageV18P093 ### ||| ** الأجواء العامة لسورة الروم # للآيات الأولى في هذه السورة قصة تتصل بالأجواء العامة التي كانت تسود ~~ساحة الصراع ، في ما كان يدور من تسجيل النقاط بين المسلمين والمشركين على ~~ضوء ما كان يحدث من أوضاع وتطورات في داخل معسكر الإيمان الذي يمثله أهل ~~الكتاب ، وفي داخل معسكر الكفر الذي يمثله الفرس الذين كانوا على دين ~~المجوسية الرافضة للتوحيد ، وذلك عند ما تغلب الفرس على الروم ، مما اعتبره ~~المشركون انتصارا للخط العقيدي الذي يلتقون به في أكثر من موقع لقاء ، ~~وهزيمة للخط التوحيدي الذي يعارضونه. # وربما أثار المشركون الكثير من اللغط والضوضاء والاستهزاء والتعالي على ~~المسلمين. وربما قابل المسلمون ذلك بالشعور بالضعف والهزيمة أمام قوة الشرك ~~على التوحيد. # وقد روى ابن جرير ، بإسناده عن عبد الله بن مسعود ، قال : كانت فارس ~~ظاهرة على الروم ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان ~~المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى ~~دينهم فلما نزلت : ( @QUR@010 الم* غلبت الروم* في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم PageV18P095 # @QUR@04 سيغلبون* في بضع سنين )، قالوا : يا أبا بكر إن صاحبك يقول : إن ~~الروم تظهر على فارس في بضع سنين ، قال : صدق. قالوا : هل لك إلى أن ~~نقامرك؟ فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين ، فمضى سبع السنين ولم يكن ~~شيء. ففرح المشركون بذلك ، وشق على المسلمين ، وذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما بضع سنين عندكم؟ قالوا : دون العشر. قال : ~~اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل. قال : فما مضت السنتان حتى جاءت ~~الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك (1). # وقد نلاحظ على الرواية أن النبي صلى ms4192 الله عليه وآله وسلم لم يكن عارفا ~~بالتوقيت الدقيق للمدة ، مما قد يضعف الموقف ، وأن أبا بكر قد أعطى توقيت ~~السبع من دون أساس ، لأن كلمة البضع قد تمتد في مفهومها المبهم المردد بين ~~الثلاثة والعشرة ، وأنه إذا كان قد شاور النبي في ذلك ، فعندها ستصبح صدقية ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في الميزان ، وهذا أمر غير وارد أصلا ، لأنه ~~سيخدش أصل نبوته ، إذ لا يعقل أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبرا من ~~أخبار الغيب من عنده ، بل لا بد من أن يتلقاه من عالم الغيب الذي لا يطلع ~~على علمه أحدا إلا من شاء ، أي الله سبحانه وتعالى. ولكن ذلك لا يبعد ~~المسألة عن جو الآية التي تدل على أن الحادثة كانت منطلقا للتحدي القرشي ، ~~باعتبار أن قوة المحور الشركي ينعكس إيجابا على قوة كل مواقعه وطروحاته ، ~~كما أن ضعف المحور الإيماني ينعكس سلبا على ضعف كل مواقعه وطروحاته. # وقد كانت الآية في موقع رد التحدي الواقعي الحاضر ، بالتحدي المستقبلي ~~الذي يحمل دلالتين : # الأولى : الطبيعة الغيبية الحاسمة التي تؤكد صدق القرآن في وحيه ، في PageV18P096 # غياب أي دلائل واقعية واضحة على الموضوع ، لا سيما أن القضية لم تكن ~~واردة في ظروف قوة الفرس وضعف الروم ، بل هي من قضايا النبوءات المستقبلية ~~التي يختزنها الغيب المجهول الذي لا يمكن لأحد أن يعرفه ذاتيا. # الثانية : الطبيعة المتحدية التي لا تترك الموقف في دائرة الانفعالات ~~المثيرة التي يطلقها الآخرون في مواجهة المؤمنين من أجل إضعاف روحيتهم ~~المعنوية ، بل تعمل على إعطاء المسألة قدرا كبيرا من القوة التي تدفع ~~الموقف إلى نوع من التوازن ، في إبقاء الوضع في دائرة إثارة قلق الآخرين ~~حول الموضوع في المستقبل ، في مقابل القلق الذي عاشه المؤمنون في الحاضر. # وهناك نقطة مهمة في المضمون الرسالي الذي يعبر عن موقف سياسي مميز ، وهي ~~انفتاح الإسلام على الديانات الأخرى من خلال القواسم المشتركة التي تربطه ~~بها ، مما يجعله ينظر إلى مواقعها في ساحة النصر أو الهزيمة أمام ms4193 الجماعات ~~الملحدة ، نظرة جدية مليئة بالاهتمام الشعوري من الناحية الإيجابية التي ~~تفرح للنصر ، أو من الناحية السلبية التي تتألم للهزيمة ، من حيث إخلاصه ~~لقضية التوحيد المشتركة ، ومن حيث انعكاس ذلك على مواقعه في ساحة الصراع. ~~كما أن الآخرين الذين يملكون الموقف المضاد ، ينظرون إلى أي موقع من مواقع ~~الإيمان بالنظرة نفسها التي ينظرون بها إلى الموقع الآخر. # وقد نستوحي من ذلك ، أن مواطن اللقاء بالآخرين ، حتى مع غير أهل الديانات ~~، قد تترك الأثر نفسه ، وتفرض الموقف ذاته ، لأن القاعدة التي تحكم الموقف ~~، هي النظرة الإيجابية الإسلامية إلى مواقع اللقاء مع الآخرين في حركة ~~العقيدة ، وفي علاقات الحياة ، في الجو الدفاعي عن موقع الإسلام والمسلمين ~~في معركة التحديات المباشرة وغير المباشرة. # * * * PageV18P097 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@02 غلبت الروم (2) @QUR@08 في أدنى الأرض وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون (3) @QUR@012 في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ~~ويومئذ يفرح المؤمنون (4) @QUR@08 بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز ~~الرحيم (5) @QUR@011 وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غلبت ): الغلب والغلبة مصدر غلب ، والغلبة : الاستيلاء على ~~القرن بالقهر. # ( @QUR@01 بضع ): البضع : القطعة من العدد ما بين الثلاثة إلى عشرة. # * * * PageV18P098 ### ||| ** التنبؤ بغلبة الروم # ( @QUR@01 الم ) من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها في أوائل سورة ~~البقرة. # ( @QUR@02 غلبت الروم ) وهم القوة التي كانت تمثل امبراطورية واسعة من ~~المغرب إلى بلاد الشام ، وكانت بينهم وبين الفرس ؛ القوة الامبراطورية ~~الأخرى في بلاد فارس حتى بلاد العرب ، حروب شديدة ، في بعض نواحي الشام ~~قريبا من الحجاز كما قيل فتغلبت فارس التي كانت تدين بالمجوسية على الروم ~~الذين كانوا يدينون بالنصرانية ، ( @QUR@03 في أدنى الأرض ) وهي القريبة ~~إلى بلاد العرب ، ( @QUR@04 وهم من بعد غلبهم ) وسيطرة الفرس على مواقعهم ~~في ساحة الحرب ( @QUR@01 سيغلبون ) فتدور الدائرة على الفرس في الحرب ~~الجديدة التي يشنونها عليهم ( @QUR@03 في بضع سنين ) وهو العدد ما بين ~~الثلاثة والعشرة ، كما قيل. # وقد اعتبرت هذه الآية ، التي تحدثت عن غيب المستقبل الذي لم يكن هناك أي ~~مؤشر ms4194 عليه من خلال طبيعة أحداث الحاضر ، وجها من وجوه الإعجاز القرآني ، ~~لأن النبي لم يملك علم ذلك في نفسه ، أو في ما يمكن أن يكون قد تعلمه ، ~~لعدم وجود الوسائل التي تؤدي إلى ذلك ، فلا بد من أن يكون ذلك من وحي علام ~~الغيوب الذي لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. # * * * # ( @QUR@06 لله الأمر من قبل ومن بعد ) # ( @QUR@06 لله الأمر من قبل ومن بعد ) وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي ~~تحكم كل قضايا الحياة المتعلقة بالناس في علاقاتهم في ساحة النصر أو ~~الهزيمة ، فقد PageV18P099 # يتحركون في ذلك بإرادتهم الذاتية ، في ما يأخذون به أو يتركونه من ~~الوسائل الواقعية ، ولكن العمق الأساس للإرادة الإلهية التي تخطط للحياة ~~قوانينها وسننها الطبيعية ، هو أن الله من وراء كل شيء ، فهو يملك كل الأمر ~~في حركة الواقع ، لأنه هو السبب الأعمق في كل مواقع الأسباب في قانون ~~السببية للأشياء ، مما يجعل الإنسان المؤمن واثقا بالله في كل الأمور التي ~~يتحرك بها الحاضر ، أو يختزنها المستقبل ، فلا يعيش الإنسان القلق الذي ~~يثير الاهتزاز في داخله أمام أي حدث طارئ ، بل يترك الأمر لله من خلال هذه ~~الحقيقة التي تؤكد للناس كلهم بأن الأمر لله من قبل ومن بعد ، وإذا كان ~~الأمر كذلك ، وكانت الحكمة هي الأساس في تدبير الله للكون ، وكانت الرحمة ~~هي الصفة الإلهية التي ترعى للإنسان حياته ، فلا مشكلة هناك ، فيسلم الأمر ~~له ، وينطلق إلى الأهداف الكبرى بخطوات ثابتة. # وهكذا ينبغي للمؤمنين أن يواجهوا الموقف المعقد الذي حاول المشركون أن ~~يسقطوا به روحهم المعنوية ، للإيحاء لهم بالهزيمة المرتقبة لهم ، من خلال ~~هزيمة المؤمنين الآخرين من أهل الكتاب ، على أساس أن انتصار الكفر في موقع ~~يعني انتصار كل الكافرين ، وأن ضعف الإيمان في موقع يعني ضعف كل المؤمنين. # إن عليهم أن يواجهوا المسألة من خلال الحقيقة الإيمانية لا من خلال بعض ~~الأحداث القلقة التي لا تمثل قاعدة ثابتة للحياة كلها ، بل هي من بعض أوضاع ~~الحياة العامة التي تنتقل بين انتصار فريق ms4195 هنا وهزيمة فريق هناك ، وذلك في ~~ما توحي به الآية الكريمة : ( @QUR@05 وتلك الأيام نداولها بين الناس ) [آل ~~عمران : 140]. # فإذا كان الله قد تكفل بنصر دينه ، فعليهم أن يثقوا بذلك وينتظروا النصر ~~المؤكد منه. # * * * PageV18P100 ### ||| ** فرح المؤمنين بنصر الله # ( @QUR@05 ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) الذي يعطي أولئك المغلوبين ~~النصرة على أساس سننه الكونية ، وحكمته العميقة ، ( @QUR@03 ينصر من يشاء ) ~~بقوته ورحمته وحكمته وتدبيره ( @QUR@03 وهو العزيز الرحيم ) الذي ينطلق ~~تدبيره من قاعدة العزة التي لا ينتقص أحد من قوتها شيئا ، ومن موقع الحكمة ~~التي لا يجادل فيها أحد ، من أي نقطة من نقاط حركتها في الحياة. # أما فرح المؤمنين بذلك ، فلأنهم استطاعوا أن يواجهوا موقف الشمائة القرشي ~~في ساحة الشرك ، بموقف قوة ضاغط في ساحة الإيمان ، هذا بالإضافة إلى ما ~~يوحيه من إمكانات الانتصار عليهم ، بعد أن بدأت هزيمة جماعاتهم في مجالات الكفر. # ( @QUR@06 وعد الله لا يخلف الله وعده ) لأن إخلاف الوعد مظهر ضعف ، ~~وعلامة نقص ، في حركة الذات في واقع الإنسان والحياة ، في ما يوحيه من خوف ~~صاحب الوعد من إعلان الحقيقة ، أو اضطراره لكسب ثقة الناس في الحاضر ، ~~والاعتذار منهم في المستقبل ، والله أعظم من ذلك كله ، وهناك ملاحظة مهمة ، ~~وهي أن الله يريد أن يؤكد الثقة به وبرسوله من خلال الإيحاء للمؤمنين بنصره ~~لمن يشاء في المستقبل على أساس أن الأمور كلها بيده ، فلا يتخلف هناك شيء ~~عما يريد ، كما يريد أن يقوي مواقع الإيمان في ساحة التحدي ، ويضعف مواقع ~~الكفر ، ولا بد في ذلك من صدق الوعد الذي يؤكد الثقة ، ويضع القوة ، ويرد ~~التحدي بأقوى منه. # ولذلك كانت مسألة الوعد الإلهي ، في ما أنزله الله على رسوله ، في كتابه ~~وفي ما عرفه إياه في وحيه ، من المسائل الحاسمة في ضمير المؤمنين PageV18P101 # الذين يتطلعون إلى المستقبل بثقة وإيمان ، في ما يحدثهم الله عما يحدث ~~لهم أو لغيرهم في المستقبل ، لأنها تمثل الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من ~~بين يديها ولا من خلفها في كل مجال ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~) لأنهم ms4196 لا يعرفون الامتداد المستقبلي للحقائق ليكتشفوه من خلال مصادره ~~الأساسية في قضية المعرفة ، بل يرتبطون بالأمور الحاضرة السريعة ، فيختنقون ~~في دائرة اللحظة عند ما تحاصرهم أفكارها ومشاكلها وتهاويلها ، بالخوف ~~والهزيمة. # * * * PageV18P102 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) ~~@QUR@022 أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) @QUR@032 ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم ~~قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) @QUR@013 ثم كان عاقبة الذين ~~أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (10) @QUR@08 الله ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) @QUR@05 ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون (12) @QUR@09 ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم ~~كافرين (13) @QUR@05 ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) @QUR@09 فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) @QUR@011 وأما الذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) @QUR@06 ~~فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) @QUR@02 وله الحمد PageV18P103 # @QUR@06 في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) @QUR@014 يخرج الحي ~~من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وأثاروا الأرض ): إثارة الأرض : قلبها ظهرا ببطن للحرث ~~والتعمير ونحو ذلك. # ( @QUR@01 السواى ): الخلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها ، والمراد بها : ~~سوء العذاب. # ( @QUR@01 يبلس ): الإبلاس : اليأس من الله ، وفيه كل الشقاء. # ( @QUR@01 روضة ): الروضة : البستان المتناهي منظرا وطيبا. # * * * # ( @QUR@05 الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ) # تلك هي مشكلة الكثيرين من الناس الذين لا يؤمنون بالله ، أو الذين يشركون ~~بالله غيره ، هي أنهم لا يتعاملون مع قضايا المعرفة من عمق النظرة للأشياء ~~، بل يتحركون فيها من موقع السطح ، ولذلك فإنهم لا ينظرون إلى الحقيقة ~~الكامنة في الآخرة ، بل يبقون مشدودين إلى المشاهد المثيرة ، والأضواء ~~البراقة من الحياة الدنيا ، فيبتعدون بذلك عن معرفة الله ورسله وكتبه ~~وشرائعه ، ويتهربون من مسئولية الحياة كلها في آفاق الله ، مما يجعل من ~~المسألة مسألة تتصل ms4197 بالمنهج لا بالجانب الذاتي التجريدي من المعرفة. # ولهذا كان هذا الفصل من السورة حركة قرآنية تحمل الكثير من اللمسات PageV18P104 # واللمعات والإشارات التي تثير في داخل الإنسان الكثير من الأفكار ، وترسم ~~الكثير من علامات الاستفهام حول القضايا المتصلة بالله وبالآخرة ~~وبالمسؤولية في قضية المصير وتتحدث عن هؤلاء الذين لا يعلمون. # * * * ### ||| ** بعض الناس عن الآخرة غافلون # ( @QUR@05 يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) في ألوانها وزخارفها ومظاهرها ~~ولذائذها وشهواتها وأوضاعها وامتيازات الناس الظاهرة فيها ، ولكنهم لا ~~ينفذون إلى عمقها ليعرفوا ما في داخلها من آلام وأحزان وقبائح وأشجان ، ~~وليتلمسوا كيف يواجهون الأفراح المختلطة بالأحزان واللذات الممتزجة بالآلام ~~والورود المحاطة بالأشواك ، ليعرفوا أن المسؤولية التي يخضع الإنسان لها في ~~حياته ، هي التي تجعل لهذا المزيج معنى معقولا وروحا طيبة ، تكون الحياة من ~~خلالهما ذات معنى يلتقي بالأهداف الكبيرة للإنسان ، وذلك هو الذي يتمثل ~~بالوعي الكامن في فكرة الآخرة ، كعقيدة ومصير ونهاية ، ولكنهم لا يفهمون ~~ذلك كله ، لأنهم يستغرقون في الجانب الظاهر من الحياة الدنيا. ( @QUR@05 ~~وهم عن الآخرة هم غافلون ) لأنهم لا يلتفتون إلا إلى الجانب المادي الذي ~~يتصل بالقضايا بشكل مباشر ، ولا يتطلعون إلى الجوانب الروحية الكامنة في ~~معنى الغيب الذي يطل على آفاق الله الرحبة الممتدة التي تتجاوز الدنيا إلى ~~الآخرة ، لتأخذ من فناء الدنيا فكرة الخلود للآخرة. وهكذا تحجبهم شواغل ~~الحياة الدنيا عن التفكير في الآخرة ، وفي المسؤولية التي تختزنها في ~~معناها الداخلي ، وإذا كف الناس عن تحريك الفكر في اتجاه المعرفة ، وعن ~~إثارة المعرفة في أجواء الإيمان ، فإنهم سوف يفقدون التوازن في الموقف ، ~~ويبتعدون عن الخط المستقيم في الحياة ، ولهذا جاءت الآيات المتتابعة ~~لتدعوهم إلى التفكير في كل شيء. # * * * PageV18P105 ### ||| ** خلق الله السماوات والأرض بالحق # ( @QUR@04 أولم يتفكروا في أنفسهم ) عند ما يحدقون في الظواهر الكونية في ~~ما تثيره في داخل الفكر الواعي من علامات الاستفهام حول حركة هذه الظواهر ~~ودورها في تنظيم العالم ، وتوازن النظام الكوني ، وذلك من خلال القوانين ~~الطبيعية والسنن الكونية التي أودعها الله في عمق الكون كله ، ليجدوا ~~الحقيقة الإلهية ms4198 في انتظارهم. # ( @QUR@09 ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) فليس هناك ~~حالة عبثية في ما يتحرك في هذه الآفاق ، أو في ما يسكن ، بل هناك سر كامن ~~في العمق ، يفرضه السكون هنا ، والحركة هناك ، والنظام الذي يتدخل في ~~التفاصيل ، مما يوحي للمتأمل الذي يلاحق كل هذه الظواهر بأن هناك شيئا ما ~~وراء ذلك كله. ولذلك فإنه يعمل على اكتشافه ، فلا يكون شأنه شأن المتخبط ~~الذي لا يعرف شيئا ولا يسعى إلى هدف ، بل إن شأنه شأن السائر إلى غاية يحس ~~بها ولكنه لا يعرف تفاصيلها وذلك هو ما تمثله كلمة الحق الذي يمثل الثبات ~~للظاهرة من خلال الأسس القوية التي ترتكز عليها ، ولكنه لا يحمل الخلود في ~~ذاته ، بل ينتهي إلى غاية معينة وأجل محدود في ما أودعه الله في الحياة من ~~حدود الزمن للأشياء. # ( @QUR@02 وأجل مسمى ) ينتهي بالأشياء إلى شاطئ الآخرة التي تبدأ فيها ~~وضعا جديدا وحياة جديدة ، يقف فيها الناس كلهم ليواجهوا المسؤولية في لقاء ~~الله ، وهذا هو الذي يريد الله لهم أن يختزنوه في داخلهم ، ويتحركوا به في ~~إدارة شؤون حياتهم ، من خلال أن تحديد الأجل يعمق المسؤولية في وعي الإنسان ~~لطاقته. # ( @QUR@07 وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) مما يدعو إلى الدهشة PageV18P106 # والتعجب ، لأن الكفر ينطلق من فقدان الأسس التي يرتكز عليها الإيمان ، ~~فإذا كان هؤلاء يؤمنون بإيجاد الله للكون وللناس فيه ، فكيف لا يكون قادرا ~~على إعادتهم بعد الموت ، على أساس أن طبيعة القدرة واحدة هنا وهناك؟! # * * * ### ||| ** عاقبة الأمم السابقة # ( @QUR@011 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) ~~من الأمم السالفة ( @QUR@04 كانوا أشد منهم قوة ) فقد كان منهم العمالقة ~~والجبابرة وكان منهم الجماعات التي تملك الحضارة والتقدم والرقي والعمران ( ~~@QUR@02 وأثاروا الأرض ) أي حرثوها وأصلحوها للزراعة ( @QUR@04 وعمروها ~~أكثر مما عمروها ) بما كانوا يملكون من ثقافة عمرانية ، وقدرة معمارية ~~وهندسية. ( @QUR@03 وجاءتهم رسلهم بالبينات ) التي تشرح صدورهم للإيمان ، ~~وتخطط لهم الطريق # للتقوى ، مما لا يدع لهم شكا ولا شبهة في أي شأن من ms4199 شؤون ذلك. ولكنهم لم ~~يلتزموا بالعقيدة الحقة ، ولم يسيروا على خط الله ، فأهلكهم الله بذنوبهم ، ~~وأخذهم بكفرهم أخذ عزيز مقتدر ، لأنهم استحقوا ذلك ( @QUR@04 فما كان الله ~~ليظلمهم ) لأن الله ليس بحاجة إلى أن يظلم عباده ، لأن الظلم مظهر ضعف ~~يتعالى عنه الله القوي العزيز ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) لأنهم ~~لم يتحملوا مسئولية الإيمان بعد قيام الحجة عليهم فيه ، ولم يستقيموا في خط ~~العمل الصالح ، بعد نزول الوحي عليهم في أوامر الله ونواهيه. # كيف يغفل هؤلاء عن ذلك كله؟ وكيف يمرون على منازل هؤلاء الناس دون أن ~~يثير ذلك فيهم أي فكر يتطلع للمعرفة من خلال حركة التاريخ في الماضي ، ودون ~~أن يدفعهم إلى الاعتبار بما حصل للسابقين ليعرفوا ما ذا يحدث لهم ولمن ~~بعدهم في المستقبل. PageV18P107 # ( @QUR@013 ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا ~~بها يستهزؤن ) السوأى هي الحالة السيئة ، تأنيث للسوء كالحسنى تأنيث ~~الأحسن. # وهناك تفسيران للآية : # أحدهما : أن تكون السوأى كناية عن العذاب باعتبار أنه الأسوأ في ما يصل ~~إليه الإنسان ، وبذلك يكون معنى الآية : ثم كان عاقبة هؤلاء الذين أساؤوا ~~العمل ، العاقبة الأسوأ ، وهي العذاب ، لأنهم كذبوا بآيات الله واستهزءوا ~~بها ، على أساس أن تكون كلمة «السوأى» اسم كان ، وتكون كلمة «عاقبة» خبرا مقدما. # ثانيهما : أن تكون كلمة السوأى تعبيرا عن العمل السيئ وهو المعاصي التي ~~يمارسونها ، فتكون مفعولا لأساؤوا ، وبذلك يكون المعنى : ثم كان عاقبة ~~الذين عملوا الأعمال السيئة التي كان ينهاهم عنها الرسول ، أن أمرهم انتهى ~~إلى التكذيب والاستهزاء ، لأن تأثير المعاصي في نفوسهم جعلهم في موقع الخط ~~الذي يبرر لهم ما يفعلون ، وهو الكفر ، مما يجعل جانب الكفر أقرب إلى نمط ~~حياتهم من جانب الإيمان ، لأن الإيمان لا يرضى لهم بذلك. # ويعلق صاحب الميزان على المعنى الثاني ، بأنه صحيح في نفسه ، لكنه مخالف ~~لسياق الآيات مع موافقة المعنى الأول له ، «لأن المقام مقام الاعتبار ~~والإنذار ، والمناسب له بيان انتهاء معاصيهم إلى سوء العذاب ، لا انتهاء ~~معاصيهم المتفرقة إلى التكذيب والاستهزاء الذي ms4200 هو أعظمها» (1). # أما تعليقنا على ذلك ، فهو أن هذه الآية تتحدث عن حالة التكذيب الصادرة ~~من الكافرين ، في ما يستتبعه من الاستهزاء ، لأن الجو هو جو المواجهة التي ~~كانوا يواجهون بها الرسل الذين جاؤوا لينذروهم بعذاب الله PageV18P108 # ليتركوا النهج السيئ الذي يسيرون عليه ، وليس الجو هو جو الحديث عن ~~العذاب ، بل إن ذلك لا حق للآية في ما يأتي من الآيات الأخرى. # * * * ### ||| ** أحوال المجرمين يوم البعث # ( @QUR@08 الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ) فكيف تكذبون ~~بآياته ، ورسله الذين يدعونكم إلى الإيمان بهذه الحقيقة ، التي تؤكد لكم ~~البعث والوقوف غدا بين يدي الله لمواجهة اللحظة الحاسمة في موقف الحساب. ( ~~@QUR@03 ويوم تقوم الساعة ) التي تنتظر الناس بعد موتهم ليواجهوا من خلالها ~~الموقف الحاسم الذي تتحدد فيه نتائج المسؤولية ، ( @QUR@02 يبلس المجرمون ) ~~والإبلاس هو اليأس عن فلا يجدون مجالا لأي أمل بالحصول على رحمته ، والنجاة ~~من عذاب الله ، لأنهم لم يتركوا أي موقع في حياتهم الدنيا للرحمة ، ولم ~~يقوموا بأي عمل للإنقاذ ، ( @QUR@06 ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ) في ما ~~كانوا يتخذونه من شركاء لله في العقيدة أو في العبادة ، انطلاقا مما كانوا ~~يعتقدونه فيهم من أسرار القوة ومواقع السر الخفي في ما تختزنه الأشياء من ~~معاني الغيب في أوهام الكافرين. فها هم يرونهم لا يملكون شيئا من المكانة ~~التي ينطلقون فيها للشفاعة التي كانوا يأملون بها في أدنى الأحوال ، ~~ليقربوهم إلى الله زلفى ، ولذلك يصل بهم الأمر إلى الكفر بهم عند ما ~~يتعرفون إلى الحقيقة الحاسمة في ذلك ، ( @QUR@03 وكانوا بشركائهم كافرين ) ~~عند ما يقفون معهم ، في موقف واحد ، فيتبرأ كل فريق من الآخر. # * * * PageV18P109 ### ||| ** التفرق عند قيام الساعة # ( @QUR@05 ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) ليذهب كل فريق إلى الغاية ~~التي عمل لها بعد ما كانوا في الدنيا مجتمعين في النوادي التي تضمهم ، ~~والمعاهد التي تجمعهم ، والأسواق التي يترددون إليها ، والبيوت التي ~~يسكنونها ، ( @QUR@09 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ~~) أي يعيشون في حالة السرور الذي يفيض على قلوبهم ومشاعرهم ، في أجواء ~~الجنة ms4201 التي وعد الله بها عباده المتقين ، ( @QUR@011 وأما الذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ) في ما يستتبعه ذلك ~~من الحزن الذي يهز القلوب والمشاعر والأجساد. وتلك هي النتيجة التي يتمايز ~~بها الناس في الآخرة عند ما يتمايزون في حركة الإيمان والكفر ، وعمل الخير ~~وعمل الشر في الدنيا. # * * * ### ||| ** التسبيح والحمد لله # ( @QUR@06 فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) فذلك هو الذي ينبغي ~~للإنسان أن يستوحيه من تأمله وتفكيره في التدبير الإلهي ، في دائرة النظام ~~الدقيق الذي يشمل حركة الكون في وجوده ، وحركة الإنسان في عمله ، مما يوحي ~~بعظمة الله التي تجعل المؤمن يتطلع إلى آفاق الله ، ليستغرق في جوانب ~~العظمة ويتحرك في المجال العملي من خلال مراقبتها ، في ما هي المحبة ، وفي ~~ما هو الخوف من الله ، ليبدأ صباحه في تسبيح الله وتعظيمه ، كما يبدأ مساءه ~~بذلك ، ليكون ذلك دافعا له إلى الطاعة ومانعا عن المعصية في الصباح ~~والمساء. # ( @QUR@05 وله الحمد في السماوات والأرض ) أي ما من شيء مخلوق لله تعالى ، إلا PageV18P110 # وله حمده الخاص له تعالى ، وذلك في ما استودعه فيه من إبداع وإتقان وجمال ~~وتدبير وتصريف لشؤون وجوده منطلقا وحركة ومصيرا ، وليكون الحمد بذلك إلى ~~جانب التسبيح هو الجو الذي يحكم حركتكم في بداية النهار وفي بداية الليل ، ~~( @QUR@03 وعشيا وحين تظهرون ) وذلك في منتصف الليل ومنتصف النهار ، ليكون ~~التسبيح والتوحيد شاملين للزمن كله ، ليؤدي بكم ذلك إلى الاستغراق في جوانب ~~العظمة ، كمدخل للاستغراق في طاعته. # وهناك تفسير آخر لصاحب الميزان يختلف بعض الشيء عما ألمحنا إليه ، فقد ~~ذكر : «أن التسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من ~~غيره ، حتى يكون المعنى : قولوا سبحان الله ، وقولوا الحمد لله ، فقد تكرر ~~في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه ، كقوله : ( @QUR@04 سبحان ربك رب ~~العزة ) [الصافات : 180] وقوله : ( @QUR@06 تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده ) [الفرقان : 1]» (1). # أما تعليقنا عليه ، فهو أن هذا الذي ذكره صحيح في نفسه ، ولكن توجيه ~~الخطاب إلى الناس بقوله : ( @QUR@04 حين تمسون وحين تصبحون ) إلى قوله ( ~~@QUR@03 وعشيا وحين ms4202 تظهرون )، قد يجعل المعنى الذي ذكرناه أقرب مما ذكره ، ~~في ما قد يظهر منه أن المراد هو توجيه الناس إلى ممارسة تسبيحه وتحميده ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** يخرج الحي من الميت # ( @QUR@08 يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) فهو الذي يهب الحياة PageV18P111 # ويحركها فيعطي الحياة للبذور التي لا تملك في ذاتها شيئا من الحياة ، كما ~~يمنع الحياة عن بعضها ، فتجف وتصفر وتتحول إلى هشيم. وهو الذي يعطي الإنسان ~~الحياة في ما يتوالد من الأجنة التي يتكامل نموها وتتوفر فيها كل شروط ~~الحياة ، وهو الذي يمنعها عن أجنة أخرى. وهكذا تبقى دورة الحياة في كل لحظة ~~، وفي كل شيء حي. # ( @QUR@04 ويحي الأرض بعد موتها ) عند ما تهتز بالخضرة الطافرة ، ~~والنباتات المتنوعة ، والألوان الزاهية ، فتشعر بالحياة التي تتحرك في كل ~~ذرة من ذراتها ، وفي كل مساحة من مساحاتها ، مما يوحي للإنسان بحركة الحياة ~~والموت ، في عملية الخلق والإعادة ، ليوحي له ذلك بفكرة البعث بعد الموت ، ~~ليجدها في حركة الحياة في الأرض وفي كل الأشياء الحية ، قبل أن يفكر بها في ~~دائرة العقل ، ( @QUR@02 وكذلك تخرجون ) فلا غرابة في ذلك لأن طبيعة قانون ~~الحياة يفرض ذلك. # * * * PageV18P112 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ~~@QUR@020 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) @QUR@013 ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ~~@QUR@014 ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون (23) @QUR@021 ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل ~~من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ~~@QUR@016 ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من ~~الأرض إذا أنتم تخرجون ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تنتشرون ): تنبسطون في الأرض ، وتتفرقون في أطرافها. # ( @QUR@03 وابتغاؤكم من فضله ): الفضل : الزيادة على مقدار الحاجة ، ويطلق PageV18P113 # على العطية ، والمراد به هنا : الرزق ، وابتغاء الفضل : طلب الرزق. # * * * ### ||| ** من آيات الله في الإنسان ms4203 والكون والحياة # ( @QUR@06 ومن آياته أن خلقكم من تراب ) ثم نفخ فيكم من روحه ، فتحولتم ~~بشرا أحياء أسوياء ، وجعل من عنصر التراب ، في م ا يتحول إليه من الغذاء ، ~~نطفة تحمل في داخلها سر الحياة ( @QUR@05 ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) ~~فتملأون الأرض كلها وتديرون حركتها من خلال خصائص البشرية العاقلة ~~المتحركة. # وتلك هي قصة الإعجاز في تفاصيل عظمة خلق الإنسان في كل أجهزته التي تمثل ~~فيها النظام الدقيق الذي تتحرك الحكمة في جميع دقائقه ، ولكنها الألفة التي ~~يعيشها الإنسان في مواجهته لوجوده ، حيث يفقد معها كل شعور بالعظمة والدقة ~~والإعجاز ، مما يريد القرآن له أن يخرج من هذا الجو ليفكر ويتدبر ويجد في ~~ذلك كله الآية الظاهرة الدالة على وجود الله. # * * * ### ||| ** آية خلق الأزواج من أنفسكم # ( @QUR@010 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) في ~~أجواء الهدوء النفسي والطمأنينة الروحية ، والاستقرار الغريزي ، والهدوء ~~العاطفي ، في طبيعة التكامل الإنساني في علاقة الرجل بالمرأة ، في ما يحس ~~به كل واحد منهما أن الآخر جزء من ذاته وقطعة من نفسه ، بحيث يعيش في فراغ ~~شعوري هائل عند ما يشعر بالابتعاد عنه والحرمان منه ، وذلك من خلال طبيعة PageV18P114 # الانجذاب الذاتي الذي يتحرك في كيان الإنسان من خلال الفطرة التي فطر ~~الناس عليها ، مما يجعل من المسألة مسألة لا تقتصر على الجانب الجنسي في ~~حرارة العلاقة المتكاملة ، بل تتعداه إلى سائر الجوانب الروحية والشعورية ~~ذات الآفاق المتنوعة في أحاسيس الإنسان وتطلعاته. وهكذا يكون التعبير ~~بالسكن في دائرة العلاقة الزوجية ، تعبيرا حيا يتجاوز السكينة الجسدية ~~الباحثة عما يشبع جوع الغريزة ويروي ظمأها ، إلى السكينة الروحية التي يخرج ~~بها الإنسان من الشعور بالعزلة والوحدة والوحشة إلى الشعور بالاندماج ~~والأنس والالتقاء بالآخر ، مما يعمق في داخله السكينة الروحية في كل آفاق ~~الذات. وربما كان التعبير بكلمة «أزواجا» إيحاء بالعلاقة الزوجية التي تمثل ~~الرباط الوثيق الشرعي بين الرجل والمرأة ، فهي التي يحس كل منهما فيها ~~بالشعور بامتلاء الفراغ الروحي في ذاته ، حيث يشعر بأن هناك إنسانا ينتظره ~~ويخصه ms4204 ويعيش معه مسئولية الحياة كلها ، كما يعيش معه مسئوليته تجاه نفسه ، ~~تماما كما هو الجزء مع الجزء ، بينما لا تمثل العلاقات الحرة مثل هذا العمق ~~الشعوري في السكينة الروحية ، إذ يعيش الأشخاص في داخلها ، ويعبون من ~~اللذات الجسدية ما شاءت لهم شهواتهم ، ولكنهم يرجعون إلى أنفسهم ، فيشعرون ~~بالفراغ والقلق بأقسى ما يكونان ، لأن الجانب الجسدي وحده ، في نطاق ~~العلاقات غير المرتبطة بالوثاق الشرعي ، لا يحقق أي شيء من ذلك. # * * * ### ||| ** علاقة الزواج بالمودة والرحمة في الإسلام # ( @QUR@04 وجعل بينكم مودة ورحمة ) في ما أودعه في عمق إحساس الرجل ~~والمرأة ، من مشاعر الحب والود ، ومن علاقة الرحمة النابضة بالروح الكامنة ~~في حركة الحياة لديهما ، في ما يكفل معه كل واحد منهما الآخر ، فيتحمل PageV18P115 # مسئوليته ، فيتألم لألمه ويفرح لفرحه ، ويقوم برعايته في حالات ضعفه ، من ~~موقع الرحمة المتحركة في الذات ، المرفرفة في الروح والشعور. # وهذا هو سر الإعجاز في تكوين الإنسان الذي يعيش التنوع في طبيعة الخصائص ~~الذاتية ، ولكنه يتحرك في اتجاه الوحدة والتكامل من خلال حاجة كل خصوصية ~~إلى الخصوصية الأخرى بحيث تفقد معنى الحياة من دون التكامل معها ، ولذلك ~~فهي تتجه إليها تلقائيا بكل محبة ورعاية وانجذاب ورحمة تنطلق في حركة ~~الإحساس والممارسة. # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ويكتشفون من خلال الفكر ~~المتأمل العميق أسرار خلق الإنسان في تفاعل خصائص الروح وخصائص الجسد ، ~~فينفتح الجسد على الروح في نداء الذات التي لا ترتاح لخصائص الجسد إذا لم ~~تفض عليها الروح بمعانيها الروحية ، وتتحرك الروح في اتجاه الجسد لتكون ~~حركته وخصوصيته أساسيتين في توليد المشاعر الروحية في أفعال العبادة ~~وأخلاقية الممارسة. # وقد نلاحظ أن الله يريد للناس أن يجعلوا التفكير أساسا لحركة العقيدة في ~~الذات ، في ما يكشف لها من دلائل العظمة في خلق الله ، مما يوحي لها بعظمة ~~الله من أقرب طريق ، ويؤكد على الحقيقة الإيمانية في انطلاق الإيمان من ~~حركة العقل في الإنسان ، لا من المشاعر العمياء التي لا تخضع للحجة أو ~~الدليل. # وإذا كان الله قد جعل العلاقة الزوجية ms4205 مبنية على المودة والرحمة في ما هو ~~الانجذاب الذاتي بين الزوجين ، فقد نستوحي من ذلك أنه يريد لهما أن يعملا ~~على إخضاع الحركة الإرادية في داخل الحياة الزوجية لهذين العنصرين ، فتكون ~~المودة القلبية أساسا روحيا للعلاقة بينهما من خلال ما يحمل أحدهما للآخر ~~من مشاعر الود ، وتكون الرحمة القائمة على أساس دراسة كل منهما PageV18P116 # عقلية الآخر وظروفه الخاصة الذاتية والعملية ، بحيث يراعيها ويأخذها في ~~الحسبان ، وبالتالي عليه أن يرحمه من خلال تقديره لكل العوامل السلبية ~~والإيجابية التي يخضع لها في حركة الخطأ والصواب في علاقته بالآخر ، أو في ~~تصرفاته الشخصية في نفسه ، مما يجعل العلاقة مرتكزة على العنصر الداخلي ~~الحميم فيما بينهما ، أكثر مما هي مرتكزة على القانون في قيوده. # * * * ### ||| ** التنوع في خلق الله # ( @QUR@05 ومن آياته خلق السماوات والأرض ) في ما يتمثل فيهما من أسرار ~~ودلائل الإبداع من خلال ما بث الله فيهما من الظواهر الكونية ، التي تتحرك ~~بالنظام الكوني الذي يخضع له الإنسان وتتحرك من خلاله الحياة ، على أساس ~~الحكمة التي تضع كل شيء في موضعه ، وتحسب لكل صغيرة وكبيرة من مفرداته ~~حسابها في حركة الوجود ، بما يوحي للعقل المتأمل بأن وراء ذلك قدرة حكيمة ~~خالقة أعطت كل شيء هدايته ، ومنحته سره ( @QUR@03 واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~) فكيف اختلفت الألسنة ، وكيف نشأت اللغة ، وما هو السر في اختلاف اللغات؟ ~~هل هي الحاجة إلى التعبير؟ وكيف اختلفت وسائل التعبير عنها ، هل هناك معلم ~~علم هؤلاء غير ما علم أولئك ، أو هناك أكثر من معلم تختلف ثقافتهم اللغوية ~~اللسانية ، ومن هو الذي علمهم؟ هل هناك غير الله الذي ألهم هؤلاء غير ما ~~ألهم أولئك ليكون ذلك سبيلا للتنوع الذي قد تختلف فيه الخصائص الذاتية ~~فتتبعها الخصائص الحضارية؟ # ثم ، كيف اختلفت ألوانهم ، وهل السر يتعلق بالأرض ، أو بالمناخ؟ وكيف ~~تتفق الألوان في المكان الواحد والمناخ الواحد؟ قد يكون لبعض هذا دخل في ~~هذا وذاك ، وقد تكون هناك خصائص ومؤثرات أخرى ، ولكن السبب في ذلك هو خالق ~~الإنسان كله ، بأسوده وأبيضه وأحمره وأصفره ، وعربيه PageV18P117 # وأعجميه ms4206 ، ليكون ذلك أساسا لاختلاف الطباع والأمزجة والخصائص الذاتية ، ~~ليكون في اللقاء مع التنوع ، ما يغني التجارب الإنسانية ، ويحقق التعارف ~~القائم على التفاعل والتجاذب والتمازج فيما بين الناس. ومهما كان الأمر ، ~~فإن التفسير الوحيد الذي يوضح ذلك كله في السبب الأعمق الكامن خلف كل هذه ~~الظواهر الإنسانية ، هو الإرادة الإلهية التي تعلقت بهذا التنوع العجيب ، ~~انطلاقا من الحكمة التي أراد الله للحياة أن ترتكز عليها ، ليعرف الإنسان ~~عظمة الخالق من خلال عظمة خلقه. # ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للعالمين ) الباحثين عن حقائق الكون في كل ~~الظواهر الكونية والإنسانية التي تمثل وحدة النظام وتوازنه واستقراره. # * * * ### ||| ** النوم والاكتساب ؛ من آيات الله # ( @QUR@08 ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ) في ما ~~يعبر عنه نظام السكون والحركة في وجود الإنسان الذي يحتاج إلى السعي ~~المتواصل من أجل كسب وسائل العيش ، وتنظيم قضايا الحياة ، في ما يتوقف عليه ~~نظام حياته في مختلف شؤونها وأوضاعها وعلاقاتها العامة والخاصة ، مما يفرض ~~اليقظة المنفتحة على الواقع ، في حيوية الإنسان الجسدية ، والنور المتدفق ~~من الشمس في النهار الذي يضيء له كل السبل التي يريد السير فيها ، والمواقع ~~التي يتحرك في داخلها ، كما يفرض الحاجة إلى الراحة الشاملة التي يعيش ~~الجسد فيها في إغفاءة هادئة مستغرفة تسكن فيها الأعضاء ، وتهدأ الأعصاب ، ~~ويستريح العقل في أجواء الظلام الذي يوحي بالسكينة واسترخاء الجسد. وهكذا ~~كان هذا النظام الدقيق الذي ربط حركة الإنسان وسكونه ، بالأوضاع الكونية في تعاقب PageV18P118 # الليل والنهار فجعل الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار معاشا ، ~~لتستقيم للإنسان حياته ، ولينتظم معاشه. # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) الحديث عن تفاصيل العظمة في ~~الخلق ، فيعون معانيه بعقولهم ، فيهتدون إلى دلالة ذلك على وجود الله ~~وتوحيده. # * * * ### ||| ** رؤية البرق خوفا وطمعا # ( @QUR@06 ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ) في ما يثيره في وعي ~~الإنسان من الخوف إذ كان نذير الصاعقة التي تقتل وتحرق وتدمر ، ومن الطمع ~~إذا كان نذير المطر الذي ينعش ويحيي الأرض والإنسان والحيوان ويدعو ذلك إلى ~~التأمل والملاحظة الدقيقة التي قد يكتشف فيها ms4207 الإنسان عمق هذه الظاهرة ~~الكونية وتأثيرها في حركة النظام الكوني الذي تخضع له حركة الحياة كلها ، ~~في دلالته على الحكمة والدقة والإبداع. # * * * ### ||| ** الماء يحيي الأرض بعد موتها # ( @QUR@09 وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ) لأن الماء ~~يؤمن عوامل نموها وعناصر حركتها وحيويتها وامتدادها ، وهو ، بالإضافة الى ~~ذلك ، يحمل معنى النعمة التي تفتح قلب الإنسان على الله من موقع الشكر ~~العميق ، واللفتة PageV18P119 # الروحية الحميمة ، إحساسا بالعلاقة الوثيقة الدائمة بالله التي لا مجال ~~للاستغناء عنها ، في مسألة الحياة ، في كل مفرداتها الصغيرة والكبيرة ، ( ~~@QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) فيرون في هذا التدبير الإلهي سر ~~الحكمة ، لا معنى الصدفة. # * * * ### ||| ** السماء والأرض تقومان بأمر الله # ( @QUR@07 ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) فهو الذي يدير ~~نظامهما بعد أن خلقهما ، فبإرادته تتحركان وتسكنان في مجرى الحركة والسكون ~~في الظواهر المتنوعة التي تحكم نظامهما وتوجه مسيرتهما ، وتنظم وجودهما. ~~فإذا كانت هناك قوانين طبيعية وسنن كونية ، تمنح نظامهما صفة الحتمية ~~والثبات ، فإنها تنطلق من خلال إرادته ، فهو الذي خلقها في عمق تكوين ~~السماء والأرض ، وهو الذي أشرف على تدبير حركتهما التي أرادها لهما. # ( @QUR@09 ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) عند ما تتعلق ~~إرادته بخروجكم من الأجداث لتقفوا بين يديه في موقف الحساب ، فإن الأرض ~~تستسلم لإرادته ، وتنقاد لدعوته ، في ما يوحي به إليها من تهيئة الشروط ~~الطبيعية في تكوينها لذلك ، مما يوحي إليكم بأن كل الأشياء منوطة بإرادته ، ~~فكيف تستبعدون البعث الذي أعدكم له ووعدكم به ، وليس هو إلا بعض مظاهر هذه ~~الإرادة الحاسمة التي تقول لكل شيء كن فيكون. # * * * PageV18P120 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) @QUR@018 وهو ~~الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (27) @QUR@027 ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ~~ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) @QUR@016 بل اتبع الذين ظلموا ~~أهواءهم بغير علم ms4208 فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين ) (29) # * * * ### ||| ** كل ما في السموات والأرض ملك لله # ( @QUR@05 وله من في السماوات والأرض ) من الملائكة والجن والإنسان ، ~~مهما اختلفت درجاتهم ومواقعهم وملكاتهم وطاقاتهم وأشكالهم وألوانهم ، فهم ~~جميعا خلق الله الذي أوجدهم من عدم ، وملكه الذي يملكه من موقع إيجاده ~~وسيطرته المطلقة وحاجته الدائمة إليه ، فلا يملك أحد منهم شيئا إلا ما ملكه ~~( @QUR@03 كل له قانتون ) طائعون خاضعون له بانقيادهم له في إرادتهم في ما PageV18P121 # يختارونه من طاعته عند ما يطيعونه ، وفي ما يخضعون له من القوانين والسنن ~~الكونية التي يرتبط بها وجودهم حيث لا يملكون الخروج عنه والتمرد عليه. # * * * ### ||| ** إعادة الخلق أهون من بدئه # ( @QUR@04 وهو الذي يبدؤا الخلق ) فيوجده من عدم ( @QUR@02 ثم يعيده ) ~~بعد الموت ليعود خلقا حيا من جديد ( @QUR@03 وهو أهون عليه ) لأن الإعادة ~~أسهل من البدء ، باعتبار أنه يمثل الخلق من غير مثال ، بينما تمثل الإعادة ~~الإنشاء على صورة الإنشاء الأول من خلال النموذج السابق. # وقد أثار المفسرون الجدل حول معنى الآية ، لأنها جعلت الإعادة أهون على ~~الله من البدء ، وذلك يعني اختلاف قدرته في تعلقها بالأشياء في ميزان ~~السهولة والشدة ، وهذا مناف للقدرة الإلهية المطلقة التي لا يختلف حالها في ~~تعلقها بشيء دون شيء ، مما يجعل تعلقها بالسهل والصعب على حد سواء. والظاهر ~~أن المشكلة انطلقت من خلال التركيز على كلمة «عليه» التي توحي بالتفاضل بين ~~الأهون والأصعب في قدرة الله ، لأنه موقع التفاضل في التعبير. ولكن ~~المتبادر هو ما ذكره الزمخشري من أن التفضيل إنما هو للإعادة في نفسها ~~بالقياس إلى الإنشاء الابتدائي لا بالنسبة إليه تعالى (1). ووقوع التفضيل ~~بين فعل منه وفعل لا بأس به كما في قوله تعالى : ( @QUR@07 لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس ) [غافر : 57]». # ولا وجه لما اعترض به صاحب تفسير الميزان بقوله : «وفيه أن تقييد PageV18P122 # الوصف بقوله : «عليه» أصدق شاهد على أن القياس الواقع بين الإعادة ~~والإنشاء إنما هو بالنسبة إليه تعالى لا بين نفس الإعادة والإنشاء ، ~~فالإشكال على ما كان» (1). # وقد نلاحظ ms4209 على هذا الاعتراض ، أن احتمال اختصاص القياس بالله هو إمكان أن ~~تكون هناك خصوصية في فعله تستدعي الاختصاص ، وهذا غير وارد لأن هذا الموضوع ~~، في مسألة القياس ، منطلق من طبيعة الأشياء ، مما لا يجعل هناك فرق ذاتي ~~بين صدورها من الله أو من خلقه. # * * * ### ||| ** لله المثل الأعلى # ( @QUR@06 وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) فلا يدانيه في صفاته ~~شيء ولا يساويه شيء ، لأن كل صفة كمال في أي موجود ، هي مستمدة منه وراجعة ~~إلى إرادته ، ومشتملة على جانب معين من جوانب النقصان ، أما صفاته ، فهي ~~الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص ، ولا تشوبه شائبة ، وهي فوق كل شيء ( ~~@QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي لا ينتقص أحد من عزته في ساحة جلاله ~~وقدرته ولا ينال أي حدث من حكمته المتمثلة في كل فعل من أفعاله. # ( @QUR@05 ضرب لكم مثلا من أنفسكم ) في ما تعيشونه من مفردات حياتكم ~~الخاصة التي تتحسسونها وتفهمونها ، مما يجعل منها النموذج الحي لأكثر من ~~فكرة مماثلة ( @QUR@011 هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~) هل يمكن أن يكون المملوك الذي تملكونه كما تملكون أي مال من أموالكم ، ~~شريكا لكم PageV18P123 # في ما تملكونه من أموال ، وهل يمكن أن يكون المملوك في مستوى المالك في ~~ذلك؟ ( @QUR@06 فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) من خلال وحدة ~~المستوى التي تؤدي إلى الحذر من التصرفات التي لا ترضيهم ، فإذا كان ذلك ~~غير مقبول لديكم ، فكيف يمكن أن تقبلوا أن يكون هناك من الإنس والجن أو ~~الملائكة الذين هم من خلق الله ، وعبيد الله المملوكون له ، شريك لله في ما ~~يملكه من مخلوقاته ، ليكون إلها في مستوى الله. # ( @QUR@05 كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) لأن العقلاء وحدهم هم الذين ~~يوازنون بين الأمور ويخرجون منها بنتيجة حاسمة في مسألة العقيدة التوحيدية. # * * * ### ||| ** اتباع الظالمين أهواءهم # ( @QUR@07 بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) فلم يشركوا بالله من ~~موقع شبهة فكرية جعلتهم يتوقفون عندها ليمتنعوا عن الإيمان من خلالها ، بل ~~كان شركهم نتيجة اتباع الهوى الذي يتحرك فيه ms4210 الإنسان تحت تأثير شهوة أو ~~نزوة أو طمع أو حالة انفعال سريع ، مما يتحرك به الناس الذين تقودهم ~~العاطفة الى ما يحبون أو يكرهون ، في ما يفعلون أو يتركون ، بعيدا عن العلم ~~الذي يحدد للأشياء موازينها وللأوضاع مواقعها. # ( @QUR@05 فمن يهدي من أضل الله ) في ما ربط به بين إرادة الضلال الخاضعة ~~للهوى وبين الضلال الفكري والعملي ، لأن مثل هذه الإرادة تمنع الإنسان من ~~الانفتاح على العقل في ما يحدده من موازين العقيدة ، من حق وباطل ، PageV18P124 # ومن خير وشر ، وتقوده إلى التعصب والاختناق في دائرة الرأي المحدود ، ~~والزاوية المغلقة ، مما يؤدي إلى استحالة الهدى عليه ، انطلاقا من استحالة ~~وجود المعلول بدون وجود العلة. وهكذا كان هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باختيار ~~الشرك ، في موقع بعيد عن الهدى بسوء اختيارهم ، فلا هادي لهم من الناس ( ~~@QUR@04 وما لهم من ناصرين ) مما ينالهم من عذاب الله جزاء على كفرهم ~~وإشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطانا. # * * * PageV18P125 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) @QUR@09 ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) @QUR@011 ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 فأقم وجهك للدين ): المراد بإقامة الوجه للدين : الإقبال عليه ~~بالتوجه بثبات ومن غير انحراف. # ( @QUR@01 حنيفا ): معتدلا. # ( @QUR@01 منيبين ): الإنابة : الرجوع بالتوبة. # * * * PageV18P126 ### ||| ** الإسلام هو دين الاعتدال والاستقامة # هل الدين في قاعدته الفكرية حالة خارجية طارئة تدخل إلى الذهن الإنساني ~~من الخارج ، بعيدا عما هو التكوين الطبيعي للإنسان؟ أم هو حالة عميقة في ~~ذاته ، تنبعث من فطرته الذاتية ، وتتحرك في حركة العقل والوجدان ، لتتحول ~~إلى فكر وشعور ومعاناة والتزام. # إن هذه الآيات تحدد الجواب عن ذلك في خطاب الوجدان النبوي من موقعه ~~الإنساني الفطري في دائرة العقيدة والعمل. # * * * # ( @QUR@04 فأقم وجهك للدين حنيفا ) # ( @QUR@04 فأقم وجهك للدين حنيفا )، والحنف ميل القدمين إلى الوسط ، ~~فيكون المراد به الكناية عن الاعتدال. # لا بد للإنسان من خط يسير عليه من أجل الوصول ms4211 إلى غايته المثلى في الحياة ~~، ليؤكد معنى إنسانيته في عمق ذاته ، فما هو هذا الخط؟ # إنه خط الاستقامة والاعتدال الذي لا ينحرف ولا يميل ولا يزيغ ، الذي يريد ~~الله للإنسان أن يقبل عليه بوجهه ، لا الوجه الظاهر المعروف ، بل كيانه ~~المشتمل على عقله وروحه في ما يتمثل به حقائق الأمور العامة. # إنه دين الله الذي يجمع الخير كله ، وينفتح على الحياة الحرة الواسعة ~~التي تلتقي عندها كل خطوط السعادة في الدنيا والآخرة. # إنه توحيد الله الذي يعيش فيه الإنسان التصور الشامل الذي يتحرك في آفاقه ~~الصدق ، والعدل ، والإحسان ، والقوة المفتوحة على الرحمة والسماح في خط ~~التوازن بين المادة والروح ، وانسجام الشخصية الفردية والاجتماعية ، في PageV18P127 # ما يمثله هدى الله في ذلك كله. # قد تكون التفاصيل كثيرة متنوعة في مفردات نشاط الإنسان في مختلف مجالات ~~حياته ، ولكن المهم أن يبقى الانفتاح على صفات الله الواحد وأسمائه الحسنى ~~التي لا تقف عند حد في كمالها وجلالها وجمالها ، قائما ، حتى لا يتيه ~~الإنسان في زحمة هذه التفاصيل ، وحتى يبقى مرتبطا بصراط كماله الحق. # إنه يختصر الدين كله ، فإذا أقبل الإنسان عليه بكيانه ، فقد أقبل على ~~الدين كله ، لأنه الذي يجعل الحياة كلها مربوطة بالله ، ومتحركة برحمته ~~وسائرة في هداه ، فلا يلتفت إلى أي جانب إلا من خلاله ، ولا يتحرك في أي ~~اتجاه إلا إليه ، لأنه خالق كل شيء وغاية كل شيء ( @QUR@04 فأقم وجهك للدين ~~حنيفا ) وانطلق في حياتك ، وأقم كل ذاتك لله وحده في خط الاستقامة الذي لا ~~يخلص إلا له ولا يتوجه لأحد غيره. # * * * ### ||| ** الإسلام هو دين الفطرة # ( @QUR@06 فطرت الله التي فطر الناس عليها ) في ما يتحرك فيه العمق ~~العميق للفطرة الإنسانية الكامنة في معنى الخلقة ، وفي حركة الوجود الذاتي ~~الطبيعي للإنسان ، فهي التي جعلها الله أساس حقيقته وسر وجوده ومنطلق ~~انفتاحه على الحقيقة كلها ، وهي التي تقوده إلى معرفة الله في وحدانيته ~~التي تأبى الشريك ، لأنه لا معنى لشريك يكون مخلوقا لله ومربوبا له ومحتاجا ~~إليه في كل شيء ، فلا يملك لنفسه ms4212 نفعا ولا ضرا إلا به. وبذلك كانت ~~الوحدانية ، في صفاء العقل ، ونقاء الوجدان ، هي الحقيقة البسيطة الصافية ~~التي تتصل بها الذات من دون عناء ، لأنها تستقبلها كما تستقبل العيون ~~المفتحة على الشمس ، كل ما في PageV18P128 # الشمس من إشراق النور ، وهي التي أكدها القرآن في قوله تعالى : ( ~~@QUR@013 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ) [الأحقاف : 13] مما يوحي بأن التوحيد هو القاعدة التي يرتكز عليها ~~الدين ، وتنطلق منه كل الخطوط العريضة في حركة الإنسان في الحياة الباحثة ~~عن الله في الأعماق ، وفي مدارج السمو ، وفي خط الامتداد. # ( @QUR@04 لا تبديل لخلق الله ) لأن الفطرة هي أساس الشخصية التي تبقى في ~~سر وجود الإنسان ، مهما تغيرت أوضاعه ، أو امتدت سنوات عمره ، أو اختلفت ~~مواقعه ، فهي الشيء الوحيد الذي لا يتبدل فيه ، وهي التي تحقق في داخله ~~معنى الوجدان ، وهي وحدها التي يكتشف من خلالها وجود الله ووحدانيته ~~وعبوديته له ، وخضوع الحياة لإرادته ، فإذا أحاطت بها الظلمات والتهاويل ، ~~فإنها تستطيع أن تشرق من جديد لتشق كل حجب الظلام عن العقل ، وكل تهاويل ~~الضلال عن الوجدان ، ليعود الإيمان صافيا كالنور طاهرا كالينابيع ، منفتحا ~~كالأفق الرحب في موعد الشروق ، وبذلك كانت هي الضمانة الوحيدة للإيمان ~~بالله ، أمام كل إشكالات الواقع ، وشبهات الإلحاد. # * * * ### ||| ** قيمومة الدين # ( @QUR@03 ذلك الدين القيم ) الذي جاءت به الأنبياء ، لتكون الحياة كلها ~~لله في مواجهة كل الآلهة المزعومة التي أرادت أن تكون سلطتها هي الهيمنة ~~على الناس ، في ما تثيره من الأوهام ، وتخطط له من الأضاليل ، وتتحرك به من ~~الخطوات في اتجاه الفساد والإفساد ، فكان التوحيد هو الذي يواجه ذلك كله ~~بالقوة الفكرية والعملية ، وهو الدين القيم الذي يملك القيام على شؤون ~~الحياة والإنسان ، فيرعاهما بالشريعة السمحة التي تنطلق من وحي الله لتتجه PageV18P129 # إلى الله وحده ، كما يملك القيمومة على الواقع كله. # ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن الغشاوة قد أغشت أبصارهم ~~وقلوبهم ، وجمدت مشاعرهم ووجداناتهم ، فالتزموا الشرك في ما صنعوه من آلهة ~~، وفي ما اختلقوه من أصنام. وإذا ms4213 فقد الإنسان صفاء البصر ، فقد صفاء الرؤية ~~ووضوحها ، وإذا لم يحصل على انفتاح القلب على الحقيقة ، لم يحصل على العلم ~~الذي يهديه سبل الهداية. # * * * ### ||| ** دعوة إلى الإنابة والتقوى وإقامة الصلاة # ( @QUR@02 منيبين إليه ) أي كونوا أيها الناس في موقع الراجعين إلى الله ~~الذي تتمثل في وحدانيته حركة الفطرة في وضوح الرؤية. ( @QUR@01 واتقوه ). ~~إن الذين يكتشفون الله في وحدانية العظمة المطلقة وفي قدرته الشاملة التي ~~لا تقف عند حد ، لا بد من أن يعيشوا عمق الخوف منه وسر المحبة له ، فيدفعهم ~~ذلك إلى التقوى التي يراقب الإنسان من خلالها نفسه ، ويحاسب عمله ، ويضبط ~~خطواته ، ويحدد طريقه ، ويعرف هدفه. # ( @QUR@02 وأقيموا الصلاة ) التي تعبرون بها عن عبوديتكم لله وحده في ~~ممارسة عملية للعقيدة التوحيدية ، وفي إحساس عميق بالتقوى ، وفي تأكيد خاضع ~~خاشع في الرجوع إليه من رحلة الكفر والضلال في سجودكم وركوعكم بين يديه. # * * * PageV18P130 ### ||| ** نبذ الشرك والتفريق # ( @QUR@04 ولا تكونوا من المشركين ) الذين ابتعدوا عن الله الواحد الذي ~~يوحد لهم تصورهم للكون والحياة ، كما يوحدهم في الموقع والموقف ، والمنهج ~~والهدف ، وانطلقوا إلى غيره ليتعبدوا له من خلال أوهامهم ، فاختار كل فريق ~~منهم إلها لنفسه ، فتعددت الآلهة ، وتعددت المواقع تبعا لذلك ، واختلفت ~~أيضا المواقف ، ولم يشعر الناس بأي شيء يوحدهم ، لأن آلهة الكفر والضلال لا ~~يتوحدون في التصور ولا في الطريق ولا في الغاية ، لأن لكل منهم هوى يحكم ~~موقفه ، ويحدد موقعه ويحدد موقع الذين جعلوه شريكا من دون الله ، ( @QUR@06 ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) فكان كل فريق شيعة لشخص ، وملتزما بدين ~~، ومتحركا في نطاق دائرة خاصة تختلف عن الدوائر التي يتحرك فيها الأفرقاء ~~الآخرون ، وانطلق كل واحد منهم يتحزب لصاحبه ودينه ودائرته ويتعصب لمواقعه ~~الخاصة ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ) فهم مستغرقون في داخل ذواتهم ~~وأوضاعهم وانتماءاتهم ، لا يلتفتون إلى ما لدى الآخرين ، ولا ينطلقون إلى ~~معرفة الحقيقة في آفاقها الواسعة ، ولا يدخلون في حوار حول ما يفكرون به أو ~~يتحركون فيه أو يتوجهون إليه ، ليتعرفوا وجه الخطأ والصواب في ذلك كله ، بل ~~يظلون ms4214 في استغراقهم الغافل الذاهل الذي يفرح بما لديهم كاستغراق الطفل في ~~فرحه الطفولي بما يملكه من ألعاب العبث الذي يشغله عن كل شيء. # * * * ### ||| ** بين الحزبية للناس والحزبية لله # ولعل هذا التعبير القرآني في هذه الفقرة من الآية ، هو أبلغ تعبير عما ~~تمثله العقلية الحزبية المتعصبة عند ما يستغرق أصحابها في ذواتهم وأصنامهم PageV18P131 # وأطماعهم وحدودهم الضيقة في خط الأنانية الفردية والجماعية المحدودة ، ~~مما يجعل الناس منغلقين عن بعضهم البعض ، مشغولين بالفرح الأناني بما عندهم ~~، وهذا هو الذي يوحي به حزبية الأشخاص والأطماع والمصالح الخاصة. أما ~~الانتماء إلى الله وإلى دينه الذي يمثل الانفتاح على المسؤولية في الحياة ~~وعلى الناس ، فإنه لا يغلق حياة الإنسان عن الآخرين ، بل يفسح له المجال ~~للانفتاح على كل المواقع الإنسانية. وبذلك يعيش الفرح الروحي بالله وبرسله ~~وبكتبه ، وبالمسؤولية المتحركة في مواقع الحياة كلها. ولكن ، لا بد من ~~الحذر من النوازع الذاتية التي قد تطغى وتسيطر على الأفكار الرسالية ، ~~فتنحرف بها عن شمول الحياة وامتدادها. # إن المسألة المطروحة في المنهج القرآني ، هي أن يرجع الإنسان إلى صفاء ~~الفطرة ونقائها ، ولا يستغرق في وحول الأطماع ونوازع الذات ، حتى يعيش مع ~~إنسانيته ، ولا يسقط أمام بهيميته ، ليفكر بالرسالة قبل أن يفكر بالشهوة ~~والذات. # * * * ### ||| ** المراد من لفظ الدين # وقد اختلف المفسرون اختلافا كبيرا في هذه الآية حول بعض مفرداتها. ونريد ~~الإشارة إلى ما ذكره البعض من تفسير الدين بأنه : «الأصول العلمية والسنن ~~والقوانين العملية التي تضمن باتخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقية» ~~باعتبار أن ذلك هو «من اقتضاءات الخلقة الإنسانية» «وينطبق على التشريع ~~والتكوين». # والظاهر أن المراد بالدين هو التوحيد الذي يمثل القاعدة التي انطلقت فيها ~~الرسالات لتؤكدها كحقيقة إيمانية ، تتفرع منها كل التفاصيل التي تربط PageV18P132 # الحياة كلها بالله ، في مواجهة الشرك الذي يجعل الإنسان موزعا بين ~~الأهواء المختلفة ، والخطوط المتباينة ، والانتماءات المتنوعة ، مما يوقعه ~~في الحيرة ، ويسلمه للضياع. وهذا هو ما توحي به الآية وما بعدها ، وما تدل ~~عليه الآيات المتعددة المتفرقة في أكثر من سورة في الحديث عن ms4215 ملة إبراهيم ~~حنيفا ، التي تلتقي مع هذه الآية في الجو وفي بعض مفردات التعبير ، وما ~~تؤكد عليه الآيات المتحدثة عن دعوة الأنبياء التي تلتقي عند نداء واحد حول ~~عبادة الله الواحد الذي لا إله غيره. # وقد وردت الأحاديث عن أئمة أهل البيت لتؤكد ذلك ، كما جاء في حديث هشام ~~بن سالم عن أبي عبد الله «جعفر الصادق» عليه السلام قال : قلت : ( @QUR@06 ~~فطرت الله التي فطر الناس عليها ) قال : التوحيد (1). # وفي الدر المنثور روى أنس بن مالك قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@06 فطرت الله التي فطر الناس عليها ) قال : ~~دين الله (2). # والظاهر أن هذه الرواية لا تنافي ما قلناه ، لأن دين الله الذي أراد لكل ~~رسله أن يبلغوه هو التوحيد في العقيدة وفي العبادة ، الذي تتفرع منه كل ~~التفاصيل في دائرة المبدأ. # * * * PageV18P133 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) @QUR@06 ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا ~~فسوف تعلمون (34) @QUR@010 أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به ~~يشركون (35) @QUR@015 وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) @QUR@015 أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنزلنا ): المراد بالإنزال هنا : الاعلام أو التعليم مجازا. # ( @QUR@01 سلطانا ): السلطان : البرهان. # ( @QUR@01 يتكلم ): المراد بالتكلم هنا : الدلالة مجازا. # ( @QUR@01 يقنطون ): ييأسون. # * * * PageV18P134 ### ||| ** كيفية تصرف الناس أمام الشدة والرخاء # تتكرر في القرآن الآيات التي تثير الظاهرة القلقة المتكررة في حياة الناس ~~في الابتهال إلى الله في حالة البلاء ، والإعلان الإيماني بأنهم يخلصون له ~~في العبادة والطاعة إذا رفع عنهم البلاء ، فإذا جاءت العافية ، برحمة من ~~الله ، نسوا كل ما قالوه ، وعادوا إلى ما كانوا عليه. # وتستهدف هذه الإثارة التنبيه على ضرورة امتداد علاقة الإنسان بربه إلى ~~جميع حالاته ، ليكون الله هو الأمل في حالة الشدة ، والرحيم في وقت الرخاء ~~، وليشعر الإنسان بحاجته إليه في كل شيء ، لأن كل ما لديه من النعم ms4216 التي ~~تحكم حياته هي من الله ، فلا يستغني عنه في أي وقت. # * * * ### ||| ** الإنابة عند الضر والشرك عند الرحمة # ( @QUR@08 وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ) في ما يمثله الدعاء ~~الحار النابض بالألم ، الممزوج باللهفة ، المتحرك بالأمل ، من عودة محكومة ~~بظروفها الحادة الخانقة التي ترى في الدعاء المتنفس الذي يخرجها من ~~الاختناق ، والساحة الواسعة التي تبتعد بها عن أجواء الحصار ، فإذا جاء ~~الفرج ، وتباعدت الشدة ، وهطلت الرحمة ، وتنفست الحياة ، وعاشت في حرية ~~العافية ، كان لهؤلاء الناس وضع آخر يختلف عن روحية العودة إلى الله. # ( @QUR@05 ثم إذا أذاقهم منه رحمة ) فأحسوا ببرد العافية في حياتهم ، ~~وبطمأنينة الأمن في ساحتهم ، رجعوا إلى أصنامهم البشرية ، واستسلموا ~~لعلاقاتهم الصنمية ، ليلجأوا إليها ، ويتعبدوا لها ، ويستغرقوا في أوضاعها ~~الكافرة والمنحرفة ، وليبتعدوا عن الله من جديد ، ( @QUR@05 إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون ) فهم PageV18P135 # ليسوا كل الناس ، لأن هناك من يعيش عمق الإيمان بالله وشمول الإحساس ~~بحاجته إليه ، فيبقى مع الله في إخلاص التوحيد ، وتوحيد العبادة له. ولكن ~~الفريق الآخر الذي يعيش الإيمان في دائرة اللحظة ، لا في امتداد الحياة ، ~~هو الذي ينحرف ويبتعد عن خط الإيمان ويستسلم لأهواء الشيطان ، ( @QUR@03 ~~ليكفروا بما آتيناهم ) من النعم ، وليتمردوا ما شاءت لهم الأهواء والأطماع ~~، فلن يضروا الله شيئا ، لأنه الرب الغني عن عباده ، لا ينفعه شكر الشاكرين ~~ولا يضره كفر الكافرين. # ( @QUR@01 فتمتعوا ) أيها الكافرون بنعم الله ( @QUR@02 فسوف تعلمون ) ما ~~هي نتائج أعمالكم وما هو المصير الذي ينتظركم عند الله ، وهذا هو الخطاب ~~الذي يوجهه الله إليهم عند ما يقفون في غفلة الزهو والخيلاء ، ويعيشون سكرة ~~النعمة والرخاء. # ( @QUR@04 أم أنزلنا عليهم سلطانا ) في ما يتمثل بالحجة العقلية والعلمية ~~من سلطان على العقل الذي يتطلب القناعة بالبرهان ( @QUR@06 فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون ) ليتحدث عن شرعيته في موقع الألوهة ، أو ربوبيته في موقع ~~العبادة ، في ما يمكن أن يؤكد صفة الشريك لله من خلال ما يملك من علم وقدرة ~~وحكمة في ساحة الوجود كله. # وهذا الاستفهام إنكاري يستهدف النفي والرفض لذلك ، لأن وحدانية الله ms4217 هي ~~الحقيقة التي تهزم كل فكرة الصنمية لأي شخص ، أو لأي شيء ، لأن كل ما هو ~~غير الله ، فهو مخلوق ومربوب له ، فكيف يمكن أن يساويه ليكون شريكا له؟! # وهذه هي الظاهرة التي تنتهي بالشرك عند ما يتحرك البلاء ، وتأتي الرحمة ~~من بعده. # وهناك ظاهرة أخرى معكوسة يجسدها قوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا أذقنا الناس PageV18P136 # @QUR@03 رحمة فرحوا بها ) وهي الظاهرة التي يعيش الناس فيها الرحمة في ~~أجواء العافية والرخاء ، حتى يستسلموا للأمل الكبير في استمرارها ودوامها ، ~~ويعيشوا النشوة اللذيذة في الأحاسيس الحلوة التي تثيرها في حياتهم حيث لم ~~يدرسوا واقع الحياة المتغير الذي لا تثبت فيه الأمور على حال من الأحوال ، ~~ليعرفوا أن العافية قد تختزن في مستقبلها البلاء ، وأن الرخاء قد يتحول إلى ~~الشدة ، فيدهمهم عندها البلاء في هزة عاصفة تفاجئهم من حيث لا يدرون أو ~~يتوقعون. # * * * ### ||| ** القنوط عند الضيق والبلاء # ( @QUR@06 وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) في ما يمكن أن تتحول إليه ~~أعمالهم وعلاقاتهم وأوضاعهم المنحرفة السيئة ، إلى مشاكل ومصائب وأحزان ~~وآلام ، على أساس أن الله ربط النتائج السلبية التي تعرض للإنسان في الدنيا ~~بالخصوصيات الكامنة في ممارساته العامة والخاصة ، تماما كما ربط النتائج ~~السلبية في الآخرة بالواقع السلبي في الدنيا ، مع فارق بارز بينهما ، وهو ~~أن الارتباط بين المقدمات والنتائج في الدنيا عضوي تكويني ، بينما هو في ~~الآخرة حكم إلهي جزائي. # وهكذا يندفع الإنسان ليواجه نتائج أعماله المنحرفة في الدنيا ، فلا يصبر ~~ولا يفكر ، ليواجه الموقف من موقع إرادة التغيير وحركة التصحيح ، بل يعمل ~~على أن يسقط تحت تأثير انفعالاته السلبية اليائسة ، لأنه لا يملك القاعدة ~~الفكرية الإيمانية التي يرتكز عليها في موقفه ، ليتحرك شعوره من خلالها في ~~عملية تماسك وتوازن وثبات. # وفي ضوء هذه الحالة الإنسانية المهتزة ، كان هؤلاء الناس الذين إذا PageV18P137 # أصابتهم سيئة من سيئات أعمالهم ، فأسقطت كل فرح الحياة في قلوبهم ( ~~@QUR@03 إذا هم يقنطون ) ويتساقطون في مواقع اليأس الذي تنهار معه الإرادة ~~، وتهتز فيه الروح. # ( @QUR@09 أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) فيوسعه على ms4218 من ~~يشاء ، ويضيقه على من يشاء ، تبعا للحكمة التي أقام عليها النظام الكوني ~~الذي فيه صلاح الإنسان والحياة ، مما يوحي إليهم بأن القضايا ليست خاضعة في ~~طبيعتها لأمور ثابتة في تمنيات الإنسان ، في ما يحب لنفسه من أوضاع ، أو في ~~طبيعة الأمور الموجودة في الواقع ، ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~) بالله ويفكرون بالظواهر المتحركة المتقلبة في الحياة ، بين العافية ~~والبلاء ، والفقر والغنى ، والشدة والرخاء ، والأمن والخوف ، ونحو ذلك ، ~~فيرون فيها حركة النظام الكوني الذي أودع الله في داخله سننه وقوانينه ، ~~التي تنتج الحزن كما تنتج السرور ، وتحرك الخوف كما تصنع الأمن ، وتبدع ~~الحياة كما تهز بهجتها بالموت ، تماما كما هي الطبيعة التي تلتقي بالليل ، ~~كما تلتقي بالنهار ، وبالخريف كما تحتضن الربيع ، وبالصقيع في الشتاء كما ~~تعيش مع الدفء والحرارة في الصيف ، ويدركون أن ذلك كله ينطلق من طبيعة ~~التوازن الكوني الذي يعطي للحياة حيوية وحركة وتنوعا واستمرارا ويجدد لها ~~نشاطها ، ويحقق للإنسان من خلال التجربة المتنوعة في تأثيراتها المختلفة ، ~~خبرة في عقله ، ووعيا في كيانه ، وانفتاحا في حركة شعوره ، مما يجعل لها ~~أكثر من تأثيرات إيجابية إلى جانب التأثيرات السلبية السريعة ، وبذلك ~~يتعرفون على سر الحكمة الإلهية ، وسر القدرة التي تحفظ الحياة من الاهتزاز ~~أمام ذلك ، ويعيشون على أساس ذلك الثبات في مواقع الحركة والامتداد في ~~أوضاع الانكماش ، والصبر العميق الطويل على كل الآلام والأحزان. # * * * PageV18P138 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@016 فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) @QUR@022 وما آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ربا ): الربا : نماء المال. # ( @QUR@01 المضعفون ): جمع المضعف ، أي ذو الضعف. # * * * ### ||| ** طلب الزيادة بالصدقة لا بالربا # ( @QUR@04 فآت ذا القربى حقه ). هل المراد به القريب من الأرحام ، في ما ~~فرض الله له ، أم أن المراد به صاحب القربى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~باعتبار أن الخطاب له ، وذلك في ما فرض الله له من ms4219 الخمس. وربما فسر الحق ~~بغير ذلك كما روى في PageV18P139 # مجمع البيان في قوله تعالى : ( @QUR@04 فآت ذا القربى حقه ) عن أبي سعيد ~~الخدري وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أعطى ~~فاطمة عليها السلام فدكا وسلمه إليها ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله عليه السلام . (1) # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أن الآية إذا كانت مدنية ، فمن الممكن أو ~~المتعين ، أن يكون المراد به قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أما إذا ~~كانت مكية ، فإن المراد به قرابة الأرحام (2). # ولا بد للمفسر في مثل هذه الكلمات من أن يواجه الكلمة بالمعنى المطلق ~~الشامل الذي يمتد في حياة كل مكلف ، انسجاما مع كلمة المسكين وابن السبيل ~~الممتدة في الحياة العامة ، هذا من ناحية طبيعة الكلمة ، ولكن لا بد من رفع ~~اليد عن العموم إلى الخصوص إذا قام هناك دليل معتبر على تخصيصه بقرابة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يحتاج الحديث فيه إلى مجال آخر في الأبحاث ~~الفقهية. # * * * ### ||| ** التصدق على المسكين # ( @QUR@01 والمسكين ) وهو الفقير الذي لا يملك مؤونة سنته قوة وفعلا ، ~~وقد يراد به الإنسان المسحوق الذي قد يكون أسوأ حالا من ذلك ، ( @QUR@02 ~~وابن السبيل ) المسافر الذي انقطع في سفره فاحتاج إلى المعونة العامة ~~لفقدانه للوسائل الخاصة التي يستطيع بها تدبير حاله بشكل طبيعي ، ( @QUR@06 ~~ذلك خير للذين يريدون وجه الله ) لأن الإنفاق على أمثال هؤلاء يحمل في ~~داخله رضا الله الذي يحب PageV18P140 # الناس الذين يشعرون بالمسؤولية الروحية والمادية تجاه الذين يعانون ~~الحرمان في حياتهم ، ويرتبطون بالوشائج القريبة في علاقاتهم ، لأنهم ~~ينطلقون في ذلك من روحية العطاء وصفاء الإنسانية ، وانفتاح الروح على الخير ~~المتدفق من وحي الله ، في جو إيماني يتحرك في كل مواقعه وخطواته من خلال ~~رضا الله ، ولا شيء غير رضا الله. # ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) الذين يعيشون الاستقامة في خططهم العملية ~~فيجعلون حياتهم تتحرك بالخير ، وتتجه نحو الله في كل مواقع حبه. # * * * ### ||| ** الربا لا يربو عند الله # ( @QUR@08 وما آتيتم من ربا ليربوا ms4220 في أموال الناس ) في ما تتعاملون به ~~من الربا الذي تبتغون به تنمية أموالكم وزيادتها مما حرمه الله ، أو في ما ~~تقدمونه إلى الناس من عطية لا تقصدون بها وجه الله ، بل أن يمنحكم ذلك ~~الموقع الذي ترتفعون به عند الناس لتحصلوا على مقابله أو لغير ذلك في تفسير ~~آخر ، ( @QUR@04 فلا يربوا عند الله ) أي فلا يزيد عند الله بالحصول على ~~ثوابه الذي قد يكون نوعا من أنواع تنمية المال في حسابات الآخرة ، لأنكم لم ~~تقصدوا وجهه ، ولم تستهدفوا ثوابه ، فليس لكم شيء عنده من خلال ذلك. ( ~~@QUR@07 وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ) في ما تعطون منه ذا القربى ~~والمسكين وابن السبيل ونحوهم من ذوي الحاجة ، امتثالا لأمر الله في ما ~~يأمركم به من ذلك ، أو في ما يحبه منه ، ( @QUR@03 فأولئك هم المضعفون ) ~~الذين يضاعف الله لهم مالهم في الدنيا في ما يحققه لهم من رزق واسع ، أو ما ~~يمنحهم في الآخرة من ثوابه الذي يضاعفه لهم ، فيعطي الحسنة عشر أمثالها ، ~~ويعطيهم بالحبة سبعمائة قابلة للزيادة. PageV18P141 # وقد ورد في الكافي بإسناده عن إبراهيم اليماني عن أبي عبد الله «جعفر ~~الصادق عليه السلام » قال : الربا رباءان : ربي يؤكل وربي لا يؤكل ، فأما ~~الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها ، فذلك الربا الذي ~~يؤكل ، وهو قول الله عز وجل : ( @QUR@012 وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال ~~الناس فلا يربوا عند الله ) وأما الذي لا يؤكل ، فهو الذي نهى الله عنه ~~وأوعد عليه النار (1). # وقد ورد عن الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام : إن الله فرض الزكاة ~~تسببا للرزق ، وعن فاطمة الزهراء عليها السلام : فرض الله الزكاة زيادة في ~~الرزق (2). # وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أن تفسير الربا بالربا المحرم ، والزكاة ~~بالزكاة الواجبة ، مبني على أن الآية من الآيات المدنية ، أما إذا كانت من ~~الآيات المكية ، فلا بد أن يراد به الربا المحلل والزكاة المستحبة. # ويتابع كلامه فيقول : «وهذه الآية والتي قبلها أشبه بالمدنيات منهما ~~بالمكيات ولا اعتبار بما ms4221 يدعى من الرواية أو الإجماع المنقول» (3). # * * * PageV18P142 ### ||| * الآية # ( @QUR@022 الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم ~~من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ) (40) # * * * ### ||| ** الله وحده يخلق ويميت # وتبقى مسألة الشرك هي المسألة الأهم التي يثيرها القرآن في ضمير الناس ، ~~وفي وعي وجدانهم العقلي والشعوري ، ليثير أمامها مسألة التوحيد كعقيدة تفرض ~~نفسها من خلال الحقيقة على العقل والوجدان والضمير. # ( @QUR@03 الله الذي خلقكم ) وهذه هي الحقيقة التي لا تستطيعون الشك فيها ~~، لأنكم لم تخلقوا أنفسكم ولم يخلقكم أحد من هؤلاء الذين من حولكم ( ~~@QUR@02 ثم رزقكم ) فهو الذي هيأ للرزق وسائله ، في ما خلقه في الأرض ~~وأنزله من السماء ، وفي ما أعطاكم من قوة ، ولم يكن للآخرين من ذلك إلا دور ~~الأداة ، ( @QUR@02 ثم يميتكم ) فهو الذي جعل للموت أسبابه ، من خلال ما ~~أودعه من قوانين الموت والحياة في حركة النظام الكوني ، ( @QUR@02 ثم ~~يحييكم ) وهذا هو ما PageV18P143 # أثاره الوحي الإلهي الذي بلغه الرسل في مختلف رسالاتهم مما يثبت العقل ~~إمكانه ، ويفرض ضرورته. # ( @QUR@09 هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ) في ما يملكون من قدرة ~~أو يمكن أن يقوموا به في نطاق هذه الأمور ( @QUR@04 سبحانه وتعالى عما ~~يشركون ) فهو الله الواحد الذي لا يدانيه أحد ، ولا يملك أي مخلوق ما يقترب ~~فيه من قدرته. # * * * PageV18P144 ### ||| * الآية # ( @QUR@015 ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون ) (41) # * * * ### ||| ** ظهور الفساد مرتبط بحركة الإنسان # هناك ارتباط عضوي بين حركة الناس في الحياة في ما يمارسونه من أعمال ، ~~وما يثيرونه من أقوال ، وفي ما يرتبطون به من علاقات ويحركونه من أوضاع في ~~حياتهم العامة والخاصة ، وبين النتائج الإيجابية أو السلبية التي تحدث لهم ~~أو تتحرك في ساحتهم ، لأن لكل موقف من المواقف الخيرة أو الشريرة تأثيراته ~~الذاتية في صعيد الواقع والإنسان ، فليس البلاء الذي يحدث مجردا عن ظروفه ~~المحيطة به ليكون عقوبة إلهية للإنسان منفصلة عن العوامل الداخلية للسلوك ~~الإنساني ، بل هو نتيجة طبيعية له. فقد أراد ms4222 الله أن يربط بين الواقع ~~العملي للإنسان ، وبين النتائج السلبية ، ليحس الإنسان ، بالطعم المر الذي ~~يتذوقه في معاناته من الآلام والأحزان والمصائب والمتاعب ، فيدفعه ذلك إلى ~~الارتداع عن مواقفه السلبية ، وهذا ما أكدته هذه الآية : ( @QUR@02 ظهر الفساد PageV18P145 # @QUR@03 في البر والبحر ) في ما يتمثل من المشاكل الصعبة ، والأزمات ~~المعقدة ، والأمراض والحروب واختلال الأمن وغير ذلك ، مما يجعل الكرة ~~الأرضية في جميع مواقعها البرية والبحرية ساحة للفساد الأمني والاجتماعي ~~والاقتصادي والصحي والفكري ، مما يتصل اتصالا طبيعيا بحركة الإنسان في ~~إدارة شؤونه وحركة الحياة من حوله ( @QUR@04 بما كسبت أيدي الناس ) فإن سنة ~~الله في الكون اقتضت أن يكون الإنسان هو الذي يحرك أوضاع حياته على خط ~~السلبية عند ما يبتعد عن دائرة المسؤولية الإنسانية في نطاق القيم الروحية ~~المنطلقة من وحي الله ، أو على خط الإيجابية عند ما يلتقي بالله في ما ~~يريده من الخير للإنسان وللحياة. # وهذا ما أكده الله في أكثر من آية في قوله تعالى : ( @QUR@024 وضرب الله ~~مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) [النحل : 112]. # وأشار في آية أخرى إلى أن الإنسان هو صانع التغيير ، في ما تنطلق به ~~إرادته ، وتتحرك به خطواته كما في قوله تعالى : ( @QUR@010 إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [الرعد : 11]. # ويشير في آية أخرى إلى الجانب السلبي في التغيير حيث تتحرك إرادة الله في ~~العمق من خلال إرادة الإنسان بشكل مباشر ، على أساس أن الله يريد للإنسان ~~من ناحية تكوينية ما يريده الإنسان لنفسه ، ليكون هو الذي يتحمل مسئولية ~~عمله ( @QUR@014 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم ) [الأنفال : 53]. # ( @QUR@06 ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ليعيشوا الواقع الصعب ~~في نطاق المعاناة الجسدية في ما يتصل بآلام الجسد ، والمعاناة الروحية في ~~ما يتصل بالنتائج المعنوية والمادية في المؤثرات الفكرية والشعورية في ~~حياته ، ليكون ذلك أساسا لإعادة النظر بكل الأوضاع والممارسات المنحرفة على ms4223 ضوء PageV18P146 # النتائج السلبية ليتراجعوا عنها ، وليستقبلوا حياة جديدة بعيدة كل البعد ~~عما كانوا فيه. فالإنسان لا يفكر عادة بالتراجع عن خطواته المنسجمة مع ~~أهوائه إذا لم يصطدم بالآلام القاسية التي تهز كل جوانب الواقع من حوله وفي داخله. # وفي ضوء ذلك ، فإننا نفهم من هذا القانون الإلهي ، أن الله يربي عباده ~~بالبلاء الناتج من أعمالهم المنحرفة ، كما يربيهم بالوحي النازل على رسله. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي الآية؟ # وقد نستوحي من هذه الآية ، أن على العاملين للإسلام ، في خط الدعوة أو في ~~خط الحركة السياسية ، أن يثيروا أمام الناس المشاكل الصعبة التي تحل بهم من ~~خلال الابتعاد عن الله ، والانحراف عن خط الإسلام ، على صعيد الحكم والنظام ~~والموقف السياسي والوضع الاجتماعي والاقتصادي ، وقضايا الأمن والخوف ، ~~والحرب والسلم ، ومحاولة التركيز على الربط بين المشكلة وبين واقع الانحراف ~~، ليعيشوا القلق المتحرك في ذلك كله ، وليفكروا بالتغيير والتحول عن هذا ~~الواقع إلى واقع الإسلام ، الذي يحاول العاملون من جهتهم أن يقدموه للناس ~~في حلوله الواقعية لمشاكل الإنسان والحياة ، لينطلق الناس مع الإسلام فكرا ~~وحركة ومنهج حياة ، وليبقى الوعي الإنساني السياسي للإنسان المسلم منفتحا ~~على كل مفردات حياته وحياة الآخرين من موقع النظرة النقدية التي لا تستغرق ~~في المشاعر الذاتية للشخص في الحس النقدي ، بل تنطلق من الخط الإسلامي في ~~النظرة إلى الحياة. وبذلك لا تنفصل حركة الإنسان في الواقع ، عن الحس ~~الإسلامي الذي يعيش مع الإسلام ، ليحركه في العقل والشعور والوجدان. # * * * PageV18P147 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين (42) @QUR@016 فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) @QUR@09 من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا ~~فلأنفسهم يمهدون (44) @QUR@011 ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ~~إنه لا يحب الكافرين ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يصدعون ): أصله يتصدعون ، وتصدع القوم : تفرقوا. # * * * ### ||| ** أخذ العبرة من تجربة المشركين # ( @QUR@04 قل سيروا في الأرض ) في ما يمثله السير المتحرك في أنحاء الأرض ~~في المواقع التي عاش فيها السابقون من الناس ، وانطلقت ms4224 بها مطامعهم PageV18P148 # ومطامحهم في آفاق الحياة وفي ساحة الصراع ، حيث استغرقوا في أوضاعهم ~~ومشاكلهم ، فلم يفكروا بالجانب الآخر من شاطئ الحياة ، بل عاشوا في الضباب ~~الفكري والروحي والشعوري الذي يحجب عنهم وضوح الرؤية للمصير الحاسم ، فيخيل ~~إليهم أنهم خالدون في ما حصلوا عليه من أموال وأولاد وجاه وملك كبير ، وفي ~~ما بنوه من دور وقصور وقلاع. # إنها التجربة الحية التي يتحرك فيها الناس في ساحات التاريخ الحي في ~~صورته الماثلة على الأرض ، في حقائق الواقع المكتوبة في مشاهده ، لا في ~~حروفه وكلماته ، ( @QUR@07 فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ) فهل بقي ~~منهم أحد ، وأين ذهبت حياتهم وأطماعهم ، وهل استطاعوا أن يخلدوا أو تخلد ~~دورهم وقصورهم ، وهل استطاعت قلاعهم أن تحميهم من الموت ومن قضاء الله ~~وقدره ، وهل انتفعوا بتمردهم على الله وابتعادهم عنه؟ # * * * ### ||| ** كان أكثر الذين من قبل مشركين # ( @QUR@03 كان أكثرهم مشركين ) يعبدون الأصنام ، ويتحركون في مواقع القيم ~~الوثنية التي لا يعيش معها الإنسان الانفتاح على الله في ما يرتبط به من ~~علاقة الرسالة بالحياة وبالناس الآخرين لديه ، ومن مسئوليته عن كل ما حوله ~~ومن حوله من الموجودات الحية والجامدة ليجد فيها سر قدرة الله ، وإبداع ~~حكمته. وهكذا كانت الحياة عندهم محكومة للجانب المتحجر من المادة ، لا ~~الجانب الحي من الروح. فهل أفادهم ذلك شيئا ، فأين هم الآن ، وأين موقع ~~الأصنام من كل حياتهم في مسألة البداية والنهاية؟ لقد عاشوا في تفكيرهم في ~~مواقع الشيء الذي لا يحمل معنى ثابتا في ما هو العمق من معنى الحياة وسر PageV18P149 # المصير ، ولذلك فإنهم انفتحوا في النهاية على اللاشيء في المسألة الجدية ~~من الفكر والواقع. # ولعل في التعبير بقوله : ( @QUR@03 كان أكثرهم مشركين ) بعض الإيحاء بأن ~~الموحدين المؤمنين هم الأقلية التي صبرت على الفكر الذي يفرض جهد التأمل ، ~~وعمق البحث ، وانفتحت على الحقيقة من موقع المعاناة الطويلة القاسية ، ~~وصبرت على الثبات في ساحة المبادئ وتمردت على كل تهاويل الأشباح ، حتى ~~استقرت في مواقع التوحيد وفي آفاق العبادة الخاشعة بين يدي الله. # * * * ### ||| ** الاستقامة على الدين ms4225 سلامة للمصير # وإذا كانت الأقلية هي التي تلتزم الحق في الإيمان غالبا فإن المعنى ~~الكامن في ذلك أن الأكثرية لا تمثل المقياس الدقيق للحقيقة ( @QUR@04 فأقم ~~وجهك للدين القيم ) البليغ الاستقامة ، الذي لا عوج فيه لأنه يبدأ من توحيد ~~الله ليستمر ، فيستقيم في خط الله على هدى وحيه وشريعته ، مما يجعل من ~~الانتماء إليه ، والالتزام به ، وإقامة الذات في كل تطلعاتها وخطواتها في ~~اتجاهه ، القاعدة الصلبة التي تنطلق منها سلامة المصير. فذلك هو وحده ~~الفرصة الوحيدة والطريق الوحيد للخلاص ، ( @QUR@010 من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله ) لأن إرادة الله قضت بأن يحشر الناس إليه في يوم القيامة ، ~~فلا يستطيع أحد أن يرده ، لأنه سبحانه لا يريد أن يرده من جهته ، ( @QUR@02 ~~يومئذ يصدعون ) فيصابون بالتصدع والتمزق والتفرق ، فيذهب كل واحد إلى حيث ~~أراد الله أن يذهب في خط مصيره ، فلا يبقى لهم من مجتمعهم الذي كانوا ~~يجتمعون فيه ويلتقون على PageV18P150 # قضاياه ، شيء ، لأن كل واحد منهم سوف يهتم بمصيره ، ليواجه مشاكل العذاب ~~ومواقف الحساب. # * * * ### ||| ** ارتداد العمل على صاحبه # ( @QUR@04 من كفر فعليه كفره ) فهو الذي يتحمل مسئوليته ، فلا يتحملها ~~أحد عنه ، ولا يضر أحدا شيئا من خلاله ، لأنه لا يضر إلا نفسه. # ( @QUR@05 ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) في ما يؤدي إليه العمل الصالح ~~من تمهيد ساحة النعيم والرضوان التي تفتح كل جوانبها ولذاتها للمؤمنين ~~الصالحين ، لأنه السبيل إلى الحصول على رحمة الله ورضوانه والدخول إلى ~~الجنة في ما أعده الله للمتقين من ساحة جنته ، ( @QUR@07 ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من فضله ) فيفيض عليهم من لطفه وعطفه ورضاه ، ويرزقهم ~~سعادة الآخرة وثوابها ، فهؤلاء هم الذين يحبهم ويرعاهم. # ( @QUR@04 إنه لا يحب الكافرين ) الذين جحدوا وجوده وأنكروا توحيده ، ~~لأنهم لم يرتبطوا به برباط العقيدة والمحبة والطاعة والخضوع ، هذا هو الذي ~~ينبغي أن يفكر به الإنسان في موقعه من ربه وعلاقته به ، لينطلق من خط ~~الإيمان ، ويبتعد عن خط الكفر ، لأن الله يحب المؤمنين ، ولا يحب الكافرين. # * * * PageV18P151 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@017 ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ms4226 وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) @QUR@018 ولقد أرسلنا من ~~قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين ) (47) # * * * ### ||| ** من آيات الله إرسال الرياح مبشرات # ( @QUR@02 ومن آياته ) في قدرته ونعمته ورحمته التي تدل على سر ربوبيته ~~التي لا يساويه فيها أحد من كل خلقه ، سواء هؤلاء الذين اتخذهم الكافرون ~~شركاء أو الذين يوحون لأنفسهم أو للناس بذلك ( @QUR@04 أن يرسل الرياح ~~مبشرات ) بالمطر الذي يسقي الأرض والحيوان والإنسان والنبات ، فتدب الحياة ~~في كل شيء من خلاله ، فيجمع للناس الحلم الهني بالمطر من خلال هبوب الرياح ~~الذي يوحي به ، والواقع المهتز بالري والخضرة والحياة. # ( @QUR@03 وليذيقكم من رحمته ) في ما تنتفعون به في غذائكم من خلال ما PageV18P152 # تنبته الأرض من نبات ، وما تختزنه الينابيع المتفجرة من مياه ، وما يترتب ~~على هبوب الرياح من تلقيح الأشجار ودفع العفونات وتنقية الأجواء وغير ذلك. # ( @QUR@03 ولتجري الفلك بأمره ) عند ما يتجمع الماء في البحار والأنهار ، ~~فتسير السفن تبعا للقوانين التي أودعها الله في الكون في انسجامها مع حركة ~~الماء والريح ، ( @QUR@03 ولتبتغوا من فضله ) في ما تتطلبونه من خلاله من ~~رزقه ( @QUR@02 ولعلكم تشكرون ) الله على هذه النعم العظيمة التي ترتكز ~~عليها حياتكم في استمرار الوجود وفي حركته ، وذلك بالكلمة التي توحي ~~بالاعتراف بنعمة الله والثناء عليه ، وبالممارسة التي تسخر عطايا الله لما ~~أراده من طاعته. # * * * ### ||| ** حق على الله نصر المؤمنين # ( @QUR@07 ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ) في مسيرة الأنبياء ~~التاريخية الممتدة في الزمن ، حيث أراد الله للناس أن يكتشفوا سر الهدى في ~~وحي الله وفي تشريع رسالاته ، وفي حكمة رسله وجهادهم من أجل تطوير الحياة ~~في اتجاه الخير والعدل والسلام ، ليأخذوا بأسباب الهدى ، فيهتدوا به إلى ~~رضوان الله ، ( @QUR@02 فجاؤهم بالبينات ) لأن الله يريد للناس أن ينفتحوا ~~على الإيمان به ، من خلال البينات الواضحة التي تقودهم إلى معرفته واكتشاف ~~خط الرسالة الإلهية في دائرة الحياة وفي حركة المصير. وانطلق الأنبياء ~~بالدعوة ، فأتبعهم فريق ، وكفر بهم فريق آخر ، ووقف ms4227 الكافرون في مواجهة ~~المؤمنين ، ومارسوا الجريمة الوحشية في قتل البعض ، وتعذيب البعض الآخر ، ~~وفي السخرية بالنبي والنبوة والكتاب ، وتجاوزوا الحدود في ذلك كله ، ( ~~@QUR@04 فانتقمنا من الذين أجرموا ) بعد أن PageV18P153 # أمهلهم الله ليعودوا إليه ، وليتراجعوا عن ضلالهم وكفرهم ، فلم ينفعهم ~~ذلك ، ونصر المؤمنين الذي كانوا يعانون من وحشية الاضطهاد ، وهمجية الكفر. # ( @QUR@05 وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) لأن الله أرادهم أن يصبروا ~~ويتحركوا في ساحات الجهاد ، ليعانوا ويتألموا ويحققوا الكثير من النتائج ~~الإيجابية في واقع الإنسان والحياة ، ثم يأتي النصر من الله في إرادته ~~الحاسمة في نصر عباده الذين آمنوا به وأخلصوا له في رسالته ، في الفكر ~~والشريعة والهدف. # * * * PageV18P154 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ~~ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا ~~هم يستبشرون (48) @QUR@010 وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ~~(49) @QUR@019 فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك ~~لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير (50) @QUR@09 ولئن أرسلنا ريحا فرأوه ~~مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) @QUR@011 فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) @QUR@014 وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) (53) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتثير ): الإثارة : التحريك والنشر. # ( @QUR@01 سحابا ): السحاب : الغمام. # ( @QUR@01 كسفا ): الكسف بالكسر فالفتح جمع كسفة ، وهي القطعة. # ( @QUR@01 الودق ): القطر من المطر. PageV18P155 # ( @QUR@02 من خلاله ): الخلال : جمع خلة ، وهي الفرجة. # * * * ### ||| ** النظر إلى آثار رحمة الله # ويبقى للأسلوب القرآني في توجيه الإنسان نحو الإيمان بالله حركته التي ~~يلامس بها الشعور العميق في إثارة الإحساس الداخلي بالكون من حوله ، في ما ~~يتحرك به من آثار رحمة الله ، وفي ما يفيض به من منابع نعم الله ، ولكن ~~الإنسان يظل في مشاعره قلقا ، فيهتز للبشرى بالنعمة ، ويتعقد من خلال مظاهر ~~الخوف ، ولا يدرس الأمور بعقله ليعرف طبيعة النظام الكوني الذي تتنوع ~~أوضاعه تبعا لتنوع أسرار الحكمة في داخله. # * * * # ( @QUR@04 يرسل الرياح فتثير سحابا ) # ( @QUR@06 الله الذي يرسل الرياح فتثير ms4228 سحابا ) بما تحمله من بخار الماء ~~المتصاعد من كتلة الماء في الأرض ، وتحركه في الفضاء ( @QUR@05 فيبسطه في ~~السماء كيف يشاء ) ويفرشه في الجو كما لو كان بساطا ممتدا في الأفق ( ~~@QUR@02 ويجعله كسفا ) أي قطعا متراكمة بعضها فوق بعض ، فقد يصطدم بعضها ~~ببعض ، وقد تنبعث شرارة كهربائية بين طبقة منه وطبقة ( @QUR@05 فترى الودق ~~يخرج من خلاله ) وهو المطر الذي ينبعث منه فيهطل ويتساقط على الأرض ( ~~@QUR@07 فإذا أصاب به من يشاء من عباده ) تبعا للحكمة التي يوزع فيها المطر ~~على البلاد والعباد ، ( @QUR@03 إذا هم يستبشرون ) به لتأثيره الكبير في ~~حياتهم ، لأنهم يشربون منه ويزرعون من خلاله ، ويغتسلون ويتطهرون به. PageV18P156 # ( @QUR@010 وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ) أي يائسين ~~، في ما تمثله المشاعر القلقة الخائفة من إحساس خائف باليأس والقنوط عند ما ~~يغيب السحاب من الأفق وتجف الينابيع من الأرض ، ويموت النبات من الظمأ ، ~~وتتساقط الحيوانات أمام مظاهر الجدب. # * * * ### ||| ** الله يحيي الأرض بعد موتها # ( @QUR@010 فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها ) في خضرة ~~الأرض المهتزة بالعشب وبالفاكهة المتدلية من الأشجار النضرة ، وبالزرع الذي ~~يحمل كل خصائص الحياة الغنية بعناصر القوة للإنسان وللحيوان. ولا تشغلك ~~مظاهر الجمال فيها عن التفكر في الله الذي خلقها وأحياها وأعطاها سر ~~الحيوية والامتداد ، وحاول أن تستشعر معنى الرحمة الإلهية في ذلك كله ، ~~ليهتز الشعور بمحبة الله في نظرة الإنسان إلى آثار رحمته ، تماما كما يهتز ~~بالانفعال بجمال الطبيعة في أجواء الربيع المهتز بالخضرة. # ولا يقتصر التوجيه القرآني في استلهام العمق العقيدي بالإيمان بالله ~~والشعور برحمته ، على ما يثيره في نفس الإنسان من مشاعر الامتنان بالنعمة ~~والرحمة ، بل يمتد إلى أن يحرك الفكر في اتجاه استشفاف عقلانية الإيمان ~~باليوم الآخر في مواجهته للفكرة المضادة التي تنكر البعث على أساس استبعاده ~~، وذلك من خلال المقارنة بين موت الأرض وحياتها بقدرة الله ، وبين موت ~~الإنسان وإحيائه بعد ذلك بقدرة الله ، فإن محيي الأرض هو محيي الإنسان ( ~~@QUR@09 إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ms4229 ) فإذا كان الله يملك ~~القدرة المطلقة فلا يعجزه شيء ، في ما يخلق ، ولا في تدبيره ، ولا في ~~تغييره بما يشاء. PageV18P157 # ( @QUR@05 ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ) يؤدي إلى اصفرار الزرع بعد ~~خضرته بفعل المؤثرات التي يتأثر بها من خلال الريح الباردة التي تقتل الزرع ~~بفعل الصقيع ، ( @QUR@04 لظلوا من بعده يكفرون ) لأن مسألة الإيمان ليست ~~فكرا مستقرا من خلال القناعة الوجدانية الثابتة القائمة على التأمل في ~~مواقع العقيدة ومصادرها ، بل هي انفعال متحرك متزلزل بالأوضاع الخارجية ~~المتصلة بحياتهم في ما ينزل عليهم من رحمة ، أو يصيبهم من نقمة. وتلك هي ~~مشكلة الكثيرين من الناس في انفعالهم بقضايا العقيدة والرسالة ، حيث تتغير ~~مواقفهم تبعا لتغير النتائج المرتبطة بتأثيرات الموقف على مصالحهم ~~وانفعالاتهم ، فيقفون معها إذا جرت الأمور بما يشتهون ، ويبتعدون عنها ، بل ~~يتعقدون منها ، إذا اهتزت مصالحهم الخاصة ، وتأثرت شهواتهم الجامحة. وهذا ~~هو الذي يجب أن يدرسه العاملون في حركة الإيمان في ساحة الانتماء والواقع. # * * * ### ||| ** لا تسمع الموتى ولا الصم # ( @QUR@04 فإنك لا تسمع الموتى ) الذين لا يملكون حس الانفعال بما حولهم ~~من الأحداث والأقوال والأفعال ، وإن كانوا يملكون نبض الحياة في أجسادهم ، ~~لأنهم في غيبوبة عميقة عن كل قضايا العقيدة والواقع المتصل بالرسالة ، ~~لاستغراقهم في شهواتهم ، حتى أنهم لا يحسون بشيء آخر غيرها. # ( @QUR@04 ولا تسمع الصم الدعاء ) الذي تدعوهم فيه إلى الإيمان أو ~~التفكير أو الحوار ، لأنهم فقدوا إرادة الوعي ، فرفضوا الانتباه إلى ~~الكلمات المنطلقة من وحي الله وأغلقوا آذانهم عن ذلك كله ، مما جعل عندهم ~~نوعا من الصمم PageV18P158 # الاختياري الذي قد يكون في حساب المسؤولية أشد خطرا من الصمم الطبيعي. # ( @QUR@03 إذا ولوا مدبرين ) إذا ابتعدوا معرضين عن التجاوب معك من موقع ~~العقدة المستحكمة في داخلهم ، والرفض العدواني في شخصيتهم. فإن أول شروط ~~التفاهم بين الناس في ما يختلفون فيه ، هو إرادة الوصول إلى النتائج ~~الحاسمة للفكرة ، فإذا فقدها أحد الفريقين ، تعطل الموضوع كله. # * * * ### ||| ** الهدى يحتاج إلى بصيرة # ( @QUR@06 وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ) من هؤلاء الذين يملكون العيون ~~التي يبصرون بها الطريق ms4230 ، ولكنهم لا يملكون العيون التي يبصرون بها آفاق ~~العقيدة ، ومواقع المسؤولية ، وسبل الهدف الكبير ، وهي عيون القلوب التي ~~يشرق من خلالها الفكر على حركة الإيمان في الإنسان ، لأنهم أغلقوا عيونهم ~~الفكرية عن التحديق بالحقائق الواضحة التي تقدمها الرسالة أمامهم ، في ~~مواقع الوحي النازل من الله. ولذلك ضاعوا وضلوا الطريق ، فلا تستطيع ~~هدايتهم إليه ، لأنهم قد عطلوا الأدوات الحية التي تقودهم إلى ذلك. # ( @QUR@06 إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) إيمان عقل ووعي وإرادة ( ~~@QUR@02 فهم مسلمون ) منقادون لله ، خاضعون لإرادته ، لأنهم أسلموا كل ~~حياتهم له ، بعد أن آمنوا بأنه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم ، لأنه ~~هو الخالق الذي يملك الأمر كله والكون كله. # * * * PageV18P159 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) (54) # * * * ### ||| ** الله يخلق ما يشاء # هل يملك الإنسان نفسه ، وما هو موقع إرادته في مسألة التحول البدني في ~~مراحل النمو ، وفي حركة القوة ، أم أن الله يملك ذلك كله من دون أن تكون ~~للإنسان أية إرادة في ذلك ، فليس له من الحركة في داخل جسده ، إلا ما مكنه ~~الله من إدارة التفاصيل المتعلقة به. # هذا هو السؤال الذي تجيب عنه هذه الآية لتوجه الإنسان إلى التفكير الجاد ~~في حركة النمو في داخل جسده ، ليعرف مواقع تدبير الله له ، وخضوع حياته ~~كلها إليه ، لينفتح عليه من موقع الإيمان والطاعة ، ويسلم أمره له في كل شيء. # ( @QUR@05 الله الذي خلقكم من ضعف ) يتمثل في مرحلة الطفولة ، لأن ~~الإنسان لا PageV18P160 # يملك فيها عناصر القوة التي يملك معها الاستقلال في حياته ، وربما فسرها ~~البعض بالنطفة التي تمثل الضعف كله في طبيعتها ، ( @QUR@06 ثم جعل من بعد ~~ضعف قوة ) تتمثل في مرحلة الشباب التي هي قمة الحيوية في مراحل النمو ~~الجسدي للإنسان ، ( @QUR@07 ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ) وهي مرحلة ~~الشيخوخة التي يدب فيها الوهن إلى كل مفاصل الإنسان الجسدية فتضعف حركته ، ~~وربما يضعف عقله بسبب ذلك ، ( @QUR@03 يخلق ما ms4231 يشاء ) في ألوان الخلق ~~وأشكاله وأوضاعه ( @QUR@03 وهو العليم القدير ) لما يمثله العلم من مواقع ~~الحكمة في خلقه ، وفي ما توحي به القدرة من مواقع القوة في الإيجاد من خلال ~~مشيئته في إدارة الكون كله. # * * * PageV18P161 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون (55) @QUR@020 وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب ~~الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) @QUR@09 ~~فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون ) (57) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يؤفكون ): يكذبون ، وقيل : يصرفون ، أي صرفهم خجلهم عن الحق ~~في الدارين. # ( @QUR@01 يستعتبون ): الاستعتاب : طلب العتبى ، وهي إزالة العتاب. # * * * PageV18P162 ### ||| ** هذا يوم البعث ولكن كنتم لا تعلمون # ( @QUR@09 ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) وذلك من ~~خلال استغراقهم في أجواء اللحظة في إحساسهم بالزمن ، فلا يعيشون امتداده في ~~ما مضى ، كما لو كانوا لا يشعرون بمسؤوليته في ما يستقبلون ، أو من خلال ~~غفلتهم عنه ، وفقدانهم الإحساس بحركته في حياتهم الماضية حتى يوم البعث ، ~~أو في المدة التي امتدت منذ الموت حتى البعث. ولهذا أقسموا أنهم لم يلبثوا ~~غير ساعة ، فأكدوا بذلك فقدان ذاكرتهم حول الماضي أو غياب التركيز في وعيهم ~~لمضمون ما في الذاكرة ، من خلال ما يتولاهم من الدهشة والمفاجأة ( @QUR@03 ~~كذلك كانوا يؤفكون ) أي يبتعدون ويصرفون عن الحق إلى الباطل عند ما كانوا ~~في الدنيا يؤكدون للآخرين نفي البعث والحساب. وبذلك كانت القضية لديهم هي ~~قضية الشخصية القلقة الرافضة للحقيقة ، الهاربة من مواجهتها ، والغافلة ~~عنها الهاربة من إعلانها ، مما يجعل السلوك الذاتي المنحرف خاضعا للخلفيات ~~المرضية الكامنة في العمق الداخلي للذات. # ( @QUR@05 وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ) في ما أخذوا به من أسباب ~~العلم الذي أغنوا به عقولهم وقناعاتهم ، فلم يستسلموا للجهالات وللشبهات ، ~~وفي ما اقتنعوا به من مواقع الإيمان ، في ما عاشوه من وعي الفطرة ، وما ~~استمعوا إليه من نداء الإحساس ، وما تأملوه من حقائق العقل ، فكانت كلماتهم ~~صادرة من حركة الحقيقة في العقل والوجدان ( @QUR@08 لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى ms4232 يوم البعث ) فقد لبثتم أمدا طويلا لا يحصيه إلا الله في كتابه الذي قد ~~يكون كناية عن علمه ، وامتد بكم الزمن إلى يوم البعث ، ومهما كان الزمن ~~الذي لبثتموه ، قليلا أو كثيرا ، فإنه لا يغير شيئا من النتائج الحاسمة في ~~مسألة المصير ، ( @QUR@03 فهذا يوم البعث ) الذي كنتم تنكرونه وتسخرون من ~~الذين يدعونكم إلى PageV18P163 # الإيمان به ممن يعتقدون أنه الحقيقة ، فهل تستطيعون إنكاره الآن ، ( ~~@QUR@04 ولكنكم كنتم لا تعلمون ) لأنكم ابتعدتم عن الاستماع إلى وحي الله ، ~~وتمردتم على الدعوة إلى الحوار من أجل الوصول إلى معرفة الحق في هذا ~~الموضوع ، فلم تحصلوا على شيء من العلم ، وغرقتم في بحار الجهل والضلال. # ( @QUR@05 فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر والضلال ( @QUR@01 ~~معذرتهم ) في ما يمكن أن يعتذروا به عن موقفهم المنحرف في العقيدة والعمل ، ~~لأن الأعذار قد تساقطت في الدنيا أمام فقدان الحجة التي تدعم موقفهم ( ~~@QUR@03 ولا هم يستعتبون ) أي لا يطلب منهم العتبى ، وهي إزالة العتاب عن ~~أنفسهم ، بالاستقامة مما فعلوه ، أو بالاعتذار عنه ، فليست لهم أية فرصة ~~للنجاة على كل صعيد. # * * * PageV18P164 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) @QUR@08 كذلك يطبع الله على ~~قلوب الذين لا يعلمون (59) @QUR@010 فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مبطلون ): أي أصحاب أباطيل. # ( @QUR@02 ولا يستخفنك ): لا يستفزنك ، وقيل : لا يحملنك كفرهم على ~~الخفة والعجلة فتفعل خلاف ما أمرت به من الصبر والرفق. # * * * PageV18P165 ### ||| ** ضرب الأمثال في القرآن # ( @QUR@09 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) في ما أردناه من ~~توضيح حقائق العقيدة والشريعة والحياة ، بمختلف الأساليب التي قد تعمل على ~~توضيح الفكرة بشكل مباشر ، أو من خلال تقديم الفكرة المماثلة التي يوحي ~~مضمونها الصادق بصدق الفكرة المطروحة. فليس للإنسان أي عذر في الكفر ~~والضلال من هذه الناحية ، لأن المسألة لا تحتمل الغموض في الأسلوب وفي ~~المضمون ، ولكن المشكلة أن بعض الناس من أمثال هؤلاء المشركين لا يكلفون ~~أنفسهم عناء التفكير ms4233 والتأمل والمناقشة العلمية الموضوعية ، بل يبادرون إلى ~~إلقاء الأحكام الارتجالية السريعة ، المنطلقة من مواقع الانفعال من جهة ، ~~أو من مواقع الانحراف الاختياري عن الحق ومحاولة مواجهته بالاتهام الظالم ، ~~من جهة أخرى. # * * * ### ||| ** الإصرار على الجحود # ( @QUR@010 ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون )، ~~إنهم يطلقون هذا الحكم على الموقف كله ، من دون أن يثيروا أي إشكال فكري هو ~~في المضمون ، ليبحث المتهمون أو المحكوم عليهم ، مدى جدية هذا الإشكال ~~وصدقه ، تماما كما هي الطريقة المتبعة لدى الذين يملكون السلطة الغاشمة ~~والقوة الظالمة ، عند ما يريدون مواجهة الدعوات التي تدعوهم إلى العدل ~~والحق والخير ، فإنهم يستغلون مواقعهم المتقدمة ، ليوجهوا إلى المظلومين PageV18P166 # والمحقين والخيرين الاتهامات بالظلم والباطل والشر ، ليدافعوا عن أنفسهم ~~بهذه الطريقة الانفعالية الكاذبة ، ( @QUR@08 كذلك يطبع الله على قلوب ~~الذين لا يعلمون ) فقد ختم الله على قلوبهم ، فأغلقها عن وعي حقائق الأشياء ~~، انطلاقا من اختيارهم الأخذ بأسباب الجهل والبعد عن مواقع العلم ، مما جعل ~~مسألة انغلاق القلب وعمى العقل ، مسألة نتيجة طبيعية للأسباب التي اختاروها ~~بممارستهم الخاطئة المتمردة على الحق وأهله ، وهكذا كانت نسبة طبع القلب ~~إلى الله ، من خلال ما أودعه الله في الأشياء من الربط التكويني بين ~~الأسباب والمسببات ، وبين المقدمات والنتائج ، بعد أن جعل تحريك الأسباب في ~~الواقع وفعل المقدمات بيد الإنسان واختياره. # * * * ### ||| ** وعد الله حق # ( @QUR@01 فاصبر ) يا محمد في دعوتك ، وليصبر الدعاة معك ، ومن بعدك ، ~~لأن النتائج النهائية ستكون في مصلحة الدعوة عند ما تنتصر على الشرك كله ، ~~( @QUR@04 إن وعد الله حق ) فقد وعدك الله بالنصر ولا يخلف الله وعده ( ~~@QUR@05 ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) ليهزوا موقفك ، وليثيروا القلق في ~~مشاعرك ، وليجعلوا موقعك من الموقف الحق ، موقفا خفيفا مهتزا غير ثابت من ~~خلال هؤلاء الذين لا يوقنون بالله سبحانه. # * * * PageV18P167 ### | سورة لقمان ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها أربع وثلاثون PageV18P169 ### ||| ** في آفاق سورة لقمان # لقد أطلق اسم لقمان على هذه السورة ، لأنها تضمنت بعض الحديث عن وصاياه ~~لولده ، مما يريد الله للناس أن يتعرفوا عليه من الحكمة ، التي تتصل ~~بالعقيدة وبالسلوك ms4234 الإنساني في الحياة ، على مستوى الممارسة الذاتية وعلى ~~مستوى العلاقات العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** شخصية لقمان # أما شخصية لقمان ، فلا نملك مصادر تاريخية للتعرف على ملامحها ، وعلى ~~المرحلة الزمنية التي عاشها هذا الرجل الذي اقترن اسمه بالحكمة عند ما ~~يتحدث الناس عن لقمان الحكيم. # ولكن هناك إلى جانب الملامح الفكرية التي جاءت في القرآن أحاديث مأثورة ~~في المصادر الإسلامية الدينية قد تعرض لبعض ملامحه وخصوصياته الذاتية. # وقد جاء في القرآن أن الله آتاه الحكمة ، في ما توحي به من العقل والفطنة ~~، والوعي الدقيق لحقائق الأمور وخلفياتها ودقائقها ، بحيث يتحول PageV18P171 # الإنسان المتصف بها إلى إنسان منفتح يملك وضوح الرؤية للمواقف ، فلا ~~ينحرف عن خط الاستقامة فيها وسداد الرأي في القضايا ، ولا يخطئ في الحكم ~~عليها إلا بشكل بسيط. وقد رأيناه كيف يوصي ولده بالانفتاح على الله وعلى ~~الحياة من حوله من موقع الثقة بالله في تحريكها نحو الخير والاتزان ~~والمسؤولية والصبر على مشاكل الحياة باعتبار ذلك مظهر عزم وقوة ، من أجل أن ~~يصوغ شخصيته صياغة متوازنة من الداخل ، وفي علاقته بالناس وبالحياة من حوله ~~، مما يثير في تقديرنا وتصورنا له ، كيف يكون الأب المسؤول واعيا للفكر ~~المتأمل والتجربة الواعية ، من أجل إغناء شخصيته بالحكمة ، وتوجيه ولده نحو ~~الاستقامة في الفكر والعمل. # وقد جاء في تفسير القمي بإسناده عن حماد قال : سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عز وجل ، فقال : «أما والله ما ~~أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال ، ولكنه ~~كان رجلا قويا في أمر الله ، متورعا في الله ، ساكتا مستكينا ، عميق النظر ~~، طويل الفكر ، حديد النظر ، مستغنيا بالعبر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يره ~~أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعمق نظره وتحفظه في ~~أمره ، ولم يضحك من شيء قط ، مخافة الإثم ، ولم يغضب قط ، ولم يمازح إنسانا ~~قط ، ولم يفرح بشيء أتاه من أمر الدنيا ، ولا حزن منها على شيء قط ، وقد ~~نكح ms4235 من النساء وولد له من الأولاد الكثير ، وقدم أكثرهم أفراطا ، فما بكى ~~على موت أحد منهم. # ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ، ولم يمض عنهما حتى ~~تحابا ، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه ، ~~وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين ، ~~فيرثي للقضاة مما ابتلوا به ، ويرحم الملوك والسلاطين لغرتهم بالله ~~وطمأنينتهم في ذلك ، ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به PageV18P172 # هواه ويحترز به من الشيطان ، يداوي قلبه بالفكر ويداوي نفسه بالعبر ، ~~وكان لا يظعن إلا في ما يعنيه ، فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة» (1). # وقد جاء في بعض هذه الأحاديث ذكر بعض الوصايا المتفرقة التي تخضع للأجواء ~~العامة في شخصيته ، مما لا مجال للتفصيل فيها في هذا التفسير. # وقد نستوحي من حديث الله في القرآن عن هذا الرجل الحكيم ، أن الله يعطي ~~الدور الكبير من الأهمية للحكمة الإنسانية المنطلقة من الفكر والتجربة كما ~~يعطي الدور للنبوات المنطلقة في حركة وحيه ، لأن الله يريد للإنسان أن يعيش ~~تجربته في حركة فكره وعمله ، كما يريده أن يستلهم وحيه في عقيدته وسلوكه ، ~~ليكون للوحي الخط العام في حياة الإنسان ، وللمعاناة الذاتية الخطوط ~~التفصيلية في خدمة الخط العام. # * * * ### ||| ** أغراض السورة # إن التدقيق في آيات هذه السورة يوحي بأن العقيدة في تصوراتها ومواقعها ~~ومنطلقاتها وآفاقها في الكون كله ، هي ما يمثل العنوان الكبير للسورة. فقد ~~تحدثت عن توحيد الخالق في مواجهة فكر الشرك ، وعن عبادته في مواجهة عبادة ~~الأصنام ، وعن شكره ، وعن اليقين بالآخرة وما فيها من حركة الحساب في خط ~~الثواب والعقاب ، وفي الانسجام العملي في خط الشريعة في ما أنزله الله من ~~وحي يحدد فيه للإنسان خطه السلوكي بعيدا عن كل PageV18P173 # المألوفات والمعتقدات ، وذلك في أجواء الأساليب الفكرية والعاطفية التي ~~تخاطب العقل والوجدان والشعور ، في جولة واسعة في رحاب الكون ، وفي أعماق ~~النفس الإنسانية ، في انفعال الذات بما حولها ومن حولها من قضايا الحياة ~~والناس. ### ||| * * * * PageV18P174 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات ms4236 # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@04 تلك آيات الكتاب الحكيم (2) @QUR@03 هدى ورحمة ~~للمحسنين (3) @QUR@09 الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون (4) @QUR@08 أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (5) # * * * ### ||| ** آيات الكتاب هدى ورحمة للمحسنين # ( @QUR@01 الم ) من الحروف المقطعة في القرآن ، وقد تقدم الحديث عنها في ~~سورة البقرة ، ( @QUR@04 تلك آيات الكتاب الحكيم ) الذي ينطلق في تخطيطه ~~للعقيدة وللحياة على أساس الحكمة التي تضع لكل شيء حدودا تتصل بخصوصياته ~~وتتحرك في اتجاه غاياته الخيرة السليمة ، ولذلك فإن من المفروض أن يلتمس PageV18P175 # الناس في آياته القواعد الفكرية والعملية التي تركز حياتهم على أسس ثابتة ~~متينة ، ( @QUR@03 هدى ورحمة للمحسنين ) فهي التي تشق للحياة درب الفكر ~~المتزن العميق في آفاق القيم الروحية في الدائرة الإنسانية. وبذلك يمكن ~~للإنسان أن يجد فيها الهدى الذي يكفل له النجاة في الدنيا والآخرة. وهي ~~التي تتفجر في إيحاءاتها بالمشاعر الروحية الحميمة التي تنمي الروح ~~المنفتحة على آلام الناس في مشاكلهم الخاصة والعامة بالمستوى الذي تتحول ~~فيه المسؤولية إلى حالة شعورية في العمق الداخلي من الشخصية ، تماما كما هي ~~حالة فكرية وإيمانية ، لتوحد التوجه الإنساني إلى التكامل والتوحد في ~~القضايا المشتركة. إنها الآيات الحية التي تتحسس وتنفعل وتوحي بالفكر ~~وبالخير والرحمة وتثير الصفاء والنقاء في الحياة كلها ، من أجل الإنسان ~~الذي يتحول في أفكاره ومشاعره وخطواته في الحياة ليكون إنسان الله في كل ~~شؤونه وأوضاعه. # ولكن الهدى في كل موقع من مواقعه ، والرحمة في كل أفق من آفاقها ، لا ~~يتحققان إلا للذين ينطلقون من القاعدة التي يمتدان منها ويتحركان في مجالها ~~، وهي القاعدة الإيمانية التي يلتقي فيها الإنسان بربه في خط العقيدة ~~والحياة ، فيلتقي من خلاله بكل هدى ورحمة ، لأن الله هو الرب الهادي الرحيم ~~الذي يهتدي بهداه ويعيش في رحمته عباده المؤمنون المحسنون في أجواء العقيدة ~~والسلوك. # * * * ### ||| ** صفات المحسنين # ( @QUR@03 الذين يقيمون الصلاة ) في حركة الروح في العبادة ( @QUR@02 ~~ويؤتون الزكاة ) في PageV18P176 # دائرة العطاء في الروح ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم يوقنون ) اليقين بالغاية ~~التي يواجه فيها الناس نتائج المسؤولية بين يدي الله ، ليتحركوا في خط ~~المسؤولية ms4237 في الحياة. # ( @QUR@05 أولئك على هدى من ربهم ) في دينه وشريعته ومنهجه ، مما يؤهلهم ~~لقيادة الحائرين الضالين الذين يبحثون عن مواقع النور الإلهي ليخرجوهم من ~~كهوف الظلام الفكري والروحي والعملي. # ( @QUR@03 وأولئك هم المفلحون ) الذين أخذوا بأسباب الفلاح عند ما أخذوا ~~بأوامر الله ونواهيه ، وساروا إليه في خط التقوى والإيمان. # * * * PageV18P177 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) @QUR@016 وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) @QUR@08 إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) @QUR@08 خالدين فيها وعد ~~الله حقا وهو العزيز الحكيم ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقرا ): الوقر : الحمل الثقيل ، وقيل هو كناية عن الصمم. # * * * PageV18P178 ### ||| ** مناسبة النزول # ورد في سبب نزول قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) ~~أنها نزلت في النضر بن الحارث ، وذلك أنه كان يخرج تاجرا إلى فارس ، فيشتري ~~أخبار الأعاجم ، فيرويها ويحدث بها قريشا ويقول لهم : إن محمدا عليه الصلاة ~~والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث ، رستم وإسفنديار ~~وأخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن .. رواه الكلبي (1). # * * * ### ||| ** الصد عن سبيل الله بلهو الحديث # للدعوة مشاكلها في ساحة التحدي المضاد التي يثيرها الآخرون من الذين ~~يحملون الفكر المضاد ، أو الشعور المضاد. وقد يكون من بين هذه المشاكل ، ~~الوسائل المتنوعة التي تشغل الناس عن الانتباه للداعية ، أو الاستماع إليه ~~، أو التجاوب معه ، في ما يمكن أن يصرفهم عنه ، من الكلمات والأساليب ~~والأجواء ، مما يجعل الداعية في حرج شديد ومأزق كبير ، لأن المسألة التي ~~تتحداه هي كيف يفتح قلوب الناس وأسماعهم عليه ، ليجتمعوا لديه ويستمعوا ~~إليه ، قبل أن يثير أمامهم القناعات الفكرية والروحية. # وهذا هو ما واجهه النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في صدر الدعوة ، عند ~~ما كان بعض المشركين يصد الناس عن الاستماع لآيات الله في القرآن بتقديم ~~الأحاديث PageV18P179 # المغرية المشوقة التي تثير التفاصيل الغريبة الملفتة للذهن ، المثيرة ~~للانتباه ، لتجذب أسماع الناس إليه ، وتبعدهم عن الاستماع للنبي محمد ms4238 ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # وهذا هو ما نحاول أن نستوحيه من هذه الآيات التي قد تشير إلى هذه الفكرة ~~، ثم تتجاوزها إلى مجالات أوسع وأكبر من أصناف لهو الحديث ، لتلتقي كل ~~وسائل اللهو من خلال اللحن والكلمة والأسلوب والجو والحركة ، لتمنع الناس ~~من الانفتاح على كلمات الله ، بالاستغراق في الساحة اللاهية العابثة ، في ~~ما يلهو به اللاهون أو يعبث فيه العابثون. # * * * # ( @QUR@02 لهو الحديث ) # ( @QUR@06 ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) في القصص التاريخية التي ~~تحدثت عن تاريخ الطغاة والمستكبرين الذين قهروا المستضعفين من شعوبهم ، ~~لتعميق عظمتهم في النفوس ، وإثارة الإعجاب بهم في العقول ، مما قد يؤدي إلى ~~فقدان الأمة الروح المعنوية المتحدية للظلم وأهله وللاستكبار وجنوده ، عند ~~ما تنهزم أمام تهاويل التاريخ في حركة الحاضر ، أو في القصص العاطفية أو ~~الخلاعية التي تثير في الداخل لهيب الغرائز وفحيح الشهوات ، لتنحرف ~~بالعاطفة الإنسانية إلى الأجواء المنحرفة التي يقدس فيها الإنسان الشهوة ~~المحرمة والغريزة الجامحة ، بالطريقة التي ينسى معها ربه ودينه ورسالته ~~ومسئولية واهتماماته المصيرية في الحياة. ويفقد في داخلها روح الطهارة في ~~الشعور ، وصفاء الروح في التأمل ، ونقاء الإحساس في القلب لتتحول الحياة ~~عندها إلى وحل غريزي يغرق فيه الحاضر والمستقبل ، أو في الألحان اللاهية ~~العابثة المثيرة للطرب الذي يهز المشاعر حتى تفقد توازنها واستقلاليتها PageV18P180 # واختيارها في ما تريد وما لا تريد ، أو في الأوضاع الصاخبة التي تدفع إلى ~~الجنون في الإحساس ، والصخب في الانفعال ، والتوتر في المشاعر ، وتثير ~~الضباب الذي يفقد معه الوضوح في داخل الإنسان ، أو في الأفلام والمشاهد ~~الخليعة المثيرة التي تحتوي الكيان الإنساني في عملية استلاب للعقل ~~وللتركيز والتوازن في الشعور. # وكلمة الشراء في قوله «يشتري» لا يراد منها معناها الحرفي بل معناها ~~الكنائي الذي يعبر عن الوسيلة التي يحصل بها على هذا النوع من لهو الحديث. # ( @QUR@04 ليضل عن سبيل الله ) الذي يقود الناس إلى الله في الفكر ~~والشريعة والمنهج والطريق والغاية ، فيكون اللهو المتنوع في الكلمة واللحن ~~والجو والحركة والشكل والمضمون ، وسيلة من وسائل الإضلال من ms4239 خلال انشغال ~~الإنسان بها عن الرسالة والمصير ، أو من خلال اختزانه للمشاعر والأفكار ~~المضادة ، أو تحريكه للنوازع المنحرفة ، أو تحضيره للأجواء المعقدة البعيدة ~~عن مواقع الشروق وينابيع الصفاء ، ( @QUR@04 بغير علم ويتخذها هزوا ) لأن ~~مسألة هؤلاء الذين يعملون على إضلال الناس ليست مسألة العلم الذي يرتكزون ~~عليه في مضمون حركتهم وخط فكرهم ، لأنهم لم ينطلقوا في ذلك من مواقع ~~القناعة العلمية المرتكزة على الدليل ، بل من التخلف القائم على الجهل ~~المتحرك في تقليد الآباء الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ، ومن الأطماع ~~الذاتية ، والمصالح الشخصية والامتيازات الطبقية التي تحكم كل مواقف ~~التأييد والرفض ، للأشخاص وللأفكار وللأهداف. # ( @QUR@04 أولئك لهم عذاب مهين ) في الدار الآخرة ، لأنهم حاربوا الله في ~~كتابه ودينه من دون أساس من عقل ، ولا حجة من علم ، فكان موقفهم عدوانيا في ~~شكله ومضمونه ، فاستحقوا العذاب المهين الذي يتناسب مع حقارتهم الروحية ~~والعملية. # * * * PageV18P181 ### ||| ** علاقة الآية بتحريم الغناء ، وحدوده # وإذا كانت بعض الأحاديث المأثورة قد فسرت لهو الحديث بقصص الأكاسرة ~~والجبابرة ، أو بالغناء ، فإن الجو الذي تتحرك به الآية أوسع من ذلك ، فهي ~~تتحرك في خط النتائج العملية لما يقدمه هؤلاء من أحاديث يحاولون من خلالها ~~إشغال الناس عن كلمات الله وعن دينه ، مما يجعل القضية المرفوضة والإنذار ~~بالعذاب في نطاق السلوك الذي يتحرك فيه هؤلاء الناس ، من خلال الهدف الشرير ~~، بعيدا عن طبيعة المضمون الذاتي للأحاديث ، لأن نقل قصص الماضين من الطغاة ~~والجبابرة ليس محرما في ذاته ، ما لم يؤكد غاية محرمة في حركته ، كما أن ~~اعتبار الغناء مصداقا من مصاديقه أو تفسيرا من تفاسيره ، يوحي بأن المراد ~~به المضمون الغنائي الذي يدفع إلى الإضلال ، أو اللحن الغنائي الذي يثير ~~المشاعر المنحرفة المملوءة بالإغراء والإغواء ، فيؤدي إلى الضلال في ~~الأخلاق وفي السلوك ، فإن ذلك هو الذي يتناسب مع جو الآية ومعناها. # أما الغناء الذي يتضمن الإيمان والخير والزهد والحديث عن القيم الروحية ~~والأخلاقية ، فإنه لا يندرج تحت هذه الآية ، لأنه يقود إلى الهدى ، ويبعد ~~عن الضلال. وهكذا تكون النظرة إلى اللحن ms4240 الغنائي الذي ينساب في المشاعر ~~بإيحاءات الصفاء والسمو والطهارة ويبعث على هدوء الأعصاب ، وإزالة التوتر ، ~~وانفتاح الروح على آفاق الفرح الروحي في محبة الله ، فإن مثل هذا اللحن ~~الذي يهذب الروح ، ويروض الغريزة ، ويهدئ مشاعر القلق الحائر المجنون ، ~~يدفع الإنسان إلى الخير والنقاء والهدوء والصفاء ، بدلا من الضياع والشر ~~والجنون ، مما يجعل من انطباق الآية على مورده ، وسيلة لتحديد الحرام في ~~دائرة ضيقة لا تتسع لذلك. PageV18P182 # ( @QUR@04 وإذا تتلى عليه آياتنا ) ليستمع إليها ويتأملها ويفكر فيها ~~ليكتشف من خلالها آفاق الحق والخير في آفاق الله ، وليعرف في مضمونها الخط ~~الفاصل بين الحق والباطل ( @QUR@02 ولى مستكبرا ) في حركة سريعة هاربة لا ~~تتوقف عند نداء العقل ودعوة الوجدان ، بل تثير الجو في صورة الإعراض الذي ~~يوحي بالكبرياء المتمردة على الرسل في موقف استكبار ساذج ، تحت تأثير ~~الفكرة التي تخيل إليه في طبيعتها أنه أكبر من أن يسمع كلام الموعظة ، ~~فيتحرك ( @QUR@07 كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ) وضجيجا يمنعه من ~~السماع والتركيز على ما يسمع ( @QUR@03 فبشره بعذاب أليم ) لأن ذلك هو ما ~~ينتظره في مقابل هذا الموقف الأرعن المستكبر. # ( @QUR@05 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فانفتحوا على الإيمان من ~~موقع الوعي ، وعلى العمل الصالح من موقع المسؤولية الإيمانية بين يدي الله ~~، ( @QUR@08 لهم جنات النعيم* خالدين فيها وعد الله حقا ) فقد وعد الله ~~عباده بأن يمنحهم الجنة جزاء على إيمانهم وتقواهم ، وها هم يجدون صدق الله ~~في وعده الحق ، ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي لا ينتقص المستكبرون ~~الكافرون من عزته ، بكفرهم وضلالهم ، لأن ذلك لن يضره شيئا ، ولا يتمكنون ~~من إخفاء حكمته عن العاقلين المفكرين ، أو إبطال مواقعها في كل شيء. # * * * PageV18P183 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@027 خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد ~~بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم (10) @QUR@015 هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه بل ~~الظالمون في ضلال مبين ) (11) # * * * ### ||| ** مظهر عزة الله وحكمته # ما هو مظهر العزة والحكمة في ذات الله ms4241 سبحانه؟ # إن هاتين الآيتين تجيبان عن السؤال بطريقة خاصة ، وتطرحان التحدي ضد ~~المشركين الذين اتخذوا آلهة من دونه؟ # * * * ### ||| ** خلق السموات بغير عمد # ( @QUR@05 خلق السماوات بغير عمد ترونها ) في ما يمثله ذلك من قدرة في ~~هذا التماسك الذي يمنحها الثبات في مواقعها في فضاء الفراغ من دون ركائز ~~وأعمدة ، في ما اعتاده الناس من حاجة البناء العلوي إلى أعمدة في أعماق ~~الأرض الثابتة ، فكيف حدث هذا ، هل هناك غير القدرة الإلهية التي تخلق PageV18P184 # القوانين الكونية الحاكمة على النظام الكوني في قانون الجاذبية وغيره؟ # ويمكن أن يكون قوله : ( @QUR@01 ترونها ) قيدا توضيحيا لتأكيد المعنى ، ~~على أساس نفي وجود الأعمدة من موقع عدم رؤيتهم لها ، ويمكن أن يكون قوله ~~قيدا احترازيا لنفي الأعمدة المرئية في مقابل الأعمدة غير المرئية ، والأول أظهر. # * * * ### ||| ** خلق الجبال في الأرض # ( @QUR@07 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) وهي الجبال التي قد تشارك ~~في منع الأرض من الاهتزاز ، ( @QUR@05 وبث فيها من كل دابة ) مما خلقه الله ~~من الحيوان الذي يختلف حاله بين من يمشي على رجلين ، وبين من يمشي على أربع ~~، ومن يمشي على بطنه ، لتتحرك الحياة على الأرض فتمنحها الحيوية والحركة ، ~~( @QUR@04 وأنزلنا من السماء ماء ) يمنح الأرض والإنسان والنبات الحياة ، ( ~~@QUR@06 فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) وهو ما يتمثل في قانون الزوجية في ~~النبات الذي يختزن العطاء والمنافع التي يقدمها للإنسان وللحيوان. # ( @QUR@03 هذا خلق الله ) في عظمته وإبداعه وروعة الأسرار المعجزة فيه ، ~~( @QUR@07 فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ) من مثل ذلك ومما هو دونه ، إن ~~كانوا آلهة كما تزعمون ، وما ذا يمثلون في ذواتهم من قوة وعلم وتدبير ، ~~فإذا لم يكن لهم شيء من ذلك ، فكيف تزعمون أنهم شركاء لله؟ ولكن المشكلة ~~أنكم لا تركنون في ما أنتم فيه إلى فكر ، ولا ترجعون إلى علم ، بل تركنون ~~إلى أهوائكم ، وتتحركون في جهالتكم ، وبذلك كنتم تتخبطون في الظلمات ~~وتنطلقون في متاهات الضياع. # ( @QUR@05 بل الظالمون في ضلال مبين ) من خلال فقدانهم للأسس التي ~~ينطلقون منها لتكوين قناعاتهم الفكرية ، ولتثبيت قواعدهم ms4242 الروحية ، ليهتدوا ~~إلى الطريق المستقيم الذي يصل بهم إلى معرفة الله والحصول على رضاه ، فقد ~~ظلموا أنفسهم عند ما استغرقوا في أجواء الجهل والظلام. # * * * PageV18P185 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) @QUR@015 وإذ قال لقمان لابنه وهو ~~يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) @QUR@017 ووصينا ~~الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير (14) @QUR@029 وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وهن ): الوهن : الضعف. # ( @QUR@01 وفصاله ): فطامه وترك إرضاعه. PageV18P186 # ( @QUR@01 أناب ): رجع. # * * * ### ||| ** حكمة لقمان وبعض وصاياه # ونقف أمام صورة لقمان الإنسان ، المنفتح على الفكر العملي الذي يبلغ ~~بالإنسان إلى التوازن في حياته بين ما هو الفكر وما هو الواجب ، في ما يأخذ ~~به ، أو يدعه ، لتستقيم له الحياة في الخط المستقيم. # * * * ### ||| ** إتيان لقمان الحكمة # ( @QUR@04 ولقد آتينا لقمان الحكمة ) في فكره وحديثه وحركته ، في الحياة ~~، وذلك من خلال ما حرك به بصره نحو كل الأشياء التي تحيط به ، وتبدو له ، ~~وما أصغى إليه بسمعه من كل ما يتحدث به الآخرون ، وما حرك به عقله في إدارة ~~ذلك كله ، في مواقع التأمل والمقارنة والمحاكمة والاستنتاج ، ليعرف مصادر ~~الأمور ومواردها وبدايات القضايا ونهاياتها ، وكيف تنفصل الأشياء وكيف تتصل ~~، وهكذا كان يواجه الحياة ، ويتحرك فيها مع الآخرين ، ليكون الإنسان الذي ~~ينتج الفكرة من خلال حركة عقله وتجربته ، ثم يجلس مع الناس ليفتح عقولهم ~~عليها ، وليوجه مشاعرهم إليها. # وبدأ يفكر بالله ، وبنعمه التي يغدقها على الناس ، فيستمر بها وجودهم ~~وترتاح معها أوضاعهم ، وتطمئن بها نفوسهم. ثم يتابع التفكير في الموضوع ، ~~كيف يواجه الناس نعم الله ، وكيف يكون موقفهم أمامه ، هل يمرون بها بروح ~~اللامبالاة ، من موقع الألفة التي لا تثير في نفوسهم شيئا ، مهما كان الشيء PageV18P187 # المألوف عظيما ، أو يتوقفون أمامها بروح ms4243 الجحود الذي يتنكر لكل نعمة ولكل ~~إحسان ، من موقع الشعور المعقد الذي يثير العقدة ضد المنعم من قبل المنعم ~~عليه ، أو ينطلقون في آفاق الشكر المنفتح على الخير كله ليتفاعلوا مع الخير ~~في عقولهم وأرواحهم وقلوبهم وكل حياتهم فيشعرون بالامتنان وعرفان الجميل ، ~~لكل لمسة حنان ، وفيض رحمة والتفاتة نعمة ، ونظرة لطف ، وخفقة حياة ، ونبضة ~~روح ، ليتحول ذلك إلى شكر في الفكرة والكلمة والحركة ، وفي الحياة لله الذي ~~خلقهم ورزقهم وشفاهم ونصرهم وأنقذهم من كل سوء. # وهكذا اكتشف لقمان الشكر لله ، كقيمة روحية من أسمى القيم ، ليقدمها لكل ~~من يعي ويسمع ويتحرك في الاتجاه السليم. # * * * ### ||| ** الشكر لله # ( @QUR@03 أن اشكر لله ) فهو وحده الذي يستحق الشكر من خلال وحدانيته في ~~إغداق النعمة على الإنسان الذي لا مصدر لديه لأية نعمة من النعم التي ~~تحتويها حياته إلا الله ، وليس دور القوى الأخرى المتنوعة الموجودة في ~~الكون ، إلا دور الأدوات والأسباب المباشرة ، التي تستمد سببيتها من مسبب ~~الأسباب ، وهو الله. # ( @QUR@05 ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) من دون أن يكون لله نفع في هذا ~~الشكر أو حاجة إليه ، لاستغنائه عن كل خلقه في كل شيء ، وليس لأحد منهم أن ~~يضيف إلى ملكه شيئا ، لأنه لا يملك إلا ما ملكه الله ، ولا يتحرك بشيء إلا ~~من خلال قدرته. PageV18P188 # أما رجوع الشكر لنفس الشاكر ، فقد يكون من جهتين : # الأولى : أن الشكر يمثل حركة الإنسانية في داخل الذات في انفعالها بالنعم ~~الإلهية ، مما يجعلها تنفتح على الله في وعيها الروحي لإحسانه وفضله ورحمته ~~، وفي ارتفاعها في مدارج السمو لتصل إلى الموقع الأسمى الذي تصعد من خلاله ~~إلى الوقوف بين يديه في صفاء الشعور ، وابتهال الكلمة ، وعبودية الذات ، ~~وخشوع الموقف ، مما يحقق الصلة بالله أكثر ، ويثير الشعور بالسعادة الروحية ~~بشكل أعمق ، ويدفع بالمعرفة بالله في الفكر والحس والوجدان ، إلى مجال أوسع. # الثانية : أن الشاكر لله ينال الزيادة في نعم الله عليه في الدنيا في ما ~~وعد الله به عباده من ذلك ، مما تمثله الآية ( @QUR@03 لئن شكرتم لأزيدنكم ~~) [إبراهيم : 7]. كما ms4244 ينال الثواب والرحمة واللطف من ربه في الآخرة. # ( @QUR@02 ومن كفر ) فلم يشكر النعمة بل جحدها وأهملها وتمرد على كل ~~إيحاءاتها ، فلن يضر الله شيئا ( @QUR@04 فإن الله غني حميد )، فهو الغني ~~عن كل عباده ، وهو الحميد بكل صفات الجلال والجمال في ذاته. # * * * ### ||| ** لقمان يعظ ابنه # ( @QUR@011 وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ) وهذه هي ~~الصورة الإنسانية الحميمة الرائعة ، التي تمثل النموذج الأمثل للمسؤولية ~~التي يتحملها الجيل القديم بالنسبة إلى الجيل الجديد ، في علاقة الآباء ~~بالأبناء ، فقد سبقوهم إلى التجربة ، في ما توحي به من المعرفة ، وإلى ~~التأمل ، في ما يوحي به من PageV18P189 # العلم ، ولذلك فقد كان من الطبيعي للجو العاطفي الحميم أن يعمدوا إلى ~~اختصار المرحلة التي يحتاج الأبناء إلى أن يقطعوها في وقت طويل ، وإلى ~~تقديم التجربة ، وتحريك المعرفة في حياتهم ، ليبدأوا بداية طيبة من الموقع ~~الثابت الصلب ، القائم على بدايات الآخرين ، لئلا يحتاجوا إلى أن يرجعوا ~~إلى نقطة البداية في ذلك كله. # وهذا هو الذي جعل لقمان يجلس إلى ولده ، ليكون الدرس الأول الذي يقدمه له ~~هو توحيد الله ، الذي عبر عنه برفض الشرك ، لتتوحد كل آفاق الحياة لديه في ~~أفق واحد ، ولتلتقي كل مواقعها في موقع واحد ، ولتتحرك كل اتجاهاتها في ~~اتجاه واحد ، ليبقى الإنسان مع الله وحده ، وليدخل إلى الآخرين من الباب ~~الذي ينفتح على الله ، لأنه وحده الحقيقة ، وكل ما عداه فهو ظل لوجوده. # وهناك نقطة أخرى وهي ربط مسألة الشرك بالله بالظلم ، في ما عبرت عنه ~~الآية الكريمة : ( @QUR@04 إن الشرك لظلم عظيم ) لأنه ظلم مضاعف متعدد ، ~~فهو ظلم لله من موقع التعدي على حق الله في توحيده في العقيدة وفي العبادة ~~، وكل تجاوز عن الحق ظلم ، من دون فرق بين انطلاقه من موقع القوة أمام موقع ~~الضعف ، وبين انطلاقه من موقع الضعف الذي لا يراعي حقوق القوي في خلقه وفي نعمه. # وهو ظلم للنفس ، لأنه يورط النفس في عذاب الله ، كما يوقعها في الكثير من ~~مواقع سخطه ، من خلال الارتباط بغيره ms4245 ، والتعلق بالأهواء ، ونسيان الله ~~تعالى ومنهاجه الذي يكفل للإنسان السعادة في الدنيا والآخرة. # * * * PageV18P190 ### ||| ** توصية الإنسان بوالديه # ( @QUR@03 ووصينا الإنسان بوالديه ) ليشكرهما كما يشكر الله ، في الكلمة ~~واللفتة والسلوك ، وهذا من الحكمة التي ألهمها الله لقمان ، والظاهر أنها ~~من كلام الله لا من كلامه ، استكمالا لأجواء الشكر التي لا بد للإنسان من ~~أن يعيشها في حياته مع الناس الذين يجب أن يشكرهم ، وخص الأم بالذكر لأنها ~~الأكثر جهدا وتضحية والأشد خطورة في رعاية الولد ووجوده ، من الأب ، في ما ~~يمثله الارتباط العضوي بين وجوده ووجودها في الحمل والولادة والإرضاع ~~والتربية. # ( @QUR@05 حملته أمه وهنا على وهن ) فهي تنتقل في حملها له من ضعف يستولي ~~على كل جسدها ، إلى ضعف يكاد أن يسقطها في ما تنوء به من ثقل وما تتحمله من ~~آلام ، وفي ما تعانيه من الخطر على الحياة عند الوضع. # ( @QUR@03 وفصاله في عامين ) وهي المدة التي تقوم فيها الأم بإرضاعه ، ~~ليكون بعد ذلك لفصال ، وهو الفطام الذي يبدأ فيه الطفل بالغذاء الطبيعي ~~بشكل عادي ، ثم ينمو ويتكامل في عقله وجسده لتبدأ المسؤولية العملية في ~~حياته في ما حوله ، وفيمن حوله ، ليكون شكر الله هو البداية في ذلك ، حيث ~~يحس بوجوده في كل عناصره التي تكفل له الاستمرار من نعم الله التي لا تعد ~~ولا تحصى ، فيبادر إلى الارتباط بالله من خلال هذا الإحساس العميق بالصلة ~~التي تربطه به ، وتشده إليه. وإذا استقام له هذا الشكر الذي هو علامة ~~الانفتاح عليه ، استمع إليه في وحيه ( @QUR@03 أن اشكر لي ) لأني السر ~~الأعمق في إرادة وجودك ( @QUR@01 ولوالديك ) اللذين هما السبب المباشر ~~والأداة المتحركة في فعلية هذا الوجود ، ثم انطلق في الحياة من موقع ~~الإيمان بأنك لن تخلد في الدنيا ، فإن لك عمرا محدودا لا بد من أن تستكمله ~~، لتموت من بعده ، ولكن لا لتنتهي الحياة عندك ، بل لتبدأ PageV18P191 # حياة جديدة ترجع فيها إلى الله حيث تواجه حساب المسؤولية. ولذلك فلا بد ~~لك من أن تجعل كل حركتك وعلاقتك في الدنيا بكل الناس من حولك ، حتى ms4246 أبويك ، ~~مربوطة بالخط الذي يقربك إلى الله ( @QUR@02 إلي المصير ) فإذا كان والداك ~~هما اللذان أخرجاك إلى الحياة بشكل مباشر ، فإن الله هو الذي خلقهما من ~~قبلك ، وهو الذي أودع في جسديهما سر انتقال الحياة إليك ، فهو الأول والآخر ~~في ذلك كله. # * * * ### ||| ** لا طاعة للوالدين في الشرك # ( @QUR@011 وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ) فاستعملا كل ~~الضغوط التي يملكانها في السيطرة عليك لتنحرف عن خط التوحيد إلى خط الشرك ~~الذي لا حجة لك عليه ، ولا علم لك به من ناحية البرهان ، أو لتنطلق إلى خط ~~الضلال بعيدا عن خط التقوى ، لتتخبط في وحول المعصية ، ومتاهات الكفر ، ~~ليقنعاك بأن الولد لا بد من أن يتبع والديه ، وينسجم مع قناعاتهما ، لأن ~~طبيعة العلاقة الحميمة القوية تفرض الارتباط بالعقيدة والسلوك ، لتكون ~~العائلة موحدة في الفكر والانتماء والسلوك ( @QUR@06 فلا تطعهما وصاحبهما ~~في الدنيا معروفا ) في هذا المنطق الخاطئ ، لأن طاعة الله هي الأساس ، فهو ~~وحده الرب الذي يجب أن يعبده الناس كلهم ويطيعوه في كل أوامره ونواهيه ، ~~ومهما بلغت علاقة الإنسان بالناس ، فإن علاقته بالله أقوى ، وحاجته إليه ~~أشد ، لارتباط كل حياته به ، إذا كانت حياته ترتبط بهم في فترة معينة ، في ~~الوقت الذي يمتد فيه الارتباط إلى إرادة الله ، فلا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق ، ولكن ذلك لا يمنع من بقاء الصلة الحميمة ، والإحسان إليهما ، ~~والصحبة لهما بالمعروف ، بالرفق بهما ، والصبر عليهما ، والرعاية لهما في ~~كل الأمور التي تفرضها العلاقة PageV18P192 # في الدنيا ، مما يجعل من مسألة الأبوة والأمومة ، شيئا يتصل بالإحسان ~~والاعتراف بالجميل أكثر مما يتصل بالطاعة والانتماء الفكري والعملي. # ( @QUR@05 واتبع سبيل من أناب إلي ) لأن ذلك هو الخط الثابت للعلاقة ~~الوثيقة التي تشمل الخط والانتماء والحركة ، وهو الذي يحدد للإنسان مجتمعة ~~الحركي ، وقيادته المسؤولة ، ونهجه السليم. فليست الطاعة والانتماء إلا ~~للذين يرجعون إلى الله في فكرهم وعملهم وكل توجهاتهم في الحياة. وذلك هو ~~سبيل النجاة ، وهو الذي يجعل للحياة خطا مستقيما يؤدي بالإنسان إلى سعادته ~~في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@03 ثم ms4247 إلي مرجعكم ) يوم القيامة ، حيث تلتقي ~~العلاقات كلها بالله ، ليبقى منها ما ارتبط به ، وليزول منها ما انفصل عنه ~~، ( @QUR@04 فأنبئكم بما كنتم تعملون ) لتواجهوا على أساس ذلك مسألة ~~المصير. # * * * PageV18P193 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) @QUR@018 يا بني ~~أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور (17) @QUR@016 ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا ~~يحب كل مختال فخور (18) @QUR@011 واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 عزم الأمور ): العزم : عقد القلب على إمضاء الأمر. # ( @QUR@02 ولا تصعر ): الصعر : ميل العنق ، والتصعير : إمالته عن النظر كثيرا. # ( @QUR@03 واغضض من صوتك ): غض الصوت : النقص والقصر فيه. # ( @QUR@03 واقصد في مشيك ): القصد في الشيء : الاعتدال. # * * * PageV18P194 ### ||| ** لقمان يتابع مواعظه لولده # ( @QUR@025 يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ). # كيف ينبغي لك أن تفكر بقدرة الله وإحاطته بالأمور كلها في ما تفكر فيه من ~~رزقك ، لتحصل على الثقة به ، ولتؤمن بالضمانة الإلهية التي تضمن لك استمرار ~~وجودك في حركة رزقك؟ # وكيف ينبغي لك أن تستلهم من ذلك كله كيف يحيط علم الله بالأشياء فيعلم ~~أكثر الأمور دقة ، وأشدها خفاء ، وأبعدها عن الرؤية ، فلا يغيب عن علمه شيء ~~في الأرض والسماء ، مما يجعلك تفكر في عمق المسؤولية ودقتها أمام الحساب ~~الإلهي ، وتطمئن للإحاطة الإلهية ، في ما تطلع عليه من كل أدوات الحفظ ~~والرعاية؟ # هل ترى صغر الحبة التي لا تكاد تراها بالعين المجردة ، إلا بجهد وتركيز ~~كبير؟ إن الله قادر في إحاطته المطلقة ، أن يأتي بها إليك إذا كانت عنصرا ~~من عناصر رزقك ، ليضعها بين يديك ، سواء كانت في صخرة سوداء ، ضائعة في ~~التراب المجتمع فوقها ، أو في الثغرات الموجودة في داخلها ، أو كانت في ~~السماوات ms4248 في أي مكان تفرض فيه ، أو كانت في الأرض في سطحها وعمقها ، لأن ~~الله لطيف ، ينفذ علمه إلى كل شيء ، فلا يحجبه شيء ، عن شيء ، خبير بحقائق ~~الأمور. # وإذا كان الله محيطا بالأشياء ، بهذا المستوى ، وقادرا عليها ، فهل يخفى ~~عليه شيء من عمل الإنسان ، في ما يخفيه وفي ما يعلنه ، مما هو في مكنونات ~~صدره أو ما هو في خفايا سره ، أو ما هو بارز في ظاهر حياته ، الأمر الذي ~~يفرض عليه الشعور برقابة الله في كل أعماله وأقواله ، وفي كل نواياه؟! # * * * PageV18P195 ### ||| ** الوصية بإقامة الصلاة # ( @QUR@04 يا بني أقم الصلاة ) فإنها معراج روح المؤمن إلى الله ، وهي ~~التي تعمق إحساس الإنسان بوجوده وبحضوره في كل حياته ، بالشعور بحضوره ~~القوي في وعيه الفكري والروحي ، وهي التي تفسح المجال للعلاقة الحميمة أن ~~تنفذ إلى قلب المؤمن في روحيته وعلاقته بربه. # * * * ### ||| ** الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # ( @QUR@05 وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ) فتلك هي مسئولية الإنسان الذي ~~يؤمن بالمعروف ويرفض المنكر ، من خلال رسالة الله ، فإن الإيمان والرفض ، ~~لا يتحركان في معنى الانتماء كحالة ذاتية تبقى في وعي الذات وممارستها ، بل ~~كخط رسولي يحول المؤمن إلى إنسان رسولي في الدور ، وإن لم يكن كذلك في ~~الصفة ، لأن هدف الأنبياء أن يحولوا المجتمع إلى رسل تنفيذيين في امتداد ~~الدعوة على مستوى تحريك الرسالة في طريق التطبيق ، وفي الرقابة الواعية على ~~حركة المجتمع في هذا الاتجاه. # * * * ### ||| ** الصبر من عزم الأمور # ( @QUR@09 واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) فليس الصبر مظهر ~~ضعف ولا PageV18P196 # حالة هروب من الواقع ، ولا ابتعادا عن مواجهة التحدي ، بل هو مظهر قوة في ~~انتصار الإنسان على طبيعة الانفعال في مشاعره ، واهتزاز الاندفاع في خطواته ~~، وحركة الارتجال في مواقفه ، ليكون البديل عن ذلك عقلانية في التفكير ، ~~واتزانا في الخطوات ، وتخطيطا في المواقف ، ليحدد طريقه على أساس الدراسة ~~الواعية المنفتحة على كل آفاق الحاضر والمستقبل ، وليواجه التحديات الطاغية ~~، بالخطة الدقيقة المتوازنة الباحثة عن الوصول إلى الهدف من أقرب طريق. ~~إنها العزيمة الثابتة القوية الصلبة ms4249 التي تمنح الإنسان معنى الصلابة في ~~شخصيته ، ليواجه الحياة من هذا الموقع. # * * * ### ||| ** الله لا يحب المختال الفخور # ( @QUR@04 ولا تصعر خدك للناس ) وهو كناية عن وقفه التكبر والخيلاء التي ~~يشيح فيها الإنسان بوجهه عن الناس ، ويعرض عنهم تكبرا ، فإن المؤمن هو الذي ~~يحترم الناس ويقبل عليهم ويتواضع لهم ، وينفتح لهم بكل وجهه وقلبه. # ( @QUR@05 ولا تمش في الأرض مرحا ) لا تأخذك الخيلاء ، ومشاعر الزهو التي ~~تملأ مشاعر الإنسان بالفرح الذي يطغى على شخصيته ، حتى يتحول ذلك إلى حركة ~~استعراضية نزقة لا توحي بالهدوء والاتزان. # ( @QUR@07 إن الله لا يحب كل مختال فخور ) لأن الاختيال يوحي بالتكبر ~~والتجبر ، والله لا يحب المتكبرين المتجبرين ، ولأن الفخر يوحي بانتفاخ ~~الشخصية من غير أساس واقعي معقول ، والله لا يحب الذين يزكون أنفسهم من دون واقع ، PageV18P197 # لأن ذلك يمثل حالة كذب في الحركة والمظهر ، وإن لم يكن كذبا في اللسان. # * * * ### ||| ** القصد في المشي # ( @QUR@03 واقصد في مشيك )، والقصد هو الاعتدال في الشيء ، والمقصود أن ~~على الإنسان أن يعتدل في طريقته في المشي ، من دون أية حركة استعراضية ~~زائدة عن الحالة الطبيعية التي يؤدي بها المشي مهمته في الوصول إلى الهدف ، ~~لأن ذلك يكشف عن عقدة نقص وعن حالة ضعف ، مما يستعمله الناس للإيحاء بنقيض ~~ذلك ، ليكون المظهر غطاء للواقع المنهار ، كمن يدق الأرض بقدمه بشدة ~~للإيحاء بقوة غير موجودة. # * * * ### ||| ** الغض من الصوت # ( @QUR@03 واغضض من صوتك ) لأن رفع الصوت بطريقة غير معتادة لا يدل على ~~أية حالة توازن ، لأن الصوت يمثل الوسيلة الطبيعية لتسهيل عملية التخاطب ~~والتفاهم ، فيكفي فيه ما يحقق ذلك. أما ما زاد على ذلك ، فإنه يتحول إلى ~~سفه وإزعاج للآخرين الذين قد يحتاجون إلى الهدوء والراحة والتخفف من صخب ~~الواقع ، فيمنعهم الصوت العالي من ذلك كله ، هذا بالإضافة إلى أن الصوت ~~كلما ارتفع أكثر ، كلما كان أبعد عن الذوق الفني الجمالي ، لأنه يلتقي ~~بأصوات الحمير المنكرة ( @QUR@05 إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) الذي يملأ ~~الجو بالإزعاج ويدفع الإنسان إلى التوتر العصبي في أكثر من موقع. # * * * PageV18P198 ### ||| ** الاستنتاج من وصية ms4250 لقمان لابنه # وقد نلاحظ أن وصية لقمان لابنه تصب في عدة مواقع : # الأول : موقع العقيدة لا تشرك بالله. # الثاني : موقع العبادة أقم الصلاة. # الثالث : موقع المسؤولية والثبات وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك. # الرابع : موقع التهذيب الاجتماعي في السلوك : ولا تصعر خدك للناس ، ولا ~~تمش في الأرض مرحا ، واقصد في مشيك ، واغضض من صوتك. # وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم كيف تتحرك الموعظة لتشمل كل القضايا المتحركة ~~في هذه الخطوط ، ولتكون نهجا منفتحا على كل جوانب العقيدة والعبادة ~~والمسؤولية في الدعوة والثبات ، والتحرك في المجتمع على أساس المحافظة على ~~كل أجواء اللياقة الاجتماعية ، واحترام شعور الآخرين ، والاتزان في حركة ~~الإنسان في نفسه ، ومع الناس ، ليكون الإنسان المؤمن إنسان الحياة المنفتح ~~على وحدانية الله في العقيدة والعبادة والمسؤولية والسلوك. # * * * PageV18P199 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@030 ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ ~~عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير (20) @QUR@021 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ~~ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأسبغ ): الإسباغ : الإتمام والإيساع ، أي أتم وأوسع عليكم نعمه. # * * * ### ||| ** الكون مسخر لخدمة الإنسان # ويبقى الحديث عن الله وعن توحيده ، هو الأساس في هدف هذه السورة ، ليتأكد ~~من خلالها جانب العقيدة التوحيدية في وعي الناس ، لتكون PageV18P200 # حياتهم صورة عن ذلك في البداية والنهاية ، فهو الموضوع القرآني المتكرر ~~المتحرك في أكثر من أسلوب ، وفي أكثر من مضمون. # * * * ### ||| ** تسخير ما في السموات والأرض # ( @QUR@012 ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) فقد ~~جعل الكون مرتبطا في نظامه بكل ظواهره ، فلكل واحد منها موقع معين ودور خاص ~~، في تنظيم الأوضاع المتعلقة بكل الموجودات فيه من إنسان وحيوان ونبات ، من ~~خلال اتصالها باستمرار الحياة ، وحركيتها وتنوع خصائصها ، مما يجعل ذلك كله ~~مسخرا للناس تسخير الأشياء لمن ينتفع بها من خلال نتائجها ، كما نلاحظه من ~~إنزال الماء ms4251 ليكون منه كل شيء حي وليستمر به الوجود الحي في شروطه الطبيعية ~~، ومن إشراق الشمس لتعطي الدفء والحرارة والنور مما هو شرط للحياة في ~~طبيعتها ونموها ، ومن إنبات النبات وتفجير الينابيع والأنهار ، والقوانين ~~المودعة في أنحاء الكون ، والتي تحكم الوجود كله ، فقد جعل الله لكل شيء ~~قدرا ، ( @QUR@05 وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) مما ترونه وتحسونه ويتصل ~~بحياتكم المادية الجسدية ، في ما خلق لكم من الأعضاء والأجهزة الداخلية ~~المرتبطة بالنظام العام للوجود الإنساني المتصل بالنظام الكوني كله ، وفي ~~ما أخرجه لكم من طيبات الرزق فتأكلونه وتشربونه وتستمتعون به وتلبسونه ، ~~وفي ما مهد لكم من الأرض التي تستقرون عليها وترتاحون فيها ، وفي ما أحاطكم ~~به وسلطكم عليه ، من وسائل الأمن والراحة ، وفي ما خلقه لكم من العقل ~~والشعور والإرادة ، وما تعهدكم به من خفايا الأمور التي تستفيدون منها بشكل ~~طبيعي من دون التفات وشعور ، وفي ما أنزله عليكم من الوحي الإلهي في خط PageV18P201 # دينه الذي تنتظم به أمور معاشكم ومعادكم ، مما لا يحصيه أحد إلا الله ، ~~فقد أتم ذلك لكم بأكمل وجه حتى استقامت حياتكم واستمرت في خطها المستقيم. # * * * ### ||| ** المجادلون بغير علم # ( @QUR@08 ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) مما يتحرك في العقل من ~~حجج وأدلة ( @QUR@02 ولا هدى ) مما يمكن أن يؤكد الفكرة المضادة على أساس ~~الوضوح الذي يزيل الغموض ، ويمنع من الالتباس ، ويحمي من الضياع ، ( ~~@QUR@03 ولا كتاب منير ) يشتمل على الحقائق المشرقة التي تضيء للناس سبيل ~~الحق ، فتدلهم عليه في الفكر وفي الحياة. وتلك هي مشكلة هؤلاء الناس ، أنهم ~~لا ينطلقون في جدالهم من قاعدة عقلية أو وجدانية أو حسية في حركة الأفكار ~~التي يثيرونها ، والكلمات التي يديرونها ، والخطاب الذي يطلقونه ، بل ~~ينطلقون من تقليد الآباء والأجداد ، ومن الأهواء الجامحة ، والانفعالات ~~الهائجة ، مما لا يستقيم به الفكر ، ولا ترتكز عليه الحياة ، الأمر الذي ~~يحول الجدال إلى أساليب السباب والتهاتر والبعد عن الحقيقة ، لأنه يفقد ~~القاعدة التي يدور حولها الحوار ، وتنطلق منها التفاصيل ، فيقفزون من موضوع ~~إلى موضوع ، ويهربون من موقع ms4252 إلى موقع ، ويستغرقون في الجزئيات ، بعيدا عن ~~القاعدة العامة التي تحكم الجميع. وهذا هو الفرق بين الذين يملكون العلم ~~فيجادلون على أساسه ، وبين الذين يملكهم الجهل ، فيضيعون في متاهاته ~~ويتخبطون خبط عشواء. # وفي ضوء ذلك ، فإن القرآن يريد أن يؤكد الحوار من أجل العقيدة والجدال في ~~إثبات حقائقها من ناحية المبدأ ، ولكنه يشترط فيه العلم والوعي PageV18P202 # والوضوح في الوسائل والأهداف. # * * * ### ||| ** اتباع الاباء في العقيدة # ( @QUR@07 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ) من وحي يختزن الفكر ~~والمنهج والشريعة فإن فيه الهدى ، كل الهدى ، والنجاة كل النجاة في الدنيا ~~والآخرة ، ( @QUR@07 قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) لأننا لا نريد ~~الانفصال عن خط العشيرة في أفكارها وأوضاعها ومنهجها في الحياة ، لأن ذلك ~~هو الذي يحقق وحدة الماضي والحاضر ، ويجمع العواطف والعصبيات في دائرة ~~واحدة ، ويصون العلاقات من التفكك والانفصام ، ويحقق الوفاء. ولكن هذا ~~المنطق الذي يقدمونه ، ليس هو المنطق العاقل المنطلق من أساس متين ، بل هو ~~منطق الشيطان الذي يختبئ في داخل العواطف والمشاعر والعلاقات ليبعد الإنسان ~~عن خط العقل المنفتح على الله ، وليدفع به إلى الهلاك والدمار والعذاب ، ~~لأن الشيطان لا يدعوهم إلى ثواب الله في جنته ، بل يدعوهم إلى عذابه في ناره. # ( @QUR@03 أولو كان الشيطان ) المتمثل في هذه الدائرة التاريخية التي ~~كانت مسرحا لكل نزعاته وحيله ومكائده وأضاليله ، في ما كان يطل به على حياة ~~هؤلاء الذين عاشوا فيها على أساس الجهل والتخلف ، ( @QUR@04 يدعوهم إلى ~~عذاب السعير ) في ما يؤدي إليه هذا الاتجاه في نهاية المطاف؟! # * * * PageV18P203 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~وإلى الله عاقبة الأمور (22) @QUR@015 ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) @QUR@07 نمتعهم قليلا ثم ~~نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) @QUR@015 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) @QUR@010 لله ما في ~~السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) @QUR@022 ولو أن ما في الأرض ~~من شجرة أقلام والبحر يمده من ms4253 بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله ~~عزيز حكيم (27) @QUR@011 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع ~~بصير (28) @QUR@025 ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ~~(29) @QUR@016 ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله ~~هو العلي الكبير ) (30) # * * * PageV18P204 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بالعروة الوثقى ): المستمسك الذي لا انفصام له. # * * * ### ||| ** تسليم الوجه لله استمساك بالعروة الوثقى # ( @QUR@05 ومن يسلم وجهه إلى الله ) بالاستسلام الكلي له في كل أموره ، ~~والإقبال الكامل عليه بكل أقواله وأفعاله ، بحيث تكون ذاته خاضعة له بكل ~~عمق الفكر والشعور ، ويكون الله هو ما تتطلع إليه بكل أحاسيسها وأفكارها ~~ومشاريعها العملية ، في ما يوحي به تسليم الوجه لله ، من معنى يجعل التوجه ~~في كل اتجاه بيد الله ، فهو الذي يحدد له وجهته في كل مواقع رضاه ، ( ~~@QUR@02 وهو محسن ) في عمله وسلوكه الذي يتحرك معه في اتجاه إسلامه لربه ( ~~@QUR@04 فقد استمسك بالعروة الوثقى ) التي لا انفصام لها ، لأنها تمثل ~~الصلابة القوية التي لا مجال فيها للخلل من كل جهة ، لأنها ترتبط بالله ، ~~وكل ما يرتبط به فهو ثابت ثبات الكون كله. # * * * # ( @QUR@04 إلى الله عاقبة الأمور ) # ( @QUR@04 وإلى الله عاقبة الأمور ) حيث يجد هؤلاء المسلمون أمرهم إلى ~~الله ، المحسنون في أعمالهم ، كل خير وثواب ورحمة وفوز عظيم في جنة الله ~~ورضوانه ، ( @QUR@05 ومن كفر فلا يحزنك كفره ) لأنك أديت ما عليك من إبلاغ PageV18P205 # الرسالة بكل الأساليب المقنعة ، والحجج القوية ، فلم تدع مجالا لشبهة ، ~~ولم تترك موقعا لتساؤل ، وفتحت لهم كل أبواب الوضوح في الرؤية ، ورغبتهم ~~بكل وسائل الترغيب ، وخوفتهم بكل مواقع التخويف ، فلم يستجيبوا لك وأصروا ~~على التمرد ، مما يوحي بأنهم لا يتحركون من موقع شبهة بل من موقع عقدة ، ~~فهم يعرفون الحق وينكرونه ، ويتحركون في الضلال ، وهم يتطلعون إلى مواقع ~~الهدى في رسالتك ، فلا يستحقون هذه المشاعر الطاهرة التي تنبض بالرحمة لهم ~~، وإذا كنت تتألم وتحزن للكفر أن يقوى ms4254 بهم ، وينتشر من خلالهم ، فإن الله ~~هو الذي يملك القوة ، ويملك مقاليد الأمور ، فسيرجع الجميع إلى الله ، ( ~~@QUR@05 إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ) ليكون الحساب من موقع الحجة ~~الدامغة التي تعرفهم بكل ما أظهروه وما أضمروه ( @QUR@05 إن الله عليم بذات ~~الصدور ) في الأفكار العميقة الخفية ، والمشاعر الدقيقة الغامضة. # وهكذا ينالون جزاء أعمالهم بكل عدالة واستقامة ، بعد أن أفسح لهم المجال ~~الواسع للتجربة الحية في إرادة الإنسان بين الهدى والضلال ( @QUR@02 نمتعهم ~~قليلا ) في الدنيا ( @QUR@05 ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) فنقودهم إلى المصير ~~الأسود الذي ينتظرهم في النار جزاء لكفرهم في العذاب الشديد ، وفي كلمة ~~«نضطرهم» معنى القهر والقوة. # * * * ### ||| ** معرفة الله فطرية # ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) من منطق ~~الفطرة التي تكتشف الله في كل مظهر من مظاهر الوجود بشكل عفوي طبيعي ، مما ~~يفرض عليهم أن يلتزموا بنتائج الاعتراف بهذا المنطق ، في الجانب التفصيلي من PageV18P206 # علاقة الوجود بالله ، وحركة الإنسان في الخضوع لإرادته ، ( @QUR@03 قل ~~الحمد لله ) في ما ينبغي له من الحمد في عمق صفاته الحسنى وفي ما يظهره من ~~حقائق الأمور في العقيدة والحياة ، ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) ~~لاستغراقهم في الغفلة الضائعة في أجواء الأحلام والشهوات ، فلا يملكون معها ~~ما ينفتحون به على الحقيقة التوحيدية في آفاق الله ، ولا يطيقون الدخول في ~~مناقشات جدية حول ما هو الحق والباطل في هذه العقيدة أو تلك ، بل يرتبطون ~~بالجانب السهل من القضايا والأساليب ، مما يجعلهم فريسة سهلة لكل المضللين ~~والمنحرفين على الفكر والموقف. # وتبقى القلة من الناس ، التي تملك العقل والإرادة والعمق في الأمور ، ~~فتواجه العقيدة من موقع الفكر الجدي ، والمتابعة الدائبة ، والحوار العلمي ~~الرصين ، والنفس الطويل الذي يرصد الفكرة البعيدة ليقترب منها بالبحث ~~والتأمل ، ليصل إليها ولو بعد حين ، فيؤمنون من خلال ذلك بالله ، ويلتزمون ~~نهجه ، ويتحركون في هداه. # ( @QUR@05 لله ما في السماوات والأرض ) وهذه هي الحقيقة الكونية التي ~~تنطلق من عمق الإيمان بأن الخالق هو المالك ، فإذا كان ما في السماوات ~~والأرض مخلوقا له ، فلا بد من أن يكون ms4255 مملوكا له ، ( @QUR@05 إن الله هو ~~الغني الحميد ) فهو الغني عن خلقه بذاته ، من موقع افتقارهم المطلق إليه من ~~طبيعة ذواتهم ، وهو المحمود في صفاته ، وكل حمد لغيره فهو مستمد من حمده ، ~~في خلقه الذي أبدعه ، وفي نعمه التي أعطاها ، التي لا يحدها شيء ، ولا ~~يحصيها عدد. # * * * PageV18P207 ### ||| ** كلمات الله لا تنفد # ( @QUR@014 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ) لتكتب كل ما أبدعه الله ، وما أنعم به ، وما دبره ونظمه ورعاه من كل ~~ما مضى ، وما يبقى ، ليتحول ذلك إلى كلمات ، فلن تنتهي إلى نهاية محدودة ، ~~لأن كلمات الله لا تنتهي عند حد معين ، فهي تنطلق من قدرته اللامتناهية ، ~~فلو كانت الفرضية كما ذكر ، بل أكثر مما ذكر ( @QUR@08 ما نفدت كلمات الله ~~إن الله عزيز حكيم ) فهو القاهر بعزته فلا يقهره أحد ، وهو الحكيم بتدبيره ~~في إتقان كل خلقه وإبداعه. # ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) فلا فرق بين خلق الواحد ~~وخلق الجميع في قدرته ، كما لا فرق بين الواحد بعد الموت في الإمكان وبعث ~~الجميع ، لأن الحديث عن الكثرة والقلة في حجم القدرة ، إنما هو في نطاق ~~القدرات المحدودة ، التي قد يجهدها رقم كبير ، ويريحها رقم صغير ، ولكن ~~الله سبحانه الذي يملك القدرة المطلقة التي تتحرك من موقع إرادته التي تقول ~~للشيء كن فيكون ، لا يجهده الخلق مهما كان كثيرا مما يجعل القليل والكثير ~~عنده على حد سواء ( @QUR@04 إن الله سميع بصير ) في ما يمثله ذلك من معنى ~~الإحاطة التي تحيط بكل شيء يكشفه السمع أو البصر ، فلا يغيب عنه شيء ، كما ~~لا يعجزه شيء. ولعل التعليل بهاتين الصفتين من صفاته سبحانه ينطلق من ~~اختزان الفقرة الأولى في الآية معنى القدرة المطلقة في الوجود وفي الإحاطة ~~، مما قد يجعل للسمع وللبصر نوعا من تأكيد ذلك ، والله العالم. # * * * PageV18P208 ### ||| ** مظاهر التدبير الكوني # ( @QUR@020 ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ). في هذه الصورة ms4256 المتحركة في ~~حركة الكون من حولك ، على أساس التدبير الإلهي في النظام الكوني العام في ~~دائرة الزمن حيث يزيد الليل تارة وينقص أخرى ، كما يحدث ذلك في النهار في ~~نظام ثابت في آفاق هذه الحركة. وهكذا يلاحظ الإنسان كيف سخر الله الشمس ~~والقمر لتحقيق الغايات التي أرادها فيهما لمصلحة الحياة والإنسان ، وكيف ~~يتحركان في نظامهما الكوني ، في اختلاف طلوعهما وغروبهما ، واختلاف ~~جريانهما ومسيرهما في الحس الظاهر من دون حدوث أي خلل في هذا أو ذاك ، مهما ~~امتد الكون وامتدت الحياة ، مما يوحي بالنظام المبدع ، والتدبير الدقيق ، ~~والعلم الواسع المطلق الذي يجعل الأشياء كلها حاضرة أمامه ، قبل وجودها ، ~~وبعد وجودها ، كما يوحي للإنسان ، في عمق شعوره ، باطلاعه على كل دقائق ~~أعماله ، فيدفعه ذلك إلى الانضباط في حركته ، والتوازن في موقفه ، والإحساس ~~بالرقابة الدائمة عليه ، من خلال الحقيقة الإلهية المنطلقة من إحاطة الله ~~وخبرته بالأعمال والأقوال ، في دائرة خبرته بالإنسان كله ، ( @QUR@05 وأن ~~الله بما تعملون خبير ) فكيف تنكرون ذلك في سلوككم ، في الوقت الذي يفرضه ~~عليكم إحساسكم بوجودكم. ( @QUR@05 ذلك بأن الله هو الحق ) فهو الحقيقة ~~الثابتة في عمق الوجود كله ، بكل ظواهره ومفرداته وتفاصيله ، لأن كل شيء ~~مستند إليه ، وخاضع لإرادته ، ومفتقر إليه ، وموجود به ، مما يجعل الأشياء ~~بمنزلة الظل والصدى الذي لا قوام له بنفسه ، بينما يقوم الله سبحانه بذاته. # ومن خلال ذلك ، نتعرف الحق في ربوبيته وألوهيته المطلقة ، وعبودية كل ~~الموجودات له ، فلا شريك له ولا نظير ، ولا شبيه ولا وزير ، وهكذا تنطلق PageV18P209 # العقيدة بوحدانيته من موقع اكتشاف عظمته المطلقة في ذاته وصفاته. # ( @QUR@06 وأن ما يدعون من دونه الباطل ) لأنه لا يملك من هذه الصفة التي ~~يدعونها له شيئا ، لأن وجوده في كل شؤونه ، عين الفقر والحاجة إلى كل ما ~~حوله من شروط الوجود المرتبطة بإرادة الله وحده ، فكيف يكون شريكا لله ~~ومعبودا من دونه. # ( @QUR@05 وأن الله هو العلي الكبير ) وكل ما عداه حقير وصغير ، لأنه هو ~~الذي يملك العلو والسمو في ذاتية عليائه ، وهو الذي يملك الكبر في طبيعة ms4257 ~~وجوده. أما غيره ، فإن علوه محدود طارئ ، وكبره عارض زائل ، وهما مستمدان ~~من العناصر المودعة في وجوده التي أعطته ذلك كله. # * * * PageV18P210 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@019 ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) @QUR@022 وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ~~ختار كفور ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صبار ): كثير الصبر عند الضراء. # ( @QUR@01 شكور ): كثير الشكر عند النعماء. # ( @QUR@01 غشيهم ): أحاط بهم. # ( @QUR@01 كالظلل ): الظلة : سحابة تظل ، وأكثر ما يقال في ما يستوخم ~~ويستكره. PageV18P211 # ( @QUR@01 مقتصد ): سألك القصد ، أي الطريق المستقيم ، والمراد به ~~التوحيد. # ( @QUR@01 ختار ): الختار : مبالغة من الختر ، وهو شدة الغدر. # * * * ### ||| ** من آيات الله للناس # ( @QUR@09 ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ) في ما أنعم على ~~عباده من تيسير التنقل عبر البحار والأنهار إلى مقاصدهم التي لا يملكون ~~سبيلا إليها من ناحية ثانية ، أو لا يجدون في غيرها ما يحقق لهم مصالحهم ~~كنقل البضائع وتنويع المواقع ، وحماية الطريق ، وترويح النفس وما إلى ذلك. ~~وقد هيأ الله لهم سبيل ذلك بالسفن التي تمخر الماء بمختلف الوسائل والأشكال ~~من خلال العناصر المباشرة ، في ما خلقه الله من ماء وريح وسماء ، أو غير ~~المباشرة ، في ما تتألف منه أجزاؤها وما ألهمه الله لعباده وهداهم إليه من ~~طريقة صنعها واستخدامها ، ونحو ذلك ، ( @QUR@03 ليريكم من آياته ) الخفية ~~والظاهرة في آفاق البحر وفي سطحه وأعماقه ، مما لا تستطيعون معرفته بدون ذلك. # ( @QUR@07 إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) لأن الرؤية القلبية للآيات في ~~معناها ودلالتها تحتاج إلى المزيد من التأمل والتفكير وملاحقة الظواهر في ~~أسرارها ودقائقها وخفاياها مما لا يمكن أن يتحقق إلا للإنسان الذي يملك ~~الصبر على البحث والمعاناة الفكرية للوصول إلى النتائج العقيدية ، ولو بعد ~~وقت طويل. ولعل مشكلة الكثيرين من الذين ينكرون حقائق العقيدة ، أو حقائق ~~القضايا المتصلة بشؤون الناس والحياة في أمورهم السياسية والاجتماعية ~~والأمنية والاقتصادية ، أنهم يستعجلون الحكم على الأشياء من خلال المعطيات PageV18P212 # المتوافرة ms4258 على السطح ، لأنهم لا يملكون الصبر على انتظار النتائج ~~المنطلقة من العمق الذي يحتاج إلى جهد ووقت ليظهر ما في داخله. # أما مدخلية الشكر في الموضع ، فتتصل بأن الإنسان الذي يعيش روح الشكر لله ~~، يعمل على اكتشاف كل نعمه وكل آياته ، ليبادر إلى الانفعال بها والإقبال ~~عليها وتقديم الشكر إلى الله بكل إخلاص وإيمان. # وقد يجعل الله الفلك وسيلة لاختبار الإنسان في مستوى إيمانه ، لأن حالة ~~الاسترخاء والعافية قد تمنعه من اكتشاف العمق الداخلي للعلاقة بالله ، فقد ~~تثور الأمواج في البحر وتتعاظم حتى تهز السفينة بأهلها ، وتأخذهم ذات ~~اليمين وذات الشمال ، فيسقط من يسقط على وجهه ، ويهتز من يهتز بكل جسده ، ~~ويثور الموج من كل مكان ، وينطلق الخوف من كل جهة ، ( @QUR@04 وإذا غشيهم ~~موج كالظلل ) والظلة سحابة تظل ، وأكثر ما يقال في ما يستوخم ويكره فأطبق ~~عليهم الموج كقطع السحاب الملبد ، فلم يعودوا يرون من الأفق أي شيء ولم ~~يجدوا أي مجال للنجاة ، ولا أي شخص ممن اعتادوا الاستعانة به للخلاص ، ~~ذكروا الله ففزعوا إليه و ( @QUR@05 دعوا الله مخلصين له الدين ) بكل ~~قلوبهم المتجهة إليه ، وكل فطرتهم المؤمنة به واستجاب الله دعاءهم ليضعهم ~~أمام التجربة الإيمانية في صدق التزامهم بالسير على خط الإيمان ( @QUR@06 ~~فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ) وهو السالك طريق القصد ، وهو الطريق ~~المستقيم الذي يتجه إلى الله في وحدانيته في حركة العبادة في سلوكه ، ~~وهؤلاء الذين يلتزمون هذا الخط قليلون ، أما الباقون ، فهم الذين يبتعدون ~~عن ذكر الله في ما يأخذون به من أسباب اللهو ، وفي ما يستغرقون فيه من ~~عناصر الغفلة ، فيعبدون غير الله ، ويشركون بعبادته غيره. وتلك هي صفة ~~الغادرين الذين يعطون العهد ثم ينقضونه ، ويلتزمون الموقف ثم يخرجون عنه. # ( @QUR@07 وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) والختار هو الغادر الشديد PageV18P213 # الغدر الذي ينحرف عن التزامه الإيماني بالله ، فيكفر به وبنعمه. أما ~~المؤمنون الصادقون الذين يعمق في داخلهم معنى الوفاء لله في ما تتحرك به ~~فطرتهم في معرفته والإيمان به ، فإنهم يؤمنون بآياته التي تشرق ms4259 في قلوبهم ، ~~فتفتح كل حياتهم للسير في خط الاستقامة. # * * * PageV18P214 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@031 يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور (33) @QUR@028 إن الله عنده علم الساعة وينزل ~~الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت إن الله عليم خبير ) (34) # * * * ### ||| ** استحضار أهوال القيامة # ( @QUR@05 يا أيها الناس اتقوا ربكم ) وراقبوه في أعمالكم في السر ~~والعلانية من خلال الإحساس بحضوره في كل شيء ، فإنه الحضور الذي لا حضور ~~مثله ، في ما يتمثل به من كل خلقه الذين يدل وجودهم على وجوده ( @QUR@014 ~~واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) وهو ~~يوم القيامة الذي يقف PageV18P215 # فيه كل إنسان أمام مسئوليته الفردية وجهده الذاتي ، فلكل واحد عمله الذي ~~يجزى به ، وليس لأحد أي قدرة على التدخل في تخليص غيره حتى في أشد العلاقات ~~حميمية وقوة ، مثل علاقة الوالد بولده وعلاقة الولد بوالده ، فلا يملك ~~أحدهما أن يتدخل لمصلحة الآخر ، ولا يغني عمل أحدهما عن عمل الآخر ، مما ~~يفرض على الناس في الدنيا أن يدرسوا خلاصهم من مواقع أعمالهم ، لا من مواقع ~~علاقاتهم ، لأنهم سيعرضون جميعا على الله ، وسيقفون بين يديه للحساب الدقيق ~~في كل صغيرة وكبيرة. # ( @QUR@04 إن وعد الله حق ) فلا يخلف الله وعده ، فهو الصدق كله ، ~~والثبات كله ، فالتزموا الخط الذي يرفع درجاتكم فيه ويرفع مواقعكم عنده ( ~~@QUR@04 فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) في ما تشتمل عليه من لذات وشهوات ومال ~~وجاه وسلطان لتوحي إليكم بالخلود فيها ، والركون إليها ، والاستسلام لأوضاع ~~الاسترخاء فيها ( @QUR@04 ولا يغرنكم بالله الغرور ) وهو الشيطان الذي ~~يخدعكم عن أنفسكم ويجركم إلى مهاوي الهلاك ، ويوحي إليكم بأنها مواقع ~~النجاة ، فيزين لكم القبيح حسنا والحسن قبيحا ، ويمد لكم الآمال حتى لا ~~تفكروا بموت ، ولا تنتظروا آخرة. # ( @QUR@05 إن الله عنده علم الساعة ) التي تموتون فيها ، وتبعثون فيها ( ~~@QUR@02 وينزل الغيث ms4260 ) لأنه هو الذي أودع في الكون قوانين نزول المطر ، ( ~~@QUR@04 ويعلم ما في الأرحام ) لأنه هو الذي خلقه. وإذا كان بعض الناس ~~قادرا على إنزال الغيث في بعض الأحوال ، فإنه لم ينطلق من إرادة ذاتية ~~وقدرة شخصية ، بل كان ذلك ناشئا من الأخذ بالأسباب التي جعلها الله سببا ~~لنزول الغيث ، في ما يمكن أن يكون بأيدي الناس منها ، وإذا كان البعض ~~يستطيع أن يعلم ما في الأرحام ، فإنه ناشئ من الأخذ بأسباب العلم بذلك من ~~خلال ما علمه الله للإنسان من معرفة الأشياء ، مما لا يتنافى مع استقلال ~~الله بعلمه من خلال ذاته ( @QUR@07 وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا ) لأنها لا ~~تدري بالظروف والأسباب التي يحملها الغد PageV18P216 # للإنسان في سعادته وشقائه وهلاكه وبقائه ، ( @QUR@06 وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت ) لأن الإنسان لا يملك القدرة على حماية حياته من الأسباب الخفية ~~أو الظاهرة للموت ، فلا يعرف من خلال ذلك الأرض التي يموت فيها ، ولكن الله ~~هو الذي يعلم أمر ذلك كله ، لأنه المحيط به من كل جوانبه وخصائصه ( @QUR@04 ~~إن الله عليم خبير ) فإذا كان الله يعلم دقائق الأمور وخفاياها ، وهو الذي ~~يملك حساب كل شيء فيها ، فلا بد من الانسجام مع تقواه. # * * * PageV18P217 ### | سورة السجدة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاثون PageV18P219 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 الم (1) @QUR@08 تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) ~~@QUR@018 أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك لعلهم يهتدون (3) @QUR@024 الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون (4) @QUR@017 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) @QUR@06 ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الرحيم (6) @QUR@010 الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ~~(7) @QUR@08 ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) @QUR@014 ثم سواه ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) (9) # * * * PageV18P221 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يعرج ms4261 ): يصعد. # ( @QUR@02 ماء مهين ): المهين من الهون ، وهو الضعف والحقارة. # * * * # ( @QUR@05 تنزيل الكتاب لا ريب فيه ) # ( @QUR@01 الم ) من الحروف المقطعة ، ( @QUR@05 تنزيل الكتاب لا ريب فيه ~~) هذا الكتاب المنزل لا ريب فيه ، لأن دلائله كامنة فيه ( @QUR@03 من رب ~~العالمين ) الذي يعرف كل ما تحتاجونه وما تفيضون فيه وما تنتهون إليه ، ~~ويعرف كيف يخطط لكم علم ذلك كله ، وليبين لكم من خلاله ما ينبغي لكم أن ~~تعملوه وتتركوه. # ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ) فكيف يقولون ذلك ، وهل يملكون حجة على هذه ~~الدعوى ، وما هي ، وهل يستقيم لهم ما يتخيلونه من أوهامهم ( @QUR@05 بل هو ~~الحق من ربك ) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( @QUR@08 ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) فقد بعد عهدهم بالرسل ، وأحاطت بهم ~~الجهالة من كل جانب ، وحفت بهم عناصر الضلالة ، فلا بد لهم من النذير الذي ~~يصدمهم بالحقيقة ويفتح قلوبهم على الله من أقرب طريق ( @QUR@02 لعلهم ~~يهتدون ) إلى معرفة توحيد الله ، فيخلصون له العبادة ، ويلتزمون نهجه في ~~الشريعة ، ويلتمسون الوصول إلى رضاه. # * * * PageV18P222 ### ||| ** خلق السماوات والأرض # ( @QUR@010 الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) في ~~ما يفرضه الزمن من حدود الأشياء التي تحتاج إليه في وجودها التدريجي ~~المترتب على علاقة بعضها ببعض ، لا في ما يتصل بقدرة الله الذي إذا أراد ~~شيئا فإنما يقول له كن فيكون. # ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) والاستواء يمثل المعنى الكنائي في ~~السيطرة على الكون والإحاطة به من موقع العلو والقدرة على تدبيره وتنظيمه ، ~~أما كلمة العرش فتختزن معنى الحكم الذي يتصل بالتدبير الشامل لما تحت ~~سلطانه. # * * * ### ||| ** معنى الاستواء على العرش # وربما كان في الحديث عن الاستواء على العرش إشارة إلى استناد التدبير إلى ~~الله في مقابل الفكرة التي كان يعتقدها المشركون أن الله هو الخالق للعالم ~~، ولكنه أو كل أمر تدبيره إلى التهم المزعومة ، فكان من الضروري أن يتحدث ~~القرآن عن الله من موقع الخلق والتدبير معا ، لتكتمل الصورة في العقيدة ~~بالله من جميع الجهات. # ( @QUR@010 ما لكم من دونه من ولي ولا ms4262 شفيع أفلا تتذكرون ) أي ليس لكم ~~ولي في ما تدعونه ، أو ممن تدعونه من الأولياء الذين يشرفون عليكم ويدبرون ~~أموركم ، كما ليس لكم شفعاء تتخذونهم وسطاء لموقع الوجاهة الذي الذي لهم عند PageV18P223 # الآخرين مما يجعلهم في موقع القادر على إيصال الأمور إلى درجة التحقق ~~والإنجاز ، وذلك عند ما يحتاج الإنسان إلى مثل هذا ، في ما تقتضيه طبيعة ~~القضايا المرتبطة بإرادة الآخرين. فالله سبحانه وتعالى هو المستقل بتدبير ~~الكون ، وتنظيم أموركم ، وهو الذي يحسم كل ما يتعلق بشؤونكم وشؤون حياتكم ~~وحياة كل مخلوقاته من دون أية مدخلية لأحد في شيء من ذلك ، فلا سبب بينه ~~وبين هذه الأمور مجتمعة إلا ما شاء وأراد. # * * * ### ||| ** شفاعة الله # وقد اختلف المفسرون في إطلاق كلمة الشفيع على الله سبحانه ، لأن هذه ~~الكلمة تعني الوساطة لدى الغير مما لا يتصور له أي معنى في الله ، ولكن ~~التأمل في الآية يوحي بأن المقصود هو نفي علاقة أي جهة بإرادته بنفي صفة ~~الولاية والشفاعة عن الآلهة المدعاة من قبلهم ، وليس المقصود الحديث عن صفة ~~الله في الولاية والشفاعة في هذا المجال ، مما يجعل التأكيد على أن لا يكون ~~من دونه وليا وشفيعا ، منطلقا من مناقشة الفكرة الشركية لا لتقرير الصفة ~~التوحيدية في ذلك ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** عروج الملائكة والروح # ( @QUR@06 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ) في ما قد توحيه كلمة السماء ~~من معنى العلو والسمو الذي يتحرك تدبير الله منه ، في سلسلة مترابطة تشمل ~~كل الظواهر PageV18P224 # الموجودة فيه ، وتنتهي إلى الأرض لتشمل كل مواقعها في السطح وفي العمق ~~وفي الفضاء. # وربما كان التعبير بابتداء الأمر ، الذي هو كناية عن الشأن المتعلق ~~بالأشياء من السماء ، إشارة إلى الإيحاء للمقام الإلهي السامي الذي يقع في ~~آفاق العلو ، مما يفرض أن يكون ابتداء الفعل من الموقع نفسه ، وفي الأفق ~~نفسه باعتباره مركز التدبير الرئيس الذي تنزل منه الإرادة إلى الأرض. # ( @QUR@011 ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) حيث تعود ~~الأمور كلها إلى الله في حركتها المتصلة بمواقع أمره ms4263 ونهيه ، في ما يرتبط ~~بمسألة المسؤولية الإنسانية في أفعاله وأقواله وعلاقاته بالله وبالحياة ~~وبالإنسان ، ليواجه الموقف بين يدي الله في يوم القيامة الذي لو طبق على ~~مقاييس الزمان في الأرض لكان مقداره ألف سنة في التقدير. # وقد جاء في تقدير يوم القيامة ، بأنه خمسون ألف سنة وذلك في قوله تعالى : ~~( @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) ~~[المعارج : 4] ، فكيف نوفق بينهما؟ وربما كان التقدير الأخير بلحاظ الشعور ~~الداخلي لدى الكافر بالمشقة الكبيرة من خلال ما يعانيه من أهوال القيامة ، ~~وربما كان التقدير بالألف سنة ، بلحاظ مشهد واحد من مشاهد يوم القيامة ، ~~وهو خمسون موقفا ، كل موقف مقداره ألف سنة كما جاء في بعض التفاسير ؛ والله ~~العالم. # ( @QUR@06 ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ) الذي إذا عاش الإنسان ~~في رحاب طاعته ، واستظل بظل رحمته ، وتحرك من أجل الحصول على رضاه ، فإنه ~~يعيش كل الأمن والاطمئنان في مواقع عزته ورحمته وعلمه الذي يحيط بكل شيء. # * * * PageV18P225 ### ||| ** عملية خلق الإنسان # ( @QUR@05 الذي أحسن كل شيء خلقه ) في ما يحتاجه وجوده من عناصر متنوعة ~~تتكامل في طبيعتها لتحقق كل النتائج الإيجابية ، في ما هو الغرض من وجود ~~الأشياء ، فلا خلل في أي مخلوق في أصل خلقته من هذه الجهة. # ( @QUR@05 وبدأ خلق الإنسان من طين ) عند ما خلق الأب الأول للإنسان ، ~~وهو آدم من طين ( @QUR@08 ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) ليتحرك ~~امتداد النسل في الإنسان بالطريقة التناسلية التي تفرز النطفة في رحم ~~المرأة فتلقح بويضة الأنثى وتتحد معها في بداية رحلة الوجود للإنسان ، ~~وهكذا كان التخطيط الإلهي لوجود الإنسان في الكون ، أن يكون الطين مادة ~~خلقه التي تبدأ بشكل مادي مباشر ثم تتطور وتتحول إلى نطفة من مصادر الغذاء ~~الأرضية التي تتكون منها ، ثم بدأت فعلية الخلق الأول ( @QUR@06 ثم سواه ~~ونفخ فيه من روحه ) فصار خلقا سويا متحركا بالحياة في كل خلايا جسده ، فهل ~~عرفتم أيها الناس نعمة الله عليكم في عملية الخلق ، وهل تتأملون في تفاصيل ~~وجودكم التي لولاها لما ms4264 استطعتم أن تشعروا بقيمته وبحيويته وباستمراره؟ ( ~~@QUR@05 وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) وهي العقول التي تدير الوجود ~~كله من خلال أدوات السمع والبصر والتفكير ، ولكن المشكلة هي أن القليل منكم ~~هم الذين يلتفتون إلى هذه النعم ويشكرونها ، ( @QUR@03 قليلا ما تشكرون ) ~~مما لا يتناسب مع الحجم الذي ينبغي لكم أن تقدموه من شكر الله على نعمه ~~التي لا تحصى. # * * * PageV18P226 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ~~ربهم كافرون (10) @QUR@011 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون (11) @QUR@016 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) @QUR@016 ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ~~(13) @QUR@014 فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب ~~الخلد بما كنتم تعملون ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتوفاكم ): أخذه تاما كاملا ، كتوفي الحق ، وتوفي الدين من ~~المديون. # ( @QUR@01 ناكسوا ): نكس الرأس : إطراقه وطأطأته. # * * * PageV18P227 ### ||| ** منطق المنكرين ليوم القيامة # وتدخل الآيات في أجواء الحديث عن منطق المنكرين لليوم الآخر وعن المنطق ~~الإيماني ، وعن النتائج السلبية التي يلتقيها الرافضون ليوم القيامة ( ~~@QUR@05 وقالوا أإذا ضللنا في الأرض ) ووضعنا في داخلها أو في سطحها ، ~~وضاعت كل ملامحنا ، في ما يتفتت من أجسادنا ، حتى يتحول إلى تراب ضائع في ~~الأرض كأي تراب آخر ليس فيه نبضة من حياة ، ولا ملامح مشروع بشري ( @QUR@04 ~~أإنا لفي خلق جديد ) تتجدد فيه أجسامنا لتأخذ شكلها الطبيعي وحيويتها ~~الروحية وروحيتها الفاعلة في الوجود ، تماما كما هو الخلق في الماضي في ~~حيويته وفي حركيته ، هل هذه فرضية معقولة في حساب التحليل العقلي للإنسان؟ # ولكن الله يرد عليهم الفكرة بالتأكيد على خلفية الفكرة الرافضة أو الشاكة ~~( @QUR@05 بل هم بلقاء ربهم كافرون ) فهم يكفرون بالموقف بين يدي الله ~~للحساب الذي يفرض عليهم الإيمان به أن يلتزموا خط الإيمان ومسئوليته ، وأن ~~يواجهوا التحدي الرسالي وجها لوجه. أما مسألة استبعاد الخلق الجديد فليست ~~من المسائل المطروحة عندهم للفكر الجدي الذي يدفع إلى الحوار ms4265 في الأساس ~~والتفاصيل ، في ما تلخصه الفكرة القرآنية المتكررة القائلة بأن الله القادر ~~على الإيجاد ، هو القادر على الإعادة ، فأين الاستبعاد في موقعه الفكري ~~السليم؟ # * * * ### ||| ** الرد على المشككين بالبعث # ( @QUR@07 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) فقد كنتم في حياتكم ~~مشدودين إلى ملك الله ومرتبطين بإرادته ، وها أنتم في قبضة الموت خاضعون له ، فقد PageV18P228 # وكل ملك الموت بكم ليتوفاكم عند ما يبلغ العمر نهايته ، في النظام الإلهي ~~للموت ، كما هو النظام الإلهي للحياة ، في الخطة الإلهية الشاملة التي تحكم ~~الموت والحياة ، وتبدع الحياة في الأجزاء الضائعة في التراب كما أعطت ~~الحياة للتراب الضائع في ذرأت العناصر التي يتكون منها الغذاء ، فأين ~~المشكلة ، هل هي في قدرة الله ، أو هي في علم الله في مواقع أجزاء الجسد؟ ( ~~@QUR@04 ثم إلى ربكم ترجعون ) وهنا يتدخل عنصر الخطاب الإلهي في مسألة ~~البعث بعد أن كان الحديث بطريق الحكاية في أسلوب الغيبة ، ليشعر الناس ~~بالحضور الإلهي القوي المهيمن الذي يختصر لهم كل المسألة ، ويهدم كل ~~شبهاتهم ، فهو الرب العظيم القادر العليم الجبار القاهر المتكبر يتحدث ~~إليهم بشكل مباشر ليؤكد لهم العودة إليه بطريقة حاسمة. # وربما قرر البعض حجة المنكرين للبعث من خلال هذه الآية ، بأن تفتت أجزاء ~~البدن الذي يؤدي إلى تلاشيه يبطل شخصية الإنسان فينعدم ولا معنى لإعادة ~~المعدوم. # * * * ### ||| ** وقفه مع صاحب الميزان # ويرد عليها صاحب الميزان بقوله : «إن حقيقة الإنسان هي نفسه التي يحكي ~~عنها بقول «أنا» وهي غير البدن ، والبدن تابع لها في شخصيته ، وهي لا ~~تتلاشى بالموت ولا تنعدم ، بل محفوظة في قدرة الله حتى يؤذن في رجوعها إلى ~~ربها للحساب والجزاء ، فيبعث على الشريطة التي ذكر الله سبحانه» ثم يتابع ~~قوله : «إن الآية من أوضح الآيات القرآنية الدالة على تجرد النفس بمعنى ~~كونها غير البدن أو شيء من حالات البدن» (1). PageV18P229 # وقد نلاحظ على هذا الرد والاستنتاج ، بأن لقائل أن يقول : إن حقيقة ~~الإنسان التي يعبر عنها بقوله «أنا» هي هذا الوجود الحي المتحرك الذي يمثله ~~الجسد الذي تدب فيه الحياة ms4266 ، ويتحرك فيه العقل والإرادة ، لا النفس المجردة ~~، لأن الملحوظ في الشعور الإنساني في شعور الشخص بذاته ، أنه يختزن إحساسه ~~بالجسد كمظهر حي للذات ، ولذا يقال : هذا أنا بلحمي ودمي ، أو هذا فلان ~~بعينه. بل ربما نستطيع التأكيد على أن القصد إلى الروح ليس واردا في التصور ~~، بل هي شيء خفي من حالات البدن من خلال الإحساس بالحياة فيه. # أما الرد على مسألة نفي إعادة المعدوم ، فيمكن التأكيد فيه على بقاء ~~الجسد بذراته المادية الترابية ، وعلى انطلاق الحياة من موقع قدرة الله في ~~ما تعبر عنه الآية ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29] ، مما يوحي ~~بأن الحياة هبة من الله تنطلق من الإرادة ، وليست شيئا عضويا يتلاشى ويموت ~~وينعدم. # * * * ### ||| ** المجرمون يطلبون العودة ليعملوا صالحا # ( @QUR@08 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ) في موقف الخزي ~~والعار الذي يقفونه أمام الله من دون أن يملكوا حجة على ما اعتقدوه وما ~~علموه ، وما أنكروه من قضايا العقيدة والعمل ، في ما هو بحجم الجريمة ، لا ~~سيما في مسألة إنكار البعث الذي أقام الله عليهم الحجة فيه في وحيه لرسله. # ( @QUR@03 ربنا أبصرنا وسمعنا ) ولم يبق عندنا شك في هذه الحقيقة ~~الإيمانية المتجسدة في اليوم الآخر الذي نشاهده عيانا ونفتح أسماعنا لنداء ~~الله فيه. PageV18P230 # فليست هناك مشكلة في الإيمان ، ولكن المشكلة هي كيف نغير ميزان العمل ، ~~ليكون راجحا في الطاعة لا في المعصية ، فهل يمكننا أن نقدم طلب استرحام لله ~~في إرجاعنا إلى الدنيا ، بعد هذه الصحوة الإيمانية التي فرضت نفسها على ~~أسماعنا وأبصارنا ، لنبدأ العمل في هذا الخط في ساحات العمل الصالح؟ ( ~~@QUR@05 فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) بك وبرسلك وبيوم الحساب ، ( ~~@QUR@06 ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) كما أعطيناها سمعها وبصرها وعقلها ~~وشعورها ، ليكون الهدى حالة تكوينية في الذات ، لا حالة إرادية في الخط ~~والحركة ، ليكون الناس بأجمعهم مؤمنين صالحين. # وقد فسرها صاحب الميزان بتفسير آخر : قال : أي لو شئنا أن نعطي كل نفس ~~أعم من المؤمنة والكافرة الهدى الذي يختص بها ويناسبها ، لأعطيناه لها بأن ms4267 ~~نشاء من طريق اختيار الكافر وإرادته أن يتلبس بالهدى ، فيتلبس بها من طريق ~~الاختيار والإرادة كما شئنا في المؤمن كذلك ، فتلبس بالهدى باختيار منه ~~وإرادة من دون أن ينجر إلى الإلجاء والاضطرار فيبطل التكليف ويلغو الجزاء (1). # ولكن الظاهر أن الحديث يتجه إلى مسألة التكوين القهري ، لا التكوين ~~الاختياري ، على نهج قوله تعالى : ( @QUR@07 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ) [هود : 118] ، كما أننا لا نفهم كيف ننفي مشيئة الله للكافر أن ~~يختار الهدى ، بعيدا عن الجبر والقهر ، مع أن الخط التكليفي يفرض ذلك في ~~توجيه الإنسان إلى اختيار الهدى من موقعه الاختياري ، ولعل ما ذكرناه هو ~~الأنسب بالفقرة التالية : ( @QUR@010 ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين ) فإن الظاهر أن تحقيق هذا القول يتناسب مع إبقاء عنصر ~~الحرية والاختيار في حركة الإنسان ، لأنه هو الذي يجعل التنوع في الاختيار ~~عند ما يختار الكافر الكفر ، من موقع PageV18P231 # إرادته ، كما يختار المؤمن الإيمان من موقع اختياره ، فيدخل الله ~~الكافرين جميعا في جهنم ، ويدخل المؤمنين في الجنة. # ( @QUR@06 فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ) عند ما استسلمتم للدنيا ~~واستغرقتم في شهواتها ، فلم تنتبهوا إلى ما وراءها من الحياة الآخرة التي ~~ينتظر الخلق فيها حساب المسؤولية ، ولم تعملوا على أساس الانسجام مع خط ~~المسؤولية ( @QUR@02 إنا نسيناكم ) وأهملنا كل طلباتكم ودعواتكم واستغاثتكم ~~، لأن جزاء إهمال الإنسان أمر ربه ، هو إهمال الله أمر مصيره. # ( @QUR@06 وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ) من أعمال شريرة في خط ~~معصية الله. # * * * PageV18P232 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ~~ربهم وهم لا يستكبرون (15) @QUR@011 تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) @QUR@013 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ~~لا يستوون (18) @QUR@012 أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ~~نزلا بما كانوا يعملون (19) @QUR@021 وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ms4268 به ~~تكذبون (20) @QUR@09 ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون (21) @QUR@013 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من ~~المجرمين منتقمون ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تتجافى ): التجافي : التنحي ، يقال : جفا عنه يجفو جفاء ، ~~وتجافى عنه تجافيا إذا نبا عنه. # ( @QUR@01 جنوبهم ): جمع جنب ، وهو الشق. PageV18P233 # ( @QUR@01 المضاجع ): جمع مضجع ، وهو الفراش وموضع النوم. # * * * ### ||| ** من صفات المؤمنين في علاقاتهم بالله # ( @QUR@012 إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ~~ربهم ) هؤلاء الذين عاشوا القلق الروحي الباحث عن الله من أجل الوصول إلى ~~معرفته ، وانفتحوا على كل لمعات النور التي تقود إليه ، وتحركوا هنا وهناك ~~، ليبحثوا عن مواقع رضاه في كل كلمة من كلماته ، لم يواجهوا الحياة بغفلة ، ~~ولم يبيعوا المصير بشهوة ، ولم يمروا بها مرورا عابرا كما يفعل الغافلون ~~الذين لا يتوقفون أمام مواقع العظة والعبرة ، بل توقفوا عند كل ظاهرة من ~~ظواهرها ، وكل حدث من أحداثها ، وتطلعوا إلى المستقبل من دروس الحاضر ، ~~وعاشوا الحاضر في أجواء تجربة الماضي منه للحياة ، مما يجعل أسماعهم مفتوحة ~~لآيات الله ، وقلوبهم مشغوفة بذكره وحياتهم متحركة في دروبه. # فإذا ذكروا بآيات الله ازدادوا معرفة بعظمته ، وإيمانا بوحدانيته ، ~~فعاشوا الخشوع في أعماقهم ، والخضوع له في وجدانهم ، والانسحاق أمامه ~~بإرادتهم ومشاعرهم ، فسجدوا بين يديه ، إعلانا للتسليم المطلق له ، ليسجد ~~له كل عضو في أجسادهم وكل خفقة قلب في أفئدتهم ، وكل نبضة روح في أرواحهم ، ~~وعرفوا الله في مواقع حمده ، التي هي مواقع خلقه ونعمه ، فسبحوا بحمده ، ~~ليبقى لهم تسبيح الحمد ، وحمد التسبيح ، انفتاحا دائما على آفاق عظمته التي ~~يصغر أمامها كل شيء سواه ( @QUR@03 وهم لا يستكبرون ) فليست الكبرياء من ~~أخلاقهم لتقودهم إلى التمرد على الحق ، والابتعاد عن أهله ، والتكبر عن ~~الإقرار بحقائقه ، وإلى الإعراض عن الله ، بل هم المتواضعون الذين يتواضعون PageV18P234 # في أنفسهم من موقع التواضع لله الذي لا ينبغي لأحد من خلقه أن يعيش ~~الشعور بالعظمة الذاتية أمامه ، ويتواضعون لله في قيامهم وركوعهم وسجودهم ~~ليشعروا دائما بالحاجة إليه ، والانقياد له ، والإقبال عليه ، فيزيدهم ذلك ~~إيمانا ms4269 به واستقامة على خطه المستقيم ، وإقرارا بأن كل شيء يملكونه في ~~أنفسهم وفي ما حولهم ، فهو من عند الله وحده. # وعند ما يقبل الليل ، ويطبق على الكون بظلامه ، ويهدأ الناس في مراقدهم ، ~~ويخلو الجو من كل ضجيج ، فإنهم ينتهزون فرصة هذا الهدوء الشامل الذي ينساب ~~في المشاعر وفي # الأرواح ، ليقفوا بين يدي الله ، وقفة ابتهال وخشوع ودعاء ( @QUR@04 ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) فيبتعدون عن النوم فيها ويلجأون إلى أماكن ~~صلاتهم ( @QUR@04 يدعون ربهم خوفا وطمعا ) لأنهم لا يخافون إلا من عقابه ، ~~ولا يطمعون إلا برحمته ونعمته من دون إحساس بالذل في السؤال ، لأن الذل ~~أمام الله من موقع العبودية ، هي قاعدة العزة أمام الآخرين. وكيف يحس ~~الإنسان بالذل في سؤاله لربه ، وكل وجوده تجسيد لعبوديته له وخضوعه له ، ~~مما يفرض عليه أن يؤكد ارتباطه به ، ليؤكد انفصاله عن غيره ، فليس للآخرين ~~إلا دور الأداة في قضاء حاجاته ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) لأنهم لا ~~يشعرون بأنانية الامتلاك في ما يملكهم الله إياه ، بل بمسؤولية القضاء في ~~ذلك كله ، على أساس أن الملك ليس حالة امتياز ، بل وظيفة ومسئولية يحركها ~~الإنسان في حاجاته ، ويستعين بها على قضاء حاجات غيره ، ممن أوكل الله ~~أمرهم إليه ، وحمله مسئولية الإنفاق عليهم. # ( @QUR@09 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) في ما أعده الله لهم ~~من ثوابه في جنته ومن لطفه في رحمته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر ، فترتاح له نفوسهم ، وتقر به عيونهم ، وينطلقون من خلاله إلى ~~كل آفاق السعادة الدائمة ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) في الدنيا من ~~طاعة الله في أوامره ونواهيه ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. PageV18P235 # وذلك هو أساس القيمة عند الله ، في ما يتفاضل به الناس لديه ، ويقربون ~~إلى مواقع رضاه ، وهو العمل المرتكز على قاعدة الإيمان ، لأنه ليس بين الله ~~وبين أحد من خلقه قرابة أو علاقة إلا بالعمل ، حتى الأنبياء ، فإنهم كانوا ~~قريبين إلى الله من ناحية إيمانهم وعملهم ، لا من ناحية ms4270 شخصيتهم الذاتية. ~~وهذا هو الذي أراد الله أن يقرره في الآيات التالية في الخط الفاصل بين ~~المؤمنين والفاسقين. # * * * ### ||| ** عدم استواء المؤمن والفاسق # ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) عند الله ، وفي وعي ~~المؤمنين الملتزمين ، لأن الاتفاق في الصفات الذاتية في العلم والقدرة ~~والجمال والمال والجاه ونحوها لا يعني الاتفاق في القيمة في ما هو التقييم ~~العملي الإنساني في الشخصية ، لأن حركية الإنسان هي سر معناه ، في ما توحي ~~به من عمق الإيمان ، ومن امتداده في حياته وانقياده لربه ، فلا يستوي ~~المؤمن الملتزم الذي عاش التزامه في إيمانه وعاش إيمانه في حركة مسئوليته ، ~~والفاسق الخارج عن خط الالتزام بالله ورسله وشريعته في ما هو وعي الإيمان ، ~~وفي ما هي حركة العمل. وهذا هو الذي يجب أن يعيشه الخط الإسلامي العملي ، ~~في عملية التقييم ، ليكون الأكثر إيمانا وعملا ، هو الأقرب إلى الروح ~~والعقل والشعور ، والأفضل في درجات الاحترام. # وليس معنى ذلك أن لا يكون للعمل قيمته في مقام التفاضل ، أو للصفات ~~الأخرى موقع في ساحة التقدير ، فقد أكد الله عدم استواء الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون ، ولكن المسألة هي في تفاعل العلم مع الإيمان PageV18P236 # والمسؤولية ، وحركة الصفات الذاتية الأخرى في نطاق الصفات الإيمانية ~~والعملية. # * * * ### ||| ** ثواب الذين آمنوا وجزاء الفاسقين # ( @QUR@012 أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما ~~كانوا يعملون ) في ما يهيئه الله لهم من مساكن طيبة في جنته ، ومن مشتهيات ~~لذيذة في داره ، ( @QUR@05 وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ) التي يخلدون ~~في عذابها ، فلا مجال للخلاص منها ، ( @QUR@016 كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) فهذا هو ~~الصدق الذي جاءكم به الأنبياء وتحدثت به الكتب المنزلة ، وها أنتم تواجهونه ~~من موقع لذعات النار ولهيبها ، لا من موقع الكلمات التي تسمعونها ، ( ~~@QUR@04 ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ) الأقل خطرا وتأثيرا على الجسد في ~~آلامه ، في ما يحل بهم من بلاء الدنيا الذي هو ( @QUR@03 دون العذاب الأكبر ~~) الذي ينتظرهم في الآخرة ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) إلى ms4271 الله وإلى طاعته ، ~~بالإنابة إليه ، والتوبة مما أسلفوه من الذنوب. وهكذا يربي الله عباده ~~بالبلاء الذي قد يكون نوعا من العذاب في الدنيا ، ليذوقوا مرارته ، ويحسوا ~~بآلامه ، ويتذكروا به عذاب الآخرة ، فيرجعوا إلى الله بعد أن ابتعدوا عنه ~~وتمردوا على طاعته. # ( @QUR@09 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ) لأنه ظلم ربه ~~بالكفر والمعصية ، في ما تمرد عليه من حقه ، بأن يوحده ولا يشرك به ، وأن ~~يطيعه ولا يعصيه ، وظلم نفسه بذلك ، لأنه أفقدها الفرص الكبيرة في الحصول ~~على نتائج السعادة الدنيوية والأخروية في مواقع الإيمان والطاعة ، وفي ما ~~أوقعها في غضب الله وعذابه في الآخرة ، وظلم الحقيقة والحياة والناس ، ~~بالتنكر لما ينفع PageV18P237 # الحياة والناس في خط الحقيقة ، ( @QUR@04 إنا من المجرمين منتقمون ) ~~لأنهم أجرموا في حق أنفسهم وفي واقع الحياة ، وفي حق الله سبحانه ، مما ~~يجعلهم مستحقين للانتقام الذي لا ينطلق من موقع التشفي ، بل من موقع ~~المقابلة للنتائج السلبية التي أدت إليها الجريمة على أكثر من صعيد. ### ||| * * * * PageV18P238 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل (23) @QUR@010 وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون (24) @QUR@011 إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (25) @QUR@018 أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من ~~القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) @QUR@017 أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون (27) @QUR@07 ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ~~(28) @QUR@011 قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ~~(29) @QUR@05 فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مرية ): المرية : الشك والريب. PageV18P239 # ( @QUR@01 نسوق ): السوق : الحث على السير. # ( @QUR@02 الأرض الجرز ): الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع ~~الأمطار عنها. # * * * ### ||| ** واتينا موسى الكتاب # ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) كما آتيناك القرآن ( @QUR@06 فلا تكن ~~في مرية من لقائه ) أي في شك من ذلك. # وقد اختلف المفسرون في مرجع الضمير في كلمة «من لقائه» ، فذهب كل فريق ~~إلى ms4272 رأي ، ولكن أكثر هذه الآراء لا ينسجم مع جو الآية. # واحتمل صاحب الميزان ان يرجع ضمير «لقائه» إليه تعالى ، والمراد بلقائه ~~البعث بعناية أنه يوم يحضرون لربهم لا حجاب بينه وبينهم ، كما تقدم ، وقد ~~عبر عنه باللقاء قبل عدة آيات في قوله : ( @QUR@05 بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~) [السجدة : 10] ثم عبر عنه بما في معناه في قوله : ( @QUR@04 ناكسوا رؤسهم ~~عند ربهم ) [السجدة : 12]. # فيكون المعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب ، كما آتيناك القرآن ، فلا تكن في ~~مرية من البعث الذي ينطق به القرآن بالشك في نفس القرآن ، وقد أيد نزول ~~القرآن عليه صلى الله عليه وآله وسلم بنزول التوراة على موسى في مواضع من ~~القرآن ، ويؤيده قوله بعد ( @QUR@09 وجعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا ) إلخ. # ويمكن أن يكون المراد بلقائه الانقطاع التام إليه تعالى عند وحي القرآن ~~أو بعضه ، كما في بعض الروايات ، فيكون رجوعا إلى ما في صدر السورة من قوله ~~: ( @QUR@08 تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [السجدة : 2] وذيل الآية PageV18P240 # أشد تأييدا لهذا الوجه من سابقه (1). # وقد يكون هذان الوجهان أقرب مما ذكره المفسرون ، ولكن الآية لا تزال ~~غامضة من هذه الجهة ، في وجه ارتباط أول الآية بآخرها في نطاق هذه الجملة ~~المعترضة ، لا سيما بلحاظ اختلاف أسلوب التكلم عن أسلوب الغيبة في الحديث ~~عن الله ، مما لا يتضح لنا أمره ، فليرد علمها إلى الله سبحانه. # * * * ### ||| ** نعم الله على بني إسرائيل # ( @QUR@04 وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) يفتح لهم الطريق على رسالات الله ~~التي تؤكد لهم إنسانيتهم المنفتحة على إنسانية الآخرين ، ويدلهم على آفاق ~~الحرية الواسعة التي يتحررون من خلالها من سيطرة الأقوياء المستكبرين ، في ~~داخل نفوسهم وخارجها ، ويوجههم إلى الالتزام بوحدانية الله في مواقع ~~العبادة والعقيدة وحركة المسؤولية ، ويرفع مستواهم الفكري ، في ما يربي ~~عليه نفوسهم وعقولهم من الأخذ بأسباب العلم ، والتأكيد على تحريك العقل في ~~اكتشاف حقائق الحياة ، ( @QUR@05 وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ) من موقع ~~القيادة الإيمانية على خط الرسالة المتحركة بالدعوة الهادية إلى الإيمان ~~بالله والسير ms4273 على منهاجه ( @QUR@02 لما صبروا ) على التحديات الكبيرة التي ~~كانت تتحداهم في وجودهم ، وفي تفاصيل حياتهم وعمق قناعاتهم ، بما كان يثيره ~~الآخرون من الكافرين من شبهات وأضاليل أمامهم ، فكان رد فعلهم ، أنهم ~~تحملوا الآلام كلها ، والمعاناة الصعبة القاسية التي أخذت الكثير من ~~أوضاعهم المختلفة في نطاق الذات ، وهكذا صبروا صبر الرساليين المؤمنين ، ~~وأثبتوا بهذا المصير PageV18P241 # أنهم في مستوى حمل الرسالة ، وموقع الإمامة ، ( @QUR@03 وكانوا بآياتنا ~~يوقنون ) من قاعدة الحقيقة البارزة لهم في هذه الآيات ، وبذلك كانوا الدعاة ~~المصدقين بدعوتهم ، المؤمنين بخطوطها العامة والخاصة ، لا كمثل الدعاة ~~الذين يتاجرون بالدين وبالرسالة ، من دون أن يؤمنوا بهما ، ليحققوا مصالحهم ~~الذاتية من خلالهما. # * * * ### ||| ** يوم القيامة يوم الفصل # ( @QUR@011 إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) ~~فقد اختلف الكثيرون في الدين ، وتنوعت مذاهبهم في فهمه وفي تفاصيل موارده ~~ومصادره ، وتداخلت النوازع الذاتية ، والمصالح المادية ، والتعقيدات ~~الشعورية والفكرية في هذه الساحة ، فلم تصل إلى وحدة في التصور ، أو في ~~الموقف ، أو في الحركة ، لاختلاط هذه الأمور كلها في أجواء الاختلاف. ولكن ~~المسألة ستظهر جلية يوم القيامة ، عند ما يتدخل الله سبحانه بينهم ، فيفصل ~~بين المحق والمبطل ، فيعرف المحق مواقع الحق في دعوته ، كما يعرف المبطل ~~مواقع الباطل في دعواه ( @QUR@012 أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من ~~القرون يمشون في مساكنهم ) أو لم يتبين لهم كيف تموت الأمم وتزول من الدنيا ~~، وتترك خلفها الدور والقصور والأموال ، التي يراها اللاحقون من بعدهم ، ~~ويمشون في ساحاتها الصامتة صمت القبور ، ألا يكون ذلك رادا لهم عن ~~الاستسلام إلى الدنيا والركون إليها والاستغراق في شهواتها والتنازع في ~~سبيل الحصول على امتيازاتها وثرواتها ، كما لو كانوا خالدين فيها؟ PageV18P242 # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ) المواعظ التي جاءت بها الرسل ~~مما يفتح قلوبهم على عمق المصير ونهاية الموقف. # * * * ### ||| ** الله يسوق الماء إلى الأرض الجرز # ( @QUR@08 أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) وهي الأرض اليابسة ~~التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها ( @QUR@07 فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم ) عند ms4274 ما يمنحها الماء الحياة التي تهتز في البذور بقدرة ~~الله ( @QUR@02 أفلا يبصرون ) كل ما حولهم من ظواهر الحياة المتحركة ، ~~ليفهموا من ذلك كيف تتحرك قدرة الله في الكون ، وكيف تنزل رحمته على عباده؟ # * * * ### ||| ** متى يوم الفتح؟ # ( @QUR@04 ويقولون متى هذا الفتح )، قيل بأن المراد به يوم بدر ، وقيل ~~بأن المراد به فتح مكة ، وقيل إن المراد به يوم القيامة ، حيث يفصل الله ~~بين الناس يوم القيامة ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في ما يوجهونه من خطاب ~~التحدي للمؤمنين الذين كانوا يحدثونهم عن يوم للنصر تظهر فيه الغلبة ~~للمؤمنين على المشركين ، فكان المشركون يستعجلونهم في ذلك على سبيل التحدي. # ( @QUR@011 قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ) ~~فإذا كنتم PageV18P243 # تنتظرونه من أجل أن تؤمنوا بعده ، ليكون هو الأساس للإيمان عندكم ، فإن ~~الله لا يتقبل الإيمان من الكافرين بعد ذلك ، لأنهم لم يستمروا على الكفر ~~من موقع حجة على الكفر ، بل من موقع عناد فيه ، ولذلك فإن العقاب سيحل بهم ~~من دون إنظار ولا إمهال. والظاهر من سياق هذه الآية انسجامها مع سياق ~~الآيات المتكررة التي تتحدث عن عدم انتفاع الكافر بإيمانه يوم القيامة ، ~~مما يوحي بأن المراد بيوم الفتح يوم القيامة ، ولا تنسجم مع فكرة أنه يوم ~~بدر ، إذ لا معنى للحديث عن الإيمان بعد القتل ، كما لا معنى لأن يكون ~~المراد فتح مكة ، لأن الإيمان مقبول بعد ذلك ( @QUR@02 فأعرض عنهم ) ولا ~~تضعف أمام تحدياتهم ، لأن الله بالغ أمره في ما يخططه وما ينفذه ، فلكل شيء ~~وقته ، ولكل أجل كتاب ، وما على المؤمنين إلا أن يثقوا بوعد الله ، ~~وينتظروه بكل ثقة وصدق وإخلاص ، لأن الله لا يخلف وعده. فتوكل على الله ~~وتابع مسيرتك في الدعوة إليه والجهاد في سبيله ( @QUR@03 وانتظر إنهم ~~منتظرون ) عند ما يحين الوقت المحتوم ، فسيكون اللقاء الأكبر بالله ، يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين. ### | * * * PageV18P244 ### | سورة الأحزاب ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثلاث وسبعون PageV18P245 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله ~~كان عليما حكيما ms4275 (1) @QUR@012 واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (2) @QUR@06 وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) (3) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول ، أن هذه الآيات «نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة ~~بن أبي جهل وأبي الأعور السلمي ، قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله ابن ~~أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكلموه ، فقاموا ~~وقام معهم عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وطعمة بن أبيرق ~~، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد ارفض ذكر ~~آلهتنا اللات والعزى ومناة ، وقل : إن لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربك ، ~~فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV18P247 # فقال عمر بن الخطاب : ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم ، فقال : إني ~~أعطيتهم الأمان ، وأمر صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجوا من المدينة ، ونزلت ~~الآية ( @QUR@03 ولا تطع الكافرين ) من أهل مكة ، أبا سفيان وأبا الأعور ~~وعكرمة ، ( @QUR@01 والمنافقين ) ابن أبي وابن سعد وطعمة» (1). # وإذا كنا نتحفظ في أسانيد أسباب النزول ، فإننا لا ننطلق في تفسيرنا ~~للآيات منها ، بل نحاول استيحاء المعنى من ظاهرها. وعلى كل حال ، فإن هذه ~~الأسباب لو صحت فإنها لا تعني تجميد الآية في دائرتها ، بل تمثل نقطة ~~الانطلاق للمعنى الشامل الذي يشمل كل المفردات المماثلة في الحياة كلها. # * * * ### ||| ** تحديد الخطوط العامة للدعاة في خط السير # ما هي الخطوط العامة التي يحددها الله لنبيه وللمسلمين من خلاله ليسيروا ~~عليها في التزامهم الإسلامي ، ليحتفظوا لأنفسهم بالصفاء الروحي في العقيدة ~~، وبالثبات العملي في الشريعة ، وبالاستقامة على الطريقة الواضحة ، ~~والاستسلام الكامل لله والانفتاح عليه في كل شيء ، والثقة برعايته وتدبيره ~~وعنايته في كل الأمور؟ # إنها الخطوط العامة التي قد يحتاج المسلم إلى أن يلتزمها في رحلته في ~~الحياة إلى الله ، في ساحة التحديات التي تحاول أن تهز قناعاته ، وتزلزل ~~مواقعه ، وتبعده عن خطه ، وتنحرف به عن أهدافه ، لأن النفس قد تميل عن الحق ~~بفعل الضغوط النفسية ، التي ms4276 تضغط بها الجماعات المنحرفة أو الظروف القاسية ~~، مما يفرض على المسلم الملتزم ، أن يبحث عن العناصر التي تثبته PageV18P248 # على الخط ، وتستقيم به على الطريق. # هذا ما يمكن أن نستوحيه من هذه الآيات. # * * * ### ||| ** اتباع خط التقوى # ( @QUR@05 يا أيها النبي اتق الله ) فهذا هو الخط الأول الذي يشمل كل ~~تطلعات المسلم في الحياة ، وكل مشاريعه وخطواته وعلاقاته مع الآخرين ، كما ~~يحدد له طبيعة مشاعره وعواطفه وأفكاره وموقفه من ربه ومن نفسه. # إنه خط التقوى الذي ينطلق من الإحساس العميق الشامل الممتد في النفس ~~بالحضور الإلهي الذي يستولي على الوجود كله ، فلا تحس بغيره ، لأن حضور كل ~~مخلوق مستمد من حضوره ودليل عليه ، لأنه السر الأساس لوجوده. # وهذا هو الذي يوحي للإنسان بالرهبة الروحية والرقابة الذاتية الدائمة ، ~~عند ما يلتفت إلى موقعه من الله ومسئوليته أمامه ، فيستسلم إليه استسلاما ~~كليا يمتد إلى كل موقع من مواقع حياته ، ليكون صورة لما يرضى الله له. # وهكذا نجد أن كلمة التقوى تختصر الإسلام كله في جانبه العملي ، كما تختصر ~~كلمتا الإيمان والإسلام المعنى في صورته العقيدية والتصورية ، فقد لا يكفي ~~في الإنسان المسلم أن تكون تصوراته الذهنية أو الشعورية إسلامية ، بل لا بد ~~له من أن يملك الحركة الإرادية التي تحقق له الإسلام العملي في صورته ~~الواقعية. # ومن هنا كانت التقوى تمثل الخط الأول في حركة الرسالة في شخصية PageV18P249 # المسلم ، لأنها تختزن الإسلام الحياتي الذي يتحرك من قاعدته في الداخل ~~إلى ساحته الواسعة في الخارج. # * * * ### ||| ** الهدف من الخطاب بالتقوى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم # وإذا كان الخطاب بالتقوى للنبي ، وهو في قمة الممارسة العملية للتقوى في ~~تلك المرحلة من نزول الآية ، فإن الهدف من ذلك يتحقق في خطين : # الخط الأول : تقديم النموذج الأعلى للتقوى ، من خلال شخصية النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم التي وصلت في هذا الموقع إلى الدرجة العليا التي لا ~~يقترب منها أحد ، ليتطلع الناس إليها في دائرة الواقع ، فيهتدوا بها ~~ويقتدوها في حركتهم نحو الله. # الخط الثاني : الإيحاء للأمة بأن الخطوط ms4277 العامة في الإسلام ، في ما شرعه ~~الله وأراده ، ليست مقصورة على الناس المسلمين في مخاطبتهم بالسير عليها ، ~~بل هي شاملة للنبي قبل أن تشملهم ، لأنه المسلم الأول في حركة الإيمان وخط ~~العمل ، ولهذا كان الأسلوب القرآني ينطلق في مخاطبة الأمة من خلال توجيه ~~الخطاب للنبي للإيحاء بأن القمة والقاعدة سواء في الالتزام بخط المسؤولية ~~العامة في الإسلام ، ( @QUR@04 ولا تطع الكافرين والمنافقين ) وهذا هو الخط ~~الثاني الذي يعالج الواقع الذي يحيط بالنبي ، أو بالداعية ، أو بالمسلم ~~بشكل عام. فقد يعيش مشكلة ضغط القوى الكافرة في ساحته ، أو فيما حوله من ~~الساحات الضاغطة على ساحته ، وقد يواجه مشاكل القوى المنافقة التي تعيش في ~~داخل المجتمع فتربك الواقع من حوله. PageV18P250 # وقد يطرح عليه هؤلاء أو هؤلاء بعض المشاريع التوفيقية التي قد تدعوه إلى ~~تقديم بعض التنازلات لحساب خطهم العقيدي أو العملي ، في مقابل أن يحصل على ~~بعض الامتيازات لديهم ، في ما يمنحونه من حرية الحركة في بعض المواقع ، أو ~~في ما يتنازلون له عن بعض المواقف ، تماما كما نلاحظه في بعض الأساليب التي ~~يتخذها الكافرون والمنافقون في دعوتهم المسلمين إلى الاكتفاء بالجانب ~~العقيدي والعبادي من إسلامهم ، والانتماء إلى العقائد الأخرى في الجانب ~~السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي ، أو تأييد شخصية كافرة أو منحرفة أو ~~ظالمة ، تحت تأثير بعض الخطوط السياسية التي قد تفرضها الظروف المحيطة ~~بالواقع ، أو غير ذلك من الأمور التي تدفع بالإسلام في حياة المسلم ، إلى ~~زاوية ضيقة تحدد فيها كل مواقعه وتطلعاته ، لتكون الساحات الكبرى في حياته ~~لغير الإسلام ، لينسحب المسلم تدريجيا من الإسلام عند ما يعيش داخل أجواء ~~الآخرين الذين يخططون لذلك من خلال وسائل الترغيب والترهيب. # ولهذا كان الرفض الإسلامي حاسما في هذا المجال ، في الامتناع عن طاعة ~~الكافرين والمنافقين في كل مخططاتهم ، لتأكيد الفواصل الفكرية والعملية ~~فيما بين المسلمين وبينهم ، وتوجيه المسلمين إلى السير في الخط المستقيم ~~الذي لا مجال فيه إلا لطاعة الله وحده. # * * * ### ||| ** التحرك في الشعار من موقع الإسلام # وإذا كان البعض يتحدث عن موافقة ms4278 الإسلام لبعض الاتجاهات الأخرى في هذا ~~الموقع أو ذاك ، فإن هذا لا يعني إطاعة الكافرين والمنافقين الذين PageV18P251 # يمثلونها ، لأن معنى ذلك ، هو أن الموقف إسلامي يتفق الآخرون فيه مع ~~الإسلام ، فتكون الطاعة فيه لله ، والالتزام به من موقع الإسلام ، لا من ~~موقع الآخرين. وهذه النقطة جديرة بالوعي والاهتمام ، وهي أننا إذا اتفقنا ~~كمسلمين في أي شعار أو خط سياسي أو فكري مع الآخرين ، فإن علينا أن نتحرك ~~في الشعار أو الخط ، من مواقعنا الإسلامية لا من مواقع الآخرين ، وذلك ~~بتأكيد الصفة الإسلامية في الحركة ، والإيحاء بالملامح التي تميز العنوان ~~الإسلامي عن عناوينهم اللاإسلامية ، لئلا تضيع المسألة في أجواء الوفاق. # ( @QUR@05 إن الله كان عليما حكيما ) فقد خطط لك الطريق من موقع علمه ~~وحكمته في ما يصلح جمهور الناس كلهم والحياة كلها. # * * * ### ||| ** اتباع وحي الله والتوكل عليه # ( @QUR@012 واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا ) ~~وهذا هو الخط الثالث الذي يمثل خط السير المستقيم الذي يؤكد البداية ~~والنهاية وما بينهما ، فللمسلم فكره الذي أوحى به الله ، وشريعته التي جاء ~~بها الرسول ، ومنهجه الذي تحدث به القرآن ، مما يتضمنه عنوان الإسلام في ~~مضمونه العقيدي والحركي ، فليس للمسلم أن ينحرف أو يبتعد عنه ، بل لا بد له ~~من أن يلتزمه بكل دقائقه وتفاصيله ، لأن ذلك هو المعنى الدقيق للشخصية ~~الإسلامية في ملامحها الواقعية. # وذلك هو الذي ينبغي له أن يستشعره في داخل وعيه الإسلامي من خلال الإيمان ~~بما أكدته الآية من اطلاع الله على كل ما يعمله الإنسان المسلم في كل حياته ~~السرية والعلنية. PageV18P252 # ( @QUR@03 وتوكل على الله ) في كل أمورك ، وتابع سيرك ، بعد أن تحكم كل ~~أمرك ، في ما تحتاجه من عوامل وعناصر وشروط وظروف ، ولا تخف من تهاويل ~~الأشباح المخيفة التي يثيرها الكافرون والمنافقون في طريقك ، ولا تعش القلق ~~من المستقبل عند ما تواجهك احتمالات الخوف في آفاقه ، فإن الله هو الذي ~~يضمن لك الرعاية والحماية ، في ما لا تملك معرفته أو السيطرة عليه ، أو ما ~~يمكن أن يفاجئك ms4279 به الزمن ، أو ما يمكن أن يختفي خلف الواقع المنظور. وتلك ~~هي قصة الإيمان في المؤمن ، أن تكون ثقته بالله هي القاعدة التي يرتكز ~~عليها في ثقته بنفسه وبالحركة التي يتحركها ، على أساس مواجهته لكل ~~الاحتمالات من خلال جهده ، ومن خلال التوكل على الله الذي يملك الأمر كله ~~في السماوات والأرض ، ويملك حركة عباده ، وهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي ~~منه شيء. # ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ) فلا يحتاج الإنسان المؤمن إلى وكيل آخر ~~يرعى أموره ويدبر حياته إذا اعتمد على الله ، لأنه وحده القادر على كل شيء. # * * * PageV18P253 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@028 ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) @QUR@028 ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ~~فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تظاهرون ): يقال : ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر : أن يقول لها ~~أنت علي كظهر أمي ، وكان يعد طلاقا في الجاهلية. # ( @QUR@01 أدعياءكم ): جمع دعي : وهو المتخذ ولدا ، أي الذي يتبناه ~~الإنسان. # * * * PageV18P254 ### ||| ** إلغاء القرآن لبعض التشريعات الجاهلية # ( @QUR@08 ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) فلكل رجل قلب واحد ، ~~يتوحد فيه التصور والشعور والانتماء والالتزام ، فلا مجال لأن يجتمع فيه في ~~محل واحد وزمان واحد ومن جهة واحدة ، تصوران أو شعوران متقابلان كالتوحيد ~~والشرك ، أو كحب الله وحب الشيطان ، وحب أوليائه وحب أعدائه ، ولا ~~لالتزامين متباينين ، كالالتزام بشريعة الله والالتزام بشريعة غير الله. ~~ولهذا كانت مسألة طاعة الله. في ما يلتزم به المسلم في خط الإيمان ، لا ~~تتناسب مع طاعة الكافرين والمنافقين ، في ما يرفضه المسلم من خط الكفر ~~والنفاق ، فلا يجتمعان في التزاماته القلبية ، كما لا يلتقيان في ممارساته ~~العملية. # وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الفقرة من الآية «توطئه وتمهيدا كالتعليل ~~لما يتلوها من إلغاء أمر الظهار والتبني ، فإن في الظهار جعل الزوجة بمنزلة ms4280 ~~الأم ، وفي التبني والادعاء جعل ولد الغير ولدا لنفسه ، والجمع بين الزوجية ~~والأمومة ، وكذا الجمع بين بنوة الغير وبنوة نفسه ، جمع بين المتنافيين ولا ~~يجتمعان إلا في قلبين ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» (1). والظاهر ~~أن التفسير الأول أقرب إلى الجو من هذا التفسير ، والله العالم. # * * * ### ||| ** ما جعل أزواجكم أمهاتكم # ( @QUR@07 وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) وهذا هو الخط ~~التشريعي الذي واجه به الإسلام العادة الجاهلية السائدة قبل الإسلام في ~~مسألة الظهار ، فقد كان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته : أنت علي كظهر أمي ~~، أو ظهرك PageV18P255 # علي كظهر أمي ، فتحرم عليه ، أو تجمد وضعها معه ، بحيث تبقى معلقة ، فلا ~~هي متزوجة منه لامتناعه عن مواقعتها ، ولا هي مطلقة لبقاء العلاقة التي ~~تمنعها من إنشاء علاقة مع إنسان آخر ، حسب اختلاف النقل عن خصوصية هذه ~~العادة. # وقد انطلق التشريع الإسلامي من طبيعة الرفض للمنطق الذي عبر به الجاهلون ~~عن فسخ العلاقة الزوجية أو تجميدها ، وهو اعتبار الزوجة بمنزلة الأم ، مما ~~يجعل حكمها حكم الأم في التحريم ، بطريقة ملزمة لا مجال للرخصة فيها ، ~~تماما كما لا مجال للرخصة في موضوع الأم ، ولكن الكلمة لا تغير حقائق ~~الأشياء ، فللأم معناها في ما هي العلاقة النسبية ، وللتحريم عمقه في ما هي ~~الأسرة في العلاقات الإنسانية وطبيعة الأنظمة التحريمية أو التحليلية فيها ~~من حيث ارتباطها بخصوصيات الأشخاص الذين يتحركون في داخلها ، ومن حيث ~~الفكرة العامة التي تحكمها في تنظيم الخطوط العامة والخاصة التي تحكم كل ~~مجالاتها. # ولهذا فإن للزوج أن يجمد علاقته بزوجته أو يلغيها ، ولكن لا بد له من أن ~~يعبر عن ذلك بطريقة مباشرة ، مثل كلمة الطلاق ونحوها ، مما ينسجم مع طبيعة ~~الأشياء ، تماما كأية علاقة إنسانية أخرى ، ذات خصائص معينة ، في ما يراد ~~لها من اتصال وانفصال ، وليس له أن يعبر عنها بهذه الطريقة التي تسيء ~~لسلامة التصور في تمييز العلاقات عن بعضها البعض ، مما لا يملك الإنسان أمر ~~تحريك الالتزام التشريعي في حياته على أساسه ، فلا حق له أن ms4281 يمتنع عن ~~العلاقة بزوجته بعنوان أنها كأمه ، ليعاملها في دائرة الممارسة بما يعامل ~~به أمه ، لأن مسألة الأم شيء ، ومسألة الزوجة شيء آخر ، فالتحريم في الأم ~~متصل بالجانب الذاتي الثابت الذي لا يمكن تحريكه في اتجاه آخر من خلال عمق ~~الخصوصية التي يستند إليها التشريع في جانبه الشعوري وفي جانبه الاجتماعي ، ~~بينما التحريم في الزوجة في حال الانفصال أمر متحرك في PageV18P256 # دائرة الالتزام بالعلاقة أو الالتزام بإلغائها ، مما يجعل من الخلط ~~بينهما خلطا في التصور وخللا في إدارة العلاقات ، وسيجيء الحديث عن التشريع ~~الإسلامي بتفاصيله في سورة المجادلة إن شاء الله. # * * * ### ||| ** ما جعل أدعياءكم أبناءكم # ( @QUR@04 وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) والدعي هو ولد الغير الذي يتخذه ~~الإنسان ابنا له ، فينسبه إلى نفسه ويتبناه ، وقد كان هذا من العادات ~~الجاهلية التي تدخل في النظام العام للعلاقات النسبية ، الذي يجعل للولد ~~المتبنى حقا على أبيه المدعي ، تماما كما هي حقوق الابن الذي هو من صلبه ، ~~في عملية التوارث ، وحمل المسؤولية العامة والخاصة ، في ما يخضع الناس له ~~من نظام المسؤوليات في علاقاتهم ببعضهم البعض. # وقد نقلت كتب السيرة النبوية الشريفة في أجواء نزول هذه الآية ، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد تبنى زيد بن حارثة ، قبل الإسلام ، وذلك ~~في ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ~~جميل عن أبي عبد الله «جعفر الصادق عليه السلام » قال : كان سبب ذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في ~~تجارة ، ورأى زيدا يباع ورآه كان غلاما كيسا حصينا ، فاشتراه ، فلما نبئ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام فأسلم ، وكان يدعى زيدا ~~مولى محمد. # فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة وكان رجلا جليلا ، ~~فأتى أبا طالب فقال : يا أبا طالب إن ابني وقع عليه السبي وبلغني أنه صار ~~إلى ابن أخيك ، تسأله إما أن يبيعه ms4282 ، وإما أن يفاديه ، وإما أن يعتقه ، فكلم PageV18P257 # أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله : هو حر فليذهب ~~حيث شاء ، فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له : يا بني الحق بشرفك ونسبك ، ~~فقال زيد : لست أفارق رسول الله ، فقال له أبوه : فتدع حسبك ونسبك وتكون ~~عبدا لقريش؟ فقال زيد : لست أفارق رسول الله ما دمت حيا ، فغضب أبوه ، فقال ~~: يا معشر قريش اشهدوا أني قد برئت منه وليس هو ابني ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني. فكان زيد يدعى ابن ~~محمد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحبه ، وسماه زيد الحب (1). # ولم يقتصر الأمر على الجاهليين ، بل امتد هذا النظام إلى كثير من الشعوب ~~المتمدنة القديمة والحديثة ، بإعطاء الولد المتبنى كل حقوق الولد الصلبي. # وقد عالج الإسلام هذه المسألة بالطريقة نفسها التي عالج بها مسألة الظهار ~~، فإن الادعاء لا يغير شيئا من حقائق الواقع ، لأن النبوة تعني انتماء ~~الشخص إلى شخص آخر ، من خلال خروجه من صلبه بالطريقة التناسلية كحقيقة ~~وجودية تدخل في نظام الأسرة في دائرة الحقوق والواجبات. # وإذا كان هناك بعض الأوضاع الاجتماعية المتصلة بحاجة المحرومين من الأبوة ~~، أو المحرومات من الأمومة ، إلى أن يعيشوا هذه المشاعر الحميمة ، بفعل ~~الفراغ الهائل الذي يأكل سعادتهم ، ويثير فيهم أحاسيس الحزن والضياع ، فإن ~~هناك فرصة كبيرة لتحقيق الرغبة الداخلية بالتبني التربوي الذي يتكفلون فيه ~~ببعض الأيتام ، أو اللقطاء ، أو أبناء بعض الناس من ذوي الدخل المحدود ، ~~بالإشراف على رعايتهم وتربيتهم وتقديم كل الفرص والإمكانيات التي تخلصهم من ~~الفقر والمرض والحرمان ، وإغداق كل مشاعر العطف والحنان عليهم ، مما يحقق ~~للمحرومين من الود ما يريدونه من ملء الفراغ العاطفي ، PageV18P258 # وللمحرومين من الإمكانات المالية ونحوها ، ما يكفل لهم السعادة من هذا ~~الجانب ، من دون الإساءة إلى حقيقة الواقع أو تبديل طبيعة المواقع في مسألة ~~النسب ، أو اللعب على قضية النظام التشريعي في هذا المجال. # وربما تحدث بعض السلبيات العاطفية لدى ms4283 الولد المتبنى عند ما يكتشف في ~~نهاية المطاف الزيف الذي كان يعيش فيه في اعتقاده بأن هذا الرجل أبوه ، ~~وبأن هذه المرأة أمه ، عند ما يوحي إليه بعض الناس بالحقيقة ، أو يكتشفها ~~بنفسه ، فتنشأ عنده أزمة نفسية عنيفة حائرة بين الأب والأم الأصليين وبين ~~الأب والأم الادعائيين ، مما يخلق مشكلة صعبة على أكثر من صعيد. # * * * ### ||| ** ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله # ( @QUR@03 ذلكم قولكم بأفواهكم ) في ما تدعونه من الأبوة لهؤلاء الأولاد ~~، إنها مجرد كلمة لا تعبر عن الحقيقة الأصلية ولا تحقق أية نتيجة على مستوى ~~التشريع ، لأن الله هو الأساس في المسألة التشريعية. # ( @QUR@03 والله يقول الحق ) الذي يطابق الواقع في ما يختزن من المصلحة ~~الثابتة في داخله ( @QUR@03 وهو يهدي السبيل ) في ما يشرعه من نظام لخدمة ~~الإنسان ، كنظام الأسرة الذي يكفل للناس سعادتهم ، فالتزموا قوله وهداه ، ~~واتركوا كل أقاويل الكذب والضلال التي تربك الحياة من حولكم. # ( @QUR@06 ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) وأقرب للعدل ، لأن ذلك يمثل ~~التوازن بين معنى الكلمة وحقيقة الأشياء ، ( @QUR@08 فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم ) أي إذا جهلتم آباءهم ولم تعرفوهم بأعيانهم ~~وأسمائهم ، سواء PageV18P259 # كانوا من اللقطاء أو من غيرهم ، فادعوهم باسم الأخوة الدينية والولاية ~~الإسلامية ، ليكون الدين عنوان العلاقة في مواقع الجهل بالنسب. # وقد تشير هذه الفقرة من الآية إلى أن الجهل بالنسب في بعض الأولاد لا ~~يوحي للمجتمع بالعقدة منهم في إقامة العلاقات الحميمة أو الاجتماعية في ~~المستوى الإنساني الذي يحترم فيه الإنسان الإنسان من موقع إنسانيته ، بل ~~يوحي بالارتباط العميق القائم على الرابطة الدينية ، باعتبارها الروحي الذي ~~يؤكد العلاقة الوثيقة التي تشد هذا الإنسان المجهول النسب بالمجتمع ~~الإسلامي من موقع الاحترام. # ( @QUR@06 وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) من الكلمات الصادرة عن السهو ~~أو النسيان ، أو الخطأ في تقييم الأمور عن غير قصد ( @QUR@04 ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم ) في ما تتخذونه في عقولكم من القيم الخاطئة ، والأحكام الباطلة. ~~فالقضية التي يريد الله أن يثيرها لدى الإنسان كقيمة من القيم الدينية ، هي ~~أن لا ms4284 يعقد قلبه على خطأ في الفكرة أو في المنهج أو في التشريع ، لأن الخطأ ~~في الكلمة قد يغتفر إذا صدر عن غير قصد ، ولكن الخطأ في الفكرة أو في الخط ~~عن قصد أو تقصير ، قد يخلق أكثر من مشكلة للإنسان وللحياة ، ( @QUR@04 وكان ~~الله غفورا رحيما ) في ما أخطأ به الناس عن غير قصد. # * * * PageV18P260 ### ||| * الآية # ( @QUR@029 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ) (6) # * * * ### ||| ** النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم # ( @QUR@05 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) كيف نفهم هذه الأولوية التي ~~يملك فيها النبي من المؤمنين ما لا يملكونه من أنفسهم ، فقد أثير في ~~تفسيرها أكثر من احتمال. # * * * PageV18P261 ### ||| ** معنى أولوية النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ذكر صاحب تفسير الميزان ، أن «معنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار ~~الأمر بينه وبين ما هو أولى منه ، فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من ~~الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة ، فالنبي ~~أولى بذلك من نفسه ، ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شيء من ذلك ، ~~كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه. # ففيما إذا توجه من المخاطر إلى نفس النبي فليقه المؤمن بنفسه ويفده نفسه ~~، وليكن النبي أحب إليه من نفسه وأكرم عنده من نفسه ، ولو دعته نفسه إلى ~~شيء والنبي إلى خلافه ، أو أرادت منه نفسه شيئا وأراد النبي خلافه ، كان ~~المتعين استجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته وتقديمه على نفسه. # وكذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بهم في ما يتعلق بالأمور الدنيوية ~~أو الدينية ، كل ذلك لمكان الإطلاق في قوله : ( @QUR@05 النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم ) (1). # وذكر بعض آخر : أن المراد أنه أولى بهم في الدعوة ، فإذا دعاهم إلى شيء ~~ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، كان عليهم أن يطيعوه ويعصوا أنفسهم ، فتكون ~~الآية في معنى قوله : ( @QUR@02 وأطيعوا الرسول ) [النساء : 59]. # وذكر بعض آخر : أن ms4285 المراد أن حكمه فيهم أنفذ من حكم بعضهم على بعض ، كما ~~في قوله : ( @QUR@03 فسلموا على أنفسكم ) [النور : 61] ، ويؤول إلى أن ~~ولايته على المؤمنين فوق ولاية بعضهم على بعض ، المدلول عليه بقوله : ( ~~@QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) [التوبة : 71] (2). PageV18P262 # والظاهر من سياق الآية أنها لا تتحدث عن جانب التعاطف الذي يكلف المسلمين ~~بتقديم أنفسهم فداء عن نفسه إذا دار الأمر بينهم وبينه ، وليست في مقام ~~الأمر بطاعتهم له ، أو في مقام تفضيل حكمه على حكم بعضهم على بعض ، بل هي ~~في مقام إثبات الولاية له عليهم بحيث يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم ، ~~لتأكيد جانب الحاكمية عليهم من قبله في ما جعله الله له من ولاية إلى جانب ~~ما جعله له من النبوة ، وذلك من خلال التعبير عن المسألة من خلال فاعليته ~~فيهم وسلطته عليهم بأكثر من سلطتهم على أنفسهم. وبذلك نلاحظ أن الآية لا ~~توحي بالإطلاق الذي يفهمه صاحب الميزان ، والله العالم. # * * * ### ||| ** أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين # ( @QUR@02 وأزواجه أمهاتهم ) في الجانب التشريعي من حيث حرمة نكاحهن من ~~بعده وضرورة تعظيمهن ، وذلك في ما جاء التصريح به في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) [الأحزاب : 53]. # والظاهر أن المسألة تقتصر على ذلك ، فلا تشمل آثار الأمومة من حيث ~~التوارث أو جواز اللمس أو النظر إلى ما لا يحل النظر إليه ، أو حرمة بناتهن ~~على المؤمنين أو اعتبار إخوانهن وأخواتهن أخوالا وخالات للمؤمنين ونحو ذلك ~~، فإن الكلمة وإن كانت مطلقة ، إلا أنها تختص بما ذكرناه انطلاقا من النصوص ~~الواردة في الموضوع. # * * * PageV18P263 ### ||| ** أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض # ( @QUR@011 وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين ) وذلك في مسألة التوارث التي كان التشريع الأول في الإسلام ~~يجعلها على أساس المؤاخاة الدينية ، في ما جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بين المؤمنين والمهاجرين من المؤاخاة ، حيث آخى بين كل شخص وشخص آخر ، ~~فكانا يتوارثان ، فجاءت هذه الآية ناسخة لذلك ليعتبر أن القرابة النسبية ~~أولى ، في ms4286 ما فرضه الله في كتابه من التشريعات المفصلة في الإرث ، فلا يرث ~~مؤمن من مؤمن إلا على هذا الأساس ( @QUR@06 إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا ) بالوصية إليهم بما تحبون من المال ( @QUR@05 كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا ) في ما قرره الله من الوصية بالمعروف. # * * * PageV18P264 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@017 وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) @QUR@08 ليسئل الصادقين عن ~~صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما ) (8) # * * * ### ||| ** النبوة ميثاق بين الله وبين أنبيائه # ( @QUR@013 وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم ) فلم تكن النبوة امتيازا ذاتيا يمنحه الله لبعض الناس من ~~خلال التشريف الشخصي ، بل هو عهد بينهم وبين الله بأن يتحملوا مسئولية ~~الدعوة إليه ، ويخلصوا في التزامهم بالمسؤوليات التفصيلية في ما يستلزمه ~~ذلك من عذاب واضطهاد وآلام ومشاكل وصبر على ذلك كله ، وانفتاح على الناس من ~~الباب الواسع من خلال الكلمة الطيبة والأسلوب الطيب والموعظة الحسنة. # وقد خص الله نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام ، PageV18P265 # لأنهم يتميزون في رسالاتهم بالشمول الذي لا يملكه الآخرون ، كما يملكون ~~الامتداد الزمني في امتداد الرسالة إلى آماد بعيدة ( @QUR@04 وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا ) فهو من نوع المواثيق القوية المؤكدة التي تحتاج إلى كثير من ~~الجهد والرعاية والعناية بالالتزام الفكري والعملي ، للوصول إلى النتائج ~~الكبيرة في هذا الخط الطويل. # * * * ### ||| ** سؤال الصادقين عن صدقهم # ( @QUR@04 ليسئل الصادقين عن صدقهم ) في ما قاموا به من الدعوة إليه ، ~~والتأكيد عليه ، والجهاد في سبيله ، من خلال مسئولية الأنبياء عن الصدق ~~الذي جاؤوا به ، كما يسأل الذين أتبعوا الأنبياء في هذا الصدق ، عن إيمانهم ~~به والتزامهم بنتائجه وانفتاحهم عليه بكل فكرهم وجهدهم ودعوتهم إليه. # وقد عبر الله عن الرسالة بالصدق في حديثه عن النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : ( @QUR@05 والذي جاء بالصدق وصدق به ) ~~[الزمر : 33]. # ( @QUR@02 وأعد للكافرين ) الذين كذبوا بالرسالات وانحرفوا عن خط الصدق ~~وتمردوا عليه ( @QUR@02 عذابا أليما ) لأنهم لم ينطلقوا في ذلك من موقع حجة ~~أو شبهة ، بل من ms4287 موقع عناد وتمرد. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في تفسير الآيتين # وقد ذكر في تفسير الميزان وجها آخر في تفسير الآية فقال : «فرق بين PageV18P266 # قولنا : سألت الغني عن غناه ، وسألت العالم عن علمه ، وبين قولنا : سألت ~~زيدا عن ماله أو عن علمه ، فالمتبادر من الأولين أني طالبته أن يظهر غناه ~~وأن يظهر علمه ، ومن الأخيرين أني طالبته أن يخبرني هل له مال أو هل له علم ~~أو يصف لي ما له من المال أو من العلم. # وعلى هذا ، فمعنى سؤال الصادقين عن صدقهم ، مطالبتهم أن يظهروا ما في ~~باطنهم من الصدق في مرتبة القول والفعل ، وهو عملهم الصالح في الدنيا. ~~فالمراد بسؤال الصادقين عن صدقهم توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم ، ~~ليظهر منهم صدقهم المستبطن في نفوسهم ، وهذا في الدنيا لا في الآخرة ، فأخذ ~~الميثاق في نشأة أخرى قبل الدنيا كما تدل عليه آيات الذر ( @QUR@016 وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى ) [الأعراف : 172]. # وبالجملة ، الآيتان من الآيات المنبئة عن عالم الذر المأخوذ فيه الميثاق ~~، ونذكر أن أخذ الميثاق من الأنبياء عليهم السلام وترتب شأنهم وعملهم في ~~الدنيا على ذلك ، في ضمن ترتب صدق كل صادق على الميثاق المأخوذ منه. # ولمكان هذا التعميم ، ذكر عاقبة أمر الكافرين ، مع أنهم ليسوا من قبيل ~~النبيين ، والكلام في الميثاق المأخوذ منهم ، فكأنه قيل : أخذنا ميثاقا ~~غليظا من النبيين أن تتفق كلمتهم على دين واحد يبلغونه ليسأل الصادقين ~~ويطالبهم بالتكليف والهداية ، إظهار صدقهم في الاعتقاد والعمل ففعلوا ، ~~فقدر لهم الثواب ( @QUR@04 وأعد للكافرين عذابا أليما ) (1). # ولكننا لا نجد للآيتين أي ظهور في ما ذكره ، لا سيما في ما استنتجه من PageV18P267 # اعتبارهما من آيات عالم الذر ، لأن الفرق الذي تحدث عنه بين التعبيرين لا ~~أساس له ، فإن من الممكن أن يريد بكل من الكلمتين ما يريد بالأخرى ، كما أن ~~الآية ظاهرة في الحديث عن ميثاق النبوة التي ذكرنا أن الله عبر عنها بالصدق ~~في آية أخرى ، مما لا يتناسب مع ms4288 الحديث عن عالم الذر. وهكذا نرى أن هذا ~~التفسير لا يخلو من الكثير من التكلف والبعد عن ظهور الآية ، والله العالم. # * * * PageV18P268 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) ~~@QUR@016 إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) @QUR@06 هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 زاغت الأبصار ): مالت. # ( @QUR@01 القلوب ): الأنفس. # * * * ### ||| ** معركة الأحزاب # هذا هو الفصل الأول من فصول معركة الأحزاب أو الخندق ، التي كانت نتيجة ~~مؤامرة مشتركة بين اليهود والمشركين ، فكان لليهود منها الإثارة PageV18P269 # والتشجيع والوعد بالاستفادة من مواقعهم المميزة في المدينة لإكمال الحصار ~~عليها بهدف الإطباق على النبي والمسلمين بالقوة الساحقة القاضية التي تنهي ~~أمر الإسلام كله. # وتتحدث بعض الروايات «أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن ~~أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم. # فقالت لهم قريش : يا معشر اليهود ، إنكم أهل الكتاب الأول ، فديننا خير ~~أم دين محمد؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، فأنتم أولى بالحق منه ، فهم ~~الذين أنزل الله فيهم ( @QUR@020 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا ) [النساء : 51] ، إلى قوله : ( @QUR@03 وكفى بجهنم سعيرا ) [النساء ~~: 55] ، فسر قريشا ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه ، فأجمعوا لذلك ، ~~واتعدوا له. # ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان ، فدعوهم إلى حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد ~~بايعوهم على ذلك ، فأجابوهم ، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت ~~غطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة ، والحارث بن عوف في ~~بني مرة ، ومسعر بن ms4289 جبلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع ، وكتبوا إلى حلفائهم ~~من بني أسد ، فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان أسد وغطفان ، ~~وكتبت قريش إلى رجال من بني سليم ، فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من ~~بني سليم مددا لقريش» (1). PageV18P270 # وهكذا نرى كيف كانت الخطة تشتمل على جمع أكبر عدد من المشركين لمفاجأة ~~المسلمين بهذا العدد الكبير ، للإجهاز على كل مواقعهم في المدينة ، لإسقاط ~~الإسلام نهائيا في حلف غير مقدس بين المشركين واليهود ، من خلال تخطيط يهودي. # وتأتي هذه الآيات لتثير أمام المسلمين ذكريات هذه المعركة في طبيعة ~~التحدي الكبير الموجه إلى الإسلام والمسلمين ، وفي طبيعة الضغط النفسي الذي ~~عاشه المسلمون آنذاك ، وفي النتائج الأخيرة التي انتهت بالرد الإلهي الذي ~~جعل الخطة تسقط وتنتهي بهزيمة مثيرة للمعتدين. # * * * ### ||| ** إمداد الله المؤمنين بالريح والجنود # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ) في ما تذكرونه ~~من نعمه التي أغدقها عليكم في مسيرتكم الإيمانية في حمايته لكم من الأخطار ~~الكبيرة المحدقة بكم من كل جانب ( @QUR@03 إذ جاءتكم جنود ) من مختلف ~~العشائر والجهات ، لتجهز عليكم ( @QUR@03 فأرسلنا عليهم ريحا ) عاصفة باردة ~~في ليلة شاتية لم يستطيعوا معها أن يتماسكوا ، فلم يستمسك لهم بناء ، ولم ~~تثبت لهم نار ، ولم يطمئن لهم قدر حتى قال أبو سفيان : ما أنتم بدار مقام ، ~~هلك الخف والحافر ، وهذه الريح لا يستمسك معها شيء ( @QUR@03 وجنودا لم ~~تروها ) وهي الملائكة التي كلفها الله بالمهمات الخفية التي ساهمت في خذلان ~~جيوش المشركين. # ( @QUR@05 وكان الله بما تعملون بصيرا ) في ما يحيط به من أموركم الخفية PageV18P271 # والمعلنة ، فلا تغفلوا عن الإحساس الدائم برقابته ، وكونوا واثقين ~~بحمايته ورعايته للمؤمنين. # * * * ### ||| ** حالات الاضطراب عند المؤمنين # ( @QUR@04 إذ جاؤكم من فوقكم ) وهو الجانب الشرقي من المدينة كما يقال ~~الذي استقر فيه بنو غطفان ويهود بني قريظة وبني النضير ( @QUR@03 ومن أسفل ~~منكم ) وهو الجانب الغربي منها كما يقال الذي استقرت فيه قريش ومن انضم ~~إليهم من الأحابيش وكنانة ، وهناك دب الخوف والهلع في نفوس المسلمين من هذه ~~المفاجأة الرهيبة. # ( @QUR@03 وإذ ms4290 زاغت الأبصار ) حتى فقدت الرؤية المتوازنة ، عند ما بدأت ~~تميل هنا وهناك في حركة حائرة لا تستقر على حال ، ولا تتركز في اتجاه ( ~~@QUR@03 وبلغت القلوب الحناجر ) من فرط اهتزازها واضطرابها وهلعها ، حتى ~~يحس الإنسان أنها انخلعت من موقعها في الصدر لتبلغ الحلقوم من شدة الخوف ~~والفزع ، تماما كما هو حال المحتضر عند ما يزيغ بصره وتبلغ روحه الحلقوم ( ~~@QUR@03 وتظنون بالله الظنونا ) في احتمالات قلقة حائرة ، تفتقد عمق ~~الإيمان وثباته وتبتعد عن الثقة بالله ، بين قائل بأن الكفار سيغلبون ~~ويستولون على المدينة ، وقائل إن الإسلام سيسقط وإن الدين سيضيع ، وقائل إن ~~الجاهلية ستعود كما كانت ، إلى غير ذلك من الكلمات التي تنطلق من موقع ~~الهزيمة النفسية. # ( @QUR@06 هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) لأن هذه الصدمة ~~القوية ، وهذا الالتفاف المفاجئ عليهم من جميع الجهات ، لم يخطر لهم على ~~بال ، ولم PageV18P272 # يسبق لهم أن عاشوه في تجربة سابقة ، ولذلك عاشوا الزلزال النفسي الذي ~~فقدوا معه الاستقرار ، وبدأوا ينظرون من خلاله إلى المستقبل نظرة يائسة مظلمة. # * * * PageV18P273 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا (12) @QUR@026 وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام ~~لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ~~إن يريدون إلا فرارا (13) @QUR@014 ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا ~~الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) @QUR@013 ولقد كانوا عاهدوا ~~الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا (15) @QUR@015 قل لن ~~ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) ~~@QUR@024 قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) @QUR@014 قد يعلم الله ~~المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا ~~(18) @QUR@035 أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم ~~كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على ~~الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط ms4291 الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) ~~@QUR@023 يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) (20) # * * * PageV18P274 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بيوتنا عورة ): أي فيها خلل ، لا يأمن صاحبها دخول السارق ~~وزحف العدو. # ( @QUR@01 تلبثوا ): التلبث : التأخر. # ( @QUR@01 المعوقين ): الذين يعوقون غيرهم ويثبطونهم ويشغلونهم لينصرفوا ~~عن الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@01 البأس ): الشدة والحرب. # ( @QUR@01 أشحة ): جمع شحيح ، بمعنى البخيل. # ( @QUR@01 سلقوكم ): آذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنة سليطة. # ( @QUR@01 بادون ): خارجون من المدينة إلى البدو. # * * * ### ||| ** حرب المنافقين النفسية ضد المسلمين # ما هو منطق المنافقين ، الذين كان دورهم في المجتمع الإسلامي إثارة القلق ~~والارتباك والريبة والفتنة ، وإشاعة الذعر والخوف في النفوس؟ # وما هو منطق الذين دخلوا في الإسلام دخولا يشوبه التحفظ ، ويحيط به القلق ~~، فلم يكن الإيمان قويا في قلوبهم ، بل كان هناك ضعف يدفع إلى الاهتزاز عند ~~كل حادث بارز من الأحداث الخطرة التي تواجه المسلمين؟ # * * * PageV18P275 ### ||| ** منطق المنافقين المشكك # لقد كان منطقهم في البداية أن يثيروا التشكيك في وعد الله ورسوله ~~المسلمين بالقوة والنصر في مستقبلهم ، ليجعلوا من هذا الحصار الشديد منطلقا ~~للإيحاء بعدم جدية تلك الوعود وصدقها ، لأن المسلمين الذين يعيشون مثل هذه ~~الهجمة القاسية التي تعمل على القضاء على كل وجودهم ، لا يمكن لهم أن ~~يأملوا بالنصر القوي المهيمن على الساحة كلها. # ( @QUR@013 وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا ) فقد كان محمد يعدنا بأن نفتح مدائن كسرى وقيصر ، ونحن ~~لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء. # ( @QUR@010 وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم ) يثرب هو اسم ~~المدينة لأن المشركين سوف يقتحمونها ويقتلون أهلها ويصادرون أموالهم ( ~~@QUR@01 فارجعوا ) إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله ، ليراكم ~~المشركون بعيدين عن ساحة المعركة فيؤمنوكم ، وقيل : قالوا لهم ارجعوا كفارا ~~وسالموا محمدا وإلا فليست يثرب لكم بمكان. وهكذا كانت المسألة عندهم أن ~~يثيروا الخوف في قلوب أهل المدينة من أجل خلخلة الوضع الداخلي في اتجاه ~~الهزيمة النفسية ms4292 في معسكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسهل على المشركين ~~اقتحام المدينة من دون مقاومة. # ( @QUR@04 ويستأذن فريق منهم النبي ) للخروج من المعسكر ليبتعدوا عن ~~الإحراج الذاتي والاجتماعي الذي قد يقعون فيه عند ما يمتنعون عن المشاركة ~~في المعركة ، في ما يريدونه من الابتعاد عنها ، فيعملون لإيجاد المبررات ~~الواقعية للخروج ليكون خروجهم عن إذن شرعي من النبي ، حتى لا يطالبهم أحد ~~بذلك بعد انتهاء المعركة ، أو يعاقبهم النبي على الفرار ( @QUR@04 يقولون ~~إن بيوتنا عورة ) فهي معرضة للعدو ، مفتوحة للسارقين ، فائذن لنا يا رسول ~~الله ، لنرجع إليها PageV18P276 # لنحصنها لتمتنع على العدو ثم نرجع إليك بعد ذلك ( @QUR@03 وما هي بعورة ) ~~فليس فيها هذا الخلل الذي يدعونه ( @QUR@04 إن يريدون إلا فرارا ) من ~~المعركة ، من خلال هذه الحجة الكاذبة التي يتخففون فيها من الإحراج أمام ~~النبي والمسلمين. # ( @QUR@03 ولو دخلت عليهم ) المدينة ( @QUR@02 من أقطارها ) أي من جميع ~~جوانبها في ما كان يخاف من دخول المشركين عليها وسيطرتهم على مواقعها ، ~~وهجومهم على بيوتها ، وملاحقتهم لأهلها ، ( @QUR@03 ثم سئلوا الفتنة ) ~~والردة عن الدين والانتقال إلى جانب المنتصرين لقتال المسلمين ( @QUR@01 ~~لآتوها ) الفتنة أي جاؤوا إليها ، أو لأعطوها باختيارهم لأنهم لا يعيشون ~~عمق الانتماء إلى الإسلام وثبات الإيمان به والإخلاص لله ورسوله ، بل قد ~~يضمرون بدلا من ذلك الكفر أو البغض للإسلام وللمسلمين ، مما يجعل من مسألة ~~انتقالهم إلى العدو مسألة تبحث عن المبرر العملي الذي ينتهزون من خلاله بعض ~~الفرص الموجودة في داخل الواقع الذي يعيشون فيه. # ( @QUR@05 وما تلبثوا بها إلا يسيرا ) أي لم يتوقفوا لأخذ مهلة للتفكير ~~الذي يعيدون فيه النظر ، أو يتأملون في دراسة الموقف ، قبل الارتداد ~~والانتقال إلى الجانب الآخر ، بل يبادرون إلى الاندفاع نحو اللقاء مع العدو ~~بسرعة. وربما تفسر الفقرة بأن ذلك لن يفيدهم في ما يريدونه من الحصول على ~~النجاة ، لأن الله سيهلكهم بعد ذلك بمدة يسيرة ، في ما يأخذ به المنافقين ~~من عذابه في الدنيا قبل الآخرة. # ( @QUR@06 ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ) في ما ألزموا به أنفسهم من ~~الإخلاص لله ورسوله ms4293 بأن يمنعوا النبي مما يمنعون به أنفسهم ، وأن لا يفروا ~~مهما كانت النتائج ( @QUR@03 لا يولون الأدبار ) في خط المواجهة للعدو ( ~~@QUR@04 وكان عهد الله مسؤلا ) لأن الله أراد للمسلمين أن يوفوا بعهودهم ~~ولا ينقضوها ، لأن الكلمة التي تعبر عن الالتزام الداخلي ، تفرض على صاحبها ~~من موقع الإيمان أن يجعلها قانونا PageV18P277 # شرعيا يلتزم به كما يلتزم بالأوامر الصادرة عن الله ورسوله. # * * * ### ||| ** لا عاصم من الله # ( @QUR@010 قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ) لأنكم لا ~~تملكون أية ضمانة للبقاء بعد ذلك ، فإن الأعمار بيد الله ، فقد تهربون من ~~الموت في مكان ، ثم يلاقيكم في المكان الذي تهربون إليه ، ( @QUR@05 وإذا ~~لا تمتعون إلا قليلا ) من الوقت الذي تحصلون على الحياة فيه ، وربما لا ~~تجدون فرصة لذلك ، ( @QUR@015 قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة ) فما ذا تملكون من القدرة الذاتية التي تستطيعون ~~فيها إدارة أموركم في ما تتفادونه من الشر ، أو ما تحصلون عليه من الخير ، ~~وهل يملك أحد منكم شيئا من ذلك ، من دون الله الذي هو وحده الذي يملك النفع ~~أو الضرر؟! # والظاهر أن كلمة «يعصمكم» تتضمن معنى كلمة «يمنعكم» أو «يحميكم» ، لأن ~~المعنى الحرفي المتبادر منها لا يتناسب إلا مع المعنى المتصل بالسوء لا ~~بالرحمة. # ( @QUR@09 ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ) عند ما تنطلق ~~إرادة الله في إهلاكهم أو في إنزال العقوبة بهم ، مما يجعلهم يهربون من ~~الله إليه. # * * * ### ||| ** المنافقون أشحة على المؤمنين وعلى الخير # ( @QUR@05 قد يعلم الله المعوقين منكم ) الذين يثبطون الناس عن الخروج مع رسول PageV18P278 # الله ليعيقوا مسيرته في المواجهة الحاسمة للمشركين ( @QUR@04 والقائلين ~~لإخوانهم هلم إلينا ) أي تعالوا إلينا لتجدوا عندنا الأمن والطمأنينة ~~والراحة والدعة والحماية ، يقولون هذا ، كما لو كانوا يمثلون الضمانة لهم ، ~~ويضمنون السلامة لمصيرهم ، ( @QUR@05 ولا يأتون البأس إلا قليلا ) فهم ~~الجبناء الذين لا يدخلون الحرب إذا أقبلت على الساحة وهجمت عليهم ، إلا ~~بالمقدار الذي يثبتون به وجودهم من دون مشاركة ، لإيهام المؤمنين بأنهم ms4294 ~~معهم ، ثم ينكفئون إلى مواقعهم في عملية هروب سريع ، ( @QUR@02 أشحة عليكم ~~) بنفوسهم ، وبكل ما تحتاجون إليه منهم ، لأنهم لا يعيشون الانفتاح على ~~الإسلام والمسلمين ، فلا يتحسسون روحية العطاء تجاههم ، فيبخلون من خلال ~~الضيق النفسي الحاقد الذي ينكمش ويتقلص ويتعقد في الدائرة المغلقة ، ( ~~@QUR@03 فإذا جاء الخوف ) في أجواء القتال التي تنذر بالخطر وتوحي ~~بالمواجهة ، ( @QUR@03 رأيتهم ينظرون إليك ) نظرة حائرة متوسلة ، لا ثبات ~~فيها ولا تركيز ( @QUR@02 تدور أعينهم ) فلا تستقر في مكان من خلال الرعب ( ~~@QUR@05 كالذي يغشى عليه من الموت ) عند ما يعيش في سكراته ، فيحس بالحاجة ~~إلى أي شيء يلوذ به وينقذه. ولكن هذه الحالة لا تدفعهم إلى الانجذاب الروحي ~~نحو الهداية ، وإلى التفكير بالعاقبة في ما تفرضه من خط الالتزام ، وإلى ~~الدخول إلى المجتمع الإسلامي ، كعناصر حية فاعلة مؤمنة ، بل يبقى تأثير هذا ~~الجو ، في حجم الحالة الطارئة ، التي يزول أثرها عند ما تزول ( @QUR@06 ~~فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) فوجهوا إلى النبي والمؤمنين الكلام ~~الحاد السليط الذي لا يرتكز على قاعدة ، ولا يخضع لحق ، انطلاقا من حقدهم ~~وغرورهم ونفاقهم الذي يوزع مواقفه على مصالحه وشهواته. # ( @QUR@03 أشحة على الخير ) فإذا جاءت الغنيمة وهي الخير وبدأت القسمة ، ~~اندفعوا إليكم ليأخذوا حصة منها على أساس أنهم شركاء معكم فيها ، لأنهم ~~شاركوا بعض الشيء في تواجدهم في ساحة الحرب. فهم ، في الوقت الذي كانوا ~~أشحة عليكم ، فلا ينصرونكم ولا يعينونكم بشيء ، PageV18P279 # يتحولون إلى أن يكونوا الأشحة على حصتهم من الخير الذي يرزقونه من غنائم الحرب. # * * * ### ||| ** المنافقون أعمالهم محبطة # ( @QUR@03 أولئك لم يؤمنوا ) لأن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال ، بل هو ~~عقيدة تتعمق في الفكر والشعور والوجدان ، وموقف ينفتح على قضايا الإنسان في ~~دائرة الإيمان والرسالة ، في ما يتحدى به الآخرين الذين يريدون أن يسقطوا ~~قاعدته ويهزموا دوره أو في ما يرد به تحدياتهم في حركة الصراع. # ( @QUR@08 فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ) لأن النتائج ~~الروحية التي يستحق بها ثواب الله على العمل منطلقة من قاعدة الإيمان التي ~~يرتكز عليها ، فإذا انتفى الإيمان ms4295 انتفت تلك النتائج في ما يستحقه المكلف ~~على ربه ، ولهذا كان إسقاط الأعمال وإحباطها ، لا يعني الإبطال بعد ~~الاستحقاق ، بل يعني عدم الاستحقاق من الأساس. # ( @QUR@04 يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) فهم لا يزالون تحت تأثير الصدمة ~~الكبرى من الخوف الذي هز أعماقهم ، وأذهل عقولهم ، وأسقط مواقعهم ، ولذلك ~~كان الهاجس الذي يسيطر على أذهانهم ، أن جنود المشركين لا يزالون يحاصرون ~~المدينة ، على أساس أنهم باقون حتى يحققوا الانتصار على المسلمين ، لأنهم ~~لا يصدقون أن من الممكن أن ينهزم المشركون أمام المسلمين. # ( @QUR@03 وإن يأت الأحزاب ) مرة ثانية ( @QUR@06 يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب ) أي خارجون في البادية مع أعرابها ( @QUR@03 يسئلون عن أنبائكم ) ~~ليعرفوا ما ذا حدث لكم من هزيمة أو نصر ، بعد أن ضمنوا لأنفسهم الأمان ، ~~مما يجعل منه سؤال PageV18P280 # الاسترخاء الذي يبحث عن المعرفة من موقع الفضول لا من موقع الاهتمام ~~الذاتي العميق الذي يدفعهم إلى الاندماج الشعوري في مسئولية المجتمع الذي ~~يتحول إلى اندماج عملي في مواجهة التحديات الموجهة إليه. # ( @QUR@03 ولو كانوا فيكم ) في داخل المجتمع الإسلامي ، ما تحملوا أية ~~مسئولية في الدفاع عنكم و ( @QUR@04 ما قاتلوا إلا قليلا ) في ما يمكن أن ~~يرفع العتب ويخفف الإحراج ولا يغني عن شيء. # * * * PageV18P281 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) @QUR@018 ولما رأ المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما (22) @QUR@018 من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم ~~من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) @QUR@016 ليجزي الله ~~الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا ~~رحيما (24) @QUR@016 ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أسوة ): قدوة. # ( @QUR@01 نحبه ): النحب : النذر المحكوم بوجوبه ، يقال : قضى فلان نحبه : PageV18P282 # أي وفي بنذره ، ويعبر بذلك عمن مات وهو المراد هنا. # * * * ### ||| ** الرسول قدوة المسلمين # ( @QUR@08 لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ms4296 ) أي قدوة حسنة في ما يأخذ ~~به أو يدعه من الأفعال والمواقف ، لأنه الإنسان الذي تتمثل فيه الصفات ~~المثلى للكمال الإنساني ، فقد رباه الله التربية الفضلى وأدبه الأدب العظيم ~~، وصاغ شخصيته أفضل صياغة. وبهذا كان التجسيد الحي للإسلام في كل ملامح ~~ذاته في الجانب الداخلي منها ، في ما يحمله في فكره وقلبه وشعوره من طهر ~~الفكرة ، ونقاء القلب ، وصدق الشعور ، وإخلاص النية ، وفي الجانب الخارجي ~~منها ، من الإخلاص لله والعمل بطاعته ، والجهاد في سبيله ، والإحسان إلى ~~الناس ، والصدق في الدعوة ، والصبر على آلامها ، والانفتاح على الحياة كلها ~~من موقع الرسالة الباحثة عن الخير في كل صعيد ، وعن الحق في كل أفق ، وعن ~~العدل في كل مجتمع ، لتؤكد القيم الأخلاقية الإنسانية الروحية من خلال ~~المعاناة ، وليكون رضاه في ما يرضاه الله ، وسخطه في ما لا يرضيه ، مما جعل ~~عمله سنة وشريعة ، كما كان قوله مصدرا لذلك. # وهذا هو الذي خاطب الله به المسلمين الذين كانوا معه ، ليعتبروه أساسا ~~لسلوكهم الإيماني وخطهم الإسلامي ، بأن يتطلعوا إليه ليرصدوه في كل عمله ، ~~لتكون صورتهم صورته ، يتأسون به ، ويقتدون به في مواقفه وسجاياه. # وتلك هي ميزة الرسل في شخصيتهم النبوية ، أنهم لا يمثلون الرسالة في ~~الكلمة فقط ، بل يجسدونها في الموقف ، فيرى الناس صورة القيمة الإسلامية في ~~الواقع ، كما يسمعونها في الكلمة. وقد كان رسول الله إسلاما يتحرك على PageV18P283 # الأرض ، فيفهمون الدعوة في سلوكه بعد أن يسمعوها من قوله ، مما يوحي لهم ~~بأنها ليست فكرا مثاليا يعيش في عالم المثال وفي آفاق الخيال ، بل هي فكر ~~متجسد في الواقع العملي من شخصية الداعية. # وقد رأى بعض العلماء في هذه الآية إيحاء بعصمة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الله لا يجعل إنسانا قدوة مطلقة في كل عمله إلا ~~إذا كان عمله صورة للحق ، ومطابقا للصواب. # وهكذا كانت هذه الآية خطابا للمسلمين الذين كانوا يجتمعون حول الرسول ~~ويتصرفون بحرية الذات المشدودة إلى مزاجها ، الباحثة عن رغباتها ، الغارقة ~~في شهواتها ، بعيدا عن المسؤولية في خط الرسالة ms4297 ، وبعيدا عن الجهاد في سبيل ~~الله ، فيهربون عند ما تبدو أمامهم مواقع الخطر ، ويسقطون أمام تحديات العدو. # إنها تريد أن تشدهم إلى صورة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ثباته في ~~جهاده ، وإخلاصه لربه وقوته في مواجهة العدو ، واستهانته بالأخطار المحدقة ~~به ، وفي موقفه الصابر في معركة الأحزاب ، عند ما كان يشجع المسلمين على ~~الثبات ، ويشاركهم في حفر الخندق ، ويشد حجر المجاعة على بطنه ، ويبقى في ~~خط التقدم الأول ، حتى لا يكون أحد أقرب إلى العدو منه. # إنها تريد أن تقدم لهم هذه الصورة ، النموذج الأعلى للإنسان الرسالي ~~الثابت في خط الرسالة ، المتحدي في مواجهة العدو ، ليزدادوا قوة بقوته ، ~~وليأخذوا الإخلاص من إخلاصه ، حتى يكونوا في مستوى التحديات الكبيرة في ~~المعركة ، ليكون لهم النصر من خلال هذا الموقف الحاسم القوي في مواقع ~~الإيمان. # إنه خط القيادة القدوة الذي تسير فيه القاعدة الجماهيرية من الأمة ولكن ~~الذين يلتزمونه ، هم الذين انفتحت قلوبهم على الإيمان بالله ، وعاشوا PageV18P284 # الإخلاص له ، ورغبوا في ثوابه ، وخافوا من عقابه ، وذكروه في السر ~~والعلانية ، فلم يغب عن أفكارهم ، ولا عن ألسنتهم ، لأنهم وحدهم الذين ~~يفهمون معنى الرسالة في معناه ، وسر الإيمان في سره. # ( @QUR@04 لمن كان يرجوا الله ) ويرغب في رضاه ، ويهتدي بهداه ، ويقتدي ~~برسله ( @QUR@05 واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) فكان معه في كل أحواله ، ~~حتى لم يغفل عنه في أية لحظة ، في كل مواقع المراقبة والمحاسبة والمجاهدة ~~والمعاناة. # وهكذا كانت هذه الصورة ، هي صورة المؤمنين الملتزمين المخلصين الذين ~~صدقوا بالله ورسوله ، وجاهدوا في سبيل الله من موقع الصدق ، لم يخالطهم شك ~~أو ريب في ما هم فيه ، ولم تعرض لهم شبهة في ذلك كله. # * * * ### ||| ** الموقف الثابت للمسلمين في خط الإيمان # ( @QUR@04 ولما رأ المؤمنون الأحزاب ) وواجهوا البلاء الشديد من خلال هذه ~~الهجمة الكافرة التي تجمعت من كل مواقع الشرك ومعاقله ، ( @QUR@06 قالوا ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله ) في ما حدثهم به النبي أو وعدهم به ، من أن ~~الكافرين والمشركين سينطلقون إلى حربهم ، وسيحاولون أن يستأصلوهم ، وفي ما ms4298 ~~أنزل الله على رسوله من ذلك في قوله تعالى في سورة البقرة : ( @QUR@030 أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر ~~الله قريب ) [البقرة : 214]. # ( @QUR@03 وصدق الله ورسوله ) فقد رأوا الصدق في هذا الجو العاصف من ~~العداوة والبغضاء ، الذي يحيط بهم ، وفي هذه الحشود الكثيرة من الأعداء ~~التي تحدق PageV18P285 # بهم ، فأعلنوا اعترافهم به وإيمانهم به ( @QUR@05 وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما ) لأن ثقة المؤمنين بالله وبرسوله لا تتزلزل ولا تتزعزع أمام ~~المشاكل التي تواجههم ، والتحديات التي تتحداهم ، لأنهم يعرفون أن الله لا ~~يخذل عباده المؤمنين ، مهما طال الزمن واشتد البلاء ، فلا بد من أن تأتي ~~العافية بعد البلاء ، والرخاء بعد الشدة ، واليسر بعد العسر. وهكذا سلموا ~~أمرهم لله ، وواجهوا العدو من موقع واحد ، حتى انتصروا عليه بمعونة الله ~~وبرعايته وبنصره. # * * * ### ||| ** من المؤمنين رجال صادقو العهد # ( @QUR@08 من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) فلم يكن عهدهم ~~كلمة في اللسان ، يمكن أن تنطلق من هنا لتتبخر في الهواء ، فلا تثبت في ~~موقع المعاناة ، بل كان عهدهم التزاما في العقل والعاطفة والسلوك مما ~~يتطابق فيه القول والفعل ، فلا مجال لأية ثغرة فيما بينهما ، مما يمكن أن ~~ينفذ إليه الباطل ، ( @QUR@04 فمنهم من قضى نحبه ) فمات في سبيل الله ، ~~فكانت نهايته في هذا الموقع دلالة على صدقه ، ( @QUR@03 ومنهم من ينتظر ) ~~الشهادة أو النصر في المعارك المقبلة التي ينتظرها المجاهدون ليشاركوا فيها ~~وليؤكدوا عهدهم لله في مواقفها ( @QUR@03 وما بدلوا تبديلا ) لأنهم ~~الثابتون الذين تمتد جذور مواقفهم الإيمانية في أعماق الالتزام الذي لا ~~تزيده التحديات إلا قوة وصلابة وإصرارا على الثبات مع الحق المنفتح على ~~الله في موقف لا مجال معه لأي تغيير في الموقف أو تبديل في خط السير ، ( ~~@QUR@04 ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) في ما يفيض عليهم من لطفه ورحمته وما ~~يمنحهم من رضوانه ويدخلهم في جنته. وهؤلاء هم المؤمنون الذين ثبتوا مع ~~الرسول في حالة الشدة ، والتزموا ms4299 بعهدهم الذي عاهدوا الله عليه PageV18P286 # في أوضاع الزلزال ، ( @QUR@04 ويعذب المنافقين إن شاء ) لهم العذاب إذا ~~لم يتوبوا ، ( @QUR@02 أو يتوب (1) @QUR@01 عليهم ) في ما يمكن أن يشملهم ~~من رحمته ، إذا أنابوا إليه وتابوا من ذنوبهم ، ( @QUR@05 إن الله كان ~~غفورا رحيما ) فلا يمنع أحدا من رحمته ومغفرته ، ممن تتسع له الرحمة ~~والمغفرة. # * * * ### ||| ** وكفى الله المؤمنين القتال # ( @QUR@08 ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) فلم يحصل ~~المشركون وحلفاؤهم على أي خير يزعمونه في انتصارهم على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، بل انهزموا شر هزيمة ، ( @QUR@04 وكفى الله المؤمنين ~~القتال ) بما هيأه لهم من الأسباب في موقف الإمام علي عليه السلام في مواجهة ~~بطل المشركين عمرو بن عبد ود وقتله له ، مما أضعف معنويات المشركين ، وفي ~~إرسال الرياح العاصفة التي اقتلعتهم من مواقعهم التي كانوا فيها ، وفي غير ~~ذلك مما أرسله الله من ملائكته ( @QUR@04 وكان الله قويا عزيزا ) فإذا أراد ~~شيئا بعباده ، فلا راد لإرادته ، وإذا اقتضت مشيئته أن يقهر أحدا بقوته ، ~~فلا يستطيع أحد أن يواجهها بأية وسيلة ، ولا يملك أحد أن يواجه عزته التي ~~لا تقهر ، فهو الذي يكفي من كل شيء ، ولا يكفي منه شيء. # * * * PageV18P287 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@016 وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم ~~الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) @QUR@013 وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا ) (27) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ظاهروهم ): المظاهرة : المعاونة. # ( @QUR@01 صياصيهم ): الصياصي جمع صيصية ، وهي الحصون التي يمتنع بها. # * * * ### ||| ** مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهود بني قريظة وانتصاره عليهم # في هاتين الآيتين إشارة إلى مواجهة النبي والمسلمين لليهود من بني PageV18P288 # قريظة الذين كانوا يسكنون في ضواحي المدينة ، وكان بينهم وبين النبي عهد ~~بأن لا يساعدوا العدو عليه ، ولكنهم نقضوا العهد عند ما بدأت مؤامرة ~~الأحزاب ، وأعلنوا الحرب ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، ~~مما جعل النبي في حل من عهده معهم ، فأعلن الحرب عليهم بعد هزيمة الأحزاب ، ~~ونادى مناديه أن يخرج المسلمون إلى بني قريظة ، فلما ms4300 بلغوهم ، أغلقوا عليهم ~~باب الحصن ، فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام على أن يكون ~~لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، وإلا حاصروهم حتى يستسلموا أو يحاربوا ، ~~فأشار عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يسلموا ويؤمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقال : فو الله ، لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي ~~تجدونه في التوراة ، فأبوا وقالوا : لا نفارق ديننا. # وبدأ الحصار الإسلامي يطبق عليهم واستمر إلى خمس وعشرين ليلة ، حتى لم ~~يستطيعوا البقاء معه ، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم النزول على حكم ~~سعد بن معاذ ، وهو رئيس الأوس ، وكان بنو قريظة حلفاء لهم ، فوافق النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، وقال لسعد : احكم بما شئت عليهم ، قال سعد : ~~وحكمي نافذ عليهم؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : نعم ، فحكم سعد أن يقتل ~~رجالهم المقاتلون وأن تقسم أموالهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم ، وأن تكون ~~ديارهم للمهاجرين دون الأنصار ، لأن للأنصار ديارا ولا ديار للمهاجرين. # وهكذا استجاب الرسول لهذا الحكم ونفذه بشكل دقيق ، انطلاقا من نقضهم ~~العهد بالمستوى الذي تحولت فيه مواقعهم في المدينة إلى خطر مستقبلي دائم ~~على الإسلام والمسلمين ، بعد أن كان حاضرهم يتحرك في اتجاه ممارسة هذا ~~الخطر الذي حذر الله المسلمين منه. # * * * PageV18P289 ### ||| ** الحديث عن قسوة الحكم على بني قريظة # وقد أثار البعض حديث القسوة الشديدة في هذا الحكم العنيف الذي لا رأفة ~~فيه ولا رحمة ، في الوقت الذي استسلموا فيه له بشكل مطلق ، ولكن التأمل في ~~طبيعة الموقف ، قد يجعلنا نتفهم عدالة المسألة في مثل هذه القضايا التي لا ~~تخضع لأجواء المأساة ، بل لخطوط العدالة في طبيعة الحيثيات والظروف المحيطة ~~بالموقف. # فقد لاحظنا أنهم نقضوا العهد الذي عاهدوا النبي عليه ، من دون أن يكون ~~هناك أي موجب لذلك ، فقد كانت أوضاع المسلمين معهم في نهاية الرعاية وفي ~~المستوى الكبير من الوفاء بالعهد ، مما جعل النقض خاضعا لعقدة خيانة داخلية خطيرة. # وقد ترك لهم النبي المجال لتفادي الخيار الصعب ms4301 بالدخول في الإسلام ليكون ~~لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولكنهم رفضوا ذلك ، كما رفضوا النزول ~~عند حكمه ، وفضلوا النزول على حكم سعد بن معاذ ، آملين أن يكون تحالفهم ~~القديم مع عشيرته الأوس مصدر سلام لهم ، في ما يعتقدونه من تأثير على قرار ~~سعد. ولكن سعدا كان ينطلق من دراسته للعقدة اليهودية ضد الإسلام والمسلمين ~~، لأنه كان يعرف خلفياتهم الفكرية ، ويلاحظ تحركاتهم المشبوهة في إثارة ~~الفتن والقلاقل في داخل المجتمع الإسلامي ، مما جعله يقرر ضرورة إنهاء ~~أمرهم بشكل حاسم ، لأن أنصاف الحلول قد أثبتت فشلها لدى هؤلاء الذين يلعبون ~~على الحلول وعلى المتغيرات من الأحداث ليوظفوها لصالحهم ، فكان حكمه على ~~هذا الشكل. # وقد ذكر الكاتب المصري عباس محمود العقاد في هذا المجال «أن سعدا إنما ~~دانهم بنص التوراة الذي يؤمنون به ، كما جاء في التثنية : «حين PageV18P290 # تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإن أجابتك إلى الصلح ~~وفتحت لك ، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك ، وإن لم ~~تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك ، فاضرب ~~جميع ذكورها بحد السيف ، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة ~~كل غنيمة تغنمها لنفسك ، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك إلهك» (1) (2). # وهكذا كانت المسألة في دائرة القاعدة المعروفة : «ألزموهم بما ألزموا به ~~أنفسهم» من ناحيتين ، ناحية قبولهم بحكمه ، وناحية التزامهم الشرعي بمضمونه ~~في علاقتهم بالآخرين ، فلم يكن من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا ~~تنفيذ ما التزموا به. # ( @QUR@06 وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ) أي ناصروهم من يهود قريظة ~~( @QUR@02 من صياصيهم ) وهي الحصون التي يتمتعون بها من أعدائهم ( @QUR@04 ~~وقذف في قلوبهم الرعب ) في ما واجهوه من قوة المسلمين ومن ضغط الحصار عليهم ~~بعد أن كانوا في حالة استرخاء أمني لاعتقادهم بأن مؤامراتهم لم تنكشف للنبي ~~، وأن من الممكن أن يقبل عذرهم ويعفو عنهم ( @QUR@04 فريقا تقتلون وتأسرون ~~فريقا ) في ما حدث من قتل الرجال وسبي الذراري والنساء ( @QUR@04 وأورثكم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم ) في سيطرتكم المطلقة ms4302 على كل مقدراتهم ( @QUR@03 ~~وأرضا لم تطؤها ) وهي أرض خيبر أو الأرض التي أفاء الله بها على المسلمين ~~مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ( @QUR@06 وكان الله على كل شيء قديرا ) ~~فهو القادر على أن ينصركم بنصره ويعزكم بعزه ، فكونوا على ثقة من ذلك في ما ~~يواجهكم من تحديات وصعوبات. # * * * PageV18P291 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) @QUR@014 وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) @QUR@017 ~~يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك ~~على الله يسيرا (30) @QUR@014 ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها ~~أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) @QUR@020 يا نساء النبي لستن كأحد ~~من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا ~~معروفا (32) @QUR@025 وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) @QUR@014 واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) (34) # * * * PageV18P292 # معاني المفردات # ( @QUR@01 أمتعكن ): أعطكن متعة الطلاق ، وقيل : امتعكن بتوفير المهر. # ( @QUR@01 وأسرحكن ): أطلقكن. # ( @QUR@02 فلا تخضعن ): أي لا ترققن القول. # ( @QUR@01 وقرن ): قر يقر : ثبت. # ( @QUR@01 تبرجن ): التبرج : إظهار المرأة محاسنها للناس. # * * * ### ||| ** الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم # في هذا الفصل من السورة حديث مفصل عن الخط العملي والعمق الروحي للجو ~~الذي يريد الله للبيت النبوي أن يعيش فيه في حياة زوجات النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مع إطلالة سريعة على بعض خصوصيات أهل بيته. # * * * ### ||| ** اهتمام الوحي ببيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم # قد يكون الأساس في الاهتمام القرآني بالتوجيه الخاص للوضع الداخلي في بيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، انعكاس ذلك سلبا أو إيجابا على النظرة العامة ~~للموقع النبوي ، في ما يمكن أن يثيره المنافقون من أقاويل وانطباعات ضده من ~~خلال ما قد يحدث من بعض زوجاته ms4303 من أوضاع خاصة تسيء إلى مكانته ، وذلك من ~~خلال النظرة الاجتماعية الساذجة التي تحمل صاحب البيت مسئولية أهل بيته ، PageV18P293 # خلافا للنظرة الإسلامية التي لا تحمل أحدا مسئولية انحراف شخص آخر من ~~متعلقيه إلا بمقدار تقصيره في منع الانحراف ، أو رضاه عنه ، إذ لا فرق بين ~~أهله وبين الناس الآخرين في تحديد المسؤولية بالدعوة إلى الله ، بكل ~~الأساليب العملية التي تؤدي إلى الهداية. فليس على النبي إلا البلاغ ، وليس ~~على صاحب البيت إلا بذل جهده في هداية أهل بيته. وتبقى النتائج السلبية أو ~~الإيجابية خارجة عن مسئوليته أمام الله. # وهذا هو ما قد يحتاج المسؤولون عن الدعوة إلى الله والعاملون في سبيله أن ~~يعرفوه ، من ضرورة توفرهم على سلامة البنيان الداخلي لبيوتهم ، بالتربية ~~الإسلامية ، والتركيز الإيماني الروحي ، والسير على خط التقوى ، لأن ذلك قد ~~يترك أكثر من انعكاس. # * * * ### ||| ** النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخير زوجاته بين الدنيا والآخرة # ( @QUR@011 يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~) في ما تريده النساء الأخريات من شؤون الترف والاستمتاع المادي الذي ~~يستهوي الحس ويثير الطموح الذاتي في تلبية الشهوات وإرضاء المطامع ، فلن ~~تلاقين مني الضيق والقهر والضغط والاضطهاد ، لأني لا أريد لأية واحدة منكن ~~أن تعيش مقهورة مضطهدة ، في ظل الضيق المادي الذي أعانيه ، وفقدان ~~الاستقرار ، وصعوبة الظروف. # فإذا كانت إرادتكن هذا النوع المترف من الحياة مما لا أستطيع تحقيقه إلا ~~بالانحراف عن أمانة الرسالة ، ومسئولية الرسول. ( @QUR@05 فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا ) وذلك بأن تأخذ كل واحدة منكن حقوقها الواجبة بالعقد ~~، مع زيادة على ذلك من نفقة أو عطية مقبولة ، لتأخذن حريتكن في أجواء ~~المودة والرضا PageV18P294 # والخير والإحسان. # ( @QUR@07 وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ) بكل ما يفرضه هذا ~~الارتباط بالرسول الذي يحمل مسئولية الرسالة ليجعل حياته كلها لله في إبلاغ ~~وحيه ، وخدمة شريعته ، والجهاد في سبيله ، وفي تحمل مسئولية الأمة في ما ~~تحتاجه في حياتها مما يستطيع أن يقدمه لها من جهد أو علم أو مال ، مما يجعل ~~الذين يعيشون ms4304 معه في حياته الخاصة أشخاصا وأعين للدور الكبير ، ومستعدين ~~للتضحية بأوضاعهم الذاتية المزاجية ومصالحهم الشخصية في سبيله ، تماما كما ~~هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ، لأن ذلك هو معنى الارتباط الواعي ~~بالرساليين ، سواء كان ذلك في مستوى العلاقات الزوجية ، أو في مستوى ~~العلاقات الإنسانية الأخرى في الدائرة العامة. # وهكذا نفهم من خلال هذا الخط التخييري ، الإنساني في عمق روحيته ، ~~الواقعي في طبيعة حركته ، أن العلاقة بين النبي وزوجاته ، لم تكن خاضعة ~~لحالة حسية شهوية ، قائمة على الرغبة الجسدية للنبي ، كما يحاول أعداء ~~الإسلام أن يثيروه ، ليشوهوا قداسته الروحية وصفته الرسالية. وها نحن نفهم ~~من خلال هذه الآية أن النبي من خلال وحي الله يترك لهن كل الحرية في التخلص ~~من قيود الزوجية بالطلاق ، ويطرح عليهن في الجانب الآخر أن يعشن معه أجواء ~~التضحية في سبيل الله ، لينطلقن معه بصفتهن الإيمانية المنفتحة على الحياة ~~لا بصفتهن الذاتية الغارقة في أجواء الملذات ، ( @QUR@07 فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما ) في ما ينتظرهن من نعيم الله ورضوانه في الدار ~~الآخرة. # ولعل في الحديث عن الأجر العظيم للمحسنات منهن ، بعض الإيحاء بأن الزوجية ~~للنبي ليست قيمة روحية في ذاتها ، لتكون لزوجاته القداسة الإسلامية بصفتهن ~~الزوجية ، بل القيمة كل القيمة ، للإحسان في الخط العملي PageV18P295 # المتحرك مع الإخلاص لله ولرسوله وللدار الآخرة ، تماما كما هم المسلمون ~~الآخرون من الرجال والنساء ، في اعتبار التقوى في خط الإيمان أساسا للحصول ~~على كرامة الله ورضاه ، وهذا هو العمق الرسالي الذي يربط الناس بالأشخاص من ~~خلال علاقتهم بالله ، في القرب منه والبعد عنه ، بعيدا عن الصفة الذاتية في ذلك. # * * * ### ||| ** تحذير نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عواقب الانحراف # ( @QUR@08 يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) أي معصية واضحة ، في ~~ما يمثله ذلك من التمرد على إرادة الله في أوامره ونواهيه ، ( @QUR@04 ~~يضاعف لها العذاب ضعفين ) والضعفان هما المثلان ، لأن في ذلك إساءتين ، ~~فهناك إساءة على مستوى الالتزام في انحراف العاصية عن خط الشريعة ، وهناك ~~إساءة ms4305 على مستوى الجو العام المتصل بالموقع الرسالي في ما يمثله من انعكاس ~~سلبي على صورة البيت النبوي في داخل المجتمع ، مما يؤثر تأثيرا سلبيا على ~~صورة الرسالة ، ( @QUR@05 وكان ذلك على الله يسيرا ) لأنه القادر على أن ~~ينزل العقاب بكل العصاة من عباده مهما كانت منزلتهم الاجتماعية ، فلن يعجزه ~~أحد من خلقه. # ( @QUR@07 ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ) في ما يمثله القنوت من ~~الخضوع المطلق والطاعة الخاشعة ، وفي ما يوحيه العمل الصالح من انفتاح ~~الإيمان على خط العمل ، ( @QUR@03 نؤتها أجرها مرتين ) لأنها أطاعت الله في ~~ما يأمرها به أو ينهاها عنه ، ولأنها قدمت المثل الحي الصالح على أن البيت ~~النبوي يجسد الالتزام بالإسلام في كل نماذجه ، ليكون قدوة للآخرين في ذلك ، ~~( @QUR@04 وأعتدنا لها رزقا كريما ) أي هيأنا لها رزقا كريما في جنة الله ~~في الآخرة. PageV18P296 # ( @QUR@07 يا نساء النبي لستن كأحد من النساء )، قد يكون معنى هذه ~~الفقرة : أنتن فوق النساء شرفا وكرامة برسول الله ، ( @QUR@02 إن اتقيتن ) ~~بحيث تكون التقوى شرطا في بلوغهن هذه الدرجة الكبيرة بالإضافة إلى علاقتهن ~~الزوجية بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . # وقد يكون المعنى ، هو أن مسئوليتكن من خلال موقعكن في حياة النبي ~~الداخلية ، وانتسابكن إليه تختلف عن مسئولية سائر النساء ، لأن لكن دورا ~~كبيرا في إعطاء المثل الحي والقدوة الصالحة ، بالإضافة إلى الدور الذاتي في ~~الالتزام ، مما يفرض عليكن أن تتشددن في إلزام أنفسكن بالخط الإسلامي ~~بالمستوى الأعلى من ذلك. وبذلك تكون كلمة ( @QUR@02 إن اتقيتن ) شرطا ~~للجملة التالية ( @QUR@03 فلا تخضعن بالقول ) أي ترققن الكلام بالطريقة ~~التي تثير مشاعر الرجال الغريزية ، في أسلوب إيحائي مشبع بالإغراء في ~~طبيعته ( @QUR@05 فيطمع الذي في قلبه مرض ) من أولئك الذين يفقدون الإيمان ~~وينطلقون في خطوط الفسق والنفاق ، فيتحركون من أجل نصب شباك الرذيلة حولهن ~~، فيترك تأثيره في بعض الحالات على نفوسكن التي قد تستجيب لا شعوريا ~~للإغراء ، أو قد يترك ذلك تأثيره على الصورة المشرقة للبيت النبوي ، ( ~~@QUR@03 وقلن قولا معروفا ) منسجما مع التوازن في الصوت وفي الكلمة ~~والمضمون الذي لا ms4306 يشتمل على أي إيماءة إيحائية غير أخلاقية. # ولعل المعنى الثاني أقرب ، لأن الجو ليس جو تفضيل نساء النبي على الآخرين ~~، بل هو جو الحديث عن طبيعة الدور من خلال الموقع ، مما يجعل التوجيه نحو ~~الإخلاص للموقع والدور ضروريا ، كما يشير إلى علاقة الطريقة التي ينطلق بها ~~الكلام بالتقوى ، حذرا من الاعتقاد بأن التقوى تقتصر على جانب المضمون ~~والنية القلبية ، ولا تتعدى إلى جانب الشكل واللحن والأسلوب ؛ والله ~~العالم. # ولا ينافي ذلك ، أن هذا الخط التوجيهي مشترك بينهن وبين سائر النساء ، PageV18P297 # في ما يريده الله من النساء أن يتكلمن مع الرجال بطريقة طبيعية لا أثر ~~فيها للتكلف وللإغراء ، لأن المطلوب منهن زيادة الاهتمام بهذه الناحية. # * * * ### ||| ** تعاليم تربوية خاصة لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@03 وقرن في بيوتكن ) أي الزمن بيوتكن ، فلا تخرجن منها كما تخرج ~~بقية النساء. وهل هو أمر بحبسهن فيها ، كما هو المعنى الحرفي للكلمة ، أم ~~هو كناية عن عدم الخروج الاستعراضي الذي يظهرن فيه بطريقة لا تتناسب مع ~~كمال المرأة في تقواها الأخلاقي ، وذلك بخروجهن بزينتهن؟ والمعنى الثاني هو ~~المقصود ، فيكون مقدمة لقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى ) لأن المرأة في الجاهلية التي سبقت الإسلام كانت تخرج إلى مجتمعات ~~الرجال ونواديهم بكل زينتها ، في موضع غير لائق بالضوابط الأخلاقية في هذا ~~المجال. وبذلك تكون الفقرتان واردتين في الحديث عن عدم الخروج من البيوت ~~بالطريقة التي تخرج بها النساء في الجاهلية ، لا عدم الخروج أصلا ، لأنه لم ~~يعهد المنع المطلق من الخروج في حديث السيرة النبوية ، وربما كان كناية عن ~~الثبات في البيوت ، في ما يمثله البيت من مكان الاستقرار للمرأة في دورها ~~الطبيعي الذي يتصل بالأمومة من جهة ، ورعاية الزوج من جهة أخرى ، والإشراف ~~على الأسرة بشكل عام ، والله العالم. # ( @QUR@04 وأقمن الصلاة وآتين الزكاة ) في ما يوحيان به من التقوى ~~الروحية والعملية ، والتضحية في سبيل الله من خلال العطاء المالي للزكاة ، ~~( @QUR@03 وأطعن الله ورسوله ) فذلك هو الخط الذي يجب أن يتحرك فيه المسلم ~~في التزامه الإسلامي ms4307 العملي ، سواء أكان رجلا أم امرأة. # * * * PageV18P298 ### ||| ** تطهير أهل البيت # ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ). # هناك نقاط في البحث في هذه الآية : # 1 من هم أهل البيت؟ قيل إن المراد بهم أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~روى ذلك الطبري في تفسيره عن علقمة قال : كان عكرمة ينادي في السوق ( ~~@QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قال ~~: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة (1). وقد يقال إن ما يؤيده ~~هو سياق الآية التي وردت في أجواء الآيات المتعلقة بهن ، في ما قبلها ~~وبعدها ، مما يجعل الظهور بينا في هذا المعنى. # وقيل إن المراد بقوله ( @QUR@02 أهل البيت ): رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، روى ذلك الطبري في ~~تفسيره عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~نزلت هذه الآية في خمسة ، في وفي علي رضي الله عنه وحسن رضي الله عنه وحسين ~~رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (2). # وروى ذلك عن أم سلمة قالت : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندي ، وعلي ~~وفاطمة والحسن والحسين ، فجعلت لهم خزيرة فأكلوا وناموا وغطى عليهم عباءة ~~أو قطيفة ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (3). # وفي رواية أخرى عنها ، أن هذه الآية نزلت في بيتها ، قالت : وأنا جالسة. PageV18P299 # على باب البيت ، فقلت : أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال : إنك ~~على خير أنت مع أزواج النبي قالت : وفي البيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين (1). # والظاهر أن القول الثاني هو الأقرب للصواب والأرجح بحسب الدليل. فإن ~~الرواية التي رواها عكرمة لم يسندها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~ما سمعه الراوي أو المسلمون منه ، فربما كانت رأيا شخصيا له على أساس ~~اجتهاد خاص ، لم يأت عليه ms4308 بدليل واضح لننظر فيه ، فلا يلزم غيره. بينما نجد ~~الروايات الأخرى التي تؤكد القول الثاني مروية عن أم سلمة في ما سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي ما نقلته من نزول الآية في بيتها أثناء ~~وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه مع أهل بيته ، كما رواها غيرها عنه ، ~~مما يجعل للتفسير أساسا ثابتا من مصدر الرسالة الأول. # وإذا لاحظنا المسألة من جانب كثرة الأحاديث ووثاقتها ، فإننا نجد أن هذه ~~الروايات تزيد على السبعين حديثا ، من طرق المسلمين من أهل السنة أو من طرق ~~المسلمين من الشيعة ، وربما زاد المروي منها عن طريق أهل السنة على ما ورد ~~منها من طرق الشيعة ، فقد روتها كتب أهل السنة بطرق كثيرة عن أم سلمة ~~وعائشة وأبي سعيد الخدري وسعد وواثلة بن الأسقع وأبي الحمراء وابن عباس ~~وثوبان مولى النبي وعبد الله بن جعفر وعلي والحسن بن علي في قريب من أربعين حديثا. # وروتها الشيعة عن علي والسجاد والباقر والصادق والرضا وأم سلمة وأبي ذر ~~وأبي ليلى وأبي الأسود الدؤلي وعمرو بن ميمون الأودي وسعد بن أبي وقاص في ~~بضع وثلاثين طريقا. PageV18P300 # وعلى ضوء ذلك ، فإن الترجيح العلمي لهذه الروايات أمام تلك الرواية. أما ~~مسألة السياق الظاهر في اختصاصها بنساء النبي ، فيردها أن هذه الأحاديث ~~الكثيرة لم تتحدث من قريب أو من بعيد عن نزول هذه الآية مع الآيات الأخرى ~~الواردة في خطاب أزواج النبي ، ولم يذكر ذلك أحد من القائلين بالاختصاص ، ~~بل كانت الأحاديث دالة على نزول الآية وحدها ، مما يجعلها منفصلة عن السياق ~~بطبيعتها ، ولكنها وضعت في ضمنه للمناسبة. # وقد يبعد الرأي الأول ، أن الاختصاص ووحدة السياق يفرضان أن يكون التعبير ~~الخطابي بكلمة «عنكن» لا بكلمة «عنكم». # وقد يذهب البعض إلى قول ثالث ، وهو شمول الآية لأزواج النبي بالإضافة إلى ~~أهل البيت ، ولكن الروايات الواردة عن أم سلمة تنفي ذلك ، كما جاء عنها ~~أنها عند ما تساءلت عن شمولها لها قال لها النبي صلى الله عليه ms4309 وآله وسلم : إنك ~~على خير ، ولكن المراد بها هم هؤلاء الأشخاص المميزون بأسمائهم ، كما أن ~~الروايات تؤكد على الاختصاص. # ولعل كلمة أهل البيت تحولت إلى مصطلح خاص بهؤلاء الأشخاص على لسان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولسان المسلمين من بعده ، حتى أصبحت تنصرف إليهم بشكل ~~سريع من دون أي التباس ، حتى أنها لا تشتمل بقية أقربائه مع شمول الكلمة ~~لهم بحسب العرف العام. # وقد جاء في صحيح مسلم بإسناده عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال : قال ~~رسول الله : ألا إني تارك فيكم ثقلين ، أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله ~~من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على ضلالة ، فقلنا : من أهل بيته ~~نساؤه؟ قال : لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم PageV18P301 # يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا ~~الصدقة بعده (1). # 2 ما معنى الرجس؟ الرجس في اللغة هو الشيء القذر ، الذي قد يتعلق بالجسد ~~ونحوه من الأشياء المادية ، كما قد يتعلق بالجانب المعنوي من الشخصية ، فقد ~~عبر الله عن لحم الخنزير بأنه رجس كما عبر عن الشرك والكفر وأثر العمل ~~السيئ في قوله تعالى : ( @QUR@012 وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) [التوبة : 125]. وفي قوله تعالى : ( ~~@QUR@028 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون ) [الأنعام : 125]. # وفي ضوء ذلك ، فإن الظاهر إرادة الملكات الأخلاقية السلبية التي تمثل ~~قذارة الروح ، كما يمكن أن تطل الكلمة على معنى آخر وهو الأخطاء الفكرية في ~~إدراك الأمور ، في ما يمكن أن تحمله الكلمة من إيحاءات تلتقي بالعصمة ~~الذاتية التي هي لطف إلهي يثيره الله في داخل النفس ، فيمنعه من باطل ~~الاعتقاد وسيئ العمل ، من خلال ما توحي به كلمة القذارة من المعنى الموجب ~~للتنفر والبعد عن الشيء والاجتناب عنه. # 3 دلالة الآية على عصمة أهل ms4310 البيت : إن الشيعة الإمامية استدلوا بهذه ~~الآية على العصمة ، لأن اللام في الكلمة للجنس ، مما يجعلها شاملة لكل ما ~~يوجب الخلل في الشخصية مما يوجب النفور منها ، في ما تنحرف به ، وتخطئ فيه ~~، فتكون دالة على تعلق إرادة الله بإزالة كل الجذور العميقة التي تقود إلى ~~الانحراف ، أو تدفع إلى الخطأ. PageV18P302 # وربما يذكر البعض بأن المراد هو تعلق الإرادة الإلهية بالاستقامة على خط ~~التقوى ، في ما يريده لكل الناس ، أو التشديد في التكاليف ، مما يجعل ~~المسألة مربوطة بالالتزام ، لا بالعصمة ، فإن الله جعل شريعته وسيلة لتطهير ~~الناس وإذهاب الرجس عنهم ، فلا تكون لها أية خصوصية في هذا المجال. ولكن ~~هناك نقطة مهمة في هذا الموضوع ، وهي أن الآية مختصة بأهل البيت كما أنها ~~شاملة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، مما يوحي بأن هناك خصوصية في ~~المسألة تختلف عن الوضع العام الذي يتعلق بالناس بشكل عام ، لا سيما في ما ~~يتعلق بمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # وفي ضوء ذلك ، تكون الإرادة الإلهية ، هي الإرادة التكوينية التي تتدخل ~~في تكوين الخصائص الذاتية في داخل الذات ، مما يحقق للشخصية ملكات روحية ~~ثابتة متحركة في اتجاه إيجاد الجو الفكري والروحي ، الذي يدفع إلى اختيار ~~الحق في القول والفكر والعمل ، لا الإرادة التشريعية التي تقتصر على توجيه ~~التكاليف. # وهناك أبحاث واسعة في مسألة العصمة ، في دليليها العقلي والنقلي ، وفي ~~بعض فروعها الفكرية ، لا يتسع لها المجال التفسيري ، فلتطلب في مظانها من ~~أبحاث علم الكلام. # * * * ### ||| ** رجوع الحديث إلى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@09 واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) في ما جعله ~~الله من المنهج الفكري والعملي الذي يثير الفكرة السليمة في الخط المستقيم ، PageV18P303 # ويؤكد السلامة للتطبيق العملي في سلوك الإنسان في دائرة الحق. وهذا هو ~~الذي ينبغي لهن أن يذكرنه في وعيهن الفكري ، وفي إحساسهن الروحي ، وفي ~~التزامهن العملي ، فلا ينسينه ، أو يهملنه ، على أساس ما قد يعيشه بعض ~~الناس من فقدان الاهتمام بما يكون مألوفا ms4311 لديه ، باعتبار أنه من الأمور ~~التي تتحرك في أجواء البيت ، فلا تثير الفضول الذاتي ، ولا تحرك الاهتمامات ~~الروحية الناشئة غالبا من الاستغراق في التطلع إلى الأشياء الخفية التي ~~تحمل في داخلها بعض الخفايا المثيرة. # ولعل هذا هو السبب في التأكيد على مسألة ذكر آيات الله والحكمة ، حتى لا ~~يستغرقن في ذاتياتهن المرتبطة بأجواء البيئة غير الإسلامية وبعمق الرواسب ~~الذاتية في الداخل ، فيبتعدن بذلك عن أجواء النبوة ومستلزماتها في ما يجب ~~أن يعيشه البيت النبوي من استقامة والتزام ( @QUR@05 إن الله كان لطيفا ~~خبيرا ) ففي لطفه نلتقي بالروح الإلهي الذي يرعى عباده بكل خير ورحمة ، وفي ~~خبرته وإحاطته بالأشياء كلها ، نستشعر الثقة باطلاعه على كل ما يصلحنا ~~ويفسدنا ، في ما يأمرنا به أو ينهانا عنه ، وبرقابته علينا في كل ما نفعله ~~ونتركه من أمورنا السرية والعلنية. # * * * PageV18P304 ### ||| * الآية # ( @QUR@030 إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والقانتين ): الدائمين على الأعمال الصالحات ، وقيل : ~~الداعين. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان ، قال مقاتل بن حيان : لما رجعت أسماء بنت PageV18P305 # عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب (ع)، دخلت على نساء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن : لا ، فأتت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة ~~وخسار ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ومم ذلك؟ قالت : لأنهن لا يذكرن بخير ~~كما يذكر الرجال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1). # وفي روايات أخر ، أن القائلة هي أم سلمة. # * * * ### ||| ** المرأة تطالب بموقعها # لعل هذه الروايات ، إن صحت ، توحي بأن هناك في تلك المرحلة من الدعوة ، ~~تطلعا نسائيا إلى أن يكون للمرأة نصيب من الوحي الإلهي يحدد لها موقعها ~~ودورها الإنساني والرسالي ، بحيث تتشرف وتتكرم به ، لا سيما على صعيد ~~مشاركتها للرجال في الخير الذي يذكر فيه ms4312 الله العاملين في طاعته وفي سبيله ~~بخير. وهذا التطلع إنما انطلق من وعيها للدور الذي تقوم به في الساحة ~~الإسلامية ، حيث شاركت في الدعوة ، وفي الهجرة إلى الحبشة ، وفي تحمل قسوة ~~الاضطهاد من المشركين ، وفي سقوطها شهيدة تحت سياط الكفر وتعذيبه ، جنبا ~~إلى جنب مع الرجل ، وفي الهجرة إلى المدينة ، وفي مفارقة الأهل والأزواج ~~فرارا بدينها ، وفي خروجها إلى الجهاد لتكون في الجبهة المساندة للمعركة ، ~~فتسقي العطشى وتضمد الجرحى ، وتقوم بشؤون المقاتلين ، وتتحرك في حياتها ~~الخاصة والعائلية والعامة في خط الالتزام الذي تقف فيه عند حدود إطاعة الله ~~والإخلاص له في المواقع المتنوعة ، والمواقف المختلفة ، وفي ذكر الله في كل مجال. PageV18P306 # ولذلك فإنها تتطلب أن تجد في القرآن آية تؤكد لها شخصيتها الإسلامية في ~~مواقع محبة الله ورضاه ، بصراحة ووضوح ، لأن العموميات في مثل هذه الأمور ~~المتصلة بمشاعر الكرامة الإنسانية ، في ما هي القيمة في الموقف والحركة ، ~~لا تملأ الفراغ الشعوري الداخلي. # وهكذا نزلت هذه الآية تأكيدا للمساواة الإسلامية بين المرأة والرجل في ~~دائرة التقييم الإلهي للعمل الملتزم بالخط المستقيم ، وأنهما سواء في ~~حصولهما على ثواب التزامهما ، من الله ، تماما كمساواتهما في عقاب الله ~~لهما على أعمالهما السيئة ، لأن مسألة العمل في قيمته لا تتصل بالشخص في ~~ذكوريته وأنوثيته ، بل بالعناصر الإيمانية في حركة العمل في داخل الذات ، ~~في العقل والقلب ، وبالعناصر الموضوعية في شروط العمل وأجزائه ، وفي ~~النتائج الإيجابية أو السلبية في مواقعه. وفي ضوء ذلك ، قد تعلو درجة ~~المرأة عند الله عند ما ترتفع في إيمانها وعملها عنده. # وتبقى القصة في التفاضل ، في دائرة الحياة الاجتماعية ، على مستوى الدرجة ~~الواحدة ، محكومة في تنظيم الوضع الإداري للحياة العامة للإنسان ، بعيدا عن ~~الجانب الروحي في تنظيم القيمة الإنسانية والروحية له. # * * * ### ||| ** المرأة والرجل سواء في الأجر والفضل # ( @QUR@03 إن المسلمين والمسلمات ) ممن تصفونهم بإسلام العقل والقلب ~~والوجه واليد واللسان ، وكل شيء لله ، بحيث لا يجدون لأنفسهم أي وجود في PageV18P307 # أي موقع أمام الله ( @QUR@02 والمؤمنين والمؤمنات ) الذين عاشوا الإيمان ~~فكرا وروحا وشعورا وحركة ms4313 في مستوى المواقف والعلاقات ( @QUR@02 والقانتين ~~والقانتات ) في ما تعنيه كلمة القنوت من القيام بالطاعة والدوام عليها ( ~~@QUR@02 والصادقين والصادقات ) الذين عاشوا الصدق كعنوان كبير من عناوين ~~شخصيتهم ، مع الله ومع الناس ومع النفس ، في الفكرة والموقف والكلمة ، ( ~~@QUR@02 والصابرين والصابرات ) الذين يبتسمون في مواقع الاهتزاز ، ويصمدون ~~في مواقف التحدي ، ويبتسمون في قلب الألم ، ويتمردون أمام قسوة الطغيان ، ~~ويواجهون مشاكل الحياة ومصاعبها من خلال الثقة بالله والاعتماد عليه في ~~ساعات الشدة ، ( @QUR@02 والخاشعين والخاشعات ) الذين عرفوا الله في آفاق ~~عظمته ، وانفتحوا على حاجتهم إليه في مواضع نعمته ، فعاشوا الخشوع في ~~عقولهم ، وامتد معهم في قلوبهم ، وتحول إلى هزة روحية خاضعة خاشعة في ~~مشاعرهم وفي حركات أجسادهم ، ( @QUR@02 والمتصدقين والمتصدقات ) الذين ~~عاشوا العطاء ، كقيمة روحية إنسانية في حركة الشخصية الإسلامية في داخلهم ، ~~وواجهوا المسألة المالية في ما يملكون من مال ، على أساس مسئوليتهم عنه ، ~~باعتبار أنه مال الله الذي جعله أمانة في أيديهم ، ليؤدوه إلى المحرومين من ~~عباد الله المستضعفين من موقع الواجب والإحسان المسؤول ، لا من موقع الذات ~~والإحسان المتفضل. وبهذا كانت الصدقة عملا من أعمال العبادة والطاعة ~~المالية لله تعالى في سياق الخط الإسلامي العام القائم على التكافل والتآزر ~~والتآخي الإنساني في الله ولله تعالى ( @QUR@02 والصائمين والصائمات ) في ~~حبس الجسد عن لذات الطعام والشراب والجنس ونحوها من الحاجات الطبيعية ~~للإنسان ، امتثالا لأمر الله وتقربا إليه ، وتدريبا على مواجهة الحاجات ~~الضاغطة في دائرة الانحراف ، بالموقف الإيماني المتمرد عليها إذا وقفت ~~الحاجات أمام مبادئ المؤمن ، ( @QUR@03 والحافظين فروجهم والحافظات ) عما ~~حرمه الله من العلاقة الجنسية كالزنى واللواط والسحاق وغيرها كالاستمناء ، ~~على أساس الاكتفاء بالعلاقات المحللة كالزواج PageV18P308 # ونحوه انطلاقا من امتثال أوامر الله ونواهيه في ذلك ، في ما أراده ~~للمؤمنين والمؤمنات من العفة عن الحرام ( @QUR@04 والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات ) في ما يعنيه ذلك من الحضور القلبي واللساني والعملي أمام الله ~~، في الانفتاح عليه بالنية المفتوحة على كل مواقع الخير في الحياة ، ~~وبالكلمة الممجدة له ، المسبحة بحمده في نعمه وآلائه ، والموحدة له في ~~ألوهيته وطاعته ، وبالعمل الذي يقف عند ms4314 حدود الله في حرامه وحلاله ، في ~~الخط المستقيم الذي يبدأ من الله وينتهي إليه ، هؤلاء وأمثالهم من النماذج ~~الإنسانية الملتزمة بالنهج الإلهي في كل آفاق الحياة ومواقعها ، ممن يمثلون ~~الشخصية الإسلامية القوية بإيمانها ، الواثقة بربها ، الخاشعة أمامه ، ~~الصابرة على قضائه ، الصادقة في موافقها وكلماتها ، المتصدقة بما رزقها ، ~~والصائمة في مواقع الإرادة عما لا يرضاه ، والمطيعة له في كل شيء ، ~~والذاكرة له في كل مكان ( @QUR@04 أعد الله لهم مغفرة ) في ما أذنبوه ، ( ~~@QUR@02 وأجرا عظيما ) في ما فعلوه من خير تقربا إلى الله ، وطلبا لمرضاته. ### ||| * * * * PageV18P309 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) (36) # * * * ### ||| ** استسلام المؤمنين المطلق لقضاء الله ورسوله # هذا هو الخط المستقيم في الالتزام الإيماني للإنسان المؤمن ، رجلا كان أو ~~امرأة ، إذا وقف أمام أوامر الله ونواهيه ، فلا بد له من الاستسلام المطلق ~~الذي لا مجال معه لأية خصوصية فكرية أو عاطفية أو مزاجية أو أية مصلحة ~~شخصية أو أي وضع عائلي أو اجتماعي ، في ما يمكن أن يدفعه إلى التأمل ~~والتفكير أو التوقف فيما بين خط التقدم والتأخر ، لأن الإنسان المؤمن يحمل ~~الإحساس الداخلي العميق بأن وجوده لا يملك أية استقلالية أمام وجود الله ، ~~وأن إرادته لا تملك أي تماسك أو أية قوة ، في مواجهة إرادة الله ، بل هي PageV18P310 # منسحقة في خط إرادته ، وهذا هو الذي يحفظ للإنسان توازنه ، وللمجتمع ~~نظامه ، وللحياة قوتها وصلابتها واستقرارها. # * * * ### ||| ** المؤمن والمؤمنة سواء في التكليف # ( @QUR@05 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ) في ما يفرضه الإيمان في شخصية الرجل ~~أو في شخصية المرأة من انفتاح على معنى الألوهية في ذات الله ، وسر ~~العبودية في ذات الإنسان ، في ما يفرضه ذلك من انسحاق كل خصوصيات الذات ~~أمام الله ، فليس لأي منهما ( @QUR@05 إذا قضى الله ورسوله أمرا ) من أمور ~~التشريع في نظام الإنسان في حياته الفردية أو الاجتماعية ، في ما يأمر به ~~الله أو ينهى عنه ، مما كان موافقا لمزاجه أو مخالفا ms4315 له ( @QUR@06 أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ) فلا مجال هناك لعملية الاختيار الذاتي ، ليوازنوا ~~بين ما يريدونه وبين ما يريده الله ، ليختاروا هذا تارة ، وذاك أخرى ، فإن ~~هذا هو معنى الإسلام في معناه العميق الذي يعني إسلام كل شيء لله ، واختيار ~~ما يريده دائما على طول الخط. # ( @QUR@04 ومن يعص الله ورسوله ) ويتمرد على إرادتهما في خط الشريعة التي ~~أنزلها الله على رسوله ، أو شرعها الرسول بأمر من الله ، ( @QUR@04 فقد ضل ~~ضلالا مبينا ) لأنه لا يرتكز على قاعدة صلبة ، ولا ينطلق في خط مستقيم ، بل ~~يبقى في قبضة الرياح العاصفة الهوجاء ، يتحرك ذات اليمين وذات الشمال تبعا ~~لاهتزاز الأهواء الحائرة في عمق مزاجه أو المتحركة في أهواء الآخرين ، فقد ~~يحلل اليوم شيئا ليحرمه غدا ، وهكذا تسير الأمور في اتجاه الضياع الذي يتجه ~~نحو اللاهدف. # * * * PageV18P311 ### ||| ** إشكالية الاختيار الإنساني في لزوم الطاعة المطلقة # وقد يعلق البعض على هذا بأنه قهر إلهي للإنسان إذ يشعر بالانسحاق الذاتي ~~الإرادي ، فلا يملك أن يحدد لنفسه موقعا ، في ما يرضاه لنفسه من مواقع ، ~~ولا أن يحدد لها هدفا في ما يحبه من أهداف ، مما يجعله يتطلع إلى حياته في ~~دائرة المأساة لا في دائرة الحرية القائمة على الانفتاح الحر من الموقع ~~الإنساني. # ونجيب على ذلك ، بأن هذه المشاعر السوداوية المأساوية تتحرك في ذات ~~الإنسان غير المؤمن الذي يعيش القهر الذاتي أمام الواقع الكوني الذي يحيط ~~به في ضغطة على حركته في قدراته الذاتية ، بحيث يشعر بنفسه محكوما للقوانين ~~الطبيعية التي تحدد له حرية حركته في ما يحبه أو يشتهيه ، سواء كان هذا ~~الإنسان مؤمنا بالله من ناحية عقلية من دون التزام ، أو كان كافرا به. # أما الإنسان المؤمن الذي يرى أن وجوده مستمد من الله ، كنعمة من نعمه ~~الممتدة في كل حياته ، المستمرة معه ، ويرى أن الله الذي جهز الإنسان ~~بالأجهزة الضرورية التي تحرك حياته في الموقع الصحيح في ما يصلح له وجوده ، ~~هو الذي يخطط لهذه الحياة ويمنحها السلامة الدنيوية والأخروية ، فليست هناك ~~شريعة ما من ms4316 وحيه ، إلا كان معها سر يحدد الصلاح في ما تأمر به ، والفساد ~~في ما تنهى عنه ، فلا مجال للشعور عنده بالقهر المأساوي ، في ما لا يتقبله ~~الطبع ، إلا كما يكون القهر ، في ما يتجرعه المريض من الدواء الذي يأمر به ~~الطبيب ، شفاء لمرضه وإنقاذا لحياته. # بل قد يكون الإيمان الواعي المنفتح منطلقا في عمق الفكر والروح PageV18P312 # والشعور للإيمان بأن الإرادة الإلهية دائما على حق ، لأنها لا تتحرك إلا ~~في مواقع الحق ، لعدم حاجتها إلى الباطل في تأكيد مصداقيتها في حياة ~~الإنسان ، مما يعني أن الإرادة الإنسانية الملتزمة بخط الله تحمل في داخلها ~~الإيمان بأن إرادة الله في شريعته ، هي التي تمثل حرية الإرادة الإنسانية ~~التي هي المصلحة الحقيقية للإنسان. # * * * PageV18P313 ### ||| * الآيات # ( @QUR@048 وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) @QUR@022 ما كان ~~على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا (38) @QUR@013 الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) @QUR@017 ما كان محمد أبا أحد ~~من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ) (40) ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 أمسك عليك زوجك ): كناية عن الكف عن تطليقها. PageV18P314 # ( @QUR@01 وطرا ): الوطر : الأرب والحاجة ، وهو كناية عن الدخول ~~والتمتع. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # نزلت بعض هذه الآيات أو كلها في قصة زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~من زينب بنت جحش ، وكانت قبلا زوجة لزيد بن حارثة ، الذي كان عبدا له فحرره ~~وتبناه وزوجه ابنة عمته زينب لمحبته له ، وليبطل بذلك العرف الجاهلي الذي ~~كان يرفض زواج ابنة العائلة الكريمة من غير الكفؤ في النسب ، لا سيما إذا ~~كان عبدا ثم تحرر ، لأن العبودية تزيده عارا. وقد أبطل الله هذا ms4317 التبني عند ~~ما أنزل على النبي قوله تعالى : ( @QUR@04 وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) ~~واستمر الزواج بين زيد وزينب مدة طويلة ، ولم يكن الحال بينهما على ما يرام ~~، لأنها لم تجده كفؤا لها ، أو لغير ذلك من الأمور. # وجاء زيد إلى النبي ليطلقها ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يطلب ~~منه أن لا يفعل ذلك ، وأن يبقى على علاقته الزوجية بها ، وكان يأمره بتقوى ~~الله والابتعاد عن طلاقها ، ولكن زيدا أصر على الطلاق ، لأن الأمر لم يعد ~~يحتمل الاستمرار ، فما كان من النبي إلا أن تزوجها تنفيذا لأمر الله بذلك ~~لتأكيد إبطال عادة التبني بالزواج من زوجة الولد المتبني ، في الوقت الذي ~~كان لا يجوز فيه للأب الزواج من زوجة ولده المتبنى ، ليكون ذلك بمثابة ~~الصدمة القوية التي تحسم المسألة بشكل صارخ لا مجال فيه لأي شك أو التباس. # * * * PageV18P315 ### ||| ** هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجب بجمال زينب بنت جحش؟ # وقد أثار البعض من المفسرين علامات استفهام حول هذه القصة ، وتحدثت بعض ~~الأقاصيص عن رؤية النبي لزينب بشكل غير مقصود ، وإعجابه بجمالها ، ومعرفة ~~زيد بذلك من خلال إخبارها له بذلك ، وعزمه على الطلاق منها ليتخلى عنها ~~لرسول الله إخلاصا منه له ، ولكن رسول الله لم يوافقه على ذلك ، ومع ذلك لم ~~يتخل زيد عن إصراره على الطلاق. وهكذا كان ، واستغل أعداء الإسلام هذه ~~الحادثة ، ليهاجموا شخصية الرسول وروحانيته وليتخذوا ذلك أساسا لإنكار ~~نبوته ، لأنه كان الإنسان الذي يعيش لشهواته ، حتى أنه يشتهي زوجة ولده ~~بالتبني ويهيئ الوسائل النفسية الضاغطة عليه ليطلقها وليتزوجها بعد ذلك ، ~~مما يتنافى مع أخلاقية الإنسان العادي فكيف يتناسب مع شخصية النبي. # وقد استوحوا ذلك من قوله تعالى : ( @QUR@012 وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) فقد فسروا ذلك بأنه كان يخفي رغبته بها ~~وتطلعه إلى الزواج منها ، وكان يخشى من انتقاد الناس له في ذلك وانفضاضهم ~~عنه ، ولكن المفروض فيه ، أن تكون خشيته لله من ذلك ، لأن عقابه أشد ، مما ms4318 ~~كان يفرض عليه الابتعاد عن هذا السلوك. # أما تعليقنا على ذلك ، فهو أن النبي لو كان يرغب في الزواج بها ، لكان ~~باستطاعته ذلك منذ البداية ، لأنها ابنة عمته ولأنها كانت ، في ما تنقله ~~بعض الروايات ، رافضة لزيد ، وذلك في ما رواه في الدر المنثور قال : أخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت ~~جحش لزيد بن PageV18P316 # حارثة ، فاستنكفت منه ، وقالت : أنا خير منه حسبا ، وكانت امرأة فيها حدة ~~، فأنزل الله ( @QUR@05 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ) (1) الآية كلها. وفي هذا ~~دلالة على أن زواجها من زيد كان بضغط من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورضوخ ~~لإرادته الأمر الذي يؤكد عدم وجود رغبة شخصية من النبي في اختيارها لنفسه ، ~~مع أنه كان يعرفها حق المعرفة من خلال قرابته القريبة لها. هذا من جهة. # ومن جهة ثانية ، فإن دراستنا لشخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تدل ~~على السمو الأخلاقي الروحي الذي يجعله في منأى عن أي نوع من السلوك الذي ~~يوحي من بعيد بمثل ذلك ، فكيف يمكن أن يلتقي بالحركة التي تتعمد ذلك ، ولو ~~صح مثل هذا ، لكان موجبا لسقوط مكانة رسول الله عند زيد وزينب معا ، وعند ~~المجتمع الإسلامي كله ، لا سيما في الجو القرآني الذي ينسب إليه أنه يخشى ~~الناس أكثر مما يخشى الله ، حسب الفهم المذكور للآية. أما استفادة هذا ~~المعنى السيئ من الآية ، فهو غير صحيح لما سنذكره عند التعرض لتفسيرها. # وخلاصة الفكرة ، أن زواج النبي من زينب كان منطلقا من أمر الله لنبيه ، ~~لتأكيد الفكرة في إبطال علاقة التبني من حيث الآثار الشرعية ، فليست هناك ~~أية علاقة للولدية المدعاة من ناحية شرعية ، فيجوز للأب المتبني أن يتزوج ~~مطلقة الولد المتبني ، وهو ما لا يجوز في علاقة النسب بين الأب وولده ، فهو ~~زواج داخل في دائرة حركة التشريع في الواقع ، لا في دائرة حركة الشهوة في الذات. # * * * PageV18P317 ### ||| ** طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زيد أن ms4319 يبقي زوجته # ( @QUR@08 وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ) بالرعاية والتبني ~~والعناية بكل شؤونه الخاصة التي كان من بينها زواجه بابنة عمتك التي كانت ~~في المستوى الكبير من النسب الذي لا يتناسب مع موقعه الاجتماعي العائلي ، ( ~~@QUR@03 أمسك عليك زوجك ) وأبق على العلاقة الزوجية ، واصبر على بعض ما ~~تجده في نفسك من نوازع ومضايقات ، أو ما تجده في حياتك من مشاكل وآلام ، ( ~~@QUR@02 واتق الله ) في ذلك ، فقد تكون الخطوة التي تريد أن تخطوها في ~~الإصرار على الطلاق ، بعيدة عن خط التقوى ، في ما يمكن أن تسيء بها إلى ~~نفسك أو إلى زوجتك ، مما لا بد لك من أن تلاحظ فيه الله فتتقيه في ما يرضاه ~~ويحبه ، ولا تقتصر في ذلك على النوازع الذاتية. # ( @QUR@06 وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) مما عرفك الله إياه من النتائج ~~الأخيرة التي ستنتهي إليها علاقة زيد بزوجه من الطلاق ، ثم زواجك الذي ~~أراده الله لك بها ، فلا تصرح به لزيد ، ولكن الله مظهره في ما تنتهي إليه ~~الأمور. # * * * ### ||| ** هل يخشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس أكثر من خشيته الله؟ # ( @QUR@02 وتخشى الناس ) في ما قد يثير ذلك من الأقاويل والتأويلات التي ~~لا تتناسب مع مقامك ومقام النبوة ، مما قد يترك تأثيرا سلبيا على موقع ~~الرسالة في القلوب ، وحركتها في الواقع ، لأن البعض قد يفهم المسألة بطريقة ~~أخرى ، كما أن المنافقين قد يحركونها بأسلوب سيئ ( @QUR@04 والله أحق أن ~~تخشاه ) في ما يخطط لك من سلوكك في حياتك الخاصة وفي علاقاتك بالآخرين في دائرة PageV18P318 # الزواج أو في غيرها ، لأن تصرفاتك ليست ملكك ، بل هي ملك الرسالة في ما ~~تحتاجه من حركتك في صعيد الواقع. # وقد نتساءل ، كيف نفسر هذه الحالة النفسية التي يعيشها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من القلق الداخلي الحائر بين خشية الناس وخشية الله ، ~~أو في ترجيح خشية الناس على خشية الله ، وكيف يتفق ذلك مع الروحية العالية ~~في انفتاحه الخاشع على الله من موقع محبته له وخوفه منه ، بقطع النظر عن ms4320 ~~طبيعة المضمون الذي تتعلق به الخشية؟ # والجواب عن ذلك ، أن الخشية من الناس ليست منطلقة من خوف ذاتي ناتج عن ~~ضعفه الداخلي أمام ما يقولونه من خلال تأثيره الشخصي على ذاته ، ليكون ذلك ~~منافيا للروحية العالية في مقام النبوة ، بل كانت منطلقة من خوف على ~~الرسالة ، في ما يمكن أن تتأثر به سلبيا من خلال الأجواء القلقة التي ~~تثيرها كلمات الآخرين من المنافقين في هذا الاتجاه ، فهي خشية على الرسالة ~~لحساب الله ، في المشاعر الطبيعية التي تربط بين الأشياء وبين أسبابها ~~العادية في الواقع ، في غياب تكليف حاسم من الله في ذلك ، في الفترة التي ~~كان زيد يطرح طلاق زوجته منه. # أما خطاب الله له بأن عليه أن يلتفت إلى خشية الله ، فهو أسلوب إيحائي ~~بالقوة في الموقف على أساس ما يتصل بذلك من الضمانات الإلهية في إبعاد ~~الرسالة عن التأثر بمثل هذه الأساليب التي يثيرها المنافقون ، في جو من ~~العتاب الخفي المحبب الذي يسعى إلى إزالة كل نوازع الذات التي يثيرها الضعف ~~البشري الذي يتحرك في النفس بطريقة لا شعورية ، تماما كما هي التقلصات ~~الجسدية التي تحدث للجسد عند حدوث أي حركة تؤثر في ذلك. ولم تكن المسألة ~~مسألة تقويم شعور النبي بتوجيهه أن الله هو الأحق بالخشية منه ، لأن هذه ~~الحقيقة هي الحقيقة التي تمثل عمق الإيمان بالله ، وشعار الدعوة إليه ، PageV18P319 # فكيف يمكن للنبي أن يغفل عنها في نفسه؟ بل هي مسألة إيحاء له بالنتائج ~~الواقعية للموضوع ، وأن الآخرين لن يفعلوا شيئا مهما فيه ، فإن الله هو ~~الذي يدبر الأمور بعيدا عن السلبيات العملية في حركة الرسالة ، ليتحرك ~~النبي من موقع الثقة الرسالية الواثقة بالجانب العملي من الواقع ، في غير ~~خوف ولا وجل ، والله العالم. # * * * ### ||| ** زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بنت جحش # ( @QUR@05 فلما قضى زيد منها وطرا ) فعاش معها مدة معينة تماما كما يعيش ~~أي زوج مع زوجته في ما يستمتع به في حركة الغريزة أو المعاشرة ، حتى يستنفد ~~حاجته منها ، أو تتبدل رغبته ms4321 إلى موقع آخر ، أو تحدث هناك بعض المشاكل التي ~~تجعل من الحياة الزوجية شيئا غير مريح ، ثم كانت عملية الانفصال ، فلما حدث ~~ذلك ( @QUR@014 زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا ) وهكذا كان الزواج أمرا من الله لتأكيد شرعة إلهية في ~~إلغاء مبدأ التبني ، من خلال سلوك النبي العملي الذي يفرض المسألة من موقع ~~الصدمة القوية القاسية المثيرة للجدل ، في ما يوحي به ذلك من ثباته في ~~التشريع. # ( @QUR@04 وكان أمر الله مفعولا ) لا مجال فيه للتردد والتراجع من خلال ~~إرادة الله الحاسمة ، ( @QUR@010 ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ~~) مما شرعه في شريعته ، فليس عليه غضاضة في ذلك ، وليس لأحد أن يعترض عليه ~~فيه ، لأن الأنبياء لا يخضعون لضغط العادات المتبعة في حياة الناس ، من ~~خلال شرائعهم وتقاليدهم ، في ما يحللون ويحرمون ، بل يخضعون للتشريع الإلهي ~~الذي يعمل على إيجاد عادات وتقاليد جديدة ، منسجمة مع مصلحة الناس في PageV18P320 # دنياهم وآخرتهم ( @QUR@07 سنة الله في الذين خلوا من قبل ) من الأنبياء ~~السابقين الذين كانوا يؤكدون دعوتهم في سلوكهم ، على خلاف الأعراف ~~والتقاليد في كل ألوان الحياة في أممهم ، ويعملون على أن يحركوا الموقف في ~~ما يشبه الصدمة القوية المثيرة ، من موقع قوة الرسالة في مواقعهم ، وتقوى ~~الله في مواقفهم ( @QUR@05 وكان أمر الله قدرا مقدورا ) أي قضاء مقضيا ، لا ~~رجعة عنه ولا تردد فيه ، بل هو الحسم الحاسم. # * * * ### ||| ** الأنبياء لا يخشون إلا الله # ( @QUR@04 الذين يبلغون رسالات الله ) كما أمرهم الله بذلك من دون زيادة ~~ولا نقصان ، ومن دون مراعاة لمراكز القوى في المجتمع في تحدياتها القوية ، ~~( @QUR@01 ويخشونه ) فيراقبون أقوالهم وأفعالهم بكل دقة ، في ما يشعرون به ~~من رقابته التي تحيط بكل سرهم وعلانيتهم ، لأنه الذي يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور ، وفي ما يعيشون فيه من مسئوليتهم أمامه في الدعوة والحركة ~~والموقع ، فليس بينهم وبين تحمل الصعاب ومقاساة الآلام ، إلا أن يدركوا أن ~~رضاه في ذلك ، ولذلك لم تسقطهم التحديات ، ولم تهزمهم ضرائب التضحيات ms4322 التي ~~يقدمونها من أنفسهم وأهلهم وأموالهم ، فهم الصابرون في خشيته ، الصامدون في ~~دعوته ، الأقوياء في مواقع رضاه ، ( @QUR@05 ولا يخشون أحدا إلا الله ) فلا ~~ينظرون إلى غيره بنظرة الخوف والهيبة والتعظيم ، مهما كانت قوتهم ومواقعهم ~~في الحياة ، لأنهم لا يرون لهم قوة ذاتية مستقلة عن الله ، فهم لا يملكون ~~لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا إلا بالله ، وهم يعملون على دعوة الناس ~~إلى الإيمان بالتأكيد على أن الذين يدعون من دون الله عباد أمثالهم ، لا ~~يستطيعون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون ، ولذلك كانوا يواجهونهم بالكلمة PageV18P321 # الحكيمة القوية التي تدخل العقول والقلوب من أبواب واسعة مفتوحة ، وتسيطر ~~على المشاعر والنفوس باللهجة القوية الحاسمة ، لأنهم لا يتحركون في ساحة ~~الدعوة والمواجهة من خلال صفتهم الذاتية ، بل من خلال صفتهم الرسالية ~~المرتبطة بالله. ولذلك كانوا لا يعرفون التراجع في دعوتهم ولا الاهتزاز في ~~خطواتهم ، ولا التردد في مواقفهم ، بل كانوا الحاسمين الواثقين الثابتين ~~المنطلقين نحو الهدف الكبير في ذلك كله. # * * * ### ||| ** لا تنافي بين الخوف من الله والخوف من ظروف الواقع # وقد لا يتنافى هذا الذي ذكرناه من عدم الخشية من الناس في تبليغ الدعوة ~~وفي ثبات الموقف ، مع الوسائل التي كانوا يتخذونها ، والحذر الذي كانوا ~~يحيطون به أنفسهم ، أمام خطط الأعداء الذين كانوا يعملون على التخطيط ~~لقتلهم ، أو الإجهاز على دعوتهم ، فيخافون من ذلك ويتقونه ، خوف الحذر الذي ~~يعمل للتخلص من مواقع الخوف ، واتقاء الإنسان العاقل الذي يواجه تحديات ~~الآخرين بتخطيط مضاد ، في ما ينعزل به عنهم في بعض المواقع ، وفي ما يفر ~~منهم في بعض الحالات ، كما في قول موسى عليه السلام في ما نقله الله عنه : ( ~~@QUR@04 ففررت منكم لما خفتكم ) [الشعراء : 21] ، وقوله تعالى في ما نقله ~~عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@09 وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سواء ) [الأنفال ؛ 58]. فإنه الخوف في حركة الدعوة لمواجهة ~~أخطارها ، وليس الخوف بعيدا عنها للتفلت من مسئوليتها. # ( @QUR@03 وكفى بالله حسيبا ) فهو الذي يحاسب عباده ، سواء كانوا رسلا أو ~~كانوا غير ذلك ، على ms4323 كل ما عملوا به في دعوته وطاعته ، على أساس مسئوليتهم PageV18P322 # أمامه عن ذلك كله ، وهو الذي يعطي الثواب على ما قاموا به من أعمال الخير ~~، وينزل العقاب على المتحركين في مواقع الشر ، مما لا يملكه أحد غيره ، ~~فيجب أن يخشى ولا يخشى غيره. # * * * # ( @QUR@07 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) # ( @QUR@07 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) فلم تكن صفته بينكم هي صفة ~~الأبوة لزيد أو لغيره لتعترضوا في زواجه بأنه تزوج زوجة ابنه ، لأن التبني ~~في الرعاية والحفظ والحماية لا يمنحه تلك الصفة. هذا هو التفسير الذي درج ~~عليه المفسرون ، ولكن قد نستطيع الاستيحاء من الآية بأن علاقة النبي بالناس ~~ليست هي علاقة النسب التي تصل الابن بأبيه ، أو نحو ذلك ، لتتحدد أوضاعهم ~~معه بذلك ، بل هي علاقة الرسالة ، فهو لا يملك صفة الأبوة فيهم ( @QUR@05 ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) فلا بد له من أن يتحرك معهم من هذا الموقع ~~، وفي هذا الخط ، ولا بد لهم من أن يرتبطوا به من خلال هذه الصفة ، فتكون ~~علاقتهم به علاقة رسالية ، ليتطلعوا إلى صفاته الرسالية قبل أن يتطلعوا إلى ~~صفاته الشخصية ، ولا يكون النسب أساسا للتقييم في ارتباطهم به فيمن يتصلون ~~به بصلة النسب ، بل يكون العمل المرتبط برسالته هو الأساس في معنى القيمة ~~في حياتهم. # أما صفة خاتم النبيين ، فالظاهر أن المراد بها أنه هو النبي الذي يختم خط ~~النبوة الذي ابتدأ من آدم ، لينتهي به ، وقد ورد ذلك ، في ما روي عن جابر ~~بن عبد الله عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : مثلي ومثل الأنبياء ~~كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ~~ويتعجبون منها ، ويقولون : لو لا موضع PageV18P323 # اللبنة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فأنا موضع اللبنة جئت ~~فختمت الأنبياء ، أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما (1). # وهناك رواية أخرى رواها السيوطي في الدر المنثور : أخرج ابن الأنباري في ~~المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : كنت أقرئ الحسن والحسين ms4324 ، فمر بي ~~علي بن أبي طالب وأنا أقرئهما فقال لي : أقرئهما ( @QUR@02 وخاتم النبيين ) ~~بفتح التاء (2). # والرواية الأولى أقرب وأشهر لأن التعبير عن النبي بأنه خاتمهم بمعنى ~~زينتهم ، كما هو الخاتم من مظاهر الزينة ، غير مألوف على الظاهر والله ~~العالم. # ( @QUR@05 وكان الله بكل شيء عليما ) وهو الذي يبلغكم ما علمه ، فانفتحوا ~~على آياته وانطلقوا مع كل ما يبينه لكم من أمور معاشكم ومعادكم. # * * * PageV18P324 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) @QUR@03 ~~وسبحوه بكرة وأصيلا (42) @QUR@013 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) @QUR@08 تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام وأعد لهم أجرا كريما ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بكرة ): البكرة : الغداة. # ( @QUR@01 وأصيلا ): الأصيل : العشي. # * * * ### ||| ** دعوة الله المؤمنين لذكره وتسبيحه # هذه الدعوة الإلهية للمؤمنين ليلتقوا به ، ويعيشوا في رحابه بالذكر ~~الدائم ، والتسبيح المتواصل ، الذي يشمل الزمن كله ويحتوي كل أطرافه ، PageV18P325 # وليستظلوا بظل رحمته ، ولينفتحوا على ألطافه ، وليحصلوا على ثوابه. # * * * ### ||| ** الانفتاح على الله بالذكر والتسبيح # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ) سواء كان ذلك ~~بالقلب في ما يستشعره المؤمن من حضور الله في عمق شعوره ونبض حركته ، أو ~~باللسان في ما يتلفظ به من كل كلمات حمده ، التي تتضمن أسرار عظمته ، ~~ومواقع نعمته ، ليبقى مع الله في حالة حضور واع مستمر ، فيقف من خلال ذلك ، ~~حيث يريده الله أن يقف عند حدوده ، ويتحرك حيث يريده أن يتحرك في دائرتها ~~الشرعية. # ( @QUR@03 وسبحوه بكرة وأصيلا ) والتسبيح يوحي باستجلاء عظمته بالفكر في ~~ما ينطلق به السمع والبصر والعقل ، ليتحرك من خلال حركة المحسوس للوصول إلى ~~ما وراءه من المعقول في أسرار العظمة ، وإبداع القدرة ، أو إحصاء آلائه ~~بالكلمات التي تتحول فيها المعاني إلى تسابيح تنفتح على كل آفاق عظمته التي ~~لا تقف عند حد ، لأن ذلك هو الذي ينمي الشعور بعظمة الله في عقل المؤمن ~~وقلبه وشعوره وفي ما يجسده من هذا كله في كلماته وأفعاله وإيماءاته ، في ~~حركاته وسكناته ، وذلك في امتداد الزمن كله ، عند ما يصبح الصباح في بكور ~~النهار ، وعند ما ms4325 يبدأ المساء في خيوطة الأولى عند الأصيل ، ليعيش الإنسان ~~مع الله في عظمته في أول النهار ، ليكون نهاره كله خضوعا روحيا وعلميا ~~لحركة العظمة في النفس ، وليعيش في الموقع نفسه في أول الليل ، ليكون ليله ~~انطلاقا مع الهدوء الساجي ، والكواكب السابحة في الفضاء ، والقمر المطل على ~~الكون بنوره الهادىء ، ليجد الله في ذلك كله ، ولتتعمق روحانيته في عمق ذلك ~~كله ( @QUR@04 هو الذي يصلي عليكم ) بأن يرحمكم برحمته التي يدخلكم من ~~خلالها جنته ، PageV18P326 # في ما يوفقكم إليه من طاعته ( @QUR@01 وملائكته ) الذين يطلبون لكم ~~الرحمة والمغفرة ، وذلك في ما تتضمنه كلمة الصلاة من معنى الانعطاف المنفتح ~~على الشخص في رعايته وعنايته ( @QUR@05 ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) في ~~ما يفتح عليه قلوبكم من الوعي للحقيقة ، والانفتاح على الإيمان ، والانطلاق ~~إلى مواقع الهدى المتحرك في آفاق النور ، ويبعدكم بذلك عن ظلمات الجهل ~~والنسيان والكفر والضلال. # ( @QUR@03 وكان بالمؤمنين رحيما ) في لطفه بهم ورعايته لهم وعنايته بهم ~~في الدنيا والآخرة. # * * * # ( @QUR@04 تحيتهم يوم يلقونه سلام ) # ( @QUR@03 وكان بالمؤمنين رحيما ) في لطفه بهم ورعايته لهم وعنايته بهم ~~في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@04 تحيتهم يوم يلقونه سلام ) فهي الكلمة التي يتلقاهم بها ~~الملائكة من قبل الله لتوحي إليهم بالطمأنينة والاستقرار والهدوء والوداعة ~~الروحية التي يحسون فيها روحانية السلام الآمن المطمئن الذي لا يصيبهم في ~~ساحته أي مكروه ، ولا يمسهم فيه عذاب ، ولا يتحرك في قلوبهم معه أي خوف. # ( @QUR@04 وأعد لهم أجرا كريما ) في ما أعد لهم من نعيم الجنة وثوابها ، ~~ومن رضوانه الذي يطوف بهم في رحاب الخلود ، ليجدوا السعادة الكاملة هناك. # * * * PageV18P327 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) @QUR@06 ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) @QUR@08 وبشر المؤمنين بأن لهم من ~~الله فضلا كبيرا (47) @QUR@012 ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) (48) # * * * # ( @QUR@05 إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) # إنه نداء الرسالة في مضمونها ، ونداء الرسول في حركته ودعوته وبشارته ~~وتمرده على الواقع المضاد كله في كل رموزه ، وانفتاحه على الله وحده ، ~~ليكون هو الذي يملأ الروح الرسولي بالثقة ms4326 التي تثبت الموقع والموقف والحركة ~~والاتجاه في كل ساحات التحدي. # ( @QUR@06 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ) على الناس في ما تبلغهم به ~~من تعاليم الرسالة ، وما يمارسونه من حركتهم في اتجاهها سلبا وإيجابا ، ~~لتقف غدا يوم القيامة ، لتقدم تقريرك في ذلك كله إلى الله ، وليكون الوثيقة ~~التي يقيم بها PageV18P328 # الحجة عليهم ( @QUR@01 ومبشرا ) بالجنة لمن أطاع الله ( @QUR@01 ونذيرا ) ~~بالنار لمن عصاه. # ( @QUR@04 وداعيا إلى الله بإذنه ) فهو الذي أذن لك بالدعوة من موقع ~~الرسالة الشاملة المنطلقة في خط التوحيد ، في الإيمان بالله وعبادته ~~والاستقامة على خطه من خلال الشريعة السمحاء ( @QUR@02 وسراجا منيرا ) في ~~ما يضيء به الطريق للناس نحو السعادة الروحية ، لتشرق أرواحهم بالإيمان ~~وحياتهم بالإسلام. # ( @QUR@02 وبشر المؤمنين ) الذين تدفعهم إلى خط الالتزام بأوامر الله ~~ونواهيه وتوجههم إلى مواقع الجهاد ( @QUR@06 بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) ~~في ما يتفضل به عليهم من ثوابه ، ويفيض عليهم من رحمته ، ويرفع لهم من ~~درجاته ، في الآخرة. إنها البشارة الدائمة للعاملين المجاهدين في خط ~~الإيمان ، التي لا تتحرك من الأماني الفارغة ، بل تنطلق من الأعمال الواعية ~~المنضبطة. # ( @QUR@04 ولا تطع الكافرين والمنافقين ) في ما يريدونه منك من الانحراف ~~عن الخط الذي رسمه الله لك ، بالتسويات القائمة على الاعتراف بشيء مما ~~عندهم ليعترفوا بشيء مما عندك ، أو في ما يحبونه منك من اتباع أهوائهم ، ~~والانجذاب إليهم في ما يتحركون به من إغراءات الحياة الدنيا وزخارفها ، ~~بالأساليب المتنوعة المثيرة الخادعة التي تثير الغرور في الأعماق. # ( @QUR@02 ودع أذاهم ) فلا تهتم بذلك ولا تشغل نفسك به ، ولا تحمل أي هم ~~من هذه الجهة ، فإنهم لن يعرضوا لك بسوء ما دمت في حماية الله ورعايته ~~وكفالته ، ( @QUR@03 وتوكل على الله ) في كل أمورك ، واتجه إليه في كل ~~خطواتك ، وانفتح عليه في كل مواقع الاهتزاز ليمنحك الثبات في كل مواقعك ، ~~فإنه الثقة لمن أراد الثقة منه ، والأمن لمن أراد الأمن ، والوكيل لمن أراد ~~الكفالة منه ( @QUR@03 وكفى بالله وكيلا ). ### ||| * * * * PageV18P329 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم ms4327 عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نكحتم ): عقدتم عليهن بالنكاح. # ( @QUR@01 تمسوهن ): تدخلوا بهن. # ( @QUR@01 فمتعوهن ): أعطوهن شيئا من المال يناسب شأنهن وحالهن. # ( @QUR@02 سراحا جميلا ): إطلاقهن من غير خصومة وخشونة. # * * * PageV18P330 ### ||| ** أحكام في النكاح والطلاق # ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن ) والمس كناية عن الجماع ، أي قبل أن تدخلوا بهن بالجماع ( ~~@QUR@06 فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) فلهن الحق بالزواج عند حصول ~~الطلاق من دون انتظار وقت معين ، لأن العدة إنما شرعت لاستبراء الرحم من ~~الحمل حذرا من اختلاط الأنساب ، فلا مجال للشك في هذا الموضوع مع عدم ~~الدخول لبراءة الرحم قطعا من ذلك ، وليس لأزواجهن عليهن حق الرجعة ( ~~@QUR@01 فمتعوهن ) بأن تعطوهن شيئا من المال الذي يناسب شأنهن ووضعهن ، ~~بالإضافة إلى حقوقهن الشرعية الواجبة. # وقد ورد في الكافي «بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها قال : عليه نصف المهر إن كان ~~فرض لها شيئا وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يمتع مثلها من ~~النساء» (1). # وهذه الرواية مبنية على تخصيص هذه الآية بما ورد في سورة البقرة ، من ~~تعين نصف المهر ، على تقدير فرض المهر ، والمتعة بإعطاء شيء من المال ، على ~~تقدير عدم فرضه ، ( @QUR@03 وسرحوهن سراحا جميلا ) بالإحسان إليهن بالكلام ~~الجميل والعطف الكريم. # * * * PageV18P331 ### ||| * الآيات # ( @QUR@062 يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) @QUR@035 ~~ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان ms4328 الله عليما حليما (51) @QUR@025 لا يحل لك النساء من بعد ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل ~~شيء رقيبا ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ترجي ): الإرجاء : التأخير. # * * * PageV18P332 ### ||| ** مناسبة النزول # وقد جاء في الكافي مسندا عن محمد بن قيس عن أبي جعفر محمد الباقر ~~عليه السلام قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: فقالت : يا رسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج وأنا امرأة أيم لا زوج لي ~~منذ دهر ولا ولد فهل لك من حاجة؟ فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني. فقال ~~لها رسول صلى الله عليه وآله وسلم الله خيرا ودعا لها. # ثم قال : يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا ، فقد نصرني ~~رجالكم ورغبت في نساؤكم. فقالت لها حفصة : ما أقل حياءك وأجرأك وأنهمك ~~للرجال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كفي عنها يا حفصة ، فإنها ~~خير منك ، رغبت في رسول الله فلمتها وعيبتها ، ثم قال للمرأة : انصرفي رحمك ~~الله فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك في وتعرضك لمحبتي وسروري وسيأتيك أمري ~~إن شاء الله ، فأنزل الله عز وجل ( @QUR@016 وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ) قال : فأحل ~~الله عز وجل هبة المرأة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يحل ذلك ~~لغيره (1). # * * * ### ||| ** أحكام خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الزواج والطلاق # في هذه الآيات حديث عن بعض جوانب الحياة الخاصة للنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في طبيعة التشريع الإسلامي المتصل بالدائرة التي يجوز ~~له فيها PageV18P333 # اختيار زوجاته ، مما قد يعتبر في بعضها نوعا من خصوصياته التي لا تجوز ~~لغيره ، بالإضافة إلى ما يشترك فيه مع الآخرين. # ( @QUR@010 يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ) أي ~~دفعت مهورهن ، لإطلاق الأجر على المهر في موضع آخر من القرآن ، ( @QUR@07 ~~وما ملكت يمينك مما أفاء الله ms4329 عليك ) من النساء اللاتي يدخلن في أسر ~~المسلمين خلال حربهم مع المشركين ممن يصح تملكهن ، وقد أباحهن الله للنبي ~~وللمسلمين من دون تقييد بعدد معين. # ( @QUR@011 وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن ~~معك ) دون اللاتي لم يهاجرن في ما ذكره صاحب المجمع من أن «هذا كان قبل ~~تحليل غير المهاجرات ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل» (1). # ( @QUR@016 وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين ) وهي المرأة التي قدمت نفسها من دون مهر للنبي ~~ليتزوجها ، فقد أحلها الله له ولم يحل ذلك لغيره. # ( @QUR@07 قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ) في ما حدده من العدد ~~المحصور بالأربع ، ( @QUR@03 وما ملكت أيمانهم ) في ما وضعه من شروط في ~~نكاح الجواري. # ( @QUR@012 لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما* ترجي من تشاء ~~منهن ) فتؤخرها وتبعدها عنك في هجرانها مدة تبعا لظروفك الخاصة والعامة ، ~~الداخلية والخارجية ، ( @QUR@04 وتؤوي إليك من تشاء ) أي تقربها إليك ~~وتعاشرها من خلال طبيعة المعطيات التي تتحرك فيها أفعالك وعلاقاتك ، وليس ~~ذلك الأمر حتما مقضيا لازما لك بحيث لا تستطيع الرجوع عنه ، ( @QUR@06 ومن ~~ابتغيت ممن عزلت فلا جناح PageV18P334 # @QUR@01 عليك ) فتعود لتعاشرها من جديد ، أو تهجر من عاشرتها ، لأن ~~المسألة هي أن الله يريد أن يطلق لك حريتك من خلال تشريعه الخاص في حياتك ، ~~لتكون أكثر حرية في شؤون بيتك من دون ابتعاد عن خط الشرع الذي جعلته الخط ~~المستقيم في حياتك وحياة الناس ، في ما تفرضه الرسالة من ذلك. # ( @QUR@011 ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ) ~~لأنهن يشعرن بأن الله عند ما جعل الأمر إليك ، فإنه جعل لهن ضمانة كبيرة في ~~الحصول على الحياة الكريمة الرحيمة ، والمعاملة الحسنة ، والميزان العادل ~~الذي لن تختار فيه إلا ما يحقق لهن الرضا والطمأنينة وقرة العين ، لأن ~~إنسانية الرسالة في عمق شخصيتك ، وروحانية الشعور الرحيم في قلبك ، لا ~~تتحركان إلا بالخير كله ، والإحسان كله ، والعدل كله. # ( @QUR@05 والله يعلم ما في قلوبكم ms4330 ) في ما تختزنه من مشاعر وأحاسيس ، ~~ويرصد طبيعة التوازن في التحرك العملي الذي يحكم مسيرة الإنسان في علاقاته ~~مع الآخرين في طبيعة القرب والبعد ، ويحدد لهم من ذلك ما يفرض عليهم التقيد ~~بحدود العدل ، وما يصلح به أمرهم. # ( @QUR@04 وكان الله عليما حليما ) فهو العالم بمصالح عباده ، الحليم ~~الذي لا يعاجلهم بالعقاب. # ( @QUR@06 لا يحل لك النساء من بعد ) فهذا هو العدد النهائي الذي يسمح لك ~~بالوقوف عنده من النساء ، وهن تسع ( @QUR@06 ولا أن تبدل بهن من أزواج ) ~~بأن تطلقهن وتتزوج غيرهن ( @QUR@03 ولو أعجبك حسنهن ) فقد يكون من حق النبي ~~كبشر أن يتحسس ما يتحسسه البشر من مشاعر الرغبة في الجمال ، والإعجاب ~~بالحسن فيمن يريد أن يتزوجها بالطرق الشرعية المعروفة ، ولكن المسألة هي أن ~~الله قد أغلق هذا الباب عليه بعد نزول هذه الآية ، وقد نستوحي من هذه الآية ~~أن مراعاة الجمال في الزواج ليس من الأمور البعيدة عن ذوق الشرع ، ولكن PageV18P335 # الاقتصار عليه كقيمة وحيدة هو المرغوب عنه شرعا ، في ما يريده الله ~~للإنسان من التوفر على إيثار الدين والأخلاق كأمرين مهمين في هذا الجانب ، ~~( @QUR@04 إلا ما ملكت يمينك ) فلا مانع من أن تضمها إليك وتستمتع بها ( ~~@QUR@06 وكان الله على كل شيء رقيبا ) فهو الذي يرصد أعمال عباده ويراقبها ~~من حيث لا يعلمون. ### ||| * * * * PageV18P336 ### ||| * الآيات # ( @QUR@070 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) @QUR@011 إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل ~~شيء عليما (54) @QUR@030 لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ~~ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن ~~واتقين الله إن الله كان ms4331 على كل شيء شهيدا ) (55) # * * * ### ||| ** أحكام الدخول إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحديث إلى أزواجه # وهذا حديث مفصل ، يثير خصوصيات السلوك السيئ الذي كان يقوم به PageV18P337 # المسلمون مع النبي في بيته ومع أهله ، من غير احترام ورعاية لأدب السلوك ~~العام من جهة ، ولاحترام النبي في حياته الخاصة في ما يريد أن يأخذه من ~~حرية حركته في بيته ، فيمن يدخل عليه أو يقيم عنده أو يتحدث مع زوجاته ، ~~فأراد الله أن ينزل في ذلك قرآنا ، ليحمي النبي من المتطفلين عليه في حياته. # * * * ### ||| ** الاستئذان لدخول بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه ) فليس لكم أن تقتحموها بدون إذن ، لأن البيت ~~يمثل خصوصية الإنسان التي يتخفف فيها من قيود الحياة الاجتماعية ، ليخلو ~~إلى نفسه وإلى أهله ، فليس من الطبيعي أن يأخذ الناس حريتهم في الدخول إليه ~~متى شاؤوا في الأوقات التي يحلو لهم فيها ذلك من دون أخذ الإذن من صاحبه ، ~~لا سيما إذا كان في مستوى شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يختص ~~بحاجته إلى الراحة والخلوة بنفسه ، ليتخفف من جهد الدعوة والعمل والجهاد ~~قليلا من الوقت. # وليس من حق الناس المؤمنين ، ولا غيرهم أن يدخلوا إلى بيت النبي إذا رأوا ~~نارا توقد هناك للطعام ، لينتظروا الطعام ينضج ليأكلوا منه من دون أية دعوة ~~إلى ذلك. # ( @QUR@04 ولكن إذا دعيتم فادخلوا ) في الوقت الذي ينتهي فيه إعداد ~~الطعام ليأكله المدعوون ( @QUR@03 فإذا طعمتم فانتشروا ) لأن البقاء بعد ~~ذلك غير مرغوب فيه ، فليس لكم أن تأخذوا الوقت لأنفسكم كما لو كنتم في ~~بيوتكم ، لأن مواعيد الزيارات والدعوات تقتصر على وقت معين ( @QUR@03 ولا ~~مستأنسين لحديث ) في ما تريدونه من إثارة الحديث للهو والسمر والأنس مع ~~الساكنين في البيت من دون رغبتهم ، كما يفعله الثقلاء الذين يفرضون أنفسهم ~~على الناس في ما يطيلون به من PageV18P338 # المقام ، وفي ما يفيضون به من الحديث من دون ضرورة ms4332 ولا فائدة. # ( @QUR@05 إن ذلكم كان يؤذي النبي ) ويضايقه ، لأنه يسلبه حريته الشخصية ~~في بيته ، ويربك وضع البيت ، في ما يريده له من توازن على صعيد العلاقات مع ~~الآخرين ، في الحدود الشرعية والنفسية والاجتماعية ( @QUR@02 فيستحيي منكم ~~) لأن خلقه العظيم في ما يملكه من المشاعر الإنسانية المرهفة ، وما يتصف به ~~من حياء أخلاقي ، يمنعه من أن يواجه الآخرين الذين يسيئون إليه أو يتثاقلون ~~عليه ، بالصدمة الرادعة التي توقفهم عند حدهم في خط التوازن السلوكي مع ~~الآخرين. # ( @QUR@05 والله لا يستحيي من الحق ) الذي يتصل بالعلاقات الإنسانية في ~~ما يريده لها من مراعاة الناس لشعور بعضهم البعض ، أو للظروف الخاصة التي ~~يختلفون في التأثر بها وفي مواجهة الأوضاع التي تفرضها على الواقع كله ، ~~فيؤدبكم الله بالحق الذي يربطكم بالحياة الثابتة العميقة الجذور في التوازن ~~الاجتماعي لتقفوا عند الحدود الخاصة التي يضعها الله لكم في صلتكم ببيت ~~النبي وبأهله. # * * * ### ||| ** الحديث إلى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@03 وإذا سألتموهن متاعا ) مما في البيت من أثاث وأدوات ، أو من ~~بعض الحاجات التي يملكن قضاءها ( @QUR@04 فسئلوهن من وراء حجاب ) ولا ~~تواجهوهن وجها لوجه في ما يوحي به ذلك من الانفتاح على الحديث مع الرجال ، ~~والاختلاط بهم من دون حواجز ، لتنطلق النظرة العابرة فتتحول إلى نظرة لاهية ~~فاتنة ، فتفسد على القلب طهارته ، وعلى السلوك عفته في بعض الحالات. PageV18P339 # ( @QUR@04 ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) لأن القلب يتأثر بالكلمة والنظرة ~~والاختلاط والجو الحميم ، فإذا ابتعد عن ذلك إلا في نطاق الضوابط والحواجز ~~التي تضع لهذه الأشياء حدودا ، كان أقرب إلى طهارة قلوبهم وقلوبهن ، في ما ~~يمثله الحجاب من الحاجز الخارجي الذي يتحول إلى حاجز نفسي يحول بينهن ~~وبينهم عن الانجذاب الشعوري العاطفي ، أو الإحساس الغريزي. ولعل التجربة ~~الواقعية في مجتمعات الحجاب ومجتمعات الاختلاط تدل على صدق ذلك ، فإننا لا ~~ندعي أن الحجاب يمثل العصمة المطلقة لمجتمعه عن الانحراف ، بل كل ما هناك ، ~~أنه يمنع الكثير من أجواء الانحراف أن تنفذ إلى داخل القلب والإحساس ، ~~لتبقى هناك بعض النوازع الأخرى التي ms4333 قد تثير الغريزة وتحرك مكامن الحس ، ~~فتحتاج إلى ضوابط أخرى ، من نوع آخر. وهكذا نجد أن الضوابط الإسلامية ~~الأخلاقية لا تمنع الخطيئة بشكل مطلق ، بل تهيئ لها الأجواء الضاغطة التي ~~تمنعها في مجالاتها الخاصة. # * * * ### ||| ** النهي عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@07 وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) في نفسه وأهله ، بالكلمة ~~والنظرة والحركة ( @QUR@07 ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) فقد حرم ~~الله ذلك على المؤمنين ، بعد أن جعل أزواج النبي أمهات للمؤمنين ، فلا يجوز ~~لهم أن يتزوجوا أمهاتهم ، وفي مطلق الأحوال ، لقد عد ذلك من الذنوب العظيمة ~~عنده تعالى ( @QUR@06 إن ذلكم كان عند الله عظيما ). وفي قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 عند الله )، إشعار بفداحة الإتيان بمثل هذا الذنب وعظمته ، الأمر ~~الذي يفيد تشديدا ما PageV18P340 # بعده تشديد في النهي عن التفكير ، فضلا عن الإتيان بمثل هذه الأفعال. وفي ~~ذلك كله ، ولا ريب نوع من التمييز والتخصيص والتجليل للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد جاءت هذه الفقرة من الآية ردا على ما كان يتحدث ~~به بعض الصحابة ، وهو ما رواه السدي قال : بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال ~~: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا؟ لئن حدث به حدث ~~لنتزوجن نساءه من بعده ، فنزلت الآية (1). # * * * ### ||| ** حرمة زواج نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعده # وقد يثير البعض سؤالا حول هذا الموضوع : # لما ذا يمنع النبي المسلمين من الزواج بنسائه من بعده ، بينما يجوز له ~~الزواج بنسائهم من بعدهم ، ما دام هذا الحكم عاما في الزواج في الإسلام؟ هل ~~المسألة تدور في نطاق الشعور الذاتي الرافض لهذه العلاقة ، في ما يغار به ~~الإنسان على نسائه بعد وفاته ، فلا يطيق أن يتزوج بهن أحد غيره ، وهل ~~يتناسب ذلك مع خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو صورة عن خلق الإسلام ~~المرتكز على حدود الشريعة في ما يحل ويحرم ، بعيدا عن النوازع الذاتية ، أو ~~الأعراف الاجتماعية المنحرفة؟ # والجواب عن ذلك ، أن القضية قد تتصل بالموقع ms4334 الخاص الذي تقف فيه زوجات ~~النبي ، على الصعيد الإسلامي في علاقتهن بالنبي صاحب الدعوة ، ما قد يترك ~~زواجهن بآخرين بعد وفاته انعكاسات سلبية في ما يمكن أن يستغله هؤلاء من هذه ~~العلاقة في الحصول على بعض الامتيازات الاجتماعية الخاصة PageV18P341 # التي ليست في مصلحة الإسلام ، وقد يسيئون إلى بعض الأجواء التي تحيط ~~بشخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال بعض الممارسات المعينة التي قد ~~تثيرها العلاقة الزوجية. # وقد يقول قائل : إن حرمانهن من الزواج بعد رسول الله ، يفرض عليهن وضعا ~~سلبيا على مستوى حياتهن الخاصة ، في ما قد يرغبن فيه من الاستمتاعات ~~الجسدية التي تمثل حاجة ذاتية لكل رجل وامرأة ، مما يجعل من هذا الحرمان ~~حالة غير إنسانية. # والجواب عن ذلك ، أن القضية بدأت منذ لحظة التخيير بين الدار الآخرة التي ~~تفرض عليهن التضحية في ما تفرضه قيود الارتباط بالنبي في العلاقة الزوجية ~~بكل مستلزماتها ، وبين الدنيا التي تفتح أمامهن أبواب الحرية في الانعتاق ~~من قيود العلاقة الزوجية النبوية ، لتكون لهن الفرصة الكبيرة في الزواج بأي ~~شخص آخر في حياة النبي أو بعد وفاته ، ما دام النبي مستعدا لطلاقهن ~~وتسريحهن بشكل جميل ، فلم تكن المسألة تشريعا مجردا من دراسة حالتهن ~~الإنسانية ، ومشاعرهن الروحية ، بل كانت مسبوقة بالتأكيد على الفرصة ~~الإنسانية التي تتحرك في حياتهن من موقع حرية الاختيار ، بين الاستمرار مع ~~النبي ، أو الانفصال عنه ، مما يجعل المسألة بعيدة عن أجواء المأساة ، ~~وقريبة إلى روح العدالة الإنسانية الرسولية. # ( @QUR@05 إن تبدوا شيئا أو تخفوه ) مما تتحدثون به في هذه الشؤون ~~المتعلقة بالنبي وبزوجاته ، أو في غيرها من القضايا الخاصة والعامة ( ~~@QUR@06 فإن الله كان بكل شيء عليما ) لأنه المطلع على الإنسان في كل ~~خفاياه الفكرية والعملية والشعورية ، في ما يحيط به من كل أجهزة الفكر ~~والإحساس ومواقع العمل ، فلا فرق بين الأمور الخفية والأمور الظاهرة في ~~علمه بالإنسان وبالأشياء ، الأمر الذي يفرض عليكم مراقبته في كل ما تفيضون ~~به من أموركم السرية والعلنية. PageV18P342 ### ||| ** المستثنون من حكم حرمة الاختلاط بنساء النبي صلى ms4335 الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@021 لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن ) من العبيد لأن ~~هؤلاء من المحارم الذين لا يمثل الاختلاط بهم أية مشكلة في عالم الانحراف ، ~~انطلاقا من المشاعر الطبيعية الصافية التي تفرضها القرابة القريبة التي لا ~~يشعر فيها أي طرف بحركة الغريزة في العلاقة ، بشكل طبيعي ، فلا سلبية في ~~المسألة في ما يتعلق بطهارة قلوبهن وقلوبهم ، كما أن النساء لا يمثلن سلبية ~~في هذا المجال من ناحية المشاعر الطبيعية غير الشاذة. # ( @QUR@02 واتقين الله ) في ما تأخذن به من شؤون العلاقات مع الآخرين في ~~الوقوف عند حدود الله ، والالتزام بأوامره ونواهيه ، فهو الخط المستقيم ~~الذي ينقذ الناس من الضلالة ، ويسير بهم إلى مواقع الهداية. # ( @QUR@07 إن الله كان على كل شيء شهيدا ) فلا بد لكل مؤمن ومؤمنة من ~~الانفتاح على رقابته الدائمة الخفية وعلى حضوره في كل موقع ، في ما يفرضه ~~ذلك من الاطلاع على كل شيء ، ليواجه الإنسان الموقف على أساس أن الشاهد هو ~~الحاكم ، كما قال الإمام علي عليه السلام في بعض كلماته : «اتقوا معاصي الله ~~في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم» (1). # * * * PageV18P343 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما (56) @QUR@014 إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله ~~في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) @QUR@012 والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) (58) # * * * ### ||| ** الصلاة على النبي أسلوب من أساليب الاحترام والتكريم # قد يكون الاحترام للشخصية النبوية في موقعها الرسالي ، وفي صفاتها ~~القيادية ، عنصرا أساسيا في ارتباط الناس بها ، وذلك في ما يثيره من تفاعل ~~بأفكارها وسلوكها ، وملامحها الأخلاقية ، وأساليبها العملية ، انطلاقا من ~~الانجذاب النفسي الذي يؤدي إلى الانجذاب العملي. # وعلى ضوء ذلك ، جاء القرآن ليثير بعض الأساليب العملية ، في تأكيد احترام ~~الناس للنبي ، بالطريقة التي لا تصنع بينه وبينهم حاجزا نفسيا أو PageV18P344 # خارجيا ، بل تعمل على إبعاد الوضع عن الوصول إلى المستوى الذي يؤدي ms4336 إلى ~~الاستهانة بحقه ، وفقدان الاحترام له ، في طريقة التخاطب والتعامل ، وهذا ~~ما لاحظناه في بعض التشريعات المتقدمة. # وفي هذه الآيات نوع من التكريم المستمر للنبي بطريقة الصلاة عليه ، في كل ~~وقت ، في ما لم يكن مألوفا لديهم من حيث أسلوب الاحترام ، كما أن هناك حملة ~~على الذين يسيئون إلى الرسول كما يسيئون إلى الله في كلماتهم وأعمالهم ، ~~وعلى الذين يسيئون إلى المؤمنين والمؤمنات ، باعتبار أن المسألة تمثل إساءة ~~للإسلام كله ، وللإيمان كله. # * * * ### ||| ** الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@06 إن الله وملائكته يصلون على النبي ) وهي من الله الرحمة وإعلاء ~~الدرجة والرضوان ، في ما يمثله ذلك من عطف وعناية وتكريم وتشريف ، ومن ~~الملائكة التزكية والاستغفار ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ) في ~~ما تمثله الصلاة عندكم من الدعاء الدائم له بالرحمة الإلهية ، والرضوان في ~~دار النعيم ، كأسلوب من أساليب التكريم المتحرك في مشاعر النفس التي تتلهف ~~حبا له في ابتهال الدعاء بين يدي الله ، وفي تمتمات الشفاه في ما تعبر به ~~من كلمات الصلاة التي تطل على أكثر من معنى يتصل بالله ، وينطلق من مواقع ~~الرسالة في الحياة ( @QUR@02 وسلموا تسليما ) عليه ، في ما يمثله التسليم ~~من إطلاق التحية على النبي في حياته ، في حضوره وغيبته وبعد وفاته ، في ~~حياته عند الله ، لأن الله يريد من المؤمنين أن يعيشوا معه ، ويشعروا ~~بحضوره بينهم في رسالته ، وحضورهم معه في التزامهم بالخط العملي الذي ~~يتحركون فيه ، وقد يكون في حديث الله عن صلاتهم المقرونة بصلاته وصلاة ~~ملائكته على النبي ، بعض PageV18P345 # الإيحاء بأن للمؤمنين الدرجة الكبيرة عند الله في ما يلتزمونه من موقف ~~يمتد من وحي فعله ، في مواقع رضوانه ، وفي ما يثيرونه في أنفسهم من مشاعر ~~الانفتاح على الله في كل ما يفيضون فيه من أقوال وأفعال. # وجاء في تفسير الدر المنثور : أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد ~~بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه ~~عن كعب بن عجرة قال : قال رجل : يا رسول ms4337 الله ، أما السلام عليك فقد علمناه ~~، فكيف الصلاة عليك؟ قال : قل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد (1). # * * * ### ||| ** جزاء الذين يؤذون الله ورسوله # ( @QUR@05 إن الذين يؤذون الله ورسوله ) من خلال كلماتهم الحاقدة المؤذية ~~، وحركاتهم المعادية المنكرة ، في ما يكون فيه تمرد على مقامهما ، واجتراء ~~على مكانتهما ، وتجاوز للحدود المرسومة لهم ، في ما يجب لهما من حقوق على ~~الناس ، وبذلك لم يكن الإيذاء حالة انفعالية ، ليتساءل البعض عن استحالة ~~إيذاء الله ، لأنه منزه عن أن يناله الأذى وكل ما فيه وصمة النقص والهوان ، ~~فإن المقصود التكلم بما يمس مقامه العظيم ، أو العمل بما يسيء إليه ، على ~~سبيل المحاكاة لما يصدق على ما لدى الآخرين ( @QUR@05 لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة ) وذلك بإبعادهم عن مواقع رحمته ، وعن آفاق مغفرته ورضوانه ، لأنهم ~~أخرجوا أنفسهم منها وابتعدوا عنها ، عند ما انحرفوا عن خط الالتزام بالله ~~ورسوله في PageV18P346 # مواقع محبته ورضاه ، فليس لهم موقع من التكريم والاحترام في الدنيا ، ~~وليس لهم مجال من المغفرة والرحمة في الآخرة. # ( @QUR@04 وأعد لهم عذابا مهينا ) مما يضيف إلى الطرد المعنوي ، العقوبة ~~المادية الجسدية الذي تمثل الاستهانة بهم ، وإهانتهم في الآخرة في درجات ~~الجحيم. # * * * ### ||| ** إيذاء المؤمنين والمؤمنات # ( @QUR@07 والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ) فلم يصدر ~~منهم أي عمل يستحقون به الإيذاء من قتل أو جراحة أو سباب أو إيذاء في أهل ~~أو مال أو ولد ، بل كان سلوكهم معهم سلوكا طبيعيا لا يصدر عنه أية ردة فعل ~~في أي أمر من أمور الناس ( @QUR@03 فقد احتملوا بهتانا ) في ما يعينه ~~البهتان من الافتراء والكذب على الغير ، الذي يواجهه به ، فكأن المؤذي يدعي ~~وجود سبب للإيذاء صادر عن الشخص الآخر من موقع موقفه ، فينسب إليه جرما ~~بغير حق ( @QUR@02 وإثما مبينا ) لأنه ظلم واضح لا مجال للاعتذار عنه من ~~قريب أو من بعيد. ### ||| * * * * PageV18P347 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ms4338 ونساء المؤمنين يدنين عليهن ~~من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) ~~@QUR@019 لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) @QUR@06 ملعونين أينما ~~ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) @QUR@012 سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا ) (62) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جلابيبهن ): الجلباب : خمار المرأة الذي يغطي رأسها ووجهها. # ( @QUR@01 والمرجفون ): الإرجاف : إشاعة الباطل للاغتمام به ، وإلقاء ~~الاضطراب بسببه. # ( @QUR@01 لنغرينك ): الإغراء بالفعل : التحريض عليه. # * * * PageV18P348 ### ||| ** آيات تشريع الحجاب # ( @QUR@012 يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن ~~من جلابيبهن ) والجلباب ، ثوب تشتمل به المرأة فيغطي جميع بدنها ، أو ~~الخمار الذي تغطي به رأسها ووجهها ، والمطلوب هو إسدال الجلباب على البدن ~~وتقريبه منه كناية عن الستر ( @QUR@06 ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) وقد ~~فسره البعض ، بأن ذلك أقرب إلى أن يعرفن بالعفة والصلاح والستر والحجاب ، ~~فيحترمهن أهل الفسق ، فلا يتعرضون لهن كما يتعرضون لغيرهن من النساء غير ~~العفيفات. وربما كان المعنى أن يعرفن أنهن مسلمات حرائر ، ولسن من الإماء ، ~~أو من الكتابيات اللاتي لا يتقيدن بما تتقيد به المسلمات من السلوك المتزن ~~القائم على العفة والإيمان. وقد يكون المعنى ، أن يكون ذلك زيا معينا ~~يتميزن به عن غيرهن ، للتمييز بينهن وبين غير المسلمات. # * * * ### ||| ** الغاية من هذا التشريع # وقد يخطر بالبال ، أن حكمة هذا التشريع ، لم تنطلق من عمق المصلحة ~~الكامنة في علاقة هذا الزي بالأخلاق ، بل انطلقت من مراعاة حالة طارئة في ~~مجتمع المدينة الذي كان يخضع لسلوك بعض الشباب العابث الذي لا يحترم النساء ~~، فيراودهن عن أنفسهن بتخيل أنهن من العابثات ، باعتبار أن الزي واحد لا ~~تختلف فيه إحداهن عن الأخرى ، فكان من اللازم أن يفرض للمؤمنات من نساء ~~النبي وبناته ونساء المؤمنين زي إسلامي بتميزن به عن الأخريات من الكتابيات ~~والإماء ، ليبتعدن بذلك عن الأذى ، لما يعرفه هؤلاء الشباب من صلابة ~~الإسلام في مواجهة هذا العبث ، بقدر ما يتصل بالمؤمنات ، فيمنعهم PageV18P349 # ذلك عن السلوك السلبي تجاههن ms4339 ، فيكون هذا الأمر ، كما هو الأمر المروي في ~~كلام الإمام علي عليه السلام عند ما سأله بعض الناس عن قول الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ، فقال (ع): إنما ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم : كان ذلك والإسلام قل فأما الآن ... فامرؤ وما ~~اختار (1)، مما يوحي بأنه تشريع ظرفي يراد به تميز المسلمين عن اليهود في ~~المجتمع المختلط لبعض المصالح التي تتصل بالملامح الشخصية للمسلمين. # وعلى ضوء ذلك ، فلا تكون الآية من آيات الحجاب الملزم ، بلحاظ أن الأمر ~~يدل على الوجوب ، فإن الفقرة الثانية قد تصلح دليلا على عدم إرادة الإلزام ~~في ذلك ، ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) يغفر للمذنبين ، ويرحم ~~المؤمنين. # وقد جاء في تفسير القمي في قوله تعالى : ( @QUR@012 يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ) فإنه كان سبب ~~نزولها أن النساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا كان الليل وخرجن إلى صلاة المغرب والعشاء ~~الآخرة يقعد الشباب لهن في طريقهن فيؤذونهن ويتعرضون لهن» (2). # وفي الدر المنثور ، «بإسناده عن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية ( ~~@QUR@04 يدنين عليهن من جلابيبهن ) خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن ~~الغربان من أكسية سود يلبسنها» (3). # * * * PageV18P350 ### ||| ** القرآن يهدد المنافقين والمرجفين بالعقاب # ( @QUR@08 لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) من أولئك الذين ~~يعيشون العقدة النفسية ضد الإسلام والمسلمين ، والازدواجية بين ما يظهرون ~~من الإيمان وما يبطنون من الكفر ( @QUR@03 والمرجفون في المدينة ) الذين ~~يعملون على بث الإشاعات وإثارة الأقاويل التي تضعف العزيمة ، وتشيع الفساد ~~، وتثير الفتن ، وتنشر الأضاليل والأباطيل ، لتحويل المجتمع إلى ساحة ~~مهزوزة لا يتماسك فيها الموقف ولا يثبت فيها الموقع ، مما هو موجود في كل ~~مكان وزمان ، حتى تحول في عصرنا إلى فن قائم بذاته ، في ما تعارف عليه ~~الناس من «الحرب النفسية» التي يشنها المرجفون من العاملين في أجهزة ~~المخابرات والإذاعة والصحافة والوسائل بأسلحتهم الإعلامية قبل أن تدخل في ~~ساحة الصراع في الحرب الحارة. # وهكذا ms4340 أراد الله أن يحذر هؤلاء الذين كانوا منتشرين في المدينة ليخلقوا ~~المشاكل للنبي في خط الدعوة وخط الجهاد ، وإدارة المجتمع ، ويهددهم للمرة ~~الأخيرة ، لئن لم يمتنعوا عما هم فيه من الإرجاف والإفساد ( @QUR@02 ~~لنغرينك بهم ) أي لنحرضنك عليهم وندفعك إلى ضربهم والقضاء على مواقع قوتهم ~~، وإلى إخراجهم من المدينة ( @QUR@06 ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ) وهي ~~المدة التي تفصل بين إصدار الأمر وتنفيذه. # وقد نستطيع استيحاء الحكم الشرعي من هذه الآية في ضرب الأجهزة التي تثير ~~الأقاويل والإشاعات الكاذبة ، وتعمل على إضعاف المجتمع عن طريق الاعلام ~~المنحرف الذي يخطط لتنفيذ مؤامرات الأعداء ضد الإسلام والمسلمين ، وفي ~~نفيهم خارج البلاد. PageV18P351 # ( @QUR@03 ملعونين أينما ثقفوا ) أي أينما وجدوا ( @QUR@03 أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا ) فهذا هو الحكم الشرعي الذي ينبغي أن ينفذ فيهم ليجتث الجذور ~~الفاسدة من المجتمع ، التي إذا بقيت أهلكت المجتمع كله ، ولم ينفع معها أي دواء. # ( @QUR@07 سنة الله في الذين خلوا من قبل ) فقد كان الله يمهل الكافرين ~~والمنافقين والمرجفين مدة من الزمن ليتوبوا وليرجعوا إليه ، وليتركوا ما هم ~~فيه من الضلال والإضلال ، ثم يقضي عليهم بكل قوة لينقذ المجتمع منهم ، ~~بطريقة العذاب النازل من السماء ، أو البلاء الذي يحيط بهم من كل جانب ، أو ~~التشريع الذي تنفذه السلطة الشرعية القادرة فيهم. # ( @QUR@05 ولن تجد لسنة الله تبديلا ) لأن سنن الله في الكون والمجتمعات ~~، لا تخضع لأوضاع طارئة لتكون شريعة مرحلة معينة من الزمن ، بل تخضع ~~للمصلحة العامة المتحركة مع المسيرة المستمرة الممتدة في الحياة في حركة ~~المجتمعات في ما يصلحها ويفسدها ، فلن تتبدل ولن تتغير ، لأن معنى ذلك ، أن ~~الله يترك الفساد لكي يمتد ويتجذر في الواقع ليقضي على الحياة كلها. ### ||| * * * * PageV18P352 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل ~~الساعة تكون قريبا (63) @QUR@07 إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) ~~@QUR@08 خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) @QUR@012 يوم تقلب ~~وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) @QUR@08 ~~وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) @QUR@08 ربنا ~~آتهم ms4341 ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) @QUR@017 يا أيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها ) (69) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وجيها ): عظيم القدر ، ورفيع المنزلة. # * * * PageV18P353 ### ||| ** الكافرون يلعنون ساداتهم وكبراءهم يوم القيامة # ( @QUR@04 يسئلك الناس عن الساعة ) في سؤال متكرر يثيره الفضول الذي ~~يلاحق الخصوصيات ليعرفها ، ليملأ به فراغ النفس ، بعيدا عما إذا كان ~~الموضوع ضروريا أو غير ضروري ، في حاجة الفكر إلى المعرفة التي تغذيه ~~بالنافع الجيد من الأفكار ، أو يثيره التحدي ، في ما كانوا يواجهون به ~~النبي من الحديث عن التحديد الزماني ليوم القيامة ، ليدخلوا معه في جدال ~~آخر ، حول طبيعة التوقيت وخصوصياته. ولم يرد الله للرسول أن يدخل معهم في ~~هذا الجدال الفارغ الذي لا يؤدي إلى نتيجة في حاجتهم إلى المعرفة من جهة ~~العقيدة ، أو من جهة العمل. # ( @QUR@05 قل إنما علمها عند الله ) فهو الذي يعلم حدودها التي لا يريد ~~أن يبينها لأحد حتى لخاصة عباده الصالحين ، لأن غموضها في الزمن ينطلق من ~~حكمة إلهية تريد من الناس أن يترقبوها ترقب المفاجأة الصاعقة لهم ( @QUR@06 ~~وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) فأنت والناس سواء في عدم العلم بها وفي ~~ضرورة الانتظار القريب لها ، في ما يمكن أن يقترب من وقتها بشكل مفاجئ. # * * * ### ||| ** أحوال الكافرين في جهنم # ( @QUR@015 إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا* خالدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا ) لأن ذلك هو جزاء الكفر الذي لم يرتكز على قاعدة من ~~علم وفكر ، بل ارتكز على عقدة ذاتية ضد الأنبياء والمصلحين ، وعلى عناد ~~حاقد متحجر في الإصرار PageV18P354 # على عقيدة الكفر التي توارثوها من الآباء والأجداد ، فلا يملكون حجة على ~~موقفهم ، مما جعلهم في الموقع الذي يجلبون فيه الضرر لأنفسهم وللبلاد ~~والعباد. # ( @QUR@05 يوم تقلب وجوههم في النار ) فتتحول من حال إلى حال ، فتصفر ~~تارة وتسود أخرى ، أو تنتقل من جهة إلى أخرى ، كما هو اللحم المشوي عند مس ~~النار له. # * * * ### ||| ** إعلان الندم # ( @QUR@07 يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ) فقد جاءنا الرسول ~~بآيات الله ms4342 ، وعرفنا مواقع أمره ونهيه ، وما يرضيه ويسخطه ، مما يصلح ~~أمورنا ويبعدنا عن الفساد ، ولكننا تمردنا وعصينا ، من غير وعي للنتائج ، ~~ولا تقدير للموقف. # * * * ### ||| ** إضلال السادة الكبار المستضعفين # ( @QUR@06 وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ) الذين كانوا يسيطرون ~~على مقدراتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية ، ويملكون الضغط ~~علينا فكريا وعمليا ، في ما يضللونا به من العقيدة ، وما ينحرفون بنا من ~~الخط ، فنخضع لضغوطهم كما يخضع كل ضعيف لأي قوي ، من خلال حاجاته الموجودة ~~عنده ، ونقاط ضعفه المتحكمة فيه ( @QUR@02 فأضلونا السبيلا ) فانحرفنا عن صراطك PageV18P355 # المستقيم ، وابتعدنا عما أردتنا أن نسير فيه ( @QUR@05 ربنا آتهم ضعفين ~~من العذاب ) لأنهم ضلوا في أنفسهم وكانوا السبب في ضلالنا ( @QUR@03 ~~والعنهم لعنا كبيرا ) لأن جريمتهم لا تنحصر في مواقعهم ، بل تمتد إلى مواقع ~~غيرهم من المستضعفين المسحوقين. # وهكذا نرى القرآن يؤكد في أكثر من آية على أن من أسباب الانحراف الشعبي ~~سيطرة المستكبرين من طغاة المال والسلاح والسياسة ، مما يوحي إلى الضعفاء ~~أن لا يستسلموا للضعف الذاتي الذي يستغله أولئك في عملية التحكم والإضلال ، ~~بل أن يعملوا على استنفار نقاط القوة الكامنة في شخصياتهم ، ليكونوا ~~الأقوياء الذين يسقطون القوة الغاشمة التي تقهر حريتهم وتصادر إنسانيتهم ~~وتضعف مواقعهم. وتتنوع الأساليب القرآنية في عملية الإيحاء والإثارة ، ~~لتقديم الصورة المعبرة بكل ملامحها المثيرة في يوم القيامة ، فتعرض كيف يرى ~~المستضعفون الذين لم تقفل كل السبل والمخارج في وجوههم ، لكنهم آثروا ~~الإذعان والاستسلام ، أعمالهم حسرات ، وكيف يتبرأ منهم المستكبرون. # * * * ### ||| ** بنو إسرائيل يؤذون نبي الله موسى # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ) وهم بنو ~~إسرائيل الذين أخرجهم من ظلمات العبودية إلى نور الحرية ، حتى إذا ملكوا ~~حريتهم ، انقلبوا عليه ، وتعقدوا منه وبدأوا يثيرون المشاكل في طريقه ، ~~وينسبون إليه التهم الباطلة ، والأقاويل الكاذبة ( @QUR@04 فبرأه الله مما ~~قالوا ) وأظهر كذبهم عيانا ( @QUR@04 وكان عند الله وجيها ) في علو درجته ~~ورفعة مقامه ، وعلو شأنه ، لثباته في الدعوة إلى الله PageV18P356 # وإخلاصه في الجهاد في سبيله ، وذلك هو السبيل الوحيد الذي يملك فيه الناس ~~الوجاهة عند الله ، من ms4343 خلال الإيمان والعمل. # وهذه الآية خطاب للصحابة الذين كان بعضهم يثير الأقاويل الباطلة حول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكر في السيرة مما أثاروه في قصة زواج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بزينب بنت جحش بعد طلاقها من مولاه زيد. # وقد ذكر المفسرون في تفسير إيذاء بني إسرائيل بعض الأحاديث المروية في ~~هذا الشأن التي لا تثبت بها حجة ، ولا تتماسك أمام النقد ، فليرجع إليها من ~~أحب ، ولنجمل المسألة في ما أجمله الله منها ، ليكون الحديث حديث المبدأ لا ~~التفاصيل. ### ||| * * * * PageV18P357 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) ~~@QUR@014 يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز ~~فوزا عظيما ) (71) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 قولا سديدا ): قولا صادقا وصائبا. # * * * # ( @QUR@05 اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) # ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) وليكن خطكم العملي على مستوى ~~الحركة في الذات والواقع والعلاقات ، لأن ذلك هو معنى تجسد الإيمان وتحوله ~~إلى حركة حية منضبطة في حياة الإنسان المؤمن ، فلا يكون مجرد كلمة تقال ، ~~أو شعار يرفع ، ( @QUR@03 وقولوا قولا سديدا ) وهو القول الذي يحمل في ~~مضمونه الصدق والحق والعدل ، وينطلق في آفاق الصواب الذي لا مجال فيه ~~للباطل والخطأ PageV18P358 # والعبث. وهذا هو العنوان الذي ينبغي أن تتعنون به الشخصية الإسلامية ، ~~لتكون مثال الشخص المتوازن في كلامه ، بالتوازن في نظرته إلى الأمور ، ~~وبالعمق في دراسته لها ، وبالامتداد في خط المستقبل في وعيه لمسائل الحاضر ~~، وبالنظرة العادلة إلى القضايا المطروحة في الساحة ، لتكون الأحكام أحكام ~~عدل وحق. وإذا أردنا أن ندخل في التفاصيل الجزئية ، فيمكننا الإشارة إلى ~~القول في الإصلاح بين الناس ، وفي إصلاح الخطأ في الرأي والموقف ، وفي ~~الدعوة إلى محاربة الظلم وإقامة العدل ، والوقوف مع حركة الحرية في مواجهة ~~الاستعباد ، ومع الوحدة على الحق ، في مواجهة التفرق في داخله ، أو الوحدة ~~في الباطل .. وهكذا ( @QUR@03 يصلح لكم أعمالكم ) لأن ذلك هو النتيجة ~~الطبيعية للقول السديد الذي يحمل الرأي الحق والموقف العادل والنظرة ~~الصائبة ، ويوجه إلى الصراط المستقيم ، الأمر الذي يحول ms4344 الأعمال المنطلقة ~~منه إلى أعمال صالحة ، لا مجال فيها للاهتزاز والفساد ، وذلك من خلال أن ~~الفكرة هي صورة العمل ، وأن الكلمة حركته في الطريق إلى الواقع. # ( @QUR@03 ويغفر لكم ذنوبكم ) لأن الله يغفر للسائرين في طريق الرشاد ~~والسداد الذي هو الطريق إليه ، فإذا انحرفوا في بعض المراحل أو أخطئوا في ~~بعض الأعمال ، ثم استقاموا على الطريق وأصابوا في مضمون العمل ، ذكر الله ~~لهم جهدهم في الحق وإخلاصهم له فغفر لهم ذلك كله. # ( @QUR@08 ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) لأن خط الطاعة هو ~~الذي يؤدي إلى الحصول على رضوان الله ، وإلى الدخول في جنته ، وذلك هو ~~الفوز العظيم. ### ||| * * * * PageV18P359 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) @QUR@015 ~~ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ) (73) # * * * ### ||| ** الأمانة التي حملها الإنسان # ( @QUR@07 إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) ما هي ~~الأمانة التي عرضها الله على هذه المخلوقات الكبيرة الضخمة الجامدة ، وكيف ~~هو هذا العرض؟ # اختلف في تفسيرها على أقوال : # فقيل : المراد بها التكاليف الموجبة طاعتها دخول الجنة ومعصيتها دخول PageV18P360 # النار ، والمراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال ، اعتبارها بالنسبة ~~إلى استعدادها. وقيل : المراد بها العقل الذي هو ملاك التكليف ومناط الثواب ~~والعقاب. # وقيل : هي قول لا إله إلا الله. # وقيل : هي الأعضاء ؛ فالعين أمانة من الله يجب حفظها وعدم استعمالها إلا ~~في ما يرتضيه الله تعالى وكذلك السمع واليد والرجل والفرج واللسان. # وقيل : المراد بها أمانات الناس والوفاء بالعهود. # وقيل : المراد بها معرفة الله بما فيها. # والظاهر أن المراد بها المسؤولية التي يتحملها الإنسان في ما يقوم به من ~~أعمال وأقوال ، باعتبار أنها التي تتصل بالنتائج السلبية التي يخاف الإنسان ~~من خلالها أن يتعرض لعقاب الله ، وهي التي يمكن أن يعرضها الله على ~~مخلوقاته ، بأن تتحمل مسئولية نفسها ، فتدير أوضاعها وتتحرك من موقعها ~~الإرادي ، وهذا هو المعقول في ذلك كله. # وعلى هذا ، فيكون العرض واردا بنحو ms4345 الاستعارة ، بحيث تكون الفكرة أن ~~المسؤولية التي يتحملها الإنسان ، في ما يواجهه من النتائج أمام الله ، هي ~~من الثقل بحيث لو عرضها الله على هذه المخلوقات لرفضتها خوفا منها ، فنزل ~~ذلك منزلة العرض الواقعي ، ( @QUR@05 فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) لما ~~يترتب على ذلك من العقاب الإلهي على الانحراف عن أوامر الله ونواهيه مما لا ~~يستطيع مخلوق أن يتحمله أو يقبله ، على ما جاء في دعاء كميل للإمام علي ~~عليه السلام : «لأنه لا يكون إلا عن غضبك وانتقامك وسخطك ، وهذا ما لا تقوم ~~له السماوات والأرض ، يا سيدي ، فكيف بي وأنا عبدك الضعيف الذليل الحقير ~~المسكين المستكين» ، وقد نستوحي ذلك من قوله تعالى : ( @QUR@06 فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو PageV18P361 # @QUR@04 كرها قالتا أتينا طائعين ) [فصلت : 11] ، بإرجاع الأمر إلى الله ~~على أساس القوانين الكونية التي تتحرك من خلالها طوعا لإرادة الله في ذلك ~~كله ( @QUR@02 وحملها الإنسان ) في ما أودعه الله في الإنسان من عوامل ~~الإرادة والاختيار ، ( @QUR@04 إنه كان ظلوما جهولا ) فلم يقم بما يجب عليه ~~منها ، بل ظلم نفسه بانحرافه عن الخط ، وجهل موقعه ومرجعه بغفلته ، وهذا هو ~~الظاهر منها ، خلافا لما فهمه البعض بأن حمل الإنسان للأمانة كان ناشئا من ~~ظلمه لنفسه وجهله بنتائج ما يختاره ويتحمله من المسؤولية. # ( @QUR@06 ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) على ما ~~ظلموا به أنفسهم من النفاق والضلال والشرك ، في ما يمثله ذلك من خيانة ~~للأمانة ( @QUR@05 ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ) الذين أخلصوا لله ~~وحفظوا الأمانة في أنفسهم وفيمن حولهم ( @QUR@04 وكان الله غفورا رحيما ) ~~لمن رجع إليه ، وتاب وعمل صالحا واهتدى به. # * * * PageV18P362 ### | الفهرس # تفسير سورة العنكبوت [1 69] # الآيات [1 ~~7].................................................................. 7 # معاني ~~المفردات.............................................................. 7 # التجارب مختبر ~~الإيمان........................................................ 8 # تنوع ~~التجارب.............................................................. 8 # الإيمان الشكلي والإيمان ~~الحقيقي............................................. 10 # فتنة ~~الأولين.............................................................. 11 # انتصار الكافرين وهمي ~~مؤقت............................................... 12 # هوية الذين يعملون ~~السيئات................................................ 14 # الذين يرجون لقاء ~~الله...................................................... 15 # من جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه................................................ 16 # ثواب من امن وعمل ~~صالحا................................................. 17 # الآيتان [8 ~~9]................................................................ 19 PageV18P363 # معاني ~~المفردات............................................................ 19 # الإحسان إلي الوالدين في غير معصية ms4346 ~~الله..................................... 19 # الوصية بالإحسان ~~للوالدين................................................. 20 # حدود طاعة ~~الوالدين...................................................... 21 # الآيتان [10 ~~11]............................................................. 22 # الإيمان علي قياس المصالح ~~الخاصة............................................ 22 # المنافق لا يصبر علي ~~الأذي................................................. 23 # ادعاء الإيمان عند ~~النصر................................................... 24 # الله أعلم بما في ~~الصدور.................................................... 24 # الآيتان [12 ~~13]............................................................. 26 # معاني ~~المفردات............................................................ 26 # من أساليب الكفار الخادعة في إضلال ~~المؤمنين................................ 26 # كل يحمل خطاياه ~~لوحده................................................... 27 # حمل أثقالهم وأثقال من ~~أضلوهم............................................. 28 # الآيات [14 ~~27]............................................................. 29 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # من نوح إلي إبراهيم في رحلة ~~الرسالة.......................................... 30 # إرسال نوح إلي ~~قومه....................................................... 31 # دعوة إبراهيم ~~لقومه........................................................ 31 # الحاجة لا تطلب إلا من ~~الله................................................. 32 # تكذيب الأمم السابقة ~~للرسل............................................... 33 # وظيفة الرسول: البلاغ ~~المبين................................................ 33 # بدء الخلق والإعادة من سنخ ~~واحد........................................... 34 # الاعتبار ببداية ~~الخلق....................................................... 34 PageV18P364 # الكافر يائس من رحمة ~~الله.................................................. 35 # محاولة قتل ~~إبراهيم......................................................... 36 # اتخاذ الأوثان للمصالح ~~الخاصة............................................... 36 # الكفار يكفر بعضهم ببعض................................................ 37 # هجرة إبراهيم إلي ~~الله...................................................... 38 # النبوة في ذرية ~~إبراهيم....................................................... 39 # الآيات [28 ~~35]............................................................. 41 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # لوط في خط الرسالة من البداية إلي ~~النهاية.................................... 42 # فحش قوم لوط........................................................... 42 # تفسير قطع ~~السبيل........................................................ 43 # إيتاء المنكر في ~~النادي...................................................... 44 # رفض قوم لوط ~~الدعوة..................................................... 45 # دعاء لوط ~~بالنصر......................................................... 45 # إعلام إبراهيم بإهلاك قوم ~~لوط.............................................. 46 # هل كان إبراهيم يعلم أن لوطا لن ~~يعذب!.................................... 47 # نزول العذاب علي قوم ~~لوط................................................. 48 # الآيات [36 ~~40]............................................................. 50 # معاني ~~المفردات............................................................ 50 # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون.................................... 51 # نبي الله شعيب عليه ~~السلام................................................. 51 # مصير ~~المستكبرين.......................................................... 53 # الآيات [41 ~~44]............................................................. 55 # وتلك الأمثال نضربها ~~للناس................................................. 55 PageV18P365 # الغاية من ضرب ~~الأمثال.................................................... 56 # الآية ~~[45].................................................................... 58 # الأمر بتلاوة الوحي وإقامة ~~الصلاة............................................ 58 # اتل ما أوحي ~~إليك......................................................... 58 # وأقم ~~الصلاة.............................................................. 59 # ولذكر الله ~~أكبر........................................................... 60 # الآية ~~[46].................................................................... 62 # معاني ~~المفردات............................................................ 62 # منهجية الجدال في ~~الإسلام.................................................. 62 # المجادلة بالتي هي ~~أحسن.................................................... 63 # البحث عن النقاط المشتركة في ~~الحوار......................................... 64 # الآيات [47 ~~52]............................................................. 65 # كتاب الله .. آيات بينات ورحمة ~~للمؤمنين.................................... 66 # نفي كون القرآن، من خط النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~...................................... 66 # القرآن ms4347 آيات ~~بينات........................................................ 67 # نزول الآيات من عند ~~الله................................................... 68 # الكتاب حجة ~~بذاته........................................................ 69 # كفي بالله ~~شهيدا.......................................................... 70 # الآيات [53 ~~55]............................................................. 72 # يستعجلونك بالعذاب .. فما ذا ~~يجدون!..................................... 72 # عذاب الكافرين لأجل مسمي............................................... 73 # الآيات [56 ~~60]............................................................. 74 # معاني ~~المفردات............................................................ 74 # أيها المؤمنون المضطهدون .. إن أرضي ~~واسعة.................................. 75 PageV18P366 # كل نفس ذائقة ~~الموت...................................................... 76 # بشارة الذين امنوا وعملوا ~~الصالحات.......................................... 76 # الرزق علي ~~الله............................................................ 77 # عدم استسلام العاملين ~~للتهاويل............................................. 78 # الآيات [61 ~~63]............................................................. 80 # الله وراء كل أحداث ~~الكون................................................. 80 # الله خلق السموات ~~والإرض................................................. 81 # الله يبسط الرزق ~~ويقدر..................................................... 81 # الله ينزل من السماء ~~ماء.................................................... 82 # الآية ~~[64].................................................................... 83 # مفهوم القرآن للحياة الدنيا والحياة ~~الآخرة...................................... 83 # الحياة الدنيا لهو ~~ولعب...................................................... 83 # الدار الآخرة هي ~~المستقر................................................... 85 # الآيات [65 ~~68]............................................................. 86 # معاني ~~المفردات............................................................ 86 # أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون........................................ 86 # اللجوء إلي الله عند انقطاع ~~السبل............................................ 87 # لا مفر للكافرين من ~~العذاب................................................ 87 # الحرم ~~الآمن............................................................... 88 # الافتراء علي الله أشد ~~الظلم................................................. 89 # الآية ~~[69].................................................................... 90 # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا.......................................... 90 PageV18P367 # تفسير سورة الروم [1 60] # الأجواء العامة لسورة ~~الروم.................................................. 95 # الآيات 1 ~~6]................................................................. 98 # معاني ~~المفردات............................................................ 98 # التنبؤ بغلبة ~~الروم.......................................................... 99 # لله الأمر من قبل ومن ~~بعد.................................................. 99 # فرح المؤمنين بنصر ~~الله.................................................... 101 # الآيات [7 ~~19]............................................................. 103 # معاني ~~المفردات.......................................................... 104 # الله يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده.................................................. 104 # بعض الناس عن الآخرة غافلون............................................ 105 # خلق الله السماوات والإرض ~~بالحق......................................... 106 # عاقبة الأمم ~~السابقة...................................................... 107 # أحوال المجرمين يوم ~~البعث................................................. 109 # التفرق عند قيام ~~الساعة.................................................. 110 # التسبيح والحمد ~~لله....................................................... 110 # يخرج الحي من ~~الميت..................................................... 111 # الآيات [20 ~~25]........................................................... 113 # معاني ~~المفردات.......................................................... 113 # من آيات الله في الإنسان والكون ~~والحياة.................................... 114 PageV18P368 # آية خلق الأزواج من ~~أنفسكم.............................................. 114 # علاقة الزواج بالمودة والرحمة في ~~الإسلام..................................... 115 # التنوع في خلق ~~الله....................................................... 117 # النوم والاكتساب من آيات ~~الله............................................ 118 # رؤية البرق خوفا ~~وطمعا................................................... 119 # الماء يحيي الإرض بعد ~~موتها................................................ 119 # السماء والإرض تقومان بأمر ~~الله........................................... 120 # الآيات [26 ~~29]........................................................... 121 # كل ما في السموات والإرض ملك لله...................................... 121 # إعادة الخلق أهون من ~~بدئه................................................ 122 ms4348 # لله المثل ~~الأعلي............................................................ 12 # اتباع الظالمين ~~أهواءهم.................................................... 124 # الآيات [30 ~~32]........................................................... 126 # معاني ~~المفردات.......................................................... 126 # الإسلام هو دين الاعتدال ~~والاستقامة...................................... 127 # فأقم وجهك للدين حنيفا................................................. 127 # الإسلام هو دين ~~الفطرة................................................... 127 # قيمومة ~~الدين........................................................... 129 # دعوة إلي الإنابة والتقوي وإقامة ~~الصلاة..................................... 130 # نبذ الشرك ~~والتفريق....................................................... 131 # بين الحزبية للناس والحزبية ~~لله............................................... 131 # المراد من لفظ ~~الدين...................................................... 132 # الآيات [33 ~~37]........................................................... 134 # معاني ~~المفردات.......................................................... 134 PageV18P369 # كيفية تصرف الناس أمام الشدة ~~والرخاء.................................... 135 # الإنابة عند الضر والشرك عند ~~الرحمة....................................... 135 # القنوط عند الضيق ~~والبلاء................................................ 137 # الآيتان [38 ~~39]........................................................... 139 # معاني ~~المفردات.......................................................... 139 # طلب الزيادة بالصدقة لا ~~بالربا............................................. 139 # التصدق علي المسكين................................................... 140 # الربا لا يربو عند ~~الله...................................................... 141 # الآية ~~[40].................................................................. 143 # الله وحده يخلق ~~ويميت.................................................... 143 # الآية ~~[41].................................................................. 145 # ظهور الفساد مرتبط بحركة ~~الإنسان......................................... 145 # كيف نستوحي الآية!.................................................... 147 # الآيات [42 ~~45]........................................................... 148 # معاني ~~المفردات.......................................................... 148 # أخذ العبرة من تجربة ~~المشركين.............................................. 148 # كان أكثر الذين من قبل مشركين.......................................... 149 # الاستقامة علي الدين سلامة ~~للمصير....................................... 150 # ارتداد العمل علي ~~صاحبه................................................. 151 # الآيتان [46 ~~47]........................................................... 152 # من آيات الله إرسال الرياح ~~مبشرات........................................ 152 # حق علي الله نصر ~~المؤمنين................................................ 153 # الآيات [48 ~~53]........................................................... 153 # معاني ~~المفردات.......................................................... 155 PageV18P370 # النظر إلي آثار رحمة ~~الله................................................... 156 # يرسل الرياح فتثير ~~سحابا.................................................. 156 # الله يحيي الإرض بعد ~~موتها................................................ 157 # لا تسمع الموتي ولا ~~الصم................................................. 158 # الهدي يحتاج إلي ~~بصيرة................................................... 159 # الآية ~~[54].................................................................. 160 # الله يخلق ما ~~يشاء........................................................ 160 # الآيات [55 ~~57]........................................................... 162 # معاني ~~المفردات.......................................................... 162 # هذا يوم البعث ولكن كنتم لا ~~تعلمون...................................... 163 # الآيات [58 ~~60]........................................................... 165 # معاني ~~المفردات.......................................................... 165 # ضرب الأمثال في ~~القرآن.................................................. 166 # الإصرار علي ~~الجحود..................................................... 166 # وعد الله ~~حق............................................................ 167 # تفسير سورة لقمان [1 34] # في آفاق سورة ~~لقمان..................................................... 171 # شخصية لقمان......................................................... 171 # أغراض ~~السورة........................................................... 173 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 175 # آيات الكتاب هدي ورحمة للمحسنين...................................... 175 # صفات المحسنين......................................................... 176 PageV18P371 # الآيات [6 ~~9].............................................................. 178 # معاني ~~المفردات.......................................................... 178 # مناسبة ~~النزول........................................................... 179 # الصد عن سبيل الله بلهو ~~الحديث.......................................... 179 # لهو ~~الحديث............................................................. 180 # علاقة الآية بتحريم الغناء، ~~وحدوده......................................... 182 # الآيتان [10 ~~11]........................................................... 184 # مظهر عزة الله ~~وحكمته................................................... ms4349 184 # خلق السموات بغير عمد................................................. 184 # خلق الجبال في ~~الإرض.................................................... 185 # الآيات [12 ~~15]........................................................... 186 # معاني ~~المفردات.......................................................... 186 # حكمة لقمان وبعض وصاياه.............................................. 187 # إتيان لقمان ~~الحكمة...................................................... 187 # الشكر ~~لله.............................................................. 188 # لقمان يعظ ~~ابنه......................................................... 189 # توصية الإنسان ~~بوالديه................................................... 191 # لا طاعة للوالدين في ~~الشرك............................................... 192 # الآيات [16 ~~19]........................................................... 194 # معاني ~~المفردات.......................................................... 194 # لقمان يتابع مواعظه ~~لولده................................................ 195 # الوصية بإقامة ~~الصلاة.................................................... 196 # الأمر ~~بالمعروف.......................................................... 196 # الصبر من عزم ~~الأمور..................................................... 196 PageV18P372 # الله لا يحب المختال ~~الفخور............................................... 197 # القصد في ~~المشي......................................................... 198 # الغض من الصوت....................................................... 198 # الاستنتاج من وصية لقمان ~~لابنه........................................... 199 # الآيتان [20 ~~21]........................................................... 200 # معاني ~~المفردات.......................................................... 200 # الكون مسخر لخدمة الإنسان............................................. 200 # تسخير ما في السموات والإرض........................................... 201 # المجادلون بغير ~~علم....................................................... 202 # اتباع الاباء في ~~العقيدة.................................................... 203 # الآيات [22 ~~30]........................................................... 204 # معاني ~~المفردات.......................................................... 205 # تسليم الوجه لله استمساك بالعروة ~~الوثقي.................................... 205 # إلي الله عاقبة ~~الأمور..................................................... 205 # معرفة الله ~~فطرية.......................................................... 206 # كلمات الله لا ~~تنفد...................................................... 208 # مظاهر التدبير ~~الكوني.................................................... 209 # الآيتان [31 ~~32]........................................................... 211 # معاني ~~المفردات.......................................................... 211 # من آيات الله ~~للناس...................................................... 212 # الآيتان [33 ~~34]........................................................... 215 # استحضار أهوال ~~القيامة.................................................. 215 PageV18P373 # تفسير سورة المسجدة [1 30] # الآيات [1 ~~9].............................................................. 221 # معاني ~~المفردات.......................................................... 222 # تنزيل الكتاب لا ريب ~~فيه................................................. 222 # خلق السماوات والإرض.................................................. 223 # معني الاستواء علي ~~العرش................................................. 223 # شفاعة ~~الله.............................................................. 224 # عروج الملائكة ~~والروح..................................................... 224 # عملية خلق الإنسان..................................................... 226 # الآيات [10 ~~14]........................................................... 227 # معاني ~~المفردات.......................................................... 227 # منطق المنكرين ليوم ~~القيامة................................................ 228 # الرد علي المشككين ~~بالبعث............................................... 228 # وقفه مع صاحب ~~الميزان................................................... 229 # المجرمون يطلبون العودة ليعملوا ~~صالحا....................................... 230 # الآيات [15 ~~22]........................................................... 233 # معاني ~~المفردات.......................................................... 233 # من صفات المؤمنين في علاقاتهم ~~بالله........................................ 234 # عدم استواء المؤمن ~~والفاسق................................................ 236 # ثواب الذين آمنوا وجزاء ~~الفاسقين.......................................... 237 # الآيات [23 ~~30]........................................................... 239 PageV18P374 # معاني ~~المفردات.......................................................... 239 # واتينا موسي ~~الكتاب..................................................... 240 # نعم الله علي بني ~~إسرائيل.................................................. 241 # يوم القيامة يوم ~~الفصل.................................................... 242 # الله يسوق الماء إلي الإرض ~~الجرز........................................... 243 # متي يوم ~~الفتح!.......................................................... 243 # تفسير سورة الأحزاب [1 73] # الآيات [1 ~~3].............................................................. 247 # مناسبة ~~النزول........................................................... 247 # تحديد الخطوط العامة للدعاة في خط ~~السير.................................. 248 # اتباع خط ms4350 ~~التقوي........................................................ 249 # الهدف من الخطاب بالتقوي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~................................... 250 # التحرك في الشعار من موقع ~~الإسلام........................................ 251 # اتباع وحي الله والتوكل ~~عليه................................................ 252 # الآيتان [4 ~~5].............................................................. 254 # معاني ~~المفردات.......................................................... 254 # إلغاء القرآن لبعض التشريعات ~~الجاهلية..................................... 255 # ما جعل أزواجكم أمهاتكم................................................ 255 # ما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم................................................ 257 # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند ~~الله........................................ 259 # الآية ~~[6].................................................................... 261 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولي بالمؤمنين من ~~أنفسهم..................................... 261 PageV18P375 # معني أولوية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~................................................. 262 # أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات ~~المؤمنين......................................... 263 # أولو الأرحام بعضهم أولي ~~ببعض........................................... 264 # الآيتان [7 ~~8].............................................................. 265 # النبوة ميثاق بين الله وبين ~~أنبيائه........................................... 265 # سؤال الصادقين عن صدقهم.............................................. 266 # مع صاحب الميزان في تفسير ~~الآيتين........................................ 266 # الآيات [9 ~~11]............................................................. 269 # معاني ~~المفردات.......................................................... 269 # معركة ~~الأحزاب.......................................................... 269 # إمداد الله المؤمنين بالريح ~~والجنود........................................... 271 # حالات الاضطراب عند المؤمنين........................................... 279 # الآيات [12 ~~20]........................................................... 274 # معاني ~~المفردات.......................................................... 275 # حرب المنافقين النفسية ضد ~~المسلمين....................................... 275 # منطق المنافقين ~~المشكك................................................... 276 # لا عاصم من ~~الله........................................................ 278 # المنافقون أشحة علي المؤمنين وعلي ~~الخير.................................... 278 # المنافقون أعمالهم ~~محبطة................................................... 280 # الآيات [21 ~~25]........................................................... 282 # معاني ~~المفردات.......................................................... 282 # الرسول قدوة ~~المسلمين.................................................... 283 # الموقف الثابت للمسلمين في خط ~~الإيمان................................... 285 # من المؤمنين رجال صادقو ~~العهد............................................ 286 PageV18P376 # وكفي الله المؤمنين ~~القتال.................................................. 287 # الآيتان [26 ~~27]........................................................... 288 # معاني ~~المفردات.......................................................... 288 # مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهود بني قريظة وانتصاره ~~عليهم.......................... 288 # الحديث عن قسوة الحكم علي بني قريظة.................................... 290 # الآيات [28 ~~34]........................................................... 292 # معاني ~~المفردات.......................................................... 293 # الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~............................................ 293 # اهتمام الوحي ببيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~.......................................... 293 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخير زوجاته بين الدنيا ~~والآخرة.................................. 294 # تحذير نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عواقب ~~الانحراف............................... 296 # تعاليم تربوية خاصة لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~..................................... 303 # تطهير أهل ~~البيت........................................................ 299 # رجوع الحديث إلي نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~....................................... 303 # الآية ~~[35].................................................................. 305 ms4351 # معاني ~~المفردات.......................................................... 305 # مناسبة ~~النزول........................................................... 305 # المرأة تطالب ~~بموقعها...................................................... 306 # المرأة والرجل سواء في الأجر ~~والفضل........................................ 307 # الآية ~~[36].................................................................. 310 # استسلام المؤمنين المطلق لقضاء الله ~~ورسوله.................................. 310 # المؤمن والمؤمنة سواء في ~~التكليف........................................... 311 # إشكالية الاختيار الإنساني في لزوم الطاعة ~~المطلقة............................ 312 # الآيات [37 ~~40]........................................................... 314 PageV18P377 # معاني ~~المفردات.......................................................... 314 # مناسبة ~~النزول........................................................... 315 # هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجب بجمال زينب بنت ~~جحش!..................... 316 # طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زيد أن يبقي ~~زوجته.................................. 318 # هل يخشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس أكثر من خشيته ~~الله!.......................... 318 # زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بنت ~~جحش................................... 320 # الأنبياء لا يخشون إلا ~~الله................................................. 321 # لا تنافي بين الخوف من الله والخوف من ظروف ~~الواقع........................ 322 # ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم.......................................... 323 # الآيات [41 ~~44]........................................................... 325 # معاني ~~المفردات.......................................................... 325 # دعوة الله المؤمنين لذكره ~~وتسبيحه.......................................... 325 # الانفتاح علي الله بالذكر ~~والتسبيح.......................................... 326 # تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام................................................... 327 # الآيات [45 ~~48]........................................................... 328 # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا........................................... 328 # الآية ~~[49].................................................................. 330 # معاني ~~المفردات.......................................................... 330 # أحكام في النكاح ~~والطلاق................................................ 331 # الآيات [50 ~~52]........................................................... 332 # معاني ~~المفردات.......................................................... 332 # مناسبة ~~النزول........................................................... 333 # أحكام خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الزواج ~~والطلاق.............................. 333 # الآيات [53 ~~55]........................................................... 337 PageV18P378 # أحكام الدخول إلي بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحديث إلي ~~أزواجه.................... 337 # الاستئذان لدخول بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~...................................... 338 # الحديث إلي نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~............................................ 339 # النهي عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~................................................ 40 # حرمة زواج نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~بعده..................................... 341 # المستثنون من حكم حرمة الاختلاط بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~....................... 343 # الآيات [56 ~~58]........................................................... 344 # الصلاة علي النبي أسلوب من أساليب الاحترام ~~والتكريم....................... 344 # الصلاة والسلام علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~......................................... 345 # جزاء الذين يؤذون الله ~~ورسوله............................................. 346 # إيذاء المؤمنين ~~والمؤمنات................................................... 347 # الآيات [59 ~~62]........................................................... 348 # معاني ~~المفردات.......................................................... 348 ms4352 # آيات تشريع الحجاب.................................................... 349 # الغاية من هذا ~~التشريع.................................................... 349 # القرآن يهدد المنافقين والمرجفين ~~بالعقاب..................................... 351 # الآيات [63 ~~69]........................................................... 353 # معاني ~~المفردات.......................................................... 353 # الكافرون يلعنون ساداتهم وكبراءهم يوم ~~القيامة............................... 354 # أحوال الكافرين في ~~جهنم................................................. 354 # إعلان ~~الندم............................................................ 355 # إضلال السادة الكبار ~~المستضعفين......................................... 355 # بنو إسرائيل يؤذون نبي الله ~~موسي.......................................... 356 # الآيتان [70 ~~71]........................................................... 358 PageV18P379 # معاني ~~المفردات.......................................................... 358 # اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا............................................... 358 # الآيتان [72 ~~73]........................................................... 360 # الأمانة التي حملها ~~الإنسان................................................ 360 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV18P380 ![](https://books.rafed.net/Books/3284_tafsir-men-wahi-alquran-19/images/image001.gif) PageV19P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3284_tafsir-men-wahi-alquran-19/images/image002.gif) PageV19P003 ### | سورة سبا ### ||| * مكية ### ||| * وآاتها أربع وخمسون PageV19P005 ### ||| ** في أجواء السورة # وتطل هذه السورة المكية للتحدث عما كان يشغل ساحة الصراع في دائرة ~~المواجهة بين الإسلام والشرك ، لتجيب بطريقتها القرآنية عن تعجل الفكرة ~~المستمدة من مبادئ العقيدة الإسلامية ، التي يراد تعميقها في شخصية الإنسان ~~المسلم ، ليكون ذلك هو الخط الذي يتحرك في الحياة. # هل الله واحد ، أهناك شريك له في خط العقيدة أو العبادة؟ هل محمد نبي أم لا؟ # هل هناك حياة أخرى ، أم أن الموت هو نهاية المطاف للحياة؟ # وتطوف السورة في نطاق الأسئلة الثلاثة في أجواء الأفكار والشبهات ~~المطروحة في الساحة العامة فتثير الدخان حول هذه الأسس الثلاثة للعقيدة ، ~~ولكن بذهنية ، لا تلامس العمق ، من حيث إن الذين يثيرونها لا يملكون عمقا ~~من الأفكار ، أو جدية في إثارة التساؤل ، لأن العقيدة المضادة لم تنطلق من ~~فكر مضاد خاضع لقناعة فكرية يقينية ، بل من فكر تقليدي خاضع لتأثير عقائد PageV19P007 # الآباء والأجداد ، ولذا فلم تكن الآيات تتجه لرد الشبهات المطروحة ، بل ~~لتأكيد العمق الذي تتجذر فيه العقيدة في قضايا الحياة. # * * * PageV19P008 # بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآات # ( @QUR@017 الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) @QUR@018 يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) @QUR@032 وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ms4353 ~~مبين (3) @QUR@010 ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق ~~كريم (4) @QUR@011 والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلج ) الولوج : الدخول. PageV19P009 # ( @QUR@01 يعرج ) العروج : الصعود. # ( @QUR@03 لا يعزب عنه ): لا يغيب عنه. # ( @QUR@01 معاجزين ): من عاجزه أي سابقه ليظهر عجزه. # ( @QUR@01 رجز ): المراد به في الآية أسوأ العذاب. # * * * ### ||| ** صفات الله في حركة العقيدة # وتنطلق البداية في الحديث عن الله في مواقع حمده ورحاب ملكه ، وساحات ~~عظمته وقدرته ، وفي آفاق علمه ليكون ذلك أساسا للانفتاح عليه في خط الإيمان ~~به والثقة برحمته ، على طريق تكوين القناعات الفكرية والعقيدية بالآخرة ، ~~عبر الرسالة والرسول. # ( @QUR@02 الحمد لله ) في مواقع الحمد في رحاب الكون الواسع الذي أبدعه ~~الله بقدرته ، وأداره بحكمته ، ويسر فيه سبل الحياة للمخلوقات ، بحيث تتحرك ~~فيه بيسر وسهولة ، مما يجعل من الحمد في الفكر واللسان حالة وجدانية تستمد ~~مفرداتها من جولة الإنسان في رحاب الكون كله ، حيث يعيش مع الله ( @QUR@08 ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) فليس هناك شيء إلا وهو مملوك له ، ~~خاضع لتدبيره وإرادته في كل ما يتصل به من كل نواحي الحياة والموت ، وفي كل ~~تفاصيل الحركة في شؤونه العامة والخاصة. فكيف يكون ما هو مملوك له شريكا له ~~في الألوهية ، أو في الطاعة والعبادة؟ # ( @QUR@04 وله الحمد في الآخرة ) التي يجتمع فيها الخلق في ساحاتها في ~~دائرة المسؤولية بين يدي الله ، ليحاسبهم جميعا ، من موقع إحاطته بكل أمورهم PageV19P010 # الماضية الخفية والعلنية ، وليجزيهم جميعا ، من موقع قدرته المتحركة في ~~آفاق عدله ورحمته ، ليجد الجميع مواقع حمده في ذلك كله ، فهو أهل الحمد في ~~كل شيء. ( @QUR@03 وهو الحكيم الخبير ) الذي أقام نظام الدنيا وفق الحكمة ~~الخفية الشاملة ، والظاهرة آثارها في أسرار الخلق وإبداع التدبير ، وأدار ~~نظام الآخرة في خط الحق والعدل والرحمة والمغفرة ، على أساس من الدقة ~~البالغة الحكمة من خلال خبرته بالأشياء كلها في كلياتها وجزئياتها. # ( @QUR@05 يعلم ما يلج في الأرض ) من كل مخلوقاته الدقيقة الحية ، من ~~نبات تختبئ حباته في زواياها وفي أعماقها ، ومن حشرات ms4354 وديدان وزواحف وهوام ~~تتحرك في حفرها وأخاديدها وعروقها وخباياها وأعماقها ، ومن قطرات الماء ~~التي تنفذ إلى ترابها لتتحول في تراكماتها إلى بحار جوفية ، وإلى ينابيع ~~متفجرة ، وغير ذلك مما ينفذ إليها من غازات وإشعاعات وعناصر خفية ، ( ~~@QUR@03 وما يخرج منها ) من النبات الذي ينبثق من قلب الأرض ، والينبوع ~~الذي يتفجر منها ، والحشرات الصغيرة ، والديدان الدقيقة ، والزواحف المخيفة ~~، وما إلى ذلك مما تنفتح عنه الأرض في ما خلفه الله فيها من مكامن ، وما ~~يسره فيها من السبل التي تربط الظاهر بالباطن ، والسطح بالعمق. # ( @QUR@07 وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ) من مطر وشعاع وهوام وطير ، ~~ومن ملائكة تهبط وتصعد لتدبر ما أوكل الله إليها تدبيره ، ومن أرواح تصعد ~~إلى بارئها بعد أن أكملت حياتها في الأرض ، وأخرى تنزل من خلال إرادته التي ~~تحركها في الأجساد لتنطلق الحياة ، ومن قطرات الماء التي تتصاعد لتكون ~~بخارا فيكون ماء بإذن الله ، وهكذا يحيط علمه بكل شيء مما دق وخفي مما لا ~~يحصيه عد ، ولا يحيط به فكر ، لأنه الخالق لذلك كله ، فكيف يخفى عنه شيء ~~منه ( @QUR@07 ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك : 14]. # ( @QUR@03 وهو الرحيم الغفور ) الذي يطلع على أعمال عباده ، في ما يخطئون PageV19P011 # ويتمردون وينحرفون ، فيطل عليهم من مواقع رحمته التي تعرف خفاياهم ~~وظروفهم وأوضاعهم التي تثير فيهم نوازع الخطيئة ، وتقودهم إلى مواضع ~~الانحراف ، فيغفر لهم ذنوبهم ، ليمنحهم الفرصة للرجوع إليه. # * * * ### ||| ** بين الحكمة والعبث # ( @QUR@06 وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ) لأن الذهنية المحدودة ~~التي يحملونها لا تلتقي بالأفق الواسع الممتد في رحاب قدرة الله وإحاطته ~~وحكمته ، فهو الذي لا يعجزه شيء ، فلا مجال لاستبعاد إعادته الخلق من جديد ~~، بعد أن خلقهم من عدم. وهو الذي لا يتحرك من عبث ، إذ كيف يخلق الحياة ~~والناس ويدفعهم إلى مواجهة الموقف تحت وطأة المسؤولية ، ثم يتركهم إلى ~~العدم؟ أفلا تكون الحياة إذا فرصة عبث ، تماما كما هي الفقاعات التي تنتفخ ~~ثم تنفجر لتغيب في الفراغ؟ ولماذا كان التكليف ، والمسؤولية ، إذا كانا لا ~~ينتهيان إلى شيء ، فلا ms4355 يلاقي المحسن جزاء إحسانه ، ولا يلاقي المسيء جزاء ~~إساءته؟ # إن الحكمة تفرض الهدف ، وإن الهدف يفرض الآخرة التي تعطي للحياة معناها ~~العميق والممتد في النتائج المتصلة بالإنسان وبالمسؤولية ، ولكن مشكلة ~~هؤلاء أنهم مشدودون للحس ، غارقون في تفاصيله ، متخبطون في دياجيره ، ~~سابحون في أوحاله ، ولذلك كانوا خاضعين للفكرة المادية التي تستند إلى ~~الاستبعاد الحسي للبعث ، لأنهم لم يشاهدوا نموذجا مماثلا ، في الوقت الذي ~~يشاهدون اختلاط الأبدان وتبدلها وتحولها إلى تراب لا أثر فيه للحياة حتى ~~بنحو الاختلاجة. ولهذا كان الرد بتأكيد الحقيقة ، من دون مقدمات ، لأنها ~~تحمل في داخلها معنى ثبوتها وثباتها من خلال الفكر المتحرك PageV19P012 # الذي يطل على الله في آفاق الكون الذي كان عدما فوجد بقدرته ، ومن موقع ~~الصدق الذي يتمثل في الوحي الصادق الذي جاء به الصادق الأمين ، مما يجعل ~~للتأكيد الحاسم عمق الصدمة التي تهز المشاعر لتخلق في داخلها الرهبة في ما ~~يشبه المفاجأة التي تخاطب الأعماق. ( @QUR@04 قل بلى وربي لتأتينكم ) إنه ~~القسم العظيم الذي يجعل الله شاهدا على الحقيقة التي تأخذ وضوحها من عظمة ~~قدرته التي لا ينكرها المشركون في كليتها وإن غفلوا عن تفاصيلها. إنه ~~الإيحاء الذي ينفصل فيه النبي عن خصوصيته الذاتية في ما هي القناعة الخاصة ~~، ليسمو إلى رحاب الله ، ليقول لهم إنه ربي الذي أوحى بذلك وهو الشاهد عليه ~~، والقادر على إبداع كل شيء ، مهما كان كبيرا أو عظيما في ذاته. # ( @QUR@02 عالم الغيب ) الذي يحيط به ، سواء كان غيب الحاضر ، مما خفي عن ~~الناس أمره ، أو غيب المستقبل الذي لا يملكون الطريق إلى معرفته ، فهو الذي ~~يلاحق في علمه ذرات التراب التي كانت جزءا من إنسان ، ويميز بينها وبين ~~ذرأت إنسان آخر ، فيمنح هذه الحياة التي كانت لها دون أن يشتبه عليه ما ~~يختلط منها بالذرات الأخرى ، و ( @QUR@03 لا يعزب عنه ) لا يغيب عنه ( ~~@QUR@013 مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) ~~لأن مقادير الأشياء سواء كانت صغيرة في منتهى الدقة والخفاء ، أو كانت ~~كبيرة في ضخامة ms4356 الحجم ، تحضر في علمه الذي ينفذ إلى كل موجود في داخله ، ~~كما تنفذ قدرته إليه في أصل وجوده وتدبيره في حركته في الحياة. ( @QUR@04 ~~إلا في كتاب مبين ) في اللوح المحفوظ ، أو في ساحة علمه الممتدة امتداد ~~قدرته في آفاق عظمته. # ( @QUR@08 ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ) بما يعفو ~~عنهم من الذنوب التي أسلفوها وتابوا عنها ، أو ما بقي منها من الصغائر في ~~ما غفلوا عنه ولم يتذكروه. وهؤلاء كانت قلوبهم قد انفتحت في حياتهم على ~~الله ، من موقع الإخلاص له. ( @QUR@02 ورزق كريم ) جزاء لهم على ما عملوه ، ~~حيث يرزقهم من نعيم الجنة ورضوان الله. PageV19P013 # ( @QUR@05 والذين سعوا في آياتنا معاجزين ) فكانوا يواصلون السعي المضاد ~~المتعسف في مواجهة آيات الله في دلائل وجوده ووحدانيته ومواقع عظمته ، ~~مستهدفين إظهار عجزها بأساليبهم المختلفة ، وألاعيبهم المتنوعة ، ليعطلوا ~~مسيرة الإيمان ، ويسقطوا حركة الإسلام في مدارج صعوده في الحياة ، ( ~~@QUR@06 أولئك لهم عذاب من رجز أليم ) والرجز : هو القذر كناية عما يصيبهم ~~من القذارة المعنوية والمادية في طبيعة العذاب من حيث طبيعته وتأثيره ، ~~فذلك هو جزاؤهم الذي ينتظرهم في الآخرة ، ليعرفوا أنهم لن يستطيعوا أن ~~يعجزوا الله ، أو يسبقوه في أمره ، لأنهم أعجز من أن يعطلوا شيئا من إرادته ~~، أو يضعفوا شيئا من قضائه. # * * * PageV19P014 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي ~~إلى صراط العزيز الحميد ) (6) # * * * ### ||| ** العلم يحدد موقع الحق في الوحي ويهدي إليه # ( @QUR@04 ويرى الذين أوتوا العلم ) الذين ينطلقون في قناعاتهم الفكرية ~~وفي رؤيتهم للأمور وحكمهم عليها حين يختلف الناس حولها ، من مواقع تأملاتهم ~~الهادئة وتفكيرهم العميق وحساباتهم الدقيقة في مواطن الضعف والقوة وفق ~~موازين الحق والباطل في داخلها ، فلا يتحركون من نوازع الذات ، ولا يخضعون ~~لنزوات الهوى ، ولا يثيرون القضايا ، في مجالات الأطماع ، بل يتحركون من ~~مواقع العلم في دلائله وبراهينه الناظرة أبدا إلى عمق الأشياء في طبيعتها ~~البعيدة عن كل شيء طارئ. ولذلك فإنهم يواجهون رسالة النبي في طروحاتها من ~~خلال النظرة الهادئة المتوازنة ، في ساحة الحياد الفكري ms4357 PageV19P015 # الخالي من الخلفيات الذاتية التي تشوه ملامح الأمور ، فيرون أن ( @QUR@07 ~~الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ) من خلال مضمونه الذي يوحي بأنه وحي من ~~الله في ما يعنيه ذلك من تجسيده للحقيقة الواضحة ( @QUR@05 ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد ) وهو الطريق الذي خطه الله لعباده ليسيروا عليه ، ليبلغوا ~~سعادتهم في الدنيا والآخرة في ما يكتشفونه من مواقع رضاه ، في قناعة عميقة ~~توحي إليهم بالقوة في الموقف ، لأنه العزيز الذي لا يغلب على أمره ، ~~وبالحكمة في المنهج والحركة ، لأنه المحمود الذي تتحرك حكمته في أوامره ~~ونواهيه لتكون آية على حمده في كل ذلك ، في ما يمثله من المصلحة الكامنة في ~~مضمون الخط كله. # إن القضية التي يثيرها القرآن دائما في ساحة الصراع العقيدي ، بين ما ~~يطرحه من عقائد وأفكار ، وما يطرحه الآخرون من أضاليل وأكاذيب ، تحتاج إلى ~~الأجواء الفكرية الهادئة التي يتحرك في داخلها العلماء المفكرون الذين ~~يحاكمون الأمور بدقة ، ويفكرون فيها بعمق ، فهم ، وحدهم ، الذين يستطيعون ~~الوصول إلى الحقيقة من أقرب طريق ، لأن القضايا الفكرية لا تحل بالمشاعر ~~الملتهبة والنظرات السريعة التي تتحرك في نطاق الغوغاء. # * * * PageV19P016 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد (7) @QUR@016 أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) @QUR@029 أفلم يروا إلى ما ~~بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط ~~عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مزقتم ) التمزيق : التقطيع والتفريق ، والمراد بها بليتم في ~~القبور. # ( @QUR@02 خلق جديد ): البعث. # ( @QUR@01 جنة ) الجنة : الجنون. # ( @QUR@01 كسفا ): قطعا. PageV19P017 # ( @QUR@01 منيب ): راجع. # * * * ### ||| ** الكافرون يستغربون فكرة البعث والقرآن يرد # هل يملك الكافرون بالآخرة غير أساليب السخرية والاستهزاء ، عند ما تعوزهم ~~أساليب الفكر والعلم؟ # هكذا كان موقفهم أمام فكرة الإيمان بالآخرة التي قدمها النبي ، كما قدمها ~~الأنبياء من قبله ، على أساس إمكان الفكرة في مضمونها العقيدي ، وعلى أساس ~~صدقها من خلال صدق الوحي النازل من ms4358 الله سبحانه وتعالى. # ( @QUR@03 وقال الذين كفروا ) بالآخرة ، وهم يشيرون إلى رسول الله ~~بإشارات توحي بالاستهزاء ، وتدعو إلى الإنكار والاستغراب ، ليطرحوا المسألة ~~التي يثيرها في دعوته ، كما لو كانت من المسائل غير القابلة للنقاش ، لأن ~~الفكر العادي يرفضها بشكل عفوي سريع من دون مناقشة ، ( @QUR@09 هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ) وتقطعت أوصالكم ، وتفرقت أجسادكم ، حتى ~~تحولت إلى عظام نخرة موزعة بين نواحي الأرض ، وإلى ذرأت ضائعة في التراب ، ~~( @QUR@04 إنكم لفي خلق جديد ) كما كنتم في الخلق الأول في حيوية الحياة ~~وحركتها ونضارتها وتجددها وفاعليتها! إنه كلام غير معقول ، ومع ذلك ، فإنه ~~ينسبه إلى وحي الله ، ( @QUR@04 أفترى على الله كذبا ) فهو شخص يملك عقله ، ~~ويفكر بطريقة واعية ، للوصول إلى هدف شخصي معين ، فيتعمد الكذب على الله ، ~~ليعطي لكلامه قداسة الأنبياء ، ( @QUR@03 أم به جنة ) فهو يتكلم بما لا ~~يعقل ، فيلقي الكلام جزافا ، من دون وعي لما يدل عليه ، ومن غير قصد لما ~~ينتهي إليه من أمور. PageV19P018 # إنهم يخاطبون السطح الساذج للذهنية العامة ، ويطرحون المسألة على أساس ~~أنها دائرة بين احتمالين ، لا ثالث لهما ، ليبعدوا الناس عن التفكير في ~~المضمون الجدي والنتيجة الحاسمة المتصلة بقضية المصير ، لأنهم لا يريدون ~~للناس أن تفكر ، ويعملون على أساس تطويق الحالة الفكرية بالحرب النفسية ~~التي لا تسمح للفكر أن يتحرك في الاتجاه السليم لمناقشة القضايا المطروحة ، ~~بالإيحاء بأنها ليست مما يوحي بالتأمل ، بل مما يوحي بالدهشة والاستغراب أو ~~الاستهزاء ( @QUR@09 بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ~~) وهذا هو الرد القرآني الذي يطرح المسألة بالأسلوب نفسه الذي يطرحون به ~~هذين الاحتمالين ، ليصدم الموقف بطريقة سريعة ، تحتوي المشاعر ، وتخفف ~~تأثير الآخرين عليها ، ثم تبدأ في مناقشة الأمور بطريقتها الخاصة. فهؤلاء ~~هم الذين يعيشون في الضلال الغارق في التيه البعيد في مواقعه الممتدة في ~~صحراء الجهل والتخلف والظلام ، كما يعيشون في مواقع العذاب الذي ينتظرهم ~~جزاء لكفرهم الذي لا يملكون فيه أية حجة ، ولا يستندون معه إلى ركن وثيق. ~~إن المشكلة في الموقف ، هي مشكلتهم في ms4359 ما يتخبطون به ، وليست مشكلة النبي ~~في ضلال طروحاته ليدور الأمر بين احتمال كذبه واحتمال جنونه. # ( @QUR@011 أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) ~~ومن هو الذي يمسك السماء أن تسقط ، وهو القادر على أن يسقطها ، أو يسقط ~~الشهب قطعا ، أو يرسل الصواعق الملتهبة الحارقة فيصيب بها من يشاء؟ ومن ~~الذي يمسك الأرض السابحة في الفضاء ، أن تهتز وتزول ، وهو القادر على أن ~~يخسفها ويزلزلها؟ وكيف تتحركان بإرادته وقدرته وتدبيره ( @QUR@05 إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض ) كما خسفنا بمن قبلهم من الذين ابتلعتهم الأرض بزلزالها ( ~~@QUR@06 أو نسقط عليهم كسفا من السماء ) بتساقط الشهب ، أو تحريك الصواعق. ~~فلما ذا لا يفكرون بقدرة الله الشاملة التي لا تقف عند حد ليدركوا من ~~خلالها كيف يتقونه ويخافونه ويحسبون حسابه في كل الأمور ، ولا يستعجلون ~~الحكم على الأشياء ، لا سيما PageV19P019 # التي تتصل برسله وبرسالاته؟ إن القضية المطروحة ، هي أن يدفعهم ذلك إلى ~~إثارة التفكير الجدي المسؤول الذي يواجهون فيه المسؤولية بكل دقة وعمق ، ( ~~@QUR@07 إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) في ما ينفتح فيه قلبه على الله ، ~~ليرجع إليه ، فيفكر بمسؤولية ، ويثوب إلى عقله ، ويتحرك في طريق الهدى ~~والرشاد. # * * * PageV19P020 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد (10) @QUR@012 أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون بصير ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أوبي ): سبحي. # ( @QUR@01 سابغات ): دروعا كاملات. # ( @QUR@01 وقدر ): عدل. # ( @QUR@01 السرد ): التتابع ، وسرد الحديد : نظمه. # * * * PageV19P021 ### ||| ** ولقد آتينا داود فضلا # في القرآن لمحات خاطفة عن النبي داود ، في فضل الله عليه مما أولاه من ~~نعمه ، وفي دوره في موقع الخلافة في الأرض على مستوى الحكم ، وفي بعض ~~اللقطات الجزئية من أحكامه ، وهناك حديث عابر عن بعض ما آتاه الله من نعمه ~~، في ما يوحي ذلك بقربه منه. # ( @QUR@06 * ولقد آتينا داود منا فضلا ) فأوحينا إلى الجبال ( @QUR@04 يا ~~جبال أوبي معه ) وألهمناها ( @QUR@01 والطير ) مثل ذلك ، فكان داود يفتح ~~قلبه لله ، ويحرك شفتيه بذكره ، وينطلق التسبيح الخاشع من كل روحه ، كلمات ~~مثل ms4360 السحر ، وصوتا في صفاء النور ونقاء الينبوع يهمي ويهمي فتنساب منه ~~الأنغام في عفوية الترنيمة الحلوة وفي غيبوبة المشاعر الحالمة ، فتمتزج ~~حلاوة صوته بحلاوة كلماته ، ليمتزجا معا بالحب الإلهي في قلبه ، حتى كان ~~الحديث عن مزامير داود ، الذي كانت مناجاته كمثل المزامير في حلاوة النغم ، ~~وعذوبة اللحن ، من دون تكلف ولا تعقيد ، وهكذا كانت الجبال تسبح معه ، ~~وترجع كل أصداء الكلمات ، وكل تقاطيع النغمات ، وكانت الطير تنسجم في أجواء ~~التسبيح معه ، فتشعر كما لو كان الكون كله ينطلق من خلاله في تسبيحة واحدة ~~لله الواحد القهار. # * * * ### ||| ** كيف نفهم تسبيح الجبال والطير؟ # وقد نستطيع الأخذ بظاهر القرآن في ما لم يثبت استحالته أو خلافه فلا نرى ~~أي مانع من أن ترجع الجبال صدى صوته ، والطير نغمات تسبيحه PageV19P022 # بالطريقة الحسية المادية : ( @QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم ) [الإسراء : 44] في ما أبدعه الله في تكوينها من ذلك في ~~مسار التجربة الخاصة لداود عليه السلام . على أن هناك آخرين لا يقتصرون في ~~التصرف بظاهر القرآن على المورد الذي لا يتفق فيه الظاهر مع الحقيقة ~~القطعية ، حيث يكون الأخذ بالظاهر مرادفا للأخذ بالمستحيل أو الذي لا يتفق ~~فيه مع الدليل الثابت بشكل مقبول ، بل يجدون الاطمئنان العقلي أو النفسي ~~عند ما تتوفر الأجواء المحيطة بالموضوع كافيا في الخروج عن الظاهر ، فهم في ~~الوقت الذي لا ينكرون فيه أن يكون للجبال وعي التسبيح في ما لا نفهمه منها ~~، أو يكون للطير وعي الانسجام مع داود بطريقة إرادية ، لا يجدون المسألة ~~قريبة من الذهنية العامة التي يخاطب فيها القرآن الناس في تصورهم للأشياء ~~من خلال المفردات الحسية الموجودة لديهم ، إذ يبدو أن ترجيع الجبال أو ~~تسبيح الطير معه وارد على سبيل الاستعارة ، تماما كما يقول الناس إن الكون ~~كله يتحرك معه ، أو يسبح معه ، ونحو ذلك. # ( @QUR@03 وألنا له الحديد ) فجعلناه لينا في يديه يتصرف به كيف يشاء ، ~~ويصنعه كما يريد ، ( @QUR@03 أن اعمل سابغات ) وهي الدروع الواسعة ، ( ~~@QUR@03 وقدر في السرد ) أي اقتصد فيه واجعله ms4361 متناسقا متناسبا في حلقاته. ~~وهكذا هيأ الله له هذه المهنة المهمة وهي صنع الدروع ليستطيع أن يعيش من كد ~~يمينه ، ليكون قدوة للناس ، لا سيما العاملين في الخط الديني الرسالي الذين ~~تسمح لهم مواقع نشاطهم بالعمل في سبيل العيش ليعرفوا أن العمل شرف للعامل ، ~~ورسالة في حياته من خلال علاقته بالهدف الكبير في حركة المسؤولية. # وقد ثار جدل كبير بين المفسرين ، حول ما إذا كانت هذه الإلانة للحديد ~~لداود ، جارية على سبيل الإعجاز ، كما هو الظاهر من النسبة المباشرة لله ، ~~ومن اعتبار هذا الأمر كرامة لداود ، وميزة له على الآخرين ، أو كانت جارية ~~على الوضع الطبيعي ، ليكون الحديث عنه كالحديث عن كل الأفعال الإرادية PageV19P023 # الاختيارية للناس التي ينسبها الله إلى نفسه ، باعتباره مصدر القدرة ~~الأساس في كل شيء ، ولتكون المسألة ، هي ما يريد الله أن يبينه من ممارسة ~~داود لعملية صنع الدروع بشكل متقن بحيث تحمي المقاتل من الآخرين ، وتجعل له ~~حرية الحركة في القتال ، للتدليل على الجانب العملي في حياته؟ # ونحن في الوقت الذي لا نمانع فيه أن تكون المسألة على سبيل الإعجاز ، لا ~~ننفي أن يكون الرأي الآخر قريبا من الصحة ، لا سيما إذا لاحظنا أن المعجزة ~~التي تمثل الطريقة الخارقة للعادة ، لا تأتي إلا كأسلوب من أساليب التحدي ، ~~أو مواجهة التحدي ؛ ولكن هذا الجدل لا يمثل حاجة عقيدية وعملية على كل حال ~~، إذ يكفي في مسألة الإيمان الاعتقاد بإمكان المعجزة ، وبالتصديق بها في ~~حالة ثبوتها ، لا بالإيمان بأية وجهة نظر اجتهادية في تعيين المعجزة. # ( @QUR@02 واعملوا صالحا ) كأسلوب من أساليب شكر النعمة بما يمثله العمل ~~الصالح من الانفتاح على الله ، والانسجام مع خط رضاه ، ليكون ذلك بمثابة ~~اعتراف واقعي بالجميل والخطاب لداود ولقومه ، أو لأهله ، على طريقة ~~الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ( @QUR@04 إني بما تعملون بصير ) فلا يفوتني ~~شيء منها فيما خفي أو ظهر. # * * * PageV19P024 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ~~ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا ms4362 نذقه من عذاب ~~السعير (12) @QUR@019 يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ~~وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) @QUR@027 ~~فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما ~~خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غدوها ): سيرها بالغداة. # ( @QUR@01 ورواحها ): سيرها بالعشي. # ( @QUR@01 القطر ): الحديد أو الرصاص. # ( @QUR@01 يزغ ): يعدل. # ( @QUR@01 محاريب ): معابد. PageV19P025 # ( @QUR@01 وتماثيل ): جمع تمثال ، وهو صورة الشيء. # ( @QUR@01 وجفان ): جمع جفنة ، وهي القصعة. # ( @QUR@01 كالجواب ): جمع جابية ، وهي الحوض الكبير. # ( @QUR@01 راسيات ): ثابتات. # ( @QUR@01 منسأته ): المنسأة : العصا الكبيرة. # * * * ### ||| ** مع سليمان عليه السلام في تسخير الله ألطافه له # وهذه إطلالة سريعة على النبي سليمان عليه السلام الذي جعل الله له ميزة ~~معينة في الخدمات غير العادية التي هيأها الله له مما كان يحتاجه في ~~تنقلاته أو في مشاريعه العمرانية ، أو في حاجاته الإنسانية الاجتماعية ، ~~وليس من الضروري أن يكون في ذلك نوع من التفضيل ، في ميزان القيمة النبوية ~~، ليتساءل البعض هل نستطيع التأكيد على فضل سليمان على سائر الأنبياء ، ~~لأنه وحده الذي أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟ # والجواب عن ذلك أن تمييز نبي عن نبي بما يمكنه الله من شؤون الحياة لا ~~يتصل بدرجته عند الله بالقياس إلى النبي الآخر ، بل يتصل بدوره والحاجة ~~العملية لحركة الرسالة على صعيد الواقع. # ( @QUR@02 ولسليمان الريح ) أي سخرنا له الريح ( @QUR@02 غدوها شهر ) ~~بحيث تقطع بالغداة مسيرة شهر كامل ، ( @QUR@02 ورواحها شهر ) بحيث تقطع ~~بالعشي مسيرة شهر كامل ، على الجمال أو الخيل أو الأقدام ، ( @QUR@04 ~~وأسلنا له عين القطر ) وهو النحاس أو الحديد ، فأذاب الله له الصلب ، كما ~~ألان الحديد لداود أبيه لحاجته إليه PageV19P026 # في شؤون الإعمار أو غيره ، أو أرشده إلى أسباب ذلك. # ( @QUR@08 ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ) ما يحتاج إليه من بناء ~~مراكز العبادة كبيت المقدس أو غيره ، وذلك من خلال تسخير الله لهم لخدمته ، ~~لأن الإنس لا يملكون السيطرة الذاتية على استخدام الجن ، ( @QUR@05 ومن يزغ ~~منهم عن أمرنا ms4363 ) أي ينحرف عن شريعة الله في ما يريد الله للعباد أن يفعلوه ~~أو يتركوه ( @QUR@04 نذقه من عذاب السعير ) فذلك هو جزاء المنحرفين من ~~العصاة والمتمردين ، ( @QUR@06 يعملون له ما يشاء من محاريب ) للعبادة ( ~~@QUR@01 وتماثيل ) وهي الصور المجسمة أو مطلق الصور. # وقد جاء عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام جوابا عن سؤال بعض ~~أصحابه عن المراد بالتماثيل ، قال : ما هي تماثيل الرجال والنساء ، ولكنها ~~تماثيل الشجر وشبهه (1). وقد استفاد منها بعض الفقهاء حرمة صنع تماثيل ~~الإنسان ، لأن نفي موافقة سليمان على ذلك يوحي بالحرمة ، وتحفظ البعض في ~~استفادة ذلك منه ، لأن كفاية المرجوحية في صحة النفي حتى على مستوى الكراهة ~~، لا تلزم المؤمنين بالترك. # ( @QUR@02 وجفان كالجواب ) وهي صحاف الطعام الكبيرة الواسعة كالجواب التي ~~هي الحياض التي يجبى فيها الماء أي ينقل إليها ويجمع فيها ، ( @QUR@02 ~~وقدور راسيات ) وهي التي يطبخ فيها الطعام ، وهي ثابتة في الأرض ، لتأمين ~~حاجاته في تلبية أضيافه أو عماله الذين يأكلون على مائدته. # * * * PageV19P027 ### ||| ** اعملوا آل داود شكرا # ( @QUR@04 اعملوا آل داود شكرا ) فقد عزز الله مكانتكم بالنبوة ، وأفاض ~~عليكم من نعمه الشيء الكثير مما لم يعطه للكثير من عباده ورسله ، فلا بد من ~~الانطلاق في خط الشكر العملي ، في الدعوة إلى الله ، والعمل في سبيله ، ~~والسير في طريق طاعته ، ( @QUR@04 وقليل من عبادي الشكور ) الذين يملكون ~~عمق المعرفة بالله ، في مواقع عظمته ونعمته ، وحقه العظيم على عباده في ~~عبادتهم له ، وشكرهم لنعمائه. ولعل التأكيد على قلة الشاكرين من عباده يوحي ~~بأن مسألة الكثرة لا تمثل قيمة إنسانية في مضمون قرارها وحركتها ومنهجها ~~العملي في الحياة ، لأنها ترتبط بالسطح الظاهر للأشياء ولا ترتبط بالعمق ~~مما يجعلهم بعيدين عن خط الصواب. وليس معنى ذلك ، أن القلة تمثل دائما معنى ~~القيمة الإنسانية في مضمون الفكر وحركته ، بل إن المعنى العميق في ذلك ، هو ~~عدم اعتبار الكثرة العددية أساسا للإيجاب ، كما أن القلة العددية لا تمثل ~~أساسا للسلب ، فلا بد من دراسة المضمون الداخلي للفكرة للقبول بها أو ~~لرفضها. # ( @QUR@04 فلما قضينا عليه الموت ms4364 ) لم يعرفوا به ساعة حدوثه و ( @QUR@07 ~~ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ) وهي الأرضة ( @QUR@02 تأكل منسأته ) أي ~~عصاه ، ( @QUR@02 فلما خر ) إلى الأرض ( @QUR@02 تبينت الجن ) الحقيقة ~~الإيمانية التي تؤكد على استقلال الله بعلم الغيب ، فلا يملك أحد من عباده ~~أية ملكة في هذا المجال ، إلا بمقدار ما يعطيهم من مفردات الغيب ، في ما ~~يحتاجون إليه خلافا للفكرة الشعبية التي تؤمن بأن الجن يعلمون الغيب ، ~~ويقيمون علاقات خاصة مع الإنس ، فيطلعوهم على الغيب ليضروا به بعض الناس ، ~~ولينفعوا بعضا آخر ، أو ليكتشفوا أسرارهم ، وربما كان الجن يعتقدون في ~~أنفسهم ذلك ، بما قد يستوحونه من غيب بعض الأمور من خلال ملامحها ، في ما ~~يجدونه من المفردات التي توحي PageV19P028 # بمستقبلها ، أو في ما يطلعون عليه من خفايا الأمور في الآفاق الواسعة ~~التي يتحركون فيها مما لم يطلع عليه البشر ، ولكنهم واجهوا هذه الحقيقة من ~~خلال هذه التجربة الفريدة فقد استمروا على العمل القاسي وهم يحسبون أن ~~سليمان ينظر إليهم ويراقبهم ، وعرفوا ( @QUR@010 أن لو كانوا يعلمون الغيب ~~ما لبثوا في العذاب المهين ) الذي كانوا يعيشون فيه القهر والمذلة والهوان. # وقد نحتاج إلى تسجيل ملاحظة حذرة على الروايات التي حددت المدة التي مضت ~~على جهلهم بوفاة سليمان الذي بقي وهو ميت متكئا على عصاه ، مفتوح العينين ، ~~كما لو كان يراقبهم ، حتى جاءت الأرضة وأكلت عصاه ، فانكسرت فوقع ، وعرفوا بموته. # فقد نلاحظ أن بقاء سليمان في هذا الوقت الطويل ، لا بد من أن يلفت ~~أنظارهم وأنظار الآخرين لا سيما إذا لا حظنا استمراره في الليل والنهار ، ~~مما لم يعهد ذلك منه ولا من غيره ، وعدم تناوله للأكل والشرب ، كما نلاحظ ~~أن الأرضة لا تحتاج إلى هذا الوقت الطويل لتأكل عصاه ، فلا بد من أن يكون ~~للمسألة وجه آخر (1)، ووقت محدود ينسجم مع طبيعة الأشياء ، والله العالم. # * * * PageV19P029 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ~~ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) @QUR@016 فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي ms4365 أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ~~(16) @QUR@08 ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) @QUR@017 ~~وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) @QUR@019 فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ~~وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 سيل العرم ): المراد بكلمة العرم : المسناة التي تحبس الماء ، ~~وقيل : العرم ، اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى ، وقيل : العرم ، ~~المطر الشديد ، وقيل : السيل الذي لا يطاق. PageV19P030 # ( @QUR@01 خمط ): الخمط هو شجر الأراك ، وقيل : هو شجر الغضا ، وقيل : ~~هو كل شجر له شوك. # ( @QUR@01 وأثل ): الأثل الطرفاء. # * * * ### ||| ** قصة سبأ كما وردت في القرآن # ( @QUR@03 لقد كان لسبإ ) وهي قبيلة من العرب سميت باسم الأب الذي تناسلت ~~منه ، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان كما قيل وكانت تسكن اليمن ، ( ~~@QUR@02 في مسكنهم ) أي بلدهم ( @QUR@01 آية ) أي علامة تهديهم إلى الله ~~وتدلهم عليه وعلى رعايته لعباده وعنايته بهم في ما يفيض عليهم من نعمه ~~الوافرة ، مما يمكن أن يجعلوه أساسا للتأمل والتفكير الذي يقودهم إلى ~~المزيد من معرفتهم بالله وارتباطهم به مما تفرضه حاجاتهم العامة والخاصة له ~~، فالله أعد للناس كل ما يتصل بوجودهم واستمرار حياتهم. # ( @QUR@04 جنتان عن يمين وشمال ) والجنة هي البستان المشتمل على الخضرة ~~والفاكهة والورود المتنوعة بأشكالها وألوانها وخصائصها وعناصرها الذاتية ، ~~في طعمها وريحها ومنظرها بما يملأ العين والقلب والحياة. وهكذا كان على ~~اليمين بستان ممتد يشمل المنطقة كلها ، وبستان ممتد على الشمال بالمستوى ~~نفسه. وقد تنوعت كلمات المفسرين ، وخيالاتهم ، أو استيحاءاتهم في تصوير ~~الروعة الناضرة والنعم الوافرة ، فقيل : إن ديارهم كانت على وتيرة واحدة ، ~~إذ البساتين عن يمينهم وشمالهم متصلة بعضها ببعض ، وكان من كثرة النعم أن ~~المرأة كانت تمشي والمكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس يدها ~~شيئا ، وقيل : إنه لم يكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب PageV19P031 # ولا حية ، وكان الغريب إذا دخل بلدهم ، وفي ثيابه قمل ودواب ms4366 ماتت ، إلى ~~غير ذلك من الأقوال. # وكانت كل هذه النعم الوافرة تقول لهم بلسان ربهم الذي أودع في قلوبهم سر ~~الوحي بالإيمان ، والمعرفة بالله والشكر له ، ( @QUR@06 كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له ) بالكلمة المنفتحة على نعمه ، المعترفة بفضله ، وبالعمل الصالح ~~الذي يتجسد فيه رضاه ، ويلتقي بالمعنى الإيماني العميق المتصل به في كل ~~مواقع نعمه ، ( @QUR@02 بلدة طيبة ) في مائها وهوائها وثمارها وروائحها ، ( ~~@QUR@02 ورب غفور ) في ما يوحي به معنى الغفران ، من الرحمة والعطف والحنان ~~الإلهي الذي لا ينتظر فيه الرب عباده ليخطئوا حتى يعاقبهم ، بل إنه ينتظرهم ~~ليرجعوا إليه بعد الخطأ ليغفر لهم. ومن خلال ذلك فإن الآية توحي للناس بأن ~~بإمكانهم الاطمئنان للاستمرار في حياتهم ، بالانفتاح على النعم الوافرة ~~الطيبة التي يغدقها الله عليهم ، من خلال رحمته وعفوه ومغفرته ، ورعايته ~~لهم في كل أمورهم الخاصة والعامة ، فليسوا مهملين ، وليسوا ضائعين ، لأن ~~الرب الذي خلقهم ، لن يتركهم للضياع ، ولن يقسو عليهم بالعقاب ، ما دام ~~هناك شكر واع للنعمة ، وحركة منطلقة في خط الإيمان. وهذا هو النداء المتحرك ~~الدائم في كل عصر ومصر ، لأن الله لا يزال يتعهد عباده بنعمه ، ويدعوهم إلى ~~شكره ، لأن ذلك هو الذي يفتح قلوبهم عليه ، من خلال حاجتهم إليه ، ويفتح ~~حياتهم على وحيه وشريعته من خلال إيمانهم الواعي العميق بربوبيته. # أيها الناس ، لقد رزقكم الله نعمة الحياة في نعمة الوجود ، ونعمة ~~الاستمرار في الحياة من خلال ما أودعه من مفردات النعم الكثيرة في نعمة ~~البقاء ، فاغترفوا من ينابيع نعمه ، وكلوا من مائدته ، واشكروا له ، فأنتم ~~في الكون الواسع الممتد تعيشون في بلدة طيبة ، تحتوي نعما طيبة ، وتتحركون ~~في عناية رب غفور ، يغفر لكم ذنوبكم ، ليضمكم إلى كنف رحمته. PageV19P032 # ( @QUR@01 فأعرضوا ) وتمردوا ، واستعانوا بنعم الله على معصيته ، ~~وابتعدوا عن خطه المستقيم ، وأهملوا حسابات الله في حساباتهم ، وأغلقوا ~~أسماعهم عن سماع مواعظه ، ( @QUR@04 فأرسلنا عليهم سيل العرم ) وكان القوم ~~في حالة استرخاء لذيذ غافل عن كل شيء ، مستسلم لكل أحلام اللذة والشهوة ~~والغي والسلطان ، ينتظرون الموسم الجني المثقل بالثمار ، الواعد بكل ms4367 ربح ~~كبير ومال وفير ، ويستعدون لبداية موسم جديد. وكان الماء يأتي أرض سبأ من ~~أودية اليمن ، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما ، فسدوا ما ~~بين الجبلين ، فإذا احتاجوا إلى الماء ، نقبوا السد بقدر الحاجة ، ليسقوا ~~زروعهم وبساتينهم ، فلما كذبوا رسلهم وتركوا أمر الله بعث الله جرذا نقبت ~~ذلك الردم ، وفاض عليهم الماء سيلا جارفا لكل شيء. # ( @QUR@02 وبدلناهم بجنتيهم ) الزاهيتين المثمرتين الرائعتين ( @QUR@05 ~~جنتين ذواتي أكل خمط وأثل ) وبذلك تحولت الجنائن الغناء الخضراء إلى أشجار ~~لا تغني شيئا ، فليس هناك إلا الشوك ، ( @QUR@04 وشيء من سدر قليل ) وهو ~~النبق الذي لا يأكله إلا حيوان جائع أو إنسان أضناه الفقر والعوز. # ( @QUR@08 ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) لأنهم لم يكفروا ~~من موقع حجة مضادة ، بل من موقع تمرد طاغ وعناد مكابر. # ( @QUR@07 وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ) وهي قرى الشام ~~التي أنعم الله عليها بالخصب والرخاء والماء والشجر ، ( @QUR@02 قرى ظاهرة ~~) أي متواصلة بحيث يظهر بعضها لبعض ، وكان متجرهم كما يقول صاحب مجمع ~~البيان : «من أرض اليمن إلى الشام» (1)، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون ~~بأخرى ، حتى يرجعوا وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام ( ~~@QUR@03 وقدرنا فيها السير ) أي PageV19P033 # قسمنا السير فيها بحيث كانت مراحل السير متوازنة ، فيصبح المسافر في ~~واحدة منها ، ويمسي في أخرى في أجواء ملائمة ، ( @QUR@05 سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين ) لأن الأوضاع التي كانت تسود خط السير في كل القرى المتتابعة ~~كانت طبيعية آمنة ، بعيدة عن أجواء النزاع والخلاف ، مما يجعل السائر فيها ~~يشعر بالأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي. # وهكذا كان وضع قوم سبأ في حلهم وترحالهم ، في أمان واطمئنان ، فلا يخشى ~~أحد منهم على نفسه ، ولا على ماله ، ولا يحتاج في سفره إلى أي جهد. ولكنهم ~~كفروا بنعمة الله ، ولم يشكروا له ، ( @QUR@05 فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا ) فقد مللنا من هذا الرخاء الذي لا يثير فينا جهدا ، ولا يكلفنا ~~تعبا ، ولا يخلق لنا مشكلة ، قالوها من موقع كفرهم بالنعمة ، وابتعادهم عن ~~الله ، فلم يطلبوها بألسنتهم ، ولكن ms4368 أعمالهم فرضت ذلك ، فكأن أعمالهم تنادي ~~بذلك. وربما كان الأمر جاريا على سبيل الحقيقة ، فإن الناس قد يملون من ~~الرخاء فيطلبون الشدة ، ولهذا طلبوا أن تكون طريقهم إلى الشام ، طريق فلاة ~~وصحراء ، يعانون فيها جهد السير وظمأ القلب وجوع الجسد ، ( @QUR@02 وظلموا ~~أنفسهم ) بالابتعاد بها عن الطريق المستقيم الذي يوفر عليهم كل النتائج ~~السلبية في الحياة ( @QUR@02 فجعلناهم أحاديث ) تتناقلها الأجيال ، للعبرة ~~أو للتسلية ، ( @QUR@03 ومزقناهم كل ممزق ) أي فرقناهم في كل البلاد ، ( ~~@QUR@04 إن في ذلك لآيات ) أي دلالات ( @QUR@03 لكل صبار شكور ) ليعرف كيف ~~ينقذ الصبر والشكر صاحبه من الهلاك. # * * * PageV19P034 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@010 ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) ~~@QUR@021 وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها ~~في شك وربك على كل شيء حفيظ ) (21) # * * * ### ||| ** ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه # ( @QUR@03 ولقد صدق عليهم ) أي على أهل سبأ ، أو كل من كان على شاكلتهم ~~ممن كفر بالله وتمرد عليه ( @QUR@02 إبليس ظنه ) فقد توعد بني آدم ، بأن ~~يغويهم ويضلهم ويبعدهم عن الصراط المستقيم ، وكان يفكر بتحقيق ذلك بوسائله ~~الخاصة التي يغري بها الناس ، فيحرك وساوسهم بوساوسه ، ويثير غرائزهم ~~بمغرياته ، ويحسن لهم السوء بتزيينه ، ويقبح لهم الحسن بأضاليله ، وكان ~~يغلب على ظنه النجاح من خلال دراسته للأجواء المحيطة بالواقع. وهكذا كان ~~ظنه يصدق مع فريق ، ويكذب مع فريق آخر ، ولكن الكثيرين هم الذين يسقطون في ~~حبائله ، ويخضعون لإغراءاته ، وهؤلاء هم الكافرون والعصاة والمتمردون على ~~الله ، الذين زين لهم الشيطان طريق الباطل ، ( @QUR@01 فاتبعوه ) PageV19P035 # وأطاعوه ( @QUR@04 إلا فريقا من المؤمنين ) الذين انفتحوا على الله من ~~مواقع الحق المشرق في آفاق الفكر الواعي الممتد في كل رحاب الحياة ، فيزنون ~~الأمور بموازينها ، ويقيسون القضايا المتنازع عليها بمقاييسها الدقيقة ، ~~ويناقشون الأفكار بحكمة ، ويبلورون القناعات بعمق وصفاء ... هؤلاء الذين لا ~~يدخلون الغرائز في آفاق العقيدة ، ولا يثيرون الأفكار في ساحة الشهوات ، ~~ولا يحركون المواقف في أجواء الأطماع ، بل يضعون كل شيء موضعه ، فللفكر ~~موقعه ، وللغريزة مواقعها ، ففي الفكر عمق الانتماء وامتداد القناعة ، وفي ~~الغريزة حاجة ms4369 الحس وغذاء الجسد ، فلا يختلط موقع أحدهما بموقع الآخر ، ~~لتتوازن القضايا عندهم في طبيعتها ، وتتركز في نتائجها. # ( @QUR@06 وما كان له عليهم من سلطان ) فليس له أن يقهر أحدا على اعتناق ~~فكرة معينة ، أو يجبر أحدا على سلوك طريق معين ، فللإنسان حريته في اختياره ~~، من خلال ما يملكه من عقل وإرادة. وكما الإرادة تخضع لتوجيهات العقل ~~والإيمان ، فقد تميل إلى الشهوات المحرمة التي يثيرها إبليس بوسوسته ~~وتزيينه وإثارته للإغراء في أكثر من موقع للإنسان ، ليقف الناس بين الحق ~~والباطل ، والخير والشر ، وليعيشوا حركة الاهتزاز في عملية الاختيار ، ولم ~~يكن ذلك ( @QUR@05 إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ) على أساس الالتزام بالعمق ~~الفكري للمسألة الذي يضع الإيمان بالآخرة في نصابها الصحيح من موقعها في ~~ساحة الحقيقة ، ومن اعتبارها أساسا لإبعاد الوجود الإنساني وفق إرادة الله ~~عن دائرة العبث ( @QUR@05 ممن هو منها في شك ) لخضوعه للاهتزاز الفكري ~~المشدود إلى اهتزاز الحس في مألوفاته وفي غرائزه وشهواته ، فلا يستقر على ~~رأي ، ولا يطمئن إلى موقف ، ( @QUR@05 وربك على كل شيء حفيظ ) لا يفوته أي ~~شيء مما يحدث في الكون ، ولا مما يفكر به الإنسان. # وقد توحي كلمة ( @QUR@01 لنعلم ) بأن تحريك الشيطان للدخول في مشاعر ~~الإنسان ، يستهدف أن يعلم الله المؤمنين من الشاكين ، مما يعني أن الله يحتاج PageV19P036 # إلى بعض الوسائل العملية التي تعرفه خفايا الناس ، وهو أمر لا تقره ~~العقيدة الإيمانية التي تعتقد بأن الله عالم بكل شيء ، فكل شيء حاضر لديه ~~بشكل مطلق ، ولكن الظاهر أن المراد به لنظهر المؤمن من الشاك باعتبار أن ~~ذلك سبيل للإظهار الذي هو سبب العلم من حيث طبيعة الأشياء ، لا على أساس ~~علم الله. # * * * PageV19P037 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ~~@QUR@023 ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) @QUR@017 قل من ~~يرزقكم من السماوات والأرض ms4370 قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ~~(24) @QUR@09 قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شرك ): نصيب. # ( @QUR@01 ظهير ): معين. # ( @QUR@03 فزع عن قلوبهم ): ذهب الفزع عنهم. PageV19P038 # ( @QUR@01 أجرمنا ): أذنبنا. # * * * ### ||| ** لمن السماوات والأرض؟ # ( @QUR@07 قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ) في نداء التحدي الكبير ~~الذي تطلقه في ساحة هؤلاء المشركين الذين جعلوا لله شريكا من خلقه ، فأعطوه ~~صفات الألوهية ، واستغرقوا في ذاته ، واندمجوا في الإخلاص له ، وتحركوا في ~~خط عبادته ، حتى نسوا الله ، قل لهم ، يا محمد ، ادعوا هؤلاء الشركاء ~~ليقدموا ما عندهم من إمكانات ومعطيات وسترى أنهم لا يقدمون شيئا ، أي شيء ، ~~لعجزهم عن ذلك ، فهم ( @QUR@09 لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ) مما يمكن أن يكون مظهرا من مظاهر القدرة ، أو يعبر عن سر من أسرار ~~شخصية الإله ، ( @QUR@05 وما لهم فيهما من شرك ) أي من نصيب يتقاسمونه مع ~~الله ، لأن كل شيء في السماوات والأرض ، هو ملك الله وحده ، لأنه من خلقه. ~~( @QUR@05 وما له منهم من ظهير ) أي ليس لله من كل هؤلاء الذين تدعون من ~~دونه ، من معين يعينه لأنه لا يحتاج إليهم من قريب أو من بعيد ، فهو الخالق ~~لهم ، وكيف يحتاج الخالق إلى المخلوق؟ ( @QUR@04 ولا تنفع الشفاعة عنده ) ~~فليست هناك مراكز قوى تفرض نفسها على الله من موقع القوة الذاتية التي تترك ~~تأثيراتها على قراره ، فيمن يعطيه أو فيمن يمنعه لتكون هناك نقاط ضعف في ~~قدرته أو في عظمته الإلهية ليحتاج الناس إلى التوسل إليه بالشفعاء حتى ~~يصلوا من خلالهم إلى مواقع رحمته ورضاه ، وليتعبدوا لهم للحصول على رضاهم ~~الذي يؤدي للحصول على رضاه. فليس هناك أحد أقرب إليه من أحد ، من حيث الذات ~~، فهو الذي يقرب بعض الناس إليه ، ويمنحهم درجة القرب إليه من خلال أعمالهم ~~، ويبقيهم في دائرة الخضوع له المنتظرين لإذنه في كل ما يفعلون أو يتركون ، ~~فيعرفون أنهم لا يملكون الشفاعة أمامه لأي شخص PageV19P039 # لأنهم لا يملكون معه أي شيء ، ( @QUR@04 إلا لمن أذن له ) في ms4371 ذلك فأراد ~~تكريمه بالشفاعة لبعض الخاطئين الذين يريد أن يغفر لهم ، بحيث تكون الشفاعة ~~وظيفة إلهية محددة الموقع معينة الشخص والدور ، من دون زيادة ولا نقصان. ~~وفي ضوء ذلك ، نفهم أن الشفاعة ليست حالة ذاتية للشفعاء لدى الله ، بل هي ~~مهمة محددة في دائرة المهمات التي قد يوكلها إلى بعض عباده ، لمصلحة يراها ~~، في وقت محدود ، ودور خاص ، مما يفرض على المؤمنين عدم الاستغراق في ذات ~~النبي أو الولي طلبا للشفاعة ، بل في توجيه الخطاب لله أن يمنحه الشفاعة من ~~خلالهما. # ( @QUR@05 حتى إذا فزع عن قلوبهم ) أي إذا ذهب الفزع عن قلوبهم ، والظاهر ~~أن الضمير يعود إلى المشركين الذين يواجهون الموقف الصعب يوم القيامة ، فلا ~~يجدون ناصرا ولا معينا ، ويعرفون أنه لا مجال للهرب ولا للنجاة ، فيعيشون ~~في أجواء الفزع التي لا يملكون معها أن يفكروا بهدوء ، أو يجيبوا عن أي ~~سؤال ، لأن الفزع يعطل تفكيرهم عن الحركة ، فإذا ذهب الفزع ملكوا فكرهم ~~وأمكنهم أن يواجهوا السؤال بهدوء ( @QUR@05 قالوا ما ذا قال ربكم ) وهو ~~سؤال توجهه الملائكة إليهم ، أي كيف رأيتم طبيعة وحي الله الذي بلغكم به ~~الأنبياء في حديثهم عن اليوم الآخر ، وعن الحساب الذي ينتظركم فيه؟ هل ~~ترونه حقا ، كما تشاهدونه الآن ، أو تجدونه باطلا ، كما كنتم تزعمون في ~~الدنيا؟ ( @QUR@02 قالوا الحق ) فليس هناك أي باطل في ما جاءت به الرسل ، ~~وها نحن نراه بكل تفاصيله ، في هذا اليوم ، فنجد أن الله وحده هو الحق ، ~~وأن ما كنا ندعو إليه هو الباطل ، ( @QUR@03 وهو العلي الكبير ) في سمو ~~عظمته ، وفي سعة قدرته. # ( @QUR@07 * قل من يرزقكم من السماوات والأرض ) في نداء المعرفة الذي ~~يريد أن يقتلع الجواب من الأعماق حيث ترقد حقائق العقيدة ، فمن هو الذي ~~ينزل الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة ، وتتحول أعماقها إلى ينابيع؟ ومن هو PageV19P040 # الذي يخرج النبات من الأرض فيتفتح عن كل ما يبني للجسد قوته ، ويعطي ~~للحياة حيويتها ونضارتها واستمرارها؟ ويبدأ التفكير يفرض نفسه عليهم عند ما ~~يثيرون علامات الاستفهام أمام كل هؤلاء الذين ms4372 يشركون بهم ، ويتعبدون لهم من ~~دون الله ، فلا يرون لهم حولا ولا قوة في ذلك كله ، بل يرونهم أعجز من ذلك ~~، لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا في كل شيء إلا بالله. ويستمر ~~السؤال في إلحاحه ، ويأتي الجواب ( @QUR@02 قل الله ) الذي يبقى في معناه ~~يثير الفكر ، ويغني المعرفة ، ويحقق القناعة الإيمانية في نهاية المطاف ، ~~وقد يكون في هذا الأسلوب الذي يثير السؤال من دون انتظار للجواب بعض ~~الإيحاء بأن الفكرة واضحة في انسجامها مع خط الإيمان ، بحيث إن المسألة لا ~~تحتاج إلى أخذ ورد ، مع توجيه الإنسان إلى أن الإسلام يحترم فكره ، ولهذا ~~فإنه يثير المعرفة من موقع الفكر ، لا من موقع الفرض. # * * * ### ||| ** خط الحياد الفكري في أسلوب الدعوة # ( @QUR@09 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) وهذا هو الأسلوب ~~الإنساني الرائع في تحريك أجواء الحوار في خط الحياد الفكري حيث يطلق ~~المحاور المؤمن الفكرة في دائرة الاحتمال الذي يساوي بين فرضية الخطأ ~~والصواب ، أو الهدى والضلال ، ليتقدم إلى الآخرين بروحية الباحث عن الحق في ~~نطاق الفكرة ، فيطرح المسألة في ساحة الشك ، كما لو كان يعيش الاهتزاز ~~الإيماني ، باحثا عن الكلمات التي توضح له موقع الخطأ من موقع الصواب الذي ~~يلتزمه ، أو يلتزمه الآخرون. # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن حركة الحوار في الإسلام ترتكز على أساس PageV19P041 # القاعدة العلمية التي ترى في الشك طريقا إلى اليقين ، وترفض القناعات ~~القائمة على أساس إهمال الحوار وإغفال الفكر والإصرار على العناد ، مما ~~يجعل من الحوار الفكري حركة إيجابية في الجواب عن علامات الاستفهام ~~المنفتحة على كل آفاق الحرية في المعرفة ، بما يثيره العقل من قضايا ومشاكل وآراء. # وقد جاءت هذه الآية لتؤكد على هذه القاعدة الفكرية الحوارية التي تؤكد ~~قاعدة «الشك في طريق اليقين» ، فأكدت على أن الأسلوب العملي السليم هو الذي ~~يعتمد على تفريغ الموقف من الأفكار المسبقة التي تحول الموقف إلى عقدة تفرض ~~نفسها على كل مواطن الحوار ، وتشكل حاجزا يمنع الأطراف من الشعور بحرية ~~الحركة في ما يقبلون ويرفضون ms4373 ، ويتمثل ذلك في اعتبار الشك في الفكرة موقفا ~~مشتركا بين الطرفين ، يوحي لكل منهما بضرورة إعادة النظر في القضية ومحاولة ~~مواجهتها من جديد ، كما لو لم يواجهها من قبل ، فليس هناك حكم سابق من أي ~~من الطرفين على الخصم بالهدى أو بالضلال ، بل هو الموقف المشترك الذي يريد ~~أن يصل إلى الحقيقة من خلال الحوار الإيجابي القائم على الوعي والشعور ~~العميق بالحاجة إلى الوقوف مع خط الإيمان بالنتائج أيا كانت ، وهذا ما ~~تجسده هذه الآية ، فقد نلاحظ أن النبي كما علمه الله لم يعط في أسلوبه هذا ~~لنفسه صفة الهدى ، ولم يدمغ خصمه بصفة الضلال ، مع إيمانه العميق بأن ~~المسألة في واقعها الأصيل لا تبتعد عن ذلك ، ليترك الحوار يأخذ مجراه دون ~~تعقيد وصولا إلى النتيجة الحاسمة من موقع الحرية الفكرية المنطلقة مع ~~الحوار في الخط الصحيح. # وقد تكون قيمة هذا الأسلوب أنه يجرد الموقف من أية حساسيات إيحائية في ~~النظرة إلى الذات ، وإلى الآخرين ، حيث يترك الفكرة بعيدة عن الالتزامات ~~المؤيدة في جانب صاحبها ، أو المضادة في الجانب الآخر ، خلافا للطريقة ~~المعروفة في الأسلوب المطروح علميا للحوار ، الذي يقول : «رأيي صواب يحتمل ~~الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» بينما الطرح القرآني PageV19P042 # البديل الذي يبلغ القمة في إنسانية الطرح وحياديته ، يرفع شعار «رأيي ~~ورأي غيري يحتمل الخطأ والصواب في درجة واحدة». # ( @QUR@05 قل لا تسئلون عما أجرمنا ) فنحن نتحمل وحدنا مسئولية ما ~~ارتكبناه من جرائم ، لأن الله جعل المسؤولية فردية ، في ما يواجهه الفرد من ~~التبعات أمام أوامر الله ونواهيه ، ( @QUR@04 ولا نسئل عما تعملون ) فأنتم ~~تتحملون مسئولية عملكم ، ولا نتحمل مسئولية شيء منها ، لأنها ليست متعلقة ~~بنا ، فإن الأوامر والنواهي في تكاليفكم ، موجهة إليكم لا إلينا ، فلا ~~مشكلة من هذه الناحية مما يخافه كل واحد على نفسه من عمل الطرف الآخر ، بل ~~المشكلة هي مسئوليتنا عن الدعوة إلى الحق الذي حملنا الله إياه لنبلغكم به ~~، ومسئوليتكم أن تفتحوا قلوبكم لهذه الدعوة ، لتفكروا بها ، ولتقتنعوا بها ~~من أقرب طريق. # * * * PageV19P043 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 قل يجمع ms4374 بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ~~(26) @QUR@012 قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز ~~الحكيم (27) @QUR@012 وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (28) @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) ~~@QUR@010 قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يفتح ): يحكم. # ( @QUR@01 الفتاح ): الحاكم. # * * * PageV19P044 ### ||| ** ويبقى الأسلوب الهادىء في الحوار # ويبقى الأسلوب الهادىء الذي يريد أن يلامس الأعماق بالثقة المليئة بالقوة ~~، المنفتحة على الله ، في أشد الأوقات حراجة ، والواثقة بحضوره القوي الذي ~~ينشر إشعاعاته على العقل والقلب والحياة ، بحيث يثق المحاور المؤمن بأن ~~الحديث عنه سبحانه في نهاية الحوار الذي يريد الطرف الآخر أن يغلقه ، يمكن ~~أن يفتح قلبه ، ويحطم جموده ، ويهز مقاومته. # ( @QUR@01 قل ) لهؤلاء الذين تحاورهم ليتحدثوا إليك بما عندهم ، ولتتحدث ~~إليهم بما عندك ، لتلتقيا على الحق الذي تدعوهم إليه من أوسع الآفاق ~~الروحية والفكرية ، قل لهؤلاء إذا رأيتهم يعرضون عن أسلوبك الذي تنفتح عليه ~~كل القلوب ، وتنحني أمامه كل العقول في عمقه وإنسانيته وحيويته ، ويبتعدون ~~عن الاستماع إليك ، ويغلقون الأبواب في وجهك ، قل لهؤلاء ، وكلمهم بلغة ~~أخرى ، قد تجعلهم يرتعدون ويخافون عند ما يجدون كلامك مليئا بالثقة العميقة ~~، وبالقوة الحاسمة ... قل لهم : مهما ابتعدتم وأعرضتم وتمردتم ، فلن ينتهي ~~الموقف بيننا إلى اللاشيء ، بل نصل إلى النتيجة الأخيرة بين يدي الله ، ( ~~@QUR@04 قل يجمع بيننا ربنا ) وهو الحكم العادل الذي يحكم بين الناس كلهم ~~من موقع قوته وعدله ( @QUR@04 ثم يفتح بيننا بالحق ) ليحكم في ما بيننا ، ~~لمن الحق وعلى من الحق ( @QUR@03 وهو الفتاح العليم ) الذي يفتح كل الأبواب ~~على الحق ، ويعلم دقائق الأمور وبواطنها وأسرارها ، فهو الذي يطلع على ما ~~قد لا يطلع عليه الإنسان من نفسه. # ( @QUR@01 قل ) لهم ، لهؤلاء الذين تحركوا في خط الشرك ، والتزموا عقليته ~~ونهجه في غيبوبة الغفلة البعيدة عن إدراك حقائق الأشياء ، كلاما يصدمهم ~~ويهز وجدانهم حتى يستيقظ ، وتحدهم بالسؤال : ( @QUR@05 أروني الذين ألحقتم ~~به شركاء ) أين هم؟ ما هي قوتهم؟ ما هي قيمتهم؟ هل يملكون ms4375 القوة التي ~~يرتفعون بها PageV19P045 # إلى مدارج العلو في رحاب الألوهية العظيمة؟ هل يستحقون هذا الشرف الذي ~~أعطيتموهم إياه ، بعبادتكم إياهم ، وبخضوعكم لهم ، والتزامكم بمنهج الفكر ~~والشعور الذي يتحرك في خطوطهم العامة والخاصة. ( @QUR@01 كلا ) فليس الأمر ~~كما تزعمون أو كما تتخيلون ، فهم لا يستحقون ذلك كله ، فرفضوهم من موقع ~~أنهم لا يمثلون الحق ، بل يمثلون الباطل ، لأن الله وحده هو الحق ، ( ~~@QUR@04 بل هو الله العزيز ) الذي لا يغلب ، ( @QUR@01 الحكيم ) الذي تتحرك ~~كل أفعاله من موقع الحكمة التي توازن بين الأشياء كلها فلا تخطئ في شيء ~~منها ، مهما كان دقيقا. # قل لهؤلاء كل ذلك ، وأكد لهم حقيقة الوحدانية ، وضلال الشرك ، وقل ، لكل ~~الناس ، من غير هؤلاء ، هذه الحقيقة التي تفرض نفسها على الوجدان الإنساني ~~عند ما يعيش لحظات الصفاء وعمق الوعي النقي ، فإنك رسول الله إلى الجميع ، ~~لتبشرهم بالجنة والرضوان في رحاب الله ، ولتنذرهم بالنار وبالسخط الإلهي في ~~رحاب الآخرة. وتلك هي حقيقة الشمول في رسالتك ، للحياة كلها ، وللناس كلهم. # * * * # ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا كافة للناس ) # ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا كافة للناس ) أي عامة للناس كلهم ، العرب ~~والعجم وسائر الأمم ، ( @QUR@01 بشيرا ) لهم بالجنة ، ( @QUR@01 ونذيرا ) ~~لهم من النار ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) لأنهم لم يرتبطوا ~~بالجانب المشرق من الصورة ، فحولوا عيونهم عن النور المتلألئ فيها ، ولم ~~ينفتحوا على القضايا الراقدة في عمق الواقع ، التي تحتاج إلى الكثير من ~~الجهد والمعاناة ، في البحث والتأمل PageV19P046 # والتفكير ، بل كانوا يتوقفون عند ظواهر الأمور ، لأنهم لا يطيقون التعب ~~في الوصول إلى الحقيقة ، ( @QUR@01 ويقولون ) وهم يمتدون في ضلالهم ~~وارتباكهم في وعيهم للقضايا العقيدية التي تثيرها أمامهم ليتساءلوا عن موعد ~~الحساب وعن التوقيت ، ليكون السؤال مجرد لهو لتمضية الوقت وملء الفراغ ( ~~@QUR@03 متى هذا الوعد ) الذي تعدوننا به في لحظات الحساب الذي يتحرك في ~~خطى الثواب والعقاب ( @QUR@03 إن كنتم صادقين ) في هذه الدعوى ، لأن من ~~يثير مثل هذا الأمر الخطير البعيد عن الحس ، لا بد من أن يحدد ملامحه ، ~~ويعين موعده ، ( @QUR@01 قل ) لهم ما يجلو هذه الحقيقة التي تفرض عليك ~~مسئولية ms4376 في العقيدة وفي الالتزام والعبادة. قل إن المسألة لا تتعلق بمعرفة ~~التوقيت ، لأن ذلك ليس مهما في الموضوع ، فقد يغلق عنا الله أبواب المعرفة ~~، في هذا الأمر ، لحكمة يراها ، إذ يريد أن يختبر عباده ، ليعيشوا غموض ~~الموعد مما يفرض عليهم البقاء في حال استنفار دائم أمامه ، بل المسألة هي ~~الإيمان بالفكرة نفسها ، قل لهؤلاء الحقيقة العارية التي تخاطبهم بأسلوب ~~التحدي الكبير ( @QUR@07 لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ) لأنه لا ~~مجال للتأخير أمام الموعد المحدد ، ( @QUR@02 ولا تستقدمون ) فلا مجال لأن ~~يسبق الوقت الموعد المعين عند الله ، لأن الصدق الإلهي لا يمكن أن يبتعد عن ~~ساحة الحقيقة على كل حال. # * * * PageV19P047 ### ||| * الآيات # ( @QUR@033 وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ~~ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين (31) @QUR@015 قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم ~~مجرمين (32) @QUR@034 وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@04 يرجع بعضهم إلى بعض ): يحيل بعضهم الخطأ على البعض الآخر. # * * * PageV19P048 ### ||| ** عدوانية الكافرين في رفضهم الالتزام بالرسالة # ( @QUR@03 وقال الذين كفروا ) من المشركين الذين أنكروا التوحيد والآخرة ~~، وكذبوا رسول الله ورفضوا الالتزام بالخط الرسالي ( @QUR@08 لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه ) من التوراة والإنجيل أو من أمر الآخرة ، في ~~إصرار على المنهج الفكري والعملي المرتكز على الوثنية المرتبطة بالحس ، ~~المتعبدة للمادة ، الخاضعة لقيم المنفعة واللذة ، المتحركة مع قانون ~~الامتيازات الطبقية ، وفي تأكيد للرفض المطلق لكل حديث عن الوحي الإلهي ، ~~ضمن أي كتاب من الكتب السماوية ، مهما قدمت إليهم البراهين ، لأنهم ليسوا ~~في موقع المناقشة والأخذ والرد للبحث عن الحقيقة ، بل في موقع العناد ~~وتسجيل النقاط المضادة على الرسالة والرسول ، حتى إذا جابهتهم الأدلة ~~بالحقيقة ، أعلنوا عن عنادهم ms4377 ، وكشفوا خفايا تفكيرهم. ويترك الأسلوب ~~القرآني الحديث عن رد الفعل النبوي ، مما يمكن أن يتحدث به النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم جوابا عن كلامهم ، أو ما يمكن أن يتحدث المسلمون به ~~ردا عليهم ليوحي للفكر أن يسترجع الموقف في دراسة تحليلية لشخصية هؤلاء ، ~~فينتهي إلى نتيجة حاسمة ، وهي أن مثل هذه الكلمات لا تحتاج إلى جواب ، بل ~~إن كل هم أصحابها يختزل بالبحث عن ساحة ملتهبة للتحدي العدواني ، ولهذا ~~يفترض بالمعالجة أن تختار العقاب. # * * * ### ||| ** وقفة الظالمين عند ربهم # وهكذا ينقلنا الله بسرعة إلى يوم القيامة ، لنرى هذا المجتمع المشرك ، ~~وقد وقف أفراده ، ممن هم في مستوى القيادة ، وممن هم في مستوى PageV19P049 # القاعدة ، في وقفة الذل والعار ، أمام ضوضاء الجدال المرير بين ~~المستكبرين الذين نشروا الشرك في حياة الناس المستضعفين ، وبين المستضعفين ~~الذين خضعوا لهم انطلاقا من ظروفهم الصعبة الضاغطة عليهم ، وحاجاتهم ~~الكثيرة الملحة. ( @QUR@07 ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) في وقفة ~~الحساب التي يتقدمون فيها إلى أعمالهم ليواجهوا مصيرهم في الآخرة ، بعد أن ~~عاشوها في الدنيا في طريق اللذة والمنفعة ، وفي هذا الموقف يتكلم الجميع ~~بمرارة ، فالمستضعفون يبحثون عن الجهة التي يحملونها مسئولية أعمالهم ، ~~ليتخففوا من النتائج الصعبة التي يواجهونها في قضية مصيرهم المحتوم في ~~النار ، فلعلهم يستطيعون الهروب منه ، ليتحمله الآخرون ، أو التخفف منه ~~ليشاركوهم فيه ، ولذا جاء الحديث وفق هذه الطريقة ( @QUR@05 يرجع بعضهم إلى ~~بعض القول ) فيرده عليه في عملية جدال متحرك. # * * * ### ||| ** حوار المستضعفين والمستكبرين # ( @QUR@03 يقول الذين استضعفوا ) من هؤلاء الذين عاشوا ضعف الإرادة في ~~مواقعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وسقطوا تحت تأثيره ، مما جعلهم ~~عاجزين عن أن يقولوا «لا» بقوة الرفض ، عند ما يميل الموقف إلى الرفض ، ولا ~~يملكون أن يقولوا «نعم» ، عند ما يميل الموقف إلى القبول ، بل يقبلون ما ~~يراد لهم أن يقبلوه ، ويرفضون ما يراد لهم أن يرفضوه ، وهكذا كانوا يرفضون ~~الإيمان لأن المستكبرين أرادوا لهم أن يرفضوه ، ليلتزموا الكفر من دون أن ~~يدرسوا المسألة بعمق في طبيعتها ونتائجها السلبية أو الإيجابية ms4378 في الدنيا ~~والآخرة. وها هم يواجهون النار وجها لوجه ، فيحاولون الهروب منها بما ~~يقولونه ( @QUR@02 للذين استكبروا ) الذين كانوا يملكون المال والجاه ~~والرجال والقوة ، PageV19P050 # فيخضعون حركة الواقع من حولهم لسلطتهم ، ويستغلون حاجة الآخرين المحرومين ~~من ذلك كله إليهم ، ليجعلوا من تلك الحاجات قيودا في أيديهم ، وسبيلا إلى ~~إذلالهم ، وها هم يقولون بلهجة ممزوجة بالنقمة والتوسل : ( @QUR@05 لو لا ~~أنتم لكنا مؤمنين ) لأن طريق الهدى كانت مفتوحة أمامنا ، ولأن قلوبنا كانت ~~منفتحة على كلمات الأنبياء ، كما كانت أرواحنا قريبة إلى أجواء الصفاء .. ~~وكان من الطبيعي أن نلتقي مع الدعاة إلى الله على خط الإيمان ، ولكنكم ~~وقفتم أمامنا ، لتسدوا علينا كل الطرق المفتوحة على الله ، ولتغلقوا عنا كل ~~أبواب الخير والهدى والفلاح ولتعكروا علينا كل صفاء الحياة وطمأنينة الروح ~~وهدوء الفكر ، حتى ابتعدنا عن الإيمان من خلال دعوتكم إلى الكفر. # ( @QUR@05 قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ) وعند ما رأى المستكبرون ~~أن حراجة الموقف ودقته يفرضان عليهم الجواب ، وقد كانوا في الدنيا لا ~~يعبأون بالمستضعفين ، ولا يسمحون لهم بالمناقشة ، ولا يردون عليهم السلام ~~والكلام ، ولكن المسألة الآن تختلف عن السابق لأن الجميع يقفون في مستوى ~~واحد أمام المسؤولية بين يدي الله ، فلا فرق بين كبير وصغير ، الأمر الذي ~~يجعل المستكبرين يخافون من تحملهم مسئولية إضلال هؤلاء ، مما يزيد عذابهم ~~فوق ما يستحقونه من العذاب .. وهكذا أطلقوا الرد عليهم بقوة ، كما لو كانوا ~~يتكلمون معهم في الدنيا ( @QUR@07 أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ) ~~فما هي علاقتنا بذلك ، فإذا كان ثمة ضغوط منا على أجسادكم ، فهل كنا نضغط ~~على عقولكم وقلوبكم ، ونسيطر على قناعتكم ، وهل يملك أحد أن يضغط على عقل ~~أحد ، أو يملك قلبه من دون إرادته؟ إنها إرادتكم التي اختارت هذا النهج في ~~الكفر ، فليست المسألة أنكم كنتم خاضعين لضغوطنا ، ( @QUR@03 بل كنتم ~~مجرمين ) بما اخترتموه من الكفر والعصيان والضلال ، تماما كما هي المسألة ~~بما اخترناه نحن من الاجرام في حق الله ، وحق أنفسنا. # ( @QUR@09 وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار ) الذي PageV19P051 # مارستموه معنا ms4379 ، مما كنتم تديرونه من أسباب المكر والحيلة في الليل ~~والنهار من خلال استغلالكم لكل نقاط الضعف فينا ، لتحاربونا بنقاط القوة ~~عندكم ، في ما نحتاجكم فيه من مال وقوة وسلطان ، وما تثيرونه في غرائزنا من ~~لذات وشهوات ، وما تعدوننا به من أطماع وطموحات .. فيزحف كل ذلك إلى عقولنا ~~، وينساب إلى مشاعرنا ، ويتحرك في غرائزنا ، فنستسلم لكم استسلاما مطلقا لا ~~شعوريا. كما لو كنا مشدودين إلى سحر ساحر ( @QUR@05 إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ) إنكم أخضعتمونا للفكرة التي تربط العقيدة بالحس ، وتبعدها عن الغيب ~~، فإذا كنا لا نرى الله بأعيننا ، فعلينا كما أوحيتم لنا ، أن نكفر به ~~بعقولنا ، حتى لو رأيناه في قلوبنا وإحساسنا الداخلي ( @QUR@03 ونجعل له ~~أندادا ) مما صنعتموه من أصنام ، وممن أوحيتم لنا بأنهم في موقع الألوهية ~~من خلال ما تثيرونه حولهم من أسرار ، وما تثيرونه في عقولنا نحوهم من ~~خيالات وأوهام .. ولم ينفع هذا الكلام ، ( @QUR@05 وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب ) واستعادوا كل تاريخ حياتهم في الدنيا ، وشعروا بالندم العميق الذي ~~يحرق كل مشاعرهم الآن ، قبل أن تحترق أجسادهم في النار ، وعاشوا العذاب ~~النفسي الداخلي في ما أسروه من الندم ( @QUR@06 وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا ) من المستكبرين والمستضعفين ( @QUR@06 هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون ) لأن الله لا يعاقب أحدا إلا بذنبه. # * * * PageV19P052 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم ~~به كافرون (34) @QUR@08 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ~~(35) @QUR@013 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (36) @QUR@023 وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا ~~من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ~~(37) @QUR@09 والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) ~~@QUR@020 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مترفوها ): الذين يتنعمون في الملذات كما يشاءون. # ( @QUR@01 ويقدر ): يضيق. # ( @QUR@01 زلفى ): قربى. # ( @QUR@01 معاجزين ): معاندين ، ظانين أنهم يعجزون الله ، وقيل معاجزين ms4380 ~~مسابقين. # * * * PageV19P053 ### ||| ** المترفون في سلوكهم ضد الرسالات # لعل مشكلة الكثيرين من المجتمعات في ضلالها وكفرها وفسقها وفجورها وظلمها ~~وانحرافها ، هي مشكلة المترفين الذين لا يمثل الترف لديهم حالة من النعيم ~~المادي يعيشونه في حياتهم ويتيح تحقيق ما يطلبونه لأنفسهم من ملذات ~~ومشتهيات من خلال ما يملكونه من المال والجاه ، بل يمثل حالة نفسية متعالية ~~، ووضعا طبقيا معقدا ، من خلال المواقع التي يتحركون فيها ، والقضايا التي ~~يثيرونها ، والصراع الذي يخوضونه ضد دعاة الإيمان والخير والصلاح ، الذين ~~يريدون تغيير المجتمع الطبقي إلى مجتمع يتساوى أفراده في الحقوق والواجبات ~~، وتغيير القيم الإنسانية العامة ، من قيم مادية يكون فيها للمال الحظ ~~الأوفر والدرجة العليا في الحياة الاجتماعية العامة ، إلى قيم روحية ، يكون ~~فيها للإيمان والخلق والعمل الصالح ، في ما تمثله التقوى على الصعد الفكرية ~~والأخلاقية والعملية في حياة الناس ، النصيب الكبير. # ويقف هؤلاء المترفون دائما ليواجهوا الرساليين ، بكل وسائل المواجهة ~~الإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، بما يطلقونه من أضاليل ، ~~وما يثيرونه من شبهات واتهامات ، وما يحركونه من فتن ومؤامرات ، حفاظا على ~~امتيازاتهم الذاتية والطبقية من خط الرسالات ، ودعاة الإصلاح ، وهذا هو ما ~~تتناوله هذه الآيات في معالجتها للتحديات التي تواجه المرسلين والمنذرين ، ~~لتناقش الطروحات المنحرفة التي يحاول هؤلاء المترفون التأثير من خلالها ، ~~على ذهنية الناس البسطاء. # ( @QUR@06 وما أرسلنا في قرية من نذير ) لينذر الناس بعذاب الله ، إذا ~~انحرفوا عن خط الإيمان برسالته ( @QUR@03 إلا قال مترفوها ) الذين يعتبرون ~~الترف ، في عمقه المالي والطبقي ، وامتداده الاجتماعي والسياسي ، أساسا ~~للقيمة الذاتية عندهم ، ( @QUR@01 إنا PageV19P054 # @QUR@04 بما أرسلتم به كافرون ) لأن الرسالات تعمل على تحرير الإنسان من ~~الخضوع لإنسان مثله تحت ضغط حاجاته ، وتأثير نقاط ضعفه ، فهي توحي إليه بأن ~~الله هو الذي يرعى حاجاته وحاجات المخلوقات التي تعيش معه ، وأن الآخرين من ~~الطغاة والأغنياء من مترفي الأمم ، لا يخرجون عن دائرة الحاجة أمام الله ، ~~فما من نعمة يتقلبون فيها ، إلا وهي مستمدة من الله ، فهو الذي منحهم إياها ~~وأنعم عليهم بها ، وهو القادر على أن يسلبهم إياها ، كما تعمل الرسالات ~~أيضا ms4381 على تغيير مفهوم الإنسان للحياة في قيمها العامة والخاصة ، في الجانب ~~الروحي والمادي منها ، والهدف أن تجعل الناس المستضعفين أحرارا في حياتهم ، ~~وأقوياء في مواقفهم ، من خلال كونهم مؤمنين في عقيدتهم رفض العبودية إلا ~~لله ، والتمرد على كل الشرائع إلا شريعة الله .. وهكذا كان المترفون يعلنون ~~الكفر بالرسالات في مواجهة الأنبياء للحفاظ على امتيازاتهم الاجتماعية ~~والسياسية والاقتصادية في دائرة الظلم والطغيان. # * * * ### ||| ** منطق القوة لدى المترفين # ( @QUR@05 وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا ) مما يجعلنا الأقوى موقعا ~~وموقفا وشأنا من هؤلاء الرسل الفقراء المعدمين الذين لا يملكون ما نملك من ~~الكثرة في الأموال والأولاد والأتباع ( @QUR@03 وما نحن بمعذبين ) لأن الله ~~لا يمكن أن يعذب الطبقة العليا من الناس التي تمثل المستوى الكبير في ~~الحياة على صعيد المال والمعرفة والقوة ، ففي خيالهم أن امتيازات الدنيا ~~تحكم امتيازات الآخرة بحكم سيطرة القيم المادية عليهما معا. # * * * PageV19P055 ### ||| ** منطق الرسالة في مواجهة منطقهم # ( @QUR@08 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) فليست السعة في الرزق ~~تمثل امتيازا للغني ، بما يرزقه الله ، وليس التقدير في العيش ، يمثل ~~احتقارا للفقير ، بما يضيقه الله عليه من رزقه ، بل الأمر يختلف في طبيعته ~~باختلاف حركة الحكمة التي يجسدها التخطيط الإلهي الخاص بأرزاق الناس في ~~الحياة ، بما يصلح به أمورهم في طبيعة حياتهم. فقد يكون الفقر بلاء للفقير ~~، ليختبر الله به صبره وإيمانه ، ليرفع درجته من خلال ذلك فيكون خيرا له ، ~~وقد يكون الغنى بلاء للغني ليختبر به شكره وتقواه ، فإذا لم يشكر كان ذلك ~~شرا له ، فتسقط درجته. فلا بد من أن ينظر للمسألة من هذه الجهة ، لتتوازن ~~النظرة في مجريات الحياة في حركة الرزق فيها ، ليعرف الناس عمق المعنى في ~~ذلك كله ، فلا تغريهم المظاهر ولا تسلبهم الثروة التي يملكها الآخرون ~~استقامة نظرتهم إلى الواقع ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) لأنهم ~~يرتبطون بالسطح الظاهر للقضايا ولا ينفذون إلى العمق. # ( @QUR@08 وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) مما قد ~~يوحي به كلامكم الذي تؤكدون فيه أنكم لستم بمعذبين ، لأنكم أكثر أموالا ms4382 ~~وأولادا ، فكيف تفكرون بهذه الطريقة؟ وكيف يمكن أن يقرب الله إنسانا لكثرة ~~أمواله وأولاده ، مع أنه هو الذي أعطاه ذلك كله ، وهو الذي قسم العطايا بين ~~خلقه ، فكيف يميزهم بالقيمة ، ما ميزهم به من حيث الحكمة والبلاء ، لا من ~~حيث المنزلة والمقام ، فلا يميز الله عبدا عن غيره في أي موقع من المواقع ( ~~@QUR@05 إلا من آمن وعمل صالحا ) فأعطوا الله من جهدهم الفكري ما جعلهم ~~أقرب إليه في عقولهم وقلوبهم من خلال الإيمان بوجوده ، والإخلاص لتوحيده ، ~~ومن جهدهم الجسدي ما جعلهم أقرب إليه في نشاطهم العملي الذي يراعي تقوى الله PageV19P056 # ( @QUR@04 فأولئك لهم جزاء الضعف ) الذي يتضاعف فيه الثواب تبعا لقيمة ~~الجهد المبذول ، لا سيما ما يواجهه المؤمن من جهاد النفس ، في التحديات ~~الداخلية في حاجاته وغرائزه ، ومن جهاد العدو في التحديات الخارجية التي ~~يفرضها خصوم الرسالة وأعداؤها ( @QUR@02 بما عملوا ) من الأعمال الصالحة ، ~~لأن الله جعل ثوابه تابعا للعمل في حياة الناس ، ( @QUR@03 وهم في الغرفات ~~) أي في غرفات الجنة ، وهي البيوت العالية فيها ، وقد تكون كناية عن علو ~~الدرجة ( @QUR@01 آمنون ) لا يصيبهم فيها سوء ولا خوف مما كانوا يحذرون منه ~~في الدنيا ، لأن الجنة هي دار السلام والاطمئنان والاستقرار الأبدي. # ( @QUR@05 والذين يسعون في آياتنا معاجزين ) يعملون على تعجيز الدعاة إلى ~~الله وتثبيطهم وإثارة الخوف في نفوسهم ، بما يخططونه من خطط الشر ، وما ~~يثيرونه من أجواء الكفر ، وما يقومون به من مشاريع الضلال ، ( @QUR@04 ~~أولئك في العذاب محضرون ) لأن ذلك هو النتيجة الطبيعية لأعمالهم وأوضاعهم. # ( @QUR@011 قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ) هو مصدر ~~نظام الرزق في الحياة ، وهو ضمانة استمراره في تلبية حاجات الإنسان ، فمنه ~~يستمد الثقة الكبيرة بالاستقرار والطمأنينة في ذلك ، فهو الذي يعطي السعة ~~لمن يريد أن يوسع عليه ، ويضيق على من يرى المصلحة والحكمة أن يضيق عليه ، ~~( @QUR@06 وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ) فليس لكم أن تخافوا من الفقر إذا ~~أنفقتم مما رزقكم الله من مال ، لأن المسألة لا تتعلق بجهدكم الذاتي في ~~تحصيل المال ms4383 ، لتخافوا من الضياع وفقدان التعويض إذا أذهبتم ما لديكم منه ، ~~فانطلقوا مع العطاء وانتظروا العوض من الله في الدنيا مثل الآخرة ( @QUR@03 ~~وهو خير الرازقين ) لأنه الذي لا يمنع أحدا رزقه ممن أطاعه وممن عصاه من ~~دون حاجة إلى أي شيء من المرزوقين. # * * * PageV19P057 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون (40) @QUR@013 قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) @QUR@018 فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ~~ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) ~~@QUR@034 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم ~~عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق ~~لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) @QUR@011 وما آتيناهم من كتب يدرسونها ~~وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) @QUR@014 وكذب الذين من قبلهم وما ~~بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نكير ): الإنكار ، ويراد به في الآية الهلاك. # * * * PageV19P058 ### ||| ** القرآن يناقش أفكار الانحراف العقيدي # وتتنوع الأساليب في الحديث عن الانحراف في مسألة العبادة ، فيجري تصوير ~~مواقف بعض المخلوقات الروحانية كالملائكة الذين كان المشركون يقصدونهم ~~بالعبادة ، فيوجه الله السؤال إليهم عن طبيعة موقعهم في هذه الدائرة ~~العبادية ، ويكون الجواب الطبيعي أنهم ليسوا في هذا الموقع ، في ما يرونه ~~من أنفسهم من إخلاصهم لله ، ومن خلال إحساسهم بأنهم عباده الذين يعيشون في ~~ولاية الله ورعايته لهم في كل أمورهم ، فلا قيمة لأحد ، مهما كانت مشاعره ~~تجاههم ، ومهما كان إخلاصه لهم ، أمام الله ، فلا يقبلون أن يضعوا أنفسهم ~~في موقع المعبود ، ولا يقبلون من أحد أن يضعهم في هذا الموقع ، وتظهر هذه ~~الحقيقة في هذا الحوار الإلهي مع الملائكة. # ( @QUR@03 ويوم يحشرهم جميعا ) العابدين والمعبودين في يوم القيامة ( ~~@QUR@07 ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) هل توافقونهم على ~~هذا النهج ، وهل ترضيكم هذه العبادة لكم من دون الله؟ ( @QUR@06 قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم ) إنك أنت يا ربنا خالقنا ورازقنا وراعينا ms4384 ومالك ~~كل أمورنا الصغيرة والكبيرة ، فليس لنا من الأمر إلا ما قضيت ولا من الخير ~~إلا ما أعطيت ، فهل يمكن أن نفكر لحظة بأن يجعلنا أحد من هؤلاء الناس ~~أولياء لهم من دونك ، بأن ننصرهم في ما يدعوننا إليه ، وأن نشفع لهم في ما ~~يشفعوننا به ، فما ذا نملك لهؤلاء من نصرة وشفاعة؟! إننا نرفض ذلك كله ، من ~~موقع عبوديتنا وعبوديتهم لك ( @QUR@04 بل كانوا يعبدون الجن ) وهم يشعرون ~~أنهم ملائكة ، فيعبدونهم خوفا منهم ، ورغبة في اتقاء شرورهم ، في ما ~~يعتقدونه بهم من قدرات خارقة ، وعلم بالغيب ( @QUR@03 أكثرهم بهم مؤمنون ) ~~وقد قيل ، في تفسير الآية ، إن المراد أنهم كانوا يطيعون الجن في تزيينهم ~~لهم عبادة الملائكة وغيرهم من دون الله. PageV19P059 # ( @QUR@08 فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ) فلا ولي ولا شفيع من ~~دون الله ، سواء كانوا من الإنس أو من الجن ، أو من الملائكة ، فأين ~~تذهبون؟ وكيف تفكرون؟ فهذا ، أيها المشركون ، هو الموقف الحاسم الذي يواجه ~~فيه كل واحد منكم مصيره المحتوم الذي لن يكون في مستوى السعادة الذي يأمله ~~ويرضاه لنفسه ، فها هم الملائكة الذين جعلتموهم شفعاء يتبرءون منكم ومن ~~عبادتكم لهم ، من موقع خضوعهم لله ، وإقرارهم بعبادته ، ( @QUR@03 ونقول ~~للذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر أو بالشرك ، ( @QUR@07 ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون ) عند ما كنتم ترفضون اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، ~~وتسخرون من فكرة النار ، فها هي النار التي كنتم بها وبعذابها تكذبون ، ~~إنها الحقيقة ، فذوقوا الآن طعم الحقيقة. # ( @QUR@05 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) تؤكد لهم نبوتك ورسالتك ، ووحي ~~الله الذي أنزله عليك في كتابه ( @QUR@01 قالوا ) لبعضهم البعض ( @QUR@011 ~~ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ) إنه المنطق الذي يهرب ~~من مواجهة الحقيقة في مضمونها الفكري العميق ، ليثير المسألة في اتجاه ~~إثارة المشاعر المعادية للرسول عبر تحريك العصبيات العائلية القائمة على ~~الإخلاص لعقيدة الآباء والأجداد ، لينتفض الناس في مظاهرة مجنونة تستهدف ~~حماية إرث هذا التاريخ الذي قد لا يكون له أي معنى ، في ما ms4385 يحترم فيه الفكر ~~، وتنفتح فيه الحقيقة ... وتلك هي حالة كل الذين يريدون أن يصادروا الفكر ~~الحي التغييري ، في المجتمعات المتخلفة ، عند ما يعملون على تجميع عناصر ~~الإثارة المضادة التي تخاطب الغرائز والعصبيات والمشاعر الحادة لإسقاط ~~الفكرة في الساحة العامة من دون مناقشة. وهكذا أطلق هؤلاء أمام بعضهم البعض ~~فكرة حماية مقدسات الآباء ( @QUR@01 وقالوا ) عن القرآن ( @QUR@04 ما هذا ~~إلا إفك ) كذب ( @QUR@01 مفترى ) فهو منسوب إلى الله من دون أساس ، بل هو ~~افتراء ( @QUR@06 وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم ) في أسلوب مثير جديد ، ~~لا يستهدف الفهم والوعي ، بل التشويش والتشويه والإثارة PageV19P060 # ( @QUR@02 إن هذا ) أي ليس هذا ( @QUR@03 إلا سحر مبين ) فلا يمثل شيئا ~~من الحقيقة ، بل هو نوع من أنواع التخييل الذي يسلب اللب ، ويأخذ الشعور ، ~~ويثير الإحساس. فهو يفرق بين الأب وأولاده ، والزوجة وزوجها ، والأخ وأخيه ~~بطريقة سحرية غير مفهومة ، ( @QUR@05 وما آتيناهم من كتب يدرسونها ) تشكل ~~لهم ضمانة فكرية تميز بين الحق والباطل ، ليحكموا على الأشياء من موقع ~~العمق الذي يوازن بين الأمور ( @QUR@06 وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ) ~~ليأخذوا الفكرة من خلال النبي الذي ينذرهم ويهديهم ويجنبهم أخطار المزالق ~~التي قد تؤدي بهم إلى الهلاك. فكيف يحكمون على الأشياء من قاعدة اللافكر ~~واللاوعي؟ # ( @QUR@04 وكذب الذين من قبلهم ) من الأمم السالفة ( @QUR@02 وما بلغوا ) ~~أي قومك ( @QUR@03 معشار ما آتيناهم ) من قوة ومال وجاه وطول عمر ، ( ~~@QUR@02 فكذبوا رسلي ) بفعل روح العناد والتعصب لا من موقع الفكر والتأمل ~~والقناعة ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) أي عقوبتي لهم وتغييري لحالهم؟ وكيف ~~يمكن أن يكون عقابكم ، وأنتم الأضعف والأقل والأكثر فقرا؟ # * * * PageV19P061 ### ||| * الآيات # ( @QUR@024 قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) @QUR@017 قل ~~ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) ~~@QUR@07 قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) @QUR@08 قل جاء الحق وما ~~يبدئ الباطل وما يعيد (49) @QUR@016 قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن ~~اهتديت فبما يوحي ms4386 إلي ربي إنه سميع قريب ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 مثنى وفرادى ): اثنين اثنين ، وواحدا واحدا. # ( @QUR@01 جنة ): الجنون. # ( @QUR@01 يقذف ): القذف : الرمي. # ( @QUR@01 يبدئ ): بدأ الشيء فعله ابتداء. PageV19P062 # ( @QUR@01 يعيد ): يكرر. # * * * ### ||| ** الرسول الهادىء المتواضع المنفتح # في هذه الآيات ، نلتقي بالنبي في شخصية الإنسان الهادىء هدوء الجبل الذي ~~لا يزلزل مشاعره انفعال ، ولا يهز موقفه تحد ، ولا تثور أعصابه بفعل الضغوط ~~، بل ينطلق أمام ذلك بالكلمة الهادئة العميقة العاقلة النابضة بالحكمة ~~الهادية ، التي تبرد حرارة الانفعال المضاد لتقوده إلى أجواء التفكير ~~الهادىء المستقل. # ونلتقي به في شخصية الإنسان الرسول ، الذي يمنح الآخرين كل جهده ، وكل ~~قلبه وعقله وحياته التي تتحرك في خدمة مصيرهم وسبيل هدايتهم ، من موقع الحب ~~والإخلاص لله ، فهو يحب الناس المنفتحين على الرسل من خلال رسالتهم ، لذا ~~فلا يطلب منهم عوضا ماديا أو معنويا لأنه يكتفي بما يمنحه الله له من أجر ، ~~في محبته ولطفه ورضاه ، ونلتقي بالنبي الحاسم في قراره ، الواثق بالحق ~~الكامن في كلماته وفي رسالته ، الرافض للباطل بكل قوة ووضوح. # ونلتقي به في شخصية الإنسان الذي تتحرك إنسانيته في تواضع الرسول الذي ~~تتجسد في أسلوبه روحية الإنسان الذي يطرح إمكانية ضلاله الذي لو حدث ، لكان ~~هو الذي يتحمل مسئوليته ، وإمكانية هداه الذي يرجع فيه الفضل إلى الله وحده ~~من خلال وحيه وهداه. # * * * PageV19P063 # ( @QUR@04 قل إنما أعظكم بواحدة ) # ( @QUR@01 قل ) لهؤلاء الذين تجمعوا حولك وهم يصرخون : إنك مجنون ، أو ~~الذين يلاحقونك ، وهم يهتفون خلفك ويشيرون إليك بأنك مجنون ، أو الذين ~~يتحدثون عنك في غيابك فيتهمونك بالجنون ، قل لهم كلمة العقل والحكمة ، ~~وعلمهم منهج التفكير وطريقة إدارة القضايا المتنازع عليها في الجو والأسلوب ~~والحركة ، لأن مشكلتهم هي أنهم لا يحركون الأسلوب بطريقة هادئة ، ولا ~~يحددون المنهج العقلاني الذي يعتمد على الموضوعية في مناقشة الأمور وإطلاق ~~الأحكام ، وإلا ، فإنك لن تسطيع الوصول إلى أية نتيجة حاسمة معهم إذا أردت ~~أن ترد الكلمة المعادية التي يطلقونها ضدك بشكل مباشر ، بل لا بد لك من أن ~~تثير أمامهم مسألة المنهج ، لتقودهم إلى الطريقة المثلى في إثارة الأمور ~~ومعالجة ms4387 القضايا ومناقشة الظواهر ، والوصول إلى تكوين القناعات من خلال ذلك كله. # قل لهم : ( @QUR@03 إنما أعظكم بواحدة ) فهي كلمة واحدة تحدد لكم المنهج ~~في التفكير ، ( @QUR@05 أن تقوموا لله مثنى وفرادى ) وتنفصلوا عن الجو ~~المحموم الضاغط على عقولكم ومشاعركم ومواقفكم ، والذي يشعر كل واحد منكم أن ~~الدخان يملأ عقله وشعوره وحياته ، فلا يرى أمامه شيئا ، فتفرقوا فرادى ، ~~وليجلس كل واحد منكم مع نفسه ، ليخلو إلى عقله ويفكر ، أو تفرقوا مثنى مثنى ~~، ليجلس كل واحد منكم إلى صاحبه ، ويفكر معه بحسابات هادئة متزنة ، ومناقشة ~~عاقلة دقيقة في ظل حالة فكرية هادئة ، تنطلق منها الشخصية الفردية المفكرة ~~، ليكون الفكر فكر المجموع من خلال فكر الجميع ، لا فكر المجموع من خلال ~~انفعال المجموع ، ( @QUR@02 ثم تتفكروا ) ليقودكم التفكير إلى قراءة كلام ~~هذا الإنسان في كلماته وأسلوبه ، ومضمونه الفكري ، وإلى دراسة خطواته ~~العملية ، وعلاقاته PageV19P064 # بالناس ، وطريقته في التخطيط ، ولتستنتجوا من خلال ذلك كله ، أن هذا ~~الإنسان هو في قمة التوازن العقلي والشعوري والعاطفي ، ولتعرفوا الحقيقة ~~التي تفرض نفسها عليكم ، ( @QUR@04 ما بصاحبكم من جنة ) لأن للجنون علاماته ~~في الكلمة والحركة والأسلوب ، فلم يأتكم بشيء يبتعد عن المعقول ، بل أتاكم ~~بما أتى به النبيون من قبله في ما حدثكم عن الله وعن اليوم الآخر في ثوابه ~~وعقابه ، وعما ينتظر الكافرين من عقاب شديد ( @QUR@09 إن هو إلا نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد ) أعده الله للكافرين والمشركين. # * * * ### ||| ** من أساليب الدعوة في الإسلام # وقد عالجت هذا المنهج الذي تتناوله هذه الآية في كتاب «أسلوب الدعوة في ~~القرآن» ، بطريقة وافية ، قد تحمل الكثير من اكتشاف أسلوب الدعوة في ~~الإسلام ، مع ملاحظة التقاء هذا الأسلوب ببعض النظريات ، وقد رأيت من ~~المناسب نقله في هذا التفسير ، إكمالا للفائدة. # نحن الآن مع هذه الآية بإزاء موقف جديد ، تتعرض له الدعوة في بداية ~~انطلاقتها ، فتهمة الجنون التي ألصقت بالرسول فاجأتها ، ووضعتها ، ليس أمام ~~فكرة تصادم فكرتها ، لتواجهها في نطاق الصراع والجدل الفكري بالفكر القوي ~~المتزن ، ولا أمام قوة مادية تصطدم بها في مجال الحرب والقتال ، لتعد ms4388 لها ~~ما تستطيع من قوة دفاعية ، بل وضعتها أمام عدو يسب ويشتم ، ويتهم ويفتري ، ~~ولا شيء غير ذلك. # ولا يملك الداعية إزاء ذلك كله أسلوبا مماثلا لهذا الأسلوب ، لسبب بسيط ~~جدا ، وهو أن ذلك لا يتلاءم مع الدعوة ، كدين يعيش في مستوى القيم ، PageV19P065 # ولا ينفع في مجال الصراع ، لأنه لا ينتج غير التهويش والتهويل. # إن الدعوة في مثل هذا الموقف ، أمام تهمة ظالمة طائشة ، يحاول صانعوها أن ~~يلصقوها بالنبي وهو تهمة الجنون. إنه مجنون ، وإذا ، فهو لا يفقه ما يقول ، ~~ولا يعقل ما يصنع ، وإنما هو اللاشعور ينطلق في عملية إيحاء مرتبك ، لا ~~يرتكز على واقع ، ولا يستند على أساس ، فما الذي تفعله الدعوة مع هذا ~~الأسلوب؟ # إنها تعرف جيدا أن مستوى الجماهير لا ينخفض عن السطح إلا قليلا ، فهو ليس ~~بعيد القعر كما يقولون ، وتدرك إلى جانب ذلك طبيعة الغوغائية التي تكمن في ~~نفس كل واحد منهم ، وجانب الانفعال والحماس الذي سرعان ما يطغى ويثور ، ~~الأمر الذي يمهد للتهمة أية تهمة أن تنتشر وتمتد إلى ذهن كل واحد منهم من ~~دون محاكمة أو مناقشة ، حتى لتنطلق بعد ذلك في صورة تيار قوي يجرف المشاعر ~~والأحاسيس ويحولها إلى ما يشبه الطوفان ، ولذا فإن الدعوة تدرك أنها تعيش ~~في موقف معقد ، لا بد لها في معالجته من الدقة والحذر ، فما ذا فعلت؟. # إنها لم تحاول أن تتجه إلى الجماهير في وضع خطابي أو إقناعي لتدفع التهمة ~~عن صاحبها ورائدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وذلك بتقديم الأدلة ~~والبراهين التي تدحض هذه التهمة ، وتدفع هذه الفرية ، لأن الجماهير لا تفهم ~~لغة الحجج والبراهين في طوفان الحماس والاندفاع ، ولذا فهي لا تستمع إليها ~~ولا تلقي بالا لما تقول. إنها لم تحاول ذلك ولم ترد هي أن تقوم بدفع التهمة ~~، لأن صاحبها في حسبان الجماهير لا يعقل ما يقول ..! فكيف تقبل منه الحجة ~~بالدفاع عن نفسه؟ بل حاولت أن تدل هؤلاء الناس على منهج البحث وطريق ~~المعرفة ، وترجعهم إلى ذواتهم وفطرتهم ، ولكن ms4389 ، بطريقة لبقة ، لا تشعر ~~الآخرين بالغاية التي تنتهي إليها ، فقد دعتهم إلى أن يتفرقوا مثنى PageV19P066 # وفرادى ، وينفصلوا عن الجو المحموم العاصف الذي يعيشون فيه ، فيحاولوا ~~دراسة هذه التهمة ، والتفكير فيها ، بعيدا عن المؤثرات العاطفية ، ليخلصوا ~~إلى النتيجة الحاسمة التي يمليها عليهم تفكيرهم الخاص وملاحظتهم الشخصية ~~لأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقواله وسيرته العامة ، في حياته بينهم ~~، فهي لم تقم بنفي الفكرة ابتداء ، ولم تتخذ لنفسها صفة الناقد لهم والموجه ~~لأفعالهم ، بل حاولت دعوتهم إلى مناقشة الفكرة ، وتهيئة الجو الهادىء ~~لأنفسهم للتفكير والمناقشة ، فهي ، في هذا الجو ، أشبه بالمتهم الذي لا ~~يحاول أن يدعي البراءة لنفسه ، أمام القضاة ، بل يكتفي بمحاولة إرشادهم إلى ~~أن يراجعوا الوثائق والمستندات المتعلقة بقضيته ، ليحكموا عليه من خلالها ~~بما يوحي إليهم ضميرهم بعيدا عن أي تأثير ، وهو واثق في الوقت نفسه أن ~~النتيجة ستكون في صفه. # ونحسب أن مثل هذا الأسلوب ، لا ينفصل عن تأدية الغرض والوصول إلى الغاية ~~، من تراجع الآخرين عن غيهم وضلالهم ، لأنه في الوقت الذي يقدم لهم ~~المساعدة للوصول إلى الحقيقة ، يوحي إليهم بطريقة خفية ، بقوة الدعوة ~~الفكرية وثقتها بنفسها ، الأمر الذي يبرز واضحا في هذا الهدوء النفسي الذي ~~تواجه به الدعوة خصومها ، وهذا البرود الحماسي الذي تلاقي به الدعوة عناصر ~~الشغب والتشويه التي تقف في طريقها. # * * * ### ||| ** علاقة الآية بفكرة «العقل الجمعي» # أما لماذا حاولت الآية الكريمة أن تفرقهم ( @QUR@02 مثنى وفرادى ) ~~وتفصلهم عن الجو المحموم ، فيحب بعض الكتاب المعاصرين أن يرجعه إلى فكرة «العقل PageV19P067 # الجمعي» الذي بينه ووصفه الفيلسوف الاجتماعي «جوستاف لوبون» حيث قال : ~~«إنه مهما كانت منزلة الأفراد الذين يكونون مجتمعا من المجتمعات ، ومهما ~~بلغوا من تشابه بعضهم لبعض ، ومهما اختلفوا من حيث الميول ومقدار الذكاء ~~والمهنة ونظام الحياة ، فإن اجتماعهم معا يمنحهم عقلا جمعيا ، يجعلهم ~~يفكرون ويشعرون ويعملون بطريقة مخالفة لطريقة تفكيرهم وشعورهم وعملهم ، لو ~~كان بعضهم بمعزل عن بعض. # وإن هناك عوامل ثلاثة أساسية ، تعمل على ظهور هذه الروح الجمعية ، أو ~~العقل الجمعي ، هي : # أولا : ما يسمى ms4390 بالشعور بعدم المسؤولية ، فالفرد في الحشد يلقي المسؤولية ~~على الجمع نفسه ، ويتحرر عادة من التعبير عن ميوله ورغباته وغرائزه ، فهو ~~يختفي وراء الجمع ويطلق العنان لما يكنه في نفسه من الرغبات. والجمع بكثرة ~~عدده مشجع للأفراد على التعبير عن إحساساتهم في حماسة ويولد عندهم قوة ~~تدفعهم في اتجاه معين. # ثانيا : ما يسمى بالعدوى النفسية ، ويقصد بهذه العدوى تلك الظاهرة ~~النفسية التي تسري من فرد إلى فرد فتجعلهم يرددون الشيء نفسه ، وبشكل آلي. ~~ولهذا هو يصفها بأنها عامل من عوامل «التحذير الاجتماعي» ، به ينسى الفرد ~~نفسه في سبيل غاية جمعية يعمل ويتحرك لتحقيقها. فالمعتقدات سياسية كانت أو ~~دينية تسري بين الجماعات بالعدوى على الخصوص ، وعلى نسبة أفراد الجماعة ~~يكون تأثير العدوى شديدا ولا يلبث المعتقد الضعيف أن يصبح قويا بعد أن ~~يكتسب الأفراد الذين يعتنقونه صفة الجماعة. # والمعتقد بعد أن ينتشر بالعدوى ، لا يلتفت إلى قيمته العقلية لأنه لما ~~كانت العدوى تؤثر في دائرة اللاشعور ، فإنه لا شأن للعقل فيها. وفي الغالب ~~تكون العدوى ذات تأثير فيمن هم أرفع من في الجماعة ، ولذلك يجب أن لا PageV19P068 # نعجب من وجود علماء يدافعون عن أكثر المعتقدات شؤما ومخالفة للصواب. # ثالثا : وهناك أخيرا عامل الإيحاء وهو حالة يفقد فيها الفرد الإحساس ~~بوجوده الشخصي ، بحيث يضعف وجوده الذاتي ويصبح تابعا لا سيدا يتحرك حسب ما ~~يملى عليه ويطيع طاعة عمياء الزعيم المسيطر على الجمع الحاشد ، ويصبح ~~ألعوبة في يده ، ولهذا تطغى الروح الجمعية عند الفرد على شخصيته الواعية ، ~~وعلى إرادته وأحكامه وأفعاله وتصرفاته. # ويقابل هذه العوامل صفات لا بد منها هي من المشخصات الضرورية للروح ~~الجمعية والعقل الجمعي وهي : # أولا : الاندفاع والانسياق بدون تردد. # ثانيا : المبالغة في فهم الحقائق. # ثالثا : عدم الثبات وسرعة التحول من رأي لرأي ومن فعل لفعل. # ثم يتابع هذا الكاتب كلامه فيقول : «بعد كل هذا الشرح النفسي للعقل ~~الجمعي ، قد بان لنا الحكمة في اشتراط الآية أن يكون التفكير بين اثنين ~~اثنين ، أو واحدا واحدا ، خوف القضاء على الحقيقة في الزحام ms4391 ، وخفاء وجه ~~صواب الرأي في الاجتماع» (1). # * * * ### ||| ** التعليق على فكرة «العقل الجمعي» # أما تعليقنا على ذلك ، فيرتكز على نقطة أساسية واحدة هي أننا لا نستطيع ~~إخضاع القرآن الكريم لمصطلحات وأفكار لا تزال موضع نقاش بين الباحثين ، لأن ~~ذلك يؤدي بنا إلى التراجع عن هذا التفسير عند تبدل هذه PageV19P069 # النظرية ، وهكذا دواليك في عملية تبديل وتغيير. ولا يخفى ما في ذلك من ~~الإساءة لقدسية القرآن ومكانته ، ولهذا فنحن لا نوافق بأي وجه من الوجوه ~~على المنهج الذي يحاول الكثيرون من كتابنا الإسلاميين أن ينهجوه في تفسير ~~القرآن بالنظريات العلمية والاجتماعية والنفسية وغيرها. # وعلى ضوء ، ذلك فلا نستطيع أن نقر الكاتب على ما ذهب إليه من ارتكاز هذه ~~الآية في مضمونها على نظرية (العقل الجمعي) التي تنبه لها «جوستاف لوبون» ، ~~لأن هذه الفكرة ليست مما أجمع عليه علماء النفس (1). # وانطلاقا من ذلك ، فلا بد لنا من أن نرجع بالآية إلى واقع القضية بعيدا ~~عن المصطلحات والنظريات ، وهي «أن الجماهير لا تتصف بمقتضى الحكمة التي ~~يتصف بها الأفراد التي تتكون منهم الجمهرة» (2)، ولذلك أمرهم الله سبحانه ~~وتعالى أن يقوموا ( @QUR@02 مثنى وفرادى ) مثنى ليراجع أحدهما الآخر ويأخذ ~~معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ ولا ~~تتلبث لتتابع الحجة في هدوء ، وفرادى مع النفس وجها لوجه في تمحيص هادئ عميق. # * * * ### ||| ** إن أجري إلا على الله # ( @QUR@07 قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ) فلست الإنسان الذي يبذل جهده الفكري PageV19P070 # والرسالي والعملي للناس في مقابل أجر مادي ، لأني لم أنطلق في رسالتي هذه ~~، من خلال ما ينطلق به الناس في مجتمعكم من الحصول على ملك أو جاه أو شهوة ~~أو مال ، بل انطلقت من خلال مسئوليتي أمام الله في إبلاغ رسالته للناس ، ~~امتثالا لأمره ، وطلبا لرضاه ، ومحبة للناس ، ورحمة بهم ، وإخلاصا للحق ~~والخير والعدل .. فإذا كنتم تفكرون أن هناك أجرا أتطلبه وأفرضه عليكم فإنني ~~مستعد أن أقدمه لكم ، ليبقى عندكم ولكم من دون أن تتكلفوا منه شيئا لحسابي ~~، إذ ( @QUR@05 إن أجري إلا على الله ms4392 ) فهو الذي أبذل كل حياتي في خطوطها ~~الذاتية والاجتماعية والرسالية العامة ، في سبيله ، لأحصل على ثوابه ~~ورضوانه ولطفه ورحمته ، لأن ذلك هو غاية الأنبياء والصالحين ، ( @QUR@05 ~~وهو على كل شيء شهيد ) في حضوره القوي الشامل الذي لا يغادر كبيرة ولا ~~صغيرة إلا أحصاها ، ولا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو ~~الذي أراقبه في ما أفكر ، وأعمل ، وفي ما أبلغكم به من رسالاته. # * * * # ( @QUR@05 قل إن ربي يقذف بالحق ) # ( @QUR@05 قل إن ربي يقذف بالحق ) ويرميه في وجه الباطل ، في ساحة الصراع ~~بينهما ، بما يملكه الحق من القوة الذاتية التي تستطيع أن تبطل كل حجج ~~الباطل التي يلفقها المبطلون ، فيزهق ويزول ، فالله ( @QUR@02 علام الغيوب ~~) الذي يطلع على حقائق الأشياء الكامنة في خفايا طبائها وأوضاعها ومواقعها ~~، فلا يحجبه عنها شيء ، ولا يغيب عن علمه منها شيء. # ( @QUR@03 قل جاء الحق ) في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه ، ليتحدى الآخرين ، في ما يطلق من عقائد ومفاهيم وتشريعات ~~للحياة ، PageV19P071 # ويحرك من ساحات الصراع القائم على الحجة الواضحة والبينة القاطعة ، على ~~أساس الخط الذي يتحرك فيه العقل ليدل على الله ، وليكشف العمق الخفي من ~~آياته وليوضح مشكلات الأفكار ، ويواجه تحديات الفكر الآخر المضاد. لقد جاء ~~ليفتح العقول على الإسلام لتفهمه ولتتأمل فيه ولتناقشه ولتقتنع به ولتدعو ~~له ولتلتزم به ليكون الدين كله لله ... ( @QUR@05 وما يبدئ الباطل وما يعيد ~~) فقد سقط أمام الحق ، فليس له أن يظهر أولا ، ليعود فيظهر ثانيا في حركة ~~الواقع. # ( @QUR@07 قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ) من خلال ما قد أخطئ فيه من ~~وعي الوحي ، فكرة وتطبيقا ، وليس ذلك من الوحي نفسه ، فهو الحق الذي لا ~~يقترب منه الباطل ( @QUR@06 وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) لأن الوحي هو ~~الذي يفتح للعقل وللوجدان باب الهدى على الحق من أوسع الآفاق ، وهو الذي ~~يضيء للحياة الدرب المظلم الذي تتخبط فيه ، لتعرف كيف تكتشف الطريق ~~المستقيم. وبذلك كان الهدى الذي يبلغه الإنسان هبة من الله وحده لأن ~~الإنسان ms4393 لا يملك القوة التي تفتح له كل أبواب الحقيقة ، بل الله هو الذي ~~يملك ذلك كله ، فيعطي الإنسان منه ما يبلغ به مواقع الصواب ( @QUR@03 إنه ~~سميع قريب ) يسمع الدعوة ، ولا يحجبه عنها حاجب مهما كان. # * * * PageV19P072 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) @QUR@09 ~~وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) @QUR@010 وقد كفروا به ~~من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) @QUR@015 وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب ) (54) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 فلا فوت ): فلا مهرب. # ( @QUR@01 التناوش ): التناول. # ( @QUR@01 بأشياعهم ): الأشياع : الأشباه. # * * * ### ||| ** مداهمة الموت للكافرين وعجزهم عن الهروب منه # ( @QUR@04 ولو ترى إذ فزعوا ) أمام الموت عند ما جاءهم الأجل فأخذهم ~~الخوف ، PageV19P073 # وربما هموا بالهروب ، تماما كما هو الإنسان عند ما يدهمه الخطر فيحاول ~~الفرار منه ، ولكن إلى أين يهربون ( @QUR@02 فلا فوت ) فإن الله لا يفوته ~~أحد من عباده مهما كان قويا ، إذا أراد أن يأخذه ، ( @QUR@04 وأخذوا من ~~مكان قريب ) لأن الله أقرب إلى الإنسان من نفسه ، فلا مجال لأي فاصل يفصله ~~عنه .. وقد جرى التعبير عنه بلحاظ الأمور المادية ، لأننا لا نستطيع تصور ~~الجانب التجريدي من حقائق الغيب التي لا يحيط بها إلا الله. # ( @QUR@03 وقالوا آمنا به ) أي بالقرآن أو بالنبي ، أو بالإسلام عند ما ~~واجهوا المصير الذي يكشف لهم حقيقة الآخرة ، ( @QUR@03 وأنى لهم التناوش ) ~~أي التناول ، أي الرجوع إلى خط الإيمان ( @QUR@03 من مكان بعيد ) وهو عالم ~~الآخرة الذي لا مجال فيه لتغيير المواقف ، لأن الدنيا هي الفرصة الوحيدة ~~لذلك كله ، وهي بعيدة عنهم الآن كل البعد ، لأن الرجوع إليها مستحيل من ~~خلال رفض الله لذلك ، وهو الذي يملك الأمر كله. # ( @QUR@05 وقد كفروا به من قبل ) من دون حجة ولا برهان ، وكانت الحجة على ~~الحق واضحة أمامهم وضوح الشمس ( @QUR@05 ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ) فقد ~~كانوا يرمون حقائق الإيمان بأضاليلهم وأوهامهم وينكرون الآخرة من مواقعهم ~~في الدنيا ، البعيدة عنها. # ( @QUR@05 وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) من اللذائذ والشهوات المادية التي ~~كانوا يعيشون ms4394 من أجلها في الدنيا ، وجاءهم الموت لينهي كل شيء من أمورهم ~~الحسية الذاتية ( @QUR@05 كما فعل بأشياعهم من قبل ) من الأمم الماضية التي ~~كفرت كما كفروا ، وتمردت كما تمردوا ( @QUR@05 إنهم كانوا في شك مريب ) كما ~~كانت الأنبياء تذكرهم به من الحق أو من الآخرة ، ولكنه الشك الذي لا يخضع ~~لتحليلات فكرية ، بل يخضع للأوهام الطائرة التي لا ترتكز على أساس الفكر ~~العميق. # * * * PageV19P074 ### | سورة فاطر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وأربعون PageV19P075 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآية # ( @QUR@024 الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) (1) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاطر ): خالق على غير مثال سابق. # ( @QUR@03 مثنى وثلاث ورباع ): معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، ~~وأربعة أربعة. # * * * PageV19P077 ### ||| ** الحمد لله فاطر السماوات والأرض # ( @QUR@02 الحمد لله ) الذي ينبغي له الحمد الممتد في كل صفاته التي ~~تتحرك في آفاق المطلق الذي لا يحده شيء ، وذلك هو سر التصور الخاشع الذي ~~يعيشه الإنسان في رحاب عظمته ، ليتفاعل معها في عبوديته صباحا ومساء ، ( ~~@QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) الذي فطر الوجود وأبدعه من قلب العدم ، ~~فأودع فيهما أي في السماوات والأرض كل عناصر الحكمة والقوة والتدبير التي ~~تحركهما في اتجاه التوازن والاستقرار والثبات بشكل يظهر أسرار الروعة ~~والعظمة ، ( @QUR@03 جاعل الملائكة رسلا ) بما يكلفهم به من أداء المهمات ~~المختلفة في شؤون الكون ، سواء منها الذي يتعلق بإنزال الوحي على الأنبياء ~~، أو الذي يتعلق بتحريك الموجودات وفق القوانين الطبيعية التي تحكم الكون ~~في نظامه ، ( @QUR@05 أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) مما لم نعرف تفاصيله ، ~~لأن الوسائل الحسية لم تدركها ، فالملائكة من الغيب الذي احتفظ الله بسره ، ~~ولم يطلع عباده إلا على بعض خصائصه مما حدثنا عنه في كتابه من طبيعة الدور ~~الغامض الذي يقوم به الملائكة في حركة النظام الكوني ، ومن أنهم عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، ومن رفض الفكرة الجاهلية التي ~~تضعهم في موقع بنات الله وما إلى ذلك من الأفكار المتخلفة ، وربما تحدثت ~~بعض الأحاديث الشريفة عن ms4395 بعض التفاصيل المتعلقة بأشكالهم وأوضاعهم ومهماتهم ~~، إلا أنه لا بد من التدقيق في صحة هذه الأحاديث من ناحية السند والمضمون ، ~~لأن ذلك هو السبيل العلمي الشرعي للاحتفاظ بصفاء الذهنية الإسلامية ، ~~وسلامتها من الانحراف والخرافة ، ضمانة لها مما قام به الوضاعون للأحاديث. # ضمن هذا الإطار ، نتعرض لموضوع تعدد الأجنحة ، من دون أن ندخل في ~~التفاصيل ، باعتبار أنها ليست من الأمور التي أفاض فيها القرآن. وإذا كانت PageV19P078 # كلمة الأجنحة توحي بأن أشكالهم تشبه شكل الطير ، وهو ما تظهره تصورات بعض ~~الرسامين الذين جعلوا للملائكة صورة الإنسان الذي يملك أجنحة للطيران ، فإن ~~ذلك لا يعبر عن الصورة الحقيقية القرآنية ، لأن بعض الكلمات في مجالات ~~الغيب قد تستخدم كوسائل الإيضاح التي تريد أن تكشف ملامح الصورة ، دون أن ~~تحدد كل عناصرها الذاتية ، لأن الغيب قد لا يملك الإنسان معرفة حقيقية له ، ~~لأنه لا يملك التجربة الإنسانية الحسية في هذا المجال. # ( @QUR@05 يزيد في الخلق ما يشاء ) فهو القادر على تنويع خلقه ، في الشكل ~~وفي المقدار حسب مشيئته بما تقتضيه حكمته ، وما يحتاجه نظام الكون في ذلك ، ~~( @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) فلا حد لقدرته ، في كل ما يمكن أن ~~تتعلق به القدرة في كل الأشياء. # * * * PageV19P079 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) @QUR@022 يا أيها الناس اذكروا نعمت الله ~~عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون (3) @QUR@011 وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع ~~الأمور (4) @QUR@015 يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ما يفتح ): ما يعطي. # ( @QUR@01 تؤفكون ): تصرفون عن الحق إلى الباطل. # * * * PageV19P080 ### ||| ** هل من خالق غير الله؟ # ( @QUR@09 ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) لأن الكون بجميع ~~مواقع النعمة والرحمة فيه ، خاضع لقدرته المطلقة ، فليس لأحد من خلقه شيء ~~من ذلك إلا بإذنه ، فلا يستطيع أي منهم أن يغلق ms4396 أي باب من أبواب الرحمة ~~التي يريد الله أن يفتحها لخلقه. ( @QUR@07 وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) ~~لأنه المسيطر على ذلك كله ، فإذا أراد أن يحبس المطر عن الناس ، فليس لأحد ~~أن ينزله عليهم ، ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي يملك العزة كلها من ~~خلال ما يملكه من القوة كلها ، كما يؤكد الحكمة في حركة كل شيء في خلقه ، ~~لأنه المطلع على حقائق الأشياء في ما يصلحها ويفسدها ، القادر على تحريكها ~~تبعا لإرادته. # ( @QUR@07 يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم ) في كل حياتكم في ما ~~يختزنه وجودكم الداخلي من الأجهزة التي تحرك حياتكم في الاتجاه الذي يحقق ~~لكم الراحة والقوة والسعادة ، أو في ما يحيط بكم من قوى وظواهر وموجودات ~~مسخرة لكم في خصائصها وعناصرها التي تكفل لكم إمكانية الاستمرار في الحياة ~~من خلال تهيئة شروطها الضرورية ، فلا تكونوا في غفلة من ذلك ، وانفتحوا على ~~دلالاتها في موضوع العقيدة التوحيدية التي تفتح لكم أبواب الأفكار النافية ~~لكل شريك لله ، على أساس أن كل شيء مخلوق لله ، لتفكروا ( @QUR@09 هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ) فيمن تدعونه من الشركاء ، أو في ~~ما يزينه لكم الشيطان من ذلك كله. فقد أعطاكم الله الحواس الظاهرة والباطنة ~~، التي تميزون بها حقائق العقيدة والحياة وتتعرفون من خلالها على الحدود ~~الفاصلة بين الخالق والمخلوق. # ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فهذه هي الحقيقة الإيمانية التي يؤكدها العقل ~~والوجدان ، فلا مجال للشك فيها أو لإثارة الجدل حولها ، أو للانحراف عنها ~~في خط العقيدة والعبادة ، ( @QUR@02 فأنى تؤفكون ) وتعدلون ، على المستوى PageV19P081 # الاعتقادي والعملي ، عن خط الحق إلى الباطل. # ( @QUR@02 وإن يكذبوك ) يا محمد ، فلست أول الرسل الذين تكذبهم أممهم ~~بسبب الرواسب المتعفنة التي تكمن في العمق اللاشعوري من شخصياتهم ، وبفعل ~~الامتيازات الطبقية التي يخافون من الرسالات أن تحرمهم منها ، ولتبنيهم ~~الأفكار الخاطئة المتخلفة التي يحملونها في ذهنيتهم الجاهلة ، عن الرسالة ~~والرسول ، فلا تنفعل بذلك ، انفعالا ضاغطا على موقفك الرسالي في حركة ~~الدعوة ( @QUR@05 فقد كذبت رسل من قبلك ) ولم يسقطوا ولم يتراجعوا ms4397 ، بل ~~تابعوا الرسالة بما تفرضه من مواقف وتحديات ، بعيدا عن النتائج السلبية ، ~~لأنهم يعلمون أن انطلاق الرسالة في مواجهة التيار الفكري والعملي للمجتمع ~~الجاهلي ، يفرض التحديات والمواقف المضادة ، ويتطلب الصبر والصمود ~~والاستمرار في السير على الخط حتى يستنفدوا كل وسائلهم وأساليبهم وتجاربهم ~~في تحريك كل الخطوط التي يملكونها ، إلى أن يأتي الله بأمره ( @QUR@04 وإلى ~~الله ترجع الأمور ) فهو الذي يحكم بين عباده ، فيجزي المحسن بإحسانه ، ~~والمسيء بإساءته. # ( @QUR@07 يا أيها الناس إن وعد الله حق ) بما وعدكم من الثواب والعقاب ~~في الدار الآخرة ( @QUR@04 فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) فتخدعكم مظاهرها ~~وزخارفها وملذاتها وشهواتها وأطماعها ، وتشغلكم عن التفكير في عواقبها ~~السيئة ، العاجلة أو الآجلة ، فتمتدون بها في طول الأمل وغفلة العقل والروح ~~والضمير. # ( @QUR@04 ولا يغرنكم بالله الغرور ) الذي يغركم ويخدعكم فيهون عليكم ~~حقارة الذنوب ، ويوحي إليكم بأن الله غفور رحيم ، ويزين لكم المعصية ، ~~ويحبب إليكم الشهوة ، ويطول لكم الأمل ، فيؤدي بكم إلى الغفلة التي تؤدي ~~إلى الكفر والضلال. # * * * PageV19P082 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير (6) @QUR@013 الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) @QUR@025 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ~~فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله ~~عليم بما يصنعون ) (8) # * * * ### ||| ** الشيطان عدو الإنسان # ( @QUR@04 إن الشيطان لكم عدو ) لأنه يعيش العقدة المتأصلة في شخصيته ضد ~~آدم وولده ، من موقع الكبر والحسد ، اللذين تحولا إلى حالة من الحقد ~~العدواني ، فعمل على إخراج آدم وزوجه من الجنة ، وأعلن لله ، بعد أن أخذ ~~الوعد بالخلود في الدنيا ، بأنه سيمنع بني آدم من سلوك الطريق المستقيم ، ~~وسيستخدم كل وسائله في هذا السبيل ، وسيحيط بهم من كل الجهات حتى يحاصرهم ~~بأضاليله فلا يستطيعون هروبا منه ، وسيؤثر على مصالحهم في الدنيا ومصيرهم ~~في الآخرة ، ليحطم كل وجودهم الروحي والمادي المتوازن المنفتح PageV19P083 # على آفاق الله ، فأية عداوة أعظم من هذه العداوة؟ فلا تغفلوا عنه ، في ~~أية لحظة ، وفي أي موقع ، ولا ms4398 تتخذوه صديقا عند ما يزين لكم شهوات الحس ، ~~ويصور زخارف الحياة الدنيا ، لأن الصداقة والعداوة لا تخضعان لظواهر الأمور ~~التي تستلذها الحواس ، بل تخضعان لبواطنها ونتائجها ، بما تختزنه الروح ~~ويرضى به العقل. فإذا عرفتم هذه العداوة المعقدة ( @QUR@02 فاتخذوه عدوا ) ~~وتعاملوا معه باليقظة المنفتحة على كل ما حولكم ومن حولكم ، كي لا ينحرف ~~بكم عن الخط المستقيم ، ولا تهتز مشاعركم أمام ما يبثه من عناصر الإثارة ، ~~ولا تسقط مواقفكم ، عند ما يوحي بالانحراف والضلال. وحاولوا أن تدرسوا ~~النتائج الأخيرة التي تنتهي إليها كل مخططاته وإيحاءاته ، في كل ما يدعو ~~إليه ، ( @QUR@03 إنما يدعوا حزبه ) من كل هذه الجماعات التي تطيعه وتخضع ~~له ، وتنفذ كل خططه ( @QUR@04 ليكونوا من أصحاب السعير ) من خلال ما يقودهم ~~إليه من الأعمال التي يستحقون بها عذاب النار. # ( @QUR@02 الذين كفروا ) من هؤلاء الذين أضلهم الشيطان وانحرفوا في ~~التصور والعقيدة ، ( @QUR@03 لهم عذاب شديد ) على كفرهم الذي لم ينطلقوا ~~فيه من حجة ، ولم يرتكزوا فيه على قاعدة ( @QUR@06 والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ) لأخطائهم بعد أن تراجعوا عنها ، وهم في رضوان الله ( ~~@QUR@02 وأجر كبير ) على ما قاموا به من الأعمال الصالحة والجهاد الكبير. # * * * ### ||| ** أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # ( @QUR@05 أفمن زين له سوء عمله ) من هؤلاء الذين يستغرقون في الخط الذي ~~يلتزمونه ، بما يختزنه من فكر أو تصور ، ويتمسكون بما يرثونه من أفكار ، PageV19P084 # فيضيفون إليها الكثير من مشاعرهم الذاتية أو مصالحهم الخاصة ، مما يكسبها ~~بعض الإشراق والجمال والحلاوة ، الأمر الذي يبعد هؤلاء عن رؤية الفكر الآخر ~~والخط الآخر ، ولا شك أن مثل هذا الاستغراق الشامل ، يمنع الإنسان من أن ~~يحتمل أي فكر غير صحيح ، وهذا يجعله يرى العمل السيئ المملوء بالعناصر ~~السيئة بأفضل صورة ، وهكذا نلمح من خلال ذلك الإنسان الضال الذي زين له ~~عمله من خلال استغراقه فيه بسبب ضيق الأفق أو التزيين المنحرف من شياطين ~~الإنس والجن ، ( @QUR@02 فرآه حسنا ) فلم يقبل أي نقد ، ولم يتقبل أية ~~مناقشة ، بل قد يتعقد من الناقدين لعمله أو لفكره ، فيرى فيهم الأعداء ms4399 ~~الذين يبغضونه ويكيدون له ، ولذلك فإنه لا يرضى بالاستماع إليهم مهما كانت ~~الأمور ، ومهما كانت درجتهم من العلم والمعرفة والصلاح. # * * * ### ||| ** ليكن لكم الأفق الرحب # وهذا ما ينبغي للعاملين في حقول التوعية الإسلامية ، أو في مجالات العمل ~~السياسي والاجتماعي ، أن يفكروا فيه ، ويثيروه في ساحات عملهم ، وفي مواقع ~~فكرهم ، ليبقى للإنسان الأفق الرحب الذي يلاحق الاحتمال المضاد على ~~الصعيدين الفكري والعملي ، ولو في دائرة الوهم ، ليدرس فكره من خلاله ، ~~ويناقش موقفه على أساسه ، ويسمح للآخرين أن يواجهوه بذلك بما يملكونه من ~~وجهة نظر متصلة بالخط الفكري والعملي الذي يلتزمه في حياته. # * * * PageV19P085 ### ||| ** النظرية الإسلامية في النقد الذاتي # ما تقدم هو الأساس في النظرية الإسلامية التي تؤكد على محاسبة النفس ~~ومراقبتها في حركة النقد الذاتي ، في داخل الفرد أو المجتمع ، من أجل أن ~~يبقى الإنسان سائرا في خط التكامل الأخلاقي والفكري الذي يدرس دائما نقاط ~~الضعف والقوة في شخصيته ، ليقوم بعملية المقارنة بينها ، ليقلل من نقاط ~~الضعف إذا لم يستطع أن يلغيها ، ويكثر من نقاط القوة ما أمكنه ذلك ، وهذا ~~ما ألمحت إليه الأحاديث التي تتحدث عن أن نفس المؤمن ظنون عنده ، وأنه ~~ينبغي أن لا يخرج المؤمن نفسه من حد التقصير. # وهكذا تحدثت الآية في معرض التساؤل عن الذي زين له سوء عمله فرآه حسنا ، ~~لتستثير في الذهن صورة الفريق الآخر الذي عرف عمله في طبيعته الواقعية ~~وحجمه الطبيعي ، فرآه كما هو ، فيرى السيئ سيئا والحسن حسنا في ميزان ~~التقييم الواقعي للأشياء ، وليعرف الإنسان أنهما لا يستويان عند الله ، لأن ~~الأول يتخبط في وحول الضلال ، بينما ينطلق الثاني في الطريق المستقيم ~~المنفتح على هدى الله. # * * * ### ||| ** عدم التحسر على القوم الكافرين # ( @QUR@05 فإن الله يضل من يشاء ) من خلال ما أودعه الله في الحياة من ~~أسباب الضلال التي يختارها الإنسان ( @QUR@03 ويهدي من يشاء ) بتهيئته ~~أسباب الهدى التي يوفق الإنسان للأخذ بها من موقع الإرادة الواعية المنفتحة ~~على الخير كله PageV19P086 # وعلى الحق كله. # ( @QUR@05 فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) في ما تعيشه من الرحمة الروحية ~~والعاطفة ms4400 القلبية ، إزاء هؤلاء الذين ينطلقون في خط الضلال باختيارهم ، ~~لأنهم لم ينفتحوا على الهدى النازل من الله ، ولأنهم سيواجهون غضبه وسخطه ~~وعقابه يوم القيامة ، فلا تعش الغم والهم وحسرة الروح عليهم ، لأن القوم هم ~~الذين اختاروا لأنفسهم هذا المصير عند ما تمردوا على الله ، وهم قادرون على ~~الانسجام مع وحيه والطاعة لرسله ، والالتزام برسالته ، فلا يستحقون رأفتك ~~واهتمامك. # ( @QUR@05 إن الله عليم بما يصنعون ) فهو المطلع عليهم في كل ما فكروا به ~~وما قالوه وعملوه ، مما يستحقون به الكثير من عقابه ، فلا يعاقبهم إلا ~~بالحق ، ولا يجازيهم إلا به. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي الآية؟ # وقد نستوحي من هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعيش الحزن ~~الرسالي في نفسه ، لابتعاد هؤلاء عن الإيمان وخروجهم بذلك عن مواقع رحمة ~~الله ، مما ينعكس سلبا على مصيرهم في الآخرة ، فكانت هذه الآية ، من أجل أن ~~لا يثقل ذلك قلبه الكبير ، عبر الإيحاء له بأن الحزن على الناس الضالين ، ~~قد يكون حالة إنسانية عميقة طاهرة تدل على الغنى الإنساني في العاطفة لدى ~~الإنسان الداعية ، ولكن هؤلاء ليسوا في هذا المستوى الجدير بالعطف ، لأنهم ~~كانوا في موقع الإساءة المتعمدة إلى الله وإلى أنفسهم وإلى الحياة بعد أن ~~قامت الحجة عليهم في ذلك كله. # * * * PageV19P087 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) @QUR@024 من كان يريد العزة ~~فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون ~~السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) @QUR@034 والله خلقكم من ~~تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يبور ): من البوار وهو الهلاك. # ( @QUR@01 أزواجا ): أصنافا ذكورا وإناثا. # ( @QUR@01 معمر ): من طال عمره. # * * * PageV19P088 ### ||| ** إحياء الله الأرض بالماء # ( @QUR@06 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ) وفق ما أودعه الله في ~~القانون الطبيعي لتكون السحاب المثقل بالماء ms4401 ( @QUR@04 فسقناه إلى بلد ميت ~~) في عملية توزيع الوظائف الكونية للموجودات حسب مقتضى الحكمة الإلهية في ~~الرزق في جانبي الخصب والجدب في الأرض ، حيث يريد الله أن يرزق بعض البلاد ~~أو يحرمها منه ، فيحيي أرضا بعد موت ، كما يبقي أرضا على موتها الزراعي ، ~~فلا تنبض فيها حياة البذور ولا تتفتح فيها الثمار ، فللأرض موت وحياة كما ~~هو الإنسان في موته وحياته ، وهكذا يحيي الله الأرض بعد أن تموت بسبب ~~الجفاف ، أو بسبب آخر ( @QUR@05 فأحيينا به الأرض بعد موتها ) فيكون في ذلك ~~بعث جديد للحياة في الأرض ، فتتولد الحياة في البذور ويهتز النبات ، مما ~~يوحي بفكرة البعث بطريقة حسية يمكن للإنسان أن يستشرف منها المعنى العميق ~~في إمكانية بعث الحياة بعد الموت في الإنسان ، و ( @QUR@02 كذلك النشور ) ~~فهو الصورة الحية للإحياء الطبيعي المتحرك بقدرة الله في الأرض التي توحي ~~بإمكان صورة مماثلة لإحياء الإنسان بعد الموت ، لأن الموت هو الموت ، ~~والحياة هي الحياة ، من دون فرق بين الأشياء في ذلك كله. # وهذا الذي يمثل قدرة الله وسيطرته على عمق الحياة في الكون كله في عالم ~~الإيجاد وعالم البعث ، مما يجعل الأمور كلها مرتبطة به وخاضعة له ، ~~باعتباره المصدر الوحيد للقوة على مستوى حركة الجسد والروح في الجانب ~~المادي أو المعنوي ، فلا قوة لأي مخلوق في ذاته ، وهذا ما تريد الآية ~~التالية أن تؤكده وتثيره أمام الكثيرين من الناس الذين يعبدون غير الله ~~ويرتبطون به ، ويتركون طاعة الله وعبادته ، طلبا للعزة التي يملكها هؤلاء ~~الشركاء المزعومون ، في ما يملكون من قوة ومال وجاه وسلطان ، في استغراقهم ~~في الجانب الحسي المباشر ، وابتعادهم عن الوعي العميق النافذ إلى حقائق ~~الأشياء. PageV19P089 ### ||| ** العزة لله جميعا # ( @QUR@04 من كان يريد العزة ) بما تفيده من القوة المادية والمعنوية ~~التي تثبت المواقع في الحياة والناس بشكل صلب لا يهتز ولا يغلب ولا يقهر ، ~~( @QUR@03 فلله العزة جميعا ) فهو الذي يملك كل مواقع القوة في الأرض ~~والسماء ، فله كل شيء ، ولا يملك أحد معه شيئا ، فكل الأشياء خاضعة له ، ~~بتكوينها الذاتي الذي يستمد ms4402 قوته منه وحده ، ولا استمساك لشيء في مواقع ~~الثبات والصلابة إلا به. فمن طلب القوة فليطلبها منه ، ومن طلب العزة ~~فليطلبها منه ، لأن من اعتز بغير الله ذل ، لأن عزة الحق بذاته ، وعزة غيره ~~به ، فلا معنى لأية عزة إلا من خلال قدرته. # وهذه هي الروح التي يريد الله للناس المؤمنين أن يعيشوها في داخلهم بعمق ~~ووعي وإيمان ، ولا يتسنى لهم ذلك إلا في التفكير الدائم بعظمة الله ومواقع ~~قدرته في رحاب الأرض والسماء ، وفي تكوين الإنسان وسيطرته المطلقة عليه ، ~~مما يجعلهم يحتقرون غير الله عند ما يستشعرون عظمته سبحانه وتعالى ، كما ~~قال الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام في صفة المتقين : «عظم الخالق في ~~أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم» (1)، لتتوازن عندهم العقيدة ، وتستقيم لهم ~~حركة الإيمان في الحياة. ويتحرك التوحيد في شعورهم الداخلي ، وفي الممارسة ~~العملية ، لأن قضية التوحيد تختزن في داخلها ارتباط تفاصيل الحياة بالله ، ~~تماما كما هي الحياة التي ترتبط في تكونها بالله ، وهذا ما استوحاه الإمام ~~علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في دعائه في الانقطاع إلى الله : ~~«اللهم إني أخلصت بانقطاعي إليك ، وأقبلت بكلي عليك ، وصرفت وجهي عمن يحتاج ~~إلى رفدك ، وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك، PageV19P090 # ورأيت أن طلب المحتاج إلى المحتاج سفه من رأيه وضلة من عقله ، فكم قد ~~رأيت يا إلهي من أناس طلبوا العز بغيرك فذلوا ، وراموا الثروة من سواك ~~فافتقروا ، وحاولوا الارتفاع فاتضعوا ، فصح بمعاينة أمثالهم حازم ، وفقه ~~اعتباره وأرشده إلى طريق صوابه باختباره ، فأنت يا مولاي دون كل مسئول موضع ~~مسألتي ، ودون كل مطلوب إليه ولي حاجتي ، أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتي ، ~~لا يشركك أحد في رجائي ، ولا يتفق أحد معك في دعائي ، ولا ينظمه وإياك ~~ندائي ..». # وهكذا نجد أن الله يريد أن يعمق الشعور بالحاجة إليه وحده ، لينطلق ~~المؤمن في الحياة مرتبطا به ، فيكون قويا وعزيزا بالله ، معتقدا بأن هؤلاء ~~الذين قد يغرونه باستمداد العزة منهم ، يستمدون العزة من الله ، فينطلق إلى ~~أهدافه بكل ms4403 قوة وطمأنينة ، فلا تكون العزة مجرد شعور طارئ يذهب لدى أية ~~صدمة ، أو أية وحشة في حركة العناصر الطارئة للقوة في حياته. # * * * ### ||| ** قبول الله الكلم الطيب والعمل الصالح # ( @QUR@04 إليه يصعد الكلم الطيب ) الذي يحمل في مضمونه الحق في العقيدة ~~، وفي المفهوم الكلي لقضايا الحياة ، وفي مفاهيم المفردات الجزئية لتفاصيل ~~الواقع ، فإن الله يتقبل الكلام الطيب المعبر عن روحية الإنسان ، المنطلق ~~من مواقع الصدق في فكره وشعوره وموقفه ، ويعطي الإنسان أجره على ذلك. وهذا ~~ما توحي به كلمة الصعود إليه ، فهي كناية عن قبول الكلام الذي يتحرك في ~~الحياة ليؤكد الحق ، وليثير فيها ما ينفع الناس ويستقيم بهم في نهج العقيدة ~~والعمل الصالح. PageV19P091 # ( @QUR@03 والعمل الصالح يرفعه ) إليه ، لأن العمل لا يبقى في الأرض ~~ليكون مجرد حركة تنطلق في نشاط الناس ثم تموت في ذهاب الصورة وغياب الزمن ، ~~بل يرتفع إلى الله ، بما فيه من نفع للإنسان والحياة في معناه الإيماني ، ~~وغايته التوحيدية ، وروحيته الإنسانية الرسالية المتعلقة بالله ، الخاضعة ~~له. فالإنسان يكون عزيزا عند الله ، بمقدار ما يكون طيبا في كلامه ، صالحا ~~في عمله ، وهو ما يجعله في مواقع القرب لديه ، لينال بذلك الحظوة عنده. # * * * ### ||| ** جزاء الذين يمكرون السيئات # ( @QUR@06 والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ) جزاء على معاصي الله في ~~حياتهم وحياة الآخرين سواء بارتكاب هذه المحرمات أو بظلم الآخرين من خلالها ~~، وبذلك ينطلق تفكيرهم في اتجاه إثارة الحيل الخفية والظاهرة ضد سلامة ~~الحياة لينحرفوا بها عن خط الرسالات المستقيم الذي يدعو الإنسان إلى ~~الانطلاق مع الله في كل شيء ، ولهذا كان عذابهم شديدا ، بمقدار النتائج ~~السلبية التي يتمخض عنها مكرهم وضلالهم ، ( @QUR@04 ومكر أولئك هو يبور ) ~~فلا يبقى منه شيء ، لأنه لا يملك عمقا في معنى الحياة الباحثة عما يحقق لها ~~النتائج الإيجابية بفعل الحق الكامن في وجودها ، مما يجعل من الباطل حالة ~~طارئة قد تكتسب القوة من بعض الظروف والقوى المتحركة حولها ، ولكنها سرعان ~~ما تموت وتتبخر أمام قوة الحق القادمة من الله. # * * * PageV19P092 # ( @QUR@04 الله خلقكم من تراب ) # ( @QUR@04 والله خلقكم من تراب ms4404 )، فآدم الذي تناسل الخلق منه هو من تراب ~~، أو أن مصدر النطفة من الغذاء كان ترابا فتحول إلى دم ، ( @QUR@03 ثم من ~~نطفة ) تحمل في داخلها سر الحياة بقدرته ، ( @QUR@03 ثم جعلكم أزواجا ) ~~فخلق من هذه النطفة التي لا تتميز بشيء في شكلها ، ذكورا وإناثا ، وقيل : ~~أصنافا بيضا وسودا ، وربما كان المراد الزوجية من كل الجهات. فهو الذي خلق ~~ذلك كله ، وهو المسيطر على حركة الخلق كله ، وهو المحيط بكل تفاصيله. ( ~~@QUR@08 وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) فهو الذي حدد للحمل سره ~~ووقته ، وهو الذي وضع له قانون النمو والتكامل حتى يحين موعده الذي يحيط به ~~بعيدا عن كل الأسباب المادية التي قد يطلع عليها بعض عباده ، فيعلمون ما ~~أراد لهم أن يعلموه. # ( @QUR@04 وما يعمر من معمر ) يطيل به العمر الذي قد يمتد إلى زمن طويل ~~يصل إلى الشيخوخة ، ( @QUR@04 ولا ينقص من عمره )، بحيث ينتهي في وقت مبكر ~~، كما في وقت الصبا أو الشباب ( @QUR@03 إلا في كتاب ) الظاهر أن المراد به ~~الكناية عن علم الله ، باعتبار أن الكتاب يمثل مستودع العلم ، وربما كان ~~المراد به اللوح المحفوظ الذي كتب فيه آجال الخلق التي لا تتغير ، ( ~~@QUR@05 إن ذلك على الله يسير ) لأن قدرة الله تتناول الكليات والجزئيات ~~بما يدبره الله منها بكل دقة وإتقان ، كما أن علم الله الذي لا حد له يحيط ~~بذلك كله ، لأن خالق الأشياء لا بد من أن يحيط بها في كل مجال. # * * * PageV19P093 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن ~~كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا ~~من فضله ولعلكم تشكرون (12) @QUR@028 يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) @QUR@018 إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك ~~مثل خبير ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عذب ): حلو لذيذ. # ( @QUR@01 سائغ ): سهل المرور في ms4405 الحلق. # ( @QUR@02 ملح أجاج ): شديد الملوحة. PageV19P094 # ( @QUR@01 مواخر ): جمع ماخرة. مخرت السفينة إذا جرت. # ( @QUR@01 قطمير ): قشر رقيق على نوى التمر. # * * * ### ||| ** آيات الله ودلائل التوحيد # ( @QUR@05 وما يستوي البحران هذا عذب ) حلو لذيذ ( @QUR@01 فرات ) بارد ~~يروي الظمأ ( @QUR@02 سائغ شرابه ) يسهل انحداره في الحلق لعذوبته ( ~~@QUR@03 وهذا ملح أجاج ) شديد الملوحة أو المرارة ( @QUR@05 ومن كل تأكلون ~~لحما طريا ) وهو السمك ، وقيل السمك والطير البحري ( @QUR@03 وتستخرجون ~~حلية تلبسونها ) من اللؤلؤ والمرجان والأصداف. وقد أثار المفسرون التساؤل ~~حول اختصاص اللؤلؤ والمرجان بالماء المالح ، وهو البحر ، فلا يوجد منهما ~~شيء في المياه الحلوة في الأنهار ، ولكن الظاهر وجودهما فيه كما ذكر في بعض ~~دوائر المعارف ، مع ملاحظة أن الحلية التي يتزين بها الناس لا تختص باللؤلؤ ~~والمرجان ، فربما تتحقق بغيرهما مما يستعمله الناس من ذلك. # ( @QUR@04 وترى الفلك فيه مواخر ) تجري فيه فتشق عباب الماء ( @QUR@03 ~~لتبتغوا من فضله ) في ما تتطلبونه من الرزق عن طريق البحر ( @QUR@02 ولعلكم ~~تشكرون ) على النعم التي يرزقكم الله إياها. # * * * ### ||| ** مع العلامة الطباطبائي في الميزان # وقد ذكر في تفسير الميزان أن في هذه الآية تمثيلا «للمؤمن والكافر PageV19P095 # بالبحر العذب والمالح يتبين به عدم تساوي المؤمن والكافر في الكمال ~~الفطري ، وإن تشاركا في غالب الخواص الإنسانية وآثارها ، فالمؤمن باق على ~~فطرته الأصلية ينال بها سعادة الحياة الدائمة ، والكافر منحرف فيها متلبس ~~بما لا تستطيبه الفطرة الإنسانية وسيعذب بأعماله ، فمثلهما مثل البحرين ~~المختلفين عذوبة وملوحة ، فهما مختلفان من حيث البقاء على فطرة الماء ~~الأصلية وهي العذوبة والخروج عنها بالملوحة ، وإن اشتركا في بعض الآثار ~~التي ينتفع بها ، فمن كل منهما تأكلون لحما طريا ، وهو لحم السمك والطير ~~المصطاد من البحر ، وتستخرجون حلية تلبسونها كاللؤلؤ والمرجان والأصداف» (1). # ونلاحظ على ما ذكره ، أن الظاهر من الآية ورودها في سياق الحديث عن آيات ~~الله الكونية في ما تمثله من دلائل التوحيد وعظمة القدرة ، ولا ظهور لها في ~~ما ذكره من خلال المضمون والسياق. # ( @QUR@015 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ) وهذه هي الظواهر ms4406 الكونية في حركة الزمن الذي ~~يعيش الإنسان في داخل حدوده ، حيث يقصر النهار أو يطول ، أو يقصر الليل ، ~~أو يطول. وحيث تتحرك الشمس والقمر في سير الزمن وفي حياة الإنسان ، وفق ~~النظام الكوني الذي أبدعه الله للحياة من خلالهما. ويستمر ذلك في عمق ~~القانون الطبيعي الذي لا يتغير ولا يتبدل ، ليكون دليلا على عظمة الخالق ~~وتوحيده وحكمته. # ( @QUR@03 ذلكم الله ربكم ) الذي تدعوكم الرسالات إلى الإيمان به وحده ، ~~لأنه وحده الذي يملك الأمر كله ، ويدبر الكون كله. ( @QUR@02 له الملك ) ~~فلا يملك غيره شيئا معه ( @QUR@04 والذين تدعون من دونه ) من هؤلاء الشركاء ~~المزعومين ( @QUR@04 ما يملكون من قطمير )، وهو القشر الرقيق على نوى التمرة PageV19P096 # كاللفافة لها ، وقيل : الحبة في بطن النواة ، وهو وارد على سبيل المبالغة ~~في فقرهم المطلق الذي لا يملكون معه شيئا ، حتى أحقر الأشياء وأقلها. ( ~~@QUR@05 إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ) لا يملكون السمع والوعي والشعور ، من ~~الأصنام والأوثان ونحوها ، ( @QUR@05 ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) لأنهم لا ~~يملكون القدرة على الاستجابة لما تطلبونه منهم من مسائل وحاجات ، فهم لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فكيف يملكون لغيرهم. ( @QUR@08 ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ) وهو الله الذي يعلم من أمورهم وأمور ~~الحياة ، ما لا يعلمه أحد. # * * * PageV19P097 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~(15) @QUR@06 إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) @QUR@05 وما ذلك على الله ~~بعزيز (17) @QUR@034 ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا ~~يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا ~~الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) @QUR@04 وما ~~يستوي الأعمى والبصير (19) @QUR@04 ولا الظلمات ولا النور (20) @QUR@04 ولا ~~الظل ولا الحرور (21) @QUR@016 وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع ~~من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) @QUR@04 إن أنت إلا نذير (23) ~~@QUR@012 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~(24) @QUR@013 وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير ms4407 (25) @QUR@07 ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ) (26) # * * * PageV19P098 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وزر ): الوزر : الذنب. # ( @QUR@01 مثقلة ): المثقلة : النفس التي أثقلتها الذنوب. # ( @QUR@01 يستوي ): استوى هذا وذاك أي هما سواء أو على سوية. # ( @QUR@01 الظل ): الفيء. # ( @QUR@01 الحرور ): الريح الحارة. # * * * ### ||| ** الفقراء إلى الله # ( @QUR@08 * يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ) بكل مفردات الفقر ~~ومعانيه ومواقعه ، لأنكم في حاجة إليه في وجودكم ، لأنه سبب الوجود ، وفي ~~استمراره بكل العناصر التي تؤمن ذلك في ما تتوقف عليه الحياة من عناصر ~~وشروط ، سواء في ذلك الأسباب المباشرة أو غير المباشرة ، فلا يمكن لكم أن ~~تتصوروا لحظة واحدة تعيشون فيها الغنى عن الله ، لأن حاجتكم إليه تتحرك في ~~مجرى الدماء في عروقكم ، وفي حركة الهواء في أنفاسكم ، وفي طبيعة الأجهزة ~~المختلفة التي تتحرك وفق تدبير الله في أجسادكم ، وفي كل شيء يحيط بكم ~~ويعيش معكم ، ( @QUR@04 والله هو الغني الحميد )، فهو الغني بذاته ~~لاستغنائه عن كل شيء ، لأنه خالق كل شيء ، وهو المحمود في كل أفعاله ~~وصفاته. # ( @QUR@06 إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) وهذا هو المظهر الحي لغناه ~~عنكم وحاجتكم إليه ، فإذا تعلقت إرادته بزوالكم من الوجود كله ، فلم يبق منكم PageV19P099 # أحد ، فلن ينقص من ملكه شيء ، لأنكم لا تمثلون شيئا ، ولن تنتهي قدرته ~~وملكه بزوالكم ، فهو القادر على أن يخلق خلقا جديدا مثلكم ، أو أعظم منكم ، ~~من دون أن يكلفه ذلك جهدا ، ومن دون أن يزيد ذلك في غناه ، ( @QUR@05 وما ~~ذلك على الله بعزيز ) لأن قدرته تتسع لكل شيء ، فلا يعجزها أي شيء. # ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) فلا يحمل شخص أثقال ذنوب شخص آخر ، ~~ولا يحاسب البريء بذنب المجرم تحت تأثير أية علاقة من قرابة أو صداقة أو ~~غيرهما ، ما لم يكن له دخل في جريمته ، وهذا هو الذي يعامل الله به عباده ~~يوم القيامة ، على أساس الفردية في المسؤولية في التبعة والجزاء ، مما يفرض ~~على الناس أن يحسبوا حساب ذلك في أعمالهم ، وأن يطمئنوا لموقفهم غدا أمام ~~ربهم ، لأن الله لن يعاقبهم على ما قام به الآخرون من جرائم ms4408 ، ( @QUR@013 ~~وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) فلا ينفع أحد ~~أحدا في ما تعنيه العلاقات الإنسانية ، لأن كل شخص مشغول بنفسه ، مهتم بما ~~يحمله من أثقال ذنوبه ، فلا مجال لديه للاهتمام بثقل غيره ، ولهذا فلا بد ~~لكل إنسان من مواجهة مسئوليته بالمستوى الذي يشعر فيه بأنه لا علاقة له ~~بأحد ، فلا يحمل مسئولية أحد ، ولا يحمل أحد مسئوليته. # ( @QUR@06 إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ) من موقع الإيمان المنفتح ~~على الغيب ، وذلك عبر الانفتاح على النوافذ التي يطل منها على حقيقته ، في ~~ما يؤدي إليه العقل وتقود إليه الفطرة ، ويتفاعل معه الوجدان في استبصار ما ~~تدركه وسائل الحس من آثار تنفتح على آفاق الغيب الذي يلتقي بالله والوحي ~~واليوم الآخر ، ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) التي تعبر روحيا وحركيا عن ~~فعالية هذا الإيمان في خضوعه لله ، وخشوعه أمام ذكره ، فهؤلاء هم الذين ~~يفتحون قلوبهم للآيات التي تثير الشعور بالخوف الإيماني من عقاب الله ، ~~فيدعوها ذلك إلى الانضباط في دائرة أوامره ونواهيه ، وهؤلاء هم الجادون في ~~مسألة المصير ، وقضية PageV19P100 # المسؤولية ، ولذا فإنهم يلاحقون كل ما يدلهم على مواقع النجاة ، ويجنبهم ~~مواطن الهلاك. # ( @QUR@05 ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) لأن النتائج الإيجابية في رضوان ~~الله ورحمته ونعيمه في الدار الآخرة لن يعود نفعها إلى النفس الزاكية التي ~~تنعم بذلك العطاء الإلهي في نعيم الروح والجسد فحسب ، ولا تقتصر النعمة على ~~الدار الآخرة في ما يعود إلى الإنسان المؤمن من منافع ، بل يجد في الدنيا ~~الكثير مما يصلح أمره ويبعده عن الفساد ، من خلال التشريع الذي لا يأمره ~~إلا بمصلحة ، ولا ينهاه إلا عن مفسدة. ( @QUR@03 وإلى الله المصير ) حيث ~~يجتمع الناس لديه فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، ويعفو عمن ~~يستحق العفو ، ويرضى عمن يشاء الرضى عنه. # * * * ### ||| ** وما يستوي الكافر والمؤمن # ( @QUR@03 وما يستوي الأعمى ) الذي لا يبصر طريقه مما يجعله ضائعا متخبطا ~~بين الدروب الملتوية والمسدودة ، ( @QUR@01 والبصير ) الذي يفتح عينيه على ~~مواقع النور التي تدله على الطريق المستقيم الذي يصل به إلى الهدى ms4409 ، ( ~~@QUR@02 ولا الظلمات ) التي تطبق على الكون فتمنع الكائنات من رؤية ما ~~حولها ، ( @QUR@02 ولا النور ) الذي ينير بإشراقه كل المواقع ، فيمنح ~~الكائنات وضوح الرؤية للأشياء ، ( @QUR@02 ولا الظل ) الذي يعطي الناس ~~الشعور بالبرودة التي تقيهم من لفح الهجير ، ( @QUR@02 ولا الحرور ) الذي ~~هو شدة حرارة الشمس ، وقيل هو السموم. ( @QUR@03 وما يستوي الأحياء ) الذين ~~تتحرك الحياة في كل عروقهم فتحرك فيهم الحس والشعور ، ( @QUR@02 ولا ~~الأموات ) الذين تحولوا إلى جماد لا أثر للحياة فيه ، فلا يحسون بشيء ولا ~~يعقلون شيئا. PageV19P101 # وهكذا توحي هذه الكلمات المتقابلة ، والموجودات المختلفة ، بما يماثلها ~~في الوجود الإنساني وبما حوله ، فالأعمى يماثل الكافر ، والبصير يماثل ~~المؤمن ، لأن الكفر ضياع وتخبط وانحراف ، أما الإيمان فهو استقامة وهدى ~~واطمئنان ، والظلمات هي شبهات الكفر وأضاليله وأوهامه والنور هو الإسلام ~~بعقيدته وشريعته ونهجه السوي ، والظل هو الجو الروحي الوديع المنعش الذي ~~يوحي بالدعة والسكينة ، والحرور هو الشهوات المحرقة التي تتحول إلى لهيب ~~يحرق الحياة في داخل النفس ، والأحياء هم المؤمنون المسلمون الذين فتحوا ~~عقولهم وأسماعهم وأبصارهم على كلام الله ، وتحركوا في الاتجاه السليم الذي ~~ينطلق منه ويرجع إليه ، والأموات هم الذين تجمدت عقولهم ، وتحجرت مشاعرهم ، ~~فلم يلتقوا بالروح الإيمانية التي تتحرك في آفاق الوحي ، لأنهم لا يعيشون ~~نبض الحياة الشاعرة في أعماق ذواتهم ، لذا لا بد للإنسان ، أن يستوحي ~~المعنى من الكلمة ، والروح من المادة ، والفكرة من حركة الحياة. # ( @QUR@05 إن الله يسمع من يشاء ) حيث يفتح القلوب والأسماع على كلماته ، ~~ويحيي القلوب بعد موتها بالإيمان ، فيقيم عليها الحجة ، ويهديها الصراط ~~المستقيم. وهكذا نجد أن المؤمنين وحدهم هم الذين يسمعون ويعقلون ، أما ~~غيرهم فهم كالأموات لا يسمعون شيئا ولا يعقلون ، لأنهم جمدوا أسماعهم عن ~~الاستماع إلى كلام الله ، وأماتوا حياة قلوبهم فلم تهتد إلى وحي الله ، ( ~~@QUR@06 وما أنت بمسمع من في القبور ) وهم الكفار الذين طبع الله على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون. # ( @QUR@04 إن أنت إلا نذير ) فتلك هي مهمتك الأولى والأخيرة ، أما ~~الهداية بالوسائل غير العادية التي تقتحم فيها قلوبهم بطريق المعجزة ، أو ~~تفتح فيها أسماعهم ms4410 بطريق القهر ، أما هذا ، فليس من مهمتك ، ولذلك فلا مجال لأن PageV19P102 # تتعقد من ضلالهم بعد أن أخذوا بأسباب الضلال ، وابتعدوا عن أسباب الهدى ~~والإيمان. # ( @QUR@04 إنا أرسلناك بالحق بشيرا ) بثواب الله لمن أطاعه ، ( @QUR@01 ~~ونذيرا ) بعقاب الله لمن عصاه ، ( @QUR@07 وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) ~~لأن الله لم يترك أحدا من خلقه إلا وقد أقام عليه الحجة من خلال المنذرين ~~الذين يرسلهم إلى الناس كافة ، ولكن قد تقف الحواجز والموانع التي تمنعهم ~~من الوصول لإبلاغ الرسالة إلى الناس كافة ، مما يضعه المستكبرون أمامهم من ~~حواجز ، فمن بلغته الرسالة فقد قامت عليه الحجة ، ومن لم تبلغه الرسالة كان ~~من المستضعفين الذين وكلهم الله إليه ، ( @QUR@07 وإن يكذبوك فقد كذب الذين ~~من قبلهم ) من الأمم الماضية ( @QUR@03 جاءتهم رسلهم بالبينات ) من الآيات ~~المعجزة ، والدلائل الواضحة ( @QUR@01 وبالزبر ) المتضمنة لذكر الله ( ~~@QUR@02 وبالكتاب المنير ) الذي يتضمن شرائع الله ، كما يتضمن المفاهيم ~~الكلية للعقيدة ، ( @QUR@04 ثم أخذت الذين كفروا ) بذلك كله ، وكذبوا ~~الأنبياء ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) أي فكيف كان عذابي الذي يمثل التجسيد ~~الحي للإنكار عليهم. # * * * PageV19P103 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) @QUR@017 ~~ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء إن الله عزيز غفور ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جدد ): جمع جدة ، وهي الطريق والجادة من الألوان المختلفة. # ( @QUR@01 وغرابيب ): جمع غربيب ، الشديد السواد. # * * * ### ||| ** قدرة الله المبدعة # ( @QUR@013 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ) فمن أين جاء PageV19P104 # اختلاف ألوان الثمرات ما دام العنصر المائي الذي هو أقوى العوامل في ~~نموها وتكونها واحدا؟ وكيف حدث التنوع من موقع الوحدة؟ وإذا كانت العوامل ~~الأخرى المؤثرة فيها مختلفة في العناصر الكامنة في ذاتها ، فيبقى السؤال عن ~~السر الكامن وراء اختلاف تلك العناصر ، لكن الجواب الذي يلاحق السؤال في كل ~~مواقعه لا يمكن أن يقتصر في رد السبب إلى الوحدة الكامنة في أعماق المادة ، ~~فرد الاختلاف في الألوان إلى جانب ms4411 الاختلاف في الأشكال وغيرها يتمحور حول ~~الله الذي أبدع ذلك كله بقدرته ، فهي التي تفسر الحقيقة في عمق أسبابها ، ~~فالأسباب المباشرة تلامس السطح ، وتبقى تبحث عن العمق ، ( @QUR@09 ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) فها نحن نجد الجبال في ~~أشكالها وألوانها أو في طرائقها تتنوع بين ألوان بيض وحمر وسود شديدة ~~السواد ، وهذا هو معنى الغرابيب ، ( @QUR@06 ومن الناس والدواب والأنعام ~~مختلف ألوانه ) من اللون الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ، كما هي الثمرات ~~والجبال ، فكيف تنوعت هذه الألوان؟ ومن أين جاء هذا التنوع؟ # ( @QUR@01 كذلك ) خلق الله التنوع الذي يدل على عظمته وسر إبداعه وامتداد ~~قدرته ، مما يفرض على الناس أن يفكروا فيه ويتأملوه ، ويختزنوه في عقولهم ~~فكرا ، وفي قلوبهم شعورا وحركة في العبادة تعبر عن الالتزام العملي ~~بالإيمان بالله ، فإن النفس لا تعيش الخوف والرهبة والانقياد إلا من خلال ~~شعورها بالعظمة لمن تخافه ، أو تنقاد له. # * * * ### ||| ** خشية العلماء من الله # ( @QUR@06 إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فهم الذين استطاعوا بعلمهم أن PageV19P105 # يربوا خشية الله في قلوبهم عند ما عرفوا الله بصفاته وأفعاله ، معرفة ~~تامة لا يقترب إليها الريب ، ولا يعتريها الشك ، فعاشوا الخشوع بين يديه ، ~~والتزموا بشريعته ، وانقادوا لرسله. # وهكذا نجد أن القرآن يؤكد على عنصر العلم والمعرفة ، كسبيل من سبل الوصول ~~إلى الالتزام العملي في خط الخشية لله ، ليعرفنا بأن العبادة مع المعرفة ، ~~تمثل القيمة الروحية الكبيرة عند الله ، فلا ترقى إليه العبادة بدون ~~المعرفة ، حتى لو زادت درجة الكم في هذا الجانب ، لأن الأساس هو الكيف ~~والنوع ، وهو ما يشكل عمق العبادة ، بما تعيشه النفس من عمق الخوف من الله ~~، والحب له. # ( @QUR@04 إن الله عزيز غفور ) فلا يأمن العبد منه ولا يجد مهربا من ~~سطوته ، بفعل عزته التي لا تقهر ، ولا ييأس من رحمته ، بفعل مغفرته التي ~~يرجوها الخاطئون. # * * * PageV19P106 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) @QUR@08 ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله إنه غفور شكور (30) @QUR@016 والذي أوحينا إليك من ms4412 الكتاب هو الحق ~~مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) @QUR@021 ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) @QUR@013 جنات عدن يدخلونها ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) @QUR@011 وقالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) @QUR@014 الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) ~~@QUR@018 والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم ~~من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) @QUR@019 وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم PageV19P107 # @QUR@06 النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) @QUR@010 إن الله عالم ~~غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور ) (38) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عدن ): إقامة. # ( @QUR@02 دار المقامة ): دار الخلود وهي الجنة. # ( @QUR@01 نصب ): تعب الجسم. # ( @QUR@01 لغوب ): تعب النفس الناشئ عن تعب الجسم. # * * * ### ||| ** مصير المؤمنين يوم القيامة وجزاؤهم # ( @QUR@05 إن الذين يتلون كتاب الله ) ليستوعبوا معانيه في عقولهم ~~وقلوبهم ، ويبنوا شخصياتهم على قاعدة مفاهيمه ، ويحركوا حياتهم في خط آياته ~~، ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) ليعيشوا الحضور القلبي الدائم مع الله ، ~~وليعبروا بحركات أجسادهم عن خشوعهم له وانقيادهم إليه وانسحاقهم بين يديه ، ~~( @QUR@05 وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) ليكون ذلك هو المعنى العميق ~~للشكر على نعمة الله ، والالتزام بالوظيفة الإلهية التي جعلها الله للمال ~~الذي رزقهم إياه في إنفاقه على أنفسهم وعلى المحرومين من عباده ، ( @QUR@04 ~~يرجون تجارة لن تبور ) لن تخسر ، لأنها التجارة التي يحصل الإنسان من ~~خلالها على رضوان الله الذي يتجسد في PageV19P108 # نعيمه في الدار الآخرة ، وهي التجارة الباقية الخالدة. # ( @QUR@02 ليوفيهم أجورهم ) على ما عملوه من الصالحات ، ( @QUR@03 ~~ويزيدهم من فضله ) الذي يضاعف به الحسنات ويرفع به الدرجات ( @QUR@03 إنه ~~غفور شكور ) يغفر للمؤمنين الخاطئين ذنوبهم ، ويشكر لهم التزامهم الإيماني ~~والعملي. # ( @QUR@07 والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق ) الذي يحمل في داخله ~~دلائل صدقه ، مما يفرض على المسلمين أن يتأملوه ويتدبروه ليكتشفوا مواقع ~~القوة في ms4413 فكره وشريعته ومنهجه في الحياة ، ليزدادوا بذلك إيمانا ويقينا ، ~~لأن الإيمان الذي يتحرك في دائرة الوجدان الفطري ، قد يكون بحاجة إلى إيمان ~~يتحرك في دائرة الوجدان العلمي الفكري الذي يستطيع أن يواجه الموقف الصعب ~~في ساحات الصراع ، ليكون هناك فكر يواجه فكرا ، لا عاطفة تواجه فكرا أو ~~عاطفة ، وبهذا يثبتون للآخرين بأن هذا الكتاب هو وحي الله الحق الذي يحتوي ~~خلاصة الكتب الرسالية التي أنزلها الله على رسله من قبله ، فكان ( @QUR@04 ~~مصدقا لما بين يديه ) في ما يتمثل فيها من مفاهيم التوحيد والعدل ، والقيم ~~الروحية التي تبني للإنسان روحه وحياته على أساس توحيد الله وتقواه ، ~~وتشريع إضافي احتاجته البشرية في ما استقبلته وما تستقبله من أيامها في عهد ~~رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@05 إن الله بعباده لخبير بصير ) فعليهم أن يستسلموا له ، وينقادوا ~~إليه لأنه الخبير بمصالحهم ، البصير بنتائج أعمالهم السلبية أو الإيجابية ، ~~( @QUR@07 ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) من الذين عاشوا في ~~مجتمع الرسل ، أو من الذين جاؤوا من بعدهم ، ليكون الكتاب قاعدة لتفكيرهم ~~ودستورا لحياتهم ، ومنهجا لحركتهم وأساسا لعلاقاتهم ، وحركة في ساحة ~~صراعاتهم ، لأن الله اختارهم ليكونوا حملة الرسالة التي أوحى بها لرسله في ~~كتابه وأتباعها ، فما ذا PageV19P109 # كان رد فعلهم على ذلك وكيف واجهوا هذا الإرث وهذا الاصطفاء الإلهي؟ ( ~~@QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) في انحرافه عن خط الكتاب ، وتمرده على الله في ~~خط طاعته ، ( @QUR@02 ومنهم مقتصد ) يتحرك معه بحساب ، ويقف عند بعض ~~المواقع بحساب ، من دون حرارة واندفاع ، ومن غير روح حركية منفتحة على ~~الهدف الكبير بقوة ، ( @QUR@02 ومنهم سابق (1) @QUR@01 بالخيرات ) وهم ~~الذين عاشوا الكتاب في كل ملامح شخصيتهم ، فذابوا فيه ، وانطلقوا مع ~~مفاهيمه كرسالة للحياة ، ومنطلق للسمو ، والتفاتة للإبداع ، وحركة للخير في ~~ساحة السباق التي تتنافس فيها خيول الخير في ساحة الإنسان والحياة ، ~~ليندفعوا بكل ما عندهم من حب لله ، واندفاع روحي في الحصول على رضاه ، ~~ليكونوا السابقين في كل مواقع الخير ، فلا يسمحون لأحد بالتقدم عليهم ، ~~ليعطوا الشهادة الحية على أن الرسالة إذا ms4414 عاشت في الكيان الإنساني فكرا ~~وروحا وحركة ، تحولت إلى قوة هائلة في كل الساحات. # ( @QUR@02 بإذن الله ) الذي يتطلع إليه هؤلاء قبل الاندفاع نحو الهدف ، ~~والدخول في ساحة السباق ، ليطلبوا الإذن منه في ذلك ليكون اندفاعهم في خط ~~الهدف الكبير المنفتح على شريعة الله ، وليكون سباقهم خاضعا لرضوان الله ، ~~( @QUR@04 ذلك هو الفضل الكبير ) وأي فضل أكبر من الفضل الذي يحقق للإنسان ~~في مسعاه نحو خير الآخرين البركة لعباد الله ، ومن العمل الذي ينال فيه ~~الإنسان الرضوان من الله ، الذي يطل به على مواقع النعيم في الدار الآخرة ، ~~( @QUR@013 جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير ) وغير ذلك من النعيم المادي الذي ينعم الله به على هؤلاء ~~المؤمنين السابقين من عباده ، ليواجهوا اللذة المادية التي عاشوا كثيرا من ~~الحرمان منها ومن أمثالها ، في الحياة الدنيا ، إلى جانب اللذة الروحية ، ~~لأن الإنسان يبقى إنسان المادة الذي يعيش تطلعاتها في حاجاته الجسدية ~~ونوازعه الذاتية ، كما يكون إنسان الروح الذي يفيض بالحب الإلهي الذي يعيش ~~فيه ابتهالات الروح والحب الروحي في رحاب الله. وهكذا أراد الله لهؤلاء أن ~~يشعروا بالطمأنينة PageV19P110 # الروحية والفرح الإلهي ، ( @QUR@07 وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ~~) الذي كنا نعيشه في الحياة الدنيا حين واجهنا مشاكلها وآلامها وأوضاعها ~~التي كانت تثير فينا الأحزان المتنوعة ، وحالات القلق والشعور بالاهتزاز في ~~لحظات الضعف البشري ، حتى أننا كنا في لحظات الفرح ، لا نستشعره خالصا ، بل ~~نجد فيه بعضا من الحزن العميق ، أو الخفيف الذي يتمثل في بعض ملامحه ، وها ~~نحن الآن نعيش الفرح الروحي الخالص الصافي حيث لا أثر للحزن فيه ، كما نعيش ~~الطمأنينة النفسية الثابتة التي لا أثر للاهتزاز فيها ، وذلك بفضل ما نعيشه ~~من رحمة الله الواسعة التي تفيض علينا بكل لطفه ورضوانه. # ( @QUR@04 إن ربنا لغفور شكور ) فقد غفر لنا ما أخطأنا فيه من أقوالنا ~~وأفعالنا ، فلم يعذبنا عليها ، وشكر لنا أعمالنا الصالحة التي عملناها ~~امتثالا لأمره ، وإرادة للقرب منه ، ( @QUR@06 الذي أحلنا دار المقامة من ~~فضله ) فها نحن ms4415 في هذه الجنة الواسعة التي وعد الله عباده المتقين أن ~~ينعموا ويخلدوا فيها في رحمة منه ورضوان ، ( @QUR@04 لا يمسنا فيها نصب ) ~~فلا مجال لأي تعب فيها ، فهي دار الراحة المطلقة ، ( @QUR@04 ولا يمسنا ~~فيها لغوب ) فلا مجال فيها لأي شعور بالأذى والحزن والألم ... # * * * ### ||| ** مصير الكافرين وجزاؤهم # ( @QUR@05 والذين كفروا لهم نار جهنم ) جزاء لأعمالهم ( @QUR@04 لا يقضى ~~عليهم فيموتوا ) لأن الله أراد للعذاب أن يكون مستمرا لا انقطاع له ، فلا ~~مجال للموت الذي يمنحهم راحة سلبية من العذاب ، ( @QUR@09 ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور ) أساء إلى نفسه وإلى خالقه وإلى الحياة كلها. # ( @QUR@011 وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) ~~فقد كنا غافلين عن هذا المصير الأسود الذي ينتظر الكافرين والمتمردين على الله ، PageV19P111 # فأعطنا يا ربنا مهلة وفرصة جديدة ، لنغير ما كنا فيه ، فنستقيم على ~~الطريق الصحيح الواضح ، ونتبع الرسل في خط هداك. ( @QUR@02 أولم نعمركم ) ~~فقد أعطاكم الله فرصة كبيرة امتدت بامتداد عمركم الذي عشتم فيه ( @QUR@05 ~~ما يتذكر فيه من تذكر ) إذ كانت الذكرى تصدم كل واقع الغفلة الذي كنتم ~~تتخبطون فيه وتضعكم وجها لوجه أمام مسئولياتكم ، وتحدثكم عما ينتظركم من ~~قضية المصير ، ( @QUR@02 وجاءكم النذير ) فما الذي سيتبدل ويتغير إذا رجعتم ~~إلى الدنيا ، فإذا كانت النار التي دخلتموها هي التي تعتبرونها أساسا ليقظة ~~الروح في حياتكم ، ولحركة الإيمان في أعمالكم ، فإن مواقع النسيان التي ~~أحاطت بشهواتكم ، ومصارع الغفلة التي أوقعتكم في أطماعكم في الدنيا ، لا ~~تزال في عمق الشخصية الكافرة تفرض نفسها على الواقع كله ، وعلى المنهج كله. # ( @QUR@01 فذوقوا ) العذاب الذي تستحقونه بكفركم وظلمكم ، ولا تنتظروا ~~شفيعا ولا نصيرا ( @QUR@04 فما للظالمين من نصير ) فلا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله. # ( @QUR@06 إن الله عالم غيب السماوات والأرض ) وتلك هي العقيدة الإيمانية ~~التي توحي للإنسان بالرقابة الإلهية على كل أعماله وأقواله ، في سره ~~وعلانيته ، لأنه المحيط بالواقع كله ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) مما ~~يوحي بالرقابة الدقيقة التي تطل على الفكر وهو يتحرك في الخير أو الشر أو ~~الحق ms4416 أو الباطل ، وعلى الشعور وهو يتحرك في حب أو بغض أو تأييد أو رفض لما ~~يحبه الله أو لما يكرهه. وتلك هي الدعوة الإيمانية إلى الانضباط الدقيق في ~~خط الفكر والشعور والقول والعمل ، في كل جوانب الحياة الخاصة والعامة. # * * * PageV19P112 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~@QUR@034 قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خلائف ): جمع خليفة ، والإنسان خليفة الله في الأرض ، الذي ~~يمارس دوره وفق ما أراده الله. # ( @QUR@01 أروني ): أخبروني. # * * * PageV19P113 ### ||| ** هو الذي جعلكم خلائف في الأرض # ( @QUR@06 هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) فأراد لكم أن تمارسوا دور بناء ~~الأرض في أمورها وقضاياها وعلاقاتها ، انسجاما مع الحق ، كما أقامها في ~~تكوينها الوجودي على أساس الحق ، وتلك هي مسئوليتكم التي تواجهونها غدا ~~أمام الله ، فإن الخلافة التي جعلها الله للإنسان ليست امتيازا ذاتيا يزهو ~~به ويطمئن إليه ، بل هي مسئولية رسالية يتحرك من خلالها ، ويستقيم على خطها ~~، فمن آمن بالله وعمل صالحا ، واتبع رضوانه ، فسيجد الخير الكبير في الدنيا ~~والآخرة ثوابا على قيامه بالمسؤولية بأمانة ، وسيحصل على محبة الله ورضاه. # ( @QUR@04 فمن كفر فعليه كفره ) بكل ما يفرض الكفر من نتائج سلبية في ~~الدنيا والآخرة على جميع المستويات ، ( @QUR@08 ولا يزيد الكافرين كفرهم ~~عند ربهم إلا مقتا ) وكيف لا يمقت الله عباده الذين خلقهم وأنعم عليهم ~~ودعاهم إلى جنته ورضوانه ، فتمردوا عليه ، وأعلنوا الحرب على رسله ، وجحدوا ~~وأشركوا به ، فأي نكران للجميل هو هذا النكران ، وأي سقوط أعظم من هذا ~~السقوط الإنساني في وحل الجريمة الروحية والمادية! ( @QUR@06 ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم إلا خسارا ) لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم الذين أضلوهم ~~بالكفر ، وذلك هو الخسران المبين. # ( @QUR@08 قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله ) وتساءلتم عن ~~سلامة القاعدة التي ms4417 ترتكزون عليها في إيمانكم بهم وفي عبادتكم لهم؟ هل ~~تملكون الحجة البالغة على ذلك كله ، فإذا كنتم ترونهم آلهة من دون الله ، ~~فإن الآلهة تعني القوة الخالقة التي تبدع الوجود للأشياء من العدم ، ( ~~@QUR@06 أروني ما ذا خلقوا من الأرض ) هل تستطيعون أن تشيروا إلى جبل أو ~~سهل أو بحر أو شجر أو حيوان أو PageV19P114 # إنسان ، لتقولوا إنهم هم الذين أبدعوه وأوجدوه ، وهل تملكون قناعة ذلك ، ~~لو تحدثتم بمثله؟! ( @QUR@05 أم لهم شرك في السماوات ) إذا كنتم تتصورون أن ~~السموات هي مركز الآلهة ، وموقع الربوبية فيها ، فكيف كانت هذه الشركة؟ وهل ~~يملكون تلك القدرة الكبيرة ، أو الارتفاع إلى ملكوت السموات ليمارسوا إدارة ~~الحصة التي يملكونها؟ ( @QUR@07 أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه )، ~~والظاهر أن الخطاب هو لهؤلاء الكافرين الذين يدعون الشركاء من دون الله ، ~~فهل أنزل الله عليهم كتابا يحدثهم فيه عن شركائه ليكون ذلك حجة لهم. ليس ~~هناك شيء من الحقيقة في كل هذا ، ( @QUR@08 بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا ~~إلا غرورا ) بما يخدع الناس به بعضهم بعضا من دون أساس ظاهر. # * * * PageV19P115 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما ~~من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) @QUR@019 وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما ~~زادهم إلا نفورا (42) @QUR@026 استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق ~~المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) @QUR@030 أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ~~ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) @QUR@025 ~~ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم ): بالغوا واجتهدوا في الأيمان. # * * * PageV19P116 ### ||| ** الله ممسك السموات والأرض أن تزولا # كيف يفكر هؤلاء ms4418 الذين يجعلون لله شريكا ، وهل يدركون مدى قدرة الله ، وهل ~~يعرفون كيف يدبر الله الكون كله بإرادته من دون معين؟ هل يتطلعون إلى ~~السماء من فوقهم ، وإلى الأرض من تحتهم ، فيتأملوا كيف تثبتت السماوات في ~~الفضاء ، وكيف استقرت الأرض في الخلاء ، ومن الذي أمسكهما عن الاهتزاز ~~والسقوط ، ومن الذي يعيدهما إلى الثبات لو زالتا؟ هل فكر هؤلاء بالمسألة ~~العقيدية من ناحية التوحيد والشرك بوعي وعقل؟ # إن الآية التالية تقرر الحقيقة التوحيدية التي تثبت قدرة الله على ~~الإمساك بالسماوات والأرض وحده ، وتتضمن طرح السؤال الذي لا يجد جوابا عند ~~هؤلاء إلا بتقرير الحقيقة من جديد. # ( @QUR@08 * إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) عن موقعهما الذي ~~يتحركان أو يستقران فيه ، وقد استمرت الحياة منذ كانت السماوات والأرض ، ~~ولا تملك البشرية الملامح الحقيقية لهذا التاريخ إلا بالحدس والتخمين ~~القائم على الخيال العلمي الذي يحاول أن يستنتج النتائج من ظواهر غير ~~يقينية المدلول ... ولم يحدث أن زالت السماء عن مواقعها ، أو انحرفت الأرض ~~عن مدارها ، فهل هناك من هؤلاء الذين لم يكن لهم وجود ممتد في عمق الزمن ، ~~بل كانوا حدثا طارئا لا يملك أي عمق وامتداد ، من يزعم لنفسه ، أو يزعم له ~~غيره أنه كان شريكا في إمساكها؟ ( @QUR@02 ولئن زالتا ) على سبيل الفرضية ~~العلمية عند ما يتخيل العلماء إمكانات الحركة في الكون ( @QUR@06 إن ~~أمسكهما من أحد من بعده ) ممن يملك قدرة ذلك ... إن الآية لا تتساءل وإن ~~كانت تختزن السؤال ، ولكنها تنفي على نحو الجزم ، لأن النفي هو الحقيقة ~~اليقينية ، ( @QUR@04 إنه كان حليما غفورا ) فلا يقابل عباده بالعقاب ~~السريع ، بل يتركهم ليفكروا ويتراجعوا ليتوبوا ويستغفروا ربهم ، ليغفر لهم ~~كل ما أخطئوا فيه. PageV19P117 # ( @QUR@04 وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) فلم يتركوا يمينا إلا والتزموه ~~على أنفسهم ، ( @QUR@03 لئن جاءهم نذير ) يرشدهم ويدلهم على الطريق ~~المستقيم ، ويخوفهم المصير الذي يقبلون عليه ، تماما كما كانت النذر التي ~~جاءت للأمم السابقة ، ( @QUR@05 ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) مبررين ضلالهم ~~لفقدان المرشد والدليل والنذير .. وهكذا كانوا يتحدثون مع الناس الذين ~~ينكرون عليهم ms4419 بعض انحرافهم وكفرهم ، وكانوا يظنون في أنفسهم أن هذا الكلام ~~لن يلزمهم بشيء لأنه لن يتحول إلى واقع عملي ، باعتبار أن زمن النذر كما ~~يتصورون قد ولى ، ولهذا فإنهم كانوا يتفادون بكلامهم الإحراج الذي يقعون ~~فيه أمام تلك الكلمات ، ولكن ظنهم قد أخطأ ، فهذا هو الرسول محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسله الله إليهم أولا ، وللناس ثانيا ، ليكون ~~بشيرا ونذيرا ، ( @QUR@07 فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ) فقد تعقدوا ~~منه بشكل عنيف ، لأنه استطاع أن يفضح دجلهم ونفاقهم ويظهر حقيقتهم العارية ~~، بعيدا عن كل التهويلات والكلمات الخادعة التي يبررون بها واقعهم للآخرين ~~، ولكن ، لم يفعلون ذلك؟ إن الآية تجيب عن ذلك. # * * * ### ||| ** عقدة الاستكبار وراء الموقف # ( @QUR@03 استكبارا في الأرض ) فهم ، بسبب عقدة الكبرياء المتأصلة في ~~نفوسهم ، يريدون المحافظة على امتيازاتهم الطبقية التي يستغلون بها ~~المستضعفين ، فيظلمونهم في أنفسهم وأموالهم وحقوقهم الإنسانية العامة ، كما ~~أنهم يواجهون الأفكار التغييرية التي ترجعهم إلى حجمهم الطبيعي الإنساني ~~حيث يتحولون إلى مجرد أشخاص عاديين يتميزون ، إذا أرادوا التميز ، بأعمالهم ~~وخدماتهم للآخرين ، ولهذا كان هؤلاء المستكبرون هم القوة المضادة الغاشمة ~~التي تقف ضد الرسالات والرسل والمصلحين الذين يريدون للمستضعفين أن يتمردوا PageV19P118 # على ضعفهم ، وللمستكبرين أن يبتعدوا عن استكبارهم ، فيجحدون الحق ، وهم ~~يعرفونه ، ويحاربون الرسول ، وهم يعلمون أنه الصادق في رسالته ، الأمين على ~~حياة الناس. # ( @QUR@02 ومكر السيئ ) في ما كانوا يخططون من مكائد ومؤامرات وحيل ، من ~~أجل أن يحركوا فكر السوء ومشروعه ونهجه في الواقع ، ليحاربوا به فكر الخير ~~ومشروعه ونهجه ، ولكن المكر السيئ الذي يريد هؤلاء أن يثيروا مشاريعه بين ~~الناس ، قد يمتد إلى حياتهم فينقلب عليهم دون أن يكونوا قد أعدوا عدة ~~للتخلص منه ، لأنهم كانوا مستغرقين في توجيهه للآخرين ، الذين قد يكونون ~~مستعدين للتخلص منه بسبب استنفارهم لمواجهة التحديات .. ولهذا أطلق القرآن ~~الآية في أسلوب المثل ( @QUR@06 ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) وربما ~~كانت المسألة تتعدى جانب النتائج السيئة للمكر السيئ ، من نتائج الدنيا إلى ~~نتائج الآخرة ، حيث يتحول ما فعلوه وما خططوا ms4420 له من الإضرار بالآخرين إلى ~~عذاب شديد يحل بهم ، كما حل بهم بلاؤه في الدنيا. # ( @QUR@05 فهل ينظرون إلا سنت الأولين ) التي تدل عليها كتب التاريخ ، أو ~~تكشفها آثار الأمم الماضية التي عملت السيئات وتآمرت على الرسل والرسالات ، ~~وتمردت على خط الله ، وخططت للإضرار بعباده ، كيف ذهبت وتحطمت كل حياتها ~~وحل بها العذاب؟ هل يدرسون الفكرة من خلال التجربة السابقة ليتعرفوا أن تلك ~~النتائج السلبية لم تنطلق من خصوصية معينة لواقع هؤلاء ، بل انطلقت من الخط ~~العام الذي يجمعهم مع الآخرين في عناصر زوال الأمم التي تتحرك في سبيل ~~الدمار والمكر السيئ في كل ألوانه وأوضاعه .. وتلك هي سنة الله في الكون في ~~ما جعله من نظام السببية التي ترتبط فيها المسببات بأسبابها ، بعيدا عن ~~خصوصيات الزمان والمكان والشخص ، مما يجعلها ممتدة في كل مواقع الحياة ، ~~فلا تتخلف النتائج عن المقدمات ، انطلاقا من إرادة الله التي لا تتغير ولا تتبدل. PageV19P119 # ( @QUR@010 فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا ) لأن ~~معنى التبدل أو التحول ، أن تهتز الثوابت التي جعلها الله بمثابة القاعدة ~~التكوينية للنظام الكوني القائم على سنن وقوانين ، مما يسيء إلى إرادة الله ~~، فالسنة تعني الثبات ، ولو كان الأمر متحولا أو متبدلا لما كان هناك سنة ~~في معناها الكوني .. وهذا ما يريدنا الله أن نفرق فيه بين الإرادة المتعلقة ~~بالحالات الطارئة للأشياء ، وبين الإرادة المتعلقة بالقوانين الثابتة في ~~الكون ، لنواجه المسألة في نهاية الأمور ضمن هذا الاتجاه. # * * * ### ||| ** دراسة نتائج المستقبل بدراسة نتائج الماضي # ( @QUR@011 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) ~~ممن دمرهم الله من دون أن يتمكنوا من التخلص من هذه العاقبة ، ( @QUR@04 ~~وكانوا أشد منهم قوة ) فلم تنفعهم القوة التي قد تنفع مخلوقا قويا في ~~مواجهة مخلوق قوي مثله ، فتختلف موازين النتائج تبعا لاختلاف موازين القوة ~~، ولكن ماذا تنفع القوة أمام خالق القوة الذي يملك القوى بكل عناصر قوته ، ~~ليذهب بها في لحظة واحدة ، فتتبخر في الهواء ، فكيف يفكر هؤلاء الذين ~~يقومون باستعراض قوتهم أمامك ms4421 أو أمام أنفسهم ، ليشعروا بأنهم قادرون على ~~التمرد على الله ، وأن أمرهم سوف يعجزه ، فلا يستطيع القضاء عليهم ، ولا رد ~~ما يريدون ، ( @QUR@011 وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في ~~الأرض ) لأنه المالك لكل ما في الوجود ، والمسيطر عليه ، فكيف يعجزه شيء ~~منه مما لا استقلال له بذلك ، ولا قدرة له في وجوده ، بل هو خاضع لله في ~~حركته ، ومشدود إليه بوجوده ، ( @QUR@04 إنه كان عليما قديرا ) يعلم كل شيء ~~ويقدر عليه. ولكن ، كيف يكفر الناس ويستمرون في PageV19P120 # طغيانهم وكفرهم ، وكيف يعصون الله ، ويبقون أقوياء في مواجهتهم له في ما ~~يأمرهم به أو ينهاهم عنه؟ وكيف نفسر القدرة المطلقة لله التي لا يعجزها شيء ~~وقدرة هؤلاء المضادة الممتدة في الحياة؟ # لقد جعل الله للحياة نظاما ثابتا تخضع له كل الظواهر الكونية والإنسانية ~~في حركتها ، فلم يجعل العقاب مرتبطا بالعمل ارتباط المعلول بالعلة ، من دون ~~أي فاصل زمني بينهما ، بل جعل له موعدا نهائيا في اليوم الآخر ، لتتحرك ~~تجربة الانحراف إلى جانب تجربة الاستقامة ، وليدور الصراع بينهما ، فيغلب ~~هذا تارة وتغلب تلك أخرى ، لتتحرك القناعة من خلال الفكر المتحرك بين ~~التجربتين ، وينطلق الموقف من خلال الإرادة المنطلقة مع الموقفين ، لأن لله ~~حكمته في أن تعيش الحياة غنى التجربة الإنسانية في الصراع بشكل عميق ~~ومتحرك. # * * * ### ||| ** تأجيل الله عقاب المسيئين # ( @QUR@06 ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ) من الفكر السيئ على المستوى ~~العقيدي ، أو من الكلام المسيء إلى البلاد والعباد أو من سيئات العمل ، بما ~~يمارسون من فساد على المستوى الفردي والجماعي في كل المجالات الإنسانية ~~المتنوعة في الواقع ، ( @QUR@06 ما ترك على ظهرها من دابة ) من كل ما يدب ~~على الأرض من أنواع الإنسان من ذكر أو أنثى ، لأنهم يستحقون ذلك بسبب خطورة ~~المعصية التي ارتكبوها ، وهي التمرد على الله خالق السماوات والأرض. PageV19P121 # ولكن مسألة العقوبة لدى الله ، ليست حاجة للتشفي والانتقام الذاتي ، كما ~~هو الحال لدى البشر ، لأن الله فوق الحاجة الذاتية ، لغناه في نفسه عن كل ~~شيء ، ويستحيل نسبة ذلك إليه ms4422 ، بل هي مظهر من مظاهر حكمته ، في ما يتوعد به ~~عباده ، ليلتزموا بالخط المستقيم في الدنيا ثم يحقق وعيده في بعض الناس ~~الذين لا تنالهم رحمته ، ويرفعه عن البعض الذين تنالهم. # ( @QUR@05 ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) وهو يوم القيامة ، في الخط العام ~~للعقاب على الانحراف العقيدي والعملي ، الذي قد يلتقي في بعض الحالات ببعض ~~الاستثناءات عند ما يعذب الله بعض الناس في الدنيا ، بما ينزله عليهم من ~~ألوان العذاب ، كما حدث للأمم السالفة ، ( @QUR@03 فإذا جاء أجلهم ) وهو ~~الموت أو يوم القيامة ، ( @QUR@05 فإن الله كان بعباده بصيرا ) يعرف كلا ~~منهم من خلال عمله فيجازيه عليه ، فهو الله الخالق المدبر الحكيم العالم ~~بعباده ، وكيف لا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ # * * * PageV19P122 ### | سورة يس ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث وثمانون PageV19P123 ### ||| ** في آفاق السورة # في هذه السورة المكية ، حديث متحرك يلامس الفكر والحس وحركة الإنسان في ~~الحياة ، ويتمحور حول موضوع التوحيد الإلهي في دائرة الحركة النبوية التي ~~تواجه محيطها المشرك الكافر الذي يعيش الجهل والتخلف والغفلة في المسألة ~~العقيدية ، فيتمرد وينحرف ويسيء ويواجه الرسالة بالتعسف والجحود والطغيان. ~~وتطوف السورة ضمن هذه الدائرة في آفاق رحبة من الظواهر الكونية التي تدل ~~على دقة النظام الكوني الذي يوحي بعظمة خالقه ، وتطل على الواقع المنحرف في ~~حياة الناس الذين وقفوا ضد الرسالة والرسول لتخاطبهم من خلال نداء الله ، ~~بخطاب فيه الكثير من العتاب اللاذع ، والإيحاء العميق بالترابط بين واقعهم ~~وبين النتائج التي تنتظرهم في الآخرة. وتنتقل إلى الحديث عن الرسول وعن ~~تهمة الشعر التي ألصقها المشركون بعنوان رسالته لإبعادها عن جو القداسة ، ~~وتنتهي السورة بحديث عقلاني عن اليوم الآخر وعن بعض المظاهر التي تتحرك في ~~هذه الدائرة من الثواب والعقاب. # * * * PageV19P125 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 يس (1) @QUR@02 والقرآن الحكيم (2) @QUR@03 إنك لمن المرسلين ~~(3) @QUR@03 على صراط مستقيم (4) @QUR@03 تنزيل العزيز الرحيم (5) @QUR@07 ~~لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) @QUR@08 لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون (7) @QUR@010 إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان ~~فهم مقمحون (8) @QUR@012 وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ms4423 سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون (9) @QUR@08 وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(10) @QUR@012 إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة ~~وأجر كريم (11) @QUR@014 إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مقمحون ) المقمح : الذي يغض بصره بعد أن يرفع رأسه. PageV19P126 # ( @QUR@01 فأغشيناهم ): جعلنا على أبصارهم غشاوة. # ( @QUR@01 أغلالا ): الأغلال : جمع غل ، وهي القيود التي تشد بها الأيدي ~~إلى الأعناق. # * * * ### ||| ** القران دليل رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@01 يس ) من الحروف المقطعة التي سبق الحديث عنها في أول سورة ~~البقرة ، وجاء في مجمع البيان وجود خلاف خاص حول هذه الكلمة بالذات فقيل : ~~«يس ، معناه يا إنسان ، عن ابن عباس وأكثر المفسرين ، وقيل معناه : يا رجل ~~، عن الحسن وأبي العالية ، وقيل معناه : يا محمد ، عن سعيد بن جبير ومحمد ~~بن الحنفية ، وقيل : معناه : يا سيد الأولين والآخرين ، وقيل : هو اسم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علي بن أبي طالب وأبي جعفر عليهم السلام » (1). # ( @QUR@02 والقرآن الحكيم ) الواو للقسم ، فقد أراد الله أن يقسم بالقرآن ~~الحكيم الذي كان المشركون ينكرونه ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~للإيحاء بأنه يمثل الحقيقة الثابتة التي تستمد الحقائق الأخرى دلائلها منها ~~، فإذا كانوا يطلبون الدليل على رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن ~~القرآن يؤكد ذلك. أما وصفه بالحكمة ، فلما يشتمل عليه من الفكر والمنهج ~~والأسلوب الذي يخطط للإنسان سلوك الحكمة في الكلمة والحركة والعلاقة ~~الإنسانية ، ( @QUR@03 إنك لمن المرسلين ) الذين أرسلهم الله إلى الناس ~~ليبلغوهم رسالته ، بما تتضمنه من أوامره ونواهيه ، التي يريد الله لهم أن ~~يفعلوها أو يتركوها ، ( @QUR@03 على صراط مستقيم ) خاضع للخطة الفكرية ~~والتشريعية المنفتحة على الإنسان والحياة لإصلاح أمرهما ، وإبعادهما عن ~~الفساد ، لتكون البداية من الله ، حيث يتركز الإيمان من قاعدة الانطلاق ، ولتكون PageV19P127 # النهاية عنده ، لتلتقي به كل الأهداف الكبيرة التي يريد للإنسان أن ~~يحققها ويبلغها بفضل جهده العملي في الحياة ، فلا تنحرف حركة السير عن ~~الاتجاه الذي تلتقي فيه نقطة البداية ms4424 بنقطة النهاية. # وهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم القدوة المثلى في الاستقامة على ~~الخط الذي دعا إليه ، فلم ينحرف عنه بكلمة ، ولم يبتعد عنه بحركة ، بل كانت ~~حياته كلها إسلاما يتجسد ، وقرآنا يتحرك ويشاهد ( @QUR@03 تنزيل العزيز ~~الرحيم ) الذي يحفظ بعزته كتابه من إعراض المعرضين وجحود الجاحدين وتحريف ~~المحرفين ، فلا يستطيع كل هؤلاء أن يسقطوه ، أو يضيعوه ، أو يمنعوه عن ~~الحركة الدائمة في امتداد الزمان والمكان ، وفي كل مواقع الإنسان ، وذلك من ~~مواقع رحمته التي كانت أساسا لإرسال الرسول ، وإنزال القرآن عليه ، ليرحم ~~الناس بالرسول وبالقرآن الذي يهديهم إلى سواء الطريق. # ( @QUR@05 لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ) وهم قريش الذين كانوا يعيشون مع ~~العرب المحيطين بهم في فراغ من الرسل ، فقد ابتعد عنهم عهد الرسالات ، ~~وتحجرت العقلية الجاهلية الحاملة للشرك والوثنية في داخل شخصياتهم ، مما ~~جعلهم يعيشون البعد النفسي عن جو الرسالة في مفاهيمها الروحية ، وفي خطها ~~التوحيدي ، الأمر الذي يفرض على الرسول الكثير من الجهد والمعاناة في سبيل ~~إيجاد ثغرة فكرية أو روحية في هذا الجدار الصلب المتحجر القائم في داخل ~~نفوسهم ، الذي يمنعهم من قبول أية دعوة مخالفة لما يلتزمونه من خط الآباء ~~والأجداد ، ( @QUR@02 فهم غافلون ) لأنهم ابتعدوا عن كل آفاق اليقظة في ~~رحاب الرسالات ، الأمر الذي أفقدهم رؤية الاحتمال المضاد ، ليناقشوه في ~~أنفسهم بما يهز قناعاتهم ، من خلال الشك الذي يوحي به الاحتمال ، وتتحرك به ~~المناقشة ، فتتحرك الرسالة في هذا الجو ، لتستفيد من ذلك كله في تحرك عملية ~~التغيير الداخلي في الفكر والشعور. PageV19P128 # ( @QUR@05 لقد حق القول على أكثرهم ) من هؤلاء الذين رفضوا الإيمان رفضا ~~قاطعا ، بحيث لا مجال لأية تجربة أخرى في إدارة الحوار معهم حول الموضوع ، ~~وذلك من موقع التمرد المعقد ، لا من موقع القناعة الفكرية ، ولذلك وجب ~~القول عليهم ، وهو العقاب الذي ينتظرهم عند الله ( @QUR@03 فهم لا يؤمنون ) ~~فلا إمكان للمغفرة والرحمة لهم في هذا الموقع. وربما كان المراد القول : ~~فهم لا يؤمنون وفق ما سبق من علم الله ، في ما يعلمه من أسباب الأشياء ms4425 من ~~الأمور الاختيارية والتكوينية ، أي لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا ~~يؤمنون ، فحق عليهم قوله ، والله العالم. # * * * ### ||| ** جعلنا في أعناقهم أغلالا # ( @QUR@010 إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ) ~~كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم ، فبقيت رؤوسهم مرفوعة ~~إلى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى ما بين أيديهم من الطريق ~~فيعرفوها ويميزوها عن غيرها. # وقد اختلف في تفسير الفكرة التي تتضمنها الآية ، في عدة وجوه ، ذكرها ~~صاحب مجمع البيان : # «أحدها : أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل ، وتقديره : مثل هؤلاء ~~المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه ~~أن يبسطهما إلى خير ، ورجل طامح برأسه لا يبصر موطئ قدميه ، عن الحسن ~~والجبائي ، قال : ونظيره قول الأفوه الأزدي : # كيف الرشاد وقد صرنا إلى أمم %~% لهم عن الرشد أغلال وأقياد # ونحوه كثير في كلام العرب. PageV19P129 # وثانيها : أن المعنى : كأن هذا القرآن أغلال في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع ~~لاستماعه وتدبره لثقله عليهم ، وذلك أنهم لما استكبروا عنه وأنفوا من ~~اتباعه ، وكان المستكبر رافعا رأسه لاويا عنقه شامخا بأنفه لا ينظر إلى ~~الأرض ، صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم. وإنما أضاف ذلك إلى نفسه لأن ~~عند تلاوته القرآن عليهم ودعوته إياهم صاروا بهذه الصفة ، فهو مثل قوله : ~~حتى أنسوكم ذكري ، عن أبي مسلم. # وثالثها : أن المعني بذلك ناس من قريش هموا بقتل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فجعلت أيديهم إلى أعناقهم ، فلم يستطيعوا أن يبسطوا ~~إليه يدا ، عن ابن عباس والسدي. # ورابعها : أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة ، فهو مثل قوله : إذ ~~الأغلال في أعناقهم ، وإنما ذكره بلفظ الماضي للتحقيق» (1). # ولعل الوجه الأخير أقرب لانسجامه مع الآية السابقة بحسب ظاهر معناها في ~~إرادة العذاب من كلمة القول ولعدم وجود شاهد لفظي أو سياقي على الوجوه ~~المذكورة ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الله أغلق عليهم نوافذ المعرفة # ( @QUR@08 وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) لما تفرضه الحواجز ~~النفسية التي نصبتها عقلية الجهل ms4426 والتخلف التي أغلقت عنهم نوافذ المعرفة ~~الحقة ، ولم يحاولوا أن يدخلوا في حوار انطلاقا من مواقع الفكر التي تثير ~~الفكر الآخر ، وبذلك كانت الدائرة الفكرية التي يعيشون فيها مملوءة بالسدود ~~التي تحيط بهم من كل جهة ، فابتعدوا عن التطلع إلى الأفق الرحب الذي يعيش ~~إشراقة الهدى والإيمان. PageV19P130 # ( @QUR@01 فأغشيناهم ) في ما أثارته السدود من غطاء على عيون قلوبهم ( ~~@QUR@03 فهم لا يبصرون ) لأن البصر لا يستطيع أن يتعرف الطريق إلا في المدى ~~الواسع الذي يسمح بالامتداد ، ولا يستطيع أن يكشف الطريق المملوءة بالحواجز ~~المنتصبة في الفضاء. # ( @QUR@08 وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) لأنهم فقدوا ~~إرادة الإيمان التي تدفعهم إلى البحث والتفكير ، ولذلك فإنهم يرفضون ~~الانفتاح على كل حديث في هذا الموضوع ، ولا يسمحون لأحد أن يناقشهم حوله ، ~~مما يجعل الكلام عبثا لا طائل تحته. # * * * ### ||| ** بين الخشية والحساب # ( @QUR@08 إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ) هؤلاء الذين ~~انفتحت قلوبهم على الوحي فأصغوا إليه بمسامع قلوبهم ، وأدركوا الحقيقة ~~الكامنة في معناه ، وعاشوا مع الله في وجدانهم الفطري ، ومشاعرهم الروحية ، ~~فاكتشفوا حقيقة وجوده ووحدانيته التي يدل عليها كل ما في داخلهم وما في ~~الكون من آيات ، فخافوا منه ، وإن لم يشاهدوه بفعل ستار الغيب الذي يحجبه ، ~~ولكنهم يعيشون الهدى الذي يدركون ملامح وجوده بالحس ، وإن لم يستطيعوا ~~الوصول إلى الإحساس به بشكل مباشر ، وهم بفضل هذه الروح العميقة الكامنة في ~~شخصياتهم ، استطاعوا أن يصلوا إلى الإيمان بالذكر وخشية الرحمن بالغيب من ~~خلال الإنذار ؛ ويمكن الوصول من خلال ذلك إلى الدخول في كل التفاصيل الأخرى ~~التي تمثل المفردات الفرعية للإيمان. ( @QUR@04 فبشره بمغفرة وأجر كريم ) ~~لأنه يستحق البشرى بالمغفرة الإلهية على ما أخطأ فيه ، والأجر الكريم على ~~ما عمله ، وذلك لاستقامته على الخط الإيماني الذي يتحرك فيه. # ( @QUR@07 إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا ) من أعمال الخير والشر PageV19P131 # ( @QUR@01 وآثارهم ) من النتائج السلبية أو الإيجابية ، مما يبقى من ~~أعمالهم بعد الموت ، كبناء مشروع عبادي أو تربوي أو خيري ، أو تأليف كتاب ~~ينتفع به الناس من ms4427 بعده ، أو بناء دار للهو والفجور والكفر ، أو تأليف كتاب ~~يضل به الناس ، إن الله يثبت ذلك في صحائف أعمالهم ليواجهوها غدا عند ما ~~يقفون للحساب في يوم القيامة ، ( @QUR@06 وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) ~~وهو الكتاب الذي أحصى به كل الأشياء من موجودات ومعلومات مما يتصل بكل ~~مخلوقاته ، وهو اللوح المحفوظ ، على رأي بعض المفسرين ، استنادا إلى أنه ~~تعالى يثبت كلامه في كتاب يحصي كل شيء ، ثم لكل أمة كتاب يحصي أعمالها ، ثم ~~لكل إنسان كتاب يحصي أعماله كما قال تعالى : ( @QUR@08 ولا رطب ولا يابس ~~إلا في كتاب مبين ) [الأنعام : 59] ، وقال : ( @QUR@013 وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) [الإسراء : 13] ، ~~وظاهر الآية يقضي بنوع من البينونة بين كتاب الأعمال والإمام المبين ، حيث ~~الفرق بينهما بالعموم والخصوص وباختلاف التعبير بالكتابة والإحصاء. # ولكن هناك رأيا آخر يفيد أن المراد بالإمام المبين هو صحف الأعمال ، ولعل ~~الأساس فيه هو مناسبته لصدر الآية ليكون بمثابة الكبرى للصغرى ، بحيث يكون ~~المعنى ، إننا نكتب ما قدموا وآثارهم في ما نحصيه من كتاب أعمالهم ، ~~للتأكيد على وجود كتاب يتضمن ذلك كله. # وقد لا يكون من الضروري أن يكون هنا أنواع من الكتب ، للإنسان الذات ، ~~وللأمة ، وللموجودات كلها ، بل هو نوع من ترتيب الأمور في مواقعها في ما ~~يراد الإشارة إليه من إحاطة علم الله بكل ذلك ، فقد لا نتصور معنى لوجود ~~كتاب للأفراد ، إلى جانب كتاب آخر للأمة ، لأن ذلك يمثل تكرير كتاب الأفراد ~~في نسخة ثانية ، لأن الأمة هي الأفراد مجتمعين ، أما اختلاف التعبير ~~بالكتابة والإحصاء ، فليس بشيء لأنه لون من تنويع الأسلوب ، والله العالم. # * * * PageV19P132 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) @QUR@011 ~~إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) ~~@QUR@015 قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون (15) @QUR@06 قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) @QUR@05 وما ~~علينا إلا البلاغ المبين (17) @QUR@012 قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم ms4428 منا عذاب أليم (18) @QUR@09 قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم ~~بل أنتم قوم مسرفون ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فعززنا ): أمددنا ، قوينا. # ( @QUR@01 تطيرنا ): تشاءمنا. # ( @QUR@01 طائركم ): شؤمكم. # * * * PageV19P133 ### ||| ** أصحاب القرية في مواجهة المرسلين # وهكذا ينقلنا القرآن إلى التاريخ ، حيث واجه المرسلون الدعاة إلى الله ~~المواقف الصعبة التي تتحداهم فيها قوى الكفر بكل أساليب التمرد والجحود ، ~~فلا تستمع إليهم ، ولا توافق على الدخول في حوار معهم ، ولكنهم لا يتراجعون ~~، بل يستمرون في الدعوة وإعلان الموقف لأن كلمة الرسالة لا بد من أن تقال ~~وتتحرك مع الآذان الصماء والمواقف الرافضة ، لتفرض نفسها على الجو ، أو ~~لتنفذ من خلال ثغرة طارئة من هنا ، ونافذة مفتوحة على القلب من هناك ، ~~لتبدأ الطريق من الموقع الصغير ، فالتراجع في البداية أمام تحديات الآخرين ~~، يفرض أن لا تبدأ الرسالة ، باعتبار أن القوى المضادة تقف أمام البدايات ~~لتهزمها حتى لا تفرض نفسها على الساحة بعد ذلك. # وهكذا يريد القرآن أن يحدثنا عن تاريخ الحركة الرسالية ، من دون دخول في ~~التفاصيل ، لنستلهم من ذلك صلابة الموقف أمام التحدي ، وطبيعة الذهنية ~~الكافرة المتحجرة التي لا تنفتح للحق ولا للحوار. # ( @QUR@08 واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ) الذين أغفل ~~الله ذكر ملامحهم الشخصية في أسمائهم وصفاتهم ، كما أغفل ذكر اسم القرية ~~وموقعها ، لأن القصة ليست لتفصيل التاريخ ، بل لأخذ العبرة. وتحدث المفسرون ~~عن أن هؤلاء المرسلين من حواريي عيسى عليه السلام ، ولكنهم ذكروا تفاصيل ~~القصة بما لا يتفق مع أجواء هذه الآيات مما لا جدوى في تحقيقه والجدل فيه. # ( @QUR@05 إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ) وقيل : إنهم ضربوهما ~~وعذبوهما وكادوا يقتلونهما ، ( @QUR@02 فعززنا بثالث ) وقيل : إنه شمعون ~~وصي عيسى الذي أرسله ليخلصهما ، ( @QUR@04 فقالوا إنا إليكم مرسلون ) ~~لندعوكم إلى توحيد الله وعبادته والسير على نهجه القويم وصراطه المستقيم ، ~~ولكن القوم من أهل القرية كانوا PageV19P134 # خاضعين لفكرة خاطئة في تصور شخصية الرسول الذي ينبغي أن يكون ملاكا ~~بنظرهم ولا يمت إلى البشر بصلة ، وعلى ضوء ذلك ، فلا يمكن أن يكون هؤلاء ~~رسلا لأنهم بشر كبقية البشر ؛ ف ( @QUR@011 قالوا ما أنتم إلا ms4429 بشر مثلنا ~~وما أنزل الرحمن من شيء ) مما تدعونه من الوحي الذي تحملونه وتريدون أن ~~تبلغونا إياه ، ( @QUR@04 إن أنتم إلا تكذبون ) لتحصلوا على مكانة اجتماعية ~~مميزة بيننا من خلال القداسة التي تصفون بها موقعكم. # ( @QUR@06 قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ) فليست القضية موضع تردد ~~لدينا ، بل هي الحقيقة الواضحة ، ولذلك فلن يجعلنا هذا الأسلوب الرافض ~~للرسالة في موقع التراجع ، لأننا نملك شهادة الله التي هي فوق كل شهادة ، ~~فهو الذي أرسلنا وهو الذي يعلم صفتنا الرسالية ، فلا قيمة لتكذيب أي مكذب ~~أو تشكيك أي مشكك ، وستظهر الحقيقة في نهاية المطاف ، وسنتابع السير على ~~هذا الأساس ، ( @QUR@05 وما علينا إلا البلاغ المبين ) فتلك هي مهمتنا التي ~~نقوم بها في ساحتكم ، لتقوم الحجة عليكم من الله الذي سوف يحاسبكم على كل ~~ما تقومون به من جحود وكفران. # ( @QUR@04 قالوا إنا تطيرنا بكم ) أي تشاءمنا بوجودكم بيننا ، لأنكم ~~تمثلون الاتجاه الذي بريد أن يثير المشاكل في داخلنا ، فيفرق بيننا ، ~~ويفصلنا عن مقدساتنا ، ويبعدنا عن الجو الهادىء المستقر الذي يخيم علينا ، ~~مما يجعل وجودكم شؤما كله ، ولذلك فإننا نطلب منكم أن تغيروا طريقتكم ، وأن ~~تكفوا عن كل هذا الحديث ، ودعونا نتابع السير وفق عاداتنا وتقاليدنا بكل ~~راحة واطمئنان ، و ( @QUR@03 لئن لم تنتهوا ) عن ذلك ( @QUR@01 لنرجمنكم ) ~~بالحجارة حتى ندميكم أو نقتلكم ، ( @QUR@04 وليمسنكم منا عذاب أليم ) ~~بأساليب ووسائل أخرى مما يسبب لكم الآلام الشديدة ، ويعرفكم نتائج مواجهتكم ~~لمقدسات الآخرين. PageV19P135 # وذلك هو نهج الطغاة الذين لا يستطيعون الرد الفكري على طروحات الإيمان ~~والصلاح ، فيعمدون إلى إثارة الأجواء الانفعالية الإرهابية المضادة التي ~~تشوه صورة المؤمنين والمصلحين من جهة ، وتهدد وجودهم وسلامتهم من جهة أخرى ~~، لتضغط عليهم نفسيا وجسديا حتى يتراجعوا عن دعوتهم الإيمانية وخطتهم ~~الإصلاحية. # ويبقى للمؤمنين والمصلحين ، الذين يتحملون مسئولية الدعوة إلى الله في ~~دائرة الإيمان والصلاح ، أن يثبتوا ويتماسكوا ويواجهوا الكلمة بكلمة أقوى ~~منها ، والموقف بموقف أشد منه ، والقوة بعزم أكثر صلابة ، وأشد حسما. وهكذا ~~وقف هؤلاء الرسل الدعاة الثلاثة ، فلم ينهزموا ولم يسقطوا أمام التهويل ~~الكلامي والعملي ms4430 الذي حاول الكافرون إثارته في وجوههم ، بل ( @QUR@02 قالوا ~~طائركم ) الذي تعتبرونه رمزا للتشاؤم ، وقد كان يغلب عليهم التشاؤم بالطير ~~فغلب الاسم على الفكرة ( @QUR@01 معكم ) فإن الشؤم الذي تتحسبون له وتخافون ~~منه وتعملون على طرده من ساحتكم ، هو في عمق هذه الساحة ، وسببه ما تحمله ~~أفكاركم من الكفر والشرك ، وما تعيشه مشاعركم من الحقد والبغضاء ، وما ~~تتحرك به أوضاعكم من الانحراف والكذب والرياء ، فهذه الصفات هي التي تربك ~~حياتكم وتمنعها من الهدوء والصفاء وتبعدها عن خط الاستقامة والرحمة والمحبة ~~والوداعة والسلام ، وتجعلكم في غفلة عن الحقيقة الإلهية التي تفتح الحقيقة ~~الإنسانية على الأفق الرحب الذي يشرق فيه الخير والحق والعدل والأمان. # ( @QUR@02 أإن ذكرتم ) بالحق المتمثل بوجود الله وتوحيده ومنهجه السليم ~~في الحياة ، أعرضتم عنه وبقيتم تترددون في أجواء الغفلة المطبقة المستولية ~~على عقولكم ومشاعركم ومواقفكم في الحياة ، ( @QUR@04 بل أنتم قوم مسرفون ) ~~لا تعيشون في خط التوازن الذي يحسب حساب الأشياء بدقة ، ويحاكمها بعمق ، ~~ويتحرك في اتجاهها باستقامة ، بل تتجاوزون بفعل شرككم وضلالكم الحدود PageV19P136 # المعقولة التي وضعها الله أمام الإنسان لتكون حاجزا بينه وبين الهلاك ~~الروحي والعملي ، فتمتدون في معصية الله والتمرد عليه من دون رجوع إلى ~~العقل والوجدان. # * * * ### ||| ** روح القوة في شخصية الرسل # ونلاحظ من خلال هذا السجال ، روح القوة في شخصية هؤلاء الرسل الذين لم ~~يشعروا بالضعف عند ما شعروا بقلة عددهم أمام الجماهير الكبيرة التي يمثلها ~~هؤلاء الطغاة المترفون من وجهاء الناس وقادتهم ، فقوتهم مستمدة من إيمانهم ~~وعلاقتهم بربهم وشعورهم بأن هؤلاء لا يتحركون فعليا من مواقع قوة ، بل من ~~مواقع ضعف ، وسبب ضعفهم يعود إلى تخوفهم من أن تقتنع الجماهير الطيبة ~~البسيطة بالحقيقة من أقرب طريق ، بعيدا عن كل عوامل التعقيد والتكلف ، ~~ولهذا فإنهم لا يريدون للدعاة أن يذكروا لأنهم يخافون على الناس أن يتذكروا ~~، بل ربما تصل المسألة إلى المستوى الأخطر عند ما يشعرون باهتزاز قناعاتهم ~~في داخل أنفسهم من خلال ما يسمعونه من كلمات الحق ، ولهذا فإنهم يريدون ~~تفادي سقوطهم أمام أنفسهم التي قد تستجيب للرسل ms4431 من حيث لا يشعرون. # وهذا ما ينبغي للدعاة أن يستوحوه من هذه القصة الموقف ، ليدرسوا في كل ~~ساحات الصراع التي تخوضها حركة الدعوة ، نقاط الضعف البارزة والخفية لدى ~~القوى المضادة كما يدرسون نقاط القوة الكامنة في داخل أنفسهم ، وفي مواقعهم ~~الفكرية والعملية ليتوازن عندهم الموقف ، مما يسهل اندفاعهم بقوة في خط ~~المواجهة بالكلمة القوية والأسلوب الحاسم ، والفكرة الفاعلة الثابتة ، وليس ~~غير هذا السبيل يوصل إلى عملية صنع القوة. # * * * PageV19P137 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~(20) @QUR@07 اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) @QUR@08 وما لي لا ~~أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) @QUR@015 أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) @QUR@05 إني إذا لفي ~~ضلال مبين (24) @QUR@04 إني آمنت بربكم فاسمعون (25) @QUR@08 قيل ادخل ~~الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) @QUR@07 بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27) @QUR@013 وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما ~~كنا منزلين (28) @QUR@08 إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) ~~@QUR@012 يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ~~@QUR@011 ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) ~~@QUR@06 وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أقصا ): أبعد. PageV19P138 # ( @QUR@01 القرون ): جمع قرن ، وهم القوم المقترنون في زمن واحد. # * * * ### ||| ** الرجل النموذج # وهذا رجل نموذج ، يمثل الإنسان الذي يخرج من قلب مجتمعة ، ليدخل في ~~مواجهة معه انطلاقا من موقف الحق أمام الباطل الذي يتبناه المجتمع كله ، ~~ومن موقف المساندة للمجموعة الرسالية الصغيرة الداعية إلى الله ، في مقابل ~~الجماهير الغفيرة المشركة به أو المنكرة له. # ومن خلال دراستنا لشخصيته ، ولروح القوة التي تعيش في داخل عقله وشعوره ، ~~ولإشراقة الإيمان التي تشرق في روحه منيرة كل المواقع ، نستطيع أن نخلص إلى ~~الفكرة التي لا تعتبر فساد البيئة التي يعيش فيها الفرد أساسا حتميا لفساده ~~الذاتي بحيث تمثل الضغط الذي لا يستطيع أن يواجهه أو يثبت معه ، بل يمكن له ~~أن يتمرد على واقع البيئة الفكري ms4432 والعملي ، عند ما يملك عقله ووجدانه ، ~~ويحمي شعوره من الاهتزاز العاطفي والانفعالي بما حوله ، أو بمن حوله ، ~~ويجلس مع نفسه جلسة هادئة ، في أجواء الهدوء والحياد الفكري. ليكتشف في ~~المسألة الفكرية ، شيئا غير ما يفكر به الآخرون ويجد في المسألة العملية ، ~~خطا غير الخط الذي يتحرك بانسجام مع البيئة المنحرفة الضاغطة. # وعلى المستوى الواقعي ، لا بد من الاعتراف بصعوبة الوقوف أمام ضغط البيئة ~~في انحرافها الفكري والعملي ، لكن تحدي هذا الضغط ليس شيئا مستحيلا ، مما ~~يجعل القضية خاضعة للضغط المضاد الذي يستنفر فيه الإنسان طاقاته الروحية ~~والفكرية والعملية ، مما يسمح بالمواجهة بطريقة متوازنة حاسمة ، لا سيما ~~حين يتم إبراز النماذج الواقعية المتحركة في أكثر من موقع من مواقع ساحات ~~الصراع ، كما في مثل هذا الرجل النموذج ، الذي برز فجأة PageV19P139 # بين القوم ليرفع صوته بنداء قوي حاسم. # ( @QUR@06 وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) ويسرع في المشي ليعلن موقفه ~~الذي كان يخفيه عن قومه ، أو كان لا يجد ضرورة لإعلانه ، انتظارا لما قد ~~يحدث من إيمان قومه بهؤلاء الرسل ، ولكنه الآن يجد المسألة قد بلغت حدا ~~كبيرا من الخطورة ، فلم يرتفع من بينهم أي صوت مؤمن مما يدل على سيطرة ~~الكفر على الموقف كله ، بحيث لو كان هناك مؤمن في الخفاء ، فإنه قد يخاف ~~أمام هذه السيطرة أن يعلن موقفه ، ولذا رأى من واجبه أن يقول كلمة الإيمان ~~مقابل كلمات الكفر ، ليؤكد للإيمان موقفه ، وليفسح المجال للمترددين أن ~~يحسموا أمرهم إلى جانب الرسل ، وليخرق الإجماع الكافر ولو بصوت واحد. # ( @QUR@05 قال يا قوم اتبعوا المرسلين ) الذين يدعونكم إلى توحيد الله ~~وعبادته والسير على خط هداه ، ( @QUR@05 اتبعوا من لا يسئلكم أجرا ) فقد ~~قدموا إليكم النصح والهداية ، وعملوا بكل جهدهم في سبيل الله ، لترجعوا ~~إليه ، من دون أن يطلبوا منكم أي أجر في مقابل ذلك ، فهم ليسوا من المرتزقة ~~الذين يتوصلون إلى تحصيل المال من خلال الشعارات الجذابة التي يرفعونها ، ~~أو تحصيل الجاه من خلال المواقع التي يضعون أنفسهم فيها ، بل هم من ~~الرساليين الذين ms4433 عاشوا الهداية فكرا وروحا وعملا ، ( @QUR@02 وهم مهتدون ) ~~فأرادوا أن يبلغوها للناس ، ليهتدوا بها ، كما اهتدوا هم بها ، لأنهم يحبون ~~للناس ما يحبون لأنفسهم. ولذلك فلا بد لكم من دراسة العمق الرسالي في ~~شخصياتهم ، والروح المخلصة في موقفهم ، والبعد عن كل منفعة في طروحاتهم ، ~~لتعرفوا أن دعوتهم دعوة حق وخير وصلاح ، وليست دعوة باطل وشر وفساد ، لأن ~~دعاة الحق هم الذين يغريهم الحق بالتضحية في سبيله من خلال ارتباطه بالله ، ~~أما دعاة الباطل ، فإنهم لا يجدون أساسا للتضحية لأجله ، بل همهم ما ~~يكسبونه من مال أو شهوة أو جاه. PageV19P140 # وهكذا أعلن لقومه القاعدة التي ترتكز عليها دعوته لهم لاتباع الرسل ، ثم ~~أراد أن ينقلهم إلى جو جديد ، ليحدثهم عن تجربته الإيمانية الذاتية ، وعن ~~خلفيتها الفكرية من جهة الإيمان بالله وإنكاره للشركاء المزعومين ، والهدف ~~أن يقطع عليهم طريق الدخول في جدل معه حول الخصوصيات التي تحيط بمسألة ~~اتباع الرسل ، فتتخذ المسألة بعدا جدليا شخصيا ، يبعد القضية عن المعنى ~~الإيماني في مضمونه الفكري ، وكأنه يريد أن يعلن لقومه ما أعلنه الرسل من ~~خصوصية الإيمان أو ما أراد الرسل أن يمتدوا في بيانه ، فمنعهم القوم من ذلك. # ( @QUR@06 وما لي لا أعبد الذي فطرني ) فهو الذي خلقني من العدم ، فكان ~~وحده المستحق للعبادة ، من موقع ألوهيته المطلقة في كل صفاته ، فليس لغيره ~~من القدرة إلا مما هو منحة له ، وعطية منه ، فهم المخلوقون له من الموقع ~~الذي أنا مخلوق له ، فما الذي يميزهم عني حتى أعبدهم من دونه ، وإذا كان ~~موقعي من الله هو موقع المملوك من المالك ، والمألوه من الإله ، فكيف لا ~~أعبده ، لأقوم بشكر نعمته علي ، ولأواجه مسئوليتي أمامه عند ما أرجع إليه ، ~~وإذا كان من اللازم علي أن أعبده لأني مخلوق له فلا بد من أن أواجه موقفي ~~في خط العبودية ، ولا بد لكم يا قوم من أن تعبدوه على هذا الأساس وتواجهوا ~~الحقيقة النهائية عند ما تقفون بين يديه ، ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) ~~فيحاسبكم على أعمالكم في دائرة الإيمان والطاعة ، أو في دائرة ms4434 الكفر ~~والمعصية. ( @QUR@04 أأتخذ من دونه آلهة ) ممن تعبدون ، أو مما تعبدون منها ~~، وهي لا تملك أية ميزة في ساحة القدرة ، فلا تستطيع أن تدافع عن الذين ~~يؤمنون ، أو يرتبطون بها ، ( @QUR@04 إن يردن الرحمن بضر ) مما ينزله على ~~عباده من بلائه ، أو مما يوقعه بهم من عقابه ( @QUR@05 لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ) في ما يعتقده الناس بهم من الدرجة الرفيعة عند الله من حيث إنهم ~~الآلهة الوسطاء الشفعاء الذين يعبدهم الناس ليقربوهم إلى الله زلفى ، ~~ولكنها عقيدة خاطئة ، فهؤلاء لا يمثلون شيئا من الامتيازات الذاتية PageV19P141 # التي تميزهم عن الناس الآخرين ، فلم يمنحهم الله شيئا من القرب إليه من ~~مواقع العنصر الذاتي ، لأن الله لا يقرب أحدا إلا بعمله ، إذ الناس كلهم ~~سواء لديه في الخلق ، فليس أحد أقرب إليه من أحد ، ولا قيمة لشفاعتهم إذا ~~شفعوا ، فهم يعرفون موقعهم إذا كانوا من ذوي العقل والحياة والشعور ، وهم ~~لا يملكون الإحساس إذا كانوا من المخلوقات الجامدة ، لذا لا معنى للشفاعة ~~منهم ، فكيف تغني الشفاعة شيئا لي أو لغيري من الناس ، ( @QUR@02 ولا ~~ينقذون ) في مبادرة الإنقاذ الذاتي من موقع القوة المستقلة القادرة على ~~الإنقاذ ، فيمن يريد الله أن يضره أو يعذبه ، فكيف يكونون آلهة ، وهم لا ~~يملكون من صفاتها وقدرتها شيئا؟ # ( @QUR@05 إني إذا لفي ضلال مبين ) وأي ضلال أوضح من عبادة شيء لا يضر ~~ولا ينفع ، وترك عبادة من يملك الإنسان كله ، ومن يملك الوجود كله؟ # ( @QUR@03 إني آمنت بربكم ) الذي تحسون بربوبيته بفطرتكم ، وتنكرونه ~~بألسنتكم ، فقد استجبت لنداء الفطرة ، وتحركت في خط الاستقامة ، واستجبت ~~لنداء الرسل ، وها أنا ذا أعلن الحقيقة التي تفصلني عنكم وتميز موقفي عن ~~موقفكم ( @QUR@01 فاسمعون ) وقيل إن النداء هو للرسل ، لا للقوم ، لأنهم لا ~~يؤمنون بأن الله هو ربهم ، ويرد هذا الكلام بأن هذا التعبير جار على ما هو ~~الحقيقة التي قامت الحجة عليها ، في ما تفرضه فطرتهم التي تمردوا عليها. # * * * ### ||| ** العمق الإنساني في شخصية الرجل المؤمن # ( @QUR@03 قيل ادخل الجنة ) عند ما انتهت حياته ، بشكل طبيعي ، أو بالقتل ~~، كما ms4435 قيل. وهكذا ينقلنا الله فجأة من ساحة الحوار بينه وبين قومه ، ومن ~~التأكيد على ثبات الموقف وشجاعته مما قربه من الله ، وحببه إليه ، ومنحه ~~رضوانه ، وأدخله PageV19P142 # جنته ، إلى يوم القيامة عند ما يدعوه الملائكة لدخول الجنة. وهنا تنفتح ~~الروح الإيمانية على المعنى الإنساني الرحيم الذي يجعله بعيدا عن العقدة ~~العدوانية التي تتشفى وتنتقم ، فنرى هذا الإنسان المؤمن الذي قد يكون عاش ~~الاضطهاد من قومه ، وقد يكون عاش الوحدة بينهم ، وهو يتطلع إلى الجنة ~~ونعيمها ، يتمنى وهو في رحاب النعيم ، أن يكون قومه معه ، لو أنهم علموا ~~هذا المصير الرائع الذي ينتهي إليه المؤمنون. # ( @QUR@09 قال يا ليت قومي يعلمون* بما غفر لي ربي ) من السنوات التي مضت ~~من عمري في خط الكفر والمعصية ( @QUR@03 وجعلني من المكرمين ) عند ما اطلع ~~على إخلاصي في إيماني ، وصلابتي في موقفي. # وهكذا انتهى هذا الموقف الذي نستلهم منه العبرة في النتائج الإيجابية ~~التي يحصل عليها المؤمنون ، وفي الروح المنفتحة على الخير في حياة الناس ~~كلهم من دون تعقيد ، فنتعلم أن لا يعيش الإنسان الحاجز النفسي من موقع ~~العقدة الذاتية الفئوية التي تفصله عن الآخرين ، بل يبقى في أجواء التفكير ~~التي توحي إليه بأن عليه أن يتمنى للآخرين الحصول على ما حصل عليه من ~~المواقع التي انطلق منها ، في ما يهديهم الله إليها ، ويقربهم منها. # هذا حال الرجل المؤمن ، فما حال قومه ، وكيف انتهى أمرهم؟ # * * * ### ||| ** يا حسرة على العباد # ( @QUR@014 * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا ~~منزلين ) لأنهم ليسوا في مستوى من القدرة التي تحتاج إلى جند من الملائكة ~~للقضاء عليهم ، ( @QUR@08 إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) تماما ~~كما تنطفئ الشعلة المتقدة PageV19P143 # عند ما تطفئها الرياح ، فتخبو ، كما لو لم تكن شيئا ... ( @QUR@04 يا ~~حسرة على العباد ) إنه نداء الرب الذي يشفق على عبيده ويريد أن يرحمهم في ~~مواقع طاعته ، ولكنهم لا يقبلون رحمته ، فيتمردون عليه وعلى رسله من دون ~~وعي ولا عقل ، ( @QUR@08 ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن ms4436 ) فلا ~~ينظرون إلى رسالته نظرة جدية ، بل ينظرون إليها بروح الاستخفاف والاستهزاء ~~، لأنهم لا يدركون طبيعة المصير الذي يصيرون إليه ، ولا يعتبرون بالأمم ~~التي عاشت من قبلهم ، فبادت وذهبت أدراج الرياح كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف. # ( @QUR@011 ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ) ~~فهل فكروا أين ذهبوا ، وماذا حدث لهم ، وهل انتهوا إلى موت نهائي ، أو أن ~~لهم عودة بعد ذلك للحساب؟ وتلك هي علامات الاستفهام التي أراد الأنبياء لهم ~~أن يفكروا فيها ، ليصلوا إلى نتيجة حاسمة في مسألة الإيمان بالله واليوم الآخر. # ( @QUR@06 وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) أي وما كل هؤلاء إلا جميع ~~محضرون لدينا يوم القيامة لنحاسبهم على كل ما عملوه ، فهذه هي الحقيقة التي ~~كان من الضروري الانتباه إليها لو كانوا يسمعون أو يعقلون. # * * * PageV19P144 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ~~(33) @QUR@010 وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ~~@QUR@08 ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) @QUR@013 سبحان ~~الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) ~~@QUR@09 وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) @QUR@08 ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) @QUR@07 والقمر ~~قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) @QUR@015 لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) @QUR@08 وآية لهم ~~أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) @QUR@06 وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) @QUR@09 وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) ~~@QUR@06 إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ) (44) # * * * PageV19P145 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 نسلخ منه النهار ): أي نزيل النهار ونضع الليل مكانه. # ( @QUR@01 كالعرجون ): الاعوجاج ، وهو غصن النخلة ، شبه به القمر إذا ~~انتهى في نقصانه. # ( @QUR@02 فلا صريخ ): فلا مغيث. # * * * ### ||| ** جولة قرآنية في آيات الله الكونية # وهذه جولة قرآنية في آيات الله الكونية حيث تظهر قدرة الله وعلمه ورحمته ~~، الأمر الذي يدعو الناس إلى التفكير والبحث والاستقراء في تفاصيل الظواهر ~~الكونية في الأرض والسماء ، للحصول على المعرفة الواعية التي ms4437 تعمق نظرة ~~الإنسان إليها ، ليكتشف القوانين الإلهية الطبيعية التي أودعها الله في ~~نظامها ، ليزداد خبرة في مجال الاستفادة منها ، لأن الله سخرها له ، ثم ~~ليكتشف فيها عظمة الله وقدرته ، من خلال دقة الخلق وعمقه ، فيزداد إيمانا ~~بالله ، وخضوعا له. # ( @QUR@04 وآية لهم الأرض الميتة ) التي لا أثر فيها للخضرة ولا للحيوية ~~، بل هي مجرد تراب جاف يهتز مع الريح تارة ويطير معها أخرى ، ( @QUR@01 ~~أحييناها ) فأنزلنا عليها الماء الذي نفذ إلى أعماقها ، والتقى بالعناصر ~~الكامنة فيها ، وبالبذور المنثورة في طيات ترابها ، فتفاعلت معه ، ( ~~@QUR@03 وأخرجنا منها حبا ) من الحنطة والشعير والذرة والأرز والعدس ونحوها ~~، ( @QUR@02 فمنه يأكلون ) ليقيم حياتهم ويغذي كل أجهزتهم الجسدية ، بما ~~يصنعون منه من ألوان الطعام. PageV19P146 # ( @QUR@03 وجعلنا فيها جنات ) من البساتين الممتدة في رحابها ، النضرة ~~بأشجارها ( @QUR@02 من نخيل ) يتدلى منها الرطب الجني بأنواعه المختلفة في ~~مذاقها وخصائصها ، ( @QUR@01 وأعناب ) تتدلى منها أصناف العنب الشهي ~~المتنوع ، ( @QUR@04 وفجرنا فيها من العيون ) التي تمثل الخزانات الجوفية ~~للمياه المتكونة من الأمطار التي تنفذ إلى أعماق الأرض وتتحول بفعل العوامل ~~الطبيعية إلى ينابيع وأنهار تعطي الأرض حياة ونضرة وجمالا ، ( @QUR@03 ~~ليأكلوا من ثمره ) الذي لا يحتاج إلى تصنيع وإعداد ، بل يؤكل ناضجا شهيا من ~~خلال عناصر النضوج الطبيعية التي تحمل الغذاء في داخلها ، ( @QUR@03 وما ~~عملته أيديهم ) مما يحتاج إلى جهد وطبخ ونحو ذلك ، ( @QUR@02 أفلا يشكرون ) ~~الله الذي خلق ذلك كله بألسنتهم في كلمات الشكر ، وبحركات أعضائهم في أفعال ~~الطاعة ، في ما أمر الله به أو نهى عنه ، وهذا ما يمثله الشكر العملي بما ~~يفيده من الخضوع لصاحب النعمة من أجل الحصول على رضاه. # * * * # ( @QUR@05 سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) # ( @QUR@05 سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) في ما تعنيه كلمة الزوجية من ~~الذكورة أو الأنوثة ، أو الجانب الموجب ، والجانب السالب ، في تنوعها في ~~الشكل والطبيعة والآثار ، ( @QUR@03 مما تنبت الأرض ) من الثمار والخضروات ~~والورود ونحوها ( @QUR@02 ومن أنفسهم ) في الرجل والمرأة ( @QUR@03 ومما لا ~~يعلمون ) مما خلقه الله من الموجودات التي أودع فيها قانون الزوجية حتى ~~الذرة التي هي أصغر الأشياء. إن التطلع إلى ms4438 اختلاف الموجودات في أشكالها ~~وعناصرها وصغرها وكبرها مع ملاحظة وحدتها في هذا القانون الطبيعي الذي ~~تتمثل فيه الوحدة الكونية ، لأكبر دليل على عظمة الإبداع في قدرة الخالق ~~وحكمته المطلقة ، إذ PageV19P147 # ترتبط الأشياء ببعضها البعض من خلال حاجة كل زوج إلى ما يتحد معه في حركة ~~الوجود. # ( @QUR@03 وآية لهم الليل ) الذي دخل النهار فيه فأشرق الكون من خلال ~~نوره ، ( @QUR@03 نسلخ منه النهار ) ثم تدخلت قدرة الله فسلخت النهار من ~~الليل ( @QUR@03 فإذا هم مظلمون ) من خلال إحاطة الليل بالنهار وإبعاده عن ~~الكون ، وهذا الأسلوب جار على سبيل الاستعارة بالكناية في تصوير المسألة ~~الزمانية بهذا الشكل ، ( @QUR@04 والشمس تجري لمستقر لها ) أي أنها تتحرك ~~نحو مستقرها ، أو إلى أن تبلغ مستقرها أي استقرارها وسكونها بانقضاء أجلها ~~، أو زمن استقرارها أو محله. # * * * ### ||| ** كيف نفهم جري الشمس؟ # وقد جاء في تفسير الميزان أن «ظاهر النظر الحسي ، يثبت لها حركة دورية ~~حول الأرض ، لكن الأبحاث العلمية تقضي بالعكس وتكشف أن لها مع سياراتها ~~حركة انتقالية نحو النسر الواقع» (1). # وقد ذكر البعض أن جريها بمعنى حركتها الوضعية حول مركزها ، ورد عليه صاحب ~~الميزان بأنه «خلاف ظاهر الجري الدال على الانتقال من مكان إلى مكان» (2). # وربما كان المقصود من الجري ، الحركة المعنوية التي تعني امتدادها في ~~الكون في نطاق النظام العام الذي يحكم الحياة حتى ينتهي أمده ، حيث يبلغ PageV19P148 # مستقره بانتهاء دوره من خلال إرادة الله وحكمته في ذلك ، كما نقول : إن ~~الحياة تسير على نظام ثابت إلى نهايتها ، أو أن الدولة تجري بطريقة متوازنة ~~، والله العالم. # * * * ### ||| ** والقمر قدرناه منازل # ( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) الذي خلق الأشياء بقوته التي لا ~~تقهر ، وأرادها بعلمه الذي لا ينتهي ، ( @QUR@03 والقمر قدرناه منازل ) وهي ~~المواقع التي يقطعها القمر في دورته البالغة كما قيل ثمانية وعشرون يوما ~~وليلة تقريبا ، ( @QUR@04 حتى عاد كالعرجون القديم ) في دقته ، والمراد به ~~عود عذق النخلة من بين الشمراخ إلى منبته ، وهو عود أصفر مقوس يشبه الهلال. # وفي هذه الآية إشارة إلى اختلاف رؤية القمر من قبل الناس في مدى ms4439 الشهر من ~~حيث اختلاف نوره الذي يكتسبه من الشمس في ما يقرب من نصف كرته تقريبا ، ~~بينما يبقى النصف الآخر الذي لا يواجه الشمس مظلما تماما ، فيظهر في صورة ~~هلال رفيع الحجم كمثل الخيط ثم يكبر ويبدو نوره بدرجة أقوى كلما اقترب من ~~الشمس حتى يتحول إلى بدر ثم يبدأ النقصان فيه حتى يعود كما كان في أوله. # ( @QUR@07 لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) في ما خطط لهما من النظام ~~في موقع كل منهما ، ( @QUR@04 ولا الليل سابق النهار ) بحيث يلغي وجوده ~~فيتقدمه ليكون هناك ليلان متعاقبان أو نهاران متعاقبان ، ( @QUR@04 وكل في ~~فلك يسبحون ) لأن لكل واحد منهما مداره الفضائي الذي يتحرك فيه بحسب نظامه ~~الكوني الذي قدره الله له ، وربما كان التعبير بالسباحة بحسب الفراغ العميق ~~من الفضاء الذي تتحرك فيه الشمس والقمر ، أما التعبير عنهما بأسلوب العاقل ~~، فقد يكون PageV19P149 # بلحاظ الإيحاء بالانقياد والطاعة لما أراده الله لهما ، كالعقلاء ، كما ~~ذكره البعض. # ( @QUR@08 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) فقد سخرنا لهم ~~البحر وأخضعنا مياهه ليحملهم في السفن التي تتحرك بقدرة الله ، في ما ألهم ~~العباد علمه ، ليحملوا ذريتهم وأمتعتهم إلى بلاد أخرى فيسهل عليهم أمر ~~الحياة ، ( @QUR@06 وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) ليسهل لهم التنقل بين ~~منطقة وأخرى ، مما يشق على الإنسان السير فيه بنفسه ، ويحمله عناء شديدا ، ~~وقد تكون الإشارة إلى الأنعام كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@07 وجعل لكم ~~من الفلك والأنعام ما تركبون ) [الزخرف : 12] ، وقوله : ( @QUR@04 وعليها ~~وعلى الفلك تحملون ) [المؤمن ؛ 22]. وربما كانت الإشارة إلى ذلك وإلى ما ~~يستحدثه الإنسان من وسائل الركوب كالطيارات والسيارات ونحوها. # ( @QUR@06 وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ) يستجيب لصراخهم فيخلصهم من ضغط ~~الأمواج المتلاطمة عليهم ، ( @QUR@03 ولا هم ينقذون ) وينجون من الغرق ، ( ~~@QUR@03 إلا رحمة منا ) في اللطف بهم وتخليصهم مما هم فيه ، ( @QUR@03 ~~ومتاعا إلى حين ) أي بقاء لهم إلى أجل مسمى في ما قدره الله لهم من الأجل ~~المحدود في أعمارهم. # * * * PageV19P150 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ms4440 ترحمون ~~(45) @QUR@011 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) ~~@QUR@024 وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا ~~أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ) (47) # * * * ### ||| ** من مظاهر تمرد الكافرين # ( @QUR@09 وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ) من الأعمال ~~السيئة التي اكتسبتموها ، والعقائد الكافرة أو المنحرفة التي اعتقدتموها من ~~دون حجة ولا برهان ، مما قد تتعرضون للعذاب من خلاله ، لتتوبوا عما مضى ، ~~ولتؤكدوا العزم على التخلص منه في المستقبل لتأخذوا الفكرة والعبرة من هذه ~~الآيات التي توحي بعظمة الله وقدرته ، لأن الله أراد للإنسان أن يجعل من ~~عقله الأساس PageV19P151 # في سلامة مصيره واستقامته في موقفه ، ( @QUR@02 لعلكم ترحمون ) في ما ~~يرحم به الله عباده الذين ينفتحون عليه بعد الغفلة ، ويتوبون إليه بعد ~~المعصية ، ويرجعون إليه بعد الضلال ، ولكنهم لا يستجيبون لهذا النداء ~~الناصح ، بل يستمرون في ضلالهم ، فلا يخافون عذابا ولا يرجون ثوابا. # ( @QUR@07 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ) التي تفتح عقولهم وقلوبهم ~~على معرفة الله وعبادته وتقواه ( @QUR@04 إلا كانوا عنها معرضين ) فلا ~~يفكرون فيها ، ولا يتعمقون في دلالاتها ، بل يواجهونها بطريقة اللامبالاة ~~التي لا تحترم الفكر ، ولا تهتم بالمصير. # ( @QUR@07 وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ) على الفقراء والمساكين ~~ممن يعانون الحرمان من العيش الكريم ، فقد رزقكم الله هذا المال لتستمتعوا ~~به في حاجاتكم الخاصة ، ولتنفقوا منه على الناس الذين يحتاجون إليه ، ممن ~~جعل الله رزقهم على أيديكم ، في ما نظم الله به الرزق لعباده ، لأن المال ~~لا يمثل امتيازا إلهيا لمالكيه ، بل يمثل المسؤولية الملقاة على عاتقهم في ~~طريقة الإنفاق ، وفي حدوده ، ( @QUR@05 قال الذين كفروا للذين آمنوا ) لقد ~~أراد المؤمنون أن يستثيروا في نفوس الكافرين روحية العطاء ومسئوليته ، من ~~خلال الإيحاء الخفي ، بأن الرزق الذي بأيديهم من الله ، فلا يخافون حاجة ~~عند إنفاقه وعليهم أن يستشعروا الخوف من فقدانه عند التمرد على نداء الله ~~في ذلك ، لأن الرب الذي أعطى ، قادر على أن يأخذ منهم ما ms4441 أعطاه لهم ، ولكن ~~الكافرين كانوا يفكرون بغير هذه الطريقة فقالوا لهم : ( @QUR@06 أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه ) فإذا كان الله موجودا فعليه أن يطعم عباده الفقراء ، ~~كما أطعمنا ، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم لأن إرادته لا تتخلف عن مراده ، ~~فلما ذا يكلفنا أن نقوم بذلك ولماذا حرمهم؟ وهكذا فإنكم تتنكرون لعقيدتكم ~~بالله ، عند ما تؤكدون وجوده وتطلبون منا الإنفاق على عباده ( @QUR@06 إن ~~أنتم إلا في ضلال مبين ) في النهج الذي تنتهجونه ، وفي الخط الذي تسيرون ~~عليه ، وفي الكلمات التي تثيرونها. PageV19P152 # ولكن هذا المنطق الكافر لا يرجع إلى أساس ، فإن تعلق مشيئة الله وإرادته ~~بالأشياء ، قد تكون بشكل مباشر في ما يريد له من الوجود الحتمي الذي تتعلق ~~به إرادته التكوينية التي بها قوام الوجود ، وقد تكون بتحريك إرادة عباده ~~نحوها ، في ما يريد توجيههم إليه ، وتكليفهم به من جهة الأمر والنهي على خط ~~الإرادة التشريعية التي لا تفرض حتمية الوجود ولكنها توجه الإرادة البشرية ~~نحوه ، في ما يبتليهم به ، أو يختبر طاعتهم من خلاله. # وربما كان حديثهم عن هذا جاريا على سبيل السخرية والاستهزاء بالمنطق ~~الإيماني ، والله العالم. # * * * PageV19P153 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) @QUR@08 ما ينظرون ~~إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) @QUR@07 فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون (50) @QUR@010 ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون (51) @QUR@013 قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن ~~وصدق المرسلون (52) @QUR@010 إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون (53) @QUR@011 فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون (54) @QUR@07 إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) @QUR@07 هم ~~وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) @QUR@06 لهم فيها فاكهة ولهم ما ~~يدعون (57) @QUR@05 سلام قولا من رب رحيم (58) @QUR@04 وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون (59) @QUR@014 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (60) @QUR@05 وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) @QUR@08 ~~ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) @QUR@05 هذه جهنم التي ~~كنتم توعدون (63) @QUR@05 اصلوها اليوم بما كنتم ms4442 تكفرون (64) @QUR@011 ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) (65) # * * * PageV19P154 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاكهون ): مرحون من الفكاهة. # ( @QUR@01 الأرائك ): جمع أريكة وهي السرير. # ( @QUR@02 ما يدعون ): ما يطلبون. # ( @QUR@01 وامتازوا ): انفردوا وابتعدوا عن أهل الخير والصلاح. # ( @QUR@01 جبلا ): خلقا. # ( @QUR@01 اصلوها ): قاسوا حرها والزموا العذاب بها. # * * * ### ||| ** المؤمنون والكافرون في الموقف الحاسم يوم القيامة # ويستمر الحوار بين المؤمنين والكافرين عن التوحيد الذي امتد الحديث في ~~الآيات الكونية الدالة عليه ، إلى اليوم الآخر الذي يحذر المؤمنون الكافرين ~~من نتائج الموقف الذي يقفونه فيه عند ما يواجهون عذاب الله الذي ينتظرهم ~~هناك ، ويدعونهم إلى التقوى منه ، بالإيمان بالله والسير على خط عبادته ، ~~ولكن الكافرين لا يواجهون المسألة باهتمام وجدية ، بل يعملون على الهروب من ~~مناقشتها بطريقة فكرية ، فيهربون إلى القضايا التي يخيل إليهم أنها قد تحرج ~~المؤمنين بإثارة الأسئلة حول موعد اليوم الآخر الذي لا يملك المؤمنون ~~تحديده ، لأن الله لم يمكنهم من معرفته. # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) فقد تحدد إجابتكم عن ~~هذا السؤال مسألة صدقكم وكذبكم ، لأن الصادق يعرف عادة حدود ما يدعو PageV19P155 # إليه ، وقد يكون هذا السؤال واردا لإثارة سخرية السامعين عند ما يواجه ~~المؤمنون السؤال بحيرة ، ولكن الله يصدم هذا الواقع كله بالصورة المخيفة ~~المرعبة ، فهؤلاء الذين يعيشون الاسترخاء اللاهي العابث والسخرية بالإيمان ~~والمؤمنين ويثيرون الجدل العقيم الذي لا يؤدي إلى أية نتيجة ، لأنه لا ~~يتحرك في خط الجدية ، ستصدمهم المفاجأة ، على مستوى ما يحدث للجميع ، ~~كمجموعة ، أو ما يحدث لهم كأفراد ، لأن الحديث عن القيامة يختلف عن الحديث ~~عن أية قضية أخرى من قضايا الحياة التي يختلف فيها الناس ، لأن الناس كلهم ~~قادمون إليها عبر جسر الموت الذي لا يمنح أحدا موعدا معينا لزيارته ، بل ~~يأتي في أسلوب المفاجأة التي تصدم الزهو كله عند ما تصدم الوجود كله. # ( @QUR@05 ما ينظرون إلا صيحة واحدة ) وهي صيحة الموت التي ( @QUR@03 ~~تأخذهم وهم يخصمون ) أي يختصمون ويتجادلون ، وقد يراد بها نفخة الصور كما ~~ذهب إليه البعض ، ( @QUR@03 فلا يستطيعون توصية ) لأولئك الذين يهمهم أمرهم ~~من ms4443 شؤون ما يتركونه خلفهم من أموال وأولاد وقضايا ، ( @QUR@04 ولا إلى ~~أهلهم يرجعون ) عند ما يكونون في أي مكان آخر بعيد عن أهلهم. # ( @QUR@03 ونفخ في الصور ) في المرحلة التي يريد الله إحياءهم واخروجهم ~~من القبور إلى الموقف الكبير بين يديه الله ، ( @QUR@04 فإذا هم من الأجداث ~~) القبور ( @QUR@03 إلى ربهم ينسلون ) أي يسرعون في المشي. # ( @QUR@07 قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) فها نحن نتحرك في حياة ~~جديدة تضج في أجسادنا ، فكيف حدث هذا ، ومن الذي أبدع الحياة من جديد بعد ~~أن كنا أمواتا ، وكيف تكاملت أعضاؤنا ، وكيف خرجنا من القبور ، وكيف وكيف؟ ~~من فعل هذا؟ وهنا أشرقت الذكريات في أفكارهم ، واستمعوا إلى تاريخ حياتهم ~~في وجدانهم العميق المنفتح على كل تفاصيل ما كانوا يسمعونه من PageV19P156 # الرسل ، ( @QUR@04 هذا ما وعد الرحمن ) في ما حدثنا الرسل به ( @QUR@02 ~~وصدق المرسلون ) الذين أبلغونا رسالة الله ، وتحدثوا معنا عن اليوم الآخر ، ~~فها نحن نواجه الحقيقة بشكل صارخ ونشعر بصرخة الويل تجتاح كل وجودنا ، ~~لأننا كنا ننكر البعث ، ونتمرد بالمعاصي على الله سبحانه. # وتأتيهم المفاجأة الثالثة ، وهي لقاء الله في موقف الحساب الدقيق الشامل ~~لكل ما عملوا به ( @QUR@010 إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون ) فها هم ينقلون دفعة واحدة من الساحة التي كانوا يتداولون فيها ~~الحديث عما كان وعما يكون إلى الموقف الحاسم أمام الله ... فما ذا هناك؟ # ( @QUR@05 فاليوم لا تظلم نفس شيئا ) مما عملت من خير أو شر ، ( @QUR@06 ~~ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) لأن العمل هو الأساس في القيمة السلبية أو ~~الإيجابية عند الله ، وهو الأساس في الثواب والعقاب ، لأن الله لا يرتبط ~~بأي شخص من عباده إلا من خلال عمله ، فهم متساوون أمامه في الخلق ، فليس ~~أحد أقرب إليه من أحد في ذلك كله. # ( @QUR@06 إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ) بنعيمهم الذي منحهم الله إياه ~~في الجنة ، ( @QUR@01 فاكهون ) في ما يقدم إليهم من أنواع الفاكهة التي لا ~~حصر لها ، ( @QUR@02 هم وأزواجهم ) اللاتي كن معهم في الدنيا أو من الحور ~~العين اللاتي ms4444 رزقهم الله في الآخرة ، ( @QUR@02 في ظلال ) من الأشجار ~~الوارفة التي تقيهم حرارة الشمس ، ( @QUR@02 على الأرائك ) التي يستندون ~~إليها ( @QUR@01 متكؤن ) يتكئون عليها ، ( @QUR@06 لهم فيها فاكهة ولهم ما ~~يدعون ) مما يشتهونه ويتمنونه ويطلبونه ، ( @QUR@05 سلام قولا من رب رحيم ) ~~فهذا هو النداء الرضي الآمن الذي ينطلق من الرب الرحيم الذي أفاض عليهم من ~~واسع رحمته كل خير ليحييهم بالسلام الذي يشيع في روحهم الرضى والأمن ~~والطمأنينة ، ويعيشوا السعادة كل السعادة في اللطف الإلهي الذي يرعاهم ~~برعايته ويحنو عليهم بلطفه وعطفه ورحمته ، ( @QUR@04 وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون ) PageV19P157 # وقفوا جانبا ، بحيث تتميزون عن المؤمنين فلا تختلطوا بجمعهم ، فليس ~~طريقهم كطريقكم ، وليس منهجهم كمنهجكم ، فهم السائرون في خط الله ، وأنتم ~~السائرون في خط الشيطان. # * * * ### ||| ** عهد الله إلى بني آدم بعدم عبادة الشيطان # ( @QUR@011 * ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) بما ~~يثيره في عقولكم من مفاهيم الكفر ، ويدعوكم إليه من خطوات الضلال ، ويحرككم ~~نحوه من أهداف الباطل ، ويوسوس إليكم من وساوس الشر ، فقد حذرتكم من ~~الانقياد والاستسلام له في كل قضاياكم العامة والخاصة ، لأن إطاعته نوع من ~~الانقياد الأعمى له ، وذلك هو معنى عبادته التي نهيتكم عنها في أكثر من آية ~~، وفي نداء كل رسول ، وقد جاء ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@011 يا بني آدم ~~لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) [الأعراف : 27]. # ( @QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) فقد أعلن عداوته للناس عند ما أخذ الوعد من ~~الله بإمهاله إلى يوم الوقت المعلوم في ما حدثنا الله عنه بقوله تعالى : ( ~~@QUR@022 قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) ~~[الأعراف : 16 17]. # ( @QUR@05 وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) وذلك بالانقياد المطلق لله في ~~الالتزام بدينه وشريعته وإطاعته في كل شيء ، فهو الذي يصل بالإنسان إلى ~~النتائج الإيجابية في الدنيا والآخرة ويحقق له السعادة في كل مجالات حياته ~~، وهو الخط المستقيم الذي يحقق للإنسان التوازن بين الدنيا والآخرة في آفاق ~~رضى الله. PageV19P158 # ( @QUR@05 ولقد أضل منكم جبلا ms4445 كثيرا ) أي جماعة كثيرة ، بوسوسته وتزيينه ~~وإغراءاته ، ( @QUR@03 أفلم تكونوا تعقلون ) لأن العقل يدفع بالإنسان إلى ~~أن يتلمس سبل سعادته عبر ما يختاره لنفسه بما يصلح أمره لا سيما في ما ~~يتعلق بقضية المصير ، ويبتعد عما يفسد أمره ، فقد أودع الله في الإنسان ~~العقل بما يستطيع أن يحدد له مواقع الحسن والقبح ، ومواضع الخير والشر ، ~~فلما ذا جمدتم عقولكم ومنعتموها عن الحركة في هذا الاتجاه ، حتى وقعتم تحت ~~تأثير شهواتكم ، فوقعتم في دائرة سيطرة الشيطان الذي دفعكم إلى السير في ~~طريق الضلال ، ( @QUR@05 هذه جهنم التي كنتم توعدون ) في ما جاءتكم به ~~الرسالات ، ووعدكم به الرسل في إنذارهم لكم على السير في طريق الكفر بالله ~~والتمرد على طاعته ، ( @QUR@02 اصلوها اليوم ) وذوقوا حرارتها ( @QUR@03 ~~بما كنتم تكفرون ) برسالات الله ، وبرسله وباليوم الآخر. # ( @QUR@04 اليوم نختم على أفواههم ) فلا تنبس ببنت شفة ، فلا دور لها في ~~التعبير عن الواقع ، ( @QUR@02 وتكلمنا أيديهم ) بما عملته مما يتصل ~~بمسؤولية اليد في حركتها في دائرة العمل الإنساني ، ( @QUR@02 وتشهد أرجلهم ~~) في الخطوات التي تحركت نحو الأهداف الخيرة أو الشريرة ، ( @QUR@03 بما ~~كانوا يكسبون ) ولعل الاقتصار على الأيدي والأرجل ، باعتبارها من الأعضاء ~~التي تمثل الأدوات الغالبة على أفعال الإنسان ، فيكون ذكرهما من باب المثال ~~، كما ورد في بعض الآيات التي تحدثت عن شهادة الجلود ، والأسماع ، ~~والأبصار. # * * * PageV19P159 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ~~@QUR@010 ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ~~@QUR@07 ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) @QUR@012 وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) @QUR@08 لينذر من كان ~~حيا ويحق القول على الكافرين (70) @QUR@012 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) @QUR@06 وذللناها لهم فمنها ركوبهم ~~ومنها يأكلون (72) @QUR@06 ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) ~~@QUR@07 واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) @QUR@07 لا يستطيعون ~~نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) @QUR@09 فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون ~~وما يعلنون ) (76) # * * * PageV19P160 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لطمسنا ): الطمس هو المحو ، والمراد به هنا العمى أي ~~لأعميناهم. # ( @QUR@01 فاستبقوا ms4446 ): من الاستباق أي بادروا وانطلقوا. # ( @QUR@01 ننكسه ): نجعل أسفله أعلاه. # * * * ### ||| ** الله المتصرف بحياة البشر # ( @QUR@05 ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) حتى محونا كل آثار الإبصار فلم ~~تعد ترى شيئا ، ( @QUR@02 فاستبقوا الصراط ) وتحركوا نحوه في المدى الواضح ~~منه الذي لا يضل فيه أحد ، فلم يبصروه لفقدانهم القوة البصرية ( @QUR@02 ~~فأنى يبصرون ) وكيف يهتدون إلى ما لا يملكون السبيل إليه. # ( @QUR@05 ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) فغيرنا صورتهم إلى صورة مشوهة ~~أخرى فعذبناهم بذلك وهم قعود في مواقعهم ، فتجمدوا فيها ( @QUR@05 فما ~~استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء ، وهكذا يريد ~~الله أن يؤكد في هاتين الآيتين قدرته سبحانه على أن يتصرف بهم ، ويعذبهم ~~بالطريقة التي لا يملكون معها أي اختيار ولا يستطيعون معها الحصول على أي ~~نوع من حرية الحركة ، وذلك على سبيل التهديد. ( @QUR@05 ومن نعمره ننكسه في ~~الخلق ) فكلما طال عمره كلما نقصت قواه ، وضعفت حيويته فلا يزال ينقص حتى ~~يتبدل حاله من القوة إلى الضعف ، ( @QUR@02 أفلا يعقلون ) ليعرفوا من موقع ~~التفكير العقلي أن الله قادر على أن يحول الإنسان من PageV19P161 # حال إلى حال لأنه هو وحده الخالق الذي يملك كل وجود الإنسان بكل حالاته. # * * * # ( @QUR@03 وما علمناه الشعر ) # ( @QUR@03 وما علمناه الشعر ) ليكون شاعرا ، كما يصفه بذلك المشركون ~~الذين يثيرون الشكوك حول رسالته ، ليتعامل الناس معه كما يتعاملون مع ~~الشعراء في اعتبار الوحي الذي أرسله الله به ، كلاما شعريا بمستوى جديد ~~يستحق أن يعجب الناس به من دون أن يروا فيه رمزا مقدسا للرسالة وللرحمة ~~الإلهية ، ( @QUR@03 وما ينبغي له ) أن يكون في موقع الشعراء الذين لا ~~يحملون أي معنى مقدس ، مما يتنافى مع موقع الرسالة وقدسيتها ، ونوعية دورها ~~في حياة الناس ، لأن الشاعر لا يفرض مفاهيمه عليهم لفقدانه الصفة التي ~~تؤهله لذلك ، بينما يملك الرسول دور المبلغ عن الله الذي يفرض الالتزام بكل ~~مضمون الرسالة باعتبار أنه يمثل إرادة الله ، ( @QUR@04 إن هو إلا ذكر ) من ~~وحي الله لإنقاذ الإنسان من غفلته ( @QUR@02 وقرآن مبين ) أنزله الله على ~~الناس ليقرأوا آياته ويتدبروها ليهتدوا بها ms4447 في أجواء الضياع والظلام. # ( @QUR@04 لينذر من كان حيا ) يعيش الحياة بمعناها الحي الذي يحمل الوعي ~~واليقظة والعقل ، ( @QUR@04 ويحق القول على الكافرين ) بما يقيم الله الحجة ~~عليهم من خلال وحيه وقرآنه. # ( @QUR@09 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) من الإبل ~~والبقر والغنم ونحوها ، ( @QUR@03 فهم لها مالكون ) حيث أراد الله لهم أن ~~ينتفعوا بها ، ويتعاملوا PageV19P162 # معها من موقع الملك والسيطرة ( @QUR@02 وذللناها لهم ) وأخضعناها ~~وسخرناها ، حتى أصبحت منقادة لهم ، ( @QUR@04 فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ) ~~فينتفعون بلحمها ، ( @QUR@04 ولهم فيها منافع ومشارب ) مما ينتفعونه به من ~~شعرها ووبرها وجلودها وألبانها ، ( @QUR@02 أفلا يشكرون ) الله على هذه ~~النعم الوافرة التي تستقيم بها حياتهم ، ويوحدونه ، فلا يشركون به شيئا؟ # ( @QUR@07 واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ) مما اتخذوه من ~~المعبودات المزعومة كالأصنام والجن والشياطين وجبابرة البشر رجاء أن يحققوا ~~لهم النصر والنجاح في مواجهة قضايا الحياة ومشاكلها الصعبة ، من خلال ~~اعتقادهم بأن هؤلاء يملكون تدبير العالم بما هو مفوض إليهم من إدارة شؤون ~~الحياة. # ( @QUR@03 لا يستطيعون نصرهم ) لأنهم لا يملكون أية قوة ذاتية ، ( ~~@QUR@04 وهم لهم جند محضرون ) أي أن المشركين جند لهؤلاء الآلهة تابعون لهم ~~في ضلالهم ومصيرهم ، محضرون معهم في يوم القيامة عند ما يقفون غدا أمام ~~الله ليلقوا جزاء أعمالهم في الإضلال والضلال. # ( @QUR@03 فلا يحزنك قولهم ) حديث الشرك الذي يفيضون فيه ، وأساليب الهزء ~~والسخرية بالرسالة ، فسيلاقون غدا الجزاء العادل عندنا على كل ما أسروه ~~وأعلنوه ، ( @QUR@06 إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) من كل أقوالهم ~~وأفعالهم ، فتابع مسيرتك ، واعمل بما أراده الله لك من أداء الرسالة ، ولا ~~تلتفت إلى ذلك كله. # * * * PageV19P163 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) ~~@QUR@011 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) ~~@QUR@010 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) @QUR@011 ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) @QUR@014 ~~أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم (81) @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ms4448 له كن فيكون (82) ~~@QUR@08 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) (83) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ملكوت ): مبالغة في ملك الله وسلطانه. # * * * PageV19P164 # ( @QUR@05 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ) # في هذا الفصل من السورة وهو الفصل الأخير حديث صريح عن البعث بعد الموت ( ~~@QUR@03 أولم ير الإنسان ) الذي يشاهد عملية الخلق في أمثاله من البشر ~~الذين من حوله أو من صلبه ، ( @QUR@04 أنا خلقناه من نطفة ) كانت البداية ~~في رحلة الحياة ، فتحولت إلى علقة ، ثم صارت مضغة ، ثم تحولت المضغة حتى ~~صارت عظاما ، فكسونا العظام لحما ، وكانت النهاية هي اكتمال الخلق الذي ~~يمثله هذا المخلوق السوي الكامل الذي يفكر ويبصر ويسمع ويتحرك ، ( @QUR@04 ~~فإذا هو خصيم مبين ) يثير الجدل المتحرك في أكثر من موقع حول التوحيد ~~والبعث ، فكيف يجادل في ذلك وهو يرى عظمة القدرة في خلقه الذي يكشف عن عظمة ~~الخالق الذي خلقه؟ وكيف يجادل في البعث وهو يرى عظمة البدء التي تطل على ~~إمكانية الإعادة؟ # ( @QUR@03 وضرب لنا مثلا ) في ما طرحه من العظام البالية التي تتفتت ، ~~وتساءل متعجبا من طرح فكرة المعاد من موقع الحقيقة ، ( @QUR@02 ونسي خلقه ) ~~فلم يلتفت إلى عمق القدرة وروعة الإبداع في مسألة الإيجاد من عدم ، أي لم ~~يسبقه نموذج ولا مثال ، ( @QUR@06 قال من يحي العظام وهي رميم ) أي بالية ~~... قالها ، وهو مستغرق في غفلته ، مشدود إلى القدرات المحدودة المحيطة به ~~، العاجزة عن أي شيء من هذا القبيل ، من خلال الموقع المادي للقدرة. # ( @QUR@06 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) فأنت لا تنكر الخالق الذي خلق ~~الإنسان وخلق لحمه وعظامه ، فإذا كنت تعترف به فإنك تستطيع أن تأخذ فكرة عن ~~إمكان البعث ، لأن القادر على الإيجاد من العدم قادر على الإعادة ، لأن ~~عملية الإيجاد الثاني ، مسبوقة بالنموذج ، مما يجعله أقرب إلى السهولة من ~~الإيجاد الأول الذي لم يسبق بمثال ... ( @QUR@04 وهو بكل خلق عليم ) ~~لإحاطته بكل عناصره التي تحكم عملية الوجود ، فلا يمتنع عليه شيء من جهة ~~العلم ولا من جهة القدرة. PageV19P165 # ( @QUR@011 الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) ~~وهذا تقريب ms4449 حسي للفكرة المعنوية التي تسيطر على أذهانهم في استبعاد انطلاق ~~الحياة من قلب الواقع المادي للموت في مسألة البعث ، لأن الحياة والموت ~~حقيقتان متضادتان ، فهذا المثل يصور خروج النار من قلب الشجر الأخضر الذي ~~يقطر ماء ، والمراد منه كما جاء في مجمع البيان «المرخ والعفار ، وهما ~~شجرتان يتخذ الأعراب زنودها منهما» (1). وتقول العرب : في كل شجر نار ~~واستمجد المرخ والعفار ، أي استفضلا واستكثرا من النار كأنهما أخذا من ~~النار ما هو حسبهما فصلحا للاقتداح بهما ، فيجعل العفار زندا أسفل ويجعل ~~المرخ زندا أعلى ، فيسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن الله ، وبذلك ~~تبرز الفكرة في نطاق القدرة ، فإذا كان الله قادرا على أن يجعل النار من ~~قلب الشجرة الخضراء ، فهو قادر على أن يجعل الميت حيا ، لأن مشاكل التفاعل ~~بينهما تتحدى قدرة الإنسان ولا تتحدى قدرة الله سبحانه. # ( @QUR@010 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) ~~وهذا هو السؤال الكبير الذي يواجه المنكرين للبعث ، فهم يقرون بأن الله هو ~~الذي خلق السماوات والأرض ، في هذا النظام البديع الرائع الذي يتحرك بكل ~~دقة وإتقان وروعة في دائرة القوانين الطبيعية المودعة في داخله ، بكل ~~مفردات الظواهر المتحركة فيها ، فإذا كانت القدرة الإلهية بهذا المستوى ~~العظيم ، فهل يعجز عن خلق هذه المخلوقات الإنسانية الصغيرة التي تتجمع من ~~أجزاء مادية متناثرة محدودة ، ونفس حية وكلها في علم الله ، وذلك بإعادتها ~~من جديد؟! ( @QUR@01 بلى ) فإن القادر على الوجودات الضخمة قادر على ~~الوجودات الصغيرة ( @QUR@02 وهو الخلاق ) الذي يخلق خلقا بعد خلق ، ( ~~@QUR@01 العليم ) الذي يحيط بكل عناصر خلقه وبكل أوضاعها. PageV19P166 ### ||| ** مع صاحب تفسير الميزان # وقد قرب صاحب تفسير الميزان استفادة معنى إعادة الخلق للجزاء بعد الموت ~~من قوله ( @QUR@04 على أن يخلق مثلهم ) تقريبا فلسفيا دقيقا ننقله بتمامه ، ~~قال : «بيانه أن الإنسان مركب من نفس وبدن ، والبدن في هذه النشأة في معرض ~~التحلل والتبدل دائما ، فهو لا يزال تتغير أجزاؤه ، والمركب ينتفي بانتفاء ~~أحد أجزائه ، فهو في كل آن غيره في الآن السابق بشخصه ، وشخصية الإنسان ms4450 ~~محفوظة بنفسه روحه المجردة المنزهة عن المادة والتغيرات الطارئة من قبلها ~~المأمونة من الموت والفساد. # والمتحصل من كلامه تعالى ، أن النفس لا تموت بموت البدن وأنها محفوظة حتى ~~ترجع إلى الله سبحانه كما تقدم استفادته من قوله تعالى : ( @QUR@025 وقالوا ~~أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون* قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) [السجدة : 10 11]. # فالبدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان ~~مثله لا عينه ، لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن ~~السابق كان عينه لا مثله ، لأن الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها. # ولما كان استبعاد المشركين في قولهم : ( @QUR@05 من يحي العظام وهي رميم ~~) راجعا إلى خلق البدن الجديد دون النفس ، أجاب سبحانه بإثبات إمكان خلق ~~مثلهم ، وأما عودهم بأعيانهم فهو إنما يتم بتعلق النفوس والأرواح المحفوظة ~~عند الله بالأبدان المخلوقة جديدا ، فتكون الأشخاص الموجودين في الدنيا من ~~الناس بأعيانهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@016 أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ) [الأحقاف : 33] ~~فعلق الإحياء على الموتى PageV19P167 # بأعيانهم ، فقال : ( @QUR@04 على أن يحيي الموتى ) ولم يقل : على أن يحيي ~~أمثال الموتى» (1). # وقد نلاحظ على هذا الكلام ، بأن هذا الفرق بين المثل والعين قد يكون ~~ملحوظا من الناحية الفلسفية الدقيقة بالطريقة التي ذكرها العلامة ~~الطباطبائي ، ولكنه ليس ملحوظا من الناحية العرفية التي جرى التعبير ~~بلحاظها في هذه الآية على أساس الموازنة بين حجم السماوات والأرض وبين حجم ~~الإنسان في مسألة الخلق ، بقطع النظر عن التفاصيل ، أما مسألة إرادة ~~الإعادة بعد الموت فتستفاد من سياق الكلام ، وبذلك يكون المراد من مثلهم ~~أنفسهم على طريقة الكناية ، كما ورد استعماله في أكثر من مورد. # * * * ### ||| ** إذا أراد الشيء ... كن فيكون # ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) أي أن شأن ~~الله أو طريقته في إيجاد الأشياء وتكوينها أن تتعلق إرادته بها فتوجد من ~~دون حاجة إلى أسباب ms4451 ومقدمات ، لأن إرادته لا تتخلف عن مراده ، وقد كان ~~التعبير بإصدار الأمر له بالوجود ، على سبيل الكناية ، لا على نحو الحقيقة ~~، وهو ظاهر. # وقد جاء في نهج البلاغة : «يقول لمن أراد كونه : «كن فيكون» ، لا بصوت ~~يقرع ولا بنداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله ، لم يكن من ~~قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا» (2). PageV19P168 # وفي موضع آخر منه : «يقول ولا يلفظ ويحفظ ولا يتحفظ ، ويريد ولا يضمر» (1). # وفي كتاب الكافي بإسناده عن صفوان بن يحيى قال : «قلت لأبي الحسن ~~عليه السلام : أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق ، قال : فقال : الإرادة ~~من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأما من الله تعالى ~~فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر ، وهذه الصفات ~~منفية عنه ، وهي صفات الخلق. فإرادة الله الفعل لا غير ذلك ، يقول له : كن ~~فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك ، كما أنه لا ~~كيف له» (2). # ( @QUR@06 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ) والملكوت كما قيل مبالغة في ~~الملك ، فهو مسلط على الملك كله ، في وجود الأشياء بأجمعها ، وفي تدبيره ~~للإنسان في موته وحياته وإعادته إلى الوجود ثانيا وفي غير ذلك ، فلا يستبعد ~~منه شيء في تفاصيل وجود الأشياء مهما كان عظيما ، لأن قدرته تتساوى أمام ~~العظيم والحقير ، والكبير والصغير ، لأن سر وجودها هو إرادته المتعلقة بها ~~من دون شيء آخر. # ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) وتعودون أحياء بعد الموت ، فاستعدوا لذلك ~~لتعرفوا كيف تواجهون الموقف ، وكيف تتصرفون في ساعة الحساب. # * * * PageV19P169 ### | سورة الصافات ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها مائة واثنان وثمانون PageV19P171 ### ||| ** في أجواء السورة # سميت هذه السورة بالصافات لورود هذه الكلمة في الآية الأولى منها : ( ~~@QUR@02 والصافات صفا ) لثير التفكير نحو المعنى الذي تختزنه هذه الكلمة. # وهي من سور العقيدة التي نزلت في مكة ، حيث واجه الإسلام شبهات المشركين ~~حول التوحيد ، وقد أفاضت السورة في الحديث عن هذا المفهوم وتجلياته من جهة ~~ما ينتظر المؤمنين المخلصين من مصير ms4452 آمن مطمئن مشرق حافل بكل ألوان النعيم ~~، وما ينتظر المشركين والكافرين من مصير خائف مرعب مملوء بكل ألوان العذاب ~~، وفي هذا الجو ركزت على عباد الله المؤمنين من المرسلين وغيرهم ممن رعاهم ~~الله بلطفه ، وأنقذهم من الضغوط الصعبة التي كانوا يواجهونها من عدوهم ... ~~وتتنوع الأساليب فيها حول الفكرة الأساس في السورة ، وهي تنزيه الله عن كل ~~ما لا يليق بشأنه وحمده في كل صفاته وأفعاله ، ليخرج المؤمن القارئ لآياتها ~~بروح إيمانية توحيدية واعية للموقع الإنساني من الله في الإحساس العميق ~~بمعنى العبودية ، وفي الوعي المنفتح على كل مواقع الطاعة ، وفي حركة ~~الإيمان المتجسدة في مسيرة المؤمنين في خط التحدي والجهاد والدعوة إلى الله ~~سبحانه. # * * * PageV19P173 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والصافات صفا (1) @QUR@02 فالزاجرات زجرا (2) @QUR@02 ~~فالتاليات ذكرا (3) @QUR@03 إن إلهكم لواحد (4) @QUR@07 رب السماوات والأرض ~~وما بينهما ورب المشارق (5) @QUR@06 إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ~~(6) @QUR@05 وحفظا من كل شيطان مارد (7) @QUR@09 لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) @QUR@04 دحورا ولهم عذاب واصب (9) @QUR@07 ~~إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) @QUR@012 فاستفتهم أهم أشد خلقا ~~أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 السماء الدنيا ): أدنى السماوات وأقربها إلينا. # ( @QUR@01 مارد ): عات متمرد ومريد. PageV19P174 # ( @QUR@01 دحورا ): طردا. # ( @QUR@01 واصب ): دائم. # ( @QUR@01 ثاقب ): مضيء. # ( @QUR@01 فاستفتهم ): فاسألهم. # ( @QUR@01 لازب ): لازق. # * * * ### ||| ** الله يقسم بملائكته # ( @QUR@02 والصافات صفا ) الجماعة التي يصطف أفرادها ، أما مصاديقها ، ~~فقد قيل : إن المراد بها الملائكة تصف أنفسها في السماء صفوفا كصفوف ~~المؤمنين في الصلاة ، وقيل : إنها الملائكة تصف أجنحتها في الهواء إذا ~~أرادت النزول إلى الأرض واقفة في انتظار أمر الله تعالى ، وقيل : إنها ~~الجماعة من المؤمنين يقومون في الصلاة أو في الجهاد مصطفين. # ( @QUR@02 فالزاجرات زجرا ) الجماعات الرادعة ؛ أما مصاديقها فذكرها ~~المفسرون في عدة احتمالات ، فقيل : إنها الملائكة تزجر العباد عن المعاصي ~~فيوصله الله إلى قلوب الناس في صورة الخطرات كما يوصل وساوس الشيطان ، وقيل ~~: إنها الملائكة الموكلة بالسحاب تزجرها وتسوقها إلى حيث أراد الله سبحانه ~~، وقيل : هي زواجر القرآن وهي آياته الناهية عن القبائح ، وقيل : هم ~~المؤمنون ms4453 يرفعون أصواتهم بالقرآن عند قراءته فيزجرون الناس عن المنهيات. # ( @QUR@02 فالتاليات ذكرا ) فهي التي تتلو ذكر الله أو ذكر ما أنزله من ~~الآيات ، وقد PageV19P175 # اختلف المفسرون في مصداقها ، فقيل : هم الملائكة يتلون الوحي على النبي ~~الموحى إليه ، وقيل : جماعة قراء القرآن يتلونه في الصلاة. # والظاهر أن هذه التفسيرات لا ترجع إلى أثر شرعي ثابت بحيث يكون حجة في ~~مصدره ، بل هي من نوع الاجتهادات والاحتمالات الذاتية على سبيل الاستحسان. # وقد احتمل صاحب الميزان ، «أن يكون المراد بالطوائف الثلاث المذكورة في ~~الآيات طوائف الملائكة النازلين بالوحي ، المأمورين بتأمين الطريق ودفع ~~الشياطين عن المداخلة فيه ، وإيصاله إلى النبي مطلقا ، أو خصوص محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما يستفاد من قوله تعالى : ( @QUR@029 عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا* إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ) [الجن : 26 28]. # وعليه ، فالمعنى : أقسم بالملائكة الذين يصفون في طريق الوحي صفا ، ~~فبالذين يزجرون الشياطين ويمنعونهم عن المداخلة في الوحي ، فبالذين يتلون ~~على النبي الذكر ، وهو مطلق الوحي أو خصوص القرآن كما يؤيده التعبير عنه ~~بتلاوة الذكر. # ويؤيد ما ذكرنا وقوع حديث رمي الشياطين بالشهب بعد هذه الآيات ، وكذا ~~قوله بعد : ( @QUR@07 فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا ) الآية ، كما ~~سنشير إليه ...». # ثم يضيف إلى ذلك قوله : «ولا ضير في التعبير عن الملائكة بلفظ الإناث : ~~الصافات والزاجرات والتاليات لأن موصوفها الجماعة ، والتأنيث لفظي» (1). PageV19P176 # وفي هذا الاحتمال نوع خفاء ، لأن ما استشهد به من الآية لا يتعلق ~~بالرسالة ، بل بالغيب الذي قد يطلع رسله عليه ، وربما كان المراد به الرسول ~~البشري الذي يراد له أن يبلغ رسالاته كما يجب ، والله العالم. # ( @QUR@03 إن إلهكم لواحد ) هذه هي الحقيقة التي لا بد للناس من أن ~~يؤمنوا بها ، لأن النظرة الصافية إلى الكون في نظامه المتقن المتوازن توحي ~~بذلك وتدل عليه من مواقع حاجة الوجود كله إليه ، لأنه العمق الذي يفسر ~~طبيعة الوجود ، فلا معنى له ms4454 بدونه. # ( @QUR@05 رب السماوات والأرض وما بينهما ) فهو الذي خلقها ودبرها ~~وأدارها وأودع فيها سر الحكمة والإبداع ، فكلها مرتبطة بإرادته ، مشدودة ~~إلى تدبيره ، متطلعة إليه بلسان حاجتها ... ( @QUR@02 ورب المشارق ) في ما ~~يحتمل أن يراد به مشارق الشمس بحسب نظام كروية الأرض حيث تشرق في مكان ~~وتغيب عنه ، ثم تشرق في مكان آخر ، ويحتمل أن يراد به مشارق الشمس باختلاف ~~الفصول ، أو أن يراد به مشارق مطلق النجوم ، أو مطلق المشارق ، كما قيل ، ~~وذلك كله دليل وحدانيته ، لأنه وحده الذي خلق ذلك كله حتى باعتراف المشركين ~~الذين لا ينسبون ذلك إلى غيره. # ( @QUR@06 إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) فنثرناها في الفضاء ، ~~كما تنثر المصابيح التي تزين المكان مما يتطلع إليه الإنسان بالنظرة ~~الجمالية ، فيرى اللوحة النورانية الموزعة على آفاق السماء بطريقة فنية ~~مبدعة ، توحي بالكثير من الروعة ، وبالكثير من السحر والجمال. # وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام علي عليه السلام قال : ~~قال أمير المؤمنين عليه السلام : «هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل PageV19P177 # المدائن التي في الأرض» (1). # وقد نستوحي من كلمة السماء الدنيا ، وجود سماوات أخرى عليا ، وهذا ما قد ~~تعبر عنه كلمة السماوات السبع في موضع آخر. ( @QUR@05 وحفظا من كل شيطان ~~مارد ) أي الخلق الشرير الخبيث العاري عن الخير من الجن ، ( @QUR@05 لا ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى ) في ما يتحدث به الملائكة في السماء ، من أحوال ~~الأرض أو أحوال السماء ، ( @QUR@04 ويقذفون من كل جانب ) فيتعرضون لما ~~ترميهم به الشهب ( @QUR@01 دحورا ) أي مدحورين مطرودين ، ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب واصب ) أي لازم ، ( @QUR@04 إلا من خطف الخطفة ) فمر مرورا سريعا ~~خاطفا بطريقة الاختلاس ، ( @QUR@03 فأتبعه شهاب ثاقب ) وهو ما يرى في الجو ~~من الكوكب المنقض على هؤلاء ، فيصيبهم ويطردهم عن مواقعهم التي يتخذونها ~~لسرقة أخبار الغيب التي يريدون الاستماع إليها. # * * * ### ||| ** كيف تسترق الشياطين السمع وترمى بالشهب؟ # وقد تنوع الحديث بين المفسرين حول استراق الشياطين للسمع ورميهم بالشهب ، ~~في ما يوحي به ظاهر اللفظ من صورة حية تشير إلى وجود مناطق في السماء ~~الدنيا يسكنها ms4455 الملائكة وبأيديهم الشهب التي يهجمون بها على الشياطين والجن ~~الذين يسترقون السمع ليقذفوهم بها وليطردوهم منها. # وقد احتمل صاحب تفسير الميزان ، «أن هذه البيانات في كلامه تعالى من قبيل ~~الأمثال المضروبة تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس ~~لتقريبها من الحس ، وهو القائل عز وجل : ( @QUR@08 وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [العنكبوت : 43] ، وهو كثير في PageV19P178 # كلامه تعالى ، ومنه العرش والكرسي واللوح والكتاب ... # وعلى هذا يكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة ، عالما ملكوتيا ذا ~~أفق أعلى ، نسبته إلى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة بأجرامها ~~إلى الأرض ، والمراد باقتراب الشياطين من السماء واستراقهم السمع وقذفهم ~~بالشهب ، اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على أسرار الخلقة والحوادث ~~المستقبلة ورميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت ، أو كرتهم على الحق ~~لتلبيسه ورمي الملائكة إياهم بالحق الذي يبطل أباطيلهم. # وإيراده تعالى قصة استراق الشياطين للسمع ورميهم بالشهب عقيب الإقسام ~~بملائكة الوحي ، وحفظهم إياه عن مداخلة الشياطين ، لا يخلو من تأييده لما ~~ذكرناه ، والله أعلم» (1). # وقد يكون ما ذكره من التوجيه قريبا إلى الاعتبار من خلال ما قد يظهر من ~~الاكتشافات ، من بطلان كثير من الآراء التي ترتكز عليها التفسيرات الحسية ~~في هذا المجال ، ولكن المصير إلى هذا الوجه لا دليل عليه ، وربما كان فتح ~~هذا الباب في اعتبار الجانب الحسي من وسائل الإيضاح للجانب المعنوي ، موجبا ~~لتأويل الكثير من آيات القرآن في هذا الاتجاه ، مما يؤدي إلى فتح الباب على ~~المجهول ، ولكن لا مانع منه في المواضع التي يثبت فيها الدليل على عدم ~~إرادة المعنى الظاهر ، فيكون دليلا على إرادة خلافه ، ولكن لا بد من وجود ~~معين للاحتمال المذكور. # وربما كانت هذه الآيات المتعرضة لأمثال هذه المسألة من قذف الشهب ~~للشياطين ، على نحو التخييل والاستعارة للإيحاء ببطلان العقيدة التي كان ~~يعتقدها الناس في الجاهلية ومفادها أن الجن والشياطين يطلعون على الغيب ، ~~لانفتاحهم على أجوائه وقدرتهم على النفاذ إلى آفاق السماء ، مما كان يدفع PageV19P179 # بالكثير من الكهان ونحوهم ممن يدعون الاتصال ms4456 بالجن ، إلى استغلال هذه ~~العقيدة للسيطرة على عقول الناس ، والله العالم. # ( @QUR@04 فاستفتهم أهم أشد خلقا ) في ضخامة الخلق وقوته وقدرته على ~~الحركة في الآفاق ، ( @QUR@03 أم من خلقنا ) من المخلوقات الأخرى كالملائكة ~~والسماوات والأرضين؟! ( @QUR@05 إنا خلقناهم من طين لازب ) أي ملتصق بعضه ~~ببعض بحيث يلزمه ما جاوره ، من خلال خلقة أبيهم آدم ، الأمر الذي يوحي ~~بالضعف لهشاشة العنصر الذاتي للخلق ، وإذا كان الأمر كذلك ، فإن عليهم أن ~~يتواضعوا لله الذي خلقهم ، ويوحدوه ، فلا يشركوا به شيئا. # * * * PageV19P180 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 بل عجبت ويسخرون (12) @QUR@04 وإذا ذكروا لا يذكرون (13) ~~@QUR@04 وإذا رأوا آية يستسخرون (14) @QUR@06 وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ~~(15) @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) @QUR@02 ~~أوآباؤنا الأولون (17) @QUR@04 قل نعم وأنتم داخرون (18) @QUR@07 فإنما هي ~~زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) @QUR@06 وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ~~(20) @QUR@07 هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) @QUR@07 احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) @QUR@07 من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم (23) @QUR@03 وقفوهم إنهم مسؤلون (24) @QUR@04 ما لكم لا ~~تناصرون (25) @QUR@04 بل هم اليوم مستسلمون (26) @QUR@05 وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون (27) @QUR@06 قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) @QUR@05 ~~قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) @QUR@010 وما كان لنا عليكم من سلطان بل ~~كنتم قوما طاغين (30) @QUR@06 فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) @QUR@04 ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) @QUR@05 فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) ~~@QUR@04 إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) @QUR@010 إنهم كانوا إذا قيل لهم لا ~~إله إلا الله يستكبرون (35) @QUR@06 ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ~~مجنون (36) @QUR@05 بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) @QUR@04 إنكم لذائقوا ~~العذاب الأليم (38) @QUR@06 وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) @QUR@04 إلا ~~عباد الله المخلصين (40) @QUR@04 أولئك لهم رزق معلوم (41) @QUR@02 فواكه وهم PageV19P181 # @QUR@01 مكرمون (42) @QUR@03 في جنات النعيم (43) @QUR@03 على سرر ~~متقابلين (44) @QUR@05 يطاف عليهم بكأس من معين (45) @QUR@03 بيضاء لذة ~~للشاربين (46) @QUR@07 لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) @QUR@04 وعندهم ~~قاصرات الطرف عين (48) @QUR@03 كأنهن بيض مكنون ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 داخرون ): صاغرون. # ( @QUR@01 زجرة ): صيحة. # ( @QUR@02 يوم الدين ): يوم الجزاء. # ( @QUR@02 يوم الفصل ): يوم تمييز المحق من المبطل. # ( @QUR@01 اليمين ): يطلق على معان عدة ، والمراد به هنا الإغواء. # ( @QUR@01 معين ): ماء غزير. # ( @QUR@01 غول ): صداع. # ( @QUR@01 ينزفون ): يفنى شرابهم. ms4457 # ( @QUR@01 عين ): جمع عيناء وهي واسعة العينين. # ( @QUR@01 مكنون ): مستور. # * * * PageV19P182 ### ||| ** ملامح طريقة مواجهة المشركين للرسالة # وهذا حديث متحرك حول ملامح هؤلاء المشركين وطريقتهم في مواجهة الرسالة ، ~~وكيف كانوا يتحاورون فيما بينهم حول مسئوليتهم عن الكفر والضلال عند ما ~~يواجهون عذاب النار ، وكيف هو مصير المؤمنين عند الله. # ( @QUR@02 بل عجبت ) يا محمد من عنادهم وتمردهم على الحق من دون حجة ، ~~أمام ما تقدمه لهم من بينات ودلائل على الرسالة ، مما لا يملك الإنسان ~~الواعي العاقل رفضه أو التشكيك فيه ، ولكنهم ينطلقون معك بروحية أخرى ، فهم ~~يرفضون الاستماع إليك بعقولهم ، ( @QUR@01 ويسخرون ) منك لأنهم يريدون ~~إسقاط الرسالة وتهديم فعاليتها ، تحت تأثير أجواء الاستخفاف والاستهزاء ، ~~لأن مثل هذه الأجواء تمنع الناس من الاهتمام الفكري بالطروحات المقدمة ~~إليهم ، لفقدان روحية الاحترام لها. # ( @QUR@04 وإذا ذكروا لا يذكرون ) لأنهم يفقدون إرادة الانفتاح على ~~الذكرى في مضمونها العقيدي والروحي ، ولهذا فإنها لا تترك أي تأثير على ~~قناعاتهم المنحرفة. ( @QUR@04 وإذا رأوا آية يستسخرون ) فلا ينظرون إليها ~~بجدية البحث عن الحقيقة التي تدرس طبيعة الآية في دلالاتها الفكرية ، ~~ليدعوهم ذلك إلى التأمل والتفكير في الدعوة التي تريد الآية أن تقودهم نحو ~~الاستجابة إليها والإيمان العميق بها. # وهكذا يواجهونها بدلا من ذلك بأساليب السخرية التي يستخدمونها لتفادي ~~طبيعة الإحراج الذي يشعرون به أمام تحديات الفكر الذي تطرحه الآية. # ( @QUR@06 وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ) ليتخففوا من ضغط الحقيقة البارزة ~~كما يفعل الكثيرون الذين يريدون الهروب من الحجة القوية المطروحة أمامهم ، ~~فيطرحون بعض الكلمات المثيرة التي تخلق التشويش ضدها ، وتثير الكثير من PageV19P183 # الجدل بالأسلوب الذي يمنع الناس من التفكير بها بطريقة متوازنة ، ويبعدهم ~~عن اكتشاف الزيف الكامن في داخل هذه الكلمات ، فإذا كانوا يطرحون السحر ~~كعنوان للآية الإلهية التي يقدمها الرسول ، فإن الفكر الهادىء يستطيع ~~اكتشاف الخلل في ذلك ، لأن للسحر قواعده وأشكاله التي لا تلتقي بهذا النوع ~~من الظواهر ، ولكنهم يعتمدون على جهل السامعين بالموضوع ليثيروا الضباب ~~الذي يغطي الحقيقة إلى وقت ما. # ( @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ) قالوها بهذه ~~الطريقة ms4458 المتسائلة على سبيل الإنكار ، ليثيروا الحس الساذج ضد فكرة البعث ، ~~لأن الحس يستبعد إعادة الحياة إلى التراب الجامد والعظام البالية لأنه لم ~~يجد مثالا حيا على ذلك في تجربته السابقة ، ولأن الفكر العقلاني لا دور له ~~في تجربتهم الفكرية العامة ... ( @QUR@02 أوآباؤنا الأولون ) الذي تحولوا ~~إلى تراب ، وابتعد الزمن بهم عن الحياة أجيالا وأجيالا؟! وهكذا تركز همهم ~~على إثارة الجماهير ضد الرسول ، بطريقة انفعالية مثيرة ، ولما كانت المسألة ~~لا تتحرك من موقع توجيه السؤال بأسلوب الإنكار ، كان الجواب بطريقة التأكيد ~~الحاسم ، للإيحاء بالصدمة الشعورية المضادة. # ( @QUR@02 قل نعم ) فهذه هي الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم ، ( @QUR@02 ~~وأنتم داخرون ) أي صاغرون أذلاء ، لأن قدرة الله التي لا يمتنع عليها شيء ~~سوف ترجعكم إلى الحياة لتواجهوا المسؤولية التي تنتهي بالعذاب على كفركم ~~وعنادكم ، ولن تحتمل المسألة الكثير من الجهد ( @QUR@04 فإنما هي زجرة ~~واحدة ) فتنطلق الصيحة الواحدة التي تمثل كلمة الله وإرادته ليبعثوا من ~~موتهم ، ( @QUR@03 فإذا هم ينظرون ) في ما تعنيه الكلمة من الحياة الواعية ~~لما حولها ، المتطلعة إلى موقف المسؤولية. PageV19P184 # وينتقل المشهد إلى يوم القيامة ، فها هم قيام ينظرون ، وهذه الحقيقة التي ~~كانوا ينكرونها ماثلة أمام أعينهم بكل وضوح ، وتلك هي المشكلة الصعبة التي ~~تفرض نفسها عليهم لتهز أفكارهم ومشاعرهم بكل عنف صارخ. # ( @QUR@06 وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ) يوم الجزاء ، وينطلق النداء ~~الذي يواجه اعترافهم الممزوج بالخوف والدهشة ( @QUR@07 هذا يوم الفصل الذي ~~كنتم به تكذبون ) فهو اليوم الذي كان الرسل يحدثونكم عنه ، وعما يحدث فيه ~~من الفصل بين الحق والباطل ، وبين المؤمنين والكافرين ، والطائعين والعاصين ~~فينال كل جانب ما يستحقه من الثواب والعقاب ، فلا تضيع الأمور وتختلط في ~~الآخرة ، كما يحدث في الدنيا حيث لا يميز الناس فيها بين الاستقامة ~~والانحراف ، فقد يحكم على المنحرف بأنه مستقيم ، وهكذا يؤكد هذا النداء لهم ~~بأنه يوم الفصل الحاسم الذي لا مجال فيه لأي خلط بين الأمور وبين الأشخاص. # ( @QUR@03 احشروا الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر والشرك من المعاندين للحق ~~الصادين عنه ، المتحركين في اتجاه الانحراف ، ( @QUR@01 وأزواجهم ) الذين ~~يشابهونهم ms4459 ويشاكلونهم ، وقيل : إن المراد بهم قرناؤهم من الشياطين ، وقيل : ~~إن المراد بهم نساؤهم الكافرات ... وقد يكون هذا قريبا لتكرار الحديث في ~~القرآن الكريم عن الأزواج بهذا المعنى ، حيث المصير الواحد ينتظرهم ، ~~بالإضافة إلى أن هذا هو المعنى المنصرف من اللفظ ، بحيث يكون المعنى الآخر ~~مخالفا للظاهر ، وربما كان ذكر الأزواج بالإضافة إليهم ، على أساس ما هو ~~الغالب من انحراف المرأة ، تبعا لانحراف الرجل ، أو انحراف العائلة تبعا ~~لانحراف رأسها ، مما يجعل الموقف واحدا والمصير مشتركا ، ( @QUR@06 وما ~~كانوا يعبدون* من دون الله ) من الأشخاص الذين يتألهون فيدعون الناس إلى ~~عبادتهم فيطيعونهم ، فيستحقون عذاب الله بذلك ، أو الأصنام التي يعبدها ~~الناس من دون الله فيرميها الله في جهنم لتكون وقودا للنار أمام عبادها من ~~المشركين. PageV19P185 # ( @QUR@04 فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) فهذا هو الطريق الذي اختاروه ~~لأنفسهم باختيارهم الشرك بالله ، وعبادة غيره ، أو لدعوتهم الناس إلى ~~عبادتهم ؛ ( @QUR@03 وقفوهم إنهم مسؤلون ) فهذا هو الموقف الذي يواجهون فيه ~~المسؤولية في كل ما اعتقدوه ، وما قالوه وفعلوه ، ليتميز الحق عن الباطل ، ~~وهم مطالبون بتحديد الإجابة عن أسئلة من قبيل : من هو المسؤول عن انحرافهم ~~عن الخط المستقيم؟ وهل يتحملون مسئولية أعمالهم أو يتحملها غيرهم؟ ليواجهوا ~~بعد ذلك النتائج من خلال طبيعة الجواب في تفاصيل الموقف كله من دون أن يغني ~~أحد عن أحد شيئا ، بعد أن عاشوا جماعات في الدنيا مرتبطين ببعضهم البعض كل ~~الارتباط سواء في حربهم أو في سلمهم. # ( @QUR@04 ما لكم لا تناصرون ) أمام الخطر الداهم الذي يواجه كل واحد ~~منكم ، فلا يلتفت أحدكم إلى صاحبه ، ولا ينصره فيه. # ( @QUR@04 بل هم اليوم مستسلمون ) أمام قدرة الله التي لا تثبت عندها أية ~~قوة ، خاضعون لها ، بكل ما للاستسلام من معنى الذلة والانقياد والضعف ~~المسحوق أمام القوة الإلهية المطلقة. # ( @QUR@05 وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) ليحددوا المسؤولية عن الموقف ~~المنحرف في خط الكفر والضلال ، من أجل تحديد النتائج المترتبة على ذلك ، ~~عبر تخاصم الأتباع والمتبوعين ليحمل الأتباع المسؤولية للمتبوعين في ~~إضلالهم ليكون في ذلك بعض العذر لهم ، أو ms4460 بعض التخفيف عنهم. # ( @QUR@06 قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) أي من الجهة التي تجتذب ~~نفوسنا في ما تحبه وترغبه ، لما في اليمين من معنى الخير والسعادة ، كما ~~قيل ، باعتبار أن اليد اليمنى هي التي يتناول فيها الإنسان كل ما يشتهيه ~~ويريده ، وذلك على سبيل الإغراء. # ( @QUR@05 قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ) في أعماقكم ، فلم يدخل الإيمان في قلوبكم PageV19P186 # من خلال ابتعادكم عن فكره ونهجه ، فالتقى طريقكم بطريقنا ، ونهجكم بنهجنا ~~، من دون أن تكون هناك أية تبعية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، بل كان هناك ~~لقاء في الفكر والموقف. # ( @QUR@06 وما كان لنا عليكم من سلطان ) لأننا لا نملك الضغط على أفكاركم ~~ولو كنا نملك الضغط على أجسادكم ، لأن الجانب العقلي من شخصية الإنسان لا ~~يقع تحت ضغط القوة الخارجية ، لأنه ليس حالة مادية تخضع لضغط مادي ، بل هو ~~حالة تتحرك في المعنى ، وفي الوعي الداخلي المنفتح على الآفاق الرحبة من ~~شخصية الإنسان في وجوده الروحي والعقلي. # ( @QUR@04 بل كنتم قوما طاغين ) في التركيبة الداخلية لشخصيتكم ، في ما ~~يمثله الطغيان من استكبار على الحق ، وتجاوز على الحدود المرسومة من قبل ~~الله ، فقد سمعتم دعوة الرسول كما سمعناها ، ووعيتم الوحي الإلهي كما ~~وعيناه ، وكان لكم عقل كما لنا عقل ، فجمدتم عقولكم وتمردتم على دعوة الله ~~، فما الذي يجعلكم في موقف المنفعل ، ويجعلنا في موقف الفاعل المضل؟ # ( @QUR@02 فحق علينا ) نحن وأنتم ( @QUR@02 قول ربنا ) الذي فرض العذاب ~~للمنحرفين عن نهجه وشريعته ، ( @QUR@02 إنا لذائقون ) كل هذا العذاب الذي ~~نقاسيه ونتجرعه ، وإذا كان هناك من مسئولية في إغوائنا لكم ( @QUR@04 ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين ) فذلك هو ما عشناه في كل حركة وجودنا ، وكان لكم ~~عقل تدركون به ذلك وتعرفون به طبيعة الوضع الذي نعيشه ، والصفة التي نحملها ~~، حيث أقام الله عليكم الحجة كما أقامها علينا ، فلما ذا اتبعتمونا وتركتم ~~رسل الله ووحيه؟! ( @QUR@05 فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون ) لأنهم يشتركون ~~في طبيعة الموقف الذي يفرض العذاب ، ( @QUR@04 إنا كذلك نفعل بالمجرمين ) ~~الذين يتحركون في مواقع الجريمة بما تعنيه من التمرد على الله المنطلق ms4461 من ~~قاعدة الرفض المعقد المبني على غير أساس من علم أو عقل ، وهذه الجريمة على ~~المستوى النظري الإيماني تؤدي إلى الجريمة العملية PageV19P187 # حيث تمارس الأفعال الضالة ، والعلاقات المنحرفة التي تسيء إلى الإنسان ~~والحياة ، وبذلك تتحول إلى جريمة مزدوجة لا تختص بالمجرم بل تتعداه إلى ما ~~حوله ، فيستحق العذاب الأليم. # ( @QUR@09 إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ) في نداء التوحيد ~~الذي يفرض العقيدة في وحدانية الله ، والعبادة في طاعة الله والالتزام ~~بدينه ، ( @QUR@01 يستكبرون ) فيرفضون الانسجام مع خط التوحيد من موقع ~~الاستكبار الذاتي والطبقي الذي يمنعهم من الخضوع للحقيقة الإيمانية ~~المطروحة عليهم من قبل الرسل أو الدعاة الذين لا يملكون درجة عالية في ~~السلم الاجتماعي الطبقي ، لأن ذلك يمثل نوعا من التنازل لهؤلاء الذين هم ~~أقل منهم درجة ، وبذلك يكفرون على أساس العقدة الذاتية ، لا القناعة ~~الفكرية ، وإضافة إلى ذلك ، فهم يتحدثون بلغة الاستعلاء ضد الرسول ، ~~وينسبون إليه الصفات التي لا تليق به ، مما لا واقع له ، لتبرير رفضهم ~~للإيمان. # ( @QUR@06 ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) فهو شاعر كبقية ~~الشعراء الذين لا يملكون أية صفة من صفات الغيب أو القداسة التي تفرض على ~~الناس الطاعة والالتزام بما يقولون ، وهو مجنون لا يعي ما يقول فلا ينطلق ~~كلامه من قاعدة متوازنة للمعرفة ، فكيف يمكن أن نتبعه ونصدقه ونترك آلهتنا ~~التي نقدسها في ما ورثناه من مقدسات الآباء والأجداد. # ولكن كيف يتحدثون عن الرسول بهذه الطريقة ، وما هي الحجة لهم في ذلك؟ فهل ~~أسلوب القرآن شعر كما هو الشعر ، وهل الفكر الذي يتحدث به النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في مضمونه العميق الواسع الذي يلتقي بالمفاهيم الشاملة ~~للكون والحياة ، في أرحب الآفاق الروحية والفكرية والعملية ، في الخط ~~والمنهج والحركة ، هو حديث جنون؟ وهل يمكن للمجنون أن يخطط للفكر على قاعدة ~~الحكمة ، إذا كان يمكن أن ينطق صدفة بالحكمة ، وهل يمكن أن يستمر في PageV19P188 # عمق المعرفة في خط مستقيم ليبني للمجتمع قواعده ، وللمستقبل خطه وحركته. # إنهم لم يقدموا في هذا المجال إلا ms4462 الكلمات الطائرة التي لا تستقر على ~~قاعدة ، ولهذا كان القرآن حاسما في الجواب الذي يؤكد الحقيقة الرسالية في ~~حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من موقع الإشراق الذي يتجلى فيه الحق في ~~مضمونه ، والتصديق برسالة الرسل السابقين التي انطلقت في حياة الأمم ~~السابقة بشكل فاعل قوي وحركت الروح الحضارية في دائرة القيم الروحية في ~~واقع الإنسان ، ولا يحتاج الإيمان بذلك إلا إلى دراسة مضمون الرسالة ، ~~وشخصية الرسول ، ومن هنا لم تكن الآية لتطلق حكما مجردا عن الدليل ، ~~للإثارة الشعورية ، بل أطلقت الحكم من موقع توجيه الانتباه إلى طبيعة ~~المضمون باعتباره واضح الدلالة على الحق الموجود في داخله ( @QUR@05 بل جاء ~~بالحق وصدق المرسلين ). # ( @QUR@04 إنكم لذائقوا العذاب الأليم ) فذلك هو الجزاء الذي تستحقونه ، ~~( @QUR@06 وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) لأن ذلك هو منهج العدالة الذي ~~يجعل العمل أساسا للجزاء بعد أن جعل الله الإنسان مسئولا عن السير في خط ~~تكليف شرعي معين ، واعتبر الانحراف عنه سببا للعقاب. # ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) فهم الناجون من العذاب ، لأنهم لم ~~يفعلوا ما يستحقون ذلك ، بل فعلوا ما يستحقون به الرضوان والنعيم والكرامة ~~من الله ، انطلاقا من إحساسهم بالمعنى العميق للعبودية له ، وبالإخلاص له ~~في تحقيق كل مواقع إرادته ، في ما أمر به أو نهى عنه ، وهما معنيان ~~متلازمان في الفكر والشعور والحركة ، فإذا عاش الإنسان العبودية الخالصة ~~المطلقة بين يدي الله ، فإنه يخلص له في كل مواقفه الخاصة والعامة. # ( @QUR@04 أولئك لهم رزق معلوم ) عند الله ينتظرهم في الدار الآخرة ( ~~@QUR@01 فواكه ) مما يحبونه ويرغبونه ( @QUR@02 وهم مكرمون ) حيث يعيشون ~~كرامة الله في لطفه وعطائه ، PageV19P189 # فيحسون لذة الطعم بالإضافة إلى لذة الكرامة ( @QUR@03 في جنات النعيم ) ~~التي يتفايض منها النعيم في الحس والروح والجو الحميم ( @QUR@03 على سرر ~~متقابلين ) في ما يوحي به ذلك من الجو الاجتماعي المتحرك في روح من الأخوة ~~العميقة التي ينفتح فيها القلب على القلب ، والنظر على النظر فلا يريد أحد ~~منهم أن يغيب عن أخيه ، أو يبتعد عنه ، ( @QUR@05 يطاف عليهم بكأس من معين ~~) مما ms4463 يستلذ الناس شربه من الشراب الصافي ، ( @QUR@03 بيضاء لذة للشاربين ) ~~فليس فيها أي كدر يشوب الصفاء ، ( @QUR@03 لا فيها غول ) مما يسبب الوجع ~~ويؤذي البدن ، ( @QUR@04 ولا هم عنها ينزفون ) أي لا يفنى شرابهم كما قيل . ~~يقال : نزف ماء البئر إذا استخرجه بكامله ، ونزف الرجل إذا ذهب عقله ، وقيل ~~: إن الإنزاف هو السكر المذهب للعقل ، أي أن هذه الخمر التي هي في الجنة ، ~~لا تشتمل على ما يؤذي الجسم ، ولا ما يذهب العقل ، ( @QUR@03 وعندهم قاصرات ~~الطرف ) من الحور العين اللاتي يتميزن بالنظرة الحلوة التي تشتمل على الغنج ~~والدلال كما تشتمل عليه كلمة ( @QUR@02 قاصرات الطرف ) من الكناية عن ذلك ، ~~وقيل : إن المراد بهن اللاتي يقصرن النظر على أزواجهن فلا يرفعن طرفهن إلى ~~غيرهم ، ( @QUR@01 عين ) جمع عيناء مؤنث أعين ، وهي الواسعة العين بطريقة ~~لا تخلو من الجمال ، ( @QUR@03 كأنهن بيض مكنون ) أي كأنهن البيض المستور ، ~~وهو تعبير كنائي عن صيانتهن وبعدهن عن لمس الأيدي ونظرات الأعين. # * * * ### ||| ** لماذا الحديث عن متع الرجال دون النساء في الجنة؟ # وقد يتساءل بعض الناس ، لماذا هذا الحديث عن المتع الجنسية في الجنة بما ~~يتعلق بالرجال ، في حديث القرآن عن الحور العين ، من دون أن يكون هناك حديث ~~عن المتع الجنسية للمرأة ، وهل تعيش المرأة الحرمان من PageV19P190 # هذه الناحية في الجنة ، وهل هي إنسان لا يعيش الإحساس بهذه الغريزة ، وهل ~~يتصور الحرمان في الجنة لأحد ، أو هل يتجمد إحساسها بذلك؟! # وقد يجاب عن ذلك ، بأن المجتمع الذي نزل القرآن فيه ، لا يألف الحديث عن ~~مسألة الجنس كحاجة للمرأة من خلال أجواء الحياء التي يراد للمرأة أن تعيش ~~في داخله ، أو لأن الإسلام لا ينفتح على هذا النحو من الحديث بهذه الصراحة ~~، لا لأنه يتنكر لغريزة المرأة الجنسية كإنسان طبيعي ، بل لأنه يجد المنهج ~~الأخلاقي في تفاصيله لا ينسجم مع الدخول في تلك التفاصيل ، فيترك المسألة ~~للطبيعة الإنسانية التي تتحرك في تلبية حاجات المرأة باعتبار أنها العنصر ~~المتفاعل مع حاجات الرجل الذي كان معدا ليكون العنصر الأكثر إثارة ، والذي ~~يتسلم زمام المبادرة غالبا ms4464 في المسألة الجنسية ، وتترك التفاصيل للكثير من ~~أخلاقية التشريع في هذا المجال ، أو للأجواء العامة في طبيعة الجنة التي لا ~~يعيش فيها أحد الحرمان من تلبية أي من حاجاته وطلباته. # وهناك أكثر من حديث على أن الله يحشر المؤمنين مع أزواجهم من المؤمنات ، ~~وهناك احتمال أن تكون الحور العين نماذج إنسية لا نماذج أخرى ، مما يخلقه ~~الله خلقا آخر ، فيمكن أن يكون المقصود بهن النساء المؤمنات اللاتي يزددن ~~جمالا على جمالهن في الدنيا ، والله العالم. # * * * PageV19P191 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) @QUR@07 قال قائل منهم إني ~~كان لي قرين (51) @QUR@04 يقول أإنك لمن المصدقين (52) @QUR@07 أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) @QUR@04 قال هل أنتم مطلعون (54) ~~@QUR@05 فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) @QUR@05 قال تالله إن كدت لتردين ~~(56) @QUR@07 ولو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) @QUR@03 أفما نحن ~~بميتين (58) @QUR@06 إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) @QUR@05 إن ~~هذا لهو الفوز العظيم (60) @QUR@04 لمثل هذا فليعمل العاملون (61) @QUR@06 ~~أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) @QUR@04 إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) ~~@QUR@06 إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) @QUR@04 طلعها كأنه رؤس ~~الشياطين (65) @QUR@06 فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) @QUR@07 ~~ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) @QUR@05 ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) (68) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قرين ): صاحب. PageV19P192 # ( @QUR@01 لمدينون ): محاسبون. # ( @QUR@02 سواء الجحيم ): وسطها. # ( @QUR@01 لتردين ): تهلكني. # ( @QUR@01 نزلا ): ما يهيأ للنازل. # ( @QUR@01 الزقوم ): شجرة تخرج في الجحيم. # ( @QUR@01 طلعها ): حمل النخلة ، سمي بذلك لطلوعه. # ( @QUR@02 رؤس الشياطين ): كناية عن قبح المنظر. # ( @QUR@01 لشوبا ): خلط الشيء بغيره. # ( @QUR@01 حميم ): حار. # * * * ### ||| ** حوار المؤمنين في الجنة # تورد هذه الآيات الطريقة التي يتحدث بها أهل الجنة مع بعضهم البعض عن ~~ذكرياتهم في الدنيا ، ثم تنتهي بذكر حديثهم مع بعض الساكنين في النار. # ( @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) في كلمات لا تستهدف قضاء وقت ~~الفراغ ليمتلئ بشيء ، أي شيء ، كما يفعل البعض عند ما يشعرون بالملل والسأم ~~، بل تستهدف التعبير عن حقيقة تتصل بالمضمون الإيماني الذي يواجه المضمون ~~الكافر في الأجواء التي تزدحم بساحات الصراع ، في ما ينتهي إليه أمر المؤمن ~~في الجنة ، وفي ما ينتهي إليه أمر الكافر في ms4465 النار. # ( @QUR@07 قال قائل منهم إني كان لي قرين ) من أصحابي الذين كنت أعاشرهم ، وكان PageV19P193 # ممن لا يؤمنون باليوم الآخر ولا يصدق بالحساب وبالجزاء ، ( @QUR@011 يقول ~~أإنك لمن المصدقين* أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ) لقد كان ~~يسخر من عقيدتي ، ويستغرب أن أصدق كيف يبعث الميت الذي يتحول إلى تراب ~~وعظام ، ليعود حيا بعد ذلك ، ثم يقف بعد ذلك في موقف الإدانة والحساب ~~والجزاء ، وكأنه يشكك في عقلي إذا كنت أعتقد ذلك. # ( @QUR@04 قال هل أنتم مطلعون ) أتعرفون من هو هذا الصاحب؟ إذا كنتم ~~تريدون أن تتعرفوا عليه ، فاطلعوا وانظروا إلى الجحيم ، لتروا عاقبة هذا ~~المعاند الساخر بالحساب والجزاء ، ( @QUR@05 فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) ~~أي في وسطها وقلبها ، ( @QUR@01 قال ) له مذكرا إياه بكلامه وكيف كان يحاول ~~إضلاله وإبعاده عن خط الإيمان ، ( @QUR@05 قال تالله إن كدت لتردين ) ~~وتلقيني في هاوية الهلاك ، وتدفعني إلى التشكيك في عقيدتي أو في إنكارها ، ~~( @QUR@04 ولو لا نعمة ربي ) الذي أراد لي برحمته التماسك والثبات على ~~إيماني ، ( @QUR@03 لكنت من المحضرين ) الذين يحضرهم الملائكة معك في وسط ~~الجحيم. # وهنا يلتفت هذا المؤمن إلى إخوانه في الجنة ، وهو يعيش السرور والاستبشار ~~بالواقع الذي يتنعمون فيه ليؤكد خلودهم فيه بإرادة الله. # ( @QUR@03 أفما نحن بميتين ) أي لسنا بميتين ، فلن نذوق الموت بعد الآن ( ~~@QUR@03 إلا موتتنا الأولى ) التي لا نزال نذوق ذكرياتها عند ما انتقلنا من ~~الدنيا إلى الآخرة ، ( @QUR@03 وما نحن بمعذبين ) لأننا أخلصنا لله العبادة ~~، وآمنا باليوم الآخر ، وعشنا الاستعداد له ، ( @QUR@05 إن هذا لهو الفوز ~~العظيم ) وأي فوز أعظم من الخلود في نعيم الجنة في رضوان من الله ورحمته ~~ولطف كبير. # ( @QUR@04 لمثل هذا فليعمل العاملون ) لينالوا السعادة الكبرى في الجنة ، ~~فيذهب كل ما عانوه من بلاء أو شقاء تكبدوه بسبب إيمانهم ، ويضمحل كل ما لحق ~~بهم من ألم أو حزن عانوه بسبب جهادهم ، لأن الفرح الكبير هو في النهايات لا في PageV19P194 # البدايات ، ( @QUR@01 أذلك ) المصير في نعيم الجنة ( @QUR@05 خير نزلا أم ~~شجرة الزقوم ) وقد ذكر في تفسير الزقوم أنه اسم شجرة صغيرة الورق مرة ms4466 كريهة ~~الرائحة ذات لبن إذا أصاب جسد إنسان تورم ، تكون في تهامة والبلاد المجدبة ~~المجاورة للصحراء ، وقد اشتق منها العرب قولهم : تزقم الطعام إذا تناوله عن ~~كره ، ( @QUR@04 إنا جعلناها فتنة للظالمين ) ليختلفوا فيها. وقد ورد في ~~مجمع البيان : «روي أن قريشا لما سمعت هذه الآية ( @QUR@03 أم شجرة الزقوم ~~) قالت : ما نعرف هذه الشجرة. قال ابن الزبعرى : الزقوم بكلام البربر ، ~~التمر والزبد وفي رواية بلغة اليمن ، فقال أبو جهل لجاريته : يا جارية ~~زقمينا فأتته الجارية بتمر وزبد ، فقال لأصحابه : تزقموا بهذا الذي يخوفكم ~~به محمد فيزعم أن النار تنبت الشجرة والنار تحرق الشجرة ، فأنزل الله ~~سبحانه ( @QUR@04 إنا جعلناها فتنة للظالمين )» (1). # ( @QUR@06 إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ) أي في قعرها ، وإذا كان هناك ~~غرابة في نبات الشجرة في النار وبقائها فيه ، فإن حياة الإنسان فيها أعجب ، ~~ولكن قدرة الله التي تبدع العناصر الغريبة التي تؤلف بين الأشياء المختلفة ~~لا يعجزها شيء. # ( @QUR@04 طلعها كأنه رؤس الشياطين ) بما تحمله الذهنية الشعبية من صورة ~~الشيطان القبيحة المنفرة المخيفة ، ( @QUR@06 فإنهم لآكلون منها فمالؤن ~~منها البطون ) لأنهم يشعرون بالجوع الذي يدفعهم إلى الإقبال عليها بكل لهفة ~~وشوق ، ( @QUR@07 ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ) أي مزيجا من الماء الحار ~~الشديد الحرارة الذي يشربونه فيحرق أمعاءهم ، فيختلط بالزقوم ، فلا يسكت ~~جوعهم ولا يروي عطشهم ، ( @QUR@05 ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) فيستقرون في ~~أعماقها في عذاب شديد مقيم. # * * * PageV19P195 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) @QUR@04 فهم على آثارهم يهرعون ~~(70) @QUR@05 ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) @QUR@04 ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين (72) @QUR@05 فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ( @QUR@04 إلا عباد ~~الله المخلصين ) (74) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يهرعون ): يسرعون. # * * * ### ||| ** إنهم ألفوا آباءهم ضالين # تسلط هذه الآيات الضوء على العامل الأساسي الذي أدى إلى ضلال هؤلاء الناس ~~، فإذا كنا نتساءل عن الظروف التي فرضت عليهم الضلال : أهي حالة ذاتية ~~انطلقوا منها أم هي حالة تاريخية انتموا إليها؟ وهل كان هناك فعل PageV19P196 # وعي ، أو كان هناك فعل غفلة وذهول؟؟ ويأتي الجواب : ( @QUR@04 إنهم ألفوا ~~آباءهم ضالين ) وكانوا يقدسون عقيدة الآباء وتقاليدهم وعاداتهم ، فالحاضر ms4467 ~~يرتبط بالماضي عضويا ، وهو ما ينعكس على وحدة التاريخ وقوة العشيرة ، مما ~~يفرضه ذلك من الثبات الذي لا اهتزاز فيه ، والدوام الذي لا تغيير فيه ، ( ~~@QUR@04 فهم على آثارهم يهرعون ) في حركة سريعة لا تتجمد في مكانها ، ولا ~~تتباطأ في سيرها ، حتى لا تفوتهم الفرص التي كانت لهم في الماضي ، ولا ~~تبعدهم المشاكل التي قد تحدث في الحاضر. # ( @QUR@05 ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ) لأن المسألة ليست وليدة حالة ~~طارئة بل هي وليدة تقليد ثابت رسخته العقلية الجاهلية ، ولذلك فإن الآخرين ~~يتحركون في خط تاريخ الأولين ، فإذا كان التقليد الجامد المتخلف قد أضل ~~الآخرين فإنه كان قد أضل الأولين من قبلهم ، فما ذا كانت النتيجة أمام ذلك ~~كله؟ ( @QUR@04 ولقد أرسلنا فيهم منذرين ) ليعرفوهم الحق من الباطل والكفر ~~من الإيمان ، ولينذروهم النتائج السلبية التي تنتظر المكذبين ( @QUR@05 ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) الذين كذبوا الرسل فلم يعبأوا بالإنذار ولا ~~بأهله ، فها هم في قلب الجحيم يعذبون ، ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) ~~الذين اتبعوا الرسل ، واستجابوا للإنذار فاتقوا الله ، واتبعوا منهاجه ، ~~والتزموا بأوامره ونواهيه ، فقد نجاهم الله من العذاب ووقاهم من أهوال ~~الجحيم. # * * * PageV19P197 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) @QUR@05 ونجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم (76) @QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين (77) @QUR@04 وتركنا ~~عليه في الآخرين (78) @QUR@05 سلام على نوح في العالمين (79) @QUR@04 إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (80) @QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين (81) @QUR@03 ثم ~~أغرقنا الآخرين ) (82) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وتركنا عليه ): أبقينا عليه ذكرا جميلا. # * * * ### ||| ** سلام على نوح في العالمين # وهذا عبد من عباد الله المخلصين ، الذين أنجاهم الله سبحانه بفضله ومنه ~~وكرمه ، من القوم الكافرين ، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، ولم PageV19P198 # يستطع أن يصل إلى أية نتيجة إيجابية في ما يتصل بإيمانهم ، وعاش في كرب ~~شديد من خلال ذلك ، فهو لا يريد التراجع في رسالته ولا يريد قضاء عمره في ~~فراغ فاشل ، وربما كان يعيش في أجواء الاضطهاد النفسي والاجتماعي ، وهكذا ~~كان ككل عبد مخلص لربه ، يرفع الأمر إلى الله سبحانه ، لأنه وحده الرب ~~الرحيم الذي يستجيب لعباده. # ( @QUR@05 ولقد نادانا ms4468 نوح فلنعم المجيبون ) فنحن نلبي هذا النداء الذي ~~انطلق على شكل استغاثة رسالية في تقرير حافل بكل التجربة الطويلة التي ~~استنفدت كل الأساليب ، واستخدمت كل الوسائل في سبيل هداية الناس ، فلم ~~يستجب له أحد ، ( @QUR@05 ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ) الذي كانوا ~~يعانونه من كل الطغاة الذين فرضوا السيطرة الغاشمة على كل قوى الخير والحق ~~والإيمان ، وهكذا انتهت التجربة وبدأ العهد الجديد الذي كان في بدايته ~~عقابا لكل هؤلاء المتمردين الذين عاثوا في الأرض فسادا وسخروا من كل الرسل ~~، وكان الطوفان ، وغرق الجميع وبقي نوح ، وبقيت ذريته من بعده ... # ( @QUR@04 وجعلنا ذريته هم الباقين ) فهو الأب الثاني للبشرية من بعد آدم ~~، ( @QUR@04 وتركنا عليه في الآخرين ) فقد خلد الله ذكره في رسالته ، وفي ~~صبره الطويل في خط التجربة الرسالية ، لينتفع بها العاملون في سبيل الدعوة ~~إلى الله ، والجهاد في سبيله ، فلا يسقطون أمام التحديات ، ولا يهربون من ~~الضغوط الصعبة والمشاكل المعقدة. # ( @QUR@05 سلام على نوح في العالمين ) ويمثل هذا السلام التقدير الكبير ~~لإخلاصه في الدعوة ، ولجهاده في خط المواجهة ، وتلك هي مسألة الذكر الحسن ~~للماضين ، فهي النافذة المفتوحة على حياتهم الخيرة المجاهدة العاملة في ~~سبيل الله ، وليست امتيازا ذاتيا خاضعا للعوامل الشخصية الطارئة ، ولذلك ~~كان السلام الذي تركه الله له سلاما شاملا للعالمين ، كدليل على شمول موقعه ~~لدى أمم البشر كافة. PageV19P199 # ( @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين ) الذين أحسنوا القول والعمل ، ~~واستجابوا لله في كل تعاليمه ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ( ~~@QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين ) وتلك هي الصفة الكبيرة ذات القيمة ~~الإلهية التي تمثل الإيمان العميق الممتد في كل حياة الإنسان ، ليتحول إلى ~~فكر ينفتح على الله ، وحركة تنطلق من أجل عبادته ( @QUR@03 ثم أغرقنا ~~الآخرين ) الذين كذبوا بالرسالة. # * * * PageV19P200 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وإن من شيعته لإبراهيم (83) @QUR@05 إذ جاء ربه بقلب سليم (84) ~~@QUR@07 إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون (85) @QUR@05 أإفكا آلهة دون الله ~~تريدون (86) @QUR@04 فما ظنكم برب العالمين (87) @QUR@04 فنظر نظرة في ~~النجوم (88) @QUR@03 فقال إني سقيم (89) @QUR@03 فتولوا عنه مدبرين (90) ~~@QUR@06 فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) @QUR@04 ما لكم لا ms4469 تنطقون ~~(92) @QUR@04 فراغ عليهم ضربا باليمين (93) @QUR@03 فأقبلوا إليه يزفون ~~(94) @QUR@04 قال أتعبدون ما تنحتون (95) @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ~~(96) @QUR@07 قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) @QUR@05 فأرادوا ~~به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) @QUR@06 وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) ~~@QUR@05 رب هب لي من الصالحين (100) @QUR@03 فبشرناه بغلام حليم (101) ~~@QUR@029 فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) ~~@QUR@04 فلما أسلما وتله للجبين (103) @QUR@04 وناديناه أن يا إبراهيم ~~(104) @QUR@07 قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) @QUR@05 إن هذا ~~لهو البلاء المبين (106) @QUR@03 وفديناه بذبح عظيم (107) @QUR@04 وتركنا ~~عليه في الآخرين (108) @QUR@03 سلام على إبراهيم (109) @QUR@03 كذلك نجزي ~~المحسنين (110) @QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين (111) @QUR@05 وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين (112) @QUR@010 وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) (113) # * * * PageV19P201 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شيعته ): شيعة الرجل الجماعة السائرون على طريقته ودينه. # ( @QUR@01 أإفكا ): افتراءه زورا وباطلا. # ( @QUR@01 أسلما ): استسلما لأمر الله. # ( @QUR@01 وتله ): صرعة وألقى به على الأرض. # ( @QUR@01 للجبين ): عن يمين الجبهة وشمالها ، والجبهة مكان السجود. # * * * ### ||| ** إبراهيم وإسماعيل أمام التجربة الإيمانية الصعبة # وهذا حديث في خط الرسالة عن عبد من عباد الله المؤمنين تنوعت حركة حياته ~~في مواجهة التحديات الصعبة ، وفي الاستسلام المطلق لله بالمستوى الذي يتمثل ~~فيه الإيمان الصافي والعبودية الحقة ، في شعور عميق بأنه لا يملك أي شيء ~~أمام الله ، ولا حرية له بين يديه. # ( @QUR@05 * وإن من شيعته لإبراهيم ) أي من شيعة نوح وأتباعه ، بما يمثله ~~التوافق في الخط الرسالي الملتزم بالله فكرا وعملا ، باعتبار أن كل من وافق ~~غيره في طريقته فهو من شيعته ، سواء تقدم أو تأخر. وقد يكون في هذا الحديث ~~عن إبراهيم من بعد نوح ، واعتباره شيعة له ، بعض الإيحاء بوحدة الخطوط ~~العامة للرسولين وللرسالتين ، وبالانفتاح على الحياة كلها في الخط العملي. ~~وقد نستوحي من إهمال الحديث عن نبي آخر بعد نوح ، وجود فراغ PageV19P202 # رسولي بينهما ، لعدم الحاجة إلى ذلك ، بفعل المبلغين الذين قد يكونون ~~خلفاء أو أوصياء لنوح في دائرة رسالته ، أو لعدم وجود ms4470 وقت كبير بينهما ، ~~لأننا لا نملك معرفة للفاصل الزمني بين الرسولين. # ( @QUR@05 إذ جاء ربه بقلب سليم ) من كل شائبة من شوائب التعلق بغير الله ~~، مما يجعله منفتحا على الله بكل عمقه وتطلعه وشعوره ، فلا مكان لغيره في ~~داخله ، في ما يعنيه ذلك من التصور الصافي للمضمون الإيماني بالله ، ~~والشعور النقي بالعلاقة به ، والالتزام بما يحبه ويرضاه. # وهكذا كانت علاقته بالله من الموقع العميق القوي ، وهو القلب الذي قد ~~يكون موقعه العقل في دائرة الفكر ، أو الحس في موقع الشعور ، ولهذا فقد كان ~~يواجه الأمور بعفوية وبساطة مما يجعله يسمي الأشياء بأسمائها من دون تعقيد ~~، ولهذا كان إحساسه الصافي بالخطإ الفادح في سلوك أبيه وقومه دافعا له إلى ~~توجيه سؤاله الساذج في شكله ، العميق في مضمونه. # ( @QUR@07 إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون ) هل هناك أساس لعبادتكم لهذه ~~الأصنام وكيف تعبدونها؟ هل أنتم جادون في ذلك ، أو أن للقضية بعدا آخر؟ ( ~~@QUR@05 أإفكا آلهة دون الله تريدون ) كيف تؤلهون غير الله ، وهو الخالق ، ~~وهي المخلوقة له ، هل هذا إلا افتراء على خط الألوهية وعلى الحقيقة الكامنة ~~فيها؟ ( @QUR@04 فما ظنكم برب العالمين ) وكيف تفكرون به ، أو تنظرون إليه ~~، أو كيف ينظر إليكم لعبادتكم الأصنام ، أو هل تعرفون موقع قدرته وعظمته ، ~~مقارنة بما لدى الآخرين من عباده؟ # ( @QUR@04 فنظر نظرة في النجوم ) في عملية تطلع إلى الأفق الواسع الذي ~~تتناثر فيه النجوم التي كان بعض الناس في زمانه يتعبد إليها ، أو في عملية ~~استشفاف للوقت الذي كانت العلة أو النوبة المرضية من الحمى تعتريه فيه ، أو ~~لغير ذلك ، ( @QUR@03 فقال إني سقيم ) أي في حالة نفسية أو ذهنية قلقة ، لا ~~استقرار PageV19P203 # فيها ، أعيش معها الشك الذي يعيشه الباحث عن الحقيقة في دائرة الاحتمالات ~~الكثيرة التي تتجه يمينا أو شمالا ، كالمريض الذي يعيش الاهتزاز من البرد ، ~~في نوبة من نوبات الحمى ، أو في حالة مرضية جسدية تمنعه من الخروج مع قومه ~~إلى حيث يريدون لحضور عيد لهم ، أو غير ذلك ، ليخلو إلى ما يريده من تنفيذ ~~الخطة ms4471 المدبرة للأصنام. # ( @QUR@03 فتولوا عنه مدبرين ) ولم يعيروا له انتباها ، لأنهم لم يخطر ~~لهم في البال بأنه سوف يقوم بما قام به من حملة مدمرة ضد الأصنام ، فلم ~~يكونوا قد أخذوا حديثه في رفضها مأخذ الجد ، بل اعتبروه من أحاديث ~~المراهقين الذين يتحدثون بطريقة انفعالية لا مجال فيها للتركيز. ( @QUR@03 ~~فراغ إلى آلهتهم ) مال إليها وحاد من جهة إلى جهة ، تماما كما يستعد للدخول ~~في معركة ، ( @QUR@03 فقال ألا تأكلون ) فقد حان وقت الطعام الذي يحتاج ~~الأحياء إلى تناوله من أجل استمرار حياتهم ، ( @QUR@04 ما لكم لا تنطقون ) ~~لماذا أنتم جامدون ، خاضعون للصمت الرهيب الذي يلف وجودكم فلا حركة ، ولا ~~صوت ، ولا كلمة ... وما هذه الأشكال الإلهية المزعومة التي لا تمثل شيئا ، ~~ولا تعني أي شيء؟ وثارت في داخله النقمة عليهم ( @QUR@04 فراغ عليهم ضربا ~~باليمين ) أي باليد اليمنى ، أو بالقوة التي تمثلها ، فكسر رؤوسهم وحطم ~~تماثيلهم. # ( @QUR@03 فأقبلوا إليه يزفون ) أي يسرعون في المشي ، وهم في حالة رعب ~~وهول وثورة ، وتساءلوا عن الذي قام بهذا العمل الشنيع ضد الآلهة ، ( ~~@QUR@04 قال أتعبدون ما تنحتون ) مما عملته أيديكم ، فكيف تعبدون ما ~~صنعتموه مما تعرفون طبيعة عناصره وسر معناه ، فلا معنى لأية قداسة مزعومة ، ~~لأنها ليست شيئا خفيا لا تعرفونه حتى يشتبه عليكم الأمر في عمقها القدسي ، ~~بل هي شيء واضح بين ، فقد كانت الأصنام ترابا ، كأي تراب ، أو خشبا كأي خشب ~~، أو شيئا آخر كبقية الأشياء ... ، فما الذي حدث حتى ميزتموها عن عناصرها ~~غير المصنوعة ، هل هو الشكل الذي صنعتموه؟ وهل يغير الشكل طبيعة المضمون؟ PageV19P204 # ( @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ) فأنتم مخلوقون لله ، كما أن العناصر ~~التي تتألف منها الأصنام المعبودة لكم ، مخلوقة له ، فكيف تنحرفون عن عبادة ~~الله وتعبدون غيره؟ # لقد قال لهم كل هذا الكلام ، بعد أن ثار الجدل بينه وبينهم ، واكتشفوا ~~أنه الفاعل ليدافع عن موقفه ، فهو لم يضرب رؤوس الآلهة ، ليثوروا بهذه ~~الطريقة ، بل ضرب رؤوس أحجار جامدة مصنوعة للإنسان في أشكال معينة. ( ~~@QUR@04 قالوا ابنوا له بنيانا ) وأوقدوا في داخله النار ، ( @QUR@03 ~~فألقوه في الجحيم ms4472 ) لأنهم لم يستطيعوا مقارعة الحجة بالحجة ، فعمدوا إلى ~~استعمال القوة ضده كما يفعل العاجزون عن المواجهة الفكرية. # ( @QUR@03 فأرادوا به كيدا ) ليقتلوه ويرتاحوا من معارضته ودعوته ~~التغييرية ، ( @QUR@02 فجعلناهم الأسفلين ) حيث قال الله من موقع إرادته ~~التكوينية : ( @QUR@07 يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) [الأنبياء : 69]. # وأغلقت هذه الصفحة من تاريخ إبراهيم في بداية الدعوة ، ليبدأ مرحلة جديدة ~~، فقد كان من الواضح أنه لا يستطيع البقاء مع قومه ليتابع دعوته إليهم ~~بالتوحيد ، بعد الموقف العدائي الذي وقفوه منه. لذلك ، ( @QUR@06 وقال إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين ) فقد عزم على الهجرة من بلده أور الكلدانية في بابل ~~إلى بلاد الشام ، ليتفرغ إلى عبادة ربه ، وليبدأ تجربة جديدة من تجارب ~~الدعوة في موقع جديد قد يكتشف فيه ساحة مميزة يملك فيها حرية الحركة لما ~~يريد قوله وفعله. وهناك تزوج واستقر به المقام ، فطلب من الله أن يرزقه ~~ولدا صالحا ، حيث كان يتوجه بحاجاته إلى ربه من خلال روحية الإيمان التي ~~تجعل الإنسان المؤمن ينفتح على الله في كل حاجاته ، من موقع أنه لا يملك أي ~~شيء إلا به ومنه. # ( @QUR@05 رب هب لي من الصالحين ) فهو لم يطلب ولدا ، أي ولد ، من خلال PageV19P205 # إرضاء غريزة الأبوة في داخله ، بل أراده ولدا صالحا يتحرك في طاعة الله ، ~~ليعزز خط الصلاح في الحياة المرتكز على قاعدة الإيمان بالله ، لأن المؤمن ~~الذي لا يبتعد عن الرغبات الطبيعية في شخصيته ، يبقى دائما في هاجس العلاقة ~~بالله وبالحياة الإيمانية في كل قضاياه. واستجاب الله دعاءه فرزقه إسماعيل ~~( @QUR@03 فبشرناه بغلام حليم ) في ما تمثله هذه الصفة الإنسانية من وداعة ~~وهدوء طبع ، وصفاء روح وانفتاح على كل الناس ، ولكن الله كان يعد له مفاجأة ~~مدهشة صعبة ، فقد أراد ابتلاءه وامتحانه في محبته له ليظهر فضله للناس ، ~~وليكون قدوة لهم في المواقع التي يبحثون فيها عن القدوة الحسنة الرائدة في ~~المعنى المتجسد للإيمان. # ( @QUR@04 فلما بلغ معه السعي ) وأصبح يتحرك معه في غدواته ورواحة ، بعد ~~أن بلغ من العمر سن الرشد الذي يستطيع معه السعي في ms4473 حاجاته وحاجات الآخرين ~~، ( @QUR@09 قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ) وهذا ، في وعي ~~النبوة ، أمر إلهي يدفعه للقيام بهذه المهمة امتثالا لأمر الله ، لأن ~~الرؤيا الصادقة التي يحس فيها النبي باليقين الرسالي تمثل أسلوبا من أساليب ~~الوحي الإلهي ، ( @QUR@04 فانظر ما ذا ترى ) لأن المسألة خطيرة بالنسبة ~~إليك ، وهي تدفعك لتفكر تفكيرا عميقا في الموضوع ، وأنا والدك الذي لا يحب ~~أن يقدم على التنفيذ إلا بعد أن تأخذ قرارك فيه ، بالمقدار الذي يتعلق بك ، ~~ليكون الموقف واحدا في امتثال أمر الله ، مع صعوبته الذاتية بالنسبة إلينا جميعا. # ولعل إبراهيم كان يعرف بأن ولده سيستجيب لنداء الله لما يعرفه من إيمانه ~~وإسلامه له وصلاحه في خط الشريعة الحقة ، ولم ينتظر إبراهيم طويلا ، فقد ~~أجابه ولده ، فورا ، بشكل حاسم : ( @QUR@06 قال يا أبت افعل ما تؤمر ) فإذا ~~كانت هذه إرادة الله ، فلتكن إرادته هي الحاكمة علينا في كل أمورنا ، لأننا ~~لا نملك من أنفسنا إلا ما ملكنا إياه ، فهو المالك لنا جميعا ، مما لا يجعل ~~لنا مسألة الاختيار ، التي لو ملكناها ، لكان اختيارنا تبعا لإرادته ، و ( ~~@QUR@04 ستجدني إن شاء الله PageV19P206 # @QUR@02 من الصابرين ) فلن أجزع ولن أتهرب ، بل سأقدم نفسي للذبح من موقع ~~المستسلم لله ، الخاضع لأمره ونهيه ، الخاشع في عبادته ، فتلك هي إرادتي ، ~~وسأثبت عليها بمشيئة الله ، لأن كل ما أتحرك به أو أتصف به هو هبة منه في ~~اختياره لعباده. # ( @QUR@02 فلما أسلما ) وجههما وأمرهما وحياتهما لله ورضيا بقضائه ، ( ~~@QUR@02 وتله للجبين ) أي صرعة على أحد جانبي جبهته ، وهو الجبين ، ( ~~@QUR@07 وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ) فلم تكن الصورة في الرؤيا ~~أنه يذبح ولده ، بل كانت هي أن يبدأ بالعملية بطريقة إعدادية توحي بالجدية ~~والانتهاء بها إلى نتيجتها الطبيعية ، كما أن الأمر الصادر من الله ليس ~~أمرا جليا ، بل هو أمر امتحاني للاختبار ولإظهار الموقف الإسلامي البارز في ~~حركة الإيمان بالله والاستسلام له بشكل صارخ ، في ما يتمثل به موقف إبراهيم ~~وإسماعيل في التحرك نحو الامتثال ، ولم يكن هناك مصلحة حقيقية في ms4474 ذبح ~~إبراهيم لإسماعيل كفعل معين في ذاته. و ( @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين ) ~~الجزاء الأحسن في الدنيا والآخرة بعد أن نبتليهم ابتلاء شديدا ، ونمتحنهم ~~في موقع الطاعة بالموقف الصعب فينجحون في الامتحان بفعل ما يظهرونه من موقف ~~عظيم في الطاعة لله ، ( @QUR@05 إن هذا لهو البلاء المبين ) لشدة ما كان ~~ابتلاء إبراهيم شديدا ، ( @QUR@03 وفديناه بذبح عظيم ) ذكرت الروايات أنه ~~كبش عظيم جاء به جبريل عليه السلام من عند الله ، ليكون فداء عن إسماعيل ، ~~بدلا عنه. # ( @QUR@07 وتركنا عليه في الآخرين* سلام على إبراهيم ) كرمز لاحترام ~~موقفه ، ليكون ذلك عبرة للآخرين في ما يريدهم الله أن يؤكدوا به موقفهم ~~الإسلامي في طاعته ، وتحية للقدوة الرائدة المتمثلة في شخص هذا النبي ~~العظيم الذي تقدم بكل وداعة الإيمان وصفاء الإسلام وقوة الإخلاص لله ، ~~ليذبح ولده الذي تجاوب معه فاستعد لتقديم نفسه قربانا ، في ما يريد الله له ~~ولأبيه أن يجسداه من طاعة. ( @QUR@03 كذلك نجزي المحسنين ). PageV19P207 # ( @QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين ) الذين يتحركون من قاعدة الإيمان ~~ليؤكدوا صفة العبودية لله ، كموقف حي للطاعة والانقياد ، ( @QUR@05 وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين ) الذي كان تاليا لإسماعيل في بنوته لإبراهيم ، ~~مما يوحي بأن الذبيح هو إسماعيل ، لا إسحاق ، كما يروي البعض ، ( @QUR@04 ~~وباركنا عليه وعلى إسحاق ) بما أغدق الله من اللطف الإلهي عليهما مجسدا ~~ببركة النبوة في حركتها الداعية إلى الله ، ( @QUR@03 ومن ذريتهما محسن ) ~~في الإيمان بالله والالتزام بنهجه وشريعته ، ( @QUR@02 وظالم لنفسه ) في ~~الانحراف عن الإسلام ، والبعد عن خط طاعته ، ( @QUR@01 مبين ) في وضوح ~~الموقف المنحرف ، ولكل واحد منهما جزاء على ما عمله من خير أو شر ، لأن ~~المسألة ليست مسألة الأب الرسول ، بل مسألة الشخص المسؤول في فردية التبعة ~~والجزاء. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي القصة الرسالية؟ # وهكذا نجد في قصة إبراهيم معنى الشجاعة في الموقف الرسالي ، على خط ~~البطولة الروحية التي استمدت حيويتها وثباتها وصلابتها من الإيمان بالله ~~والانفتاح عليه ، والوعي للسر الإلهي المتمثل في الألوهية المطلقة التي ~~تحتوي العباد في العمق الشامل لكل مفردات حياتهم ، بحيث لا يجد الإنسان ~~لنفسه أية حرية ذاتية أمام ms4475 الله ، عند ما يريد منه القيام بأي عمل ، فعلا ~~أو تركا ، سواء كان الأمر متعلقا بموقفه من نفسه على صعيد يتصل بحاجاته ~~الخاصة ، أو بموقفه من عاطفته ، مما يتصل بأهله وولده ، أو بموقفه من ~~الآخرين في حياته العامة ، وذلك على مستوى علاقاته بقومه ، ويتم هذا السلوك ~~على مختلف الاتجاهات في صفاء روحي ، ووداعة إنسانية ، واستسلام عبادي ، لا ~~يشعر فيه المؤمن PageV19P208 # بانسحاق الإرادة ، بل يجد فيه بدلا من ذلك إرادة الحركة الفاعلة في وعي ~~الذات للعبودية التي تملك حريتها في الكون من موقع استسلامها لله وتمردها ~~على كل من عداه. # * * * PageV19P209 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 ولقد مننا على موسى وهارون (114) @QUR@05 ونجيناهما وقومهما من ~~الكرب العظيم (115) @QUR@04 ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) @QUR@03 ~~وآتيناهما الكتاب المستبين (117) @QUR@03 وهديناهما الصراط المستقيم (118) ~~@QUR@04 وتركنا عليهما في الآخرين (119) @QUR@04 سلام على موسى وهارون ~~(120) @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين (121) @QUR@04 إنهما من عبادنا ~~المؤمنين ) (122) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المستبين ): الواضح. # * * * # ( @QUR@04 سلام على موسى وهارون ) # وهذه إشارة إلى قصة موسى وهارون في مواجهتهما التحدي الفرعوني ، PageV19P210 # الهادفة للتحرر من سيطرة الاستكبار المتأله الذي كان يضغط على حرية الناس ~~ويستذلهم ويستعبدهم ويستضعفهم ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، ويمنعهم من ~~التمتع بأبسط شروط الإنسانية في معناها الحي الذي ينفتح على حرية الإنسان ، ~~في قراره وحركة مصيره ، وعلاقته بالناس والحياة من حوله ، وكان النصر في ~~النهاية لقوة الرسالة الواعية الصابرة ، حيث أسدل الستار على مشهد غلبة ~~المستضعفين الذين عاشوا إرادة الحرية في حركة الإيمان تخلصا من عقدة ~~الاستكبار الذاتي الذي يختزن العظمة المعقدة والمنتفخة بمشاعر القوة ~~الطاغية التي لا تحمل مضمونا فكريا إنسانيا ، ولا تتحرك في امتداد الرسالة ~~، بل تحمل القهر والتعسف والإذلال للآخرين. # ( @QUR@05 ولقد مننا على موسى وهارون ) في ما أنعمنا به عليهما من القوة ~~المتمثلة بالرسالة المؤيدة بالكرامة الإلهية في أجواء الإعجاز ، ومن ~~الأسباب الواقعية التي انتهت بالوصول إلى النتائج الكبيرة في السيطرة على ~~ساحة الصراع ، ( @QUR@05 ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ) الذي كان ~~يتمثل بالحالة النفسية الصعبة المرهقة تحت تأثير القهر الضاغط على ~~إنسانيتهم وحريتهم ، وهو ما عاشوه في واقع الاستضعاف المقهور أمام ~~الاستكبار ms4476 ... وكانت لهم حريتهم التي ملكوا فيها حياتهم ، وعادوا من خلالها ~~إلى إنسانيتهم التي تملك أن تريد وأن لا تريد. # ( @QUR@01 ونصرناهم ) على فرعون وقومه ( @QUR@03 فكانوا هم الغالبين ) ~~بما مكنهم الله من القوة المعجزة التي استطاعوا من خلالها الخروج من مصر ، ~~بطريق البحر الذي انفلق عن اليابسة مما سهل مرورهم ، ثم طغى البحر فأغرق ~~فرعون وجنده فهلكوا جميعا. ( @QUR@03 وآتيناهما الكتاب المستبين ) الذي ~~يظهر الأمور الخفية التي يحتاج الناس إلى معرفتها ، ويفتح لهم آفاق المعرفة ~~في قضايا العقيدة والحياة ، ( @QUR@03 وهديناهما الصراط المستقيم ) في ما ~~رسم الله لهما من الخطط المتحركة في خط الاستقامة المؤدي إلى الحق الواضح ~~في مفاهيم الحياة PageV19P211 # وقضايا المعرفة وحركة الشريعة ، من دون أي خلل أو انحراف ، بل هو الطريق ~~الذي يحدد النهاية من خلال البداية ، ويرسم خط السير الواضح بينهما. # ( @QUR@04 وتركنا عليهما في الآخرين ) ذكرا خالدا نتيجة ما تحركا به من ~~خط الدعوة إلى الله والمعاناة في سبيله ؛ والعمل من أجل قضايا الرسالة ~~الكبرى من أقرب طريق ، ليبقى للبشرية منهما ما تنتفع به عند ما تذكرهما ~~بالتحية والاحترام. # ( @QUR@04 سلام على موسى وهارون ) في ما يعنيه السلام من المعنى المتصل ~~بالشعور الإنساني في احترام دورهما الرسالي في حياة الناس ، وفي تأكيد ~~الروابط الروحية بين الملتزمين بخط الرسل ، وبين الرسل الذين عاشوا مع ~~التاريخ وأخلصوا للرسالات في تاريخهم الكبير الفاعل ، ( @QUR@04 إنا كذلك ~~نجزي المحسنين ) على ما قاموا به من خطوات الإحسان ، ليحصلوا على الجزاء ~~الإلهي على أفعالهم الخيرة في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@04 إنهما من عبادنا ~~المؤمنين ) الذين يحملون الإيمان كعنوان لعبوديتهم لله سبحانه . # * * * PageV19P212 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وإن إلياس لمن المرسلين (123) @QUR@05 إذ قال لقومه ألا تتقون ~~(124) @QUR@05 أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) @QUR@05 الله ربكم ~~ورب آبائكم الأولين (126) @QUR@03 فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) @QUR@04 إلا ~~عباد الله المخلصين (128) @QUR@04 وتركنا عليه في الآخرين (129) @QUR@04 ~~سلام على إل ياسين (130) @QUR@04 إنا كذلك نجزي المحسنين (131) @QUR@04 إنه ~~من عبادنا المؤمنين ) (132) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بعلا ): اسم صنم. # * * * ### ||| ** إلياس الرسول # وهذا عبد من عباد الله ، أرسله الله إلى قومه الذين كانوا يعبدون PageV19P213 # الأصنام ، ويتحدث القرآن عن صنم اسمه بعل ms4477 ويقال : إنه كان في بعلبك التي ~~اشتق اسمها من وجود بعل في معبد في ذلك البلد ، وقد قام الرسول بالدعوة كما ~~يجب ، فقد كان يدعوهم إلى التوحيد في العقيدة والعبادة ، وقد أثنى الله ~~عليه في آية أخرى من القرآن في سورة الأنعام عند ذكر هداية الأنبياء حيث ~~قال تعالى : ( @QUR@07 وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ) ~~[الأنعام : 85]. # ( @QUR@04 وإن إلياس لمن المرسلين ) إلى القوم الذين كانوا يعبدون ~~الأصنام من دون الله ، وقد قيل : إنه الخضر ، ( @QUR@05 إذ قال لقومه ألا ~~تتقون ) الله الذي خلقكم وأنعم عليكم برزقه العميم ، ( @QUR@02 أتدعون بعلا ~~) في ما تحتاجونه من أموركم ، وتبتهلون إليه في عبادتكم ، وتتوجهون إليه في ~~قضاياكم ومشاكلكم وهمومكم ، ( @QUR@03 وتذرون أحسن الخالقين ) الذي أبدع ~~خلق الأشياء من العدم وأحسن صورتها وتدبيرها ، وأمدها بما تحتاجه من عناصر ~~القوة والحركة والحياة ، ( @QUR@05 الله ربكم ورب آبائكم الأولين ) الذي ~~تمتد ربوبيته للناس جميعا من قبلكم ، كما تمتد للناس من بعدكم ، لأنها لا ~~تختص بقوم دون قوم ، لشمول خلقه ورعايته ، وإشرافه وتدبيره. # ( @QUR@03 فكذبوه فإنهم لمحضرون ) غدا يوم القيامة ، عند ما يبعثون ~~ليحضروا الموقف الحاسم أمام الله ، ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) ~~الذين أخلصوا لله الإيمان والعبادة في كل أمورهم الخاصة والعامة ، وفي هذا ~~بعض الإيحاء بأن هناك فئة منهم من المخلصين ( @QUR@08 وتركنا عليه في ~~الآخرين* سلام على إل ياسين ) الذي يستحق هذا السلام المتكرر في حياة ~~الأجيال كلهم ، لجهاده في سبيل الله ، ودعوته لدينه ، ( @QUR@04 إنا كذلك ~~نجزي المحسنين ) فلينطلق الناس إلى الله من موقع الإحساس ، ليحصلوا على ~~رضاه وثوابه ، ( @QUR@04 إنه من عبادنا المؤمنين ) الذين ارتضاهم الله ~~لدينه ، وهداهم بهداه. # * * * PageV19P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وإن لوطا لمن المرسلين (133) @QUR@04 إذ نجيناه وأهله أجمعين ~~(134) @QUR@04 إلا عجوزا في الغابرين (135) @QUR@03 ثم دمرنا الآخرين (136) ~~@QUR@04 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) @QUR@03 وبالليل أفلا تعقلون ~~(138) @QUR@04 وإن يونس لمن المرسلين (139) @QUR@05 إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون (140) @QUR@04 فساهم فكان من المدحضين (141) @QUR@04 فالتقمه الحوت ~~وهو مليم (142) @QUR@06 فلو لا أنه كان من المسبحين (143) @QUR@06 للبث في ~~بطنه إلى يوم يبعثون (144) @QUR@04 فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) @QUR@05 ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) @QUR@06 وأرسلناه إلى ms4478 مائة ألف أو يزيدون ~~(147) @QUR@04 فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) (148) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الغابرين ): الباقين مع الذين كفروا. # ( @QUR@01 مصبحين ): داخلين في الصباح. # ( @QUR@01 أبق ): فر. PageV19P215 # ( @QUR@01 فساهم ): المساهمة : المقارعة. # ( @QUR@01 المدحضين ): المغلوبين. # ( @QUR@01 مليم ): فعل ما يستحق عليه العقاب. # ( @QUR@01 بالعراء ): المكان الخالي. # * * * ### ||| ** وقفة مع دعوتي لوط ويونس # وهذان رسولان فرعيان من عباد الله المؤمنين أرسلهما الله إلى مجموعات ~~محدودة معينة من الناس لتغيير الواقع الكافر أو الضال ، على مستوى الفكر ~~والممارسة ، فكانت النتيجة أن الأول لم يوفق لهدايتهم فعذبهم الله بالخسف ~~وبإمطار الحجارة عليهم ، أما الثاني ، فتتحدث الآثار الدينية عن نجاح دعوته ~~حيث تابوا إلى الله ورجعوا إليه. # * * * ### ||| ** لوط الرسول # ( @QUR@04 وإن لوطا لمن المرسلين ) الذين يملكون الموقف الرسالي الصلب ~~الذي يتميز بالقلب الكبير والصبر القوي ، رغم ما كان يعانيه من تعسف قومه ~~وغطرستهم ورفضهم لدعوته وتهديدهم له حتى قارب وضعه درجة الخطر ، ( @QUR@04 ~~إذ نجيناه وأهله أجمعين ) ممن اتبع دعوته وتضامن معه ، ( @QUR@04 إلا عجوزا ~~في الغابرين ) وهي زوجته الكبيرة السن التي تمردت على الإيمان ، واتبعت ~~قومها في خط الكفر ، فخانت زوجها في رسالته ، فلم يغن عنها موقعها الزوجي ~~من الرسول شيئا ، فلقيت جزاءها مع قومها الكافرين في عذاب الدنيا قبل ~~الآخرة ، ( @QUR@01 ثم PageV19P216 # @QUR@02 دمرنا الآخرين ) وأهلكناهم بالعذاب الشديد النازل عليهم بالحجارة ~~الملقاة عليهم من السماء ، وبالخسف الذي احتواهم في الأرض. # ( @QUR@05 وإنكم لتمرون عليهم مصبحين* وبالليل ) مما تمرون عليه من ~~ديارهم الخربة القريبة من خط سيركم صباحا ومساء عند ما تذهبون وترجعون ، ~~لأنها تقع في طريق الحجاز إلى الشام التي تمر عليها القوافل كما قيل ، ( ~~@QUR@02 أفلا تعقلون ) وتأخذون العبر مما حدث في التاريخ ، إن إمعان العقل ~~في التفكير يدفع لملامسة النتائج السلبية التي تترتب على الإصرار على الكفر ~~، والامتداد في خط الضلال ، والتعسف في مواجهة الأنبياء. # * * * ### ||| ** من قصة يونس # ( @QUR@04 وإن يونس لمن المرسلين ) وهذا رسول آخر عاش مع قومه مدة طويلة ~~لم يستجب له فيها منهم الكثيرون ، فخرج مغاضبا ، احتجاجا على ذلك من دون أن ~~يتلقى أية تعليمات من الله تدعوه للخروج ، اقتناعا منه بأن الساحة لا تحتاج ~~لبقائه ، فقد ms4479 قام بدوره كما يجب ، ولم يدخر جهدا في الدعوة إلى الله بكل ~~الأساليب والوسائل ، ولم يبق هناك شيء مما يمكن عمله ، ولكن الله اعتبر ~~عمله نوعا من الهروب في ما يمثله ذلك من معنى الإباق ، تماما ، كما هو إباق ~~العبد من مولاه. # ( @QUR@05 إذ أبق إلى الفلك المشحون ) أي السفينة المملوءة بالناس ، ~~فركبها كفرد من الناس من دون أن يعرف أحد شخصيته المميزة ، وكانت المفاجأة ~~أن حوتا عرض للسفينة ، مما كان يفرض تقديم شخص من الركاب له ، ليبتلعه ~~ليذهب بعيدا عنها ، فلا يهاجمها أو يغرقها. ( @QUR@01 فساهم ) أي دخل في ~~عملية خلط السهام وهي القرعة التي يراد بها استخراج اسم أي شخص من الركاب ~~ليقفز إلى PageV19P217 # البحر ، ( @QUR@03 فكان من المدحضين ) أي المغلوبين ، وهكذا تم إلقاؤه في ~~البحر ( @QUR@04 فالتقمه الحوت وهو مليم ) أي ذو ملامة يعيش لوم نفسه على ~~ما فعله ( @QUR@06 فلو لا أنه كان من المسبحين ) الذين يبتهلون إلى الله ~~بأسلوب التسبيح الذي يعبر عن عظمة الله بما يمثله ذلك من عمق العبودية ، ~~وروحية الابتهال ، وحس الخشوع ، مما يجعله موضعا لرعاية الله ورحمته ولطفه ~~وإحسانه ، ( @QUR@06 للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) أي لأكله الحوت كما ~~يأكل المخلوقات الأخرى فيصير جزءا من جسده ، فيبعث منه كما يبعث الميت من ~~قبره ، وهو وارد على سبيل الكناية. # ( @QUR@03 * فنبذناه بالعراء ) وهو المكان الخالي الذي لا شجر فيه ، ولا ~~شيء يغطيه ( @QUR@02 وهو سقيم ) عليل مما حل به ، ( @QUR@05 وأنبتنا عليه ~~شجرة من يقطين ) وهي القرع لتظلله ( @QUR@06 وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون ) ربما يستوحي بعضهم من هذه الآية أن رسالته كانت متأخرة عن هذا ~~الحدث الذي حل به ، لأن الحديث عن الرسالة جاء بعد الحديث عنه ، وربما كان ~~المراد به الحديث عن موقعه في صلته الرسالية بعيدا عن التوقيت ، وهناك ~~احتمالات أخرى ( @QUR@04 فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) أي إلى أجل مسمى ، ~~وربما يستشعر البعض من هذه الفقرة من الآية ، الإشارة إلى ما ورد في سورة ~~يونس في قوله تعالى : ( @QUR@022 فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا ~~قوم يونس ms4480 لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى ~~حين ) [يونس : 98]. # وعلى ضوء ذلك استفاد «صاحب الميزان» من سياق الكلام «أن المراد من إرساله ~~في قوله : ( @QUR@01 وأرسلناه ) أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم ، وبإيمانهم ~~في قوله : ( @QUR@01 فآمنوا ... ) إيمانهم بتصديقه واتباعه بعد ما آمنوا ~~وتابوا حين رأوا العذاب» (1). # وقد نلاحظ على ذلك أنه لم يرد في كل الآيات المتعرضة لقصة يونس PageV19P218 # أنه كان مرسلا إلى قومه قبل التقام الحوت إياه ، لنستفيد من الآية ~~المذكورة أنه أرسل إليهم ثانيا ، هذا بالإضافة إلى أن الظاهر من إيمانهم هو ~~الإيمان بالله ، مما لا يتناسب مع ما تذكره قصته من إيمانهم بعد خروجه منهم ~~مغاضبا. # وقد يكون الحديث عن إيمانهم وكشف العذاب عنهم ، باعتبار أن ذلك يمثل ~~ظاهرة مميزة في أمم الرسل الذين تحدث عنهم القرآن في رفضهم لرسالة رسلهم ، ~~وليس من الضروري أن يكون المراد بكشف العذاب عنهم هو رفعه بعد نزوله ، بل ~~يكفي في ذلك استحقاقه لهم قبل إيمانهم عند ما كانوا كافرين. ومهما كان فإن ~~هذه الأمور ليست دخيلة في الفكرة التي أراد القرآن أن يثيرها ، وهي قصة ~~البلاء الذي نزل به ، ونعمة الله عليه في رفعه عنه بعد استغاثته به ، في جو ~~غريب عن المألوف عكسه استمرار حياته في بطن الحوت ، مع عدم وجود أية فرصة ~~للحياة هناك ، مما يجعل القضية في حجم المعجزة ، الأمر الذي يدل على كرامة ~~الله له ، وهذا يوحي به الحديث عنه ، بأنه كان من المؤمنين الصالحين ، ثم ~~الحديث عن قومه في إيمانهم بالله ، مما يعتبر ظاهرة في مسألة الرسالات ~~القديمة. # * * * PageV19P219 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) @QUR@06 أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) @QUR@05 ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~@QUR@04 ولد الله وإنهم لكاذبون (152) @QUR@04 أصطفى البنات على البنين ~~(153) @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون (154) @QUR@02 أفلا تذكرون (155) @QUR@04 ~~أم لكم سلطان مبين (156) @QUR@05 فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) ~~@QUR@010 وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) ~~@QUR@04 سبحان الله عما يصفون (159) @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين (160) ~~@QUR@03 فإنكم وما تعبدون (161) @QUR@04 ما أنتم عليه بفاتنين ms4481 (162) ~~@QUR@05 إلا من هو صال الجحيم (163) @QUR@06 وما منا إلا له مقام معلوم ~~(164) @QUR@03 وإنا لنحن الصافون (165) @QUR@03 وإنا لنحن المسبحون (166) ~~@QUR@03 وإن كانوا ليقولون (167) @QUR@06 لو أن عندنا ذكرا من الأولين ~~(168) @QUR@04 لكنا عباد الله المخلصين (169) @QUR@04 فكفروا به فسوف ~~يعلمون (170) @QUR@05 ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) @QUR@03 ~~إنهم لهم المنصورون (172) @QUR@04 وإن جندنا لهم الغالبون (173) @QUR@04 ~~فتول عنهم حتى حين (174) @QUR@03 وأبصرهم فسوف يبصرون (175) @QUR@02 ~~أفبعذابنا يستعجلون (176) @QUR@06 فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ~~(177) @QUR@04 وتول عنهم حتى حين (178) @QUR@03 وأبصر فسوف يبصرون ) (179) # * * * PageV19P220 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بفاتنين ): بمضلين ومفسدين. # ( @QUR@02 صال الجحيم ): معذب فيها. # * * * ### ||| ** القرآن يرد على المشركين # وهذا حديث عن بعض التصورات المنحرفة المتخلفة عن الملائكة والجن في مسألة ~~انتسابهم إلى الله ، وفي اعتبار الملائكة إناثا ، وعن مناقشة هذه الأفكار ، ~~ويمتد الحديث إلى انتصار الإسلام على هؤلاء المشركين ، بعد مرور مدة قليلة ~~على حركة الرسالة الأولى في أوساطهم. # ( @QUR@05 فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ) وذلك من خلال تصورهم أن ~~الملائكة بنات الله ، فمن أين جاءت هذه الفكرة؟ وكيف ينسبون إلى الله ~~البنات اللاتي يمثلن عندهم الموقع المنحط في التقييم الإنساني ويرضون ذلك ~~لله ، ولا يرضونه لأنفسهم ، باختيارهم البنين لهم؟ وما الدليل على ذلك الذي ~~يتصورونه ويدعونه؟ ( @QUR@06 أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ) فهل ~~كانوا شهودا على خلقهم في بداية الكون ، لتكون المسألة لديهم في مستوى ~~المحسوسات!؟ # ( @QUR@04 ألا إنهم من إفكهم ) من الباطل الذي لا يملكون حجة عليه ( ~~@QUR@03 ليقولون* ولد الله ) فينسبون إليه الولد ، ليعطوه صفة البشر في ~~الحاجة إلى ذلك من موقع ما يعانونه من الحاجة إلى امتداد حياتهم بعد الموت ~~بحياة أولادهم ، ( @QUR@02 وإنهم لكاذبون ) لأن المسألة ليست في موقع الحق ~~لاستحالة ذلك على الله بالمعنى المادي وبالصورة المعنوية التي ترتبط ~~بالحاجة ، بالإضافة إلى فقدان PageV19P221 # الحجة على ما يقولون ، كأي فكر لا أساس له. # ( @QUR@04 أصطفى البنات على البنين ) في عملية الاختيار الإلهي كما يدعون ~~، ( @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون ) في ما تصدرونه من الأحكام السريعة التي لم ~~تصدر عن عمق في التفكير ، بل صدرت عن أوهام متخلفة لا معنى لها ، ( @QUR@02 ~~أفلا تذكرون ) بما تمثله الذكرى من عناصر الفكر ms4482 الذي يحاكم الأمور بدقة ، ~~بالمستوى الذي يفتح عقول الناس على الحقائق ، فتزول عنها غشاوات الغفلة ~~التي تبعدها عن التصور الصحيح ، ليعيش الإنسان يقظة الروح في تصوره للحقيقة ~~الإيمانية في معنى الله ، ( @QUR@04 أم لكم سلطان مبين ) يفرض نفسه على ~~الفكرة المطروحة ليؤكدها ويطرد الفكرة الأخرى المضادة ، عبر ما يمثله ~~السلطان الفكري من معنى الحجة العلمية في ساحة الفكر. # ( @QUR@05 فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ) إذا كان لكم كتاب يتحدث عن هذه ~~العقيدة في صفة الملائكة وعلاقتهم النسبية بالله ، وربما كان المقصود ~~الكتاب النازل من الله ، وربما كان المقصود المعنى الكنائي عن الدليل ~~القاطع. # وهكذا يظهر في هذه الآيات أسلوب قرآني يؤكد على أن الأساس في قضية ~~العقيدة هو البرهان العقلي الذي يرتكز على قاعدة فكرية ، فلا مجال لعقيدة ~~مبنية على الظن أو الوهم ، مما يجعل من مسألة الخلاف العقيدي للإسلام مع ~~الآخرين مسألة تتحرك نحو الحوار على أساس الأدلة العقلية والعلمية ، لا على ~~أساس الانفعال. # ( @QUR@05 وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) فاعتبروا الجن أولاد الله ، ~~ولذلك فقد أحلوهم مقاما رفيعا في المنزلة ، وارتفعوا بهم عن مستوى الحساب ~~والجزاء لما لهم من ميزة القربى بالله ، فلا يمكن لله أن يعذب أولاده. # ( @QUR@05 ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ) فهم يزعمون للجن من الصفات ~~والامتيازات ما لا يدعونه لأنفسهم ، فإن الجن يعرفون أنهم مخلوقون لله ، PageV19P222 # مملوكون له ، ومحاسبون غدا أمامه عند ما يحضرون في القيامة ، أمامه ، ~~ليحاسبهم على أعمالهم ، فيثيب المحسن ويعذب المسيء ، ( @QUR@04 سبحان الله ~~عما يصفون ) وتعالى في عظمته عن نسبة الولد إليه من هؤلاء الذين لا يفهمون ~~حقيقة الألوهية ، ولا يعرفون عظمة الله الذي ليس كمثله شيء ، فيصفون الخالق ~~بصفة المخلوقين. # ( @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين ) أي لكن عباد الله المخلصين لا يصفونه ~~بذلك ، بل ينزهونه عما لا يليق به على سبيل الاستثناء المنقطع وقد ذكر ~~البعض من المفسرين أن ضمير ( @QUR@02 عما يصفون ) راجع إلى الناس فيكون ~~المعنى : إن الله منزه عن كل ما يصفه الواصفون إلا عباد الله المخلصين ، ~~وذلك أنهم يصفونه بمفاهيم محدودة عندهم ms4483 ، وهو سبحانه غير محدود لا يحيط به ~~حد ولا يدركه نعت ، فكل ما وصف به فهو أجل منه ، وكل ما توهم أنه هو فهو ~~غيره ، لكن له سبحانه عبادا أخلصهم لنفسه ، وخصهم بنفسه ، لا يشاركه فيهم ~~أحد غيره ، فعرفهم نفسه وأنساهم غيره يعرفونه ويعرفون غيره به ، فإذا وصفوه ~~في نفوسهم ، وصفوه بما يليق بساحة كبريائه ، وإذا وصفوه بألسنتهم والألفاظ ~~قاصرة والمعاني محدودة ، اعترفوا بقصور البيان وأقروا بكلال اللسان ، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد المخلصين : «لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك فافهم ذلك» (1). وهو معنى دقيق في نفسه ، ولكنه لا ~~يتناسب مع ظهور اللفظ ، كما هو واضح. # ( @QUR@03 فإنكم وما تعبدون ) من كل هؤلاء الآلهة المزعومين الذين ~~تدعونهم من دون الله ، ( @QUR@04 ما أنتم عليه بفاتنين ) من الفتنة التي ~~تختزن معنى الضلال في إيحاءاتها ( @QUR@05 إلا من هو صال الجحيم ) أي هؤلاء ~~الذين يخضعون للفتنة عن دينهم بواسطة عناصر الضلال ، يبادرون إلى اقتحام ~~النار باختيارهم السير في طريق الشرك ، PageV19P223 # ( @QUR@012 وما منا إلا له مقام معلوم* وإنا لنحن الصافون* وإنا لنحن ~~المسبحون ) قيل : إنه من كلام جبريل أو هو وأعوانه من ملائكة الوحي على نحو ~~الجملة الاعتراضية على ما يعطيه السياق نظير قوله تعالى في سورة مريم : ( ~~@QUR@014 وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ) ~~[مريم : 64]. # والآيات الثلاث مسوقة لرد قولهم بألوهية الملائكة بإيراد نفس اعترافهم ~~بما ينتفي به قول الكفار ، وهم لا ينفون العبودية عن الملائكة ، بل يرون ~~أنهم مربوبون لله سبحانه أرباب وآلهة لمن دونهم يستقلون بالتصرف في ما فوض ~~إليهم من أمر العالم من غير أن يرتبط شيء من هذا التدبير إلى الله سبحانه ، ~~وهذا هو الذي ينفيه الملائكة عن أنفسهم ، لا كونهم أسبابا متوسطة بينه ~~تعالى وبين خلقه كما قال تعالى ( @QUR@09 بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون ) (1) [الأنبياء : 26 27]. # وخلاصة الفكرة التي تثيرها الآيات ، أن الملائكة يؤكدون بأن لكل واحد ~~منهم دورا معينا ، ومقاما ms4484 معلوما في ما يفوضه الله إليهم من مهمات في حركة ~~الكون ، وأنهم الذين يقفون أمام الله صفا في انتظار أوامره الكونية وأنهم ~~الذين يرفعون التسبيح إلى مقام قدسه ، في عبادتهم الخالصة التي ينزهوه فيها ~~الله عن كل ما لا يليق به. # ( @QUR@09 وإن كانوا ليقولون* لو أن عندنا ذكرا من الأولين ) في ما كانت ~~تتحدث به قريش من باب التبرير العملي لما هي عليه من شرك وانحراف ، بأن ~~الله لم ينزل عليهم كتابا ، كما أنزله على الأولين من قبلهم ، ولو حدث ذلك ~~، ( @QUR@04 لكنا عباد الله المخلصين ) الذين يستجيبون للوحي النازل عليهم ~~من الله. # ( @QUR@04 فكفروا به فسوف يعلمون ) وهذا جواب من الله لهم ، فقد أنزل ~~الله عليهم هذا الكتاب على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكفروا به ~~، وأعرضوا عنه ، PageV19P224 # فسوف يعلمون كيف يواجهون عاقبة كفرهم في يوم القيامة. # ( @QUR@05 ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ) الذين تحملوا مسئولية ~~الرسالة ، وعاشوا متاعبها ومشاكلها وأوذوا في سبيلها ( @QUR@03 إنهم لهم ~~المنصورون ) في ما يعطيهم من حجة على الحق الذي يدعون إليه وما ييسره لهم ~~من وسائل النصر في الدنيا على أعدائهم ، وفي الآخرة على القوى المضادة لهم ~~، ( @QUR@04 وإن جندنا لهم الغالبون ) وهم الذين يعيشون الجندية لله في ~~حياتهم الخاصة ، فيقومون بجهد كبير ، ويتحملون الكثير من الآلام ، وفي ~~حياتهم العامة ، بما يواجهونه من التحديات الكافرة والضالة والطاغية ، لذلك ~~فإن الله سوف ينصرهم بنصره ، ويهيئ لهم سبل الغلبة من خلال عناصر القوة ~~التي يملكونها بإيمانهم ، ويحركونها بوعيهم ووحدتهم ، وهكذا يريد الله أن ~~يؤكد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل دعوته ، وما ينتظر المسلمين ~~الصابرين الصامدين الواثقين بالله ، المتوكلين عليه من الغلبة على قريش ~~الكافرة الطاغية ، ليشعروا بالأمل الكبير من خلال وعد الله ، كما يشعرون به ~~من خلال الثقة به والتوكل عليه ( @QUR@02 فتول عنهم ) وأعرض عن الاهتمام ~~بتهاويلهم ومشاكلهم ، ( @QUR@02 حتى حين ) عند ما يأذن الله بالنصر في ساحة ~~المعارك التي تنتصر فيها بإذنه بعد الهجرة. # ( @QUR@01 وأبصرهم ) وحدق في كل أوضاعهم بكل نتائجها السلبية التي ~~يتحملون مسئولياتها ms4485 ( @QUR@02 فسوف يبصرون ) عند ما يرون ذلك كله ماثلا ~~أمامهم في حياتهم العملية الخاصة والعامة ، ( @QUR@02 أفبعذابنا يستعجلون ) ~~حيث كان كلامهم يأخذ شكل التحدي والاستهزاء من قبيل متى هذا الوعد؟ كما لو ~~كانوا غير واثقين به ، أو معتقدين بخلافه ، ولكن ما الذي يعجلهم للوصول ~~إليه ، فهل يعرفون طبيعته وقساوته وفظاعته ( @QUR@03 فإذا نزل بساحتهم ) ~~وحل بهم ، وأحاط بهم من جميع جهاتهم ، ( @QUR@03 فساء صباح المنذرين ) ~~ليروا أي صباح مشؤوم هو هذا الصباح المظلم المرعب ، الشديد في عذابه. ( ~~@QUR@04 وتول عنهم حتى حين ) ولا تلتفت إلى كلماتهم الساخرة أو مواقفهم ~~المضادة ( @QUR@01 وأبصر ) كل ما حولك من ظواهر وقضايا في ما PageV19P225 # يتعلق بحركة الدعوة أمام التحديات ، وكل من حولك من القوى المضادة من ~~هؤلاء الذين يعاندونك ويحاربونك ، ( @QUR@02 فسوف يبصرون ) عذاب يوم ~~القيامة غدا عند ما يحشرون جميعا إلى الله سبحانه . # * * * PageV19P226 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) @QUR@03 وسلام على ~~المرسلين (181) @QUR@04 والحمد لله رب العالمين ) (182) # * * * ### ||| ** بين التسبيح والحمد # وتختم السورة الحديث بتنزيه الله عن كل ما يصفه به المشركون والجاحدون من ~~صفات لا تليق به ، ليردد المؤمنون كلمات التسبيح ، حتى يتعمق المعنى ~~التوحيدي الخالص في عمق شخصيتهم الإيمانية. # ( @QUR@06 سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) إنه التسبيح الذي يخاطب به كل ~~مؤمن أخاه المؤمن ، ليؤكد له عظمة الله التي لا ينتقص منها أحد ، وليوحي ~~إليه بصفة الربوبية التي ينتسب إليها ، وليذكره بصفة كونه رب العزة ، فهو ~~الذي يملك العزة كلها ، فلا عزة لغيره إلا منه ، ولا عزيز أمامه لأنه ~~المهيمن على الكون كله ، مما يجعل الإنسان يستشعر القوة المطلقة لله ، من ~~خلال ما توحي PageV19P227 # به العزة المطلقة التي لا يطالها شيء ، ولا يقترب منها شيء ، مهما كانت ~~عظمته ، ويرفض كل ما يصفونه من صفات لا تليق بجلاله ، ولكنها تلتقي بحقارة ~~الفكر الذي يتمرغون في وحوله ، وبضيق الأفق الذي يختنقون فيه ، وبالغشاوة ~~التي تغشي قلوبهم وعقولهم ، فيبتعدون بسببها عن وعي النور الذي يفيض في ذات الله. # ( @QUR@03 وسلام على المرسلين ) هؤلاء الذين حركوا حياتهم ليعيش الناس في ~~سلام مع أنفسهم ، ومع ms4486 ربهم ، ومع الحياة كلها ، ومع بعضهم البعض ، على هدي ~~الله في خط شريعته ، وفي ساحة رسالته ، فتعبوا ليرتاح الآخرون ، وجاعوا ~~ليشبع الجياع ، وحزنوا ليفرح الحزانى ، وجاهدوا في الله حق جهاده ... هؤلاء ~~الرسل الطيبون المجاهدون المخلصون من عباد الله المؤمنين ، ينتظرهم السلام ~~من الله في الدنيا ، ليعيشوا في روحانيته ، وفي الآخرة ، ليتقلبوا في نعيم ~~رضوانه ، ( @QUR@04 والحمد لله رب العالمين ) فهو الذي تمثل صفاته الحمد ~~كله ، فلا حمد لأحد إلا من خلال ما أعطى من حمد ، فكل حمد يرجع إليه ، لأنه ~~رب العالمين جميعا ، في كل ما لديهم من شؤون الحياة في ما رباهم به ، ~~ورباهم عليه. # * * * PageV19P228 ### | سورة ص ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وثمانون PageV19P229 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة من سور القرآن المتحركة في القضايا الحية للرسالة ، وهي قضية ~~التوحيد ، وقضية الوحي في المعنى الغيبي للرسالة ، وقضية الآخرة في دائرة ~~الحساب ، ففي واجهة هذه العناوين تحرك المجتمع الوثني في مكة ، بما يشبه ~~المظاهرة العنيفة الصاخبة ، التي يتنادى فيها الجميع ، في صراخ مجنون ورد ~~فعل قاس. ففي اعتبارهم أن الحدث خطير وكبير ، لا سيما ما تعرض له الآلهة ~~المزعومون من التحدي الكبير من هذا الشخص الذي يدعي الرسالة من الله ، ~~مستهدفا جعل الآلهة إلها واحدا ، مما يثير الدهشة والعجب والاستنكار. ~~وتنطلق الآيات في تقييم فكري يضع الأمور في نصابها الصحيح ، ومن ثم تطلق ~~تهديدا حاسما يتناول النتائج الأخروية المترتبة على ذلك ، ثم تدعو النبي ~~إلى ضرورة الصبر على سنة الأنبياء والمرسلين الذين سبقوه ليجد نفسه في ~~الموقع الذي كان فيه كل هؤلاء ، وفي الطريق الذي ساروا فيه ، وفي المشاكل ~~الصعبة التي عاشوا في داخلها ، ليتحمل ما تحملوه ، وليصبر كما صبروا ، ~~وليواجه التحديات كما واجهوها. وبعد ذلك ، تسلط الآيات الضوء على PageV19P231 # المصير المشرق للصابرين الذين أصروا على حمل الرسالة وتحملوا في سبيلها ~~المعاناة والصعوبات ، وعلى المصير المظلم للطاغين الذين أصروا على طغيانهم. ~~ثم تدعو الرسول لكي يستمر في التبليغ ويثير أمام الناس كل حقائق الغيب في ~~الملأ الأعلى في ما يثيره من قضاياه ، ويعلن لهم ms4487 أنه ليس داعية يطلب أجرا ، ~~ولكنه رسول يفتح كل قلبه لله ، ويطلب منه وحده الأجر. # وهكذا تحرك السورة التفاصيل الحية لهذه القضايا العقيدية الثلاث في كل ~~حركة التاريخ الرسالي كما وردت في كلمات المؤمنين والكافرين ، وفي اللمعات ~~المنيرة التي يلامس فيها القرآن ذلك كله ، لتكون موعظة للناس كافة. وهذا هو ~~الهدف الكبير لكل الرسالات التي حملتها الكتب الإلهية : أن يتعظ الناس ~~بالفكر الرسالي ، وبالروح الرسولية ، وبالوحي الذي يضم ذلك كله. # * * * PageV19P232 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 ص والقرآن ذي الذكر (1) @QUR@06 بل الذين كفروا في عزة وشقاق ~~(2) @QUR@010 كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) @QUR@010 ~~وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) @QUR@08 أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) @QUR@012 وانطلق الملأ منهم أن ~~امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) @QUR@010 ما سمعنا بهذا في ~~الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) @QUR@015 أأنزل عليه الذكر من بيننا بل ~~هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) @QUR@07 أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب (9) @QUR@010 أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا في الأسباب (10) @QUR@06 جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) ~~@QUR@08 كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) @QUR@07 وثمود ~~وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) @QUR@07 إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب (14) @QUR@010 وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) ~~@QUR@08 وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) (16) # * * * PageV19P233 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 في عزة وشقاق ): في استكبار عن قبول الحق وعداء له. # ( @QUR@02 ولات حين ): ليس حين. # ( @QUR@01 مناص ): مفر. # ( @QUR@01 الملأ ): جماعة الأشراف. # ( @QUR@01 الأسباب ): الطرق والوسائل التي يمكن التوصل بها إلى الغاية. # ( @QUR@02 وأصحاب الأيكة ): أي قوم شعيب ، والأيكة الشجر الملتف. # ( @QUR@01 فواق ): الزمان اليسير. # ( @QUR@01 قطنا ): نصيبنا. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الكافي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ~~عليه السلام قال : أقبل أبو جهل بن هشام ، ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي ~~طالب فقالوا : إن ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكف عن ~~آلهتنا ms4488 ونكف عن إلهه. قال : فبعث أبو طالب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فدعاه ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ير في ~~البيت إلا مشركا ، فقال : السلام على من اتبع الهدى ، ثم جلس ، فخبره أبو ~~طالب بما جاؤوا به فقال : أوهل لهم في كلمة خير لهم من هذا ، يسودون بها ~~العرب ويطأون أعناقهم ، فقال أبو جهل : نعم PageV19P234 # وما هذه الكلمة؟ قال : تقولون : لا إله إلا الله. # قال : فوضعوا أصابعهم في آذانهم وخرجوا وهم يقولون : ( @QUR@010 ما سمعنا ~~بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) (1). # وفي تفسير القمي ، قال : لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة ~~، اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب : إن ابن أخيك قد سفه ~~أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شبابنا وفرق جماعتنا ، فإن كان الذي يحمله على ~~ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا. # فأخبر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال : والله لو ~~وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ، ولكن يعطونني كلمة يملكون ~~بها العرب ويدين لهم بها العجم ويكونون ملوكا في الجنة ، فقال لهم أبو طالب ~~ذلك ، فقالوا : نعم ، وعشر كلمات ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فقالوا : ندع ثلاث مائة ~~وستين إلها ونعبد إلها واحدا؟ فأنزل الله الآيات (2). # * * * ### ||| ** القرآن الهادي من الغفلة # ( @QUR@01 ص ) من الحروف المقطعة في القرآن ، ( @QUR@03 والقرآن ذي الذكر ~~) الواو للقسم ، أي أقسم بالقرآن ذي الذكر الذي أنزله الله ليكون ذكرا ~~للناس ، يفتح به قلوبهم على الله ، فيعيشون معه في حضور دائم ، بما ~~يتمثلونه في آياته من PageV19P235 # عظمته في ذاته وصفاته وخلقه ، ومن نعمته في كل ظواهر الحياة التي أبدعها ~~لتكون مسخرة للإنسان في حاجات وجوده ، بما يحفظ حياته ويجعلها مريحة يتحقق ~~له فيها ما يشتهيه ويستلذه ، ويفتح عقولهم على الفكر النير العميق في قضايا ~~العقيدة ، فيبتعدون بذلك ms4489 الذكر عن الغفلة التي توقعهم في قبضة الخرافة ، ~~وفي واقع الشرك والإلحاد ، وما يؤدي إليه من انحراف في التصور على مستوى ~~مفاهيم الأشياء المتحركة في حياتهم ، أو في طبيعة العلاقات التي تشدهم إلى ~~الآخرين ، وبذلك كان القرآن حركة متصاعدة ، تنفتح روحيا وفكريا وعمليا على ~~كل ما يذكر الإنسان ويبعده عن الاستغراق في الغفلة المطبقة الخانقة التي ~~تجعله فريسة لكل دعاة الكفر والضلال ، ليكون ذاكرا لكل مفردات الواقع التي ~~تثير فيه التفكير والتأمل واليقظة في كل موقع للعقيدة ، وفي كل ساحة للصراع ~~، وفي كل موضع للانتماء. # أما جواب القسم فقد ذكر في تفسير الكشاف ، أن فيه وجهين : «أحدهما : أن ~~يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم ، أعني «ص» ، على سبيل التحدي ~~والتنبيه على الإعجاز ، كما مر في أول الكتاب ، ثم أتبعه القسم محذوف ~~الجواب لدلالة التحدي عليه ، كأنه قال : والقرآن ذي الذكر ، إنه لكلام ~~معجز. والثاني : أن يكون «ص» خبر مبتدأ محذوف ، على أنها اسم للسورة ، كأنه ~~قال : هذه ص ، يعني هذه السورة التي أعجزت العرب ، والقرآن ذي الذكر ، كما ~~تقول : هذا حاتم والله ، تريد : هذا هو المشهور بالسخاء والله ؛ وكذلك إذا ~~أقسم بها كأنه قال : أقسمت ب «ص» والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز ، ثم قال : بل ~~الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك ، والاعتراف بالحق وشقاق لله ~~ورسوله» (1). PageV19P236 # ( @QUR@06 بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) بما تمثله هنا كلمة العزة من ~~تمرد على الحق وامتناع عن الانسجام معه ، إذ توحي بمعنى القوة المعقدة لدى ~~هؤلاء الذين يشعرون بعزة الانتماء للكفر وارتكاب الإثم ، أما كلمة الشقاق ~~فتعني المعارضة الشديدة التي تمنع من وحدة الموقف في الفكر والإيمان. # ( @QUR@06 كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) من الأمم السابقة التي تمردت على ~~وحي الله الذي جاء به الرسل كما تمرد هؤلاء ، فذهبوا في غيابات الفناء ~~والنسيان ، ( @QUR@01 فنادوا ) واستغاثوا وأعلنوا الويل ، ( @QUR@03 ولات ~~حين مناص ) أي ليس الوقت الذي أرادوا التخلص فيه من العذاب عند نزوله عليهم ~~، هو وقت الفرار والنجاة ، لأن أوانه قد ms4490 فات ، فالنجاة لا تكون إلا بالرجوع ~~إلى الله والتوبة عن الكفر في الحالات الطبيعية. # * * * # ( @QUR@05 وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) # ( @QUR@05 وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ينذرهم بالوحي ، لأنهم يتصورون أن ~~الرسول لا بد من أن يكون من غير البشر ، ( @QUR@05 وقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب ) في كلمات غير مسئولة ، ليواجهوا التأثير العقلي والنفسي الذي تعرض ~~له بعض جمهورهم بعد الذي سمعوه من القرآن ومن حلاوة حديثه ، وسمو أخلاقه ، ~~وروعة أسلوبه. لقد اتهموه بالسحر ليفكر الناس بالمسألة في هذا الاتجاه الذي ~~يتصل بالقدرة الذاتية على التأثير ، كما يفعل السحرة الذين يتأثر الناس ~~بفنهم الساحر ، لا بفكرهم ، ولا يفكرون بها من جانب الوحي الذي يمنحه صفة ~~الرسول. وقد نسبوا إليه الكذب ، ليسقطوا الثقة به رغم معرفتهم بصدقه الذي ~~يؤدي إلى الثقة بما ينقله عن الله من الوحي القرآني النازل عليه ، وليؤكدوا ~~للناس بأنه قد انحرف عما كان معروفا عنه من خلق الصدق في ما يدعو إليه ، PageV19P237 # ليحصل على امتيازات جديدة في زعامة الناس من حوله. # ( @QUR@04 أجعل الآلهة إلها واحدا ) فهو ينكر ألوهية هذه الآلهة التي ~~نعبدها كما كان يعبدها آباؤنا ، لأن التقاليد العامة التي يتحرك فيها الناس ~~تفرض ذلك ، مما يجعلها في مستوى الحقيقة الواضحة التي لا يشك فيها أحد ، بل ~~يتم تقبلها بعفوية وبساطة ومن دون تفكير ، وها هو محمد ، يدعو إلى رفضها ~~وتحطيمها ويدعو إلى عبادة إلى واحد لا نراه ولا نحس به ، ( @QUR@04 إن هذا ~~لشيء عجاب ) أي بليغ في العجب الذي يثيره ، لأننا لا نتصور إنسانا عاقلا ~~واعيا يقف هذا الموقف الرافض للآلهة ، المحارب لها ، من دون خوف ولا وجل ، ~~ليجعل الجماعة واحدا. # * * * ### ||| ** وانطلقوا في صخب وثورة # ( @QUR@03 وانطلق الملأ منهم ) في ثورة عارمة ، ومظاهرة صاخبة لحماية ~~الآلهة ( @QUR@05 أن امشوا واصبروا على آلهتكم ) واثبتوا على احترامها ~~وعبادتها والانتماء إليها ، فلا فائدة من جدال محمد في ذلك ، ولا مجال ~~لإقناعه في العدول عنه ( @QUR@04 إن هذا لشيء يراد ) الظاهر أن معناه هو أن ~~الثبات على عبادة الأصنام والصبر عليها من الأمور المطلوبة التي يجب ms4491 ~~التأكيد عليها ، وقيل : إنه إشارة إلى ما يدعو إليه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويطلبه ، وأن مطلوبه شيء يراد بالطبع وهو السيادة ~~والرئاسة ، وإنما جعل الدعوة ذريعة إليه ، وهو خلاف الظاهر ، كغيره من ~~الوجوه المذكورة في كتب التفاسير لأنهم كانوا في مقام تأكيد دعوتهم في ~~الثبات على الخط الذي يسيرون عليه ، والله العالم. # ( @QUR@06 ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) التي يتداولها الناس ويؤمنون ~~بها ، ( @QUR@02 إن هذا PageV19P238 # @QUR@02 إلا اختلاق ) وافتراء على طريقة الأساطير التي اختلقها الأولون ، ~~وقيل : إن المراد بها النصرانية ، ولكنها لم تكن متداولة لديهم. # * * * ### ||| ** استنكار المشركين # ( @QUR@05 أأنزل عليه الذكر من بيننا ) كان هذا هو الاستفهام الإنكاري ~~الذي أطلقه المشركون من قريش ، حيث استغربوا إنزال الوحي على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدم إنزاله على غيره ممن هو أكثر منه مالا وقوة ~~وموقعا في المجتمع الطبقي في مكة ، ولكن الله يرد عليهم بطريقة تتناسب مع ~~الجو العدواني الذي أوجدوه ، ليؤكد حقيقة الواقع الداخلي من جهة ، وليحدد ~~ملامح هذا الاستهتار الكلامي في مواقفهم ، ( @QUR@06 بل هم في شك من ذكري ) ~~في ما تثيره الأوهام المعقدة في أفكارهم من شكوك وشبهات ، مما لا يتوقفون ~~عنده ليفكروا فيه ، وليناقشوا مفرداته ، وليدخلوا في حوار حوله ، مع النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من أجل الوصول إلى قناعة مخالفة أو موافقة ~~تنطلق من فكر خاضع للحجة القوية ، ولكن المسألة التي تفرض نفسها على الموقف ~~، هي حالة الاسترخاء الفكري أو العملي التي يستغرقون فيها ، فما كان يحيط ~~بهم لا يكلفهم دفع أية ضريبة من أمنهم وراحتهم ومصيرهم. ( @QUR@04 بل لما ~~يذوقوا عذاب ) فهم يشعرون بالأمن الممتد في حياتهم فلا يخافون من الخطر ~~الداهم ، فإذا ذاقوا العذاب ، فكروا بطريقة أخرى ، وواجهوا الموقف بروحية ~~مختلفة. # ( @QUR@07 أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ) التي لا يستطيع أحد ~~أن يحصل عليها أو يقترب منها إلا بإذنه ، كما أنه لا يمنع أحدا منها ممن ~~تشمله رحمته وتحتويه حكمته ، فهل يملكون شيئا منها ، سواء أكانت من الخزائن ~~المعنوية PageV19P239 # للرحمة كالنبوة ms4492 ونحوها ، أم من الخزائن المادية ، كالنعم الكثيرة ~~المتوفرة في دائرة الحس؟ # ( @QUR@07 أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ) لتكون لهم السيطرة ~~على الكون التي تمكنهم من معرفة كل شيء فيه ، ومن التصرف به بكل حرية ، ( ~~@QUR@03 فليرتقوا في الأسباب ) أي ليصعدوا هناك ، ليحددوا موضوع الوحي ، ~~ولمن يكون ، وهو وارد على سبيل التعجيز لإظهار عجزهم وحقارة موقعهم في ~~مواجهة التحدي. ( @QUR@03 جند ما هنالك ) من هؤلاء الذين يجتمعون للوقوف في ~~مواجهة الإسلام ليحاربوا دعوته ورسوله ، فهم فئة حقيرة ، مهما بلغت من ~~العدد ، ومهما جمعت من القوة ( @QUR@03 مهزوم من الأحزاب ) لأنهم لا ~~ينطلقون من موقع قوة في العمق الروحي من شخصيتهم ، بل يعيشون الضعف الداخلي ~~المسيطر على كل تطلعاتهم ومواقعهم ومواقفهم. # ( @QUR@08 كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ) وقد اختلف في ~~تفسير هذه الكلمة ذو الأوتاد فقيل : لأنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له ~~عليها ، وقيل : لأنه كان يعذب من غضب عليه من المجرمين بالأوتاد ، وقيل ~~معناه : ذو الجنود فهم أوتاد الملك ، وقيل : إنه وارد على سبيل الاستعارة ~~لثبات العز والملك واستقامة الأمر ، كما تستقيم الخيمة إذا شد أطنابها ~~بالأوتاد الثابتة في الأرض. # ( @QUR@05 وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة ) وهم قوم شعيب ( @QUR@02 أولئك ~~الأحزاب ) الذين تحزبوا ضد الرسل ، ( @QUR@05 إن كل إلا كذب الرسل ) في ~~موقف متمرد عدواني ( @QUR@02 فحق عقاب ) أي فثبت العقاب عليهم جزاء لهم على ~~ما كسبوا من السيئات ، وتلك هي سنة الله في المكذبين ، فكيف يأمن هؤلاء ~~المشركون من قريش عقاب الله؟ ( @QUR@010 وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما ~~لها من فواق ) أي ليس لها أية مهلة أو فرصة للهروب فتستأصلهم بسرعة ، ~~والفواق هو الزمن الذي بين حلبتي PageV19P240 # الحالب ورضعتي الراضع كما قيل وقد استعمل على سبيل الكناية. # ( @QUR@05 وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ) أي قسطنا ونصيبنا من العذاب ( ~~@QUR@03 قبل يوم الحساب ) أي قبل يوم القيامة استعجالا له على سبيل ~~الاستهزاء بالفكرة التي تطرحها الرسالة ويؤكدها الرسول. # * * * PageV19P241 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) ~~@QUR@07 إنا سخرنا الجبال ms4493 معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) @QUR@05 والطير ~~محشورة كل له أواب (19) @QUR@06 وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ~~(20) @QUR@07 وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) @QUR@023 إذ دخلوا ~~على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) @QUR@015 إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) @QUR@032 ~~قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على ~~بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) @QUR@09 فغفرنا له ذلك وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب (25) @QUR@031 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) (26) # * * * PageV19P242 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ذا الأيد ): ذا القوة. # ( @QUR@01 أواب ): تواب. # ( @QUR@01 والإشراق ): الصباح. # ( @QUR@01 محشورة ): مجموعة. # ( @QUR@01 وشددنا ): قوينا. # ( @QUR@01 الخصم ): المدعي على غيره حقا من الحقوق. # ( @QUR@01 المحراب ): مكان العبادة. # ( @QUR@01 تشطط ): الشطط : تجاوز الحد. # ( @QUR@01 أكفلنيها ): أعطنيها واجعلني كافلها. # ( @QUR@01 وعزني ): غلبني. # ( @QUR@01 مآب ): مرجع. # * * * ### ||| ** جولة استعراض لتجربة الرسل في آفاق التاريخ # وهذا حديث مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي لاقى الكثير من العنت ~~والمشقة في مواجهته للتحديات وللصعوبات في حركة الرسالة ، وجولة معه في ~~آفاق التاريخ تستعرض تجربة الرسل الذين لاقى كل واحد منهم لونا معينا من ~~المشاكل التي أحاطت به في نفسه ، وفي تجربته الخاصة ، وفي دعوته ، مما PageV19P243 # يعطي للنبي نوعا من السكينة النفسية تثبته إزاء ما يتعرض له من مشاكل وآلام. # ( @QUR@04 اصبر على ما يقولون ) مما يجابهونك به بكلمات غير مسئولة ، أو ~~يتهمونك به من اتهامات ظالمة ، فإن الرسالة التي تجابه التيار الفكري ~~للمجتمع أو التيار الاجتماعي للناس بما يشتمل عليه من تقاليد وعادات ~~ومفاهيم ، ستقف في الموقع المضاد للوضع العام ، وهذا ما سيعرضها لضربات ~~التيار الصعبة ، ولا شك أن الصبر على تلك الآلام يؤدي إلى الاستمرار ~~والامتداد في حركة الرسالة ، ( @QUR@03 واذكر ms4494 عبدنا داود ) الذي يمثل حلقة ~~أساسية في سلسلة الأنبياء الذين عاشوا التجربة المتحركة الحية في ساحة ~~الرسالة ، ( @QUR@02 ذا الأيد ) أي القوة التي تتمثل فيها صلابته وشدته في ~~الحرب وفي مواجهة الرجال ( @QUR@02 إنه أواب ) راجع إلى ربه ومنفتح عليه ~~إلى أقصى حد. # ( @QUR@07 إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ) فتهتز لتسبيحه ~~أو تشاركه التسبيح عند ما يبدأ أناشيد التسابيح الإلهية الخاشعة بطريقة ~~معجزة ، ( @QUR@02 والطير محشورة ) أي مجموعة له في أوقات التسبيح ، فتسبح ~~معه ، أو تجتمع لديه لتستمع له في خشوع وانسجام ، ( @QUR@03 كل له أواب ) ~~راجع إلى الله في إخلاصه له وإحساسه بعبوديته له. # ( @QUR@02 وشددنا ملكه ) فأعطيناه القوة الثابتة التي تثبت له قواعده ~~وتمنعه من الاهتزاز بكل الوسائل التي يحتاجها من المال والرجال ونحو ذلك. # ( @QUR@02 وآتيناه الحكمة ) التي تتمثل في وعي الأشياء بقدر ما تحتاجه ، ~~مما يتطلب دراسة كل العناصر المتعلقة بها ، وتحريك الواقع العملي ، مما ~~يعبر عنه بوضع الشيء في محله ، وقد قيل إن كلمة الحكمة مشتقة من إحكام ~~الأمور وتقويتها. # وقد نلاحظ في التأكيد الكبير على عنصر الحكمة في الكتاب وفي الرسالة ~~والرسول ، أن هذا المبدأ يمثل الأساس في حركة المسؤولية في الحياة ، بحيث ~~لا تتحرك مواقعها إلا في الدائرة التي يملك فيها الإنسان أو PageV19P244 # الخط وعي الفكرة المنطلقة منها ، والحركة السائرة في طريقها ، فلا يكفي ~~في خط المسؤولية في الشخص والمنهج أن يكون هناك علم في مستوى الحاجة ، بل ~~لا بد من أن يتوفر إلى جانب ذلك وعي دقيق للخطوط العملية التي تحرك ذلك في ~~الاتجاه السليم. # وهذا هو المبدأ الذي ينبغي لنا ملاحظته في كل مواقع القيادة للأمة التي ~~يؤكد البعض فيها على جانب التفوق العلمي ، دون التركيز على التفوق أو ~~الكفاءة في الجانب الإداري ، وهذا ما يجعل الساحة فارغة من العنصر القيادي ~~الحركي ، أو خاضعة للأسلوب القلق المرتبك في هذا المجال. # ( @QUR@02 وفصل الخطاب ) أي القول الحاسم الذي يستطيع ، من خلال الفكرة ~~الواضحة القوية ، أن يوضح الأمور ، ويحدد المعنى ، ويتقن التعبير عنه إلى ~~أقصى الغايات ويدخل فيه العلم ms4495 بالقضاء بين المتخاصمين في خصوماتهم على أساس العدل. # وهكذا كان داود ، من الشخصيات التقية الخاشعة لله ، المسبحة له ، القوية ~~في مواقع السلطة ، الحكيمة في مواقع القرار والحركة العملية ، الفاصلة في ~~ساحة الخلاف. # * * * ### ||| ** قصة داود مع الخصمين # ( @QUR@07 وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ) فتسلقوا سور المحراب ، ~~ونزلوا على داود ، ( @QUR@06 إذ دخلوا على داود ففزع منهم ) لطبيعة دخولهم ~~غير الطبيعي عليه ، فقد فاجأوه عند ما كان منقطعا إلى العبادة والابتهال ~~إلى الله ، ولعلهم ظهروا بشكل قد لا يكون مألوفا لديه ، أو غير ذلك مما ~~يوجب الفزع النفسي ، كحالة إنسانية طبيعية ، تماما ، كما هي الاختلاجات ~~العضوية الجسدية التي PageV19P245 # تتولد عن أية حركة مثيرة للإحساس ، ولذلك فلا مجال للحديث الفكري الكلامي ~~عن دلالة الفزع على الخوف الذي لا يناسب الأنبياء الذين لا يخافون إلا من ~~الله ، لأن هناك فرقا بين الخوف الذي تسقط الإرادة معه وتتحرك في اتجاه ~~الانحراف وبين الخوف الذي يدفع إلى الحذر الذي تمليه عملية دفاع الإنسان عن ~~نفسه ، ( @QUR@03 قالوا لا تخف ) فلسنا من اللصوص الذين جاؤوا إليك ليعتدوا ~~عليك أو على مالك ، كما توحي طريقتنا في الدخول ، ولكننا جئنا لأمر آخر ~~يتصل بالخلاف الدائر بيننا ، فنحن ( @QUR@05 خصمان بغى بعضنا على بعض ) ~~فهناك جانب يدعي على جانب آخر فيتهمه بالعدوان عليه ( @QUR@03 فاحكم بيننا ~~بالحق ) بعد معرفة طبيعة القضية المتنازع عليها ، من خلال المعطيات ~~الواقعية التي تمثل العناصر الحقيقية للموضوع ، ( @QUR@02 ولا تشطط ) أي لا ~~تتبع سبيل الشطط ، وهو تجاوز الحد الذي هو كناية عن تجاوز الحق بالحكم ~~الجائر ، ( @QUR@04 واهدنا إلى سواء الصراط ) أي إلى الطريق السوي المستقيم ~~الذي لا ميل فيه ولا انحراف. # ( @QUR@015 إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب ) أي أعطنيها أو اجعلها في سلطتي ، وغلبني في القول فلم ~~يدع لي مجالا لأي مقال. # ( @QUR@07 قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) فليس من العدل أن يفكر ~~بهذه الطريقة التي تمثل الجشع الذاتي ، والأنانية الطامعة ، والاستضعاف ~~الظالم ، إذ كيف يطلب إضافة نعجة أخيه ms4496 إلى نعاجه ، ولا يتركها له ليستفيد ~~منها في قضاء حاجاته الغذائية ، وكيف يضغط الغني على الفقير ، ويفرض سلطته ~~عليه ، ليسلبه ما عنده ... إن هذا هو الظلم بعينه. # ( @QUR@04 وإن كثيرا من الخلطاء ) أي الشركاء ، وقد يلاحظ أن القصة لا ~~توحي بشراكة بينهما ، فيمكن أن يكون المراد من الكلمة المعنى الذي يقترب من ~~ذلك ولو في الشكل ، بملاحظة المشاركة في الرعي ، أو في المكان ، أو في ~~الانتفاع PageV19P246 # أو نحو ذلك ( @QUR@04 ليبغي بعضهم على بعض ) بفعل ما يملكه من عناصر ~~القوة الضاغطة التي تدفعه إلى العدوان عليه ، ( @QUR@08 إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) فهؤلاء هم الذين يمنعهم إيمانهم من البغي ~~انطلاقا من العمق الروحي الذي يدفعهم إلى التحرك في خط الصلاح. # وهكذا أطلق داود الحكم ، وتدخل في تفسير المسألة من ناحية اعتبارها مظهرا ~~من مظاهر الانحراف الاجتماعي الذي يتعلق بسلب حقوق الناس ، ولم يكن قد ~~استمع إلى الطرف الآخر مما تقتضيه طبيعة إدارة الحكم في جانب الشكل ~~والمضمون ، إذ كان عليه أن يدرس الدعوى من خلال الاستماع إلى حجة المدعي ~~ودفاع المدعى عليه ، لأن مسألة الغنى والفقر ، والكثرة والقلة ، لا يصلحان ~~أساسا للحكم على الغني الذي يملك الكثير لحساب الفقير الذي يملك القليل أو ~~لا يملك شيئا في دائرة الحق المختلف فيه. # ولكن المشاعر العاطفية قد تجذب الإنسان إلى الجانب الضعيف في الدعوى ، ~~لتثير فيه الإحساس بالمأساة التي يعيشها هذا الإنسان من خلال ظروفه الصعبة ~~، بينما يعيش الإنسان الآخر الراحة والسعة لغياب أية مشاكل يعاني منها ، ~~مما يجعل من الحكم على الضعيف تعقيدا لمشكلته بينما لا يمثل الحكم عليه ~~لمصلحة الضعيف مشكلة صعبة بالنسبة إليه ، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة الواقع ~~الذي يتحرك في حياة الناس ، تستبعد أن يكون هذا الفقير معتديا على الغني ، ~~لا سيما في هذا الشيء البسيط ، بينما يمكن أن يكون الغني في جشعه وطمعه ~~معتديا على الفقير من موقع قوته ، كما هي حال الأقوياء بالنسبة إلى ~~الضعفاء. # ( @QUR@04 وظن داود أنما فتناه ) أي أوقعناه في الفتنة ، أي في ms4497 البلاء ~~والاختبار الذي يفتتن به الإنسان فيكون معرضا للخطأ لوقوعه تحت ضغط الأجواء ~~المثيرة المحيطة به ، وانتبه بعد إصدار حكمه لمصلحة صاحب النعجة ، إلى ~~استسلامه PageV19P247 # للمشاعر العاطفية أمام مأساة هذا الإنسان الفقير ، وخطئه في عدم الاستماع ~~إلى وجهة النظر الأخرى ، ( @QUR@02 فاستغفر ربه ) على هذا الخطأ في إجراءات ~~الحكم الشكلية ( @QUR@03 وخر راكعا وأناب ) أي رجع إلى الله تائبا ومخلصا. ~~( @QUR@03 فغفرنا له ذلك ) الخطأ الذي لم يؤد إلى نتيجة سلبية كبيرة في ~~الحياة العامة ، ولم يصل إلى الموقف الحاسم في تغيير الواقع ، ( @QUR@04 ~~وإن له عندنا لزلفى ) وهي المنزلة والحظوة ( @QUR@02 وحسن مآب ) في ما يرجع ~~إليه من رحمة الله ورضوانه. # * * * ### ||| ** قصة داود أمام علامات الاستفهام # ومن المفيد أمام هذه القصة إثارة عدة نقاط : # النقطة الأولى : هل هذان الخصمان من الملائكة كما يتحدث بعض المفسرين أو ~~من غيرهم؟ # قد يطرح الاحتمال الأول من خلال ظهور خصوصيات القصة في ذلك كتسورهم ~~المحراب ودخولهم عليه دخولا غير عادي بحيث أفزعوه ، مما لا يعهد حصوله من ~~البشر ، وكذا تصوره بأن ما حدث كان فتنة من الله له لا واقعة عادية مما قد ~~يوحي بأنه لم يجدهما أمامه بعد الحكم ، فقد غابا عنه بشكل غير طبيعي ، وقد ~~نفهم ذلك من قوله تعالى : ( @QUR@07 فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~) الظاهر في أن الله ابتلاه لينبهه ويسدده في خلافته وحكمه بين الناس ، كل ~~ذلك يؤيد كونهم من الملائكة ، وقد تمثلوا له في صورة رجال من الإنس. # وقد لا يرى البعض في ذلك كله دليلا على ما تقدم ، فيعتبر ما حدث شيئا ~~عاديا قد يحدث لأي واحد من الناس. PageV19P248 # النقطة الثانية : كيف نفهم المسألة في دائرة فكرة عصمة الأنبياء ، أمام ~~تصريح الآية بالاستغفار والرجوع إلى الله بعد الفتنة التي لم يستطع أن ~~يتجاوزها بنجاح ، فأخطأ في إدارة مسألة الحكم في الجانب الإجرائي منه؟ # ربما تطرح القضية ، على أساس أن الخصمين إذا كانا من الملائكة ، فإنها لا ~~تكون تكليفا حقيقيا ، بل هي قضية تمثيلية على سبيل التدريب العملي ليتفادى ~~التجارب المستقبلية ms4498 على صعيد ممارسته الحكم بين الناس ، تماما كما هي قضية ~~آدم التي كانت قضية امتحانية لا تكليفا شرعيا ، فلم تكن هناك معصية بالمعنى ~~المصطلح ، وبذلك يكون الاستغفار مجرد تعبير عن الانفتاح على الله والمحبة ~~له ، والخضوع له في ما يمكن أن يكون قد صدر عنه من صورة الخطيئة ، لا من ~~واقعها ، وأما إذا كان الخصمان من البشر ، فقد يقال بأن القضاء الصادر من ~~داود لم يكن قضاء فعليا حاسما بل كان قضاء تقديريا ، بحيث يكون قوله : ( ~~@QUR@06 لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه )، بتقدير قوله : لو لم يأت خصمك ~~بحجة بينة. # ولكن هذا الطرح لا يمنع صدور الخطأ منه ، فإنه لم ينتبه إلى أن الخصمين ~~ملكان ، بل كان يمارس القضاء بالطريقة الطبيعية على أساس أنهما من البشر ، ~~وبذلك فلم تكن المشكلة هي إنفاذ الحكم ليتحدث متحدث بأن المسألة قد انكشفت ~~قبل إنفاذه ، أو أنها لم تكن واقعية بل كانت تمثيلية ، بل المشكلة هي الخطأ ~~في طريقة إجراء الحكم. # وفي هذا الإطار لا بد من الاعتراف بأن مثل هذه الأخطاء لا تتنافى مع مقام ~~النبوة ، لا سيما إذا كانت الأمور جارية في بداياتها للإيقاع به في الخطأ ~~من أجل أن يكون ذلك بمثابة الصدمة القوية التي تمنع عن الخطأ في المستقبل. # وقد أكد الإمام الرضا عليه السلام ذلك بما روي عنه في عيون أخبار الرضا ، ~~قال الراوي وهو يسأله عن خطيئة داود عليه السلام : يا ابن رسول الله ما كانت PageV19P249 # خطيئته؟ فقال : ويحك إن داود عليه السلام إنما ظن أنه ما خلق الله خلقا هو ~~أعلم منه ، فبعث الله إليه عز وجل الملكين فتسورا المحراب ، فقال : ( ~~@QUR@029 خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى ~~سواء الصراط* إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب ) فعجل داود على المدعى عليه ، فقال : ( @QUR@06 لقد ظلمك ~~بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) ولم يسأل المدعي البينة على ذلك ، ولم يقبل على ~~المدعى عليه فيقول له : ما تقول؟ ms4499 فكان هذا خطيئة رسم الحكم لا ما ذهبتم ~~إليه» (1). # وقد ذكرنا في هذا التفسير أن علينا أخذ الفكر في طبيعة العقيدة من نصوص ~~القرآن الظاهرة ، لا من أفكار خارجة عنه ، مما قد تتحرك به الفلسفات غير ~~الدقيقة. # النقطة الثالثة : لقد تحدثت التوراة عن قصة داود عليه السلام بطريقة مثيرة ~~تتنافى مع أخلاقيته وتصوره بصورة رجل لا يتورع عن ارتكاب الجريمة في سبيل ~~شهواته. # فقد جاء فيها ما ملخصه في ما رواه صاحب تفسير الميزان : «وكان في وقت ~~المساء أن داود قام عن سريره وتمشي على سطح بيت الملك ، فرأى من على السطح ~~امرأة تستحم ، وكانت المرأة جميلة المنظر جدا ، فأرسل داود ، وسأل عن ~~المرأة فقيل : إنها بتشبع امرأة أوريا الحثي ، فأرسل داود رسلا وأخذها ~~فدخلت عليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة ~~فأرسلت وأخبرت داود أنها حبلى. # وكان أوريا في جيش لداود يحاربون بني عمون ، فكتب داود إلى يوآب أمير ~~جيشه يأمره بإرسال أوريا إليه ، ولما أتاه وأقام عنده كتب مكتوبا إلى يوآب ~~وأرسله بيد أوريا وكتب في المكتوب يقول : اجعلوا أوريا في وجه الحرب PageV19P250 # الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت ففعل به ذلك فقتل وأخبر داود بذلك. # فلما سمعت امرأة أوريا بأنه قد مات ندبت بعلها ، ولما مضت المناحة أرسل ~~داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا ، وأما الأمر الذي فعله ~~داود ، فقبح في عين الرب. # فأرسل الرب ناثان النبي إلى داود فجاء إليه ، وقال له : كان رجلان في ~~مدينة واحدة ، واحد منهما غني ، والآخر فقير ، وكان للغني غنم وبقر كثيرة ~~جدا ، وأما الفقير فلم يكن له شيء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها ورباها ~~فجاء ضيف إلى الرجل الغني فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيئ للضيف الذي ~~جاء إليه ، فأخذ نعجة الرجل الفقير وهيأ لضيفه ، فحمي غضب داود على الرجل ~~جدا ، وقال لناثان : حي هو الرب ، إنه يقتل الرجل الفاعل ذلك وترد النعجة ~~أربعة أضعاف لأنه فعل ms4500 هذا الأمر ولأنه لم يشفق. # فقال ناثان لداود : أنت هو الرجل يعاتبك الرب ، ويقول : سأقيم عليك الشر ~~من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع معهن قدام جميع ~~إسرائيل وقدام الشمس جزاء لما فعلت بأوريا وامرأته. # فقال داود لناثان : قد أخطأت إلى الرب : فقال ناثان لداود : الرب أيضا قد ~~نقل عنك خطيئتك ، لا تموت غير أنه من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء ~~الرب يشمتون فالابن المولود لك من المرأة يموت ، فأمرض الله الصبي سبعة ~~أيام ثم قبضه ثم ولدت امرأة أوريا بعده لداود ابنه سليمان» (1). # وقد جاء في أن الإمام ، الرضا عليه السلام قال لابن الجهم : «وأما داود ~~فما يقول من قبلكم فيه؟ قال : يقولون : إن داود كان يصلي في محرابه إذ PageV19P251 # تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور ، فقطع داود صلاته ، ~~وقام يأخذ الطير إلى الدار ، فخرج في إثره ، فطار الطير إلى السطح فصعد في ~~طلبه ، فسقط الطير في دار أوريا بن حيان. # فاطلع داود في إثر الطير ، فإذا بامرأة أوريا تغتسل ، فلما نظر إليها ~~هواها وكان قد أخرج أوريا في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا ~~أمام التابوت ، فقدم فظفر أوريا بالمشركين ، فصعب ذلك على داود ، فكتب إليه ~~ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أوريا وتزوج داود بامرأته. # قال : فضرب الرضا عليه السلام يده على جبهته وقال : إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ، لقد نسبتم نبيا من أنبياء الله إلى التهاون في صلاته حتى خرج في ~~إثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل ... # فقال : يا بن رسول الله فما قصته مع أوريا؟ قال الرضا عليه السلام : إن ~~المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا ، فأول ~~من أباح الله عز وجل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فتزوج ~~بامرأة أوريا لما قتل وانقضت عدتها فذلك الذي شق على الناس من قتل أوريا (1). # وهكذا نلاحظ في رواية التوراة المزعومة أن بعض المفسرين ms4501 درجوا على إخضاع ~~مسألة الخصمين لهذه القصة لتكون الخصومة التمثيلية بمثابة تنبيه لداود على ~~ما فعله في علاقته بهذه المرأة بمشابهة القصة الواقعة ، وقد حفلت كتب ~~التفسير بالكثير من هذه الإسرائيليات المخالفة لأبسط قواعد الأخلاق في حياة ~~النبي داود مما لا يتناسب مع الصفات التي ذكرها القرآن ، من جهة روحيته ~~العالية ، وتسبيحه لله وكونه أوابا ، وإيتائه الحكمة وفصل الخطاب. # * * * PageV19P252 # ( @QUR@05 إنا جعلناك خليفة في الأرض ) # ( @QUR@07 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) في ما أعطاك الله من موقع ~~الخلافة الشرعية في الأرض من خلال صفتك الرسالية التي تبلغ فيها الرسالة ~~للناس وتحركها في حياتهم ، وتجسدها واقعا حيا في صفاتك الشخصية التي تتمثل ~~فيها المعاني الروحية حتى ترسخ قيم الرسالة في حياة الناس والالتزام الشرعي ~~الأخلاقي بكل حلالها وحرامها ، لتكون قدوة لهم. وليست هذه الخلافة مجرد ~~حالة تكريمية ، أو موقع عملي في حركة الحياة العامة بعيدا عن موقع السلطة ~~الحاكمة ، بل هي حركة في الحكم والسلطة العادلة. # ( @QUR@04 فاحكم بين الناس بالحق ) لأن موقعك هو موقع إقامة الحق في ~~الفكر والواقع على مستوى الدعوة ، وعلى مستوى الحكم في الخلافات التي تحدث ~~بين الناس ، وعلى صعيد ما يمارسونه من سلوكهم العام والخاص ، ( @QUR@07 ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) لأن الخليفة الرسالي هو الذي يجعل هواه ~~العملي تبعا لرسالته ، فلا حرية له في أن يكون له هواه الخاص المنطلق من ~~مزاجه الذاتي وعلاقاته الشخصية ، وملاحظاته الخاصة الحادثة من انفعالاته ~~وعواطفه ، لأنه مسئول عن إدارة شؤون الناس العامة وعن الوصول إلى القول ~~الفصل في قضاياهم العملية في الحياة ، مما يفرض فيه أن يعيش التجرد من ~~عاطفته وأن يكون موضوعيا في نظرته إلى الأمور ، لئلا ينحرف عن سبيل الله ، ~~فيؤثر تأثيرا سلبيا على تصرفاته الخاصة في التزامه الشرعي الأخلاقي ، وعلى ~~حركة العدل في الحكم بين الناس. # ( @QUR@06 إن الذين يضلون عن سبيل الله ) في اتباعهم الهوى ، وانحرافهم ~~عن خط التقوى الرسالية ، ( @QUR@03 لهم عذاب شديد ) جزاء على أعمالهم ( ~~@QUR@03 بما نسوا يوم PageV19P253 # @QUR@01 الحساب ) لأن الذاكر للقيامة الذي يعيش هاجس ms4502 الحساب بين يدي الله ~~بما يترتب عليه من ثواب الله وعقابه لا يتجرأ على الله بالمعصية ، والتمرد ~~على نهجه الذي أراد لعباده أن يتبعوه. # وقد أثار البعض الحديث في تفسير الآية من ناحية علاقتها بعصمة النبي ~~بأنها واردة في مورد تنبيه الآخرين على المبدأ من حيث الحكم بالحق وعدم ~~اتباع الهوى ، من الناس الذين يتحملون مسئولية الخلافة ممن يمكن أن ينحرفوا ~~عن الخط المستقيم ، لعدم عصمتهم الذاتية ، أما داود وأمثاله من الأنبياء ، ~~فهم المعصومون عن الانحراف ، فلا يحكمون إلا بالحق ، ولا يتبعون الباطل. # ولكننا نلاحظ أن عصمة الأنبياء ليست حالة تكوينية مخلوقة مع النبي في ~~تكوينه الذاتي ، بل هي حالة اختيارية تنبع من توجيه الله له في حركة ~~إيمانية وفي أوامر الله ونواهيه التي تحدد له مسار الخط المستقيم في ما ~~يأخذ به أو يدعه وفي لطف الله به في ما يقويه من ملكاته الروحية والعملية ، ~~فهو عبد مأمور كبقية العباد ، مما يجعله واقعا تحت سلطة التكليف الذي تتحرك ~~العصمة في دائرته ، فهو معصوم عن معصية أوامر الله ونواهيه ، وعن الانحراف ~~عن خطه المستقيم. وهذا ما نلاحظه في الأسلوب القرآني الذي يخاطب الأنبياء ~~بما يخاطب به الناس ويهددهم على الانحراف في حال حدوثه ، بما يهدد به ~~الآخرين. # * * * PageV19P254 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ~~فويل للذين كفروا من النار (27) @QUR@013 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) @QUR@09 كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) (29) # * * * # ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ) # ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ) من دون غاية تنتهي ~~إلى هدف معين في تكوينها وحركتها ، ومن دون حكمة عميقة كامنة في كل الظواهر ~~الكونية والإنسانية في ما تخضع له من القوانين التي تنظم وجودها وتخطط ~~حركتها ، بحيث توحي بالنظام الحكيم القائم على الحق والحكمة في وجوده كله. ~~فالله لا يخلق ما يخلق عبثا ، ولا يفعل ما يفعل لهوا ولعبا ، لأن ذلك ~~يتنافى مع PageV19P255 # كماله وجلاله. ms4503 وإذا كان الله قد خلق الوجود كله على أساس الحق ، فلا بد ~~للإنسان ، الذي هو جزء من الكون الحي المتحرك نحو غاية حكيمة مبنية على ~~الحق من أن يتحرك على أساس الاختيار الواعي في نطاق تعاليم الله ومنهاجه ~~العملي في الحياة ، في ما أنزله من شرائعه. # وهكذا يرفض الله الباطل في حركتهم ، كما يرفضه في وجودهم ، ولكن الكافرين ~~لا ينسجمون مع الخط الرسالي الكوني ، لاعتقادهم بعبثية الحياة والنهج ~~المرتكز على الباطل في ما يتخيلونه من أفكار ، و ( @QUR@04 ذلك ظن الذين ~~كفروا ) الذين يعملون وفق الظن لا اليقين ، فيستسلمون لخيالاتهم الطارئة ، ~~ولا ينطلقون مع تفكيرهم العميق المبني على التأمل والمعرفة ( @QUR@05 فويل ~~للذين كفروا من النار ) التي هي جزاء الكافرين المعاندين لله ولرسله ، وهذا ~~الذي أقام الله عليه الحياة العملية للناس ، محددا الجزاء في العقاب ~~والثواب ، ليجزي المحسنين بإحسانهم ، والمسيئين بإساءتهم ، انسجاما مع مبدأ ~~العدل الذي يرفض التساوي بين السائرين على الخط المستقيم وبين المنحرفين عنه. # ( @QUR@06 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فهل يمكن أن نجعل هؤلاء ~~المؤمنين والمصلحين لأمور البلاد والعباد ( @QUR@03 كالمفسدين في الأرض ) ~~الذين ينطلقون من قاعدة الكفر الذي يعمل لإفساد التصور في العقيدة ، ~~والحركة في الحكم والمنهج مما يسيء إلى التوازن في سير الحياة ، فتفسد ~~أوضاعها العامة والخاصة؟! ( @QUR@03 أم نجعل المتقين ) الذين يلتزمون أوامر ~~الله ونواهيه ويراقبونه في سرهم وعلانيتهم ( @QUR@01 كالفجار ) الذين ~~يرتكبون المعاصي بفجور ويبتعدون عن المعاني الإنسانية الروحية في علاقاتهم ~~بالحياة وبالله وبالناس؟! # وإذا كان الله لا يساوي بين هؤلاء وهؤلاء من موقع الحق الذي يفرض إيصال ~~المحسن أو المسيء إلى حقه المتناسب مع سلوكه ، فلأن ضوابط القيم الإلهية ~~الروحية هي الحاكمة على مسار سلوك الإنسان في علاقاته العامة PageV19P256 # وتعامله مع الصالحين والفاسدين ، والكافرين والمؤمنين ، والمتقين والفجار ~~، فلا مجال للمساواة في النظرة الروحية بين هؤلاء وهؤلاء ... مع ملاحظة ~~تأكيد المساواة في الحقوق والواجبات العامة ، فإن العدل الذي يفرض عدم ~~المساواة في النظرة التقييمية ، هو الذي يفرض المساواة في حساب الثواب ~~والعقاب. # ( @QUR@04 كتاب أنزلناه إليك مبارك ) بما تمثله ms4504 البركة من امتداد النفع ~~العام والخاص في حياة الناس على مستوى الحياة الفكرية والعملية ، ( @QUR@02 ~~ليدبروا آياته ) ويتأملوها ليأخذوا منها المعرفة الشاملة بالحق المنفتح على ~~الحياة كلها ، وعلى الإنسان كله ، ( @QUR@03 وليتذكر أولوا الألباب ) الذين ~~يحركون عقولهم في آياته ، فيدفعهم ذلك إلى الانفتاح على الله في موقع عظمته ~~، وفواضل نعمته ، ليعرفوا موقعهم منه وموقعه منهم ، وكيف يعبدونه ، في ما ~~يريده من مستوى عبادته ، وكيف يطيعونه في منهج شريعته ، وكيف يتقونه في ~~حركة حياتهم. # * * * PageV19P257 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) @QUR@06 إذ عرض ~~عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) @QUR@011 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي حتى توارت بالحجاب (32) @QUR@06 ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~(33) @QUR@09 ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) ~~@QUR@015 قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ~~(35) @QUR@08 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) @QUR@04 ~~والشياطين كل بناء وغواص (37) @QUR@04 وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) ~~@QUR@07 هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) @QUR@06 وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصافنات ): جمع الصافنة من الخيل. # ( @QUR@01 الجياد ): جمع جواد وهو من الخيل السريع. # ( @QUR@01 توارت ): غابت. PageV19P258 # ( @QUR@01 فطفق ): شرع. # ( @QUR@01 بالسوق ): جمع ساق. # ( @QUR@01 رخاء ): سهلة طيعة. # ( @QUR@01 أصاب ): قصد. # ( @QUR@01 الأصفاد ): السلاسل. # ( @QUR@01 فامنن ): فأعط. # ( @QUR@01 أمسك ): امنع. # * * * ### ||| ** مع قصة سليمان # وهذا حديث عن سليمان الذي تميزت حياته بالملك الواسع ، والقوة الكبيرة ، ~~فقد سخر الله له ما لم يسخره من الناحية الفعلية لأحد من الأنبياء قبله ، ~~ولكن ذلك لم يبعده عن روحانية العلاقة بالله في خط الرسالة ، وعن تقوى ~~الممارسة العملية في طاعة الله. # ( @QUR@05 ووهبنا لداود سليمان نعم العبد ) في إحساسه بالعبودية لله ، ~~كصفة ذاتية يعيشها في أعماقه فكريا وشعوريا ، بحيث تتحول إلى خط عملي في ~~حياته ( @QUR@02 إنه أواب ) مقبل على الله ، مرتبط به ، منفتح عليه في كل ~~أموره في كل أموره في ما تعنيه هذه الكلمة من المبالغة في الرجوع إليه ، ~~باعتباره الوجهة الوحيدة التي يتوجه إليها في كل علاقاته وقضاياه. # ( @QUR@06 إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) وهي الخيول التي ms4505 تقوم ~~على ثلاث قوائم وترفع إحدى يديها ، السريعة في عدوها ، وكأن المشهد يوحي PageV19P259 # باستعراض عسكري تقوم به الخيل ، حيث كانت من وسائل القوة التي تستخدم في ~~جهاد الأعداء ، فأراد أن يستعرضها أمام عينيه ليعرف مدى نشاطها ، وما يمكن ~~أن تحقق له من قوة ، ( @QUR@08 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ) قيل : ~~إن كلمة أحببت تتضمن معنى فعل يتعدى بعن كأنه قيل : أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي ، أو جعلت حب الخير مجزيا أو مغنيا عن ذكر ربي ، وتطلق كلمة الخير على ~~الخيل ، وبذلك يكون المعنى ، أنه قدم حب الخيل على ذكر الله حتى شغل عن ~~صلاته ، ( @QUR@03 حتى توارت بالحجاب ) أي حتى غابت الشمس ، وفاتته صلاة ~~العصر بسبب ذلك ، وهذا هو المشهور بين المفسرين ، من أن استعراض الخيل ~~أمامه امتد بحيث شغله عن الإقبال على صلاته. # وقد أثار بعض المفسرين احتمال أن يكون انشغاله بحب الخير عن ذكر ربه ~~منطلقا من أمر الله ، ليكون استعراضه وحبه لها عملا عباديا ليتهيأ بها ~~للجهاد في سبيل الله ، وبذلك يكون الشاغل له عن عبادة الله ، عملا يختزنها ~~أي العبادة لله تعالى في داخله. # ولعل الأساس في هذا التوجيه التفسيري ، هو الخروج بعمل سليمان عن كونه ~~مخالفا لموقعه الرسالي ، في انشغاله باستعراض الخيل عن عبادة الله الواجبة ~~في وقت معين. # ولكن ما تقدم ليس بحجة قوية لا سيما إذا كانت الصلاة موقتة بوقت معين في ~~ذلك العصر ، بحيث يذهب وقتها بغروب الشمس وتواريها بالحجاب ، كما يظهر من ~~بعض الروايات ، لذا فإن الانشغال عنها المؤدي إلى تركها ، بعمل آخر مرض لله ~~، موسع في وقته ، غير مبرر شرعا. # ولهذا فقد يكون من الأقرب إبقاء الآية على ظاهرها الذي يوحي بأن سليمان ~~كان في مقام توبيخ نفسه أو الاعتذار إلى الله عما حدث ، وهو ما لا يتناسب ~~بالتأكيد مع التوجيه المذكور الذي قد لا يكون له معنى ، إلا أن يقال : PageV19P260 # إن ذلك بلحاظ أهمية الصلاة ، وبذلك يكون قد قدم المهم على الأهم في الوقت ~~الذي يتسع للعملين ms4506 معا ، مع كون تقديم الصلاة أفضل ، بلحاظ الوقت. # * * * ### ||| ** كيف نفهم حدود العصمة؟ # وقد نلاحظ في هذا المجال ، أن مسألة حدود العصمة ، في ما يراد من خلاله ~~تأكيد القيمة الأخلاقية المنفتحة على الله في القيام بما يحقق رضاه في أفق ~~محبته ، لا يكفي فيها التركيز على ترك المعصية ، بل لا بد من الانفتاح على ~~العمق الروحي الذي يتناسب مع قيمة النبوة في جانب القدوة الرسالية منها. # وقد ينبغي دراسة الأسس التي يحاول الكلاميون من خلالها تبني مسألة عصمة ~~الأنبياء بالشكل المطلق ، لنتعرف كيف يمكن لنا أن نواجه الظواهر القرآنية ~~التي تمنح الجانب الإنساني قيمة واقعية في تقييم شخصية النبي ، بالمستوى ~~الذي لا يبتعد عن الإخلاص والصدق الواعي في خط الرسالة ، مع إفساح المجال ~~لبعض نقاط الضعف الإنساني أن تنفذ إلى حياته ، بشكل جزئي طبيعي. # * * * ### ||| ** فتنة الله لسليمان # ( @QUR@02 ردوها علي ) أي الخيل على ما هو الظاهر في عملية استعادة ~~للاستعراض ولكن بروحية أخرى ( @QUR@04 فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) قيل : ~~في معناه PageV19P261 # أنه شرع يمسح بيده مسحا بسوقها وأعناقها ويجعلها مسبلة في سبيل الله جزاء ~~ما اشتغل بها عن الصلاة. # وقيل : المراد بمسح أعناق الخيل وسوقها ضربها بالسيف وقطعها ، والمسح ~~القطع ، فهو غضب عليها في الله لما شغلته عن ذكره ، فأمر بردها ثم ضرب ~~بالسيف أعناقها وسوقها فقتلها جميعا. # ويعلق صاحب الميزان على هذا الوجه ، بأن «مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة ~~الأنبياء عليهم السلام عن مثله ، فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن ~~الصلاة حتى تؤاخذ بأشد المؤاخذة فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها مع ما ~~فيه من إتلاف المال المحترم» (1). # ويذكر في موضع آخر أن الروايات التي تؤكد على هذه القصة بهذا الشكل تنتهي ~~إلى كعب الأحبار ، بالإضافة إلى الإغراق في التفاصيل التي تدخل في دائرة ~~الأعاجيب (2). # أما تعليقنا على ذلك ، فإن الظاهر من الآية قد يؤكد فكرة ضرب أعناقها ~~وسوقها ، لأن مسألة تسبيلها في سبيل الله لا يتوقف على «ردها عليه» ، وكما ~~أنه لا يفسر مسح أعناقها وسوقها ، فإن من ms4507 المتعارف مسح الخيل على نواصيها ~~كما أن هذه الروايات تلتقي مع ظهور الآية في رد الفعل الذي قام به سليمان ~~إزاء انشغاله بها عن الصلاة ، مما جعله يفكر بالخلاص منها بقتلها ، من غير ~~ضرورة لأن يكون ذلك على سبيل الانتقام منها ، أو إتلافها كمال محترم لا ~~يجوز إتلافه ، بل قد يكون ذلك بمثابة ضغط على نفسه بغية إيلامها لأنها أحبت ~~الخيل وبهذه الطريقة ، مع ملاحظة أن ذلك حلال في شريعته لأن الخيل كانت ~~تذبح كالأنعام ، للطعام ، والله العالم. PageV19P262 # ( @QUR@07 ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ) إن هذه الآية توحي ~~بوجود فتنة واختبار في حياة سليمان ، لتوجيه بعض أوضاعه التي يريد الله له ~~أن يركزها على أساس من الاستقامة في الفكر والعمل ، في ما يبتلي الله به ~~عباده ورسله من أجل أن يربيهم على الثبات في مواقع الاهتزاز من خلال حركة ~~التجربة في حياتهم العملية التي يراد لها أن تطل على حياة الآخرين من موقع ~~القيادة الرسالية ، وربما توحي الآية من خلال قوله ( @QUR@02 ثم أناب ) ~~بأنه ابتعد عن الخط قليلا ، في ما هو القرب السلوكي من الله ، ثم عاد إليه ~~بعد أن ابتلاه الله فعليا. # وقد اختلفت الروايات في تصوير المراد بالفتنة ، فذكر بعضها أنه كان يشعر ~~بالقوة الكبيرة في جسده بما تمنحه من القوة الجنسية التي يواقع فيها عددا ~~كبيرا من نسائه لتلد له كل واحدة منهن ولدا ، فولد له ولد غير متكامل ~~الخلقة ، وأماته الله وألقاه على كرسيه جسدا لا روح فيه ، ليدلل له أن ~~الأمور كلها بيده ، وقيل : إن الله ابتلاه بمرض فألقاه على كرسيه كجسد لا ~~روح فيه إلى غير ذلك من الروايات التي لا أساس فيها للحجية لا سيما وأن ~~الكثير منها لا يتناسب مع أخلاقية الأنبياء أو المؤمنين مما روته المصادر ~~الإسرائيلية ، فلنرد علم ذلك إلى أهله ، ولنقف عند إيحاءات الآية في حصول ~~نوع من البلاء الذي أنزله الله على سليمان ، ليكون بمثابة الصدمة الروحية ~~التي تثير لديه الكثير من الأفكار حول القضايا المتصلة بموقعه ms4508 من الله ~~ورجوعه إليه ، وطاعته والانقياد له في كل الأمور. # ( @QUR@04 قال رب اغفر لي ) ما يمكن أن يخطر في بالي مما لا ينسجم مع ~~رضاك أو مما قد أنحرف فيه من سيئات عملي ، مما لا عصمة لي فيه إلا من خلال ~~رعايتك وحمايتك لي من كل شيطان يغريني ، وعدو يضلني ويغويني ، ( @QUR@011 ~~وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) فأملك القوة المسيطرة التي PageV19P263 # أستخدمها برعايتك وبرضاك وبقوتك ، لأستطيع من خلالها الامتداد في سلطة ~~الإيمان المستمدة منك في نطاق هذا الملك ، بما لا يملك أحد أن يقهرني به ، ~~بينما أستطيع قهر الآخرين به ممن لا يستجيب لدعوتك ولا يعمل في خط رضاك. # وهذا الملك الذي يطلبه سليمان ، لا ينطلق من حالة ذاتية تتطلب تغذية ~~العنصر الأناني في شخصيته ، أو تقوية التحرك العدواني في سلطته ، لأن ~~روحيته في طلبه هذا ، هي روحية المؤمن الرسالي الذي يرجع إلى الله ويخضع له ~~ويستغفره وينفتح عليه ، ويرجوه في كل رغباته مما لا يبتعد عن رضاه. وفي ضوء ~~ذلك ، فإن تحديده الملك بأنه لا ينبغي لأحد من بعده ، لا يتحرك في دائرة ~~منع غيره من مثله ، بل في نطاق تميزه بخصوصية نوعية تشتمل على الخوارق ~~المعجزة ، مما يوحي بكرامة الله له ، وعنايته به ، بما يميز الله به بعض ~~عباده على بعض. # ( @QUR@06 فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء ) أي تتحرك بإرادته واختياره ~~بسهولة ولين من دون أية مشكلة ، وذلك على سبيل الكناية في التعبير عن ~~مطاوعتها له وانقيادها لرغبته في كل مشاريعه المتحركة في التنقل من مكان ~~إلى مكان بسرعة ، ( @QUR@02 حيث أصاب ) أي حيث أراد مما يقصده ويريد الوصول ~~إليه من أهداف ، لذا فلا منافاة بين هذه الكلمة في توصيف الريح بالرخاء ~~وبين التعبير عن الريح بأنها عاصفة في قوله تعالى : ( @QUR@05 ولسليمان ~~الريح عاصفة تجري بأمره ) [الأنبياء : 81] ، لأن التعبيرين واردان على سبيل ~~الكناية ، إذ يراد من الرخاء الانقياد ، ومن العاصفة السرعة ، والله ~~العالم. # ( @QUR@01 والشياطين ) التي سخرها الله له لخدمة مشاريعه العمرانية ( ~~@QUR@02 كل بناء ) ممن ms4509 يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وقدور كالجواب ~~، كما جاء في آية أخرى ، ( @QUR@01 وغواص ) في مشاريعه الاقتصادية حيث ~~يستخرجون من البحر PageV19P264 # اللؤلؤ والمرجان وغيرهما من ثروات البحر ، وهؤلاء يتحركون بحرية ~~لانقيادهم له ، ( @QUR@04 وآخرين مقرنين في الأصفاد ) والسلاسل التي يقيدهم ~~بها لتمردهم عليه ، وذلك كناية عن سيطرته المطلقة عليهم ، ( @QUR@02 هذا ~~عطاؤنا ) يا سليمان ، مما لا يملك أحد مثله من الناس من حولك أو من بعدك ، ~~( @QUR@01 فامنن ) على من تشاء من الناس الذين تريد أن تمن عليهم بما أعطاك ~~الله منه ، ( @QUR@02 أو أمسك ) عمن تريد حرمانه ، فإن الأمرين يستويان من ~~جهة حجم العطاء الكبير الذي من الله عليك به ، ( @QUR@02 بغير حساب ) لأنه ~~العطاء الذي لا حد له ، فلا ينقصه البذل ، ( @QUR@04 وإن له عندنا لزلفى ) ~~مما يقرب درجته عند الله ( @QUR@02 وحسن مآب ) حيث مقامه في رضوان الله ~~ورحمته وعظيم لطفه. # * * * PageV19P265 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~(41) @QUR@06 اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) @QUR@010 ووهبنا له ~~أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) @QUR@014 وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بنصب ): بتعب. # ( @QUR@01 مغتسل ): موضع الغسل. # ( @QUR@01 ضغثا ): حزمة من العيدان ونحوها. # ( @QUR@02 ولا تحنث ): حنث في اليمين إذا لم يف بها. # * * * PageV19P266 # ( @QUR@03 واذكر عبدنا أيوب ) # وهذا عبد من عباد الله الصالحين الصابرين الذي عاش البلاء الشديد القاسي ~~، فقد أصابت الآلام والأمراض جسده حتى وصل الأمر به إلى المستوى الذي لا ~~يحتمله الإنسان العادي ، فاستغاث بربه مبتهلا إليه ، من أعماق إيمانه ، أن ~~يفرج عنه فاستجاب له وفرج عنه. # ( @QUR@03 واذكر عبدنا أيوب ) الذي امتحنه الله بالبلاء فصبر صبر ~~المؤمنين ، واستسلم لله بإيمان خاشع ، ( @QUR@08 إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب ) فقد بلغ صبره الشديد ومقاومته لتأثير الآلام في جسده ~~أقصى مداه ، وتحول العذاب في معاناته إلى مشكلة صعبة في حياته ، بحيث انفجر ~~كل عضو من أعضاء جسمه بألمه المكبوت صيحة صارخة. ### ||| ** كيف سلط الله الشيطان على أيوب؟ # ولكن ما هو المراد بالشيطان؟ ms4510 هل هو هذا المخلوق الذي يتمثل في إبليس ~~وجنوده من الجن والإنس وفق ما جاء في التعبير القرآني ، وإذا كان المراد به ~~ذلك ، فكيف نفسر تدخله في مرض أيوب ، وإصابته بتعب وعذاب. # وقد طرح هذا التساؤل في كتب التفسير ، وعلق عليه صاحب تفسير الكشاف بقوله ~~إنه لا يجوز أن يسلط الله الشيطان على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم ~~وطره ، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه ، وقد تكرر في ~~القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب (1). # وقد حاول تأويل النسبة إلى الشيطان بأنه «لما كانت وسوسته إليه وطاعته PageV19P267 # له في ما وسوس سببا في ما مسه الله به من النصب والعذاب ، نسبه إليه ، ~~وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه ، مع أنه فاعله ، ~~ولا يقدر عليه إلا هو» (1). # * * * ### ||| ** رأي صاحب الميزان في المسألة # وقد أجاب صاحب تفسير الميزان على ذلك بقوله : «إن الذي يخص الأنبياء وأهل ~~العصمة ، أنهم لمكان عصمتهم ، في أمن من تأثير الشيطان في نفوسهم بالوسوسة ~~، وأما تأثيره في أبدانهم وسائر ما ينسب إليهم بإيذاء أو إتعاب أو نحو ذلك ~~من غير إضلال ، فلا دليل يدل على امتناعه ، وقد حكى الله سبحانه عن فتى ~~موسى ، وهو يوشع النبي عليه السلام : ( @QUR@09 فإني نسيت الحوت وما أنسانيه ~~إلا الشيطان أن أذكره ) [الكهف : 63]. # ولا يلزم من تسلطه على نبي بالإيذاء والإتعاب لمصلحة تقتضيه كظهور صبره ~~في الله سبحانه ، وأوبته إليه أن يقدر على ما يشاء في من يشاء من عباد الله ~~تعالى إلا أن يشاء الله ذلك وهو ظاهر» (2). # ويوضح صاحب الميزان تفسير الآية بقوله : «والظاهر أن المراد من مس ~~الشيطان له بالنصب والعذاب استناد نصبه وعذابه إلى الشيطان بنحو من السببية ~~والتأثير ، وهو الذي يظهر من الروايات ، ولا ينافي استناد المرض ونحوه إلى ~~الشيطان استناده أيضا إلى بعض الأسباب العادية الطبيعية ، لأن السببين ليسا ~~عرضيين متدافعين ، بل أحدهما في طول الآخر ... ولا دليل يدل على امتناع PageV19P268 # وقوع هذا النوع من ms4511 التأثير للشيطان في الإنسان ، وقد قال تعالى : ( ~~@QUR@09 إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ) ~~[المائدة : 90] فنسبها أنفسها إليه ، وقال حاكيا عن موسى عليه السلام : ( ~~@QUR@08 هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ) [القصص : 15] ، يشير إلى ~~الاقتتال» (1). # * * * ### ||| ** مناقشة مع صاحب الميزان # ولنا ملاحظة على ذلك ، أولا : بأن دراستنا لدور الشيطان في الأرض ، أنه ~~لا يخرج عن أجواء حركة الإنسان في ساحة اختياراته العملية المتصلة بأوامر ~~الله ونواهيه لإضلاله بطريق الوسوسة التي تدعو الإنسان إلى الاستجابة له في ~~حركة الانحراف عن الخط المستقيم ، وهذا ما عبر الله عنه في قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) ~~[الأعراف : 206]. وفي قوله تعالى : ( @QUR@015 وما كان لي عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) [إبراهيم : 22]. # وفي ضوء ذلك ، فإننا لا نجد في الصورة التي يقدمها القرآن عن الشيطان أنه ~~يمثل إحدى المؤثرات الطبيعية في مرض الإنسان أو في تعبه ، لأن المسألة ~~المطروحة لا علاقة لها بمفهومي الإمكان والاستحالة ، ليكون الحديث عن ~~الإمكان مطروحا من ناحية فلسفية ، بل المسألة تنتسب إلى الفكرة القرآنية ~~التي استندت إلى قصة إبليس وآدم في بداية الخليقة ، لتثير موضوع خط الهدى ~~الذي يريده الله للإنسان من مواقع اختياره ، ومسألة خط الضلال الذي يحركه ~~الشيطان من خلال الوسوسة ، بعيدا عن أي شيء آخر. والظاهر أن هذه القصة PageV19P269 # التي كررها القرآن في سوره وآياته ، تمثل العنوان العام للفكرة ، بحيث ~~تكون التفاصيل متفرعة عنه. # أما حديث التأثير الشيطاني في الأشياء من خلال آية المائدة ، فلا يدل على ~~المقصود ، لأن الظاهر إرادة الارتباط بهذه الأشياء في الجانب العملي من ~~خلال وسوسته للإنسان في الأخذ بها بالطريقة المضادة لمصلحته ، وهذا ما ~~نفهمه من آية موسى عليه السلام ، لأن قتله للقبطي قد يكون ناشئا من الوسوسة ~~الخفية التي نجحت في إحداث حالة من الإثارة التي تقود إلى ذلك. # ثانيا : إننا نؤكد ما ذكره صاحب تفسير الكشاف ، بأنه «لا يجوز أن يسلط ~~الله الشيطان على أنبيائه ms4512 ليقضي من تعذيبهم وأتعابهم ووطره» ، لأن تسليطه ~~عليهم لا يمثل أية غاية واضحة في واقع الرسالة والرسول ، بل يمثل سلبية ~~معنوية في خضوع الرسول للتعسف الشيطاني بالطريقة التي لا يستطيع فيها أن ~~يدافع عن نفسه ، بينما كان التسليط في دائرة الوسوسة متحركا في الأجواء ~~التي تتيح للإنسان أن يواجه فيها إبليس ، ليصده عن التأثير عليه. # وإذا كان صاحب الميزان يثير مسألة المصلحة في ذلك ، «كظهور صبره في الله ~~سبحانه وأوبته إليه» ، فإن ذلك لا يصلح توجيها للمسألة ، لأن من الممكن أن ~~يتم ذلك بطريقة المؤثرات الطبيعية والأسباب العادية ، لأن إبليس إذا وعى ~~ذلك ، فإنه لا يقوم به باعتبار أنه يترك تأثيرات إيجابية في ارتباط أيوب بالله. # إننا نفهم من الجو القرآني أن الله يريد أن يعز الرسل برعايته وألطافه ~~أمام إبليس ، فلا يتركهم تحت تأثيراته الذاتية المعقدة. # ثالثا : إن كلمة الشيطان ، قد استخدمت في بعض الأحاديث المأثورة ، كناية ~~عن الشيء الخفي الذي يترك تأثيره في الإنسان ، كبعض الميكروبات المؤثرة في ~~المرض ، باعتبار مشابهته للشيطان الذي يثير الأشياء السيئة في PageV19P270 # الإنسان بطريقة خفية مع كون المرض ونحوه شرا في نتائجه ، كما هي نتائج ~~وسوسة الشيطان فيمكن أن تكون الآية واردة في هذا السياق ، والله العالم. # * * * ### ||| ** أيوب ينال جزاء صبره # ( @QUR@02 اركض برجلك ) فقد انتهى عهد البلاء الذي كنت فيه مصلوبا على ~~فراشك مشدودا إلى البلاء ، واقعا تحت تأثير الآلام والأوجاع التي تمنعك من ~~التنظيف والاغتسال ، وعافيتك ستتحقق عند ما تضرب الأرض بقدمك مما سيفجر ~~عينا باردة صافية ، ( @QUR@04 هذا مغتسل بارد وشراب ) تغتسل وتشرب منه ، ~~لتشعر بكرامة الله وبرعايته وبرزقه الذي يغدقه عليك من حيث لا تحتسب كدلالة ~~على محبته ولطفه ورحمته وعنايته بك ، ( @QUR@03 ووهبنا له أهله ) فعادوا ~~إليه بعد أن ماتوا عند ما أحياهم الله له ، أو استردهم بعد أن كانوا قد ~~تركوه وابتعدوا عنه لظروف معينة ، ( @QUR@02 ومثلهم معهم ) في ما رزقه الله ~~من أبناء ( @QUR@02 رحمة منا ) في ما أفاض عليه من فيوضات نعمه ، كمظهر حي ~~من مظاهر رحمته ، ( @QUR@03 وذكرى لأولي الألباب ms4513 ) ليتأملوا في ذلك كله ~~بعقولهم ، ليعرفوا مواقع بلاء الله في حياة عباده المؤمنين ، ومواضع رحمته ~~في ما يفرج به عنهم ، ويدركوا حكمة الله في ذلك ، فلا ينظروا إلى الأمور من ~~جانب السطح الظاهر منها ، بل يدرسوها من عمق الأسرار الكامنة فيها. # وكان أيوب قد حلف أن يضرب امرأته ، لأمر أنكره منها ، مما يضيق به الصدر ~~، أو تثور به الأعصاب ، مما لا ينافي أخلاقه في ما تتميز به من قيمة روحية ~~، وكان الحلف أن يضربها مائة جلدة ، وكان هذا الأمر شديدا عليه ، كما يبدو ~~، لأنها خدمته خدمة عظيمة ، وصبرت على مرضه ورعته رعاية جيدة ، فخفف الله ~~عنه وقع ذلك ، وقدم له حلا لا يتراجع فيه عن يمينه ولا يضغط PageV19P271 # عليها ، ( @QUR@03 وخذ بيدك ضغثا ) وهو الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان ~~أو غير ذلك. وعن ابن عباس : قبضة من الشجر ، أي من عيدانها ، وذلك بأن يأخذ ~~مجموعة من العيدان بعدد المائة ، ( @QUR@02 فاضرب به ) دفعة واحدة ، ( ~~@QUR@02 ولا تحنث ) لتجزي عن يمينك من دون إيذاء لها تيسيرا لك وإنعاما ~~عليك. ثم يلتفت الأسلوب القرآني إلى المؤمنين وإلى النبي الذي أراد الله له ~~أن يذكر حياة هذا العبد الصالح الصابر ليكون في ذلك عبرة للعاملين الدعاة ~~المجاهدين في سبيله ، وهذا ما يبتلي به الله عباده المؤمنين في خط حكمته ~~ورحمته ، في ما يتمثل به صبرهم من قوة الإيمان وصلابة الموقف. # ( @QUR@03 إنا وجدناه صابرا ) على البلاء ، ( @QUR@02 نعم العبد ) في ~~إحساسه العميق بعبوديته لله واستسلامه له ، وانفتاحه على آفاق رحمته ، ( ~~@QUR@02 إنه أواب ) فقد رجع إلى ربه في ابتهال خاشع ، فلم يشك أمره إلى ~~غيره ، بل كانت شكواه إلى الله ، ودعاؤه له أن يصرف عنه ذلك البلاء ، ~~فاستجاب الله له ذلك. # وجاء في تفسير العياشي ، كما في مجمع البيان ، أن عباد المكي قال : قال ~~لي سفيان الثوري : إني أرى لك من أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) ~~منزلة ، فاسأله عن رجل زنى وهو مريض ، فإن أقيم عليه الحد خافوا أن يموت ما ~~تقول فيه ، فسألته ، فقال لي ms4514 : هذه المسألة من تلقاء نفسك أو أمرك بها ~~إنسان ، فقلت : إن سفيان الثوري أمرني أن أسألك عنها ، فقال : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أتي برجل أحبى قد استسقى بطنه وبدت عروق فخذيه ، وقد ~~زنى بامرأة مريضة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتي بعرجون فيه ~~مائة شمراخ فضربه به ضربة ، وضربها به ضربة وخلى سبيلهما ، وذلك قوله : ( ~~@QUR@07 وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث )» (1). # * * * PageV19P272 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) ~~@QUR@05 إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) @QUR@05 وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار (47) @QUR@08 واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من ~~الأخيار ) (48) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأيدي ): القوة. # ( @QUR@01 بخالصة ): صفة خالصة من كل شائبة. # ( @QUR@01 المصطفين ): المختارين. # * * * PageV19P273 ### ||| ** الأنبياء المصطفون الأخيار عند الله # ( @QUR@05 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) في ما تذكره من تاريخ ~~الأنبياء الذين سبقوك ، وحملوا الرسالة قبلك ، وتحملوا من المعاناة في ~~سبيلها الكثير من الجهد والألم والأذى ، ( @QUR@03 أولي الأيدي والأبصار ) ~~في ما توحي به كلمة الأيدي من الكناية عن القوة في سبيل العمل الصالح الذي ~~يتحملون مسئولية الدعوة إليه ، وتحويله إلى واقع حي في حياة الناس على جميع ~~المستويات ، وفي ما توحي به كلمة الأبصار من الكناية عن وضوح الرؤية ~~للأشياء في وعيهم المنفتح على الله والحياة ، مما يجعل حركتهم حركة منطلقة ~~من سعة الأفق ، وعمق المعرفة ، وصفاء الروح. # وقد نستوحي من ذلك كيف يجب للقياديين على جميع المستويات ، لا سيما الذين ~~يتحركون في الموقع القيادي للدعوة في سبيل الله ، أن يكونوا من أولي القوة ~~الذين يملكون الموقف القوي الذي يستطيع أن يثبت في مواقع الاهتزاز والتحدي ~~، كما يملكون القوة التي تمكنهم من التحرك بصلابة في تثبيت الخطة وتوجيهها ~~في الخطوط المستقيمة ، كما يجب أن يكونوا من أولي النظرة الثاقبة العميقة ~~التي تنفذ إلى عمق الأشياء لتكتشف حقائقها بصفاء ووضوح ، لأن ذلك هو الذي ~~يمكنهم من القيام بدورهم الرسالي القيادي بكفاءة وقوة. # ( @QUR@03 إنا أخلصناهم بخالصة ) فهؤلاء يتمتعون بالصفات الروحية الصافية ~~الخالصة التي لا يخالطها شيء من الزيف والريب ms4515 والالتواء ، ( @QUR@02 ذكرى ~~الدار ) وهي الدار الآخرة المستغرقون في ذكراها والمتحسبون للموقف الحاسم ~~فيها أمام الله عند ما يقف الناس للحساب بين يديه ، لتوحي لهم هذه الذكرى ~~بالاستقامة على خط التوحيد بكل مفاهيمه العقيدية والتشريعية التي جعلها ~~الله أساسا للقرب PageV19P274 # إليه والحصول على رضوانه ، باعتبارها الأساس الذي يتمثل فيه معنى إخلاص ~~العبودية في حركة الإنسان ، للربوبية المهيمنة الرحيمة المطلقة. # ( @QUR@05 وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) لأنهم أسلموا كل حياتهم ~~لله ، وأخلصوا له ، فكانوا محلا للاصطفاء ، ولأنهم عاشوا للخير كله في حياة ~~الناس المستضعفين ليهدوهم إلى مواقعه ، وليحركوا خطواتهم في طريقه ، ~~والتزموه منهج حياة ، وخط فكر وحركة موقف ، فكانوا الأخيار بنفوسهم وقلوبهم ~~ودعوتهم وحركتهم في الحياة. # ( @QUR@05 واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل ) وقد جاء في بعض أحاديث أئمة ~~أهل البيت عليهم السلام ، أن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى عليه السلام ، فقد ~~مشى على الماء وأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فلم تتخذه أمته ربا ، كما ~~ورد فيها أن ذا الكفل من المرسلين ، وكان بعد سليمان بن داود وكان يقضي بين ~~الناس ، كما كان يقضي داود ، ولم يغضب إلا لله عز وجل ، ( @QUR@03 وكل من ~~الأخيار ) الذين آمنوا بالخير فكرا ، وحركوه دعوة ، ومارسوه عملا وحركة في ~~سبيل الله. # * * * PageV19P275 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) @QUR@05 جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب (50) @QUR@07 متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) ~~@QUR@04 وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) @QUR@05 هذا ما توعدون ليوم الحساب ~~(53) @QUR@07 إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) @QUR@05 هذا وإن للطاغين ~~لشر مآب (55) @QUR@04 جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) @QUR@04 هذا فليذوقوه ~~حميم وغساق (57) @QUR@04 وآخر من شكله أزواج (58) @QUR@010 هذا فوج مقتحم ~~معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) @QUR@011 قالوا بل أنتم لا مرحبا ~~بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) @QUR@011 قالوا ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار (61) @QUR@010 وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار (62) @QUR@06 أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) ~~@QUR@06 إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) (64) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مآب ): مرجع. PageV19P276 # ( @QUR@01 عدن ): إقامة. # ( @QUR@02 قاصرات الطرف ): لا يمددن نظرهن ms4516 إلا إلى أزواجهن. # ( @QUR@01 أتراب ): المتساويات في السن. # ( @QUR@01 المهاد ): الفراش. # ( @QUR@01 حميم ): شديد الحرارة. # ( @QUR@01 وغساق ): قيح شديد النتن. # ( @QUR@01 أزواج ): أشكال وألوان. # * * * ### ||| ** المتقون والطاغون # وهذه قصة المتقين الذين أطاعوا الله وراقبوه في خفايا قلوبهم واتقوه في ~~خطوات حياتهم ، في مقابل الطاغين الذين تمردوا على أوامر الله ونواهيه ، ~~واختاروا الطغيان في الكلمة والحركة والموقف كعنوان لحياتهم العامة في ~~دائرة المسؤولية. # * * * ### ||| ** مصير المتقين # ( @QUR@02 هذا ذكر ) هذا التاريخ الرسالي في حركة الأنبياء والمرسلين وفي ~~ملامحهم الروحية ، وفي دعوتهم النبوية ، وفي كل تضحياتهم وجهادهم وتفانيهم ~~في خدمة الله ، وإخلاصهم لطاعته ... هذا ذكر للحاضر وللمستقبل في خط الدعوة ~~لكل الدعاة الرساليين ، والمجاهدين العاملين ، فيه كل الشرف PageV19P277 # الكبير والثناء الجميل والخير العميم لكل الذين يتذكرونه ويسيرون في ~~اتجاهه الصحيح في خط الفكر والعمل. # ( @QUR@02 وإن للمتقين ) السائرين في منهج الرسالات ، ( @QUR@02 لحسن مآب ~~) فإن للتقوى دورها الكبير في تحديد العاقبة الحسنة والمرجع الأفضل ، إذ ~~تحدد عظمة النهاية من خلال استقامة البداية ، ( @QUR@05 جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب ) فلا يغلق عنهم باب ولا يحجبهم عنها حجاب ، لأن الله قد أعدها لهم ~~منذ اختاروا السير في طريق رضاه ، ( @QUR@02 متكئين فيها ) في جلسة استرخاء ~~وراحة ونعيم ، لا يشغل بالهم شيء من الهم والغم ، ولا يخامرهم لون من الحزن ~~، ( @QUR@05 يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ) فمن مظاهر النعيم الحسن أن ~~ينالوا ما يشتهونه من الفاكهة الكثيرة من كل نوع ولون ، ومن الشراب اللذيذ ~~الذي ينعش الروح ولا يخامر العقل. ( @QUR@04 * وعندهم قاصرات الطرف ) لا ~~يمددن نظرهن إلا إلى أزواجهن ، فلا يمددنه للآخرين ، بل يلتفتن إلى أزواجهن ~~في غنج ودلال ، ( @QUR@01 أتراب ) والأتراب هم الأقران ، فهن متماثلات في ~~السن أو في الجمال ، ( @QUR@05 هذا ما توعدون ليوم الحساب ) ووعد الله الحق ~~( @QUR@03 إن هذا لرزقنا ) الذي رزقناه للمتقين ليعيشوا حياة الرضى ~~والطمأنينة والنعيم ، وليبقى لهم في كل وجودهم في الجنة ( @QUR@04 ما له من ~~نفاد ) لأن خزائن الله لا تنفد. # * * * ### ||| ** مصير الطاغين # ( @QUR@05 هذا وإن للطاغين لشر مآب ) لأن الطغيان لا يمكن أن يحقق ~~لأصحابه خيرا ، بل هو الشر الكبير الذي يعقب السائرين فيه ms4517 كل الشر في ~~العاقبة ، لأن الإنسان يحصد ما يزرع ، فمن يزرع الطغيان يحصد النيران ، ( ~~@QUR@02 جهنم يصلونها ) PageV19P278 # فيحترقون فيها ويقاسون عذابها ، ( @QUR@02 فبئس المهاد ) وهو الفراش ~~الموطأ ، وأي فراش أكثر شقاء وخشونة من الفراش الذي تمهده جهنم للداخلين ~~فيها ليلاقوا الشقاء المقيم!؟ ( @QUR@04 هذا فليذوقوه حميم وغساق ) أي هذا ~~الحميم الشديد الحرارة والغساق الذي هو القيح الشديد النتن ، أو صديد أهل ~~النار ، فليذوقوه ( @QUR@04 وآخر من شكله أزواج ) فليس هذا العذاب في ~~الحميم والغساق هو كل شيء مما يعانيه أهل النار ، بل هناك أشكال أخرى ، ~~وألوان متنوعة ، متماثلة في نتائجها الشديدة القاسية ، كالزقوم والسموم ، ~~وهنا نقف أمام هؤلاء الطاغين لنشاهد كيف يعيشون العداوة والحقد والبغضاء ~~بينهم ، حيث يحمل بعضهم مسئولية دخولهم النار للبعض الآخر. # * * * ### ||| ** كيف يتلقى الطاغون بعضهم بعضا في النار؟ # ( @QUR@04 هذا فوج مقتحم معكم ) يتقدم الأفواج الأخرى ، ويندفع الفريق ~~السابق الذي كان قد سبقهم إلى النار ، وهو الفريق الذي قادهم إلى الضلال ، ~~ليقول لهذا الفوج القادم ( @QUR@03 لا مرحبا بهم ) وتلك هي التحية السلبية ~~التي يطلقها المتبوعون للتابعين ، خوفا من النتائج المترتبة على وجودهم ~~معهم ، في ما يمكن أن يزيد من مسئوليتهم في ساحة الضلال ، فيزيد بذلك ~~عقابهم ، فيواجهونهم بالنداء ( @QUR@03 إنهم صالوا النار ) كمظهر من مظاهر ~~الرفض لهم ، والتنديد بهم ، والاحتقار لهم. # ويأتي الجواب من أولئك القادمين : ( @QUR@06 قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم ~~) فأنتم الذين تستحقون التحية الرافضة لوجودكم ، المملوءة بالاحتقار ~~لمواقعكم ، لأنكم سبب دخولنا النار من خلال وسائل الضلال التي كنتم ~~تستخدمونها معنا ، وتدفعوننا إلى الأخذ بها ، والسير في طريقها ، ( @QUR@05 ~~أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ) فهم PageV19P279 # قد اجتمعوا سوية في هذا المكان النائي ، وهو النار ، ثم تتضاعف النقمة في ~~نفوسهم ، وتثور البغضاء الحانقة في وجدانهم ، فتتحول إلى دعاء ينطلق من ~~أعماقهم ، ليطلب من الله أن يزيد في عذاب هؤلاء الرؤساء المتبوعين لأنهم ~~أضلوا الناس في مواقع ضلالهم ، فأضافوا إلى جريمتهم جريمة. # ( @QUR@06 قالوا ربنا من قدم لنا هذا ) المصير الأسود المحرق المذل ، ( ~~@QUR@03 فزده عذابا ضعفا ) أي مضاعفا ( @QUR@02 في النار ). # وتصمت كلمات الحسرة ويمتد الحديث ms4518 بينهم ، في ما نقله الله من تكملة هذا ~~الحوار في آيات أخرى ، عند ما يرد عليهم المتبوعون بأنهم هم المسؤولون عن ~~ضلال أنفسهم ، لأنهم كانوا يملكون الفكر الذي يميزون به بين الحق والباطل ، ~~والإرادة التي يستطيعون أن يحركوها في اتجاه الموقف الحق. # وهنا يتساءل أهل النار ، كمجتمع موحد في الدنيا في شعاراته وعناوينه ~~وتحدياته ، عن المؤمنين الذين كانوا معهم هناك ، عند ما كانت الكلمات ~~القاسية الساخرة العدوانية تنطلق من أفواههم ، لترميهم بكل تهمة الشر ~~والإضلال والانحراف ، لأنهم خالفوا عقائد الآباء والأجداد ، وتمردوا على ~~أصنام مجتمعهم القبلي أو الطبقي الذي كان يعبدهم من دون الله. # ( @QUR@010 وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار ) من أولئك ~~الضعفاء الذين كان الأقوياء من الكافرين المترفين يضطهدونهم في الدنيا ~~ويعدونهم من الطبقة المرذولة في المجتمع التي لا تحصل على الاحترام في ما ~~يميز به المجتمع الفاسد الكافر ، الأخيار عن الأشرار ، من خلال قيمه ~~المنحرفة ، إنهم يتساءلون كيف ابتعدوا عنا ، فلم يحشروا معنا ، وقد كانوا ~~جزءا من مجتمعنا في الدنيا بحكم القرابة والمواطنية أو نحو ذلك. # ( @QUR@02 أتخذناهم سخريا ) فكنا نسخر منهم ومن أفكارهم ومواقعهم ، فأين هم PageV19P280 # الآن ، فهل هم في الموقع الآخر الذي يتميزون به عنا في نعيم الله في ~~الجنة ، لأنهم آمنوا به وأطاعوه ، فكانوا في ساحة رضوانه ، ليسخر منا من ~~خلال مواقعهم العالية كما كنا نسخر منهم ، ( @QUR@04 أم زاغت عنهم الأبصار ~~) وهم معنا في النار ولا نراهم فيها ، لأنهم في موقع آخر من النار. # ( @QUR@06 إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) حيث تعبر الخصومة عن نفسها بما ~~يتراشقون به من التهم ومن الانفعالات الكامنة في داخل نفوسهم ، فالعلاقات ~~الحميمة بين الكافرين في الدنيا ، تتحول كما يصور لنا القرآن ، إلى علاقات ~~عدائية في الآخرة. # * * * PageV19P281 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) ~~@QUR@07 رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ) (66) # * * * # ( @QUR@04 قل إنما أنا منذر ) # ( @QUR@01 قل ) يا محمد لقومك الذين تدعوهم إلى الله ، وتواجههم بكلمة ~~التوحيد ، ( @QUR@03 إنما أنا منذر ) لتعرفهم موقعك ودورك ms4519 في هدايتهم ، قل ~~أنا منذر أثير في داخل نفوسكم الخوف من المستقبل الأسود الذي ينتظر ~~الكافرين بالله وبوحدانيته ، المنحرفين عن خط الاستقامة في العبادة في ما ~~ينطلقون به من عبادة غير الله ، لتختاروا السير في الصراط المستقيم ، من ~~مواقع الفكر الذي أطرحه عليكم ، والوحي الذي أبلغكم إياه ، فذلك هو موقعي ، ~~ودوري أن أثير في أعماقكم وعقولكم الفكر المنفتح على الله ، لتبتعدوا عن ~~الاستغراق في الفكر المنفتح على الشيطان ، لأن مشكلة الكثيرين منكم هو هذا ~~الاستغراق في الزاوية الضيقة من عقيدة الآباء الضالين الكافرين ، فتجمد ~~آفاقكم ، بحيث لا تنظرون إلى الجانب الآخر من الصورة ، ولا تنفتحون على ~~الأفق الآخر لتدركوا PageV19P282 # حقيقة الإيمان التوحيدي الذي يفرض نفسه على الوجدان الفطري الصافي في ~~مواقع الرؤية الواضحة. # ( @QUR@07 وما من إله إلا الله الواحد القهار ) الذي يملك الملك كله ~~والأمر كله ، ويقهر الوجود كله بقدرته ، لأنه الخالق الذي خلق الناس كلهم ، ~~وخلق الكون كله ، فلا موجود إلا وهو محتاج إليه في أصل وجوده وفي استمراره ~~، فكيف يكون المخلوق شريكا للخالق في ألوهيته ، وهو لا يملك من خصائص ~~الألوهية شيئا؟! # ( @QUR@05 رب السماوات والأرض وما بينهما ) فهو وحده المدبر لنظام هذا ~~العالم المترامي في السموات والأرض وما بينهما ، وهو المهيمن عليه ، وليس ~~هناك أحد فيه إلا وهو مربوب له خاضع لتدبيره ، فكيف يعبد الناس سواه ، وما ~~الأسس الفكرية التي ترتكز عليها العبادة في سلوك الناس المشركين؟ # ( @QUR@02 العزيز الغفار ) فهو الذي يملك العزة من مواقع ملكيته للقوة ~~كلها ، فلا يغلبه أحد على أمره ، وهو الغالب على كل أمر ، وما عداه ذليل ~~أمامه خاضع له في كل ما يتصل به من قضاياه وشؤونه ، وهو الذي يملك المغفرة ~~لذنوب عباده ، فيرحمهم في خطئهم ، ليفتح لهم أبواب الرجوع إليه ، والعودة ~~إلى طاعته. # * * * PageV19P283 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 قل هو نبأ عظيم (67) @QUR@03 أنتم عنه معرضون (68) @QUR@09 ما ~~كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) @QUR@08 إن يوحى إلي إلا أنما ~~أنا نذير مبين (70) @QUR@09 إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) ~~@QUR@09 فإذا سويته ونفخت فيه من ms4520 روحي فقعوا له ساجدين (72) @QUR@04 فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون (73) @QUR@06 إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) ~~@QUR@015 قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من ~~العالين (75) @QUR@010 قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) ~~@QUR@05 قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) @QUR@06 وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين (78) @QUR@06 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) @QUR@04 قال فإنك ~~من المنظرين (80) @QUR@04 إلى يوم الوقت المعلوم (81) @QUR@04 قال فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين (82) @QUR@04 إلا عبادك منهم المخلصين (83) @QUR@04 قال ~~فالحق والحق أقول (84) @QUR@07 لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) ~~@QUR@010 قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) @QUR@05 إن ~~هو إلا ذكر للعالمين (87) @QUR@04 ولتعلمن نبأه بعد حين ) (88) # * * * PageV19P284 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بالملإ الأعلى ): الملائكة. # ( @QUR@02 خلقت بيدي ): خلقت بقدرتي. # ( @QUR@01 بيدي ): هي كناية هنا على القدرة الإلهية التي تتمثل فيها ~~إرادته التي يخلق بها الأشياء. # ( @QUR@01 العالين ): أهل الرفعة والعلو في الدرجة. # * * * ### ||| ** قصة خلق آدم وكبرياء إبليس # هذا هو الفصل الأخير في السورة ، حيث يتمسك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالموقف الرسالي في خط التواضع النبوي ، فيقدم نفسه إلى الناس ، كما يريد ~~الله ، في صورة النبي الذي لا يملك العلم الذاتي بالغيب الذي يعيش فيه ~~الملأ الأعلى ، بل كل ما لديه هو من وحي الله الذي أنزله إليه ، فهو العلم ~~الإلهي في آي القرآن الذي يريد لهم أن يدركوا عظمته ، ويفكروا فيه وينفتحوا ~~عليه ، ويؤمنوا به ، ليعرفوا كيف يحصلون على السعادة في الدنيا والنجاة في ~~الآخرة. # ( @QUR@04 قل هو نبأ عظيم ) وهو هذا القرآن الذي جاء بالفكر الذي يقود ~~إلى المنهج العقلي القائم على التأمل الفطري الوجداني ، وإلى المنهج ~~التجريبي القائم على الاستقراء والبحث في مفردات الواقع للوصول إلى النتائج ~~الفكرية من ذلك الموقع الذي ينطلق به الكلي من خلال الجزئي ، كما جاء ~~بالشريعة السمحة التي تشتمل على النظام الكامل الشامل الذي يتسع لكل حاجات PageV19P285 # الإنسان وتطلعاته في الحياة ، ويصل به إلى مواقع التقدم والتطور في ~~مجالات المعرفة وحركة الواقع ، وهذا هو سر عظمة القرآن الذي وصفه الله ~~بالنبإ العظيم ms4521 الذي جهل هؤلاء قدره الكبير حين ابتعدوا عن التأمل والتعمق ~~في أسراره ، ( @QUR@03 أنتم عنه معرضون ) من موقع الجهل الغارق في التخلف ~~الذي لا يعي طبيعة النتائج السلبية المترتبة على ذلك. # ( @QUR@09 ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون ) في ما أخبرتكم به ~~من حديث الملائكة في بداية الخلق ، ( @QUR@09 وإذ قال ربك للملائكة إني ~~جاعل في الأرض خليفة ) [البقرة : 30] فلم أتعلم ذلك من أي شخص ، ولم أتوسل ~~إليه بطريقتي الخاصة ، بل كانت المسألة وحيا من الله ، أنزله علي ، فليس ~~لدي مصدر للمعرفة في هذه الأمور الغيبية بكل مفرداتها ، غير الوحي. # ( @QUR@03 إن يوحى إلي ) بما يريد الله لي أن أعرفه وأن أعرفكم إياه سواء ~~في تحديد مصدر المعلومات لدي ، أو في الدور الذي عهد الله به إلي ، ( ~~@QUR@05 إلا أنما أنا نذير مبين ) لأنذركم بالنار التي تنتظركم إذا كنتم ~~كافرين ، وهذا هو حديث الغيب الذي يطل في نهايته على المسؤولية التي حددها ~~الله في بداية خلق الإنسان أثناء حديثه للملائكة ولإبليس. # ( @QUR@018 إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ذلك هو الحدث الكبير الذي أخبر الله به ~~ملائكته ، وتنبع أهميته من اتصاله بالدور الكبير الذي حدده لهذا المخلوق ، ~~وبالطاقات التي أودعها في عقله وإرادته وحركته وانفتاحه على الكون كله ، ~~عدا عن أن للإنسان قدرة للانفتاح على أكثر من أفق وصعيد في الحياة. ولم يكن ~~الله قد حدثهم عن مخلوق آخر ، في ما يوحي به القرآن الذي ركز على هذا ~~الحديث في الحوار البارز الذي دار بين الله وملائكته. # وقد حدثهم الله عن عنصره الأرضي الطيني الذي يتحول إلى طاقة حية PageV19P286 # عاقلة متحركة واعية ، بفعل الروح التي أودعها الله في عمق السر الكامن في ~~الطين ، فدبت في كل ذرة من كل حبة تراب حياة تنمو وتتحرك وتعطي الحياة معنى ~~في الفكر والحركة واللقاء من جديد بالروح الإلهي على الصعيد الإيماني ~~والعبادي. # ومن خلال ذلك المعنى الذي يمتزج فيه الروح بالتراب ليصنع إنسانا يملك ms4522 ~~قابلية الذوبان في الله بفعل العقيدة الخاشعة المنفتحة على كل عوالم الروح ~~في الكون ، أراد للملائكة أن تسجد له لا في دائرة العبادة لهذا المخلوق ، ~~ولكن في آفاق التحية له ، والتعظيم لروعة الإبداع في خلقه ، خشوعا لله ~~وخضوعا وعبادة له ، ( @QUR@04 فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) فلم يتخلف منهم ~~أحد ، لأن ذاتهم مكونة على أساس الطاعة لله ، ( @QUR@02 إلا إبليس ) الذي ~~لم يكن من الملائكة بل كان من الجن ، ولكنه كان قريبا من مجتمع الملائكة في ~~المجال الروحي والعبادي ، فلم تكن هناك حواجز تمنعه من الارتفاع إلى آفاقهم ~~والعيش معهم ، لكنه لم يكن خاضعا للتجربة المضادة ، وربما كان يختزن في ~~داخله ملامح شخصية شيطانية تبحث عن متنفس للتحرك في دائرة مضادة ، من قبيل ~~اتصافه بالكبرياء والحسد والحقد المعقد ، فكان أمر الله للملائكة ومعهم ~~إبليس بالسجود لآدم هو المتنفس لهذه العقدة الداخلية ، فأبى و ( @QUR@01 ~~استكبر ) حيث اخترق شعوره العدواني كل القيم الروحية في داخله ( @QUR@03 ~~وكان من الكافرين ) في تمرده على الله ، وجحوده لطاعته. # ( @QUR@010 قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) فقد أردتك أن ~~تنحني خضوعا لعظمة الخلق الإلهي الذي تعلق به الخلق بشكل مباشر ، ( @QUR@01 ~~أستكبرت ) فتعاظمت ذاتك في وعيك ، بحيث ارتفعت بنفسك عن قدرها فأعطيتها فوق ~~ما تستحق ورأيت أنها أكبر من أن تخضع لأوامر الله المتعلقة بهذا المخلوق ~~العظيم ، ( @QUR@04 أم كنت من العالين ) الذين يملكون هذا العلو في الدرجة ~~بشكل طبيعي؟! PageV19P287 # ( @QUR@04 قال أنا خير منه ) فأنا الأعلى منه عنصرا ، ( @QUR@06 خلقتني ~~من نار وخلقته من طين ) والنار تفني الطين وتحرقه. # ( @QUR@03 قال فاخرج منها ) أي من الجنة ( @QUR@08 فإنك رجيم* وإن عليك ~~لعنتي إلى يوم الدين ) لأنك عصيتني من موقع الكبرياء التي لا أريد لعبادي ~~أن يتصفوا بها أو يتحركوا في دائرتها ، مما يجعل اللعنة لاصقة بكل الذين ~~يمارسونها فكرا وعملا. # ( @QUR@06 قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ) أعطني مهلة كافية لتنفيذ ~~مخططي الذي أستطيع فيه أن أنفس عن عقدتي ضد هذا المخلوق وذريته ... ، ( ~~@QUR@08 قال فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم ) الذي يبعث ms4523 فيه ~~الخلائق للحساب وهو يوم القيامة. # ( @QUR@04 قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) باستعمال كافة الوسائل التي ~~أستطيع إغواءهم من خلالها لإبعادهم عن الجنة التي حرمت منها ، ( @QUR@04 ~~إلا عبادك منهم المخلصين ) الذين يملكون المناعة الإيمانية التي تنقذهم من ~~الإغراءات الكثيرة التي أحركها في حياتهم ، فيواجهون وسائل الإضلال بوسائل ~~الهدى ، فيثبتون في مواقع الاهتزاز ، ويستقيمون في مواضع الانحراف ، ( ~~@QUR@011 قال فالحق والحق أقول* لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) ~~فهذا هو القضاء الذي لا مرد له ، والحق الذي يفرض نفسه على الموقف كله ، في ~~مواجهة هذا التحدي المتمرد على أوامر الله ونواهيه. # ( @QUR@06 قل ما أسئلكم عليه من أجر ) في كل هذا الجهد الذي أقوم به ، ~~وكل هذا الوحي الذي أبلغكم إياه ، وفي كل هذه المعاناة التي أتحملها ، فلست ~~إنسانا يتقدم إليكم من خلال طموحه الذاتي ، بل إنني إنسان أتحرك معكم من ~~خلال مسئوليتي الرسالية التي تمثل كل استعدادي في البذل والتضحية والمعاناة ~~بعيدا عن أي مقابل مادي ، بل هو بذل للروح في عطائها الأسمى والأقصى ، وذلك ~~كله من خلال سر الانفتاح على الله تعالى ، وعمق الإخلاص له ، ووضوح PageV19P288 # الرؤية للطريق المفضي الى رضاه ، تماما ، كما هو الماء الصافي المتدفق من ~~الينبوع ، وكما هو النور المنهمر من الشمس السابحة في شلال الضياء ( ~~@QUR@04 وما أنا من المتكلفين ) الذين يتكلفون الكلمة والحركة والموقف ، ~~فيتصنعون في ذلك كله ، ليظهروا بغير ما فيهم وليبتعدوا عن الصدق في مسارهم ~~الحياتي. # ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين ) هذا القرآن الذي أتلوه عليكم ، ~~وأقدمه إليكم ، من دون أن أطلب منكم أجرا عليه ، هو الكتاب الذي يفتح ~~للعالمين النافذة الواسعة على ذكر الله ووعي المسؤولية ، وسعة المعرفة ~~فيشمل الناس كلهم بهداه من مختلف الأمم والشعوب. # ( @QUR@04 ولتعلمن نبأه بعد حين ) عند ما يؤكد مفاهيمه في حياة الناس ، ~~ويمتد في عقولهم ، ويتعمق في أفكارهم ، ويثبت وجوده كقاعدة للفكر والعاطفة ~~والحياة ، ويصل بالإنسان إلى أهدافه الكبرى لا سيما في سلامة المصير. ولا ~~شك أن هناك الكثير من القضايا التي يثيرها ويدعو لها ، سيؤكدها الزمن في ~~المستقبل القريب ms4524 أو البعيد. # * * * PageV19P289 ### | سورة الزمر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وسبعون PageV19P291 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية ما عدا ثلاث آيات ، كما ذكر البعض ، وقد تمحورت حول ~~التوحيد ، كعقيدة أساسية في العنوان البارز للدعوة التي واجهت التحدي ~~الكبير من جانب الشرك والمشركين الذين يعبدون أوثانهم وأضاليلهم وأوهامهم. ~~وناقشت السورة في جولتها الفكرية الطروحات المضادة ، وفي جولتها الكونية ~~كانت تؤكد الأفكار من خلال ربط الكون كله بالله وحده ، دون سواه. وأطلت من ~~خلال ذلك على الآخرة باعتبار ما تثيره في عمق الوعي الإنساني من حذر وخوف ~~يدفعانه إلى الجدية في التفكير ، والمسؤولية في الموقف. ثم غاصت في أعماق ~~النفس الإنسانية والقلب البشري ، لتتحدث عن بعض خصائص هذه ، وملامح ذاك ، ~~في ما يمكن أن يقرب الإنسان نحو الله ، ويفتح قلبه على القضايا التي يحتاج ~~إلى أن يثيرها في حياته ، لينظم ما يحتاج إلى تنظيم ، ويصحح ما يحتاج إلى ~~تصحيح ، لينسجم التوحيد في حياته فكرا وشعورا وحركة ومنهج حياة ، الأمر ~~الذي يؤهل شخصيته للتكامل في نطاق الإيمان بالله والإخلاص له. # * * * PageV19P293 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) @QUR@010 إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) @QUR@033 ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ~~(3) @QUR@016 لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو ~~الله الواحد القهار (4) @QUR@023 خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على ~~النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو ~~العزيز الغفار (5) @QUR@036 خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ~~ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون ) (6) # * * * PageV19P294 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يكور ): يطرح الليل على النهار فيدخله فيه ، فينقص منه ~~وبالعكس. # ( @QUR@02 ظلمات ثلاث ): ظلمة البطن ، وظلمة ms4525 الرحم ، وظلمة المشيمة. # * * * ### ||| ** تركيز العقيدة وبناء الشخصية المتكاملة # ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) هذه هي حقيقة هذا الكتاب ~~الذي تجدونه بين أيديكم ، بكل ما فيه من قواعد العقيدة ، وأسرار الشريعة ~~ومنهج الحياة ، وآفاق الحركة والنمو والتقدم. إنه تنزيل من الله الذي لا ~~يغلب على ما يريد من خلال عزته المطلقة ، ولا يمكن أن يقترب العبث أو الخلل ~~إلى ما يخلقه أو يبدعه أو ينزله على عباده. ( @QUR@05 إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق ) فليس هناك شيء من الباطل في الفكر الذي يحركه في مضمونه ~~العقيدي ، أو في التشريع الذي يخططه في حركة الشريعة ، أو في المنهج الذي ~~ينتهجه في طريقة التفكير والتحليل ، بل هو الحق الذي يشرق بالتوحيد في ~~مواجهة باطل الشرك ، وبالعقل في مواجهة العاطفة ، وبالعلم في مقابلة الجهل. ~~وبذلك تتكامل شخصيتك في الارتباط بالحق ، والانتماء إليه والالتزام به ، ~~وتتعمق علاقتك بالله ، وينفتح وعيك على آفاق عظمته ، فيخشع له قلبك ، وتخضع ~~لقدسه روحك ، ويخلص له كل كيانك في عمق العبادة وروحية العبودية. ( @QUR@05 ~~فاعبد الله مخلصا له الدين ) وذلك بالقلب الذي يتحرك إخلاصه بالنبض الشعوري ~~بحب الله أكثر من حب أحد غيره ، وبالعقل الذي يطوف باحثا عن أسرار عظمة ~~الله في الكون ، ليكتشف فيه الرب الخالق القادر الحكيم العليم الرحيم ~~المهيمن المالك لكل ما في الوجود من موقع خلقه له ، فيعيش الخضوع المطلق في كل PageV19P295 # حركة فكره المشدود إلى هذه العظمة بعمق وانفتاح ، وفي كل حياته التي ~~تلتزم بالله التزاما شاملا ، فلا تخضع إلا لشريعته ونهجه بعيدا عن كل شرائع ~~الآخرين ومناهج الكافرين ، وذلك هو معنى عبادة الله في ما يريده الله من ~~عبادة خلقه له ، بأن يكون الكيان كله في داخله وخارجه له ، فلا يكون فيه أي ~~شيء لغيره. # * * * ### ||| ** الصورة القرآنية للشرك # ( @QUR@04 ألا لله الدين الخالص ) الذي ينطلق من موقع الفكر والوعي ~~والممارسة ، لا من موقع الكلمة المجردة ، والتمثيل المصطنع ، والحركة ~~الغارقة بالأطماع والشهوات والارتباطات المشبوهة بالأصنام التي اتخذها ~~الناس أربابا من دون الله بسبب الجهل والتخلف والتصورات الوهمية التي ms4526 تصنع ~~للأشياء أسرارا لا حقيقة لها ، ودورا لا أساس له ، ومعنى لا عمق له ، وعظمة ~~لا أفق لها ، لأنهم يريدون الارتباط بالحس الذي يفرض نفسه على الجانب ~~المادي من وجودهم ، فإذا ارتبطوا بالغيب من خلال مؤثرات معينة ، كأن يؤمن ~~بعضهم بالله ، فإنهم يصنعون لأنفسهم أربابا صغارا ، يمنحونهم صفة الوسائط ~~بين الله وبين عباده ، على أساس ما يتعارفون عليه بينهم من أن الشخص الكبير ~~لا يمكن أن يصل الناس إليه بشكل مباشر ، لأنهم دون مستوى الحديث معه ، ~~والجلوس إليه ، فلا بد من أن يكون هناك أشخاص أقل درجة منه ممن يقتربون في ~~درجتهم من الناس ، ليتعبد الناس إليهم ، ليقربوهم إلى الشخص الكبير ، وبهذا ~~يختلط الإيمان بالله ، بالإيمان بالناس أو بغير الناس من الأصنام المزعومة ~~، فتتحرك العبادة في مزيج من الإيمان والثنائية ، ولكن بطريقة مختلفة. وهذه ~~هي الصورة القرآنية للشرك الذي ينفذ إلى عمق التوحيد ، فيذهب صفاؤه ونقاؤه. # ( @QUR@05 والذين اتخذوا من دونه أولياء ) من أشخاص وأصنام وموجودات PageV19P296 # كونية كالكواكب ونحوها ، يقولون لمن ينازعهم في هذه العبادة التي تجعلهم ~~يشركون بعبادة الله غيرها ( @QUR@07 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~) والزلفى القربى. وبذلك كانت عبادتهم للواسطة التي تقرب من الله ، لأن ~~الله لا يحيط به عقل الإنسان ولا يمكن للشخص أن يقترب إليه إلا من خلال ~~غيره الذين جعلهم وكلاء عنه ومدبرين للعالم بالنيابة عنه كما يزعمون وبهذا ~~ينفذ الشرك إلى حياة الناس ليكون لهم رب كبير وأرباب صغار. # * * * ### ||| ** علاقة الآية ببعض العادات الإسلامية في الزيارة والشفاعة # وقد أثار بعض العلماء الحديث حول علاقة الآية بما تعارف لدى المسلمين من ~~زيارة قبور الأنبياء والأولياء ، وممارسة بعض الطقوس التقليدية عندها ~~كالوقوف أمامها على سبيل الاحترام ، أو تقبيلها ، أو النطق بكلمات ~~الاستشفاع والتوسل بالنبي أو الولي. # ويثأر الموضوع باعتبار أن هذه الممارسات تقترب من ممارسات المشركين أمام ~~أصنامهم ، وتنطلق من الروحية ذاتها ، فهؤلاء وأولئك يعتقدون بألوهية الله ~~الواحد ، ولكنهم يعبدون الأصنام أو الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء ~~ليقربوهم إلى الله زلفى ، مما يجعل من المسلمين ms4527 مشركين بالعمق ، بما ~~يعيشونه من عقلية المشركين ، وما يمارسونه من طقوسهم. # وقد كانت هذه المسألة مثار جدل كبير بين العلماء المسلمين ، ومنطلق ~~اتهامات حادة ، وكلمات لاذعة. ولا تزال تتحرك المسألة في دوائر لا تقترب من ~~الحوار الفكري الجاد الذي يجلس فيه المتحاورون وجها لوجه في ساحات العلم ، ~~بل تبقى في دائرة الجمود الفكري الذي يعمل على تعقيد PageV19P297 # القضايا لأغراض أخرى. # وربما كان التحديد العلمي لكلمة العبادة ، حلا للمشكلة ، فهل هي مطلق ~~الخضوع لشيء أو لشخص ، بقطع النظر عن الدوافع الكامنة في عمق الذات ، أو عن ~~النظرة التي ينظر فيها الإنسان إلى هذا الشيء أو الشخص ، لتتسع الكلمة لكل ~~مظهر تعظيم أو احترام أو خضوع ذاتي؟ # أو هي الخضوع الكلي الذي يشمل الكيان ، بكل مشاعره ، بسبب اعتقاد بألوهية ~~المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله ، كما يشير إليه ما ذكره أستاذنا ~~المحقق الخوئي بقوله : «والعبادة إنما تتحقق بالخضوع لشيء على أنه رب يعبد ~~..»؟ (1). # وعلى ضوء هذا المعنى الثاني الذي يتبناه القائلون بشرعية الطقوس المتبعة ~~في زيارة الأنبياء والأولياء ، فإن المسألة تبتعد عن الشرك ، لأن زوار هذه ~~القبور لا يعتقدون بألوهية الأنبياء والأولياء ، بل يرونهم عبادا لله لا ~~يملكون شيئا إلا به ، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، عند ما يسمح لهم ~~بالشفاعة. وقد يرون لهم بعض الصفات التي تؤهلهم ليكونوا جديرين بالاحترام ~~والتعظيم ، مما يجعل لحضورهم في الفكر والشعور أساسا لحضور تاريخهم الممتد ~~في رسالتهم وروحيتهم وأخلاقيتهم ، وهو ما يعمل على استعادته في حياتهم من ~~موقع القدوة في حركة الرسول والرسالة والقيادات المنطلقة في خطها الحي ~~المتحرك. # قد نحتاج إلى الحوار في هذا الموضوع ، لنؤكد الفرق بين عبادة الشخصيات ~~الدينية وبين احترامها وتقديرها ، لنضع الحد الفاصل بينهما بوضوح ، لئلا ~~يختلط الأمر في حركة العقيدة في أفكارنا ومشاعرنا ، كما اختلط PageV19P298 # في أذهان الكثيرين من العامة ، وبعض الخاصة ، مما جعلهم يمارسون هذه ~~الطقوس بطريقة تتجاوز الحد المعقول المتوازن ، وبروحية قد تصل إلى بعض ~~مشاعر الغلو البعيد عن الروح القرآنية. # وربما كان من الضروري أن نرجع إلى ms4528 القرآن في أسلوبه الإجمالي والتفصيلي ~~لجلاء الصورة الحقيقية للشخصيات الدينية ، وفي طبيعة التعامل معها ، بعيدا ~~عن الأجواء الفلسفية المعقدة الغريبة عن الأجواء القرآنية ، لئلا تغرق ~~العقيدة في تيارات التأويل البعيدة عن ظواهر القرآن وغير المنسجمة مع الذوق ~~السليم. # وقد لا يكون من الضروري أن ندخل في إخضاع الكثير من الظواهر الشعبية في ~~ممارسة الطقوس ، للفلسفات التأويلية المعقدة الخاضعة للإمكان والاستحالة ~~والدخول في جدل فلسفي حول شرعيتها ، ما دامت لا تمثل الخط المتوازن في ~~العقيدة ، لذا يكتفى بالوقوف عند القاعدة العقيدية الثابتة في القرآن ~~والسنة. # * * * ### ||| ** الله هو الحكم بينهم # ( @QUR@09 إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ) هناك احتمالات في ~~مرجع الضميرين فقيل : إن ضمير الجمع للمشركين وأوليائهم ، وقيل : الضميران ~~راجعان إلى المشركين وخصمائهم من أهل الإخلاص في الدين ، وهو المفهوم من ~~السياق. ولعل الثاني أقرب إلى الجو ، لأن المعركة التي يهتم بها القرآن هي ~~معركة التوحيد مع الشرك ، وربما كانت هذه الفقرة إيحائية للضغط على تمردهم ~~وعنادهم غير المبرر ، في ما توحي به من التدخل الإلهي بكل عظمة PageV19P299 # الله وقدرته وعلمه وإحاطته بالأمور كلها ، ليقف الجميع كلهم أمامه ، ~~ليصدر الحكم الفاصل الذي لا يملكون أمامه أي اعتراض ، لأنه الحقيقة الحاسمة ~~التي لو فكروا وتأملوا ورجعوا إلى عقولهم لأدركوها بكل عفوية وبساطة. ولكن ~~مشكلتهم أنهم غارقون في الأوهام التقليدية التي ورثوها من عصور التخلف ، في ~~تاريخ الآباء والأجداد ، فلا يتحررون من ضغط ذلك الجو ليحصلوا على قناعة ~~الإيمان من أقرب طريق. # ( @QUR@08 إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) لأنهم يعيشون في حالة رفض ~~للإيمان ، فلا يستمعون لكلمات الفكر ، ولا يتطلعون إلى آيات الله في الكون ~~، ولا يدخلون في حوار ، بل يغلقون أسماعهم وأبصارهم وعقولهم عن ذلك كله ، ~~محتفظين بكفرهم وشركهم ، ولذلك فلا مجال لهدايتهم في ما يريد الله لهم من ~~اختيار الهداية من موقع الإرادة ، كما أن الله لا يخلق الهداية فيهم ، كما ~~يخلق فيهم الأجهزة التي تدخل في تكوينهم. وبذلك لم يكن نفي الهداية لهؤلاء ~~من موقع النفي ms4529 المطلق لها ، لأن الله قد أعطى عباده كل وسائل الهداية التي ~~يرفضها بعضهم ، بل من موقع النفي الفعلي لها في دائرة اختيارهم ، وفي دائرة ~~إجبارهم عليها من خلال التكوين. # * * * ### ||| ** لا معنى للبنوة في ذات الله # ( @QUR@06 لو أراد الله أن يتخذ ولدا ) مما ينسبه إليه هؤلاء المتخلفون ~~الغارقون في أوهام التصورات السخيفة ( @QUR@05 لاصطفى مما يخلق ما يشاء ) ~~أي لاختار مما يخلق من خلقه من يشاء بالصورة التي تتناسب مع عظمته ، كما ~~تتناسب وصفات مبدعه الذي ينتسب إليه ، ولم يترك الأمر لتصورات الناس ~~وأوهامهم ، ولكن PageV19P300 # هذا الأمر غير وارد في عمق العقيدة ، لأن النبوة لا معنى لها في ذات الله ~~، فهي تعبر عن الحاجة والتجسد واشتراك الولد في بعض صفات الرب ( @QUR@01 ~~سبحانه ) فهو المتعالي في عظمته ، والمنزه عن هذه الأمور ، فليس لأحد أن ~~ينسب إليه ذلك لأنه ( @QUR@04 هو الله الواحد القهار ) الذي لا يشاركه أحد ~~في صفاته ، فهو الواحد في ذاته ، وصفاته التي تمثل الوحدة من الذات ، هي ~~عين ذاته ، والذي يقهر بقوته كل شيء ، فلا حاجة به إلى أحد ، في دائرة ~~الشريك أو في دائرة الولد. وهكذا يجري أسلوب الآية ليطرح المسألة بالأسلوب ~~الجدلي ، الذي لا حقيقة له لامتناعه في طبيعته ، لأن الألوهية المطلقة لا ~~تتناسب مع هذه التصورات. # وقد يخطر بالبال أن يكون المعنى جاريا على نفي الولد بالتأكيد على أن كل ~~شيء مخلوق له ومنفعل به ، وليس هو منفعلا بأي شيء في ما تقتضيه الولدية من ~~انفعال الأب بالولد ، من ناحية جسدية ، أو من ناحية عاطفية ، فهو منفصل عن ~~كل مخلوقاته ، فإذا أراد اصطفاء أحد وتكريمه وتقريبه إليه لحكمة يراها في ~~علمه ، فإنه يصطفيه ممن يشاء من خلقه ، فيمن يخلقه منهم ، لا من خلال ~~والديته له بأي معنى كانت النسبة المذكورة. # ولعل الأساس في هذا الاحتمال في معنى الآية ، هو أن هناك اختلافا بين ~~معنى الولد وبين معنى الاصطفاء من مخلوقاته ، مما لا يجعل الجزاء متناسبا ~~مع الشرط ، لأنه لا يصلح أن يكون نتيجة له ومسببا عنه ، فلا بد ms4530 من أن يكون ~~هناك نوع من تصوير الامتناع في ذلك في سياق الكلمة والتركيز على جانب ~~الاصطفاء كبديل له وربما كان هذا الاحتمال هو الذي أراده صاحب تفسير الكشاف ~~بقوله : «يعني لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح لكونه محالا ، ولم يتأت ~~إلا أن يصطفي من خلقه بعضهم ، ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه ~~، وقد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم ، فزعمتم أنهم ~~أولاده جهلا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام PageV19P301 # والأعراض. كأنه قال : لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ~~ما يشاء من خلقه ، وهم الملائكة ، إلا أنكم لجهلكم به ، حسبتم اصطفاءهم ~~اتخاذهم أولادا ، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم ، فجعلتموهم بنات ، فكنتم ~~كذابين كفارا مبالغين في الافتراء على الله وملائكته غالين في الكفر» (1) ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** خلق السماوات والأرض بالحق # ( @QUR@04 خلق السماوات والأرض بالحق ) فليس هناك أي عبث في كل تفاصيل ~~وجودهما ، وليس هناك باطل في كل عمقهما التكويني ، بل هو السر الذي يمثل ~~المعنى الكامل في الخلق في ما يتضمنه من حكمة تجعل لكل منهما دورا في حركة ~~الكون وموقعا في دائرة نظامه. ومن هنا ، كان الباحثون الذين يرصدون ~~ظواهرهما الكونية ، يختزنون في أنفسهم بأن لكل ظاهرة قانونا طبيعيا يسيرهما ~~في كل شؤونهما. مما يجعلهم يبحثون عنه في خصوصيته ، لا في أصل وجوده ، من ~~دون فارق بين الكافر والمؤمن ، لأن ذلك ظاهر في الحركة الكونية التي تتمثل ~~في وجودهما ، من دون حاجة الى استدلال عليه. # ( @QUR@08 يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) أي يطرح هذا ~~على هذا فيدخله فيه ، فينقص منه ، ويطرح ذاك على ذاك فيترك مثل هذا التأثير ~~فيه .. وهكذا يتحركان باستمرار ، فلا يلغي أحدهما الآخر ، ليقوما بتنظيم ~~الحياة في الآفاق التي يتحركان فيها في تحديد الزمن الذي يخضع له حركة ~~الأشياء. وقد تحدث سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» عن هذه الفقرة من ~~الآية ، فاستوحى من كلمة يكور التي توحي بمعنى الكرة ، كروية الأرض باعتبار أن PageV19P302 # الليل والنهار ms4531 تابعان لها فقال : «إن التعبير بيكور يقسرني قسرا على ~~النظر في موضوع كروية الأرض». # إنها تدور حول نفسها في مواجهة الشمس ، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها ~~المكور يغمره الضوء ويكون نهارا ، ولكن هذا الجزء لا يثبت ، لأن الأرض تدور ~~وكلما تحركت بدأ الليل يغمر سطح الأرض الذي كان عليه النهار ، وهذا السطح ~~مكور فالنهار عليه يكون مكورا ، والليل يتبعه مكورا ، وهكذا في حركة دائبة. # وهذا الاستيحاء طريف ، ولكن لا ظهور للفظ فيه ، لأن الظاهر أن مساقهما هو ~~«مساق» ( @QUR@08 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) [الحج : ~~61] ذلك ولا تسمح نسبة التكوير إلى الليل والنهار ، بإضافتها إلى الأرض. # ( @QUR@07 وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) في ما جعله الله لهما ~~من قانون يحدد حركتهما المادية والمعنوية ، ودوائرهما التي يسبحان فيها في ~~نطاق الحدود الزمنية التي تنتهي إليها الحركة ، أو ينتهي إليها الوجود ، ~~ليكون وجودهما المتحرك مؤثرا في حركة النظام الكوني في الأرض ، من جهة ~~استمرار الحياة عليها ، ومن جهة بعض المؤثرات الأخرى ، التي لولاها لما كان ~~هناك نظام متوازن يسمح للموجودات الحية أو النامية بالحياة ، ( @QUR@04 ألا ~~هو العزيز الغفار ) الذي يحفظ الكون بقوته التي تحتوي عزته ويرحم الإنسان ~~الذي قد يخطئ في القيام بمسؤوليته ، فيغفر له. # ( @QUR@04 خلقكم من نفس واحدة ) وهي على ما يظهر آدم أبو البشر الذي كان ~~الأصل في بداية الوجود الإنساني ، ( @QUR@04 ثم جعل منها زوجها ) وهي حواء ~~، حيث يتكامل الوجود عبر الامتداد في عملية التناسل التي أودع الله فيها ~~قانون الامتداد الإنساني في الأرض بما يمثل الوحدة في التنوع. PageV19P303 # ( @QUR@06 وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) وهي الإبل والبقر والضأن ~~والمعز التي تنقسم إلى الذكر والأنثى فتكون ثمانية. # وقال صاحب الميزان : «وتسمية خلق للأنعام إنزالا لها ، باعتبار أنه تعالى ~~يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا من خزائنه التي هي عنده ~~ومن الغيب إلى الشهادة. قال تعالى : ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) [الحجر: 21] (1). # ( @QUR@08 يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا ms4532 من بعد خلق ) في ما يتطور به ~~النمو الإنساني من نطفة إلى علقة إلى مضغة وهكذا ، ( @QUR@03 في ظلمات ثلاث ~~) وهي ظلمة البطن والرحم والمشيمة ، في ما قيل ، وجاءت به الرواية عن ~~الإمام الباقر عليه السلام . # وهذه الظواهر الكونية ، ممثلة في خلق الكون ، والإنسانية ، ممثلة في وجود ~~الإنسان ، تشكل للمتأمل بما فيها من إبداع الخلق وحكمة التدبير ، الدليل ~~الفطري الذي ينطلق به الوجدان على وجود الله ، لأن ذلك هو التفسير الوحيد ~~لطبيعة الوجود وإبداعه. # ( @QUR@03 ذلكم الله ربكم ) فانظروا إليه في رحاب خلقه في الكون ، ~~واقرأوه في كتاب الوجود. ( @QUR@02 له الملك ) فهو الذي يملك الأمر كله من ~~خلال أنه خلق الوجود كله. ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) لأن من عداه مخلوق له ~~محتاج إليه ، خاضع في كل تفاصيل وجوده لتدبيره ، فكيف يكون شريكا له ، وكيف ~~يكون ربا للمخلوق الذي يمثله في خصائصه العامة في الوجود والحاجة. ( ~~@QUR@02 فأنى تصرفون ) وتنتقلون بعقولكم وأفكاركم من الحق إلى الباطل ومن ~~عبادته إلى عبادة غيره من دون معنى ولا أساس. # * * * PageV19P304 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@031 إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما ~~كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) @QUR@034 وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه ~~منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وزر ): الوزر : الذنب. # ( @QUR@01 خوله ): أعطاه. # * * * ### ||| ** الله غني عن عباده # ( @QUR@02 إن تكفروا ) بعد ظهور كل الدلائل على مضمون الإيمان المنفتح على PageV19P305 # الله في وحدانية وجوده وتدبيره وقدرته المطلقة على الكون كله ، ( @QUR@04 ~~فإن الله غني عنكم ) فلن ينقص من ملكه شيء بكفركم ، لأن مسألة الكفر ~~والإيمان تتصل بالحاجة الإنسانية إلى الارتباط بالله ، والوعي لربوبيته في ~~حركة الطاعة ، تماما كما هو الارتباط في طبيعة الوجود ، ليتكامل للإنسان ~~نظامه التشريعي في معنى المسؤولية في وحي الله ، إلى جانب نظامه التكويني ، ~~في معنى حركته الوجودية ms4533 في تدبير الله. # ( @QUR@04 ولا يرضى لعباده الكفر ) لأن الكفر يسيء إلى حياتهم حيث التصور ~~الباطل لمضمون الكفر ينحرف بالإنسان عن خط التوازن ونهج الاستقامة في ~~الحياة ، مما يبعد به عن مصلحته الحقيقية التي ترتبط بالاقتراب من الله ، ~~والسير على خط هداه. # ( @QUR@02 وإن تشكروا ) بما يمثله الشكر من الإيمان بالله والطاعة له ، ( ~~@QUR@02 يرضه لكم ) لأنه الرحيم الذي يريد لكم أن تشكروه ليكون ذلك أساسا ~~لرضاه عنكم ورحمته بكم ولاستقامة أموركم في الدنيا والآخرة. وبذلك تكون ~~مسألة الكفر والشكر مسألة الإنسان في حاجته إلى ذلك ، وفي رضى الله عنه أو ~~عدم رضاه. # * * * ### ||| ** المسؤولية عن الأعمال فردية # ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) فلا يحمل إنسان عبء غيره في دائرة ~~المسؤولية الجزائية عند الله ، لأن المسؤولية في العقيدة الإسلامية فردية ، ~~فلا يتحمل الإنسان إلا عمله ، ولا علاقة له بعمل غيره إلا بقدر صلته به من ~~ناحية التسبيب والتأثير ، ( @QUR@08 ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون ) في ما أحصاه الله في علمه ، ليواجهكم بالحقيقة الكاملة التي ~~تواجهون بها نتائج PageV19P306 # المسؤولية ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) لأنه يعلم كل شيء ويعلم من ~~خفايا الإنسان ما لا يعلمه من نفسه. # * * * ### ||| ** الإيمان بين الانفعال والثبات # ( @QUR@08 وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ) بفعل شعوره بالحاجة ~~التي تحاصره من كل مكان ، وعجزه عن حل مشاكله الخاصة أو العامة ، فيرجع إلى ~~الله مبتهلا إليه في إخلاص عميق طارئ يستغرق فيه ، ليشهد الله على قلبه ~~بإخلاصه له ( @QUR@012 ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل ~~) لأن الإنسان الذي لا يعيش في داخله الإيمان العميق بالله ، يرتبط باللحظة ~~الحاضرة من موقع الانفعال الذي تثيره الأوضاع الطارئة ، فإذا زالت قساوة ~~الأوضاع وزال الانفعال المتوتر من داخله ... وهذا هو الفرق بين المؤمن ~~الواعي الذي ينطلق إيمانه من عمق الفكر والمعاناة ، وبين المؤمن المنفعل ~~الذي يخضع في حركة إيمانه للحاجة الطارئة ، فيعيش الأول حضور الله في ~~شخصيته باستمرار ، بينما يعيش الآخر العقيدة بالله في حالة انفعالية سريعة ~~تبدو ثم تزول. ms4534 ولهذا فإنه يستغرق في أجواء الحس ، ويستمد شعوره من الانفعال ~~بالعظمة البارزة للآخرين من حوله ، وللأسرار المزعومة الموهومة للأشياء ~~المحيطة به ، فتتضخم تصوراته وتنحرف ليتخذ من ذلك كله آلهة من دون الله ، ~~وليتحرك من أجل أن يربط الناس بها ، وهذا هو واقعه الضال ، في ما استغرق ~~فيه من شهوات الحس ، ( @QUR@06 وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ) مستغلا في ~~ذلك بلاغة كلامه ، وحلاوة منطقة ، وقوة موقعه ، وكثرة أولاده وأتباعه ~~للتأثير على الناس الذين ينفعلون بهذه الأمور ، في غياب الوعي الفكري ~~الناقد والشخصية PageV19P307 # المستقلة القوية فيستسلمون للضلال ، ويبتعدون عن طريق الله. # ( @QUR@08 قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ) قل له يا محمد وليقل ~~له العاملون من بعدك ، من الموقع الذي يفكر فيه في دائرة الكفر التي يتحرك ~~ضمنها ، وهو الاستمتاع بالحرية المنفلتة غير المسؤولة حيث يمارس شهواته ~~ولذاته ، ويسعى لتحقيق امتيازاته الطبقية وغير الطبقية من خلال الذين ~~ينتفعون منه ، أو ينتفع بهم ، فهو إنسان يطلب المتعة ولا يطلب الرسالة ، ~~ويفكر بالدنيا ولا يفكر بالآخرة ، ويلتفت إلى الناس ولا يلتفت إلى الله. # قل له تمتع بكفرك الذي كنت تجد في نتائجه الدنيوية متعة ، لأنك ترتبط ~~بالمتعة من الجانب المباشر ، ولا تفكر بها من الجانب غير المباشر الذي يمثل ~~عاقبة الأمور. فها هو الموقف الذي تقفه الآن ، فانظر كيف تتمتع بكفرك في ~~النتيجة المضادة لما تفكر به. فها هي النار التي تنتمي إليها الآن من خلال ~~انتمائك للكفر في الدنيا. # * * * PageV19P308 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@024 أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ~~ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ~~(9) @QUR@022 قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قانت ): قائم بالطاعة. # ( @QUR@01 آناء ): جمع آن ، أي ساعة من الزمن. # * * * PageV19P309 ### ||| ** أجر العاملين الصابرين # ( @QUR@07 أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ) في ما يعنيه القنوت من ~~الالتزام بطاعة الله في روحية الخاشع الخاضع المتمثل في ms4535 هذا المظهر العبادي ~~الذي يمثل الانسحاق تحت تأثير إرادة الله ، وفي التعبير العميق للسجود بما ~~يمثله من الاستسلام الكلي أمام أوامر الله ونواهيه ، في ما يحبه أو يسخطه ، ~~( @QUR@02 يحذر الآخرة ) فهو في قلق دائم من خطأ يقع فيه أو خطيئة يمارسها ~~، أو انحراف يبتعد فيه عن الاستقامة فيحتاط لذلك في النظرة والمعرفة ~~والممارسة حذرا من الوقوع في ما يجلب له الهلاك في الآخرة ، ( @QUR@03 ~~ويرجوا رحمة ربه ) من جهة ما يؤمله من رحمة الله التي وصف بها نفسه كعنوان ~~لعلاقته بعباده لجهة سبقها لغضبه ، ولجهة اتساعها لكل شيء ، ومن جهة ما ~~يأخذ به نفسه من الوقوف عند مواقع رحمته في ما يحبه من طاعته ، ويبتعد به ~~عن معصيته. # هل يستوي هذا العبد المطيع الخاضع الخائف من النار ، الراجي رحمة الله ، ~~مع الكافر الضال المضل الذي يتمرد على الله ويستهين بعذابه؟ # وهل يكون الجواب إلا أنهما لا يستويان عند الله ، بل يتميز المؤمن الشاكر ~~على الكافر المتمرد ( @QUR@08 قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ~~في القيمة الإنسانية التي يمثل العلم في حساباتها ، المستوى الكبير الذي ~~يفتح شخصية الإنسان على الآفاق الرحبة في الحياة بأسرارها العميقة ، ~~وامتداداتها البعيدة ، ورحابها الواسعة ، وقضاياها المعقدة ، وشؤونها ~~المتنوعة ، وحساباتها الدقيقة بحيث يملك من خلاله ، وضوح الرؤية للأشياء ، ~~فيفكر في نور ، ويتحرك في نور ، بينما يمثل الجهل الأفق الضيق ، والظلام ~~الدامس ، والتخلف المتعفن ، والعقلية المعقدة ، والنظرة القلقة الحائرة ، ~~وغموض الوعي للأمور ، وبذلك يتحرك الإنسان في الليل المظلم في فكره وشعوره ~~وحركته في خط الحياة. # فلا يستوي الذين يملكون العلم ، في القيمة الإنسانية ، والذين لا PageV19P310 # يملكونه ، بل يتقدم العلماء على الجهلاء عند الناس وعند الله الذي يريد ~~لعباده أن يأخذوا بأسباب العلم ، وينطلقوا في رحابه ، ويتعمقوا في أسراره ، ~~ليحصلوا على الهدى من خلاله ، وليصلوا إلى معرفة الله في وعي الإيمان ، ~~وحركة الالتزام. وقد استوحى الإمام علي عليه السلام هذا المعنى فقال : «قيمة ~~كل امرئ ما يحسنه» (1) فأعطى المعرفة دور القيمة ، في مقابل الذين أعطوا ~~القيمة للمال وللجاه ، ولغير ms4536 ذلك من متاع الدنيا وقيم المادة. # ( @QUR@04 إنما يتذكر أولوا الألباب ) أي العقول ، في ما يوحي به ذلك من ~~حركة العقل في حياة الإنسان ، في إغناء الذات بالفكر المتأمل الذي يفتح ~~الوعي على الساحة من حوله ، ليحدد له الفاصل بين الحق والباطل ، والخير ~~والشر ، والحسن والقبح ، والهدى والضلال ، لتنطلق إرادته في رشد الاختيار ، ~~ليتذكر ربه ، فيعبده حق عبادته ، ومسئوليته ، فيقوم بها كما يجب ، ومصيره ، ~~فيخطط له على خير ما يرام ... وهكذا يبتعد بالعقل عن الغفلة ، وينأى عن ~~النسيان والسقوط. # وهكذا نجد أن هذه الآية جمعت في فقراتها العناصر الثلاثة في تكامل ~~الشخصية الإنسانية الإسلامية : # 1 العقل الذي يبدع للإنسان خط التوازن في المعرفة. # 2 العلم الذي يفتح له آفاق الحياة من خلال حركة الفكر في موارده ومصادره ~~ومفرداته ، ليعي بواسطته كيف يسلك الخط المستقيم في حياته. # 3 الالتزام الدقيق بأوامر الله ونواهيه في عباداته ومعاملاته وعلاقاته ~~العامة والخاصة ، وهذا ما يؤمنه الخوف من الآخرة ، والرجاء برحمة الله. PageV19P311 # وهذه الأمور يريد الله للإنسان أن يحركها في حياته ، كي يحصل على النتائج ~~الكبيرة في قضية المصير. # * * * ### ||| ** الله يبادل الإحسان إحسانا # وتأتي بعد ذلك آية حركية أخرى يبلغ الله فيها رسوله ليقول للمؤمنين الذين ~~يعانون من المشركين التحديات الصعبة ، سيما من جهة ما يتعرضون له من أساليب ~~الإذلال والضغط النفسي والجسدي والعائلي : إن عليهم متابعة السير في خط ~~الالتزام في ما يريدهم الله ، وما يحسنون به لأنفسهم وللحياة من حولهم من ~~الأعمال الصالحة والمواقف الكبيرة ، سيبادلهم الله به إحسانا في الآخرة ... ~~وإن عليهم أن لا يخضعوا للضغوط القاسية التي تريد أن تحاصرهم وتضغط على ~~إرادتهم ، وذلك بالبحث عن الوسائل التي تحررهم منها. ( @QUR@05 قل يا عباد ~~الذين آمنوا ) فجعلوا الإيمان عنوان سلوكهم العملي ، باعتباره التجسيد ~~لإيمانهم الفكري والروحي ، ( @QUR@02 اتقوا ربكم ) فإن التقوى تمثل موقف ~~الصدق للإيمان لأنها توحي بالعمق الروحي في مضمون الالتزام ، بما تمثله من ~~انضباط شامل ؛ ( @QUR@05 للذين أحسنوا في هذه الدنيا ) بالعمل الصالح في ~~مضمون تقوى الله ومراقبته في الفكر والحركة ، ( @QUR@01 حسنة ) قد ms4537 تأخذ ~~حجما صغيرا محدودا ، وقد تأخذ حجما كبيرا مضاعفا ، تبعا لنوعية العمل في ~~حجمه وروحيته. # وقد تكون كلمة الدنيا ظرفا للحسنة التي يمنحها الله للمحسنين ، وذلك بما ~~يعطيهم من طمأنينة الروح ، وهدوء البال ، ونعيم الرزق ، ومواقع الخير ، ~~ولكن الظاهر أن الدنيا ظرف للإحسان الذي يقوم به المحسنون ، وبذلك تكون ~~الحسنة شاملة لأجر الدنيا والآخرة معا في ما أطلقه الله منها. PageV19P312 # ( @QUR@03 أرض الله واسعة ) # ( @QUR@03 وأرض الله واسعة ) فيمكن لكم أن تهاجروا فيها إذا اشتد الحصار ~~عليكم ، وأطبقت الضغوطات من حولكم ، ليمنعكم هؤلاء المشركون من القيام ~~بالتزاماتكم الإيمانية ، وأعمالكم الصالحة ، فالله لا يريد للمؤمن أن ~~يستسلم لضعفه أمام القوى الطاغية المستكبرة أو يستضعف نفسه في ساحاتهم ، بل ~~يريد له أن يأخذ بأسباب القوة في مواقع أخرى ليرجع إلى مواقعه الأولى من ~~قاعدة القوة الجديدة المكتسبة ، حتى تظل إرادة القوة في عملية تكوين ~~الشخصية للإنسان المؤمن. # وقد يعتبر البعض هذا التوجيه القرآني بالهجرة من أرض الوطن إلى أرض أخرى ~~، للتخفف من الضغوط ، نوعا من أنواع الهروب من الساحة ، لأن المفروض ~~للمؤمنين أن يصمدوا في مواقع الصراع. # ولكننا نلاحظ على هذه الفكرة ، أن الآية واردة في مقام الرخصة للذين ~~يخافون أن يسقطوا أمام الضغوط ويضعفوا في ساحة التحديات ، لأنهم لا يملكون ~~الظروف التي تسمح لهم بالصمود ، ولا يملكون القوة التي تمنحهم الاستمرار ~~على الثبات ، فهم يخافون من نقاط ضعفهم أن تستيقظ لتسقطهم من حيث لا يشعرون ~~، وليست الآية واردة في الأشخاص الذين يملكون إمكانات الصمود والاستمرار ، ~~إذ هؤلاء عليهم أن يصمدوا ليحققوا للموقف الإسلامي القوة من خلال مواقعهم ~~ومواقفهم ، بالمستوى الذي قد لا يجوز فيه لهم الخروج إلى أرض أخرى ، وموقع ~~آخر. وهذا ما نستوحيه من الحديث عن سعة الأرض ، فإنها إشارة لمن تضيق به ~~أرضه ، لا لمن تتسع لحركته ولو كان ذلك بطريقة صعبة. PageV19P313 # ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) فتلك هي القيمة الروحية ~~العملية التي تمثل الشرط الأساس لكل فكر يريد أن يتجذر في العقل من خلال ~~الدعوة ، ولكل مشروع يريد أن ms4538 يتقدم في خط الواقع من خلال الحركة ، ولكل ~~علاقة تريد أن تربط الأمة بسلسلة من العلاقات العامة التي تشدها إلى ساحة ~~الوحدة ، ولكل عمل صالح يتحرك في داخل الذات أو المجتمع ، ولكل طاعة لله ~~يريد الإنسان المؤمن من خلالها أن يؤكد فيها عبوديته لله من قاعدة الإخلاص ~~المتحرك في خط التقوى ، فلا مجال لتحقيق هذه النقاط ، من دون الصبر الجميل ~~العميق الذي يواجه الحرمان المفروض من كل تلك المشاريع الخاصة والعامة على ~~حياة الإنسان المادية والمعنوية ، الأمر الذي يجعل من الصبر قيمة القيم ، ~~وعمق الحركة الممتدة في كل مواقع الخير للإنسان. ولهذا جعل الله أجر ~~الصابرين غير محدود ، فليست هناك حسابات معينة ، ولا حدود خاصة لرحمة الله ~~في ذلك كله. # وقد جاء في تفسير العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ~~جعفر الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نشرت ~~الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان ، ~~ثم تلا هذه الآية ( @QUR@06 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )» (1). # * * * PageV19P314 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) @QUR@05 وأمرت ~~لأن أكون أول المسلمين (12) @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ~~(13) @QUR@06 قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) @QUR@019 فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو ~~الخسران المبين (15) @QUR@017 لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك ~~يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) @QUR@012 والذين اجتنبوا الطاغوت ~~أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) @QUR@013 الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب (18) @QUR@010 أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ~~(19) @QUR@020 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ظلل ): جمع ظلة ، أي ما يستظل به من حر أو برد. PageV19P315 # ( @QUR@01 الطاغوت ): مصدر بمعنى الطغيان. # * * * ### ||| ** الله ms4539 يريد لرسوله أن يعبر عن الموقف الحاسم # كيف يريد الله لرسوله أن يعبر عن موقفه الحاسم في التزامه بخط الدعوة في ~~عبادة الله بإخلاص ، وفي إسلامه أمره له ، وفي خوفه من عذابه ، أمام هؤلاء ~~المشركين الذين يعبدون الأوثان من دون وعي للمعاني الكامنة في ذلك ، من ~~انسحاق إنسانيتهم تحت تأثير عوالم التخلف ، وسقوط مواقفهم في دائرة الجهل ~~وأجواء الاستكبار الذاتي في نفوسهم ، مما يمنعهم من رؤية الحقيقة أو ~~الالتزام بها؟! # كان الموقف بحاجة إلى صدمة إعلانية قوية ، يقف فيها النبي ليعلن موقفه ~~الذاتي في عملية الاختيار ، ليصدم بذلك تردد المترددين وعناد المعاندين ، ~~عند ما يخرج الموقف عن أجواء الجدال ، حيث يأخذ الجميع حريتهم في اللعب على ~~الألفاظ والقفز على المواقف ، ونحو ذلك مما يبتعد فيه الحديث عن الجدية ~~الملتزمة ليتحول إلى موقف للاختيار الحاسم ، كأسلوب من أساليب التأثير ~~النفسي القوي من جهة ، ليوحي إليهم بأنه لن يتخذ غير هذا الموقف ، لأن هناك ~~قوة ربانية عظيمة تفرضه عليه ، ولأن هناك قوة فكرية عميقة في داخله توحي له ~~بذلك ، فلا مجال لأن يفكروا بأن هناك اهتزازا في قرار الموقف لديه ليجربوا ~~كيف يضغطون على نفسيته ، وكيف يقدمون إليه الطروحات القائمة على التسوية ~~المعتمدة على أنصاف الحلول ليكون المطلوب منه أن يأخذ من الكفر شيئا ، ومن ~~الإيمان شيئا آخر ، ليختاروا هم بعد ذلك ما يأخذون به من الموقف. PageV19P316 # ( @QUR@09 قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ) فقد أراد الله لي ~~أن التزم الإخلاص بعبادته ، لأكون النبي الذي يلتزم الخط الذي يدعو له ، ~~كمسؤولية دينية ذاتية ، تماما كما أريد لكم أن تلتزموه من موقع هذه ~~المسؤولية الموجهة إليكم ، فليس الموقف موقف الدعوة التي لا يلتزمها صاحبها ~~، إنما يوجهها إلى الآخرين بعيدا عن التزامه الذاتي ، بل هو موقف الرسالة ~~التي تفرض مفاهيمها وخططها ومسئوليتها على حاملها ، قبل أن يفرضها على ~~الآخرين. # ( @QUR@05 وأمرت لأن أكون أول المسلمين ) لأعلن الإسلام كعنوان لكل ~~مواقفي في الحياة ، وكواجهة لشخصيتي الملتزمة ، لأكون الشخص الأول الذي ~~يكون قدوة للناس ، في ms4540 ما يدعوهم إليه. # ( @QUR@09 قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) لأن الله لا يفرق في ~~عقابه للذين يتمردون على أوامره ونواهيه ، بين شخص وآخر ، فكما يعذب الناس ~~العاديين على معصيته ، فإنه يعذب الرسل ، لو حدث منهم ما يشابه ذلك ، لأن ~~الله لا يرتبط بأحد من خلقه بأية علاقة خاصة إلا من خلال العمل. # ( @QUR@06 قل الله أعبد مخلصا له ديني ) فهذا هو الموقف الذي ألتزمه ~~انطلاقا من الأمر الإلهي الصادر إلي ، ومن قناعتي الفكرية والروحية بذلك ، ~~وضرورة أن تترجم هذه القناعة في الممارسة العملية. ( @QUR@05 فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه ) فلن يغير ذلك من موقفي شيئا ، لأن القناعات الحقيقية لا ~~تتأثر بالمواقف الأخرى للذين يلتزمون الموقف الخاطئ ( @QUR@09 قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) في ما ينفصلون به عن خط ~~الإيمان بالله والالتزام بأوامره ونواهيه ، فإن ذلك هو الموقف الذي يحدد ~~موقع الخسارة أو الربح عند الله ، في الاتجاه السلبي أو الإيجابي. ( ~~@QUR@05 ألا ذلك هو الخسران المبين ) لأنها الخسارة التي لا تعوض ، باعتبار ~~أن لا عمل بعدها ، بل الحساب الذي يحدد للإنسان مصيره. # ( @QUR@09 لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) فهي تحيط بهم من جميع PageV19P317 # الجهات ، فتطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، فلا مجال عندهم للخلاص ~~منها بأية وسيلة من الوسائل. ( @QUR@05 ذلك يخوف الله به عباده ) الذين ~~يخافون عذابه ، وينفعلون بتخويفه ليتقوه في أقوالهم وأفعالهم. ( @QUR@03 يا ~~عباد فاتقون ) لتكفلوا لأنفسكم ولأهليكم الذين تقودونهم إلى التقوى ، ~~النجاة من العذاب ، والحصول على رضا الله سبحانه. # ( @QUR@03 والذين اجتنبوا الطاغوت ) في ما تمثله هذه الكلمة من الأوثان ~~والأشخاص والقوى الطاغية التي تطرح نفسها ، أو يطرحها الناس للطاعة ~~والعبادة من دون الله بكل مستلزماتها الروحية والعملية ، ( @QUR@02 أن ~~يعبدوها ) فرفضوا عبادتها من موقع وعيهم للباطل المتمثل فيها من الناحية ~~الرمزية والواقعية ، ومعرفتهم بأن الله وحده هو الذي يستحق العبادة والطاعة ~~في كل شيء ، لأنه المالك المهيمن على كل أمر ، وبذلك حددوا موقفهم تحديدا ~~دقيقا. ( @QUR@03 وأنابوا إلى الله ) والتزموا نهجه وشريعته ، وأقبلوا ms4541 عليه ~~في وحدة متكاملة تتضمن الرفض للطاغوت والالتزام بالله ، لأن ذلك هو الذي ~~يحقق خط التوازن في العقيدة والالتزام ، فلا يكفي الإنسان أن يرفض الطاغوت ~~بل لا بد له من أن يحدد الجهة التي يلتزمها في موقع الإيمان والطاعة ، لأن ~~الله لا يكتفي بالموقف السلبي للإنسان ، بل يجب أن يلتقي بالجانب الإيجابي ~~الذي يمثل حركته في الحياة. وهذا هو ما استطاع هؤلاء المؤمنون أن يؤكدوه ~~عند ما رفضوا عبادة الطاغوت والتزموا عبادة الله ، فجعل ( @QUR@02 لهم ~~البشرى ) عند الله ، في ما يبشر الله به عباده من رحمته ورضوانه ونعيمه في ~~جنته ، لأنهم انفتحوا على الحق من موقع التأمل الواعي والتفكير العميق ، ~~والاختيار الحر ، فاستحقوا الكرامة عند الله. # * * * PageV19P318 ### ||| ** بشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # ( @QUR@05 فبشر عباد* الذين يستمعون القول ) في عملية اختيار للسماع من ~~أجل أن يجعلوه وسيلة للمعرفة والهداية ، انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية في ~~مسألة الوصول إلى الحق والالتزام به ، ولذلك فإنهم يدخلون في التمييز بين ~~القول الطيب والقول الخبيث ، والكلام الحسن والكلام السيئ ، فيختارون الطيب ~~والحسن ، فإذا وقفوا بين الحسن والأحسن اختاروا الأحسن من أجل العمل ~~باتجاهه ، ( @QUR@02 فيتبعون أحسنه ). # وفي ضوء ذلك ، كانت خطواتهم مدروسة بدقة وتأمل ومعاناة ، فلا يتبعون ~~الهوى ، ولا يخضعون للانفعال ، وتلك هي صفة المسلمين الملتزمين في انفتاحهم ~~على الخط الذي يسيرون عليه ، فهم يعيشون قلق المعرفة ، ويتحركون وراء كل ~~كلمة حق وخير ورشاد ، ليستمعوا إليها بقلوبهم وعقولهم وآذانهم ، ويناقشوها ~~بكل مفرداتها الإجمالية والتفصيلية ، ويلاحقوا كل احتمالاتها ليصلوا إلى ~~القناعة من موقع وضوح الرؤية ، لتتحول القناعة اليقينية إلى ممارسة عملية. ~~وقد أطلق الله القول فلم يحدد له وجها معينا ، ليوحي بأن هؤلاء الناس لا ~~يتعقدون من سماع أي قول لأي قائل ، ما دامت المسألة لديهم أن يفكروا بما ~~يسمعونه ، وأن لا يتبعوا إلا ما يقتنعون به من موقع المعاناة الفكرية ، ( ~~@QUR@04 أولئك الذين هداهم الله ) بفعل ما ألهمهم من طلب الحق والسعي إلى ~~معرفته والالتزام به. # ( @QUR@04 وأولئك هم أولوا الألباب ) أي ذوو العقول ، لأن طبيعة هذا ~~النهج ms4542 الذي يجعلونه أساسا لحياتهم في الأخذ بأسباب الفكر المتحرك الباحث ~~وراء كل احتمال من أجل الحقيقة ، هو الذي يفرضه العقل ، ويوجه صاحبه إلى ~~المنطق السليم ، والموقف المتزن. ( @QUR@05 أفمن حق عليه كلمة العذاب ) ~~بكفره وعناده PageV19P319 # وضلاله ، خير ، أم الذي استحق الجنة بإيمانه ( @QUR@05 أفأنت تنقذ من في ~~النار ) ممن لا مجال لحصوله على مغفرة الله لأنه لا يتعلق من الله بشيء. # ( @QUR@014 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار ) جزاء على ما عانوه من آلام الطاعة والجهاد من خلال الأوضاع ~~التي يعيشها المؤمنون في ساحة الصراع بين الحق والباطل في داخل أنفسهم ~~وخارجها. ( @QUR@02 وعد الله ) الذي وعد به عباده المتقين ( @QUR@04 لا ~~يخلف الله الميعاد ) فهو أصدق من وعد في الدنيا والآخرة. # * * * PageV19P320 ### ||| * الآيات # ( @QUR@031 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم ~~يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك ~~لذكرى لأولي الألباب (21) @QUR@020 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ~~من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) @QUR@034 ~~الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن ~~يضلل الله فما له من هاد (23) @QUR@013 أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) @QUR@010 كذب الذين من ~~قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) @QUR@012 فأذاقهم الله الخزي في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) @QUR@011 ولقد ~~ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) @QUR@07 قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) (28) # * * * PageV19P321 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يهيج ): يجف ويبلغ نهايته في اليبوسة. # ( @QUR@01 حطاما ): ما تكسر من الشيء اليبس. # ( @QUR@02 أحسن الحديث ): القرآن. # ( @QUR@01 متشابها ): على نسق واحد أسلوبا ومعنى. # ( @QUR@01 مثاني ): جمع مثنى ، ويأتي البيان في تفسير الآيات. # * * * ### ||| ** آيات للتفكير في الله # ( @QUR@012 ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في ms4543 الأرض ) ~~بما أودعه من الخزانات الجوفية التي تتجمع فيها ، وفق القوانين التي أودعها ~~الله في الكون ، لتتم عملية توزيع المياه وتفجير الينابيع ، فتنبثق الحياة ~~الخضراء النامية من التراب الميت الذي يتحول بقدرة الله إلى بذور حية تختزن ~~في داخلها سر النمو وحركة الحياة ، فتتفاعل في خصائص الأرض والماء والهواء ~~، ( @QUR@06 ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ) رغم وحدة الماء والتراب ~~والهواء ، فكيف اختلفت الألوان ، وكيف تنوعت الأشكال ، وكيف تباينت الخصائص ~~... وتبدأ عملية النمو في التكامل ، ( @QUR@04 ثم يهيج فتراه مصفرا ) عند ~~ما يجف النبات ويبلغ نهايته في اليبوسة ، ( @QUR@03 ثم يجعله حطاما ) ~~فيتحول إلى فتات يتطاير في الهواء ، ( @QUR@06 إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب ) الذين لا يمرون مرورا عابرا على هذه الظاهرة الكونية المتحركة ~~المتعددة التي تجمع الماء في أعماق الأرض ، ثم تبدع الحياة PageV19P322 # النامية في التراب حتى يتحول إلى نبات يزدهر ويخضر ويؤتي أكله في فترة ~~محدودة ، ثم يموت ليعود إلى تراب ، بل يفكرون في مبدع ذلك ليعرفوا أنه الله ~~الواحد الخالق الحكيم القادر المدبر ، فعقولهم ترفض احتمال الصدفة ، أو عدم ~~وجود خالق لهذا الإبداع العظيم الرائع. # ( @QUR@010 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) فلا يعيش ~~ضيق الصدر وتعقيد الفكر عند ما تطرح عليه مفاهيم الإسلام في العقيدة ~~والمنهج والشريعة والحياة ، بل ينظر إليها نظرة واعية ذات أفق رحب ، مفكرا ~~فيها بعقله ، ومنفتحا عليها في عمق شعوره ، حتى يراها بوضوح وعمق وصفاء ، ~~فيقتنع بها إيمانا بالحق الكامن فيها ، وبالنور المنطلق منها الذي يشرق من ~~فيض الله عليه من نوره الذي أشرقت به القلوب وانفتحت به العقول ... وليس ~~معنى ذلك أن الإنسان المؤمن الذي يعيش انشراح الصدر للإسلام من نور الله ، ~~لا يملك اختيارا في إيمانه ونظرته إلى العقيدة ، بل معناه أنه يعيش حالة ~~الهدى الذي فتح الله أبوابه للناس كافة ليأخذوا به في مواطن وعيهم ، ومواقع ~~المعرفة في حياتهم ، فيأخذ به في حركة العقل في ذاته ، ونهج المعرفة في ~~حياته ، بينما يمتنع الآخرون عن الانفتاح عليه من حالة التمرد ms4544 والعناد. # وينطلق التساؤل هنا في هؤلاء المنفتحين بقلوبهم على الله ، ليثير النموذج ~~الثاني ، وهم القاسية قلوبهم التي تنغلق على الضلال ولا تنفتح على الهدى ، ~~لأنها تعيش قساوة الشعور وظلام الفكر الذي لا يقربها من الحقيقة ، ولا يوحي ~~إليها بالإيمان ، فتكفر من موقع العقدة ، وتضيع في متاهات الظلام. ولعل ~~التعبير الآتي بالقاسية قلوبهم ، يوحي بأن مسألة الإيمان تحتاج إلى الجانب ~~الشعوري في رقة القلب بالإضافة إلى إشراقة العقل ، وهكذا يريد الله الإيحاء ~~بأن هذين النموذجين لا يستويان. # ( @QUR@06 فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) فلا يتذكرونه في حياتهم ~~الروحية PageV19P323 # والعقلية والعملية ، ليعيشوا خشوع الإيمان ، وابتهال العبادة ، وروحانية ~~الروح ، بل يستمرون في ظلمات الغفلة ، ويتخبطون في أوحال الكفر والضلال ، ( ~~@QUR@04 أولئك في ضلال مبين ) فلا يقفون عند علامات الطريق إلى الله ولا ~~يهتدون إلى النور المشرق بالحق من رحمة الله ورضوانه. # ( @QUR@06 الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) يشبه بعض أجزائه بعضا في ~~أسلوبه ووضوح الحق في معانيه وبلاغة التعبير في آياته ، فلا تتنافر أفكاره ~~، ولا تختلف آفاقه ، فهو على نسق واحد. # ( @QUR@01 مثاني ) جمع مثنى أو مثنية ، قيل : إنه بمعنى المعطوف لانعطاف ~~بعضه على بعض ورجوعه إليها بتبين بعضها ببعض وتفسير بعضها ببعض ، وقيل : ~~إنه عبارة عن المعاني الثنائية ، كالأمر والنهي والوعد والوعيد ، فلا تقف ~~مفاهيمه ولا تتجمد في جانب واحد ، بل تتحرك في الأمثال والأضداد لتحتوي كل ~~مواقع القضايا العامة في الكون والإنسان والحياة ، لتأمر بما يحقق المصلحة ~~، وتنهى عما يشتمل على مفسدة ، وقيل : إن المراد بالمثاني هنا : إيراد ~~المعنى بأكثر من أسلوب. ( @QUR@06 تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) ~~فيعيشون الخوف من العذاب حين يعيشون آيات القرآن التي تتحدث عن عظمة الله ، ~~فيستشعرون الرهبة منه في حالة عصيانه أو التمرد عليه ، ويتفاعل هذا الخوف ~~في الحس فيشبه القشعريرة التي تصيب الجلد ، في ما توحي به من الحالة ~~النفسية القلقة أمام تهاويل عذاب الله ، ورهبة الوقوف بين يديه. وتتحول ~~المسألة بعد ذلك إلى فكر يتأمل ، وروح تنفتح وتنطلق وتطوف في رحاب الحق ، ~~لأن الخوف يثير ms4545 الشعور بالمسؤولية الذي يخرج الإنسان به عن أجواء ~~اللامبالاة الفكرية. وبذلك يحصل على طمأنينة الفكر ، وهدوء الروح الذي جرى ~~التعبير عنه بالطريقة الحسية. # ( @QUR@07 ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) عند ما يتمثلون عظمة ~~ربوبيته في PageV19P324 # معنى الإيمان وامتداد قدرته في رحاب الوجود وانفتاح رحمته في ساحات نعمه ~~، فتخشع نفوسهم ، وتطمئن قلوبهم بذكره ، وتلين أجسادهم لعبادته ، ( @QUR@07 ~~ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ) بفعل ما يفيض به على عباده من الفكر الباحث ~~عن الحق ، ومن الشعور المنفتح على الله ، وما يهيئه له من أسباب الهدى ، ~~ويضل بها من تركها وأهملها ونظر إليها نظرة اللامسؤولية واللامبالاة ، عند ~~ما تتحول المسألة عنده إلى ما يشبه العبث واللهو واللعب ، بعيدا عن كل ~~معاني الجدية في الحياة. ( @QUR@07 ومن يضلل الله فما له من هاد ) وذلك من ~~خلال ما أوجده من أسباب الضلال التي تلتقي بالمفردات المتناثرة في حركة ~~الواقع وما تحتوي من الشبهات والأضاليل ، وبإرادة الإنسان التي لا تواجه ~~ذلك كله بما وهبه الله من طاقة الفكر والتأمل. وهذا جار على أسلوب القرآن ~~الذي يربط الأمور كلها بالله ، من خلال خلق الأسباب ، مع كون الإنسان جزءا ~~من هذه الأسباب في إرادته الحرة. ولعل ذكر الكتاب المنزل أمام مسألة ~~الهداية ، يوحي بأنها تنطلق من العناصر الاختيارية التي تثير في داخل ~~الإنسان المعاني الروحية التي تفتح عقله وقلبه على الهداية ، لأن علاقة ~~الكتاب بها تتصل بالفكر الذي يهدي إلى الحق ، والشعور الذي يتفاعل به. # ( @QUR@07 أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) وهو كناية عن توجه ~~العذاب إليه بحيث لا مجال لاتقائه ودفعه عن نفسه بأية وسيلة إلا بوجهه الذي ~~يمثل العضو الذي يندفع الإنسان لحمايته بالدرجة الأولى ، مما يعني أنه لا ~~يستطيع حماية نفسه منه ... والمقصود إثارة هذا النموذج في مقابل النموذج ~~الآخر الذي يوحي به المعنى ، وهو الآمن الذي استطاع بتقواه أن يدفع عن نفسه ~~العذاب بعمله المتحرك في خط إيمانه ، ليعيش الإنسان دائما في هاجس المقارنة ~~بين مستقبل هؤلاء وهؤلاء ، كعنصر أساس من عناصر ms4546 التصور الواعي للمستقبل ~~الذي يحدد للإنسان موقفه في الحاضر. # ( @QUR@06 وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ) فقد كان كل كسبهم في الدنيا PageV19P325 # الكفر الذي اكتسبوه بعنادهم وتمردهم من دون حجة ولا برهان ، والعصيان ~~الذي انحرفوا فيه عن خط الاستقامة الذي يربطهم بأمر الله ونهيه ، ولم يكن ~~هناك أي أساس معقول لذلك سوى الاستكبار الذي عاشوا في داخله شعور العظمة ~~الكاذبة الموهومة ، في ما يختزنونه في داخل نفوسهم ، من تصورات غير واقعية. # ( @QUR@04 كذب الذين من قبلهم ) فلم يكونوا أول المكذبين ، بل هم جزء من ~~ظاهرة تاريخية ( @QUR@06 فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) فالله أنزل ~~عليهم العذاب في الدنيا ( @QUR@012 فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) وهكذا كانوا يتحركون في دائرة العار ~~الذي يلف وجودهم الكافر ليصلوا إلى العار الأكبر في نار جهنم. # ( @QUR@09 ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) وبكل أسلوب يفتح ~~العقول على مختلف جوانب العقيدة والشريعة في حركة الإنسان في الحياة ، ~~ليهتدوا بهداه من موقع القراءة الواعية والتفكير العميق الذي ينقذهم من ~~الغفلة التي تحيط بعقولهم وتستولي على مشاعرهم ، ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) ~~بما يشتمل عليه هذا القرآن من مواقع التذكر التي تلامس الإحساس والشعور. # * * * ### ||| ** كيف نفهم عروبة القرآن وعروبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ # ( @QUR@02 قرآنا عربيا ) في لغته وأسلوبه ، ليفهمه العرب الذين كانوا ~~قاعدة الدعوة وحملة رسالتها ، ويسيروا تحت قيادة النبي العربي الذي جاء ~~ليكون رحمة للعالمين بإنسانيته المنفتحة على الناس كافة ، وبرسالته الممتدة ~~في الحياة كلها ، وبذلك كانت عروبة القرآن وعروبة النبي وقومه منطلقا لحركة ~~الدعوة ، PageV19P326 # لا دائرة تتجمد فيها ، ليكون الإسلام دينا قوميا ، أو ليكون النبي رسولا ~~قوميا ، لأنه لا معنى للرسالة أن تنحصر في جماعة معينة ، فالقيم الروحية ~~والمادية التي تحكم الحياة لا تختص بقوم دون قوم ، بل تشمل الناس كلهم. # وإذا كان الإسلام وحي الله ، فإنه لا يتأثر في مضمونه بالدائرة القومية ~~التي نزل فيها وانطلق منها ، بل إنه جاء من أجل أن يغير الكثير من المفاهيم ~~في مجتمعة ms4547 ، مما لا ينسجم مع خط العقيدة والشريعة ، ويبقي ما هو منسجم معها ~~من موقع الإسلام ، لا من موقع القومية ... وقد تؤدي بعض المؤثرات الذاتية ~~أو القومية إلى تنوع في حركة الأساليب التي يتحرك فيها الأشخاص ، أو ~~الاجتهادات التي تمثل طريقتهم في فهم الكتاب والسنة ، ولكن الإسلام يبقى في ~~حقيقته الأصيلة ميزانا يكشف خطأ الأساليب والأفهام وصوابها ؛ ( @QUR@03 غير ~~ذي عوج ) فهو مستقيم في لغته وأسلوبه ومعناه ، وفي انفتاحه على حاجات ~~الإنسان وفي الدعوة إلى أن يكون مستقيما في تصوراته وحركته ومنهجه ، ليقرب ~~من الله في عقله وروحه وحياته ، ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) عند ما ينضبطون من ~~خلال مراقبة الله في أعمالهم وأقوالهم خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه. # * * * ### ||| ** ترجمة القرآن # وربما يثأر في أجواء الحديث عن الصفة العربية للقرآن ، سؤال شرعي عن جواز ~~ترجمة القرآن إلى لغات أخرى غير العربية. # والجواب أن هذا جائز بلا ريب ، بل ربما كان ضروريا ليفهمه الناس الذين لا ~~يفهمون اللغة العربية أو الذين لا يستطيعون تعلمها ، ليطلعوا على الإسلام ~~من خلال ذلك. ولكن لا بد من أن تكون الترجمة دقيقة في المعنى والمبنى والجو ~~الذي تعيشه اللغة في طريقتها الفنية في التعبير عن الفكرة PageV19P327 # القرآنية ، تماما كما هو التفسير للقرآن ، بل إن الترجمة قد تكون نوعا من ~~أنواع التفسير ، لأنه يعتمد على فهم المعاني القرآنية التي ينقلها المترجم ~~إلى لغة أخرى ، ولهذا فإن الترجمة لن تكون قرآنا ، في ما هي الأحكام الخاصة ~~للقرآن ، بل هي كتاب تفسير. # * * * PageV19P328 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) @QUR@04 إنك ميت وإنهم ~~ميتون (30) @QUR@07 ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 متشاكسون ): مختلفون. # ( @QUR@01 سلما ): خالصا. # * * * ### ||| ** المشرك والموحد في صورة واقعية # هذه صورة حية للحالة النفسية والواقعية التي يعيشها المشرك والموحد في ~~وحدة الشخصية وانقسامها ، وفي التصور الواحد للعقيدة والمفاهيم PageV19P329 # المتعلقة بالكون والحياة ، وذلك من خلال وحدة الإله الذي يؤمن به ~~المؤمنون ، وتعدد الآلهة الذين يعبدهم المشركون ، مما يجعل ms4548 المؤمن مشدودا ~~إلى الله الواحد في عقيدته وشريعته وعبادته ، بينما يتوزع المشرك بين هذا ~~الإله وذاك ، وبين هذا التصور العقيدي أو التشريعي الذي يتمثل في أجواء هذا ~~الإله أو ذاك ، فيعيش المؤمن في حالة طمأنينة هادئة مستقرة ، بينما يعيش ~~المشرك حالة القلق والاهتزاز. # ( @QUR@07 ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) متشاجرون تبعا ~~لاختلاف مصالحهم وطباعهم السيئة ، فكل واحد منهم يريد الاحتفاظ به لنفسه ~~وتوجيهه إلى أفكاره ومشاريعه ، وربطه بمصالحه ومشاريعه ، مما يجعله موزع ~~الشخصية والانتماء والحركة مع هذا أو ذاك. وهكذا يتمثل المشركون الخاضعون ~~لأكثر من إله في الانتماء والعبادة والحركة. # ( @QUR@03 ورجلا سلما لرجل ) أي خالصا لرجل لا يشاركه فيه أحد ، فهو ~~يتحرك معه ضمن خطة واحدة ونهج واحد ، في أوامره ونواهيه وتوجيهاته ، فهناك ~~وحدة في العلاقة والتصور والحركة والانتماء ... وهكذا هو الإنسان المؤمن في ~~إيمانه بالله الواحد ، وفي التزامه بأوامره ونواهيه ، وفي انطلاقه في معنى ~~العبادة ، في توحيد العبادة لله ، الذي يؤدي إلى شعوره بالحرية أمام الناس ~~كلهم ، والكون كله ، فلا سلطة هناك إلا سلطة الله ولا عبادة لغيره ، ولا ~~طاعة إلا له ، ولا منهج إلا منهجه في ما أنزله الله من كتاب وأرسله من رسول. # ( @QUR@03 هل يستويان مثلا ) فهما ليسا في المستوى نفسه ، لا سيما عند ~~الدخول في مقارنة حول الواقع النفسي والعملي الذي يعيشه إنسان الإيمان ~~وإنسان الشرك. # ( @QUR@02 الحمد لله ) على وضوح الحقيقة ، وعلى سلامة التصور للعقيدة في ~~وحدانية الله وفي عظمته وحكمته ورحمته ، فهو الذي يتوحد الحمد له ، لأن PageV19P330 # كل حمد لغيره مستمد من حمده ، فهو الذي خلق كل مواقع الحمد في الكون ~~والحياة. # ( @QUR@04 بل أكثرهم لا يعلمون ) لأنهم مشدودون إلى ما حولهم من قضايا ~~الحس ، فلا يتطلعون إلى الغيب المنفتح على الله ليعرفوا كيف يجب عليهم ~~توحيده في العبادة ، ورفض عبادة غيره الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا به. # ( @QUR@04 إنك ميت وإنهم ميتون ) فهذا هو القانون الحتمي الذي فرضه الله ~~على الأحياء ومن بينهم الناس كلهم ، لا فرق بين الأنبياء وغيرهم ، فلا بد ms4549 ~~لهم من أن يضعوا هذه السنة الإلهية الكونية في حساباتهم ، فلا خلود لهم في ~~هذه الحياة ، ولا خلود لهم في الموت ، بل هو الجسر الذي يعبر الأحياء عليه ~~إلى الدار الآخرة ، ليقفوا جميعا أمام الله في موقف الحساب. ( @QUR@07 ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) فيقف هؤلاء أمام الله ليسألهم هل ~~سمعوا بلاغ الرسالة الذي تقوم به الحجة عليهم ، وتقف أنت لتشهد عليهم بأنك ~~بذلت كل جهدك في إرشادهم وتعليمهم وتوجيههم إلى مواقع الإيمان في الرسالة ، ~~من خلال الفكر الواعي والشعور الصافي. # * * * PageV19P331 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (32) @QUR@08 والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ~~(33) @QUR@08 لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) @QUR@012 ليكفر ~~الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) ~~@QUR@015 أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما ~~له من هاد (36) @QUR@012 ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي ~~انتقام ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مثوى ): المكان الذي يثوي فيه الإنسان إذا أقام فيه. # * * * PageV19P332 ### ||| ** من صفات المتقين : الصدق # ( @QUR@07 * فمن أظلم ممن كذب على الله ) الذي خلقه وأنعم عليه وسخر له ~~كل شيء يحتاجه من أمور حياته مما يفرض عليه أن يشكره بالإيمان به وبالطاعة ~~له ، ولكنه سار في اتجاه آخر. فقد افترى على الله كذبا ، فجعل له شركاء ، ~~وتحدث عنه بما لم يقله ، ( @QUR@02 وكذب بالصدق ) الذي أنزله الله على ~~رسوله ، في ما ينبغي للناس أن يفعلوه أو يتركوه ، أو ينتهجوه في طريقة ~~حياتهم وإقامة علاقاتهم ، فلم يفتحوا عقولهم عليه ليفكروا به ، ولم يصغوا ~~إليه بأسماعهم ليستمعوا إليه ، بل رفضوه من دون وعي ولا مناقشة ، لأنهم ~~كانوا خاضعين لكبرياء الباطل المسيطر على عقولهم ، ( @QUR@02 إذ جاءه ) في ~~كلام الرسول ... فهل هناك ظلم أشد من هذا الظلم الذي يظلم به الإنسان نفسه ~~وربه ، كما يظلم الحقيقة والحياة من حوله ، فإن خطورة الكذب ، في موقعها من ~~معنى الظلم ، تأخذ حجمها بمقدار عظمة المكذوب عليه ms4550 ، وقيمة الحق الذي ينكره ~~، ونوعية الأثر السلبي الذي يتركه على الحياة كلها من حوله ، ومن حول ~~الناس. وهل هناك خطورة أكبر من أن يشارك الإنسان في إسقاط الإيمان من ~~حسابات العقل والحياة؟ وهذا هو الذي يحدد مقدار العقوبة وطبيعتها عند الله ~~الذي جعل النار هي الدار التي يسكنها الذين يكفرون من دون حجة ولا برهان. # ( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى للكافرين ) الذين لم يكن الكفر لديهم حالة ~~فكر يقنع ، بل حالة عناد يتمرد؟ # ( @QUR@03 والذي جاء بالصدق ) في الرسالة التي حملها ليبلغها للناس كلهم ~~ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ( @QUR@02 وصدق به ) عن قناعة فكرية وصفاء ~~روحي ، ووعي شعوري ، وانفتاح على الحق كله ، من موقع المسؤولية العميقة ~~أمام الله ... وإذا كان هذا الكلام يخص رسول الله ، باعتباره الإنسان الذي ~~جاء بالصدق وصدق به ، فإنه يوحي بأنه يخص كل الذين يحملون الصدق PageV19P333 # ويصدقون به ، سواء كانوا من الأنبياء أو من أتباع الرسالة ... وربما كان ~~المراد بالذي جاء بالصدق ، رسول الله ، وبالذي صدق به ، المؤمنون به ... ( ~~@QUR@03 أولئك هم المتقون ) الذين عاشوا روح التقوى الفكرية والروحية ~~والشعورية والعملية ، وذلك من خلال عيشهم رقابة الله عليهم في حس ~~المسؤولية. # * * * ### ||| ** جزاء المتقي الصادق # ( @QUR@05 لهم ما يشاؤن عند ربهم ) فلهم الحرية التي يشتهون ويطلبون ، ~~لأن الله يكرم عباده الذين اتقوه وأحسنوا للحياة ولأنفسهم في خط رضاه ... ~~فيعطيهم كل شيء في نعمه ، كما أعطوه كل شيء في جهدهم. ( @QUR@03 ذلك جزاء ~~المحسنين ) الذين حملوا الإحسان رسالة فكان عنوانا لحياتهم ، وحركة في ~~عقولهم ومشاعرهم وإخلاصهم لله ( @QUR@06 ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ) ~~في كل تاريخهم الذي قد حمل بعض الأعمال السيئة والخطوط المنحرفة التي لا ~~تلتقي بالاستقامة في العقيدة ، بعد أن تراجعوا عنها ، وابتعدوا عن أجوائها ~~، وأنابوا إلى الله ، وأصلحوا أعمالهم ، ( @QUR@06 ويجزيهم أجرهم بأحسن ~~الذي كانوا يعملون ) فكما كانت أعمالهم في المستوى الأرفع ، فإن درجتهم في ~~أجرهم ستكون بالمستوى الأعلى. # * * * ### ||| ** الله يكفي عباده الهادين # ( @QUR@04 أليس الله بكاف عبده ) من كل ما يهمه ويحزنه ويخيفه من خلال ~~لطفه به ومحبته له ورحمته له ms4551 ، وكيف لا يكفي الله رسوله من ذلك في مواقع ~~الضعف التي تريد أن تهزم موقفه القوي في سبيل الله؟! ( @QUR@02 ويخوفونك بالذين PageV19P334 # @QUR@02 من دونه ) من أصنامهم التي اعتبروها آلهة من دون الله ، أو من ~~مراكز القوى التي كانت تملك المال والقوة والسلطان. # ( @QUR@07 ومن يضلل الله فما له من هاد ) لأن مسألة الضلال الخاضعة لكل ~~الأسباب الحتمية ، التي ترتبط بها ارتباط العلة بالمعلول ، لا يمكن أن ~~تنفصل عن ذاتها تحت تأثير أي شخص آخر ، ما دام قانون السببية الذي أودعه ~~الله في عمق الأشياء ، يفرض نفسه على الكون في ما يعبر عنه من إرادة الله ~~... وتلك هي القاعدة في مسألة الضلال التي تجتذب القاعدة الأخرى في مسألة الهدى. # ( @QUR@07 ومن يهد الله فما له من مضل ) لأن الذين يأخذون بأسباب الهدى ، ~~في الموقف والإرادة والمضمون ، لا يمكن أن يخضعوا لتأثير كل عوامل الضلال ~~التي لا تملك الحتمية في هذا الإطار. # وهكذا تؤكد هاتان القاعدتان اللتان تمثلان الحقيقتين الثابتتين على ~~الصعيد الإنساني في حالتي الانحراف والاستقامة ، أن الله إذا أراد أي شيء ~~في ما يتعلق بالإنسان ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، فلا راد لإرادته ، من ~~أية قوة أخرى ، مهما كانت عظمتها ، لأن كل قوة هي مستمدة منه وخاضعة له. # ( @QUR@03 أليس الله بعزيز ) لا يغلب في عزته وفي إرادته ( @QUR@02 ذي ~~انتقام ) من المتمردين عليه ، الكافرين به ، المنحرفين عن خطه المستقيم؟ # * * * PageV19P335 ### ||| * الآات # ( @QUR@036 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) @QUR@010 قل يا ~~قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) @QUR@08 من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حسبي ): كافيني. # ( @QUR@01 مكانتكم ): الحال التي أنتم عليها. # * * * PageV19P336 ### ||| ** حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون # ( @QUR@02 ولئن سألتهم ) في حوار العقيدة الذي يريد أن يواجه عمق الوجدان ~~وصفاء الفطرة ، لتجتذب القناعة الكامنة في الأعماق المدفونة تحت ركام ~~المشاعر القلقة والكبرياء المعقدة ولتستثيرها ms4552 بطريقة لا شعورية ، عند ما ~~تطرح السؤال بطريقة الصدمة : ( @QUR@04 من خلق السماوات والأرض ) هل يملك ~~أحد ممن يعبده الناس من دون الله ، أن يدعي ذلك لنفسه ، أو يدعيها هؤلاء له؟! # ويأتي الجواب طبيعيا تماما ، كما هي الفطرة الصافية : ( @QUR@02 ليقولن ~~الله ) فليس هناك شيء يشير إليه الناس كرمز للألوهة إلا وهو مخلوق لله ، ~~خاضع للقوانين التي تحكم الكون بإرادته ، فلا يمكن أن يكون خالقا لهذا ~~الكون ، بل ربما كان احتمال ذلك ، ولو بدرجة الوهم ، في أعلى درجات ~~السخافة. # ( @QUR@015 قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره ) فهل يملك هؤلاء تغيير إرادة الله في عباده في ما قد يقدره لهم ~~من مرض أو فقر أو خوف أو غير ذلك مما يتمثل في النقص بالنفس والمال ونحوهما ~~، فيرفعونه عنه ، إذا كان الله لا يريد أن يرفعه؟ # ( @QUR@07 أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ) فلو أراد الله أن ينزل ~~المطر على الناس هل يستطيعون أن يحبسوه ، أو أراد أن يعطي الصحة للإنسان هل ~~يملكون نزعها عنه ، أو أراد الغنى له ، فهل يمكنهم أن يمنعوه عنه؟ وهكذا ~~... ويبقى السؤال دون جواب إيجابي ، لأنهم يعرفون أن هؤلاء الذين يتخذونهم ~~شركاء لا يملكون شيئا من ذلك من قريب أو من بعيد. # ( @QUR@03 قل حسبي الله ) فهو الذي يكفي الإنسان من كل شيء ، ولا يكفي ~~منه شيء ، ( @QUR@03 عليه يتوكل المتوكلون ) في ما يرجع الأمر إليه ، مما ~~لا يملك PageV19P337 # الإنسان الاستقلال به في تدبيره ، فيلجأ إلى ربه فيوكل أمره إليه ، بعد ~~أن يكون قد قام بكل ما يستطيع في حساب الأسباب ، وهذا هو معنى التوكل ~~الحقيقي الذي يختلف عن معنى الاتكالية التي تترك كل شيء لله ، من دون أن ~~يقدم جهدا أوكل الله أمره إليه. # ( @QUR@06 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ) أي على الحالة التي أنتم عليها ~~، مما تصرون على أن يكون الخط الذي تقفون عليه ، أو تتحركون منه ، فلا ~~تستبدلونه بغيره ، مهما وضحت لكم الحقائق ، وأقيمت لكم البراهين ( @QUR@02 ~~إني عامل ) في خط ms4553 السير العملي الذي التزمت به من خلال الوحي الإلهي الذي ~~أقام لنا الخط الفاصل بين الحق والباطل ، والكفر والإيمان ، والخير والشر ~~... فليجرب كل واحد منا حظه ، ولينتظر مصيره. ( @QUR@02 فسوف تعلمون ) في ~~المستقبل عند ما تقفون أمام الله يوم القيامة ( @QUR@04 من يأتيه عذاب ~~يخزيه ) في الدنيا ( @QUR@04 ويحل عليه عذاب مقيم ) في الآخرة. # * * * PageV19P338 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) @QUR@026 الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ~~أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) @QUR@014 أم اتخذوا من دون ~~الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) @QUR@011 قل لله ~~الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) @QUR@018 وإذا ~~ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه ~~إذا هم يستبشرون ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اشمأزت ): انقبضت ونفرت. # * * * PageV19P339 # ( @QUR@04 قل لله الشفاعة جميعا ) # ( @QUR@05 إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس ) الذين يحتاجون إلى وحي الله ~~ليهتدوا به في تنظيم أمورهم ، ورعاية أوضاعهم ، لئلا يختلفوا في ذلك يمينا ~~وشمالا تبعا لاختلاف أهوائهم ومصالحهم الخاصة ، حيث ينفذ الباطل إلى ~~تفكيرهم وتشيع الفوضى والفساد في حياتهم ، فكان لا بد لهم من قاعدة ينطلقون ~~منها ويقفون عليها ( @QUR@01 بالحق ) الذي يضمن لهم التوازن في قضاياهم ، ~~والسعادة في مصيرهم ، فيختارون طريقهم في هذا الاتجاه أو ذاك من موقع الوعي ~~الذي يفتح عيونهم على جانب الحق المراد لهم أن يختاروه في مقابل الباطل ~~المراد لهم أن يرفضوه ، لتبقى حرية الاختيار لهم في ما يصلح أمورهم أو ~~يفسدها ، ليتحملوا مسئولية ذلك كله عند الحساب بالنجاة أو الهلاك. # ( @QUR@03 فمن اهتدى فلنفسه ) لأنه سيبلغ بالسير في طريق الهدى إلى ~~الغاية السعيدة في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@05 ومن ضل فإنما يضل عليها ) ~~فلن يسيء إلا إلى نفسه عند ما يورطها في السير في خط الضلال الذي يؤدي بها ~~إلى الغاية الشقية في الدنيا والآخرة. ( @QUR@04 وما أنت عليهم بوكيل ) فلا ~~سلطة ms4554 لك على عقولهم وقلوبهم ، لأنك لا تملك إلا الكلمات التي تقربهم إلى ~~الحق ، والأساليب التي تفتح عقولهم عليه ، ليفكروا بها ويتأملوا فيها ... ~~وهذا هو كل شيء في مسألة الدعوة في حركة الرسالة. # ( @QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ) بأن يبلغها الأجل الذي أجله لها ~~، فإن التوفي يعني أخذ الشيء كاملا أخذا تاما ، وقيل إن المراد بالنفس ~~الروح التي تنفصل عن البدن انفصالا تاما عند الموت ، فإن الله يتوفاها ~~فيبلغها أجلها في داخل البدن فتبتعد عنه ليتحول إلى شيء جامد لا حركة فيه ~~ولا حياة ... وربما كان المراد بالنفس الذات الكاملة التي يتوفاها الله ، ~~فينتهي بها إلى الوقت الذي وقته لها في حركة الحياة عند ما يحين موعد الموت ~~، فينتهي بذلك PageV19P340 # التزاوج بين الروح والبدن في هذا الموعد. # ( @QUR@05 والتي لم تمت في منامها ) فيتوفاها ، بنحو مؤقت في حالة النوم ~~، فتتجمد الحياة بطريقة يفقد معها الإنسان الشعور مع بقاء التنفس ، وبهذا ~~يكون النوم حالة وفاة كما هو الموت كذلك ، ( @QUR@05 فيمسك التي قضى عليها ~~الموت ) فينقلها من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ( @QUR@05 ويرسل الأخرى ~~إلى أجل مسمى ) لتأخذ بقية دورها في الحياة إلى أن يحين موعدها الأخير في ~~هذه الحياة الدنيا ، ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) يرصدون سنة ~~الله في الكون والإنسان فيتأملون فيها ليصلوا إلى النتائج الفكرية التي ~~تصلهم بالحق في العقيدة بالله ، وتوحي لهم بأن الله وحده هو الذي يملك أمر ~~الإنسان ، بما فيه حياته وموته. # ( @QUR@06 أم اتخذوا من دون الله شفعاء ) يتوسلون إليهم في قضاء حاجاتهم ~~وحل مشاكلهم ، ونجاتهم من الهلاك ... ( @QUR@06 قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ) لأنهم في موقع الحاجة إلى الله في كل شيء ، فلا يملكون إلا ما ملكهم ~~، ( @QUR@02 ولا يعقلون ) لأن تلك الأصنام لا تسمع ولا تعقل ، فكيف يمكن أن ~~تستمع إليهم في ما يتحدثون به إليها ، أو يبتهلون فيه في أجواء عبادتهم ~~لها. ( @QUR@04 قل لله الشفاعة جميعا ) فهو يملك الأمر كله في الكون وفي ~~الإنسان في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@04 له ملك السماوات والأرض ) يتصرف بها ~~كيف يشاء ms4555 ، وذلك هو مظهر قدرته التي لا يدانيها أحد ، ( @QUR@03 ثم إليه ~~ترجعون ) وتقفون أمامه لتقدموا حساب أعمالكم إليه ، وتواجهوا مصيركم من ~~خلال حكمه العادل ، مما يفرض عليكم أن تفكروا في مسألة الإيمان به ، ~~والارتباط به في خط الطاعة بطريقة أكثر جدية ، وأن تقبلوا عليه بعقولكم ~~ومشاعركم من موقع المحبة والإخلاص. # ولكن المشكلة عندهم هي أنهم في غفلة عن الآخرة ، من خلال الأضاليل التي ~~نفذت إلى عقولهم ، فأخلدوا إلى الأرض ، وارتبطوا بالمادة ، PageV19P341 # واستغرقوا في الحس ، فابتعدوا بذلك عن التفكير بالله في نطاق التفكير ~~بقضية المصير ، واندفعوا في حالة من التخلف إلى آلهة الأرض ، وأصنام الكفر ~~، فآمنوا بها وأحبوها ، والتزموا بها التزام الإيمان المنحرف ، والشعور ~~المتخلف ( @QUR@010 وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ) لأنهم لم يألفوا العظمة التي يمثلها اسمه ، والرحمة التي تفيض من ~~لطفه ، والتوحيد الذي يتمثل في وعي معنى ذاته. وهكذا كانت قلوبهم مشغولة ~~عنه بغيره ، حتى تحول ذلك إلى عقدة متأصلة في شخصياتهم ، فأصبح ذكره ~~بوحدانيته مثيرا للنفور والاشمئزاز وللمشاعر السلبية. # ( @QUR@08 وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) لأنهم عاشوا معهم في ~~إحساسهم الذاتي ، وفي عاداتهم وتقاليدهم المتصلة بهؤلاء ، مما ورثوه من ~~التاريخ المظلم في حياة الآباء والأجداد ، فأوجد ذلك نوعا من الألفة ~~والعاطفة والشعور الإيجابي تجاههم. وبذلك تتحول الحالة الفكرية المضادة أو ~~الملائمة ، إلى حالة شعورية سلبية أو إيجابية ، في ما يأخذ به الناس أو ~~يدعونه من خلال التصور أو الممارسة. # * * * PageV19P342 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم ~~بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) @QUR@025 ولو أن للذين ظلموا ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من ~~الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) @QUR@011 وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزؤن (48) @QUR@022 فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه ~~نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) ~~@QUR@011 قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ms4556 ما كانوا يكسبون (50) ~~@QUR@015 فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا وما هم بمعجزين (51) @QUR@015 أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وحاق بهم ): نزل بهم. PageV19P343 # ( @QUR@01 فتنة ): بلية. # * * * ### ||| ** الله يحكم بين العباد # ( @QUR@05 قل اللهم فاطر السماوات والأرض ) قل يا محمد في هذا الجو ~~الموبوء بالجهل والتخلف ، المملوء بالغفلة والنسيان ، الذي يعيش أفراده في ~~وحول الشرك والعصيان ، ويستغرقون في شهواتهم ، فلا يرتفعون إلى الآفاق ~~الرحبة التي تفتح العقول على الله ، وتطهر القلوب في روحية عبادته ... ، قل ~~كلمتك الخاشعة المبتهلة المنفصلة عن كل هذه الكلمات ، البعيدة عن كل ~~إيحاءاتها المتمردة ، ومداليلها المتخلفة ، وانطلق في مناجاتك بالكلمات ~~المؤمنة التي توحي بعظمة الله ، وتتحدث عن الحقيقة المتمثلة في سيطرة الله ~~على الكون كله ، وفي حكمه على الخلق كلهم ، وتنادي الله بصفاته التي تملأ ~~الروح الإنسانية بالمعاني التي تفتح آفاقها على العلاقة العميقة التي تشده ~~إليه ، وهي علاقة أقوى صلابة وثباتا وامتدادا ، وذلك في موقع خلقه للسماوات ~~والأرض ، وإبداعه لكل شيء فيهما ، وتدبيره للنظام الذي يتحرك في رحابهما ، ~~ليستمعوا إلى هذه الصفة ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) ويعيشوا معها ~~إحساسهم بأن وجودهم مستمد منه ، وأن كل مفردات هذا الوجود التي تكفل لهم ~~استمرار الحياة مخلوقة له خاضعة لإرادته ، ليفكروا به من خلال وجودهم في ~~العمق ، ويستغرقوا في محبته من خلال استغراقهم الواعي في الإحساس بوجودهم ~~المرتبط بوجود الكون كله في قدرته. # ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) أنت يا ربنا الذي تحيط بكل شيء من دون ~~أن يغيب عنك شيء ، فأنت في الغيب ، كما أنت في الشهادة ، محيط بالأمر كله ~~في عمقه وامتداده ، وفي كل السر المخفي فيه ، لأن الأشياء كلها حاضرة PageV19P344 # عندك ، لأنك أنت الخالق لها ، العالم بكل خفاياها التي قد تخفى عن بقية ~~المخلوقات ، ولكنها لا تخفى عنك ... وهذا ما يجعلنا يا رب نحس بأننا ~~مكشوفون أمامك بما نخفي أو نعلن من أقوالنا وأعمالنا وعلاقاتنا العامة ~~والخاصة ، مما يثير فينا الشعور بأننا سنقف بين يديك ms4557 لتكون الحكم في كل ~~القضايا التي تختلف فيها في قضايا العقيدة والحياة ، فإذا كنا لا نصل إلى ~~نتيجة حاسمة مرضية في ذلك في ما تثيره من حديث الحوار في هذه الخلافات ، ~~لأن هناك من يتمرد على الحق ، ويتنكر له من دون أساس ، على خط العناد ~~المستكبر ... ولكن من هو الذي يستطيع أن يعاند حكمك في يوم القيامة؟ فهذه ~~هي الحقيقة التي لا بد للإنسان من أن يعيش في أجوائها الروحية في كل ~~أفكاره. # ( @QUR@09 أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ) فيعرفون في مثل ~~إشراقة النور أين يقف الحق في قناعاتهم وفي مواقفهم التي كانوا يقتنعون بها ~~أو يمارسونها في الحياة الدنيا ، فينتهي كل الخلاف وتذوب كل الكلمات ~~المعاندة أمام الحكم الحق الصادر من الله. ويقف المعاندون ليواجهوا ~~استحقاقات المصير في عذاب الله وليحاولوا أن يجدوا أية فرصة للنجاة منه ، ~~في هذا الموقف الصعب الذي تضيق فيه كل الفرص ، ( @QUR@04 ولو أن للذين ~~ظلموا ) أنفسهم بالكفر والشرك ، وتمردوا على الله بعصيانهم لأوامره ونواهيه ~~، ( @QUR@06 ما في الأرض جميعا ومثله معه ) مما يفدي الناس به أنفسهم ، ~~بسبب ما قاموا به من عدوان على بعضهم البعض ، معرضين أنفسهم بذلك للحكم ~~بالهلاك ، وقد حاولوا في الدنيا أن يلجأوا إلى المال ليكون عوضا عن أنفسهم ~~، نتيجة الحق الذي أضاعوه ... وهكذا قد يفكر هؤلاء ، فيخيل إليهم أن الدنيا ~~تشبه الآخرة في ذلك ، وأن الموقف مع الله هو كالموقف مع الناس ، فيتمنون أن ~~يكون لهم ما في الأرض جميعا باعتبار أن حجم المبلغ الذي يقدم إلى الله لا ~~بد من أن يكون كبيرا ، فلو كان لديهم ذلك ، ( @QUR@07 لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة ) ولكن PageV19P345 # ما قيمة ذلك أمام الله ، وما أسخف هذا التفكير ، ولكنها الحالة النفسية ~~الخائفة القلقة التي يحاصرها هذا الواقع فتلجأ إلى أي شيء حتى الوهم ، ~~لتفتدي به من العذاب ، بعيدا عما إذا كان ذلك ممكنا أو غير ممكن ، معقولا ~~أو غير معقول. # ( @QUR@04 وبدا لهم من الله ) من العذاب ( @QUR@04 ما لم يكونوا يحتسبون ~~) لأنهم ms4558 كانوا في غفلة عن قدرة الله ، وعن حجم عقابه ، مما جعلهم لا ~~يستعدون لهذا الموقف ، ( @QUR@05 وبدا لهم سيئات ما كسبوا ) بفعل ما ظهر ~~لهم من النتائج الصعبة القاسية التي تأكل كل ما حصلوا عليه من لذات وشهوات ~~وامتيازات كانوا يعيشونها في الدنيا ، ( @QUR@02 وحاق بهم ) من العذاب ~~الشديد في نار جهنم ، ( @QUR@04 ما كانوا به يستهزؤن ) عند ما كان الأنبياء ~~يحذرونهم لقاء يومهم هذا ، وما فيه من عقاب. # ولعل مشكلة الإنسان أنه لا يفكر في قضاياه إلا من خلال اللحظة التي يعيش ~~في داخلها ، فلا يتعاطى معها انطلاقا من المعطيات الحقيقية التي تنفذ إلى ~~داخلها في العمق العميق من الحياة ، وهذا ما صوره الله في القرآن في أكثر ~~من آية ، كما صوره في هذه الآية. ( @QUR@015 فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم ~~إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم ) وهذه هي الحالة الطبيعية ~~التي يعيشها الإنسان في حياته ، في حجم الظاهرة المتكررة مع الكثيرين من ~~أفراده ، فقد يلاحظ المتتبع للسلوك الإنساني أنه قد يختلف في علاقته بالله ~~ونظرته إليه وإلى نفسه ، بين حالة وحالة ، فإذا عرض له المرض أو الفقر أو ~~الخوف ، أو غير ذلك من الأوضاع التي تمثل جانبا من جوانب النقص المادي ~~والمعنوي في حياته الخاصة ، أو غرق في أزماته النفسية من الداخل والخارج ، ~~فإنه يلجأ إلى الله ، ليعيش مع الوجدان الإيماني الذي يبحث فيه الإنسان عن ~~ربه ليبتهل إليه ويخضع له ، ويتوسل إليه في إنقاذه من الواقع السيئ القلق ~~المهتز الذي يعيش فيه. وتبقى العلاقة بالله مرتبطة بالحاجة إليه ، في ~~الجانب الحسي المباشر في حركة الشعور. ويبقى الشعور بالعبودية المنسحقة ~~أمام الربوبية المطلقة محدودا في هذه الدائرة ، فإذا تبدل الوضع إلى وضع ~~أفضل وجاءت النعم PageV19P346 # الإلهية لتغمر كل حياته ، وابتعدت الأزمات عن الداخل النفسي ، وعن الواقع ~~الخارجي ، واستراح للغنى بعد الفقر ، وللصحة بعد المرض ، وللأمن بعد الخوف ~~، وللعلو بعد الانحطاط ، نسي ربه وفضله عليه ، وحركة نعمته في وجوده وفي ~~امتداد حياته ، واستغرق في ذاته ، في العنصر المباشر من ms4559 حركتها ، وفي ~~الطاقات البارزة في حركته ، فأصبح يتحدث عن هذه النعم الكثيرة التي تملأ كل ~~وجوده ، من خلال الميزة الشخصية التي يملكها ، فيعيد الفضل إلى ما يملكه من ~~علم وخبرة وقوة وحسن إدارة وذكاء وشطارة ونحو ذلك ، فلا دخل لله بنظره في ~~ذلك ، ولا حاجة به إليه ، بل هو التفوق الذاتي في كل شيء. # ولكنها الغفلة عن الحقيقة الكامنة في عمق الأشياء ، فإنه لا يملك شيئا ~~إلا ما أعطاه الله إياه بشكل مباشر أو غير مباشر ، ولم تكن هذه العطايا ~~امتيازا من الله له ، ( @QUR@03 بل هي فتنة ) في ما يفتن الله به عباده ، ~~ويمتحنهم ويختبر إيمانهم ، وهو العالم به ، ليظهر جوهره في أنفسهم وأمام ~~الناس. إن ما يجدونه من السعة والجاه والقوة يخيل لهم أنهم يملكونه بأنفسهم ~~ولا يحتاجون إلى الله إلا من عصمه الله منهم ، فكان واعيا للمسألة في عمقها ~~الواقعي ، وفي معناها الإلهي ، مما يجعل من الإنسان عارفا بحاجته إلى الله ~~في كل شيء ، وأنه لا يقدر على أي أمر إلا ما أقدره الله عليه في كل قضاياه ~~وقدراته الخاصة والعامة ، ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) لأنهم يرتبطون ~~بالجانب الحسي المباشر بالأمور ، ولا يلتفتون إلى ما تحت السطح ، أو في ~~آفاق الغيب ، ليعرفوا أن الله وراء ذلك كله. # ( @QUR@05 قد قالها الذين من قبلهم ) الذين رزقهم الله من مال وجاه وقوة ~~، فقالوا إنهم حصلوا عليها من خلال أنفسهم في طاقاتها الذاتية ، ( @QUR@06 ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) من هذه الأشياء التي اكتسبوها بقوتهم كما ~~يرون ولم تفدهم كل هذه القوة ، لأنها لا تمثل أية قيمة مستقلة قادرة أمام ~~الله ، فهي من بعض نعمه ، كما أنهم من بعض مخلوقاته. PageV19P347 # ( @QUR@04 فأصابهم سيئات ما كسبوا ) من أعمال خبيثة وأقوال سيئة وعلاقات ~~منحرفة ونحو ذلك. ( @QUR@04 والذين ظلموا من هؤلاء ) الذين واجهوك بالعناد ~~والشرك والضلال ، لن يكون مصيرهم مختلفا عن مصير من سبقهم من أولئك. ( ~~@QUR@04 سيصيبهم سيئات ما كسبوا ) وسيدخلهم الله في دار عذابه ليذوقوا جزاء ~~أعمالهم السيئة. ( @QUR@03 وما هم بمعجزين ) لله في ما يريد ms4560 أن يؤاخذهم به ~~من العذاب الشديد. # ( @QUR@09 أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) فهو الذي ~~يسهل من أسباب الرزق التي قد تضيق ، وقد تتسع ، لأن حركة الإنسان في الرزق ~~ليست مربوطة بذاتيته المستقلة ، بل هي مربوطة بالتقدير الإلهي الذي جعل لكل ~~شيء قدرا في نطاق علاقة الناس بالواقع المادي في الحياة ، ومن خلال علاقتهم ~~بالأشياء المحيطة بهم ، أو الأشخاص الذين يتحركون معهم. وهذا ما يجب أن ~~يفهموه ليعرفوا أن الله هو الذي يفعل ذلك كله ، لأنه السبب الأعمق للوجود ~~في طبيعته وامتداده ومفرداته. ولو كانت المسألة تابعة للإنسان ، لكانت ~~النتائج كلها في مصلحته ، ولكنها يصطدم بالكثير من القضايا التي تمنعه من ~~الوصول إلى ما يريد مما لا يستطيع مقاومته ، ولا السيطرة عليه. # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) لأن الإيمان هو الذي يفسر كثيرا ~~من حقائق الحياة تفسيرا معقولا ، وهو الذي يستلهم من الواقع ، ما يستطيع ~~عبره أن يقوي إيمانه ، وذلك بفعل ما يغذي به روحه من المفردات الحية التي ~~تدعمه بكل قوة. # * * * PageV19P348 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) @QUR@013 وأنيبوا إلى ~~ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) @QUR@016 ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون (55) @QUR@015 أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن ~~كنت لمن الساخرين (56) @QUR@09 أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ~~(57) @QUR@012 أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) ~~@QUR@010 بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ~~@QUR@014 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم ~~مثوى للمتكبرين (60) @QUR@011 وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم ~~السوء ولا هم يحزنون ) (61) # * * * PageV19P349 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تقنطوا ): القنوط : اليأس. # ( @QUR@01 مثوى ): المقام. # ( @QUR@01 بمفازتهم ): المفازة : النجاة. # * * * # ( @QUR@05 إن الله يغفر الذنوب جميعا ) # وهذا نداء من الله الرحمن الرحيم ، لعباده الخاطئين ms4561 الذين توغلوا في ~~الخطيئة ، لئلا يستسلموا لليأس ، وأن لا يبتعدوا كثيرا عنه ، وأن يفكروا في ~~مواقفهم على أساس تصحيح الانحراف بالطريقة التي يرجعون بها إلى الله في خط ~~عملي يلتقون فيه بخط الاستقامة في رحمة الله ومغفرته ... وهو النداء الحميم ~~الذي ينفذ إلى أرواحهم ومشاعرهم ليهزها بالأمل الكبير ليستيقظ فيها الإحساس ~~من جديد بالله في التفاتة روحية حميمة وفي عودة إلى طاعته في مواقع رضاه ، ~~وهذا ما يشعرهم بأن الله يلاحق خطاياهم بالرحمة والمغفرة عند ما يعودون ~~إليه ، كما يلاحقها بالعقوبة والشدة عند ما يصرون على التمرد عليه ... ثم ~~يضع لهم الشروط العملية للإخلاص بالتوبة ، لئلا تكون مجرد حالة شعورية ~~كلامية ، بل تكون نهجا فكريا وعمليا في حركة الشخصية الإنسانية التي تريد ~~اللقاء بالله بقوة وإخلاص ، في آفاق التغيير من الجذور. # ( @QUR@02 * قل ) يا محمد ، لهؤلاء الخاطئين الذين عاشوا في أوحال ~~الخطيئة PageV19P350 # حتى كادوا أن يغرقوا فيها ، وابتعدوا عن الخط المستقيم حتى أوشكوا أن ~~يستسلموا للضياع في متاهات الكفر والضلال ... ، قل لهم كلمة الرحمة ~~والمغفرة والحنان التي تحتوي كل مشاعرهم وتطلعاتهم في الحياة : ( @QUR@06 ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) وتجاوزوا الحدود ، واستسلموا لليأس ( ~~@QUR@05 لا تقنطوا من رحمة الله ) في الحياة ، لتعيشوا في إيحاء يائس بأن ~~الوقت قد فات ، فلا مجال للعودة إلى الله ، لأن المسألة قد بلغت في التمرد ~~والخطيئة مبلغا لا يستطيع الإنسان فيه أن يواجه الله بالتوبة ، لكن الذنب ~~مع الله يختلف عن الذنب مع الناس ، فقد يتعقد الناس من الذنوب التي يفعلها ~~بعضهم ضد بعض ، فيحملون في داخل نفوسهم الحقد والأذى إلى المستوى الكبير ~~الذي لا يسمح بقبول التوبة من المذنب ، أو العفو عنه ، لأن الحالة النفسية ~~المعقدة قد بلغت من التعاظم حدا كبيرا من التعقيد أحاط بالشخصية كلها ... ~~أما الذنب أمام الله ، فلا يترك أي تأثير في ذاته المقدسة في مواقع التعقيد ~~، لأنه أعظم من ذلك ، فهو الله الذي لا تقترب الانفعالات من عظمته ، ولا ~~يعرف الحقد مكانا في مواقع قدسه ، بل كل ما هناك ، أنه يغضب ms4562 على المذنبين ~~بالمعنى العملي للحالة الغضبية الذي يبقى ويزول تبعا للحكمة التي يراها في ~~ذلك ، ولهذا فإن هناك واقعية أكيدة لمسألة التجاوز عن العقوبة في حركة ~~المغفرة للذنب ، والرحمة للشخص على أساس ما يعرفه الله من المعاني الطيبة ~~الكامنة في نفسه ، أو على أساس ملاحظة الظروف الضاغطة في طبيعة النوازع ~~الذاتية أو في عمق الحركة المنطلقة من لهب الغريزة الحارة ، أو على أساس ~~إفساح المجال للإنسان ليعيد النظر في التمرد على سلبيات تاريخه من أجل ~~بداية جديدة لحركة إيمانية جديدة. وهكذا تنطلق القضية من مواقع المغفرة ~~الواسعة والرحمة الشاملة في ما يتسع منهما للإنسان كله ، تبعا لما يعلمه ~~الله من الحكمة في ذلك ، على مستوى قضية الشخص أو قضية الحياة. # ( @QUR@05 إن الله يغفر الذنوب جميعا ) للتائبين من ذنوبهم ، فإن الظاهر ~~أن الآية PageV19P351 # تتحدث عن سعة المغفرة على أساس الدعوة إلى التوبة التي يعود فيها الناس ~~إلى ربهم ، وبذلك يكون جو الآية قرينة على هذا التقييد ، فلا ينافي مضمونها ~~الشامل للذنوب جميعا ما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ) [النساء : 48] فإن الظاهر أن المراد في تلك الآية ، نفي المغفرة ~~من دون توبة ، لأن المعروف أن التوبة تشمل الذنوب جميعا حتى الشرك ، ( ~~@QUR@04 إنه هو الغفور الرحيم ) الذي سبقت رحمته غضبه ، مما يفسح المجال ~~لعباده أن يتطلعوا إليها في الرغبة بالغفران لذنوبهم ، بحيث لا يشعرون ~~باليأس من خطورة ذنوبهم التي وصلوا بها إلى الحد الذي تجاوزوا فيه كل ~~الحدود. # ( @QUR@03 وأنيبوا إلى ربكم ) وارجعوا إليه بالابتعاد عن الآلهة ~~المزعومين الذين ارتبطتم بهم من دون الله ، سواء بالعبادة الخاضعة لهم في ~~عمق النفس المنسحقة أمامهم ، أو بالالتزام والطاعة لكل أوامرهم أو نواهيهم ~~، أو لكل ما تفرضه الخطوط العامة التي تتمثل في المضمون الوثني للعقيدة ، ( ~~@QUR@02 وأسلموا له ) في الشعور المنفتح على آفاق عظمته ، بالتسليم المطلق ~~الذي لا يجد معه الإنسان أي موقع لإرادته أمام إرادة الله ، فلا يريد ~~الإنسان شيئا إلا حيث يريد الله ، ولا يريد ما لا يريده ... كخط في ms4563 ~~الالتزام والحركة ، فذلك هو الطريق إلى الخلاص الذي لا بد للإنسان من أن ~~يبادر بالسير عليه ، ( @QUR@05 من قبل أن يأتيكم العذاب ) الذي هو النتيجة ~~الطبيعية للإصرار على الذنوب التي سيواجه الإنسان نتيجتها بعد الموت ، ( ~~@QUR@03 ثم لا تنصرون ) لأن الله هو الذي يعاقب هؤلاء ، فليس هناك أحد ~~ينصرهم أمام الله. # * * * PageV19P352 # ( @QUR@07 اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) # ( @QUR@07 واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) وهو القرآن الذي يشتمل ~~على الشريعة المميزة التي جمعت خلاصة الشرائع ، والعناصر التي تمثل الخط ~~الأحسن الذي تحركت فيه الرسالة ، مما يضمن للإنسان سعادة الدنيا والآخرة ، ~~وصلاح حياته وأمره. وهذا الذي يريده الله من التائبين من عباده ، بأن تتحول ~~توبتهم إلى واقع حي إيجابي متحرك في تصحيح مسيرة الإنسان نحو الله ~~بالالتزام بالمفردات الشرعية في كل قضاياه ، فلا يكتفوا بالجانب النفسي ~~الذي يمثل الالتزام الروحي بالرفض للماضي الأسود والندم عليه ، لأن البرهان ~~العملي على صدق التوبة ، يتمثل بالتقاء الجانب الشعوري بالجانب العملي ( ~~@QUR@09 من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) عند ما يأتيكم ~~الموت فجأة لتواجهوا من خلاله العذاب الذي تستحقونه إذا لم تلتزموا باتباع ~~القرآن في مفاهيمه وتعاليمه ومناهجه في حركة الإنسان والحياة. # وربما كان وصف القرآن بكونه ( @QUR@06 أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) ~~بالمقارنة مع الكتب المنزلة الأخرى السابقة عليه ، باعتبار أنه جامع ~~لخلاصات الأفكار العامة فيها مع زيادة اقتضتها الحكمة ، والله العالم. # ( @QUR@011 أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) أي لئلا تقول ~~نفس لم تلتزم بالخط الإيماني المرتبط بالله ، كلمات الحسرة على التفريط ~~والتقصير في جانب الله ، في ما يفرضه أمره ونهيه من السلوك المستقيم الذي ~~يؤدي إلى الله ، لا سيما إذا واجهت الموقف الصعب الذي يجعلها تتذكر الماضي ~~الأسود الساخر من الإيمان والمؤمنين ، والسخرية فرضتها حالة الكبرياء التي ~~تختزن الكفر في داخلها ، وتحمل الظلام في عيونها ... فتتساءل كيف فعلت ما ~~فعلت ( @QUR@04 وإن كنت لمن الساخرين ) الذين يواجهون الرسالة بمنطق ~~السخرية ، لا بمنطق العقل المفكر الذي يبحث عن الحقيقة ms4564 في نداء الرسالة. PageV19P353 # ( @QUR@09 أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ) في عقلية متخلفة ~~منغلقة تضع في حسابها أن الهداية عملية يثيرها الله في عمق الشخصية ~~بالطريقة التكوينية التي تخلق الهداية في الكيان ، كما تخلق السمع والبصر ~~ونحوهما في الجسد ، فكأن المسألة عندهم مسألة المشيئة الإلهية التي لم تشأ ~~لهم الهداية ، لا مسألة الاختيار الذاتي السيئ الذي مارسوه من خلال ~~انفعالاتهم الخاصة ، فمنعهم من التحرك في خط التقوى في الفكر والعمل. # ( @QUR@012 أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) في ~~عودة إلى أجواء التمنيات غير الواقعية ، عند ما يواجهون الاستحقاق المصيري ~~المتعلق بدخولهم في النار # انطلاقا من أعمالهم السيئة ، أو عقائدهم الفاسدة ، فيتحدثون عن إمكانية ~~الرجوع إلى الدنيا ، ليحسنوا الفكر والنهج والعمل ، حتى يتفادوا هذا المصير ~~الشقي الأسود. ولكن الله يرد عليهم في مسألة الهداية التي يعتبرونها أمرا ~~إلهيا لم تتعلق مشيئة الله بحصولهم عليه ، ليعرفهم أنها ليست حالة قهرية ~~تكوينية ، بل هي حالة اختيارية خاضعة للإمكانات والمعطيات التي يقدمها الله ~~للإنسان ليهتدي بها من موقع الحس الذي يهيئ المفردات ، والفكر الذي يحركها ~~في اتجاه النتائج الفكرية التي تقود إلى الإيمان العميق بالله ، والوحي ~~الذي يوجه الحس والفكر نحو المنهج الصحيح. # ( @QUR@04 بلى قد جاءتك آياتي ) التي تحدد لك علامات الهدى المنفتح على ~~الله من أوسع الأبواب وأرحب الآفاق ، ( @QUR@02 فكذبت بها ) من دون حجة ولا ~~برهان ، ( @QUR@01 واستكبرت ) فمنعتك الكبرياء الذاتية المعقدة عن الخضوع ~~للحق النازل من الله ، بالوحي الذي يحمله الرسل ليهتدي به الناس ، لأنك ~~رأيت نفسك فوق مستوى استلهام الهدى من غير ذاتك ، ( @QUR@03 وكنت من ~~الكافرين ) لما يحققه الكفر لك من مواقع الاستعلاء ، وطبقية الامتيازات ، ~~وشهوانية اللذات. # ( @QUR@07 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ) فنسبوا إليه الشريك ~~والولد ونحو PageV19P354 # ذلك مما ابتدعوه من بدع وأضاليل في الدين ( @QUR@02 وجوههم مسودة ) من ~~خلال سواد أعمالهم التي تنعكس على مواقعهم في الآخرة ذلا وسقوطا وانحطاطا ، ~~( @QUR@05 أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) الذين تحولت الكبرياء لديهم إلى ~~عقدة مستعصية تأكل ms4565 الإيمان كله ، والخير بأجمعه في داخل نفوسهم وخارجها ، ~~وبهذا تتحول إلى مشكلة في مستقبل المصير لديهم ، بدلا من أن تكون حلا لهم ~~في ما يخيل إليهم من معنى العلو والعزة ، وما إلى ذلك من المعاني التي ترفع ~~مستواهم أمام الناس ، فإذا بهم يحترقون في نار جهنم ، وتحترق كل امتيازاتهم ~~الطبقية هناك. # ( @QUR@05 وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) فهم فازوا بالنعيم الخالد ~~والرضوان العظيم ، ( @QUR@03 لا يمسهم السوء ) من أي موقع من مواقع السوء ، ~~( @QUR@03 ولا هم يحزنون ) لأنهم لا يعيشون الحرمان مما تشتهيه النفس ~~وتستلذه الروح ، ليكون ذلك أساسا للحزن ، بل يعيشون بدلا من ذلك الامتلاء ~~الروحي بالفرح الكبير الذي يتحرك من خلال ما يتوفر لهم من كل ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ به الأعين ، وما تتطلبه الروح من المتع الروحية في دار النعيم. # * * * PageV19P355 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) @QUR@011 له مقاليد ~~السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) @QUR@07 ~~قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) @QUR@014 ولقد أوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) ~~@QUR@06 بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) @QUR@017 وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه ~~وتعالى عما يشركون ) (67) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مقاليد ): مفاتيح. # ( @QUR@01 بيمينه ): بقدرته. # * * * PageV19P356 # ( @QUR@05 ما قدروا الله حق قدره ) # إنه التوحيد الذي يركز القرآن عليه كل اهتماماته في إثارة الفكر الإنساني ~~نحوه بمختلف الأساليب الروحية والفكرية ، ويجعل المصير مرتبطا بالانسجام ~~معه والابتعاد عنه ، إيجابا وسلبا. # ( @QUR@04 الله خالق كل شيء ) فهو الذي ينتهي إليه وجود الأشياء كلها ( ~~@QUR@05 وهو على كل شيء وكيل ) لأن ذلك معنى ملكيته لما خلق ، مما يجعله ~~وحده المهيمن على تدبير كل شؤونه ورعايتها في ما تحتاج في خصائصها وحركتها ~~الداخلية والخارجية. # ( @QUR@04 له مقاليد السماوات والأرض ) والمقاليد كما قيل مفاتيحها ، وهي ~~كناية عن كل خزائنها التي تشتمل على غيب الكون كله بما يتصل بالنظام الكوني ~~في ظواهره وخفاياه ، وفي امتداد وجوداته ، فهو المهيمن على ذلك كله ، وهو ~~الذي يعطي من يشاء ms4566 منه ما يكفل له الربح والفوز في الدنيا والآخرة ، وهم ~~المؤمنون الذين ارتبطوا به في مواقع العقيدة والطاعة والعبادة. ( @QUR@07 ~~والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) لأنهم الذين انقطعوا عن الله ~~، فلم يرتبطوا به بأية رابطة من قريب أو من بعيد ، ولم يقتربوا من مواقع ~~رحمته ومغفرته ، بل ابتعدوا عنها بكفرهم وتمردهم ، فخسروا الدنيا والآخرة. # ( @QUR@05 قل أفغير الله تأمروني أعبد ) في ما تدعونني إليه من عبادة ~~الأصنام والأشخاص الذين لا يملكون من الحياة ومن إدارة شؤونها شيئا ، بل لا ~~يملكون أنفسهم ولا يستطيعون لها نفعا ولا ضرا ... فكيف تتحركون معي في هذا ~~الاتجاه ، وما هو الأساس في ذلك ( @QUR@02 أيها الجاهلون ) بحقائق الكون ~~والعقيدة الذين تبتعدون عن عمق التوحيد في طهارة الفكر في حركته ، لتغرقوا ~~في وحول الشرك وأوساخه؟؟! # ( @QUR@07 ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ) من الأنبياء الذين كانت ~~دعوتهم كما PageV19P357 # كانت دعوتك إلى الناس أن يعبدوا الله وحده وأن يتقوه في كل أفعالهم ~~وأقوالهم ، ليكون التوحيد هو المنطلق وهو الهدف الكبير لحياتهم ، ( @QUR@04 ~~لئن أشركت ليحبطن عملك ) لأن القاعدة إذا اهتزت أو سقطت فلن يبقى هناك شيء ~~من الأعمال المرتكزة عليها ، إذ لا قيمة لأي عمل لم يرتبط بالله الواحد ، ~~فبالتوحيد ترتبط الأعمال بالله ، ( @QUR@03 ولتكونن من الخاسرين ) الذين لا ~~يحصلون من جهدهم على شيء ، بعد فقدانهم لروحه ومعناه ( @QUR@03 بل الله ~~فاعبد ) ولا تعبد معه أحدا غيره ( @QUR@03 وكن من الشاكرين ) الذين يشكرونه ~~بالقول والعمل في خط الطاعة. # * * * ### ||| ** كيف نفهم خطاب الله للأنبياء عن إحباط أعمالهم؟ # وقد يثأر هنا سؤال : كيف يمكن أن يوجه الخطاب للنبي ولغيره من الأنبياء ~~بهذه الطريقة ، في الوقت الذي لا يتصور فيه أحد ، أن يصدر منهم أي نوع من ~~أنواع الشرك ، لأن صفاء نفوسهم ، وعمق إخلاصهم ، وصدق يقينهم ، يمنع أية ~~حالة من حالات الاهتزاز في عقيدتهم ، فكيف يمكن أن يطوف في خيالهم الشرك ~~كفكرة للعقيدة؟ # والجواب عن ذلك : إن الأسلوب القرآني يؤكد على قيمة العقيدة من حيث ~~علاقتها بالمصير الإنساني عند الله بمختلف الأساليب ، ولعل الحديث مع ms4567 ~~الأنبياء عن إحباط أعمالهم في حالة التزامهم بالشرك ، يمثل أسلوبا متقدما ~~في هذا الاتجاه ، على أساس أن القضية التوحيدية ، لا تخضع للتمييز بين شخص ~~وآخر ، بما فيهم الأنبياء. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن النبي خاضع ~~للأوامر والنواهي الصادرة من الله ، في تكليفه العقيدي والشرعي ، إذ لا فرق ~~بينه وبين الآخرين من موقع بشريته التي تفرض عليه الالتزام بالمبادئ ~~العقيدية والشرعية العامة والخاصة ، تماما كما يدعو الناس إليها ، وإذا كان النبي PageV19P358 # معصوما ، فإن العصمة لا تمنع من توجيه الخطاب إليه ، لأنها تعني امتناع ~~صدور المعصية منه ، وهذا مما لا يتنافى مع التكليف ، ما دامت العصمة لا ~~تتنافى مع الاختيار ، كما ذكره الباحثون في حديث العصمة. # ( @QUR@05 وما قدروا الله حق قدره ) في ما تصوروه في آفاق ذاته المقدسة ~~من إمكانية وجود شريك ، أو ولد له ، في التأثير على إرادته من خلال بعض ~~المقربين منه ، مما يجعله محدود القدرة ، وذلك بسبب ما يعيشونه من التخلف ~~في التصور الذي يربط القضايا الغيبية في العقيدة ، بالقضايا الحسية في ~~الحياة ، من دون أن يتعمقوا في مواضع قدرة الله وآفاق عظمته. # ( @QUR@02 والأرض جميعا ) بكل سهولها وجبالها وبحارها وأنهارها وسطوحها ~~وأعماقها ، وكل ما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد ( @QUR@03 قبضته يوم ~~القيامة ) أي داخلة في قبضته ، تماما كما يسيطر الشخص بقبضة يده على ما في ~~داخلها ، وذلك على سبيل الكناية في التعبير عن السيطرة التامة الشاملة ، ( ~~@QUR@03 والسماوات مطويات بيمينه ) يحركها كيف يشاء ويدبرها كما يريد ، ~~وذلك على نحو الكناية عن قدرته على التصرف بها تماما كالقدرة على ما يكون ~~مطويا باليمين ، ( @QUR@04 سبحانه وتعالى عما يشركون ) مما ينسبونه إليه من ~~أصنام وأشخاص وظواهر كونية ، تتمتع بقدرة وتدبير ومشاركة في إدارة شؤون ~~العالم. # * * * PageV19P359 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) @QUR@015 وأشرقت الأرض بنور ~~ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ~~(69) @QUR@09 ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم ms4568 بما يفعلون (70) @QUR@034 وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) @QUR@09 قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) @QUR@020 وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين (73) @QUR@016 وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) @QUR@017 وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد ~~لله رب العالمين ) (75) # * * * PageV19P360 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصور ): القرن ينفخ فيه. # ( @QUR@02 ووضع الكتاب ): كتاب أعمال العباد. # ( @QUR@01 وسيق ): السوق الحث على السير. # ( @QUR@01 حافين ): محدقين به دائرين حوله. # * * * ### ||| ** ووضع الكتاب .. وقضي بينهم بالحق # هذا هو الفصل الأخير من السورة ، الذي ينقل إلينا مشهد الانتقال المفاجئ ~~الهائل إلى موعد القيامة ، حيث يندفع الكافرون والمتقون إلى مصيرهم المحتوم ~~الأخير في الدار الآخرة. # ( @QUR@03 ونفخ في الصور ) في ما توحي به الكلمة من الصوت القوي الهائل ~~الذي ينطلق من البوق مما قد يكون كناية عن الوسيلة التي تطلق الصوت الضخم ~~الذي يهز الواقع بشكل قوي مثير ، ( @QUR@011 فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ) من الخلق الذين لم يرد الله لهم أن يموتوا ، وقد ~~اختلف المفسرون في بيان مصداق هؤلاء مما لم يرجع إلى دليل قطعي. وهكذا تهدأ ~~الحياة في الكون وتموت كل مظاهرها المتحركة لتستعد إلى نقلة نوعية أخرى ، ~~تتميز بالاندفاع القوي نحو عالم آخر ، مختلف عن العالم السابق الذي كان ، ~~لأنه عالم المواجهة أمام نتائج المسؤولية في عالم الآخرة. # ( @QUR@04 ثم نفخ فيه أخرى ) في صرخة تهز الأموات في قبورهم فتبعث فيهم PageV19P361 # الحياة من جديد ، ( @QUR@04 فإذا هم قيام ينظرون ) في موقف الترقب ~~والانتظار المشدود إلى الواقع الجديد المجهول الذي يتطلعون إلى مشاهده التي ~~تبدو ملامحها تدريجيا ، ( @QUR@04 وأشرقت الأرض بنور ربها ) وانفتحت كل ~~الساحات أمام الناظرين ، فلا شيء يحجب شيئا ms4569 منها عن شيء ، ولا مجال للحواجز ~~المنتصبة في الآفاق مما يمنع عن الرؤية ، وقد يكون المقصود من النور هنا ، ~~المعنى الحسي الذي يوحي بالإضاءة الطبيعية ، بما يخلقه الله من الوسائل ~~التي تحقق ذلك ، أو بالتجلي الإلهي للأرض كما يتجلى لفصل القضاء. وقد يكون ~~المقصود منه العدل الذي تضيء به الحياة أو الحق والبرهان ، بما يقيمه الله ~~فيها من الحق والعدل ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات ، أو ~~انكشاف الغطاء وظهور الأشياء بحقائقها وبروز الأعمال من خير أو شر أو طاعة ~~ومعصية ، أو حق أو باطل للناظرين. ولما كان إشراق الشيء هو ظهوره بالنور ، ~~فلا ريب أن مظهره يومئذ هو الله سبحانه ، إذ الأسباب ساقطة دونه ، فالأشياء ~~مشرقة بنور مكتسب منه. # وربما لا يكون الأمر بحاجة إلى كل هذه التوجيهات ، لأن المسألة المطروحة ~~هي أن الله سبحانه هو الذي يطل بنوره الذي تشرق به الأرض ، لتكون الكلمة ~~كلمته التي يشعر الجميع هناك في أرض المحشر بأن الله هو وحده الذي يملك ~~الأمر كله ، ويشرق نوره على الساحة كلها ، ( @QUR@02 ووضع الكتاب ) الذي ~~يشتمل على أعمال الخلق ، سواء كتاب الفرد أو كتاب الأمة ، ليكون هو الأساس ~~في النتائج ، ( @QUR@03 وجيء بالنبيين والشهداء ) لأن النبيين هم الشهود ~~على حركة الرسالة في خط التبليغ ، وأما الشهداء ، فهم الذين يشهدون على ~~حركة الرسالة في خط الواقع في سلوك الإنسان العام والخاص. وقد تكرر الحديث ~~في القرآن أن الله قد أخرج من كل أمة شهيدا ، وقد يلتقي الأنبياء والشهداء ~~من أوصيائهم وأوليائهم في شهادة واحدة حول موضوع واحد ، وقد يشهد كل واحد ~~منهم بموضوع يختلف عما يشهد به الآخر ... وهكذا تتم PageV19P362 # المحاكمة من خلال الكتاب والشهود ، لتقوم الحجة على الناس من خلال ~~الوسائل الظاهرة ، كما قامت عليهم من خلال القضايا الخفية التي يعلمها ~~الله. ( @QUR@06 وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) لأنه لا معنى للظلم في ~~يوم القيامة الذي يملك الله كل أمره ، وهو مستحيل عليه ، ولا معنى لنسبته ~~إليه ، لأن الظلم مظهر ضعف من الظالم في ms4570 ما يخافه من أمر المظلوم ، والله ~~القوي القادر لا يخاف أحدا من عباده ، بل يخاف كل العباد مواقع عدله ، بسبب ~~ما يستحقونه من ذنوبهم وجرائمهم. ( @QUR@05 ووفيت كل نفس ما عملت ) من خير ~~أو شر ( @QUR@04 وهو أعلم بما يفعلون ) فلا يخفى عليه من أمرهم شيء. # ( @QUR@06 وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ) أي جماعات ، ( @QUR@05 حتى ~~إذا جاؤها فتحت أبوابها ) فهي جاهزة لاستقبالهم ، لأن الله أعدها لهم عند ~~ما حذرهم من عقابه ، ولذلك يجدونها مفتوحة الأبواب ، ( @QUR@015 وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~) في أسلوب إيحائي بقيام الحجة عليهم ، واستحقاقهم هذا المصير ، فلم يظلمهم ~~الله بذلك ، ولكنهم ظلموا أنفسهم ، ( @QUR@02 قالوا بلى ) في اعتراف بالذنب ~~في إذعان وتسليم ، ( @QUR@06 ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) لأنهم ~~واجهوا الحقيقة الحاسمة التي لا مجال فيها لاعتذار أو تبرير. # ( @QUR@09 قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) ~~الذين قادهم استكبارهم إلى الكفر والضلال ، فكان جزاؤهم أنهم وصلوا إلى ~~أقصى درجات الانحطاط ، ( @QUR@07 وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ) ~~أي جماعات ، ( @QUR@05 حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها ) في طريقة توحي ~~بالاستقبال والتكريم ، ( @QUR@05 وقال لهم خزنتها سلام عليكم ) بما توحي به ~~كلمة السلام من الإيحاء بالطمأنينة والأمن والجو الحميم ، ( @QUR@01 طبتم ) ~~في كل ما قلتموه أو فعلتموه من طيب القول والعمل الدال على طيبة الروح ~~والشعور ، وهذا هو الأساس في المصير الذي أعده الله لكم في ساحة رضوانه ~~وجنته ، ( @QUR@02 فادخلوها خالدين ). PageV19P363 # ( @QUR@06 وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ) فهو الذي وعد المتقين ~~بالجنة ، ( @QUR@02 وأورثنا الأرض ) والظاهر كما قيل أن المراد بها أرض ~~الجنة ، ( @QUR@03 نتبوأ من الجنة ) في ساحاتها الواسعة ، ( @QUR@02 حيث ~~نشاء ) من دون أي حد في أي موقع ، فلنا الحرية فيها في ما نحبه ونرغبه ، ( ~~@QUR@03 فنعم أجر العاملين ) الذين صدقوا الإيمان وصدقوه بالعمل ، ( ~~@QUR@06 وترى الملائكة حافين من حول العرش ) محدقين به ، باعتبار ما يمثله ~~من المكان الأعلى وما يرمز إليه من موقع السلطة التي تصدر منها الأمور من ~~خلال إرادة الله على يد ملائكته ms4571 في عالم الغيب الذي استقل الله بعلمه ، ( ~~@QUR@03 يسبحون بحمد ربهم ) وذلك هو الذي يعطي المشهد روعة ورهبة وجلالا ... # وانتهى الموقف كله أمام الحقيقة الحاسمة ، ليذهب كل شخص أو كل فريق إلى ~~موقعه ومصيره ، ( @QUR@03 وقضي بينهم بالحق ) ولم يبق هناك إلا الله الذي ~~ينتهي كل الحمد له من خلال أنه وحده الذي أعطى لكل مخلوق صفات حمده ، فهو ~~الواحد في عظمته وجلاله وفي كل صفات الحمد ، ( @QUR@05 وقيل الحمد لله رب ~~العالمين ) في كلمة تجعل الوجود كله متطلعا إليه في كلمة التوحيد المنفتحة ~~على كل الحمد ، وعلى كل معاني الربوبية التي تتسع للعالمين جميعا. وآخر ~~دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # * * * PageV19P364 ### | الفهرس # تفسر سورة سبا [1 54] # في أجواء ~~السورة............................................................. 7 # الآيات [1 ~~5].................................................................. 9 # معاني ~~المفردات.............................................................. 9 # صفات الله في حركة ~~العقيدة................................................ 10 # بين الحكمة ~~والعبث........................................................ 12 # الآية ~~[6]..................................................................... 15 # العلم يحدد موقع الحق في الوحي ويهدي ~~إليه.................................. 15 # الآيات [7 ~~9]................................................................ 17 # معاني ~~المفردات............................................................ 17 # الكافرون يستغربون فكرة البعث والقرآن ~~يرد................................... 18 # الآيتان [10 ~~11]............................................................. 21 # معاني ~~المفردات............................................................ 21 # ولقد آتينا داود ~~فضلا...................................................... 22 # كيف نفهم تسبيح الجبال ~~والطير!........................................... 22 # الآيات [12 ~~14]............................................................. 25 # معاني ~~المفردات............................................................ 25 PageV19P365 # مع سليمان عليه السلام في تسخير الله ألطافه ~~له.............................. 26 # اعملوا آل داود ~~شكرا...................................................... 28 # الآيات [15 ~~19]............................................................. 30 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # قصة سبأ كما وردت في ~~القرآن............................................. 31 # الآيتان [20 ~~21]............................................................. 35 # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه........................................ 35 # الآيات [22 ~~25]............................................................. 38 # معاني ~~المفردات............................................................ 38 # لمن السماوات ~~والإرض!.................................................... 39 # خط الحياد الفكري في أسلوب ~~الدعوة........................................ 41 # الآيات [26 ~~30]............................................................. 44 # معاني ~~المفردات............................................................ 44 # ويبقي الأسلوب الهاديء في ~~الحوار........................................... 45 # وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس................................................. 46 # الآيات [31 ~~33]............................................................. 48 # معاني ~~المفردات............................................................ 48 # عدوانية الكافرين في رفضهم الالتزام ~~بالرسالة.................................. 49 # وقفة الظالمين عند ~~ربهم..................................................... 49 # حوار المستضعفين ~~والمستكبرين............................................... 50 # الآيات [34 ~~39]............................................................. 53 # معاني ~~المفردات............................................................ 53 # المترفون في سلوكهم ضد ~~الرسالات........................................... 54 # منطق القوة لدي ~~المترفين.................................................... 55 # منطق الرسالة في مواجهة ~~منطقهم............................................ 56 # الآيات [40 ~~45]............................................................. 58 PageV19P366 # معاني ~~المفردات............................................................ 58 # القرآن يناقش أفكار الانحراف ~~العقيدي....................................... ms4572 59 # الآيات [46 ~~50]............................................................. 62 # معاني ~~المفردات............................................................ 62 # الرسول الهاديء المتواضع ~~المنفتح............................................. 63 # قل إنما أعظكم ~~بواحدة..................................................... 64 # من أساليب الدعوة في ~~الإسلام.............................................. 65 # علاقة الآية بفكرة «العقل ~~الجمعي».......................................... 67 # التعليق علي فكرة «العقل ~~الجمعي».......................................... 69 # إن أجري إلا علي ~~الله..................................................... 70 # قل إن ربي يقذف ~~بالحق.................................................... 71 # الآيات [51 ~~54]............................................................. 73 # معاني ~~المفردات............................................................ 73 # مداهمة الموت للكافرين وعجزهم عن الهروب ~~منه............................... 73 # تفسير سورة فاطر [1 45] # الآية ~~[1]..................................................................... 77 # معاني ~~المفردات............................................................ 77 # الحمد لله فاطر السماوات ~~والإرض........................................... 78 # الآيات [2 ~~5]................................................................ 80 # معاني ~~المفردات............................................................ 80 # هل من خالق غير ~~الله!..................................................... 81 # الآيات [6 ~~8]................................................................ 83 # الشيطان عدو ~~الإنسان..................................................... 83 # أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا........................................... 84 PageV19P367 # ليكن لكم الأفق ~~الرحب................................................... 85 # النظرية الإسلامية في النقد ~~الذاتي............................................ 86 # عدم التحسر علي القوم ~~الكافرين............................................ 86 # كيف نستوحي ~~الآية!...................................................... 87 # الآيات [9 ~~11].............................................................. 88 # معاني ~~المفردات............................................................ 88 # إحياء الله الإرض ~~بالماء..................................................... 89 # العزة لله ~~جميعا............................................................. 89 # قبول الله الكلم الطيب والعمل ~~الصالح........................................ 91 # جزاء الذين يمكرون ~~السيئات................................................ 92 # الله خلقكم من ~~تراب...................................................... 93 # الآيات [12 ~~14]............................................................. 94 # معاني ~~المفردات............................................................ 94 # آيات الله ودلائل ~~التوحيد................................................... 95 # مع العلامة الطباطبائي في ~~الميزان............................................. 95 # الآيات [15 ~~26]............................................................. 98 # معاني ~~المفردات............................................................ 99 # الفقراء إلي ~~الله............................................................. 99 # وما يستوي الكافر ~~والمؤمن................................................ 101 # الآيتان [27 ~~28]........................................................... 104 # معاني ~~المفردات.......................................................... 104 # قدرة الله ~~المبدعة......................................................... 104 # خشية العلماء من ~~الله.................................................... 105 # الآيات [29 ~~38]........................................................... 107 # معاني المفردات ~~(101)................................................... 108 # مصير المؤمنين يوم القيامة ~~وجزاؤهم......................................... 108 PageV19P368 # مصير الكافرين ~~وجزاؤهم.................................................. 111 # الآيتان [39 ~~40]........................................................... 113 # معاني ~~المفردات.......................................................... 113 # هو ألذي جعلكم خلائف في الإرض....................................... 114 # الآيات [41 ~~45]........................................................... 116 # معاني ~~المفردات.......................................................... 116 # الله ممسك السموات والإرض أن ~~تزولا...................................... 117 # عقدة الاستكبار وراء ~~الموقف.............................................. 118 # دراسة نتائج المستقبل بدراسة نتائج ~~الماضي.................................. 120 # تأجيل الله عقاب ~~المسيئين................................................. 121 # تفسير سورة يس [1 83] # في آفاق ~~السورة.......................................................... 125 # الآيات [1 ~~12]............................................................. 126 # معاني ~~المفردات.......................................................... 126 # القران دليل رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~........................................... 127 # جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا.................................................. 129 # الله أغلق عليهم نوافذ ~~المعرفة............................................... 130 # بين الخشية ~~والحساب..................................................... ms4573 131 # الآيات [13 ~~19]........................................................... 133 # معاني ~~المفردات.......................................................... 133 # أصحاب القرية في مواجهة ~~المرسلين......................................... 134 # روح القوة في شخصية الرسل.............................................. 137 # الآيات [20 ~~32]........................................................... 138 # معاني ~~المفردات.......................................................... 138 PageV19P369 # الرجل النموذج......................................................... 139 # العمق الإنساني في شخصية الرجل ~~المؤمن................................... 142 # يا حسرة علي ~~العباد...................................................... 143 # الآيات [33 ~~44]........................................................... 145 # معاني ~~المفردات.......................................................... 146 # جولة قرآنية في آيات الله ~~الكونية........................................... 146 # سبحان الذي خلق الأزواج كلها........................................... 147 # كيف نفهم جري الشمس!............................................... 148 # والقمر قدرناه ~~منازل...................................................... 149 # الآيات [45 ~~47]........................................................... 151 # من مظاهر تمرد ~~الكافرين.................................................. 151 # الآيات [48 ~~65]........................................................... 154 # معاني ~~المفردات.......................................................... 155 # المؤمنون والكافرون في الموقف الحاسم يوم ~~القيامة............................. 155 # عهد الله إلي بني آدم بعدم عبادة ~~الشيطان................................... 158 # الآيات [66 ~~76]........................................................... 160 # معاني ~~المفردات.......................................................... 161 # الله المتصرف بحياة ~~البشر.................................................. 161 # وما علمناه ~~الشعر........................................................ 161 # الآيات [77 ~~83]........................................................... 164 # معاني ~~المفردات.......................................................... 164 # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه.............................................. 165 # مع صاحب تفسير الميزان................................................. 167 # إذا أراد الشيء ... كن ~~فيكون............................................ 168 PageV19P370 # تفسير سوره الصافات [1 182] # في أجواء ~~السورة......................................................... 173 # الآيات [1 ~~11]............................................................. 174 # معاني ~~المفردات.......................................................... 174 # الله يقسم ~~بملائكته....................................................... 175 # كيف تسترق الشياطين السمع وترمي بالشهب!............................. 178 # الآيات [12 ~~49]........................................................... 181 # معاني ~~المفردات.......................................................... 182 # ملامح طريقة مواجهة المشركين ~~للرسالة...................................... 183 # لماذا الحديث عن متع الرجال دون النساء في ~~الجنة!........................... 190 # الآيات [50 ~~68]........................................................... 192 # معاني ~~المفردات.......................................................... 192 # حوار المؤمنين في ~~الجنة.................................................... 193 # الآيات [69 ~~74]........................................................... 196 # معاني ~~المفردات.......................................................... 196 # إنهم ألفوا آباءهم ~~ضالين.................................................. 196 # الآيات [75 ~~82]........................................................... 198 # معاني ~~المفردات.......................................................... 198 # سلام علي نوح في ~~العالمين................................................ 198 # الآيات [83 ~~113]......................................................... 201 # معاني ~~المفردات.......................................................... 202 # إبراهيم وإسماعيل أمام التجربة الإيمانية ~~الصعبة............................... 202 # كيف نستوحي القصة الرسالية!........................................... 208 # الآيات [114 ~~122]........................................................ 210 # معاني ~~المفردات.......................................................... 210 PageV19P371 # سلام علي موسي وهارون................................................. 210 # الآيات [123 ~~132]........................................................ 213 # معاني ~~المفردات.......................................................... 213 # إلياس ~~الرسول........................................................... 213 # الآيات [133 ~~148]........................................................ 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # وقفة مع دعوتي لوط ويونس............................................... 216 # لوط الرسول............................................................ 216 # من قصة يونس.......................................................... 217 # الآيات [149 ~~179]........................................................ 220 # معاني ~~المفردات.......................................................... 221 # القرآن يرد علي ~~المشركين.................................................. 221 # الآيات [180 ~~182]........................................................ 227 # بين التسبيح ~~والحمد...................................................... 227 # تفسير سورة ص [1 88] # في أجواء ~~السورة......................................................... ms4574 231 # الآيات [1 ~~16]............................................................. 233 # معاني ~~المفردات.......................................................... 234 # مناسبة ~~النزول........................................................... 234 # القرآن الهادي من ~~الغفلة.................................................. 235 # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم............................................. 237 # وانطلقوا في صخب ~~وثورة.................................................. 238 # استنكار ~~المشركين........................................................ 239 # الآيات [17 ~~26]........................................................... 242 PageV19P372 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # جولة استعراض لتجربة الرسل في آفاق ~~التاريخ................................ 243 # قصة داود مع الخصمين.................................................. 245 # قصة داود أمام علامات ~~الاستفهام......................................... 248 # إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض.............................................. 253 # الآيات [27 ~~29]........................................................... 255 # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا................................. 255 # الآيات [30 ~~40]........................................................... 258 # معاني ~~المفردات.......................................................... 258 # مع قصة سليمان........................................................ 259 # كيف نفهم حدود العصمة!.............................................. 261 # فتنة الله ~~لسليمان........................................................ 261 # الآيات [41 ~~44]........................................................... 266 # معاني ~~المفردات.......................................................... 266 # واذكر عبدنا ~~أيوب....................................................... 267 # كيف سلط الله الشيطان علي أيوب!...................................... 267 # رأي صاحب الميزان في ~~المسألة............................................. 268 # مناقشة مع صاحب الميزان................................................ 269 # أيوب ينال جزاء ~~صبره.................................................... 271 # الآيات [45 ~~48]........................................................... 273 # معاني ~~المفردات.......................................................... 273 # الأنبياء المصطفون الأخيار عند ~~الله......................................... 274 # الآيات [49 ~~64]........................................................... 276 # معاني ~~المفردات.......................................................... 276 # المتقون ~~والطاغون........................................................ 277 # مصير ~~المتقين............................................................ 277 PageV19P373 # مصير الطاغين.......................................................... 278 # كيف يتلقي الطاغون بعضهم بعضا في النار!................................ 279 # الآيتان [65 ~~66]........................................................... 282 # قل إنما أنا ~~منذر......................................................... 282 # الآيات [67 ~~88]........................................................... 284 # معاني ~~المفردات.......................................................... 285 # قصة خلق آدم وكبرياء ~~إبليس.............................................. 285 # تفسير سورة الزمر [1 75] # في أجواء ~~السورة......................................................... 293 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 294 # معاني ~~المفردات.......................................................... 295 # تركيز العقيدة وبناء الشخصية ~~المتكاملة...................................... 295 # الصورة القرآنية ~~للشرك.................................................... 296 # علاقة الآية ببعض العادات الإسلامية في الزيارة ~~والشفاعة..................... 297 # الله هو الحكم ~~بينهم...................................................... 299 # لا معني للبنوة في ذات ~~الله................................................. 300 # خلق السماوات والإرض بالحق............................................ 302 # الآيتان [7 ~~8].............................................................. 305 # معاني ~~المفردات.......................................................... 305 # الله غني عن ~~عباده....................................................... 305 # المسؤولية عن الأعمال ~~فردية............................................... 306 # الإيمان بين الانفعال ~~والثبات............................................... 307 # الآيتان [9 ~~10]............................................................. 309 # معاني ~~المفردات.......................................................... 309 PageV19P374 # أجر العاملين ~~الصابرين................................................... 310 # الله يبادل الإحسان ~~إحسانا............................................... 312 # أرض الله ~~واسعة......................................................... 313 # الآيات [11 ~~20]........................................................... 315 # معاني ~~المفردات.......................................................... 315 # الله يريد لرسوله أن يعبر عن الموقف ~~الحاسم.................................. 316 # بشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه........................... 319 # الآيات [21 ~~28]........................................................... 321 # معاني ~~المفردات.......................................................... 322 # آيات للتفكير في ms4575 ~~الله..................................................... 322 # كيف نفهم عروبة القرآن وعروبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~!.............................. 326 # ترجمة ~~القرآن............................................................ 327 # الآيات [29 ~~31]........................................................... 329 # معاني ~~المفردات.......................................................... 329 # المشرك والموحد في صورة ~~واقعية............................................. 329 # الآيات [32 ~~37]........................................................... 332 # معاني ~~المفردات.......................................................... 332 # من صفات المتقين: الصدق............................................... 333 # جزاء المتقي ~~الصادق...................................................... 334 # الله يكفي عباده ~~الهادين................................................... 334 # الآيات [38 ~~40]........................................................... 336 # معاني ~~المفردات.......................................................... 336 # حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون............................................ 337 # الآيات [41 ~~45]........................................................... 339 # معاني ~~المفردات.......................................................... 339 # قل لله الشفاعة ~~جميعا.................................................... 340 PageV19P375 # الآيات [46 ~~52]........................................................... 343 # معاني ~~المفردات.......................................................... 343 # الله يحكم بين ~~العباد...................................................... 344 # الآيات [53 ~~61]........................................................... 349 # معاني ~~المفردات.......................................................... 350 # إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا................................................. 35 # اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم....................................... 353 # الآيات [62 ~~67]........................................................... 356 # معاني ~~المفردات.......................................................... 356 # ما قدروا الله حق ~~قدره.................................................... 357 # كيف نفهم خطاب الله للأنبياء عن إحباط أعمالهم!......................... 358 # الآيات [68 ~~75]........................................................... 360 # معاني ~~المفردات.......................................................... 361 # ووضع الكتاب .. وقضي بينهم بالحق...................................... 361 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV19P376 ![](https://books.rafed.net/Books/3285_tafsir-men-wahi-alquran-20/images/image001.gif) PageV20P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3285_tafsir-men-wahi-alquran-20/images/image002.gif) PageV20P003 ### | سورة غافر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وثمانون PageV20P005 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة من السور المكية التي تتميز بالحركية الفكرية في ساحة الصراع ~~بين الدعوة وخصومها من الكافرين والمشركين ، بما يثيره هؤلاء من جدال ~~بالباطل يريدون دحض الحق به ، وما يتحدون به الرسالة من أساليب التكذيب ~~المتنوعة ، وما يهولون به من الكلمات والمواقف المعاندة المستكبرة .. وتثير ~~في أجواء ذلك مسألة الاستكبار والعلو في الأرض والتجبر بغير الحق ، وكيف ~~يواجه الله ذلك كله ببأسه وعذابه في الدنيا والآخرة. وتتحرك في داخلها ~~خطوات المؤمنين المنفتحين على الواقع في موقف الدعوة ، وساحة التحدي ، ~~وتتحدث عن تجارب بعضهم في مواجهة الطغيان الشامل حيث يصل الاستكبار إلى ~~ادعاء الألوهية ، ودعوة المستضعفين إلى عبادة شخص يصفه أتباعه بالإله من ~~دون الله ، وتأتي السورة على ذكر قصة مؤمن آل فرعون الذي تمرد على قومه ، ~~وواجههم بأسلوب قوي فاعل يتميز بالصلابة والحكمة والتحدي ، لتقدم نموذجا ~~لكل الرساليين في ساحة الصراع ، ليزدادوا قوة وحكمة. # وتتنوع الآيات التي تتحدث عن بأس الله في الدنيا الذي يتجلى في مصارع ~~الأمم السابقة ، وفي الآخرة ، ويتجلى ms4576 في مشاهد يوم القيامة ، وما أعد الله ~~للكافرين من عذاب ، وكيف يواجهون الموقف بكل ذلة وخضوع وحيرة. وتثير أمام ~~النبي مسألة الصبر في الدعوة ومتابعة الحركة لإعلان كلمة الله ، لأن PageV20P007 # النصر يحتاج إلى كثير من المعاناة في خط المواجهة ، وإلى مراحل متعددة ~~تهيئ له شروطه. ولا بد لتحقيق النصر من إعلان الموقف الصريح بالتزام ~~الإسلام قولا وعملا كعنوان للشخصية والحركة والموقف ، تأكيدا للتمايز عن ~~الكافرين الذي لا يقبل بأية تسوية معهم في ما يريدونه له من الاندماج معهم ~~، ولو في بعض الخطوط والأفكار. # * * * ### ||| ** سبب التسمية # وقد اختلف المفسرون في تسميتها ، فجاء ذكرها باسم «غافر» من خلال قوله ~~تعالى في بدايتها : ( @QUR@02 غافر الذنب ) التي يتحرك مضمونها في ثنايا ~~آيات السورة من الإيحاء بالغفران للتائبين والمنيبين إليه ، والمسلمين إليه ~~أمرهم ، وجاء ذكرها باسم «المؤمن» إشارة إلى قصة مؤمن آل فرعون الذي يمثل ~~النموذج الفريد الذي وقف وحده ضد المستكبرين من قومه ، متمردا على كل ~~المشاعر العاطفية والامتيازات العائلية من موقع الرسالة التي تتحدى وتواجه ~~التحدي بالحكمة والقوة. # وليس في الاختلاف حول التسمية أية مشكلة ، لأن الأسماء ليست داخلة في ~~مسألة الوحي. # * * * PageV20P008 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) ~~@QUR@014 غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه ~~المصير (3) @QUR@013 ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك ~~تقلبهم في البلاد (4) @QUR@021 كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت ~~كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان ~~عقاب (5) @QUR@010 وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ذي الطول ): الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. # ( @QUR@01 ليدحضوا ): ليبطلوا. # ( @QUR@01 حقت ): وجبت. # * * * PageV20P009 # ( @QUR@03 الله العزيز العليم ) # ( @QUR@01 حم ) من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها. ( @QUR@06 ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ) فهو ليس تأليف بشر ، كما يدعي ~~المشركون عند ما ينسبون القرآن إلى رسول الله ، بل هو تنزيل الله الذي اتصف ~~بالعزة في ما توحي كلمة العزة من قوة تدحض وسائل ms4577 التهويل والتنكيل والعناد ~~والجحود التي يستعملونها لإضعاف موقف النبي والمسلمين معه ، ليتراجعوا عن ~~الرسالة ويتخذوا موقع المغلوبين أمام الغالبين .. ففي كلمة العزة إيحاء بأن ~~الله أنزل هذا الكتاب من موقع عزته التي لا تغلب ، كما أنزله من موقع علمه ~~الذي أحاط بكل شيء من مصالح العباد ، وما يبني حياتهم على أساس الخير ~~والقوة والرشاد ، فكانت آيات الكتاب قاعدة للحق الذي يريدهم أن يتبعوه ~~وينهجوا نهجه ، ليأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه ، كي يصلوا إلى الشاطئ ~~الأمين في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** صورة الله في وعي المؤمن # ( @QUR@02 غافر الذنب ) الذي يطل على حركة عباده في مواقع أمره ونهيه من ~~خلال مغفرته التي تطلع على نفوسهم ، فإذا وجدت فيها شيئا من الخير التقت به ~~في تطلعاته المبتهلة إلى الله بالتوبة ، وتطلع على ظروفهم ، فإذا وجدت فيها ~~بعض العذر في ما يضغط على أفكارهم وعواطفهم وحياتهم مما يقودها إلى ~~الانحراف من دون عمد ، قدرت لهم المغفرة ليتحركوا من خلالها من جديد في خط ~~الاستقامة. # ( @QUR@02 وقابل التوب ) الذي يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين الذين ~~تدل توبتهم على صدق إخلاصهم ، وعمق إيمانهم ، وطهارة مشاعرهم ، ووعيهم PageV20P010 # للجانب الإنساني الذي يجعلهم خاضعين لنقاط ضعف سببها طبائعهم وغرائزهم ~~وتأثرهم بالواقع الخارجي المحيط بهم ، مما قد يسقط الإنسان أمامه دون شعور ~~، فإذا تنبهوا لذلك ووعوا خطورة الموقف ، في ما يمثله من عصيان لله ، الذي ~~يقود العاصين إلى نار الله في الآخرة ، تراجعوا عن المعصية ، وأنابوا إلى ~~الله في توبة صادقة تؤكد موقع نقاط القوة التي تتحدى نقاط الضعف ، فتخضعها ~~للإيمان وللإسلام. # ( @QUR@02 شديد العقاب ) للمتمردين الطاغين الذين عاندوا الحق واستكبروا ~~على حامليه ، ووقفوا ضد حركته ، وحاربوا رسالته ورسله ( @QUR@02 ذي الطول ) ~~أي الإنعام الذي يفيض به على عباده بما يرعى به حياتهم ، ويدبر شؤونهم ، ~~لينعموا بذلك ، ويرجعوا إليه ، في تنظيم قضايا معاشهم ومعادهم. ( @QUR@04 ~~لا إله إلا هو ) فهو وحده ، الذي اتصف بالألوهية لأنه وحده الذي أوجد الخلق ~~كلهم وأشرف على كل أمورهم بحكمته وقوته وتدبيره ، فلا إله غيره ، لأن كل من ~~عداه مخلوق ms4578 له محتاج إليه في كل شؤونه الخاصة والعامة ، ( @QUR@02 إليه ~~المصير ) الذي يرجع إليه الخلق كلهم ليواجهوا نتائج المسؤولية في موقف ~~الحساب أمامه ، ليجزي الذين أساءوا بعقابه والذين أحسنوا بثوابه .. # وتلك هي الصورة البسيطة الواضحة التي يقدمها الله لعباده ، ليتصوروه بها ~~، ليعرفوا موقعهم منه وموقعه منهم ، ليعيشوا مع الله في وعي كامل لصفاته ~~المتعلقة بعباده ، المتصلة بالكون الذي يتحركون فيه ، فلا تكون صفة الله ~~غامضة في شعورهم فيتصوروه من موقع الغموض الذي يحيط بالسر الكامن في ذاته ~~الذي لا يطلع أحد على شيء منه ، بل تكون واضحة ليتطلعوا إليه من الموقع ~~الذي يتحسسون فيه رحمته إلى جانب غضبه ، ويدركون فيه عزته وقوته وعلمه ~~المحيط بكل شيء ، إلى جانب مغفرته وقبوله التوبة ، ويتعرفون فيه على شدة ~~عقابه إلى جانب امتداد إنعامه ، ويعيشون الشعور العميق الممتد في الكون كله ~~، بوحدانيته وبطلان كل ما عداه ، ويفكرون دائما برجوعهم إليه ، PageV20P011 # ووقوفهم بين يديه في نهاية المطاف ، فمنه البداية ، وخط السير ، وإليه ~~النهاية .. # وبهذا يكون وضوح تصورهم لله الذي يعبدونه ، أساسا لعلاقة حميمة تربطهم به ~~وتشدهم إليه وتجعلهم يعيشون معه في جوهر الفكر وروحية العبادة وامتداد ~~الحياة. # * * * ### ||| ** جدال الكافرين # ( @QUR@08 ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) في ما يثيرونه من ~~كلمات لا تحمل أي مضمون عقلاني حول ما تحمله آيات الله ، وحول ما يمثله ~~رسول الله من موقع ، وحول الدعوة التي يحملها لهداية الإنسانية إلى سواء ~~السبيل ، فليس لدى هؤلاء دعوة بديلة في مستوى عمق دعوة الإسلام وشمولها ، ~~ليقوم جدالهم على أساس إسقاط فكرة ، وإقامة أخرى. وليس عندهم مفاهيم ذات ~~مضمون فكري ضد مفاهيم الدعوة الإسلامية وشرائعها ، ليكون الجدال منطلقا في ~~اتجاه إبطال مضمونها في وعي الناس ، بل كل ما يفعلونه إثارة الدخان حول ~~الرسول والرسالة ، بطريقة انفعالية تخاطب الغرائز والمشاعر ، ولا تخاطب ~~العقول ، فيكون جدالهم لمجرد الجدال .. أما المؤمنون ، فهم لا يدخلون ~~الجدال إلا عند ما تكون لديهم علامات استفهام يريدون معرفة الجواب عنها ، ~~أو تكون عندهم قناعات فكرية يعملون على تأكيدها في الذهن ms4579 والواقع ، في ~~مقابل القناعات الفكرية المضادة .. وإذا ما دخلوا في الجدال ، فإنهم ~~يمارسونه بطريقة عقلانية مسئولة ، لأنهم لا يستهدفون إسقاط مواقف الآخرين ~~وإسكاتهم فحسب ، بل يستهدفون إلى جانب ذلك ، ربح مواقف الآخرين لحساب الحق ~~من خلال اقتناعهم بالحق. وهذا هو الفرق بين المؤمنين والكافرين في مسألة PageV20P012 # الجدال ، فالمؤمنون ينطلقون فيه من موقع البحث عن الحق ، بينما ينطلق ~~الكافرون فيه من موقع الاستكبار واستعراض القوة التي يفرضونها على الموقف .. # ( @QUR@05 فلا يغررك تقلبهم في البلاد ) الذي يحاولون فيه البروز بمظهر ~~قوي لإثارة الرهبة والخوف في نفوس الناس من خلال مواقع السلطة التي ~~يملكونها ، أو الوسائل العنيفة التي يحركونها ، أو غير ذلك. فلا تعتبر ~~تقلبهم في البلاد مظهر ضغط قوي شامل ، لأنه سينتهي إلى زوال إن عاجلا أو ~~آجلا ، بل انظر إلى ما يختزن في داخله من نقاط الضعف ، لا إلى ما يبرز في ~~ظاهره من نقاط القوة .. فليسوا أول الناس الذين يتحركون بهذه الطريقة ، فقد ~~جاءت أمم قبلهم ، كانت على شاكلتهم في الاستكبار والعناد والتكذيب ، ولكنها ~~تبخرت مع الزمن ، وسقطت أمام بأس الله. # * * * ### ||| ** جدالهم بالباطل لإسقاط الحق # ( @QUR@07 كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ) كقوم عاد وثمود ولوط ~~وغيرهم ، كما كذب هؤلاء ( @QUR@05 وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) فواجهوه ~~بالعناد والتكذيب ، وضغطوا عليه بكل الوسائل ، وعذبوه بما استطاعوا أن ~~يعذبوه به ، ليسقطوا موقفه ، وليضعفوا موقعه ، وليفرقوا الناس عنه ، ( ~~@QUR@05 وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) فاستغلوا كل العوامل النفسية ~~القلقة التي تعيش في وجدان الناس من حولهم ، وتتحرك في مشاعرهم ، لجهة ما ~~يعيشونه من تقديس لعقائد الآباء والأجداد ، وما يرتبطون به من قضايا الحس ، ~~وما كانوا يقترحونه من معجزات على الأنبياء الذين لا يملكون الإتيان بها ~~إلا بإذن الله ، فحكمة الله لا تقتضي الاستجابة لكل مقترحات الناس ~~التعجيزية ، لأن النبي لم PageV20P013 # يأت ليستعرض قدرته الكونية بل جاء ليقدم رسالته للناس .. وهكذا كان ~~جدالهم بالباطل ، ليسقطوا الحق ، لا ليصلوا إليه ، ظنا منهم بأن المرحلة ~~التي يملكون فيها القوة ستستمر إلى ما لا نهاية ، وأن الموقف لهم ms4580 في كل ~~المراحل ، ولكن ظنهم ذاك لا صلة له بالواقع .. لأن الله ، لهم بالمرصاد ، ~~في ما يهيئه للمؤمنين من أسباب النصر ، وفي ما ينزله بهم من عقاب ، ( ~~@QUR@04 فأخذتهم فكيف كان عقاب ) الذي أهلكهم ودمرهم وتركهم حديثا لمن بعدهم. # ( @QUR@07 وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ) أي كما عاقب الله هؤلاء ~~المكذبين ، فقد ثبتت كلمة الله التي تمثل حكمه الحاسم ، على الكافرين من ~~الماضين والحاضرين والمستقبلين ( @QUR@03 أنهم أصحاب النار ) لأن ذلك هو ~~جزاء الكفر بالله الذي لا يخضع لأي منطق ولأي فكر. # * * * PageV20P014 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) @QUR@016 ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) ~~@QUR@012 وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز ~~العظيم ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وقهم ): وادفع عنهم. # * * * ### ||| ** مهمة الملائكة ودورهم # ما هي مهمة الملائكة ، وما هي علاقتهم بالناس الذين يعيشون على PageV20P015 # الأرض ، وكيف ينظرون إلى المؤمنين؟ # إن هذه الآيات تجيب عن ذلك ، وتقول : إن الملائكة الذين يحملون العرش ومن ~~حوله ، لا يكتفون بالتسبيح بحمد الله ، وبالإيمان به ، بل يستغفرون ~~للمؤمنين الذين يشاركونهم روحية الإيمان بالله ، ممن عاشوا الإيمان ~~واندمجوا فيه وتابوا بعد أن أخطئوا ، في كلمات خاشعة مبتهلة منفتحة على ~~رحمة الله لكل المؤمنين التائبين. # وهو أمر يوحي إلينا باللقاء الروحي الذي يتحول فيه الملائكة إلى كائنات ~~عاطفية تبتهل إلى الله من أجل الإنسان التائب المؤمن ، وهو ما يجعلنا نتطلع ~~إلى السماء ومخلوقاتها الملائكية لنشعر بإطلالة السماء في ملائكتها على ~~الأرض في إنسانها .. في انطلاقة الإيمان. # ( @QUR@05 الذين يحملون العرش ومن حوله ) هؤلاء الذين يمثلون النموذج ~~الأعلى من الملائكة في حملهم للعرش ، وهو الموقع الأعلى في السماوات ، لما ~~توحي به كلمة العرش في معناها الكنائي في السلطة العليا في الكون التي هي ~~المظهر الحي لسلطان الله .. ولكن ما هي حقيقة العرش؟ وكيف هو حمل الملائكة ~~له؟ ms4581 وما هي مهمتهم في ذلك ، ومن هم هؤلاء الذين حوله؟ كلها علامات استفهام ~~تطل على عالم الغيب بحيرة ، قد تبقى ممتدة مع تطلعات المعرفة من دون أن ~~تحصل على جواب ، لأن الله لم يعرفنا تفصيل ذلك ، فلنترك علم ذلك إليه ، ( ~~@QUR@03 يسبحون بحمد ربهم ) في ما يعبر عن الشعور بالعظمة بالحمد الذي ~~يختزن في داخله معنى العظمة ومضمونها من خلال الصفات التي توحي بالحمد كله ~~، ( @QUR@02 ويؤمنون به ) في وعيهم الخاشع لكل مواقع العظمة في ربوبيته ، ~~وفي انفتاحهم على الكون كله الذي يمثل سر الإبداع في حكمته وقدرته .. # * * * PageV20P016 ### ||| ** ملائكة السماء المستغفرون لأهل الأرض # ( @QUR@03 ويستغفرون للذين آمنوا ) وأخلصوا لله الإيمان ، وطاف بهم ~~الشيطان في بعض مواقع لهوه وعبثه وغروره ، ثم عادوا إلى الله في روحية ~~الإيمان لتتلقاهم الملائكة في ابتهالات الدعاء الذي يؤكد استغفارهم ~~باستغفار ملائكي حميم : ( @QUR@06 ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) فأنت ~~الرحيم بعبادك ، العالم بكل الظروف الداخلية والخارجية التي فرضت عليهم ~~الانحراف وأوقعتهم في المعصية ، وأبعدتهم عنك ( @QUR@03 فاغفر للذين تابوا ~~) واستغفروا في ندم عميق على ما أسرفوا به على أنفسهم ، وخالفوا به ربهم ، ~~فرجعوا إليك ( @QUR@02 واتبعوا سبيلك ) وساروا على هداك ، والتزموا شريعة ~~رسلك ، ( @QUR@03 وقهم عذاب الجحيم ) لأن انحرافهم لم يكن عميقا ، أو ممتدا ~~في كل حياتهم ؛ بل كان طارئا ، خاضعا لنزوة طارئة ، أو شهوة عابرة .. # ( @QUR@06 ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ) إذا تابوا وآمنوا وأصلحوا ~~أعمالهم واستقاموا في الخط الصحيح ( @QUR@06 ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم ) ليعيش المؤمنون في الآخرة حياتهم العائلية التي عاشوها في ~~الدنيا ، عند ما كانوا يمثلون مجتمع الإيمان والصلاح في علاقات القربى التي ~~عاشت مع الإيمان ( @QUR@04 إنك أنت العزيز الحكيم ) الذي لا تمثل مغفرته ~~للعاصين انتقاصا من عزته وحكمته ، لأن الرحمة تمثل مواقع القوة لا مواقع ~~الضعف ، ومعنى الحكمة لا مضمون العبث. # ( @QUR@02 وقهم السيئات ) فلا تؤاخذهم بها بعد أن ابتعدوا عن كل معانيها ~~وعن كل إيحاءاتها بالتوبة ( @QUR@06 ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ) لأن ~~معنى ذلك هو دخولهم الجنة ، ونيل رضاك ( @QUR@04 وذلك هو الفوز العظيم ) ~~لأنه ms4582 الغاية العظمى التي يتطلع إليها المؤمنون ، في طموحاتهم الأخروية. ~~واحتمل بعض المفسرين أن يكون المراد بالسيئات هي الأهوال والشدائد التي ~~تواجههم يوم القيامة غير عذاب الجحيم ، وهو غير ظاهر .. # * * * PageV20P017 ### ||| * الآية # ( @QUR@015 إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لمقت ): المقت : أشد العداوة والبغض. # * * * ### ||| ** مقت الله أكبر من مقت الكافرين أنفسهم # ( @QUR@04 إن الذين كفروا ينادون ) يوم القيامة ، عند ما يقفون في موقف ~~الحساب الذي تتحرك نتائجه في اتجاه إدانتهم بالكفر ، واستحقاقهم للخلود في ~~النار ، فيعيشون الأزمة النفسية الصعبة التي يتفجرون فيها غيظا وغضبا ومقتا ~~لأنفسهم على ما كانت تواجه به الرسالات من جحود وكفران ، وما تحركت به من ~~معاص أسقطتهم في سخط الله ، وعرضتهم لنقمته ، وينطلق النداء : PageV20P018 # ( @QUR@06 لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ) لأن السخط الإلهي يعني الطرد ~~من رحمة الله ، والسقوط في عذابه يمثل سقوطا يحيط بالإنسان من الداخل ~~والخارج ، فيحرق المشاعر التي تلتهب حزنا وألما ، ويأكل كل أحلام الإنسان ~~وتطلعاته ، ويسحق عزته وكبرياءه ، ويحطم إنسانيته التي يحترم بها نفسه. ~~إنها الهول الذي يطبق على كل كيانه بكل قوة ، وأي هول أعظم من مقت رب ~~السماوات والأرض الذي خلق الإنسان ورزقه ، ما يجعل مقت الإنسان نفسه حيث ~~يعيش فيه التمزق الداخلي ، شيئا بسيطا في حساب الأحاسيس والأفكار ، أمام ~~مقت الله العظيم القادر القاهر ، في ما كان يعيشه الإنسان من تاريخه ، ~~ويتحرك فيه الناس في حياتهم ، ( @QUR@05 إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ) ~~وتطيعون أنفسكم الأمارة بالسوء من دون حساب للحقيقة ، ومن دون نظر لمقام ~~الله ، ولكل العواقب السيئة المترتبة على ذلك. # * * * PageV20P019 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ~~فهل إلى خروج من سبيل (11) @QUR@015 ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) @QUR@014 هو الذي يريكم آياته ~~وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) @QUR@08 فادعوا الله ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) @QUR@016 رفيع الدرجات ذو العرش ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء ms4583 من عباده لينذر يوم التلاق (15) @QUR@015 ~~يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار (16) @QUR@013 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله ~~سريع الحساب ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ينيب ): يرجع. # * * * PageV20P020 ### ||| ** حديث أهل النار مع الله تعالى # هذا حديث أهل النار الذين يتوسلون إلى الله أن يخرجهم من هذا المأزق الذي ~~وضعوا فيه أنفسهم بكفرهم وعنادهم ، ورد عليهم بأنه لا مجال لذلك ، وأن ~~الأمر لله الذي يملك الأمر كله ، ويرجع إليه الخلق في كل شيء. ( @QUR@06 ~~قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) فقد كانت هناك حالتان من الموت ~~وحالتان من الحياة ، واختلف المفسرون في تحديد هاتين الإماتتين ، وهذين ~~الإحياءين .. فذهب بعضهم إلى أن الموتة الأولى هي التي تسبق وجود الإنسان ، ~~والموتة الثانية هي التي تأتي بعد وجوده ، لتكون الحياة الأولى ، هي الحياة ~~في الدنيا ، أما الحياة الثانية فهي حياة الإنسان بعد البعث في الدار ~~الآخرة. # * * * ### ||| ** ما المراد بالموتتين والإحياءين؟ # وذهب بعضهم إلى أن الموتة الأولى ، هي الإماتة عن الحياة الدنيا ، ~~والإحياء للبرزخ ، ثم الإماتة عن البرزخ والإحياء للحساب يوم القيامة ، وقد ~~ذكر هذا البعض أن هؤلاء «لم يتعرضوا للحياة الدنيا ولم يقولوا : وأحييتنا ~~ثلاثا وإن كانت إحياء ، لكونها واقعة بعد الموت الذي هو حال عدم ولوج الروح ~~، لأن مرادهم ذكر الإحياء الذي هو سبب الإيقان بالمعاد وهو الإحياء في ~~البرزخ ثم في القيامة ، وأما الحياة الدنيوية فإنها وإن كانت إحياء ، لكنها ~~لا توجب بنفسها يقينا بالمعاد ، فقد كانوا مرتابين في المعاد ، وهم أحياء ~~في الدنيا» (1). # ولعل الأقرب إلى الذهن من خلال بعض الآيات القرآنية هو المعنى الأول ، ~~فقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@06 وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم PageV20P021 # @QUR@01 يحييكم ) ما يعني أن الله يعبر عن الحالة التي تسبق الحياة ~~الدنيا ، بالموت ، مع ملاحظة أن القرآن لم يذكر شيئا واضحا عن حياة البرزخ ~~وموته إلا في قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) ~~الأمر الذي يجعل الذهن متطلعا إلى هذا العالم في حياته وموته من ms4584 خلال ~~الأسلوب القرآني .. # وقد ذكر صاحب الكشاف الذي اختار الوجه الذي استقربناه ، تعليقا على ذلك : ~~«فإن قلت : كيف صح أن يسمي خلقهم أمواتا إماتة؟ قلت : كما صح أن تقول : ~~سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل ، وقولك للحفار : ضيق فم الركية ~~ووسع أسفلها ، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر ، ولا من ضيق ~~إلى سعة ، ولا من سعة إلى ضيق. وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات ، والسبب ~~في صحته أن الصغر والكبر جائزان معا على المصنوع الواحد ، من غير ترجح ~~لأحدهما ، وكذلك الضيق والسعة ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن ~~منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله ~~منه» (1). # أما ما ذكره صاحب الميزان شاهدا على تفسيره ، بأن المراد ذكر الإحياء ~~الذي هو سبب الإيمان بالمعاد ، وهو الإحياء بالبرزخ ثم في القيامة دون ~~الحياة الدنيا التي لم تكن سببا في الإيمان بالمعاد لأنهم كانوا مرتابين ، ~~وهم في داخلها ؛ فقد نلاحظ عليه ، أن هذا التحول من الحياة الدنيا إلى ~~الآخرة ، بالموت ، ربما جعلهم يعيدون التفكير في أمر الحياة والموت ~~بالطريقة التي تثبت قدرة الله على إرجاع الإنسان إلى الحياة بعد الموت ، ~~كما كان قادرا على إحيائه بعد الموت الذي كان غافلا عنه في الدنيا ~~لاستغراقه في المألوف ، مما جعل الآيات تتكرر تذكيرا للإنسان بأن الله الذي ~~بدأ الخلق ، قادر على أن PageV20P022 # يعيده .. وبذلك تتكامل النظرة عندهم للمسألة الإلهية في قضية الحياة ~~والموت ، ليفكروا بعد التجربة الحية في الدار الآخرة ، بحركة الحياة والموت ~~في قدرة الله ، والله العالم. # * * * ### ||| ** اعتراف أهل النار بذنوبهم # ( @QUR@02 فاعترفنا بذنوبنا ) ورجعنا إليك في إيمان صادق وتوبة خاشعة ~~لأننا أدركنا الحقيقة الإيمانية الواضحة بعد أن كنا غافلين عنها ( @QUR@05 ~~فهل إلى خروج من سبيل ) لنتبع دعوتك من جديد ، من خلال هذا الوضوح في ~~الرؤية الذي تحول في وجداننا إلى فيض من الإشراق الروحي بعظمة الله. وقد لا ~~يكون هذا الكلام سؤالا يبحث عن جواب ، بل هو تعبير عن ms4585 حيرة وإحباط إنسان ~~غلبه اليأس والقنوط. # * * * # ( @QUR@02 فالحكم لله ) # ( @QUR@01 ذلكم ) ذلك الواقع الذي لا سبيل لكم إلى الخروج منه ( @QUR@06 ~~بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ) وجحدتم وحدانيته ( @QUR@04 وإن يشرك به ~~تؤمنوا ) بكل رموز الشرك ومواقعه ، ولم تكفروا من موقع حجة ، ولم تشركوا ~~على أساس برهان ، ولم تغلق عنكم أبواب المعرفة ، بل كانت مفتوحة لكم بكل ~~رحابة الحقيقة في الطرق الموصلة إليها. فكانت لله عليكم الحجة ، وليست لكم ~~أية حجة في ذلك كله ، ( @QUR@04 فالحكم لله العلي الكبير ) الذي يحكم على ~~عباده الكافرين المشركين الخاطئين بما يستحقونه دون أن يملك أحد معارضته ، ~~لأنه العلي الذي علا على كل خلقه ، الكبير الذي يصغر الكون وما فيه أمام ~~حجم قدرته وعظمته. # * * * PageV20P023 ### ||| ** بين آيات الله وعمق الإيمان # ( @QUR@04 هو الذي يريكم آياته ) في الكون ليهديكم إلى معرفته من موقع ~~الحس الذي ينقل الصورة ، ومن موقع العقل الذي يحرك كل مفرداتها في ساحة ~~الإيمان بالله الواحد ( @QUR@05 وينزل لكم من السماء رزقا ) في ما ينزله من ~~مطر يحيي الأرض بعد موتها ، ويمنح الحياة فيها لكل شيء يدب عليها ، ويعيش ~~فيها .. أو في ما يقدره الله من رزق للناس جعله بتدبيره ورحمته وحكمته ، ~~وأنزله إليهم بأسبابه مما يفرض عليهم أن يتذكروا ربهم ليعرفوه وليؤمنوا به ~~، وليواجهوا المسؤولية أمامه فيطيعوه في ما أمرهم به ونهاهم عنه .. ولكن ~~الكثيرين لا يتذكرونه بل يظلون سادرين في غيهم ، مستغرقين في غفلتهم ، ( ~~@QUR@05 وما يتذكر إلا من ينيب ) ويرجع إلى الله في وعي المعرفة وعمق ~~الإيمان. # ( @QUR@08 فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) فهذا هو ~~التعبير الحي عن الموقف الإيماني ، والشعور العميق بالحضور الإلهي الشامل ~~الذي يستوعب الكون كله فيشرق فيه بنوره ، ويرعاه برحمته وقدرته وحكمته ، ~~ويشرف على الإنسان في وجوده في ما يطلع عليه من خفايا نفسه ، وأسرار حياته ~~، ويدبر له كل شؤونه المادية والمعنوية .. بما يجعل كل حاجاته الخاصة ~~والعامة خاضعة لإرادته ، الأمر الذي يدفع الإنسان إلى الرجوع إليه في ذلك ~~كله في ابتهال خاشع ، وإخلاص عميق ، تعبيرا عن إخلاص الدين كله لله ms4586 ، فإن ~~الدعاء يمثل الارتباط الحي بالله في ما يوحي به من انفتاح الروح بحاجاتها ~~ومشاعرها ، على الله ، ليكون ذلك التحدي العملي للكافرين الذين يتحركون ~~بعيدا عن الله ، كما لو لم يكن الله موجودا أو مهيمنا على الكون ، أو ~~للمشركين الذين يستغرقون في عبادة غير الله ويغفلون عن عبادته ( @QUR@02 ~~رفيع الدرجات ) في مواقع ملكه بحيث لا يستطيع أحد أن يبلغ درجات هذا العلو ~~الذي يعبر عن عظمته وعلوه ، ( @QUR@02 ذو العرش ) الذي يمثل الموقع الأعلى ~~في السماوات، PageV20P024 # باعتبار أنه مظهر السلطة. وربما كان كناية عن السلطة المطلقة ( @QUR@09 ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ) ربما كان المراد بالروح ، الوحي ~~أو الرسالة التي تنزل بأمره ، وهو المظهر الحي لإرادته ، على من يشاء من ~~رسله الذين اصطفاهم لرسالاته ( @QUR@01 لينذر (1) @QUR@02 يوم التلاق ) ~~فيعرفهم يوم القيامة ، ليفكروا فيه ، وليذكروه دائما وليحسبوا حسابه في كل ~~أعمالهم وأقوالهم ، ليتحملوا المسؤولية فيه ، ( @QUR@03 يوم هم بارزون ) لا ~~يحجبهم حجاب ( @QUR@06 لا يخفى على الله منهم شيء ) لأن الله مطلع على كل ~~خفاياهم وأسرارهم ، بما لا يعرفونه من أنفسهم. # ( @QUR@03 لمن الملك اليوم ) ويتطلع الجميع إلى السؤال الذي يتحدى كل ~~الواقع الإشراكي الذي يلتزمه الكثيرون في عقيدتهم وانتماءاتهم في الدنيا .. ~~وينطلق الجواب الذي يفرض مضمونه على الموقف كله ، والجمع كله ، في ما يرونه ~~من الواقع المهيمن على الأمر كله ( @QUR@03 لله الواحد القهار ) الذي تنطلق ~~وحدانيته من موقع خلقه للكون كله كما ينطلق قهره من سيطرته المطلقة على ~~الدنيا والآخرة. # * * * # ( @QUR@03 لا ظلم اليوم ... ) # ( @QUR@06 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) فهذا هو منطق العدل في الآخرة ، ~~كما هو في الدنيا منطق العدل ، والقيمة الروحية والاجتماعية والأخلاقية ، ~~فشعار يوم القيامة ( @QUR@03 لا ظلم اليوم ) لأن الله غني عن ظلم أحد ، لأن ~~الظلم ينطلق من موقع ضعف الظالم أمام المظلوم وما يعيشه تجاهه من عقدة تأكل ~~حس الطمأنينة في داخله .. ولذا فلا معنى للظلم هناك ، كما لم يكن هناك معنى ~~للظلم في الدنيا. ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ) فلا يشغله حساب أحد عن ~~حساب غيره ، فهو يحاسب ms4587 الخلق جميعا كما خلقهم جميعا من دون خطأ في الحساب ، ~~لأنه لا ضغط في هذه المسألة في أي شيء. # * * * PageV20P025 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع (18) @QUR@06 يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ~~(19) @QUR@015 والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن ~~الله هو السميع البصير (20) @QUR@030 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم ~~الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) @QUR@013 ذلك بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الآزفة ): القريبة الدانية ، والمقصود بها يوم القيامة. # ( @QUR@01 كاظمين ): من الكظم : شدة الاغتمام. # ( @QUR@01 حميم ): صديق أو قريب. # ( @QUR@01 واق ): حافظ. # * * * PageV20P026 # ( @QUR@03 أنذرهم يوم الآزفة ) # وتتوالى الآيات التي تنذر وتذكر وتتوعد وتلامس القلب والشعور بطريقة توحي ~~بالصدمة ، وتجعل الإنسان يقف حائرا وحده ، يلتفت ذات اليمين وذات الشمال ، ~~فلا يرى أحدا ينجده ، ولا وليا ينصره .. فليس هناك إلا الله ، وحده ، هو ~~الذي يملك المصير كله. # ( @QUR@03 وأنذرهم يوم الآزفة ) أي يوم القيامة القريبة الدانية التي ~~يرونها بعيدة ونراها قريبة ، لأنها آتية لا ريب فيها ، وحدثهم عن أهوالها ( ~~@QUR@05 إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ) وذلك كما لو كانت القلوب تقفز من ~~مقرها وتبلغ الحناجر من شدة الخوف ، وهم يعيشون الغم الشديد الذي يحتبس في ~~نفوسهم فلا يملكون أن يخرجوه أو ينفسوا عنه بالتعبير عن أحاسيسهم ومشاعرهم ~~الدفينة ( @QUR@02 ما للظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ( ~~@QUR@02 من حميم ) حيث لا صديق يشاركهم مشاعرهم ، ( @QUR@03 ولا شفيع يطاع ~~) فيستمع إلى شفاعته ، لأن الشفاعة لله وحده الذي ( @QUR@03 يعلم خائنة ~~الأعين ) فيرصد النظرة الخائنة التي تتلصص وتتجسس وتخون مشاعر العفة في ~~الإنسان ، مما لا يطلع عليه أحد ( @QUR@03 وما تخفي الصدور ) في ما تختزنه ~~الصدور من أسرار وخفايا ، وفي ما تخفيه المشاعر من عواطف وانفعالات .. مما ~~لا يستطيع الناس اكتشافه إلا بوسائل خاصة ، ولكن الله يعلمه بعلمه الذي لا ~~يخفى عليه شيء. # * * * ### ||| ** القضاء لله ms4588 # ( @QUR@03 والله يقضي بالحق ) لأنه يملك الفصل بين الناس يوم القيامة بالحق PageV20P027 # الذي يمنح كل واحد حقه على مقتضى عدله ( @QUR@07 والذين يدعون من دونه لا ~~يقضون بشيء ) لأنهم لا يملكون أية سلطة تسمح لهم بالقضاء ، أو أي موقع يفسح ~~لهم مجال ذلك لأنهم مملوكون لله ، لا يملكون إلا ما ملكهم من أمورهم أو ~~أمور الآخرين. وربما كانت الآية توحي بالمعنى الشامل الذي يتحدث عن قضاء ~~الله في حكمه وتدبيره للخلق من الناحية التكوينية والتشريعية ( @QUR@05 إن ~~الله هو السميع البصير ) الذي يحيط بكل المسموعات والمبصرات إحاطة ذاتية من ~~موقع علمه المطلق بالأشياء. # * * * ### ||| ** لا واقي من الأخذ الإلهي # ( @QUR@012 أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم ) من الأمم السابقة و ( @QUR@04 كانوا هم أشد منهم ) أي من هؤلاء ~~المشركين المكذبين بالله ورسوله ورسالته ( @QUR@04 قوة وآثارا في الأرض ) ~~في ما يملكونه من القوة الجسدية والمالية والمعنوية ، ومن الطاقات التي ~~يبنون فيها المدائن الحصينة والقلاع المنيعة والقصور العالية ، ( @QUR@03 ~~فأخذهم الله بذنوبهم ) في ما كانوا يعيشون فيه من طغيان وتعسف وكفر وشرك ~~وجحود وعصيان ( @QUR@07 وما كان لهم من الله من واق ) فليس هناك في الكون ~~كله من يستطيع أن يقي الناس من الله ( @QUR@07 ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا ) فهذا هو الأساس في الأخذ الإلهي ، ( @QUR@02 فأخذهم الله ~~) أخذ عزيز مقتدر ، ( @QUR@04 إنه قوي شديد العقاب ) فليفكر الجاحدون ~~المتمردون بقوته وشدته في العقاب ، لتتوازن خطواتهم في خط التقوى ، ولتتجه ~~إلى الصراط المستقيم. # * * * PageV20P028 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) @QUR@07 إلى فرعون ~~وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) @QUR@019 فلما جاءهم بالحق من عندنا ~~قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا ~~في ضلال (25) @QUR@018 وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن ~~يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26) @QUR@013 وقال موسى إني عذت ~~بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) @QUR@039 وقال رجل مؤمن ~~من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات ~~من ms4589 ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن ~~الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) @QUR@027 يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين ~~في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ~~وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) (29) # * * * PageV20P029 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 وسلطان مبين ): حجة واضحة. # ( @QUR@01 عذت ): لذت واعتصمت. # ( @QUR@01 مسرف ): المسرف هنا : من تجاوز الحد في معاصي الله. # ( @QUR@01 ظاهرين ): غالبين. # * * * ### ||| ** فرعون في مواجهة موسى عليه السلام # وهذه صورة من قصة موسى ، قد تختلف في بعض ملامحها عن القصة المذكورة في ~~الآيات السابقة ، وتبرز فيها شخصية نموذجية للإنسان المؤمن الذي يتحفز ~~لمواجهة كل الواقع الطاغي ، الذي ارتفع طغيان الظالم فيه إلى مستوى ادعاء ~~الألوهية في وحشية وتسلط ليصدم اعتزاز ذاك الظالم بموقعه ، وطريقته ~~الاستعراضية في إثارة الناس ضد الرسول والرسالة. مع ملاحظة مهمة وهي أن هذا ~~المؤمن جزء من العائلة المتألهة ، وبذلك فإن لانفصاله عن تلك العائلة قيمة ~~كبيرة بما يؤكده في ذلك من قوة إيمان ، وصلابة موقف ، وشخصية مميزة قوية ، ~~استطاع بها أن يتخلص من كل الإغراءات التي قدمت إليه على طبق من ذهب. # ( @QUR@04 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) التي تمثل المضمون الفكري والروحي ~~للرسالة في ما يريد من خلاله أن يقنع فرعون وقومه والناس جميعا بالإيمان به ~~والانتماء إليه ، ( @QUR@02 وسلطان مبين ) مما مكنه الله عليه من معجزات ~~خارقة للعادة كاليد البيضاء والعصا ونحوهما. # ( @QUR@03 إلى فرعون وهامان ) اللذين كانا يمثلان المركز الأعلى في السلطة PageV20P030 # السياسية الطاغية ، ( @QUR@01 وقارون ) الذي كان يمثل القوة المالية في ~~المجتمع ، وهذه هي الآية الوحيدة التي يتحدث فيها القرآن ، عن قارون ~~باعتباره إحدى الشخصيات البارزة التي أراد الله لموسى أن يبلغها الرسالة ، ~~بشكل مباشر. # ولعل الحديث عن هؤلاء الثلاثة ، يعود إلى قوة تأثيرهم على المجتمع لكونهم ~~يمثلون رموز المجتمع السياسية والمالية التي ألف الناس الخضوع لها في الفكر ~~والانتماء والممارسة. # ( @QUR@03 فقالوا ساحر كذاب ) لأن هاتين الصفتين تسقطان عن موقف موسى ~~الرسالي صبغة القداسة ، في الكلمة ، وفي الخط والموقف .. ليكون وصفه ms4590 ~~بالساحر سبيلا لإدخاله في نادي السحرة الذين يحترم الناس ألا عيبهم المثيرة ~~، ولا يرتبطون بفكرهم وخطهم في الحياة ، فإذا أضيفت إليها صفة الكذاب ، ~~أصبح بعدهم عنه أمرا حاسما .. فقد خان هذا الساحر جمهوره عند ما اندفع ~~إليهم من موقع السحر ، ليدعي دعوى غريبة تربطه بالسماء كذبا وبهتانا ( ~~@QUR@05 فلما جاءهم بالحق من عندنا ) في ما تتميز به الرسالة من مضمون الحق ~~كعنوان للفكر والمنهج والحركة والموقع .. لم يقابلوه بالتأمل والحوار ~~الناقد ؛ بل قابلوه بالقوة المتعسفة المعاندة المتوحشة ، و ( @QUR@06 قالوا ~~اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ) فهذا هو المنطق الذي استخدمه فرعون في حكمه ~~الطاغي قبل ولادة موسى ، اضطهادا لبني إسرائيل .. وهو المنطق نفسه الذي ~~واجه به موسى ومن آمن معه ، فقد أمر بقتل الأبناء ، لئلا يمتد الإيمان إلى ~~الجيل القادم ، وليكون ذلك عقوبة رادعة للمؤمنين ليتراجعوا عن هذا الإيمان ~~، ( @QUR@02 واستحيوا نساءهم ) لإبقائهن للخدمة ولغير ذلك من الأغراض ~~الفاسدة .. وقد نلاحظ في هذا الموضوع أن هؤلاء الطغاة لم يأمروا بقتل ~~المؤمنين أنفسهم ، بل بقتل أولادهم في سبيل الضغط عليهم ، مما قد يوحي أن ~~هناك مانعا يمنع إجراء كهذا وهو الإجراء الطبيعي في مثل هذه الحالات. # ( @QUR@06 وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) فلن يستطيعوا بلوغ غاياتهم في ما PageV20P031 # يكيدون وفي ما يخططون ، لأنهم لا يتحركون من قضية حق وعدل بل يتحركون من ~~عقدة باطل وظلم ، لإسقاط الحياة ، لا لتقويمها وإسعادها. # * * * ### ||| ** فرعون يؤلب الناس على موسى عليه السلام # ( @QUR@02 وقال فرعون ) وهو يستشير قومه ليبقى له الموقع المميز بينهم .. ~~( @QUR@03 ذروني أقتل موسى ) فيبدو ، أنه كان يواجه معارضة منهم ، ولهذا ~~فإنه يطلب منهم أن يوافقوه على قتله ( @QUR@02 وليدع ربه ) فهذا الرب لن ~~يستطيع أن ينصره علينا. ثم بدأ عملية الإثارة التي تخاطب مشاعرهم ، وتستثير ~~غرائزهم ، وتحرك عصبيتهم ( @QUR@05 إني أخاف أن يبدل دينكم ) الذي درجتم ~~عليه منذ بداية تاريخكم وينقلكم إلى عبادة الإله الواحد ( @QUR@06 أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد ) الذي قد يسيء إلى النظام العام ، وإثارة الفتنة ، ~~وتحريك المشاكل ضد الحكم الطاغي. هذا هو الأسلوب الذي يستعمله ms4591 الطغاة في ~~تأليب الناس ضد من يعملون على إصلاح الواقع وإسقاط حكمهم وتغيير النظام ~~الفاسد .. فهم يتهمونهم بالكلمات المثيرة للمشاعر ، كالتخريب ، والإفساد ~~وتبديل الدين ونحو ذلك .. وهذا ما حاول فرعون فعله في مواجهة موسى ليحصل ~~على تأييد قومه لفكرة قتله. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام يبطل تأثير كلام فرعون في النفوس # ( @QUR@06 وقال موسى إني عذت بربي وربكم ) فليست قوتي الذاتية هي التي ~~أواجه بها هذا المنطق التهديدي الذي تستخدمونه ضدي بما تملكونه من قوة ~~كبيرة ، بل إنني أستجير بقوة الله منكم ، وأنا واثق بأني سأحصل منها على ما ~~أريد ، لأني لا أتحرك من موقع ذاتي ، بل من موقع رسالي ، وهو موقع يحقق لي ~~الشعور بالأمن منكم و ( @QUR@07 من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) ولا يخاف PageV20P032 # نتائج عمله ، لاستغراقه في الأنانية والكبرياء اللتين تبعدانه عن التفكير ~~في الواقع بموضوعية وفي النتائج بمسؤولية ، وتلك هي مشكلة الاستكبار التي ~~تمنع الإنسان من الإيمان بيوم الحساب. # ومن خلال ما ذكرناه ، فإننا نلاحظ أن موسى لم يقل هذا الكلام من موقع ضعف ~~، بل حاول التأثير على نفسياتهم ومواقفهم عبر الإيحاء بأن الله الذي هو ربه ~~وربهم يدعم موقفه ، ليبطل تأثير كلام فرعون في نفوسهم ، وليبعث الخوف في ~~نفس فرعون بالذات ، كرد على كلامه في مواجهة موقع موسى عند ما قال : ( ~~@QUR@02 وليدع ربه ). # * * * ### ||| ** مؤمن آل فرعون : نموذج إنساني إيماني # ( @QUR@08 وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ).. وهذا نموذج إنساني ~~إيماني ، يريد القرآن أن يقدمه لنا عبر ما يمثله من مواقف في تاريخ العقيدة ~~الإلهية وحركة الأنبياء وتأثيرها في حياة مجتمعاتهم الكافرة والضالة ، ~~ويضعه في مستوى الظاهرة البارزة بسبب الموقف الرائع الذي اتخذه في عملية ~~التحدي. # فليس من المستبعد أن ينشأ إنسان مؤمن في مجتمع الكفر بصورة عامة ، ولكن ~~من المستبعد جدا أن يكون هذا الإنسان المؤمن جزءا من الجهاز الحاكم الذي ~~يرعى حركة الكفر وينميها ، ويحارب كل من يعارضها أو يقف في وجهها باعتبار ~~أن الكفر هو مصدر امتيازات الحكم التي حصل عليها ، وبالتالي فإن سيادة ms4592 ~~الإيمان في المجتمع تفقده قداسة الشخصية وقداسة المركز ، وهو أمر نلاحظه في ~~وضعية فرعون بالنسبة لمجتمعه ، فهو كان يحكم المجتمع من موقع شعور الناس ~~بقداسته ، لأنه يجسد الألوهية أو يحمل جزءا منها ، يبرر PageV20P033 # مطالبتهم بالخضوع له وتقديسه. # * * * ### ||| ** المؤمن الظاهرة # وعلى ضوء هذا ، نستطيع أن نقرر أن مؤمن آل فرعون يمثل ظاهرة مشرقة جديرة ~~بالتأمل والدرس ، وباعثة على الأمل في ظلمات اليأس ، عند ما يجد الداعية ~~الأجواء مكفهرة أمامه ، فإنه سيلتقي أملا أخضر لظهور وجه جديد غير منتظر ، ~~يحمل الرسالة معه ، ويجاهد من أجله ، من دون التفات للامتيازات أو ~~الإغراءات المطروحة أمامه ، أو الموجودة لديه. # وقد صور لنا القرآن الكريم ، هذا المؤمن الظاهرة بصورة الإنسان الرسالي ~~الذي يمتلئ قلبه بالحزن على قومه ، فتزحف مشاعره على كلماته لتتلمسها بحذر ~~وهدوء ، لتفتح نافذة على الحق هنا ، أو هناك ، وتفسح مجالا للضوء ، كي ~~يخترق بعض خيوط الظلام ، لينطلق الضياء خطوة خطوة لمعة في الأعماق ، ~~وإشراقة في الضمير ، قبل أن يشعر جنود الظلام بأن جحافل الفجر تعد في مقالع ~~الضوء أعمدة الشروق. # ثم يندفع في رسالته ، وتتصاعد الكلمات بقوة ، وتتفجر الآلام بحزم ، ~~وتنطلق الكلمة الحاسمة ، لتكشف عن الحق ، فيحسم الموقف بالنداء القوي ~~الهادر الذي يترك الحذر خلفه ، ليستقبل المجابهة بقوة. # ولعل قيمة هذا المؤمن الكبيرة تتمثل في هذه الانطلاقة الإيمانية التي ~~عاشت في نفسه فعبأت داخله بكل معاني الحياة الكبيرة ، حتى تحول إلى إنسان ~~لا يكتفي بالجانب الذاتي للإيمان الذي يضمن مصيره في الآخرة من دون أن يترك ~~أي أثر حركي في موقفه تجاه الآخرين ، كما هي حال كثير من المؤمنين الذين ~~يشعرون بأن مسئوليتهم تجاه الإيمان تنتهي عند ما يقومون بما يفرضه PageV20P034 # عليهم من أعمال وعبادات أو ممارسات فردية ، لأن ذلك هو سبيل النجاة في ~~الآخرة .. أما الأعمال التي تعرض الإنسان للخطر ، بفعل واقع المواجهة ~~القوية للتحديات الفكرية والاجتماعية والعسكرية ، فليس مما تفرضه عليهم ~~مسئولية الإيمان ، فإن لتلك الأعمال أهلها وأصحابها. # أما هذا المؤمن فلم يكتف بهذا الجانب ، بل اعتبر الإيمان مسئولية المؤمن ~~، لارتباطه ms4593 بقضية الخلاص الشخصي في الدنيا والآخرة ، وعلاقته بخلاص الآخرين ~~، لأن من طبيعة الإيمان أن يعيش المؤمن في نفسه حركة الرسالة وامتدادها في ~~حساب المسؤولية التي تحول كل المؤمنين إلى رسل صغار ، بحسب طاقتهم وقدرتهم ~~، كما تحول الأقوال والأفعال إلى رسالات تتحرك في أكثر من اتجاه لتلتقي بعد ~~ذلك في نطاق الهدف الواحد الكبير ، وهو سعادة الإنسان في ظل شريعة الله ~~ورسالته. # * * * ### ||| ** سبب كتمه لإيمانه # .. وكان يكتم إيمانه ، لا بسبب الخوف ، فقد كان ، في ما يبدو ، يملك ~~الموقع القوي الذي يكفل له الحماية من قومه ، ولكن كي يحصل على حرية الحركة ~~في خدمة الرسالة من خلال الإيحاء بالحياد والاعتدال ، إزاء واقع التطرف ~~المتمثل في موقف فرعون المتوتر والحاقد ضد الرسالة والرسول ... فقد بدأ ~~العمل على تفشيل مخططات فرعون ضد موسى بهدوء ، من خلال نثر الكلمات التي ~~توحي بالتفكير وتبعث على اليقظة ، هنا وهناك ، مع هذا الشخص أو ذاك ، ولدى ~~هذه المجموعة أو تلك ، حتى نستطيع أن نرجع إلى تأثيره في موقف فرعون الخائف ~~الذي كان يستجدي تأييد أتباعه لاتخاذ موقف شديد ضد موسى ، ولكنه لم يحصل ~~على شيء من ذلك ، فقد يظهر لنا ، من خلال دراستنا للحوار الذي كان يديره مع ~~قومه ، أنه كان يعمل على تفريغ القوة PageV20P035 # من الداخل حتى يرتفع الضغط عن الرسالة من جهة ، وتقوى خطوات الرسول من ~~جهة أخرى .. وكان يتابع عمله هذا من موقع القوة التي يتمتع بها لا من موقع ~~الضعف ، لأننا نلاحظ في ما يأتي من حديث القرآن عنه أنه كان يعبر عن رأيه ~~في كثير من المجالات بصراحة وقوة من غير أن يجابه بأي رد ، أو محاولة للرد ~~من أحد. # وقد تحدث القرآن عن هذا المؤمن ، وعن مواقفه في إطار حديثه عن قصة موسى ~~مع فرعون ، حيث نلتقي به في هذا الجو الجديد من الحوار الذي نرى فيه فرعون ~~مجتمعا بقومه ، طالبا منهم إعطاءه الحرية في قتل موسى ، متذرعا بالأسباب ~~التي يتذرع بها الطغاة عادة للقضاء على خصومهم من أصحاب المبادئ والرسالات ~~والأفكار ms4594 الإصلاحية ، وهي المحافظة على النظام وصلاح أمر البلاد والعباد. # * * * ### ||| ** الحوار غير المباشر بين المؤمن وفرعون # وهنا يقف هذا المؤمن ، لينطلق صوته من الداخل ، في أسلوب لايجابه فيه ~~فرعون بشكل مباشر ، بل يتجه به إلى قومه ليمنعهم من التجاوب مع فرعون في ~~طلبه .. فنلتقي بالموقف الرائع الذي يرسم لنا صورة جديدة من الحوار الذي لا ~~يلتقي فيه المتحاوران وجها لوجه ، بل يطرح أحدهما الفكرة في حياة المجتمع ، ~~وينطلق الآخر مع أفراد المجتمع لرد الفكرة وإظهار فسادها وخطئها ، لأن ~~الطرف الأول للحوار لا يمكن أن يخضع لروح الحوار في أجواء البحث عن الحقيقة ~~، لأن القضية عنده قضية سلطان يجب أن يدوم ويستمر ، لا قضية حق يجب أن يقوم ~~وينطلق ، ولهذا فإن مواجهته بالنقد والحوار لا تحقق أية نتيجة ، لأنها قد ~~تشارك في خنق الصوت وقتله ، أو في إقامة الحواجز بين المجتمع وبينه ، لذا ~~فإن الخطة العملية تقضي بالتوجه إلى المجتمع بعيدا عن PageV20P036 # أجواء الحاكم وضغوطه ، ليلقي إليه بما يواجه الفكرة المطروحة ، فإن ذلك ~~هو السبيل الأفضل للوصول إلى النتيجة ، بدون سلبيات. ولعل روعة هذا الأسلوب ~~الجديد في الحوار تكمن في أنك لا تلتقي فيه بصوت فرعون يرن في القاعة في ~~جانب ، وصوت هذا المؤمن ينطلق في جانب آخر ، بل تسمع صوت موسى ينساب هادئا ~~رساليا في بعض الحالات ، لتعطينا الصورة الرائعة للرسالة ، وهي تتحرك بين ~~الرسول والطاغية من جهة ، وبين الطاغية والمؤمن بالرسالة من جهة أخرى. وهم ~~جميعا يحاولون إيصال المجتمع إلى ما يريدون ، في الوقت الذي نشعر فيه أنه ~~يمارس في المجتمع دورا حركيا مضادا بل يبقى خاضعا للتأثيرات النفسية ~~والفكرية التي تأتي من هنا وهناك ، من دون أن يمارس دورا مستقلا ، لأنه لم ~~يستطع التخفف من ضغط الجو الحاكم عليه تماما ، ولذلك ، كان يتأرجح بين ~~رواسبه ومصالحه ، وبين مشاعره وأفكاره في عملية تجاذب وصراع. # ( @QUR@011 أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) ~~نلاحظ أن هذا المؤمن يتخذ في البداية مظهر الإنسان الحيادي البعيد نسبيا عن ~~موضوع الخلاف ms4595 ، فيناقش المسألة المطروحة باعتباره فردا من أفراد العائلة ~~الحاكمة ، بأسلوب هادئ خفيف ، فقد كان فرعون يطلب من قومه ، إعطاءه الحرية ~~في قتل موسى دفاعا عن العقيدة والنظام ، اللذين جاء موسى لتخريبهما حسب ~~ادعائه. وهنا يتدخل هذا المؤمن في أسلوبه الواقعي الحذر ليواجههم باستنكار ~~فكرة قتل موسى لأنه قال : إن ربي الله ، في حشد من البينات والبراهين التي ~~تدعم دعواه وتؤيدها ، فهو لا يملك الرجال والسلاح لتخافوا منه على الملك ، ~~فهو يطرح الفكرة من خلال الرسالة ، فاتركوه وشأنه ، فإن كان كاذبا فسيجني ~~جزاء كذبه دون أن يصيبكم منه شيء ، وإن كان صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، ~~وهذا ما عبرت عنه الفقرة التالية : ( @QUR@017 وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من PageV20P037 # @QUR@03 هو مسرف كذاب ) فلا تكونوا من المسرفين الذين يتجاوزون حدود الحق ~~في تفكيرهم وفي موقفهم فيدعون ما ليس لهم بحق ، ولا تكونوا من الكذابين ~~الذين يكذبون على الناس بالباطل في ما يدعونه من ربوبية من ليس ربا ، وفي ~~ما يثيرونه بين الناس من أكاذيب في قضايا الحياة العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** المؤمن يثير الخوف من بأس الله # ثم بدأ في إثارة الخوف بالمقارنة بين ما يملكون من قوة وسطوة ، وبين ما ~~يصوره موسى من قوة الله المطلقة التي لا يملكون إزاءها أي دفاع لأنها فوق ~~ذلك كله : ( @QUR@08 يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ) في ما ~~تملكونه من غلبة وعلو في الموقع وفي السلطة ، ولكن ما حجم قوتكم هذه ، مهما ~~كانت كبيرة ، أمام قوة الله الذي يهددنا موسى بعذابه ( @QUR@07 فمن ينصرنا ~~من بأس الله إن جاءنا ) فأخذنا بعذابه ، فهل نستطيع دفاعا ، وهل نستطيع ~~مواجهة بأس الله لتكون لنا الغلبة ، أو لندفع عن أنفسنا العذاب. # * * * ### ||| ** فرعون يطلق حكمه المتعسف # ولم يشأ فرعون في ما يظهر أن يجيب عن هذا اللون من الكلام ، بل استعمل ~~أسلوب الحاكم الذي يطلق حكمه من دون مناقشة ، بأسلوب حاول فيه التخفيف من ~~تأثير كلام المؤمن عليهم ، معلنا للناس أنه ms4596 يريهم ما يراه ولن يهديهم إلا ~~سبيل الرشاد ( @QUR@012 قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد ) فتلك قضية لا ينتظر لها جوابا ، لأن دور الأتباع أن يتلقوا كلامه ~~، كحقيقة لا تناقش ، كما يفعل كل الطغاة أمثاله ، في عملية إيحاء بما ~~يملكونه من قوة تطلق أوامرها من الموقع الأعلى الذي يفرض الطاعة على ~~الجميع. # * * * PageV20P038 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) ~~@QUR@014 مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد (31) @QUR@07 ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) @QUR@016 يوم ~~تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ~~@QUR@030 ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى ~~إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ~~(34) @QUR@023 الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 دأب ): عادة. PageV20P039 # ( @QUR@02 يوم التناد ): المقصود يوم القيامة. # ( @QUR@01 عاصم ): مانع. # ( @QUR@01 صرحا ): الصرح : البناء الظاهر. # ( @QUR@01 الأسباب ): السبب : كل ما يتوصل به إلى شيء يبعد عنك. # ( @QUR@01 تباب ): هلاك وخسار. # * * * ### ||| ** مؤمن آل فرعون يخوف قومه ويذكرهم مصير الأمم السالفة # .. ووقف مؤمن آل فرعون مجددا أمام الناس ليرد على فرعون بأسلوب جديد ، ~~يطرح فيه قضية موقفهم من موسى ليخوفهم من المصير المظلم الذي قد يستقبلهم ~~كما استقبل غيرهم من الأمم التي وقفت الموقف نفسه ، فحاربت أنبياءها ~~واضطهدتهم من دون أن تعطيهم حرية التعبير عما يحملونه من فكر وما يدعون ~~إليه من رسالة. # ( @QUR@011 وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) من ~~الأمم التي سبقتكم وتكتلت أحزابا للكفر ، وجماعات للضلال ، وتمردت على الله ~~وواجهت رسله ، وحاربت رسالاته ، ( @QUR@09 مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم ) هؤلاء الذين عذبهم الله في الدنيا قبل الآخرة ، بعد أن ~~أقام عليهم الحجة ، ( @QUR@05 وما الله يريد ms4597 ظلما للعباد ) بل العباد هم ~~الذين يظلمون أنفسهم بالكفر بالله والتمرد على رسله. # ( @QUR@07 ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ) وهو يوم القيامة الذي ~~ينادي فيه الظالمون بعضهم بعضا أو ينادون بالويل والثبور على ما اعتادوا به ~~في الدنيا ، PageV20P040 # أو يراد به الإشارة إلى المناداة التي تقع بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ~~على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف. ( @QUR@03 يوم تولون مدبرين ) في ~~حالة فرار وهزيمة خائفة مرعبة ( @QUR@06 ما لكم من الله من عاصم ) يعصمكم ~~من عذاب الله ، ( @QUR@03 ومن يضلل الله ) يتركه لنفسه ، ويهمله فلا يفيض ~~عليه من لطفه ورحمته ، ( @QUR@04 فما له من هاد ) لأن للهدى أسبابه التي ~~خلقها الله وطوعها لإرادة العبد واختياره ، فإذا رفضها واستكبر عليها ، ~~وسلبه الله رعايته ، فلا يملك أحد أن يحقق له الهداية. # ( @QUR@06 ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ) في ما كان يثيره أمامكم من ~~فكر توحيدي يهديكم إلى معرفة الله ، ومن روح مسلمة تسلم كل حياتها لله في ~~إسلام القلب واللسان والحركة ( @QUR@07 فما زلتم في شك مما جاءكم به ) فلم ~~تؤمنوا به ، ولم تصدقوه ، بل واجهتم دعوته بعلامات الاستفهام الهادفة إلى ~~التحدي وإثارة الجدال العقيم ، لا الوصول إلى معرفة الحقيقة .. ( @QUR@03 ~~حتى إذا هلك ) وانتقل إلى جوار ربه ( @QUR@07 قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا ) في إعلان لانتهاء عهد الرسل ، لأن ذلك لن يكلفكم شيئا في الالتزام ~~، باعتبار أن الإيمان بالرسل شيء يتصل بالماضي ، في الوقت الذي تؤكدون فيه ~~حرية الانتماء في المستقبل ، حيث لا موقع للرسالات ( @QUR@07 كذلك يضل الله ~~من هو مسرف مرتاب ) ممن لا ينفتح على حدود الله ، ولا يقف عند ضوابط ~~المعرفة ، ولا يبني قناعاته الفكرية على قاعدة اليقين ليلتزم به. # ولعل هذه الآية هي المناسبة الوحيدة التي تحدث فيها القرآن عن شخصية يوسف ~~الرسالية ، ومعاناته مع قومه ، نتيجة تمردهم عليه وشكهم في رسوليته في حركة ~~الدعوة في حياته .. فقد كان القرآن يتحدث عنه بصفته الحاكم الإداري الذي ~~يملك السلطة على مقدرات مصر المالية. # * * * PageV20P041 ### ||| ** مقت الله للجدال العابث اللاهي # ( @QUR@08 الذين يجادلون ms4598 في آيات الله بغير سلطان أتاهم ) فهم لا يجادلون ~~استنادا إلى حجة أو برهان ، بل من موقع العبث واللهو والعناد ( @QUR@07 كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ) لأن مثل هذا الموقف الجامد المتعنت أمام ~~كل دلائل الحقيقة ، لا يستحق إلا أشد البغض والاحتقار والعذاب ( @QUR@08 ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) فلا يفقهون شيئا مما يسمعون ولا ~~يفهمون حقيقة في ما يفكرون ، لأن قلوبهم قد أغلقت على الجهل الذي يعيش في ~~عمق شخصياتهم ... نتيجة ما عاشته من كبرياء وما تحركت به من جبروت .. # * * * PageV20P042 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) ~~@QUR@023 أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) @QUR@09 ~~وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) @QUR@012 يا قوم إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) @QUR@023 من عمل ~~سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) @QUR@010 ويا قوم ما لي أدعوكم ~~إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) @QUR@015 تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ~~ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) @QUR@022 لا جرم أنما ~~تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار (43) @QUR@012 فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ~~إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) @QUR@010 فوقاه الله سيئات ما مكروا ~~وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) @QUR@013 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) (46) # * * * PageV20P043 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مردنا ): مرجعنا. # ( @QUR@04 وأفوض أمري إلى الله ): أرد أمري إلى الله. # ( @QUR@01 وحاق ): أحاط ونزل. # ( @QUR@02 غدوا وعشيا ): صباحا ومساء. # * * * ### ||| ** ( @QUR@05 يا هامان ابن لي صرحا ... ) لأطلع إلى إله موسى عليه السلام # ويعود فرعون من جديد ، وكأنه استمع للحوار بين هذا المؤمن وقومه ، فيرد ~~عليه بشكل غير مباشر ، ليخفف من تأثير فكرة الخوف التي أثارها المؤمن في ~~حديثه ms4599 عن الله ، كحقيقة وجود كما لو كان مؤمنا به ، خلافا لأسلوبه السابق ~~في تناول تلك القضية ، فهو الآن يطرح أمامهم تاريخ الرسالات والرسل مع ~~شعوبهم. # وكان أسلوب فرعون يتمثل في إظهار المحاولة الجادة للصعود إلى رب موسى ~~ليراه ويحاسبه ، تماما كما لو كان الله شخصا كبقية الأشخاص الذين يحاربهم ~~ويحاربونه ، ويجادلهم ويجادلونه ، إنه يوحي لهم بأنه يريد اكتشافه ، هل هو ~~حقيقة أم وهم وخيال. # ( @QUR@07 وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ) ويوحي كلامه بأنه يريد بناء ~~شامخا في أعلى درجات الارتفاع ( @QUR@03 لعلي أبلغ الأسباب ) أي الوسائل ~~التي أستطيع من خلالها الصعود إلى السماوات ، ( @QUR@06 أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى ) الذي يتحدث عنه موسى كما لو كان ساكنا في السماء ~~لأتأكد من وجوده هناك ( @QUR@01 وإني PageV20P044 # @QUR@02 لأظنه كاذبا ) لأنه لم يظهر لأحد من الناس ، وهو أمر لا يستطيع ~~أن يصدقه أحد ، لأنه لا معنى لوجود إله عير مرئي ، وهكذا حاول فرعون ~~الإيحاء لمن حوله بالقوة الكبيرة التي ينازع بها إله السماوات والأرض ( ~~@QUR@05 وكذلك زين لفرعون سوء عمله ) في ما وجده حوله من خضوع الناس له ~~وتزلفهم إليه بإعلان قبولهم لدعواه الربوبية وهو خضوع وتزلف يبعثان في نفوس ~~الطغاة الشجاعة للاستعلاء على الناس ( @QUR@03 وصد عن السبيل ) القويم الذي ~~يصل بالإنسان إلى معرفة الله والعمل بطاعته والخضوع لإرادته في الحياة ( ~~@QUR@06 وما كيد فرعون إلا في تباب ) أي هلاك وانقطاع ، لأنه يسير في ~~الطريق الخطأ الذي يؤدي إلى النتائج السلبية التي تربك كل مخططاته ضد الحق ~~وأهله فإن الله له بالمرصاد .. # * * * ### ||| ** المؤمن يستخدم أسلوب الوعظ # ولكن مؤمن آل فرعون ، واقف لفرعون بالمرصاد ، يتابع كلماته ويرصد تأثيره ~~على الناس ، ليخفف من ذاك التأثير أو يبطله ، فنراه في هذا الموقف يرفع ~~صوته من جديد ، بأسلوب زاخر بالمرارة والعاطفة ، ومملوء بالموعظة والنصيحة ~~، يبصر قومه بالحياة وفنائها والآخرة وخلودها ، ثم يحدد لهم طبيعة ~~المسؤولية ونتائجها ، فكل إنسان يتحمل مسئولية عمله ، إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر ولن يتحمل أي شخص مسئولية شخص آخر ، ولذا فإن عليهم أن يواجهوا ~~مسئوليتهم ms4600 بأنفسهم لأن فرعون لن يستطيع أن يدفع عنهم أي شيء. # ( @QUR@09 وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ) ولا تتبعوا ~~فرعون الذي يريد أن يقودكم إلى طريق الغي والفساد ، ليستغلكم في ما يحقق ~~أطماعه ويوصله إلى غاياته الاستكبارية في التجبر والبغي في الأرض بغير الحق ~~ثم ينتهي أمره إلى الفناء ، فلا تحصلون منه على شيء لأنكم ستموتون معه أو PageV20P045 # في سبيله دون أية نتيجة طيبة .. أما أنا ، فليست لدي أية غاية ذاتية ، بل ~~كل هدفي إعطاء نظرتكم إلى الحياة امتدادها الفعلي ، لتروا أن حياتنا هذه ~~ليست نهاية المطاف ، فهناك حياة أخرى تواجهون بها نتائج المسؤولية تبعا ~~لحركة المسؤولية في الدنيا في نطاقها السلبي أو الإيجابي. # ( @QUR@07 يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) زائل يحمله الإنسان مدة ~~ثم يفارقه ( @QUR@05 وإن الآخرة هي دار القرار ) التي يخلد الإنسان فيها في ~~نعيم دائم أو عذاب خالد. و ( @QUR@07 من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ) ~~فذلك هو الجزاء العادل الذي يضع العقوبة في حجم الجريمة ، ( @QUR@07 ومن ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى ) فلا فرق في قيمة العمل بين إنسان وآخر ذكرا كان ~~أو أنثى ، لأن الأنوثة والذكورة لا تمنحان طبيعة العمل أية ميزة ، فقد يكون ~~عمل المرأة أفضل من عمل الرجل أو العكس وقد يتساوى عملهما في القيمة ، ( ~~@QUR@02 وهو مؤمن ) لأن الإيمان هو المضمون الروحي الذي يميز روحية العمل ، ~~ويمنحه معنى يتصل بالله بدلا من أن يبقى جامدا في مضمونه المادي الذي يتصل ~~بالأرض ، ( @QUR@07 فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) لأن عطاء ~~الله للعاملين في سبيله المتقربين إليه ، لا حدود له ، فهو الكريم الذي لا ~~يقف كرمه عند حد. # * * * ### ||| ** يا قوم تعالوا إلى الإيمان فتنجوا ... # وهنا نلمح حدوث تجاذب وصراع بينه وبينهم ، فقد حاولوا في ما يبدو منعه من ~~الانطلاق بعيدا في هذا الاتجاه ، وجره إلى حياتهم وملذاتهم وشهواتهم ، ~~ولكنه ظل صامدا في موقفه ، يشرح لهم الفارق بين دعوته ودعوتهم ، فهو يدعوهم ~~إلى الجنة وإلى السعادة ، وإلى النجاة في الدنيا والآخرة .. أما ms4601 هم ، فإنهم ~~يدعونه إلى السير مع شخص لا يشكل الارتباط به PageV20P046 # أية ضمانة للحياة ، بينما الارتباط بالله يمثل كل المعاني الخيرة الطيبة ~~يعيش الإنسان معها عزيزا في ظل عزة الله ، مطمئنا إلى مصيره في ظل غفران الله. # ( @QUR@07 ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ) من النار ( @QUR@03 ~~وتدعونني إلى النار ) فقد كانوا يحاولون جره إلى عقيدتهم وخطهم الفكري ~~والعملي في الحياة ، لينسجم مع جو العائلة المالكة الكبيرة التي تريد ~~الإبقاء على وحدتها في الموقف والانتماء .. لكنه رد على المحاولة ، بقوة لا ~~مهادنة فيها ولا مجاملة ، لأن المسألة تتصل بالعقيدة الحقة ، الأمر الذي ~~يجعل الموقف جهادا في سبيل جرهم إليه. # ( @QUR@010 تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم ) لا يكون ~~انتمائي إلى مجتمعكم من دون أساس أو حجة ( @QUR@05 وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار ) الذي يملك القوة كلها ، فهو الذي يعطي القوة للأقوياء ، كما يملك ~~الرحمة كلها التي تشمل المذنبين الراجعين إليه بالمغفرة. # ( @QUR@05 لا جرم أنما تدعونني إليه ) من عبادة هذا الفرعون الذي لا يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بالله ، فكيف يملكهما لغيره ، وكيف يكون إلها للناس ~~وهو مخلوق لله خالق الحياة والناس ، فهو ( @QUR@08 ليس له دعوة في الدنيا ~~ولا في الآخرة ) لأنه لا يمثل أية حقيقة ثابتة في الواقع الدنيوي والأخروي ~~، ( @QUR@04 وأن مردنا إلى الله ) فهو الذي بدأ الخلق فوجدوا من موقع ~~إرادته ، وهو الذي يعيدهم ليقفوا أمامه ليحاسبهم على أعمالهم ويدخل الذين ~~آمنوا واتقوا منهم في رحمته فيكونوا من أصحاب الجنة ، ( @QUR@02 وأن ~~المسرفين ) الذين أسرفوا على أنفسهم بالكفر والعصيان ( @QUR@03 هم أصحاب ~~النار ) حيث يلاقون جزاء أعمالهم الشريرة. # * * * PageV20P047 ### ||| ** نهاية الحوار # وفي نهاية هذا الفصل يختم المؤمن حوارة معهم ، بعد استنفاد كل الوسائل ~~ليقول لهم ( @QUR@04 فستذكرون ما أقول لكم ) من الفكر الإيماني ، والخط ~~التوحيدي ، والنهج المستقيم ، وستستعيدون كلامي كله ، عند ما تصطدمون بواقع ~~الحياة الذي يتحدى كل أوضاعكم وأعمالكم ، تماما ، ككل الأصوات الخيرة التي ~~لا تلامس أرواح وأفكار الناس الذين توجه إليهم نداءها إلا بعد حين. # ثم يعلن لهم أنه ms4602 ينفض يديه منهم ويفوض أمره إلى الله بقوله : ( @QUR@04 ~~وأفوض أمري إلى الله ) فهو الذي يتولى تدبيري في الدنيا ، وتدبيري في ~~الآخرة ( @QUR@04 إن الله بصير بالعباد ) لا يفوته من أمرهم شيء ، مما ~~يخفونه ومما يعلنونه. # * * * ### ||| ** الله يستجيب لعبده المؤمن # .. وتأتي اللمسة القرآنية ، لتؤكد استجابة الله له في هذا التفويض ، حيث ~~وقاه الله سيئات مكرهم ، بينما واجهوا نتائج مسئوليتهم ، فانتهوا إلى النار ~~، وبئس القرار ( @QUR@05 فوقاه الله سيئات ما مكروا ) وأبطل كل تدبيرهم في ~~الضغط عليه ، ومحاصرته ومصادرة حريته ، وهزيمة موقفه ، ( @QUR@05 وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب ) وهو ( @QUR@05 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) في عذاب ~~مستمر في عالم البرزخ يعيشون فيه العذاب النفسي ( @QUR@03 ويوم تقوم الساعة ~~) حيث ينطلق نداء الله القوي الحاسم ( @QUR@05 أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ~~) الذي يستحقونه لطغيانهم وكفرهم. # * * * ### ||| ** إيحاءات القصة والحوار # وقد لا يفوت القارئ ، وهو يتابع هذه الآيات ، كيف يمكننا أن نطبق PageV20P048 # كثيرا من عناصر هذا الأسلوب على ما نواجهه في حياتنا المعاصرة ، ومنها ~~النقاط التالية : # 1 وجود مؤمنين غير معلنين يدعون إلى الله يعيشون مع مجتمعاتهم بأسلوب ~~يعطي انطباعا بأنهم لا يختلفون عن مجتمعاتهم تلك من حيث الانتماء ، ومن حيث ~~طريقة الحياة ، ولكن من دون أن ينحرفوا عن الخط الصحيح ، وهم يتابعون ~~الدعوة من أجل كسب أكبر عدد ممكن من الأفراد إليها من جهة ، والاطلاع على ~~الخطط التي توضع ضد الإيمان من جهة أخرى. # وهذا هو الذي تعبر عنه فكرة «التقية» الإسلامية التي يعتمدها الشيعة ~~ويرون شرعيتها استنادا إلى المبادئ القرآنية المتعددة ، ومنها هذه القصة ، ~~وقصة عمار بن ياسر وغيرها. # 2 ملاحقة العاملين في سبيل الله للأفكار التي يطلقها الحاكمون المنحرفون ~~وغيرهم ، في أوساط المجتمع ، لتضليله ، ولتبرير خطواتهم العدوانية ~~والانحرافية بأسلوب يربط المجتمع بالفكرة ، بعيدا عن أية سلبيات صدامية ~~توجب الدخول في مواقف عنيفة لم يستعد الدعاة لها في مرحلتهم التي يمرون بها ~~، بحيث يتحول الحوار بينهم وبين المجتمع في هذه القضايا ، إلى حوار غير ~~مباشر بينهم وبين الحاكم ، باعتبار هذا الأسلوب طريقة عملية ومحاولة أخيرة ~~، لهداية الحاكم وإيقاظ ms4603 ضميره ، وإلقاء الرعب في نفسه عند ما يشعر بالأصوات ~~التي ترتفع ضد أفكاره وخطواته بهدوء وقوة وحكمة ، فلا تترك له أية حجة ~~لمواجهتها وتصفيتها. # 3 استيحاء الروح الرسالية التي تعيش في وجدان الداعية وضميره وخطواته من ~~أسلوب هذا المؤمن ، حيث نشعر بالوداعة الإيمانية التي تبدو في حياته ، ~~وبالهدوء القوي الذي يسيطر عليه ، والعاطفة الفياضة التي تنساب في كلماته ~~وخطواته ، والحكمة الرائعة في أسلوب الحوار والدعوة ، مما يوحي PageV20P049 # بابتعاده عن أجواء التحدي العام ، حتى في أشد الحالات التي يواجهها ضدهم ~~، فنحن لم نلمح في نهاية المطاف في أسلوبه أي إعلان عن انتمائه إلى موسى ، ~~بل بقي على طريقته التي بدأها ، من اعتبار نفسه إنسانا يحكم للحق ، انطلاقا ~~من دراسته للموقف وقناعته به ، لا من موقع انتسابه إلى أحد أطراف النزاع. # 4 الإبقاء على الأسلوب الوعظي الذي يرتكز على التخويف من الله ، ومن ~~نتائج الحساب في الآخرة ، حتى مع المتكبرين والمتجبرين والطغاة ، في مواجهة ~~لتحديهم الناس بما يملكون من قوة بتحد أكبر منه يطرح قوة الله في المقابل ~~باعتبارها القوة التي لا تقاوم ، ثم محاولة إحداث الفجوة بينهم وبين الناس ~~، عبر ربط قضية الحق والباطل بالخوف من المصير ، مما يخلق لدى الناس شعورا ~~بضرورة الابتعاد عن مواطن الخطر مهما كانت. # 5 التركيز على إيضاح الخط الفاصل بين الدعوة إلى الله ، وبين الدعوة إلى ~~غيره ، بإبراز الخصائص التي تتميز به كل من الدعوتين ، وإظهار الطابع ~~الأصيل لكل منهما ، والتركيز على النتائج العملية التي تترتب على اختيار ~~طريق الإيمان بالله في سلامة المصير ، بينما يؤدي السير في الطريق المعاكس ~~إلى نتائج خطرة على الدنيا والآخرة ، كما لاحظنا ذلك في أسلوب هذا المؤمن ~~في الدعوة ، حيث ختم حديثه مع فرعون بالتركيز على طبيعة دعوته التي تنتهي ~~إلى النار. # ولا بد لهذا الأسلوب من مواجهة المؤثرات الفكرية والاجتماعية والسياسية ~~والاقتصادية ، التي تساهم في توجيه الرأي العام ، وتعطي لبعض التيارات ~~والأفكار المطروحة ، ثقة اجتماعية أو رفضا اجتماعيا ، لأن تلك المؤثرات قد ~~تضلل الرأي العام وتنحرف به عن ms4604 وضوح الرؤية ، فتلبس الباطل لبوس الحق ، أو ~~تمنح الحق ثياب الباطل ، كما نلاحظه في بعض التيارات السياسية والاقتصادية ~~التي توجه التفكير إلى بعض العوامل الحيوية التي تحرك PageV20P050 # المجتمع ، نتيجة المشاكل الكبيرة المطروحة من خلالها ، فتوحي لنا بأن تلك ~~العوامل هي كل شيء ، مما يؤدي إلى عزل بقية العوامل المؤثرة على الحياة ~~بحيث تبدو عوامل لا ترتبط بقضايا المصير ، لأن المصير أصبح شأنا دنيويا لا ~~علاقة له بالآخرة ، أو بالإيمان بالله من قريب أو بعيد. # 6 إن ظاهرة مؤمن آل فرعون ، تؤكد الفكرة الإسلامية التي ترفض اعتبار ~~البيئة عاملا حاسما يشل عنصر الاختيار والإرادة في الإنسان لجهة ما يتخذه ~~من مواقف وما يقوم به من أعمال ، ليكون ذلك مبررا شرعيا للانحراف من جهة ، ~~ودليلا على الاتجاه الجبري الفلسفي الذي ينكر على الإنسان حريته من موقع ~~البيئة التي تسيطر على تفكيره وتوجه إرادته في اتجاه محدد منحرف أو مستقيم. # إن وجود مثل هذا الإنسان الذي يولد في مجتمع الشر ، ووجود امرأة فرعون ~~التي تعيش تحت ضغط هذا المجتمع ، يؤكد الفكرة التي تعتبر جو الشر عنصرا ~~يشجع الشر ، ويضعف مقاومة الإنسان ضده ، ولكنه لا يلغي المقاومة ، بل يبقي ~~للإنسان مجال التعبير عن إرادته في ظل الظروف الصعبة ، ويسمح للإنسان ~~بتجربة الانتصار. ونجد في المقابل ، الإنسان الذي يولد في مجتمع الخير ، أو ~~يعيش فيه ، كابن نوح وامرأته ، وامرأة لوط ، وغيرهم من الأشخاص الذين لم ~~تمنعهم أجواء الخير التي عاشوا فيها ، من أن ينحرفوا بسبب مؤثرات الانحراف ~~التي استجابوا لها. # إن البيئة في الأساس لا تضع أمام الإنسان حاجزا مستحيل الاختراق بينه ~~وبين الخروج عن إرادة مجتمعة وسلوكه ، بل تضع أمامه عقبات وصعوبات يمكن ~~للإنسان اختراقها بقوة الفكر والإرادة لو شاء ذلك بعد جهد طويل. # وهذا ما يبعث في نفوس العاملين إرادة الانتصار على عوامل البيئة الشريرة ~~وضغوطها ، ويمكنهم من دفع الإنسان بعيدا عن أفكار البيئة وأخلاقها وسلوكها ~~العملي ، من أجل دفع عملية تغيير المجتمع إلى الأمام بقوة. # * * * PageV20P051 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء ms4605 للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) @QUR@012 قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) @QUR@013 وقال الذين ~~في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) @QUR@016 ~~قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال (50) @QUR@011 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) @QUR@010 يوم لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) @QUR@08 ولقد آتينا موسى الهدى ~~وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) @QUR@04 هدى وذكرى لأولي الألباب (54) ~~@QUR@012 فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار ) (55) # * * * PageV20P052 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتحاجون ): يتخاصمون. # ( @QUR@01 نصيبا ): قسطا. # * * * ### ||| ** المستكبرون والمستضعفون يتحاجون في النار # ( @QUR@04 وإذ يتحاجون في النار ) عند ما يجتمع المستكبرون والمستضعفون ~~ويلتقون وجها لوجه ، يتذكر المستضعفون الأساليب التي كان يتبعها المستكبرون ~~في إضلالهم وفي توريطهم في المعاصي التي توصلهم إلى غضب الله ، لأن ~~المستضعفين لم يكونوا ذوي شخصيات قوية تستطيع رفض أوامر المستكبرين ~~ونواهيهم مما حول المستضعفين إلى أدوات مسخرة لكل مشاريع المستكبرين ~~الشيطانية ، وهكذا كان المستكبرون السبب في هذا المصير الذي انتهى إليه ~~المستضعفون .. ( @QUR@08 فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ) ~~فقد كانوا الجمهور التابع الذي لا يملك قراره ، ولا إرادته ، بل يتلقى ~~التعليمات منهم ، فإذا كانت هناك حرب ظالمة يريد المستكبرون ظلم الناس من ~~خلالها ، قادوهم إليها ليقاتلوا لحسابهم ، وإذا كانت هناك مواقف منحرفة ~~يريدون تأكيدها في المجتمع طلبوا منهم العمل على الالتفاف حولها ، وإذا ~~كانت هناك ضغوط مادية أو معنوية يريدون ممارستها على بعض القوى المضادة لهم ~~في الأمة ، أرادوا أن يكونوا الأدوات الضاغطة عليها ، وبهذا كانت تبعية ~~المستضعفين سببا في تقوية مراكز المستكبرين التي يظلمون الناس من PageV20P053 # خلالها ، فيقتلونهم ، ويسجنونهم ، ويعذبونهم ، ويظللونهم ، ويضغطون عليهم ~~في مصالحهم ، وكان هؤلاء الضعفاء هم القوة الغاشمة التي يسيطر بها الأقوياء ~~على الضعفاء الآخرين ، ولولاهم لكان الضعفاء أقوى من المستكبرين ، لأن ~~المستكبرين لا يمثلون عددا كبيرا في الأمة ، ولا قوة هائلة فيها ms4606 ، لأن ~~قوتهم مستمدة من قوة المستضعفين كما أن كثرتهم العددية ناتجة عن كثرة ~~أتباعهم .. ولهذا كان الضعفاء يحملون كل أوزارهم التي استحقوا بها دخول ~~النار ، لأنهم يملكون فكرا يمكنهم من معرفة الحقيقة ، ويملكون إرادة تمكنهم ~~من رفض الأوامر والنواهي الظالمة الطاغية ، ومواقع للقوة يستطيعون أن ~~يبتعدوا بها عن مواقع الضعف .. فكانت مسئوليتهم في انحرافهم عن الخط ~~المستقيم كاملة. # وهكذا وقف الضعفاء أمام المستكبرين ليذكروهم بصفة التبعية التي أعطتهم ~~القوة التي انطلق فيها ملكهم ، وكبرت فيها سلطتهم ، وامتدت بها مواقعهم ، ~~وأخذوا يطلبون مساعدتهم في الآخرة كما ساعدوهم في الدنيا ، ظنا منهم أنهم ~~يملكون موقعا ضاغطا على الواقع الأخروي كما كانوا يملكون مثل هذا الموقع في ~~الدنيا .. ( @QUR@07 فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار ) فهم مقتنعون ~~بأنهم لا يستطيعون تخليصهم من النار التي سيقعون فيها ، لذلك طلبوا منهم ~~التدخل للتخفيف عنهم ، من قسوة عذابها .. وربما كان طلبهم ذاك ليس طلبا ~~حقيقيا ينم عن اعتقادهم بقدرتهم على التدخل ، بل كان هدفه تسجيل نقطة حادة ~~عليهم لأنهم كانوا سبب دخولهم النار ، من موقع دور التبعية الذي فرضوه ~~عليهم باستغلالهم لنقاط ضعفهم. فهم يريدون أن يقولوا لهم ، في ما يوحي به ~~هذا الاحتمال ، إذا كنتم تملكون في الدنيا القوة التي تستعرضون بها عضلاتكم ~~المعنوية ، فهل تملكون ذلك الآن؟! ليبقى السؤال متحديا ساخرا متحركا من ~~موقع المرارة الروحية. ( @QUR@06 قال الذين استكبروا إنا كل فيها ) فليست ~~فيها ميزة للمتبوعين على التابعين ، ولا يملك أحد منا أية قوة فيها ولم يكن ~~لنا عذر ، كما لم يكن لكم أي عذر في ما جنيناه أو جنيتموه PageV20P054 # من ذنوب وجرائم ، سواء كان ذلك متمثلا في ضلالنا أو إضلالنا لكم ، أو كان ~~متمثلا في ضلالكم بالخضوع لنا ، وأنتم قادرون على التمرد علينا ، لأنكم ~~تستطيعون الحصول على القوة ولكنكم فضلتم الراحة والاسترخاء ، على المواجهة ~~والمعاناة ، فأسقطتم إرادتكم تحت تأثير إرادتنا ، فلا تطلبوا منا أية ~~مساعدة لتخفيف العقاب عنكم ، لأنكم تعرفون أننا لا نملك من ذلك شيئا ، ~~فكلنا محكومون ( @QUR@06 إن الله قد حكم بين ms4607 العباد ) ولا راد لحكمه ، وهو ~~الحكم العدل. # * * * ### ||| ** بين أهل النار وخزنتها # وينتهي حوار المستضعفين مع المستكبرين .. وينتقل الجميع الذين وجدوا ~~أنفسهم في قلب المشكلة من دون أن يغني أحد منهم عن الآخر شيئا ، ليقفوا في ~~موقف آخر ، وليتجهوا إلى المشرفين على شؤون النار طالبين الوساطة ، تماما ، ~~كما كانوا في الدنيا يتوجهون إلى المقربين من الملوك ، ليشفعوا لهم عندهم : ~~( @QUR@08 وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ) فإن دعاءكم مقبول ~~لديه ، لأنكم من المقربين عنده ، ( @QUR@05 يخفف عنا يوما من العذاب )، ~~نرتاح فيه ، ونتخفف من قسوة الآلام التي تنهش أجسادنا والحروق التي تلسع كل ~~أعصابنا. # ( @QUR@06 قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ) وكنتم ممن قامت عليه ~~الحجة بالبلاغ ، فلم تكن هناك أية موانع تمنعكم عن الإيمان ، لا من الناحية ~~الداخلية في مضمون الرسالة ، ولا من الناحية الخارجية في الرسول الذي حملها ~~، وفي الجو الذي عاشته الدعوة في الأسلوب والحركة؟! ( @QUR@02 قالوا بلى ) ~~فقد واجهنا الحقيقة بكل وضوح ، ولكننا وقفنا منها ومن رسولها موقفا مضادا ~~نتيجة العناد والاستكبار ، ( @QUR@02 قالوا فادعوا ) لأننا لا نملك أن ندعو ~~الله في أمركم PageV20P055 # بأي شيء بعد ما عرفنا الله مواقع الدعاء للمذنبين ، والشفاعة للخاطئين ، ~~فنحن لا نملك الإرادة المستقلة في ذلك كله ، بل نحن تابعون لأمره ، خاضعون ~~لإرادته ، لذا حاولوا أن ترفعوا أكفكم بالدعاء إلى الله ، لتجربوا حظكم ~~عنده ( @QUR@06 وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) لأن الله قد أغلق باب ~~رحمته عنكم لكفركم وتمردكم عليه. # * * * ### ||| ** إنا ننصر رسلنا والمؤمنين # ( @QUR@08 إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ) فيما نهيئه ~~لهم من وسائل النصر وما نمنحهم إياه من قوة الغلبة في حركة الواقع ، أو من ~~قوة الحجة في حركة الفكر ، أو في تحريك الصراع في الساحة ، لإثارة الجو ~~لمصلحة الرسالة على أساس الاهتمامات الجدية التي تثيرها لمصلحة أعدائها ~~وأصدقائها ونحو ذلك ، مما يجعل لهم موقعا مثيرا في الحياة في دائرة السنن ~~الكونية التي أودعها الله في حركة الواقع في ساحات الصراع. ( @QUR@03 ويوم ~~يقوم الأشهاد ) في ما يمنحهم من درجات عالية ، وموقع ms4608 مميز ، وشأن عظيم ~~يتميزون به عن مواقع الطغاة والمستكبرين الذين يلقى بهم إلى دركات الجحيم ( ~~@QUR@05 يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ) عند ما يحاولون تبرير كفرهم ~~وانحرافهم عن الله ، لأنهم لا يملكون الحجة في ذلك كله بعد أن أقام الله ~~عليهم الحجة من كل جانب ( @QUR@02 ولهم اللعنة ) التي تمثل إبعادهم عن ~~مواقع رحمة الله ، ( @QUR@03 ولهم سوء الدار ) أي الدار السيئة وهي جهنم. # * * * ### ||| ** التوراة كتاب هدى ونور # ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الهدى ) في ما حددنا له من الفكر التوحيدي ، وخططنا PageV20P056 # له من التشريع الإيماني العملي الذي يبلغ به الناس مواقع مصالحهم في ~~الدنيا والآخرة .. فيلتقون بالبداية المشرقة التي تطل بهم على النهاية ~~الهادية. ( @QUR@04 وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ) وهو التوراة ، ( @QUR@04 ~~هدى وذكرى لأولي الألباب ) ليكون منطلقا للمعرفة التي تمثل النور الذي يطرد ~~جحافل الظلام ، وقاعدة للفكر الذي يتحرك به العقل ليميز بين الحق والباطل ، ~~وليبني لهم الأساس الذي يركز لهم مجتمع القيم الروحية والفكرية التي تقودهم ~~إلى الخير وتبعدهم عن الشر ، ولكنهم ، في ما توحي به الآيات القرآنية ~~الكثيرة ، لم يهتدوا به ، ولم يستقيموا على طريقه ، بل حرفوه عن مواضعه ، ~~واشتروا به ثمنا قليلا وتمردوا على الرسالات التي جاءت من بعده ، وعلى ~~الرسل الذين حملوها إليهم كما تمرد غيرهم من بعدهم ، فكان بينهم وبين ~~الكافرين والمشركين حلف غير مقدس ( @QUR@05 فاصبر إن وعد الله حق ) حيث وعد ~~الله رسله بالنصر ، عند ما يحين موعده .. لأن ذلك يحتاج إلى المعاناة وتحمل ~~ما تفرضه ساحة الصراع من آلام في شدتها وقسوتها. # * * * ### ||| ** كيف نفهم أمر النبي بالاستغفار؟ # ( @QUR@02 واستغفر لذنبك ) هل هناك ذنب لا بد للنبي من أن يستغفر منه ، ~~وما هي طبيعته؟ ولا سيما في ما يتعلق بتبليغ الرسالة ، في أسلوبها وحركتها ~~وحيويتها وحكمتها وهو أمر لا يمكن أن ينسب أحد فيه إلى الرسول إلا كل سمو ~~وعلو وحكمة ، فقد كان الرسول يعطي من نفسه الكثير ، لكي يفتح قلوب الناس ~~على الله ، وعلى الحق النازل في وحيه فكيف نفهم المسألة؟ وكيف تلتقي دعوة ~~النبي إلى الاستغفار بالعصمة التي ms4609 تجسدها سيرته ، قبل أن يجسدها PageV20P057 # معنى العصمة في نبوته؟ وهل نجد لها تفسيرا آخر؟ فقد ذكر المفسرون في قوله ~~تعالى في سورة الفتح : ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) ~~[الفتح : 2] أن الذنب فيها هو الذي كان أهل مكة يعتبرونه ذنبا في حقهم ، في ~~ما أوقعهم فيه من مشاكل ومتاعب بسبب دعوته التي أدخلتهم معه في حروب كثيرة ~~، ولكن ما معنى أمر الله له بالاستغفار؟ # وقد يراد منه المعنى العبادي الذي تختزنه كلمة «الاستغفار» في عمقها ~~الدال على الإحساس بالعبودية لله ، والاعتراف بالخضوع له ، والانسحاق بين ~~يديه ، تماما كما هو موقف العبد من سيده عند ما يقف موقف الاعتراف الخاشع ~~الخاضع ، كما هو المعنى العبادي في كلمة الحمد والتسبيح والتهليل والتكبير ~~الذي يوحي بالإحساس ، من دون تحديد المضمون ، والله العالم. # ( @QUR@05 وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) في صلاة دائمة خاشعة يمتزج ~~فيها التسبيح مع الحمد ليكون ذلك تعبيرا عن التعظيم الذي يعيشه النبي في ~~عمق روحه أمام الله. # * * * PageV20P058 ### ||| * الآيات # ( @QUR@023 إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) @QUR@012 ~~لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) ~~@QUR@013 وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسيء قليلا ما تتذكرون (58) @QUR@011 إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون (59) @QUR@013 وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) @QUR@020 الله الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون (61) @QUR@012 ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون (62) @QUR@07 كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ) (63) # * * * PageV20P059 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بغير سلطان ): بغير حجة ودليل. # ( @QUR@01 داخرين ): صاغرين ، ذليلين. # ( @QUR@01 مبصرا ): مضيئا تبصرون فيه. # ( @QUR@01 تؤفكون ): تصرفون. # * * * ### ||| ** قاعدة جدال المشركين في آيات الله # لماذا يجادل هؤلاء الذين يواجهون الرسالات في آيات الله؟ وما هي خلفياتهم ~~النفسية؟ وكيف يعالج القرآن الموقف ms4610 من خلال منطقهم؟ هذه الآيات تحدد ذلك كله .. # ( @QUR@09 إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ) فهم لا ~~يملكون حجة من علم على ما يلتزمونه من نهج في العبادة ، أو على ما يعارضونه ~~من خط الرسالة والدعوة ، ولم ينطلقوا من موقع شبهة في الفكر أو خطأ في ~~الحساب ، فكيف اتخذوا ذلك الموقف؟ .. إن الناس يتخذون الموقف ، عادة ، من ~~خلال التصورات المضطربة في تفكيرهم ، في ما يتيقنون به ، أو في ما يظنون ، ~~( @QUR@05 إن في صدورهم إلا كبر ) فهم ينطلقون من عقدة استكبار تمنعهم من ~~الخضوع للحق الذي يهدد امتيازاتهم الطبقية ، أو طموحاتهم الذاتية ، أو من ~~اتباع الرسول الذي لا يحتل موقعا متقدما على المستوى المالي أو الاجتماعي ~~في السلم الطبقي للمجتمع ، وبذلك كان هدف جدالهم الوصول إلى تعقيد الموقف ~~منه ، وإثارة الشكوك حوله لإبعاد الناس عنه ، بوسائل تخاطب PageV20P060 # انفعالات الناس وعاطفتهم ، لإسقاطه في ساحة الصراع .. كما يفعل كثير من ~~المترفين المتكبرين المتجبرين عند ما يثيرون المعارك الكلامية أمام دعوات ~~التغيير والإصلاح ، ليشغلوا الدعاة إليها بالقضايا الجانبية التي تبتعد ~~بالموقف عن القضايا الأصلية ، ولكن الله يؤكد أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون ~~، لأن الكبر ليس حالة فكر ، بل هو حالة انفعال لا تلبث أن تتبخر أمام ~~الحقيقة الحاسمة التي تفرض نفسها بالأدلة القاطعة الواضحة ، وهكذا يتحركون ~~في نهج استكباري نحو هدف ( @QUR@03 ما هم ببالغيه ) فإن الله يبطل كل كيدهم ~~ومكرهم ، ويوجه النبي إلى الاستعاذة بالله من كل ذلك. ( @QUR@06 فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع البصير ) الذي يسمع ما يتحدثون به من نجاوى الشر ، ~~ويبصر حركة تنفيذ مخططاتهم العدوانية. # * * * # ( @QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) # ( @QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) فالناس يمثلون إحدى ~~ظواهر هذا الكون الكبير ، المتمثل بالسماوات التي تضم ملايين الكواكب ~~وملايين الظواهر داخل كل كوكب في ما يعجز الفكر عن الوصول إليه فضلا عن ~~أسراره ، والمتمثل بالأرض التي تضم مختلف الظواهر في طبيعتها وفي القوى ~~المودعة في أعماقها ، وفي الموجودات المتحركة في داخلها ، مما لا يدركه ~~العقل ms4611 ولا يستوعبه الحس ، فلا يصل إلا إلى القليل منه .. فإذا كان الله قد ~~خلق السماوات والأرض ، فهل يعجزه خلق الإنسان من جديد ، وإعادته إلى الحياة ~~بعد الموت ، إنها الحقيقة التي يهتدي إليها الناس بتفكيرهم المستقيم الذي ~~يقودهم إلى الإيمان ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) لأنهم لا ~~يريدون الأخذ بأسباب العلم ليدركوا الحقيقة من خلال ذلك. # * * * PageV20P061 ### ||| ** لا سواء بين الإيمان والكفر # ( @QUR@04 وما يستوي الأعمى والبصير ) لأن العمى يمثل انغلاق الحس عن ~~الحياة من حوله ، بينما يمثل البصر انفتاح الحس على المرئيات كلها ، وإذا ~~كنا نعرف أن العمى في الحس قد يوحي بالعمى في العقل ، كما أن البصر الحسي ~~يوحي بالبصر المعنوي .. فإن من الممكن أن نحرك هذين النموذجين في الإنسان ~~المنفتح بالعلم على الواقع والفكر ، في مقابل الإنسان المنغلق بالجهل عن ~~حقائق الحياة وأسرار الإيمان ، لنعرف بالبداهة أنهما لا يستويان. # ( @QUR@04 والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الذين يمثلون عنصر الخير ~~والصلاح والتقوى ، الذي يبني للحياة قوتها ، وللإنسان روحيته وفاعليته في ~~حركة الحقيقة ، ( @QUR@02 ولا المسيء ) الذي يسيء إلى نفسه بالكفر والمعصية ~~، وإلى الحياة بالانحراف والضلال ، وإلى الناس من حوله بالتعقيد والظلم ~~والطغيان. ( @QUR@03 قليلا ما تتذكرون ) عند ما لا تفرقون بين هؤلاء لأنكم ~~غارقون في انجذابكم إلى ظواهر الأشياء ، مما يجعلكم غافلين عن بواطنها ~~وحقائقها ، ولكن هذه الغفلة لن تستمر أمام المصير الحاسم الذي تتكشف فيه كل ~~غوامض الأمور. ( @QUR@06 إن الساعة لآتية لا ريب فيها ) وسيقف الجميع غدا ~~في ساحاتها أمام الله الواحد ، ( @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) ~~لأنهم لا يريدون أن يفكروا بالقضايا في خط اليقين. # * * * # ( @QUR@03 ادعوني أستجب لكم ) # ( @QUR@05 وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) فالدعاء يمثل في عمقه عبادة ، ~~ويتضمن في معناه خضوعا وشعورا بالفقر المطلق والحاجة الكبيرة إلى الله ، PageV20P062 # مما يجعل الداعي مشدودا إلى الله بالحب والإيمان والإخلاص من موقع ~~الطهارة الروحية والانفتاح الفعلي على الله ، ولهذا كانت الاستجابة أمرا ~~طبيعيا في ما يرحم الله به عباده ، وفي ما يتقبله من عبادتهم الخالصة ~~الخاشعة ، وهذا هو الخط المستمر الذي يصل الله بعباده ويؤكد ms4612 وعي الإنسان ~~معنى ألوهية الله وعلاقتها بعبوديته ، في إحساس بالفقر المطلق ، أمام الغنى ~~المطلق حيث يرتبط العبد بربه من خلال ارتباط وجوده وكل حاجاته به. وبذلك ~~يؤمن الله للعباد حاجاتهم من خلال ما يقدره لهم في تكوين الوجود ، وما لهم ~~في إرادتهم. # .. وإذا كان الدعاء هو مظهر العبادة ، فإن الذين يمتنعون عنه يمثلون ~~النموذج الذي يستكبر عن عبادة الله ، وقد حدثنا الله عما ينتظرهم ( @QUR@08 ~~إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) أذلة ، لأن الاستكبار ~~لا بد من أن يقابله الإذلال والسقوط والاحتقار. # * * * ### ||| ** الله الخالق المنعم # ( @QUR@07 الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) في تخطيطه العملي لحركة ~~الإنسان في الوجود حيث يحتاج إلى السكينة التي تريح الأعصاب ، والهدوء الذي ~~تسكن معه المشاعر وترتاح الأفكار ، مما يتناسب مع أجواء الظلام التي تثير ~~في الجسد النعاس والخدر والسكون ( @QUR@02 والنهار مبصرا ) حيث يفتح به ~~عيون الناس على كل حاجاتهم من خلال النور الذي تتفاعل فيه الشمس مع البصر ~~ليستطيعوا الحصول على ما يريدون في معاشهم ، ( @QUR@06 إن الله لذو فضل على ~~الناس ) في ما أنعم الله به عليهم من مفردات الوجود ومن طبيعة الحركة في ~~داخلها ، مما يوحي للناس بالشكر لله على هذه النعم ( @QUR@05 ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون ) لأنهم فقدوا الإحساس بالنعم المحيطة بهم ، لاعتيادهم على ~~كل الأشياء التي تحركت في الكون منذ أن تحركت الحياة فيه. PageV20P063 # ( @QUR@06 ذلكم الله ربكم خالق كل شيء ) فلا شريك في خلقه ، لأن كل من ~~عداه هو مخلوق له ( @QUR@04 لا إله إلا هو ) فلا يستحق العبادة غيره ( ~~@QUR@02 فأنى تؤفكون ) أي كيف تنصرفون عن طاعته إلى طاعة غيره ، وعن عبادته ~~إلى عبادة سواه؟! # ( @QUR@07 كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ) لأن غفلتهم عن الله ~~المتمثلة في جحودهم وعدم إيمانهم يدفعهم إلى الاستغراق في مخلوقاته بدلا ~~منه ، والانصراف عنه إلى غيره. # * * * PageV20P064 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن ~~صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) ~~@QUR@014 هو الحي لا إله إلا هو فادعوه ms4613 مخلصين له الدين الحمد لله رب ~~العالمين (65) @QUR@020 قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما ~~جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) @QUR@030 هو الذي ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم ~~لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ~~(67) @QUR@012 هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) (68) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قرارا ): مستقرا. # ( @QUR@01 فتبارك ): تقدس وتعالى. PageV20P065 # ( @QUR@01 علقة ): العلقة : قطعة من الدم. # * * * ### ||| ** عقيدة الوحدانية في القرآن # حديث القرآن عن الله ، حديث متنوع في أسلوبه ومفرداته ، غايته جعل ~~العقيدة في وعي الإنسان متنوعة على الكون الممتد الذي يستوعب قضاياه في ~~حاجاته الوجودية ، وفي حركته الروحية ، لئلا تبقى معادلة تجريدية في الفكر ~~، بل تصبح إلى جانب ذلك ، حركة منفتحة على الحياة ، تتحرك مع الإنسان ~~فتتحرك معها كل آفاق الحياة المحيطة به ، والمتصلة بوجوده ، وتغدو طعامه ~~وشرابه الذي يتناوله في كل يوم ، من خلال ما يعيشه في كل لحظة .. وبذلك ~~تكون علاقة الإنسان بالله جزءا من تكوينه الذاتي الذي لا ينفصل عنه ، في أي ~~من الأوضاع الطارئة في حياته. # ( @QUR@06 الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ) تستقرون فيه ويؤمن استقرار ~~حياتكم بطريقة مريحة متوازنة ، ( @QUR@02 والسماء بناء ) تستظلون فيه ( ~~@QUR@03 وصوركم فأحسن صوركم ) في ما يوحي به ذلك من جمال المنظر ، ودقة ~~الأجهزة ، وتنوع المهمات التي تؤديها ، مما يجعل الإنسان عنصرا فاعلا قادرا ~~على إدارة شؤون الكون كله في الحدود التي أعده الله له. # ( @QUR@03 ورزقكم من الطيبات ) التي تستلذونها وتستمتعون بها ، ~~وتستطيبونها ، وتحصلون على القوة الجسدية التي تؤمن استمرار حياتكم. ( ~~@QUR@03 ذلكم الله ربكم ) الذي يربيكم ويدبر أموركم ، ويحيطكم برعايته ، ~~ويتعهدكم باللطف والرحمة والخير العميم ، ( @QUR@04 فتبارك الله رب ~~العالمين ) وتقدس وتعالى في ربوبيته المطلقة التي تشمل العوالم كلها ~~بالرعاية والتدبير ، في نظام الوجود وحركته ، ( @QUR@02 هو الحي ) الذي لا ~~يقترب الموت منه ، مما يعطي الحياة معنى مطلقا في ذاته لم يسبقه عدم ولا ~~يقترب منه العدم ( @QUR@04 لا إله إلا ms4614 هو ) وحده PageV20P066 # المستحق للعبادة ، من خلال المضمون الإلهي المتمثل في ذاته في ذاته في ~~عليته للوجود كله ، وفي هيمنته على الأمر كله ، وفي تدبيره للحياة كلها ، ~~فكيف يتوجه الناس إلى غيره في حاجاتهم وفي قضاياهم ومشاكلهم .. وكل ما سواه ~~محتاج إليه في تدبير حاجاته وفي حل قضاياه ومشاكله ، كما هم مشدودون إليه ( ~~@QUR@04 فادعوه مخلصين له الدين ) ليكون الاتجاه إليه وحده بالدعاء الذي هو ~~مظهر الشعور بالحاجة والإحساس بالانتماء إليه وإلى نهجه في الفكر والحركة ~~والحياة ، والإخلاص له في ذلك كله. وهو معنى العبادة الخالصة. # ( @QUR@04 الحمد لله رب العالمين ) وهي الكلمة التي تعبر عن الجو الروحي ~~الذي يعيشه المؤمن في تطلعه إلى قدرة الله وتدبيره ولطفه ورحمته ، وكل ~~صفاته ، فلا يملك إلا أن يذكره بالحمد المطلق الذي يستوعب كل مفردات الحمد ~~، ويتصوره في ربوبيته المطلقة التي تشمل العالمين جميعا من موقع خلقها لهم جميعا. # * * * ### ||| ** إسلام الأمور لرب العالمين # ( @QUR@015 قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي ) قلها لهم بكل وضوح وصراحة ، لتكون الكلمة الحاسمة ، فقد ~~أنزل الله علي البراهين اليقينية الواضحة التي تضع كل هذه الآلهة المزعومة ~~في موقعها الطبيعي من حيث هي مخلوقة لله بمادتها وصورتها ، أو مخلوقة له ~~بمادتها ومصنوعة للناس بصورتها ، فلا تملك أي معنى من معاني الألوهية ، ولا ~~تتضمن أي سر من أسرار القدرة ، فلا يمكن أن أعبدها ، لأن العقل نهى عن ذلك ~~، كما أن الله الذي أكد ألوهيته بهدايته لي ينهاني عن عبادة هؤلاء. # ( @QUR@05 وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) في إسلام العقل والروح والجسد ، ~~فلا فكر لي أمام وحيه ، ولا كلمة لي أمام إرادته ، ولا انتماء لي وراء ~~الانتماء إليه ، فله كل شيء من كل كياني ، وليس لي عليه أي شيء. # * * * PageV20P067 ### ||| ** تجلي القدرة الإلهية في رحلة الخلق # ( @QUR@020 هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ~~ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ) هذه الرحلة المتحركة المتطورة للحياة ~~الكامنة في التراب في خلق آدم ، أو ms4615 في موقع القابلية الوجودية الحية ~~المودعة في حباته التي تتحول إلى نبات فغذاء فنطفة تختزن الحياة في ذراتها ~~ثم تنمو في العلقة .. ثم تمر في تطور حي .. لتتحول إلى طفل يتكامل في الرحم ~~ثم يخرج إلى الحياة لتستمر عملية النمو التي تصل إلى قوة الشباب وريعانه ، ~~ثم تبدأ في التنازل لتصل إلى مرحلة الشيخوخة بما تمثله من ضعف في كل طاقات الجسد. # ( @QUR@05 ومنكم من يتوفى من قبل ) أي قبل أن يكمل هذه المراحل ( @QUR@03 ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ) وهو الأمد المحدد الذي قدره الله وجعله حتميا لنهاية ~~كل الناس. # ( @QUR@02 ولعلكم تعقلون ) فتدركون ، بالعقل ، حقائق الأشياء وتتحركون ، ~~من خلال ذلك ، في الاتجاه الصحيح الذي ينفتح على الله وعلى رسله. # * * * ### ||| ** إرادة الإله المطلقة .. # ( @QUR@04 هو الذي يحيي ويميت ) فهو الذي يخلق أسباب الحياة التي حركت ~~الكون كله ، وهو الذي أودع في الحي سر الموت ، وجعل عمقه الداخلي محكوما ~~لعوامل الموت في كل أجهزة الجسم الحي .. # ( @QUR@03 فإذا قضى أمرا ) وأراده وحتمه ، فإنه لا يحتاج إلى أي جهد أو ~~عناء لإيجاده ، بل تكفي إرادته لتحقيق وجوده. # ( @QUR@05 فإنما يقول له كن فيكون ) وهي الكلمة التي تعني الحسم. وتفرض ~~الوجود. # * * * PageV20P068 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) ~~@QUR@09 الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) ~~@QUR@06 إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) @QUR@06 في الحميم ثم ~~في النار يسجرون (72) @QUR@07 ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) @QUR@017 ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله ~~الكافرين (74) @QUR@011 ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون (75) @QUR@08 ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ~~(76) @QUR@014 فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون (77) @QUR@032 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء ~~أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون ) (78) # * * * PageV20P069 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يسحبون ): يجرون. # ( @QUR@01 الحميم ): الماء الحار. # ( @QUR@01 يسجرون ms4616 ): يحرقون. # ( @QUR@01 تمرحون ): المرح : شدة الفرح والتوسع به. # * * * ### ||| ** المجادلون بغير الحق واللعب على المشاعر # .. ويعود الحديث إلى المجادلين في آيات الله ، المتعنتين في كلامهم ، ~~الجامدين في عقولهم ، المتمردين في مواقفهم ، المنحرفين في طريقهم ، لأن ~~مشكلتهم هي أنهم يقفون حاجزا بين الرسالة وبين الناس الآخرين ، فيكذبونها ~~من دون حق ، ويدفعون الآخرين إلى التكذيب بها من دون أساس ، باعتماد أساليب ~~الترغيب والترهيب ، واللعب على المشاعر ، والالتفات على العواطف والغرائز ، ~~وينطلق الحديث عن الأجيال الماضية التي عاشت انحراف هؤلاء وشاركتهم فيه ، ~~وعن الأنبياء الماضين الذين عاشوا هذه الصدمة في حركة رسالتهم ، وعن النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما كان يعيشه من ذلك ، وكيف أراد الله للرسل ~~جميعا ، وللرسول بالخصوص ، أن يصبروا ، وينتظروا النصر في نهايات الأمور ، ~~إذا هاجمتهم المشاكل في بداياتها ، وعن مصير هؤلاء في الآخرة في جهنم حيث ~~يذوقون العذاب والذل والاحتقار. # ( @QUR@08 ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ) فيخوضون الأحاديث ~~الخالية من مضمون فكري التي تنكر التوحيد والبعث وكثيرا من حقائق الشريعة ~~والإيمان PageV20P070 # بغير علم ، ( @QUR@02 أنى يصرفون ) عن الحق ، ويبتعدون عن دلائله ~~وبراهينه ، فلا يدرسونها من موقع الفكر الباحث عن الحقيقة ، بل يتحركون ~~فيها من موقع الجدل العقيم الباحث عن أسس المكابرة. # ( @QUR@03 الذين كذبوا بالكتاب ) الذي أنزلناه عليك ليكون هدى للناس ، ~~ونورا للحقيقة ، ( @QUR@04 وبما أرسلنا به رسلنا ) من الكتب المنزلة ~~الماضية ، كالتوراة والإنجيل ، ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) عند ما يقفون بين ~~يدي الله ، ويواجهون الحقيقة الحاسمة ، أمام المصير المحتوم ، ( @QUR@04 إذ ~~الأغلال في أعناقهم ) في ما يمثله ذلك من ذل ومن ألم لهؤلاء المترفين ~~المستكبرين ، ( @QUR@01 والسلاسل ) الممتدة ( @QUR@01 يسحبون ) بواسطتها ( ~~@QUR@02 في الحميم ) الذي يغلي ويغلي فيشربه أهل النار ويحرق داخلهم ، ( ~~@QUR@04 ثم في النار يسجرون ) فيكونون وقودا للنار يحترقون بها .. وهكذا ~~يواجهون السقوط والإذلال والاحتراق من دون ناصر ينصرهم أو مخلص يخلصهم. ثم ~~ينطلق السؤال الذي يفرض نفسه في موقف تعرية لنهجهم كله. # * * * ### ||| ** أين شركاؤكم من دون الله؟ # ( @QUR@010 ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله ) ليأتوا إليكم ~~ولينصروكم من الله إن ms4617 كانوا في مواقع الآلهة ، كما كنتم تزعمون؟ فمن ~~الطبيعي أن تنصر الآلهة عبادها ، إذا كانت تملك قوة مستقلة ، أو تشفع لها ~~إذا كانت تملك موقعا مميزا يسمح لها بالشفاعة عند الله. # ( @QUR@03 قالوا ضلوا عنا ) فقد ضاعت آثارهم ، فلا نراهم أمامنا ، ( ~~@QUR@07 بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ) فقد تبخروا وتحولوا إلى لا شيء ، ~~لقد كانوا أوهاما تسيطر على أفكارنا ، لا حقيقة متجذرة في عقولنا ، فليس ~~لهم الآن أي وجود في الواقع. PageV20P071 # ( @QUR@04 كذلك يضل الله الكافرين ) في ما ينتهي إليه أمرهم الذي اختاروه ~~، مما يفرض ضلالهم ، نتيجة العلاقة التكوينية بين الأسباب والمسببات ، ~~وعلاقة المواقف بالنتائج ، فإن الابتعاد عن حركة العقل في العقيدة ، ~~والاستسلام للجهل ، يفرضان ضياع الموقف وخط السير. # * * * ### ||| ** فرحهم بالباطل # ( @QUR@011 ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ) ~~فقد كنتم مستغرقين في الأجواء التي تسجنكم في داخل الغفلة ، فتبعدكم عن ~~الإحساس بالواقع ، وتدخلكم في أوهام الفرح اللاهي الذي يوهمكم أن الأرض ~~مهتزة بالأنغام والألحان المثيرة للسرور والبهجة ، نتيجة مواقفكم التي توحي ~~إليكم بالانتصار والغلبة والسلطة المطلقة في ما يخدع به بعضكم بعضا ، من ~~كلمات المدح والثناء ، ومواقف الاستكبار والاستعلاء .. # وهذه هي مشكلتكم ومشكلة كثير من الناس الذين غلب الشيطان على عقولهم وزين ~~لهم سوء أعمالهم ، وحرك في داخلهم الأوهام ، ففرحوا بالباطل الذي أعطوه ~~عنوان الحق ، واستسلموا لفرح الدنيا ، ونسوا فرح الآخرة ، بينما كان ~~باستطاعتهم في ساحة الرسالة الحصول على الفرح كله في عمق الفكرة ، وامتداد ~~الحقيقة ، ولذائذ الروح ، فإن الله لم يمنع الإنسان من الفرح ، ولكنه أراد ~~منه أن يبحث عنه في نهايات الأمور لا في بداياتها ، وفي عمق المواقف ، لا ~~في ظواهرها ، وأن يعيشه من خلال عمل الخير وروح الصلاح وانفتاح العقل ~~والقلب على الله. # وقد جاء في مجمع البيان ، «قيد الفرح وأطلق المرح ، لأن الفرح قد يكون ~~بحق فيحمد عليه وقد يكون بالباطل فيذم عليه ، والمرح لا يكون إلا PageV20P072 # باطلا» (1). # * * * # ( @QUR@03 فبئس مثوى المتكبرين ) # ( @QUR@08 ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) الذين ~~يحسبون أن استكبارهم ms4618 ، في ما يختزنونه من مشاعر داخل نفوسهم ، وما يتحركون ~~فيه من مظاهر أمام الناس ، يمكن أن يمنحهم حجما حقيقيا في مستوى ما يريدونه ~~، أو ما يعاملهم الناس به ، فيحقق لهم امتيازات تتيح لهم النجاة في الآخرة ~~، والسعادة في الحياة .. ولكنهم كانوا يعيشون في وهم كبير ، وغفلة مطبقة ، ~~ذلك أن حجمهم الاجتماعي الفخم لم يكن ناشئا من ضخامة حقيقية في الذات ، بل ~~من انتفاخ طارئ فيها مصدره وهم العظمة الذاتية ، وضعف الآخرين من حولهم. ~~لذا فإنهم يرجعون في الدار الآخرة ، إلى حجمهم الطبيعي الذي يساوي أعمالهم ~~، حيث تصبح الأعمال عنوان المصير وحركته ونتائجه ، ليشعروا بأنهم كانوا ~~صغارا في حياتهم ، لأنهم ارتبطوا بالأشياء الصغيرة في اهتماماتهم ومشاريعهم ~~وعلاقاتهم ، وعاشوا عزة الظلم ولم يعيشوا عزة العدل ، وتحركوا مع قوة ~~الباطل التي لا تحمل في داخلها شيئا ، وتركوا قوة الحق التي تحمل في ~~مضمونها كل شيء .. وهذه هي العاقبة السيئة التي ينتهي إليها استكبارهم ~~العدواني على الضعفاء من عباد الله. # * * * ### ||| ** مواجهة الكفر والعصيان بالصبر # ( @QUR@05 فاصبر إن وعد الله حق ) فإن الموقف الرسالي يفرض المعاناة ~~الروحية والجسدية ، وتحمل الكثير من المشاكل والآلام ، ولكنها معاناة تتصل ~~ببدايات PageV20P073 # الحركة ، ولا تبقى إلى نهاياتها ، لذا فإن الصبر ، وهو مظهر قوة وعنوان ~~صمود ، سوف يؤكد المفاهيم الإيمانية في وعي المؤمنين والكافرين ، لأن ~~الشكوك تعمق الفكرة في قلق المعرفة ، تماما كما تعمقها حالة اليقين ، ولأن ~~علامات الاستفهام التي تبحث عن جواب ، سوف تصل إلى الإيمان على المدى ~~الطويل. # .. وإذا كان هؤلاء يستمرون في تمردهم فإنهم سيلاقون الله ، ليلقوا جزاء ~~أعمالهم في الآخرة إذا لم يلاقوا الجزاء في الدنيا. # ( @QUR@05 فإما نرينك بعض الذي نعدهم ) من بلاء الدنيا وعذابها ، ( ~~@QUR@02 أو نتوفينك ) بالموت فلم تبصر ذلك في حياتك ، ( @QUR@02 فإلينا ~~يرجعون ) ليواجهوا النتائج القاسية لما هم فيه من كفر وعصيان. # وتلك هي القضية التي لا بد أن يعيها العاملون الرساليون في حركتهم ~~الرسالية إزاء ما يواجهونه من حالات التمرد والجحود والكفران .. وما ~~يعيشونه من ضغوط صعبة ، وتحديات شديدة ، ذلك أن التغيير يحتاج إلى الكثير ms4619 ~~من الجهد والألم والتضحية والمعاناة. # * * * ### ||| ** الرسل وخط الرسالات # ( @QUR@09 ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ) في حديث ~~الأنبياء الذين عاشوا في وعي الناس ، وتعمقوا في حياتهم ، وكان لهم تأثير ~~كبير في حركة التاريخ من أصحاب الرسالات الكبيرة والصغيرة ، فانظر إلى ~~تجربتهم الحية ومعناها الرسالي ، وتابع خط السير الذي تحركوا فيه ، وادرس ~~النتائج الإيجابية التي حصلوا عليها وحصلت عليها الرسالة من خلالهم. # ( @QUR@05 ومنهم من لم نقصص عليك ) من أولئك الذين أرسلهم الله إلى أمم ~~لم تصلنا أخبارها ، أو لم تكن في مستوى حضاري يصل بها إلى بلاد الحضارات ، PageV20P074 # ولكنهم بالرغم من ذلك يلتقون معك ، ومع سائر الأنبياء ، بالفكر التوحيدي ~~، والنهج العادل ، والخط المستقيم ، والدعوة للتوقي التي فيها صلاح أمر ~~الإنسان ، والحياة من حوله ، في كل مجالاتها العامة والخاصة ، كما يلتقون ~~معك ، في ما تلقاه من معاناة في سبيل الرسالة ، التي هي حركة في مواجهة ~~التيار الكافر والضال ، في مجتمع الكافرين والضالين ، وكما جئت بالمعجزة ~~بأمر الله ، وتحركت بإذنه ، فإنهم جاءوا بالآيات بأمر الله وتحركوا بإذنه. # ( @QUR@09 وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) لأنه لا يملك ~~القدرة الذاتية على تغيير المألوف من أسباب الأشياء ، لما تمثله المعجزة من ~~خرق للعادة ، بل يملكون قدرة محدودة طارئة محكومة لمقتضيات الحكمة الإلهية ~~التي يحدد الله على أساسها المصلحة في إيجادها فينزلها بحساب ، ويمنعها بحساب. # ( @QUR@04 فإذا جاء أمر الله ) بالعذاب ( @QUR@02 قضي بالحق ) في ما ~~يفرضه من نتائج سلبية على مصير الكافرين ، ونتائج إيجابية على مصير ~~المؤمنين ، ( @QUR@03 وخسر هنالك المبطلون ) لأن الباطل لا ينتهي إلا إلى ~~الضياع والعذاب الدائم. # * * * PageV20P075 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ~~@QUR@012 ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون (80) @QUR@06 ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) @QUR@025 أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ~~وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) @QUR@015 ~~فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ms4620 ما كانوا به ~~يستهزؤن (83) @QUR@012 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما ~~كنا به مشركين (84) @QUR@017 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت ~~الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) (85) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الفلك ): السفن. PageV20P076 # ( @QUR@02 وحاق بهم ): نزل بهم. # * * * ### ||| ** آيات الله وأفضاله على خلقه # وتنتهي السورة بهذا الفصل الذي يوجه مجتمع الدعوة ، وغيره من المجتمعات ، ~~إلى ما أنعم الله به على الناس من الأنعام التي يستفيدون منها للأكل والشرب ~~والركوب ونحو ذلك ، ومن السفن التي يسر الله لهم استعمالها في البحر ~~ليركبوا فيها ، وهو أمر يدفعهم إلى التأمل في تلك النعم ، كما يثير فيهم ~~التفكير في آيات الله ، وليقودهم إلى متابعة تجارب الأمم التي سبقتهم ممن ~~ساروا في مسيرتهم ، ليكون هذا الحديث كله ، منطلق يقظة ، ودعوة تفكير ، ~~وحركة فكر يريد أن يبلغ الهدى من أقرب طريق. # ( @QUR@05 الله الذي جعل لكم الأنعام ) من الإبل والبقر والغنم ، ( ~~@QUR@02 لتركبوا منها ) و «من» هنا للتبعيض أي لتركبوا بعضها مما يستعمل ~~للركوب ( @QUR@02 ومنها تأكلون ) حيث تنتفعون من لحمها ، ( @QUR@03 ولكم ~~فيها منافع ) بما تنتفعون من ألبانها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ، ~~( @QUR@05 ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ) من أغراض التنقل من مكان إلى ~~آخر ونحوه ، ( @QUR@04 وعليها وعلى الفلك تحملون ) في ما أعده الله لكم من ~~وسائل ركوب البحر ، حسب القوانين التي أودعها فيه وفي حركة السفن فيه. # ( @QUR@02 ويريكم آياته ) في السماء والأرض ، مما يفرض نفسه على العقل في ~~دلالته على توحيد الله وعظمته ، ( @QUR@04 فأي آيات الله تنكرون ) وهي ~~ماثلة أمامكم عيانا ، فكيف تنكرون الله الذي تدل عليه. # * * * PageV20P077 ### ||| ** هزء الكفار يرتد عليهم # ( @QUR@016 أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة ) إذ كانوا يشعرون بأن قوتهم تؤكد ذواتهم ، وتبرر ~~لهم تمردهم وعصيانهم ، أو تجعلهم يشعرون بالأمن في كل ما يقومون به من ~~أعمال سيئة ، أو يقومون به من مشاريع ظالمة في حق أنفسهم وفي حق الآخرين. # ( @QUR@03 وآثارا في الأرض ) في ما عمروا من قصور ، وشيدوا من قلاع ، ~~وخلفوا من علم ms4621 ، وأحرزوا من فتوحات ، وحققوا من أرباح وانتصارات وغير ذلك ~~من الآثار التي يتركها الإنسان لمن بعده أو يقوم بها في حياته كدلالة على ~~عظمته وقوته ، إذ كانوا يفكرون بأن تحقيق كل تلك الإنجازات يمنحهم الامتياز ~~الكبير الذي يعطيهم الدرجة الرفيعة عند الناس ، أو المستوى الكبير في ~~الحياة ، بما يبرر لهم الشعور بالكبرياء والجبروت ، ( @QUR@06 فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون ) من ذلك كله. # ( @QUR@04 فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ) رفضوا الرسالة ولم ينفتحوا على ~~البينات ، وواجهوا الدعوة بطريقة غير مسئولة واستخدموا أساليب السخرية ~~والاستهزاء .. واستسلموا للجو الفرح اللاهي العابث. # ( @QUR@05 فرحوا بما عندهم من العلم ) الذي اكتسبوه من تجاربهم ، ومن ~~الخبرة العملية التي أوجدت لديهم انتفاخا ذاتيا في الشخصية بحيث ابتعدوا عن ~~الموضوعية في تقويم الأمور ومحاكمة الأفكار في جو من الطغيان العلمي ، فإن ~~للعلم طغاته ، ويتجلى في ما يتبناه هؤلاء من نظرة فوقية إلى الآخرين ، بحيث ~~لا يعترفون لغيرهم بأي موقع علمي بل يواجهونه بالهزء والسخرية ، فكان ~~جزاؤهم على ذلك الأسلوب الساخر بالرسالة ، وبالإنذار لعذاب الله وبالمعاد ، ~~أن حملهم الله مسئولية ذلك ، ( @QUR@06 وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) PageV20P078 # من عذاب الله في الدنيا. # * * * ### ||| ** مصير منكري آيات الله # ( @QUR@03 فلما رأوا بأسنا ) المتمثل بالعذاب الذي حل بهم ، ( @QUR@09 ~~قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ) فقد وضحت لنا الحقيقة ~~الإيمانية بكل قوتها ، بعد أن شاهدنا العذاب الدال على غيب الله في الكون. # ( @QUR@07 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) لأن المهلة قد انتهت ~~بنزول العذاب ولأن الله يريد لهم أن يختاروا الإيمان من موقع القناعة ~~المستندة إلى أسس الحقيقة ، لا إلى الضغط النفسي الناتج عن العذاب. # ( @QUR@07 سنت الله التي قد خلت في عباده ) مما أجراه الله في تقديره ~~وتخطيطه في مسألة حدود التوبة ، أن لا تقبل التوبة بعد نزول العذاب ، ( ~~@QUR@03 وخسر هنالك الكافرون ) لأنهم لم يتعلقوا من رحمة الله بشيء ولا ~~خسارة أعظم وأشد من خسارة الإنسان لرحمة الله سبحانه. # * * * PageV20P079 ### | سورة فصلت ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها أربع وخمسون PageV20P081 ### ||| ** في أجواء السورة # .. وهذه السورة هي من سور ms4622 الصراع الذي كان يدور بين النبي والمشركين حول ~~القرآن ، حول ما إذا كان تنزيلا من الله ، أو تعليم البشر ، أو هو صنع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟! وكان غرض المشركين الإعراض عنه ، والتشويش ~~عليه ، وإثارة اللغو حوله ، وكانت مشكلة القرآن بالنسبة لهم هي العقيدة ~~التي يتضمنها ، والتي كانت تختلف مع مفاهيم الجاهلية التي يتبنون ، من وحدة ~~الإله إلى وجود الوحي والإيمان بالآخرة .. # وقد ركز الأسلوب القرآني بشكل واضح في هذه السورة على الاستدلال على هذه ~~القضايا في جولته حول الأرض والسماء ، وما فيها من دلالة على وحدانية الله ~~، مع التحذير الإلهي من التكذيب بحقائق العقيدة ، والسرد التاريخي المتحرك ~~في حياة الأمم السابقة التي كذبت رسلها وأنكرت الرسالة ، كما أنكرها هؤلاء ~~وتمردت على الخط الرسالي ، كما تمردوا .. وكيف يواجه هؤلاء وأولئك العذاب ~~الأليم عند الله في الدار الآخرة التي يؤكدها العقل ، الذي يدرك قدرة الله ~~الشاملة ، ويعرف إمكان المعاد ، من التركيز على بداية الخلق ... وتثير ~~السورة سجود الكون من السماء والأرض والشمس والقمر والملائكة وكثير من الجن ~~والناس ، ليسجدوا لله كل بطريقته ، تعبيرا عن شعورهم بالعبودية ، وإحساسهم ~~بالحاجة إلى الاعتراف بعبوديتهم تلك .. # * * * PageV20P083 ### ||| ** أصل تسمية السورة # وقد سميت بسورة «فصلت» انطلاقا من بدايتها في قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~كتاب فصلت آياته .. ) ليكون العنوان لحركة السورة في الحديث عن الكتاب الذي ~~جاء ليفصل للناس حقائق العقيدة ، ومفاهيم الكون والحياة ، من أجل أن تكون ~~ثقافة العقيدة ، ثقافة وافية مفصلة ، تشرح قضاياها ، وتتحدث عن مفرداتها ~~وتجيب عن كثير من علامات الاستفهام حولها ، للإيحاء بأن كل شيء في الإسلام ~~قابل للحوار ، بشرط أن تكون ذهنية الإنسان مستعدة للتفكير بموضوعية لبناء ~~أسسه ، والوصول إلى قناعات يقينية ، تحتاج بطبيعتها إلى إمعان الفكر ~~والتأمل والتخلص من رواسب التقليد الجاهلي المتخلف. # ولعل من الضروري البحث في كثير من تفاصيل المبادئ العامة لأن الاقتصار ~~على عموميات المبادئ يقلل الخلاف ، لأن التصادم الكبير لا يحدث عادة حول ~~خطوط الأشياء العامة .. ولكن غالبا ، قد يبرز في حركة التفاصيل التي تمثل ~~الخطوط التطبيقية ، والمفردات المنهجية ms4623 ، والأساليب والوسائل التي قد ترتبط ~~بالجوانب العامة ارتباطا عفويا. وقد لا نحتاج إلى التأكيد هنا أن التفاصيل ~~التي نتناولها هي التفاصيل ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة للمبدأ ، لا ~~التفاصيل التي تمثل المفردات الجزئية المتناثرة في الساحة العملية. # وقد أطلق عليها اسم «حم السجدة» في بعض المصاحف .. لأنها ابتدأت بكلمة ( ~~@QUR@01 حم ) ولاشتمالها على آية السجدة التي يذهب الكثير من الفقهاء إلى ~~وجوب السجود عند سماع تلاوتها من قارئ ، أو عند قراءتها من قارئ القرآن .. ~~وهي قوله تعالى في الآية السابعة والثلاثين : ( @QUR@019 ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ~~إن كنتم إياه تعبدون ). فقد لا يكون الأمر الذي اشتملت PageV20P084 # عليه الآية أمرا مباشرا للمكلفين بالسجود الفعلي ، ولكن قد يكون هناك نوع ~~من الإيحاء بمثل هذا المضمون بغرض التأكيد على السجود لله ، كمظهر للعبادة ~~في مقابل الذين يسجدون للشمس والقمر ، من الوثنيين ، فأن يبادر الإنسان إلى ~~السجود عند سماع الآية أو قراءتها دليل على انتمائه الإيماني التوحيدي ، ~~بشكل فعلي مباشر ، ليؤكد الخط الفاصل بينه وبين الوثنيين الذين يعبدون ~~الأحجار والكواكب والأشخاص ، والله العالم. # * * * PageV20P085 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@04 تنزيل من الرحمن الرحيم (2) @QUR@07 كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) @QUR@07 بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم ~~لا يسمعون (4) @QUR@017 وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) @QUR@016 قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل ~~للمشركين (6) @QUR@08 الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) ~~@QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فصلت ): بينت. # ( @QUR@01 أكنة ): أغطية. # ( @QUR@01 وقر ): ثقل في السمع. # ( @QUR@01 حجاب ): حاجز. PageV20P086 # ( @QUR@02 غير ممنون ): أي لا يعقبه المن ، وقيل غير مقطوع. # * * * ### ||| ** الوضوح سمة القرآن # ( @QUR@01 حم ) من الحروف المقطعة في القرآن التي تقدم الحديث عنها في ~~أول سورة البقرة. # ( @QUR@04 تنزيل من الرحمن الرحيم ) فقد نزل هذا القرآن من الله ، وهو ~~تنزيل من الرحمن الرحيم .. بما تمثله صفة الرحمة ، التي تتكرر ms4624 في صيغتين ~~تتحدان بالمعنى وتختلفان في الاعتبار ، من انطلاقه من موقع رحمة الله ~~بعباده الذين أراد أن يفتح عقولهم على آفاق ألوهيته ومواقع عظمته ، وفيوضات ~~رحمته ، ليدلهم على كل موارد المعرفة ومصادرها ، على أساس الحق الذي قامت ~~عليه السماوات والأرض ، وتحرك الكون من خلاله ، وليوجههم إلى ما فيه صلاحهم ~~في الدنيا والآخرة من المفاهيم العامة ، والتشريعات التي توازن بين الحاجات ~~والمبادئ ، على أساس الواقع. # وفي ضوء ذلك كانت الآيات التي تؤكد صفة الرحمة في الرسول والرسالة ، حتى ~~أصبحت الرحمة عنوانا للخط وللحركة ، وللقيادة بكل رموزها ومواقعها .. # ( @QUR@03 كتاب فصلت آياته ) ورتبت ترتيبا جيدا بحيث لا تختلط آية بآية ، ~~ولا مفهوم بمفهوم بل وجدت الفواصل البيانية والفكرية بين الآيات والمفاهيم ~~، بشكل واضح لا مجال فيه للالتباس ، مما يجعل الوضوح أساسا للأسلوب القرآني ~~في كل مفرداته ليتمكن قارءو القرآن ، والمستمعون له ، والمتأملون فيه ، من ~~الفهم السليم ، وليحصلوا على وضوح الرؤية ، لأن الدعوة في الإسلام تقوم على ~~وعي مبادئ الدعوة ومفاهيمها المرتكز على الفهم الجيد لتلك PageV20P087 # المفاهيم والمبادئ ليكون إيمان المسلم إيمانا مثقفا منفتحا لا إيمانا ~~جاهلا أعمى .. # * * * ### ||| ** نزول القرآن بلغة العرب # ( @QUR@02 قرآنا عربيا ) لا مجال فيه ، لادعاء عدم فهمه من قبل أي فرد من ~~المجتمع الذي نزلت فيه الرسالة ، ليكون القاعدة الأولى لحركتها نحو العالم ~~، بحجة اختلاف لغة القرآن عن لغته. فهو قرآن عربي في لغته وأسلوبه وطريقته ~~في عرض المفاهيم العقيدية والشرعية والكونية ، مما يجعل الجميع قادرين على ~~فهمه ، لأن حكمة الله اقتضت أن ينزل الكتاب بلغة الرسول الذي يحمله ، نظرا ~~لما تقتضيه طبيعة الواقع الذي يفرض أن تستوعب الأمة التي يتحرك الرسول في ~~داخلها وينطلق منها ، الرسالة التي يحمل ، وبالتالي فإن الرسالة لا بد من ~~أن تكون باللغة التي تفهمها الأمة لتستطيع استيعابها وقبولها أولا ، ~~والدعوة إليها في أوساط الأمم الأخرى ، بكل وعي وقوة ثانيا. # وهكذا رأينا أن العرب الذي عاشوا وضوح المعاني الرسالية في بساطة ~~استطاعوا أن يحملوا الإسلام إلى الأمم الأخرى التي انتشرت العربية فيها ~~بسبب القرآن الذي بعثت ms4625 فيهم الحاجة إلى فهمه حافزا على فهم اللغة التي نزل ~~بها ، وامتدوا في ذلك حتى تفوقوا على كثير من العرب ، في فهم أسرار البلاغة ~~، وعمق الإعجاز ، وتأصيل قواعد اللغة العربية .. # وقد ذكرنا في ما سبق أن نزول القرآن بلغة العرب لا يعني امتيازا قوميا ~~لهم ، بل يعني قابليتهم لحمل الرسالة ، بسبب ما حملوه من خصائص تؤهلهم لذلك ~~، والحكمة الإلهية التي اقتضت أن تنزل الرسالة في أرضهم وفي مجتمعهم ، وأن ~~يكون الرسول منهم ، أرادت للرسالة أن تكون عالمية من موقع خاص يمثل قاعدة ~~أولى للدعوة .. PageV20P088 # وهكذا أنزل الله القرآن مفصلا في آياته ، عربيا في لغته. ( @QUR@02 لقوم ~~يعلمون ) أي يملكون المعرفة التي تتيح لهم فهمه بالمستوى الذي يمكن أن ~~يتحول إلى إيمان بمضمونه. # ( @QUR@02 بشيرا ونذيرا ) فقد أنزله الله ليقود الناس إلى معرفة نهايات ~~المواقف ونتائج الأعمال والأقوال والعلاقات ، ليفهموا أن مصيرهم في ~~المستقبل الذي يتحرك في الدنيا ويتجاوزها إلى الآخرة ، ليبشر العاملين في ~~اتجاه الحق والخير بالنعيم الخالد ، وينذر العاملين في اتجاه الباطل والشر ~~بالعذاب الدائم ، ليحدد الناس مواقعهم ومواقفهم على أساس ذلك. # * * * ### ||| ** إعراض الأكثرية وإيمان الأقلية # ( @QUR@05 فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) لأنهم لا يريدون الاستماع ~~لفقدانهم إرادة الاقتناع ، لأن عقولهم تجمدت عند الرواسب الموروثة وحياتهم ~~تحجرت عند التقاليد ، فلا يملكون سبيلا لحركة الفكر ، ولا يجدون طريقة ~~لتغيير المواقف ، ولهذا كانوا يواجهون دعوات التغيير ، بجمود الفكر ~~والحركة. # ولكن المسألة الإيجابية في حركة الدعوة أنها لا تفتقر بشكل كلي إلى جمهور ~~في بداياتها الحركية ، بل تحصل على قلة منه تملك حرية العقل وعمق التفكير ، ~~وتعيش قلق الحاجة إلى المعرفة وإلى اكتشاف آفاق جديدة ، وتحاول النفاذ إلى ~~ما خلف السطح من أسرار الحياة في لهفة بحثا عن أسرارها ، وهذه الأقلية هي ~~التي تلتزم الحق ، وتستمع إلى الرسول ، وتتبعه من موقع القناعة ، وهي دائما ~~، الفئة المسحوقة التي لم تستسلم للضعف الذي تعيش فيه ، بل بقيت تبحث عن ~~انطلاقه تساعدها على الانفتاح والتمرد ، وتقودها إلى الثورة في سبيل ~~التغيير .. وهي التي تمثل فئة مرذولة من مجتمع ms4626 الاستكبار ، فهي تضم PageV20P089 # العبيد والفقراء والضعفاء لأنهم من طبقة منحطة لا تملك المال الوفير ، ~~ولا النسب الكبير ، ولا الشأن الخطير. هؤلاء هم جماعة الأنبياء الذين كان ~~المستكبرون يعيرونهم بهم في مثال قول بعضهم للنبي : ( @QUR@014 ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) [هود : 27]. # * * * ### ||| ** مسئولية العاملين الرساليين # وفي ضوء ذلك ينبغي للرساليين في كل زمان ومكان ، أن لا يتعقدوا من إعراض ~~الأكثرية عنهم ، ولا يشعروا بالإحباط بسبب ذلك. بل عليهم أن يروا في ذاك ~~الإعراض أن النفوس لا تطيق التغيير الذي يخرجها عما اعتادته في حياتها .. ~~كما أن الطبقة المسيطرة ماليا وسياسيا وعسكريا ، لا تجد في الرسالة ما يحقق ~~مصلحتها ، ويحفظ امتيازاتها ، بل تجد فيها ضد ذلك ، ولذلك فإنها تقف منها ~~موقفا معارضا ، لتقييد حريتها ، وإسقاط مواقعها ، وإرباك شؤونها .. وهي ~~تعمل في الوقت نفسه على حشد الجماهير المستضعفة ضدها ، باستغلال حاجة تلك ~~الجماهير إليها ، والضغط من مواقع القوة عليها ، كي تقف ضد قوى التغيير ، ~~تحت تأثير شعارات خادعة وكلمات مضللة ، ومشاعر قلقة ، وانفعالات حادة .. ~~بحيث تقود هذه الجماهير ضد مصلحة نفسها على أكثر من صعيد ، غفلة منها عن ~~الحقيقة .. # إن على العاملين أن يفكروا بواقعية في تنمية حركة الرسالة في الواقع ، ~~وأن يدرسوا الظروف الواقعية التي تساعدهم على تجاوز الحواجز التي يضعها ~~المترفون والطغاة والكافرون أمام حركتهم الرسالية ، وأن يتابعوا السير بصبر ~~ووعي وقوة .. لأن الجماهير الواعية التي هي صاحبة المصلحة في التغيير سوف ~~تكتشف الحقيقة ، ولو بعد حين. # * * * PageV20P090 # ( @QUR@03 فاعمل ... إننا عاملون ) # ( @QUR@07 وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) وهو أسلوب ساخر معاند ~~يريد أن يوحي للنبي بأن عقولهم في داخل منطقة مغلقة مغطاة بالكثير الكثير ~~مما يمنعها من الانفتاح على كلامه في التوحيد وفي الوحي والمعاد وقضايا ~~الإنسان في الحرية والعدالة .. فهي لا تفقه كلامه ، ولا تفهم دعوته ، كما ~~لو كانت مغطاة بأغطية تحجب عنها كل ما يمكن أن يأتيها من الخارج. # ( @QUR@03 وفي آذاننا وقر ) أي ثقل من الصمم ، يمنعنا من سماع أي شيء ms4627 ~~تقوله ، ( @QUR@04 ومن بيننا وبينك حجاب ) فهناك أكثر من حاجز يحجزنا عنك ، ~~فلا نلتقي معك على شيء ، ولا نجد ما يربطنا بك ، فإن هناك كثيرا من الموانع ~~الطبيعية والذاتية والمصلحية التي تحول بيننا وبينك ، فأنت في واد ونحن في ~~واد آخر .. فلا تجرب دعوتك معنا ، بل حاول أن تجربها مع آخرين. # ( @QUR@03 فاعمل إننا عاملون ) فخذ حريتك في التحرك ، واعمل ما تحب أن ~~تعمله ، فإنا ماضون في موقفنا المضاد الذي يرفضك ويرفض رسالتك. لذلك فإننا ~~سنواجهك بكل ما نملك من وسائل المواجهة ، ولن نمكنك من تغيير تقاليدنا ~~وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا وتضليل شبابنا ، مهما كلفنا ذلك من جهد وتضحية وقوة. # * * * ### ||| ** الصوت الرسالي الواثق بربه # وينطلق الصوت الرسالي وديعا صريحا واثقا بنفسه ، من خلال ثقته بربه ~~مطمئنا إلى موقفه ، مصرا على دعوته ، لأن الرسل لا يتراجعون ، ولا ييأسون ، ~~بل يتابعون التحرك ، لأنهم يستشرفون المستقبل ، إذا كان المعارضون يفكرون ~~بالماضي ويختنقون في زوايا الحاضر ، ولا يبصرون إلا مواقع أقدامهم. # ( @QUR@05 قل إنما أنا بشر مثلكم ) لا أختلف عنكم في الشكل والنوع والبلد ، فأين PageV20P091 # هي الحواجز التي تحول بيني وبينكم ، لتمنعكم من سماع كلامي ، ومن فهم ~~دعوتي ومن اللقاء بي. إن كلامكم يوحي بأني من جنس ، وأنتم من جنس آخر ، وأن ~~لكم خصائص تختلف عن خصائصي ، والواقع أنه ليس هناك فرق بيني وبينكم سوى أنه ~~( @QUR@06 يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) فقد تعمق إحساسي بالوحي ~~وبالمضمون التوحيدي للعقيدة ، الذي عشته في العمق الوجداني ، بكل روحي ~~وعقلي وكياني ، ورأيته بكل وضوح الحقيقة ، لا يترك في شك ولا ريب ، ولا ~~التباس ، فتعالوا إلي فإني أحب أن أرى إشراقة الحق في عيونكم مهما بذلت في ~~ذلك من جهد ، فأنا لا أدعوكم إلى نفسي ، لأكون ملكا عليكم ، أو لأحصل على ~~أموالكم ، أو على أي امتياز بل إني أدعوكم إلى الله الذي لا إله إلا هو ، ~~فهو الرب وهو الخالق ، وهو الحق ( @QUR@02 فاستقيموا إليه ) وتحركوا في خط ~~التوحيد والعدل في اتجاه الاستقامة لتلتقوا به ، وتصلوا إليه ، وتنفتحوا ~~عليه ، فذلك هو سبيل ms4628 النجاح والنجاة ، ( @QUR@01 واستغفروه ) من كل الذنوب ~~التي صدرت عنكم نتيجة ما اتخذتموه من مواقف في خط الباطل أو تتخذونه الآن ~~من موقف مضاد للحق ، تسيئون به لله سبحانه ، ( @QUR@02 وويل للمشركين ) ~~الذين يشركون بعبادة الله غيره. # * * * ### ||| ** الزكاة وروحية العطاء # ( @QUR@04 الذين لا يؤتون الزكاة ) والظاهر أن المراد بها الإنفاق العام ~~الذي يجسد روحية العطاء ، وهي روحية لا يعيشها هؤلاء الوثنيون الذين ~~يلتصقون بالحجارة ، ويستغرقون في عبادتها ، حتى تتحول مشاعرهم إلى مشاعر ~~متحجرة لا تنبض بالخير ، ولا تتحسس آلام الآخرين ، بل تواجهها كما يواجه ~~الحجر الجامد أي إحساس. وليس المراد بالزكاة بمعنى الصدقة الواجبة التي ~~شرعها الله سبحانه ، لأنها من الآيات المكية وقد شرعت الزكاة في المدينة. # وقد حاول البعض أن يستدل بهذه الآية على تكليف الكفار بالفروع كما PageV20P092 # هم مكلفون بالأصول ، وذلك لأن الله أنذر المشركين بالويل لأنهم لا يؤتون ~~الزكاة ، وقد ظهر مما ذكرناه أن الزكاة الواجبة ليست مضمون الآية ليصح ~~الاستدلال بها على ذلك ، مع ملاحظة أن قصد الزكاة لا يكون دليلا على تكليف ~~المشركين بالفروع ، لو كان المراد بالزكاة ، الصدقة الواجبة ، لأن الآية قد ~~تكون واردة في التركيز على ما قد يفرضه الشرك من عدم قيام المشركين ~~بالواجبات ذات الطابع الإنساني والروحي التي تنطلق من الإيمان الذي إذا ~~انفتح فيه الإنسان على الله ، فإنه ينفتح على كل عناصر الخير التي تتفجر من ~~قلبه كالينبوع ، وتجري في روحه وحياته كالنهر الجاري. # وربما احتمل البعض أن يكون المراد بالزكاة ، تزكية النفس وتطهيرها من ~~الرذائل والذنوب ، وتنمية المعاني الروحية في داخلها .. ولكن هذا الاحتمال ~~لا يتناسب مع كلمة يؤتون لأن الإيتاء يحمل معنى الإعطاء المتعلق بالآخرين ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** موقف الكافرين والمؤمنين في الآخرة # ( @QUR@04 وهم بالآخرة هم كافرون ) لأنهم لا يعتقدون بوجود حياة أخرى ، ~~فقد كانوا يستغربون ويستبعدون إحياء الناس بعد الموت ، لكونه أمرا غير ~~مألوف لهم بالقياس إلى تجربتهم الحسية التي يعتبرونها أساسا لتكوين ~~قناعاتهم الفكرية. وإذا كانت هذه حال المشركين في ما ينتظرهم من ويل يهددهم ~~به الله ، فإن للمؤمنين العاملين ms4629 بالصالحات شأنا آخر. # ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) أي لا ~~يتعقبه المن الذي قد يثقل روح الإنسان الذي يكون موردا للعطاء ، وربما فسر ~~المن بمعنى القطع ، وبذلك يكون المعنى هو أن هذا الأجر غير مقطوع ، بل يبقى ~~متصلا مستمرا في حجم الخلود ، وربما فسر بمعنى الأجر الذي لا عد له ولا حصر. # * * * PageV20P093 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين (9) @QUR@015 وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) @QUR@016 ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~(11) @QUR@019 فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رواسي ): الجبال الشامخة في علوها ، الثابتة على الأرض. # ( @QUR@01 استوى ): قصد وتوجه. # * * * PageV20P094 ### ||| ** خلق السماوات والأرض # ( @QUR@08 قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) في ما يوحي به ~~الالتزام بالشرك من جحود في معنى وحدانية الله ، ( @QUR@03 وتجعلون له ~~أندادا ) من تصوراتكم التي لا ترتكز على أساس ، لأن هؤلاء لا يملكون من ~~قدرة الإله وقوته وعلمه وحكمته وتدبيره وخلقه شيئا ، إلا ما ملكهم الله ~~إياه .. وها أنتم تعيشون في الأرض بكل رحابتها وتنوع تضاريسها من سهول ~~وجبال وبحار وأنهار ، وكثرة ما تشتمل عليه من مخلوقات ونباتات ، وهي على ما ~~فيها من تنوع وغنى ، فقد خلقها الله في يومين ، في ما يوحي به استعمال ~~اليومين من معنى يشبه الزمن لجهة التتابع ، أو بمعنى الآن الزمني الذي يخضع ~~لبعض المقاييس في علم الله مما لا نستطيع معرفته إلا بطريقة غامضة ، لأننا ~~لا نملك التصور الدقيق لما لم نعش تجربته .. وقد يطلق اليوم على قطعة من ~~الزمان تحوي حادثة من الحوادث كما في قوله تعالى : ( @QUR@05 وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس ) [آل عمران : 140] وقوله : ( @QUR@09 فهل ينتظرون إلا ~~مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) [يونس : 102]. # وعلى كل حال ، فإنه لا يمكن أن يكون المراد به ms4630 اليوم ، الذي نعرفه في ~~حياتنا الدنيا لأن حدوده الزمنية مقدرة بالقياس إلى دوران الكرة الأرضية ~~حول نفسها مرة واحدة ، فكيف نتصور أن نفس ذاك المقياس هو تقدير الزمان الذي ~~حصل فيه خلق الأرض قبل خلقها. # ويقول صاحب الميزان : «فاليومان اللذان خلق الله فيهما الأرض قطعتان من ~~الزمان تم فيهما تكون الأرض أرضا تامة ، وفي عدهما يومين لا يوما واحدا ~~دليل على أن الأرض لاقت زمان تكونها الأولي مرحلتين متغايرتين كمرحلة النيء ~~والنضج ، أو الذوبان والانعقاد ، أو نحو ذلك» (1). # ( @QUR@01 ذلك ) الذي تتصورونه وتحسون بعظمته عند ما تشاهدون الأرض PageV20P095 # وتفكرون أنه هو الذي خلقها ، لا أوثانكم التي تعبدونها وتزعمون لها صفة ~~الألوهية ، مع الله ، أو من دونه ( @QUR@02 رب العالمين ) الذي تخضع له كل ~~العوالم ، في وعيها الذاتي والفكري لربوبيته ، فليس هناك موجود حي أو جامد ~~إلا وهو مخلوق له ، مربوب له فأين تذهبون؟ وكيف تفكرون؟ ( @QUR@05 وجعل ~~فيها رواسي من فوقها ) وهي الجبال الشامخة في علوها الثابتة على الأرض ، ~~التي تثبتها فتمنعها من الاهتزاز والسقوط ( @QUR@02 وبارك فيها ) فجعل فيها ~~الكثير من المنافع والخيرات التي تحقق لكل الموجودات الحية والنامية شروط ~~حياتها ، ( @QUR@06 وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ) وذلك بما أودعه فيها ~~من عناصر الغذاء التي يحتاج إليها من يعيش فيها من إنسان وحيوان ونبات ~~ونحوه بحيث يفي استغلال تلك العناصر بحاجة كل هذه المخلوقات ، فلا ينقصها ~~ما تحتاجه منه ، إلا إذا ما أهملت استخراجه ، أو استغلته في غير موضعه ، أو ~~احتكره بعض دون غيرهم. # وهذا هو الظاهر من كلمة ( @QUR@02 سواء للسائلين ) أي من دون زيادة أو ~~نقصان في أقوات هذه الموجودات المحتاجة التي تتوجه بالسؤال إلى الله بلسان ~~حاجتها تلك. وإذا كانت كلمة السائلين مختصة بذوي العقول من المخلوقات ، فمن ~~الممكن أن تكون شاملة لغيرهم بلحاظ التغليب ، أو بلحاظ استفادة ذلك من خلال ~~طبيعة الحاجة المشتركة بينهم وبين غيرهم ، والله العالم. # * * * ### ||| ** ما معنى تقدير الأيام الأربعة؟ # وقد اختلف المفسرون في توجيه معنى تقدير الأربعة أيام ، فهل هي ظرف ~~لتقدير الأقوات بذاتها ، أم هي ms4631 ظرف لمجموع خلق الأرض وتقدير الأقوات ، بحيث ~~يكون المراد تتمة الأربعة أيام ويكون المعنى : «قدر الأقوات في تتمة أربعة ~~أيام من حين بدء الخلق ، فيومان لخلق الأرض ويومان وهما PageV20P096 # تتمة أربعة أيام لتقدير الأقوات» (1). # أما الحاجة إلى هذا التوجيه ، فلأن العمل على ظاهرها من كون الأربعة أيام ~~ظرفا لتقدير الأقوات ، يقتضي أن يكون خلق الأرض وما فيها في ستة أيام ، ~~فإذا ضممنا إلى ذلك أن خلق السماوات في يومين ، كما يأتي في الآية التالية ~~، كان المجموع في خلق السماوات والأرض ثمانية أيام. # وقد ذكر صاحب الميزان احتمالا آخر قال : «والإنصاف أن الآية أعني قوله : ~~( @QUR@08 وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) ظاهرة في غير ~~ما ذكروه ، والقرائن الحافة بها تؤيد كون المراد بها تقدير أقواتها في ~~الفصول الأربعة التي يكونها ميل الشمس الشمالي والجنوبي بحسب ظاهر الحس ، ~~فالأيام هي الفصول الأربعة. # والذي ذكر في هذه الآيات من أيام خلق السموات والأرض أربعة أيام : يومان ~~لخلق الأرض ويومان لتسوية السماوات سبعا بعد كونها دخانا ، وأما أيام ~~الأقوات فقد ذكرت أياما لتقديرها لا لخلقها ، وما تكرر في كلامه تعالى هو ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام لا مجموع خلقها وتقدير أمرها ، فالحق أن ~~الظرف قيد للجملة الأخيرة فقط ، ولا حذف ولا تقدير في الآية ، والمراد بيان ~~تقدير أقوات الأرض وأرزاقها في الفصول الأربعة من السنة» (2). # وهذا تفسير طريف قريب للاعتبار ، ولكنه غير ظاهر من سياق الآية التي توحي ~~بأن كلمة اليوم ذات معنى واحد في الجميع ، مع ملاحظة أن هذا لا يحل مشكلة ~~الجمع بين خلق السماوات والأرض في أربعة أيام ، كما هو مقتضى هذا التفسير ~~وبين خلقهما في ستة أيام ، كما جاء في الآيات الأخرى. والله العالم. # * * * PageV20P097 ### ||| ** الاستواء إلى السماء # ( @QUR@06 ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) في ما توحي به كلمة الاستواء ~~من السيطرة ، أو بما تعنيه من قصد وتوجه إليها قام به تعالى بإرادته لا ~~بالانتقال المكاني الذي يستحيل نسبته إليه لأن ذلك مستلزم للتجسيد المنزه ~~عنه ، أما كلمة ms4632 الدخان فقد يكون المراد بها شيئا يشبهه ، لأنه في معناه ~~الحقيقي ملازم للنار التي لم يرد لها ذكر هنا .. # وقد يلاحظ القارئ أن الظاهر من الآية هو تأخر خلق السماوات عن خلق الأرض ~~، لاستخدامه تعالى تعبير «ثم» التي تدل على التراخي ، وذلك مناف لقوله ~~تعالى في سورة النازعات : ( @QUR@019 السماء بناها* رفع سمكها فسواها* ~~وأغطش ليلها وأخرج ضحاها* والأرض بعد ذلك دحاها* أخرج منها ماءها ومرعاها* ~~والجبال أرساها ) [النازعات : 27 32] ويمكن توجيه ذلك بأن الآية في سورة ~~النازعات أظهر في التأخر من كلمة «ثم» في التراخي الزماني ، فيمكن أن يكون ~~الترتيب واردا بحسب الوضع البياني ، لا الزماني. ( @QUR@07 فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها ) في تعبير كنائي عن قدرة الله في تدبير أمورهما ~~وحركتهما التكوينية ، مما يوحي بأن الأمر بيده ، فليس لهما من الأمر شيء ، ~~ولذلك فإن مسألة رضاهما وعدم رضاهما لا تقدم ولا تؤخر في الموضوع شيئا ، ~~لأن إرادة الله فوق كل إرادة من أي مخلوق ، لأنه لا يملك إلا ما ملكه الله ~~من أمره. # وقد تكرر في القرآن الكريم التعبير عن الأمر التكويني بالقول الذي قد لا ~~يصدق على بعض المواقع التي لا يملك فيها الشيء وعيا يختزن الفكرة التي ~~يحملها اللفظ ، لعدم امتلاكه الحس والإدراك ، أو على فعل الله الذي يمثل ~~واقع الحادث ، كما في كل مواقع إرادته ، في أمثال قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [يس : 82] وهذا ما نستوحيه ~~من قول الله للسماوات والأرض لتأتيا إليه كي تخضعا لإرادته وتدبيره ، ~~ولتتحركا بأمره كما قدر لهما في مواقع إرادته وعلمه ، وكما في قوله تعالى ، ~~في التعبير عن PageV20P098 # انفعالهما التكويني بذلك ( @QUR@03 قالتا أتينا طائعين ) في ما قضيت من ~~الخلق والتدبير وقد ذكر في الميزان ، «إن تشريك الأرض مع السماء في خطاب ( ~~@QUR@01 ائتيا ) إلخ ، مع ذكر خلقها وتدبير أمرها قبلا ، لا يخلو من إشعار ~~بأن بينهما نوع ارتباط في الوجود واتصال في النظام الجاري فيهما ، وهو كذلك ~~، فإن الفعل والانفعال والتأثير والتأثر دائر بين ms4633 أجزاء العالم المشهود» (1). # * * * ### ||| ** الله القادر العليم # ( @QUR@05 فقضاهن سبع سماوات في يومين ) في تخطيطه لتفاصيل وجودها ، ~~وتحديده لعددها ، في ما أراده من خلق السماوات في نظامها الذي يرتكز على ~~أساس الحكمة البالغة ( @QUR@05 وأوحى في كل سماء أمرها ) في ما تجري عليه ~~من مفردات النظام الكوني ، وما تخضع له من إرادة الله ، لجهة المخلوقات ~~التي تسكنها ، والكواكب التي تحتويها في آفاقها المترامية. # ولعل التعبير بالوحي جار على سبيل الكناية ، في ما يمثله من نزول الأمر ~~وحركته في وعيها الذاتي لوجودها في حركتها الكونية ، تماما كما هو الوحي ~~الذي يتفاعل في العقل ، ويتحول إلى واقع في حياة الناس الملتزمين بإرادة ~~الله المنقادين له. # ويمكن أن يكون المراد بالأمر حسب ما ذكره البعض الأمر الإلهي الذي يتنوع ~~في كل سماء الذي يوحيه الله إلى الملائكة من أهلها في ما ينزلون به من أمر ~~الله حاملين له ، ويعرجون إليه بكتب الأعمال ، أو الأمر التكويني بمعنى ~~الإيجاد وهو خلق الأشياء وحدوث الحوادث تحمله الملائكة من عند ذي العرش ~~وتسلك في تنزيله طرق السماوات فتنزله من سماء إلى سماء حتى تنتهي به إلى ~~الأرض فللأمر نسبة إلى كل سماء باعتبار الملائكة الساكنين فيها ، ونسبة إلى ~~كل قبيل من الملائكة الحاملين له باعتبار تحميله لهم وهو وحيه إليهم. PageV20P099 # وقد ارتكز هذا المفسر الجليل على الآيات الكريمة التي تتحدث عن الأمر ~~المتعلق بوجه بالسماء ، فقد قال الله تعالى ( @QUR@09 يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض ثم يعرج إليه ) [السجدة: 5]. وقال : ( @QUR@011 الله الذي خلق ~~سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ) [الطلاق : 12] ، وقال : ( ~~@QUR@010 ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) [المؤمنون ~~: 17] (1). # وقد نلاحظ على ذلك أن هذا المعنى ليس بهذا الوضوح ، فقد يمكن أن يكون ~~المراد من تنزل الأمر من السماء كناية عن انطلاقه من مراكز العلو التي تمثل ~~الهيمنة المطلقة ، مع ملاحظة أن الله ليس في مكان ، ليتصور صدور الأمر منه ~~من منطقة السماء بمعناها المادي .. # وقد نستفيد من مجموع الآيات التي ذكر فيها الأمر أن ms4634 المقصود فيها الإرادة ~~المتعلقة بوجود الأشياء وتدبيرها ، والتي تتنوع في مضمونها ومصداقها بين ~~مورد وآخر ، فهناك إرادة تتعلق بالسماء وهناك إرادة تتعلق بالأرض ، وإذا ~~كانت الآية متعلقة بخلق السماوات ، فقد يكون ظهورها في الأمر المتعلق ~~بتدبيرها وتنظيم وجودها ، أكثر من ظهورها في الأمر النازل منها المتعلق ~~بتدبير الأرض ، مما تحمله الملائكة منه ، والله العالم. # ( @QUR@04 وزينا السماء الدنيا بمصابيح ) وهي الكواكب المتناثرة في ~~الفضاء المطلة على الأرض ، وتبدو للناظر في إشراقها بحيث تبدو كالقناديل في ~~الجو المظلم المدلهم ، كما يمنح الأفق هذا المنظر المتشابك في جانب ، ~~المتفرق المتناثر في جانب آخر ، زينه ساحر بما يؤلفه من صور جميلة مثيرة ~~للدهشة والإعجاب. # ( @QUR@01 وحفظا ) من الشياطين التي تسترق السمع فيتبعها من الكواكب شهاب ~~مبين ، ( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) في تدبيره وتقديره للنظام ~~الكوني الذي أوجده بقدرته ، وأعطاه أسراره التي تحفظ امتداده وتضبط حركته ~~في ما أودعه فيه من يعلم حاجته إليها. # * * * PageV20P100 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) ~~@QUR@023 إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ~~قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) @QUR@025 ~~فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن ~~الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) @QUR@019 ~~فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) @QUR@014 وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ~~(17) @QUR@05 ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صاعقة ): الصوت الشديد من الجو. # ( @QUR@02 ريحا صرصرا ): الريح الشديدة السموم ، أو الشديدة البرد أو الصوت. PageV20P101 # ( @QUR@02 العذاب الهون ): العذاب المهين المخزي. # * * * ### ||| ** الإنذار بالعذاب الدنيوي # لقد كان الإنذار بالعذاب هو الوجه الآخر للأسلوب الذي كان يستعمله لإثارة ~~الكافرين والمشركين ، وحضهم على التفكير بالمضمون العقيدي للدعوة ، ~~وإخراجهم من أجواء اللامبالاة التي تؤدي بهم إلى جمود الفكر وحركة الانفعال ~~، وفي هذه الآيات لون من ألوان الإنذار الذي يستثير ms4635 ذاكرتهم التاريخية في ~~ما حدث للأمم السابقة التي سمعوا عنها الكثير ، ليخوفهم من حدوث شيء مماثل ~~لهم ، لأن الأسلوب المتمرد الذي يتبعونه مع النبي ، هو الأسلوب نفسه الذي ~~اتبعه أولئك مع الأنبياء السابقين ومنهم صالح وثمود. # ( @QUR@02 فإن أعرضوا ) ولم ينفتحوا قلبا وفكرا على دعوتك ، ورفضوا ~~الحوار الذي يؤدي إلى إيضاح الحق من خلال البراهين التي يقدمها ، والحجج ~~التي يحتج بها ، ( @QUR@07 فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) التي ~~أهلكتهم فلم تبق منهم أحدا ، والصاعقة كما قيل هي الصوت الشديد من الجو ثم ~~يكون نارا تؤدي إلى العذاب أو الموت ، وهي في ذاتها شيء واحد ، وهذه ~~الأشياء تأثيرات منها. # * * * ### ||| ** توحد دعوة الرسل # ( @QUR@012 إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ~~) فهذه حقيقة تفرض نفسها على العقل والوجدان فلا مجال للشك في وحدانية الله ~~، لذا لا بد للعباد من أن يوحدوا عبادة الله بما تفرضه من خضوع مطلق وطاعة ~~مطلقة له ، فإذا كان لديكم شبهة حول وحدانية الله نتيجة ما يمكن أن تعيشوه من عقد PageV20P102 # مرضية مستعصية ، فتعالوا إلى الحوار في كل جزئياتها وفي فكرها العام ، ~~لأن الحوار هو الذي يفتح العقل على العقل ويفسح المجال لتكوين القناعات من ~~أقرب طريق ... ولعل جمع الرسل مع أن الآية لم تأت إلا على ذكر رسولين فقط ~~يعود إلى أن دعوة الرسل واحدة ، كما أن الحديث عن إتيانهم من بين أيديهم ~~ومن خلفهم يحمل بعض الإيحاء بأنهم استخدموا كل الأساليب التي تطوق أفكارهم ~~من كل جانب. # ( @QUR@06 قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ) لأن البشر لا يعقل أن يكونوا ~~أنبياء لأن النبوة حالة غيبية سماوية لا يحصل عليها أو يحملها إلا رجال ~~الغيب السماويون الذين يقتربون من قدس الله ، وهو أمر لا يحصل عليه أحد ، ~~ولذلك فإن مسألة الإيمان بالبشر الذين يدعون الرسالة ، كما تدعونها ، غير ~~واردة عندنا ، ( @QUR@05 فإنا بما أرسلتم به كافرون ) لأنه لا يتناسب مع ~~قناعاتنا التي ورثناها من أجدادنا ، ومع الخطوط العامة لموقع النبوة. # * * * ### ||| ** استكبار عاد من موقع القوة ms4636 الجسدية # ( @QUR@012 فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ~~) فقد كانوا يتمتعون بالقوة الجسدية ، ذلك أن الله زادهم بسطة في الجسد ~~فكانوا من العمالقة كما قيل ولهذا شعروا بالتفوق والعلو على الآخرين الذين ~~كانوا أضعف منهم قوة ، وهو ما يجعلهم يتحسسون ضخامة الشخصية في مواقعهم ~~وامتيازاتهم ، كما يتحسس البعض ضخامة أجسادهم ، فتحدث لديهم عقدة التفوق ~~التي تدفعهم إلى الاستكبار والاستعلاء على الآخرين بما يخلقه ذلك من أنانية ~~في الذات وفي الموقف الفكري والعقيدي الذي لا يخشع لفكر الآخرين ، PageV20P103 # وإن كان حقا ، ولم يكتفوا بذلك ، بل وقفوا وقفة استعراضية للقوة التي ~~يملكون حتى خيل إليهم أنهم يملكون قوة المطلق فقالوا ، وهم يتطلعون إلى من ~~حولهم ، ( @QUR@04 من أشد منا قوة ).. ولكن المسألة لديهم مجرد وهم كبير ~~لا أساس له .. فهم يملكون بعض القوة ، ولكن من الذي منحهم تلك القوة؟ ثم ما ~~قيمتها أمام قوة الله التي هي سر القوة في كل شيء؟ فلا قوة لأحد مهما كانت ~~عظمته ، بدون قوة الله ( @QUR@06 أولم يروا أن الله الذي خلقهم ) من العدم ~~وأعطاهم نعمة الوجود بكل مفرداتها التفصيلية ( @QUR@04 هو أشد منهم قوة ) ~~لأن قوته تمتد في كل شيء ، وتتسع لكل شيء ( @QUR@03 وكانوا بآياتنا يجحدون ~~) وتلك هي مشكلتهم المعقدة وهي جحود الآيات الإلهية في الوجود والكلمة التي ~~تطل على الحق في إشراقة الوضوح ، ولكنهم لا يواجهونها بعمق وواقعية ~~وانتباه. # ( @QUR@04 فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) وهي الريح الشديدة السموم أو ~~الشديدة البرد أو الشديدة الصوت ، ( @QUR@03 في أيام نحسات ) أي حاملة ~~للتشاؤم ، لما تحتويه من قسوة في حركة الزمن ، كما في أيام فصل الشتاء التي ~~تنذر بالعواصف ، بحيث تكون الريح الباردة أو العاصفة من نتائج هذه الأيام ~~في موقعها الفصلي من السنة على حسب الأوضاع الطبيعية. # * * * ### ||| ** إشكالية السعد والنحس في الزمن # ليس من الضروري أن يعني ذلك وجود شؤم يتصل باليوم ذاته ، ليكون لدينا ~~أيام سعد وأيام نحس ، كما هو المشهور بين الناس ، وكما هو المأثور في بعض ~~الروايات ، فإن الزمن واحد لا فرق في ms4637 طبيعته من حيث خصائصه الذاتية ، ولكن ~~الله قد يتعبد خلقه بالاحتفال بيوم ، كيوم العيد لمناسبة معينة وقد PageV20P104 # يتعبدهم بالتعامل مع يوم آخر بطريقة أخرى ، ليست بهذه المثابة من ~~الاهتمام .. # وقد جاءت أحاديث كثيرة في رفض التطير والتشاؤم ، توحي بأن الذي يتمرد ~~عليها قد يحصل على خلاف ما يخافه الناس منها ، جزاء له على رفضه لهذا ~~المنطق الشائع وربما كان أبلغ دليل على بطلان ذلك هذه الأيام الباردة ~~الشديدة البرد أو ما يشابه ذلك. # ( @QUR@06 لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) حيث يحيط بهم العار من ~~جميع جوانبهم حتى يموتوا في وحوله وقذارته ، ( @QUR@03 ولعذاب الآخرة أخزى ~~) من عذاب الدنيا ، لأنه يمثل المصير الأسود القاسي الذي ينتهي إليه ~~الإنسان المستكبر ، ( @QUR@03 وهم لا ينصرون ) لأن الأمر يوم القيامة لله ~~فلا أمر مع أمره. # * * * # ( @QUR@07 أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) # ( @QUR@07 وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) فعاشوا في ~~أعماق الظلمة الروحية التي أغلقت نوافذ عقولهم عن النور المنطلق من وحي ~~الرسالة ومن نداء الرسول فلم يستجيبوا لنداء التغيير الفكري الذي يجدد ~~حياتهم التي اعتادوها في أوضاعهم وعلاقاتهم .. وهكذا أرادوا البقاء على عمى ~~الشرك الذي يتخبطون في أوحاله ، في ما ارتاحوا إليه من طقوس العبادة ، ~~وشؤون الحياة ، وطبيعة العلاقات ، وتركوا لأجله الهدى الذي يدلهم على الله ~~ويعرفهم حقيقة توحيده ، وروحية عبادته ، وتمردوا على الرسالة وسخروا من ~~الرسول ، وهددوه وتوعدوه. # ( @QUR@04 فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ) فأنزل الله عليهم العذاب وأخذهم PageV20P105 # بالصيحة التي هزت وجودهم فأحرقته ، أو بما يماثل ذلك من ألوان العذاب ~~فأصبحوا كأعجاز نخل خاوية ، لا يسمع لهم صوت ، ولا تحس لهم حركة ، ( ~~@QUR@03 بما كانوا يكسبون ) من الكفر والشرك والفسوق .. لأن النتائج لا بد ~~أن تكون بحجم المقدمات في الثواب والعقاب. # * * * ### ||| ** التقوى أساس نجاة المؤمنين # ( @QUR@03 ونجينا الذين آمنوا ) من قوم صالح ، أو من قوم هود وصالح ، من ~~ذلك العذاب ، لأنهم انفتحوا على الإيمان والتقوا بالله من خلاله فأدخلهم في ~~رحمته .. ولأنهم كانوا يتحركون مع النبي في خط الدعوة وخط العمل ، وكانوا ~~يشاركونه في الدعوة إلى ms4638 الله. # ( @QUR@02 وكانوا يتقون ) فيلتزمون الحدود التي أرادهم أن يقفوا عندها في ~~حلاله وحرامه ، وهذا هو أساس النجاة من العذاب ، والحصول على الثواب. # * * * PageV20P106 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) @QUR@012 حتى ~~إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) ~~@QUR@018 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) @QUR@020 وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون (22) @QUR@09 وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من ~~الخاسرين (23) @QUR@011 فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين (24) @QUR@025 وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يوزعون ): من الوزع : وهو المنع والكف. # ( @QUR@01 أرداكم ): أهلككم. PageV20P107 # ( @QUR@01 مثوى ): مقام. # ( @QUR@01 يستعتبوا ): يطلبوا الرضى ويعتذروا. # ( @QUR@01 وقيضنا ): هيأنا. # * * * ### ||| ** جمع أعداء الله في المحشر # ( @QUR@04 ويوم يحشر أعداء الله ) من الكافرين المكذبين للرسل فيجمعون في ~~المحشر حيث يدفع بهم ( @QUR@02 إلى النار ) التي استحقوا عذابها بكفرهم ~~وتمردهم على الله ، ( @QUR@02 فهم يوزعون ) أي يمنعون ، ( @QUR@04 حتى إذا ~~ما جاؤها ) ووقفوا عندها أو قريبا منها ليسمعوا الحكم الحاسم الذي ينطلق من ~~الحجة القاطعة على جرائمهم ومعاصيهم ، ( @QUR@03 شهد عليهم سمعهم ) من ~~كلامهم بالكفر ، أو ما سمعوه من آيات الله فأعرضوا عنه ، ( @QUR@01 ~~وأبصارهم ) في ما يراه البصر من أفعال صاحبه أو في ما رآه من الدلائل على ~~وجود الله وتوحيده ، فلم ينفتح عقله لذلك في ما يدعو إليه من الهدى والرشاد ~~، ( @QUR@01 وجلودهم ) في ما استمتعت به من المحرمات. # ( @QUR@05 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ) وقيل : إنما خصوصا بالسؤال ~~دون سمعهم وأبصارهم مع اشتراكها في الشهادة ، لأن الجلود شهدت على ما كانت ~~هي بنفسها أسبابا ، وآلات مباشرة له بخلاف السمع والأبصار ، فإنها كسائر ~~الشهداء تشهد بما ارتكبه غيرها. وهكذا كانت المرارة تأكل أحاسيسهم ، فكيف ~~تشهد عليهم جلودهم بما عملوه ، وما الذي أنطقها بهذه الطريقة ms4639 العجيبة ، وقد ~~كانت في الدنيا لا تملك نطقا؟ ثم كيف تعترف بما فعلته ، وهو أمر يعرضها ~~للعذاب؟ # * * * PageV20P108 ### ||| ** الجلود ترد على الكافرين # ( @QUR@07 قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) فهل سألتم أنفسكم كيف ~~نطق اللسان؟ وما الفرق بينه وبين أي عضو آخر في إزاء قدرة الله .. فهو خالق ~~أجهزة النطق كما هو خالق أجهزة الحياة كلها. ( @QUR@04 وهو خلقكم أول مرة ) ~~ولم تكونوا شيئا مذكورا بل كنتم في قبضة العدم ، ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) ~~فهو القادر على أن يبعث فيكم الحياة من جديد ليحاسبكم على كل ما صنعتموه في ~~حياتكم. # ( @QUR@011 وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~) لأنكم كنتم غافلين عنها وعن رقابتها عليكم في كل حركاتكم وسكناتكم ، وفي ~~كل أقوالكم وأفعالكم. # ( @QUR@09 ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ) ولهذا كنتم ~~مستهترين بما تقومون به من الجرائم والجرائر من دون إحساس بالمسؤولية ، ~~لأنكم لا تعون الإحاطة الإلهية بكل شيء. # ( @QUR@06 وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) فلم تنتبهوا إلى حالة ~~اللاواقعية واللاوعي التي تبعدكم عن الإحساس بالواقع من كل جهاته ، الأمر ~~الذي جعلكم تنحرفون عن الخط المستقيم ، ( @QUR@03 فأصبحتم من الخاسرين ) ~~الذين خسروا المصير في وجودهم ولم يبق لديهم أي شيء مما يربحونه من قليل أو كثير. # * * * ### ||| ** لا توبة اليوم # ( @QUR@05 فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) وذلك بأن يستمروا في الإصرار على ~~العناد والاستكبار ، فيمنعهم ذلك من الاعتذار والاسترضاء لله في ما يتوسلون ~~به إليه لتخليصهم من العذاب ، فإنهم يستمرون في النار. PageV20P109 # ( @QUR@02 وإن يستعتبوا ) ويتراجعوا عما كانوا فيه ويعتذروا عن كفرهم ~~وتمردهم للنجاة من العذاب ، ( @QUR@04 فما هم من المعتبين ) أي الذين يقبل ~~الله إعتابهم ومعذرتهم ، لأنهم ليسوا بأهل لذلك ، كما أن المقام ليس مقام ~~توبة ، فإن مقام التوبة في الدنيا قبل الموت .. ولعل مضمون هذه الآية هو ~~مضمون قوله تعالى : ( @QUR@07 اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ) ~~[الطور : 16]. # ( @QUR@03 وقيضنا لهم قرناء ) من شياطين الإنس والجن من الذين يتحركون في ~~إضلال الناس فيحركون شهواتهم لتندفع إلى ارتكاب الحرام ، ويثيرون أعصابهم ~~لتتصلب في ms4640 مواقف الاستكبار والعناد. # ( @QUR@07 فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) مما يستغرقون فيه من ~~المتع المادية التي يعيشون في شهواتها ولذائذها ، أو مما يتطلعون إليه في ~~المستقبل من ذلك في ما تتعلق به آمالهم وأمانيهم. # ( @QUR@012 وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) ~~فاستقر عليهم العذاب الذي جعله الله للكافرين والمتمردين والمعاندين في ~~إرادته الحاسمة التي تجمع الناس ضمن أمم يجمعها الفكر الكافر ، والعمل ~~الشرير من الماضين والحاضرين ، فكما ثبتت كلمة العذاب على السابقين الذين ~~التزموا خط الانحراف ، فكذلك هم الاحقون الذين يتصلون بهم ( @QUR@03 إنهم ~~كانوا خاسرين ) لأنهم أخذوا بأسباب الخسارة ، ولم يأخذوا بأسباب الربح من ~~الإيمان والعمل الصالح. # * * * PageV20P110 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون (26) @QUR@010 فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي ~~كانوا يعملون (27) @QUR@014 ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد ~~جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) @QUR@016 وقال الذين كفروا ربنا أرنا ~~الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والغوا ): اللغو من الكلام : ما لا معنى له. # * * * PageV20P111 ### ||| ** إثارة التشويش في مواجهة الدعوة # كيف كان الكافرون يواجهون القرآن الذي أنزل عليهم ، وكيف يواجهون العذاب ~~عند ما يدخلون النار. # ( @QUR@03 وقال الذين كفروا ) بعضهم لبعض ليصدوا تأثير القرآن على عقولهم ~~ومشاعرهم ، أو على تفكير الناس من حولهم ، ( @QUR@04 لا تسمعوا لهذا القرآن ~~) بل أغلقوا آذانكم وقلوبكم عن الاستماع إليه حتى لا ينفذ شيء من معانيه ~~إلى أفكاركم فتنجذبوا إليها بطريقة لا شعورية. # ( @QUR@02 والغوا فيه ) وتحدثوا بلغو الكلام الذي لا معنى له ، لإثارة ~~الضوضاء من حوله ، بحيث يفقد القارئ توازنه عند القراءة ويضطرب الناس لدى ~~الاستماع إليه ، والإنصات إلى كلماته ، ( @QUR@02 لعلكم تغلبون ) الرسول ~~بهذه الطريقة ، فلا يستمع إليه أحد ، ولا ينجذب إلى دعوته أحد ممن يعيشون ~~بساطة الفكر وعفوية الروح وصفاء المشاعر والبعد عن التكلف والتعقيد ، لأن ~~مشكلتنا هي في انجذاب أفكارنا ، لا شعوريا ، إليه أو في انجذاب الآخرين إلى ~~دعوته .. وهكذا كانوا يواجهون الدعوة بالأساليب الضاغطة ms4641 المتعسفة ، لأنهم ~~عاجزون عن مواجهة التحديات الفكرية التي يطرحها أمام المستمعين إليه ، في ~~ما يطرحه من أفكار ، وفي ما يحركه من قضايا ومفاهيم وشرائع في الحياة ~~العامة والخاصة للناس. # ذلك أن العاجزين عن مواجهة المنطق بمثله ، يلجأون إلى استعمال القوة ~~الغاشمة ، أو إثارة الضوضاء حول العاملين في سبيل الله والداعين إلى دينه. ~~ولما كان هؤلاء يفتقرون إلى الحجة على مواقفهم وأفكارهم ، وكانت الحجة لله ~~عليهم ، فإن الله يتهددهم بالعذاب الذي يستحقونه جزاء على ذلك .. # * * * PageV20P112 ### ||| ** الله يتهدد اللاغين # ( @QUR@05 فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ) لأن ذلك هو الرد على تعقيد ~~الموقف الذي يريدون تحريكه ضد الرسالة والرسول ، بهدف مقابلة التحدي الذي ~~يثيره أمامهم بالتحدي. ( @QUR@05 ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ) من ~~السير على خط الكفر ، ومن اضطهاد الرسول والذين اتبعوه ، ( @QUR@04 بما ~~كانوا بآياتنا يجحدون ). # ( @QUR@05 ذلك جزاء أعداء الله النار ) فهي النهاية التي ينتهون إليها ، ~~جراء البداية التي بدأوا بها في خط الكفر بالله وبرسوله وبرسالته ، ( ~~@QUR@04 لهم فيها دار الخلد ) التي تحيط بهم ، ولا يملكون خلاصا منها ، لأن ~~الخلود فيها هو الزمن الذي لا انقطاع فيه ، بما كانوا بآياتنا يجحدون. # * * * # ( @QUR@04 ربنا أرنا الذين أضلانا ) # ( @QUR@03 وقال الذين كفروا ) وهم يواجهون هذا العذاب الشديد في النار ، ~~ويسترجعون في ذاكرتهم أن هذا المصير الذي يواجهونه اليوم جاء نتيجة اتباعهم ~~لبعض الأشخاص ، وخضوعهم لهم ، ووقوعهم تحت تأثير ما يملكونه من قوة ويطلبون ~~من الله أن يريهم هؤلاء الذين قد يكونون من الجن أو الإنس ليثأروا منهم ، ~~ويواجهونهم بالأسلوب الذي يستحقونه : ( @QUR@07 ربنا أرنا الذين أضلانا من ~~الجن والإنس ) وأديا بنا إلى هذا المصير الأسود ( @QUR@03 نجعلهما تحت ~~أقدامنا ) فهذا هو الجزاء الطبيعي ، الذي يستحقانه ، ( @QUR@03 ليكونا من ~~الأسفلين ) الأذلين جزاء حالة الاستعلاء والاستكبار التي كانا يمارسانها في ~~الدنيا ، ضدنا وضد كل المستضعفين الذين كان إحساسهم بالضعف أمام المستكبرين ~~الكافرين يجرهم إلى التأثر بهم. # * * * PageV20P113 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) @QUR@016 نحن ~~أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم ms4642 فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ~~ما تدعون (31) @QUR@04 نزلا من غفور رحيم (32) @QUR@013 ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) @QUR@017 ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم (34) @QUR@011 وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ~~(35) @QUR@011 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~العليم ) (36) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تدعون ): تطلبون. # ( @QUR@01 نزلا ): ما يعد للنازل. PageV20P114 # ( @QUR@01 نزغ ): النخس بما يدعو إلى الفساد. # * * * ### ||| ** الاستقامة في خط التوحيد والدعوة # ( @QUR@07 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) هذا هو الإسلام في ~~كلمة مختصرة تحدد المنطلق والأفق وخط السير ، فالتوحيد هو المنطلق الذي يصل ~~الإنسان بآفاق الله الذي ابتدأ الوجود بكلمته ، وعاش كل حركته وامتداده ~~بحكمته ونعمته ، وأوحى للإنسان بالرسالة المنفتحة على الحياة كلها برحمته ~~.. وفتح لفكره وروحه وشعوره مطالع الشروق ، في إيحاءات الحق بعلمه ومعرفته ~~، ورعاه في كل مواقع الحركة في داخل وعيه ، وخارج ذاته ، بلطفه وقوته .. # وهكذا تنطلق بداية خط السير من الله لتطل على الأفق الواسع الممتد الذي ~~يشمل الحياة كلها ، بكل قضاياها ومشاكلها ووسائلها وأهدافها ، وأفراحها ~~وأحزانها وخطوطها المتحركة في أكثر من اتجاه ، ليكون الله هو النور الذي ~~يشرق في كل فكرة ، وفي كل عاطفة ، وفي كل منهج ، وفي كل علاقة وخطة ، ويكون ~~الإنسان على نور من ربه في كل مرحلة من مراحل الطريق. # وهكذا كان الاعتراف بالله وبوحدانيته هو الذي يحدد للإنسان وجهة السير ، ~~ثم تكون استقامته على الخط ذاك بحيث لا ينحرف ذات اليمين وذات الشمال ، ولا ~~يلتفت إلى أي شخص مهما كانت عظمته وقدرته ، ولا ينتمي إلى أي تيار مهما ~~كانت إغراءاته ، على مستوى الشريعة والسياسة والاقتصاد ، والعلاقات الشخصية ~~، فلا شريعة له إلا شريعة الله ، ولا سياسة له إلا السياسة التي تنسجم مع ~~العناوين التي يرضاها الله ، ولا اقتصاد إلا في حدود الحلال والحرام ، ولا ~~علاقات شخصية بالآخرين إلا إذا كانت في طريق الله ، بحيث PageV20P115 # يكون ارتباطه بالناس من خلال الله ms4643 ، وهكذا لا يجد الإنسان غير الله في كل ~~أموره .. # إنه خط التوحيد ، والاستقامة في اتجاهه ، التي تختصر الرسالة في كل ~~تفاصيلها المتعلقة بالحياة والناس ، باعتبار أن تلك التفاصيل هي المضمون ~~العملي الذي يجسد التوحيد الخالص. # * * * ### ||| ** ملائكة الرحمن تتولى الموحدين المستقيمين # .. إن هؤلاء الذين يعيشون الالتزام بهذا العمق ، وهذه الاستقامة ( ~~@QUR@03 تتنزل عليهم الملائكة ) عند ما يواجهون موقف يوم القيامة ( @QUR@02 ~~ألا تخافوا ) من أهوال الحشر ومن سوء العذاب ، ( @QUR@02 ولا تحزنوا ) من ~~النتائج السلبية التي قد يلاقيها العباد في هذا اليوم الصعب وما قد يصيبهم ~~من آلام ومشاكل ، لأنكم في منجى من ذلك كله ، ( @QUR@05 وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون ) فها هي الجنة الموعودة أمامكم بكل نعيمها وسعادتها ~~ولذاتها ومشتهياتها ، وبكل ما تحتويه من ألطاف الله ورضوانه الذي يشيع في ~~الروح الطمأنينة والاستقرار. # ( @QUR@07 نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) فقد أرادنا الله ~~أن نتولى أمركم في الحياة الدنيا ونرعاكم ونسدد خطواتكم في طريق الحق ، في ~~ما وضعه في أيدينا من أسباب على ذلك ، كما أرادنا الله أن نستقبلكم في ~~الآخرة ، بالولاية والرعاية التي تستجيب لكل حاجة أو رغبة لديكم فلن ينقص ~~عليكم شيء مما تريدون وتحبون ، فنحن على استعداد لتلبية رغباتكم فادخلوا ~~الجنة بسلام الروح ، واطمئنان النفس. # ( @QUR@05 ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) ما تشتهيه من اللذات والمتع ~~الحسية ، PageV20P116 # ( @QUR@04 ولكم فيها ما تدعون ) أي كل ما تطلبون وكل ما يخطر ببالكم من ~~أشياء يتطلبها الإنسان في عقله وروحه وشعوره. ( @QUR@04 نزلا من غفور رحيم ~~) وهو من أعد لكم كل هذا النعيم ، وأنزل عليكم هذه الرحمة ، فغفر لكم ~~ذنوبكم التي ألممتم بها في الدنيا ، ورحمكم بالجنة التي أعدها لعباده ~~المؤمنين الصالحين في الآخرة. # * * * ### ||| ** الدعوة الى الله والإسلام أحسن الأقوال # ( @QUR@07 ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ) من موقع إيمانه الذي عاش عمق ~~العقيدة في عقله ووجدانه ، وتحرك في حياته من موقع المسؤولية ، في خط ~~الدعوة ، عاملا على فتح عقول الناس وقلوبهم على الله ليعرفوه ويؤمنوا به ~~ويتحركوا في طريق طاعته ، وكان ذلك همه الأساس الذي يحول ms4644 العقيدة إلى حالة ~~في الذات ، وحركة في الرسالة ، لأن كل مؤمن رسول في حجم قدرته على أداء ~~الرسالة والإيمان في مضمونه شأن من شؤون الدعوة إلى الله ، ( @QUR@02 وعمل ~~صالحا ) باعتبار أن العمل الصالح هو التجسيد الواقعي للإيمان الذي لا يريد ~~الله له أن يكون مجرد حالة عقلية في الفكر ، أو شعورية في الإحساس ، بل ~~يريده أن يكون موقفا في العمل ، وحركة في الذات ، ولهذا رأينا القرآن يركز ~~دائما على العمل الصالح إلى جانب الإيمان ، فلا يكتفي بالإيمان وحده ، كما ~~لا يكتفي بالعمل وحده ( @QUR@04 وقال إنني من المسلمين ) لله في كل أموري ~~في الحياة ، فلا أملك فكرا غير ما أوحاه الله من الفكر ، ولا أتحرك في ~~عاطفة أو شعور إلا في الخط الذي أرادني أن أحرك مشاعري فيه ، فلا أحب إلا ~~من يحب ، ولا أبغض إلا من يبغض ، ولا أبني علاقاتي العملية إلا في الدائرة ~~التي تبني للأمة القواعد التي تشد الناس بعضهم إلى بعض ، وتجمعهم في العمل ~~والحركة من أجل بناء الحياة على أساس ثابت في مواضع رضى الله ، ولا أنتمي ~~إلا إلى المحور الذي تنطلق في داخله رسالة الله في حركيتها الفاعلة في مواجهة PageV20P117 # المحاور الأخرى التي تلتزم نهجا غير نهج الإسلام ، وتتحرك في دوائر الكفر ~~والشرك والاستكبار ، وذلك هو تجسيد العبودية المطلقة التي يعيشها الإنسان ~~المؤمن في إسلامه المطلق لله في كل حياته. # وربما نستوحي من قوله تعالى : ( @QUR@04 وقال إنني من المسلمين ) أن الله ~~يريد للإنسان المؤمن إعلان انتمائه إلى الإسلام كلاميا ، تماما ، كما يريد ~~له تأكيد ذاك الانتماء عمليا ، لأن للإعلان الكلامي دورا تربويا في ترسيخ ~~الانتماء في العقل والوجدان ، وفي تأصيل الشخصية الإسلامية عند ما تعطي ~~نفسها عنوانا واضحا ، لا لبس فيه ولا غموض ، وتمنعها من الانحراف تحت ~~عناوين يوحي بها الكفر لإبعاد الإنسان المؤمن عن الالتزام الصريح بالإسلام ~~باعتبار أن صراحة الانتماء قد تعزل الإنسان المسلم سياسيا ، أو اجتماعيا ، ~~أو تعقد علاقاته مع المجتمع الذي يعيش في داخله ، أو بعد الصراحة تلك ~~تعبيرا عن فقدان ms4645 المرونة والتصلب مما لا يتناسب مع عقلية الانفتاح .. ~~فالكفر يعمل على جعل موقف المؤمن الحركي حياديا في الشكل ، تماما كما لو ~~كان بلا لون ولا صفة ولا شخصية ، مما يجعل التعبير العلني عن الانتماء ردا ~~لكل هذه المحاولات الهادفة إلى إبعاد الإسلام عن واجهة الحياة السياسية ~~والثقافية والاجتماعية .. # * * * # ( @QUR@05 لا تستوي الحسنة ولا السيئة ) # ( @QUR@05 ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) في أسلوب الحركة في ساحة الصراع ~~الواقعي عند ما يختلف الناس في مواقع الفكر ، أو في مواقع الحياة العامة ~~والخاصة ، فتثور المشاعر ، وتتعقد المواقف ، حتى تتحول إلى خطر كبير على ~~العلاقات الإنسانية في المجتمع ، ويتجه الموقف إلى الصدام الذي يهدد حياة ~~الجميع ، ويقطع التواصل بين أفراده. وهو موقف يمكن مواجهته بأسلوبين ، PageV20P118 # أولا : أسلوب السيئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يحرك الحقد ~~والعداوة والبغضاء ، ويدفع الموقف إلى القطعية الجزئية أو الكلية ، وهو ~~أسلوب يعتمد الكلمة الحادة ، والنظرة الغاضبة ، واليد المعتدية. ثانيا : ~~أسلوب الحسنة الذي يعمل على الدراسة العقلانية لكل مفردات الصراع المتناثرة ~~من أفكار ومواقع ومواقف ، ومحاولة اكتشاف العناصر الداخلية والخارجية التي ~~تضيق الهوة بينها ، أو تردمها ، وتجمع العقول والقلوب على قاعدة فكرية ~~وحياتية واحدة ، وهو أسلوب يعتمد الكلمة الطيبة ، والنظرة الحانية واليد ~~المصافحة ، والالتفات على كل المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي ~~يختزنها الواقع .. وهما أسلوبان في إدارة الصراع ، يريد القرآن الكريم ~~للإنسان أن يقارن دائما بينهما ، ويوجهه إلى اختيار أسلوب الحسنة وهو ~~الأسلوب الأفضل الذي لا يثير المشاعر في حركة عدوانية ، بل يحتويها في حركة ~~صداقة وأخوة .. # * * * # ( @QUR@04 ادفع بالتي هي أحسن ) # ( @QUR@04 ادفع بالتي هي أحسن ) فإن الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار ~~الأحسن في العلاقات ، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة ، ( @QUR@08 ~~فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وهذا هو الهدف الكبير من ~~استخدام هذا الأسلوب ، وهو تحويل الأعداء إلى أصدقاء سواء في إطار العلاقات ~~الشخصية أو الرسالية أو العملية العامة .. ولعل تحقيق هذا الهدف يحتاج من ~~الإنسان إلى كثير من الجهد النفسي والفكري والعملي للتمرد على الضغوط ~~الداخلية ms4646 والخارجية التي تقوده إلى التفكير العدواني ، والشعور الانفعالي ، ~~وهذا ما عبرت عنه الآية التالية : ( @QUR@05 وما يلقاها إلا الذين صبروا ) ~~على مشاعر الحرمان التي PageV20P119 # يفرضها الانفتاح على الآخرين ، ومجاهدة النفس ضد رغباتها العدائية ، وعلى ~~بعض الأوضاع الطارئة الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك ، وعلى الوقت ~~الطويل الذي يحتاجه الفكر الهادىء المتزن للوصول إلى الحلول العملية التي ~~تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة ، ( @QUR@06 وما يلقاها إلا ذو ~~حظ عظيم ) من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكل معاني الخير والإحسان. # * * * ### ||| ** استجر بالله من تسويلات الشيطان # وقد يكون من الطبيعي أن يعمد الشيطان إلى الدخول على هذا الخط وتحريك كل ~~العوامل التي تمنع الإنسان من الاستقامة ، وتدفعه إلى الانحراف ، وتثير فيه ~~حالة الإرباك الداخلي ، مما قد يغفل عنه الإنسان المؤمن عند ما يندمج في ~~هذا الجو الانفعالي ، فيبتعد عن التفكير العاقل الهادىء المتزن ، إلى ~~التفكير المجنون الهائج ، وقد يضعف تبعا لذلك عن اتخاذ الموقف السليم .. ~~وهذا ما أرادت الآية التالية ، أن توجه التفكير إليه : # ( @QUR@05 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) والنزغ كما قيل هو النخس ، وهو ~~غرز جنب الدابة ، أو مؤخرها بقضيب ونحوه لتهيج .. وعلى ضوء هذا فإن التعبير ~~يكون كناية عن تسويل الشيطان ووسوسته الذي يدخل من خلاله إلى مشاعر الإنسان ~~بطريقة تثيره ليأخذ بالأسلوب الأسوأ ويوجه الموقف إلى القطيعة بدلا من ~~التواصل ، وإلى العداوة بدلا من الصداقة ، ( @QUR@02 فاستعذ بالله ) الذي ~~يعيذ عباده المؤمنين الذين يستجيرون به ، من كل ما يحذرون منه أو يخافونه ( ~~@QUR@03 هو السميع العليم ) فهو الذي يسمع سؤال عباده ، ويعلم حاجاتهم ~~وأفعالهم. # * * * PageV20P120 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) @QUR@012 فإن ~~استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) ~~@QUR@022 ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يسأمون ): يملون. # ( @QUR@01 خاشعة ): الخشوع : التذلل. # ( @QUR@01 اهتزت ): الاهتزاز : التحرك الشديد. # ( @QUR@01 وربت ): الربا ms4647 : النشوء والنماء والعلو. # * * * ### ||| ** في وحدانية الله ومعاده # لما كان الحديث عن الدعوة في مضمونها العقيدي المرتكز على قاعدة توحيد ~~الله ، كان الحديث عن الله في آياته ، جزءا من الحجة التي تؤكد العقيدة PageV20P121 # وتدعو إلى الخضوع لله والانقياد لأوامره ونواهيه. # ( @QUR@04 ومن آياته الليل والنهار ) اللذان يتعاقبان في نظام محكم دقيق ~~، يحددان من خلاله للإنسان والمخلوقات خطوط الزمن الذي ينظم حركة الحياة ، ~~( @QUR@02 والشمس والقمر ) اللذان يجريان بقدرة الله فيعطيان الإشراق ~~والدفء ، ويمنحان الكون جمالا يسحر العقول والأبصار ، ويفيضان على الكون ~~بكثير من الفوائد التي تطال قوانينه الظاهرة والخفية ، من دون أي خلل في ~~حركة نظامهما ، أو توازن وجودهما ، مما يجعل الإنسان الذي يربط بين الظواهر ~~يجد فيهما دليلا قاطعا على وجود الله وتوحيده وعظمته وحكمته ، باعتبارهما ~~مظهرين حيين لذلك ، ومن خلال ذلك. فإن الإنسان الواعي المفكر لا يندمج في ~~ذاتهما ، ولا يستغرق فيهما استغراقا أعمى ، كما يفعل بعض الجاهلين الذين ~~يرون عظمتهما وارتفاعهما وتأثيرهما على حركة الكون ، فيعتقدون لهما تأثيرا ~~في الوجود ، وسرا في الربوبية ، يوجب لهما الطاعة والخضوع .. ولهذا جاءت ~~الفقرة التالية من الآية لتؤكد رفض السجود لهما ، من خلال الاستغراق فيهما ~~ذاتيا : ( @QUR@09 لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ) مما ~~يجعلكم تزدادون برؤيتهما تعظيما لله وسجودا بين يديه ، لأنهما مهما كانا ~~كبيرين عظيمين ، فالله هو الأكبر والأعظم ، لأنه هو من خلق الكبير والعظيم ~~، فاسجدوا له ولا تسجدوا لغيره ( @QUR@04 إن كنتم إياه تعبدون ) فإن عبادة ~~الله تفرض التوحيد في الخضوع والسجود ، ولا تقبل غيره شريكا له في ذلك. # * * * ### ||| ** الملائكة العابدون المسبحون # ( @QUR@02 فإن استكبروا ) ورفضوا عبادة الله ، والسجود له ، وأقبلوا على ~~عبادة غيره من مخلوقاته ، فلن تزول عبادة الله من الوجود ، لأنهم ليسوا ~~وحدهم الذين يمكن أن يعبدوا الله ، فهناك الملائكة الذين يملكون المقام ~~الرفيع ، PageV20P122 # والمعرفة العظيمة بالله ، دائبون في عبادته ، مستمرون في السجود له ، ~~مستغرقون في تسبيحه ( @QUR@010 فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ~~وهم لا يسأمون ) ولا يملون ، بل يزدادون حركة ونشاطا وإقبالا كلما ازدادوا ~~عبادة لأنهم لا ms4648 يسبحون له ، بناء على بعض مظاهر عظمته إلا ويجدون منها ~~مظاهر أخرى ، تزيدهم تعظيما له ، وتسبيحا .. وهكذا تصبح العبادة بمثابة ~~الغذاء الروحي الشهي الذي يتناولونه في كل وقت من الليل والنهار ، كما ~~يتناول الناس طعامهم وشرابهم عند الإحساس بالجوع في أي ساعة من ساعات اليوم. # * * * ### ||| ** بين خشوع الأرض والمعاد # ( @QUR@06 ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ) خشوع الموت في سكونها ~~وبرودتها وذلتها فلا شيء يتحرك فيها ، بل هو التراب الذي تتلاعب به الرياح ~~فيستسلم لها لتنقله من مكان إلى مكان فلا يثير إلا الغبار ، ( @QUR@04 فإذا ~~أنزلنا عليها الماء ) فنفذ إلى أعماقها ، وتفاعل مع ترابها ، ودخل في عمق ~~بذورها ( @QUR@01 اهتزت ) اهتزاز الحركة الحية عند ما دبت الحياة في داخلها ~~( @QUR@01 وربت ) فارتفعت بنباتها في خضرته واحمراره واصفراره وغصونه ~~وثماره ، وبرزت في عزتها المتمثلة بالخضرة الطافرة ، والصورة الساحرة ، ~~والنتاج الشهي الذي ينطلق العطاء فيه كأسخى ما يكون العطاء ، فما ذا يوحي ~~ذلك كله للإنسان الواعي المفكر؟ هل يكتفي بالمراقبة الجامدة للظاهرة ~~الطبيعية أم يستغرق في الجانب الجمالي منها؟ أم ينتقل من هذه الصورة ~~المادية ، إلى الإيحاء المعنوي الذي يحمله عن المعاد ، حيث تصبح صورة حياة ~~الأرض بعد الموت ، بقدرة الله ، دليلا على الصورة الأخرى التي يريد الله ~~للناس أن يتمثلوها ، وهي صورة حياة الإنسان بعد الموت في اليوم الآخر ، ~~لينتهي إلى هذه النتيجة : ( @QUR@010 إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على ~~كل شيء قدير ) فإذا كان الله قادرا على إحياء الأرض بعد الموت ، فكيف لا ~~يكون قادرا على إحياء الإنسان بعد موته ، وهو الذي لا يعصى على قدرته ~~المطلقة؟! # * * * PageV20P123 ### ||| * الآيات # ( @QUR@026 إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار ~~خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) ~~@QUR@09 إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) @QUR@013 لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) @QUR@017 ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ms4649 (43) ~~@QUR@031 ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل ~~هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد (44) @QUR@019 ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عزيز ): منيع أو ممتنع من أن يغلب. PageV20P124 # ( @QUR@02 يأتيه الباطل ): إتيان الباطل : وروده فيه. # ( @QUR@02 ء أعجمي ): العجمة : خلاف الإبانة ، والعجم : خلاف العرب ، ~~والأعجمي: غير العربي. # * * * ### ||| ** الملحدون المبطلون # ( @QUR@05 إن الذين يلحدون في آياتنا ) فيميلون إلى الباطل ، ويحرفون ~~الكلم عن مواضعه وينكرون دلالات الآيات التكوينية وما توحي به من وحدانية ~~الله ، ويرفضون الوحي النازل من الله في تفاصيل آياته ، من دون حجة أو ~~برهان ، نتيجة الاستكبار الذي يدفعهم إلى جحود الحق ، والعصبية التي تدفعهم ~~إلى مقاومته ( @QUR@03 لا يخفون علينا ) فهم مكشوفون لنا بكل أفعالهم ~~وأقوالهم ، في ما يكفرون وفي ما يشركون ، وسنعاملهم في الآخرة بما يتناسب ~~مع أعمالهم في الدنيا ، فهم عند ما خيروا في الدنيا بين الجنة والنار ، ~~اختاروا النار على الجنة ، استجابة لمنطق الواقع الذي كانوا خاضعين له ، ~~ولم ينتبهوا إلى السر الكامن في مسألة الاختيار. # ( @QUR@04 أفمن يلقى في النار ) بسبب كفره ، فيعيش الخوف والعذاب والذل ، ~~( @QUR@07 خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) لأنه آمن بالله وعمل صالحا ~~فاستطاع أن يحصل على أسباب الأمن الذي جعله الله للمؤمنين ، وذلك هو الخيار ~~الذي يلزم الناس كلهم باتخاذه أمام كلمة الله ، ليعرفوا موقع التفاضل الذي ~~يؤدي بهم إلى النهاية المحتومة. # ( @QUR@03 اعملوا ما شئتم ) من السيئات ، فلن تعجزوا الله في شيء ، ولن ~~يخفى على الله منكم شيء ، ( @QUR@04 إنه بما تعملون بصير ) فهو الذي يحيط ~~بكم من بين PageV20P125 # أيديكم ومن خلفكم ، ولا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء. # * * * ### ||| ** صفات الذكر وأسلوب مواجهة الكافرين به # ( @QUR@06 إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ) من دون أن يتأملوه ويتدبروه ~~ويفكروا فيه سوف يلاقون الجزاء الذي يلاقيه أي كافر ملحد في آيات الله ، ~~ولكنهم لن ms4650 يستطيعوا انتقاص شيء من الذكر ، لأنهم لا يمثلون أية قيمة في ~~حسابات الميزان الثقافي والاجتماعي ، فلا قيمة لكفرهم به ( @QUR@03 وإنه ~~لكتاب عزيز ) لا ينتقص منه أحد ، ولا يتغلب على مضمونه الفكري فكر آخر ، ~~ولا يستطيع أحد أن يزيد فيه أو ينقص منه في كلماته ، لأن الزيف سوف يظهر ~~أمام الحقيقة الخالصة ، ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~) فهو الحق الخالص من شائبة الباطل ، لا ينفذ إليه الباطل من قريب أو بعيد ~~من أية جهة كان ، وقد نستوحي من ذلك أن التحريف لا يدخله ، إذا ما كان ~~المقصود به مجموع الكتاب ، فلا يمكن لأحد أن يزيد فيه شيئا ، لأن كل زيادة ~~هي من الباطل ، وأي تحريف يغير بعض الحروف وبعض الكلمات لا يدخله. # ( @QUR@04 تنزيل من حكيم حميد ) فقد أتقن كل آياته بدقة الصنعة ، وإبداع ~~الحكمة ، من خلال مواقع الحمد في ذاته المقدسة. # ( @QUR@010 ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) فقد نسبوا إليك كما ~~نسبوا إلى غيرك من الرسل تهمة السحر والجنون والشعر والكهانة والكذب وغير ~~ذلك مما ابتدعوه في مخيلاتهم وفي أوهامهم ، وكانوا يريدون بتلك الاتهامات ~~أن يهربوا من مواجهة الدعوة ، ليبرروا كفرهم وتمردهم وطغيانهم ، ولكن الله ~~يراقب الأمر كله ، ويرصد الناس كلهم ، فيغفر لبعض ، ويعاقب بعضا ، ( ~~@QUR@07 إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ) فلينظروا كيف يواجهون الموقف ~~أمام هذين PageV20P126 # الأمرين ( @QUR@04 ولو جعلناه قرآنا أعجميا ) لا يعرفون لغته ، أو لا ~~يتبينون مقاصده ، أو لا يستقيم نظمه ، ( @QUR@05 لقالوا لو لا فصلت آياته ) ~~وأوضحت وبينت ، لتتميز الأفكار بشكل واضح بلغة عربية بليغة تتميز بوضوح ~~المعاني لنفهمه جيدا ، ولنعرف كيف نواجهه ، بالرفض أو القبول .. ثم يقارنوا ~~بين شخصية الأمة العربية وبين لغة الكتاب : ( @QUR@03 ء أعجمي وعربي ) أي ~~كيف يجتمع الكتاب الأعجمي مع الأمة العربية التي أرسل إليها الكتاب أو مع ~~الشعب العربي ، فهما أمران لا يلتقيان ولا يتناسبان. # ( @QUR@06 قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) فهو الذي يهديهم إلى الحق ، ~~ويعرفهم عظمة الله ، ويدلهم على الطريق المستقيم ، وهو الذي ms4651 يشفي الصدور من ~~أمراض الشك والريب والفتنة ، بما يفتحه من آفاق المعرفة ، وأسرار اليقين ( ~~@QUR@06 والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ) فهم لا يستمعون إليه إلا من خلال ~~الضجيج الذي لا يفهمون من خلاله شيئا ، لأنهم لا يتبينون كلماته ومعانيه ، ~~وذلك على سبيل الكناية ( @QUR@03 وهو عليهم عمى ) لأنهم لا ينطلقون من ~~مواقع النور في مضمونه وفي آفاقه. ( @QUR@05 أولئك ينادون من مكان بعيد ) ~~فلا يسمعون الصوت ، ولا يرون الشخص ، وذلك كناية عن عدم قبولهم العظة وعدم ~~فهمهم الحجة. # ( @QUR@04 ولقد آتينا موسى الكتاب ) كما آتيناك القرآن ( @QUR@02 فاختلف ~~فيه ) كما اختلف قومك في نظرتهم إليك وإلى القرآن ( @QUR@06 ولو لا كلمة ~~سبقت من ربك ) في تأجيل العقاب ، وإمهالهم إلى أجل معين ( @QUR@02 لقضي ~~بينهم ) فيما يستحقونه من الحكم العادل ، بالعقاب العاجل ( @QUR@05 وإنهم ~~لفي شك منه مريب ) أي من كتاب موسى ، فلا تتألم يا محمد من إنكار هؤلاء ، ~~لأن الرسل من قبلك لاقوا الموقف الذي تلاقيه الآن. # * * * PageV20P127 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ~~(46) @QUR@028 إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من ~~شهيد (47) @QUR@012 وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ~~(48) @QUR@011 لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ~~@QUR@032 ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) @QUR@013 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) @QUR@017 قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) @QUR@019 سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد (53) @QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء ~~محيط ) (54) # * * * PageV20P128 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أكمامها ): أكمام ms4652 : جمع كم وهو وعاء الثمرة. # ( @QUR@01 آذناك ): أعلمناك. # ( @QUR@01 محيص ): مهرب ومفر. # ( @QUR@01 قنوط ): القنوط : انقطاع الرجاء. والقنوط : فعول ، صيغة ~~مبالغة. # ( @QUR@01 ونأى ): ابتعد. # ( @QUR@01 بجانبه ): جانب الإنسان. # ( @QUR@01 عريض ): واسع. # ( @QUR@01 شقاق ): المشاقة : الخلاف. # ( @QUR@01 مرية ): شك. # * * * ### ||| ** الإنسان يتحمل مسئولية أعماله الخيرة والسيئة # ( @QUR@04 من عمل صالحا فلنفسه ) فليس لله منفعة ذاتية من ذلك ، بل ~~للإنسان صاحب العمل الصالح منفعة في دنياه ، لما يشتمل عليه العمل الصالح ~~من مصلحة دنيوية ، وفي آخرته ، لما يترتب عليه من رضوان الله ودخول الجنة ، ~~( @QUR@03 ومن أساء فعليها ) فإن الله لا تضره معصية من عصاه ، بل تضر ~~المعصية صاحبها بالمفاسد التي توقعه فيها في الدنيا ، والعذاب الذي يلاقيه ~~جراءها في الآخرة .. وبذلك فإن الإنسان يتحمل المسؤولية الفردية في أعماله ~~، ليواجه نتائجها عند الله ( @QUR@04 وما ربك بظلام للعبيد ) فهو يحكم ~~بالعدل ، ويعطي كل عباده PageV20P129 # ما يستحقونه من ثواب ، ويعاملهم بما يستحقونه من عقاب بعد إقامته الحجة ~~عليهم ، وتوجيه الإنذار الحاسم إليهم. # * * * ### ||| ** الله العالم المدبر # ( @QUR@04 إليه يرد علم الساعة ) فهو الذي يعرف وقتها ، لا يعرفها غيره ، ~~إلا في دائرة ما يمنحه لبعض عباده من علم ( @QUR@06 وما تخرج من ثمرات من ~~أكمامها ) في ما تتفتح فيه الأكمام عن الثمار ( @QUR@06 وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع ) من حمل ( @QUR@02 إلا بعلمه ) فهو الذي خلق ذلك كله ، وهو الذي ~~يعرف كل خصوصياته وجزئياته ، ولا يعلم ذلك غيره إلا من خلاله ، وذلك دليل ~~على وحدانيته في تدبير الكون كله ، والإحاطة بكل أموره. # ( @QUR@04 ويوم يناديهم أين شركائي ) الذين كنتم تزعمون أنهم في مواقع ~~الألوهية ، وفي مراكز العبادة؟ ( @QUR@02 قالوا آذناك ) أي أعلنا موقف الحق ~~الذي نلتزمه أمامك في وضوح : ( @QUR@04 ما منا من شهيد ) يشهد بأن لك شركاء ~~، لأن التدبير لك وحدك لا شريك لك. ( @QUR@07 وضل عنهم ما كانوا يدعون من ~~قبل ) من أولئك الذين عبدوهم من دون الله ، وأطاعوهم في معصية الله ، فلم ~~يجدوا لهم موقعا ، ولم يلمحوا لديهم أية قوة ، ( @QUR@05 وظنوا ما لهم من ~~محيص ) أي ترجح لديهم ، أو تيقنوا إذا فسرنا الظن بمعنى اليقين ، كما قيل ~~أنهم لا يجدون مجالا ms4653 للفرار من العذاب ، وهو الجزاء العادل لما قدموه من سيئات. # * * * ### ||| ** الاستغراق في النعم ونسيان الله # ( @QUR@06 لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ) بل يظل مستمرا في طلب الخير وتحمل PageV20P130 # المشقة في سبيل الحصول عليه ، ويدعو ربه أن يمنحه إياه عند فقده ، ثم ~~يستغرق فيه حتى ينسى الله الذي أعطاه إياه ، ( @QUR@05 وإن مسه الشر فيؤس ~~قنوط ) يعيش العجز في حال انقطاع الأسباب الطبيعية للرزق ، وللصحة ، وللأمن ~~ولغير ذلك ، ويقوده ذلك إلى اليأس وانقطاع الرجاء ، وعند ذلك يرجع إلى الله ~~ليدعوه طالبا إنقاذه من ذلك كله. # ( @QUR@011 ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ) فليس ~~لأحد أن ينازعني فيه ، وليس لأحد أن يمنع عني حرية التصرف في شأنه ، أو أن ~~يحاسبني على ما أفعله فيه ، وهكذا يستغرقه الشعور بالنعمة حتى ينكر البعث ~~فيقول : ( @QUR@04 وما أظن الساعة قائمة ) ويعيش مع طول الأمل والوهم ~~الكبير الذي ينسيه الآخرة ، ( @QUR@08 ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ~~) أي الثواب الحسن ، أو العاقبة الحسنة لأن عطاء الله ونعمته يدلان على أن ~~لي عنده الموقع الكبير. فلا يتصور النعمة التي تلفه صادرة عن الله من موقع ~~الرحمة التي يشمل بها عباده ليبتليهم بها ، كما يبتليهم بالحرمان ، كي ~~يفكروا بالشكر وبالمسؤولية في ذلك كله .. # ( @QUR@09 فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) فهذا ~~هو الموقع الذي ينتظرونه يوم القيامة. # ( @QUR@07 وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ) كناية عن الابتعاد ~~بنفسه في استعراض للتكبر والزهو والخيلاء ناسيا حاجته إلى الله ، ( @QUR@06 ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) نتيجة ما يعيشه من أجواء نفسية قلقة سببها ~~الهلع والفزع والرعب من البلاء حتى يظل الدعاء شغله الشاغل في الليل ~~والنهار. # * * * ### ||| ** من أضل من الكافرين بالقرآن؟ # ( @QUR@07 قل أرأيتم إن كان من عند الله ) أي لو كنت صادقا في ما أقوله لكم PageV20P131 # إن هذا القرآن الذي أتيتكم به هو من عند الله ( @QUR@03 ثم كفرتم به ) ~~كما تفعلون الآن ( @QUR@02 من أضل ) منكم عند ما لا تواجهون هذا الاحتمال ~~بالتفكير المسؤول أمام الضرر ms4654 المحتمل الذي ينتظركم بل تتحركون ، بدلا من ~~ذلك ، في إثارة الخلاف والشقاق حوله من دون حجة ، فهل هناك أحد أكثر ضلالا ~~( @QUR@05 ممن هو في شقاق بعيد ) وهو النموذج المتمثل بكم. # ( @QUR@04 سنريهم آياتنا في الآفاق ) في ما يظهر لهم حقائق القرآن ~~وأسراره مما يكشفه الله في الكون ( @QUR@02 وفي أنفسهم ) مما يواجههم من ~~الحوادث التي تؤكد أخباره ومفاهيمه ( @QUR@05 حتى يتبين لهم أنه الحق ) ~~الذي لا مجال فيه لأي شك أو شبهة .. # * * * # ( @QUR@05 الله على كل شيء شهيد ) # ( @QUR@08 أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) فإن وضوح الحق ، مرتكز ~~على الحضور الإلهي في كل الأشياء التي لا تغيب عن الله في حاجتها إليه في ~~كل شيء ، ولا يغيب الله عنها في خلقه وتدبيره في أي حال ، وذلك الحضور يؤكد ~~الحقائق الدينية التوحيدية التي جاء بها القرآن. # ( @QUR@07 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) ولذلك فإنهم لا ينفتحون على ~~آفاق العقيدة من موقع المسؤولية ، لأنهم لا يؤمنون بلقاء الله ليخافوا من ~~عذابه ، ولكن لماذا لا يفكر هؤلاء ، أنهم إذا لم يحيطوا بالحقيقة التوحيدية ~~الإلهية ، فهل أنهم يبتعدون عن رقابة الله وتدبيره وسيطرته ، ( @QUR@05 ألا ~~إنه بكل شيء محيط ) فهو وحده الذي يحيط بالكون كله ولا شيء إلا وهو داخل في ~~دائرة إحاطته التكوينية .. مما يفرض على الأشياء كلها الخضوع له والإقرار ~~بوحدانيته والانقياد إليه في كل أوامره ونواهيه. # * * * PageV20P132 ### | سورة الشورى ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث وخمسون PageV20P133 ### ||| ** في أجواء السورة # خلال الدعوة في مكة ، كانت المشكلة المطروحة في الساحة ، هي مسألة الوحي ~~الإلهي المتمثل بالقرآن ، وعقيدة النبوة باعتبارها الرسالة الإلهية التي ~~يصطفي الله لها بعض عباده .. ولهذا كان الحديث حول القرآن حديث الساعة ~~آنذاك ، ليثبت المؤمنين من جهة ، وليواجه الكافرين بالحجة القاطعة من جهة ~~أخرى .. لذا تناولت هذه السورة الوحي النازل من الله العزيز الحكيم ، سواء ~~ما نزل منه على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو على الأنبياء من قبله ، ~~كما تناولت المجتمع الذي نزل فيه القرآن والتحديات التي أطلقها ، ومنطق من ~~كانوا يواجهون النبي ، والمضمون ms4655 الذي يحتويه ويلتقي به مع الرسالات الأخرى ~~، والذي يفسح مجال الحوار على أساس المنطق التوحيدي ، كقاعدة يتحرك الحوار ~~من خلالها .. ثم تناولت السورة التزام البعض بالقرآن ، وتمرد البعض الآخر ~~عليه ، والنتائج المترتبة على هذا الخيار أو ذاك ، في جانب الإيجاب والسلب ~~، في إطلالة على الآخرة ، وانفتاح في هذا الجو كله ، على الله في صفاته ~~وآياته الكونية الدالة على سعة قدرته ، وضعف كل من عداه .. وهكذا يتنوع ~~الحديث في السورة ، عن الأسلوب القرآني الذي ينفذ من موقع الفكر إلى حركة ~~الحياة .. وينطلق من الفكرة إلى النماذج المجسدة لمفاهيمها ومعانيها ، مما ~~يعيش معه القارئ التنوع الذي يمنح الفكر القرآني العقيدي حيوية منفتحة على PageV20P135 # الحياة كلها ، لتجعل العقيدة شيئا متحركا في الحياة ، كما هو في الفكر ، ~~لا مجرد شيء يعيش في زاوية الفكر التجريدي. # * * * PageV20P136 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@01 عسق (2) @QUR@010 كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم (3) @QUR@010 له ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العلي العظيم (4) @QUR@019 تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) ~~@QUR@012 والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم ~~بوكيل ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتفطرن ): التفطر : التشقق. # * * * PageV20P137 ### ||| ** الحروف المقطعة # ( @QUR@02 حم* عسق ) من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها في أوائل ~~سورة البقرة .. ونضيف هنا إلى الاحتمالات المذكورة احتمالا آخر ، وهو ما ~~ذكره في تفسير الميزان ، قال : # «والذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن هذه الحروف تكررت في سور شتى وهي تسع ~~وعشرون سورة افتتح بعضها بحرف واحد وهي : «ص» و «ق» ، و «ن» ، وبعضها بحرفين ~~وهي : سورة طه ، وطس ، ويس ، وحم ، وبعضها بثلاثة أحرف كما في سورتي «الم» ~~، و «الر» ، و «طسم» ، وبعضها بأربعة أحرف ، كما في سورتي «المص» ، و «المر» ، ~~وبعضها بخمسة أحرف ، كما في سورتي «كهيعص» و «حمعسق». # وتختلف هذه الحروف أيضا من حيث إن بعضها لم يقع إلا في موضع واحد مثل «ن» ~~، وبعضها واقعة في مفتتح عدة من السور ms4656 مثل «الم» ، و «الر» ، و «طس» ، و «حم». # ثم إنك إن تدبرت بعض التدبر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح ~~بها مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم ، وجدت في السور المشتركة في ~~الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور. # ويؤكد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح الحواميم من ~~قوله : ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) أو ما هو في معناه ~~، وما في مفتتح الراءات من قوله : ( @QUR@03 تلك آيات الكتاب ) أو ما هو في ~~معناه ، ونظير ذلك واقع في مفتتح الطواسين ، وما في مفتتح الميمات من نفي ~~الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه. PageV20P138 # ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذه الحروف المقطعة وبين مضامين السور ~~المفتتحة بها ارتباطا خاصا ، ويؤيد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة ب ~~«المص» في مضمونها ، كأنها جامعة بين مضامين الميمات و «ص» ، وكذا سورة ~~الرعد المصدرة ب «المر» في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات ~~والراءات. # ويستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله خفية عنا ~~لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين ~~المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا. # ولعل المتدبر ، لو تدبر في مشتركات هذه الحروف وقايس مضامين السور التي ~~وقعت فيها بعضها إلى بعض ، تبين له الأمر أزيد من ذلك. # ولعل هنا ما روته أهل السنة عن علي عليه السلام على ما في المجمع أن لكل ~~كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» (1). # ولعلنا نلاحظ أن هذا الوجه مع طرافته لم يستطع أن يعطي معنى لهذه الحروف ~~، يدخل في التصور التفصيلي للذهن ، كما أننا قد نجد مضامين السور المشتملة ~~على بعض هذه الحروف المشتركة في سور أخرى لم تبدأ بهذه الحروف ، أما الحديث ~~عن الرمز الذي يختفي في داخل هذه الحروف ، في ما يمثله من معنى بين الله ~~وبين رسوله ، مما لا تصل أفهامنا إليه فقد لا نستطيع التسليم ms4657 به ، لأن ~~القرآن ليس رسالة خاصة من الله إلى رسوله ، ليشتمل على الرموز الخفية التي ~~يفهمها المرسل إليه دون الناس ، كما يحدث في الرسائل الخاصة ، بل هو كتاب ~~هدى للناس كافة ، فلا بد من أن يكون الرمز الذي يشتمل عليه ، مما يتصل ~~مضمونه بجميع الناس. والله العالم. # * * * PageV20P139 ### ||| ** الوحي الإلهي الغيبي للأنبياء البشر # ( @QUR@010 كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) ~~فالله هو المصدر الذي ينتهي الوحي إليه ، سواء تعلق الأمر بك أو بالنبيين ~~من قبلك .. فمن آمن بنزول الوحي بهذه الطريقة الغيبية ، على الرسل السابقين ~~، فلا بد من أن يؤمن بنزول الوحي عليك ، لأن العمق الغيبي في الوحي واحد في ~~الجميع. وبهذا تطال «كاف التشبيه» طبيعة الوحي ، لا تفاصيله ، كما ذهب إليه ~~بعض المفسرين الذين قالوا : إن الآية تتحدث عن مضمون السورة التفصيلي الذي ~~يتفق برأيهم مع المضامين التي أوحى الله بها إلى الأنبياء من قبله ، ولكن ~~الأقرب هو ما ذكرناه ، لأن المسألة التي كانت محل بحث في ذلك الظرف ، هي ~~إمكانية الإيمان بنزول الوحي ، على نبي بشري ، لأن الوحي الإلهي الغيبي ~~بنظرهم يتصل بالشخصيات الغيبية كالملائكة. # ( @QUR@07 له ما في السماوات وما في الأرض ) فهو المحيط بالكون كله ، ~~العالم بكل خفاياه ، القوي الذي لا يغلب ، الحكيم الذي لا يعبث ولا يخطئ. # ( @QUR@03 وهو العلي العظيم ) الذي لا يدانيه أحد في علوه ولا يقاربه أحد ~~في عظمته ، وفي ضوء هذا فإن الله الذي يملك الأمر كله ، ويشرف على كل ~~دقائقه وتفاصيله ، ويعرف كل خباياه وخفاياه ، هو الذي يدير حياة الإنسان ~~عبر الرسول والرسالة ، وهو الذي يختار رسله من بين عباده ، سواء كانوا من ~~رجال الغيب أو من رجال الشهود ، لأن الغيب والحس يختلفان بالنسبة للناس ~~الذين يعيشون عالم الحس ولا يستطيعون النفاذ إلى عالم الغيب ، أو الاتصال ~~به ، ذاتيا ، ولكن الله قادر على أن يربط الغيب بمواقع الشهود ، فيصطفي ~~رسله من الناس ، ويمنحهم القدرة على الاتصال بالغيب المنفتح على الوحي ، ~~انطلاقا من قوته وحكمته ، وعلوه وعظمته ، وملكه للكون كله. # * * * PageV20P140 ### ||| ** تفطر ms4658 السماوات والتسبيح لله # ( @QUR@05 تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ) من خشية الله والإحساس بعظمته ~~التي لا يستقيم أمامها شيء .. وقيل : إن المراد تفطرهما من شرك المشركين من ~~أهل الأرض وقولهم : ( @QUR@03 اتخذ الرحمن ولدا ) [مريم : 88] وقد قال الله ~~تعالى فيه : ( @QUR@04 تكاد السماوات يتفطرن منه ) [مريم : 90]. # وقيل : إن «الذي يهدي إليه السياق والكلام مسرود لبيان حقيقة الوحي ~~وغايته وآثاره أن يكون المراد من تفطر السماوات من فوقهن تفطرها بسبب الوحي ~~النازل من عند الله العلي العظيم ، المار بهن سماء سماء حتى ينزل على الأرض ~~، فإن مبدأ الوحي هو الله سبحانه ، والسماوات طرائق إلى الأرض ، قال تعالى ~~: ( @QUR@010 ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) ~~[المؤمنون : 17]. # والوجه في تقييد ( @QUR@01 يتفطرن ) بقوله : ( @QUR@02 من فوقهن ) ظاهر ، ~~فإن الوحي ينزل عليهن من فوقهن ، من عند من له العلو المطلق والعظمة ~~المطلقة ، فلو تفطرن كان ذلك من فوقهن. # على ما فيه من إعظام أمر الوحي وإعلائه ، فإنه كلام العلي العظيم فلكونه ~~كلام ذي العظمة المطلقة ، تكاد السموات يتفطرن بنزوله ، ولكونه كلاما نازلا ~~من عند ذي العلو المطلق يتفطرن من فوقهن لو تفطرن» (1). # ولكننا نلاحظ أن السياق جار في الحديث عن جوانب عظمة الله ، ويوحي ~~بانفعال الكون بتلك العظمة ، فهذه المخلوقات الكونية الضخمة التي توحي ~~بالرفعة والعلو والعظمة لا تملك إلا أن تهتز أمام علوه وعظمته ، مما يجعل ~~هذا الاحتمال أقرب إلى السياق ، فإن الحديث عن الوحي لم يتحرك في PageV20P141 # التفاصيل ، بل تحرك من خلال كونه دليلا على الله وعلى الرابطة التي تربط ~~عباده به ، ولعل الفقرة التالية تؤكد ذلك ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) فإن الحديث عن تسبيح ~~الملائكة بحمد ربهم وتنزيههم إياه عما لا يليق بجلاله وكماله من صفات ، ~~يوحي بأن اتجاه الحديث هو الله في مواقع عظمته ، فكأن السموات تسبح الله ~~وتختزن الإحساس بعظمته في تسبيحها حتى تكاد تنفطر من خلال ذلك .. كما أن ~~الملائكة يمارسون هذا التسبيح ، ويطلون على الأرض ليشاهدوا المخلوقات الحية ~~العاقلة التي قد تخطئ ms4659 في تصورها لله وتنحرف في طاعتها له ، ولكنها تظل ~~منفتحة عليه في عمق المعرفة ، وروحية الإيمان فيستغفرون لها ويطلبون من ~~الله أن يغفر لها خطاياها ، ويهيئ لها سبيل الهداية الذي يجعلها سائرة في ~~خط طاعته ورضاه. # وقد حاول صاحب الميزان أن يفسر سؤالهم الله الغفران لأهل الأرض ، أن يحقق ~~لهم سبب حصول المغفرة ، «وهو سلوك سبيل العبودية بالاهتداء بهداية الله ~~سبحانه ، فسؤالهم المغفرة لهم مرجعه إلى سؤال أن يشرع لهم دينا يغفر لمن ~~تدين به منهم ، فالمعنى : والملائكة يسألون الله سبحانه أن يشرع لمن في ~~الأرض من طريق الوحي دينا يدينون به فيغفر لهم بذلك» (1). # ويستشهد على هذا القول بتعلق الاستغفار بمن في الأرض بقوله : «إذ لا معنى ~~لطلب المغفرة منهم لمطلق أهل الأرض حتى لمن قال : ( @QUR@03 اتخذ الله ولدا ~~) [البقرة : 116] وقد حكى الله تعالى عنهم : ( @QUR@03 ويستغفرون للذين ~~آمنوا ) [غافر : 7] الآية» (2): # ونلاحظ على ذلك ، أن الظاهر من الاستغفار معنى يتصل بالواقع العملي PageV20P142 # للإنسان بشكل مباشر ، وما أخطأ فيه من التزام أوامر الله ونواهيه ، لتكون ~~المغفرة أساسا لإيجاد الجو الذي يقود الإنسان نحو الهداية ، وذلك بإغلاقها ~~ملف الماضي والابتداء بسلوك جديد .. أما الحديث عن اختصاص الاستغفار بالذين ~~آمنوا ، فهذا أمر يستفاد من دليل آخر ، لا من الآية الكريمة ، ولعل الآية ~~المذكورة في سورة المؤمن تؤكد أن المراد بالاستغفار هو غفران الذنوب التي ~~اقترفها المؤمنون التائبون ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@055 الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم* ~~ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم* وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك ~~هو الفوز العظيم ) [غافر : 7 9]. # وربما كانت الآية الأخيرة واضحة في الدلالة على ما ذكرنا من طلب وقايتهم ~~السيئات التي قاموا بها ثم تابوا منها ، بوقايتهم من نتائجها السلبية في ~~عذاب جهنم ، والله العالم. # * * * # ( @QUR@04 الله هو الغفور الرحيم ) # ( @QUR@06 ألا إن ms4660 الله هو الغفور الرحيم ) الذي يستجيب للتائبين فيغفر ~~لهم ويرحمهم برحمته في نعيم الآخرة ، كما يغفر للمؤمنين الذين عاشوا روح ~~الإيمان ولم يوفقوا للتوبة ، ولكنهم كانوا يعيشون جوهر التوبة في روحيتهم ~~التي لم تبتعد عن الله في العمق وإن ابتعدت عن بعض حدوده في الشكل ، كما ~~نلاحظه في بعض الناس الذين يريدون أن يتوبوا ، ولكنهم يسوفون التوبة ~~استعجالا للأخذ بأسباب الشهوات ، وهكذا كان الحديث عن الله العزيز الحكيم PageV20P143 # الذي له ملك السماوات والأرض العلي العظيم ، ليتولى الناس الله وحده في ~~حياتهم باعتباره وحده صاحب الولاية على الكون ، فهو المهيمن على الكون كله ~~، وعلى الأمر كله .. ولكن هناك بعض الناس الذين لا ينفتحون على ولاية الله ~~في أمورهم ، بل يرتبطون بولاية بعض المخلوقين انشدادا إلى العظمة الطارئة ~~التي يملكها هؤلاء من دون التفات إلى أن كل ما لديهم من الله الذي خلقهم ~~وأعطاهم من نعمه كل ما يستعينون به على امتداد الحياة في وجودهم .. وقد ~~أراد الله للرسول أن لا يتعقد من ذلك فيذهب نفسه حسرات عليهم ، بل يترك ~~أمرهم لله ، لأن الله هو الذي يتولى شؤونهم ، لأن دور النبي معهم هو دور ~~الداعية وليس دوره دور الوكيل عن الناس. # * * * ### ||| ** الله حفيظ على أعمال الكافرين # ( @QUR@05 والذين اتخذوا من دونه أولياء ) فقد اتخذوا منهم شركاء لله ، ~~في الربوبية وفي العبادة والطاعة ، لجأوا إليهم في كل حاجاتهم وأمورهم حتى ~~خيل إليهم أنهم يملكون الولاية والنصرة ، بشكل مستقل ، لمن ينتمي إليهم ~~ويتولاهم. # ( @QUR@03 الله حفيظ عليهم ) يحفظ أعمالهم ويحصيها ، ويتولى نتائجها ~~السلبية مع ما يؤاخذهم به من عذاب يوم القيامة ، وليس للنبي شيء من أمر ذلك. # ( @QUR@04 وما أنت عليهم بوكيل ) فلم يفوض الله أمرهم إليك ولم يحملك ~~مسئولية الدعوة والهداية بالتذكير والإنذار والتبشير. # * * * PageV20P144 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ~~وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) @QUR@019 ~~ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير ms4661 (8) @QUR@016 أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي ~~وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير (9) @QUR@015 وما اختلفتم فيه من شيء ~~فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (10) @QUR@019 فاطر ~~السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) @QUR@013 له مقاليد السماوات والأرض ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أنيب ): أرجع. # ( @QUR@01 فاطر ): خالق ومبدع. # ( @QUR@01 يذرؤكم ): يخلقكم. # ( @QUR@01 مقاليد ): مفاتيح. PageV20P145 # ( @QUR@01 ويقدر ): يضيق. # * * * ### ||| ** عروبة القرآن ومهد الدعوة # ( @QUR@05 وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ) بلغته وأسلوبه ( @QUR@03 ~~لتنذر أم القرى ) وهي مكة ( @QUR@02 ومن حولها ) من أهل الجزيرة العربية ، ~~والغاية من عروبة القرآن ، هي أن يفهم هؤلاء الدعوة لاستعمالها لغتهم التي ~~يعرفونها ويملكون أسرارها وعناصر ثقافتها ، ولعل التركيز على هذه المنطقة ~~باعتبارها الساحة التي تنطلق فيها الدعوة وتتحرك منها الحركة الإسلامية .. ~~لأن من الضروري لكل دعوة أن تكون لها نقطة انطلاق وقاعدة حركة ، وكان من ~~الطبيعي للنبي العربي أن تكون قاعدته المنطقة العربية ، وأن يجعل انتماؤه ~~إلى قريش ومكة موقع دعوته الجغرافية مكة ، والبشرية قريش. ولهذا قال الله ~~له : ( @QUR@03 وأنذر عشيرتك الأقربين ) [الشعراء: 214] فليس من المعقول أن ~~يترك النبي أهله وعشيرته وبلده ، ليتجه في البداية إلى إنذار قوم آخرين ، ~~لأن هؤلاء الناس سوف يسألونه لماذا لم تبادر إلى إنذار قومك ودعوتهم قبل أن ~~تنذرنا ، وقد يتساءلون عما إذا كانت هناك نقاط ضعف في شخصيته ، يعلمها قومه ~~فيه ، أو نقاط خلل في دعوته لا تخفى على قومه .. فهرب منهم إلى قوم آخرين. # ولهذا كانت الانطلاقة الأولى في مكة ، لتكون قاعدة الدعوة ، باعتبارها ~~مركزا يجتذب ما حوله من القرى ، فهي عاصمة المنطقة من الناحية الدينية ~~والتجارية والثقافية ، مما يجعلها النقطة المركزية التي يلتقي فيها الجميع ~~، ويتناقل أخبارها كل ما حولها نظرا للأهمية الكبرى التي يضفيها الموقع على ~~تلك الأخبار. لذا فإن الصراع الذي دار بين النبي وبين قريش في مكة أحاط ~~الدعوة بقدر كبير من الاهتمام لاقته من شعب المنطقة ، نظرا لملاحقة الناس ms4662 PageV20P146 # لكل تفاصيل صراع الدعوة مع خصومها ، ثم في الحروب التي أعقبت تلك المرحلة ~~بين المسلمين وبين قريش .. # * * * ### ||| ** عروبة القرآن وانتماؤه العام # نستطيع أن نفهم عروبة القرآن في لغته ، وعروبة الدعوة في موقعها الجغرافي ~~، وفي مواقعها الإنسانية ، من خلال عروبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي ~~قضت حكمة الله إرساله من هذه الأمة ، وإليها ، فقد اقتضت حكمة الله أن تكون ~~هذه الأمة بالذات قاعدة انطلاق الدعوة في فهمها للرسالة ، بلغتها ، التي ~~نزل القرآن بها ، وفي وعيها لروحيتها والتزامها بها ، وحملها الدعوة إليها ~~، وانتمائها الرسالي إليها الذي جعلها تنفتح إنسانيا على الساحة العالمية ~~التي تتحرك فيها الرسالة كدعوة للاهتداء بهدى الله في قرآنه وشريعته. # ولكن ذلك مهما بلغ من الأهمية لا يتضمن إقرارا بالتفوق العربي ، أو أن ~~الحاكم المسلم يجب أن يكون عربيا ، أو الوصول إلى درجة التطرف التي وصل ~~إليها البعض ، وهي القول إن الإسلام دين عربي ، بالمعنى الفكري والروحي ~~للكلمة. # فقد استطاع الإسلام من خلال القرآن والسنة أن يعرب المسلمين من غير العرب ~~، الذين أخذوا بأسباب الثقافة العربية حتى تفوقوا على كثير من العرب في ذلك ~~، كما أن الإسلام استطاع أن يعطي العرب البعد الإنساني الذي يحمله في ~~مضمونه الفكري والروحي ، بحيث جعل العروبة خصوصية إنسانية تتفاعل مع ~~الخصوصيات الإنسانية الأخرى في الدائرة الإسلامية ، لتكون معنى في الإنسان ~~لا معنى في القومية الضيقة .. ومن خلال ذلك نشعر بالحاجة إلى أن يعيش العرب ~~الإسلام كرسالة عالمية تتغذى من طاقة الوعي المنفتح على كل PageV20P147 # أسرار اللغة ، لتنفتح على كل أسرار الشريعة والمنهج والخطوط الفكرية في ~~الإسلام وليعطوا الإسلام من جهدهم في الحاضر والمستقبل ، كما أعطوه في ~~الماضي ، وليكون العنصر الأساس في شخصيتهم الإنسانية. ليمتدوا به إلى ~~العالم بدلا من أن يحبسوه في دائرتهم الخاصة أو يهربوا منه إلى دائرة أخرى ~~لا يشكل الإسلام عنصرا أصيلا فيها. # ( @QUR@06 وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ) فتعرفهم يوم القيامة ، وتحدثهم ~~عن النتائج الحاسمة التي تتوزع بين النتائج الإيجابية والسلبية التي تشكل ~~ثمرة أعمال الناس : ( @QUR@03 فريق ms4663 في الجنة ) وهم المؤمنون المتقون الذين ~~أخلصوا لله الإيمان والطاعة ، ( @QUR@03 وفريق في السعير ) وهم الكافرون ~~المتمردون الذين أنكروا الله ، أو أنكروا توحيده ، أو تمردوا على طاعته ~~وكذبوا رسله. # * * * # ( @QUR@06 لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ) # ( @QUR@06 ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ) وذلك بأن يجعل الهداية جزءا ~~من التكوين الذاتي لشخصيتهم ، فيبدعها فيهم كما أبدع أعضاءهم ، وهو القادر ~~على ذلك ، ولكن الله أراد لهم أن يتحركوا في خط الهداية من موقع الاختيار ~~الذي تشكله القناعة ويؤكده الالتزام ، ليكون مصيرهم محكوما للإرادة ~~والاختيار في الالتزام بالنهج الذي يحدد نوعيته في الآخرة ، ( @QUR@06 ولكن ~~يدخل من يشاء في رحمته ) وهم الذين اختاروا ولاية الله وارتبطوا به ورجعوا ~~إليه عبر الإيمان به ، فأعطاهم الله ولايته التي ينصرهم من خلالها ، وينشر ~~عليهم ظلال رحمته ، ويرعاهم بعين لطفه وعنايته. # ( @QUR@01 والظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر أو الشرك ، أو التمرد ~~على الله ومحاربة رسله ورسالته ، ( @QUR@06 ما لهم من ولي ولا نصير ) لأن ~~الذين جعلوهم أولياء PageV20P148 # لهم من دون الله ، وانتصروا بهم في الدنيا ، وأملوا أن ينصروهم في الآخرة ~~، لا يملكون لهم شيئا ، لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكونه ~~لغيرهم ، وما قيمة قوتهم أمام قوة الله حتى ينصروهم من الله؟! ولذلك يدخلون ~~النار من دون أن يخلصهم أحد منها ، بينما يدخل المؤمنون الجنة بإيمانهم ~~وعملهم الصالح. # * * * ### ||| ** ما المراد بجعلهم أمة واحدة؟ # وقد ذكر في الميزان «أن المراد بجعلهم أمة واحدة هو التسوية بينهم بإدخال ~~الجميع في الجنة وإدخال الجميع في السعير ، أي أنه تعالى ليس بملزم بإدخال ~~السعداء في الجنة والأشقياء في النار ، فلو لم يشأ لم يفعل ، ولكنه شاء أن ~~يفرق بين الفريقين. وجرت سنته على ذلك ووعد بذلك ، وهو لا يخلف الميعاد» ~~(1)، وقد اعترض على ذلك صاحب الكشاف الذي فسر الآية بما فسرناها به. «بأن ~~الآيات كما عرفت مسوقة لتعريف الوحي من حيث غايته ، وأن تفرق الناس في يوم ~~الجمع فريقين ، سبب يستدعي وجود النبوة والإنذار من طريق الوحي وقوله : ( ~~@QUR@06 ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ms4664 ) مسوق لبيان أنه تعالى ليس بمجبر ~~على ذلك ولا ملزم به بل له أن لا يفعل ، وهذا المعنى يتم بمجرد أن يجعلهم ~~متفرقين فريقين بل أمة واحدة كيفما كانوا ، وأما كونهم فرقة واحدة مؤمنة ~~بالخصوص فلا مقتضى له هناك» (2). # ونحن نلاحظ على ذلك ، أن ظاهر الآيات هو تأكيد جانب الاختيار الذي أراد ~~للناس أن يواجهوا به مسألة الإنذار الذي يتضمنه الوحي النازل من الله ، ~~ليختاروا مصيرهم باختيارهم الطريق الذي يؤدي بهم إلى الجنة ، أو الطريق PageV20P149 # الذي يؤدي بهم إلى النار .. وبذلك كان قوله : ( @QUR@06 ولو شاء الله ~~لجعلهم أمة واحدة ) تأكيدا لهذه النقطة ، وبيانا لقدرة الله على أن يخلقهم ~~مؤمنين ليكونوا أمة واحدة في خط الإيمان ، بحيث تلتقي إرادته التكوينية في ~~إيمانهم ، بإرادته التشريعية في ذلك ولكن الله لم يشأ ذلك بل ترك لهم حرية ~~الاختيار .. وأما اختصاص الفرقة بالمؤمنين فمن خلال أن الله لا يمكن أن ~~يجعل الكفر حالة تكوينية في الكافر ، لأن ذلك لا ينسجم مع حكمته التي تقتضي ~~أن يكون الخلق على أساس الحق ، كما لا ينسجم مع عدله إذا كان يريد أن ~~يدخلهم النار. # وأما ما ذكره من «أنه تعالى ليس بملزم بإدخال السعداء في الجنة والأشقياء ~~في النار ، فلو لم يشأ لم يفعل لكنه شاء أن يفرق بين الفريقين» فنلاحظ عليه ~~، أن هذه المسألة ليست مطروحة كمشكلة فكرية ، فلم يقل أحد بأن الله ملزم ~~بذلك بل المطروح في مسألة الإيمان والكفر هو جانب الجبر والاختيار ، الذي ~~أخذ مكانا واسعا في القرآن باعتباره المظهر الحي للعدالة الإلهية في مسألة ~~تقديره للمصير ، والله العالم. # وقد نقل في الميزان عن بعضهم : «إن الأنسب للسياق هو اتحادهم في الكفر ~~بأن يراد جعلهم أمة واحدة كافرة كما في قوله : ( @QUR@07 كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين ) [البقرة : 213] فالمعنى : ولو شاء الله لجعلهم ~~أمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولا ينذرهم ، فيبقوا على ما ~~هم عليه من الكفر» (1). # ونلاحظ على ذلك أن هذا مخالف للسياق على ضوء ما ذكرناه ms4665 ، مع أنه لا يناسب ~~الجعل الذي يعنى الإيجاد الذي يتصل بالجانب الإيجابي في تكوين الكفر في ~~وجودهم ، لا بالجانب السلبي في عدم تدخله بإيجاد الأسباب التي قد تؤدي إلى ~~إيمانهم ، والله العالم. # * * * PageV20P150 # ( @QUR@03 فالله هو الولي ) # ( @QUR@05 أم اتخذوا من دونه أولياء ) أي كيف يتخذون لأنفسهم أولياء من ~~دون الله يعبدونهم ويتوجهون إليهم بحاجاتهم ، ويطيعونهم في معصية الله ، ~~لينصروهم في المواقف التي تحتاج إلى النصرة؟! وكيف يفكرون بهذه الطريقة في ~~مسألة الولاية التي تحتاج في مضمونها إلى أن يملك الولي القدرة المطلقة ~~التي يتمكن بها من أن يتصرف في القضايا كما يشاء من دون أن يمنعه مانع .. ~~ليشعر الذي يتولونه بالاطمئنان إليه في كل ما يعتمدون عليه فيه ، وليس هناك ~~من يملك ذلك غير الله. # ( @QUR@03 فالله هو الولي ) أما هؤلاء فهم مخلوقون لله مربوبون له ، ~~خاضعون ، بمنطق حاجاتهم له ، فإذا أراد العاقل أن يتخذ وليا فليتخذ الولي ~~الذي يرجع إليه في الأمور كلها. # ( @QUR@03 وهو يحي الموتى ) ويبعثهم إليه ، ويجمعهم عنده ، ليجزي ~~المؤمنين الجنة بما عملوا ويجزي الكافرين النار ، بكفرهم ، فهو الذي يملك ~~أمر القيامة كله. # ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) لأن القدرة كلها بيده ، فلا يقدر أحد من ~~مخلوقاته على شيء إلا بما منحه الله من القدرة. # * * * ### ||| ** الله مرجع الإنسان الدائم # ( @QUR@08 وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) فهو الذي يملك الحكم ~~الذي يفصل بين الناس ، فهو مبدع الحق ، ومشرعه ومحرك الوجود على أساسه ، ~~والمهيمن على الوجود ، والمرجع الأول والأخير فيه .. وفي ضوء ذلك قد نستوحي ~~كيف ينبغي لنا أن نرجع إلى قوله عند ما تختلف أقوالنا وآراؤنا ، وأن نرجع ~~إلى نهجه في التشريع والحياة عند ما يختلف الناس في شرائعهم PageV20P151 # وتقاليدهم وعاداتهم ، وأن ننهي حوارنا مع الآخرين بعد استنفاد كل وسائل ~~الإقناع بإرجاع الأمر إلى الله الذي يحكم بيننا وبينهم يوم القيامة. فهذا ~~هو خط الإيمان الذي يتحرك منه المؤمن مع الله في كل أموره وقضاياه ، ويكون ~~الله كل شيء في حياته ، منه البداية وإليه النهاية ، ومن خلاله يتحدد خط ms4666 ~~السير ، فليس هناك إلا الله في الفكر والمنهج والحركة والاتجاه والانتماء ~~والعلاقات. # ( @QUR@03 ذلكم الله ربي ) الذي يربي الكون والحياة والإنسان ، بما يدبره ~~في نظامه الكوني والتشريعي ، من موقع امتلاكه للأمر كله ، الذي لا يملكه ~~معه أحد ، ولا يملك أحد شيئا إلا من خلال ما ملكه .. ولذلك ، فهو الذي ~~ينفتح الإنسان عليه انفتاحا كليا من دون تحفظ ، ثقة برحمته وحكمته ولطفه ~~وعنايته وتدبيره. # ( @QUR@04 عليه توكلت وإليه أنيب ) وبما أن الله يملك القدرة كلها ، فلن ~~يخاف من يتوكل عليه أية مشكلة في الطريق ، وأية مفاجأة صعبة قد تربك واقعه ~~ومصيره ويتحرك نحو أهدافه بقوة الروح ، وصلابة الإرادة ، وبالثقة بالله ، ~~بعد أن يكون قد أحكم أمره في ما يملكه من أسباب الحركة وحكمة التخطيط. وإذا ~~كان الله هو الذي يحكم بين عباده ، ويقرر مصيرهم ، فلن يخاف من يرجع إليه ، ~~على قاعدة الإيمان به والاستقامة في طريقه ، لأن ذلك سوف يجعله موضعا لرحمة ~~الله ورضوانه. # * * * ### ||| ** الله فاطر السماوات والأرض # ( @QUR@03 فاطر السماوات والأرض ) فهو الذي أبدع خلقها بقدرته ، وهو الذي ~~يديرها ويدبرها بإرادته وحكمته ، ويقدر لها امتداد وجودها عبر التفاعل ~~الزوجي الذي يحقق استمرار الوجود ( @QUR@05 جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) فكثركم PageV20P152 # بذلك وتحرك الوجود الإنساني من خلاله ، ( @QUR@03 ومن الأنعام أزواجا ) ~~فامتد وجودها في الحياة بذلك لينتفع الناس بها. # ( @QUR@02 يذرؤكم فيه ) ذكر صاحب الكشاف أن الخطاب في «يذرؤكم» للإنسان ~~وللأنعام بتغليب جانب العقلاء على غيرهم (1)، ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) ~~فهو المتفرد في ألوهيته بكل صفاته ، لا يشاركه أحد في أي شيء ، لأنه المطلق ~~في كل شيء ، وغيره محدود في وجوده ، بالحدود التي وضعها الله لذاك الوجود ~~.. وهذا ما يفرض أن تكون الولاية له ، لا لغيره. # ( @QUR@03 وهو السميع البصير ) الذي يستمع لحاجات خلقه التي يدعونه إلى ~~تلبيتها ، كما يبصر كل أوضاعهم وأعمالهم في ما يأخذون به أو في ما يدعونه ، ~~ويطلع على خفاياهم ليرعاهم بلطفه في بعض أمورهم ، التي يحتاجون فيها إلى ~~رعايته ، وليحاسبهم على بعض أعمالهم ، التي ينحرفون بها عن خط الله. # ( @QUR@04 له مقاليد السماوات والأرض ) فبيده ms4667 مفاتيحها ، بما تشتمل عليه ~~من خزائن رزقه ، ( @QUR@04 يبسط الرزق لمن يشاء ) فيوسع له من الرزق ، ويمد ~~له فيه ، ويؤمن له ما يحتاجه من الضرورات ، إلى رفاهية العيش بما يرفع ~~مستوى حياته ، ( @QUR@01 ويقدر ) فيضيق عليه ، ( @QUR@04 إنه بكل شيء عليم ~~) هو الذي يعرف مصالح العباد ، ويطلع على حاجاتهم ، فقد تكون مصلحة البعض ~~أن يوسع عليهم ، وتكون مصلحة البعض الآخر أن يضيق عليهم ، فمسألة البسط ~~والتقدير تتصل بنظام الحياة المتقن ، الذي يقيم قواعدها على أسس متينة ~~ثابتة ، قوامها الحكمة في التخطيط والتدبير. # * * * PageV20P153 ### ||| * الآيات # ( @QUR@038 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ~~ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) @QUR@031 ~~وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ~~(14) @QUR@034 فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) @QUR@018 ~~والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم ~~غضب ولهم عذاب شديد ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شرع ): بين ووضح. PageV20P154 # ( @QUR@01 يجتبي ): يصطفي. # ( @QUR@01 داحضة ): زائلة وباطلة. # * * * ### ||| ** الدين منطلق وحدة # في هذه الآيات حديث عن وحدة أصول الرسالات ومفاهيمها العامة التي تبقى ~~ثابتة من دون خلل أو اهتزاز ، وإن اختلفت حركة جزئياتها ومصاديقها ~~التطبيقية ، في ما يمكن أن يتغير من خصوصيات الشرائع ومفردات الأحكام ، فإن ~~ذلك التغير يمثل تغيرا في التطبيق لا في النظرية ، وفي الآيات أيضا حديث عن ~~أسباب اختلاف الناس في أديانهم مع وحدة الدين الحق ، فلم يكن التفرق ناشئا ~~من حالة جهل ، بل عن عقدة بغي وأنانية دفعتهم إلى إنكار الحق الواضح ~~والانحراف عن الصراط المستقيم ، بهدف الحصول على امتيازات ذاتية أو الحفاظ ms4668 ~~على ما لديهم من امتيازات ، وإسقاط لدعاة الحق ، خوفا من علو شأنهم ، ~~وارتفاع درجتهم في الأمة بحيث يسيطرون على الواقع كله. # ( @QUR@08 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) من توحيد الله في العقيدة ~~والعبادة ، والسير على خط تقواه في كل مجالات العمل ، ( @QUR@03 والذي ~~أوحينا إليك ) من ذلك ومن تفاصيل الأحكام التي تتحرك مفرداتها في خط ~~التوحيد ، بما يمثله التوحيد من موقف وحركة ، إلى جانب الفكر الذي يعيش في الذهن. # ( @QUR@06 وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) وهم الذين يمثلون إلى جانب ~~نوح النبوة العامة التي تتحرك في دائرتهم كل النبوات الخاصة وهي تشتمل ~~المبادئ العامة في العقيدة ، والأخلاق وفي مقدمتها الوصايا العشر ، والخطوط ~~المتحركة على صعيد الشريعة ، في ما تفرضه حاجة الزمن في مرحلة معينة مما قد ~~تتجاوزها مرحلة أخرى .. ولم تكن تلك الوصايا فكرا يراد له أن PageV20P155 # يعيش في الذهن ؛ بل كان موقفا وحركة في خط الثبات والاستقامة والوحدة ، ~~فقد أنزل الله الدين على خلقه ليكون منطلق وحدة ، وحركة استقامة .. فلا بد ~~من إقامته وتحويله إلى خط للسير ، ومنهج للعمل وعنوان للشخصية ، وهذا ما ~~عبرت عنه الفقرة التالية ، التي جاءت بمثابة التفسير للوصايا الإلهية ~~للأنبياء ، ولتلخيص الإرادة الإلهية التي تؤكد المعنى الحركي في داخلها. # ( @QUR@06 أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) وذلك بالالتزام به ، ~~والانتماء له ، والسير على منهجه ، وتحويله إلى سلوك عملي في الحياة ، ~~والوقوف عند ثوابته وجعلها منطلق وحدة وملتقى موقف ، لتصل الناس في كل ~~مرحلة من مراحل النبوات بخط النبوة التي سبقتهم ، وينفتحوا على ما يأتي ~~بعدهم من نبوات ، إذا كانوا يحملون بعض الفكرة عنها ، فلا يتجمد ~~الإبراهيميون أمام الموسويين ، ولا يتجمد الموسويون أمام العيسويين ، ولا ~~العيسويون أمام المسلمين ، لأن كل نبي يطرح مبادئ العقيدة والأخلاق العامة ~~نفسها التي طرحها النبي الذي سبقه أو يليه ، بحيث لا يترك مجالا للتضاد في ~~الانتماء إلى النبوات كي لا يتفرق المؤمنون بالله في أديانهم ، لأن الله قد ~~وضع لطريق الإنسانية مراحل عدة ، كل رسالة فيها خطوة متقدمة على الطريق مما ms4669 ~~يجعل كل نبي يكمل ما بدأه النبي السابق. # * * * ### ||| ** الله يصطفي أنبياءه # ( @QUR@06 كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) من الإيمان بتوحيد الله ~~ورسوله ورسالته ، وما تشتمل عليه من التزامات أخلاقية في أنفسهم وأموالهم ~~وعلاقاتهم ، ولكن ما قيمة هذا الموقف المتشنج المعقد من الأنبياء ، فلن ~~يستطيع المشركون مهما بلغوا من القوة أن يوقفوا خط الرسالات ، فإذا كان ~~هؤلاء قد كفروا بها ، فإن هناك كثيرا ممن انفتحوا على الله وعلى رسله ، كما أن PageV20P156 # لا قيمة لاستغرابهم لأن يكون النبي منهم ، في الوقت الذي لم يكن في ~~الموقع الكبير الذي يتناسب مع مركزهم .. لأن الله هو الذي يصطفي رسله ~~ويجتبي أنبياءه ، عبر مقاييس تختلف عن مقاييسهم ، فإذا كانوا يعتبرون المال ~~والقوة والمركز الاجتماعي ونحوها من الأسس التي يرتكز عليها الموقع النبوي ~~، إذا أمكن للبشر أن يكونوا أنبياء ، فإن الله يعتبر العقل والروحية والخلق ~~العظيم والكفاءة الرسالية في إبلاغ الدعوة والثبات في مواقع الاهتزاز ونحو ~~ذلك مما يؤهل الإنسان لاحتلال موقع متقدم يلتقي فيه هي المقياس الذي يرفع ~~من مقام الإنسان لديه ويعلي من درجته. # ( @QUR@05 الله يجتبي إليه من يشاء ) فهو الذي يصطفي من عباده من يتميزون ~~بالمواصفات التي تؤهلهم لاحتلال الموقع الرسالي ، فهو «أعلم حيث يجعل ~~رسالته» .. وهناك وجه آخر لتفسير هذه الفقرة ، وهو ما ذكره في تفسير ~~الميزان من أن المقصود أن «الله يجمع ويجتلب إلى دين التوحيد وهو ما تدعوهم ~~إليه من يشاء من عباده» (1). ولكن هذا التفسير يجعل كلمة ( @QUR@04 ويهدي ~~إليه من ينيب ) بمثابة التوضيح للأولى ، بينما تكون الفقرتان مختلفتين على ~~التفسير الأول ليكون قوله تعالى : ( @QUR@04 ويهدي إليه من ينيب ) بمثابة ~~إشارة إلى هؤلاء الذين يرجعون إلى الله ويخلصون له من موقع الإيمان العميق ~~، فيهديهم الله إليه ويوفقهم إلى ذلك ، والله العالم. # * * * ### ||| ** بين العلم والأنانية # ( @QUR@010 وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) فلم ~~ينفتحوا على العلم من القاعدة الأخلاقية التي تمتد في شخصية العالم وتمنحه ~~روحية التواضع لله ، والخضوع للحق ، والانفتاح على الحوار الفكري الذي يقود ~~إلى النتائج ms4670 PageV20P157 # الحاسمة في قضايا العقيدة والحياة ، بل استغرقوا في الجانب الذاتي من ~~العلم ، الذي يوحي بالأنانية ، ويقود إلى الشعور المرضي بضخامة الشخصية ، ~~التي تدفعه إلى طلب مركز اجتماعي يرفعه إلى مقام الزعامة والرئاسة .. وعلى ~~ضوء ذلك ، تتحرك حساباته على أساس الربح والخسارة في الجانب المادي ، ~~وتنطلق العلاقات في هذا الخط ، وترتكز المواقف على هذا الأساس .. وهذا ما ~~يدفعهم إلى ظلم بعضهم بعضا وظلم الآخرين ، كما يقودهم إلى الحسد والتنافس ~~على المراكز والمواقع والتأكيد المبالغ فيه على خصوصيات الذات الفكرية التي ~~تشكل حاجزا منفصلا غرضه الفصل بين الناس حماية لمصالح البعض ومواقعهم. وهذا ~~هو الأساس الذاتي في الخلافات المعقدة في المواقع الفكرية والاجتماعية ~~والسياسية .. وهو أمر قد لا يمثل خطورة كبيرة في غير الجانب العقيدي في ~~المسألة الدينية ، لأن الفصل في القضايا المادية ، أو في مستوى الأمور ~~الذاتية في أكثر من صعيد ، أما المسألة الدينية فإن الخطورة فيها تشتد حتى ~~تصل إلى درجة الإشراف على الهلكة في علاقة الناس بالله وبالحياة كلها ، فإن ~~الانحراف في هذا المجال يؤدي إلى الهلاك على مستوى المصير .. فإن الله قد ~~يغفر للناس بعض صغائر الذنوب وكبائرها ، ولكنه لن يغفر لهم أن يشركوا به ، ~~أو بعض الذنوب الكبيرة التي تطال خطورة نتائجها الحياة كلها .. # ( @QUR@09 ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ) في ما أراد للناس من ~~أن يأخذوا الفرصة للتوبة وللرجوع إليه ، فقدر لهم أن يعيشوا أمدا معينا من ~~دون أن ينزل عليهم العذاب ليهلكهم ( @QUR@02 لقضي بينهم ) بإنزال العذاب في ~~الدنيا قبل الآخرة فيهلكهم جميعا ، وهو أمر ميز به الله أمة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الأمم السابقة التي أنزل عليها العذاب. # * * * ### ||| ** الوراثة الدينية المتعصبة # ( @QUR@06 وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ) ممن جاءوا بعد هؤلاء الذين أوتوا PageV20P158 # العلم ، فلم يكن لديهم أي معرفة يستطيعون بها الحصول على وضوح الرؤية ~~الفكرية في هذه المسألة ، بل انطلقوا في مواقفهم من حالة وراثية يقلد فيها ~~الآخرون الأولين على أساس النسب أو البيئة ، أو الموقع الديني ، ( @QUR@04 ~~لفي ms4671 شك منه مريب ) والريبة فيه هي نتيجة ما يحملونه عنه من تصور ، أو نتيجة ~~الخلفيات الذاتية المعقدة التي تكمن وراء ذلك ، لأنهم لا ينطلقون ، في ~~موقفهم من الرسالة الجديدة والوحي الجديد ، الذي جاء مصدقا لما معهم ، من ~~قاعدة فكرية للرفض ، بل من عصبية دينية ، لا تحمل من الدين معناه وروحيته ~~وحيويته ، بل تحمل منه الانفعالات التي توحي لهم بأن الدين يقف عندهم ليكون ~~خاتمة لكل وحي ورسالة ، فلا يسمحون لوضوح الرؤية بأن ينفذ إلى تصوراتهم من ~~خلال الحجج التي يقدمها الكتاب الجديد والرسول الجديد. # * * * ### ||| ** ادع واستقم كما أمرت # ( @QUR@01 فلذلك ) أي لأن الله شرع لكم هذا الدين وأراد منكم أن تقيموه ~~على أصوله ، وأن تثبتوا عليه وتثبتوه بالكلمة والممارسة ، وأن تجعلوا ~~مفاهيمه أساسا للوحدة ، ولا تتفرقوا فيه ليأخذ كل فريق منكم جانبا منه مما ~~ينفعه في ذاتيته وأنانيته ، ويترك الجانب الآخر الذي لا يتوافق مع ما يريده ~~، ( @QUR@01 فادع ) إلى هذا الدين بكل ما تملكه من وسائل الدعوة بما يقيمه ~~في الحياة ، ويثبته في العقول والمشاعر ، ( @QUR@03 واستقم كما أمرت ) في ~~خطه المستقيم الذي يصل البداية بالنهاية ، فيبدأ من الله ويتحرك في خط دينه ~~وشريعته ، وينتهي إليه في الإخلاص له ، والانطلاق مع رضوانه ، فإن ~~الاستقامة تعني الوقوف مع كل حكم من أحكامه ، ومع أي مفهوم من مفاهيمه بكل ~~دقة واتزان من دون أن ينحرف عنه ذات اليمين وذات الشمال ، وهي تمثل إلى ~~جانب ذلك عمق الالتزام الروحي بالدين والانسجام مع كل مفرداته من دون زيادة ~~ولا نقصان. PageV20P159 # ذلك أن ما يريده الله من الإنسان المسلم الداعية ، أن ينطلق في دعوته من ~~موقع التحديد الدقيق للفكرة الإسلامية ، فلا يدخل فيها شيئا من أفكار ~~الباطل ليقربها إلى الناس الذين قد لا يرغبون في الحق إذا لم يكن ممزوجا ~~بالباطل ، فيعمد بعض الدعاة إلى التساهل في المفاهيم ، ويفسح المجال أمام ~~الانحراف لأن يزحف إليها ، طلبا لرضى الناس من خلال ذلك ، وهو ما يحدث ~~غالبا في بعض الأجواء الثقافية المعاصرة التي يشن فيها بعض المثقفين ممن ~~يحملون ms4672 فكرا غير إسلامي ، حربا إعلامية نفسية ضد المسلمين الملتزمين ، ~~فيتهمونهم بالتطرف والتعصب والتعقيد لجرهم إلى تقديم التنازلات والالتزام ~~ببعض مفاهيم الباطل ، بذلك يحصلون على صفات التسامح والاعتدال والواقعية .. ~~التي تقربهم من المجتمع وتجعلهم مرضيين عنده ، وهكذا يستمر الضغط بهذه ~~الطريقة في كل موقع من مواقع الإسلام التي يحتاج فيها الباطل إلى موقف ~~إسلامي متسامح لحسابه ليقدم المسلمون التنازلات حتى ينتهي الأمر بهم إلى ~~التنازل عن الإسلام نفسه .. # لهذا ، فإن اعتبار الإسلام هو المقياس الذي نقيس به اتجاه التطرف ~~والاعتدال والتسامح والتعصب ، أمر ضروري ليستقيم للدعاة الإسلاميين دينهم ~~الحق ، ولتتوازن خطواتهم الفكرية والعملية على خط الإسلام فكرا وعملا وحركة ~~، لأن المفهوم الإسلامي يقضي بأن يخضع الواقع للإسلام ، ويتغير على أساسه ، ~~لا أن يخضع الإسلام للواقع لنغير الإسلام من خلاله .. ### ||| ** لا تتبع الأهواء # ( @QUR@03 ولا تتبع أهواءهم ) فإن ما عندهم من عقائد وعادات وأوضاع لم ~~ينبع من دراسة فكرية عميقة للمصالح والمفاسد التي تكمن في داخلها ، بل من ~~الأهواء التي تحركها الانفعالات والأحاسيس في ما يشتهونه ، وما يتحسسونه ، ~~على مستوى الأهواء الفردية التي يلتقي عليها الأفراد ، أو على مستوى ~~الأهواء الطبقية ، في ما يلتقي عليه أفراد الطبقة المستغلة المسيطرة على ~~الوضع كله ، أو PageV20P160 # على مستوى شخص واحد مهيمن ، ممن يسميه الناس ملكا أو أميرا أو رئيس عشيرة ~~، أو شخصا صاحب سيف أو مال .. ولذلك فإنها لا تصلح لتكون أساسا للاتباع ، ~~لأنها لا تبني للإنسان حياته على قاعدة قوية ثابتة ، لأن الأوضاع التي ~~ترتكز على الانفعالات ، سوف تسقط أو تتبخر عند ما ترتبك تلك الانفعالات أو ~~تهتز القضايا التي أثارتها وحركتها في داخل الواقع. # وقد نستوحي من هذه الفقرة التي تنهى عن اتباع الأهواء ، أن التوجيه ~~الإلهي لا يريد للإنسان أن يجعل حركته في الحياة تابعة لهواه ، أو لهوى ~~الآخرين ، لأن ذلك لن يحقق للحياة الإنسانية عمقا وامتدادا .. بل لا بد له ~~من أن يدرس الأشياء بعمق ودقة كي يستطيع اكتشاف صلاحه في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** الله جامع الناس بربوبيته # ( @QUR@07 وقل آمنت بما أنزل الله ms4673 من كتاب ) فتعالوا لننطلق من هذا ~~الإيمان إلى إيجاد قاعدة للقاء ، فإني أؤمن بالتوراة والإنجيل والقرآن ، ~~فلنتحاور حول ذلك ، لنتفق من خلال الحوار على الوحي الإلهي حتى ننفتح على ~~الحقيقة من خلاله ، ( @QUR@03 وأمرت لأعدل بينكم ) فلست نبيا يريد السيطرة ~~على الساحة كلها من خلال تعميم القناعة بدعوته من أجل أن يظلم الناس ، بل ~~إنني جئت بالعدل لكل الناس ، سواء كانوا ممن يستجيبون لي ولرسالتي ، أو ~~كانوا ممن لا يستجيبون لي ولها ، لأن مسألة العدالة لا تفرق بين الأتباع ~~وغير الأتباع ، ولا بين الأعداء والأصدقاء ، والأنبياء لن يصبحوا من ~~الجبارين عند ما يبلغون مراكز القوة ، بل هم من الرحماء العادلين الذين ~~يحركون قوتهم في خط رسالتهم .. ويحركون رسالتهم من أجل حل مشكلة الحياة ~~كلها ، والناس كلهم. # ( @QUR@03 الله ربنا وربكم ) هذه حقيقة واضحة أقدمها لكم لنلتقي عليها ~~إذا كنتم تؤمنون بالله ربا ، فهو الذي يجمعنا بربوبيته ، في ما نستشعره من ~~رعايته ولطفه وحنانه ورحمته ، من خلال الشعور بحضوره في كل وجودنا. PageV20P161 ### ||| ** فردية نتائج المصير # ( @QUR@04 لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) وتلك هي ساحة المسؤولية التي لا ~~يطغى فيها موقع على موقع ، ولا يتحمل فيها شخص عن شخص آخر أي شيء ، فلكل ~~واحد عمله الذي يسأل عنه .. لذلك فإن مسألة الدعوة ، هي أن نتائج المصير ، ~~ستكون فردية بما يتناسب مع التزام خط المسؤولية في حياة هذا الشخص أو ذاك ، ~~فإذا كان عمله صالحا فلا بد من أن ينتهي إلى رضوان الله وإلى الجنة ، وإذا ~~كان سيئا فلا بد من أن ينتهي إلى سخط الله وإلى النار ، دون أن يكون لأي ~~شخص قريب دخل في ما يحصل له أو يصيبه. # ( @QUR@04 لا حجة بيننا وبينكم ) الظاهر أن المراد بهذه العبارة أنكم ~~لستم مسئولين أمامنا عن تقديم الحجة على ما قمتم به أو انتميتم إليه من فكر ~~، ولسنا مسئولين أمامكم لنقدم الحجة على موقفنا وانتمائنا ، لأننا جميعا ، ~~مسئولون أمام الله فهو الذي يجب أن نقدم الحجة إليه. # وقيل إن المراد به «نفي الحجة ، كناية عن نفي لازمها وهو ms4674 الخصومة ، أي لا ~~خصومة بيننا بتفاوت الدرجات ، لأن ربنا واحد ، ونحن في أننا جميعا عباده ~~واحد ولكل نفس ما عملت فلا حجة في البين أي لا خصومة حتى تتخذ لها حجة» (1). # وذكر بعضهم ، أن المعنى ، لا احتجاج ولا خصومة لأن الحق قد ظهر فلم يبق ~~للاحتجاج حاجة ، ولا للمخالفة عمل سوى المكابرة والعناد. ولعل هذا الوجه ~~أقرب من سابقه ، بالرغم من إشكال صاحب الميزان عليه ، بأن «الكلام مسوق ~~لبيان ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه وفي أمته من سنة ~~التسوية لا لإثبات شيء من أصول المعارف حتى تحمل الحجة على ما حملها PageV20P162 # عليه» (1). ولكن لا دليل على أن الكلام كله مسوق لذلك ، بل الظاهر أنه ~~لون من ألوان تحديد الموقف وبيان طبيعة العلاقة التي تحكم الجميع في ما ~~انتهى إليه أمرهم من النتائج الواقعية التي يقف فيها كل فريق في موقعه ، ~~بعد استنفاد الوسائل التي تحدد الموقف ليواجه كل فريق خصوصياته التي تؤكد موقفه. # لكننا ذكرنا أن الأقرب هو ما استوحيناه من الآية ، بقرينة الفقرة التالية ~~( @QUR@03 الله يجمع بيننا ) يوم القيامة ليحاسبنا على كل شيء. وهناك ~~الموقف الذي تنطلق فيه الحجة لتؤكد نفسها أمام الله ، لأن ذلك هو موقع ~~الحجة في حركة المسؤولية ، عند ما يقدم كل واحد منا حجته على صاحبه ، أو ~~حجته على عمله ، أمام ربه ، ليكون الله هو الحكم بيننا ، أو هو الحاكم ~~علينا ، ( @QUR@02 وإليه المصير ) الذي ينتهي إليه أمر العباد كلهم فيقفون ~~جميعا أمامه ، فله الأمر والحكم في كل شيء .. # * * * ### ||| ** غضب الله يتنزل على الكافرين # ( @QUR@04 والذين يحاجون في الله ) ويقدمون الحجج التي تنفي وجوده ، ~~وتنكر توحيده ( @QUR@05 من بعد ما استجيب له ) دعوة الإيمان وانفتح عليها ~~الكثير ممن دخلوا في دين الله ، على أساس وضوح البراهين الحقيقية الدالة ~~على وجود الله وتوحيده مما يدحض كل حجة أخرى مضادة ( @QUR@02 حجتهم داحضة ) ~~أي باطلة وزائلة ( @QUR@02 عند ربهم ) لأنهم لم ينطلقوا من حجة مفتوحة على ~~الحق في العمق والقوة ، بل انطلقوا من الأهواء والانفعالات السطحية ms4675 الخاضعة ~~للشهوات ، ( @QUR@05 وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ) لأنهم لم يأخذوا بأسباب ~~رضى الله ، بل ساروا على خط غضبه فاستحقوا سخطه وعذابه. # * * * PageV20P163 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة ~~قريب (17) @QUR@022 يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون ~~منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) ~~@QUR@09 الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) @QUR@022 من ~~كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما ~~له في الآخرة من نصيب (20) @QUR@023 أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله ولو لا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ~~(21) @QUR@024 ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل ~~الكبير ) (22) # * * * PageV20P164 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مشفقون ): خائفون. # ( @QUR@01 يمارون ): يصرون على الجدال. # ( @QUR@01 حرث ): الزرع. # ( @QUR@02 روضات الجنات ): الحدائق المشجرة المخضرة متونها. # * * * ### ||| ** أنزل الكتاب بالحق والميزان # ( @QUR@05 الله الذي أنزل الكتاب بالحق ) ليكون القاعدة الفكرية ، ~~والمنهج العملي الذي يريد للإنسان أن يتحرك فيه على أساس الحق ، لأن ~~الإنسان هو المخلوق الذي يعطي الحياة مضمونها الحركي ، بما يخططه لها من ~~نظام واقعي ، وبما يحركه فيها من مشاريع متنوعة ، وهو أمر يتعلق بالتدبير ~~التفصيلي لكل المخلوقات الجامدة والحية والنامية من حوله ، باعتبار أنه هو ~~من أوكل الله إليه أمر إدارتها ، وسخرها له لكل انقياد وخضوع. # ( @QUR@01 والميزان ) الذي يزن فيه مقادير الأشياء ، ويحدد مواقعها فيضع ~~كل شيء في موضعه ، ويعطي كل شخص حقه ، ويطلق الكلمة التي تتناسب مع المواقع ~~من جهة ، ومع الخط المبدئي من جهة أخرى. # وهكذا يكون الميزان هو المقاييس التي أنزلها الله في وحيه ، لتربي ~~الوجدان الإنساني على التطبيق المستقيم للنظرية. # وقيل : إن المراد به «هو الدين المشتمل عليه الكتاب حيث يوزن به PageV20P165 # العقائد والأعمال فتحاسب عليه ويجزى بحسبه الجزاء يوم القيامة» (1). ~~وقيل : إن «المراد به العدل ، وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف ms4676 ~~والتسوية بين الناس ، والعدل كذل» (2). # ولكن الظاهر من السياق أن الله يتحدث عما يتحرك فيه الناس في حياتهم على ~~مستوى النظرية والتطبيق .. وقد لا يكون من الظاهر ، أن يراد من الميزان ~~أصول الدين وفروعه ، التي يتضمنها الكتاب مع الحديث عن الكتاب الذي لا يراد ~~فيه إلا الكلمات بلحاظ المضمون ، وربما كان الحديث عن الميزان متناسبا مع ~~الآيات التي تتحدث عن الكتاب والحكمة ، التي تمثل النهج العملي الذي يطابق ~~فيه التحرك مقتضى الحال ، والله العالم. # وهكذا أنزل الله الكتاب والميزان للناس ، لتستقيم حياتهم على أساس رضى ~~الله ، عند ما يأخذون بما وضعه لهم من نهج وشريعة طلبا لرضاه وتخلصا من ~~عقابه .. ولكن مشكلة الناس أنهم يستغرقون في الحياة حتى يتخيلوا امتدادها ~~إلى ما لا نهاية. ويستبعدون مجيء الساعة التي يواجهون فيها لحظة الحساب بين ~~يدي الله ، أو ينكرونها ، ويسخرون من حديث النبي عنها ، وهذا ما أراد الله ~~أن يثيره أمامهم في صورة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كوسيلة من ~~وسائل خطاب الأمة .. # * * * ### ||| ** الله عنده علم الساعة # ( @QUR@05 وما يدريك لعل الساعة قريب ) فإن الله ، سبحانه ، لم يعط علمها ~~لأحد حتى لرسله وجعل احتمال حدوثها قائما بين ساعة وأخرى كي يترقبها ~~الإنسان يوميا بما يفرض عليه الخوف منها والاستعداد لها. PageV20P166 # ( @QUR@06 يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) فيقفون موقف السخرية من ~~النبي طالبين تعجيل العذاب الذي ينذرهم به ، على سبيل التحدي والتعجيز. # ( @QUR@04 والذين آمنوا مشفقون منها ) خائفون من الوصول إليها ، لأنهم لا ~~يعرفون ما ينتظرهم فيها من نتائج لعدم ثقتهم بأعمالهم التي قدموها ، فلعل ~~فيها بعض الخلفيات الذاتية ، والمشاعر الانفعالية التي تبعدها عن مواقع ~~الإخلاص والقرب من الله .. وذلك الخوف نتيجة عمق إحساسهم بالمسؤولية وخوفهم ~~من نتائجها. # ( @QUR@03 ويعلمون أنها الحق ) ولهذا فإنهم يواجهونها كما لو كانوا قد ~~شاهدوها ورأوها رأي العين ، خلافا لأولئك الذين يرتابون فيها ، لأنهم لم ~~ينفتحوا على البراهين التي تؤكدها ، فغرقوا جراء ذلك في وحول الضلال ، ~~وامتدوا في مواقعه امتدادا بعيدا. # ( @QUR@09 ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ms4677 ضلال بعيد ) لأن مشكلتهم ~~أنهم يفتحون باب الجدال ، لا للوصول إلى الحق ، بل لإثارة الضباب حوله ، ~~وإضاعة الجهد والوقت بالكلمات اللامسؤولة .. فضلوا ضلالا بعيدا ، لأنهم ~~ابتعدوا من خلال ذلك عن الأخذ بأسباب النجاة ، فضاعوا في متاهات الضلال ~~التي تؤدي بهم إلى النار. # ( @QUR@03 الله لطيف بعباده ) يرفق بهم ، ويحنو عليهم ، ويمنحهم اللطف ~~الذي ينفذ إلى حياتهم وإلى كيانهم ، بالخير والبركة ، ويتابع ما خفي منها ~~وما دق بكل ألوان العناية والرعاية والسماحة ، و ( @QUR@03 يرزق من يشاء ) ~~في ما يحتاجون إليه في أمور معاشهم ، ليسهل عليهم أمرهم ، وليمتد به وجودهم ~~في كل ما يقوم به. # ( @QUR@03 وهو القوي العزيز ) الذي تتمثل قوته في رعاية عباده عبر ~~التدبير الكوني ، فلا يمتنع عليه شيء ، كما تتمثل عزته في سيطرته التي لا PageV20P167 # يتغلب عليها أحد. # * * * ### ||| ** حرث الاخرة وحرث الدنيا # ( @QUR@05 من كان يريد حرث الآخرة ) بحيث تتحرك أعماله في الساحات التي ~~يحب الله للإنسان أن يتحرك فيها ، وهي الأعمال الصالحة يبذرها الإنسان في ~~الحياة كلها ، لتكون نتيجتها رضوان الله ونعيمه في الآخرة ، ( @QUR@04 نزد ~~له في حرثه ) فنضاعف له النتائج المترتبة على ذلك من ثواب الله كما جاء في ~~بعض الآيات : ( @QUR@06 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [الأنعام : 160] ~~وقوله تعالى : ( @QUR@04 والله يضاعف لمن يشاء ) [البقرة : 261]. # ( @QUR@05 ومن كان يريد حرث الدنيا ) وهو الزرع الذي يغطي حاجات الدنيا ~~من دون أن يوصله بأي رابط أخروي ، ولا يتصل بالقيم الروحية المنفتحة على ~~الآخرة ، ولكن مدى أعماله في اللذات والشهوات والأطماع مما تكون نتيجته ~~محصورة في الجانب المادي في الدنيا ، ( @QUR@02 نؤته منها ) فينال ما يريده ~~من ذلك لأن الله قد جعل للمسائل المادية مسبباتها في صعيد العمل الإنساني ، ~~( @QUR@06 وما له في الآخرة من نصيب ) لأنه لم يهتم في حياته العامة ~~والخاصة بالآخرة ، ولم يلتفت إلى رضوان الله في حركة أعماله ، لذا فإنه لا ~~يستحق من نعيم الآخرة شيئا ، لأن الله جعل الآخرة في نعيمها للأتقياء الذين ~~عملوا لله ولما يحبه من القيم الروحية التي تتصل بأجوائها. # وهكذا نجد أن المسألة ، أولا وأخيرا ، تعود ms4678 إلى الله تعالى وبالتالي على ~~الإنسان أن يأخذ بالخط الإلهي في الشريعة ، ويرجع إليه في شؤون الحياة ، ~~ويتطلع إلى رضوانه في كل شيء ، لأنه وحده الرب الذي يملك كل شؤون عباده ~~المادية والمعنوية ، لذا فإن الانحراف عن خطه إلى خط آخر ، والاعتماد PageV20P168 # على غيره يحتاج من أصحابه إلى ما يفسره ، فكيف يدافع أصحاب هذا الموقف عن ~~موقفهم ومن هم هؤلاء الذين يعتمدون عليهم؟ وما يملكون من قوة الربوبية ، ~~ومن سر الألوهية ، ليشرعوا لهم بعيدا عن الله ، ومن أين جاءتهم هذه الميزة ~~العظيمة؟ أم أن القضية عبارة عن وهم كبير ، خضعوا له في تصوراتهم المعقدة ~~التي لا تنطلق من حقيقة المعرفة والفكر النير؟؟! # * * * ### ||| ** باطل ما شرعه لهم شركاؤهم # ( @QUR@012 أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ~~لينطلقوا في السير عليه والتماس نتائجه في قضية مصيرهم ، من خلال ما يملكه ~~هؤلاء من مواقع القوة في دائرة الألوهية ، كشركاء لله في ذلك ، ومن أين ~~جاءت هذه الشراكة؟ وما هي قاعدة القوة التي يرتكزون عليها؟ وهل هناك إلا ~~الباطل الذي لا يرتكز على أي أساس؟ وكيف يتحركون في مواقع هذا الدين الذي ~~شرعه من لا يملكون حق التشريع .. لأن الله هو مالك حق التشريع وحده ، كما ~~هو المالك لهم جميعا فلا بد من أن يأذن لعباده ، في كل ما يريدون أن يفعلوه ~~، أو يتركوه ، أو يتبنوه منهجا عمليا في الحياة؟ # * * * ### ||| ** العذاب للظالمين # ( @QUR@04 ولو لا كلمة الفصل ) التي سبقت من الله في ما قدره لهم من ~~الآجال المحدودة ، وفي ما أخرهم إليه من الموقف الحاسم ، ( @QUR@02 لقضي ~~بينهم ) بالحق ، عبر ما يصدره عليهم من أحكام وما ينفذه فيهم من عذاب دنيوي ~~قبل الأخروي ، ولكنهم لا يعجزون الله ولا يفوتونه .. # ( @QUR@05 وإن الظالمين لهم عذاب أليم ) توعد الله به الظالمين الذين ظلموا PageV20P169 # أنفسهم ، وتمردوا على ربهم ، وظلموا الحياة كلها من حولهم ، بالكفر ~~والعدوان. # * * * ### ||| ** رضوان الله ونعيمه للمؤمنين الصالحين # ( @QUR@05 ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ) عند ما يواجهون القيامة في ~~موقف الحساب لأنهم يعرفون طبيعة أعمالهم ms4679 في الدنيا ، ويخافون من نتائجها ~~السلبية في الآخرة ، ( @QUR@03 وهو واقع بهم ) لا مفر منه. # ( @QUR@07 والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ) ذات الأشجار ~~الممتدة الخضرة حيث النعيم الدائم ، ( @QUR@05 لهم ما يشاؤن عند ربهم ) مما ~~يحبونه ويشتهونه ويطلبونه ، فليس بينهم وبين الحصول على ما يتمنون ، إلا أن ~~يطلبوه ، ليتحقق لهم ، بعيدا عن كل الوسائل والأسباب التي كانوا يتوسلونها ~~في الدنيا .. # ( @QUR@04 ذلك هو الفضل الكبير ) الذي يتفضل الله به عليهم ، فلا يدانيه ~~فضل آخر لأن الجنة هي غاية غايات الإنسان المؤمن لما فيها من نعيم ، أو لما ~~يتمثل فيها من رضوان الله. # * * * PageV20P170 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@029 ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن ~~الله غفور شكور (23) @QUR@022 أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يقترف ): يكتسب. # * * * ### ||| ** أجر المودة في القربى # ( @QUR@09 ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ~~ليعيشوا روحية البشارة في عقولهم ومشاعرهم قبل أن يعيشوها في حياتهم ، ~~فيتمثلوها في وجدانهم ليزدادوا نشاطا في العمل ، وامتدادا في الصبر ، ~~وثباتا في الموقف. # ( @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) جاء في كثير من ~~الآيات أن الله PageV20P171 # أراد لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلن للأمة عدم تطلعه إلى أي أجر خاص ~~يطلبه لنفسه على الرسالة سواء أكان ماديا أم معنويا ، كما في قوله تعالى : ~~( @QUR@06 قل ما أسئلكم عليه من أجر ) [ص: 86] وفي قوله تعالى : ( @QUR@010 ~~قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) [الأنعام : 90] وفي قوله ~~تعالى : ( @QUR@014 قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا ) [الفرقان : 57] وغيرها من الآيات التي تتعلق بالأنبياء السابقين ~~الذين كانوا يتحدثون إلى الناس من حولهم بهذه الطريقة .. وعلى ضوء هذا كان ~~طلب المودة في القربى كأجر يطلبه النبي من الأمة في هذه الآية غير ms4680 منسجم مع ~~الأجواء العامة لتلك الآيات ، ولذلك حملها الكثيرون على الاستثناء المنقطع ~~ليكون الحديث متصلا بشيء آخر لا يتعلق بالأجر ، ولكنه يمثل طلبا آخر لا ~~علاقة له بالرسالة من ناحية العوض ، بل له علاقة بالنبي في اتجاه آخر. ولكن ~~صاحب الميزان اعتبر الاستثناء متصلا ، على أساس أن المودة في القربى لا ~~تمثل شأنا شخصيا من شؤون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل تمثل شأنا من شؤون ~~استجابة الدعوة ، إما باستجابة كلها ، أو استجابة بعضها الذي يهتم بها ، ~~مما ينسجم مع اعتبار المودة من الأجر ويبقي على ظهور الاستثناء في الاتصال (1). # * * * ### ||| ** اختلاف المفسرين في معنى « ( @QUR@03 المودة في القربى» ) # وعلى ضوء ذلك فلا بد من تحديد معنى المودة في القربى الذي اختلف فيه ~~المفسرون على أقوال مختلفة ، وقد ذكر صاحب الميزان هذه الوجوه (2) ومنها : # أولا : ما ذهب إليه الجمهور أن الخطاب لقريش والأجر المسؤول PageV20P172 # هو مودتهم للنبي لقرابته منهم ، وذلك لأنهم كانوا يكذبونه ويبغضونه ~~لتعرضه لآلهتهم على ما في بعض الأخبار .. فكانت هذه الآية نداء لهم بأن ~~يستشعروا المودة العميقة التي تشد الإنسان إلى قرابته ، ليمحضوه الحب من ~~خلال ذلك ، فلا يتعقدوا في مشاعرهم نحوه. # ونلاحظ على هذا التفسير أن المحبة الذاتية ليست هدفا للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلا إذا كانت وسيلة من وسائل الوصول إلى المحبة ~~لرسالته .. وهذا غير وارد لدى الكافرين الذين كانوا ينطلقون في موقفهم ~~الشعوري من عقدة ذاتية من رسالته التي تلغي كل عقائدهم وتقاليدهم وأوضاعهم ~~.. ثم لا معنى في هذه الحالة لأن يطلب منهم أجرا على رسالته المرفوضة من ~~قبلهم ، والتي يعتبرونها نقمة عليهم لا نعمة ، وإذا كان يحدثهم بعد إيمانهم ~~فكيف يمكن أن تكون مشاعرهم نحوه ، هي مشاعر البغض والعداوة .. # ومنها : أن المراد مودة الأقرباء ، في داخل قريش ، أو في حياة الناس كافة ~~ونلاحظ على هذا ، أن مودة الأقرباء قد تكون موضع تشجيع الإسلام ورعايته في ~~نطاق صلة الرحم ، ولكنها لا تمثل قيمة «إسلامية روحية» في ذاتها بالحجم ~~الذي يجعلها أجرا للرسالة أو ms4681 في الأجواء التي تقترب من ذلك ، بل ما يفيده ~~سياق الآية أن الحب في الله والبغض في الله ، مما قد يفرض على الإنسان ~~المسلم رفض مودة الآباء والأبناء والإخوان وجميع الأقرباء إذا كانوا معادين ~~لله ولرسوله. # ومنها : أن المراد بالمودة في القربى ، هو قرابة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهم أهل بيته .. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في كتب أهل ~~السنة والشيعة التي تؤكد ذلك بما قد يصل إلى مستوى التواتر أو الاستفاضة. # وقد حاول صاحب الميزان توجيه المسألة باتجاه عام على أساس أن ذلك لا يمثل ~~أجرا للرسالة على أساس الخصوصية الذاتية في ما قد يتنافى مع PageV20P173 # الآيات التي تنفي الأجر على الرسالة في حركة الأنبياء في الدعوة ، وذلك ~~بقوله إن «التأمل الكافي في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتضمنة لإرجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه ~~من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه إلى أهل البيت عليهم السلام ، ~~كحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما ، لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم ~~وجعلها أجرا للرسالة إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إليهم في ما كان لهم ~~من المرجعية العلمية. # فالمودة المفروضة على كونها أجرا للرسالة لم تكن وراء الدعوة الدينية من ~~حيث بقاؤها ودوامها ، فالآية في مؤداها لا تغاير مؤدى سائر الآيات النافية ~~لسؤال الأجر. # ويؤول معناها إلى : أني لا أسألكم عليه أجرا إلا أن الله لما أوجب عليكم ~~مودة عامة المؤمنين ومن جملتهم قرابتي ، فإني أحتسب مودتكم لقرابتي وأعدها ~~أجرا لرسالتي ، قال تعالى: ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا ) [مريم : 96] وقال : ( @QUR@05 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض ) [التوبة : 71]» (1). # وهناك أقوال أخرى. # وقد نحتاج إلى أن نثير المسألة في بعدها التفسيري ، بأن هذه الكلمة مجملة ~~من حيث المعنى لاحتمالها أكثر من معنى في ذاتها ، فلا بد لاكتشاف معناها ~~التفصيلي من قرينة ، داخلية أو خارجية ، تعين ذلك بالطريقة التي تحقق ~~الانسجام بينها وبين الآيات المماثلة لها. # وقد يلاحظ القارئ أن ms4682 المودة في القربى هي أجر الرسالة ، أو المعنى الذي ~~يقترب من هذا الجو ، ولكن لا معين للمصداق ، مما يجعل الرجوع إلى PageV20P174 # الروايات الواردة في هذا المجال ، هو الحل للمشكلة .. وقد وردت هناك ~~أخبار كثيرة حول تعيين أهل البيت عليهم السلام بحيث ترجح على الأخبار الأخرى ~~من ناحية كثرتها ، وانسجامها مع الجو الرسالي باعتبار أنهم يمثلون الامتداد ~~الروحي والعملي في خط القيادة الرسالي .. مما لا يجعل من المسألة حالة ~~ذاتية في الشخصية النبوية بل حالة رسالية .. وهذا بالإضافة إلى أن هذا ~~التفسير كان مشهورا في عهد أئمة أهل البيت عليهم السلام بحيث تحدثوا عنه في ~~أكثر من موقع حتى جرى على لسان الشعراء كما ورد في قصيدة الكميت في قوله : # وجدنا لكم في آل حم آية %~% تأولها منا تقي ومعرب # مما يجعلنا نطمئن إلى ذلك .. # وقد روى صاحب الدر المنثور حديثا آخر ، قال : «أخرج أحمد ، وعبد ابن حميد ~~، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، من طريق طاوس ~~عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : ( @QUR@04 إلا المودة في القربى ) فقال سعيد ~~بن جبير : قربى آل محمد فقال ابن عباس رضي الله عنه : عجلت إن النبي لم يكن ~~بطن من قريش إلا كان فيهم قرابة فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من ~~القرابة (1). # ولكن هذه الرواية لا تسلم من النقد الذي ألمحنا إليه في ما تقدم ، لأن ~~قرابتهم له لا تمثل معنى مطلوبا في ذاته إلا بلحاظ كونها طريقا للانسجام ~~معه في خط الرسالة ، باتباعهم له أو بتركهم إياه دون معارضة ، مما يعرف ~~النبي أنه طريق مسدود أمامه .. في الوقت الذي لا توحي فيه الآية إلا ~~بالمعنى الذاتي للمودة الذي لا يرجع إلى معنى مقبول ، وهذا هو كل ما نستطيع ~~معالجته من معنى الآية ، والله العالم بحقائق آياته. # * * * PageV20P175 ### ||| ** الله الغفور الشكور # ( @QUR@011 ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور ) أي من ~~يكتسب حسنة ، بإتيان ما أمر الله به من الأعمال الصالحة ، التي أوجبها ، أو ~~استحبها في شريعته ، فإن ms4683 الله يضاعف له إيجابياتها بمضاعفة أجرها وزيادة ~~إيجابياتها ، ومحو ما فيها من سلبيات ، وإتمام ما يمكن أن تشمل عليه من ~~نقائص. إن الله غفور يمحو السيئات ويغفر الذنوب ، شكور يظهر محاسن العمل ~~ويزيدها. # وربما خص البعض الحسنة بالمودة للقربى بالاستناد إلى بعض الروايات ، ولكن ~~الظاهر أن ذلك لو تم من قبيل المصاديق لا من قبيل المفهوم ، وقد تعارف في ~~الروايات التفسير على نحو الجري والتطبيق ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** الله العليم بذات الصدور # ( @QUR@06 أم يقولون افترى على الله كذبا ) في ما يتقولونه عليك من ~~الكلمات التي يريدون بها إثارة الدخان حول رسالتك والتشكيك بها ، وتشوية ~~شخصيتك .. ولكنهم إذا كانوا يؤمنون بالله الذي يستلزم الإيمان بقدرته ، فلا ~~بد من أن يفكروا بأن الله قادر على أن يطبع على قلب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويمنعه من وعي القرآن وحفظه وتبليغه للناس إذا كان ~~مكذوبا ، ( @QUR@06 فإن يشإ الله يختم على قلبك ) ويحول بينك وبين الامتداد ~~في الكذب ، ولكن الله شاء أن يوحي إليك ويفتح قلبك للحق النازل بكلماته ، ( ~~@QUR@03 ويمح الله الباطل ) المتمثل بمفاهيم الكفر والشرك والضلال ( ~~@QUR@03 ويحق الحق بكلماته ) من خلال مفاهيم الإيمان والتوحيد والرسالة ~~واليوم الآخر ، ويثبتها في وعي الناس لتكون برنامجا للفكر والحياة اللذين ~~يريد الله لهما أن ينطلقا من الحق ، ويتحركا في خطه بالانفتاح على الله ، ~~في ما يوحي به إلى أنبيائه من آيات ، ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) فهو ~~المطلع على قلوب عباده ، وما تحس وتفكر به ، فكل شيء مكشوف لديه ولا يوجد ~~سر يمكن أن يخفى عنه. # * * * PageV20P176 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون (25) @QUR@012 ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ~~والكافرون لهم عذاب شديد ) (26) # * * * ### ||| ** يقبل التوبة من عباده # ( @QUR@06 وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) الذين يعيشون الندم على ما ~~أسلفوه من السيئات عبر الالتزام بالكفر ، أو السير في خط المعصية ، فقد فتح ~~لهم مجال التراجع عن الانحراف ، والانفتاح على خط الاستقامة .. # ( @QUR@03 ويعفوا عن السيئات ) ويتجاوز عنها ، فلا يحملهم نتائجها ~~السلبية في ms4684 الآخرة ( @QUR@03 ويعلم ما تفعلون ) فلا يخفى عليه شيء من ~~أقوالكم وأفعالكم الأمر الذي يفرض عليكم الوقوف أمام المسؤولية لتحذروا ~~عقابه على ما يعلمه من أعمالكم السيئة ، لتتوبوا منها ، وتتخلصوا من ~~نتائجها ، بعد أن فتح باب التوبة واسعا أمامكم. # وهذه دعوة مستمرة يطلقها الله لعباده الذين يعرف نقاط ضعفهم التي PageV20P177 # أودعها فيهم ، وأراد لهم أن يتجاوزوا ذلك الضعف بجهدهم وجهادهم ، فإذا ~~سقطوا تحت تأثير ضعفهم غفلة أو عنادا ، وعصوا الله ، وانحرفوا عن خط هداه ، ~~فإنه يفتح لهم باب التوبة والعفو ، ليبدأوا رحلة التصحيح والاستقامة على ~~طريق الحق .. # * * * ### ||| ** الإيمان والعمل عبادتان متلازمتان # ( @QUR@05 ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قيل : إن «فاعل ~~«يستجيب» ضمير راجع إليه تعالى و ( @QUR@02 الذين آمنوا ) إلخ في موضع ~~المفعول بنزع الخافض» (1)، أي يستجيب لهم ما يدعونه إليه في أي شكل كانت ~~دعوتهم ، ولا سيما العبادة التي هي مظهر من مظاهر الدعاء. وهناك احتمال آخر ~~، وهو أن تكون عبارة ( @QUR@02 الذين آمنوا ) فاعل يستجيب فيكون المعنى ~~أنهم يستجيبون لله في ما يدعوهم إليه من العمل الصالح الذي يقربهم منه ~~ويجعلهم في مواقع رضوانه ( @QUR@03 ويزيدهم من فضله ) يزيد العاملين ~~الصالحين من حسناته التي يضاعفها للمخلصين المتقين. # ( @QUR@04 والكافرون لهم عذاب شديد ) لأنهم لم يستجيبوا لله بطاعة أوامره ~~ونواهيه .. # وتلك هي القضية التي تحكم الموقف الإلهي من سلوك الإنسان ، فليس بين الله ~~وبين عباده أية علاقة خاصة تجلب لهم خيرا أو تدفع عنهم شرا ، إلا الإيمان ~~والعمل ، اللذان يؤكدان القرب منه ، ويحققان العلاقة به .. مما يفرض على ~~الإنسان الالتفات إلى ذلك في بناء المصير. # * * * PageV20P178 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) @QUR@013 وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) @QUR@016 ومن آياته خلق السماوات ~~والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لبغوا ): لظلموا. # ( @QUR@01 الغيث ): المطر. # ( @QUR@01 قنطوا ): القنوط : اليأس. # * * * ### ||| ** حكمة تقدير الرزق # ( @QUR@05 ولو بسط الله الرزق لعباده ) بأن جعل الرزق ممتدا في حياة ms4685 ~~الناس تبعا PageV20P179 # لرغباتهم وطموحاتهم من دون ضوابط حقيقية تركز الوضع الاقتصادي الإنساني ~~على خط التوازن الذي يراعي المصالح الطبيعية في حاجات الإنسان الحيوية على ~~المستوى الفردي والجماعي ، في ما ينسجم مع قضية التوازن في الحياة ، ( ~~@QUR@03 لبغوا في الأرض ) في علاقاتهم العامة والخاصة ، لأن الرزق الواسع ~~يحرك موقع الأنانية التي تدفع الإنسان إلى الحصول على كل شيء لحسابه من دون ~~حساب لمصالح الآخرين مما يقوده إلى العدوان وطلب السيطرة الوحشية على الناس ~~.. ولتحولت الحياة جراء ذلك إلى نوع من الفوضى في ساحات الصراع. # ( @QUR@05 ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) على أساس الحكمة في التوزيع في خطة ~~تضع في حسابها الموازنة بين حاجات الإنسان النوعية وبين قضاياه في مجالات ~~الفكر والحركة والرسالة المتصلة بواقع الحياة ، بحيث لا يلغي الصراع ، من ~~خلال اختلاف الدرجات تبعا لاختلاف الظروف والخصائص والمواقع .. ولكن ~~الاختلاف لا يصل إلى حد الفوضى ، لوجود بعض الحدود التي تحفظ خط التوازن في ~~الوجود الإنساني. # وقد تحدث صاحب تفسير الميزان عن أن هذا التقدير في توزيع الرزق ، «بيان ~~للسنة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس ، أي إن لصلاح ~~حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم ، ولا ينافي ذلك ما نشاهد من طغيان بعض ~~المثرين ونماء رزقهم على ذلك ، فإن هناك سنة أخرى حاكمة على هذه السنة ، ~~وهي سنة الابتلاء والامتحان ، قال تعالى : ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة ) [التغابن : 15] وسنة أخرى وهي سنة المكر والاستدراج قال تعالى : ( ~~@QUR@010 سنستدرجهم من حيث لا يعلمون* وأملي لهم إن كيدي متين ) [الأعراف : ~~182 183]. # فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان إلا أن ~~يمتحنه الله كما قال : ( @QUR@09 وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم ) [آل PageV20P180 # عمران : 154] أو يغير النعمة ويكفر بها فيغير الله في حقه سنته فيعطيه ما ~~يطغيه ، قال تعالى : ( @QUR@010 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ) [الرعد : 11]» (1). # وقد نلاحظ على ذلك أن هناك تداخلا بين سنة الله في إيتاء الرزق وبين سنة ~~الابتلاء والامتحان ، فإن الله سبحانه قد أجرى ms4686 الرزق على أساس أن يكون ~~التوزيع منطلقا في مواقع السعة والضيق لا من موقع ابتلاء الغني في غناه ، ~~وابتلاء الفقير في فقره ، لأن الابتلاء لا يختص بحالة الثراء كما يوحي به ~~كلام صاحب التفسير. # ( @QUR@04 إنه بعباده خبير بصير ) فهو المطلع على شؤونهم بما يحقق ~~مصالحهم في دنياهم وآخرتهم ، وهو الذي يبصر كل مواقعهم التي يخطط لهم في ما ~~يريد أن يحققه لهم من الخير والرعاية والتوفيق. # * * * ### ||| ** الله ينشر رحمته ونعمه على عباده # ( @QUR@08 وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) فتحيا به الأرض ، ~~وتتجمع في أعماقها الينابيع ، وتجري من خلالها الأنهار ، فيتبدل اليأس من ~~الرزق إلى تفاؤل وأمل بخصوبة الأرض التي تعدهم بإنتاج وفير يغيث الناس في ~~مشاكلهم الغذائية ، كما قد توحي به كلمة الغيث. ( @QUR@02 وينشر رحمته ) ~~ويوزع نعمه بين الناس ، عبر توزيع ما تنتجه الأرض من نبات وما تعطيه من ~~ثمار يحتاجها الناس في حياتهم. ( @QUR@03 وهو الولي الحميد ) الذي يبسط ~~ولايته على عباده عبر مواقع حمده في حياتهم. # ( @QUR@05 ومن آياته خلق السماوات والأرض ) فقد أبدع الله خلقهما وأتقنه ، PageV20P181 # بالأسرار التي أودعها في النظام الكوني الذي يحكم حركتهما ، وتتجلى فيه ~~حكمة الله حيث تتحرك كل واحدة منهما بحساب دقيق يضع كل شيء في موضعه. # ( @QUR@05 وما بث فيهما من دابة ) مما يدب ويتحرك بالحياة التي أودعها ~~الله في داخله .. وربما كان المراد بالدابة الطير ونحوه باعتبار إطلاق ~~السماء على ما يعم العلو ، وربما كان إشارة إلى أن في السماوات مخلوقات ~~مماثلة لما في الأرض من الحيوانات ، وربما كان المراد به الملائكة في ~~السماوات. ولعله المتبادر من الأجواء السماوية التي يتحدث عنها القرآن في ~~أكثر من آية. # ( @QUR@06 وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) لأن الله الذي خلقهم ووزعهم على ~~مواقع خلقه ، قادر على أن يجمعهم إليه ليحاسبهم على ما عملوه ، إن كان هناك ~~حساب في دائرة أعمالهم ، أو ليبلغهم تعليماته التي تحدد أدوارهم في الكون ، ~~كما قد يتصور ذلك في الملائكة. # * * * PageV20P182 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ms4687 (30) ~~@QUR@014 وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~(31) @QUR@06 ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) @QUR@015 إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) ~~@QUR@07 أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) @QUR@09 ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بمعجزين ): بجاعلين الله عاجزا عنكم. # ( @QUR@01 الجوار ): السفن. # ( @QUR@01 كالأعلام ): الجبال. # ( @QUR@01 رواكد ): الراكدة : الثابتة في محلها. # ( @QUR@01 يوبقهن ): يهلكهن. PageV20P183 ### ||| ** تلازم المصيبة والعمل السيئ # ( @QUR@07 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) فإن هناك نوعا من ~~الترابط بين الأعمال الإنسانية السلبية ذات البعد الاجتماعي الذي يطال ~~الحياة العامة والخاصة للناس ، وبين نتائجها الصعبة من مصائب تطال الناس في ~~أجسادهم وعقولهم ، وأوضاعهم الغذائية والاقتصادية والأمنية ، باعتبار أن ~~خصائص الأعمال ونتائجها تتداخل في الحياة ، تماما كما هو السبب بالنسبة إلى ~~المسبب ، وهي سنة كونية اقتضت وجودها الحكمة الإلهية ، فإذا كان العمل خيرا ~~في طبيعته فلا بد من أن ينتج الخير للإنسان ، وإذا كان العمل شرا في مضمونه ~~، فلا بد من أن ينتج الشر للإنسان .. وقد يكون وقوع المصائب على هذه الصورة ~~لونا من ألوان العقوبة الإلهية التي جعلها الله جزءا من النظام الكوني لربط ~~الإنسان بنتائج أعماله ، في ما قدره الله للكون من العقوبة التكوينية ، أو ~~الثواب التكويني .. # وإذا انحرف الناس عن القيم الروحية والأخلاق في أعمالهم ومارسوا الشرك في ~~عبادتهم ، وعاشوا الأنانية في علاقاتهم ، واستعملوا الكذب والغش والخيانة ~~والنفاق ونحوها في أقوالهم وأفعالهم .. فلا بد من أن ينعكس ذلك على مصيرهم ~~، لأن لهذه الأمور أثارا ونتائج طبيعية تنعكس في حركة الحياة التي يعيشون ، ~~ولذلك فلا بد لمن يريدون تغيير واقعهم السيئ ورفع ما يحيط بهم من مصائب ~~عامة من العمل على تغيير المجتمع العملي في الحياة ، لأنهم لن يستطيعوا ~~تغيير النتائج من دون تغيير المقدمات .. وإذا كان هناك بعض الناس الخيرين ~~الذين يعيشون مشاكل خاصة في أبدانهم وأوضاعهم ، فليس ذلك إلا نتيجة الوضع ~~العام السيئ من جهة ، ذلك أن البلاء من العام لا ms4688 بد من أن يسري إلى الخاص ، ~~أو نتيجة بعض الخصوصيات الذاتية السلبية من جهة أخرى. PageV20P184 # وقد لا يكون من الضروري أن تأتي المصائب نتيجة المعاصي التي يجترحها ~~الإنسان دائما ، بل قد تأتي نتيجة بعض الأوضاع المعقدة ، التي ينعكس ~~تأثيرها على الواقع كله ، حتى على الذين لا دخل لهم بتلك التعقيدات ولكنهم ~~يشكلون جزءا في الأجواء العامة مما يجعل تأثرهم بها أمرا طبيعيا. # وقد يحصر البعض المصائب هنا في الدائرة الفردية ليكون الخطاب لكل فرد من ~~البلاء الذي يصيبه من خلال عمله ، ولكننا نجد أن الأمر يتصل بالظاهرة ~~العامة ، كما يتصل بالظاهرة الفردية. # * * * ### ||| ** لا قدرة فوق قدرة الله # ( @QUR@03 ويعفوا عن كثير ) مما قد يستوجب العقوبة ، أو يؤدي إلى البلاء ~~، أو يحقق بعض النتائج السلبية ، ولكن الله يرفعه بلطفه ورحمته وقدرته التي ~~يغير بها الواقع من حال إلى حال .. وقد تكون بعض الأعمال الروحية والعبادية ~~، أو الأدعية التي يبتهل فيها المؤمنون إلى الله سببا في العفو عن بعض ~~الأعمال ، ورفع ما تقتضيها من البلاء. # ( @QUR@05 وما أنتم بمعجزين في الأرض ) لأنكم لا تملكون قدرة إلا وقدرة ~~الله فوقها ، بل هي مستمدة منها ، فأنتم في قضاء الله وقدره تتحركون ، وفي ~~مواقع ملكه تعيشون فإلى أين تهربون منه؟ وما الذي تملكونه من وسائل ~~المواجهة والأرض كلها ملك الله ، وفي قبضته ، وأنتم ملك الله وخلقه وعباده. # ( @QUR@09 وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) لأن الله وحده هو ولي ~~الكون كله ، والمخلوقات كلها. فمن أين تأتون بولي غيره لتواجهوا به الله ، ~~وكل ولاية مستمدة من ولايته ، ومن الذي ينصركم من الله ولا أحد في الأرض إلا PageV20P185 # وهو محتاج إلى نصرة الله له لتستمر به الحياة. # * * * ### ||| ** ( @QUR@03 الجوار في البحر ).. آية إلهية # ( @QUR@06 ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ) وهي السفن الجارية في ~~البحار التي تبدو للناظر من بعيد كالجبال ، أو التي تبلغ في ضخامتها حجم ~~الجبال ، وهي آية من آيات الله لما تتمتع به من كثافة وعمق وسعة تمكنها من ~~حمل السفن الكبيرة ، إلى جانب الريح التي ms4689 تدفع السفن وتمنحها الحركة ~~المتنوعة وتثير التفكير في قدرته على تجميع كل هذه العناصر والظروف التي ~~تسهل حركة الإنسان وتهديه إلى الوسائل التي تعينه على الوصول إلى أهدافه. # ( @QUR@08 إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ) ويتجمدن في مكانهن ~~من دون حراك ، لأن الريح هي سبب حركة السفن. # ( @QUR@07 إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) وهما الصفتان الأساسيتان في ~~شخصية المؤمن اللتان تؤثران على حركته الفكرية والعملية لجهة انفتاحه على ~~الحياة من خلال الله ، ووعيه كل ظواهرها الدالة على عظمته وقدرته. فإن ~~الصابر قادر على مواجهة القضايا الفكرية التي تحتاج إلى التأمل الطويل ، ~~والجهد الكبير على ملاحقة المفردات الفكرية التي تصل به إلى النتائج ~~الحاسمة ، كما هو قادر على مواجهة الواقع القاسي المحمل بالمشاكل التي ~~تتحدى أوضاعه وقضاياه ، وعلى الثبات أمام ذلك وعلى تحمل الحرمان الذي يلحقه ~~جراء ذلك ، فهو يصبر على شروط المعرفة حتى يصل إليها ، ويصبر على البلاء ~~حتى يتجاوزه بسلام .. # كما أن الشاكر ينفتح على ما حوله من نعم تمده بقوة الحياة ونضارتها ، PageV20P186 # ليجد فيها مواقع رحمة ربه ، فلا يستغرق في ذات النعمة بل يتطلع إلى ما ~~توحي به من دلالات ، وما تفتحه من آفاق على الله ، ليشكره بالكلمة ، ~~والطاعة ، والموقف ، والعبادة الخاشعة في محراب الكون. # ( @QUR@02 أو يوبقهن ) أي يهلك الجواري بما فيها من ناس ، وذلك بإغراقهم ~~إذا ما اقتضت حكمته ذلك. ( @QUR@02 بما كسبوا ) من الأعمال السيئة التي ~~تؤدي إلى ذلك ، ( @QUR@03 ويعف عن كثير ) ممن اقتضت مشيئته أن يعفو عنهم ~~وينجيهم من الهلاك رحمة بهم. # ( @QUR@05 ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ) بغير الحق وينكرون العقيدة ~~التوحيدية بإثارة التهاويل الانفعالية أمامها ، ويعيشون الغفلة عن الحقيقة ~~الإلهية مدة من الزمن ، ولكن معرفتهم أن قدرة الله التي لا يملكون أمامها ~~شيئا مهما امتدت بهم الحياة في مواقع القدرة الذاتية تحاصرهم في كل مفردات ~~وجودهم وتشكل بالنسبة إليهم صدمة قوية لا يستطيعون الهرب منها إلى أي مكان ~~، فيستسلمون لها شعورا منهم بالضعف المطلق ( @QUR@04 ما لهم من محيص ) أي مهرب. # * * * PageV20P187 ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 فما أوتيتم ms4690 من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) @QUR@010 والذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) @QUR@011 والذين استجابوا ~~لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) @QUR@06 ~~والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) @QUR@014 وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) @QUR@09 ولمن انتصر ~~بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) @QUR@015 إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) @QUR@08 ~~ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) (43) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 كبائر الإثم ): المعاصي الكبيرة. # ( @QUR@01 والفواحش ): جمع فاحشة ، وهي المعصية الشنيعة النكراء. # ( @QUR@01 شورى ): التشاور والمشاورة ، والمشورة استخراج الرأي بمراجعة ~~البعض إلى البعض ، والشورى الأمر الذي يتشاور فيه. PageV20P188 # ( @QUR@01 ينتصرون ): الانتصار والاستنصار طلب النصرة. # * * * ### ||| ** من ملامح شخصية المؤمنين # ما هي ملامح شخصية المسلم في المجتمع. وما هي القيم التي يتبناها بحيث ~~يكون جديرا برضى الله ، وبالحصول على الموقع الرفيع في الدار الآخرة؟ # إن هذه الآيات تقدم لنا بعض ملامح تلك الشخصية والقيم الدينية التي ~~تحكمها في الحياة. # ( @QUR@07 فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ) الذي لا يملك ثباتا ~~ولا امتدادا بل هو مجرد حاجة طارئة لا تلبث أن تزول ، ولذلك كان من الضروري ~~أن لا يعتبر الناس متاع الدنيا أساسا لطموحاتهم في أقوالهم وأفعالهم ~~وعلاقاتهم ونظرتهم العامة إلى الحياة ، بل يتعاملون معه من موقعه الحقيقي ~~كشيء يتناوله الإنسان وهو في الطريق. # ( @QUR@07 وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ) من رضوانه ونعيمه ، فذلك ~~هو الشيء الثابت المستمر في خلود الموقع في الآخرة ، مما يفرض على الإنسان ~~أن يعده طموحه الكبير أو الوحيد الذي سعى إليه من وراء حركته المنفتحة على ~~الله وعلى الحياة ، من خلاله .. ولكن ليس شيئا ينال بالتمنيات ، بل لا بد ~~من الجهد الفكري والروحي والعملي الذي يبني على أساس مضمونه الذي يلتقي ~~بالحق شخصيته ، ويحرك من خلاله مشاريعه ، ويركز عليه علاقاته ، وهذا ما ~~أشارت إليه الفقرات الآتية : ( @QUR@03 وعلى ربهم يتوكلون ) فالإيمان ms4691 بالله ~~الواحد ، منهج يتسع لكل نشاطات الحياة وتطلعاتها وأوضاعها ، ويوجه نظرة ~~المؤمن إلى خط الاستقامة الذي يبدأ من الله وينتهي إليه ، بحيث لا يرى إلا ~~الله في كل وجوده .. فهو العنوان لكل علاقة ، وهو الوجه لكل عمل ، وهو ~~الأساس لكل PageV20P189 # مشروع ، وهو الأمل في كل مستقبل ، وهو الثقة المطلقة ، والأمان الشامل ، ~~في كل حالة اهتزاز ، أو موقع للخوف. من هنا فإن على المؤمن ، عند ما تزدحم ~~حوله المشاكل ، وتقف في وجهه العقبات وتشتد في آفاق حياته العواصف ، وتكثر ~~التهاويل ، وتطوف به الحيرة في كل موقف ، أن يتجه إلى الله ، بعد أن يحرك ~~كل الوسائل التي يملكها لتحقيق ما يريد من النتائج .. فيتوكل عليه ، ويسلم ~~أمره إليه ، ثقة بأنه الولي والمعين والحامي والمدافع عن عباده المؤمنين ضد ~~كل ما يختزنه المجهول من مخاوف وتهاويل. # وبذلك يؤكد الإخلاص في الإيمان كتوكل المؤمن على الله في شخصيته وحركته ~~الذي يمنحه الثقة بالمستقبل ، من خلال الثقة بالله. # ( @QUR@04 والذين يجتنبون كبائر الإثم ) وهي المعاصي الكبيرة التي توعد ~~الله مرتكبيها بالنار ، لأنها تمثل تمردا على الله ، وتؤدي إلى إفساد حياة ~~الناس الروحية والعملية ، في المواقع الاجتماعية والفردية ، الأمر الذي ~~يفرض على المؤمن أن يبتعد عنها ، ( @QUR@01 والفواحش ) وهي المعاصي التي ~~تتجاوز نتائجها السلبية على المجتمع الحد ، ويكثر إطلاق كلمة الفاحشة على ~~الزنى واللواط ونحوهما مما يدخل في باب الانحراف الجنسي عن الخط المستقيم ، ~~( @QUR@05 وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) ويتسامحون ويتجاوزون الحالة ~~الانفعالية التي تسيطر على مشاعرهم ، وتؤدي إلى توتر أعصابهم ، لأنهم لا ~~يعيشون غضبهم كمشاعر في التوترات الصعبة التي تتصلب فيها المواقف ، بل ~~كنافذة على العفو والمغفرة ، في ما يمكن أن ينفع الناس والحياة .. وقد ~~نلاحظ أن الآية تعالج القضية من ناحية المبدأ ، باعتبار أن المغفرة خلق ~~كريم من أخلاق الشخصية الإسلامية ، من دون الدخول في التفاصيل ، فلا مجال ~~للحديث عن التفصيل بين حقوق الإنسان الشخصية التي يجوز له التنازل عنها ~~وحقوق الله العامة التي لا يجوز للإمام تركها ، أو الحديث عن التنافي بينها ~~وبين الآية الآتية ms4692 التي تؤكد على الانتصار للبغي ، لأنه لا إطلاق لها في ~~هذه الجهات ، والله العالم. PageV20P190 # ( @QUR@03 والذين استجابوا لربهم ) في ما أمرهم به أو نهاهم عنه ، أو ~~وجههم إليه من مناهج الحياة ووسائلها ، فكانوا خاضعين له ، خاشعين لعظمته ، ~~مستسلمين له في عمق الإحساس بالعبودية المطلقة ، أمام الألوهية المطلقة. # * * * ### ||| ** الشورى في الإسلام # ( @QUR@02 وأقاموا الصلاة ) بما تمثله من إخلاص لله وانفتاح عليه ، ~~وإحساس بحضوره في وجدان الإنسان بحيث يخاطبه ويحادثه ويناجيه ، كما لو كان ~~يراه ، ( @QUR@03 وأمرهم شورى بينهم ) لا يستبد أحد برأيه ، بل يعتبر ~~التشاور مع الآخرين منهجا عمليا للوصول إلى الحقيقة في ما يصلح أمره وأمور ~~الحياة من حوله .. ولا يستبد الحاكم بقراره بل يعمل على الرجوع إلى أهل ~~الرأي والخبرة والأمانة ليستمع إلى آرائهم في كل أمر من الأمور العامة ، ~~ليزداد بصيرة في ذلك مما يجعل من احتمال الخطأ لديه احتمالا بعيدا ثم يكون ~~الرأي له. والشورى خط إسلامي يشمل كل مواقع الساحة الفكرية والعملية في ~~المجتمع الإسلامي ، بحيث يكون أمر المسلمين خاضعا للشورى التي تفتح أمامهم ~~آفاقا واسعة للتعرف على المصلحة والمفسدة من خلال الآراء المتنوعة التي ~~تقدمها حركة الصراع بين الأفكار وتصادم العقول ، والتلاقح بينها .. وقد ورد ~~في بعض الكلمات المأثورة «من شاور الرجال شاركها في عقولها». # ويمكننا استيحاء هذا المنهج في كل مواقع المسؤولية حتى في المواقع التي ~~لم يكن قرارها بيد الناس ، بل كان بيد الله ، كما في النبوة ، أو في ~~الإمامة ، في رأي الشيعة الإمامية ، فيما كان أمر التعيين بيد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله .. كما جاء في قوله تعالى في خطابه للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن ( @QUR@08 وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل ~~على الله ) [آل عمران : 159]. وقد كثرت الأحاديث عن الأئمة من أهل البيت في ~~التأكيد على الشورى وفي أن «من استبد برأيه هلك ، ومن شاور PageV20P191 # الرجال شاركها في عقولها» (1) وفي ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم «ما من ~~رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد». مما ms4693 يوحي بأن الشورى تمثل خط السلامة ~~في حركة المجتمع الإسلامي على مستوى القيادة والقاعدة. وفي ضوء ذلك قد ~~نستفيد من هذا النهج ، أن وجوب إطاعة أولي الأمر ، لا تمنع من توجيههم إلى ~~الأخذ بالشورى في إصدار قرارهم .. بل قد يمثل استبداد غير المعصوم في رأيه ~~، انحرافا عن الموقع الشرعي الذي يقف فيه ، ويكون كافيا لعزله ، عند ما ~~يتخذ قراراته بغير علم إذا لم يكن من أهل الخبرة في موضوع القرار ، أو إذا ~~لم تكن خبرته كافية للوصول إلى وضوح الرؤية فيه. # وربما كان للمتأمل في القرآن أن يستوحي من الآية ، أن الشورى هي القاعدة ~~في كل أمر من أمور المسلمين ، إلا إذا ثبت التعيين من دليل خاص ، لأن كلمة ~~( @QUR@01 وأمرهم ) وإن لم يكن لها عموم أو إطلاق ، في ما يناقش فيه البعض ~~، إلا أن ظهورها في العنوان الذي يمثل الوضع الإسلامي من ناحية المبدأ ، قد ~~يوحي بالعموم من هذه الجهة ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الإنفاق وروحية العطاء # ( @QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) لأن الإنفاق يمثل روحية العطاء التي ~~حولها الإسلام إلى عبادة في مواضع الحقوق الشرعية كالزكاة والخمس والصدقة ، ~~وأراد أن يكون الإتيان به بقصد القربة وهي عنوان العبادة في الصلاة والصوم والحج. # وإذا كان الإنفاق سمة المجتمع الإسلامي الإيماني ، فإن ذلك يوحي بتبنيه ~~مبدأ التكامل الاجتماعي ، الذي يجعل كل فرد من المجتمع مسئولا عن كفالة فرد ~~آخر في ما يحتاج إليه في حياته من موقع الحق ، لا من موقع PageV20P192 # التبرع .. إضافة إلى أن القيادة الإسلامية للمجتمع تقوم بتكفل كل ذوي ~~الحاجات الصعبة من موقع المسؤولية. وهو أمر تناولته النصوص الدينية التي ~~تحدثت عن مسألة الإنفاق في حياة الناس العامة. # وقد لا يقتصر الأمر على الإنفاق على المحرومين من الناس ، بل يمتد الأمر ~~إلى كل سبيل من سبل الله ، وكل طاعة من طاعاته مما تحتاجه الدعوة ، ويفرضه ~~الجهاد في سبيل الله. # * * * ### ||| ** عنوان الانتصار في الظلم # ( @QUR@04 والذين إذا أصابهم البغي ) من القوى الطاغية المستكبرة التي ~~تريد تحدي حريتهم ومصادرة قرارهم ، والسيطرة على مقدراتهم ، والضغط على ms4694 ~~أفكارهم ، ليصبحوا مجرد أتباع لها ، خاضعين لتعاليمها وأوامرها ونواهيها ، ~~فلا يملكون معها إرادة ، ولا يستطيعون الاستقلال في مصيرهم ( @QUR@02 هم ~~ينتصرون ) فلا يخلدون إلى الضعف ويجعلونه مبررا لانحرافهم وسقوطهم في أوحال ~~الذل ، بل يعملون على صناعة قوتهم وتحريكها لمواجهة الطغاة المستكبرين ، ~~ليهزموا قوتهم ، ويسقطوا كبرياءهم لتكون القوة للمؤمنين ، والضعف للكافرين ~~، وليكون الدين كله لله ، في ما يمثله موقف المتدينين من العزة والحرية ~~والقوة. # وقد يتصور البعض أن هناك نوعا من التنافي بين هذه الآية والآية السابقة ~~التي تتحدث عن المغفرة عند الغضب ، ولكن الظاهر أن تلك الآية تحدثت عن ~~الانفعال الذي لا يسيطر على المؤمن ، بل يترك مجالا للتفكير بالعفو الذي قد ~~يكون الموقف الصحيح الملائم للمصلحة. أما هذه الآية ، فتتحدث عن ساحة ~~الصراع التي يقف فيها المؤمنون أمام الباغين الذين يريدون إسقاط الساحة ~~الإيمانية تحت ضغط البغي الكافر أو الظالم ، مما يجعل من مسألة الانتصار ، ~~انتصارا لله ولرسوله وللإيمان .. لا حالة ذاتية تتصل بالمعنى الأخلاقي للسلوك PageV20P193 # الفردي ومن هنا كانت الآية في مورد تأكيد القوة في الموقف ، في ما توحي ~~به كلمة الانتصار من المعنى ، لتكون المسألة أن يأخذ الإنسان بأسباب القوة ~~التي تتوازن ، ولا تعتدي ، وتفكر ولا تنفعل ، وتحسب حسابات الحركة التي قد ~~تؤدي بها إلى أن يكون الموقف هو موقف العفو الذي يؤكد القوة لأنه يكون عفوا ~~عند المقدرة ، مما يجعل تأثيره على العدو في الانتصار المعنوي ، أكثر من ~~الأخذ بالانتصار بالقوة الجسدية القاهرة. # * * * ### ||| ** بين حق الانتصار للنفس والعفو # ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ) على أساس العدل الذي يقوم على ~~المعاملة بالمثل ، فلا يزيد حجم العقاب على حجم الجريمة ، فذلك هو المقدار ~~المسموح به .. ( @QUR@06 فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) فتنازل عن حقه من ~~موقع القدرة على أخذه ، انطلاقا من روحية التسامح في شخصيته ، وترفعا عن ~~الانتقام لنفسه وتقربا إلى الله بذلك ، وأصلح أمره في ما بينه وبين ربه في ~~ما يقصده من الانسجام مع خط الإصلاح المنفتح على خط الاستقامة في السلوك ، ~~فإن الله يعامله بالحسنى ويعطيه أجر ms4695 الصابرين العافين عن الناس ، وهو أجر ~~عظيم في حساب الله. # ( @QUR@04 إنه لا يحب الظالمين ) الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض ~~بغير الحق ، ولذلك أباح للمظلومين الانتصار عليهم ، وأوجب ذلك عليهم أحيانا ~~، لكنه لم يرخص لهم أن يأخذوا أكثر من حقهم لأنهم يتحولون بذلك إلى ظالمين ~~في تلك الزيادة ( @QUR@09 ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) ~~فلهم الحق بالانتصار لأنفسهم ، فإذا أخذوا حقهم لم يكن هناك أي وضع سلبي ~~ضدهم ، لأن العفو عن الظلم ليس أمرا إلزاميا ولكنه أمر راجع إلى صاحب الحق ~~، إن اختاره كان له الأجر عند الله لأن العفو يدل على السمو الروحي ~~والأخلاقي الذي تتمتع به شخصيته الدينية ، وإن اختار الانتصار لنفسه ، فلا PageV20P194 # إشكال عليه في ذلك لأنه قد أخذ بحقه ، حتى لو استخدم وسيلة محرمة في ~~ذاتها كالغيبة فإن حرمتها ترتفع بذلك. # ( @QUR@011 إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق ) فهؤلاء هم الذين يؤاخذهم الله بأفعالهم وأقوالهم الظالمة في ما يتصل ~~بإفساد حياة الناس ، وبما يحركونه فيها من قوانين الطغيان ووسائله وأوضاعه ~~.. وبما يثيرونه في وجدان الناس من تهاويل الخوف والقلق ، وبما يجترحونه ~~بحق الناس من قتل وجرح وتدمير ( @QUR@04 أولئك لهم عذاب أليم ) جزاء بما ~~كانوا يفعلون ، وإذا كان الله قد فرض عليهم العذاب في الآخرة فقد أراد من ~~عباده المؤمنين أن يواجهوهم بكل وسائل الرفض والقهر والإذلال ، أو يحاصروهم ~~بكل أدوات الحصار وأن يبتعدوا عنهم ، ولا يركنوا إلى كل مشاريعهم وأوضاعهم ~~وتوجيهاتهم ، والعمل على إزالة الظلم من الوجود ، وتدمير البغي في حياة ~~الناس ، بتدمير الظالمين في مواقع قوتهم ، بكل ما يملك المؤمنون من قوة. ~~وإذا كان الله قد أعطى الأجر من عنده للصابرين الغافرين لمن أساء إليهم في ~~مواضع العفو التي يرضاها الله ، مما لا يسيء إلى الرسالة والحياة ، فإنه قد ~~أكد من خلال ذلك القيمة الروحية التي تمثل عنصر قوة في الإنسان ، لا عنصر ~~ضعف ، كما قد يتصوره البعض من دلالات القوة ، في ممارسة رد الفعل ، ودلالات ~~الضعف في ms4696 الامتناع عنه .. وهذا هو قول الله تعالى : ( @QUR@08 ولمن صبر ~~وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) لأن ذلك ارتفاع بالموقف عن النوازع الذاتية ~~التي تحركها العوامل الغريزية .. عند ما يقف الإنسان ليواجه الضغط النفسي ~~القاسي المشبع بالألم وبطلب السيطرة على النفس ، فينتصر عليها بقوة الإرادة ~~الواعية ، وموقف الفكر القوي. # وهذا ما يريد القرآن أن يعمقه في وعي الفكر الأخلاقي في اعتبار الصبر ~~قيمة أخلاقية تتصل بالعزم والإرادة القوية .. مما يوحي بالمعنى الإيجابي ~~للحياة الإنسانية لا بالمعنى السلبي ، الأمر الذي يجعل الدعوة إلى الالتزام ~~به ، التزاما بالجانب القوي من حركة الإنسان في الحياة. # * * * PageV20P195 ### ||| * الآيات # ( @QUR@020 ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا ~~العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) @QUR@027 وتراهم يعرضون عليها ~~خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) ~~@QUR@016 وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له ~~من سبيل (46) @QUR@021 استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) @QUR@027 فإن أعرضوا فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ~~فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) @QUR@015 ~~لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) @QUR@011 أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه ~~عليم قدير ) (50) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نكير ): مصدر بمعنى الإنكار. # * * * PageV20P196 ### ||| ** الظالمون يوم القيامة # ( @QUR@09 ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ).. ويبقى الحديث عن ~~الذين سلكوا طريق الضلال ، بعد أن فتح الله لهم أبواب الهدى ، فلم يدخلوها ~~، فأضلهم الله ، بأن أسلمهم لما اختاروه من الضلالة عند ما التزموا بولاية ~~غيره ، وبعبادة الآلهة التي يزعمونها .. ورفع عنهم ولايته فضلوا سواء ~~الطريق وواجهوا الحقيقة التي تفرض سقوط ولاية كل شخص غير الله ، في النصرة ~~والرعاية ، ووقفوا ms4697 وجها لوجه أمام المصير الأسود في عذاب جهنم ( @QUR@05 ~~وترى الظالمين لما رأوا العذاب ) الذي ينتظرهم ليعيشوا الخلود معه ( ~~@QUR@06 يقولون هل إلى مرد من سبيل ) في تساؤل مرير يحاول أن ينفذ إلى بعض ~~الثغرات التي تفتح لهم مجالا للهروب .. وربما كان هذا التساؤل منطلقا من ~~حالتهم النفسية الضاغطة ، التي تطلب بعض التنفيس عن الضغط الداخلي ، في ما ~~يشبه التمنيات المستحيلة ، وهنا يبرز مشهد هؤلاء الذليل في رعبهم وفزعهم ~~وانسحاقهم وحيرتهم أمام المصير المحتوم ( @QUR@03 وتراهم يعرضون عليها ) أي ~~على النار ، فها هم في هذا الموقف يقفون في مقامهم لتستعرضهم النار ، من ~~دون حول وقوة ، لتأكلهم وتلتهمهم بعد ذلك ، تماما كما يقف المحكوم بالإعدام ~~أمام أدوات الموت ، فتتحول النار ، في جو الآية التعبيري ، إلى كائن حي قوي ~~يستعرض الظالمين في عملية تحديد للخيارات التي يتخذها ضدهم وهم لا يستطيعون ~~تحديد أي خيار للرد ( @QUR@03 خاشعين من الذل ) الذي يعيشون فيه الانسحاق ~~والسقوط أمام المصير المحتوم ، بدلا من أن يكونوا خاشعين لله من خلال ~~التزامهم بطاعته في الدنيا ، وفي موقفهم أمامه يوم القيامة حيث يكون الخشوع ~~الروحي انفتاحا على ما ينتظرهم من رضوانه ونعيمه الدائم في جنته ، ( ~~@QUR@04 ينظرون من طرف خفي ) لا يملكون فتح عيونهم ليحدقوا بها بنظرة واسعة ~~مملوءة بالمشهد الذي يواجههم ، لأنهم لا يطيقون تصور ما توحي به من رعب ~~وفزع ، فيسترقون النظر استراقا حبا بمعرفة ما فيها ، ويغضون الطرف هربا منه ~~ولو بعض الشيء. # * * * PageV20P197 ### ||| ** خسارة المصير # .. وهنا يقف المؤمنون في مواجهة هؤلاء الظالمين في نظرة تقييمية لموازين ~~الخسارة التي كان يدعي هؤلاء في الدنيا أنها لصالحهم ، فالمؤمنون في نظرهم ~~أي الكافرين كانوا قد خسروا فرص التمتع بالملذات والشهوات التي ربحوها عند ~~ما كانوا يمسكون بزمام الدنيا بكل أوضاعها الحسية. # ( @QUR@011 وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ) عند ما فقدوا كل شيء ، حتى راحة الموت ، التي هي راحة سلبية ، ~~وواجهوا الخلود في عذاب جهنم التي لا يذوقون فيها إلا ما خبث من الطعام ~~والشراب ، ويتحملون فيها أشد ألوان العقاب ms4698 .. فلا مجال لأية راحة أو لذة أو ~~شهوة أو جاه أو ما إلى ذلك مما يستمتع به الناس في الجانب المادي والمعنوي ~~من الحياة ، بل الأمر في ذلك على العكس .. وتلك هي خسارة المصير التي لا ~~مجال فيها لأي تعويض مستقبلي بأي ربح جديد ، بينما تمثل خسارة الدنيا في ~~مقابل ربح الآخرة حالة طارئة من حالات الخسارة التي لا تمثل شيئا أمام ما ~~ينتظر الإنسان من الربح .. وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفكر فيه عند ما يريد ~~أن يدخل في حسابات الربح والخسارة فلا يفكر بالربح الطارئ الزائل ، ليوجه ~~طموحاته نحوه ، ولا يفكر بالخسارة المحدودة ليسقط أمامها في مواقفه ، بل ~~يفكر بالربح الدائم كطموح كبير ، ويحذر من الخسارة الدائمة كمشكلة كبيرة .. ~~وذلك في نظر المؤمن هو ربح الآخرة وخسارتها .. ولا سيما إذا كانت المسألة ~~لا تختص به وحده بل تشمل أهله الذين يعيش كل مشاكل الحياة ومتاعبها ~~وتضحياتها من أجلهم .. مما يجعل خسارتهم خسارة مضاعفة بالنسبة إليه عند ما ~~تضاف إلى خسارة نفسه ، ( @QUR@06 ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) فذلك هو ~~نهاية المطاف ومصير الكافرين الظالمين في الحياة ( @QUR@09 وما كان لهم من ~~أولياء ينصرونهم من دون الله ) لأنه لا ولي غير الله في ما تعنيه كلمة ~~الولاية الفعلية من القدرة على النصرة من موقع القوة الواسعة الشاملة التي ~~تتيح للولي أن يحقق ما PageV20P198 # يريده من نصرة مواليه ، فالله هو وحده ، الذي يملك القوة المطلقة ، فلا ~~قوة إلا له ، ولا قوة لأحد إلا منه ( @QUR@03 ومن يضلل الله ) فيتركه لنفسه ~~، بعد اختياره للكفر والضلال ، ويهمل أمره فلا يمنحه الهداية بعد ذلك ( ~~@QUR@04 فما له من سبيل ) إلى السعادة التي يسهل الله الطريق إليها من خلال ~~هدايته ، في فطرة الإنسان ووجدانه ، وفي وحيه الذي أنزله إليه ليخرجه من ~~الظلمات إلى النور ، وفي ألطافه التي يفيض بها عليه. # * * * ### ||| ** لا مهرب من الله # ( @QUR@010 استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ) هذا هو الخط ~~الإلهي الحاسم الذي يدعو الله فيه عباده ليستجيبوا لدعوته في ms4699 الأخذ بوحيه ~~كمنهج لهم في الحياة ، وكدستور لما يفعلونه أو لما يتركونه ، مما يصلح ~~حياتهم أو يفسدها ، وليتبعوا رسله في تحريك الموقف في تنظيم شؤونهم العامة ~~والخاصة ، وتتحرك الدعوة لتطلب منهم الإسراع قبل فوات الأوان عند ما يأتي ~~يوم القيامة الذي لا مجال لرده ، لأنه آت لا ريب فيه. # ( @QUR@05 ما لكم من ملجإ يومئذ ) فلا مهرب من الله ، ولا ملاذ يمكنكم ~~اللجوء إليه لأن الكون كله له ، ولا حجة يمكن أن تخلصكم من العذاب ، لأنكم ~~لا تملكون أي مبرر لعدم الاستجابة لدعوة الله. ( @QUR@04 وما لكم من نكير ) ~~في ما تحاولون فيه إنكار ما قدمت أيديكم من أعمال ، لأن الأمر واضح لا ريب فيه. # ( @QUR@02 فإن أعرضوا ) ولم يستجيبوا لنداء الله من خلال النداء الذي ~~توجهه إليهم ، ( @QUR@04 فما أرسلناك عليهم حفيظا ) فلست مسئولا عن ذلك ~~بطريقة ضاغطة فوق العادة ، لأن دورك الرسالي هو التبليغ بكل الأساليب التي ~~تقودهم إلى الاقتناع بالإيمان ، إذا أقبلوا على الدعوة بعقولهم وقلوبهم. # ( @QUR@04 إن عليك إلا البلاغ ) فهذا هو الدور الذي ينبغي للأنبياء أن ~~يقوموا به ، PageV20P199 # فإذا أدوه قاموا بواجبهم الطبيعي الذي أوكل الله إليهم أمره. # * * * # ( @QUR@03 فإن الإنسان كفور ) # ( @QUR@06 وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ) في ما نرزقه من صحة وبنين ~~وقوة وغير ذلك من النعم ، فإن رد فعله هو الاستغراق في النعمة ، والانشغال ~~بها عن التفكير في الله المنعم الذي أغدقها عليه ، فإذا جاءته نعمة ( ~~@QUR@02 فرح بها ) فرح البطر والزهو والخيلاء. ( @QUR@03 وإن تصبهم سيئة ) ~~في ما يعرض عليهم من أصناف البلاء كالمرض والخوف والجوع والفقر ونحو ذلك ، ~~( @QUR@03 بما قدمت أيديهم ) من الأعمال السيئة التي تفسد البلاد والعباد ، ~~وتؤدي إلى النتائج السلبية ، على أساس السنن الحتمية التي أودعها الله في ~~الكون في علاقة المسببات بأسبابها ( @QUR@03 فإن الإنسان كفور ) ينسى نعمة ~~الله ، فلا يذكر فضله عليه في الماضي ، ويستغرق في إحساسه بالألم ويبدأ ~~بالشكوى والتمرد ويغفل عن طبيعة الصلة بين عمله والبلاء ، ليعرف أن خلاصه ~~بيده والرجوع إلى الله ، والتراجع عن موقع الخطأ. # ( @QUR@04 لله ملك السماوات والأرض ) يخلق ما ms4700 يشاء ، فلا بد للناس من أن ~~يرجعوا إليه في ما يحبون وفي ما يشتهون ، لأن الأمر كله له لارتباط كل شيء ~~بمشيئته وإرادته. # ( @QUR@08 يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ) فهو الذي يحرك ~~التنوع من خلال حكمته في حركة الحياة الإنسانية في الأرض ، ( @QUR@04 أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ) بحيث يجمع الذكور والإناث لبعضهم ، ( @QUR@04 ويجعل ~~من يشاء عقيما ) لا يولد له ولد من كلا الصنفين. ( @QUR@03 إنه عليم قدير ) ~~يعلم ما يصلح خلقه ، ويقدر على أن يبدع الأشياء طوع إرادته. # * * * PageV20P200 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) @QUR@027 وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) @QUR@015 صراط الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) (53) # * * * ### ||| ** كيفية تكليم الله للبشر # كيف يكلم الله البشر ، هل كما يكلم البشر بعضهم بعضا ، أم بأسلوب يختلف ~~عن ذلك؟ # إن الآية تحدثنا عن وسائل ثلاث يوصل بها الله ما يريد من معان يريد للناس ~~أن يعوها في ذواتهم ، أو أن يبلغوها للآخرين منهم .. # .. وإذا كنا نتحدث عن كلامه ، فإننا لا نتحدث عن أصوات تصدر عنه PageV20P201 # كما تصدر عن خلقه ، لأن ذلك من شؤون التجسيم الذي لا نقول به ، بل الظاهر ~~أن الله يخلق الكلام كما يخلق العباد ، ليعبر به عن المضمون الفكري والعملي ~~الذي يلتزمه الناس في حياتهم. # ( @QUR@06 وما كان لبشر أن يكلمه الله ) بطريقة المواجهة المباشرة ، لأن ~~الرؤية التي تفرضها تلك الطريقة غير ممكنة ، ولكن هناك طريقة أخرى لا يكون ~~الكلام فيها ( @QUR@02 إلا وحيا ) عبر ما يوحي به إلى الناس بشكل مباشر مما ~~يلقيه في نفوسهم ويثيره في وجدانهم مما يشبه الإلهام الروحي والفكري ~~والشعوري ، ( @QUR@04 أو من وراء حجاب ) في ما يصدره الله من كلام يلقيه ~~إلى بعض عباده الذين يقفون في موقع من الأرض ولا ms4701 يرون المتكلم لوجود حجاب ~~معنوي يفصلهم عنه ، ويمنعهم من رؤيته ، على نحو الحجاب الذاتي ، كما في ~~كلام الله لموسى عليه السلام في الطور الذي عبر عنه الله بقوله : ( @QUR@012 ~~فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ) ~~[القصص : 30] ولعل اختصاص موسى عليه السلام بصفة كليم الله ، كما حدثنا الله ~~: ( @QUR@04 وكلم الله موسى تكليما ) [النساء : 164] ناشئ من أنه الوحيد ~~الذي حدثه الله بشكل مباشر بهذه الطريقة. # وقيل : إنه من هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم ، وهو غير ~~واضح من خلال استعمال كلمة الوحي بالإلهام في القرآن في الإيحاء إلى النحل ~~ونحوها ، وليس من الواضح أن ما يأتي في المنام هو من هذا القبيل بل الوارد ~~في ذلك أن ما يأتيه آت من ملك أو غيره ليحدث كما ورد في ما يأخذ رسول الله ~~من السبات إذا أتاه جبريل في النوم .. # ( @QUR@03 أو يرسل رسولا ) من الملائكة فيبلغ النبي وحي الله في رسالته ، ~~وربما كان المراد من الرسول هو النبي ، بلحاظ إطلاق هذه الكلمة عليه في ~~القرآن ، وعدم إطلاقها على الملائكة ، ويكون مثل هذا تكليما للبشر باعتبار ~~أنه يتضمن خطابا لهم ، وحديثا معهم ، بشكل غير مباشر ، في ما يريد أن يلقيه ~~إليهم من PageV20P202 # أوامر ونواه وتعاليم ، وبذلك يكون المراد من الوحي ، ما يحصل بالإلهام أو ~~بواسطة الملائكة لكثرة إطلاقه في القرآن على ذلك ، ولكن قد ينافي في ذلك ما ~~جاء في الفقرة التالية : ( @QUR@04 فيوحي بإذنه ما يشاء ) حيث يتحمل الرسول ~~مسألة الوحي ، بينما يتحمل النبي مسألة التبليغ ، لأن دوره هو دور التلقي للوحي. # ( @QUR@03 إنه علي حكيم ) فهو الذي لا يقترب إليه أحد في علوه ، فلا ~~اختيار لأي مخلوق في أي شأن من شؤون الله من تكليم وغيره إلا بإذنه ، وهو ~~الذي يرعى عباده بحكمته في ما يخطط لهم ، وفي ما ينزله عليهم ، ما يكلفهم به. # * * * ### ||| ** ما الروح؟ # ( @QUR@03 وكذلك أوحينا إليك ) أي من خلال ما يريد الله أن يكلمك به ، في ~~ما يلقي إليك من كلامه ، كان الوحي هو ms4702 السبيل إلى ذلك ( @QUR@03 روحا من ~~أمرنا )، والظاهر أن المراد منه القرآن الذي أوحى به الله إليه باعتبار ~~أنه يمثل الروح المعنوية التي يبدعها الله من أمره وإرادته ، فهو الفكر ~~الذي يعطي للمجتمع حياته ، وللحياة العامة والنظام المتوازن لحياة الناس ، ~~حيويتهما. # وهناك أقوال أخرى في تفسير هذه الكلمة «الروح من أمره». فقد قيل : إن ~~المراد بالروح جبريل ، فإن الله سماه روحا قال : ( @QUR@06 نزل به الروح ~~الأمين* على قلبك ) [الشعراء: 193 194] وقال : ( @QUR@06 قل نزله روح القدس ~~من ربك ) [النحل : 102]. # وقيل : المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على ~~الأنبياء كما قال تعالى : ( @QUR@012 ينزل الملائكة بالروح من أمره على من ~~يشاء من عباده أن أنذروا ) [النحل : 2] ولكن ذلك يقتضي أن يكون الإيحاء ~~بمعنى الإنزال والإرسال ، وهو غير ظاهر. # * * * PageV20P203 ### ||| ** المعرفة النبوية رسالة إلهية # ( @QUR@07 ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) فلم تكن لديك أية معرفة ~~ذاتية بالكتاب الذي أنزله الله على رسله من التوراة والإنجيل ، وغيرهما حتى ~~عرفك الله منه ما أراد لك أن تعرفه ، أو بالقرآن الذي أرسلك الله به حتى ~~أنزله عليك ، ولم يكن لديك أية ثقافة شخصية في حدود الإيمان وشرائعه وحركته ~~وما يتعلق به ، حتى جاءك الوحي ليحدد لك كل ذلك ، في وعي تفصيلي كامل .. ~~وهذا ما يؤكد لنا أن المعرفة النبوية لم تكن مخلوقة مع النبي في ذاته ، بل ~~هي شيء مكتسب من الله منفصل عن عملية خلقه ، وعن بداية نبوته ، وليس معنى ~~ذلك أنه لا يملك المعرفة الواعية من خلال تأملاته وتجاربه وألطاف الله التي ~~تحيط به ، بل إن معنى ذلك ، هو التكامل التدريجي في شخصيته الروحية ~~والفكرية ، بالمستوى الذي لا يبتعد فيه عن معنى العصمة .. وهذا ما نستوحيه ~~من أكثر من آية من القرآن ، وتلك هي عظمة النبوة في النبي ، حيث فتحت له ~~آفاقا واسعة لم يكن له عهد بها ، لو لم يعهدها الناس فيه ، مما يدل على أن ~~المسألة لم تكن حالة ذاتية ، بل كانت شأنا رساليا إلهيا. # * * * ### ||| ** الوحي نور إلهي # ( @QUR@09 ولكن جعلناه نورا ms4703 نهدي به من نشاء من عبادنا ) فليس الوحي ~~رسالة موجهة إلى النبي ليهتدي بها ، بل هي نور يضيء طريق الناس الذين ~~يفتحون عقولهم وقلوبهم للهداية ، فيمن أراد الله له أن يهتدي بالوسائل ~~الطبيعية للهداية ، تماما كما هو النور الذي لا يختص بحامله ، بل يضيء ~~الطريق لكل من يسير مع صاحبه ذاك على الطريق ، وبذلك كان النبي هاديا ~~بواسطة هذا الوحي الذي أنزله الله في قرآنه ، في ما يشرق من نوره الفكري ~~والروحي في حياة الناس ( @QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) لا عوج فيه ~~ولا التواء ، لأنه يمثل الخط الذي PageV20P204 # يربط البداية التي ينطلق فيها الناس في وجودهم وإيمانهم من الله ، ~~بالنهاية التي يرجع فيها الناس إليه في مواقع المسؤولية ، ( @QUR@010 صراط ~~الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) في ما يمثله ذلك من العلم بكل ~~ما يصلح الكون ويفسده ، في جميع موجوداته ، ومن السيطرة عليه ، بما يجعل ~~الناس في ثقة لسلامة الخط من جهة ، وفي انقياد للألوهية المطلقة القادرة من ~~جهة أخرى ، وهذا هو الصراط الذي لا بد لهم من الالتزام به والسير عليه ، ~~لأن أي خط منحرف عنه لا بد من أن يؤدي إلى الهلاك ، باعتباره خاضعا للفكر ~~الذي يختلف عما يريده الله في وحيه من الفكر ، وللوسائل والأهداف التي لا ~~تتفق مع وسائل الرسالة وأهدافها. # وإذا كان الإنسان يتحرك في الحياة على أساس النتائج المستقبلية التي يصل ~~إليها على مستوى المصير ، والتي تحكم حركته فإن عليه أن يعرف الحقيقة ~~الإيمانية ، التي تحكم وجود الإنسان في دنياه وآخرته ، وهي حقيقة تقررها ~~الفقرة التالية : ( @QUR@04 إلى الله تصير الأمور ) فيلتقي الجميع عنده ، ~~بكل خطوطهم الفكرية والعملية ، ليقفوا بين يديه ، وليحدد لهم مصيرهم من ~~خلال ذلك كله ، إما إلى جنة ، وإما إلى نار. # * * * PageV20P205 ### | سورة الزخرف ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع وثمانون PageV20P207 ### ||| ** في أجواء السورة وتسميتها # في هذه السورة جولة في تاريخ الكفر الذي يتحرك من خلال بعض العقائد ~~الكافرة والضالة التي يواجه الناس فيها الفكر الديني الذي جاء به الأنبياء ~~من عند الله ms4704 ، من دون أن يكون لهم على التزامهم الفكري والعملي ذاك أية حجة ~~، فإذا حاورهم الأنبياء من خلال منطق عقلي سليم ، لم يلتفتوا إليهم بل ~~وقفوا منهم موقف التحدي الذي يرفض استماع كلمات الفكر والوحي أو التفكير ~~بها ، لأن المهم بالنسبة لهم الثبات على مواقفهم التقليدية ، بقطع النظر عن ~~القاعدة الفكرية التي ترتكز عليها ، أو تتحرك من خلالها لأنهم لم يكونوا في ~~أجواء التفكير هذا ، مع إطلالة على تاريخ حركة الأنبياء ، مع ذكر بعض ~~النماذج الرسالية الحية منهم التي عاشت الحركية ، في خط الدعوة والمواجهة ، ~~في أكثر من موقع ، كإبراهيم عليه السلام الذي يمثل النبي المتعدد الآفاق ~~والمواقع والمواقف في خط الرسالة ، وموسى عليه السلام ، الذي بدأ تاريخه في ~~مواقع الصراع منذ ولادته حتى نبوته ، وبعدها ، ما يجعل من دراسة تاريخ هذين ~~النبيين ، أساسا لبناء حركية العمل الإسلامي على أساس القوة في الموقف ، ~~والحكمة في الأسلوب ، والواقعية في النظرة إلى الصراع. # وقد جاء الحديث عن عيسى ابن مريم عليه السلام كنموذج رسالي آخر PageV20P209 # أحدثت دعوته التوحيدية إلى الله اختلافا وردود فعل .. وينطلق في كل ~~الأجواء الحديث عن إنذار الكافرين في حاضر الدعوة ومستقبلها ، بما أنذر به ~~أسلافهم في ماضي الدعوة .. مع إطلالة على الآخرة ونتائج عمل الكافرين في ~~نار جهنم ، إلى جانب نتائج عمل المؤمنين في نعيم الجنة. # وقد سميت السورة باسم الزخرف ، لاستخدامها كلمة الزخرف في معرض الحديث ~~عما يمكن أن يمنح الله الكافرين من ثراء الدنيا وزخارفها في بيوتهم ~~وأوضاعهم ، لتأثير ذلك على الواقع الفكري والعملي الذي أراد الله له أن ~~يتحرك في خط التنوع ، وذلك لتوجيه القارئ إلى هذه النقطة المهمة ، كعنوان ~~للمسألة الفكرية التي تتعلق بتنظيم الله للحياة. # * * * PageV20P210 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@02 والكتاب المبين (2) @QUR@06 إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون (3) @QUR@07 وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) ~~@QUR@08 أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) @QUR@06 وكم ~~أرسلنا من نبي في الأولين (6) @QUR@08 وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزؤن (7) @QUR@07 فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل ms4705 الأولين ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أفنضرب عنكم ): أنعرض عنكم ونترككم. # ( @QUR@01 صفحا ): إعراضا. # ( @QUR@01 مسرفين ): متجاوزين الحد. # * * * PageV20P211 ### ||| ** وإنه في أم الكتاب لعلي حكيم # ( @QUR@01 حم ) من الحروف المقطعة التي ألمحنا إلى الحديث عنها في سورة ~~البقرة ، والشورى .. # ( @QUR@02 والكتاب المبين ) قد يكون هذا قسما بالكتاب الواضح في مفاهيمه ~~وأحكامه ووصاياه ، وما يمثله من أهمية كبري باعتباره كلام الله الذي أريد ~~له أن يخطط للحياة على أساس الحق والعدل في دائرة التوحيد الإلهي ، وحركة ~~الرسالة. # ( @QUR@04 إنا جعلناه قرآنا عربيا ) باللغة التي تتكلمون بها وتفهمونها ، ~~فلا يبقى أمامكم إلا أن تفكروا بمضمونه لتعرفوا حقائق العقيدة والحياة ، ~~ولتصلوا ، بذلك ، إلى القناعات الرسالية ، فلا يكون لكم حجة في ما تنكرون ، ~~أو في ما تنحرفون وتجادلون ، ( @QUR@02 لعلكم تعقلون ) فإن الله قد جعله ~~لكم وسيلة للرجوع إلى العقل في التفكير والحوار ، وللوقوف عند قواعد العقل ~~وموازينه. # وقد ذكر صاحب الميزان في تفسير ذلك معنى آخر فقال : ( @QUR@02 لعلكم ~~تعقلون ) «غاية الجعل (1) وغرضه ، وجعل رجاء تعقله غاية للجعل المذكور يشهد ~~بأن له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس ، ومن شأن العقل أن ~~ينال كل أمر فكري ، وإن بلغ من اللطافة والدقة ما بلغ ، فمفاد الآية : أن ~~الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمر وراء الفكر أجنبي عن العقول البشرية ~~، وإنما جعله الله قرآنا عربيا وألبسه هذا اللباس رجاء أن تستأنس به عقول ~~الناس فيعقلوه ، والرجاء في كلامه تعالى قائم بالمقام أو المخاطب دون ~~المتكلم كما تقدم غير مرة» (2). # ولكن التأمل في هذه الآية لا يدل على ما ذكره ، بل الظاهر منها أن الله PageV20P212 # قد أنزله كتابا عربيا بلغتكم لتفهموه وتعقلوه ، كما يفهم أهل كل لغة ~~الكلام النازل عليهم بهذه اللغة باعتبار وضوح اللغة الذي يمنح الإنسان ~~وضوحا في المطلب ، والله العالم. # ( @QUR@07 وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) الظاهر أن المراد بأم ~~الكتاب في ما يذكره المفسرون اللوح المحفوظ ، وأن علوه في علو المنزلة التي ~~يمكن أن يصل إليها الإنسان من خلاله ، أو في علو الفكر الذي يرتفع بالتصور ~~الإنساني لحقائق ms4706 العقيدة والحياة إلى المرتبة العليا ، أو في علو البلاغة ، ~~كما يذكره البعض. # وقد اعتبر صاحب الميزان ، العلو بمعنى «أنه رفيع القدر والمنزلة من أن ~~تناله العقول» (1) ولكن الظاهر أن الحديث عنه ، بلحاظ جانب السمو في معناه ~~وفي أسلوبه للدلالة على أن الله يريد للإنسان العلو من خلاله ، لأنه لا ~~معنى لأن ينزل الله كتابا لا يتعقل الناس حقيقته ومعناه. «بحيث يمكن أن ~~تكون النسبة بين ما عندنا وما في أم الكتاب نسبة المثل والممثل ، فالمثل هو ~~الممثل بعينه لكن الممثل له لا يفقه إلا المثل» (2) كما يقول صاحب الميزان ~~، إذ ليس هنالك حكمة من ذلك بالنسبة إلى طبيعة الكتاب .. وربما كان معنى ( ~~@QUR@07 وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) هو وصف القرآن هناك بهاتين ~~الصفتين ، أما الحكمة فيه ، فاشتماله على المضمون الذي يحقق للناس التوازن ~~في حياتهم ويساعدهم على وضع الأشياء في مواضعها ، فيتصورون القضايا في ~~موازينها ، ليملكوا بذلك البصيرة الكاملة في الأمور المتعلقة بقضايا الفكر ~~والحياة. # * * * PageV20P213 ### ||| ** الذكر حجة على العباد # ( @QUR@08 أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) أي هل نهملكم ~~فلا توجه إليكم القرآن إعراضا عنكم ، لأنكم أسرفتم وتجاوزتم الحد في الكفر ~~والضلال ، وقد جاء السؤال على سبيل الإنكار ، فإن الله لا يهمل عباده ، بل ~~يقيم عليهم الحجة التي تفتح قلوبهم على الحق ، ويقرب إليهم كل وسائله ، ~~ويقودهم إلى هداه. # ( @QUR@06 وكم أرسلنا من نبي في الأولين ) الذين أسرفوا في كفرهم ، كما ~~أسرفتم ، وضلوا كما ضللتم ، لنفتح لهم النوافذ على حقائق العقيدة والحياة ~~وعلى المنهج الأمثل. # ( @QUR@08 وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن ) فلا يواجهونه ~~بالتفكير بما جاء به وبإرادة الحوار حوله ، كما يفعل العقلاء الواعون ~~المنفتحون على آفاق الحقيقة ، بل يواجهونهم بالسخرية والاستهزاء كما يفعل ~~العابثون. # ( @QUR@04 فأهلكنا أشد منهم بطشا ) فلم تمنعنا قوتهم وبطشهم بالآخرين ~~وسيطرتهم على من حولهم من إهلاكهم وإنزال العذاب بهم ( @QUR@03 ومضى مثل ~~الأولين ) في ما نريد إثارته ليكون نموذجا للأمم القادمة التي تتحرك في ~~أجواء الإسراف العقيدي والعملي .. # وهذا ما دأب القرآن على ms4707 إثارته في القصص لدى حديثه عن الكافرين السابقين. # * * * PageV20P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم (9) @QUR@011 الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون (10) @QUR@012 والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا ~~كذلك تخرجون (11) @QUR@011 والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون (12) @QUR@020 لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) ~~@QUR@04 وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مهدا ): فراشا. # ( @QUR@01 بقدر ): بمقدار. # ( @QUR@01 فأنشرنا ): فأحيينا. # ( @QUR@01 الأزواج ): الأصناف. PageV20P215 # ( @QUR@01 لتستووا ): لتستقروا. # ( @QUR@01 سخر ): ذلل. # ( @QUR@01 مقرنين ): مطيقين. # ( @QUR@01 لمنقلبون ): راجعون. # * * * ### ||| ** الله الخالق للسماوات والأرض # ( @QUR@06 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) عند ما تفاجئهم بالسؤال ~~الذي يخاطب وجدانهم الفطري ، هل يمكن أن يؤمنوا بأن هذه الآلهة التي يدعون ~~خلقت السماوات والأرض؟ يجيبون أنهم لا يؤمنون بذلك ، بل كل ما هناك أنهم ~~يرون لهذه الآلهة دورا معينا في عمق ما يتمثل في داخلها من سر. # ( @QUR@04 ليقولن خلقهن العزيز العليم ) الذي يملك العزة المطلقة من خلال ~~قوته المطلقة ، كما يملك بعلمه الإحاطة بكل مفردات الكون المتمثل بالسموات ~~والأرض في دقائقه وأسراره. # ( @QUR@05 الذي جعل لكم الأرض مهدا ) تستقرون فيها وترتاحون تماما ، كما ~~يرتاح الإنسان في المهد. أو تمهيدا يمثل الإعداد التكويني للاستقرار. # ( @QUR@04 وجعل لكم فيها سبلا ) وطرقا تسلكونها إلى مقاصدكم ، فلم يغلقها ~~عنكم في سهولها وجبالها ، بل فتح لكم فيها المنافذ التي تؤدي بكم إلى ~~الوصول إلى مواقع الحياة فيها ، ( @QUR@02 لعلكم تهتدون ) إلى معرفة عظمة ~~الله ونعمته ورحمته من خلال ذلك. # ( @QUR@06 والذي نزل من السماء ماء بقدر ) محدود متوازن بحسب ما يحتاجه ~~الناس والحيوانات والنبات وغير ذلك من الماء ، في ما تختزنه الأرض ، أو PageV20P216 # يجري عليها ، أو يتجمع في سطحها ، تبعا للنظام الكوني المبني على الحكمة ~~في ذلك. # ( @QUR@04 فأنشرنا به بلدة ميتا ) أي أحييناها فاهتزت بالخضرة التي تجسد ~~حركة النمو والحياة. ( @QUR@02 كذلك تخرجون ) من الأجداث لتواجهوا الحياة ~~المتجددة في الدار الآخرة ، فإن الحياة هي الحياة ، في الإنسان والنبات على ms4708 ~~حد سواء ، والقدرة هي القدرة عند الله ، فإذا رأيتم الميت من الأرض يحيا ~~عند ما ينزل عليه الماء بقدرة الله ، ففكروا أن الإنسان يحيا بعد الموت ~~بقدرته سبحانه فكيف تنكرون المعاد بعد ذلك. # ( @QUR@04 والذي خلق الأزواج كلها ) من الموجودات الحية والنامية ~~والجامدة ، في ما يمثله قانون الزوجية من شمول للوجود كله ، أو في ما يتمثل ~~فيه من تنوع لا يجعل الحياة شكلا واحدا ليحصل من ذلك التجدد والاستمرار ~~للحياة. # ( @QUR@07 وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) فيسهل لكم التواصل بين ~~مناطق البر والبحر ويخفف عنكم عناء السير في المسافات الشاسعة ، والطرق ~~الوعرة التي تثقل الجسد وتنهكه. # ( @QUR@010 لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) ~~كما يفعل المؤمن الذي يرى الله في كل شيء ويتطلع إليه في مواقع النعمة ~~ليعرف فضله عليه ، كما يتطلع إليه في مواقع العظمة ، ليعرف مدى قدرته ، ~~يبقى وعيه للحياة ، منفتحا على الله في عملية تجدد متحرك ، في ما يراه أو ~~يسمعه أو ينتفع به من مفردات النعم المتوافرة في الأرض ، ويعبر عن إحساسه ~~بنعمة الله وعظمته ، ليكون التعبير مظهرا من مظاهر تأكيد الانسجام بين ~~الإيمان والكلمة في روحية تفرز صلة الإنسان الروحية بالله وتقوي إيمانه. # * * * PageV20P217 ### ||| ** تسبيح الله على نعمه # ( @QUR@06 وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ) في تسبيح يعبر عن الإحساس ~~بالعظمة والنعمة ، ليعطي للممارسة الحياتية معنى روحيا بالإضافة إلى ما ~~تمثله من معنى مادي. ( @QUR@04 وما كنا له مقرنين ) لأننا لا نملك أية طاقة ~~ذاتية تتيح لنا تنظيم حياتنا وتسهيلها بالوسائل الحية أو الجامدة التي ~~تتوقف عليها حركة الحياة ، والله وحده هو الذي يعطي الطاقة للإنسان في كل ~~وجوده وفي كل مفردات حياته. # ( @QUR@04 وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) فمنه البداية ، وإليه الانتهاء نقف ~~بين يديه لنواجه الحساب كله على أعمالنا كلها ، وعلى حياتنا كلها ، فليس ~~عندنا شيء إلا منه ، وذلك هو خط التربية الإسلامية الذي يريد أن يربط ~~الإنسان بالله ، فيتحسس في أعماقه علاقته به ، بالمستوى الذي يشعر فيه بأن ~~كل شيء منه ، فلا حقيقة إلا ms4709 وجوده ، ولا قدرة لأحد إلا من خلال قدرته ، مما ~~يفرض على كل إنسان أن يذكر ذلك في وعيه وعلى لسانه. # * * * PageV20P218 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) @QUR@07 ~~أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) @QUR@012 وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) @QUR@09 أومن ينشؤا في الحلية ~~وهو في الخصام غير مبين (18) @QUR@012 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون (19) @QUR@015 وقالوا لو ~~شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) @QUR@08 ~~أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) @QUR@011 بل قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) @QUR@021 وكذلك ما ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون (23) @QUR@014 قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) @QUR@07 فانتقمنا منهم فانظر ~~كيف كان عاقبة المكذبين ) (25) # * * * PageV20P219 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأصفاكم ): أخلصكم. # ( @QUR@01 مثلا ): المثل هو الشبه المجانس للشيء. # ( @QUR@01 كظيم ): مملوء كربا وغيظا. # ( @QUR@01 ينشؤا ): يتربى. # ( @QUR@01 الحلية ): زينة الأنثى. # ( @QUR@01 الخصام ): المخاصمة والمحاجة. # ( @QUR@01 أشهدوا ): أحضروا. # ( @QUR@01 يخرصون ): يكذبون. # ( @QUR@02 على أمة ): الطريقة التي تؤم وتقصد. # * * * ### ||| ** نسبة الإناث إلى الله # هذه هي بعض الأفكار التي كان الجاهليون المتخلفون يثيرونها في عقائدهم ~~وتصوراتهم عن الله ، وفي منهجهم الذي يركزون عليه انتماءهم العقيدي في ~~حياتهم ، مع الالتفات إلى الأفكار الرسالية التي تواجه ذلك كله. # ( @QUR@05 وجعلوا له من عباده جزءا ) أي ولدا باعتبار أن الولد جزء منفصل ~~عن والده بطريقة التوالد المعروفة. # ( @QUR@04 إن الإنسان لكفور مبين ) فهو يكفر بالحقيقة الإلهية التي لا ~~يمكن أن تقبل التجزؤ كي ينفصل جزء من الله ليكون ولدا له ، والحقيقة ~~الإلهية تمثل PageV20P220 # البساطة بكل معانيها والوحدة بكل أبعادها ، والغنى بكل مجالاته ، ولكن ~~سيطرة التخلف على العقل توحي له بتصورات لا أساس فكريا لها عند ما يقيس ~~الله بخلقه وينسب إليه ما ينسب إليهم. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل نسبوا إلى الله البنات ، فقالوا إن ms4710 ~~الملائكة بنات الله ، بينما يرون للبنين قيمة وميزة وشرفا لا يرونه للبنات ~~، فكيف اتفق لهم من خلال مفهومهم هذا الوصول بتفكيرهم إلى أن ينسبوا لله ما ~~هو دون القيمة المثلى بقطع النظر عما إذا كان ذلك صحيحا أو غير صحيح مع أن ~~التصور الدقيق لله الذين يعتقدون ألوهيته وسيطرته على الكون عبر خلقه له ، ~~وتدبير نظامه ، يفرض أن يكون المثل الأعلى والقيمة الكبرى. # ( @QUR@05 أم اتخذ مما يخلق بنات ) كما تقولون ( @QUR@02 وأصفاكم بالبنين ~~) فأخلصهم لكم في ما تريدونه لأنفسكم ، فكيف اعتقدتم بأن لله البنات ، وهو ~~لديكم عيب وعار كما تشير إلى ذلك الآية التالية. # * * * ### ||| ** قيمة المرأة في الجاهلية # ( @QUR@07 وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ) في ما نسبه إليه من ~~اعتبار الملائكة إناثا ( @QUR@05 ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) جراء ما يحس به ~~من غم وهم وكرب بسبب القيمة المنحطة للأنثى في نظره ، فهي قد تجلب الذل ~~والعار لوليها في حياته في المستقبل فيتجمع الغيظ في صدره ، وهو غيظ لا ~~يملكون رده في الواقع. # ( @QUR@04 أومن ينشؤا في الحلية ) أي في الزينة التي تربى الأنثى على ~~اعتبارها القيمة التي تحملها في وعيها الفكري ، فينحصر طموحها الذاتي ، في ~~دائرة التزين وتحصيل الجمال الجسدي لا العقلي والروحي. PageV20P221 # ( @QUR@05 وهو في الخصام غير مبين ) وهو بالتالي نتيجة استغراقه في ~~الجمال الجسدي غير واضح الحجة ، أو قوي الموقف ، لأنه لا يملك الفكر القوي ~~الذي يمكنه من ذلك ، فكيف ينسبون هذا المخلوق إلى الله في عقيدتهم؟ # * * * ### ||| ** هل الضعف سمة المرأة قرآنيا؟ # وقد نتساءل : هل هذا الوصف القرآني للمرأة يمثل تحديدا مفهوميا لشخصيتها ~~، يعتبرها إنسانا مستغرقا في الزينة ، في إيحاءاتها الرخية الناعمة ~~المنفتحة على الجمال الجسدي بخشوع وانبهار في مستوى الطموح ، وكيانا يملك ~~الضعف فلا يستطيع الدفاع عن نفسه .. أم أن هذا الوصف يمثل تحديدا واقعيا ~~لصورة المرأة من خلال التربية التي تتربى عليها ، لتعيش حياة تسيطر عليها ~~عناصر الضعف بدلا من عناصر القوة. # قد نستفيد من التعبير بكلمة ( @QUR@01 ينشؤا ) بأن هذا الوصف متعلق ~~بالتنشئة والتربية والإعداد الذي تتلقاه الأنثى ms4711 ، في الوقت الذي تملك فيه ~~قابلية الأخذ بأسباب القوة الفكرية والحركية .. كما نلاحظه في ما حدثنا به ~~القرآن من النماذج القوية في مجمل الحياة الاجتماعية التي تضم ( @QUR@016 ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين والصائمات ) [الأحزاب : 35] وغير ذلك ، وفي ما حدثنا به عن امرأة ~~فرعون ومريم بنة عمران اللتين ضربهما الله مثلا للذين آمنوا من الرجال ~~والنساء ، في قوة الموقف حيث تتجسد حركية صفات الإيمان والصبر .. داخل ~~الشخصية وخارجها بما تفرضه من معاناة وتمرد على نقاط الضعف .. # هذا ، مع ملاحظة أننا نعرف في التاريخ وفي الحاضر ، كثيرا من النساء PageV20P222 # اللاتي يملكن القوة في الجدل ، والشدة في الدفاع ، والإرادة الحديدية في ~~مواجهة التحديات .. مما يبعد الضعف عن أن يكون من لوازم شخصية المرأة ، ~~ويقربه من أن يكون من مقتضيات التربية التي تنمي نقاط ضعفها الغريزية وتهمل ~~تنمية نقاط القوة فيها ، في الوقت الذي لا ننكر فيه قوة الجانب العاطفي ~~فيها ، ولكن لا بالمستوى الذي يلغي إمكانية التنمية الفكرية والعملية ~~للجانب العقلاني لديها. وفي ضوء ذلك يمكننا أن نفهم أن الآية توجه النظر ~~إلى الواقع الذي تعيشه المرأة ، مما يخلق الانطباع السلبي عنها في نظر ~~المجتمع ويثير التساؤل حول المبرر لنسبة البنات إلى الله في ظل هذا المفهوم لديهم. # * * * ### ||| ** أشهدوا خلق الملائكة؟! # ( @QUR@06 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ) وهي صفة يتصف بها ~~الملائكة كما يتصف بها غيرهم من عباده من الجن والإنس ، من دون أن ترتفع ~~بهم خصوصياتهم عن هذا المستوى ، فإن خصوصياتهم قد تجعل لهم بعض الميزة عن ~~غيرهم ، ولكنها تبقى في دائرة التنوع والتفاضل بين عباد الله ، ولا تقترب ~~من خصوصيات الألوهية لتجعل المخلوق قريبا إلى الله ، بالمعنى النسبي أو ما ~~يشبه ذلك ، كما يتصور هؤلاء الذين دفعتهم خيالاتهم في تصورهم ملائكة أن ~~يجعلوهم ( @QUR@01 إناثا ) من دون دليل حسي على ذلك ( @QUR@02 أشهدوا خلقهم ~~) حتى يكون حضور خلقهم هناك مبررا لادعاء كونهم إناثا باعتبار إمكانية ~~اطلاعهم الحسي على جنسهم في تلك الحال ، ( @QUR@02 ستكتب ms4712 شهادتهم ) في ما ~~يكتبه الله من كلام عباده في ما يعتقدون وفي ما يقولون ، وفي ما يعملون ( ~~@QUR@01 ويسئلون ) عن صحة ما شهدوا به ، ولن يستطيعوا أن يدافعوا عن ذلك ، ~~لأنهم لم يكونوا عند خلق الملائكة ، ولم يملكوا موقعا خاصا للمعرفة يميزهم ~~عن الآخرين ، مما PageV20P223 # يجعل القضية في موقع الإنكار ، لا في موقع المناقشة. # * * * ### ||| ** الشرك ومشيئة الله # ( @QUR@06 وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) فهو الذي يملك السيطرة على ~~عباده ، وبالتالي يملك منعهم عما لا يريده منهم ، وإبقاءهم على ما يريد ، ~~ولا سيما في مسألة العبادة التي تمثل العمق في وجود الإنسان ، لاتصالها ~~بأجواء الألوهية في ذاتها ومتعلقاتها ، مما يجعل الانحراف عن الخط المستقيم ~~فيها ، خطرا على المسيرة الإنسانية كلها ، الأمر الذي يفرض التدخل المباشر ~~من الله ، الذي يجمد إرادة الإنسان تحت تأثير إرادته التي لا تختلف عن ~~المراد .. # وفي ضوء ذلك ، كانت عبادتهم موضع رضى من الله ، لأنه تركهم وشأنهم في ما ~~يريدون .. ولكنهم لا ينطلقون في ادعائهم ذاك من موقع الاقتناع بالفكرة ، بل ~~من موقع التهرب واللعب على الألفاظ ، والاحتيال على المواقف ( @QUR@05 ما ~~لهم بذلك من علم ) فإن الله هو الذي يسيطر على الأمر كله ، فلا يشاء ~~الإنسان إلا ما يشاء الله. # ولكن المشيئة الإلهية لا تعني التدخل المباشر الذي يفرض الإرادة ~~التكوينية التي تتصل بالوجود المباشر ، بل تعني انطلاق الأشياء من تقديره ~~ضمن حركة السنن التكوينية التي أودعها في الحياة في دائرة الأسباب ~~والمسببات ، التي قد تتحرك في نطاق الإرادة الإنسانية في ما يريد الإنسان ~~أن يفعله أو يتركه ، مما جعل الله اختياره الوجودي بيد الإنسان .. مع ~~الإيحاء له بما يجب أن يفعله أو يتركه في خط المسؤولية التي تختزن النتائج ~~السلبية أو الإيجابية .. فإذا انسجم مع الإرادة التشريعية ، فاختار خط ~~الاستقامة في أمر الله ونهيه ، كان موضع رضى الله ، وإذا انحرف عنه ، كان ~~موضع سخطه ، من دون PageV20P224 # أن يسيء ذلك إلى مقام الله في جلال قدرته وسيطرته على الوجود كله .. وهذا ~~ما يطلق عليه العلماء الخلط بين الإرادة ms4713 التكوينية التي لا تتخلف عن المراد ~~، وبين الإرادة التشريعية التي توحي بما يريده الله .. في ما يحب للإنسان ~~أن يقوم به في دائرة حرية الإرادة. # وبذلك كانت كلمتهم هذه منطلقة من منطق الجهل ( @QUR@04 إن هم إلا يخرصون ~~) ويركزون أمورهم على أساس التخمين والحدس غير المبني على قاعدة من فكر أو علم. # ( @QUR@05 أم آتيناهم كتابا من قبله ) مما أنزلناه على الناس من الوحي ~~الذي يحدد لهم حقائق الأمور ، ليكون حجة لهم على ما يعتقدونه أو يحركونه في ~~انتماءاتهم ( @QUR@03 فهم به مستمسكون ) كأساس فكري أو شرعي لذلك .. # * * * ### ||| ** منطق المترفين في تقليد الاباء # وهكذا يريد القرآن أن يحدد للإنسان أسس المعرفة ، من الحضور الحسي ، أمام ~~الأشياء أو المصادر الإلهية ، أو المعادلات العقلية القطعية .. ولكن هؤلاء ~~الكافرين أو المشركين لا يرجعون إلى شيء من ذلك ( @QUR@07 بل قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة ) أي على طريقة معينة في التفكير والعبادة ( @QUR@04 ~~وإنا على آثارهم مهتدون ) فهذا هو السبيل الذي نقتفيه للوصول إلى الحقيقة ~~فنهجنا امتداد لنهجهم ، لأن ذلك هو الامتداد التاريخي للعائلة أو العشيرة ، ~~في ما يلتزم الأبناء بعقائد الآباء وعاداتهم وتقاليدهم من موقع الثقة ~~والإخلاص والانتماء. # وهذا هو المنهج الذي يمنع التغيير والتطور والتصحيح لأخطاء الماضي ، PageV20P225 # عند ما يتحول التاريخ إلى حالة فكرية أو روحية أو عملية مقدسة لا تسمح ~~بأي نقاش حول المضمون الفكري أو الروحي أو العملي الذي تلتزمه .. وقد أكده ~~المترفون الذين يقفون أمام عملية التغيير الاجتماعي أو الفكري أو السياسي ~~التي قد تلغي امتيازاتهم نتيجة ما تحدثه الأفكار الجديدة من إعادة نظر في ~~كثير من المفاهيم المألوفة أو المتوارثة بعد عرضها على ميزان الفكر والواقع ~~، المراد تطويره أو تغييره ، لينطلق الجيل الجديد بعقلية جديدة ونهج جديد. # وعلى ضوء ذلك كان الجمود هو الطابع الذي يعمل المترفون الطغاة على إحكام ~~سيطرته على الفكر الإنساني ، بإعطاء فكر الآباء والتاريخ قداسة ، تسلط سيفا ~~على مطلب الحرية الفكرية في كل القضايا التي يمكن أن يدور فيها الخلاف ، في ~~ساحات الحوار .. # ( @QUR@09 وكذلك ما أرسلنا من قبلك ms4714 في قرية من نذير ) يطلق الصرخة ~~الفكرية والروحية التي تهز جمود الإنسان في فكره ومنهجه ، وخطه العبادي ، ~~وحركته الاجتماعية والسياسية ، وتوجه الناس إلى المستقبل المشرق الواعي ~~المنفتح على الله ، ليناقشوا كل مرتكزاتهم وموروثاتهم ، على ضوء رسالات ~~الأنبياء التي تريد لهم أن يؤسسوا فكر التوحيد في العقيدة والعبادة ، ~~انطلاقا من النتائج السلبية التي تتأتى عن الفكر المضاد. # ( @QUR@03 إلا قال مترفوها ) الذين يملكون قرار الضغط على الحريات ~~ليحددوا للناس خط السير الذي يتحركون فيه ، ( @QUR@09 إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) فهم القدوة التي لن ننفصل عنها في كل ما نريد ~~أن نأخذ أو ندع ، لأن ذلك يحقق لنا الثبات في مواقعنا العائلية ، وقيمنا ~~التاريخية. وهو أسلوب انفعالي عاطفي هدفه خلق أجواء الإثارة وتحريكها وهو ~~منطق يعتمده المترفون في مواجهة الفكر لتأكيد التقليد ، والمحافظة على ~~مواقعهم في الشهوات واللذات والامتيازات غير العادلة .. أما منطق الرسالة ~~التي يحملها الأنبياء فهو منطق يوجه الفكر إلى الفصل بين الجانب العاطفي ~~الذي يربط الأبناء بآبائهم PageV20P226 # والجانب العقلي الذي يقوم المضمون العقيدي الذي يلتزمونه ، فالفكر لا ~~يرتبط بالذات وأحاسيسها ، بل بالحقيقة الموضوعية التي يصل إليها العقل عبر ~~إقامة معادلة عقلية تتحرك في أجواء الفكر وفي ساحات الحوار ، للوصول إلى ~~النتائج التي تكشف للناس إحدى السبيلين ، وأقوى الفكرين .. وهذا ما عبرت ~~عنه الآية التالية : ( @QUR@08 قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ~~) مما أقدمه إليكم من وحي الله أو في ما أثيره من الفكر الذي يهز قناعاتكم ~~ليثبت لكم أنه أهدى من فكر الماضي ، فهل مسألة التقليد لديكم مسألة قناعة ، ~~فلا بد للقناعة من إعادة النظر في الفكر الجديد المطروح عليكم لتكتشف ملامح ~~الحقيقة فيه ، أم أن المسألة مسألة تعصب ، والقضية قضية انسجام مع الذات ، ~~في امتداداتها التاريخية ، وفي امتيازاتها الواقعية ( @QUR@06 قالوا إنا ~~بما أرسلتم به كافرون ) فهذا هو موقفنا وقرارنا أمام كل طموحاتكم الفكرية ~~والاجتماعية ، ولسنا مستعدين للدخول معكم في حوار. # ( @QUR@02 فانتقمنا منهم ) لأنهم تمردوا على الله من دون أساس ، أو حجة ~~يملكونها ، ولأنهم لا ms4715 يسيئون إلى أنفسهم بل يسيئون إلى الحياة كلها عند ما ~~يجعلون هذا النهج الفكري المتخلف حاجزا أمام السائرين في طريق المعرفة ، ~~ليعطلوا خططهم ، وليسقطوا كل حركة التغيير بذلك. # ( @QUR@07 فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) وعرف قومك يا ~~محمد ذلك ليعيدوا النظر في منطقهم وفي موقفهم الذي يؤكدونه في سلوكهم ~~العملي ضد الرسالة. # * * * PageV20P227 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) ~~@QUR@05 إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) @QUR@07 وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 براء ): بريء. # ( @QUR@01 فطرني ): خلقني. # ( @QUR@01 عقبه ): ذريته. # * * * ### ||| ** إبراهيم يتحدى أباه وقومه # وهذا موقف حاسم اتخذه إبراهيم عليه السلام ضد عبادة قومه للأصنام ، وفي ~~مقدمتهم أبوه ، فقد رفض تقليدهم في عبادتهم تلك ، وأعلن رفضه ذاك بكل قوة ~~ليفتح مجال الرفض المتحدي للوثنية الفكرية والعبادية في المستقبل ، من PageV20P228 # أجل أن يركز قواعده على أساس خط الأيمان. # ( @QUR@09 وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ) من هذه ~~الأصنام التي لا تملك أي سر من أسرار الألوهية ، في ما تحاولون أن تتخيلوه ~~لها من ذلك ، لتقنعوا أنفسكم بذلك ، أو لتقنعوا غيركم به ، فقد صنعتموها ~~بأيديكم ، أو صنعها آباؤكم من قبلكم ، فكيف جاءتها هذه الأسرار؟ وكيف حصلت ~~على هذا الموقع المميز في العبادة؟ # وهكذا أعلن إبراهيم أنه بكل فكره وروحه يجسد البراءة من الأصنام بكل ~~معانيها وأبعادها ، فلم يعد موقفه من الأصنام موقفا للذات ، بل هي الذات ~~كلها في الفكر والحركة والشعور ، في ما يوحي به الإخبار عن الذات بالمصدر ~~الذي يتضمن المبدأ كله ، ( @QUR@03 إلا الذي فطرني ) وأوجدني بعد أن كنت ~~عدما ، كما فطر الآخرين ، وأنتم منهم ، لأنني لست بدعا من الناس في ذلك مما ~~جعل ارتباط الناس به ، ارتباط المخلوق بالخالق ، لحاجته في كل حركة وجوده ~~وامتداده إليه ، تماما كما كان محتاجا إليه في أصل الوجود ، الأمر الذي ~~يجعل التوحيد ، في عبادته ، أمرا طبيعيا منسجما مع حقيقة الوجود الإنساني ~~.. وتلك هي الحجة على موقفه ، فإن الخالق هو الذي ينبغي للمخلوقين أن ~~يعبدوه. # ( @QUR@02 فإنه سيهدين ) ويوجهني إلى الحق ms4716 في العقيدة والعبادة والسلوك ~~لأن الخلق ليس حالة مجردة ، تنتهي بها علاقة الخالق بالمخلوق ، بل هي حقيقة ~~وجودية تبدع الإنسان في وجوده ، وتدبره في كل امتداداته ، لأن رحمة الله هي ~~سر الخلق والهداية والامتداد في انفتاح الفكر ، وفي حركة الحياة ، فهو الذي ~~ألهم كل شيء هداه ، في بنية وجوده ، وألهم الإنسان بالإضافة إلى ذلك ، سر ~~الهداية في حرية الإرادة في تحريك الفكر والعمل للوصول إلى مواقع الحقيقة ~~في العقيدة والحياة .. # * * * PageV20P229 ### ||| ** الانتماء الإبراهيمي إلى الإسلام # ( @QUR@05 وجعلها كلمة باقية في عقبه ) وهي كلمة الإسلام لله في كل شيء ~~وتوحيده في الفكر والعبادة وحركة الحياة ، لتكون قاعدة لتصورات الناس ~~وانتماءاتهم وممارساتهم العملية ، بما تمثله الهداية الإلهية المنطلقة من ~~موقع الفطرة التي تطل على حركة الوجود ، وفي ما تثيره في الشخصية من أفكار ~~، ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) إلى الله ، عند ما تبتعد بهم الطريق عنه ، بفعل ~~العوامل المضادة للحق. # * * * PageV20P230 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) @QUR@09 ~~ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) @QUR@011 وقالوا لو لا ~~نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) @QUR@025 أهم يقسمون رحمت ~~ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون ) (32) # * * * ### ||| ** جاءهم الحق فكفروا به # ( @QUR@04 بل متعت هؤلاء وآباءهم ) فعاشوا مدة طويلة في رغد ورخاء ونعمة وافرة. # ( @QUR@03 حتى جاءهم الحق ) وهو القرآن الذي يحمل حقائق العقيدة والحياة ~~، ( @QUR@02 ورسول مبين ) يهديهم إلى سبل السلام الروحي والفكري والعملي من ~~خلال الإسلام ، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # ( @QUR@03 ولما جاءهم الحق ) الذي أراد أن يفتح عقولهم على التوحيد ، قابلوه PageV20P231 # بالكلمات اللامسؤولة التي لا تحمل أي معنى معقول في دراسة الحق الذي ~~جاءهم ، وموقع الرسول في رسالته وفي ذاته ، ( @QUR@03 قالوا هذا سحر ) لأنه ~~يجذب الناس إليه بطريقة لا شعورية ، كما يحدث لهم عند ما يواجهون تهاويل ~~السحر في مواقع أخرى ، ولكن ذلك كلام لا معنى له ، لأن للسحر قواعده ~~وأشكاله التي لا تنسجم مع القرآن الذي ms4717 يدخل إلى العقول ليدفعها إلى التفكير ~~والتأمل ، تماما كما هي القضايا الفكرية التي تفرض نفسها على الناس كقناعات ~~يتبنونها بعد تفكير واع فيها .. غير أن غايتهم كانت إيجاد كلمة مثيرة ، ~~لإبطال تأثير الرسالة على تفكير الناس ، باعتبارها وحيا إلهيا ، ليوجهوهم ~~إلى عناوين أخرى لا تملك من القداسة ما تملكه النبوة في وجدانهم. فكانت ~~كلمة السحر إحدى هذه الكلمات التي أطلقوها بطريقة انفعالية من دون أن ~~يفسحوا المجال للدخول في نقاش حولها ، كما تفعل الدول المستكبرة في عصرنا ~~الحاضر ، فهي تحرك الكلمات المثيرة ضد بعض التيارات الإسلامية أو السياسة ~~المضادة لسياستها ، لتشوه صورتها في نظر الرأي العام العالمي ، مثل نعوت ~~التطرف والتعصب والإرهاب ونحوها ، التي لا يرتاح الناس إلى إيحاءاتها ~~السلبية ، ولكنهم لا يناقشون ، ولا يدخلون في حوار حول تلك النعوت مع ~~الجهات المقصودة بها ، لأن اهتماماتهم الخاصة تمنعهم من ذلك ، وتبقيهم في ~~دائرة الاستهلاك السريع للفكرة أو للخبر الذي تقدمه ، في نطاق السياسة ~~الإعلامية. # وقد يحتاج العاملون إلى مواجهة ذلك كله ، بالموقف الواعي القوي الذي ~~يعتبر الاعلام أداة من أدوات الصراع ضد الإسلام وأهله ، ليدرسوا الظروف ~~السياسية العامة التي تحدد وسائل الرد بطريقة تكفل احتواء السلبيات في هذا ~~المجال ورد الحرب الإعلامية ، بحرب مماثلة متحركة في كل الساحات الفكرية ~~والعملية بوعي واتزان ، على نهج الأسلوب القرآني الذي واجه المسألة بدقة وحكمة. # * * * PageV20P232 ### ||| ** تسلح المشركين بمنطق الطبقية # ( @QUR@011 وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وهذا ~~أسلوب جديد من أساليبهم المثيرة التي يستهدفون من خلالها احتواء تأثيرات ~~الدعوة الإيجابية على الناس ، وإرباك الوجدان العام حولها .. # ويعتمد هذا الأسلوب التركيز على العنصر الطبقي في عقلية المجتمع الجاهلي ~~، الذي يرى أن الرجال الكبار الذين يملكون الموقع الاجتماعي المميز ، هم ~~وحدهم الذين يحق لهم أن يتولوا قيادة المجتمع بما يحملونه من أفكار وبما ~~يحركونه من أوضاع ، وهم الموقع الطبيعي الذي يجب أن تنزل عليه الرسالات من ~~الله إذا كانت مسألة الوحي في الرسالة أمرا واردا بالنسبة للعقل لأنهم ~~يملكون تحريك الرسالة في ms4718 وجدان الناس من خلال قوة تأثيرهم على مواقع حياتهم ~~، في ما يملكونه من أمورهم الاقتصادية والاجتماعية التي تمكنهم من الضغط عليهم. # وفي ضوء ذلك ، كانوا يشيرون إلى فقر النبي وفقدانه الموقع الاجتماعي ~~البارز الذي يملكه أصحاب رؤوس الأموال ، ليؤكدوا للناس أن الرسالة التي ~~يكلف الله رب العالمين بها بعضهم ، فينزل الوحي عليهم ، وهو القرآن الذي ~~يدعي النبي أنه منزل من الله ، لا يمكن أن تنزل على هذا الفقير اليتيم ~~المعدم الذي لا يستطيع حماية نفسه من العدوان ، فكيف يحمي دعوته ، كما أنه ~~لا يملك الوسائل التي يستطيع بها التأثير على الناس لأنهم لا يسمعون إلا من ~~الكبار في المجتمع ، ولهذا كان لا بد من أن ينزل القرآن لو كان حقيقة على ~~رجل عظيم من القريتين مكة والطائف وقد تحدث المفسرون عن أسماء عديدة ، ~~كالوليد بن المغيرة وعتبة بن أبي ربيعة من مكة ، وعروة بن مسعود الثقفي من ~~الطائف ، وغيرهم .. وربما كان ذلك صحيحا ، وربما كانوا لا PageV20P233 # يقصدون شخصا بعينه ، وهذا هو الأقرب ، لأنهم تحدثوا عن رجل عظيم من ~~القريتين ، باعتبارهما البلدين اللذين يعيشون فيهما مما يوحي ، بأن الميزان ~~الطبقي هو مبدأ يشيرون إليه ، لا شخص بعينه. # ( @QUR@04 أهم يقسمون رحمت ربك ) وهذا هو التعليق القرآني على هذه ~~المقولة ، فإن الرسالة ليست شأنا بشريا يرجع أمره إلى الناس ، ليحددوا ~~ملامح الرسول ، على أساس طبقي ، بل هي شأن إلهي ، يرحم الله به من يشاء ~~فيمن يصطفيه لكرامته ، ويختاره لرسالته ، ممن تتوفر في فكره الصفات ~~الرسالية وأخلاقه ، ومنهجه .. ولهذا فإنهم عند ما يتحدثون بهذه الطريقة ، ~~فإنهم يتدخلون في شؤون الإرادة الإلهية لجهة ما يقسم الله فيه رحمته بين ~~عباده من خلال ما يعرفه من أمور صلاحهم وفسادهم ، مما لا مكان لإبداء الرأي ~~فيه ، ولا أساس للاعتراض عليه. # * * * ### ||| ** الناس درجات # ( @QUR@07 نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) وجعلنا لكل واحد ~~منهم موقعا ورزقا محدودا ، وطاقة معينة ، لا يملك أي واحد موردا يستغني به ~~عن الآخرين ، في ما تقوم به حياته ، أو تخضع له حاجاته ، وذلك ms4719 من خلال ~~النظام المتوازن الذي تفرضه الحاجات الإنسانية في الواقع .. فهناك جماعات ~~تملك من المال والطاقة ما لا تملكه جماعات أخرى مما يجعلها تحتاج إليها في ~~ذلك ، على مستوى القضايا الأساسية ، أو القضايا الطارئة المتصلة بالمواقع ~~الجزئية في الحياة .. # ( @QUR@05 ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) فالتوازن الطبيعي يفرض اختلاف ~~الناس في مواردهم وطاقاتهم ومواقعهم وحاجاتهم وتنوعهم في المهمات والأدوار ~~، مما يجعل درجة بعضهم أعلى من درجة البعض الآخر .. ولكن هل PageV20P234 # هذا التمايز في القيمة الروحية؟ وهل هو موقع يتميز به البعض عن غيرهم ~~بشكل مطلق؟ أم هي مسألة الواقع الخاضع للأسباب الطبيعية بعيدا عن الامتياز ~~الذاتي أو الطبقي عند الله ، وعند الناس؟ # الظاهر ، أن هذا التمايز يعود إلى الواقع التنظيمي للحياة الإنسانية الذي ~~يستدعي توزيع الأرزاق ، وتنويع الطاقات ، واختلاف الحاجات ، وتعدد المواهب ~~، فلم يجعل الله لأية حالة طبقية أو فئوية ميزة بحسب ميزان القيمة عنده أو ~~في حركة التشريع ، بالمعنى التسلطي المفروض على الناس .. وهذا ما أشارت ~~إليه الفقرة التالية في الآية : ( @QUR@04 ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) أي ~~ليسخر كل واحد من الناس في حاجاته من يملك أمر تلبيتها بحسب ما لديه من مال ~~وجهد وموقع .. وهذه سنة طبيعية في الكون ، فإن أحدا ليس مستغنيا عن أحد ، ~~وكل شخص مسخر للآخر ، بحيث تصبح الحاجة التي تفرض التسخير أمرا نسبيا ، لا ~~مطلقا .. وقد أثبتت التجربة الإنسانية أن تساوي الجميع على صعيد واحد ، ليس ~~أمرا واقعا ، فإن طبيعة الحياة تفرض التنوع في كل شيء حتى في عالم الحيوان ~~والنبات والجماد ، كما تفرض تبادل الخدمات واستخدام بعض الناس لبعضهم الآخر ~~.. مما يجعل القيمة المشتركة ، في عمق الأمور ، شاملة للناس جميعا ، ولذلك ~~فقد لا يكون من الطبيعي الحديث في مجال التقنين والتنظيم عن مساواة مطلقة ~~بين الناس ، بل المفروض هو الحديث عن المساواة في الحقوق وتوفير الفرص ~~للجميع ، بحيث لا يفضل شخص على آخر إلا من خلال كفاءته ودوره المميز في ما ~~يقدمه للحياة وللناس ، لتتحرك المساواة في دائرة التنوع ، لا في دائرة ~~إلغاء الخصوصيات .. وتبقى ms4720 قضية التمايز والمساواة محكومة لمدى التطلع إلى ~~القيمة الكبيرة عند الله ، وذلك في آفاق رحمته التي هي سر وجود الإنسان من ~~حيث المبدأ والتفاصيل ، لأنها رحمة لا تقتصر على ساحة الدنيا ، بل تمتد إلى ~~ساحة الآخرة ، ولا تؤمن حاجات الإنسان المادية فقط ، بل تتسع لحاجاته ~~الروحية .. PageV20P235 # عند ما ينفتح على الله حيث يجد السعادة الروحية في انتظاره في مواقع ~~رحمته التي وسعت كل شيء ( @QUR@05 ورحمت ربك خير مما يجمعون ) مما يتنافسون ~~فيه ويتفاضلون ، ويجعلون له حدودا فاصلة ، وحواجز عازلة ، وقيما زائفة ، ~~لأن ذلك كله لا يمثل شيئا في مواقع الثبات في المصير ، بل يبقى مجرد حالة ~~طارئة ، وحاجة محدودة في متاع الحياة الدنيا ، أما رحمة الله فهي الخير كله ~~الذي لا ينفد ولا يتحدد في مدى محدود. # وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أن يعيشه في فكره وروحه وعمله وعلاقاته ، ~~فلا يكون طموحه الحصول على متاع الحياة الدنيا ، والتنافس للوصول إلى مواقع ~~متقدمة ، في هذا النطاق ، لأن ذلك يسيء إلى روحية الإيمان في وجدانه ، وعمق ~~شخصيته ، عند ما يفضل الحاجات المادية على القيم الروحية فإن الإيمان لا ~~يستدعي الرفض المطلق للدنيا ، فهو أمر غير داخل في التخطيط الفكري والعملي ~~الإسلامي ، بل يستدعي أن لا يستغرق الإنسان في حاجات الدنيا بحيث تكون كل ~~هدفه ، وكل همه ، فيخلد إليها ويطمئن إلى قضاياها .. بل أن يكون طموحه ~~الحصول على رضى الله ورحمته ونعيمه في الدار الآخرة ، مع الالتفات إلى ~~الدنيا كساحة مسئولية أمام الله ، لتكون الدنيا مزرعة الآخرة ، كما جاء في ~~بعض الأحاديث المأثورة. # * * * PageV20P236 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) @QUR@05 ولبيوتهم أبوابا ~~وسررا عليها يتكؤن (34) @QUR@012 وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ~~والآخرة عند ربك للمتقين ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ومعارج ): جمع معرج ، وهو الدرج. # ( @QUR@01 يظهرون ): يصعدون. # ( @QUR@01 وسررا ): سرر وأسرة جمع سرير. # ( @QUR@01 وزخرفا ): الزخرف : الذهب أو مطلق الزينة. # * * * PageV20P237 ### ||| ** لولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا الدنيا للكافرين # إن الحياة الدنيا لا تمثل ms4721 لدى الله موقع القيمة بحيث يكون الحصول عليها ~~دليلا على المنزلة الكبيرة عنده ، ولهذا فإنه قد يمنحها لأعدائه أكثر مما ~~يمنحها لأوليائه ، وهذا ما يريد القرآن أن يصوره في هذه الآيات. # ( @QUR@07 ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة ) لو لا احتمال اجتماع الناس ~~على الكفر طلبا للامتيازات التي قد يحصلون عليها في الدنيا جراية ، لأن ~~الإنسان يرتبط بالأمور الحسية عادة أكثر مما يرتبط بالأمور الروحية ~~المعنوية ، ( @QUR@09 لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج ~~) أي لجعلنا للكافرين درجات ( @QUR@02 عليها يظهرون ) ليواجهوا الآخرين من ~~موقع هذا الامتياز الواقعي الذي يظهرون به على غيرهم ( @QUR@06 ولبيوتهم ~~أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا ) يمثل الزينة الذهبية أو مطلق الزينة ~~التي يتزينون بها في بيوتهم. # ( @QUR@07 وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ) الذي يمثل حالة طارئة لا ~~تلبث أن تزول عند ما تحدث بعض الأسباب الموجبة لذلك ، أو عند ما يزول ~~الإنسان من الحياة ، فلا ينبغي له أن يستسلم لذلك أو يعتبره القيمة العظيمة ~~في حياته بحيث ينافس الناس عليها ( @QUR@04 والآخرة عند ربك للمتقين ) ~~الذين يخافون الله ويحسبون حساب طاعته في كل مواقع حياتهم ، فالقيمة ~~الروحية والمادية التي تمثل النعيم الخالد عند الله المنفتح على رضوانه ، ~~المتحرك في خط رحمته ، مما يجعل من الارتباط بالتقوى ارتباطا بالنتائج ~~الكبيرة في مسألة المصير. # وهكذا تؤكد هذه الآيات أن مثل هذه المظاهر المادية التي قد يعطيها الله ~~للكافرين الذين يريد تعذيبهم في الآخرة لا تمثل هدفا للمؤمنين ، ولا ~~امتيازا PageV20P238 # للكافرين ، ولو لا ما يمكن أن يحققه تخصيص الكافرين بزخارف الدنيا من ~~نتائج سلبية على مستوى تشجيع الناس على الكفر لكان هذا من التنوع في طبيعة ~~الأوضاع العامة للكافرين والمؤمنين حالة طبيعية لا تثير أي موقف إيجابي ~~لمصلحة الكفر ، لأنهم يرون مسألة الغنى والفقر مسألة مشتركة بين الجميع ، ~~من دون أن يتقدم أحد منهم على آخر. # وربما احتمل بعض المفسرين ، أن يكون المراد بالأمة الواحدة ، الوضع ~~الواحد في طبيعة الحياة المعاشية الناشئة من الأسباب المألوفة للعيش ، فقد ~~أراد الله ms4722 أن يختلف الناس في معاشهم من دون فرق بين المؤمن والكافر ، تبعا ~~للظروف الموضوعية المحيطة بهم الخاضعة للنظام الكوني ، ولولا ذلك لأعطى ~~الكافر أعلى المواقع في ترف الحياة بعيدا عن الأسباب المختلفة ولكن الوجه ~~الأول أقرب للظهور ؛ والله العالم. # * * * PageV20P239 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) ~~@QUR@07 وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) @QUR@012 حتى ~~إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) @QUR@09 ~~ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) (39) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يعش ): العشو : من كان ببصره آفة لا يبصر مطلقا أو بالليل. # ( @QUR@01 نقيض ): نهيئ. # * * * ### ||| ** تهيئة الشيطان قرينا للكافر # ( @QUR@05 ومن يعش عن ذكر الرحمن ) ممن لا يملك البصر السليم الذي يستطيع ~~بواسطته رؤية الأشياء في كل وقت ، ومن يبصر بالنهار دون الليل ، أو من لا ~~يبصر مطلقا ، على سبيل الكناية عمن لا يملك وضوح الرؤية القلبية لله في ~~عظمته وفي حضوره الدائم في حياته كلها ، فينساه وينسى ذكره في أعماله ~~وأقواله وعلاقاته بسبب الغفلة المطبقة ( @QUR@03 نقيض له شيطانا ) أي نهيئ ~~له شيطانا يفتح نوافذ عقله على الباطل ليتحرك فكره في نطاق تأكيد الباطل ~~فكريا ، ويغلق PageV20P240 # قلبه عن الحق لتبتعد كل مشاعره وأحاسيسه عنه شعوريا ، ويبتعد بكل أقواله ~~وأفعاله وعلاقاته عن النهج القويم في ما أمر الله به ونهى عنه في خط ~~الاستقامة في الشريعة ، ويقترب به إلى خط الانحراف في مناهج الكافرين ~~والمنافقين والضالين ( @QUR@03 فهو له قرين ) أي مصاحب له داخل حياته ~~وخارجها ، يسيطر عليه في كل أوضاعه العامة والخاصة ، بالوسوسة الداخلية ، ~~أو بالمشورة ، أو بتزيين أعماله السيئة ليراها حسنة. # وقد تحدث الله في كتابه عن شياطين الإنس والجن الذين يوسوسون للناس ~~ويضلونهم عن السبيل ، ويحركونهم في اتجاهات الباطل من خلال تأثيراتهم ~~النفسية والعملية ، تبعا للعلاقات التي تشدهم إليهم ، فقد يكون الشيطان ~~صديقا أو رفيقا أو أبا أو أخا أو حاكما أو نحو ذلك ، وقد يكون عنصرا خفيا ~~في الداخل بحيث يحرك نوازع الإنسان وغرائزه ونقاط الضعف في شخصيته. # وليس المراد ms4723 بأن الله يقيض لمن يغفل عن ذكره ، مثل هذا الشيطان ، أن ~~القضية تحصل بشكل مباشر ، بل المراد أن الغفلة عن ذكر الله ، تفتح الأبواب ~~للشيطان ليدخل حياة الإنسان الذي لا يملك نتيجة الغفلة قدرة الانضباط في خط ~~التوازن والاستقامة ، مما يجعله فريسة سهلة للشيطان ( @QUR@04 وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ) في ما يثيرونه في تفكيرهم من شبهات ، أو عقائد باطلة ~~، وفي ما يحركونه في حياتهم من مشاريع منحرفة ، فيصورون لهم أنها تمثل الحق ~~الذي يرغب الإنسان بطبيعته في الارتباط به فلا يبقى لديهم أي قلق في ~~الموضوع ، ( @QUR@03 ويحسبون أنهم مهتدون ) لأن العناوين التي يضعونها ~~للانحراف قد تكون من عناوين الهدى التي يلصقونها به زورا وبهتانا. # وتلك هي مشكلة كثير من الساذجين الذين يزعمون أنهم واعون ، عند ما يقدم ~~لهم الشياطين الباطل في صورة الحق ، والانحراف ، باعتباره استقامة ، الشر ~~بعنوان الخير ، فيزينون لهم سوء عملهم فيرونه حسنا ، ويضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، بسبب الغفلة المطبقة على عقولهم بحيث لا ~~يثيرون أية علامة من علامات الاستفهام التي تفتح أبواب مناقشة PageV20P241 # الأمور بعقل واع. # * * * ### ||| ** بئس قرين الغافلين # ( @QUR@03 حتى إذا جاءنا ) ووقف في موقف الحساب حيث يواجه الإنسان نتائج ~~المسؤولية أمام الله ، ووجد قرينه هناك ، ورأى كيف قاده إلى هذا المصير ~~المظلم الذي حمل إليه غضب الله ، وأودى به إلى عذابه في نار جهنم ، ( ~~@QUR@07 قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ) فهو لا يطيق رؤيته لأنه ~~يذكره بنقاط الضعف الكامنة فيه والتي حركها هذا القرين ووجهها في اتجاه ~~الكفر والضلال فأدى به إلى هذا الموقف. ويمتلئ الضال حقدا وثورة على قرينه ~~، حتى يكاد يدمره لو كان له إلى ذلك سبيل باعتباره الشخص الذي أضله عن ~~الذكر بعد إذ جاءه ، ومنعه عن اتباع الرسول في ما يؤدي به عن الله ( ~~@QUR@02 فبئس القرين ) الذي لا يقود صاحبه إلى الخير والنجاة ، بل يقوده ~~إلى الشر والهلاك في النار. # * * * ### ||| ** لا نفع للحسرات اليوم # ( @QUR@03 ولن ينفعكم اليوم ) أي يوم القيامة ( @QUR@02 إذ ظلمتم ) ~~أنفسكم بالكفر والضلال نتيجة استسلامكم ms4724 لقرناء السوء واتباعكم لهم في ~~أفكارهم وأوضاعهم الباطلة ( @QUR@04 أنكم في العذاب مشتركون ) فأنتم وهم ~~سواء في العذاب ، مما قد يشعركم بالرضى لأنهم يتحملون مسئولية ضلالكم ، فهم ~~ليسوا بمنأى عن النتائج السلبية في الآخرة ، كما كانوا في الدنيا يهربون من ~~مسئوليتكم عند ما تقعون في المشاكل الصعبة ويتركونكم وحدكم لتحمل آثارها ~~السيئة. ولكن ذلك لا يغير من واقعكم الصعب شيئا ، لأن تحملهم للعذاب معكم ~~لن يرفعه عنكم ، بل إنكم تشاركونهم فيه ، لأنكم تتحملون جزءا كبيرا من ~~مسئولية الكفر والضلال الذي عشتموه لما منحكم الله من عقول تدفعكم إلى ~~التفكير ، ومن وحي أنزله على رسله فحملوه إليكم ليدلوكم على الطريق. # * * * PageV20P242 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) ~~@QUR@06 فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) @QUR@07 أو نرينك الذي ~~وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) @QUR@08 فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على ~~صراط مستقيم (43) @QUR@06 وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) @QUR@013 ~~وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) (45) # * * * ### ||| ** الله منتقم من الكافرين # ( @QUR@03 أفأنت تسمع الصم ) الذين أغلقوا آذانهم عن سماع كلمة الحق ، ~~فلا يريدون أن يسمعوا الوحي الذي يبلغه الأنبياء لهم ، أو يحمله الدعاة ~~إليهم ( @QUR@03 أو تهدي العمي ) الذين أغلقوا أعينهم القلبية عن رؤية الخط ~~المستقيم الذي تريد أن تهديهم إليه ، وتدلهم على مواقع الخير الذي يبني لهم ~~حاضرهم ومستقبلهم ليركزه على أساس متين ( @QUR@05 ومن كان في ضلال مبين ) ~~من هؤلاء الذين ضاعت PageV20P243 # عقولهم أمام الإغراءات والتهاويل التي يحشدها الشياطين في مشاعرهم ~~وغرائزهم ، وتاهوا فكريا وروحيا وعمليا ، وضلوا ضلالا بعيدا .. # ولعل مشكلة هؤلاء ، أن الاهتداء يحتاج إلى إرادة منفتحة على آفاق المعرفة ~~.. بحيث يكون الإنسان باحثا عن الحقيقة بجهده الذاتي في ما يتحرك به عقله ، ~~وتلتقي معه روحه ، بينما يفقد هؤلاء إرادة الهدى ، ويعيشون في الاتجاه ~~المضاد لذلك ، ويعطلون كل الأدوات والوسائل التي تصل بهم إلى مواقع الهدى. # ( @QUR@03 فإما نذهبن بك ) ونتوفينك ( @QUR@03 فإنا منهم منتقمون ) بعد ~~ذلك ، في ما كفروا وساروا في طريق الضلال من دون حجة ، ( @QUR@04 أو ms4725 نرينك ~~الذي وعدناهم ) قبل أن نتوفاك ( @QUR@03 فإنا عليهم مقتدرون ) فلن يعجزنا ~~أمرهم على أي حال ، فسيأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون. # ( @QUR@04 فاستمسك بالذي أوحي إليك ) ولا تتراجع عنه أمام هذا الجحود ~~الذي يقابلونك به ، أو هذه اللامبالاة التي يواجهونك بها ، فإن ذلك لا يسقط ~~روح الرسالة ، ولا يهزم مواقعها ولا يضعف من قدرتها ، ما دمت تملك وضوح ~~الرؤية للطريق الذي تسير عليه ، وللهدف الذي تريد أن تقودهم إليه ( @QUR@04 ~~إنك على صراط مستقيم ) يؤدي بك وبالناس من حولك إلى الله في خط رضوانه الذي ~~يصل بهم إلى مواقع جنته. # * * * # ( @QUR@04 وإنه لذكر لك ولقومك ) # ( @QUR@04 وإنه لذكر لك ولقومك ) بما يشتمل عليه من أفكار تفتح العقل ~~والقلب والروح على ذكر الله ، الذي يتحول إلى عنصر إيجابي فعال في إغناء شخصيتك PageV20P244 # الرسالية التي يزيدها ذكر الله قوة وحركية في اتجاه الدعوة والعمل في ~~سبيله ، وفي إغناء شخصية قومك في التزامهم بالخط المستقيم الذي يقودهم إلى ~~الخير ، ويركز أقدامهم على قاعدة الحق. # وقد ذكر بعضهم أن المراد بالذكر الشرف الذي يذكر به النبي وقومه ، من بين ~~الأمم ، وهو غير واضح ، لأن القرآن ليس امتيازا اجتماعيا لقوم النبي يحصلون ~~عليه ، بل هي مسئولية فكرية وعملية في خط الاستقامة على طريق الله ، فهو لا ~~يمثل حالة شخصية أو قومية ، بل حالة رسالية ، كما يوحي به قوله تعالى ، بعد ~~ذلك : ( @QUR@02 وسوف تسئلون ) عن كل ما فيه من تكاليف وتعاليم ترتبط ~~بالمسؤولية التي يتحملها الناس أمام الله في أوامره ونواهيه ، ومفاهيم ~~الحياة المنطلقة من حقائق القرآن. ( @QUR@07 وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا ) الذين يذكرهم قومك ويعترفون بنبوتهم ، فقد جاءوا بالتوحيد على أساس ~~أنه الدعوة التي توحد الحياة أمام الله ، وتابع رسالتهم في الكتب المنزلة ~~عليهم ( @QUR@06 أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) ليشاركوا الله في ~~عبادة الناس لهم ، من موقع الألوهية المستقلة ، أو من موقع الوساطة بين ~~الله وبين الناس .. # والمراد بالسؤال ، الإيحاء بأن التوحيد هو الحقيقة التي تحرك بها كل ~~تاريخ الرسالات ، والتزم بها كل الأنبياء ، مما لا ms4726 مجال معه لأي شك أو شبهة. # * * * PageV20P245 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب ~~العالمين (46) @QUR@07 فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) ~~@QUR@013 وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم ~~يرجعون (48) @QUR@012 وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون (49) @QUR@07 فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) @QUR@018 ~~ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ~~أفلا تبصرون (51) @QUR@011 أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ~~(52) @QUR@012 فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ~~(53) @QUR@07 فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) @QUR@06 ~~فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) @QUR@04 فجعلناهم سلفا ~~ومثلا للآخرين ) (56) # * * * PageV20P246 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بآياتنا ): معجزاتنا. # ( @QUR@01 وملائه ): أشراف قومه. # ( @QUR@01 ينكثون ): ينقضون العهد ويخلفون. # ( @QUR@01 مهين ): حقير. # ( @QUR@01 يبين ): يفصح. # ( @QUR@01 مقترنين ): ملازمين. # ( @QUR@01 سلفا ): سابقين إلى النار. # ( @QUR@01 ومثلا ): عبرة وموعظة. # * * * ### ||| ** من جديد .. موسى عليه السلام مع فرعون وقومه # وهذه من جديد قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه ، ولكنها تتميز ببعض ~~الملامح التي توضح جيدا طريقة فرعون وأمثاله من الطغاة ، في التفكير ، وفي ~~تقييم أنفسهم وتقييم الآخرين ، وكيف يقومون باستجداء الثقة ممن حولهم عند ~~ما يفقدون الثقة بأنفسهم ، وذلك تأكيد القيم السائدة في مجتمعهم لجهة تقييم ~~الناس طبقيا بالقياس إلى السلم الطبقي الذي يتميز به أفراد المجتمع. # ( @QUR@04 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) التي تصدم كل ما ألفوه في حياتهم ~~ليتطلعوا إلى الإنسان النبي الخارق للعادة في قدرته التي لا يمكن أن تكون ~~قدرة بشر PageV20P247 # عن صفاء الرؤية لله ، وعن طهارة الروح التي تلامس الأشياء الطاهرة في ~~احترام الإنسان في إنسانيته ، وفي الانفتاح على نقاء الحياة في الفكر ~~والروح والشعور والحركة .. فانطلقوا يبحثون عن المجد الذي يرتفع فوق جماجم ~~المستضعفين ، وعن اللذة التي يعتصرونها من آلام المحرومين ، وعن الحركة ~~اللاهية العابثة المتنوعة التي ينطلقون بها بتجميد طاقات الآخرين تأكيدا ~~لوجودهم وتأصيلا لحركتهم الذاتية. # .. وهكذا جاءهم موسى ليصدم ذلك كله ، وليفتح آفاقهم على ms4727 نور جديد ( ~~@QUR@05 فقال إني رسول رب العالمين ) فقد جئت لأرفعكم من وحول الأرض إلى ~~ينابيع النور المنهمر من السماء .. لتفكروا في الواقع بحجم الرسالة التي ~~ينفتح الله بها على عباده ، ليرحمهم بروحيتها ، وليفتح قلوبهم على آفاقها ، ~~وليجعلهم يفكرون في الآخرين بعد أن كانوا يفكرون بأنانية الذات ، وليحرك ~~طاقاتهم في سبيل إسعاد الناس في حياتهم بدلا من إسعاد أنفسهم المختنقة ~~بشهواتهم ، فتعالوا إلي ، لتستمعوا إلى آياته ، ولتعيشوا العمق الروحي ~~لمعانيها ، والامتداد الفسيح لمواقعها ، والانفتاح الرحب في آفاقها ، لتعود ~~إليكم إنسانيتكم التي فقدتموها ، وروحيتكم التي ضيعتموها .. فما ذا كان ~~ردهم على ذلك كله؟ وما الأجواء التي كانت تسيطر عليهم؟ لا شيء إلا السخرية ~~التي تمتزج بها الضحكات اللاهية العابثة .. # * * * ### ||| ** قوم موسى يطلقون السخرية في وجهه # ( @QUR@07 فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ) فكيف يمكن أن يكون ~~هذا الإنسان الفقير القادم من مجتمع الاستضعاف رسولا من رب العالمين؟ ومن ~~هو رب العالمين؟ وكيف يجرأ على أن يقدم نفسه بهذه الصفة؟ وما الذي يريده من ~~خلال ذلك؟ إن الأمر يدعو إلى الضحك الساخر لأن الموقف لا يوحي بأية PageV20P248 # دية ليثير بعض التفكير ، أو الجدل .. # ولكن الله لا يهمل المسألة ، بل يضاعف من الضغط عليهم ليراجعوا حساباتهم ~~من جديد ، ليتعرفوا إلى الله من خلال آيات العذاب ، مثلما أراد لهم أن ~~يتعرفوا إليه من خلال آيات الإعجاز. # * * * ### ||| ** تفاضل آيات الله # ( @QUR@09 وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ) وتوالت الآيات ... من ~~نقص في السنين ، ونقص من الثمرات ، إلى الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم ، آيات مفصلات تحدثت عنها سورة الأعراف .. وقد يتساءل القارئ عن هذا ~~التفاضل بين هذه الآيات كيف نرصده ونفسره .. وقد أجاب صاحب الكشاف عن ذلك ~~بأن «الغرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك ~~العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه التفاوت ~~اليسير أن تختلف آراء الناس في تفضيلها فيفضل بعضهم هذا وبعضهم ذاك ، فعلى ~~ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما ms4728 ~~اختلفت آراء الرجل الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت ~~الحماسة : # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم %~% مثل النجوم التي يسري بها الساري » (1) # وربما كانت الإشارة بلحاظ أن التدقيق فيها قد يقف بنا على نوع من PageV20P249 # التفاضل من حيث الحجم أو من حيث التأثير السلبي على طبيعة الحياة من ~~حولهم. ( @QUR@02 وأخذناهم بالعذاب ) الذي تنزل عليهم في هذه الآيات ~~العذابية ، ليفكروا في الرسول والرسالة ( @QUR@02 لعلهم يرجعون ) عن كفرهم ~~وضلالهم. # * * * ### ||| ** وقالوا ادع لنا ربك .. ثم نكثوا # ( @QUR@010 وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك ) وتجمعوا ~~حوله ، وقد أدركوا أن هناك قوة خفية غامضة لا يملكون معرفتها تقف وراء هذا ~~الرجل ، ولكنهم لم يتحرروا من عقدة التفكير بكونه ساحرا ، بسبب الجو الغامض ~~الذي يلف قوته ، أو لأنهم يرون العالم الماهر ساحرا ، وربما كان نعته ~~بالساحر مورد الاستهزاء بما يدعيه من رسالة تربطه بالرب العظيم الخالق الذي ~~لا يعرفونه ، وقد يتخيلونه مجرد وهم يعيش في ذهن موسى الذي أراد أن يعطي ~~دوره السحري مرتبة القوة المطلقة التي ترتفع به إلى العلاقة بالسماء ليتميز ~~على غيره من عظماء الناس ، ولينازع فرعون مركزه العظيم .. ولهذا حاولوا أن ~~يجأروه في وهمه الكبير ليرفع عنهم نتائج سحره .. وطلبوا منه أن يدعو ربه من ~~خلال العهد الذي عهده عنده ، وأكدوا له اهتداءهم إلى دينه ليرفع عنهم ~~البلاء ( @QUR@02 إننا لمهتدون ) في خط الرسالة .. # وكشف الله عنهم العذاب ، ليتابعوا المسيرة المثيرة في تجربة جديدة ( ~~@QUR@07 فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) وينقضون العهد الذي قطعوه ~~على أنفسهم ، لأن المسألة عندهم لم تكن جدية بالمستوى الذي يصل إلى القناعة ~~الفكرية والروحية ، بل كانت طلبا للخروج من المأزق الكبير الذي وضعهم فيه. # * * * PageV20P250 ### ||| ** فرعون يلملم ثقة قومه به # وانتهى هذا الفصل من القصة ، لنطل على فصل آخر لنشاهد فرعون وهو ينادي ~~قومه طالبا من جديد الثقة بموقعه ومركزه ، بعد أن اهتزت صورته في نفوسهم ، ~~أو هكذا خيل إليه ( @QUR@04 ونادى فرعون في قومه ) وأطلق صوته في أوساطهم ( ~~@QUR@012 قال يا قوم ms4729 أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ) أي من ~~تحت قصري أو بستاني ( @QUR@02 أفلا تبصرون ) كل ذلك لتملئوا عيونكم منه ، ~~ولتستلهموا جانب العظمة فيه وترجعوا إلي وإلى الخضوع لربوبيتي .. فهل عندكم ~~أي شك في ذلك ( @QUR@08 أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ) حقير في نسبه وفي ~~ماله وفي شكله ( @QUR@03 ولا يكاد يبين ) في نطقه ، فما الذي يملك من جوانب ~~العظمة حتى تهتموا به أو تلتفتوا إليه .. # ( @QUR@07 فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب ) ليمنحه الذهب رونقا وبهاء ~~وزينة وعظمة ، في ما كان الناس يعتادونه أنهم إذا سودوا رجلا سوروه بسوار ~~من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب ( @QUR@05 أو جاء معه الملائكة مقترنين ) به ، ~~ليشهدوا على صدقه في رسالته ، لأن ذلك هو وحده الذي يؤكد زعمه .. وكان ذلك ~~المنطق قريبا إلى ذهنية قومه ، التي كانت تركز على المقومات الخارجية ~~للشخصية في ما يملكه من مال وجاه وقوة ، لا في ما يملكه من كفاءات فكرية ~~وروحية وعملية ، ولذلك انفعلوا بالمقارنة التي عقدها فرعون بينه وبين موسى ~~( @QUR@02 فاستخف قومه ) أي استفزهم بأسلوبه القريب من سطح عقولهم فحملهم ~~على أن يخفوا له ولما أراد منهم ( @QUR@01 فأطاعوه ) بالانصياع لخطته في ~~مواجهة موسى ، ( @QUR@04 إنهم كانوا قوما فاسقين ) لا يملكون الأساس القوي ~~الذي يركز أقدامهم على الخط المستقيم في التوازن العملي في ما يفعلونه أو ~~في ما يتركونه ، لأنهم ليسوا بأصحاب فكر يضبط لهم مواقفهم ويحدد لهم ~~مواقعهم ، بل هم أصحاب أهواء ومطامع تحركهم ذات اليمين وذات الشمال. # * * * PageV20P251 ### ||| ** الانتقام من الكافرين # ( @QUR@02 فلما آسفونا ) أي أغضبونا بأفعالهم وأوضاعهم المتمردة على الحق ~~، استحقوا العقوبة ( @QUR@02 انتقمنا منهم ) من موقع الحكمة البالغة التي ~~تجعل الانتقام العملي في مصلحة الإنسان والحياة ، لا من موقع التشفي الذاتي ~~الذي لا يتناسب مع عظمة الله ( @QUR@02 فأغرقناهم أجمعين ) لتطوى تلك ~~المرحلة القلقة من ذلك التاريخ المليء بالظلم والتخلف والاستكبار ( @QUR@02 ~~فجعلناهم سلفا ) في تاريخ الكفر والانحراف ( @QUR@02 ومثلا للآخرين ) الذين ~~يتطلعون إليهم ، ليكون ما وصلوا إليه نموذجا لما يمكن أن يحدث في أي وقت في ~~حالات ms4730 مماثلة في الشعوب الأخرى ليتعظوا بذلك ، وليتراجعوا عما هم عليه من ~~الانحراف. # * * * PageV20P252 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) @QUR@014 ~~وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) ~~@QUR@010 إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ~~@QUR@08 ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) @QUR@010 وإنه ~~لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) @QUR@07 ولا ~~يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) @QUR@017 ولما جاء عيسى بالبينات قال ~~قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون ~~(63) @QUR@09 إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) @QUR@011 ~~فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ) (65) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يصدون ): يصيحون ويضجون. # ( @QUR@01 خصمون ): شديد والخصومة. PageV20P253 # ( @QUR@01 تمترن ): تشكن. # * * * ### ||| ** قريش تناقش موقع السيد المسيح (عليه السلام) # ( @QUR@09 ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) وذلك لما أنزله ~~الله في سورة مريم وفي غيرها من السور التي تحدثت عن عيسى عليه السلام ، فقد ~~كان ذلك مثار جدل متشنج من قبل قريش ، بسبب المضمون الغيبي الذي يختزنه ~~لجهة خلقه من دون أب ، ولجهة النظرة إليه في عقيدة النصارى ، ولجهة ما ~~أولاه القرآن من تعظيم لشخصيته الرسالية التي تلتقي بشخصية الرسول ، بما ~~يؤكد الصفة الرسالية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره الحلقة ~~الأخيرة من سلسلة النبوة .. # وهكذا أراد زعماء قريش المعقدون من كل المفاهيم الرسالية التي ينزل بها ~~القرآن ، أن يواجهوا الرسالة بالكلمات التي تثير المشاكل ، وتسيء إلى قداسة ~~المضمون الرسالي القرآني سواء تناول فكرة أو شخصا ، فبدأوا يضجون ويضحكون ~~ليجعلوا من الموضوع موضع سخرية واستهزاء بدلا من أن يكون مثار تفكير وتأمل. # ( @QUR@05 وقالوا أآلهتنا خير أم هو ) فلما ذا تتحدث عنه ، وتعظمه ، ولا ~~تتحدث عن آلهتنا ، فإذا كانت في خلقه وفي شخصيته بعض الأسرار ، فإننا نعتقد ~~أن لآلهتنا مثل هذه الأسرار التي تربطها بالله ، فتستطيع أن تقربنا إلى ~~الله ، فنحن لا نتحدث عن آلهة خالقة إذا كنت تنفي عنه صفة ms4731 الألوهية بهذا ~~المعنى ... وهكذا كانت هذه الكلمة الاستفهامية الواردة على سبيل الإنكار ، ~~مدخلا للإثارة ، التي هي الأسلوب الذي يستعملونه في مواجهة الرسالة ، فهم ~~لا يريدون الدخول في حوار حول الفكرة ليناقشوها بتقديم الحجة التي تؤيدها أو PageV20P254 # تعارضها ، بل يريدون إثارة الضوضاء التي توحي للبسطاء بأنهم في المستوى ~~الذي يستطيعون فيه أن يجابهوا النبي وما يأتي به من قضايا الرسالة ( ~~@QUR@05 ما ضربوه لك إلا جدلا ) عقيما لا يرتكز على أساس ولا يؤدي إلى ~~نتيجة فكرية ، لأن المضمون الذي تحدثوا عنه لا معنى له ، فما هي المناسبة ~~بين آلهتهم ، وبين عيسى عليه السلام .. فهل حدثهم القرآن عن عبادته كخط ~~للعبادة الشرعية ، ليجدوا تبريرا لعبادة آلهتهم ، وإذا كان النصارى يعبدونه ~~، كما توحي أو تتحدث آيات القرآن ، لاعتقادهم بألوهيته بأي معنى من معاني ~~الألوهية ، فما هي علاقة القرآن بذلك وهو يؤكد دوره كرسول من الله في موقع ~~البشرية التي لا ترتفع عن هذا المستوى بطريقة الخلق العجيب في ولادته من ~~دون أب ، لأن ذلك من الأمور التي تتصل بقدرة الله ، لا بقيمة الشخص. # إن كلامهم هذا من نوع الكلام الذي لا معنى له كرد على ما أثاره القرآن ، ~~ولكن كما ذكرنا هو محاولة إشغال الجو بأي شيء ، لتعطيل حركة فكر الرسالة في ~~المجتمع ، وليدور الجدال بعيدا عما إذا كان لصيقا بالموضوع أو بعيدا عنه ، ~~كما يفعل كثير من الكافرين والمستكبرين عند ما يريدون مواجهة دعوات الحق ~~والعدل ، بالعمل على صرف الناس عن الاستماع إليها والانشداد نحوها ، وذلك ~~بإثارة الأفكار التي تحرك الجدال والنزاع بطريقة تمنع الناس من التفكير ~~الهادىء المتزن ، من دون أن يكون هناك أساس فكري يرتبط بالفكرة الرسالية ، ~~في مواقع الموقف المضاد. # * * * # ( @QUR@03 هم قوم خصمون ) # ( @QUR@04 بل هم قوم خصمون ) وهي صفتهم الذاتية ، فهم لا يعيشون مسئولية ~~البحث عن الحقيقة بل يحترفون الخصومة ، بكل أساليبها المتلونة ، ليصلوا إلى ~~أطماعهم ، وليحافظوا على امتيازاتهم ومواقعهم ، والخصومة فن مستقل وجزء PageV20P255 # في لعبة المكاسب الذاتية أو السياسية أو الاجتماعية ، وليست وسيلة من ~~وسائل الوصول إلى النتائج الحاسمة ms4732 في الحق. # * * * ### ||| ** مواجهة الضجيج الجدلي بالعقل الهادىء # ( @QUR@06 إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ) بالرسالة ، وبما آتيناه من قدرة ~~إعجازية متحركة في شخصيته بإذن الله .. وبما فتحنا له من الآفاق الروحية ~~التي يتحرك فيها في ساحة رسالته من خلال تأييده بروح القدس ( @QUR@04 ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ) بما يجسده من النموذج الأمثل الذي يبعث فيهم ~~الثقة بالرسالة ، في مضمونها الروحي ، وفي قيمها الإنسانية وفي بعدها ~~الأخلاقي ، وفي شريعتها المتوازنة ، لأنه يجسد ذلك كله في حركته في ذاته ، ~~كإنسان رسول ، وفي حركته في رسالته ، كإنسان ملتزم بالرسالة في حياته .. # .. وهكذا رأينا القرآن لا يتناول المسألة في دائرة العقدة الذاتية من ~~منطقهم ، بل يعمل على مواجهة الضجيج بالكلمة الهادئة المعبرة عن شخصية ~~السيد المسيح عليه السلام بعيدا عن كل المعاني التي أرادوا إثارتها من ~~الألوهية والمقارنة بينه وبين أصنامهم ، ليعيد عليهم الفكرة القرآنية التي ~~تلخص قصة شخصية عيسى عليه السلام في أنه عبد الله الذي كان موضعا من مواضع ~~نعمته ، ومثلا حيا للرسالة في قومه لينطلق من خلالهم إلى الناس كافة. # وهذا هو الأسلوب القرآني الحكيم الذي لا يسمح للآخرين أن يبعدوه عن الخط ~~المنهجي الذي أراد أن يؤكده في قضية المعرفة ، وفي انفتاح الرسالة على الحق ~~فيواجه الضجيج الجدلي ، بالعقل الهادىء ، والروح المنفتحة ، ثم يبدأ الحديث ~~عن الفكرة بعد هدوء الجو ليستمع إليها الآخرون بكل حكمة واتزان .. # * * * PageV20P256 ### ||| ** العلاقة بين البشرية والنبوة # ( @QUR@08 ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) يأخذون موقع ~~الخلافة في الأرض بدلا منكم كما تتحدثون ، فإن المسألة ليست بعيدة عن قدرة ~~الله الذي يستطيع أن يصور مخلوقاته بأية صورة ، ويغير ما يشاء كما يشاء ، ~~ولكنه رأى بحكمته أن يرسل رسله بشرا ليتم التفاعل بينهم وبين البشر نظرا ~~للتشابه في الخصائص النوعية التي تلتقي فيها الأفكار والمشاعر والقدرات ، ~~وليمكن للرسول أن يكون في موقع القدوة للآخرين في أوضاعه العملية المتصلة ~~برسالته فلا مصلحة في أن يكون الملك رسولا للبشر ، كما لا مصلحة للبشر في ~~أن يكون رسولا للملائكة لو كان الملائكة ms4733 يحتاجون إلى رسول . # وقد فسر صاحب الميزان الآية بطريقة أخرى فقال : «الظاهر أن الآية متصلة ~~بما قبلها ، مسرودة لرفع استبعاد أن يتلبس البشر من الكمال ما يقصه القرآن ~~عن عيسى عليه السلام فيخلق الطير ويحيي الموتى ، ويكلم الناس في المهد إلى ~~غير ذلك ، فيكون كالملائكة المتوسطين في الإحياء والإماتة والرزق وسائر ~~أنواع التدبير ، ويكون مع ذلك عبدا غير معبود ، ومألوها غير إله ، فإن هذا ~~النوع من الكمال عند الوثنية مختص بالملائكة ، وهو ملاك ألوهيتهم ~~ومعبوديتهم ، وبالجملة ، هم يحيلون تلبس البشر بهذا النوع من الكمال الذي ~~يخصونه بالملائكة. # فأجيب بأن لله أن يزكي الإنسان ويطهره من أدناس المعاصي بحيث يصير باطنه ~~باطن الملائكة ، وظاهره ظاهر البشر وباطنه باطن الملك يعيش في الأرض يخلف ~~مثله ويخلفه مثله ويظهر منه ما يظهر من الملائكة» (1).. ثم يرد على ما ~~يلتقي بالوجه الذي ذكرناه ، بأنه لا يلائم النظم تلك الملاءمة. # ولكننا نلاحظ أن المسألة المطروحة لدى الوثنيين حول ما يقصه القرآن ، PageV20P257 # ليست متصلة بالجانب الروحي العميق الذي يلتقي بالعصمة من المعاصي ~~وبالطهارة من الأدناس ، بل هي ناشئة من أن الطبيعة البشرية في ذاتها لا ~~تنسجم مع النبوة التي هي أمر يتعلق بالأفق الغيبي لله لإحساسهم بالعظمة ~~الضبابية تجاه كل الأمور الخفية من الموجودات التي إذا لم يمنحوها الألوهية ~~فإنهم يتحدثون عنها على أساس العلاقة العضوية بالله ، كما قالوا عن ~~الملائكة بأنهم بنات الله ، وكما قالوا أمرا قريبا من ذلك ، عن الجن ، مما ~~لا يتيسر للبشر الذين يعرفونهم في نقاط قوتهم وضعفهم بالحس المباشر ، أما ~~مسألة النظم فقد يكفي فيه أن تكون المسألة واردة في الأجواء التي تثيرها ~~رسالة عيسى عليه السلام التي تحدثت عنها الآية السابقة على أساس ما جاء في ~~سورة مريم ، وهي مسألة العلاقة بين البشرية والنبوة ، التي أثاروها ضد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الإيمان بالساعة يوصل إلى رضوان الله # ( @QUR@03 وإنه لعلم للساعة ) ربما كان الضمير يرجع إلى عيسى باعتبار أنه ~~ممن يعلم به الساعة ، لأن مظهر القدرة في ms4734 خلقه من غير أب يوحي بالقدرة على ~~قيام الساعة ( @QUR@03 فلا تمترن بها ) أي لا تشكوا بها ولا ترتابوا .. ~~وفيه نوع خفاء في الدلالة ، وربما كان المراد به أنه من أشراط الساعة ، ~~فإنه ينزل على الأرض فيعلم به قرب الساعة ، فلا تشكوا بها آنذاك ، وهو غير ~~واضح ، لأن الحديث عنها في زمان الرسالة ، وقيل إن الضمير يرجع للقرآن ، ~~باعتبار أنه آخر الكتب المنزلة ، وهو غير ظاهر ، ولعل الأقرب هو تأكيد ما ~~في القرآن من الأحاديث التي تثير قضية الساعة من جوانبها الذاتية ، ومن ~~جوانب الفكرة في ساحة الصراع بين الرسالة وبين خصومها ، مما لا يدع أي ريب ~~فيها من ناحية فكرية أو إيمانية في ما تحدث القرآن عن إمكان البعث وعن ~~طبيعة الساعة في تقدير PageV20P258 # الله الذي يقرر الحقيقة الحاسمة في ما يخبر به عنها على لسان النبي ~~الصادق الذي لم يجربوا عليه كذبا في حياته. # ( @QUR@04 واتبعون هذا صراط مستقيم ) فإن الإيمان بالساعة يفرض اتباع ~~النبي في رسالته لأن ذلك هو طريق الوصول إلى رضوان الله ونعيمه فيها ، وقيل ~~إنه من كلام الله تعالى عن نفسه ، أي اتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي ، ولعل ~~الوجه الأول أقرب للجو العام. # ( @QUR@03 ولا يصدنكم الشيطان ) عن الأخذ بالرسالة في خط السير في الحياة ~~في علاقتكم بالله وبالرسول وبالناس وبالحياة من حولكم ، فإنه يريد أن ~~يبعدكم عن الله ، ليقودكم إلى مواقع غضبه التي تؤدي بكم إلى نار جهنم ( ~~@QUR@04 إنه لكم عدو مبين ) فتعاملوا معه كما يتعامل الإنسان مع عدوه في ~~الحذر وفي الاستعداد الدائم للمواجهة. # * * * ### ||| ** عيسى يدعو قومه إلى التقوى وعبادة الله الواحد # ( @QUR@04 ولما جاء عيسى بالبينات ) التي أقدره الله عليها من المعجزات ~~الخارقة ( @QUR@04 قال قد جئتكم بالحكمة ) في ما يتضمنه الإنجيل من ~~التعاليم التي تمنحكم الذهنية الروحية والعملية ، ومقدرة التوازن في الحياة ~~بحيث تملكون معها وضوح الرؤية للأشياء من حولكم ، وللموقف الذي ينبغي لكم ~~أن تأخذوه في علاقتكم بها ، فتضعون الأشياء في مواضعها في الكلمة والموقف ~~والمنهج. # ( @QUR@06 ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) من ms4735 قضايا العقيدة ، ومن ~~أحداث الحياة ، مما تحتاجون فيه إلى القاعدة الثابتة القوية التي تكون ~~أساسا للتفكير ، ومنهجا للحركة ، لأن مشكلة كثير من الناس عند ما يختلفون ، ~~هي افتقارهم إلى اللغة المشتركة في دائرة الفكر ، التي يتفاهمون بها ، ~~ويلتقون عليها ، وكل PageV20P259 # واحد منهم يتحدث بطريقة لا يفهمها الآخر ، نتيجة المؤثرات الذاتية التي ~~لا يملكون معها حكما يحكم بينهم ، في الحيثيات الفكرية ، أو في القوة ~~المهيمنة التي يخضع لها الجميع. # ( @QUR@03 فاتقوا الله وأطيعون ) فإن التقوى تمثل الخط المتوازن الذي ~~يشعر الإنسان معه بالثبات في قضية الحركة والمصير ، لأنه يلتقي بالله في ~~أوامره ونواهيه التي إذا انطلق الإنسان معها في دائرة الالتزام الواعي فإنه ~~يصل إلى الهدى الذي لا ضلال معه ، وإلى الأمن الذي لا خوف معه ، كما أن ~~طاعة النبي هي العنوان الكبير لطاعة الله ، وللمضمون الواسع للتقوى لأن من ~~أطاع الرسول فقد أطاع الله ، لأنه لا يؤدي عن ذاته في ما يبلغه الناس ، بل ~~يؤدي عن الله في ذلك كله. # ( @QUR@05 إن الله هو ربي وربكم ) فلست إلها يملك سر الألوهية ليدعوكم ~~إلى نفسه ، بل أنا عبد لله ، ومربوب له ، كما أنتم مربوبون له ، ولهذا ~~فإنني أدعوكم إلى إخلاص العبادة التوحيدية له لتعبدوه من موقع ربوبيته ، ~~كما أعبده من هذا الموقع ، ( @QUR@04 فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) لأن ذلك هو ~~الذي يوحد التصور العقيدي للإله ، كما يوحد التحرك في خط الاستقامة الذي ~~يربط بين توحيد الله وحركة الإنسان في هذا الاتجاه. # ( @QUR@04 فاختلف الأحزاب من بينهم ) فآمن به بعضهم ، وكفر به بعض آخر ، ~~وبدت الرسالة موضعا للخلاف بدلا من أن تكون حلا لما يختلفون فيه ، انطلاقا ~~من النوازع الذاتية ، والمصالح المادية ( @QUR@07 فويل للذين ظلموا من عذاب ~~يوم أليم ) لأن ذلك هو ما يستحقه الظالمون الذين يظلمون أنفسهم بالابتعاد ~~عن الله ، ويظلمون الحياة كلها بالابتعاد بها عن خط التوحيد الذي هو أساس ~~التوازن بين الإنسان والحياة من حوله. # * * * PageV20P260 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) ~~@QUR@07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ms4736 (67) @QUR@09 يا عباد لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) @QUR@05 الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين (69) @QUR@05 ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) @QUR@015 يطاف ~~عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها ~~خالدون (71) @QUR@07 وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) ~~@QUR@06 لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) @QUR@06 إن المجرمين في ~~عذاب جهنم خالدون (74) @QUR@06 لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) @QUR@06 ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) @QUR@09 ونادوا يا مالك ليقض ~~علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) @QUR@07 لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون ) (78) # * * * PageV20P261 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ينظرون ): ينتظرون. # ( @QUR@01 بغتة ): فجأة. # ( @QUR@01 الأخلاء ): جمع خليل وهو الصديق. # ( @QUR@01 تحبرون ): تسرون ، والحبور : هو السرور الذي يظهر أثره وحباره ~~في الوجه ، والحبرة : الزينة وحسن الهيئة. # ( @QUR@01 بصحاف ): الصحاف : جمع صحفة وهي إناء يؤكل فيه الطعام. # ( @QUR@01 يفتر ): يخفف. # ( @QUR@01 مبلسون ): بائسون. # * * * ### ||| ** جزاء المتقين والمجرمين # ( @QUR@02 هل ينظرون ) ماذا ينتظر هؤلاء السادرون في غيهم ، المصرون على ~~كفرهم ، المتمردون في مواقفهم .. المكذبون للأنبياء في رسالاتهم ( @QUR@02 ~~إلا الساعة ) التي وعد الله عباده المؤمنين بها ليجزيهم أحسن ما علموا ، ~~وتوعد بها عباده الكافرين ، ليدخلهم في عذابه ( @QUR@03 أن تأتيهم بغتة ) ~~في مفاجأة شديدة لا يملكون أمامها مجالا للنجاة ، ( @QUR@03 وهم لا يشعرون ~~) كيف جاءتهم لأنهم لم يكونوا مستعدين لها لاستغراقهم في الغفلة المطبقة ~~التي تحيط بهم من كل جانب ، فلا تترك لهم مجالا للفكر الذي يفتح لهم آفاق ~~الذكرى لما يقدمون عليه. # ( @QUR@05 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ) لأن علاقتهم في الدنيا كانت PageV20P262 # مفتوحة على الكفر والضلال ، بعضهم يضل بعضهم الآخر ويساعده على ارتكاب ~~المعصية بسبب الفكر الكافر أو الضال الذي يلتزمون به ، فإذا وقفوا يوم ~~القيامة وجها لوجه أمام استحقاق المصير في ساحة العذاب ، حمل بعضهم ~~المسؤولية للبعض الآخر ليتخفف بذلك من المسؤولية ، وتبرأ بعضهم من بعض ، ~~لما يحمله في قلبه من حقد تجاه من أضله ، فهم لا يطيقون النظر إلى بعضهم ~~كما قال الله سبحانه : ( @QUR@05 كلما دخلت أمة لعنت أختها ) [الأعراف : ~~38] أو ( @QUR@09 يوم يفر المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه ) [عبس ~~: 34 36] وهكذا تتحول الصداقة إلى ms4737 عداوة ( @QUR@02 إلا المتقين ) الذين ~~عاشوا الحياة على التعاون في البر والتقوى الذي يفتح قلوبهم على الحق ~~والخير والهدى في طريق الله الذي يجمعهم على الإيمان في الدنيا ، وينتهي ~~بهم إلى رضوان الله ونعيمه في الآخرة ، مما يجعل الصداقة تمتد بهم إلى ~~الآخرة لأن الأساس الذي ارتكزت عليه علاقتهم لا ينقطع بانتهاء الحياة ~~الدنيا بل يتصل بمضمونه الروحي بالآخرة .. ليناديهم الله بالنداء الحميم ~~الذي يفتح قلوبهم على الخير كله. # * * * ### ||| ** لا خوف اليوم على عباد الله المتقين # ( @QUR@09 يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) لأنكم استطعتم ~~أن تحصلوا على الأمن والسرور نتيجة أعمالكم ، لتعيشوا الطمأنينة النفسية ~~والفرح الروحي في آخرتكم .. وإذا كانت كلمة عباد الله تشمل المؤمنين ~~والكافرين في طبيعتها ، فقد حدد الله الذين لا يخافون ولا يحزنون في ساحة ~~رحمته ب ( @QUR@03 الذين آمنوا بآياتنا ) التي جاء بها الأنبياء ( @QUR@02 ~~وكانوا مسلمين ) في كل حركة حياتهم الوجدانية والعملية ، فتجسد إسلامهم لله ~~في كل واقعهم العملي في الخط والحركة والعلاقات. ( @QUR@04 ادخلوا الجنة ~~أنتم وأزواجكم ) اللاتي انطلقن معكم PageV20P263 # في خط الإيمان والعمل الصالح ( @QUR@01 تحبرون ) تسرون بما يظهر أثره في ~~الوجه والزينة وحسن الهيئة. # ( @QUR@06 يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ) مما يمثل النعيم الحسي في ~~درجته العليا التي ربما فقدوها في الدنيا ( @QUR@04 وفيها ما تشتهيه الأنفس ~~) من رغباتها المادية وشهواتها الحسية ( @QUR@02 وتلذ الأعين ) في ما ~~تستمتع به من جمال المنظر الذي يتمثل أمامها وزينة الأشياء المحيطة بهم .. ~~مما لا يقف عند حد من حدود الاشتهاء واللذة ، لأن الله قد فتح لهم هناك كل ~~أبواب رحمته المادية والمعنوية ( @QUR@03 وأنتم فيها خالدون ) فلا مجال ~~فيها للموت الذي ينغص على الإنسان لذة الحياة ، بل هناك الامتداد الذي لا ~~حد له .. # ( @QUR@07 وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) فليست الجنة هبة ~~مجانية لهم ، بل هي الجزاء الأوفى على أعمالهم الخيرة المنطلقة من الإيمان ~~بالله ، لأن الله قد جعل العمل أساسا للوصول إلى النتائج الإيجابية في قضية ~~المصير الإنساني في الآخرة. # ( @QUR@06 لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ) كنموذج للنعم ms4738 الحسية التي ~~ينعم بها الله على عباده المؤمنين ، حيث يجدون لذة الاكتفاء بما تحتاجه ~~أجسامهم من أطايب الطعام والشراب. # * * * ### ||| ** خلود المجرمين في جهنم # ( @QUR@06 إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ) فهذا هو جزاء جريمة ~~الانحراف عن خط الحقيقة من غير حجة ، بالإضافة إلى جريمة السير في خط ~~المعصية لأوامر الله ونواهيه. ( @QUR@03 لا يفتر عنهم ) أي لا يخفف ولا ~~يقلل منه شيء ( @QUR@03 وهم فيه مبلسون ) أي يائسون من رحمة الله بالخروج ~~من النار. ( @QUR@02 وما ظلمناهم ) لأن الظلم يمثل التصرف الذي لا ينطلق من ~~الاستحقاق الناشئ من العمل الذي لا يملك PageV20P264 # العامل المبرر له أو الذي يملك صاحب الأمر الجزاء عليه بالعقوبة .. ولم ~~يكن عذابهم ظلما لأن الله يملك على عباده حق الطاعة والسير في خط هداه بعد ~~أن أقام الحجة عليهم في كل قضايا العقيدة والعمل ، ( @QUR@04 ولكن كانوا هم ~~الظالمين ) الذين ابتعدوا عن الله في كل شيء فاستحقوا عذابه ، فظلموا ~~أنفسهم بذلك بما أوصلوها به إلى الهكلة. # ( @QUR@06 ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) فإننا لا نستطيع تحمل هذا ~~العذاب الذي لا انقطاع له فليكن الموت النهاية التي ترتاح فيها أجسامنا منه ~~( @QUR@03 قال إنكم ماكثون ) في النار ، لأن الخلود في العذاب هو جزاء ~~الكافرين والمشركين الذين لا يملكون أية حجة على كفرهم وشركهم ، بل قامت ~~حجة الإيمان عليهم فرفضوها عنادا وتمردا. ( @QUR@03 لقد جئناكم بالحق ) ~~الذي أنزله الله على رسله في جانب العقيدة والعمل ( @QUR@04 ولكن أكثركم ~~للحق كارهون ) لأنكم استسلمتم للباطل الفكري والعاطفي والعملي الذي سيطر ~~على تفكيركم ، وعواطفكم ، وحرك كل مواقعكم العملية .. حتى ألفتموه ، وتحول ~~لديكم إلى جزء من مزاجكم وإلى طبيعة ثانوية ، بحيث أصبحتم تكرهون الحق في ~~كل مواقعه ، بشكل عفوي أو طبيعي .. وتلك هي مشكلتكم في مواقفكم المنحرفة ~~الرافضة للرسالات الإلهية من موقع العقدة المزاجية. # * * * PageV20P265 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) @QUR@011 أم يحسبون أنا لا ~~نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) @QUR@08 قل إن كان للرحمن ~~ولد فأنا أول العابدين (81) @QUR@08 سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما ~~يصفون (82) @QUR@08 فذرهم يخوضوا ويلعبوا ms4739 حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(83) @QUR@011 وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ~~(84) @QUR@013 وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة وإليه ترجعون (85) @QUR@013 ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) @QUR@08 ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون (87) @QUR@08 وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) ~~@QUR@06 فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ) (89) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يؤفكون ): يصرفون عن الحق. # ( @QUR@01 وقيله ): قوله. # * * * PageV20P266 ### ||| ** خطة التوحيد في مواجهة الشرك # كيف يتحرك الكافرون أو المشركون في موقف محاربة الرسل والرسالات؟ وكيف ~~يدبرون الخطط في مواجهة الحق؟ وما هو رد الفعل الذي يواجههم في ذلك كله؟ ( ~~@QUR@03 أم أبرموا أمرا ) أي أحكموا الخطة الدقيقة التي دبروا فيها وسائل ~~إسقاط الدور الرسالي في حياة الناس ، وعزل الرسول عن المجتمع ، وتشوية صورة ~~الحق ، بطريقة خبيثة ، فإذا كانوا يدبرون ذلك فلن يمر الأمر من دون مواجهة ~~حاسمة ( @QUR@02 فإنا مبرمون ) أي محكمون للخطة الرسالية التي تدبر ~~الأساليب الناجحة التي تفتح قلوب الناس وعقولهم على الرسالة كما تخطط ~~للصدام القوي العاقل المتزن الذي تخوضه مع القوى الكافرة من أجل إضعاف ~~قوتها وإرباك خططها ومحاصرتها بالوسائل المضادة الفاعلة .. وهكذا تريد ~~الآية الإيحاء للمؤمنين بأن ساحة الصراع تفرض على العاملين فيها أن لا ~~يضعفوا ولا ينهزموا أمام كيد الكافرين والمستكبرين ، وأن لا يسقطوا أمام ~~التهاويل التي يثيرونها في وجوههم .. بل عليهم أن يحاربوا الخطة بخطة ، ~~والكيد بالكيد ، والتهاويل المثيرة بتهاويل أشد إثارة .. لأن ذلك هو السبيل ~~الذي يحفظ للساحة الإيمانية قوتها وتوازنها ، ليكون رد التحدي في مستوى ~~التحدي ، ولا سيما إذا عاش المؤمن الشعور العميق بأن الله معه ، لأنه مع ~~الله ، وأن الله يدبر له أمره ، بقدر ما يدبر أمر نفسه بإرادة الحق في نفسه ~~، وقوة الإرادة في موقفه. # ثم ماذا يتصور هؤلاء عند ما يغلقون الأبواب والنوافذ على أنفسهم لئلا ~~يراهم أحد ، أو لئلا يسمعهم سامع ( @QUR@07 أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم ) أفلا يتصورون أن الله يسمع وساوس الصدور ، وهمس ms4740 الشفاه ، فهو ~~الشاهد على كل نجوى مهما كانت خفية ، فكيف لا يسمع سرهم ونجواهم ( @QUR@01 ~~بلى ) فإن الله هو المحيط بالإنسان في سره وعلانيته ( @QUR@01 ورسلنا ) ~~الذين جعلناهم شهودا عليهم ( @QUR@02 لديهم يكتبون ) كل ما يقولون ويعملون ~~، في ما أوكلنا إليهم من حفظ أعمال العباد ، الصغيرة والكبيرة. # * * * PageV20P267 ### ||| ** لا شريك لله الواحد الأحد # ( @QUR@05 قل إن كان للرحمن ولد ) تزعمون أنه خلقه في عالم الغيب أو في ~~عالم الحس ، وتعبدونه كما تعبدون الله لاعتقادكم بأنه ذو قدرة وسيطرة في سر ~~الألوهية الكامنة في ذاته يستمدها من علاقة البنوة التي تربطه بالله ( ~~@QUR@03 فأنا أول العابدين ) لهذا الولد ، لأن من الطبيعي أن يعبد الإنسان ~~ابن الله من خلال عبادته لله .. ولكن كيف تثبتون ذلك ..؟ وما هو دليلكم ~~عليه؟ فإنني لا أجد لذلك أي أثر من حجة أو دليل ، ولذلك فإني أعبد الله ~~وحده ، ولا أعبد غيره لأنه لا شريك له في الألوهية ولا في العبادة ، من ولد ~~أو غيره ( @QUR@08 سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون ) له من ~~الولد ، فإذا كان الله رب هذا الكون كله ، في عالم الشهود والغيب ، لأنه ~~بارئه بكل ما فيه من مخلوقات وموجودات ، فكيف يمكن أن يكون له ولد ، إذا ~~كان كل من عداه مخلوقا له. # ( @QUR@03 فذرهم يخوضوا ويلعبوا ) في ما يأخذون به من أسباب اللهو والعبث ~~والخوض في الباطل ، مما يجعلهم غافلين عن مسألة المصير ، وما يمكن أن ~~يلاقوه من نتائج سلبية تتصل بحياتهم المستقبلية في الآخرة ، ولذلك فإنهم لا ~~يواجهون الموقف بالاهتمام الذي يستحقه ، بل باللامبالاة والذهنية الفارغة ~~من كل فكر ، اللاهية عن كل مصير. فدعهم لخوضهم ولعبهم ، ولا تتعقد من ذلك ، ~~وتابع دعوتك ورسالتك ، بعد أن أقمت عليهم الحجة ، ليستمروا في كل أوضاعهم ( ~~@QUR@05 حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) فيجدون هناك نتائج أعمالهم التي ~~انحرفوا فيها عن الخط المستقيم الذي دعاهم الله إليه ودلهم عليه. # * * * ### ||| ** إله السماء والأرض واحد # ( @QUR@08 وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) فهو المهيمن بألوهيته ~~المطلقة على السماء ، كما هو مهيمن على الأرض كلها ms4741 بألوهيته ( @QUR@02 وهو ~~الحكيم ) الذي أدار الكون ودبره بحكمته ( @QUR@01 العليم ) الذي أحاط بكل ~~شيء فيه بعلمه .. PageV20P268 # ووحدانيته لا يقترب إليها شرك ولا تلتقي بالاثنينية وما قد يفكر به بعض ~~المشركين من وجود إله للأرض يستقل عن إله السماء ، أو إله للسماء ينفصل عن ~~إله الأرض. # ( @QUR@08 وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ) فهو مصدر ~~الخير والخلق والتدبير الذي يرجع إليه كل شيء ( @QUR@03 وعنده علم الساعة ) ~~التي ينتهي إليه علمها ، لأن حكمته اقتضت أن ينتظرها الناس من دون أن ~~يملكوا معرفة حدودها الزمنية ، مما يجعلهم خاضعين في عمق شعورهم إلى ~~ربوبيته المطلقة وملكيته الشاملة ، وعلمه الواسع الذي لا حد له ، لكونه ~~يحيط بحياتهم كلها في المبدأ ، وفي خط السير ، وفي نهاية المصير ، ليفتحوا ~~عقولهم وقلوبهم على الحقيقة التي تفرض نفسها عليهم من أنه وحده هو الرب ~~العظيم الذي لا رب غيره ، لأن كل من عداه مخلوق ومربوب له. # ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) وتقفون بين يديه ، وتقدمون حساب أعمالكم إليه ، ~~ليحكم بينكم ، وعليكم وعلى كل تاريخ حياتكم الدنيا التي عشتم فيها عمركم. # * * * ### ||| ** الشفاعة لمن شهد بالحق # ( @QUR@07 ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ) التي يتطلعون إلى ~~الحصول عليها من خلال عبادة تلك الآلهة ، لأن شفاعة كل شفيع يزعم الناس له ~~الشفاعة لا تتم إلا بالله فهو الذي يملك الأمر كله ، فلا يستقل أحد عنه ~~بشيء ( @QUR@04 إلا من شهد بالحق ) وهو التوحيد والإيمان بالرسالة والرسل ~~واليوم الآخر ، فهؤلاء هم الذين يحق لهم الشفاعة ، لأنهم انفتحوا على الله ~~في مواقع رضاه بالحق الذي أراد للحياة أن تنفتح عليه وتتحرك فيه ( @QUR@02 ~~وهم يعلمون ) حقيقة الأمر كله فيمن شفعوا له. # * * * ### ||| ** أنى يؤفك المشركون؟ # ( @QUR@04 ولئن سألتهم من خلقهم ) في خطاب يفاجئ الفطرة الصافية الكامنة في PageV20P269 # وجودهم العقلي والشعوري ( @QUR@02 ليقولن الله ) في جواب عفوي حاسم لا ~~يحمل أي مجال للتشكيك أو للاهتزاز ، لأنه تعبير صحيح عن معنى وجودهم الذي ~~لا يحمل أي مضمون مستقل ، بل هو مفتقر إلى الارتباط بالله في عملية الخلق ( ~~@QUR@02 فأنى يؤفكون ) فإلى أين يصرفون عن الحق ms4742 ، الذي يفرض مضمونه على ~~وجدانهم؟ وكيف يشركون بعبادته غيره؟ وكيف يستغرقون في الغفلة التي تبعدهم ~~عن واقع الأمور. # * * * # ( @QUR@06 رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ) # ( @QUR@08 وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ) هذا ما كان النبي يقوله ~~، لظهور الضمير في عودته إليه .. عند ما كان يقدم تقريره إلى الله بعد ~~العناء الطويل الذي بذله في سبيل هدايتهم إلى الحق ، وهو توحيد العقيدة ~~والعبادة ، فلم يلتفتوا إليه ولم ينفتحوا عليه ، بل تمردوا وعاندوا ، فكيف ~~يواجه الموقف ..؟ وكيف يتحمل هذه النتائج؟ وجاء جواب الله الحاسم يحدد له ~~التصرف الرسالي الذي يجب أن يجسده ، وهو الانفتاح على الأفق الواسع الذي لا ~~يتعقد الرسول من الفشل إذا انفتح عليه ، وعاش فيه ( @QUR@02 فاصفح عنهم ) ~~ولا تحمل في قلبك حقدا عليهم ، بل دع قلبك مفتوحا على الأمل الكبير في ~~رجوعهم إلى الحق ( @QUR@02 وقل سلام ) فلتكن كلمة السلام التي جاءت رسالتك ~~من أجل حمل مضمونها إلى العالم ، باعتبار أن الروح الإلهي يوحي للناس ~~بالسلام من خلال رحمته التي سبقت غضبه عند ما تفيض على القلوب الظمأى ، ~~والأرواح الحيرى ، والمشاعر المظلمة ، لتملأها بالري وتهديها إلى سواء ~~السبيل ، وتشرق في داخلها بالنور الذي يطرد الظلام ( @QUR@02 فسوف يعلمون ) ~~ويكتشفون النتائج السلبية لموقفهم ، وينفتحون على الله ليعرفوا أنه الحق ، ~~وأن ما يدعون من دونه الباطل ، وأنه على كل شيء قدير. # * * * PageV20P270 ### | سورة الدخان ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع وخمسون PageV20P271 ### ||| ** في أجواء السورة # في هذه السورة حديث عن الأجواء المثيرة المخيفة التي يريد الله للإنسان ~~أن يعيشها من خلال آيات الكتاب التي تتحدث عن مشاهد القيامة ، ومصارع الأمم ~~السالفة ، وظواهر الكون التي وزعها الله في الآفاق ، ليرى الإنسان فيها ~~مظاهر عظمة الله في خلقه وقدرته على إنزال العذاب به عند ما يبتعد عن ~~عبادته سبحانه وتعالى. # ولأن الناس لا يعيشون الإحساس بمسؤولية المصير الذي ينتظرهم وما حذرهم ~~الله منه ، فإنهم لم يفكروا جيدا بالعقيدة التوحيدية ، ولم ينفتحوا على رب ~~السماوات والأرض وما بينهما الذي لا إله إلا هو ، لذا فإنهم يواجهون عذاب ~~الدنيا في أكثر ms4743 من موقع ، ويصيبهم منه البلاء في أنفسهم وفيمن حولهم ، ثم ~~يرجعون إلى الله فينتقم منهم بالعذاب الخالد .. # وتطل السورة على ما أصاب فرعون وقومه الذين أغرقهم الله في اليم جزاء على ~~كفرهم وعنادهم ، وكيف أذلهم الله بعد الاستعلاء والاستكبار .. وتمتد لتتحدث ~~عن تفاصيل البعث وعلاقته بالحكمة الإلهية في إقامة السموات والأرض وهي الحق ~~الذي يمنع العبث واللعب ويوحي بوجود أهداف من وراء حياة الإنسان .. مما ~~يجعل من الآخرة مسألة جدية في حساب المسؤولية التي ينتظر الناس نتائجها ~~الإيجابية والسلبية ، الأمر الذي يفرض التفكير في المصير PageV20P273 # ووعي مضمون القرآن الفكري الذي يرتقب فيه الإنسان كل وعد الله ووعيده في ~~ساحة الآخرة. # * * * ### ||| ** سبب التسمية # وقد سميت هذه السورة بالدخان بسبب الآية التي تتحدث فيها عن موعد إلهي ~~يأتي فيه دخان عجيب من السماء بطريقة تجعل الجو الأرضي جوا دخانيا يدفع ~~الناس إلى الاختناق ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@011 فارتقب يوم تأتي ~~السماء بدخان مبين* يغشى الناس هذا عذاب أليم ) ليفكر الناس بذلك ، ويرجعوا ~~إلى الله الذي يكشف عنهم ذلك العذاب ، إذا أنابوا إليه وتابوا من كفرهم ~~وعنادهم. # * * * PageV20P274 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@02 والكتاب المبين (2) @QUR@08 إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) @QUR@05 فيها يفرق كل أمر حكيم (4) @QUR@06 ~~أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) @QUR@07 رحمة من ربك إنه هو السميع ~~العليم (6) @QUR@08 رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) ~~@QUR@010 لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يفرق ): الفرق : فصل الشيء من الشيء بحيث يتمايزان. # ( @QUR@01 حكيم ): ما لا يتميز بعض أجزائه عن بعض ولا يتعين خصوصياته ~~وأحكامه. # * * * PageV20P275 # ( @QUR@02 والكتاب المبين ) # ( @QUR@01 حم ) من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها. ( @QUR@02 ~~والكتاب المبين ) الواو للقسم ويتعلق بالكتاب الذي أنزله الله ليوضح للناس ~~حقائق العقيدة والحياة ، وليبين لهم المنهج الإلهي الذي يحرك قدرات الإنسان ~~وإمكاناته ، نحو الوجهة التي تجعل منه عنصرا خيرا صالحا في كل مواقعه ~~وعلاقاته وقضاياه .. # وإذا كان الله يقسم بالكتاب المبين ، فلا بد من أن يكون هذا الكتاب ~~متضمنا للعظمة في ms4744 معناه ، مما يدعو الناس إلى الانفتاح عليه وتدبره في وعي ~~فكري وروحي يدفعهم إلى خط الاستقامة في الشريعة التي أراد الله أن تكون ~~برنامج الإنسان في كل تفاصيل الحياة. # * * * ### ||| ** هل نزل القرآن مرة أو مرتين؟ # ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) وهي ليلة القدر التي صرح القرآن ~~باسمها في قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة القدر ) [القدر : 1] ~~وقد باركها الله بالقرآن الذي انفتح فيه على عباده بالرحمة الرسالية التي ~~تشمل الحياة كلها ، في ما خططه لعباده من مواقع السعادة والسلام ، فالقرآن ~~يحمل مبادئ الرسالة الإسلامية العامة التي تجعل من الحياة حياة يسودها ~~النظام والاستقرار في كل الخير الذي يفيض ببركته على كل جوانب الحياة ~~الإنسانية. # وربما يستظهر من الآية أن القرآن نزل دفعة واحدة في ليلة القدر ، كما ~~أكدت بعض الأخبار الواردة في التفسير ، ولكن ذلك قد يتنافى مع الآية التي ~~تتحدث عن النزول التدريجي للقرآن في قوله تعالى : ( @QUR@09 وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) [الإسراء : 106] وفي قوله تعالى ~~: ( @QUR@03 وقال الذين كفروا PageV20P276 # @QUR@013 لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا ) [الفرقان : 32]. # وقد حمله صاحب الميزان على أنه «يمكن أن يحمل على نزول القرآن مرتين ، ~~مرة مجموعا وجملة في ليلة واحدة من ليالي شهر رمضان ، ومرة تدريجا ونجوما ~~في مدة ثلاث وعشرين سنة وهي مدة دعوته صلى الله عليه وآله وسلم » (1). # ثم يستدرك الفكرة ليوضح طبيعة نزوله مرتين على أساس الإجمال والتفصيل لا ~~على أساس النزول التفصيلي على دفعتين فيقول : # «لكن الذي لا ينبغي الارتياب فيه أن هذا القرآن المؤلف من السور والآيات ~~بما فيه من السياقات المختلفة المنطبقة على موارد النزول المختلفة الشخصية ~~لا يقبل النزول دفعة ، فإن الآيات النازلة في وقائع شخصية ، وحوادث جزئية ~~مرتبطة بأزمنة وأمكنة وأشخاص وأحوال خاصة ، لا تصدق إلا مع تحقق مواردها ~~المتفرقة زمانا ومكانا وغير ذلك ، بحيث لو اجتمعت زمانا ومكانا وغير ذلك ~~انقلبت عن تلك الموارد وصارت غيرها ، فلا يمكن احتمال نزول القرآن وهو على ~~هيئته ms4745 وحاله بعينها مرة جملة ومرة نجوما. # فلو قيل بنزوله مرتين كان من الواجب أن يفرق بين المرتين بالإجمال ~~والتفصيل ، فيكون نازلا مرة إجمالا ، ومرة تفصيلا ، ونعني بهذا الإجمال ~~والتفصيل ما يشير إليه قوله تعالى: ( @QUR@010 الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ) [هود : 1]» (2). # وقد نلاحظ على ذلك أن الظاهر من آية الفرقان إقرار القرآن بأنه نزل ~~تدريجا ، نزولا واحدا ، لأنه لو كان مسبوقا بنزول إجمالي لأمكن الرد عليهم ~~بذلك ، كما أن مسألة الإحكام والتفصيل ، بمعنى الإجمال والتفصيل ، تمثل PageV20P277 # أسلوبا قرآنيا في إعطاء الأفكار ، وذلك من أجل الانفتاح على الخطوط ~~العامة للفكر القرآني وعلى مفرداتها التفصيلية ، ولكن ذلك يتم في نزول واحد ~~، مع أننا لا ندرك الفائدة من وراء ذلك. فإذا كان المقصود أن يعيه النبي ~~أولا في شخصيته الذاتية قبل تبليغه في حركته الرسالية ثانيا ، فإن الظاهر ~~من تثبيت فؤاده بالطريقة التدريجية أن الوعي النبوي للقرآن كان يتحرك ~~بطريقة تدريجية ، وعلى ضوء ذلك فقد يكون الأقرب إلى الاعتبار أن يكون ~~المقصود من نزول القرآن في ليلة القدر ، ابتداء نزوله ، ولا سيما إذا عرفنا ~~أن القرآن يطلق على الآية والسورة والمجموع .. مع ملاحظة أن الآية التي ~~تتحدث عن نزوله في ليلة القدر ، أو في ليلة مباركة هي من آيات القرآن فكيف ~~تكون ناظرة إلى المجموع .. وعلى كل حال ، فإن طبيعة التعبير القرآني لا ~~يأبى ذلك والله العالم. # ( @QUR@03 إنا كنا منذرين ) في ما أنزلناه من وحي الذي حمله الأنبياء من ~~قبلك ، كما تحمله أنت في القرآن ، ليبلغوه كما تبلغه للناس وإنذارهم بعذاب ~~الله الذي يمثل النتيجة الحاسمة لأعمالهم المنحرفة عن الخط المستقيم. # * * * ### ||| ** فيها يفرق كل أمر حكيم # ( @QUR@05 فيها يفرق كل أمر حكيم ) وربما كان المراد بها التقديرات التي ~~تتصل بما يحدث للناس في الحياة ، من خير وشر ، وطاعة ومعصية ، ومولود وأجل ~~ورزق ، في نطاق الأسباب التي أودعها الله في واقع الحياة وإرادة الإنسان ~~مما أحاط الله بعلمه ، وقدره من خلال ذلك. وكأن الله سبحانه في ليلة القدر ~~يخرج الأمور من ms4746 خطوطها العامة التي تمثل الجانب النوعي من حياة المخلوقات ~~ونظام الموجودات ، إلى خطوطها التفصيلية المتعلقة بكل مخلوق موجود على سطح ~~الأرض ، في تدبيره المتصل بحركة عباده في الزمن ، ( @QUR@03 أمرا من عندنا ) لا PageV20P278 # من غيرنا لأننا في موقع الألوهية المطلقة نملك الأمر كله ، والتدبير كله ~~كما نملك الخلق كله ، ( @QUR@03 إنا كنا مرسلين ) الرسل بالرسالات التي ~~تنظم للناس منهج الحياة وخط السير ، إلى جانب النظام الكوني ، الذي يحيط ~~بهم ، ويحرك شؤونهم ، لتجتمع لهم حكمة التدبير الكوني ، الذي يحيط بهم ، ~~ويحرك شؤونهم ، وحكمة الخط العملي ، ( @QUR@03 رحمة من ربك ) الذي يشرف على ~~رعاية عباده بالرحمة التي تدير أمورهم وتقودهم إلى سعادتهم في الدنيا ~~والآخرة ( @QUR@04 إنه هو السميع العليم ) الذي يسمع كل الدعوات المتضمنة ~~لمسائلهم العامة والخاصة ، ويعلم حاجاتهم المتعلقة بحياتهم وكل ما يكفل لهم ~~الطمأنينة والاستقرار والاهتداء إلى سواء السبيل. # * * * ### ||| ** وحدانية الله في حركة الحياة والموت # ( @QUR@05 رب السماوات والأرض وما بينهما ) الذي يسيطر على الكون كله ~~فليس هناك موقع أقرب إليه من موقع ، وليس هناك شيء يختص به دون شيء ، وليس ~~لغيره أية مدخلية في ذلك كله ( @QUR@03 إن كنتم موقنين ) بالحقيقة التي ~~تتمثل في ذلك ، وتفرض نفسها على الوجدان. # ( @QUR@010 لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين ) وذلك هو ~~المضمون العميق الذي لا بد لكم من أن تختزنوه في وعيكم الفكري والشعوري ، ~~لتدركوا وحدانية الله في حركة الحياة والموت ، لتتعرفوا عليه في كل حي يولد ~~، وفي كل موجود يموت ، ولتلتقوا بربوبيته في وجودكم الذاتي ، وفي وجود كل ~~آبائكم الذين سبقوكم وخضعوا لربوبيته المهيمنة على الكون كله. # * * * PageV20P279 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 بل هم في شك يلعبون (9) @QUR@06 فارتقب يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين (10) @QUR@05 يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) @QUR@06 ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون (12) @QUR@07 أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ~~@QUR@06 ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) @QUR@06 إنا كاشفوا العذاب ~~قليلا إنكم عائدون (15) @QUR@06 يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فارتقب ): فانتظر. # ( @QUR@01 نبطش ): البطش : تناول الشيء بصولة. # * * * # ( @QUR@05 يوم تأتي السماء بدخان مبين ) # .. إنهم لا يوقنون لأنهم ms4747 لا يعيشون مسئولية المعرفة الجدية التي هي PageV20P280 # السبيل إلى اليقين ( @QUR@05 بل هم في شك يلعبون ) فليس هذا الشك الذي ~~يتردد في صدورهم ويتجمد في عقولهم هو شك الباحثين عن الحقيقة ، الذين ~~يرسمون علامات الاستفهام ويلاحقون الاحتمالات الطائرة أمامها ، بل هو شك من ~~يلعبون بالأفكار فيواجهونها مواجهة العبث واللامبالاة ، ولا يتوقفون أمام ~~دقائقها ، ولا ينفتحون على حقائقها ، ويلعبون بالكلمات التي يحركونها في ~~مواقع اللهو واللعب ، فلا يدققون في مضمون ما يسمعونه من نداء الرسالات ، ~~أو ما يتكلمون به في مواجهة الرسل .. # وماذا تنتظر من هؤلاء الذين لا يقفون أمام الحجة ، ولا ينطلقون منها ( ~~@QUR@06 فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) انتظر اليوم الذي يمتلئ الجو ~~فيه دخانا ، وذلك بسبب المجاعة التي يتحول فيها الإحساس بالجوع إلى حالة ~~يبصر فيها الإنسان الفضاء كما لو كان مملوءا بالدخان كما في بعض التفاسير ~~أو بسبب الدخان الحقيقي الذي يأتي قبيل حدوث الساعة كما في بعض آخر وربما ~~كان الوجه الثاني أقرب إلى سياق الآية ومفرداتها ، لأنها تتحدث عن دخان آت ~~من جانب السماء ، كحقيقة ملموسة ، لا كحالة وهمية تخيلها للإنسان إحساساته ~~الأليمة. # ولكننا نجد ما يؤيد التفسير الأول ، الذي تدعمه بعض الروايات التي تتحدث ~~عن مجاعة ابتلي بها أهل مكة ، فإنهم لما أصروا على كفرهم وأذاهم للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين به ، دعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~«فقال : اللهم سنين كسني يوسف ، فأجدبت الأرض ، فأصابت قريشا المجاعة ، ~~وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان ، وأكلوا الميتة ~~والعظام ، وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : يا محمد جئت تأمر ~~بصلة الرحم .. وقومك قد هلكوا ، فسأل الله تعالى لهم الخصب والسعة ، فكشف ~~عنهم ثم عادوا إلى الكفر» (1) ( @QUR@02 يغشى الناس ) ويخيم عليهم ويحيط ~~بهم ، ( @QUR@03 هذا عذاب أليم ) يرونه قادما PageV20P281 # إليهم ، فلا يملكون الخلاص منه بقدرتهم الذاتية ، فيلجئون إلى الله. # * * * # ( @QUR@03 أنى لهم الذكرى )؟ # ( @QUR@06 ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ) فكيف تعذب من آمنوا بك ، ~~ورجعوا عن الكفر ، وعرفوا ms4748 أنهم كانوا ضالين .. ولكن إيمانهم ذاك ليس حقيقة ~~، فالكفر كان قرارا ثابتا عميقا في نفوسهم بسبب الكبرياء الذاتية وطلب ~~الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية ، والنوازع الشهوانية ، مما يمنعهم من ~~الانفتاح على الحق ، والتحرر من الغفلة المطبقة على عقولهم التي تبعدهم عن ~~التذكر والعودة إلى الإيمان بالله الواحد ، ( @QUR@03 أنى لهم الذكرى ) أي ~~من أين لهم أن يحصلوا على الذكرى ، وقد أغلقوا نوافذ عقولهم عن الحق ( ~~@QUR@04 وقد جاءهم رسول مبين ) على الرسالة وعلى الأمة ، في كل قضاياهم ~~المصيرية وفي كل شؤونها العامة ، فلم يستجيبوا له ، ولم يستمعوا لكلامه ، ( ~~@QUR@03 ثم تولوا عنه ) وأعرضوا عن الاستجابة له ، ( @QUR@03 وقالوا معلم ~~مجنون ) فهو لا يتكلم عن وحي إلهي ، بل يتكلم عن علم تعلمه من غيره ، وهو ~~لا ينطلق من عقل متوازن في نظرته إلى الأمور ، بل من حالة جنون لا تميز بين ~~المعقول واللامعقول في طروحاتها الفكرية. # * * * ### ||| ** كشف العذاب لإلقاء الحجة # ( @QUR@04 إنا كاشفوا العذاب قليلا ) عنكم ، لإلقاء الحجة وقطع العذر ( ~~@QUR@02 إنكم عائدون ) إلى ما أنتم عليه ، أو إنكم عائدون إلى هذا العذاب ~~يوم القيامة ( @QUR@04 يوم نبطش البطشة الكبرى ) في عذاب الآخرة الذي يحمل ~~الهول كله والرعب كله ( @QUR@02 إنا منتقمون ) لا انتقام الذات ، كما ~~تفعلون جراء انفعالاتكم الذاتية ، ولكن انتقام الرسالة للحياة الطيبة ~~المؤمنة العادلة المستقيمة التي وقفتم في مواجهتها وقفة تمرد وعناد وعدوان. # * * * PageV20P282 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) @QUR@09 أن ~~أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) @QUR@09 وأن لا تعلوا على الله ~~إني آتيكم بسلطان مبين (19) @QUR@06 وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) ~~@QUR@05 وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) @QUR@06 فدعا ربه أن هؤلاء قوم ~~مجرمون (22) @QUR@05 فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) @QUR@06 واترك ~~البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) @QUR@05 كم تركوا من جنات وعيون (25) ~~@QUR@03 وزروع ومقام كريم (26) @QUR@04 ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) ~~@QUR@04 كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) @QUR@08 فما بكت عليهم السماء ~~والأرض وما كانوا منظرين (29) @QUR@07 ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب ~~المهين (30) @QUR@07 من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) @QUR@06 ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين (32) @QUR@07 وآتيناهم من الآيات ما فيه ~~بلؤا ms4749 مبين ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فأسر ): الإسراء : السير بالليل. # ( @QUR@01 رهوا ): ساكنا. # ( @QUR@01 فاكهين ): من فكاهة ، بمعنى حديث الأنس. # * * * PageV20P283 # ( @QUR@05 ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ) # .. ويتابع القرآن أسلوبه التربوي التذكيري الذي يفتح قلوب الناس على الحق ~~في خط المسؤولية ، وذلك باستعادة التاريخ الرسالي الذي تحرك في ساحة الصراع ~~بين الرسالة والتزامها الإيمان إنقاذا للمستضعفين في الأرض وبين خصومها ~~وحركتهم الاستعلائية الساعية للمحافظة على امتيازات المستكبرين .. فيستعيد ~~قصة مواجهة موسى لفرعون ، والانتقام الإلهي منه في نهاية المطاف ، انتصارا ~~للرسول وأتباعه ، كي يوحي لمن يواجهون رسالة الإسلام بأن الله سوف ينصر ~~رسوله في نهاية المطاف ، وينتقم منهم بطريقة وبأخرى. # ( @QUR@05 ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ) وامتحناهم بالقوة والمال والسلطة ~~التي حصلوا عليها في الملك الواسع الممتد الذي كانوا يتمتعون به ، ويسيطرون ~~على الضعفاء من خلاله .. فلم ينجحوا في تحقيق التوازن الذي يريده الله من ~~عباده ، والذي يستدعي حفظ حقوق الناس لديهم والعدل بينهم ومعهم ، والتواضع ~~لله والإخلاص في العبودية له ، وإشاعة الخير بين الناس. وهكذا تمادوا في ~~الاستكبار والتعسف والطغيان والظلم للمستضعفين حتى كانوا يقتلون أبناء ~~المستضعفين ويستحيون نساءهم ، فأراد الله أن يقيم عليهم الحجة ، ويفتح ~~عيونهم على خطورة ما يعيشون فيه ، والمصير الذي سينتهون إليه ، ( @QUR@03 ~~وجاءهم رسول كريم ) ليطرح عليهم قضية الاستكبار على المستضعفين إنسانيا ، ~~ليخرجهم من سلطتهم التي هي سلطة الظلم الذي لا مبرر له ، ( @QUR@05 أن أدوا ~~إلي عباد الله ) وهم المستضعفون من بني إسرائيل الذين استعبدتموهم من دون ~~حق ، فهم عباد الله ، وليسوا عباد الطغاة ( @QUR@04 إني لكم رسول أمين ) ~~فلن أخون الله في رسالته ، ولن أخون مسئولية الإخلاص لكم في موقف الحق ، ~~فأنا الأمين على كل شيء يتصل بالله في ما عهد إلي ، أو يرتبط بالناس في ما ~~أوكل إلي أمره من هدايتهم إلى الحق. PageV20P284 # ( @QUR@05 وأن لا تعلوا على الله ) بالإعراض عن رسالته ، والتمرد على ~~أوامره ونواهيه ، وترك سبيله ، والاستكبار على عباده ، والتكذيب لرسله ( ~~@QUR@04 إني آتيكم بسلطان مبين ) وهو الحجة الواضحة أقدمها إليكم لتأكيد ~~أني رسول الله إليكم ، مما لا تستطيعون إنكاره ، أو الاعتراض عليه ms4750 بشيء. # ( @QUR@06 وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ) ولن أخاف منكم مهما حشدتم ~~الجو بالتهاويل ، ومهما استعرضتم أمامي ما تملكون من قوة .. فقد لذت بربي ~~وربكم الذي يملك أمري وأمركم ، ويسيطر على مواقع القوة لديكم ، من أن ~~ترجموني وتريدوا بي سوءا ، ( @QUR@04 وإن لم تؤمنوا لي ) وتستجيبوا لما ~~أدعوكم إليه ، ( @QUR@01 فاعتزلون ) واجتنبوني ودعوني وشأني كي أنطلق إلى ~~الناس وأدعوهم إلى الله وإلى اتباع رسالته ، ولا تتعرضوا لي بسوء ، كما أني ~~لا أطلب منكم أي خير من ناحية الذات ، وسأنطلق إلى ساحة أخرى من ساحات ~~الدعوة إلى الله .. ولكن القوم ازدادوا عنادا وازدادوا ضغطا عليه ، ولاحقوه ~~وأصروا على اضطهاد قومه ، ومنعوه من تحريرهم ، وضيقوا عليه الخناق. # * * * ### ||| ** موسى ينقذ قومه بمعجزة إلهية # ( @QUR@06 فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ) فقد تأصلت الجريمة في كيانهم ~~حتى لم يعد ينفع في هدايتهم أية وسيلة من وسائل الترغيب والترهيب ، وأي ~~حجة. وستتحرك الجريمة في حياة الناس من خلالهم لتمتد في المستقبل ولتحكم ~~حياة الأجيال القادمة ، لأن هؤلاء سوف يمنعون امتداد الحق إلى الآخرين ، ~~عند ما ينصبون الحواجز أمام الرسالة ، لأنهم يملكون كل مواقع القوة ، في ~~مراكز الحكم العليا ، وفي ساحات الواقع الشامل لكل نشاطات الحياة. PageV20P285 # .. وهكذا استجاب الله دعاءه في خطة إلهية أرادت أن تدفع موسى وقومه إلى ~~الخروج من مصر بمعجزة ، ليلاحقهم فرعون وقومه ويغمرهم البحر بشكل نهائي .. ~~وبدأت التعليمات تنزل على موسى في بداية الخطة الإلهية .. # ( @QUR@05 فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ) فسيلاحقكم فرعون وجنوده لأنك ~~نفذت شعارك في إنقاذ بني إسرائيل من حالة الاستضعاف التي يعيشون فيها ~~والقهر والإذلال ، وهو أمر خطير بالنسبة للسلطة الاستكبارية ، لأن فيه نوعا ~~من السقوط السياسي لمواقعهم القوية. # ( @QUR@03 واترك البحر رهوا ) أي ساكنا ، بعد أن ينفتح أمامكم وتنحسر ~~المياه عن أرضه في معجزة إلهية ، كي تقطعوه إلى الجانب الآخر ، وذلك بأن ~~تضربه بعصاك ، وتتركه مفتوحا ساكنا كي يغري المطاردين بدخوله لحاقا بكم. # ( @QUR@03 إنهم جند مغرقون ) فالخطة المرسومة تقضي برجوع الماء إلى موضعه ~~، بعد دخول آخر جندي من جماعة فرعون ، وخروج آخر ms4751 شخص من جماعة موسى ، وأسدل ~~الستار على مشاهد الظلم والطغيان وقهر الإنسان ، وأغلق ذلك الجو كله ، ~~وبقيت العبرة تنتظر الناس الذين يأخذون من الماضي دروسا للمستقبل. # * * * ### ||| ** وأورثناها قوما آخرين # ( @QUR@05 كم تركوا من جنات وعيون ) من تلك الحقول المترامية المثقلة ~~بالثمار الجنية ، والفواكه اللذيذة ، والمنفتحة على الخضرة الحلوة الساحرة ~~، ومن تلك الينابيع المتدفقة بالمياه العذبة التي تروي العطشى وتفجر الخصب ~~في الأرض .. في ما كانوا يتفاخرون به ، ويشعرون بالقوة من خلاله ، على أساس ~~المنطق الذي يرى في ذلك كله أساسا للشرعية الحاكمة ( @QUR@01 وزروع ) ~~متنوعة ( @QUR@02 ومقام كريم ) أي مساكن جميلة زاهية ( @QUR@04 ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين ) أي PageV20P286 # مستأنسين ، أو متمتعين به كما يتمتع بالفاكهة في ما تثيره من اللذة. # ( @QUR@01 كذلك ) كان واقع هؤلاء ، في ما يتنعمون به ، ويزهون به ، ~~ويفرحون به ، ويتباهون به. ولكن ذلك لم يكن إلا حالة طارئة ، ومرحلة من ~~المراحل التي عاشتها تلك الأرض ، ثم جاءت مرحلة أخرى في جيل جديد ( @QUR@03 ~~وأورثناها قوما آخرين ) لتكون هناك تجربة جديدة ، من حياة الناس والأرض ، ( ~~@QUR@05 فما بكت عليهم السماء والأرض ) لأنهم لا يمثلون أية قيمة في ميزان ~~الحق والخير والعدل ، ولا يملكون أية درجة في آفاق الروح المتصلة بالله ، ~~ليحدث فقدهم من ساحة المسؤولية ، فراغا كبيرا بالنسبة للحياة والإنسان ، ~~لتحزن عليهم السماء والأرض ، كناية عن التأثر الكوني بما تركوه في الوجود ، ~~بل هم على العكس من ذلك يحتلون في المضمون الإنساني للحياة موقعا حقيرا لا ~~يترك أي أثر من بعده ، كما أنهم لا يملكون عند الله أي موقع ليستجيب الله ~~لهم طلب إمهالهم في الدنيا بعد أن يحين الأجل المحدد لهم فيها ( @QUR@03 ~~وما كانوا منظرين ) فإذا جاء الأجل نفذ من دون تأخير ، لأن مصلحة الحياة ~~تفرض الموقف الذي يوحي بالابتعاد عنها ، انطلاقا من الحكمة الإلهية التي ~~حددت لهم مواقعهم في الوجود ، فلا أهمية لهم تنافي ذلك. # * * * ### ||| ** نجاة بني إسرائيل # .. وهكذا نجح موسى في تحقيق هدفه في إنقاذ بني إسرائيل من طغيان فرعون ~~عند ما قال له في بداية مواجهته : ( @QUR@04 ولقد نجينا بني إسرائيل ms4752 ).. ~~وذلك بفضل الرعاية الإلهية التي شمل الله هؤلاء المستضعفين بها. # ( @QUR@03 من العذاب المهين ) ومن ضغط الطاغية الذي كان يسخرهم في خدمة ~~مشاريعه العمرانية والعسكرية والاقتصادية من دون مراعاة لحقوقهم الإنسانية ~~، ومن ذبح الأبناء واستحياء النساء وغير ذلك. ( @QUR@06 من فرعون إنه كان ~~عاليا من PageV20P287 # @QUR@01 المسرفين ) فقد كان يعيش عقدة العلو في الأرض التي لا يملك أساسا ~~معقولا لها في عمق القيمة في شخصيته ، أو في سعة المعرفة في فكره ، أو في ~~سمو الروح في روحيته ، مما يحول طموحه إلى عقدة استكبارية تتحرك في نزعة ~~الاضطهاد للآخرين والاحتقار لإنسانيتهم ، كما كان يعيش الإسراف في ظلمه ~~وطغيانه وقوانينه المتعسفة التي تحطم المعنى الإنساني في حياة الناس بما ~~يتجاوز الحدود المعقولة. # ( @QUR@06 ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) لأنهم كانوا يملكون ~~كفاءة تميزهم عن الناس في تلك المراحل التاريخية ، كما كانت تفرض الظروف ~~الموضوعية. فأرسلنا منهم كثيرا من الأنبياء ، وأنزلنا عليهم المن والسلوى ~~وظللنا عليهم الغمام ، وأفضنا عليهم الكثير من نعمنا التي لم نؤتها أحدا من ~~العالمين .. ولكن ذلك لا يعني القيمة المطلقة في ميزان القرب من الله ، كما ~~حاول البعض في مرحلة معينة إثارته من حيث إنهم أولياء الله وأحباؤه ، ~~ليميزوا أنفسهم عن الناس. فقد كان الخط الإيماني يتحدث عنهم ، كبشر ممن خلق ~~الله يواجهون المسؤولية كما يواجهها بقية البشر الذين يعذبهم الله بذنوبهم ~~، ويغفر لهم ، من دون أية ميزة ذاتية أو طبقية ، مما يجعل من النعمة ~~اختبارا وامتحانا ، بحيث تنسجم مع الحكمة الإلهية في تنظيم الواقع العملي للناس. # ( @QUR@07 وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين ) مما يختبر الله به ~~عباده ليؤمنوا به ، وليطيعوه ولينفذوا إرادته في حركة الحياة .. فإذا ~~انسجموا مع خط الإيمان أعطاهم ما يحبون من نعمته ورضوانه ، وإذا ابتعدوا ~~عنه أنزل عليهم عذابه وسخطه .. # وهذا هو التاريخ الرسالي الحركي يقدمه الله للنبي وللمسلمين معه ليوحي ~~بالنصرة ، كما يقدمه للمتمردين عليه ، لينذرهم بالعذاب والهوان. # * * * PageV20P288 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إن هؤلاء ليقولون (34) @QUR@08 إن هي إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمنشرين (35) @QUR@05 فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) @QUR@012 أهم ms4753 ~~خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) @QUR@07 ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) @QUR@08 ما خلقناهما إلا ~~بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) @QUR@05 إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ~~(40) @QUR@010 يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) @QUR@08 ~~إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم ) (42) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بمنشرين ): بمبعوثين. # ( @QUR@01 مولى ): الصاحب الذي له أن يتصرف في أمور صاحبه. # * * * ### ||| ** إن هي إلا موتتنا الأولى # ( @QUR@03 إن هؤلاء ليقولون ) إنكارا للمعاد الذي ترتبط به مسئولية ~~الالتزام بالنظام PageV20P289 # التشريعي في خط الإيمان الذي ترتكز عليه رسالة الإسلام ( @QUR@05 إن هي ~~إلا موتتنا الأولى ): قال في الكشاف : «فإن قلت : كان الكلام واقعا في ~~الحياة الثانية لا في الموت ، فهلا قيل: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن ~~بمنشرين ، كما قيل ( @QUR@07 إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن (1) @QUR@01 ~~بمبعوثين ) [الأنعام : 29] ، وما معنى قوله : ( @QUR@05 إن هي إلا موتتنا ~~الأولى ) وما معنى ذكر الأولى كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها ~~وأثبتوا الأولى. # قلت : معناه والله الموفق للصواب أنه قيل لهم : إنكم تموتون موتة تعقبها ~~حياة ، كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة ، وذلك قوله عز وجل : ( @QUR@07 ~~وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) [البقرة : 28] فقالوا : ( ~~@QUR@05 إن هي إلا موتتنا الأولى ) يريدون ما الموتة التي من شأنها أن ~~تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية ، وما هذه الصفة التي ~~تصفون بها الموتة من تعقب الحياة إلا للموتة الأولى خاصة ، فلا فرق إذا بين ~~هذا وبين قوله : ( @QUR@05 إن هي إلا حياتنا الدنيا ) في المعنى» (1). ~~وربما كان وصف الموتة بالأولى بلحاظ تضمنها معنى الوحدة في موقعها الطبيعي ~~في عروضها على الحياة باعتبار عدم تقدم موتة أخرى عليها ؛ والله العالم. # ( @QUR@03 وما نحن بمنشرين ) فليس هناك بعث بعد الموت ، بل هي موتة تمتد ~~إلى ما لا نهاية ، حيث العدم المطلق الذي لا مجال بعده للوجود. # ( @QUR@05 فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) فهذا هو الشاهد على ما تقولون ~~، إن كان قولكم جديا ، لأن الحقيقة لا تثبت بالفرضيات الغيبية ، بل ~~بالشواهد الحسية ms4754 التي نراها بأعيننا ونلمسها بأيدينا .. # ( @QUR@08 أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ) فكيف يواجهون المسألة ~~بهذا المنطق العابث الذي لا ينفذ إلى عمق الأمور ليكتشف الحقيقة من خلالها ~~.. ومن أين جاءتهم هذه الثقة بأنفسهم ، ومن أين أتاهم هذا الأمن من الهلاك ~~والعذاب ، PageV20P290 # فكيف يقومون أنفسهم ، ذاتيا وطبقيا ، فهم ليسوا بأعظم من قوم تبع ، وهو ~~أحد ملوك حمير باليمن ، فقد ( @QUR@01 أهلكناهم ) لما كفروا وتمردوا ( ~~@QUR@03 إنهم كانوا مجرمين ) فعاقبناهم على جريمة الكفر والعناد. # وقد ورد عن تبع أنه كان من المرسلين المؤمنين ، وقيل إنه قال للأوس ~~والخزرج : كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي ، أما أنا لو أدركته لخدمته ~~وخرجت معه (1). # * * * # ( @QUR@07 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) # ( @QUR@07 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) فليس هناك أي ~~عبث في طبيعة الخلق وفي مفرداته وتفاصيله ، فلكل واحد من خلقه سر في عمقه ~~وفي حركته وفي هدفه ، لأن الله لا يلعب ولا يعبث ، والعبث بالنسبة له محال ~~، لأن العبث ينطلق من حالة فراغ أو ملل يبحث صاحبها عما يملأه فيها ، أو ~~يجدد حيويته ، وهو أمر لا معنى له في ذات الله التي تمثل الكمال المطلق ~~الذي لا يحتاج إلى شيء ، ولا يعرض عليه الضعف الذاتي ( @QUR@04 ما خلقناهما ~~إلا بالحق ) والحق يمثل الغاية المشتملة على الحكمة في تحقيق التوازن بين ~~الأشياء ، بحيث تضع كل شيء في موضعه وتجعل له هدفا يحركه في الاتجاه الصحيح ~~، وهذا ما يدركه العقل الواعي وتقود إليه التجربة العملية التي تلاحق ~~الظواهر الكونية وحركة الحياة والإنسان ، حيث تمثل السنن الكونية والحياتية ~~قوانين تحكم الواقع وكل ما يحدث فيه من أمور بحيث لا تترك مجالا للصدفة فيها. # ( @QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) لا يدركون نتائج أعمالهم لأنهم لا ~~يتابعون دراسة المقدمات ولا يتحركون ليأخذوا بأسباب العلم ، ليعرفوا كيف ~~يستنبطون منه الحقيقة. PageV20P291 # وإذا كان الكون مرتكزا على قاعدة الحق في كل مفرداته ، فكيف يمكن أن يكون ~~وجود الإنسان عبثا ، بحيث يوجد ويعدم من دون غاية في نتائج المسؤولية أمام ~~الله ، كما يقول هؤلاء ms4755 المنكرون للمعاد .. وبذلك نعرف أن الإيمان بالله في ~~مضمون حكمته لا يلتقي بهذا الإنكار من قريب أو بعيد ، وأن دراسة عمق الحق ~~في الكون ، تفرض تأكيد عمق الحق في خلق الإنسان. # * * * ### ||| ** لا مجال لإنكار يوم الفصل # ( @QUR@03 إن يوم الفصل ) الذي يفصل الله فيه بين الحق والباطل ، وبين ~~المؤمنين والكافرين ، وبين الأنبياء وأممهم ، فتكون كلمته هي الفصل الحاسم ~~الذي يقرر الموقف ، والحكم في مسألة المصير ، فهو ( @QUR@02 ميقاتهم أجمعين ~~) وموعدهم الذي يلتقون فيه جميعا ليواجهوا الموقف بين يدي الله ، ويبرز كل ~~واحد منهم إليه بمفرده ليتحمل مسئوليته الذاتية وحده ، لأن العلاقات ~~الاجتماعية التي كانت تربط بين الناس ، في ما يتناصرون به ، أو يتعاونون ~~فيه تنقطع آنذاك. # ( @QUR@07 يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ) فلا ولاية بين الناس ، فلا ~~ينفع الصديق صديقه ، ولا الأب أولاده ، ولا الأولاد آباءهم وأمهاتهم ، ولا ~~الحكام شعوبهم ، ولا الشعوب حكامها ، فقد تقطعت الصلات التي تربطهم فكل ~~واحد منهم يفكر بنفسه ، ولا مجال له للتفكير بغيره ، لأنه لا يملك إنقاذ ~~نفسه ، فكيف يملك أن ينقذ غيره ( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) لأنهم لا يملكون ~~أسباب النصرة من القوة المسيطرة على الموقف كله. # ( @QUR@04 إلا من رحم الله ) من أدركته المغفرة برحمة الله ( @QUR@04 إنه ~~هو العزيز الرحيم ) فهو الذي يملك القوة من موقع عزته ويفيض بالرحمة على ~~عباده فيدخلهم في جنته ، ويمنحهم مغفرته ورضوانه. # * * * PageV20P292 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إن شجرة الزقوم (43) @QUR@02 طعام الأثيم (44) @QUR@04 كالمهل ~~يغلي في البطون (45) @QUR@02 كغلي الحميم (46) @QUR@05 خذوه فاعتلوه إلى ~~سواء الجحيم (47) @QUR@07 ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) @QUR@05 ذق ~~إنك أنت العزيز الكريم (49) @QUR@06 إن هذا ما كنتم به تمترون (50) @QUR@05 ~~إن المتقين في مقام أمين (51) @QUR@03 في جنات وعيون (52) @QUR@05 يلبسون ~~من سندس وإستبرق متقابلين (53) @QUR@04 كذلك وزوجناهم بحور عين (54) ~~@QUR@05 يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) @QUR@010 لا يذوقون فيها الموت ~~إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) @QUR@07 فضلا من ربك ذلك هو ~~الفوز العظيم (57) @QUR@05 فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) @QUR@03 ~~فارتقب إنهم مرتقبون ) (59) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كالمهل ): المهل : المذاب من النحاس والرصاص. PageV20P293 # ( @QUR@01 الحميم ): الماء الشديد الحرارة. # ( @QUR@01 فاعتلوه ): العتل : الزعزعة والدفع بالعنف. ms4756 # ( @QUR@02 سواء الجحيم ): وسطه. # ( @QUR@01 سندس ): الرقيق من الحرير. # ( @QUR@01 وإستبرق ): الغليظ من الحرير. # ( @QUR@01 متقابلين ): أي يقابل بعضهم بعضا. # ( @QUR@01 بحور ): جمع حوراء ، وهي شديدة سواد العين وبياضها أو ذات ~~المقلة السوداء كالظباء. # ( @QUR@01 عين ): جمع عيناء ، وهي عظيمة العينين. # ( @QUR@01 يسرناه ): سهلناه. # * * * ### ||| ** عذاب الممترين # ( @QUR@03 إن شجرة الزقوم ) تقدم ذكرها في سورة الصافات ( @QUR@02 طعام ~~الأثيم ) الذي كان يعيش المعصية كجزء من ذاته فيتحرك بها في كل مواقع حياته ~~العملية ( @QUR@011 كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم* خذوه فاعتلوه إلى ~~سواء الجحيم ) وهذا هو النداء الموجه إلى ملائكة النار الذين يسوقون ~~المجرمين إلى العذاب. # ( @QUR@07 ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ) أي الحميم الذي يعذب به .. ~~( @QUR@05 ذق إنك أنت العزيز الكريم ) وهذا هو الخطاب الذي يخاطب به الكافر ~~المجرم في معرض الاستهزاء بالعزة التي كان يعيشها في نظرته إلى نفسه ، أو ~~نظرة الناس إليه ، أو بالكرامة التي كان يمثلها مركزه الاجتماعي في مواقع PageV20P294 # الوجاهة والسلطة .. فأين هي عزتك وكرامتك ، وأنت الآن في محل الذلة ~~والمهانة؟ مما قد يجعلك تفكر بأن العزة والكرامة لا يأتيان إلا من خلال ~~طاعة الله المرتكزة على قاعدة الإيمان به. # ( @QUR@06 إن هذا ما كنتم به تمترون ) في حديثكم في الدنيا عن يوم ~~القيامة وعن عذاب النار الذي ينذركم به الأنبياء والمرسلون ، فتثيرون الشك ~~فيه ، وترسمون حوله أكثر من علامة استفهام ، وها أنتم ترون الحقيقة ماثلة ~~أمامكم في ما تحسون به من الألم والعذاب ، لتذوقوا طعمها المر. # * * * ### ||| ** إن المتقين في مقام أمين # ( @QUR@05 إن المتقين في مقام أمين ) يعيشون فيه في رحاب الأمن لا يصيبهم ~~مكروه ، ولا ينزل بهم خوف ( @QUR@03 في جنات وعيون ) يستمتعون بأثمارها ~~وفواكهها ومائها الصافي العذب ( @QUR@05 يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ) ~~في جلسة استرخاء واستئناس بالنعيم الهنيء ، وبالاجتماع الروحي الأخوي الذي ~~يقابل فيه المؤمنون بعضهم بعضا بالبشر والارتياح ( @QUR@01 كذلك ) الجو ~~المملوء بالراحة والسعادة ( @QUR@03 وزوجناهم بحور عين ) جعلناهم قرناء ~~لهؤلاء النساء وهن مختلفات عن نساء الدنيا في ما يخلقه الله من النساء ، ~~كما يظهر من الآيات القرآنية. # ( @QUR@04 يدعون فيها بكل فاكهة ) من فواكه الجنة ms4757 ، ( @QUR@01 آمنين ) لا ~~يصيبهم ضرر منها أو من غيرها. # ( @QUR@04 لا يذوقون فيها الموت ) فهم في الجنة يحيون حياة لا موت فيها ، ~~( @QUR@03 إلا الموتة الأولى ) التي ذاقوا طعمها ، فهي وحدها التي عاشوا ~~فيها معنى PageV20P295 # الموت ، ولعل توصيف الموتة بالأولى ، بلحاظ معنى السبق على هذه الحياة ~~التي يحيونها لا في مقابل موتة ثانية ، والله العالم. # ( @QUR@03 ووقاهم عذاب الجحيم ) فهم في حفظ الله ورعايته وأمانه من كل ~~ألوان العذاب في الجحيم ، لمحبته لهم ورضاه عنهم ، بسبب إيمانهم به وطاعتهم ~~له ( @QUR@03 فضلا من ربك ) الذي يمنحه لعباده المتقين ( @QUR@04 ذلك هو ~~الفوز العظيم ) الذي لا فوز أعظم منه ، لأنه يمثل السعادة الخالدة التي لا ~~حد لها ولا انتهاء ، وذلك هو الخط الذي يحدده النهج القرآني ليقود الإنسان ~~إلى السعادة ، وذلك ما أراد الله في إنزاله للقرآن عليك أن تبلغه للناس كافة. # ( @QUR@03 فإنما يسرناه بلسانك ) في أسلوبه الواضح ، الذي لا يصعب على ~~الواعين فهم مقاصده ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) فيخرجون من غفلتهم المطبقة ~~التي أغلقت عليهم نوافذ المعرفة ، وينفتحون على الإيمان بالدار الآخرة حيث ~~يواجه الناس نتائج المسؤولية أمام الله ( @QUR@03 فارتقب إنهم مرتقبون ) في ~~ما ينتظره الجميع من حقيقة عذاب الله للكافرين. # * * * PageV20P296 ### | سورة الجاثية ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها سبع وثلاثون PageV20P297 ### ||| ** في أجواء السورة وسبب التسمية # سميت هذه السورة ب «الجاثية» لورود هذه الكلمة في الآية الثامنة والعشرين ~~منها : ( @QUR@014 وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ~~ما كنتم تعملون ) التي تختصر المشهد العظيم في يوم المحشر عند ما يواجه ~~الذين آمنوا بالله وبرسله وساروا في خط رسالاته ، أولئك الذين كفروا ~~بالإيمان كله أو أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، مما يجعل منها عنوانا ~~يختصر مضمون السورة كله التي تحدثت عن آيات الله في كتابه ، وآيات الله في ~~الكون ، التي تدعو الذين يملكون العقل إلى التفكير الذي لا بد من أن يقودهم ~~إلى اليقين ، لأنها بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون .. # وفي ضوء ذلك فإن الناس الذين عايشوا الدعوة التي حملها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون ms4758 معه ، فريقان : فريق المستكبرين الذين ~~يدفعهم الاستكبار الذاتي والطبقي ، للتنكر لآيات الله والسخرية منها ، ~~وفريق المؤمنين الذين يؤمنون بالله ، ويستسلمون له ويعظمون آياته ، ~~ويتحركون في خط شريعته التي أراد الله من رسوله ومن الناس كلهم أن يتبعوها. # ولا يمكن التسوية بين الذين اجترحوا السيئات في مواجهة العقيدة والشريعة ~~، وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، في الحياة ، فلا بد من أن PageV20P299 # تجزى كل نفس بما كسبت ، على أساس العدل الذي جعله الله قانون الفصل في ~~الدنيا والآخرة ، ليدخل الذين آمنوا في رحمته ، ويدخل الذين كفروا إلى ~~النار حيث مأواهم الأخير. # * * * PageV20P300 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~@QUR@06 إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) @QUR@09 وفي خلقكم وما ~~يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) @QUR@020 واختلاف الليل والنهار وما أنزل ~~الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون (5) @QUR@012 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يبث ): البث : التفريق والإثارة ، وبثه تعالى للدواب : خلقها ~~وتفريقها ونشرها على الأرض. # ( @QUR@02 وتصريف الرياح ): تحويلها وإرسالها من جانب إلى جانب. # * * * PageV20P301 ### ||| ** تنوع آيات الخلق # ( @QUR@01 حم ) من الحروف المقطعة ، ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم ) الذي يفتح عقول عباده بحكمته عبر ما يحدده لهم من مواقع ~~الفكر والحركة في خط حياتهم التي حملهم مسئولية إدارتها على ضوء مفاهيم ~~شريعته وأحكامها ، ويمنحهم الثقة بقوتهم في مواجهة التحديات والمصاعب ~~والأخطار ، من خلال عزته التي تلتقي بالقوة المطلقة التي لا يغلبها شيء ، ~~ولا يدانيها شيء. # .. وهكذا يريد الله للإنسان أن يعي عظمة الكتاب من خلال التفكير بعظمة ~~الله وقوته وعزته وحكمته ، حيث أنزله وحيا على رسوله ( @QUR@06 إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ) الذين يتأملون ويفكرون في كل ما يشاهدونه ~~من ظواهر الكون في السماء والأرض على تنوع تلك الظواهر واختلافها من حيث ~~الطبيعة والخصائص ، ساكنة كانت أم متحركة من النور والظلام ، والوجود الحي ~~والنامي ، والجامد ، والجمال الساحر المتمثل في كل ذلك ، والإبداع الكامن ~~في الأسرار الخفية ms4759 للأشياء ، كما يطفو على السطح بأكثر من صورة .. وإذا كان ~~التأمل عميقا ، والفكر دقيقا ، فلا بد من أن يكون الإيمان هو النتيجة ~~الطبيعية التي ينفتح لها العقل والروح والوجدان .. # ( @QUR@02 وفي خلقكم ) هذا الخلق العجيب الذي تمتزج فيه المادة بالروح ، ~~ويحركه العقل والعاطفة ، وتتناسق أجزاؤه وتتعدد خصائصه حتى كأن كل عضو فيه ~~عالم فريد في علاقته بالأجهزة الأخرى ووظائفها وهو يبدع الفكر غير المادي ~~من عناصر مادية ، ويحرك الحياة من حوله ، ويجعل هذا المخلوق الصغير يقود ~~الكون الكبير بطاقته العظيمة التي أودعها الله فيه. # ( @QUR@04 وما يبث من دابة ) من هذه المخلوقات العجيبة التي تدب على ~~الأرض ، وتتنوع في خصائصها الداخلية والخارجية ، وفي أدوارها وأوضاعها ~~ومواقع عيشها ، ففيها ما يعيش في أعماق الأرض ، وعلى سطوحها ، وما يطير في PageV20P302 # الفضاء ، على اختلاف قوتها وضعفها ، الأمر الذي يجعل بعضها طعاما لبعضها ~~الآخر ، وقسما منها مسخر لقسم آخر ، من دون أن يطغى نوع على نوع طغيانا ~~مطلقا أو يبيد نوع نوعا آخر إبادة شاملة ، لوجود نوع من التوازن الدقيق ~~الذي يضبط حركة القوة والضعف ، مما يجعل الحياة تستمر لتتكامل هذه ~~المخلوقات الحية في إغناء الحياة بما تحتاج إليه في كل أوضاعها الجزئية ~~والكلية .. وهكذا ينفتح ، من خلال هذه الدواب المبثوثة في الأرض والسماء ~~أفق واسع من المعرفة اليقينية لمن يحملون مسئولية الفكر ويريدون الأخذ ~~بأسباب اليقين للتخلص من حالة الغفلة التي تمنع الإنسان من أن يفتح عقله ~~على مفردات المعرفة ، والابتعاد عن حالة الشك التي تجعله يعيش الاهتزاز ~~الحائر أمام الاحتمالات القلقة. فيجدون في وجودهم ، ووجود هذه المخلوقات ~~الحية التي تعيش في عالمهم ، عمق التدبير ، وروعة الجمال ، وسر الحكمة ودقة ~~الصنعة ، وامتداد القدرة ، فإذا هي ( @QUR@03 آيات لقوم يوقنون ) فيعيشون ~~وضوح الرؤية ، وانفتاح القلب وصفاء الروح ، جراء اليقين بالله ، والبعد عن ~~كل عوامل الشك. # * * * ### ||| ** آيات خلق السماء # ( @QUR@03 واختلاف الليل والنهار ) المتأتي عن دورة الأرض حول نفسها أمام ~~الشمس مرة في كل يوم ، فإذا بالليل والنهار ظاهرتان كونيتان تنظمان للإنسان ~~حياته ، كما تحتفظان للحياة وللأحياء بالعناصر الضرورية ms4760 لامتدادها في رحلة ~~الوجود .. # ( @QUR@07 وما أنزل الله من السماء من رزق ) وهو الماء الذي ينزل من ~~السماء ( @QUR@05 فأحيا به الأرض بعد موتها ) عند ما يجعلها صالحة لاحتضان ~~البذور في عملية النمو والانفتاح ، وربما استوحى البعض من هذا الرزق ، ~~شموله للأشعة التي تنزل من السماء ، فهي ليست أقل أثرا في إحياء الأرض من ~~الماء ذلك أن الماء ينشأ PageV20P303 # عنها بإذن الله ، فحرارة الشمس هي التي تبخر الماء من البحار فتتكاثف ~~وتنزل أمطارا وتجري عيونا وأنهارا ، وقد نلاحظ على ذلك أن الأشعة من ~~العناصر التي تشارك في أسباب هذا الرزق وتكمل تأثيره ، ولكنها ليست رزقا ~~بالمعنى المادي الذي يفهم عرفا من كلمة رزق. # ( @QUR@02 وتصريف الرياح ) التي تتنوع وتختلف في خصائصها ومواقعها ~~وحرارتها وبرودتها ، وطبيعتها من حيث الشدة والخفة ، وهي تتحرك وفقا للنظام ~~الكوني الذي يربطها بالكثير من الأوضاع المتصلة بحركة الحياة في الأرض ، ( ~~@QUR@03 آيات لقوم يعقلون ) لأن العقل الذي يدرس كل هذه الظواهر ويدقق في ~~القوانين التي تحكمها ، وفي الأسرار التي تكمن في داخلها ، لا بد من أن ~~يستوحي منها ، كيف يفتح وعيه على الله الذي هو سر كل شيء فيها ، فلا معنى ~~لوجودها بعيدا عنه. # * * * ### ||| ** ما معنى الاختلاف في التعبير عن الآيات؟ # وقد تناول المفسرون هذا التنوع في التعبير عن الآيات تبعا لتنوعها ، فقد ~~اعتبر خلق السماوات والأرض آيات للمؤمنين. أما خلق الإنسان وسائر الحيوان ~~فهو آيات لقوم يوقنون ، ثم جعل آية اختلاف الليل والنهار والأمطار وتصريف ~~الرياح ، لقوم يعقلون ، فما هو السر في هذا الاختلاف ، ولا سيما إذا عرفنا ~~أن الإيمان حالة يقين ، يحصلها العقل الذي يتحرك فيه الفكر ، ويحتضنه ~~الوجدان .. فهل هو من قبيل التنويع البلاغي للمفهوم الواحد؟ أم هو ~~الاستغراق في وضوح اليقين كما هو الأسلوب القرآني في تنويع التعبير للمعنى ~~الواحد. # وهو خاضع لاختلاف بعض خصائص المعاني في المواقع المتعددة والمتنوعة. PageV20P304 # يقول صاحب الميزان في توجيه ذلك : «إن آية السماوات والأرض تدل بدلالة ~~بسيطة ساذجة على أنها لم توجد نفسها بنفسها ولا عن اتفاق وصدفة ، بل لها ms4761 ~~موجد أوجدها مع ما لها من الآثار والأفعال التي يتحصل منها النظام المشهود ~~، فخالقها خالق الجميع ورب الكل ، والإنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج ، ~~والمؤمنون بجميع طبقاتهم ، يفهمون ذلك وينتفعون به. # وأما آية خلق الإنسان وسائر الدواب التي لها حياة وشعور فإنها من حيث ~~أرواحها ونفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة وهو المسمى ~~بالملكوت ، وقد خص القرآن كمال إدراكه ومشاهدته بأهل اليقين كما قال : ( ~~@QUR@09 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) ~~[الأنعام : 75]. # وأما آية اختلاف الليل والنهار والأمطار المحيية للأرض وتصريف الرياح ، ~~فإنها لتنوع أقسامها وتعدد جهاتها وارتباطها بالأرض والأرضيات وكثرة ~~فوائدها ، تحتاج إلى تعقل فكري تفصيلي عميق ولا تنال بالفهم البسيط الساذج ~~، ولذلك خصت بقوم يعقلون» (1). # وهناك وجوه أخر في تفسير هذا التنوع ، ولكننا نرجح ما ذكرناه أولا من ~~رجوع القضية إلى التنويع في التعبير عن الفكرة الواحدة مراعاة للأسلوب ~~البلاغي الجمالي في الشكل التعبيري. # أما الوجه الذي ذكره صاحب الميزان فقد نلاحظ عليه أن من الممكن إرجاع كل ~~آية لكل واحدة من هذه النعوت .. فالآية التي استشهد بها على مسألة اليقين ، ~~قد تحدثت عن ملكوت السماوات والأرض واستخدم فيها كلمة الإيمان في الآيات ~~التي نتحدث عنها ، كما يمكن استخدام كلمة العقل PageV20P305 # فيها باعتباره أساس الإيمان المبني على التأمل والمحاكمة العقلية ، والله ~~العالم. # * * * ### ||| ** تلك آيات الله # ( @QUR@03 تلك آيات الله ) المنثورة في رحاب الكون الدالة على وجوده ~~وتوحيده ( @QUR@03 نتلوها عليك بالحق ) في ما تحدث القرآن عنها من الطبيعة ~~والتفصيل ، وفي إيحاءاتها الروحية والفكرية ( @QUR@06 فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون ) فإن الله يمثل الحقيقة الوحيدة التي تفسر كل الحقائق في ~~معناها ووجودها ، كما أن آياته هي التي توضح المضمون الفكري للحق في الفكر ~~والحياة. فإذا لم ينطلق الإيمان من خلال ذلك ، فمن أين ينطلق بعده؟. # * * * PageV20P306 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 ويل لكل أفاك أثيم (7) @QUR@014 يسمع آيات الله تتلى عليه ثم ~~يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) @QUR@011 وإذا علم من ~~آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) @QUR@019 من ورائهم ms4762 جهنم ~~ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب ~~عظيم (10) @QUR@011 هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ~~(11) @QUR@014 الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) @QUR@016 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويل ): الويل : الهلاك. # ( @QUR@01 أفاك ): كذاب. # ( @QUR@01 أثيم ): عاص. PageV20P307 # ( @QUR@01 رجز ): أشد العذاب ، وأصله الاضطراب. # * * * # ( @QUR@04 ويل لكل أفاك أثيم ) # ( @QUR@04 ويل لكل أفاك أثيم ) من هؤلاء الكذابين الذين انطلقت حياتهم ~~لتكون كلها كذبا في الموقف والكلمة ، فهم يمارسون الكذب على أنفسهم عند ما ~~يكذبون على الناس ، ويكذبون الحقائق التي يأتي بها الرسل ، ويغرون الناس ~~بالكذب في حركة الواقع ، وبتكذيب الصادقين ، لأنهم لا يطيقون كلمة الصدق ، ~~ولا أجواء الحق بعد أن أصبح الكذب عنوانا لشخصياتهم وطابعا لحياتهم ، ومن ~~هؤلاء الآثمين الذين عاشوا الإثم تمردا على الله ، وحربا على رسله ، ~~وتكذيبا لرسالاته ، في جانب العقيدة والتشريع ، الويل لهؤلاء في كل ما ~~تمثله كلمة الويل من رفض لخطهم ودعوة لهلاكهم ، وإيحاء بالعذاب الذي ينزله ~~الله عليهم. # ( @QUR@05 يسمع آيات الله تتلى عليه ) في ما ينزله الله من القرآن ، ~~يقرأه النبي عليه ، فيستوعب ما تتضمنه من معنى التوحيد لله والاستقامة في ~~نهجه وخطه على مستوى الدعوة والحركة والموقف ، ( @QUR@02 ثم يصر ) على ~~الكفر الذي كان عليه ، ويمتد فيه ( @QUR@01 مستكبرا ) من عقدة الاستكبار ~~الذاتي الذي يعقده فكريا فلا يتقبل ما يأتي به الآخرون من فكر ، لأنه لا ~~يطيق أن يؤمن بحقيقة آتية من غيره ، حتى لو كان وحيا يحمله إنسان آخر ، كما ~~يعقده شعوريا فلا يتعاطف مع الرسول ، بل يواجهه بمشاعر الحقد والاستعلاء ~~المدمر ، فيواجه هذه الآيات ( @QUR@03 كأن لم يسمعها ) بما يثيره حولها من ~~أجواء اللامبالاة ، أو الإيحاء بالاستغراب للوضع كله ( @QUR@03 فبشره بعذاب ~~أليم ) لأن الله يريد لعباده أن يتواضعوا للحق الذي يأتيهم واضحا PageV20P308 # بالحجة الرسالية التي يقدمها الأنبياء والدعاة إلى الله من بعدهم ، مما ~~يعني أن المستكبرين المعاندين لا يملكون ms4763 حجة على كفرهم. # ( @QUR@05 وإذا علم من آياتنا شيئا ) في ما يفرض عليه الموقف أن يسمعه ~~ويستوعبه مما لا سبيل إلى إنكاره ، أو الوقوف منه موقف الغفلة أو ~~اللامبالاة ، ( @QUR@02 اتخذها هزوا ) وواجهها بكل أساليب السخرية التي ~~تبطل تأثيرها في نفوس الناس ، ككل القضايا التي تقع موقع الهزء الاجتماعي ~~الذي يتقنه الطغاة من الكافرين والمستكبرين ، ليحتفظوا بمراكزهم الطبقية ، ~~وبأوضاعهم المنحرفة ، وبعاداتهم السيئة ( @QUR@04 أولئك لهم عذاب مهين ) ~~يذلهم ويخزيهم ويسقط كل جوهم النفسي الاستكباري بالعذاب الذي يذوقون فيه ~~المهانة والسخرية مما أعطوه لأنفسهم من مكانة وعظمة لا يستحقونهما. # ( @QUR@03 من ورائهم جهنم ) قيل : إن كلمة وراء تطلق على القدام وعلى ~~الخلف كما ورد في مجمع البيان «فما توارى عنك فهو وراؤك ، خلفك كان أو ~~أمامك» (1)، وقيل إن التعبير بذلك ، مع أن جهنم أمامهم في ما يستقبلونه من ~~مصيرهم في الآخرة ، لأنهم لما كانوا مستغرقين في شهوات الدنيا ولذائذها ~~معرضين عن الحق ، غافلين عن النتائج السلبية المترتبة على موقفهم السلبي من ~~الرسالة ، فكأنهم جعلوا جهنم وراءهم من موقع الإعراض عن التفكير في تبعات ~~عملهم. ( @QUR@06 ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ) فلا قيمة للمال الذي جمعوه ~~، ولا للجاه الذي حصلوا عليه ، ولا للقوة المادية التي تحيط بهم ، لأن ذلك ~~لا يعطي أية قيمة روحية تقرب الإنسان إلى الله ، ولا يمنح أصحابه أي امتياز ~~ذاتي ( @QUR@07 ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) فلا موقع لهؤلاء في ~~ساحة الآخرة ، لأنهم مخلوقون لله ، مربوبون له ، خاضعون في ذواتهم لكل نقاط ~~الضعف البشري وللإمكانات المحدودة التي يملكونها من الله ، فلا يغنون عن ~~أنفسهم شيئا في ما كانوا PageV20P309 # يريدونه من الناس من عبادتهم لهم ، أو في ما قاموا به من سيئات في موقفهم ~~من الله ، ولا يغنون عن غيرهم ممن كانوا يعبدونهم شيئا ، لأن الله هو الذي ~~يريد أن يعذبهم فكيف ينصرونهم من الله ، ( @QUR@03 ولهم عذاب عظيم ) يتناسب ~~مع جريمة الكفر والشرك التي لا يغفرها الله للسائرين فيها. # * * * ### ||| ** شكر نعم الله العظيمة # ( @QUR@01 هذا ) القرآن الذي أنزله الله على رسوله ( @QUR@01 هدى ) يهتدي ms4764 ~~به من يأخذون فكره عقيدة يؤمنون بها ، وشريعته نهجا يلتزمون به ، ومفاهيمه ~~خطا يسيرون عليه ( @QUR@04 والذين كفروا بآيات ربهم ) وهم الضالون الذين ~~يمنعهم كفرهم من الاستقامة على الخط المؤدي إلى النجاة ( @QUR@05 لهم عذاب ~~من رجز أليم ) وهو العذاب الشديد الذي يضطرب أهله من جراء قساوة الآلام ~~التي يعانونها. # ( @QUR@012 الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ) ليسهل لكم بلوغ غاياتكم وتحصيل أرزاقكم ، ومواقع حاجاتكم ، التي لا ~~تستطيعون بلوغها بدون ذلك ( @QUR@02 ولعلكم تشكرون ) هذه النعمة العظيمة ، ~~أولا بالتفكير الجاد الواعي بما هيأه لكم من وسائل تحققت لفضلها تلك النعمة ~~منها قوانين البحر وحركة الرياح ، وإبداع الفلك ، وذلك الفكر الذي ألهمكم ~~إياه ، وثانيا بالالتزام بأمر الله ونهيه ، كشاهد على الانسجام مع الإيمان ~~بألوهيته ووحدانيته. # ( @QUR@010 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) فقد جعل ~~الله لكم من الشمس والقمر والنجوم والرياح والمطر والأرض التي تنتج الغذاء ~~والحيوان الذي هيأ لكم وسائل السيطرة عليه ، والانتفاع به في مختلف المنافع ~~، من الركوب والشراب والأكل ونحوها وغير ذلك مما لا يمكن إحصاؤه من نعم ~~الله المتناثرة في الكون كله ، التي لولاها لما تمكن الإنسان من الاستمرار ~~في الحياة ، فمنه كان الخلق ، ومنه كان العطاء ، ومنه كانت الرحمة التي امتدت PageV20P310 # بذلك كله في حركة الوجود. # ( @QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) فلا يمرون بهذه الأشياء عند ما ~~يشاهدونها أو يتقلبون فيها ، أو يتنعمون بها ، مرورا عابرا ، بل يتوقفون ~~عندها ، ليتأملوا فيها تأملا عميقا ، وليدرسوا خصائصها وأسرارها ، وطبيعة ~~القدرة الإلهية وحركة الرحمة فيها .. مما يدفعهم للإيمان بالله من خلالها ~~من موقع عظمته ونعمته ورحمته .. وفي هذه الفقرة ، كغيرها من الفقرات ~~المماثلة ، إيحاء عميق بأن الفكر هو الذي يقود إلى الإيمان بالله ، عند ~~انطلاقه في خط المعرفة الذي يفتح للناس طريق الوعي والإيمان ، في مقابل ~~الجهل الذي يؤدي بهم إلى الغفلة والضلال. # * * * PageV20P311 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما ~~بما كانوا يكسبون (14) @QUR@011 من عمل صالحا فلنفسه ومن ms4765 أساء فعليها ثم ~~إلى ربكم ترجعون (15) # * * * # ( @QUR@09 قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) # ( @QUR@09 قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) هذا هو ~~التوجيه الإلهي للمؤمنين في مواقف التحدي الذي يواجههم الكفار به ، فقد ~~كانت المرحلة في ما يوحي به السياق مرحلة الدعوة التي تريد أن تفتح القلوب ~~على الله ، وتدفع العقول إلى التفكير في آيات الله ، وكان المؤمنون يلاقون ~~الاضطهاد من الكفار ويستمعون إلى الكلام القاسي اللامسؤول الذي يوجهونه إلى ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا يلاحظون أنهم لا ينطلقون في ذلك من ~~شبهة أو عقيدة ، فهم ليسوا دعاة فكر مضاد ، مبني على المحاكمة الفكرية ، بل ~~هم دعاة ضلال ساذج ، مبني على الأوهام .. وكان المؤمنون يتحفزون للرد على ~~الكفار ، PageV20P312 # وللمواجهة ، وللدفاع عن أنفسهم ، ولكن المرحلة لم تكن تتحمل ذلك لأنها لم ~~تصل إلى المواجهة ، وكان الكفار بحاجة إلى مزيد من الصبر في الدعوة ، ~~للحصول على الوضوح الذي يزيل الكثير من التعقيدات ، وإلى مزيد من الإيجابية ~~في الموقف الذي يخفف الكثير من السلبيات .. وهكذا كان الأسلوب العملي ~~لهدايتهم هو الصفح عنهم ، والإعراض عن مخاصمتهم ومجادلتهم وعدم مواجهتهم ~~بالموقف الصلب ، وهذا هو المراد من المغفرة عمليا بحيث لا تثير ضد المخطئ ~~رد فعل سلبيا عنيفا ، كي لا يثير مشكلة معقدة ، أو تهيئ الجو له للتراجع ، ~~على طريقة الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم في ما يروى عنه ، إنه كان ~~يقول عند ما يشتد اضطهاد قومه من المشركين له : «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون» بمعنى ترك عقابهم على ما أشركوا فيه ، وما كفروا به ، وما تمردوا ~~عليه ، وتأخير أمرهم إلى وقت آخر لأنهم لا يعلمون وجه الحقيقة في ما أنكروه ~~، وخطورة ما قاموا به. # ولعل التعبير بقوله : ( @QUR@04 لا يرجون أيام الله ) يتضمن إيحاء ، ~~بأنهم يجهلون المسألة الإيمانية التي تبعد مشاعرهم الذاتية عن الرجاء بأيام ~~الله التي يغفر فيها لعباده ، ويرحم فيها الخاطئين ، ويدخلهم جنته .. # وقد يفهم البعض هذه الآية بطريقة أخرى ويعتبرها لونا من ألوان ms4766 التسامح في ~~النظرة إلى الكفر أو الشرك ، لتكون المسألة المطروحة هي مسألة اللامبالاة ~~بقضية الإيمان والكفر ، أو التوحيد والشرك ، مما يتنافى مع الالتزام ~~بالموقف الإيماني الذي يتحرك من موقع الاهتمام ، ويحدد العلاقات على هذا ~~الأساس .. # إننا لا نوافق على ذلك ، بل القضية في هذه الآية هي الوقوف بطريقة ~~متوازنة أمام الانحراف لدراسة الأسلوب الأفضل لمواجهته أو في معالجته ، ~~انطلاقا من الانفتاح النفسي على ظروف انحراف المنحرف مما يجعل المؤمن ~~الداعية ، يستلم زمام المبادرة إفساحا في المجال أمام المنحرف للتراجع عن PageV20P313 # انحرافه بلحاظ الظروف الموضوعية التي تحيط بالوضع من جميع جوانبه ، ~~لتحديد الموقف سلبا أو إيجابا ، على أساس ذلك. # * * * # ( @QUR@03 إلى ربكم ترجعون ) # وإذا فكر الإنسان بالمسؤولية عند اتخاذ هذا الموقف غير الحاسم في مواجهة ~~هؤلاء الذين لا يرجون أيام الله ، فإن القرآن يؤكد أن الجزاء ، في الثواب ~~والعقاب ، من شؤون الله الذي لا يفوته أحد في ما هو العقاب ، ولا يضيع عمل ~~أحد في ما هو الثواب ( @QUR@05 ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) من الأعمال ~~الحسنة أو السيئة ذلك أن المسؤولية الفردية تنعكس على نفس العامل بالخير أو ~~بالشر ، من دون أن يكون لمن يتعلقون به ، نصيب في نتائجها. # ( @QUR@04 من عمل صالحا فلنفسه ) من حيث النتائج الجيدة لعمله على مستوى ~~الحياة الخاصة في الدنيا وعلى مستوى المصير في نعيم الآخرة ، ( @QUR@03 ومن ~~أساء فعليها ) لأن العمل السيئ ينطلق من حالة سوء في داخل ذات المسيء ، في ~~طبيعة تفكيره وسلوكه ( @QUR@04 ثم إلى ربكم ترجعون ) لتقفوا بين يديه ، ~~وتواجهوا الحساب الذي يحدد مصيركم النهائي. # * * * PageV20P314 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) @QUR@024 وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) (17) # * * * ### ||| ** إنزال الرسالات لتوحيد الناس # وإذا كان مصير الإنسان الأخروي متعلقا بالعمل الصالح وغير الصالح ، فما ~~الذي يحدد لنا هذا أو ذاك ، هل هو التقييم الذاتي للأشياء. أم أن هناك ~~برنامجا إلهيا يحدده الله ms4767 لرسله ، ويبلغه الرسل لأممهم؟ # إن هذه الآيات تشرح لنا أن الله لم يترك الناس لأنفسهم ليختلفوا في ما ~~بينهم ، بل أنزل الرسالات في كتبه ليوحد لهم النظرة ، وليحدد لهم منهج خط السير. # ( @QUR@05 ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) الذي أنزلناه على موسى ، وهو ~~التوراة PageV20P315 # المشتملة على الشريعة الإلهية التي تبين للناس الحلال والحرام. ويمكن أن ~~يراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة والإنجيل والزبور باعتبار أنها كتب أنزلت ~~على بني إسرائيل الذين بعث فيهم موسى وعيسى وداود ، لأن المقصود بالكتاب هو ~~الوحي المنزل على الرسول ، ولكن بعض المفسرين يلاحظ على ذلك بأن الكتاب لم ~~يطلق في القرآن إلا على ما يشتمل على الشريعة ، وهذا ما لا ينطبق إلا على ~~التوراة ، لأن الإنجيل لا يتضمن الشريعة ، أما الزبور فإنه يشتمل على ~~الأدعية والأذكار ، ( @QUR@01 والحكم ) الذي يفصل بين الناس في ما يختلفون ~~فيه عند تطبيق القضايا الكلية التي حددها الكتاب على القضايا الجزئية ~~والمنهاج الذي حدد الله فيه الوسائل التي يتحرك فيها القضاء ، ويمكن أن ~~يشمل الحكم المعنى المعروف للولاية العامة للناس على أساس أن أهميته في ~~تثبيت النظام العام قد تكون أكثر من القضاء المعروف في القضايا الجزئية ، ~~لأن استقامة الحكم ، واستقامة الحاكم في شخصه ، وفي منهجه العملي ، هي التي ~~تزيل كثيرا من المشاكل التفصيلية في الحياة العامة ، نظرا لعدالة النظام ~~وسلامة التطبيق ، الأمر الذي يجعل من البعيد أن يهمله الله في تخطيطه ~~التشريعي للحياة ، ( @QUR@01 والنبوة ) التي جعلها الله خطا ممتدا في حياة ~~هؤلاء الناس بتعدد الرسل الذين ذكرهم الله لنا في كتابه. وهذه هي نعمة ~~الموقع الفكري الذي يحرك الوعي في خط المسؤولية ، ويحرك المسؤولية في ~~الرسالة ، من خلال شخصية النبي والحاكم والداعية. # * * * ### ||| ** تفضيل بني إسرائيل # ( @QUR@03 ورزقناهم من الطيبات ) في تنوع موارد الرزق ، في ما يستطيبه ~~الناس من ألوان الطعام والشراب ، ( @QUR@03 وفضلناهم على العالمين ) من ~~خلال الموقع والدور والنعمة ، لا من خلال القيمة الذاتية ، التي تتحول في ~~الوعي إلى حالة عنصرية PageV20P316 # معقدة ، فقد أعطاهم الله النعمة الوافرة ، والنبوة والكتاب والحكم ~~ليأخذوا بالهدى من ms4768 خلالها ، وليشكروا الله على ما أولاهم من نعمه ، فلما ~~انحرفوا عن الخط المستقيم في ذلك كله ، ذمهم الله ولعنهم ، وابتلاهم بألوان ~~البلاء ، لأن الله لا يفضل أحدا لذاته ، بل يمده بمواقع الفضل إذا ما أخلص ~~في العمل وفي العبادة لله. وعلى ضوء ذلك ، فلا مجال للقول : إن الله قد ~~أعطى بني إسرائيل كقوم قيمة روحية ومعنوية خاصة ، بما يؤكد مقولتهم التي ~~يدعون فيها أنهم شعب الله المختار ، فإننا نلاحظ تعليقا على ذلك أن الله قد ~~رد عليهم ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@022 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء ... ) [المائدة : 18] وقوله تعالى ، في سورة الجمعة : ( ~~@QUR@027 قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين* ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين ) [الجمعة : 6 7] وقوله تعالى في بيان الخط العام للمسؤولية ~~بعيدا عن طبيعة الانتماء : ( @QUR@020 ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ~~من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) [النساء : ~~123] وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن تمرد بني إسرائيل ونقضهم ميثاقهم ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ، مما يوحي بأن المسألة لا ترتفع إلى مستوى ~~التقييم الخاص ، بل تبقى في مستوى الواقع. # * * * # ( @QUR@09 اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) # ( @QUR@04 وآتيناهم بينات من الأمر ) من الآيات الواضحة الدالة على الحق ~~من دون أي شك أو شبهة مما لا يدع مجالا للخلاف ، ولكنهم مع ذلك كله اختلفوا ~~لا بسبب غموض القضية الرسالية ، بل عن عقدة سببها نوازع البغي الكامنة في ~~ذواتهم. PageV20P317 # ( @QUR@010 فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) عند ما ~~يتحول العلم في شخصية العالم ، إلى نوع من الزهو والخيلاء الذي يبحث فيه ~~الإنسان عن تأكيد نفسه بالانتفاخ كبرياء ، يؤدي إلى أن يواجه الأمور بطريقة ~~تثير التعقيدات ، وتضع الفواصل داخل الفكر الواحد ، ليتحول إلى فكرين ، ~~يختلف الناس حولهما ms4769 ، ليلتزم كل منهم الموقع الذي يفصله عن الآخرين. وهكذا ~~يتحول العلم ، إلى حالة شيطانية باغية ، تفرز العداوة والبغضاء وتخدم مراكز ~~الوجاهة الاجتماعية والثقافية والسياسية داخل المجتمع الواحد ، فهو يصوغ ~~للخلافات نظريات علمية تدعم هذا الخط بحيث يبدو كما لو كان في العمق هو ~~التجسيد الفعلي للحقيقة الدينية ، وتدعم ذاك بالمستوى نفسه ، ليتحول الدين ~~إلى دينين تضعه العصبية المذهبية في هذا الجانب أو ذاك ، لينقسم المجتمع ~~على أساس الصفة المذهبية التي يكفر فيها أهل هذا المذهب أتباع المذهب الآخر ~~، من خلال التحليلات والتدقيقات والحواشي والتأويلات التي يثيرها الخبث ~~العلمي ، لا الطهارة الفكرية. # ( @QUR@010 إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) فهم ~~لا يستطيعون هناك التعلق بما كانوا يتعلقون به من المبررات الخلافية على ~~أساس القاعدة العلمية المزعومة ، بل يواجهون الحقيقة الواحدة التي أوحى بها ~~الله إلى رسله من دون زيادة ولا نقصان ، وقد كانوا يستطيعون اكتشافها من ~~خلال المنهج الذي جعله الله أساسا من أسس الوصول إلى الحق ، ولكن روح البغي ~~كانت تمنعهم عن ذلك. # * * * PageV20P318 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون (18) @QUR@015 إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شريعة ): طريق ورود الماء ، وهي هنا طريق الدين. # ( @QUR@01 الأمر ): أمر الدين. # * * * ### ||| ** الشريعة الإلهية واجبة الاتباع # ( @QUR@06 ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) الإلهي الذي وضع لحياة الإنسان ~~في كل جوانبها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية برنامجا تشريعيا ~~كاملا ينظم كل مناحي تلك الحياة العامة والخاصة ، في جميع الأوضاع والمواقع بما PageV20P319 # لا يترك أي فراغ يحتاج معه الإنسان للرجوع إلى ما وضعه الآخرون من أصحاب ~~الأفكار الكافرة أو الضالة ، من نظريات نفسية أو اجتماعية أو سياسية أو ~~اقتصادية. وهو لا يثير أية مشكلة على مستوى تحقيق التوازن في حركة الشخصية ~~الإنسانية بين المادة والروح ، وبين الذات والجماعة ، وبين الجانب العقلي ~~والجانب الشعوري ، ليعيش الإنسان على الصورة التي يرضاها الله ، في ما ~~يعلمه من عمق المصالح والمفاسد ms4770 الكامنة في واقع الحياة ، لذا كان الخطاب ~~حاسما للنبي ، وللأمة ، من خلاله ، في دعوتها إلى اتباع هذه الشريعة ، على ~~النهج الذي بينه الله في كتابه ، وخططه الرسول في ما ألهمه الله من ذلك الأمر. # ( @QUR@07 فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) في ما يضعونه من ~~شرائع ، أو يركزونه من مفاهيم أو يعدونه من برامج ، أو يحركونه من أساليب ، ~~أو يثيرونه من أفكار ، تنطلق من الأهواء المتحركة في ساحة الأطماع والشهوات ~~، بعيدا عن عمق المصلحة الإنسانية في دائرة التوازن ، على خط الاستقامة. # إن الله لا يريد للإنسان المسلم أن ينعزل عن ثقافة الآخرين وحضارتهم ~~بالمطلق ، ولكنه يريد له أن يقف على قاعدة صلبة من الشريعة التي يدعوه ~~الإسلام إلى الالتزام بها ، ثم يواجه ما عند الآخرين بالرفض أو التأييد ~~استنادا إلى المفاهيم الثابتة في قاعدته الفكرية من مواقع القناعة ، لا من ~~مواقع التعصب ، فالإسلام يؤكد الثبات في مواجهة الاهتزاز ، والحوار الفكري ~~في مقابل التعصب. # إن الآية توجه المسلم إلى نقاط الضعف التي يحاول الآخرون ، ممن لا يملكون ~~العلم ، إثارتها في نفس الداعية لتبعث فيه الاهتزاز لحملة على الانهيار ~~والوقوع تحت تأثير الأجواء الضاغطة التي تدفعه إلى الانحراف من موقع الخوف ~~، أو الانبهار ، لتؤكد له أن يقف ثابتا في مواقعه من عمق القوة PageV20P320 # الإلهية التي شرعت هذه الشريعة ، وأعطت هذا الفكر ، وقادت إلى هذا الخط ~~المستقيم. # ( @QUR@07 إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) إذا اتبعت أهواءهم ورفضت ~~شريعة الله ، ووقفت غدا أمامه لتواجه الحساب الحاسم في مسئوليتك عن ذلك كله ~~فلن يستطيعوا أن يخلصوك إذا أراد الله أن يعذبك. وربما اشتملت المسألة على ~~أوضاع الدنيا في بلائها وحاجاتها ، فإن الله وحده هو الذي يستطيع دفع ~~البلاء عن الإنسان ، أو قضاء حاجاته ، أما هؤلاء فإنهم لا يملكون شيئا من ~~القدرة كي يستطيعوا أن يحققوا له الغنى في قضاياه العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** الظالمون بعضهم أولياء بعض # ( @QUR@05 وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ) فهناك منطق مشترك يجمعهم ~~وتفكير واحد ولغة مشتركة يعبرون بها ، وأطماع ومصالح وقيم فاسدة ms4771 تجمعهم ~~وتربط بعضهم ببعض ارتباطا عضويا ، ويتولى بعضهم بعضا ويدعم بعضهم بعضا ~~ويقوي أحدهم الآخر ، ويخوضون المعركة مع العدل والحق ، في ساحة الصراع من ~~موقع واحد ، ولكنهم لن يستطيعوا فعل الكثير مع المتقين الذين يعتمدون على ~~الله ويتولونه ويخلصون له ، ويتطلعون إلى ولايته الإلهية التي تنصرهم في ~~مواطن الهزيمة ، وتقويهم في مواضع الضعف ، وترعاهم بالرحمة واللطف في كل ~~المواقع التي يتعرضون فيها للمشاكل المعقدة في خط الإيمان في الحياة ( ~~@QUR@03 والله ولي المتقين ) الذين اتقوه في مواقع الاهتزاز والانحراف ~~ووقفوا على قاعدة ثابتة يتطلعون من خلالها إلى الله ، في كل أمورهم ~~وقضاياهم ، ليتيقنوا أنه وحده هو ولي الأمر كله ، لأنه خالق الكون كله .. # * * * PageV20P321 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@07 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) @QUR@017 أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون ) (21) ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بصائر ): جمع بصيرة ، وهي الإدراك المصيب للواقع ، والمراد ~~بها ما يبصر به. # ( @QUR@01 اجترحوا ): اكتسبوا. # ( @QUR@01 السيئات ): جمع سيئة ، وهي الفعلة القبيحة التي يسوء صاحبها ~~باستحقاق الذم عليها. # * * * PageV20P322 ### ||| ** القرآن بصائر للناس # ( @QUR@01 هذا ) القرآن الذي يشتمل على العقيدة والشريعة ( @QUR@02 بصائر ~~للناس ) يفتح عقولهم وقلوبهم على المعرفة التي يبصرون بها حقائق الحياة ، ~~ويدلهم على الصراط المستقيم ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، فيعيشون في ~~النور المعنوي المنطلق من أفق الوحي الحق ، والمعرفة اليقينية ، عند ما ~~يتخذونه وسيلة للإبصار ، ( @QUR@01 وهدى ) يهتدون به إلى سواء السبيل ( ~~@QUR@01 ورحمة ) في ما يختزنه من إيحاءات الرحمة الإلهية المتدفقة من ~~ينابيع الخير في حياتهم ، ( @QUR@02 لقوم يوقنون ) يتحركون في طريق تحصيل ~~اليقين ، فلا يتوقفون أمام الشك ليتجمدوا عنده ، بل يلاحقون كل مواقع ~~المعرفة التي يمكن أن تزيل الحجاب عن الحقيقة. وإذا كانت هذه البصائر تربط ~~مصير الإنسان بعبوديته لله ، فلا بد من أن تكون العبودية مقياسا لتقويم ~~أعماله وحركته ، باعتبار أن رضوان الله عن حركة عباده ومصيرهم متعلق بها ، ~~وهذا ما تعبر عنه الآية التالية التي تثير ما يقع فيه الكافرون والفاسقون ~~الذين يعملون السيئات من خطأ عند ما يتصورون أن ابتعادهم عن ms4772 طاعة الله ، لا ~~يترك أي تأثير على مستقبلهم في الدنيا والآخرة ، فيمكن أن يكونوا ، هم ~~والمؤمنون المتقون ، سواء. # * * * ### ||| ** ساء ما يحكم الكافرون # ( @QUR@014 أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ) انطلاقا من الفكرة الخاطئة التي لا ترى في ~~الإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، أي معنى يثير الاهتمام والتقويم ~~العملي ، ليكون الموقف من ذلك كله موقف اللامبالاة؟ # ( @QUR@03 ساء ما يحكمون ) لأن مستوى الإنسان لا بد من أن يحدد على ضوء PageV20P323 # الواقع الداخلي والخارجي الذي يعيش فيه ، فهو عند ما يكون منفتحا على ~~الله خالق الكون كله ، منسجما مع الخير المنطلق من عمق المعنى الطيب في ~~الحياة ، مواليا للحق الذي يمثل مضمون الوجود ، في مقابل الواقع النفسي ~~والعملي الذي يعيش فيه عند ما يكون منغلقا عن الله ، منفتحا على الشيطان ، ~~وخاضعا للأوثان ، ومتمردا على التوحيد ، ومنسجما مع الشر الذي يثقل الروح ، ~~ويعطل حيوية الحياة ، ومبتعدا عن الحق ، مقتربا من الباطل ، فكيف نساوي بين ~~هذا الواقع وذاك في الحياة ، وما بعدها .. إنه الفرق بين الأعمى والبصير ~~وبين الظلمات والنور ، في المضمون الروحي والحركي على صعيد الحياة كلها. # * * * PageV20P324 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم ~~لا يظلمون (22) @QUR@024 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم ~~على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) (23) # * * * ### ||| ** خلق الله السماوات والأرض بالحق # الحق هو القاعدة القرآنية الصلبة الواسعة التي تشمل الكون بأسره ، فهو ~~يشكل الأساس الذي انطلق منه الوجود ، والضابط لحركة الإنسان ، الذي يريد ~~الله منه أن يجعل كل شيء لديه خاضعا للحق. ويبقى تحمل الإنسان المسؤولية ~~أمام الله هو الذي يحدد للإنسان موقفه ومصيره ، من خلال الحق. # ( @QUR@05 وخلق الله السماوات والأرض بالحق ) في سر الخلق ، وفي حركته ، ~~فلا مجال للعبث ولا للهو ، ولا للباطل ، وإذا كان الحق هو الأساس ، فهل ~~يمكن أن يجعل الباطل مساويا له في القيمة وفي الجزاء؟ وهل يتساوى المحق PageV20P325 # والمبطل في حسابات الله؟ إن معنى ms4773 أن يكون الحق الأساس في كل شيء ، هو ~~رجوع كل شيء إليه ، لارتباطه به في العمق والامتداد ، وعلى ضوء ذلك يحدد خط ~~المسؤولية ، الجزاء تبعا لطبيعة العمل النوعية. # ( @QUR@05 ولتجزى كل نفس بما كسبت ) فهذا هو المنهج الصحيح الذي يرتكز ~~عليه العدل ، ويقضي بإعطاء كل إنسان حقه ، والتصرف مع كل شخص بما يستحق ، ( ~~@QUR@03 وهم لا يظلمون ) فلا يعاقب أحد بما لم يفعل ، ولا ينتقص من حق أحد. # * * * # ( @QUR@05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه )؟ # ( @QUR@05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) في ما يمثله الاستغراق في اتباع ~~الهوى ، في اللذات والشهوات الحسية دون الخضوع للضوابط الحقيقية التي ~~يحددها عمق المصلحة الإنسانية ، ووحي الرسالات ، ودون أي توازن على خط ~~المبادئ الإيمانية العامة مما يعني اعتبار الهوى بمثابة الإله المعبود في ~~الاستسلام له ، والتسليم المطلق له بالطاعة .. وهكذا نجد في هذا التعبير ~~القرآني عن الهوى المطاع بالإله أن مسألة الألوهية لا تتعلق بالمسألة ~~النظرية والتصور العقلي للإله ، بل تتصل بالوعي العملي الذي تجسده الممارسة ~~في الواقع حيث يتجه اهتمام الإنسان عمليا في اتجاه معين يملك عليه كل ~~مشاعره ويسيطر على أفعاله في الوقت الذي يتجه فكره باتجاه آخر. # وهذا ما نلاحظه في مواقع أخرى ، في الإشارات القرآنية ، للجانب الألوهي ~~من حياة الإنسان في قوله تعالى : ( @QUR@07 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله ) [التوبة : 31] ، وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا PageV20P326 # @QUR@03 من دون الله ) [آل عمران : 64]. فإن ذلك لا يعني الاعتراف ~~بربوبية هؤلاء ، بالمعنى الفكري ، وبشكل علني ، بل يعني الالتزام بطاعتهم ~~في كل شيء ، حتى في معصية الله ، والاستغراق الأعمى في ذلك كله. # ( @QUR@04 وأضله الله على علم ) فليس ضلاله مستندا إلى جهل بالفكر ، أو ~~بمواقع الهدى ، لأن هذا الإنسان قد أخذ بأسباب العلم الذي يمكن أن يصل به ~~إلى مواقع الإيمان أو يعرفه وسيلة الالتزام به ، ولكنه انطلق في خط الهوى ~~الذي تحول إلى غشاء ثقيل غشى بصيرته ، وأعمى بصره ، فتحول العلم عنده إلى ~~جهل ، أو إلى ما يشبهه ، الأمر الذي جعله يتحرك في متاهات الضياع. أما نسبة ms4774 ~~الإضلال إلى الله ، فقد يكون بملاحظة الجانب السلبي المتمثل في إهمال الله ~~له وتركه لنفسه ، أو بملاحظة الجانب الإيجابي المتمثل في قانون السببية ~~الذي ربط الله فيه بين الأشياء وجعل اختيار السبب بيد الإنسان ، مما لا ~~ينافي عنصر الاختيار في الأفعال. # ( @QUR@04 وختم على سمعه وقلبه ) لأن الهوى عند ما يغلب على الإنسان ، ~~فإنه يمنعه من سماع الحق ، أو يشوش عليه ما يسمع ، كما يغلق أمام عقله ~~النافذة الواسعة التي يطل بها على الحقائق ، ويضع الحواجز التي تمنعه من ~~البحث عن الحقائق والوصول إليها من طريق التفكير العميق ، والتأمل الواعي ، ~~تماما كما لو كان سمعه وقلبه مختومين بختم مادي يمنعهما من استقبال الكلام ~~النافع ، والفكر الصائب ، ( @QUR@04 وجعل على بصره غشاوة ) فهو يبصر سطح ~~الأشياء الظاهر ، من دون أن يحدق فيها تحديقا دقيقا يمكنه من معرفتها في ~~العمق ، بالمستوى الذي يملك فيه الوصول إلى معرفة مدلولات الأشياء التي ~~يراها ، مما يجعل رؤيته لها رؤية عابرة ، لا يستفيد منها شيئا ، كما لو لم ~~يبصر أي شيء ، لأن وجود السمع والقلب أو عدمه يتساويان عند ما لا يحصل ~~الإنسان من الوجود على ما ينير فكره ويغير واقعه .. أما في ما يتعلق بنسبة ~~المسألة إلى الله التي قد تلتقي بفكرة الجبر ، فالجواب عنه هو جواب الفقرة ~~السابقة نفسه. PageV20P327 # ( @QUR@05 فمن يهديه من بعد الله ) الذي يملك وحده أمر الإنسان ، في حركة ~~العلاقات الإنسانية .. كما يملك الكون كله في حركة العلاقات العضوية بين ~~ظواهره ، ولا يملك شيئا من ذلك غيره ( @QUR@02 أفلا تذكرون ) وتخرجون ~~أنفسكم من الغفلة المطبقة التي تمنع عنكم وضوح الرؤية للأشياء لتملكوا ~~التصور المتوازن لقضايا الحياة والإنسان ، في آفاق الله. # * * * PageV20P328 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) @QUR@016 وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) ~~@QUR@018 قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~ولكن أكثر الناس لا ms4775 يعلمون ) (26) # * * * ### ||| ** وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا # ( @QUR@08 وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) فليست هناك حياة ~~غيرها ، وليست هناك قوة غيبية تحرك وجودنا بطريقة خفية لتكون لها قدرة على ~~إبداع الحياة من جديد .. فنحن نعيش في هذه الحياة الدنيا ، فنموت كبشر في ~~جيل ماض ، ونحيا في جيل جديد ، ضمن حركة الحياة والموت التي تحكم الوجود ~~الإنساني بشكل طبيعي .. وربما كانت كلمتا ( @QUR@02 نموت ونحيا ) معبرتين ~~عن النوع الإنساني بأكمله ، ويكون تقديم الموت على الحياة ، تعبيرا فنيا ~~نلحظ فيه PageV20P329 # التناسب في موسيقى الكلمات. # ( @QUR@04 وما يهلكنا إلا الدهر ) وهو الزمن الذي يترك في استمراره ~~تأثيرا على عناصر الحياة والموجودات فيبلي كل جديد ، ويهلك كل وجود .. فهو ~~الذي يعطل دور كل عضو من أعضائنا ، ويفني الأجهزة المودعة في خلايانا. ~~فنموت عند ما تستنفد الحياة طاقتها على البقاء ، فلا غيب ، ولا خفاء ، بل ~~هو الحس الذي يتحرك أمام الأعين ، في حركة الوجود والفناء .. ولكن القرآن ~~يطرح موقفه من هذه المسألة ، من خلال السؤال عن مصدر هذه الأحكام .. فهل ~~هناك دليل على نفي الحياة الأخرى ، يحكم به العقل ، أو تقود إليه التجربة؟! ~~وكيف يفسرون القوة الخفية التي تمثل مصدر الحياة؟ وإذا كانوا يفسرون نهاية ~~الحياة ، بتأثير الزمن على الأجسام الحية ، فكيف يفسرون بداية حياة الأشياء ~~الجامدة؟ وكيف يفسرون تحول الغذاء إلى دم ، والدم إلى نطفة ، وتحول النطفة ~~، في تطور نوعي متقن ، إلى إنسان؟ إلى غير ذلك من الأمور التي ترصد الظواهر ~~الحياتية وتلاحظ أن هناك شيئا غير المادة مما لا يملكون علمه بالدقة والعمق ~~والشمول ، ( @QUR@05 وما لهم بذلك من علم ) فليس لديهم إلا النفي الذي ~~يحتاج إلى دليل ، كما يحتاج الإثبات إلى دليل ، ( @QUR@04 إن هم إلا يظنون ~~) انطلاقا من الحدس المبني على الاحتمال ، والذي يتحرك في أجواء الخيال ، ~~وفي مجالات الاستبعاد ، من دون علم. # * * * ### ||| ** طرح التحدي الساذج # ( @QUR@05 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) مما لا مجال فيه لشبهة أو ريب ~~( @QUR@011 ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) ~~لأنهم لا يملكون مواجهة ms4776 البينات بالحجة العلمية المقنعة التي تناقش مفردات ~~العقيدة التي تطرحها ، أو طبيعة المفاهيم التي تثيرها ، ولذلك فإنهم يهربون ~~من الموقف إلى طرح التحدي الساذج الذي PageV20P330 # لا معنى له ، لأن الأنبياء لم يأتوا ليغيروا النظام الكوني المتعلق ~~بالحياة وبالإنسان ، ليبعثوا الحياة في الموتى ، وليحولوا التراب ذهبا ، ~~والصحراء ينابيع وجنات ، وما إلى ذلك ، بل جاءوا ليخاطبوا العقل والوجدان ، ~~بالأفكار التي يستلهمونها من وحي الله ليوجهوا الناس إلى الأخذ بتلك ~~الأفكار في نظامهم الحركي في المجالات العامة والخاصة ، ولهذا كانوا يطلقون ~~الفكرة ويدعون إلى الحوار حولها ، ثم يواجهون الأفكار المضادة ليناقشوها ، ~~وليطرحوا على دعاتها أن يقدموا البراهين الواضحة التي تثبت صحتها من ~~الناحية الفكرية. # * * * ### ||| ** سنة الله الحتمية # ( @QUR@013 قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ) فهذه هي الحقيقة الإلهية في وجود الإنسان ، فهو وحده القادر على ~~إعادة الحياة ، كما أنه وحده القادر على إيجادها ، فليس لأحد أن يطلب من أي ~~مخلوق ، حتى إذا كان نبيا ، أن يعيد الحياة لأي شخص ، لأن النبي لا يملك ~~أية قدرات إحيائية إلا بإذن الله ، الذي أعطى بعض هذه القدرة لبعض رسله ، ~~إذا ما كان دوره الرسالي يفرض ذلك ، لا نزولا عند طلب التحدي المضاد ، لأن ~~الله لا يستجيب للتحدي ، كما يستجيب الناس الذين ينفعلون بالتحدي ، أو ~~يخافون السقوط أمام مواقعه ، فإن الله بالغ أمره في كل شيء .. ولذلك فلا بد ~~لهؤلاء من أن يفهموا سنة الله الحتمية التي تنطلق من حكمته في خلق الإنسان ~~، لتكون حياته ساحة للمسؤولية ، وليكون موته جسر عبور إلى يوم القيامة حيث ~~يواجهون نتائج المسؤولية وتتأكد حكمة الله من الخلق ، ولكن مشكلة هؤلاء ~~وغيرهم ، ممن يعيشون في السطح الظاهر من الأمور ، أنهم لا يفكرون ( @QUR@05 ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) لأنهم لا يأخذون بأسباب العلم ، في ما أعده ~~الله لهم من وسائله الذاتية والموضوعية ، بفعل ابتعادهم عن الجدية في ~~حسابات المصير. # * * * PageV20P331 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون (27) @QUR@014 وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى ms4777 إلى كتابها اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملون (28) @QUR@011 هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون (29) @QUR@013 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) @QUR@012 وأما الذين كفروا ~~أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) @QUR@022 وإذا ~~قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ~~ظنا وما نحن بمستيقنين (32) @QUR@011 وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن (33) @QUR@014 وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم ~~هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) @QUR@016 ذلكم بأنكم اتخذتم آيات ~~الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون ~~(35) @QUR@08 فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) @QUR@08 ~~وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) (37) # * * * PageV20P332 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يخسر ): الخسر والخسران : انتقاص رأس المال. # ( @QUR@01 وحاق ): حل. # ( @QUR@01 يستعتبون ): الاستعتاب : طلب العتبى والاعتذار. # ( @QUR@01 الكبرياء ): الترفع عن الانقياد ، العظمة والملك. # * * * # ( @QUR@04 ولله ملك السماوات والأرض ) # ( @QUR@04 ولله ملك السماوات والأرض ) فهو الخالق لهما ، ولما فيهما ، ~~وهو المدبر لكل أمورهما ، ولأمور الموجودات المتناثرة فيهما ( @QUR@06 ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) لأن الساعة تمثل الموعد الذي يقوم فيه ~~الناس لرب العالمين ، لينطلق المحقون في رحاب رضوان الله ، حيث يجعلون ~~الربح الكبير من نعيمه الخالد جزاء لمواقفهم الصالحة ، أما المبطلون ، ~~فيسقطون في خسارتهم الكبيرة الفادحة تحت تأثير كفرهم وعنادهم ، لأنهم أخذوا ~~بأسباب الباطل من دون حجة ولا أساس. # * * * ### ||| ** لكل أمة كتابها # ( @QUR@04 وترى كل أمة جاثية ) أي باركة على الركب ، في ما يعبر عنه ذلك ~~من حالة الخضوع والترقب ، الممزوجة بالحيرة والفزع ، في انتظار الحساب ~~الحاسم الذي يقرر مصيرها ، ( @QUR@05 كل أمة تدعى إلى كتابها ) الذي يحتوي ~~تاريخها في PageV20P333 # الدنيا ، في قضاياها الذاتية وفي علاقاتها العامة ، وفي ممارساتها ~~العملية مما عملته من خير أو شر. وقد نستوحي من ذلك ، أن للأمة كتابا ، في ~~ما تلتقي عليه من أفكار وآراء ، وفي ما تجتمع عليه من مواقف وأعمال ، في ما ~~يمثل المسؤولية الجماعية ، تماما كما هو ms4778 الكتاب المختص بالأفراد وما يقومون ~~به في حياتهم الخاصة من أعمال. وينطلق النداء الإلهي ليحدد لهم الحكم ~~النهائي ( @QUR@05 اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) فهذا هو القانون العادل ~~الذي يساوي بين الجزاء والعمل ، فلا يؤاخذ الناس ويعاقبهم إلا بما عملوه ، ~~ولا ينقص من ثواب العاملين في خط الصلاح. # * * * # ( @QUR@05 هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) # ( @QUR@05 هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) لأن ما يتحدث عنه يمثل واقعهم ~~الحي الذي عاشوه في كل أوضاعهم وأعمالهم ، مما يجعل الحروف المكتوبة فيه ~~بمثابة صوت ناطق يجسد المعنى والصورة ، لأن فيها دقة وعمقا ( @QUR@06 إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) تماما كما تنقل الكلمات من كتاب إلى كتاب نقلا ~~حرفيا تتماثل في صورتها هنا وهناك ، فإن العمل ينقل بكل صورته وخلفياته ~~ونتائجه من الواقع المتجسد في حياة الإنسان ، إلى الكتاب الذي يحدد ملامحه ~~بكل إتقان ، ولعل التعبير بالاستنساخ جار على سبيل الكناية ، على أساس أن ~~العمل يظهر في ملامحه كما لو كان مكتوبا في شخصية العامل ، من حيث دلالته ~~على المضمون ، من دون شك ولا ريب ، فلا يستطيعون الإنكار ، ولا يملكون ~~الدفاع. # ( @QUR@09 فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ) ~~لأنهم انطلقوا PageV20P334 # من مواقع الرحمة التي تجتذب المغفرة والرضوان ، من حيث الفكر الإيماني ، ~~ومن حيث الممارسة الصالحة ، والأعمال الخيرة ( @QUR@04 ذلك هو الفوز المبين ~~) لأن الجنة هي الغاية الأخيرة التي تحتوي النعيم الخالد عند الله الذي لا ~~شقاء بعده ، ولا بؤس وراءه. # * * * ### ||| ** سؤال الله للمستكبرين المجرمين # ( @QUR@03 وأما الذين كفروا ) من دون أن تكون لهم حجة على الكفر ، ~~وانطلقوا في الكفر من روحية التمرد والعناد ، فيتوقفون قليلا ، ليسمعوا ~~السؤال الذي يطرحه الله عليهم ، لا ليجيبوا عليه ، لأنهم لا يملكون جوابا ~~يمنحهم الحجة أمام الله ، فلله الحجة البالغة عليهم ، ليسجل عليهم الموقف ~~الذي يعريهم أمام المصير المحتوم : ( @QUR@05 أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ) ~~لتدفعكم إلى التفكير والتأمل ، ولتقودكم إلى الحوار الذي يهديكم إلى معرفة ~~الحقيقة الإلهية التوحيدية ، وإلى الإيمان بها ، لأن هذه الآيات تملك ~~المضمون الذي يلتقي بالعقل والوجدان من أقرب طريق ms4779 ، ولكنكم رفضتم ذلك من ~~موقع الكبرياء التي تمنعكم من التنازل عن رأيكم بفعل العصبية الذاتية أو ~~الطبقية ( @QUR@01 فاستكبرتم ) استكبار الطغيان على الحق ، والرفض لرسل ~~الله ( @QUR@03 وكنتم قوما مجرمين ) تعيشون جريمة الانحراف العقيدي ، ~~بالكفر والشرك ، والانحراف العملي ، بالتمرد والعصيان. # ( @QUR@010 وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها ) لتطرح الفكرة ~~الأخروية كاحتمال يبحث عما يؤكده بالبحث والحوار ، ولا سيما إذا كان من ~~يطرحها يطرحها من موقع اليقين بأنها حق لا ريب فيه ، لأنها وعد الله الذي ~~لا يخلف وعده ، ( @QUR@05 قلتم ما ندري ما الساعة ) في نفي للعلم بها لا ~~يبحث عما يوصله إليه ( @QUR@07 إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) ولكن ~~المسألة التي تفرض نفسها عليهم هي أنهم سمعوا PageV20P335 # الآيات التي بلغهم إياها الأنبياء فاستكبروا عليها ورفضوها من دون مناقشة ~~، مما جعل الجواب المذكور لا يملك عمقا في الاتجاه السليم. # ( @QUR@05 وبدا لهم سيئات ما عملوا ) في ما يقابلها من النتائج السيئة في ~~المصير ( @QUR@06 وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) أي حل بهم عذاب النار ~~الذي كانوا يسخرون منه في الدنيا. # * * * ### ||| ** إعراض الله عن المستهزئين بآياته # ( @QUR@03 وقيل اليوم ننساكم ) والنسيان المنسوب إلى الله ، كناية عن ~~الإعراض والإهمال لهم ، من الناحية العملية ، فيتركهم تحت تأثير أهوال ~~القيامة وشدائدها ، وعذاب النار وآلامه ( @QUR@05 كما نسيتم لقاء يومكم هذا ~~) بالامتناع عن الاستعداد له ، بالإيمان بالله والعمل في سبيله ( @QUR@06 ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) لأن الله هو وحده الذي يملك الأمر كله. # ( @QUR@06 ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ) في أسلوبكم الساخر الذي ~~يحاول أن يجعل من فكر الآيات مثارا للسخرية والاستهزاء ، بدلا من أن يكون ~~مثارا للتأمل والحوار ، لتهربوا من الحقيقة العميقة المتمثلة في مضمونه ، ~~التي تفرض نفسها عليكم وعلى الآخرين في مواقع الجد والاهتمام ، ( @QUR@03 ~~وغرتكم الحياة الدنيا ) بشهواتها ولذاتها وامتيازاتها التي أخذتم بها في ~~حركة الغرور المنتفخ ، وامتداد الأمل الذي ينسيكم الموت فيشغلكم عن التفكير ~~فيه ، وفي دلالاته ، وإيحاءاته ، وفي ما بعده ، ( @QUR@04 فاليوم لا يخرجون ~~منها ) فهي مكانهم الدائم ( @QUR@03 ولا هم يستعتبون ) أي لا ms4780 يطلب منهم ~~العتبى والاعتذار ليؤدي ذلك إلى قبول العذر ، لأن زمن الاعتذار والاستغفار ~~قد انتهى بانتهاء الفرصة التي منحهم الله إياها ، في الدنيا. # * * * PageV20P336 ### ||| ** فلله الحمد والكبرياء # وهكذا ينتهي كل شيء ، ويهدأ الجو كله ويبقى الله وحده فوق كل شيء ( ~~@QUR@08 فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ) فهو الذي يدبر ~~الكون كله في ظواهره الحية والجامدة لتلتقي الموجودات في تنوع خصائصها عند ~~ربوبيته ووحدانيته فيها ( @QUR@05 وله الكبرياء في السماوات والأرض ) فلا ~~شيء أكبر منه مما يخاف ويرجى ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) في قوته التي ~~لا تغلب ، وحكمته التي لا تخطئ. والحمد لله رب العالمين. # * * * PageV20P337 ### | الفهرس # تفسير سورة غافر [1 85] # في أجواء ~~السورة............................................................. 7 # سبب ~~التسمية.............................................................. 8 # الآيات [1 ~~6].................................................................. 9 # معاني ~~المفردات.............................................................. 9 # الله العزيز ~~العليم................................................................ 10 # صورة الله في وعي ~~المؤمن.................................................... 10 # جدال ~~الكافرين........................................................... 12 # جدالهم بالباطل لإسقاط ~~الحق............................................... 13 # الآيات [7 ~~9]................................................................ 15 # معاني ~~المفردات............................................................ 15 # مهمة الملائكة ~~ودورهم..................................................... 15 PageV20P339 # ملائكة السماء المستغفرون لأهل ~~الإرض..................................... 17 # الآية ~~[10].................................................................... 18 # معاني ~~المفردات............................................................ 18 # مقت الله أكبر من مقت الكافرين ~~أنفسهم......................................... 18 # الآيات [11 ~~17]............................................................. 20 # معاني ~~المفردات............................................................ 20 # حديث أهل النار مع الله ~~تعالى................................................... 21 # ما المراد بالموتتين ~~والإحياءين!................................................ 21 # اعتراف أهل النار ~~بذنوبهم.................................................. 23 # فالحكم ~~لله............................................................... 23 # بين آيات الله وعمق ~~الإيمان................................................. 24 # لا ظلم ~~اليوم.............................................................. 25 # الآيات [18 ~~22]............................................................. 26 # معاني ~~المفردات............................................................ 26 # أنذرهم يوم ~~الآزفة............................................................... 27 # القضاء ~~لله................................................................ 28 # لا واقي من الأخذ ~~الإلهي................................................... 28 # الآيات [23 ~~29]............................................................. 29 # معاني ~~المفردات............................................................ 30 # فرعون في مواجهة موسي عليه السلام ~~................................................... 30 # فرعون يؤلب الناس علي موسي عليه السلام ~~........................................ 32 # موسي عليه السلام يبطل تأثير كلام فرعون في ~~النفوس.......................... 32 # مؤمن آل فرعون: نموذج إنساني ~~إيماني........................................ 33 # المؤمن ~~الظاهرة............................................................ 34 # سبب كتمه ~~لإيمانه......................................................... 35 PageV20P340 # الحوار غير المباشر بين المؤمن ~~وفرعون......................................... 36 # المؤمن يثير الخوف من بأس ~~الله.............................................. 38 # فرعون يطلق حكمه المتعسف............................................... 38 # الآيات [30 ~~35]............................................................. 39 # معاني ~~المفردات............................................................ 39 # مؤمن آل فرعون يخوف قومه ويذكرهم مصير الأمم ~~السالفة........................... 40 # مقت الله للجدال العابث ~~اللاهي........................................... 42 # الآيات ms4781 [36 ~~46]............................................................. 43 # معاني ~~المفردات............................................................ 44 # يا هامان ابن لي صرحا ... لأطلع إلي إله موسي عليه السلام ~~............................... 44 # المؤمن يستخدم أسلوب ~~الوعظ.............................................. 45 # يا قوم تعالوا إلي الإيمان ~~فتنجوا.............................................. 46 # نهاية ~~الحوار............................................................... 48 # الله يستجيب لعبده ~~المؤمن.................................................. 48 # إيحاءات القصة ~~والحوار..................................................... 48 # الآيات [47 ~~55]............................................................. 52 # معاني ~~المفردات............................................................ 53 # المستكبرون والمستضعفون يتحاجون في ~~النار........................................ 53 # بين أهل النار ~~وخزنتها...................................................... 55 # إنا ننصر رسلنا ~~والمؤمنين.................................................... 56 # التوراة كتاب هدي ~~ونور.................................................... 56 # كيف نفهم أمر النبي ~~بالاستغفار!........................................... 57 # الآيات [56 ~~63]............................................................. 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 60 # قاعدة جدال المشركين في آيات ~~الله.......................................... 60 PageV20P341 # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس................................. 61 # لا سواء بين الإيمان ~~والكفر................................................. 62 # ادعوني أستجب لكم...................................................... 62 # الله الخالق ~~المنعم........................................................... 63 # الآيات [64 ~~68]............................................................. 65 # معاني ~~المفردات............................................................ 65 # عقيدة الوحدانية في ~~القرآن....................................................... 66 # إسلام الأمور لرب ~~العالمين.................................................. 67 # تجلي القدرة الإلهية في رحلة ~~الخلق............................................ 68 # إرادة الإله ~~المطلقة.......................................................... 68 # الآيات [69 ~~78]............................................................. 69 # معاني ~~المفردات............................................................ 70 # المجادلون بغير الحق واللعب علي ~~المشاعر........................................... 70 # أين شركاؤكم من دون ~~الله!.................................................. 71 # فرحهم ~~بالباطل............................................................ 72 # فبئس مثوي ~~المتكبرين...................................................... 73 # مواجهة الكفر والعصيان ~~بالصبر............................................. 73 # الرسل وخط ~~الرسالات..................................................... 74 # الآيات [79 ~~85]............................................................. 76 # معاني ~~المفردات............................................................ 76 # آيات الله وأفضاله علي ~~خلقه..................................................... 77 # هزء الكفار يرتد ~~عليهم..................................................... 78 # مصير منكري آيات ~~الله.................................................... 79 PageV20P342 # تفسير سورة فصلت [1 54] # في أجواء ~~السورة........................................................... 83 # أصل تسمية ~~السورة........................................................ 84 # الآيات [1 ~~8]................................................................ 86 # معاني ~~المفردات............................................................ 86 # الوضوح سمة ~~القرآن............................................................. 87 # نزول القرآن بلغة ~~العرب.................................................... 88 # إعراض الأكثرية وإيمان ~~الأقلية............................................... 89 # مسئولية العاملين ~~الرساليين.................................................. 90 # فاعمل ... إننا ~~عاملون.................................................... 91 # الصوت الرسالي الواثق ~~بربه.................................................. 91 # الزكاة وروحية ~~العطاء....................................................... 92 # موقف الكافرين والمؤمنين في ~~الآخرة.......................................... 93 # الآيات [9 ~~12].............................................................. 94 # معاني ~~المفردات............................................................ 94 # خلق السماوات ~~والإرض......................................................... 95 # ما معني تقدير الأيام ~~الأربعة!................................................ 96 # الاستواء إلي ~~السماء....................................................... 98 # الله القادر ~~العليم.......................................................... 99 # الآيات [13 ~~18]........................................................... 101 # معاني ~~المفردات.......................................................... 101 # الإنذار بالعذاب ~~الدنيوي....................................................... 102 # توحد دعوة ~~الرسل........................................................ 102 PageV20P343 # استكبار عاد من موقع القوة ~~الجسدية....................................... 103 # إشكالية السعد والنحس في ~~الزمن.......................................... 104 # أما ms4782 ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي ~~الهدي.............................. 105 # التقوي أساس نجاة ~~المؤمنين................................................ 106 # الآيات [19 ~~25]............................................................. 10 # معاني ~~المفردات.......................................................... 107 # جمع أعداء الله في ~~المحشر....................................................... 108 # الجلود ترد علي ~~الكافرين.................................................. 109 # لا توبة ~~اليوم............................................................ 109 # الآيات [26 ~~29]........................................................... 111 # معاني ~~المفردات.......................................................... 111 # إثارة التشويش في مواجهة ~~الدعوة................................................ 112 # الله يتهدد ~~اللاغين....................................................... 113 # ربنا أرنا الذين ~~أضلانا.................................................... 113 # الآيات [30 ~~36]........................................................... 114 # معاني ~~المفردات.......................................................... 114 # الاستقامة في خط التوحيد ~~والدعوة............................................... 115 # ملائكة الرحمن تتولي الموحدين ~~المستقيمين.................................... 116 # الدعوة الي الله والإسلام أحسن ~~الأقوال..................................... 117 # لا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة.............................................. 118 # ادفع بالتي هي أحسن.................................................... 119 # استجر بالله من تسويلات الشيطان........................................ 120 # الآيات [37 ~~39]........................................................... 121 # معاني ~~المفردات.......................................................... 121 # في وحدانية الله ~~ومعاده......................................................... 121 PageV20P344 # الملائكة العابدون ~~المسبحون............................................... 122 # بين خشوع الإرض ~~والمعاد................................................. 123 # الآيات [40 ~~45]........................................................... 124 # معاني ~~المفردات.......................................................... 124 # الملحدون ~~المبطلون............................................................. 125 # صفات الذكر وأسلوب مواجهة الكافرين به.................................. 126 # الآيات [46 ~~54]........................................................... 129 # معاني ~~المفردات.......................................................... 129 # الإنسان يتحمل مسئولية أعماله الخيرة ~~والسيئة.................................... 129 # الله العالم ~~المدبر.......................................................... 130 # الاستغراق في النعم ونسيان ~~الله............................................ 130 # من أضل من الكافرين ~~بالقرآن!............................................ 131 # الله علي كل شيء شهيد................................................. 132 # تفسير سورة الشورى [1 53] # في أجواء ~~السورة......................................................... 135 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 137 # معاني ~~المفردات.......................................................... 137 # الحروف ~~المقطعة............................................................... 138 # الوحي الإلهي الغيبي للأنبياء ~~البشر.......................................... 140 # تفطر السماوات والتسبيح ~~لله.............................................. 141 # الله هو الغفور ~~الرحيم.................................................... 143 # الله حفيظ علي أعمال ~~الكافرين........................................... 144 # الآيات [7 ~~12]............................................................. 145 PageV20P345 # معاني ~~المفردات.......................................................... 145 # عروبة القرآن ومهد ~~الدعوة...................................................... 146 # عروبة القرآن وانتماؤه ~~العام................................................ 147 # لو شاء الله لجعلهم أمة ~~واحدة............................................. 148 # ما المراد بجعلهم أمة ~~واحدة!............................................... 149 # فالله هو ~~الولي........................................................... 151 # الله مرجع الإنسان ~~الدائم................................................. 151 # الله فاطر السماوات ~~والإرض.............................................. 152 # الآيات [13 ~~16]........................................................... 154 # معاني ~~المفردات.......................................................... 154 # الدين منطلق ~~وحدة............................................................ 155 # الله يصطفي ~~أنبياءه....................................................... 156 # بين العلم ~~والأنانية....................................................... 157 # الوراثة الدينية ~~المتعصبة.................................................... 158 # ادع واستقم كما أمرت................................................... 159 # لا تتبع ~~الأهواء.......................................................... 160 # الله جامع الناس ~~بربوبيته................................................... 161 # فردية نتائج ~~المصير....................................................... 162 # غضب الله يتنزل علي ~~الكافرين............................................ 163 # الآيات [17 ~~22]........................................................... 164 # معاني ~~المفردات.......................................................... ms4783 165 # أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان...................................................... 165 # الله عنده علم ~~الساعة.................................................... 166 # حرث الاخرة وحرث الدنيا................................................ 168 # باطل ما شرعه لهم ~~شركاؤهم............................................... 169 PageV20P346 # العذاب ~~للظالمين......................................................... 169 # رضوان الله ونعيمه للمؤمنين ~~الصالحين....................................... 170 # الآيتان [23 ~~24]........................................................... 171 # معاني ~~المفردات.......................................................... 171 # أجر المودة في ~~القربي........................................................... 171 # اختلاف المفسرين في معني «المودة في ~~القربي»................................ 172 # الله الغفور ~~الشكو........................................................ 176 # الله العليم بذات ~~الصدور.................................................. 176 # الآيتان [25 ~~26]........................................................... 177 # يقبل التوبة من ~~عباده..................................................... 177 # الإيمان والعمل عبادتان ~~متلازمتان.......................................... 178 # الآيات [27 ~~29]........................................................... 179 # معاني ~~المفردات.......................................................... 179 # حكمة تقدير ~~الرزق........................................................... 179 # الله ينشر رحمته ونعمه علي ~~عباده.......................................... 181 # الآيات [30 ~~35]........................................................... 183 # معاني ~~المفردات.......................................................... 183 # تلازم المصيبة والعمل ~~السيئ.................................................... 184 # لا قدرة فوق قدرة ~~الله.................................................... 185 # الجوار في البحر آية ~~إلهية.................................................. 186 # الآيات [36 ~~43]........................................................... 188 # معاني ~~المفردات.......................................................... 188 # من ملامح شخصية ~~المؤمنين.................................................... 189 # الشوري في ~~الإسلام...................................................... 191 # الإنفاق وروحية ~~العطاء.................................................... 192 PageV20P347 # عنوان الانتصار في ~~الظلم................................................. 193 # بين حق الانتصار للنفس ~~والعفو........................................... 194 # الآيات [44 ~~50]........................................................... 196 # معاني ~~المفردات.......................................................... 196 # الظالمون يوم ~~القيامة............................................................ 197 # خسارة ~~المصير........................................................... 198 # لا مهرب من ~~الله......................................................... 199 # فإن الإنسان ~~كفور....................................................... 200 # الآيات [51 ~~53]........................................................... 201 # كيفية تكليم الله ~~للبشر................................................... 201 # ما ~~الروح!............................................................... 203 # المعرفة النبوية رسالة ~~إلهية.................................................. 204 # الوحي نور ~~إلهي.......................................................... 204 # تفسير سورة الزخرف [1 89] # في أجواء السورة ~~وتسميتها................................................ 209 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 211 # معاني ~~المفردات.......................................................... 211 # وإنه في أم الكتاب لعلي ~~حكيم................................................. 212 # الذكر حجة علي ~~العباد................................................... 214 # الآيات 9 ~~14].............................................................. 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # الله الخالق للسماوات ~~والإرض.................................................. 216 # تسبيح الله علي ~~نعمه..................................................... 218 PageV20P348 # الآيات [15 ~~25]........................................................... 219 # معاني ~~المفردات.......................................................... 220 # نسبة الإناث إلي ~~الله........................................................... 220 # قيمة المرأة في ~~الجاهلية..................................................... 221 # هل الضعف سمة المرأة ~~قرآنيا!.............................................. 222 # أشهدوا خلق ~~الملائكة!؟.................................................. 223 # الشرك ومشيئة ~~الله....................................................... 224 # منطق المترفين في تقليد ~~الاباء.............................................. 225 # الآيات [26 ~~28]........................................................... 228 # معاني ~~المفردات.......................................................... 228 # إبراهيم يتحدي أباه ~~وقومه...................................................... 228 # الانتماء الإبراهيمي إلي ~~الإسلام............................................ 230 # الآيات [29 ~~32]........................................................... 231 # جاءهم الحق فكفروا ~~به................................................... 231 # تسلح المشركين بمنطق ~~الطبقية.............................................. 233 # الناس درجات........................................................... 234 # الآيات [33 ~~35]........................................................... 237 # معاني ~~المفردات.......................................................... ms4784 237 # لولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا الدنيا ~~للكافرين.............................. 238 # الآيات [36 ~~39]........................................................... 240 # معاني ~~المفردات.......................................................... 240 # تهيئة الشيطان قرينا ~~للكافر..................................................... 240 # بئس قرين ~~الغافلين....................................................... 242 # لا نفع للحسرات ~~اليوم................................................... 242 # الآيات [40 ~~45]........................................................... 243 PageV20P349 # الله منتقم من ~~الكافرين.................................................... 243 # وإنه لذكر لك ولقومك................................................... 244 # الآيات [46 ~~56]........................................................... 246 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # من جديد .. موسي عليه السلام مع فرعون ~~وقومه................................. 247 # قوم موسي يطلقون السخرية في وجهه....................................... 248 # تفاضل آيات ~~الله........................................................ 249 # وقالوا ادع لنا ربك .. ثم ~~نكثوا............................................. 250 # فرعون يلملم ثقة قومه ~~به................................................. 251 # الانتقام من ~~الكافرين..................................................... 252 # الآيات [57 ~~65]........................................................... 253 # معاني ~~المفردات.......................................................... 253 # قريش تناقش موقع السيد المسيح (عليه ~~السلام)................................... 254 # هم قوم خصمون........................................................ 255 # مواجهة الضجيج الجدلي بالعقل ~~الهاديء.................................... 256 # العلاقة بين البشرية ~~والنبوة................................................. 257 # الإيمان بالساعة يوصل إلي رضوان ~~الله....................................... 258 # عيسي يدعو قومه إلي التقوي وعبادة الله ~~الواحد............................. 259 # الآيات [66 ~~78]........................................................... 261 # معاني ~~المفردات.......................................................... 262 # جزاء المتقين ~~والمجرمين........................................................... 262 # لا خوف اليوم علي عباد الله ~~المتقين........................................ 263 # خلود المجرمين في ~~جهنم................................................... 264 # الآيات [79 ~~89]........................................................... 266 # معاني ~~المفردات.......................................................... 266 PageV20P350 # خطة التوحيد في مواجهة ~~الشرك................................................. 267 # لا شريك لله الواحد ~~الأحد................................................ 268 # إله السماء والإرض ~~واحد................................................. 268 # الشفاعة لمن شهد ~~بالحق.................................................. 269 # أني يؤفك ~~المشركون!..................................................... 269 # رب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون.............................................. 270 # تفسير سورة الدخان [1 59] # في أجواء ~~السورة......................................................... 273 # سبب التسمية.......................................................... 274 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 275 # معاني ~~المفردات.......................................................... 275 # والكتاب ~~المبين................................................................ 276 # هل نزل القرآن مرة أو ~~مرتين!.............................................. 276 # فيها يفرق كل أمر حكيم................................................. 278 # وحدانية الله في حركة الحياة ~~والموت.......................................... 279 # الآيات [9 ~~16]............................................................. 280 # معاني ~~المفردات.......................................................... 280 # يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين................................................... 280 # أني لهم ~~الذكري!......................................................... 282 # كشف العذاب لإلقاء الحجة.............................................. 282 # الآيات [17 ~~33]........................................................... 283 # معاني ~~المفردات.......................................................... 283 # ولقد فتنا قبلهم قوم ~~فرعون..................................................... 284 PageV20P351 # موسي ينقذ قومه بمعجزة ~~إلهية.............................................. 285 # وأورثناها قوما ~~آخرين..................................................... 286 # نجاة بني ~~إسرائيل......................................................... 287 # الآيات 34 ~~42]............................................................ 289 # معاني ~~المفردات.......................................................... 289 # إن هي إلا موتتنا ~~الأولي........................................................ 289 # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين............................. ms4785 291 # لا مجال لإنكار يوم ~~الفصل................................................ 292 # الآيات [43 ~~59]........................................................... 293 # معاني ~~المفردات.......................................................... 293 # عذاب ~~الممترين................................................................ 293 # إن المتقين في مقام ~~أمين................................................... 295 # تفسير سورة الجاثية [1 37] # في أجواء السورة وسبب ~~التسمية........................................... 299 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 301 # معاني ~~المفردات.......................................................... 301 # تنوع آيات ~~الخلق.............................................................. 302 # آيات خلق السماء....................................................... 303 # ما معني الاختلاف في التعبير عن ~~الآيات!................................... 304 # تلك آيات ~~الله........................................................... 306 # الآيات [7 ~~13]............................................................. 307 # معاني ~~المفردات.......................................................... 307 # ويل لكل أفاك ~~أثيم........................................................... 308 PageV20P352 # شكر نعم الله ~~العظيمة.................................................... 310 # الآيتان [14 ~~15]........................................................... 312 # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله.............................. 312 # إلي ربكم ~~ترجعون........................................................ 314 # الآيتان [16 ~~17]........................................................... 315 # إنزال الرسالات لتوحيد ~~الناس.............................................. 315 # تفضيل بني ~~إسرائيل...................................................... 316 # اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم............................... 317 # الآيتان [18 ~~19]........................................................... 319 # معاني ~~المفردات.......................................................... 319 # الشريعة الإلهية واجبة ~~الاتباع.................................................... 319 # الظالمون بعضهم أولياء ~~بعض.............................................. 321 # الآيتان [20 ~~21]........................................................... 322 # معاني ~~المفردات............................................................ 32 # القرآن بصائر ~~للناس........................................................... 323 # ساء ما يحكم ~~الكافرون................................................... 323 # الآيتان [22 ~~23]........................................................... 325 # خلق الله السماوات والإرض ~~بالحق......................................... 325 # أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه!................................................ 326 # الآيات [24 ~~26]........................................................... 329 # وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا.............................................. 329 # طرح التحدي الساذج.................................................... 330 # سنة الله ~~الحتمية.......................................................... 331 # الآيات [27 ~~37]........................................................... 332 # معاني ~~المفردات.......................................................... 333 PageV20P353 # ولله ملك السماوات ~~والأرض................................................... 333 # لكل أمة ~~كتابها.......................................................... 333 # هذا كتابنا ينطق عليكم ~~بالحق............................................. 334 # سؤال الله للمستكبرين ~~المجرمين............................................. 335 # إعراض الله عن المستهزئين ~~بآياته........................................... 336 # فلله الحمد ~~والكبرياء...................................................... 337 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV20P354 ![](https://books.rafed.net/Books/3286_tafsir-men-wahi-alquran-21/images/image001.gif) PageV21P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3286_tafsir-men-wahi-alquran-21/images/image002.gif) PageV21P003 ### | سورة الأحقاف ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وثلاثون PageV21P005 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من السور المكية التي تتناول أصول العقيدة الثابتة ، ومنها ~~التوحيد ، الذي يعيش فيه الوجود كله حضور الله في تدبيره الشامل للكون وما ~~فيه ، ومنها الإيمان بالوحي الذي أنزله الله على رسوله بما يشتمل عليه من ~~رسالة تخرج الناس من الظلمات إلى النور ، والإيمان البعث الذي يلتقي عنده ~~الناس ليواجهوا الحساب هناك ، مع إطلالة متحركة على آفاق السماوات والأرض ~~ومشاهد القيامة ، وعلى حركة التاريخ في مصارع قوم هود ، ومصارع القرى من ~~حول مكة. # ويتحرك ms4786 المضمون القرآني ليناقش مسألة الشركاء الذين لم يختلقوا شيئا ولا ~~يملكون أي شيء ، مما لا يجعل لديهم أساسا للربوبية ، كما يجعل الذين ~~يعتقدون فيهم ذلك قوما متخلفين ، لا ينطلقون في عقيدتهم من كتاب أو علم ، ~~بل ينطلقون من الأوهام والخيالات الباطلة. # ويقف عند النبي صلى الله عليه وآله ليتحدث عن دوره وطاقته في نطاق هذا الدور ~~، وتتوزع السورة بعد ذلك في الحديث عن كتاب موسى عليه السلام وعن تأثير ~~الإيمان في السلوك الإنساني ، ومنه رعاية الوالدين واحتضانهما ورحمتهما ~~والاستجابة إلى ندائهما الإيماني الذي تصوغه اللهفة الوالدية والإيمان ~~العميق .. PageV21P007 # وتنتهي السورة بالحديث عن موقف الكافرين والمستكبرين والفاسقين يوم ~~القيامة ، حيث يعرضون على النار ، التي هي مصير أمثال هؤلاء. # * * * ### ||| ** اسم السورة # وقد سميت السورة بالأحقاف بلحاظ الآية التي تحدثت عن عاد قوم هود ، الذين ~~كانت مساكنهم في منطقة تحمل هذا الاسم ، في جنوب الجزيرة العربية كما قيل ، ~~واختلفوا أين هي ، فقيل : «واد بين عمان ومهرة ، وقيل : رمال بين عمان إلى ~~حضرموت ، وقيل : رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن ، وقيل غير ذلك» ~~في ما نقله صاحب الميزان (1). # * * * PageV21P008 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 حم (1) @QUR@06 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ~~@QUR@015 ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين ~~كفروا عما أنذروا معرضون (3) @QUR@030 قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ~~أروني ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل ~~هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) @QUR@018 ومن أضل ممن يدعوا من دون ~~الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) @QUR@09 ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) @QUR@014 وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 شرك ): شركة. # ( @QUR@01 أثارة ): بقية. PageV21P009 # ( @QUR@01 حشر )؛ الحشر : إخراج الشيء من مقره بإزعاج. # * * * ### ||| ** وما خلقنا السموات والأرض إلا بالحق # ( @QUR@01 حم ) من الحروف المقطعة في القرآن ، ( @QUR@06 تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ) والقرآن هو وحي الله الذي ms4787 شمل الكون كله بحكمته وسيطر ~~عليه بعزته ، فلا إرادة له إلا في مواقع الحكمة العميقة التي تنفذ إلى ~~أعماق الأشياء لتضع فيها سر الوجود والحركة ، وإذا أراد شيئا فلن يستطيع ~~أحد أن يقف ضده ، مهما كانت قوته ، وهذا ما ينبغي للناس أن يتمثلوه في ~~وعيهم للكتاب باعتباره الحق ، ليعرفوا أنه الحكمة التي يجب اتباعها ، وأنه ~~الحق الذي يفرض نفسه على الحياة كلها. # ( @QUR@08 ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) الذي يريد ~~الله له أن يتحرك في الوجود ليكون السر الأعمق فيه وفي حركته ؛ على مستوى ~~التكوين الذي يدخل في معنى الخلق ، وعلى مستوى التشريع الذي يدخل في مضمون ~~الإرادة الإنسانية في حركة الالتزام ، ( @QUR@02 وأجل مسمى ) فقد جعل الله ~~للأشياء عمرا محدودا بالغاية التي خلقت لأجلها ، في ما تحتاجه ، مما يوحي ~~بالتخطيط الذي يخضع للحكمة الدقيقة. # ولكن هناك من يواجه الحق بمنطق العبث ، وبروح اللامبالاة ، ويتصرف تماما ~~كما لو كانت الحياة فرصة للهو وللهزل ، ويأخذ من دعوة الحق التي تنذره ~~العذاب موقفا سلبيا ، ( @QUR@05 والذين كفروا عما أنذروا معرضون ) فهم لم ~~يستجيبوا للإنذار استجابة الإنسان المنفتح على الحق ، أو استجابة الإنسان ~~الجدي في ملاحقة الفكرة المطروحة عليه حول اليوم الآخر ، المنفتح على عالم ~~المسؤولية في خط الثواب والعقاب ، مما يجعل ردة فعلهم اللامبالية تلك ، ~~نذير خطر مستقبلي يمكن أن يواجهوا بفعله عذاب النار لإعراضهم عن الإنذار ~~واستهانتهم به. PageV21P010 # إن اللامبالاة بدعوة الحق ، مشكلة الكثيرين من الناس الذين يعيشون الحياة ~~من موقع العبث لا من موقع المسؤولية ، وخطة القرآن هي العمل على النفاذ إلى ~~عقول هؤلاء وقلوبهم لإخراجهم من اللامبالاة ، وهذا ما تثيره الآيات التالية ~~التي تطرح عليهم علامات استفهام غرضها تحريك فكرهم ووجدانهم ، في اتجاه ~~المزيد من التأمل والتفكير ومناقشة قناعاتهم الكافرة المشركة. # * * * ### ||| ** في صفات الآلهة المزعومة # ( @QUR@07 قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ) من هذه الأصنام التي ~~تعبدونها ، أو غيرها من الأشخاص الذين تطيعونهم في معصية الله ، وتعبدونهم ~~من دونه ؛ هل يملكون شيئا من قدرة الخلق ، أو حركة الوجود ، ليكون ms4788 لهم بعض ~~خصائص الألوهية والربوبية ، في أي مستوى من المستويات ، إذ إن هذا الموقع ~~يفرض ذلك؟ ( @QUR@06 أروني ما ذا خلقوا من الأرض ) إذا كانوا قد شاركوا ~~الله في خلق بعض الأرض ، فأين ما خلقوه؟ ( @QUR@05 أم لهم شرك في السماوات ~~) في ما قد يخيل إليكم من شراكتهم في خلقها ، أو في ما تفرضه الصفة من ذلك ~~( @QUR@05 ائتوني بكتاب من قبل هذا ) من الكتب التي أنزلت كالتوراة ~~والإنجيل يقول بشراكتهم الله في الخلق ، إن كنتم تؤمنون به ، وتعتبرونه ~~وثيقة صحيحة من وثائق الحقيقة في العقيدة ( @QUR@04 أو أثارة من علم ) أي ~~شيئا منقولا من علوم الأولين ، أو سببا علميا يثبت ذلك ، ( @QUR@03 إن كنتم ~~صادقين ) لأن إثبات الصدق في القضايا التي لا تخضع للحس ، خاضع لتقديم ~~البرهان اليقيني الذي يثبت الموضوع الذي يدور الحديث عنه. # * * * PageV21P011 ### ||| ** سراية الشعور في الجماد؟ # ( @QUR@014 ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة ) فإن هذه الدعوة لا تحمل في مضمونها الفكري أي أساس منطقي يحترم ~~عقل الإنسان ، فإذا كان هؤلاء الشركاء لا يستجيبون لمن يعبدونهم في حاجاتهم ~~وقضاياهم ومشاكلهم ، لأنهم بين حجر أو خشب جامد لا حياة فيه ولا حركة ، ~~وبين شخص إنساني أو جني أو ملائكي ، لا يملك أية قدرة ذاتية على الاستجابة ~~لهم ، فكيف يمكن أن يكونوا آلهة أو رموزا تحمل أسرارا إلهية تجعلهم وسطاء ~~بين الناس والآلهة؟! هل هناك أساس لهذه الدعوة سوى الانجرار العاطفي الساذج ~~نحو تقليد أوهام الآباء والأجداد بعيدا عن العقل؟! ( @QUR@04 وهم عن دعائهم ~~غافلون ) وهذه صفة أخرى لهؤلاء الآلهة ، فهم لا يعون الدعوة لعبادتهم ، ~~لأنهم غافلون عنها غفلة الجماد عما حوله ، لفقدانهم الإحساس ، أو غفلة ~~الشخص الحي عما يعتقد الآخرون فيه ، لعدم اطلاعه على ذلك ، مما يجعل دعاءهم ~~من قبل الداعي تعبيرا ذاتيا يتبخر في الهواء دون أن يترك أي أثر يستجلب ~~الاستجابة من تلك الآلهة. # وربما كانت كلمة «غافلون» جارية على سبيل الكناية عن عدم الوعي الذاتي ~~والفعلي لدى هؤلاء الشركاء ، سواء بسبب كونهم من الجماد ms4789 أو من الموجودات ~~الحية ، فلا وجه لما استفاده صاحب الميزان من الآية في ما قاله في تفسيره : ~~«وفي الآية دلالة على سراية الحياة والشعور في الأشياء حتى الجمادات ، فإن ~~الأصنام من الجماد ، وقد نسب إليها الغفلة ، والغفلة من شؤون ذوي الشعور لا ~~تطلق إلا على ما من شأن موصوفه أن يشعر» (1).. فإن الآية ليست في مجال ~~الإيحاء بتفاصيل الموضوع ، بل هي في ما يظهر في مقام الحديث عن طبيعته من ~~حيث الدلالة على عمق ضلال المشركين. # ( @QUR@06 وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) لأنهم يواجهون اتهام الناس لهم PageV21P012 # بالمسؤولية عن شركهم بالله في الدنيا وعن عذابهم في الآخرة جزاء ذلك ~~بالتبرؤ الكامل منهم ونفي أي علاقة لهم بالموضوع ، وتحميلهم مسئولية ضلالهم ~~الذاتي بسبب تصوراتهم المتخلفة ، مما يجعل الموقف موقفا عدائيا يتبادل فيه ~~الطرفان الرفض والبراءة ، ( @QUR@03 وكانوا بعبادتهم كافرين ) فهم يرفضون ~~عبادتهم من قبل أولئك ، لأنهم لا يرون لأنفسهم هذه الدرجة التي وضعوهم فيها. # ويتابع صاحب تفسير الميزان طريقته في استيحاء حياة الجمادات في عمقها ~~الداخلي من هاتين الآيتين فيقول : «وفي سياق الآيتين تلويح إلى أن هذه ~~الجمادات التي لا تظهر لنا في هذه النشأة أن لها حياة لعدم ظهور آثارها ، ~~سيظهر في النشأة الآخرة أن لها حياة وتظهر آثارها» (1). # ونلاحظ على قوله هذا ما لاحظناه على ما قاله سابقا ، فهذه الآيات قد تكون ~~جارية على سبيل الكناية ، أو أنها مختصة بالآلهة العاقلة المزعومة ، فإن ~~استتار الحياة في الجمادات ، لا معنى له فيها ، أما خلق الحياة من جديد كما ~~في نطق الأعضاء والجلود وشهاداتها يوم القيامة ، فهذا أمر آخر ، لا يرتبط ~~بما ذكره في كلامه ، إلا أن يريد به ما يشمل هذا ، فنلاحظ عليه ما ~~استوحيناه من دلالة الآيتين ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** من أساليب الكافرين في تشوية الرسالة # ( @QUR@011 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ~~) فقد كانوا يعملون على التهرب منه ، عنادا واستكبارا ، ويبحثون عن مبرر ~~لذلك يمكن للناس موافقتهم عليه ، فيلجئون إلى عناوين تفسر الأشياء بطريقة ~~تقليدية ( @QUR@03 هذا ms4790 سحر مبين ) لما يفهمه الناس من السحر باعتباره فنا ~~ومهارة لا يمثل الحقيقة PageV21P013 # التي تعطي القداسة ، بل يمثل مهارة على مستوى الظاهر تبعث على الانبهار ~~بالخفة السريعة التأثير على البصر وعلى الجانب السطحي من وجدان الإنسان. ~~وهذا أحد الأساليب التي يعمل الكافرون من خلالها على تشوية صورة الرسالة في ~~إيحاءاتها الروحية والعقلية ، وتشوية صورة النبي الذي يتحرك بوحي من الله ، ~~ليضعوا بدلا منها صورة الساحر الذي يتحرك بالألاعيب التي تشد انتباه الناس ~~بطريقة سريعة. # * * * PageV21P014 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ~~هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) ~~@QUR@024 قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) @QUR@024 قل أرأيتم إن كان من عند ~~الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين (10) @QUR@019 وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان ~~خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) @QUR@016 ~~ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ~~ظلموا وبشرى للمحسنين (12) @QUR@013 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) @QUR@09 أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ~~جزاء بما كانوا يعملون ) (14) # * * * PageV21P015 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تفيضون )؛ الإفاضة في الحديث : الخوض فيه. # ( @QUR@01 بدعا )؛ البدع : ما كان غير مسبوق بالمثل. # ( @QUR@01 إفك ): كذب. # * * * ### ||| ** اتهام الرسول بالسحر والافتراء # ( @QUR@03 أم يقولون افتراه ) على الله ، فنسب إليه ما صنعه بأسلوبه ~~البلاغي الذاتي ليعطي كلامه لونا من القداسة. وهذا هو الأسلوب الثاني الذي ~~حاولوا من خلاله الإساءة إلى شخص الرسول بوصفه بالكذب ، وإلى القرآن ~~باعتباره كلام مخلوق لا كلام الله. # ( @QUR@09 قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ) فإن الله لا يغفر ~~لمن يكذب عليه ، ولن يستطيع أحد منهم ولا من غيرهم أن ينصره من الله أو ~~يخلصه من عذابه ، مما يجعل الافتراء على ms4791 الله عملا غير عقلاني بالنسبة لمن ~~لا يملك أية فرصة لحماية نفسه من تأثير عمله السلبي. ولا أريد أن أرد عليكم ~~حول هذا الموضوع بشكل مباشر ، ولكني أرجع الأمر إلى الله ، ( @QUR@05 هو ~~أعلم بما تفيضون فيه ) وهو الذي يحدد قضية الصدق والكذب في هذه المسألة ~~بشكل حاسم ، ( @QUR@05 كفى به شهيدا بيني وبينكم ) فهو يعلم أن القرآن الذي ~~أتلوه عليكم ، هو الوحي الذي أنزله علي ، وهو الشاهد القادر على إظهار الحق ~~أو الباطل بطريقته الخاصة ، وشهادته بصدق كلامي ستظهر إن عاجلا أو آجلا ، ( ~~@QUR@03 وهو الغفور الرحيم ) الذي يغفر لعباده خطاياهم ، عند ما يرى أنهم ~~يتحركون في مواقع الإيمان ، فيخطئون من حيث يريدون الإصابة ، وينحرفون تحت ~~تأثير نقاط الضعف ، ويرحمهم في حركة وجودهم بعد أن عاشوا رحمته في أصل ~~خلقتهم ، وهو الذي يفتح لكل PageV21P016 # عباده النافذة الواسعة التي يستطيعون من خلالها أن يطلوا على الأفق ~~الواسع من لطفه ورحمته ، في حركة رسله الذين يبعثهم لإبلاغ رسالاته إلى ~~الناس كافة ، ليحتوي الجميع في ساحة رضوانه. # * * * ### ||| ** عدم معرفة النبي بالغيب # ( @QUR@06 قل ما كنت بدعا من الرسل ) فإن رسالتي هي في الخط الذي تحركت ~~به رسالات الأنبياء السابقين ، كما أن دوري هو دورهم في الدعوة إلى الله ~~بالحكمة والموعظة الحسنة ، فليس لكم أن تفرضوا ما توحي به خيالاتكم ~~وأوهامكم من دور للنبي وشخصيته وقدرته على تغيير الواقع الكوني وحركة الكون ~~ونظامه ، فليس لذلك أي موقع في ساحة الحقيقة الرسالية ، ( @QUR@07 وما أدري ~~ما يفعل بي ولا بكم ) فلست في ما أملكه من طاقة المعرفة أعلم الغيب ، لأن ~~للغيب أدواته وأسبابه ووسائله التي لا أملكها بصفتي الذاتية كإنسان ، ولا ~~بصفتي الرسالية كنبي في ما تفرضه طبيعة الرسالة من دور للرسول ، لأن الرسول ~~يتحرك على ضوء التعليمات الإلهية التي ينزل بها الوحي عليه ، مما يلقي الله ~~إليه من علمه ، ومما يفتح عليه من غيبه ، فإن طاقاته محدودة بما يمنحه الله منها. # ( @QUR@06 إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) فالوحي هو الذي يحدد لي خط الحركة ، ~~وهو الذي يحدد لي ms4792 الخطوات من البداية إلى النهاية ، ( @QUR@05 وما أنا إلا ~~نذير مبين ) أبلغكم آيات الله وأثير في قولكم معانيها ، لتكون نذيرا لكم ~~بين يدي عذاب شديد ، وذاك هو كل شيء في الدور ، وفي الحركة ، وفي الهدف. # وقد نلاحظ في هذا الجو القرآني الذي يضع قدرات النبي الذاتية في حدود ~~بشريته ، أن ذلك لا يعني انتفاء علم الأنبياء بالغيب من خلال الوحي الذي ~~يحمل إليهم بعض غيب الله ، كما جاء في حديث القرآن عن عيسى عليه السلام مما ~~كان يتحدث به مع بني إسرائيل : ( @QUR@07 وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم ) PageV21P017 # [آل عمران : 49] ، وكما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@07 عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) @QUR@05 إلا من ارتضى من رسول ) [الجن : 26 27] ، ~~وهذا ما تؤكده الآية القائلة : ( @QUR@06 إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) ~~[الأنعام : 50]. فالوحي هو مصدر معرفة النبي في قضايا العقيدة والشريعة ~~والحياة والدار الآخرة ، ضمن ما يريد الله له أن يعلمه لحاجة الرسالة إليه ~~في ساحتها العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** تواصل الوحي # ( @QUR@09 قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ) في موقفكم هذا الذي ~~يتميز بالعناد القائم على العصبية ، ( @QUR@07 وشهد شاهد من بني إسرائيل ~~على مثله ) ممن انفتحوا على الحق البارز في الوحي القرآني ، جزاء ثقافته ~~التوراتية التي تحمله على تصديق رسول الله في رسالته ، وفي وحي الله الذي ~~يبلغه للناس ، ( @QUR@01 فآمن ) عند ما رأى عمق الحقيقة في مسألة الإيمان ( ~~@QUR@01 واستكبرتم ) عليه ، فلم تخضعوا لله في وحيه ورسالاته بعد قيام ~~الحجة عليكم ، الأمر الذي يوحي بأن من يفتح قلبه على آفاق المعرفة ، لا بد ~~من أن يصل إلى الإيمان ، وأن من يعيش روح العصبية والاستكبار يبقى في دائرة ~~الجهل والعناد ، بعيدا عن الإيمان. # ويقول المفسرون : إن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن سلام حيث أسلم في ~~المدينة ، وكان عالما كبيرا ممن يملكون ثقافة التوراة في بني إسرائيل (1)، ~~وبذلك تكون هذه الآية مدنية داخل السورة المكية. # ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالبقاء ~~في ساحة الجهل ، والبعد عن نور ms4793 المعرفة ، والانطلاق في خط الكفر والشرك ~~والضلال ، PageV21P018 # ورفضوا الأخذ بأسباب الهداية وهي في متناول أيديهم ، مما أغلق باب ~~الهداية الإلهية عنهم ، لأن الله لا يهدي من يصر على اختيار الضلال كنهج ~~لحياته. # ( @QUR@05 وقال الذين كفروا للذين آمنوا ) في معرض تبرير تركهم للإيمان ~~والتأكيد على أنهم يتميزون عن غيرهم في وعي القضايا الفكرية والعملية ، وفي ~~التزامهم بخط الخير الواضح في طبيعته ، وسبقهم الدائم إليه ، وعدم قبولهم ~~تقدم أحد عليهم في ذلك ، ( @QUR@06 لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) لأننا ~~السابقون إلى الخير في كل المواقع ، لكننا لم نر فيه ملامح الخير للبشرية ( ~~@QUR@04 وإذ لم يهتدوا به ) أي بالقرآن ، أو بالإيمان في مضمونه الفكري ~~والعملي ، ( @QUR@04 فسيقولون هذا إفك قديم ) أي من الأكاذيب القديمة ومن ~~أساطير الأولين ، ولا يستند قولهم هذا إلى قاعدة فكرية تميز بين الصدق ~~والكذب ، وبين الأسطورة والواقع ، بل إلى عقدة الكبرياء الكامنة في عمق ~~شخصياتهم التي تحاول إعطاء مواقفها السلبية من القضايا بعدا منطقيا بادعاء ~~وجود خلل ما في مضمونها. وهذا هو الأساس في كلامهم المذكور في الفقرة ~~السابقة من الآية : ( @QUR@06 لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) ليصوروا أن ~~رفضهم للرسالة يتحرك من موقع عدم قبولهم إلا بالخير الذي اكتشفوا أن الدعوة ~~القرآنية لا تمثله. # ( @QUR@06 ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) فقد أنزل الله الكتاب على ~~موسى ليكون إماما للناس ، فيكون في الموقع المتقدم الذي يحرك أفكارهم ~~ومواقفهم وأوضاعهم ، لأنه يمثل وحي الله مما يصلح أمر الأمة ويبعدها عن ~~الفساد ، كما كان رحمة في مضمونه العقيدي والتشريعي والحركي ، باعتبار أنه ~~يفتح لهم أبواب الخير ، ويغلق عنهم أبواب الشر. # ( @QUR@03 وهذا كتاب مصدق ) لما قبله من الكتب السماوية ، بما تسعى إليه ~~في مضمونها من تثقيف تدريجي للناس ، وتوعية متحركة لهم ، تلاحق المتغيرات ، ~~والحاجات الجديدة والمواقع المختلفة. ومضمون الكتاب ، في حقائقه الخالدة ، ~~وفي مواقعه المتغيرة ، وفي لغته التي تتنوع بتنوع مواقع الرسالة التي قد ~~تفرض أن يكون بلغة الأمة التي أرسل إليها ، لتكون طليعة الرسالة كما يكون PageV21P019 # الرسول طليعة الرسل ، هو تصديق لما ms4794 قبله من كتب سماوية ، فقد جاء القرآن ~~بعد التوراة ، فاحتوى في داخلة الكثير من معانيها وشرائعها ، وصدقها جملة ~~وتفصيلا ، وكان ( @QUR@02 لسانا عربيا ) ينطق بلغة الرسول الذي نزل عليه ، ~~وبلغة الأمة التي نزل فيها ، ( @QUR@03 لينذر الذين ظلموا ) أنفسهم بالكفر ~~والشرك والبغي والعدوان ( @QUR@02 وبشرى للمحسنين ) الذين عاشوا الإحسان في ~~فكرهم إيمانا منفتحا على الله وعلى الحياة ، كما عاشوه في حياتهم عملا ~~صالحا والتزاما بالصراط المستقيم. # * * * ### ||| ** التوحيد والاستقامة سبيل الأمن في الآخرة # ( @QUR@07 إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) على التوحيد وساروا ~~على الخط الذي يحدده # الإيمان بالله وبربوبيته من منهج فكري وعملي يوحد التصور والشريعة ~~والحركة ، حيث يلتقي الإنسان في كل تلك المواقع بالله ، فلا يلتفت إلى غيره ~~، ولا ينقاد إلا له ، ولا يلتزم إلا بمنهجه وشريعته وقرآنه. # إن القضية الأساس في الإسلام ، هي قضية التوحيد التي تحتوي الوجود كله ، ~~فهو عقيدة لا تقف حدودها عند حدود اللاهوت في الأعماق الفلسفية ، بل تدخل ~~في كل شؤون الحياة الخاصة والعامة ، فلا يكون الإنسان توحيديا إلا إذا ~~استقام في هذا الخط في كل دروب الواقع وساحات الصراع ، فلا ينحرف ذات ~~اليمين وذات الشمال ، استجابة لما يدعوه الآخرون إلى الالتزام به مما لا ~~يرجع الأمر فيه إلى الله ، فإذا اختزن الإنسان التوحيد الإلهي في عقيدته ، ~~وسار في غير دروب الله في نهجه وشريعته ، لم يكن موحدا بالمعنى العملي أو ~~الحركي. ولذلك فإن معنى الاستقامة في خط ربوبية الله ، الالتزام بالربوبية ~~في كل المواقع التي تتسع لها في الإيجاد والتشريع والتدبير ، بحيث تكون ~~شمولية الإيمان منطلقة من شمولية الله في عمق الوجود وحركته ، فيكون ~~الإيمان كاملا بذلك في البداية والنهاية وخط السير. PageV21P020 # وهذا ما نريد أن يستوحيه المسلم في كل واقعه الحركي ، وهو الحصول على ~~الأمن الذي يطرد عنه الخوف والحزن في يوم القيامة ، فيلتزم بالإسلام كله في ~~عقيدته وفي شريعته ، ويبتعد عن كل العناوين والأضاليل والأساليب والوسائل ~~التي لا تقترب من الخط الأصيل للإسلام ، بحيث يراعي الدقة في حكمه على ~~الخطوط الملتوية أو المنحرفة أو ms4795 الضائعة التي تتحرك من حوله ، ليعيش صفاء ~~الإسلام ، ونقاء الإيمان ، واستقامة التصور والمنهج والحركة ، ليكون من هذه ~~الصفوة المؤمنة الطاهرة القريبة من رحاب الله في رضوانه. # وأولئك ( @QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) لأنهم أخذوا بأسباب ~~الأمن ، وانفتحوا على مواقع السرور في ما أعدوه لذلك من مواقف الدنيا ~~وأوضاعها ووسائلها ، و ( @QUR@09 أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما ~~كانوا يعملون ) من الطاعات في نطاق الأعمال الصالحة التي يرضاها الله. # * * * PageV21P021 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@045 ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) @QUR@018 أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدون ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كرها ): أي بكره ومشقة. # ( @QUR@01 وفصاله )؛ الفصال : التفريق بين الصبي وبين الرضاع. # ( @QUR@02 بلغ أشده ): بلغ زمانا تشتد فيه قواه. # ( @QUR@01 أوزعني ): ألهمني. # * * * PageV21P022 ### ||| ** توصية الإنسان بوالديه # تتناول هاتان الآيتان ، ومن خلال نماذج بشرية محددة ، كيفية تعاطي ~~المحسنين والظالمين مع الوالدين ، كشكل من أشكال العلاقات التي يبنيها ~~الإنسان في حياته ، فهناك من ينفتح على الله وعلى أجواء الصلاح في علاقته ~~بهما ، ليبقى معهما في خط الصلاح في شبابه ، كما كان كذلك في طفولته ، ~~وهناك من ينغلق عن الله ويصم أذنيه عن سماع ندائهما الذي يدعوه إليه. # ونقف مع النموذج الأول الذي تحدثت عنه هذه الآيات وهو نموذج البر ~~بالوالدين ، وعن الواقع الذي يتحرك في دائرته. # ( @QUR@04 ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ) أن يحسن إليهما ، وأن يتطلع ، ~~بعمق وانفتاح وإنسانية ، إلى الجهد الذي بذلاه في تربيته ، بما لا يبذله ~~أحد معه ، ولا يقدمه إليه إنسان ، لا سيما الأم التي تتحمل الجهد الجسدي ~~الشاق في حمله وولادته ورضاعه ، ( @QUR@05 حملته أمه كرها ووضعته كرها ) ~~فكان حملها له مشقة ومعاناة ثقيلة تواجه فيها حالة صحية صعبة ، حيث يتغير ~~مزاجها ويضطرب وضعها الجسدي بكل أجهزته ، وكانت ms4796 ولادته حركة آلام قاسية في ~~مكابدة الجهد والخطر على الحياة ، ولكنها بالرغم من حالة الكره الطبيعي ~~للإحساس الجسدي بالثقل والألم والمعاناة ، تتقبل ذلك كله ، بالرضى والحنان ~~والعاطفة ، فتحتضن ولدها بالعاطفة الدافقة الطاهرة ، وتستمر في رعايته في ~~حمله ورضاعه ، ( @QUR@02 وحمله وفصاله ) أي فطامه عن الثدي بانتهاء حاجته ~~إلى الرضاع بعد عامين ، يعقبان أقل مدة الحمل ، وهي ستة أشهر ، التي قد ~~تزيد إلى مرحلة التكامل الطبيعي في تسعة أشهر ، ومجموع ذلك ( @QUR@02 ~~ثلاثون شهرا ) من الرعاية الكاملة المميزة بالانفتاح الروحي العاطفي ، ~~وبالجهد الجسدي. # وتستمر الرعاية مدة طويلة ( @QUR@04 حتى إذا بلغ أشده ) عند ما تشتد قواه ~~( @QUR@03 وبلغ أربعين سنة ) وهي المدة التي يقوى فيها جسده ، ويكمل عقله ، ~~وتهدأ فيها شهواته ، وتتوازن فيها انفعالاته ، وبدأ يتطلع إلى نعمة الله ~~عليه في حركة PageV21P023 # وجوده ، بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة ، ( @QUR@011 قال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) أي اجعلني أعيش وعي النعمة ، ~~إلهاما روحيا ، يلزمني بمسؤولية الشكر لك قولا وفعلا يلتزمان سبل ومواقع ~~وغايات رضاك ، وبما يحولها إلى طاقة حية منفتحة على مواقع القرب منك والحب ~~والصدق لك ، ( @QUR@04 وأن أعمل صالحا ترضاه )، فالإيمان بالله والاعتراف ~~بنعمته يفرض عمليا على الإنسان الذي يتطلع للحصول على رضاه ، أن يؤدي في ~~حياته العمل الصالح ، وأن يربي أولاده من بعده على الإيمان والعمل الصالح. # ( @QUR@04 وأصلح لي في ذريتي ) ووفقهم إلى العمل الصالح ، وإلى الروحية ~~التي تجعل الصلاح حالة عميقة داخل نفوسهم وخط سير وممارسة ، ونهجا في الفكر ~~والعلاقات ، ليشكلوا الوجود الفاعل داخل المجتمع الصالح ، والتمرد على ~~المجتمع الفاسد. هذا هو الطموح الإيماني الذي يعيشه المؤمن كأب في نظرته ~~إلى الذرية ، من حيث كونها امتدادا للوجود في المستقبل ، فليست مجرد حاجة ~~ذاتية يزهو بها الإنسان ، بل هي شعور بالمسؤولية في امتداد الصلاح في ~~أولاده ، من خلال مسئوليته عن خط الصلاح في حياته. وبذلك تمتزج نزعة ~~الإنسان الغريزية في حب الأولاد كحاجة ذاتية ، بالنظرة الرسالية للدور الذي ~~يريد لهم القيام به في الحياة من بعده. # ( @QUR@03 إني تبت إليك ) من كل ms4797 المعاصي التي عملتها ، ومن كل خطوط ~~الانحراف التي سرت فيها ، توبة العقل من كل ما لا يرضيك من فكر ، وتوبة ~~القلب من كل ما يسخطك من عاطفة ، وتوبة الموقف من كل ما يبعدني عن خطك ~~المستقيم ، ومن كل تخطيط لا تريده للمستقبل ، ( @QUR@03 وإني من المسلمين ) ~~الذين أسلموا كل حياتهم لك ، فعاشوا الانتماء إليك وحدك ، ورفضوا كل انتماء ~~إلى الآخرين إلا من خلالك ، فليس الإسلام عندهم مجرد صفة يحملونها ، ولكنها ~~حياة يتجسدها الفكر والقلب والموقف والعلاقات ، والإسلام بهذا المعنى هو ~~الذي يطبع شخصية المسلم ، ويفصل بينه وبين الانتماءات الأخرى ، PageV21P024 # ويميز شخصيته عن الشخصيات الأخرى ، بحيث يحميها من الضياع في ضباب ~~الطروحات الأخرى. # * * * ### ||| ** أولئك نتقبل منهم أعمالهم # ( @QUR@07 أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) لأن الله يتقبل من ~~عباده المؤمنين أعمالهم التي يجب قيامهم بها بعنوان الإلزام أو الاستحباب ~~مما يتقربون به إليه ، فهو أحسن ما عملوه من أعمالهم الأخرى ، مما يدخل في ~~باب المباحات أو نحوها ، ( @QUR@03 ونتجاوز عن سيئاتهم ) لأن الحسنات يذهبن ~~السيئات ، وإن الله إذا اطلع على إخلاص المؤمن له ، ورغبته في السير على خط ~~طاعته ، وإن عاش بعض التجارب القلقة التي أبعدته عن الطاعة ، وأوقعته في ~~المعصية ، فلا بد من أن يغفر له ، على أساس التوبة الكامنة في داخله ، ~~المتجددة في روحية الإيمان ، وحركية الخير في حياته. # ( @QUR@03 في أصحاب الجنة ) أي نتجاوز عن سيئاتهم في جملة من نتجاوز عن ~~سيئاتهم من أصحاب الجنة ، فهو في موقع الحال من ضمير «عنهم». # ( @QUR@05 وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) مما وعدهم به الله في كتبه ~~المنزلة ، التي توحي لهم بالعيش في الحياة على أحلام النعيم الإلهي في جنة ~~الرضوان ، عبر تجسيد الطاعة في الواقع بالتزام الأمر الإلهي واجتناب النهي ~~الشرعي. # * * * PageV21P025 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون ~~من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا ~~أساطير الأولين (17) @QUR@016 أولئكالذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم ms4798 كانوا خاسرين (18) @QUR@09 ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أف ): كلمة تبرم يقصد بها إظهار السخط. # ( @QUR@01 خلت ): مضت. # ( @QUR@01 يستغيثان ): يطلبان الغوث. # * * * PageV21P026 # ( @QUR@05 والذي قال لوالديه أف لكما ) # وهذا هو النموذج الثاني الذي يعيش بين أبوين مؤمنين ، يتعهدانه بالرعاية ~~والحب والحنان ، ويبذلان كل ما لديهما من جهد في سبيل تنميته وتربيته ، حتى ~~إذا بلغ مبلغ الرجال ، انفصل عن هذا الجو الإيماني ليندمج بالأجواء الاهية ~~العابثة التي تمنعه عن الجدية في الحياة ، وعن المسؤولية في عالم الفكر ~~والعمل ، وتدفعه إلى مواجهة المواقف الفكرية العقيدية بطريقة اللامبالاة ~~التي ترفض بشكل سطحي ، وتقبل بشكل ارتجالي ، فيكفر لأنه لم يلتق الإيمان في ~~مواقع التأمل أو الحوار ، وينحرف لأنه ابتعد مع شهواته ولذاته عن خط ~~الاستقامة. # ويبدأ صراعه مع والديه اللذين بلغا سن الكهولة أو الشيخوخة ، حول مسألة ~~الإيمان والفكر ، فهما ، نتيجة امتزاج عاطفتهما بالابن ، يعيشان القلق ~~الشديد على مصير ابنهما ومستقبله في الآخرة ، ويخشيان أشد الخشية أن يواجه ~~عذاب الله في النار ، ولكن ابنهما يعيش الغرور الكافر ، والكبرياء الطاغي ، ~~ويقف منهما موقف التعنيف والتأنيب والتأفف من هذه الشيوخة التي تريد أن تقف ~~أمام شهواته ولذاته في معصية الله. # ( @QUR@05 والذي قال لوالديه أف لكما ) في احتقار واستهانة وتأفف ، كما ~~لو كانا عبئا ثقيلا عليه ، لأنهما يفرضان نفسيهما عليه ، ويتدخلان في حياته ~~، في الوقت الذي يرى نفسه في موقع لا يجوز معه لأحد أن يعترض على سلوكه ، ~~لا سيما ممن لا يملك الدرجة العليا من الفكر والتقدم في نظره. ( @QUR@03 ~~أتعدانني أن أخرج ) بعد الموت الذي أتحول فيه إلى تراب ، بفعل السنين ~~الطويلة التي تفني كل نبضة للحياة التي تتحدثان عنها؟ ( @QUR@05 وقد خلت ~~القرون من قبلي ) فلم يعد أحد من الأمم التي عاشت في القرون السالفة إلى ~~الحياة ليكون نموذجا حيا للفكرة التي تطرحانها ، فلو كان هناك بعث ، لرأينا ~~بعضا من هؤلاء ، ولكننا لم نر شيئا من ذلك ، مما يوحي بأن فكرة البعث ~~أسطورة لا تمت إلى الحقيقة بصلة. PageV21P027 # لكن أبويه لا ييأسان. وتستيقظ العاطفة ms4799 لتركض وراء هذا الولد الذي يخافان ~~عليه من النار ، في ما يشبه الاستغاثة ( @QUR@03 وهما يستغيثان الله ) ~~فيطلبان منه أن يغيثهما ويهدي ولدهما إلى الإيمان ، ويلتفتان إليه ( ~~@QUR@02 ويلك آمن ) بالله وبرسوله وبرسالته وباليوم الآخر ، ( @QUR@04 إن ~~وعد الله حق ) في ما توعد به الكافرين من النار وما وعد به المؤمنين من ~~الجنة ، فتذكر وعد الله ، واعمل على السير في خط النجاة والابتعاد عن خط ~~الهلاك. ولكنه لا يأبه ( @QUR@06 فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ) لأنه ~~يرتكز على الحس المادي الذي ترتبط به كل قضايا الإيمان في نظره. # * * * ### ||| ** أولئك حق عليهم القول .. ولكل درجات # ( @QUR@05 أولئك الذين حق عليهم القول ) من أمثال هذا الإنسان ( @QUR@09 ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) ممن تمردوا على الرسل ، وكفروا ~~بالله ، وأنكروا اليوم الآخر ، ( @QUR@03 إنهم كانوا خاسرين ) لأنهم خسروا ~~أنفسهم في الدار الآخرة ، في محرقة نار جهنم .. # ( @QUR@04 ولكل درجات مما عملوا ) من المؤمنين الصالحين ، أو الكافرين ~~الظالمين ، في ثواب الله وعقابه ، في درجات الرضوان في الجنة ، وفي دركات ~~العذاب في النار ، ( @QUR@05 وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ) لأن الله ~~يمنح كل عامل بحسب طبيعة عمله ، من موقع العدالة الإلهية التي لا تفرق بين ~~الناس إلا بالعمل القائم على الإيمان والتقوى. # * * * PageV21P028 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الهون ): الذل والهوان. # ( @QUR@01 تفسقون ): تخرجون عن طريق الحق والصواب. # * * * ### ||| ** عرض الذين كفروا على النار # ( @QUR@06 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) فالنار تتطلب مزيدا من ~~الوقود البشري ممن عاشوا في ذهنية حطبية ، فلم تكن لهم إرادة مستقلة تنفتح ~~على الله في PageV21P029 # وعي إيماني ، بل كانوا مجرد أتباع هامشيين للمستكبرين وللمضللين ، الذين ~~يدعونهم إلى الكفر بالله ، والإشراك به ، والسير على خط الانحراف في ~~العقيدة والسلوك ، مما جعلهم طعما للنار ( @QUR@06 التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين ) [البقرة : 24]. # وقد ذكر بعض المفسرين ، أن الواقع يفرض أن تعرض النار على الكفار ، لأن ms4800 ~~الذي يملك العقل والإحساس هو الذي تعرض عليه الأشياء الجامدة غير الحية ~~لينفعل بها ، ولكننا نلاحظ على ذلك أن التعبير هنا كنائي وليس واقعيا ، إذ ~~يصور النار مخلوقا حيا يجوع ويشبع ، ويتطلب الغذاء الذي يحتاجه ، كما ورد ~~في قوله تعالى : ( @QUR@09 يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) [ق ~~: 30] ، وهو أسلوب هدفه التحقير من شأن هؤلاء المستكبرين الذين كان الناس ~~في الدنيا يعرضون عليهم ليذلوهم أو ليسجنوهم أو ليقتلوهم ، في موقف ~~الاستضعاف الطاغي لإنسانيتهم. # * * * ### ||| ** النار مأوى العابثين المستكبرين # وهكذا يقف هؤلاء أمام النار ، قبل أن يأتي الأمر الإلهي بإدخالهم إليها ، ~~ليروي الملائكة لهم تاريخهم اللاهي العابث المستهتر المستكبر على الله ~~والناس ، الذي تحول إلى هذا المستقبل الحقير المهين ، وليتعرف الناس ، من ~~خلال هذه الصورة المرعبة ، كيفية تفادي الدخول في ما يؤدي إلى ذلك المصير. # ( @QUR@05 أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) واستفدتموها بعد أن أسرفتم ~~فيها ، في معصية الله ، ( @QUR@02 واستمتعتم بها ) فقد كان يخيل إليكم أن ~~الأخذ بمتاع الحياة الدنيا هو المحدد لقيمة الإنسان ، فالمرحوم منها لا ~~يملك مستوى الإنسانية في مفهومكم ، والآخذ بها هو شخص ذو قيمة في مجتمعكم. ~~( @QUR@03 فاليوم تجزون عذاب PageV21P030 # @QUR@01 الهون ) الذي تعيشون فيه عذاب الإحساس بالمهانة والحقارة والسقوط ~~، كما تعيشون فيه عذاب النار التي تحرق أجسادكم ( @QUR@07 بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق ) بكل ما يمثله الاستكبار من إذلال للناس ~~المستضعفين ، وبغي عليهم ، ومصادرة لحقوقهم وأموالهم ، واستغلال لطاقاتهم ~~دون حق ، وانحراف بهم نحو الباطل في العقيدة والسلوك ، مما لا تملكون الحق ~~فيه من أية جهة كانت ، لأنكم لا تختزنون في داخلكم القوة الذاتية الكبيرة ، ~~التي تمنحكم الكبرياء الأصيلة ، كما أن الله لم يجعل لكم ذلك ، فلم يسلطكم ~~على عباده ، ولم يرفع طبقتكم على الناس الآخرين ، بل لم يسلطكم على أنفسكم ~~، وما تملكون من متاع الحياة الدنيا إلا بحدود ما حدده لكم في أحكام ~~شريعته. # ( @QUR@03 وبما كنتم تفسقون ) في أوضاعكم المعربدة المستهترة ، وفي ~~تصرفاتكم الظالمة الباغية ، وفي علاقاتكم المفتوحة على مواقع الخلاعة ~~والمجون ، فهذا هو الجزاء العادل لما ms4801 عشتموه من استكبار وفسق في الحياة ، ~~حيث تنعكس صورة الأشياء في الآخرة ، وتعيشون واقع المهانة والحقارة بكل ~~ألوان الألم والإذلال. # * * * PageV21P031 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين ~~يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) ~~@QUR@012 قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (22) @QUR@013 قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني ~~أراكم قوما تجهلون (23) @QUR@018 فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا ~~عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) @QUR@014 تدمر ~~كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ~~(25) @QUR@032 ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) @QUR@010 ولقد أهلكنا ~~ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) @QUR@018 فلو لا نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون ) (28) # * * * PageV21P032 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 النذر ): جمع نذير ، والمراد به الرسول. # ( @QUR@01 لتأفكنا ): لتصرفنا افتراء. # ( @QUR@01 عارضا ): العارض هو السحاب. # ( @QUR@01 تدمر ): بمعنى تهلك. # ( @QUR@01 مكناهم ): أعطيناهم القدرة والاستطاعة على التصرف. # ( @QUR@01 وحاق ): حل. # ( @QUR@01 قربانا ): ما يتقرب به إلى الله تعالى. # ( @QUR@01 إفكهم ): كذبهم. # * * * ### ||| ** العذاب ينزل على قوم هود # وهذا نموذج إنساني من التاريخ القديم ، يتمثل بهود الذي بعثه الله ~~بالدعوة إلى عاد ، ليدعوهم إلى توحيد الله في العقيدة والعبادة والسلوك ، ~~فلا يتطلعون إلى غيره ، ولا يرتبطون بأحد سواه ، وكانوا يملكون القوة ~~والشدة التي تدفعهم إلى اتخاذ موقف الاستكبار على الحق وعلى دعاته ، فكذبوه ~~وواجهوه بالجحود ، فعجل الله لهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة ، جزاء بما ~~كانوا يستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كانوا يفسقون. # ( @QUR@03 واذكر أخا عاد ) وهو النبي هود عليه السلام الذي كان من هؤلاء ~~القوم في نسبه ، ( @QUR@04 إذ أنذر قومه بالأحقاف ) وهي المنطقة التي كان ~~يسكنها قومه في جنوب الجزيرة العربية ، ( @QUR@08 وقد خلت ms4802 النذر من بين ~~يديه ومن خلفه ) فقد جاء على فترة من الرسل ، فلم يكن زمانه قريبا من ~~زمانهم ، ولم يكن في زمانه أحد منهم ، PageV21P033 # وكان أساس دعوته التوحيد الذي يختصر منهج العقيدة الفكري ، ومنهج ~~الممارسة العملي. # ( @QUR@04 ألا تعبدوا إلا الله ) وقد نلاحظ أن الدعوة إلى توحيد الله في ~~العبادة ، تحمل إيحاء عميقا بأن العقيدة ليست حالة تجريدية في الفكر ، بل ~~هي حالة حركية في العقل وفي الحياة ، ( @QUR@06 إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم ) أعده الله للجاحدين به ، والمشركين بعبادته ، في الدنيا والآخرة ، ~~لأنكم لا تملكون حجة على عبادتكم لهذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة ~~تعبدونها من دون الله جهلا. # ( @QUR@05 قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ) أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا ~~كذبا وافتراء ، بحديثك عن الله الواحد الذي لا رب غيره ، ولا عبادة لغيره ، ~~كما تتخيل وتتوهم ، ( @QUR@07 فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) لأننا ~~لا نرى في كلامك إلا التهويل الذي تسعى من خلاله إلى التأثير علينا بالضغط ~~النفسي ، دون أن يكون هناك أي أساس لما تتوعد به ، لأنك لا تملك قوة ذاتية ~~، ولا نرى لك أية قوة غيبية. ( @QUR@05 قال إنما العلم عند الله ) فلا أملك ~~تفاصيل علم الغيب الذي أحدثكم عنه ، لأنه ليس علما ذاتيا ، أملكه ، بل هو ~~علم يأتيني من ذي علم ، ( @QUR@04 وأبلغكم ما أرسلت به ) من الله العليم ~~الحكيم القادر الذي أمرني أن أبلغكم رسالة التوحيد ، وأنذركم عذاب يوم عظيم ~~، ( @QUR@04 ولكني أراكم قوما تجهلون ) لأنكم لا تواجهون الأمور المطروحة ~~عليكم بجدية ومسئولية كما يفرض العقل ، فالإنسان لا بد من أن يفكر في أية ~~فكرة يسمعها ويدخل في حوار حولها مع من يثيرونها ، لا سيما إذا كانت متصلة ~~بقضايا المصير ، فكيف تقفون هذا الموقف المعاند دون أي أساس للعناد ، وكيف ~~تستهينون بالإنذار ، وأنتم لا تعرفون خطورته على حياتكم؟ # ونزل العذاب ، ( @QUR@05 فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ) فقد جاء إليهم ~~في صورة سحاب يعرض في الأفق ثم يمتد في الفضاء المطل عليهم ، ليستقبل ~~الوديان التي كانت تنتظر المطر الذي يملأ الينابيع ويروي ms4803 الأرض ، ف ( ~~@QUR@04 قالوا هذا عارض ممطرنا ) فاستقبلوه باستبشار ، كما يستقبل الناس ~~العطشى المطر القادم إليهم PageV21P034 # عبر السحاب ، ولكن المسألة ليست كذلك ( @QUR@014 بل هو ما استعجلتم به ~~ريح فيها عذاب أليم* تدمر كل شيء بأمر ربها ) فقد استعجلتم العذاب ظنا منكم ~~أنه لن يجيء ، وها هو أمامكم ، فكيف تواجهونه؟ وكيف تثبتون أمام التحدي؟ ( ~~@QUR@05 فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) فقد هلك كل شيء فيها من الناس ~~والدواب والأموال ، ( @QUR@04 كذلك نجزي القوم المجرمين ) الذين يحركهم في ~~الحياة منطق الجريمة في مواجهة الرسالة ، بالاستسلام لرخاء الحياة من حولهم ~~، وللأمن في المستقبل في حركتهم ، تماما كما لو كانوا يملكون القوة المطلقة ~~في كل شيء. # * * * ### ||| ** عبرة لكفار مكة # والعبرة من هذه القصة موجهة إلى كفار مكة الذين كانوا يقفون ضد الرسول ~~والرسالة ، انطلاقا من القوة المالية والاجتماعية التي يستعملونها في تأكيد ~~سيطرتهم. ( @QUR@02 ولقد مكناهم ) وأعطيناهم من القوة البدنية ( @QUR@04 ~~فيما إن مكناكم فيه ) أي ما لم نمكنكم فيه ، فليست لكم القوة التي كانت ~~لديهم ، ( @QUR@05 وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ) يهتدون بها إلى حقائق ~~الأشياء ، ولكنهم عطلوا أسماعهم ، بصم آذانهم عن نداء الحق ، وجمدوا ~~أبصارهم ، بغضها عن رؤية آيات الله في الكون وفي أنفسهم ، وأغلقوا أفئدتهم ~~عن الحق ، وابتعدوا بعقولهم عن التفكير في دعوة الرسل لهم إلى عبادة الله ~~الواحد ، ( @QUR@015 فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~إذ كانوا يجحدون بآيات الله ) وكان وجود هذه الحواس كعدمها ، لأنهم لم ~~يستعملوها في اكتشاف عظمة الله للوصول إلى الإيمان بوحدانيته ، ( @QUR@06 ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ) من عذاب الله في الدنيا ، في ما استعجلوه منه. # ( @QUR@06 ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ) التي أنذرناها ودعوناها إلى ~~التوحيد ( @QUR@02 وصرفنا الآيات ) وحركناها في أساليب مختلفة ، في ما يفتح ~~عقولهم على PageV21P035 # الرجاء بالله ، وما يواجه مشاعرهم من الخوف من عذابه ، ( @QUR@02 لعلهم ~~يرجعون ) عن الانحراف الذي يعيشون فيه ، ويستقيمون في خط الحق الذي يربطهم بالله. # ( @QUR@010 فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ) هؤلاء ~~الأوثان التي كانوا يعبدونها ، أو أولئك ms4804 الأشخاص الذين كانوا يتبعونهم في ~~كفرهم وعنادهم ، فهل نصرهم هؤلاء وأولئك ومنعوا عنهم العذاب ، إذا كانوا في ~~مستوى الآلهة أو بديلا عن الله؟ إنهم لم ينصروهم لأنهم لا يملكون شيئا من ~~القدرة على ذلك ، ولا يمثلون أي ثقل في ميزان القوة ، ( @QUR@03 بل ضلوا ~~عنهم ) وابتعدوا ، وانقطعت الرابطة التي تصلهم بهم ، وبطلت مزاعمهم ، ( ~~@QUR@02 وذلك إفكهم ) وكذبهم في ما يزعمونه من عقائد وأفكار ، ( @QUR@03 ~~وما كانوا يفترون ) ويضللون به المستضعفين في قضايا العقيدة والحياة. # * * * PageV21P036 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) @QUR@020 قالوا يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم (30) @QUR@015 يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) @QUR@018 ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) @QUR@022 أولم ~~يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) @QUR@018 ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(34) @QUR@027 فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم ~~يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون ) (35) # * * * PageV21P037 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نفرا )؛ النفر : اسم جمع يطلق على ما فوق الثلاثة من الرجال ~~والنساء. # ( @QUR@01 ولوا ): انصرفوا. # ( @QUR@01 ويجركم ): يخلصكم. # ( @QUR@01 أولياء ): أنصار. # ( @QUR@01 يعي )؛ العي : العجز والتعب. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # تنقل كتب التفاسير أكثر من قصة عن ذلك كسبب من أسباب النزول ، نختار منها # ما نقله صاحب الميزان عن تفسير علي بن إبراهيم القمي ، كنموذج لذلك ، قال ~~: كان سبب نزول هذه الآيات أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من مكة ~~إلى سوق عكاظ ، ومعه زيد بن حارثة ، يدعو الناس إلى الإسلام ، فلم يجبه أحد ~~ولم يجد أحدا يقبله ، ثم رجع إلى ms4805 مكة ، فلما بلغ موضعا يقال له : وادي مجنة ~~(1)، تهجد بالقرآن في جوف الليل ، فمر به نفر من الجن ، فلما سمعوا قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استمعوا له ، فلما سمعوا قرآنه ، قال بعضهم ~~لبعض : ( @QUR@01 أنصتوا )، يعني اسكتوا ، ( @QUR@02 فلما قضي ) أي فرغ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن ، ( @QUR@07 ولوا إلى قومهم ~~منذرين* قالوا يا قومنا ) إلى آخر الآيات. # فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلموا وآمنوا ، وعلمهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم شرائع الإسلام ، فأنزل الله عز وجل على نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@08 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) ~~[الجن : 1] السورة كلها ، فحكى الله قولهم وولى عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم منهم ، وكانوا يعودون إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في كل وقت (2). # * * * PageV21P038 ### ||| ** الجن يستمعون القرآن ويتحولون إلى دعاة # هذا ويتحدث كتاب الله عن الجن بشكل متنوع ، ويضع لوجودهم وطبيعتهم خطوطا ~~عامة ، لا تسمح للخرافة التي حلفت بها قصص الجن في التراث العربي أن تقترب ~~منها ، فهم مخلوقات عاقلة ، لا تظهر عيانا للناس بشكل مباشر ، وفيهم شياطين ~~يوسوسون للناس بطريقتهم الخاصة ، كما يوسوس شياطين الإنس للناس ، وفيهم ~~مؤمنون يعبدون الله ويخافونه ويدعون إليه ، كما يذكر القرآن أنهم كانوا ~~يقعدون مقاعد ليسمعوا أخبار السماء ، فمنعهم الله من ذلك ، مما يوحي ~~بقدرتهم الذاتية على الانطلاق في الفضاء. # وهذا حديث عن نفر من الجن الذين استمعوا إلى القرآن ، فآمنوا به ، ~~وتحولوا إلى دعاة للإيمان وللإسلام في قومهم ، بطريقة روحية رائعة. # ( @QUR@08 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) أي وجهناهم إليك ~~بإثارة انتباههم وتفكيرهم نحوك ، حتى بدأوا يفكرون بموقعك الرسالي الذي ~~يفتح للعقل آفاقا جديدة من التفكير ، ويضع الحياة خططا جديدة من التشريع ، ~~مما جعلهم ينطلقون في ملاحقة الموضوع من موقع المسؤولية ، ( @QUR@02 فلما ~~حضروه ) في الموقع الذي يمكنهم من الاستماع إليه ، ( @QUR@02 قالوا أنصتوا ~~) حتى نعي مضمون الكلمة بدقة ووعي وإيمان. ( @QUR@02 فلما قضي ) وانتهى ~~الرسول من ms4806 التلاوة ، واستوعبوا ما سمعوه بشكل كامل ، وآمنوا بأنه الحق الذي ~~يجب أن يلتزمه الناس فكرا وعملا ، ( @QUR@04 ولوا إلى قومهم منذرين ) لأن ~~الإيمان ، في معناه الحركي ، يفرض الدعوة إليه ، فهو ليس حالة خاصة بحيث ~~يختزنه الناس في ذواتهم ، بل هو رسالة عامة تدفع الناس إلى دعوة الآخرين ~~إليه ، ليؤمنوا به ، بحيث يتوسع امتداده في الحياة. # ( @QUR@014 قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه ) من الكتب السماوية ، أو من التوراة ، باعتبار أنهم كانوا مؤمنين ~~بها ، عاملين عليها PageV21P039 # كما يبدو ( @QUR@03 يهدي إلى الحق ) في العقيدة ( @QUR@03 وإلى طريق ~~مستقيم ) في حركة الإنسان في الحياة ، حيث يبدأ الإنسان فيه من الله وينتهي إليه. # هذه هي الدعوة الكاملة ، فهي تنطلق من الكتاب باعتباره الوثيقة الإلهية ~~الصادقة الناطقة بالحقيقة الناصعة ، فهو كتاب ( @QUR@09 لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42] ، وهو ما ينبغي التركيز على في ما نريد ~~تأكيده من عقائد ومفاهيم وشرائع ، وما نريد محاكمته من اختلاف في الآراء ~~حول قضايا العقيدة والحياة ، باعتبار القرآن هو الأساس والمرجع. # * * * # ( @QUR@03 أجيبوا داعي الله ) # ( @QUR@05 يا قومنا أجيبوا داعي الله ) الذي يدعوكم إلى ما يحييكم ، باسم ~~الله الذي خلقكم ورزقكم ، فهو يملك حياتكم ومماتكم ، ولن يدعوكم إلا إلى كل ~~خير ، ( @QUR@02 وآمنوا به ) فالاستماع الواعي ، والتفكير المنفتح ، ~~والحوار المتزن ، يؤدي إلى الإيمان بالحق ، ( @QUR@04 يغفر لكم من ذنوبكم ) ~~فقد أخذ الله على نفسه غفران ذنوب المؤمنين الخاطئين المخلصين له ، ( ~~@QUR@04 ويجركم من عذاب أليم ) لأن غفران الله هو الذي ينقل الإنسان من جو ~~العذاب إلى جو الرحمة والرضوان. ( @QUR@09 ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض )، فإن الله لن يفوته أحد من خلقه ، فهو المهيمن على الكون كله ، ~~( @QUR@05 وليس له من دونه أولياء ) ينصرونه من الله ، إذا أراد الله أن ~~يعذبه على كفره وعناده بعد إقامة الحجة عليه ، ( @QUR@04 أولئك في ضلال ~~مبين ) لأنهم ابتعدوا عن الصراط المستقيم ، ووقعوا في متاهات أوهامهم ~~وشهواتهم. # ( @QUR@011 أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ) ~~لأنه ms4807 فوق حالة الإعياء والتعب التي تصيب المخلوقين من مواقع ضعفهم الذاتي ، ~~( @QUR@05 بقادر على أن يحيي الموتى ) على أساس المعادلة العقلية التي تؤكد ~~أن القدرة على الإيجاد تساوي القدرة على الإعادة ، لأن المسألة هي القدرة ~~على إبداع الحياة في PageV21P040 # طبيعتها الحية ، ( @QUR@06 بلى إنه على كل شيء قدير ) انطلاقا من المعنى ~~المطلق في قدرته ، كما هو كذلك في كل صفاته ، لأن المحدودية تعني الفقر ~~والحاجة ، مما ينفي معنى ألوهيته للوجود كله. # ( @QUR@06 ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) لأن غذاء النار الطبيعي ~~وقود بشري من هؤلاء الذين كفروا بالله وكذبوا رسله ، وكانوا يكذبون باليوم ~~الآخر ، ويسخرون من أحاديث الأنبياء الذين ينذرونهم بعقاب نار جهنم ، ~~فينطلق السؤال الذي يريد لهم أن يعلنوا الإيمان بما كذبوا به ، بعد أن فرض ~~الواقع الحسي عليهم ذلك ، ليكون موقفهم هذا منطلق تفكير لأمثالهم ممن ~~يكذبون به بعدهم : ( @QUR@03 أليس هذا بالحق ) الذي أنذركم به الرسل؟ ( ~~@QUR@03 قالوا بلى وربنا ) في تأكيد للجواب السابق بالقسم بالله ، وهدفهم ~~منه التأكيد على إيمانهم ، رغبة في أن يشفع ذلك لهم في الخلاص من العذاب ، ~~أو التخفيف منه ، ( @QUR@06 قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) فذلك هو ~~جزاء الكافرين. # * * * ### ||| ** لا يهلك إلا القوم الفاسقون # ثم يعود الكلام إلى النبي تثبيتا له : ( @QUR@07 فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل ) فإن الدعوة التي تسعى إلى التغيير الشامل للحياة وللإنسان ~~، فكريا وعمليا ، لا بد من أن تصطدم بألوف العقبات ، وتواجه الكثير من ~~المشاكل ، وتلتقي بالصعوبات الكبيرة في ساحة التحديات ، لتصلى إلى بعض ~~النتائج الإيجابية الحاسمة مرحليا أو بشكل كامل. ولست بأول الرسل الذين ~~يواجههم قومهم ، أو تستقبلهم أمتهم بالكفر والتكذيب والعناد والاضطهاد ، ~~فاصبر كما صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام ، الذين ذكرهم حديث ~~أئمة أهل البيت بأنهم هم أولو العزم ، أو كما صبر الرسل من قبلك ، فقد جاء ~~عن بعض المفسرين أن أولي العزم هم جميع الرسل ، ولا تتعقد وتنفعل ، أو ~~تتراجع ، PageV21P041 # وتابع مسيرتك حتى النهاية ، ( @QUR@03 ولا تستعجل لهم ) العذاب فتدعو ~~عليهم ، نتيجة ضيق صدرك بهم في بعض ms4808 الحالات ، فإن هناك أملا في هدايتهم ~~للإيمان بالله والالتزام بدينه. فبعض الناس قد يحتاج إلى أمد طويل لتخفيف ~~مقاومته النفسية ، أو لإبعاده عن الموثرات العاطفية ، أو الرواسب التاريخية ~~، أو فصله عن الجو الذي يعيش فيه ، وغيرها من عوامل تفرض عليه عدم الإذعان ~~للحق ، ولذلك فلا بد للدعاة إلى الله من أن يرسموا خططا متحركة على مستوى ~~المراحل والظروف من الزمان والمكان والأشخاص ، لاحتواء الساحة كلها في جميع ~~الأوضاع. # أما إذا أصروا على الكفر والعناد ، فإن الله سوف يجمعهم لعذابه ، فلا ~~داعي لاستعجال العذاب ، ( @QUR@05 كأنهم يوم يرون ما يوعدون ) من العذاب ( ~~@QUR@06 لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) لأن الإحساس بالحاضر الذي يختزن ~~العذاب في داخله ، ويحرق بناره كل حياة الإنسان ، سوف يختصر الزمن كله في ~~إحساس الإنسان ، بحيث لا يشعر إلا وكأنه لم يلبث إلا ساعة من نهار ، هذا ( ~~@QUR@01 بلاغ ) للناس ( @QUR@05 فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) الذين ~~استحقوا الهلاك بفسقهم في العقيدة وفي العمل؟! # * * * PageV21P042 ### | سورة محمد ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وثلاثون PageV21P043 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مدينة ، تتحرك آياتها في خط المقايسة بين صفات المؤمنين ~~والكافرين ، وتتحدث عن ضلال الكافرين الذين وقفوا حاجزا بين الناس وبين ~~سبيل الله ، والتزموا الباطل في فكرهم وحركتهم ، مما جعل المؤمنين يتخذون ~~منهم موقفا حاسما يقضي بقتالهم لتعطيل تحركهم المضاد للإسلام وأهله في ~~الدعوة والامتداد. # أما المؤمنون ، فقد ساروا في خط الهدى ، وعملوا الصالحات ، وآمنوا ~~بالقرآن ، وهو الحق النازل من الله ، واتبعوا الحق ، وجاهدوا في سبيل الله ~~، فأصلح الله بالهم ، وهداهم إلى مواقع رضاه ، وأدخل الشهداء منهم الجنة ~~التي عرفها لهم. # ثم تطوف السورة في تفاصيل المواقع والمواقف والأشخاص ، فتخاطب المؤمنين ~~لتدفعهم إلى الجهاد كتعبير حي عن نصر المؤمن لربه ، ولتطمئنهم إلى أن الله ~~ينصرهم في اتجاههم هذا ويثبت أقدامهم ، ثم تحدثهم عن مستقبلهم في الآخرة ~~وعن الجنات التي تجري من تحتها الأنهار ، وتحتوي على كل ما يستلذه الإنسان ~~وما يشتهيه ، وعن مغفرة الله ورضوانه ... # أما الكافرون ، فإنهم التعساء الذين كرهوا ما أنزل الله ، فأضل أعمالهم ~~وعاشوا ms4809 الغفلة المطبقة التي منعتهم من أخذ العبرة من تاريخ الكافرين من قبلهم PageV21P045 # الذين دمر الله كل مواقعهم ، واستغرقوا في ذواتهم حتى زين لهم سوء ~~أعمالهم ، ولحقوا بشهواتهم التي يمارسونها كما تمارسها الأنعام ، أما ~~النهاية ، فهي قيام الساعة ، وأما العذاب ، فهو عذاب جهنم وبئس المصير ... # ثم تنطلق السورة مع المنافقين الذين كانوا يمثلون خطرا على الإسلام ~~والمسلمين ، لتحالفهم مع اليهود الذين كانوا يقومون بدورهم التخريبي نفسه. ~~وتتناول السورة تنوع أساليب المنافقين في مواجهة الرسول ، وتحدد ملامحهم ~~عند نزول التشريع الجهادي. # وتبقى السورة في جو التشديد لعزم النبي ومن آمن معه ، والتحذير من ~~المنافقين والجبناء والمفسدين والمخالفين لرسول الله ، وتؤكد لهم أنهم لن ~~يضروا الله شيئا. # وتختتم السورة بنداء للمؤمنين ، تطلب منهم فيه الطاعة والصبر والبذل في ~~سبيل الله ، وتدعوهم إلى فهم الحياة جيدا ، وإلى معرفتها بأنها لعب ولهو ، ~~وأن عليهم الاستمرار في هذا الخط الرسالي الجهادي الواعي المتحرك في كل ~~الساحات ، المنفتح على الله ، وعدم الابتعاد عن الساحة ، لأن الله سيستبدل ~~بهم قوما غيرهم ثم لا يكونون أمثالهم. # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن هذه السورة تمثل الحركية الإسلامية في خط الدعوة ~~والجهاد ، وتفتح للمؤمنين نوافذ الوعي للمستقبل ، وللمجتمع الذي يعيش فيه ~~الإنسان المجاهد أو الداعية ، ليعرف كيف يحرك الرسالة في خط الواقع. # * * * PageV21P046 ### ||| * الآيات ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@08 الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) @QUR@018 ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) @QUR@018 ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ~~(3) @QUR@038 فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم (4) @QUR@03 سيهديهم ويصلح بالهم (5) @QUR@04 ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وصدوا ): منعوا. # ( @QUR@01 أضل ): أحبط. PageV21P047 # ( @QUR@01 بالهم )؛ البال : الحال والشأن ، والبال : القلب أيضا. # ( @QUR@02 فضرب الرقاب ms4810 ): فاضربوا الرقاب ضربا. # ( @QUR@01 أثخنتموهم )؛ الإثخان : إكثار القتل ، وغلبة العدو. # ( @QUR@02 فشدوا الوثاق ): أحكموا وثاقهم في الأسر. # ( @QUR@01 أوزارها )؛ الأوزار : الأثقال ، وهنا السلاح. # ( @QUR@01 ليبلوا ): ليمتحن. # * * * ### ||| ** ضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين # ( @QUR@02 الذين كفروا ) بالله ، وبالتوحيد ، وبالنبوات ، وباليوم الآخر ~~، ( @QUR@04 وصدوا عن سبيل الله ) فوقفوا حاجزا بين الدعوة وبين الناس ~~الذين يحتاجون ما تدعوهم إليه من سير في طريق الله ، لأنه يؤدي إلى الخير ~~والعدل والحرية في الدنيا ، وإلى الجنة في الآخرة ، فهو الطريق الوحيد الذي ~~يملكون فيه خلاص الروح ، وطمأنينة القلب ، واستقامة الجسد ... وابتدعوا كل ~~الوسائل التي تعمق هذا الحاجز بين الناس وبين الله ، بحيث يخيل للإنسان أن ~~الطريق إلى الله مسدود أمامه من كل الجهات. هؤلاء المحاربون لرسالة الله في ~~فكرهم وفي ساحة الحياة العامة كلها ، كيف يعاملهم الله؟ وما هي النتائج ~~المترتبة على مشاريعهم؟ لقد ( @QUR@02 أضل أعمالهم ) فهي ضائعة ضياع السائر ~~في التيه على غير هدى ، وهي باطلة بطلان البحث عن النجاح من دون أساس ، لأن ~~الإنسان إذا أضاع الله في فكره وروحه ، وفقد هداه في قلبه وبصيرته ، وابتعد ~~عن نهجه في حياته ، لن يلتقي بالهدى الذي يحفظ خطاه من الزلل ، ونهجه من ~~الانحراف ، وعمره من الضياع. # وقد نستوحي من إضلال الأعمال ، إبطال كل المشاريع التي أريد بها PageV21P048 # نصب الحواجز في طريق الدعوة ، لأن الدعوة سوف تنتصر بإذن الله على كل ~~تحديات الكفر والشرك والضلال. # ( @QUR@02 والذين آمنوا ) بالله ورسله ورسالاته واليوم الآخر ، ( @QUR@02 ~~وعملوا الصالحات ) التي تمثل التجسيد العملي للتشريع الرسالي في خط الصلاح ~~المرتكز على الإيمان ، ( @QUR@05 وآمنوا بما نزل على محمد ) من القرآن ، ( ~~@QUR@04 وهو الحق من ربهم ) الذي لا ريب فيه ، ( @QUR@03 كفر عنهم سيئاتهم ~~) التي عاشوها في تاريخهم المليء بالانحرافات الفكرية والعملية ، ( @QUR@02 ~~وأصلح بالهم ) فلم يعد في بال المؤمن المنفتح على الله أي مكان للقلق ، ~~وللحيرة ، وللتعفن الروحي والأخلاقي ، وللفساد في النوايا والدوافع التي ~~تتحول غالبا إلى واقع ، بل هناك المعنى الروحي الذي يوحي بالرشاد ~~والطمأنينة والثقة والطهارة الروحية ، والصلاح الفكري والأخلاقي الداخلي ~~الذي يفكر بخطة الصلاح العملي. # وتلك هي القضية التي ms4811 ركز القرآن على كونها غاية الرسالات على امتداد ~~تاريخ الإنسان ، وهي أن يصبح البال مسكونا بالإنسانية المؤمنة الصالحة ~~المنفتحة على الله ، وبالطمأنينة الروحية ، والاستقرار الفكري ، بحيث تكون ~~كل مفردات الرسالة في خدمة هذا الهدف الذي تمثله كلمة «النفس المطمئنة ~~الراضية المرضية». # * * * ### ||| ** سر إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين # ولكن ، ما هو سر إضلال الأعمال هنا ، وإصلاح البال هنا؟ # ( @QUR@06 ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ) الذي يبتعد بالحياة عن ~~الصراط المستقيم وبالإنسان عن الإيمان بالله ، وعن الحق والخير والعدل في ~~بناء الوجود ، مما يجعل الباطل ضد الله والحياة والإنسان ، ويؤدي بالإنسان ~~إلى السقوط والضياع في متاهات الأوهام ( @QUR@07 وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم ) بحيث PageV21P049 # حافظوا على التوازن بين الحق الذي يقوم عليه الكون ، والحق الذي يتحرك ~~فيه الإنسان مع الله. وإذا كان الكون والإنسان مع الله ، فهناك الانسجام ~~الروحي والفكري بين الخط ومصلحة الواقع. # ( @QUR@05 كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) ليعرفوا الخط الذي يسيرون عليه ~~، من خلال النماذج الإنسانية التي تمثل حركة الخط في دائرة الصراع بين الحق ~~والباطل ، وليحددوا لأنفسهم الفواصل التي تفصل بينهم وبين الباطل على مستوى ~~المصير المرتبط بواقع الإنسان الفكري والعملي. # * * * ### ||| ** ضرب رقاب الذين كفروا # ( @QUR@06 فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) لأن الساحة مفتوحة لأن ~~تكون تحت سيطرة الكفر والشرك ، أو تحت سيطرة الإيمان والإسلام ، وليس هناك ~~مجال للحوار الهادىء العاقل الذي طرح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~إجراءه معهم استجابة لأمر الله الذي دعاه إلى الدعوة إلى سبيله بالحكمة ~~والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ، لأنهم رفضوا الحوار ، وواجهوا ~~المسلمين بالقتل والاضطهاد والتهجير ، وبالفتنة عن دينهم ، ومحاولة منعهم ~~الناس من دخول الإسلام بمختلف الوسائل ، وبإضعاف قوة الإسلام ، للإيحاء بأن ~~الانتماء إليه ، لا يمنح الإنسان قوة في المجتمع الذي يتحرك أفراده بمنطق القوة. # وهكذا كانت الحرب التي يضعف فيها الشرك ، هي الحل الوحيد في تلك الظروف ~~وفي كل الظروف المماثلة ، من أجل إضعاف القوة المضادة. وهذا ما جعل القضاء ~~عليهم بضرب الرقاب أمرا حاسما ، ( @QUR@03 حتى ms4812 إذا أثخنتموهم ) بما يوحي به ~~الإثخان من إكثار القتل # وغلبة العدو وقهره والسيطرة على المعركة ، ( @QUR@02 فشدوا الوثاق ) أي ~~فأسروهم ليكون الأسر لونا آخر من ألوان الاستيلاء على الساحة ، PageV21P050 # وذلك من أجل إدارة المعركة في اتجاه آخر ، يحاول أن يدخل هؤلاء المقاتلين ~~من الكفار إلى الدائرة الإسلامية بعد أن ضعفت قوتهم ، وتساقطت مواقعهم ، ~~بحيث لم يعد وجودهم في تلك المرحلة خطرا على الإسلام ، لأنه أي الإسلام لا ~~يستهدف القتل من عقدة ذاتية ، بل من مصلحة واقعية ، ولذلك كانت الغاية حسم ~~المعركة لصالح المسلمين ، فإذا تحقق ذلك ، فرض الواقع إيجاد جو تنمو فيه ~~الدعوة في نفوس هؤلاء الأسرى ، أو تقوى به ماليا. # ( @QUR@03 فإما منا بعد ) إما تمنون عليهم منا بإطلاقهم والعفو عنهم ، ~~إذا ما رأى ولي الأمر مصلحة في ذلك لأن فيهم القابلية للإسلام ، أو لأنه ~~يرى العفو أسلوبا يخدم الإسلام كدين متسامح وإنساني لا يخاف من إطلاق ~~الأسرى من الأعداء ، ويحافظ على إنسانيتهم ؛ ( @QUR@02 وإما فداء ) بالمال ~~يدفعه الأسرى الأغنياء أو أقرباؤهم ، لتقوية الموقع المالي للمسلمين ، في ~~الظروف التي يحتاجون فيها إلى المال تبعا لتقدير ولي الأمر ، ( @QUR@04 حتى ~~تضع الحرب أوزارها ) أي أثقالها ، فيلقي المحاربون السلاح ، وتنتهي الحرب ~~بانتصار المسلمين. # * * * ### ||| ** تشريع الأسر بين سورتي محمد والأنفال # وقد يلاحظ البعض أن هذا الحكم المذكور في الآية مناف للحكم المذكور في ~~سورة الأنفال في قوله تعالى : ( @QUR@011 ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض ) [الأنفال : 67] ، الدالة على عدم تشريع الأسر في المعركة ~~إلا بعد الإثخان في الأرض ، الذي قد يوحي بسيطرة المسلمين الشاملة في أكثر ~~من معركة ، بحيث يكونون قد حققوا انتصارا في أكثر من موقع على الأرض ، لا ~~في داخل المعركة نفسها ، لذلك ذهب هذا البعض إلى اعتبار هذه الآية ناسخة ~~لآية الأنفال ، لأن هذه السورة نزلت بعدها. # وأجاب صاحب تفسير الميزان ، وغيره ، بعدم المنافاة بين الآيتين ، لأن آية PageV21P051 # «الأنفال» تتحدث عن المنع عن الأسر قبل الإثخان ، بينما آية «محمد» تتحدث ~~عن الأسر بعد الإثخان (1)، فأين المنافاة؟. # وقد نلاحظ على ms4813 هذا الجواب ، أن لقائل أن يقول : إن الإثخان الذي تتحدث ~~عنه الآية في هذه السورة ، هو الإثخان في المعركة التي يقع الأسر فيها ، ~~بينما تتحدث الآية الأخرى عن الإثخان في الأرض الذي هو كناية عن امتداد ~~القوة في مجمل المعارك التي يخوضها الإسلام ضد الكفر وينتصر فيها. # ولكن لا مانع من التصرف في ظهور الآية الأولى التي عالجت الأسر في دائرة ~~خاصة ، حيث شغل المسلمين الإكثار من الأسرى في معركة بدر ، عن التركيز على ~~قتل أكبر عدد ممكن من الأعداء لتحطيم قوتهم القتالية بالقضاء على قوتهم ~~العددية ، مما يجعل من مسألة الإثخان في الأرض ، كناية عن الحصول على القوة ~~التي يضعف أمامها العدو ، لا سيما في تلك الظروف التي يكون فيها الانتصار ~~على العدو في المعركة الأولى ، حيث لا تكافؤ في ميزان القوة بين المسلمين ~~والمشركين ، عنوانا كبيرا من عناوين تأكيد القوة الإسلامية في الساحة. # وقد ذكر بعضهم أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [التوبة : 5] ، ولكن هذه الآية خاصة ~~بالمشركين ، ولا مانع من أن يكون خاص مخصصا للعام الوارد بعده ، لا ناسخا ~~له ، وقد ذكر علماء الأصول أن التخصيص مقدم على النسخ ، مع ملاحظة أخرى ، ~~وهي أن جو آية التوبة هو جو ملاحقة المشركين بعد انتهاء المعاهدة ، ليكون ~~الموضوع إنهاء حالة السلم ، دون نظر إلى طبيعة التفاصيل ، في الوقت الذي ~~كان الإسلام فيه يملك السيطرة الشاملة على الموقف ، بينما تتحدث هذه الآية ~~عن سير الموقف القتالي في الطبيعة العامة للحرب. # وقد يتساءل القارئ للقرآن ، بأن هذه الآية لم تتحدث عن قتل الأسير PageV21P052 # وعن استرقاقه ، في الوقت الذي يجد الإنسان فيه بعض الروايات الدالة على ~~تخيير الولي للمسلمين ، في دائرة الاسترقاق أو القتل. وقد جاء في مجمع ~~البيان للطبرسي قال : «والمروي عن أئمة الهدى صلوات الرحمن عليهم أن ~~الأسارى ضربان : ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال ، والحرب قائمة ، فهؤلاء ~~يكون الإمام مخيرا بين أن يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم ~~حتى ينزفوا ، ولا ms4814 يجوز المن ولا الفداء. # والضرب الآخر ، الذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقضى القتال ، ~~فالإمام مخير بين المن والفداء ، إما بالمال أو بالنفس ، وبين الاسترقاق ~~وضرب الرقاب ، فإذا أسلموا في الحالين ، سقط جميع ذلك ، وكان حكمهم حكم ~~المسلمين» (1). # وقد يكون ذلك منطلقا من الحكم الخاضع للمصلحة التي يجدها ولي الأمر في ~~ذلك ، أو في عدم الاحترام الذاتي للكفار إلا أن يسلموا ، مما يجعل الخيار ~~طبيعيا من هذه الناحية ، لا من الحكم الخاص بالأسرى ، أو من نسخ هذا الحكم ~~بالآيات المذكورة في سورة التوبة التي ألمحنا إليها وإلى مناقشة فكرة النسخ آنفا. # * * * ### ||| ** لو شاء الله لأنتم منهم # ( @QUR@01 ذلك ) الحكم الذي أصدره الله بالقتال ، هو الموقف الذي تقتضيه ~~طبيعة الصراع القوي ، ( @QUR@05 ولو يشاء الله لانتصر منهم ) فأهلكهم ~~وعذبهم من دون حاجة إليكم في إنفاذ ذلك ، ( @QUR@04 ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ~~) ليمتحن المؤمنين بالكفار ، PageV21P053 # ويختبر صبرهم وطاعتهم وقوتهم في مواجهة التحديات الصعبة الموجهة إليهم من ~~قبل الآخرين ، ليزدادوا قوة وخبرة في خط المواجهة ، وليمتحن الكافرين ~~بالمؤمنين ، ليتميز الناس في خط الكفر والإيمان في ساحة المعاناة ، لتكون ~~الإرادة الإنسانية هي التي تحدد ساحة الصراع وتحسم الموقف فيها ، والله لم ~~يجعل النصر خاضعا للغيب ، لأنه أراد للناس الإيمان عن إرادة واختيار. # ( @QUR@05 والذين قتلوا في سبيل الله ) من المؤمنين الذين خاضوا معركة ~~الكفر والإيمان بإخلاص وصدق وتضحية لتكون كلمة الله هي العليا ، ( @QUR@03 ~~فلن يضل أعمالهم ) لأنها تحتوي في داخلها على العمق الإيماني الذي يحقق لهم ~~ما أرادوه فيها من رضوان الله ونعيمه في جنته. ولهذا ، فإن الله الذي اطلع ~~على الصدق في النية ، والإخلاص في الموقف ، لن يبطل أعمالهم كما أبطل أعمال ~~الكافرين ، بل يمنحهم أجرها العظيم ، حيث إنه ( @QUR@01 سيهديهم ) إلى ~~رضوانه وجنته ( @QUR@02 ويصلح بالهم )، فيحقق لهم الرضى القلبي والطمأنينة ~~الروحية ، التي تتحول إلى واقع حي يعيشون فيه الراحة والاستقرار والسعادة ، ~~ويحققون فيه لأنفسهم من خلال ألطاف الله الكثير من الخير ، ( @QUR@04 ~~ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) قبل ذلك ، فكانت غاية لأعمالهم ، أو عند الموقف ~~في القيامة ، فأقبلوا ms4815 على الدخول فيها إقبال العارف بها المشتاق إليها ، ~~المنفتح عليها بكل عقله وروحه وحياته. # * * * PageV21P054 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) ~~@QUR@06 والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) @QUR@08 ذلك بأنهم كرهوا ~~ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) @QUR@016 أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) @QUR@011 ~~ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) @QUR@022 إن ~~الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) @QUR@014 ~~وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتعسا )؛ التعس : الانحطاط والعثار. # ( @QUR@01 مثوى ): منزل. PageV21P055 # ( @QUR@04 إن تنصروا الله ينصركم ) # ما هو دور المؤمن ، وما هي مسئوليته تجاه الإيمان بالله؟ هل هو الاستسلام ~~للجو العبادي الروحي الذي يستسلم للذة الروحية في حالة السلم والاسترخاء ~~الأمني ، أم هو الاندفاع في خط مواجهة التحديات الصعبة التي تثيرها معركة ~~الإيمان والكفر ، ليقف بقوة يستمدها من روحه المرتبطة بالله ، لأن الروح ~~أليست مجرد حالة في المزاج ، بل هي في العمق موقف متصل بقوة الله وعظمته؟ # إن الآية الأولى تتحدث عن نصرة الإنسان المؤمن لله ، وذلك بنصرة دينه ~~وأوليائه ، ومواقع طاعته ورضاه ، فذلك هو الموقف الحاسم الذي لا بد للمؤمن ~~من أن يقفه في ساحة الصراع. # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ) هل يحتاج الله ~~إلى نصرة وهو ناصر المؤمنين؟ النصرة هنا ليست نصرة الذات الإلهية التي هي ~~فوق العالمين جميعا ، بل هي نصرة الموقف الذي يرتبط بالله في مواقع الرسالة ~~، عند ما يندفع المؤمنون ليواجهوا أعداء الله ، ليكون الدين كله له. وبذلك ~~يمدكم الله بأسباب النصر بعين رعايته وعنايته ( @QUR@02 ويثبت أقدامكم ) ~~فلا تهتز أمام تهاويل الرعب التي يحشدها الأعداء في وجوهكم ، وزلزال الخوف ~~الذي يثيرونه في أفكاركم وقلوبكم ، ولن يفلح الكافرون الذين يخططون ~~ويتحركون في ساحتكم. # ( @QUR@04 والذين كفروا فتعسا لهم ) فهم غارقون في وحول التعاسة التي ~~تثقل أرواحهم ms4816 ، وضائعون في متاهات الخيبة والخذلان والخسران التي تضيع فيها ~~مواقفهم ، وأية تعاسة أشد من أن يتطلع الإنسان إلى مستقبله ، فلا يرى إلا ~~الفراغ القاتل والضياع الهائل ، وينظر إلى مصيره ، فلا يبصر إلا النار ، ~~ويلتفت في الأعالي ، فلا يجد إلا غضب الله وسخطه والدعاء عليه بالتعاسة ~~المطلقة في كل شيء؟! ( @QUR@02 وأضل أعمالهم ) لأنها في طبيعتها في خط ~~الضلال ، لا علاقة لها برحمة الله في شيء ، ( @QUR@06 ذلك بأنهم كرهوا ما ~~أنزل الله ) من قرآنه وشريعته ونهجه PageV21P056 # في تنظيم حياة الإنسان ، لأنه لا يتفق مع مزاجهم الشهواني ، ومع ~~امتيازاتهم الذاتية أو الطبقية ، ومع انفعالاتهم العصبية التي نشأوا عليها ~~بفضل قيم الفكر والشرك ، حتى أصبحت من ذاتياتهم الشخصية المفتوحة على كل ~~آفاق اللذات والأطماع والشهوات ، والمنغلقة على كل دعوات الأديان والرسالات ~~، ( @QUR@02 فأحبط أعمالهم ) وأبطلها ، حتى لم يبق منها أي شيء ، ولم ينتج ~~عن الجهد المبذول فيها أي ثواب يرجوه العاملون عادة من أعمالهم لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة ، فتحولت إلى رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا. وتلك هي القاعدة التي ترتكز عليها إنتاجية ~~الأعمال الصالحة التي يقوم بها الناس في الدنيا ، فإن كل عمل لا ينطلق من ~~الإيمان الداخلي العميق بالله ويمتد إلى الواقع على هذا الأساس ، لا يملك ~~عمقا في رضى الله ولا امتدادا في قضية المصير ، فلا بد من أن ينفتح الإنسان ~~على محبة ما أنزله الله ، ليتبذر؟؟ الحب في الوجدان ، ويتجسد حركة في ~~الواقع ، ليكون عمله صالحا منتجا ، وإلا كان الإحباط في العمل. # * * * ### ||| ** الله مولى المؤمنين والكافرون لا مولى لهم # ( @QUR@04 أفلم يسيروا في الأرض ) مسيرة فكر وتأمل وملاحظة عميقة واعية ~~تلاحق الحقيقة في الظواهر الإنسانية في ولادة المجتمعات وحركتها وهلاكها ، ~~( @QUR@07 فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) ممن كفروا بالله ورسله ~~ورسالاته ، وتمردوا على أوامره ونواهيه ، ( @QUR@03 دمر الله عليهم ) أهلك ~~كل ما يتعلق بهم من أهل ومال وأولاد ومساكن ، ( @QUR@01 وللكافرين ) الذين ~~كفروا بالنبي ( @QUR@01 أمثالها ) من العقوبة ، بسبب كفرهم ، لأنه لا فرق ~~في مسألة ms4817 الكفر التي يستحق عليها الناس التدمير بين الأول والآخر. # ( @QUR@01 ذلك ) الذي يرعى الله به المؤمنين من نصره ، ويوقع بالكافرين من PageV21P057 # عذابه ( @QUR@05 بأن الله مولى الذين آمنوا ) يلطف بهم ويحنو عليهم ~~ويرحمهم ، ويتعهدهم بالرعاية الدائمة التي تنفتح على كل قضاياهم في آلامهم ~~وآمالهم ، ( @QUR@05 وأن الكافرين لا مولى لهم ) لأنهم ابتعدوا عن الله ، ~~ولم يكن لهم أولياء من دونه ، لأن الولاية لله وحده ، فلا ولاية لغيره في ~~كل شيء. # ( @QUR@012 إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ) لما يفرضه الإيمان والعمل الصالح من نتائج طيبة على مستوى المصير ~~، مما يعوض الكثير من ألوان الحرمان المادي الذي عانى منه المؤمنون في ~~الدنيا ، بما فيها من طعام وشراب ولذات وشهوات حسية في أجسادهم ، ( @QUR@03 ~~والذين كفروا يتمتعون ) بالحياة الدنيا في أجسادهم ، الباحثة عما يسد رمقها ~~ويرضي شهوتها ، دون أي هدف آخر يتصل برضوان الله في حركة المسؤولية ، تماما ~~كما هي الأنعام التي تتمتع وتأكل من غير هدف معنوي ، لتكون نهايتها الذبح ، ~~( @QUR@03 والنار مثوى لهم ) في نهاية المطاف ، حيث تأكل النار أجسادهم ~~ولذاتهم وشهواتهم ولا يبقى منها شيء. # ( @QUR@010 وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ) كان لأهلها ~~السلطة والمنعة والقوة والبأس والشدة ما لا يملكه أولئك المشركون من أهل ~~مكة الذين كانوا يضطهدونك في رسالتك ، ( @QUR@04 أهلكناهم فلا ناصر لهم ) ~~ينصرهم من الهلاك ، ولن يكون مصير قومك بأفضل من مصير تلك القرى. # * * * PageV21P058 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@013 أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم (14) @QUR@044 مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ~~ماء حميما فقطع أمعاءهم ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آسن ): غير متغير لطول المقام. # ( @QUR@01 لذة ): لذيذة. # ( @QUR@01 حميما ): شديد الحر. # * * * PageV21P059 ### ||| ** ( @QUR@011 أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله )؟! # ( @QUR@06 أفمن كان على بينة من ربه ) في ms4818 ما استطاع أن يصل إليه من أدلة ~~وبراهين ، في ما توصل إليه عقله ، وما استفاده من وحي الله ، مما جعله يملك ~~وضوح الروية في الموقع الأعلى الذي يمثله الله من ساحة وجوده وحركته ، وفي ~~المصير الذي ينتهي إليه عنده من خلال عمله ، فعرف الفرق بين الحق والباطل ، ~~والخط الفاصل بين الخطأ والصواب ، والخير والشر ، ( @QUR@05 كمن زين له سوء ~~عمله ) فاختلطت عليه الأشياء ، فلم يميز بين العمل الحسن والعمل السيئ ، ~~بسبب خضوعه لنوازعه الذاتية التي جعلها مقياس الحسن والقبح في الأشياء ، ~~مما جعله ينظر إلى عمله السيئ ، فيتطلع إليه بعين الرضى التي تجعله يرى ~~القبيح حسنا ، فيخيل إليه أنه يتحرك في الخير ، في الوقت الذي يتخبط فيه في ~~وحول الشر. # وهذا هو الفرق بين من يملك قاعدة موضوعية منفصلة عن ذاته بحيث يخضع لها ~~في نظرته إلى الأمور ، وبين من تحركه الأهواء الذاتية بحيث يختلط عليه عنصر ~~الغريزة التي تثير الرغبة ، بعنصر المصلحة التي تحدد الموقف ، فلا يتميز ~~الموقف لدى هؤلاء في دائرة العمق الواقعي للمصلحة ، فيسقطون أمام النتائج ~~السيئة في نهاية المطاف ، لأنهم تركوا عقولهم ( @QUR@02 واتبعوا أهواءهم ) ~~التي تهتز في ذواتهم وفي حياتهم ، فتهزلهم وجودهم في الحياة. # * * * ### ||| ** صفة مأوى المتقين # ( @QUR@05 مثل الجنة التي وعد المتقون ) في صفتها الحسية التي تجتذب ~~الإحساس الباحث عما يروي ظمأه ، ويشبع جوعه ، ويثير لذته ، ( @QUR@06 فيها ~~أنهار من ماء غير آسن ) أي غير متغير ، كما يتغير الماء الذي يطول مكثه في ~~مكان واحد ، ( @QUR@01 وأنهار PageV21P060 # @QUR@05 من لبن لم يتغير طعمه ) بعوامل التغيير ، لأنه غير خاضع للفساد ~~في نفسه ، ( @QUR@05 وأنهار من خمر لذة للشاربين ) أي لذيذ لهم ، دون أن ~~يكون فيها ما يسيء إلى توازن الإنسان في عقله وفي حسه ، ( @QUR@04 وأنهار ~~من عسل مصفى ) خالص من كل الشوائب التي قد يحتويها العسل عادة من الشمع ~~والرغوة والقذى ونحو ذلك ، ( @QUR@05 ولهم فيها من كل الثمرات ) التي ~~يشتهونها ويستلذونها من جميع الأصناف ، ( @QUR@03 ومغفرة من ربهم ) بما ~~توحيه من رحمة ومحبة ورضوان ، مما يجعل أهل الجنة في جو من المتعة الحسية ms4819 ~~والروحية. فهل ترى أن هؤلاء الذين يعيشون في نعيم الجنة ورضوان الله ، ( ~~@QUR@05 كمن هو خالد في النار ) من أولئك الذين كفروا بالله فأنزل عليهم ~~عذابه ( @QUR@05 وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) لشدة حرارته التي تقطع ~~الأمعاء وتلهب الجسد؟! # * * * PageV21P061 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ~~(16) @QUR@06 والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) @QUR@015 فهل ~~ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ~~ذكراهم (18) @QUR@014 فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 آنفا ): مأخوذ من الأنف بمعنى الجارحة ، ومعناه الساعة التي ~~قبيل ساعتك ، وقيل : معناه هذه الساعة. # ( @QUR@01 أهواءهم )؛ الأهواء : جمع هوى ، وهو شهوة النفس. # ( @QUR@01 بغتة ): فجأة. # ( @QUR@01 أشراطها )؛ الأشراط : العلامات. # * * * PageV21P062 ### ||| ** المنافقون على المحك # وهذا حديث عن المنافقين ، وهم الفئة المستورة من الكافرين ، لأنهم يبطنون ~~الكفر ويظهرون الإيمان ، في سبيل التأثير السلبي على حركة الإسلام في ~~الدعوة والحياة ، عبر استعمال قدراتهم الذاتية في إرباك الواقع الإسلامي من ~~الداخل ، أو عبر تحالفاتهم العدوانية مع المشركين واليهود الذين يشكلون ~~المجتمع المعادي لعقيدة الإسلام ومجتمعة ، الأمر الذي جعل منهم مشكلة صعبة ~~في عهد النبوة المدني الذي كان يعمل النبي فيه على تمتين قواعد المجتمع على ~~مستوى المنهج والعلاقات ، وعلى تركيز الثبات في مواجهة التحديات ، وفي ~~تحريك المواقع ، فقد كان المنافقون يعملون على إيجاد عوامل الاهتزاز الروحي ~~الذي يفقد المسلمين ثقتهم بأنفسهم ، ويخلق لديهم التوتر الشعوري الذي يؤدي ~~بهم إلى الارتباك والبعد عن التوازن والتركيز الفكري والعملي. وكانوا أي ~~المنافقين يواجهون المواقف بطريقة تختزن في داخلها الحقد والتآمر والعدوان ~~، وتظهر المحبة والغيرة والصداقة ، فيجتذبون بعض البسطاء إليهم ، ويثيرون ~~الشبهات في حركة الرسالة والرسول ، ويستغلون مواقعهم العائلية والاجتماعية ~~للوصول إلى أهدافهم المشبوهة. # وقد خاض الإسلام معركته مع النفاق ، فكريا وعمليا ، كما خاضها مع الكفر ، ~~ولذلك جاءت الآيات القرآنية المتكررة التي تحدثت عن ملامحهم وأوضاعهم ~~وخططهم ، لتصنع وعيا إسلاميا داخليا ms4820 يطوقهم ويحاصرهم ويفسد مخططاتهم ~~ويمنعهم من الوصول إلى أهدافهم ضد الإسلام والمسلمين ، ولكنه لم يدخل معهم ~~في معركة عسكرية ، لأن الظروف التي كانت تحيط بالواقع الإسلامي لم تسمح ~~بذلك ، لا سيما في أجواء التحديات الصعبة التي كان يتعرض لها من قبل ~~المشركين واليهود في حربه معهم ، مما كان يفرض البعد عن الصراع الداخلي ~~وتحصين الموقف بما يحميه من السقوط. # * * * PageV21P063 ### ||| ** المنافقون وموقفهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@04 ومنهم من يستمع إليك ) في اهتمام ظاهري يوحي بالرغبة في ~~المعرفة والحاجة إلى الاستفادة ، كغيرهم من المسلمين الذين يجتمعون إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ما كان يتلو القرآن أو يعظ أصحابه ، لأنهم ~~كانوا يعملون على إظهار الاندماج في المجتمع المسلم ، كي يكسبوا الثقة ~~الاجتماعية التي تتيح لهم الدخول في مشاريعه والتدخل في أموره ، ( @QUR@013 ~~حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ما ذا قال آنفا ) في لهجة ~~من يريد الاستعلام عن بعض المفاهيم التي لم تتضح له طبيعتها ، ولكنها تحمل ~~إيجاء بأن كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مفهوم لأنه لا يعبر بوضوح عن ~~فكره ، مما يجعل السامعين لا يفهمون ما يريد ، فيبادرون إلى الاستفهام ممن ~~يملكون العلم ، ليروا هل أن المسألة هي مسألة قصور فهم لدى السامعين ، أو ~~مسألة قصور تعبير لديه؟! وربما كان حديث القرآن عن تساؤلهم ذاك واردا مورد ~~الإيجاء بأن استماعهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ناشئا عن وعي ~~لكلامه ، بل كانت قلوبهم لاهية عنه ، مشغولة بأفكار أخرى كانوا يفكرون بها ~~أثناء حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهم في واد والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في واد آخر ، ولهذا كانوا يبادرون إلى سؤال أهل العلم ~~الذين كانوا يستوعبون كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحدثوهم عنه ، كي ~~ينقلوا الكلام إلى الناس عند ما يبادرونهم إلى السؤال عما سمعوه ، لئلا ~~يقعوا في الإحراج إذا ما امتنعوا عن الجواب لعدم فهمهم أو وعيهم له ، وربما ~~كان سؤالهم ms4821 واردا مورد السخرية من المؤمنين ليجعلوهم يرددون الكلام عدة ~~مرات ، سخرية بهم. وهكذا كان جوهم النفسي السائد هو التعقيد الذي ينم عن ~~الخبث والبعد عن الله ورسوله. # ( @QUR@06 أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) فأغلقها عن الانفتاح على ~~الحق ، بعد ما أغلقوها بكفرهم ونفاقهم ، مما يجعل من نسبة الفعل إلى الله ~~نسبة قائمة بقانون السببية الذي جعله الله أساسا للترابط الذاتي بين ~~الأشياء ، مما يجعل الفعل الصادر من الشخص يحتم نتائجه على هذا الأساس ، ~~فالفعل هو فعل PageV21P064 # الإنسان من خلال مباشرته للمقدمات ، وهو فعل الله من خلال سببية المقدمات ~~للنتائج. # ( @QUR@02 واتبعوا أهواءهم ) لأن الإنسان الذي يغيب عنصر العقل في تفكيره ~~، ويفقد روحية الإيمان ، لا بد من أن يتحول إلى إنسان مزاجي تحكمه شهواته ، ~~وتديره أهواؤه وتلعب به كما لو أنها رياح داخلية تحركها الغرائز والنوازع ~~والمشاعر الملتهبة التي تحرق كل عناصر التعقل والاتزان في الإنسان. # * * * ### ||| ** المهتدون يزيدهم الله هدى وتقوى # ( @QUR@02 والذين اهتدوا ) بهدى الله ، وساروا في النور المنطلق من أفق ~~الإيمان ، وعملوا على تنمية غرس الهدى في عقولهم ومشاعرهم ، بالفكر والبحث ~~والتخطيط ( @QUR@02 زادهم هدى ) لأن الممارسة الواعية لكل مفردات الهدى ~~الحية ، وإدارة الفكر فيها ، تمنح المضمون حيوية وامتدادا وزيادة في النمو. ~~وهكذا يزيدهم الله هدى بذلك ، وبما يرزقهم من ألطافه الخفية ، لأن الله ~~يرزق عباده المؤمنين ألطافه ، كما يرزقهم من عطاياه المادية ، جزاء لهم على ~~ما عملوه وما فكروا فيه. # ( @QUR@02 وآتاهم تقواهم ) لأن الهدى كلما امتد في الحياة من خلال وضوح ~~الرؤية للفكرة وللخط وللطريق ، كلما تحول إلى حالة في القلب والروح والضمير ~~، تتعمق في الشخصية لتحتوي كل أوضاعها وقضاياها ، بحيث ينطلق الانضباط على ~~الخط في الممارسة من الانضباط في الفكر والعقيدة ، لتكون هناك تقوى في ~~الفكر وفي العمل. # * * * PageV21P065 ### ||| ** المنافقون يواجهون أشراط الساعة # وإذا كان أولئك المنافقون يتحركون بهذه الطريقة اللاهية العابثة الساخرة ~~التي توحي بأن الغفلة مطبقة على عقولهم ، فقد يحتاجون إلى مواجهة المسألة ~~في اتجاه جديد. # ( @QUR@07 فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) هل ينتظرون إلا ~~المفاجأة الحاسمة التي ms4822 يقفون أمامها واجمين ذاهلين ، ذهول الرعب من النتائج ~~القادمة كنتيجة طبيعية لذهولهم عن سماع آيات الله والإيمان بها ، الذي يشغل ~~الإنسان عن مسئوليته في طاعة الله ، وعن وعيه لليوم الآخر؟! ( @QUR@03 فقد ~~جاء أشراطها ) وبدأت علاماتها تفرض نفسها على الواقع الذي يحيط بهم ، ~~وتتجلى تلك العلامات في طبيعة الحياة التي ينتظرون فيها الموت في كل لحظة ، ~~حيث يلاقون بعدها الساعة في عالم الآخرة ، فيواجهون حساب المسؤولية ، أو في ~~الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتبارها الرسالة الأخيرة ~~للحياة ، لأن النبي هو خاتم الأنبياء ، وقد ورد الحديث عنه : «بعثت أنا ~~والساعة كهاتين» (1)، وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها .. فليس بعد ~~رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الساعة التي قد تمتد طويلا في حساب ~~أيامنا ، ولكنها لا تمثل شيئا في أيام الله. # ( @QUR@05 فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) فكيف يتذكرون في ذلك الوقت ، وما ~~فائدة الذكرى في حساب المصير الذي يواجهونه آنذاك؟ فقيمة الذكرى بعد الغفلة ~~أنها تفتح للإنسان باب تصحيح الأخطاء التي حدثت في حياته ، وتغيير واقعه ~~إلى واقع أكثر استقامة وأفضل عملا ، وهذا ما لا مجال له عند قيام الساعة ~~التي يغلق فيها باب العمل ، وتفتح فيها نافذة المسؤولية على نتائج المصير ، ~~ولهذا فلا بد لهم من مواجهة القضية في الدنيا ، لتكون الذكرى حركة في الخط ~~المستقيم الذي يؤدي بهم إلى الله. # * * * PageV21P066 ### ||| ** لا إله إلا الله غافر الذنب # ( @QUR@06 فاعلم أنه لا إله إلا الله ) فهذه هي الحقيقة التي لا بد من أن ~~ينتهي العلم إليها ، ويقف عندها وقفة وعي ، ويحدد على أساسها الأوضاع ~~والمواقف والمواقع والعلاقات العامة والخاصة في الحياة ، وهذا ما ينبغي ~~للإنسان أن يستلهمه من كل مصادر المعرفة لديه في آفاق الكون ، وفي مواقع الفكر. # ( @QUR@02 واستغفر لذنبك ) وتوجه إلى الله مبتهلا مستغفرا في خشوع ~~العبودية الخاضعة للألوهية الخالقة. وقد يتساءل البعض عن معنى استغفار ~~النبي لذنبه ، وهو المعصوم عن كل جوانب شخصيته الرسالية؟! # ونلاحظ في الجواب أن الاستغفار ليس مرده ذنبا فعليا ارتكبه النبي ~~صلى ms4823 الله عليه وآله وسلم في سلوكه العملي ، ولكن مرده البشرية التي تختزن نقاط ~~الضعف وتوحي بالذنب ، مما يجعل الوقوع في الذنب فرضية طبيعية ، ويدفع ~~الإنسان إلى طلب الوقاية منه بالتعبير الروحي العبادي عن الخضوع لله وطلب ~~رحمته ، اعترافا بنقاط ضعفه التي قد توقعه في الذنب فعليا. وربما كانت ~~الكلمة تعبيرا كنائيا عن طلب الرضوان الذي هو هبة إلهية لعباده في ما ~~يختزنه الاستغفار من معنى ذلك على مستوى النتيجة العملية ؛ والله العالم. # ( @QUR@02 وللمؤمنين والمؤمنات ) ما يمكن أن يكونوا قد وقعوا فيه من ذنوب ~~، أو ما يمكن أن يقعوا فيه منها مما يبعد عنهم رحمة الله ورضوانه ، فيكون ~~الاستغفار لونا من ألوان الاستعطاف العبادي الذي يجتذب الرحمة الإلهية ، ~~ويستنزل الرضوان ، ( @QUR@04 والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) يعلم ما تتقلبون ~~به من أمور الحياة التي تتبدل فيها الأوضاع والأحوال ، وما تسكنون وتستقرون ~~فيه من مواقعكم ، فهو المحيط بكم من كل الجهات ، وفي جميع الأحوال ، ~~فانفتحوا عليه ، والتزموا كل مفاهيمه وتعاليمه ، وأوامره ونواهيه ، وراقبوه ~~في سركم وعلانيتكم ، في كل أفعالكم وأقوالكم ، واستشعروا في قلوبكم الخوف ~~منه والرغبة في رضاه. # * * * PageV21P067 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ~~وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت فأولى لهم (20) @QUR@012 طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم (21) @QUR@010 فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم (22) @QUR@07 أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ~~(23) @QUR@07 أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 محكمة ): مبينة لا تشابه فيها. # ( @QUR@02 عزم الأمر ): جد ولزم. # * * * PageV21P068 ### ||| ** تثاقل مرضى القلوب في مواجهة أمر القتال # ويتابع القرآن حديثه عن المنافقين الذين يعملون على إظهار أنفسهم كما لو ~~كانوا جزءا من المجتمع الإسلامي ، ليحصلوا على مكاسب الانتماء إلى المسلمين ~~دون أن يتحملوا تبعات ذاك الانتماء ، ولكنهم يواجهون في بعض الحالات موقفا ~~صعبا يضعهم أمام الخطر الداهم وجها لوجه ، عند ما تنزل آيات الجهاد لتدعو ~~المسلمين إلى القتال. # ( @QUR@07 ويقول الذين ms4824 آمنوا لو لا نزلت سورة ) لأنهم يريدون ، دائما ، ~~أن يستمعوا إلى وحي الله ، شوقا إلى كلماته ، ليزدادوا بها إيمانا ومعرفة ~~وروحانية تربطهم بآفاق رحمة الله ، أو لحل بعض المشاكل المعقدة التي ~~اختلفوا حولها ، أو في ما أشكل عليهم أمره من الوحي الإلهي ، لا سيما في ~~مواقع التحديات القاسية التي تفرض عليهم الدخول في معركة مع المشركين ، أو ~~مع غيرهم ، فيتطلعون إلى سور تحدد لهم ملامح المرحلة الحاضرة أو المقبلة ، ~~وتبين لهم مسئوليتهم الشرعية. # ( @QUR@04 فإذا أنزلت سورة محكمة ) حاسمة في أحكامها ، واضحة في مضمونها ~~، فاصلة في الموقف ، ( @QUR@03 وذكر فيها القتال ) كواجب شرعي يدعو ~~المؤمنين إلى الانطلاق نحوه في ساحة المعركة التي تفرضها سلامة الإسلام ~~أمام الأخطار الداهمة من قبل الأعداء ، تلقاها المؤمنون بالرضى والقبول ، ~~لأنهم جاهزون في كل وقت لإطاعة أوامر الله ونواهيه. ولكن للمنافقين شأنا ~~آخر ، فهم لم يدخلوا في الإسلام ليقاتلوا الكفر أو ليواجهوا الخطر ، بل ~~دخلوا فيه ، ليكيدوا له لمصلحة الكفر ، وليهربوا من مواقع الخطر ويحصلوا ~~على السلامة ، مما يجعل الأمر بالقتال بالنسبة لهم مأزقا صعبا يحاصرهم من ~~كل جانب ، فإذا حدث مثل هذا الأمر ( @QUR@05 رأيت الذين في قلوبهم مرض ) من ~~هؤلاء المنافقين الذين عاشوا حالة النفاق المرضية من موقع العقدة الذاتية ، ~~( @QUR@02 ينظرون إليك ) في موقعك القيادي الذي يصدر إليهم الأوامر ~~بالانخراط في صفوف الجيش الإسلامي لمواجهة PageV21P069 # العدو ( @QUR@05 نظر المغشي عليه من الموت ) يواجهون الموقف وكأنهم في ~~شبه غشية ، وهي الحالة التي تعرض للإنسان عند ما يموت ، فيشخص ببصره دون أن ~~تطرف عينه أو يهتز جفناه أو يتحرك جسمه ، وذلك بسبب الخوف الضاغط على ~~قلوبهم ، حتى كأنهم يموتون قبل أن يموتوا ، ( @QUR@02 فأولى لهم ) أي من ~~الحري والطبيعي أن يكونوا في نظرتهم الخائفة إليك كما لو كانوا في حالة ~~الاحتضار التي تسبق الموت ، وعن الأصمعي أن كلمة «أولى لك» كلمة تهديد ~~معناه «أولى لك وليك وقارنك ما تكره» (1). # ( @QUR@03 طاعة وقول معروف ) فطبيعة الالتزام الذي التزموه أمامنا أي ~~أمام الله بإعلانهم كلمة الإيمان ، هو طاعة تحدد الموقف الحاسم ، وقول ~~معروف ms4825 يؤكد الالتزام ، لأن الإيمان عهد بين الله وبين عباده أن يطيعوه ولا ~~يعصوه ، ويلتزموا كلمته دون أن ينحرفوا عنها ، ( @QUR@03 فإذا عزم الأمر ) ~~واشتد وتحول إلى حالة جدية لا تحتمل الجدل ولا الهزل ، فلا بد من أن يصدقوا ~~الله عهده ، لأن ذلك مفروض من المؤمنين الذين يحترمون كلمتهم. ولكنهم لم ~~يفعلوا ، مما جعلهم في موقع بعيد عن الحق والحكمة ، ( @QUR@06 فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم ) لأنه يقربهم إليه ، ويحقق لهم النتائج الكبيرة على ~~مستوى المصير. # ولكنهم لم يصدقوا ولم يلتزموا ، بل ضعفوا وسقطوا في امتحان الإيمان ، مما ~~يوحي بأنهم لن يكونوا في مستوى المسؤولية الإيمانية المنفتحة على الخير ~~المتحرك بالصدق في حياة الناس. # ( @QUR@04 فهل عسيتم إن توليتم ) وتحملتم الموقع المميز في حياة الأمة ~~الذي يمكنكم من السيطرة على الناس ( @QUR@04 أن تفسدوا في الأرض ) في ما ~~تأخذون به من الخطوط المنحرفة ، من الخيانة للعهد ، والابتعاد عن الصدق ، ~~والانفتاح على الشر ، ( @QUR@02 وتقطعوا أرحامكم ) لأن العلاقة بالأرحام ، ~~كما الإصلاح في الأرض ، هي مسألة صدق في الكلمة والعلاقة والموقف ، فإذا لم ~~تعيشوا ذلك من ناحية PageV21P070 # المبدأ ، فكيف يمكن أن لا تكونوا من المفسدين ، القاطعين للأرحام؟ وكيف ~~لا يتوقع منكم ذلك ، لأن التوقعات تتبع العنوان البارز للشخصية الأخلاقية ~~سلبا وإيجابا؟! # وقيل : إن المراد بالتولي في قوله : ( @QUR@02 إن توليتم ) الإعراض عن ~~كتاب الله والعمل بما فيه ، ومنه الجهاد في سبيل الله ، أي هل يتوقع من ~~إعراضكم إلا الإفساد في الأرض ، والقطيعة للأرحام ، وذلك بسفك الدماء ونهب ~~الأموال ، وهتك الأعراض ، تكالبا على جيفة الدنيا؟ # وربما كان الأظهر هو الوجه الأول ، للتطابق بين معنى الولاية وبين ~~الإفساد في الأرض بحسب المتبادر من الكلمة ؛ والله العالم. # ( @QUR@04 أولئك الذين لعنهم الله ) فأبعدهم عن مواقع رضاه بابتعادهم عن ~~الالتزام بها ، ( @QUR@01 فأصمهم ) عند ما رفضوا الانفتاح عن الاستماع إليه ~~، ( @QUR@02 وأعمى أبصارهم ) عند ما وضعوا على أعينهم غشاوة من الغفلة ، ~~وغطاء من النفاق. والظاهر أن الصم والعمى واردان على سبيل الكناية ~~لانحرافهم عن الأسس التي ينفتحون بها على الإيمان بالله. # ( @QUR@03 أفلا يتدبرون القرآن ) ليتعمقوا ms4826 في مفاهيمه ، وينفتحوا على ~~أحكامه ، ويتعرفوا من خلاله على الخطوط الفاصلة بين الحق والباطل ، وبين ~~الكفر والإيمان ، ليلتزموا الخط القرآني في قضايا العقيدة والحياة؟! وما ~~المانع أن يتدبروه وهم يملكون معرفة اللغة التي نزل بها ، والقدرة على ~~الفهم؟ ( @QUR@04 أم على قلوب أقفالها ) فلا تنفتح على الحق من خلال القرآن ~~، ولا تلتقي بالخير في آياته ، كما لو كان على قلوبهم قفل يغلقها عن الوعي ~~والفهم والانفتاح. # والظاهر كما قال في مجمع البيان أن هذه الآية دالة : «على بطلان قول من ~~قال : لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع» (1). فإن الله ~~يدعو إلى فهم القرآن وتدبره حتى يكتشف الناس فكره وشريعته ونهجه في PageV21P071 # الحياة ، وليست هذه الأقوال التي تعزل القرآن عن الفهم العام للناس ، إلا ~~لونا من ألوان تجميد القرآن في الثقافة العامة ، وإبعاد الناس عن اكتشاف ~~الزيف الذي يحشده البعض في المضمون التفسيري له. # * * * PageV21P072 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) @QUR@015 ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما ~~نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) @QUR@07 فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) @QUR@010 ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) @QUR@011 أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) @QUR@012 ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) @QUR@08 ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) @QUR@021 ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ~~لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم ) (32) # * * * PageV21P073 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ارتدوا على أدبارهم ): بمعنى رجعوا عن الحق والإيمان. # ( @QUR@01 سول ): زين. # ( @QUR@02 وأملى لهم ): طول أملهم. # ( @QUR@01 أضغانهم )؛ الأضغان : جمع الضغن ، وهو الحقد الشديد. # ( @QUR@01 بسيماهم )؛ السيماء : العلامة. # ( @QUR@01 لحن )؛ اللحن : إزالة الكلام عن جهته. # ( @QUR@01 ولنبلونكم )؛ البلاء : الابتلاء ، وهو الامتحان والاختبار. # ( @QUR@01 وشاقوا ): عاندوا. # * * * ### ||| ** الشيطان يسول للمنافقين # ( @QUR@05 إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) وتراجعوا عن الخط المستقيم ( ~~@QUR@06 من بعد ما تبين لهم الهدى ) في وضوح مفاهيمه ، وصفاء شريعته ms4827 ، ~~واستقامة مناهجه ، وهؤلاء هم المنافقون الذين عاشوا في داخل المجتمع ~~الإسلامي وشاهدوا التجربة الإسلامية الواعية في صفائها ونقائها ، لا سيما ~~في أخلاقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروحانيته ، واستقامة سيرته التي هي ~~المثل الأعلى للكمال الإنساني ، فليست المشكلة في مواقفهم السلبية مشكلة ~~عدم الوضوح في الرسالة ، أو ضياع الخطوط التي تحدد فواصل القضايا ، أو ~~اختفاء النموذج الحي الذي يعبر عن طبيعة الواقع السليم ، بل هي ما ذكره ~~الله : ( @QUR@03 الشيطان سول لهم ) في ما زينه لهم من أعمالهم السيئة ~~فرأوها حسنة ، أو ما أثاره في داخلهم من مطامع الأنانية الذاتية في ما ~~يكيدون به للإسلام والمسلمين ، ( @QUR@02 وأملى لهم ) بما أوحى به إليهم PageV21P074 # من تطويل الأمل الذي يثير فيهم أحلام البقاء والامتداد في الحياة ، حتى ~~ينسيهم الموت ، ويبعدهم عن الآخرة ، ( @QUR@08 ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ~~ما نزل الله ) من المشركين أو اليهود الذين كانوا يبحثون عن ثغرة في ~~المجتمع الإسلامي لينفذوا من خلالها إليه ، فوجدوها في المنافقين الذين ~~كانوا يفتشون عن قوة يستندون إليها ، وهذا هو ما جعلهم يقولون للكافرين من ~~المشركين واليهود ( @QUR@04 سنطيعكم في بعض الأمر ) مما ترسمونه من مخططات ~~التآمر على الإسلام ، في ما تحتاجون فيه إلينا ، وقد يفرض علينا الموقف أن ~~لا نطيعكم في البعض الآخر حتى لا ينكشف اتفاقنا معكم ، فتفسد الخطة ~~المرسومة ، ولكن هذا الحوار الدائر بين المشركين والمنافقين لم يخف على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، نتيجة ما عرفه الله منه ، ( @QUR@03 والله ~~يعلم إسرارهم ) في ما أسروه لهم من كلمات التآمر. # * * * ### ||| ** المنافقون وكرههم رضوان الله # ( @QUR@07 فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) هل ~~يستطيعون الانتصار لأنفسهم ، أو يجدون من ينصرهم على الملائكة من الكافرين؟ ~~( @QUR@06 ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ) بالتحالف مع الكافرين ، للإضرار ~~بالمسلمين ( @QUR@02 وكرهوا رضوانه ) والتكامل مع المؤمنين في خط الإيمان ، ~~والعمل بطاعة الله ، والسير على منهجه ، وقتال أعدائه ، ( @QUR@02 فأحبط ~~أعمالهم ) وأبطلها وحولها إلى هباء ، فلم يحصلوا من جهدهم على شيء. # ( @QUR@06 أم حسب الذين في قلوبهم مرض ) من المنافقين ( @QUR@05 أن لن ~~يخرج ms4828 الله أضغانهم ) التي يخفونها في صدورهم ، في ما تشتمل عليه من الحقد ~~الشديد ضد الإسلام وأهله ، مما يكشف أمرهم للناس ، فلا تنطلي حيلتهم ~~عليهم؟! ( @QUR@05 ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ) التي تحدد ~~ملامحهم وصفاتهم بالطريقة التي لا يبقى معها ريبة ، ( @QUR@04 ولتعرفنهم في ~~لحن القول ) لأن كل جماعة لها أسلوب خاص في الكلام PageV21P075 # يعبر عن طريقتها في التفكير والتحرك ؛ فللمؤمنين طريقتهم التي تعبر عن ~~وضوح الفكرة التوحيدية واستقامة الطريق في هذا الخط ، وللكافرين طريقتهم ~~الوثنية التي تعبر عن المستوى المتخلف في عبادتهم للأصنام ، وللمنافقين ~~طريقتهم المتلونة المتحركة القلقة الخائفة المذعورة التي لا تستقر على موقف ~~ولا تثبت على قاعدة ، ( @QUR@03 والله يعلم أعمالكم ) في كل مواقعها ~~وخلفياتها ، في سرها وعلانيتها ، فلا يخفى عليه شيء منها من قريب أو من بعيد. # * * * ### ||| ** بين البلاء واختبار المؤمنين # ( @QUR@08 ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ) ~~لأن الإيمان يفرض على المؤمن الكثير من المسؤوليات لتحدي الأعداء في ~~المواقف الجهادية ، ويدفعه إلى مواجهة الكثير من الأخطار في ساحات الصراع ~~التي تختلف فيها الأوضاع ، وتتباين فيها المواقف ، ويشتد فيها البلاء ، مما ~~يظهر فيها جهاد المجاهدين ، وصبر الصابرين ، في ما يتميزون به عن المنهزمين ~~والخائفين والجازعين ، وبذلك يختبر الله أخبارهم بما تفصح عنه من طبيعة ~~الأعمال والمواقف والأوضاع التي يتضح الإيمان الثابت بها ويمتاز عن الإيمان ~~المهتز. # ( @QUR@07 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) بالتآمر والضغط وممارسة ~~التعسف ضد المؤمنين ( @QUR@02 وشاقوا الرسول ) بإعلان الحرب عليه ، ~~والابتعاد عن دينه ، ومخالفتهم له في العقيدة والشريعة ، والاستهزاء به ، ~~والسخرية من أتباعه ( @QUR@06 من بعد ما تبين لهم الهدى ) بإقامة الحجة ~~عليهم في كل مفرداته الفكرية والعملية ( @QUR@04 لن يضروا الله شيئا ) ~~لأنهم لا يستطيعون الوقوف أمام إرادة الله ، التي تقضي بنصرة رسوله وإقامة ~~دينه ، مهما فعلوا من أفاعيل ، ومهما مارسوا عليه من ضغوط ، أو تحركوا به ~~من مشاريع ، لأن الله بالغ أمره في كل شيء ، ( @QUR@02 وسيحبط أعمالهم ) ~~فتنتهي إلى الخيبة والسقوط ، فلا يبقى لهم أية قوة أو سلطة. # * * * PageV21P076 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ms4829 وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم (33) @QUR@015 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم ~~كفار فلن يغفر الله لهم (34) @QUR@012 فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (35) @QUR@013 إنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم (36) @QUR@06 ~~إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) @QUR@030 ها أنتم هؤلاء ~~تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم ) (38) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تهنوا ): من الوهن ، بمعنى الضعف والفتور. # ( @QUR@01 يتركم )؛ يقال : وتره يتره وترا : إذا نقصه. PageV21P077 # ( @QUR@01 فيحفكم )؛ الإحفاء : الإلحاح في السؤال. # * * * # ( @QUR@03 لا تبطلوا أعمالكم ) # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) فذلك هو ~~معنى الإيمان الذي يحرك المسؤولية في نفس المؤمن ، في ما يوحي إليه ، بأن ~~من المفروض عليه أن يعبر عن إيمانه بالله بطاعته في ما أمره به أو نهاه عنه ~~، لأن ذلك هو مظهر العبودية الحقة الذي يجسده الشعور بحضور الله الدائم في ~~كل حياته ، والخضوع له في كل شيء ، أما طاعة الرسول ، فهي المعنى العميق ~~لطاعة الله ، لأن الرسول لا يأمر من حالة ذاتية ، بل من موقعه الرسالي. # ( @QUR@03 ولا تبطلوا أعمالكم ) بالكفر والنفاق والصد عن سبيل الله ، ~~والاتجاه إلى طاعة غيره مما يبتعد بكم عنه ، ويجعل أعمالكم هباء ، لأن ~~العمل الذي لا ينطلق من روحية الإيمان بالله ، ومن الالتزام بنهجه ، ومن ~~الإخلاص له ، لا يرتبط بالله ، مما يجعله غير ذي معنى في مضمون الطاعة ، ~~الأمر الذي يؤدي إلى بطلانه. فكأن الآية توحي بأن عمل المؤمن كي يكون صحيحا ~~، لا بد من أن يأتي طاعة للرسول بالانفتاح على الشرع والقرآن ، لأن ذلك هو ~~مقياس صحة الأعمال. وقد جاء في بعض الأحاديث المأثورة ، أن المقصود بها هو ~~عدم الإتيان ببعض الأعمال التي تسقط الأعمال السابقة وتبطلها باعتبار ~~تأثيرها السلبي عليها ، وقد روي عن أبي العالية قال : «كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يرون أنه لا ms4830 يضر مع الإيمان ذنب ، كما لا ينفع مع ~~الشرك عمل ، حتى نزلت ( @QUR@03 ولا تبطلوا أعمالكم )، فكانوا يخافون ~~الكبائر على أعمالهم ، وعن حذيفة : فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم» (1). PageV21P078 # وعن ابن عمر قال : «كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولا ، حتى نزل ~~: ( @QUR@03 ولا تبطلوا أعمالكم )، فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ ~~فقال : الكبائر الموجبات والفواحش ، حتى نزل : ( @QUR@013 إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء : 48] ، فكففنا عن القول ~~في ذلك ، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ، ونرجو لمن لم يصبها» (1). # فإذا صحت أمثال هذه الروايات ، فإنها تدل على أن المسلمين الأوائل من ~~الصحابة كانوا يفهمون المسألة بهذه الطريقة. وقد نستفيد من بعض الروايات ، ~~أن هذا الفهم لم يكن بعيدا عما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~تقدير صحته فقد جاء عن الصادق عليه السلام قال : «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : من قال : سبحان الله ، غرس الله له بها شجرة في ~~الجنة ، ومن قال : الحمد لله ، غرس الله له بها شجرة في الجنة ، ومن قال : ~~لا إله إلا الله ، غرس الله له بها شجرة في الجنة ، ومن قال : الله أكبر ، ~~غرس الله له بها شجرة في الجنة. # فقال رجل من قريش : يا رسول الله ، إن شجرنا في الجنة كثير! قال : نعم ، ~~ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها ، وذلك أن الله عز وجل يقول : ( ~~@QUR@011 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم )» (2). # وقد استدل بها الفقهاء على حرمة إبطال الأعمال بعد الشروع فيها ، وفرعوا ~~عليه حرمة إبطال الصلاة بعد الشروع فيها. # وذكر بعضهم أن الأعمال لا تبطل بالإتيان بالمعاصي بعدها ، لعدم ارتباط ~~الأعمال ببعضها البعض في مجال الطاعة أو القبول ، لأن لكل أمر طاعته ~~وعصيانه ، وبطلانه وصحته في دائرته الخاصة ، ولذلك أنكر هذا البعض PageV21P079 # الإحباط في العمل في الدائرة الإيمانية ، وأبقاه في دائرة الكفر الذي ~~يعقب الإيمان ، لأن الكفر يلغي العمل كله. # وهناك أقوال أخر ms4831 تتحدث عن مفردات الأعمال الخاصة التي تؤثر بالبطلان. ~~وجاء في تفسير الميزان ، أن «المراد بحسب المورد ، من طاعة الله ، طاعته في ~~ما شرع وأنزل من حكم القتال ، ومن طاعة الرسول ، طاعته في ما بلغ منه وفي ~~ما أمر به منه ومن مقدماته بما له من الولاية فيه ، وبإبطال الأعمال ، ~~التخلف عن حكم القتال ، كما تخلف المنافقون وأهل الردة» (1). # ولكننا نلاحظ أن الظاهر من الآية ورودها في مقام بيان القاعدة الكلية ~~للمسألة ، ليترتب عليها الفروع الصغيرة ، في ما يبتلى به المسلمون من ذلك ، ~~ولعل ما ذكرناه في تفسيرها هو الأقرب إلى جو الاية التي تريد أن تجعل ~~الأعمال التي يقوم بها المسلمون في دائرة الأقرب إلى طاعة الله وطاعة ~~الرسول ، حتى لا يكون جهدهم ضائعا وعملهم باطلا ؛ والله العالم. # * * * # ( @QUR@05 فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ) # ( @QUR@015 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم )، لأن المغفرة لا تكون إلا للذين يموتون على الإيمان ، ~~سواء منهم المؤمنون أو الذين آمنوا بعد الكفر ثم استمروا عليه حتى ماتوا ، ~~أما المرتدون الذين يتحولون إلى الكفر بعد الإيمان ، فحالهم حال الكفار ~~الأصليين في عاقبة أمرهم. # ( @QUR@05 فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ) انطلاقا من ضعف الإرادة واهتزاز ~~الموقف والخوف من الموت ، لتقفوا أمام دعوة الرسول للجهاد موقف الخائف ~~المتخاذل المهزوم نفسيا ، الذي يعيش روحية الهزيمة وينهزم قبل دخول المعركة ~~، لتدعوا PageV21P080 # إلى السلام دون امتلاك قاعدة للقوة في شروطه ومواقعه وحركته ، مما لا بد ~~من دراسته على أساس المصلحة الإسلامية العليا ، على مستوى الحاضر والمستقبل ~~، في ما يمكن أن يحقق للمسلمين من القوة في مواقعهم ، أو في مواقع الآخرين ~~، لأن مسألة الحرب والسلم ، ليست من المسائل التي يستغرق الإنسان فيها ~~ليدخل في تفاصيلها المأساوية أو غير المأساوية ، بل هي من المسائل التي ~~تحدد ميزان القوة في الساحة العامة ، في تأثيراتها الإيجابية أو السلبية ~~على الواقع كله ، مما يفرض على أصحاب القرار من القياديين ، أن يدرسوا ~~الموقف من جميع جوانبه ، على أساس الظروف الموضوعية ms4832 المحيطة به ، كما يفرض ~~على الناس الذين هم في القاعدة ، أن يلتزموا بالقرار على هذا الأساس ، لئلا ~~يربكوا خطط القيادة المتحركة نحو النصر. # وهذا ما استهدفته الآية من نهي المؤمنين عن الضعف الذي يسقط الإنسان معه ~~أمام مظاهر المأساة ونوازع الذات ، ويجعله يدعو إلى السلم ، في الوقت الذي ~~لا مصلحة فيه للإسلام والمسلمين ، لأنه يعني الهزيمة في تلك المرحلة أمام ~~العوامل العاطفية والانفعالية التي تترك تأثيرها على الموقف. ( @QUR@02 ~~وأنتم الأعلون ) في موقع القوة على صعيد الخط وعلى صعيد الواقع ، ( @QUR@02 ~~والله معكم ) فلستم وحدكم في الساحة ، بل تملكون نصرة الله الذي يملك القوة ~~كلها ، كما يملك أصحاب القوة في حياتهم العامة ، ومن كان الله معه ، فلا ~~يخاف أحدا ، فانطلقوا بهذه الروحية المؤمنة العالية دون خوف أو اهتزاز ، ~~والتزموا بخط الله في كل شيء ، واعتمدوا عليه ، فسيحميكم من كل سوء ، ( ~~@QUR@03 ولن يتركم أعمالكم ) أي لن ينقصها ، ولن يقطع منها شيئا ، بل يوفي ~~أجرها كاملا غير منقوص. # * * * PageV21P081 ### ||| ** الحياة الدنيا لعب ولهو # ( @QUR@05 إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) فهذه هي طبيعتها الذاتية ~~بالنسبة لمن يستغرقون فيها ليأخذوا من شهواتها ولذاتها ، ويستسلمون ~~للاسترخاء الذاتي دون تفكير مسئول بالحاضر والمستقبل ، فلا معنى لهذه ~~الحياة إذا لم ترتبط مفرداتها بغاية كبيرة كالحصول على رضى الله ، الذي ~~يعطي كل عمل بعدا روحيا ورساليا ، ويجعل الإنسان في دائرة رحمة الله ، حتى ~~أن اللعب واللهو يفقدان معناهما العبثي عند ما يرتبطان بالمعنى الشامل ~~للحياة في خط الرسالة ، لأنهما يكونان عندها ، استغلالا للفراغ من أجل ~~تجديد الحيوية والنشاط للاستمرار في العمل. # إن الجانب المادي في الحياة لا يمثل اللذة إلا في حجم اللحظة السريعة ~~الزائلة ، دون أن يترك أي أثر على عمق الحياة بمعناها الإنساني ، ولكنه إذا ~~امتزج بالروح التي ترد الأشياء كلها إلى ساحة الله ، بحيث يكون الله هو ~~محرك حياة الإنسان ، كما خلق له حياته ، فإن اللذة فيها تأخذ بعدا روحيا ~~واسعا في حجم الحياة كلها ، لأنها تنزل إلى أعماق الإنسان ، فتملأها ~~بالصفاء والطهارة والفرح الكبير الذي لا يشكو من ms4833 عقدة حزن ، وتمتد إلى ~~المستقبل لتحدثه عن مواقع رضى الله ، وآفاق رحمته في الدنيا والآخرة. # ( @QUR@03 وإن تؤمنوا وتتقوا ) وتجعلوا كل أعمالكم وأوضاعكم خاضعة لله ~~وتسيروا على هداه في ذلك كله ، دون اهتزاز أو انحراف ، ( @QUR@02 يؤتكم ~~أجوركم ) التي جعلها لكم ثوابا لأعمالكم من دون نقصان ، ( @QUR@03 ولا ~~يسئلكم أموالكم ) في مقابل ذلك ، لأن الله لا يحتاج إليها ، ولأن عطاء الله ~~لا يقف عند حد ولا ينطلق من عملية تبادل ، فلا تخافوا على أموالكم من ~~النقصان عند الالتزام بالرسالة ، فإن الله يمنحكم زيادة فيها من مواقع ~~الحلال ، في ما يدلكم عليه من أسباب الزيادة. # ( @QUR@03 إن يسئلكموها فيحفكم ) أي يجهدكم ويشق عليكم بذلك ( @QUR@01 ~~تبخلوا ) لأنكم تنظرون إلى المال نظرة العبادة كما لو كان إلها تعبدونه من ~~دون الله ، عند ما تقومون بكل المعاصي والجرائم في سبيل الحصول عليه ، ~~وتلتصقون به PageV21P082 # في إيحاءاته المنحرفة ، كما لو كان جزءا من ذواتكم ، مما يجعل من طلب ~~المال منكم من قبل الله أو من قبل غيره ، مشكلة كبيرة تواجهونها بالجزع ~~والرفض الكبير ، لحرصكم الشديد على بقائه في حوزتكم ، كمصدر للزهو الذاتي ، ~~وكأساس للقيمة الاجتماعية ، وكسبيل من سبل الحصول على الأطماع والشهوات ، ~~وهذا هو أساس البخل بالمال لدى البخلاء الذين قد تتقمصون شخصيتهم عند ما ~~يطلب الله منكم أموالكم ، ( @QUR@02 ويخرج أضغانكم ) في ما تتحرك به ~~الأحقاد للخروج من الداخل ، لتعبر عن نفسها أمام عناصر الإثارة. # * * * ### ||| ** العطاء عبادة # ( @QUR@08 ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) من أموالكم التي ~~أعطاكم الله إياها ، ولكنكم تبخلون عليه بها ، ( @QUR@03 فمنكم من يبخل ) ~~لأنه لا يعيش القيمة الفكرية الإيمانية لمعنى المال والملكية ، فهو عطية ~~الله لعباده ، لأن كل مصادره المتحركة أو الثابتة مخلوقة له ومتحركة بأمره ~~وخاضعة لتدبيره ، أما الملكية ، فهي وظيفة شرعية يحرك الإنسان المال في ~~دائرتها في ما أوكل الله إليه إنفاقه ، من شؤون النفس ، أو من شؤون الآخرين ~~، ووعده الأجر الكبير إذا قام بما يجب عليه أو يستحب له من ذلك ، مما فيه ~~رضى الله ، مما يجعل من العطاء عبادة لله ms4834 ، كبقية العبادات الأخرى التي جعل ~~الله فيها الثواب من رحمته ، كما يجعل من الامتناع عنه نوعا من الخسارة ~~التي يفقد فيها الإنسان عطاء الله في الدنيا والآخرة ، مما يحتاجه في مسألة ~~المصير. ( @QUR@06 ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) فيمنع الخير عنها ، ~~بالامتناع عما يؤدي إليه ، وإذا كان الله يطلب منكم الإنفاق في سبيله ، ~~فليس لحاجة منه إليكم ، ولكن ليفتح حياتكم على معاني الخير في العطاء ، ~~لتحصلوا على نتائج العطاء الخيرة على كل صعيد. # ( @QUR@02 والله الغني ) عن كل مخلوقاته ، في كل شيء ، لأنه المالك لكل PageV21P083 # الوجود ، والمتصرف في كل مفرداته الصغيرة والكبيرة ، وكيف يحتاج لما خلقه ~~ومن خلقه ، وهو القادر أن يغنيه ويبدع غيره كما أبدعه ، لأن القدرة لا تقف ~~عند حدود معينة؟! ( @QUR@02 وأنتم الفقراء ) إليه ، لأنكم تمثلون الفقر ~~المطلق أمامه ، فلا يمكن لأي إنسان الاستغناء عنه في شيء ؛ في الهواء الذي ~~يتنفسه ، وفي الماء الذي يشربه ، وفي الغذاء الذي يتغذى به ، وفي حركة ~~الحياة في عروقه ، وفي كل شيء ، فأين الغنى في ذلك ، وأين الغنى في غيره؟! ~~مما يعني أن مضمون كلمة الإنسان هو الفقر المطلق إلى الله في كل شيء. # وفي ضوء هذا ، لا بد لكم من الانفتاح على الله انفتاح الإنسان الذي يحتاج ~~إليه في كل وجوده ، لأن انفتاحكم ذاك هو الضمانة لاستمرار دوركم في الحياة ~~، فإنكم لستم أول الناس الذين يكلفهم الله بتكاليفه ، ويوكل إليهم أمر ~~القيام بإدارة شؤون الحياة في مواقع رضاه ، ولستم آخر الناس ، فإن سرتم على ~~درب الله ، أبقاكم على دوركم في الحياة ، ( @QUR@05 وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ) من الشعوب الأخرى التي قد تقوم بالدور الإلهي في خط الإسلام بأفضل ~~مما تقومون به ، أو بترك خط الانحراف الذي تمثلونه الآن ، ( @QUR@04 ثم لا ~~يكونوا أمثالكم ) بل يؤمنون بالله ويتقونه ويعطون كل ما لديهم في سبيله ، ~~من موقع المحبة والإخلاص له. # وقد روى السيوطي في الدر المنثور ، قال : «أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن ~~حميد ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط ، ~~والبيهقي في الدلائل ms4835 عن أبي هريرة قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~هذه الآية : ( @QUR@09 وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~) فقالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا ~~يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على منكب سلمان ثم قال ~~: هذا وقومه ، والذي نفسي بيده ، لو كان الإيمان منوطا بالثريا ، لتناوله ~~رجال من فارس» (1). # * * * PageV21P084 ### | سورة الفتح ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها تسع وعشرون PageV21P085 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من السور الحركية التي لاحقت صلح الحديبية بوصفه فتحا على ~~مستوى الصراع بين قريش ومن معها من أهل مكة ، وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين معه ، حيث استطاع النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرض على قريش الصلح ، الذي يؤكد على وصول الصراع ~~إلى مرحلة توازن القوى في الساحة ، بعد أن كانت كفة الميزان تميل إلى جهة ~~قريش التي كانت تعمل على إسقاط الإسلام كله ، بهزيمة المسلمين ، فإذا بها ~~ترفض دخول النبي عنوة إلى مكة للطواف بالبيت ، لا لأنها ترفض ذلك بالذات ، ~~بل خوفا من سقوط هيبتها عند العرب. وبدأت تفتش عن الحل الذي يحفظ هيبتها ، ~~ويحقق للمسلمين ما أرادوه من إلغاء المنع المفروض عليهم من قبل قريش ، في ~~قدومهم إلى مكة للحج والعمرة ، فكان الصلح على أساس أن يرجع المسلمون في ~~عامهم هذا من حيث أتوا ، ويأتوا إلى مكة في العام القادم ، ليطوفوا بالبيت ~~ثلاثة أيام ، على أن تخرج منها قريش في تلك الفترة ، مع بنود أخرى ، تتجمد ~~فيها الحرب عشر سنين ، الأمر الذي يوحي بأن ميزان القوة بدأ يميل إلى جانب ~~المسلمين ، لأن الصلح كان من تخطيط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لفتح مكة ، ~~من موقع القوة ، لا من موقع الضعف العسكري الذي يريد أن يجنح إلى السلم ~~خوفا من نتائج الحرب .. # وقد يكون من الخير أن ندخل في تفاصيل هذا الفتح المبين الذي لم PageV21P087 # يخض المسلمون فيه حربا ، بل كان عنوانه الصلح الفاتح ، لأن بعض ms4836 تفاصيله ~~تفسر لنا بعض مفردات هذه السورة. # * * * ### ||| ** صلح الحديبية : الصلح الفاتح # جاء في كتب السيرة ، أن رسول الله رأى في منامه ، أنه يدخل ، هو ~~والمسلمون ، الكعبة ، محلقين رؤوسهم ومقصرين ، وكان المشركون قد منعوهم منذ ~~الهجرة من دخول مكة حتى في الأشهر الحرم ، وصدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين معه طوال السنوات الست التي تلت الهجرة عن ~~ذلك ، حتى كان العام السادس الذي أري فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~تلك الرؤيا ، وحدث بها أصحابه ، فاستبشروا بها وفرحوا. # قال ابن إسحاق في ما رواه ابن هشام في سيرته : ثم أقام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا ، وخرج في ذي القعدة معتمرا ~~لا يريد حربا ... واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ~~ليخرجوا معه ، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا ، أن يعرضوا له بحرب ، أو يصدوه ~~عن البيت ، فأبطأ عليه كثير من الأعراب ، وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ، ومن لحق به من العرب ~~، وساق معه الهدي ، وأحرم بالعمرة ، ليأمن الناس من حربه ، وليعلم الناس ~~أنه خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له ... # قال الزهري : وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى إذا كان بعسفان ~~(1)، لقيه بشر بن سفيان الكعبي قال ابن هشام : ويقال له بسر فقال : يا ~~رسول الله ، هذه قريش قد سمعت بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل (2)، ~~وقد لبسوا PageV21P088 # جلود النمور ، وقد نزلوا بذي طوى ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا ، ~~وهذا خالد بن الوليد في خيلهم ، قد قدموها إلى كراع الغميم (1)، قال : ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب ، ~~ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي ~~أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا ~~قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ، فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني ~~الله به حتى ms4837 يظهره الله ، أو تنفرد هذه السالفة (2)، ثم قال : من رجل يخرج ~~بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ # قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا من أسلم قال : أنا ~~يا رسول الله ، قال : فسلك بهم طريقا وعرا أجرل (3) بين شعاب ، فلما خرجوا ~~منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه ، ~~فقالوا ذلك ، فقال : والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل ، فلم ~~يقولوها (4). # قال ابن شهاب : فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس فقال : اسلكوا ~~ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار ، مهبط الحديبية ~~(5) من أسفل مكة ، قال : فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلما أرت خيل قريش قترة ~~(6) الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، رجعوا راكضين إلى قريش ، وخرج PageV21P089 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته ~~، فقالت الناس : خلأت (1) الناقة ، قال : ما خلأت ، وما هو لها بخلق ، ولكن ~~حبسها حابس الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة ~~الرحم إلا أعطيتهم إياها (2)، ثم قال للناس: انزلوا ، قيل له : يا رسول ~~الله ، ما بالوادي ماء ننزل عليه ، فأخرج سهما من كنانته ، فأعطاه رجلا من ~~أصحابه ، فنزل في قليب (3) من تلك القلب ، فغرزه في جوفه ، فجاش بالرواء ~~(4)... # فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي ~~، في رجال من خزاعة ، فكلموه ، وسألوه ما الذي جاء به ، فأخبرهم أنه لم يأت ~~يريد حربا ، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ، ثم قال لهم نحوا مما ~~قال لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش ، فقالوا : يا معشر قريش ، إنكم ~~تعجلون على محمد ، إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا هذا البيت ، ~~فاتهموهم وجبهوهم ، وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالا ، فو الله لا ~~يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا تحدث بذلك ms4838 عنا العرب. # قال الزهري : وكانت خزاعة عيبة نصح (5) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مسلمها ومشركها ، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة» (6). ثم إنهم بعثوا إليه ~~برجال يتلو أحدهم الآخر ليكلموه في الأمر فيرجعون إلى قريش بما قال لهم ~~الرسول. وبعد ذكر أحوال هذه البعثات ، يتابع ابن هشام في سيرته فيقول : PageV21P090 # «قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم ، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي ، فبعثه إلى قريش بمكة ، ~~وحمله على بعير له يقال له الثعلب ، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا ~~به جمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله ، فمنعته الأحابيش ، ~~فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # قال ابن إسحاق : وحدثني بعض من لا أتهم ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن ~~ابن عباس : أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا ، وأمروهم ~~أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا ~~، فأخذوا أخذا ، فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فعفا عنهم وخلى ~~سبيلهم ، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة ~~والنبل. # ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، ~~فقال: يا رسول الله ، إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي بن ~~كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها ، وغلظتي عليها ، ولكني أدلك ~~على رجل أعز بها مني ؛ عثمان بن عفان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عثمان بن عفان ، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش ، يخبرهم أنه لم يأت لحرب ~~، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ، ومعظما لحرمته. # قال ابن إسحاق : فخرج عثمان إلى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين ~~دخل مكة ، أو قبل أن يدخلها ، فحمله بين يديه ، ثم أجاره حتى بلغ رسالة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms4839 ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء ~~قريش ، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أرسله به ، فقالوا ~~لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم : إن شئت أن ~~تطوف بالبيت فطف ، فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، واحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل. # قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل : لا نبرح حتى نناجز القوم. PageV21P091 # فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة ~~الرضوان تحت الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الموت ، وكان جابر بن عبد الله يقول : إن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبايعنا على الموت ، بل بايعنا على أن لا نفر. ~~فبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس ، ولم يتخلف عنه أحد من ~~المسلمين حضرها ، إلا الجد بن قيس ، أخو بني سلمة ، فكان جابر بن عبد الله ~~يقول : والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته ، قد ضبأ إليها (1) يستتر ~~بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الذي ذكر من أمر ~~عثمان باطل ... # ... قال ابن إسحاق : قال الزهري : ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو ، أخا بني ~~عامر بن لؤي ، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا له : ائت محمدا ~~فصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تحدث العرب ~~عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو ، فلما رآه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مقبلا ، قال : قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا ~~الرجل. فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تكلم ~~فأطال ms4840 الكلام ، وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح ... # ... قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رضوان ~~الله عليه ، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : فقال سهيل : لا ~~أعرف هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: اكتب : باسمك اللهم ، فكتبها ، ثم قال : اكتب : هذا ما صالح عليه محمد ~~رسول الله سهيل بن عمرو ، قال : فقال سهيل : لو شهدت أنك رسول الله لم ~~أقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ، قال : فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن ~~عمرو ، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيهن الناس ، ويكف ~~بعضهم عن بعض ، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليه ، ومن ~~جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه ، وإن PageV21P092 # بيننا عيبة مكفوفة (1)، وأنه لا إسلال ولا إغلال (2)، وأنه من أحب أن ~~يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ~~فيه ...» (3). # «قال الزهري في حديثه : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجهه ~~ذلك قافلا ، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح» (4). # وأورد السيوطي في الدر المنثور عن الإمام أحمد وابن داود وابن المنذر ~~وغيرهم بإسنادهم عن مجمع بن جارية الأنصاري ، وكان أحد القراء الذين قرءوا ~~القرآن : # «قال : شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم ، إذا الناس ~~يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم ، فاجتمع الناس عليه ، ~~فقرأ عليهم : ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) فقال رجل : يا رسول الله ~~، أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده ، إنه لفتح» (5). # * * * # هذا هو الجو الذي نزلت فيه السورة لتبشر المؤمنين بالمغفرة ، ولتمن عليهم ~~بالسكينة ms4841 ، ولتتحدث عن بيعة رسول الله بوصفها بيعة لله ، كما تتحدث عن نقاط ~~الضعف في المجتمع الإسلامي ، بالإشارة إلى المختلفين من الأعراب ، وإلى ~~المعذرين الذين يحاولون تبرير تخاذلهم بأعذار لا قيمة لها ، لأن للأعذار ~~الشرعية موقعا أصيلا لا موقع لهم فيه. PageV21P093 # ثم تتحدث السورة عن مواقف المؤمنين ومشاعرهم الروحية ، فقد رضي الله عنهم ~~إذ يبايعونه بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فأفاض عليهم السكينة والطمأنينة ، ~~بعد أن علم ما في قلوبهم ، وفتح لهم باب الفتح وأعطاهم مغانمه ومنع الناس ~~عن الإساءة إليهم ، وهيأ الأجواء للسلام الذي يتحول قوة للإسلام في ~~المستقبل ، وانطلق الوعد بتحقيق الرؤيا الحق بدخول مكة ، فلم تكن الرؤيا قد ~~حددت زمنها ، ولكن المسلمين هم الذين استوحوا استعجالها لشوقهم إلى مكة. # وتؤكد السورة انتصار الدين الإسلامي على الدين كله ، وتؤكد صفة الرسول ~~وصحابته ، وتجعل منها النموذج الحي السائر في خط الإسلام ، فهم أشداء على ~~الكفار ، ورحماء فيما بينهم ، وراكعون ساجدون لله سبحانه ، يعيشون الحياة ~~في آفاق الحلم الكبير برضى الله ، وينفتحون على الحياة كلها من خلال ذلك ، ~~في المقابل تتحدث عن غيظ الكفار من أي انتصار للإسلام والمسلمين. # * * * PageV21P094 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) @QUR@015 ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) @QUR@04 وينصرك ~~الله نصرا عزيزا (3) @QUR@019 هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما ~~حكيما (4) @QUR@019 ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) @QUR@021 ~~ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ~~@QUR@08 ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتحا ): نصرا. # * * * PageV21P095 # ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) # ( @QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وذلك من خلال هذه الثغرة التي فتحها ~~الله في قلوب المشركين ، ليقبلوا بالدخول مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمسلمين في صلح ms4842 متوازن يمنح المسلمين الراحة القتالية ليتفرغوا للإعداد ~~والتخطيط لفتح مكة ، عند ما تسنح الفرصة لذلك. وهكذا انفتح للإسلام درب ~~كبير لصنع القوة ، لأن وقوع أية معاهدة بين فريقين ، يمثل اعترافا بتعادل ~~قوتهما ، وهذا ما عكسه صلح الحديبية ، الأمر الذي يدل على اعتراف قريش بقوة ~~الإسلام قوة جديدة ، ما من شأنه أن يمثل الخطوة الأولى للنصر. # وهناك أقوال أخر في المقصود بالفتح : # منها ما ذكره في مجمع البيان أن المراد به فتح مكة ، وعده الله ذلك عام ~~الحديبية عند انكفائه منها ، عن أنس وقتادة وجماعة من المفسرين. قال قتادة ~~: نزلت هذه الآية عند مرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية بشر في ~~ذلك الوقت بفتح مكة (1).. ويكون التعبير واردا مورد تنزيل الأمر المستقبلي ~~منزلة الأمر المحقق لليقين بوقوعه .. وقد ورد ذلك في ما روي من حديث الإمام ~~الرضا مع المأمون في علاقة الآية بفكرة العصمة (2). # ومنها : أن الفتح : الظفر على الأعداء كلهم بالحجج والمعجزات الظاهرة ~~وإعلاء كلمة الإسلام. # * * * ### ||| ** علاقة الفتح بغفران الذنب # ( @QUR@09 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ). في هذه الفقرة ~~سؤالان : PageV21P096 # الأول : ما هي علاقة الفتح بغفران الذنب ، ليكون الأول تعليلا للثاني ~~بلحاظ ظهور «اللام» في التعليل؟ # الثاني : ما معنى غفران ذنب النبي ، وهو المعصوم في أقواله وأفعاله ، ثم ~~، ما هو المعنى لغفران الذنب قبل حدوثه؟ # وقد أجيب عن ذلك بأجوبة متعددة (1)، منها : أن الذنب ليس ذنب النبي مع ~~الله ، ولكنه ذنبه مع أهل مكة ، في ما يعتقدونه من أن انطلاقته في الدعوة ~~التي أدت إلى الصراع العسكري وغير العسكري ، يمثل الذنب الكبير ، باعتبارها ~~الحركة التي قتلت الكثير من رجالهم ، ودمرت الكثير من هيبتهم. وبذلك كان ~~الفتح ، الذي بدأ بصلح الحديبية معنويا ، وانتهى بفتح مكة فعليا ، ووقف ~~بعده النبي ليعفو عن المشركين بعد السيطرة عليهم ؛ أساسا لغفرانهم لما سلف ~~، ولما يأتي من ذنوبه بحقهم ، لأن عظمة عفو النبي عنهم في ظروفه الموضوعية ~~، تلغي كل مواقع الذنب في ماضيه ومستقبله ، وبذلك تكون كلمة الفتح منسجمة ~~مع ms4843 التعليل بالمغفرة. # أما نسبة المغفرة إلى الله ، فلأنه كان السبب في ذلك كله ، على نحو ~~المجاز. # ومنها : أن المراد ذنب أمته باعتبار أنه يمثل قيادة الأمة التي تتحمل ~~معنويا مسئولية أعمال أتباعها. # ومنها : أن المراد ذنب أبويه آدم وحواء ببركته. # ومنها : أن المسألة قائمة على الفرضية الطبيعية باعتبار أنه بشر يمكن أن ~~يخطئ في المستقبل ، كما كان ذلك ممكنا في الماضي ، ولهذا فإن التعبير يعالج ~~المسألة على أساس أنه لو كان الأمر كذلك لغفر الله له ، لأن مثل هذا الفتح ~~المبين الذي قام به ، يمثل العمل الأفضل الذي تسقط أمامه كل الذنوب ، بحيث ~~يكون هو الحسنة التي لا تضر معها سيئة. PageV21P097 # وهناك وجوه أخرى يرتكز بعضها على غفران ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدم ~~منها وما تأخر. # ويروي القائلون بهذا روايات عن الإمام الصادق عليه السلام ، ولكننا لا ~~نعتقد صحة هذه الروايات ، لأنها لا تنسجم مع الأسس الفكرية الإسلامية ، ~~فإنه لا معنى للقول بما جاء في بعض هذه الروايات : «ما كان له ذنب ، ولا هم ~~بذنب ، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له» (1) أو أن «الله ضمن له أن ~~يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر» (2)، لأنه لا ~~معنى لتحميله تلك الذنوب ، كما لا معنى لاعتبار الفتح أساسا لذلك ، في ~~الوقت الذي لم يكن فيه للشيعة أي وجود واقعي في المجتمع الإسلامي ، وكيف ~~يمكن للقرآن أن يتحدث عن نتيجة للفتح لا تتصل به؟! # ولكن عند التدقيق في معالجة المسألة ودراسة التعبير الذي جاء في الآية ، ~~نلاحظ أن كل هذه التفاسير كانت تحاول الهروب من المعنى الظاهر فيها ، يعني ~~أن للنبي ذنبا متقدما ومتأخرا ، وأن الله جعل الفتح سببا في مغفرته ، لأن ~~هذا المعنى لا يتناسب مع عصمة النبي ، أو كماله ، أو شخصيته النبوية التي ~~تمثل النموذج القدوة ، فقد تكون بشريته محكومة لنقاط الضعف في طبيعتها ، ~~ولكن رسالته ، التي انطلقت من الوحي ، لا بد من أن تمنح إنسانيته نقاط ~~القوة ، ولا بد من أن ms4844 تكون قد درست مؤهلاته التي عاشها مدة أربعين سنة قبل ~~الرسالة ، ليبني على أساسها شخصيته بالمستوى الذي لم يستطع الناس الذين ~~عاشوا معه من أهله وأصحابه ، أن يسجلوا عليه أية نقطة سوداء في ما يروونه ~~عن ماضيه الشخصي ، ولهذا فإن مسألة الذنب تتنافي مع هذا الماضي الطاهر ~~المشرق الذي زاده حاضر الرسالة حركية وقوة وإشراقا وصفاء ... # وعلى ضوء ذلك ، فلا بد من تجاوز هذا المعنى إلى ما يختزنه من PageV21P098 # إيحاءات تتناسب مع صفاء العمق الروحي للشخصية النبوية ، ولعل الأقرب إلى ~~الجو أن نستوحي من المغفرة معنى الرضوان والمحبة والرحمة ، باعتبار أنها ~~تمثل نتائج المغفرة ، ليكون المعنى ، هو أن الله يمنحك رضوانه ومحبته ، في ~~ما يوحي به من معنى إيجابي يستلزم انتفاء المعنى السلبي ، باعتبار أن الفتح ~~، في ما يمثله ، هو الانطلاقة التي تفتح للإسلام باب الحياة الواسع الذي ~~يدل الناس على الطريق إلى الله. وقد جاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقسى ~~الجهاد حتى وصل إلى هذه النتيجة بتوفيق الله ورعايته ، ومن هنا كان ذلك ~~سببا في محبة الله له التي تشمل أول الجهاد قبل الفتح وآخره بعد الفتح. # ( @QUR@03 ويتم نعمته عليك ) بوصول النبي إلى الأرض التي بدأت حياته فيها ~~طفلا وشابا وانطلق بالدعوة فيها كهلا ، وخرج منها تحت تأثير القهر ~~والاضطهاد ، فإذا به ، بعد تلك المعاناة ، يرجع إليها فاتحا بالرسالة ~~المنفتحة على الواقع كله ، حيث يبدأ عهد جديد حافل بالازدهار ، ليكون الدين ~~كله لله وحده ، وليكون نصره نهاية طبيعية لجهاده تتم به النعمة عليه ، ( ~~@QUR@03 ويهديك صراطا مستقيما )، وهو الصراط الذي يبدأ بتوحيد الله ، ~~ويمتد بشريعته التي تجعل الإنسان مسئولا في كل أقواله وأفعاله ، ولينتهي ~~بين يدي الله في اليوم الآخر إبان موقف الحساب. وهذا هو الهدف الذي تحركت ~~المسيرة إليه ، وهذا ما هدى الله النبي إليه في وحيه ليعيش الهداية في ~~حركته مع الناس الذين جعلهم الله حركة مسئوليته ، ( @QUR@04 وينصرك الله ~~نصرا عزيزا ) يؤكد القوة التي تنحني أمامها كل مواقع التحدي الموجهة ضدك ، ~~حيث يبسط الإسلام سلطته ليكون ms4845 هو القوة الوحيدة في الجزيرة ، التي تخضع لها ~~القوة كلها هناك. # وهكذا كان الفتح المعنوي في الحديبية ، ثم الواقعي في مكة ، مفتاحا ~~للرضوان وللنعمة التامة ، وللهداية الكاملة ، وللنصر العزيز الذي يمتد ~~بالإسلام إلى الحياة كلها. # * * * PageV21P099 ### ||| ** أنزال السكينة في قلوب المؤمنين # ( @QUR@07 هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) بما تعنيه كلمة ~~السكينة من طمأنينة وصفاء روحي يدفع النفس إلى التأمل العميق ، فإن النفس ~~إذا عاشت الصفاء ، انطلقت في أجواء التأمل بعيدا من دون تكلف ولا تعقيد. ~~وتلك هي ألطاف الله التي يفيض بها على عباده المؤمنين الذين أخلصوا له ~~العقيدة ، وعاشوا الروحانية بين يديه ، وحركوا العمل الصالح في خط رضاه ، ( ~~@QUR@04 ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) لأن الإيمان يتأتى عن وضوح الرؤية ~~الذي يفتح للفكر آفاق الاعتقاد به ، وعن صفاء الروح الذي يملأ الوجدان ~~بالمعاني الروحية. وبذلك كان ازدياد الوضوح في حركة التأمل الفكري ، ~~وامتداد الصفاء في آفاق الروح ، يزيدان في الإيمان ويعمقانه ، عبر ما ~~يحدثانه من تفاعل بين الفكر والشعور ، وهذا ما يدركه الوجدان ، في ما يحسه ~~الإنسان في نفسه من تنامي الإيمان ، بتنامي المعرفة والشعور الداخلي من جهة ~~، والمعاناة الداخلية في الممارسة من جهة ثانية. # ( @QUR@04 ولله جنود السماوات والأرض ) سواء أتمثلوا في الأمور المعنوية ~~من أسباب وقوانين طبيعية أودعها الله في الأرض والسماء ، وحركها من أجل ~~إقامة نظام الحياة كلها ، أم بمخلوقات حية متحركة في السماوات والأرض ، ~~التي جعلها الله خليفة عنه في مباشرة الأمور بأسبابها العادية ، وبذلك كان ~~إنزال السكينة في قلوب المؤمنين متأتيا عن تحريك جنوده للموضع بشكل دقيق. # ( @QUR@04 وكان الله عليما حكيما ) فهو القوي في عزته ، الحكيم في تدبيره ~~، الذي يحتوي الكون من مواقع العزة والحكمة ، ليسير في خط الثبات والإحكام ~~، ( @QUR@010 ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ) لأن ذلك هو الغاية التي ينتهي إليها خط الإيمان في الجانب الفكري ~~والروحي والعملي ، في حركة المؤمنين والمؤمنات ، لما يشتمل عليه من انفتاح ~~على آفاق رضى الله ومواقع رحمته التي تطل على رحاب جنته ، ( @QUR@03 ويكفر ~~عنهم سيئاتهم ms4846 ) بالغفران الذي PageV21P100 # يزيل الخطايا وكأنهم لم تكن ، لأن الله ينظر إلى عمق الإيمان في الذات ~~ويجعله أساسا لمغفرته ( @QUR@06 وكان ذلك عند الله فوزا عظيما )، لأن ذلك ~~يعني السعادة الأبدية ، فلا موقع للشقاء بعدها. # ( @QUR@03 ويعذب المنافقين والمنافقات ) من الذين يبطنون الكفر ويظهرون ~~الإيمان ، ليحولوا المجتمع الإسلامي إلى مجتمع قلق مرتبك ، ( @QUR@02 ~~والمشركين والمشركات ) الذين رفضوا وحدة العبادة ووحدة الألوهية وساروا في ~~خط الشرك الذي يضع الأصنام الحجرية والبشرية في موقع يقربها من موقع ~~الألوهية بطريقة أو بأخرى ، ( @QUR@04 الظانين بالله ظن السوء ) فلا ينظرون ~~إلى قضية الإيمان بالله نظرة معرفة بكونه ينصر عباده ويلطف بهم ويرحمهم ~~ويفتح لهم أكثر من نافذة للنصر وللتوفيق وللتسديد ، بل ينظرون إليه نظرة ~~سلبية ويرون فيه معنى الخذلان الذي يفكرون بوقوعه على المؤمنين. # ( @QUR@03 عليهم دائرة السوء ) التي تقع عليهم ، وتحيط بهم ، وتدفعهم إلى ~~أن يعيشوا القبح الروحي في نفوسهم في الداخل ، والقبح المادي في ما يتخبطون ~~به من خبائث الأقوال والأفعال والأوضاع العامة والخاصة. # ( @QUR@03 وغضب الله عليهم ) لأنهم مارسوا الخطيئة والجريمة التي تستتبع ~~غضبه ، ( @QUR@01 ولعنهم ) فأبعدهم عن رحمته لأنهم ابتعدوا عن ساحاتها ، ( ~~@QUR@03 وأعد لهم جهنم ) وهي المكان الطبيعي للمنافقين والمشركين ، ( ~~@QUR@02 وساءت مصيرا ) لأنها مصير سيئ للساكنين فيها بما فيها من جحيم ~~النار والعذاب. # ( @QUR@08 ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ) وهذا هو ~~التأكيد الثاني لهذه الحقيقة الكونية التي إذا تمثلها الإنسان ، فإنه يتمثل ~~التدبير الإلهي الشامل للكون كله في مواقع العزة والحكمة. # * * * PageV21P101 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@05 إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) @QUR@08 لتؤمنوا بالله ~~ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وتعزروه ): تنصروه. # ( @QUR@01 وتوقروه ): تعظموه. # ( @QUR@02 بكرة وأصيلا ): غداة وعشيا. # * * * ### ||| ** دور النبي في حياة الأمة # ما هو دور النبي في حياة أمته ، وما هو دور الأمة في رسالة النبي؟ # ( @QUR@03 إنا أرسلناك شاهدا ) في حضورك الرسالي الحركي المتطلع إلى ~~مواقع الاستجابة أو الرفض لك ولرسالتك ، ما يجعلك في مقام من يستطيع تأدية ~~الشهادة أمام الله غدا في ما بلغهم إياه ، وما واجهوه به من رد إيجابي أو سلبي. PageV21P102 # وهكذا يتحول الحضور الرسالي ms4847 النبوي إلى موقف للشهادة الحية المنفتحة على ~~الواقع كله ، والمسؤولة عن تقديم التقرير الكامل عنه إلى الله ، ( @QUR@01 ~~ومبشرا ) يبشر المؤمنين بالجنة إذا حركوا العمل الصالح في خط الإيمان ، ( ~~@QUR@01 ونذيرا ) ينذرهم بعذاب الله ، وذلك ( @QUR@02 لتؤمنوا بالله ) أيها ~~الناس في ما يقدمه إليكم من دلائل الإيمان بالله وبينات الهدى ( @QUR@01 ~~ورسوله ) في ما يعرفكم من مواقع الصدق في دعوته ، ( @QUR@01 وتعزروه ) أي ~~تنصروه ، على أساس أن التعزير يحمل معنى النصر ، ( @QUR@01 وتوقروه ) أي ~~تعظموه ، ( @QUR@03 وتسبحوه بكرة وأصيلا ) لتعبروا بالتسبيح عن إحساسكم ~~الداخلي بكل مواقع عظمته ، ليكون التسبيح بداية اليوم الذي تستقبلونه ، ~~وبداية الليل الذي تلتقون به. # * * * PageV21P103 ### ||| * الآية # ( @QUR@025 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يبايعونك )؛ البيعة : نوع من الميثاق ببذل الطاعة. # ( @QUR@01 نكث )؛ النكث : نقض العهد والبيعة. # ( @QUR@01 أوفى ): ثبت على الوفاء. # * * * ### ||| ** بيعة الرسول بيعة لله # وكانت البيعة كموقف في ساحة الصراع ، تمثل تعبيرا عن الالتزام الذاتي ~~بتعليمات النبي والثبات معه ، ليؤكد المسلم من خلالها أنه لا يكتفي بالحالة PageV21P104 # الإيمانية التي يعيشها بعقله وقلبه ، ولكنه يضيف إليها ميثاقا مؤكدا ~~يتمثل بوضع يده بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تعبيرا عن عقد التواصل مع ~~مسيرته ، وعدم الانفصال عنه تحت تأثير أي ظرف من الظروف. # وهذا ما حدث في الحديبية عند ما دعا رسول الله أصحابه إلى البيعة على ~~الاستمرار معه ، حتى في مواجهة قريش ، عند ما تحين اللحظة المناسبة ~~لمواجهتها بالطريقة المسلحة ، ليضمن بذلك القدرة على الضغط نفسيا على قريش ~~، كونه جاء إليها من موقع القوة المستمدة من بيعة أصحابه ، لا من موقع ~~الضعف. وقد حدث جابر بن عبد الله ، في ما روي عنه ، قال : «فبايعنا تحت ~~الشجرة على الموت ، فما نكث إلا حر بن قيس (1) وكان منافقا» (2). وقد سميت ~~باسم بيعة الرضوان ، لأن الله رضي عنهم بهذه البيعة. # وفي هدى ذلك ، نستطيع أن نفهم أن البيعة لا تضيف شيئا جديدا من حيث ~~المسؤولية ، ولكنها تعمقها في ms4848 معنى الالتزام الشخصي بالرسالة والرسول. # ( @QUR@03 إن الذين يبايعونك ) بما تمثله البيعة من ميثاق مؤكد في نصرتهم ~~لك في موقع المواجهة للمشركين ( @QUR@03 إنما يبايعون الله ) لأنك لم تطلب ~~ذلك منهم بصفتك الشخصية ، بل بصفتك الرسالية التي تجعل من كلمتك كلمة الله ~~، ومن الالتزام بنصرتك التزاما بالله في نصرة رسوله ، لأن طاعة الرسول هي ~~طاعة الله ، على ضوء ما ورد في الآية الكريمة : ( @QUR@06 من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله ) [النساء : 80] ، مما يجعل البيعة أكثر عمقا في تأثيرها في ~~جانب الالتزام منهم. # * * * PageV21P105 # ( @QUR@04 يد الله فوق أيديهم ) # ( @QUR@04 يد الله فوق أيديهم ) فكأنه هو الذي يضع يده فوق أيديهم في ما ~~درجت عليه صورة البيعة ، ( @QUR@06 فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) لأن ~~البيعة ليست التزاما في مصلحة الرسول ليكون نكثها إساءة شخصية له ، بل هي ~~التزام لمصلحة المسلمين في الدنيا بانتصارهم على الشرك ، وفي الاخرة ~~بالحصول على رضى الله. # ( @QUR@06 ومن أوفى بما عاهد عليه الله ) وتحرك في اتجاه تحقيق مضمون ~~العهد في موقفه وأخلص لله أمره ، وحافظ في الساحة على موقعه ، ( @QUR@03 ~~فسيؤتيه أجرا عظيما ) لأن الالتزام بعهد الله ، يمثل الإيمان القوي الرافض ~~لكل الإغراءات أو التحديات التي تواجه المؤمنين ، مما يوحي بالإخلاص لله ، ~~والالتزام بعهده ، الأمر الذي يستحق عليه الإنسان المؤمن الأجر العظيم. # * * * PageV21P106 ### ||| * الآيات # ( @QUR@037 سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر ~~لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) @QUR@020 ~~بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم ~~وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) @QUR@09 ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) @QUR@014 ولله ملك السماوات والأرض يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المخلفون )؛ المخلف : هو المتروك في المكان خلف الخارجين من البلد. # ( @QUR@01 الأعراب ): الجماعة من عرب البادية. PageV21P107 # ( @QUR@01 بورا )؛ البور : هو الفاسد الهالك. # ( @QUR@01 سعيرا ): نارا حارقة. # * * * ### ||| ** الأعراب يبرون تخلفهم عن الفتح # كانت ms4849 واقعة الحديبية تجربة مريرة في المجتمع الإسلامي ، ذلك أن بعض ~~أفراده لم يستوعبوا فكر الرسالة وحركتها وتطلعاتها وأهدافها بروحية الإيمان ~~الصادق ، لأنهم دخلوه بصفته الشكلية دون امتلاك عمق المضمون الروحي المنفتح ~~على الله ، ولهذا كانوا يأخذون من انتمائهم إلى الإسلام المكاسب التي ~~تمنحهم إياها هذه الصفة ، ويبتعدون عن المسؤوليات الصعبة في مواقع الجهاد ~~والتضحية والعطاء ، كما هو شأن كثير ممن يندمجون في المجتمعات القائمة على ~~المبادئ التغييرية ، ويتجمدون في داخل شؤونهم الخاصة فيها ، ويعملون على ~~تجميد الحياة من حولهم ، وتعطيل المبادرات الحركية في ساحتهم ، ويثيرون ~~المشاكل في الساحة العامة. # فقد تخلف هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ما استنفرهم ، فلم ~~يستجيبوا لندائه ، بل حاولوا الابتعاد عن المسيرة ، وكان مما قالوه : إن ~~محمدا ومن معه ، يذهبون إلى قوم غزوهم بالأمس في عقر دارهم فقتلوهم قتلا ~~ذريعا ، وأنهم لن يرجعوا من هذه السفرة ، ولن ينقلبوا إلى ديارهم وأهلهم أبدا. # وفي هذه الآيات ، حديث عن هؤلاء المخلفين من الأعراب الذين قيل إنهم من ~~الأعراب المقيمين حول المدينة من قبائل جهينة ومزينة وغفار وأشجع وأسلم ~~ودئل .. وعن منطقهم التبريري في تخلفهم عن الخروج مع النبي ، بعد رجوعه إلى ~~المدينة وظهور الخلل في موقفهم والضعف في إيمانهم. # ( @QUR@08 سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ) فقد ~~كانت لنا PageV21P108 # علاقات مالية معقدة ، فلنا مع الناس أموال وللناس معنا أموال ، وطبيعة ~~الأوضاع التجارية المعقدة تلك جعلتنا نخاف على أموالنا من الضياع ، كما أن ~~شؤون أهلنا كانت تتطلب منا المحافظة عليهم ، والرعاية لأمورهم ، لوجود ~~الصغير والعاجز والمريض والمرأة فيهم ، ممن يحتاجون إلى أولياء قادرين ~~يدبرون أمورهم ، ويحركون مصالحهم في خدمة حياتهم ، فقد شغلنا ذلك كله عنك ~~وعن الخروج معك ، وإذا كان ذلك ذنبا يؤاخذنا الله عليه ، لأن طاعتك واجبة ~~بالمستوى الذي تتقدم فيه على كل شؤون الأهل والأموال ، فإننا نعتذر إليك من ~~ذلك ، ( @QUR@02 فاستغفر لنا ) ليغفر الله لنا. # ويأتي التعليق القرآني على هذا القول ليكشف واقعهم النفاقي : ( @QUR@06 ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) فهم يختزنون ms4850 في داخلهم التمرد على ~~النبي وعلى أوامره في حركة الجهاد ، ويفكرون بالمعصية في المستقبل ، ~~بالطريقة التي مارسوها في الماضي ، مما يجعل من كلامهم كذبا ونفاقا ، فلم ~~يكن الانشغال بالأهل والمال هو ما منعهم من إجابة نداء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكن الاستغفار مطلبا حقيقيا لهم ، لأنهم لا ~~يحسون بعقدة الذنب تجاه ما فعلوه. # * * * ### ||| ** الرسول يرد أعذار المنافقين # ( @QUR@015 قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم ~~نفعا )، فإن اللعبة النفاقية التي تلعبونها في مواجهة الرسول ، وتصرفاتكم ~~معه ، ليست دائرتها الناس ، بل ساحة الله في أوامره ونواهيه ، وفي رسالة ~~الرسول وحركته الرسالية ، مما يجعل منها مسألة خطرة على مستوى حياتكم كلها ~~، لأن الله هو الذي يملك الأمر كله ، فما ذا تفعلون إذا أراد أن ينزل بكم ~~الضر في أهلكم وأموالكم وأنفسكم ، ومن ذا الذي يملك دفع ذلك عنكم؟ هل ~~يستطيع الآخرون منع النفع الإلهي عنكم إذا أراد أن ينفعكم بنعمه وعطاياه؟ PageV21P109 # إن هذا يفرض عليكم أن تفكروا بمراقبة الله الدائمة لكم ، والخوف من سطوته ~~، والرغبة في ثوابه في الدنيا والآخرة ، لتتوازن مواقفكم ، ولتتركوا أمر ~~الأعذار التي لا معنى لها ، لأن الله يعلم منكم ما لا تعلمونه من أنفسكم ، ~~ويملك منكم ما لا تملكون منها ( @QUR@06 بل كان الله بما تعملون خبيرا ) ~~فلا تستطيعون إخفاء السر عنه ، ولا الهروب من عقابه .. # ( @QUR@010 بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ) ~~لأنكم مهزومون في داخلكم أمام قوة قريش في مواقعها ، بالمستوى الذي كنتم ~~تتصورون أنها سوف تقضي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، فلا يعود ~~أحد منهم إلى أهله أبدا ، وهذا ما دفعكم إلى التخلف عن الخروج مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنكم أيقنتم بالهلاك في هذا السير. # ( @QUR@04 وزين ذلك في قلوبكم ) من خلال التهاويل التي أثارها الشيطان في ~~أوهامكم ، حتى خيل إليكم أن هذه الفكرة الخائفة ، تمثل مستوى الحقيقة التي ~~ترتاحون إليها ، ( @QUR@03 وظننتم ظن السوء ) أن لن تنتهي المواجهة إلى ms4851 نصر ~~الله ورسوله ، ( @QUR@03 وكنتم قوما بورا ) أي قوما لا حياة فيهم ولا خير ، ~~تماما كما هي الأرض البور التي لا نبات فيها ولا خضرة ولا ثمار ، لأنهم لا ~~يعيشون حسن الظن بالله الذي يفتح القلب على مواقع القوة وآفاق النور التي ~~تجدد الأمل في الروح واليقظة في العقل والحركة في الواقع. وهذا هو الفرق ~~بين المؤمن الذي يملأ الإيمان بالله قلبه ، فينطلق إلى الحياة بروح واثقة ~~به ، مطمئنة إلى النصر ، وبين المنافق الذي يعيش الاهتزاز الإيماني في روحه ~~، فيعيش القلق والحيرة والخوف والاهتزاز في الموقف. # * * * ### ||| ** السعير جزاء الكافرين # ( @QUR@05 ومن لم يؤمن بالله ورسوله ) فيتحرك عقله وقلبه ووجدانه بالكفر ~~( @QUR@01 فإنا PageV21P110 # @QUR@03 أعتدنا للكافرين سعيرا ) وهو جزاء الكافرين الذين تشتعل النار في ~~أجسادهم ، كاشتعال الكفر في قلوبهم. # ( @QUR@04 ولله ملك السماوات والأرض ) فهو المهيمن على ساحة الجزاء ( ~~@QUR@010 يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما ) فقد سبقت ~~رحمته غضبه ، فلا يعذب إلا أولئك الذين لا يتعلقون من الله بشيء. # * * * PageV21P111 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@031 سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون ~~بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) @QUR@028 قل للمخلفين من ~~الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) (16) # * * * # معاني المفردات # ( @QUR@01 ذرونا ): اتركونا. # ( @QUR@01 بأس ): قوة. # * * * PageV21P112 ### ||| ** منطق الطمع في كلام المخلفين # هذه صورة أخرى من صور هؤلاء المخلفين ، عند ما توحي مسيرة النبي وأصحابه ~~في بعض معارك الحق والباطل أن هناك نصرا وغنيمة دون أي خطر أو خوف ، فنراهم ~~، عند ذلك ، متحمسين للخروج إلى المعركة يطالبون بالانضمام إلى المجاهدين ، ~~ولكن النبي يرفض ذلك ، لأنهم قد يربكون الموقف بالنوايا السيئة التي تختفي ~~وراء الكلمات ، أو بالمشاعر القلقة التي يعيشونها. # ( @QUR@02 سيقول المخلفون ) من الأعراب ( @QUR@05 إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ) عند ما تكون المعارك معارك فتح ، يرزقون فيها المغانم الكثيرة ~~التي يحصل عليها المقاتلون ، ( @QUR@02 ذرونا نتبعكم ms4852 ) طمعا في الحصول على ~~الغنيمة. وقيل : إنها إشارة إلى غزوة خيبر التي شارك فيها المؤمنون الذين ~~كانوا مع النبي في سفرة الحديبية ، ولم يشارك فيها غيرهم ، وهي الأولى بعد ~~صلح الحديبية. # ( @QUR@05 يريدون أن يبدلوا كلام الله ) الذي وعد أهل الحديبية أن يخصهم ~~بغنائم خيبر بعد فتحها ، كما سيجيء في قوله : ( @QUR@08 وعدكم الله مغانم ~~كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ) [الفتح : 20]. فكأنهم يريدون أن يبدلوا كلام ~~الله ، ويظهروا أنه ليس دقيقا في تحديد المستقبل ، بالقول إنهم قد شاركوا ~~في ما قال الله إن أحدا لن يشارك فيه. # ( @QUR@08 قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) فقد أراد الله للنبي أن ~~يرفض ذلك قبل أن يسألوه الخروج معه ، ( @QUR@03 فسيقولون بل تحسدوننا ) ~~لأنكم لا تريدون أن نشارككم في الغنيمة ، تماما كما هي عقلية الحاسد الذي ~~يرى في المحسود فضلا ليعمل على إزالته ، أو يتمنى زواله ، فالمسألة ليست ~~مسألة أمر الله ونهيه ، كما تقولون ، بل هي مسألة حسد يبغي فيه الحاسد على ~~المحسود. # ( @QUR@06 بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) فهم لا ينطلقون في حديثهم ~~وموقفهم من منطلق تفكير ، ولو فكروا لرأوا أن النبي الذي يتميز بالوعي ~~والعصمة ، لا يمكن أن يمنع أحدا من الخروج معه وهو صاحب الأمر في ذلك بهدف ~~منعه من PageV21P113 # الغنيمة ، فالغنيمة حق المجاهدين ، وهو بحاجة إلى كثير منهم كي يربح ~~المعركة ، فكيف يمنع من يريدون الخروج إلى الجهاد معه ، لو لم يكن هناك ~~ضرورة في ذلك ، أو خوف من إساءتهم للحرب ، أو أمر من الله لاختصاص غيرهم ~~بالجهاد في هذه المعركة؟! # * * * ### ||| ** إن تطيعوا الله يؤتكم أجرا حسنا # ( @QUR@04 قل للمخلفين من الأعراب ) لمن يريدون تأكيد موقفهم المخلص لله ~~ولرسوله في خط الجهاد ، إن هناك فرصة أخرى لإثبات إيمانهم بالمشاركة في ~~ساحة الصراع بين الشرك والإسلام ، وذلك في مواقع القتال العنيف الذي يواجه ~~الآخرين بقوة ، ( @QUR@06 ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) في ما يملكونه من ~~الشجاعة والقوة ( @QUR@03 تقاتلونهم أو يسلمون ) بحيث يكون إعلانهم الإسلام ~~، وسيلة من وسائل تحييدهم عن دائرة الشرك ، وإخضاعهم لسلطة ms4853 الإسلام ، ~~وليفتح لهم ذلك الإسلام الشكلي باب معرفة الإسلام والاطلاع على ما في ~~الحياة الإسلامية من انفتاح على الحرية ، ومن عدالة وغنى في التجربة ، ~~ليسلموا عن قناعة وإخلاص. # ( @QUR@02 فإن تطيعوا ) الله ورسوله في ذلك كله بالخروج مع المجاهدين ، ~~وبالقتال في تلك الساحة ، ( @QUR@04 يؤتكم الله أجرا حسنا ) جزاء لطاعتكم ~~وإخلاصكم ، ( @QUR@06 وإن تتولوا كما توليتم من قبل ) وتتخاذلوا وتبروا ~~الامتناع بأعذار واهية كما فعلتم في سفرة الحديبية ، ( @QUR@03 يعذبكم ~~عذابا أليما ) في الدنيا والآخرة ، كما يعذب كل المعاندين من المنافقين ~~والكافرين. # * * * PageV21P114 ### ||| * الآية # ( @QUR@027 ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه ~~عذابا أليما ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حرج ): ضيق. # ( @QUR@01 يتول ): يعرض. # * * * ### ||| ** رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض # للجهاد شروط لجهة نوعية الأشخاص المكلفين به ، والأشخاص المعذورين فيه ، ~~فلا بد من أن يكون الشخص المجاهد قادرا على الحركة بحرية ويملك ما تحتاجه ~~الحرب من إمكانات طبيعية ، فليس من الطبيعي أن يكلف بالجهاد أشخاص لا ~~يملكون البصر أو المقدرة الجسدية على التحرك ، أو على PageV21P115 # المشي باستقامة ، ولكن ليس معنى ذلك ، أن لا يكلف أمثال هؤلاء بمهمات ~~جهادية تتوافق مع إمكاناتهم الجسدية في ما يمكن أن يعطيه العميان والمرضى ~~والعرج من خدمات. # ( @QUR@04 ليس على الأعمى حرج ) لأنه لا يستطيع أن يبصر طريقه في ساحة ~~تحتاج إلى التحديق بكل زواياها ، وبكل الأعداء الذين يواجهونه في المعركة ، ~~( @QUR@08 ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) لأنه لا يقدر على ~~الحركة الدائبة هنا وهناك التي تحتاج إلى كل عضو من أعضاء جسمه ، وإلى كل ~~جهاز من أجهزته ، مما يجعل الخلل الصحي في أي من أعضاء الجسم مانعا يعيق ~~الحركة ، ويمنع من الانطلاق. # وهكذا يمكن أن يمتد رفع الحرج عن كل ذوي العاهات التي تعيق قيامهم بهذا ~~الفرض الشرعي ، بحيث تجعل الجهاد أمرا شاقا عليهم في جميع الحالات. # ( @QUR@04 ومن يطع الله ورسوله ) في ما يفرضه الله من الجهاد وغيره ( ~~@QUR@06 يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) على ms4854 أساس الثواب الذي أعده ~~الله للمطيعين له ولرسوله ( @QUR@02 ومن يتول ) ويعرض عن خط الطاعة ( ~~@QUR@03 يعذبه عذابا أليما ). # * * * PageV21P116 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) @QUR@07 ومغانم كثيرة ~~يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) @QUR@018 وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم ~~صراطا مستقيما (20) @QUR@014 وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان ~~الله على كل شيء قديرا (21) @QUR@012 ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ~~ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) @QUR@012 سنة الله التي قد خلت من قبل ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا (23) @QUR@019 وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) (24) # * * * ### ||| ** بيعة الشجرة ورضى الله # وهذا فصل جديد من السورة يتحدث عن بيعة الرضوان ، وعن رضى الله PageV21P117 # عن الذين قاموا بها وكيف عاشوا السكينة الروحية في داخلهم وحصلوا على ~~الثواب الإلهي ، بالفتح القريب الذي كانوا يتمنونه وينتظرونه ، وكيف وصل ~~المسلمون إلى مستوى من القوة كانوا فيه قادرين على هزيمة المشركين ، لولا ~~إرادة الله التي لم تجد حكمة في القتال في تلك الفترة. # ( @QUR@09 لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) لأن البيعة ~~كانت موقفا صارخا في وجه المشركين الذين كانوا يستغلون قدراتهم الذاتية ~~وتحالفاتهم مع القوى الأخرى ، لمنع الدعوة من التحرك بحرية في ساحة الصراع ~~، كي يبقى موقف المسلمين موقفا خائفا قلقا ، خاصة إذا تعلق الأمر بمهاجمة ~~قريش داخل مكة ، التي تسيطر على كل مواقع القوة فيها. # لهذا كان موقف البيعة محط رضى الله ، لأن المسلمين فيه تمردوا على كل ~~عوامل الضعف ، وواجهوا مواقف التحدي بروحية التضحية والشهادة ، ( @QUR@04 ~~فعلم ما في قلوبهم ) من الإخلاص والتضحية ، ( @QUR@03 فأنزل السكينة عليهم ~~) بما أودعه فيهم من طمأنينة روحية تستمد الثقة من الله ، وتنفتح على مواقع ~~لطفه ورحمته ، فلم يعيشوا الشعور بالخوف والقلق ، بل انطلقوا في مسيرتهم ~~كما لو لم يكن هناك عدو أو مشكلة ، ( @QUR@03 وأثابهم ms4855 فتحا قريبا )، ~~والظاهر أن المراد به فتح خيبر الذي جاء بعد الحديبية ، ( @QUR@03 ومغانم ~~كثيرة يأخذونها ) وهي غنائم خيبر ، كما قيل ، ( @QUR@04 وكان الله عزيزا ~~حكيما ) فإذا أراد شيئا كان ، وإذا خطط لشيء فإن حكمته متقنة في أكثر من جانب. # * * * ### ||| ** وعد الله يتحقق # ( @QUR@05 وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ) مما تحصلون عليه في معارك ~~الإسلام المقبلة ، ( @QUR@03 فعجل لكم هذه ) المغانم بحصولكم عليها في خيبر ~~، وقد جاء التعبير بها من باب تنزيل المستقبل منزلة الحاضر لقرب وقوعه ~~وتحققه ، إذا PageV21P118 # كانت الآية قد نزلت مع الآيات السابقة ،. أما إذا كانت قد نزلت بعد معركة ~~خيبر فلا إشكال ، ( @QUR@04 وكف أيدي الناس عنكم ) من أهل مكة ، فلم ~~يقاتلوكم ، ذلك أن النبي عند ما قصد خيبر ، همت بعض القبائل أن تغير على ~~أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة ، فقذف الله في قلوبهم الرعب. # ( @QUR@03 ولتكون آية للمؤمنين ) إذ في ما يحققه الله من وعده بالغنيمة ~~والفتح والنصر علامة من علامات الإيمان التي تقوي ثقتهم بالله وبوعده ، ( ~~@QUR@03 ويهديكم صراطا مستقيما ) في الخط الذي تسيرون عليه ، بالانقياد إلى ~~الله فيه ، والطاعة لأوامر الرسول ونواهيه ، والجهاد في سبيل الله. # ( @QUR@08 وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ) من الغنائم التي لا ~~تملكون وسائل الحصول عليها ، لعدم وجودها تحت متناول أيديكم ، ( @QUR@06 ~~وكان الله على كل شيء قديرا ) فلا ينال شيء إلا بقدرته التي تحتوي الأمر كله. # * * * ### ||| ** نصر المؤمنين سنة الله تعالى # ( @QUR@06 ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ) فقد كانوا في موقع ~~الضعف الروحي والمادي بسبب الخوف الذي دب في قلوبهم ، والتعب الذي سيطر ~~عليهم ، لذا قبلوا بالصلح لأول مرة ، ولولا ضعفهم ذاك لاستمروا في القتال ~~لأن دوافعهم للقتال لا تزال موجودة ، فالمسيرة النبوية بالنسبة لهم تمثل ~~تحديا وهجوما ، ( @QUR@06 ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا )، لأن الله إذا ~~أراد نصرة المؤمنين عليهم ، لأنه وليهم ، فلن يستطيع أحد أن يدفع عنهم ~~الضرر الذي أراد لهم أن يخضعوا له. # ( @QUR@07 سنة الله التي قد خلت من قبل ) في نصرة أنبيائه والمؤمنين معهم ~~إذا أخذوا بأسباب النصر ، واعتمدوا وسائله ، وتحركوا ms4856 في اتجاهه من موقع ~~الإخلاص له ، والطاعة لرسوله في مواقع القيادة أو في مواقع النبوة ، ( ~~@QUR@05 ولن تجد لسنة الله تبديلا ) لأن السنن الكونية الإلهية التي تحكم ~~حركة المجتمعات PageV21P119 # وبقاءها ، ليست خاضعة للظروف الطارئة والتغيرات التي تحدث للزمان والمكان ~~، بل هي ثابتة من ثوابت التقدير الإلهي في نظام الكون كله. # ( @QUR@014 وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم )، فقد استطاع المسلمون السيطرة على مكة عسكريا وفرض قوتهم ~~على كل مواقعها ، وكانت قريش وأحلافها في موقف المواجهة للنبي ومن معه ، ~~مما جعل وقوع الحرب أمرا واردا في أية لحظة ، ليسقط المزيد من القتلى ~~والجرحى هنا وهناك. ولكن الله أراد أن يكف كل طرف عن الآخر في هذه المرحلة ~~، التي قد لا تكون للحرب فيها مصلحة لأي من الطرفين ، لا سيما بالنسبة ~~للمسلمين ، الذين كانوا يتطلعون إلى فتح مكة دون قتال. # ( @QUR@05 وكان الله بما تعملون بصيرا ) فجعلكم في موضع رعايته وعنايته ، ~~وأعطاكم من فضله الكثير ، مما هيأ لكم أمره ، ومهد لكم فعله. # * * * PageV21P120 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@041 هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما (25) @QUR@028 إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تطؤهم )؛ الوطء : الدوس. # ( @QUR@01 معرة ): إثم وجناية وأذى. # ( @QUR@01 تزيلوا ): تميزوا وتفرقوا. # ( @QUR@01 الحمية ): الأنفة والاستكبار. # * * * PageV21P121 ### ||| ** صد المسلمين عن المسجد الحرام # ( @QUR@03 هم الذين كفروا ) بالرسول والرسالة ، وهم مشركو مكة الذين ~~أصروا على البقاء في دائرة الوثنية بعيدا عن التوحيد ، ( @QUR@04 وصدوكم عن ~~المسجد الحرام ) حيث أصدروا قرارهم بمنع المسلمين من دخول مكة والحج إليها ~~، لأنهم يخافون من امتدادهم فيها ، ومن تحولها إلى مركز من مراكز النفوذ ~~الإسلامي الذي يعني ترسيخ التوحيد في العبادة ، وطرد الأصنام من وعي ms4857 الناس ~~ومن تقاليدهم ، بعد طردها من حياتهم ، ( @QUR@02 والهدي معكوفا ) أي ممنوعا ~~من الذهاب إلى جهة ، بالإقامة في مكانه ، فحبسوه عن السير ( @QUR@03 أن ~~يبلغ محله ) وهو الموضع الذي ينحر فيه أو يذبح ، وهو مكة في هدي العمرة ، ~~ومنى في هدي الحج ... وقد كان النبي وأصحابه محرمين بالعمرة آنذاك ، وساقوا ~~الهدي معهم إلى مكة. # ( @QUR@08 ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ) من المسلمين ~~المقيمين بمكة الذين لا تعرفونهم بأعيانهم ، ( @QUR@02 أن تطؤهم ) أي أن ~~تدوسوهم وتسحقوهم في هجومكم على قريش ، ( @QUR@03 فتصيبكم منهم معرة ) أي ~~يحدث لكم مكروه من قتلهم إذا قتلتموهم ( @QUR@02 بغير علم ) منكم ، لما كف ~~الله أيديكم عنهم ، لأن الظروف كانت سانحة لتحقيق النصر ، ولكنه أراد حفظ ~~الأقلية المؤمنة في مكة ليوم آخر ، ليحقق الفتح بالقوة الشاملة دون قتل أو قتال. # ( @QUR@06 ليدخل الله في رحمته من يشاء ) من المؤمنين والمؤمنات الذين لا ~~تعرفونهم أو الذين أسلموا بعد الصلح ، كما قيل ، ليحفظ لهم سلامتهم إلى وقت ~~ما ، وليدخلكم في رحمته بحيث لا تقعون في قتل هؤلاء ، ( @QUR@02 لو تزيلوا ~~) أي تفرقوا عن بعضهم البعض وامتاز المسلمون عن المشركين بحيث أمكن الفصل ~~بينهم ( @QUR@06 لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) بإيقاع القتل عليهم ~~، ولكن الحفاظ على سلامة المؤمنين كان مشكلة تفرض نفسها على الساحة ، ( ~~@QUR@09 إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) التي يحركها ~~الانفعال PageV21P122 # والعصبية ومشاعر الإخلاص للعشيرة ، دون أي وعي فكري يربط المشاعر ~~الإنسانية والعلاقات بالقضايا الفكرية والروحية والمعاني الإنسانية ... # وهذا ما جعلهم يصرون على عدم التنازل عن امتيازاتهم العصبية ، ولا ~~ينفتحون على منطق العقل والحوار باعتباره سبيل الوصول إلى نتائج إيجابية في ~~ما يختلف فيه الناس ، لكن هذه الحمية الجاهلية ، لم تخلق لدى المؤمنين رد ~~فعل انفعالي لمواجهة الحمية بحمية مماثلة ، بل حافظوا على هدوئهم النفسي ، ~~وطمأنينتهم الروحية ، ( @QUR@07 فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~) ليحافظوا على التوازن في دراسة الأمور ، ويتحركوا في خط التقوى الذي يضع ~~المسألة في نصابها الصحيح من الوقوف مع التوجيه الإلهي الذي يحدد لهم ~~مواقعهم في ms4858 الساحة من خلال الحلال والحرام ، ( @QUR@03 وألزمهم كلمة التقوى ~~) وهي كلمة التوحيد التي تربط الناس بالله في العبادة والطاعة في كل ~~قضاياهم العامة والخاصة ، ليقفوا حيث يريد منهم الوقوف ، وليتحركوا حيث ~~يريد منهم التحرك ، ( @QUR@04 وكانوا أحق بها وأهلها ) لأن المؤمنين هم ~~الحاملون لها ، المنفتحون عليها ، العاملون بمضمونها في كل أمورهم ، مما ~~يجعلها كلمة لاصقة بكل حياتهم ، مرتبطة بكل واقعهم الفكري والعملي ، فهم ~~أحق السورة بها من غيرهم ، وهم أهل التوحيد في كل مواقع الحياة ، ( @QUR@05 ~~وكان الله بكل شيء عليما ) في ما يحيط به من سرهم وعلانيتهم في الأمور كلها. # * * * PageV21P123 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@028 لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا (27) @QUR@014 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) (28) # * * * ### ||| ** رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تتحقق # ( @QUR@06 لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) فلم يره في منامه إلا الصدق ~~الذي يتضمن الوحي في داخله ، ( @QUR@06 لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ) ~~في ما يعلمه من الأسباب والحوادث والظروف التي تلتقي فيها مشيئته ( @QUR@01 ~~آمنين ) لا يعرض لكم أحد بسوء ، ( @QUR@05 محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون ). # وهكذا دخل المسلمون مكة في العام القادم معتمرين ، وطافوا بالبيت كما ~~يشاءون ، وحلق من حلق ، وقصر من قصر ، وذلك في ما سمي ب «عمرة القضاء» ، ( ~~@QUR@04 فعلم ما لم تعلموا ) فالله يعلم أن مصلحة الإسلام تكمن في الابتعاد PageV21P124 # عن القتال ، وإيجاد هدنة يراجع فيها الناس أفكارهم عن الإسلام والشرك ، ~~بعيدا عن الضغوط القاسية التي تثيرها ساحة الصراع الحاد ، وهو أمر أتاح ~~للعديد من المشركين دخول الإسلام ، ( @QUR@06 فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) ~~وهو صلح الحديبية الذي عبر عنه بالفتح ، أو هو فتح خيبر ، الذي كان يمثل ~~حركة القوة الإسلامية التي خلقت توازنا جديدا في مواقع القوة في المنطقة ، ~~وخلقت جوا نفسيا إيجابيا لمصلحة الإسلام. # * * * ### ||| ** رسالة الهدى # ( @QUR@07 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) الذي يفتح عقول الناس ms4859 ~~وقلوبهم على الحق ، ويمهد لهم سبيل الوصول إلى ما يقربهم من الصلاح ويبعدهم ~~عن الفساد ، ( @QUR@04 ليظهره على الدين كله ) ليهيمن الإسلام على الواقع ~~ويسيطر الطرح الإسلامي على كل طروحات الباطل ذات العناوين الدينية أو غير ~~الدينية ، بحيث يصبح في عقلانية عقيدته وواقعية شريعته وتوازن منهجه ، هو ~~الطرح الأعلى والأقوى ، ( @QUR@03 وكفى بالله شهيدا ) على الدين كله وعلى ~~صدق الرسالة والرسول. # * * * PageV21P125 ### ||| * الآية # ( @QUR@054 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يبتغون ): يطلبون. # ( @QUR@01 سيماهم )؛ السيماء : العلامة. # ( @QUR@01 شطأه )؛ شطء النبات : أفراخه التي تتولد منه وتنبت حوله. # ( @QUR@01 فآزره )؛ الإيزار : الإعانة. # ( @QUR@01 فاستغلظ ): أي غلظ. # ( @QUR@01 سوقه )؛ السوق : جمع ساق. # * * * PageV21P126 ### ||| ** صفات الرسول وأتباعه # ما هي ملامح محمد رسول الله الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله؟ وما هي ملامح أصحابه الذين تربوا في أجواء رسالته ، وفي دائرة ~~تعاليمه ومواقفه وأخلافه؟ وما هي عناصر نجاح الحركة التي تريد أن تضغط على ~~الواقع ليحتضن الدين كله ، ليكون لله وحده؟ # ( @QUR@03 محمد رسول الله ) هذه هي الصفة التي يقدمه الله بها إلى الناس ~~، ولم يقدمه بصفته العائلية أو النسبية ، لأن الله لا يريد للناس أن ~~يرتبطوا به من خلال قيمة النسب والعلاقة بالعائلة .. لذا قدمه بصفته ~~الرسالية ، ليبقى الناس مع شخص الرسول في خط الرسالة ، لا مع الشخص الذات ~~في الخط الذاتي ، ليتفاعلوا مع رسالته ، وليمتد تفاعلهم بها إلى ما بعد ~~حياته ، لأن الرسول يبقى برسالته من حيث الدعوة ومن حيث القدوة ، أما الشخص ~~، فإنه يموت بموت الجسد ، ويتحول إلى مجرد ذكرى. ( @QUR@02 والذين معه ) في ~~حربه وسلمه ، في المسجد ، وفي ساحات يثرب كلها ، في سفره وحضره ، هؤلاء ~~الذين عاشوا معه واعترفوا بنبوته ، والتزموا بقيادته ، وشاركوا في دعوته ، ~~وتألموا معه ، وعاشوا المعاناة ms4860 في خط مسيرته ... # * * * ### ||| ** بين دور القيادة ودور القاعدة # ويوحي إلينا الحديث عن أتباع الرسول في معرض الحديث عن الرسول نفسه ، أن ~~الله يريد أن يثير أمامنا قاعدة رسالية تطال علاقة القيادة بالقاعدة ، وهي ~~أن القيادة لا تلغي دور القاعدة ، ولا تأثيرها في عملية صنع القوة وتحريك ~~النصر ، فالقيادة ليست هي كل شيء ، ليكون الدور كله لها ، بل إن للقاعدة دورا PageV21P127 # يتأكد على أساس التكامل مع القيادة ، والتفاعل مع حركتها ، والاندماج ~~بأخلاقيتها الرسالية ، ليشكلا معا مجتمعا موحدا. # هذا ما ينبغي لنا أن نتمثله في وعينا الحركي في خط الرسالة ، فلا نستغرق ~~في الشخص إلا من خلال الفكرة التي يحركها ويقود الحياة من خلالها ويطل من ~~نافذتها على الآخرين ، بحيث يكون الشخص بطل الخط ولا تكون الرسالة خط البطل. # * * * ### ||| ** أصحاب الرسول أشداء رحماء # ( @QUR@03 أشداء على الكفار ) من موقع أنهم أشداء على الكفر بالتزامهم ~~الإيمان ودفاعهم عنه ، ووقوفهم ضد كل من يريد تأكيد قوة الكفر وإضعاف ~~الإيمان .. وشدتهم هنا ليست حالة لا إنسانية ، تمثل القسوة والتعصب ~~والانغلاق ، بل هي حالة إنسانية غرضها الانفتاح على الإنسان من مواقع الحق ~~الذي يمثله الإيمان ، لإغناء قيم الحرية والعدالة وتحريكها في آفاق ~~الانفتاح على الله ، لتكون عنصرا إيجابيا في معنى تعزيز الإنسانية بدلا من ~~أن تكون عنصرا سلبيا مضمونه الكفر. # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن الشدة هنا ناظرة إلى مواقع المسلمين في ساحة ~~الصراع لا إلى موقعهم في ساحة الدعوة ، أو في ساحة التعايش ، أو في أجواء ~~الحوار ، وهم كذلك ( @QUR@02 رحماء بينهم ) من خلال روحانية الإسلام الذي ~~يشد جميع الناس إلى بعضهم البعض ، ليكونوا كالجسد الواحد ، تتفاعل المعاناة ~~بين أعضائه ، وتناسب الرحمة في كل خلاياه ، انطلاقا من الخط الاجتماعي الذي ~~أراد الله للمؤمنين أن يسيروا عليه في بناء علاقاتهم الاجتماعية ، وهو خط ~~التواصي بالمرحمة ، بكل ما يعنيه ذلك من تبادل المشاعر الرحيمة والأحاسيس ~~الحميمة والتكافل الاجتماعي. # * * * PageV21P128 ### ||| ** الراكعون الساجدون # ( @QUR@03 تراهم ركعا سجدا ) في مظهر العبودية الخالصة لله سبحانه ، الذي ~~يعبر عن ركوع الكيان كله له ، وسجود العقل والروح ms4861 والوجدان والحياة كلها ~~لعظمته ، بما يوحيه ذلك من روحانية فياضة بالطهر والحب والصفاء والنقاء ، ( ~~@QUR@05 يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) فهم مشدودون إلى الله في كل حاجات ~~الحياة المادية والمعنوية ، لا يتطلعون إلى غيره في أي من حاجاتهم ، ~~ويتطلعون إليه بأحلامهم في الحياة الاخرة حيث ينتظرون لطفه ورضوانه ، مما ~~يجعل حياة المجتمع الإسلامي مرتبطة بالله في جميع أوضاعها العامة والخاصة. # ( @QUR@06 سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) وهي علامة الإيمان الواضح في ~~وجوههم ، ذلك أن كثرة السجود على جباههم التي تلتصق بالأرض ، يترك فيها ~~تأثيرا بارزا عليها يميزهم عن غيرهم. # * * * ### ||| ** مثلهم في التوراة والإنجيل # ( @QUR@07 ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ) في ما جاءت الإشارة ~~فيهما إليهم عند الحديث عن رسول الله وأصحابه ، ( @QUR@03 كزرع أخرج شطأه ) ~~وهو أفراخ الزرع المتولدة منه ، ( @QUR@01 فآزره ) أي : فأعانه ، ( @QUR@01 ~~فاستغلظ ) أي أخذ في الغلظة من حيث الحجم ، ( @QUR@03 فاستوى على سوقه ) أي ~~استطال على ساقه ، ( @QUR@02 يعجب الزراع ) الذين ينظرون إليه فيجدون فيه ~~زرعا قويا يانعا مثمرا. # وهذا تصوير للمجتمع المؤمن الذي يتكامل ويتنامى ويقوي بعضه بعضا حتى يشكل ~~قوة كبيرة في العدد والعدة ( @QUR@03 ليغيظ بهم الكفار ) الذين تزعجهم ~~الوحدة التي تشمل أفراد المجتمع الإسلامي والقوة المتمثلة فيه ( @QUR@010 ~~وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) لأن ~~الإيمان والعمل الصالح هما PageV21P129 # الأساس الذي يرتكز عليه رضي الله عن عباده ، وتنطلق منه المغفرة ، ويستحق ~~عليه الجزاء الكبير في ثواب الله سبحانه. # وقد أثير حديث حول شمول هذا الوعد الإلهي لجميع الصحابة أو اختصاصه ~~بالمؤمنين العاملين بالصالحات ، وذلك بالسؤال عن كلمة «منهم» ؛ هل هي ~~للتبعيض ، كما هو الظاهر ، وهو رأي يتبناه أصحاب القول الثاني ، أم أنها ~~بيانية ، كما يقول أصحاب القول الأول ، والذين يواجهون الرد بأن «من» ~~البيانية لا تدخل على الضمير مطلقا في كلامهم؟! # ويضيف أصحاب القول الثاني إلى هذه المناقشة ، أنه «لو كانت العدة ~~بالمغفرة أو نفس المغفرة شملتهم شمولا مطلقا من غير اشتراط بالإيمان والعمل ~~الصالح وكانوا مغفورين آمنوا أو أشركوا ، وأصلحوا أو فسقوا لزمته لزوما ms4862 ~~بينا لغوية جميع التكاليف الدينية في حقهم وارتفاعها عنهم ، وهذا مما يدفعه ~~الكتاب والسنة ، فهذا الاشتراط ثابت في نفسه وإن لم يتعرض له في اللفظ ، ~~وقد قال تعالى في أنبيائه : ( @QUR@07 ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون ) [الأنعام : 88] فأثبته في أنبيائه وهم معصومون ، فكيف فيمن هو ~~دونهم» (1). # ويرد أولئك على هذا التعليق ، أن الآية تتحدث عن واقع الصحابة ، لا عن ~~حالة مطلقة لتخضع للاحتمالات المتنوعة ، وبالتالي لتوضع لها الشروط هنا أو ~~هناك على هذا الأساس ، فهي شهادة من الله بأنهم واجدون لهذه الصفات ، ~~بقرينة صدر الآية. # وقد نلاحظ على ذلك ، أن القرآن يتحدث عمن كان مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، أنهم قد ينكثون وقد ينحرفون ، وقد تحدث عن الذين ~~مردوا على النفاق من أهل المدينة ، وعن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى ، وغيرهم ، في الوقت الذي لم يدع أحد العصمة للصحابة لا ~~نظريا ، ولا واقعيا ، والله أعلم. # * * * PageV21P130 ### | سورة الحجرات ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثماني عشرة PageV21P131 ### ||| ** أجواء ، السورة وتسميتها # لعلاقة المسلم بالله ورسوله آداب في الإسلام يفترض بالمسلم احترامها عند ~~مخاطبتهما ، كما أن هناك آدابا لعلاقة المسلم بالآخرين تلزمه باحترام ~~أسرارهم وخفاياهم وعيوبهم وأوضاعهم ، بحيث لا ينفذ إليها إلا بإذن إلهي ، ~~أو بإذن أصحابها أنفسهم ، ولا يذكر من تلك الخفايا إلا ما كان فيه خير ~~للمسلم ، ويمتنع عن الحكم عليهم حتى عند ما يسمع بوقوعهم في المعصية ، إذ ~~يتوجب عليه التثبت من شخصية المخبر وطبيعة الخبر قبل إصدار الحكم ، كما ~~يتوجب على المسلم أن لا يسخر من أحد مهما كانت دوافع السخرية ... وعلى ~~المسلمين أن يعيشوا الانفتاح على التنوع البشري في ما قسم الله الناس إليه ~~من شعوب وقبائل ، ليكون ذلك أساسا للتعارف والتفاعل ، بدلا من أن يكون ~~أساسا للعصبية والتنابذ ... وأن يؤكدوا الإيمان كعمق للإسلام الذي ينتمي ~~إليه المسلمون الذين يرون في الإسلام نعمة من الله عليهم ، لا منة منهم على رسوله. # وهكذا أراد الله بهذه السورة أن يركز قواعد الاستقرار عمليا في حياة ~~المسلم ، من ms4863 خلال المبادئ الأخلاقية التي تحكم الواقع ، وتتحرك ضمنها ~~العلاقات ، وتتأسس عليها المواقف ، وتخضع لها الأحكام والانطباعات عن ~~الأشياء والأشخاص. PageV21P133 # وسورة الحجرات هي من السور التي تثير الحس التربوي في المجتمع الإسلامي ~~على اختلاف أوضاعه ، على صعيد الحياة والإنسان ، ليتفاعل الإيمان مع الواقع ~~في عملية تزاوج روحي وعملي يتحول فيه الإسلام إلى موقف. # وقد أطلق على السورة اسم «الحجرات» من خلال مناسبة الآية الكريمة : ( ~~@QUR@021 إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون* ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ). # * * * PageV21P134 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم (1) @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) @QUR@017 إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) ~~@QUR@09 إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) @QUR@012 ~~ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تجهروا )؛ الجهر : ظهور الصوت. # ( @QUR@01 يغضون ): يخفتون. # * * * PageV21P135 ### ||| ** آداب التعامل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@010 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ). إن ~~إطلاق النداء للناس من خلال صفة الإيمان ، يوحي بأن هذا التعليم ينطلق من ~~مضمون الإيمان في حركته الروحية والسلوكية. والظاهر أن المراد بالتقدم هو ~~الوقوف أمام الله ورسوله بمعناه الكنائي ، حيث يدل التقدم عليهما على خضوع ~~الإنسان لهواه أو لفكره الشخصي أو لمزاجه الذاتي ، بعيدا عن خط الإيمان ~~الذي يوحي بالله ، أو يلهم به رسوله ، في الحكم الذي يشرعه ، أو في النهج ~~الذي يقرره ، أو في الخط الذي يخططه ، مما يوحي بأن من الواجب على المؤمن ~~أن يبقى مشدودا إلى أوامر الله ونواهيه ، وإلى شرع الرسول ونهجه في ما ~~ينفتح عليه من قضايا السلوك والحياة ، فلا يسبق بكلامه كلام الله ، وبسلوكه ~~شرع رسول الله ، ليكون الخاضع ms4864 لله ولرسوله في كل شيء ، ( @QUR@02 واتقوا ~~الله ) بالانضباط على الخط المستقيم والشعور بالمسؤولية على قاعدة الإحساس ~~الدائم بحضور الله ورقابته ، ( @QUR@04 إن الله سميع عليم ) فهو الذي يسمع ~~كل كلمات عباده ويعلم كل خفاياهم. # ( @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ). وهذا لون من ألوان الأدب الإسلامي في ~~مخاطبة المسلمين للنبي ، تقضي بمراعاة الإخفات في الكلام ، أو الهدوء في ~~الخطاب ، بحيث تكون أصوات المسلمين أخفض من صوته ، لتتميز طريقتهم في ~~الحديث معه عن طريقتهم في الحديث العادي مع بعضهم البعض ، لأن تلك الخطوط ~~السلوكية هي سبيل إشاعة جو من الاحترام والتعظيم يفرضه موقع النبي من أمته ~~، ويوحي بالهيبة والتوقير اللذين يؤثر إشاعتهما في نفس المسلم إيجابا في ~~علاقته برسول الله ، بحيث يلتقي لديه احترام الوجدان باحترام الطاعة ~~والالتزام. # ( @QUR@06 أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) أي حذرا من أن تحبط أعمالكم ~~إذا أسأتم احترام النبي ، مما قد يؤدي إلى الاستهانة به وبأمره ونهيه ، ~~فيقودكم ذلك إلى الابتعاد عن خط الإيمان بطريقة تلقائية لا شعورية ، تبعا ~~لما تتركه بعض PageV21P136 # الأوضاع من تأثير على بعضها الآخر ، فالناحية السلوكية قد تترك تأثيرها ~~على الناحية النفسية ، وتؤدي بالتالي إلى لون معين من الانحراف في اتجاه آخر. # * * * ### ||| ** احترام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التقوى # ( @QUR@07 إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ) تأدبا واحتراما ~~ومراعاة للجو الروحي الرفيع الذي يخلقه حضور الرسول في المجلس ، وللموقع ~~الذي يمثله الرسول في ساحة الرسالة ، مما يفرض على الحاضرين حوله أن يغضوا ~~أصواتهم عند الحديث معه ، أو مع بعضهم البعض ، ليستوعبوا فكريا وروحيا ~~كلماته في ما يعظهم به ، أو يوجههم إليه ، أو يخطط لهم من سبل ، أو يفتح ~~لهم من آفاق ، وهي أمور تحتاج إلى كثير من الهدوء لدى سماعها ، ليتعلمها ~~الآخرون من الحضور ... # ( @QUR@06 أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) لأنهم ضغطوا على ~~مشاعرهم وتغلبوا على عاداتهم ، طاعة وانقيادا لأمر الله ، والتزاما وإيمانا ~~، فنجحوا في الامتحان الإلهي في ما يكلف ms4865 الله به عباده من تكاليف تضغط على ~~أوضاعهم التي اعتادوها في حياتهم العامة وتدفعهم إلى الابتعاد عنها لمصلحة ~~أوضاع أخرى. # ( @QUR@04 لهم مغفرة وأجر عظيم ) ذلك هو الجزاء الذي أعده الله لمن ~~يعيشون النقياد المطلق له ، والتسليم الروحي إليه في خط التقوى والإيمان. # * * * ### ||| ** عدم توقير النبي صلى الله عليه وآله وسلم علامة على اللاعقل # ( @QUR@06 إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) التي يشتمل عليها بيتك ، عند ما PageV21P137 # تكون في حالة استرخاء تستسلم إليه طلبا لبعض الراحة الجسدية ، واستعدادا ~~لمرحلة جديدة من العمل ، فيرفعون أصواتهم ليقتحموا عليك لحظات نومك وراحتك ~~دون اعتبار لمقامك وحالتك ، ( @QUR@03 أكثرهم لا يعقلون ) لأن العقل يدفع ~~صاحبه إلى احترام أوضاع الناس الخاصة ومشاعرهم الذاتية ، وإلى عدم الإساءة ~~إليهم في ذلك كله ، الأمر الذي يجعل من لا يراعون ذلك في سلوكهم العملي ممن ~~لا يعقلون. # ( @QUR@06 ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ) بعد حصولك على ما تريد من ~~الراحة ، أو بعد تخففك من مسئولياتك العائلية الخاصة التي قد تشغل الإنسان ~~عن بعض من حوله ، ( @QUR@03 لكان خيرا لهم ) لأن ذلك هو سبيل الانسجام مع ~~حركة المسؤولية في نطاق العلاقة بالآخرين ، لا سيما إذا كانت المسألة تتصل ~~بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي ينبغي للمسلمين أن يراعوا قضاياه ~~الخاصة وموقعه المميز ، ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) في إشرافه على سلوك ~~عباده وغفرانه ذنوبهم ، إذا تابوا ورجعوا إليه ، وفي رحمته لهم في كل ~~أوضاعهم العامة والخاصة في نقاط ضعفهم التي يخضع لها وجودهم كله. # * * * PageV21P138 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاسق ): الخارج عن الطاعة إلى المعصية. # ( @QUR@01 بنبإ )؛ النبأ : الخبر العظيم الشأن. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول للنيسابوري قال : «نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق مصدقا ، وكان ~~بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فلما سمع القوم تلقوه تعظيما لله تعالى ~~ولرسوله ، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم ms4866 ، فرجع من الطريق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : PageV21P139 # إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي ، فغضب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهم أن يغزوهم ، فبلغ القوم رجوعه ، فأتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : سمعنا برسولك ، فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي ~~إليه ما قبلنا من حق الله تعالى ، فبدا له في الرجوع ، فخشينا أن يكون إنما ~~رده من الطريق كتاب جاءه منك بغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه ~~وغضب رسوله ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا )، يعني الوليد بن عقبة» (1). # وإذا صح هذا الخبر ، فإنه يمنح الفهم القرآني للآية الجو الميداني الذي ~~انطلقت منه وتحركت به في الواقع الإسلامي آنذاك .. فهناك فاسق لا يتورع عن ~~الكذب ، جاء إلى النبي يخبر عن جماعة مسلمين ، وهناك مشكلة كان من الممكن ~~أن تحدث عند الاستجابة لهذا الخبر ، وهي إعلان محاربة هؤلاء الناس لمنعهم ~~الصدقات ، وتصديهم لرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطرد ، لولا أن يكشف ~~الله لرسوله حقيقة هذا الشخص في فسقه وفي كذبه. # هكذا عاش المسلمون هذه المسألة في واقعهم بشكل حي ، لتتحرك القاعدة ~~الشرعية على أرض الواقع ، بحيث تصبح أكثر تأثيرا في وجدانهم ، مما لو كانت ~~مجرد فكرة في الذهن. # * * * ### ||| ** وجوب تبين خبر الفاسق # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) في ما يوحي به الإيمان من استقامة على ~~خط الحق والعدل ، وانفتاح على الله ، في ما يأخذ به المؤمن أو يدعه في ~~مواقع المسؤولية ، ( @QUR@04 إن جاءكم فاسق بنبإ ) يتعلق بحياتكم الخاصة أو ~~بحياة الآخرين مما PageV21P140 # يمكن أن يؤثر تأثيرا سلبيا على صورة الموضوع الحقيقية من جهة ، وعلى حركة ~~واقع المعني بالنبإ أو من حوله من جهة أخرى ، ( @QUR@01 فتبينوا ) الحقيقة ~~بطريقتكم الخاصة التي تؤدي إلى الوضوح في الرؤية وتبعد كل عناصر الشك ، لأن ~~فسق هذا المخبر قد يدفعه إلى الكذب في أصل الموضوع أو في تفاصيله ، الأمر ~~الذي يفرض العمل على اكتشاف الصدق أو الكذب في كلامه ms4867 بشكل حاسم ، لئلا يؤدي ~~تصديقه إلى ما لا تحمد عقباه من ظلم الأبرياء والتصرف معهم بغير حق ، ( ~~@QUR@04 أن تصيبوا قوما بجهالة ) أي لئلا تصيبوا بعض الناس من دون تثبيت أو ~~من دون أساس ، وتكتشفوا بعد ذلك طبيعة الموضوع ، ( @QUR@05 فتصبحوا على ما ~~فعلتم نادمين ) على ما فعلتموه. # وهذا خط أصيل يحكم مسألة قبول الأخبار المنقولة عن الناس ، فلا يجوز قبول ~~الخبر الذي لا يكون محل ثقة بسبب طبيعة المصدر الذي نقله لوجود خلل في ~~استقامته الدينية أو عدم إمكانية الثقة بكلامه ، وبذلك نستطيع أن نعتبر ~~القضية دائرة مدار الوثاقة في النقل لا مدار الالتزام بشكل عام وعدمه ، ~~بعيدا عن مسألة الوثاقة وعدمها ، بحيث يكون الأساس هو فسق الناقل في ما ~~يشتمل مسألة الكذب ، لا في ما يبتعد عنه ، كما في الناس الذين لا يلتزمون ~~الحكم الشرعي في حياتهم العامة والخاصة ، ولكنهم يلتزمون الصدق بشكل عام .. # وقد تحدث الأصوليون في علم أصول الفقه حول دلالة هذه الآية ، بطريق ~~الدلالة المفهومية ، على حجية خبر العدل ، على أساس أن المنطوق قد علق وجوب ~~التبين على مجيء الفاسق بالنبإ ، ليكون المفهوم عدم وجوب التبين إذا لم ~~يجيء به الفاسق بأن جاء به العدل ، وقد أثير حول ذلك إشكالات كثيرة ، لا ~~مجال للحديث عنها الآن. # * * * PageV21P141 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@027 واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ~~ولكن الله حببإليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون (7) @QUR@07 فضلا من الله ونعمة والله عليم ~~حكيم ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لعنتم ): لوقعتم في العنت ، والعنت : المشقة. # * * * ### ||| ** لو يطيعكم رسول الله في كثير من الأمر لعنتم # ( @QUR@05 واعلموا أن فيكم رسول الله ) الذي جعل الله له النبوة في ما ~~يبلغكم به عن الله ، والقيادة في ما أوكل إليه من إدارة أموركم وترتيب ~~أوضاعكم لمعرفته بالعمق الخفي من مصالحكم ، لأنه ينظر إلى آفاق المستقبل ، ~~بينما تستغرقون أنتم في اللحظة الحاضرة السريعة ، وينفتح على عواقب الأمور ~~بينما ترتبطون ببداياتها ... PageV21P142 # لذا عليكم أن تسلموا إليه كل أموركم ، ولا تكلفوه ms4868 إطاعتكم في ما تحبون ، ~~لأن كثيرا مما تحبونه أو تطلبونه لا يرتبط بمصلحتكم الحقيقية في الحياة. ~~وهو ( @QUR@07 لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) أي لوقعتم في جهد ومشقة ~~بسبب المشاكل التي تثيرها رغباتكم ، تماما كما حدث في مسألة إخبار الوليد ~~بارتداد بني المصطلق وامتناعهم عن أداء الصدقة ، ورغبتكم في إعلان الحرب ~~عليهم على أساس ذلك ، فلو أن النبي أطاعكم في ذلك ، لوصل الأمر بكم ~~وبالمسلمين إلى ما لا تحمد عقباه ، بينما كان الموقف الذي اتخذه النبي سببا ~~في منع حدوث المشكلة. # ( @QUR@08 ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) من خلال الفكر ~~الذي انفتحتم فيه على الله ، وعرفتم فيه مواقع الخير في حركة القيادة في خط ~~الرسالة ، وانطلقتم معه إلى الآفاق الرحبة المفتوحة على مواضع رضى الله ~~ولطفه ورحمته ، وعشتم الطمأنينة الهادئة المستقرة في أعماق قلوبكم ، ورأيتم ~~في ذلك كيف يمكن أن تكون طاعة الرسول هي سبيل الهدى والرشاد والنجاة ، ~~وبذلك كان حب الإيمان واتخاذه موضع الزينة في قلوبكم ، حركة في الحق ~~وانطلاقة في الخير. # ( @QUR@05 وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) بما أودعه في وعيكم ~~الروحي والعقلي من معرفة نتائج الأعمال السلبية ، التي تفتح لكم أبواب ~~النيران ، وتغلق عنكم أبواب الجنان ، وبما أثار فيكم من وعي الحقيقة ~~المرتبطة بالله التي يطل عليها الإيمان ، في مواجهة الباطل الذي يطل عليه ~~الكفر والفسوق والعصيان ، الذي يسيء إلى الحياة والإنسان ويرميكم في بحار ~~المشاكل الروحية والمادية التي لا عد لها ولا حصر ، وهذا جعلكم ممن انفتحوا ~~على رشد الإيمان ، ( @QUR@03 أولئك هم الراشدون ) الذين انطلقوا من الفطرة ~~التي تلتقي بالحقيقة كلها من خلال ينابيع الصفاء والوجدان. # ( @QUR@04 فضلا من الله ونعمة ) لا يدانيه فضل ، ولا تقترب منه نعمة ، ~~لأنه طريق الخلاص في الدنيا والآخرة ، ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) فهو ~~الذي يعلم بمواقع الخير في فضله ونعمه ويعمق الحكمة في كل عطاياه. # * * * PageV21P143 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@030 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما ms4869 بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) @QUR@010 إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بغت )؛ البغي : الظلم والتعدي بغير حق. # ( @QUR@01 تفيء ): ترجع. # ( @QUR@01 وأقسطوا ): اعدلوا. # * * * ### ||| ** واجب الإصلاح بين المؤمنين # للمجتمع الإسلامي أخلاقيات تحكم علاقات الناس فيه ، هدفها المحافظة PageV21P144 # على وحدته وسلامته ، ومنها الإصلاح في ما يتنازع فيه الناس ويتقاتلون ~~عليه ، والوقوف ضد الباغي عند ما يتمرد البعض فيه على الآخرين ، والحكم ~~بينهم بالعدل في مجال الصلح والحسم ، واعتبار الأخوة علاقة أساسية بين ~~المؤمنين ، بحيث يتحملون مسئولية الإصلاح على خط التقوى الذي يشمل كل ~~أوضاعهم وعلاقاتهم. # ( @QUR@05 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) كما يفعل الناس عادة جراء ~~خلافهم حول القضايا الخاصة أو قضايا المال أو الرأي أو العرض أو العصبية أو ~~نحو ذلك ، عند ما يدخل الشيطان بينهم ويثير العداوة والبغضاء ويؤدي بهم ذلك ~~إلى حمل السلاح ضد بعضهم البعض ، ( @QUR@02 فأصلحوا بينهما ) بالوسائل التي ~~تملكون تحريكها في جمع الشمل ولم الشعث وتأليف القلوب وتقريب المواقف أو ~~توحيدها ، وقد وضع الإسلام الإصلاح بين المؤمنين في مرتبة عليا تتقدم على ~~المستحب من الصلاة والصيام ، وقد بلغ الاهتمام به حدا كبيرا بحيث أجاز ~~للمصلحين الكذب إذا توقف الإصلاح عليه. # ( @QUR@05 فإن بغت إحداهما على الأخرى ) وامتدت بالعدوان ، فلم تقبل ~~بالصلح ولم ترجع إلى ما تملكه من مواقع الحق ( @QUR@08 فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله ) من الوقوف عند الحق أو القبول بالصلح ، لأن إبقاء ~~الأمور معلقة في المجتمع ، وعدم اللجوء إلى ما يلغي الخلافات من موقف حاسم ~~تتخذه القوة الاجتماعية على مستوى القيادة أو القاعدة ، قد يهدم قواعد ~~المجتمع ، ويدفع به إلى الانهيار ، ويجعل الإسلام في موقع الخطر. وهذا ما ~~جعل الأمر بالقتال موجها إلى أفراد المجتمع كله على نحو الوجوب الكفائي ~~الذي إذا قام به البعض سقط عن الكل ، وإذا تركوه أثموا جميعا. # ( @QUR@02 فإن فاءت ) ورجعت الطائفة المعتدية إلى أمر الله ، ( @QUR@03 ~~فأصلحوا بينهما بالعدل ) وذلك بالرجوع إلى الأحكام الشرعية المجعولة في ~~موارد الخلاف ( @QUR@01 وأقسطوا ) بينهما ليأخذ كل فريق منهما ما يملكه ms4870 من ~~حق ، أو ما يفرضه الصلح في ما يتراضيان به ، ( @QUR@04 إن الله يحب ~~المقسطين ) الذين يعملون على أساس تحقيق PageV21P145 # التوازن بين أفراد المجتمع ، وإرجاع القضايا إلى نصابها الطبيعي ، وإعطاء ~~كل شخص ما يستحقه ، لأن ذلك هو ما يجعل الناس خاضعين لأوامر الله ونواهيه ، ~~وهو ما يمنحهم محبته ورضوانه ويقربهم إليه. # * * * # ( @QUR@03 إنما المؤمنون إخوة ) # ( @QUR@03 إنما المؤمنون إخوة ) فقد جعل الله الإيمان من أسس الأخوة ، ~~تدخل في إطاره الحقوق التي فرضها للأخ على أخيه ، فإن الإيمان لحمة كلحمة ~~النسب ، وقد كثرت الأحاديث التي تؤكد على أن «المؤمن أخو المؤمن عينه ~~ودليله ، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه» (1)، وأن ~~«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يغشه ولا يخذله ولا يغتابه ولا يخونه ولا ~~يحرمه» (2). # والمراد بالمؤمن في كل موارد القرآن ، المسلم الذي عاش الإيمان عقيدة في ~~قلبه والتزم بالإسلام في حياته ، مما يجعل الوحدة بين المسلمين تترسخ عبر ~~الأخوة الإسلامية الإيمانية التي جعلها الله قاعدة للعلاقة فيما بينهم. # وإذا كان المؤمنون إخوة ، فإن النداء الإلهي يتوجه إليهم جميعا ليصلحوا ( ~~@QUR@03 فأصلحوا بين أخويكم ) باعتبار أن الإصلاح من حقوق المؤمنين على ~~بعضهم البعض ، ومسئوليتهم في الحياة الاجتماعية الإسلامية ، التي يعتبر ~~الجميع معنيين بتوازنها وتماسكها واستقامتها في خط الصلاح والإصلاح والوحدة ~~، ( @QUR@02 واتقوا الله ) في كل أموركم وعلى مستوى العلاقات كي لا تختلفوا ~~بالباطل ، وفي خلافاتكم لتحلوها على قاعدة التقوى المرتكزة على شريعة الله ~~في ما جعله الله من الحقوق في الحياة العامة والخاصة للناس ، ( @QUR@02 ~~لعلكم ترحمون ) لأن الله جعل PageV21P146 # رحمته للمتقين والملتزمين بالسير على خط رضاه ، ولمن يلتزمون شريعته في ~~أوضاعهم الفردية والاجتماعية ، لأن ذلك سبيل الوصول إلى النتائج الإيجابية ~~على مستوى السلامة العامة للحياة ، الأمر الذي يربط الناس بالإسلام من خلال ~~الرحمة الإلهية في شريعته ، واللطف الإلهي في رحمته ورضوانه. # * * * PageV21P147 ### ||| * الآية # ( @QUR@040 يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس ms4871 الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تلمزوا )؛ اللمز : التنبيه إلى المعايب. # ( @QUR@01 تنابزوا )؛ النبز : القذف باللقب. # * * * # ( @QUR@05 لا يسخر قوم من قوم ) # لكل إنسان في المجتمع المسلم احترامه ، فليس لإنسان أن يسيء إلى حرمة ~~إنسان آخر فيه بقول كلمات تسيء إلى كرامته أو تؤذي مشاعره ، سواء كان PageV21P148 # ذلك من خلال مضمونها ، أو من خلال طريقة قولها ، أو استخدام الإشارة ~~بأسلوب يوحي بالإذلال والانتقاص. وعلى ضوء ذلك ، حرم الإسلام السخرية التي ~~يمارسها بعض الناس ضد بعضهم الآخر لشعورهم بالتفوق عليهم في بعض الصفات ، ~~أو في بعض الأفعال ، أو في بعض المواقع العامة والخاصة ، مما يتفاضل به ~~الناس في درجاتهم وأوضاعهم ، الأمر الذي يوحي إلى صاحب الصفة الجيدة بالعلو ~~على فاقدها ، ويدفعه إلى احتقاره باعتباره الأقل درجة منه ، ويؤدي به إلى ~~السخرية والهزء به ، وهذا ما تعالجه هذه الآية. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) والتزموا الإيمان قاعدة للسلوك في ~~الحياة والعلاقات العامة ( @QUR@05 لا يسخر قوم من قوم ) في مجتمع الرجال ~~الذين يشعرون بالفضل على غيرهم ، فيدفعهم ذلك إلى احتقار الآخرين والنظر ~~إليهم من فوق ، وذكر صفات توحي بتحقيرهم ، سواء بقول أو إشارة أو فعل تقليد ~~، بحيث يحمل الآخرين على الضحك مثلا ، ( @QUR@05 عسى أن يكونوا خيرا منهم ) ~~لأن الساخر إذا كان يفضل على الآخر بصفة ، فقد يكون أقل منه درجة بلحاظ صفة ~~أخرى يفقدها هو ، مما يتصف به الشخص الذي يسخر منه مما يمكن أن يرفع شأنه ~~في الدنيا والآخرة ، ويكون مقربا من الله على أساسها ، فيكون قد سخر ممن هو ~~خير منه. لذا فلا بد للنظرة من أن تكون شاملة لجميع الجوانب العامة والخاصة ~~للناس ، حتى يستطيع الإنسان دراسة القيمة التي يخضع لها تفضيل شخص على آخر ~~، أو جماعة على أخرى. # ( @QUR@04 ولا نساء من نساء ) في المجتمع النسائي ( @QUR@05 عسى أن يكن ~~خيرا منهن ) فإذا سخرت المرأة الجميلة من امرأة قبيحة ، لشعورها بالتفوق ~~الجمالي عليها ، فقد تكون تلك المرأة خيرا منها لجهة ما تملكه من قوة ~~الذكاء أو الشخصية أو ms4872 المعرفة العلمية ، ونحو ذلك ... # * * * PageV21P149 ### ||| ** لا تلمزوا ولا تنابزوا # ( @QUR@03 ولا تلمزوا أنفسكم ) بالتحدث عن معايبكم ، فكأن الإنسان يذكر ~~نفسه بالسوء عند ما يذكر أخاه بالسوء انطلاقا من وحدة المجتمع وتكامله على ~~تنوع أفراده ، ( @QUR@03 ولا تنابزوا بالألقاب ) بأن يذكر أحدكم الآخر بلقب ~~يوحي بذمه مما ينكره الناس ، أو يذكره بما يكرهه من ألقاب لاصقة به بطريقة ~~أو بأخرى ، لأن ذلك يؤذي الناس ويسيء إليهم ويضغط على مشاعرهم وكرامتهم في ~~المجتمع ، ( @QUR@05 بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) فإن السخرية بالناس ~~وذكرهم بما يسيء إليهم ، يوجب اتصاف الذاكر لهم بذلك والساخر منهم بصفة ~~الفسق التي لا تتناسب مع صفة الإيمان التي يتمثلها في نفسه ، فكيف يستبدل ~~الإنسان بهذه الصفة الشريفة صفة مخالفة لها؟! # وقيل : إن المعنى : بئس الذكر ذكر الناس بعد إيمانهم بالفسوق ، فإن الحري ~~بالمؤمن بما أنه مؤمن ، أن يذكر بالخير ولا يطعن فيه بما يسوؤه ، نحو : يا ~~من أبوه كذا ، ويا من أمه كانت كذا ، والمعنى الأول أقرب ، لأن الظاهر أنها ~~واردة في مجال التحذير من ذلك بلحاظ ما يترتب عليها من نتائج سلبية. # ( @QUR@06 ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية ~~وظلموا غيرهم بالسخرية والإساءة ، مما يجعلهم في موقع الظالمين في العقوبة ~~والدرجة السفلى عند الله سبحانه. # وهذه بعض الضوابط التي تحفظ توازن السلوك الإنساني في العلاقات ~~الاجتماعية ، التي يراد بها إيجاد حالة من الاستقرار النفسي والعملي الذي ~~يفتح للمجتمع باب السلام ، ويحقق له الثبات على قاعدة العدل واحترام ~~إنسانيته. # * * * PageV21P150 ### ||| * الآية # ( @QUR@032 يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يغتب )؛ الغيبة : ذكر عيب إنسان بظهر الغيب ، بالطريقة التي ~~تسقط مكانته ، وتسيء إلى كرامته. # * * * ### ||| ** اجتناب الظن # ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ) الذي يمثل حالة ~~وجدانية منفعلة برؤية خالية من الوضوح ، متعلقة بحدث أو بشخص في ما تثيره ~~من انطباعات فكرية في مجال ms4873 التقييم ، أو من أحكام عملية في مجال السلوك ~~الواقعي ، أو في ساحة المسؤولية ، دون أن يكون هناك أساس يقيني يقطع الشك ~~ويبتعد عن PageV21P151 # الريب ، ( @QUR@04 إن بعض الظن إثم ) لأن كثيرا من الخواطر التي تخطر ~~بالبال ، أو التي تبدو على سطح الأحداث ، أو تتحرك بها بعض المعطيات غير ~~الدقيقة أو غير الموثوقة ، لا تتناسب مع طبيعة واقع الحدث أو الشخص ، لأن ~~أية حالة غير يقينية ، لا بد من أن تحمل الكثير من الأخطاء والأوهام التي ~~لا ترجع إلى قاعدة صواب ، مما يجعل الاعتماد عليها اعتمادا على الباطل ، ~~وهو خطيئة في طبيعته أو في آثاره ، الأمر الذي يستلزم اجتناب كثير من ~~الظنون التي لا يعرف فيها وجه الحق ، في ما يتميز به الحق عن الباطل ، حتى ~~لا يقع الناس في الظنون الباطلة ، ويبقى أن يلاحق الفكر الظن بالبحث ~~والاستقصاء للوصول إلى النتيجة الحاسمة التي تطل على الحقيقة. # وهذه القاعدة تضمن للمجتمع استقراره النفسي ، عند ما يعيش أفراده الشعور ~~بأنهم لا يواجهون الأحكام أو الانطباعات السلبية البعيدة عن الدقة من قبل ~~الآخرين ، وعند ما يتوخى المؤمنون الدقة في دراسة الحيثيات الموثوقة ، في ~~ما يحكمون به على الناس أو ما يحملونه من انطباعات عنهم. # وقد جاء في الأحاديث المأثورة التأكيد على حمل المؤمن على الأحسن أمام ظن ~~السوء ، وذلك للإيحاء بالجانب الإيجابي من شخصيته ، بدلا من الاستغراق في ~~الجانب السلبي الذي يوحي بالاتهام أو الحكم بالسوء. ولعلنا نحتاج إلى ~~التوضيح بأن ذلك لا يعني الحكم على أساس الجانب الإيجابي الذي لا يقين فيه ~~، بل المقصود توجيه النظر إلى الجانب الإيجابي كاحتمال معقول يمنع عن الحكم ~~المرتكز على الظن ، كما ورد في الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام في ما رواه عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ~~قال : «لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوءا ، وأنت تجد لها في الخير محتملا» ~~(1)، مما يوحي بأن الاحتمال الواحد في المائة لا بد من أن PageV21P152 # يوقف المؤمن عن الحكم بنسبة التسعة والتسعين ms4874 بالمائة ، فلعل الحق في ~~الواحد ، ولكن ليس معنى ذلك أن يكون المؤمن ساذجا لا يحذر من الاحتمالات ~~المضادة. وورد في نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام : «إذا استولى ~~الصلاح على الزمان وأهله ، ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه حوبة ، فقد ~~ظلم! وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ، فأحسن رجل الظن برجل ، فقد ~~غرر» (1). # * * * ### ||| ** حرمة التجسس # ( @QUR@02 ولا تجسسوا ) بالبحث عن أسرار الآخرين الخفية ، مما لا يريدون ~~اطلاع الناس عليه من قضاياهم الذاتية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو ~~العسكرية وغير ذلك ، لأن الله أعطى الحياة الخاصة حرمة شرعية لم يجز للغير ~~اقتحامها ، وجعل للإنسان الحق في منع غيره من الاعتداء أو التلصص عليها ~~بأية وسيلة من وسائل المعرفة الظاهرة أو الخفية. # وقد يكون من الضرورة التنبيه على أن هذا المبدأ الاجتماعي لا يشمل ~~الحالات التي تمس فيها المصلحة العليا للإسلام والمسلمين والتي قد تستدعي ~~الاطلاع على بعض الأوضاع الخفية للأشخاص والمواقع والأحداث المتعلقة ~~بالآخرين ، مما يخاف ضرره ، أو يراد نفعه ، أو يركز قاعدته ، فيجوز لولي ~~أمر المسلمين اللجوء إلى هذا الأسلوب في نطاق الضرورة الأمنية والسياسية ~~والاقتصادية ، انطلاقا من قاعدة التزاحم بين المهم والأهم ، لتغليب المصلحة ~~التي تقف في مستوى الأهمية القصوى على المفسدة الناشئة من التجسس ، فإن ~~حرمة المسلمين تتقدم على حرمة الشخص أو الأشخاص في ذلك كله. # * * * PageV21P153 ### ||| * حرمة الغيبة # ( @QUR@04 ولا يغتب بعضكم بعضا ). # وهذه هي إحدى الحرمات الاجتماعية العامة التي يراد من خلالها تقييد حرية ~~الإنسان في التحدث عما يعرفه من عيوب الآخرين الخفية ، لأن الله جعل للمؤمن ~~الحق في حماية نفسه من ذلك ، مما يجعل المعرفة في هذا المجال أمانة شرعية ~~لا يجوز له أن يحركها في الدائرة الإعلامية إلا بإذن من صاحب العيب نفسه ، ~~أو من الله سبحانه باعتبار أنه ولي الأمر كله. # وقد يكون أساس تحريم الغيبة خاضعا لنقاط ثلاث : # الأولى : التأثير السلبي على كرامة الإنسان المؤمن والانتقاص منه بإظهار ~~عيوبه الخفية التي لا يعرفها الناس ، في الوقت الذي لا يملك الدفاع فيه عن ms4875 ~~نفسه ، أو تفسيره بالطريقة التي قد تعطيه عذرا فيه ، أو تخرجه من دائرة ~~العيب بسبب بعض الخصوصيات التي لا يعرفها الناس في طبيعة الموضوع ، مما ~~يجعل من الغيبة لونا من ألوان الحكم على الأشخاص دون إعطائهم حق الدفاع عن ~~أنفسهم ، وبذلك يفقد هؤلاء الشعور بالاستقرار النفسي والعملي في حياتهم ~~الخاصة ، فيبتعد المجتمع عن الحياة المتوازنة التي تتيح لأفراده الشعور ~~بالثقة والحماية من اعتداء الآخرين على حرياتهم وحرماتهم الخاصة ، فقد يكون ~~إفشاء أسرار العيوب أكثر خطورة من الاعتداء على المال أو نحو ذلك. # الثانية : الأثر الاجتماعي السلبي الذي يشيع العيوب في المجتمع بمستوى ~~يخيل فيه للأفراد أن الجو مشحون بالسلبيات ، مما يترك تأثيرا على الذهنية ~~العامة بما تخلقه من انطباع عام بأن الخير قليل في الحياة الإنسانية ، وأن ~~الشر يشمل الجو كله ، الأمر الذي يثير في النفس الإحساس بأن الخير أمر غير ~~واقعي في مقابل واقعية الشر وقوته. # الثالثة : الأثر العدواني الذي يثيره في نفس ضحية الغيبة ، بسبب ما تتركه PageV21P154 # من أثر سلبي على سمعته ومركزه بين الناس ، مما يؤدي إلى تعقيد علاقاته ~~بمن اغتابه وإلى تعقيد العلاقات في مجتمع هذا وذاك ، وينتهي ، بالتالي ، ~~إلى العداوة والبغضاء والتقاتل والتناحر. # وقد صور الأسلوب القرآني رفض هذا السلوك بطريقة تصوير تخييلية فظيعة تثير ~~النفور في النفس بصورة عفوية ، باعتبارها تجسيدا حيا لوحشية هذا التصرف ~~الذي يرفضه الوجدان الإنساني على مستوى الفرد والجماعة ، لإثارة النفور في ~~الوجدان العام من ذاك السلوك. ( @QUR@08 أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه ) ونبذتموه وأخرجتموه من المجتمع لئلا تنتقل منه العدوى إلى ~~أفراده ، ولأن درجة وحشيته لا تترك مجالا للاعتراف بإنسانيته لفظاعة الصورة ~~، وأية صورة أفظع من صورة الإنسان الذي يموت أخوه أمامه ، ثم يأتي بالسكين ~~ليقطع من لحمه ، ويلتهمه قطعة قطعة ، في حالة سرور وفرح؟! # وقد لا تكون هذه الصورة هي ما يواجهه الناس في مسألة الغيبة بالحس ، ~~ولكنها تحمل المواصفات نفسها بالإيحاء ، فإن الغائب كالميت في عجزه عن ~~الدفاع عن نفسه ، كما أن أخوة الإيمان كأخوة ms4876 النسب في المفهوم القرآني ، ~~وكرامة الإنسان كلحمه ، مما يجعل الأكل من كرامته والاعتداء عليها ، كالأكل ~~من لحمه ، بل قد يكون أكثر تأثيرا في الواقع من ذلك ، فإذا كنتم تكرهون ~~الصورة الأولى لوحشيتها الحسية ، فاعملوا على أن تكرهوا الصورة الثانية في ~~وحشيتها المعنوية. # ( @QUR@02 واتقوا الله ) في ما تريدون أن تمارسوه منها في المستقبل ، كما ~~أن عليكم أن تتقوا الله في ما مارستموه في الماضي ، لتتوبوا إليه توبة تغلق ~~ملف الماضي ، وتفتح ملف التغيير في المستقبل ، ( @QUR@04 إن الله تواب رحيم ~~) في ما جعله على نفسه من قبول التوبة من مواقع رحمته ، ومن محبته للتوابين ~~من خلال الروحية المخلصة لله في ذلك. # * * * PageV21P155 ### ||| ** مستثنيات حرمة الغيبة # وإذا كان الله قد حرم الغيبة للأضرار الناجمة عنها على مستوى الفرد ~~والمجتمع ، فقد ذكر الفقهاء بعض الاستثناءات في الموارد التي قد تكون ~~المصلحة فيها في جانب الغيبة أكثر من المفسدة التي تختزنها ، وبذلك تتدرج ~~المسألة في هذه الموارد في دائرة الفكرة التي تثيرها الآية الكريمة الواردة ~~في الخمر والميسر ، وهي قول الله تعالى : ( @QUR@014 يسئلونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) [البقرة ~~: 219] ، مما يوحي بأن كل شيء كانت مفسدته أكثر من منفعته كان حراما ، وبأن ~~كل شيء كانت منفعته أكثر من مفسدته كان حلالا. # ويذكر الفقهاء نماذج من ذلك ، منها : النصيحة للناس ، فقد يحتاج كثير من ~~الأفراد والجماعات إلى النصيحة في القضايا المتصلة بالعلاقات العامة ~~والخاصة في مسائل الزواج والمشاركة والمسؤولية ، ما قد يفرض الحاجة إلى ~~التعرف على مواصفات الأشخاص المعنيين بالموضوع في عيوبهم الشخصية ونقاط ~~ضعفهم العامة ، لتفادي الوقوع في المشاكل المستقبلية إذا قدر للعلاقة أن ~~تنشأ معهم ، ليكتشفوا العيوب بعد ذلك ، فتكون الغيبة في هذه الدائرة أسلوبا ~~وقائيا يمنع المشاكل قبل حدوثها ، ويجنب المجتمع من الوقوع في المهالك ~~المرتقبة. # ومنها حالة الظلم التي يحتاج فيها المظلوم إلى الحديث عن ظالمة بعيوبه ~~الخفية المتصلة بمسألة الظلم ، على رأي بعض ، ليرفع الظلم عن نفسه بذلك ، ~~أو في مطلق عيوبه ، على رأي ms4877 بعض آخر ، ليملك فرصة الدفاع عن نفسه بالهجوم ~~على ظالمة والضغط على سمعته في نقاط ضعفه ، ليتراجع عن ظلمه ، أو ليضغط ~~الآخرون في ذلك ، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@010 لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) [النساء : 148] في ما استثناه من كلام ~~المظلوم بالسوء ضد ظالمة. # ومنها : الحالات التي قد يكون فيها التستر على عيب الشخص مصدر PageV21P156 # خطر على المجتمع ، لأن العيب قد يؤثر تأثيرا سلبيا على سلامته ، كما إذا ~~كان هذا الشخص جاسوسا خفيا للأعداء الذين يكيدون للأمة أو للشخص البريء ، ~~مما يجعل من إخفاء صفته خطرا محققا على سلامة الفرد أو المجتمع ، أو لأن ~~إخفاء العيب يؤثر على نفس صاحبه ، باعتبار أن ظهوره قد يدفعه إلى إصلاحه ، ~~وإلى تغيير موقفه أو شخصيته ، فتكون الغيبة مصدر خير له ، كما تكون مصدر ~~سلامة وخير للفرد والمجتمع في الفرضية الأولى. # وهناك نماذج أخرى مماثلة لهذه النماذج ، مذكورة في كتب الفقه ، كما أن ~~هناك خطا عاما في ما ذكرناه قد يفتح القضية على أكثر من نموذج في حركة ~~الواقع على صعيد ما يكشفه المستقبل من قضايا. ولكن هذه الاستثناءات لا تلغي ~~القاعدة وهي حرمة الغيبة بشكل عام ، بالمستوى الذي جاءت به الأحاديث بأنها ~~من الكبائر التي يستحق عليها المذنب دخول النار (1)، مما يفرض على الإنسان ~~أن يتقي الله في سلوكه من هذه الناحية لتقوده التقوى إلى الابتعاد عنها. # * * * ### ||| ** من هم الذين تحرم غيبتهم؟ # تحدث الفقهاء عن الأشخاص الذين تحرم عيبتهم ؛ هل هم كل المؤمنين بالله ~~الملتزمين بخط الإسلام ، أم جماعة معينة منهم فقط؟ ولكننا نلاحظ أن PageV21P157 # القرآن أعطى القاعدة العامة في ثبوت الحرمة الشرعية لكل المؤمنين ، وهم ~~كل من دخلوا في الإسلام عن قناعة ، بعيدا عن الجانب المذهبي الخاص في ما ~~يتعلق بتفاصيل العقيدة. # وإذا كانت الآية مختصة بالمسلمين المؤمنين ، فقد نستوحي أنها مسألة تتصل ~~بالأخلاق الاجتماعية العامة ، كقيمة إنسانية شاملة ، باعتبارها من القضايا ~~التي تتصل بالسلامة العامة للمجتمع ، ولا يقتصر الأمر فيها على مجموعة ~~معينة ، بل تشمل ms4878 الجميع ، كغيرها من الأخلاق الإنسانية التي لا تختص بموقع ~~دون موقع. ولكن بعض الفقهاء يرى أن مسألة حرمة الغيبة تتصل بالاحترام الذي ~~يكتسبه الشخص من موقع الإيمان ، مما يجعلها مرتبطة بالعنصر الإيماني ، لا ~~بالعنصر الإنساني ، فلا حرمة لغير المؤمن ، وبذلك ، فإنها لا تشمل ~~الكافرين. # وهذا ما ينبغي التدقيق فيه وفي غيره من قواعد السلوك الاجتماعي في ~~الإسلام ، لنعرف جيدا ، هل أن القضية تمثل الشمول في المعنى الإنساني أم ~~أنها تمثل حالة من حالات القيمة المحدودة في موقع خاص؟! # ونلاحظ في هذا التسلسل في الآية ؛ من الظن ، إلى التجسس ، إلى الغيبة ، ~~أن القضية خاضعة للناحية الواقعية للمسألة ، فإن الإنسان يظن بالآخرين ~~السوء ، فيدفعه ذلك إلى التجسس الذي يطلع من خلاله على عيوبهم ، فيقوده ذلك ~~إلى الغيبة ، على أساس الروحية المعقدة القلقلة التي توحي بذلك كله. # * * * PageV21P158 ### ||| * الآية # ( @QUR@021 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (13) # * * * # ( @QUR@04 وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) # وهذه قاعدة إسلامية في النظرة العامة إلى الناس على اختلاف ألوانهم ~~وقومياتهم وخصوصياتهم العائلية والجغرافية ، فهي ، في الوقت الذي تؤكد فيه ~~على جانب التنوع في الخصوصيات العرقية واللغوية والنسبية والجغرافية ونحوها ~~بما يستتبعه من اختلافات على مستوى الواقع ، فإنها لا تمنح أي نوع قيمة ~~خاصة ترسم الفواصل بين الإنسان والآخرين ، وتقوده إلى استعدائهم أو محاولة ~~السيطرة عليهم بأي عنوان عرقي أو قومي ، بل إن تنوع الخصوصيات وسيلة من ~~وسائل التعارف باعتبار حاجة كل فريق إلى ما يملكه الفريق الآخر من خصوصيات ~~فكرية وعملية ، ليتكامل الاثنان في صيغة إنسانية متنوعة ، بحيث يكون ~~التعارف غاية التنوع ، بدلا من التحاقد والتناحر والتنازع ، ثم تكون القيمة ~~في التقوى التي تعبر عن مضمون الشخصية المؤمنة العاملة في خط الصلاح ، في ~~ساحة رضوان الله ، في ما يلتزمه الإنسان من تقوى الله. PageV21P159 # ( @QUR@03 يا أيها الناس ) الذين تختلفون في ألوانكم وقومياتكم وخصائصكم ~~الأخرى التي تتنوع فيها ملامحكم وأشكالكم ، ( @QUR@05 إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى ) يلتقيان في كونهما نفسا إنسانية ms4879 واحدة ، ويختلفان في خصائص كل ~~منهما الذاتية التي تتكامل وتتحد وتتفاعل لتكون الإنسان الواحد الذي هو ~~ثمرة الوحدة في التنوع ، مما يجعل الإنسانية تمتد من موقع الوحدة والتمايز ~~الذي لا يلغي الخصوصية ولكنه يوحدها. # ( @QUR@03 وجعلناكم شعوبا وقبائل ) في ما يختلف فيه الناس من خصائصهم ~~اللونية أو العرقية أو اللغوية ، أو خصائصهم النسبية من اختلاف الآباء ~~والأجداد ، ( @QUR@01 لتعارفوا )، فذلك هو الهدف الذي يجب السعي إلى ~~اللقاء عنده والتطلع نحوه ، كغاية من غايات الوجود الإنساني المتنوع ، مما ~~يعني البعد عن تأكيد الذاتية وما يفصل الناس عن بعضهم البعض ، والانفتاح ~~على الطبيعة الواحدة التي تحتضن تنوع البشر أجناسا وشعوبا وقبائل ، ~~فالتعارف أمر إنساني غايته إغناء التجربة الإنسانية بالمعرفة والتجربة ~~المتنوعة للوصول إلى التكامل الإنساني. # ولكن اختلاف أي جنس عن جنس آخر ، لا يعطيه ، ولأي سبب ، قيمة روحية تقربه ~~إلى الله ، لأن الله هو خالق جميع الناس بكل خصوصياتهم ، فلا معنى لأن يقرب ~~إليه بعضهم لخصوصية معينة لم يصلوا إليها بجهدهم ، بل وهبهم إياها لتحقيق ~~ما قضى به من تمايز بين البشر ، فالقيمة الروحية التي يتقرب بها الإنسان ~~إلى ربه ، هي التجسيد العملي للتقوى الفكرية والسلوكية ، لذلك ف ( @QUR@05 ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) لأن التقوى هي حالة انفتاح روحي دائم على الله ~~، وإرادة التزام جديدة بأوامره ونواهيه ، وعملية تجسيد حي لعبودية الإنسان ~~لربه ، مما يجعل حركة الإنسان في وجوده سائرة في اتجاه رضوان الله ، ويوحي ~~بالقرب الروحي منه بحيث يتطلع إلى الحصول على الكرامة الإلهية في مغفرة ~~الله ورحمته ورضاه. # والتقوى بهذا المعنى ، هي الخط الذي يحقق للإنسان الإحساس الدائم بالحضور ~~الإلهي في كل أعماله وأقواله ، بحيث يكون مشدودا إلى الله في كل PageV21P160 # أوقاته ، ويبني له ضميره الواعي ، وشخصيته الإسلامية الملتزمة ، ويؤكد ~~على أن القيمة الإنسانية التي تمثل أساسا للتكريم ، هي العمل في الخط ~~المستقيم المنفتح على الله وعلى الحياة وعلى الإنسان من موقع المسؤولية ، ~~ليكون العمل هو القيمة ، لا خصوصيات شخصية الإنسان. # ( @QUR@04 إن الله عليم خبير ) في ما تلتزمون به من الحدود الشرعية ms4880 في ~~خطوط الحلال والحرام ، بحيث لا تتجاوزونها إلى غيرها مما تفرضه عصبياتكم ~~القومية والعرقية والجغرافية ونحوها. # * * * ### ||| ** هل الإسلام يلغي الخصوصيات الإنسانية؟ # لكن هل يعني ذلك رفض الخصوصيات الإنسانية؟ هنا يبرز سؤال يبحث عن إجابة: ~~ما هي نظرة الإسلام إلى الخصوصيات على المستوى القومي والعرقي أو الجغرافي ~~، هل يقف موقف الرفض لكل صفة إنسانية خاصة غير التقوى أم يتجاوب معها في ~~حدود معقولة؟ # الجواب عن ذلك ، هو أن إلغاء الخصوصيات لا يمثل أمرا واقعيا ، لأن ~~الإلغاء لا يغير شيئا من طبيعة المسألة الذاتية ، أو من تأثيراتها ~~الموضوعية ، باعتبار أن تلك الخصوصيات تدخل في تكوين الذات في العمق ولا ~~تمثل حالة هامشية ، مما يجعل وجود الخصوصيات مشكلة غير قابلة للحل ، كما أن ~~العمل على إلغائها يضاعفها عمليا ونفسيا. # وعلى ضوء ذلك ، فإن الإسلام يشجع على تحريك الخصوصيات في دائرتها ~~الداخلية بجانبها الإيجابي الذي يدفع الإنسان إلى التفاعل عاطفيا وعمليا مع ~~من يشاركونه تلك الخصوصيات والقضايا المتعلقة بها ، ولكن بشرط أن لا تتحول ~~تلك المشاركة إلى عقدة عصبية تأخذ بعدا عدوانيا تجاه الآخرين ، بحيث تبتعد ~~عن الخط الذي وضعه الإسلام في تشريعه للقاعدة التي تقوم عليها PageV21P161 # العلاقات وتتحرك على أساسه مشاريعها العامة والخاصة ، بحيث تصبح ~~الخصوصيات فاصلا يفصل كل فئة عن الناس الذين لا يشاركونها فيها. # إن الخصوصيات الإنسانية تمثل حالة ذاتية ككل حالات الإنسان الذاتية ~~الأخرى التي يتعامل معها من منطق الاعتراف بها كحقيقة موضوعية في وجوده ، ~~ولكنها لا تمثل ميزانا للتقييم تخضع له حركة الإنسان في علاقاته ومعاملاته ~~وأوضاعه العامة ، فميزان التقييم الحقيقي هو العمل الذي يمثل خط حياة ~~الإنسان في كل شؤونه. وهكذا ، فإن الخصوصيات تمثل إطار الشخصية ، ولكن ~~الصورة التي توضع داخل الإطار هي مقياس القيمة ، ولعل أبلغ تعبير عن هذه ~~الفكرة ، ما ورد في الحديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين ~~عليه السلام حول العصبية قال إن «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى ~~الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية أن يحب ms4881 الرجل ~~قومه ، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم» (1). # وإذا كانت الآية تعتبر التعارف عنوانا لتأكيد التنوع في خصوصياته ، فإن ~~معناها هو أن الخصوصيات تفرض نفسها على ساحة العلاقات في الواقع ، ليعيش ~~الجميع بعد ذلك ، أو من خلال ذلك ، في دائرة التقوى التي تتجاوز الخصوصية ~~في واقعيتها إلى القيمة في حركتها الإيمانية. # * * * PageV21P162 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم (14) @QUR@018 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) ~~@QUR@016 قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ~~والله بكل شيء عليم (16) @QUR@019 يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) @QUR@010 ~~إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يلتكم ): ينقصكم. # * * * PageV21P163 ### ||| ** الفرق بين الإيمان والإسلام # هل هناك فرق بين الإسلام والإيمان ، أم أنهما كلمتان مترادفتان ، فكل ~~مسلم مؤمن ، وكل مؤمن مسلم؟ # إن هذه الآيات تعطي الجواب عن هذا السؤال وتؤكد أن الإسلام يمثل في ~~مفهومه الانقياد العملي ، والتسليم الطوعي ، والانسجام الشكلي مع أوامر ~~الله ونواهيه ، بحيث يصبح الشخص جزءا من المجتمع المسلم بما يفرض عليه من ~~حقوق وواجبات ، سواء جاء إسلامه نتيجة ظروف خارجية ضاغطة ، كحال من يدخل في ~~الإسلام رهبة من نتائج وقوفه في الجانب المضاد ، أو جاء رغبة وطمعا في ~~الأرباح والمكاسب التي يمكن أن يحصل عليها من إسلامه ذاك ، إلى غير ذلك من ~~الدوافع التي قد تشكل سببا لدخول الناس في الإسلام. # فالله لم يجعل الإيمان شرطا للدخول في الإسلام ، بل ارتضى لهم أن ينسجموا ~~مع الجو الإسلامي العام ، وأن يدخلوا في مجتمع المسلمين ، ويخرجوا من مجتمع ~~الكافرين ، لأن هدفه أن يجمع الناس حوله ، ليضعف قوة الكفر أو الشرك بشكل ~~عملي ، وليبدأ عملية التوعية والتربية الروحية والفكرية والتوجيه العملي من ms4882 ~~داخل الأجواء الإسلامية ، ليبني قناعة الناس بالإسلام ، أو ليبعدهم على ~~الأقل عن مجتمع الكفر ، مع دعوته الدائمة للحذر منهم ، ليكون المسلمون ~~المؤمنون على حذر دائم ويقظة مستمرة. # أما الإيمان ، فإنه قناعة فكرية وروحية يجسدها السلوك الخارجي عملا ، ~~ليكون قناعة في الفكر ، وشهادة باللسان ، وحركة في العمل ، كما روي عن ~~الإمام علي عليه السلام في ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ~~«قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في ~~القلب وعمل بالأركان» (1). PageV21P164 # وهكذا ، فمن خلال المساحة الفاصلة بين الإسلام والإيمان ، قد يعيش الواقع ~~الإسلامي مشاكل كثيرة يثيرها وجود منافقين ، يشكلون ، بعنوان كونهم مسلمين ~~، نوافذ يطل منها الكفر على الواقع الإسلامي ويمنحه فرصة الاطلاع على ما لا ~~يملك الاطلاع عليه من الخارج ، وتنفيذ خطط تآمرية ضده تثير الخلل والاهتزاز ~~والقلق والخلاف فيه ، ونحو ذلك ، مما يضعف المسيرة الإسلامية على مستوى ~~القيادة والقاعدة .. # وفي مقابل هؤلاء المنافقين ، هناك وجود للمسلمين المؤمنين الذين يتحركون ~~من قاعدة الالتزام الواعي الصلب الذي يعمل على تأكيد الخط الإسلامي ~~المستقيم في مواجهة الخطوط المنحرفة التي يحركها الكفر هنا وهناك ، ليخلط ~~وجه الحق بالباطل ، فتضيع الرؤية ، وترتبك المواقف ، وليحول الموقف ~~الإسلامي في ساحة الصراع إلى جهاد مرير ومعاناة قاسية ، قد يسقط فيها ~~الشهداء ، وتكثر فيها الجراحات ، وتشتد فيها الضغوط ، وتتعقد فيها المشاكل ~~من قريب أو من بعيد. # ( @QUR@03 قالت الأعراب آمنا ) والظاهر أن المراد بالأعراب هم سكان ~~البادية الذين لم يتفقهوا في الدين ، ولم يعيشوا الوعي العميق للمضمون ~~الفكري والروحي للإسلام ، لذا كانوا يعملون على إعلان الإيمان صفة لشخصيتهم ~~الجديدة التي يتحركون باسمها. # ولكن الله أراد لرسوله أن يفضح واقع هؤلاء الداخلي الذي يختفي وراء ~~مظهرهم الشكلي ، ويعرفهم الحدود التي يقفون عندها في واقعهم ، ( @QUR@03 قل ~~لم تؤمنوا ) لأن الإيمان يعبر عن عمق الإحساس بالعقيدة كقناعة في جانب ~~الفكر والشعور ، مما يتمثل في وجودكم الذهني والروحي والشعوري ، ( @QUR@03 ~~ولكن قولوا أسلمنا )، فقد أسلمتم أمركم لله ورسوله بالكلمة والطاعة ، ~~وأوقفتم الحرب ضد ms4883 الدعوة والرسالة ، وانتقلتم من مجتمع الكفر إلى مجتمع ~~الإسلام ، وبدأتم عملية الاندماج فيه ، والمشاركة في حركته في خط المواجهة ~~، دون أن تستوعبوا المسألة العقيدية في قناعاتكم ( @QUR@05 ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم )، فقد تحتاجون إلى PageV21P165 # الوقت الطويل الذي تتخلصون فيه من رواسب الشرك في خيالاته وعاداته ~~وتقاليده ، وتنفتحون فيه على أفكار الإيمان في حقائقه وشرائعه ومناهجه ، ~~وتختزنون ، من خلال ذلك ، الروحية الإيمانية الصافية المنطلقة مع إشراقة ~~النور الإلهي في عقولكم وقلوبكم. # ( @QUR@04 وإن تطيعوا الله ورسوله ) في المعنى الحقيقي الذي يأخذ الدين ~~كله فكرا وعملا ، لتبتعدوا عن الازدواجية بين ما هو الواقع الداخلي في ~~قناعاتكم وانفعالاتكم وما هو الواقع الخارجي في سلوككم وأوضاعكم ، لتتوحد ~~الشخصية بالإيمان الفكر ، والإيمان الموقف ( @QUR@05 لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا ) أي لا ينقصكم شيئا منها ، لأن الطاعة الحقيقية الكاملة تستوعب ~~النتائج كلها على مستوى رضوان الله وثوابه ، ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) ~~فهو الذي يغفر الذنب برحمته ، فلا يبقى للذنب أي أثر في ما يمكن أن يتركه ~~من سلبيات على مصير الإنسان عند الله. # * * * ### ||| ** صفات صادقي الإيمان # ( @QUR@09 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) فهم ~~على وضوح شامل بكل قضايا العقيدة في التوحيد والنبوة واليوم الآخر ، فلم ~~يقفوا أمام علامات الاستفهام موقف حيرة وضياع ، بل موقف تأمل وحوار يتابع ~~الأمور من موقع العمق الفكري ، بحيث لا تبقى شبهه تهز الإيمان أو تسقطه ، ~~وهكذا واجهوا الموقف بامتداد القناعة من خلال امتداد الوضوح ، ولم يقف ~~الأمر بهم عند هذا الحد ، بل تابعوا القضية في مستوى الموقف ، ( @QUR@06 ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) فلم يبخلوا بأموالهم على الرسالة ~~عند حاجتها إليها ، ولم يبتعدوا بأنفسهم عن مواقع الخطر في ساحة التحدي ~~والجهاد الذي لا يتوقف عند حد ، بل يعطي كل شيء في مواقع الحاجة وفي دائرة ~~المسؤولية. PageV21P166 # ( @QUR@03 أولئك هم الصادقون ) الذين يجسدون في موقفهم ومعاناتهم صدق ~~التزامهم الفكري والقولي ، من خلال عطائهم الشامل الذي يمتد حتى يطال ~~حياتهم نفسها ، لتكون هي التضحية التي يقدمها المؤمن للإسلام. # ( @QUR@04 قل أتعلمون الله بدينكم ) في ms4884 ما تحاولون إعلانه من مواقف ~~لتأكيد صدق إيمانكم ، والحصول على ثقة المجتمع الإسلامي التي يمنحها ~~للمؤمنين الصادقين ، فإذا كنتم تسعون لخداع الناس عبر مظهركم ، فهل ~~تستطيعون خداع الله في الواقع؟ ( @QUR@08 والله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض ) في ما يخفى على الناس أو ما يظهر لهم ، فلا يغيب عنه شيء من ذلك ~~كله ، فهو ينفذ إلى أعماق الفكر والشعور ، كما ينفذ إلى أعماق البحار وظلام ~~الكهوف ، ( @QUR@04 والله بكل شيء عليم ) لأن علمه مطلق لا حد له في المكان ~~والزمان. # * * * ### ||| ** المنافقون يمنون على الرسول بالإسلام # ( @QUR@04 يمنون عليك أن أسلموا ) في محاولة للإيحاء بأن الرسالة شأن خاص ~~متعلق بذات الرسول ، مما يجعل من الانتماء إلى الإسلام ، انتماء إليه ، ~~وتقوية له ، الأمر الذي يجعل المنتمي يمن على الرسول باعتبار أن ذلك يمثل ~~خدمة شخصية له ، كما هي حال الذهنية القبلية التي ترى في الارتباط برئيس ~~القبيلة معروفا يقدم إليه ، ويطلب العوض منه على أساسه. # ولكن الله يرد على هذا المنطق ليعرفهم بأن الرسالة ليست مسألة خاصة ~~بالرسول ، لأن دوره فيها هو دور التبليغ في ساحته الرسولية ، بل هي أن ~~الإسلام دين الله الذي أنزله على عباده ليصلح أمرهم ، وليدفعهم إلى الإيمان ~~كحاجة حيوية لتحريك وجودهم نحو الخط المستقيم الذي يرفع مستواهم ، ويعمق ~~إحساسهم بإنسانيتهم ، وينقذهم من نقاط ضعفهم ، ويعطيهم القوة ، ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور ، ويبعدهم عن الزوايا الضيقة التي تحبسهم في PageV21P167 # نطاق أنانياتهم الذاتية أو العائلية ، لينطلق بهم في ساحات الإنسانية ~~الواسعة ، ليكونوا جزءا من الأمة الحاملة للرسالة التي تتسع للحياة كلها ~~وللإنسان كله ، فيتسع دورهم وتمتد ساحاتهم ، ليعيشوا الطمأنينة والسكينة في ~~ظلال الرسالة المنفتحة على الله ، فلا يبقى هناك مجال للحيرة والقلق ~~والضياع والشعور بالعبثية الوجودية الذي يثيره حديث البعض عن تفاهة الحياة ~~وعلاقتها باللامعقول ، لأن الإنسان المؤمن يرى الحياة حركة مسئولة في سياق ~~دوره الإنساني المرتكز على خلافته لله سبحانه ، الأمر الذي يفتح له آفاقا ~~واسعة سعة نظرته إلى الحياة ، ويمد بأحلامه لتتصل بالأفق الواسع السابح في ~~بحار النور ms4885 ، الذي يطل على رضوان الله ، المتجلي بالجنة التي أعدها الله ~~للمؤمنين الصادقين. # وهكذا تكون المنة لله عليهم في هداهم للإيمان في مواقع الرسالة بدلا من ~~أن تكون لهم المنة على الرسول في ذلك ، وهذا هو قول الله سبحانه : ( ~~@QUR@015 قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين ) في إعلانكم بالتزام الإيمان كخط عملي في الحياة. # ( @QUR@06 إن الله يعلم غيب السماوات والأرض ) ويحيط بالكون كله بكل ما ~~فيه من مخلوقات ، مما يجعل الناس مكشوفين أمامه بكل أسرارهم في الإيمان ~~وعدمه ، وفي كل الأمور التي تتصل بحياتهم الداخلية في عمقها وامتدادها ، ( ~~@QUR@04 والله بصير بما تعملون )، فلا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، في ~~طبيعتها ودوافعها ونتائجها السلبية والإيجابية. # * * * PageV21P168 ### | سورة ق ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وأربعون PageV21P169 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من سور الدعوة التي تطل على مجتمعها الوثني الذي وقف بوجهها ~~معلنا تعجبه من مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة ، وهو جزء من ~~هذا المجتمع الذي لا يرى نفسه جديرا بأن يكون أحد أفراده رسولا لله ، كما ~~أنه يثير استغرابهم من مقولة المعاد التي يرونها شيئا غير معقول ، لرفضهم ~~إعادة الحياة بعد الموت ، ولكنهم يغفلون في ذلك عن قدرة الله التي لا تقف ~~عند حد ، أفلا ينظرون إلى السماء من فوقهم وإلى الأرض من تحتهم وإلى إحياء ~~الأرض الميتة بالمطر النازل من السماء؟ فكيف يستغربون عودة الحياة إلى ~~الإنسان الميت بقدرة الله؟ # وهكذا ينطلق الحديث عن بداية خلق الإنسان من موقع القدرة ، وعن إحاطة ~~الله بكل وسوسات نفسه ، فهو أقرب إليه من حبل الوريد ، وهناك ملكان يحيطان ~~به من اليمين والشمال ، ويحصيان عليه كل أقواله وأفعاله ، وسيقف غدا في يوم ~~الحساب لتأتي كل نفس ومعها سائق وشهيد ، وسيرتفع عنه غطاء الغفلة الذي كان ~~يغطي روحه وقلبه ، فلا يدع الوعي ينفذ إليهما لينفتح على آفاق المسؤولية في ~~اليوم الآخر. # ويقف الجميع أمام المصير المحتوم ، فيلقى في جهنم كل كفار عنيد مناع PageV21P171 # للخير معتد مريب مشرك بالله ms4886 ، وتقرب الجنة لكل أواب حفيظ ممن خشي الله ~~بالغيب. # ويلتفت ، من ثم ، الله سبحانه وتعالى إلى النبي ، ليدعوه إلى الصبر وإلى ~~الثقة به وبانتصار الرسالة إن عاجلا أو آجلا ، فقد أهلك الله جبابرة العصور ~~السالفة ، فهل يعجزه إهلاك هؤلاء؟! فلينتظر يوم القيامة ، يوم ينادي ~~المنادي من مكان قريب ليوم الخروج ، كما يدعوه إلى مواصلة دعوته القرآنية ~~ليذكر من يفتحون قلوبهم خوفا من يوم الوعيد ، فتلك هي مهمته الرسالية التي ~~تفتح العقول على الله ، وليس هو الجبار المسيطر بالقوة التي تقهر الآخرين ~~بالتعسف والقسوة والشدة غير العقلانية. # وفي ضوء ذلك ، فإن هذه السورة تطرق بدقائقها المتواصلة ، وبأسلوبها ~~المثير ، وبإيقاعها المتوازن الهادر القلوب والأرواح ، وتثير المشاعر ، ~~ليتذكر من خلالها من يتذكر ، وليتحرك فيها الرساليون. # * * * PageV21P172 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 ق والقرآن المجيد (1) @QUR@011 بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ~~فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ~~(3) @QUR@09 قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) @QUR@09 بل ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) @QUR@012 أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) @QUR@011 والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) @QUR@05 تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) @QUR@010 ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد (9) @QUR@05 والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) @QUR@08 رزقا ~~للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) @QUR@07 كذبت قبلهم قوم نوح ~~وأصحاب الرس وثمود (12) @QUR@04 وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) @QUR@09 ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رجع ): رجوع. # ( @QUR@01 مريج )؛ المرج : الاختلاط والالتباس. PageV21P173 # ( @QUR@01 فروج ): جمع فرجة ؛ الشقوق والفتوق. # ( @QUR@01 رواسي ): جبال رواسخ. # ( @QUR@01 بهيج ): من البهجة ، وهي الحسن الذي له روعة عند الرؤية. # ( @QUR@01 منيب ): راجع إلى الله. # ( @QUR@01 الحصيد ): ما حصد من الزرع. # ( @QUR@01 باسقات ): جمع باسقة وهي الطويلة العالية. # ( @QUR@01 طلع ): أول ما يطلع من ثمر النخل. # ( @QUR@01 نضيد ): مضموم بعضه إلى بعض. # * * * ### ||| ** إثباتات البعث وتكذيب الناس له # ( @QUR@03 ق والقرآن المجيد ) أي أقسم بالقرآن ، أن ما توحي به الآيات من ~~حديث عن البعث ms4887 والحساب الذي يقف فيه المؤمنون وجها لوجه أمام المسؤولية بين ~~يدي الله ، هو حق لا ريب فيه ، لأنه يمثل صفاء الحقيقة الواضحة التي تفرض ~~نفسها على العقول والقلوب. # ( @QUR@06 بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ولكن هؤلاء القوم يعجبون ~~ويظهرون الدهشة والاستغراب من مجيء رسول منذر من بينهم ، في وقت يتصورون ~~فيه أن الرسول لا يمكن أن يكون بشرا ، بل لا بد من أن يكون من الملائكة ، ( ~~@QUR@05 فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) فلم يكفه أن جاء بالرسالة ، فقد جاء ~~بدعوة مثيرة للعجب ، في غرابتها وابتعادها عن الوجدان المتزن الذي يقيس ~~الأمور بمقياس العقل ، ( @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) أي ~~رجوع يستبعده العقل ، فكيف يتحدث بذلك من يدعي سلامة العقل ويوحي بأنه قد ~~جاءنا ليرفع من شأن العقل لدينا ، ويطور وعينا الفكري؟! PageV21P174 # ولكن الله يرد عليهم كل ذلك بمنطق عقلي يضعهم وجها لوجه أمام المعادلة ~~العقلية التي تقيس الأشياء بأمثالها ، ليقف الجميع على القاعدة التي تحكم ~~كل هذه الأمور : ( @QUR@06 قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) فسيموتون وتتلاشى ~~أبدانهم وتتحول إلى تراب تتشابه أجزاؤه ، فلا يتمايز جزء منها عن جزء ~~بالنسبة للناظر العادي الذي يتأمل عناصرها الذاتية ، ولكن الله يعرف كل ~~دقائق تلك الأبدان ومواقعها ، بحيث لا يعجزه تركيبها من جديد ، دون أن ~~يختلط شيء منها ، ( @QUR@03 وعندنا كتاب حفيظ ) يحفظ دقائق الأشياء ، فلا ~~يسقط منه أي شيء يحتاج إلى حفظه ، وهو اللوح المحفوظ ، كما قيل ، أو أنه ~~كناية عن علمه الذي لا يغيب عنه شيء. # ( @QUR@05 بل كذبوا بالحق لما جاءهم ) فليست مشكلتهم أنهم لا يجدون أساسا ~~لمعرفة الحق ، بل المشكلة أنهم يبادرون إلى تكذيب الدعوة دون أن يتوقفوا ~~أمامها ليكفروا ويحاوروا ويتعرفوا وجه الحق فيها ، ( @QUR@04 فهم في أمر ~~مريج ) محتارون ، هل يقبلون الدعوة التي تفرض نفسها عليهم بالحجة والبرهان ~~، أم يرفضونها لخروجها عما ألفوه في دائرة الحس لعدم وجود نموذج قريب من ~~الدعوة في هذه الدائرة الحسية؟! # * * * ### ||| ** السماء والأرض وإمكانية البعث # ( @QUR@07 أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ) وأقمناها بغير عمد ms4888 ~~، ( @QUR@01 وزيناها ) بالكواكب المتلألئة في إشراقتها الهادئة التي تشير ~~إلى معنى النور في داخل الظلام ، ( @QUR@03 وما لها من (1) @QUR@01 فروج ) ~~وثغرات وشقوق مما قد يحدثه ضغط امتداد الأفق على هذا السقف الكوني؟ أفلا ~~يكون هذا كله دليلا على القدرة التي تصغر أمامها عودة الحياة إلى الميت؟ # ( @QUR@02 والأرض مددناها ) وبسطناها بالطريقة التي يتمكن الإنسان أن ~~يعيش عليها ويتحرك فيها ، ( @QUR@03 وألقينا فيها رواسي ) وهي الجبال التي ~~تمثل قوة الثبات في PageV21P175 # سطحها وشموخ القدرة في علوها ، ( @QUR@06 وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) ~~في ما يتنوع به النبات من الخضرة والفاكهة وغيرهما مما يخضع لقانون الزوجية ~~في خلق الله ، وينفتح على الكثير مما تستلذه النفس وتشتهيه الحواس وتتنوع ~~فيه الخصائص ، وتتمثل فيه روعة الخلق وحسن المنظر وتناسق الألوان ، ونحو ~~ذلك مما يدل على عظمة القدرة الإلهية التي تطل على آفاق القدرة في غيرها ، ~~وذلك ( @QUR@05 تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) أي راجع إلى الله ، فإن الرجوع ~~إليه يبعد الإنسان عن العصبية التي تربطه بالباطل ، وعن التعقيد الذي يمنعه ~~من الانفتاح على الحق ، فيتبصر بكل المواقع التي تفتح النوافذ على النور ، ~~ويتذكر كل الكلمات والمشاهد والتأملات التي تحرك تفكيره نحو الله. # ( @QUR@08 ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ) متنوعة الخضرة ~~والثمار والأشجار ، ( @QUR@02 وحب الحصيد ) الذي يزرعه الناس فيتحول إلى ~~سنابل يحصدونها ويجدون فيه الغذاء الذي يبني أجسادهم ، ( @QUR@02 والنخل ~~باسقات ) أي عاليات ( @QUR@03 لها طلع نضيد ) وهو أول ما يطلع من ثمر النخل ~~بطريقة منضودة تربط بعضه ببعض ، ( @QUR@02 رزقا للعباد ) في ما يأكلونه ~~ويقيمون به حياتهم ، ( @QUR@06 وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ) في يوم ~~البعث ، عند ما تتحرك قدرة الله ، لتمنح الحياة للتراب الذي تحولت إليه ~~أجزاء الجسد الإنساني ، أو للعظام التي يكسوها الله لحما ويبعث فيها الحياة ~~، تماما كما يمنح الحياة للأرض الميتة من خلال الماء الذي ينزله عليها ، ~~فيتفاعل مع البذور المتناثرة فيها. # لكن القوم يستمرون بتكذيب الرسول ، ويصرون على الشرك ، ولكنهم ليسوا أول ~~الكافرين ، وليسوا أول المكذبين ( @QUR@015 كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس ~~وثمود* وعاد وفرعون ms4889 وإخوان لوط* وأصحاب الأيكة وقوم تبع ) وقد تقدم الحديث ~~عنهم في السور السابقة ، ( @QUR@05 كل كذب الرسل فحق وعيد ) أي ثبت الوعيد ~~الإلهي ، فاستحقوا العذاب كنتيجة طبيعية للترابط بين التكذيب ودخول النار ~~في ما توعد الله عباده الكافرين. # * * * PageV21P176 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) @QUR@014 ~~ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~(16) @QUR@08 إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) @QUR@08 ~~ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) @QUR@09 وجاءت سكرة الموت بالحق ~~ذلك ما كنت منه تحيد (19) @QUR@06 ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) ~~@QUR@06 وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) @QUR@012 لقد كنت في غفلة من ~~هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أفعيينا ): أفعجزنا. # ( @QUR@01 لبس ): شك. # ( @QUR@01 توسوس )؛ الوسوسة : حديث النفس بشر. # ( @QUR@02 حبل الوريد ): عرق متفرق في البدن يخالط الإنسان في جميع ~~أعضائه. PageV21P177 # ( @QUR@01 المتلقيان ): الملكان. # ( @QUR@01 قعيد ): المقصود هنا : ملازم لا يبرح. # ( @QUR@01 رقيب ): حافظ. # ( @QUR@01 عتيد ): المعد المهيأ للزوم الأمر. # ( @QUR@01 تحيد ): تعدل وتميل. # ( @QUR@01 سائق )؛ السوق : الحث على السير. # ( @QUR@01 حديد ): حاد. # * * * ### ||| ** الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد # ( @QUR@03 أفعيينا بالخلق الأول ) في بداية خلق الإنسان ، وخلق الكون كله ~~في نظام متقن وتدبير حكيم ، فهل هناك عجز في حركة القدرة لإعادته من جديد؟ ~~ولكن مشكلة هؤلاء أنهم لا يفكرون بالأمر تفكير وعي وانفتاح يزن الأمور ~~بميزان العلم الذي يربط بين الأشياء على أساس القاعدة التي ترتكز عليها ~~مظاهرها ، ( @QUR@07 بل هم في لبس من خلق جديد ) إذ دفعتهم الغفلة إلى ~~التخبط في أوهامهم وأفكارهم المعقدة ضد فكرة المعاد والخلق الجديد الذي ~~يعقب الخلق الأول ، هذه الفكرة التي من شأنها ، فيما لو تحكمت في قلب ~~الإنسان ووعيه ، أن تحرك نشاطه في الاتجاه المستقيم في الدنيا ، وتدفعه إلى ~~مواجهة النتائج في الآخرة ، وبالتالي من شأنها أن تعمق من شعوره بالمسؤولية ~~اتجاه نفسه واتجاه محيطه الإنساني وغير الإنساني. إلا أن هؤلاء السادرون في ~~غياهب الشدة واللبس ، يتحركون كما لو أن الأمر ملتبس عليهم في الدوائر التي ~~لا تسمح ms4890 بأي التباس من أي نوع كان ، لأن عقلانية المنطق في المسألة ، لا ~~توحي إلا بالوضوح لمصلحة الفكرة الرسالية ، ( @QUR@08 ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه ) وهذه هي PageV21P178 # الحقيقة الإيمانية التي تؤكدها الآية ، فالإنسان مخلوق لله وحده ، فهو لم ~~يخلق نفسه ، ولم يخلقه أحد من المخلوقات الأخرى ، وإذا كان الله هو الخالق ~~له ، فمن الطبيعي أن يكون مطلعا على كل شيء في داخله ، حتى الهمسات الروحية ~~، والوسوسات الفكرية ، والنبضات الشعورية ، والخطورات الخيالية ، فهو مكشوف ~~لله بكل ما يتحرك في الفكر والشعور والخيال ، فلا يملك الإنسان أن يحمي ~~نفسه من علم الله بما في نفسه ، وبالتالي فإنه لا يستطيع الدفاع عن انحرافه ~~بما قد يتعلل به من عدم القناعة في القضايا المثارة أمامه. # ( @QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) وهو عرق متفرق في البدن فيه ~~مجاري الدم ، كما قيل ، أو هو العرق الذي في الحلق ، كما قيل ، وهو تعبير ~~كنائي عن القرب الإلهي من الإنسان بالمستوى الذي لا يدنو فيه إليه أقرب ~~أعضائه الممتزج بمجاري دمه ، مما يجعل معرفة الله بالإنسان في داخله الفكري ~~والشعوري ، أمرا في الدرجة العليا من الوضوح. # وربما كانت المسألة تطل في الإيحاء التعبيري على الآية التي تتحدث عن ( ~~@QUR@06 أن الله يحول بين المرء وقلبه ) [الأنفال : 24] ، وهو نوع من ~~التخييل الغني الذي يثير في الوعي الإنساني الشعور بالهيمنة الإلهية على ~~مجاري فكره ، كما هي الهيمنة التي تنفذ إلى ما هو أقرب إليه من مجاري دمه. # * * * ### ||| ** الملكان الحافظان لأعمال الإنسان # ( @QUR@03 إذ يتلقى المتلقيان ) وهما الملكان اللذان يحفظان أعمال ~~الإنسان وأقواله ويتلقيانها من خلال ما يملكانه من وسائل ، ( @QUR@05 عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد ) أي هناك ملك قاعد عن يمينه وملك قاعد عن شماله ، ~~كناية عن الاستقرار والإحاطة. وهكذا يخضع الإنسان إلى رقابة ملائكية من قبل ~~الله بالإضافة إلى الرقابة الإلهية المباشرة ، ويقال : إن اليمين والشمال ~~كناية عن جانبي الخير والشر اللذين PageV21P179 # تنتسب إليهما الحسنة والسيئة. ( @QUR@08 ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد ) أي حاضر مستعد لتلقي كل أمر. ms4891 # ( @QUR@04 وجاءت سكرة الموت بالحق ) لتنقلك إلى عالم آخر ، يختلف عن ~~العالم الذي أنت فيه ، فتفارق كل مواقع شغلك ، وكل ملاعب لهوك وفرحك ، ( ~~@QUR@05 ذلك ما كنت منه تحيد ) فتهرب من ذكره ، وتبتعد عن مواقعه وإيحاءاته ~~، وتعمل على الهاء نفسك عنه بأي شيء ، مما يجلب الغفلة إلى وعيك وشعورك ، ~~لأنك كنت مشدودا إلى الدنيا بكل غرائزك وشهواتك وعلاقاتك ، وبكل ما ألفته ~~من أوضاع وأشياء وأعمال ... وها أنت تواجه الحق في القضاء الإلهي ، فتنشغل ~~به في ما يشبه السكرة عن كل من حولك من الناس ، وما حولك من الأمور. # * * * ### ||| ** يوم الوعيد # ( @QUR@03 ونفخ في الصور ). وتعبير النفخ هنا وارد على سبيل الحقيقة ، ~~باعتبار أنه يحصل فعلا بوسائل لا نملك أمر معرفتها بالتحديد ، أو أنه وارد ~~على سبيل الكناية باعتبار أنه صوت يوقظ النائمين بدويه ، ليوحي بما يوقظ ~~الموتى بقوته ، وهو علامة على دخول عالم الخلود ، ( @QUR@03 ذلك يوم الوعيد ~~) الذي توعد الله به عباده من الكافرين والمجرمين. # ( @QUR@06 وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) تماما كما يأتي أي مجرم يقوده ~~شخص ما إلى ساحة المحكمة ليواجه الحكم العادل ، وهناك شاهد يشهد له أو عليه ~~في ما اكتسبه من أعمال تجاه الله ، ويمكن أن يكون التعبير بذلك واردا مورد ~~الإيحاء بعدالة المحاكمة التي يتلقاها الإنسان يوم القيامة من خلال تصوير ~~الطابع الذي تأخذه. # ( @QUR@06 لقد كنت في غفلة من هذا ) باستغراقك في لهو الدنيا وعبثها ~~وشهواتها ولذائذها ، وكانت هناك أكثر من غشاوة على بصرك القلبي ، فلم ينفتح قلبك PageV21P180 # على مواقع المسؤولية في آفاق الله ، ( @QUR@03 فكشفنا عنك غطاءك ) ~~فانكشفت لك الحقيقة الإيمانية بكل وضوحها وإشراقها ، ( @QUR@03 فبصرك اليوم ~~حديد ) لا يخفى عليك أي شيء تحتاج إلى رؤيته ، لأن الوضوح في قضايا الآخرة ~~لجهة حساب الثواب والعقاب ، ولجهة المصير في رضوان الله وسخطه ، يفرض نفسه ~~بحيث لا يترك مجالا للتعلل بأي خفاء في الحقيقة ، في ما يعتذر به الشاكون ~~أو الجاحدون من عدم الوضوح. # * * * PageV21P181 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) @QUR@06 ألقيا في جهنم كل ~~كفار عنيد (24) @QUR@04 مناع للخير معتد مريب ms4892 (25) @QUR@010 الذي جعل مع ~~الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) @QUR@010 قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) @QUR@08 قال لا تختصموا لدي وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد (28) @QUR@08 ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) ~~@QUR@09 يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) @QUR@05 وأزلفت ~~الجنة للمتقين غير بعيد (31) @QUR@06 هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) ~~@QUR@07 من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) @QUR@05 ادخلوها بسلام ~~ذلك يوم الخلود (34) @QUR@06 لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عتيد ): حاضر ومهيأ. # ( @QUR@01 عنيد ): المعنى هنا : الذاهب عن الحق. PageV21P182 # ( @QUR@01 أطغيته ): أجبرته على الطغيان. # ( @QUR@01 وأزلفت ): قربت وأدنيت. # ( @QUR@01 أواب )؛ من الأوب ، بمعنى : التواب الراجع إلى الطاعة. # ( @QUR@01 منيب ): راجع إلى الله. # * * * ### ||| ** حوار الإنسان مع قرينه يوم القيامة # وتبقى السورة على تحركها في أجواء القيامة التي يقف فيها الإنسان الكافر ~~العنيد ، والمتقي المؤمن ، ليواجه كل منهما الموقف الحاسم الذي يحدد مصيره ~~النداء الإلهي الذي يأمر بالعذاب أو الثواب بشكل مباشر. # ( @QUR@06 وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ) ما المراد بالقرين هنا؟ هل هو ~~الملك الذي يسوق الإنسان ليقدمه إلى الله في مقام الحساب باعتبار أن الملك ~~هو الذي كان يرافقه بحكم وظيفته في تسجيل أعماله؟ أم هو الشهيد الذي يشهد ~~عليه بما عمله ويقدم أعماله بين يدي الله؟ أم هو الشيطان الذي يصاحبه ويزين ~~له معاصيه ، لتكون المسألة كناية عن النهاية التي يوصل الشيطان صاحبه إليها ~~في نار جهنم؟ # وربما كان الأقرب إلى السياق هو الاحتمال الأول باعتبار أنه هو من يقدم ~~هذا الشخص إلى الله معه بعد انتهاء مسئوليته ؛ والله العالم. # وينطلق النداء من الله سبحانه ليصدر الأمر بدخوله إلى نار جهنم ( @QUR@06 ~~ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ) ينطلق كفره من موقع العناد لا من موقع الفكر ~~القائم على الحجة ، ( @QUR@02 مناع للخير ) لأنه لا يختزن الروحية ~~الإيمانية التي تدفع الإنسان طواعية إلى فعل الخير والتشجيع عليه ، بل يعيش ~~الأنانية التي تتعقد من الخير الذي يفعله الآخرون ، لأنه يثير في ذاته عقدا ~~تمنعه عن العطاء وتجعله يرفض فعله من ms4893 PageV21P183 # الغير ، حتى لا يكون حجة عليه أمام الناس ، ( @QUR@02 معتد مريب ) لأن ~~أنانيته تحركه نحو احتواء كل شيء لنفسه ، مما يجعله مستعدا للاعتداء على ~~حقوق الناس بكل الأساليب التي تنطلق من شخصيته المريبة المختنقة بكل مشاعر ~~الحسد والريب ( @QUR@010 الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب ~~الشديد ). # ( @QUR@02 قال قرينه ) الشيطاني الذي يقف موقف المسؤول عن ضلال صاحبه ، ~~لأنه كان يحركه نحو الغواية ويدفعه إلى ساحات الضلال ، وهو الآن يعتذر عن ~~موقعه ذاك ، ليبعد نفسه عن المسؤولية بعنوا أن الضلال يخضع لإرادة صاحبه ~~الذاتية : ( @QUR@03 ربنا ما أطغيته ) في طغيانه عليك وتجاوزه لحدودك ، ( ~~@QUR@05 ولكن كان في ضلال بعيد ) فقد كان ضلاله خاضعا لروحية الضلال فيه ، ~~فلم يكن موقفه هذا ناشئا عن إغواء خارجي ، بل هو ناشئ من الانحراف الداخلي ~~الذي يختزنه في شخصيته. # ونستوحي من هذا المنطق الدفاعي ، أن هذا الكافر العنيد كان يحاول التهرب ~~من مسئولية كفره ليضعها على عاتق هذا القرين أمام الله ، مما جعل القرين ~~يدافع عن نفسه بهذه الطريقة في موقع التخاصم ، ولهذا جاء الجواب الزاجر من ~~الله سبحانه لهما معا : # ( @QUR@04 قال لا تختصموا لدي ) سواء كنتم من الظالمين أو من المضللين ، ~~فليس هناك فرق بين أن يكون هذا الكافر خاضعا لضلال قرينه أو غير خاضع له ، ~~لأن ذلك ليس عذرا له بعد أن أقام الله عليه الحجة القاطعة بالأسس التي ~~يرتكز عليها الهدى في قاعدته الفكرية وخطه العملي ، ( @QUR@04 وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد ) والتحذير من يوم القيامة ، وتلك هي الكلمة الفاصلة التي ~~يرتبط فيها المصير بالعمل ، ليكون الجزاء من نوع العمل ( @QUR@04 ما يبدل ~~القول لدي ) في ما حددته من الكلمة الحاسمة في يوم الفصل ، ( @QUR@04 وما ~~أنا بظلام للعبيد ) فقد جاء الحكم منسجما مع سلوكهم المنحرف عن الخط ~~المستقيم .. # * * * PageV21P184 ### ||| ** المصير النهائي في جهنم أو في الجنة # وهكذا يندفع كل هؤلاء المجرمين إلى نار جهنم التي تنتظر القادمين إليها ~~من قاعدة كفرهم وإجرامهم ، ( @QUR@05 يوم نقول لجهنم هل امتلأت ) بالناس ~~الذين كفروا بالله وتمردوا عليه فلم يبق هناك مجال للزيادة ، ولكنها ms4894 تستزيد ~~( @QUR@04 وتقول هل من مزيد ) فلا يزال هناك أكثر من مكان لأكثر من قادم ~~جديد ، وربما كان هذا السؤال والجواب كناية عن اتساعها لكل الكافرين ~~والمجرمين الذين فرضت إرادة الله دخولهم جهنم التي لا تضيق بهم ولا عنهم ، ~~بل تسعهم جميعا. # ( @QUR@05 وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ) أي أدنيت إليهم وقربت إلى ~~مواقعهم كأنها تقدم إليهم دون حاجة إلى أن يبذلوا أي جهد للوصول إليها ، ~~كرامة لهم ، وكناية عن الرغبة في بذل الراحة لهم بكل الوسائل ، ( @QUR@010 ~~هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ* من خشي الرحمن بالغيب ) لأنهم لم يحتاجوا في ~~الإيمان والالتزام به إلى الحس المباشر ، بل عاشوا الإحساس بوجوده وتوحيده ~~بعمق فطرتهم ، حتى كأنه ماثل أمامهم بقوة تفوق قوة ما يراه الحس ، ( ~~@QUR@03 وجاء بقلب منيب ) راجع إلى الله في كل أموره وفي كل تطلعاته ~~وتوجهاته في مسألة الإيمان وفي قضايا الحياة. # ( @QUR@02 ادخلوها بسلام ) فليس هناك أي خوف أو مكروه أو سوء ، مما قد ~~يخشاه الإنسان لدى الدخول إلى أي مكان لا يعرف ما في داخله. وينطلق النداء ~~بكل رحمة ومحبة ووداعة ليعمق في داخلهم السكينة الروحية التي لا مجال للقلق ~~معها ، وليبشرهم بالخلود الذي هو عنوان هذا اليوم الذي يبدءون به حياتهم ~~الجديدة : ( @QUR@03 ذلك يوم الخلود ) الذي لا موت فيه. # ( @QUR@04 لهم ما يشاؤن فيها ) مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم من اللذائذ ~~والشهوات ، وتتطلع إليه نفوسهم من رغبات ، ( @QUR@02 ولدينا مزيد ) مما لا ~~تبلغه رغباتهم ، ولا تصل إليه تصوراتهم ، في ما أعده الله من النعيم لعباده ~~المتقين. # * * * PageV21P185 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص (36) @QUR@013 إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد (37) @QUR@013 ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب (38) @QUR@012 فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب (39) @QUR@05 ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) ~~@QUR@07 واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) @QUR@07 يوم يسمعون ~~الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) @QUR@06 إنا نحن نحيي ms4895 ونميت وإلينا ~~المصير (43) @QUR@09 يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) ~~@QUR@013 نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد ) (45) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فنقبوا ): فساروا. # ( @QUR@01 محيص ): محيد. PageV21P186 # ( @QUR@01 قلب ): هنا بمعنى العقل. # ( @QUR@02 ألقى السمع ): استمع. # ( @QUR@01 شهيد ): حاضر وشاهد. # ( @QUR@01 لغوب ): تعب. # ( @QUR@01 وأدبار )؛ الأدبار : جمع دبر ، وهو ما ينتهي إليه الشيء وبعده. # ( @QUR@01 تشقق ): تتشقق : أي تتصدع. # ( @QUR@01 سراعا ): مسارعين. # * * * # ( @QUR@05 كم أهلكنا قبلهم من قرن ) # ( @QUR@05 وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) من الناس الذين كانوا يمثلون ~~المجتمع البشري في المراحل الزمنية السابقة ، ( @QUR@04 هم أشد منهم بطشا ) ~~إذ كانوا يملكون القوة والعدد والحضارة ، بالمستوى الذي لا يصل إليه من ~~يكذبونك ويقفون ضد رسالتك ، وذلك من خلال سنة الله الذي جعل للأمم عمرا ~~محدودا وسببا للهلاك ، ( @QUR@03 فنقبوا في البلاد ) وطافوا فيها واستولوا ~~على خيراتها ، وبحثوا عن السبل التي تتيح لهم النجاة من الموت ، والهرب من ~~قضاء الله ، فلم يجدوا سبيلا إلى ذلك ، ووقفوا أمام الطريق المسدود ~~ليتساءلوا ، أو ليفرض الواقع عليهم السؤال في معرض الاستنكار : ( @QUR@03 ~~هل من محيص ) أي هل من مهرب من الموت؟ فهل ينتظر قومك في مصيرهم غير ما حل ~~بمن قبلهم من الناس ( @QUR@08 إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) أي عقل ~~يفكر فيه ، فيقيس الحاضر بالماضي ، ويأخذ منه الدرس للمستقبل ، ( @QUR@03 ~~أو ألقى السمع ) أي اتجه بسمعه إلى حكاية التاريخ المشتمل على العبر ~~والعظات ، ( @QUR@02 وهو شهيد ) حاضر بعقله وسمعه ، مستوعب لكل دروس الحياة ~~المتحركة بأمر الله ، فلا يغيب عنه شيء مما حوله ، أو ممن حوله. PageV21P187 # ( @QUR@09 ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) بكل ما ~~توحي به من عظمة الخلق ، وجلال الصنع ، ودقة النظام ، وروعة الإبداع ، ( ~~@QUR@04 وما مسنا من لغوب ) لأن الله ، في قدرته المطلقة ، لا يعرض على ما ~~يعرض على المخلوقين من جهد وعناء ، فلا يعجزه شيء من مخلوقاته ، كما لا ~~يعجزه الخلق نفسه بكل ما فيه من جوانب العظمة والإبداع. # * * * ### ||| ** اصبر على ما يقولون # ( @QUR@04 فاصبر على ما يقولون ) مما يثيرونه حولك من شبهات وافتراءات ~~وأكاذيب واتهامات ، فإن ms4896 الرسالة لا تستطيع أن تشق دربها في عقول الناس وفي ~~حياتهم ، إلا عبر مواقع الصراع ومقارع التحديات التي تحرك المشاعر ، وتزرع ~~الشكوك ، وتثير المشاكل ، الأمر الذي يستدعي من الرسل والرساليين الصبر ~~وإعداد خطة ممتدة في الزمن لاحتواء الفكر كله بالحجة والبرهان والسيطرة على ~~الواقع ، وتجاوز ضغط الظروف الصعبة والمراحل القاسية ، ليكون النصر حليف ~~الرسالة في كل مسيرتها في حياة الناس ، لأن الزمن كفيل بتجاوز كل المشاكل ~~الصغيرة في نطاق الحركة في القضايا الكبيرة. # ( @QUR@03 وسبح بحمد ربك ) فإن التسبيح بحمده يفتح كيانك على الإحساس ~~بعظمته في ما يوحي به ذلك من احتقار كل من عداه ، وليكن تسبيحك ( @QUR@03 ~~قبل طلوع الشمس ) لتبدأ يومك في صلاة الفجر بالانفتاح على الله ، ليكون ~~يوما إلهيا على طريق رضوانه والثقة به ، ( @QUR@02 وقبل الغروب ) عند ما ~~يتوسط النهار في صلاة الظهر والعصر ، ليتوقف الإنسان الداعية ، من رسول ~~وغيره ، أمام كل ما يثيره جو الحركة العامة في حياته وحياة الآخرين من ~~أوضاع وتحديات ، ليكون التسبيح مصدر ثقة روحية للثبات في الموقف ، ( ~~@QUR@03 ومن الليل فسبحه ) في صلاتي PageV21P188 # المغرب والعشاء ، ( @QUR@02 وأدبار السجود ) في التعقيب الدعائي أو ~~الصلاتي في ما يستحبه الله من ذلك. # ( @QUR@07 واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ) عند ما يحين موعد ~~القيامة ، حيث ينطلق النداء الإلهي الذي يسمعه الجميع ، تماما كما يسمعون ~~الصوت القادم من مكان قريب ، ليبعث الناس من قبورهم للوقوف بين يدي الله ، ~~( @QUR@03 يوم يسمعون الصيحة ) التي يسمعها الناس ( @QUR@01 بالحق ) الذي ~~لا ريب فيه ، ( @QUR@03 ذلك يوم الخروج ) من القبور إلى لقاء الله ، ( ~~@QUR@06 إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير ) لأننا نملك الوجود كله في ~~بدايته ونهايته ، كما نملك إبداعه من جديد في قيامة الإنسان أمام قضية ~~المصير. # * * * ### ||| ** تشقق الأرض يوم القيامة # ( @QUR@05 يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ) أي تتصدع الأرض التي يرقدون ~~داخلها ليخرجوا منها مسارعين إلى دعوة الداعي في يوم الله ، ( @QUR@04 ذلك ~~حشر علينا يسير ) لأن الله لا يتعسر عليه شيء من أمور خلقه ، ( @QUR@04 نحن ~~أعلم بما يقولون ) من كل ما يتآمرون عليه في الخفاء للوقوف ms4897 ضد الرسالة ~~والرسول ، وفي كل ما يلفقونه من اتهامات وأكاذيب ، ومن أفكار يواجهون بها ~~حقائق الإيمان. ( @QUR@04 وما أنت عليهم بجبار ) تتحرك بينهم من موقع ~~السيطرة القاهرة التي تلغي إرادتهم وتفكيرهم لتجبرهم على الإيمان بالله ~~ورسوله واليوم الآخر ، لأن الله لا يريد للقناعات أن تخضع للضغط الذي لا ~~يسمح للفكرة أن تنطلق بهدوء ، وللفكر أن يتحرك بالحوار ، بل أراد للأسلوب ~~العقلاني الهادىء المتوازن القائم على أساس الحوار ، أن يذكر الناس ويخرجهم ~~من أجواء الغفلة ، لذلك ( @QUR@02 فذكر بالقرآن ) الذي يشتمل على كل حقائق ~~العقيدة ونهج العمل ( @QUR@03 من يخاف وعيد ) ممن يتحرك قلبه فيخشع لكل ~~كلمات التذكر المنطلق من عمق الروح وصفاء العقل. # * * * PageV21P189 ### | سورة الذاريات ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ستون PageV21P191 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة التي سميت باسم أول كلمة فيها ، هي من سور العقيدة التي كان ~~القرآن المكي يستهدف تعميقها في وجدان الإنسان الإيماني ، ليبعد الذهنية ~~العامة في تلك المرحلة وفي كل مرحلة ، عن الشرك العقيدي أو العبادي الذي ~~يتحول إلى ما يشبه الفوضى الروحية ، حيث يعيش الإنسان الحيرة والتخبط بين ~~أصناف الآلهة المتعددة بتعدد القبائل والبلدان والأشخاص ، مما لا يستقر معه ~~على قاعدة ثابتة توجه حياته في اتجاه صحيح. # ومن هنا ، كان تأكيد السورة على التوحيد الذي يرى الإنسان به الله وحده ؛ ~~في الرزق الذي هو في السماء في ما يقدره الله للإنسان في الأرض ، وما يمنحه ~~من الطمأنينة في تقديره الذي يغطي للإنسان حاجاته ، فلا يحس بالضياع معه ، ~~وفي تخطيطه التشريعي ، فلا يشعر معه بالأنانية ، بل يطل من خلاله على ~~السائل والمحروم ، ليكون ذلك عنوانا من عناوين التقوى. # ثم يثير الحديث عن العبادة ليجعل منها غاية خلق الجن والإنس ، بمعناها ~~الذي يطال كل شؤون الحياة ، ليلتقي الإنسان بها من وحي الوحدة في التصور ~~والتوجه والانقياد والتخطيط لكل ما حوله مما يتصل بعلاقة الإنسان بالله ~~ودوره في الحياة ، في ما تفرضه هذه العلاقة من شروط وأوضاع. # وفي هذا الجو كله ، تنفتح السورة على خلق الأرض التي مهدها ، وبنيان PageV21P193 # السماء التي تتسع وتتسع في ms4898 علم الله بقوته التي لا يعجزها شيء ، وحركة ~~الزوجية في الكون. # ويتصل ذلك كله بالمعاد باعتبار أنه المضمون الروحي للمسؤولية ، والغاية ~~التي تخرج الحياة من العبثية ، ليكون الإيمان بالتوحيد في خط الرسالة حركة ~~إيمانية عملية تتعلق بالمعاد كنتيجة نهائية لوعي المسؤولية في حركة الحياة ~~والإنسان. # وتتحرك السورة مع إبراهيم ولوط وموسى ونوح وصالح وهود عليهم السلام ، ومع ~~الأمم التي عاشوا معها ، في حركة سريعة أثارت بعض القضايا وأشارت إلى مواقع ~~الإنذار ، فربطت تاريخ الرسالة الأخيرة بتاريخها القديم ، ليتصل الحاضر ~~بالماضي في الأسس العامة للرسالة في فاعليتها وجهادها وصبرها وحركتها وكل ~~مواقعها في ساحة الصراع. # * * * PageV21P194 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والذاريات ذروا (1) @QUR@02 فالحاملات وقرا (2) @QUR@02 ~~فالجاريات يسرا (3) @QUR@02 فالمقسمات أمرا (4) @QUR@03 إنما توعدون لصادق ~~(5) @QUR@03 وإن الدين لواقع (6) @QUR@03 والسماء ذات الحبك (7) @QUR@04 ~~إنكم لفي قول مختلف (8) @QUR@04 يؤفك عنه من أفك (9) @QUR@02 قتل الخراصون ~~(10) @QUR@05 الذين هم في غمرة ساهون (11) @QUR@04 يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) @QUR@05 يوم هم على النار يفتنون (13) @QUR@07 ذوقوا فتنتكم هذا الذي ~~كنتم به تستعجلون ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والذاريات ): جمع ذارية ، من قولهم : ذرت الريح التراب تذروه ~~ذروا إذا طيرته. # ( @QUR@01 فالحاملات ): السحاب. # ( @QUR@01 فالجاريات ): السفن. # ( @QUR@01 الحبك ): الطرائق الحسنة. PageV21P195 # ( @QUR@01 مختلف ): متناقض. # ( @QUR@01 يؤفك ): يصرف. # ( @QUR@01 الخراصون ): الكذابون. # ( @QUR@01 غمرة ) هنا : بمعنى شبهة وغفلة ، أي : غمرهم الجهل. # ( @QUR@01 يفتنون ): يعذبون. # * * * # ( @QUR@02 والذاريات ذروا ) # ( @QUR@02 والذاريات ذروا ) الواو للقسم ، المراد بالكلمة الرياح الذي ~~تذرو التراب ، وربما يمتد المعنى ليشمل ما تذروه من حبوب لقاح وسحاب ~~وغيرهما مما يمكن أن تتسع له الكلمة في المعنى الشمولي الذي يطل على ما كان ~~الإنسان يجهله من مواقعها في الذهنية العامة المألوفة. # ( @QUR@02 فالحاملات وقرا ) أي السحب الحاملات الماء الذي يثقلها ، ~~يسوقها الله إلى حيث يريد من مواقع نزول المطر ، ( @QUR@02 فالجاريات يسرا ~~) وهي السفن التي تخضع في سيرها في البحار والأنهار لقوانين إلهية تتصل ~~بحركة الماء والريح ، تجعل من ذاك السير يسيرا وسهلا على سطح الماء بقدرة ~~الله سبحانه. # ( @QUR@02 فالمقسمات أمرا ) والمروي ، أن المراد بها الملائكة التي تحمل ~~أوامر الله في أرزاق العباد وأوضاعهم وأعمارهم ، مما جعله الله من مهماتهم ~~في دائرة أدوارهم الواقعية ms4899 العملية. # ولعل القسم بما مر ، يوحي بالتدبير الإلهي الذي يطلع عليه الإنسان ~~بإحساسه الخارجي أو الداخلي ، من أجل أن يتعمق وعيه بأنه لا يعيش في كون ~~ضائع في حركته وفي أوضاعه ، بل يعيش في كون منفتح على الله في رعايته ~~وعنايته ، خاضع لتدبيره في ما خلقه الله من الوسائل التي تحرك النظام الكوني PageV21P196 # والإنساني بحكمته ، وقد جاء في تفسير الميزان أن : «الآيات الأربع كما ~~ترى تشير إلى عامة التدبير ، حيث ذكرت أنموذجا مما يدبر به الأمر في البر ~~وهو الذاريات ذروا ، وأنموذجا مما يدبر به الأمر في البحر وهو الجاريات ~~يسرا ، وأنموذجا مما يدبر به الأمر في الجو وهو الحاملات وقرا ، وتمم ~~الجميع بالملائكة الذين هم وسائط التدبير وهم المقسمات أمرا» (1). # وهو التفات لا يخلو من طرافة. # وقد جاء في البحار أن ابن أبي الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه السلام : «ما ( @QUR@02 والذاريات ذروا )؟ فقال : الرياح ، فقال : وما ~~( @QUR@02 فالحاملات وقرا )؟ قال : السحاب ، قال : ( @QUR@02 فالجاريات ~~يسرا )؟ قال : الفلك ، قال : ( @QUR@02 فالمقسمات أمرا )؟ قال : ~~الملائكة» (2)، وقد ورد الحديث عن ذلك في تفسير ابن كثير (3). # وعن الفخر الرازي في التفسير الكبير ، أن الأقرب حمل الآيات الأربع جميعا ~~على الريح ، فإنها كما تذرو التراب ذروا ، تحمل السحاب الثقال وتجري # [ابن كثير ، أبو الفداء ، إسماعيل بن كثير القرشي ، تفسير القرآن العظيم ~~، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ج : 4 ، ص : 375]. PageV21P197 # في الجو بيسر وتقسم السحب على الأقطار من الأرض (1). ولكن لا شاهد له ، ~~بالإضافة إلى أنه قد لا ينسجم ، بحسب التعبير البلاغي ، مع بعض الكلمات ؛ ~~والله العالم. # ( @QUR@03 إنما توعدون لصادق ) هذا هو جواب القسم الذي أراد الله فيه أن ~~يؤكد لهؤلاء الذين يقفون ضد الرسالة ، صدق الحديث عن المعاد الذي يواجهون ~~فيه الموقف أمام الله ، ( @QUR@03 وإن الدين لواقع ) وهو الجزاء بالإحسان ~~لمن عمل إحسانا وبالسوء لمن عاش حياة السوء. # وفي ضوء ذلك ، لا بد لهم من الالتفات إلى ذلك ، والاستعداد له ، ليبتعدوا ~~عن مواقع الهلاك في المصير. # * * * # ( @QUR@02 قتل الخراصون ) # ( @QUR@03 والسماء ذات الحبك ) التي ms4900 بناها الله بتناسق محكم في نظامه ، ~~تماما كما هو الزرد المنسق المتشابك المتداخل الحلقات ، كما قيل ، ويذكر ~~سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» أن هذه «قد تكون إحدى هيئات السحب في ~~السماء حين تكون موشاة كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح ، ~~وقد يكون هذا وضعا دائما لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة» (2). # ( @QUR@04 إنكم لفي قول مختلف ) وهذا هو جواب القسم بالسماء ، الذي يريد ~~أن يؤكد واقع القول المختلف في مضمونه وأبعاده ، فلا يرجع إلى قاعدة واحدة ، PageV21P198 # لأن الرأي عندهم يخضع للظن والتخمين ، دون اعتماد الأسس العلمية التي ~~تؤدي إلى اليقين في مواقع الحوار مما يمكن أن يلتقي عليه الجميع. ولعل مكمن ~~التناسب بين السماء ذات الحبك والتأكيد على القول المختلف ، هو أن التناسق ~~في السماء ينبغي أن يوحي لهم باتخاذ موقف متناسق يقوم على قاعدة ثابتة ، ~~خلافا لما هم عليه من اختلاف في مواقفهم ومواقعهم ، ( @QUR@04 يؤفك عنه من ~~أفك ) أي يصرف عنه من صرف ويبقى عليه من بقي. # ( @QUR@02 قتل الخراصون ) الذين يبنون أحكامهم وقناعاتهم على الظن والحدس ~~، فيسيئون إلى الحقيقة ، عند ما يبعدونها عن العناصر اليقينية التي تؤكدها ~~وتفتح عليها أكثر من نافذة. والدعاء عليهم بالقتل والهلاك أسلوب كنائي ~~للدعوة إلى سقوط مثل هذا الأسلوب في تكوين القناعات. # ( @QUR@05 الذين هم في غمرة ساهون ) أي في غفلة واستغراق في الأضاليل ~~والأوهام التي يحركونها في خيالاتهم ، فيقودهم ذلك إلى السهو عن الله وعن ~~حقائق العقيدة ، فيتساءلون فيما بينهم ، تساؤل الحائر الذي لا يجد أمامه ما ~~يخلصه من حيرته ، تماما كما لو كان بعيدا عن مواقع المعرفة وهي مطروحة بين ~~يديه ، ولكن غفلته هي التي تبعده عنها ( @QUR@04 يسئلون أيان يوم الدين ) ~~كما لو كانوا لا يعرفونه ، فهم ينكرونه من قاعدة العناد والاستكبار لأنهم ~~لا يريدون الاعتراف بالحقيقة الإيمانية الصارخة. # وتأتي الآية لتصدمهم بما سيواجهونه من حرارة نار جهنم ولهيبها ، كأنها ~~تقول : هل هم جاهلون بهذا اليوم؟ ( @QUR@05 يوم هم على النار يفتنون ) أي ~~يختبر بالنار جوهرهم الحقيقي كما تختبر جودة المعدن في ms4901 النار ، وهو وارد ~~على سبيل الكناية للتعبير عن الإحراق والتعذيب ، ( @QUR@02 ذوقوا فتنتكم ) ~~أي ما يخصكم من العذاب ، ( @QUR@05 هذا الذي كنتم به تستعجلون ) في ما كنتم ~~تتحدثون عنه بطريقة السخرية والاستهزاء. # * * * PageV21P199 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات وعيون (15) @QUR@09 آخذين ما آتاهم ربهم ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) @QUR@06 كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ~~(17) @QUR@03 وبالأسحار هم يستغفرون (18) @QUR@05 وفي أموالهم حق للسائل ~~والمحروم ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يهجعون )؛ الهجوع : النوم ليلا. # * * * ### ||| ** المتقون في جنات وعيون # وهذا نموذج آخر يختلف عن نموذج المكذبين ، فهؤلاء عاشوا تقوى الفكر ، ~~فآمنوا بالعقيدة من موقع اليقين القائم على العلم المنفتح على الحوار وعلى ~~رحاب الحجة والبرهان ، وعاشوا الإيمان من موقع الالتزام والانضباط على الخط ~~الذي لا يهتز ولا ينحرف. # ( @QUR@04 إن المتقين في جنات ) تمتد فيها الخضرة امتداد البصر ، وتتدلى ~~فيها الفواكه PageV21P200 # والثمار المتنوعة من الأشجار الكثيرة المختلفة في خصائصها ، ( @QUR@01 ~~وعيون ) تتفجر بالماء الصافي الزلال العذب ، ( @QUR@04 آخذين ما آتاهم ربهم ~~) من النعيم الذي أعده الله لعباده المتقين الذين أحسنوا العمل. ( @QUR@05 ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) إحسان الطاعة في القول والعمل وفي بناء ~~العلاقات والمنهج المتبع. ولم تكن الطاعة لديهم حالة طارئة ، كما هي ~~الحالات السريعة التي تأتي ثم تذهب ، بل كانت قضية روحية يتحرك بها العقل ~~والشعور لاتصالهما في عمق الكيان بالله الواحد الرحمن الرحيم. # * * * ### ||| ** المتقون طلقوا هجوع الليل # ( @QUR@06 كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) فهم في شغل عن النوم ، ~~لاهتمامهم بعبادة الله في هذا الهدوء الساجي الممتد في قلب الظلام الذي ~~تصفو فيه العبادة ، ويحلق فيه الفكر ، ويرتاح فيه الشعور ، حيث يبحثون في ~~الليل عن الصفاء الروحي يجلسون فيه إلى أنفسهم بين يدي ربهم ، ليكتشفوا ، ~~في هذه اليقظة الصافية التي يخيم عليها الهدوء ، نقاط الضعف والقوة في ~~داخلهم ، ليعملوا على تجاوز نقاط الضعف وتأكيد نقاط القوة. وبذلك ، فهم على ~~استعداد دائم للتضحية بالراحة التي يجلبها النوم إلى أجسادهم لينفتحوا على ~~آفاق روحية جديدة ، بالبعد عن الضجيج النهاري الذي يشغل الإنسان عن التأمل ~~في نفسه كما يبعده عن معرفة عمق شعوره وفكره ms4902 ووجوده. # وهم فوق ذلك ( @QUR@03 وبالأسحار هم يستغفرون ) ليتخففوا من الإحساس ~~بعقدة الذنب أمام الله ، فيطلبون منه أن يغفر لهم خطاياهم التي لم يتعمدوها ~~أو التي تعمدوها ، غفلة منهم عن تأثيراتها السلبية المؤثرة على علاقتهم ~~بالله ، وهم يشعرون بالحاجة إلى التراجع عن تلك الخطايا وتصحيحها في أوقات ~~السحر ، حيث يشيع الصفاء والهدوء ، إحساسا بالخشوع يزحف إلى روح الإنسان ~~المذنب ويوحي إليه أن المغفرة تطل عليه من أوسع آفاق الرحمة الإلهية. PageV21P201 # وذلك هو شأن الاستغفار الذي ينطلق إلى الله في ابتهال الخاشع ، كما ينطلق ~~إلى أعماق الذات في عملية تصفية روحية تدفع الإنسان إلى مواقع الصفاء. # * * * ### ||| ** في أموال المتقين حق للسائل والمحروم # ( @QUR@05 وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) فهم لا يعيشون أنانية ~~الاستحواذ في ملكية المال ، ولا يعتبرون المال شأنا خاصا يملكون حرية ~~التصرف فيه بطريقة مختنقة ضيقة بخيلة تتعقد من العطاء ولا ترى نفسها مسئولة ~~عن مشاركة الآخرين فيه ، بل يعتبرون الملكية مسئولية إنسانية ، ويرون في ~~المال أمانة إلهية تفرض عليهم إدارتها بالطريقة التي تحقق رضى الله الذي ~~أعطى الإنسان المال ، ووضع لإنفاقه وتحصيله حدودا ، وأراد له مشاركة ~~الآخرين فيه بطريقة أو بأخرى ، وأعطاهم وأعطى هؤلاء الآخرين حق الحصول على ~~بعض منه ، ولا سيما من كان منهم صاحب حاجة إلى سؤال الناس ، أو كان محروما ~~من فرص العيش الكريم ، بحيث ينظرون إلى الملكية كوظيفة اجتماعية متداخلة مع ~~الحالة الإيمانية ، وإلى المال كأمانة إلهية ، ويمارسون ذلك عمليا في ~~الحياة ، وهذا ما يجعل الإنفاق من أعمال الخير الذي ينطلق من علاقة المؤمن ~~بالله ليحدد علاقته بالإنسان. # * * * PageV21P202 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وفي الأرض آيات للموقنين (20) @QUR@04 وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~(21) @QUR@05 وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) @QUR@010 فو رب السماء ~~والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) (23) # * * * ### ||| ** في الأرض والأنفس آيات للموقنين # ( @QUR@04 وفي الأرض آيات للموقنين ) في ما أودع الله من أسرار الوجود ~~مثل إبداعه مخلوقات حية متنوعة بأجهزتها وأدوارها وخصائصها وأشكالها ، في ~~ما يسكن في سطحها ، أو يسبح في فضائها ، أو يمخر في مائها ، أو يختبئ في ~~مغاورها وكهوفها ، أو ms4903 يختفي في مساربها وأجوافها ، ولكل مخلوق من تلك ~~المخلوقات غذاء يتناسب مع خصائصه ، وظروف تنسجم مع طبيعة حياته .. وإبداع ~~مخلوقات نامية من النباتات تتغذى من العناصر المبثوثة في التراب ، أو ~~السابحة في الأجواء ، وتتشكل بأشكال مختلفة ، وتشتمل على خصائص متنوعة ~~تتناسب مع حاجة الأحياء والحياة ، ومخلوقات جامدة تتكشف عن أسرار الإبداع ~~في طبيعة الخصائص الغريبة ... وقوانين طبيعية أودعها الله في عمق حركة ~~الأرض الكونية السائرة ضمن نظام بديع متقن لا ينحرف عن مساره الطبيعي قيد شعرة. PageV21P203 # مع هذا التنوع في مشاهد الأرض وأوضاعها ، من وهاد وبطاح ، ووديان وجبال ، ~~وبحار وبحيرات ، وأنهار وغدران ، وقطع متجاورات ، واختلاف طبائع هذه ~~الأشياء في جمالها وأوضاعها ، وحاجة الحياة إليها في تكامل الوجود إلى ~~خصائص الموجودات ، فإنها مهما اختلفت ، إلا أن في داخل كل منها سرا يوحي ~~بوجود حكمة في مواقعها ، مما يؤكد لأصحاب الذهنية الواعية أن هناك خطة ~~مبدعة دقيقة ، متصلة الأجزاء ، موصولة الحلقات ، متعددة المواقع ، بحيث لا ~~مجال للصدفة في كل ظواهرها ومظاهرها وأعماقها ، فلا بد من أن يكون هناك قوة ~~خالقة حكيمة بديعة وراء ذلك كله ، وهي قوة الله الذي أبدع كل شيء وأعطى كل ~~موجود خلقه ، وأودع فيه سر الحكمة والتدبير ، الذي يستلهمه أهل اليقين في ~~صفاء الفكر والروح والوجدان ، ( @QUR@04 وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) كل هذا ~~النظام العجائبي المتقن في هذا الجسد المحدود الذي يشتمل على أجهزة معقدة ~~يمثل كل واحد منها نظاما مستقلا يتكامل مع أنظمة أجهزة الجسد الأخرى ، سواء ~~ما كان متعلقا بالجانب المادي منها أو بالجانب الروحي ؛ فكيف تتم عملية ~~الهضم والامتصاص ، وعملية التنفس ، ودورة الدم في القلب والعروق ، والجهاز ~~العصبي وتركيبه وإدارته للجسم ، والغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسم ~~ونشاطه وانتظامه ، وتناسق هذه الأجهزة وتعاونها ، وانسجامها الكامل الدقيق ~~، وعملية التفكير واختزان المعلومات وتحريكها وتنسيقها وإدارتها والخروج ~~منها بنتيجة جديدة وبعلم جديد ، وانطباع الصور في الذاكرة ، وبروزها عند ~~الحاجة ، والمساحة التي يأخذها كل هذا العالم الفكري الواسع ، المتنوع ~~المفردات والأوضاع والأسرار من هذا الجسد؟؟ # ثم عملية التناسل والتوالد وقانون توارث ms4904 خصائص الآباء والأجداد ، ضمن ~~خلية واحدة تحمل أسرار ذلك كله ، فكيف حدث هذا ، ومن الذي أبدع السر في داخله؟ # ثم تنوع خصائص البشر ألوانا وأشكالا وطاقات عقلية وجسدية ، واستقلال كل ~~مخلوق منهم في خصائصه بحيث لا يلتقي فرد مع فرد آخر فيها ، PageV21P204 # كما نلاحظه في اختلاف الأصوات وفي بصمات الأصابع التي لا يماثل واحد منها ~~إصبعا آخر في جميع العصور؟ # وهكذا إذا ما غاص الإنسان في عالم نفسه المملوء بالأسرار ، وجد نفسه في ~~متاهات من العوالم المتنوعة ، لا يخرج من عالم إلا ليدخل في عالم آخر مستقل ~~عنه ، دون أن يصل إلى نهايته ، بل يبقى هناك مجال الوصول إلى اكتشاف جديد ~~ومعرفة جديدة في كل العوارض والطوارئ التي تتصل بحركة الوجود في داخله ~~وخارجه ، مما يدل دلالة واضحة بالرؤية العقلية والحسية على القدرة الخالقة ~~الحكيمة التي تدبر ذلك كله ، وتخطط له. # * * * ### ||| ** الرزق في السماء # ( @QUR@05 وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ما معنى وجود الرزق في السماء؟ ~~قد يكون المراد به أسبابه كالمطر النازل من السماء ، فإن الماء المنهمر من ~~السماء هو الذي يمنح الإنسان الرزق في ما يحيي به الأرض ، أو يروي به ~~المخلوقات الحية ، وما يهيئ له من وسائل حياته من خلال ذلك كله من غذاء ~~ولباس وانتفاعات عامة. # وقد يكون المراد بالكلمة المعنى الإيحائي الذي يلتقي بالتقدير الإلهي ~~لأرزاق العباد ، مما يجعلهم مشدودين إلى الله في كل تطلعاتهم وفي كل ~~تمنياتهم وحاجاتهم ، باعتبار أنه المصدر الحقيقي للرزق ، ليعيش الإنسان ~~الإيمان بالله والاعتراف بالحاجة إليه في كل أموره بالمستوى الذي يربط كل ~~مفردات حاجاته اليومية به ، وهذا ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) [الحجر : 21]. # أما المراد بقوله : ( @QUR@02 وما توعدون )، فقد ذكر أنه الجنة التي وعد ~~الله عباده بالغيب .. وقيل : إن المراد به أسباب الرزق وهو غير ظاهر. ( ~~@QUR@03 فو رب السماء PageV21P205 # @QUR@07 والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) الظاهر أن الضمير راجع إلى ~~الوعد الإلهي في ما يعد الله ms4905 به عباده ، ليتأكدوا من ذلك ويستعدوا له ، ~~وليؤمنوا به كحقيقة حاسمة ، تماما كما هو إيمانكم بالنطق الذي يصدر منكم ~~وإحساسكم القوي به. # * * * PageV21P206 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) @QUR@09 إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) @QUR@06 فراغ إلى أهله فجاء بعجل ~~سمين (26) @QUR@05 فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) @QUR@09 فأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) @QUR@09 فأقبلت امرأته في صرة ~~فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) @QUR@08 قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم ~~العليم ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فراغ )؛ الروغ : الذهاب إلى الشيء في خفية. # ( @QUR@01 فأوجس )؛ الإيجاس : الإحساس في الضمير. # ( @QUR@01 خيفة ): خوفا. # ( @QUR@01 صرة )؛ الصرة : شدة الصياح وهو من صرير الباب ، ويقال للجماعة : # صرة. PageV21P207 # ( @QUR@01 فصكت ): ضربت. # * * * ### ||| ** حديث ضيف إبراهيم # وهذه قصة عجيبة في إعجازها الإلهي ، حيث رزق الله إبراهيم غلاما بعد أن ~~بلغت امرأته سن اليأس ، وهي توحي للإنسان بأن عليه أن ينفتح في إيمانه على ~~الله دون ارتباط بالأسباب العادية المألوفة ، فإن الله يرزقه من حيث لا ~~يحتسب ، ويحرسه من حيث لا يحترس ، ويبدع له الأسباب الخفية من حيث لا يعلم ~~، مما يؤكد ثقته بربه سبحانه. # ( @QUR@06 هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) وهم الملائكة الذين دخلوا ~~عليه ( @QUR@05 إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ) في تحية الإسلام التي أراد ~~الله أن تكون شعارا يخاطب المؤمنون به بعضهم بعضا ، للإيحاء بمضمون السلام ~~الشعوري في علاقاتهم العامة والخاصة ، ف ( @QUR@02 قال سلام )، في جواب ~~ينفعل بمعنى السلام المطروح منهم. # ولكنه تساءل في قلق عن هويتهم ، لأنه لا يتذكر أنه رآهم من قبل ، ولهذا ~~بادرهم بالقول : أنتم ( @QUR@02 قوم منكرون ) لأني لا أعرفكم فيمن أعرفه من ~~الناس ، ولكن ذلك لم يمنعه من الاستعداد لتدبير أمر ضيافتهم ، ( @QUR@03 ~~فراغ إلى أهله ) أي ذهب إليهم دون أن يشعر ضيوفه بذلك ، ( @QUR@03 فجاء ~~بعجل سمين ) بعد أن ذبحه وشواه كما تدل عليه طبيعة المقام ، ( @QUR@02 ~~فقربه إليهم ) وعرضه عليهم ، ولكنهم امتنعوا عن الأكل ، لأنهم لا يأكلون ~~الطعام ، ( @QUR@03 قال ألا تأكلون ) في استنكار لامتناعهم عن الأكل ~~متسائلا عن السبب ، ولكنهم لم يجيبوا عن الموضوع. # ( @QUR@03 فأوجس ms4906 منهم خيفة ) لأنهم بدوا له ، بسبب تصرفهم غير المعتاد ، ~~أشخاصا غير طبيعيين كضيوف ، فبادروه بالإعلان عن صفتهم الملائكية وبأنهم ~~يحملون إليه رسالة إلهية في موضوع خاص وآخر عام ، أما الخاص ، فيتصل PageV21P208 # بحياته الشخصية حيث ( @QUR@03 قالوا لا تخف ) فلسنا بشرا لنأكل كما يأكل ~~البشر ، بل نحن من الملائكة المرسلين إليك من قبل الله ، ( @QUR@03 وبشروه ~~بغلام عليم ) فزال خوفه منهم ، وتقبل البشارة بوعي رسولي إيماني مؤمن بقدرة ~~الله ، أما امرأته ، فقد هزتها المفاجأة بشدة ، لأنها لم تكن تنتظر هذا الحدث. # ( @QUR@04 فأقبلت امرأته في صرة ) كناية عن الضجيج الذي أثارته في مواجهة ~~الموقف ، أو أنها جاءت في جماعة من الناس ، ( @QUR@02 فصكت وجهها ) أي لطمت ~~وجهها بقوة ، ( @QUR@03 وقالت عجوز عقيم ) أي كيف ألد وأنا عجوز غير قادرة ~~على الإنجاب ، لأني بلغت سن اليأس؟! ( @QUR@04 قالوا كذلك قال ربك ) في ما ~~أرسلنا لإبلاغه من حدث قدر وقوعه ، فليس هناك مجال للمفاجاة ، وليس هناك ~~مبرر للشك ، ( @QUR@04 إنه هو الحكيم العليم ) فهو الذي يدير الأمور بحكمته ~~، ويقدرها بعلمه. # * * * PageV21P209 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) @QUR@06 قالوا إنا أرسلنا ~~إلى قوم مجرمين (32) @QUR@05 لنرسل عليهم حجارة من طين (33) @QUR@04 مسومة ~~عند ربك للمسرفين (34) @QUR@06 فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) ~~@QUR@07 فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) @QUR@07 وتركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 خطبكم )؛ الخطب : الأمر الخطير الهام. # ( @QUR@01 مسومة ): ذات علامة. # ( @QUR@01 للمسرفين )؛ الإسراف : تجاوز الحد ، وهنا المتجاوزون الحد في ~~المعاصي. # * * * PageV21P210 ### ||| ** إهلاك قوم لوط # وتساءل إبراهيم بعد ذلك عن طبيعة المهمة العامة التي جاءوا بها ، لأن ~~البشارة بالولد لا تقتضي مجيء مثل هذا العدد منهم أو هذا القدر من ~~الاهتمام. # ( @QUR@05 قال فما خطبكم أيها المرسلون ) أي ما هو الشأن الخطير الذي ~~أرسلكم الله به؟ ( @QUR@06 قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) وهم قوم لوط ~~الذين تأصلت الجريمة فيهم وامتدت في حياتهم حتى شملت كل ساحتهم ، فحق عليهم ~~عذاب الله ( @QUR@09 لنرسل عليهم حجارة من طين* مسومة عند ربك للمسرفين ) ~~تحمل علامات قضاء الله المحتوم بهلاكهم ، فقد تجاوزوا الحدود التي فرضها ~~الله لعباده ، ( @QUR@06 فأخرجنا ms4907 من كان فيها من المؤمنين ) بإخراج لوط ~~وأهله ما عدا امرأته التي حق عليها العذاب لاتباعها قومها ، ( @QUR@07 فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) مما يوحي بأن تجربة لوط مع قومه لم تكن ~~موقفة ، إذ إن أحدا منهم لم يتبعه ، لأن انحرافهم كان يتصل بالغريزة ~~الجنسية ، وتحول الشذوذ والانحراف لديهم إلى عادة متأصلة يتطلب تركها ~~والابتعاد عنها كثيرا من الجهد والعناء ، ومزيدا من الإيمان ، ليتمكنوا من ~~الوقوف بشدة ضد نزواتهم وتسليم أمرهم إلى الله في ذلك كله. # ونزل العذاب ، فأخذهم جميعا ، ولم يبق منهم أحد ، وبقيت العبرة لمن يأتي ~~من بعدهم ، توحي لهم بما يمكن أن يحل على من يتمردون على رسالات الله من ~~عذاب ( @QUR@07 وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ) ليتحرك فيهم ~~الإحساس بالخوف ، ويقودهم إلى التراجع عن خط الكفر والانحراف. # * * * PageV21P211 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) @QUR@06 فتولى ~~بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) @QUR@07 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~وهو مليم (40) @QUR@07 وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) @QUR@09 ~~ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) @QUR@08 وفي ثمود إذ قيل ~~لهم تمتعوا حتى حين (43) @QUR@08 فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ~~ينظرون (44) @QUR@07 فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) @QUR@08 ~~وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين ) (46) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بسلطان مبين ): بحجة ظاهرة. # ( @QUR@01 فتولى ): فأعرض. # ( @QUR@01 بركنه )؛ الركن : الجانب الذي يعتمد عليه ، وهنا : ركنه : جنده. # ( @QUR@01 فنبذناهم )؛ النبذ : طرح الشيء من غير أن يعتد به. PageV21P212 # ( @QUR@01 اليم ): البحر. # ( @QUR@01 مليم ): آت بما يلام عليه. # ( @QUR@01 كالرميم ): كالشيء البالي الهالك. # ( @QUR@01 فعتوا )؛ العتو : النبو عن الطاعة ، وينطبق على التمرد. # * * * ### ||| ** آيات الله في قوم موسى عليه السلام # وتتوالى آيات الله التي تثير الخوف من غضبه ، وتدفع الناس إلى اتخاذ موقف ~~مسئول من الواقع الذي يحيط بهم ، ليقودهم ذلك إلى التأمل والتفكير في قضية ~~الرسالة ومفاهيمها وتشريعاتها ومناهجها في الحياة ، وفي قيادة الرسول ~~للحياة وللإنسان من خلالها ، وتمر علينا في هذه الآيات قصة موسى عليه السلام ~~مع قومه ، وقصة عاد مع نبيهم ، وقصة ثمود ms4908 مع رسولهم ، وقصة قوم نوح ~~عليه السلام ونهايتهم الساحقة ، ليعتبر بذلك الذين يقيمون على الكفر ، ~~ليبتعدوا عن العناد وينفتحوا على الإيمان. # ( @QUR@02 وفي موسى ) آية لمن أراد الاعتبار ( @QUR@04 إذ أرسلناه إلى ~~فرعون ) الذي كان يحكم الناس بالطغيان والجبروت ، ويعلو عليهم بادعاء ~~الربوبية ، ويتحكم في المستضعفين منهم بكل أساليب التعسف والبغي ، من قاعدة ~~الاستكبار الذي يقوم على حماية مصالح المستكبرين على حساب حرية المستضعفين. # فجاء موسى عليه السلام ليقف في وجه ذلك كله ، من موقع الحجة والبرهان ، ( ~~@QUR@02 بسلطان مبين ) في ما مكنه من المعجزة التي أذهلت فرعون وهزت توازنه ~~، وجعلته يطلق الكلام دون وعي ، ليثير في وجه موسى كلمات الاتهام غير ~~المسؤول ، والسباب غير الموزون ، ( @QUR@02 فتولى بركنه ) الذي يعتمد عليه ~~، وهو القوم الذين يستقوي ويحارب بهم ، وأعرض عن موسى عليه السلام ، وأخذ قومه PageV21P213 # معه في هذه اللامبالاة التي توحي بالاستخفاف والغطرسة ، ( @QUR@04 وقال ~~ساحر أو مجنون ) اتهمه بالسحر تارة ليسقط تأثير معجزته على من حوله ، كي لا ~~يؤمنوا به من خلالها ، وبالجنون أخرى ، لإبطال تأثير دعوته إلى الإيمان ~~بالله والتوحيد في عبادته ، والإخلاص في طاعته ، وإلى إنقاذ المستضعفين من ~~سيطرة الحكم الاستكباري الطاغي المتمثل بحكمه. # وتختصر الآية الموقف الفرعوني كله ، لتصل إلى الأخذ الإلهي الحاسم الذي ~~استأصل قوة هؤلاء وجعل الغلبة للحق في رسالة موسى عليه السلام . ( @QUR@05 ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) حيث غرقوا جميعا ( @QUR@02 وهو مليم ) ~~أي ملوم ، لا يملك عذرا لما قام به ، ولا حجة لما عمله بقيادته جنوده إلى ~~الهلاك ، فانظروا عاقبة الذين طغوا وبغوا في البلاد وتنكروا لرسول الله. # * * * ### ||| ** وفي عاد وثمود ونوح # ( @QUR@07 وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) التي لا تنفع الحياة ~~شيئا ، خلافا لحال الرياح التي تنشئ السحاب ، وتلقح الشجر ، أو تذرو الطعام ~~، بل هي ريح تنتج الهلاك الذي يزهق الأرواح ، ويهدم الدور ، ويقصف الأشجار. # ( @QUR@06 ما تذر من شيء أتت عليه ) في محيطها الذي تتحرك فيه ( @QUR@03 ~~إلا جعلته كالرميم ) إلا أهلكته وجعلته شيئا باليا .. وتلك آية لمن أراد ~~الاعتبار ، فهل نفهم جبروتهم واستكبارهم وتمردهم على الله ms4909 ورسوله؟! # ( @QUR@08 وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ) إذ أمهلهم نبيهم صالح ~~لما عقروا الناقة ثلاثة أيام ليرجعوا عن كفرهم وعنادهم ، وذلك هو قول الله ~~تعالى : ( @QUR@09 تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) [هود : 65]. # ( @QUR@04 فعتوا عن أمر ربهم ) وتمردوا عليه واستخفوا بوعيده ، واعتبروا ~~عقر الناقة PageV21P214 # انتصارا لهم على الرسول ، فلم يستفيدوا من المهلة التي أعطاهم إياها ، ( ~~@QUR@02 فأخذتهم الصاعقة ) التي جاءت مفاجأة لهم ، وهي صيحة أسكتت فيهم كل ~~نبضة للحياة ، ( @QUR@02 وهم ينظرون ) إليها نظرة خائفة حائرة ، ( @QUR@04 ~~فما استطاعوا من قيام ) في ما يقوم به الإنسان ليدافع عن نفسه ، ( @QUR@03 ~~وما كانوا منتصرين ) لو أرادوا الدفاع ، لأنهم لا يملكون وسيلة له ، أو ~~أراد غيرهم الدفاع عنهم ، فلينظر الناس إلى هؤلاء ليأخذوا العبرة كيف يهلك ~~الله الكافرين. # ( @QUR@08 وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين ) في شركهم بالله ~~وتمردهم على أمره ونهيه ، وفي تكذيبهم رسالة نوح عليه السلام ، وسخريتهم منه ~~، واستهانتهم به ، فأخذهم الطوفان وهم لا يشعرون. # * * * PageV21P215 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) @QUR@04 والأرض ~~فرشناها فنعم الماهدون (48) @QUR@07 ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ~~(49) @QUR@08 ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) @QUR@011 ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ) (51) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بأيد )؛ الأيد : القوة. # ( @QUR@01 فرشناها ): بسطناها. # ( @QUR@01 الماهدون ): الموطئون والمهيئون. # * * * ### ||| ** جولة في آيات الله في الكون # وتتابع السورة حديثها عن آيات الله في الكون ، ليستلهم الإنسان منها PageV21P216 # عظمة الخالق ، فيرتبط به ، ويلتزم بهداه ، ويتحرك مع رسله في خط رسالاته ~~على أساس الوعي ، في ما هي حركة الحس وتحليل الوجدان ، لأن الله لا يريد ~~للإنسان أن يؤمن إيمانا أعمى ، كما لا يريد أن يكفر على أساس التقليد ~~والهوى الذاتي. # ( @QUR@03 والسماء بنيناها بأيد ) أي بقوة تملك سر الإبداع ، ودقة الصنعة ~~، وقوة الإمكانات ، وروعة الصورة ، وتناسق المواقع ، ( @QUR@02 وإنا ~~لموسعون ) قيل : إن كلمة «لموسعون» من الوسع وهو الطاقة ، ومعناها : ~~لقادرون كما في تفسير الكشاف (1)، وقد يكون معناها القدرة على الإنفاق من ~~موقع السعة ، وربما كانت تعني اتساع الرزق بالمطر ، وقيل : إن المراد ms4910 بها ، ~~جعلنا بينها وبين الأرض سعة ، وهناك نظرية حديثة تقول بإمكانية اتساع ~~السماء بطريقة ما. # ولعل الأقرب إلى الذهن ، هو أنها تتحدث عن قدرة الله المتحركة في ساحة ~~نعمته ، مما يوحي بأن الله هو من يملك القدرة التي بنى بها السماء وأرادها ~~مصدرا للنعمة على خلقه ، وربط بينها وبين الأرض ، في ما تحتاجه لاستمرار ~~المخلوقات الحية والنامية والجامدة فيها من شمس ومطر وما إلى ذلك. فإذا كان ~~الله قد أكد النعمة من ناحية المبدأ ، فإنه قادر على توسيعها من ناحية ~~التفاصيل. # ( @QUR@02 والأرض فرشناها ) أي مهدناها وسهلنا سبل الحياة فيها بمستوى ~~يوفر لكل المخلوقات الحية وفي طليعتها الإنسان راحة العيش واطمئنانه ، لما ~~أودعه الله فيها من عناصر تتوقف عليها الحياة في باطنها وظاهرها ، وفي جميع ~~مفرداتها الحية وغير الحية ، مما يجعل كل شيء يتغذى ويستعين بشيء آخر ، ~~وبذلك تكون كلمة التمهيد كناية عن تسهيل العيش براحة طبيعية ، ( @QUR@02 ~~فنعم الماهدون ) نحن ، مما يفتح للإنسان نافذة للتفكير بعلاقة حياته بالله ~~وارتباطها به ، بحيث PageV21P217 # يشعر بعمق الحاجة إليه في كل أموره وأوضاعه ، ليعيش حضور الله في كل ~~مفردات الحياة في الأرض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. # * * * ### ||| ** قانون الزوجية في الكون # ( @QUR@05 ومن كل شيء خلقنا زوجين ) مما تعلمونه ، ومما لا تعلمونه من ~~المخلوقات الحية والنامية وحتى الجامدة ، فقد اكتشف الإنسان أن الذرة ، ~~التي قيل إن بناء الكون يرجع إليها ، مؤلفة من زوج من الكهرباء موجب وسالب ~~، وربما تكشف الأبحاث العلمية عن أشياء أخرى في هذا المجال ، والقضية التي ~~تفرض نفسها على التفكير في هذه المسألة ، هي أن الله في شمول عبارة «كل ~~شيء» يؤكد على وحدة الأساس الذي يرتكز عليه النظام الكوني ، وهو قانون ~~الزوجية الذي تتنوع مفرداته وأشكاله وأوضاعه وأساليب حركته ، مما يفتح أمام ~~الإنسان باب السعي لاكتشاف التفاصيل ، ذلك أن الله أراد لكتابه أن يشير إلى ~~العنوان ، ليبحث الناس في المعنون الذي يختفي وراءه تارة ، وأراد أن يشير ~~إلى المنهج أخرى ، لينطلق الفكر لاكتشاف مفرداته. فالقرآن لا يدخل في ~~تفاصيل النظرية ، بل يوحي ms4911 بها ، كمنطلق للبحث وللتفكير. # ( @QUR@02 لعلكم تذكرون ) في ما يعنيه التذكر من انفتاح الفكر على كل ~~المواقع التي توسع آفاقه ، وتبعد عنه الغفلة والغيبوبة في الضباب ، ( ~~@QUR@03 ففروا إلى الله ) وتخلصوا من كل القيود التي تثقلكم وتمنعكم من ~~الانطلاق في رحابه وساحة قدسه ومواقع رضاه ، ومن كل الأوضاع التي تحاصركم ~~وتعطل حركتكم نحوه ، ومن كل الأشخاص الذين يريدون وضع الحواجز التي تحول ~~بينكم وبين الوصول إليه في خط رسله ورسالاته مما يجعلكم بعيدين عن طاعته ، ~~ويعرضكم لعقابه وللبعد عن رحمته ، ( @QUR@05 إني لكم منه نذير مبين ) فليس ~~الفرار إليه فرارا من مكان إلى PageV21P218 # مكان ، بل هو حركة من موقف في خط المعصية أو الكفر أو الشرك ، إلى موقف ~~آخر في خط الإيمان والعمل الصالح ، لأن الله أنذر الكافرين والمشركين ~~والمتمردين بعقابه ، فاعملوا على اجتناب مواقع عذابه. # ( @QUR@06 ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) بالشرك في العقيدة ، أو في ~~الطاعة والعبادة ، فإن التوحيد الفكري والعملي هو القاعدة التي تكفل النجاة ~~في المصير ، ( @QUR@05 إني لكم منه نذير مبين ) فلا قيمة لأي عمل صالح إذا ~~لم يكن مرتبطا بالخط الإيماني من قريب أو من بعيد. # * * * PageV21P219 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~(52) @QUR@06 أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) @QUR@05 فتول عنهم فما أنت ~~بملوم (54) @QUR@05 وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أتواصوا )؛ التواصي : إيصاء القوم بعضهم بعضا بأمر. # * * * ### ||| ** سنة تكذيب الرسل وصمود المرسلين # ( @QUR@01 كذلك ) أي هذا الأسلوب الذي مارسه المشركون من قريش ومن غيرها ~~في اتهام الرسول بالسحر أو الجنون ، لم يكن أسلوبا جديدا ، بل هو استمرار ~~للأساليب السابقة التي استعملت في مواجهة الأنبياء من قبله ، فليست هناك PageV21P220 # خصوصية لهؤلاء ، بل المسألة مسألة الكفر الذي يفقد الحجة على مضمونه ~~الفكري ، كما يفقد الرد على مضمون الرسالة وموقف الحق في شخصية الرسول ، ~~فيعمد أهله إلى توزيع الاتهامات بطريقة غير مسئولة. # وهكذا تمتد رحلة الكفر التاريخي في مواجهة الإيمان تاريخيا في رسالات ~~الله ( @QUR@012 ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر ms4912 أو مجنون ) ~~ليبطلوا تأثيره في النفوس ، معتمدين في ذلك على تفكير الجماهير السطحي الذي ~~يجعل قناعاتهم محكومة للشائعات دون تعمق في مناقشة الأمور ودراسة نقاط ~~ضعفها وقوتها ، مما يسهل على الفئات المضادة الوصول إلى ما تريد دون أن ~~تهتم بواقعية التهمة ومدى انسجامها مع حقيقة الشخص الذي توجه إليه ، لأن ~~المهم لديها هو إشغال الناس بأية وسيلة عن التفكير بالرسالة والرسول ، ~~لإثارة الضوضاء التي تسلب الفكر الصفاء الذي يطل به على الحقيقة المشرقة. # ( @QUR@02 أتواصوا به ) على ترداد مقولة واحدة التقى بها الأولون ~~بالآخرين ، مما جعل كل جيل يوصي الجيل الآخر بالوقوف ضد الرسالات والرسل في ~~كل عصر ومصر ، ( @QUR@04 بل هم قوم طاغون ) فليست المسألة مسألة إرث الوصية ~~، بل هي طبيعة الطغيان التي تملي على كل طاغية في زمانه استخدام هذا المنطق ~~الذي يعبر عن رفض الحقيقة ، والهروب منها ، باللجوء إلى أسلوب الاتهام غير ~~المسؤول الذي يراد به إشغال الناس عن الرسالة. ولكن منطقهم ذاك لن يصل إلى ~~أية نتيجة عملية ، فلن يتراجع النبي عن موقفه في إبلاغ الرسالة ، وعن ~~إصراره عليها وثبات موقفه منها ، كما لم يتراجع الأنبياء من قبله. هذا ما ~~يريد الله أن يبلغه للنبي ليتخذ الموقف الصامد الذي لا يخضع لنقاط الضعف ، ~~ولا يهتز أمام تهاويل الخوف ( @QUR@02 فتول عنهم ) وأعرض عن كل أوضاعهم ~~وأساليبهم ومواقفهم ومواقعهم. # ( @QUR@03 فما أنت بملوم ) في ما واجهوك به من تكذيب ، وما أعلنوه من رفض ~~للتوحيد وللإيمان ، لأن دورك هو الإبلاغ والتذكير والدعوة إلى الله بالحكمة ~~والموعظة الحسنة. PageV21P221 # ( @QUR@05 وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) الذين يتعمق إيمانهم ويزيد ~~وينمو ، كلما سمعوا وحيا جديدا وآية جديدة ، لأن قلوبهم مفتوحة على المعرفة ~~، يتأملون في كل ما يسمعونه من آيات الله ، مما يجعلهم ينتفعون بها ، في ~~الوقت الذي يمتنع الآخرون عن الانفتاح عليها والانتفاع بها. # * * * ### ||| ** من وحي الآيات # وقد نستوحي من ذلك ، أن على الدعاة إلى الله ، أن يثبتوا في مواقفهم وأن ~~يستمروا في الخط الرسالي ، دون اتخاذ ردود فعل سلبية أو إيجابية من حولهم ، ~~وعليهم متابعة ms4913 الرسالة في خط الدعوة ، لأن هناك قلوبا مستعدة للانفتاح ~~عليها ، وساحات جاهزة للحركة فيها ، ففرص وصول الدعوة موزعة في أكثر من ~~مكان ، فإن المؤمنين في الحاضر يحتاجون إلى استمرار الدعوة لتنمية إيمانهم ~~وتقويته ، وتحريك التفاصيل ، كما أن المستقبل يختزن في داخله آفاقا جديدة ~~قد تصلها الدعوة عبر الطلائع الفتية في الجيل الجديد التي لا تعيش ما يعيشه ~~أصحاب المطامع والمصالح الذاتية من عقد نفسية تجاهها. # * * * PageV21P222 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) @QUR@09 ما أريد منهم ~~من رزق وما أريد أن يطعمون (57) @QUR@07 إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ~~(58) @QUR@09 فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) ~~@QUR@07 فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ) (60) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المتين ): الشديد القوة. # ( @QUR@01 ذنوبا )؛ أصل الذنوب : الدلو الممتلئ ماء ، وهنا بمعنى النصيب ~~من العذاب. # ( @QUR@01 فويل ): كلمة تقولها العرب لكل من وقع في الهلكة. # * * * PageV21P223 # ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) # ما هو المضمون الروحي لوجود المخلوقات الحية العاقلة من جن وإنس في الأرض؟ # وما هي غاية الخلق ودور تلك الغاية العملي في حياة المخلوقات؟ # وما هو المدلول الفلسفي للغاية من الوجود انطلاقا من مضمون التوحيد ~~المرتبط بالله؟ # هذه هي الأسئلة التي يتناولها مضمون الحديث في هذه الآيات ، فالآية ~~الأولى تحدد المضمون الروحي بالعبادة لله ، فقد خلق الله الجن والإنس ~~ليعبدوه ، كما أن الآية الثانية تنفي حاجة الله إلى مخلوقاته ، سواء في ~~الرزق أو في الطعام ، باعتبارهما الرمز المادي للحاجة ، أما الآية الثالثة ~~، فتؤكد حاجة العباد إليه كونه مصدر الرزق الوحيد والقوة القاهرة. # ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) فالعبادة هي الغاية من ~~الخلق ، ولكن كيف نتصور مدلول تلك الغاية؟ بادئ ذي بدء ، قد يبدو لنا أن في ~~ذات الخالق حاجة تحكم عملية الخلق ، فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف نتصور حاجة ~~كهذه في الله سبحانه الغني عن عباده وعن كل مخلوقاته ، لا سيما وأن مسألة ~~العبادة لا معنى لها سوى إرضاء نزعة الكبرياء في النفس التي ترتاح لخضوع ~~الآخرين لها ، وهذا ما لا معنى له في ms4914 الذات الإلهية التي لا تحتاج إلى وجود ~~العابدين ، فكيف تحتاج إلى عبادتهم ، لأنهم لا يمثلون شيئا في مسألة الوجود ~~، كما أنه أمر مستحيل فيما هو الكمال الذاتي والغنى المطلق في ذات الباري ~~عز وجل ؟! # ولعل الجواب الأوفق بالخط التوحيدي والكمال المطلق لله الذي يوحي بالغنى ~~المطلق في ذاته ، أن يقال : إن الغاية هنا ، ليست معنى قائما في ذات الخالق ~~، بل هي أمر متصل بالدور الذي يراد للمخلوق القيام به ، بالمستوى الذي ~~ترتفع به حياته عن العبثية ، فلم يخلق الله الجن والإنس ليعيشوا اللهو PageV21P224 # الذي يجعل الحياة فرصة للعبث ، بل لعبادته ، وتأكيد إحساسهم بالعبودية ~~المطلقة أمام الألوهية المطلقة التي تعطي لكل مسئوليات الحياة معنى يتحرك ~~في وجودهم ، وبذلك تكون الغاية فكرة في تقدير الخالق ، وليست حاجة لديه ، ~~فإن الحاجة إلى خضوع الناس وإلى ما يقومون به من فروض العبادة تجاهه كإله ، ~~تمثل حاجة إلى إكمال نقص يحس به المعبود ويجد في العبادة لونا من ألوان ~~التعويض ، وهذا مما لا يتصور في الله سبحانه الذي تعالى عن أي نقص وأية ~~حاجة مهما كان نوعها. هذا الجواب هو الذي يوفق بين معنى الغاية وبين الخط ~~التوحيدي ، لتكون قضية العبادة قضية دور الإنسان في حركة النشاط العام. # * * * ### ||| ** مفهوم العبادة في القرآن # نتساءل بعد ذلك : ما هو مفهوم العبادة في القرآن؟ # فهل هي الشعائر الخاصة التي اصطلح الناس على تسميتها بالعبادة كالصلاة ~~والصوم والحج والدعاء ونحوها؟ أم هي مفهوم واسع يتسع لكل النشاطات التي ~~يرضاها الله ويحبها ، ويأتي بها العبد من موقع إحساسه بحضور الله الدائم في ~~كل مفردات حياته الخاصة والعامة ، بحيث يشعر بالذوبان في وجود الله والحاجة ~~الدائمة إليه والارتباط به؟ # الظاهر أن المراد بالعبادة المعنى الثاني الذي يتضمن المعنى الأول ، لأن ~~العبادة كشعائر لا تستغرق وجود الإنسان كله ، بل تحتل مساحة صغيرة منه ، ~~بينما تطال العبادة بالمعنى الثاني حركة الحياة العامة والخاصة ، وهذا ما ~~جاء به الحديث المأثور الذي يؤكد أن العبادة تتجسد في العفاف وفي العمل ~~طلبا لكسب عيش الإنسان وكل ms4915 من يعوله ، وفي طلب العلم ، وفي التفكير ، وفي ~~قضاء حوائج الناس ، وفي كل عمل يرفع مستواهم. # وبذلك كانت العبادة معنى في النفس يتفاعل مع العقيدة التوحيدية ، لتكون PageV21P225 # حالة تعمق في الوعي الشعور بعبودية الله في كل شيء ، وحركة في الواقع ~~العملي تؤكد الالتزام الانقيادي الخاضع له في كل أوامره ونواهيه ، وما يحبه ~~ويرضاه ، بحيث يعيش الإنسان الحياة كلها خاشعا أمام الله في الفكر والشعور ~~والعاطفة ، محصنا من الانفتاح على أية فئة أو أي شخص يدعي لنفسه امتيازا ~~ذاتيا في علاقة الناس به ، بعيدا عن الله. # وهكذا ، عند ما تحمل العبادة كل نشاط الإنسان وحركته في كل مواقع الأرض ~~في الداخل والخارج ، يتحول الكون كله إلى عبد لله سبحانه. # * * * ### ||| ** غنى الله عن عباده # ( @QUR@09 ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) لأني الإله الذي خلق ~~الرزق كله ، فليس لأحد من الخلق شيء منه إلا من خلال ما يرزقهم منه ، ولا ~~معنى للطعام في معنى الله ، ولا معنى لأن يطعمه أحد من خلقه. وإذا كانوا ~~يعتبرون الأمر الإلهي بالإنفاق على الآخرين يعني عطاء لله ، فعليهم أن يروا ~~حقيقة ذلك ، كأمر يعود إليهم باعتباره تجسيدا لإنسانيتهم مما ترجع فائدته ~~إليهم وإلى الحياة من حولهم. # ( @QUR@04 إن الله هو الرزاق ) الذي يعطي كل مخلوق رزقه من خزائنه التي ~~لا تحصى ولا تنفد ، ولا يحتاج إلى رزق منهم ( @QUR@02 ذو القوة ) الذي يعطي ~~القوة لكل شخص يتحرك بالقوة في حياته ، فلا يحتاج إلى أخذ القوة من أحد ~~غيره ، لأن الأقوياء لا يملكون القوة الذاتية باستقلال ، بل يملكون منها ما ~~ملكهم الله إياه ، ( @QUR@01 المتين ) الشديد القوة التي لا ينفذ إليها ~~الضعف من أي مكان. # * * * PageV21P226 ### ||| ** ويل للذين ظلموا وكفروا # ( @QUR@04 فإن للذين ظلموا ذنوبا ) وهي الدلو الممتلئ ماء في ما قيل ، ( ~~@QUR@03 مثل ذنوب أصحابهم ) وهو كناية عن الوعاء المعنوي الذي يشتمل على ~~المعاصي التي تقودهم إلى نار جهنم ، فلا فرق بين الجيل القديم والجيل ~~الجديد من الكافرين والمشركين ، مما يجعلهم متساوين في النتائج السلبية ~~الحاصلة من ذلك ، ( @QUR@02 فلا يستعجلون ms4916 ) لأن نصيبهم من العذاب حاصل ~~لديهم إن عاجلا أم آجلا. # ( @QUR@07 فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ) وهو يوم القيامة الذي ~~ينتظر الكافرين ليقودهم إلى النار ، فهل يشعر هؤلاء بالويل الهائل الذي ~~يواجههم في ذلك اليوم العظيم؟! # * * * PageV21P227 ### | سورة الطور ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع وأربعون PageV21P229 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة من السور المكية التي تضج بحركة الجو النفسي الذي يحيط بالصراع ~~بين الإيمان والشرك ، لتواجه المكذبين بالتوحيد والرسول واليوم الآخر ، ~~بالمصير القاسي الذي يتعرضون له يوم القيامة الذي يكذبون به ، مقارنة بمصير ~~من يؤمنون بالرسالة. ثم تثير علامات استفهام استنكارية حول ما يطرحه أولئك ~~المكذبون من أفكار في مواجهة الرسالة ، بأسلوب يوحي بالإجابة ويبرز الحقيقة ~~الصارخة التي تتناسب مضمونا مع طروحات الرسالة. # وتتحدث السورة عن الرسول لتؤكد صموده وصبره في مواجهة الجدل المتعسف ، ~~فهو يتحرك بعين الله التي ترعاه في كل مواقفه ، ليبقى في أجواء التسبيح ~~التي تشمل اليوم كله ، والليل كله ، لينفتح على رحاب الله وآفاق عظمته ، ~~فيزداد بذلك إيمانا وقوة وثباتا على الموقف الرسالي في مواقع الزلزال. # * * * PageV21P231 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 والطور (1) @QUR@02 وكتاب مسطور (2) @QUR@03 في رق منشور (3) ~~@QUR@02 والبيت المعمور (4) @QUR@02 والسقف المرفوع (5) @QUR@02 والبحر ~~المسجور (6) @QUR@04 إن عذاب ربك لواقع (7) @QUR@04 ما له من دافع (8) ~~@QUR@04 يوم تمور السماء مورا (9) @QUR@03 وتسير الجبال سيرا (10) @QUR@03 ~~فويل يومئذ للمكذبين (11) @QUR@05 الذين هم في خوض يلعبون (12) @QUR@06 يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا (13) @QUR@06 هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) ~~@QUR@06 أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) @QUR@012 اصلوها فاصبروا أو لا ~~تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والطور ): جاء في مجمع البيان : قال المبرد : يقال لكل جبل ~~طور ، فإذا دخلت الألف واللام للمعرفة فهو لشيء بعينه (1)، والمقصود به ~~هنا الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام . PageV21P232 # ( @QUR@01 مسطور ): مكتوب. # ( @QUR@01 رق )؛ الرق : جلد يكتب عليه. # ( @QUR@01 مورا )؛ المور : تردد الشيء بالذهاب والمجيء. # ( @QUR@01 خوض )؛ الخوض : الدخول في باطل القول. # ( @QUR@01 دعا )؛ الدع : الدفع الشديد. # * * * ### ||| ** إن عذاب الله لواقع # ( @QUR@01 والطور ) وهو الجبل ، والمقصود به الجبل الذي سمع فيه موسى ~~كلام الله وتلقى فيه ms4917 التوراة ، وهو طور سينين ، وقد تعلق به القسم لكونه ~~يرمز إلى الوحي الإلهي الذي نزل فيه على موسى عليه السلام ، الذي أكسب هذا ~~المكان نوعا من القداسة ، وقيل : إن المراد به مطلق الجبل ، كونه من مواقع ~~نعم الله. # ( @QUR@05 وكتاب مسطور* في رق منشور ). اختلف المفسرون حول المراد من ~~الكتاب ؛ هل هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه أحداث الكون كله مما أعده ~~لثقافة ملائكته في المسألة الكونية ، أم هو صحائف الأعمال التي تحصي أعمال ~~العباد ، أم هو القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ ، أم هو التوراة التي كانت ~~تكتب في الرق وتنشر للقراءة ، أم هو كل كتاب سماوي تداوله الناس في كل زمان ~~وقرءوه ونشروه فيما بينهم؟! # ( @QUR@02 والبيت المعمور ) هل هو الكعبة المشرفة التي كانت أول بيت وضع ~~للناس ، أم هو البيت المعمور في السماء الذي تزوره الملائكة ، ( @QUR@02 ~~والسقف المرفوع ) وهو السماء التي شبهها القرآن بالسقف في ما تمثله في ~~الصورة الشكلية ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 وجعلنا السماء سقفا ) ~~[الأنبياء : 32]. ( @QUR@02 والبحر المسجور ) الذي يفيض بالماء فيمتلئ به. PageV21P233 # ( @QUR@04 إن عذاب ربك لواقع ) فهو الحقيقة الحاسمة التي لا مجال للريب ~~فيها ، ( @QUR@04 ما له من دافع ) لأنه منطلق من إرادة الله التي لا يمكن ~~لأحد أن يقف أمامها ، مهما كانت قوته ، وذلك في يوم القيامة ، حيث يجتمع ~~الناس في ظروف مثيرة ضاغطة لا يملكون أمامها التماسك ، ( @QUR@04 يوم تمور ~~السماء مورا ) فتضطرب وتهتز ويختل التوازن في كواكبها ، ( @QUR@03 وتسير ~~الجبال سيرا ) فتزول عن أماكنها ، وبذلك يقع الزلزال الذي تنتهي به الحياة ~~الطبيعية على الأرض ، ليستعد الناس للوضع الجديد الذي ينطلقون فيه سراعا ~~إلى يوم القيامة. # ( @QUR@03 فويل يومئذ للمكذبين ) باليوم الآخر والرسالة والرسول ، لأنهم ~~لم يقفوا من الرسالة ومضمونها الفكري بطريقة جدية تتناسب مع حجم أهميتها ~~على مستوى المصير ، بل وقفوا منها موقفا لاهيا ، ( @QUR@05 الذين هم في خوض ~~يلعبون ) فهم يخوضون في الأحاديث المطروحة في ساحة الصراع بين الرسالة ~~وخصومها ، تماما كما لو كانت حركة لاعبة لاهية ، في ما يخوض فيه الخائضون ~~من إثارة الضجيج وتبادل الصراخ ، لينتهي ms4918 كل شي بعد ذلك إلى الفراغ الذي لا ~~يحمل معه الإنسان أي شيء. وتلك هي المشكلة التي يعانيها الرسل في مجتمعاتهم ~~عند ما يعملون بكل الوسائل المتاحة لديهم على إخراجها من أجواء اللعب إلى ~~أجواء الجدية المسؤولة التي تتابع الواقع الجديد باهتمام وتفكير ليواجهوا ~~الخوف الحقيقي من المصير الأخروي. # ( @QUR@06 يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) أي يدفعون إليها بعنف. وينطلق ~~النداء ليؤكد لهم حقيقة العذاب ( @QUR@06 هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) ~~عند ما كان الرسل يحذرونكم منها ، فتسخرون وتعبثون ، وتتساءلون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين ، فما ذا ترون الآن؟! وهل تتذكرون كلماتكم اللامسؤولة ~~التي واجهتم بها الرسول؟! ( @QUR@02 أفسحر هذا ) كما كنتم تتهمونه بالسحر ~~في دعوته ، ( @QUR@04 أم أنتم لا تبصرون ) هذه الحقيقة المتجسدة في هذا ~~اللهب الذي يعلو في الفضاء ، وهذا الحريق الذي يتحرك في الأرض؟ # ( @QUR@01 اصلوها ) وتحملوا المعاناة في حرارة النار التي تحرق أجسادكم ، فهذا PageV21P234 # هو الجزاء العادل ، ( @QUR@04 فاصبروا أو لا تصبروا ) فلن يجديكم الصبر ~~نفعا ، لأنه لن ينتهي إلى وضع آخر في تخفيف العذاب أو صرفه عنكم ، ولن ~~ينفعكم الجزع لأنكم لن تموتوا وترتاحوا بالموت من ذلك ، ( @QUR@07 سواء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) فلا مجال لأي تبديل أو تغيير في العذاب ~~، لأن الله أراده لكم ، ولا راد لإرادته. # * * * PageV21P235 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات ونعيم (17) @QUR@08 فاكهين بما آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) @QUR@06 كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ~~(19) @QUR@07 متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) @QUR@019 ~~والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) @QUR@05 وأمددناهم بفاكهة ولحم مما ~~يشتهون (22) @QUR@08 يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ~~@QUR@07 ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) @QUR@05 وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون (25) @QUR@07 قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) ~~@QUR@06 فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) @QUR@09 إنا كنا من قبل ~~ندعوه إنه هو البر الرحيم ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 جنات ): جمع جنة ، وهي البستان تجنه الأشجار وتستره. PageV21P236 # ( @QUR@01 فاكهين ): متنعمين. # ( @QUR@01 متكئين )؛ الاتكاء : الاعتماد على ms4919 الوسادة ونحوها. # ( @QUR@01 سرر ): جمع سرير. # ( @QUR@01 مصفوفة ): من الصف ، أي مصطفة موصول بعضها ببعض. # ( @QUR@01 ألتناهم ): أنقصناهم. # ( @QUR@01 رهين ): مرتهن. # ( @QUR@01 يتنازعون )؛ التنازع في الكأس : تعاطيها والاجتماع على ~~تناولها. # ( @QUR@01 كأسا )؛ الكأس : القدح ، ولا يطلق الكأس إلا في ما كان فيها ~~الشراب. # ( @QUR@01 مشفقين )؛ الإشفاق : عناية مختلطة بخوف. # ( @QUR@01 السموم ): الحر الذي يدخل في مسام البدن يتألم به. # * * * ### ||| ** صور من حياة أهل الجنة # هذه هي صورة الفريق الآخر ، فريق الإيمان والتقوى ، الذي انفتح على ~~الرسالة والتزم بها ، وجاهد في سبيلها وتحمل مسئولية الدعوة إليها ، وأقبل ~~على الله بكل كيانه في إسلام العقل والقلب واليد واللسان ، ليكون كله لله ، ~~فلا نصيب فيه للشيطان. لقد تعذبوا كثيرا ، وتعبوا طويلا وتحملوا قسوة ~~الآلام وعذاب المشاكل ، وصبروا على ما لا يصبر عليه الناس ، وها هم يقفون ~~بين يدي الله ليمنحهم رضوانه ومغفرته ورحمته ومحبته في نعيم خالد يقدم ~~إليهم في جنة الله ، حيث لا خوف ولا حزن في ساحة رضوانه. # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات ونعيم ) في هذه الخضرة الممتدة في جمالها ~~وإبداعها ، وفي هذه الينابيع الصافية المتفجرة في كل مكان ، ( @QUR@03 ~~فاكهين بما آتاهم PageV21P237 # @QUR@01 ربهم ) فهم يتلذذون ويستمتعون ويتفكهون بكل ما فيها من ثمار ~~وفواكه ونعم ممتدة أمامهم دون حد ( @QUR@04 ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ) فهم ~~بعيدون عن الجحيم ، لأن أعمالهم أبعدتهم عنه ، ولأن قربهم من الله أبعدهم ~~عن مواقع عذابه. # وينطلق النداء الحنون بكل محبة ورضوان : ( @QUR@06 كلوا واشربوا هنيئا ~~بما كنتم تعملون ) فليست الجنة منحة دون مقابل ، بل جزاء على العمل الصالح ~~المنطلق من قاعدة الإيمان بالله. وتلك هي النتائج الطبيعية التي يصل إليها ~~العاملون المؤمنون الذين عاشوا التقوى فكرا وإيمانا وحركة ونهج حياة ، بناء ~~على وعد الله الذي وعد به عباده المتقين. ( @QUR@04 متكئين على سرر مصفوفة ~~) في جو روحي يلقي بظله الوارف على الجميع ، وينشر المشاعر الحميمة في ~~علاقة الناس ببعضهم البعض في الداخل ، بالمستوى الذي يربطهم بالله ، فلا ~~مجال للتباعد فيما بينهم ، مما يجعل الأخ جالسا إلى جنب أخيه ، ليكون الشكل ~~في معنى الصورة متناسبا مع عمق المضمون الذي يضم ms4920 الجميع إلى رحمة الله. # ( @QUR@03 وزوجناهم بحور عين ) لتتكامل لهم اللذة الحسية ، في ما يأكلون ~~ويشربون ويستمتعون ، فتتمازج مع اللذة الروحية التي يعيشون فيها في رحاب الله. # * * * ### ||| ** الذرية الصالحة تلحق بآبائها الصالحين # ( @QUR@05 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) فآمنت ذريتهم كما آمنوا ~~، من موقع التربية والقدوة الصالحة ، ( @QUR@03 ألحقنا بهم ذريتهم ) ليجتمع ~~شمل المؤمنين العائلي ، الذين أسسوا علاقاتهم العائلية على قاعدة الإيمان ~~بالله لا على قاعدة العصبية ، مما جعل الواحد منهم يدعو الآخر إلى الإسلام ~~ويقوي موقفه ، ويدعم موقعه. فالإيمان هو الذي يوحد بين الناس في الدنيا ، ~~ويجمعهم في مواقع رحمة الله في الآخرة ، وقد ورد في حديث أئمة أهل البيت ~~عليه السلام في ما رواه في الكافي بإسناده عن ابن بكير عن أبي عبد الله جعفر ~~الصادق عليه السلام في قول الله عز PageV21P238 # وجل : ( @QUR@04 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) قال : فقال : قصرت ~~الأبناء عن عمل الآباء فألحقوا الأبناء بالآباء لتقر بذلك أعينهم (1).. ~~وقد جاء في الدر المنثور عن ابن عباس رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال : «إن الله يرفع ذرية المؤمن إليه في درجته وإن كانوا دونه في العمل ، ~~لتقربهم عينه ، ثم قرأ : ( @QUR@014 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) قال : وما نقصنا الآباء ~~مما أعطينا البنين» (2). # وعلى ضوء ذلك ، فإن التركيز في هذا التفسير على كلمة الإلحاق هو بلحاظ ~~تساوي الدرجة ، مع اختلاف العمل ووحدة المبدأ في الإيمان. # ( @QUR@06 وما ألتناهم من عملهم من شيء ) فلكل واحد منهم عمله ، لأن ~~المسؤولية فردية يحددها ما يقوم به الفرد من عمل الخير وموقف الإيمان ، ( ~~@QUR@05 كل امرئ بما كسب رهين )، فلا يتحمل إنسان مسئولية عمل إنسان آخر ، ~~ولا يكسب أحد نتائج عمل الآخر ، فلكل عقابه ولكل ثوابه. # * * * ### ||| ** أفضال الله ونعمه على أصحاب الجنة # ( @QUR@05 وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ) من الغذاء الذي يبني للجسد ~~قوته وحيويته ( @QUR@03 يتنازعون فيها كأسا ) منعشا قد يكون الخمر أو ما ~~يشبهه ، ومعنى التنازع هو تعاطيها والاجتماع على تناولها بحيث يقدمها أحدهم ~~إلى ms4921 الآخر ، ( @QUR@03 لا لغو فيها ) في ما قد يصدر من القول اللغو لمن ~~يشرب الخمر ، ( @QUR@02 ولا تأثيم ) وهو الإثم الذي يحدث له ، فخمر الآخرة ~~خالية من ذلك كله ، فهي تعطي اللذة دون سلبيات أو مشاكل عقلية وعملية. PageV21P239 # ( @QUR@07 ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون ) في صفاء الرونق ~~الجميل في صورته ونقائه ، في خدمة دائمة متواصلة. # * * * ### ||| ** إنا كنا في أهلنا مشفقين .. فمن الله علينا # ( @QUR@05 وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) عن المرحلة الدنيوية التي ~~عاشوا فيها الاستقامة على خط التوحيد ، ويتحدثون عن الأعمال التي أوصلتهم ~~إلى هذه النهاية السعيدة : ( @QUR@07 قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) ~~في قلق الإنسان المؤمن وإشفاقه على نفسه ، وخوفه من التقصير في عمله أمام ~~ربه ، ( @QUR@03 فمن الله علينا ) بفضله وتوفيقه ورحمته ، بالثبات على خط ~~طاعته ، ( @QUR@03 ووقانا عذاب السموم ) الذي يحرق الجلود ويذيبها من شدة ~~الحرارة اللاهبة ، ( @QUR@05 إنا كنا من قبل ندعوه ) ونلجأ إليه في المهمات ~~، ونبتهل إليه في الملمات ، ونتضرع إليه عند الخطيئة ، ونخشع له عند الرهبة ~~، ( @QUR@04 إنه هو البر الرحيم ) الذي يمنح عباده المؤمنين بره ورحمته في ~~الدنيا والآخرة. # وهكذا نجد في هذه الآيات صورة مثيرة للمجتمع المؤمن في الجنة ، حيث جلسات ~~الاسترخاء اللذيذة التي يتناول فيها المؤمنون الكؤوس المنعشة ، ويتحدثون ~~فيها عن حياتهم الماضية ، وينفتحون فيها على الله في بره ورحمته. # * * * PageV21P240 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) @QUR@07 أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) @QUR@06 قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين (31) @QUR@08 أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) ~~@QUR@06 أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) @QUR@06 فليأتوا بحديث مثله إن ~~كانوا صادقين (34) @QUR@08 أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) ~~@QUR@07 أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) @QUR@07 أم عندهم ~~خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) @QUR@09 أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين (38) @QUR@05 أم له البنات ولكم البنون (39) @QUR@07 ~~أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) @QUR@05 أم عندهم الغيب فهم يكتبون ~~(41) @QUR@07 أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) @QUR@09 أم لهم ~~إله غير الله سبحان الله عما ms4922 يشركون (43) @QUR@09 وإن يروا كسفا من السماء ~~ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) (44) # * * * PageV21P241 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بكاهن )؛ الكاهن : الذي يذكر أنه يخبر عن الحق على طريق ~~العزائم. # ( @QUR@01 نتربص )؛ التربص : الانتظار. # ( @QUR@02 ريب المنون ): قلق الموت. # ( @QUR@01 أحلامهم )؛ الأحلام : جمع حلم ، وهو الإمهال الذي يدعو إليه ~~العقل والحكمة. # ( @QUR@01 تقوله )؛ التقول : تكلف القول ، ولا يقال إلا في الكذب. # ( @QUR@01 المصيطرون )؛ السيطرة : الغلبة والقهر. # ( @QUR@01 مغرم ): ما يلزم أداؤه من المال. # ( @QUR@01 مثقلون )؛ المثقل : المحمول عليه ما يشق حمله ؛ وهو كناية عن ~~المشقة. # ( @QUR@01 كيدا )؛ الكيد : المكر. # ( @QUR@01 كسفا )؛ الكسف : القطعة من الغيم. # ( @QUR@01 مركوم )؛ المركوم : المتراكم بعضه على بعض. # * * * ### ||| ** علام يستند المشركون بالله .. وماذا ينتظرون؟! # ( @QUR@08 فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ) فتابع سيرك في ~~الدعوة إلى الله من أجل إخراج الناس من ظلام الغفلة الذي يطبق على عقولهم ~~إلى إشراقة الذكرى التي تفتح لهم باب الإيمان بالله ، ليتحركوا في خط ~~الرسالة ، ولا تلتفت إلى كل ما يثأر حولك من تهاويل ، وما يطلق عليك من ~~أوصاف لا أساس واقعيا لها ، فهم يلصقون بك الكهانة لإبطال قداسة الوحي في نفوس PageV21P242 # الناس ، والجنون لإسقاط حركة الوعي في رسالتك ، فلست ، بما أنعم الله ~~عليك من وحي صاف صفاء القدس الإلهي ، ومن عقل واع يمنح العالم عقلا ، ويحرك ~~عقول الناس في اتجاه الفكر العميق المتزن الممتد في رحاب الحياة كلها ، كما ~~يقولون. # ( @QUR@07 أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) ليجعلوا القرآن ، وهو ~~وحي الله ، شعرا ينسجه الخيال ، ويتحرك في آفاق الوهم مما لا يلتقي بالصدق ~~إلا قليلا ولا ينفتح على الحق إلا بالصدفة ، ولا يملك من الفكر المتوازن أي ~~أساس ، فلنترك لخياله الشاعري مجال التعبير ، فلن يستطيع أن يغير شيئا من ~~أوضاعنا ويبعدنا عن أوثاننا المقدسة ، وسينتهي الأمر به إلى الهلاك ، ~~فنرتاح من كل مشاكله المثيرة المزعجة. ( @QUR@06 قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين ) لأن الانتظار لن يوصلكم إلى ما تريدون ، ذلك أن الرسالة ستفرض ~~نفسها على الواقع وستؤكد مفاهيمها في حركة الإنسان والحياة ، وستهزم ~~الوثنية وكل خطط الشرك ، وقد يموت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن ms4923 ~~الرسالة لن تموت ، لأنها وحي الله الذي يرعى رسالاته بما يرعى به الوجود ~~كله ، وهذا هو الفرق بين انتظار الرسول وانتظار خصومه ، فهم ينتظرون موت ~~الرسول لانتهاء الرسالة لأنهم يربطونها بحياته كشخص في تفكيرهم ، أما ~~الرسول ، فينتظر انتصار رسالته ، ويترقب انفتاح قلوبهم على الحق من حيث ~~يريدون أو لا يريدون ، كما ينتظر عذاب الله الذي يحل بهم في الدنيا والآخرة ~~إذا أصروا على شركهم وانحرافهم. # ومن هنا كان الرسول هو الأقوى في التربص ، بينما كانوا في موقف الضعف ، ( ~~@QUR@04 أم تأمرهم أحلامهم بهذا ) المنطق العدواني المبني على الأوهام ~~الضالة والأحلام ، أم هي عقولهم الساذجة التي لا تقودهم إلا إلى الضلال ، ( ~~@QUR@04 أم هم قوم طاغون ) فهم يعرفون الحقيقة الرسولية في شخص الرسول ، ~~ويملكون اليقين بالرسالة المنطلقة من وحي الله ، ولكنهم يتمردون عليها ~~طغيانا وكفرا وعنادا بسبب شخصياتهم المعقدة التي تعيش الاستكبار بعنوان ~~تميز الذات أو الطبقة ، ( @QUR@03 أم يقولون تقوله ) في ما ينسبونه إليك من ~~الكذب على الله ، ومن اختلاف الرسالة؟ PageV21P243 # ( @QUR@03 بل لا يؤمنون ) فليست القضية عندهم قضية قناعة ذاتية بما ~~يقولون عنك ، بل هي قضية رفض معقد للإيمان ، بعيدا عن حركة العقيدة ~~الفكرية. فإنهم إذا كانوا جادين في اعتبارهم القرآن كلام بشر يدعيه الرسول ~~وينسبه إلى الله ، ( @QUR@06 فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) في ~~دعواهم هذه ، لأن البشر يمكن أن يتحدى كلام بشر مثله ، ولكنه لا يستطيع أن ~~يتحدى كلام الله. # * * * ### ||| ** أين قدرتكم لتتحدوا رب العالمين؟! # ( @QUR@05 أم خلقوا من غير شيء ) وهذا هو بداية التساؤل الذي يطرح ~~المسألة في نطاق قدرتهم ليطرح المسألة من جميع جوانبها ، فهؤلاء الذين ~~يقفون موقف التحدي لله ورسوله ، وهم المخلوقون الذين كانوا عدما ، كيف ~~وجدوا؟ هل كان وجودهم مجرد صدفة أنتجتها حركة الوجود؟ وكيف يمكن لموجود لا ~~يملك في ذاته ما يحتم وجوده ، أن يوجد بذاته؟ فكيف خلقوا من غير شيء؟ ( ~~@QUR@03 أم هم الخالقون ) الذين خلقوا أنفسهم ، وكيف يخلق الإنسان نفسه من ~~العدم ، وإذا تجاوز التساؤل وطال إلى السماوات والأرض التي يقفون عليها ~~ويستظلون بها ( @QUR@04 أم خلقوا ms4924 السماوات والأرض ) حتى يقفوا هذا الموقف ~~المتحدي الذي يوحي باستعراض القوة أمام الله ، وكيف تعقل مثل هذه الفرضية ~~التي يعرفون عدم صدقها في واقعهم الحياتي؟! ( @QUR@03 بل لا يوقنون ) لأنهم ~~لا يأخذون بأسباب اليقين لما يعيشونه من أجواء اللامبالاة التي تمنعهم من ~~تركيز أفكارهم في دائرة التوحيد ، وتدفعهم إلى اتخاذ مواقف غوغائية وإطلاق ~~كلمات لا معنى لها ، كما أنهم لا يملكون قدرات أخرى تمكنهم من تأدية الدور ~~الذي يريدون أن يلعبوه في حياة الناس ، وليؤكدوا قوتهم من خلاله. # ( @QUR@04 أم عندهم خزائن ربك ) المادية والمعنوية ليمنعوا من يشاءون ، ~~أو ليعطوا من يشاءون من النبوة والمال والملك والقدرة ونحو ذلك ، ( @QUR@03 ~~أم هم المصيطرون ) PageV21P244 # الذين يملكون السلطة القاهرة القادرة التي تستطيع سلب نعم الله عن العباد ~~، أو تستطيع عزلك عن النبوة ، ( @QUR@05 أم لهم سلم يستمعون فيه ) يصعدون ~~عليه إلى السماء ليستمعوا إلى الوحي ليكون لهم العلم السماوي الذي يتفوقون ~~به على الآخرين ويختصون به دونهم ، انسجاما مع تصوراتهم الخيالية التي ~~يتوهمون من خلالها أن السماء مكان يمكن الصعود إليه بالوسائل التي ~~يستعملونها في الوصول إلى الأماكن العالية في حياتهم الأرضية ، فإذا كانت ~~هذه الأوهام معقولة لديهم ( @QUR@04 فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) في ما قد ~~يدعيه من نزول الوحي عليه .. فأين الحجة على ذلك ، وأين البرهان؟ # ( @QUR@03 أم له البنات ) فقد كانوا يعتقدون أن الملائكة إناث ويعتبرونهم ~~بنات الله ، في الوقت الذي كانوا يرفضون فيه ، نتيجة تقاليدهم ورغباتهم ~~الذاتية ، أن يكون لهم البنات في ما يرزقونه من الذرية ، وهكذا كانوا ~~يتوهمون أن لله بناتا ، ( @QUR@02 ولكم البنون ) الذين يمنحونهم ميزة على ~~مستوى القيمة والمنفعة المادية. ( @QUR@03 أم تسئلهم أجرا ) كما يسألهم ~~الكثيرون ممن يقدمون الخدمات المعنوية والمادية دفع العوض عنها ، ( @QUR@04 ~~فهم من مغرم مثقلون ) رازحون تحت الثقل المادي الذي يلقى عليهم ، فيهربون ~~منك ليتخلصوا منه ، ولكنك لا تفعل ذلك لأنك لم تسألهم أجرا على تبليغ ~~الرسالة؟! # ( @QUR@03 أم عندهم الغيب ) الذي يطل بهم على خفايا الأمور وتطلعات ~~المستقبل ، ( @QUR@02 فهم يكتبون ) ليثبتوه للناس ليتعلقوا بهم على أساس ~~هذه القدرة الغيبية الخفية ms4925 التي يملكونها ، فتكون لهم السيطرة عليهم؟! # ( @QUR@03 أم يريدون كيدا ) يكيدون به للإيمان والمؤمنين بأساليب يلفون ~~فيها ويدورون ليهزموا مواقف الرسول وأتباعه ، بالحرب النفسية تارة ، ~~وبالخطط العدوانية أخرى ، ( @QUR@04 فالذين كفروا هم المكيدون ) الذين يبطل ~~الله كيدهم ويرده إلى نحورهم ، ويقودهم في نهاية المطاف إلى النار وبئس ~~القرار؟! # ( @QUR@05 أم لهم إله غير الله ) لينطلقوا معه في محاربة الله ورسله ، في ~~ما يمكن أن PageV21P245 # يثيره التصور المنحرف الزائف ، ( @QUR@04 سبحان الله عما يشركون ) مما ~~ينسبونه إليه من شركاء لا مكان لهم إلا في نفوسهم المريضة المنحرفة وعقولهم ~~المتخلفة الغارقة في الأوهام. # ( @QUR@06 وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ) مما يمكن أن ينزل عليهم من ~~العذاب السماوي ، فلا يتعظون به ، ( @QUR@03 يقولوا سحاب مركوم ) أي متراكم ~~، فلا يرون فيه آية من العذاب. # * * * PageV21P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) @QUR@09 يوم لا ~~يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) @QUR@010 وإن للذين ظلموا عذابا ~~دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) @QUR@010 واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ~~وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) @QUR@05 ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) (49) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يصعقون ): يهلكون بوقوع الصاعقة عليهم. # * * * ### ||| ** يوم يصعق الكافرون # بعد هذه الجولة الطويلة مع تصورات المشركين وأوهامهم ومشاكلهم وأساليبهم ~~العدوانية ، تنتهي السورة بنداء يطلقه الله إلى رسوله أن لا يتعقد من PageV21P247 # ذلك ، ولا يتوقف أمام هذه التعقيدات الواقعية ، بل يتابع مسيرة رسالته ، ~~لأن العاقبة له ، أما هؤلاء ، فإنهم سيواجهون اليوم الذي يصعقون فيه ، ~~وسيتحطم كيدهم على صخرة الحقيقة الأخروية أمام الله. # ( @QUR@07 فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) عند ما ينفخ في ~~الصور ، فيصعق من في السماوات والأرض ، ( @QUR@06 يوم لا يغني عنهم كيدهم ~~شيئا ) لأن مكر الدنيا لا يمكن أن يترك أي تأثير إيجابي لمصلحة الماكرين ، ~~( @QUR@03 ولا هم ينصرون ) لأنهم لا يملكون أية قوة من أية جهة كانت ، فمن ~~يمكن أن يحميهم من الله ، فهو يملك القوة جميعا. # ( @QUR@06 وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ) ويقال إنه عذاب القبر ، ( ~~@QUR@04 ولكن أكثرهم لا يعلمون ) لأنهم غارقون في ضلالهم وغيهم وعنادهم ، ( ~~@QUR@03 واصبر لحكم ربك ) في ms4926 ما قدره الله من حركة الرسالة في مواجهة ~~خصومها ، ومن المشاكل التي تواجه النبي في ساحة الدعوة والجهاد ، ( @QUR@02 ~~فإنك بأعيننا ) التي ترعاك وتحميك وتحفظك وتراقب كل خطواتك وصبرك في مواقفك ~~، ( @QUR@03 وسبح بحمد ربك ) فإن التسبيح الذي يختزن حمد الله في داخله ، ~~هو الذي يملأ الروح والعقل والقلب اطمئنانا وصبرا وانفتاحا على الأمل ~~الكبير في رحاب الله ، ( @QUR@02 حين تقوم ) في صلاتك التي هي معراج روح ~~المؤمن إلى الله ، ( @QUR@03 ومن الليل فسبحه ) في صلاة الليل وفي ~~ابتهالاته وخشوع الروح فيه ، عند ما تهدأ الأصوات ، ويسكن الجو ، وتصفو ~~القلوب في هدوء السحر ، ( @QUR@02 وإدبار النجوم ) عند ما تختفي الكواكب مع ~~ضوء الصبح ليبدأ يوم جديد تشرق فيه الحياة بقدرة الله لتنطلق خطوات الرسالة ~~في درب المسؤولية المنفتحة عليه. # وهكذا تنطلق حركة الرسالة من انفتاح الرسول على الله بالدعاء والتسبيح ~~والحمد ، ليكون ذلك خطا يتبعه الدعاة إلى الله والعاملون في سبيله ، وتكون ~~الدعوة رسالة في وعي السائرين في دروبها ، ولا تتحول إلى مهنة في حياتهم ~~وتجارة في سوق البيع والشراء. # * * * PageV21P248 ### | سورة النجم ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها اثنتان وستون PageV21P249 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من السور المكية التي تتحدث عن الوحدانية التي تطل على الكون ~~كله من موقع الألوهية والربوبية والقدرة والعلم والحكمة ، مما يجعل الوثنية ~~بكل مظاهرها ، حالة خرافية في وعي هؤلاء المشركين الذين لم ينطلقوا من موقع ~~الوعي ، بل انطلقوا من موقع التقليد الأعمى والتخلف المعقد ، كما تدعو ~~الناس إلى التأمل والتفكير والإعراض عن هؤلاء الجاهلين. # وتعالج السورة الوحي كأساس من أسس الحقيقة الإيمانية التي لا مجال للريب ~~فيها ، ولا تخلو من الإشارة إلى المعاد الذي يشكل عمق العقيدة ويوجه الناس ~~إلى المسؤولية في ما يفعلون أو يتركون ، ليواجهوا نتائجها عند ما يقفون غدا ~~بين يدي الله. وفي هذا الجو كله نلتقي بالمبادئ الإسلامية التي تلتقي فيها ~~العدالة بالمسؤولية الفردية ، حيث يتحمل الإنسان وحده نتائج عمله ، فلا ~~يحمل أي إنسان مسئولية عمل شخص آخر غيره. # * * * PageV21P251 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 والنجم إذا هوى (1) @QUR@05 ما ضل صاحبكم ms4927 وما غوى (2) @QUR@04 ~~وما ينطق عن الهوى (3) @QUR@05 إن هو إلا وحي يوحى (4) @QUR@03 علمه شديد ~~القوى (5) @QUR@03 ذو مرة فاستوى (6) @QUR@03 وهو بالأفق الأعلى (7) ~~@QUR@03 ثم دنا فتدلى (8) @QUR@05 فكان قاب قوسين أو أدنى (9) @QUR@05 ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) @QUR@05 ما كذب الفؤاد ما رأى (11) @QUR@04 ~~أفتمارونه على ما يرى (12) @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى (13) @QUR@03 عند ~~سدرة المنتهى (14) @QUR@03 عندها جنة المأوى (15) @QUR@05 إذ يغشى السدرة ~~ما يغشى (16) @QUR@05 ما زاغ البصر وما طغى (17) @QUR@06 لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هوى ): سقط. # ( @QUR@01 ضل )؛ الضلال : الخروج والانحراف عن الخط المستقيم. # ( @QUR@01 غوى ): ضل وفارق الهدى. # ( @QUR@01 مرة ): حصافة العقل والرأي ، أو هي الشدة والقوة. PageV21P252 # ( @QUR@01 بالأفق )؛ الأفق : ناحية السماء. # ( @QUR@01 دنا ): قرب. # ( @QUR@01 فتدلى )؛ التدلي : التعلق بالشيء ، ويكنى به عن شدة القرب. # ( @QUR@01 قاب ): قدر. # ( @QUR@01 أفتمارونه ): أفتجادلونه. # ( @QUR@02 زاغ البصر ): مال. # ( @QUR@01 طغى ): جاوز القصد والحد. # * * * ### ||| ** القرآن وحي لا هوى # ( @QUR@03 والنجم إذا هوى ) والمراد به على الظاهر الكوكب السماوي الذي ~~يضيء في السماء ثم يسقط نحو الغروب ، وهناك أقوال أخر في معناه ولكن من دون ~~دليل على كونها مقصودة في الآية ، في حين يحدد المعنى المطلق للنجم ظاهر ~~اللفظ ، الذي يتناسب مع الآيات التي أقسم الله فيها ببعض الأجرام السماوية ~~كالشمس والقمر ونحوهما. # ( @QUR@05 ما ضل صاحبكم وما غوى ) فليس في دعوته خروج عن الخط المستقيم ~~إلى متاهات الانحراف التي يتحرك فيها الناس يمينا وشمالا بعيدا عن الهدى ~~المشرق بالحق ، وليس في حديثه أية غواية فكرية أو شعورية مما قد يفرضه ~~الجهل الذي يدفع الناس إلى الاعتقادات الفاسدة البعيدة عن الرشد المنفتح ~~على الله ، بل هو خط مستقيم واضح في العقيدة والمنهج والشريعة يكفل للإنسان ~~السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة ، ولكن ذلك يحتاج إلى الأخذ بأسباب ~~الفكر العميق الذي يعيش فيه الإنسان الموضوعية والتجرد من الهوى ، حتى لا ~~يغرق في أجواء الذاتيات الخاضعة للمؤثرات الحسية والعاطفية. PageV21P253 # ( @QUR@04 وما ينطق عن الهوى ) لأن دراسة تاريخه وسمات شخصيته المبنية ~~على العقل والاتزان ، تدل على أنه كان يزن كل كلمة يريد أن يتكلم بها لتكون ~~كلمة عقل وحق ، مما جعله موضع احترام كل ms4928 أفراد مجتمعة قبل النبوة ، لأنه ~~كان الصادق في قوله ، الأمين على مجتمعة. كما أن دراسة مفاهيم رسالته التي ~~تتحرك في مواقع الغيب من جهة ، وفي مواقع الحس من جهة أخرى ، توحي بالحقيقة ~~التي لا يقترب إليها الباطل من قريب أو من بعيد ( @QUR@05 إن هو إلا وحي ~~يوحى ) أوحى به الله إليه في آياته ليبلغها لعباده لتدلهم على الصراط ~~المستقيم. # ( @QUR@03 علمه شديد القوى ) فقد أعطاه علم القرآن ليعيه في صدره وليبلغه ~~بلسانه .. وربما كان المراد به جبرائيل عليه السلام الذي وصفه الله بالقوة ~~في قوله تعالى : ( @QUR@06 ذي قوة عند ذي العرش مكين ) [التكوير : 20]. # وربما كان المراد به الله سبحانه الذي علم نبيه ذلك بواسطة ملائكته ، أو ~~بالطريقة المباشرة في قصة المعراج ، كما وردت بذلك بعض الروايات. # ( @QUR@03 ذو مرة فاستوى ) أي صاحب عقل ورأي ، أو شدة كما جاء في تفسير ~~كلمة المرة ويقال : إن المقصود به جبرائيل عليه السلام الذي يملك هذه الصفة ~~التي تتيح له أن يبلغ الرسالة بقوة وكفاءة ، فاستقام في خط المهمة التي ~~أوكلت إليه ، أو سيطر عليها بقوة ووعي ، وقيل : إن المراد بذلك الصورة ~~الملائكية الحقيقة لجبرائيل الذي كان ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بصورة بشر ، فأحب أن يراه بصورته التي جبل عليها ، ( @QUR@03 وهو بالأفق ~~الأعلى ) من السماء حيث ملأ الأفق بهيئته ، ( @QUR@03 ثم دنا فتدلى ) بحيث ~~قرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@05 فكان قاب قوسين أو أدنى ) ~~أي مقدار قوسين أو أقل من ذلك ، وهو تعبير كنائي عن منتهى القرب. # * * * ### ||| ** الرسول يعاين الوحي حسيا # ( @QUR@03 فأوحى إلى عبده ) أي عبد الله ، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~، ( @QUR@02 ما أوحى ) من القرآن PageV21P254 # بالمستوى الذي لا مجال فيه لأي شك أو شبهة ، لأن هذا المستوى من القرب لا ~~يمكن أن يخدع العين ، أو يثير الريب في النفس ( @QUR@05 ما كذب الفؤاد ما ~~رأى ) لأن الرؤيا القلبية تتعمق كلما دنت الرؤية البصرية من الشيء ، فلا ~~وجه لمجادلته في هذه التجربة الحسية وإيحاءاتها الروحية ، فإذا كان صادقا ms4929 ~~في ما يخبركم عن الحس ، فلا بد من أن يكون صادقا في ما يستوحيه من ذلك. # ( @QUR@04 أفتمارونه على ما يرى ) فتدخلون معه في جدل يثير الشك في ما لا ~~مجال للشك فيه وهو الرؤية المباشرة؟! ( @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى ) أي ~~مرة ثانية عند ما نزل عليه جبرائيل بهذه الصورة في موقع آخر ، ( @QUR@03 ~~عند سدرة المنتهى ) وذلك ليلة المعراج ، كما قيل ، ووقع الخلاف في المراد ~~بهذه السدرة ، هل هي شجرة في السماء أو غير ذلك؟ إنه أمر لم يشرحه الله لنا ~~، فلنكتف بمعرفته المبهمة على الطريقة القرآنية في ذلك في ما لا مجال ~~للدخول في تفاصيله. # ( @QUR@03 عندها جنة المأوى ) التي يأوي إليها المؤمنون ( @QUR@05 إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى ) مما لا يمكن أن يحيط به الفكر ، أو يقترب إليه ~~الخيال ، فليترك علمه إلى الله الذي أراد أن يجعل الإنسان يحلق في هذه ~~الأجواء السماوية ، بما يفيض عليه من روحانية العظمة المنفتحة على غيبه ، ~~في ما يتصاغر به الإنسان أمامه تعالى ، من خلال التصاغر أمام خلقه .. # * * * ### ||| ** آيات الله تزيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقينا # ( @QUR@05 ما زاغ البصر وما طغى ) بل كانت الرؤية واضحة دقيقة ، لا مجال ~~فيها لزغللة العين ، بحيث تتجاوز الرؤية الحد الحقيقي والواقعي للأشياء ، ~~فالبصر هنا يلتزم رؤية الأمور والأشياء كما هي في عالم الواقع والحقيقة من ~~غير أي زيادة أو نقصان ، ( @QUR@06 لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) التي ~~زادته معرفة ويقينا ، فاتصلت PageV21P255 # روحه بالحقيقة الإلهية من خلال ذلك ، وهكذا كان الوحي الذي يخبر عنه ~~لاتصاله بمصدر الوحي الملائكي أو الإلهام الإلهي ، حقيقة فكرية لا يرقى ~~إليها الشك ، وهي تجربة تقتصر على الأنبياء ، ولا يصلى إليها غيرهم إلا من ~~خلال الشخصية النبوية في صدقها وحكمتها واتزانها واستقامتها في الرؤية ~~والتفكير. # * * * # وهناك اختلاف في تفسير مرجع الضمائر ، وهو يستدعي الدخول في تفاصيل لا ~~نجد مجالا للحديث عنها هنا ، ولكن الظاهر أن القضية تعيش في الجو الذي ~~تحدثنا عنه ؛ والله العالم. # * * * PageV21P256 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 أفرأيتم اللات والعزى (19) @QUR@03 ومناة الثالثة الأخرى (20) ~~@QUR@04 ألكم الذكر وله ms4930 الأنثى (21) @QUR@04 تلك إذا قسمة ضيزى (22) ~~@QUR@025 إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) @QUR@04 ~~أم للإنسان ما تمنى (24) @QUR@03 فلله الآخرة والأولى (25) @QUR@018 وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى (26) @QUR@09 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية ~~الأنثى (27) @QUR@016 وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا (28) @QUR@011 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا (29) @QUR@016 ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ضيزى ): جائرة غير عادلة. # * * * PageV21P257 ### ||| ** ظنون المشركين # لقد كان للرسالة في وعي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضوح التقت فيه الرؤية ~~البصرية والرؤيا القلبية بحيث لم تدع مجالا للشك بكونها حقيقة ، ولكن ماذا ~~عن هؤلاء المشركين ، وما هو الأساس الذي يرتكز عليه اعتقادهم بهذه الأوثان ~~وعبادتهم لها؟ هل هناك وضوح في الرؤية وصفاء في التفكير ، وهل لديهم حجة ~~على خط العقيدة وخط السير ، أم أن القضية ترتكز على مجرد أوهام وظنون ~~وتخيلات؟ # ( @QUR@06 أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى ) وهي الأصنام ~~التي كان العرب يعبدونها ، فاللات كانت لثقيف بالطائف ، والعزى كانت لغطفان ~~، ومناة لهذيل وخزاعة ، وقيل : إنها تماثيل للملائكة التي يعتبرها العرب من ~~الإناث ، أو أنهم كانوا يعطون هذه التماثيل صفة الأنثى ، ويجعلونها من ~~الشفعاء عند الله. # ( @QUR@04 ألكم الذكر وله الأنثى ) ففي تقاليدهم الجاهلية كانوا يميزون ~~الذكور على الإناث ، ويرون في الإناث عارا عليهم ، لأن واقعهم مبني على ~~الغزو والاسترقاق ، فكيف ينسبون الإناث إلى الله ويحتفظون لأنفسهم بالذكور؟ ~~( @QUR@04 تلك إذا قسمة ضيزى ) أي جائرة لا تخضع للعدل في ميزان التقييم ~~بالقياس إلى المفهوم السائد عندهم ، أما عند الله ، فلا فرق بين الذكر ~~والأنثى ، فكل واحد منهما مخلوق له ، ولا علاقة له بأحدهما دون الآخر ، ~~فالجميع متساوون أمامه في العبودية ، كما أن هذه ms4931 الأصنام لا تملك أية قدسية ~~في ذاتها ، وليس لها أي دور في القرب من الله ، لا في الفضل ولا في الشفاعة ~~، بل هي مجرد أشياء جامدة ليس لها من المعنى إلا الاسم ، ( @QUR@05 إن هي ~~إلا أسماء سميتموها ) في ما أطلقتم عليها من صفة الألوهية ، تماما كما هي ~~الكلمات التي يخترعها الناس لبعض ما يتخيلون ، ( @QUR@02 أنتم وآباؤكم ) ~~الذين درجتم على تتبع ما ساروا عليه دون وعي أو مناقشة أو تأمل ، تقليدا ~~لهم ، ولكن ( @QUR@06 ما أنزل الله بها من سلطان ) لذا فلا حجة لكم على ما ~~أسبغتموه عليها من صفات ، وما تخيلتموه لها من دور ، PageV21P258 # فليس لكم إلا الوهم الآتي من التقليد الموروث المنطلق من مواقع التخلف ، ~~( @QUR@07 إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) وهو مبني على التخيل ~~والرغبة الذاتية والأفكار الطائرة التي لا تستقر على قاعدة ولا تتحرك في ~~آفاق النور. ( @QUR@05 ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) بكل حججه القاطعة التي ~~تقنع الفكر والوجدان ، وتدفع هؤلاء إلى هدى الله. # ( @QUR@04 أم للإنسان ما تمنى ) «أم» منقطعة في معرض الاستفهام الإنكاري ~~الذي يرادف النفي ، فكأن المسألة هي أن الإنسان لا يحصل على ما يتمناه ~~لمجرد التمني ، بل لا بد من أن يكون ذلك منسجما مع طبيعة الأشياء ، فإذا ~~كان هؤلاء يؤلهون هذه الأصنام عمليا ويعبدونها من دون الله ، لتشفع لهم ~~ولتقربهم إلى الله زلفى ، فليس معنى ذلك أن هذا سيحصل في الواقع ، لأن هذه ~~الأصنام لا تمثل ، لجهة الأسرار الروحية الخفية ودرجة القرب من الله ، أي ~~معنى ، لأنها ليست شيئا ( @QUR@03 فلله الآخرة والأولى ) فهو الذي يملك ~~الأمر كله ، وليس لأحد معه أي شيء أو أي امتياز ذاتي من كل الموجودات الحية ~~وغير الحية. # * * * ### ||| ** الشفاعة لمن يشاء الله ويرضى # ( @QUR@018 وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) فالملائكة الذين يتخذهم الجاهليون شفعاء ، ~~ويرمزون إليهم بالأصنام التي يعبدونها ليحصلوا بذلك على شفاعتهم ، لا ~~يملكون شيئا ، لأنهم عباد الله لا يسبقونه بالقول ، وهم يقفون دائما في ~~انتظار ms4932 أوامره ، وقفة العبيد الخاشعين الخاضعين ، وبذلك ، فإنهم لا ~~يستطيعون الشفاعة من مواقعهم الذاتية ، إلا بعد الحصول على إذن من الله ، ~~فهو قد يأذن لبعض عباده من الأنبياء والأولياء بالشفاعة لبعض الخاطئين ~~الذين يريد أن يغفر لهم من موقع الكرامة لأنبيائه أو أوليائه. # * * * PageV21P259 ### ||| ** الإعراض عن المتولين عن ذكر الله # ( @QUR@05 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) فلا ينطلقون في كلامهم من قاعدة ~~الإحساس بالمسؤولية عنه أمام الله ، بحيث يحسبون لنتائج الكلمات حسابا ~~دقيقا على مستوى الموقف أمامه ، إن عدم إيمان هؤلاء بالآخرة يفسح لهم مجال ~~الكذب في موقع الصدق ، وتصديق الخرافة في دائرة الحقيقة ( @QUR@04 ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى ) دون أساس لذلك ، لأنهم لا يملكون أية معرفة بحقيقة ~~الملائكة كونهم من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، ومن عرفهم منه بعض ~~الأمور ، ( @QUR@05 وما لهم به من علم ) لأن للعلم وسائله التي لا يملكون ~~قاعدتها ، كما أشرنا آنفا ، ( @QUR@04 إن يتبعون إلا الظن ) المحكوم ~~للاحتمالات المبنية على التمنيات من جهة ، وعلى الخيالات والمؤثرات الذاتية ~~من جهة أخرى ، مع عدم وصولها إلى مستوى القناعة ، بل تظل في دائرة الحدس ~~والتخمين ، ( @QUR@07 وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) لأن الحق ينطلق من ~~موقع النور الذي يطل على القضية والفكرة والواقع بوضوح لا يترك مجالا ~~لمواجهته. # ( @QUR@06 فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ) فلم ينفتح على الفكر العميق في ~~مضمونه تعصبا للجهل والتقاليد ، ( @QUR@05 ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) في ~~ما يتطلبه من شهواتها ، التي تحكم علاقاته والتزاماته وأوضاعه ، باعتبارها ~~القاعدة التي تحرك حياته كلها ، لأن ( @QUR@04 ذلك مبلغهم من العلم ) فهم ~~يتحركون في هذه الدائرة الضيقة دون أية إطلالة على الآفاق الرحبة للإيمان ~~بالله والسير في خط هداه ، و ( @QUR@08 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) ~~من هؤلاء ، في ما يعلمه من خفايا أمره ومواقع حركته في المستقبل ، ( ~~@QUR@04 وهو أعلم بمن اهتدى ) في التزامه بالخط المستقيم في حركة الإيمان ~~بالله ، لذلك فليس دورك هو ملاحقة خلفيات هؤلاء وتطلعاتهم المستقبلية ، بل ~~القيام بمهمة الدعوة إلى الله بكل الوسائل ، حتى إذا ms4933 ما واجهت إعراضا معقدا ~~متعنتا منهم ، ابتعد عنهم لتواجه تجربة جديدة في مواقع أخرى ولتنتظر تطورات ~~جديدة من أحداث أخرى. # * * * PageV21P260 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@016 ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) @QUR@031 الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ~~وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 كبائر الإثم ): عظائم الذنوب. # ( @QUR@01 والفواحش ): الذنوب الشنيعة الفظيعة. # ( @QUR@01 أنشأكم )؛ النشء والنشأة : إحداث الشيء وتربيته. # ( @QUR@01 أجنة ): جمع جنين. # * * * PageV21P261 ### ||| ** الله أعلم بمن اتقى # ( @QUR@07 ولله ما في السماوات وما في الأرض ) فهو الذي يملك كل شؤون ~~خلقه في ما يجب أن يتصرفوا به أو يتحركوا فيه ، وهو الذي يملك الثواب ~~والعقاب عند ما يجمعهم لديه ، فيثيب المهتدي ، ويعاقب المضل ، ( @QUR@05 ~~ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ) تطبيقا للعدالة في ما أمر الله به أو نهى ~~عنه ، ( @QUR@04 ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) وهؤلاء هم ( @QUR@07 الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) والمراد بكبائر الإثم ، المعاصي ~~الكبيرة التي توعد الله عليها بالنار ، كما جاء في بعض الأحاديث عن أئمة ~~أهل البيت عليه السلام ، أما الفواحش ، فهي الذنوب الشنيعة التي تتعلق ~~بالجانب الجنسي كالزنى واللواط ونحوهما. أما المراد باللمم ، فقد قيل : إن ~~معناه هو الصغيرة من المعاصي ، فيكون الاستثناء منقطعا ، وقيل : هو أن يلم ~~بالمعصية ويقصدها ولا يفعل ، وقيل : هي المعصية حينا بعد حين من غير عادة ، ~~أي المعصية الاتفاقية من دون فرق بين الصغيرة والكبيرة ، وهذا هو ما روي عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام . # ( @QUR@04 إن ربك واسع المغفرة ) لمن تعلق برحمته ، وطرق أبواب مغفرته ~~بالتوبة. ( @QUR@03 هو أعلم بكم ) بما تخفون من سرائركم ، وما تخضعون له من ~~نقاط الضعف التي تدفعكم إلى المعصية والانحراف عن خط الاستقامة ، وفي ما ~~تلتفتون إليه من التراجع عن ذلك ، والتوبة إلى الله منه ، فهو الذي خلقكم ، ~~( @QUR@04 إذ أنشأكم من الأرض ) التي أنتم جزء منها ( @QUR@06 وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم ) في موضع ms4934 رعايته وتدبيره ، ينمي أجسادكم وعقولكم ~~ويتعهدكم بكل مواقع لطفه وعنايته ، ( @QUR@03 فلا تزكوا أنفسكم ) لتستعرضوا ~~كل الأوضاع التي تحسن صورتكم وتزكي مواقفكم ، ف ( @QUR@04 هو أعلم بمن اتقى ~~) لما يعلمه من خفايا سريرته ، وحقيقة عمله ، ويطلع من أموركم على ما لا ~~تلتفتون إليه منها. # * * * PageV21P262 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 أفرأيت الذي تولى (33) @QUR@03 وأعطى قليلا وأكدى (34) @QUR@05 ~~أعنده علم الغيب فهو يرى (35) @QUR@07 أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) ~~@QUR@03 وإبراهيم الذي وفى (37) @QUR@05 ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) ~~@QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) @QUR@04 وأن سعيه سوف يرى (40) ~~@QUR@04 ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) (41) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تولى ): أعرض. # ( @QUR@01 وأكدى )؛ الإكداء : قطع العطاء. # ( @QUR@01 وفى ): تمم وأكمل. # ( @QUR@01 تزر ): تحمل. # ( @QUR@01 وزر ): حمل. # * * * PageV21P263 ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الكشاف : «روي أن عثمان رضي الله عنه كان يعطي ماله في الخير ، ~~فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة : يوشك أن لا يبقى ~~لك شيء ، فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا ، وإني أطلب بما أصنع رضى الله ~~تعالى وأرجو عفوه ، فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها ، وأنا أتحمل عنك ~~ذنوبك كلها ، فأعطاه وأشهد عليه. وأمسك عن العطاء فنزلت» (1). # قد تكون هذه الرواية صحيحة وقد لا تكون ، كما يشير إلى ذلك بعض المفسرين ~~تحفظا على نسبتها أو لأنها رواية مرسلة لا تثبت أمام موازين صحة الرواية ، ~~ولكن أجواءها توحي إلينا بالفكرة التي جسدها نموذج حي في الواقع زمن نزول ~~الآية ، ويمكن أن تتجسد في كل وقت ، كحالة فرضية متحركة. # فهذا إنسان كان يعيش حركة العطاء في حياته ، ولكنه امتنع عن ذلك وأمسك ، ~~بسبب حديث مع أحدهم ادعى أنه سيتحمل عنه ذنوبه أمام الله في مقابل المال. # وربما كان موضوع الآيات مرتبطا بشخص كافر أو مشرك ، أعرض الله عن ذكره ، ~~وتحرك في العطاء بشكل طارئ بحيث كان يعطي تارة ثم يمتنع ، لأنه لم يعش ~~روحية العطاء ، ولم يحسب حساب المسؤولية المنطلقة من مواقع الإيمان ، حيث ~~لا يملك الإنسان في الآخرة إلا سعيه ، ولا يتحمل أحد عنه وزره ، مهما كان ~~قريبا إليه ، أو لصيقا به. ms4935 # * * * PageV21P264 ### ||| ** لا تزر وازرة وزر أخرى # ( @QUR@06 أفرأيت الذي تولى* وأعطى قليلا وأكدى ) أي قطع عطيته وأمسك ( ~~@QUR@05 أعنده علم الغيب فهو يرى ) في ما يتطلع إليه من الغيب في عمل نفسه ~~أو ما يخبر به في ما يتعلق بغيره مع ابتعاد عن خط الإيمان بالله ، ( ~~@QUR@07 أم لم ينبأ بما في صحف موسى ) التي تمثل في مجموعها التوراة ، ( ~~@QUR@03 وإبراهيم الذي وفى ) وصدق عهده مع الله في رسالته وفي دعوته وفي ~~خطواته العملية في ساحة رضوانه من موقع الإسلام المطلق له. # ( @QUR@05 ألا تزر وازرة وزر أخرى ) فلا تحمل نفس مسئولية نفس أخرى ، ( ~~@QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) فله عمله الذي قام به بجهده ، ( ~~@QUR@04 وأن سعيه سوف يرى ) أمام الله يوم القيامة ، ( @QUR@04 ثم يجزاه ~~الجزاء الأوفى ) الكامل ، لأن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى. # وذلك هو خط العدل الذي تؤكده كل الرسالات في علاقات الناس ببعضهم البعض ، ~~وتحصر نتائج العمل على أنه يحكم السلبية أو الإيجابية في دائرة خاصة ، وهي ~~الشخص الذي قام به ، ليواجه الناس جميعا مواقف الحياة على هذا الأساس في ~~الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** حصول الإنسان على ثواب ما لم يقم به بعد مماته! # تناولت بعض الأحاديث المأثورة الثواب الذي يحصل عليه الإنسان بعد مماته ، ~~على ما لم يقم به بنفسه بشكل مباشر ، وذلك كما ورد عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : علم PageV21P265 # ينتفع به أو صدقة تجري له أو ولد صالح يدعو له» (1). وفي ما رواه الصدوق ~~في الخصال عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال : ليس يتبع الرجل ~~بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال : صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته ~~، وصدقة مبتولة لا تورث ، وسنة هدى يعمل بها بعده ، أو ولد صالح يدعو له (2). # والظاهر أن هذه الأمور لا تمثل استثناء من الآية ، بل هي نوع من السعي ~~الممتد بامتداد أثره ، باعتبار أن البداية كانت من الإنسان بالطريقة التي ~~تكفل ms4936 له الاستمرار في العطاء. # وقد وقع الخلاف بين العلماء في غير ذلك من الأعمال التي يقوم بها الأحياء ~~عن الأموات ، إما بطريق النيابة ، وإما بطريق إهداء الثواب ، فذهب الشافعي ~~إلى عدم وصول الثواب إلى الميت استنباطا من هذه الآية ، لأنه ليس من عمله ~~ولا من كسبه ، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته ولا ~~حثهم عليه ، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ، ولم ينقل ذلك عن أحد من ~~الصحابة. # ولكن هناك روايات متفرقة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ما روي عنه ~~من طريق أهل البيت عليه السلام ، دلت على مشروعية ذلك ووصول الثواب إليهم ~~مما لا يتسع المجال لبحثه هنا ، بل يترك إلى الأبحاث الفقهية التي تبيح ~~تخصيص العام بما ثبت صحته عن رسول الله ، وقد قيل في القاعدة الأصولية : ~~«ما من عام إلا وقد خص» ، مما يجعل البحث يتجه إلى الحديث عن مدى صحة السند. # * * * PageV21P266 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 وأن إلى ربك المنتهى (42) @QUR@04 وأنه هو أضحك وأبكى (43) ~~@QUR@04 وأنه هو أمات وأحيا (44) @QUR@05 وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ~~(45) @QUR@04 من نطفة إذا تمنى (46) @QUR@04 وأن عليه النشأة الأخرى (47) ~~@QUR@04 وأنه هو أغنى وأقنى (48) @QUR@04 وأنه هو رب الشعرى (49) @QUR@04 ~~وأنه أهلك عادا الأولى (50) @QUR@03 وثمود فما أبقى (51) @QUR@09 وقوم نوح ~~من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) @QUR@02 والمؤتفكة أهوى (53) @QUR@03 ~~فغشاها ما غشى (54) @QUR@04 فبأي آلاء ربك تتمارى (55) @QUR@05 هذا نذير من ~~النذر الأولى (56) @QUR@02 أزفت الآزفة (57) @QUR@06 ليس لها من دون الله ~~كاشفة (58) @QUR@04 أفمن هذا الحديث تعجبون (59) @QUR@03 وتضحكون ولا تبكون ~~(60) @QUR@02 وأنتم سامدون (61) @QUR@03 فاسجدوا لله واعبدوا ) (62) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تمنى ): أي تراق في الرحم. # ( @QUR@01 وأقنى ): من القنية : وهي أصل المال وما يقتنى. PageV21P267 # ( @QUR@01 والمؤتفكة )؛ الائتفاك : الانقلاب. # ( @QUR@01 آلاء )؛ الآلاء : جمع إلى بمعنى النعمة. # ( @QUR@01 تتمارى ): تشكك. # ( @QUR@01 أزفت ): اقتربت. # ( @QUR@01 الآزفة ): القيامة. # ( @QUR@01 سامدون ): لاهون. # * * * ### ||| ** من مظاهر قدرة الله في خلقه # ( @QUR@04 وأن إلى ربك المنتهى ) فهو سبب كل شيء ، وأساسه ومدبره ومحركه ~~، فليس هناك في الوجود شيء إلا وينتهي أمره إليه في كل جوانبه ، سواء كان ~~ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد يكون ms4937 المراد بالآية أن الخلق يرجعون إلى ~~الله يوم القيامة ، ولعل المعنى الأول أوفق بسياق الآيات الأخرى ، ( ~~@QUR@04 وأنه هو أضحك وأبكى ) فهو الذي أودع في الإنسان قابلية الضحك ~~والبكاء حسيا ونفسيا ، وهو الذي أوجد العوامل التي تحول هذه القابلية إلى ~~حركة فعلية في أوضاعه وممارساته ، وذلك من خلال الأسباب التي أودعها لذلك ، ~~وهي أسباب لا تلغي اختيار الإنسان بحيث ينسب الفعل إليه ، تماما كما هي كل ~~الأمور التي ترتبط في العمق بالله ، وبالإنسان بشكل مباشر ، ( @QUR@04 وأنه ~~هو أمات وأحيا ) فهو الذي خلق الموت والحياة من خلال أسبابهما المباشرة ~~وغير المباشرة. # ( @QUR@010 وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى ) أي تراق ~~في الرحم فيبدع الخلق من خلالها بأشكاله المتنوعة وطبيعته المختلفة ، وهكذا ~~تحفظ الزوجية الامتداد للوجود في كل خصائصه الذاتية ، مما يدفع المتأمل إلى ~~التفكير PageV21P268 # بهذه النطفة وكيفية تحولها إلى حياة كاملة تنمو وتبدع في كل مرحلة من ~~مراحل النمو شيئا جديدا يتكامل بعد ذلك فيكون الإنسان السوي. # ( @QUR@04 وأن عليه النشأة الأخرى ) التي يخلق فيها الناس خلقا جديدا ~~ليجمعهم إليه ويحاسبهم على ما عملوه من خير أو شر ، ( @QUR@04 وأنه هو أغنى ~~وأقنى ) فمنه العطاء في ما وهبه للإنسان من أنواع المال والمعاش ، الذي ~~يحقق له الغنى في كل حاجاته ، ويؤمن له اقتناء ما يحلو له مما ينتفع به من ~~حيوان وبستان ودار ونحوها. # ( @QUR@04 وأنه هو رب الشعرى ) الذي كان بعض العرب يعبدونه ، وهو نجم ~~أثقل من الشمس بعشرين مرة ، ونوره خمسون ضعف نور الشمس ، وهو أبعد من الشمس ~~بمليون ضعف بعد الشمس عنا ، كما يقال. # إنها مظاهر قدرته في خلقه ، في أسرار إبداعه ، فما هي مظاهر قوته في ~~مصارع الأقوياء من الطغاة الذين واجهوا الأنبياء بالتكذيب والجحود والتعسف؟ # ( @QUR@021 وأنه أهلك عادا الأولى * وثمود فما أبقى * وقوم نوح من قبل ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى ) وهي قرى قوم لوط ، فقد أهواها ~~أي ألقاها في الهاوية ، ( @QUR@03 فغشاها ما غشى ) من العذاب والدمار ~~والخسف والتنكيل ، بما لا يعرف الناس مداه. ( @QUR@04 فبأي آلاء ms4938 ربك تتمارى ~~) أي تشكك وترتاب ، في عظمة خلقه ، وفي قوة عقابه؟! # إن الوجه المقابل لما تقدم يؤكد مصيرية الحقيقة الحاسمة التي تنفتح على ~~عظمة الله لتعبده في وحدانيته كما تشكره في نعمه ، وتلتزم بأوامره ونواهيه. # * * * ### ||| ** السجود حقيقة عبادية عملية # ( @QUR@05 هذا نذير من النذر الأولى ) التي تطل على أجواء القيامة لتثير ~~في النفس الشعور بالهول أمام حقيقة الآخرة. PageV21P269 # ( @QUR@02 أزفت الآزفة ) أي اقتربت القيامة القريبة التي يراها الناس ~~بعيدة ، ( @QUR@06 ليس لها من دون الله كاشفة ) فهو وحده الذي يملك كشف ~~أهوالها ومخاوفها ، لأنه الذي يهيمن على أمر الدنيا والآخرة. # ( @QUR@04 أفمن هذا الحديث تعجبون ) وتستنكرون حقائقه ، ( @QUR@05 ~~وتضحكون ولا تبكون* وأنتم سامدون ) فتسخرون من الرسول والرسالة والدار ~~الآخرة ، ويثير فيكم ذلك الضحك استخفافا بما تسمعون ، بدلا من أن يحثكم على ~~الالتجاء إلى الله ، والرجوع إليه ، والخضوع لعظمته والانفتاح على مواقع ~~القرب منه في عبادته ، عند ما تعرفون أنه وحده الإله المعبود. # ( @QUR@03 فاسجدوا لله واعبدوا ) فهذه هي الحقيقة العبادية التي تلتقي ~~بالحقيقة الإيمانية الإلهية ، لتكون الحياة كلها سجودا لله في الفكر والعمل ~~، وعبادة له في كل جوانب الحياة. # * * * PageV21P270 ### | سورة القمر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وخمسون PageV21P271 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة على الأرجح مكية ، وهي من السور التي أريد لها أن تهز الروح ~~والقلب والشعور ، وتحرك العقل والوجدان في اتجاه الإحساس بما يمكن أن يواجه ~~الإنسان في الدار الآخرة من مصير مرعب للمكذبين بالرسل والرسالات ، ~~المشركين بالله في العقيدة والعبادة ، أو من مصير مفرح في نعيم الله ~~ورضوانه ولطفه ورحمته للمؤمنين المتقين المجاهدين في سبيله. # * * * PageV21P273 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر (1) @QUR@07 وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر (2) @QUR@06 وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ~~@QUR@07 ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) @QUR@05 حكمة بالغة فما ~~تغن النذر (5) @QUR@08 فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) @QUR@08 ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) @QUR@08 مهطعين إلى ~~الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مزدجر )؛ الازدجار : الاتعاظ. # ( @QUR@01 حكمة ): كلمة حق ينتفع بها. # ( @QUR@01 فتول ): أعرض. # ( @QUR@01 نكر ): منكر ms4939 ، غير معتاد أو غير معروف. PageV21P274 # ( @QUR@01 خشعا )؛ الخشوع : نوع من الذلة. # ( @QUR@01 الأجداث ): جمع الجدث ، وهو القبر. # ( @QUR@01 مهطعين ): مقبلين. # * * * ### ||| ** المشركون يعرضون عن آيات الله # ( @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر ). هل الحديث عن اقتراب الساعة هو ~~حديث يطال مرحلة نزول القرآن ، ليكون المقصود منه توجيه القلب إلى مراقبة ~~الزمن وتأمل أفول الدنيا واقتراب يوم القيامة في كل يوم يذهب ، وفي كل ~~مرحلة تنقضي ، ليستعد الإنسان لمواجهة يوم القيامة بالموقف المسؤول في ~~الدنيا الذي ينفتح على الآخرة؟ # أو هو حديث عن المرحلة التي تسبق نهاية الدنيا ، ليكون الحديث عن ~~المستقبل بصيغة الماضي ، على أساس أن تحقق الحديث في المستقبل يجعله بمنزلة ~~الحقيقة الحادثة؟ # كلا الاحتمالين وارد ، وهو في كل منهما جزء من الأسلوب القرآني الذي يجعل ~~يوم القيامة عنوانا متحركا في الفكر والحس والوجدان ، ليكون الغاية التي ~~يتطلع الناس إلى الوصول إليها في أمان وسلام. # ( @QUR@07 وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) فقد قرروا مواجهة ~~النبي بكلمات تشوه صورته الرسالية ، بإسباغ صفة الساحر عليه ، الذي يتلاعب ~~بمدارك الناس من خلال ما يثيره من تخيلات مثيرة تسرق منهم التفكير المتوازن ~~، والنظرة الواعية للأشياء. وهكذا يواجهون الآيات التي يمكن أن يوصلهم ~~تأملها إلى قناعة يقينية ، بأنها أسلوب سحر يستطيع أن يحول بين الإنسان ~~ونفسه ، أو بين الناس وأولادهم وإخوانهم ، ونحو ذلك. وقد نستطيع PageV21P275 # أن نفهم من الآية ، أنها لا تتحدث عن آية فعلية رأوها بشكل خاص مما يجعل ~~اتهامه بالسحر رد فعل عليها ، بل إنها تتحدث عن طبيعة الموقف الذي يقفونه ~~من الآية إذا رأوها أمامهم ، لأنهم ليسوا في موقع إرادة الإيمان ، مما ~~يجعلهم يهربون من الحقائق بتوجيهها إلى وجهة أخرى. # * * * ### ||| ** كيف نفهم انشقاق القمر من الآية؟ # أما انشقاق القمر ، فقد جاءت الروايات لتؤكد أنه آية كونية ، ومعجزة ~~اقترح المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إجراءها لإثبات نبوته ، وقيل ~~: إن أهل الحديث والمفسرين اتفقوا على قبولها ، ولم يخالف فيه منهم إلا ~~الحسن وعطاء والبلخي ، حيث قالوا : إن معنى قوله : ( @QUR@02 وانشق القمر ) ~~: سينشق القمر عند قيام ms4940 الساعة ، وإنما عبر بلفظ الماضي لتحقق الوقوع. # أما تعليقنا على ذلك ، فهو أن المسألة لا بد من أن تناقش من زاويتين : # الأولى : زاوية الاستغراق في مضمون النصوص ذاتها من حيث إمكانها ~~ومعقوليتها ، وفي سند النصوص من حيث وثاقتها وصحتها. # الثانية : زاوية المقارنة بين هذه النصوص المفسرة للقرآن وبين المفاهيم ~~القرآنية العامة ، في مسألة المعجزة الحسية الكونية وغير الكونية ، الخارقة ~~للعادة ، سواء كانت مقترحة أو غير مقترحة ، على أساس القاعدة التي تقول ~~بوجوب عرض الأحاديث على ما جاء في القرآن من حقائق بمقتضى الظهور الواضح ، ~~لأن ما خالف كتاب الله فهو باطل أو زخرف. # أما النقطة الأولى ، فقد تحتاج إلى عرض بعض هذه الروايات كنموذج ، ففي ~~رواية أنس بن مالك ، «أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية ~~فانشق القمر مرتين» (1). PageV21P276 # وفي رواية جبير بن مطعم ، قال : «انشق القمر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى صار فرقتين ، على هذا الجبل ، وعلى هذا الجبل ، ~~فقال ناس : سحرنا محمد ، فقال رجل : إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم» (1). # وقد جاء عن الرضا ، عن آبائه ، عن علي عليه السلام قال : انشق القمر بمكة ~~فلقتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اشهدوا اشهدوا (2). وقد ~~ذكر في الميزان أن علماء الشيعة ومحدثيهم تسلموا الخبر بانشقاق القمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير توقف (3). # ونقل في روح المعاني عن السيد الشريف في شرح المواقف وعن ابن السبكي في ~~شرح المختصر أن الحديث متواتر لا يمترى في تواتره. # ولكننا لا نستطيع إحراز التواتر من خلال هذه الأخبار التي لم يكن رواة ~~بعضها موجودين في زمن الانشقاق المفروض ليكونوا شهودا عليه ، مما يعني أنهم ~~نقلوه عن أشخاص آخرين لا نعرف وثاقتهم ، الأمر الذي قد يجعل منها أخبار ~~آحاد لا تثبت بها مثل هذه الأمور ، كما قرر في علم الأصول ، وقد يكون ~~التسالم على قبولها ناشئا من الاجتهاد التفسيري في معنى الآية على أساس أن ~~الآية الثانية تفسر ms4941 ذلك ، فيكون الاعتماد على القرآن في توثيق المضمون ~~الخبري ، لا على طبيعة الخبر. # فإذا تجاوزنا ذلك إلى موضع الإمكان ، فلا بد من أن نسلم بأنه من الأمور ~~الممكنة في ذاتها ، وقد حدثنا القرآن عن انشقاق السماء ونحو ذلك من الحوادث ~~التي تتصل بتبدل الظواهر الكونية وتغيرها عما هي عليه ، فإذا صح الخبر فيها ~~ثبت وقوعها. أما النقطة الثانية ، فقد أثير حولها الإشكال من جهة الآيات ~~الكثيرة التي تنفي صدور الآيات المعجزة ، لا سيما المقترحة من قبل PageV21P277 # الناس ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@021 وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا ) [الإسراء : 59] ، فإن مفاد الآية يوضح بأن الإرسال بالآيات لا ~~يحقق أية نتيجة على مستوى الإيمان ، لأن السابقين الذين أرسلت الآيات إليهم ~~لم يتجاوبوا معها ، ولم ينتفعوا بها ، بالرغم من كل ما تثيره في نتائجها من ~~تهاويل الخوف ، باعتبار أن نزول الآية التي لا يعقبها الإيمان ، يؤدي إلى ~~نزول العذاب. ويتأكد الإشكال في الآيات المقترحة التي أراد الله من رسوله ~~أن يعرفهم امتناع استجابته لطلبهم إياها ، وهو القادر على ذلك ، لأنه ~~المهيمن على الكون كله ، في ما يريد أن يخلقه من ظواهر غير موجودة ، أو ما ~~يريد أن يغيره من حال إلى حال في الظواهر الموجودة ، فإن الأمر خاضع لحكمته ~~لا لاقتراحهم ، أما النبي الذي تقدم إليه تلك الطلبات ، فليس قادرا على ذلك ~~، لأن بشريته تمنعه من ذلك ، كما أن صفة الرسالة لا تعطيه دور تغيير ~~الظواهر من حوله. # ولعل هذا الجو هو الذي يتمثل للإنسان القارئ للقرآن في ملاحقته لخطوات ~~الرسالة أمام التحديات الموجهة إليها من المشركين. وفي ضوء ذلك ، قد نلاحظ ~~اختلاف هذا التفسير مع المفاهيم القرآنية العامة ، فيكون الحديث المتضمن ~~لها حديثا مخالفا للظواهر القرآنية. # وقد أجاب هؤلاء المفسرون للآية بما ذكر ، بأن الآية التالية لها تؤكد بأن ~~المقصود من انشقاق القمر ، هو ما حدث على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ~~مكة في ms4942 ما رواه المفسرون ، وذلك لأن الظاهر من قوله تعالى : ( @QUR@07 وإن ~~يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) أنها آية واقعة قريبة من زمان النزول ~~، أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها وقالوا : سحر مبين. # وقد يورد عليهم بأن الآية الثانية لا تدل على أنها من توابع الفكرة التي ~~تثيرها الآية الأولى ، بل ربما كانت الأولى عنوانا للأجواء التي توحي بيوم ~~القيامة ، في ما يراد إثارته من تذكير هؤلاء المشركين وغيرهم به ، لتنطلق ~~الآيات بعدها لتتحدث عن سلوكهم المنحرف عن الرسالة الذي يعرضهم للنتائج الصعبة PageV21P278 # على مستوى العذاب في نار جهنم ، وبذلك يكون الحديث عن ردهم الآيات بأنها ~~سحر مستمر ، مماثلا لكل الآيات التي تتحدث عن تهمة النبي بأنه ساحر من دون ~~أن تكون مرتبطة بحادثة معينة. وقد نلاحظ ، في هذا المجال ، ضرورة التدقيق ~~في كلمة ( @QUR@01 مستمر ) التي تعني انطلاق التهمة قبل الآية لتكون مستمرة ~~بعدها ، مما قد ينافي انطلاق تهمة السحر من خلالها. # وقد أجاب بعض هؤلاء المفسرين عن استلزام نزول الآية للعذاب بعدها في حالة ~~الكفر ، بأن ذلك لا يشمل كل الناس الموجودين آنذاك ، بل الجماعات المقترحة ~~لها المكذبة بنتائجها ، وقد أهلك الله هؤلاء وهم صناديد مكة وعظماؤهم ~~المستهزئون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك في يوم بدر. # ويرد على هذا القول ، أن المراد بالعذاب المذكور في نطاق التكذيب بالآيات ~~هو العذاب النازل عليهم مباشرة ، كالإغراق والخسف والإحراق ، لا الهلاك ~~الناشئ من حالة عادية كحال القتال ، أو الموت العادي ، لا سيما إذا عرفنا ~~أن بعض هؤلاء لم يهلك في يوم بدر ، بل قد يكون مات ميتة طبيعية. # * * * ### ||| ** علامات استفهام حول معجزة انشقاق القمر # ويتساءل الرافضون لهذا التفسير ، أن القمر لو انشق ، كما يقال ، لرآه ~~جميع الناس ، ولضبطه أهل الأرصاد في الشرق والغرب لكونه من أعجب الآيات ~~السماوية ، ولم يعهد في ما بلغ إلينا من التاريخ والكتب الباحثة عن الأوضاع ~~السماوية له نظير ، والدواعي متوفرة على استماعه ونقله. # وأجيب بما حاصله ، أن من الممكن أولا أن يغفل عنه ، فلا ms4943 دليل على كون كل ~~حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس ، محفوظا عندهم ، يرثه خلف عن سلف. وثانيا ~~: إن الحجاز وما حولها من البلاد العربية وغيرها لم يكن بها مرصد للأوضاع ~~الفلكية ، وإنما وجدت بعض المراصد بالهند وفي بلاد الروم واليونان PageV21P279 # وغيرهم. وفي مطلق الأحوال ، لم يثبت وجود مرصد وقت حدوث الآية ، وهو على ~~ما في بعض الروايات أول الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة سنة خمس قبل ~~الهجرة. # على أن بلاد العرب كانت تختلف بالأفق مع مكة ، مما يوجب فصلا زمانيا ~~معتدا به ، وقد كان القمر ، على ما في بعض الروايات ، بدرا ، وانشق في ~~حوالي غروب الشمس حين طلوعه ، ولم يبق على الانشقاق إلا زمانا يسيرا ، ثم ~~التأم فيقع طلوعه على بلاد العرب ، وهو ملتئم ثانيا. # وقد يجاب عن هذا بأن من الممكن التسليم بالفكرة التي يثيرها الجواب ~~الثاني ، أما بالنسبة إلى الجواب الأول فليس هناك مجال للتسليم به ، لأن ~~مسألة انشقاق القمر بالطريقة التي تثيرها الروايات ، تمثل حادثا خطيرا لم ~~يعهده الناس في حياتهم ، مما يجعل إمكان غفلة البعض عنه لا تبرر غفلة ~~الأكثر ، لا سيما في تلك المناطق التي يراقب فيها الناس القمر مراقبة دائمة ~~باعتباره مصدر الضوء في لياليهم التي لا يملكون فيها إلا طرقا بدائية في ~~الإنارة ، ولذلك فإن هذا الحدث لو كان ، لذاع وشاع وملأ الأسماع ، كما ~~يقولون ، ولا ستمر الحديث عنه مدة طويلة ، ولكان يوما تاريخيا يخلده الناس ~~في ما يؤقتون به الأمور على طريقتهم المعروفة في حساب التاريخ بالأيام التي ~~تحمل حدثا كبيرا لا يختلف الناس فيه لضخامة الأثر الذي يتركه في حياتهم. # وفي ضوء ذلك كله ، فإننا نتحفظ في المسألة ، لأننا لا نجد أساسا يقينيا ~~للالتزام بهذه الروايات ، كما لا نجد ظهورا قرآنيا في تحديد الموضوع بزمان ~~الرسالة. # * * * ### ||| ** مصير الذين يتبعون أهواءهم # ( @QUR@03 وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) فلم ينطلقوا في ذلك من منطلقات ~~التفكير العاقل ليناقشوا الدعوة من خلال عناصرها الفكرية والروحية ، بل ~~انطلقوا من PageV21P280 # شهواتهم وأهوائهم ، لأنهم لا يتحركون من موقع الفكر الجاد ms4944 ، والموقف ~~المسؤول الباحث عن الحقيقة ، ولهذا كذبوا بالوحي تكذيبا عمليا متعمدا. ( ~~@QUR@03 وكل أمر مستقر ) فإن طبيعة الحقائق لا تتغير بسبب تكذيب الناس لها ~~، بل هي ثابتة مهما حاول الآخرون تغطيتها بوسائلهم الخاصة ، لأنها ستظهر في ~~نهاية المطاف ، وسيعرف الجميع من خلال الواقع ، صدق الداعية أو كذبه. # ( @QUR@07 ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ) فقد قص عليهم النبي من ~~أنباء الأمم الماضية التي كفرت كما كفروا ، وكذبت كما كذبوا ، فنالهم ~~العذاب في الدنيا قبل الآخرة ما يوجب ازدجارهم عما هم فيه من ضلال لما ~~تتضمنه تلك الأنباء من دواعي الاتعاظ والاعتبار. # ( @QUR@02 حكمة بالغة ) في ما جاء به الوحي الإلهي من الأفكار والتعاليم ~~والتشريعات التي تطابق المصلحة العميقة للإنسان في حياته ، لانسجامها مع ~~الحكمة التي تضع الأشياء في مواضعها. ومن الطبيعي أن حركة الحكمة في الحياة ~~خاضعة للالتزام بها من قبل الناس ، فلا فائدة منها إذا رفضوها وأصروا على ~~عنادهم وتكذيبهم ( @QUR@03 فما تغن النذر ) لأن قيمة الإنذار إنما تكون ~~بالعمل ، لأن دور المنذرين هو الإبلاغ ، والباقي دور الذين أنذروا. # ( @QUR@02 فتول عنهم ) أي أعرض عنهم ، ولا تتعقد من ذلك ، لتشعر بالإحباط ~~والسقوط أمامهم ، وتابع سيرك ، واتركهم لمصيرهم الذي يستقبلونه في يوم ~~القيامة ، ( @QUR@03 يوم يدع الداع ) وهو الله ( @QUR@03 إلى شيء نكر ) لا ~~ترتاح إليه النفوس ، بل تنكره لما يشتمل عليه من عذاب يواجهونه جزاء ~~لأعمالهم ، ( @QUR@02 خشعا أبصارهم ) من الذلة والخضوع ، ( @QUR@03 يخرجون ~~من الأجداث ) أي القبور حائرين مذهولين ، ( @QUR@03 كأنهم جراد منتشر ) ~~لكثرتهم ، بحيث يختلط بعضهم ببعض من دون أية فسحة أو فاصل بينهم ، ( ~~@QUR@03 مهطعين إلى الداع ) أي مسرعين إلى دعوة الله للحساب والجزاء ، حيث ~~( @QUR@05 يقول الكافرون هذا يوم عسر ) في ما يشتمل عليه من صعوبة وشدة ~~وخطورة على المصير. # * * * PageV21P281 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) ~~@QUR@05 فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) @QUR@05 ففتحنا أبواب السماء بماء ~~منهمر (11) @QUR@09 وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) ~~@QUR@05 وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) @QUR@06 تجري بأعيننا جزاء لمن ~~كان كفر (14) @QUR@06 ولقد تركناها آية فهل من مدكر ms4945 (15) @QUR@04 فكيف كان ~~عذابي ونذر (16) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 منهمر ): منصب انصبابا شديدا. # ( @QUR@01 وفجرنا )؛ التفجير : تشقيق الأرض عن الماء. # ( @QUR@01 عيونا )؛ العيون : جمع عين الماء ، وهو ما يفور من الأرض ~~مستديرا كاستدارة عين الحيوان. # ( @QUR@01 ألواح ): جمع لوح ، وهو الخشبة. PageV21P282 # ( @QUR@01 ودسر ): جمع دسار ، وهو المسمار. # * * * ### ||| ** مع نوح وقومه في خط الذكرى # هذه جولة قرآنية في تاريخ الأمم السابقة ، التي كذبت رسلها فنالت عذابها ~~من الله جزاء على ذلك. # ( @QUR@06 كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ) نوحا في ما جاءهم به من ~~رسالة الله الداعية إلى توحيده وإلى الاستقامة على خط التقوى ، فتمردوا ~~عليه ، وواجهوه بمختلف الأساليب المتعسفة اللامعقولة ، ( @QUR@02 وقالوا ~~مجنون ) فاتهموه في عقله ، لأنه دعاهم إلى ما لم يألفوه ، أو أنكر عليهم ما ~~ألفوه من عبادة الأصنام ، ليبطلوا تأثيره في النفوس ، وهذا ما يفعله ~~المترفون في كل زمان ومكان عند ما تواجههم الدعوات التغييرية والإصلاحية ، ~~لاختصار الرد بذلك ، باعتبار أن المعقول لديهم هو ما يلتزمونه ويتبنونه ، ( ~~@QUR@01 وازدجر ) أي ازدجره القوم وردعوه عن الانطلاق في رسالته ، فلم ~~يتمكن من الوصول إلى النتيجة الحاسمة. وقيل : إن الكلمة من تتمة التهمة ~~بالجنون ، أي أنه ازدجر من قبل الجن فلا يتكلم إلا عن زجر منهم بشكل غير ~~إرادي (1). # ( @QUR@04 فدعا ربه أني مغلوب ) بعد أن استنفد كل تجاربه في دعوتهم إلى ~~رسالته ، فلم يزدادوا إلا عنادا وإصرارا على الكفر ، إلى درجة أن شيئا لم ~~يبق لديه ليقوله ، وبالتالي أصبحت تجربة الحديث معهم مجددا تجربة عبثية ، ~~لذا نادى ربه بأني مغلوب ، في ما أملكه من قدرات استنفدتها في حياتي معهم ، ~~وفي ما واجهوني به من قهر وغلبة وتعسف وإنذار ، ( @QUR@01 فانتصر ) لي فإنك ~~ناصر من لا ناصر له ، لا سيما إذا كان المغلوب المستضعف من رسلك. # * * * PageV21P283 ### ||| ** الله يجيب رسوله وينتصر له # ( @QUR@05 ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) متدفق بغزارة ، ( @QUR@03 ~~وفجرنا الأرض عيونا ) فتدفقت الينابيع حتى تحولت إلى أنهار ، ( @QUR@06 ~~فالتقى الماء على أمر قد قدر ) وهكذا اجتمع الماء المنهمر من السماء والماء ~~المتدفق من ينابيع الأرض ، فكان الطوفان ms4946 الذي أغرق الأرض كلها حتى بلغ ~~الجبال ، وهذا ما قدره الله من أمر أراد فيه الانتصار لرسوله ، بإغراق ~~هؤلاء المكذبين بالطوفان. # ( @QUR@05 وحملناه على ذات ألواح ودسر ) وهي السفينة التي صنعت من ألواح ~~الخشب ، والدسر التي هي المسامير التي تربط الخشب ببعضه البعض .. ونجا نوح ~~ومن معه من هذا الطوفان ، حيث إن الفلك التي حملتهم كانت ( @QUR@02 تجري ~~بأعيننا ) في رعاية الله وعنايته ، وكان الطوفان ( @QUR@04 جزاء لمن كان ~~كفر ) عقابا لهؤلاء الكافرين ، ( @QUR@03 ولقد تركناها آية ) لمن يأتي من ~~بعدهم ليتذكروا ويعتبروا ، ( @QUR@03 فهل من مدكر ) أي من متذكر ( @QUR@04 ~~فكيف كان عذابي ونذر ) فهل يعرف الكافرون من قومك أو من غيرهم كيف يعاقب ~~الله الناس ، وكيف ينذرهم بما ينتظرهم في المستقبل؟! # ( @QUR@04 ولقد يسرنا القرآن للذكر ) بما نقص فيه من أخبار الماضين ، وما ~~نثيره من آيات العبرة ، وما نحركه من المفاهيم العامة الحكيمة التي تبني ~~لهم عقولهم ، وتدير لهم حياتهم ، ليخرجوا من أجواء الغفلة واللامبالاة ، ~~ليكون ذكرى لكل حياتهم ، ( @QUR@03 فهل من مدكر ) إنه السؤال الذي يطرح ~~نفسه على كل فكر وشعور ليهتز وليتذكر ولينفتح على الحقيقة الإلهية في كل ~~مواقعها ، وليطرح التحدي في خط المعرفة المسؤولة في كل زمان ومكان. # * * * PageV21P284 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) @QUR@09 إنا أرسلنا عليهم ~~ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) @QUR@06 تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر (20) @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر (21) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر (22) @QUR@03 كذبت ثمود بالنذر (23) @QUR@010 فقالوا ~~أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) @QUR@09 أألقي الذكر ~~عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) @QUR@05 سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ~~(26) @QUR@07 إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) @QUR@08 ~~ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) @QUR@04 فنادوا صاحبهم ~~فتعاطى فعقر (29) @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر (30) @QUR@08 إنا أرسلنا ~~عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صرصرا )؛ الصرصر : الريح الشديدة الهبوب. PageV21P285 # ( @QUR@01 نحس ): شؤم. # ( @QUR@02 أعجاز نخل ): أسافله. # ( @QUR@01 منقعر ): مقلوع من أصله. # ( @QUR@01 وسعر ): جنون. # ( @QUR@01 أشر ): شديد البطر ، متكبر. # ( @QUR@01 شرب ): نصيب من شرب الماء. ms4947 # ( @QUR@01 فتعاطى ): تناول. # ( @QUR@01 كهشيم ): كحطام الشجر المنقطع بالكسر. # ( @QUR@01 المحتظر ): صاحب الحظيرة. # * * * ### ||| ** عاد في خط الذكرى والعبرة # ويتكرر تناول القرآن لقصة عاد وثمود في أكثر من سورة ، وهو في هذه السورة ~~تناولها في معرض الحديث عن العذاب الذي أنزله الله على الأمم التي تمردت ~~على رسالاته ، وكذبت رسله ، على الطريقة القرآنية التي تحرك القصة الواحدة ~~في أكثر من موقع للاستفادة من بعض جوانبها في هذا الموقع أو ذاك ، تبعا لما ~~تشتمل عليه من عناصر في طبيعتها الواقعية. # ( @QUR@06 كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ) فهل رأيتموه في وجدان متأمل ~~يستقرئ نتائج الوقائع التاريخية في عناصرها الوعظية التي تثير الاعتبار؟! ( ~~@QUR@05 إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) شديدة الهبوب ( @QUR@04 في يوم نحس ~~مستمر ) في ما توحي به كلمة النحس من شؤم يثير الكثير من المخاوف في مشاعر ~~الإنسان الداخلية ، ويصنع الحيرة والقلق أمام المستقبل ، وقد تكون النحوسة ~~، في هذا المورد ، تعني البرد الشديد القارس الذي يمثل شؤما فعليا على حياة ~~الإنسان من الناحية PageV21P286 # الواقعية ، تماما كما هو الشؤم في ما يتوقعه الإنسان من غيب المستقبل ، ~~لأن القضية في مسألة الشؤم ، هي قضية النتائج. ( @QUR@02 تنزع الناس ) ~~تقتلعهم من الأرض وترميهم في الهواء ( @QUR@04 كأنهم أعجاز نخل منقعر ) ~~كصورة حية للتهشيم والتحطيم الذي يصيب الناس عند انطلاق العاصفة الهوجاء. # ( @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر ) فهل عرفتم كيف يعذب الله المتمردين على ~~رسالاته بتجنيد الطبيعة الخاضعة لإرادته ، في ما تتحرك به الرياح في كل ~~مكان .. ( @QUR@04 ولقد يسرنا القرآن للذكر ) ليتذكر الناس من خلال العبر ~~التاريخية التي تعطي الإنسان دروسا مستقبلية في حياته ( @QUR@03 فهل من ~~مدكر ) يستجيب لذلك ، فيتعلم من التجارب التي عاشها الآخرون ، لئلا يقع في ~~ما وقعوا فيه؟! # * * * ### ||| ** وثمود في خط الذكرى والعبرة # ( @QUR@03 كذبت ثمود بالنذر ) وهذه جماعة عاشت في التاريخ القديم ، ~~وواجهت الرسول بالموقف المتمرد الذي يرفض الحوار والتفاهم ، ويؤكد الحالة ~~العدوانية التي لا تتكلم إلا بلغة العنف والتهديد ، وهكذا تحدثوا بمنطق ~~أهوج ضال في العقلانية ( @QUR@05 فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ) فما هي ~~ميزته علينا ، وكيف يطلب منا أن ms4948 نتبع دعوته ونرتبط بقيادته في المجال ~~الفكري والعملي؟ # ( @QUR@05 إنا إذا لفي ضلال وسعر ) إذا صدقناه ، فلا يصدقه إلا ضال أو ~~مجنون ، ( @QUR@05 أألقي الذكر عليه من بيننا ) في ما يدعيه من إنزال الوحي ~~عليه من الله من خلال دعواه الرسالة؟! ( @QUR@04 بل هو كذاب أشر ) يحركه ~~البطر والتعاظم الذي لا ينطلق من موقع الحقيقة. # ولكن ما قيمة هذا المنطق؟ فلما ذا لا يمكن أن يكون الرسول واحدا منهم ما ~~دام يملك الكفاءة الروحية والعملية التي تؤهله للقيام بهذه المهمة العظيمة؟ ~~وهل يتصورون أن المميزات التي يحددون على أساسها القيمة الاجتماعية في PageV21P287 # تقاليدهم ، هي المميزات نفسها التي تحكم اصطفاء الله لرسله؟ فقد يترك ~~الغنى والجاه والقوة ونحوها تأثيرا على عقلية الناس الذين ينبهرون بهذه ~~الأمور ، بحيث يخضعون للشخص الذي يملكها .. ولكن كيف نتصور ذلك في الله ~~الذي خلق الناس ، وخلق كل ما يملكون من ذلك كله؟ ( @QUR@02 سيعلمون غدا ) ~~عند ما يقفون جميعا أمام الله ليواجهوا الحقيقة الحاسمة ( @QUR@03 من ~~الكذاب الأشر ) ليكتشفوا أن هذه الصفة تنطبق على كل فرد منهم ، لا على ~~الرسول. # ( @QUR@03 إنا مرسلوا الناقة ) العجيبة بما أودعه الله فيها من خصائص ~~معجزة ، لتكون ( @QUR@02 فتنة لهم ) يواجهون فيها الامتحان الكبير الذي ~~يختبر مواقفهم الإيجابية والسلبية ليحاسبهم عليها ، ( @QUR@02 فارتقبهم ~~واصطبر ) ليكن لك أيها الرسول دور المنتظر الصابر الذي يتابع المسألة ليعرف ~~نتائجها ، ( @QUR@05 ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ) وبين الناقة ، فلها شرب ~~يوم لا يشاركونها فيه ، ولهم شرب يوم يتزودون فيه لليوم الاخر ، ( @QUR@03 ~~كل شرب محتضر ) يحضره صابحه من نوبته دون غيره ... # ومر زمن طويل عليهم وهم على هذه الوضع ، ولكن المترفين منهم خافوا من ~~سقوط امتيازاتهم في مجتمعهم أمام هذه القوة العجائبية التي تمثلها الناقة ~~والمنفعة التي ينتفع الناس بها ، مما يمنح الرسول قوة جديدة تتجاورهم ، ( ~~@QUR@02 فنادوا صاحبهم ) وهو أحد الرهط المفسدين في المدينة ، كما أشير ~~إليه في سروة النمل (1)، ( @QUR@01 فتعاطى ) وأقدم على قتلها بوسائله ~~الخاصة ( @QUR@01 فعقر ) أي فقتلها ، كوسيلة تحد للرسول ، لإبعاد تأثيره في ~~المجتمع ، لما تمثله الناقة من معجزة إليها تتصل بالواقع ms4949 الاقتصادي للناس. ~~( @QUR@04 فكيف كان عذابي ونذر ) فما ذا حدث في مجمل هذا العذاب؟ ( @QUR@05 ~~إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ) بحجم الصاعقة التي لا تترك أي أثر للحياة في ~~الجسد لأنها تجمد كل شيء في PageV21P288 # داخله ( @QUR@03 فكانوا كهشيم المحتظر ) أي كانبات اليابس الذي تذروه ~~الريح ، فلم يبق منهم أحد .. # وجاء القرآن ليحدثكم عنهم لتتذكروا وتخرجوا من الغفلة المطبقة على ~~حياتكم. ( @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) وتتحول القصة إلى ~~ذكرى تلامس العقل والروح والشعور. # * * * PageV21P289 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط بالنذر (33) @QUR@09 إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا ~~آل لوط نجيناهم بسحر (34) @QUR@07 نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ~~@QUR@05 ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) @QUR@09 ولقد راودوه عن ~~ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) @QUR@05 ولقد صبحهم بكرة عذاب ~~مستقر (38) @QUR@03 فذوقوا عذابي ونذر (39) @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر (40) @QUR@05 ولقد جاء آل فرعون النذر (41) @QUR@07 ~~كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) (42) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حاصبا )؛ الحاصب : الريح التي تأتي بالحجارة والحصباء. # ( @QUR@01 بطشتنا )؛ البطشة : الأخذة الشديدة بالعذاب. # ( @QUR@01 فتماروا ): فأصروا على الجدال وإلقاء الشك. # ( @QUR@02 فطمسنا أعينهم ): محوناها ، والمعنى : عميت أبصارهم. # * * * PageV21P290 ### ||| ** لوط وقومه وآل فرعون في خط الذكرى والعبرة # وهؤلاء قوم لوط الذين جاءهم صاحبهم رسولا من الله ليدعوهم إلى عبادته ، ~~وإلى الامتناع عن الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين ، وهي تمثل ~~انحرافا في طريقة إشباع الغريزة الجنسية لا ينسجم مع المصلحة العليا التي ~~وضعت لأجلها في حياته ، فوقفوا من دعوته موقف المكذبين ، الذين يرفضون ~~الدعوة كلها من ناحية الفكر والعمل ، فعذبهم الله جميعا ، فلم يبق منهم أحد. # ( @QUR@04 كذبت قوم لوط بالنذر ) وبالرسالات منذ أن انطلقت في تاريخ ~~الأنبياء حتى وصلت إلى لوط الذي كانت رسالته صورة حية لذلك التاريخ كله ، ~~فهو فرد يمثل مجموعة كبيرة من الرسل ( @QUR@04 إنا أرسلنا عليهم حاصبا ) ~~وهي الحصباء التي تحملها الريح لتنطلق كل واحدة منها لتقتل واحدا منهم ، ( ~~@QUR@05 إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) لأنهم آمنوا بالله والتزموا خط هداه ، ~~فأخرجناهم في آخر الليل دون أن يشعر بهم أحد ، ( @QUR@03 نعمة من عندنا ) ~~جزاء ms4950 على إيمانهم واستقامتهم ، ( @QUR@04 كذلك نجزي من شكر ) سواء كان شكره ~~بالكلمة يقولها ، أو بالإيمان يعتقده ، أو بالالتزام العملي يلتزمه ، لأن ~~للشكر جانبا يتمثل بالقول وجانبا يتمثل بالعمل والموقف عند ما يكون ذلك كله ~~منفتحا على الله ، فيبادل الله شكر عباده بالمغفرة والسلامة والرضوان ، لأن ~~الله يشكر لعباده إيمانهم وطاعتهم. # ( @QUR@03 ولقد أنذرهم بطشتنا ) وقال لهم إن العذاب الدنيوي ينتظرهم من ~~الله قبل العذاب الأخروي ، ( @QUR@02 فتماروا بالنذر ) وتعاملوا مع الإنذار ~~من موقع الشك ، والتقوا به في أجواء الجدال العقيم بالباطل ، ولم يكتفوا ~~بالرفض بل اندفعوا ليعتدوا على حرمة ضيوفه ، ( @QUR@04 ولقد راودوه عن ضيفه ~~) عند ما سمعوا أن لديه ضيوفا حسان الوجوه يستثيرون غريزتهم ، فحاولوا أن ~~يطلبوا منه تسليمهم إليهم ليعتدوا عليهم بالطريقة الشاذة. ولكن هؤلاء ~~الضيوف لم يكونوا بشرا ، بل كانوا ملائكة موكلين بالعذاب ( @QUR@02 فطمسنا ~~أعينهم ) فأعميناها ، فلم يستطيعوا الوصول PageV21P291 # إليهم ، وعاقبناهم على ذلك وقلنا لهم : ( @QUR@03 فذوقوا عذابي ونذر ) ~~الذي جادلتم فيه ، وأثرتم الشكوك حوله. # ( @QUR@05 ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) لم يزل عنهم حتى قضى عليهم جميعا ~~( @QUR@03 فذوقوا عذابي ونذر ) وهذا هو النداء الأخير الذي واجههم في حالة ~~العذاب .. وانطلق القرآن ليثير المسألة من جديد أمام الأجيال القادمة من ~~بعدهم ، ليعتبروا في ما يريدون أن يأخذوا به أو يتركوه : ( @QUR@07 ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) يستجيب لنداء الذكر في الخط العملي ~~ويبتعد عن نهج هؤلاء في الحياة؟! # ( @QUR@05 ولقد جاء آل فرعون النذر ) عند ما جاءهم موسى وهارون باسم كل ~~الرسالات والرسل ليعبدوا الله وحده ، وليكفوا عن ظلم المستضعفين ( @QUR@03 ~~كذبوا بآياتنا كلها ) التي قدمها إليهم موسى من إلقاء العصا ، واليد ~~البيضاء ، ( @QUR@04 فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) لا يغلبه أحد ، وغرقوا في ~~البحر ، فلم يبق منهم أحد ، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا. # * * * PageV21P292 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) @QUR@05 أم ~~يقولون نحن جميع منتصر (44) @QUR@04 سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) @QUR@06 ~~بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) @QUR@05 إن المجرمين في ضلال وسعر ~~(47) @QUR@09 يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) @QUR@05 ~~إنا كل شيء ms4951 خلقناه بقدر (49) @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ~~@QUR@06 ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) @QUR@05 وكل شيء فعلوه في ~~الزبر (52) @QUR@04 وكل صغير وكبير مستطر (53) @QUR@05 إن المتقين في جنات ~~ونهر (54) @QUR@06 في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) (55) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الزبر ): الكتب السالفة. # ( @QUR@01 أدهى ): أعظم. # ( @QUR@01 وأمر ): أشد. PageV21P293 # ( @QUR@01 وسعر ): جمع سعير ، وهي النار المستعرة. # ( @QUR@01 سقر ): جهنم. # ( @QUR@01 كلمح )؛ اللمح : النظر بعجلة ، وهو خطف البصر. # ( @QUR@01 أشياعكم ): أشباهكم ونظائركم. # * * * # ( @QUR@04 أكفاركم خير من أولئكم ) # ( @QUR@04 أكفاركم خير من أولئكم ) ليكون لهم امتياز خاص يبعدهم عن ~~العذاب الذي أصاب من قبلهم؟ وما هو الأساس في ذلك؟ وما الفرق بين كفر وكفر ~~ما دام ميزان الإيمان يساوي بين الناس في المسؤولية؟ ( @QUR@05 أم لكم ~~براءة في الزبر ) أي في الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله ، فأين ~~هو الكتاب الذي يمنحكم الأمان من العذاب؟ # ( @QUR@05 أم يقولون نحن جميع منتصر ) لأنهم يرون لأنفسهم القوة الغالبة ~~على المسلمين لكثرة العديد والعدة التي يملكونها في مقابل المسلمين ، ( ~~@QUR@04 سيهزم الجمع ويولون الدبر ) فقد انطلق المسلمون مع معركة بدر ~~وامتدت بعدها معارك الإسلام إلى فتح مكة ، وهزم الشرك شر هزيمة ، وانتهى ~~تيار الشرك في منطقة الجزيرة ... وكانت هذه النبوءة القرآنية دليلا على صدق ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما علمه الله من غيبه المستقبلي. ( @QUR@03 ~~بل الساعة موعدهم ) الذي ينتظرهم ليواجهوا العقاب القاسي من الله سبحانه ( ~~@QUR@03 والساعة أدهى وأمر ) فما قيمة عذاب الدنيا إذا قيس بعذاب الآخرة؟! # ( @QUR@04 إن المجرمين في ضلال ) عن السبيل الذي يؤدي بهم إلى السعادة في ~~الدنيا والآخرة ، ( @QUR@01 وسعر ) تلتهب فيه الأبدان ، لأن شركهم ~~وابتعادهم عن مواقع رحمة الله في ساحة طاعته ، جريمة أبعدتهم عن خط الهدى ~~والرضوان ، ( @QUR@06 يوم يسحبون في النار على وجوههم ) في عنف وإذلال ~~وتحقير يتحدى كل تلك العنجهية PageV21P294 # والقوة والاستكبار في الدنيا ، ويقال لهم في هذا الجو اللاهب الصاحب : ( ~~@QUR@03 ذوقوا مس سقر ) في ما يصيبكم من أهوال جهنم وعذابها وحرها ولهيبها. # * * * # ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ) # ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ) فلكل موجود صغير وكبير قانون دقيق ~~يحدد له خط ms4952 سيره المادي والمعنوي ، ويحكم حركته في أي موقع ، فليس هناك ~~صدفة طائرة في حركة الوجود ، بل هناك نظام يحكم الكون كله من خلال السنن ~~الكونية التي أودعها الله فيه ، وهذا ما يخلق إحساسا لدى العلماء الذين ~~يلاحقون أسرار الظواهر الكونية ، بوجود حكمة وراء كل ظاهرة ، وقانون داخل ~~أية حركة ، مما يجعلهم يتحركون لاكتشاف تلك الحكمة وذلك القانون. # ولا يقتصر القدر على الظواهر الكونية ، بل يمتد إلى حركة الوجود الإنساني ~~بكامله ، فهناك سنن إلهية تحكم حركة الإنسان الفرد وحركة المجتمعات ، في ~~ولادتها وزوالها ، ويدخل الاختيار كعنصر في تلك السنن ، والإيمان بالقدرة ~~لا يلغي الإرادة الإنسانية ، لأن معنى القدرة هو تحديد حركة الوجود وهندسة ~~شروطه ، ليكون الاختيار جزءا من هذا القدر باعتباره دخيلا في السنة الإلهية ~~لحركة الوجود. # وقد يحتاج الإنسان إلى كثير من التوفر على الأبحاث العلمية المتعلقة ~~بالإنسان والحيوان والظواهر الكونية والأسرار الخفية المودعة فيها التي ~~تحكم حركة وجودها في دائرة التنوع ، ليعطي لكل نوع من الوجود ما يتوافق مع ~~حاجته من خلال الظروف الموضوعية المحيطة به. وعلى ضوء ذلك ، فإن العلم يقود ~~إلى الإيمان بشكل تفصيلي دقيق ، يدرك الإنسان من خلاله أن الله خلق كل شيء ~~بحكمته ، فقدره تقديرا ، وأنه الذي قدر فهدى ، مما يجعل من التقدير تخطيطا ~~عمليا لهداية الموجودات إلى خط سيرها الطبيعي المعقول. # * * * PageV21P295 # ( @QUR@04 وما أمرنا إلا واحدة ) # ( @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) فليس الله بحاجة إلى مقدمات ~~وأسباب لإنجاز إرادته للأشياء ، لأن إرادته هي السبب في وجود الشيء على حسب ~~الشروط التي يريدها للوجود ، فلا تتخلف إرادته في التكوين عن وجود الأشياء ~~، ولعل التعبير بكلمة ( @QUR@02 كلمح بالبصر ) وارد على سبيل الكناية ~~باعتبار أقرب لحظة زمنية للوجود ، لتقريب الصورة بالصورة الحسية. وعلى ضوء ~~ذلك ، فإن قيام الساعة لا يحتاج إلى كثير من التعقيدات في ما يتصوره هؤلاء ~~المشركون الذين يجادلون فيها ، لأن المسألة هي أن يريد الله قيامها فتقوم ~~دون حاجة إلى وقت طويل أو سبب خارجي # ( @QUR@03 ولقد أهلكنا أشياعكم ) ممن يتفقون معكم في العقلية والأخلاق ms4953 ~~والسلوك ، من الأمم التي سبقتكم ، في ما تسيرون عليه تقليدا لهم ( @QUR@03 ~~فهل من مدكر ) يتذكر ما صاروا إليه ليعرف ما يمكن أن يصير إليه؟ ( @QUR@05 ~~وكل شيء فعلوه في الزبر ) في كتاب الله الذي يحفظ فيه حدود الأشياء ( ~~@QUR@04 وكل صغير وكبير مستطر ) فكل ما يفعله الإنسان من صغائر الأعمال ~~وكبائرها مسجل عند الله في سعة علمه. فهذه هي الحقيقة التي يجب أن يختزنها ~~الإنسان في عمق وعيه ، ليعرف أن الله أحصى كل شيء عددا ، وأن كتاب الإنسان ~~الذي يقدم إليه يوم القيامة ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وسيجد ~~كل ما عمله حاضرا ولا يظلم ربك أحدا. # * * * ### ||| ** مصير المتقين # وإذا كان الحديث كله عن مصير المشركين في هذا التفصيل الطويل ، فما هو ~~مصير المؤمنين المتقين؟ PageV21P296 # ( @QUR@05 إن المتقين في جنات ونهر ) والظاهر أن المراد به الجنس لا ~~الفرد انسجاما مع إيقاع الآيات ، بدلا من كلمة الأنهار التي يتكرر ذكرها في ~~آيات أخرى ، ( @QUR@06 في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) حيث يعيشون القرب من ~~الله لإيمانهم الصادق ، وعملهم المتحرك في خط الصدق ، فكأنهم يأخذون ~~مواقعهم المميزة في الجنة من خلال مواقع الصدق في الدنيا ، وقد نقل صاحب ~~الميزان عن تفسير روح المعاني عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : مدح ~~المكان بالصدق ، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق (1). وربما كان المراد بمقعد ~~الصدق ، التأكيد على أنه الحق الذي لا ريب فيه ؛ والله العالم. # * * * PageV21P297 ### | سورة الرحمن ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وسبعون PageV21P299 ### ||| ** في أجواء السورة # «الرحمن» هو اسم السورة وعنوان المضمون التفصيلي للآيات المتنوعة فيها ، ~~فقد أراد الله للإنسان أن يتصور رحمة الله في كل أموره الخاصة والعامة ، ~~بما يتعلق منها به بشكل مباشر ، أو ما يتعلق بالظواهر الكونية وتنظيمها ~~الدقيق من حوله ، أو بالنعم التي تتصل بحاجاته العامة والخاصة ، كما أراد ~~له أن يتصور عظمة الله في سيطرته على الكون وعلى حركة الخلق والتدبير فيه ، ~~ويتصور إلى جانب ذلك حجم الإنسان والجان أمام تلك العظمة. # وتطل السورة على رحمة الله في الدار الآخرة حيث الجنة ms4954 التي يدخلها من خاف ~~مقام ربه ، لتطوف بها في جولة رائعة تعرف الإنسان والجان كل جمالاتها ~~ولطائفها. ولكي يتعرف هؤلاء عظمة النعمة ، نراهم يطلون على جهنم التي يكذب ~~بها المجرمون فيعذبون فيها .. # وهكذا تنطلق هذه السورة لتربي جانب العقيدة في الإنسان من خلال هذه الصور ~~المتحركة المتداخلة التي تنفتح فيها الأرض على السماء ، وتبرز فيها العظمة ~~الإلهية التي تبقى وحدها بعد فناء الجميع. # * * * PageV21P301 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 الرحمن (1) @QUR@02 علم القرآن (2) @QUR@02 خلق الإنسان (3) ~~@QUR@02 علمه البيان (4) @QUR@03 الشمس والقمر بحسبان (5) @QUR@03 والنجم ~~والشجر يسجدان (6) @QUR@04 والسماء رفعها ووضع الميزان (7) @QUR@04 ألا ~~تطغوا في الميزان (8) @QUR@06 وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) ~~@QUR@03 والأرض وضعها للأنام (10) @QUR@05 فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام ~~(11) @QUR@04 والحب ذو العصف والريحان (12) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الرحمن ): صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة. # ( @QUR@01 البيان ): الأدلة الموصلة إلى العلم. # ( @QUR@01 بحسبان )؛ الحسبان : مصدر بمعنى الحساب. # ( @QUR@01 بالقسط ): بالعدل. # ( @QUR@01 تخسروا ): تنقصوا. PageV21P302 # ( @QUR@01 الأكمام ): جمع : كم ، وعاء الثمر ، وهو الطلع. # ( @QUR@01 العصف ): قشر الحب ، أو ورق الزرع. # ( @QUR@01 والريحان ) النبات الطيب الرائحة. # * * * ### ||| ** خلق الرحمن الإنسان وتعليمه البيان # ( @QUR@01 الرحمن ) هذه الصفة التي تنطلق لتثير معنى الرحمة في وعي ~~الإنسان المؤمن ، بصيغة المبالغة التي توحي بالامتداد الذي يشمل الكون كله ~~من خلال النعم التي يفيضها الله عليه من مواقع رحمته ، وقد أراد الله ~~للإنسان أن يستحضره بهذه الصفة دائما ليبقى منفتحا عليه بالصورة التي يجده ~~فيها في كل مفردات حياته ، وليتطلع إليه في ما يستقبل منها. # ( @QUR@02 علم القرآن ) الذي يفتح للإنسان آفاق السمو والمعرفة والإيمان ~~، ويحرك حياته في خط السعادة الدنيوية والأخروية التي تهديد إلى اللقاء ~~بالله في كل أوضاعه وعلاقاته وحركاته ، ليكون الله القوة التي تربطه ~~بالحياة كلها ، ولتكون الحياء ساحة مفتوحة ، تتكامل كل مواقعها في طاعة ~~الله ، وفي تجسيد معنى المعبودية في ذات الإنسان ، التي تمثل سر حريته. # ( @QUR@02 خلق الإنسان ) فمنه انطلق وجوده ، وبإرادته تحركت حياته ، فهو ~~مفتقر إلى الله في كل شيء ، متطلع إليه أبدا في مواقع لطفه ورحمته ، ( ~~@QUR@02 علمه البيان ) فأودع فيه سر النطق الذي يعبر به عما في ms4955 عقله وقلبه ~~وشعوره ، مما يفكر فيه ويحس به ، كما يستخدمه في تدبير شؤونه الخاصة ~~والعامة وتلبية حاجاته ، ويحقق من خلاله التواصل مع أفراد مجتمعة في كل ما ~~يحتاج فيه إليهم من قضاياه الخاصة ، أو في حاجته إلى التكامل معهم لم يريد ~~إنجازه من قضايا عامة قد تختلف فيها المواقف ، وتضطرب فيها الآراء ، فيكون ~~البيان ، الذي يركز PageV21P303 # قاعدة الفكرة ويوضح حركة المشكلة ويدير عملية الحوار ، هو الذي يحقق ذلك .. # وهكذا يشعر الإنسان بالرحمة الإلهية في ذلك كله ، لأن الله أعطاه وجودا ~~منفتحا على حركة الواقع ، وعلى انطلاقة الهدى في عقله وروحه وموقفه ، مما ~~يجعل كل تجربة بيانية داخلية في حالة الاستعداد له ، أو خارجية في حالة ~~الفعلية ، مصدر إحساس بالرحمة الإلهية في كل لحظات الفكر والتواصل البياني ~~مع الآخرين ، وهذا واقع الإنسان في وجوده الذاتي والحركي. # * * * ### ||| ** الشمس والقمر من مظاهر الرحمة في الكون # ثم تنتقل السورة لتتحدث عن مظاهر الرحمة في الكون التي تتصل بالإنسان ( ~~@QUR@03 الشمس والقمر بحسبان ) فقد خلقهما الله ضمن قوانين ثابتة محسوبة ~~حسابا دقيقا يلحظ كل حركة ، وكل موقع ، وكل حجم ، وهما في الوقت نفسه ~~يتصلان بعمق حياة الإنسان وكل المخلوقات الحية على الأرض ، مما يجعلها ~~تتكامل معهما في النظام الكوني الدقيق الذي أبدعه الله بقدرته وحكمته ، وقد ~~نحتاج إلى بعض الإطلالة على ذلك في ما ذكره صاحب ظلال القرآن في تفسير هذه الآية. # يقول : «إن الشمس تبعد عن الأرض باثنين وتسعين ونصف مليون من الأميال ، ~~ولو كانت أقرب إلينا من هذا لاحترقت الأرض أو انصهرت أو استحالت بخارا ~~يتصاعد في الفضاء ، ولو كانت أبعد منا ، لأصاب التجمد والموت ما على الأرض ~~من حياة ، والذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا يتجاوز جزءا من مليوني جزء من ~~حرارتها .. وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا ، ولو كانت الشعرى ~~بضخامتها وإشعاعها هي التي في مكان الشمس منا ، لتبخرت الكرة الأرضية وذهبت بددا. PageV21P304 # وكذلك القمر في حجمه وبعده عن الأرض ، فلو كان أكبر من هذا ، لكان المد ~~الذي يحدثه في ms4956 بحار الأرض كافيا لغمرها بطوفان يعم ، كل ما عليها ، وكذلك ~~لو كان أقرب مما وضعه الله بحسابه الذي لا يخطئ مقدار شعرة. # وجاذبية الشمس وجاذبية القمر للأرض ، لهما حسابهما في وزن وضعها وضبط ~~خطأها في هذا الفضاء الشاسع الرهيب ، الذي تجري فيه مجموعتنا الشمسية كلها ~~بسرعة عشرين ألف ميل في الساعة في اتجاه واحد نحو برج الجبار ، ومع هذا ، ~~لا تلتقي بأي نجم في طريقها على ملايين السنين. # وفي هذا الفضاء الشاسع الرهيب ، لا يختل مدار نجم بمقدار شعرة ، ولا يختل ~~حساب التوازن والتناسق في حجم ولا حركة» (1). # ( @QUR@03 والنجم والشجر يسجدان ) قيل : إن المراد بالنجم النبات الذي لا ~~ساق له كالبقل لأن الله وضع الشجر في مقابله ، ليكون الحديث عما لا ساق له ~~وما له ساق من النبات ، تماما كما وضع القمر في مقابل الشمس ، وقد أبقاه ~~البعض على ظاهره وهو الكوكب الذي في السماء ، والمقصود بالسجود هو الخضوع ~~المطلق لله في ساحة العبودية ، باعتبار أنهما يتحركان في نطاق القوانين ~~التي أودعها الله فيهما وفي الأرض التي تحضنهما ، وهما بذلك ينفعلان ~~تكوينيا بذلك ، انفعالا يشبه الخضوع الإرادي للمخلوق الحي في سجوده لله ، ~~باعتبار أن السجود هو حركة شكلية تعبر عن الخضوع لله في العمق. # * * * # ( @QUR@04 السماء رفعها ووضع الميزان ) # ( @QUR@02 والسماء رفعها ) في هذه الأكوان الهائلة ، التي تتمثل لمن هم ~~في الأرض ، كما لو كانت سقفا مرفوعا مرصعا بالمزينات الكواكبية ، ليحدقوا فيها PageV21P305 # ويتأملوا كيف تتماسك في ذاتها ، وبالأجرام التي تصل إلى ملايين الملايين ~~فيها ، فلا يصطدم أي منها بالآخر ، بل يدور كل واحد منها في فلكه الخاص ، ~~في مجموعات متعددة قد يبلغ عدد المجموعة منها ألف مليون نجم ، كما يقال ، ~~ثم ليتطلع الإنسان إلى العوالم الخفية في السماء المفتوحة على كثير من ~~الأسرار الدقيقة التي تنقله بعقله وفكره إلى عالم الغيب ، ليجتمع له في ~~تطلعاته التأملية في السماء الكثير الكثير مما يفتح عقله على معرفة الله ، ~~ويطلق عنان روحه لتمتد في آفاق عالم الغيب. # ( @QUR@02 ووضع الميزان ) الذي يرسم للحياة وللناس حدود الأشياء ms4957 ~~وموازينها بطريقة دقيقة لا تنحرف بالتصور عن الاستقامة في الفكر والحكم ~~والقيمة ، لأن الوحي الإلهي وضع قاعدة لتقدير القيم والقضايا والأفكار تضبط ~~ذلك كله وتحدد خطوط السير في كل المواقع التي يريد الله للإنسان أن يتحرك ~~فيها. وهكذا يمتد الضبط الإلهي إلى العلاقات الإنسانية أيضا التي جعل الله ~~لها حدودا ، ووضع العدل ميزانا لها ، بحيث لا تخضع لهوى ، ولا يحركها ~~انفعال ، بل تلتقي على قاعدة التوازن التي خلق الإنسان على أساسها في لقاء ~~الجوانب المتعددة في شخصيته على أساس التكامل والتداخل. وقد تكون مسألة ~~الوضع للميزان شاملة للضوابط الكونية التي أدخلها الله سبحانه في تكوين ~~الأشياء ، وفي نظام المخلوقات ، بحيث راعى فيه التوازن بينها ، فلا يطغى ~~جانب على جانب ، ولا موجود على موجود ، فيمكن للموجودات أن تتحرك في ~~عناصرها وخصائصها في حركة بعضها البعض ، ولكنها تقف في حدود وجودها عند ~~أساس معين. # ( @QUR@04 ألا تطغوا في الميزان ) فلا بد لكم من التزامه في كل أموركم ~~وعلاقاتكم ومعاملاتكم وأحكامكم ، سواء في دائرة الحياة الخاصة أو العامة ، ~~لأن ذلك هو سبيل تحقيق التوازن في الحياة. والمراد بالطغيان : الانحراف عن ~~الخط المستقيم ، وتجاوز الحدود المرسومة لحقوق الفرد والجماعة. ( @QUR@03 ~~وأقيموا الوزن بالقسط ) في معاملاتكم التي تتبادلون فيها الأمور التي ~~تحتاجون إليها في PageV21P306 # حياتكم المعاشية ، مما تعرف فيه مقادير الأشياء بالوزن وشبهه ، ليأخذ كل ~~واحد حقه كاملا غير منقوص ، ( @QUR@03 ولا تخسروا الميزان ) بأن تنقصوا ~~الناس أشياءهم ، ولا تسلموهم حقوقهم كاملة كما أراد الله ، فالحق في ~~المعاملات أساس يريد الله للناس أن يقيموا حياتهم عليه ، تماما كما هو الحق ~~في الأفكار والمواقف ، الأمر الذي يجعل العدل طابع الحياة ، ويحقق للناس ~~السلام في كل المواقع من الناحية الواقعية. # * * * # ( @QUR@03 والأرض وضعها للأنام ... ) # ( @QUR@03 والأرض وضعها للأنام ) وأعدها لهم في قوانينها المتنوعة التي ~~تجمع لهم كل ما يحتاجونه لاستمرار حياتهم من طعام وشراب ووسائل راحة في ما ~~يأكلونه أو يشربونه أو يلبسونه أو يرتاحون فيه وينعمون به ، وفي ما يتحركون ~~به من أوضاع تقربهم إلى الله وتدخلهم في ساحة رحمته ورضوانه. ms4958 # ( @QUR@09 فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام* والحب ذو العصف والريحان ). ~~هذه هي بعض نعم الله التي أنعم بها على عباده ليبلغوا ما يريد لهم بلوغه في ~~الدنيا ، وهي دليل على التدبير الإلهي للكون في كل أوضاعه في ما توحي به من ~~الحق الذي يبدأ منه وينتهي إليه ، ليرتبط الناس به من خلال ذلك ، ( @QUR@04 ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان ) يا معشر الجن والإنس ، في ما يفرض نفسه عليكم من ~~نداء الحقيقة ، ونداء الإيمان. # * * * PageV21P307 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) @QUR@06 وخلق الجان من مارج ~~من نار (15) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) @QUR@04 رب المشرقين ورب ~~المغربين (17) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) @QUR@03 مرج البحرين ~~يلتقيان (19) @QUR@04 بينهما برزخ لا يبغيان (20) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (21) @QUR@04 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) @QUR@04 فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (23) @QUR@06 وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) @QUR@04 كل من عليها فان (26) @QUR@06 ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(28) @QUR@010 يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) @QUR@04 ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صلصال )؛ الصلصال : الطين اليابس غير المطبوخ ، فإذا طبخ فهو ~~الفخار. PageV21P308 # ( @QUR@01 مارج ): اللهب الخالص من النار ، أو المختلط بسواد. # ( @QUR@01 مرج )؛ المرج : الحاجز بين الشيئين. # ( @QUR@01 الجوار ): أي السفن الجارية. # ( @QUR@01 المنشآت ): المرفوعات. # ( @QUR@01 كالأعلام ): كالجبال. # * * * ### ||| ** بين خلق الإنسان من صلصال وخلق الجان من نار # ( @QUR@05 خلق الإنسان من صلصال كالفخار ) والظاهر أن المراد به آدم أبو ~~البشر الذي خلقه الله من الصلصال كما قيل وربما كان المراد من الإنسان نوعه ~~، ليكون المراد من خلقه من الصلصال انتهاء الخلق إليه. ( @QUR@06 وخلق ~~الجان من مارج من نار ) وهو غيب من غيب الله الذي ابتدع وجودهما ، وهو ~~العالم بما خلق في طبيعته وعناصر وجوده ، ووجودهما ذاك دليل على عظمة إبداع ~~الله ، في تحويل الطين اليابس إلى وجود إنساني حي فاعل مفكر متحرك بالإرادة ~~، وتحويل اللهب الناري إلى مخلوق حي واع مفكر في وجوده الحافل بالأسرار ، ~~وإذا كنا لا نعرف الكثير عن الجان ، فإننا نعرف عنه من خلال القرآن أنه خلق ~~خفي مسئول في كل قضايا ms4959 الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، ( @QUR@04 فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ) في ما تدركانه من خصوصية وجودكما في هذا السر الإلهي ~~العجيب الذي يفرض عليكما أن تصدقا به ، لأنه يمثل حضور الحقيقة في حضور ~~الوجود في الذات؟! # ( @QUR@04 رب المشرقين ورب المغربين ) قد يكون المراد بذلك مشرقي الشمس ~~والقمر ومغربيهما ، وربما كان المراد اختلاف مشرق الشمس ومغربها تبعا ~~لاختلاف مواقع الكرة الأرضية ، وربما كان المراد مشرق الشمس في الصيف ، ~~ومشرقها PageV21P309 # في الشتاء ، وكذلك مغرباها ، لاختلافها في ذلك ... ( @QUR@04 فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان ) في ما توحي به هذه الظاهرة العجيبة من نعم تتنوع فيها ~~الحياة؟! # * * * # ( @QUR@03 مرج البحرين يلتقيان ) # ( @QUR@03 مرج البحرين يلتقيان ) والمراد بالبحر الماء الكثير عذبا كان ~~أو غيره ، والظاهر أن المراد بالبحرين ، العذب الفرات والملح الأجاج ، وذلك ~~كما جاء في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@019 وما يستوي البحران هذا عذب فرات ~~سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ~~) [فاطر : 12]. # وقيل : «إن المراد بالبحرين جنس البحر المالح الذي يغمر قريبا من ثلاثة ~~أرباع الكرة الأرضية من البحار المحيطة وغير المحيطة ، والبحر العذب المدخر ~~في مخازن الأرض التي تنفجر الأرض عنها ، فتجري العيون والأنهار الكبيرة ، ~~فتصب في البحر المالح ، ولا يزالان يلتقيان» (1). ( @QUR@04 بينهما برزخ ~~لا يبغيان ) أي لا يطغى المالح على الحلو ليحوله إلى مالح تبطل الحياة به ، ~~ولا يطغى الحلو على المالح ، ليحوله إلى حلو ، فتبطل بذلك مصلحة ملوحته ، ~~بل يبقى لكل منهما حدوده وخصوصيته في نطاق الحاجز الخفي الخاضع لقدرة الله ~~، ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # ( @QUR@04 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) أي من هذين البحرين المختلفين في ~~العذوبة والملوحة ، وقد تحفظ البعض على وجود اللؤلؤ والمرجان في البحر ~~العذب ، وأجاب البعض بأن هناك دلائل على وجودهما فيه ، وقد تقدم الكلام حول ~~هذا الموضوع في تفسير الآية الثانية عشرة من سورة فاطر ، ( @QUR@04 فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ) مما يتعلق بهذه الظاهرة العجيبة؟! PageV21P310 # وقد ذكر في طبيعة اللؤلؤ والمرجان بعض الخصائص التي قد نحتاج إلى معرفتها ~~كدليل على عظمة خلق الله : «لعل اللؤلؤ أعجب ما في ms4960 البحار ، فهو يهبط إلى ~~الأعماق ، وهو داخل صدفة من المواد الجيرية لتقيه من الأخطار ، ويختلف هذا ~~الحيوان عن الكائنات الحية في تركيبه وطريقة معيشته ، فله شبكة دقيقة كشبكة ~~الصياد ، عجيبة النسج ، تكون كمصفاة تسمح بدخول الماء والهواء والغذاء إلى ~~جوفه ، وتحول بين الرمال والحصى وغيرها. وتحت الشبكة أفواه الحيوان ، ولكل ~~فم أربع شفاه ، فإذا دخلت ذرة رمل ، أو قطعة حصى أو حيوان ضار عنوة إلى ~~الصدفة ، سارع الحيوان إلى إفراز مادة لزجة يغطيها بها ، ثم تتجمد مكونة ~~لؤلؤة ، وعلى حسب حجم الذرة التي وصلت يختلف حجم اللؤلؤة ... والمرجان من ~~عجائب مخلوقات الله ، يعيش في أبحار على أعماق تتراوح بين خمسة أمتار وثلاث ~~مائة متر ، ويثبت نفسه بطرفه الأسفل بصخر أو عشب. وفتحة فمه التي في أعلى ~~جسمه محاطة بعدد من الزوائد يستعملها في غذائه .. فإذا لمست فريسة هذه ~~الزوائد وكثيرا ما تكون من الأحياء الدقيقة كبراغيث الماء أصيبت بالشلل في ~~الحال ، والتصقت بها ، فتنكمش الزوائد وتنحني نحو الفم ، حيث تدخل الفريسة ~~إلى الداخل بقناة ضيقة تشبه مريء الإنسان. # ويتكاثر هذا الحيوان بخروج خلايا تناسلية منه ، يتم بها إخصاب البويضات ، ~~حيث يتكون الجنين الذي يلجأ إلى صخرة أو عشب يلتصق به ، ويكون حياة منفردة ~~، شأنه في ذلك شأن الحيوان الأصلي. ومن دلائل قدرة الخالق ، أن حيوان ~~المرجان يتكاثر بطريقة أخرى هي التزرر. وتبقى الأزرار الناتجة متحدة مع ~~الأفراد التي تزرت منها ، وهكذا تتكون شجرة المرجان التي تكون ذات ساق ~~سميكة ، تأخذ في الدقة نحو الفروع التي تبلغ غاية الدقة في نهايتها. ويبلغ ~~طول الشجرة المرجانية ثلاثين سنتيمترا. والجزر المرجانية الحية ذات ألوان ~~مختلفة ، نراها في البحار صفراء برتقالية ، أو حمراء قرنفلية ، أو زرقاء ~~زمردية ، أو غبراء باهتة ، والمرجان الأحمر هو المحور الصلب المتبقي بعد ~~فناء الأجزاء الحية من الحيوان وتكون الهياكل الحجرية مستعمرات هائلة. PageV21P311 # ومن هذه المستعمرات سلسلة الصخور المرجانية المعروفة باسم الحاجز ~~المرجاني الكبير الموجود بالشمال الشرقي لاستراليا. ويبلغ طول السلسلة ألفا ~~و35 ميلا وعرضها 50 ميلا. وهي مكونة من ms4961 هذه الكائنات الحية الدقيقة الحجم» (1). # * * * # ( @QUR@05 وله الجوار المنشآت في البحر ) # ( @QUR@05 وله الجوار المنشآت في البحر ) وهي السفن البارزة في البحر ~~الذي يتساوى سطحه بحيث يبرز بوضوح كل شيء يتحرك فيه ، ولذلك تبدو هذه السفن ~~للرائي من بعيد تماما ( @QUR@01 كالأعلام ) وهي الجبال التي تتراءى للناظر ~~عن بعد ، وربما كان التشبيه بلحاظ ارتفاعها وضخامتها ، كما في السفن الضخمة ~~، وإذا كانت السفن من صنع الإنسان صنعها ، وأودع في أجواء البحر القوانين ~~التي تسهل مهمة جريانها ، أما مكمن النعمة فيها ، ففي تيسيرها سبل الانتقال ~~للناس من مكان إلى مكان. # ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وإذا كانت المسألة في نعم الله بهذا ~~الوضوح الذي يفرض نفسه على الحس والوجدان ، فلا بد لكما من الاستغراق في ~~عظمة الله والانفتاح على مواقع طاعته وعبادته ... # * * * # ( @QUR@04 كل من عليها فان ) # ( @QUR@04 كل من عليها فان ) فستموت كل هذه المخلوقات الحية التي تدب على PageV21P312 # الأرض وستنتقل إلى عالم آخر يواجه فيه الجن والإنس نتائج مسئولية ما ~~اكتسباه على الأرض ، وهذا هو سر العظمة في قدرة الله ، الذي أبدع الخلق ~~بقوته ، ودبره بحكمته ، ثم أماته بقدرته ، في نطاق خطة حكيمة جعلت للحياة ~~وللموت حدودا ( @QUR@06 ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فهو الحقيقة ~~الأزلية الخالدة التي لم تنطلق من موقع الحدوث والخلق ، ليمكن أن يعرض ~~الفناء عليها ، وذكر وجه الله كناية عن ذاته المقدسة ، لأن وجه الشيء هو ~~الذي يعبر عنه ، وقد يكون في التركيز على صفتي الجلال والإكرام إشارة إلى ~~معنى العظمة التي تختزنها كلمة الجلال وما توحي به من هيبة ، وإلى معنى ~~النعمة في روح العطاء التي تتضمنها كلمة الإكرام وما توحي به من رحمة. # ( @QUR@05 يسئله من في السماوات والأرض ) لأن وجودهم بكل تفاصيله الصغيرة ~~والكبيرة مفتقر إليه ، وبذلك يكون السؤال من خلال التعبير الحسي تارة ، ومن ~~خلال الحاجة الوجودية الطبيعية أخرى ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن ) فهو ~~المهيمن على كل الأشياء ، وكل الشؤون ، لا يتجمد تصرفه في موقع ولا يقف عند ~~حد ، وهو يدير الكون كل يوم بطريقة تمليها شؤونه المتجددة ms4962 ، مما يجعل ~~أفعاله تتجدد وعطاياه تتنوع في صنع الوجود في ما يحتاج إلى الوجود ، وفي ~~تدبير ما يحتاج إلى التدبير ، وقد جاء في رواية الصادق عليه السلام ، عن ~~آبائه عليه السلام ، أن النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قال : «الله تعالى ~~كل يوم هو في شأن ، فإن من شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ~~ويضع آخرين» (1)، وهو من باب الحديث عن المصاديق. # * * * PageV21P313 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(32) @QUR@017 يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(34) @QUR@08 يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) @QUR@04 فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (36) @QUR@06 فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) @QUR@08 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان (39) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) @QUR@06 يعرف المجرمون ~~بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) ~~@QUR@06 هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) @QUR@05 يطوفون بينها وبين ~~حميم آن (44) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) @QUR@05 ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان (46) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) @QUR@02 ذواتا أفنان ~~(48) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) @QUR@03 فيهما عينان تجريان (50) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) @QUR@05 فيهما من كل فاكهة زوجان (52) ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) @QUR@09 متكئين على فرش بطائنها من ~~إستبرق وجنى الجنتين دان (54) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) @QUR@06 ~~فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس PageV21P314 # @QUR@03 قبلهم ولا جان (56) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) @QUR@03 ~~كأنهن الياقوت والمرجان (58) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) @QUR@05 ~~هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ~~@QUR@03 ومن دونهما جنتان (62) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) ~~@QUR@01 مدهامتان (64) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) @QUR@03 فيهما ~~عينان نضاختان (66) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) @QUR@04 فيهما ~~فاكهة ونخل ورمان (68) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) @QUR@03 فيهن ~~خيرات حسان (70) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) @QUR@04 حور مقصورات ~~في الخيام (72) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) @QUR@06 لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (74) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) @QUR@06 متكئين ~~على رفرف خضر وعبقري حسان (76) @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) ~~@QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) (78) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الثقلان )؛ أصله من ms4963 الثقل : ويطلق على الإنس والجن. # ( @QUR@01 تنفذوا ): تفروا. # ( @QUR@01 أقطار ): جمع قطر ، وهو الناحية. # ( @QUR@01 شواظ )؛ الشواظ : اللهب الذي لا دخان فيه ، أو اللهب الأخضر ~~المنقطع من النار. # ( @QUR@01 بالنواصي ): جمع ناصية ، وهي شعر مقدم الرأس. # ( @QUR@01 آن )؛ الآني : الحاضر ، أو المتناهي في الحرارة. PageV21P315 # ( @QUR@01 أفنان ): جمع فنن ، وهو الغصن الغض الورق. # ( @QUR@01 متكئين ): مستندين. # ( @QUR@01 فرش ): جمع فراش. # ( @QUR@01 بطائنها )؛ البطائن : جمع بطانة ، وهي داخل الشيء وجوفه ، ~~مقابل : # ظهائر ، جمع ظهارة. # ( @QUR@01 إستبرق ): نوع من المخمل الحرير السميك. # ( @QUR@01 وجنى ): ثمر مجتنى. # ( @QUR@01 يطمثهن )؛ الطمث : الافتضاض. # ( @QUR@01 مدهامتان ): الإدهام : من الدهمة ، وهي اشتداد الخضرة بحيث ~~تضرب إلى السواد. # ( @QUR@01 نضاختان ): فوارتان بالماء. # * * * ### ||| ** مواجهة الجن والإنس لمسؤولية أعمالهم # وهذه جولة مع الثقلين ، وهما الإنس والجن ، وما ينتظرهم من موقف ~~المسؤولية الحاسم بين يدي الله عند ما يرجعون إليه ، وحديث عن أوصاف النار ~~والجنة ، وما في ذلك من إيحاء بنعم الله وآلائه. # ( @QUR@04 سنفرغ لكم أيه الثقلان ) وستواجهون المسؤولية بشكل حاسم ، ~~فستنتهي الدنيا كلها بكل ما كانت تشغلكم به من قضايا عامة وخاصة ، ولن يبقى ~~فيها أحد ، فلا يبقى لنا هناك أية إرادة في تدبيرها أو تدبيركم من خلالها ، ~~وبذلك تكون مسألة الفراغ واردة على سبيل الكناية ، لأن الله لا يشغله شيء ~~عن شيء حتى يحتاج إلى الفراغ من أمر الدنيا ليتفرغ للآخرة ، ولكنه إيحاء ~~تعبيري يتحدى PageV21P316 # غفلة الإنسان الذي قد يتصور أن الله مشغول عن حسابه بشؤون الدنيا ومن ~~فيها ، مما يجعله في أمن منه ... # من هنا جاءت الآية للإيحاء بجو الخطورة والهول الشديد ليخاطب الله ~~الثقلين بأنه سيتفرغ لهما ، وهو القادر القاهر فوق عباده ، ليشعروا بالخطر ~~الداهم الذي يواجههم في الدار الآخرة ، ليستعدوا له بالإيمان والعمل ~~الصالح. ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) عند ما تواجهون هذا الجو ~~المفتوح على كل عوالم الغيب في آفاق المسؤولية ، لتتعرفوا عظمة الله في ذلك كله؟! # ( @QUR@012 يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض ) لتنطلقوا إلى خارج ملكه ، بعيدا عن سلطته وتدبيره ، وعن مواقع ~~قوته ، في ما قد يخيل إليكم من امتلاك قوة مستقلة عن الله ms4964 ، ولكن الكون كله ~~ملكه ، فلا تملكون النفاذ منه إلى أي مكان خارج ملكه ، فإذا خيل إليكم في ~~حالة الغفلة وغيبوبتها أنكم قادرون على النفاذ إلى خارج السموات والأرض ، ~~بعيدا عن ملك الله وقدرته ، فجربوا ذلك بما لديكم من وسائل القدرة ، ( ~~@QUR@01 فانفذوا ) فما ذا تجدون أمامكم؟ إنها حقيقة الضعف المطلق الذي ~~يمثله وجودكم ، وحقيقة الشمول المطلق لسيطرة الله على الكون كله ، ( ~~@QUR@04 لا تنفذون إلا بسلطان ). فما هو هذا السلطان ، فيما هي القدرة ، ~~وفيما هي طبيعة الوجود؟! # حاول البعض تفسير كلمة السلطان بالعلم عند صعود الإنسان إلى القمر ، على ~~أساس أن هذا الحدث أثبت إمكانية نفاذ الإنسان إلى خارج نطاق الأرض ، وأن ~~الآية لا تنفي إمكان ذلك ، بل تربطه بالسلطان الذي يمثل القوة التي تفتح كل ~~المواقع العصية المستعصية .. وبذلك يكون هذا الاختراق الإنساني للأرض ~~منطلقا من إمساك الإنسان بزمام قوة العلم. # ولكن هذا التوهم ناشئ من عدم التدقيق في فهم جو الآية التي تريد أن تؤكد ~~شمولية ملك الله للسموات والأرض ، وعدم قدرة الإنسان على النفاذ منهما إلى ~~أفق آخر خارج ملكه وقدرته ، أما استثناء السلطان ، فإن الظاهر أن سياقه ~~سياق التحدي في عدم وجود قدرة على ذلك ، مع ملاحظة أن الحديث PageV21P317 # هو عن النفاذ من أقطار السموات والأرض ، مضافا إلى أن الآيات التي تتحدث ~~عن استراق الشياطين ، الذين هم من الجن ، للسمع على حدود السماء ، تعني ~~اختراق الجن للأرض ؛ والله العالم. # ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) في ما ترونه من قدرته الشاملة ، ~~وعجزكم المطلق أمامه؟! ( @QUR@08 يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا ~~تنتصران ) ربما كان في الآية إيحاء بأهوال الساعة وآلامها التي تثير مثل ~~هذه الأجواء اللاهبة التي تنتظر المجرمين ، فلا يستطيع أحد الانتصار لنفسه ~~، ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) في ما تواجهونه من هذه الأهوال التي ~~يرسلها الله في جو القيامة؟ # ( @QUR@06 فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ) بحيث سارت نحو الذوبان ~~بما يذوب فيها من كواكب كما يذوب الدهن على النار ويصبح لون هذا السائل ~~أحمر كالورد ، وهذا الوصف وارد على ms4965 سبيل الكناية في خراب الكون ودماره. ( ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) عند ما تواجهان هذا التغيير الهائل الذي ~~تتشقق فيه السماء حتى تتحول إلى حالة من الذوبان السائل ، بما يوحيه ذلك من ~~عظمة القدرة؟ # ( @QUR@08 فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) لأن المسألة لا تحمل أي ~~غموض في ما قام به هؤلاء في مواقع المسؤولية من كفر وجريمة وانحراف عن الخط ~~المستقيم ، فهناك وضوح كامل لسوء العمل من خلال الوجوه السوداء التي تأخذ ~~من الأعمال السوداء لونها الأسود ، فلا مجال للإنكار ولا للتكذيب ، ولا ~~ضرورة للسؤال ، ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ). # أما الموقف الحاسم ف ( @QUR@03 يعرف المجرمون بسيماهم ) في ما تتركه ~~الجريمة من سمة مميزة لا تترك مجالا لأي ريب ، ( @QUR@03 فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام ) حيث تجمع الأقدام إلى الجباه ، في حالة من الإذلال النفسي الذي ~~يتعرضون له جزاء حالة الاستكبار والغرور التي كانت تدفعهم إلى الكفر ~~والتمرد وتكذيب رسل الله في الدنيا ، ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ~~في ما يتمثل فيها من قدرة الله على السيطرة على المجرمين في الدار الآخرة؟! PageV21P318 # ( @QUR@06 هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ) عند ما كان الأنبياء ~~يدعونهم إلى الحذر منها ، وإلى الانفتاح على الأفكار التي تثيرها في النفوس ~~من خلال الحديث عنها ، ( @QUR@05 يطوفون بينها وبين حميم آن ) أي متناه في ~~الحرارة كأنه الطعام الناضج على النار ، وهم يترددون بينها وبين هذا السائل ~~الآني ، الذي بلغ الغاية والنهاية من الحرارة حتى كأنهم يشربونه وهو على ~~النار ، ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) في هذه الحقيقة الإيمانية التي ~~تواجهكما في الموقف الصعب؟! # ( @QUR@05 ولمن خاف مقام ربه جنتان ) وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق ~~عليه السلام قال : «من علم أن الله يراه ، ويسمع ما يقول ، ويعلم ما يعمله ~~من خير أو شر ، فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال ، فذلك الذي خاف مقام ربه» ~~(1).. أما الجنتان ، فقد يكون حديثا عن موقعين في الجنة ، مميزين في نطاق ~~الجنة الكبيرة ، ( @QUR@02 ذواتا أفنان ) والأفنان هي الأغصان الندية ~~النضرة ، فهما نديتان نضرتان في ما يوحي ذلك من العطاء ms4966 الجني ، والجمال ~~الأخضر ، ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أمام هذه النعمة الندية ~~النضرة؟! ( @QUR@03 فيهما عينان تجريان ) فتسقيان الجنتين ، ليهتز العشب ، ~~ويتنامى الثمر ( @QUR@05 فيهما من كل فاكهة زوجان ) في ما يمثله ذلك من ~~تنوع وكثرة ، ( @QUR@06 متكئين على فرش بطائنها من إستبرق )، مما يوحي بأن ~~ظواهرها أكثر جمالا من ذلك ، لأن الظاهر عادة أكثر اجتذابا للنظر من الباطن ~~، في ما يراد له من روعة وافتتان ، ( @QUR@03 وجنى الجنتين دان ) أي أن ~~الثمر قريب من متناول أيديهم فلا يحتاجون إلى جهد للحصول عليه. # ( @QUR@03 فيهن قاصرات الطرف ) من الحور العين اللاتي لا يمتد طرفهن ~~بعيدا إلى غير أزواجهن ، في ما يوحي به ذلك من العفة الأخلاقية ، ( @QUR@06 ~~لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) أي عذارى أبكار لم يمسسهن جن ولا إنس قبل ~~ذلك ( @QUR@03 كأنهن الياقوت والمرجان ) في النضرة واللمعان والبهاء ~~والصفاء ... وتلك هي الهبة PageV21P319 # الإلهية التي يقدمها الله جزاء لهؤلاء الذين خافوا مقام ربهم وأطاعوه ~~وعاشوا من أجل الوصول إلى مواقع رضوانه في رحاب جنانه. # * * * ### ||| ** الإحسان الإلهي تفضل أم استحقاق؟ # ( @QUR@05 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) فإذا أحسن العباد إلى ربهم ~~بطاعتهم إياه ، فإن الله يجزيهم بالإحسان إحسانا من خلال لطفه بهم وعطفه عليهم. # وقد أفاض علماء الكلام في الحديث عن الإحسان الإلهي لعباده المؤمنين ~~المتقين ، أهو تفضل أم استحقاق؟ ولكن هذا البحث غير دقيق ، لأن الذي يقول ~~بالاستحقاق ، يقصد به الاستحقاق من خلال تفضل الله عليهم بوعده لهم ~~بالمثوبة والإحسان. وقد جاء عن الإمام علي عليه السلام : «لو كان لأحد أن ~~يجري له ولا يجري عليه ، لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه ، لقدرته على ~~عباده ، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ، ولكنه سبحانه جعل حقه على ~~العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه ، وتوسعا بما ~~هو من المزيد أهله» (1). # * * * ### ||| ** تفاوت الدرجات في الجنة # ( @QUR@03 ومن دونهما جنتان ) غير الجنتين الأخريين ، بمعنى أن أوصافهما ~~أدنى من أوصاف تينك الجنتين ، مما يعني أن هناك درجات متفاوتة في الجنة من ~~حيث الخصائص التي توحي بالنعيم ms4967 المتنوع ، تبعا لتفاوت العباد في درجاتهم في PageV21P320 # أعمالهم ، ( @QUR@01 مدهامتان ) أي مخضرتان خضرة تميل إلى السواد ، لما ~~فيهما من أعشاب ، ( @QUR@03 فيهما عينان نضاختان ) تنضحان بالماء ، كمثل ~~النبع الذي يتفجر من الأرض من دون جريان ، كما أن ( @QUR@04 فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان ) وذلك من باب عطف الخاص على العام ، فيكون العطف طبيعيا ( ~~@QUR@03 فيهن خيرات حسان ) من النساء اللاتي أعدهن الله للمتقين من عباده ، ~~( @QUR@04 حور مقصورات في الخيام ) قال صاحب مجمع البيان : أي محبوسات في ~~الحجال (1). وهي قباب تضرب على النساء الملازمات للبيوت ، وقال غيره : إن ~~المراد بالخيام معناها الطبيعي ، لإضفاء جو من الجمال والروعة البدوية الذي ~~قد لا يوجد في البيوت ، ( @QUR@06 لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) تماما كما ~~هن الحور في الجنتين السابقتين ، عذارى ، أبكار. # ( @QUR@04 متكئين على رفرف خضر ) وهي الأبسطة الخضراء ( @QUR@02 وعبقري ~~حسان ) أي من صنع عبقر الذي كان العرب ينسبون إليه كل جميل وعجيب ، ( ~~@QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) في ما يوحي به كل هذا الجو المليء ~~بالروعة والنعمة والعظمة واللطف الإلهي العميم؟! # وتنتهي السورة بذكر صفات الله لتعمق في نفس الإنسان والجان الإحساس ~~بالنعمة والعظمة الإلهية : ( @QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) ~~الذي يوحي بالتسبيح في مواقع الجلال الذي ينطلق من وحي العظمة ، وفي مواقع ~~الإكرام الذي ينطلق من وحي العطاء والرحمة. # * * * PageV21P321 ### | سورة الواقعة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ست وتسعون PageV21P323 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية أخرى ، ونزلت لتعالج مسألة الإيمان بالآخرة ، في أسلوب ~~يوحي بالهول الكبير الذي ينذر به وقوع الواقعة الكبرى التي تفرض نفسها على ~~الوعي كله ، لأنها تؤكد وجودها كحقيقة تواجه الوجود الإنساني المتحرك في ~~ساحة المسؤولية في الدنيا ، فترفع قوما وتخفض آخرين ، وينقسم الناس فيها ~~إلى أزواج ثلاثة ، منهم السابقون المقربون ، ومنهم أصحاب اليمين ، ومنهم ~~أصحاب الشمال ، ولكل فريق خصائصه في الحياة العملية ، ومواقعه في الساحة ~~الأخروية. ثم تطوف السورة بعد ذلك في جولة على مواقع النعمة في حياة ~~الإنسان التي توحي بقدرة الله ورحمته ، لتثير في وعيه الإحساس بقدرته تعالى ~~في فكرة الآخرة ، ليؤمنوا بها عقليا ، ويتحملوا ms4968 المسؤولية من مواقع الوحي ، ~~ويختاروا بين أن يكونوا من السابقين المقربين ، أو من أصحاب اليمين ، أو من ~~أصحاب الشمال ، مما لا يوحي إلا بالتسبيح للرب العظيم. # * * * PageV21P325 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إذا وقعت الواقعة (1) @QUR@03 ليس لوقعتها كاذبة (2) @QUR@02 ~~خافضة رافعة (3) @QUR@04 إذا رجت الأرض رجا (4) @QUR@03 وبست الجبال بسا ~~(5) @QUR@03 فكانت هباء منبثا (6) @QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة (7) @QUR@05 ~~فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) @QUR@05 وأصحاب المشئمة ما أصحاب ~~المشئمة (9) @QUR@02 والسابقون السابقون (10) @QUR@02 أولئك المقربون (11) ~~@QUR@03 في جنات النعيم (12) @QUR@03 ثلة من الأولين (13) @QUR@03 وقليل من ~~الآخرين (14) @QUR@03 على سرر موضونة (15) @QUR@03 متكئين عليها متقابلين ~~(16) @QUR@04 يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) @QUR@05 بأكواب وأباريق وكأس من ~~معين (18) @QUR@05 لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) @QUR@03 وفاكهة مما ~~يتخيرون (20) @QUR@04 ولحم طير مما يشتهون (21) @QUR@02 وحور عين (22) ~~@QUR@03 كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون (24) ~~@QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) @QUR@04 إلا قيلا سلاما سلاما ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الواقعة ): القيامة. PageV21P326 # ( @QUR@01 رجت )؛ الرج : تحريك الشيء تحريكا شديدا. # ( @QUR@01 وبست ): البس : الفت ، وقيل : التسيير. # ( @QUR@01 هباء ): غبارا. # ( @QUR@01 منبثا ): متفرقا. # ( @QUR@01 ثلاثة ): جماعة كثيرة. # ( @QUR@01 موضونة )؛ الوضن : النسج ، وموضونة : محكمة النسيج. # ( @QUR@01 معين ): الخمر المعين ، وهو الظاهر للبصر ، الجاري. # ( @QUR@02 يصدعون عنها ): أي لا يأخذهم من شربها صداع ، أو لا يتفرقون عنها. # ( @QUR@01 لغوا )؛ اللغو من القول : ما لا فائدة فيه. # ( @QUR@01 تأثيما ): نسبة إلى الإثم. # ( @QUR@01 قيلا )؛ القيل : مصدر كالقول. # * * * # ( @QUR@03 إذا وقعت الواقعة ) # ( @QUR@03 إذا وقعت الواقعة ) إنها الواقعة ، الحقيقة الثابتة الصارخة ~~التي تؤكد حقيقتها الإرادة الإلهية ، فقد أراد الله للكون أن ينتقل من حال ~~إلى حال ، ليجتمع الناس إلى ربهم في حشرهم في يوم القيامة ، وبذلك يمثل هذا ~~الوصف تأكيدا لوقوعها قبل وقوعها ، ليؤمن بها الكافرون الذين يثيرون الشك ~~فيها بأساليبهم التضليلية. فإذا وقعت الواقعة ، نظر الجميع إليها نظرتهم ~~إلى الحق الذي لا مجال للريب فيه ، ( @QUR@03 ليس لوقعتها كاذبة ) في ما ~~يظهر من دلائلها التي تتحرك في كل مواقع الصدق ، ( @QUR@02 خافضة رافعة ) ~~فقد تخفض قدر قوم كانت لهم درجات عليا في الدنيا لأعمالهم السيئة ، التي ~~يراها بعض من يلتزمون قيم الباطل باسم الحق حسنة ، وقد ترفع قدر قوم كانوا ~~في الدرجة السفلى من السلم PageV21P327 # الاجتماعي في ms4969 عالم يعتمد الطبقية الاجتماعية ، لسلوكهم الخط المستقيم ~~وطاعتهم لله ، مما يرفع درجتهم عنده ويقربهم منه عند ما تقع الواقعة. # ( @QUR@04 إذا رجت الأرض رجا ) في ما يمثله الزلزال الذي تتحرك به الأرض ~~، فتهتز بشدة اهتزازا لا يعرف مداه إلا الله ( @QUR@06 وبست الجبال بسا* ~~فكانت هباء منبثا ) أي بدأت الجبال بالتفتت أو أخذت تتحرك عند ما تفقد موقع ~~الصلابة في وجودها ، وتتحول بتفتت صخورها وحجارتها إلى ما يشبه الغبار الذي ~~تذروه الرياح وتبثه في كل مكان ، فلا يثبت في أي موقع. # * * * ### ||| ** أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة # ( @QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة ) حيث يتصنف البشر في ذلك اليوم إلى ثلاثة ~~أنواع : # ( @QUR@05 فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ) وهم الذين يحملون كتابهم ~~بيمينهم ، لينطلقوا في أجواء اليمن والسعادة من خلال أعمالهم الصالحة التي ~~تقربهم إلى الله .. ( @QUR@05 وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ) وهم الذين ~~يحملون كتابهم بشمالهم ، ليواجهوا الشؤم والشقاء في مصيرهم المشؤوم بسبب ~~أعمالهم السيئة التي تبعدهم عن الله. وفي استخدام الاستفهام عن كلا ~~الجماعتين بهذه الطريقة المبهمة ، نوع من الإيحاء بخطورة مواقعهم. # ( @QUR@02 والسابقون السابقون ) الذين لم يكتفوا بالتزام أوامر الله ~~ونواهيه بطريقة عادية ، بل تطلعوا إلى الحصول على رضاه ، وعملوا على السبق ~~إلى طاعته حتى في ما لم يلزمهم به ، مما عرفوا فيه عمق محبته له لقيمته ~~الروحية الكبيرة التي يريد للحياة أن تلتزمها كخط للسلوك الإنساني في حركة ~~الإيمان .. وهكذا كانوا يعيشون روحية العمل من خلال روحية الإخلاص لله ، ~~وحركة الطاعة في ساحات السبق إلى الحصول على رضاه سبحانه ، فلا يريدون لأحد ~~أن يسبقهم في ذلك ، ولا ينتظرون الإلزام ليعملوا ، بل يبادرون إلى القيام ~~بما يعرفون أن فيه PageV21P328 # رضى الله ، انطلاقا من محبتهم له وإخلاصهم لربوبيته ، وبذلك وصلوا إلى ~~مواقع القرب منه. # ( @QUR@02 أولئك المقربون ) الذين قربهم الله إليه لقرب أرواحهم إليه ~~وأعمالهم بين يديه ، وأدخلهم ( @QUR@03 في جنات النعيم ) التي أعدها ~~للمخلصين من عباده ، وهؤلاء ليسوا كثرة في تاريخ حركة الإنسان ، لأن ~~الإيمان الأعلى ، والالتزام الأفضل ، والسبق المميز ، يحتاج إلى روحية ~~عالية تتجاوز الوضع العادي ، مما يفرض ms4970 كثيرا من المعاناة والجهد والتضحية ~~داخل النفس وخارجها ، ولذلك فإن حجم هؤلاء العددي يختلف بين التاريخ القديم ~~وبين الحاضر الجديد ، فهم ( @QUR@03 ثلة من الأولين )، ولعل ذلك ناشئ من ~~قلة التعقيدات ، في ما يمكن أن يزحف إلى الذات من مشاغل ومشاكل وأوضاع تشغل ~~الإنسان عن ربه ، وتبعد الصفاء عن روحه ، وتثير فيه النوازع المادية التي ~~توجهه إلى شهواته وملذاته وأطماعه ، وتنطلق به في ساحات الأنانية الذاتية ، ~~ولذلك فإن فرص الوصول إلى الانفتاح على الله كثيرة ، ( @QUR@03 وقليل من ~~الآخرين ) الذين يعيشون كثيرا من التعقيدات التي يفرضها تقدم الحياة ، ذلك ~~أن المفردات التي تعبث بحياة الإنسان في جزئياتها الصغيرة وعناوينها ~~المختلفة كثيرة ، مما يجعله يخلد إلى الأرض بشكل كبير في العمق والامتداد .. # ( @QUR@06 على سرر موضونة* متكئين عليها متقابلين ) في جلسة استرخاء ~~حافلة بالمشاعر الأخوية في جو من الاندماج الروحي في مجتمع الجنة الجديد ، ~~انطلاقا مما كانوا يعيشونه من محبة أخوية في الدنيا ، ( @QUR@04 يطوف عليهم ~~ولدان مخلدون ) في إشراقة الروح وجمال الوجه ودوام الحيوية ، فلا يهرمون ، ~~ولا يموتون ولا يضعفون ، وتبقى مهمتهم الطواف على هؤلاء المتقين السابقين ~~إلى الخيرات ، في ما يريده الله لهم من الكرامة ، ( @QUR@010 بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين* لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) أي لا يأخذهم صداع ~~الخمر الذي يحصل من خمر الدنيا ، ( @QUR@02 ولا ينزفون ) أي لا يزول عقلهم ~~بالسكر الحاصل منها. وبذلك نعرف أن مشكلة الخمر ليست في اسمها ، بل في ~~تأثيراتها السلبية على عقل الإنسان وحياته ، فإذا PageV21P329 # زالت هذه النتائج ، واستبدل بها نتائج طيبة ، ولم يبق منها إلا النشوة ~~الهادئة التي تفرح القلب ، وتسعد الروح ، فلا مشكلة في شربها ، كما هو ~~الحال في خمر الجنة التي ليس فيها شيء مما يضر الإنسان ويؤذيه. # ( @QUR@03 وفاكهة مما يتخيرون ) تبعا لما يختارونه منها مما يتوافق مع ~~مشتهياتهم ، ( @QUR@04 ولحم طير مما يشتهون ) في ما يريدون من الغذاء القوي ~~الذي يبني الجسم ، ( @QUR@05 وحور عين* كأمثال اللؤلؤ المكنون ) أي اللؤلؤ ~~المصون المخزون في الصدف الذي لم تمسه الأيدي ، بما يوحيه ذلك من صفاء ~~وإشراق فيه ms4971 ، ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) فليس ذلك مجرد عطية سببها ~~كرم الله دون مناسبة ، بل هو جزاء على آمالهم الصالحة المنطلقة من روحية ~~الإيمان بالله. # ( @QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ) فلا يخاطب أحد صاحبه بما لا ~~فائدة فيه من القول ، لأنهم لا يعيشون حالة فراغ روحي تستثير اللغو ، بل ~~يعيشون حالة امتلاء روحي بالله وبكل المعاني التي تقرب منه ، مما يجعل ~~كلامهم غنيا بالمعاني النافعة لكل ما حول الإنسان ومن حوله. # وإذا كانوا لا يتخاطبون باللغو من القول ، ولا يتحدثون بالكلام الآثم ~~الذي يتضمن الكذب والفحش والخيانة والنميمة ونحوها مما يخوض الناس فيه أو ~~يسمعونه في الدنيا بعيدا عن الأخلاق الإسلامية ... فكيف يفعلون ذلك في ~~الجنة وهي دار المتقين الذين عاشوا روحية الطاعة لله في أقوالهم وأفعالهم؟! # ( @QUR@04 إلا قيلا سلاما سلاما ) فهذا هو الكلام الذي يسمعونه في الجنة ~~التي هي دار السلام ، مما يجعل السلام في كل معاني الروح والصفاء والنقاء ~~في العقل والقلب والروح والواقع ، هو الطابع الذي يطبع حياة أهل الجنة في ~~علاقاتهم الأخوية ، فهم يسمعونه من الله الذي ينزل عليهم السلام ليوحي لهم ~~بسلام رضوانه ولطفه ورحمته ، ويسمعونه من الملائكة الذين يتحدثون معهم ~~بالسلام في إيحاء بالجو الجديد الذي يستقبلونه في الجنة ، ويتخاطبون به ~~فيما بينهم في نطاق التحية والعلاقة والممارسة ، لأنهم لا يحملون في قلوبهم ~~أي معنى من PageV21P330 # معاني الحقد والأنانية والبغضاء ، ولا يعيشون أساسا أي صراع في أي جانب ~~من الجوانب المتصلة بحياتهم حتى يتحول الصراع إلى نزاع وخلاف وقتال ، مما ~~كان يعيشه الناس في الدنيا من خلال المشاكل المتنافرة التي كانوا يواجهونها ~~في علاقاتهم الخاصة والعامة. ومن هنا ، كانت الحياة في الجنة سلاما بكل ~~معانيها ، فهي ، وحدها ، دار السلام بالمعنى المطلق للكلمة ، وهكذا يتحول ~~الإيحاء إلى الدنيا ، ليتعلم المؤمنون روح السلام فيها ويتعرفوا كيف ~~ينطلقون بهذه الروحية إلى السلام في الآخرة. # * * * PageV21P331 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) @QUR@03 في سدر مخضود (28) ~~@QUR@02 وطلح منضود (29) @QUR@02 وظل ممدود (30) @QUR@02 وماء مسكوب (31) ~~@QUR@02 وفاكهة كثيرة (32) @QUR@04 لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) @QUR@02 وفرش ~~مرفوعة ms4972 (34) @QUR@03 إنا أنشأناهن إنشاء (35) @QUR@02 فجعلناهن أبكارا (36) ~~@QUR@02 عربا أترابا (37) @QUR@02 لأصحاب اليمين (38) @QUR@03 ثلة من ~~الأولين (39) @QUR@03 وثلة من الآخرين (40) @QUR@05 وأصحاب الشمال ما أصحاب ~~الشمال (41) @QUR@03 في سموم وحميم (42) @QUR@03 وظل من يحموم (43) @QUR@04 ~~لا بارد ولا كريم (44) @QUR@05 إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) @QUR@05 ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) @QUR@09 وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (47) @QUR@02 أوآباؤنا الأولون (48) @QUR@04 قل ~~إن الأولين والآخرين (49) @QUR@05 لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ~~@QUR@05 ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) @QUR@05 لآكلون من شجر من زقوم ~~(52) @QUR@03 فمالؤن منها البطون (53) @QUR@04 فشاربون عليه من الحميم (54) ~~@QUR@03 فشاربون شرب الهيم (55) @QUR@04 هذا نزلهم يوم الدين ) (56) # * * * PageV21P332 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سدر ): شجر النبق. # ( @QUR@01 مخضود ): ما قطع شوكة ، فلا شوك له. # ( @QUR@01 وطلح )؛ الطلح : شجر الموز. # ( @QUR@01 عربا )؛ العرب : جمع عروب ، وهي الممتحنة إلى زوجها ، أو ~~الغنجة أو العاشقة لزوجها. # ( @QUR@01 أترابا ): جمع ترب ، بمعنى المثل. # ( @QUR@01 حميم ): ماء شديد الحرارة. # ( @QUR@01 يحموم ): الدخان الأسود. # ( @QUR@01 الحنث ): نقض العهد المؤكد بالحلف. # ( @QUR@01 الهيم ): الإبل العطاش التي لا تروى من الماء لداء يصيبها. # * * * ### ||| ** بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال # ( @QUR@05 وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ) هذا هو الصنف الثاني من الناس ~~يوم القيامة ، هل تعرف هؤلاء الذين آمنوا بالله ، والتزموا بخطه المستقيم ~~في هدوء الإيمان وسلامة العمل ، دون أن يبلغوا السبق في الدرجة العليا؟ وهل ~~تعرف جزاءهم عند الله ، ومكانهم في جنة الرضوان عنده؟ إنهم ( @QUR@05 في ~~سدر مخضود* وطلح منضود ) وهو شجر الموز الذي نضد ثمره بتراكب بعضه فوق بعض ~~، ( @QUR@02 وظل ممدود ) لا تزيله الشمس ، على سبيل الكناية ، لكثافة الشجر ~~، ( @QUR@02 وماء مسكوب ) يجري بلا انقطاع ، ( @QUR@02 وفاكهة كثيرة ) في ~~عددها وتنوع أشكالها وخصائصها ، ( @QUR@04 لا مقطوعة ولا ممنوعة ) فليس لها ~~فصل معين لتنقطع في فصل PageV21P333 # آخر ، وليس هناك ما يمنع أحدا في الجنة من تناولها ، لأن فاكهة الدنيا ~~تختلف عن فاكهة الآخرة ، فإذا كانت تنقطع في زمان وتأتي في زمان ، فإن ~~فاكهة الآخرة لا تنقطع أبدا. ( @QUR@02 وفرش مرفوعة ) عالية وثيرة ، وقيل : ~~إن المراد بالفرش : النساء المرتفعات قدرا في عقولهن وجمالهن وكمالهن ، كما ~~ورد التعبير الشائع عن المرأة بأنها فراش الرجل ، ولعل الحديث في الآية ~~التالية يقرب ذلك. ms4973 # ( @QUR@07 إنا أنشأناهن إنشاء* فجعلناهن أبكارا* عربا أترابا ) فقد أوجد ~~الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة نساء عذارى متحننات إلى أزواجهن أو مغنجات ~~أو عاشقات لهم ، حسب اختلاف الأقوال في معنى العروب ، مساويات لأزواجهن في ~~السن ( @QUR@08 لأصحاب اليمين* ثلة من الأولين* وثلة من الآخرين ) فهم كثرة ~~في الجيل الماضي ممن عاش مع الأنبياء وثبت في إيمانه معهم ومن بعدهم ، وهم ~~كثرة في الأجيال اللاحقة التي التزمت الإسلام وسارت في خطه المستقيم ... # ( @QUR@05 وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ) وهم الذين انحرفوا عن خط ~~الإيمان ، وتمردوا على الله ورسله ، وانحرفوا عن نهج الاستقامة ، وعاشوا في ~~أجواء المعصية اللاهية العابثة ، وارتكبوا الجرائم الوحشية ، أين هم في يوم ~~القيامة؟ إنهم ( @QUR@03 في سموم وحميم ) فهم في الأجواء التي تتحرك فيها ~~الريح الساخنة المحرقة اللاهبة التي تنفذ إلى داخل الجسم ، فإذا ظمئوا ، ~~فهناك الماء الشديد الحرارة الذي يغلي في البطون ، ( @QUR@03 وظل من يحموم ~~) فليس هو الظل الذي يبعث الانتعاش في الجسم ، بل هو ظل من الدخان الأسود ~~الذي يخنق الأنفاس ، ( @QUR@04 لا بارد ولا كريم ) مكما هو الظل الظليل ~~المنعش الذي يخفف حرارة الجسد ، بل إنه لا يدفع حرا ولا بردا ، إنما يكون ~~صاحبه كالمستجير من الرمضاء بالنار. # ( @QUR@05 إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) ممن يعيشون بطر النعمة وطغيانها ، ~~فلا يشكرون الله عليها ، ولا يتحملون مسئوليتها في ما يجب أن يوجهوها إليه ~~من مواقع رضى الله سبحانه ، ولذلك فقد نسوا الله من خلالها ، وشغلوا ~~بلذاتها وشهواتها عما عند الله من النعيم الباقي. # وإذا كان بعض أصحاب الشمال غير مترفين ، فإنهم كانوا ضحية المترفين PageV21P334 # في اتباعهم وتقليدهم لهم في كل عاداتهم وتقاليدهم وأوضاعهم التي تشبه ~~أوضاع المترفين في ما توحي به من الغفلة عن الله وعن أوامره ونواهيه ، ~~والإخلاد إلى الأرض في شهواتها وأطماعها. # ( @QUR@05 وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) المراد بالإصرار عليه الإقامة ~~على نقض العهد وعدم الإقلاع عنه ، وربما كان المراد به الاستكبار عن عبودية ~~الله التي عاهدوه عليها من خلال فطرتهم ، في ما يمثله ذلك من ميثاق طبيعي ~~في شخصية ms4974 الإنسان. وقيل : إن المراد به : الذنب العظيم ، أو الأيمان ~~الكاذبة التي تنفي البعث والجزاء. # ( @QUR@011 وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون* ~~أوآباؤنا الأولون ) قالوا ذلك ، كما قال أمثالهم ، في مقام الاستغراب الذي ~~يوحي بالسخرية والإنكار ، لكن لا من موقع الشبهة الفكرية ، بل من موقع ~~استبعاد ما ليس مألوفا ، لأن العقل لا ينفي إمكان البعث ، والوحي يثبت ~~وقوعه ، ولذلك كان الحديث حول تأكيده ، كحقيقة حاسمة مطلقة. # ( @QUR@09 قل إن الأولين والآخرين* لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) ~~ليقفوا أمام الله فيحاسبهم على أعمالهم التي مارسوها في الدنيا من خير أو ~~شر ، ( @QUR@05 ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ) الذين لم ينطلق ضلالكم من ~~موقع وعي لما أنتم عليه ، بل من موقع تكذيب متعمد للحقيقة الفطرية التي ~~تفرض نفسها عليكم ، ( @QUR@08 لآكلون من شجر من زقوم* فمالؤن منها البطون ) ~~وقد لا تكون هذه الشجرة واضحة المعنى في طبيعتها ، ولكنها توحي بما تشتمل ~~عليه من ثمر سيئ يتحول إلى عذاب شديد في جوف الإنسان ، ( @QUR@04 فشاربون ~~عليه من الحميم ) الذي يغلي فيحرق الجوف ، ( @QUR@03 فشاربون شرب الهيم ) ~~وهي الإبل التي يصيبها داء العطش فلا يرويها شيء ، وقيل : الهيم : الرمال ~~التي لا تروى بالماء. # ( @QUR@04 هذا نزلهم يوم الدين ) أي يوم الجزاء ، والنزل كما قيل ما يقدم ~~للضيف النازل من طعام وشراب إكراما له ، وقد أطلق على هؤلاء الذين هم في ~~موقع المهانة والذل على سبيل التهكم. # * * * PageV21P335 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 نحن خلقناكم فلو لا تصدقون (57) @QUR@03 أفرأيتم ما تمنون (58) ~~@QUR@05 أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) @QUR@07 نحن قدرنا بينكم الموت ~~وما نحن بمسبوقين (60) @QUR@09 على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا ~~تعلمون (61) @QUR@07 ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون (62) @QUR@03 ~~أفرأيتم ما تحرثون (63) @QUR@05 أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) ~~@QUR@06 لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) @QUR@02 إنا لمغرمون (66) ~~@QUR@03 بل نحن محرومون (67) @QUR@04 أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) ~~@QUR@07 أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) @QUR@07 لو نشاء ~~جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون (70) @QUR@04 أفرأيتم النار التي تورون (71) ~~@QUR@06 أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) @QUR@05 نحن جعلناها ~~تذكرة ومتاعا للمقوين (73) @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ms4975 ) (74) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تمنون )؛ الإمناء : قذف المني وصبه في الرحم. PageV21P336 # ( @QUR@01 تحرثون )؛ الحرث : العمل في الأرض ، وإلقاء البذر فيها. # ( @QUR@01 فظلتم ): فظللتم وصرتم. # ( @QUR@01 تفكهون ): تتعجبون. # ( @QUR@01 لمغرمون )؛ المغرم : الذي ذهب ماله بغير عوض. # ( @QUR@01 المزن ): السحاب. # ( @QUR@01 أجاجا )؛ الأجاج : الماء الذي اشتدت ملوحته. # ( @QUR@01 تورون )؛ الإيراء : إظهار النار بالقدح. # ( @QUR@01 للمقوين )؛ المقوي : النازل بالقواء من الأرض ليس بها أحد. # * * * ### ||| ** جولة مع نعم الله على الإنسان # وهذه جولة قرآنية في رحلة وجود الإنسان ، بدءا بتشكل النطفة وتطور نموها ~~التي تحمل سر خلقه ، مرورا بشروط الحياة التي يمتد بها وجوده ، من الماء ~~الذي يشربه ، ومن غذاء يتغذى به ، ونار يتدفأ عليها ويستخدمها في كثير من ~~حاجاته الخاصة والعامة ، ليثير تفكير الإنسان بقدرة الله في الوجود وفي ~~أسبابه ، وفي حكمته في تدبيره ، وفي حاجة الخلق إليه في كل شيء ، ليأخذ من ~~ذلك فكرة الإيمان بالآخرة من خلال فكرة الإيمان بالمبدأ على أساس التلازم ~~بينهما فيما هو الإيمان بالقدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء وإن عظم ، وأن ~~القدرة على البداية أكثر أهمية من القدرة على الإعادة. # ( @QUR@02 نحن خلقناكم ) وكنتم عدما ، فهل تنكرون تلك الحقيقة الثابتة ~~التي تفرض نفسها عليكم؟! ( @QUR@03 فلو لا تصدقون ) أي فلا بد لكم من أن ~~تصدقوا بذلك وتؤمنوا به ، فالله هو الذي يملك القدرة كلها ، وهو الذي ~~يخبركم بالحقيقة التي لا بد من أن تصدقوا بها ، لأنه المهيمن على الأمر كله ~~والمطلع على الخلق كلهم. # * * * PageV21P337 ### ||| ** قدرة الله في خلق النطفة # ( @QUR@03 أفرأيتم ما تمنون ) هذه النطفة التي يقذفها الرجل في رحم ~~المرأة ، هل تعرفون طبيعة خصائصها وقدرتها على النمو المتنوع الذي تتحول ~~فيه إلى علقة ، ثم إلى مضغة ، ثم تتحول إلى عظام ، ثم يكسو الله العظام ~~لحما ، وهكذا تتنوع خصائص هذا المخلوق داخل خلاياه ، فهذه خلايا عظام ، ~~وهذه خلايا عضلات ، وهذه خلايا جلد ، وهذه خلايا أعصاب ... ثم خلايا لعمل ~~عين وأذن وغدد ، وكل واحدة منها تعرف كيف تقوم بالمهمة الموكولة إليها ، ~~فلا تتداخل في مواقعها ، ولا تضيع عن طريقها. وينطلق السؤال : كيف حدث هذا؟ ~~وما هو سر وجود هذه الخلايا ms4976 وحركتها وتجددها وطبيعتها في استمرار الحياة؟ ~~وكيف يتجلى فيها سر القدرة ، وعظمة الإبداع؟ وهل أدركتم من خلال ذلك من هو ~~الخالق لها ، ومن هو الذي أودع فيها كل فاعلية الحياة وحركية السر الكامن ~~فيها الذي يختزنها؟ ( @QUR@05 أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) والترديد ~~ليس في مقام الاستفهام ، لأن كل واحد من الناس يعرف أن دوره هو قذف المني ~~في الرحم ، دون أن يكون له أي دخل في تكوينه ، بل كل ما هناك أنه حرك الجو ~~الذي أطلق المني من جسده ، ولكن مهمته تنتهي عند هذا الحد لتبدأ النطفة ~~رحلة كاملة في صنع إنسان بقدرة الله ... # وهكذا يبدأ الإنسان رحلة الحياة ، وتمتد به هذه الرحلة إلى أمد ، مهما ~~طال به ، فإنه يبقى محدودا بالموت الذي لا بد من أن يطاله مهما امتد به ~~العمر ، ومهما تحركت في داخله القوة ، فمن هو الذي قدر ذلك؟ ومن هو الذي ~~دبره؟ ( @QUR@07 نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ) فلن يملك أحد أن ~~يسبقنا في تقديره ، ولن يستطيع أحد أن يسبقنا بالإفلات من ذاك التقدير ، ~~لأننا إذا أردنا شيئا فلا يملك أي مخلوق أن ينال من إرادتنا في عمقها ~~التكويني وفي حركتها. # وتمضي السنة الإلهية التكوينية ، لتجعل من الموت سنة الحياة التي تؤمن ~~للحياة التنوع ، فلا تموت الحياة بموت جيل وأفوله ، بل تتجدد مع جيل جديد PageV21P338 # يأتي فيطور حركة الفكر فيها. ( @QUR@04 على أن نبدل أمثالكم ) ليعمروا ~~الأرض ، كما عمرتموها ، وليديروها كما أدرتموها حتى ينتهي الأجل ، ( ~~@QUR@05 وننشئكم في ما لا تعلمون ) في عالم الغيب الذي لا يدرك كنهه أحد ، ~~فلا طريق إلى معرفته إلا من خلال الله ، ولن يستطيع الإنسان أن يتعرف إلى ~~طبيعته ، لأن معرفة الإنسان الذهنية تقوم غالبا على التجربة الحسية. # ( @QUR@07 ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون ) فهل فكرتم كيف يمكن ~~لوعي البداية أن يفسح المجال لوعي النشأة الأخرى؟ إن المسألة لا تحتاج إلى ~~جهد من التفكير الفلسفي ليقتنع الإنسان بها ، بل إن طبيعة الفطرة وإحساس ~~الوجدان ، يفرضان القناعة لمن تذكر ، لذلك كان من ms4977 المهم أن لا يغفل عن ذلك ~~ولا ينسى ، بل تنطلق الذكرى لتكون النور الذي ينفتح على الحق كله. # * * * ### ||| ** أفرأيتم ما تحرثون .. من زرعه؟ # ( @QUR@03 أفرأيتم ما تحرثون ) من هذا الزرع الذي ينبت تحت بصركم ، هل ~~تعرفون طبيعة البذرة الأولى التي بعثت الحياة ، وكيف تنوعت في طبيعتها ، ~~لتتنوع في خصائصها ، وفي طريقة نموها وفي تفاعلها مع التراب والشمس والهواء ~~والماء والعناصر المتنوعة المبثوثة في الجو من حولها وفي داخلها؟ ثم في كل ~~هذه الأشكال المتنوعة في أحجامها وفي ملامحها ، هذه النبتة تتحول إلى نخلة ~~، وتلك تتحول إلى شجرة مخضرة الأوراق أو محمرة ، أو مصفرة ، أو ما إلى ذلك ~~، وهذه تتحول إلى سنبلة ، وتلك إلى زهرة ، ونحو ذلك ؛ من أبدع هذا كله ومن خلقه؟ # ( @QUR@05 أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) ما دوركم في إنباته سوى أنكم ~~تحرثون الأرض ، وتلقون البذرة فيها ، وتجرون الماء عليها؟ .. ثم تنتظرون ~~السنة الإلهية لتبدأ رحلة الحياة في البذرة ، وتنمو نموا كاملا إلى أن يحين ~~موعد حصاد PageV21P339 # الحب ، وقطف الثمر ، ونزع الورق الأخضر ... ( @QUR@04 لو نشاء لجعلناه ~~حطاما ) أي هشيما تذروه الرياح ، فلا تحصلون منه على شيء ، بتحريك عوامل ~~تقتله وتمنعه من الاكتمال ، ( @QUR@02 فظلتم تفكهون ) أي تتعجبون مما حل ~~بزرعكم من الآفات وتقولون لبعضكم البعض : ( @QUR@02 إنا لمغرمون ) أي ~~واقعون تحت ضغط الغرامة وهي الديون والمسؤوليات المترتبة عليها ، فقد كنا ~~ننتظر نتائج الموسم لنحصل عليها ، فإذا بالموسم يتبخر بسبب العوامل القاسية ~~التي أهلكت الزرع كله ، ( @QUR@03 بل نحن محرومون ) من كل المنافع التي كنا ~~نترقبها منه ، مما يجعلنا نواجه الحرمان بأبشع صوره في حياتنا. # * * * ### ||| ** والماء الذي تشربون .. من أنزله؟ # ( @QUR@04 أفرأيتم الماء الذي تشربون ) وتحصلون منه على عنصر الحياة الذي ~~لولاه لما امتدت بكم ، ولما استطعتم الحصول على الغذاء الحيواني والنباتي ، ~~لأنه الشرط لبقاء كل حي ... ( @QUR@07 أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون ) فما ذا تملكون منه سوى أن تنتظروا تساقطه لتجمعوه في أماكنه ~~التي تعدونها ، أو لتأخذوه من مواقع الأنهار ومساقط الينابيع ، ولكن الله ~~هو الذي يملك تحريكه وإنزاله وتكوين العناصر الطبيعية ، لينزله ms4978 عليكم عذابا ~~سائغا يروي العطاشى ، ويحيى موات الأرض ، ( @QUR@04 لو نشاء جعلناه أجاجا ) ~~أي لولا أن الله أراد لعباده الخير في حياتهم بتحريك نعمه ، لجعل الماء ~~ملحا أجاجا لا ينتفع به في شرب ولا زرع ، بما في ذلك من مشكلة لكم في كل ~~مواقع حياتكم ، ( @QUR@03 فلو لا تشكرون ) الله على ذلك بالانفتاح على ~~مواقع نعمه. # * * * PageV21P340 ### ||| ** والنار التي تورون .. من أنشأ شجرتها؟ # ( @QUR@04 أفرأيتم النار التي تورون ) هل تعرفون سر ظهور النار عند ~~احتكاك فرع شجرة بفرع شجرة أخرى ، كما كان العرب يفعلون عند ما يوقدون ~~النار على الطريقة البدائية؟ ما هو دوركم في ذلك سوى أنكم تستخدمون الوسائل ~~التي خلقها الله؟ ( @QUR@03 أأنتم أنشأتم شجرتها ) التي تستخرجون منها ~~النار ( @QUR@03 أم نحن المنشؤن )؟! ... وليس هذا السؤال في موقع الترديد ~~، بل هو في موقع إعلان الحقيقة ، باعترافهم الذي يفرضه الواقع الذي لا مجال ~~للشك فيه ، وإذا كانت الآية تتحدث عن خروج النار من الشجرة ، فلأنها كانت ~~الطريقة المألوفة لدى العرب في إشعال النار ، ولكن الحديث عن النار حديث ~~مطلق يشمل ما يستحدثه الإنسان من وسائل إشعالها من فحم حجري وبترول وكهرباء ~~وذرة وشمس ، وغير ذلك مما أودع الله فيه سر النار. # ( @QUR@03 نحن جعلناها تذكرة ) أي موعظة للناس كونها توحي بالنار الخالدة ~~في الآخرة التي تثير في نفوسهم الخوف والحذر ، وتدفعهم إلى طاعة الله في ~~مواقع رضاه ، ( @QUR@02 ومتاعا للمقوين ) أي منفعة للمقوين ، وهم الذين ~~ينزلون القواء وهو القفر ، وقيل : إنهم المسافرون ، وقيل : إنهم المستمتعون ~~بها بشكل مطلق ، وربما كان هذا أقرب نظرا لشمولية الانتفاع بها. # ( @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) الذي تؤكد هذه الأمور عظمته في وعي ~~الإنسان المؤمن ، وتدفعه إلى التعبير عن ذلك الشعور العميق بطريقة التسبيح. # * * * PageV21P341 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم (75) @QUR@05 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ~~(76) @QUR@03 إنه لقرآن كريم (77) @QUR@03 في كتاب مكنون (78) @QUR@04 لا ~~يمسه إلا المطهرون (79) @QUR@04 تنزيل من رب العالمين (80) @QUR@04 أفبهذا ~~الحديث أنتم مدهنون (81) @QUR@04 وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) @QUR@05 ~~فلو لا إذا بلغت الحلقوم (83) @QUR@03 وأنتم حينئذ تنظرون (84) @QUR@07 ~~ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) @QUR@06 فلو لا ms4979 إن كنتم غير ~~مدينين (86) @QUR@04 ترجعونها إن كنتم صادقين (87) @QUR@05 فأما إن كان من ~~المقربين (88) @QUR@04 فروح وريحان وجنة نعيم (89) @QUR@06 وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين (90) @QUR@05 فسلام لك من أصحاب اليمين (91) @QUR@06 وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين (92) @QUR@03 فنزل من حميم (93) @QUR@02 وتصلية ~~جحيم (94) @QUR@05 إن هذا لهو حق اليقين (95) @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) (96) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مكنون ): محفوظ مصون. PageV21P342 # ( @QUR@01 مدهنون ): مكذبون. # ( @QUR@01 مدينين ): مجزيين ، من دان يداني ، بمعنى جزى يجزي ( @QUR@01 ~~فروح ): راحة. # * * * ### ||| ** مواقع النجوم ، ما هي؟ # ( @QUR@04 فلا أقسم بمواقع النجوم )، ذكر المفسرون أن «لا» زائدة مؤكدة ~~، مثلها في قوله تعالى : ( @QUR@04 لئلا يعلم أهل الكتاب ) [الحديد : 29] ~~ومعناه «أقسم» (1). وهناك احتمال آخر ، وهو إبقاء الكلمة على طبيعتها كجزء ~~من الكلام ، ليكون المعنى هو أن المسألة واضحة جدا بحيث لا تحتاج إلى أي ~~قسم مهما كان عظيما ، ولكن ربما كان الاحتمال الأول أقرب ، لأن التأكيد على ~~عظمة القسم في الآية التالية يوحي بأن المقصود هو تأكيد الفكرة عن القرآن ~~بالقسم العظيم ؛ والله العالم. # ولكن ما هو المراد بمواقع النجوم ، فقد جاء عن مجموعة من المفسرين منهم ~~صاحب الكشاف ، أن المراد بمواقع النجوم مساقطها ومغاربها (2)، أي محال ~~وقوعها وسقوطها ، ويشير به إلى سقوط الكواكب يوم القيامة أو وقع الشهب على ~~الشياطين ، أو مساقط الكواكب في مغاربها ، ويرى صاحب تفسير الميزان أن ~~الاحتمال الأول هو السابق إلى الذهن (3)، وربما كان ذلك من جهة أن أجواء ~~الآيات التالية تدور في فلك الآخرة التي أريد لها أن تعيش في وعي الناس ، ~~ليتذكروها في ما يتذكرونه من مقدمات يوم القيامة من انتثار النجوم. # وقد جاء في بعض التفاسير كما في ظلال القرآن أن المراد بمواقع النجوم PageV21P343 # أماكنها ومداراتها في السماء ، فقد جاء فيه : «لم يكن المخاطبون يعرفون ~~عن مواقع النجوم إلا القليل ، الذي يدركونه بعيونهم المجردة ، ومن ثم قال ~~لهم : ( @QUR@05 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم )... فأما نحن اليوم ، فندرك من ~~عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به ، نصيبا أكبر بكثير مما كانوا يعلمون. ~~وإن كنا نحن أيضا لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم. # وهذا ms4980 القليل الذي وصلنا إليه بمراصدنا الصغيرة المحدودة المناظير ، يقول ~~لنا : إن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى في الفضاء الهائل ~~الذي لا نعرف له حدودا ، تشكل المجرة التي تنتسب إليها أسرتنا الشمسية ~~ويبلغ تعدادها ألف مليون نجم! # ويقول الفلكيون إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم ~~، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة ، وما ~~يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه. هذه كلها تسبح في الفلك الغامض ، ولا ~~يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر ، أو يصطدم ~~بكوكب آخر ، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في ~~المحيط الهادي ، يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة ، وهو احتمال بعيد ، إن ~~لم يكن مستحيلا» (1). # ولكن قد نلاحظ على هذا الاحتمال ، أن مواقع النجوم ذاتها لا تحمل أية ~~خصوصية تدل على العظمة ، بعيدا عن النجوم نفسها في حركتها وأوضاعها ، مما ~~يجعل الاحتمال الأول الذي يتحدث عن مساقط النجوم أو مغاربها ظاهرة كونية ~~إلهية عجائبية تثير الانتباه ، والله العالم. # ( @QUR@05 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) في ما يعبر به عن مواقع العظمة في ~~طبيعة هذه الظاهرة الكبيرة ، ليلتفت الناس إليها ، ليتعرفوا من خلال ذلك ~~على أسرارها ولينطلقوا فيها إلى معرفة الله سبحانه. PageV21P344 # ( @QUR@03 إنه لقرآن كريم ) هذا الكتاب الذي أنزله الله على رسوله ليبين ~~للناس حقائق العقيدة في توحيد الله وعظمته وفي رسالة رسوله ، وفي الإيمان ~~باليوم الآخر ، فهو الحقيقة المشرقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ~~ولا من خلفها ، ( @QUR@03 في كتاب مكنون ) مصون من التحريف ، أو مصون من ~~اطلاع غير الملائكة المقربين عليه ، إذا أريد بالكتاب اللوح المحفوظ ، ( ~~@QUR@04 لا يمسه إلا المطهرون ) من الأدناس أو من الذنوب. # وقد جاء في بعض الروايات ، أن الآية تشير إلى أن غير المتطهر من الحدث ~~الذي يستتبع الوضوء والغسل ، لا يجوز له مس كتابة القرآن ، فلا يجوز للجنب ~~والحائض والمحدث مس المصحف ، وجاء في الدر المنثور في ما روي ms4981 عن كتاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم : «ولا تمس القرآن إلا على طهور» (1). # وهناك قول بأن المراد بالمس ، المس التفسيري ، فلا يجوز لأحد تفسيره إلا ~~المطهرون الذين يملكون العصمة عن الخطأ. وقد جاء في بعض التفاسير أن الآية ~~جاءت ردا على ما قاله المشركون عن القرآن : إن الشياطين تنزلت به ، فكان ~~الرد أنه لا يقبل مس الشيطان له لأنه في علم الله وحفظه ، وقد تنزل به ~~الملائكة المطهرون ، وبذلك تكون الآية نافية لا ناهية. # ( @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ) فهو كلام الله الذي أنزله وحيا على ~~نبيه ليكون هدى للعالمين ، يأخذون به في عقيدتهم وفي حياتهم العملية على كل ~~صعيد ، فلا مجال للشك فيه ، كما يقول المشركون الذين قالوا إنه مفترى ، أو ~~إنه ( @QUR@08 أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) ~~[الفرقان : 5]. # ( @QUR@04 أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) أستعير الإدهان هنا للتهاون ، كمن ~~يدهن في الأمر ، أي يلين جانبه ولا يتصلب به ، والظاهر أن المراد به حالة ~~اللامبالاة أو التشكيك التي يمارسونها ضد القرآن أو اليوم الآخر ، فلا ~~يلقون إليه بالا ، ولا يواجهونه بالاهتمام الذي يوحي بالتفكير وبالحوار فيه ~~وفي مفاهيمه ، ( @QUR@01 وتجعلون PageV21P345 # @QUR@03 رزقكم أنكم تكذبون ) أي تعملون على أن يكون التكذيب هو الخير ~~الذي تتمثلونه في حياتكم في مواقفكم التي تقفونها ضد الرسول والرسالة ، ~~ليكون ذلك هو خطكم الذي تعتبرونه خيرا تلتزمونه في حياتكم كموقف طبيعي. # * * * # ( @QUR@05 فلو لا إذا بلغت الحلقوم ) # ( @QUR@05 فلو لا إذا بلغت الحلقوم ) كيف تواجهون هذا الموقف ، وماذا ~~أنتم فاعلون عند ما تصلى الروح إلى الحلقوم في حشرجات الصدور ، وفي انقباض ~~الملامح ، وفي حالة اليأس التي تتمثل في الفزع الذي يطل من عيونكم؟ ( ~~@QUR@03 وأنتم حينئذ تنظرون ) إلى هذا المحتضر وهو يسلم الروح ، ( @QUR@07 ~~ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) إنه الحضور الإلهي الذي يسيطر على ~~الكيان كله ، ويحيط بالإنسان من بين يديه ومن خلفه ، ويأخذ عليه كل حياته ، ~~فتنسل الروح من جسده بشكل خفي ، بقدرة الله التي لا يستطيع الجميع الوقوف ~~أمامها بالرغم من كل محاولاتهم ms4982 ، ولا ينتبهون إليها ولا يعرفون وقتها ، إنه ~~العجز الإنساني الذي يقف موقف التسليم المطلق أمام الله. # ( @QUR@06 فلو لا إن كنتم غير مدينين ) فلو كان الأمر كما تقولون في نفي ~~الحساب والجزاء ، أو في الغفلة عن قدرة الله عليكم وربوبيته لكم ، ( ~~@QUR@04 ترجعونها إن كنتم صادقين ) في ما قد تتحسسون في موقفكم المتمرد على ~~الله الذي توحون به إلى أنفسكم بالقدرة المطلقة انطلاقا من الغفلة المطبقة ~~على عقولكم ، فحاولوا إرجاع الروح إلى الجسد عند ما تبلغ الحلقوم ، ولكنكم ~~لا تملكون شيئا من ذلك لأنفسكم ولغيركم ، لأنكم خاضعون لله في وجودكم وفي ~~نهايتكم. # ( @QUR@05 فأما إن كان من المقربين ) فإذا خرجت الروح من البدن ، ووقف ~~هذا الإنسان أمام الله في موقف الحساب الأخير ، فإن كان من الذين عاشوا ~~القرب لله في حياتهم في ما اعتقدوه أو عملوا به ، فسيكون جزاؤه في مواقع ~~القرب من PageV21P346 # الله ، ( @QUR@04 فروح وريحان وجنة نعيم ) وهي الدرجة العليا التي يحس ~~فيها هؤلاء السابقون المقربون بالراحة اللذيذة الحلوة التي تلامس الروح حتى ~~تنفتح بها على كل مشاعر السعادة الفياضة بالهدوء والطمأنينة النفسية ، ~~والاسترخاء الروحي في نعمة الله ، واللذة الحسية التي تتمثل في الريحان ~~الذي يملأ الجو عطرا كأروع ما يكون ، والنعيم الذي يتمثل في الجنة التي ~~تشتمل على كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين. # * * * # ( @QUR@05 إن هذا لهو حق اليقين ) # ( @QUR@06 وأما إن كان من أصحاب اليمين ) وهم الفئة الأخرى التي تقف في ~~الدرجة الثانية من مواقع القرب من الله ، ( @QUR@05 فسلام لك من أصحاب ~~اليمين ) حيث يتلقاه إخوانه الذين سبقوه في خط الإيمان والتقوى ، ليوحي ~~السلام إليه بالبشرى والطمأنينة والنعيم الإلهي الذي يجعل حياته كلها خيرا ~~وسرورا وسلاما ، وما أحلى السلام في ذلك الموقف ، وما أندى التحية الموحية ~~بالطمأنينة في العمق النفسي للإنسان المؤمن ، بعد الوحشة الطويلة التي ~~عاشها في أجواء المحشر وما قبله. # ( @QUR@06 وأما إن كان من المكذبين الضالين ) وهم أصحاب الشمال الذين ~~كذبوا بالرسالة وعاشوا مع الأهواء وضلوا في متاهات الانحراف ، وابتعدوا عن ~~الله في أفكارهم وفي كل حياتهم العامة ms4983 والخاصة. ( @QUR@03 فنزل من حميم ) ~~فهو المنزل الذي ينزلون به ، ( @QUR@02 وتصلية جحيم ) حيث يتصاعد اللهب إلى ~~كل وجودهم هناك ليحرقهم من الداخل والخارج. # ( @QUR@05 إن هذا لهو حق اليقين ) الذي لا مجال فيه للشك لأنه يمثل عمق ~~الحق الذي يشرق في داخل النفس لتعيش اليقين الذي لا تهتز فيه القناعات ، ~~ولا تزحف إليه الاحتمالات. PageV21P347 # ( @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) الذي تتجلى عظمته في روحك وفي قلبك وفي ~~كل حياتك من خلال قدرته ورحمته ونعمته وعدله ولطفه ... # والحمد لله رب العالمين # * * * PageV21P348 ### | الفهرس # تفسير سورة الاحقاف [1 35] # في أجواء ~~السورة............................................................. 7 # اسم ~~السورة................................................................ 8 # الآيات [1 ~~7].................................................................. 9 # معاني ~~المفردات.............................................................. 9 # وما خلقنا السموات والإرض إلا ~~بالحق....................................... 10 # في صفات الآلهة ~~المزعومة................................................... 11 # سراية الشعور في ~~الجماد!................................................... 12 # من أساليب الكافرين في تشوية ~~الرسالة....................................... 13 # الآيات [8 ~~14].............................................................. 15 # معاني ~~المفردات............................................................ 16 # اتهام الرسول بالسحر ~~والافتراء............................................... 16 # عدم معرفة النبي ~~بالغيب.................................................... 17 # تواصل ~~الوحي............................................................. 18 # التوحيد والاستقامة سبيل الأمن في ~~الآخرة..................................... 20 # الآيتان [15 ~~16]............................................................. 22 # معاني ~~المفردات............................................................ 22 # توصية الإنسان ~~بوالديه..................................................... 23 # أولئك نتقبل منهم ~~أعمالهم................................................. 25 # الآيات [17 ~~19]............................................................. 26 # معاني ~~المفردات............................................................ 26 # والذي قال لوالديه أف ~~لكما............................................... 27 PageV21P349 # أولئك حق عليهم القول ولكل درجات....................................... 28 # الآية ~~[20].................................................................... 29 # معاني ~~المفردات............................................................ 29 # عرض الذين كفروا علي ~~النار................................................ 29 # النار مأوي العابثين ~~المستكبرين.............................................. 30 # الآيات [21 ~~28]............................................................. 32 # معاني ~~المفردات............................................................ 33 # العذاب ينزل علي قوم ~~هود................................................. 33 # عبرة لكفار ~~مكة.......................................................... 35 # الآيات [29 ~~35]............................................................. 37 # معاني ~~المفردات............................................................ 38 # مناسبة ~~النزول............................................................. 38 # الجن يستمعون القرآن ويتحولون إلي ~~دعاة..................................... 39 # أجيبوا داعي ~~الله.......................................................... 40 # لا يهلك إلا القوم ~~الفاسقون................................................ 41 # [تفسير سورة محمد [1 38] # في أجواء ~~السورة........................................................... 45 # الآيات [1 ~~6]................................................................ 47 # معاني ~~المفردات............................................................ 47 # ضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال ~~المؤمنين.................................. 48 # سر إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال ~~المؤمنين.............................. 49 # ضرب رقاب الذين ~~كفروا................................................... 50 # تشريع الأسر بين سورتي محمد ~~والأنفال....................................... 51 # لو شاء الله لأنتم ~~منهم..................................................... 53 # الآيات [7 ~~13].............................................................. 55 # معاني ~~المفردات............................................................ 55 # إن تنصروا الله ~~ينصركم..................................................... 56 PageV21P350 # الله مولي المؤمنين والكافرون لا ms4984 مولي ~~لهم...................................... 57 # الآيتان [14 ~~15]............................................................. 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 59 # أفمن كان علي بينة من ربه كمن زين له سوء ~~عمله!؟.......................... 60 # صفة مأوي ~~المتقين......................................................... 60 # الآيات [16 ~~19]............................................................. 62 # معاني ~~المفردات............................................................ 62 # المنافقون علي ~~المحك........................................................ 63 # المنافقون وموقفهم من النبي صلى الله عليه وآله ~~............................................ 64 # المهتدون يزيدهم الله هدي ~~وتقوي........................................... 65 # المنافقون يواجهون أشراط ~~الساعة............................................ 66 # لا إله إلا الله غافر ~~الذنب................................................. 67 # الآيات [20 ~~24]............................................................. 68 # معاني ~~المفردات............................................................ 68 # تثاقل مرضي القلوب في مواجهة أمر ~~القتال.................................... 69 # الآيات [25 ~~32]............................................................. 73 # معاني ~~المفردات............................................................ 68 # الشيطان يسول ~~للمنافقين.................................................. 74 # المنافقون وكرههم رضوان ~~الله................................................ 75 # بين البلاء واختبار ~~المؤمنين.................................................. 76 # الآيات [33 ~~38]............................................................. 77 # معاني ~~المفردات............................................................ 77 # لا تبطلوا ~~أعمالكم......................................................... 78 # فلا تهنوا وتدعوا إلي ~~السلم.................................................. 80 # الحياة الدنيا لعب ~~ولهو...................................................... 82 # العطاء ~~عبادة.............................................................. 83 PageV21P351 # تفسير سورة الفتح [1 29] # في أجواء ~~السورة........................................................... 87 # صلح الحديبية: الصلح ~~الفاتح............................................... 88 # الآيات [1 ~~7]................................................................ 95 # معاني ~~المفردات............................................................ 95 # إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا.................................................... 96 # علاقة الفتح بغفران ~~الذنب................................................. 96 # أنزال السكينة في قلوب ~~المؤمنين............................................ 100 # الآيتان [8 ~~9].............................................................. 102 # معاني ~~المفردات.......................................................... 102 # دور النبي في حياة ~~الأمة................................................... 102 # الآية ~~[10].................................................................. 104 # معاني ~~المفردات.......................................................... 104 # بيعة الرسول بيعة ~~لله..................................................... 104 # يد الله فوق ~~أيديهم...................................................... 106 # الآيات [11 ~~14]........................................................... 107 # معاني ~~المفردات.......................................................... 107 # الأعراب يبرون تخلفهم عن ~~الفتح........................................... 108 # الرسول يرد أعذار ~~المنافقين................................................ 109 # السعير جزاء ~~الكافرين.................................................... 110 # الآيتان [15 ~~16]........................................................... 112 # معاني ~~المفردات.......................................................... 112 # منطق الطمع في كلام ~~المخلفين............................................. 113 # إن تطيعوا الله يؤتكم أجرا ~~حسنا........................................... 114 # الآية ~~[17].................................................................. 115 # معاني ~~المفردات.......................................................... 115 # رفع الحرج عن الأعمي والأعرج ~~والمريض..................................... 115 # الآيات 18 ~~24]............................................................ 117 PageV21P352 # بيعة الشجرة ورضي ~~الله................................................... 117 # وعد الله ~~يتحقق......................................................... 118 # نصر المؤمنين سنة الله ~~تعالى............................................... 119 # الآيتان [25 ~~26]........................................................... 121 # معاني ~~المفردات.......................................................... 121 # صد المسلمين عن المسجد ~~الحرام........................................... 122 # الآيتان [27 ~~28]........................................................... 124 # رؤيا النبي صلى الله عليه وآله ~~تتحقق................................................... 124 # رسالة ~~الهدي............................................................ 125 # الآية ~~[29].................................................................. 126 # معاني ~~المفردات.......................................................... 126 # صفات الرسول وأتباعه................................................... 127 # بين دور القيادة ودور ~~القاعدة............................................. 127 # أصحاب الرسول أشداء رحماء............................................. 128 # الراكعون ms4985 الساجدون..................................................... 129 # مثلهم في التوراة ~~والإنجيل.................................................. 129 # تفسير سورة الحجرات [1 18] # أجواء، السورة ~~وتسميتها.................................................... 13 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 135 # معاني ~~المفردات.......................................................... 135 # آداب التعامل مع النبي صلى الله عليه وآله ~~............................................. 136 # احترام الرسول صلى الله عليه وآله من ~~التقوي............................................ 137 # عدم توقير النبي صلى الله عليه وآله علامة علي ~~اللاعقل.................................. 137 # الآية ~~[6].................................................................... 139 # معاني ~~المفردات.......................................................... 139 # مناسبة ~~النزول........................................................... 139 # وجوب تبين خبر الفاسق.................................................. 140 PageV21P353 # الآيتان [7 ~~8].............................................................. 142 # معاني ~~المفردات.......................................................... 142 # لو يطيعكم رسول الله في كثير من الأمر ~~لعنتم............................... 142 # الآيتان [9 ~~10]............................................................. 144 # معاني ~~المفردات.......................................................... 144 # واجب الإصلاح بين ~~المؤمنين.............................................. 144 # إنما المؤمنون ~~إخوة........................................................ 146 # الآية ~~[11].................................................................. 148 # معاني ~~المفردات.......................................................... 148 # لا يسخر قوم من قوم.................................................... 148 # لا تلمزوا ولا ~~تنابزوا...................................................... 150 # الآية ~~[12].................................................................. 151 # معاني ~~المفردات.......................................................... 151 # اجتناب الظن........................................................... 151 # حرمة التجسس.......................................................... 153 # حرمة ~~الغيبة............................................................. 154 # مستثنيات حرمة ~~الغيبة.................................................... 156 # من هم الذين تحرم ~~غيبتهم!............................................... 157 # الآية ~~[13].................................................................. 159 # وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا............................................ 159 # هل الإسلام يلغي الخصوصيات الإنسانية!.................................. 161 # الآيات [14 ~~18]........................................................... 163 # معاني ~~المفردات.......................................................... 163 # الفرق بين الإيمان ~~والإسلام................................................ 164 # صفات صادقي الإيمان................................................... 166 # المنافقون يمنون علي الرسول ~~بالإسلام....................................... 167 PageV21P354 # تفسير سورة ق [1 45] # في أجواء ~~السورة......................................................... 171 # الآيات [1 ~~14]............................................................. 173 # معاني ~~المفردات.......................................................... 173 # إثباتات البعث وتكذيب الناس ~~له.......................................... 174 # السماء والإرض وإمكانية ~~البعث........................................... 175 # الآيات [15 ~~22]........................................................... 177 # معاني ~~المفردات.......................................................... 177 # الله أقرب إلي الإنسان من حبل ~~الوريد...................................... 178 # الملكان الحافظان لأعمال ~~الإنسان.......................................... 179 # يوم ~~الوعيد.............................................................. 180 # الآيات [23 ~~35]........................................................... 182 # معاني ~~المفردات.......................................................... 182 # حوار الإنسان مع قرينه يوم ~~القيامة......................................... 183 # المصير النهائي في جهنم أو في ~~الجنة........................................ 185 # الآيات [36 ~~45]........................................................... 186 # معاني ~~المفردات.......................................................... 186 # كم أهلكنا قبلهم من ~~قرن................................................. 187 # اصبر علي ما ~~يقولون..................................................... 188 # تشقق الإرض يوم ~~القيامة................................................. 189 # تفسير سورة الذاريات [1 60] # في أجواء ~~السورة......................................................... 193 # الآيات [1 ~~14]............................................................. 195 # معاني ~~المفردات.......................................................... 195 # والذاريات ~~ذروا.......................................................... 196 # قتل ~~الخراصون........................................................... 198 # الآيات [15 ~~19]........................................................... 200 PageV21P355 # معاني ~~المفردات.......................................................... 200 # المتقون في جنات ~~وعيون.................................................. 200 # المتقون طلقوا هجوع ~~الليل................................................. 201 # في أموال المتقين حق للسائل ~~والمحروم........................................ ms4986 202 # الآيات [20 ~~23]........................................................... 203 # في الإرض والأنفس آيات ~~للموقنين......................................... 203 # الرزق في ~~السماء......................................................... 205 # الآيات [24 ~~30]........................................................... 207 # معاني ~~المفردات.......................................................... 207 # حديث ضيف إبراهيم.................................................... 208 # الآيات [31 ~~37]........................................................... 210 # معاني ~~المفردات.......................................................... 210 # إهلاك قوم لوط......................................................... 211 # الآيات [38 ~~46]........................................................... 212 # معاني ~~المفردات.......................................................... 212 # آيات الله في قوم موسي عليه السلام ~~............................................. 213 # وفي عاد وثمود ~~ونوح...................................................... 214 # الآيات [47 ~~51]........................................................... 216 # معاني ~~المفردات.......................................................... 216 # جولة في آيات الله في ~~الكون.............................................. 216 # قانون الزوجية في ~~الكون.................................................. 218 # الآيات [52 ~~55]........................................................... 220 # معاني ~~المفردات.......................................................... 220 # سنة تكذيب الرسل وصمود المرسلين....................................... 220 # من وحي الآيات......................................................... 222 # الآيات [56 ~~60]........................................................... 223 # معاني ~~المفردات.......................................................... 223 # وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون....................................... 224 PageV21P356 # مفهوم العبادة في ~~القرآن................................................... 225 # غني الله عن ~~عباده....................................................... 226 # ويل للذين ظلموا ~~وكفروا.................................................. 227 # تفسير سورة الطور [1 49] # في أجواء ~~السورة......................................................... 231 # الآيات [1 ~~16]............................................................. 232 # معاني ~~المفردات.......................................................... 232 # إن عذاب الله ~~لواقع...................................................... 233 # الآيات [17 ~~28]........................................................... 236 # معاني ~~المفردات.......................................................... 236 # صور من حياة أهل ~~الجنة.................................................. 237 # الذرية الصالحة تلحق بآبائها ~~الصالحين...................................... 238 # أفضال الله ونعمه علي أصحاب الجنة...................................... 239 # إنا كنا في أهلنا مشفقين .. فمن الله ~~علينا................................... 240 # الآيات [29 ~~44]........................................................... 241 # معاني ~~المفردات.......................................................... 242 # علام يستند المشركون بالله .. وماذا ~~ينتظرون!؟.............................. 242 # أين قدرتكم لتتحدوا رب ~~العالمين!؟......................................... 244 # الآيات [45 ~~49]........................................................... 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # يوم يصعق الكافرون..................................................... 247 # تفسير سورة النجم [1 62] # في أجواء ~~السورة......................................................... 251 # الآيات [1 ~~18]............................................................. 252 # معاني ~~المفردات.......................................................... 252 # القرآن وحي لا هوي..................................................... 253 # الرسول يعاين الوحي ~~حسيا................................................ 254 PageV21P357 # آيات الله تزيد الرسول صلى الله عليه وآله ~~يقينا.......................................... 255 # الآيات [19 ~~30]........................................................... 257 # معاني ~~المفردات.......................................................... 257 # ظنون ~~المشركين.......................................................... 258 # الشفاعة لمن يشاء الله ~~ويرضي............................................. 259 # الإعراض عن المتولين عن ذكر ~~الله......................................... 260 # الآيتان [31 ~~32]........................................................... 261 # معاني ~~المفردات.......................................................... 261 # الله أعلم بمن ~~اتقي....................................................... 262 # الآيات [33 ~~41]........................................................... 263 # معاني ~~المفردات.......................................................... 263 # مناسبة ~~النزول........................................................... 264 # لا تزر وازرة وزر ~~أخري.................................................... 265 # حصول الإنسان علي ثواب ما لم يقم به بعد ~~مماته؟........................... 265 # الآيات [42 ~~62]........................................................... 267 # معاني ~~المفردات.......................................................... 267 # من مظاهر قدرة الله ms4987 في ~~خلقه.............................................. 268 # السجود حقيقة عبادية عملية............................................. 269 # تفسير سورة القمر[1 55] # في أجواء ~~السورة......................................................... 273 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 274 # معاني ~~المفردات.......................................................... 274 # المشركون يعرضون عن آيات ~~الله........................................... 275 # كيف نفهم انشقاق القمر من الآية!....................................... 275 # علامات استفهام حول معجزة انشقاق القم................................. 279 # مصير الذين يتبعون ~~أهواءهم.............................................. 280 # الآيات [9 ~~17]............................................................. 282 PageV21P358 # معاني ~~المفردات.......................................................... 282 # مع نوح وقومه في خط الذكري............................................ 283 # الله يجيب رسوله وينتصر ~~له............................................... 284 # الآيات [18 ~~32]........................................................... 285 # معاني ~~المفردات.......................................................... 285 # عاد في خط الذكري ~~والعبرة............................................... 286 # وثمود في خط الذكري ~~والعبرة.............................................. 287 # الآيات [33 ~~42]........................................................... 290 # معاني ~~المفردات.......................................................... 290 # لوط وقومه وآل فرعون في خط الذكري ~~والعبرة............................... 291 # الآيات [43 ~~55]........................................................... 293 # معاني ~~المفردات.......................................................... 293 # أكفاركم خير من أولئكم................................................. 294 # إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر................................................. 295 # وما أمرنا إلا ~~واحدة...................................................... 296 # مصير ~~المتقين............................................................ 296 # تفسير سورة الرحمن [1 78] # في أجواء ~~السورة......................................................... 301 # الآيات [1 ~~13]............................................................. 302 # معاني ~~المفردات.......................................................... 302 # خلق الرحمن الإنسان وتعليمه ~~البيان........................................ 303 # الشمس والقمر من مظاهر الرحمة في الكون................................. 304 # السماء رفعها ووضع ~~الميزان................................................ 305 # والأرض وضعها ~~للأنام.................................................... 307 # الآيات [14 ~~30]........................................................... 308 # معاني ~~المفردات.......................................................... 308 # بين خلق الإنسان من صلصال وخلق الجان من نار........................... 309 PageV21P359 # مرج البحرين ~~يلتقيان..................................................... 310 # وله الجوار المنشآت في ~~البحر.............................................. 312 # كل من عليها فان....................................................... 312 # الآيات [31 ~~78]........................................................... 314 # معاني ~~المفردات.......................................................... 315 # مواجهة الجن والإنس لمسؤولية ~~أعمالهم...................................... 316 # الإحسان الإلهي تفضل أم استحقاق!...................................... 320 # تفاوت الدرجات في ~~الجنة................................................. 320 # تفسير سورة الواقعة [1 96] # في أجواء ~~السورة......................................................... 325 # الآيات [1 ~~26]............................................................. 326 # معاني ~~المفردات.......................................................... 326 # إذا وقعت ~~الواقعة........................................................ 327 # أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة......................................... 328 # الآيات [27 ~~56]........................................................... 332 # معاني ~~المفردات.......................................................... 333 # بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال..................................... 333 # الآيات [57 ~~74]........................................................... 336 # معاني ~~المفردات.......................................................... 336 # جولة مع نعم الله علي ~~الإنسان............................................ 337 # قدرة الله في خلق ~~النطفة.................................................. 338 # أفرأيتم ما تحرثون من ~~زرعه!............................................... 339 # والماء ألذي تشربون من ~~أنزله!............................................. 340 # والنار التي تورون من أنشأ ~~شجرتها!........................................ 341 # الآيات [75 ~~96]........................................................... 342 # معاني ~~المفردات.......................................................... 342 # مواقع النجوم، ما ~~هي!................................................... 343 # فلو لا ms4988 إذا بلغت ~~الحلقوم.................................................. 346 # إن هذا لهو حق ~~اليقين.................................................... 347 PageV21P360 ![](https://books.rafed.net/Books/3287_tafsir-men-wahi-alquran-22/images/image001.gif) PageV22P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3287_tafsir-men-wahi-alquran-22/images/image002.gif) PageV22P003 ### | سورة الحديد ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها تسعه وعشرون PageV22P005 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من السور المدنية ، كما هو المعروف بين المفسرين ، وكما هو ~~الظاهر من آياتها التي يتحرك فيها التأكيد على الإيمان الفكري الذي يختزن ~~في داخل الشخصية الإسلامية الإحساس بعظمة الله في آفاق الإبداع الكوني ~~المنطلق من قدرته وتدبيره ، الخاضع له كل شيء ، لينطلق من خلال هذا ~~الامتلاء الروحي بالله إلى التحرك في خط الانقياد العملي إليه ، في حركة ~~الإرادة الإلهية في احتواء الإرادة البشرية الإيمانية ، في عملية التصور ~~النقي للعناوين الكبرى في أوامر الله ونواهيه ، والممارسة الدقيقة المنضبطة ~~، ليكون الإنسان المؤمن إنسان الله الخاضع له في ساحة العبودية في تحويل ~~الحياة إلى ساحة واسعة في طاعته. # ومن هنا ، كانت هذه السورة ، في فاتحتها ، حركة إيحائية في مسألة الإيمان ~~الذي يخترق القلب ليعيش في كل إحساساته الإخلاص لله ، ليسبحه في كل إمكانات ~~التعبير لديه ، ولينضم إلى كل ما في السماوات والأرض في حركة التسبيح ~~الكوني الذي تختلف تعابيره ، وتتنوع مظاهره ، ولكنها تتوحد في الحقيقة ~~الناطقة بوحدانية الله وعظمته ، ليتعمق الإيمان ، وليصفو ، وليتجرد من كل ~~الأثقال التي تمنعه من الانطلاق بعيدا في رحاب الله ، مما يفرض عليه ملاحقة ~~كل الأوضاع والمتغيرات التي تطرأ على الفكر لتغير بعض مفاهيمه ، PageV22P007 # وعلى الروح لتعكر بعض صفائها ، وعلى القلب لتشوه بعض أحاسيسه ، وعلى ~~الحياة لتدفع بها إلى متاهات الضلال. # وهكذا بدأ الحديث عن البذل كعنوان إيماني يوحي بالتضحية المالية في سبيل ~~الله ، من أجل المشاركة في تحقيق عناصر القوة للمجتمع المسلم الذي كان ~~يواجه التحديات التي تريد إبقاءه في مواقع ضعفه ، وأن تفرض عليه مواقع ضعف ~~جديدة من خلال الحروب التي أثارها المجتمع الكافر في ساحته ، لتشغله عن ~~حركة الدعوة في العمق والامتداد ولتسقطه في ساحة الصراع ، الأمر الذي يفرض ~~على المسلمين التعاون من أجل تأصيل القوة بكل مستلزماتها ، وتوجيهها نحو ~~الفتح على أكثر من صعيد. # وانطلق الحديث في أجوائها عن قيم الدنيا ، التي تستغرق في ms4989 مظاهرها ~~السطحية الزائلة ، وقيم الآخرة التي تحتضن الدنيا في دائرة الآخرة ، ~~لتتكامل السنة الإلهية التي أراد الله للإنسان أن يؤكدها في وجوده ، ~~لتتداخل الآخرة في الدنيا ، كما تطل الدنيا من خلال الأهداف الكبيرة على ~~الآخرة الدائمة التي توحي له بالخلود الكبير. # ويدور الحديث فيها عن المؤمنين في درجاتهم المتفاوتة ، وعن الجو الذي ~~يتحركون فيه في الآخرة في أجواء رحمة الله ، وعن المنافقين كيف عاشوا في ~~الدنيا ، وكيف واجهوا مواقع الذل في الآخرة ، بحيث كانوا يستجدون المؤمنين ~~ليمنحوهم شيئا من النور ليطردوا بعضا من الظلام الروحي الذي يسيطر على كل ~~واقعهم هناك. # ثم تطوف السورة بعض الشيء في أجواء اليهود والنصارى في بعض اللمسات ~~الإيجابية ، في النقاط السلبية والإيجابية في سلوكهم العام وفي روحيتهم ~~الذاتية ، وتوجه التفكير والإحساس بعد ذلك إلى القدر المحتوم الذي يتحرك ~~بقدرة الله في تنظيم الواقع الكوني والإنساني من خلال القوانين المودعة PageV22P008 # في داخله ، بحيث لا يمكن لأي شيء أن يحدث إلا بقدر مرتبط بالأسباب التي ~~تحقق جانب الحتمية في حركة الحياة ، مما يفرض على الإنسان أن لا يبطره ~~الفرح في ما يحصل عليه ، وأن لا يسقطه الحزن في ما لا يحصل عليه ، وأن ~~ينطلق إلى الحياة بروح منفتحة على الله في نطاق ولايته الكونية ، ليتوكل ~~عليه في كل أموره ، ليحصل على الثقة العميقة بأن الحياة لا تحمل إليه أي ~~سقوط في الموقع ما دام يتطلع من خلالها إلى الله ، وما دام ينطلق من حبه له ~~، ليحب كل خلقه ، وليؤكد مصداقيته في القيم التي يحبها. # * * * ### ||| ** سبب التسمية # وقد جاءت تسمية السورة بالحديد ، انطلاقا من الآية الكريمة التي تشير إلى ~~الحديد ، وذلك قوله : ( @QUR@07 وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~) ليوجه الناس إلى التفكير في هذا المعدن الذي يختزن في داخل إمكاناته ~~الكثير مما يحقق للإنسانية القوة والمنافع الكبيرة التي يكتشفها الإنسان من ~~خلال بحثه الدقيق فيها ، ليرتفع مستواه من خلالها في جميع المجالات. # * * * PageV22P009 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ms4990 (1) @QUR@011 ~~له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) @QUR@09 هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) @QUR@036 هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله ~~بما تعملون بصير (4) @QUR@08 له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور ~~(5) @QUR@012 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات ~~الصدور ) (6) # * * * ### ||| ** كل شيء يسبح لله # ( @QUR@06 سبح لله ما في السماوات والأرض ) في ما يوحي به التسبيح من ~~إعلان المخلوقات الكونية المتنوعة في طبائعها وخصوصياتها وأشكالها ، عن ~~تفاعلها بعظمة الله ، وبما أودع في تكوينها من عناصر التعبير الذي قد ينطلق ~~بالصوت ، PageV22P010 # وبالإشارة ، وبالإيمان ، وبالإيحاء ، وبغير ذلك مما لا يدركه الإنسان ~~الذي يتحرك في المعرفة بشكل محدود في نطاق تجربته الخاصة التي لا تمتد إلى ~~أبعد مما تدركه الحواس ، ويستنتجه العقل ، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم ~~في قوله تعالى ( @QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ... ) [الإسراء : 44]. # ولعل هذا التأكيد الدائم على التسبيح الكوني لكل مخلوقات الله في السماء ~~والأرض ، يمثل الأسلوب التربوي للعقيدة الإسلامية بالله ، في ما يريد ~~للإنسان أن يتمثله في حياته الخاصة ، وفي وعيه لحركة الوجود كله ، وعظمة ~~الله في ما حوله ، وفيمن حوله ، فيجد الله في كل شيء. # ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) فهو المنيع الذي لا يمكن أن يخترق ساحته ~~أحد في أي موقع من مواقع الصراع والغلبة ، وهو الذي يتحرك فعله في إتقان كل ~~شيء في خلقه وفي تدبيره ، الأمر الذي يجعل الإنسان يحس بالطمأنينة والثقة ~~بأنه في حركة الكون من حوله تحت رعاية إله قوي قادر لا يغلب ، حكيم لا يخطئ ~~في تقديره وفي تدبيره. # ( @QUR@04 له ملك السماوات والأرض ) فهو الحاكم من موقع أنه المالك ~~المهيمن على الأمر كله ، ( @QUR@02 يحيي ويميت ) خالق الحياة في ما ركب ~~فيها من العناصر المتنوعة ، هو خالق الموت في ما يحركه في داخله ms4991 من أسباب ~~الموت ، ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) فلا حد لقدرته في كل مواقع خلقه ، ~~مما يجعل حاجاتهم منفتحة عليه في كل أمورهم ، لأنه الذي يملك القدرة كلها ~~في كل شيء ، فيشعرون بالقوة من خلال ارتباطهم بقوته ، وبالثقة من خلال ~~إحساسهم بعظمة القدرة وشموليتها في قدرته. # ( @QUR@03 هو الأول والآخر ) فإن كل الموجودات مخلوقة له ، فلا يسبقه شيء ~~منها في الوجود ، وكل الوجود خاضع له ، متحرك بتدبيره ، فلا يتصور بقاؤه من PageV22P011 # بعده ، في الفرضية المحالية للبعدية ، فلا بد من أن يكون هو الآخر بعد كل ~~شيء ، ( @QUR@01 والظاهر ) لأنه الذي يمنح الأشياء كل ما يمنحها الظهور ، ~~فكيف يمكن أن يكون هناك شيء أظهر منه ( @QUR@01 والباطن ) الذي يسيطر على ~~عمق الأشياء في كل عناصرها الداخلية الخفية ، وليس هناك ما ينفذ إلى مواقع ~~السر العظيم في ذاته وفي صفاته وأفعاله. # ( @QUR@04 وهو بكل شيء عليم ) فلا يخفى عليه شيء من خلقه مهما كان دقيقا ~~أو خفيا ، لأنه هو الذي ركب في كل شيء سره ، وأعطى كل موجود خلقه ، وبث في ~~كل مواقع الوجود خفايا عناصرها ، فكيف يجهل ما فيها من خفايا وأسرار؟! # * * * ### ||| ** الله المطلق في كل شيء # وإذا كانت الكلمات القرآنية تتحدث عن صفات الله في أوليته وآخريته وظهوره ~~وبطونه ، فإن الحديث لا ينطلق من مواقع الزمان والمكان ، ولا من حدود ~~الأشياء التي تجعل للأول حدا وللآخر حدا ، وللظهور والبطون مواقع في طبيعة ~~الأشياء ، فإن الله هو المطلق في كل شيء يتصف به ، بينما تعيش المخلوقات ~~الأخرى ، من حية ونامية وجامدة ، حدودها الخاضعة للفواصل في حدود الزمان ~~والمكان. # * * * PageV22P012 ### ||| ** الله مدبر الخلق # ( @QUR@08 هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) وقد تقدم الحديث ~~عنها في الآيات المماثلة لها ، ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) في تعبير ~~كنائي عن التدبير الإلهي الذي يمثل السيطرة المطلقة التي تشرف على الوجود ~~كله ، في ما يمثله الاستواء على العرش الذي هو رمز السلطة ، من هيمنة ~~وإشراف فعلي من موقع السلطة على إدارة الحكم في مواقعه. # ( @QUR@08 يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج ms4992 منها ) لأنه هو الذي يخلق ويدبر ~~الأشياء التي تدخل في أعماق الأرض من مصادر النعم ، كالماء الذي ينزل من ~~السماء ، والبذور التي تكمن في الأرض ، ومن الموجودات الحية وغيرها ، كما ~~يخلق الأشياء التي تخرج منها ، كأنواع النبات والحيوان والماء ، ( @QUR@04 ~~وما ينزل من السماء ) من الأمطار والأشعة والملائكة ( @QUR@03 وما يعرج ~~فيها ) من مخلوقاته أو من القضايا التي لا تعلم طبيعتها. # ( @QUR@05 وهو معكم أين ما كنتم ) لأنه محيط بكل وجودكم ، فلا تغيبون عنه ~~مقدار لحظة ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) فلا يخفى عليه شيء من دقائق ~~أعمالكم وأسرارها وخفاياها ، الأمر الذي يفرض عليكم الاستغراق في إيحاءات ~~ذلك ، في ما يثيره في داخلكم من المشاعر التي تفتح العقل والحس والوجدان ~~على الرقابة الداخلية التي ترصد كل شيء في القول والفعل ، ليكون ذلك كله في ~~مواقع رضا الله في ساحات أوامره ونواهيه ( @QUR@04 له ملك السماوات والأرض ~~) فليس لأية قوة أخرى علاقة بالخلق في دائرة المبدأ ، فلا يكون لها أي دخل ~~في دائرة المعاد ( @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور )، فهو الذي يفصل بين ~~عباده ، وهو الذي يحدد لهم مصيرهم ، فليس لأحد أن يتوجه إلى غيره أو يراقبه ~~، أو يتطلب رضاه بعيدا عن رضا الله ، لأن الله هو وحده الذي يرجع الأمر كله إليه. PageV22P013 # ( @QUR@08 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) في ما يعبر عنه ~~اختلاف الليل والنهار من تداخل المسافات الزمنية ، عند ما يطول الليل فيمتد ~~إلى الساعات التي كانت نهارا في هذا الفصل ، أو يطول النهار فيمتد إلى ~~الساعات التي كانت ليلا في ذلك الفصل ، من خلال التدبير الكوني المتقن ~~المبدع ، ( @QUR@04 وهو عليم بذات الصدور ) في ما يخفيه الناس من أفكارهم ~~وأسرارهم التي تختفي في صدورهم التي تحتوي قلوبهم في تعبير كنائي عن ~~المنطقة السرية الخفية في داخل الذات وعن إحاطة الله بعمق الإنسان في داخل ~~كيانه ، كما هي إحاطته في خارجه. # * * * PageV22P014 ### ||| * الآيات # ( @QUR@015 آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) @QUR@015 وما لكم لا تؤمنون بالله ~~والرسول يدعوكم ms4993 لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) @QUR@017 ~~هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله ~~بكم لرؤف رحيم (9) @QUR@037 وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ~~السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون ~~خبير (10) @QUR@012 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ~~كريم ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مستخلفين ): استخلاف الإنسان جعله خليفة. # ( @QUR@01 يستوي ): الاستواء بمعنى التساوي. # * * * PageV22P015 ### ||| ** الإيمان بالله والإنفاق في سبيله # ( @QUR@03 آمنوا بالله ورسوله ) فإن الإيمان العميق المرتكز على أساس ~~الفكر الهادىء والوجدان المنفتح ، يفتح للإنسان الكثير من الآفاق الرحبة في ~~وعي الحركة الجادة في حياته ، ويبصره الكثير من الأوضاع الغامضة التي يمكن ~~للإيمان في مفرداته العقيدية أن يمنحها شيئا من الوضوح ، ويعرفه طبيعة ~~الدنيا ومواقع الأمان فيها في مواجهة مواقع الخوف ، ويربطه بالآخرة في ~~اعتبارها هدفا متحرك في كل ما يقوم به الإنسان من أعمال ، وما يصدر عنه من ~~أقوال ، وما يتخذه من مواقف ، وما يديره من علاقات ، لأن الإيمان هو عمق ~~الفكرة والإحساس والحركة والخط والهدف لدى الإنسان المؤمن في كل وجوده ، ~~ومن هنا كان هو العنوان لكل قضاياه وأوضاعه ، لأنه ليس كلمة تقال ، بل هو ~~الكيان كله في معناه الشامل للإنسان. # ( @QUR@05 وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) فليس المال الذي تملكونه ~~فيما بين أيديكم من النوع الثابت والمتحرك ، مما تملكون فيه حرية التحريك ~~من ناحية ذاتية على أساس أنه شأنكم الذاتي الذي لا يحمل أيه مسئولية في ~~حسابات العطاء الإنساني ، بل هو ملك الله الذي يملك منكم ما لا تملكونه من ~~أنفسكم ، فهو من موقع خلقه للوجود كله ، يملككم ويملك ما تملكون ، وقد حدد ~~لكم الوظيفة في تصرفكم فيه ، فحلل بعض الأشياء وحرم بعضها ، وأراد لكم أن ~~تنفقوا منه على كثير من موارد الإنفاق في سبيله ، في ما يحتاجه المحرومون ~~بجميع فئاتهم ، ويحتاجه الجهاد بجميع مواقعه ، وتحتاجه الحياة العامة ms4994 بكل ~~جوانبها ، وذلك من صفة خلافتكم على المال ، ووكالتكم بالتصرف فيه ضمن ~~الحدود التي حددها لكم ، مما يجعل من الملكية وظيفة شرعية ، لا حالة ذاتية ~~مطلقة في ما يملكه الإنسان من امتيازات. وإذا كانت المسألة في هذا النطاق PageV22P016 # الشرعي ، فليس لكم حرية الامتناع عن الإنفاق في ما يريده الله لكم من ~~موارده ، لأن ذلك يعني خيانة الوكيل للموكل في ما حدده له من الحرية في ~~التصرف بماله. فكيف إذا كان الله هو الموكل ، وكان الإنسان الذي هو عبد ~~الله ، هو الوكيل؟ # ( @QUR@07 فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) لأن الله قد جعل لهم ~~الثواب العظيم على التحرر من سيطرة النزعة المادية على عقولهم ومشاعرهم ~~وأوضاعهم ، وعلى الانفتاح على الله في خط الإيمان من أجل أن يطيعوه في ما ~~أمرهم به أو نهاهم عنه ، بالرغم من تسويلات الشيطان وتهويلاته ، في ما ~~ينذرهم بالفقر ويخوفهم بالهلاك ، مما يجعل من الإنفاق حركة إيمان ، وليس ~~حالة في الذات ، فيكون طاعة الله وتمردا على خطوات الشيطان الفكرية ~~والعملية. # ( @QUR@09 وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ) قد ~~نلاحظ أن الخطاب للمؤمنين الذين آمنوا بالله والرسول ، فكيف كان الرسول ~~يدعوهم للإيمان بربهم؟ وربما يجاب عن ذلك أن المقصود بالإيمان بربهم هو ~~الإيمان العملي الذي يتحول إلى حالة وجدانية شعورية ، تتمثل في الانسجام مع ~~أوامره ونواهيه ، وفي الرغبة في الحصول على رضاه ، من خلال الإحساس ~~الوجداني بحضوره المهيمن على الكيان كله وعلى الوجود كله ، لأن الإيمان ~~الذي لا يصدقه العمل ، قد يكون مجرد صورة في الفكر ، وفيما هي المعادلة ~~العقلية الباردة التي لا تحمل في داخلها أية حرارة في حركة الوجدان والشعور ~~، مما قد يجعل اليقين أشبه شيء بالشك ، كما جاء في حديث الإمام الصادق (ع) ~~عن الموت : «ما خلق الله عز وجل يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من ~~الموت» (1)، والله العالم. # * * * PageV22P017 ### ||| ** الإيمان عهد بين الله وبين عباده # ( @QUR@06 وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ) فإن الإيمان بالله عهد بين ~~الله وبين عباده ms4995 ، لأن الالتزام بالتوحيد في قاعدته الفكرية يفرض الالتزام ~~بالحركة في خطه والاستقامة على دربه ، في قاعدته العملية في السير على هدى ~~الشريعة في أحكامها ومنهج العقيدة في وسائلها وأهدافها. وعلى ضوء ذلك ، قد ~~يحتاج الإنسان المؤمن إلى وعي المسألة في معنى الميثاق الإيماني ، ليمنعه ~~ذلك من إعطاء أي ميثاق لأي إنسان أو جهة ، في أي التزام بعيد عن التزام ~~الإيمان الفكري ، لأن ذلك يعني الخيانة للميثاق والنقض للعهد ، لأن القضية ~~ليست من القضايا الجزئية التي تتجمد في زاوية معينة من زوايا الفكر أو ~~مواقع العمل ، بل هي من القضايا الكلية التي تستوعب الحياة كلها في معناها ~~الحركي في وجود الإنسان. # * * * ### ||| ** الله يخرج عباده من الظلمات إلى النور # ( @QUR@012 هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور ) فليس # القرآن مجرد كلمات وآيات تمنح الإنسان المفهوم الذي يختزنه العقل كنظرية ~~ترقد إلى جانب النظريات الكثيرة التجريدية ، بل هو نور يشرق في العقل ~~ليدفعه بعيدا عن ظلمات الفكر ، وشعاع ينفذ إلى الشعور ليبعده عن ظلمات ~~العاطفة المنحرفة ، وينطلق إلى الحياة ليتحول إلى شعلة تضيء للسائرين في ~~الظلمات دروبهم إلى الخط المستقيم. PageV22P018 # وهكذا يريد الله للقرآن أن يكون شمسا فكرية وروحية وشعورية في حياة ~~الإنسان المعنوية والحركية ، تماما كما هي الشمس التي تضيء للكون كهوفه ~~وزواياه ودروبه لتقتحم كل ظلام الليل. وبذلك ، فلا بد للعاملين في الحقل ~~التربوي من أن يحركوا القرآن بطريقة تجعل منه حالة إشراقية في عقل الإنسان ~~ووجدانه ، وروحه وشعوره ، وذلك من خلال الأساليب المليئة بالحيوية التي ~~تنفذ إلى الروح ، كما تتحرك في العقل وتطرد الكثير من الشبهات والأضاليل ~~التي تسيء إلى وضوح الرؤية الأشياء وتمنع الأجواء الضبابية التي تبعد ~~الإنسان عن وعي الرسالة والرسول ، ( @QUR@05 وإن الله بكم لرؤف رحيم ) ~~فتتحرك رأفته لتشرق في حياتكم روحا وحبا وحنانا ، كما تنطلق رحمته لتضيء ~~لكم دروب الحياة الطبية الحرة الكريمة الواعية السائرة في خط الاستقامة في ~~رحاب الله. # * * * ### ||| ** الحث على الإنفاق في سبيل الله # ( @QUR@07 وما لكم ألا تنفقوا في سبيل ms4996 الله ) وما الذي يمنعكم من ذلك ، ~~فهل تتصورون أنكم إذا بخلتم وامتنعتم عن الإنفاق فسيبقى المال لكم ، وهل ~~تبقون أنتم في خلود الحياة؟ لو فكرتم في الموضوع بطريقة واقعية فستعرفون ~~أنكم ستموتون ، وأن المال سيترككم أو تتركونه ، لأن الله وحده هو الباقي ~~وأنتم الزائلون ، ( @QUR@04 ولله ميراث السماوات والأرض ) فهو الذي يرث ~~الأرض ومن عليها ، كما يرث السماوات وما فيها ومن فيها ، ولذلك فلا بد من ~~تعميق الصلة بالله ، بالعمل بما يحبه ويرضاه ، وبالابتعاد عما يسخطه ~~ويرفضه. وإذا كان الإنفاق في سبيل الله سببا لرضاه ، فلما ذا يمتنع الناس ~~عنه ، وهو الذي يبقى لهم ذخرا عند الله عند ما يتركون الحياة ، أو تتركهم ~~الحياة. وإذا أراد الإنسان أن يختار الإنفاق ، انطلاقا من إيمانه ، ~~واقتناعا بنتائجه الأخروية ، فعليه أن يدرس طبيعة PageV22P019 # الظروف التي يختار فيها العطاء ، فهناك حالات يمثل فيها الواقع وضعا صعبا ~~في حاجة الإسلام والمسلمين إلى المال ، بحيث ترتبط به مسألة النصر في ~~مواجهة الأعداء ، من خلال الحاجة إلى السلاح والأمور التي تتصل بحاجات ~~المقاتلين في أنفسهم وأهليهم ، وهناك حالات لا تمثل أية مشكلة في ما هي ~~الضرورة الملحة إلى المال ، لأن المسلمين يعيشون في ظروف عادية أو ممتازة ، ~~بحيث لا يمثل الإنفاق حاجة عامة. ولذلك كان هناك فرق كبير بين الذين ~~يختارون الإنفاق في الحالات الصعبة ، وبين الذين يختارونه في الظروف ~~العادية. # * * * ### ||| ** الإنفاق في ساحات الجهاد # وكما هو الإنفاق المالي ، نلتقي بالتضحية في ساحات الجهاد ، فهناك الناس ~~الذين يجاهدون ويقاتلون في ظروف التحديات الكبيرة التي يواجه فيها المسلمون ~~الحصار ، ويعيشون فيها بعض حالات الضعف ويعملون على تحويلها إلى حالات قوة ~~، مما يجعلهم بحاجة إلى العناصر البشرية المجاهدة المقاتلة. وهناك الناس ~~الذين يتقدمون للقتال في الظروف العادية التي استطاع فيها المسلمون الوصول ~~إلى مراكز القوة من خلال الفتح الكبير الذي مهد لهم سبيل السيطرة على ~~الواقع كله ، وهذا ما جاءت به الفقرة التالية من الاية ( @QUR@018 لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ms4997 من بعد ~~وقاتلوا ) لأن هناك فرقا كبيرا بين الذين يجاهدون وينفقون في الظروف الصعبة ~~القاسية التي كان الإسلام فيها يعاني من قلة العدد والعدة ، في مواجهة ~~القوة الكافرة التي كانت تتميز بكثرة العدد والعدة ، وبين الذين يجاهدون ~~بعد الفتح PageV22P020 # الذي كانت القوة فيه للمسلمين وذلك بعد فتح الحديبية أو فتح مكة ، بحيث ~~لم تكن هناك مشكلة كبيرة في العدد والعتاد ، الأمر الذي يجعل الفئة الأولى ~~في المواقع المتقدمة في درجات القرب من الله ، لأن مسألة المعاناة في ~~مواقفهم والأثر الكبير الإيجابي في نصرتهم للإسلام في مواقعهم تحمل ميزة ~~كبيرة لا تقترب منها الفئة الأخيرة. # ( @QUR@04 وكلا وعد الله الحسنى ) لأن لكل فريق عمله الذي يجعله قريبا من ~~الله ، مع تفاوت الدرجة ، مما يجعل الثواب المتنوع وعد الله للجميع ، ( ~~@QUR@04 والله بما تعملون خبير ) لأنه يعلم عمق النية في القلب ، وصدق ~~الإحساس في الشعور ، وقوة الفكرة في العقل ، واستقامة الخط في الطريق ، ~~ويعرف خفايا ذلك كله في درجاته ومواقعه. # * * * ### ||| ** التجارة مع الله # ( @QUR@07 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) فيقدم للمواقع وللمواقف ~~وللأشخاص ، في الموارد التي يريد الله للناس أن يبذلوا فيها ما يملكون من ~~مال وجهد وقوة ، تقربا إليه ، وابتغاء فضله ، ( @QUR@02 فيضاعفه له ) فلا ~~يكون حجم الثواب بقدر حجم العمل ، بل يزيد عليه من دون أن يضع حدا معينا ~~للزيادة ، فيترك للعامل أن يطوف بروحه في آفاق رحمة الله لتكون سعة الأمل ~~عنده بقدر سعة رحمة الله ، وليستريح للنتائج الكريمة التي يوحي بها الله ( ~~@QUR@03 وله أجر كريم ) يرضاه لنفسه ، ويرضاه الله له. # ونلاحظ أن في التعبير بالقرض الحسن في ما يبذله الإنسان من جهد مالي أو ~~غير مالي ، إيحاء بأن الله الذي رزق الإنسان جهده في ما أولاه من PageV22P021 # نعمه ، يجعل ذلك عملا إنسانيا ذاتيا ينطلق من إرادة الإنسان واختياره ، ~~تماما كما لو كان الإنسان مستقلا به ، مالكا له ، فيعتبره الله قرضا له ، ~~بحيث يستحق به الأجر المماثل له أو المضاعف ، تماما كأي قرض ذاتي في ~~المعاملات الواقعة بين الناس ، في ما ms4998 يقرضه أحدهم للآخر ، وذلك من خلال ~~تكريم الله للإنسان وتفضله عليه ، ليجعله مستحقا لما لا يستحقه في ذاته ، ~~ليعيش إنسانيته في آفاق رحمة الله وفضله. # * * * PageV22P022 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ~~(12) @QUR@027 يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من ~~نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) @QUR@020 ينادونهم ألم نكن معكم قالوا ~~بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور (14) @QUR@015 فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بشراكم ): المراد بالبشرى ما يبشر به وهو الجنة. # ( @QUR@01 انظرونا ): النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار والإمهال ~~، وإذا تعدى ب «إلى» نحو : نظر إليه ، كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشيء ، ~~وإذا عدي ب «في» كان بمعنى التأمل. PageV22P023 # ( @QUR@01 نقتبس ): الاقتباس : أخذ قبس من النور. # ( @QUR@01 بسور ): سور : سور المدينة حائطها الحاجز بينها وبين الخارج منها. # * * * ### ||| ** المؤمنون والمنافقون في ساحة القيامة # الساحة هي ساحة القيامة ، والمؤمنون والمؤمنات يتجمعون في ما يشبه ~~المسيرة الإيمانية التي تستعرض إشراقة الإيمان في روحيتهم ، والمنافقون ~~والمنافقات يلتقون في ظلمة الروح التي تبحث عن بعض من النور هنا ، أو بعض ~~من النور هناك. فكيف يصور لنا القرآن هذا المشهد الفريد المميز في دلالاته ~~وفي نتائجه على مستوى المصير هناك؟ # * * * ### ||| ** حال المؤمنين يوم القيامة # ( @QUR@09 يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ) ~~فها هم ينطلقون في صورة رائعة تحمل الفيض من النور الذي يتفايض من ~~روحانيتهم المنطلقة من علاقتهم المخلصة بالله ، ومن تفكيرهم العميق الذي ~~يحمل كل وضوح الرؤية في إشراقة الحقيقة ، ومن حركة العمل الخالص المخلص ~~الممتد من الخط المستقيم في معنى الشريعة الإلهية ، فيسعى بين أيديهم ، كما ~~كانت الحياة تتحرك أمامهم في ما يمنحونها من الخير والحق والعدل ، بحيث ~~تشرق السعادة في مواقعهم ، كما العطاء ms4999 في ساحة الحرمان ، والقوة في مواقع ~~التحدي ، واللقاء أمام حالة الفراق ، لتتحول إلى نور يضيء ساحات القيامة ، ~~ويرتفع في آفاقها. PageV22P024 # وينطلق النداء من الله ، لهذه المجموعات النورانية التي عاشت في نور ~~الإيمان ، وتحركت في هداه ، وعاشت نتائجه الروحية المشرقة في الآخرة. ويأتي ~~النداء في انسياب الروح الفياضة بالخير والحب والعطاء ( @QUR@09 بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) فهذا هو الثواب الإلهي ~~المنطلق من رحمة القيامة إشراقا من خلال روحيتهم المنفتحة على محبة الله ، ~~فأعطاهم النعيم الخالد في جنته ليستريحوا من عناء الجهد الذي بذلوه في ما ~~جاهدوا به أنفسهم في مواجهة الانحراف ، وفي ما جاهدوا به الكفر والظلم ~~والاستكبار في مواجهة التحدي الكافر والظالم والمستكبر ، ولينعموا بالحياة ~~الجديدة في رعايته وعنايته من دون جهد أو تعب أو عذاب ( @QUR@04 ذلك هو ~~الفوز العظيم ) الذي يمثل النجاح الذي لا فشل بعده ، والخير الذي لا شر معه ~~، والفرح الذي لا حزن معه. # * * * ### ||| ** حال المنافقين يوم القيامة # ( @QUR@04 يوم يقول المنافقون والمنافقات ) الذين عاشوا في ظلمات النفاق ~~الذي أدخل الروح في عتمات القلق والحيرة والضياع ، عند ما أبعد هؤلاء الناس ~~عن خط الاستقامة التي تلتقي بالشروق القادم من خلال الإيمان بالله ، وبذلك ~~عاشوا الازدواجية بين ما هو الباطن الغارق في الكفر والبغي والانحراف وبين ~~ما هو الظاهر الذي قد ينطق بكلمات الإيمان والعدل والاستقامة ، مما يجعله ~~يختبئ في داخل نفسه تارة حتى يستغرق في ضلاله ، ويخشى من قلقه في ظاهر ~~حركته أخرى ، خوفا من أن يظهر عليه ما ينم عن واقعه ، الأمر الذي يقوده إلى ظلام PageV22P025 # الخوف في متاهات الضياع. # وهذا ما يجعل الظلمة القابعة في داخلهم تنتقل معهم إلى ساحة القيامة ، ~~فيتحركون في حالة عجيبة من التخبط والحيرة ، ولا سيما عند ما يرون المؤمنين ~~والمؤمنات في بحار النور التي يسبحون فيها فيقولون ( @QUR@02 للذين آمنوا ) ~~في عملية ذل واستجداء : ( @QUR@04 انظرونا نقتبس من نوركم ) أي أمهلونا حتى ~~نأخذ شيئا من هذا النور الذي يسعى بين أيديكم وبأيمانكم ، ليضيء لنا الظلمة ~~التي نتخبط فيها ، فنلحق ms5000 بكم ونكون معكم لنصل إلى الأجواء المشرقة التي ~~تصلون إليها. # ولكن المؤمنين والمؤمنات يتابعون سيرهم ، فلا يتوقفون أمام هذا الترجي ~~والاستعطاف ، لأن المسألة ليست مسألة حالة ذاتية يتحركون فيها من خلال ~~المشاعر الخاصة في رد الفعل تجاه حديث هؤلاء ، بل هي مسألة التعليمات ~~الإلهية في ما يفعلون ويتركون ، أو في ما يستجيبون له أو لا يستجيبون ، مع ~~ملاحظة أن مسألة النور في الآخرة ليست قضية شيء يملكه الإنسان ليملك حرية ~~التصرف فيه ليمنحه لهذا أو ذاك ، بل هي قضية عمق الروح في ذاته مما يجعله ~~مرتبطا بالذات من خلال خصوصياته الذاتية التي لا تنتقل إلى الآخرين. # ( @QUR@05 قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) من هو القائل؟ هل هم ~~الملائكة أو هم المؤمنون والمؤمنات ، أو هم أناس من أصحاب الأعراف؟ إن ~~الآية لا تدل على شيء من ذلك ، بل هي انطلقت في أسلوب تجهيل الفاعل ، لأن ~~المقصود هو إثارة الفكرة التي تضعهم وجها لوجه أمام الحقيقة الصارخة ، فليس ~~في الأمر نور يواجهونه ، بل لا بد لهم من أن يبحثوا وراءهم ليلتمسوا النور ~~هناك ، لو كان هناك شيء من النور. ولكن أين هي منطقة الوراء؟ هل هي الدنيا ~~التي تركوها ، والتي يستمدون منها النور من الإيمان والعمل الصالح ، وإذا ~~كانت الدنيا هي «الوراء» فكيف يرجعون إليها ولا مجال هناك لرجوع ، فيكون ~~التعبير PageV22P026 # واردا على سبيل الاستهزاء والتهكم ، أو هي المنطقة التي يمكن أن يوزع ~~فيها النور على الخلق ، فلعلهم يجدون فيها بعضا من النور الذي يبقى بعد ~~التوزيع الشامل على المؤمنين والمؤمنات؟ ولكنهم لن يجدوا شيئا من ذلك ، لأن ~~النور قد استنفد من الجو كله. # ( @QUR@05 فضرب بينهم بسور له باب ) يفصل بين هؤلاء وهؤلاء ، ( @QUR@03 ~~باطنه فيه الرحمة ) حيث يعيش المؤمنون في داخله ( @QUR@04 وظاهره من قبله ~~العذاب ) الذي يطل على المنافقين من خلال النار. # * * * ### ||| ** أهل النفاق ينادون المؤمنين # ( @QUR@01 ينادونهم ) في حوار أهل النفاق مع أهل الإيمان ( @QUR@03 ألم ~~نكن معكم ) في الدنيا ، في البيت الواحد ، أو المنطقة الواحدة ، فكيف ~~اختلفت حالنا عن حالكم ، ومصيرنا عن مصيركم؟ ms5001 ( @QUR@05 قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم ) وعشتم الفتنة التي سقطتم فيها ودفعتكم إلى الانحراف ، ( ~~@QUR@01 وتربصتم ) بالمؤمنين أو بالرسالة الدوائر ( @QUR@01 وارتبتم ) ~~فأخضعتم أفكاركم للريب وللشك الذي تعيشون فيه الاهتزاز الفكري والروحي من ~~دون أن تعملوا على التحرك من أجل أن تخرجوا من ظلمة الشك إلى نور اليقين. # ( @QUR@02 وغرتكم الأماني ) فعشتم الأحلام المرضية التي يخيل إليكم فيها ~~أنكم تملكون فيها زمام الأمور ، وتسيطرون فيها على قضية المصير ، ( @QUR@04 ~~حتى جاء أمر الله ) وهو الموت الذي تشعرون فيه بالحقائق البيضاء الواضحة ~~التي تعرفون فيها كيف تواجهون الموقف بجدية ومسئولية ( @QUR@03 وغركم بالله ~~الغرور ) وهو الشيطان الذي يقود الإنسان إلى الخديعة بمكره وخداعه ، فيخيل ~~إليه بأن الله PageV22P027 # سوف يغفر له ويعفو عنه ويدخله جنته ، مهما بلغت خطاياه وسيئاته. # وهكذا يقف هؤلاء الموقف الصعب الذي لا يوحي إليهم بأي أمل ضئيل ، ويصل ~~الأمر إلى النهاية حيث يقفون أمام حالة اليأس القاتل الذي يغلق الباب على ~~كل أمل. # ( @QUR@05 فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ) بصفتكم النفاقية ( @QUR@04 ولا من ~~الذين كفروا ) الذين تلتقون معهم في الكفر الباطني ، فلن تستطيعوا ولن ~~يستطيع أولئك الحصول على الخلاص بأي ثمن ، ( @QUR@06 مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير ) فإذا طلبتم الناصر فاطلبوه منها ، وربما كان المراد ~~من المولى الذي يتولى أموركم في ما تهيئه لكم من ألوان العذاب ، ( @QUR@02 ~~وبئس المصير ) وأي مصير أكثر بؤسا وشقاء من هذا المصير الذي تتحولون فيه ~~إلى حطب يحترق ويتحول إلى رماد. # * * * PageV22P028 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@028 ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) @QUR@013 اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد ~~بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأمد ): الأمد ، الزمان ، قال الراغب : الفرق بين الزمان ~~والأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية ، والزمان عام في المبدأ والغاية ، ~~ولذلك قال بعضهم : أن المدى والأمد يتقاربان (1). # * * * PageV22P029 ### ||| ** خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله # قد يحتاج المؤمنون في خصوصيتهم الإيمانية من حيث عمقها في الروح ~~وفاعليتها في الشعور ms5002 والوجدان إلى هزة روحية تخاطب أفكارهم ومشاعرهم ، حتى ~~لا يتجمد فيها الإيمان فيتحول إلى معادلة عقلية لا تحمل أي نبض في الروح ، ~~أو يزحف إليهم الباطل فتخشع قلوبهم لرموزه ، وحتى لا تتحجر القلوب فلا تخشع ~~لذكر الله ، ولعظمة الحق في الإسلام ، مما يفرض عليهم أن يتعمقوا في التصور ~~، ليتعرفوا إلى الله في مواقع عظمته وأسرار قدرته ، ويستغرقوا في مواضع ~~نعمه ، ليدركوا أنه وحده الذي يملك الأمر كله ، ويهيمن على الوجود بكل ~~موجوداته وحركته. # ثم لا بد لهم من أن يستعيدوا في وعيهم العقلي وفي وجدانهم الروحي الآيات ~~التي أنزلها الله على رسوله ، في ما تشتمل عليه من حقائق العقيدة ونظام ~~الشريعة ومنهج الفكر والحياة وحركة الإنسان في الواقع ، ليدركوا أن هذا ~~الفكر الذي يستمد حيويته وقوته من وحي الله ، هو الفكر الذي يجب أن يلتزموه ~~، وأن يتمثلوه في وجدانهم ، وأن يحملوه في حركتهم في الحياة ، كعنوان ~~للانتماء وللوعي وللحياة ، لأن ذلك هو الذي يحميهم من الانحراف ، وينقذهم ~~من الضلال ويعمق في داخلهم وفي امتداد مسيرتهم على مدى الزمن معنى الرقة في ~~القلب والخشوع في الروح ، حتى لا تؤثر عليهم المؤثرات السلبية التي ترهق ~~القلب ، وتجفف ينابيع الروح. # ( @QUR@013 ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ) قد يكون هذا الحديث للمؤمنين الذين يستعجلهم الله للحصول على حالة ~~الخشوع القلبي الذي يجعل كيان المؤمن كله خاشعا له ، في اهتزاز الشعور ~~بالعظمة والنعمة في إيحاءاته بالمحبة من جهة ، والخوف من جهة أخرى ، حيث ~~يمتزجان في كل مشاعره وأحاسيسه وأفكاره ، ليجعلا منه الإنسان المنفتح على ~~الله الخاضع له. PageV22P030 # قد يكون هذا الحديث منطلقا من حالة جفاف روحي عاشها المسلمون آنذاك ، مما ~~جعل الذكر يفقد روحيته في قلوبهم ، كما أبعد الإسلام عن مواقع العمق في ~~عقولهم ، الأمر الذي فرض الحاجة إلى نداء إلهى قوي ، يحذرهم من ذلك ، من ~~خلال التأثيرات السلبية التي تمنعهم من الاندماج في محبة الله ، والانسحاق ~~أمام مشاعر الخوف منه ، ليكون الله مجرد اسم في الذاكرة ، ويتحول ms5003 الإسلام ~~إلى صورة جامدة في الخاطرة ، ( @QUR@07 ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من ~~قبل ) حيث تحول الكتاب عندهم إلى عنوان لا يحمل في داخل قلوبهم شيئا من ~~معانيه ، والدين إلى انتماء فارغ من الروح لا يؤكد خطه في الحياة الفكرية ~~والعملية لهم ، أما اسم الله ، فيتحول إلى إله قومي لا ينفتح على الناس ~~كلهم بمحبته ورحمته ، بل يختصهم بها ، أو يبقى في أفكارهم جامدا لا يحمل ~~أية نبضة حياة ( @QUR@03 فطال عليهم الأمد ) وابتعدوا عن حيوية الرسالة ~~وروحانية الرسول في انطلاقتها الحية القوية الواعية ، فتحولوا إلى تقليديين ~~يتخذ الدين عندهم صفة العادة الجامدة في شخصياتهم ، ( @QUR@02 فقست قلوبهم ~~) وفقدوا الخشوع لذكر الله ، فلم يبكوا خوفا من عقابه ، ولم يخضعوا رجاء ~~لثوابه ، ولم يرجعوا إليه ، أو يجلسوا بين يديه في شكوى العبد لسيده عند ما ~~تحل به المشاكل ، أو تحاصرهم الأزمات ، أو يشتد بهم الحرمان ، بل يرجعون ~~إلى عباده ، ويعتمدون على أنفسهم ، بعيدا عن الله. # وهكذا ابتعدوا عن الله بالفكر والروح والحركة ، فانحرفوا عن الخط ~~المستقيم ، وتمردوا على أوامره ونواهيه ، واقترفوا الكثير من الآثام ( ~~@QUR@03 وكثير منهم فاسقون ) في أقوالهم وأعمالهم وعلاقاتهم العامة والخاصة ~~، وقليل منهم مؤمنون متقون خاشعون في قلوبهم لله ، في رقة خاضعة خاشعة ~~تلامس الروح ، وتفتح القلب على الله وعلى الخير المنطلق من وحي الإيمان به. # ( @QUR@07 اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها ) فينزل عليها الماء بعد ~~جفاف طويل ، PageV22P031 # فتخضر في هزة العشب ، ونضارة الشجر ، وزهو الورد. وهكذا يوحي ذلك إلى ~~الناس بأن الله يحيى العقول الميتة بفعل الجهل بالمعرفة ، والقلوب الميتة ~~بفعل الضلال عن الهدى والإيمان. # ( @QUR@06 قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) عند ما تفكرون في مضمونها ~~من أجل الانفتاح على الحق كله في مواقعه في حياة الناس ، كما هو في مواقع ~~الحقيقة البارزة في قدرة الله في الأرض ، فينفتح للعقل أكثر من نافذة على ~~المعرفة الواسعة التي تضيء الروح والوجدان والحياة. # * * * PageV22P032 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@012 إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم ~~أجر كريم (18) @QUR@020 والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ms5004 الصديقون ~~والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم ) (19) # * * * ### ||| ** الصديقون والشهداء # ويعود الحديث إلى أولئك الذين عاشوا العطاء في حياتهم كرسالة يعيشونها في ~~أفكارهم ويمارسونها في حياتهم ، ويتحركون معها في علاقاتهم ، بما يرضي الله ~~، ويقربهم إليه من خلال ذلك. # ( @QUR@03 إن المصدقين والمصدقات ) أي المتصدقين والمتصدقات الذين تصدقوا ~~بمالهم على مواقع الحاجة في الحياة من حولهم ، ( @QUR@04 وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا ) في ما جعله الله على نفسه بتفضله على عباده من اعتبار العطاء الذي ~~يقدمه الإنسان PageV22P033 # للفقراء وللمجاهدين في سبيل الله قرضا حسنا يرضاه ويثيب عليه ، ( @QUR@02 ~~يضاعف لهم ) الثواب الذي يمنحهم إياه ، ( @QUR@03 ولهم أجر كريم ) في ~~طبيعته النقية السخية ، وفي ما يوحي به من الكرامة عند الله. # ( @QUR@04 والذين آمنوا بالله ورسله ) على الخط المستقيم الذي يتحول ~~الإيمان فيه إلى فكر يوحي بالسمو ، وإلى شعور ينبض بالطهر ، وإلى حركة ~~تلتقي بالصدق ، وإلى موقف يتميز بالجدية والخير والعطاء ، ( @QUR@03 أولئك ~~هم الصديقون ) الذين عاشوا الصدق في عمق كيانهم وفي امتداد حياتهم وفي ~~رحابة آفاقهم ، فكانوا الصادقين مع الله في إيمانهم به وطاعتهم له ، ومع ~~أنفسهم ، فكانوا المنفتحين في أعماقها على الخير والحق والإيمان ، ومع ~~الناس ، فكانوا السائرين معهم على أساس الوفاء بالعهد والرعاية للأمانة ~~والإخلاص للصداقة والأخوة ، فلا يعرفون في حياتهم الكذب والخيانة والانحراف ~~في حركة العلاقات الصادقة. # ( @QUR@03 والشهداء عند ربهم ) الذين يشهدون على الناس والحياة من حولهم ~~، من خلال ما يملكونه من مواقع الصدق الذي يرصدون فيه الواقع في كل ألوان ~~الصفاء والنقاء ، ليشهدوا له أو عليه عند الله ، ( @QUR@02 لهم أجرهم ) في ~~ما جعله الله لهم من الثواب عنده ، جزاء على ما قدموه من إيمان وعمل ، ( ~~@QUR@01 ونورهم ) الذي يستمد معناه الروحي وإشراقه الإيماني من عمق ~~الالتزام بالله والسير في خط هداه. # ( @QUR@02 والذين كفروا ) بالله ( @QUR@02 وكذبوا بآياتنا ) التي ~~أنزلناها على رسلنا وبلغوها للناس ، ( @QUR@03 أولئك أصحاب الجحيم ) ~~يدخلونها ليعيشوا فيها أبدا وليكونوا من أصحابها الخالدين ، لأنهم جحدوا ~~وتمردوا وعاشوا في ضلال الفكر والعمل. # * * * PageV22P034 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@039 اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ms5005 وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (20) @QUR@025 سابقوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لعب ): اللعب عمل منظوم لغرض خيالي ، كلعب الأطفال. # ( @QUR@01 ولهو ): اللهو ما يشغل الإنسان عن عمله. # ( @QUR@01 وزينة )، الزينة ما يتزين به ، وهي ضم شيء مرغوب فيه إلى شيء ~~آخر ليرغب فيه بما اكتسب به من الجمال. PageV22P035 # ( @QUR@01 وتفاخر ): التفاخر والمباهاة بالأنساب والأحساب. # ( @QUR@01 غيث ): الغيث : المطر. # ( @QUR@01 يهيج ): من الهيجان وهو الحركة. # ( @QUR@01 حطاما ): الحطام : الهشيم المتكسر من يابس النبات. # ( @QUR@01 متاع ): المتاع : انتفاع ممتد الوقت. # * * * ### ||| ** الحياة الدنيا متاع الغرور # كيف تستسلمون لهذه الحياة الدنيا ، فتعتبرونها غاية طموحكم الذي تعيشون ~~له في حركتكم المتنوعة كقيمة كبيرة تمثل وجودكم كله؟ # هل تعرفون ما هو المعنى الذي تختزنه في مضمونها الذاتي الذي ينفصل عن ~~الآخرة ، هل تحمل شيئا غنيا يرتفع بالروح ويلتقي بالله؟ # ليس هناك شيء في ما هي القيمة وفي ما هي النتائج الخالدة في وعي الإنسان ~~لإنسانيته ، والتزامه بقيمته في حياته ، ( @QUR@04 اعلموا أنما الحياة ~~الدنيا ) في ما يتنازع فيه الناس ويتفاضلون وينشغلون به ( @QUR@03 لعب ولهو ~~وزينة ) فإذا حدقت في كثير من أعمالهم وحركاتهم ، رأيتها لا تحمل معنى ~~عميقا مفيدا إلا ما يحمله اللعب الذي يمارسه الصغار في حركاتهم اللاعبة ~~التي تشغل الوقت وترهق الجسد ، ثم لا يبقى هناك إلا الزمن الضائع والمشاعر ~~الطفولية التي ترتاح إليها الغرائز الساذجة ، من دون أن يكون هناك شيء له ~~معنى في العمق الثابت في الذات. وإذا توسعت في رصد أوضاعهم رأيت فيها ~~الأجواء اللاهية التي تثير المشاعر حيث النوازع الذاتية المثيرة والاستغراق ~~في بعض الكلمات والألوان PageV22P036 # والحركات والأحاسيس القريبة من السطح الساذج للوعي الذاتي ، في ما هي ~~الغريزة الباحثة عن غذاء لا غنى فيه يتعب شخصا أكثر مما يتعب آخر ، لأنه ms5006 ~~أكثر أموالا وأولادا ( @QUR@06 وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ) ~~. ولكن السؤال هو أن الأولاد مهما كثروا فسيفارقهم وسيفارقونه ، وأن المال ~~مهما ازداد في حجمه وقيمته وتعداده ، فسيتركه وراء ظهره ، إن عاجلا أو آجلا ~~، الأمر الذي لا يمثل أية قيمة باقية في حياته ، لأنها ليست عنصرا ذاتيا في ~~كيانه ، بل هي شيء طارئ في ما يقترب منه أو يحيط به. # وهكذا يخرج الإنسان من الدنيا من دون أن يأخذ شيئا من هذه الأجواء ~~الزاهية اللاهية معه ، ( @QUR@05 كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) عند ما ~~يتساقط المطر بغزارة وينفذ إلى أعماق الأرض فيمنحها الري والحياة ، وتنموا ~~البذرة في داخلها لتزهو وتزدهر وتتحول إلى زرع أخضر ممتد يبعث البهجة في ~~النفوس في جمال وروعة ، ويعجب الزراع وهو معنى الكفار نباته في شكله الحلو ~~وفي نتاجه الجيد ( @QUR@02 ثم يهيج ) في حركته الصاعدة التي تبلغ غايتها ، ~~فتبدأ الخضرة في حالة الشحوب والذبول ، ( @QUR@02 فتراه مصفرا ) في ألوانه ~~التي توحي بالموت بعد أن بدأت الحياة تجف من أوراقه ، ( @QUR@03 ثم يكون ~~حطاما ) عند ما يتحول إلى ورق يابس متكسر ، ليكون هشيما تذروه الرياح ، فلا ~~يبقى منه شيء للنظر أو للانتفاع الغذائي أو نحو ذلك. # وهكذا تنتهي الدنيا بكل ما فيها من زينة ولهو ولعب وتفاخر وتكاثر ، ~~لينتهي الإنسان معها إلى جسد ميت تتحلل أجزاؤه وتتناثر أعضاؤه حتى تتحول ~~إلى عظام نخرة ، ويعود ترابا كما كان. ولا يبقى من الإنسان إلا العمل ~~الصالح الذي يؤدي به إلى مغفرة الله ورضوانه ، أو العمل السيئ الذي ينتهي ~~به إلى عذاب الله ، مما يجعل من الدنيا فرصة العمل الذي يختاره الإنسان في ~~إرادته ، ليختار مصيره من خلال ذلك ، فهو الذي يمثل عمق الحياة فيها وسر ~~القوة في حركته معها ، ( @QUR@08 وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ~~ورضوان ) فتلك هي الحقيقة PageV22P037 # الخالدة في علاقة الإنسان بالله في رحلته إلى الآخرة. # ( @QUR@06 وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) الذي يخضع فيه الإنسان ~~للخداع الذي يوحي به البصر أو اللمس أو السمع أو نحو ذلك مما يجتذب ms5007 الذات ~~لتستغرق في لذته وشهوته وزينته ولهوه وعبثه فلا ينفتح على عمق المعنى ~~الكامن في داخله ، وعلى امتداد الفكر الذي تملكه النهايات في معناها. فلا ~~بد للإنسان من أن ينتبه ويستيقظ ، فلا ينظر إلى سطح الأمور ، بل يحدق في ~~عمقها ، ولا يتطلع إلى بداياتها ، بل يعمل على أن ينظر إلى نهاياتها ، لأن ~~قيمة كل شيء في مضمونه لا في شكله ، وفي نهايته لا في بدايته. # * * * ### ||| ** التسابق إلى مغفرة الله # ( @QUR@05 سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) لتحصلوا على محبته ورضوانه في ما ~~تتقربون به إليه من الأعمال الصالحة التي تذهب بالسيئات ، وتغير طبيعة ~~الشخصية في كيانكم من خلال تغيير المعنى الكامن في أفكاركم ومشاعركم في ~~علاقتكم بالله ، من مواقع الرغبة في طاعته بدلا من الانسحاق تحت الضغوط ~~الذاتية التي تثير الأجواء النفسية في اتجاه معصيته. وإذا كانت الحياة فرصة ~~طائرة في الزمن ، مما يجعل منها شيئا خاضعا للزوال بين لحظة وأخرى ، فإن ~~على الإنسان أن يبادر في ساحات السباق مع الآخرين ومع الزمن ليحصل على ~~المغفرة ، اليوم قبل غد ، لأنه لا يدري متى يأتي أجله ، فتضيع منه فرصة ~~الحصول على مغفرة الله ( @QUR@05 وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) في تعبير ~~كنائي عن السعة التي تحتوي الكون الذي يعرفه الإنسان ، كمظهر من مظاهر ~~رحمته في ما يريد لعباده المؤمنين الصالحين من النعيم الخالد في الآخرة ، ( ~~@QUR@01 أعدت PageV22P038 # @QUR@04 للذين آمنوا بالله ورسله ) لأنهم الذين انفتحوا على الحقيقة في ~~توحيد الله ، وعلى الحياة السائرة في خط رضاه من خلال رسالات الله ، وعلى ~~الحركة القوية المستقيمة في النهج الإلهي في حركة القيادة في رسل الله ، ~~فكانوا القريبين إليه الحائزين على رضاه ، ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء ) من عباده الذين يختارهم من بين الناس ليتفضل عليهم بالنعمة الخالدة ~~والسعادة الكبيرة من خلال روح الإيمان في كيانهم ، وحركة الطاعة في حياتهم ~~، وإخلاص المحبة لله في مشاعرهم ، ( @QUR@04 والله ذو الفضل العظيم ) فلا ~~حد لفضله الذي يتسع للوجود كله من خلال سعة رحمته. # * * * PageV22P039 ### ||| * الآيات # ( @QUR@021 ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا ms5008 في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) @QUR@015 لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) @QUR@012 الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مصيبة ): الواقعة التي تصيب الشيء ، مأخوذة من إصابة السهم ~~الغرض ، فالمصيبة هي النائبة. # ( @QUR@01 مختال ): المختال من أخذته الخيلاء وهي التكبر عن تخيل فضيلة ~~تراءت له من نفسه على ما ذكره الراغب (1). PageV22P040 # ( @QUR@01 فخور ): الفخور : الكثير الفخر والمباهاة. # * * * ### ||| ** ما أصاب من مصيبة إلا في كتاب # للحياة نظامها المتوازن الخاص في حركة النظام الكوني وفي واقع الإنسان ، ~~على مستوى الفرد والجماعة ، فلكل ظاهرة سببها ، ولكل موجود قانونه الخاص ، ~~مما يجعل من حركة الأحداث في حياة الأفراد والجماعات حالة محسوبة في كل ~~أوضاعها من حيث ظروفها المحيطة بها ، ومن حيث الإرادة التي تديرها. وإذا ~~كان الأمر كذلك فلا بد من أن يحمل الإنسان في وعيه الفكرة التي توحي بخضوع ~~كل أوضاعه وأفعاله للتقدير الإلهي الذي يقدر لكل شيء حركة وجوده في علاقة ~~المسببات بأسبابها ، فليست هناك حالة طارئة ، وليست هناك صدفة في أوضاع ~~الحياة وهذا ما تؤكده هذه الآية. # ( @QUR@09 ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ) من أحداث الحياة ~~التي تثير الآلام وتحرك الأحزان وتربك المشاعر ، مما يصيب الإنسان في نفسه ~~وأهله وماله ( @QUR@03 إلا في كتاب ) في ما يكتبه الله في اللوح المحفوظ أو ~~نحوه مما يسجل فيه أحداث الوجود ، أو في ما يقدره الله في علمه الغيبي ~~المنفتح على الأشياء قبل وجودها لأنه هو الذي يمنحها الوجود ، فيحيط بها في ~~كل أسرارها وأوضاعها ، فتكون كلمة الكتاب كناية عن العلم الإلهي ، ( ~~@QUR@04 من قبل أن نبرأها ) أي نخلقها في تقديره لكل حدود وجودها. # ( @QUR@05 إن ذلك على الله يسير ) في ما ينظم به الحياة في تقديره الذي ~~لا تتخلف فيه إرادته عن المراد ، من خلال قدرته المطلقة التي لا يعجزها أي ~~شيء ( @QUR@09 لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ms5009 ) فلا تعيشوا ~~السقوط تحت وطأة الحزن المدمر ، أو البطر تحت تأثير الفرح الطاغي ، عند ما PageV22P041 # تحدث الخسارة أو عند ما يأتي الربح انطلاقا من صدمة المفاجأة التي تثير ~~ذلك هنا وهناك ، بل لا بد من مواجهة الأمر على أساس أن الحديث السلبي أو ~~الإيجابي حالة طبيعية في نظام الوجود لأن الخسارة تخضع لأسبابها الاختيارية ~~أو الاضطرارية ، كما أن الربح يخضع لذلك ، فلا مجال لأي شيء طارئ في ذلك ، ~~ولا مفاجات في عمق الأمور ، فإذا تمت للحدث أسبابه ، فلا بد من أن يحدث ، ~~من خلال الحتمية الكونية للأشياء ، في ما قدر الله لها ، تماما كما هي ~~الأشياء الكونية في نظام الطبيعة الخاضع للتقدير الإلهي في التكوين. # وقد جاء في نهج البلاغة : قال أمير المؤمنين عليه السلام : الزهد كله بين ~~كلمتين من القرآن ، قال الله سبحانه : ( @QUR@09 لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم ) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ ~~الزهد بطرفيه» (1). # وعلى ضوء ذلك ، فلا بد للإنسان من أن يتواضع في حركته ، ويتوازن في شعوره ~~، ويثق بالتقدير الإلهي في موارد رزقه ، فلا ينتفخ في حالات الفرح ليتحول ~~ذلك عنده إلى حالة استعراضية من الخيلاء أو حالة استكبارية من الاستعلاء ~~والفخر ، أو حالة أنانية خائفة تقوده إلى البخل ، ( @QUR@06 والله لا يحب ~~كل مختال فخور ) يتيه على الناس بزهوه ، ويفخر عليهم بأعماله ، فليس في ~~الأمر فضل ذاتي خاص ، بل المسألة مسألة إرادة الله في التقدير ، ليعرف أن ~~ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، في خضوعه لحركة الوجود ~~السائرة بتقدير الله. # ( @QUR@02 الذين يبخلون ) بأموالهم التي رزقهم الله إياها ، لينتفعوا بها ~~وليعطوا PageV22P042 # أهل الحاجة منها ، لأن الله جعل رزق بعض الناس في حوزة البعض الآخر ، ~~الأمر الذي يجعل من البخل حالة تشبه السرقة والخيانة ، ويجعل من العطاء ~~حالة انسجام مع طبيعة الوظيفة التي جعلها الله للإنسان في تصرفه في ماله ~~ليعطي ويشجع الناس على العطاء في روحيته الإيمانية الواثقة بالله. ولكن ~~هؤلاء الذين يبخلون ( @QUR@03 ويأمرون الناس ms5010 بالبخل ) لا يحبهم الله ، ولا ~~يمنحهم رضاه لأنهم يبتعدون عن الخط المستقيم الذي رسمه لهم في أفعالهم ، ~~ولأنهم يتحركون في ذلك من موقع عدم الثقة بالله ، في ما يخافونه من الفقر ~~الذي قد يحدث لهم من خلال العطاء. # ( @QUR@02 ومن يتول ) ويعرض عن البرنامج الذي وضعه الله للناس في القيام ~~بالمسؤولية في دائرة العطاء ، فلن يضروا الله شيئا ، ولن يضروا الحياة في ~~نظامها شيئا ، لأن الله سوف يستبدل بهم قوما غيرهم ، فهو الذي يسخر من يشاء ~~لمن يشاء ، وليس بحاجة إلى أحد من خلقه ( @QUR@05 فإن الله هو الغني الحميد ~~) الذي لا حد لغناه ، ولا حد لحمده في كل شيء. # * * * PageV22P043 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) @QUR@014 ولقد أرسلنا نوحا ~~وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ~~(26) @QUR@039 ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه ~~الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) (27) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالبينات ): البينات : الآيات البينات. # ( @QUR@01 والميزان ): فسروا الميزان بذي الكفتين الذي يوزن به الأثقال. PageV22P044 # ( @QUR@01 بأس ): البأس هو الشدة في التأثير. # * * * ### ||| ** هدف الرسالات قيام الناس بالقسط # ما هي مهمة النبوات في حركة الرسل؟ هل هي مهمة روحية يستغرق فيها الإنسان ~~في داخل الأجواء الروحية الغارقة في عالم الغيب الذي ينفتح على الله في ~~حركة عبادية خالصة تحتوي القلب والوجدان والشعور ، لتكون النبوات حركة في ~~دائرة العبادة في ما تتمثل فيه من الصلاة والصوم ونحوهما. # أو هي مهمة حياتية شاملة تمتد إلى كل جوانب حياة الإنسان ليرتبط الجانب ~~الروحي بالجانب المادي ، في إيجاد حالة من التوازن في الكلمات والأفعال ~~والمواقف والعلاقات ، بحيث لا يطغى أحد على أحد في الحقوق والواجبات ، في ~~ما توحي به كلمة «العدل» من المعنى التشريعي الذي يحدد ms5011 لكل ذي حق حقه ، ~~ويربي الناس على السير في هذا الاتجاه ، ليكون «الإنسان العادل» هو الذي ~~يطبق الشريعة العادلة ، ويبني الحياة على أساس العدل؟ # إن الآية التالية تؤكد المعنى الثاني الذي يجعل من الرسالة حركة في ~~الواقع ، بدلا من أن تكون مجرد حركة في الروح. # ( @QUR@04 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) التي يقتنع فيها العقل بحقائق ~~العقيدة وجدية الشريعة ، بالأدلة الواضحة التي تسقط أمامها كل الشبهات لأن ~~الله لا يريد للناس أن يؤمنوا الإيمان الأعمى الذي يسلم بالفكرة من دون ~~قناعة فكرية مرتكزة على الحجة والبرهان ، لأن مثل هذا الإيمان لا يوحي ~~للإنسان باحترام نفسه وعقله ، ولا يوحي له باحترام العقيدة التي يؤمن بها ، ~~مما يجعل مسألة الإيمان ، في الوعي القرآني ، مسألة تتصل بالعقل والشعور ، ~~ليتحرك العقل في PageV22P045 # المعادلات الفكرية ، ولينطلق الشعور في الإيحاءات الشعورية ، في ما يمثل ~~حركة العقل والشعور في الإيمان بالحقيقة الفكرية الشعورية. وقد لا يكون من ~~المفروض أن تكون مفردات الإيمان عقلية في ذاتها ، بل يكفي أن تكون عقلية في ~~مرتكزاتها ومواقعها الفكرية. # ( @QUR@03 وأنزلنا معهم الكتاب ) الذي يتضمن مفردات الوحي الإلهي في ~~المفاهيم العامة للدين ، وفي الشرائع التفصيلية لحركة الحياة في نظامها ~~العملي ، ( @QUR@01 والميزان ) الذي يمثل الخط الفكري والعملي الذي يزن ~~القضايا والأوضاع والمواقف والكلمات ، ليمنعها من الاختلال والانحراف عن ~~الخط المستقيم ، فيعرف كل إنسان من خلال ذلك دوره العملي في ما له وما عليه ~~من الحقوق والواجبات تجاه ربه ونفسه وحياة الناس من حوله ، ويتصور على هذا ~~الأساس أن الحياة ليست هي الساحة التي يتحرك فيها الفرد في أنانيته الذاتية ~~في ما قد يتخيله من أنه هو وحده صاحب الحق في كل مواقعها ، بل هي الساحة ~~التي يملك فيها كل إنسان موقعا خاصا في ما يريد أن يأخذ من أوضاعها العامة ~~والخاصة ، فيدرك أنها تتسع له وللآخرين من موقع الحق الثابت للجميع في ~~علاقاتهم ببعضهم البعض وبالحياة من حولهم ، ليتحول ذلك إلى واقع عملي يحقق ~~للحياة نظامها المتوازن الذي يحفظ لها سلامة وجودها في دائرة التكامل ~~العملي. ms5012 # ( @QUR@03 ليقوم الناس بالقسط ) وهو العدل الذي ترتكز عليه سلامة الحياة ~~الفردية والاجتماعية ، في ما يؤكده من خضوع الناس للخط الواحد المتوازن ~~الذي تلتقي فيه حقوقهم جميعا ، على أساس التشريعات التفصيلية التي تنظم لهم ~~ذلك كله على مستوى العلاقات والمعاملات والأعمال والأقوال. # وقد نستطيع أن نفهم من هذا الهدف الرسالي ، وهو إقامة العدل في إنزال ~~الرسالات ، أن مسألة الحكم والتشريع هي المسألة الأساس في كل دين ، PageV22P046 # باعتبارها القاعدة التي يتحرك فيها المنهج الذي يقوم عليه العدل في حياة ~~الناس ، فإنه لا معنى لحركة العدل في الواقع ، من دون شريعة تنظم له خطوطه ~~، أو حكم يشرف على إدارته وتنفيذه ، وسياسة تدير أوضاعه في ساحة الصراع ، ~~وفي حركة الحكم أمام التحديات ، وفي سلامة الخط في أجواء الانحراف. وبذلك ~~تكون هذه الآية دليلا على اندماج السياسة في حركة الدين وانطلاق الدين في ~~آفاق الحكم ، ردا على الذين يعتبرون الدين حالة روحية ذاتية في علاقة ~~الإنسان بربه ، بعيدا عن كل أوضاع الحياة المادية في تعقيداتها التفصيلية ، ~~وفي مشاكلها المتنوعة المعقدة. # * * * ### ||| ** بأس الحديد ومنافعه # ( @QUR@05 وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) في ما يمثله من القوة التي تدير ~~قضايا الحرب والسلم ، في ما يصنعه الإنسان منه من السلاح الذي يحمي به نفسه ~~من كل الأخطار التي تواجهه ، ليربح الحرب من خلال قوته فيه ، ويثبت السلم ~~في مواقعه المرتكزة على توازن القوة أو شموليتها ، ويجعل للعدل في حركة ~~الناس قوة تمنع الظالمين من فرض سيطرتهم على الواقع ، وتؤكد الجانب ~~التنفيذي في مواجهة الذين يريدون التمرد عليه والانحراف عنه. # ( @QUR@02 ومنافع للناس ) في ما يشتمل عليه من الخصائص المتنوعة التي ~~تتدخل في كل حاجات الحياة العامة والخاصة ، مما يجعل منه العنصر الأساس في ~~صنع الحضارة في خطها العملي بكل مفرداتها ومعطياتها المختلفة ( @QUR@06 ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ) عند ما يستخدمون الحديد في مواقع ~~القوة التي يتحرك فيها المؤمنون لنصرة الله في دينه ، ونصرة الرسل في ~~حركتهم الرسالية ، ليتميزوا عن غيرهم من الكافرين الذين يستخدمون القوة ~~للتمرد على الله PageV22P047 # ورسله. وذلك ms5013 هو امتحان السلاح في مواقع القوة للذين يملكونه ، فيطغى به ~~بعض على الله ، ويلتزم بعض آخر بمنهج الله في إدارة مسألة القوة في الحياة ~~، في الخطوط التي يرضاها الله ، ( @QUR@04 إن الله قوي عزيز ) فلم تكن ~~الدعوة لنصرته ناشئة من موقف ضعف يوحي بالذل ، فهو القوي الذي لا قوة لأحد ~~أمامه ، وهو العزيز الذي لا عزة لأحد معه ، بل كانت منطلقة من دائرة ~~الامتحان الذي يتميز به المؤمن من غيره ، عند ما يحرك القوة التي هي نعمة ~~من الله ، في طاعته سبحانه. # ( @QUR@09 ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) ~~في حلقات متصلة من السلسلة المباركة في حركة النبوات والرسالات من أجل أن ~~تعيش البشرية في كل تاريخها مع القيادة التي تملك شرعيتها من اصطفاء الله ، ~~وتملك وعيها الفكري والروحي والعملي من خلال رسالاته. وكان نوح الرسول الذي ~~يمثل الأبوة الثانية للبشرية إلى جانب حركته الرسالية الفريدة في طبيعتها ~~وصبرها الممتد مع القرون. # وكان إبراهيم الرسول المميز في تنوع آفاقه وتجربته ، وفي صفاء روحيته ، ~~وبساطة أسلوبه ، مما جعله عنوانا للمضمون الروحي العملي لكل الرسالات من بعده. # وهكذا كانت النبوات في شخصيات رموزها من الأنبياء تنتهي بالنسب إلى هذين ~~الرسولين العظيمين اللذين يوحي الحديث عنهما بهذه الطريقة بالجانب العميق ~~المميز من شخصيتهما ، لا بالجانب النسبي الذاتي منهما. # ولكن ذريتهما التي احتوت النبوات وحملت الكتاب لم تستقم على هذا الخط ~~بجميع أفرادها ، بل اختلفت في ذلك ( @QUR@02 فمنهم مهتد ) وهم الذين تحركوا ~~في خط النبوة ، كأنبياء وكمؤمنين ( @QUR@03 وكثير منهم فاسقون ) وهم الذين ~~انحرفوا عن الخط واتبعوا شهواتهم ومطامعهم وابتعدوا عن الله ( @QUR@04 ثم ~~قفينا على آثارهم PageV22P048 # @QUR@01 برسلنا ) الذين توزعوا بين أمم مختلفة وبلاد شتى ، فبلغوا رسالات ~~الله من خلال ما أنزله الله إليهم من كتب ، ومن خلال ما أكدوه من الكتب ~~المنزلة على غيرهم من الأنبياء أولي العزم ، وربما كان التعبير بقوله ( ~~@QUR@02 على آثارهم ) موحيا بوحدة الخط الرسالي الذي يتحرك فيه الأنبياء في ~~رسالات الله. ( @QUR@04 وقفينا بعيسى ابن مريم ) الذي كان آية في خلقه ms5014 ، ~~كما كان نموذجا مميزا في حياته ورسالته ( @QUR@02 وآتيناه الإنجيل ) الذي ~~أراده الله قاعدة للوعي الروحي المنفتح عليه ، ( @QUR@07 وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ) من خلال القيم الروحية المنطلقة من قاعدة المحبة ~~الإنسانية الداعية إلى العفو والتسامح والخير الشامل الذي يلتقي بالرأفة ~~والرحمة في امتداداتهما الشعورية في حياة الإنسان والحيوان. # * * * ### ||| ** رهبانية ابتدعوها # ( @QUR@09 ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ) ~~فقد عاشوا معاني التأمل والتفكير في الله ، واندمجوا بالعبادة الخاشعة ~~الخاضعة المستسلمة لعبوديتهم له ، واستغرقوا في ذلك كله حتى تحولت لديهم ~~إلى حالة من العزلة والانقطاع عن الناس ، ليتفرغوا إلى الغاية العظيمة وهي ~~الحصول على رضا الله والوصول إلى أعلى مراتب القرب لديه ، فكانت الرهبانية ~~نتيجة لذلك ، في ما تصوروه من نتائجها. وهكذا ابتدعوها كقاعدة للسلوك ~~العملي العبادي ، وكمنطلق للسمو الروحي ، فلم تكن فرضا من الله عليهم ، ولم ~~تنزل كشريعة عبادية في التشريع العبادي الذي يحدد للعبادة فروضها وطقوسها ، ~~ولكنها كانت استيحاء فكريا وروحيا من القيم الكبيرة التي أكدتها مفاهيم ~~الإنجيل ، في PageV22P049 # ما لم يرد فيه منع خاص ، فانطلقوا فيه من خلال رغبتهم في رضا الله. # ولكن المشكلة في مثل هذه الأمور أن تبقى لها روحيتها ، وأن تتحرك معاني ~~الصفاء في داخلها ، وأن تستقر النهاية كغاية لانطلاقة البداية ، لتبقى في ~~امتداداتها الروحية مددا للإنسان في اتصاله بالله ، فما الذي حدث بعد ذلك؟ # لقد تحولت إلى طقوس وعادات وشعائر خالية من الروح ، وابتعدت عن التوازن ~~في الجانب الواقعي العملي في حاجات الإنسان الخاصة ، ( @QUR@04 فما رعوها ~~حق رعايتها ) لأن الإنسان الذي يريد رضا الله لا بد له من أن يعرف الطريق ~~إليه ، فلا يبتدعه من نفسه إلا من خلال ما يقتنع به من حدود الله في ذلك ، ~~لأنه سوف يبتعد عن الطريق الحق نحو رضوان الله. ( @QUR@05 فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم ) على معاناتهم الفكرية والعملية في خط الإيمان ، لأنهم ~~كانوا الجادين في مواجهة الحقيقة العقيدية في رحاب الله ، كما كانوا ~~المخلصين في الالتزام بالنتائج العملية التي يفرضها الإيمان على المؤمنين ( ~~@QUR@03 وكثير ms5015 منهم فاسقون ) لأنهم كانوا بعيدين عن الله في روحية المضمون ~~الفكري والعملي ، لأن الله لا ينظر إلى جانب السطح في الشكل ، بل إلى جانب ~~العمق في المضمون ، في ما هي العقيدة وفي ما هو الشعور. # * * * PageV22P050 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) @QUR@022 ~~لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (29) # * * * # ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) وعاشوا الإيمان في عقولهم ومواقفهم من ~~موقع المسؤولية المنفتحة على الله في ما يأمر به أو ينهى عنه ، ( @QUR@02 ~~اتقوا الله ) وراقبوه في وعيكم الروحي وفي خطواتكم العملية ( @QUR@02 ~~وآمنوا برسوله ) في ثقة عميقة واعية ممتدة في كل المواقع القيادية في خط ~~الدعوة إلى الله ، والعمل في سبيله ، في ما يمثله ذلك من خط الإيمان العملي ~~الذي يمثل التجسيد للإيمان في العقيدة وفي الكلمة ( @QUR@04 يؤتكم كفلين من ~~رحمته ) أي نصيبين من رحمته ، انطلاقا من الإيمان في الفكرة والكلمة ، ومن ~~الإيمان في الموقف والنصرة ، PageV22P051 # ( @QUR@05 ويجعل لكم نورا تمشون به ) في الدنيا في ما يتمثل به الوعي ~~الإيماني في طريق الهدى الذي يضيء للناس طريقهم ، فلا تشتبه عليهم المواقف ~~، ولا تنحرف بهم المواقع ، كما يضيء لهم آفاق الفكر في ما يواجهونه من ~~شبهات وإشكالات في الآخرة ، حيث يتحرك النور بين أيديهم وعن أيمانهم ، ~~ليسيروا به في طريقهم إلى الجنة ، ( @QUR@05 ويغفر لكم والله غفور رحيم ) ~~وهذا هو الفضل الإلهي الذي يناله المؤمنون من خلال أعمالهم الصالحة في آفاق ~~الإيمان بالله ورسوله. # ( @QUR@04 لئلا يعلم أهل الكتاب ) قيل : إن لا زائدة ، والتقدير ليعلم ~~أهل الكتاب في ما يواجهونه من مواقف المؤمنين السائرين في خط هذا الإيمان ~~الذي يؤتيهم الله أجرهم مرتين ، ويعطيهم النور الذي يمشون به والمغفرة التي ~~يعيشون معها في رضوان الله ونعيم الجنة ، ( @QUR@07 ألا يقدرون على شيء من ~~فضل الله ) لأنهم لا يؤمنون برسول الله ms5016 ، فلا ينتفعون بإيمانهم ولا يحصلون ~~على شيء من الفضل الإلهي ، على هذا الأساس. # وذكر صاحب تفسير الميزان : والمعنى إنما أمرناهم بالإيمان بعد الإيمان ، ~~ووعدناهم كفلين من الرحمة ، وجعل النور والمغفرة لئلا يعتقد أهل الكتاب ، ~~أن المؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله ، بخلاف المؤمنين من أهل الكتاب ~~حيث يؤتون أجرهم مرتين أن آمنوا (1). # وهو خلاف الظاهر ، لأن الظاهر أن المراد هو عدم قدرة أهل الكتاب على شيء ~~من فضل الله ، لا عدم قدرة المؤمنين على ذلك في اعتقاد أهل الكتاب ، ولو ~~كان المراد به ذلك لكان من المفروض التعبير ب «لا تقدرون» كما هو مقتضى ~~سياق الخطاب ، وأما ما ذكره من أن في الآية التفاتا لخطاب PageV22P052 # المؤمنين إلى خطاب النبي ، فغير واضح. # وربما كانت «لا» أصلية لا زائدة ويكون المعنى : إن طريق الإيمان بالله ~~ورسوله مفتوح أمام الناس كافة ، فلا يعتقد أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على ~~شيء من فضله ، فباستطاعتهم أن يتحركوا في هذا الاتجاه ليحصلوا على فضل الله ~~، ( @QUR@07 وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) في ما يريد الناس أن ~~يحصلوا عليه من ذلك كله ( @QUR@04 والله ذو الفضل العظيم ) الذي يمنح فضله ~~لعباده من مواقع لطفه ورحمته. # * * * PageV22P053 ### | سورة المجادلة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها اثنتان وعشرون PageV22P055 ### ||| ** في أجواء السورة # في هذه السورة المدنية جولة تشريعية وحركية وتربوية في مجتمع المسلمين ~~الذي نزل القرآن من أجل أن يجعل منه المنوذج المميز ، القدوة للمجتمعات ~~الإسلامية اللاحقة. وفي السورة تبيان لجملة مسائل منها ما يتعلق بالقضايا ~~الخاصة التي تتصل بالعلاقات الإنسانية في نطاق العلاقات الزوجية ، كتلك ~~المرأة التي ظاهرها زوجها ليعطل بذلك حركية العلاقة بينه وبينها ويحرم بذلك ~~ما أحل الله له ، بطريقة لا ترتكز على قاعدة موضوعية معتبرة. وهكذا كانت ~~المسألة إطلالة على المسائل التي تلتقي معها في الشكل والمضمون ، دون ~~الحالات الجزئية في نطاقها الخاص. # وفي أجواء الأحاديث التي كانت تتخذ الشكل السري ، في ما كان يخوضه أعداء ~~الجماعة الإسلامية من الكلمات التي تتضمن الكيد للإسلام وللمسلمين ، في ~~إيحاء داخلي بالأمن ms5017 من اطلاع الآخرين عليهم وكشف أسرارهم ، ولتضع السورة ~~المسألة في دائرة رقابة الله على كل الأجواء السرية ، ولتوجه الجميع إلى ~~التناجي بالبر والتقوى ، ثم تلتقي بالمسلمين ، في مجلس الرسول ، لتؤدبهم ~~بالأدب الإسلامي في مخاطبته وطاعته. # ويتحرك الجو في الحديث عن المنافقين الذين ينفتحون على اليهود في PageV22P057 # ما يتأمرون به على المسلمين ، ويحاولون إخفاء ذلك بالكذب والحلف للمؤمنين ~~، بحيث يكون الحلف الكاذب هو الطابع الذي يطبع طريقتهم في التعاطي مع ~~الآخرين ، كما يكون هو الطابع في موقفهم من الآخرة ، ظنا منهم أن ذلك يمثل ~~الوسيلة في الخلاص ، ولكن الله يتحدث معهم بصفة أنهم الأخسرون الذين لا ~~يستفيدون من ذلك شيئا ، فذلك هو خط حزب الشيطان الذي يتلون بألوان مختلفة ~~بين شعار يحمل كلمة الله ، وبين موقف يقف ضد المضمون الحي للكلمة. # ويقف حزب الله في نهاية السورة ، ليؤكد الموقف الحاسم الذي يواجه العالم ~~كله حتى في دائرة الأقرباء ، ليرفض أية مودة روحية وعملية ، إذا كان هؤلاء ~~من المتمردين على الله ورسوله ، لأن ذلك هو وحده الموقف الحق الذي يتميز به ~~المؤمنون عن غيرهم. # وفي ضوء ذلك ، كانت السورة من السور الحركية التي تنتقل من جانب الواقع ~~إلى خط العقيدة في التصور والحركة والموقف. # * * * PageV22P058 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) @QUR@023 الذين يظاهرون منكم من ~~نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) @QUR@021 والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما ~~تعملون خبير (3) @QUR@026 فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك ~~حدود الله وللكافرين عذاب أليم ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 قد سمع الله ): المراد بالسمع هنا استجابة الدعوة وقضاء ~~الحاجة ، من باب الكناية ، وهو شائع. # ( @QUR@01 وتشتكي ): الاشتكاء إظهار ما بالإنسان من مكروه ، والشكاية ms5018 إظهار PageV22P059 # ما يصنعه به غيره من المكروه. # ( @QUR@01 تحاوركما ): التحاور ، التراجع وهي المحاورة ، يقال : حاوره ~~محاورة أي راجعه الكلام وتحاورا. # * * * ### ||| ** قضاء الله حاجة المجادلة في زوجها # ( @QUR@011 قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ) وهذه ~~هي القضية التي انطلق منها التشريع الإسلامي في مسألة الظهار ، كما هي ~~الطريقة القرآنية في حركة الوحي في القضايا العامة المتصلة بالخط التشريعي ~~الإسلامي ، في انطلاقه من المشكلة في ساحة الواقع ، ليكون الحكم الشرعي ~~الكلي متجسدا في وعي الناس بالواقع ، فيتحسس الناس المشكلة في القضية ~~الجزئية الصغيرة ، ليواجهوا الحل في الخط الواسع الكبير ، وهذا ما أثارته ~~قصة تلك المرأة التي غضب عليها زوجها الصحابي فقال لها : أنت علي كظهر أمي ~~، وكان الجاهليون يرون في ذلك لونا من ألوان الطلاق ، وأسقط في يد المرأة ~~لهذا الأسلوب في إنهاء العلاقة الزوجية ، وحاول الرجل أن يتراجع فأبت عليه ~~العودة إلى العلاقة ، وأرادت ، أو أراد منها ، أن تذهب إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لتحدثه عن ذلك شاكية له ما حدث. واستمع النبي إليها ، ~~ولم يكن لديه شيء من التشريع الذي يحل المشكلة بطريقة العودة إلى الزوجية ~~فيما بينهما وبدأت تلح على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأن المسألة تمثل ~~مركز الخطورة في حياتها ، ولم يكن لديه شيء ، ورفعت شكواها إلى الله ودعته ~~إلى الاستجابة لشكواها. وأنزل الله هذه الآيات ليعالج المسألة الكلية في ~~التشريع الحاسم الذي يجمع بين الحل في إعادة العلاقة الجنسية إلى طبيعتها ~~الشرعية ، لأن الكلمة لم تلغ الزواج ، وبين العقوبة العملية التي لا بد من ~~أن يتحملها الرجل قبل أن يعود إلى سابق عهده. PageV22P060 # وهكذا سمع الله قول هذه المرأة المستضعفة التي كانت تتحدث مع النبي ( ~~@QUR@03 وتشتكي إلى الله ) فتطلب منه حلا شرعيا ، فلم تكن مقتنعة بأن هذه ~~الكلمة الطائشة الصادرة من زوجها تستطيع إنهاء الزواج ، فهي كلمة غير ~~واقعية ، فكيف يشبهها بأمه لتحرم عليه كما تحرم عليه أمه ، فللأم عمق النسب ~~الخاضع لحرمة العلاقة العضوية في اللحم والدم ، فكيف يكون ms5019 للزوجة ذلك. فإذا ~~لم تكن الكلمة واقعية ، فلن يكون مضمونها الشرعي في ما يستهدفه الزوج منها ~~واقعيا. ربما كانت تفكر بهذه الطريقة. # ( @QUR@03 والله يسمع تحاوركما ) وهو اللطيف بعباده ، الرحيم بهم ( ~~@QUR@04 إن الله سميع بصير ) حيث يسمع كل شكاواهم في داخل ذواتهم ، ~~ونجاواهم في دائرة حوارهم مع الآخرين ، ويبصر كل مواقع الحزن والألم في ~~حياتهم. # وتلك هي الرحمة الإلهية التي يحس الإنسان بروحيتها في عمق شعوره عند ما ~~يستمع الرب العظيم الرحيم إليه وهو يطلب منه حكما شرعيا لحل مشكلته الزوجية ~~، كما يطلب منه في موقف آخر رزقا غذائيا لحل مشكلته الغذائية. وهذا هو الحل ~~بكل تفاصيله الشرعية. # * * * ### ||| ** مفهوم الظهار وحكمه # ( @QUR@05 الذين يظاهرون منكم من نسائهم ) كما كان يفعل الجاهليون ، ~~فينفصلون عن زوجاتهم بهذه الكلمة التي يقول فيها أحدهم لزوجته : أنت علي ~~كظهر أمي ، كناية عن حرمتها عليه جنسيا كحرمة أمه عليه ، ( @QUR@03 ما هن ~~أمهاتهم ) فليست الكلمة قريبة من الحقيقة ، فإن الحقيقة غير هذا ( @QUR@05 ~~إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ) في ما تمثله الولادة من علاقة المولود ~~بالوالدة بطريقة عضوية ، PageV22P061 # ( @QUR@06 وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) فقد حرم الله على الناس ~~قول هذه الكلمة ، ورفض اعتبارها صيغة طلاق ، واعتبرها كلاما باطلا لا قيمة ~~له ولا معنى ( @QUR@03 وإن الله لعفو (1) @QUR@01 غفور ) للتائبين من الذنب ~~، الراجعين إلى خط الطاعة. وهل تعني هذه الفقرة أن الظهار حرام معفو عنه ، ~~على أساس أنها مختصة به ، أو أنها كلمة تتحدث عن العفو والمغفرة الإلهية ~~كخط عام في صفات الله؟ ذهب بعض الفقهاء إلى الأول ، وذهب الشهيد الثاني إلى ~~الثاني. # ( @QUR@014 والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من ~~قبل أن يتماسا ) فلا بد لهم من التكفير عن ذلك بطريقة عملية ، فلا يكفي ~~الندم وحده ، فليعتق الزوج رقبة ، وليحررها ، ليكون ذلك رمزا للحرية ، ~~الروحية التي يريد أن يؤكدها في ذاته ، لتتحرر إرادته بذلك من سيطرة ~~الخطيئة ، كما يحرر إنسانا آخر من سيطرة العبودية في عبودية الإنسان ~~للإنسان ، ( @QUR@03 ذلكم توعظون به ) في ما يريده الله لكم من ms5020 دفع ضريبة ~~الخطيئة بطريقة وبأخرى ، حتى يكون ذلك تأكيدا للندم في خطه العملي ، ( ~~@QUR@04 والله بما تعملون خبير ) فهو الذي يعرف عمق الفعل في خلفياتكم ~~الروحية ، ويعرف كيف يحرك التوبة في ضمائركم لترجعوا عن الخطأ من ناحية عملية. # ( @QUR@010 فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ) فذلك هو ~~السبيل لإحساس الجسد بالحرمان في الصيام ككفارة للتعدي على حدود الله ، فلا ~~يعود إلى ذلك في المستقبل ( @QUR@06 فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) ~~ليكون الإطعام في ما يمثله من عبادة العطاء وجها من وجوه التعبير عن ~~التضحية بالمال الذي يحل به المشكلة الغذائية للجائعين من المساكين ، ليحل ~~به مشكلته الروحية ، ( @QUR@04 ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) في الجانب ~~العملي من الإيمان ، ( @QUR@03 وتلك حدود الله ) في حرماته التي أراد ~~لعباده أن لا يتجاوزوها ، كدليل على الإخلاص للإيمان الحق ( @QUR@03 ~~وللكافرين عذاب أليم ) في ما تجاوزوه من حدود الإيمان في العقيدة والعمل ، ~~مما قد يوحي بأن المراد به الكفر العملي لا العقيدي. # * * * PageV22P062 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@018 إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ~~وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) @QUR@015 يوم يبعثهم الله ~~جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يحادون ): المحادة : الممانعة والمخالفة. # ( @QUR@01 كبت ): الكبت الإذلال والإخزاء. # ( @QUR@01 أحصاه ): الإحصاء الإحاطة بعدد الشيء من غير أن يفوت منه شيء ~~، قال الراغب : الإحصاء التحصيل بالعدد يقال : أحصيت كذا ، وذلك من لفظ ~~الحصا ، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه ~~على الأصابع (1). # * * * PageV22P063 ### ||| ** كبت الذين يحادون الله ورسوله # ( @QUR@05 إن الذين يحادون الله ورسوله ) في ما يخالفون ويعادون الخط ~~الفكري والتشريعي في حركة الإيمان الرسالي ، ويعملون على مواجهته بالمواقف ~~المضادة ، لن يفلتوا من العقاب الدنيوي والأخروي كحق من حقوق الإيمان في ~~مواجهة أعدائه ، وكجزاء إلهي للمتمردين على إرادة الله ، ( @QUR@06 كبتوا ~~كما كبت الذين من قبلهم ) فعاشوا الكبت في معناه العميق الضاغط على حياتهم ~~المنحرفة ، بالقهر والذل ، لأنهم أساؤوا إلى الحياة في مسيرتها المستقيمة ~~في خط التوحيد. # ( @QUR@04 وقد أنزلنا ms5021 آيات بينات ) تقيم عليهم الحجة القوية في حقائق ~~العقيدة والشريعة ، ( @QUR@03 وللكافرين عذاب مهين ) لأن الكفر لم يكن ~~نتيجة شبهة معقدة أو فكر مضاد ، بل هو نتيجة عقدة نفسية استكبارية في رفض ~~الإيمان في الدائرة الذاتية ، ( @QUR@04 يوم يبعثهم الله جميعا ) ليحاسبهم ~~على أعمالهم ، ( @QUR@03 فينبئهم بما عملوا ) من الذنوب ، ( @QUR@03 أحصاه ~~الله ونسوه ) لأنهم كانوا في غفلة مطبقة على عقولهم ومشاعرهم لاستغراقهم في ~~لذاتهم وشهواتهم وذاتياتهم المعقدة ، مما جعلهم يتجاوزون أخطاءهم وجرائمهم ~~بسرعة من دون أن يتوقفوا أمامها بدقة ومسئولية. ( @QUR@05 والله على كل شيء ~~شهيد ) لأنه المطلع على خفايا أمور عباده ودقائقها. # * * * PageV22P064 ### ||| * الآيات # ( @QUR@047 ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم (7) @QUR@039 ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ~~ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به ~~الله ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير (8) @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي ~~إليه تحشرون (9) @QUR@017 إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس ~~بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نجوى ): النجوى هي الحديث السري الدائر بين اثنين أو أكثر. # * * * PageV22P065 ### ||| ** النجوى في مواقعها وإيحاءاتها # يتحدث الله عن النجوى التي تحدث في الموارد التي لا يريد المتحدثون فيها ~~أن يطلع عليها الآخرون ممن لا علاقة لهم بها ، أو ممن كانت موجهة ضدهم. وقد ~~تحدث في بعض الحالات كنتيجة لإيجاد حالة نفسية صعبة عند بعض الناس ، ~~انطلاقا من الإيحاء بالخوف الذي قد يثيره الشعور بحركة الأجهزة الخفية ~~السرية في إدارة الأحاديث الخاصة للتخطيط للإضرار بهم. # وهذا هو الموضوع الذي أرادت هذه الآيات أن تعالجه في دائرة الإيمان ms5022 بالله ~~الذي يوحي بالرقابة الشاملة التي لا تغفل عن أي شيء ، مهما كان دقيقا أو ~~خفيا ، وفي دائرة الواقع الذي يدور فيما بين الناس حول النجوى ، وفي ضرورة ~~التأكيد على الجانب الإيجابي في مضمونه ، والابتعاد عن الجانب السلبي ، وفي ~~تأثيراته النفسية. # ( @QUR@011 ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) فذلك هو ~~الخط العقيدي الذي يصل إلى مستوى الوضوح ، كما لو كان أمرا محسوسا مرئيا ~~بالعين المجردة ، لأن خالق الكون كله ، والمهيمن على الأمر كله في تدبيره ~~وتنظيمه ، لا بد من أن يكون محيطا بكل شيء ، فلا تخفى عليه خافية من خفايا ~~خلقه ، ( @QUR@022 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ) لأنه الحاضر الذي لا يغيب ~~عن أحد ، ولا يغيب عنه أحد ، لأن الكون لديه بمنزلة سواء ، في حضوره عنده ، ~~وفي حضوره فيه. # ( @QUR@06 ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ) في ما يوحي به ذلك من معنى ~~المسؤولية الجزائية في عقاب الله ، ليتحول الإحساس بالرقابة الإلهية الخفية ~~الشاملة إلى إحساس بالمسؤولية الدقيقة التي تلاحق الإنسان في سره ، كما ~~تلاحقه في علانيته ، فليس لدى الله في ما يعلمه من شؤون خلقه سر وعلانية ، ~~بل الأمر في PageV22P066 # الوضوح لديه على حد سواء ، ( @QUR@05 إن الله بكل شيء عليم ) فهو الذي ~~يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ( @QUR@07 ألم تر إلى الذين نهوا عن ~~النجوى ) فقد يبدو من الآية أن هناك قوما كانوا يجتمعون في اجتماعات سرية ~~ويتحدثون فيما بينهم بطريقة توحي بالإثارة التي تترك مجالا واسعا للخوف ~~والقلق في طبيعة المواضيع العدوانية ضد المسلمين ، وأن النبي كان قد نهاهم ~~عن ذلك ، فيعدونه بالامتناع ( @QUR@05 ثم يعودون لما نهوا عنه ) تمردا ~~وعنادا واستهتارا. # ( @QUR@05 ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ) فقد كان هؤلاء من ~~المنافقين ، أو من اليهود الذين كانوا يعملون على تركيز قاعدة النفاق في ~~محاولاتهم المتنوعة في إرباك الواقع الإسلامي في حياة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين. ولهذا فقد ms5023 كانت نجاواهم تتضمن التخطيط ~~للإثم في ارتكاب ما حرمه الله ، والعدوان على الأمن الإسلامي العام ، ~~ومعصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما يأمر به أو ينهى عنه ، في ما ~~يتعلق بالتشريع أو بإدارة الحكم الإسلامي في مفرداته التنظيمية. # * * * ### ||| ** التحية بين الجاهلية والإسلام # ( @QUR@08 وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ) كدلالة على الخبث ~~والعداوة والاستهانة بك، وقد جاء في أسباب النزول بما معناه أن أناسا من ~~اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : السلام عليك يا ~~أبا القاسم. والسام هو الموت. فقال الرسول : وعليكم ، فنزلت هذه الآية (1) ~~وقد دلت هذه الرواية على اللباقة الرائعة التي كان يتمتع به الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث كان يرد على PageV22P067 # المعتدي طبيعة الرد ، فيتصاغر لدى نفسه ، ويعرف بأن الرسول لم يكن ساذجا ~~في موقفه ليترك للسخرية أن تأخذ مجالها في طريقتهم ، ليذهبوا ويقولوا ~~لجماعتهم بأن الرسول لم ينتبه للفرق بين كلمة السام وكلمة السلام ، إذا ~~أجابهم بقوله : وعليكم السلام. # وربما نحتاج إلى استيحاء هذا الأسلوب في ما قد نواجهه من أمثال هذا ~~الأسلوب من أعداء الإسلام ، لنتعلم اللباقة الهادئة في الرد ، في مواجهة ~~هذا المنطق. # وقد جاء في تفسير القمي : أنهم كانوا يحيونه بقولهم : أنعم صباحا وأنعم ~~مساء ، وهو تحية أهل الجاهلية (1)، بينما كان الله يحييه بتحية الإسلام ~~وهي السلام عليكم ، لأنهم لا يريدون للتشريع الإسلامي في التحية أن يأخذ ~~دوره الطبيعي في الحياة العامة للناس. # وهذا ما ينبغي للمسلمين أن يثيروه في حياتهم الاجتماعية ، فيؤكدوا تحية ~~الإسلام في تقاليدهم ، لأن ذلك هو مظهر أصالة الشخصية الإسلامية التي تلتزم ~~الإسلام في الكلمة المميزة والفكرة الغنية والأسلوب الفريد الذي يتميز به ~~الإسلام عن غيره ، مما قد يجعلنا نفكر بأن وحدة المعنى لا تكفي في طريقة ~~التعبير ، بل لا بد من التأكيد على الكلمة الواحدة في تقاليد الشريعة. # ( @QUR@09 ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول ) أي لو كان ~~محمد نبيا لنزل علينا العذاب بما نقوله من ms5024 الكلمات التي تتحداه وتسخر به ~~وتسيء إليه ، تماما كما لو كانوا يستعجلون العذاب كدليل على عدم صدقه. ولكن ~~الله يجيبهم على ذلك بأن النتيجة التي سيصلون إليها إن عاجلا أو آجلا ~~ستعرفهم حقيقة الموضوع. PageV22P068 # ( @QUR@05 حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ) فقد أعدها الله للكافرين ~~وللمعاندين. # * * * ### ||| ** التناجي بالبر # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول ) # وهذا نداء للمؤمنين من أجل استثارة إيمانهم ليتحرك في عمق شخصيتهم ، من ~~أجل أن تبقى الشخصية تجسيدا للإيمان الحي ، فتلتزم بثوابته ، وتستقيم على ~~خطه ، ولا تهتز في مواقع الهزاهز ، ولا تنحرف في خطوط الانحراف ، من خلال ~~طبيعة المجتمع الذي قد يضغط على أفراده ، فيسقطون تحت تأثير ضغطة ، كما ~~يحدث للكثيرين الذين يتأثرون في حياتهم العامة بالأوضاع المنحرفة في ~~مواقفهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع إخلاصهم العملي في المسألة ~~العبادية ، لغفلتهم عن امتداد الإيمان في حياتهم العملية. # ولهذا أراد الله في هذا النداء أن يدفعهم إلى الصدمة التي تهز أعماقهم في ~~الصميم ، ليبتعدوا عن الخضوع للتيارات الضاغطة في المجتمع ، في ما توحي به ~~من الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، ليتمردوا على ذلك لمصلحة التيار ~~الإيماني الرسالي ، ليكون جو النجوى موحيا بالتفكير العقلاني الهادىء الذي ~~ينفتح على الخير والتقوى من أوسع أبوابهما. # ( @QUR@03 وتناجوا بالبر والتقوى ) لأن هذين الخطين هما اللذان يبنيان ~~الحياة في مواقع السمو الروحي والعملي ، في ما توحي به كلمة البر من المعنى ~~الشامل الذي يشمل كل القيم الروحية والاجتماعية في الحياة ، وفي ما توحي به كلمة PageV22P069 # التقوى من المراقبة الدائمة لله في كل النبضات الروحية والانطلاقات ~~الفكرية والخطوات العملية والمواقف السلبية والإيجابية ، ليكون الإنسان ~~إنسان الله الذي يوحي لنفسه بالحب له والخوف منه والرغبة العميقة في الحصول ~~على رضاه. # ( @QUR@05 واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) مما يجعل التقوى الخط العريض ~~للحياة ، الذي لا يقتصر على حالة النجوى ، كما يوحي بالمسؤولية في الموقف ~~العظيم الذي يقف فيه الجميع ، في يوم المحشر ، ليواجهوا لحظات الحساب ~~الكبير. # * * * ### ||| ** نجوى الشيطان والقوى المستكبرة # ( @QUR@04 إنما النجوى من الشيطان ) في إيحاءاته ms5025 التهويلية ، وأساليبه ~~التخويفية في إثارة الهزيمة النفسية بوسائله المتعددة المثيرة ، ( @QUR@03 ~~ليحزن الذين آمنوا ) في ما قد يتحسسونه في مشاعرهم من الشعور بالإحباط في ~~العزيمة ، عند ما يخيل إليهم بأنهم محاصرون من كل الجهات ، ومراقبون من كل ~~الناس ، وملاحقون من جميع القوى التي تجتمع فيما بينها في الدوائر السرية ، ~~لتخطط لإضرارهم والإيقاع بهم والكيد لهم في جميع أمورهم ، مما يحشد حياتهم ~~بالحزن العميق الممتد في كيانهم كله. وهذا ما تحاوله القوى الكافرة ~~المستكبرة المتمثلة في تحريك الأجهزة السرية التجسسية المخابراتية ، لتطويق ~~القوى المؤمنة المستضعفة ، والتي تتحرك في مواقع الإيمان والحرية والعدالة ~~ضد المستكبرين والظالمين والكافرين ، وتحويل الاعلام إلى وسيلة من وسائل ~~الإثارة النفسية في تهويل الأوضاع بالمستوى الذي تسقط معه الإرادة ~~الإيمانية الواعية المتحدية أمام الحديث عن ضخامة هذه الأجهزة وسيطرتها ~~المطلقة ، وخططها PageV22P070 # الخفية الدقيقة التي تلاحق أهدافها ، فلا تخطئ في أي موقع من مواقعها ، ~~لتستسلم الشعوب لها في سقوطها الكبير تحت تأثير الهزيمة النفسية. # وتلك هي الإيحاءات الشيطانية التي تريد من خلالها أن يحزن الذين آمنوا ، ~~ليقودهم الحزن إلى اليأس والسقوط من دون فرق بين شياطين الإنس والجن ، في ~~الوسائل البدائية أو المتحضرة. # ولكن الله يريد للمؤمنين أن يستمدوا قوتهم من قوته ، وإرادتهم من إرادته ~~، ليستثيروا عمق هذا الإيمان في إيحاءاته الروحية التي تفتح للعقل النافذة ~~الواسعة على الكفرة الإيمانية في خضوع الكون لله في كل شيء ، فلا يملك أي ~~مخلوق النفع أو الضرر إلا بإذن الله ، في إرادته المتعلقة بالأشياء بشكل ~~مباشر أو غير مباشر ، فللإنسان أن يواجه الموقف بكل قوة ، متوكلا على الله ~~، بعد استجماع كل الأسباب التي أدار الله الكون من خلالها ، بكل تفاصيله ، ~~ليعلم بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن الله ~~على كل شيء قدير ، الأمر الذي يجعل التحدي هو علامة القوة في شخصية المؤمن ~~، أمام الآخرين الذين يريدون إسقاط شخصيته من خلال إسقاط إرادته ، وهذا ما ~~أراد الله أن يؤكده في هذه الفقرة التالية ، في حديثه عن المؤمنين. ms5026 # ( @QUR@06 وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ) في قوانينه الجزئية أو ~~الكلية في حركة الكون والحياة والإنسان ، فلا يخافوا من شيء ولا يحزنوا على ~~شيء ، ( @QUR@04 وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) في ما يوحي به التوكل من ~~الثقة بالله ، والإسلام لأوامره ونواهيه ، ورفض الخوف من القوى الخفية ~~الكامنة في الحياة والإنسان. # * * * PageV22P071 ### ||| * الآية # ( @QUR@031 يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 تفسحوا في المجالس ): التفسح الاتساع ، والتفسح والتوسع واحد. # ( @QUR@01 انشزوا ): النشور كما قيل الارتفاع عن الشيء بالذهاب عنه ، ~~والنشوز عن المجلس أن يقوم الإنسان عن مجلسه ليجلس فيه غيره إعظاما له ~~وتواضعا لفضله. # * * * PageV22P072 ### ||| ** الإفساح في المجالس # ( @QUR@014 يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~يفسح الله لكم ) وهذا لون من ألوان الأدب الإسلامي الاجتماعي الذي يتناول ~~موضوع الأدب في الجلوس ، فقد يجلس الناس حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ~~حول أي شخص مرموق ممن يحتاج الناس إليه لعلمه أو لغير ذلك مما يتصل بحياتهم ~~، بحيث لا يجد القادم مكانا للجلوس إليه ، لأنهم ليسوا مستعدين للتنازل عن ~~مكانهم الذي يجلسون فيه في غير حاجة ، أو للتوسع في المكان ليجلس فيه هذا ~~القادم ، بفعل التعقيدات الذاتية التي تعيش في نفوسهم. فكانت هذه الآية من ~~أجل توجيههم إلى ضرورة التوسع في المجالس ، في ما يملكون من السعة فيه ( ~~@QUR@04 وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) والنشوز هو الارتفاع عن المكان والمراد ~~به هو القيام منه ، والتنازل عنه لمن هو أكبر سنا وأفضل علما وأكثر تقوى ، ~~في ما يمثله ذلك من الاحترام له ، فإن ذلك هو النهج الذي ينبغي للمسلمين أن ~~ينتهجوه في علاقاتهم الاجتماعية في توقير الكبار في السن ، وتعظيم العلماء ~~والأتقياء ، بالطريقة التي توحي بذلك في السلوك الاجتماعي العام. # ( @QUR@05 يرفع الله الذين آمنوا منكم ) أي ما يمثله الإيمان من قيمة ~~كبيرة عند الله ، ( @QUR@04 والذين أوتوا العلم درجات ) فإن للعلم ms5027 قيمته ~~الكبيرة عند الله ، القيمة التي يريد للناس أن يؤكدوها في حياتهم في المظهر ~~الخارجي ، كما هو الحال في الشعور الداخلي. وربما كان في المقارنة بين ~~المؤمنين والعلماء في رفع الدرجة عند الله إيحاء بأن اقتران هاتين الصفتين ~~هو القيمة العظيمة في ميزان التعظيم لديه ، ( @QUR@04 والله بما تعملون ~~خبير ) في ما يراقبه من أعمالكم في مواقع طاعته. # وقد نستوحي من هذه الآية أن على الناس أن ينظروا إلى مسألة المكان نظرة ~~واقعية بسيطة ، فلا يعتبروه قيمة كبيرة في ذاته ، بحيث يكون التوسع فيه PageV22P073 # أو التنازل عنه للآخرين مشكلة ذاتية يتعقدون من خلالها ، لما قد يشعرون ~~فيه أو يشعر الناس من حولهم بأن ذلك يمثل نزولا في مكانتهم أو إساءة إلى ~~مقامهم ، بل يريدهم أن يواجهوا الموقف بحاجة الآخرين إليه ، من موقع ~~حاجاتهم ، بالمستوى الذي قد يتقدم على حاجة الجالسين إليه ، أو من موقع ~~مكانتهم ، بالتعبير العملي عن تقديرهم لإيمانهم أو لعلمهم أو عن تفاعلهم ~~معهم في ما يتصفون به من عجزهم أو شيخوختهم التي توحي بالرحمة والمؤاساة ، ~~لتعيش القضية في وجدانهم على أساس روحية العطاء الأخلاقي لا على أساس ~~العقدة الذاتية في إحساسهم بقضايا الآخرين. # * * * PageV22P074 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) @QUR@024 ~~أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أأشفقتم ): الإشفاق ، الخشية. # * * * ### ||| ** التصدق عند لقاء الرسول # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة ) وهذا نداء للمؤمنين في مجتمع الرسول ، أن يتصدقوا في كل لقاء لهم ~~بالرسول ، ليكون PageV22P075 # ذلك دافعا لهم إلى أن تكون مناجاتهم له منطلقة من الروح الإيمانية التي ~~تلتقي بالله في مواقع القرب إليه ، وهي الصدقات التي تمثل العطاء الذي ~~يتقرب به الإنسان إلى ربه ، فلا يكون لقاؤهم به في المناجاة ، التي تأخذ ~~كثيرا من وقته وتشغله ms5028 عما هو فيه ، مجرد لقاء للحديث العادي الذي لا غنى له ~~ولا فائدة ، بل يكون لقاء خاضعا للروح الإيمانية التي تستهدف رضا الله في ~~كل أفعالها وأقوالها. وليقلل ذلك من اللقاءات التي كانت تشغل وقت الرسول ~~بمناسبة أو غير مناسبة ، ليتحسسوا مسئوليتهم عنه وعن وقته الذي هو وقت ~~الرسالة في حركتها في حياة الأمة ، في الدعوة وفي الجهاد. # ( @QUR@04 ذلك خير لكم وأطهر ) لأنكم تخرجون بذلك من الأجواء العادية ~~التي تلتقون فيها ببعضكم البعض ، لتجدوا في لقاء الرسول معنى روحيا يرتبط ~~بالعطاء الذي يقدمه إليكم في ما تحتاجون إليه من شؤون دينكم ، من خلال ~~العطاء الذي تقدمونه للفقراء في ما يحتاجونه من أموالكم. # وقد علل صاحب الميزان ذلك بقوله : «ولعل الوجه في ذلك ، أن الأغنياء منهم ~~كانوا يكثرون من مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يظهرون بذلك نوعا من ~~التقرب إليه والاختصاص به ، وكان الفقراء منهم يحزنون بذلك وتنكسر قلوبهم ، ~~فأمروا أن يتصدقوا بين يدي نجواهم على فقرائهم بما فيها من ارتباط النفوس ~~وإثارة الرحمة والشفقة والمودة وصلة القلوب بزوال الغيظ والحنق» (1). # ونلاحظ على ذلك أن المسألة لا ترتبط بالجانب الاجتماعي في علاج عقدة ~~الفقراء من الأغنياء في لقاءاتهم المتكررة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~لأن من الممكن علاج ذلك بإتاحة الفرصة للفقراء في اللقاء بالرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالمستوى نفسه ، كما أن العطاء الذي يقدمه الفقراء لا ~~يغني عن الحاجة إلى ذلك اللقاء ، PageV22P076 # لأن الجانب الروحي والفكري الذي يتطلعون إليه ، في ما يحتاجون إليه من ~~الحصول على زاد فكري أو روحي منه ، لا يعوضه المال الذي يتصدق به الأغنياء. ~~وبذلك كانت المسألة ، في دائرة الاحتمال ، ترتبط بالجانب الداخلي في مضمون ~~الصدقة الروحي ، تماما كما هي العبادة في مقدماتها العملية ، والله العالم. # * * * ### ||| ** الصلاة عند عدم التمكن من الصدقة # ( @QUR@03 فإن لم تجدوا ) مالا تقدمونه بين يدي نجواكم ( @QUR@04 فإن ~~الله غفور رحيم ) في ما يعرفه من ظروفكم وأوضاعكم التي تمنعكم من ذلك ، ~~فيغفر لكم ما قد تكونون قصرتم ms5029 فيه ، ويرحمكم بالعفو عما عجزتم عنه. # وربما كان هذا التكليف موجبا لبعض الحرج الذي قد يعانونه في هذا الالتزام ~~المتكرر في اليوم الواحد ، في ما قد يطرأ من الحاجات اليومية في مناجاتهم ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الأمر الذي أوجب انشقاقهم منه ، في ما يفرضه ~~عليهم من صدقات متتابعة ، فقصر بعضهم ، أو تحدث البعض الآخر في ضرورة رفعها ~~، أو عن السبب الموجب لها ، في ما لا يفهمونه من أسبابها. وهكذا جاءت الآية ~~التي تناقش رد فعلهم عليه لترفع ذلك عنهم ، على أساس أن التشريع الموقت قد ~~أدى مهمته في إثارة الاهتمام بمسألة مناجاة المسلمين للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتقديرهم لمسؤولية وقته ، وضرورة التأكيد على المسائل ~~المهمة في ما يطلبونه من موعد للمناجاة ، فلا تكون القضية لديهم قضية وقت ~~ضائع يريدون أن يقطعوه معه ، أو مسألة تافهة يريدون أن يثيروها أمامه ، بل ~~تكون القضية قضية المهمات المعقدة التي تفرض الحاجة الملحة للقاء به ، بحيث لا PageV22P077 # يستغنى عنها بالحديث مع غيره. فجاءت الآية الثانية لترفع ذلك عنهم ، ~~ولتؤكد الالتزام بالخط العام في التقرب إلى الله ، وهو الصلاة التي هي ~~معراج روح المؤمن إلى الله ، والزكاة التي تمثل العبادة التي يمتزج فيها ~~العطاء الروحي بالعطاء المادي في ما تمثله الزكاة من حالة عبادية رائعة. # ( @QUR@07 أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ) فكان رد الفعل ~~امتناعكم عن مناجاته خوفا من دفع الصدقة ، أو امتناعكم من دفعها في إلحاحكم ~~على طلب مناجاته ، مما يوحي بضعف الالتزام الديني في حياتكم ، ( @QUR@03 ~~فإذ لم تفعلوا ) تهاونا أو استخفافا أو تمردا ( @QUR@03 وتاب الله عليكم ) ~~فغفر لكم ذلك بعد أن تحقق للتشريع بعض غاياته ، في ما أثاره من جدال ~~ومناقشة ووعي للمسألة المتصلة بالنبي في وقته الثمين لحساب الرسالة ( ~~@QUR@07 فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله ) في التشريعات ~~العامة التي تمثل خط الحياة الذي تتحرك الرسالة من أجل أن تقود الناس إلى ~~الالتزام به ، لتبقى حياتهم مشدودة إلى ما يصلح أمرهم عند الله في حسابات ~~الدنيا والآخرة ms5030 ، ( @QUR@04 والله خبير بما تعملون ) مما يرضيه أو مما ~~يسخطه في السر والعلانية. # وجاء في الدر المنثور عن علي عليه السلام قال : «إن في كتاب الله لآية ما ~~عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها بعدي ، آية النجوى ( @QUR@012 يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) كان عندي دينار ~~فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمت بين ~~يدي درهما ، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد ، فنزلت ( @QUR@07 أأشفقتم أن تقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقات ) (1). # * * * PageV22P078 ### ||| * الآيات # ( @QUR@019 ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) @QUR@010 أعد الله لهم عذابا شديدا ~~إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) @QUR@010 اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله فلهم عذاب مهين (16) @QUR@015 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) @QUR@017 يوم يبعثهم الله ~~جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون (18) @QUR@015 استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) @QUR@08 إن الذين يحادون الله ~~ورسوله أولئك في الأذلين (20) @QUR@09 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله ~~قوي عزيز ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أيمانهم ): الإيمان جمع يمين وهو الحلف. PageV22P079 # ( @QUR@01 جنة ): الجنة السترة التي يتقى بها الشر كالترس. # ( @QUR@01 مهين ): المهين اسم فاعل من الإهانة بمعنى الإذلال والإخزاء. # ( @QUR@01 استحوذ ): الاستحواذ الاستيلاء والغلبة. # ( @QUR@01 كتب ): الكتابة هي القضاء منه تعالى. # * * * ### ||| ** حديث المنافقين في المدينة # وهذه لفتة قرآنية إلى المنافقين في المدينة الذين كانوا يتحركون بين ~~المؤمنين وبين اليهود في حركة ازدواجية تنفتح على المؤمنين تحت عنوان ~~الإيمان من دون عمق في الفكر وفي الشعور ، وتلتقي مع اليهود تحت عنوان آخر ~~من دون شمولية في الموقف ، وبذلك كانوا يعيشون الاهتزاز الروحي والعملي على ~~أكثر من صعيد. وما زال القرآن يقود المسلمين إلى وعي الفكرة والموقف ، في ~~موقفهم من هؤلاء ، من خلال تعريفهم بملامحهم التي تعرفهم بحقيقتهم في صعيد ~~الواقع. # ( @QUR@09 ألم ms5031 تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ) وهم اليهود ~~الذين تولاهم هؤلاء المسلمون ، فاندمجوا في مخططاتهم ، والتزموا بمواقفهم ، ~~واعتبروا أنفسهم فريقا لهم في كل قضايا السلم والحرب ، ( @QUR@03 ما هم ~~منكم ) لأنهم لم يعلنوا الإيمان ويمارسوه في الموقف ليندمجوا بالمجتمع ~~المؤمن اندماجا روحيا وعمليا ليكونوا جزءا منه ، ( @QUR@02 ولا منهم ) ~~لأنهم إذا كانوا يلتقون معهم بالموقف والمصلحة ، فإنهم لا يستطيعون أن ~~يدخلوا في المجتمع اليهودي كجزء منه ، لأنه مجتمع مغلق لا يسمح للآخرين من ~~غير اليهود أن يدخلوا فيه وينفذوا إليه بطريقة عضوية ، انطلاقا من العنصرية ~~التي يختزنها أفراده في تفوق العنصر PageV22P080 # اليهودي على سائر البشر ، بل كل ما هناك أنهم يستغلون الثغرات الموجودة ~~في كل مجتمع ، لينفذوا إليه من خلالها ، وليعبثوا فيه ما أمكنهم العبث ، ~~وليفسدوا فيه ما أمكنهم الإفساد. # وهكذا كان هؤلاء المنافقون مذبذبين في الموقف بين اليهود وبين المؤمنين ، ~~مما يجعلهم يفقدون شخصيتهم الأصيلة ، في ما هو الانتماء الروحي والفكري على ~~مستوى الاستقرار والثبات. # ( @QUR@05 ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ) وتلك هي سيرتهم عند ما يشعرون ~~بأن المؤمنين لا يمنحونهم الثقة ، أو يخيل إليهم ذلك من خلال القلق النفسي ~~الذي يعيشون فيه على أساس الواقع النفاقي الذي يتمثل في داخلهم ، فيلجئون ~~إلى الحلف الكاذب الذي يحاولون فيه تغطية أوضاعهم السرية المشبوهة ، وإخفاء ~~مواقفهم السيئة ، ( @QUR@05 أعد الله لهم عذابا شديدا ) لأنهم يمثلون في ~~نفاقهم الخطورة الكبيرة على المجتمع المسلم في ما يكيدون له ، وفي ما يكيد ~~له الأعداء من خلالهم بإثارة المشاكل في داخله ، وتحريك عناصر الخوف في ~~مواقعه ( @QUR@05 إنهم ساء ما كانوا يعملون ) لأنهم ينطلقون فيه من العقدة ~~الخبيثة الكامنة في مواقع الحقد والعداوة من شخصياتهم ، مما يجعلهم في حركة ~~دائمة للإضرار بالإسلام والمسلمين. # ( @QUR@03 اتخذوا أيمانهم جنة ) أي درعا يتقون به من الأفكار الاتهامية ~~التي يحملها المسلمون تجاههم ، فيعملون على تأكيد إخلاصهم وصدقهم ومزاعمهم ~~بالأيمان الكاذبة ، للإيحاء بالموقف القوي الثابت الذي يقفونه ، وبالعمق ~~الإيماني الذي يتمثلونه. وهكذا كان البسطاء من الناس يصدقونهم ، ويثقون ~~بأيمانهم ، فينجذبون إليهم ، وينقادون لهم ، وينفذون ms5032 مخططاتهم. # ( @QUR@04 فصدوا عن سبيل الله ) وأبعدوا هؤلاء البسطاء الطيبين من ~~المسلمين عن خط الاستقامة ، وقادوهم إلى مواقع الانحراف في متاهات الضلال ~~التي يتحرك PageV22P081 # فيها الشيطان بكل حرية في إضلال الناس وإبعادهم عن الله ، ( @QUR@03 فلهم ~~عذاب مهين ) يسحق أوضاعهم الاستعراضية وزهوهم الاستكباري وتعاظم شخصياتهم ، ~~ليواجهوا المهانة في العذاب يوم القيامة في مقابل الامتيازات الطارئة ~~المنتفحة التي كانوا عليها في مواقف النفاق. # ( @QUR@09 لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) لأن القوة ~~التي تقدمها إليهم الأموال أو يتحرك بها الأولاد ، قد تغني عنهم أمام قوة ~~الناس ، ولكنها لا تغني شيئا أمام قوة الله التي لا يثبت أمامها شيء ، ( ~~@QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) لأنهم عملوا لها من خلال ~~الروحية الخبيثة السوداء التي تختفي وراء مواقفهم ، فتتحرك أعمالهم ~~العدوانية في هذا الجو ، لتقهر القوة الإسلامية بكل قوة ، لمصلحة الكفر ~~والكافرين ، والاستكبار والمستكبرين. # ( @QUR@09 يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ) لأن هذه ~~العادة قد تأصلت في نفوسهم بحيث أصبحت جزءا من شخصياتهم ، فيمارسونها بشكل ~~عفوي من دون شعور ، فلا يفكرون أن الحلف الكاذب أمام الناس قد يمر عليهم ، ~~فلا ينكشف أمره لوجود بعض الحواجز التي تحجب الحقيقة عنهم ، ولكن الحلف ~~أمام الله لا يمكن أن يمر من دون انكشاف الكذب فيه ، فهو الذي يعلم سرهم ~~كما يعلم علانيتهم ، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. فكيف ~~يمكن لهم أن يواجهوا المسألة بهذه الطريقة؟ إنها الغفلة المطبقة على العقول ~~والأفكار التي تمنع الإنسان من التفكير السليم. # ( @QUR@04 ويحسبون أنهم على شيء ) من الثبات على القاعدة التي تحمي ~~مواقعهم ومواقفهم ومصائرهم ، ولكنها القاعدة المهتزة اهتزاز النفاق في ~~مواقعه وحركته ، فلا استقرار لهم على شيء ، تماما كما هو الذي يتحرك في ~~الفراغ ، فلا شيء إلا الهواء ، ولا مجال إلا للسقوط ، ( @QUR@04 ألا إنهم ~~هم الكاذبون ) في دفاعهم عن أنفسهم في الآخرة ، تماما كما هو الحال في ~~الدنيا. PageV22P082 # ( @QUR@03 استحوذ عليهم الشيطان ) فأحاط بكل أفكارهم ، فلم ينفتحوا على ~~فكر الحق ، ونفذ إلى قلوبهم ، وتمكن منها ms5033 ، وتحرك في كل نبضاتها وخفقاتها ، ~~وامتد إلى كل آفاقها ، فلم يطلوا على آفاق الله ورحاب الخير ومواقع الإيمان ~~، وانطلق إلى مواقع خطواتهم فبعثرها ، وانحرف بها عن الصراط المستقيم ، ~~وأثار فيها الكثير من أجواء الشر والفساد ، ( @QUR@03 فأنساهم ذكر الله ) ~~في الكلمة ، فلا تنطلق به ألسنتهم ، وفي الموقف فلا تعي حضوره ذهنياتهم ، ~~فاستغرقوا في الباطل كله ، يقدسون رموزه ، ويتحركون في مخططاته. # * * * ### ||| ** أولئك حزب الشيطان # ( @QUR@03 أولئك حزب الشيطان ) لأنهم التزموا منهجه ، واتبعوا خطواته ، ~~وصاروا من جماعته ، وعاشوا في أجواء إغراءاته وتهاويله ، وابتعدوا عن الله ~~، وكذبوا رسله ، ورفضوا شريعته. # ( @QUR@06 ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة ، ففقدوا النعيم في الجنة ، وعاشوا في عذاب النار وبئس المصير. # ( @QUR@05 إن الذين يحادون الله ورسوله ) بالعناد والاستكبار والتمرد ~~عليه وعلى رسله ورسالاته ( @QUR@03 أولئك في الأذلين ) لأن العزة الله ~~جميعا ، فهو الذي يملكها في ذاته المقدسة ، وهو الذي يمنحها لغيره في ما ~~يهيئه من أسبابها وفي ما يعطيه من مواقع القوة فيها ، فلا عزة لغير الله ~~إلا منه ، فكيف ينطلق هؤلاء المنافقون ليأخذوا العزة من المشركين واليهود ، ~~وماذا يملك أولئك منها ليستمدوا قوتها من قوتهم؟ وإذا كان الأمر في الدنيا ~~بهذه المثابة ، فكيف يواجهه هؤلاء الموقف يوم القيامة حيث يكون الأمر كله لله؟ PageV22P083 # ( @QUR@05 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) كيف نتصور هذه الغلبة ، هل هي ~~الغلبة في الحجة ، في ما تمثله حجة الإيمان من قوة ، وفي ما تختزنه حجة ~~الكفر من ضعف ، أو هي الغلبة في الإسناد الغيبي ، في ما يؤيد الله به رسله ~~من إنزال الآيات المعجزة ، أو إنزال العذاب على المكذبين من الكافرين ~~والمشركين ، أو هي الغلبة في ساحة الصراع في حركة القوة ، لتكون الغلبة ~~للمؤمنين على الكافرين في تأكيد الوجود الإيماني في عقائد الناس ، وفي ~~حركتهم العملية في خطوطه التشريعية؟ # قد يكون الظاهر من الآية إرادة الغلبة بكل هذه المعاني ، في ما يريد أن ~~يؤكده من غلبة المؤمنين على الكافرين في كل مواقع الصراع. # * * * ### ||| ** كيف نفهم غلبة الله ورسله؟ # وقد يثير البعض ms5034 بعض علامات الاستفهام حول مسألة الغلبة في الواقع ، لما ~~نلاحظه من سيطرة الكفر على الإيمان في قوته العملية ، لما يملكه من وسائل ~~القوة المدمرة الساحقة في كل مجالات الحياة العامة والخاصة ، مما لا يملك ~~الإيمان إلا القليل القليل منه. فكيف نفسر ذلك؟ # والجواب عن ذلك أن من الممكن أن يكون المقصود بالغلبة هنا هو انتصار ~~الإسلام على الكفر ، على صعيد النتائج العملية ، عند ما يفشل الكفر في ~~محاولاته الكثيرة في إبعاد الإسلام عن الواقع الفكري والعملي ، فيندفع ~~الناس إلى الإيمان به ، واعتناق أفكاره ، والتزام مناهجه وشرائعه ، ليسقط ~~الكفر في ساحة الصراع ، فلا يستطيع القضاء على الإيمان والمؤمنين. وهكذا ~~رأينا القضية تتجسد في الموقف القوي للإيمان ، ثم يعود الصراع من جديد ، وهكذا PageV22P084 # يستمر التحدي ، وينطلق الإيمان ، وينزل الله غضبه على الكافرين ويدخل ~~الناس في دين الله أفواجا. # وهكذا تكون الغلبة باستمرار الإيمان قوة تفرض نفسها على الفكر وعلى ~~الواقع ، من دون أن يستطيع الآخرون إبعادها عنه ، مما يجعل من الغلبة غلبة ~~على إرادة الكفر في إسقاط الرسالات ، ليبقى للإسلام دوره وقوته. ثم تمتد ~~الحياة ليكون الدين كله لله في نهاية المطاف. # ( @QUR@04 إن الله قوي عزيز ) فهو الذي يحرك قوته على أساس الحكمة ، ~~ويؤكد عزته في هيمنته على الأمر كله ، في نطاق القوانين التي وضعها للحياة ~~وللإنسان بحكمته ، مما لا يجعل من إفساح المجال لبعض قوى الكفر مظهر ضعف أو ~~انتقاص من عزة الله وقوته ، بل يكون ذلك من تقدير الله وتدبيره ، في ما ~~أراده من حركة الاختلاف بين الناس ، من خلال حكمته. # * * * PageV22P085 ### ||| * الآية # ( @QUR@051 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأيدهم ): التأييد : التقوية. # * * * ### ||| ** صفة المؤمنين بالله ورسوله # كيف تكون صفة المؤمنين بالله ورسوله ، في علاقاتهم ms5035 الروحية ، وفي PageV22P086 # مشاعرهم العاطفية ، وفي مواقفهم الحركية ، في ما يتصل بالفئات الكافرة ~~الضالة المخالفة لله ورسوله في عقيدتها وفي خطواتها العملية؟ فهل يحاولون ~~الفصل بين الموقف العقيدي والموقف الذاتي ، لتكون عاطفة القرابة حية في ~~نفوسهم ، بحيث لا تؤثر عليها عاطفة العقيدة ، فتنفتح قلوبهم للكافرين الذين ~~يمتون إليهم بصلة القرابة ، أو يعملون على أن يكون الموقف واحدا ، لتكون ~~الذات تجسيد العقيدة ، ولتكون العقيدة عنوان الذات ، لأن المسألة في ~~الانتماء العقيدي ليست شيئا يتحرك في زاوية من زوايا الكيان ، بل هي الروح ~~التي تشمل الكيان كله؟ # * * * ### ||| ** ما تعالجه هذه الآية بأسلوبها الخاص # ( @QUR@012 لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ) لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يمثل خطا للفكر والعاطفة والحياة ~~، كما تمثل المحادة لله ورسوله خطا آخر في هذه المواقع ، مما ينعكس على ~~المواقف والعلاقات الخاصة التي تحمل الرفض للفكر المضاد ، وللموقف المعادي ~~، وللإنسان المتمرد الحاقد ، فلا يجتمع في وعي الإنسان المؤمن وموقفه ~~الانفتاح على الله وعلى رسوله وعلى دينه والموادة المخلصة المنفتحة على ~~المعادين لهم ، بالموقف والعاطفة ، لأن ذلك يمثل اجتماع الشعورين ~~المتنافرين ، كما يفرض التقاء الموقفين المتضادين في ما تفرضه طبيعة كل ~~منهما من شعور وموقف. # وعلى ضوة ذلك ، فإن كل واحد منهما ينفي الآخر ، مما يعني أن الإيمان موقف ~~ينفى الود الفكري والروحي والعملي لمن حاد الله ورسوله PageV22P087 # ( @QUR@09 ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) فلا قيمة ~~لصلة القرابة ، مهما كانت قريبة ، أمام مسألة العقيدة ، فقد تفرض عليه ~~العقيدة في مواقف التحدي أن يقتل الإنسان أباه أو ولده أو أخاه أو أفراد ~~عشيرته إذا وقفوا في الموقف المعادي للإسلام وللمسلمين ، كما حدث لبعض ~~الصحابة في معركة بدر ، وكما حدثنا القرآن الكريم عن موقف نوح من ولده وعن ~~موقف إبراهيم من أبيه. وهذا هو الخط الذي يريد الإسلام للإنسان المسلم أن ~~يقف عنده ويتحرك فيه ، ليكون منفصلا عن كل المواقع المضادة للإسلام ، في ~~عملية رفض فكري وعملي ، يؤكد على الحاجز الفاصل بين الإسلام والكفر ms5036 ، لتكون ~~المواقف تابعة له. # ( @QUR@05 أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) من خلال عمق الفكرة والشعور ، ~~بحيث كان الإيمان هو العنوان البارز الثابت في واجهة العقل والروح ، فلا ~~فراغ فيها لغيره ، مما يتصل بالكفر فكرا وشعورا ، ( @QUR@03 وأيدهم بروح ~~منه ) في ما يوحي به إليهم من الإشراق والصفاء والنقاء ، وفي ما يمنحهم ~~إياه من الطمأنينة والثبات والاستقرار والعزيمة القوية الصامدة ، ( @QUR@08 ~~ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) فذلك هو جزاء المؤمنين ~~الصامدين في إيمانهم ، المستقيمين في طريقهم ، المتقين في أعمالهم ، ( ~~@QUR@03 رضي الله عنهم ) بما آمنوا به ، وبما أطاعوه ، ( @QUR@02 ورضوا عنه ~~) بما أفاض عليهم من نعمه في كل وجودهم وفي كل مفردات حياتهم العملية في ~~حركة الوجود. وهذا هو الهدف الذي يريد الله للمؤمنين أن يتابعوا السير نحوه ~~، وهو الرضا المتبادل بينهم وبينه ، فينفتحون عليه في الرضا بقضائه ، ~~ويحصلون على رضاه عنهم ، بإيمانهم وتقواهم ، لتكون حياتهم له ومعه في جميع ~~المجالات. # * * * PageV22P088 ### ||| ** أولئك حزب الله # ( @QUR@03 أولئك حزب الله ) الذين يؤكدون انتماءهم إلى الله من خلال ~~التزامهم بمواقع رضاه ، وابتعادهم عن مواقع سخطه ، وانطلاقهم في الحياة ~~كلها على مستوى الكلمات والأفعال والعلاقات والأهداف ، من منطلق الإيمان به ~~والرفض لغيره. وهذا هو خط حزب الله الذي يقابله حزب الشيطان في ما يعنيه ~~الانتماء إلى نهج الشيطان ، والسير على خطواته ، والارتباط بأهدافه. وعلى ~~ضوء ذلك ، فلا بد في الانتماء إلى حزب الله ، كعنوان من عناوين الحركة ~~والانطلاق ، من الالتزام الفكري والعملي بالإسلام ، بتأكيد الخط الفاصل ~~الذي يفصل الإنسان عن غير الإسلام ، وذلك بالتدقيق في النهج والخط والحركة ~~والنتائج ، والولاية لله ورسوله وأوليائه ، فذلك هو الأساس في صدق ~~الانتماء. فلا يكفي ، لتأكيد صدق الانتماء الى حزب الله ، الانتماء الى ~~الإسلام بالمعنى البسيط الرسمي الذي يدخل به الإنسان إلى الإسلام ، ذلك أن ~~الفارق فيما بينهما ، تماما كما هو الفارق بين الإسلام والإيمان ، في ما ~~يختلف به المسلم عن المؤمن في ما أشارت به الآية الكريمة في سورة الحجرات ~~في قوله تعالى: ( @QUR@014 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ms5037 ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) [الحجرات : 14]. # فإذا كان الإنسان مسلما وارتباط بخط أعداء الله في المسألة الثقافية ~~والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ليقتصر دوره الإسلامي على المسألة ~~العبادية بمعناها الساذج ، لتكون النتائج النهائية لأعداء الإسلام ، فهو من ~~حزب الشيطان لا من حزب الله ، لأن التحزب للشيطان لا يعني الكفر دائما ، بل ~~قد يعني الانتساب إلى الإسلام في جانب ، والالتزام بالمواقف الشيطانية في ~~الخط العملي في جانب آخر ، كما استوحيناه في ما حدثنا الله به عن المنافقين الذين PageV22P089 # هم حزب الشيطان الخاسرون .. وعلى هذا الأساس ، فإن المؤمنين المتقين هم ~~حزب الله الذين يشملهم الله بعين رعايته وعنايته ( @QUR@06 ألا إن حزب الله ~~هم المفلحون ) الذين أخذوا بأسباب الفلاح في الدنيا والآخرة ، ففازوا به في ~~الدرجات العلى عند الله سبحانه ، وذلك هو الفوز العظيم. # * * * PageV22P090 ### | سورة الحشر ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها أربع وعشرون PageV22P091 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من السور المدنية التي عالجت موقعة مهمة من مواقع الأمن ~~الإسلامي في المدينة ، في نطاق الأوضاع القلقة التي كان يتحرك فيها اليهود ~~ضد المسلمين في كيدهم الخفي للإسلام ، بالرغم من المعاهدة التي كانت تربطهم ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في علاقة السلم المتبادل المبني على الاحترام ~~العملي في حركة الواقع ، وفي اعتراف الإسلام بالكتاب كله ، كرمز للعلاقات ~~المميزة مع أهل الكتاب ، ولذلك كان الوضع حذرا في ما كان المسلمون يتحسسونه ~~من أوضاعهم المريبة وحركاتهم المشبوهة ، التي ترتكز على الكيد والتأمر على ~~حركة الإسلام كله. # وهذا هو ما تمثله موقعة بني النضير الذين هم أحد فصائل المجتمع اليهودي ~~في المدينة ، إلى جانب بني قريظة وبني قينقاع. وقد صدر منهم ما يؤكد نقض ~~عهدهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان سبب ذلك في ما نقله رواة ~~السيرة ، أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة سيد بني عامر ابن ~~صعصعة ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأهدى له هدية ، فأبى أن ~~يقبلها حتى يسلم ، فلم يسلم ولم يبعد ، وأعجبه الإسلام وطلب من ms5038 النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يرسل جماعة إلى أهل نجد في جواره يدعوهم إلى ~~الإسلام ، فأرسل معه سبعين راكبا ، فقتلهم عامر بن الطفيل بئر معونة ، ~~استصرخ عليهم القبائل ، ونجا منهم PageV22P093 # عمرو بن أمية الضمري ، أطلقه بعد ما جز ناصيته ، فخرج عمرو ونزل معه ~~رجلان من بني عامر في ظل شجرة ، وكان معهما عقد وجوار من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلم به عمرو ، فلما ناما ، قتلهما بمن قتله بنو ~~عامر عند بئر معونة ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزم على ~~أن يديهما ، فانطلق إلى بني النضير يستلفهم في ديتهما ومعه نفر من أصحابه ، ~~فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، وجلس إلى جدار من بيوتهم وتأمروا على قتله ، ~~فقالوا : نعم يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة يقتله بها ويريحنا منه ، ~~ونهاهم سلام بن مشكم ، وقال : ليخبرن بما هممتم به ، وأنه نقض للعهد ، فلم ~~يقبلوا ، فانتدب لذلك رجل وصعد ليلقي الصخرة ، فجاءه صلى الله عليه وآله وسلم ~~الوحي بذلك ، فنهض سريعا كأنه يريد حاجة ، فتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه ~~فقالوا : قمت ولم نشعر ، قال : همت يهود بالغدر وأخبرني الله بذلك فقمت ، ~~وأرسل إليهم محمد بن مسلمة فقال : اذهب إلى يهود فقل لهم : اخرجوا من بلدي ~~فلا تساكنوني ، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا فمن رئي ~~بعد ذلك ضربت عنقه ، فقالوا : نتحمل ، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن ~~سلول : لا تفعلوا ، فإن معي من العرب ومن قومي ألفين يدخلون معكم وقريظة ~~وحلفاؤكم من غطفان يدخلون معكم ، فطمع حيي بن أخطب سيد بني النضير في ذلك ، ~~ونهاه سلام ابن مشكم أحد رؤسائهم ، وقال : إن ابن أبي يريد أن يورطكم في ~~الهلكة ، ويجلس في بيته ، ألا تراه وعد بني قينقاع مثل ما وعدكم ، وهم ~~حلفاؤه ، فلم يف لهم ، فكيف يفي لنا ونحن حلفاء الأوس؟ فلم يقبل حيي وأرسل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنا لا نخرج من ديارنا ms5039 فاصنع ما بدا ~~لك ، فكبر صلى الله عليه وآله وسلم وكبر المسلمون وقال : حاربت يهود ، وتجهز ~~لحربهم واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وكان أعمى ، وأعطى رايته علي بن ~~أبي طالب عليه السلام ، واعتزلتهم قريظة ، فلم تعنهم ، وخذلهم ابن أبي ~~وحلفاؤهم من غطفان ، وسار صلى الله عليه وآله وسلم بالناس ، حتى نزل فصلى بهم ~~العصر بفنائهم وقد تحصنوا ، وقاموا على PageV22P094 # حصنهم يرمون بالنبل والحجارة (1) # قال صاحب السيرة الحلبية : «وأمر بلالا فضرب القبة ، وهي من خشب عليها ~~مسوح ، وكان رجل من يهود اسمه عزوز أو غزول ، وكان أعسر راميا يبلغ نبله ما ~~لا يبلغه نبل غيره ، فوصل نبله تلك القبة فأمر بها فحولت. وفقد علي قرب ~~العشاء ، فقال الناس : يا رسول الله ما نرى عليا ، فقال : دعوه ، فإنه في ~~بعض شأنكم ، فعن قليل جاء برأس غزول ، كمن له علي حين خرج يطلب غرة من ~~المسلمين ومعه جماعة ، فشد عليه فقتله وفر من كان معه ، فأرسل رسول الله مع ~~علي أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة فأدركوهم وقتلوهم. # وحاصرهم صلى الله عليه وآله وسلم خمسة عشر يوما ، وقيل : أكثر ، وكان سعد بن ~~عبادة في تلك المدة يبعث بالتمر إلى المسلمين ، وقطع نخلهم وحرق لهم نخلا ~~بالبويرة ، فنادوه : يا محمد ، كنت تنهى عن الفساد وتعيبه ، فما بال قطع ~~النخل؟ وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فقالوا : نخرج من بلادك ، فقال : لا ~~أقبله اليوم ولكن اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإبل من أموالكم إلا الحلقة ~~(أي آلة الحرب)، فنزلوا على ذلك ، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم ، فيهدم ~~الرجل بيته عما استحسن به من باب ونجاف وغيرهما لئلا ينتفع بها المسلمون ، ~~وكان المسلمون يخربون مما يليهم ، فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من خرج إلى ~~الشام» (2). # وقد أثارت السورة مسألة النتائج للنصر الإسلامي عليهم ، في ما أفاء الله ~~به على المسلمين من أموالهم ، فحددت كيفية توزيعه بالطريقة التي تمثل ~~الشمول للجميع بحيث لا يختص به أحد. PageV22P095 # وانطلق النداء الإلهي في السورة للمؤمنين في الدعوة إلى التفكير ~~بالمستقبل الأخروي ms5040 ، كيف يعدون العدة له ، وكيف يواجهون المسألة بمنطق ~~التقوى في دراسة حسابات الماضي للمستقبل ، وفي الانضباط أمام الخطوات ~~العملية في ما يقومون به من خطوات في خط الطاعة ، ليحصلوا على الجنة التي ~~يدخلها الفائزون برحمة الله ورضوانه. وتختم الحديث بالتأكيد على القرآن في ~~إيحاءاته الفكرية والروحية في وعي الإنسان ، في خشوعه لله ، لأنه لو أنزل ~~على جبل لكان خاشعا متصدعا من خشية الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة ، له الأسماء الحسنى ، فليتوجه الناس إليه ويسبحوه مع المسبحين. # * * * ### ||| ** اسم السورة # وجاء اسم الحشر ليكون عنوانا للسورة باعتبار الحديث فيها عن أول الحشر في ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر ) والمراد به ، في رأي ابن عباس والأكثرين من المفسرين ، أن أهل ~~الكتاب أخرجوا من جزيرة العرب للمرة الأولى ، وكانوا من قبل في عزة ومنعة ، ~~وقيل في أول حشرهم للقتال ، أو للجلاء إلى الشام. # * * * PageV22P096 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) ~~@QUR@041 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) @QUR@015 ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) @QUR@012 ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) @QUR@013 ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) (5) # * * * ### ||| ** واقعة بني النضير # ( @QUR@08 سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) فهذه هي الوظيفة ~~الإيمانية التي تمثل PageV22P097 # دور الكون في ما يحتويه من موجودات حية أو جامدة ، في وجوده التكويني ~~المنفتح على إعلان عظمة الله بوسائله التعبيرية المتنوعة ، ليكون ذلك ~~منطلقا للإنسان ليستوحي ذلك في إقباله على الله ، وفي خضوعه له ، وفي ~~انفتاحه على كل مشاريعه العملية من خلال الإحساس بذلك ms5041 ، ليكون مرتكزا على ~~أساس الشعور بالموقف القوي من خلال الشعور بعظمة الله في كل مواقع القوة ( ~~@QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي لا يقترب أحد من مواقع عزته بأي موقع قوة ~~، كما أنه يدبر الحياة في كل حركتها بحكمته. # ( @QUR@012 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~) بتدبيره الذي ألهمه رسوله ، وبنصره الذي نصره به ، في نطاق العقيدة ~~الإيمانية التي ترجع فيها كل أفعال الإنسان إلى الله ، في ما توحي به من أن ~~الله هو الذي يملك عمق الأسباب التي تبدو مرتبطة بالإنسان في ظواهرها ، ~~ليبقى الإنسان مشدودا إلى الله في شعوره بالحاجة المطلقة إليه ، لأن كل ~~طاقاته الذاتية مستمدة من الله في أصل وجودها وفي استمرارها في الحركة. # وهكذا كانت الآية تؤكد أن الله هو الذي أخرج الكافرين برسوله من أهل ~~الكتاب ، وهم بنو النضير ، من ديارهم ، بفعل الخطة الحكيمة المتحركة بقوة ~~الموقف الإسلامي الذي وقفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه في ~~مواجهتهم للتمرد اليهودي على المعاهدة المعقودة بينهم وبين النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أسلفنا الكلام عما هو المراد من أول الحشر الذي ~~يوحي بالبداية لإخراج اليهود عن الجزيرة العربية. # وقد كان هذا الإخراج وليد نظرة إسلامية للعقلية اليهودية العنصرية التي ~~تختزن في داخلها العقدة الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين في ما كانت تثيره من ~~حقد متأصل في الذات ، وشعور مرضي بالتفوق ، مما يجعل المجتمع اليهودي بحسب ~~طبيعته مجتمعا معقدا مثيرا للقلق والإرباك في محيطه PageV22P098 # الإسلامي ، بالمستوى الذي يشكل فيه خطرا مستقبليا على سلامة الدين ~~الإسلامي الوليد ، هذا من جهة. ومن جهة أخرى ، فإن التجربة المريرة التي ~~عاشها المسلمون معهم ، في نطاق المعاهدة المعقودة فيما بينهم ، كانت تجربة ~~قاسية ، لا سيما في الحلف العدواني بين اليهود والمنافقين ، بحيث استطاع ~~اليهود أن يستغلوا مجتمع النفاق ، للتدخل في قضايا المسلمين باسم الإسلام ~~الذي كان يتستر به المنافقون الذين كانوا يبطنون الكفر في داخلهم. ولكن ~~الله أراد لنبيه أن لا يعرض لهم بسوء التزاما بالعهد ms5042 ، حتى يكونوا هم الذين ~~ينقضونه بأنفسهم ، فلما نقضوه وكان بنو النضير أول الناقضين وقف المسلمون ~~موقفا حازما منهم ، وكان الجلاء هو الحل الطبيعي الواقعي للمشكلة ، بالرغم ~~من قسوته في ذاته ، ولكننا عند ما ندرسه من ناحية الامتناع عن قتل الذكور ~~وسبي النساء والأطفال ، فإننا نجده حلا لا يبتعد عن الرحمة بالمعنى العسكري ~~للكلمة ، وهكذا أخرجهم الله بتدبيره. # ( @QUR@04 ما ظننتم أن يخرجوا ) لأنهم كانوا يملكون القوة والمنعة والمال ~~الكثير ، بالمستوى الذي يرفضون معه أن يسلموا أمرهم للقرار الإسلامي في ~~إخراجهم بطريقة سلمية ( @QUR@06 وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ) في ما ~~كان يخيل إليهم من مناعة الحصون التي يتحصنون بها ويضغطون من خلالها على ~~أعدائهم ، على أساس ما تمنحه لهم من مواقع الأمان ، وكانوا يتعلقون ~~بالأسباب المادية في ما يستغرقون فيه من عقدة القوة المستعلية ، من دون ~~انفتاح على الأسباب الغيبية المخزونة في علم الله ، ودراسة لعناصر القوة ~~الروحية الخفية الكامنة في المجتمع الإسلامي بقيادة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، مما جعلهم يعيشون الغفلة المطبقة على عقولهم ~~ومشاعرهم ( @QUR@06 فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) لأنهم لم يفكروا في ~~الانهيار الكبير الذي امتد إلى كل مواقعهم ومواقفهم ، فكانت المفاجأة ~~الكبيرة أن مجتمعهم لم يكن مرتكزا على أساس القوة الحقيقية ، بل كانت ~~المسألة مسألة وهمية خاضعة لغرور العظمة الكاذبة ، فكان الواقع الذي تحداهم هو PageV22P099 # واقع الهزيمة النفسية ، ( @QUR@04 وقذف في قلوبهم الرعب ) عند ما واجهوا ~~القوة الإسلامية المتماسكة الواثقة بربها وبقيادتها وبالمؤمنين في مواقعها ~~، فرأوا فيها الموقف القوي الذي يواجه العدو بثقة وقوة حاسمة. وهكذا كانت ~~الحرب النفسية في ما يمكن أن تحركه من نقاط الضعف في نفوس الناس ، هي ~~الوسيلة الفضلى للنجاح في الحرب السياسية والعسكرية ، لأنها تحطم الإرادة ~~الإنسانية التي تحرك السلاح ، وتثبت الموقف. وهذا هو الذي يجب أن يراقبه ~~المسلمون في ما يخططون له من معارك الإسلام في مواجهة الكفر والطغيان ، كما ~~ينبغي لهم أن ينتبهوا إليه في ما يخططه الأعداء وما يعملون على إثارته في ~~مواجهة المسلمين ، من الحرب ms5043 النفسية التي يحركون فيها نقاط الضعف لدينا ~~أمام نقاط القوة عندهم ، بالكلمة والفعل والإيحاء والموقف. # ( @QUR@05 يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) فقد كانوا يدمرون ~~بيوتهم ، أو يعيثون ببنائها ، لئلا يغنمها المسلمون فيسكنوا فيها ، وهي على ~~حال جيدة صالحة للسكن ، وكان المؤمنون يخربونها من أجل أن يصلوا إليهم ~~ويسيطروا عليهم. # وقيل : إن التعبير جار مجرى الكناية في ما يوحي به تخريب البيوت من إفساد ~~أوضاعهم الحياتية واستقرارهم الأمني ، وذلك بنقضهم لعهدهم مع الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم وبتأليب المؤمنين عليهم ، كنتيجة لذلك ، وهو خلاف ~~الظاهر. # ( @QUR@04 فاعتبروا يا أولي الأبصار ) وخذوا من هؤلاء درسا في خط السير ، ~~وفي طريقة المواجهة للأوضاع والظروف المحيطة بكم ، في ما تقبلون عليه من ~~مواقف ومشاريع في ساحات الصراع بين الحق والباطل ، لتتخذوا الموقف الحق ~~بحكمة وقوة وعزيمة ، ولتقدروا النتائج السلبية أو الإيجابية من خلال ~~الدراسة الموضوعية الواعية. # ( @QUR@07 ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء ) في ما أراده لهم من حفظ ~~نفوسهم ، PageV22P100 # بالإبقاء عليهم ، للمصلحة التي يعلمها في ذلك ، فقد كان لا يريد أن يبدأ ~~معركة الإسلام معهم بمذبحه كبيرة ، قد تثير اليهود الآخرين الذين كانوا لا ~~يزالون على العهد محافظين على السلام ، بالرغم من أن هؤلاء قد قاموا ~~بمحاولة اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولهذا اكتفى بالحكم ~~بالجلاء عن ديارهم في البداية ، ليكون ذلك بمثابة الدرس لكل الذين يحاولون ~~القيام بنقض العهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو لا ذلك ( @QUR@03 ~~لعذبهم في الدنيا ) بالقتل والاستئصال ، كما فعل ذلك مع بني قريظة عند ما ~~نقضوا العهد ، لأن المصلحة كانت تفرض ذلك على أساس الخيانة الكبيرة في ~~التحالف مع المشركين للهجوم على المدينة ، للقضاء على الإسلام والمسلمين في ~~واقعة الأحزاب. # ( @QUR@05 ولهم في الآخرة عذاب النار ) لتمردهم على الله ورسوله وخيانتهم ~~للعهد. ( @QUR@05 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) أي خالفوا أوامرهما ~~ونواهيهما وعهدهم معهما ، ( @QUR@07 ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ) ~~لأن هذا الموقف المضاد يعبر عن حالة خبيثة تنم عن الشعور العدواني ضد ~~العظمة ms5044 الإلهية ، مما يعرض السائرين في هذا الاتجاه للعقاب الشديد. # ( @QUR@04 ما قطعتم من لينة ) وهي النخلة ( @QUR@05 أو تركتموها قائمة ~~على أصولها ) في ما كان المسلمون يمارسونه من قطع النخيل في مواقع بني ~~النضير لبعض الضرورات الحربية ، على أساس إيجاد حالة نفسية صعبة لديهم ، أو ~~إزالة بعض الحواجز التي كانت تتمثل في النخيل الذي يمنع من حرية الحركة ، ~~وذلك بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مما كان مثيرا لاعتراض بني ~~النضير ، لأنه يمثل نوعا من التخريب أو الإفساد الذي لا يفيد المسلمين في ~~شيء ، باعتبار أن ذلك يمثل نوعا من الخسارة ، على تقدير انتقال الأرض ~~إليهم. ولكن الله يقول إن ذلك لم يكن حالة مزاجية اعتباطية ، بل كل ما أمر ~~به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام به المسلمون ( @QUR@02 فبإذن الله ) ~~من خلال الحكمة التي أرادها في ساحة الصراع بين المسلمين واليهود ، ( ~~@QUR@02 وليخزي الفاسقين ) ويدفعهم إلى السقوط تحت تأثير الهزيمة PageV22P101 # والخزي والعار والانهيار النفسي والعملي. # وهكذا نجد أن حركة المحاربين في ما يتعلق بقطع الأشجار أو إبقائها ، لا ~~تنطلق من مبدأ الانفعال بالأجواء العسكرية ، بل تخضع للضرورات العامة في ~~طبيعة الموقف من الأعداء في ما يحقق المصلحة العليا للإسلام وللمسلمين ، ~~وللحياة من جهة عامة. # * * * PageV22P102 ### ||| * الآيات # ( @QUR@025 وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) @QUR@037 ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) @QUR@018 ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أفاء ): الإفاءة الإرجاع ، من الفيء بمعنى الرجوع. PageV22P103 # ( @QUR@01 أوجفتم ): إيجاف الدابة تسييرها بإزعاج. # ( @QUR@01 ركاب ): الإبل. # * * * ### ||| ** حكم الفيء # ( @QUR@06 وما أفاء الله على رسوله منهم ) والفيء هو «ما كان من أموال لم ~~يكن فيها هراقة ms5045 دم أو قتل» كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (1)، ~~والمقصود بالآية هو ما حصل عليه المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من بني النضير ( @QUR@07 فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) فلم تحصلوا ~~عليه من خلال حشد الخيل والإبل وهي الركاب لأن المسافة ليست بعيدة عنكم ، ~~لأن حصونهم كانت في ضواحي المدينة ، مما لم تحتاجوا فيه إلى وسائل للنقل ، ~~بل مشيتم إليهم راجلين ، ولم تحتاجوا إلى الدخول في قتال معهم ، ( @QUR@07 ~~ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ) بالوسائل الخفية التي يحققها للنصر ~~كإلقاء الرعب وتهيئة الأجواء النفسية الملائمة ، مما يجعل النتائج متصلة ~~بالقيادة النبوية لا بالجنود الذين معه ، ( @QUR@05 والله على كل شيء قدير ~~) فلا يعجزه شيء ، ولا يفوته أحد ، فإذا اقتضت حكمته شيئا ، فلا بد من أن ~~يكون من خلال قدرته المطلقة الشاملة. # ( @QUR@08 ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) من الذين يقفون ضد ~~الإسلام والمسلمين ويتحركون في مواقع التحدي ، سواء كانوا من بني النضير أو ~~من غيرهم ( @QUR@02 فلله وللرسول ) والظاهر أن المراد بكونها لله هو الصرف ~~في سبيل الله مما يحبه ويرضاه في ما يتقرب إليه من موارد الإنفاق العامة ، ~~وبكونها لرسول الله هو ما يصرفه النبي على نفسه وعلى قضاياه المتصلة بموقعه ~~الرسولي PageV22P104 # القيادي في موارده الخاصة والعامة ( @QUR@02 ولذي القربى ) ورد في روايات ~~أهل البيت عليه السلام أن المراد بهم قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما ~~ورد ذلك في أكثر روايات المفسرين من غيرهم إلا من شذ. # ( @QUR@04 واليتامى والمساكين وابن السبيل ) قالت الإمامية إن المراد بهم ~~أيتام بني هاشم ومساكينهم وابن السبيل ، وقال جميع الفقهاء من غيرهم هم ~~يتامى الناس عامة وكذلك المساكين وابن السبيل ، وروى في مجمع البيان أن ~~هناك رواية عن أهل البيت عليه السلام توحي بالشمول (1)، وهو الأقرب إلى ~~طبيعة أجواء الآية والسياق. وقد وقع بين المفسرين خلاف حول موضوع هذه الآية ~~وما قبلها ، هل هو واحد ليكون الحكم في الآية الثانية هو حكم الآية الأولى ~~، فلا يكون ms5046 هناك أي نوع من الإيحاء بالمصرف ، بل تبقى الآية في أجواء ولاية ~~الرسول عليه ، باعتبار أنه هو الذي سلطه الله عليه ، من دون أن يقاتل ~~المسلمون عليه ، فتكون الآية الثانية تحديدا للمصرف في ما يجب أن يقوم به ~~الرسول في عملية التوزيع ، أو أن المراد به الجزية والخراج ، أو أن المراد ~~به الغنيمة أيا كان مصدرها وقيل : إنه منسوخ بآية الأنفال رقم / 14. # ولكن الظاهر هو أن الموضوع واحد في الآيتين وهو الفيء ، وليس اختصاص ~~الآية الأولى ببني النضير وشمول الثانية لأهل القرى موجبا لاختلاف الحكم ، ~~لأن المسألة في الموضوع قد تكون من باب الخاص والعام الذي يكون الحديث فيه ~~عن الخاص على أساس أجواء القصة ، وعن العام على أساس القاعدة العامة ، مع ~~ملاحظة أن كل الأقوال الأخرى لا تملك شاهدا من السياق أو من غيره ، بينما ~~يملك الوجه الذي استقربناه وحدة السياق ووحدة الموضوع ، وحاجة المورد إلى ~~تحديد المصرف ، كما هي العادة الجارية في PageV22P105 # أمثاله مما يحصل عليه المسلمون من خلال الوقائع الحربية مع الآخرين. # وهناك رأي فقهي للشهيد المحقق السيد محمد باقر الصدر يؤكد فيه وحدة ~~الموضوع ، ولكنه يجعل الفيء في المصطلح التشريعي شاملا للأنفال بصورة عامة ~~، فإن المراد بها الأموال التي جعلها الله ملكا للمنصب الذي يمارسه النبي ~~والإمام كالأراضي الموات أو المعادن على قول ، وذلك بدليل ما جاء في حديث ~~محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : الفيء والأنفال ما كان ~~من أرض لم يكن فيها هراقة من الدماء وقوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان ~~من أرض خربة أو بطون أودية فهو كله من الفيء (1)، فإن هذا النص واضح في ~~إطلاق اسم الفيء على غير ما يغنمه المسلمون من أنواع الأنفال. وفي ضوء هذا ~~المصطلح التشريعي ، لا يختص الفيء حينئذ بالغنيمة المجردة عن القتال بل ~~يصبح تعبيرا عن جميع القطاع الذي يملكه منصب النبي والإمام ، ولا بد من أن ~~يضاف إلى ذلك ، القول بإلغاء خصوصية المورد بالفهم العرفي. # وعلى هذا الأساس ، نستطيع أن نستنتج ms5047 أن الآية حددت حكم الأنفال بصورة ~~عامة تحت اسم الفيء ، وبذلك نعرف أن الأنفال تستخدم في الشريعة العامة لفرض ~~حفظ التوازن ، وضمان تداول المال بين الجميع ، كما تستخدم للمصالح العامة. # وقد نلاحظ على هذا الاستنتاج ، أن هناك حديثا آخر رواه الشيخ الطوسي في ~~التهذيب بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال : ( ~~@QUR@09 وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه ) الآية قال : الفيء ~~ما كان من أموال لم يكن فيها هراقة دم أو قتل ، والأنفال مثل ذلك وهو ~~بمنزلته (2). PageV22P106 # فإن الظاهر من هذا الحديث أن هناك اختلافا في المصطلح مع اتحاد الحكم فيهما. # ( @QUR@07 كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أي يتداولونه بينهم فلا ~~يكون للفقراء منه شيء. وجاء في مجمع البيان : قال الكلبي : نزلت في رؤساء ~~المسلمين قالوا له : يا رسول الله خذ صفيك والربع ودعنا والباقي ، فهكذا ~~كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوا : # لك المرباع منها والصفايا %~% وحكمك والنشيطة والفضول # فنزلت الآية ، فقالت الصحابة : سمعا وطاعة لأمر الله وأمر رسوله (1). # فإذا صح هذا الخبر كانت الآية رفضا للذهنية الطبقية التي تجعل الغنيمة في ~~أمثال هذه الوقائع من نصيب الرؤساء الذين يملكون عادة المال الكثير ، بلحاظ ~~ما تفرضه الرئاسة من الامتيازات المادية والمعنوية لأصحابها ، وما تمنعه من ~~موقع السلطة عن الفقراء من خلال انحطاط مركزهم الاجتماعي ، لعدم قدرتهم على ~~المطالبة بحقوقهم في ما يبذلونه من جهد في تفاصيل الحروب بما لا يبذله ~~الرؤساء. وفي ضوء ذلك ، يتحرك هذا التعليل التشريعي ليواجه هذه الذهنية ~~التي تتحرك في خطين ، خط حرمان الفقراء من جهد المعركة ، والابتعاد ~~بالأموال العامة عن المصالح العامة التي يحتاجها المسلمون في قضاياهم ~~المتنوعة التي تحتاج إلى رصيد عام في الحياة الإسلامية العامة ، وخط تجميع ~~الثروة في أيدي الأغنياء لتكون محصورة بهم ، فتؤكد امتيازاتهم في حياة ~~المسلمين ، مما يمتد إلى أن تكون قضاياهم المصيرية خاضعة لتأكيد أوضاعهم ~~الطبقية البعيدة عن مصلحة المسلمين. # * * * PageV22P107 ### ||| ** كيف نستوحي التشريع المذكور؟ # وقد نستطيع استيحاء الفكرة في هذا التشريع الخاص ms5048 من أن عملية التوزيع في ~~نطاق الأموال العامة تنطلق في هذه الدائرة الاقتصادية على أساس ما يمثله من ~~هدف اقتصادي إسلامي كعنوان بارز للتخطيط الإسلامي للمجتمع الذي لا تتجمع ~~فيه الأموال في أيدي جماعة معينة من الناس ، لأن ذلك قد يؤدي إلى إفساد ~~حياة الناس في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، على أساس أن هذه ~~الواقعة لا تحمل خصوصية معينة في هذا الهدف بل تخضع للهدف الكبير. # وإذا امتد التفكير إلى الجانب التشريعي الإسلامي في نطاق هذا الموضوع ، ~~فقد نستطيع أن نحدد الكثير من مواقع حركة توزيع الثروة في الواقع الاقتصادي ~~، ليلاحق هذا الهدف في جانبه العملي الكثير من مفردات الأحكام الشرعية التي ~~لا ترى في الإقطاع مشكلة شرعية ، كما تؤكد على شرعية الملكيات الكبيرة في ~~حجم رأس المال النقدي ونحوه. # إننا ندعو إلى إثارة التفكير حول هذا الموضوع ، فقد نصل من خلاله إلى ~~كثير من الحلول للمشاكل الواقعية في حركة الاقتصاد في واقع الناس. # * * * # ( @QUR@08 ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) # ( @QUR@08 وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وهذه هي ~~القاعدة الإسلامية في التزام المسلمين بالإسلام ، فإذا كان الرسول هو مصدر ~~التشريع في ما يبلغه عن الله من وحي وما يشرعه من حكم ، في ما أنزله الله ~~عليه أو في PageV22P108 # ما أوكل أمره إليه ، فلا بد للمسلمين من أن يأخذوا بما آتاهم الرسول ، ~~وأن ينتهوا عما نهاهم عنه ، لأن ذلك هو الذي يمثل الخط الإسلامي المستقيم ~~المرتبط بالله والمنفتح على مواقع رضاه. # وهذا هو الذي يجسد النهج الحركي للمسلمين في ما يواجهونه من التيارات ~~الفكرية والتشريعية المنحرفة عن فكر الإسلام وشريعته ، سواء كانت خاضعة ~~لعناوين سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ، فلا بد لهم من أن يرفضوها ~~باعتبار أن أوامرها تختلف عن أوامر الرسول ونواهيها تختلف عن نواهيه ، ~~ومفاهيمها تختلف عن مفاهيمه. وقد لا يكفي في السير معها أن تلتقي بعض ~~عناوينها بعناوين الإسلام ، لأن القاعدة التي تحكم العنوان الإسلامي تختلف ~~عن القاعدة التي تحكمها ، لأن الإسلام يؤدي إلى ms5049 الله ، بينما لا تؤدي هي ~~إليه ، بل تتبع خطوات الشيطان في ذلك كله. # إن هذه القاعدة التشريعية تؤكد على أصالة الموقف الإسلامي في شخصية ~~المسلم ، بحيث يختزن في داخلها الفكرة التي تضع الحد الفاصل بينه وبين ~~الفكر الآخر ، فيعرف المسلم مواقعه الأصيلة في القاعدة الإسلامية ، فلا ~~يضيع في متاهات طروحات الآخرين على مستوى العناوين العامة ، وفي حركة ~~المفردات التفصيلية ، ( @QUR@06 واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) فإن ~~قيمة التقوى عند ما تكون حالة في الفكر ونهجا في الحركة ، أنها تضبط ~~للإنسان خطواته ، فلا تنحرف عن سواء السبيل ، وتثبت للإنسان مواقعه ، فلا ~~تهتز أمام اهتزازات الأهواء والشهوات. وقد تحتاج التقوى في عمق تأثيرها ~~الحركي في نفس الإنسان المؤمن إلى الشعور العميق بالمسؤولية من خلال التصور ~~الروحي للعقوبة الإلهية الشديدة التي تنتظره إذا انحرف عن مواقع طاعة الله ~~، لأن القناعة وحدها بالفكرة لا تكفي في الالتزام بها إذا لم يكن هناك نوع ~~من العوامل النفسية المتحركة في نطاق الخوف من الله الذي يحرك في وعي ~~الإنسان المؤمن الشعور الواعي بالرقابة الدائمة على نوازعه الخفية ~~وممارساته السرية PageV22P109 # والعلنية من خلال الإحساس بالحضور الإلهي الدائم المهيمن على الأمر كله ~~والسر كله. # * * * ### ||| ** الآية في خط التربية الروحية # وهذا هو الذي يفرض على العاملين للإسلام في النطاق الفردي والاجتماعي ، ~~على مستوى المجتمع والدولة ، أن يتحركوا في خط التربية الروحية التي تربي ~~الإنسان على التقوى الروحية التي تنطلق في خط التقوى العملية ، لأن ذلك هو ~~الذي يمكن أن يساهم في إنجاح التجربة الإسلامية ، وحمايتها من النوازع ~~الذاتية والفئوية التي يمكن أن تنفذ إلى أعماق الحركة الإسلامية لتدفعها ~~بعيدا عن الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين. # ولذلك فإننا نؤكد على إثارة التقوى في الفكر في خط التدقيق في حدود ~~المفاهيم والأحكام الشرعية ، بحيث لا تختلط بمفاهيم الآخرين وشرائعهم ، ~~وتحريك التقوى في العمل لئلا ترتبك الخطوط العملية في مسألة وعي الواقع في ~~نطاق ظروفه الموضوعية المحيطة به ، في ما يمكن أن تختلف فيه الاجتهادات ~~والأوهام والمصالح ، فإن ذلك هو الذي يضمن المناعة ms5050 الإيمانية على مستوى ~~الشخص وعلى مستوى الحركة والواقع. # * * * ### ||| ** الطليعة المؤمنة في مواجهة المشركين # ( @QUR@018 للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) هؤلاء هم ~~الطليعة التي واجهت التحدي PageV22P110 # الكبير في التجربة الأولى في خط المواجهة بين المشركين والمسلمين ، عند ~~ما كان المسلمون قلة في العدد وفي العدة وكانت الظروف الاجتماعية الضاغطة ~~تحاصرهم من كل جانب ، في ما كان يملكه المشركون من مواقع القوة الاقتصادية ~~والسياسية والاجتماعية ، وفي ما كانت الطروحات التي يطرحونها في مجال ~~العقيدة مخالفة للواقع العقيدي والعبادي في حياة الناس الذين يعبدون ~~الأصنام من موقع الضلال في العقيدة ، والتقديس للإرث الذي توارثوه عن ~~الآباء والأجداد ، مما كان يفرض عليهم الحصار على أكثر من صعيد. # ولهذا كان ثباتهم يتميز بالعناصر المتنوعة في مجالها الروحي والفكري ~~والعملي التي استطاعت أن تثبتهم في مواقع الاهتزاز ، فقد أخرجهم المشركون ~~من ديارهم وأموالهم ، ليكون ذلك وسيلة من وسائل الضغط عليهم ليسقطوا ~~وينحرفوا ، فلم يسقطوا ولم ينحرفوا. وقد أرادوهم أن يتركوا الرسول ، ~~ليحافظوا بذلك على حياتهم وأوضاعهم الخاصة ، فكان موقفهم أن نصروا الله في ~~دينه ، ونصروا الرسول في موقفه ورسالته ، من دون أن يكون لهم أي طمع بمال ~~أو جاه ، بل كان كل همهم أن يحصلوا على فضل من الله ورضوان. وذلك هو الدليل ~~على صدقهم ، ليكون عنوان الصادقين هو العنوان الذي يتميزون به ، لأنهم ~~صدقوا الله في القول والعمل ، فكان موقفهم صورة لدعوتهم في خط الإيمان. # وهذا هو الذي جعل لهم الميزة على المسلمين الآخرين ، لأنهم آمنوا في ~~المواقع الصعبة للإيمان ، وتحملوا الكثير من التضحيات في سبيل الله ، وكان ~~واقعهم واقع البؤس المادي ، لأنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم شيئا من ~~مواقع بلدانهم. فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوحي إلى المسلمين من ~~الأنصار أن يجعلوا لهم بعض الميزة في العطاء ، بالرغم من أن التشريع لا ~~يميزهم عن غيرهم ، ولكن المسألة تخضع للظروف الطارئة في التمييز الطارئ. PageV22P111 # وهكذا ميز الرسول المهاجرين على الأنصار ms5051 في الأموال التي حصل عليها من ~~بني النضير ، فقد جاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم بي النضير للأنصار : إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم ، ~~وتشاركونهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم ~~لكم شيء من الغنيمة ، فقال الأنصار : بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ~~ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها (1). # وهكذا نرى من خلال حديث ابن عباس أن الرسول كان يريد أن يحل مشكلة هؤلاء ~~المهاجرين ، ويوحي إلى الأنصار بمسؤوليتهم عنهم ، بمقاسمتهم أموالهم ~~وديارهم ، أو بالتنازل لهم عن حصتهم في الفيء ، مما يوحي بمسؤولية كل جيل ~~مسلم عن رعاية جيل الطليعة الإسلامية التي ساهمت في انطلاق الحركة وفي ~~تثبيت القاعدة وامتداد الخط. فكان الأنصار في مستوى المسؤولية ، بحيث ~~أعلنوا عن استعدادهم للمشاركة لهم في أموالهم وديارهم وعن تنازلهم لهم عن ~~حصتهم في الفيء ، وذلك من خلال وعيهم للدور الكبير الذي قام به هؤلاء ~~المهاجرون لمصلحة الإسلام والمسلمين ، مما جعلهم يشعرون لهم بما يشبه ~~الاعتراف بالجميل. وهذا ما أكده القرآن في حديثه عن الأنصار في مشاعرهم ~~الروحية وفي ممارساتهم العملية تجاه المهاجرين. # * * * PageV22P112 ### ||| * الآية # ( @QUR@031 والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ~~ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ويؤثرون ): إيثار الشيء اختياره وتقديمه على غيره. # ( @QUR@01 خصاصة ): الخصاصة الفقر والحاجة. قال الراغب : خصاص البيت ~~فرجة ، وعبر عن الفقر الذي لم يسد بالخصاصة كما عبر عنه بالخلة (1). # ( @QUR@01 شح ): قال الراغب : الشح بخل مع حرص وذلك في ما كان عادة (2). # * * * PageV22P113 ### ||| ** صفة الأنهار المؤمنين # ( @QUR@03 والذين تبوؤا الدار ) وهي دار الهجرة ، وهي المدينة التي كان ~~يسكنها الأنصار قبل قدوم المهاجرين إليها ( @QUR@01 والإيمان ) فقد تبوؤا ~~الإيمان وسكنوا في مواقعه الفكرية والروحية والعملية ، واطمأنوا إليه ~~وتفيأوا ظلاله ، وهذا التعبير جار على سبيل الاستعارة في ما ارتاح إليه ~~الأنصار من الإيمان بحيث انطلقوا في رحابه ، كما ينطلق الإنسان في ms5052 رحاب ~~منزله وأرضه ، ( @QUR@02 من قبلهم ) فقد سكن الأنصار هذه الأرض قبل ~~المهاجرين ، وقيل إن معناه قبل إيمان المهاجرين ، والمراد به أصحاب ليلة ~~العقبة ، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حرب ~~الأبيض والأحمر. # ( @QUR@04 يحبون من هاجر إليهم ) وذلك من خلال اندماجهم بالجو الإسلامي ~~الذي يتحسسونه بعمق في مشاعرهم العاطفية ، فيستغرقون في الانفتاح عليه وعلى ~~كل من يتحرك في داخله بالمحبة العميقة ( @QUR@07 ولا يجدون في صدورهم حاجة ~~مما أوتوا ) في ما قد يجده الإنسان من الضيق النفسي عند ما يأتي إليه شخص ~~يشاركه مسكنه ، أو ماله ، أو يضيق عليه بعض مواقعه ، حتى قيل : إنه لم ينزل ~~مهاجر في دار أنصاري إلا بالقرعة ، لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين ~~عليه كان أكثر من عدد المهاجرين. # وهكذا كانت هذه المحبة تمثل العمق الإيماني الذي يتحول إلى عمق في ~~الإحساس والشعور ، بحيث إن الحب يمثل الصورة الحقيقية للإيمان. وقد جاء عن ~~أبي جعفر عليه السلام في حديث قاله لبعض أصحابه : يا زياد ويحك وهل الدين ~~إلا الحب ، ألا ترى إلى قول الله : ( @QUR@010 إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) [آل عمران : 31] أولا ترون إلى قول الله ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@06 حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) ~~[الحجرات : 7] وقال : ( @QUR@03 يحبون من هاجر PageV22P114 # @QUR@01 إليهم ) [الحشر : 9] وقال : الدين هو الحب ، والحب هو الدين (1). # ( @QUR@07 ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) فهم يتنازلون عن ~~حاجاتهم الشخصية لحساب حاجات المهاجرين ، بحيث يعيشون الحرمان في سبيل ~~إيجاد حالة من الاكتفاء لإخوانهم ، وهذه هي القيمة العليا في القيمة ~~الروحية في البذل والعطاء. # ( @QUR@04 ومن يوق شح نفسه ) فيربيها على العطاء ويمنعها من البخل ، ~~لتنفتح على الخير في حياة الناس في ما يحتاج بعضهم إلى بعض من حاجات الحياة ~~، ( @QUR@03 فأولئك هم المفلحون ) لأنهم يلتقون بالله في مواقع الخير التي ~~يحبها ، فيحبهم الله لذلك ، ويلتقون بالناس في مشاعر الإيمان ، فيتحركون ~~معهم في خطوطه من موقع التفاعل الذي يثيره العطاء في العلاقات الإنسانية ~~الممتدة في ms5053 حركة الإيمان في الواقع. # * * * PageV22P115 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم ) (10) # * * * ### ||| ** الجيل الإسلامي الثاني # ( @QUR@04 والذين جاؤ من بعدهم ) من الجيل الإسلامي الذي أعقب جيل الهجرة ~~وجيل الأنصار ، وهم الذين انفتحوا على مواقع الإسلام القوية فيما بعد ~~الاستقرار أو فيما بعد الفتح. هذا الجيل الذي لم يعش المشاكل الصعبة التي ~~عاشها الجيل الأول في مكة والمدينة ، ولكنه جاء فوجد إسلاما قويا هاديا إلى ~~الله ، منفتحا على الحياة كلها من مواقع الخير ، وتطلع إلى الجيل الذي سبقه ~~ودرس جهاده ، وعاش الأخوة الإسلامية معه ، بالرغم من اختلاف الزمن ، لأن ~~الإسلام هو الخط الواصل بين الأجيال التي تتفاعل مع بعضها البعض من خلالها ~~، وتفكر بأن حركتها تمثل امتداد الخط في امتداد الزمن ، بحيث يأخذ PageV22P116 # كل جيل دوره ومكانه في نطاق المرحلة ، لتتكامل المراحل في تحقيق الهدف ~~الكبير ، وهو أن يكون الدين كله لله ، فتكون الحياة خاضعة بمجموعها لله. # وهكذا يقف هذا الجيل الجديد ليأخذ دوره في الانفتاح على الله ، وفي ~~النظرة إلى ما يمكن أن يقع فيه من الأخطاء ، كما وقع الجيل السابق في ~~أمثالها ، لأن طبيعة العمل قد تفرض بعض الأخطاء ، كما أن طبيعة الظروف ~~الموضوعية قد توقع الحركة في بعضها. ولكن المسألة هي أن الأجيال لا تقع ~~صريعة الأخطاء ، ولا تصر عليها ، ولا تتعقد منها ، بل تنفتح على الله ~~لتبتهل إليه ليغفر لها من جهة ، وليوفق الجميع للتراجع عنها في المستقبل ~~حتى لا يقعوا في مثلها ، من جهة أخرى. وهذا ما عبرت عنه الفقرة التالية في ~~الآية : ( @QUR@08 يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) ~~وامنحنا من خلال ذلك محبتك ورضوانك لتقف كل الأجيال في ظلال رحمتك ، بعيدا ~~عن كل الذنوب والأخطاء ، ( @QUR@07 ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) ~~لأننا لا نريد أن نحمل في أعماقنا البغضاء والعداوة للمؤمنين ، مهما كانت ~~الأسباب التي تعقد العلاقات فيما بيننا ، لأن الإيمان يفتح القلوب على محبة ~~الله الذي ms5054 يلتقي الجميع في رحاب حبه ولطفه ، مما يفرض عليهم أن لا يتوقفوا ~~أمام المشاكل التي تحدث فيما بينهم ليتعقدوا منها ، ولكن لينطلقوا بعيدا ~~عنها ، ليكون العفو الذاتي في دائرة العفو الإلهي هو الذي يبتعد بهم عن ~~التعقيد. # ( @QUR@04 ربنا إنك رؤف رحيم ) فاجعل رأفتك بنا رأفة في قلوبنا لبعضنا ~~البعض ، ورحمتك بنا رحمة منفتحة في أرواحنا على الناس والحياة من حولنا ، ~~لنلتقي بك دائما في مواقع رأفتك ورحمتك لنحصل من خلال ذلك على محبتك ~~ورضوانك ، ونصل في نهاية المطاف إلى جنانك يا أرحم الراحمين. # * * * PageV22P117 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون (11) @QUR@016 لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ~~ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) ~~@QUR@012 لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) ~~@QUR@023 لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم ~~شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 رهبة ): الرهبة ، الخشية. # * * * PageV22P118 ### ||| ** المنافقون في صورة قرآنية # كانت الصورة الوضيئة هي صورة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين ~~جاؤوا من بعدهم ، في ما تتميز به من الروح المخلصة المتحركة في خط الإيمان ~~الصادق ، والتضحية الصادقة ، والموقف الثابت على الحق. # وهذه هي صورة المنافقين الذين تتجلى صورتهم القلقة المخادعة المظلمة في ~~انتهازيتهم التي تتحرك في دائرة منافعهم الذاتية بعيدا عن علاقتهم بالآخرين ~~في نطاق القرب والبعد ، فهم لا يخلصون للمؤمنين ولا للكافرين ، وإن كانت ~~مصلحتهم تلتقي غالبا بالكافرين دون المؤمنين ، فإذا كانت مصلحتهم في سقوط ~~الكافرين أسقطوهم. وهذا ما نلاحظه في الصورة النفاقية المتحركة في قصة بني ~~النضير الذين تحالفوا مع المنافقين في المدينة ، ولكن المنافقين خذلوهم عند ~~ما خافوا على أنفسهم من سيطرة المسلمين ، ورأوا أن المطلوب منهم من قبل ~~اليهود أن يدخلوا معهم في قتال ضد المسلمين ، وهم لا يطيقون الدخول مع أحد ~~في مسألة ms5055 القتال ، لأن سياستهم أن يكونوا من الجالسين على التل ، الذين ~~يتربصون بالجميع الدوائر ، لتكون النتائج النهائية لحسابهم مع حسابات هذا ~~الفريق أو ذاك أو ضد حسابات الجميع. # ( @QUR@05 ألم تر إلى الذين نافقوا ) في المدينة ممن أظهروا الإسلام ~~وأبطنوا الكفر ، ( @QUR@02 يقولون لإخوانهم ) في ما هي الأخوة المعقودة ~~بينهم في الموقف ضد الإسلام والمسلمين ، من هؤلاء ( @QUR@05 الذين كفروا من ~~أهل الكتاب ) عند ما طرح الموقف عليهم من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يخرجوا من ديارهم : ( @QUR@09 لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا ~~أبدا ) فإذا كنا قد أخفينا ملامحنا الحقيقية طيلة المدة السابقة للحفاظ على ~~المصلحة المشتركة بيننا ، فسنقف الآن وقفة واضحة حاسمة تؤكد المصير المشترك ~~، وتدعم موقفكم ، حتى يعرف المسلمون أنكم PageV22P119 # لستم وحدكم في ساحة الصراع ، وأننا سنذهب معكم ولن نسمع لأحد من أهلنا أو ~~من غيرهم إذا أرادوا أن ينصحونا بمفارقتكم وبالابتعاد عن هذه الموقفة ~~الحاسمة المؤيدة لكم ، لأن المسألة مسألة مبدأ وليست مسألة وضع طارئ في ~~مفردات المواقف ، ليكون هذا احتجاجا صارخا ضد الموقف الإسلامي الذي سوف ~~يرتبك ويهتز أمام المشاكل الداخلية التي يثيرها خروجنا معكم ، باعتبار ~~علاقاتنا العضوية بالمجتمع المسلم في المدينة ، في ما نملكه من علاقات ~~اجتماعية واقتصادية ومواقع عشائرية ، الأمر الذي قد يدفع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى التراجع عن موقفه هذا ( @QUR@03 وإن قوتلتم ~~لننصرنكم ) ونقاتل معكم ، حتى يكون الموقف في النهاية لمصلحتكم ، لأننا ~~نملك القوة في مواقعنا الاجتماعية. # وهكذا استطاع المنافقون أن يثبتوا الموقف اليهودي الذي كان يرى ضرورة ~~المواجهة للنبي ، وعدم الخضوع لقرار الجلاء ، في مقابل الموقف اليهودي ~~الآخر الذي يرى ضرورة الانسجام مع القرار ، لأن شروطه في البداية قد تكون ~~أخف من شروطه في المرحلة الثانية ، ولأنهم لا يستطيعون الانتصار في ~~المواجهة ما داموا وحدهم في القتال ، لأن اليهود الآخرين لم يكونوا معهم. # ( @QUR@04 والله يشهد إنهم لكاذبون ) لأن منطقهم ليس منطق الحقيقة ~~المعبرة عن الموقف ، بل هو موقف النفاق المعبر عن الحالة النفسية المتعاطفة ~~مع هذا الموقف ، في ms5056 الوقت الذي تنتظر النتائج في مراقبة دائمة للمتغيرات ~~على مستوى مراكز القوة ، حتى إذا رأت القوة في جانب المسلمين ، تركت كل ~~عهودها مع اليهود لتنضم إلى المسلمين في ما تخافه من سطوتهم عليهم. # وبهذا كانوا كاذبين في العهد الذي قطعوه على أنفسهم لليهود ، لأنهم لم ~~يكونوا جادين فيه في حسابات المطلق ، في ما هو الموقف الحاسم الذي يتحرك في ~~خط التضحية ، ( @QUR@05 لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ) لأن ذلك سوف يبعدهم PageV22P120 # عن ديارهم ، ويفصلهم عن مصالحهم ، ويعقد علاقاتهم بالمسلمين من أهلهم ، ~~من دون أن يحصلوا على شيء من اليهود في دار هجرتهم ، مما يجعل صفقتهم خاسرة ~~على جميع المستويات. # ( @QUR@04 ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ) لأنهم لا يؤمنون بالمسألة اليهودية ~~، لا في العقيدة ولا في المصلحة ، فلا قضية لديهم ليقاتلوا من أجلها على ~~صعيد الإيمان ، ( @QUR@02 ولئن نصروهم ) في الحالات التي تفرض عليهم ~~الأوضاع أن ينصروهم ويدخلوا معهم في المعركة ، في ما يشبه المأزق الحرج ( ~~@QUR@02 ليولن الأدبار ) في عملية الفرار من المعركة ، لينقذوا أنفسهم من ~~الهلاك ، لأنهم ليسوا في وارد الرغبة في الموت لحساب أي أحد ، باعتبار أن ~~شعار النفاق هو سلامة الذات والموت للجميع ، ( @QUR@03 ثم لا ينصرون ) ~~لأنهم لا يملكون أسباب النصر في موازين القوة هناك. # ( @QUR@07 لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ) فتلك هي الحقيقة النفسية ~~للمنافقين ولإخوانهم من الذين كفروا من أهل الكتاب ، فهم لا يعيشون في ~~أعماقهم الشعور بعظمة الله المطلقة التي يشعر بها المؤمنون بالله ، ولا ~~يتحسسون الخوف منه لتكون مواقع حركتهم متجهة إلى الابتعاد عن مواقع غضب ~~الله وسخطه ، فيكونوا الأقوياء بالله في مواجهة أعدائه ، بل يعيشون الشعور ~~بمواقع القوة المادية من حولهم ، في ما يملكه الناس سن قوة البطش والقهر ، ~~مما يجعل قلوبهم فارغة من خوف الله ، مملوءة بخوف الناس. # ولما كان المسلمون في الموقع المميز للقوة آنذاك ، كانت مشاعر الخوف من ~~المسلمين لدى المنافقين واليهود أقوى من مشاعر خوفهم من الله الذي لا ~~يستشعرون الإيمان به ، ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) لأنهم لا ~~يعرفون مدى عظمة ms5057 الله ، وأن القوة بيده ، وأن العزة له جميعا ، وأن الكون ~~لا يملك أية قوة إلا منه ، فلا قيمة لأي قوة كونية أو بشرية ليخافها ~~الإنسان أمام قوته. PageV22P121 # ولهذا فإن المسألة هي مسألة وعي للحقيقة الإلهية في حركة القوة الكونية ، ~~مما لا يفهمه إلا المؤمنون. # ( @QUR@011 لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) فهم لا ~~يواجهون المسلمين بشكل مباشر ، لأنهم لا يملكون الشجاعة التي تفسح المجال ~~للثبات في الموقف ، على أساس أنهم لا ينطلقون من عنصر قوة داخلية ، في ما ~~تمنحه العقيدة الإيمانية المنفتحة على الله الذي يستمد منه المؤمن القوة في ~~مواجهته للتحديات ، مما يجعلهم يشعرون بالخوف من المسلمين الذين انطلقوا من ~~مواقع إيمانهم بالله ليكونوا الثابتين في المواقع الصعبة. # ( @QUR@03 بأسهم بينهم شديد ) بحيث تتحول الخلافات الداخلية في ما بينهم ~~إلى نزاعات عسكرية يشتد فيها البأس بشكل عنيف ، فيقتل بعضهم بعضا ، مما ~~يجعل من الصعب الوصول إلى نتيجة إيجابية لمصلحة الصلح والتسامح ، ( @QUR@04 ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) فهم لا ينطلقون في علاقاتهم ببعضهم البعض من ~~موقع العقيدة الواحدة ، والشعور الحميم المنفتح الموحد ، والقضية الواحدة ~~التي تتصل بالمصير الواحد ، بل ينطلقون من المصالح الخاصة التي يختلفون ~~عليها بسبب العنصر الذاتي المعقد الكامن في داخلهم ، ولهذا فإن وحدتهم تتصل ~~بشكل الصورة لا بعمقها. # ( @QUR@05 ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) لأنهم لو كانوا يملكون عقلا واعيا ~~لاستطاعوا أن يهتدوا إلى مواقع الحق التي يلتقون عليها ، ويتوحدون من ~~خلالها في الشكل والمضمون ، سيما إذا توفر روح الإخلاص ، وهو ما يضمهم ~~جميعا إلى رحاب الله في مواقع رضوانه. # وإذا كانت المسألة اليهودية في نطاق هذه الصورة القلقة تتمثل في هذا ~~الواقع الداخلي المعقد الذي يوحي بالجبن والفرقة والتنازع ، فإنه لا يمثل ~~حالة خاصة مختصة بهم ، بل قد يتمثل في جماعات أخرى تعيش العقلية نفسها PageV22P122 # وتخضع للظروف والمواقع ذاتها ، فتكون النتائج هي النتائج ، والصورة هي ~~نفسها ، مما يفرض على كل جماعة أن تحصن نفسها من ذلك ، وأن تعمق كل عناصر ~~القوة والألفة والوحدة على صعيد ms5058 الفكر والعمل. وهذا ما يجب أن ينتبه إليه ~~المسلمون في توجههم العام ، كما ينتبه إليه العاملون للإسلام في النطاق ~~الحركي ، فقد ينفذ إليهم هذا المرض ، وقد تمتد إليهم نتائجه السلبية التي ~~تسيء إلى واقعهم السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي ، الأمر الذي يحتاج ~~إلى المزيد من التأمل والدقة والحذر الشديد. # * * * PageV22P123 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ~~(15) @QUR@017 كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك ~~إني أخاف الله رب العالمين (16) @QUR@010 فكان عاقبتهما أنهما في النار ~~خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ) (17) # * * * ### ||| ** مثل اليهود كمثل الذين من قبلهم من المشركين # وتستمر الآيات في تصوير موقف اليهود المنخدع بكلام المنافقين ، الذين ~~وعدوهم بالنصرة والتأييد ، ولم يلبثوا أن خذلوهم ، مقدما بذلك المثل الحي ~~في مواقع أخرى ، لتتسع الفكرة الواعية التي ترصد الواقع في أكثر من صورة ، ~~الأمر الذي يوسع أفق الإنسان المؤمن في نظرته إلى الحياة بمنطق الوعي ، لا ~~بمنطق السذاجة الفكرية. # ( @QUR@05 كمثل الذين من قبلهم قريبا ) أي مثلهم في اغترارهم بعددهم ~~وبقولهم PageV22P124 # وبقول المنافقين ، كمثل الذين من قبلهم من المشركين ، الذين جاؤوا إلى ~~بدر لمقاتلة المسلمين. # ( @QUR@03 ذاقوا وبال أمرهم ) فكانت الغلبة عليهم من المسلمين ، وقيل إن ~~المراد بهم هم بنو قينقاع ، في ما رواه ابن عباس ، من أنهم نقضوا العهد بعد ~~رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بدر ، فأمرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرجوا ، وقال عبد الله ابن أبي : لا تخرجوا فإني ~~آتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكلمه فيكم أو أدخل معكم الحصن ، فكان ~~هؤلاء في إرسال عبد الله بن أبي إليهم ثم ترك نصرتهم ، كأولئك (1) ( ~~@QUR@03 ولهم عذاب أليم ) في الآخرة. # * * * ### ||| ** كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر # ( @QUR@06 كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ) وذلك هو مثل المنافقين ~~الذين يضللون الناس في وعودهم الكاذبة حيث يثيرون الكثير من الأحلام ~~والأوهام ، حتى يخيل لهؤلاء الناس أن المنافقين يمثلون الضمانة القوية في ~~ما يعدون أو يتحدثون ، فيندفعون إلى ما أثاروه ms5059 في أحلامهم وأوهامهم بكل ثقة ~~وعزيمة ، حتى إذا دخلوا في دائرة اللعبة النفاقية ، واجهتهم الحقيقة بأن كل ~~تلك الوعود سراب ، ورأوا أن المنافقين يبتعدون عنهم وعن تحمل مسئوليتهم ~~ويتبرءون من علاقتهم بكل ما يحدث لهم ، لأنهم يخافون من الأخطار المترتبة ~~عليهم من خلال ذلك. # وهذا هو الأسلوب الشيطاني في علاقته بالإنسان ، فإنه يزين له الكفر ~~بمختلف الوسائل التي يملكها في إثارة الشبهات حول الإيمان ، وفي تأكيد PageV22P125 # الفكر الكافر بطريقته الخاصة ، ويضمن له النتائج السعيدة بالخيالات ~~الواسعة والأوهام الرائعة ، حتى إذا سقط الإنسان أمام كل تلك الإغراءات ~~الفكرية والتهاويل العاطفية ، ووقع في قلب التجربة التي يواجه بها عذاب ~~الله ، تبرأ منه ، ( @QUR@06 فلما كفر قال إني بريء منك ) فلا مسئولية لي ~~بما كفرت وانحرفت ، لأنك تملك عقلا تميز به الصواب من الخطأ ، وإرادة تؤكد ~~بها موقفك ، فكيف تحملني مسئولية ما فكرت به وأردت السير فيه؟ # ( @QUR@05 إني أخاف الله رب العالمين ) فلا أملك معه شيئا لنفسي فكيف ~~أملكه لك ، ولا أستطيع تحمل أي وضع منحرف عن رضاه وعن إرادته ، لأن ما لدي ~~من المواقف المنحرفة يكفيني ، فليتحمل كل شخص مسئوليته عن موقفه ، وهذا هو ~~ما عبرت عنه الآية الكريمة : ( @QUR@039 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم ~~بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) [إبراهيم : 22]. # والظاهر أن المثل بخصوص الشيطان ورد في طبيعته الشاملة لكل أفراده ، ~~وبخصوص الإنسان في كل أشخاصه ، وليست المسألة مختصة بشيطان معين أو إنسان ~~معين ، ولكن بعض الروايات تؤكد أن الآية تشير إلى شخص خاص كما روي عن ابن ~~عباس الذي قال : إنه كان في بني إسرائيل عابد اسمه برصيصا ، عبد الله زمانا ~~من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرءون على يده ، وأنه ~~أتي بامرأة في شرف قد جنت وكان لها إخوة ، فأتوه بها ، فكانت عنده ، فلم ~~يزل به الشيطان يزين له حتى ms5060 وقع عليها فحملت ، فلما استبان حملها قتلها ~~ودفنها ، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها فأخبره بالذي فعل ~~الراهب وأنه دفنها في مكان كذا ، ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا ، فذكر ذلك ~~له ، فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول : والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا يكبر ~~علي ذكره ، فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم ، PageV22P126 # فسار الملك والناس ، فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل ، فأمر به فصلب ، فلما ~~رفع على خشبته تمثل له الشيطان فقال : أنا الذي ألقيتك في هذا ، فهل أنت ~~مطيعي في ما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال نعم : قال : اسجد لي سجدة ~~واحدة؟ فقال : كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة ، فقال : أكتفي منك ، ~~بالإيماء ، فأومى له بالسجود فكفر بالله وقتل الرجل (1). # ولكن هذه القصة لا تتناسب مع سياق الآية ، لأن الظاهر منها هو وقوع ~~البراءة في موقف الحساب يوم القيامة ، كما أن المسألة ليست مسألة الإنقاذ ~~من القتل ، بل مسألة الإنقاذ من النار ، وقد نقلناها لما فيها من عبرة عما ~~يمكن أن يثيره الشيطان من مشاكل للإنسان بفعل قدراته على الإغراء والتزيين ~~، وربما كانت مثل هذه الأقاصيص المذكورة في أسباب النزول ، لونا من ألوان ~~التطبيق لبعض المعلومات القصصية على القرآن ، وهذه المعلومات هي مما كان ~~يحفظه الناس عن اليهود ، ( @QUR@02 فكان عاقبتهما ) أي الشيطان والإنسان ( ~~@QUR@05 أنهما في النار خالدين فيها ) لأن الإنسان يتحمل مسئولية نفسه ، ~~بما يملكه من العقل الذي يبين له الحقيقة ، كما يتحمل الشيطان المسؤولية ~~بفعل ما يمارسه من تضليل وإغواء وتهويل ، ( @QUR@03 وذلك جزاء الظالمين ) ~~الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والضلال ، أو يظلمون الناس الآخرين بإضلالهم ~~وخداعهم مستغلين سذاجتهم الفكرية. # * * * PageV22P127 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (18) @QUR@010 ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) @QUR@010 لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) (20) # * * * ### ||| ** نداء التقوى في خط المحاسبة والعمل # ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) إنه النداء ms5061 الذي يضع الإيمان ~~عنوانا لهم من أجل أن يستثير ما تختزنه نفوسهم من الانفتاح على الله في ~~حضوره الدائم في الكون ، بحيث يتمثله المؤمن في كل مفردات الوجود ، فيتحسس ~~جوانب عظمته في خلقه ، ويستشعر عمق المسؤولية التي تثير مشاعر الخوف من ~~الله في نفسه ، فيحسب حسابه في ما يقوم به من عمل ، أو يتخذه من مواقف ، ~~ويتذكره في كل حالاته ، في نظرته إلى حاضر المسؤولية ومستقبل الجزاء. PageV22P128 # ومن خلال ذلك تتحرك الدعوة إلى التقوى المستمدة من الوعي الروحي لمقام ~~الله في وجود الإنسان وفي دوره العملي في الحياة ، كفكر وشعور وحركة ، في ~~العمق الداخلي في الإحساس ، وفي الامتداد العملي في الحياة. فإن التقوى ~~تبدأ لدى الإنسان كحالة في الضمير الذي يطل على المسؤولية من خلال المعرفة ~~بالله والإيمان به والتعظيم لمقامه ، ثم تتحول إلى حالة في العمل ، لينضبط ~~في موارده ومصادره ، في رقابة دائمة تحيط بالواقع كله. وإذا عاش الإنسان حس ~~التقوى في حركة المسؤولية أمام الله ، فإنه يبقى متطلعا إلى حجم النتائج ~~العملية في حساب المستقبل الذي يقف فيه الإنسان بين يدي الله ، فهو في قلق ~~دائم من حيث طبيعة أعماله التي تقربه إلى الله ، لأن المسألة لديه أن ~~الحياة فرصة للعمل ، وساحة للوصول إلى الله ، والقرب إليه ، مما يجعل ~~للساعات معنى تتيح له فعل الخيرات ، لتكون الحياة دائما حسابا يستزيد ~~الأرقام في رصيد العمل الصالح ، مما يجعل الإنسان ينتظر التقدم المتنامي ~~على طريق ما يطمح إليه من غايات ... وهذا ما أرادت الآية أن تؤكده في ~~الفقرة التالية ، كحركة داخلية فكرية في آفاق التقوى. # * * * ### ||| ** وجوب محاسبة الإنسان لنفسه يوميا # ( @QUR@05 ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) أي الآخرة التي ينتظرها وهي تحتاج ~~إلى الزاد وهو التقوى ، الذي تختلف النتائج فيه تبعا لاختلاف حجم مراتبه. ~~وهذا ما يفرض على الإنسان الدخول في عملية حساب يومي للحسنات والسيئات ، ~~انطلاقا من الخوف من الله والرغبة في الحصول على ثوابه والتخلص من عقابه. ~~وفي ضوء ذلك ، نستطيع أن نفهم هذه الدعوة إلى التحديق بما قدمه ms5062 PageV22P129 # الإنسان لغده ، كجزء من حركة التقوى الروحية التي يدفعها شعورها ~~بالمسؤولية أمام الله إلى رصد كل حسابات المستقبل الأخروي عنده ، من خلال ~~دراسة الماضي والحاضر في ساحة العمل ، ليتخفف الإنسان من سيئاته إذا رأى ~~حجمها كبيرا ، بالتوبة ، وليستزيد من حسناته إذا رأى عددها قليلا. # ( @QUR@02 واتقوا الله ) بعد تصفية الحساب ، سواء كان إيجابيا في نتائجه ~~أو سلبيا ، لتنفتحوا على الأعمال المنفتحة على الحق ، والمتحركة في مواقع ~~الخير ، والسائرة على خط الاستقامة والعدل ، مما يفرض على الإنسان أن يؤكد ~~معنى التقوى في أعماله المستقبلية ، فلا يقع في الأخطاء التي وقع فيها ~~سابقا ، ولا يضيع الفرص التي ضيعها مما كان يستطيع معها أن يحصل على خير ~~الدنيا والآخرة من أقرب طريق ، ( @QUR@05 إن الله خبير بما تعملون ) وهذه ~~هي الحقيقة الإيمانية التي تلتقون بها في آفاق الحقيقة الإلهية في إحاطة ~~الله المطلقة بالكون كله ، وبالإنسان كله في سره وعلانيته ، وهي التي تعمق ~~معنى التقوى في عقولكم وقلوبكم ومشاعركم وأعمالكم. # وعلى ضوء ما ذكرناه ، يتبين أن المراد من التقوى في الفقرة الأولى ، ~~التقوى في مسئولية الاستعداد لغد الآخرة من خلال وعي المرحلة التي وصل ~~إليها الإنسان في رحلته إلى الله ، حتى تكون استثارة التقوى في الوعي مقدمة ~~للاستقامة على الخط ، في ما قطعه الإنسان من مراحل ، ليستقبل المراحل ~~الأخرى بروح جديدة ، أما التقوى في الفقرة الثانية ، فالمراد بها التقوى في ~~العمل في خط الامتداد المستقبلي ، وهناك أقوال أخرى منها : أن الأولى ~~للتوبة عما مضى من الذنوب ، والثانية لاتقاء المعاصي في المستقبل. ومنها : ~~أن الأولى في أداء الواجبات ، والثانية في ترك المحرمات : ومنها : أن ~~الأولى هي التقوى في أصل إتيان الأعمال ، والثانية هي التقوى في الأعمال ~~المأتية من حيث إصلاحها وإخلاصها. ومنها : أن الأمر PageV22P130 # الثاني لتأكيد الأمر الأول فحسب. # * * * # ( @QUR@05 ولا تكونوا كالذين نسوا الله ) # ( @QUR@05 ولا تكونوا كالذين نسوا الله ) فلم يذكروه على مستوى مضمون ~~العقيدة والروح لتتحرك كل المفاهيم في هذا الاتجاه ، ولم يستشعروه بإحساس ~~العاطفة لتتحرك كل نبضاتها في هذا العمق ، ولم يعيشوا حضوره الوجداني ms5063 في ~~حياتهم لتنطلق الطاعة في هذا الخط ، بل كانوا في غفلة مطبقة عن ذكره ، سواء ~~كان الذكر باللسان أو بالقلب أو بالحركة ، وبذلك استسلموا للأجواء الذاتية ~~واستغرقوا في أنانياتهم ، وأقاموا العلاقات الطارئة اللاهية العابثة ~~استجابة لحركة شهواتهم المنحرفة ، بعيدا عن خط الاستقامة في حياتهم ، فكانت ~~نتيجة ذلك كله تتمثل في الإخلاد إلى الأرض ، لا سيما بعد أن ابتعدوا عن وعي ~~الحقيقة الروحية المنفتحة على المسؤولية في ذواتهم ، ونسوا الله ( @QUR@02 ~~فأنساهم أنفسهم ) لا من موقع الإرادة المباشرة في ذلك ، بل من موقع ~~القوانين الإلهية الكامنة في طبيعة الواقع الإنساني ، فإن الإنسان إذا نسي ~~ربه ، فإنه يبتعد بذلك عن القاعدة الثابتة التي يعرف فيها موقعه في الكون ، ~~ودوره في حركته ، من جهة ما يصلحه ، أو ما يفسده ، مما يجعله يتحسس الواقع ~~من خلال الأشياء الطارئة عليه من خارج ذاته ، أو من خلال الغرائز المثيرة ~~التي تشغله عن مصيره ، وبذلك ينسى نفسه من حيث هي جزء من الحركة الكونية ~~المسؤولة ، فيتخبط في متاهات الأهواء والشهوات ، وفي ضباب الأوهام ~~والخيالات ، على أساس أن الحقيقة الإلهية في حضورها في الوجدان ، هي التي ~~تعطي الحقيقة الإنسانية حضورها في حركة الحياة ، بسبب طبيعة الترابط بين ~~ذكر الله وبين الانضباط في خط سلامة المصير. PageV22P131 # ( @QUR@03 أولئك هم الفاسقون ) بما يمثله الفسق من تجاوز الحدود المفروضة ~~من الله ومن انحراف عن الخط المستقيم ، ومن خروج عن طاعة الله. # وإذا كانت مسألة الجنة والنار هي مسألة القرب من الله بالاستقامة على خط ~~الطاعة ، والابتعاد عن خط المعصية ، فإن من الطبيعي أن يكون الغافلون عن ~~ذكره الذين يتحركون في خط الشهوات هم أصحاب النار ، لأنهم يبتعدون عن الله ~~بقدر غفلتهم عنه ، كما أن من الطبيعي أن يكون الذاكرون لله بقلوبهم ~~وألسنتهم ومواقع عملهم وسلامة مواقفهم هم أصحاب الجنة ، لأنهم يقتربون من ~~الله ، بقدر انفتاحهم عليه ، وخوفهم من مقامه ، ووعيهم لمسؤوليتهم أمامه. # وإذا كانت المسألة بهذا الحجم وبهذا المستوى ، فإن من المفروض للباحثين ~~عن قضية المصير في مستقبل الآخرة ، أن يحسنوا عملية الاختيار ms5064 في العمل ~~والمواقف ، ليحسنوا عملية الاختيار في الغاية والمصير ، وهذا ما توحي به ~~هذه الآية الكريمة : ( @QUR@06 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ) فهم ~~ليسوا سواء في البداية وليسوا سواء في النهاية ، فهناك الاستقامة أو ~~الانحراف ، وهناك الطهارة أو القذارة ، وهناك الرسالة أو الهوى ، وهناك ~~العذاب أو الثواب. ( @QUR@04 أصحاب الجنة هم الفائزون ) برضوان الله ورحمته ~~ونعيمه ، وأصحاب النار هم الخاسرون ، من خلال غضب الله وعقابه ، فلا بد ~~للإنسان من أن يختار ، وليس هناك إلا خيار واحد لمن يعرف كيف يواجه المسألة ~~بمسؤولية ووعي وإيمان ، ليحصل على الفوز الكبير في رحاب الله. # * * * PageV22P132 ### ||| * الآية # ( @QUR@018 لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) (21) # * * * ### ||| ** القرآن يبعث خشية الله في الروح # وإذا كان الله يريد للإنسان أن يذكره ليذكر نفسه ، وأن يتقيه ليحصل على ~~رضوانه في جنته ، فإن القرآن هو الذي يتولى المهمة في توعية الفكر والروح ، ~~فهو يطوف بالإنسان في رحاب آيات الله ومواقع عظمته ، وفي آفاق المسؤولية في ~~إطاعة أوامره ونواهيه ، فالله أراد للإنسان الاستفادة من كل مفردات الطبيعة ~~الكونية وسننها الإلهية ، في إقامة نظام الحياة على أساس الحق ، وحث على ~~إظهار مشاعر الخشوع والرهبة والخضوع أمامه ، مما يناسب في الإحساس ، وينفذ ~~إلى العقل ، ويلامس الكيان كله بمواقع الذكرى التي تبتعد به عن الغفلة ، ~~مما يمكن له أن يصوغ الإنسان صياغة جديدة حتى يكون عبد الله ، وإنسان ~~المسؤولية الباحثة أبدا عن طاعته والهاربة كليا من معصيته. PageV22P133 # وهكذا يريد الله أن يوجه اهتمام الإنسان إلى هذا القرآن ليقرأه ويتدبره ~~ويعيش مع مفاهيمه المتحركة في مضمون آياته ، ليرى فيها ربه ، ويتعرف إلى ~~نفسه وإلى الحياة من حوله ، ويعي دوره الكبير في خلافة الله في الأرض ، فلا ~~ينظر إليه ككتاب تتحرك فيه الكلمات حسب المعاني اللغوية في كتب اللغة ، بل ~~يعيش معانيه من خلال الآفاق التي تنطلق إليها الروح في عمق الإيمان ، فكان ~~المثل الذي يوضح الصورة هو السبيل إلى إيجاد التأثير العميق الذي يمكن ~~للقرآن أن ms5065 يتركه في وجدان الإنسان الروحي. # ( @QUR@04 لو أنزلنا هذا القرآن ) بما فيه من عبر وعظات ووصايا ونصائح ، ~~ومفاهيم وأحكام ، وترغيب وترهيب ، وتعداد لمواقع عظمة الله في الكون ، ~~ولامتداد قدرته في خلقه ، وهيمنته على الأمر كله ، ( @QUR@02 على جبل ) بكل ~~ما يمثله الجبل من جمود الإحساس لغياب الحياة في داخله ، ومن صلابة الصخر ~~في صخوره القاسية ، ومن ضخامة الحجم الذي يطل به على الأفق الواسع ليحجب ~~الكثير منه في امتداد النظر ، مما لا تستطيع الرياح أن تهز جبروته ، ولا ~~الزلازل أن تسقط قمته ، ولكن هناك شيئا يختلف عن عصف الرياح وخطورة الزلازل ~~، يمكن أن يصدعه فيتشقق ، ويثير الإحساس فيه فيخشع ، وهو القرآن النازل من ~~الله عليه لو قدر أن ينزله الله عليه كما أنزله على الإنسان ، ( @QUR@06 ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) لأن طبيعة معانيه تؤثر في العمق منه ، ~~بالرغم من الصلابة والضخامة والجمود الذاتي فيه ، وإذا كانت هذه هي الحال ~~مع الجبل ، فكيف يجب أن يتمثله الإنسان المملوء وعيا وشعورا في انفعاله به ~~في ما يعيشه من خشية الله ، ( @QUR@04 وتلك الأمثال نضربها للناس ) في ما ~~يستهدفه القرآن من أسلوب الأمثال الذي يعني تشبيه الأشياء ببعضها البعض ، ~~لإيضاح الفكرة ، ( @QUR@02 لعلهم يتفكرون ) ليكتشفوا من خلال الفكر شيئا ~~جديدا في المعرفة ، وأفقا واسعا في وعي العقل والشعور. # * * * PageV22P134 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم (22) @QUR@019 هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) @QUR@017 ~~هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم ) (24) # * * * ### ||| ** مع أسماء الله الحسنى # وإذا كان الله هو سر العقيدة في مضمونها الفكري والروحي والعملي ، فلا بد ~~للمؤمن من أن يتمثله بصفاته التي توحي للإنسان بحركة الإيمان في العقل ~~والشعور والحياة ، ليعيش الإنسان مع هذه الصفات في رحلة المسيرة الإنسانية ~~الباحثة عن الله ، المنطلقة إليه من خلال مواقع طاعته ورضاه. وهذا PageV22P135 # ما تريد هذه الآيات إشاعته في النفس ms5066 ، لتختم السورة بالتسبيح المنفتح على ~~وعي عظمته ، كما بدأته بالتسبيح المتحرك في مواقع عزته وحكمته. # ( @QUR@07 هو الله الذي لا إله إلا هو ) وهذه هي الحقيقة التوحيدية التي ~~تنزع من شعور الإنسان كل لون من ألوان الشرك في ما يتخذه الناس من آلهة ~~مزعومة على مستوى الحجر أو المخلوق الحي من إنسان وملك وجان. ويبقى الإنسان ~~مع الله وحده ، في خط العقيدة الواحدة ، والشريعة الواحدة ، والنهج الموحد ~~في حركة الإنسان في الحياة. # ( @QUR@03 عالم الغيب والشهادة ) فليس هناك عالم مستور عند الله ، لأن ~~الغيب والشهادة يستويان لديه ، فالكون الخفي مشكوف له ، تماما كما هو الكون ~~البارز ، لأنه الخالق للكون كله ، فلا يفكرن أحد بأن يستتر منه في معصية ، ~~من خلال الغفلة عن حضوره في ذلك الموقع. # ( @QUR@03 هو الرحمن الرحيم ) الذي يستشعر عباده رحمته في مفردات وجودهم ~~، كما كانوا صدى رحمته في أصل هذا الوجود ، ويتصورون رحمته في الآخرة التي ~~يرجونها منه ، كما يطلبونها في الدنيا ليعيشوها في ساحة نعمه وألطافه. ( ~~@QUR@07 هو الله الذي لا إله إلا هو ) وينطلق الحديث عن التوحيد مرة أخرى ، ~~لأن هذه المسألة هي الأساس في الارتباط به ، والانفصال عن غيره في أجواء ~~العقيدة والعمل. # ( @QUR@01 الملك ) الذي يستمد كل مالك منه ملكه ، لأنه المالك للأشياء ~~كلها ، ( @QUR@01 القدوس ) الذي يعبر عن القمة في النزاهة والطهارة ، مما ~~يوحي للإنسان بالامتداد في هذا الجو المشبع بالمعاني الطهارة في علاقة ~~الإنسان بالحياة ، لينفتح على الطهر من خلال الانفتاح على الله في صفة ~~القدس الإلهي ، ( @QUR@01 السلام ) الذي يوحي بالأمن والطمأنينة والاستقرار ~~في علاقة الإنسان بالله ، وعلاقة الله بالكون والحياة ، فينطلق الإنسان مع ~~وعيه لاتصاف الله بهذه الصفة ، PageV22P136 # ليحتضن السلام في نفسه مع الله ومع الناس ومع الحياة باعتبارها قيمة ~~روحية اجتماعية كبيرة. # ( @QUR@01 المؤمن ) الذي يمنح الأمن من رحمته ولطفه ، ( @QUR@01 المهيمن ~~) المسيطر على الأمر كله في ما توحي به الكلمة من شمولية السلطة والتدبير ~~والقدرة ، ( @QUR@01 العزيز ) الغالب الذي لا يغلبه شيء ، والمالك لما لا ~~يملكه غيره من دون عكس ، ( @QUR@01 الجبار ) الذي يتميز بالجبروت ، الذي ~~تنفذ ms5067 إرادته ويجبر غيره على ما يشاء .. ( @QUR@01 المتكبر ) الذي ارتدى ~~رداء الكبرياء الذي لا يملك أحد أن يرتديه. ( @QUR@04 سبحان الله عما ~~يشركون ) فهو المنزه عن كل ند ونظير وشبيه ، لأنه الذي يتميز بالعلو عن كل شيء. # ( @QUR@03 هو الله الخالق ) الذي قدر كل شيء وأبدعه ، ( @QUR@01 البارئ ) ~~الذي برأ كل شيء وأخرجه من العدم ، فمنه كان الوجود كله ، وله الخلق كله ، ~~( @QUR@01 المصور ) الذي أبدع صورة الأشياء في ملامحها المتنوعة التي تمثل ~~الجمال كله ، والإبداع كله ، والقدرة العظيمة من خلال التمايز في الملامح ~~والأشكال ، بحيث أعطى كل شيء شخصيته الخاصة المميزة ، على أساس اختلاف ~~الصورة التي صنعها من غير مثال. # وإذا كانت تلك الصفات متعددة في مفهومها ، فليس معنى ذلك أنها متعددة في ~~حقيقتها ، فإن الخلق والبرء والتصوير تنطلق في طبيعة واحدة تجتمع فيها هذه ~~المعاني في وجود واحد. # ( @QUR@03 له الأسماء الحسنى ) التي تملك الحسن في ذاتها ، بعيدا عن ~~انفعال الآخرين بها ، وتضيء للناس الآفاق الطيبة الطاهرة الجميلة الرائعة ~~التي توحي لهم بكل معنى طيب طاهر جميل رائع ، في ما يستوحونه من صفات الله ~~في إيحاءاتهم الروحية والعملية. # ( @QUR@06 يسبح له ما في السماوات والأرض ) من المخلوقات الكثيرة التي ~~تحدق بكل PageV22P137 # مظاهر جماله وجلاله وكماله ، وتنزهه عن كل شريك ، وتعترف له بأنه وحده الإله. # ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي تلتقي العزة والحكمة في هيمنته على ~~الكون وفي تدبيره له ، في النظام البديع المتناسق في حركة الكون والإنسان. # * * * PageV22P138 ### | سورة الممتحنة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثلاث عشرة PageV22P139 ### ||| ** في أجواء السورة # في هذه السورة حديث عن طبيعة العلاقات الواقعية بين المؤمنين والكافرين ، ~~في جانبها النفسي والعملي ، حيث يوجه الله النداء للمؤمنين أن لا يتخذوا ~~أعداء الله وأعداء المسلمين أولياء ، في ما تعنيه الولاية من المودة ~~القلبية ومن الدعم العملي ، لأن ذلك يمثل السذاجة في فهم مسألة الصراع ، ~~كما يسيء إلى طبيعة الموقف القوي الذي ينبغي للمؤمنين أن يتخذوه في قضية ~~المواجهة بين الكفر والإيمان. # ومن جهة أخرى ، فإنه يسيء إلى عمق الروحية الإيمانية في شخصية المؤمن في ~~علاقته بالله التي تفرض ms5068 عليه أن يوالي أولياء الله ويعادي أعداءه ، لأن ~~مسألة العقيدة لا تمثل حالة ذهنية منعزلة عن حركة الموقف ، بل تمثل الأساس ~~في تحديد الموقع على مستوى الموقف والعلاقات ، مما يجعل من مسألة التمايز ~~في الخطوط والمواقف مسألة متصلة بالنتائج العملية الكبيرة على صعيد تأكيد ~~الواقع وتثبيته وتقويته وعلو درجته لمصلحة الإيمان. فإذا كان الإيمان بالله ~~يجسد الأساس لدى الإنسان في الفكر والروح ، فلا بد من أن يكون منعكسا ~~بطريقة سلبية على أعداء الله ، وبطريقة إيجابية بالنسبة إلى أوليائه. # وليست المسألة هي مسألة انفصال الإنسان المؤمن كليا عن غير المؤمنين PageV22P141 # بالله ، لأن ذلك لا ينسجم مع الأسلوب العملي للدعوة في اجتذاب الآخرين ~~للإيمان ، من طريق الأخلاق العالية المنفتحة على الآخرين من الكافرين ، ~~ليروا في المؤمن أخلاقية الإسلام في رحمته وبره وعدله مع الآخرين الذين لا ~~يرتبطون بالدين الذي يرتبط به ، فيكون ذلك هو المدخل الذي يستطيعون من ~~خلاله الدخول إلى الإسلام الحي المتحرك في كل مواقع الإنسانية ، في ما ~~يؤكده من مراعاة الجانب الإنساني الذي يلتقي كل الناس فيه على القضايا ~~الإنسانية المشتركة ، في الوقت الذي يؤكد على مراعاة الجانب الديني ، في ما ~~يتفق فيه المؤمنون في العقيدة والشريعة والمنهج. # بل المسألة هي مسألة انفصال المسلم عن الكافرين الذين يضمرون ويظهرون ~~ويمارسون العداء النفسي والعملي للإسلام والمسلمين ، فيعملون على محاربتهم ~~وإخراجهم من ديارهم ، الأمر الذي يجعل المعركة مفتوحة بكل وسائلها وأوضاعها ~~بين المؤمنين وبينهم ، بما يقتضيه الوضع الحاسم المستقبلي الذي لا يسمح بأي ~~نوع من أنواع التراخي والتسامح والتعاطف الساذج ، ولذلك فلا يجوز برهم ~~والإحسان إليهم والموادة معهم. أما الذين لا يتحركون في دائرة العدوان ~~ويقتصر الأمر لديهم على الاختلاف مع المسلمين في العقيدة ، فلا مانع من ~~برهم والعدل فيهم والإحسان إليهم والتعايش معهم في المجتمع الواحدة ، أو في ~~البلدة الواحدة أو البلدان المتعددة. # وهكذا تتحرك السورة لتؤكد هذا الخط من خلال استعادة تجربة إبراهيم ~~عليه السلام والمؤمنين معه في انفصالهم عن أهلهم وقومهم ، حتى أن إبراهيم ~~تبرأ من أبيه عند ms5069 ما اكتشف أنه عدو الله. # ثم تتحدث السورة عن المؤمنات المهاجرات اللاتي يأتين إلى المدينة فرارا ~~بدينهن خوفا من الضغوط القاسية من أهلهن لإخراجهن من الدين ، فتطرح السورة ~~القضية على أساس امتحانهن في صدقهن في ذلك ، فإذا عرف PageV22P142 # الصدق ، فلا يجوز للمؤمنين إرجاعهن إلى الكفار تحت تأثير أي وضع أو أية ~~معاهدة تفرض ذلك. # وتختم السورة بالحديث عن قدوم النساء الكافرات إلى النبي ليبايعهن على ~~الإسلام ، فيأمره الله بمبايعتهن على قضايا معينة بارزة تتصل بالأمانة التي ~~تحملها المرأة في حياتها العائلية ، بالإضافة إلى توحيد الله والالتزام ~~بأوامره ونواهيه ، وتنطلق نهاية السورة في التأكيد على المؤمنين أن لا ~~يحبوا من غضب الله عليهم ممن يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور. # * * * ### ||| ** اسم السورة # جاء اسم السورة «الممتحنة» باعتبار أن المسألة البارزة فيها تتمثل في ~~امتحان المؤمنات المهاجرات ، في صدقهن في إيمانهن ، وهي المسألة الحيوية ~~التي لم يرد لها ذكر في مكان آخر من القرآن ، بينما ورد ذكر الامتناع عن ~~موالاة أعداء الله في أكثر من سورة ، مما اقتضى توجيه الأنظار إلى هذه ~~المسألة من مواضيع السورة ، لا سيما أنها تتصل بالدور الإيماني في قضية ~~المرأة التي تتكامل مع الرجل في هذا الجانب ، وتؤكد على عمق الإيمان الذي ~~ينتصر على العاطفة عندها. # * * * PageV22P143 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@049 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم ~~بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (1) @QUR@013 إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2) @QUR@013 لن تنفعكم أرحامكم ولا ~~أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير ) (3) # * * * ### ||| ** تنبيه المؤمنين إلى معاداة أعداء الله # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) هذا هو النداء الأول الذي يخاطب ~~المؤمنين من خلال عنوان الإيمان ، ليوجههم إلى التفكير بما يفرضه عليهم في ms5070 مضمونه PageV22P144 # الإيحائي من مواقف ومشاعر على مستوى الممارسة الخاصة في الجانب الذاتي من ~~حياتهم ، وعلى مستوى العلاقات في الجانب الاجتماعي العملي من سلوكهم ، لأن ~~الإيمان يمثل المنهج الكامل في حركته في طبيعة الشخصية المؤمنة في الداخل ~~والخارج ، مما يفرض على المؤمن أن يستثيره في نفسه في كل مجالات حياته. # * * * # ( @QUR@05 لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) # ( @QUR@08 لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) لأن مسألة ~~العداوة تختزن في داخلها الحقد في الشعور والرغبة في التدبير ، والتخطيط ~~للهلاك والعمل على إرباك الوضع كله من حولكم ، فليس من الطبيعي أن توالي ~~عدوك وتمحضه المودة ، فالموالاة تعبر عن الانفتاح عليه في الموقف ، ~~والابتعاد عن الحذر منه ، والاستسلام العفوي لمخططاته ، والاسترخاء أمامه ، ~~كما أن المودة له توحي بالعاطفة التي تأكل كل معاني الرفض الداخلي ، وتسقط ~~الحواجز النفسية ضده ، وتؤدي بالتالي إلى الاستخفاف بالعناصر المهمة ~~المتصلة بمضمون الفواصل العقيدية والفكرية والعملية ، مما يبتعد المؤمن معه ~~عن الصلابة في حراسة الخط الذي يميزه عن خطوط الآخرين ، عند ما يهدم السدود ~~الفاصلة بينه وبينهم. وفي ضوء ذلك ، لا تكون العداوة حالة نفسية ذاتية ~~رافضة ، بل تكون حالة فكرية تمتزج بالشعور الرافض الذي يتحول إلى رفض ~~للفكرة التي ترفض فكرة أخرى ، في عملية رفض العلاقة بالذات التي تمثل ~~التجسيد الحي للفكرة ، مما يجعل من الموقف العدائي عملية رفض لحركية الفكرة ~~من خلال الذات. PageV22P145 # ( @QUR@06 وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) فليس هناك أية قاعدة فكرية ~~وروحية وعملية تربطهم بكم ، فمن أين جاء أساس المودة التي لا بد من أن ~~ترتكز على التوافق في الفكر والموقف ( @QUR@03 يخرجون الرسول وإياكم ) في ~~ما يمثله ذلك من موقف عدواني عنيف ، يتميز بالقهر الوحشي الذي لا ينسجم مع ~~أية حالة شعورية إيجابية ، بل يجتذب المعنى السلبي من خلال ثأر الإنسان ~~لكرامته ولعلاقته بأرضه ، ولالتزامه بإيمانه. ولم يكن هذا الإخراج القهري ~~المتعسف ناتجا من حالة ذاتية تؤدي إلى أن يختلف الناس مع بعضهم البعض ، ~~فيكون رد الفعل قتالا أو تهجيرا أو نحو ذلك ، بل كان ناتجا ms5071 عن الخط ~~الإيماني التوحيدي الذي يضاد الخط الكافر الإشراكي ( @QUR@04 أن تؤمنوا ~~بالله ربكم ) فذلك هو سر المشكلة المعقدة فيما بينكم وبينهم ، فكيف تغفلون ~~عن ذلك وتستهينون به ، في الوقت الذي لا يتناسب فيه موقفكم الموالي لهم مع ~~خط الجهاد الذي ينطلق على أساس مواجهة كل القوى المعادية بالرفض القوي الذي ~~يعمل على كسر شوكة العدو ، وتدمير مواقعه ومواقفه ، فلا تسيروا في هذا ~~الاتجاه المنحرف ، ( @QUR@06 إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ) من أجل أن ~~تكون كلمة الله هي العليا ، ويكون الذين كله لله ( @QUR@02 وابتغاء مرضاتي ~~) بالعمل على ما يرضاه الله في مواقع طاعته ، فإن الذي يتحرك في مسيرة ~~الجهاد ويطلب رضا الله ، لا يوالي أعداءه ، ولا يتحرك في مواقع سخطه .. ( ~~@QUR@03 تسرون إليهم بالمودة ) حتى لا يظهر موقفكم للمؤمنين ، وتقعوا في ~~الحرج من ذلك ، ولهذا فإنكم تتجنبون الموقف العلني ، وتلجأون للموقف السري ~~، ( @QUR@06 وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) فإذا كنتم تستخفون من الناس ~~، فكيف تستخفون من الله الذي يعلم السر والعلانية ، ( @QUR@07 ومن يفعله ~~منكم فقد ضل سواء السبيل ) لأن السبيل السوي يفرض على الإنسان أن تكون ~~حركته في خط إيمانه ، وأن يكون موقفه في مصلحة قضيته ، وأن يكون سره ~~وعلانيته في الحق سواء ، وبذلك يكون الموقف الذي اتخذتموه منحرفا عن خط ~~الاستقامة. # ( @QUR@05 إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ) أي إن يظفروا بكم في أي موقع من مواقع PageV22P146 # الغلبة ، فإنهم يعاملونكم معاملة الأعداء بالأسر والقتل أو التشرية ، من ~~دون أن تؤثر فيهم كل مظاهر المودة التي تقدمونها لهم ، لأن عداوتهم تنطلق ~~من عمق الشعور المعادي لما تمثلونه من خط الإيمان بالله ، ( @QUR@05 ~~ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ) كمظهر من مظاهر العداوة الحاقدة ( ~~@QUR@03 وودوا لو تكفرون ) لأن كل الضغوط التي يوجهونها للمؤمنين تتحرك في ~~خط الفتنة عن دين الله ، لتكون الساحة كلها ساحة الشرك في عقيدته ومفاهيمه ~~وممارساته ، ( @QUR@05 لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ) الذين قد تحسبون ~~حسابهم في علاقاتكم الودية مع الكفار لتحفظوهم ، ولتأمنوا عليهم منهم ، إذا ~~كانوا يعيشون في ديارهم ، فما هي قيمة أن يرضى ms5072 عنكم هؤلاء في ما تقدمون لهم ~~من مواقف لحساب الكفار ، إذا كان الله يغضب عليكم ... لذلك عند ما تقفون ~~غدا بين يديه ، ( @QUR@04 يوم القيامة يفصل بينكم ) ليكون الحكم الفاصل ~~الذي يحسم الموقف في ما يختلف فيه الناس من كل القضايا المتصلة بمسألة الحق ~~والباطل ، فهو وحده الحاكم ، وليس لأحد أي تأثير في مسألة المصير ، فالله ~~يقضي على بعض الناس بدخول النار ، ويقضي لبعضهم بدخول الجنة. وقيل : إن ~~المراد بالفصل بين الناس هو تقطيع الأسباب التي تربط بينهم ، رابطة نسب ، ~~أو رابطة صداقة ، أو زواج أو نحو ذلك. والظاهر أن صاحب هذا القول وهو ~~العلامة الطباطبائي في الميزان قد استوحى هذا التفسير من الفقرة الأولى ~~التي تؤكد عدم انتفاع الإنسان بأرحامه وأولاده (1). # ولكن الظاهر أنها واردة في سياق الحديث عن مواجهة حساب المسؤولية من دون ~~أي ناصر حتى من أقرب الناس إلى الإنسان. وهذا ما تعبر عنه عبارة ( @QUR@05 ~~لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ) فلا حاجة لتأكيد مسألة انقطاع العلاقات ~~بينهم يوم القيامة ، لأن ذلك هو ما توحي به الكلمة ، أما مسألة الفصل التي ~~تعني قرار الحسم في مقام الجزاء ، فإنها تنسجم مع عدل الله ، PageV22P147 # ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) فلا يخفى عليه شيء من أعمالكم التي ~~تخضعون فيها للحساب ، والله العالم. # * * * ### ||| ** مع حديث مناسبة النزول ، عرض ومناقشة # وقد جاء في مناسبة نزول هذه الآيات في الدر المنثور في ما أخرجه أحمد ~~والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو ~~عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~وأبو نعيم معا في الدلائل عن علي قال : بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة ~~خاخ (موضع في طريق مكة) فإن بها ظعينة (المسافرة) معها كتاب فخذوه منها ~~فائتوني به. # فخرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا : أخرجي الكتاب. قالت ~~: ما معي كتاب قلنا : لتخرجن الكتاب ، أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من ~~عقاصها ، فأتينا به النبي صلى الله ms5073 عليه وآله وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي ~~بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما هذا يا حاطب؟ ~~قال : لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت أمرأ ملصقا من قريش ولم أكن من ~~أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ~~بمكة ، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها ~~قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني. فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : صدق. # فقال عمر : دعني يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال : إنه شهد بدرا وما ~~يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. PageV22P148 # ونزلت فيه ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة ) (1). # وقد لوحظ على هذه الرواية أولا : إن ما فعله حاطب لا ينطبق على جو الآية ~~، لأن ما صدر منه لم يكن لونا من ألوان الولاية للمشركين ، بل كان حالة ~~طارئة للتوصل إلى حماية أهله هناك ، من خلال اليد التي يصطنعها عندهم ، ~~ولهذا لم يجد النبي في فعله شيئا كبيرا ، بل صدقه في اعتذاره وسكت عن أي ~~إجراء ضده. # وثانيا : إن ما جاء في الرواية لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ~~ما شئتم لا يمكن أن يؤخذ بظاهره إذا كان النص صحيحا بل لا بد من توجيهه بما ~~يتناسب مع القواعد الإسلامية في مسألة الجزاء وفي مسألة الرخصة ، لأن ظاهره ~~هو الرخصة لأهل بدر أن يرتكبوا ما شاؤوا من المحرمات ، وأن يتركوا ما ~~يشاءون من الواجبات ، وأن يبتعدوا عن أي خط إسلامي في كل مواقف الإنسان ~~المسلم في الحياة ، مما يعني إلغاء الحدود الإسلامية بالنسبة إليهم. وهذا ~~مما لا يتقبله أي ذهن إسلامي ، لا سيما إذا عرفنا أن عظمة أهل بدر كانت من ~~أجل حماية الإسلام من الضغوط القاسية التي يضغط بها أهل الشرك ms5074 عليه ، ~~ليستقيم الخط الإسلامي في الحياة كما أراده الله أن يتحرك في حياة الناس ، ~~مع ما يمثله ذلك من قوة الإيمان ، وروعة الالتزام في شخصياتهم. فكيف يكون ~~ذلك أساسا للرخصة في الانحراف عن خط الالتزام؟! # هذا مع ملاحظة أن النبي حد مسطح بن أثاثة ، بعد ما نزلت براءة عائشة ، ~~وكان من الآفكين ، في الوقت الذي كان فيه من السابقين الأولين من المهاجرين ~~، وممن شهد بدرا كما في صحيحي البخاري ومسلم. ولا يبعد أن PageV22P149 # يكون هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تقدير صحة الرواية ، ~~واردا على سبيل المبالغة في اعتبار الجهاد في بدر في قيمته بالمستوى الذي ~~لا يدانيه عمل ، بحيث كان مؤهلا لأن يغفر الله للمجاهد كل ذنوبه ، لأن ~~النتائج العملية في معركة بدر تمثل الانطلاقة القوية للانتصار الذي ركز ~~قاعدة المستقبل للإسلام. # ولكن هذا لا يمنع أن يؤاخذ المجاهد بذنوبه المستقبلية التي تمثل انحرافه ~~عن المضمون العميق لبدر في محتواه الإيماني ، فإن معنى ذلك أنه لم يحتفظ ~~ببدريته في خط الاستقامة مع الإسلام ، والله العالم. # * * * PageV22P150 ### ||| * الآيات # ( @QUR@052 قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) @QUR@013 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا ~~إنك أنت العزيز الحكيم (5) @QUR@019 لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان ~~يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6) @QUR@015 ~~عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور ~~رحيم ) (7) # * * * ### ||| ** الله يحدد القدوة الحسنة للمسلمين # هل هذا الموقف الثابت على قاعدة الإيمان المتمرد على كل العواطف ~~والعلاقات ، الملتزم ، أبدا ، بالإيمان بكل قواعده وأوضاعه ، المنفصل بكل قوة PageV22P151 # ووضوح عن الفئات التي تلتزم بالكفر والشرك بكل مواقعه ومواقفه ، هل هذا ~~كله نهج ms5075 جديد لا مثيل له في التاريخ ليكون حدثا مثاليا لا يقترب من الواقع ~~، أو هو صورة حية لحدث تاريخي عاش الفكرة في حجم القدوة ، وعاشت القدوة فيه ~~من أجل أن تصنع للمستقبل صورة مماثلة للماضي؟ # * * * ### ||| ** إبراهيم ومن معه ، هم القدوة الحسنة للمسلمين # هذه هي صورة الماضي كما جسدها النبي إبراهيم عليه السلام ، والمؤمنون معه ~~، فما ذا حدث لهم؟ ( @QUR@015 قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ) لأن مسألة الانتماء من وجهة نظر الدين ~~تتجاوز الأطر المادية كالأرض ، أو الصلات الترابية كالصلات العائلية ، أو ~~ما عداها من أطر تضيق وتتسع بحسب مكوناتها وطبيعة عناصرها الجامعة ، ~~كالروابط العشائرية أو الوطنية أو القومية ، تتجاوزها إلى الإطار العقائدي ~~والروابط الدينية. فبالنظر الإسلامي ، فإن الارتباط العقائدي هو الأساس ~~الذي يمنح الهداية الحقيقية للإنسان ، ويوفر له الاستقرار والسعادة في ~~الدارين ، وذلك على النقيض تماما من الكفر والشرك اللذين يجعلان الإنسان ~~يتخبط في الضلالة خبط عشواء ، ولا يستقر على حال من القلق والخوف ، فلا ~~يشعر بالأمن أو السعادة. من هنا ، فإن خط التوحيد وخط الكفر والشرك ~~والوثنية ، لا يلتقيان ، وبالتالي لا يمكن للمؤمنين أن يرتبطوا بالمشركين ~~لأنه لا يجتمع إيمان وكفر في موقع واحد ، أو في قلب واحد. ولما كان الإيمان ~~بالله شعارنا ، وكان الشرك شعاركم ، فلا بد من إعلان البراءة منكم باعتبار ~~انفصالكم عن الله ، ( @QUR@05 ومما تعبدون من دون الله )، لأن هذه الأصنام ~~تمثل الزيف والباطل والانحطاط المعنوي عن مستوى العقل PageV22P152 # الذي يحترم نفسه في اختيار مواقع إيمانه ورموز عبادته ، بينما يمثل الله ~~الحق كله ، والعلو كله ، والملك كله ، والعزة كلها. # وإذا كانت البراءة هي الموقف ، فإن من الطبيعي أن يكون الكفر بهم هو ~~النتيجة ( @QUR@02 كفرنا بكم ) لأنكم لا تمثلون أساسا للإيمان ، ( @QUR@05 ~~وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ) لأننا نعادي أعداء الله ، ونبغض ~~المتمردين عليه والمنحرفين عن خط رسالاته ، وسيستمر ذلك ( @QUR@05 أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده ) ولا تشركوا به شيئا ، فذلك هو خطنا في الحياة في مسألة ~~الموالاة سلبا أو ms5076 إيجابا ، ولن ننحرف عنه في أي موقع من المواقع العامة ~~والخاصة ، ولم يحدث هناك في ماضينا إلا في حالة واحدة ( @QUR@04 إلا قول ~~إبراهيم لأبيه ) الذي كان مشركا مع المشركين : ( @QUR@02 لأستغفرن لك ) لا ~~من موقع الولاية التي ينتفي فيها الحاجز النفسي بينه وبينه ، بل من موقع ~~الرغبة في هدايته بهذا الوعد الذي يمثل أسلوبا من الأساليب العملية في منحه ~~الفرصة الأخيرة للتراجع والانفتاح على الله ، فقد أعلن له أنه سيطلب من ~~الله له الغفران بأن يوفقه للسير في طريق الهداية ، ولكنه لم يمنحه الأمل ~~الكبير المطلق ، بل ترك الأمر خاضعا لله ( @QUR@07 وما أملك لك من الله من ~~شيء ) لأنه وحده الذي يملك الهداية ويمنح المغفرة ، وليس للعباد من ذلك أي ~~شيء ، إلا أن يرفعوا الأمر إليه ، ويخضعوا بين يديه في ابتهال الإخلاص ، ~~وفي خشوع التوسل والعبادة الخالصة ( @QUR@03 ربنا عليك توكلنا ) فها نحن ~~عبادك السائرون في طريق الجهاد والطاعة والمعاناة ، وسنواجه التحديات ولن ~~نتراجع ، وسنتابع السير ولن نسقط ، مهما واجهتنا الصعوبات ووقفت أمامنا ~~العقبات ، ما دمنا نتوكل عليك ، فأنت وحدك موضع الثقة المطلقة في أن تخلصنا ~~من ذلك كله ، ( @QUR@02 وإليك أنبنا ) أي رجعنا إليك ، وتركنا كل الناس ~~خلفنا إلا الذين كانت وجوههم متجهة إلى عرش ربوبيتك ، فنحن معهم لأنهم معك ~~( @QUR@02 وإليك المصير ) فأنت غاية الغايات ، وستجتمع كل الموجودات إليك ~~كما انطلقت منك منذ بداية الوجود. وإذا كنا نؤمن بأننا نصير إليك ، فإننا ~~نبقى في الطريق التي تصلنا PageV22P153 # بك ، وتقودنا إليك ، ليكون مصيرنا في رحاب رضوانك ، وفي آفاق رحمتك ، وفي ~~نعيم جنتك ، ( @QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) في ما تمتحنهم به ~~من تسليطهم علينا ليطغوا وليبغوا ويمارسوا الفساد في البلاد والعباد ، في ~~ما يظهره ذلك الامتحان من حقدهم على الإيمان كله وعلى الخير كله ، لأننا لا ~~نريد الحياة فرصة للكفار الأشرار في ما يمكن أن يأخذوا به من الفرص الواسعة ~~في حالات الاختيار ، ( @QUR@03 واغفر لنا ربنا ) كل ما سلف من ذنوبنا ( ~~@QUR@03 إنك أنت العزيز ) الذي نستمد القوة منه ، ( @QUR@01 الحكيم ) الذي ~~نستمد الحكمة ms5077 من حكمته. # ( @QUR@06 لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ) فهم القدوة الطيبة الصالحة التي ~~تجسد الإيمان بكل وداعته وروحيته وصلابته وقوته وتعاليه عن كل المغريات ، ~~وثباته أمام كل المخاوف ، فكانوا المثل الأعلى للناس كلهم في محبة الله ~~وطاعته والإخلاص له ، ( @QUR@06 لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) ليقتدوا ~~بهم في إخلاص الرجاء لله ، وفي الانفتاح على المسؤولية في اليوم الآخر. ( ~~@QUR@02 ومن يتول ) ويعرض عن السير في خط الإيمان الذي سار عليه إبراهيم ~~ومن معه ، فليس بضار الله في شيء ، ( @QUR@07 ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد ) الذي لا ينفعه أحد في إيمانه أو طاعته ، ولا يضره مخلوق في كفره ~~أو معصيته ، وهو المحمود في كل أفعاله ، كما هو المحمود في ما يتحمد به ~~خلقه من أعمال وأوضاع. # ( @QUR@010 عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ) في ما ~~يمكن أن يوفقهم للإسلام بهدايته ، ويفتح قلوبهم على الله بتسديده ( @QUR@02 ~~والله قدير ) على كل شيء. ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) للتائبين المنيبين ~~إليه من عباده ، فلا تيأسوا من هؤلاء المنحرفين ، والتزموا خط الحق في ~~معاملتكم لهم ، وتابعوا السير في البحث عن أفضل السبل لإعادتهم إلى الفطرة ~~السليمة والخطة المستقيمة ، واسألوا الله لهم الهداية ، فقد يرجعون إلى ~~الحق ، ويهتدون إلى الله ، ويلتقون بكم في رحاب الإيمان به والالتزام ~~بشريعته. # * * * PageV22P154 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@021 لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) @QUR@021 إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على ~~إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (9) # * * * ### ||| ** من هم الذين لا ينهى الله عن معاداتهم؟ # لقد كانت القضية المطروحة في الحديث عن الموالاة للكافرين مشروطة ~~بالعداوة في الشعور. والممارسة ، لأن الله لا يريد من المؤمن أن يكون ساذجا ~~في نظرته إلى علاقاته بالآخرين ، بحيث تتحول طيبته الذاتية إلى نوع من ~~أنواع السذاجة العقلية والعملية التي تثير في أعدائه غريزة العدوان عليه من ~~مواقع غفلته ، ولأن الله يريد للمؤمن أن ينظر إلى ms5078 الخلاف العقيدي نظرة جدية ~~عند ما يتحول في مواقف الفئات المضادة إلى وضع عدواني ، فيتعامل مع هذا ~~الوضع بواقعية. أما في هاتين الآيتين ، فينطلق التأكيد من القاعدة ~~الإيمانية الإنسانية PageV22P155 # التي تفتح المجال واسعا للعلاقات الإيجابية مع الذين نختلف معهم في الرأي ~~إذا لم يتحركوا ضدنا بطريقة عدوانية ، لتبقى الحالات العدوانية هي الملحوظة ~~في المنع من الموالاة. # * * * ### ||| ** لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين # ( @QUR@09 لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) بل كانوا ~~مسالمين في مسألة الخلاف في العقيدة ، فهم لا يتفقون مع المسلمين في الرأي ~~، ولكنهم لا يدخلون معهم في حرب ، إما لدخولهم مع المسلمين في ميثاق أو عهد ~~أو أمان ، وإما لوجود وضع سلمي واقعي رافض للدخول معهم في قتال أو صدام ، ( ~~@QUR@04 ولم يخرجوكم من دياركم ) لأنهم يؤمنون بالتعايش مع الإسلام ~~والمسلمين في محيط واحد ، فلا تغريهم قوتهم بأن يشردوهم ويهددوا أمنهم في ~~ذلك ، ( @QUR@02 أن تبروهم ) بأن تقدموا إليهم الخير بكل مجالاته العملية ~~على مستوى القضايا المادية والمعنوية ، ( @QUR@02 وتقسطوا إليهم ) بأن ~~تتعاملوا معهم في خط العدل في ما يثور في حركة الواقع من خلافات ونزاعات في ~~ما بينهم وبين المسلمين ، حتى يكون الخير العملي والعدل الإسلامي ، ~~ووسيلتين من وسائل الدعوة إلى الإسلام ، لما يجسدان من صورة مشرقة للإسلام ~~لدى غير المسلمين ، فتتحول الحالة السلمية في حياتهم إلى حالة روحية منفتحة ~~على الإسلام من خلال انفتاح المسلمين عليهم بالأخلاق الكريمة ، ليقودهم ذلك ~~إلى الإيمان بالإسلام ، في نهاية المطاف ، على أساس أنهم لا يعيشون العقدة ~~العدوانية ضده. وهذا هو ما ينبغي للمسلمين أن يواجهوه في سلوكهم العملي في ~~ساحة الشعوب الكافرة المسالة التي لا تعيش العقدة المستحكمة في نظرتها إلى PageV22P156 # الإسلام والمسلمين ، من أجل أن يكون المسلمون حركة منفتحة على الواقع ~~بشكل إيجابي فاعل ، ( @QUR@04 إن الله يحب المقسطين ) الذين يعيشون العدل ~~كحالة روحية ، مع كل الناس من مؤمنين وكافرين ، لأن العدل هو الأساس الذي ~~يرتكز عليه بناء الحياة على أساس التوازن في حركة الإنسان والحياة. # * * * # ( @QUR@08 إنما ينهاكم ms5079 الله عن الذين قاتلوكم في الدين ) # ( @QUR@08 إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ) ووقفوا ضد ~~حريتكم في الدعوة ، وضد حرية الناس في الإيمان ، وقاتلوكم على أساس موقفكم ~~الدني في العقيدة والعمل ( @QUR@06 وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ~~) وعاونوا المشركين على إخراجكم من دياركم إما بطريق التحالف ، أو نحوه ، ( ~~@QUR@02 أن تولوهم ) في المودة القلبية ، والانفتاح العملي ، لأنهم يرفضون ~~ذلك بعدوانيتهم ، وينفذون إلى مجتمعكم من موقع الثغرات العاطفية التي ~~تفتحونها عليهم ، ليدمروا قواعد الأمان في حركتكم الإسلامية ، ( @QUR@02 ~~ومن يتولهم ) وينحرف عن هذا الخط المتوازن في حركة الوعي الإسلامي ، ويبتعد ~~عن أوامر الله ونواهيه ( @QUR@03 فأولئك هم الظالمون ) الذين ظلموا أنفسهم ~~وظلموا الإسلام والمسلمين في ذلك كله. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي الآيتين # وقد نستطيع استيحاء هاتين الآيتين في الانفتاح على غير المسلمين بطريقة ~~إيجابية على مستوى العلاقات الدولية ، أو على صعيد العلاقات الحركية PageV22P157 # السياسية ، أو في دائرة الأوضاع الاقتصادية ، فإن الله لا ينهى عن البر ~~بهم ، والعدل معهم ، وليست المسألة في إيحاءاتها الفكرية ، مجرد حالة ~~إنسانية خيرية ، بل هي إلى جانب ذلك حركة عملية في هذا الاتجاه ، لأن أجواء ~~الآيتين ، مع ملاحظة الآيات السابقة ، تؤكد في مسألة المقاطعة ورفض ~~الموالاة على الحالة العدوانية لا على الخلاف الديني ، مما يفسح المجال ~~لعلاقات إنسانية سياسية واقتصادية إيجابية ، فإن كلمة «البر» قد تتسع ~~للكثير من النشاطات العامة ، كما أن كلمة «العدل» قد تتحدث عن التوازن في ~~المواقف والعلاقات. # وإننا نؤكد دائما على ضرورة التركيز على الاستيحاءات القرآنية في مسألة ~~المفاهيم ، من خلال طبيعة الآفاق التي تطل عليها الآية ، والأفكار العامة ~~التي تثيرها ، والإشارات الروحية التي تلتقي بها في حركة المفاهيم ، وندعو ~~إلى إثارة البحوث الإسلامية حول ذلك كله. # وقد أثار الفقهاء أحاديث متنوعة في ما يتصل بالآية الأولى ، حيث تحدثوا ~~عن أن الصدقة تجوز من المسلم على الذمي من أهل الكتاب ، بل قال أبو حنيفة ~~إنه تجوز عليه زكاة الفطرة والكفارات ، واتفقوا على جواز الوصية له بالمال ~~، والوقف عليه ، لأن الله تعالى لم ينهنا عن البر به ، وهذه ms5080 الأمور هي من ~~بعض مفردات البر. وقد نستطيع أن نضيف إلى ذلك الكافر المسالم ، حتى لو لم ~~يكن من أهل الكتاب ، لا سيما إذا لاحظنا أن من الممكن أن تكون الآية شاملة ~~، إن لم تكن مختصة بحسب مورد النزول ، لأهل مكة المشركين الذين لم يشاركوا ~~الطغاة في القتال أو في المساعدة على إخراج المسلمين ، ولا بد من التأمل في ذلك. # وإذا كنا قد تحدثنا عن مسألة الانفتاح على غير المسلمين المسالمين في ~~العلاقات الدولية أو الحركية السياسية ، فإننا قد نستطيع الإشارة إلى دراسة PageV22P158 # العلاقات مع الدول الكبرى أو الصغرى التي تتحرك ضد المسلمين بطريقة ~~عدوانية ضد مصالحهم السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية ، لأن القضية ليست ~~قضية القتال في الدين والمساعدة على التشريد ، كخصوصيتين ذاتيتين ، بل ~~كنموذجين للعداوة التي تمثل المبدأ الذي يدور مداره الموقف الودي أو الموقف ~~المضاد. # * * * ### ||| ** المسألة الفقهية بين العناوين الأولية والثانوية # وقد يفرض علينا البحث أن نشير إلى أن هذه المسألة في المقاطعة للفئات ~~العدوانية ، تتحرك في نطاق العناوين الأولية في الحالة الطبيعية للعلاقات ~~العامة ، ولكن قد تطرأ بعض الظروف الضاغطة التي قد يضطر فيها المسلمون إلى ~~إيجاد علاقات معينة مع الدول المعادية ، من أجل المصلحة الإسلامية العليا ~~التي قد تنعكس عليها المقاطعة انعكاسا سلبيا أكثر مما تنعكس على تلك الدول ~~، الأمر الذي قد يفرض على أولي الأمر أن يواجهوا المسألة بالطريقة ~~الإيجابية مع بعض التحفظات التي تقتضيها السلامة العامة للإسلام والمسلمين. # * * * PageV22P159 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@056 يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما ~~أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) @QUR@021 وإن فاتكم ~~شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) (11) # * * * ### ||| ** مناسبة نزول هذه الآيات # جاء في أسباب ms5081 النزول للواحدي ، قال ابن عباس : إن مشركي مكة صالحوا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده ~~عليهم ، ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم ، وكتبوا بذلك الكتاب وختموه ، فجاءت PageV22P160 # سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب ، والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم ، وقال ~~مقاتل : هو صيفي بن الراهب في طلبها وكان كافرا ، فقال : يا محمد رد علي ~~امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم ~~تجف بعد ، فأنزل الله تعالى الآية : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ) (1). # ربما كانت هذه الرواية صحيحة بالنسبة للأجواء التي أحاطت بالمضمون ~~التشريعي للآية ، فتكون القضية هي أن توقف النبي عن إرجاع هذه المرأة ، قد ~~يكون ناشئا من ملاحظته أن المعاهدة لا تشمل النساء ، بل تختص بالرجال (2)، ~~في ما يمكن أن يكونوا قد لاحظوه من الخوف على هروب الرجال إلى النبي ، بعد ~~أن أصبح في موقع القوة التي تجذب الناس إليه في ذلك المجتمع الذي يخضع ~~للقوة رغبة أو رهبة ، مما قد يضعف مواقع المشركين ، أما النساء فليست واردة ~~في الحساب ، لأنها ليست في الموقع الذي يمكنها من الهرب في وعي المجتمع ~~هناك ، الأمر الذي لا يجعل القضية ملحوظة في المعاهدة وقد جاء الوحي مؤكدا ~~لذلك. وربما كانت القضية لديه أنه كان لا يملك تشريعا منزلا من الله في هذه ~~الواقعة ، فهل يحل إرجاع المرأة المسلمة إلى الزوج الكافر ، أو لا يحل ذلك؟ ~~لأن التشريع المتدرج لم يكن قد تعرض إلى ذلك ، أو أنه لم يدخل في مفردات ~~التفاصيل بحيث تشمل مثل هذه الحالة التي تدخل في صلب المعاهدة ، في ما يمكن ~~أن يكون بمثابة الاستثناء من القاعدة # تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 254. PageV22P161 # التحريمية العامة. وقد كان توقفه منطلقا من أن المعاهدات لا تشمل المواقع ~~التي تتضمن الحرام الشرعي ، فكان يريد أن يعرف حكم الله ، فجاءت ms5082 الآية لتضع ~~القضية في نصابها الشرعي الصحيح. # وإذا لم تكن الرواية صحيحة ، فإن القضية تتصل بالموقف العام من هذه ~~المسألة في الأجواء الإسلامية العامة ، في علاقات المشركين بالمسلمين ، في ~~نطاق المعاهدات المكتوبة ، أو في نطاق الهدنة المعقودة بينهم بطريقة ~~واقعية. # * * * ### ||| ** قيمة المرأة إسلاميا من خلال هذه الآيات # يمكن أن نستوحي من هذه الآيات ما يمنحه الإسلام للمرأة من قيمة كبيرة في ~~الاستقلال العقيدي ، فليس لزوجها الحق في أن يفرض عليها عقيدته على أساس ~~تبعيتها له ، بل هي إنسان مستقل يملك الفكر المستقل الذي يتحرك في نطاق ~~العقيدة ، كما يملك الإرادة التي تؤكد الموقف والانتماء. كما يوحي إلينا ، ~~من الناحية التاريخية ، إلى أي مدى كانت المرأة مستقلة في مستوى الإيمان ~~الكبير ، بحيث كانت تترك زوجها وأهلها وأولادها ، فرارا بدينها ، حتى لا ~~تسقط تحت تأثير الضغوط القاسية التي يحاول الكافرون ممارستها ضدها ليفتنوها ~~عن دينها ، فكانت تتحمل الصعوبات الشديدة والسفر المجهد الطويل ، حتى تصل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتجد الحماية عنده ، كما تجد المناخ ~~الذي تستطيع أن تتنفس فيه هواء الإسلام النقي. # وكان الوحي واضحا في تأكيده على المؤمنين الذين يمثلون المجتمع الإسلامي ~~بأن يحققوا لهن الحماية إذا عرفوا صدق إيمانهن ، وثبات موقفهن. PageV22P162 # وقد يكون في هذا بعض الإيحاء بحماية المرأة من كل ضغط يحاول استغلال ~~ضعفها لإبعادها عن تفاصيل الالتزام الإسلامي ، في ما يعمل له الخط الكافر ~~أو الخط المنحرف من فرض السفور والخلاعة والانحراف عليها ، أو من ممارسة ~~القهر والعنف الجسدي والمعنوي ضدها ، لتترك الالتزامات العبادية ~~والأخلاقية. # إن من الضروري على المجتمع المسلم دراسة الوسائل الكفيلة بمواجهة الضغوط ~~الاجتماعية أو السياسية التي تبتعد بالمرأة المسلمة عن الانحراف ، عند ما ~~تلجأ إلى الجماعة المسلمة لحمايتها من ذلك ، لأن مسألة الحماية ، في حالة ~~الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام ، لا تختص بهذا الجانب ، بل إنها ~~تمثل النموذج في مسألة الانحراف الذي يمكن أن يمتد معناه إلى التفاصيل ، ~~كما يتمثل في المبدأ. # * * * ### ||| ** امتحان المؤمنات المهاجرات # ( @QUR@04 يا أيها الذين ms5083 آمنوا ) هذا نداء للمؤمنين ، باعتبارهم يمثلون ~~القوة الضاغطة التي تملك أمر الحماية الواقعية بقيادة الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ليواجهوا القوم الذين يأتون إلى المدينة للمطالبة ~~بإرجاع هؤلاء النسوة إلى الكفار ، فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلا. # ( @QUR@04 إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ) معلنات إيمانهن على خط الإسلام ~~وفرارهن بدينهن من ضغط الكفار الذين يعملون لفتنتهن عن ذلك ، ولمنعهن عن ~~ممارسة الالتزامات الدينية ، ( @QUR@01 فامتحنوهن ) لتتعرفوا طبيعة الموقف ~~الحقيقي لهن ، إذا ما كان وليد بعض مشاكل شخصية في نطاق العلاقات الزوجية ~~أو الأبوية ، أو نحو ذلك مما قد يستسلمن فيه لانحرافات أخلاقية PageV22P163 # يخشين من نتائجها ، أو لسرقة مالية ، أو لأوضاع نفسية قلقة ، أو أنه وليد ~~التزام ديني عميق لم يكن يملكن الامتداد فيه ولا الثبات عليه هناك ، وكن ~~يستحلفن «ما خرجت من بغض ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا التماس دنيا وما خرجت ~~إلا حبا لله ولرسوله» (1). # ( @QUR@03 الله أعلم بإيمانهن ) فهو الذي يعرف عمق الفكرة الإيمانية لدى ~~المؤمن ، فلا يحتاج إلى اختباره وامتحانه من أجل المعرفة ، بل إن المسألة ~~هي إيكال أمر المعرفة إلى المجتمع المسلم ليحدد موقفه على ذلك الأساس ، في ~~ما يريد أن يتحمله من المسؤولية. وهكذا نلاحظ أن الله لم يقم موقف المجتمع ~~المسلم من الأحداث الخفية على أساس الغيب ، في ما يوحي به إلى نبيه ، بل ~~ترك الأمر للوسائل المألوفة للمعرفة ، لأنه يريد من المسلمين أن يعيشوا ~~التجربة الحية ، في ما يملكون من الوسائل العملية ، ( @QUR@03 فإن علمتموهن ~~مؤمنات ) في ما يظهر من الدراسة التفصيلية لأوضاعهن الواقعية ، ولأفكارهن ~~الإيمانية ، ولاعترافاتهن الإسلامية ، ولإعلانهن الاستعداد للسير على خط ~~الاستقامة في العقيدة والعمل ( @QUR@012 فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن ) فقد قطع الله العلاقة الزوجية بينهن وبين الكافرين ~~سواء كانت العلاقة الزوجية سابقة على الإيمان أو كانت لاحقة له ، في ما ~~يريد الكافرون إجبارها عليها ، لأن الكافر لا يجوز له الزواج من المسلمة ، ~~كما لا يجوز للمسلمة الزواج من الكافر أو المشرك ، ( @QUR@03 وآتوهم ما ~~أنفقوا ) من المال ms5084 الذي دفعوه مهرا لهن ، وذلك من أجل الحفاظ على طبيعة ~~المعاهدة المعقودة بين المسلمين والكافرين التي تعمل على الإبقاء على الجو ~~السلمي في ما بينهم ، مما يجعل الامتناع عن إرجاع زوجات الكافرين المؤمنات ~~، خاضعة للتعويض المالي على الأزواج ، مما يخفف من سلبياتها النفسية من ~~خلال النظرة المادية التي تحكم الذهنية الموجودة في ذلك PageV22P164 # المجتمع في علاقة الرجل بالمرأة. ( @QUR@08 ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ~~إذا آتيتموهن أجورهن ) لأنهن يملكن الارتباط بعلاقة زوجية جديدة بعد انفساخ ~~الزواج السابق بالإسلام ، ضمن الشروط الشرعية المعتبرة ، ومن بينها المهر ~~الذي يدفعه المسلمون لهن ضمن عقد الزواج. # ( @QUR@04 ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) بالاستمرار على زوجيتكم لهن ، إذا ~~أسلمتم وبقين على الكفر ، أو إذا كفرن بعد الإسلام ، فإن الله لا يحل ~~للمسلم الزواج من كافرة بمعنى الإلحاد أو الشرك ، فإن الظاهر من السياق ~~إرادة ذلك من هذه الفقرة في الآية ، فلا يشمل أهل الكتاب ، لأن القرآن لا ~~يستعمل هذا المصطلح في الحديث عنهم ، مع ملاحظة أن إطلاق الكافرين عليهم ~~ممكن من جهة الكفر برسالة الرسول ، وقد عبر عن ذلك في سورة البينة في قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) [البينة : ~~1] ، ولكنه أطلق ذلك مع ذكر كلمة «أهل الكتاب». # وقد جاء في بعض الأحاديث المأثورة عن أهل البيت عليه السلام ما يوحي ~~بشمولها لأهل الكتاب ، مما جعلها ناسخة للآية الكريمة التي تبيح نكاح أهل ~~الكتاب ، فقد جاء في الكافي بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر «محمد الباقر ~~عليه السلام » عن قول الله تعالى : ( @QUR@07 والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ) فقال : هذه منسوخة بقوله : ( @QUR@04 ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر ) (1). # ولكننا نلاحظ على هذا الحديث ما لاحظه العلماء ، بأن النسخ غير وارد ، ~~لأن آية الممتحنة سابقة على آية المائدة نزولا ، فكيف يمكن للسابق أن ينسخ ~~اللاحق ، فلا بد من تأويل الحديث أو طرحه. # ( @QUR@03 وسئلوا ما أنفقتم ) إذا لحقت المرأة بالكفار ، ( @QUR@03 ~~وليسئلوا ما أنفقوا ) من مهر نسائهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. ( @QUR@05 ~~ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) على أساس ms5085 PageV22P165 # التوازن في المعاملة المتبادلة بالمثل. ( @QUR@03 والله عليم حكيم ) فهو ~~الذي يعلم صلاح عباده ، فيجري تشريعاته على أساس الحكمة في ما يأخذون به أو ~~في ما يتركونه. # ( @QUR@07 وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ) أي إذا لحقت بعض زوجات ~~المؤمنين بالكفار ، ولم يتمكن أزواجهن من استرجاع المهر ، ( @QUR@01 ~~فعاقبتم ) بأن نال الكفار منكم عقوبة بالغلبة عليهم والحصول على الغنيمة ~~منهم ، ( @QUR@07 فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) من صلب الغنيمة ~~عوضا عما فاتهم من المهر الذي خسروه بذهاب زوجاتهم مما يضطرون معه للزواج ~~من أخرى ... وهناك وجوه أخرى لتفسير الآية لا مجال لذكرها ، ( @QUR@06 ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) في الوقوف عند حدوده في ذلك كله. # * * * PageV22P166 ### ||| * الآية # ( @QUR@039 يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم ) (12) # * * * ### ||| ** كيف نفهم معنى بيعة الناس للرسول؟ # للبيعة في المفهوم الإسلامي معنى الالتزام الشخصي العقيدي بالطاعة ~~للقيادة في كل المضمون الذي تفرضه الرسالة المتحركة في خط القيادة ، ولهذا ~~فإن هناك إيمانا بالرسول ، في معنى رسالته ، في ما يلتزمه المسلم في فكره ~~وشعوره وحياته ، وهناك خضوع حركي في الانفتاح على حاكميته وقيادته في خط ~~الطاعة. ولعل هذا هو الجواب على ما قد يثأر من أسئلة حول معنى البيعة ~~للرسول ، لأن البيعة قد تعني العنوان الذي يحرك الالتزام الشخصي ليمنح PageV22P167 # الموقف شرعية في علاقة الشخص المبايع بصاحب البيعة ، بحيث يستمد القائد ~~أو الأمير شرعيته من خلال ذلك. وهذا مما لا معنى له في قضية الرسالة ~~والرسول ، لأن الإيمان بهما ينطلق من مسألة الشرعية الإلهية التي حددت ~~شخصية الرسول في حركة الرسالة. # وخلاصة الفكرة ، أن هناك بيعة تمنح الشرعية لصاحبها في ما يلتزم به ~~الكثيرون من المسلمين بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يملكون شرعية في ~~ولايتهم على الناس إلا بذلك ، وهذا مما لا مضمون له في بيعة الرسول ، أو ~~الإمام ms5086 ، في نظرية الإمامة ، ولكن هناك بيعة تعبر عن الالتزام الذاتي ~~بالولاية بعد الالتزام العقيدي بها أو لتأكيده بالإعلان بهذا الالتزام بها ~~، وهذا هو معنى البيعة في الرسول ، أو الإمام. # * * * ### ||| ** بيعة النساء # ( @QUR@06 يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ) اللاتي دخلن في الإسلام ~~وأعلن إيمانهن بالله وبالرسول ( @QUR@02 يبايعنك فبايعهن ) ليعبرن لك عن ~~التزامهن بهذا الخط في خط الرسالة ، وبقيادتك في حركة النبوة من مواقع ~~استقلالهن في إرادة الانتماء للعقيدة التي يؤمن بها ، إذا إن المرأة ليست ~~تابعة للرجل ليكون إيمانها على هامش إيمانه ، وبيعتها تابعة لبيعته ، لأنها ~~إنسان مستقل في مسألة الإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، وفي دائرة ~~المسؤولية ، فلا يغني الأب عن ابنته ، ولا الزوج عن روجته ، ولا الولد عن ~~والدته شيئا ، ( @QUR@06 على أن لا يشركن بالله شيئا ) لأن التوحيد هو ~~القاعدة الثابتة للعقيدة الإسلامية ، وهو العنوان الشامل لكل تطلعات ~~الإنسان في فكره وعمله ، باعتبار أنه يؤكد الالتزام بوحدانية الله PageV22P168 # في الألوهية والعبادة والطاعة ، بحيث تختصر مفردات الإسلام كلها ، فهو ~~النافذة التي تطل على الدين كله ، ولعل التعبير عن التوحيد ، الذي هو عقيدة ~~إيجابية ، بالامتناع عن الإشراك الذي هو حالة سلبية ، من جهة أن الواقع ~~الذي يعيش فيه المجتمع آنذاك هو واقع الشرك العبادي الذي كان يلتقي ~~بالعقيدة بالله ، في ما كانوا يعتقدونه في الأصنام بأنها تقربهم إلى الله ~~زلفى ، حيث كانوا يقدمون لها فروض العبادة ، الأمر الذي كان يفرض التأكيد ~~على رفض الشرك فكرا وعملا لتتخلص العقيدة بالله من شوائب الشرك ، وليكون ~~التوحيد هو الخط الذي يلتزمونه في الإيمان بالله ، ورفض الشرك في العقيدة ~~والعبادة. # ( @QUR@02 ولا يسرقن ) لتكون المرأة أمينة على مال زوجها وأهلها وكل ~~الناس من حولها ، فإن الأمانة من الأخلاق الأصيلة في التخطيط الأخلاقي ~~للشخصية المسلمة. ( @QUR@02 ولا يزنين ) لأن الزنى يؤدي إلى اختلال الأوضاع ~~الأخلاقية الاجتماعية في المسألة الجنسية التي أراد الله لها أن لا تتحرك ~~بعيدا عن البيت الزوجي ، لئلا تتحول العلاقات ، في هذا الإطار ، إلى ما ~~يشبه الفوضى التي تسيء إلى الكثير من قضايا المجتمع في نظامه ms5087 العام. ( ~~@QUR@03 ولا يقتلن أولادهن )، سواء كان ذلك بالإجهاض أو بالقتل المتعمد ~~بالطريقة المألوفة. ( @QUR@07 ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ~~) وذلك بأن ينسبن أولادهن إلى غير آبائهن من خلال علاقات الزنى التي تؤدي ~~إلى حمل الزوجة من أجنبي ثم تكذب على زوجها وتفتري عليه ، بنسبة الولد ~~إليه. ولعل التعبير بالبهتان الذي ( @QUR@04 يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) ~~، باعتبار أن الولد إذا سقط في حال الوضع فإنه يسقط بين يدي الأم ورجليها. # ( @QUR@04 ولا يعصينك في معروف ) في كل ما تأمرهن به من الطاعة في فعل ~~الخير والامتناع عن الشر ، لتكون البيعة التزاما بالمعروف كله في ما يأمر ~~به النبي من موقع رسالته وقيادته ، وبذلك يشمل رفض المعصية ، الواجبات PageV22P169 # والمحرمات. # ( @QUR@08 فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) في ما أخطئوا ~~فيه ، وفي ما انحرفوا عنه ثم تابوا منه إلى الله. # ولعل التأكيد على هذه الأمور في مضمون البيعة من جهة أنها تعبر عن بعض ~~القضايا الملحة في الأوضاع التي تعيشها المرأة أمام قضايا الانحراف ، وبذلك ~~تكون نموذجا لكل مواقع الانحراف في المحرمات التي يمكن للمرأة أن ترتكبها ، ~~لأن البيعة تتحرك في الالتزام بالإسلام كله ، لا ببعض أحكامه وقضاياه. # وقد جاء في الكافي بإسناده عن أبان عن أبي عبد الله «جعفر الصادق ~~عليه السلام » قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة بايع الرجال ~~ثم جاءت النساء يبايعنه ، فأنزل الله عز وجل ( @QUR@07 يا أيها النبي إذا ~~جاءك المؤمنات يبايعنك ) إلى آخر الآية. # قالت هند : أما الولد ، فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ، وقالت أم حكيم ~~بنت الحارث بن هشام ، وكانت عند عكرمة بن أبي جهل : يا رسول الله ما ذاك ~~المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك فيه؟ قال : لا تلطمن خدا ، ولا تخمشن ~~وجها ، ولا تنتفن شعرا ، ولا تشققن جيبا ، ولا تسودن ثوبا ، ولا تدعين ~~بويل. فبايعهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا. # فقالت : يا رسول الله كيف نبايعك؟ قال : إنني لا أصافح النساء ، فدعا ~~بقدح من ماء ms5088 ، فأدخل يده فيه ثم أخرجها ، فقال : أدخلن أيديكن في هذا الماء (1). # وجاء في تفسير القمي بإسناده عن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد PageV22P170 # الله «جعفر الصادق عليه السلام » عن قول الله : ( @QUR@04 ولا يعصينك في ~~معروف ) قال : هو ما فرض الله عليهن من الصلاة والزكاة وما أمرهن به من خير (1). # وهذا يؤكد شمولية المعروف ، ويشير إلى أن التركيز على عدم لطم الخدود وشق ~~الجيوب ونحوهما كان بمثابة النموذج ، لا بمثابة التفسير. # وقد استفاد الفقهاء من الرواية السابقة ومن أمثالها ، حرمة مصافحة المرأة ~~الأجنبية للرجل الأجنبي ، فإن النبي لم يمتنع عن مصافحتهن في مقام البيعة ، ~~انطلاقا من حالة ذاتية ، بل من حالة شرعية ، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى الفقه. # * * * PageV22P171 ### ||| * الآية # ( @QUR@020 يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا ~~من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) (13) # * * * # ( @QUR@06 لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) وهذا هو النداء الذي ختم الله به الآية ~~بالمضمون الذي بدأه بها ، ولكن بأسلوب آخر ، ( @QUR@06 لا تتولوا قوما غضب ~~الله عليهم ) وهم اليهود ، أو كل الذين تمردوا على الله في رسالاته ، لأن ~~عنوان الغضب يشمل الجميع ، ( @QUR@04 قد يئسوا من الآخرة ) فلا طمع لهم في ~~ثوابها ، ولا رجاء لهم في الوصول إليها ، ( @QUR@03 كما يئس الكفار ) وهم ~~المنكرون للآخرة ، ( @QUR@03 من أصحاب القبور ) لأنهم يعتقدون أن الدنيا هي ~~نهاية المطاف ، فلا مجال للقاء بالموتى بعد الموت ، فليحذر المؤمنون منهم ~~لأنهم يمثلون الانحراف الممتد في عمق حركة الالتزام في الحياة. # * * * PageV22P172 ### | سورة الصف ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها أربع عشرة PageV22P173 ### ||| ** في أجواء السورة # في هذه السورة المدنية حديث متنوع عن عدة قضايا ترتبط في ما بينها بحركة ~~الرسالة في بعض مواقعها ، وفي الخط التاريخي الذي يطل على أجواء النبوات ، ~~ليعود بعد ذلك فيثير مسألة الالتزام الحركي في حياة المسلمين الذي يجعل ~~الترابط بين الإيمان والجهاد كجزء من الترابط العام بين القول والفعل ، ~~ليصل بعد ذلك إلى الدعوة إلى الانضمام إلى الرسالة بالمستوى الذي يكون ~~المؤمنون أنصار الله ms5089 كما كان الحواريون المؤمنون بعيسى عليه السلام أنصار ~~الله ، ليكونوا الجماعة المميزة الملتزمة بالخط الرسالي ، في مقابل ~~الجماعات الكافرة التي تعيش الضلال على مستوى العقيدة والعمل. # * * * ### ||| ** اسم السورة # أما كلمة «الصف» ، فقد جاءت عنوانا للسورة من خلال الآية الكريمة ( ~~@QUR@011 إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) ~~باعتبار أن العمق الفكري للآية هو الجهاد القتالي الذي يتحرك فيه المسلمون ~~في وحدة PageV22P175 # الصف التي لا تترك فيه مجالا لأية ثغرة ينفذ منها الأعداء إلى المجتمع ~~الإسلامي. # * * * PageV22P176 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) ~~@QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) @QUR@09 كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) @QUR@011 إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مقتا ): المقت : البغض الشديد. # ( @QUR@01 صفا ): جعل الأشياء على خط مستو كالناس والأشجار. # ( @QUR@01 بنيان ): البناء. # ( @QUR@01 مرصوص ): من الرصاص ، والمراد به ما أحكم من البناء بالرصاص PageV22P177 # فيقاوم ما يصادمه من أسباب الانهدام. # * * * ### ||| ** وجوب اقتران القول بالفعل # ( @QUR@08 سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) هذه هي الفاتحة ~~التسبيحية للسورة التي يتحسس فيها المؤمن الوجود كله ، وهو يسبح الله في ~~الإعلان عن انفعاله التكويني والإرادي بعظمته تعالى ، ليعيش المؤمن عظمة ~~الله في وعيه الفكري والروحي فينفتح على المسؤولية من خلال ذلك ، وينطلق ~~إلى الجهاد في سبيل الله من هذا الموقع. # ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) الذي يمنح القوة لأوليائه من خلال أن ~~العزة له جميعا ، ويخطط لهم منهج الحياة على أساس المصلحة الحقيقية من خلال ~~أنه الحكيم المطلق. # * * * # ( @QUR@05 لم تقولون ما لا تفعلون؟ ) # ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) هذا هو الخط ~~الإيماني الذي يريد الله من المؤمنين أن يتحركوا فيه ، على أساس أن الإيمان ~~ليس مجرد كلمة تقال ، ولا تمنيات تعيش في دائرة الشعور ، بل هو عقيدة تجتذب ~~الفعل ، وشعور يتحرك في الموقف. فالمضمون الإيماني في الإسلام يعني العقيدة ~~والشريعة والمنهج في ما تلتقي عليه من ms5090 التخطيط لحركة الإنسان في الحياة ، ~~وبنائها على أساس رضا الله ، ولا بد للوصول إلى ذلك من الالتزام الجدي PageV22P178 # الفاعل الذي يجسد التطابق بين القول والفعل ، لأن الهدف الإسلامي هو ~~تغيير الحياة والإنسان ، ولأن الانحراف عن ذلك يعني إرباك حركة القيادة في ~~مواجهة التحديات ، مما يؤدي إلى اهتزاز الوضع الإسلامي كله ، وإفساح المجال ~~للفئات المضادة أن تسيطر على المسلمين ، من خلال اختلال مواقع القوة في ~~الميزان الإسلامي ، لا سيما إذا كانت المسألة تتصل بالجانب العسكري الذي ~~يواجه فيه الواقع الإسلامي هجوم الأعداء وحصارهم للمسلمين ، من أجل القضاء ~~على الإسلام أو إخضاع المسلمين للسيطرة الكافرة. وربما كانت هذه الآيات ~~نداء جهاديا في ما جاءت به أحاديث أسباب النزول ، فقد روي عن ابن عباس قال ~~: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : وددنا أن الله دلنا على ~~أحب الأعمال إليه فنعمل به ، فأخبرهم الله أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه ~~، والجهاد ، فكره ذلك أناس وشق عليهم وتباطأوا عنه ، فنزلت الآية (1). # وهذا هو الخط الذي ينبغي أن تتحرك التربية الإسلامية على أساسه من أجل ~~صياغة الإنسان المسلم صياغة إسلامية على أساس أن يكون تجسيدا عمليا للإسلام ~~في مفهومه وشريعته. # * * * # ( @QUR@09 كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) وذلك هو غاية ~~الفظاعة في ما يمكن أن يوجه إلى المؤمن عند ما يتطلع إلى نفسه وإلى موقعه ~~من ربه ، فيرى نفسه ممقوتا منه أشد المقت ، ومبغوضا أشد البغض ، بينما يفرض ~~عليه إيمانه أن ينال المحبة من الله ، للحصول على رحمته التي هي أساس خلاصه PageV22P179 # وسعادته في الدنيا والآخرة. وهذا مما يوحي إليه بخطورة المسألة التي لم ~~يعهد التعبير عن غيرها بهذا الأسلوب العنيف الذي يضع المسألة في أعلى درجة ~~من الأهمية ، لأنه يمثل في النطاق الذاتي لونا من ألوان الخداع والغش في ~~إعلان الموقف الإيماني الذي يعني الميثاق مع الله على تحويل ذلك إلى موقف ~~عملي. وأية جريمة أعظم من جريمة خداع الإنسان لربه. أما في النطاق ~~الاجتماعي ، فإنه يمنع قيام أية ms5091 ثقة اجتماعية بين الناس في ما يتحركون به ~~على مستوى العلاقات والمعاملات على أساس ما يعلنونه من التزامات الإيمان ، ~~عند ما تكون الأخلاق العامة في هذا المستوى السلبي من الوفاء بالالتزامات ~~الخاصة والعامة ، أو ما يثيرونه من الالتزامات الخاصة في ما بينهم. وأما في ~~نطاق الدولة ، فإنه يمنع القيادة من الشعور بالقوة أمام المشاكل الصعبة ~~والتحديات الكبيرة التي تواجهها في مسألة الأمن والنظام ، مما يؤدي إلى ~~اختلال النظام العام للأمة بالمستوى الذي يعرضها للضعف ويدفعها في نهاية ~~المطاف إلى السقوط والانهيار. # وعلى ضوء ذلك ، فإن هذه القيمة الأخلاقية وهي التطابق بين القول والفعل ~~تمثل العمق الإيماني الذاتي على مستوى الفرد ، والقيمة الاجتماعية على ~~مستوى تماسك المجتمع في علاقاته العامة والخاصة ، والأساس القوي لقوة ~~الدولة في التزام الأمة بالقيادة في مسئولياتها العامة. # وإذا كانت الرواية السابقة قد ذكرت نزول الآيتين في حديث النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن الجهاد ، فإن ذلك يمثل النموذج الحي الذي يعطي الخط ~~العريض لكل النماذج الأخرى في كل أحكام الإسلام وشرائعه. # * * * PageV22P180 ### ||| ** إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا # ( @QUR@011 إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) ~~إنه الحب الإلهي الذي يفيض على عباده بالرحمة عند ما يتحركون للقتال في ~~سبيله ، لا في سبيل عصبية ذاتية أو فئوية ، ولا في سبيل طمع شخصي ، بل من ~~أجل الأهداف الكبيرة التي جعلها الله للجهاد في الحياة ، من أجل إقامة الحق ~~وإزهاق الباطل وإعلاء كلمة الله وإسقاط كلمة الشيطان ، ليكون الدين كله لله ~~، من أجل مصلحة الحياة والإنسان. # وإذا كان القتال في سبيل الله ، فلا مجال لآية عقدة نفسية ذاتية تفسح ~~المجال للاهتزاز في الموقف ، أو لآية ثغرة من ضعف تفتح الطريق ، فلا بد من ~~أن يتضافر الجميع على نجاح المعركة وسد كل الثغرات فيها ، وتنظيم الوضع ~~القتالي بالطريقة التي يأخذ فيها كل شخص موقعه بحيث يتكامل الجميع في ~~أدوارهم ومواقعهم ومواقفهم ، فلا يتخلى أحد عن مكانه في داخل الخطة ، ولا ~~يبتعد عن التعليمات التي ms5092 تحدد له حركته في طبيعتها وشروطها ، تماما كما هو ~~البنيان المرصوص الذي تتعاون لبناته على إقامته وتماسكه وقوته ، بحيث تؤدي ~~كل لبنة دورها من خلال موقعها في هندسة البناء ، بحيث إذا تخلت عن موقعها ~~أنهار البناء كله. # إنها الصورة الحية للبناء الاجتماعي الذي يريد الإسلام إقامته في مجتمع ~~الحرب ، كما يريد إقامته في مجتمع السلم ، انطلاقا من أن تحديات السلم في ~~تركيز الوضع الإسلامي في الداخل في التخطيط الدقيق الشامل للبناء الاجتماعي ~~والاقتصادي والروحي والثقافي ، قد تفوق تحديات الحرب ، مما يفرض بناء القوة ~~الذاتية بشكل قوي. # * * * PageV22P181 ### ||| * الآية # ( @QUR@024 وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أزاغ ): الزيغ الميل عن الاستقامة ، ولازمه الانحراف عن الحق ~~إلى الباطل. وإزاغته تعالى إمساك رحمته وقطع هدايته عنهم. وهي إزاغة على ~~سبيل المجازاة وتثبيت للزيغ الذي تلبسوا به أولا بسبب فسقهم المستدعي ~~للمجازاة ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@011 يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~وما يضل به إلا الفاسقين ) [البقرة : 26]. # وبالتالي ليست الإزاغة من الله بدئية ، لأن الإضلال الابتدائي لا يليق ~~بساحة قدسه تعالى. # * * * PageV22P182 ### ||| ** موسى يواجه الأذى من قومه # وليس هذا الوضع المنحرف الذي يختلف فيه الفعل عن القول ، ببدع في المجتمع ~~الديني ، في ما كان يمارسه بعض المسلمين في زمان الدعوة ، مما كان يؤذي ~~النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، بل كانت المشكلة سابقة مع موسى ~~عليه السلام الذي عمل على إنقاذ قومه من ظلم فرعون ، حتى أخرجهم من العبودية ~~إلى الحرية على أساس الدعوة التوحيدية التي تجعل الناس خاضعين لله وحده في ~~السير وفق أوامره ونواهيه ، ولكنهم كانوا خاضعين لرواسب العبودية التي ~~تمنعهم من التطلع إلى آفاق الحرية في آفاق الله. # ( @QUR@04 وإذ قال موسى لقومه ) بعد أن قطع معهم شوطا طويلا عانى فيه ~~الكثير الكثير من المشاكل والتحديات ، من أجل أن يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور ، وتألم أشد الألم من أجلهم ، حتى كان إرسال بني ms5093 إسرائيل معه المطلب ~~البارز الذي قدمه إلى فرعون ، لأنه كان يريد أن يجعل من مجتمع الاستضعاف ، ~~الذي عاشوا فيه القهر والذل ، مجتمعا إيمانيا قويا يحرك كل ذكريات الماضي ~~من أجل أن تتحول إلى ثورة عاصفة في وجه الاستكبار ، على أساس شريعة الله ~~القائمة على العدل والحرية. وبدأ بالدعوة في أوساطهم ، ووضعهم في قلب ~~التجربة ، وأعطاهم الحرية في التعبير عن أفكارهم ، انطلاقا من إنسانية ~~الدين في احترام إنسانية الإنسان. ولكنهم كانوا معتادين على الخضوع المطلق ~~للجبار الذي يفرض عليهم إرادته بالقهر ، فلم يحترموا الشخص الذي يكلمهم ~~بمنطق الإنسان ، حتى قالوا له : «أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا» وهكذا استمروا في إيذائه وفي مطالبهم التي لا تنتهي ، وفي مشاكلهم ~~التي لا تعد ، وفي تمردهم على أوامره ونواهيه حتى ضاق بهم ذرعا فقال لهم من ~~موقع المستنكر المتألم لا من موقع اليائس المنهزم : PageV22P183 # ( @QUR@010 يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم )، فليست ~~صفتي بينكم صفة الشخص العادي الذي ينتمي إليكم لتعاملوني كما يعامل يعضكم ~~بعضا ، بل إن صفتي هي صفة الرسول الذي أرسله الله إليكم ليهديكم وينقذكم من ~~ظلم المستكبرين ، ( @QUR@012 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) [القصص : 5] ، وليحقق لكم النتائج الكبيرة ~~في ما هو الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. ولو كنتم تجهلون هذه الصفة ~~الرسالية في موقعي ، فقد يكون لكم عذر في ذلك ، ولكنكم تعلمون أني رسول ~~الله إليكم ، فلا عذر لكم في ما تفعلونه ، لأنكم لا تتمردون علي بما ~~تفعلونه ، بل تتمردون على الله ، مما يجعل الألم الذي أحس به ألما رساليا ~~لا ألما ذاتيا. ولكنهم استمروا في ضلالهم وابتعادهم عن المنطق ، ( @QUR@02 ~~فلما زاغوا ) عن الخط المستقيم بعد كل تلك الدعوة والمعاناة ، وامتدوا في ~~ذلك ( @QUR@03 أزاغ الله قلوبهم ) فانحرفت عن السبيل السوي ، في ما تفكر ، ~~وفي ما تشعر ، لأن الممارسة في الطريق الخطأ تحول الخطأ إلى حالة عقلية ~~وشعورية ، بفعل الاستمرار ، مما يجعل الضلال حالة طبيعية من خلال ارتباط ~~المسببات بأسبابها. ms5094 وهذا هو معنى نسبة الزيغ إلى الله باعتبار أنه هو الذي ~~ربط النتائج بمقدماتها. ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الفاسقين ) لأنهم ~~إذا اختاروا الضلال بعد أن انفتح لهم طريق الهدى ، فإن الله يتركهم لضلالهم ~~، بعد إقامة الحجة عليهم من جميع الجهات. # * * * PageV22P184 ### ||| * الآية # ( @QUR@032 وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما ~~جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ومبشرا ): البشرى هي الخبر الذي يسر المبشر ويفرحه ، ولا يكون ~~إلا بشيء من الخير يوافيه ويعود إليه. # * * * ### ||| ** النبي عيسى أمام تكذيب قومه له # والنبي عيسى وجه أصيل مشرق في تاريخ الرسل ، ورسالته هي النافذة PageV22P185 # الرسالية التي تطل على الماضي والمستقبل ، فهي من جهة ، تصدق التوراة ~~ككتاب منزل من الله ، لم يستنفد مفاهيمه وتشريعاته بمرور الزمن ، لولا بعض ~~الأحكام التي حرمها الله ، وجاء عيسى ليحللها في ما نقله الله عنه ( ~~@QUR@06 ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) [آل عمران ، 50] ، وهي من جهة ، ~~تبشر بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يأتي من بعده ، مما يعني ~~الانفتاح الكامل الذي لا يوحي بأية عقدة تعصب للمؤمنين بموسى عليه السلام ~~لأنه يؤكد لهم إيمانهم ، ولا يثير أي تعصب مستقبلي لدى المؤمنين به من ~~ناحية الرسالة القادمة. ولكن المجتمع الإسرائيلي وقف ضده ، كما وقفت ~~المجتمعات الأخرى ضد الأنبياء الآخرين. # ( @QUR@012 وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ) ~~فقد كان منهم من ناحية أمه ، كما كان جزءا من مجتمعهم ، مما يجعل من مسألة ~~أنه رسول الله إليهم ، مسألة تتصل بالواقع الذي تعيشه الرسالة من حيث ~~الزمان والمكان ، لا باختصاص مهمته الرسالية بهم. وهكذا أراد أن يوجههم إلى ~~هذه الصفة المتعلقة بمسؤوليتهم في الاستماع إليه ، والعمل بما يأمرهم به ~~وينهاهم عنه ، لأنها أوامر الله ونواهيه ، كحلقة من سلسلة النبوات في حساب ~~الزمن ، ( @QUR@06 مصدقا لما بين يدي من التوراة ) التي جاء بها موسى ، في ~~ما يوحي به التصديق من ms5095 تأكيد المصدر الإلهي لها واستمرار العمل بها ، ( ~~@QUR@07 ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) لتستقبلوه بالإيمان فور ~~مجيء زمنه ، وانطلاق رسالته ، ( @QUR@03 فلما جاءهم بالبينات ) من الدلائل ~~الواضحة على صدقه في دعواه بما لا يرقى إليه الشك ( @QUR@04 قالوا هذا سحر ~~مبين )، لأنهم لم يستطيعوا أن يردوا عليه باتهامه بالكذب ، ولم يجدوا ~~تفسيرا مضادا لذلك من حيث طبيعة المضمون ، فكان السحر هو العنوان الذي ~~يحركونه في عقول الجماهير البسيطة التي تعتبر كل شيء خارق للمألوف لونا من ~~ألوان السحر ، في الوقت الذي كانت معجزات عيسى تمثل الحقيقة التغييرية التي ~~يتغير فيها الواقع من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، بينما لا يوحي PageV22P186 # السحر إلا بالتغيير الشكلي الذي يخدع البصر من دون أن يغير من الواقع ~~شيئا ، ولكنه العناد المعقد الذي يعمل على التعلق بأي شيء في تبرير إنكاره ~~ورفضه للرسالة. # وهذا الرفض هو لون من ألوان محاولات الرفض التاريخي للرسالات التي جاءت ~~لتغير واقع الناس نحو الأفضل ، مما كان يمارسه المترفون والمستكبرون الذين ~~يريدون المحافظة على امتيازاتهم الاستكبارية ، ويعيشه المستضعفون على أساس ~~تضليل المستكبرين لهم من جهة ، وعلى أساس واقع التخلف الذي يمنعهم من ~~مواجهة الرسالة بمنطق الفكر من جهة أخرى. # وإذا كان الرفض يتمثل بالتكذيب في هذه الرسالة ، فإن النبي قد واجه مثله ~~كما واجه الاهتزاز العملي لدي المؤمنين ، الذي يتمثل في عملية رفض واقعي ~~لحركة الرسالة. # * * * PageV22P187 ### ||| * الآيات # ( @QUR@016 ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله لا يهدي القوم الظالمين (7) @QUR@011 يريدون ليطفؤا نور الله ~~بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) @QUR@014 هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 ليطفؤا نور الله ): إطفاء النور : إبطاله وإذهاب شروقه ، ~~وإطفاء النور بالأفواه إنما هو بالنفخ بها. # وقال الراغب في مفرداته بوجود فرق بين قوله تعالى : ( @QUR@05 يريدون أن ~~يطفؤا نور الله ) [التوبة : 32] ، وقوله : ( @QUR@04 يريدون ليطفؤا نور ~~الله ) [الصف : 8] ، والفرق بين الموضعين في أن قوله : ( @QUR@03 يريدون أن ~~يطفؤا ) يقصدون إطفاء نور الله ، وفي قوله ms5096 : ( @QUR@01 ليطفؤا ) يقصدون ~~أمرا يتوصلون به إلى إطفاء PageV22P188 # نور الله (1). # ففي الأولى المراد الإطفاء نفسه ، بينما المراد في التعبير الثاني السبب ~~الموصل إلى الإطفاء ، وهو النفخ بالأفواه ، والإطفاء غرض وغاية. # ( @QUR@01 ليظهره ): الإظهار التغليب والنصرة. فإظهار شيء على غيره ~~نصرته وتغليبه عليه. # * * * # ( @QUR@07 ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ) # ( @QUR@07 ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ) فينسب إلى الله ما لم ~~يقله ، أو ينكر ما أوحى به إلى رسوله ، من خلال تكذيبه للرسول ، أو يشرك به ~~ما لم ينزل به سلطانا ، أو يبتعد عن مواقع رسالته ( @QUR@04 وهو يدعى إلى ~~الإسلام ) في ما يتضمنه هذا الدين الذي أنزله الله على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم من إسلام الفكر والروح والواقع الله في جميع الأمور ، ~~مما يحقق للحياة سلاما في جميع المجالات العامة والخاصة ، من خلال عبودية ~~الإنسان لله وحريته أمام الكون كله والناس كلهم ، وفي خط العدالة التي لا ~~يختلف فيها إنسان عن إنسان. # إن موقف مثل هذا الإنسان في افترائه على الله الكذب يمثل أبشع أنواع ~~الظلم ، لأنه يمثل التحدي لله في تجاوزه لحقه على عباده في الخضوع له ~~والانسجام مع إرادته في دينه ، كما يمثل ظلم الإنسان لنفسه في ابتعاده عن ~~مصلحتها في ما يتصل بسلامتها في الدنيا والآخرة ، وهكذا في ظلم الحياة ~~والناس كافة ، في ما يضعه من حواجز وعقبات أمام الدعوة إلى الله. PageV22P189 # ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) لأن الطريق الذي اختاروه ~~لأنفسهم للسير فيه لا يؤدي بهم إلى الخير ، بل يجعلهم في تخبط وحيرة وضياع ~~في متاهات الضلال الفكري والعملي. # * * * # ( @QUR@06 الله متم نوره ولو كره الكافرون ) # ( @QUR@05 يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ) في ما يثيرونه حول دينه من ~~كلمات غير مسئولة أو في ما يلصقون بالرسول من صفات لا تتناسب مع قدسية صفته ~~الرسالية ، أو في ما يحملونه من أفكار مضادة يضعونها في مواجهة الإسلام ~~بوسائلهم الإعلامية المتحركة في أكثر من موقع ، أو في ما يحركونه في المجال ~~الفكري من شبهات تتحدى الإسلام في عقيدته ومنهجه وشريعته ms5097 وحركته من أجل ~~قيادة الحياة باسمه ، ليخففوا من وهج الإسلام في حياة الناس ، وليشوهوا ~~صورته في أفكارهم ، وليسقطوا تأثيره في مشاعرهم ، فلا يسمحوا له أن يرفع ~~صوته ، في محاولة دائمة لإثارة الضجيج من حوله ، حتى لا يسمعه الآخرون. # ( @QUR@03 والله متم نوره ) لأن الإسلام ليس كلمة الإسلام التي يمكن أن ~~يحتويها الظلام ويلفها الضباب ، بل هي كلمة الله المستمدة من إشراقة وحيه ~~الذي يتوهج في وجدان الحياة ووعي الإنسان ، كما يتوهج الفجر في إشراقة ~~النور الأولى ، ثم يتسع حتى يشمل الأفق كله عند ما تظهر الشمس بكل شعل ~~النور المتدفقة منها ، فلا يطفئها الضباب ولا تحجبها الغيوم. وهكذا يتكامل ~~النور الإلهي المتمثل بدين الله في حركة الواقع ليصل إلى المواقع التي أراد ~~الله له أن يصل إليها من دون أن تستطيع أية جماعة أن تقف ضد انتشاره ، أو ~~تتمكن أية PageV22P190 # ظروف من أن تمنع امتداده ( @QUR@03 ولو كره الكافرون )، لأن المسألة ~~ليست في ما يحبون أو يكرهون ، بل المسألة في ما يستطيعونه من محاولات لا ~~تصل إلى حد النجاح. # * * * # ( @QUR@08 هو الذي أرسل رسوله ليظهره على الدين كله ) # ( @QUR@07 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) فهو دين الهدى الذي ~~يقود الناس إلى الغايات الكبيرة التي تؤكد إنسانية الإنسان في الآفاق ~~المشرقة من الحياة ، وهو دين الحق «الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه» ( @QUR@04 ليظهره على الدين كله )، فتكون له القوة والسيطرة ~~والامتداد ، بجهاد المجاهدين ودعوة الدعاة ، في ما يريد الله له أن يتحرك ~~فيه من الوسائل العملية الطبيعية المؤيدة بألطاف الله وفيوضاته ، بما يكفل ~~له الحضور الكبير المميز المنفتح على كل مواقع الدين والفكر في الحياة ، ~~بالرغم من الظروف الصعبة القاسية التي يمكن أن تحيط به وتحاصره ، ( @QUR@03 ~~ولو كره المشركون ) الذين وقفوا ضد دعوة التوحيد بأضاليلهم وأباطيلهم ، ثم ~~انكفأوا وسقطوا ، وامتد الإسلام إلى كل الجزيرة العربية ، وانطلق فاتحا ~~داعيا إلى كثير من بقاع العالم ، وما زال يفرض نفسه على الواقع الفكري ~~والسياسي والاجتماعي والأمني في أكثر من موقع وموقع. # وإذا ms5098 كان الله يريد أن يتم نوره بإظهار دينه على الدين كله ، وإذا كنا ~~نعرف أن الله لا يريد لهذا الهدف أن يتحقق بطريقة المعجزة ، بل بالوسائل ~~القرآنية التي أكدها في كتابه ، كالدعوة والجهاد والعمل السياسي المتحرك في ~~خط تثبيت قواعد الإسلام في الحياة ، في ساحات الصراع ، فلا بد للمسلمين من ~~أن يتحملوا مسئولية السعي من أجل تحقيق هذا الهدف ، بعيدا عن كل القوي ~~المحيطة بهم في ما يمكن أن ترضى أو لا ترضى به ، لتكون المداراة PageV22P191 # والمجاملة أو الخوف أساسا للامتناع عن طرح الإسلام في مجالات الدعوة أو ~~الحركة أو الثورة أو الدولة كعنوان للفكر وللعمل ، كما يفعله الكثيرون من ~~محاولات الاختباء وراء بعض الأقنعة التي تحمل مدلولا فكريا يختلف عن ~~المضمون الإسلامي ، كالديمقراطية والاشتراكية ونحوهما مما حفلت به الأوضاع ~~السياسية في المرحلة المعاصرة ، حتى عادت واجهة للسياسة الحركية ، بحيث ~~يمكن للناس أن يتقبلوها أكثر مما يتقبلون به الإسلام الذي تحول بفعل ~~الدعاية المضادة إلى عنوان قديم من عناوين التاريخ التي لا تصلح لمعالجة ~~شؤون الحاضر. # إن المسألة عند هؤلاء هي أنهم يرفضون السير في الاتجاه الإسلامي الصريح ، ~~لأن الكافرين يكرهون ذلك ، فلا يمنحونهم رضاهم ، ولا يؤكدون لهم مواقعهم في ~~ذلك كله. # * * * PageV22P192 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~(10) @QUR@015 تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) @QUR@017 يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) ~~@QUR@09 وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) (13) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تجارة ): التجارة بحسب الراغب التصرف في رأس المال طلبا للربح ~~... وليس في كلامهم أي العرب تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ (1). # * * * PageV22P193 ### ||| ** التجارة التي تنجي من عذاب أليم # لقد تحدثت السورة في بدايتها عن المقت الإلهي الذي ينال المؤمنين الذين ~~يقولون ما لا يفعلون ، باعتبار ذلك مظهرا من مظاهر البعد عن الإيمان في ~~مضمونه الحي الفاعل. # ولما كان الإنسان بطبيعته خاضعا في حياته ms5099 العملية في ما يفعله وما لا ~~يفعله لحسابات الربح والخسارة ، ولما كان الغالب عليه التفكير بالجانب ~~المادي الدنيوي في هذا المجال ، وربما كان امتناع المؤمنين عن الجهاد في خط ~~الإيمان الذي يدعوهم إلى ذلك ، جاءت هذه الآيات لتؤكد لهم الربح الكبير في ~~اتباع خط الإيمان والجهاد ، ولتثير أمامهم الربح الأخروي الذي هو الربح ~~الحقيقي ، لأنه الربح الدائم الذي يمثل مسألة المصير النهائي في مسألة ~~السعادة الخالدة ، مع عدم إغفال النتائج الدنيوية المحببة إليهم. وبذلك ~~نفهم أن الإسلام لم يبتعد عن مراعاة الجانب النفسي من حب الذات الذي قد ~~يكون غريزة إنسانية في ما يستتبعه من حب المال ونحوه ، بل عمل على أن يوسع ~~المدى الذي تتحرك فيه هذه الغريزة على مستوى الآخرة بالإضافة إلى مستوى ~~الدنيا. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) الذين يفرض عليكم الإيمان أن تنفتحوا ~~على مواقع رحمة الله في ما تؤملونه من ألطافه وفيوضات نعمائه في رحاب جنته ~~، ( @QUR@08 هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) في ما تتحركون به من ~~مشاريع وأوضاع وما تبذلونه من جهد كبير في سفركم وحضركم ، مما يمكن أن ~~تحصلوا فيه على رضا الله الذي ينجيكم من مواقع سخطه وعذابه ، ( @QUR@03 ~~تؤمنون بالله ورسوله ) وهذا هو العنصر الأساس الذي ترتكز عليه الشخصية ~~الإسلامية ، في ما تحمله من مفهوم واسع عن الكون الذي يتحرك في تدبيره ~~بإرادة الله ، وعن الحياة التي لا تستقيم PageV22P194 # إلا بدينه ، في ما يريد الله من الإنسان أن يحمله من تصور شامل لما حوله ~~ولمن حوله ، بحيث يكون الله محور كل شيء ، في ما يختزنه وعيه ووجدانه في ~~نظرته لكل الأشياء ، وعلى ضوء ذلك ، فإن الإيمان بالله ورسوله يمثل عنوان ~~النظرة الكونية الشاملة للإنسان المسلم بالحياة ، في ما تمثله من الارتباط ~~بالله والالتزام برسوله ورسالته. # ( @QUR@06 وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) وذلك بأن تقدموا ~~أموالكم في كل مواقع العطاء في موارده الخاصة والعامة ، وبأن تقدموا أنفسكم ~~بكل إمكاناتها في مجالها العملي في حركة الحياة من حولها ، وبكل مواقع ~~بذلها حتى تكون ms5100 هي الضحية الطوعية لله في مواقع رضاه ، فإن ذلك وحده هو ~~الشاهد الحي على الإخلاص لله في جميع الأمور ، ولذلك كان جزاؤه عظيما ، ( ~~@QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون )، لأن الموازنة بين ما تبذلونه من ~~جهد أو تضحية ، وبين ما تحصلون عليه من النتائج الكبيرة عند الله ، تؤدي ~~بكم إلى القناعة بالفضل العظيم لما عنده. ( @QUR@03 يغفر لكم ذنوبكم ) ~~فتقفون بين يديه كما لو لم يكن لكم ذنب عنده ( @QUR@06 ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ) في ذلك الجو الرائع الجميل الحافل بالخضرة الحلوة ~~والينابيع المتدفقة والجمال المبدع ، ( @QUR@05 ومساكن طيبة في جنات عدن ) ~~حيث تعيشون هناك الاستقرار الدائم والطمأنينة الخالدة والراحة الطويلة ( ~~@QUR@03 ذلك الفوز العظيم ) الذي يمثل الموقع النهائي في حركة الإنسان نحو ~~الفلاح والنجاح والحصول على الفوز بالسعادة في نهاية المطاف. # ( @QUR@02 وأخرى تحبونها ) في ما يحبه الإنسان من النتائج المباشرة ~~لحركته الجهادية في تأكيد ذاته بالتغلب على القوى المضادة في ساحة المعركة ~~، لأنه يشعر بحصوله على ثمرة معاناته الشديدة : ( @QUR@05 نصر من الله وفتح ~~قريب )، فقد جعل الله النصر والفتح القريب خاضعا لجهاد المجاهدين الذين ~~يمدهم الله بقوته ويرعاهم بلطفه ، ويفيض عليهم من رحمته. وربما كان المراد ~~بالفتح القريب فتح مكة الذي كان المؤمنون ينتظرونه بلهفة وشوق ، كما يقال ، ~~( @QUR@01 وبشر PageV22P195 # @QUR@01 المؤمنين ) لتكون البشارة هي البادرة التي يقدمها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بتكليف من الله ، فتكون قوة لهم في ما يتحركون به من ~~مشاريع جهادية مستقبلية ، على أساس ما يحصلون عليه من الثقة بالنصر والفتح ~~القريب. # * * * PageV22P196 ### ||| * الآية # ( @QUR@036 يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) (14) # * * * ### ||| ** دعوة المؤمنين ليكونوا أنصار الله # وتبقى السورة في أجواء الالتزام بالخط الرسالي الإلهي كخط للفكر وللعمل ، ~~بحيث يتحول المؤمنون إلى طاقات حية متحركة منطلقة نحو الانتصار لله في كل ~~ما أراد لهم أن ينصروه من الدين والأرض والإنسان. ms5101 وهكذا استعادت أجواء عيسى ~~عليه السلام عند ما انطلقت رسالته في خط الدعوة ، وبدأت التحديات تقف في ~~وجهه ، وتحرك الأعداء ليفتحوا معركة إسقاط الرسالة الجديدة والرسول الجديد ~~، فبدأ دعوته للمؤمنين به أن يكونوا أنصار الله معه ، فاستجابوا له. وجاء ~~الوحي القرآني ليدعو المؤمنين بالإسلام أن يكونوا أنصار الله مع الرسول في ~~كل ساحات الصراع ، ( @QUR@05 يا أيها الذين آمنوا كونوا PageV22P197 # @QUR@02 أنصار الله ) فإن الإيمان بالله يفرض عليكم ذلك ، في ما يفرضه ~~عليكم من الذوبان في روحية العبودية له والالتزام بكل مواقع رضاه ، ( ~~@QUR@06 كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ) الذين عاشوا الرسالة فكرا وروحا ~~وحياة حتى اندمجوا معه في كل مشاريعه الرسالية : ( @QUR@04 من أنصاري إلى ~~الله ) في نداء يريد أن يؤكد الالتزام ويعلنه في عملية فرز ظاهر للمؤمنين ~~وغير المؤمنين ، في الامتحان الذي يدلل على عمق الانتماء وطبيعة الموقف ، ~~ويعمل على أن يثير مشاعر الآخرين ليتعاطفوا مع دعوته ، ويوحي للأعداء بأنه ~~قادم بأنصاره إلى ساحة الصراع. ( @QUR@05 قال الحواريون نحن أنصار الله ) ~~ولذلك كنا معك في موقع النصرة الملتزمة بخطك ونهجك وموقعك ، لأنك رسول الله ~~الذي أراد منا أن نكون معك لنكون مع رسالته. # وهكذا تمت عملية التمايز للناس تبعا لموقفهم من عيسى عليه السلام ( ~~@QUR@05 فآمنت طائفة من بني إسرائيل ) بعيسى ورسالته ( @QUR@02 وكفرت طائفة ~~) به ( @QUR@07 فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) أي غالبين ، ~~بحيث استطاعوا أن يثبتوا الحق في موقفهم بالحجة والبرهان ، كما تمكنوا من ~~الوصول إلى هدفهم الكبير من إبقاء وجودهم حيا فاعلا أمام التحديات التي ~~كانت تريد إلغاء مواقعهم الرسالية ، ليبقى الكفر وحده هو القوة الفاعلة ، ~~وهذا لون من ألوان الغلبة التي تشمل الانتصار على خطة العدو في إلغاء ~~الوجود كله. # * * * PageV22P198 ### | سورة الجمعة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها إحدى عشرة PageV22P199 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة المدنية جاءت لتعبر عن الأثر الذي جاء الرسول من أجل أن يصنعه ~~في المجتمع الأمي الجاهل الذي كان يعيش في مكة ، أو في الجزيرة العربية ~~بشكل عام ، ليؤكد عملية التغيير ، من خلال آيات الله التي يتلوها عليهم ~~ويزكيهم ms5102 ويثقفهم ثقافة فكرية وعملية بالكتاب والحكمة بعد أن كانوا ضائعين ~~في متاهات الجهل. # وهكذا كان فضل الله عليهم في رفع مستواهم ، ليستمروا في حمل الرسالة ~~كجماعة تلتزم مضامينها في الجانب العملي من حياتها ، حتى لا تكون كمثل ~~الحمار الذي يحمل أسفارا ، فإن التكريم الإلهي يشمل العالمين العاملين بما ~~يعلمون ، فتلك هي القيمة الحقيقية للإنسان. # وفي ضوء ذلك ، كان اليهود في موقع القيمة الهابطة ، لأنهم لم يتحملوا ~~مسئولية الرسالة التي جاء بها موسى ، وتحركوا من موقع العنصرية ، فاعتبروا ~~أنفسهم أولياء الله ، وتحداهم الله أن يتمنوا الموت الذي يطل بهم على ساحة ~~المسؤولية امامه ، ولكنهم لم يتمنوه ، لأنهم يعرفون النتيجة الوخيمة سلفا. ~~وهكذا يؤكد على المؤمنين أن لا يشغلهم اللهو والتجارة عن ذكر الله وعن PageV22P201 # الصلاة في يوم الجمعة التي تمثل اليوم الأسبوعي الذي يجتمع فيه المسلمون ~~لعبادة الله في صلاة جماعية عامة خاشعة. وكان اسم السورة الجمعة ، للحديث ~~فيها عن صلاة الجمعة. # * * * PageV22P202 ### ||| * الآيات ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@012 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم (1) @QUR@021 هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) ~~@QUR@08 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) @QUR@010 ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يسبح ): التسبيح تنزيه الشيء ونسبته إلى الطهارة والنزاهة من ~~العيوب والنقائص. # ( @QUR@01 الملك ): هو الاختصاص بالحكم في نظام المجتمع. # ( @QUR@01 القدوس ): القدوس ، مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة. PageV22P203 # ( @QUR@01 العزيز ): هو من لا يغلبه غالب. # ( @QUR@01 الحكيم ): هو المتقن فعله ، فلا يفعل عن جهل أو جزاف. # ( @QUR@01 الأميين ): الأميون جمع أمي وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب ، ~~واحتمل أن يكون المراد بالأميين أهل مكة لكونهم يسمونها أم القرى. # ( @QUR@01 ويزكيهم ): التزكية تفعيل من الزكاة بمعنى النمو الصالح الذي ~~يلازم الخير والبركة. # * * * ### ||| ** تسبيح ما في السموات والأرض الله # ( @QUR@08 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) كل بحسب لغته وطريقته ~~في التسبيح ( @QUR@01 الملك ) الذي يملك الملك كله ( @QUR@01 القدوس ms5103 ) الذي ~~ارتفع بالقداسة فلا يدانيه أحد ( @QUR@02 العزيز الحكيم ) في مواقع العزة ~~المطلقة والحكمة الشاملة. وهكذا يعيش الإنسان المؤمن ، مع بداية السورة ، ~~مواقع عظمة الله ، لينصت بخشوع إلى آياته في مواقع حكمته. # وربما استوحى بعض المفسرين مناسبة هذه الصفات لمضمون السورة ، فكلمة ~~«الملك» كانت بمناسبة التجارة التي يسارعون إليها ابتغاء الكسب ، وكلمة ~~«القدوس» بمناسبة اللهو الذي ينصرفون إليه عن ذكره ، وكلمة «العزيز» ~~بمناسبة المباهلة التي يدعو إليها اليهود والموت الذي لا بد من أن يلاقي ~~الناس جميعا والرجعة إليه والحساب ، وكلمة «الحكيم» بمناسبة اختياره ~~الأميين ليبعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة. وهو أمر طريف في جانب الاستيحاء لكنه ليس واضحا في دلالته. # * * * PageV22P204 ### ||| ** الله يبعث في الأميين رسولا منهم # ( @QUR@07 هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) ربما كان المراد من ~~الأميين مطلق العرب ، لأنهم كانوا لا يقرءون ولا يكتبون ، في الغالب ، ~~وربما كان المراد بهم حسب التعبير اليهودي عن غيرهم من الأمم أنهم «جوييم» ~~باللغة العبرية ، نسبة إلى الأمم ، باعتبار أنهم شعب الله المختار ، وغيرهم ~~هم الأمم. وربما كان المراد بهم أهل مكة نسبة إلى أم القرى. وقد يكون الوجه ~~الأول أقرب إلى الاعتبار لوجوه عدة. ( @QUR@03 يتلوا عليهم آياته ) ~~ليستمعوا إليها ويتفهموها ، وينفتحوا من خلالها على الأبعاد الواسعة ~~للمفاهيم العامة التي تفلسف لهم نظرية الإسلام عن الألوهية والتوحيد وعن ~~حركة الكون والحياة ، وتقودهم إلى التعرف على المدخل إلى مواقع التغيير في ~~صنع الإنسان الجديد ، ( @QUR@01 ويزكيهم ) بالنفاذ إلى أعماق مشاعرهم ~~ليطهرها من كل الرواسب العفنة التي عششت فيها من خلال عصور التخلف ، ومن كل ~~الوحول الفكرية التي تجمعت في داخلها ، من مواقع الجاهلية ، ليكون الإنسان ~~هو الإنسان النقي الصافي الذي ينمو في مشاعره ، كما ينمو في أفكاره وروحيته ~~بين يدي الله في أرض خالصة من كل الشوائب التي تعطل عملية النمو ، أو تحول ~~الزرع إلى عناصر مشوهة لا تنتج إلا النتاج الرديء. # وعلى ضوء ذلك ، فإن دور الرسول هو تحريك المفاهيم الإسلامية في عملية ~~تغيير الواقع الداخلي للنفسية العامة ms5104 للأمة في ما توحي به كلمة «التزكية» ، ~~من أجل أن يكون الإنسان المسلم هو الإنسان الفاعل الذي ينمو ويتطور في ~~اتجاه الخير والبركة للحياة ، كوسيلة عملية لتغيير الواقع الخارجي للحركة ~~العامة للأمة ، وذلك بالوسائل الواقعية المتحركة بالقدوة الحسنة ، والتعويد ~~على الأخلاق الحسنة والسلوك المستقيم. PageV22P205 # ( @QUR@03 ويعلمهم الكتاب والحكمة ) في ما يمثله الكتاب من المضمون ~~الفكري والشرعي والمنجي على صعيد النظرية الإسلامية العامة ، وفي ما توحي ~~به كلمة الحكمة من تحريك المضمون في خط التطبيق العملي بحيث يتحول الإنسان ~~إلى شخص يفكر بواقعية وحكمة ، فيزن الأمور بموازينها ، ويضع الأشياء في ~~مواضعها ، في ما هو التوازن بين النظرية والواقع ، مما يجعل العلم منفتحا ~~على حركة الواقع في حياة الإنسان ، ويجعل الواقع منفتحا على الكتاب في ~~مسألة الوعي الحركي على أساس المفاهيم القرآنية الجديدة التي تدخل الروح في ~~المضمون المادي فيتروح ، وتدخل الحس في المضمون الروحي فيعيش مع أجواء الحس ~~، في ما يحدثه من تغيير في مفاهيم الإنسان. # ( @QUR@07 وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) فقد كان العرب قبل الإسلام ~~يعيشون الجهل والتخلف والعصبيات الضيقة ، كما عبر عن ذلك جعفر بن أبي طالب ~~في ما روته كتب السيرة في خطابه للنجاشي : «أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية ~~نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجواز ~~ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، ~~نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفته ، فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما ~~كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ~~وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا ~~عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد ~~الله ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ...». # وليس معنى ذلك أن العرب لا يملكون شيئا من الأخلاق الحسنة والعادات ~~الجيدة ، فقد كانت لهم قيمهم العالية ، وعاداتهم الحسنة ، ولكنهم لم ~~ينطلقوا في ذلك من قاعدة فكرية أو روحية واسعة من خلال نظرة شاملة للإنسان ~~في دوره ms5105 في الحياة وموقعه من الله ، ودوره في عبادته ، وتوحيده له ، PageV22P206 # ورفضه للتخلف في نوعية العقيدة وحركتها في وجدانه ، مما سهل للتفاهات ~~الفكرية أن تنفذ إليه وللضلالات الروحية أن تحكم وعيه ، وللأهواء الضالة ~~الفاسدة أن تسيطر على مشاعره ، بحيث تحولت شخصيته إلى قطع متناثرة ، تأخذ ~~من كل موقع قطعة ، من دون أن يكون هناك أي نوع من الترابط فيما بينها ، ~~بحيث تمثل كلا متكاملا مترابطا في وحدة فكرية أو روحية شاملة. وهذا هو الذي ~~يؤدي بالإنسان إلى الضلال لأنه يفقد الميزان الذي يزن به صحيح الأمور ~~وفاسدها ، والقاعدة التي يرتكز عليها خط حياته في ما يحكم البداية ~~والنهاية. # إن قيمة النهج الإسلامي في تربية الإنسان ، أنه يؤكد على الوحدة الفكرية ~~التي تتفرع عنها كل القضايا ، بحيث تلتقي عندها وحدة الشخصية في نطاقها ~~العملي. وهذا ما استطاع أن يجعل من المسلمين أمة ذات أبعاد ثقافية وروحية ~~وسياسية واقتصادية في مستوى حركة الإنسان في العالم. # ( @QUR@05 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) وهم الذين دخلوا الإسلام بعدهم ~~من الأجيال السابقة ، وقد تحدثت بعض الروايات أنهم الفرس في ما رواه ~~البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حين أنزلت عليه سورة الجمعة فتلاها ، فلما بلغ ( @QUR@05 وآخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم ) قال له رجل : يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ ~~فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال : والذي نفسي بيده ، لو كان الإيمان ~~بالثريا لناله رجال من هؤلاء (1). ولكن الظاهر على تقدير صحة الرواية أن ~~المراد بيان النموذج من الأمم الأخرى أو الأجيال الأخرى ، لأن الآية تتحدث ~~عن امتداد الرسالة في المستقبل الذي يحتضن الناس الآخرين من بعدهم. ويؤكده ~~ما روي عن سهل ابن سعد الساعدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: إن في أصلاب أصلاب أصلاب PageV22P207 # رجال رجالا من أصحابي ونساء يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قرأ : ( @QUR@05 ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) (1). # ( @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) القادر على فرض إرادته من موقع العزة ms5106 ، ~~الخبير بمواقعها من موقع الحكمة ، ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) ~~الإشارة بذلك على الظاهر إلى بعث الرسول ، من خلال نتائجه العملية في حياة ~~الناس ، ومن خلال قيمته الروحية في حياة الرسول ، في ما يتميز به من ميزة ~~كبيرة في التقييم الإلهي في ما يمنحه عباده من الفضل الذي يوزعه على من ~~يشاء ، فيمن يستحق الاصطفاء للرسالة والاهتداء للهداية ، ( @QUR@04 والله ~~ذو الفضل العظيم ) على كل خلقه ، في ما خلقهم ورزقهم ودبرهم ورعاهم ودلهم ~~إلى مواقع صلاحهم ، ودعاهم إلى العمل بها وحذرهم من مواقع الفساد في حياتهم ~~، ونهاهم عن الاقتراب منها. # * * * PageV22P208 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أسفارا ) قال الراغب : السفر بالفتح فالسكون كشف الغطاء ويختص ~~ذلك بالأعيان نحو سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه إلى أن قال والسفر ~~بالكسر فالسكون الكتاب الذي يسفر عن الحقائق وجمعه أسفار ، قال تعالى : ( ~~@QUR@04 كمثل الحمار يحمل أسفارا ) (1) انتهى. # * * * PageV22P209 ### ||| ** التوراة ... ومثل الحمار # وإذا كانت القضية في بعث الرسل هي أن يتعلم الناس الكتاب والحكمة ، ~~ويطهروا أنفسهم ويزكوها ، ليحصلوا على الطاقة الروحية التي تمنحهم امتدادا ~~في جانب العمل ، فقد جاءت هذه الآية لتثير أمام المسلمين مسألة اليهود ~~الذين أرسل الله إليهم التوراة التي بلغهم إياها موسى وعلمهم مضامينها ~~ومفاهيمها ، ولكنهم وضعوها في حياتهم كواجهة قومية في ما أرادوا أن يتحركوا ~~فيه من ذهنية عنصرية لا ترتبط بالجانب الفكري والروحي للتوراة في مضمونها ~~العملي ، بل ترتبط بها من الجانب التاريخي الذي يقدمها كتراث قومي لا مكان ~~للإنسانية الأخرى فيه. # وهكذا أطلق الله هذا المثل ليقدمه للمسلمين الذين قد يتحولون إلى ما يشبه ~~الوضع اليهودي في الأخذ بالقرآن شكلا لا مضمونا ، كما قد يأخذون به في صفته ~~القومية باعتبار أنه جاء باللسان العربي على يد رسول عربي ليقول لهم إن ~~مثلهم سيكون كمثل اليهود ، لأن العمق في القضيتين واحد ، هذا من جهة. # ومن جهة أخرى ، فإن الآية ms5107 قد تلاحظ كمقدمة للخطاب التالي لليهود ، في ما ~~يدعونه لأنفسهم من ميزة التفوق على بقية الناس في قربهم من الله ، ( ~~@QUR@04 مثل الذين حملوا التوراة ) وتعلموها وفهموا مضامينها ، ( @QUR@03 ~~ثم لم يحملوها ) فلم يحولوها إلى مشروع عملي للتغيير الداخلي ، وخطة متحركة ~~لتحويل الواقع من واقع خاضع للفساد والانحراف إلى واقع منطلق مع الصلاح ~~والاستقامة ، ليكونوا قريبين إلى الله من خلال العمل بأوامره ونواهيه ، في ~~ما تأمرهم به التوراة أو تنهاهم عنه. # وهكذا كان مثلهم في عدم الانتفاع بها ( @QUR@04 كمثل الحمار يحمل أسفارا ) PageV22P210 # وهي الكتب التي تتضمن العلوم والمعارف ، فتثقل ظهره كما تثقل التوراة ~~أذهانهم ، ولكنه لا يعقل منها شيئا ، فلا تتغير حماريته بذلك مهما بلغت من ~~الكثرة ، وهكذا لا تنتفع إنسانيتهم ولا حياتهم في مجراها العملي بما يملكون ~~من ثقافة التوراة ، لأنها لا تزيد عن أن تكون مجرد كتاب وضع في مكتبة ~~الإدراك الذهني من دون أن يتحول إلى حالة وجدانية شعورية تتصل بالإحساس ~~العملي الحي. # ( @QUR@07 بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ) وهم اليهود الذين ~~كذبوا النبي في رسالته ، فأنكروا الوحي القرآني بعد أن أقام النبي عليهم ~~الحجة البالغة في ذلك ، ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) الذين ~~ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان ، وظلموا الحياة من حولهم بالوقوف ضد امتداد ~~الحقيقة من خلال امتداد الرسالة في حياة الناس ، لأن مسألة الهداية مرتبطة ~~بالإرادة الإنسانية للأخذ بأسبابها ، فإذا رفضها الناس فلا بد من أن تكون ~~النتائج سلبية في هذا الاتجاه ، ولم يتكفل الله للظالمين من عباده أن ~~يهديهم إلى الحق بطريق المعجزة ، بل وكلهم إلى أنفسهم ليلاقوا مصيرهم من ~~خلال سوء اختيارهم ، في الوقت الذي وعد فيه المهتدين الذين يأخذون بأسباب ~~الهدى أن يزيدهم هدى ويهديهم إلى المواقع العالية من رضاه. # * * * PageV22P211 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) @QUR@09 ولا يتمنونه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين (7) @QUR@018 قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم ms5108 بما كنتم تعملون ) (8) # * * * ### ||| ** القرآن يتحدى وهم اليهود بأنهم الشعب المختار # لقد عاش بنو إسرائيل حياة ذاتية معقدة ، بعد الاضطهاد الذي عاشوه في كثير ~~من المواقع ، فلما جاءتهم النبوات التي بدأت منذ موسى في صيغتها العامة ~~البارزة ، تحولت العقدة إلى حالة عنصرية ، تفاعلت فيها الكثير من العوامل ~~والظروف المحيطة بهم ، حتى خيل إليهم أنهم شعب الله المختار ، وأنهم أولياء ~~الله وأحباؤه ، وأن الله جعل الدار الآخرة خالصة لهم ، وقالوا لن PageV22P212 # يدخل الجنة إلا من كان هودا. وتطور الوضع إلى أن بدأت هذه الفكرة تتحول ~~إلى اتجاهات عدوانية ضد الأمم ، فكانوا المتأمرين والدساسين والمخربين. وقد ~~عرض القرآن لهذه الفكرة في أكثر من آية ، وناقشها ، وتحدث إليهم بكل وضوح ~~بأنهم بشر ممن خلق ، وليست لهم أية ميزة ذاتية أو إلهية في أي جانب من ~~الجوانب. وهذه من بعض الآيات التي جاءت على سبيل التحدي الوارد من قبيل ~~المباهلة ، التي تريد أن تتحدى كل المشاعر الداخلية التي تلتقي فيها مسألة ~~الحياة والموت ، لتكشف زيف الإيمان الذي يدعونه ، وبطلان الموقع الذي يضعون ~~أنفسهم فيه. # ( @QUR@05 قل يا أيها الذين هادوا ) وانتموا إلى اليهودية التي تمثل ~~الرسالة الإلهية التي أنزلت على موسى : ( @QUR@08 إن زعمتم أنكم أولياء لله ~~من دون الناس ) في ما تزعمونه لأنفسكم من المنزلة الكبيرة عند الله ، لأن ~~الله اختاركم من بين عباده لتكونوا شعبه الذي يحبه ويختاره ويقربه إليه ، ~~فتكون لكم الدرجة العليا التي تميزكم عن الآخرين ، ( @QUR@05 فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين ) لأن الإنسان المؤمن لا يكره لقاء الموت إلا من جهة خوفه ~~من حساب الله ، في ما أخطأ فيه من ذنوبه وفي ما مارسه من المواقف التي ~~تبعده عنه ، أما إذا كان واثقا من قربه إلى الله وسلامته من العقاب ، ~~وحصوله على الثواب ، فإنه يتمنى الموت ليحصل على نعيم الله ورضوانه في رحاب ~~جنته ، وبذلك تكون الآخرة خيرا له من الأولى. # وعلى ضوء هذا ، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه المنزلة الرفيعة عند الله ~~، فتمنوا الموت ، واقتحموه في ساحات الجهاد ، وانطلقوا إلى كل ms5109 مواقع الخطر ~~في سبيل الله ، ( @QUR@06 ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) فقد عرفوا من ~~خلال الواقع الذي يعيشونه أنهم غير صادقين في ما يدعونه ، بل كل ما هناك ~~أنهم أرادوا أن يفرضوا الاستعلاء العنصري اليهودي على الناس من موقع ~~القداسة ، من دون أن يكون هناك أية حقيقة في ذلك ، مستغلين جهل الناس ~~بالتوراة ، وبعدهم عن المعرفة الدينية ، كما نراه لدى الكثيرين الذين ~~يعملون على تغذية PageV22P213 # أوهام الناس بكثير من المفاهيم الساذجة التي تثير التهاويل في ذهنية ~~العوام ، لتأكيد موقع شخصي مميز أو قومي بارز أو عنصري معقد ، ليقدس الناس ~~الخرافة باسم الحقيقة والوهم باسم اليقين والانحطاط باسم التقدم. # وهكذا كان اليهود بين تيارين ، أحدهما لا يؤمن بالآخرة ، ولهذا فإنه ليس ~~مستعدا لأن يقترب من الموت الذي لا يمثل عنده أي موقع للانفتاح عما بعده ، ~~وثانيهما يؤمن بالآخرة ، ولكنه يعرف النتائج الوخيمة التي يواجهها في مصيره ~~، على أساس الأعمال السيئة التي قام بها في حياته. وهذا ما تريد الآية أن ~~تؤكده لتختم ذلك بقوله تعالى : ( @QUR@03 والله عليم بالظالمين ) الذين ~~ظلموا أنفسهم وظلموا الناس من حولهم ، وانحرفوا بالحياة عن سبيل الله ، فهو ~~يعلم سرهم وعلانيتهم. وتتابع الآيات كشف المصير الذي ينتظر هؤلاء وأمثالهم ~~في الآخرة عند ما يقفون غدا في ساحة الحساب المحتوم ، أمام الله. # ( @QUR@06 قل إن الموت الذي تفرون منه ) في عملية الاستغراق بالهروب ~~بالابتعاد عن مواقع الخطر ، أو بالمواقف الاستعراضية ( @QUR@02 فإنه ~~ملاقيكم ) في ساعة الحقيقة الحاسمة ، لأنه لا خلود لأحد في هذه الدنيا ، ( ~~@QUR@06 ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ) الذي لا يعزب عن علمه مثقال ~~ذرة ( @QUR@04 فينبئكم بما كنتم تعملون ) لتواجهوا العذاب في المصير الأسود ~~الذي ينتظر المجرمين. # * * * PageV22P214 ### ||| * الآيات # ( @QUR@022 يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) @QUR@015 فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون (10) @QUR@021 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما قل ما عند الله خير ms5110 من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فاسعوا ): السعي هو المشي بالإسراع. # ( @QUR@03 فانتشروا في الأرض ): الانتشار في الأرض : التفرق فيها. # ( @QUR@01 تفلحون ): الفلاح ، النجاة من كل شقاء. # ( @QUR@01 انفضوا ): الفض : كسر الشيء والتفريق بين بعضه وبعضه كفض ختم PageV22P215 # الكتاب وعنه أستعير انفض القوم (1). # * * * ### ||| ** صلاة الجمعة والسعي إلى ذكر الله # وهذا نداء قرآني يحمل المسلمين حضور صلاة الجمعة التي أرادها الله أن ~~تكون صلاة جامعة ، يلتقي فيها الناس في منطقة واسعة تمتد إلى فرسخين ، على ~~عبادة الله المنفتحة على المفاهيم الإسلامية العامة التي يقف الخطيب ~~ليؤكدها للناس في ما تحتاجه دنياهم وآخرتهم مما يهتمون به ، أو مما ينبغي ~~الاهتمام به ، وذلك في خطبتين تقومان مقام ركعتين ، مما كان يؤديهما المؤمن ~~في صلاة الظهر بدلا عن الجمعة ، لأن صلاة الجمعة ركعتان تسبقهما خطبتان ، ~~مما يوحي بأن الحديث الوعظي والتوجيهي ، حتى في المجالات السياسية المتصلة ~~بحياة المسلمين يمثل لونا من ألوان الصلاة حتى أنه يكون بديلا عنها. وقد ~~أكد الله على هذه الصلاة ، كما لم يؤكد على صلاة غيرها ، بحيث ألغى الأعمال ~~الأخرى التي تعيق المؤمن عن حضورها ، إلا ما كان يدخل في نطاق الضرر أو ~~الحرج أو الاضطرار ، مما رفع الله مسئوليته عن المكلف ، فحرم البيع في وقت ~~النداء إليها. ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) في استثارة وجدانية لعمق ~~الإيمان في وجدانهم ، ليتحملوا مسئولية فرائضه في التزام ثابت لا تختل ~~مواقعه أمام أية حالة من حالات الاهتزاز الداخلي والخارجي ، وذلك من جهة ~~الإلحاح على استعادة هذه الصفة في شخصيتهم ، وتحريكها في حياتهم ، لئلا ~~تشغلهم الأوضاع المحيطة بهم ، والصفات الأخرى الطارئة على حياتهم عن ذلك. # ( @QUR@06 إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) لإقامة هذه الصلاة في جموع PageV22P216 # المسلمين ، ليلتقوا جميعا باسم الله في عبادة الله المنفتحة على قضايا ~~الحياة العامة ، ( @QUR@04 فاسعوا إلى ذكر الله ) والمراد به الصلاة التي ~~تمثل التجسيد الحي المتحرك لذكر الله في حركاتها وسكناتها وقراءتها ~~وأذكارها ، وقيل : إن المراد به الخطبتان قبل الصلاة ، باعتبار أنهما ~~تشتملان على ذكر الله ، وعلى تذكير الناس ms5111 به وبموقعهم منه ، ( @QUR@02 ~~وذروا البيع ) فقد حرمه الله ، لأن القضية في هذا الوقت هي أن يلتقي ~~المسلمون جميعا في عبادة جماعية لا في عبادة فردية ، ليأخذوا الرخصة في ~~الانفراد بها بعيدا عن جماعة المسلمين. # وإذا كان الله قد نهى عن البيع وقت النداء لأنه يمنع المؤمن من الصلاة ، ~~فإن معنى ذلك أن النهي يشمل كل عمل مماثل للبيع في هذه الجهة. وربما كان ~~ذكر البيع بخصوصه ، باعتبار أنه الغالب على الناس آنذاك في ما يشغلهم أمره ~~عن الصلاة. ( @QUR@06 ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) لأن النتائج الروحية ~~والعملية التي تحصلون عليها من خلال هذه الصلاة العبادية الثقافية المنفتحة ~~على الجانب الاجتماعي والسياسي ، لا تقدر بثمن ، بحيث لا قيمة لما يربحه ~~الإنسان من الأعمال الأخرى التي ينشغل بها عن الصلاة ، أمام الربح المعنوي ~~والمادي الذي يحصل عليه في الحاضر والمستقبل ، من خلال النتائج الواقعية ~~للصلاة على أكثر من صعيد. # * * * ### ||| ** الانتشار لطلب الرزق # ( @QUR@06 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) لتطلبوا الرزق في سهولها ~~وجبالها من كل مواقعه ، ( @QUR@04 وابتغوا من فضل الله ) الذي تفضل على ~~عباده فتكفل برزقهم ، في غامض علمه ، من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون. ~~وفي هذا نوع من الإيحاء الروحي بأن مصادر الرزق كلها بيد الله ، وأن ~~الإنسان الذي PageV22P217 # يتطلبها ويسعى إليها إنما يرجو فضل الله الذي يملك الرزق كله في مصادره ~~وموارده. # وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في ما رواه عمر ابن ~~يزيد عنه قال : إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله ، ما أركب فيها إلا ~~التماس أن يراني الله أضحي في طلب الحلال ، أما تسمع قول الله عز اسمه : ( ~~@QUR@010 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله )، ~~أرأيت لو أن رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال : رزقي ينزل علي أكان ~~يكون هذا؟ أما إنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. قال : قلت : من هؤلاء؟ ~~قال : رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في يده ms5112 ~~لو شاء أن يخلي سبيلها ، والرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه ~~فيجحده حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له لأنه ترك ما أمر به ، والرجل يكون ~~عنده الشيء فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى يأكله ثم يدعو ~~فلا يستجاب له (1). # ( @QUR@03 واذكروا الله كثيرا ) فلا يكون الذكر مجرد حالة طارئة في حياة ~~الإنسان ، في ما يمارسه من صلاة معينة في وقتها ، أو من ذكر واجب أو مستحب ~~، في زمان معين ، بل يكون حالة مستمرة يستشعرها الإنسان في قلبه ولسانه ~~وحياته ، حتى يكون حضور الله في حياته ، هو الحضور الحي الذي يشمل الكيان ~~كله ، بحيث لا يرى شيئا إلا ويرى الله معه ، فتتماسك أقواله وأفعاله ، ~~وتتوازن خطواته ، ويستقيم سبيله في آفاق الله ، ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) ~~فإن الارتباط بالله المنفتح على جانب العقيدة والعمل هو سبيل الفلاح الوحيد ~~للإنسان في الدنيا والآخرة ، لأنه هو الذي يؤكد التقوى الفكرية والروحية ~~والعملية في كل مواقع حياته ، وقد جاء في الآية الكريمة : ( @QUR@04 واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون ) [آل عمران : 200]. PageV22P218 # ( @QUR@09 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) جاء في ~~أسباب النزول في ما رواه في عوالي اللآلي عن مقاتل بن سليمان قال : بينا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة ، إذا قدم دحية الكلبي من ~~الشام بتجارة ، وكان إذا قدم لم يبق في المدينة عاتق إلا أتته ، وكان يقدم ~~، إذا قدم ، بكل ما يحتاج إليه الناس من دقيق وبر وغيره ، ثم ضرب الطبل ~~ليؤذن الناس بقدومه فيخرج الناس فيبتاعون منه. # فقدم ذات جمعة ، وكان قبل أن يسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ~~على المنبر ، فخرج الناس فلم يبق في المسجد الا اثنا عشر ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لولا هؤلاء لسومت عليهم الحجارة من السماء ، وأنزل ~~الله الآية في سورة الجمعة (1). # * * * ### ||| ** كيف نستوحي هذه الآية؟ # وقد يكون وحي هذه الآية ، في ما يريد أن نستوحيه ، أن الله سبحانه يريد ~~أن يتحدث إلينا دائما ms5113 عن نقاط الضعف في الواقع الإسلامي الديني للجيل ~~المسلم الأول من الصحابة ، ليؤكد لنا أن وجود نقاط الضعف في كل جيل مسلم لا ~~يلغي إسلاميته ، ولا يخفف من مسئولية القيادة على التعامل معه ، والالتفات ~~إلى نقاط القوة الأخرى الموجودة في داخله لدى الأفراد الآخرين ، أو لدى ~~الأفراد أنفسهم الذين يعيش الضعف في داخلهم. ثم تنطلق القيادة لتوجه وترشد ~~وتقود من خلال كلام الله ، ومن خلال القدوة ، أو من خلال الترغيب والترهيب. PageV22P219 # وقد يكون من الملفت للنظر أن يكون المسلمون في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب فيهم في صلاة الجمعة ، ليوجههم نحو مواقع ~~الفلاح والسمو في الدنيا والآخرة ، ويدق الطبل التجاري أو الطبل اللهوي ، ~~فينفضون عنه ، ليبقى النبي وحده أو مع جماعة قليلة. ولكن المسألة هي أن ~~الناس هم الناس في كل زمان ومكان ، وأن على العاملين في خط الدعوة والجهاد ~~في سبيل الله أن يدرسوا الإنسان في طبيعته ، في نقاط ضعفه وقوته ، فلا ~~يصيبهم الإحباط إذا واجهوا بعض الانحرافات الطارئة أو القوية لدى المؤمنين ~~أو المجاهدين ، ولا يسيطر عليهم اليأس ، بل يواجهون الموضوع في مؤثراته ~~الواقعية الإنسانية ، وذلك من خلال أن الأديان والمبادئ لا تتحرك على أساس ~~التنفيذ الشامل ، بل على أساس التنفيذ المتحرك الذي قد يتجمد في بعض ~~الحالات ، وقد ينطلق في حالات أخرى ، بشكل سريع تارة وبطيء أخرى ، لأن ~~الإنسان لا يمكن أن يكون خاضعا لحالة ثابتة دائمة مع اختلاف الظروف ~~والأوضاع والمؤثرات الداخلية من حوله ، مع طبيعة الغفلة أو التذكر اللذين ~~يتواردان عليه في مسألة الإيمان ، فيتركان تأثيرهما عليه تبعا للنتائج ~~المترتبة على هذا أو ذاك ، مما يفرض التعامل مع حركة الإسلام في الإنسان ~~بمنطق الواقع الذي يدفع بالكلمة الهادئة تارة ، والقوية أخرى ، والمضمون ~~الفكري في حالة والمضمون العاطفي الشعوري في حالة أخرى. وهذا ما واجه به ~~القرآن هؤلاء الذين تركوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته وصلاته ، ~~واندفعوا إلى اللهو والتجارة ، فاكتفى بتسجيل الانحراف العملي عليهم ، ثم ~~بادرهم بالكلمة ms5114 الوعظية الموجهة التي تدعو إلى التفكير الهاديء والتأمل ~~العميق في ما هي النتائج النهائية على مستوى المصير. # * * * PageV22P220 ### ||| ** ما عند الله خير من اللهو والتجارة # ( @QUR@09 قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ) فإن اللهو لا يلبث ~~أن يفقد أثره في النفس وفي الواقع في لحظات أو في ساعات ، أما التجارة ~~فإنها قد تحقق بعض الربح ، ولكنها قد لا تحقق شيئا في ظروف معينة ، لأن ~~مجرد المبادرة إلى مواضعها ليس كل شيء في ما هي النتيجة الحاسمة للربح ، بل ~~قد تكون هناك مؤثرات أخرى ليست بيد الإنسان مما يتصل بظروف السوق والشخص ~~الآخر والأجواء العامة ، مما يملك الله أمره في ما يملكه من قلوب الناس ~~التي يحولها ويقلبها كيف يشاء ، أو في ما يهيمن عليه من ظروف الواقع التي ~~يبدلها كما يريد وذلك من خلال الخطة التي وضعها لتوزيع الرزق على عباده عبر ~~الأسباب الاختيارية وغير الاختيارية ، الأمر الذي يفرض على المؤمن الاعتماد ~~عليه وحده لا على الآخرين ممن يحتاجون إليه ويقفون ببابه. # ( @QUR@03 والله خير الرازقين ) لأن كل الذين يعتبرهم الناس رازقين ~~بالمباشرة ، هم المرزوقون الذين يستمدون رزقهم من الله الذي هو الرازق ~~الحقيقي للكون كله ، وكل من عداه ، وما عداه ، فهو صدى لإرادته. ولذلك فإن ~~معنى التفضيل في كلمة «خير» لم يأت للمفاضلة في ما هو القاسم المشترك في ~~الحقيقة ، ولكن في ما هو الظاهر في النظرة الساذجة للموضوع ، التي تكتفي ~~بالسطح ، ولا تنفذ إلى العمق ، لأنه هو وحده عمق الوجود كله وسره ومعناه. # * * * PageV22P221 ### | سورة المنافقون ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها احدى عشرة PageV22P223 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة من السور المدنية التي نزلت لتتحدث عن المنافقين كوجود حركي ~~مضاد في داخل المجتمع الإسلامي. فقد كانوا يمثلون الجماعة التي تكيد ~~للإسلام في العمق ، لأنها لا تؤمن به في صميم العقيدة ، ولكنها تعلق ~~إسلامها في الظاهر ليكون ذلك غطاء لها في تحركاتها التي تريد من خلالها أن ~~تنفذ إلى مواقع العصبية العائلية التي تحميها ، وإلى مكامن العلاقات ~~المتنوعة التي تحتضنها ، لأن هناك فرقا بين ms5115 الكيد الذي يتحرك في عناوين ~~الكفر وبين الكيد الذي يتحرك تحت عنوان الإسلام ، فقد لا يسمح الإسلام ~~للكافرين أن يتصرفوا ضد الإسلام بحرية ، لأن الحاجز الديني الداخلي يدفع ~~إلى الرفض السريح بطريقة لا شعورية ، لأن الجو العام هو جو الصراع مع ~~الكفر. أما الذين يعلنون الإسلام في الظاهر ، فإنهم يملكون حق المسلم في ~~حماية المجتمع له ، مما يجعل من تصرفاته التي يقوم بها ، أو الخلافات التي ~~يثيرها ، تصرفات فردية تدخل في نطاق المشاكل الداخلية الصغيرة بين المسلمين ~~التي لا تترك أية خطورة على الواقع الإسلامي العام. # وهذا ما نواجهه في الكثير من تجاربنا الاجتماعية أو السياسية في داخل ~~الحركة الإسلامية العامة ، في مواقفها الصلبة ضد الاستكبار العالمي المتصل ~~بقواعد الكفر ، فقد نجد الكثيرين ممن يحملون العنوان الإسلامي بطريقة PageV22P225 # وبأخرى ، يقفون وقفة النفاق التي تفتح أكثر من نافذة على الاستكبار ، ~~لتنطلق من خلال خططه نحو الإضرار بالإسلام والمسلمين في مواقع الصراع الذي ~~يخوضه ضد الكفر والاستكبار ، في الوقت الذي ينطلقون في داخل المجتمع ~~بعناوين إسلامية تمنحهم حرية الحركة ، من خلال ما يملكونه من صفات رسمية أو ~~اجتماعية أو اقتصادية ، مما يجعلهم فريسة سهلة لأجهزة المخابرات الدولية ~~التي تحركهم كأدوات تخريبية ضد سلامة الاتجاه الإسلامي السليم. # وقد جاءت هذه السورة لتتحدث عن بعض ملامحهم العامة ، ليتعرف المسلمون ~~إليهم من خلالها سواء أكان النفاق نفاقا عاما يتصل بالخطط العامة للكافرين ~~في ما هو الكفر والإسلام ، أم كان النفاق نفاقا خاصا محدودا ببعض الخطط ~~السياسية المضادة في ما هو الإسلام والاستكبار ، لأن المسألة في الأسلوب ~~القرآني أن يفتح للإنسان النافذة الإسلامية الواسعة على الواقع في زواياه ~~الخفية ، من أجل أن يتعرف على الناس في الساحات العامة والخاصة ، ليحترز من ~~كيدهم ومكرهم في ما يمكن أن يحركوه من وسائل الكيد والمكر ، ليكون الإنسان ~~المسلم هو الإنسان الواعي الذي يعرف كيف يواجه المشاكل الصعبة بعقل ذكي ~~مثير ، يتغذى من النظرة واللمسة والملاحظة والقراءة ، بما يحقق له الكثير ~~من عناصر الحماية على جميع المستويات. # ولم تكن هذه ms5116 السورة السورة الأولى والأخيرة التي تحدثت عن المنافقين ، ~~فهناك أكثر من سورة تعرضت لأوضاعهم العامة والخاصة ، ولكن هذه السورة أخذت ~~عنوان «المنافقون» لأن بدايتها كانت تطرح الاسم بشكل صارخ بارز ، مما يجعل ~~الحديث عنهم عنوانا لهذه الجماعة وللسورة. # * * * PageV22P226 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) @QUR@012 اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) @QUR@011 ذلك بأنهم آمنوا ~~ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) @QUR@022 وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم ~~العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المنافقون ): المنافق اسم فاعل من النفاق وهو في عرف القرآن ~~إظهار الإيمان وإبطان الكفر. # ( @QUR@01 أيمانهم ): الأيمان جمع يمين بمعنى القسم. # ( @QUR@01 جنة ): والجنة الترس ، والمراد بها ما يتقى به من باب ~~الاستعارة. PageV22P227 # ( @QUR@01 فصدوا ): الصد يجيء بمعنى الإعراض. # ( @QUR@01 خشب ): جمع خشبة. # ( @QUR@01 مسندة ): التسند نصب الشيء معتمدا على شيء آخر كحائط ونحوه. # ( @QUR@01 يؤفكون ): يصرفون عن الحق. # * * * ### ||| ** المنافقون في ادعاءاتهم الكاذبة وملامحهم العامة # هذه السورة تلفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الانتباه والاستعداد ~~لمواجهة المنافقين الذين يخفون نواياهم الحقيقة وراء إعلانهم الظاهري ~~للإسلام ، وتطلب إليه مواجهتهم بالمنطق القرآني الذي يكشف زيف أساليبهم. # ( @QUR@03 إذا جاءك المنافقون )، الذين يعيشون دائما القلق الداخلي الذي ~~يتحرك من خلال الازدواجية العملية المتمثلة في سلوكهم المتأرجح بين الكفر ~~والإيمان ، والذي يضعهم في دائرة الشك من قبل الآخرين ، كون طبيعتهم ~~الذاتية تفسح المجال لذلك ، ( @QUR@05 قالوا نشهد إنك لرسول الله ) في ما ~~توحي به كلمة الشهادة في تطابق القول مع العقيدة ، ليؤكدوا للنبي وللمسلمين ~~من حوله أنهم يؤمنون بالإسلام القائم على التوحيد ورسالة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، كما يؤمن المسلمون الآخرون ، ويؤكدون إيمانهم بهذه ~~الشهادة الصارخة ، ( @QUR@04 والله يعلم إنك لرسوله ) فليست رسالتك موضع ~~الشك ، فإن الله الذي أرسلك هو الذي يعلم هذه الحقيقة ويؤكدها ، ولكن ذلك ~~شيء ، ومسألة صدق هؤلاء المنافقين ms5117 في شهادتهم شيء آخر ، ( @QUR@05 والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون ) في دعواهم الشهادة لك بأنك رسول الله ، لأن ~~قيمة الشهادة بالكلمة أن تكون منفتحة على الشهادة بالقلب ، ولكن الله يعلم ~~أن هؤلاء ينكرون رسالتك في إيمانهم العقلي PageV22P228 # والروحي ، مما يجعل من إعلانهم لهذه الشهادة نوعا من الخديعة والاستغفال ~~والسعي إلى أن يأخذوا شرعية الإسلام لتغطية جرائمهم النفاقية. # ( @QUR@03 اتخذوا أيمانهم جنة ) ووقاية يحتمون وراءها كلما شعروا بأن ~~عيون المسلمين تحدق بهم تحديقة شك وتساؤل ، وتثير الشبهات حولهم من خلال ~~بعض الأعمال التي يقومون بها ، أو الكلمات التي يتكلمون بها ، فيطلقون ~~الأيمان المغلظة ليطردوا شكوك الآخرين ، وليؤكدوا الثقة بإسلامهم ولينالوا ~~ثقة المجتمع الإسلامي بهم. واستمروا في هذا الاتجاه ( @QUR@04 فصدوا عن ~~سبيل الله ) بألاعيبهم الخفية وأضاليلهم المدسوسة ، وضللوا الكثيرين من ~~الأبرياء ، وانحرفوا بهم عن الصراط السوي ، بأسلوب العاطفة في صداقاتهم ~~وقراباتهم ، ( @QUR@05 إنهم ساء ما كانوا يعملون ) مما كانوا يسعون إليه ~~لإزهاق الحق ، وإقامة الباطل ، وخلخلة المسيرة الإسلامية في ساحة الصراع. # ( @QUR@03 ذلك بأنهم آمنوا ) في بدايات أمرهم ، بشكل ظاهري ساذج قد ينفذ ~~إلى العمق قليلا ، في ما قد يكون في داخلهم من بعض مواقع الصدق والخير ، ~~وقد لا يكون له عمق في الداخل ، بل كان الإيمان الإيمان المصلحة لا إيمان ~~القلب. ( @QUR@02 ثم كفروا ) فساروا في خط الكفر ، والتزموا مفاهيمه ، ( ~~@QUR@03 فطبع على قلوبهم ) بحيث كان الكفر حالة إرادية عميقة في العقل ، ~~رافضة لكل روح إيمانية في ما هو الفكر والشعور ، فأغلقوا قلوبهم عن الله ، ~~فأغلقت عقولهم ومشاعرهم من خلال ذلك ، ( @QUR@03 فهم لا يفقهون ) في ما قد ~~يخاطبهم الرسول أو الدعاة إلى الله بآيات الله ، فلا يفهمون منها شيئا ، ~~لأن الإنسان يفهم بعقله النير المنفتح على الفكر الحق ، فإذا كان عقله ~~مغلقا ، فكيف تنفذ الحقيقة إليه. وتلك هي مشكلة الكثيرين من المنافقين ~~والكافرين ، فهم لا يفقدون قابلية المعرفة بل يفقدون إرادتها التي هي سر ~~حركتها في العقل والشعور. # ( @QUR@04 وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) فهم يتحركون بأجسام منتفخة توحي PageV22P229 # بالعظمة وبالامتلاء وبالقوة ، بحيث يشعر الناس أمامها بأن هؤلاء يمثلون ms5118 ~~الطبقة العالية من القوم. # ( @QUR@04 وإن يقولوا تسمع لقولهم ) لأنهم من الناس الذين يعطون الإيحاء ~~بأنهم من عقلاء القوم وممن يتمتعون بالحكمة والتجربة ، كما قد يكونون من ~~الأشخاص الذين يستخدمون في منطقهم الكلمات المعسولة والأساليب الخادعة. # ( @QUR@03 كأنهم خشب مسندة ) في جمود الروح وبرودة الحيوية ، حتى كأن ~~جلوسهم إلى الجدار في الشكل الجامد ، كما لو كانوا خشبا مرميا على الجدار ~~من دون معنى ولا حركة ولا حياة ولا نفع ، لأن قيمة الخشب في الانتفاع به أن ~~يكون جزءا من السقف أو من الباب أو الجدار ، لا أن يكون خشبا مرميا على ~~الجدار ، وقيل : إنه شبههم بخشب نخرة متأكلة لا خير فيها ، ويحسب من رآها ~~أنها صحيحة سليمة من حيث إن ظاهرها يروق وباطنها لا يفيد ، فكذلك المنافق ~~ظاهره معجب رائع وباطنه عن الخير زائغ. # ( @QUR@04 يحسبون كل صيحة عليهم ) فهم يعيشون القلق الداخلي ، والاهتزاز ~~النفسي ، انطلاقا من الازدواجية بين موقفهم الظاهري وحقيقتهم الباطنية ، ~~ويبقى الهاجس الدائم لديهم أن يكشف المسلمون أمرهم على طريقة «كاد المريب ~~أن يقول خذوني» ، مما يجعلهم يحتسبون لكل حركة تصدر من الآخرين كما لو كانت ~~موجهة ضدهم ، ولكل صيحة مثيرة كأنها تثير الناس عليهم ، خوفا وجبنا. ( ~~@QUR@02 هم العدو ) الداخلي الذي ينفذ إلى الأمة ليثير المشاكل المتنوعة ~~بين أفرادها ، وليحرك الأحقاد التاريخية في داخل صفوفها ، وليخطط الخطط ~~العدوانية للتأمر على سلامتها ، من خلال الشعارات البراقة التي يحركها ~~انطلاقا من النوازع الذاتية أو الجماعية المتحكمة في أوضاعها ، فيبدو الأمر ~~في النزاع والخلاف ، كما لو كان شيئا طبيعيا منطلقا من الواقع الطبيعي في ~~الحياة الاجتماعية العامة ، ولهذا فلا بد من التعامل معهم على طريقة ~~التعامل PageV22P230 # مع العدو ، لأنهم إذا كانوا الأصدقاء في الظاهر ، فهم الأعداء في الباطن. # ( @QUR@01 فاحذرهم ) في أسلوب العمل ، في ما يمكن أن تحركه منه أسرار قد ~~ينقلونها إلى العدو ، وفي ما تثيره من قضايا مصيرية قد يتدخلون فيها ~~فيفسدونها من خلال علاقاتهم الخاصة والعامة بالمجتمع. ( @QUR@02 قاتلهم ~~الله ) أي أخزاهم ولعنهم ، وربما كان ذلك دعاء عليهم بالهلاك لأن من قاتله ms5119 ~~الله فهو مقتول ، ومن غالبة فهو مغلوب. # ( @QUR@02 أنى يؤفكون ) ويصرفون عن الحق ، ويبتعدون عنه ، مع ظهور أمره ~~في كثرة الدلالات عليه. # * * * PageV22P231 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@014 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم ~~يصدون وهم مستكبرون (5) @QUR@018 سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لووا ): التلوية تفعيل من لوى يلوي ليا بمعنى مال. # * * * ### ||| ** من صور كبرياء المنافقين # وهذه صورة من صور التكبر والاعتداء العدواني التي يتمثل فيها موقفهم ~~الاستعراضي إزاء شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خلال العقدة النفسية ~~الطاغية المتأصلة في شخصياتهم التي قد تتنفس في سلوكهم من حيث لا يشعرون. # ( @QUR@08 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ) في ما يمكن أن ~~يكون الناس من أهلهم وأصحابهم قد اطلعوا عليه من نفاقهم الخفي ، فيقدمون ~~لهم النصح PageV22P232 # بأن يتوبوا ويشهدوا الرسول على توبتهم ، ويؤكدوا ذلك بالطلب إليه أن ~~يستغفر لهم ربه ليغفر لهم ، فينالوا بذلك الرضوان من الله ورسوله ، ( ~~@QUR@02 لووا رؤسهم ) استهزاء بهذه الدعوة ، أو إعراضا عن خط الاستقامة ، ~~لأنهم لا يؤمنون بالله ورسوله في عمق كيانهم ، فلا يرون هناك خطأ يحتاج إلى ~~تصحيح ، ولا ذنبا يحتاج إلى استغفار. # ( @QUR@02 ورأيتهم يصدون ) عن الحق ، في ما هو الإسلام والإخلاص لله ، ( ~~@QUR@02 وهم مستكبرون ) في ما يعيشون فيه من الإحساس بالكبرياء الذي قد ~~يجدون أنفسهم فيه في الموقع الأعلى الذي لا يصل إليه الرسول ، ولا غيره ، ~~من خلال موقعهم الطبقي أو المالي ، أو من خلال العظمة الذاتية الفارغة التي ~~يوحون بها لأنفسهم ، أو يوحي بها إليهم غيرهم ممن يتزلفون للنفاق وأهله. # ( @QUR@012 سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) ~~لأن المسألة في استغفارك لأي إنسان في ما قد تفرضه عليك ضغوط المجاملة ~~والمداراة التي قد يخيل للبعض أنك تخضع لها حرصا على بعض التوازنات ~~الاجتماعية في علاقتك بالمجتمع من حولك لمصلحة حركة الرسالة ، ليست مسألة ~~ذاتية الاستغفار في صدوره عنك ، بل المسألة مسألة قابليتهم ms5120 لغفران الله لهم ~~، لأن المغفرة بيده ، وليس لك أن تستغفر إلا لمن كان يعيش هذه القابلية وهم ~~المؤمنون العصاة ، أما الكافرون الذين لا يؤمنون بالله ، والمشركون الذين ~~يشركون بعبادته غيره ، فليس لهم طريق إلى رحمة الله ، ورضوانه ، وبالتالي ~~فليس لهم مجال في عفو الله وغفرانه ، لأنهم لا يتعلقون من رحمة الله بشيء ~~ولا يجدون أنفسهم بحاجة إلى رحمة الله ، مما يجعل الفسق عندهم خطا يؤكدون ~~إرادتهم فيه ، ويرفضون غيره ، ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) ~~لأن الله قد فتح لهم باب الهداية ، فأغلقوها على أنفسهم ، فلا يفتحها الله ~~لهم من جديد مع بقاء إراداتهم الرافضة على حالها. # * * * PageV22P233 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@020 هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ~~ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) @QUR@017 يقولون ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) (8) # * * * ### ||| ** تأمر المنافقين على المسلمين # وهذه صورة من صور التآمر العلني الذي كانوا يحركونه في مجالسهم العائلية ~~أو في الحالات التي يشعرون فيها باليأس من وصولهم إلى غاياتهم النفاقية ، ~~فينفسون ببعض الكلمات الحادة عن العقدة الخبيثة الكامنة في نفوسهم. # ( @QUR@012 هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) ~~وهذا لون من ألوان الحرب الاقتصادية التي كان المنافقون يعملون على التخطيط لها PageV22P234 # لإبعاد المؤمنين المحيطين بالرسول عنه ، وذلك بالإيعاز إلى الأغنياء ~~الذين ينفقون على المهاجرين أو غيرهم من المسلمين المستضعفين ليمتنعوا عن ~~الإنفاق عليهم ، ولكن الله سبحانه يرد على هؤلاء بأن الله لم يجعل مصادر ~~الرزق الذي يمد به عباده المؤمنين محصورة في مورد خاص ، أو في جماعات معينة ~~، ليعيشوا المشكلة القاتلة في حياتهم العامة عند ما يغلق عنهم هذا الباب أو ذاك. # ( @QUR@04 ولله خزائن السماوات والأرض ) التي تتسع للخلائق كلهم ، فلا ~~تضيق عن أحد ، ولا تنفذ مواردها مهما امتدت في موارد الحياة كلها ، وتلك هي ~~الحقيقة الإيمانية التي تفرضها الألوهية المطلقة المهيمنة على الأمر كله ، ~~وعلى الخلق كلهم. ( @QUR@04 ولكن المنافقين لا يفقهون ) لاستغراقهم ms5121 في عقدة ~~النفاق التي تحجب عنهم حقائق العقيدة والحياة ، فلا يملكون الانفتاح على ~~الله في آفاق غناه وقدرته المطلقة. # وقد نستوحي هذا الموقف في جميع المواقع التي يهدد فيها الكثيرون من ~~الكافرين والظالمين ، العاملين والمجاهدين بالضغط الاقتصادي ، كعقوبة على ~~بعض المواقف الإسلامية والجهادية التي يقفونها في ساحات العمل والجهاد ، ~~فقد ينبغي للمؤمنين الواعين أن يستلهموا من العقيدة هذا الموقف الإيماني ~~الحاسم ، ليواجهوا كل الضغوط وكل التهاويل المحيطة بهم ، بالارتفاع إلى ~~مستوى الثقة بالله الذي تكفل لعباده بالرزق من حيث لا يحتسبون ، من خزائن ~~رزقه التي لا تنفد ولا تضيق عن سؤال أحد ولا حاجة أحد. # * * * ### ||| ** المدينة ... واستكبار المنافقين # ( @QUR@09 يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) وتلك مقالة PageV22P235 # شيخ المنافقين عبد الله بن أبي الذي كان يعبر بها عن جمهور المنافقين ~~الذين يتبعونه ، على أساس أنه هو الأعز الذي يملك الامتداد العشائري في ~~المدينة ، بينما لا يملك ذلك رسول الله الذي اعتبره الأذل ، وذلك باعتبار ~~أنه غريب فيها وهو ليس من أهلها ، ولا عشيرة له فيها. # وقصة هذه الآية في سبب نزولها ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلغه ~~أن بني المصطلق يجتمعون لحربه ، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى ~~الساحل ، فتزاحف الناس واقتتلوا ، فهزم الله بني المصطلق وقتل منهم من قتل ~~، ونقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم ، فبينا ~~الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من ~~بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد ، يقود له فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان ~~الجهني من بني عوف بن خزرج على الماء فاقتتلا ، فصرخ الجهني يا معشر ~~الأنصار ، وصرخ الغفاري : يا معشر المهاجرين ، فأعان الغفاري رجل من ~~المهاجرين يقال له جعال وكان فقيرا ، فقال عبد الله ms5122 بن أبي لجعال : إنك ~~لهتاك ، فقال : وما يمنعني أن أفعل ذلك ، واشتد لسان جعال على عبد الله ، ~~فقال عبد الله : والذي يحلف به لأزرنك ويهمك غير هذا. وغضب ابن أبي وعنده ~~رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن فقال ابن أبي : قد نافرونا ~~وكاثرونا في بلادنا ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك ~~يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعني ~~بالأعز نفسه ، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أقبل على من ~~حضره من قومه فقال : هذا ما جعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم ~~أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ~~ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم. فقال زيد بن ~~أرقم : أنت والله الذليل القليل PageV22P236 # المبغض في قومك ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم في عز من الرحمن ومودة من ~~المسلمين ، والله لا أحبك بعد كلامك هذا ، فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ~~ألعب. فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك بعد فراغه ~~من الغزو فأخبره الخبر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرحيل ، ~~وأرسل إلى عبد الله فأتاه فقال : ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقال عبد الله : ~~والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك قط ، وإن زيدا لكاذب وقال من ~~حضر من الأنصار : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا نصدق عليه بكلام غلام من ~~غلمان الأنصار ، عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه ، فعذره رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وفشت الملامة من الأنصار لزيد. # ولما استقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسار ، لقيه أسيد بن الحضير ~~فحياه بتحية النبوة ثم قال : يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت ~~تروح فيها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أو ما بلغك ما قال ~~صاحبكم ، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج ms5123 الأعز منها الأذل ، فقال أسيد : ~~فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت ، هو والله الذليل وأنت العزيز ثم ~~قال : يا رسول الله ارفق به ، فو الله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له ~~الخرز ليتوجوه ، وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. وبلغ عبد الله بن عبد الله ~~بن أبي ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا ~~رسول الله ، إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي ، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به ~~، فأنا أحمل إليك رأسه ، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر ~~بوالديه مني ، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر ~~إلى قاتل عبدا الله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، ~~فأدخل النار ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : بل ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا. # قالوا : وسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، ~~وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس ، فلم ~~يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما ، إنما فعل ذلك ليشغل الناس عن ~~الحديث الذي خرج من عبد الله بن أبي ، ثم راح بالناس حتى نزل على ماء PageV22P237 # بالحجاز فويق البقيع يقال له بقعاء ، فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها ، ~~وضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ليلا ، فقال : مات اليوم ~~منافق عظيم النفاق بالمدينة ، قيل : من هو؟ قال : رفاعة ، فقال رجل من ~~المنافقين : كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ، ألا يخبره الذي ~~يأتيه بالوحي؟ فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة ، وأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أصحابه وقال : ما أزعم أني أعلم الغيب وما ~~أعلمه ، ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي ، هي في الشعب ، ~~فإذا هي كما قال ، فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق ، فلما قدموا المدينة وجدوا ~~رفاعة بن زيد ms5124 في التابوت ... # قال زيد بن أرقم : فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، ~~جلست في البيت لما بي من الهم والحياء ، فنزلت سورة «المنافقون» في تصديق ~~زيد وتكذيب عبد الله بن أبي ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأذن ~~زيد فرفعه عن الرحل ثم قال : يا غلام صدق فوك ووعت أذناك ووعى قلبك ، وقد ~~أنزل الله في ما قلت قرآنا. وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة ، فلما أراد ~~أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله ابن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق ~~المدينة فقال : ما لك ويلك؟ فقال : والله لا تدخلها إلا بإذن رسول الله ~~ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل ، فشكا عبد الله ابنه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فأرسل إليه أن خل عنه يدخل فقال : أما إذا جاء أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنعم ، فدخل ، فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى ~~اشتكى ومات. # فلما نزلت هذه الآيات وبان كذب عبد الله قيل له : نزلت فيك أي شداد فاذهب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر لك ، فلوى رأسه ثم قال : أمر ~~تموني أن أؤمن فقد آمنت ، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت ، فما بقي ~~إلا أن أسجد لمحمد فنزل : ( @QUR@010 وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رؤسهم ) إلى PageV22P238 # قوله ( @QUR@02 لا يعلمون ) (1). # * * * ### ||| ** الرسول يعالج المشكلات بالأسلوب الإسلامي # وقد نلاحظ في هذه القصة صلابة الأنصار الذين كانوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، في رفضهم الخضوع للإثارة العاطفية التي حاول عبد ~~الله بن أبي أن يثيرهم بها ، في تحريك العصبية ضد المسلمين من المهاجرين ، ~~كوسيلة من وسائل إيجاد خلل عميق في المجتمع الإسلامي ، كما نلاحظ موقف زيد ~~ابن أرقم الشاب في شجاعته الأدبية أمام هذا المنافق الكبير بالرغم من تفاوت ~~السن بينهما ، في دلالة ذلك على روح التمرد الإيمانية التي تتجاوز كل ~~الأعراف في الوقوف ضد الأساليب النفاقية. ms5125 # وهكذا نقف بكل تقدير وإعجاب أمام موقف ولده عبد الله الذي استعد ليقتل ~~والده بأمر رسول الله ، إذا كان له أمر بذلك ، لئلا يقتله مسلم آخر ، ~~فيتعقد ضده بفعل النوازع النفسية العاطفية الطارئة التي يمكن أن تحدث له ، ~~بفعل عوامل الإثارة ، ثم تأكيده الحاسم على منع أبيه دخول المدينة إلا بإذن ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ليثبت له وللناس أن الرسول وحده هو ~~الذي يملك الأمر كله ، فلا يملكه أحد غيره ممن قد تسول له نفسه أن يجد في ~~نفسه موقعا للقوة ، أو يرى في موقعه موقعا للعزة المميزة على الرسول وعلى ~~المسلمين. # ثم نلاحظ في أجواء الأسلوب الرسالي الذي عالج به النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم المسألة كيف أثار القضية معه ليدفعه إلى تكذيب نفسه ~~أمام الجماهير ، وليستثير احتجاج المسلمين الآخرين ، لإبعاد المسألة عن ~~تأثيراتها المحتملة في داخل المجتمع بفعل العصبية الطارئة ، ثم كان موقفه ~~العفو العملي عنه ، وتوجيه ولده PageV22P239 # بأن يحسن صحبته وأن يرفق به ما دام عضوا في المجتمع الإسلامي من موقع ~~الانتماء الشكلي ، لأن المرحلة كانت تفرض ذلك ، لئلا يكون التصرف العنيف ~~سببا في إثارة بعض المواقع الضعيفة تحت تأثير ردود الفعل العصبية المحتملة ~~، لأن البعض كان لا يزال جديد عهد بالإسلام ، مما يجعله غير قادر على خوض ~~التجربة الصعبة في الداخل. # ولا بد لنا كإسلاميين يخوضون الحركة الإسلامية في المجتمع الذي تتحرك فيه ~~بعض نماذج النفاق من أن ندرس التجربة الرسولية في هذا المجال ، في تعامله ~~مع المنافقين بالطريقة التي يمكننا من خلالها أن نحفظ سلامة الحركة في ~~دائرة النظرية والتطبيق. # * * * ### ||| ** ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) فإن العزة تنطلق من مواقع ~~القوة التي تمنح صاحبها القدرة على إخضاع كل القوى له ، والوقوف أمامها ~~لمنعها من التحرك في الاتجاه الذي يؤكد قوتها في مقابل قوته. والله هو ~~القاهر فوق عباده ، والمهيمن على الأمر كله ، وليس لعباده معه شي ، فهم ~~الفقراء إليه في كل شي ، وهو الغني عنهم في كل ms5126 شيء ، مما يجعل العزة له ~~جميعا ، كما أكد ذلك في كتابه العزيز ، ( @QUR@01 ولرسوله ) الذي يستمد ~~عزته من الله ، لأنه يستمد قوته منه ، فينصره على الكافرين والمشركين ، ~~ويظهر دينه على الدين كله ، ( @QUR@01 وللمؤمنين ) في ما يعيشونه في داخل ~~أنفسهم من الشعور بالقوة من خلال اعتمادهم على الله وتوكلهم عليه ، مما ~~يجعلهم في الموقع القوي الذاتي المتحرك في إرادتهم الصلبة الرافضة لأي ذل. PageV22P240 # فالمؤمن لا يعيش الضعف الداخلي أمام كل التهاويل والضغوط التي يوجهها ~~إليه الكافرون والمشركون والظالمون ، ما دام واعيا لإيمانه ولموقعه من ربه ~~وموقع ربه منه ، وذلك في ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبه ( ~~@QUR@08 إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) [التوبة : 40] ، وفي ما ~~حدثنا الله عن موقف المؤمنين ( @QUR@017 الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) [آل ~~عمران : 173] وفي ما يواجه به المؤمنون الكافرين في ساحة القتال ( @QUR@07 ~~قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) [التوبة : 52] ، مما يوحي بأن المؤمن ~~لا يخاف الموت ، فلا يضعف أمام كل التهاويل التي تخوفه بالموت. # * * * ### ||| ** الإمام الصادق (ع) يستوحي الآية # وقد استوحى الإمام جعفر الصادق عليه السلام من الآية عمق العزة في شخصية ~~المؤمن ، من خلال عمق إرادة العزة في حركة إيمانه ، فقد جاء في الكافي ~~بإسناده إلى سماعة عن أبي عبد الله (جعفر الصادق عليه السلام ) قال : إن ~~الله تبارك وتعالى فوض إلى المؤمن أموره كلها ، ولم يفوض إليه أن يذل نفسه ~~، ألم تر قول الله سبحانه وتعالى هاهنا ( @QUR@04 ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ) والمؤمن ينبغي أن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا (1). # * * * PageV22P241 ### ||| ** العزة في أجواء خط الحرية # وهكذا نستطيع أن نؤكد خط العزة الذي يلتقي بخط الحرية كخط مستقيم في ~~الواقع الإسلامي ، بحيث لا يملك المسلمون جماعات وأفرادا أن ينحرفوا عنه ~~إلى خط الذل ، لأن المسألة تتصل بأصالة الإنسان المسلم في شخصيته وفي ~~حركيته وموقع الإسلام في الحياة. وفي ضوء ذلك ، لا بد من أن يرسم المعنيون ~~بحركة السياسة الإسلامية ms5127 ومواقع التحدي في ساحة الصراع ، السياسة الإسلامية ~~، على أساس انفتاح خطوطها على معنى العزة ، وانطلاق حركة الصراع في هذا ~~الاتجاه ، فيكون الخط الذي يبتعد عن ذلك خطا غير شرعي من جهة ، وخائنا ~~لأمانة الإسلام والمسلمين من جهة أخرى ، مهما حشد له أصحابه من التأييد ~~الشعبي ، لأن الشعب لا يملك أن يذل نفسه ، كما أن القيادة لا تملك الحرية ~~في أن تفرض ذلك على الواقع وعلى الناس ، انطلاقا من وعي هذه القيمة الروحية ~~والسياسية التي تفرض العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، بالرغم من تهويلات ~~المنافقين والكافرين ، ( @QUR@04 ولكن المنافقين لا يعلمون ) لأنهم لا ~~يعرفون عمق القوة والحرية والعزة في العقيدة الإسلامية ، والعمق الروحي في ~~شخصية المسلم ، مما يجعلهم ينظرون إلى الواقع من خلال الضغوط المادية على ~~المسلمين ، ولا ينظرون إلى الإرادة الإسلامية الصلبة في ما هو التصميم ~~والموقف الحاسم في مواجهة التحديات. # * * * PageV22P242 ### ||| * الآيات # ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) @QUR@022 وأنفقوا من ما رزقناكم ~~من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ~~من الصالحين (10) @QUR@011 ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير ~~بما تعملون ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تلهكم ): الإلهاء ، الإشغال. # * * * ### ||| ** النهي عن التلهي بالأولاد والأموال # لما كان النفاق ينطلق في الغالب من الاستغراق في الأموال والأولاد ~~وغيرهما من شؤون الحياة الدنيا ، والبعد عن الله وعن التفكير في الوقوف غدا PageV22P243 # بين يديه ، مما يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن مصالحه وشهواته في الأجواء ~~النفاقية ، كانت هذه الآيات من أجل إيجاد جو نفسي ضاغط على روحية الإنسان ~~المؤمن ، بحيث ينفتح على ذكر الله بقلبه ، وعلى الموت في ما ينتظره بعده من ~~مواقف ومخاوف ، ليتوازن في موقفه ، ويخلص في إيمانه ، ويستعد لما بعد الموت. # ( @QUR@012 يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ) بحيث تستغرقون فيها استغراق الإنسان الذي ينصرف بكل كيانه إليها ، ~~من دون أن يواجه عناصر المسؤولية في حياته ، فينسى ربه ، وينسى ms5128 نفسه من ~~خلال ذلك ، بل ينبغي لكم أن تنفتحوا على الله بقلوبكم ، فلا يغيب عنها طرفة ~~عين في كل ما تأخذون به أو تدعونه من شؤون الحياة الدنيا ، فإذا أخذتم ~~بالشأن المالي ، فإنكم تتصرفون فيه من موقع المسؤوليات المترتبة عليكم من ~~الله في أمره ، في ما يجب عليكم إنفاقه في مواردكم الخاصة والعامة ، وإذا ~~أخذتم بالشأن المتعلق بأولادكم ، فإن عليكم أن تدرسوا المسألة وتتحركوا ~~فيها على أساس أنهم أمانة الله عندكم ، وزينة الحياة الدنيا في عواطفكم ، ~~فتتصرفون في شؤونهم من موقع المسؤولية التي تنفتح عليهم من خلال الله ، ~~ليكون الموقع الذي يمثل الخضوع لأوامر الله ونواهيه ، بعيدا عما هو الجانب ~~الذاتي الغارق في العاطفة ، وبذلك لا تكون الأموال والأولاد ملهاة عن ذكر ~~الله ، بل منفتحة على مواقع المسؤولية أمامه. # ( @QUR@06 ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) لأن الالتهاء عن ذكر الله ، ~~يبعد الإنسان عن ربه ، فيورطه في معصيته ، ويشغله عن طاعته ، فيترك الدنيا ~~بعد ذلك من دون عمل ، ويترك المال والأولاد فيها ، ثم يقف بين يدي الله من ~~دون أن يكون له أي عمل يتقرب به إليه ويحصل به على رضوانه وعلى الدخول في ~~جنته ، بل يكون مصيره النار وبئس القرار. # * * * PageV22P244 ### ||| ** الإنفاق مما رزق الله # ( @QUR@04 وأنفقوا من ما رزقناكم ) للمحرومين الذين جعل الله رزقهم في ~~أيديكم ، وحملكم مسئولية الإنفاق عليهم من موقع الحق تارة ، ومن موقع ~~الإحسان أخرى ، وجعل لكم ثواب ذلك رضوانه ، ( @QUR@06 من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت ) فتفوته الفرصة الذهبية التي يستطيع أن يحصل بها على خير الدنيا ~~والآخرة ، فيلتفت إلى الزمن الضائع التفاتة حسرة وخوف ، وتتحرك تمنياته غير ~~الواقعية في وجدانه ( @QUR@012 فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق ~~وأكن من الصالحين ) لتكون تلك هي الفرصة الأخيرة التي تمنحني إياها ، ~~لأنطلق إليك منها من خلال روحية العطاء وصلاح العمل ، ليكون ذلك هو الوجه ~~الذي ألقاك فيه. # ( @QUR@07 ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) فتلك أمنيات الحمقى الذين ~~يعيشون مع الأجواء المستحيلة المستقبلية ، بعد أن يكونوا قد أضاعوا ms5129 الواقع ~~الذي كان مفتوحا أمامهم بكل سعته وامتداده ، فقد أراد الله للعمر الإنساني ~~المحتوم أن يقف عند حدود الأجل من دون أن يمنح أي إنسان فرصة لامتداده إلى ~~أبعد من ذلك ، ( @QUR@04 والله خبير بما تعملون ) في طبيعة الظروف الضاغطة ~~أو في الأجواء التي تفرض القيام بهذا العمل أو ذاك ، أو في الاختيارات ~~الذاتية التي تتحرك من خلال العقد النفسية أو الشهوات الغريزية أو المنافع ~~المادية ، فيعطي كل إنسان جزاء عمله تبعا لخلفيات العمل وظروفه ، وبذلك لا ~~بد للإنسان من دراسة حساباته بكل دقة ومسئولية. # * * * PageV22P245 ### | سورة التغابن ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثماني عشرة PageV22P247 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مدنية تتصل فيها النظرة الإنسانية بالجانب العقيدي في التصور ~~الشامل للإيمان بالله في سعة قدرته ، وشمول ملكه وحاجة الإنسان إليه في ~~وجوده وفي حركته ، وإحاطته بكل أموره السرية والعلنية ، ثم تطل السورة على ~~اليوم الآخر ، لتوجه الناس إلى الاهتمام بالمصير المحتوم الذي تحدده ~~أعمالهم في الدنيا ، من خير أو شر ، ولتؤكد الحقيقة الكونية الإلهية في أن ~~الأشياء كلها ، في ما يصيب الإنسان ، وفي ما تختزنه الحياة من مشاكل في ~~داخلها ، لن تحصل بعيدا عن التقدير الإلهي ، لأن الله هو المهيمن على الأمر ~~كله في ما قدره للحياة من نظام وتدبير ، فليتوكل المؤمنون عليه ، وليسألوه ~~الهداية من موقع إيمانهم العميق ، وليطيعوه من موقع حاجتهم إليه ، ومن ~~قاعدة المصلحة التي تكمن في طاعتهم له ولرسوله ، في ما تخطط لهم الرسالة في ~~مضمون أوامر الله ونواهيه ، لأن الله لم يأمر إلا بما فيه الصلاح لعباده ، ~~ولم ينه إلا عما فيه المفسدة لهم. # وإذا كانوا يلتزمون الخط الإلهي في مواقع العقيدة والعمل ، فلا بد لهم من ~~أن ينفصلوا عن كل شيء يبعدهم عنه ، مما يتصل بالعاطفة في ما يرتبط به ~~الإنسان في علاقته بزوجته وولده ، أو في ما يتصل بالرغبة في علاقته بماله ، ~~فقد يكون في الأزواج والأولاد أعداء له في الذات أو في الدين ، وقد يكون في PageV22P249 # الاستغراق في المال والبخل به بعض الخطر على مصيره في الدنيا ms5130 والآخرة. # ولذلك فلا بد من أن يبقى الإيمان بالله واليوم الآخر هو العنوان الذي يطل ~~على كل علاقات الناس وأوضاعهم ونظراتهم في جانب التصور والعمل ، بحيث يصدر ~~كل شيء من خلال ذلك ، ليعيشوا الوحدة في القاعدة التي ترتكز عليها تفاصيل ~~حياتهم الذهنية والعملية ، لأن الانطلاق فيها بعيدا عن القاعدة الواحدة ~~يوقعهم في الازدواجية التي تجعل مواقعهم منفصلة عن بعضها البعض ، مما يؤدي ~~إلى الضياع ، في متاهات الظلام. # وهكذا تكون السورة في تنوع موضوعاتها التفصيلية مرتكزة على الفكرة التي ~~تريد أن تؤكد الوحدة في الكيان الإنساني ، على أساس أن يكون الإسلام لله هو ~~الأساس الذي يرتكز عليه السلوك الإيماني في الفكر والعمل. # * * * ### ||| ** اسم السورة # وقد جاءت تسمية السورة باسم «التغابن» من خلال الآية الكريمة ( @QUR@07 ~~يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ) في ما تريد الإيحاء به من أن يوم ~~القيامة هو اليوم الذي يشعر فيه الناس بالغبن في ما حصلوا عليه من نتائج ~~أعمالهم ، سواء منهم المؤمنون والكافرون ، لأن المؤمن كان يستطيع الاستزادة ~~من الحسنات في ما أضاعه من الفرص الكثيرة التي تركها من دون عمل ، ولأن ~~الكافر كان يستطيع الحصول على الجنة من خلال الإيمان والعمل الصالح. # * * * PageV22P250 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@017 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير (1) @QUR@011 هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله ~~بما تعملون بصير (2) @QUR@09 خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ~~وإليه المصير (3) @QUR@014 يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الحمد ): قال الراغب : الحمد لله تعالى ، الثناء عليه ~~بالفضيلة ، وهو أخص من المدح وأعم من الشكر (1). # * * * PageV22P251 ### ||| ** تسبيح ما في السماوات والأرض لله # ( @QUR@08 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) في تعبير الكون كله في ~~وجوده وفي لغته الخاصة عن تعظيم الله في خضوع كل الموجودات لقدسه وجلاله ، ~~( @QUR@02 له الملك ) فلا يملك أحد شيئا إلا من خلاله ، لأنه المالك لكل ~~شيء من موقع خلقه له ms5131 ، ( @QUR@02 وله الحمد ) فهو الذي يمنح الأشياء كل ~~مفردات الحمد فلا حمد لأحد أو لشيء إلا من خلال الخصائص التي يعطيها له ، ~~فله الحمد كله ، ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) فلا يعجز عن أي شيء مهما ~~كان عظيما ، لأن الوجود كله منقاد إليه من موقع سيطرته عليه ، فلا حد ~~لقدرته في ما يريده منه. # وتلك هي الصورة الشاملة في التصور الإنساني لله ، بحيث لا يرى هناك أي ~~شيء حوله إلا ويرى الله مهيمنا عليه ، ولا يرى عظمة لشخص أو ملكا له إلا ~~ويرى الله هو الأساس في ذلك كله ، مما يوجب أن يصغر كل شيء في وعيه ، وأن ~~يتضاءل كل عظيم لديه أمام الله ليتحرك في حياته من خلال هذا الموقع المطلق ~~لله في وجدانه وفي حركته. # ( @QUR@03 هو الذي خلقكم ) وهذه هي الحقيقة الوجودية التي تحكم وعي ~~الوجود في حياتكم. فقد كنتم حالة ضائعة في العدم ، فأوجدكم الله بحكمته ~~وقدرته ، وأطلق لكم حرية الاختيار في الالتزام بالخط الذي تريدونه فلم يفرض ~~عليكم في تكوينكم الذاتي إيمانا ولا كفرا ، فانطلقتم في الحياة من موقع ~~الاختيار الجيد لبعضكم ، والاختيار السيئ لبعض آخر. # ( @QUR@02 فمنكم كافر ) أساء عملية الاختيار فأغلق عقله وقلبه عن وحي ~~الفطرة ، وأغمض عينيه عن مشاهد العظمة في خلق الله ، وابتعد عن التفكير في ~~ما توحي به الظواهر الكونية التي تدل على الله أبلغ تعبير وأعظم تحليل ، ~~فعاش اللامبالاة أمام كل علاقات الاستفهام التي تتحرك في وجدانه لتقود ~~تفكيره إلى خط الإيمان بالله ، فكفر به من حيث يستطيع الإيمان به. PageV22P252 # ( @QUR@02 ومنكم مؤمن ) اختار الإيمان بالله من خلال انفتاحه على عمق ~~الفطرة وسعة التفكير ووعي الكون كله ، في سر الإبداع فيه وفي صفاء التحليل ~~بطبيعته ، وروعة الاستنتاج من تفاصيله ، فعرف الله في خلقه ، فآمن به في كل ~~وجوده ، وخضع له في حركة حياته. ( @QUR@04 والله بما تعملون بصير ) فهو ~~المطلع على كل مواقع الإيمان والكفر في ما كنتم تتحركون به من أسبابهما ، ~~فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة. # * * * ### ||| ** خلق السماوات والأرض بالحق # ( @QUR@04 خلق السماوات ms5132 والأرض بالحق ) فلم يكن للباطل أي موقع في خلقهما ~~، بل كان كل شيء فيهما منطلقا من غاية وخاضعا لحكمة ، ومتحركا في خطة تربط ~~الوجود كله برباط واحد يجعل لكل ظاهرة موقعا يتصل ببعض المواقع الأخرى ، ~~لتكون كل واحدة مكملة للأخرى في تحقيق الهدف الكبير. # ولعل الإيحاء بالحق في خلق السماوات والأرض يشير إلى الحق في خلق الإنسان ~~وفي حركة وجوده ، فلا مجال فيه للعبث ولا للباطل ، مما يوحي بالمعاد الذي ~~هو المظهر الحي للغاية التي خلق الإنسان من أجلها ، ليواجه الإنسان في ~~الآخرة نتائج عمله في الدنيا ، لتكون لديه الجدية في مواجهة كل الأشياء ~~المحيطة به ، وكل الأوضاع المجتمعة عنده على أساس الحق ، في ما هي الحكمة ~~في العمل ، والغاية في مواقع الهدف. # ( @QUR@03 وصوركم فأحسن صوركم ) في ما تتمثل به الصورة العامة للإنسان من ~~تناسق الأعضاء ، وترتيبها وتجهيزها بالأجهزة المتنوعة المتكاملة ، في تحقيق ~~النتائج العملية التي تنسجم مع الحكمة التي خلق الإنسان من أجلها في طاعته لربه PageV22P253 # وعبادته له ، والقيام بمسؤوليته الكبرى في خلافته عن الله في إدارة شؤون ~~الحياة ، في نطاق قدراته الخاصة ، فلا عذر للإنسان في التخلي عن مسئوليته ~~العامة والخاصة ، من خلال قدراته العقلية والجسدية ، لأن الله قد أحسن ~~تجهيزها في نطاق الصورة العامة بأحسن تجهيز في أحسن صورة. # ( @QUR@02 وإليه المصير ) الذي يقف الناس جميعا في ساحته ليواجهوا نتائج ~~قيامهم بدورهم المسؤول ، أو نتائج ابتعادهم عنه ، مما يفرض عليهم التدقيق ~~في ما يأخذون به ، أو في ما يدعونه من أعمال وأوضاع. # وقد حاول صاحب الميزان أن يستوحي من هذه الآيات فكرة البعث فقال تعليقا ~~على هذه الآية : «وبهذه الآية تتم المقدمات المنتجة للزوم البعث ورجوع ~~الخلق إليه تعالى ، فإنه تعالى كان ملكا قادرا على الإطلاق ، له أن يحكم ~~بما شاء ويتصرف كيف أراد ، وهو منزه عن كل نقص وشين ، محمود في أفعاله ، ~~وكان الناس مختلفين بالكفر والإيمان ، وهو بصير بأعمالهم ، وكانت الخلقة ~~لغاية من غير لغو وجزاف ، كان من الواجب أن يبعثوا بعد نشأتهم الدنيا لنشأة ~~أخرى ms5133 دائمة خالدة ، فيعيشوا فيها عيشة باقية على ما يقتضيه اختلافهم بالكفر ~~والإيمان ، وهو الجزاء الذي يسعد به مؤمنهم ويشقى به كافرهم ، وإلى هذه ~~النتيجة يشير بقوله : ( @QUR@02 وإليه المصير ) (1). # ونلاحظ على ذلك ، أن دراسة هذه الآيات توحي إلينا بأن الغرض من تتابع ~~الصفات ، إيجاد الحالة الروحية العقيدية التي تطل على الله في الشعور في ~~صفاته ، وعلى حركة الإيمان به في خط العمل ، والإطلالة من خلال ذلك على ~~مسألة البعث ، كجزء من الهيكل الشامل للعقيدة لا كغاية من الحديث كله ، لأن ~~السورة لا تطرح الإيمان باليوم الآخر كمشكلة فكرية ، بل تطرحه على أساس ما ~~يمثله من مفردة من مفردات العقيدة. والله العالم. PageV22P254 # ( @QUR@05 يعلم ما في السماوات والأرض ) من موقع خلقه لكل الموجودات ~~الحية والجامدة ، الذي يفرض إحاطته الشاملة بكل خصائصها الوجودية ، في ما ~~هي البداية والنهاية وخط السير ، وتفاصيل الأوضاع ، وتلك هي الحقيقة ~~الإيمانية التي لا بد للمؤمن من أن يعيشها في وجدانه الإيماني ليشعر بالثقة ~~، لأن الذي يتولى تدبيره ورعاية وجوده من موقع الحكمة والرحمة ، يملك ~~الإحاطة بكل الأشياء الخفية أو الظاهرة بكل دقائقها ، فلا يغيب عنه شيء مما ~~يحتاج إليه الإنسان في ما ينفعه ، أو مما يخافه في ما يضره ، فيبادر إليه ~~من موقع قدرته ليجلبه له ، أو ليدفعه عنه. # ( @QUR@05 ويعلم ما تسرون وما تعلنون ) فالإنسان مكشوف لله تعالى بسره ~~وعلانيته. وهذه الحقيقة يجب أن تشكل هاجسا أساسيا ومحوريا للإنسان المؤمن ~~في حركة حياته الخاصة والعامة ، وفي إطار ما يتحمله من أعباء ومسئوليات ، ~~فالله تعالى لا يخفى عليه من نوايانا وأفعالنا شيء ، مهما كان الأمر خفيا ~~ولطيفا ودقيقا قال تعالى : ( @QUR@04 والله عليم بذات الصدور )، وهي ~~المنطقة التي يخفي الإنسان في داخلها أسراره الخاصة ، في ما يريد أن يقوم ~~به من عمل مستقبلي ، أو في ما تتحرك به دوافعه في كل مشاريعه الخيرة أو ~~الشريرة. # فلا بد إذن ، من أن يستحضر الإنسان هذه الحقيقة في وعيه الإيماني العملي ~~، ليشعر بالحضور الإلهي الشامل في عمق وجوده ، وليعيش في أجواء الرقابة ~~الإلهية عليه ms5134 ، فتصفو بذلك نيته ، ويصلح عمله ، وتستقيم خطاه في الطريق ~~المستقيم. # * * * PageV22P255 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم (5) @QUR@016 ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر ~~يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) @QUR@018 زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله ~~يسير (7) @QUR@010 فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8) @QUR@027 يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) @QUR@011 والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ) (10) # * * * ### ||| ** نبأ الذين خلوا من الكفار # وهذا حديث عن الذين تمردوا على الرسل ، فكذبوهم من خلال بعض PageV22P256 # المفاهيم الخاطئة التي كانت تحكم تفكيرهم ، فتدفعهم إلى الكفر بالله ~~واليوم الآخر ، ليعتبر الناس بهم ، فيبتعدوا عن الخضوع لأفكارهم ، ليأخذوا ~~بخط الاستقامة في خط الإيمان بالله ورسوله ، ليصلوا إلى الفوز العظيم. # ( @QUR@010 ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ) في ما ~~أنزل الله بهم من العذاب في الدنيا ، وهم قوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم ممن ~~أهلكهم الله بسوء عملهم. ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) في الآخرة عند ما ~~يواجهون الموقف الحق بين يدي الله في يوم القيامة. # ( @QUR@06 ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ) الواضحة التي لا مجال ~~للشك فيها من قريب أو من بعيد ، ولكنهم أثاروا حولها الكثير من الكلمات ~~العابثة اللامسؤولة ، من أجل إثارة الشك حولها بالابتعاد عن التفكير في ~~مضمونها الفكري ، والاتجاه إلى التركيز على شخصية النبي في ما يتصل بقضية ~~بشريته ( @QUR@03 فقالوا أبشر يهدوننا )، فلا يمكن للنبي أن يكون بشرا ولا ~~ينبغي لنا أن نخضع للبشر ، لأن مواقعنا لا تسمح بذلك ، لا سيما إذا كان هذا ~~البشر من الطبقة الدنيا في المجتمع. فلو كان النبي ملكا من الملائكة لكان ~~للمسألة شيء من الجدية والقبول. ( @QUR@02 فكفروا وتولوا ) عن الرسول ~~والرسالة ، على أساس هذا المنطق الذي لا ms5135 أساس له من المعقولية ، لأن قضية ~~الرسالة إذا كانت معقولة في ذاتها ، فما المانع من أن يكون الرسول بشرا ، ~~بل ربما كانت المسألة المطروحة أن يكون كذلك حتى يمكن له أن يمثل الخط ~~الواقعي في القدوة ، عند ما يريد من الناس الاقتداء به ، على أساس التساوي ~~في القدرات البشرية العامة ، في ما يمكن للإنسان أن يحتمله من تكاليف ~~وأوضاع. ولكن مشكلة هؤلاء أنهم لا يفكرون من موقع المسؤولية الفكرية ، بل ~~ينطلقون في مواقفهم من موقع الاستكبار الذاتي الذي يعيش أصحابه حالة ~~الانتفاخ الداخلي ، فيخيل إليهم أنهم يمثلون موقع الأهمية الكبرى في رفضهم ~~الخضوع لله ولرسوله. ولكن الله يرد عليهم هذا الوهم الكبير ليعرفهم بأنهم ~~لا يمثلون PageV22P257 # شيئا في ميزان القيم ، فإن الله لا يحتاج إلى إيمانهم ، بل إنهم يحتاجون ~~إلى الإيمان للوصول إلى النتائج الصالحة في حياتهم الخاصة من خلال ما يحققه ~~الإيمان لهم من طمأنينة الروح ، وصفاء النفس ، ووحدة الشخصية ، ووضوح الهدف ~~، وقوة الموقف من خلال الارتباط بقوة الله. ولهذا ، فإن مسألة الكفر لا تضر ~~الله شيئا ( @QUR@02 واستغنى الله ) عن إيمانهم وعن وجودهم ، ولهذا فلن ~~يضره أن يعذبهم ويهلكهم ويلقيهم في نار جهنم ، ( @QUR@03 والله غني حميد ) ~~فلا حاجة به لأحد من خلقه ، وهو المحمود في فعله مهما فعل بهم. # ( @QUR@06 زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ) فقد اعتبروا الحياة الدنيا ~~نهاية المطاف ، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر ، وما نحن بمبعوثين ، لأنهم لم يسمحوا لأنفسهم أن يدرسوا المعنى ~~العبثي في وجودهم إذا لم تكن هناك عناية حكيمة ينتهي إليها أمر الوجود. # ( @QUR@04 قل بلى وربي لتبعثن ) فهذه هي الحقيقة التي أوحى بها الله إلي ~~في ما يعلمه من حدود خلقه في مسألة البداية والنهاية ، مما لا بد من أن ~~يؤمنوا بها انطلاقا من أن العقل لا يرفض ذلك ، ومن أن الوحي يؤكد ذلك. وإذا ~~كانوا قد قالوها نفيا بطريق الجزم الذي لا أساس له لأنهم لا يملكون عليه ~~دليلا ، لأن أقصى ما عندهم أن يثيروا ms5136 الشك فيه إذا لم يكن لهم دليل قاطع ~~على الإثبات ، فإن عليك يا محمد أن تؤكد المسألة إيجابا بطريق القطع ، لأنك ~~تملك من الأدلة القاطعة ما يمنحك الجزم بذلك في نفسك ومع كل الذين يحتاجون ~~إلى المعرفة من الناس. ولا تقتصر على تقرير الموضوع في طبيعته الذاتية ، بل ~~ركز المسألة في نطاق الإيحاء بالمسؤولية المستقبلية في وجودهم الأخروي ، في ~~ما قدموه من عمل الشر. ( @QUR@04 ثم لتنبؤن بما عملتم ) في ما أحصاه الله ~~من صغير الأعمال وكبيرها ، لتواجهوا المسؤولية بشكل دقيق. ( @QUR@04 وذلك ~~على الله يسير )، لأن الذي خلق الخلق كله ، لا يعجزه إحصاء أعمالهم بعلمه ~~الذي لا يغيب عنه شيء من شؤون خلقه. PageV22P258 # ( @QUR@06 فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ) لأن طبيعة المعطيات ~~التي بين أيديكم من البينات الواضحة تفرض عليكم هذا الإيمان ، وتؤكد لكم ~~طبيعة هذا الإشراق الداخلي للحقيقة الإيمانية في العقيدة والشريعة ومنهج ~~الحياة ، في هذا القرآن الذي أنزلناه ليكون النور الروحي الذي يشرق في ~~عقولكم ، ويمتد في قلوبكم ، ويتحرك في وجدانكم الشعوري ، فإنكم إذا ~~تأملتموه وتدبرتم آياته ، ووعيتم مفاهيمه ، عرفتم أنه كلام الله الذي ( ~~@QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [فصلت : 42]. ولكن ~~مشكلتكم أنكم تغلقون على أنفسكم نوافذ المعرفة الحقة ، بالابتعاد عن ~~الانفتاح على الحقيقة من موقع التأمل ، ولن تنفعكم كل هذه الاستعراضات ~~الاستكبارية وكل التبريرات الاعتذارية ، لأن الله مطلع على ذلك كله ، ( ~~@QUR@04 والله بما تعملون خبير ) بكل ما توحي به الخبرة من معنى المسؤولية ~~في الجزاء على كل الأعمال الشريرة في تاريخكم العملي. # * * * ### ||| ** ذلك يوم التغابن # ( @QUR@04 يوم يجمعكم ليوم الجمع ) الذي يجمع فيه الناس ليوم الفصل ، ( ~~@QUR@03 ذلك يوم التغابن ) الذي يفكر فيه كل فرد بأن الفرصة التي منحها ~~الله له في الدنيا ، في ما أعطاه من عمر وهيأه له من إمكانات ، كانت تحمل ~~في داخلها الكثير مما كان يمكنه الحصول على نتائجه في الآخرة ، بالمستوى ~~الذي يعتبر فيه نفسه مغبونا ، إذا قارنها بالنتائج الحاضرة التي حصل عليها ~~الآن ، سواء أكانت نتائج إيجابية لأنه كان قادرا ms5137 على أن يحصل على الأفضل ~~منها ، أم كانت نتائج سلبية لأنه كان متمكنا من الحصول على النتائج ~~الإيجابية بدرجاتها المتفاوتة ، فتكون المسألة أن الجميع لم يقدروا الفرصة ~~التي فاتت حق قدرها ، تماما كمن باع سلعته بأقل من ثمنها ، حيث يعتبر ~~مغبونا. وفسره البعض بأن اعتبر التغابن بين PageV22P259 # أهل الضلال : متبوعيهم وتابعيهم ، فالمتبوعون وهم المستكبرون يغبنون ~~تابعيهم وهم الضعفاء ، حيث يأمرونهم بأخذ الدنيا وترك الآخرة ، فيضلون ، ~~والتابعون يغبنون المتبوعين حيث يعينونهم في استكبارهم باتباعهم فيضلون ، ~~فكل من الفريقين غابن لغيره ومغبون من غيره. # ولعل الأساس في هذا الوجه هو ملاحظة صيغة التفاعل في كلمة التغابن ، ولكن ~~الظاهر أنها لم ترد بهذا المعنى ، لأن الظاهر أن المخاطب به كل فرد ممن ~~يجمعهم الله ، حيث يواجه الناس مواقعهم في يوم القيامة ، فيحس كل إنسان ~~بأنه مغبون في ما حصل عليه ، لأن من الممكن أن يكون حظه أكبر. وقد نستطيع ~~تطبيق الصيغة على التفاعل ، وذلك بنحو التجريد ، بأن يجرد الإنسان من نفسه ~~شخصا غابنا في ما توحي به نوازعه من أعمال ، وشخصا مغبونا في ما يخضع له من ~~مؤثرات ويتحرك فيه من خطوات. وهذا مما يكثر الاستعمال فيه ، في مواجهة ~~الإنسان لنفسه ، وجهاده لها ، مع أنه لا مجال للتفكيك بين الإنسان ونفسه ، ~~إلا بنحو التجريد الذي يجعل في داخله نفسا أمارة بالسوء ، ونفسا ناهية عنه ~~، والله العالم. # ( @QUR@08 ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ) على أساس ~~القاعدة الشرعية القرآنية : ( @QUR@04 إن الحسنات يذهبن السيئات ) [هود : ~~114] ، فيرفع الله عن الإنسان سيئاته ببركة حسناته ، ( @QUR@09 ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) وهو الجزاء الكبير على استقامته ~~في خط الإيمان والعمل الصالح. ( @QUR@03 ذلك الفوز العظيم ) الذي يمثل ~~العنوان الكبير للنتيجة الطيبة التي يحصل عليها المؤمنون الصالحون ، في ~~مواجهة الخسارة التي تحصل للكافرين ، ( @QUR@011 والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ) لأنهم تنكروا للحق ، ~~وابتعدوا عن الله بعد أن قامت عليهم الحجة من كل جانب. # * * * PageV22P260 ### ||| * الآية # ( @QUR@016 ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ms5138 ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شيء عليم ) (11) # * * * # ( @QUR@07 ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ) # وهذه هي الحقيقة الإيمانية التكوينية التي تجسد النظام العام للتدبير ~~الإلهي لحركة الكون والحياة والإنسان ، والتي تقرر بأن الحوادث المتنوعة في ~~حياة الإنسان خاضعة للقوانين الإلهية التي تحرك الوقائع ، في ما يمثل السنن ~~الكونية والاجتماعية ، فلا مجال لأية حادثة إلا من خلال التقدير الإلهي لها ~~، سواء كان ذلك بسبب مباشر أو غير مباشر. # ( @QUR@04 ما أصاب من مصيبة ) مما يحدث للإنسان في جسده ، أو في عقله ، ~~أو في ما يتعلق به من شؤون حياته في علاقته بالآخرين ، وبالأمور التي تختص PageV22P261 # به من شؤون البلاء العامة أو الخاصة ، ( @QUR@03 إلا بإذن الله ) في ما ~~تمثله الأسباب الواقعية في نطاق سنن الله ، وذلك في طبيعة الوجود التكويني ~~، مما يوحي بأن الكون كله خاضع للسيطرة الإلهية في الإدارة والتدبير. وليس ~~معنى ذلك أن هذه المصائب التي تحدث للإنسان موضع رضا الله ، من الناحية ~~التشريعية ، لأن المسألة ليست مسألة الفعل المباشر من الله ، بل هي مسألة ~~السبب الذي جعل الله إدارته بيد العباد ، وجعل العلاقة بينه وبين النتائج ~~علاقة قانونية متصلة بالسنن العامة ، ولذلك نهى الله الإنسان عن إيجاد بعض ~~الأسباب ، ودعا البعض ، الذين تمثل الأسباب بالنسبة إليهم لونا من الظلم ~~والعدوان على النفس والمال والعرض ، إلى مواجهتها والثورة عليها بأسبابهم ~~الخاصة ، بالمستوى الذي يعمل على منعها والتمرد عليها. # ( @QUR@05 ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) لأن الإيمان بالله يفتح القلب على ~~آفاق الله في عظمته ورحمته وألطافه المتعلقة بعباده ، مما يؤدي إلى أن ~~يتحرك القلب في طريق الهداية بشكل طبيعي ، لأن الأسس التي ترتكز عليها ~~الهداية كامنة في داخل العناصر الإيمانية. وبذلك ، تكون الهداية من الله ~~ناشئة من أسبابها الطبيعية ، بالإضافة إلى بعض الألطاف الإلهية التي تزيد ~~الهداية نموا أو إشراقا وعمقا في العقل والوجدان ، ( @QUR@04 والله بكل شيء ~~عليم ) في ما يحيط به من علاقات الأشياء ببعضها البعض ، وارتباط المسببات ~~بأسبابها ، وحركة الإنسان في داخل عقله وروحه. # * * * PageV22P262 ### ||| * الآيتان # ( @QUR@011 وأطيعوا الله وأطيعوا ms5139 الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (12) @QUR@09 الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (13) # * * * ### ||| ** إطاعة الله والرسول # وهذا هو الخطاب الذي يوجهه الله إلى المؤمنين أو إلى الناس كافة من موقع ~~الشرط الأساس للإيمان ، فلا إيمان بدونه في ما يتمثل فيه التوحيد بالخط ~~العملي والانفتاح القلبي على التسليم المطلق من خلال الثقة المطلقة بالله. # ( @QUR@02 وأطيعوا الله ) في ما شرعه من شرائع الدين في كتابه ، ( ~~@QUR@02 وأطيعوا الرسول ) في ما يأمركم به أو ينهاكم عنه من الأوامر ~~والنواهي التي أوكل الله أمرها إليه في شؤون التشريع وفي أمور الولاية. ~~فذلك هو المظهر الحقيقي للإيمان الذي لا يتمثل حالة في العقل فقط ، بل ~~يتحول إلى حالة في الممارسة PageV22P263 # ( @QUR@02 فإن توليتم ) وأعرضتم عن ذلك ، وانحرفتم عن الخط المستقيم ، ~~وانطلقتم لتخططوا لأنفسكم خطا ذاتيا في خط السير ، أو لتتبعوا شرائع ~~الآخرين وأفكارهم في حركة الانتماء والتشريع والممارسة ، فلن يكرهكم الرسول ~~على القبول بالانسجام معه في خط الطاعة ، في ما هو أسلوب الدعوة القائم على ~~مخاطبة الإنسان على أساس الإرادة الحرة في اختيار الموقف ، ليتحمل مسئوليته ~~في الجانب السلبي أو الإيجابى ، تبعا للموقف الذي يتبناه ، حيث تكون مهمة ~~الرسول ، أو الداعية الذي ينطق باسم الرسول القيام بتقديم كل الوسائل التي ~~تدفع إلى تكوين القناعة لمصلحة الدعوة ، وتوفير كل الأجواء الملائمة لذلك ، ~~بالكلمة والأسلوب ، ( @QUR@05 فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) من دون ضغط ~~أو إكراه. # وهكذا تؤكد هذه الفقرة من الآية من أن هناك طاعة للرسول ، بالإضافة إلى ~~طاعة الله. ولكن ذلك لا يعني أن هناك استقلالا مولويا في ما يمثله الرسول ~~في أوامره ونواهيه ، بل يعني أن الله أوكل للرسول أمورا معينة في تفاصيل ~~التشريع وفي شؤون الولاية ، مما يجعل هناك نسبة خاصة في الموضوع إلى الرسول ~~الذي لا ينطلق في ذلك إلا من خلال الخطوط الواضحة التي وضعها الله ، وأراده ~~أن يسير عليها ، ويتحرك من خلالها ، بحيث تكون طاعته امتدادا لطاعة الله ، ~~وهذا ما جاء في الآية الكريمة ( @QUR@08 وما أرسلنا من رسول إلا ms5140 ليطاع بإذن ~~الله ) [النساء : 64] وقوله تعالى : ( @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~) [النساء : 80]. # ( @QUR@05 الله لا إله إلا هو ) فهذه هي الحقيقة التوحيدية التي لا بد من ~~أن تلتزموها في خط التصور العقيدي ، وفي حركة الطاعة العملية ، لتكون ~~الطاعة لله في الخط المباشر لمعنى التوحيد ، وتكون الطاعة للرسول من خلال ~~صفته الرسالية المتصلة بالله تأكيدا لذلك. ( @QUR@04 وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون ) PageV22P264 # ليتوجهوا إليه في كل المواقع القلقة التي تثير القلق في نفوسهم عند ما ~~يواجهون المجهول في ما حولهم ، مما يخافون من تهاويله التي لا يستطيعون ~~الوصول إلى طبيعتها ، أو يتطلعون إلى المستقبل الذي لا يعرفون ماذا يحمل ~~لهم من متاعب ومشاكل ، لأنهم لا يعرفون أعماق الغيب ، بعد أن قاموا بكل ~~الشروط الموضوعة في تصرفهم ، في ما يتعلق بتهيئة الأسباب الطبيعية للوصول ~~إلى النتائج. وهنا يأتي التوكل على الله ، بتسليم الأمر إليه من خلال الثقة ~~بقدرته على كل مواقع الخوف ، واطلاعه على مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا ~~هو ، ليشعر الإنسان بالثقة والاطمئنان إلى كل المناطق الخفية في حياته ، ~~الغارقة في عالم الغيب الخاضع لله. # * * * PageV22P265 ### ||| * الآية # ( @QUR@019 يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) (14) ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تعفوا ): عفا : قال الراغب : عفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا ~~عنه (1). # ( @QUR@01 وتصفحوا ): الصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو ، ولذلك قال ~~الله تعالى : ( @QUR@06 فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) (2) [البقرة ~~: 109] ( @QUR@01 وتغفروا ): الغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد ~~من أن يمسه العذاب. # * * * PageV22P266 ### ||| ** الحذر من الخلفيات العدوانية لبعض الأزواج والأولاد # إن للعاطفة دورها الكبير في حياة الإنسان الشعورية ، بحيث تقوده إلى ~~الاستغراق العاطفي في الناس الذين يتصلون به بصلة القربى النسبية ، أو ~~العلاقة الزوجية المنطلقة في الجانب الغريزي ، والعنصر العاطفي الحميم في ~~ذاته ، فيغفل عن الخلفيات العدوانية التي قد تكون كامنة في داخل هؤلاء لا ~~سيما الأزواج والأولاد. وهذا هو ما تريد الآية أن تثيره في وعي الإنسان ~~المؤمن كوسيلة من وسائل الحذر الواقعي في ms5141 مواجهته لهذه المسائل. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) الذين يريد الله لهم أن يكونوا الواعين ~~الحذرين المنفتحين على حقائق الواقع في العمق لا في السطح ، في ما يتصل ~~بالعلاقات الخاصة التي تحيط بالجانب العاطفي في حياتهم. # ( @QUR@07 إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) كما يحذر الإنسان ~~من عدوه في تعامله معه ، ولا تستسلموا لهم استسلاما عاطفيا لتوافقوا على ما ~~يطلبونه منكم في شؤون الدين والدنيا ، فقد يختفي في داخل كل واحد منهم ما ~~عدو خفي يريد أن يورطكم في غير مصلحتكم ويدفعكم إلى البعد عن الله ، في ما ~~هي المسؤولية الشرعية في الدعوة إلى دينه ، وفي الالتزام به ، وفي الجهاد ~~في سبيله ، فيزين لكم القعود والانحراف ، والدعوة إلى سبيل الشيطان للحصول ~~على متاع الدنيا من أهلها الذين يملكون الجاه والمال والسلطان ، فتدخلون ~~جهنم بسبب ذلك من خلال ما تحصلون عليه من غضب الله وسخطه. وربما كانت ~~دعوتهم إلى بعض الأوضاع والخطط المتصلة بمصالحهم الذاتية في شؤون الأوضاع ~~الاقتصادية أو السياسية أو نحوها مما لا مصلحة لكم فيه ، أو مما تقعون فيه ~~في مضرة كبيرة ، كما يحدث في الاقتراحات التي تدعو إلى إنفاق المال في غير ~~محله ، أو في الموارد المحرمة PageV22P267 # منه ، أو البخل به عمن يستحقونه ، أو في موارده الواجبة ، أو في غير ذلك ~~، وكمعاداة من تحسن موالاته ، أو موالاة من يريد الله معاداته ، وكالدخول ~~في بعض المحاور السياسية الضالة أو الكافرة مما لا يجوز للمؤمن الدخول فيه ~~، وكتأييد بعض المواقف التي يجب رفضها أو رفض المواقف التي يجب تأييدها ، ~~ونحو ذلك من الأمور التي قد يطلب الأزواج والأولاد القيام بها لقصر نظر ~~ذاتي ، أو لشهوة حسية ، أو لطمع مادي ، أو نحو ذلك. # وهكذا في الأمور العاطفية وغيرها ، فكونوا على حذر من ذلك كله ، حيث ~~تناقشون كل القضايا المطروحة عليكم أو الطلبات المقدمة منهم لتدرسوا فيها ~~جانب المصلحة أو جانب المفسدة ، ليكون قبولكم عن تأمل ودراسة عميقة ، ~~وليكون رفضكم عن وعي وتدبر. # وإذا كانت الآية تتحدث عن الأولاد والأزواج ، فإنها لا ms5142 تتحدث عن خصوصيتهم ~~، بل تتحدث عن المنوذج الذي يرتبط بالإنسان المؤمن ارتباطا عاطفيا ، في ما ~~يمكن أن يقوده إليه من الضلال من هذا الموقع العاطفي. # ( @QUR@08 وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) وقد جاءت هذه ~~الكلمات لتثير في نفس الإنسان هذه المعاني التي تلتقي بالابتعاد عن كل ~~النوازع النفسية السلبية أو كل الأعمال القاسية ضدهم في حال اكتشاف عدواتهم ~~، لأن طبيعة الصلة القريبة قد تجعل من هذه المواقف الداخلية أو الخارجية ~~مشكلة صعبة ، تربك حياة الإنسان وتعقد علاقاته ، وترهق عاطفته ، الأمر الذي ~~أراد الله من خلاله أن يخفف عن الإنسان تأثيرات الموقف عليه في التزامه ~~بموقف العداوة العملي الذي توحي به الآية ، في ما يمكن أن يستوحيه الإنسان ~~من مسئولية الموقف ، فكان هذا التوجيه التسامحي لونا من ألوان التأكيد بأن ~~اعتبار هؤلاء أعداء لا يعني ضرورة مواجهته بالشدة وبالأخذ بالذنب ، كما ~~يواجه الإنسان عدوه ، بل كل ما يعنيه هو الوقوف موقف الحذر PageV22P268 # الذي يتخذه الإنسان من عدوه ، في عدم الاستسلام له ، وعدم الاسترخاء أمامه. # وإذا غفر الإنسان لقريبه ، فإن الله قد يغفر له إذا أصلح أمره ، ولم يمتد ~~به الانحراف بعيدا. # وربما كان الإيحاء بالمغفرة والرحمة الإلهية لمن عفا وغفر للمذنبين معه ، ~~بمعنى أن الله يجزي الذين يمارسون العفو عمن أساء إليهم بعفوه عنهم. # وربما كان ذلك على أساس تخفيف وقع استحباب المغفرة والصفح والعفو عن ~~هؤلاء الذين ظهرت عداوتهم في أكثر من موقع ، وذلك بالإيحاء بأن هذه هي صفات ~~الله ، والتي تمثل القيمة العليا في أخلاق الإنسان العملية. # وقد جاء في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر محمد ابن علي ~~الباقر عليه السلام في قوله تعالى : ( @QUR@07 إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم ) وذلك أن الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به ابنه وامرأته وقالوا ~~: ننشدك الله أن لا تذهب عنا فنضيع بعدك ، فمنهم من يطيع أهله فيقيم ، ~~فحذرهم الله أبناءهم ونساءهم ونهاهم عن طاعتهم ، ومنهم من يمضي ويذرهم ~~ويقول : أما والله لئن لم تهاجروا معي ms5143 ثم جمع الله بيني وبينكم في دار ~~الهجرة لا أنفعكم بشيء أبدا. # فلما جمع الله بينه وبينهم ، أمر الله أن يتوقى بحسن وصله لهم فقال : ( ~~@QUR@08 وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) (1). # * * * PageV22P269 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) @QUR@016 ~~فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (16) @QUR@012 إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه ~~لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) @QUR@05 عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الحكيم ) (18) # * * * # ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) # ( @QUR@04 إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) يمتحن الله بها عباده ، ليختبر ~~كيف يتصرفون في أموالهم وأولادهم في مواقع طاعته ، وكيف يواجهون الحالة ~~النفسية المنجذبة إلى المال ، في ما يمثله من الامتيازات التي يحقق بها ~~الإنسان مطامحه ومطامعه ، والذي يروي به شهواته وملذاته ، ويكسب به الجاه ~~العظيم والمنزلة الرفيعة لدى الناس الذين يعيشون المال كقيمة مادية كبيرة ~~في الحياة ، مما يجعل الإنسان يحافظ عليه ، فلا ينفقه في ما أمر الله به من ~~موارد الإنفاق ، PageV22P270 # أو يأخذه من غير حله ، فلا يهمه أن يكون مصدره حراما أو حلالا ، الأمر ~~الذي يمثل لديه الموقف الصعب في الالتزام بالخط الشرعي في موارده ومصادره. ~~وهكذا يختبر الله الإنسان في أولاده الذين هم زينة الحياة الدنيا ، في ~~الفرح العاطفي الذي يمتلئ به قلبه وتهتز به مشاعره عند ما ينطلق إليهم في ~~استغراقه الروحي العاطفي ، وفي الشعور العميق بأنهم يمثلون امتدادا لحياته ~~عند ما تنقطع به الحياة ، فيخيل إليه أنه موجود بوجودهم ، فيدفعه ذلك إليه ~~أن يعصي الله في رضاهم ، وأن يقوم ببعض الأعمال التي تحقق لهم بعض المنافع ~~والمطامع على حساب تكليفه الشرعي. وربما يسيء تربيتهم خوفا من مشاعرهم ~~الرافضة للخط المستقيم ، فيخون أمانة الله في ذلك ، في ما أراده الله منه ، ~~في توجيههم نحو الخلق السليم والدين القويم والطريقة المستقيمة في الحياة. ~~وليس ذلك إلا من خلال انجذابه الروحي إليهم ، واندفاعه العاطفي نحوهم ، حتى ~~ليبذل حياته في سبيل حياتهم ، فيغفل عن واجباته ، وينسى موقفه من ربه ومقام ~~ربه ms5144 منه. # ومن هنا ، كان التأكيد على عنصر الفتنة في الأموال والأولاد ، ليتعامل ~~الإنسان في ذلك كما يتعامل مع كل فتنة تفتنه عن الله وعن مسئولياته في ~~الحياة ، ليؤكد وعيه المنفتح على الله ، وعقله المنطلق مع العمق العميق من ~~مصلحته الحقيقة في حسابات الدنيا والآخرة ، وليوازن بين المصلحة الفانية ~~التي قد تخفي في داخلها الكثير من الآلام والمفاسد في ما يأخذ به من شهوات ~~الدنيا التي يحبها ويرغبها ، وبين المصلحة الباقية في ما يقبل عليه من ~~رضوان الله ورحمته في الآخرة ، إذا أخذ بأسباب الرضوان والرحمة في عمله ، ~~فتعامل مع ماله وولده بما يرضي الله ، وابتعد عما يسخطه ، متحملا في ذلك ~~بعض التضحيات الذاتية ، وبعض الآلام العاطفية ، لتتحول أمواله في الدنيا ~~إلى حسنات في الآخرة ، فيبقى له منها ما يكون ذخرا له عند الله ، وليكون ~~أولاده من أولياء الله الذين يبقى له أجرهم في الآخرة ليعيشوا معه في جنة ~~الله ، لأن الله PageV22P271 # يجمع الصالحين مع ذرياتهم يوم القيامة في دار النعيم. وهكذا يتحرك ~~الإنسان المؤمن في كل ما يملكه من حطام الدنيا ، وفي ما يأخذ به من زينتها ~~، لينظر إليه في مواقع المسؤولية التي تقربه من الطاعة ، وتبعده عن المعصية ~~، وليطلب به الأجر العظيم عند الله ، ( @QUR@04 والله عنده أجر عظيم ) في ~~ما وعد به عباده من الثواب على طاعته. # * * * # ( @QUR@04 فاتقوا الله ما استطعتم ) # ( @QUR@04 فاتقوا الله ما استطعتم ) لأن تقوى الله هي الغاية التي ينبغي ~~للإنسان أن يبلغها في حركة المسؤولية في حياته ، بحيث يشعر بالحضور الإلهي ~~من جميع جوانبه ، في مواقع المراقبة والمحاسبة والمجاهدة ، فتستقيم بذلك ~~خطواته في الطريق المستقيم. # وإذا كان الله قد أمر بالتقوى بقدر الاستطاعة ، فليس المقصود تحديد ~~التقوى بهذا الحد ، بحيث لا تحسن التقوى في ما وراء الاستطاعة ، بل الظاهر ~~أن المقصود بها هو بذل كل الجهد في ما تقوم به الطاقة الإنسانية في هذا ~~السبيل ، في إيحاء خفي بأن عليه تنمية طاقته فيها كلما استطاع الاستزادة ~~منها ، لأن التقوى تمثل القيمة العليا في ميزان القيمة عند ms5145 الله. وبهذا لا ~~يكون هناك أي تناف بين هذه الآية وبين قوله تعالى : ( @QUR@04 اتقوا الله ~~حق تقاته ) [آل عمران : 102] التي قد يستوحي منها البعض لزوم أن تكون ~~التقوى بالقدر الذي يستحقه الله في موقع ألوهيته وربوبيته ، مما يتجاوز حد ~~الطاقة الإنسانية الطبيعية ، لأن الظاهر منها هو التأكيد على نوعية التقوى ~~التي تمثل جانب العمق في الالتزام ، بحيث لا يكتفي الإنسان بالجانب السطحي ~~الذي يرتبط بالصورة والشكل ، بل ينفذ إلى المضمون الروحي المنفتح على الله ~~في مواقع عظمته في داخله ، PageV22P272 # بحيث يخشع قلبه أمام ذكره كما تخشع جوارحه. بينما تمثل هذه الآية استيعاب ~~كل موارد الطاقة ، مما يجعل النظر فيها إلى الكم ، بينما تؤكد تلك الآية ~~على النوع ، والله العالم. # ( @QUR@03 واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا ) فالسمع يفيد هنا الاستجابة الروحية ~~والقلبية لأوامر الله ونواهيه ، أي على الصعيد الداخلي ، والطاعة تشكل ~~التعبير الحي للانقياد العملي ، في حين أن الإنفاق هنا يمثل بذل المال في ~~سبيل الله. # وهذا هو المظهر الحي للتقوى. ( @QUR@02 خيرا لأنفسكم ) قال في الكشاف : ~~«نصب بمحذوف تقديره : ائتوا خيرا لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها وأنفع» (1) ~~، ويحتمل أن يكون «أنفقوا» متضمنا معنى قدموا أو ما يقرب منه بقرينة ~~المقام. # وقد جاء هذا التأكيد للإيحاء بأن الجهد الذي تبذلونه في الالتزام القلبي ~~والعملي ، والتضحية التي تقدمونها في بذل المال في سبيل الله ، لا يمثل ~~شيئا من الخسارة في ما يمكن أن توحي به إليكم وساوسكم الشيطانية ، لأن ~~الثواب الذي تحصلون عليه من الله ، والسمو الروحي الذي ترتفعون إليه في ذلك ~~، يمثل الربح كل الربح ، والفوز العظيم. # * * * ### ||| ** البخل مانع من الخير # ( @QUR@07 ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) الشح : البخل ، وهو ~~الصفة الذميمة التي إذا عاشت في وجدان الإنسان منعته عن كل خير ، في ما ~~يريد الله PageV22P273 # منه القيام به من بذل جهده في الطاعة ، وبذل ماله في الخير ، الأمر الذي ~~يجعل التحرر منها بالسيطرة على نوازع الأنانية الذاتية التي تدفع إليها ، ~~من أفضل أسباب السعي نحو الفلاح ، وذلك من خلال انفتاح الشخصية الإنسانية ms5146 ~~على مواطن الخير ، ومواقع التضحية بالمال والنفس في مواقع طاعة الله تعالى. # * * * # ( @QUR@03 الله شكور حليم ) # ( @QUR@05 إن تقرضوا الله قرضا حسنا ) في ما تقدمونه من المال للمحتاجين ~~إليه من الفقراء والمساكين واليتامى والغارمين ونحوهم ، ( @QUR@02 يضاعفه ~~لكم ) في ما يرزقكم في الدنيا من خزائن رزقه التي لا تنفد ، حتى لا تشعروا ~~بالخوف من الفقر إذا أنفقتم ، فإن الله الذي رزقكم هذا المال يعدكم بأنه ~~سيضاعفه لكم عند ما تنفقونه في موارد رضاه ، والله لا يخلف وعده ( @QUR@02 ~~ويغفر لكم ) سيئاتكم فتحصلوا على الخير في الآخرة من خلاله ، ( @QUR@03 ~~والله شكور حليم ) يشكر لعباده أعمالهم التي يرفعونها تقربا إليه ، ويحلم ~~عنهم إذا أساؤوا ورجعوا إليه يستغفرونه ويطلبون منه الرحمة. # ( @QUR@05 عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ) الذي يطل بعلمه على آفاق ~~الغيب وآفاق الحس ، فيوحي لعباده بالرقابة الشاملة الدائمة ، ويهيمن بعزته ~~على كل مواقع العزة في الكون ، ( @QUR@04 فإن العزة لله جميعا ) [النساء : ~~139] ، كما يدير بحكمته الحياة كلها في خط التوازن الذي لا يختل عن ميزان ~~الحق والثبات مقدار شعرة. # وهذه من الأسماء الحسنى التي يريد الله تعالى من عباده أن يذكروه بها ، PageV22P274 # ليستقيم لهم التصور الصحيح لمقامه ، ولتستقيم خطواتهم في طريق طاعته ~~ورضوانه. # * * * PageV22P275 ### | سورة الطلاق ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها اثنا عشرة PageV22P277 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مدنية يتلخص موضوعها الأساس في الحديث عن بعض تفصيلات مسائل ~~الطلاق ، مع إطلاق ، روحية على الخطوط الإسلامية العامة ، في الالتزام ~~بحدود الله التي يمثل الابتعاد عنها ظلما للنفس ، وفي إقامة الشهادة لله ~~كأمانة إلهية يتحملها الشاهد ، من خلال ما يمثله ذلك من محافظة على الحقيقة ~~التي لا بد للناس جميعا من أن يتعاونوا على جلائها ، وفي حركة التقوى التي ~~يفتح الله بها للإنسان كل مغالق الحياة في زواياها الضيقة المسدودة ، ~~بطريقة غير عادية ، وفي الثقة المطلقة بالله في كل ما يريده ، وفي الانفتاح ~~على الحقيقة الكونية الخاضعة لتدبير الله ، وفي هندسة الواقع الحياتي ~~للإنسان ، في تقدير منظم يضع لكل شيء مقدارا معينا لا يتجاوزه في حدوده ~~المرسومة ، وفي الجولة التاريخية في مواقع الأمم ms5147 السالفة التي عتت عن أمر ~~ربها ، وفي النتائج السلبية التي واجهتها في الدنيا ، وتواجهها غدا في ~~الآخرة ، مما يفرض على العاملين الذين لا يبتعدون عن منطق العقل في ما هو ~~الحسن والقبح والخير والشر والضرر ، والنفع ، أن ينطلقوا للإيمان بالله ~~ورسوله والكتاب الذي أنزله على رسوله ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ~~ليعيشوا في النور الروحي المعنوي الذي يشرق في عقولهم وفي قلوبهم ، وفي PageV22P279 # حركة الواقع من حولهم ، من خلال الوعي لعظمة الله الذي خلق سبع سماوات ~~وسبع أرضين ، وللحقيقة الروحية التي تخاطب كل أسرار الغيب في الحياة وفي ~~الإنسان ، بأن الله قد أحاط بكل شيء علما. # وقد نستوحي من هذا الجو الذي يتحرك فيه التشريع المتعلق ببعض الأحوال ~~الشخصية للإنسان ، أن الأسلوب القرآني لا يريد للتربية الشرعية أن تنطلق ~~على أساس الحديث عن المفردات الشرعية بطريقة جافة مجردة ، على طريقة العرض ~~القانوني للمواد القانونية ، بعيدا عن الجانب الوعظي الروحي ، لأن الإسلام ~~لا يريد عرض القانون الشرعي للحصول على المعرفة المجردة ، أو للالتزام ~~العملي الجامد ، بل يريد تحريك الشريعة في أجواء الإيمان بحيث يحس الإنسان ~~في تصوره لها والتزامه بها بالحيوية الروحية التي تفتح قلبه على الله ، ~~وروحه على الاستغراق في مسئوليته أمامه ، وعقله على ضرورة التكامل مع كل ~~الواقع الكوني في بلوغ المدى الذي يريد الله للحياة أن تبلغه في كل ~~مفرداتها الوجودية ، مما يجعل من حركته فيه عنصر تكامل وانفتاح وانضباط ~~واستقامة على الخط المستقيم. # وعلى ضوء ذلك ، فلا بد للعاملين في حقل التربية الإسلامية ، وفي أجواء ~~الوعظ والإرشاد ، من أن يمنحوا الأسلوب التعليمي الحيوية الروحية التي لا ~~تجعل من الالتزام الشرعي حالة تقليدية ، بل تجعل منه حالة إيمانية ينطلق ~~فيها الالتزام من موقع الإيمان ، حيث يزداد الإيمان به قوة وحرارة كما ~~يزداد بالإيمان فاعلية وتأثيرا في عناصر الحركة في داخل الشخصية الإسلامية. # وقد تحدثنا عن أسرار التشريع الإسلامي للطلاق ، وكيف جعله بيد الرجل ، ~~وعن الحكمة في تشريع العدة ، وذلك في ما تحدثنا به في سورة البقرة في ms5148 تفسير ~~الآية (228) فليراجع هناك. PageV22P280 # وقد كانت تسمية السورة باسم الطلاق انطلاقا من أنه الموضوع الرئيس فيها. # * * * PageV22P281 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@042 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا (1) @QUR@030 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) @QUR@021 ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد ~~جعل الله لكل شيء قدرا ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وأحصوا ): الإحصاء : العد. PageV22P282 # ( @QUR@01 العدة ): الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج. # ( @QUR@02 بفاحشة مبينة ): أي بفاحشة ظاهرة ، كالزنى والبذاء ، وإيذاء ~~أهلها ، كما في الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليه السلام . # ( @QUR@01 أجلهن ): اقترابهن من آخر زمان العدة وإشرافهن عليه. # ( @QUR@02 فأمسكوهن بمعروف ): الإمساك بمعروف يراد به حسن الصحبة ، ~~ورعاية ما جعل الله لهن من الحقوق. # ( @QUR@02 فارقوهن بمعروف ): أي الانفصال عنهن مع الاحترام والمحافظة ~~على حقوقهن الشرعية. # * * * ### ||| ** طلاق النساء لعدتهن # ( @QUR@06 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) أي إذا أردتم طلاقهن. ~~والإتيان بالخطاب على سبيل الجمع ، باعتبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يمثل العنوان للأمة في رسالته ، مما يجعل الخطاب له خطابا لأمته ، من خلال ~~تجسيده للأمة في ما تجتمع عليه من شأن الرسالة الإسلامية. # ( @QUR@02 فطلقوهن لعدتهن ) أي فليكن الطلاق في نطاق العدة التي تمثل ~~انفصال المرأة عن الحياة الزوجية ، والابتعاد عن أية علاقة أخرى بشخص آخر ، ~~فتبدأ المرأة من حيث الطلاق أول زمان العدة لتمتد من أول طهر يواقعها فيه ، ~~حيث يأخذ الطلاق شرعيته حتى تنقضي أقراؤها. ( @QUR@02 وأحصوا العدة ) في ~~حساب دقيق للأقراء التي تعتد بها ، وهي الأطهار الثلاث في أول الحيضة ~~الثالثة منذ الحيضة التي تسبق الطلاق. ولعل الأساس في ذلك هو ملاحظة ~~التشريعات المفروضة ms5149 في هذه الفترة ، وهي النفقة والسكن للمطلقة ، وحق PageV22P283 # الزوج في الرجوع إليها ، وحرمة زواجها بغيره. # ( @QUR@03 واتقوا الله ربكم ) فلا تستسلموا للعقدة الذاتية التي أدت إلى ~~الطلاق فتطردوهن على أساس الشعور العدواني ، ( @QUR@04 لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ) التي كن يسكنها قبل الطلاق ، بل يجب إبقاؤهن فيها ، ( @QUR@02 ولا ~~يخرجن ) بأنفسهن لأن طبيعة العدة الرجعية تجعل المطلقة بحكم الزوجة واقعيا ~~، فليس لها أن تقترن بشخص آخر في هذه المدة ، وللزوج أن يرجع إليها من دون ~~عقد ومن دون أن يكون لها حق الاختيار في الرفض ، فتعود الزوجة إليه بمجرد ~~اختياره الرجعة وإعلانه ذلك على مستوى الالتزام ، مما لا يترك لها حرية ~~التحرك في هذه الفترة بعيدا عن رضا الزوج المطلق ، ( @QUR@05 إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة ) أي ظاهرة كالزنى والبذاء وإيذاء أهلها ، في ما روي التمثيل ~~به عن أئمة أهل البيت عليه السلام . # ( @QUR@03 وتلك حدود الله ) التي جعلها الله في دائرة العلاقات الزوجية ~~في حالة الطلاق ، فلا يجوز للمؤمن أن يتعداها ، فيقدم أو يؤخر أو يفعل ما ~~يجب تركه ، أو يترك ما يجب فعله ، ( @QUR@07 ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه ) لأن الله قد جعلها لمصلحة الإنسان ، كما أن التمرد على أحكام الله ، ~~في ما يوحي به من التعرض لعقابه ، من خلال ما يستلزمه من سخطه ، يمثل ظلما ~~للنفس في تعريضها لدخول النار. # ( @QUR@08 لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) أي أن هذه الفترة التي ~~جعلها الله محطة للتأمل من قبل الزوج والزوجة ، وفرصة للرجوع ، قد تغير ~~الظروف التي فرضت الطلاق ، وقد تفسح المجال لمشاعر جديدة ولمشاريع وفاقية ، ~~حيث يذوب الانفعال ، وتتبخر المشاعر المضادة ، وتهدأ الأعصاب المتوترة ، ~~ويقف كل منهما وجها لوجه أمام الفراغ العاطفي في ما كان يعيشه قبل ذلك من ~~الامتلاء الروحي بالمعاني العاطفية ، لتنطلق مسألة العودة بشكل جدي ، فلا ~~تجد أمامها حاجزا ، بل تجد الساحة جاهزة للقاء في روحية جديدة ، تتمرد PageV22P284 # على الأخطاء الماضية ، لتبدأ عملية التصحيح. وهذا هو الذي توحي به مسألة ~~البقاء في البيت الذي عاشت الزوجة فيه ذكرياتها ms5150 الحميمة ، ومسألة الإنفاق ~~التي توحي ببقاء الزوج على تحمله مسئولية حياة الزوجة ، ومسألة المنع من ~~الزواج من أحد آخر ، الأمر الذي يوحي بأن الطريق لا يزال مفتوحا أمام ~~الزوجة للتراجع ، وأمام الزوج للرجوع ، تماما كما لو كانت الحياة الزوجية ~~مستمرة مع وقف التنفيذ ، لتكون عملية الطلاق الرجعي عملية تجميد لا إزالة ~~للزوجية. # ( @QUR@08 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) أي إذا ~~بلغن الحد الأخير الذي ينتهي بعده الأجل ، في ما يقارب نهاية العدة ، فلا ~~تواجهوا الموقف بطريقة التعسف لتضطهدوا المرأة لتبقى معلقة في العدة ، ورفض ~~السماح لها بحريتها في اختيار طريقة الحياة التي تريدها ، في البقاء حرة من ~~دون التزام بعلاقة زوجية جديدة ، أو في اختيار علاقة أخرى ، لأن بعض ~~الأزواج المعقدين ربما يعيشون العقدة النفسية التي لا يطيقون فيها أن ~~يتصوروا علاقة أشخاص آخرين بزوجاتهم السابقات ، بفعل الغيرة العمياء ، ~~والأنانية الجاهلة. وهذا هو الذي أراد الله أن يواجهه في سلوك الإنسان ~~ليقول له : إن التشريع قد أفسح له مجال الرجوع إلى زوجته في أثناء العدة من ~~دون مقدمات إذا كانت له رغبة بها. وفي هذه الحال لا بد من أن يرجع إليها ، ~~في ما عبر عنه بالإمساك ، ولكن بالمعروف الذي يحترم فيه علاقته بها كإنسان ~~يحترم كل حاجات الإنسان فيه ، من حسن الصحبة والقيام بالحقوق المفروضة. أما ~~إذا لم يعد له أية رغبة بها ، لأن المشاكل التي فرضت الإطلاق لا تزال كما ~~هي ، بحيث لم تعد العلاقة الزوجية أمرا مريحا له أو للطرفين ، فهناك الحل ~~الآخر ، وهو إفساح المجال لهذه المرأة في أن تعيش حياتها الخاصة ، من خلال ~~قرارها الحر ، فليبتعد عنها ابتعادا كليا ، وهذا هو الخيار الثاني. # ( @QUR@03 أو فارقوهن بمعروف ) ليذهب كل منكما إلى سبيله ، ليختار نمط ~~حياته الجديد. PageV22P285 # ( @QUR@04 وأشهدوا ذوي عدل منكم ) على الطلاق عند إيقاعه ، أو على الرجعة ~~عند حصولها. والمراد بالعدل هو الإنسان المستقيم على خط الشريعة في أفعاله ~~وأقواله ، كما تقدم الحديث عنه في سورة البقرة. # * * * # ( @QUR@03 أقيموا الشهادة لله ) # ( @QUR@03 وأقيموا الشهادة لله ) في ms5151 ما تحملونه من شهادة حول هذا الموضوع ~~أو غيره كمسؤولية شرعية ملزمة ، لأنها ليست مسألة ذاتية لترفضوا إقامتها أو ~~تقبلوها ، وليست متصلة بالمشهود له ، لتحددوا موقفكم منها على أساس العلاقة ~~السلبية أو الإيجابية منه ، في ما تفرضه مصالحكم الخاصة في السلب أو ~~الإيجاب ، بل هي مسئولية الحق الذي يريد الله من الإنسان أن يعمل على ~~إظهاره في ما يتوقف فيه ظهوره على تقديمه المعلومات الخاصة التي يملكها عنه ~~، بإقامة الشهادة عليه أمام الجهات المسؤولة التي تملك أمر الفصل فيه ، ~~لتكون الشهادة لله من موقع الطاعة له ، للحصول على رضوانه. # ( @QUR@09 ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) لأنه هو الذي ~~يعيش الشعور بالمسؤولية في عمق حياته ، من خلال إيمانه بالله الذي يسعى ~~للقرب منه ، ومن خلال إيمانه باليوم الآخر الذي يرغب في الحصول على النتائج ~~الطيبة فيه على مستوى المصير ، فيدفعه ذلك إلى الوقوف عند حدود الله ، ~~والسير على خط التقوى ، والإخلاص في الشهادة لله. # * * * PageV22P286 # ( @QUR@06 ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) # ( @QUR@06 ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) في ما تمثله التقوى من السير على ~~خط الإيمان بالله واليوم الآخر ، في إيحاءاته الروحية والتزاماته العملية ، ~~مما يجعله محبوبا لله ، مرضيا عنده ، قريبا إليه ، فينظر إليه بعين الرحمة ~~، عند ما تضيق به الأمور ، وتغلق عنه الدروب ، وتنسد عليه نوافذ الخلاص ، ~~فلا يملك سعة في الحركة ، ولا مخرجا في الدرب ، ولا منفذا في الأفق ، فهناك ~~يجعل الله له المخرج حيث لا مخرج ، والسعة حيث لا مجال لأية سعة ، والمنفذ ~~حيث لا منفذ ، لأن الطرق المسدودة والنوافذ المغلقة والساحات الضيقة هي ما ~~يفكر الإنسان فيها بعقلية المأزق الذي لا خلاص منه ، لأنه يفكر بالحدود ~~المادية للأشياء ، في ما تخضع له الأشياء من حوله للحدود ، ولكن الله الذي ~~فتح للإنسان مسارب الحياة وآفاق الانطلاق ، يملك في غامض علمه أكثر من مخرج ~~ونافذة تطل بالإنسان على آفاق الفرج ، مما يفرض عليه ، في وعيه الإيماني ، ~~أن لا يسقط أمام الباب المسدود ، لأنه لا أبواب مسدودة أمام ms5152 قدرة الله ، ~~وأن لا يستسلم لليأس ، لأن اليأس يتحرك في دائرة القدرة المحدودة ، ولا ~~حدود لقدرة الله الذي يتدخل بقوته ليبعث الأمل من قلب اليأس كما أخرج ~~الوجود من قلب العدم. # * * * # ( @QUR@05 ويرزقه من حيث لا يحتسب ) # ( @QUR@05 ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فإذا ضاق به رزقه ، وأغلقت عنه مداخلة PageV22P287 # ومخارجه من خلال الوسائل التي يملكها في ساحته العملية ، فإن عليه أن لا ~~يستغرق في حدود هذه الوسائل ، بل يفكر بطريقة إيمانية بأن الله الذي أخرج ~~النبتة من قلب الأرض الميتة ، ومنح الأرض الجرداء الحياة من خلال المطر ~~النازل عليها ، وأجرى الرزق للحشرات الدقيقة في أعماق الأرض ، وخلق الأقوات ~~للهوام المنتشرة في الفضاء ، هو القادر على أن يبعث إليه رزقه من غير ~~الأماكن التي يترقبه فيها ، وبغير الوسائل التي يملكها ، فيرزقه من حيث لا ~~يتصور ولا يحتسب ، ليكون ذلك أشبه بالمفاجأة التي تصدم يأسه ، وتحطم شعوره ~~بالخيبة والضياع. # * * * # ( @QUR@06 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) # ( @QUR@06 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) لأنه الذي يملك الأمر كله ، فهو ~~يملك الناس كلهم ، والحياة كلها ، ويملك ما يملكه الآخرون ، لأنه هو الذي ~~منحهم الملك والقدرة على تحريكه في كل مواقع الحركة ، مما يجعل التوكل عليه ~~انطلاقا من مواقع الثقة الثابتة التي لا مجال فيها لأي اهتزاز روحي ، لأن ~~الله هو الذي تتحرك الأشياء من موقع إرادته ، فإذا أراد شيئا كان ، فلا ~~يمنعه من تنفيذ إرادته مانع في الأرض ولا في السماء ، ( @QUR@04 إن الله ~~بالغ أمره ) [الطلاق : 3] ، ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون ) [يس ، 82] # * * * PageV22P288 # ( @QUR@06 قد جعل الله لكل شيء قدرا ) # ( @QUR@06 قد جعل الله لكل شيء قدرا ) فقد خلق الكون كله ، وجعل له نظامه ~~الدقيق المحكم المتوازن المتكامل في كل معطيات الوجود ، بحيث كان لكل شيء ~~حد في الزمان والمكان والحركة والغاية ، مما يفرض أن الحدود إذا بلغت مداها ~~، فلا بد من أن تحقق نتائجها بإذن الله. ولكن لا بد لنا من أن نفكر بأن ~~هناك نوعين من الأسباب في ما تتحرك به حياة ms5153 الإنسان : فهناك الأسباب ~~الظاهرة التي تنفتح عليها المعرفة الإنسانية في طبيعتها وفي حدودها ، في ما ~~يخضع له جانب اليأس والأمل عند ما تتجمع لديه أو تبتعد عنه ، وهناك الأسباب ~~الخفية التي تندرج في عالم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله. فإذا ضاقت ~~الأسباب الظاهرة لدى الإنسان ، فإن عليه أن يتطلع إلى الله ليرجو منه حل ~~المشكلة من خلال ما يعلمه في غامض علمه من شؤون الأسباب والمسببات ، ليبقى ~~مشدودا إليه في كل أموره الظاهرة والخفية ، فلا ييأس من روحه في كل لحظة من ~~لحظات الوعي الإيماني الخاشع بين يديه. # * * * ### ||| ** وقفة تأملية أمام الآية # وقد نلاحظ في وقفة تأملية أمام هذه الآية أنها تؤكد للإنسان المؤمن عدة ~~نقاط في حركة حياته : # 1 الشعور الدائم بأن الله لا يخذله في ما يواجهه من صعوبات الحياة ، فلا ~~يضيق به موقف ، ولا ينغلق عنه باب ، بل يبقى متقدما منطلقا نحو الفرصة PageV22P289 # الغيبية التي يمنحها الله ، أو نحو المجهول الغامض الذي يكشفه ، ولكن لا ~~على أساس أن يجلس جلسة الاسترخاء التي ينتظر فيها الفرج من غامض علم الله ، ~~من دون سعي ولا حركة ، بل يبقى في حركة المندفعة نحو الغاية ، مترقبا ثغرة ~~في هذا الحائط المسدود ، أو مدخلا في هذا الطريق الضيق ، في ما يمكن أن ~~يكون قد أغلق عليه أمره ، أو في ما يمكن أن يفتحه الله عليه ، فلا تكون ~~القضية عنده فرصة للكسل ، بل انطلاقة للعمل. # 2 أن يبقى الإنسان مشدودا إلى مسألة الرزق على أساس أن أمره بيد الله ، ~~فإذا أغلق عنه باب ، فهناك أكثر من باب مفتوح في علم الله ، وإذا ضاق به ~~مصدر ، فهناك أكثر من مصدر ، مما يجعله يعيش الضيق على أساس انتظار السعة ، ~~والشدة على أساس انتظار الرخاء ، الأمر الذي يعينه على التمرد على إغراءات ~~الآخرين الذين يستغلون أوقات الضيق لدى الإنسان المؤمن ، ليلوحوا له بالمال ~~الذي يفقد معه حريته ، في ما يفرضونه عليه من شروط صعبة من أجل أن يستعبدوا ~~بها إنسانيته ، ويضغطوا بها على قراره ms5154 ، وينحرفوا به على أساسها وعن الطريق ~~المستقيم. وهذا هو ما يعيشه الضعفاء أمام حاجاتهم المعاشية عند ما يواجهون ~~الحصار المالي في كل جوانب حياتهم. # إن الآية توحي للمؤمن بأن عليه الصبر الواعي الذي يحفظ به موقفه لينتظر ~~الرزق من الله من حيث لا يحتسب ، تماما كما هي الإشراقة القوية التي تصدم ~~الظلام بقوة فجائية فتطرده بشكل سريع. # 3 الثقة بالله في وعده ، من خلال الإيمان بأنه بالغ أمره ، وبأنه الكافي ~~لمن توكل عليه ، ولا كافي غيره ، لينفتح عليه من أوسع الآفاق ، وليثق ~~بحياته السائرة في خطه من أوسع الآفاق ، على أساس الإيمان به. # 4 الإحساس بأن الحياة في انتصاراتها وهزائمها وفي أفراحها وأحزانها ، لا ~~تتحرك في أجواء الفوضى ، بل تخضع لنظام كوني متوازن ، يضع كل شيء PageV22P290 # في موضعه ، ويقدر لكل حدث قدره ، على مستوى الظواهر الكونية أو الظواهر ~~الإنسانية ، فيدفعه ذلك إلى التعرف على أسرار الحياة ، ليشعر بالثبات في كل ~~حركة الظواهر في قوانينها العامة ، فلا يعيش في أجواء الضياع والقلق ~~والحيرة والعبثية ، في ما يتحدث به الذين يسقطون أمام مصائب الحياة ~~ومشاكلها. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في مضمون الآية # وقد حاول صاحب تفسير الميزان أن يستفيد من الآية في النظر إلى إطلاقها في ~~نفسها مع الغض عن سياقها ، معنى قريبا من المعاني العرفانية الفلسفية فقال ~~في قوله تعالى : ( @QUR@011 ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ) مفاده أن من اتقى الله بحقيقة معنى تقواه ، ولا يتم ذلك إلا ~~بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته ، ثم تورعه واتقاؤه بالاجتناب عن المحرمات ~~وتحرز ترك الواجبات خالصا لوجهه الكريم ، ولازمه أن لا يريد إلا ما يريده ~~الله ، من فعل أو ترك ، ولازمه أن يستهلك إرادته في إرادة الله ، فلا يصدر ~~عنه فعل إلا عن إرادة من الله. # ولازم ذلك أن يرى نفسه وما يترتب عليها من سمة أو فعل ملكا مطلقا لله ~~سبحانه يتصرف فيها بما يشاء ، وهو ولاية الله ، يتولى أمر عبده ، فلا يبقى ~~له من الملك بحقيقة معناه شيء إلا ms5155 ما ملكه الله سبحانه ، وهو المالك لما ~~ملكه ، والملك لله عز اسمه. # وعند ذلك ينجيه الله من مضيق الوهم وسجن الشرك بالتعلق بالأسباب الظاهرية ~~، ( @QUR@08 يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) أما الرزق المادي ، ~~فإنه كان يرى ذلك من عطايا سعيه ، والأسباب الظاهرية التي كان يطمئن إليها PageV22P291 # وما كان يعلم من الأسباب إلا قليلا من كثير ، كقبس من نار يضيء للإنسان ~~في الليلة الظلماء موضع قدمه ، وهو غافل عما وراءه ، لكن الله سبحانه محيط ~~بالأسباب ، وهو الناظم لها ينظمها كيف يشاء ويأذن في تأثير ما لا علم له به ~~من خباياها. # وأما الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي تعيش به النفس الإنسانية ~~وتبقى ، فهو مما لم يكن يحتسبه ولا يحتسب طريق وروده عليه. # وبالجملة هو سبحانه يتولى أمره ويخرجه من مهبط الهلاك ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئا ، لأنه ~~توكل على الله وفوض إلى ربه ما كان لنفسه ، ( @QUR@06 ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه ) دون سائر الأسباب الظاهرية التي تخطئ تارة وتصيب أخرى ، ( ~~@QUR@04 إن الله بالغ أمره ) لأن الأمور محدودة محاطة له تعالى و ( @QUR@06 ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا ) فهو غير خارج عن قدره الذي قدره به» (1). # ونلاحظ على هذا التفسير ، أنه بعيد عن ظاهر الآية ، لو نظرنا إليها ~~بنفسها ، فإنها تشبه الآيات التي تتحدث عن الوعد بالجنة أو بالنصر ، أو ~~بالفلاح على تقدير السير في خط التقوى الذي يتمثل في خط السير العملي ~~للإنسان ، لتكون الأمور المترتبة عليه بمثابة الجزاء على التقوى ، من دون ~~أن تكون بمثابة النتائج الداخلية المعنوية له ، بل هي بمثابة الأمور ~~المنفصلة عنه. ولعل التعمق الفلسفي العرفاني هو الذي أدى إلى الفهم بعيدا ~~عن منطق الآية # * * * PageV22P292 ### ||| * الآيات # ( @QUR@028 واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا (4) @QUR@014 ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق ms5156 الله ~~يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) @QUR@032 أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ~~ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ~~فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له ~~أخرى (6) @QUR@025 لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ارتبتم ): الارتياب : الشك. # ( @QUR@01 تضآروهن ): أي لا توجهوا إليهن ضررا يشق عليهن تحمله ، من حيث PageV22P293 # السكن والكسوة والنفقة. # ( @QUR@01 وأتمروا ): الائتمار بشيء تشاور القوم فيه بحيث يأمر بعضهم ~~فيه بعضا. # ( @QUR@01 تعاسرتم ): التعاسر : تبادل العسر ، بمعنى أن يريد كل طرف ~~العسر للآخر. # ( @QUR@03 قدر عليه رزقه ): قدر الرزق : ضيقه. # ( @QUR@01 آتاها ): الإيتاء : الإعطاء. # * * * ### ||| ** من تفاصيل أحكام الطلاق # ( @QUR@08 واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ) وهن اللاتي ~~انقطع الحيض عنهن ، فلم يرين منه شيئا ، وحصل الريب في سبب انقطاعه ، هل هو ~~لعارض صحي ، أو لبلوغهن سن اليأس ، ولم يمكن الرجوع إلى قاعدة حاسمة ~~للتمييز بين الاحتمالين ، ( @QUR@03 فعدتهن ثلاثة أشهر ) بدلا من الرجوع ~~إلى الإقراء في الحالات الطبيعية ( @QUR@03 واللائي لم يحضن ) أي لم يأتهن ~~الحيض فعلا ، وهن في السن التي تفرض مجيء الحيض بشكل طبيعي ، لولا العارض ~~الطارئ الذي منع من ذلك ، فإنهن يأخذن العدة على أساس الثلاثة أشهر. ( ~~@QUR@06 وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) سواء قل الزمن أو كثر ، ~~وربما كان ذلك على أساس أن العدة في حكمتها كانت لاستبراء الرحم من الحمل ، ~~فإذا كانت المرأة حاملا ووضعت حملها ، فلا موجب للعدة بعد ذلك. # ( @QUR@03 ومن يتق الله ) في ما يأخذ به من حدود الله التي وضعها لتنظيم ~~شؤون عباده ، ( @QUR@05 يجعل له من أمره يسرا ) في ما تتضمنه التشريعات من ~~تيسير شؤون PageV22P294 # الناس على أساس القاعدة السهلة السمحة في الشريعة ، وفي نطاق الوعد ~~الإلهي بتسهيل أمور المتقين في ما يستقبلونه في حياتهم من الصعاب والمشقات ~~، رأفة بهم وتشجيعا لهم على فعل الخير ، والتزام التقوى. # ( @QUR@05 ذلك أمر الله أنزله إليكم ) في ms5157 ما حدده لكم من أحكامه في شؤون ~~العدة في الطلاق ، ( @QUR@03 ومن يتق الله ) في الالتزام بها ( @QUR@03 ~~يكفر عنه سيئاته ) لأن الطاعة تطرد السيئة في نتائجها الأخروية ، ( @QUR@03 ~~ويعظم له أجرا ) في ما يجزي به الله المتقين على أعمالهم الخيرة ، ولعل ~~مجرى هذه الآية يلتقي مع مجرى الآية الكريمة في قوله تعالى : ( @QUR@012 إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) ~~[النساء : 31]. # ( @QUR@06 أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) وهذا هو التشريع المتعلق ~~بالمطلقة من حيث سكناها في مدة العدة. فلا بد للمطلق من أن يسكنها في حدود ~~إمكاناته المادية ، في نوعية المسكن ، على الموسر قدره ، وعلى المعسر قدره. ~~( @QUR@04 ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن ) كما يفعل بعض الأزواج الذين يقصدون ~~الإضرار بالمطلقة من خلال العقدة النفسية المستحكمة ضدها ، فيوجهون إليها ~~الضرر الذي يشق تحمله في النفقة والسكنى ، بحيث تقع في الضيق والحرج ~~الشديد. # ( @QUR@09 وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) مهما طالت ~~مدة الحمل ، فإن الإنفاق عليهن ينطلق من موقع خصوصية العدة في طبيعتها ~~وخصوصية الحمل الذي يكون الإنفاق عليها من شؤون الإنفاق عليه. # ( @QUR@03 فإن أرضعن لكم ) بعد وضع الحمل ، ( @QUR@02 فآتوهن أجورهن ) ~~لأن مسئوليته على الأب لا على الأم ، باعتبار أن ذلك من مفردات الإنفاق. ~~فللأم أن تأخذ الأجر على الإرضاع ، حتى لو كان الرضيع ولدها ، كأية امرأة ~~عاملة تستحق أجرا على عملها. PageV22P295 # ( @QUR@03 وأتمروا بينكم بمعروف ) أي تشاوروا في مسألة تحديد أجر الرضاعة ~~بحيث يأمر بعضكم فيه بعضا ، فلا يتضرر الرجل بزيادة الأجر الذي يدفعه ، ولا ~~المرأة بنقصانه عن القيمة الواقعية ، ولا الولد بنقصان مدة الرضاع أو كميته ~~( @QUR@02 وإن تعاسرتم ) بحيث فرض كل فريق على الآخر قيمة مرتفعة فلم يصل ~~الأمر إلى توافق بينكم ، أو أصرت المرأة الأم على أجر مرتفع لا يقبل به ~~الأب لزيادته عن الحد الطبيعي ، ( @QUR@03 فسترضع له أخرى ) أجنبية غير ~~والدته ، إذا رضيت بأجر معقول. # ( @QUR@05 لينفق ذو سعة من سعته ) فهذا هو الخط العام في حدود الإنفاق ~~الواجب على الرجل في المال الذي يقدمه للمطلقة ms5158 المرضعة لولده. ( @QUR@04 ~~ومن قدر عليه رزقه ) بحيث كانت أحواله المادية ضيقة ، لا تسمح له بالتوسعة ~~عليها ( @QUR@04 فلينفق مما آتاه الله ) أي مما أعطاه الله. # * * * # ( @QUR@07 لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) # ( @QUR@07 لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) لأن الله إنما أنزل تكاليفه ~~على العباد لتطاع ، وليكون الانبعاث عنها أمرا ممكنا ، أو قريبا من الطاقة ~~الإنسانية العادية ، فإذا كان مستحيلا ، كان عبثا أو ظلما ، لأن العقاب على ~~ترك امتثاله ، يكون عقابا على غير أساس من العدل ، وإذا كان حرجا أو شاقا ، ~~كان بعيدا عن اليسر الذي تنفتح النفس له وتقبل عليه ، مما يجعل من امتثاله ~~أمرا لا يتفق مع لطف الله بعباده ، وعلى هذا الأساس فلا يكلف المطلق ~~الإنفاق على المطلقة بأكثر مما تتحمله طاقته المادية ، وعليها أن تنتظر ~~اليسر في أموره بالاعتماد على الله الذي يغير أمور عباده من حال إلى حال ، ~~( @QUR@05 سيجعل الله بعد عسر يسرا ) PageV22P296 # في ما تقتضيه رحمته من إعانة عباده على ما هم فيه من شدة وضيق عند ما ~~تقتضي الحكمة ذلك. # * * * PageV22P297 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا (8) @QUR@07 فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ~~(9) @QUR@017 أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين ~~آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) @QUR@034 رسولا يتلوا عليكم آيات الله ~~مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد ~~أحسن الله له رزقا (11) @QUR@025 الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 عتت ): العتو : قال الراغب : العتو النبو عن الطاعة (1). PageV22P298 # ( @QUR@01 نكرا ): النكر الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف. وفي المجمع ~~النكر : المنكر الفظيع الذي لم ير مثله (1). # * * * ### ||| ** جولة وعظية في رحاب التاريخ # وهذه جولة وعظية في رحاب التاريخ ، وانطلاقة توجيهية في أجواء الحاضر ~~والمستقبل ، في ms5159 السير على خط الله ورسوله الذي يفتح العقل والقلب والحياة ~~على إشراقة النور المتفجر من أعماق الوحي ، لتنتهي المسألة إلى الجنة التي ~~وعد الله بها المتقين ، ولتبقى مع الله الذي خلق الكون كله. # ( @QUR@08 وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ) أي استكبرت عن الخضوع ~~لله في إطاعة أمره ، والمراد بالقرية ، أهلها ، في ما تختزنه من معنى ~~المجتمع الذي يعيش فيها ، ( @QUR@03 فحاسبناها حسابا شديدا ) في ملاحقة كل ~~مفرداتها العملية ، في ما كان الأنبياء يحدثونها عن ذلك ، وعن النتائج ~~الصعبة التي تنتظرهم من خلال كفرهم وعصيانهم ، فلم يخضعوا للحساب ، ولم ~~ينتبهوا له ، ولم ينفتحوا على المشاكل التي تحيط بهم في ساحته. ( @QUR@03 ~~وعذبناها عذابا نكرا ) لا يطيقه الذين يشاهدونه في ما يتعرفون إليه من ~~قسوته وصعوبته ، بالمستوى الذي يؤدي إلى هلاكهم واستئصالهم ، ( @QUR@03 ~~فذاقت وبال أمرها ) في ما قامت به من العتو والاستكبار ، حيث لاقت الجزاء ~~القاسي ، ( @QUR@09 وكان عاقبة أمرها خسرا* أعد الله لهم عذابا شديدا )، ~~وتلك هي الخسارة الكبيرة التي وقع فيها هؤلاء كنتيجة لسوء سلوكهم ~~واختيارهم. # ( @QUR@05 فاتقوا الله يا أولي الألباب ) الذين تفكرون بعقولكم لتكتشفوا ~~وجه الحق من الباطل ، والخطأ من الصواب ( @QUR@02 الذين آمنوا ) فانطلقوا ~~مع الإيمان بمنطق الفكر PageV22P299 # المنفتح الى الحق الذي يرتبط بالإيمان بالله ورسله برباط وثيق. # وفي ضوء ذلك ، فإن التقوى العملية السائرة على خط الشريعة الحقة في ~~أحكامها ومفاهيمها ، تلتقي بالعقل الذي يرى فيها خط السلامة في الدنيا ~~والآخرة ، وبالإيمان الذي يرى فيها الانسجام مع إرادة الله ورضاه. # ( @QUR@05 قد أنزل الله إليكم ذكرا ) يخطط لكم المنهج الصحيح في حياتكم ، ~~ليؤدي بكم إلى النهاية السعيدة التي تذكركم بالله كلما نسيتموه ، وباليوم ~~الآخرة كلما أغفلتموه ، وبالرسالة التي تحملتم مسئوليتها منذ آمنتم بها ~~كلما ابتعدتم عن خطها المستقيم. # ( @QUR@06 رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ) ولعل إطلاق الذكر على ~~الرسول باعتبار أنه يجسد القرآن الذي يشتمل على الذكر الإلهي ، فيكون باعثا ~~على التذكر في ما يتلوه من آيات الله المبينات. أما كيف نتصور إنزال الرسول ~~، فقد فسره البعض بالإنزال من عالم ms5160 الغيب ، أي بعثه منه ، وإظهاره لهم ~~رسولا من عنده بعد ما لم يكونوا يحتسبون ، وقد فسره صاحب الكشاف بجبريل (1) ~~باعتبار إنزاله من السماء ، ويكون حينئذ معنى تلاوته الآيات عليهم تلاوته ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنه متبوع لقومه ووسيلة الإبلاغ لهم ، ~~لكن ظاهر قوله تعالى «يتلو عليكم ... إلخ» خلاف ذلك. # ويحتمل أن يكون «رسولا» منصوبا بفعل محذوف ، والتقدير أرسل رسولا يتلو ~~عليكم آيات الله ، ويكون المراد بالذكر القرآن أو ما بين فيه من الأحكام ~~والمعارف. وقد يكون الأقرب أن يكون رسولا بدلا قريبا من أجواء بدل الاشتمال ~~باعتبار أن إنزال الذكر يختزن في داخله وجود رسول يبلغه ويتلوه بعد أن كان ~~الإنزال بشكل غير مباشر ، والله العالم. PageV22P300 # ( @QUR@09 ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) من ~~خلال انفتاحهم على إشراقة الوحي في فكره وروحه وشريعته التي تمثل النور ~~الذي يضيء للمؤمنين طريقهم إلى الله ، وإلى الحياة المتطلعة إليه وإلى ~~رضوانه. # ( @QUR@014 ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا )، لأن ذلك هو مظهر القرب إليه ، في ما يريد أن يقرب ~~عباده إلى مواقع سعادتهم في الآخرة في دار النعيم ، ( @QUR@05 قد أحسن الله ~~له رزقا ) في ما وعدهم به من الرزق الحسن الذي لا حدود له ، فقد جعل لهم ما ~~تشتهي أنفسهم ، كما جعل لهم ما يدعون ( @QUR@04 نزلا من غفور رحيم ) [فصلت ~~، 32] ، في ما يغفره من خطاياهم وفي ما يرحمهم في مواقع حاجتهم إليه ، ولا ~~شيء في وجودهم إلا وهو محتاج إليه. # * * * ### ||| ** خلق سبع سماوات وسبع أرضين # ( @QUR@08 الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) فهناك أرضون سبع ، ~~لم يتحدث عن عددها إلا في هذا الآية ، بينما تحدث في أكثر من آية عن ~~السماوات السبع ، ولكن لم يعرف ما هو المراد بالأرضين السبع ، فهل هناك سبع ~~كرات من نوع الأرض التي نحن عليها ، والتي نحن عليها إحداها ، أو الأرض ~~التي نحن عليها سبع طبقات محيطة ببعضها البعض ، والطبقة العليا بسيطها الذي ~~نحن ms5161 عليه ، أو المراد الأقاليم السبعة التي قسموا إليها المعمور من سطح ~~الكرة؟ وجوه ، ذهب إلى كل منها جمع ، ولكن لا طريق لنا إلى معرفة ذلك ، لأن ~~الله أجمل لنا ذلك ، ولم تفصله لنا السنة في ما صح منها ... # ( @QUR@03 يتنزل الأمر بينهن ) أي بين السماوات والأرض ، في ما يدبر به ~~الله أمر PageV22P301 # الكون والإنسان والحياة ، أو في ما ينزله من تشريعات تنظم للإنسان حياته ~~، ( @QUR@07 لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ) من خلال امتداد خلقه ، في ~~أسرار الإبداع وفي مظاهر العظمة ، في ما تتمثل به سعة قدرته التي لا يحدها ~~شيء ، ( @QUR@07 وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) من خلال إحاطته بشؤون ~~خلقه التي لا يعلم أسرارها غيره ، مما يفرض على الناس أن يثقوا به ، ~~ويستعينوا به ، وأن يراقبوا أنفسهم في أعمالهم ، من خلال إحاطته الشاملة ~~بهم في كل شؤونهم الداخلية أو الخارجية. # * * * PageV22P302 ### | سورة التحريم ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها اثنتا عشرة PageV22P303 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مدنية تتنوع أغراضها وموضوعاتها ، ففي الجزء الأول منها ، حديث ~~مع النبي عن بعض خصوصياته اليومية ، في ما كان يجهد به نفسه من الرفق بمن ~~حوله ، لا سيما أزواجه ، بالامتناع عن بعض ما أباح الله له مما كان يحب أن ~~يفعله ، فقد أراد الله منه أن يأخذ حريته في ذلك ، حتى لو كان قد حرمه على ~~نفسه بيمين أو بغير يمين. # ثم تلامس السورة في الجزء الثاني بعض المشاكل التي كانت تحدث في داخل ~~البيت الزوجي ، من قبل بعض زوجاته اللاتي أفشين سره الذي أراد منهن حفظه. ~~ثم تثير الموضوع بلهجة قاسية توحي بأن صبره على الإساءة إليه لا يعني ضعفا ~~فيه ، لأن الله وملائكته وصالح المؤمنين يساندونه في كل شيء ، وتهددهن ~~بالطلاق ، وباستبدالهن بخير منهن ، إذا أصررن على التعسف في علاقتهن به. # ثم يأتي الجزء الثالث ليوجه المؤمنين إلى حماية أنفسهم وأهليهم من النار ~~، وإلى التوبة النصوح إلى الله من ذنوبهم ، ليحصلوا على الجنة يوم القيامة. PageV22P305 # ثم تدعو النبي إلى جهاد الكفار والمنافقين ، وتضرب المثل للكافرين ~~والمؤمنين ms5162 ببعض النساء الكافرات والمؤمنات ، من أجل أخذ العبرة من ذلك. # وقد أطلق على السورة اسم «التحريم» انطلاقا من الآية الأولى التي تتحدث ~~عن تحريم النبي على نفسه ما أحل الله له. # * * * PageV22P306 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيتان # ( @QUR@015 يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم (1) @QUR@011 قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم ~~وهو العليم الحكيم ) (2) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تحلة ): التحلة أصلها تحللة على وزن تذكرة وتكرمة ، مصدر ~~كالتحليل ، قال الراغب : وقوله عز وجل : ( @QUR@06 قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم ) أي بين ما تنحل به عقدة أيمانكم من الكفارة (1). # * * * PageV22P307 ### ||| ** تحليل الله للنبي ما حرمه على نفسه # ( @QUR@09 يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) من بعض مشتهياتك ~~الذاتية ، مما ترتاح له نفسك ، فتزداد قوة على ممارسة مسئوليتك ، لأن ~~الإنسان المسؤول قد يرتاح إلى بعض صفاء الفكر وراحة الجسد في حياته الخاصة ~~، مما يجعل من الضغط النفسي مشكلة له على المستوى الشخصي والعام. وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفيقا بمن حوله ، بحيث كان يضغط على نفسه لحساب ~~راحة الناس المحيطين به ، لأنه كان الرؤوف الرحيم في أخلاقه الكريمة. ولهذا ~~أراد الله أن يخفف عنه ذلك ، فخاطبه خطابا يشبه عتاب الحبيب للحبيب ، ~~متسائلا : لماذا تحرم على نفسك ما أباحه الله لك ، ( @QUR@03 تبتغي مرضات ~~أزواجك ) في ما كنت تريده من إدخال السرور عليهن ، ولو على حساب أعصابك؟ ~~وربما كان التحريم الذي صار سببا للحرمة ، كان ناشئا من الحلف على ترك ما ~~لا تريده بعض أزواجه مما يوجب الإلزام بالترك على أساس وجوب التقيد ~~باليمين. ومن هنا ، جاءت هذه الآية لتحله منه بمقتضى تحليل الله له ، فلا ~~إثم في الحنث به. ( @QUR@03 والله غفور رحيم ) فهو الذي يفتح مغفرته ورحمته ~~لعباده ليمنحهم رضوانه ، سواء كان ما فعلوه مما حرمه عليهم ، أو مما حرموه ~~على أنفسهم باليمين ونحوه ، أو بالالتزام الذاتي بالترك لما أباحه لهم. # ( @QUR@06 قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) في ما جعله لكم من أسباب ms5163 ~~التحليل العامة والخاصة ، فجعل لكم أن تتحللوا منها لتأخذوا حريتكم في ترك ~~ما التزمتم فعله ، أو في فعل ما التزمتم تركه ، بالوسائل التي جعلها في ~~متناول أيديكم. ( @QUR@02 والله مولاكم ) الذي يتولى أموركم ، ويسير بكم ~~إلى مواقع النجاح من خلال التشريع الحكيم والهداية القويمة. ( @QUR@03 وهو ~~العليم الحكيم ) الذي يعرف كل ظروفكم وأسراركم ومواضع صلاحكم وفسادكم ، ~~ويتصرف في أموركم بحكمته ، في ما PageV22P308 # يريد لكم أن تفعلوه ، وفي ما يفرض عليكم أن تتركوه. # وقد أفاض الرواة المفسرون في طبيعة العمل الذي حرمه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه بيمينه ، فبين قائل إنه حرم عليه فتاته مارية ~~التي كانت سرية له إرضاء لبعض أزواجه ، فحلف أن لا يقاربها بعد ذلك ، وبين ~~قائل إنه شرب من زوجته سودة عسلا ، فحلف أن لا يشرب منها شيئا بعد ذلك لأن ~~عائشة وحفصة وجدا فيه ريحا كريهة من خلاله. # ونحن لا نريد الإفاضة في ذلك ، لأن القضية عندنا تتصل بالمبدأ الذي نريد ~~أن نستوحي منه سمو خلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الرفق بمن حوله ، ~~ورعاية الله له في حل يمينه إرفاقا به ، لئلا تثقله التزاماته الشخصية في ~~داخل البيت الزوجي عن القيام بمسؤولياته في الدعوة والجهاد ورعاية الشؤون ~~العامة للمسلمين. # * * * PageV22P309 ### ||| * الآيات # ( @QUR@029 وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله ~~عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني ~~العليم الخبير (3) @QUR@021 إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا ~~عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) ~~@QUR@017 عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ~~تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أسر ): السر هو الحديث الذي تكتمه في نفسك وتخفيه. والإسرار : ~~إفضاؤك الحديث إلى غيرك مع إيصائك بإخفائه. # ( @QUR@01 صغت ): الصغو : الميل ، والمراد به الميل إلى الباطل والخروج ~~عن الاستقامة. # ( @QUR@01 تظاهرا ): التظاهر ، التعاون. # * * * PageV22P310 ### ||| ** النبي يسر إلى إحدى زوجاته حديثا فتذيعه # وهذه مشكلة أخرى عاشها ms5164 النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيته الزوجي ، ~~من خلال بعض زوجاته في ما حدث به من سر كان من المفروض أن لا تفشيه ، لأن ~~السر في طبيعته يمثل لونا من ألوان الائتمان الذي ينبغي لمن اؤتمن عليه أن ~~يحافظ على سريته كما يحافظ على الأمانة ، بقطع النظر عن الشخص الذي يملك ~~السر ، فكيف إذا كان صاحب السر نبيا ، وكانت الأمينة عليه زوجته ، في ما ~~يفرض على الزوجة ، لا سيما إذا كانت زوجة النبي ، لأن أسرار الزوج ~~وخصوصياته في الحياة الزوجية ، فإن الإنسان يتحرك في بيته بعفوية واسترسال ~~، لا يعيشهما في داخل المجتمع العام ، مما يجعله يبرز عاريا في بعض أسراره ~~في حديثه مع زوجته ، كما يبدو عاريا في خلواته الشخصية في جسده. # وهكذا نبأت هذه الزوجة بالسر الذي ائتمنها عليه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزل القرآن عليه ليعالج هذه المسألة الخاصة ، ~~باعتبار أن خصوصيات الرسول ليست أمورا ذاتية له ، في ما قد يتحدث فيه الناس ~~من الفصل بين الشؤون الخاصة والشؤون العامة للنبي أو للإمام أو للولي أو ~~القائد ، لأن له صفة رسمية لا بد له من أن يتقيد فيها بالحدود العامة ، وله ~~صفة شخصية يمكن أن يمارسها بحريته من دون أن يكون لأحد دخل فيها. # ولكن للإسلام رأيا آخر في ذلك ، فإن قيمة المسؤول الأول في مسئوليته ، ~~تتناول خصوصياته الذاتية في التقييم ، كما تتناول شؤونه العامة من خلال ~~وحدة عناصر الشخصية في ما تفرض من القيمة في عناصر المسؤولية ، وفي ضوء ذلك ~~، كان الحديث عن بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم جزءا من الحديث عن حياته PageV22P311 # وعن مسئوليته ، وعن ساحته الخاصة المتصلة بالساحة العامة ، لا سيما إذا ~~كانت القضية متصلة بحالته النفسية التي تتأثر بها حركة الرسالة في حياته. # وقد نجد في الحديث عن نقاط الضعف لبعض أمهات المؤمنين ، أن صفة الزوجية ~~للنبي لا تمنع من التأكيد على الجانب الشخصي من حياتهن بالطريقة التي تخضع ~~فيها للنقد ، في الصفة الإنسانية الطبيعية ، وفي قيمة ms5165 الالتزام الرسالي ، ~~من خلال السلوك الشخصي ، بالمستوى الذي يوحي بأن الصفة لا تمنحهن امتيازا ~~يعفيهن من المسؤولية ، بل يفرض عليهن مسئولية كبري ، أكثر خطورة من بقية ~~النساء. # ( @QUR@07 وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) في ما يسر به الزوج إلى ~~زوجاته من أحاديث خاصة ، تتعلق ببعض أوضاعه الشخصية في علاقاته الذاتية أو ~~تتعلق ببعض الأوضاع العامة. وقد جاء الحديث في السيرة أن هذه الزوجة هي ~~حفصة. وربما أراد لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا تحدث به أحدا ، لأن ~~المسألة المعينة فيه ، لا ينبغي أن تتجاوز الدائرة الخاصة. ولكن هذه المرأة ~~لم تطق حمل هذا السر لتحتفظ به لنفسها ، فأنبأت به عائشة ، في ما تتحدث به ~~كتب السيرة للعلاقة الحميمة فيما بينهما ، بالمستوى التي كانت إحداهما لا ~~تخفي شيئا عن الأخرى. وربما كانتا تتعاونان على بعض التصرفات المشتركة التي ~~تتصل بإدارة أوضاعهما الخاصة في مقابل الزوجات الأخريات كما تتحدث عن ذلك ~~بعض أحاديث السيرة النبوية الشريفة وهكذا انتقل الحديث من حفصة إلى عائشة ، ~~( @QUR@06 فلما نبأت به وأظهره الله عليه ) وعرفه بذلك ( @QUR@02 عرف بعضه ~~) في حسابه لها ( @QUR@03 وأعرض عن بعض ) فأهمل الحديث عنه ، ( @QUR@07 ~~فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا ) استغربت ذلك ، وربما دار في ذهنها أن ~~صاحبتها هي التي كشفت إذاعتها للسر ، لأن الحديث لم يتجاوزهما ، ولم تكن ~~تفكر أن الوحي يتدخل لتعريف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسائل الخاصة ~~التي تدور في بيته الزوجي ، لأنها من الأمور التي لا تتصل بالرسالة ، ولهذا ~~كانت تحس بالأمن من انكشاف سرها ، PageV22P312 # بعد أن كانت واثقة من رفيقتها في كتمانه. ( @QUR@04 قال نبأني العليم ~~الخبير ) الذي يحفظ نبيه في بيته مما يسيء إلى موقعه ، كما يحفظه في ~~الساحات العامة من ذلك. وهنا ، كانت المسألة التوجيهية التي يريد الله لهما ~~أن يلتزماها ، ويختارا الموقف الذي يرغبن في التزامه في مستقبل حياتهما مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في خطاب قوي حاسم يضع الموقف بين خيارين في ~~الخط العملي لهما. # ( @QUR@04 إن ms5166 تتوبا إلى الله ) مما قمتما به من تصرف لا ينسجم مع الدائرة ~~الأخلاقية في التعامل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نطاق المسؤولية ~~الزوجية الخاصة ، وتتراجعا عن ذلك ، ( @QUR@03 فقد صغت قلوبكما ) أي تحقق ~~منكما ما يستوجب التوبة ، وهو الصغو أي الميل القلبي إلى الباطل ، والخروج ~~عن خط الاستقامة. # ( @QUR@03 وإن تظاهرا عليه ) أي تتعاونا عليه للإساءة إليه ، والتمرد ~~عليه بالموقف المشترك ضده ، فلن تستطيعا أن تحققا ضده أي شيء ، ( @QUR@04 ~~فإن الله هو مولاه ) الذي يتولى رعايته ونصرته من خلال عنايته الخاصة به ، ~~( @QUR@03 وجبريل وصالح المؤمنين ) وقد وردت الرواية من طرق أهل السنة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليه السلام ، ~~أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقيل : إن المراد ~~به الصلحاء من المؤمنين ، على سبيل إرادة الجمع من الواحد ، أو إرادة الجنس ~~منه (1). # ( @QUR@04 والملائكة بعد ذلك ظهير ) يقفون صفا واحدا كما لو كانوا وجودا ~~واحدا ، لينصروه وليثبتوا موقفه ، مما يوحي بالأهمية الكبرى لوجود النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في عناية الله به ، بقطع النظر عن هذه الحادثة الخاصة ~~التي قد لا تحتاج إلى ذلك كله ، في مواجهة الموقف الناتج عنها ، فقد يكون ~~المقصود هو إيجاد الشعور الداخلي بعظمته ورفعة مقامه ، بحيث لا تحول ~~الزوجية بينهما ، في ما تفرضه من حالة انكشاف مطلق بين الزوج والزوجة ، ~~وبين الانفتاح على PageV22P313 # جانب الهيبة له والتعظيم لمقامه. # ويتصاعد الأسلوب الإيحائي ليواجههما وغيرهما من نساء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالحقيقة التي تؤكد لهن بأنهن لا يمثلن النموذج الوحيد ~~للمرأة الصالحة التي تكون في مستوى أن تكون زوجة للنبي ، فهناك نساء أخريات ~~من سائر الناس ممن يمكن أن تتمثل فيهن الصفات الخيرة المتناسبة مع الجو ~~الروحي الإيماني ، المتناسب مع شخصية النبي وروحيته وموقعه الرسالي ، ليكن ~~البديل عنهن ، إذا اقتضت رغبته أو المصلحة الرسالية أن يطلقهن وينفصل عن ~~العلاقة الزوجية بهن ، فلا يعتبرن أنفسهن في الموقع المميز الذي لا بديل له. ms5167 # ( @QUR@09 عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) يتميزن بالتقوى ~~المنفتحة على كل جوانب الإيمان والعمل الصالح ( @QUR@01 مسلمات ) في ما ~~يمثله الإسلام من الانتماء لهذا الدين ، من إسلام القلب والعقل والوجه ~~واليد واللسان لله ، ( @QUR@01 مؤمنات ) في ما هو الإيمان القلبي الذي ~~يتعمق في الفكر والإحساس ( @QUR@01 قانتات ) من خلال التزامهن طاعة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وابتعادهن عن معصية الله ومعصيته ، ( @QUR@01 تائبات ) ~~من كل الذنوب التي ألممن بها في تاريخهن الخاص ، ( @QUR@01 عابدات ) لله في ~~كل ما تمثله العبادة من الخضوع المطلق له والخشوع الروحي بين يديه ، ( ~~@QUR@01 سائحات ) أي صائمات ، كما ذكر ، أو سائحات في طاعة الله وطلب رضاه ~~، ( @QUR@02 ثيبات وأبكارا ) في ما ترغبه نفسه من ذلك من ألوان النساء. # وهكذا رأينا كيف عالج الإسلام هذه المسألة الشخصية في حياة النبي وأزواجه ~~، بالتأكيد على الجانب العملي المنسجم في خط الرسالة في واقع زوجاته ، ~~للتأكيد على ما أسلفنا الحديث عنه ، بأن التقوى هي القيمة في المنزلة ، ~~وليست الموقع الذي يتخذه لنفسه ، في حياة الأنبياء والأولياء. # * * * PageV22P314 ### ||| * الآية # ( @QUR@023 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 قوا ): أمر من الوقاية بمعنى حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. # ( @QUR@01 وقودها ): الوقود بفتح الواو اسم لما توقد به النار من حطب ونحوه. # ( @QUR@01 غلاظ ): جمع غليظ وهو ضد الرقيق. # ( @QUR@01 شداد ): جمع شديد بمعنى القوي في عزمه. # * * * PageV22P315 # ( @QUR@04 قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) # وهذا نداء للمؤمنين الذين يريد الله منهم تفادي الآثار السيئة للانحراف ، ~~تماما كما أراد ذلك لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فحملهم مسئولية ~~أنفسهم وأهليهم أن يبتعدوا عن النار بكل الوسائل التي يملكونها. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) انطلقوا من موقع الإيمان الذي يثير ~~أمامكم الاستعداد لليوم الآخر الذي تواجهون فيه المسؤولية أمام الله ، في ~~ما كنتم تستطيعون القيام به من خلاص أنفسكم وأهليكم من نار جهنم ، ( ~~@QUR@07 قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) بحيث يتحول الناس ~~فيها إلى حطب للوقود ms5168 ، كما تتحول الحجارة إلى جمرات تتوهج وتشتعل وتلتهب ، ~~( @QUR@04 عليها ملائكة غلاظ شداد ) في ما يفرضه موقعهم في الإشراف على نار ~~جهنم في مهمات التعذيب القاسية من الغلظة والشدة التي تضيف إلى عذاب النار ~~عذابا آخر ، ( @QUR@05 لا يعصون الله ما أمرهم ) في إنزال العذاب بالكافرين ~~والمتمردين على الله ، بفعل المؤثرات العاطفية أو غيرها ، ( @QUR@03 ~~ويفعلون ما يؤمرون ) بكل دقة وإخلاص. # هذا هو النداء الإلهي الحاسم الصارم الذي يريد إثارة الشفقة ، كما يريد ~~إثارة الخوف الذي يتحرك ليتحول إلى موقف. ولكن كيف تكون عملية الوقاية ~~للآخرين من أهله ، إذا عرفنا كيف تكون الوقاية للنفس بالالتزام بالعمل ، ~~لأن تصرفات الآخرين ليست خاضعة له؟ # وقد جاءت الأحاديث المأثورة التي أثارت المسألة أمام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد جاء في الكافي بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل ~~سام عن أبي عبد الله «جعفر الصادق عليه السلام » قال : لما نزلت هذه الآية ( ~~@QUR@08 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) جلس رجل من ~~المؤمنين يبكي ، وقال : أنا عجزت عن نفسي وكلفت أهلي. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حسبك أن تأمرهم بما تأمر به PageV22P316 # نفسك وتنهاهم عما تنهى به نفسك (1). # وفي حديث آخر في الكافي بإسناده عن سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله ~~قال : قلت : كيف أقيهم؟ قال : تأمرهم بما أمر الله وتنهاهم عما نهى الله ، ~~فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم ، وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك (2). # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن المسألة تندرج في مسئولية الإنسان في مجال الدعوة ~~إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بالوسائل المتنوعة التي ~~تقود إلى الاقتناع الفكري والإيمان القلبي ، وبالأساليب الضاغطة التي تثير ~~أمام الإنسان الكثير مما يفرض عليه النظر بجدية ومسئولية إلى المسائل التي ~~تطرح عليه ، ليفكر فيها ، وليتوجه إلى الالتزام بها. # وقد تكون خصوصية الأهل من خلال توفر الأجواء الضاغطة التي يملكها الإنسان ~~تجاههم ، باعتبار القرب العاطفي والمصالح المادية ، والمجتمع الواحد الذي ~~يتحركون فيه ، مما تلتقي فيه العاطفة بالعقل والعادة ms5169 والأجواء المشتركة. # وهذا هو ما ينبغي للآباء والأمهات أن يتحملوا مسئوليته في رعاية شؤون ~~أولادهم الدينية ، بالتأكيد على تنمية المشاعر الإيمانية في مشاعرهم ، ~~وتركيز العقيدة الإسلامية في أفكارهم ، وتحريك الالتزام الديني في واقعهم ~~العملي قبل أن يسبقهم إليهم الضالون المضلون من الكافرين والمنحرفين ~~والمستكبرين بما يثيرونه من أفكار الكفر وعاداته وتقاليده ، ليصوغوا ~~أجيالنا صياغة كافرة ، قد تؤدي إلى تعقيدهم ضد الإسلام فكرا وعملا. PageV22P317 # ولعل التقصير في ذلك يساوي التقصير في مواجهة الحملات العسكرية على ~~البلاد الإسلامية ، في ما يعبر عنه ذلك من معنى الخيانة ، بل ربما يزيد ~~عليه ، لأن السيطرة على الأفكار العامة للأمة أكثر خطورة من السيطرة على ~~مواقعها الجغرافية ، باعتبار ما يستتبعه ذلك من نفوذ طوعي للكافرين ~~والمستكبرين على الواقع الإسلامي من الداخل والخارج. # * * * PageV22P318 ### ||| * الآية # ( @QUR@012 يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون ) (7) # * * * # ( @QUR@07 يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ) # ( @QUR@04 يا أيها الذين كفروا ) من موقع العقدة الذاتية الاستكبارية أو ~~المتخلفة التي منعتكم عن الانفتاح على الإيمان بالله ورسله ، لتفكروا ~~ولتحاوروا ولتصلوا إلى النتائج الحاسمة في مسألة الإيمان والكفر ، على ~~قاعدة من الوعي الفكري ، فابتعدتم عن الجدية ، واستغرقتم في السلبية ~~العبثية المتحركة في أجواء اللامبالاة ، فكفرتم تحت تأثير العادة والتقليد ~~للماضي والخوف من التغيير ، حتى واجهتم الموقف الحق في هذا اليوم ، وهو يوم ~~القيامة الذي تقفون فيه اليوم ، كما يقف كل الناس ، ليقوم كل إنسان دفاعه ~~عن موقفه ، وحجته على كل تاريخه الفكري والعملي ، ليجادل عن نفسه ، وليواجه PageV22P319 # الحساب في ذلك كله على أساس الدقة المتناهية في كل المفردات الصغيرة ~~والكبيرة. # وها أنتم تقفون في ساحة النار لتعتذروا عن كفركم ومعاصيكم في الدنيا. ~~ولكن ما فائدة ذلك كله ، وما جدواه ، لأن الساعة هي ساعة الصدق الذي لا ~~يمثل شيئا من منطقكم المتهرب الكاذب ، فما عليكم إلا الاستسلام لمنطق ~~الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم من خلال اللاحجة على كل ما عملتموه. ( ~~@QUR@03 لا تعتذروا اليوم ) فلن تجديكم كل هذه الاعتذارات أو التبريرات ، ( ~~@QUR@05 إنما تجزون ما كنتم ms5170 تعملون )، لأن أعمالكم السابقة لم ترتكز على ~~قاعدة من الفكر الذي يملك حجة ، أو ينتهي إلى أساس من العذر العقلي. # وهذه هي المسألة التي يطرحها الإسلام على كل الناس ، فهو يريد منهم أن ~~يقدموا الحجة على انتماءاتهم وقناعاتهم من موقع الفكر ، ليدخلوا الحوار مع ~~الآخرين ، ولا يلجأوا إلى الأعذار الواهية الناشئة عن التعنت والاستكبار ، ~~لأنها لن نفعهم شيئا في ساعة الحقيقة المرة # * * * PageV22P320 ### ||| * الآية # ( @QUR@046 يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم ~~لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نصوحا ): النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه ، ويأتي بمعنى ~~الإخلاص ، نحو نصحت له الود أي أخلصته على ما ذكره الراغب (1) فالتوبة ~~النصوح ما يصرف صاحبها عن العود إلى المعصية ، أو ما يخلص العبد للرجوع عن ~~الذنب ، فلا يرجع إلى ما تاب منه. # ( @QUR@01 يخزي ): قال الراغب : خزي الرجل : لحقه انكسار إما من نفسه ~~وإما من غيره ، فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية ... PageV22P321 # والذي يلحق من غيره يقال هو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزي .. وأخزى من ~~الخزاية والخزي جميعا ... قال الراغب : وعلى نحو ما قلنا في خزي. قولهم : ~~ذل وهان ، فإن ذلك متى كان من الإنسان نفسه ، يقال له الهون بفتح الهاء ~~والذل ، ويكون محمودا ، ومتى كان من غيره يقال له : الهون بضم الهاء ~~والهوان والذل ويكون مذموما (1). # * * * ### ||| ** توبة نصوح إلى الله # وهذا نداء للمؤمنين ، الذين انحرفت بهم الطريق حتى وقعوا في المعصية ~~وامتدت بهم ، فسيطرت على مساحة كبيرة من حياتهم ، أن يعودوا إلى الله ، حتى ~~يتوبوا إليه توبة نصوحا ، في العمق العميق من خضوعهم له ، وانفتاحهم على ~~طاعته ، ليتقبلهم الله قبولا حسنا ، فيكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنته. # ( @QUR@04 يا أيها الذين آمنوا ) وعاشوا معنى الإيمان العميق في إحساسهم ~~بالحضور الإلهي الشامل في وجودهم ، وواجهوا من موقع ms5171 هذا الإيمان الوعي ~~المسؤول عن الموقف الذي ينتظرهم في الدار الآخرة في لحظة الحساب الحاسمة ، ~~وعرفوا أنهم إذا أشرفوا على الموت ، وهم مستغرقون في المعصية ، ومتمردون ~~على الله ، من دون توبة ، فسيلاقون العذاب الأليم ، وسيعيشون الحرمان ~~الأبدي من الجنة ، فكيف تواجهون الموقف الآن ، وأنتم في وقت المهلة قبل أن ~~يدرككم الموت ، إن الله يناديكم ، فاسمعوا نداءه. # ( @QUR@05 توبوا إلى الله توبة نصوحا ) وهي التوبة الحقيقية التي تتحرك ~~من الندم العميق على ما أسلفتموه من عمل لا يرضي الله ، ومن العزم الأكيد ~~على عدم العودة إليه في المستقبل ، والتخطيط للسير في الخط المستقيم في ~~طاعة الله. PageV22P322 # وقد جاء في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال معاذ ~~بن جبل : يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال : أن يندم العبد على الذنب ~~الذي أصاب ، فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه ، كما لا يعود اللبن إلى ~~الضرع (1). # وهكذا يريد الله من المؤمنين أن يفكروا دائما بالخط الذي ينتمون إليه ، ~~ليدققوا في طريقة حركة خطواتهم عليه ، ويستغرقوا في التدقيق في علاقتهم ~~بالله ، ليدرسوا مدى انفتاحهم عليه ، وإخلاصهم له ، ليقوموا ما انحرفوا فيه ~~، وليصححوا ما أخطئوا فيه ، لتبقى عيونهم مشدودة إلى خط الاستقامة ، فلا ~~يغيب عنهم ، وتبقى قلوبهم مفتوحة على الله ، فلا تنغلق عنه. # ( @QUR@012 عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ) فهذا هو شرط رجاء رحمة الله التي تطل على سيئاتكم ، فتنزيلها من ~~صحيفة أعمالكم ، وعلى موقعكم في اليوم الآخر ، فتؤدي بكم إلى النعيم الخالد ~~في جنات الله التي تتدفق منها الينابيع ، فتجري في ساحاتها أنهارا يجد فيها ~~القلب المتعب الراحة الرضية ، والجسد المرهق الاسترخاء المريح ، والشعور ~~المتوتر الهدوء والاطمئنان والرضا المتطلع إلى رحاب الله. # ( @QUR@08 يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) ولا يحرمهم من ~~كرامتهم ورضوانه. وكيف يخزيهم ، وقد عاشوا الحياة كلها جهادا في الدعوة إلى ~~الإيمان في دينه وإلى الاستقامة في خط طاعته ، وعملا دائبا في سبيل إعلاء ~~كلمته ، والجهاد في سبيله ، على صعيد ms5172 التضحية بكل شيء في خدمته ، فها هم ~~اليوم مغمورون بفيض رحمته ، سائرون إلى رحاب رضوانه ، وكما كانوا في الدنيا ~~معا ، فها هم في الآخرة معا في صعيد الرحمة والكرامة في نعيم الجنان ، وها ~~هم ( @QUR@04 نورهم يسعى بين أيديهم ) في ما قدموه أمامهم من عمل صالح في PageV22P323 # خط الدعوة والجهاد ، ( @QUR@01 وبأيمانهم ) في ما تحركت به أيمانهم ، من ~~مشاريع الخير وخطط الحق ، ( @QUR@05 يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ) في ما قد ~~يكون قد نقص من طاعتنا ، أو في ما أسرفنا فيه من ذنوبنا ، ( @QUR@02 واغفر ~~لنا ) فإنها السبيل إلى استكمال النعمة في رضاك عنا وقربنا إليك ، ( ~~@QUR@05 إنك على كل شيء قدير )، فلا يعجزك شيء من ذلك ، فإن الأمور كلها ~~بيدك ، وأنت المهيمن على الدنيا. # * * * PageV22P324 ### ||| * الآية # ( @QUR@012 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير ) (9) # * * * ### ||| ** مجاهدة النبي الكفار والمنافقين # وتبقى مسألة الكفار والمنافقين هي الشغل الشاغل لكل جهد النبي والذين ~~آمنوا معه والسائرين في طريقه من بعده ، ليكون الجهاد هو السبيل للوصول إلى ~~حل حاسم في الموضوع ، سواء كان جهادا بالكلمة أو بالقوة ، لأن كثيرا من ~~الأوضاع القلقة المضادة لا يمكن أن تعالج باللامبالاة ، لأن ذلك يؤدي إلى ~~تعاظمها وتناميها واستمرارها ، بل لا بد من أن تعالج بالجدية المتحركة في ~~نطاق الوعي الواقعي للموقف. # ( @QUR@06 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) حتى تمنعهم من العبث ~~بالواقع الإسلامي في سلامة المجتمع المسلم من الخلل والفتنة والتآمر ، ومن الضغوط PageV22P325 # الخارجية والداخلية الناشئة من قوة مجتمع الكفر والنفاق. # ( @QUR@02 واغلظ عليهم ) لأن اللين هو الأسلوب المتبع في الحالات ~~الطبيعية التي يقصد فيها الإقناع والمعالجة السلمية للمشاكل الخفيفة ~~الطارئة في الحياة العامة ، مما لا ينفع معه اللجوء إلى القوة ، بل ربما ~~تؤدي إلى ضرر كبير ، ومشكلة أعظم. أما الحالات الشديدة الصعبة التي تمثل ~~مستوى الخطورة على الوضع الإسلامي العام ، من قبل القوى الكافرة والمنافقة ~~التي تأبى الحوار ، وتمتنع عن التفاهم ، فلا بد من مواجهتها بمثل أسلوبها ~~الصدامي ، لتكون القوة في مواجهة القوة ، ولينطلق العنف ليتحدى الذين لا ~~يفهمون ms5173 إلا بلغة العنف ، فليس هناك حل معهم إلا بهذه الطريقة ، لأنهم ~~ابتغوا سبيل العناد والحرب على الله ورسوله ، وأغلقوا عقولهم وقلوبهم عن ~~كلمات الحق ودعوات الخير ، فاستحقوا غضب الله ( @QUR@04 ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير ) فهذا هو الجزاء الطبيعي في كل أعمالهم وأوضاعهم الكافرة الشريرة # * * * PageV22P326 ### ||| * الآيات # ( @QUR@027 ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) @QUR@024 وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم ~~الظالمين (11) @QUR@017 ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فخانتاهما ): الخيانة : قال الراغب : الخيانة والنفاق واحد ، ~~إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا ~~بالدين ثم يتداخلان ، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ، ونقيض ~~الخيانة : الأمانة ، يقال : PageV22P327 # خنت فلانا وخنت أمانة فلان (1). # * * * ### ||| ** المرأة في مستوى المثل للآخرين # وفي هذه الآيات نلتقي بالمرأة لتكون مثلا حيا للخط السلبي والخط الإيجابي ~~في سلوك الإنسان ، الرجل والمرأة ، فكانت المرأة الكافرة في نموذجين مثلا ~~للذين كفروا ، وكانت المرأة المؤمنة في نموذجين ، مثلا للذين آمنوا ، لنأخذ ~~من ذلك الفكرة الإسلامية التي تتحدث عن المرأة من موقع القيمة التي تصلح ~~عنوانا للضعف البشري ، أو تكون وجها من وجوه القوة الإنسانية ، لتوحي بأن ~~الضعف الأنثوي لا يمثل الحتمية الخالدة في شخصية المرأة ، بل يمكن لها أن ~~تنمي عناصر القوة في شخصيتها ، لتحصل على الشخصية القوية التي تكون قدوة ~~ومثلا حيا إيجابيا للرجل والمرأة معا ، مما يلغي الفكرة التي تنظر إلى ~~المرأة من موقع الضعف الذي لا مجال فيه لأية قوة. # * * * ### ||| ** امرأتا نوح ولوط مثل للكافرين # ( @QUR@015 ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين ) فكانتا زوجتين لنبيين من أنبياء الله هما نوح ~~ولوط ، ( @QUR@01 فخانتاهما ) في موقفهما المضاد للرسالة ، حيث اتبعتا ~~قومهما في الكفر ms5174 ، ولم تنسجما مع طبيعة موقعهما الزوجي الذي يفرض عليهما أن ~~تكونا من أوائل المؤمنين بالرسالة ، لأنهما تعرفان من استقامة زوجيهما ~~وأمانتهما PageV22P328 # وصدقهما وجديتهما ما لا يعرفه الآخرون ، فلا يبقى لهما أي عذر في ~~الانحراف عن خط الرسالة والرسول ، ولكن المشكلة أنهما كانتا غير جادتين في ~~مسألة الانتماء الإيماني والالتزام العملي ، فلم تنظرا إلى المسألة نظرة ~~مسئولة ، بل عاشتا الجو العصبي الذي يربطهما بتقاليد قومهما ، فكانتا ~~تفشيان أسرار النبيين في ما قد يسيء إلى مصلحة الرسالة والرسول ، وكانتا ~~تبتعدان في سلوكهما عن منطق القيم الروحية الإيمانية لتبقيا مع منطق ~~الوثنية ، مما يجعل البيت الزوجي النبوي يتحرك في دائرة الجاهلية إلى جانب ~~دائرة الإيمان ، ولعل ضلال ابن نوح كان خاضعا لتأثير والدته ، ويقال : إن ~~امرأة لوط كانت تخبر قومها بالضيوف الذين يزورون زوجها ، ليقوموا بالاعتداء ~~عليهم ، فكانت خيانتهما للموقف وللموقع. # ( @QUR@06 فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ) ولم تنفعهما صلتهما الزوجية ~~بالنبيين في إنقاذهما من المصير المحتوم ، لأن المسؤولية لدى الله تبقى في ~~النطاق الفردي الذي يتحمل فيه كل إنسان مسئولية عمله ، من خير أو شر ، فلا ~~قيمة للعلاقات بالخيرين إذا كان المتصل بهم كافرا شريرا ، كما لا قيمة ~~للعلاقات بالأشرار إذا كان المتصل بهم مؤمنا خيرا. وهكذا واجهتا الموقف ~~الحاسم الذي يفرضه كفرهما وخيانتاهما العملية للنبيين ، ( @QUR@05 وقيل ~~ادخلا النار مع الداخلين ) لأن القاعدة التي فرضت دخولهم في النار هي التي ~~تفرض دخولكما فيها. # * * * ### ||| ** امرأة فرعون ومريم مثل للمؤمنين # ( @QUR@07 وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ) التي كانت في موقع ~~السلطة العليا التي يملكها زوجها ، فكانت في مقام الملكة لشعبها ، وكانت PageV22P329 # الدنيا بكل زخارفها وزينتها وشهواتها ولذاتها ، تحت قدميها ، ولكنها رفضت ~~ذلك كله عند ما اكتشفت الإيمان بالله ، وعاشت في خط العبودية له ، وذاقت ~~طعم مناجاته في حالة الخشوع الروحي والخضوع الجسدي في لحظات السجود الذي ~~كان يرتفع بروحها إلى الدرجات العليا الروحانية في رحاب الله ، فاحتقرت ~~زوجها وملكه ، وكل هؤلاء الخاضعين له ، المتزلفين له ، اللاهثين وراء ماله ~~وسلطانه ، ليحصلوا على شيء منهما ms5175 ، ورأت نفسها غريبة بينهم ، لأنها تعيش ~~غربة الروح والفكر والشعور عن كل أوضاعهم وعاداتهم ومنطقهم الكافر ، ونظرت ~~إلى الدار الواسعة التي هي في رحابة القصور الملكية التي تحيط بها الجنائن ~~النضرة وتجري الأنهار من تحتها ، فشعرت بالاختناق الروحي فيها ، فصرخت في ~~ما يشبه الاستغاثة في خلوتها الروحية بين يدي الله الذي كانت تراه بعين ~~إيمانها القلبي ، ( @QUR@09 إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة )، لأنه ~~البيت الذي أعيش فيه في جنة رضوانك ، وأحس فيه بسعادة الروح إلى جانب نعيم ~~الجسد ، فلا أحس بأي حزن مما يحس به الناس في الدنيا ، لأنني لا أجد هناك ~~أي حرمان يوحي بالألم أو بالحزن الداخلي ، فهذا هو الحلم الكبير الذي أتطلع ~~من خلاله إلى السعادة المطلقة ، فأنا الإنسانة التي أشعر بالتعاسة القاسية ~~، في ما يشعر به الناس بالسعادة التي تلتقي عندها أحلامهم ، وأشعر بالسعادة ~~في ما لا يبالي فيه الناس في أفكارهم. # ( @QUR@04 ونجني من فرعون وعمله ) في علوه الاستكباري ، وفي ظلمه ~~للمستضعفين من الناس ، وفي طغيانه على الحياة والحقيقة ، وفي تمرده على ~~الله ، فإني لا أطيق الحياة معه ، لأني أتصوره كما يتصور الإنسان الوحش إذا ~~أقبل عليه أو عاش معه ، ولذا ، فإن نجاتي منه هي حلم حياتي الكبير. # ( @QUR@04 ونجني من القوم الظالمين ) الذين يمثلون المجتمع الفرعوني ~~الذين يزينون له طغيانه وجبروته ، ويضخمون له شخصيته ، ويدعمون ظلمه ~~واستكباره ، ليكونوا قاعدة الظلم الذي يمارسه في ما يشرعون له من قوانينه ، PageV22P330 # وفي ما ينفذونه من خططه ومشاريعه. # وهكذا نجد في هذه المرأة المؤمنة التي عاشت في أعلى درجات السلم ~~الاجتماعي ، التي يضعف الأقوياء أمامها فيسقطون وتسقط معهم مبادئهم ، ~~المثال الحي للمرأة القوية التي تجمعت فيها كل عناصر القوة ، من الروحية ~~العالية ، والإرادة الحديدية ، والوعي العميق لكل خلفيات الواقع الفاسد ~~الذي يحيط بها ، لتعطي الدرس الكبير لكل الذين يتعللون في تبرير انحرافهم ~~بالبيئة الفاسدة التي يعيشون فيها ، فلا يملكون إلا الخضوع لضغوطها الشديدة ~~، لتقول لهم بأنهم لم يبلغوا في انحراف مجتمعهم ما بلغه مجتمعها الخاص ~~والعام من ms5176 خطورة الانحراف ، ولم يعيشوا في قلب الإغراء كما عاشت فيه ، ولكن ~~الفرق بينها وبينهم ، أنهم عاشوا الانبهار بالواقع المحيط بهم ، عند ما ~~استغرقوا فيه ، فسقطوا في أوحاله ، أما هي فقد ارتفعت بروحها وعقلها عنه ، ~~وحدقت فيه تحديقه الإنسان الواعي الذي يريد أن يرى العمق الداخلي ليكتشف ما ~~في داخله من أوساخ وأدران ونقاط ضعف ، ليتخذ موقفه من خلال وعي العمق ، لا ~~من خلال سذاجة السطح. # وبذلك ، استطاعت أن تتجاوز الضعف الأنثوي ، لترتفع إلى درجة القوة ~~الإنسانية الإيمانية التي تتقدم فيها على الرجال في إرادتها القوية وقرارها ~~الحاسم ، لتكون أمثولة للرجال والنساء من المؤمنين ، ليرتفعوا إلى مواقع ~~السمو التي بلغتها من خلال الوعي الإيماني في شخصيتها الإنسانية. # ( @QUR@06 ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ) في تعبير كنائي عن ~~طهارتها وعفتها التي استطاعت أن تحافظ عليها من خلال قوتها الروحية ~~الإيمانية ، وأن تواجه قومها الذين أرادوا أن يتهموها في أخلاقها ، بكل قوة ~~وصلابة وشموخ فلم تضعف أمامهم ، فاستمدت القوة من الله ( @QUR@04 فنفخنا ~~فيه من روحنا ) فجعلناها وابنها آية للعالمين ( @QUR@04 وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه ) التي أوحى بها إلى رسله PageV22P331 # كالتوراة والإنجيل ، ( @QUR@03 وكانت من القانتين ) الذين خضعوا لله ~~وأخلصوا له العمل ، واستمروا عليه في الخط المستقيم. # وهكذا بقيت هذه الإنسانة الطاهرة مثلا لكل الناس في الطهر والإيمان ~~والتصديق برسالات الله ، والسير على خط طاعته ، لتكون النموذج الأمثل الذي ~~يعبر عن قدرة المرأة التي تعيش القرب من الله ، أن تنتصر على كل نوازع ~~الضعف التي توحي لها بالانحراف ، فتتمرد عليها بالإيمان الخالص والإرادة ~~القوية ، ليقتدي بها الرجال والنساء ، من المؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان. # * * * PageV22P332 ### | الفهرس # تفسر سورة الحديد [1 29] # في أجواء ~~السورة............................................................. 7 # سبب ~~التسمية.............................................................. 9 # الآيات [1 ~~6]................................................................ 10 # كل شيء يسبح لله....................................................... 10 # الله المطلق في كل ~~شيء.................................................... 12 # الله مدبر ~~الخلق........................................................... 13 # الآيات [7 ~~11].............................................................. 15 # معاني ~~المفردات............................................................ 15 # الإيمان بالله والإنفاق في ~~سبيله.............................................. 16 # الإيمان عهد بين الله وبين ~~عباده............................................. 18 # الله يخرج عباده من الظلمات إلي ~~النور....................................... 18 # الحث علي الإنفاق في ms5177 سبيل ~~الله............................................ 19 PageV22P333 # الإنفاق في ساحات ~~الجهاد.................................................. 20 # التجارة مع ~~الله............................................................ 21 # الآيات [12 ~~15]............................................................. 23 # معاني ~~المفردات............................................................ 23 # المؤمنون والمنافقون في ساحة ~~القيامة.......................................... 24 # حال المؤمنين يوم ~~القيامة.................................................... 24 # حال المنافقين يوم ~~القيامة................................................... 25 # أهل النفاق ينادون ~~المؤمنين................................................. 27 # الآيتان [16 ~~17]............................................................. 29 # معاني ~~المفردات............................................................ 29 # خشوع قلوب المؤمنين لذكر ~~الله............................................. 30 # الآيتان [18 ~~19]............................................................. 33 # الصديقون ~~والشهداء....................................................... 33 # الآيتان [20 ~~21]............................................................. 35 # معاني ~~المفردات............................................................ 35 # الحياة الدنيا متاع ~~الغرور.................................................... 36 # التسابق إلي مغفرة ~~الله...................................................... 38 # الآيات [22 ~~24]............................................................. 40 # معاني ~~المفردات............................................................ 41 # ما أصاب من مصيبة إلا في ~~كتاب........................................... 41 # الآيات [25 ~~27]............................................................. 44 # معاني ~~المفردات............................................................ 44 # هدف الرسالات قيام الناس ~~بالقسط......................................... 45 # بأس الحديد ~~ومنافعه....................................................... 47 # رهبانية ~~ابتدعوها........................................................... 49 PageV22P334 # الآيتان [28 ~~29]............................................................. 51 # يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله................................................. 51 # تفسير سورة المجادلة [1 22] # في أجواء ~~السورة........................................................... 57 # الآيات [1 ~~4]................................................................ 59 # معاني ~~المفردات............................................................ 59 # قضاء الله حاجة المجادلة في ~~زوجها........................................... 60 # مفهوم الظهار ~~وحكمه...................................................... 61 # الآيتان [5 ~~6]................................................................ 63 # معاني ~~المفردات............................................................ 63 # كبت الذين يحادون الله ~~ورسوله............................................. 64 # الآيات [7 ~~10].............................................................. 65 # معاني ~~المفردات............................................................ 65 # النجوي في مواقعها ~~وإيحاءاتها................................................ 66 # التحية بين الجاهلية ~~والإسلام................................................ 67 # التناجي ~~بالبر............................................................. 69 # نجوي الشيطان والقوي ~~المستكبرة............................................. 70 # الآية ~~[11].................................................................... 72 # معاني ~~المفردات............................................................ 72 # الإفساح في ~~المجالس........................................................ 73 # الآيتان [12 ~~13]............................................................. 75 # معاني ~~المفردات............................................................ 75 PageV22P335 # التصدق عند لقاء ~~الرسول.................................................. 75 # الصلاة عند عدم التمكن من ~~الصدقة........................................ 77 # الآيات [14 ~~21]............................................................. 79 # معاني ~~المفردات............................................................ 79 # حديث المنافقين في ~~المدينة.................................................. 80 # أولئك حزب الشيطان..................................................... 83 # كيف نفهم غلبة الله ~~ورسله!................................................ 84 # الآية ~~[22].................................................................... 86 # معاني ~~المفردات............................................................ 86 # صفة المؤمنين بالله ~~ورسوله.................................................. 86 # ما تعالجه هذه الآية بأسلوبها ~~الخاص.......................................... 87 # أولئك حزب ~~الله.......................................................... 89 # تفسير سورة الحشر [1 24] # في أجواء ~~السورة........................................................... 93 # اسم ~~السورة............................................................... 96 # الآيات [1 ~~5]................................................................ 97 # واقعة بني ~~النضير.......................................................... 97 # الآيات [6 ~~8].............................................................. 103 # معاني ~~المفردات.......................................................... 103 # حكم الفيء............................................................ 104 # كيف نستوحي التشريع المذكور!........................................... 108 # ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا............................... 108 # الآية في خط التربية ~~الروحية............................................... 110 PageV22P336 # الطليعة المؤمنة في مواجهة ~~المشركين......................................... 110 # الآية ms5178 ~~[9].................................................................... 113 # معاني ~~المفردات.......................................................... 113 # صفة الأنهار ~~المؤمنين...................................................... 114 # الآية ~~[10].................................................................. 116 # الجيل الإسلامي ~~الثاني.................................................... 116 # الآيات [11 ~~14]........................................................... 118 # معاني ~~المفردات.......................................................... 118 # المنافقون في صورة ~~قرآنية.................................................. 119 # الآيات [15 ~~17]........................................................... 124 # مثل اليهود كمثل الذين من قبلهم من ~~المشركين............................... 124 # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر...................................... 125 # الآيات [18 ~~20]........................................................... 128 # نداء التقوي في خط المحاسبة ~~والعمل........................................ 128 # وجوب محاسبة الإنسان لنفسه ~~يوميا........................................ 129 # ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله............................................... 131 # الآية ~~[21].................................................................. 133 # القرآن يبعث خشية الله في ~~الروح.......................................... 133 # الآيات [22 ~~24]........................................................... 135 # مع أسماء الله ~~الحسني..................................................... 135 # تفسير سورة الممتحنة [1 13] # في أجواء ~~السورة......................................................... 141 # اسم ~~السورة............................................................. 143 PageV22P337 # الآيات [1 ~~3].............................................................. 144 # تنبيه المؤمنين إلي معاداة أعداء ~~الله......................................... 144 # لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء........................................... 145 # مع حديث مناسبة النزول، عرض ومناقشة.................................. 148 # الآيات [4 ~~7].............................................................. 151 # الله يحدد القدوة الحسنة ~~للمسلمين......................................... 151 # إبراهيم ومن معه، هم القدوة الحسنة ~~للمسلمين.............................. 152 # الآيتان [8 ~~9].............................................................. 155 # من هم الذين لا ينهي الله عن ~~معاداتهم!.................................... 155 # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين............................... 156 # إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في ~~الدين................................. 157 # كيف نستوحي الآيتين................................................... 157 # المسألة الفقهية بين العناوين الأولية ~~والثانوية................................. 159 # الآيتان [10 ~~11]........................................................... 160 # مناسبة نزول هذه ~~الآيات................................................. 160 # قيمة المرأة إسلاميا من خلال هذه ~~الآيات................................... 162 # امتحان المؤمنات ~~المهاجرات................................................ 163 # الآية ~~[12].................................................................. 167 # كيف نفهم معني بيعة الناس للرسول!...................................... 167 # بيعة ~~النساء............................................................. 168 # الآية ~~[13].................................................................. 172 # لا تتولوا قوما غضب الله ~~عليهم........................................... 172 PageV22P338 # تفسير سورة الصف [1 14] # في أجواء ~~السورة......................................................... 175 # اسم ~~السورة............................................................. 175 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 177 # معاني ~~المفردات.......................................................... 177 # وجوب اقتران القول ~~بالفعل................................................ 178 # لم تقولون ما لا ~~تفعلون!.................................................. 178 # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا................................... 181 # الآية ~~[5].................................................................... 182 # معاني ~~المفردات.......................................................... 182 # موسي يواجه الأذي من قومه.............................................. 183 # الآية ~~[6].................................................................... 185 # معاني ~~المفردات.......................................................... 185 # النبي عيسي أمام تكذيب قومه ~~له.......................................... 185 # الآيات [7 ~~9].............................................................. 188 # معاني ~~المفردات.......................................................... 188 # ومن أظلم ممن افتري علي الله ~~الكذب...................................... 189 # الله متم نوره ولو كره ~~الكافرون............................................. 190 # هو الذي ms5179 أرسل رسوله ... ليظهره علي الدين ~~كله............................ 191 # الآيات [10 ~~13]........................................................... 193 # معاني ~~المفردات.......................................................... 193 # التجارة التي تنجي من عذاب ~~أليم.......................................... 194 # الآية [سورة الصف (61): آية ~~14]............................................ 197 # دعوة المؤمنين ليكونوا أنصار ~~الله........................................... 197 PageV22P339 # تفسير سورة الجمعة [1 11] # في أجواء ~~السورة......................................................... 201 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 203 # معاني ~~المفردات.......................................................... 203 # تسبيح ما في السموات والإرض ~~الله........................................ 204 # الله يبعث في الأميين رسولا ~~منهم.......................................... 205 # الآية ~~[5].................................................................... 209 # معاني ~~المفردات.......................................................... 209 # التوراة ... ومثل ~~الحمار................................................... 210 # الآيات [6 ~~8].............................................................. 212 # القرآن يتحدي وهم اليهود بأنهم الشعب ~~المختار............................. 212 # الآيات [9 ~~11]............................................................. 215 # معاني ~~المفردات.......................................................... 215 # صلاة الجمعة والسعي إلي ذكر ~~الله......................................... 216 # الانتشار لطلب ~~الرزق.................................................... 217 # كيف نستوحي هذه الآية!................................................ 219 # ما عند الله خير من اللهو ~~والتجارة......................................... 221 # تفسير سورة المنافقون [1 11] # في أجواء ~~السورة......................................................... 225 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 227 # معاني ~~المفردات.......................................................... 227 # المنافقون في ادعاءاتهم الكاذبة وملامحهم ~~العامة............................... 228 # الآيتان [5 ~~6].............................................................. 232 PageV22P340 # معاني ~~المفردات.......................................................... 232 # من صور كبرياء ~~المنافقين.................................................. 232 # الآيتان [7 ~~8].............................................................. 234 # تأمر المنافقين علي ~~المسلمين............................................... 234 # المدينة ... واستكبار ~~المنافقين.............................................. 235 # الرسول يعالج المشكلات بالأسلوب الإسلامي............................... 239 # ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين.............................................. 240 # الإمام الصادق (ع) يستوحي ~~الآية......................................... 241 # العزة في أجواء خط ~~الحرية................................................. 242 # الآيات [9 ~~11]............................................................. 243 # معاني ~~المفردات.......................................................... 243 # النهي عن التلهي بالأولاد ~~والأموال......................................... 243 # الإنفاق مما رزق ~~الله...................................................... 245 # تفسير سورة التغابن [1 18] # في أجواء ~~السورة......................................................... 249 # اسم ~~السورة............................................................. 250 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 251 # معاني ~~المفردات................................................................ 251 # تسبيح ما في السماوات والإرض ~~لله........................................ 252 # خلق السماوات والإرض بالحق............................................ 253 # الآيات [5 ~~10]............................................................. 256 # نبأ الذين خلوا من ~~الكفار................................................. 256 # ذلك يوم ~~التغابن........................................................ 259 PageV22P341 # الآية ~~[11].................................................................. 261 # ما أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله......................................... 261 # الآيتان [12 ~~13]........................................................... 263 # إطاعة الله ~~والرسول...................................................... 263 # الآية ~~[14].................................................................. 266 # معاني ~~المفردات.......................................................... 266 # الحذر من الخلفيات العدوانية لبعض الأزواج ~~والأولاد.......................... 267 # الآيات [15 ~~18]........................................................... 270 # إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة................................................ 270 # فاتقوا الله ما ~~استطعتم.................................................... 272 # البخل مانع من ~~الخير..................................................... 273 # الله شكور ~~حليم......................................................... 274 # تفسير سورة الطلاق [1 12] # في أجواء ~~السورة......................................................... 279 # الآيات [1 ~~3].............................................................. 282 # معاني ~~المفردات.......................................................... ms5180 282 # طلاق النساء ~~لعدتهن..................................................... 283 # أقيموا الشهادة ~~لله....................................................... 286 # ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا............................................... 287 # ويرزقه من حيث لا يحتسب............................................... 287 # ومن يتوكل علي الله فهو حسبه........................................... 288 # قد جعل الله لكل شيء قدرا.............................................. 289 # وقفة تأملية أمام ~~الآية.................................................... 289 PageV22P342 # مع صاحب الميزان في مضمون الآية........................................ 291 # الآيات [4 ~~7].............................................................. 293 # معاني ~~المفردات.......................................................... 293 # من تفاصيل أحكام الطلاق............................................... 294 # لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها........................................... 296 # الآيات [8 ~~12]............................................................. 298 # معاني ~~المفردات.......................................................... 298 # جولة وعظية في رحاب ~~التاريخ............................................. 299 # خلق سبع سماوات وسبع أرضين............................................ 301 # تفسير سورة التحريم [1 12] # في أجواء ~~السورة......................................................... 305 # الآيتان [1 ~~2].............................................................. 307 # معاني ~~المفردات.......................................................... 307 # تحليل الله للنبي ما حرمه علي ~~نفسه........................................ 308 # الآيات [3 ~~5].............................................................. 310 # معاني ~~المفردات.......................................................... 310 # النبي يسر إلي إحدي زوجاته حديثا ~~فتذيعه.................................. 311 # الآية ~~[6].................................................................... 315 # معاني ~~المفردات.......................................................... 315 # قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا................................................. 316 # الآية ~~[7].................................................................... 319 # يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم......................................... 319 # الآية ~~[8].................................................................... 321 PageV22P343 # معاني ~~المفردات.......................................................... 321 # توبة نصوح إلي ~~الله...................................................... 322 # الآية ~~[9].................................................................... 325 # مجاهدة النبي الكفار ~~والمنافقين.............................................. 325 # الآيات [10 ~~12]........................................................... 327 # معاني ~~المفردات.......................................................... 327 # المرأة في مستوي المثل ~~للآخرين............................................. 328 # امرأتا نوح ولوط مثل ~~للكافرين............................................. 328 # امرأة فرعون ومريم مثل ~~للمؤمنين........................................... 329 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV22P344 ![](https://books.rafed.net/Books/3288_tafsir-men-wahi-alquran-23/images/image001.gif) PageV23P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3288_tafsir-men-wahi-alquran-23/images/image002.gif) PageV23P003 ### | سورة الملك ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاثون PageV23P005 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه من السور المكية التي تتحرك في اتجاه تربية العقيدة التوحيدية في ~~العقل والروح والشعور ، وذلك من خلال توجيه الفكر إلى التأمل في رحاب الكون ~~الممتد أمامه في الأفق الواسع ، في ما يشتمل عليه من ظواهر ومشاهد وأوضاع ~~كونية ليتمثلها الإنسان في وعيه التأملي ، من أجل أن يصل من خلالها إلى ~~الإيمان بعظمة الله في قدرته في خلقه ، وفي تدبيره في نظام الكون ، وتوجيه ~~الروح في أجوائها الواسعة بما تستوحيه من إيحاءات ، وفي ما تستلهمه من ~~مشاعر ، لتحتوي المعاني الروحية الإيمانية التي تلامس منطقة الشعور في ~~الإنسان ، فتثير في داخلها الإخلاص لله والخشوع السابح في بحار الروحانية ~~التي يتفايض في عمقها وامتدادها الإحساس بعبودية الإنسان لله ، أمام ms5181 ~~الألوهية المهيمنة على الحياة كلها ، في أجواء الخلق والتدبير ، وليصل ~~الإنسان من خلال ذلك إلى التحرك العملي نحو المعرفة والطاعة ، وليعي بفكره ~~ووجدانه أن الوقوف في مواقف الجهل واللامبالاة ، التي تمنع الإنسان أن يسمع ~~أو يفكر ، سوف يؤدي به إلى عذاب السعير ، لأنها تبعده عن القرب من الله ، ~~وتدفع به إلى التمرد عليه. PageV23P007 # وهكذا تتنوع مواضيع السورة ، لينطلق البصر في السماء وفي الأرض ، بما ~~يشتملان عليه من العجائب في خلق الكواكب ، وفي موارد الحياة في الأرض ، وفي ~~حركة الطير في الفضاء ، وليثار أمام الكفر مشاعر الخوف من كل شيء فوقهم ~~وحولهم ، ليعرف الناس أن الله وحده هو الذي يمنحهم الأمن من خلال سيطرته ~~على كل شيء في الكون ، ولا يستطيع كل هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله أن ~~يمنحوهم أي قدر محدود من الأمن الكوني ، لأنهم لا يملكون منه شيئا لأنفسهم ~~، فكيف يملكونه لغيرهم. # ويبقى الفكر في جولته الإيمانية ، يحدق في نشأة الإنسان نفسه ، وما خلق ~~الله له من السمع والأبصار والأفئدة ، وما مكن الناس من الأرض وجعلهم فيها ~~يتحركون في أرجائها ليحصلوا على الرزق الذي قدره لهم ، وليفكروا بأن نهاية ~~المطاف ستكون عنده سبحانه إذ يتولى حسابهم على أعمالهم ، لأنه الذي يملك ~~أمر الآخرة ، كما يملك أمر الدنيا ، في نطاق قدرته وحكمته وتدبيره ، وإذا ~~عرف الإنسان ذلك كله ، عرف ربه وسلم إليه أمره ، وتوكل عليه وتطلع إلى ~~رحمته ، وميز بين من يمشي مكبا على وجهه ، وهم الكافرون الذين هم في ضلال ~~مبين ، وبين من يمشي على صراط مستقيم ، وهم المؤمنون. # إنها السورة التي تدفع السمع والبصر والفؤاد ، للانطلاق من أجل أن تكون ~~المعرفة الإيمانية منفتحة على الجانب الحسي والعقلي في مختلف المواقع ، ~~ليكون الإيمان عميقا من خلال العقل والفطرة ، ممتدا من خلال الحس المتصل ~~بكل رحاب الكون. # * * * PageV23P008 ### ||| ** اسم السورة # أما اسم السورة ، فقد لوحظ في الآية الأولى التي حملت عنوان الخضوع لله ، ~~وسيطرته على الملك كله ، فهو وحده الذي ( @QUR@07 بيده الملك وهو على كل ~~شيء قدير ). # * * * PageV23P009 ### ||| * بسم الله الرحمن ms5182 الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) @QUR@011 الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) @QUR@018 ~~الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ~~ترى من فطور (3) @QUR@010 ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير (4) @QUR@012 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) @QUR@07 وللذين كفروا بربهم عذاب ~~جهنم وبئس المصير (6) @QUR@08 إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) ~~@QUR@013 تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير (8) @QUR@018 قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ~~شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) @QUR@011 وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير (10) @QUR@05 فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ~~(11) @QUR@09 إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) @QUR@09 ~~وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) @QUR@07 ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير ) (14) # * * * PageV23P010 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تبارك ): تبارك الشيء : كثرة صدور الخيرات والبركات منه. # ( @QUR@02 بيده الملك ): استعارة ، كناية عن كمال تسلطه عليه. # ( @QUR@01 ليبلوكم ): ليمتحنكم. # ( @QUR@01 طباقا ): أي مطابقة بعضها فوق بعض. # ( @QUR@01 تفاوت ): خلل أو نقص. # ( @QUR@01 فطور ): اختلال. # ( @QUR@01 كرتين ): رجعة بعد رجعة. # ( @QUR@01 شهيقا ): الشهيق : صوت تقطيع النفس. # ( @QUR@01 تفور ): يرتفع غليانها. # ( @QUR@01 تميز ): التميز : التقطع والتفرق. # ( @QUR@01 الغيظ ): شدة الغضب. # ( @QUR@01 فوج ): الجماعة المارة المسرعة. # ( @QUR@01 خزنتها ): جمع خازن ، وهو الحافظ على الشيء. والمراد بهم : # الملائكة الموكلون بالنار. # ( @QUR@02 أصحاب السعير ): أهل النار المخلدون فيها. # * * * PageV23P011 ### ||| ** تبارك الذي بيده الملك # ( @QUR@01 تبارك ) قيل : إن معنى تبارك الشيء هو كثرة صدور الخيرات ~~والبركات منه ، وربما كانت الكلمة متضمنة لأكثر من معنى إيحائي يلتقي ~~بالتعظيم لذاته تعالى ، من خلال امتداد الخير منه لكل الموجودات ، كما أنها ~~تلتقي بالفقرة التالية. # ( @QUR@03 الذي بيده الملك ) باعتبار أن هذه الكثرة المطلقة في الخيرات ~~الصادرة منه ، لا بد أن تكون ممن بيده الملك ، لأنه هو الذي يبدعه ويخلقه ~~وينميه ويحركه ، مما يجعل الأمر غير محدود بحد معين ، لأنه لا مجال لنفاده. ~~وهكذا ms5183 توحي هذه الفقرة بالمعنى الكنائي في السيطرة المطلقة على كل ملك ، ~~لأن ذلك هو معنى كونه بيده ، ليتصرف فيه كما يتصرف ذو اليد بما تحت يده ، ~~فيحركه كيف يشاء ، فهو المالك لكل ملك ، والمالك لكل مالك ، لأنه هو الذي ~~يعطي الخلق ما يملكونه ، كما أعطاهم نعمة الوجود ذاته. # ( @QUR@05 وهو على كل شيء قدير ) فلا حد لقدرته ، وكل شيء خاضع له ، فلا ~~مجال للتوقف عند أية فرضية وجودية ، في ما يفعل في المستقبل ، في عالم ~~الغيب الذي لا يحيط به الإنسان ليستبعد وجودها ، بعد أن كانت داخلة في ~~دائرة القدرة الإلهية المطلقة. # * * * ### ||| ** خلق الموت والحياة لاختبار الناس # ( @QUR@04 الذي خلق الموت والحياة ) وقدرهما ليكونا القانون الطبيعي ~~للموجودات الحية ، لا سيما الإنسان الذي يمثل وجوده حركة المسؤولية في ~~ذاته. والموت PageV23P012 # يحيط بالإنسان من جانبين ، فهناك الموت الذي يسبق الحياة ، وهناك الموت ~~الذي يتعقبها ، وإذا كان الموت عدما ، فكيف يتعلق به الخلق الذي لا بد من ~~أن يكون متعلقه محلا للوجود ، وقيل : «إن الموت على ما يظهر من تعاليم ~~القرآن انتقال من نشأة من نشآت الحياة إلى نشأة أخرى» (1). ولكن الملحوظ : ~~أن النشأة الأخرى ليست دخيلة في معنى الموت ، بل هي حياة تحدث بعده. وربما ~~كان الوجه في هذا التعبير ، هو ملاحظة أسباب الموت المخلوقة في تكوين الذات ~~الحية التي تؤدي إليه ، حتى كأنه في ما يمثله من سكون الجسد وجمود الحياة ~~فيه ، شيء عارض عليه ، على نحو التخييل الإيحائي ... أما المعنى الحقيقي ~~لخلق الموت ، فهو التقدير ، كما عبر عن ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@07 نحن ~~قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ) [الواقعة : 60]. # ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) فقد جعل الحياة ساحة ابتلاء واختبار ~~ليتسابق الناس إلى التحرك في نطاق المسؤولية ، ليقوموا بما كلفهم الله من ~~الأعمال التي تبني لهم حياتهم على هدى الله ، في دائرة أوامره ونواهيه ، ~~لتظهر بذلك النتائج النهائية التي تحدد الإنسان الأفضل ، من خلال العمل ~~الأحسن. وفي الآية إيحاء داخلي بأن على الناس أن تنطلق طموحاتهم العملية في ~~حركة وجودهم المسؤول أمام ms5184 الله ، ليكونوا أحسن عملا ، لينالوا بذلك القرب ~~من الله ، لأن أكرمهم عنده أتقاهم له ، في ما تمثله الأفضلية في التقوى من ~~الأحسنية في العمل. # وقد جاء عن أبي قتادة حسب ما جاء في مجمع البيان «قال : سألت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى : ( @QUR@03 أيكم أحسن عملا ) ما عنى ~~به؟ فقال : يقول : أيكم أحسن عقلا ، ثم قال : أتمكم عقلا وأشدكم لله خوفا ~~وأحسنكم في ما أمر الله به PageV23P013 # ونهى عنه نظرا ، وإن كان أقلكم تطوعا» (1). # وجاء في الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله جعفر الصادق ~~عليه السلام في قول الله عز وجل : ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) قال : ~~ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا ، وإنما الإصابة خشية الله والنية ~~الصادقة والحسنة. # ثم قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص الذي ~~لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل ، والنية أفضل من العمل ، ألا ~~وإن النية هي العمل ، ثم تلا قوله عز وجل : ( @QUR@05 قل كل يعمل على شاكلته ~~) [الإسراء : 84] يعنى على نيته» (2). # ونستوحي من ذلك أن العنصر الذي يمنح العمل قيمته ومعناه ، هو وعي العمل ~~في العمق الفكري الذي يقود إليه ، وفي المعنى الروحي الذي يختزنه ويحتويه ~~بما يتمثل في ذلك من سر الإخلاص وحقيقة العبودية لله في شخصية العامل ، وفي ~~النتائج المترتبة عليه في الدنيا والآخرة. ولهذا وردت الأحاديث التي فضلت ~~الكمية الضئيلة في عبادة العالم الواعي لعبادته على الكمية الكثيرة في ~~عبادة العابد الذي لا ينفتح على الآفاق الواسعة لعبادته ، كما وردت ~~الأحاديث التي تؤكد على أن الله يثيب العامل من عباده على مقدار عقله ، ~~الأمر الذي يجعلنا نرى أن العمل في الإسلام ينطلق في مستوى وعي العامل له ، ~~وفي نطاق الدرجة التي يبلغها في امتداد المعاني الروحية في شخصيته ، ~~ليتصاعد العمل في درجته من خلال نمو الإنسان في وعيه وعقله وانفتاحه على ~~أسرار العقيدة ، في حركة الإيمان والحياة. PageV23P014 # ( @QUR@03 وهو العزيز الغفور ) لأنه الذي يملك الملك كله ms5185 والقدرة كلها ، ~~ولأنه الذي يعفو عن عباده في الدنيا والآخرة ، ويغفر سيئاتهم ؛ وعليهم أن ~~يراقبوه لموقع عزته ، وأن يطمعوا في عفوه لموقع مغفرته. # * * * ### ||| ** انظر في خلق السماوات # ( @QUR@05 الذي خلق سبع سماوات طباقا ) ربما أريد بكلمة الطباق ، التطابق ~~فيما بينها بحيث يكون بعضها مطابقا فوق بعض ، وربما أريد به التشابه بحيث ~~يشبه بعضها بعضا في الهيكل والشكل. # ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) فقد خلق الله الخلق كله جامعا ~~لجميع الخصائص التي تؤدي به إلى غايته ، من دون أي خلل في تكوينه ، أو نقص ~~في طبيعته ، بالرغم من اختلافه في الشكل والعمق والغاية ، ولعل في إضافة ~~كلمة الخلق إلى الرحمن بعض الإيحاء بأن المعنى العام للخلق في كل مفرداته ~~يتحرك في مواقع الرحمة الإلهية العامة للناس. # ( @QUR@06 فارجع البصر هل ترى من فطور ) فليس هذا التناسق الدقيق الذي لا ~~يخفي أية ثغرة في داخله نتيجة انطباع كونته نظرة عابرة سطحية لا تحدق إلا ~~بالظاهر بشكل سريع ، بل هي النظرة الدقيقة التي تتكرر لتلاحظ وتدقق بالصورة ~~بجميع جوانبها بدقة وإمعان ، بحيث إذا فاتها شيء في النظرة الأولى فلا بد ~~من أن يبدو في النظرة الثانية ، ثم لن ترى هناك أي اختلال في ما تراه. # ( @QUR@04 ثم ارجع البصر كرتين ) أي رجعة بعد رجعة وتابع النظر بشكل دقيق ~~لتكتشف بعض الخلل هنا وبعض الثغرات هناك ، ( @QUR@06 ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير ) أي يرتد البصر إلى صاحبه منقبضا مهينا لا يملك أي شيء ~~جديد في PageV23P015 # ما أراد أن يكتشفه من الخلل ، وهو حاسر ، لأن الحقيقة الإلهية التي تحيط ~~الخلق بالكمال من جميع الجهات تفرض نفسها عليه. # ( @QUR@05 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) يستوحيها النظر وهي تتلألأ ~~في الفضاء ، كما تتلألأ المصابيح المعلقة في إنارتها للجو الممتد في ~~آفاقها. ( @QUR@03 وجعلناها رجوما للشياطين ) أي يرجم بها من استرق السمع ~~من الشياطين ، وهو ما أشار الله إليه في أكثر من آية ، والظاهر أن المراد ~~بها انفصال الشهب عن الكواكب لتكون رجوما للشياطين ، لأن الكواكب تمثل ~~عوالم مستقلة لا تنفصل ms5186 عن مواقعها. # * * * ### ||| ** بئس مصير الكافرين # ( @QUR@04 وأعتدنا لهم عذاب السعير ) وذلك من خلال الجرائم التي يرتكبها ~~هؤلاء الشياطين من أشرار الجن ، بسبب إضلالهم الآخرين ، أو بسبب ما يعيشونه ~~من خطوات الضلال. # ( @QUR@07 وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ) وهم الذين رفضوا ~~الإيمان بالله ، أو أشركوا به غيره ... وربما ألحق البعض بهؤلاء المثبتين ~~للربوبية المفرقين بينها وبين رسله ، كاليهود والنصارى حيث آمنوا ببعض رسله ~~وكفروا ببعض ، ولكن الظاهر أن هؤلاء لا يصدق عليهم الكفر بالله من خلال ~~المصطلح القرآني ، وإن كان يصدق عليهم كلمة الكافرين بلحاظ كفرهم بالرسول. # ( @QUR@08 إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور ) ولعل المعنى أن ~~الكفار إذا طرحوا في نار جهنم اجتذبتهم إلى داخلها كما يجذب الهواء بالشهيق ~~إلى داخل الصدر ، وهي تغلي بهم فترفعهم وتخفضهم ، وربما كان المقصود ~~بالصفتين الحديث عن حالة الهيجان والحركة السريعة والغليان الشديد التي ~~تتمثل بها النار فتثير PageV23P016 # الرعب في النفوس ، بما توحى به من عناصر الخوف ، ( @QUR@04 تكاد تميز من ~~الغيظ ) فكأنها تتوجه إلى هؤلاء الذين تمردوا على الله وهم يقبلون عليها ~~كما يتوجه الغاضب المتوتر الذي يكاد يتمزق ويتقطع قطعا من شدة غيظه. # ( @QUR@04 كلما ألقي فيها فوج ) من الكافرين الداخلين إليها عند ما يلقون ~~فيها جماعات جماعات ( @QUR@02 سألهم خزنتها ) توبيخا أو إقامة للحجة ، أو ~~إيحاء بأنهم يستحقون ذلك ، لأن الله لم يظلمهم بعذابهم بالنار ، ( @QUR@03 ~~ألم يأتكم نذير ) يعرفكم أوامر الله ونواهيه ، ويدعوكم إلى الطريق المستقيم ~~الذي يؤدي بكم إلى الجنة ، ويحذركم من الكفر والشرك الذي يؤدي بكم إلى النار. # ( @QUR@05 قالوا بلى قد جاءنا نذير ) تمثل برسل الله وبالدعاة إليه من ~~بعدهم ، ولكننا رفضناهم وواجهناهم بطريقة اللامبالاة ، فامتنعنا عن ~~الاستماع إليهم والتفكير بدعواتهم والدخول في الحوار معهم ، ( @QUR@07 ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ) من دون أية حجة على النفي ، وتابعنا ~~الحملة عليهم بطريقة السباب وقلنا لهم : ( @QUR@06 إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير ) فاتهمناهم بما نحن متصفون به ، لأننا كنا نعيش الضياع بسبب الجهل ~~الذي تخبطنا فيه. # * * * ### ||| ** المعرضون عن دعوات الرسل في أصحاب ms5187 السعير # ثم رجعوا إلى أنفسهم وهم في حالة إحباط وسقوط وشعور بالحسرة والندامة ~~والخزي والعار ، ليواجهوا الحقيقة المرة التي لم يدركوها إلا بعد فوات ~~الأوان ، وهي أن المشكلة كل المشكلة لدى الكفار ، تتمحور حول عدم توجيه ~~أسماعهم إلى دعوات الرسل ، ليعرفوا ما تحتويه من أفكار الهدى ، ولم PageV23P017 # يطلقوا عقولهم للتفكير بالقضايا المتصلة بالله والكون والحياة والإنسان ~~ليهتدوا بهدى العقل ، بما تستقل به عقولهم في إدراك الأمور ، أو ليهتدوا ~~بهدى الوحي الذي يسمعونه من الرسول ، وقد أدى هذا الوضع إلى وجودهم في هذا ~~المكان الذي يمثل المصير الأسود ، ( @QUR@011 وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير ) وقيل : إن تقديم السمع على العقل لأن استعماله من ~~شأن عامة الناس ، وهم الأكثرون ، والعقل شأن الخاصة وهم آحاد قليلون. وربما ~~كان الأساس في ذلك هو أن السؤال الموجه إليهم كان عن النذير الذي أتاهم ~~فكذبوه من دون أن يسمعوا له أو يحركوا عقولهم في التفكير بأمره وبدعوته ، ~~مما يجعل القضية تعيش في نطاق السمع في البداية. # ( @QUR@02 فاعترفوا بذنبهم ) وهم يعيشون في أجواء الندامة القاتلة بعد أن ~~استعادوا تلك المرحلة من تاريخهم في الحياة الدنيا ، وكيف استسلموا للعناد ~~والمكابرة ضد الحق ، استكبارا وعتوا ( @QUR@03 فسحقا لأصحاب السعير ) الذين ~~يواجهون العذاب من موقع الاستحقاق فلا يستحقون رحمة من الله لهم ، ولا ~~يتعلقون بأي حبل من حبال المغفرة ، لأنهم كفروا بالله ، وكذبوا الرسل ~~ووقفوا بين الناس وبين الإيمان فأساءوا إلى الناس وإلى الحياة كلها ، حيث ~~ابتعدوا بهم وبها عن الصراط المستقيم. # ولهذا كانت كلمة السحق التي تمثل ذروة العنف المنبثق عن الغضب ، هي ~~الكلمة التي يستحقونها هناك. # * * * ### ||| ** المغفرة والأجر للذين يخشون الله # ( @QUR@09 إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ) وهذا هو ~~النموذج الآخر للذين يستمعون إلى الرسالة والرسول ، فيواجهون الموقف ~~بمسؤولية PageV23P018 # عند ما يحركون عقولهم لتفكر ، وأسماعهم لتستوعب ، وخطواتهم لتتوازن ~~وتستقيم ، فينفتحون على عظمة الله ، من خلال ما يسمعونه أو يعقلونه فيبعث ~~ذلك في نفوسهم الخشية من الله ، وإن لم يشاهدوه بالحس لأنهم ms5188 يرونه من خلال ~~الغيب الذي يؤمنون به ، في إشراقة المعرفة في قلوبهم ، وفي صفاء إحساسهم ~~بالحقيقة الإلهية في وجدانهم ، وهؤلاء هم الذين ينالهم الله بمغفرته ، ~~ويجزيهم أجرهم الكبير جزاء بما كانوا يؤمنون وبما كانوا يعملون. # * * * ### ||| ** يعلم سركم وجهركم # ثم أراد الله أن يثبت الإحساس بالله وبرقابته في عمق الإيمان ، بإحاطته ~~الشاملة لكل خفايا الناس سواء ما أسروه في صدروهم أو غير ذلك مما لم يطلع ~~عليه أحد غيرهم ، لأنه المطلع على ذلك كله ، فلا يحجبه عن خلقه شيء ، لأن ~~طريقة إحاطته بالأشياء تختلف عن طريقة خلقه ، فهم يعرفونها من خلال الوسائل ~~الحسية أو العقلية التي يملكونها ، وينفذون بواسطتها إلى الأشياء ، فيختلف ~~السر عندهم عن العلانية ، كما يختلف الإخفات عن الجهر. ولكن الله يعرف ~~الأشياء من خلال خلقه لها ، فهي موجودة في علمه قبل وجودها ، ومكشوفة له ~~بوجودها لإحاطته بكل تفاصيلها الخفية والظاهرة ، حيث يبصر من فوق عرشه ما ~~تحت سبع أرضين ، ويسمع وساوس الصدور ، ( @QUR@05 وأسروا قولكم أو اجهروا به ~~) فلن تستطيعوا إخفاء شيء عن الله ، ( @QUR@04 إنه عليم بذات الصدور ) بكل ~~دقائقها الصغيرة والكبيرة ، وبكل خفاياها الخاصة والعامة ، الأمر الذي يفرض ~~عليكم وعي المعرفة الدقيقة بالعلم الإلهي. # ( @QUR@04 ألا يعلم من خلق ) من خلقه الذي أبدع كل أسراره ، بكل عناصره ~~الدقيقة PageV23P019 # مما يجعل كل شيء مكشوفا لديه ، فهو السبب الأعمق في كل ما يفعله الإنسان ~~، مما كان سببه بيد الله ، إذا كانت المباشرة بيد الإنسان ، ( @QUR@03 وهو ~~اللطيف الخبير ) الذي ينفذ إلى أعماق الموجودات فيطلع على كل جزئياتها ~~وأسرارها فلا يحجبه عنها شيء ، وهو الخبير الذي يحيط بكل أوضاعها من جهة ~~علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. # * * * PageV23P020 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ~~وإليه النشور (15) @QUR@011 أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي ~~تمور (16) @QUR@012 أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون ~~كيف نذير (17) @QUR@08 ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) ~~@QUR@015 أولم يروا إلى الطير ms5189 فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه ~~بكل شيء بصير (19) @QUR@015 أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ~~إن الكافرون إلا في غرور (20) @QUR@012 أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ~~بل لجوا في عتو ونفور (21) @QUR@012 أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذلولا ): مطواعة. # ( @QUR@01 مناكبها ): جمع منكب ، وهو مجتمع ما بين العضد والكتف ، ~~وأستعير لسطح الأرض كما أستعير الظهر لها. PageV23P021 # ( @QUR@02 وإليه النشور ): يرجع إليه نشر الأموات بإخراجهم من الأرض ~~وإحيائهم للحساب. # ( @QUR@01 تمور ): المور : التردد والاضطراب. # ( @QUR@01 حاصبا ): الريح التي تأتي بالحصى والحجارة. # ( @QUR@01 نكير ): النكير : العقوبة ، وتغيير النعمة أو الإنكار. # ( @QUR@01 صافات ): باسطات الجناح. # ( @QUR@01 لجوا ): تمادوا في الابتعاد عن الحق. # ( @QUR@01 عتو ): العتو : عدم الخضوع للحق. # ( @QUR@03 مكبا على وجهه ): لا يرى ما في الطريق. # * * * ### ||| ** جولة كونية في خط الإيمان بالله # وهذه جولة في رحاب الأرض وفي آفاق الفضاء في مفردات النعم وفي مواقع ~~العناية الإلهية بالإنسان ، وفي امتداد القدرة التي ترعاه من خلال الهيمنة ~~على كل شيء ، لتذكير الإنسان بأن الله وحده هو الذي جعل الأرض مستقرا له ~~كما يجب أن يكون الاستقرار ، وأنه وحده الذي يملك له الأمن والحماية من كل ~~شيء ، دون غيره. # * * * ### ||| ** جعل الله الأرض ذلولا # ( @QUR@06 هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) كما هو الحيوان الذلول الذي لا يجمح PageV23P022 # ولا يضطرب بل يستكين لراكبه ، فالأرض منقادة مطواعة بفضل ما هيأه فيها من ~~وسائل المعاش التي تشمل جميع الضرورات والشروط التي تمنح الإنسان الإمكانات ~~الكفيلة بتأمين الراحة والحصول على كل حاجاته ، والوصول إلى طموحاته ~~المادية والمعنوية ، ( @QUR@03 فامشوا في مناكبها ) أي في ظهورها ، لتبلغوا ~~غاياتكم ، ( @QUR@03 وكلوا من رزقه ) الذي وزعه في مواقعها بمختلف أشكاله ~~وألوانه من الحيوان والنبات ، وتحركوا فيها كما يحلو لكم مستمتعين بنعم ~~الله عليكم حتى تنتهي بكم الحياة إلى أجلها المحدد لكم ، في ما أعطاكم الله ~~من عمر محدود. # * * * ### ||| ** إلى الله النشور # ( @QUR@02 وإليه النشور ) حيث تبدأون حياة جديدة تنشرون فيها من القبور ~~بعد موتكم ، وتواجهون الحساب ، وتعرفون على هذا الأساس ms5190 أن وجودكم في الأرض ~~يتحرك من بداية الوجود التي تنطلق من إرادة الله في خلقكم وتدبيره لحياتكم ~~، إلى النهاية التي تنفتح على العالم الآخر الذي تواجهون فيه نتائج ~~المسؤولية. # ( @QUR@08 أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) فيزلزلها بكم ، ( ~~@QUR@03 فإذا هي تمور ) تماما كما هو الموج في تردده أو اضطرابه بين المجيء ~~والذهاب ، ولعل المراد بمن في السماء الملائكة الموكلون من قبل الله بشؤون الأرض. # ( @QUR@09 أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) فيرمي عليكم ~~الحصى والحجارة كما حدث لقوم لوط ، ( @QUR@03 فستعلمون كيف نذير ) في ما ~~يوجهه الله إليكم من الإنذار على كفركم وتمردكم على أوامره ونواهيه ، ~~لتفكروا كيف يتحرك غضب الله وسخطه في سلوككم المنحرف ، بعد ما تستقبلونه من عذابه. # * * * PageV23P023 ### ||| ** تذكير بمصير المكذبين من قبل # ( @QUR@05 ولقد كذب الذين من قبلهم ) من الأمم السابقة التي تسيرون الآن ~~على خطها في الكفر والضلال ، غير عائبين بالنتائج الخاسرة على صعيد ~~مستقبلكم ، ( @QUR@03 فكيف كان نكير ) فهل رأيتم كيف كانت العقوبة الشديدة ~~التي شكلت المظهر الحي لإنكار الله عليهم ما فعلوه ، وذلك بإهلاكهم ~~واستئصالهم بمختلف الوسائل ، فكيف تشعرون بالأمن على أنفسكم في أوضاعكم ~~الضالة المستكبرة كلها؟! # ( @QUR@06 أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ) عند ما تبسط أجنحتها في ~~الفضاء حال الطيران ( @QUR@01 ويقبضن ) أجنحتهن ، فلا يسقطن بل يبقين في ~~حالة تماسك ، ( @QUR@04 ما يمسكهن إلا الرحمن ) بما أودع في خلقهن وفي ~~الهواء الذي يتحركن معه من قوانين تكفل لهن التحرك بكل أمن وحرية من دون ~~حاجة إلى أي شيء يتعلقن به حتى لا يسقطن ، تماما كما هي بقية الأشياء من ~~الظواهر الكونية المعلقة في السماء من دون عمد ، ومن المخلوقات الحية في ~~حركتها ، ومن الأرض كيف يمسكها من أن تزول ، ليدرس الإنسان المسألة في ~~نطاقها الظاهري الذي يتعلق به البصر في نظراته البسيطة ، ليدفعه ذلك إلى ~~التفكير بالأسرار الإلهية التي أودعها الله في القوانين الطبيعية في الوجود ~~، ليكتشف ذلك من خلال بحثه وتدقيقه ، ليعرف بذلك عظمة الله ، ( @QUR@04 إنه ~~بكل شيء بصير ) فلا يغيب عنه شيء من ms5191 خلقه. # وقد جاء في الكشاف : «فإن قلت : لم قيل : ويقبضن ، ولم يقل : وقابضات؟ ~~قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء ~~كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض ~~فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ ~~الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من ~~السابح» (1) وهو توجيه طريف. # * * * PageV23P024 ### ||| ** هل يملك الهيمنة على الكون إلا الله؟! # ( @QUR@010 أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ) لتستعينوا به ~~على الله إذا أراد الله أن يعذبكم بذنوبكم لينقذكم من عذاب الله ، فأين هو ~~وكيف هو؟ ( @QUR@05 إن الكافرون إلا في غرور ) بفعل ما يعيشونه من العقلية ~~الخيالية المستغرقة في ذاتها وفي أوضاعها المحيطة بها ، بعيدا عن كل ~~النتائج السلبية القاسية التي تنتظرهم في بعض ما يأخذون به أو يدعونه. # وتلك هي مشكلة هذه النماذج البشرية البعيدة عن التطلع إلى الآفاق الواسعة ~~التي يتسع لها الحاضر ، ويختزنها المستقبل في الأمور التي يتبعونها تقليدا ~~من دون أن يفكروا فيها وفي الأشخاص الذين يقلدونهم ، أو يمارسونها انفعالا ~~وعاطفة من دون أن يدققوا في العمق الكامن في داخلها ، وليسوا مستعدين في ~~الوقت نفسه أن يستمعوا للناس الذين يذكرونهم بالحقائق الأصلية الواضحة على ~~صعيد الواقع ، ليدخلوا معهم في حوار حول ما هو الحق والباطل في المسألة ، ~~لأنهم غارقون في الغرور الداخلي الذي يعمي أبصارهم ، ويغلق عقولهم عن ~~الجانب الآخر من الموضوع. # ( @QUR@07 أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) فهل تستطيعون أن تشيروا ~~إلى أي شخص ، أو أي مخلوق من هؤلاء الذين تعتبرونهم آلهة ، أو تعبدونهم ~~ليقربوكم إلى الله زلفى ، لينزل عليكم المطر إذا حجب الله عنكم المطر أو ~~ليعطي النبات حيويته ونموه وثمره ، إذا أوقف الله ذلك عنه ، أو نحو ذلك؟! ~~إنكم تعلمون أن الله وحده هو الذي يملك الرزق عطاء ومنعا ، ولا يملكه أحد ~~غيره ، لأنه المهيمن على الأمر كله ، ولكنكم باختصار لا تفكرون ، وإذا ~~فعلتم ، فليس ms5192 في الاتجاه الصحيح ، لأنكم لستم في طريق الوعي للمسؤولية في ~~حاضر الحياة ومستقبلها ، ( @QUR@05 بل لجوا في عتو ونفور ) فلم PageV23P025 # يستمعوا إلى كلمة الحق ، ولم يخضعوا لها ، بل تمادوا في الكفر والضلال ~~والنفور من كل داعية للحق. # * * * ### ||| ** مثل الكفار والمؤمنين # ( @QUR@06 أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ) وهذا هو الاستفهام الذي لا ~~يراد منه معرفة مضمونه ، لوضوح الجواب فيه ولكن أريد منه الإنكار على هؤلاء ~~الذين يختارون في حياتهم ما لا يجوز للإنسان أن يختاره لأنه مرفوض من خلال ~~دراسة طبيعة الأشياء في ذاتها ... فهل يمكن أن يكون الإنسان السائر في ~~الطريق المملوءة بالمرتفعات والمنخفضات والمزالق والمهالك ، وهو مكب على ~~وجهه لا يرى ما حوله وما هو أمامه ، كمن يمشي بشكل طبيعي وهو مستقيم في خطه ~~سوي في وضعه ، ( @QUR@06 أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) بحيث يرى كل ما ~~يحيط به ، وما يبرز أمامه مما يمكن أن يواجهه من عثرات الطريق ، ويتعرف إلى ~~كل السبل التي توصله إلى الغاية التي يريدها ، هل يكون هذا كذاك ، وهل يمكن ~~أن يكون الأول أقرب إلى الهدى من الثاني؟. # إن هذا هو مثل الكفار والمؤمنين فإن الكفار يعيشون العمى العقلي والروحي ~~والعملي في حياتهم ، لأنهم غير مستعدين للسماع وللتفكير وللحوار ، مما ~~يجعلهم يتخبطون في طريق الوصول إلى النجاة ، فيهلكون من حيث يريدون النجاة ~~ويتراجعون من حيث يريدون التقدم ، أما المؤمنون فهم المنفتحون على الحق ، ~~في عقولهم ومشاعرهم وخطواتهم ، فلا يسيرون في طريق إلا إذا عرفوا بدايته ~~ونهايته ، وخط السير فيه ، ولا يلتزمون بقيادة شخص ، إلا إذا درسوا أفكاره ~~وأوضاعه وسلامة خطه وصدق موقفه ، ولا يلتزمون بفكرة إلا إذا درسوها ~~وتأملوها ودخلوا في الحوار حولها ، ليحددوا الحق والباطل فيها ، فهم على ~~نور من ربهم ، وعلى هدى من أمرهم ، وهم المستقيمون على الطريق. # * * * PageV23P026 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون (23) @QUR@08 قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) @QUR@07 ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) @QUR@09 قل إنما العلم عند الله ~~وإنما أنا ms5193 نذير مبين (26) @QUR@013 فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ~~وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) @QUR@015 قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن ~~معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) @QUR@013 قل هو الرحمن ~~آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) @QUR@010 قل أرأيتم ~~إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ذرأكم ): الذرء : الخلق. والمراد بذرئهم في الأرض : خلقهم ~~متعلقين بها. # ( @QUR@01 زلفة ): الزلفة : القرب. # ( @QUR@01 غورا ): ذهاب الماء ونضوبه في الأرض. # ( @QUR@01 معين ): الماء الطاهر الجاري. # * * * PageV23P027 ### ||| ** قل لهم .. كل الكلمات التي تثير الفكر نحو الله # وتبقى الآيات في السورة لتثير في داخل الإنسان بعض القضايا المألوفة لديه ~~في وجوده الذاتي ، ليفكر فيها بطريقة تحليلية تؤدي به إلى الإيمان بالله من ~~موقع الفكر الدقيق الذي يطرح السؤال في بعض الحالات ليتفاعل في النفس ، ~~وليحصل على جواب ذاتي من الداخل. # ( @QUR@04 قل هو الذي أنشأكم ) من العدم ، فهل فكرتم كيف كنتم قبل أن ~~تكونوا في هذا الوجود ، ومن الذي أخرجكم من قلب العدم إلى حقيقة الوجود ~~مبتعدين عن الأسباب المباشرة إلى ما وراءها من الأسرار المحيطة بالوسائل ~~العادية المادية ، وإلى القوة التي هي عنصر السببية الفعالة وحيوية الحركة ~~، وهل فكرتم في السمع الذي تسمعون به كل الأصوات ، وفي البصر الذي ترون به ~~كل المرئيات ، والعقل الذي تدركون به كل الحقائق التي تتوجهون إليها من ~~خلال المفردات المتجمعة لديكم؟ كيف ركبت في كيانكم؟ ومن هو الذي جهزكم بها؟ ~~هل يمكن أن يكون مثل هؤلاء الذين من حولكم أو مثل هذه الأشياء الجامدة التي ~~تتعبدون لها ، وراء ذلك كله؟ أو أن الله وحده هو الذي جعلها لكم؟!. إن ~~الفكر السليم هو الذي يقف بكم على حقيقة الوجود في كل هذه الأجهزة الحسية ~~والفكرية التي لولاهما لما كان لوجودكم معنى ، وهو الذي أعطاكم الحياة ، ( ~~@QUR@05 وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) التي تمثل النعمة العظيمة التي ~~لا تدانيها نعمة أخرى في وجودكم المادي ، مما يفرض عليكم الوعي العميق لذلك ~~أن تشكروا الله بالانفتاح على معرفته والسير ms5194 على خط طاعته ، ولكنكم غافلون ~~عن ذلك كله ، مستغرقون في أجواء اللامبالاة ( @QUR@03 قليلا ما تشكرون ) ~~فلستم الذين تعيشون الشكر من ناحية المبدأ ، لأنكم لا تتحركون من قاعدته ~~الروحية. وربما كان المراد بالفقرة قلة الشكر وضعفه إذا كان قد حصل PageV23P028 # منهم في بعض الحالات. # ( @QUR@06 قل هو الذي ذرأكم في الأرض ) فأودعكم سطح الأرض عند ما خلقكم ~~فيها ، ومهد لكم سبلها ومكنكم من خيراتها ، وحملكم مسئولية عمرانها ، ~~ووجهكم إلى كل مواقع الخير فيها ، وحذركم من كل مواقع الشر فيها ، وأرادكم ~~أن تعبدوه في وحدانيته ، وأن تطيعوا رسله ، وأن تجعلوا من وجودكم فيها ~~الوسيلة التي تقترب بكم من الله ، لأن مسألة التفاعل المادي بينكم وبين ~~الأرض وما فيها وما عليها ، لا بد من أن يتحول إلى نوع من الخضوع المادي ~~لله في الأعمال المتصلة بالروح في ما تمارسونه من الحركة الواعية المنفتحة ~~على الله ، في آفاق الحقيقة الوجودية الأخرى التي تنفتح على الوجود الآخر ~~في يوم القيامة عند ما يبعثكم الله إليه بعد موتكم ، ( @QUR@02 وإليه ~~تحشرون ) لتواجهوا الحساب عنده وتحصلوا على نتائج المسؤولية بين يديه ، في ~~ما عملتموه من خير أو شر. # وإذا كان الله يطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم عن بعض ~~حقائق الحياة التي تطل على بعض حقائق العقيدة ، وهي توحيد الله ، فإن الله ~~يحدثنا عما كانوا يقولونه ويثيرونه من أسئلة للتشويش على الرسول ، وكيف كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيبهم عن ذلك من دون إحراج أو انفعال. # * * * ### ||| ** ويقولون متى هذا الوعد # ( @QUR@07 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) في سؤال للنبي ~~وللمؤمنين معه ، عند ما كانوا يحدثونهم عن يوم القيامة ، وعن المسؤولية ~~التي تنتظرهم نتائجها PageV23P029 # السلبية هناك ، على أساس كفرهم وشركهم ... فينقلون السؤال من الموضوع في ~~طبيعته إلى مسألة الموعد المعين له ، ليكون الحديث عن الجانب الجزئي من ~~المسألة وسيلة للابتعاد عن الموضوع في ذاته ، لأن أي توقيت يجيب النبي به ~~سوف يكون مدعاة للجدل وللتكذيب باعتبار أنه لا يرتكز على أية قاعدة ms5195 حسية ~~مادية في مواقعهم ، بل لا بد أنه يتحرك في المستقبل المجهول لديهم ، مما ~~يفسح لهم المجال للكثير من الضوضاء حوله. # ولكن الله علم رسوله أن يحدد لهم الموقف الرسالي الذي لا يريد الرسول أن ~~يبرز فيه كما لو كان عالما بكل شيء ، مستعدا للدخول في كل التفاصيل ، لأن ~~مهمته ليست هي الحديث عن توقيت هذا الحدث أو ذاك ، لأن هناك من الأمور مما ~~استأثر الله بعلمه ، فهي من غيب الله الذي لم يظهر عليه أحدا من خلقه حتى ~~الأنبياء ، لأن ذلك ليس جزءا من رسالاتهم ، باعتبار أن القضية الموكولة ~~إليهم هي أن يوجه الناس إلى الاستعداد ليوم القيامة ، لا إلى موعدها ، وهذا ~~ما ركزت عليه الآية التالية : # ( @QUR@05 قل إنما العلم عند الله ) فهو مما استأثر الله بالاطلاع عليه ( ~~@QUR@04 وإنما أنا نذير مبين ) فكل دوري هو أن أنذركم عذاب الله بشكل واضح ~~لتقوم الحجة عليكم ، وتتحملوا المسؤولية على هذا الأساس ليحيا من حي عن ~~بينة ويهلك من هلك عن بينة من خلال حرية الاختيار. # ( @QUR@03 فلما رأوه زلفة ) أي قريبا ، عند ما جاءهم الوعد الحق ، ~~فواجهوا الموقف الحاسم ، ( @QUR@04 سيئت وجوه الذين كفروا ) بفعل المفاجأة ~~التي انتصب أمامهم ، حيث كانوا يسخرون منه وينكرونه ، وشعروا من خلال ملامح ~~وجوههم الحائرة الخائفة بالخيبة والخسران. # ( @QUR@06 وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ) عند ما كنتم تسألون عنه ~~وتستعجلونه وتطلبونه وتتساءلون دائما عن سخرية أو حقيقة : متى هذا الوعد؟ ~~وقد يلوح PageV23P030 # من السياق أن الملائكة هم الذين يواجهونهم بهذا القول. # * * * ### ||| ** من يجير الكافرين من العذاب؟! # ( @QUR@09 قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا ) قيل : إن كفار ~~مكة كانوا يدعون على رسول الله وعلى المؤمنين بالهلاك فأمر الله أن يقول ~~لهم ذلك : أي قل لهم يا محمد : ما الذي ينفعكم لو أن الله أهلكني والمؤمنين ~~معي أو أن الله رحمنا ، في ما نأمله من رحمته ، فما ذا عنكم أنتم ، وكيف ~~تواجهون الموقف أمام الله ، ( @QUR@06 فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ) ~~فلن يغير الوضع الذي نكون عليه شيئا ms5196 من وضعكم ، لأنكم ستواجهون العذاب على ~~كفركم وجحودكم من دون أن ينصركم أحد من الله. # ( @QUR@01 قل ) لهم في تأكيد الإيمان الحق الذي تلتزمه لتثير في وعيهم ~~الشعور بالمسؤولية ( @QUR@02 هو الرحمن ) الذي رحمنا في وجودنا وفي حركتنا ~~فيه ( @QUR@02 آمنا به ) من خلال البينات الواضحات التي دلتنا عليه وعرفتنا ~~به ، ( @QUR@02 وعليه توكلنا ) واعتمدنا ، لأنه المهيمن على الأمر كله ، ~~فإذا توكل عليه عبده كفاه من كل شيء ، ولكن ما الذي تفعلونه وعلام تعتمدون ~~، وإلى أين تسيرون؟ فكيف تتصورون المنطلق ، وكيف تفهمون الغاية؟ لا شيء إلا ~~التمزق الداخلي ، والحيرة القاتلة والضلال المبين ( @QUR@01 فستعلمون ) غدا ~~عند ما تحين اللحظة الحاسمة ( @QUR@05 من هو في ضلال مبين ) نحن أو أنتم .. ~~فحاولوا أن تفكروا من الآن ، لتعرفوا كيف تحددون الموقف قبل فوات الأوان. # ( @QUR@06 قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا ) بحيث ذهب في الأرض فلم يعد له ~~أثر عندكم ( @QUR@04 فمن يأتيكم بماء معين ) أي طاهر جار ، هل هناك غير الله؟ # * * * PageV23P031 ### | سورة القلم ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها اثنتان وخمسون PageV23P033 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة هي من السور المكية التي تضع في عنوانها القلم والكتابة ~~اللذين أراد الله للإسلام أن يتحرك من خلالهما بين الناس وتوجيههم إلى ~~الانفتاح على المعرفة المقروءة والمكتوبة ، ليرتفع مستواهم الثقافي العلمي ~~ولينطلقوا من خلالهما إلى تعريف العالمين بالقرآن المكتوب ، وبالإسلام الذي ~~تتنوع أغراضه وتمتد معارفه في شتى فروع الحياة ، وحركة الإنسان فيها ، لأن ~~ذلك هو السبيل الذي يغني تجربة الأمة في فكرها وحركتها واندفاعها نحو ~~المستوى الأعلى في التقدم والارتفاع. # كما تؤكد على شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عقله الكبير الذي ~~احتوى الرسالة ، في الوحي الذي أنزل عليه ، وفي الحكمة التي اختزنها ، وفي ~~التجربة الحية المعصومة التي حركها ، وفي القيادة التي أدراها وقاد الأمة ~~إلى الصراط المستقيم في خطواتها ، وفي حركة الدعوة التي خطط لها في الأسلوب ~~والكلمة والمضمون ، حتى امتدت إلى آفاق الحياة الواسعة في وقت قصير ، وفي ~~خلقه العظيم الذي جسد الرسالة بكل أخلاقيتها الروحية والسلوكية ، حتى ~~استطاع أن يحولها إلى صورة ms5197 حية متحركة ليعطي الناس الفكرة من موقع PageV23P035 # القدوة ، كما أعطاها لهم من قاعدة الدعوة. # وهكذا وضع له البرنامج العملي في مواجهته للفئات القلقة في المجتمع التي ~~تمثل نماذج الأخلاق الشريرة التي تسيء إلى من حولهم. ثم تطوف السورة في ~~أجواء القيامة للتحدث عن المتيقن وهم في جنات النعيم ، وعن الكافرين وهم في ~~عذاب الله وسخطه. # وتختم السورة الخطاب الرسالي للنبي بأن يتمسك بالقوة أمام كل التهاويل ~~التي يحشدها الكافرون في طريقه ، وذلك من خلال الصبر على حكم ربه في ما ~~فرضه عليه من مواقف ، ثم تطرح الحديث عن يونس عليه السلام صاحب الحوت الذي ~~لم يصبر على ما عاناه من الشدة في مواجهة الكافرين له. # ثم يأتي الحديث عن كلماتهم غير المسؤولة ، ونظراتهم غير الحميمة في ما ~~يثيرونه من تهمة الجنون ، في طريقة تعاملهم معه ، ليوحي إليه بأن المسألة ~~ليست مسألتك الشخصية لأنهم كانوا يحترمون عقلك ووعيك وصدقك وأمانتك قبل ذلك ~~، ولكن المسألة هي مسألة الذكر الذي أنزله الله عليك ، فأحرجهم بتحدياته ، ~~فأثاروا الحديث بالجنون حول شخصك ليبطلوا أثره. فتابع سيرك ، لأن القضية ~~ليست قضيتهم ، بل هي قضية العالمين الذين جاء الذكر ليكون ذكرا لهم جميعا. # * * * ### ||| ** اسم السورة # وسميت بالقلم تبيانا لأهميته كوسيلة من وسائل تحريك المعرفة عند الناس في ~~ما ينتجونه من قضايا المعرفة بالله وبالكون وبالإنسان وبالحياة في آفاق ~~العلم الذي يرتفع بالحياة إلى مستواها العظيم في القرب من الله. # * * * PageV23P036 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 ن والقلم وما يسطرون (1) @QUR@05 ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) ~~@QUR@05 وإن لك لأجرا غير ممنون (3) @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم (4) ~~@QUR@02 فستبصر ويبصرون (5) @QUR@02 بأيكم المفتون (6) @QUR@011 إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 غير ممنون ): غير مقطوع. # ( @QUR@01 المفتون ): المبتلى في عقله. # * * * ### ||| ** قيمة القلم في المعرفة والحضارة الإنسانية # ( @QUR@01 ن ): من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها في سورتي ~~البقرة والشورى. PageV23P037 # ( @QUR@01 والقلم ) الذي يكتب به الناس ( @QUR@02 وما يسطرون ) أي وما ~~يكتبون به من الشؤون المتعلقة بحياتهم الخاصة والعامة ، في ما يحتاجون إلى ~~توثيقه ms5198 وتأكيده ليبقى أساسا للثبات في التزاماتهم وعلاقاتهم وأوضاعهم ~~المتنوعة المرتكزة على بعض القضايا المتصلة بالمستقبل ، في ما يجب أن يبقى ~~شاهدا على كل تفاصيلها ومفرداتها. # كما يحتاجه الإنسان في كل قضايا المعرفة التي يتركها السابقون للاحقين في ~~ما يجعلونه منطلقا لأفكار جديدة ، وقاعدة لبناء ثقافي قوي ، ولتجربة جديدة ~~تستلهم التجارب الماضية الباقية في وعي الأجيال اللاحقة. # وهكذا كان القلم الذي ألهم الله الناس أن يستخدموه كأداة للكتابة هو ~~الأداة التي أعطت الإنسانية ثقافتها الواسعة ، ومنحتها كل إمكانات التقدم ~~والتطور والارتفاع ، ولولاها لبقيت المعرفة تحت رحمة الكلمة المسموعة التي ~~تبقى في دائرة ضيقة في نطاق الظروف المحدودة المحيطة بالإنسان ، الخاضعة ~~لحدود الزمان والمكان. # وبذلك كان من الأهمية الكبرى بحيث يكون في المستوى الذي يقسم الله به ، ~~كما يقسم بالأمور المهمة من خلقه ، في ما أنعم الله على العباد به من نعمه ~~الكثيرة. # * * * ### ||| ** نفي الجنون بنعمة الله # ( @QUR@05 ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) فقد أنعم الله عليك بالعقل الواسع ~~الذي جعلك في مستوى الذروة من القيادة حيث اصطفاك الله من خلاله لرسالته ، ~~لتكون الرسول الذي يتلقى الوحي بعقله ليديره في فكره ، ليعرف كيف يبلغه ، وكيف PageV23P038 # يحركه ، وكيف يوجه الناس إلى الآفاق الرحبة من خلاله ، وكيف يجعل منه ~~المنطلق لثقافة الحياة وحركتها في الطريق التي يفتحها نحو الغاية التي ~~يحددها ، وليصنع منها الكثير مما تتنوع فيه مصادرها ومواردها ، ليكون ~~العنوان الذي يمنح الإنسان المعرفة الواسعة العميقة التي تتنوع وتتحرك ~~لتقربه إلى الله ، ولتجعله الجدير بأن يكون خليفته في الأرض ، من موقع ~~الطاعة ، والدعوة والحركة والانطلاق. # ولذلك فإن الكلمات التي تتهمك بالجنون ، لا تملك عمقا ، في ما هو العمق ~~من شخصيتك ، ولا تملك سطحا في ما هو السطح من حركة حياتك ، ولا تملك الأفق ~~في ما هو الأفق من امتدادات فكرك وانطلاقات وعيك وإيمانك ، فلا قيمة لها ~~مهما أثارت من الأجواء المعقدة أو حركت من المواقع الملتوية ، لأن الله ~~يشهد لك بكفاءة العقل فيك ، وبنفي الخلل عنك. # ( @QUR@05 وإن لك لأجرا غير ممنون ) أي غير مقطوع ms5199 ، لأنه ليس محدودا بحد ~~معين ، فهو الأجر على الرسالة التي أعطيتها الكثير من جهدك ، وعانيت ما ~~عانيته في سبيلها ، حتى اهتدى الناس بها في ما بلغته من آياتها ، واستقام ~~الطريق في ما حددته من مناهجها ، وانفتحت المعرفة على آفاق واسعة جديدة في ~~ما أطلقته من أفكارها ، فامتدت مع الأجيال لتعمق إحساسهم بالإيمان بالله ، ~~ولتدفع بعقولهم إلى بناء الحياة على قاعدة الحق والخير والعدل بين يدي الله ~~، فكان لك أجر ذلك كله ، لأنك ركزت الأساس وأعليت البناء ولا مست الأعماق ~~بالمحبة والرحمة ، ولا تزال الرسالة تجري مجرى الأنهار ما بقيت الحياة ، ~~ولا يزال أجرك يمتد معها امتداد النور مع الشروق. # وربما احتمل بعضهم بأن المقصود بالمن المنفي هنا ، ذكر المنعم إنعامه ~~وترديده على أسماع المنعم عليه أو على أسماع غيره ، فأريد هنا بيان أن ~~الأجر مما يستحقه الرسول بما جعله الله له ، فلا منة عليه. PageV23P039 # ولكن قد يلاحظ على ذلك بأن المسألة عند ما تكون مع غير الله ، فهناك مجال ~~للحديث عن نفي المنة في أجره ، ولكن عند ما تكون المسألة في ما يمنحه الله ~~من أجر ، فإن الله يملك المنة على كل خلقه ، لأنه يملكهم ويملك أعمالهم ، ~~فليس لهم من ذلك شيء ، بل هو تفضل منه تعالى عليهم ، وربما كانت الكلمة ~~بهذا المعنى واردة على سبيل الكناية باعتبار ما تختزنه من معنى الثقل ~~والإذلال ، ليكون المقصود هو أن هذا الأجر الذي يمنحه الله لا يحمل أي معنى ~~من المعاني التي قد تثقل على شعوره ، بل ينساب تأثيره في إحساسه انسياب ~~الفرح الروحي في الأعماق. # * * * ### ||| ** إنك لعلى خلق عظيم # ( @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم ) في رحابة صدرك ، ورأفة قلبك ، ورحمة ~~إحساسك ، ولين كلامك ، ورقة شعورك ، وحرصك على من حولك ، وحزنك على كل ~~الآلام التي تعرض لهم ، وانفتاحك على كل الناس ، من أصدقاء وأعداء ، ~~بالكلمة التي هي أحسن ، والأسلوب الذي هو أفضل ، والنصيحة التي هي أقوم ، ~~والبسمة التي هي أحلى ، والعطية التي هي أغلى ، والروح التي هي أصفى ، ~~والقلب الذي هو أنقى ، والقوة ms5200 في غير قسوة ، والرفق في غير ضعف ، والصبر في ~~غير خوف ، والتواضع في غير ذل ، والعزة في غير كبر .. وهكذا كان الرسول ~~الذي تتحرك أخلاقه في عمق رسالته ، وتنطلق إنسانيته في ساحة مسئوليته ، ~~وتلتقي شخصيته بكل الآفاق الرحبة في أبعاد حركته. # وبهذا كان التجسيد الحي لكل أخلاقية الرسالة ، حتى تحول إلى قرآن يتحرك ~~بين الناس ، ليقدم الفكرة بالكلمة ، ويعمق الكلمة بالقدوة ، فكانت PageV23P040 # كلماته رسالة ، وكانت أفعاله شريعة ، وكان سكوته عما يراه ويسمعه وتقريره ~~له دينا يدان به ، وكانت عظمته في خلقه المنفتح على الناس هي نفسها عظمته ~~في نفسه وفي خلقه الرسالي الروحي في خشوعه لربه ، في كل نبضة من نبضات قلبه ~~، وكل همسة من همسات روحه ، وكل دمعة من دموع عينيه ، وكل ابتهال في سبحات ~~الصلاة والدعاء من ابتهالات وجدانه. # * * * ### ||| ** الله أعلم بالمضلين والمهتدين # ( @QUR@02 فستبصر ويبصرون ) ما يختزنه المستقبل القريب والبعيد ، من ~~انتصار الدعوة ، وسلامة الحركة واستقامة الطريق ، ورجاحة العقل ، وعمق ~~الحكمة في ما تدعو له وتقوده ، في مقابل سقوط المعارضة ، وخلل الفكرة ، ~~وسوء التدبير وانحراف الطريق ، وسوء العاقبة في ما قاموا به أو يقومون به ~~من أعمال ، وسيظهر للناس كلهم ، في ذلك كله ( @QUR@02 بأيكم المفتون ) أي ~~من هو المفتون المبتلى في عقله وفي سلامة موقفه ، فلا فائدة للدخول معهم في ~~جدل عقيم حول ذلك ، لأن هذه الأمور سوف تظهر في نتائجها النهائية. # ( @QUR@08 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) بما يعرفه من خفايا نواياه ~~وأعماله ، وما يظهره من أوضاعه وحركاته وخططه ، ( @QUR@03 وهو أعلم ~~بالمهتدين ) في إخلاصهم له ، وفي صدقهم معه ، وفي جهادهم في سبيله .. ~~وسيعرف كل واحد موقعه ومصيره في الدنيا والآخرة ، لأن الجميع سوف يقفون ~~أمام الله ، ليفتح الله لكل منهم صحيفة أعماله بكل جزئياتها في صغائر ~~الأمور وكبائرها. # * * * PageV23P041 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 فلا تطع المكذبين (8) @QUR@04 ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ~~@QUR@05 ولا تطع كل حلاف مهين (10) @QUR@03 هماز مشاء بنميم (11) @QUR@04 ~~مناع للخير معتد أثيم (12) @QUR@04 عتل بعد ذلك زنيم (13) @QUR@05 أن كان ~~ذا مال وبنين (14) @QUR@07 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) ~~@QUR@03 سنسمه ms5201 على الخرطوم ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تدهن ): تلين. # ( @QUR@01 حلاف ): كثير الحلف. ولازم كثرة الحلف في كل أمر بأن لا يحترم ~~الحالف شيئا مما يحلف أو يقسم به. # ( @QUR@01 مهين ): المهانة ، بمعنى الحقارة. # ( @QUR@01 هماز ): مبالغة من الهمز ، والمراد به الغياب والطعان. # ( @QUR@02 مشاء بنميم ): السعاية والإفساد ، والمراد : نقل الحديث من ~~قوم إلى قوم على وجه الإفساد بينهم. # ( @QUR@01 أثيم ): كثير الإثم. PageV23P042 # ( @QUR@01 عتل ): العتل : الفظ والغليظ الطبع. # ( @QUR@01 زنيم ): لا أصل له. # ( @QUR@01 سنسمه ): سنضع عليه وسما وعلامة. # ( @QUR@01 الخرطوم ): الأنف. # * * * ### ||| ** رفض تبادل التسويات # وهذا حديث قرآني عن بعض الأساليب التي كان يتبعها المشركون مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ما كانوا يثيرونه معه من التسويات التي قد تؤدي إلى ~~التنازل عن بعض مواقف الرسالة الفكرية والعملية لمصلحة بعض مواقفهم الوثنية ~~على أن يقدموا له بعض التنازلات ، ليحصلوا من خلال ذلك على اعتراف ضمني أو ~~صريح بالخط الذي يتحركون عليه ، ليهزموا مصداقيته من خلال ذلك ، كما روي في ~~السيرة عن طروحاتهم التي كانت تطلب منه أن يعبد آلهتهم سنة ، ليعبدوا الله ~~معه سنة. # ( @QUR@03 فلا تطع المكذبين ) الذين كذبوا رسالتك ، وحاربوك في دعوتك وفي ~~اتباعك في ما يعرضونه عليك من سبيل للتوافق ، لأنهم لن يطرحوا عليك خيرا ، ~~فإن طبيعة تكذيبهم تقتضي أن يكون في طرحهم الكيد للإسلام وللمسلمين. # * * * PageV23P043 ### ||| ** ودوا لو تدهن فيدهنون # ( @QUR@04 ودوا لو تدهن فيدهنون ) فتلين لهم في موقفك لتتنازل عن بعض ما ~~تدعو إليه ، مداهنة ومجاملة ، على حساب الدعوة ، فيلينون لك ، في إيقاف ~~ضغوطهم عليك وفي التزامهم ظاهريا ببعض ما أنت عليه ، حتى تظهر أمام الناس ~~في موقف الرسول الذي لا يخلص لرسالته ، ولا يثبت في موقفه ، ولا يستقيم في ~~طريقه ، بل يعمل على أن يخضع للضغوط ، ويلعب على المواقف ، ويجامل الآخرين ~~على حساب الله ، وحتى يحصلوا على اعتراف بهم في بعض القضايا ، ولا سيما في ~~مسألة التوحيد ، مما يدفع المؤمنين إلى الشك والاهتزاز في موقفهم مع ~~الرسالة والرسول ، من دون أن يخسر المشركون شيئا ، لأنهم لا يملكون قاعدة ~~فكرية توحى بالاحترام ، بل كانوا يتحركون من موقع ms5202 المصالح الذاتية في كل ~~خطواتهم في مجال العبادة والعلاقات. # وفي ضوء ذلك ، فإن المسألة تمثل جانبا كبيرا من الخطورة ، وتدفع إلى ~~الكثير من المشاكل الصعبة التي تنعكس على حركة الرسالة ، مما يفرض على ~~الرسول وعلى الدعاة من بعده الحذر كل الحذر من كل العروض التي يطرحها ~~الكافرون والمشركون عليهم ، في ما قد يوحي بالمهادنة والتسويات والمرونة ~~العملية ، حتى لا يقعوا في المهالك التي أعدوها لهم ، على صعيد الرسالة ، ~~وعلى مستوى الواقع. # * * * ### ||| ** صفات هؤلاء المدهنين # ( @QUR@05 ولا تطع كل حلاف مهين ) من هؤلاء الذين يكثرون الحلف على كل ~~شيء مما يثيرونه أمام الآخرين ، أو مما يختلفون فيه معهم ، من القضايا PageV23P044 # المتعلقة بالدين وبالحياة وبالأوضاع المحيطة بهم ، سواء أكانت حقا أم ~~باطلا ، لأنهم لا يشعرون بالثقة في أنفسهم ، أو بثقة الناس بهم ، ولذلك ~~فإنهم يلجأون لتأكيد الثقة إلى أسلوب الحلف ، ولو على حساب المقدسات التي ~~يحلفون بها ، كما في الحلف بالله ، حيث يسيئون إلى موقع عظمته بالقسم به في ~~قضية كاذبة أو باطلة. وإذا حدقت بهؤلاء في ما يتصفون به من صفات أخلاقية ~~على صعيد الواقع ، فسترى المهانة النفسية ، والحقارة العملية التي توحي بكل ~~سقوط وانحطاط. # ( @QUR@03 هماز مشاء بنميم ) والهمز هو الطعن بالناس بإثارة الحديث حول ~~عيوبهم بالعين والإشارة وبغيرهما بالحق والباطل ، والنميمة هي السعاية ~~والإفساد اللذان يؤديان إلى الفتنة بين الناس وإفساد علاقاتهم ببعضهم البعض ~~من خلال نقل الحديث الذي يسيء إلى سلامة العلاقات ، وهكذا يتمثل هؤلاء في ~~النموذج البشري الشرير الذي لا يريد الله للنبي ولمن بعده من المسلمين ~~الدعاة ، الاستسلام إليهم ، والطاعة لهم ، بالطعن بالناس والسعي لإفساد ~~علاقاتهم بنقل الأحاديث التي يسمعها من هنا وهناك ، ليوغر صدور بعضهم على ~~بعض ، وليدفع بالواقع إلى المزيد من الخلافات والنزاعات ، فهو حاقد على ~~المجتمع وعلى كل مظاهر الأمن والمحبة والخير فيه. # ( @QUR@02 مناع للخير ) فلا يعمل الخير ، ولا يسمح لأحد أن يقوم به ، ~~مستخدما كل الوسائل التي تتيح له أن يكون حاجزا بين الناس وبينه. ( @QUR@02 ~~معتد أثيم ) فهو يعمل على الاعتداء على الناس في ms5203 ما لا يملك حقا فيه ، كما ~~يمتد في الإثم الذي يتمثل بالأعمال الشريرة التي يرفضها الله سبحانه ، ( ~~@QUR@03 عتل بعد ذلك ) والعتل هو الفظ الغليظ ، وقيل : إنه الفاحش السيئ ~~الخلق ، أو الجافي الشديد الخصومة بالباطل ( @QUR@01 زنيم ) وهو الذي لا ~~أصل له ، أو الدعي الملحق بقوم وليس منهم ، والمعنيان متصادقان ، وقيل : هو ~~المعروف باللؤم ، وقيل : هو الذي له علامة في الشر يعرف بها ، وإذا ذكر ~~الشر سبق هو إلى الذهن. وهما PageV23P045 # يعيشان في جو واحد. هذه هي الصفات التي كانت تتمثل في أولئك الذين كانوا ~~يعيشون في مجتمع الدعوة الأول ممن قد تكون لهم وجاهة اجتماعية ، ومنزلة ~~اقتصادية ، تؤهلهم أن يقدموا طروحاتهم المشبوهة للنبي ، ليبطلوا موقعه ~~الروحي الثابت على الحق بصلابة. # * * * ### ||| ** مصير المستكبر المتغطرس # ( @QUR@05 أن كان ذا مال وبنين ) فقد كان المال الذي يملكه ، والبنون ~~الذين كانوا عنده ، يبرران له الموقف المستكبر المتغطرس الذي لا يخضع للحق ~~، ولا ينقاد للحجة الواضحة ، ويدفعانه إلى الكفر والبطر ، بدلا من أن ~~يقوداه إلى الإيمان والشكر ، لأنهما يمثلان نعمة الله عنده. # ( @QUR@07 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) فينطلق الحكم على ~~الآيات بأنها تمثل المضمون الخرافي تماما كما هي القصص الخرافية التي ~~ينقلها الناس عن الأمم السابقة ، من دون أن يدقق في ذلك بعقله ليعرف طبيعة ~~المضمون الفكري العميق الذي يتضمنه الوحي الإلهي في آيات الله. # ( @QUR@03 سنسمه على الخرطوم ) وهو الأنف الذي يمثل موقع العزة في وجه ~~الإنسان ، كما يقال : شمخ فلان بأنفه ، والمقصود أن الله سوف يضع على أنفه ~~علامة العذاب والذل ليعرفه كل من يراه بصفته الحقيرة في يوم القيامة. # * * * PageV23P046 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ~~(17) @QUR@02 ولا يستثنون (18) @QUR@07 فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ~~(19) @QUR@02 فأصبحت كالصريم (20) @QUR@02 فتنادوا مصبحين (21) @QUR@07 أن ~~اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) @QUR@03 فانطلقوا وهم يتخافتون (23) ~~@QUR@06 أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) @QUR@04 وغدوا على حرد ~~قادرين (25) @QUR@05 فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) @QUR@03 بل نحن ~~محرومون (27) @QUR@08 قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون (28) @QUR@06 ~~قالوا سبحان ربنا إنا ms5204 كنا ظالمين (29) @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون (30) @QUR@06 قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) @QUR@010 عسى ~~ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) @QUR@08 كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ليصرمنها مصبحين ): ليقطعن ثمار الجنة في بدايات الصباح. # ( @QUR@01 كالصريم ): البلاء ، والمراد الشجر المقطوع ثمره. # ( @QUR@01 صارمين ): عازمين على الصرم والقطع. # ( @QUR@01 حرد ): منع. # * * * PageV23P047 ### ||| ** من النماذج القلقة في خط الانحراف # وهذا نموذج آخر من نماذج الناس الذين يستغرقون في المال الذي يملكونه ، ~~فينسيهم ذلك المعاني الإنسانية والمنطلقات الروحية التي تربط الإنسان ~~بالجانب الخير من الحياة ، ويدفعهم إلى المزيد من الطغيان المادي والبخل ~~الذاتي ، وإلى الأمل الكبير بالامتداد في ما هم عليه. ولكن الله يفاجئهم ~~بالصدمة الكبيرة التي تقضي على كل الأمل من خلال القضاء على كل ما لديهم من ~~مال ، فتدفعهم الصدمة إلى التفكير بطريقة أخرى بعد فوات الأوان. # ( @QUR@02 إنا بلوناهم ) أي هؤلاء الذين وصفهم الله بالصفات الشريرة التي ~~كانت تطبع كل شخصياتهم المنحرفة ، فقد كان المال الذي أعطاهم الله إياه ~~اختبارا لهم ، كيف يتعاملون معه ، وهل أن المال يلغي إنسانيتهم بزخارفه ~~وإيحاءاته المغرية ، أو أن الإنسانية المنطلقة من موقع القيم الروحية ~~المنفتحة على الله من جهة وعلى الإنسان المحروم من جهة أخرى ، هي التي ~~تنتصر على إغراءات المال وتهاويله. وقد سقطوا في هذا الاختبار ، فتغلب عنصر ~~المال لديهم على عنصر الإنسان في داخلهم ، كما سقط غيرهم في ذلك ، ( ~~@QUR@04 كما بلونا أصحاب الجنة ) التي كانوا يملكونها ويعتزون بها ~~ويعتبرونها الأساس في إغناء حاجاتهم الحياتية وفي تلبية أوضاعهم الاجتماعية ~~، ولذلك كانوا يتعهدونها بكل الوسائل التي تتوفر لديهم في المحافظة عليها ~~من كل سوء ، كما كانوا يبادرون إلى قطف ثمارها عند نضوجها بحيث لا يفوتهم ~~شيء منها ، ولا يسمحون لأي شخص من الانتفاع بها ، وهكذا رأيناهم في هذه ~~الصورة القرآنية ( @QUR@04 إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) أي ليقطعن ثمارها ~~في بدايات الصباح قبل أن يراهم أحد. # ( @QUR@02 ولا يستثنون ) في ما قد يحدث من بعض الطوارئ التي تمنعهم من PageV23P048 # ذلك ، كما يفعل بعض الناس عند ms5205 ما يتحدثون عن أي عمل يريدون القيام به في ~~المستقبل ، فيقولون سنفعل ذلك إن شاء الله ، أو إلا أن يشاء الله خلافه ، ~~وربما كان المعنى أنهم لم يعتبروا في اتفاقهم نصيبا للفقراء والمساكين ~~ليعزلوه لهم ليكون استثناء من حصتهم. وهكذا عاشوا التمنيات الصباحية في ~~ليلهم الأسود في ثقة كبيرة بأنهم سوف يبلغون ما يريدونه ، فيقطفون ثمار هذه ~~الجنة ليحصلوا منها على المال الوفير. # ( @QUR@02 فطاف عليها ) أي على الجنة ( @QUR@03 طائف من ربك ) في ما ~~يرسله الله إلى بعض عباده من البلاء المتنوع الذي يطوف بأرزاقهم وأجسادهم ، ~~من رياح عاصفة وأمراض فاتكة ، وأوضاع قاسية ، ونيران محرقة ( @QUR@02 وهم ~~نائمون ). # ( @QUR@02 فأصبحت كالصريم ) أي كالشجر المقطوع ثمره ، أو كالليل الأسود ~~في المعنى الآخر للصريم لما اسودت بإحراق النار التي أرسلها الله عليها ، ~~أو كالقطعة من الرمل التي لا نبات فيها ولا فائدة. والمهم في كل هذه ~~المعاني أن الجنة لم تعد لها أية نتيجة مادية على مستوى آمالهم الكبيرة. # ( @QUR@02 فتنادوا مصبحين ) تبعا للاتفاق بينهم ليجتمعوا للذهاب إلى ~~الجنة في بداية الصباح ( @QUR@07 أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) إن ~~كنتم قاصدين لقطع الأثمار من الأشجار. وهكذا استجابوا للنداء ( @QUR@03 ~~فانطلقوا وهم يتخافتون ) في حديث خافت يحذرون فيه أن يسمعهم أحد ، وهم ~~يتآمرون ويتواصون فيما بينهم. # ( @QUR@06 أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ) من هؤلاء المساكين الذين ~~يتجمعون حول البساتين في مواعيد قطف الثمار ، ليحصلوا على شيء منها من خلال ~~ضغط طلباتهم الملحة التي قد تحرج أصحابها فيبادرون إلى الاستجابة لهم. # * * * PageV23P049 ### ||| ** انكشاف الحق # ( @QUR@04 وغدوا على حرد قادرين ) في اتفاقهم على منع المساكين ، في حالة ~~نفسية حاقدة وقرار حاسم على إتمام المهمة المقررة من دون أي عائق طارئ ، في ~~ما يخيل إليهم من القدرة المطلقة التي يملكونها في هذا المجال ، وهنا كانت ~~المفاجأة التي أسقطت كل آمالهم وأحبطت كل مشاريعهم. # ( @QUR@05 فلما رأوها قالوا إنا لضالون ) فكيف حدث هذا ، وما هو السبب ، ~~ومن هو الجاني؟ إن الجو لا يوحي بأي جواب ، مما يجعلنا نعيش في حالة من ~~الضياع في طبيعة ms5206 المسألة في ظروفها وأسبابها الخفية. ومرت عليهم سحابة ~~ثقيلة من الألم والشعور بالخيبة والحرمان : ( @QUR@03 بل نحن محرومون ) فقد ~~فقدنا كل شيء ، ولم يعد لدينا ما نؤمله من المال الذي نقضي به حاجاتنا ، ~~ونحصل به على رغباتنا ، فكيف نتصرف وماذا نفعل أمام هذا الجو الذي يوحي ~~باليأس؟! # ( @QUR@02 قال أوسطهم ) وهو الذي يملك الحد الوسط أي المعتدل في تفكيره ~~لأنه يرصد الأمور بعقل متوازن ، يدرس الواقع من خلال أسبابه المادية ~~وعناصره الروحية الغيبية المتصلة بالله بما يبتلي به بعض عباده ، بالطريقة ~~الغيبية التي لا تخطر على بال أحد ، لأنه الذي قد يسلب الإنسان رزقه من حيث ~~لا يحتسب ، كما قد يرزقه من حيث لا يحتسب. # وقد كان هذا الإنسان يتحدث إليهم بالانفتاح على الله والإيمان به ، ~~والحذر من عقابه في انحرافهم عن طريقه المستقيم ، وكانوا لا يسمعون له ، ~~فلما رآهم وهم مستغرقون في دراسة الحسابات المادية من خلال الأجواء المحيطة ~~بهم ، وغارقون في المشاعر النفسية السلبية المسحوقة تحت وطأة الحرمان ، ~~التفت إليهم وقال لهم : ( @QUR@06 ألم أقل لكم لو لا تسبحون ) في التفاتكم إلى PageV23P050 # عظمة الله في قدرته ، مما يفرض على كل عباده وأنتم منهم أن يسبحوه ~~ويخضعوا له ويطيعوه ، في التزام أمره ونهيه ، وفي الإيمان بغيبه ، في ما ~~يمكن أن يفعله في دائرة حكمته ، ليتركوا الأمور كلها معلقة بمشيئة الله ، ~~وخاضعة في وعيهم الإيماني لإرادته التي لا يعجزها شيء مهما كان عظيما. # ورجعوا إلى أنفسهم ، وانكشفت عن عقولهم أغشية الغرور والكبرياء التي كانت ~~تحجبهم عن رؤية النور المشرق من وحي الله ، في ما جاءت به رسله من توحيده ، ~~ونفي الشركاء عنه ، وسعة قدرته في تدبير شؤون خلقه. # * * * ### ||| ** تلمس الهداية # ( @QUR@03 قالوا سبحان ربنا ) العظيم في لطفه ، والعظيم في عقابه ( ~~@QUR@03 إنا كنا ظالمين ) فقد ظلمنا أنفسنا بالشرك الذي ضللنا في غياهبه ، ~~وبالاستغراق في أوضاعنا المادية حتى لم نعد نبصر إشراقة الروح في عقولنا ، ~~وظلمنا الحياة من حولنا عند ما تحركنا في ساحاتها بالشر والفساد والأنانية ~~والكبرياء ، وظلمنا الناس الفقراء الذين يعيشون في حياتنا ، بالامتناع ms5207 عن ~~مساعدتهم مما رزقنا الله من النعم الوفيرة التي أرادنا أن نمنحهم منها في ~~ما جعله من حق للسائل والمحروم. # ( @QUR@05 فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ) يلوم كل واحد منهم صاحبه على ~~ما قاموا به من ظلم وانحراف عن الخط المستقيم ، ( @QUR@06 قالوا يا ويلنا ~~إنا كنا طاغين ) في ما سولت لنا شياطين الشر في أنفسنا من الطغيان الذاتي ~~على مقام ربنا ، وعلى الناس من حولنا ، فلم نستطع أن ندرك جيدا حجمنا ~~الطبيعي في عبوديتنا لله التي تفرض علينا أن نتعرف حدود قدرتنا وطبيعة ~~حاجتنا المطلقة إليه ، كما نتعرف حدود مسئوليتنا في أنفسنا ، وفي ما نملك ~~من مال وجاه ونحوه ، PageV23P051 # وكيف يجب أن نجعل كل حياتنا مظهرا متحركا لعبوديتنا لله. # إنه النداء بالويل الذي يحس به الإنسان وهو يرى نفسه على حافة الهاوية ~~التي تقوده إلى الهلاك ، وتتصاعد الحسرة في نفوسهم ، ثم تبدأ الرغبة في ~~آفاقها الروحية لترتفع إلى الله الذي أدركوه في مواقع رحمته في ما شعروا به ~~من آفاق عظمته ، وبدأت الأمنيات الروحية خلافا لتلك الأمنيات المادية ، في ~~حركة ابتهالية خاشعة تهزم اليأس في نفوسهم. # ( @QUR@06 عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ) وهو قادر على كل شيء ، الرحيم ~~بعباده الراغبين إليه الراجعين إليه بعد طول هروب منه ، وانحراف عن خط هداه ~~، فإن الذي أعطانا الجنة ، ثم أخذها منا بعد أن كفرنا ، قادر على أن يبدلنا ~~خيرا منها بعد أن شكرنا وآمنا به ( @QUR@04 إنا إلى ربنا راغبون )، ولا ~~نرغب في سواه ، لأنه وحده المدبر لأمور عباده ، المهيمن على الأمر كله. # ( @QUR@02 كذلك العذاب ) الذي يمكن أن يحدث لكل الناس الذين يأخذهم ~~الغرور بأموالهم وأولادهم وأنفسهم ، فيأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، فيحرمهم ~~ويعاقبهم من حيث لا يشعرون ( @QUR@03 ولعذاب الآخرة أكبر ) لأنه العذاب ~~الذي لا مجال فيه للخلاص ، لأنه لا مجال فيه للتوبة والعودة إلى الله من ~~جديد ، كما هو الحال في عذاب الآخرة ، ( @QUR@03 لو كانوا يعلمون ) ما يجب ~~أن يفكروا فيه ، لينتهوا إلى النتيجة المثلى ، في حياتهم في الدنيا ~~والآخرة. # * * * PageV23P052 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 إن للمتقين عند ms5208 ربهم جنات النعيم (34) @QUR@03 أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين (35) @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون (36) @QUR@05 أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون (37) @QUR@05 إن لكم فيه لما تخيرون (38) @QUR@012 أم لكم أيمان ~~علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) @QUR@04 سلهم أيهم ~~بذلك زعيم (40) @QUR@08 أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ~~(41) @QUR@09 يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) ~~@QUR@011 خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ~~(43) @QUR@010 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) ~~@QUR@05 وأملي لهم إن كيدي متين (45) @QUR@07 أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون (46) @QUR@05 أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) @QUR@011 فاصبر لحكم ~~ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) @QUR@011 لو لا أن تداركه ~~نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) @QUR@05 فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (50) @QUR@012 وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) @QUR@05 وما هو إلا ذكر للعالمين ) (52) # * * * PageV23P053 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أيمان ): عهود ومواثيق. # ( @QUR@01 مغرم ): المغرم : الغرامة. # ( @QUR@01 مكظوم ): مملوء بالغم. # ( @QUR@01 بالعراء ): الأرض غير المستورة بسقف أو نبات. # ( @QUR@01 ليزلقونك ): الإزلاق : الإزلال ، وهو الصرع ، كناية عن القتل ~~والإهلاك. # * * * ### ||| ** دحض مزاعم المكذبين # وهذه إطلالة على مصير المكذبين للنبي ، وتسجيل للحجة القاطعة عليهم في ~~مواقفهم السلبية من الدعوة ، والتي لا ترتكز على أساس من العلم والواقع ، ~~مما يجعل لله الحجة عليهم عند ما يواجهون العذاب في الآخرة بينما يبرز ~~المتقون بالحجة التي تدعم موقفهم وتجعلهم موضع رحمة الله في الآخرة. # ( @QUR@06 إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ) لأنهم عرفوا مقام ربهم ، ~~وفكروا بمنطق عقولهم لا بمنطق غرائزهم ، والتزموا بالحق الثابت لديهم من ~~ربهم ونهوا النفس عن الهوى ، مما كان يريد الشيطان أن يضلهم من خلال ~~الأجواء العاطفية المحيطة بهم من أهلهم وقومهم ، فرفضوا ذلك كله واقتربوا ~~من الله ، وفضلوا رضاه على رضى الأقربين. # * * * PageV23P054 ### ||| ** ليس المسلمون كالمجرمين # ( @QUR@03 أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) في الميزان ، بحيث يتساوى مصير ~~الذين اتقوا ربهم وأسلموا أمرهم إليه ، وجعلوا الحياة ساحة الطاعة لله في ~~جميع جوانبها ومجالاتها العملية ، ومصير الذين ابتعدوا عن التقوى وتمردوا ~~على الله ، وجعلوا ms5209 من الحياة ساحة الجريمة الفكرية والعملية ، فأساءوا إلى ~~مقام ربهم ، وظلموا عباده في أقوالهم وأفعالهم ، إن ذلك مرفوض عند الله ~~الذي يحكم بين عباده بالعدل فيجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته. # وهذا خط مستقيم لا بد من أن يأخذ به العاملون في خط الدعوة إلى الله ~~والجهاد في سبيله ، بحيث يواجهون الموقف من الناس الذين يحيطون بهم ، على ~~أساس الإخلاص لمنطق الدعوة في القيمة الاجتماعية ، فيقفون من المسلمين ~~الذين يلتزمون الخط الإسلامي موقف الإعزاز والتكريم والدفاع عنهم في ساحات ~~الصراع التي يخوضونها ضد الكفر والباطل ، ولا يفعلون كما يفعل البعض ممن ~~يسيرون مع المستكبرين في مواقعهم الرسمية ، ليرفضوا الملتزمين بالخط ~~الإسلامي إرضاء للواقع العام الذي يرمي المؤمنين بالاتهامات اللامسؤولة ~~كالتعصب والتطرف وما إلى ذلك من الكلمات التي استحدثها الاستكبار والكفر ، ~~للنيل من هؤلاء السائرين على خط الله ، فإن ذلك يوجب اهتزاز قواعد الإسلام ~~، وتوجيه المجتمع إلى التحول نحو المجرمين في ما هي القيمة الاجتماعية ~~والسياسية ، ليكون فريق الباطل هو صاحب القيمة لدى المواقع الرسمية ~~الإسلامية دون فريق الحق ، باعتبار الواقع الاستكبارى الذي يبحثون عن كسب رضاه. # ( @QUR@04 ما لكم كيف تحكمون ) من دون قاعدة في منطق الحق الذي لا بد من ~~أن يكون هو الأساس في الحكم ، فإذا كانت المسألة في التقييم هي التمايز الذي PageV23P055 # يظهر بين الناس ، فكيف يمكن أن نساوي بين الإنسان المؤمن الذي أسلم كل ~~حياته لله في كل أقواله وأفعاله وعلاقاته وخططه ، وجعل حياته كلها في خدمة ~~الله الذي خلقه وخلق الناس كلهم في قدرته وحكمته ، وأنعم عليه وعليهم ~~بتدبيره في ما مهد لهم من وسائل العيش وفي ما أنعم عليهم من نعمه التي لا ~~تحصى ، وبين الإنسان الكافر الذي أجرم في حق نفسه ، وفي حق ربه ، وفي ~~تصرفاته مع الناس من حوله .. فإذا لم يكونا متساويين في الصفات التي تميز ~~الناس عن بعضهم البعض ، فكيف نجعلهما متساويين في الحكم وفي المصير؟! # * * * ### ||| ** تساؤلات استنكارية # ( @QUR@05 أم لكم كتاب فيه تدرسون ) من الكتب التي أنزلها الله على رسله ~~لتكون لكم ms5210 حجة على ما أنتم فيه. وهذا أمر لا أساس له ، لأن الكتب النازلة ~~من عند الله تؤكد على تفضيل المسلمين على المجرمين. ( @QUR@05 إن لكم فيه ~~لما تخيرون ) أي ما تختارونه من المصير الذي تريدونه ، من المصير الذي ~~ينتظركم في الآخرة أو مطلقا ، ( @QUR@08 أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم ~~القيامة ) بحيث التزمنا لكم بالعهود والمواثيق المتمثلة بالأيمان من قبلنا ~~أن يكون لكم الحق بالحكم كما تشاءون ، لتكون لكم الحجة بذلك في ما جعل الله ~~لكم من إرجاع الأمر إليكم إلى يوم القيامة. وهذا أمر لا أساس له ولا معنى ، ~~لأن الله لا يمكن أن يجعل عهدا على نفسه للمنحرفين عنه بأن يحكموا بما ~~يشاءون في ما لا يرتكز على قاعدة الحق والعدل ( @QUR@04 إن لكم لما تحكمون ). # ( @QUR@04 سلهم أيهم بذلك زعيم ) فمن هو الذي يتكفل بهذا الموقف الجائر ~~الذي لا يتفق مع خط الله ، وكيف يمكن أن يتحمل المسؤولية في الأخذ بذلك PageV23P056 # والالتزام به؟ وهذه إشارة على الظاهر إلى أن ذلك مما لا يستطيع أحد أن ~~يتكفل به ، لأنه الباطل الذي لا يتفوه به كل من يحترم عقله ، ( @QUR@03 أم ~~لهم شركاء ) يقررون لهم هذه الأمور ، فيعتمدون عليهم في موقفهم وفي حكمهم ، ~~ممن يكون له إصدار الأمر الملزم للناس ، وذلك بأن يكون هؤلاء الشركاء في ~~مواقع الآلهة ، ( @QUR@05 فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ) ولن يستطيعوا ~~ذلك لأنه غير وارد في حساب الحقيقة الأصلية. وقيل : إن المراد بالشركاء ~~شركاؤهم في هذا القول ، للإيحاء بأنهم ليسوا وحدهم فيه ، فلا يكونون حالة ~~شاذة في المجتمع ، في ما يقولونه أو يلتزمونه من الحكم ، ولكن وجود آخرين ~~يثبتون هذا القول لا يصلح سندا لهم ، لأن أولئك يكونون مثلهم في الخطأ ~~والسقوط. # * * * ### ||| ** موقف الخسران للكافرين يوم القيامة # ( @QUR@04 يوم يكشف عن ساق ) وهو وارد مورد المثل عن اشتداد الأمر ~~اشتدادا بالغا لأنهم كانوا يشمرون عن ساقهم إذا اشتد الأمر للعمل أو ~~للفرار. قال صاحب الكشاف : «فمعنى ( @QUR@04 يوم يكشف عن ساق ) في معنى يوم ~~يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثم ولا ms5211 ساق ، كما تقول للأقطع الشحيح يده ~~مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل» (1). # ( @QUR@05 ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) لأنهم لا يملكون القدرة على ~~ذلك من خلال العجز الروحي والجسدي الذي لا يمكنهم من القيام بذلك بشكل طبيعي. # ( @QUR@02 خاشعة أبصارهم ) فلا يملكون أن يحدقوا بها في ما حولهم ، لأنه ~~من الأمور التي لا يستطيعون التماسك أمامها ، لما تشتمل عليه من مظاهر الرعب PageV23P057 # الذي يرهق الأبصار ويهز القلوب ( @QUR@02 ترهقهم ذلة ) في موقفهم الخاسر ~~الذي يواجهون فيه العذاب الأليم ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ( @QUR@07 ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) وذلك عند ما كانوا في الدنيا ~~قادرين على أن يستقيموا في خط توحيد الله في العقيدة والعبادة ، وأن يسجدوا ~~له إيمانا وخضوعا ، ليتفادوا هذا الموقف الخاشع الذليل في يوم القيامة ، ( ~~@QUR@05 فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) فلست أنت يا محمد الذي تواجهه ~~بالموقف المتحدي في ساحة المواجهة الصعبة التي تقوده إلى نهايته المحتومة. ~~ولعل الإنسان الذي يستمع إلى الله رب العالمين وهو يقول لرسوله : ذرني ~~وهؤلاء فأنا الكفيل بهم ، يشعر بالهول الكبير الذي لا هول مثله ، من خلال ~~هذا التهديد الإلهي الحاسم. # * * * ### ||| ** استدراج الكافرين من حيث لا يعلمون # ( @QUR@05 سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) وذلك بالأسلوب الذي قد يخيل لهم ~~فيه بأن الله قد أهمل أمرهم ، من خلال ما يشاهدونه من النعم الكثيرة ~~المحيطة بهم ، وربما يحسبون ذلك كرامة من الله لهم .. ولكنه الاستدراج الذي ~~يقعون فيه من دون وعي للنتائج المقبلة عليهم ، ( @QUR@02 وأملي لهم ) وذلك ~~بإمهالهم حتى يمتدوا بالمعاصي ، وتمتد النعم بهم في مواقع الابتلاء ~~والامتحان ، ( @QUR@03 إن كيدي متين ) قوي لا يتخلف عن هدفه ، في ما يتخلف ~~فيه كيد الكافرين عن غاياتهم ، لأنهم لا يملكون امتدادا في القدرة الخفية ~~التي تتعامل مع واقع القضايا لا ظاهرها. # ( @QUR@03 أم تسئلهم أجرا ) على دعوتك ، كما هو حال الكثيرين من الدعاة ~~الذين يريدون أن يحصلوا من خلال دعوتهم على المال ، في ما يحصلون عليه من ~~المواقع المتقدمة في المجتمع ، ليتعللوا بذلك في ms5212 الوقوف ضدك ، لأنهم لا PageV23P058 # يريدون التحاور معك في هذا الهدف ، لعدم استطاعتهم دفع هذا الأجر ، ~~فيهربون منك هربا من الغرم الذي قد يفرض عليهم ، ( @QUR@04 فهم من مغرم ~~مثقلون ) كما يفعل الناس مع كل الذين يكلفونهم مالا يثقل عليهم دفعه ، ~~فيواجهونه بالرفض بطريقة غير مباشرة. # ( @QUR@05 أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أي هل يملكون أمر الغيب في ما ~~تختزنه من أوضاع المستقبل ، ليحددوا بذلك حدود قضايا المستقبل من خلال ~~رؤيتهم خفاياه ، فهم يكتبون ذلك ويقررونه لينطلقوا إلى شاهد على ما يدعونه ~~، تماما كما هم الأنبياء الذين يتحدثون عن الغيب النازل عليهم من الله. ~~ولكن من أين لهم علم ذلك ، وأنى لهم مثل هذه الدعوة الباطلة؟ ( @QUR@03 ~~فاصبر لحكم ربك ) وتابع رسالتك ، ولا تستعجل الأمر ، فإن كثيرا من القضايا ~~تحتاج إلى وقت طويل لتبلغ مداها ، لأن لها شروطا كثيرة في واقع الحياة التي ~~تفرض لكل حادث مراحل متعددة في امتداد الزمن ، مما يفرض على الذين يتعاملون ~~مع سنن الله في الكون من هذه القضايا ، أن ينتظروا الأسس الواقعية التي ~~ترتكز عليها ، كما هو النبات في مواعيد ثمره ، وكما هو الإنسان في مدة حمله ~~، وكما هو الليل والنهار في مواعيدهما. # * * * ### ||| ** لا تستعجل النتائج # ( @QUR@04 ولا تكن كصاحب الحوت ) الذي استعجل أمر ربه بعذاب قومه ، أو ~~أنه استعجل الوصول إلى النتائج في حركة رسالته ، فلم يصبر ، بل امتلأ غيظا ~~وحنقا من تكذيب قومه ، ( @QUR@04 إذ نادى وهو مكظوم ) في ما يشبه المختنق ~~الذي يتجرع الغيظ ولا يستطيع أن يجد له متنفسا ، ( @QUR@07 لو لا أن تداركه ~~نعمة من ربه ) وهو قبول الله PageV23P059 # له لإيمانه وتسبيحه وإخلاصه ، مما جعل مسألة الاستعجال منطلقة من موقع ~~الإخلاص لله لا من موقع التمرد عليه ، ( @QUR@02 لنبذ بالعراء ) وهي الأرض ~~العارية التي لا سقف فوقها ولا نبات عليها ، ( @QUR@02 وهو مذموم ) على هذا ~~السلوك الذي لا يتناسب مع صبر الرسالة وثبات الرسول ، ( @QUR@02 فاجتباه ~~ربه ) واختاره إليه ( @QUR@03 فجعله من الصالحين ) الذين اختصهم برحمته ، ~~وجعلهم من أهل كرامته. # * * * ### ||| ** من إيحاءات الآيات # وقد نستوحي من هذه الآيات وصية الله ms5213 للنبي أن لا يكون كصاحب الحوت الذي ~~ضاق صدره بتكذيب قومه ، فاستعجل العذاب لهم ، ولم يصبر على الامتداد في ~~تبليغ الرسالة لتبلغ مداها في تحقيق شروط النجاح أو نهاية التجربة. # قد نستوحي من ذلك أن الأنبياء يستسلمون لنقاط الضعف البشرى تبعا لدرجاتهم ~~، وقد لا يكون من الضروري أن يكون ذلك في حجم المعصية لأنهم ربما انطلقوا ~~من معطيات إيمانية في الغضب لله ولرسوله ، ولكن ذلك يعني أن درجاتهم في ~~الكمال تتفاوت حسب تفاوت مواقعهم الإيمانية والروحية. # وقد نستوحي من هذه الآية ، أن على الداعية أن يصبر في موقفه الصعب في ~~مواجهة التحديات ، ليبقى في متابعة دائمة للواقع من حوله من خلال دراسة ~~الظروف الموضوعية الضاغطة عليه أو على الناس الذين يريد هدايتهم ، ليفسح ~~المجال لظروف أخرى ملائمة في ما يمكن أن يختزنه المستقبل من متغيرات على ~~صعيد حركة الواقع السلبية والإيجابية ، وأن عليه أن لا يتعقد من النكسات أو ~~بعض مواقف الفشل ، ولا يثور بسرعة ، بحجة الثأر لرسالة الله التي لا يطيق PageV23P060 # المؤمن الصبر على الإساءة إليها ، لأن الإنسان لن يكون أكثر اهتماما من ~~الله برسالته ، في ما يريد أن يأخذ به المتمردين من عقابه ، فقد يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يحتسبون. # * * * ### ||| ** الخروج عن المألوف ليس خروجا عن الحقيقة # ( @QUR@06 وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) أي ينظرون إليك نظر ~~الذي يريد أن يصرعك ببصره ، في ما كانوا يعتقدونه بأن العين تقتل الذي ~~تصيبه ، أو أنهم يحدقون بك تحديقة الحقد الذي يشتعل في عيونهم حتى يخيل ~~إليهم أنهم سيحرقونك به ، أو أنهم ينظرون إليك كما ينظر الإنسان إلى ~~المجنون في حالة نفسية توحي بالخوف منه ، والاستعداد للانقضاض عليه إذا ~~بدرت منه أية حركة ( @QUR@03 لما سمعوا الذكر ) الذي جاءهم بما لم يعهدوه ~~من الأفكار والأجواء والمواقف ، فكانوا يثيرون القضية كعادتهم في كل كلام ~~خارج عن المألوف ، مما يسمعونه من أي شخص ، فيعتبرونه جنونا ، لأنه كلام لا ~~يصدر عن الناس العقلاء الذين تتحرك عقولهم في دائرة المألوف المعروف لدى ~~المجتمع ، ( @QUR@03 ويقولون إنه لمجنون ms5214 ) وقد ذكر صاحب الميزان أن «رميهم ~~له بالجنون عند ما سمعوا الذكر دليل على أن مرادهم به رمي القرآن بأنه من ~~إلقاء الشياطين ، ولذا رد قولهم بأن القرآن ليس إلا ذكرا للعالمين» (1). # ونلاحظ أن هذا الاحتمال غير ظاهر ، لأن المسألة قد تكون في دائرة ~~الاحتمال الذي ذكرناه ، كما أن إلقاء الشياطين له لا يعني جنونه ، إذ لم ~~يكن الكلام يوحي بالذهنية الجنونية في طبيعته ، مما يجعلنا نفهم منه ~~التأكيد على PageV23P061 # التهمة ، أو الإيحاء به من خلال استغرابهم لمضمون القرآن في خروجه عن ~~المألوف في تفكيرهم. أما قوله تعالى : ( @QUR@05 وما هو إلا ذكر للعالمين ) ~~فإنه يؤكد ما قلناه ، لأنه يريد أن يقرر الحقيقة القرآنية التي أنزلها الله ~~لتذكر الناس بالحقائق في العقيدة والعمل ، ولتخرجهم من الغفلة المطبقة على ~~عقولهم المستغرقة في زوايا الجهل والتخلف ، كما يوحي بأن استغرابهم لها ~~ناشئ عن الجو الضبابي الذي يحجب الحقيقة عنهم ، لأن الخروج عن المألوف لا ~~يعني الخروج عن الحقيقة ، فربما كان المألوف خاضعا لذهنية متخلفة أو عقلية ~~موروثة من الآباء المتخلفين. # * * * ### ||| ** عالمية رسالة الإسلام # وقد نجد في هذه الآية المكية التي أكدت على أن القرآن جاء ذكرا للعالمين ~~، ردا على بعض المستشرقين الذين تحدثوا عن أن عالمية الرسالة لم تكن في وعي ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند ما كان في مكة ، بل كانت حالة طارئة ~~انطلق فيها وهو في المدينة بعد أن اتسعت انتصاراته ، مما أدى إلى اتساع ~~طموحه في السيطرة على العالم. # إن هذه الآية في هذه السورة المكية تؤكد من الناحية التاريخية أن المسألة ~~كانت منطلقة في الوحي الإلهي منذ الأيام الأولى للدعوة ، ولم تكن مسألة ~~الحديث عن أنه ذكر للنبي ولقومه ، أو إنذار أم القرى ومن حولها ، ناشئة من ~~محدودية ساحة الدعوة ، بل كانت ناشئة من طبيعة الظروف الزمانية والمكانية ~~التي كانت تفرض التدرج في الدعوة ، من أجل الوصول إلى الساحات الأخرى من ~~موقع القوة الممتدة في أكثر من مكان. # * * * PageV23P062 ### | سورة الحاقة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها اثنتان وخمسون PageV23P063 ### ||| ** في أجواء ms5215 السورة # وهذه السورة المكية تتحرك كأمثالها من السور المكية في إيقاظ العقل ~~البشري والروح الإنسانية وتوجيههما إلى الأساس العقيدي الذي يرتكز عليه ~~الإسلام وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهي تتحرك في فصول ثلاثة : # فالفصل الأول يثير تاريخ الأمم السالفة الذين كفروا بالله فأخذهم ~~بذنوبهم. # والفصل الثاني حول يوم القيامة ، وانقسام الناس فيه إلى أهل اليمين وأهل ~~الشمال في مصيرهم المختلف بين الجنة والنار. # وفي الفصل الثالث حديث عن القرآن ، وكيف تحدث الكفار عنه ، وكيف هو في ~~حقيقته النازلة من الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ~~حتى أن النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وهو صاحب الرسالة لا يجرأ على أن ~~يزيد فيه كلمة واحدة لأن الله سوف يأخذ بيده ، فالله يريده تذكرة للمتقين ، ~~لينطلق إيمانهم من خلال الصفاء الذي يمثله حق اليقين. # أما عنوان السورة فقد كان يتناول المسألة الأساس في بدايتها. # * * * PageV23P065 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 الحاقة (1) @QUR@02 ما الحاقة (2) @QUR@04 وما أدراك ما الحاقة ~~(3) @QUR@04 كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) @QUR@04 فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية (5) @QUR@06 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) @QUR@015 سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية (7) @QUR@05 فهل ترى لهم من باقية (8) @QUR@06 وجاء فرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات بالخاطئة (9) @QUR@06 فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) ~~@QUR@07 إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) @QUR@06 لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية ) (12) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الحاقة ): القيامة ، وتسمى أيضا بالقارعة والواقعة. # ( @QUR@01 بالطاغية ): المراد بها : الصيحة أو الرجفة أو الصاعقة. # ( @QUR@01 حسوما ): الحسم : إزالة أثر الشيء ، ويقال : قطعه فحسمه ، ~~والحسوم هنا القاطعة لأثرهم وخبرهم ، وقيل : القاطعة لأعمارهم. PageV23P066 # ( @QUR@01 أعجاز ): جمع عجز ، وهو أصل النخلة الذي يتحول إلى خشب. # * * * ### ||| ** الحاقة وأهوالها حقيقة دينية ثابتة # ( @QUR@03 الحاقة* ما الحاقة ) الكلمة مشتقة من الحق الذي يمثل الثبات ، ~~ولما كان يوم القيامة يمثل الحقيقة الدينية الثابتة التي لا مجال للشك فيها ~~، فقد عبر عنه بهذه الكلمة التي أريد لها أن تهز الضمير الإنساني في أعماقه ~~عند ما يتطلع في وعيه إلى اليوم ms5216 الآخر الذي كان الجدل يثور حوله بين ~~المؤمنين والمكذبين به ، في ما يؤكده هؤلاء ويكذبه أولئك ، فإذا بالصيحة ~~تدوى لتطلق الكلمة غير المألوفة لديهم في اشتقاقها ، فتطرحها لتوحي بأن ~~الآخرة هي الحاقة في طبيعة تمثيلها للحق وهي التي تعطي الحق عمقه وامتداده. # ثم يثور السؤال : ما الحاقة ، ما هي حقيقتها ، ما هي تفاصيلها ، ما هي ~~طبيعة الموقف فيها ، كيف يواجهها ، وكيف يكتشف الغموض في داخلها؟ وتنطلق ~~الكلمة الأخرى ( @QUR@04 وما أدراك ما الحاقة ) للإيحاء بالتهويل ، فهي ~~الحقيقة التي لا مجال لإدراكها لما فيها من الأهوال العظيمة ، والمشاهد ~~الكبيرة ، والأوضاع المتنوعة التي لم يشاهدها الناس من قبل ، بحيث إن ~~التصور لا يبلغ مداها. # وهذا ما يريد الله للإنسان أن يعيشه في تهاويلها الحقيقية الكامنة في ~~الغيب ، ليدفعه ذلك إلى مواجهة الموقف الذي يطل عليها في ساحة العمل بكل ~~جدية ومسئولية ، في ما يقبل عليه من حسابها العسير أمام الله. # * * * PageV23P067 ### ||| ** عاد وثمود تكذبان بالقارعة # ( @QUR@04 كذبت ثمود وعاد بالقارعة ) وهذا هو الاسم الآخر ليوم القيامة ، ~~ولكن من جانب آخر ، فهي كما قيل تقرع وتدك السماوات والأرض بتبديلها ، ~~والجبال بتسييرها ، والشمس بتكويرها ، والقمر بخسفه ، والكواكب بنثرها ، ~~والأشياء كلها بقهرها على ما نطقت به الآيات. وربما أريد من معناها أنها ~~تقرع السمع والقلب بأهوالها التي تجعلهما يرتجفان في أجواء الرعب والهلع ، ~~كما تقرعهما عند ما يتذكران تأثيرها على الحياة العملية ، ولعل هذا أقرب من ~~المعنى الأول ، لأن التعبير موجه على الظاهر للإنسان في تأثيره على مشاعره ~~في حركته في الحياة. # ولكن هذه القارعة كانت محل تكذيب من بعض الأمم السابقة كعاد وثمود ، ~~لأنها لم تتوفر على التأمل في طبيعة الموقف ، وفي احتمالاته ، وهل هو ممكن ~~بذاته أم لا ، هذا فضلا عن التأمل في طبيعة المعطيات التي تؤكده في ما ~~تثيره من نفي عبثية الخلق ، لتوحي بأن الجدية هي في المسؤولية عن أعمالهم ~~الخيرة والشريرة. وهكذا كانت الغفلة المطبقة على عقولهم بفعل الاستغراق في ~~خصوصياتهم التي دفعتهم إلى التكذيب السريع ، لأنهم لا يريدون أن يخرجوا من ~~عاداتهم ms5217 وتقاليدهم ، ولا يوافقون على إتعاب أنفسهم في البحث والتحليل ، بل ~~يريدون للحياة أن تستمر في امتدادها على الطريقة التي كانت عليها في عصور ~~أجدادهم من دون تغيير أو تبديل. # ولم يتركهم الله لتكذيبهم ، لأن ذلك قد يترك تأثيره على الحياة عند ما ~~يمتدون في السيطرة عليها ، ليمنعوا الناس من الإيمان من خلال تعاظم قوتهم ~~في الضغط على من حولهم ، وهكذا أنزل الله عليهم العذاب. # * * * PageV23P068 ### ||| ** هلاك ثمود بالطاغية # ( @QUR@04 فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ) وهي الصيحة أو الرجفة أو الصاعقة ~~، حسب اختلاف التعبير القرآني عن طريقة عذابهم ، وربما كانت الرجفة من ~~تأثير الصيحة أو الصاعقة ، وقد تكون الصيحة من نتائج دوي الصاعقة التي قد ~~تكون الأقرب في العذاب. أما التعبير عنها بالطاغية ، فقد يكون من خلال ~~تجاوزها الحد الطبيعي في تأثيرها على الناس في مقابل الصيحة العادية أو ~~الرجفة العادية ، أو ما إلى ذلك. وهكذا بالنسبة إلى الصاعقة التي قد تصعق ~~فتذهب بالوعي بشكل خفيف أو موقت ، وقد تذهب بالحياة كلها. # وقيل : «الطاغية مصدر كالطغيان والطغوى ، والمعنى : فأما ثمود فأهلكوا ~~بسبب طغيانهم ، ويؤيده قوله تعالى : ( @QUR@03 كذبت ثمود بطغواها )» (1) ~~[الشمس ، 11] ، ولكن الظاهر خلاف ذلك ، بالنظر إلى الآيات التالية التي ~~تعرضت لكيفية إهلاك الأمم الأخرى حسب الوسائل المتنوعة في ذلك. # * * * ### ||| ** إهلاك عاد بريح صرصر عاتية # ( @QUR@06 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ) الصرصر : هي الريح الشديدة ~~الهبوب ، والعاتية : من العتو ، وهو تجاوزها الحد بحيث تتمرد على الانقياد ~~فتطغى على الجو كله فتغيره إلى وضع جديد وتبدله إلى الأسوأ. # ( @QUR@013 سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها ~~صرعى كأنهم أعجاز PageV23P069 # @QUR@02 نخل خاوية ) وهي أصول النخل التي تتحول إلى أخشاب لا تحمل في ~~داخلها شيئا ، فلا تملك حياة فيما هو النمو ، ولا تملك صلابة لفراغ داخلها. ~~وهذا هو ما حل بهؤلاء الناس الذين ضغطت عليهم الرياح البادرة الشديدة ~~الطاغية التي خرجت عن المألوف ، وكانت مستمرة طيلة هذه الأيام والليالي ، ~~متكررة في عددها ، وهذا ما توحيه كلمة الحسوم التي هي كما قيل تكرار الكي ~~مرات متتالية ، ( @QUR@05 فهل ms5218 ترى لهم من باقية ) فقد استوعبهم العذاب ، ~~فلم يبق منهم أحد. # * * * ### ||| ** هلاك قوم فرعون ولوط ونوح # ( @QUR@04 وجاء فرعون ومن قبله ) من الأمم المتقدمة عليه زمانا ( @QUR@01 ~~والمؤتفكات ) وهي قرى قوم لوط ، والمقصود بها أهلها ، ( @QUR@01 بالخاطئة ) ~~حيث سلكوا الطريق الخطأ الذي ابتعدوا فيه عن عبودية الله وعن الالتزام ~~بطاعته بعد إقامة الحجة عليهم من قبل الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم. # ( @QUR@03 فعصوا رسول ربهم ) والمراد بالرسول : المرسل إلى كل واحد منهم ~~، ( @QUR@03 فأخذهم أخذة رابية ) أي مرتفعة زائدة ، كما هي الرابية ، وهو ~~كناية عن العقاب الشديد الذي يزيد عما هو المتعارف من العقوبة ، من خلال ~~انتهائه إلى الهلاك. # ( @QUR@04 إنا لما طغى الماء ) في طوفان نوح الذي أهلك الله به القوم ~~الكافرين ، ( @QUR@03 حملناكم في الجارية ) يا أيها المؤمنون ، لأن الله ~~أراد للحياة أن تبدأ عهدا جديدا في خط الإيمان به وبرسله وباليوم الآخر. # ( @QUR@03 لنجعلها لكم تذكرة ) في ما تفتح به قلوبكم وعقولكم على ما ~~يؤاخذ الله به عباده الذين يمتدون في الطغيان ، حتى لا يبقى هناك مجال ~~للرحمة عند ما يتحولون إلى سد قوي أمام الإيمان ، بحيث يحولون بين الناس ~~وبينه ، كما PageV23P070 # يخلص الله عباده المؤمنين عند ما يتمردون على كل الضغوط الشديدة التي ~~تضغط عليهم ، فلا يزيدهم ذلك إلا إصرارا والتزاما بالله في كل تعاليمه ، ~~ليفكر الإنسان في ذلك كله ، ليتذكر حقائق الأشياء حتى لا يستسلم للغفلة ~~التي تقوده إلى الضلال. # ( @QUR@03 وتعيها أذن واعية ) فلا تسمع الكلمة بطريقة سريعة انفعالية ، ~~بحيث لا تتوقف عند مدلولاتها بعمق ، ولا تنفتح على آفاقها بشمولية ، ولا ~~ترصد إيحاءاتها بمسؤولية ، بل تسمعها سماع الوعي الذي يريد أن يؤكد للإنسان ~~شخصيته الثقافية المنطلقة في خط العقيدة المسؤولة ، والحركة الواعية ، ~~والهدف الكبير ، لأن الله يريد للإنسان أن يرتفع إلى مستوى المعرفة العالية ~~التي تربطه بالله ، وتربطه بحقائق الأشياء كلها من خلاله. ولا يكون ذلك إلا ~~بالاستماع إلى كلام الله في ما يتضمنه من دروس وعبر ، بالأذن الواعية التي ~~لا تكتفي بالكلمة التي ترن في داخل طبقات السمع ، بل تنطلق بها إلى ms5219 العقل ~~الذي يضعها في نصابها الصحيح في دائرة المعرفة ، ليتكامل السمع والعقل في ~~تحقيق النتائج الحاسمة للمعرفة ، لتعطي الأذن المادة الخام ، ويتحرك العقل ~~في تصنيعها وربطها بغيرها مما لديه من مفردات كونية وإنسانية ، ليدفع ~~بالمسألة الفكرية إلى الوعي العملي للإنسان ، فيحركها في واقع الحياة ، ~~لتستقيم الحياة لديه في خط الفكر والحركة. # وهكذا نستوحي من هذه الآية أن المفروض في الإنسان المؤمن أن يتحرك في ~~مسموعاته التي هي نموذج لكل أدوات الحس ، من منطق الوعي الذي يحدق بالأشياء ~~أو يلمسها أو يسمعها ، من خلال النافذة التي تطل على عقله ، ولا تتجمد في ~~زوايا الحس المحدود. # * * * PageV23P071 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) @QUR@06 وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة (14) @QUR@03 فيومئذ وقعت الواقعة (15) @QUR@05 ~~وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) @QUR@09 والملك على أرجائها ويحمل عرش ~~ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) @QUR@06 يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) ~~@QUR@09 فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) @QUR@05 ~~إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) @QUR@04 فهو في عيشة راضية (21) @QUR@03 في ~~جنة عالية (22) @QUR@02 قطوفها دانية (23) @QUR@08 كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية (24) @QUR@011 وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ~~يا ليتني لم أوت كتابيه (25) @QUR@04 ولم أدر ما حسابيه (26) @QUR@04 يا ~~ليتها كانت القاضية (27) @QUR@04 ما أغنى عني ماليه (28) @QUR@03 هلك عني ~~سلطانيه (29) @QUR@02 خذوه فغلوه (30) @QUR@03 ثم الجحيم صلوه (31) @QUR@07 ~~ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) @QUR@06 إنه كان لا يؤمن بالله ~~العظيم (33) @QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين (34) @QUR@05 فليس له اليوم ~~هاهنا حميم (35) @QUR@05 ولا طعام إلا من غسلين (36) @QUR@04 لا يأكله إلا ~~الخاطؤن ) (37) # * * * PageV23P072 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هاؤم ): أمر للجماعة. # ( @QUR@01 غسلين ): القيح والصديد. # * * * ### ||| ** أسئلة أمام القرآن حول الحاقة # كيف تحدث الحاقة ، وكيف تنطلق القارعة ، وكيف يكون الموقف في ساحاتها ، ~~وما هي الصورة؟ # ( @QUR@06 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ) والظاهر كما ذكرنا أكثر من مرة ~~أنها كناية عن بعث الموتى من القبور لتدب الحياة فيهم من جديد ، عند ما ~~تهزهم في كل ذرات كيانهم ، فتمنحهم بإرادة الله روحا تثير فيهم الحس ~~والشعور ، ( @QUR@06 وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) فتحولتا إلى ~~أجزاء صغيرة ms5220 متفتتة لا تملك شيئا من التماسك والصلابة ، وذلك كناية عن الجو ~~الجديد الذي يحدث في الكون بقدرة الله يوم تبدل الأرض غير الأرض لتتلاءم مع ~~الحياة الجديدة في أوضاعها وشؤونها ، ( @QUR@03 فيومئذ وقعت الواقعة ) ~~وقامت القيامة ( @QUR@02 وانشقت السماء ) فانفصلت عن بعضها البعض ، وزال ~~هذا التماسك المتطابق الذي يوحي بالقوة والصلابة ( @QUR@03 فهي يومئذ واهية ~~) ضعيفة لا تملك شيئا من الشدة. # ( @QUR@03 والملك على أرجائها ) على جوانبها في حالة ظهور واستعداد ~~للمهمات الجديدة التي أوكل الله أمرها إليه ، ( @QUR@06 ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية ) من PageV23P073 # الملائكة أو غيرهم ، وإن كان المتبادر أنهم منهم. وقد تقدم الحديث عن ~~العرش في ما قدمناه من تفسير الآيات المتعلقة به ، وهو غيب من غيب الله ~~الذي قد يكون المنطقة العالية من السماء ، في ما تمثله من مظهر العلو ~~والقدرة والسيطرة ، مما يجعل نسبته إلى الله على سبيل الكناية للتعبير عن ~~ذلك ، والله العالم. # ( @QUR@06 يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) لأنه اليوم الذي تبلى فيه ~~السرائر وتتمزق ، فلا يبقى هناك شيء منها مما كان الإنسان يستره عن الناس ، ~~حيث سيواجههم بالموقف الذي تشهد فيه الجوارح على ما عملت ، ويشهد الحافظان ~~على ما كتبا ... وهناك الشاهد لما خفي عنهم ، والرقيب على الناس من ورائهم ~~، وهو الله الذي يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ولا تخفي عليه خافية في الأرض ~~ولا في السماء ، الأمر الذي يفرض على الإنسان أن يحافظ في الدنيا على أن ~~تكون أسراره التي تمثل خلفيات أعماله مما لا يخجل منها أمام الله ، وأن ~~تكون أعماله مما لا يخاف من عقابها بين يدي الله. # * * * ### ||| ** أخذ المؤمنين الكتاب يوم القيامة باليمين # وهذه هي الصورة التفصيلية لموقف المؤمنين والكافرين يوم القيامة. ( ~~@QUR@05 فأما من أوتي كتابه بيمينه ) والأخذ باليمين من علامات الإيمان ( ~~@QUR@04 فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه ) من خلال الثقة الكبيرة بما قدمه من عمل ~~صالح يؤكد خط الإيمان في حياته ، ولذلك فهو لا يخاف من أن يطلع الناس على ~~كتابه الذي لا يحتوي على أية سيئة مما يخاف من مسئوليتها أو من ms5221 فضيحتها. # ( @QUR@05 إني ظننت أني ملاق حسابيه ) فقد كنت مستعدا لهذا اليوم ، واعيا PageV23P074 # لطبيعته ، عارفا بالمسؤوليات التي يجب أن أحملها ، وبالأعمال التي ينبغي ~~أن أقوم بها مما يريدني الله أن أتحرك فيه ، واثقا بأن الدنيا هي مزرعة ~~الآخرة ، وأن الإنسان يحصد هنا ما كان يزرعه هناك ، وأن الذي يزرع الحسنات ~~يحصد رضى الله ونعيمه في جنته ، وأن الذي يزرع السيئات يحصد سخط الله ~~وعذابه في ناره ، وأن الناس سوف يقفون جميعا أمامه ليواجهوا الحساب الدقيق ~~الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعمالهم ، وهذا ما جعل خط حياتي يتحرك ~~بالنتائج التي أقدمها الآن ، أمام الله. # ( @QUR@04 فهو في عيشة راضية ) تمنحه الرضى الروحي والقلبي بحيث لا يشعر ~~بأي نوع من الأذى الذي ينغص عيشه ، أو القلق الذي يمزق مشاعره ، وبذلك كانت ~~راضية ، لأنها لا تحمل أي عنصر من العناصر التي ترهق صاحبها. # ( @QUR@05 في جنة عالية* قطوفها دانية ) فلا تكلفه أي جهد في قطافها عند ~~ما تشتهيها نفسه. ويبقى النداء الذي يتردد في جنبات الجنة لكل المؤمنين ~~الذين يعيشون فيها السعادة العظيمة التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر ~~على قلب بشر ، ليوحي إليهم بالكرامة التي يمنحهم الله إياها جزاء على ~~أعمالهم الصالحة : ( @QUR@08 كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام ~~الخالية ) التي انقضت بانقضاء الدنيا ، فقد جاهدتم وتعبتم وصبرتم وأعطيتم ~~لله من جهدكم الكثير مما تستحقون عليه الثواب العظيم. # وإذا كان الحديث عن الأكل والشرب ، فإن المسألة لا تقتصر عليهما ، لأن ~~السعادة الروحية التي يمنحهم الله إياها في رضوانه ولطفه ومحبته ، لا ~~يبلغها شيء مما يعرفه الناس من مشاعر السعادة ، ولكن مناسبة الحديث عن ~~الجنة يوحي بالحديث عن النعيم الحسي المتمثل بالأكل والشرب. # * * * PageV23P075 ### ||| ** أخذ الكافرين الكتاب يوم القيامة بالشمال # ( @QUR@05 وأما من أوتي كتابه بشماله ) وهو الذي كفر بالله ، وتمرد عليه ~~، في ما تمثله كلمة أصحاب الشمال ، ( @QUR@06 فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ~~) لأنهم يعرفون جيدا ما أسلفوه من الكفر والضلال والحرب على الله ورسله ، ~~فلا يطيقون رؤية الكتاب وما فيه ، لأنه ms5222 يوحي إليهم بالمصير الأسود الذي ~~ينتظرهم في عذاب الله ، من دون أن يجدوا وليا ولا نصيرا ، ( @QUR@04 ولم ~~أدر ما حسابيه ) لأن الحساب سوف يكون شديدا على الجرائم التي ارتكبها في ~~حياته ضد الرسالة والرسول ، ( @QUR@04 يا ليتها كانت القاضية ) في إشارة ~~إلى الموتة الأولى التي كان يتمنى لو أنها بقيت مستمرة من دون أن تتحول إلى ~~حياة جديدة يواجه فيها العذاب الشديد. # ( @QUR@04 ما أغنى عني ماليه ) الذي جمعته من مصادر متنوعة لم أراع فيها ~~حدود الله ولم أعمل فيه بطاعة الله ، بل تحركت فيه من أجل نماء الذات ~~المنفتحة بالزهو والخيلاء ، بما يبعدها عن الإحساس بالمسؤولية أمام الله ( ~~@QUR@03 هلك عني سلطانيه ) الذي أجهدت كل طاقاتي في الحصول عليه ، وتنازلت ~~عن كثير من المبادئ للوصول إليه ، من أجل إرضاء أصحاب السطوة والسلطان ، ~~ليمنحوني من سطوتهم سطوة على الضعفاء ، ومن سلطانهم سلطانا على البؤساء ، ~~لأوحي لنفسي بأني صاحب القدرة الواسعة التي لا يضعفها شيء ، مما جعلني آخذ ~~حريتي في ظلم الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، وها أنا الآن أجد نفسي ~~عاريا من كل هذا ، خائفا من كل شيء حولي ، مرعوبا مما أقبل عليه من عذاب ~~النار الذي يحرق كل تاريخي وسلطاني ويؤدي بي إلى عمق الذل وفضيحة العار. # * * * PageV23P076 ### ||| ** المصير المشؤوم # ( @QUR@02 خذوه فغلوه ) وهذا هو الجواب على كل حديثه. إنه الأمر الإلهي ~~في تصفيده بالأغلال ، ( @QUR@03 ثم الجحيم صلوه ) ليدخل فيها ويصلى نارها ~~المحرقة ( @QUR@07 ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) في إشارة إلى ~~القيد الذي يمثل هذا القدر من الطول ، ( @QUR@06 إنه كان لا يؤمن بالله ~~العظيم ) فقد استكبر وتمرد ورفض الخضوع لكل الدلائل الواضحة والبينات ~~الظاهرة على وجود الله سبحانه ، لا من موقع الفكر المضاد ، ولكن من موقع ~~العناد الذي يتحرك على أساس منطق اللامبالاة بمسألة العقيدة التي لا يريد ~~أن يشغل فكره بها ، لأنه لا يريد أن يخرج من جوه الكافر المتخلف ، فقد قامت ~~عليه الحجة القاطعة التي تبرر عذابه في نار جهنم. # ( @QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين ) فقد تحجرت العاطفة في قلبه ms5223 ، ~~وتجمدت الإنسانية في مشاعره ، فلا يحس بأي ألم أو حزن عند ما يسمع صرخات ~~الجائعين من المساكين ، بل يمر عليهم مرور المستكبر الذي لا يتأثر بذلك ، ~~ولا يدفع غيره إلى القيام بهذا الواجب ، لأنه لا يعيش مسئولية الناس ~~المحرومين الذين يعانون من ضغط الحياة عليهم. # ( @QUR@05 فليس له اليوم هاهنا حميم ) لأنه لم ينطلق في علاقاته من أجواء ~~التقوى التي تمتد في طبيعتها من الدنيا إلى الآخرة ، فلم يكن في موقع ~~الاحترام للمتقين أو في مجال التعاطف معهم ، بل كانت كل علاقاته مع ~~الكافرين المستكبرين من أمثاله ، الذين لا يرتبطون ببعضهم البعض ، بقاعدة ~~قوية ثابتة ، في ما هو التوافق الفكري والروحي ، بل ينطلق الارتباط من ~~المصالح المتبادلة القائمة على النفاق والخداع ومحاولة كل واحد منهم ~~استغلال الآخر بعلاقات لا تمثل امتدادا حتى في الدنيا ، لأنها تخضع للأوضاع ~~الطارئة التي تذهب سريعا ، وقد PageV23P077 # تنقلب إلى عداوة في الآخرة عند ما تتحول المسألة إلى مسئولية يحملها ~~أحدهم للآخر في ما يمكن أن يترك تأثيره عليه في حسابات الآخرة. وهكذا يبرز ~~الكافر وحده ، في ما يواجهه من مصيره الأسود ، ( @QUR@05 ولا طعام إلا من ~~غسلين ) وربما كان المراد به ما يسيل من أبدان أهل النار من قيح وصديد ، ~~وربما كان نوعا من الطعام يشبه ذلك في خبثه وقذارته ، ( @QUR@04 لا يأكله ~~إلا الخاطؤن ) الذين عاشوا حياتهم في وحول الخطيئة ، فعاقبهم الله على ذلك ~~بهذه الطريقة. # * * * PageV23P078 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 فلا أقسم بما تبصرون (38) @QUR@03 وما لا تبصرون (39) @QUR@04 ~~إنه لقول رسول كريم (40) @QUR@07 وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ~~@QUR@06 ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ~~(43) @QUR@05 ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) @QUR@03 لأخذنا منه باليمين ~~(45) @QUR@04 ثم لقطعنا منه الوتين (46) @QUR@06 فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين (47) @QUR@03 وإنه لتذكرة للمتقين (48) @QUR@05 وإنا لنعلم أن منكم ~~مكذبين (49) @QUR@04 وإنه لحسرة على الكافرين (50) @QUR@03 وإنه لحق اليقين ~~(51) @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) (52) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الوتين ): عرق يسقي الكبد ، وقيل : هو نياط القلب. # * * * ### ||| ** القرآن هو حق اليقين # وهذا حديث عن القرآن الذي أثار المشركون حوله كثيرا من الأحاديث ms5224 PageV23P079 # التي أرادت إبعاد القرآن عن أن يكون وحيا من الله من خلال إبعاد النبي عن ~~صفة الرسالة ، ومحاولة التأكيد على صفة الشاعر أو الكاهن في شخصيته .. ~~فكانت هذه الآيات لتقرير الحقيقة الرسولية في صفته ، ولتأكيد الوحي في النص ~~القرآني الذي يقدمه النبي بصفته الرسولية ، بعيدا عن أية صفة أخرى. # ( @QUR@07 فلا أقسم بما تبصرون* وما لا تبصرون ) من المخلوقات التي قد ~~تشاهدها العين ، وقد لا تشاهدها ، أو من عالم الغيب والشهادة في ما خلقه ~~الله من ذلك. # وربما استفاد البعض من التركيز على ( @QUR@03 وما لا تبصرون )، أنها ~~إشارة إلى المخلوقات الدقيقة الموجودة في هوام الفضاء أو في الماء أو في ~~أعماق الأرض ، مما لا يستطيع الإنسان أن يدركها بالبصر ، بل يحتاج إلى ~~استعمال الوسائل التي تكبر حجم الأشياء من المناظير المكبرة ، مما لم يهتد ~~الإنسان إليها إلا بعد اكتشاف هذه الوسائل. ورأى أن الحديث عنها من إعجاز ~~القرآن الذي أشار إلى ما لم يكتشفه الإنسان إلا بعد مئات من السنين ، من ~~الميكروبات وغيرها من الهوام والحشرات. # وقد جرى الحديث عن القسم بها لتوجيه الأفكار إلى التعمق في أسرارها ~~للوصول بذلك إلى عظمة الله. وقد جاء الحديث عن نفي القسم بها على أساس أن ~~المسألة لا تحتاج إلى القسم باعتبار أنها حقيقة واضحة. وربما احتمل البعض ~~أن كلمة «لا» زائدة وأن المراد أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. # ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) ينطلق بالقرآن في تبليغه وتلاوته من خلال ~~صفته الرسالية ، مما يعني أنها رسالة الله إلى الناس التي أمر رسوله بأن ~~يبلغهم إياها ( @QUR@04 وما هو بقول شاعر ) # لأن للشعر قواعده التي لا تلتقي بالأسلوب القرآني. # ( @QUR@03 قليلا ما تؤمنون ) يحتمل أن يكون هذا إشارة إلى قلة عدد ~~المؤمنين منهم PageV23P080 # بالقرآن ، كأسلوب من أساليب التوبيخ ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن ~~الاتهام بالشعر يراد من خلاله الإيحاء بترك الإيمان به ، باعتبار أن الناس ~~قليلا ما تؤمن بقول الشاعر لأنه لا ينطلق لديهم من موقع الحقيقة. # ( @QUR@03 ولا بقول كاهن ) من هؤلاء الكهان الذين يعتقد ms5225 أهل الجاهلية ~~أنهم يأخذون معلوماتهم من الجن ، وبذلك يكون القرآن قولا يلقيه الجن إليهم ~~، ( @QUR@03 قليلا ما تذكرون ) أي لا يتذكر به أحد منكم إلا القليل ، أو لا ~~ينطلق التذكر من خلاله لأنه إذا كان قول كاهن يستمد كلامه من الجن فلا يملك ~~القداسة التي تدفع إلى التذكر من خلال الروحية التي يحملها الكلام. # * * * ### ||| ** القرآن تنزيل من رب العالمين # ( @QUR@04 تنزيل من رب العالمين ) فهو وحده الذي خلقه وأنزله على رسوله ، ~~ليكون نورا للعالمين من الجن والإنس في ما ينبغي لهم أن يأخذوا به في نظام ~~حياتهم على مستوى المفاهيم والمناهج والأحكام في الشؤون العامة والخاصة. # ( @QUR@05 ولو تقول علينا بعض الأقاويل ) بحيث زاد النبي كلاما من عنده ~~ونسبه إلى الله ( @QUR@03 لأخذنا منه باليمين ) كما يقبض على المجرم فيؤخذ ~~بيده أو يمنع بالقوة من القيام بما يحتاج إلى استعمال اليد ، أو قطعنا يده ~~اليمنى أو نحو ذلك. # ( @QUR@04 ثم لقطعنا منه الوتين ) وهو كما قيل عرق يسقي الكبد ، وإذا ~~انقطع مات صاحبه ، وقيل : هو رباط القلب ، فيكون التعبير على كل حال كناية ~~عن قتله بقطع ما يعتبر شريانا للحياة ، ولن يستطيع أحد أن يخلصه من ذلك ( ~~@QUR@06 فما منكم من أحد عنه حاجزين ) لأن الله إذا أراد أمرا فلا يمكن ~~لأحد من عباده مهما كانت درجة قوته أن يحول بينه وبينه. PageV23P081 # وهكذا كانت الآيات حاسمة في مسألة تحريف القرآن بالزيادة عليه ، بحيث لو ~~كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يقوم بذلك لتعرض لجزاء الله ~~ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم الصادق في كلامه لا يقول إلا حقا وصدقا ، الأمين ~~على كل شيء ، لا سيما على وحي الله ، فلا يزيد فيه شيئا ، ولا يخون أمانة ~~الله في كتابه ، بل يقدمه إلى الأمة كلها كما أنزله الله مصونا من أية ~~زيادة ومن أي نقصان. # * * * ### ||| ** القرآن تذكرة للمتقين # ( @QUR@03 وإنه لتذكرة للمتقين ) الذين يعيشون روحية التقوى في حياتهم ~~الفكرية والعملية ، ويحرصون على أن يكون كل ما يؤمنون به أو يلتزمون به ~~مطابقا لرضى الله في ms5226 وحيه ولرضى رسول الله في شريعته ، فيقرءون الكتاب ~~المنزل من الله فيجدون فيه التذكرة من كل غفلة والوعي من كل جمود ، ~~فيستقيمون به على الخط المستقيم ، ويرتفعون به إلى الدرجات العليا في معرفة ~~الله وفي الإخلاص لدينه وفي الجهاد في سبيله. # أما غير المتقين ، فقد أراد الله أن يفتح لهم باب التقوى من خلال كتابه ~~ولكنهم رفضوا ذلك لأنهم لم ينطلقوا في حياتهم من مراقبة الله في أمره ونهيه ~~ولم يحركوا فكرهم في ما يتمثل في كتاب الله من المعرفة الحقة التي تخطط ~~للإنسان نهج الحق وطريق الصدق ، فانحرفوا عن الخط ، واتبعوا الضلالة ~~العمياء. # ( @QUR@05 وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ) يواجهونه بمنطق التكذيب الذي لا ~~يرتكز على حجة ، ولكن ذلك لن يضر الإسلام شيئا ، ولن يمنع كتاب الله أن ~~يفرض نفسه على الحياة في خط المعرفة وطريق الالتزام. # * * * PageV23P082 ### ||| ** القرآن حسرة على الكافرين # ( @QUR@04 وإنه لحسرة على الكافرين ) الذين سيواجهون الحسرة يوم القيامة ~~عند ما يميز الله بين المصدقين والمكذبين ، ليدخل الصادقين المصدقين في ~~جنته ، ويدخل الكاذبين المكذبين في ناره. # ( @QUR@03 وإنه لحق اليقين ) الذي يتمثل عمق الحق الذي يوحي باليقين ، ~~فلا يعتريه الريب من أي جانب كان ، بل يشرق بالنور في قلب الإنسان وعقله ، ~~ليمتد بالطمأنينة في حسه وشعوره. # ( @QUR@04 فسبح باسم ربك العظيم ) الذي أنزل الكتاب بالحق ، كما خلق ~~السماوات والأرض بالحق ، وأراد للإنسان أن يتحرك في حياته على نهج الحق ، ~~ليلتقي بالله غدا في دار الحق التي وعد بها عباده المتقين ، والحمد لله رب ~~العالمين. # * * * PageV23P083 ### | سورة المعارج ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها أربع وأربعون PageV23P085 ### ||| ** هل السورة مكية أم مدنية؟ # وهذه من السور المكية في رأى الكثيرين إلا في بعض آياتها ، فقد نقل عن ~~الحسن في ما ذكره صاحب مجمع البيان أن آية ( @QUR@07 والذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم ) مدنية (1). # ويعلق صاحب الميزان على ذلك فيقول : «وهذا السياق يشبه السور المكية ، ~~غير أن المنقول عن بعضهم أن قوله : ( @QUR@05 والذين في أموالهم حق معلوم ) ~~مدني ، والاعتبار يؤيده ، لأن ظاهره الزكاة ، وقد شرعت بالمدينة بعد الهجرة ~~، وكون ms5227 هذه الآية مدنية يستتبع كون الآيات الحافة بها الواقعة تحت ~~الاستثناء وهي أربع عشرة آية ، قوله : ( @QUR@02 إلا المصلين ) إلى قوله ( ~~@QUR@03 في جنات مكرمون ) مدنية لما في سياقها من الاتحاد واستلزام البعض ~~للبعض. ومدنية هذه الآيات الواقعة تحت الاستثناء تستدعي ما استثنيت منه ، ~~وهو على الأقل ثلاث آيات ، قوله : ( @QUR@04 إن الإنسان خلق هلوعا ) إلى ~~قوله ( @QUR@01 منوعا ). على أن قوله : ( @QUR@06 فما ل الذين كفروا قبلك ~~مهطعين ) متفرع على ما قبله تفرعا ظاهرا ، وهذا القول وما بعده إلى آخر ~~السورة ذو سياق واحد ، فتكون هذه الآيات أيضا مدنية» (2). PageV23P087 # ويستطرد في استنتاجه ليستوحي من سياقها أن مضامين هذا الفصل من الآيات ~~تناسب حال المنافقين في المدينة الذين كانوا يحيطون بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن اليمين وعن الشمال. # وقد نوقش قول الحسن بأن الحق المعلوم لا يراد به الزكاة ، فقد روي عن ~~الإمام جعفر الصادق عليه السلام أن المراد به حق يسميه صاحب المال في ماله ~~غير الزكاة المفروضة. # كما ورد عن ابن عباس : هذه السورة نزلت بعد سورة الحاقة التي هي من السور ~~المكية ، مع ملاحظة أن سياقها في بداياتها ونهاياتها التي تتحدث عن اليوم ~~الآخر يناسب كونها مكية (1). # * * * ### ||| ** في آفاق السورة # أما أغراض هذه السورة فتتلخص في يوم القيامة الذي جاءت الآيات. لتنفذ من ~~خلاله إلى أعماق النفس الإنسانية ، لتهزها هزا عنيفا من الداخل في ما تثيره ~~من أجواء الرعب الكوني الذي يتمثل في انهيار الثوابت الكونية كالسماء ~~والجبال فتتحول إلى شيء سائل ، أو خفيف طائر ، وفي غيبوبة كل إنسان في ~~همومه الذاتية بالمستوى الذي تموت فيه كل العلاقات الحميمة أمام هذا الجو ~~المرعب ، وتجعل كل شخص يفكر بالتضحية بكل شيء عزيز عليه في الدنيا من أهله ~~وأصحابه ، ممن كان يضحي بالغالي والنفيس من أجل سلامتهم. وتتمثل النار في ~~صورة الكائن الحي الذي يملك الشعور والصوت لينادي PageV23P088 # هؤلاء الذين أدبروا عن الله واستغرقوا في جمع المال ، فلم ينفتحوا على ~~الله من موقع التوحيد. # ثم تطل السورة من خلال النماذج القلقة المعرضة ms5228 عن الله سبحانه على ~~الإنسان في صورته السلبية وفي سلوكه العملي ونظرته إلى الخير ، لتصل من ~~خلال ذلك إلى النماذج الإيجابية التي تنفتح على الله وتلتزم السير في خط ~~أوامره ونواهيه. ثم تعود إلى الحديث عن هؤلاء الناس الذين يحيطون بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من دون أن يملكوا روحية الإخلاص لله ورسوله ، وهم ~~يعيشون الأماني الوهمية بدخول الجنة التي لم يقدموا في حياتهم ثمنا لها ، ~~مما يجعلهم يواجهون العذاب في الآخرة من خلال طبيعة الحياة التي تتمثل في ~~خوضهم بالباطل ولعبهم اللاهي الذي يبتعدون به عن خط المسؤولية أمام الله. # * * * ### ||| ** اسم السورة # أما اسم السورة «المعارج» فقد أخذ من الآية التي تصف الله سبحانه بأنه ذو ~~المعارج ، في ما يمثله ذلك من المعنى الكنائي عن علو الله ورفعة مقامه ، ~~بالتخييل في الرفعة والعلو على صعيد المكان ، مما يجعل الذين يريدون الوصول ~~إليه يعرجون إليه في ذلك المكان الرفيع ، تماما كما هو التعبير برفيع ~~الدرجات ذي العرش. # * * * PageV23P089 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 سأل سائل بعذاب واقع (1) @QUR@04 للكافرين ليس له دافع (2) ~~@QUR@04 من الله ذي المعارج (3) @QUR@011 تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة (4) @QUR@03 فاصبر صبرا جميلا (5) @QUR@03 إنهم ~~يرونه بعيدا (6) @QUR@02 ونراه قريبا (7) @QUR@04 يوم تكون السماء كالمهل ~~(8) @QUR@03 وتكون الجبال كالعهن (9) @QUR@04 ولا يسئل حميم حميما ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 سأل سائل ): هنا بمعنى الطلب أو الدعاء. # ( @QUR@01 المعارج ): جمع معرج ، وفسر بالمصاعد وهي : الدرجات ، وهي ~~مقامات الملكوت التي يعرج إليها الملائكة عند رجوعهم إلى الله. PageV23P090 # وقيل : المعارج : الدرجات التي يصعد فيها الاعتقاد الحق والعمل الصالح ، ~~انسجاما وقوله تعالى : ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ) [فاطر : 10]. # وقيل : المراد به مقامات القرب التي يعرج إليها المؤمنون بالإيمان والعمل ~~الصالح ، قال تعالى : ( @QUR@08 هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) ~~[آل عمران : 163] ، وقال : ( @QUR@07 لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ~~) [الأنفال : 4] وقال : ( @QUR@04 رفيع الدرجات ذو العرش ) [غافر : 15] ~~والحق أن مآل الوجهين إلى الوجه الأول ، والدرجات المذكورة حقيقة ليست ~~بالوهمية الاعتبارية. # ( @QUR@01 كالمهل ): المذاب من المعدنيات كالنحاس ms5229 والذهب. وقيل : دردي ~~الزيت ، أي الكدر الراسب في أسفله ، وقيل أيضا : عكر القطران ، أي رديئه ~~وخبيثه. # ( @QUR@02 صبرا جميلا ): هو ما ليس فيه شائبة الجزع والشكوى. # ( @QUR@01 كالعهن ): مطلق الصوف. وقيل هو الصوف الأحمر. وقيل : المصبوغ ~~ألوانا ، لأن الجبال ذات ألوان مختلفة ، فمنها جدد بيض وحمر ، وغرابيب سود. # ( @QUR@01 حميما ): القريب الذي نهتم لأمره ونشفق عليه. # * * * ### ||| ** سؤال يستعجل العذاب # ( @QUR@08 سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين ليس له دافع ) هل هناك سؤال عن العذاب PageV23P091 # في طبيعته أو في توقيته ليكون السؤال في معنى الاستفهام ، أو أن السؤال ~~بمعنى الطلب فتكون القضية هي في الطريقة التي كان يدير المشركون فيها مع ~~النبي الحوار الجدلي عن الآخرة وعذابها الذي ينتظرهم ، فيبرزون الحديث ~~بطريقة التحدي كما كانت الطريقة التاريخية للأمم السابقة التي كانت تستعجل ~~العذاب كإيحاء بعدم جديته ، في إظهار تكذيبهم للرسول بهذا الأسلوب. والظاهر ~~أن هذا هو الأقرب من خلال السياق الذي أكد العذاب كحقيقة إيمانية ثابتة لا ~~مجال للشك فيها ، فهو واقع بهم ، ولن يستطيع أحد أن يدفعه عنهم ، ( @QUR@04 ~~من الله ذي المعارج ) فهو العذاب الذي يقضي به وينفذه رب العالمين الذي هو ~~في موقع الرفعة الذي لا يصل إليه حتى الملائكة إلا بالعروج. ( @QUR@011 ~~تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) الظاهر أنه ~~يوم القيامة الذي يقع فيه هذا العذاب ، ويتمثل فيه المشهد العظيم في عروج ~~الملائكة إلى الله ، وهم الموكلون بالعذاب ، ليتلقوا أوامره التي ينفذونها ~~في كل الشؤون المتعلقة بالكون في حركة القيامة ، كما كانوا ينفذونها قبل ~~ذلك ، لأنهم ( @QUR@08 عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ~~. [الأنبياء : 26 27] # كما يصعد إليه في هذا اليوم الروح وهو الخلق الغيبي العظيم الذي حدثنا ~~الله عنه في القرآن في أكثر من آية كما لو كان خلقا متميزا عن الملائكة ، ~~في ما يعهد الله إليه من النزول بأمره إلى الناس ، مما لا نملك تصورا دقيقا ~~عنه في كيفية تلقيه الأوامر من الله ، وفي تبليغها للأنبياء ، وفي تنفيذ ما ~~يمكن أن يكون قد عهد إليه ms5230 بتنفيذه ، وقيل : إنه جبريل الذي كان ينزل بالوحي ~~على الأنبياء عليه السلام . # ثم ما هو تحديد هذه الخمسين ألف سنة ، هل هو تحديد دقيق في الحدود ~~الزمنية التي تخضع لها السنة ، كما يعرفها الناس في الأرض ، ليكون ذلك ~~مقدرا بالنسبة الموجودة في وعيهم الزمني ، لأن اليوم الأرضي يمثل PageV23P092 # الحركة الزمنية الحاصلة من دورة الأرض حول نفسها في أربع وعشرين ساعة ، ~~بينما نعلم أن هناك نجوما تدور حول نفسها بالمقدار الذي يعادل يومنا آلاف ~~المرات ، ويمكن أن يكون ذلك التعبير واردا مورد الكناية عن طول هذا اليوم ~~العظيم ، في ما اعتاده الناس من التعبير بهذه الطريقة عن ذلك ، وقد يكون ~~الحديث عن ذلك تعبيرا عن الجهد الذي يلاقيه الإنسان في الحساب ، عند ما ~~يكون في خط الانحراف ، بحيث يكون في مستوى هذا الرقم الكبير في إحساسه ~~بالطول. # وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ما رواه في الدر المنثور ~~عن عدة من الجوامع عن أبي سعيد الخدري قال : «سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن : ( @QUR@06 يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ): ما ~~أطول هذا اليوم فقال : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون ~~عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» (1). # وجاء في حديث الإمام جعفر الصادق عليه السلام : «إذا أراد أحدكم أن لا ~~يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا من ~~عند الله غير ذكره ، فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا ~~أعطاه. فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فإن للقيامة خمسين موقفا كل ~~موقف مقداره ألف سنة ثم تلا : ( @QUR@08 في يوم كان مقداره ألف سنة مما ~~تعدون )» [السجدة : 5] (2). # * * * PageV23P093 ### ||| ** الصبر الجميل على التحديات # ( @QUR@03 فاصبر صبرا جميلا ) على كل الكلمات اللامسؤولة التي يقصد بها ~~التحدي وإيجاد البلبلة أمام الدعوة ، لإثارة الاهتزاز في مواقف الرسول ~~والرساليين عند ما يقودهم جمود الناس من حولهم إلى الإحباط ، مما يجعل من ~~الأمر بالصبر الجميل الذي ms5231 يمثل الموقف الثابت المتمرد على الآلام من موقع ~~الوعي ضرورة حية من ضرورات نجاح الرسالة في الوصول إلى قناعات الناس في ~~نهاية المطاف ، لأن طبيعة الواقع المتحجر الذي تضافرت على تكوينه ظروف ~~معقدة وأجيال متعاقبة ، جعل من تفجير هذا التحجر وتذويبه وترويضه مهمة صعبة ~~للرسل وللدعاة. ولا بد لهم من أجل تحقيق النتائج الحاسمة لمصلحة الرسالة من ~~سعة الصدور ورحابة الأفق والرضى بقضاء الله والالتذاذ بالآلام ، والوعي ~~العميق لكل الأفكار والشكوك والهواجس التي يثيرها الكافرون والمشككون ~~والمعقدون ، ليقفوا أمامها ويناقشوها بالمنطق العقلي أو بالأسلوب العاطفي ، ~~وبالوسائل النفسية المرنة ، للتغلب على كل الصعوبات الواقعية ، حتى يأذن ~~الله بالوصول إلى الهدف الكبير ، وهو انتصار الرسالة ودخول الناس في دين ~~الله أفواجا. # إن مهمة الرسول هي أن يؤدي رسالة الله ، مما يفرض عليه أن يكون مزاجه ~~مزاج الرسالة ، وعقله عقلها ، وموقفه بالمستوى الذي يكون في خدمة موقفها ، ~~وما دام هدفه رضى الله ، فلا مشكلة عنده في التمرد على آلام الذات وأحزان ~~المشاعر. # * * * PageV23P094 ### ||| ** إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا # ( @QUR@03 إنهم يرونه بعيدا ) ولذا فإنهم يستعجلونه في أسلوب التحدي ~~القائم على السخرية والاستهزاء ، في إيحاء متنوع الأشكال والكلمات ~~باستبعاده والضمير يعود إلى يوم القيامة وربما كان العمق هو الإنكار له ، ~~كما يلوح من جو المواقف ، ( @QUR@02 ونراه قريبا ) لأن القرب لا يمثل ~~المرحلة الزمنية الحقيقية التي لا مجال للريب فيها ، لأنها منطلقة من إرادة ~~الله التي لا نختلف حولها ، مما يجعل من مسألة القرب والبعد مسألة تتصل ~~بالقرب من مواقع الحقيقة الخاضعة لظروفها وأسبابها الموضوعية في ما أودعه ~~الله ، أو البعد عنها باعتبار أن كل لحظة زمنية تمثل خطوة متقدمة نحو الهدف ~~الثابت. والمراد من الرؤية على الظاهر الرؤية العقلية الاعتقادية التي قد ~~تستبعد شيئا أو تستقر به على أساس المعطيات الذاتية أو الموضوعية المتوفرة ~~لدى صاحب الرؤية ، على صعيد الفكر أو المزاج أو الواقع. # * * * ### ||| ** أهوال يوم القيامة # ( @QUR@04 يوم تكون السماء كالمهل ) وهو المذاب من المعدنيات كالنحاس ~~والذهب وغيرهما ، وقيل دردي الزيت أو عكر القطران ، وهو كناية ms5232 عن فقدان ~~التماسك ، ( @QUR@03 وتكون الجبال كالعهن ) وهو الصوف المنفوش. وهذا هو ~~الجو الذي يقف فيه الإنسان مشدوها أمام هذا التغير العنيف الذي تفقد فيه ~~السماء في أجرامها الصلبة تماسكها لتتحول إلى حالة من السيولة كما هو ذوب ~~المعادن ، أو كما هو الزيت الكدر ، كما تفقد فيه الجبال صلابتها لتتحول إلى ~~أن تكون كالصوف الواهن. وبذلك تقف العيون في حريتها اللاهثة أمام الكون الذي PageV23P095 # يتساقط كما تتساقط حبات المطر ، أو يسيل كما يسيل الينبوع في جريانه على ~~وجه الأرض ، أو كما هي النسيمات في أجواء الفضاء ، وأمام الجبال التي كانت ~~أوتادا في الأرض ، فإذا بها رمال خفيفة تذروها الرياح في الجو المديد ، ~~ليتساءل : ماذا هناك ، وماذا حدث؟ ويأتي الجواب من خلال الإحساس : إنه ~~الكون الذي كان ، ثم بدأ الموت ليأتي كون جديد بإرادة الله الذي يريد للخلق ~~أن يواجه الحياة الجديدة بكون جديد يتناسب مع طبيعة لون هذه الحياة. # إنها لحظات الحساب الذي هو المدخل لهذه الحياة ، الذي يختلف تبعا للتاريخ ~~الذي عاشه الإنسان في دنياه في الكون القديم ، ولذلك فإن العقل مشغول عمن ~~حوله باستعادة كل الأفكار التي كان يثيرها حول عقيدة الإنسان ، والعاطفة ~~مشغولة عن كل الأوضاع التي تحيط بها في ما كانت تنبض به من مشاعر الحب ~~والبغض والرضى والسخط ، ونحو ذلك مما يستثير المسؤولية أمام الإنسان في ما ~~يشبه الصدمة التي تهز كيانه كله ، ليتعرف النتائج التي تحدد نوعية مصيره ~~النهائي. ولهذا فلا مجال لأي سؤال أمام أي شخص يلتقي به الإنسان ، من أولئك ~~الذين كانت العلاقات الحميمة هي التي تربط بينهم في الدنيا ، في ما اعتاده ~~الناس بأن يسألوا بعضهم بعضا عن كل شيء يتعلق بهم ، ويتصل بحياتهم ، بعد ~~فراق طويل. ( @QUR@04 ولا يسئل حميم حميما ) لأن الجو الرهيب الذي أحاط بهم ~~وأحاطهم بالهول الشديد الذي لا يسمح لأحد بالتفكير الهادىء والمشاعر ~~المفتوحة بفعل الحركة الداخلية القلقة الخاضعة لضغط الخوف على المصير ، ~~يجعل المسألة مسألة استغراق في سلامة الذات ومستقبلها ، فلا تبقى هناك أية ~~فرصة للاهتمام بالآخرين. ms5233 # * * * PageV23P096 ### ||| * الآيات # ( @QUR@09 يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) ~~@QUR@02 وصاحبته وأخيه (12) @QUR@03 وفصيلته التي تؤويه (13) @QUR@06 ومن ~~في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) @QUR@03 كلا إنها لظى (15) @QUR@02 نزاعة ~~للشوى (16) @QUR@04 تدعوا من أدبر وتولى (17) @QUR@02 وجمع فأوعى ) (18) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كلا ): ردع لتمنيه النجاة من العذاب. # ( @QUR@01 لظى ): أي : نار صفتها الاشتعال ، مأخوذة من التوقد. # ( @QUR@02 نزاعة للشوى ): النزاعة : اسم مبالغة من النزع بمعنى الاقتلاع ~~، والشوى الأطراف كاليد والرجل. # ( @QUR@01 فأوعى ): من الوعاء ، أي : جمع ماله فأمسكه في وعائه ، ولم ~~ينفق منه للسائل والمحروم. # * * * PageV23P097 ### ||| ** تقطع العلاقات وموت المشاعر الحميمة يوم القيامة # وتتضح الصورة أكثر ، وتتصاعد خطورة الموقف ، وتتجمد المشاعر فلا ينبض ~~فيها أي إحساس بالعلاقة الإنسانية التي تشد الناس إلى أقربائهم وإلى ~~أزواجهم وإلى الناس كلهم ، بل يتحول الوجدان من الحالة الإيجابية المشدودة ~~إلى القريب أو الزوج أو الصاحب ، إلى حالة سلبية رافضة قد تشبه الحالة ~~العدوانية عند ما يضحى الإنسان بكل هؤلاء ، ليفتدي بهم نفسه في مواجهة ~~اللهيب الذي يتصاعد من النار التي تريد أن تأكل كل شيء. # ( @QUR@01 يبصرونهم ) بتشديد الصاد وفتحها ، من بصرته الشيء إذا أوضحته ~~له ، أي يعرف كل واحد من هؤلاء الأصدقاء الحميمين صاحبه ، فيعرض عنه لا من ~~موقع الجهل والنسيان ، بل من موقع الرعب والذهول والاستغراق في الخوف على ~~الذات في ما يترقبه من المصير الأسود في عذاب جهنم. # ( @QUR@08 يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ) الذين كان يبذل ~~النفس والنفيس في سبيل سلامتهم وراحتهم ، فيجوع ليشبعوا ، ويتعب ليرتاحوا ، ~~ويظمأ ليرتووا ، ويخاف ليأمنوا. وهكذا كان يشقى ليسعدوا ، ولكنه الآن يسقط ~~أمام الشعور المجنون بالخوف ، ليفكر بأن يقدمهم ضحية للنار ، أو ليكونوا ~~فداء عنه ، ( @QUR@01 وصاحبته ) التي كان يعيش معها كل العلاقات الروحية ~~والحسية في مشاعر الحب العميق الحميم الذي يمثل وحدة الكيان في معنى ~~الزوجية ، وعمق المودة والرحمة ، ( @QUR@01 وأخيه ) الذي كان عضده وساعده ، ~~مما كان يدفعه في كثير من الحالات إلى الدفاع عنه إلى مستوى التضحية ، ( ~~@QUR@03 وفصيلته التي تؤويه ) وهي عشيرته التي كان يعيش مسئولية الدفاع ~~عنها كما تعيش مسئولية الدفاع عنه ، من خلال ms5234 العصبية القائمة على المشاعر ~~الحميمة والمصالح المشتركة. PageV23P098 # ولكنه اليوم يقف ليضحي بزوجته وأخيه وعشيرته ليسلم من عذاب هذا اليوم ، ~~فأي عذاب هو هذا العذاب؟ وأي موقف هو هذا الموقف الذي تتعطل فيه كل المشاعر ~~والعلاقات والأوضاع الإنسانية في حياة هذا الإنسان الذي تلاحقه جريمته في ~~وعيه ، تماما كما هو الوحش الذي يريد افتراسه؟! ولن يكتفي بهؤلاء ، بل ~~تتعاظم المسألة عنده حتى يفكر بأن يضحي بكل من في الأرض ( @QUR@04 ومن في ~~الأرض جميعا ) بجميع طبقاتهم وأشكالهم ودرجاتهم لأن نفسه هي كل شيء عنده ( ~~@QUR@02 ثم ينجيه ) من هذا العذاب. # * * * ### ||| ** النار تدعو إليها من أدبر وتولى # ( @QUR@01 كلا ) فلا مجال لكل هذه التمنيات لأن الله لن يجعل أحدا فداء ~~لأحد ، فعلى كل شخص أن يتحمل مسئولية نفسه ، فلا يحملها عنه غيره. فإذا عاش ~~الإنسان في الدنيا عالم الجريمة باختياره الواعي المتمرد على الله ، فلا بد ~~من أن يواجه في الآخرة عالم النار الذي يحتويه بكل ما فيه من خصائص ~~الإحراق. ( @QUR@02 إنها لظى ) هذه التي تواجهكم وتلاحقكم بلهيبها المحرق ، ~~( @QUR@02 نزاعة للشوى ) وقيل : إن الشوى جمع شواة وهي جلدة الرأس التي ~~تنزعها النار وتفصلها عن الرأس ، وقيل : إنها الأطراف ، فيكون المعنى : ~~إنها تنزع الأطراف وتقتلعها من مكانها لتعاد من جديد ، ( @QUR@04 تدعوا من ~~أدبر وتولى ) عن الله وعن رسله وكتبه واتبع شيطانه الذي يضله ويدعوه إلى ~~عذاب السعير ، ( @QUR@02 وجمع فأوعى ) من هؤلاء الذين جمعوا المال ~~واستغرقوا فيه ، فلم يكن لهم أي هم في الحياة إلا أن يجمعوه من حلال أو ~~حرام ، ليملئوا به أوعيتهم المعدة لذلك ، من دون أن يتحسسوا مسئوليتهم في ~~مصادره وفي موارده ، وليتحول ذلك عندهم إلى حالة معقدة من الطغيان الذي ~~يمتد بهم إلى الكفر بالحق الذي يأتيهم على لسان الرسل ، ويدفعهم إلى الضغط ~~على أصحابه والعمل على إضلال الناس الذين يؤمنون PageV23P099 # به ، أو يبحثون عن الطريق الذي يؤدي بهم إلى الإيمان. # وقد نلاحظ في هذا الحديث عن دعوة النار الناس إليها ، لونا من الإيحاء ~~بأن للنار حسا وشعورا وحياة ، كما لو كانت مخلوقا ms5235 حيا يستدعي الآخرين إليه ~~ليخوفهم وليعذبهم ، ليكون ذلك أشد على الإنسان المجرم في ضغطة على مشاعره ، ~~لأنه قد يثير في نفسه أنه لن يحل مشكلته بهروبه ، لأن النار سوف تلاحقه ~~وتدعوه إليها بكل الوسائل التي لا يملك الفكاك عنها من جميع الجهات. # * * * PageV23P100 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 إن الإنسان خلق هلوعا (19) @QUR@04 إذا مسه الشر جزوعا (20) ~~@QUR@04 وإذا مسه الخير منوعا (21) @QUR@02 إلا المصلين (22) @QUR@05 الذين ~~هم على صلاتهم دائمون (23) @QUR@05 والذين في أموالهم حق معلوم (24) ~~@QUR@02 للسائل والمحروم (25) @QUR@04 والذين يصدقون بيوم الدين (26) ~~@QUR@06 والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) @QUR@05 إن عذاب ربهم غير ~~مأمون (28) @QUR@04 والذين هم لفروجهم حافظون (29) @QUR@010 إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) @QUR@07 فمن ابتغى وراء ~~ذلك فأولئك هم العادون (31) @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) ~~@QUR@04 والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) @QUR@05 والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون (34) @QUR@04 أولئك في جنات مكرمون ) (35) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 هلوعا ): صفة مشتقة من الهلع بفتحتين ، وهو شدة الحرص. وقيل : ~~إن الهلوع تفسره الآيتان بعده ، فهو الجزوع عند الشر ، والمنوع عند الخير. ~~وهذا التفسير يناسبه السياق. # ( @QUR@02 حق معلوم ): بحسب ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام هو ليس ~~من الزكاة ، وإنما مقدار معلوم ينفقونه للفقراء. PageV23P101 # ( @QUR@01 للسائل ): هو الفقير الذي يسأل. # ( @QUR@01 والمحروم ): الفقير الذي يتعفف ولا يسأل. # ( @QUR@01 مشفقون ): خائفون. # ( @QUR@02 بشهاداتهم قائمون ): القيام بالشهادة : عدم الاستنكاف عن ~~تحملها ، وأداء ما تحمل منها كما تحمل من غير كتمان ولا تغيير. # ( @QUR@03 على صلاتهم يحافظون ): المحافظة على الصلاة : رعاية صفات ~~كمالها على ما ندب إليه الشرع. # وقيل : المحافظة على الصلاة غير الدوام عليها ، فإن الدوام متعلق بنفس ~~الصلاة ، والمحافظة متعلقة بكيفيتها ، فلا تكرار في ذكر المحافظة بعد ذكر ~~الدوام عليها. # * * * ### ||| ** الإنسان في صورته السلبية # وهذا حديث عن الإنسان في صورتيه السلبية والإيجابية من خلال استجابته ~~لدعوة الله والتزامه بها ، ورفضه لها وابتعاده عنها ، في ما يواجهه يوم ~~القيامة من نتائج خيرة أو شريرة. # ( @QUR@04 إن الإنسان خلق هلوعا ) والهلع في ما ذكره في الكشاف «سرعة ~~الجزع عند مس المكروه ، وسرعة المنع عند مس الخير» (1)، فلا صبر له أمام ~~النوائب التي تحل ms5236 به ، ولا توازن لديه أمام الخيرات التي تقبل عليه ، ( ~~@QUR@04 إذا مسه الشر جزوعا ) فيصرخ من الألم ، ويسقط أمام الشدائد ، ~~وينهار أمام الهزاهز ، فلا PageV23P102 # يملك أن يتماسك أو يثبت في إحساسه بالمشكلة التي تحيط به ، ( @QUR@04 ~~وإذا مسه الخير منوعا ) فلا يمنح غيره شيئا مما أنعم الله به عليه من نعم ~~الحياة ، لأنه يخاف على نفسه الفقر ، ويضيق بالناس الذين يتطلعون إليه ~~ليحصلوا على بعض ما عنده مما يلبي حاجاتهم ويحل مشكلة حرمانهم. # وهكذا يؤكد القرآن المسألة النفسية للإنسان ، في جانبها السلبي ، عند ما ~~تتحول إلى # مسألة عملية واقعية تنعكس على الجانب السلوكي من حياته ، فهي ليست مجرد ~~حالة طارئة خاضعة للظروف المحيطة به ، بل هي حالة غريزية في طبيعة تكوينه ~~الغريزي في الضعف الشعوري الذي يقوده إلى الجزع والسقوط ، وإلى البخل ~~والحرص. ولكن هذه الغريزة ككل الغرائز الإنسانية ، لا تمثل حتمية الحالة ~~السلبية في نتائجها العملية ، لأنها يمكن أن تتحول إلى حالة إيجابية من ~~خلال التهذيب الروحي الذي ينعكس إيجابا على التهذيب العملي ليتوازن السلوك ~~الأخلاقي في شخصيته ، فيأخذ بأسباب القوة عند ما ينفتح على الله في انفتاحه ~~على قوة الله ، كما يعيش روحية العطاء عند ما يتطلع إلى امتداد حركة النعمة ~~في المستقبل ، كما امتدت في الماضي ، لأن الله الذي أعطى الإنسان في الماضي ~~هو الذي يعطيه في المستقبل ، فيزداد ثقة بالأمن المستقبلي بالرزق ، فلا ~~يمنع ولا يبخل على عباد الله. # * * * ### ||| ** الإنسان في صورته الإيجابية # وهذا ما جعل استثناء المصلين في قوله تعالى : ( @QUR@02 إلا المصلين ) ~~أمرا طبيعيا من خلال ما ترمز إليه الصلاة في حياة الإنسان المؤمن من إيمان ~~بالله ، وثقة به ، وتوكل عليه ، واستسلام له ، وانفتاح على معنى العبودية ~~في ذاته ، في PageV23P103 # ما يؤكده ذلك من إحساس بمعنى الحرية الإنسانية أمام الكون كله ، لأنه ~~يتساوى معه في كونه مخلوقا لله تعالى. # وفي ضوء ذلك ، يمكن للقيم الروحية الإنسانية في جانبها العملي أن تؤثر ~~إيجابيا في شعوره بالقوة وحركة الخير والعطاء في حياته ، من خلال الإيمان ~~بأن الله يرعاه في ms5237 نقاط ضعفه وقوته ، وأنه يعوض عليه كل ما يقدمه للآخرين ~~من ماله ، وهذه هي الصفات التي يمكن أن يتصف بها المصلون في حركتهم ~~الأخلاقية العملية التي ترتفع بهم إلى مستوى الإنسانية القريبة من الله ~~سبحانه. # ( @QUR@05 الذين هم على صلاتهم دائمون ) فلا يهملونها ولا يتهاونون بها ~~ولا يتركونها ، لأنها تمثل مسئوليتهم الروحية بما تمثله من العروج الروحي ~~إلى الله ، مما يؤدي إلى الشعور بالحضور الدائم لله في وعيهم العقيدي ، ~~فيدفعهم ذلك إلى الانضباط والالتزام العملي ، وإلى الشعور بالقوة المنفتحة ~~على الله. # ( @QUR@07 والذين في أموالهم حق معلوم* للسائل والمحروم ) فهم يرون أن ~~ملكية المال لا تمنحهم درجة متقدمة على الناس ، في ما هو مضمون الامتيازات ~~الحقوقية عليهم ، بل تحملهم مسئولية الحق الذي يملكه الناس عليهم ممن ~~يعيشون الحرمان من العيش الكريم من خلال ضغط الحاجات عليهم. ولذلك فإنهم ~~يفرضون على أنفسهم حقا ماليا معينا اختياريا من خلال ما فرضه الله عليهم ~~فأطاعوه في قيامهم به ، أو من خلال ما فرضوه على أنفسهم مما استحبه الله ~~لهم أو أحله لهم ، ليعيشوا روح المشاركة للآخرين من الذين تدفعهم حاجاتهم ~~إلى سؤال الآخرين ، أو تمثل المستوى المعيشي الذي يجعلهم في هذه الدرجة حتى ~~لو لم يسألوا الناس ، ومن المحرومين الذين عاشوا الحرمان المالي من خلال ~~ضيق اليد وضغط الحاجات ، وبذلك يتحملون مسئولية المال في ما يؤمنون به من ~~أنه مال الله الذي آتاهم ، فلا بد من أن يمنحوا بعضه لعباد الله ، PageV23P104 # أو أنه الرزق الذي جعلهم وكلاء عليه ، وأراد لهم أن يعطوه للسائل ~~والمحروم ، فارتفعوا بذلك عن الحالة الضيقة التي كانت تمنعهم من إعطاء ~~الخير الذي أعطاهم الله إياه للناس الذين يحتاجون إليه ، ( @QUR@04 والذين ~~يصدقون بيوم الدين ) فيدفعهم ذلك إلى العمل من أجل الاستعداد له في الدنيا ~~من أجل الحصول على الدرجات العليا فيه ، ( @QUR@06 والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون ) أي خائفون حذرون ، فيتمثل ذلك في دقة العمل الذي يعملونه حتى يكون ~~مطابقا لرضى الله سبحانه ، ليكون ذلك هو الأساس للأمن من العذاب ( @QUR@05 ~~إن عذاب ms5238 ربهم غير مأمون ) فقد يستسلم الإنسان للثقة بعمله ، فيخيل إليه أنه ~~على الحق ، ولكنه يتخبط في الباطل ، فلا يدقق في طبيعة العمل وفي خلفياته ~~ونتائجه والشروط الإيمانية لسلامته في حركته نحو الهدف. # وهكذا يشعر المؤمن دائما بالخوف من الله ، والحذر من عقابه ، اتهاما ~~لنفسه التي يعمل دائما على أن لا يخرجها من حد التقصير في جنب الله. # ( @QUR@04 والذين هم لفروجهم حافظون ) من العلاقات المحرمة في ما يدخل في ~~باب الزنى واللواط ونحوهما مما يمثل التعدي على حدود الله في العلاقات ~~الجنسية التي حصرها الله بالزواج وملك اليمين ، ( @QUR@010 إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) لأن هذا هو الحد الطبيعي الذي أباح ~~الله للإنسان إرواء ظمئه الغريزي فيه ، وحرم عليه ما عدا ذلك. # * * * ### ||| ** من هم العادون؟ # ( @QUR@04 فمن ابتغى وراء ذلك )، من الوسائل المحرمة التي أشرنا إليها ، ~~وفي الاستمناء الذي تصلح الآية دليلا عليه وعلى حرمة نكاح الحيوان ونحو ذلك ~~، ( @QUR@03 فأولئك هم العادون ) الذين تعدوا حدود الله ، وابتعدوا عن ~~دائرة مباحاته إلى PageV23P105 # دائرة محرماته. # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن العفة عن العلاقة المحرمة تمثل وحيا من إيحاءات ~~الصلاة ، في ما تؤكده في شخصية المصلي من مراقبة الله سبحانه في حركة ~~الحلال والحرام في حياته. # * * * ### ||| ** من هم المكرمون في الجنة؟ # ( @QUR@05 والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) فقد أراد لهم أن يؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وأن يراعوها حق رعايتها ، كما أمرهم الله برعاية العهد ~~بالحفاظ عليه في كل مفرداته ، وبالوفاء به بكل التزاماته ، لأن ذلك هو ما ~~يفرضه الإيمان على الإنسان المؤمن من احترام تعهداته للناس باعتبار أنها ~~تمثل لونا من ألوان تعهداته لله ، من خلال علاقة العهد الإنساني بالله ~~وبالناس ، فيما هي حركة المسؤولية المزدوجة في سلوكه العملي ، ( @QUR@04 ~~والذين هم بشهاداتهم قائمون ) لأن الشهادة التي يحملها الإنسان في حياته في ~~ما يعرفه من قضايا الناس المتصلة بالحقوق التي يملكها البعض لدى الآخر ، هي ~~نوع من الأمانة التي لا يملك أن يمنعها عن صاحبها ، فيجب عليه أداء الشهادة ~~إذا دعي إلى إقامتها ms5239 ليؤدي ذلك إلى وضوح الحق ووصوله إلى صاحبه ، بينما ~~يمثل كتمانها ضياع الحق بسببه فيكون نوعا من الخيانة المعنوية التي لا يريد ~~الله للمؤمن أن يعيش فيها في ما يتحمله من المسؤولية. ( @QUR@05 والذين هم ~~على صلاتهم يحافظون ) فيؤدونها كاملة غير منقوصة للاهتمام بها في كل ~~أجزائها وشروطها وأذكارها وروحيتها ، لأن ذلك هو الذي يحقق النتائج الروحية ~~والعملية منها ، باعتبار أن كل ما فرض فيها من أفعال وتروك فهو داخل في ~~العناصر المؤثرة في الغايات المترتبة عليها ( @QUR@04 أولئك في جنات مكرمون ). # * * * PageV23P106 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين (36) @QUR@05 عن اليمين وعن ~~الشمال عزين (37) @QUR@08 أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) ~~@QUR@05 كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) @QUR@07 فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب إنا لقادرون (40) @QUR@08 على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ~~(41) @QUR@08 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) ~~@QUR@09 يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) @QUR@09 ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) (44) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مهطعين ): قال في المجمع : «قال الزجاج : المهطع : المقبل ~~ببصره على الشيء لا يزايله ، وذلك من نظر العدو. وقال أبو عبيدة : الإهطاع ~~: الإسراع» (1). # ( @QUR@01 عزين ): جماعات في تفرقة ، واحدتهم عزة ، بالكسر فالفتح ، ~~وأصله من عزوته فاعتزى أي : نسبته فانتسب. # ( @QUR@01 بمسبوقين ): يراد بها الغلبة على سبيل الاستعارة. PageV23P107 # ( @QUR@02 يخوضوا ويلعبوا ): يراد بها التدليل على ما ليس وراءه من ~~الأمور نفع حقيقي. # ( @QUR@01 الأجداث ): جمع جدث وهو القبر. # ( @QUR@01 سراعا ): جمع سريع. # ( @QUR@01 نصب ): النصب : ما ينصب علامة في الطريق يقصده السائرون ~~للاهتداء به. # ( @QUR@01 يوفضون ): الإيفاض : الإسراع. # ( @QUR@01 خاشعة ): الخشوع : تأثر خاص في القلب عند مشاهدة العظمة ~~والكبرياء ، ويناظره الخضوع في الجوارح. # ( @QUR@01 ترهقهم ): غشيان الشيء بقهر. # * * * ### ||| ** فما للذين كفروا قبلك مهطعين؟ # وهذا حديث عن فريق من الناس الذين كانوا يجتمعون حول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حلقا حلقا ، ليستمعوا إليه ، لا ليهتدوا بكلامه ، بل ~~ليستطلعوا كل ما يصدر عنه ليتفرقوا بعد ذلك ويكيدوا للإسلام والمسلمين في ~~اجتماعاتهم التآمرية. # ( @QUR@06 فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين ) أي مسرعين إليك مادين أعناقهم ~~كالمقود ms5240 ، محدقين بك بأبصارهم وذلك في ما قيل نظرة العدو ( @QUR@05 عن ~~اليمين وعن الشمال عزين ) وهو جمع عزة كفئة وزنا ومعنى. ماذا يريدون من ~~ذلك؟ وما هو الهدف الذي يستهدفونه من إسراعهم إليك ، ومن اجتماعهم حولك؟ ~~لأن الجلوس إلى النبي والإسراع في الوصول إليه واللقاء به ، لا بد من أن ~~يرتبط بالرسالة التي PageV23P108 # يدعو إليها ليستمع إليها بأذنه ويقبل عليها بقلبه ، ليتحرك من خلالها في ~~حركة حياته. ولكن هؤلاء لا ينطلقون من هذا المنطلق ، ولا يسيرون في اتجاه ~~هذا الهدف ، فهل فكر هؤلاء في الجنة ، وكيف يفكرون بها وهم لا يؤمنون بها؟ ~~وهل يمكن أن يفصلوا بين الإيمان بالرسول وبين الطمع في الجنة ، فيكفروا به ~~، ولكنهم يتقربون منه ويتحلقون حوله ، ويدنون من مجلسه ليدخلوا الجنة ~~ببركته؟ ولكن ذلك لا قيمة له إذا كانوا قد فكروا بمثله ، لأن الجنة ليست ~~للكافرين ، ولكنها للمؤمنين العاملين بما يرضى الله. ( @QUR@08 أيطمع كل ~~امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ) فهل المسألة مسألة طمع تقوده التمنيات ، أو ~~مسألة عمل صالح يقوده الإيمان؟ ( @QUR@01 كلا ) فليس لهم ذلك كله ، وعليهم ~~أن يفكروا كيف بدأ خلقهم ، ومم خلقوا ، ليعرفوا سر عظمة الله في ذلك ، من ~~خلال عظمة الخلق الذي تحولت فيه النطفة الحقيرة المهينة إلى إنسان سوي. # ( @QUR@04 إنا خلقناهم مما يعلمون ) وقد تكون الإشارة القرآنية مسوقة ~~للتعبير عن حقارة الماء المهين الذي كان البذرة الأولى لبداية النمو في ~~وجودهم ، مما يجعل تفكيرهم المادي الذي يقيسون به الأشياء مشدودا إلى تحطيم ~~حالة الكبرياء التي يعيشونها ضد الرسالة والرسول ، ليفكروا بالمسألة من ~~موقع متوازن يضع الأمور في نصابها الصحيح ، فيفكر بالرفعة من قاعدة المعاني ~~الروحية التي تشد الإنسان إلى السمو ، لا من قاعدة الأمور المادية التي تشد ~~الإنسان إلى الأسفل. # * * * ### ||| ** رب المشارق والمغارب # ( @QUR@05 فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) لأن الأمر ليس بحاجة إلى ~~القسم لتأكيده ، لأنه من حقائق العقيدة التي يفرضها الإيمان بالألوهية التي ~~تملك القدرة PageV23P109 # المطلقة بطبيعة ذاتها ، لا سيما إذا لاحظنا تعدد الشروق والغروب في مواقع ~~النجوم التي تمتد في ms5241 الفضاء ، ولكل واحد منها مشرق ومغرب يختلف عن الآخر في ~~آفاقه ومميزاته. وربما كان المراد مشارق الشمس ومغاربها المتوالية على بقاع ~~الأرض ، فإن الشمس قد تغرب عن قوم ، لتشرق على قوم آخرين ، وهكذا تتوالى في ~~كل لحظة أثناء دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس ، ليطلع مشرق هنا ، ويختفي ~~مغرب هناك. فإذا كان الله قادرا على أن يحرك الشروق والغروب في الكون عن ~~قانونه الطبيعي ، فإن من الطبيعي أن يوحي للناس بقدرته على ما هو أقل شأنا ~~من ذلك ، أو ما هو مماثل لذلك ، ( @QUR@015 فلا أقسم برب المشارق والمغارب ~~إنا لقادرون* على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ) فإن الذي خلقهم من ~~العدم قادر على أن يعيدهم إليه ، ويخلق خلقا جديدا يتميز عنهم بالإيمان ~~والوعي والعمل الخير والانفتاح على عبوديته لله ، ولن يستطيعوا أن يعطلوا ~~إرادته ، أو يسبقوه في تقديره. # إن المشكلة التي تواجه القلب الإنساني الذي ينحرف في تصوراته إلى غير ~~المسار الطبيعي الذي يجب أن ينفتح عليه ، هي أنه يستغرق في فكرة واحدة ~~بعيدا عن الانطلاق إلى أفكار أخرى مماثلة أو مقارنة يستدل ببعضها على بعض ~~آخر ، تمتد آفاقه إلى أبعد من الأفق الذي يطوف فيه عقله ، ولذلك كانت ~~التحديات القرآنية توجه الإنسان إلى التجول الفكري في رحاب الكون ليشاهد ~~عظمة خلق الله ، فينتقل منها إلى آفاق عظمته ليؤمن بأن الله لا يعجزه شيء ~~في كل مواقع الخلق في كل مفرداته المتنوعة. # * * * ### ||| ** ذرهم يخوضوا ويلعبوا # ( @QUR@03 فذرهم يخوضوا ويلعبوا ) في ما اختاروه لأنفسهم من الخوض في ~~الباطل ومن PageV23P110 # الاستغراق في اللعب ، فلم تكن الحياة عندهم حالة جدية تنطلق لتحدد ~~للإنسان نظام حياته الذي يركز وجوده على قاعدة ويقود مسيرته في خط الصراط ~~المستقيم ، بل كانت حالة لهو ولعب وعبث وخوض في وحول الباطل الذي لا يخدم ~~أي شيء في واقع الحياة وحركتها ، فلا تتوقف عندهم لتتجمد ولتعتبر أن دعوتك ~~قد وصلت إلى طريق مسدود ، لأنهم لا يمثلون أول الخلق وآخره ، فهناك خلق ~~كثير آمنوا قبلهم ، كما أن هناك خلقا ms5242 كثيرا سيؤمنون من بعدهم. فتابع مسيرتك ~~واتركهم لتدبير ربك في ما يدبره من شوؤنهم ( @QUR@05 حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون ) وهو يوم القيامة الذي كانوا ينكرونه ، ليواجهوا الحقيقة المائلة ~~أمام أعينهم في ما يشبه الصدمة أو المفاجأة ، ( @QUR@04 يوم يخرجون من ~~الأجداث ) وهي القبور ، ( @QUR@01 سراعا ) يحثون الخطى إلى لقاء الله في ~~موعد الحساب ( @QUR@04 كأنهم إلى نصب يوفضون ) وذلك عند ما كانوا في الدنيا ~~يسرعون إلى الأنصاب وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها. وقد أطلق ذلك على ~~سبيل التهكم والاستهزاء في سرعة سيرهم إلى الموقف الصعب الذي ينتظرهم. ولكن ~~هناك فرقا بين هذا الموقف وذلك الموقف. # ( @QUR@04 خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ) لأنهم لا يملكون أن يفتحوا عيونهم ~~على مشاهد العذاب التي تنتظر المجرمين في الآخرة. ولذلك فإن أبصارهم تحدق ~~في الأرض تحديقة ذليلة متعبة خاشعة ، ( @QUR@05 ذلك اليوم الذي كانوا ~~يوعدون ) وكانوا يشكون فيه وينكرونه ويستعجلونه استعجال سخرية واستهزاء. # * * * PageV23P111 ### | سورة نوح ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وعشرون PageV23P113 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ~~معه ، وهو يعاني من قسوة النتائج السلبية التي واجهها نتيجة إصراره على ~~دعوة الحق في دين الله ، في ما عاناه من المشركين المتمردين على دعوته من ~~ضغط وتهويل واتهام غير مسئول ، وسباب وحصار ومحاولة للطرد من بلده ونحو ~~ذلك. فكانت هذه السورة حديثا عن نوح النبي الداعية الذي عاشت تجربته ~~الرسالية ما يقارب الألف سنة ، وحاول من خلالها أن يثير أمامهم كل الأساليب ~~الحكيمة المقنعة التي تفتح قلوبهم على الله وعلى خط التقوى في الإيمان به ، ~~وعلى أجواء العبادة التوحيدية في عبادته ، وعلى طاعة الرسول الذي يدعوهم ~~إلى الاستجابة للوحي الذي يخطط لهم نهج الحياة السليم ، من خلال اطلاع الله ~~على ما يحتاجونه من الأمور التي تخدم حياتهم وترتفع بهم إلى الدرجات ~~الرفيعة ، كما يدفعهم إلى السير في خط القيادة في ما تتحرك به الحياة من ~~تفاصيل كثيرة تحتاج إلى الهدى التفصيلي في تعليمات القائد ، وفي توجيهات ~~الرسول. PageV23P115 # وهكذا كانت دعوته بسيطة بساطة العقيدة التوحيدية ms5243 في طبيعتها ونهجها ~~وإيحاءاتها وصفاء النور المشرق في داخل مفاهيمها ، وكانت إرادته الرسالية ~~في دعوته التغييرية أقوى من كل الضغوط الداخلية التي تضغط على مشاعره ، ~~والضغوط الخارجية التي تضغط على حريته في حركته. فلم يسقط أمام كل القوى ~~الطاغية ، بل حاول أن يفتح عقولها على الحق من دون أن ينفذ اليأس إلى قلبه ~~، لأنه كان يرى من مسئولية الداعية أن يتحرك في اتجاه المواقف العنيدة ~~المتحجرة ليفتح ثغرة في داخلها هنا وثغرة هناك ، لأن النفس الإنسانية مهما ~~تحجرت فإنها تبقى قريبة للكلمة الحانية والأسلوب الجميل والروح الرسالية ~~الواعية في دائرة أفكارها ومشاعرها ، فإنه ما من إنسان إلا وفي داخله بعض ~~مواقع الصفاء ومنطلقات الخير التي يمكن للداعية أن يستثيرها وينفذ منها ~~ليبعث الإيمان في القلب ، والتقوى في الموقف. # * * * ### ||| ** دعوة لتدمير المجتمع المتمرد # وهكذا كانت تجربة نوح النبي من التجارب الفريدة في تاريخ النبوات ، فقد ~~كانت كلمات الرسالة كلمات محدودة في ما حدثنا الله عن عناوينها ، لأن ~~الحياة كما يبدو لم تكن معقدة آنذاك ، فلم تكن بحاجة إلى شريعة تفصيلية ~~واسعة. وكان يكرر الكلمات في أسلوب متنوع من دون ملل ولا كلل ، وكانوا ~~يكررون الرفض في أسلوب واحد. وكان ينتهز كل فرصة ليدخل معهم في حوار ، ~~وكانوا يرفضون ذلك ، حتى أنهم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ، ويغطون ~~وجوههم ، ويعلنون الإصرار على موقفهم المتمرد ، للإيحاء له بأنهم ليسوا ~~مستعدين لاحترام موقعه وموقفه معهم ، فضلا PageV23P116 # عن احترام دعوته والإيمان بها ، حتى وصل إلى نهاية التجربة التي لم يترك ~~أي باب من أبوابها إلا ودخل فيه ، ولم يدع أسلوبا من أساليب الإقناع إلا ~~واستعمله ، فكان تقريره النهائي الذي قدمه إلى الله سبحانه في نهاية ~~التجربة الطويلة المريرة ، دعوة إلى تدمير كل هذا المجتمع ، لأن المسألة لم ~~تعد تحتمل التجربة الجديدة بعد استنفاد كل التجارب ، وأصبح الواقع الكافر ~~يمثل أعلى مستوى من الخطورة على الأجيال القادمة التي سوف تعيش في مجتمع ~~مغلق على الكفر ، ممنوع من الانفتاح على الإيمان ، بفعل مراكز القوى ~~المتحالفة ضد الرسالة ms5244 والرسول. # وهذا هو ما فكر فيه نوح النبي الداعية ، عند ما دعا الله أن لا يدع من ~~الكافرين ديارا ، فقد أثار بعدها الحيثيات الواقعية التي تؤكد ذلك : ( ~~@QUR@010 إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) ولهذا فلم ~~تكن القضية لديه قضية اليأس الطارئ في ما يمثله من الحالة النفسية المتعبة ~~التي يعيشها بعض الدعاة عند ما يواجهون التمرد العنيف القاسي من الناس ~~الذين يحيطون بهم ، بل كانت القضية لديه قضية الواقعية العملية التي ~~استكملت كل عناصر التجربة فلم تجد هناك أي مجال لتجربة جديدة توحي بالأمل ، ~~بينما كان الدعاة الآخرون اليائسون يمتلكون الفرصة في أكثر من تجربة قادمة ~~في ما يختزنه مستقبل الدعوة من التجارب الواقعية ، مما يجعل من تجربة نوح ~~التجربة الرائدة التي تمثل الإصرار على السير في الدعوة بعيدا عن كل تهاويل ~~اليأس الذاتي الذي ينطلق من الملل والتعب وحب الابتعاد عن الضغوط والتحديات ~~المضادة. # * * * ### ||| ** نموذج نبوي # وهكذا قدم الله لرسوله وللمؤمنين معه ومن بعده هذه التجربة الرسالية ، PageV23P117 # ليجدوا فيها النموذج الأمثل الذي يصر على الاستمرار في الدعوة إلى نهاية ~~المطاف ، من دون أية حالة صعبة من التعب النفسي ، فقد نلاحظ فيها أن نوحا ~~النبي الداعية لم يتعب ولم يطلب من الله السماح له بالابتعاد عن ساحة ~~الدعوة ، بل طلب منه تدمير هذا المجتمع ، وخلق مجتمع جديد ينفتح على ~~الرسالة لتنفتح الرسالة عليه في تجارب جديدة نحو واقع إيماني متحرك في خط ~~الإيمان والتقوى والطاعة. # وقد نحتاج إلى أن نستوحي هذه السورة التي تتميز بأسلوبها الذي ينطلق فيه ~~النبي ليقدم تقريره إلى الله بأسلوب الدعاء ، لينتظر أوامره الجديدة في ~~المرحلة المقبلة ، على أساس ذلك ، لنجعل منها وثيقة رسالية حية نتعلم فيها ~~الصبر والمعاناة والاستمرار في الدعوة إلى الله ، حتى نستفيد من التجارب ~~كلها ، كما نأخذ منها التجربة الروحية التي يلجأ فيها الداعية إلى ربه ، ~~ليستلهمه الرأي السديد والروحية الصافية المنفتحة على مواقع رضاه ، وليفتح ~~قلبه له ، ليشهده على أنه لا يزال في الموقع الرسالي ، بالرغم من ms5245 كل أثقال ~~الضغوط التي تسيطر عليه من كل جانب. # * * * PageV23P118 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم (1) @QUR@07 قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) @QUR@05 أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون (3) @QUR@018 يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن ~~أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) @QUR@07 قال رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا (5) @QUR@05 فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) @QUR@014 وإني كلما ~~دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا (7) @QUR@04 ثم إني دعوتهم جهارا (8) @QUR@07 ثم إني ~~أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) @QUR@06 فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~(10) @QUR@04 يرسل السماء عليكم مدرارا (11) @QUR@09 ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) @QUR@06 ما لكم لا ترجون لله وقارا ~~(13) @QUR@03 وقد خلقكم أطوارا ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@04 جعلوا أصابعهم في آذانهم ): كناية عن استنكافهم عن الاستماع ~~إلى دعوته. PageV23P119 # ( @QUR@02 واستغشوا ثيابهم ): أي : غطوا بها رؤوسهم ووجوههم .. وهو ~~كناية عن التنفر وعدم الاستماع. # ( @QUR@01 جهارا ): النداء بأعلى الصوت. # ( @QUR@03 أعلنت لهم وأسررت ): متقابلان وهما : الإظهار والإخفاء. # ( @QUR@01 مدرارا ): كثير الدرور بالأمطار. # ( @QUR@01 ويمددكم ): إلحاق المدد ، وهو ما يتقوى به الممد على حاجته. # ( @QUR@02 لا ترجون ): الرجاء : هو ما يقع مقابل الخوف ، وهو الظن بما ~~فيه مسرة. # ( @QUR@02 لله وقارا ): الوقار : العظمة. # ( @QUR@01 أطوارا ): جمع طور ، وهو حد الشيء وحاله التي هو عليها. # * * * ### ||| ** الإنذار في خلفياته التاريخية والفكرية # ( @QUR@014 إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم ) لأنهم كانوا مقيمين على الشرك ، رافضين لعبادة الله ، سائرين على خط ~~الأهواء الضالة التي تدفعهم إلى الانحراف عن التوازن في أوضاعهم العامة ~~والخاصة على مستوى العقيدة والعمل. # وقد يكون الإنذار ناشئا من تمردهم على رسالات سابقة على رسالة نوح في ما ~~تمثله من قيام الحجة عليهم بها ، الأمر الذي يجعلهم في موقع العذاب الذي ~~يستحقه كل رافض للرسالات بعد إبلاغه إياها ، من دون أن يملك أية PageV23P120 # حجة على الرفض. # وقد تكون المسألة منطلقة من الحجة العقلية التي تتمثل بالفطرة في ms5246 ما توحي ~~به من الإيمان بالله وبتوحيده ، ومن الانفتاح على مراقبته في ما تفرضه من ~~مواقع رضاه في السلوك الذي تدفع إليه الفطرة التي هي بمثابة الرسول ~~الباطني. # وقد نستطيع استيحاء وجود حالة دينية في الواقع التاريخي السابق على رسالة ~~نوح من قصة ابني آدم اللذين ( @QUR@043 قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين* لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين* إني ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ) [المائدة: 27 29] وهكذا ~~نفهم من ذلك وجود مفهوم ديني واضح عن القربان المرفوع إلى الله ، وعن ~~التقوى وعن السلوك الأخلاقي الذي يدفع إلى رضى الله ، في مقابل السلوك غير ~~الأخلاقي الذي يدفع إلى سخطه وإلى دخول النار. ولا بد من أن يكون هذا ~~المفهوم ممتدا في مستقبل الناس بعد ذلك ، في ما يمثله الوجدان الديني من ~~حالة عامة في المجتمع آنذاك ، مما يجعل من الصعب زوالها واندثارها. وبذلك ~~يمكن أن يكون هذا الوجدان قد تنامى بفعل إرسال الرسل الذين لم يقصص الله ~~علينا تاريخهم ، مع ملاحظة مهمة وهي أن الله لا بد من أن يقيم الحجة على ~~عباده ، بإرسال الرسول قبل أن يعذبهم ، وذلك ما جاءت به الآية الكريمة في ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [الإسراء : 15] ~~وربما نستوحي وجود رسل غير نوح من قوله تعالى : ( @QUR@06 وقوم نوح لما ~~كذبوا الرسل أغرقناهم ) [الفرقان : 37] فإن الجمع يفرض ذلك وقد ورد الحديث ~~عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في ما رواه صاحب كتاب إكمال الدين وإتمام ~~النعمة قال : كان بين آدم ونوح عشرة آباء كلهم أنبياء. PageV23P121 # وربما كان الإنذار بالعذاب باعتبار ما يأتي بعد إرسال نوح إليهم وإبلاغهم ~~رسالة الله ليؤمنوا بها ، لأنهم سيواجهون العذاب عند الانحراف عنها. # أما اختصاص رسالته بقومه ، فقد يكون بلحاظ أنهم القاعدة الأولى التي ~~تتحرك في داخلها الرسالة ، كما ورد التعبير بذلك عن كثير من الأنبياء ms5247 أولى ~~العزم الذين قيل إن رسالتهم تتعدى محيطهم. # * * * ### ||| ** النذير المبين # ( @QUR@07 قال يا قوم إني لكم نذير مبين ) في ما أرادني الله أن أحذركم ~~من عقابه الذي ينزل على الجاحدين بربوبيته وتوحيده ، المنحرفين عن عبادته ، ~~وذلك من خلال الحجة الواضحة التي لا غموض فيها ولا ضعف في دليلها ، ( ~~@QUR@03 أن اعبدوا الله ) في ما تمثله العبادة من الخضوع لله في كل شيء ~~بحيث تكون الحياة كلها في وجودكم العملي خاضعة له ، منقادة لإرادته ، ( ~~@QUR@01 واتقوه ) في ما تمثله التقوى من الحالة العقلية التي تراقب الله ~~كحقيقة تفرض نفسها على الجانب العقلي للإنسان ، ليكون ذلك أساسا للمراقبة ~~المسؤولة التي تقود إلى السلوك المسؤول ، وفي ما تثيره من الحالة الشعورية ~~التي تزحف إلى وجدان الإنسان وشعوره فتهز الإحساس بالخوف الشعوري من الله ~~ومن عقابه ، حتى يتحول ذلك إلى موقف للطاعة في حركة الإنسان في الالتزام ~~العملي. # ( @QUR@01 وأطيعون ) باعتبار أنه الرسول القائد الذي يقود خطاهم إلى الخط ~~المستقيم ، في ما يمكن أن يبلغه من الأوامر والنواهي التي أراد الله له أن ~~يبلغهم إياها ، وفي ما يمكن أن يحرك أوضاعهم التفصيلية في مجال التطبيق PageV23P122 # للنظرية في تفصيلات الحياة وجزئياتها ، وفي ما تتحرك به القيادة من تدريب ~~الناس على طريقة احتواء النظرية العامة في الحياة الواقعية ، ( @QUR@04 ~~يغفر لكم من ذنوبكم ) التي بدأتموها بالكفر ، وحركتموها في أوضاع التمرد ~~والجريمة في سلوككم العملي المنحرف عن الخط الصحيح. فإن الإيمان السائر على ~~خط العمل يهيئ للغفران الإلهي الذي يناله المؤمنون بالله العاملون في خط ~~طاعته ، فلا يبقى للماضي الأسود أي تأثير على مصيرهم المستقبلي في رحمة ~~الله ، ( @QUR@04 ويؤخركم إلى أجل مسمى ) فلا يستأصلكم بعذابه بل يمهلكم ~~إلى الأجل الطبيعي الموعود المحدد لكم في وجودكم الخاص ، ( @QUR@07 إن أجل ~~الله إذا جاء لا يؤخر ) فهو الذي حدده في عملية تحديد جزئيات الوجود. # ويمكن أن يكون المراد بالأجل يوم القيامة الذي سوف يأتي بحتميته في وقته ~~الحاسم الذي لا مجال لتخلفه وتأخره ، ( @QUR@03 لو كنتم تعلمون ) بالحقائق ~~النهائية الحاسمة التي لا يمكن أن تنحرف عن ms5248 دائرتها الواقعة في حركة الوجود ~~المنطلق من إرادة الله. # * * * ### ||| ** النبي نوح يقدم تقريره النهائي إلى الله # ( @QUR@07 قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) فلم تشغلني أوضاع النهار ~~ومشاغله عن الدعوة إليك ، كما لم يبعدني الليل في راحته الاسترخائية التي ~~تدفع إلى النوم عن ذلك ، لأنني أعتبر مسألة الرسالة مسألة حيوية تفرض على ~~الرسول أن يتابع إبلاغها وتحريكها في حياة الناس ، لحظة بلحظة ، من خلال ~~مراقبته للأوضاع التي يعيشونها في نقاط ضعفهم وقوتهم ، ليستفيد من أية حالة ~~عميقة أو طارئة ، في سبيل الوصول إلى قناعات الناس الفكرية والروحية التي ~~تتغير وتتبدل ، تبعا لما يحيط بهم من أوضاع ، ولما تحفل به حياتهم من ~~متغيرات ، لأن الإنسان قد PageV23P123 # يقتنع في الصباح على أساس بعض الأوضاع النفسية أو بعض الأحداث الطارئة ~~بما لا يتأثر به في المساء ، باعتبار اختلاف الأوضاع والأحداث ، مما يجعل ~~الرسول أو الداعية في حالة ملاحقة دائمة ورصد دقيق لحركة الناس اليومية ، ~~فلعل ذلك الإصرار على التبليغ في مدار الساعة يحقق شيئا من التقدم في ~~قناعاتهم. ولكن قوم نوح كانوا بعيدين عن ذلك ، لأنهم قرروا الرفض الحاسم ~~للرسالة وللرسول ، فأغلقوا آذانهم عن السماع ، وعقولهم عن التفكير ، ~~وألسنتهم عن الحوار. وهذا ما عبر عنه نوح في تقريره الرسالي إلى ربه : ( ~~@QUR@05 فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) من الحقيقة الدامغة التي تفرض نفسها ~~عليهم ، وتنفذ إلى عقولهم ، وتنساب في مشاعرهم ، وتطبق على وجودهم ، فيفرون ~~منها كما لو كان هناك خطر كبير يتهددهم ليخرجهم من واقعهم الذي اعتادوا ~~عليه ، ويربك عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها من أجدادهم ، ولذلك فإن الرسول ~~الماثل أمامهم يمثل الرمز لهذا الخطر ، فيفرون منه وهو الضعيف بينهم في ~~نظرهم ، كما لو كان يريد الإطباق عليهم لافتراسهم. # ( @QUR@05 وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ) بدعوتهم للسير في خط الهدى ~~بالتزام الإيمان بالله ( @QUR@04 جعلوا أصابعهم في آذانهم ) خوفا من أن ~~تنفذ كلمات الرسالة إلى أسماعهم ، فتمتد في عقولهم ، وتأخذ عليهم قناعاتهم ~~، فيتصورونها كما لو كانت مطارق صاخبة تثير الضجيج الشديد في آذانهم ، ~~فيغلقون آذانهم عنها ( @QUR@02 واستغشوا ms5249 ثيابهم ) فغطوا وجوههم بثيابهم ~~ليتفادوا رؤية الرسول الذي يجسد لهم الخطر القادم من الرسالة ضد الواقع ~~الذي يحرسونه بكل وجودهم ، ( @QUR@01 وأصروا ) على الكفر والضلال ، ( ~~@QUR@02 واستكبروا استكبارا ) في ما توحيه إليهم أوضاعهم المالية ~~والاجتماعية من الكبرياء التي تجعلهم يستعلون على من حولهم من الناس ~~الضعفاء الذين لا يملكون مالا ولا موقعا اجتماعيا متقدما بين الناس ، ~~فيقودهم الاستكبار إلى رفض الأفكار الرسالية التي توحد بين الناس وتساوي ~~بينهم في إنسانيتهم ، وتلغي الفروق الطبقية فيما بينهم ، لا سيما PageV23P124 # إذا كان الذين يحملون هذه الرسالة من المستضعفين الذين هم أدنى الناس في ~~الطبقة الاجتماعية ، أو كان رسولهم من بين هذه الجماعة. وهكذا نرى أن ~~القرآن يتحدث عن الكافرين في كفرهم ليوحي بأن الاستكبار لما يمثل من عقدة ~~ذاتية لدى المستكبرين هو المسؤول في كثير من الحالات عن كفر الكافرين ، لأن ~~الحالة النفسية قد تترك تأثيراتها الضاغطة على واقع الناس الفكري والعملي ، ~~باعتبار أن الإنسان يخضع في نشاطاته الداخلية والخارجية للعوامل النفسية ~~المعقدة. # ( @QUR@04 ثم إني دعوتهم جهارا ) بالصوت العالي المسموع الذي ينفذ إلى ~~أسماعهم بقوة ، ( @QUR@04 ثم إني أعلنت لهم ) بالطريقة العلنية التي تملك ~~الوضوح في الحياة العامة بحيث لا تخفى على أحد ( @QUR@03 وأسررت لهم إسرارا ~~) بالطريقة السرية التي كانت تتم بالتشاور والتناجي مع جماعة معينين في ~~دائرة اجتماعية ضيقة من هؤلاء الذين يملكون التأثير على الناس التابعين لهم ~~، أو من الذين يخافون إعلان مواقفهم في ما كانوا يريدونه أو يدعونه من ~~مواقف ، فيطلبون أن يكون اللقاء سريا حتى لا يفتضح أمرهم عند ما يريدون ~~اتباع الرسالة والعمل على تأييدها ، لئلا يكون لأحد حجة في الامتناع عن ~~الإيمان على أساس ظروفه الخاصة التي قد تلتقي بالحاجة إلى الإعلان تارة ، ~~وإلى الإسرار أخرى. # * * * ### ||| ** كيف كان نوح يدعو قومه؟ # ( @QUR@06 فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) فهو الإله الغفار الذي ~~يمنح عباده الفرصة للرجوع إليه ، ويدعوهم إلى الاستجابة له ، ليرجعوا إلى ~~الحق الذي يكفل لهم رحمة الله ومغفرته ورضوانه ، لأن القضية ليست قضية كلمة تقال ، PageV23P125 # بل هي قضية موقف ms5250 ثابت حاسم ، والمقصود بالذنب الذي يدعوهم إلى الاستغفار ~~منه ، هو الكفر أو الشرك وما يتفرع عنهما على صعيد الأعمال التي تبتعد عن ~~مواقع رضى الله. # ( @QUR@04 يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي ينزل عليكم المطر الغزير من ~~السحاب المرتفع في الفضاء الأعلى ، ( @QUR@03 ويمددكم بأموال وبنين ) لأنه ~~مصدر الرزق كله ، ومصدر الخلق كله ، ( @QUR@03 ويجعل لكم جنات ) في ما تمتد ~~بها الخضرة الحافلة بألوان الزرع من فاكهة وثمار وعشب ونحو ذلك ، ( @QUR@03 ~~ويجعل لكم أنهارا ) تجري في الأرض من الينابيع التي أودعها الله في أعماقها ~~أو من الثلوج التي جعلها الله في أعالي الجبال ، فتبدع الخصب والرخاء وتحيي ~~الأرض بعد موتها. # * * * ### ||| ** العلاقة بين الإيمان وإنزال هذه النعم! # ولعل هذا الربط بين الإيمان الذي يعبر عنه الاستغفار ، وبين إنزال الله ~~هذه النعم التي تمثل حاجاتهم الحيوية العامة ، ناشئ من أن الإيمان الخالص ~~يجعل الناس موضع رحمة الله في ما ينزله عليهم من ألطافه وفيوضاته ، مما قد ~~يزيد من حجمها وامتدادها. كما أن الانحراف عن الله قد يجعل القضية في دائرة ~~البلاء الذي قد يقلل من نعم الله ، ويؤدي إلى فساد الواقع في حياة الإنسان ~~، وبذلك فإن نوحا عليه السلام ربما كان يريد أن يثير في نفوس قومه قيمة ~~العلاقة بالله من موقع الإيمان به في حياة الناس العامة على مستوى النعم ~~التي يحتاجونها. وربما كان الأساس في ذلك هو الإيحاء لهؤلاء الناس الكافرين ~~بأن الله هو وحده المهيمن على الكون كله في ما يشتمل عليه من الظواهر ~~المتصلة بالحياة الإنسانية ، ليرتبطوا به من موقع النعمة ، كما يرتبطون به من PageV23P126 # موقع القدرة والعظمة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى الجانب الإيجابي في ~~هذا المجال بقوله تعالى: ( @QUR@012 ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ) [الأعراف : 96] وقوله تعالى : ( @QUR@036 ~~ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم* ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) ~~[المائدة ms5251 : 65 66] وقوله تعالى : ( @QUR@034 ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم ~~منه نذير وبشير* وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى ~~أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ) ~~[هود : 2 3]. # أما في الجانب السلبي فقد جاء في قوله تعالى : ( @QUR@015 ظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ~~[الروم : 41] وقوله تعالى : ( @QUR@07 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ) [الشورى : 30]. # * * * ### ||| ** في خلقكم أطوارا سر عظمة القدرة الإلهية # ( @QUR@06 ما لكم لا ترجون لله وقارا ) أي لا تأملون له توقيرا أي تعظيما ~~، وقد يبدو أن الرجاء هنا وارد على سبيل الكناية باعتبار ما يمثله الرجاء ~~من محبة الشيء المرجو ، والالتزام به ، في ما يمثله من مواقع الالتزام. ~~وبذلك يكون المقصود والله العالم ما لكم لا تلتزمون مواقع العظمة لله في ما ~~تفرضه من توقير لمقامه بالإيمان بالله والالتزام بأوامره ونواهيه. # ( @QUR@03 وقد خلقكم أطوارا ) أي خلق كل واحد منكم تارات متنوعة ، وذلك ~~في ما تعبر عنه الأطوار الجنينية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى ~~الهيكل العظمي إلى الخلق الكامل ، أو في ما تعبر عنه مراحل النمو الإنساني ~~من الطفولة إلى الشباب ، إلى الشيخوخة. PageV23P127 # وربما يكون المراد تعدد الأطوار بتعدد الأشخاص والجماعات في اختلاف ~~ألوانهم وألسنتهم وأوضاعهم الجسدية المتنوعة. # ولا بد لهذا التنوع العجيب في خلق الإنسان من دلالات وجدانية فكرية على ~~سر العظمة في القدرة الإلهية التي تخلق ما تخلق من دون مثال ، وتبدع ~~الألوان والأوضاع والأحجام المختلفة من نطفة مماثلة لا تختلف أشكالها ولا ~~طبيعتها ولا أحجامها ، فكيف انطلق التعدد من الوحدة؟ # * * * PageV23P128 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) @QUR@07 وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) @QUR@05 والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا (17) @QUR@05 ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) @QUR@05 والله جعل ~~لكم الأرض بساطا (19) @QUR@04 لتسلكوا منها سبلا فجاجا ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تروا ): هنا : يراد بها العلم ، لا النظر. # ( @QUR@01 طباقا ): إما من المطابقة ، أي : أن السماوات بعضها فوق بعض ، ~~وإما ms5252 يراد بها التطابق والتماثل. # ( @QUR@01 أنبتكم ): أي أنبتكم إنبات النبات. # ( @QUR@01 سبلا ): جمع سبيل بمعنى الطريق. PageV23P129 # ( @QUR@01 فجاجا ): جمع فج ، بمعنى الطريق الواسعة ، وقيل : الطريق ~~الواقعة بين جبلين. # * * * ### ||| ** نوح يحث قومه على التفكر # ويتابع نوح حديثه مع قومه ، فيوجههم إلى التفكير في السماء وفي القمر ~~والشمس ، وفي حياة الإنسان على الأرض ، وفي عودته إليها وخروجه منها ، وفي ~~الأرض التي مهدها ليسهل على الإنسان سكناها ، وشق فيها السبل ليسهل عليه ~~سلوكها ، ليزيد بذلك معرفتهم الكونية التي تفتح لهم آفاق المعرفة الإلهية ~~في ما تؤدي إليه من الإيمان بالله والخضوع له. # ( @QUR@08 ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ) قد لا يراد من ~~الرؤية هنا ما يصل إليه الإنسان بنفسه من طريق الحس أو من طريق العقل ، لأن ~~ذلك لم يكن متوفرا لهؤلاء أو لمن بعدهم في تعدد السماوات وفي تحديد عددها ، ~~بل ربما يكون المراد تقرير هذه الحقيقة بالإيحاء بثباتها ووضوحها كما لو ~~كانت شيئا حسنا ، في ما هو وضوح الرؤية الحسية ، أو كما لو كانت شيئا عقليا ~~قاطعا في ما هي المعرفة العقلية الواضحة. # ( @QUR@04 وجعل القمر فيهن نورا ) هادئا يختلط فيه الظلام من دون أن يثير ~~في الأجواء عتمته ، ويبعث الحذر الوديع في المشاعر المتوترة ، ويثير ~~الأحاسيس الحميمة بحبات النور الذي ينساب في الكيان حتى يحوله إلى أحلام ~~حلوة ساهمة ، ( @QUR@03 وجعل الشمس سراجا ) يبعث الدفء والإشراق في الكون ، ~~وينفذ إلى كل موجود حي ليمنحه حرارة الحياة حتى لا يتعفن في داخله أخلاطها من PageV23P130 # خلال المؤثرات السلبية التي تتأثر بها الأشياء الحية. وقد ذكر في الفرق ~~بين التعبير عن القمر بالنور والشمس بالسراج ، أنه اختلاف كلمة الضياء التي ~~توحي بها كلمة السراج عن النور الذي لم يبلغ قوة ضياء الشمس. # ( @QUR@05 والله أنبتكم من الأرض نباتا ) فمنها خلقتم ، من البذرة التي ~~انطلقت عناصرها من الغذاء الذي يمتد بكل عناصره من التراب ، تماما كما هي ~~البذرة التي تنمو فتتحول إلى خضرة وثمرة وفاكهة ، ( @QUR@03 ثم يعيدكم فيها ~~) بعد أن تموت الحياة في أجسادكم وتدفنون في داخلها وتتحلل ms5253 أجزاؤها إلى ~~تراب ، ثم تدب الحياة في التراب بقدرة الله التي أعطت التراب في البداية ~~حيوية التحول ، وسر النمو ، فإذا بكم تعودون بشرا حيا متحركا كما كنتم ، ( ~~@QUR@02 ويخرجكم إخراجا ) لتواجهوا الموقف النهائي الحاسم الذي تقفون فيه ~~بين يدي الله في موقف الحساب ، حيث ينطلق كل التاريخ المضيء ليضيء لكم ~~الطريق نحو الجنة وكل التاريخ المظلم ليقودكم إلى النار. # ( @QUR@05 والله جعل لكم الأرض بساطا ) تفترشونه في نومكم وراحتكم ، ~~وفتحها لكم في الطريق التي تخترق الجبال والوهاد ، ( @QUR@04 لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا ) أي واسعة ، لتصلوا من خلالها إلى ما تقصدونه من أهدافكم ~~وغاياتكم في العيش في جميع جهاتها ، فلا يغلق عنكم موقع من مواقعها ، لتكون ~~الأرض كلها تحت سيطرتكم وتصرفكم. # * * * PageV23P131 ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا (21) @QUR@03 ومكروا مكرا كبارا (22) @QUR@013 وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) @QUR@08 وقد أضلوا كثيرا ~~ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 كبارا ): اسم مبالغة من الكبير. # ( @QUR@07 ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ): خمسة من آلهة قوم نوح ~~كان لهم موضع اهتمام خاص. # * * * ### ||| ** نوح يتحدث عن دور المترفين في إضلال الناس # كيف كان رد فعل قوم نوح على كلماته الهادئة الهادية ، وما هي PageV23P132 # المؤثرات السلبية التي كانت تترك تأثيراتها المضادة على موقفهم منه؟ # ( @QUR@05 قال نوح رب إنهم عصوني ) وابتعدوا عن الاستجابة لكل المنطق ~~العاقل المتزن الذي كنت أثيره في عقولهم ، وعن الالتزام بكل النصائح التي ~~أقدمها لهم ، لأن مشكلتهم أنهم لا يملكون منطق العقل الذي يدفعهم إلى ~~التفكير العميق ، أو لا يريدون تحريك هذا المنطق في حياتهم الفكرية أو ~~العملية ، بل عملوا على تجميد حركة الوعي في وجدانهم ، كما أن مأساتهم هي ~~أنهم لا يعيشون الجدية التي هي قضية المسؤولية العملية في سلوكهم الأخلاقي ~~في جميع المجالات ، بل كل ما لديهم هو أنهم يخضعون لسلطة المال فينبهرون ~~بمظاهره وزخارفه وخيلاء أصحابه وكبريائهم ، كما يعتبرون كثرة الأولاد قيمة ~~اجتماعية لدى هؤلاء الناس الذين يستغرقون في ms5254 كثرة أموالهم وأولادهم حتى ~~يضلوا عن السبيل. # ( @QUR@08 واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) لأنه استغرق في ذلك ~~حتى ضل عن معرفة الحقيقة التي تشرق في وجدان المنفتحين على الله وعلى النور ~~القادم من وحيه. # وهكذا تطور الأمر به ، أي بالذي «لم يزده ماله وولده الا خسارا» إلى أن ~~اجتذب المستضعفين من الفقراء والمحرومين ، أو من المنبهرين به من سائر ~~الناس ، فمنعهم عن الاستجابة للرسالات السماوية التي تزرع القيمة الروحية ~~في الحياة ، ليكون التفاضل بالعلم والعمل الصالح بعيدا عن كل الأمور ~~المادية ، فتبعد الناس عن القيم الروحية التي تعمق في الإنسان شعوره ~~بإنسانيته ، وتدفع الجميع إلى المعاملة الإنسانية على صعيد العلاقات ~~العامة. # * * * PageV23P133 ### ||| ** مكروا ليضلوا الناس # ( @QUR@03 ومكروا مكرا كبارا ) وبدأوا يخططون بكل ما لديهم من أساليب ~~شيطانية للإجهاز على الرسالة وصاحبها ، وأثاروا الكثير من التهاويل حولها ، ~~وامتدت الحيل والمؤامرات لتحاصر كل وجودها ، لأنهم شعروا بالمنطق الإيماني ~~يمتد إلى عقول الناس البسطاء الطيبين ، فأرادوا بالمكر الكبير جدا أن ~~يعطلوا ذلك الامتداد ، ويبطلوا تأثيره على صعيد الواقع الجديد. وكان من تلك ~~الأساليب محاولة الإثارة العاطفية التي تستثيرهم للدفاع عن أصنامهم التي ~~ارتبطوا بها بوحي الألفة والعادة ، لأنهم عاشوا طفولتهم في رحاب عبادتهم ~~إياها ، وخضوعهم لها ، ( @QUR@04 وقالوا لا تذرن آلهتكم ) التي تمثل الآلهة ~~الكبار التي هي في موقع الأهمية الكبيرة ، ( @QUR@09 ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) وقيل : إن هذه الخمسة ظلت تعبد إلى عهد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأن ودا كان لقبيلة كلب ، وسواعا لهذيل ، ويغوث لغطيف ~~، ويعوق لهمدان ، ونسرا لحمير ، بالإضافة إلى ما استحدثوه من هبل واللات ~~ومناة والعزى. # وهكذا كان أسلوبهم العاطفي يستهدف الوقوف ضد الأسلوب التأملي الهادىء ~~المتوازن الذي كان نوح يطرحه على هؤلاء لينطلقوا في أوضاعهم الفكرية ~~والعملية ، في محاكمة عقلية واعية ، من أجل تصحيح الخط المنحرف في حياتهم ، ~~وتقويم العادات العوجاء في تاريخهم ، كما هي قضية الرسالات الإلهية التي ~~تريد أن تقود الإنسان إلى مصيره من خلال مسئوليته عما يفكر ويعمل بعيدا عن ms5255 ~~تفكير الآخرين وسلوكهم ، لأن المسؤولية في دائرة الإيمان فردية ( @QUR@05 ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [الأنعام : 164] ، ولا يكسب الإنسان عمل غيره ، ~~إلا من الناحية التي يمثل فيها مقدمة لعمل الآخرين ، ولم تكن مشكلة نوح ~~هؤلاء الرؤساء المترفين عند أنفسهم ، بل كانت المشكلة هي وقوفهم حجر PageV23P134 # عثرة في طريق الدعوة. # ( @QUR@03 وقد أضلوا كثيرا ) من الناس بضلالهم ، فمنعوهم من الاستجابة ~~للحق لما جاءهم ، فظلموا أنفسهم وظلموا الناس معهم ، مما جعل نوحا يدعو ~~عليهم ربه ، ( @QUR@05 ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) أي هلاكا في ما تختزنه ~~كلمة الضلال من معنى الهلاك بلحاظ ما تؤدي إليه ، وذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 إن المجرمين في ضلال وسعر ) [القمر : 47]. # * * * PageV23P135 ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا (25) @QUR@010 وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) ~~@QUR@010 إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) ~~@QUR@015 رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا ~~تزد الظالمين إلا تبارا ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ديارا ): الديار : نازل الدار. # ( @QUR@01 فاجرا ): الفجور : الفسق الشنيع. # ( @QUR@01 كفارا ): الكفار : المبالغ في الكفر. # ( @QUR@01 تبارا ): التبار : الهلاك. # * * * PageV23P136 ### ||| ** إجابة الله دعاء نوح # واستجاب الله لنوح دعاءه ، فزادهم هلاكا بالطوفان الذي أغرقهم ولم يظلمهم ~~، لأنهم استحقوا ذلك بالخطايا التي ارتكبوها. # ( @QUR@03 مما خطيئاتهم أغرقوا ) أي أنهم أغرقوا من خلال إصرارهم على ~~الامتداد في طريق الخطيئة التي تحولت إلى طوفان أحاط بهم من جميع جوانبهم ، ~~فهلكوا ووقفوا بين يدي الله للحساب ليواجهوا كل تاريخهم الكافر المتمرد على الله. # ( @QUR@02 فأدخلوا نارا ) أعدها الله للكافرين المعاندين ، ( @QUR@07 فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) يخلصونهم من عذاب الله ، في ذلك اليوم الذي ~~( @QUR@08 لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) [الانفطار : 19]. وقد ~~ذكرت هذه الجملة عن طريق الاعتراض ، في داخل تقرير نوح الذي لم يستكمل بعد ~~، لمناسبتها للدعاء السابق عليها بالهلاك والدمار لهؤلاء القوم ، ثم تابعت ~~السورة حكاية التقرير الرسالي الذي رفعه نوح إلى ربه. # * * * ### ||| ** رب لا تذر من الكافرين ديارا # ( @QUR@010 وقال نوح رب لا تذر على الأرض من ms5256 الكافرين ديارا ) أي شخصا ~~حيا يعيش في داره ليتحرك فيها في ساحة الحياة ، فلا بد من إهلاك كل الجيل ~~القديم الذي تربى على الكفر وأصر عليه واستغرق فيه ، حتى أصبح الكفر جزءا ~~من ذاته ، لينشأ جيل جديد على الإيمان وتقوى الله من أجل أن يبني الحياة ~~بناء قائما على الحق والخير والعدل. # ولم ينطلق نوح في هذا الدعاء المدمر من عقدة نفسية مستحكمة في PageV23P137 # داخله ، كما يفعل البعض من الناس عند ما يواجهون التحدي والتمرد والعناد ~~من الآخرين الذين يرتبطون بهم من خلال الدعوة ، أو من خلال أشياء أخرى ، بل ~~انطلق من خلال دراسة طويلة شاملة عميقة ، استنفد فيها كل التجارب ، فلم يعد ~~هناك أي أمل في هدايتهم ، بل أصبحت المسألة مسألة الخطر الذي يمثله وجود ~~هؤلاء على الأجيال القادمة من أولادهم ، ( @QUR@010 إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) بما يملكونه من وسائل الضغط من خلال ~~امتيازاتهم القائمة على الكثرة العددية ، والقوة المالية ، مما يجعل الناس ~~مشدودين إليهم من موقع الحاجة والخوف ، فيخضعون لهم في انتماءاتهم لأنهم هم ~~الذين يتولون مهمة تنشئة أولادهم على الكفر والفجور ، ويمنعون غيرهم من ~~العمل على إرشادهم إلى الطريق المستقيم. وقيل : إن الرجل من قوم نوح كان ~~ينطلق بابنه إليه ، ويقول له : احذر هذا مشيرا إلى نوح فإنه كذاب ، وإن أبي ~~أوصاني بمثل هذه الوصية ، فيموت الكبير وينشأ على ذلك الصغير. # ويختم نوح تقريره ، بالابتهال إلى الله والانقطاع إليه في طلب المغفرة ~~منه لنفسه في ما يمكن أن يكون قد قصر فيه من تبليغ الرسالة ، ولوالديه ~~وللمؤمنين معه ، في ما توحي به كلمة المغفرة من الرضى والرحمة واللطف ~~الإلهي الكبير. # ( @QUR@08 رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ) من المجتمع الكافر ~~الذي استطاع هؤلاء أن يتمردوا على قيمه وضغوطه فآمنوا من موقع القناعة ~~العميقة. # ( @QUR@02 وللمؤمنين والمؤمنات ) الذين عانوا الكثير في خط الرسالة ، ~~وثبتوا على الإيمان بالرغم من كل الضغوط الهائلة والإغراءات الكثيرة. ( ~~@QUR@05 ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) أي هلاكا. وينتهي التقرير الرسالي ms5257 ، ~~ويسود الصمت في تاريخ نوح والمؤمنين معه بعد نهاية الطوفان مما لا يعلم سره ~~إلا الله. # * * * PageV23P138 ### ||| ** كيف نستوحي السورة؟ # وتبقى للدعاة إلى الله ، العاملين في سبيله ، مسألة العبرة التي تفتح ~~قلوبهم على مواقع الثبات على الحق ، وآفاق الحركة في ساحات الصراع ~~والامتداد في التجربة إلى أبعد مدى ، حتى لا يبقى هناك أي مجال لتجربة ~~جديدة ولأمل أخضر. فلا موقع لليأس في طريق العاملين المخلصين ، لأن مسألة ~~الأمل ليست شيئا يأخذونه من زوايا الواقع المحدود الذي يحاصرهم في حدوده ~~وحواجزه ، بل هي شيء يستمدونه من إيمانهم بالله الذي يجعل للمتقين المخرج ~~حيث لا مخرج ، وللمحرومين الرزق من حيث لا يحتسبون ، وللمجاهدين النصر من ~~حيث لا ينتظرون. # هذا بالإضافة إلى أن مسألة الدعوة ليست حالة ذاتية مزاجية لتخضع للنوازع ~~النفسية والطوارئ العابرة ، بل هي حالة رسالية متصلة بالله ، في ما يستهدفه ~~الإنسان من خلالها من رضى الله ، فلا مشكلة لديه إذا كان الله راضيا عنه ، ~~حتى في أشد ساعات الشدة ، فهو الغاية في كل عمل ، والهدف الكبير في كل شيء. # * * * PageV23P139 ### | سورة الجن ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان وعشرون PageV23P141 ### ||| ** مفهوم الجن في القرآن # وهذه السورة المكية نزلت لتعالج مفهوم الجن كحقيقة وجودية أكدها القرآن ~~في أكثر من سورة ، فقد تحدث عن الجن كمخلوقات حية عاقلة مسئولة ، تماما كما ~~تحدث عن الإنس ، وخاطبهما معا ، وجعلهما مسئولين عن عبادة الله الواحد ، ~~وحذرهما من الكفر به والانحراف عن خط طاعته تحت تأثير الإنذار بدخول النار ~~والوقوع في دائرة غضبه. وأثار الحديث عن وجود الشياطين من الإنس والجن ~~الذين يوسوسون في صدور الناس ، واعتبر إبليس من الجن ، وتحدث عن ذريته ~~وأنكر على الناس أن يتخذوه وذريته أولياء ، وقص علينا القصص المتنوعة التي ~~تدل على وجود طاقات متنوعة قد تفوق طاقة الإنسان حتى ليستطيع أن يقترب من ~~السماء ليسترق السمع. # وتلك هي الصورة التي يمكن لنا أن نؤمن بها على أساس الحقيقة القرآنية ~~التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، كما في الكثير من حقائق ~~الغيب التي ms5258 لم تقع تحت إدراك حواسنا الظاهرة ، فلا نزيد عليها وعلى ما جاءت ~~به السنة الصحيحة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . أما العقائد الشعبية ~~التي تتحدث عن الجن بما يشبه الخرافة ، وترى أن لهم تأثيرا في الحياة ~~العملية PageV23P143 # للناس في ما قد يحدث للناس من حالات غير طبيعية ، أو في تسخيرهم وإيجاد ~~علاقات معينة بهم ، مما قد يتحدث به البعض ، فلم يثبت لنا ذلك بطريق صحيح ، ~~ولذا فإننا لا نستطيع أن نجد فيه أي أساس للحقيقة. ونحذر المؤمنين من أن ~~يخضعوا لمثل هذه الأحاديث التي قد يحركها الكثيرون من الجاهلين ، أو من ~~الذين يعملون على استغلال جهل الناس للإيحاء لهم بالجو الخفي للجن بادعاء ~~علاقتهم بأمراضهم وأحلامهم وآلامهم وقضاياهم الحياتية المتنوعة. # كما أن علينا أن نلاحق بعض التصورات عن الجن التي حفلت بها أقاصيص ألف ~~ليلة وليلة ونحوها ، بحيث أثارت في الوجدان الشعبي عقلية خرافية تركت ~~آثارها على كثير من أوضاع التصور والسلوك. # * * * ### ||| ** في أجواء السورة # وقد انطلقت آيات هذه السورة لتثير الحديث عن بداية إيمان نفر من الجن ~~بالإسلام من خلال استماعهم إلى النبي وهو يقرأ القرآن فآمنوا به ، واهتدوا ~~إلى الحق من خلاله ، وتحدثوا بعد ذلك فيما بينهم عن الانحرافات التي كانت ~~تعيش في حياتهم ، وعن الأوضاع المتغيرة في حرية حركتهم في الكون ، وأنهم ~~كانوا يختلفون في طرائقهم وانتماءاتهم. # ثم كان ختام السورة في حديث النبي مع الإنس عن الدعوة التي يحملها لتوحيد ~~الله ، فهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا به ، وأن عليهم أن يؤمنوا بالله ~~ويطيعوه ليتخلصوا من عذاب النار في يوم القيامة الذي لا يعلم وقته لأنه PageV23P144 # من غيب الله الذي لم يطلع عليه إلا من اختصه برسالاته في ما يمكن أن ~~يطلعه عليه مما قد يحتاجه في حركة الرسالة في الحياة. # * * * PageV23P145 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@013 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا (1) @QUR@09 يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) @QUR@09 ~~وأنه تعالى جد ms5259 ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) @QUR@07 وأنه كان يقول ~~سفيهنا على الله شططا (4) @QUR@010 وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على ~~الله كذبا (5) @QUR@011 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا (6) @QUR@09 وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نفر ): النفر : الجماعة من ثلاثة إلى تسعة على المشهور ، وقيل ~~: بل إلى الأربعين. # ( @QUR@01 عجبا ): ما يدعو إلى التعجب منه لخروجه عن العادة الجارية في مثله. # ( @QUR@01 الرشد ): إصابة الواقع ، وهو خلاف الغي. PageV23P146 # ( @QUR@01 جد ): فسر بالعظمة ، وفسر أيضا بالحظ. # ( @QUR@01 سفيهنا ): السفه : خفة النفس لنقصان العقل. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وقد جاء في مجمع البيان في أسباب نزول هذه السورة في ما رواه عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال : «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن ~~وما رآهم ، انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه عامدين ~~إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، فرجعت الشياطين إلى ~~قومهم ، فقالوا : ما لكم؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا ~~الشهب ، قالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. ~~فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بنخل ~~عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن ~~استمعوا له فقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ، فرجعوا إلى ~~قومهم ، وقالوا : ( @QUR@013 إنا سمعنا قرآنا عجبا* يهدي إلى الرشد فآمنا ~~به ولن نشرك بربنا أحدا ) فأوحي الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( ~~@QUR@08 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) (1). # وقد نلاحظ على هذه الرواية عن ابن عباس أنها تتحدث عن حوار الجن في ~~مشكلتهم التي فاجأتهم وهي عدم استطاعتهم استراق السمع ، ومحاولتهم البحث عن ~~ذلك ، فكيف استطاع ابن عباس معرفة ذلك ، وما هي تجربته الحسية التي عاشها ~~في هذا الموضوع الغيبي ، فهو لم يلتق بالجن ، أو بمن التقى بهم ليحدثوه عنه ~~، ولم يروه عن ms5260 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ما قد يكون النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد عرفه من الجن أو من الله. ثم ما هي الطريقة التي ~~فهم منها PageV23P147 # الجن السبب في انقطاع خبر السماء عنهم بمجرد سماعهم للقرآن؟ # إن مثل هذه الروايات أقرب إلى الأحاديث الموضوعة على ابن عباس وأمثاله ~~لإرضاء الفضول الذي يعيشه الناس في أسباب النزول. ولهذا فإن علينا أن ندقق ~~فيها ، لما قد تترك من تأثيرات سلبية على فهمنا للقرآن ، في ما قد يثيره من ~~أجواء خاصة بعيدة عن الجو القرآني الرائع. # * * * ### ||| ** النبي يتعرف وحيا على إيمان الجن # ( @QUR@08 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) فلم يعش النبي تجربة ~~اللقاء بهم والحديث معهم ، بل كانت معرفته بالموضوع ناتجة عن تعريف الله له ~~ذلك من طريق الوحي ، مما قد يثير فينا التفكير حول الكثيرين من الناس الذين ~~يتحدثون عن تجربتهم الحسية مع الجن بشكل تفصيلي شامل ، في الوقت الذي كان ~~من المفروض ، أن يكون النبي هو الأولى بمثل هذه التجارب لا سيما في ما يتصل ~~بعلاقته بهم من جهة إيمانهم به وبرسالته ، لما يفرضه ذلك من حاجتهم إلى ~~سؤاله والحديث معه ، ومن حاجته إليهم في ما يمكن أن يعاونوه به في التحديات ~~التي واجهته من المشركين ، لا سيما في مكة التي كانت ساحة اضطهاد الدعوة ~~والمسلمين من قبل المشركين. # ومن خلال ذلك ، قد نستوحي أن العلاقات لم تكن متصلة بينهم وبين النبي ~~والناس معه أو من بعده ، لأن المرحلة التي كانوا يلتقون فيها ببعض الأنبياء ~~وهو سليمان أو غيره قد انتهت ، مع ملاحظة نقطة مهمة ، وهي أن طبيعة العلاقة ~~بالنبي كانت تفرض حديثا قرآنيا متنوعا عن قضاياهم ومسائلهم ، PageV23P148 # كما جرى الحديث في القرآن عن الناس في ذلك كله. # وهكذا جاء الوحي للنبي ليحدثهم عن هؤلاء الذين استمعوا إليه وهو يقرأ ~~القرآن : ( @QUR@05 فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ) في أسلوبه وحلاوته ~~ومفاهيمه العميقة الرائعة ، ( @QUR@03 يهدي إلى الرشد ) في براهينه ودلائله ~~على الله وتوحيده وشرائعه التي تبني ms5261 الوجود على أساس النظام المتوازن في ما ~~يدعو إليه من العمل على أساس الخير والابتعاد عن الشر ، ( @QUR@02 فآمنا به ~~) لأننا لا نملك أن نتوقف أو نتردد أمام الحقيقة الإيمانية التي فرضت نفسها ~~علينا من موقع القناعة اليقينية ، فعرفنا أن الله وحده هو ربنا ورب كل شيء ~~فآمنا به ( @QUR@04 ولن نشرك بربنا أحدا ) لأن كل موجود غيره فهو مخلوق له ~~، محتاج إليه ، فكيف يمكن أن يكون شريكا له؟! # * * * ### ||| ** حديث الجن عن الله # ( @QUR@04 وأنه تعالى جد ربنا ) أي حظه من العظمة والعلو والمجد والتنزه ~~عن مماثلة الآخرين له ، ( @QUR@05 ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) لأن ذلك شأن ~~المخلوق في حاجته الطبيعية إلى ذلك ، لا شأن الخالق الذي لا يحتاج إلى شيء ~~، لأنه الغني عن الحاجات ، من خلال غناه في ذاته. # ( @QUR@07 وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) فقد كان في مجتمعنا ~~جماعة من السفهاء الذين لا يلتزمون المنطق العاقل المتزن في تصورهم لله وفي ~~حديثهم عنه ، فقد كانوا يشركون بالله من دون علم ، ويتحدثون بذلك فيما ~~بينهم ، ويخرجون عن خط التوازن في ذلك كله ، فيتجاوزون الحد المعقول في ~~الفكرة والكلمة. # ( @QUR@010 وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ) لأنه ليس ~~من المعقول أن PageV23P149 # يكذبوا عليه وقد دلهم على مواقع المعرفة في داخل وجودهم ، وفي كل المظاهر ~~الكونية المحيطة بهم والموجودة فوقهم ، لأن مقتضى ذلك أن يحبوه ويخافوه ~~ويعرفوه بما له من العظمة والكبرياء والجبروت ، فيمنعهم ذلك من الافتراء ~~عليه بغير علم ، وعن نسبة الشريك إليه من دون أساس. ولكن الظاهر أن الواقع ~~هو غير ذلك ، فنحن نجد الجن كما هم الإنس ، يكذبون على الله اتباعا ~~للمترفين منهم وللمستكبرين في ساحتهم ، غفلة عن الحق وعن النتائج المترتبة عليه. # ( @QUR@09 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ) في ما كانوا ~~يعتقدونه من قدرة الجن على تخليصهم من المشاكل التي يتخبطون فيها ، ~~والأخطار التي يتخوفون منها ، والأمراض التي تحل بهم ، وذلك أنهم كانوا في ~~الجاهلية يتعوذون بالجن بواسطة الكهان الذين يعتقدون بأنهم على ms5262 علاقة بالجن ~~، فيوحون إليهم بما يزعمون أن الجن توحي إليهم به ، وقيل: إن الرجل من ~~العرب كان إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال : أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر ~~سفهاء قومه ، ونقل عن مقاتل أن أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ثم بنو ~~حنيفة ثم فشا في العرب. # ( @QUR@02 فزادوهم رهقا ) أي أوصلوهم إلى الحالة الصعبة التي قد لا ~~يطيقونها ، وفسر البعض ذلك بالطغيان الذي يمارسه الجن عليهم ، ولكن من ~~الممكن أن يكون المقصود به النتائج السلبية التي قد تحصل لهم من خلال هذه ~~الذهنية غير المتزنة التي تقودهم إلى الخضوع لأفكار غير واقعية وللاعتماد ~~على الكهان الذين لا يملكون أساسا في الاعتماد عليهم ، أو على بعض الجهال ~~الذين يدعون علاقة بالجن ، فيخيلون للناس بأن هناك أوضاعا معينة لا بد من ~~أن يأخذوا بها ليتخلصوا بفضل الجن من بعض مشاكلهم ، مما قد يؤدي بهم إلى ~~كثير من حالات السقوط على أكثر من صعيد ، والله العالم. # ( @QUR@04 وأنهم ظنوا كما ظننتم ) الظاهر أن المراد هو أن هؤلاء الإنس ~~ظنوا كما PageV23P150 # ظننتم أيها الجن والخطاب لقومهم من الكفرة إذا كان الكلام من كلام الجن ، ~~كما هو الظاهر ، أو أن المقصود على غير الظاهر هو خطاب الإنس بأن الكافرين ~~من الجن ظنوا كما ظننتم. # ( @QUR@05 أن لن يبعث الله أحدا ) فهم ينكرون المعاد كما تنكرونه من دون ~~أساس علمي ، ولذلك فإنهم لا يتحركون من منطق المسؤولية في ما يفرضه عليهم ~~الإيمان بالآخرة. # * * * PageV23P151 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) ~~@QUR@013 وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ~~(9) @QUR@013 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ~~(10) @QUR@09 وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) @QUR@011 ~~وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) @QUR@014 وأنا لما ~~سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) @QUR@010 ~~وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) @QUR@05 ~~وأما القاسطون فكانوا ms5263 لجهنم حطبا (15) @QUR@08 وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) @QUR@010 لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه ~~عذابا صعدا ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 لمسنا السماء ): لمس السماء : الاقتراب منها بالصعود إليها. # ( @QUR@01 حرسا ): اسم جمع على ما قيل لحارس ، ولذا وصف بالمفرد ، ~~والمراد بالحرس الشديد : الحفاظ الأقوياء في دفع من يريد الاستراق منها. PageV23P152 # ( @QUR@01 رشدا ): بفتحتين ، والرشد بالضم فالسكون : خلاف الغي. وتنكير ~~«رشدا» لإفادة النوع ، أي نوعا من الرشد. # ( @QUR@01 الصالحون ): الصالح : مقابل الطالح. # ( @QUR@02 دون ذلك ): غير ذلك. # ( @QUR@01 طرائق ): جمع طريقة ، والطريقة : السيرة. وطريقة الرجل : مذهبه. # ( @QUR@01 قددا ): القطع ، جمع قدة بمعنى قطعة ، من القد بمعنى القطع. # ووصفت الطرائق بالتعدد ، لأن كل واحدة منها مقطوعة عن غيرها تنتهي ~~بسالكها إلى غاية غير ما ينتهي به إليه غيرها. # ( @QUR@01 ظننا ): الظن هنا يراد به العلم اليقيني. # ( @QUR@01 القاسطون ): هم المائلون إلى الباطل. في المجمع القاسط : هو ~~العادل عن الحق. والمقسط : هو العادل إلى الحق (1). # ( @QUR@01 تحروا ): تحري الرشد : توخيه وقصده. # ( @QUR@03 استقاموا على الطريقة ): الاستقامة على الطريقة : لزومها ، ~~والثبات على ما تقتضيه من الإيمان بالله وآياته. # ( @QUR@02 ماء غدقا ): الماء الكثير. # ( @QUR@02 عذابا صعدا ): هو الذي يتصعد على المعذب ويغلبه. وقيل : هو ~~العذاب الشاق. # * * * PageV23P153 ### ||| ** حال الجن مع السماء # ويتابع هؤلاء النفر من الجن حديثهم عن أوضاعهم التي كانوا عليها وعن ~~المتغيرات الجديدة التي حدثت لهم بعد نزول الرسالة على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فيتحدثون عن عدم وجود أية مصادر للمعرفة الغيبية ~~عندهم ، مما كان يعتقده فيهم الناس ، أو مما كان ينسبه الكهان إليهم ، ~~ليرتبط الناس بهم لذلك من خلال ما يرونه فيهم ، أو يدعونه لأنفسهم من الصلة ~~بالجن أو في ما يوحي إليهم الجن من ذلك. # ( @QUR@03 وأنا لمسنا السماء ) كما كنا نلمسها سابقا عند ما نقترب منها ~~لنستمع أخبار الملأ الأعلى ، من خلال ما أطلع الله سكانه عليه ، عما يمكن ~~أن يحدث في الأرض مما قدره الله فيها. فوجدنا الأمر قد تغير عما كنا عليه ، ~~فلم يعد هناك مجال للاقتراب من آفاق السماء ، ( @QUR@04 فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا ) يطردوننا عنها ( @QUR@01 وشهبا ms5264 ) تلاحقنا لتحرقنا بنارها إذا فكرنا ~~بالاقتراب منها ، ( @QUR@06 وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) في ما مضى من ~~الزمان ( @QUR@07 فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) يمنعه من ذلك. # وقد يتحدث البعض أن الجن لم يتحدثوا عن تفاصيل ما يسمعونه ، فهل كانوا ~~يعلمون الغيب بذلك في ما قد يطلعون عليه من أخبار السماء؟ لعل المسألة كانت ~~أصواتا يعتبرونها غيبا وما هي بالغيب ، لأن الله لم يطلع على غيبه أحدا. ~~ولكن الظاهر من الآية أن المسألة تتصل بالمعلومات التي يمكن أن يطلعوا ~~عليها في ما يمكن أن يفسر لهم بعض الأوضاع من خلال قدرتهم على الارتفاع ~~بعيدا عن الأرض في ما يسمعونه من بعض أخبار السماء ، مما لا نعرف طبيعته ~~وخصوصياته ، تماما كما هي المعلومات التي يعرفها بعض الناس الذين يملكون ~~التجارب التي لا يملكها الآخرون ، مما لا يعتبر غيبا بالمستوى الذي ينفيه ~~الله عن غيره ، والله العالم. PageV23P154 # ( @QUR@08 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ) من خلال هذه المتغيرات ~~الجديدة ، ( @QUR@05 أم أراد بهم ربهم رشدا ) لأنا لا نملك معرفة أسرار ذلك ~~، ويمكن أن يكون المراد نفيهم لعلم الغيب ، بعيدا عن مسألة منعهم من استراق ~~السمع ، فهم لا يملكون أية معرفة غيبية في ما قدره الله للناس في أمور ~~حياتهم مما قد يكون خيرا أو شرا. # * * * ### ||| ** مناقشة لبعض المناهج التفسيرية في مسألة الجن # وقد يحاول البعض من الناس تأويل هذه الظواهر الغيبية على أساس بعض ~~الموازين التجريبية التي استحدثها الناس ، أو على أساس اعتبارها حالة ~~تمثيلية أو تصويرية في أسلوب الأدب الرمزي ، لأنهم لا ينطلقون من موقع ~~الإيمان بالغيب في ما ينزله الله على رسله من الحديث عما لا يملك الناس ~~علمه ، لأنهم لا يملكون وسائل الوصول إليه ، وذلك من خلال الأفكار السابقة ~~التي يحملونها في تربيتهم الثقافية. # إن الإسلام يريد أن يربط الإنسان في تفكيره بالعقل تارة في ما يمكن أن ~~يدركه العقل ، وبالتجربة أخرى في ما يمكن أن تبلغه التجربة ولا يريد أن ~~يربطه بالمألوف والمحسوس ، لأن عدم الألفة في ms5265 ما هي الظاهرة ، أو عدم الحس ~~في ما يتحرك فيه الواقع ، لا يعني عدم الوجود ، لأن الوجود أوسع من ذلك في ~~ظواهره وفي خفاياه. فإذا أدرك العقل إمكان شيء وجاء الوحي الصادق بوقوعه ، ~~فلا بد من الإيمان به ، لأن الحقيقة قد استكملت وسائل الوصول إليها ، فلا ~~قيمة لما يرفضه الناس منها على أساس المعرفة السطحية التي لا PageV23P155 # تنفذ إلى العمق في وسائل المعرفة. وهذا هو أساس الإيمان بالغيب في مصادره ~~العقلية ، وفي مصادر الوحي الذي أكد العقل وجوده ، في تأملاته للحالة التي ~~يعيشها الرسول في ما يثبت رسالته. # * * * ### ||| ** في الجن صالحون وطالحون # ثم يتابع هؤلاء النفر من الجن الحديث عن طبيعة مجتمعهم من حيث الانتماء ، ~~فهناك الذين يندفعون إلى الإيمان من موقع القناعة المطمئنة المنفتحة على ~~الحقيقة المتصلة بالله ، وهناك الذين يبتعدون عن الحقيقة ، ويتبعون الهوى ، ~~ويستغرقون في ملذاتهم وشهواتهم ، فينحرفون عن خط الإيمان ، ويسيرون مع ~~الكفر والشرك في حياتهم ، كأي مجتمع آخر. # ( @QUR@03 وأنا منا الصالحون ) الذين عاشوا الصلاح فكرا وسلوكا من خلال ~~القاعدة الإيمانية التي أدركوا ثباتها على صعيد الحقيقة ، فتحركوا من ~~خلالها ليكون كل قول أو فعل أو علاقة مرتبطا بها ومشدودا إليها ، ومتفرعا عنها. # ( @QUR@03 ومنا دون ذلك ) ممن لم يلتزموا الصلاح كقاعدة للحياة ، بل ~~انطلقوا في خط الانحراف تماما كما هم الإنس الذين يختلفون في الخطوط ~~العقيدية والعملية. # ( @QUR@03 كنا طرائق قددا ) أي طرقا مختلفة مقطعة ، أي مذاهب مختلفة. وقد ~~لا يكون من الضروري أن يكون هؤلاء الصالحون من الذين آمنوا بالرسول ، فكان ~~صلاحهم من خلال ذلك ، فربما كانوا منفتحين على الصلاح قبل ذلك ، لأن هؤلاء ~~النفر الذين استمعوا إلى القرآن كانوا يتحدثون عن واقع المجتمع في PageV23P156 # دائرة الجن ليؤكدوا أن الجن لا يمثلون مجتمع الشر ، بل يمثلون المجتمع ~~المختلط الذي يشتمل على الخيرين ، كما يشتمل على الشريرين ، على خلاف ~~الفكرة الشائعة عنهم في ذلك ، ولو كان الأمر كما يظن الناس في أجواء ~~الشائعات ، لما كانوا موضعا للتكليف من قبل الله. # ( @QUR@011 وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ms5266 الأرض ولن نعجزه هربا ) فقد ~~عرفنا معنى الألوهية في معنى الله الذي يحيط بكل شيء علما ، ويهيمن على ~~الوجود كله ، فلا يغيب شيء عن علمه ، ولا يخرج شيء عن قدرته ، فإذا أراد ~~الله بنا شرا فلن نستطيع الخلاص منه ، ولن يعجز الله عنه ، ولن نتمكن من ~~الهروب من سلطته ، لأن أعماق الأرض ورحاب الفضاء جزء من ملكه ، فإلى أين ~~المفر وكيف الخلاص؟! # ومن خلال ذلك نفهم أن علينا الخضوع له في كل أوامره ونواهيه ، لأن ذلك ~~وحده هو سبيل النجاة من عقابه في الدنيا والآخرة. وإذا كان بعض الناس ~~ينحرفون عن هذا الخط ، فإنهم كانوا يعيشون الغفلة المطبقة على عقولهم التي ~~تبتعد بهم عن وعي الحقيقة الإيمانية التي تعرفهم مقام ربهم في الكون ، ~~وموقعهم منه في ضعفهم المطلق أمام القوة المطلقة لله. # ( @QUR@06 وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ) لأن وجداننا الصافي ، وفطرتنا ~~المنفتحة ، كانا الدليل على الهدى في العقيدة والشريعة والمنهج ، فلا مجال ~~لإنكاره ، لأنه لا مجال للريب فيه ، لا سيما وأن الهدى الديني التوحيدي لا ~~يمثل حالة فكرية تجريدية لا دخل لها بالحياة في مسألة المصير ، بل يمثل ~~الحالة المتصلة بالمصير كله في الدنيا والآخرة ، بحيث يتحرك الهدى والضلال ~~في دائرة النعيم الدائم ، والشقاء الخالد ، فكيف يمكن أن نعيش جو ~~اللامبالاة تجاه الرسالة وأن نواجه حالة العناد في حركتنا عندها لنتمرد ~~عليها ، كما يفعل المعاندون في خط الرسالات ، ( @QUR@06 فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ) أي نقصا ( @QUR@02 ولا رهقا ) أي PageV23P157 # ظلما ، لأن الله تكفل للمؤمنين بالرحمة والعدل والإحسان ، وعاهدهم على أن ~~لا يضيع عمل عامل منهم من ذكر أو أنثى ، فلا ينقص أحدا أجره ، ولا يظلم ~~عبدا حقه ، مما يجعل من مسألة الإيمان مسألة تتصل بالعلاقة العميقة بين ~~المؤمن وبين ربه ، في ما هي النتائج العظيمة على مستوى المصير السعيد في ~~رحاب الله في الدار الآخرة. # * * * ### ||| ** في الجن مسلمون وقاسطون # ( @QUR@03 وأنا منا المسلمون ) الذين أسلموا وجوههم لله ، فلم يلتفتوا ~~إلى غيره ، ( @QUR@02 ومنا القاسطون ) وهم الجائرون العادلون عن الحق ، ( ~~@QUR@05 فمن أسلم ms5267 فأولئك تحروا رشدا ) لأن الإسلام في معناه العميق يفتح ~~الإنسان بكل آفاقه على الله ، فلا يبقى له أفق مفتوح على غيره ، ولا إرادة ~~له إلا الإرادة الخاضعة لإرادة الله. ولذلك كانوا المصدقين بالرسالات ، ~~التابعين للرسل ، السائرين في الخط المستقيم الذي يبدأ من الله وينتهي إليه ~~، ويؤدي بهم في نهاية المطاف إلى الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين ، ~~هذا بالإضافة إلى ما في الإسلام ، كدين شامل ، من مضمون فكري وروحي وعملي ، ~~يطل على واقع الإنسان كله ، من موقع التوازن الذي يرعى كل جوانبه وكل ~~تطلعاته ، بحيث لا يشعر بالغربة معه في كل مفرداته الفكرية والشرعية ، وهذا ~~هو الرشد الذي تحراه هؤلاء المسلمون في سعادة الدنيا والآخرة. # وقد نستوحي من كلمة ( @QUR@01 تحروا ) أن وصولهم إلى هذه النتيجة في ~~قناعاتهم الإيمانية في ما أسلموا به حياتهم لله ، لم يكن حالة انفعالية ~~ناشئة من PageV23P158 # تأثير البيئة المحيطة بهم ، أو من الخضوع الغريزي للتاريخ العاطفي المتصل ~~بآبائهم وأجدادهم ، بل كان حالة إرادية واعية ناشئة من البحث والتطلع إلى ~~كل الاحتمالات المتنوعة في أذهانهم ، وإلى كل الأفكار المطروحة في واقع ~~الحياة ، ليكون الاختيار من موقع القناعة المرتكزة على التأمل العميق ، ~~والتفكير الواسع. وهذا ما يتصف به المسلمون الذين يحملون مسئولية الانتماء ~~قبل أن يختاروا الإسلام كعقيدة ومنهج حياة ، كما يحملون مسئوليته بعد ذلك ~~ليحافظوا عليه في أنفسهم وفي المجتمع الذي يلتزمون فيه خط الدعوة من أجل ~~هدايته إليه. # ( @QUR@02 وأما القاسطون ) الجائرون العادلون عن الحق ، الذين ابتعدوا عن ~~الله ، وأسلموا حياتهم كلها للشيطان ، ليعبث فيها ما شاءت له الشيطنة أن ~~يعبث ، وليبتعد بالإنسان عن الإيمان بالرسالات ، وليدفعه إلى التمرد على ~~الله وعلى رسله ، ( @QUR@03 فكانوا لجهنم حطبا ) لأن ذلك هو الجزاء العادل ~~للكافرين الذين أقام الله عليهم الحجة في مسألة الإيمان ، فتمردوا عليها ~~وساروا في خط الضلال ، وهذه هي مشكلة الذين عاشوا في حياتهم عقلية الخضوع ~~للآخرين في التلاعب بوجودهم وبأفكارهم ومشاعرهم ، مما جعلهم يعيشون الذهنية ~~الحطبية التي تجعلهم وقودا لكل نار يريد الآخرون أن يشعلوها ليحرقوا ms5268 بها ~~خصومهم ، أو ليحرقوهم بها في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا # ( @QUR@05 وأن لو استقاموا على الطريقة ) الحقة في ما تخطط له شريعة الله من PageV23P159 # التشريعات التي تحدد للناس حقوقهم وواجباتهم فلا يطغى أحد في حقوقه ، ولا ~~يضيع في واجباته ، وفي ما تثيره العقيدة في أسلوبها التربوي الإيحائي من ~~اختلاف وروحيات وأفكار تجعل من الإنسان المسؤول عن الحياة ، فلا يحاول أن ~~يسيء إليها أو يفسد فيها أو يبتعد بها عن الخط الذي أراد الله لها أن تسير ~~فيه ، سواء في ذلك في علاقته بالأرض والإنسان والحيوان ، أو بكل المفردات ~~التي تقع في نطاق مسئوليته. وهذا ما يفرض انفتاح الحياة في حركة الإنسان ~~على الخير كله ، لأن الاستقامة على الخط ، تفرض توجيه الطاقات كلها نحو ~~البناء لا الهدم ، والخير لا الشر ، والحياة لا الموت ، مما يجعل الخير ~~يتحرك في الإنسان ، كما هي الأمطار وكما هي الينابيع ، في هطولها على الأرض ~~الميتة لتحييها ، وفي تفجرها في رحاب الوديان والسهول لتبعث فيها الخضرة ~~والرخاء العميم. وهذا هو قول الله سبحانه : ( @QUR@03 لأسقيناهم ماء غدقا ) ~~أي كثيرا ، وهو على الظاهر وارد على سبيل الكناية تعبيرا عن الرخاء والسعة ~~في الرزق ، باعتبار أن الماء هو الأساس في ذلك كله. # وهذا هو التلازم بين الاستقامة وبين الرخاء ، وهو الذي يريد القرآن ~~تأكيده في وعي الإنسان ، على أساس أن ذلك هو الوضع الطبيعي الذي يفرضه ~~اتجاه الطاقات في مجراها العادي الذي يملأ الحياة خيرا وبركة ، بينما يتمثل ~~الانحراف في ابتعاد الطاقات عن النتائج الطيبة لتحل محلها النتائج الخبيثة ~~البعيدة عن مصلحة الإنسان. # وخلاصة ذلك ، أن خراب الحياة وعمرانها بيد الإنسان ، فإذا أخلص لله فيها ~~على منهاجه كانت الحياة جنة الله على الأرض ، وإذا سار بعيدا عن منهاج الله ~~، وانحرف عن خطه ، تحولت الحياة عنده إلى جحيم من الشقاء ، في ما ينتجه من ~~الحروب والدمار والفساد. # ( @QUR@02 لنفتنهم فيه ) لأن الرضى كما يمثل النعمة التي أنعم الله بها ~~على الناس ، PageV23P160 # فإنه يمثل الفتنة التي يختبر فيها عباده ms5269 ، هل يشكرونه عليها ليزدادوا ~~إيمانا وعملا ، أم يكفرون بها ليبتعدوا عن مواقع الإيمان والطاعة والرخاء؟! # ( @QUR@05 ومن يعرض عن ذكر ربه ) في ما يمثله الذكر من الشعور بحضور الله ~~في حياته ، أو من المراقبة الروحية التي تمنعه عن العصيان في فعل المحرمات ~~وترك الواجبات ، ( @QUR@03 يسلكه عذابا صعدا ) أي شديدا ، لأن هذا الإعراض ~~يؤدي به إلى الإعراض عن طاعة الله في أوامره ونواهيه ، مما يقتضيه الوقوع ~~في دائرة غضب الله وسخطه. # * * * PageV23P161 ### ||| * الآية # ( @QUR@08 وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) (18) # * * * ### ||| ** المساجد لله # ربما كان هذا من تتمة كلام الجن في ما يريدون أن يعبروا به عن توحيد الله ~~، وربما كان من كلام الله الذي يتدخل في هامش القصة ليقرر للناس هذه ~~الحقيقة. # ( @QUR@03 وأن المساجد لله ) الظاهر أن المراد بالكلمة الأمكنة التي ~~يتخذها الناس أمكنة للعبادة في ما اصطلح عليه في الإسلام باسم المساجد ، ~~فلا مجال لمشاركة غير الله فيها ، لأن طبيعة العبادة من مختصات الله الذي ~~لا بد للناس من أن يوحدوه في العقيدة ، ( @QUR@05 فلا تدعوا مع الله أحدا ) ~~فلا ترفعوا فيه إلا اسمه ، بكل الأساليب التي تتمثل فيها الأسماء والأوضاع ~~التي قد يستعملها الناس فيمن يحبونه أو يقدسونه ، فيرتفعون به إلى مستوى ~~قريب من مستوى المثالية ، PageV23P162 # إلى بعض الصفات التي ترتفع عن المستوى البشري ، أو بالقيام ببعض الطقوس ~~المشابهة لطقوس عبادة الله ، مما يجعل الدعوات تتجه إلى هؤلاء كما تتجه إلى ~~الله بطريقة قد لا تحمل في داخل العقيدة معنى الألوهية ، ولكنها تستغرق في ~~أجوائها. # وهناك رواية تتجه بالآية اتجاها آخر ، وذلك بأن يكون المراد بالمساجد ~~مواضع السجود ، وهي أعضاء السجود التي يسجد عليها وهي : الجبهة والكفان ~~والركبتان وأصابع الرجلين ، وهي الرواية المروية عن الإمام محمد الجواد ~~عليه السلام عند ما سأله المعتصم عن السارق من أي موضع يجب أن يقطع؟ فقال : ~~«إن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع ، فيترك الكف ، قال : وما ~~الحجة في ذلك؟ قال : قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : السجود على سبعة ~~أعضاء ms5270 : الوجه واليدين والركبتين والرجلين ، فإذا قطعت يده من الكرسوع (1) ~~أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها ، وقال الله تبارك وتعالى : ( @QUR@03 ~~وأن المساجد لله ) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ( @QUR@05 ~~فلا تدعوا مع الله أحدا ) وما كان لله لا يقطع ، قال الراوي : فأعجب ~~المعتصم ذلك ، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف» (2). ونقل ~~ذلك أيضا عن سعيد بن جبير والفراء والزجاج ، وعلى هذا فيكون المعنى أن ~~أعضاء السجود تختص بالله تعالى فاسجدوا بها له لا لغيره ، ولكن هذه الرواية ~~ضعيفة السند ، فلا حجة فيها. # * * * PageV23P163 ### ||| * الآيات # ( @QUR@010 وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) ~~@QUR@08 قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) @QUR@08 قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا (21) @QUR@012 قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من ~~دونه ملتحدا (22) @QUR@016 إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) @QUR@011 حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ) (24) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لبدا ): اللبد بالكسر فالفتح جمع لبدة بالضمة فالسكون : ~~المجتمعة المتراكمة. # ( @QUR@01 يجيرني ): إعطاء الجوار. وحكمه : حماية المجير للجار ، ومنعه ~~ممن يقصده بسوء. # ( @QUR@01 ملتحدا ): اسم مكان ، وهو المكان الذي يعدل وينحرف إليه ~~للتحرز من الشر. وقيل : المدخل. # * * * PageV23P164 ### ||| ** لا أملك لكم ضرا ولا رشدا # ( @QUR@05 وأنه لما قام عبد الله ) وهو رسول الله ( @QUR@01 يدعوه ) أي ~~يدعو به في صلاته أو في غيرها ( @QUR@04 كادوا يكونون عليه لبدا ) أي كان ~~المشركون يتجمعون حوله جماعات جماعات ، تماما كما هي اللبد الطبقات ~~المتجمعة المتراكمة ، ليوقعوا الأذى به في إنكارهم عليه ، على أساس أن يكون ~~هذا من قول الجن لقومهم في ما شاهدوه من سلوك المشركين العدواني ضد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم . # أما إذا كان قولا ابتدائيا من الله ، فيمكن أن يكون حكاية عن الجن في ~~اندفاعهم والتصاق بعضهم ببعض عند سماعهم القرآن ، كما يمكن أن يكون حكاية ~~عن المشركين ، والله العالم. # ( @QUR@04 قل إنما أدعوا ربي ) فهو المقصد لكل داع ms5271 في كل ابتهالاته ~~الروحية ، وفي حاجاته العامة والخاصة ، لأنه المهيمن على الأمر كله ، فلا ~~أمر لغيره معه ، ( @QUR@04 ولا أشرك به أحدا ) لأن كل الذين يزعمهم الناس ~~شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فلا معنى لاعتبارهم آلهة على أي ~~مستوى من ذلك. # ( @QUR@08 قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) في ما يمكن أن يحصل لكم من ~~ضرر أو نفع ، لأنني بشر مثلكم لا أملك أية قدرة بعيدا عن قدرة البشر ، فلا ~~أتميز عنكم بشيء ، فلست أتقدم إليكم من موقع القدرات الخارقة المعجزة التي ~~تضغط عليكم بطريقة غير عادية ، وليس من شأن الأنبياء أن يكونوا كذلك ، لأن ~~مهمتهم لا تفرض عليهم هذا المستوى من القوة المادية الخارقة. # ( @QUR@07 قل إني لن يجيرني من الله أحد ) إذا أراد الله بي سوءا في أي ~~موقع من مواقع الحياة ، ( @QUR@05 ولن أجد من دونه ملتحدا ) أي مكانا ~~منغلقا أحترز به من عقوبته ، أو أجد فيه مفرا من قدرته. # * * * PageV23P165 ### ||| ** المهمة الموكولة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم # ( @QUR@05 إلا بلاغا من الله ورسالاته ) فهو الملجأ الذي ألجأ إليه لأكون ~~قريبا من رحمته ، فهذه هي الفرصة الوحيدة للنجاة من عقابه والحصول على ~~ثوابه ، وهذه هي مهمتي الأولى والأخيرة التي كلفني بها لأؤديها بالوسائل ~~البشرية التي أملكها في قدراتي الخاصة ، بالأساليب الحكمية التي تفتح ~~عقولكم على أفكارها ، وقلوبكم على مواقع الشروق الروحي فيها. # وإذا كانت هذه هي المهمة الموكولة إلي من الله ، فلا خيار لي إلا أن أقوم ~~بها من موقع المسؤولية الملقاة على عاتقي ، ليبقى لكم بعد ذلك اختيار السير ~~معي في خطها المستقيم ، والاستسلام لله في رحاب طاعته وفي مواقع رضاه ، ~~فذلك وحده هو الذي يدخلكم جنته ويخلصكم من عقابه ، لأنه الملجأ الوحيد لكم ~~، كما كان البلاغ الذي يمثل معنى الطاعة في موقفي هو الملجأ الوحيد لي ~~للقوة وللنجاة. # * * * ### ||| ** جزاء العاصين # ( @QUR@04 ومن يعص الله ورسوله ) وينحرف عن خط رسالاته ، ويتمرد على ~~أوامره ونواهيه ( @QUR@07 فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) جزاء على ذلك. # ( @QUR@05 حتى إذا رأوا ms5272 ما يوعدون ) يوم القيامة ( @QUR@01 فسيعلمون ) في ~~مشاهد القيامة التي لا يملك أي واحد منهم أي موقع للقوة مما كانوا ~~يستعرضونه في الدنيا في مواجهتهم للأنبياء ، في كثرة العدد ، وسعة الجاه ، ~~( @QUR@05 من أضعف ناصرا وأقل عددا ) عند ما يقف الرسول والمؤمنون معه في ~~ذلك الموقف العظيم ، وهم في الموقع الكبير من القوة التي ينطلقون فيها من ~~نصر الله الذي هو كل شيء بالنسبة إلى عباده المؤمنين. # * * * PageV23P166 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) @QUR@07 ~~عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) @QUR@013 إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) @QUR@013 ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أمدا ): الغاية التي ينتهي إليها الشيء. # ( @QUR@01 يظهر ): الإظهار : الإعانة والتسليط. # ( @QUR@01 رصدا ): الرصد : المراقب للأمر ، الحارس له. والرصد : الراصد ~~، يطلق على الواحد والجماعة ، وهو في الأصل مصدر. # * * * PageV23P167 ### ||| ** الغيب من اختصاص الله # ( @QUR@06 قل إن أدري أقريب ما توعدون ) من أمر الآخرة التي تواجهون فيها ~~الموقف الحاسم بين يدي الله ( @QUR@05 أم يجعل له ربي أمدا ) أي غاية ينتهي ~~إليها في ما يعلمه من غيب الآخرة ( @QUR@02 عالم الغيب ) الذي يملك معرفة ~~الغيب كله ، كما يملك معرفة الحس كله لأنه هو الخالق لذلك ، فلا يغيب عنه ~~من أمر خلقه شيء ، ولا غيب بالنسبة إليه ، بل هو الحضور المطلق في كل ~~الأشياء بدقائقها الخفية والظاهرة. # ( @QUR@05 فلا يظهر على غيبه أحدا ) من خلقه ، لتكون لهم المعرفة الغيبية ~~في ما يريد الله أن يختص به من علم الدنيا والآخرة مما لا يملك الناس وسائل ~~معرفته. # ( @QUR@05 إلا من ارتضى من رسول ) فإنه يلقي إليه بالوحي الذي هو من عالم ~~الغيب ، كما يلقي إليه ما يتوقف عليه من الأمور التي قد يحتاج إليها في أمر ~~الرسالة. ولكن هل يجعل لديه ملكة العلم بالغيب ، حتى إذا أراد علم شيء علمه ~~، أو يحدد له بعض الأشياء بشكل خاص تفصيلي ، أو يلهمه علم ما يحتاج إليه في ~~بعض حالات الضرورة أو ms5273 التحدي؟ # هناك وجوه عديدة في المسألة ، وقد يأخذ بكل وجه قائل معين ، ولكن الظاهر ~~من الآيات القرآنية أن المسألة ليست مسألة ملكة في داخل شخصية الرسول ، بل ~~هي علم من ذي علم ، يحدد الله له فيها خصوصيته في نطاق الرسالة لا في نطاق ~~الذات. ولعل أبلغ آية دالة على ذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@010 ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) [الأعراف : 188] ، مما يوحي ~~بأن النبي لا يملك علم الغيب الذي يقيه من مكاره الدهر من مرض أو PageV23P168 # بلاء ونحوهما ، أو الذي يطلعه على مواقع الخير ، لأنه لو كان كذلك ~~لاستطاع أن يتفادى السوء عن نفسه ، أو يجلب الخير لها ، وليس معنى ذلك أن ~~النبي ليس في مستوى المعرفة الغيبية في ما يمكن أن يمنحه الله من ملكاته ~~القدسية وفيوضاته الربانية ، ولكن قد لا تكون لذلك أية ضرورة في ما هي ~~المهمة الموكولة إليه التي يراد من خلالها تأكيد عنصر البشرية فيه ، بما لا ~~يتنافى مع طبيعة رسالاته ، ولا يعتبر مخالفا لصفة الكمال العملي والروحي في ~~ما ينبغي أن تتصف به شخصيته كنبي مرسل ، لأن الكمال في هذا المجال من ~~الأمور النسبية في الدائرة البشرية من خلال القدرات الطبيعية فيها ، فلا بد ~~من ثبوت أية صفة غير بشرية من خلال النصوص القطعية التي تثبت ذلك ، لنؤمن ~~بها في هذه الدائرة الخاصة. # وقد يلاحظ المتأمل في القرآن أن الآيات تؤكد دائما على جانب الوحي كفارق ~~بين الناس وبين النبي ، كما تثير مسألة عجزه الذاتي عن القيام بكل الأمور ~~الخارقة للعادة في غير النطاق المحدود للمعجزة في طبيعتها القريبة من مواقع ~~التحدي الذي يجتذب ذلك ، للمحافظة على شخصية الرسالة وفاعليتها في المجتمع. ~~كما أن هناك نقطة مهمة في سيرته ، وهي أنه لم يعهد عنه التحدث بالمغيبات في ~~مجتمع المسلمين في ما يتعلق بشؤونهم العامة والخاصة لأن رسالته لم تحتج إلى ~~ذلك ، خلافا لما أخبر به القرآن عن عيسى عليه السلام . # * * * ### ||| ** رعاية الله لرسوله # ( @QUR@08 فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ms5274 رصدا ) ربما كان هذا شاهدا على ~~أن الغيب الذي يظهر الله رسوله عليه هو الوحي الذي يمثل حالة غيبية بلحاظ ~~طبيعته وطبيعة الملائكة الذين ينزلون به ، وطبيعة الأجواء المحيطة بذلك كله ~~، وبعض المفاهيم القرآنية المتصلة بالغيب في ما يتصل بالدنيا والآخرة. وهذا PageV23P169 # هو الذي يضع الله له الرصد الذي يحفظه من بين يديه ومن خلفه لحمايته من ~~الضياع ومن التحريف ومن الخطأ ، ليكون ذلك أساسا في الرقابة الدائمة التي ~~تحمي الرسول في وعيه للرسالة ، وقدرته على إبلاغها ، وتحمي الرسالة من كل ~~زيادة أو نقصان أو تحريف في ما يمكن أن يعرض لها من الطوارئ والعوارض ~~المتنوعة في ذلك كله. # ( @QUR@06 ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) في ما تثيره كلمة العلم من ~~ظهور ذلك باعتباره سببا من أسباب العلم العادي للأشياء ، لا بمعنى توقف علم ~~الله على ذلك ( @QUR@03 وأحاط بما لديهم ) في ما يملكونه في داخلهم وفي ~~خارج حياتهم ، مما يتصل بهم أو يحيط بأوضاعهم المتصلة بحركتهم في حركة ~~الرسالة ( @QUR@04 وأحصى كل شيء عددا ) في ما يحصيه الله من أعمال رسله بكل ~~مفرداتها الجزئية والكلية ، وبكل الحالات النفسية التي يعيشها هؤلاء الرسل ~~، وبكل المواقف الجادة في ساحة الدعوة أو في ساحة الجهاد. # وهكذا نرى أن الله يرعى رسوله ويراقبه ويحيط بما لديه ، ويحصي كل شيء ~~عليه ، في ما يوحي به ذلك من معنى المسؤولية في كل حياة الرسول المتصلة ~~برسالته في مواقفه الرسالية ، وفي نوازعه الذاتية ، لنستوحي منها الرقابة ~~الدائمة على الدعاة إلى الله ، التابعين للرسول في خط الدعوة ، والسائرين ~~على خطه في خط الجهاد في سبيل الله. # وقد فسر بعض المفسرين الآية بمعنى آخر ، فقد جاء في مجمع البيان أن ~~«الرصد الطريق ، أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء والسلف وعلم ~~ما يكون بعده طريقا» (1). وما ذكرناه أقرب إلى الجو العام للسياق في ~~السورة والله العالم. # وقد ذكر في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 وأحصى كل شيء عددا ) أن المراد به PageV23P170 # لا يختص بما يتعلق بالرسول ، بل يشمل كل ms5275 شيء ، فالله قد «أحصى ما خلق ~~وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر والخردل» (1)، وهذا ما ~~رووه عن ابن عباس ، وقيل : «عد جميع المعلومات المعدومة والموجودة عدا فعلم ~~صغيرها وكبيرها ، وقليلها وكثيرها ، وما يكون ، وما لا يكون ، وما كان وما ~~لم يكن ، وغير ذلك من الوجوه التي قد تكون مقصودة ، وقد يكون المقصود جميع ~~الأشياء بحيث يشمل الوجوه كلها. # وهكذا تطوف بنا هذه السورة في أكثر من موضوع ، وفي أكثر من حقيقة إيمانية ~~، مما يمنحنا التحديد لكثرة من المفاهيم الإسلامية حول عدد من القضايا ~~المرتبطة بالعقيدة والوجود وحركة الرسالة في الحياة. # * * * PageV23P171 ### | سورة المزمل ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها عشرون PageV23P173 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية هي من إحدى السور الأولى النازلة على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات الدعوة ، لتشد عزيمته على مواجهة المصاعب ~~التي تفرضها الظروف القاسية في طريق الدعوة ، وذلك من خلال التعبئة الروحية ~~التي تتمثل في قيام الليل وقراءة القرآن وذكر الله ، ليكون اللقاء بالله ~~وسيلة من وسائل الشعور العميق بالحضور الإلهي في وجدانه ، مما يجعله في ~~مستوى الإحساس بالقوة أمام الناس الذين يحاولون زرع الخوف في نفس الداعية ~~بما يثيرونه في حياته من التهاويل المرعبة ، ومن الاتهامات الباطلة ~~بالكلمات غير المسؤولة التي يراد منها إسقاط روحه وإضعاف عزيمته. # وفي هذا الجو ، يطلق الله التهديد للمكذبين أولى النعمة الذين طغت بهم ~~نعمتهم في المال والجاه ، فدفعتهم إلى الضلال والإضلال ، ويؤكد الله لهم ~~أنه لن يهملهم طويلا ، وبذلك كانت هذه السورة من السور التي تريد أن تفتح ~~قلوب الناس على الله ، ليتذكروا مقامه وموعد الوقوف بين يديه ، ليدفعهم ذلك ~~إلى السير على الخط المستقيم. PageV23P175 # وقد كان اسم «المزمل» الذي هو عنوان السورة مأخوذا من الآية الأولى التي ~~بدأ بها الخطاب للنبي بهذا العنوان الذي يوحي بطبيعته بالاسترخاء والنوم ، ~~فكانت السورة بمثابة هزة روحية رسالية من أجل أن ينطلق للقيام بين يدي الله ~~في الليل لعبادته واستلهام القوة منه ، وللدعوة إلى دينه ، وللصبر على ~~نتائج ذلك ms5276 في ما يحدث له من مشاكل وتحديات من المجتمع الكافر المشرك الذي ~~يواجهه بكل قسوة. # * * * PageV23P176 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 يا أيها المزمل (1) @QUR@04 قم الليل إلا قليلا (2) @QUR@05 ~~نصفه أو انقص منه قليلا (3) @QUR@06 أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) ~~@QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) @QUR@08 إن ناشئة الليل هي أشد وطئا ~~وأقوم قيلا (6) @QUR@06 إن لك في النهار سبحا طويلا (7) @QUR@06 واذكر اسم ~~ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) @QUR@09 رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المزمل ): بتشديد الزاي والميم ، وأصله المتزمل ، اسم فاعل من ~~التزمل بمعنى التلفف بالثوب لنوم ونحوه. # ( @QUR@02 ورتل القرآن ): ترتيل القرآن : تلاوته بتبيين حروفه على ~~تواليها. وقد يكون المراد هنا بترتيل القرآن ترتيله في الصلاة ، أو المراد ~~به الصلاة نفسها ، حيث عبر سبحانه وتعالى عن الصلاة بنظير هذا التعبير ، ~~كما في قوله : ( @QUR@014 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) [الإسراء : 78]. # ( @QUR@01 ثقيلا ): الثقل : كيفية جسمانية ، من خاصته أنه يشق حمل الجسم PageV23P177 # الثقيل ونقله من مكان إلى مكان. وربما يستعار للمعاني ، إذا شق على النفس ~~تحملها أو لم تطقها. فربما أضيف إلى القول من جهة معناه ، فعد ثقيلا لتضمنه ~~معنى يشق على النفس إدراكه ، أو لا تطيق فهمه ، أو تتحرج من تلقيه ، كدقائق ~~الأنظار العلمية إذا ألقيت على الأفهام العامة ، أو لتضمنه حقائق يصعب ~~التحقق بها ، أو تكاليف يشق الإتيان بها والمداومة عليها ، على ما في ~~الميزان (1). # ( @QUR@01 ناشئة ): إما مصدر كالعاقبة والعافية بمعنى النشأة وهي الحدوث ~~والتكون ، وإما اسم فاعل من النشأة مضاف إلى موصوفه. # ( @QUR@01 سبحا ): المشي السريع في الماء ، والسبح الطويل في النهار : ~~كناية عن الغور في مهمات المعاش وأنواع التقلب في قضاء حوائج الحياة. # ( @QUR@01 وتبتل ): التبتل : الانقطاع إلى الله. وفي مرويات الأئمة ~~عليهم السلام أن التبتل هو رفع اليد إلى الله والتضرع إليه. # ( @QUR@01 تبتيلا ): مفعول مطلق ظاهرا. وكان مقتضى الظاهر أن يقال : ~~وتبتل إليه تبتلا ، فالعدول إلى التبتيل ، قيل : لتضمين تبتل معنى بتل ، ~~والمعنى : وقطع نفسك من غيره إليه تقطيعا ، أو ms5277 احمل نفسك على رفع اليد إليه ~~والتضرع حملا ، وقيل : لمراعاة الفواصل (2). # ( @QUR@01 وكيلا ): الوكيل : هو من يقوم مقام النفس ، بحيث تقوم إرادة ~~الوكيل مقام إرادة الموكل ، وعمله مقام عمله ، فاتخاذه تعالى وكيلا هو أن ~~يرى الإنسان الأمر كله له وإليه تعالى. # * * * PageV23P178 ### ||| ** قيام الليل تمهيدا للمواجهة # ( @QUR@03 يا أيها المزمل ) التزمل هو التلفف بثوب في حالة النوم ونحوه ، ~~وهو كناية عن القعود والاسترخاء في أجواء الوضع الذاتي الذي يدفع الإنسان ~~للاتقاء من الحر أو البرد ، وللسكون في مواقعه حذرا مما قد يحدث له من ~~مشاكل وأحداث. وقد جاء هذا النداء ، وما يتبعه من الخطاب ، في بداية الوحي ~~للإيحاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الوقت قد حان للانطلاق بعيدا عن ~~مواقع الهدوء في الحركة أو الإخلاد للراحة ، لأن الرسالة تفرض الدخول إلى ~~ساحة المواجهة في خط الصراع مع المشركين. # ( @QUR@09 قم الليل إلا قليلا* نصفه أو انقص منه قليلا ) في عبادة الله ~~التي تعيش هدوء الليل الساجي الذي تصفو فيه الروح ، ويرق القلب ، ويشرق ~~الفكر ، ويتروح الإحساس ، فترتفع الروح إلى الله في لقاء روحي خاشع يشد ~~الإنسان إلى ربه ، فيلتقي بمواقع رحمته ومواضع رضاه ، وينفتح على الإحساس ~~بالقوة بفضل الارتباط بالله صاحب القوة المطلقة التي هي من صفات الله ، ~~وهذا ما يشعر كل المتعبدين له ، والخاشعين له ، والمرتبطين بمواقع القرب في ~~دينه ، بأنهم في مركز القوة الكبير لاعتمادهم على مصدر القوة لكل شيء يوحي ~~بالقوة في الدنيا على مستوى الوجود كله. # وقد كانت المهمة أن يقوم نصف الليل على أن تكون كلمة ( @QUR@01 نصفه ) ~~بدلا من الليل ، أو ينقص منه شيئا ، تبعا للحالة الصحية أو نحوها التي تفرض ~~عليه الحاجة إلى الراحة بالنوم وغيره ، ( @QUR@03 أو زد عليه ) إذا وجد ~~نشاطا في جسده ، وعزيمة قوية في روحه ليتجاوز نصف الليل في حركة العبادة ، ~~لأن الله يريد للإنسان أن يعبده في نشاط الجسد وإقبال القلب وحيوية الروح ، ~~حتى لا تتحول العبادة إلى عبء ثقيل متعب ، أو حالة جامدة لا تتجاوب الروح ~~معها ، ولعل هذا ما جعل ms5278 المسألة تقف عند نصف الليل أو تنقص منه ، أو ~~تتجاوزه. PageV23P179 # ( @QUR@03 ورتل القرآن ترتيلا ) سواء في الصلاة أو في غيرها ، لأن قراءة ~~القرآن تدخل في المنهج التربوي الإسلامي الذي يريد الله من خلاله للإنسان ~~المسلم أن يرتبط بالوحي في مفاهيم العقيدة والشريعة ، وفي حركة الدعوة ~~والجهاد ، ليصوغ ذاته صياغة إسلامية كاملة ، بحيث لا يكون في داخله شيء ~~لغير الإسلام ، ولا يكون ذلك إلا بالاستغراق في كل أجواء الوحي وآفاق ~~العبادة ، ليرتفع به الوحي إلى رحاب الله في حركة الوجود من حوله ، وتطوف ~~به العبادة في أجواء الروح التي تحلق نحو الله لتلتقي به ، في عروجها إليه ~~من خلال المعرفة الواعية المنفتحة على كل صفات الكمال والجلال والجمال في ذاته. # والمراد بترتيل القرآن تلاوته بتبيين حروفه ، وذلك بمد الصوت به وتجويده ~~بطريقة خاشعة متوازنة لا تحمل أجواء التغني ، ولا ميوعة التنغيم. # وقد جاء في الدر المنثور : «أخرج العسكري في المواعظ عن علي عليه السلام ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قول الله : ( @QUR@03 ورتل القرآن ~~ترتيلا ) قال : بينه تبيينا ولا تنثره نثر الدقل ، ولا تهذه هذ (1) الشعر ، ~~قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة» (2). # وجاء فيه : «أخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال : سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أي الناس أحسن قراءة؟ قال : الذي إذا سمعته يقرأ رأيت ~~أنه يخشى الله» (3). # وعلى ضوء ذلك ، تؤكد التربية الإسلامية في قراءة القرآن على القراءة ~~الهادئة الحلوة الخاشعة التي تفسح المجال للكلمة أن تنغرس في القلب ، ~~وللفكرة أن تتعمق في الوجدان ، وللخشوع أن يهز الكيان كله ، حتى ليحس PageV23P180 # الإنسان بالجنة أمام عينيه في الآيات التي تتحدث عن الجنة ، وبالنار ~~تقترب من وجهه حتى لتكاد تلفحه في حرارتها ، في الآيات التي تتحدث عن النار ~~، كما يلتقي بالله في استغراقه في معنى الألوهية في ذاته ليعيش في آفاق ~~معاني رحمته وغضبه وقوته وجبروته ولطفه وعظمته ، ليتمثل حضوره في كل روحه ~~وقلبه وشعوره ، وتتحول العقيدة عنده إلى ms5279 جزء من حركة الذات في الفكر ~~والإحساس .. وهذا ما يمكن أن يوحي به الترتيل الذي يقف بك عند كل كلمة ، ~~ويطوف بك في كل إيحاء ، وينطلق بك في كل المعاني التي تتسع آفاقها في معنى ~~الحياة ، فتتجاوز مدلول الكلمات. # * * * ### ||| ** إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # ( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) وهو القرآن الذي يحمل في داخله كل ~~مفاهيم الرسالة وخطوطها الفكرية والعملية في الحياة ، مما يدفع الإنسان إلى ~~الالتزام في دائرة المسؤولية التي تثقل عليه من خلال تحويل الحياة في ~~وجدانه الحركي ، من ساحة للاسترخاء واللامبالاة والسكون والحرية الغارقة في ~~بحار الشهوات ، والمتخبطة في وحول الجريمة ، إلى ساحة للدعوة إلى تصحيح ~~الفكر واستقامة القصد ، ووضوح الهدف ، وطهارة الوسائل ، وتنظيم الحياة ، ~~وتوجيه الإنسان نحو القضايا الكبيرة التي تلتقي برضى الله في مواقع رحمته ~~وحكمته في الدنيا والآخرة. # على ضوء ذلك ، فإن القول الثقيل لا يتمثل في الثقل المادي كما توحي بعض ~~الروايات التي تعبر عن الضغط والتأثيرات الشديدة التي كان يتعرض لها النبي ~~في جسده عند نزول الوحي عليه ، بل يتمثل في ثقل المسؤولية التي PageV23P181 # تضغط على كل الواقع الإنساني لتدفعه إلى الالتزام الفكري والعملي الذي ~~يقف عند حدود الله فلا يتجاوزها ، ويتحمل ثقل الأعباء الملقاة على عاتق ~~الإنسان المسلم الذي يواجه التحديات من موقع الإيمان الرسالي الذي يثبت في ~~كل حالات الاهتزاز الروحي الهادف إلى إسقاط الواقع من حوله. # وهذا ما يحتاج إلى التربية الطويلة ، والمعاناة الشديدة ، والقوة الروحية ~~التي ترتفع بالإنسان إلى الآفاق الواسعة ، فلا تضيق به مشكلة ، ولا تضعفه ~~مصيبة ، ولا تخنقه عقدة ، ولا يثيره انفعال ، ليكون إنسان الفكر الهادىء ، ~~والعاطفة المتزنة ، والحركة العاقلة ، والواقع المتوازن ، والكلمة الحلوة ~~الهادئة ، لأن الرسالة لا تنمو في عقل الإنسان إلا من خلال الشخصية ~~الإنسانية التي تجمع ذلك كله. # وتلك هي قيمة القيام بالليل الذي يملأ الروح بالصفاء والنقاء والهدوء ~~والاتزان العقلي والروحي ، عند ما يتكرر لقاء الإنسان بربه في أجواء الليل ~~الذي يحول الظلام من حالة تثقل الروح بسوادها إلى حالة تبعث ms5280 الصفاء في ~~الروح من خلال الاسترخاء الذي يبعثه في مشاعرها ، فيدفعها إلى الهدوء في ~~الحركة والفكر ، كما يوحي له بارتفاع مستوى الإحساس بالقوة التي يستمدها من ~~صلته بالله. # * * * ### ||| ** الروحانية الصادقة الصافية في الليل والنهار للعمل # ( @QUR@08 إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ) الظاهر أن المراد ~~بكلمة ( @QUR@02 ناشئة الليل )، ما ينشأ من الليل بعد العشاء ، كما قيل ، ~~وهي كناية عن صلاة الليل التي تندمج في الزمن لتحمل للإنسان معناها الروحي ~~والعملي ، نتيجة الجهد الكبير والمشقة الشديدة بسبب سهر الليل ، والتمرد ~~على حاجة النفس للنوم والراحة والاسترخاء الهادىء ، وبذلك كانت أشد وطئا ~~وتأثيرا على الجسد ، من أية PageV23P182 # صلاة أخرى ومن أي عمل آخر. وإذا كان الليل هو زمن الصفاء والهدوء عند ما ~~تخلد كل الموجودات الحية للراحة ، ويبسط الظلام ظله على الأرض ليمنحها ~~الاستغراق في الاسترخاء الهادىء ، فإن الكلمة عند ما تتحرك فيه من بين ~~الشفتين ، تمثل العذوبة والحلاوة والروحانية والصفاء والنقاء التي تفتح ~~النفس على الحقيقة ، فلا يشوبها غموض ولا تعقيد ، ولا يقترب منها الباطل ، ~~وبذلك تكون أقوم في المعنى ، وفي الجو وفي الحركة ، لأنها لا تنطلق من بين ~~الضجيج ، بل تتحرك من عمق الهدوء الذي يمنح الفكر انطلاقه وانفتاحه وعمقه ~~وامتداده في الحياة ... وهكذا يريد الله لنبيه وللدعاة معه ومن بعده أن ~~يستغرقوا في قيام الليل ، لتوحي له الصلاة بالروح القوية التي تثبت الإنسان ~~في مواقف الاهتزاز ، وفي مواقع التحديات ، ولتفتح له الفكر القويم من خلال ~~الشخصية القوية التي تواجه الضعف من قاعدة الإيمان. # ( @QUR@06 إن لك في النهار سبحا طويلا ) من جهة ما يخوض فيه الناس من ~~أشغال ومهمات وأوضاع على مستوى الدعوة والحركة والعلاقة والتحدي والصراع ، ~~تماما كما هي السباحة في الماء التي يواجه فيها السابحون التيارات القوية ، ~~فينزلون إلى الأعماق تارة ، ويمتدون مع التيار أحيانا ، ويرتفعون مع ~~الأمواج الطاغية أحيانا أخرى ، لتأخذ كل الحركة من جهدهم البدني ، ومن ~~هدوئهم النفسي ، مما لا يدع لهم أي شعور بالفراغ ، وأي إحساس بالانفتاح على ~~الذات وعلى الحياة ، ولهذا كان الليل ms5281 ساحة الذكر والقيام والروحانية ، ~~والهدوء المنساب مع صفاء الظلام. # ( @QUR@03 واذكر اسم ربك ) لأن الذكر المتواصل الدائم يفتح في قلبك نافذة ~~على الله ، فلا يتطلع القلب إلى غيره ، ولا يغفل عنه ، فينبض بمحبته ~~وبالرغبة إليه في مواقع الرجاء ، وبالخشية منه في مواقع الخوف ، وبذلك تتصل ~~حياتك بالله ، وتندمج بوحيه المتحرك في أوامره ونواهيه ، وتتربى على ~~الروحية التي تنساب في كل معاني العظمة والجلال والجمال في ذاته ، لتكون في أفكارك PageV23P183 # ومشاعرك ومواقفك إنسان الله ، كما يحب الله ويريد. # * * * ### ||| ** أقبل على الله واتخذه وكيلا # ( @QUR@03 وتبتل إليه تبتيلا ) قيل إن التبتل مأخوذ من البتل ، وهو القطع ~~مثل البت ، ويراد منه هنا الانقطاع إلى الله ، بالانصراف عن الدنيا ~~والإقبال عليه. وقد جاء في بعض أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أن ~~التبتل رفع اليد إلى الله والتضرع إليه ، وربما كان ذلك بلحاظ الجانب ~~التعبيري عن الانقطاع إلى الله في مواقع العبادة الروحية في معانيها على ~~مستوى الشكل والمضمون ، أي انقطع إليه انقطاعا كاملا بالكلمة والإشارة ~~والحركة والروح والفكر والوجدان. # وإذا كان ذكر اسم الله بالقلب واللسان هو الخط في الحركة ، والانقطاع ~~الكامل إليه هو العمق في الروح والشعور ، فلا بد من أن يسبق ذلك التصور ~~الشامل للقدرة المطلقة ، والهيمنة الكلية ، والوحدة الإلهية ، ليكون الذكر ~~والانقطاع ناشئين من قاعدة الوعي الإيماني المنفتح على حقائق الكون ~~والحياة. # ( @QUR@03 رب المشرق والمغرب ) بما يعنيه ذلك من ربوبيته للعالم كله ، ~~باعتبار أن المشرق والمغرب يمثلان الجهتين اللتين يتوجه إليهما الوجود ~~المتحرك ، مما يدل على أنه يتجه إلى الله في كل وجهة يتجه إليها ، لأن الله ~~هو رب الجهات كلها ، بحسب المعنى الكنائي في هذا أو ذاك ، ( @QUR@04 لا إله ~~إلا هو ) فهو وحده الإله ، لأن كل من عداه في الكون فهو مألوه له ، وخاضع ~~لإرادته ، ومنقاد لتدبيره ، فكيف يكون إلها معه ، وذلك هو التصور الذي يوحي ~~بالثقة والاستسلام له في كل شيء ، والاعتماد عليه في كل قضية ، والرجوع ~~إليه في كل مشكلة ، ( @QUR@02 فاتخذه وكيلا ) على أساس قدرته وحكمته ورحمته ~~وربوبيته في ms5282 تدبيره. # * * * PageV23P184 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) @QUR@06 وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) @QUR@04 إن لدينا أنكالا وجحيما ~~(12) @QUR@05 وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) @QUR@08 يوم ترجف الأرض ~~والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) @QUR@011 إنا أرسلنا إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) @QUR@06 فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا (16) @QUR@08 فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا (17) @QUR@06 السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) @QUR@09 إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 هجرا جميلا ): الهجر الجميل : إظهار الموجدة عليهم من غير ترك ~~الدعوة إلى الحق على وجه المناصحة. # ( @QUR@01 وذرني ): يذر ويدع بمعنى يترك. يقال : دعني وفلانا وذرني ~~وفلانا ، أي : لا تحل بيني وبينه حتى أنتقم منه (1). PageV23P185 # ( @QUR@01 أنكالا ): الأنكال : القيود ، ونكلته : قيدته. والنكل بالكسر ~~فالسكون قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين ، والجمع : أنكال. # ( @QUR@01 غصة ): تردد اللقمة في الحلق ولا يسيغها آكلها. يقال : غص ~~بريقه يغص غصا ، وفي قلبه غصة من كذا ، وهي كاللدغة التي لا يسوغ معها ~~الطعام والشراب. # ( @QUR@01 ترجف ): الرجف : الاضطراب الشديد. يقال رجفت الأرض والبحر. # ( @QUR@01 كثيبا ): الرمل المجتمع الكثير. # ( @QUR@01 مهيلا ): الرمل الذي إذا حرك أسفله سال أعلاه. # ( @QUR@01 وبيلا ): الوبيل : الشديد. # ( @QUR@01 منفطر ): الانفطار : الانشقاق. # * * * ### ||| ** اصبر على ما يقولون # ( @QUR@04 واصبر على ما يقولون ) مما يوجهونه إليك من كلمات السباب ~~والإيذاء والسخرية ، وما يثيرونه حولك من اتهامات بالجنون والسحر والشعر ~~والكهانة ونحو ذلك مما قد يثقل صدرك ، ويزيد في أذاك ، لأن الرسالة الثقيلة ~~في التزاماتها ومسئولياتها ونتائجها التغييرية في مستوى حياة الناس تستثير ~~ذلك كله ، ( @QUR@03 واهجرهم هجرا جميلا ) والهجر الجميل : إظهار الموجدة ~~عليهم من غير ترك الدعوة إلى الحق على وجه المناصحة ، وهو يمثل الأسلوب ~~القرآني الحكيم في الإعراض عن الكافرين في لحظات التمرد على الرسالة ~~والرسول ، إذ لا يضعف أمامهم في أسلوب الرد العملي السلبي ، لأن الهجر ~~ينطلق من PageV23P186 # موقع قوة دون أن يقطع العلاقة معهم بحيث لا يترك لنفسه مجالا للدعوة ، ~~ولا لهم مجالا للرجوع إلى الحق ... وهذا ما ينبغي للداعية أن يعيشه في نفسه ~~من أخلاق واسعة ms5283 كريمة في أسلوب الدعوة ، وفي صفات الشخصية الرسالية التي لا ~~تملك مزاجها الذاتي في حرية الحركة من جهة الفعل ورد الفعل ، بل تخضع في ~~مشاعرها وأحاسيسها وحركتها المزاجية لمصلحة الرسالة وروحية الانفتاح على ~~الناس من خلالها ، بالعقل المفتوح ، والصدر الواسع ، والقلب الكبير ، ~~والسلبية التي تمتزج بالإيجابية. # ( @QUR@04 وذرني والمكذبين أولي النعمة ) من هؤلاء المكذبين برسالتك ~~الذين يملكون النعمة في حياتهم ، بفضل ما أعطيتهم من مال أو جاه ، جعلوه ~~أساسا للتمرد على الرسالات ، فلا تشغل نفسك بهم وبالطريقة التي يمكن أن ~~تواجه فيها مواقفهم السلبية العدوانية ، فإن جزاءهم على الله الذي قد ~~يتركهم مدة تبعا للحكمة في التأخير ، ولكنهم لا يفوتونه ، مهما طال الزمن ، ~~( @QUR@02 ومهلهم قليلا ) فسوف يأتيهم العذاب والذل في الدنيا قبل الآخرة ، ~~وقد ذكر في كتب التفسير أنه لم يكن إلا اليسير من الزمن حتى كانت وقعة بدر ~~التي أهلكت الكثير منهم ، والله العالم. # * * * ### ||| ** جزاء المتقولين المكذبين # ( @QUR@03 إن لدينا أنكالا ) أي قيودا في الآخرة عظاما لا تفك أبدا كما ~~قيل أو أغلالا ، ( @QUR@01 وجحيما ) بما تمثله نار جهنم من إيحاءات العذاب ~~، ( @QUR@03 وطعاما ذا غصة ) وقيل إنه الشوك الذي يأخذ بالحلق فلا يدخل ولا ~~يخرج ، وقيل إنه طعام يأخذ بالحلق لخشونته وشدة تكرهه ، ( @QUR@02 وعذابا ~~أليما ) أي عقابا موجعا ، ينزله الله بهم في يوم القيامة ، ( @QUR@04 يوم ~~ترجف الأرض والجبال ) في زلزالها الهائل الشديد ( @QUR@02 وكانت الجبال ) ~~التي تضطرب حتى تزول من مكانها بالرغم من قوتها وصلابتها ، PageV23P187 # ( @QUR@02 كثيبا مهيلا ) أي رملا سائرا متناثرا ، وقيل : المهيل الذي إذا ~~وطئته القدم زل من تحتها ، وإذا أخذت أسفله أنهار أعلاه ، والمقصود أن ~~الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل. # * * * ### ||| ** أخذ العبرة من عذاب فرعون # ( @QUR@06 إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ) كما هم الأنبياء الذين ~~يرسلهم الله برسالاته ليبلغوها للناس ، وليؤكدوا عليهم السير في خطها ~~المستقيم ، وليراقبوا التجربة الحية على الطبيعة في عملية ملاحقة لكل ~~أوضاعها السلبية أو الإيجابية ، ليشهدوا غدا أمام الله أنهم قد قامت عليهم ~~الحجة في وصول الرسالة إليهم بكل ما فيها من مواقف ms5284 الحق النازل من الله ، ( ~~@QUR@05 كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) عند ما اقتضت الحكمة الإلهية أن يرسل ~~موسى عليه السلام إلى فرعون ليصدم جبروته وكبرياءه ، وليحطم الحاجز الذي كان ~~يضعه أمام الناس المستضعفين ، ليمنعهم من الانفتاح على الإيمان بالله في ~~أفكارهم ، ومن الوعي لمواقع الحرية والعزة في حياتهم ، ليخرجوا من الظلمات ~~إلى النور ، وليتحرروا من سيطرة طغيانه وجبروته. # وانفتحت كل ساحات الصراع في حركة الرسالة ضد الكفر والظلم والاستكبار ... ~~وكان التحدي الرسالي سيد الموقف ، فوقف موسى عليه السلام الموقف القوي الذي ~~يستمد حيويته وقوته من قوة الإيمان بالله. # ( @QUR@03 فعصى فرعون الرسول ) ولم يخضع لكل ما قدمه إليه من بينات ~~ودلائل على صدقه في الرسالة ، بل استكبر وتمرد وحاول أن يخطط للقضاء على ~~موسى عليه السلام والمؤمنين معه ، ويلاحقهم في محاولتهم التحرر من سيطرته ~~للخروج من دائرة ملكه ، ( @QUR@03 فأخذناه أخذا وبيلا ) أي شديدا ثقيلا ، ~~فغرق وجنده في البحر ، وانتصر موسى عليه السلام عليه ، وتحركت الرسالة بعيدا عن كل PageV23P188 # الضغوط الفرعونية لتبدأ عهدا مع مجتمعها الذي يحمل الكثير من العقد ~~والمشاكل. # * * * ### ||| ** كيفية اتقاء عذاب الاخرة # ( @QUR@08 فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ) أي كيف تتخلصون ~~من العذاب الذي أعده الله للكافرين في ذلك اليوم الذي تحتشد فيه الأهوال ، ~~وتشتد فيه المخاوف بالمستوى الذي تشيب فيه الأطفال من شدة الرعب. # ( @QUR@03 السماء منفطر به ) لأن السماء تتشقق في الأجواء التي تسبق يوم ~~القيامة ، مما يوحي بشدة هذا الحدث العظيم ، وقد ذكر أن تذكير الصفة بلحاظ ~~أن كلمة السماء تذكر وتؤنث. # ( @QUR@03 كان وعده مفعولا ) لأن الله هو الذي ينطلق قضاؤه من مواقع ~~إرادته ، فإذا أراد شيئا كان ، وإذا وعد بشيء كان حتما مقضيا ، فهو أصدق ~~الواعدين ، حين يقضي ويريد. # ( @QUR@03 إن هذه تذكرة ) لأنها تهز القلب والشعور ، وتدفع بالإنسان إلى ~~أن يخرج من غفلته ، في هزة روحية يواجه فيها حقائق الوجود بمسؤولية تجاه ~~الموقف الحاسم أمام الله ، مما يدعوه إلى أن يكتشف الطريق المستقيم الذي ~~ينتهي به إلى الله ، في إيمانه وانتمائه ، وفي حركته وعلاقاته على ms5285 جميع ~~المستويات ، وهذا ما يريد الله من الإنسان أن يؤكده تأكيدا جديا حاسما في ~~الانسجام بين الوعي والواقع ، ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) ليصل ~~من خلاله إلى مواقع طاعته ، وآفاق رضاه ، ورحاب رحمته ... فهذه هي الغاية ~~التي ينتهي إليها كل مؤمن في حياته الفكرية والعملية. # * * * PageV23P189 ### ||| * الآية # ( @QUR@078 إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ~~من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ~~ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أدنى ): اسم تفضيل من الدنو بمعنى القرب. وقد جرى العرف على ~~استعمال (أدنى) في ما يقرب من الشيء وهو أقل ، فيقال : إن عدتهم أدنى من ~~عشرة إذا كانوا تسعة مثلا دون ما لو كانوا أحد عشر. # ( @QUR@01 يقدر ): التقدير : تحصيل مقدار الشيء وعدده والإحاطة به. PageV23P190 # ( @QUR@02 فتاب عليكم ): توبة الله على العبد انعطافه بالرحمة عليه. # * * * ### ||| ** الله يخفف عن رسوله والمؤمنين معه قيام الليل # لقد دلت السورة في صدرها على صلاة الليل ، كفريضة لازمة على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلى من معه من المؤمنين ، وقد دأب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه على القيام بها ، وكانوا يلاقون من ذلك عناء ~~شديدا لأنهم كانوا يبغون الدقة في التوقيت ، بما لم يكن متيسرا لهم ، حتى ~~أن بعضهم كان يقوم الليل كله ليبلغ الوقت المحدد ، فأنزل الله هذه الآية ~~حسبما تتحدث به بعض الروايات في أسباب النزول ، ليخفف عنهم ثقلها وليجعلهم ~~في حل من الإلزام ، فتكون مستحبة بشكل خفيف ، مما يجعل من هذه الآية كما ~~يذكر البعض نسخا للآية المتقدمة في صدر السورة. # ( @QUR@06 إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ) أي أقرب وأقل ( @QUR@05 من ثلثي ~~الليل ms5286 ونصفه وثلثه )، أي أنك تقوم في بعض الليالي قريبا من الثلثين ، وفي ~~بعضها قريبا من نصف الليل ، وفي بعضها قريبا من ثلثه ، ( @QUR@04 وطائفة من ~~الذين معك ) من المؤمنين الذين يسيرون في ضوء هداك ، فقد كنتم موضع عناية ~~الله وقبوله ، لأنكم من العباد الصالحين الذين يتركون النوم والراحة ~~والاسترخاء ، ويعانون الجهد البدني والروحي ، ليقفوا بين يدي الله في خشوع ~~العابد ، وخضوع العبد ، وروحية التقوى ... وقد رأى الله في مواقع علمه ~~المنفتح على رحمته كل هذا العناء والثقل ، فأراد أن يخفف عنكم هذا العبء ~~الثقيل من الإلزام ، ( @QUR@04 والله يقدر الليل والنهار ) في حساباته ~~الدقيقة للنظام الذي يحكمها في طول هذا ، وقصر ذاك ، في عملية تبادلية ~~متحركة ، وهو وحده المطلع على الدقة في الحركة والتقدير ، ( @QUR@04 علم أن ~~لن تحصوه ) أي لن تستطيعوا تحديد الوقت بدقة ، ( @QUR@02 فتاب عليكم ) أي خفف PageV23P191 # عنكم فلم يلزمكم بقيام الليل ، فلو تركتموه لم يكن عليكم حرج ، كما هو ~~الأمر بالنسبة إلى التائب الذي لا يبقى عليه شيء من ذنبه بعد التوبة ، ( ~~@QUR@05 فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) في الصلاة أو في غيرها بما لا يشق ~~عليكم أمره ، لأن الله يريد لكم أن تعبدوه عبادة منفتحة على طاقة الجسد ~~وتوجه القلب ، وحيوية الروح ، كما يريد لكم أن تعيشوا روحية القرآن وفكره ، ~~لترتفعوا إلى مستوى المعرفة الفكرية والروحية والعملية في وحي الله الذي ~~أرسل رسوله ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ، ولتهتدوا إلى مواقع رضاه في ~~خط طاعته. # * * * ### ||| ** مسوغات تخفيف قيام الليل # ( @QUR@06 علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ) لا يطيقون الجهد الكبير الشاق ~~الذي يثقل الجسد ، ( @QUR@03 يضربون في الأرض ) في أسفار بعيدة شاقة ( ~~@QUR@04 يبتغون من فضل الله ) ليطلبوا الرزق من مواضعه ، ويقوموا ~~بمسؤولياتهم المالية تجاه أنفسهم وعيالهم ، وما كلفهم الله من الإنفاق في ~~مجتمعهم ، ( @QUR@05 وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) فيعانون الكثير من ~~الحركة في طريق الجهاد بما قد يعطل عليهم الكثير من القيام ببعض الأعمال ~~العادية ، مما قد يفرض التفرغ والتخفف في نظام الواجبات العادية. # وقد لا يكون هذا من النسخ في الحكم ، بل ms5287 هو يشتمل كما يقول صاحب الميزان ~~على «التخفيف في قيام الليل من حيث المقدار لعامة المكلفين تفريعا على علمه ~~تعالى أنهم لن يحصوه ، ولازم ذلك التوسعة في التكليف بقيام الليل من حيث ~~المقدار ، حتى يسع لعامة المكلفين الشاق عليهم إحصاؤه دون النسخ ، بمعنى ~~كون قيام الثلث أو النصف أو الأدنى من الثلثين لمن استطاع ذلك بدعة محرمة ، ~~وذلك أن الإحصاء المذكور إنما لا يتيسر لمجموع المكلفين ، لا لجميعهم ، ولو ~~امتنع لجميعهم ولم يتيسر لأحدهم لم PageV23P192 # يشرع من أصله ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # على أنه تعالى يصدق لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من الذين معه ، ~~قيام الثلث والنصف والأدنى من الثلثين ، وينسب عدم التمكن من الإحصاء إلى ~~الجميع ، وهم لا محالة هم القائمون وغيرهم ، فالحكم إنما كان شاقا على ~~المجموع من حيث المجموع دون كل واحد ، فوسع في التكليف بقوله : ( @QUR@05 ~~فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وسهل الأمر بالتخفيف ليكون لعامة المكلفين فيه ~~نصيب مع بقاء الأصل المشتمل عليه صدر السورة على حاله لمن تمكن من الإحصاء ~~وأراده ، والحكم استحبابي لسائر المؤمنين وإن كان ظاهر ما للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الخطاب الوجوب ، كما تقدمت الإشارة إليه (1). # * * * ### ||| ** مناقشة مع العلامة الطباطبائي في الميزان # وقد نلاحظ على ما ذكره العلامة الطباطبائي ، بأن الظاهر من قيام المؤمنين ~~معه في نداء التشريع الأول في صدر السورة ، أنهم لم يفهموا من خلال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم اختصاص التشريع به ، سواء كان إلزاميا أو استحبابيا ، ~~على أساس أن الله يخاطبه في القرآن في كثير من الحالات ، بما يريد للمؤمنين ~~أن يقوموا به ، لأن التشريع شامل للجميع. وقد يكون عدم تيسر الإحصاء لمجموع ~~المكلفين من باب الحكمة للتخفيف ، فلا يكون التشريع الأول مختصا بجماعة ~~خاصة ، بل إن الظروف الأولى للدعوة كانت تقتضي نوعا من التشديد لأن طبيعة ~~الظروف الصعبة التي تحيط بالدعوة الإسلامية ، تفرض التعبئة الروحية ~~بالمستوى الكبير ، أو يكون أخذ المؤمنين له مع النبي على أنفسهم بأسلوب ~~الشدة للاستغراق ms5288 في روحية التقوى لا من جهة اقتضاء PageV23P193 # التكليف ذلك ، والله العالم. # * * * ### ||| ** قراءة القرآن وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة # ( @QUR@04 فاقرؤا ما تيسر منه ) ليستمر التشريع العبادي الليلي في جو ~~التيسير والتسهيل على أساس إرجاع الأمر إلى المكلفين من جهة ما يختارونه ~~منه ، ( @QUR@04 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) باعتبارهما الفريضتين ~~الأساسيتين اللتين تتحركان في حياة الناس بشكل إلزامي ، بما يترتب عليهما ~~من الارتفاع بمستوى المسؤولية الروحية في الشعور الدائم بحضور الله في وعي ~~الإنسان ، والمسؤولية التكافلية في حركة الإنسان بمواجهة المشاكل الإنسانية ~~في دائرة الحرمان. # ( @QUR@04 وأقرضوا الله قرضا حسنا ) في ما تقدمونه من الإنفاق الخاص ~~والعام ، في غير الزكاة المفروضة ، مما يقرض به الإنسان الناس المحتاجين ~~إليه ، أو مما يعيرهم من أدوات وأشياء ، أو مما يقضي به حاجاتهم ونحو ذلك. # * * * ### ||| ** مع صاحب الميزان في تفسير الاية # وقد جاء في الميزان أن «عطف الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض ~~، للتلويح إلى أن التكاليف الدينية على حالها في وجوب الاهتمام بها ~~والاعتناء بأمرها ، فلا يتوهمن متوهم سريان التخفيف والمسامحة في جميع ~~التكاليف ، فالآية نظير قوله تعالى في آية النجوى: ( @QUR@06 فإذ لم تفعلوا ~~وتاب الله عليكم PageV23P194 # @QUR@07 فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله ) [المجادلة : ~~13] (1). # ونلاحظ أن الظاهر هو أن ذكر هذه التكاليف إلى جانب قراءة ما تيسر من ~~القرآن للإيحاء بأنه يدخل في عداد التكاليف العامة التي تتكامل في بناء ~~شخصية الإنسان المسلم ، بما تشتمل عليه من عناصر متنوعة ذات صلة وثيقة به ، ~~كما أن أهمية هذه التكاليف تجعل القرآن يكرر الحديث عنها ليوجه الناس إليها ~~بأدنى مناسبة لذكرها ، وليس في الآية إشعار بما ذكر ، أما آية النجوى فقد ~~كانت دلالتها بلحاظ قوله تعالى : ( @QUR@03 فإذ لم تفعلوا )، الدالة على ~~أن عليهم أن يتابعوا الواجبات العامة ، ولا يتراجعوا عنها بعد رفع التصدق ~~عنهم ، لأن الصلاة والزكاة ليستا من هذا القبيل ، والله العالم. # * * * ### ||| ** ثواب عمل الخير # ( @QUR@08 وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) وهذا هو الخط الذي ~~يريد الله أن يؤكده للناس الذين يبحثون عن النتائج الإيجابية الحاسمة ms5289 في ~~المصير الذي ينتظرونه في الآخرة ، فهناك عنوان كبير لا بد من أن يكون ~~العنوان الذي تخضع له كل أعمال الإنسان وأقواله ، في ما يعبر عن كل الخطوط ~~الشرعية التي شرعها الله لعباده في دينه ، فإذا سار الناس في حياتهم العامة ~~والخاصة على هذا الخط تحت عنوان الخير ، فإنهم يقدمون لأنفسهم خير الآخرة ~~في رضوان الله ورحمته ونعيمه في جنته ، ولا يضيع أي عمل من أعمالهم مهما ~~كان صغيرا ( @QUR@04 هو خيرا وأعظم أجرا ) فهذا هو العمل الذي لا يوافقه أي ~~عمل من أعمال الدنيا مهما كان حجمها كبيرا ، لأن القيمة ليست للطبيعة ~~الذاتية للعمل ، بل هي PageV23P195 # للعمق الروحي الذي يربط العمل بالله ، لتتكامل الحياة كلها في الإنسان ~~وفي غيره من مظاهر الوجود ، في تجسيد معنى العبادة لله والتسبيح له. # وهذا ما يفرض عليهم أن يجعلوا كل أعمالهم في الدنيا حركة من أجل الخير في ~~الآخرة ، ( @QUR@02 واستغفروا الله ) من كل ذنوبكم التي أذنبتموها في ~~ابتعادكم عن مواقع طاعته ، ( @QUR@04 إن الله غفور رحيم ) فهو الذي يفتح ~~أبواب مغفرته للمستغفرين الذين أخلصوا لله توبتهم ، ويفتح أبواب رحمته ~~للمسترحمين الذين يتطلعون إلى رحمته تطلع الغريق للنجاة ، فيجدون لديه كل ~~عطف وعفو ورحمة وحنان. # * * * PageV23P196 ### | سورة المدثر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ست وخمسون PageV23P197 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية من السور الحركية في بداية الدعوة ، وقد ثار هناك حديث ~~حول توقيت نزولها ، فقيل : إنها نزلت في أوائل البعثة وظهور الدعوة ، حتى ~~قيل : إنها أول سورة نزلت في القرآن. # وقال بعضهم : إنها نزلت بعد سورة العلق ، وذهب بعضهم إلى أن النازل أولا ~~هي الآيات السبع الواقعة في أول السورة ، ولازمه كون السورة لم تنزل دفعة واحدة. # واحتمل بعض آخر أن السورة كانت أول سورة نزلت على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد انقضاء المدة السرية ، أي في أول المرحلة العلنية ~~، حسب ما تحدث بعض مؤرخي السيرة عن مرحلة سرية للدعوة سبقت المرحلة العلنية ~~لها ، وبذلك جمع هذا البعض بين الروايات الواردة بأنها أول ما نزل ، وما ~~ورد أنها ms5290 نزلت بعد سورة العلق ، وما ورد من نزول هذه السورة مع سورة المزمل ~~معا ... وقد جاء في صحيح البخاري بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال : «سألت ~~أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ فقال : ( @QUR@03 يا أيها ~~المدثر )، قلت : يقولون : ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق )؟ [العلق : ~~1] ، فقال أبو سلمة : سألت PageV23P199 # جابر بن عبد الله عن ذلك ، وقلت له مثل ما قلت. فقال جابر : لا أحدثك إلا ~~ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما قضيت ~~جواري هبطت ، فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر ~~شيئا ، ونظرت أمامي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي ~~فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا علي ماء باردا قال : فدثروني ~~وصبوا على ماء باردا ، قال : فنزلت : ( @QUR@07 يا أيها المدثر* قم فأنذر* ~~وربك فكبر )» (1). وهناك رواية مماثلة في صحيح البخاري عن جابر بن عبد ~~الله يحدث عن فترة الوحي ، فقال في حديثه : «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا ~~من السماء ، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء ، جالس على كرسي بين ~~السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زملوني ، فأنزل الله تعالى : ( ~~@QUR@07 يا أيها المدثر* قم فأنذر* وربك فكبر ). إلى .. ( @QUR@02 والرجز ~~فاهجر ) فحمي الوحي وتتابع» (2). # ويعلق صاحب مجمع البيان على ذلك فيقول : «وفي هذا ما فيه ، لأن الله ~~تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة ، والآيات البينة ، الدالة ~~على أن ما يوحي إليه إنما هو من الله تعالى فلا يحتاج إلى شيء سواها ، ولا ~~يفزع ولا يفرق» (3). # ونحن نؤكد ما ذكره صاحب المجمع في ملاحظته لأن مثل هذا الجو الذي توحي به ~~مثل هذه الروايات ليس هو الجو الذي يتناسب مع وعي النبي لدوره الرسالي ~~ولرسالته ، وفي الوقت الذي تفرض فيه النبوة عليه أن يعيش PageV23P200 # الوضوح في الرؤية كأقوى ما يكون ، وأن يمثل القوة في الموقف لدى الناس ~~الذين يلتقيهم ليؤكد لهم صفته من خلال موقفه ، فكيف ms5291 يمكن أن يأتي من موعد ~~الوحي مهتزا خائفا مرعوبا ، كما يوحي به جو الرواية. # ومهما كان الأمر في الأقوال في مسألة وقت نزول السورة ، فإن من المتفق ~~عليه أنها من السور المكية النازلة في أوائل الدعوة. # وقد انطلقت هذه السورة في نداء صارخ متحرك للبدء بالإنذار في شروطه ~~المادية والمعنوية التي يريد الله للنبي ولكل داعية من بعده أن يحيط بها ~~موقفه ودوره ، وفي وعيد للمكذبين في بعض نماذجهم في مكة ، الذين كانوا ~~يتهمون الدعوة بالسحر ليحولوا صورة النبي في نظر الناس إلى صورة الساحر ~~الذي يسحر عقول الناس بدلا من صورة النبي الذي يهديهم ، فيؤكد الله سبحانه ~~وتعالى ، بأنهم سيصلون سقر. ثم يتحدث في نهاية السورة عن المجرمين الذين ~~يدخلون سقر ليفصل الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير الأسود ، في ~~ابتعادهم عن أداء الصلاة وإيتاء الزكاة ، وخوضهم بالباطل وتكذيبهم بيوم ~~الدين ، في أجواء غير مسئولة ، لأنها لا تنطلق من تقدير الموقف على أساس ~~الاستماع إلى حقائق الوحي ، بل من الاستسلام للأهواء الذي يدفع بها إلى ~~الإعراض عن التذكرة التي يثيرها الرسول ، فهم سادرون في غيهم ، لاهون في ~~عبثهم ، مستغرقون في غفلتهم ، فلا يستفيقون منها إلا أن يشاء الله ، فهو ~~أهل التقوى وأهل المغفرة. # * * * PageV23P201 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 يا أيها المدثر (1) @QUR@02 قم فأنذر (2) @QUR@02 وربك فكبر ~~(3) @QUR@02 وثيابك فطهر (4) @QUR@02 والرجز فاهجر (5) @QUR@03 ولا تمنن ~~تستكثر (6) @QUR@02 ولربك فاصبر ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المدثر ): بتشديد الدال والثاء ، أصله : المتدثر اسم فاعل من ~~التدثر ، بمعنى التغطي بالثياب عند النوم. # ( @QUR@01 والرجز ): الرجز : بضم الراء وكسرها العذاب. وقيل : الرجز اسم ~~لكل قبيح مستقذر من الأفعال والأخلاق. # * * * ### ||| ** يا أيها المدثر ، قم للدعوة وللعمل # ( @QUR@03 يا أيها المدثر ) أي المشتمل على ثيابه اتقاء للبرد ، أو طلبا ~~للنوم ، وربما لا يكون المعنى الحرفي مقصودا بالكلمة ، بل يكون المعنى ~~الكنائي الذي PageV23P202 # يوحي بالاسترخاء والقعود والاستسلام للراحة ، والبعد عن حركة المسؤولية ~~في الفترة التي قد يعيش فيها الإنسان الشعور بعدم مسئوليته عن الواقع من حوله. # ( @QUR@02 قم فأنذر ) فقد بدأت الرسالة ، وانطلقت في حركيتها في ms5292 خط ~~الدعوة التي قد تتحرك في أسلوب الهزة الروحية التي تحتوي الحالة الشعورية ~~للناس ، لا سيما حين يعيشون الإحساس بالأمن والطمأنينة لمستقبلهم في الدنيا ~~والآخرة ، فلا يشعرون بأن العذاب الخالد ينتظر المكذبين بالرسول وبالرسالة ~~، ولا بد للرسول من أن يتحرك ليواجه المجتمع وليهزه وليثير مسألة الصراع في ~~ساحته ، وليؤكد موقفه في حركته ، مهما كانت الأوضاع والتضحيات. # * * * ### ||| ** وربك فكبر # ( @QUR@02 وربك فكبر ) في إيحاء قوي بأن الله هو الأكبر ، ليتصاغر كل ~~أولئك الذين جعلهم الناس في موقع الآلهة على مستوى العقيدة أو العبادة ، ~~ليشعروا بأنهم في الموقع الصغير جدا ، أمام الله الأكبر الذي هو أكبر من أن ~~يوصف ، لأن الخلق لا يستطيعون بلوغ كنه صفاته أو كنه ذاته ، كما أنه أكبر ~~من أن يشبه به أحد من خلقه ، أو يبلغ مواقع عظمته. # قال في الكشاف في قوله : ( @QUR@01 فكبر ) «إن الفاء دخلت لمعنى الشرط ، ~~كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره» (1). # وهذا ما يريد الله أن يوحي به إلى الرسول في صفته الحركية كداعية ، وإلى ~~كل داعية من بعده ، بأن يطلق كلمة التكبير في وجدانه وفي لسانه ، ليؤكد عمق ~~التوحيد في موقفه من خلال التطلع إلى الله الأكبر الذي لا يدانيه شيء ، ~~وليستوحي منها القوة الروحية التي تستمد معناها من مضمون المعنى الذي PageV23P203 # تتحرك فيه الكلمة ، فإذا كان الداعية متحركا من خلال الأكبر فما قيمة كل ~~الأصاغر الذين يعارضونه أو يحاربونه ، وإذا كان الله هو الأكبر ، فما قيمة ~~كل الذين يؤكدون مواقعهم في موقع الألوهية أمامه ، الأمر الذي يمنح الداعية ~~قوة وامتدادا في طريق الدعوة إلى الله ، فلا يسقط أمام الضغوط ، ولا يتراجع ~~أمام التحديات. # * * * ### ||| ** وثيابك فطهر # ( @QUR@02 وثيابك فطهر ) ربما كان المراد بذلك نظافة الثوب وطهارته من ~~النجاسات والأقذار ، فالله يريد للداعية ، رسولا كان أو غيره ، أن يظهر ~~بالمظهر النظيف الخالي من الأقذار ، لأن الظهور بمظهر القذارة قد يبعد ~~الناس عن احترامه ، وعن الراحة في النظر إليه والانسجام معه في المجتمع ، ~~وقد يكون تفسير التطهير بتقصير الثياب ، باعتبار ما يستلزمه ذلك من النظافة ms5293 ~~بارتفاعها عن قذارات الأرض. # وربما كان المقصود به المعنى الكنائي بأن ترمز طهارة الثياب إلى طهارة ~~الذات والأخلاق ، بحيث لا يلحقه شيء من القذارة الروحية والفكرية والعملية ~~، وهذا ما ورد التعبير عنه بطهارة الذيل ونقاوة الثياب ونحو ذلك ... ولعل ~~هذا هو الأقرب إلى جو الساحة الرسالية التي تفرض في الداعية أن يملك النقاء ~~الأخلاقي الذي يجعله في مستوى التلقي للوحي الطاهر ، وفي مستوى القدوة ~~للآخرين ، لأنه إذا لم يكن نقيا في ذاته ، طاهرا في أخلاقه ، فإنه لا ~~يستطيع أن يحصل على الثقة برسالته ، كما أنه لا يملك أن يمنح الناس شيئا من ~~حركة الطهارة في مضمون الرسالة ، لأن الناس يعلمون دائما على المقارنة بين ~~الرسالة والرسول ، كما أن فاقد الشيء لا يعطيه. # وهناك نقطة أخرى في هذا المجال ، وهي أن الداعية يتعرض للكثير من PageV23P204 # ألوان الإغراء التي تهدد سلامته الروحية ، ومناعته الأخلاقية ، فإذا لم ~~يكن في المستوى المتوازن من الطهارة الرسالية ، كان معرضا للسقوط أمام تلك ~~الإغراءات ، مما يمنعه من الاستمرار في أداء رسالته. # * * * ### ||| ** والرجز فاهجر # ( @QUR@02 والرجز فاهجر ) قيل : الرجز العذاب ، والمراد بهجره هجر سببه ، ~~وهو الإثم والمعصية ، وقيل : الرجز اسم لكل قبيح مستقذر من الأفعال ~~والأخلاق ، وقيل : الرجز : هو الصنم ، فيكون كناية عن الشرك. # وفي جميع المعاني ، تتضمن الفقرة توجيه النبي إلى هجران الأمور التي ~~تتنافي مع المضمون الحي لرسالته ، لأن التلوث بالخبث الروحي أو الفكري أو ~~العملي ، يعني الانفصال عن خط الرسالة ، والاستسلام للوضع المنحرف الذي ~~يحوله إلى إنسان منحرف خبيث ، لا يستطيع أن ينطلق بخفة الروح ، وطهارة ~~الضمير ، وسلامة الخط ، واتزان الحركة في خطواته ، مما يبتعد به عن الوصول ~~إلى النتائج الكبيرة التي يتحرك في اتجاهها في الدعوة ... وقد نستوحي من ~~كلمة الهجز للرجز بجميع معانيه ، أن الدعوة لا بد من أن تتحرك في خطين : خط ~~إيجابي يلتزم الأخذ بكل طاهر وحسن ، وخط سلبي يلتزم الإعراض عن كل رجس ~~وقبيح ، انطلاقا مما يمثله السير على خط الإسلام ، والابتعاد عن خط ~~الجاهلية. # * * * ### ||| ** لا تمنن تستكثر # ( @QUR@03 ولا تمنن تستكثر ms5294 ) أي لا تشعر بالمن على الناس عند ما تكابد ~~الجهد في الدعوة ، وفي الرعاية والخدمة ، لتحس بأنك قدمت الكثير عند ما تجد ما PageV23P205 # أعطيته لهم كثيرا ، في إحساس بالعجب في داخل الذات ، وبالإذلال للناس ، ~~بل لا بد لك من الشعور بأن ذلك كله يمثل مسئوليتك التي حملك الله إياها في ~~ما أولاك من نعمه ، باعتبار أن ذلك من حق الله عليك الذي لا بد لك من أن ~~تقوم به طلبا لرضاه وشكرا لنعمه ، وأنه من حق الناس عليك ، أمرك الله ~~بأدائه إلى كل من يحتاج الهداية والرعاية والعناية ، وبذلك لا يبقى هناك ~~معنى للمن ، ما دام ذلك هبة من الله ، ولا معنى للاستكثار ، لأن الله يريد ~~للإنسان أن لا يخرج نفسه من حد التقصير ، فلا يبلغ درجة إلا ويحاول أن ~~يرتفع إلى ما هو أعلى منها ، ولا يقوم بعطاء إلا ويجد من نفسه ضرورة التوفر ~~على عطاء أكثر منه. # * * * ### ||| ** ولربك فاصبر # ( @QUR@02 ولربك فاصبر ) فسوف تلاقي الكثير من تكذيب المكذبين وتعنت ~~الكافرين ، واستكبار المستكبرين ، وسخرية الساخرين ، واضطهاد الظالمين ، ~~وسوف تواجه الضغوط العنيفة التي يضغطها كل هؤلاء في وجهك ، كما تلتقي ~~بالحواجز التي ينصبها المضللون في طريقك ، فلا بد لك أن تصبر لحساب ربك ، ~~لا لحساب ذاتك ، لأنك لا تعمل لذاتك ولا تواجه الاضطهاد من خلالها ، بل ~~تعمل لله في الدعوة إلى دينه والجهاد في سبيله ، وفي هذه الحالة فإنهم لا ~~يكذبونك ، ولكنهم يكذبون الله ، ولا يسخرون منك بل يسخرون من وحي الله ، ~~لذا لا تضعف أمام نوازع الضعف التي يثيرونها في داخل ذاتك ، بل حاول أن ~~تضغط على أعصابك ، وأن تثبت مشاعرك ، فتتحمل الحرمان والتشريد والألم ~~القاسي والتهديد بالقتل ونحوه في عمق المضمون الروحي للصبر ، طلبا لمرضاة ~~الله ، وذلك هو سر القوة التي يمنحها الله من خلال الصبر لرسله وللدعاة إلى دينه. # * * * PageV23P206 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 فإذا نقر في الناقور (8) @QUR@04 فذلك يومئذ يوم عسير (9) ~~@QUR@04 على الكافرين غير يسير ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نقر ): النقر : القرع. # ( @QUR@01 الناقور ): ما ينقر فيه للتصويت ، والنقر في الناقور كالنفخ ~~في الصور. ms5295 # * * * ### ||| ** يوم النقر في الناقور .. عسير على الكافرين # ويستمر النبي في الإنذار صابرا على الأذى ، صامدا أمام التحديات ، قويا ~~في الأزمات ، ويمتد الكافرون في كفرهم في مواقف التمرد والطغيان ، وتمتد ~~بهم الحياة حتى تلفظ كل أنفاسها في نهاية المطاف ، فيسقطون في ظلمات الموت ~~... ثم يبعثون من قبورهم. PageV23P207 # ( @QUR@04 فإذا نقر في الناقور ) النقر هو القرع الذي يوحي بدوي الصوت ~~كالنفخ في الصور ، ولكنه هنا يوحي بالرنين والشدة ، وهو تعبير آخر عن بعث ~~الموتى وإحضارهم للوقوف بين يدي الله لفصل القضاء في يوم القيامة. # ( @QUR@04 فذلك يومئذ يوم عسير ) لأنه يوم الحسم الذي لا مجال فيه لأية ~~عودة إلى الوراء ، ولا حل فيه لمشكلة الكافرين بالله لأن قضية الكفر ليست ~~من المسائل الفرعية التفصيلية التي يمكن التسامح معها ، بل هي من المسائل ~~الأصلية في العقيدة ، فالكافر يتحدى الله بشكل مباشر في رفض الإيمان به ، ~~وهو ينتمي إلى دائرة الإشراك به أو بعبادته ، مما لا يلتقي بالمغفرة التي ~~هي المظهر البارز لليسر في مواقع العسر ، لأن الشرك ذنب لا يغفر ، خلافا ~~للذنوب الأخرى التي يمكن أن تلحقها المغفرة ، ولذلك كان ( @QUR@04 على ~~الكافرين غير يسير )... وتترك الآية الموقف من غير تحديد ، فكيف يكون ~~العسر النازل عليهم؟ وكيف يتمثل في العذاب؟ ما هو مقداره؟ وما هو حجمه؟ وما ~~هي مدته؟ إنها علامات استفهام تضيع في المجهول الذي يريد الله للكافر أن ~~يغرق فيه من دون فائدة ليعيش الكافرون في الدنيا هذا الهاجس المرعب ، ~~فلعلهم يستفيقون من غفلتهم ، ليرجعوا إلى الإيمان قبل فوات الأوان. # * * * PageV23P208 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 ذرني ومن خلقت وحيدا (11) @QUR@04 وجعلت له مالا ممدودا (12) ~~@QUR@02 وبنين شهودا (13) @QUR@03 ومهدت له تمهيدا (14) @QUR@04 ثم يطمع أن ~~أزيد (15) @QUR@05 كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) @QUR@02 سأرهقه صعودا ~~(17) @QUR@03 إنه فكر وقدر (18) @QUR@03 فقتل كيف قدر (19) @QUR@04 ثم قتل ~~كيف قدر (20) @QUR@02 ثم نظر (21) @QUR@03 ثم عبس وبسر (22) @QUR@03 ثم ~~أدبر واستكبر (23) @QUR@06 فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) @QUR@05 إن هذا ~~إلا قول البشر (25) @QUR@02 سأصليه سقر (26) @QUR@04 وما أدراك ما سقر (27) ~~@QUR@04 لا تبقي ولا تذر (28) @QUR@02 لواحة للبشر (29) @QUR@03 عليها تسعة ~~عشر ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ممدودا ): أي : مبسوطا ms5296 كثيرا ، أو ممدودا بمدد النماء. # ( @QUR@01 تمهيدا ): التمهيد : التهيئة. # ( @QUR@01 سأرهقه ): الإرهاق : الغشيان بالعنف. PageV23P209 # ( @QUR@01 صعودا ): الصعود : عقبة الجبل التي يشق مصعدها. # ( @QUR@01 عبس ): العبوس : تقطيب الوجه ، قال في المجمع : وعبس يعبس ~~عبوسا : إذا قبض وجهه ، والعبوس والتكليح والتقطيب نظائر ، وضدها الطلاقة ~~والبشاشة (1). # ( @QUR@01 وبسر ): البسور : بدو التكره في الوجه. # ( @QUR@01 أدبر ): الإدبار عن شيء : الإعراض عنه. # ( @QUR@01 واستكبر ): الاستكبار : الامتناع كبرا وعتوا. # ( @QUR@02 سحر يؤثر ): أي : يروى ويتعلم من السحرة. # ( @QUR@01 سأصليه ): سأدخله. # ( @QUR@01 سقر ): من أسماء جهنم في القرآن ، أو دركة من دركاتها. # ( @QUR@01 لواحة ): اللواحة من التلويح ، بمعنى تغيير اللون إلى السواد ~~، وقيل : إلى الحمرة. # ( @QUR@01 للبشر ): البشر جمع بشرة ، وهي ظاهر الجلد. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور : «أخرج الحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل من طريق ~~عكرمة عن ابن عباس ، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ PageV23P210 # عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال : يا عم ، إن ~~قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوه لك ، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما ~~قبله. قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. # قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له. # قال : وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ، ولا برجزه ولا ~~بقصيده مني ، ولا بشاعر الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، وو ~~الله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق ~~أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته. # قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال : دعني حتى أفكر ، فلما فكر ~~قال: هذا سحر يؤثر ، يأثره عن غيره ، فنزلت : ( @QUR@04 ذرني ومن خلقت ~~وحيدا ) (1). # * * * ### ||| ** طريقة المشركين في إبعاد الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم # هذه هي قصة هذه الآيات في سبب نزولها ، كما رواها الرواة ، فإذا صحت ، ~~فإنها تعطينا الفكرة عن الطريقة التي كان يحاول أبو جهل والمشركون معه أن ~~يحاصروا النبي في دعوته ، فلا يسمحون لأحد أن يلين قلبه للقرآن ، أو تنفتح ms5297 ~~روحه للنبي في عملية تأثر ورقة ، لأنهم يخشون أن يتحول هذا التعاطف إلى ~~انفتاح على الإسلام من نافذة القلب والشعور ، من خلال كلمات القرآن القريبة ~~للعقل والوجدان. فلما رأوا الوليد بن المغيرة ، وهو من شيوخ قريش ، قد رق ~~قلبه ولان لكلمات الإسلام ، أرادوا أن يخوفوه من غضب قومه عليه ، بعد أن ~~عرضوا عليه المال وهو في غنى عنه وقد اتهموه بأن رقته أمام PageV23P211 # القرآن لم تكن عن قناعة ، بل كانت عن طمع بالمال الذي يمكن أن يقدمه إليه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يعهد فيه أنه يملك المال الوفير الذي ~~يؤلف به قلوب الكافرين ، في تلك المرحلة وهي مرحلة الدعوة الأولى التي كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعاني فيها قسوة الأحوال المادية ... فما كان ~~منه ، بعد أن حاول الدفاع عن تهمة النبي بالشعر ، إلا أن يطلق عليه كلمة ~~السحر التي وجد لها مخرجا باعتبار أنها تشبه السحر في تفريق الأب عن ابنه ، ~~وتفريق الابن عن أبيه ، مما أرضى أبا جهل وقومه ، سيما بعد أن عاد إلى ~~مواقعه الكافرة. # * * * ### ||| ** استيحاء الآيات في حركة الإسلام المعاصرة # وهذا هو ما نلاحظه في الطريقة التي يحاول فيها أعداء الإسلام أن يثيروا ~~الناس حول العاملين لله ، المجاهدين في سبيله ، حيث يعمل على محاصرة كل ~~كلمة خير يمكن أن تنطلق وتتحرك من أية جهة إعلامية أو سياسية أو اجتماعية ، ~~مما يدخل في الإشادة بالإسلام وبالدعاة إليه ، ليحولوا هذا الجانب الإيجابي ~~إلى جانب سلبي ، كما أننا نلاحظ أسلوب اختيار أجهزة المخابرات في الجانب ~~الإعلامي الكلمات التي تعمل على تشوية صورة الإسلاميين الملتزمين ، مما ~~يمكن أن يثير الناس ضدهم ، وذلك عند ما يثيرون المضمون السياسي أو الديني ~~الذي يمثل الصورة السلبية المنفرة للفكر والشعور. # * * * ### ||| ** تهديد إلهي للمعتدي المتكبر # ( @QUR@04 ذرني ومن خلقت وحيدا ) إنه التهديد الإلهي الذي يطبق على هذا ~~الإنسان PageV23P212 # المعتد بقوته ، المنفتح في كبريائه ، فيتحول إلى حشرة صغيرة لا تتماسك في ~~شيء. إن الله يذكره بأنه قد خلقه وحده من دون أن ms5298 يشاركه أحد في ذلك ، أو ~~يكون المعنى أن يدعه مع هذا المخلوق الذي خلقه وحده لا مال له ولا بنين ، ~~معلنا : إنني الذي أتكفل بعذاب هذا الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. # ( @QUR@04 وجعلت له مالا ممدودا ) أي مبسوطا كثيرا أو ممدودا بنمائه ... ~~( @QUR@02 وبنين شهودا ) لهم حضورهم البارز في حركة القوة لديه ، ( @QUR@03 ~~ومهدت له تمهيدا ) أي سهلت له الحياة ، وهيأت له كل شروطها في سعة المال ~~والجاه وانطلاق الأمور العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** جزاء المكابر المعاند لآيات القرآن # ( @QUR@04 ثم يطمع أن أزيد ) في ماله وجاهه ، لأنه لا يقنع بما أعطيته ، ~~بل يطلب المزيد ، وهو في الوقت نفسه ، سادر في غيه ، ممتد في كفره. # ( @QUR@01 كلا ) كلمة ردع عنيفة توحي بالرفض الشديد له ، فلن ي رحمه الله ~~أو يفيض عليه من لطفه ، وإنما يملي له ليزداد إثما في دخوله التجربة الحية ~~التي يتميز بها الشاكر من الكافر. # ( @QUR@04 إنه كان لآياتنا عنيدا ) فهو لا يواجهها بمنطق التفكير الباحث ~~عن الحقيقة من خلال التأمل والحوار مع الآخرين ، بل يواجهها من موقع العناد ~~المستكبر الناتج عن العقدة الذاتية المستعصية التي تصر على الاستغراق في ~~الفكر الموروث من خلال علاقته بأنانيته الذاتية. # ( @QUR@02 سأرهقه صعودا ) أي سأثير في حياته الإرهاق الذي يحرك الآلام ~~القاسية PageV23P213 # واللهاث الشديد ، كتعبير عن المشقة التي يعانيها الإنسان عند صعود الجبل ~~، وقد يكون ذلك واردا على سبيل الكناية عن العذاب الذي ينتظره في جهنم في ~~عقبات النار الوعرة الصعبة الصعود. # ( @QUR@03 إنه فكر وقدر ) لقد كان يعيش في حيرة الإنسان الباحث عن ثغرة ~~في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لينفذ منها لتشويه صورته في نظر ~~الآخرين ، وعن ثغرة في آيات القرآن ، في كلماته وأسلوبه ومعانيه ، ليجد ~~فيها بعض النقص الذي يستطيع من خلاله أن يبعد الفكرة التي توحي للناس بأنه ~~وحي من الله ، وهكذا فكر ... وعصر فكره ، وأثار كل الاحتمالات ، فلم يصل ~~إلى نتيجة ... وتنظر إليه يقطب وجهه تارة ، ويمسك رأسه بيديه أخرى ، ويقلب ~~عينيه في السماء ثالثة ، لعل فكرة تأتي من هنا ms5299 وهناك ، فأدار القول في نفسه ~~في عملية ترتيب للأفكار الحائرة الباطلة في حركة المواجهة للحق ، ( @QUR@01 ~~فقتل ) إنه الدعاء عليه بالهلاك لإساءته إلى معنى الفكر في عقل الإنسان ~~الذي يريد أن يبني الخير في الحياة ، ويفسح المجال لاكتشاف المزيد من مواقع ~~الحق ، ( @QUR@02 كيف قدر ) وأعطى خيال الشر في ذاته ليثير كلمة الباطل في ~~المجتمع. # ويتكرر الدعاء والاستنكار لتأكيد خطورة القضية ( @QUR@04 ثم قتل كيف قدر ~~)... ثم تتبدل ملامحه في صورة كريهة ، ( @QUR@02 ثم نظر ) في موقف ~~استعراضي يوحي بالحيرة التي تطوف به في جولة حول الخيال ، ( @QUR@03 ثم عبس ~~وبسر ) أي كلح وجهه ونظر بكراهة شديدة ، متهيئا لأخذ وضعية متحفزة ، ( ~~@QUR@02 ثم أدبر ) عن الحقيقة التي كانت واضحة في وحي الله ، ( @QUR@01 ~~واستكبر ) عن الإذعان له في ما يفرضه الوجدان من قناعة مؤكدة ، لأن المشكلة ~~في هؤلاء المستكبرين أنهم يعتبرون ذاتهم كل شيء في تقييم الحقيقة ، فلا ~~يتحركون أبعد من تلك الدائرة التي يحصر بها الكافرون ذواتهم. # * * * PageV23P214 ### ||| ** اتهام النبي بالسحر # وماذا بعد كل هذه الحصيلة من الجهود الجسدية والذهنية التي بذلها في ~~محاولة اكتشاف الكلمة التي يرد بها على القرآن وعلى النبي ، ( @QUR@06 فقال ~~إن هذا إلا سحر يؤثر ) أي يروى عن السحرة ، وقيل : هو من الإيثار ، أي سحر ~~تؤثره النفس وتختاره لحلاوته ، ( @QUR@05 إن هذا إلا قول البشر ) تماما كما ~~هو كلام السحرة وفعلهم ، وليس من قول الله. ولكن كيف كان هذا الاستنتاج؟ ~~وكيف هو معنى السحر فيه ، وللسحر قواعده وأصوله وأشكاله؟؟! ما هي إلا ~~الكلمة التي يطلقها صاحبها لتثير جوا من الشك والحيرة والإنكار من دون ~~تركيز على العمق في مضمون الحقيقة الصارخة ، لأن المقصود هو إثارة الارتباك ~~في الساحة ، لا محاولة الوصول إلى النتائج الحاسمة من خلال الحوار. وهذا هو ~~ما يفعله الكثيرون من الناس الذين يعملون في أجهزة المخابرات التي تثير ~~الإشاعات والأقاويل بطريقة تستفز بها مشاعر الناس وغرائزهم بعيدا عما تدركه ~~عقولهم ، وذلك من خلال الأجواء الانفعالية التي تصنعها من أجل الوصول إلى ~~الأهداف السيئة. # ولو كان الجو جو حوار ، لأمكنهم أن يفهموا ms5300 بأن كلام السحرة يمكن أن ~~يتحداه السحرة الآخرون ، لأنهم يعرفون أصول السحر من الناحية الفنية ، ~~ولكنهم لم يفعلوا ذلك ، فالقضية فوق مستوى البشر ، لأنها من كلام الله. # * * * ### ||| ** ترهيب المكابرين بوصف جهنم # ( @QUR@02 سأصليه سقر ) التي هي اسم من أسماء جهنم ، أو منطقة من مناطقها ، PageV23P215 # ( @QUR@04 وما أدراك ما سقر ) وليس هذا التساؤل للاستفهام ولكنه للتهويل ~~الذي يهز مواقع الخوف في الذات ، ويحرك مكامن الرعب في الجو المحيط به ، ( ~~@QUR@04 لا تبقي ولا تذر ) لأنها تجتاح كل شيء ، فلا تبقى لحما إلا أكلته ، ~~ولا يبقى وراءها شيء ، ولا يفضل منها شيء ، ( @QUR@02 لواحة للبشر ) أي ~~لافحة للجلود حتى تدعها أشد سوادا من الليل ، ( @QUR@03 عليها تسعة عشر ) ~~من الملائكة الذين يحرسون جهنم ويقومون بالمهمات الموكلة إليهم من قبل الله ~~، فينفذونها بكل دقة وإخلاص ، لأنهم من عباد الله المخلصين الذين لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # وهكذا ينتهي الحديث عن هذا الإنسان الحاقد الذي يبث كل حقده في وجه ~~الرسالة والرسول ... ولنا ملاحظة مفادها أن الصورة التي تنقلها الرواية عن ~~الوليد تختلف عن الصورة التي تنقلها السورة في هذه الآيات ، لأن صورته في ~~الرواية هي صورة الإنسان الذي خشع قلبه ورق لآيات الله ، ولم ينطلق في ~~حديثه عن النبي إلا بطريقة موضوعية تناقش كل ما أثاروه حوله من صفة الشعر ~~والكذب والكهانة ، ولم ينطق بتهمة السحر إلا بعد الضغط عليه من أبي جهل في ~~كلمات مثيرة تهديدية ، تشير إلى ما يمكن أن يتعرض له من أعمال ضاغطة صعبة ~~يمارسها قومه ، أما في السورة ، فإن الصورة تمثل الإنسان العنيد الذي لا ~~ينفتح قلبه لآيات الله ، فيبادر من خلال حقده الذاتي ، وعقدته الخاصة ، ~~ليثير الموقف ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بكل الوسائل العدوانية التي ~~تبعد الناس عن الانفتاح عليه كرسول من قبل الله. # * * * PageV23P216 ### ||| * الآية # ( @QUR@058 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم ms5301 مرض والكافرون ~~ما ذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أصحاب النار ): خزنتها الموكلون عليها المتولون تعذيب ~~المجرمين فيها. # ( @QUR@01 فتنة ): الفتنة : المحنة والاختبار. # ( @QUR@01 ليستيقن ): الاستيقان : وجدان اليقين في النفس. # ( @QUR@02 جنود ربك ): الجموع الذين خلقهم الله وسائط لإجراء أوامره. # * * * PageV23P217 ### ||| ** وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة # ( @QUR@06 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) حدد الله ما أراد أن ~~يقوموا به من أدوار في عالم الآخرة ، وذلك هو غيب الله الذي يعلم أبعاده ~~سيما من جهة ما يعلمه من طاقة الملائكة على المهمات الصعبة التي قد لا ~~يستطيع البشر القيام بها ، مما لا يمثل فيه العدد شيئا مهما ، لأن من ~~الممكن أن يقوم ملك واحد بما لا يستطيع البشر أن يقوموا به ، كما نلاحظه في ~~حالة الملك الموكل بمهمة قبض أرواح العباد ، وهذا ما لم يدركه الكفار في ~~مكة عند ما سمعوا أن الملائكة الذين يشرفون على النار تسعة عشر ، فخيل ~~إليهم أن ذلك يمثل حالة ضعف في الموقف في النار ، فاستهانوا بها في أسلوب ~~ساخر ، وذلك في ما روي عن ابن عباس ، أنه لما نزلت ( @QUR@03 عليها تسعة ~~عشر ) قال أبو جهل لقريش : «ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة (1) يخبركم ~~أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل ~~من خزنة جهنم» (2) فقال أبو الأسد بن أسيد بن كلدة الجمحي ، وكان شديد ~~البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم الاثنين ، وهذا هو ما جعل ~~المسألة اختبارا وامتحانا للكافرين الذين يسارعون إلى الاعتراض والاستهزاء ~~بما لم يفهموا طبيعته وأبعاده الغيبية ، وذلك هو ما أشار إليه الله سبحانه ~~في قوله : ( @QUR@07 وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) الذين لم ~~يتابعوا الفكرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسألوه عن تفاصيلها ، ~~ليعرفهم ما عرفه الله إياه ، لأنهم ليسوا في موقع التفاهم القائم على ~~الحوار ، بل كانوا في مواقع الإنكار والسخرية ، أما الذين ms5302 يملكون علم الغيب ~~من خلال الوحي الذي أنزله الله على الأنبياء ، فإنهم يؤمنون بمصادر العلم ~~اليقينية في رسالات الله. PageV23P218 # ( @QUR@04 ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) من اليهود والنصارى عند ما يجدون ~~ذلك موجودا في كتبهم وفي معلوماتهم فيعرفون التطابق بين الكتب السماوية حول ~~هذه الحالة التي ذكرها الله في التوراة والإنجيل والقرآن. # * * * ### ||| ** استسلام المؤمنين المطلق لله ورسوله # ( @QUR@04 ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) في تسليمهم المطلق لله ولرسوله ، ~~مما أخبرهم به الوحي الإلهي ، وفسره لهم النبي من تفاصيله ، وما سمعوه من ~~حوارهم مع أهل الكتاب الذين يؤكدون لهم تلك المعلومات ... كل ذلك يقوي ~~إيمانهم في القاعدة الإجمالية والتفصيلية للمعرفة الدينية. # ( @QUR@06 ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) عند ما يعرفون حقيقة ~~المسألة ، بالتدبر والتأمل العميق ، ( @QUR@05 وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~) من المنافقين الذين يعتمدون سياسة الإرجاف وإثارة الشكوك في المجتمع ~~المسلم ليزيدوه حيرة وإرباكا ، ( @QUR@01 والكافرون ) الذين ركزوا موقفهم ~~على الإنكار من دون حجة ، لأنهم انطلقوا من مواقع العناد التي تعمل على ~~إسقاط الموقف بمختلف الوسائل الموجودة عندهم ، ولذلك فإن رد الفعل لديهم هو ~~أنهم بدأوا يقولون : ( @QUR@06 ما ذا أراد الله بهذا مثلا ) همهم إثارة ~~الكلمات لا الاستفهام ، والتحقير لا المعرفة. # إنهم يتساءلون بخبث كيف يمكن لهؤلاء الخزنة أن يكونوا بهذا العدد القليل ~~الذي لا يمكن له أن يقوم بتعذيب الجن والإنس كما يقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم . وهكذا كان هؤلاء الذين عاشوا الغفلة عن الحق ، ~~وتحركوا في مشاعر الخبث ، وانطلقوا في أجواء العبث الفكري الذي يواجه ~~الحقائق بمنطق السخرية واللامبالاة ، الأمر الذي أدى إلى ضلالهم ، في الوقت ~~الذي يواجه فيه المؤمنون الحقائق الدينية بالفكر والتأمل ، فيهتدون بذلك ، ~~لأنهم أخذوا PageV23P219 # بأسباب الهدى ، ( @QUR@05 كذلك يضل الله من يشاء ) له الضلالة من خلال ~~اختياره للأخذ بأسبابه ، ( @QUR@03 ويهدي من يشاء ) له الهدى عند ما يختار ~~لنفسه من أسباب الهدى إلى الله بالمعنى الذي لا يمنع من الاختيار ، لأن ~~النسبة تنطلق من طبيعة القوانين التي جعلها الله للأشياء من خلال الرابط ~~بين الأسباب ومسبباتها ، بما جعل فيه السبب ms5303 بيد الإنسان واختياره. # * * * ### ||| ** ما يعلم جنود ربك إلا هو # ( @QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو ) فهو الذي خلقهم بإرادته وبقدرته ، ~~وجعلهم في عالم الغيب الذي لا يعرف الناس منه إلا ما عرفهم به من وحيه ، ~~فليس لهم أن يطلقوا خيالاتهم ليصوروهم بما يثيره الخيال في أذهانهم من ~~أوهام ليقيسوهم على أنفسهم ، بما يتصورونه لهم من قدرة معينة في حجم قدرتهم ~~البشرية. # ( @QUR@05 وما هي إلا ذكرى للبشر ) فليس الهدف إلا إثارة حقائق الآخرة ~~التي تتمثل النار في جنباتها كموقع لعذاب الكافرين والمشركين ، كما تنطلق ~~الجنة في رحابها كموقع للنعيم والرضوان الذي يناله المؤمنون من رب العالمين ~~، مما لا مجال فيه للجدل ، بل الغاية كل الغاية فيه ، هي الذكرى التي تفتح ~~العقل والقلب والروح على ذلك كله ، لينطلق الإنسان بعيدا عن أجواء الغفلة ، ~~ليتقي الله في أمره وفي نهيه. # * * * PageV23P220 ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 كلا والقمر (32) @QUR@03 والليل إذ أدبر (33) @QUR@03 والصبح ~~إذا أسفر (34) @QUR@03 إنها لإحدى الكبر (35) @QUR@02 نذيرا للبشر (36) ~~@QUR@07 لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) (37) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أدبر ): إدبار الليل مقابل إقباله. # ( @QUR@01 أسفر ): إسفار الصبح : انجلاؤه وانكشافه. # * * * ### ||| ** تجلي العظمة الإلهية في المخلوقات # ( @QUR@01 كلا ) إنها كلمة الرفض التي تتكرر لمواجهة كل الأوهام التي ~~تعيش في أذهان الناس في قضايا العقيدة والحياة ، لتقول لهم : ليس الأمر كما ~~تتوهمون في خيالاتكم المرضية المعقدة ، بل هو ما تفرضه الحقيقة على الواقع ~~الوجداني الذي يعيش صفاء الفطرة في الإنسان ، لتتحول القناعة إلى قسم عظيم ~~بالظاهرة الكونية التي تفرض نفسها على الكون كله ، وهي ظاهرة القمر الذي ~~يريد الله للناس أن يتأملوا عظمته في شروقه وغروبه وخط سيره ، وفي تأثيره ~~على الليل في نوره الهادىء الوديع الذي يلامس الجفون بما يشبه الأحلام ، ~~وعلى كثير PageV23P221 # من الأوضاع الكونية في الأرض ، ليكون القسم وسيلة من وسائل التفكير به ~~وبالحقيقة التي يراد إثباتها. ( @QUR@01 والقمر ) أتراه كيف يفرض نفسه على ~~الكون لتتعرف من خلال ذلك كيف تفرض هذه الحقيقة نفسها على الواقع؟! # ( @QUR@03 والليل إذ أدبر ) وولى ليترك الأفق كله للنور القادم من قلب ~~الشمس التي تطرد بشعاعها ms5304 كل ظلام ، ( @QUR@03 والصبح إذا أسفر ) وكشف عن ~~وجهه المشرق الذي يتلألأ بكل حبات الضوء التي تتساقط من الأفق ، كما يتساقط ~~الندى على الزهور ، ثم ينهمر الضياء كالشلال عند ما يتدفق ، فيزداد الشروق ~~حتى يغمر الكون ... إنها الحقيقة : حقيقة الضياء الذي يهزم الليل ، وحقيقة ~~الصبح الذي يحدق بالكون في كل مواقعه حتى لا تبقى هناك أية زاوية لم يشرق ~~فيها النور ، وهكذا هي الحقيقة الدينية التي تشرق في الروح والقلب والضمير ~~، ليكون القسم بمواقع النور إيذانا بالنور في الحقيقة. # * * * ### ||| ** إنها لإحدى الكبر # ( @QUR@03 إنها لإحدى الكبر ) إنها سقر التي تفرض نفسها على الكافرين في ~~جهنم ، إنها إحدى العظائم الكبيرة التي لا يتحملها أحد. # ( @QUR@02 نذيرا للبشر ) الذين تهتز أعماقهم بكل تهاويل الخوف الذي يثيره ~~الله فيها لتفكر في الأمر بكل جدية ، وتراقب الموقف بكل مسئولية ، لتبقي ~~هؤلاء البشر مع ربهم ، في ما أمرهم به ونهاهم عنه. # ( @QUR@07 لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) لينطلق في خط التقدم في طاعة ~~الله الذي يدفع الإنسان إلى الأمام ليصل به الطريق إلى الجنة ، أو في خط ~~التأخر في معصية الله الذي يرجع به القهقرى إلى نار جهنم ، إنه الإنذار ~~الصارخ الأخير الذي لا بد للإنسان من أن يواجهه بكل إرادة المسؤولية في ذاته. # * * * PageV23P222 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 كل نفس بما كسبت رهينة (38) @QUR@03 إلا أصحاب اليمين (39) ~~@QUR@03 في جنات يتساءلون (40) @QUR@02 عن المجرمين (41) @QUR@04 ما سلككم ~~في سقر (42) @QUR@05 قالوا لم نك من المصلين (43) @QUR@04 ولم نك نطعم ~~المسكين (44) @QUR@04 وكنا نخوض مع الخائضين (45) @QUR@04 وكنا نكذب بيوم ~~الدين (46) @QUR@03 حتى أتانا اليقين (47) @QUR@04 فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين (48) @QUR@05 فما لهم عن التذكرة معرضين (49) @QUR@03 كأنهم حمر ~~مستنفرة (50) @QUR@03 فرت من قسورة (51) @QUR@09 بل يريد كل امرئ منهم أن ~~يؤتى صحفا منشرة (52) @QUR@05 كلا بل لا يخافون الآخرة (53) @QUR@03 كلا ~~إنه تذكرة (54) @QUR@03 فمن شاء ذكره (55) @QUR@011 وما يذكرون إلا أن يشاء ~~الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) (56) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 أصحاب اليمين ): هم الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يوم الحساب. # ( @QUR@01 سلككم ): أدخلكم. PageV23P223 # ( @QUR@01 نخوض ): الخوض : الاشتغال بالباطل قولا أو فعلا والغور فيه. # ( @QUR@02 بيوم الدين ): يوم الجزاء. # ( @QUR@01 حمر ): جمع حمار ms5305 ، والمراد : الحمر الوحشية. # ( @QUR@01 مستنفرة ): الاستنفار بمعنى النفر. # ( @QUR@01 قسورة ): القسورة : الأسد والصائد ، وقد فسر بكل من المعنيين. # ( @QUR@02 صحفا منشرة ): المراد هنا : الكتاب السماوي المشتمل على ~~الدعوة الحقة. # ( @QUR@01 تذكرة ): موعظة. # ( @QUR@03 فمن شاء ذكره ): اتعظ به. # * * * ### ||| ** كل نفس بما كسبت رهينة # ( @QUR@05 كل نفس بما كسبت رهينة ) هذه هي المعادلة الإنسانية في حساب ~~الله ، فقد جعل الله الإنسان يساوي عمله ، وجعل العمل عنوانا للمصير ~~المحتوم في الدار الآخرة ، مما يجعل الإنسان مرهونا بعمله ، محبوسا في ~~دائرته ، فإذا كان عمله خيرا وطاعة ، أطلقه الله لينطلق بكل حريته الروحية ~~إلى جنات النعيم ، وإذا كان عمله شرا ومعصية اشتد حبسه في دائرة الضيق ~~والضنك ، ليدخل إلى سجن جهنم الذي لن يخرج منه أبدا. # ولكن هناك جماعة من الناس قد أخلصت لله حتى عاشت الصفاء PageV23P224 # الروحي والاستقامة العملية في الآفاق الكبيرة المنفتحة على الله في رحاب ~~رحمته ورضوانه ، وهم أصحاب اليمين الذين يتميزون عن الناس بعمق العقيدة ~~وامتداد العمل ، وإخلاص الروح لله ، وهؤلاء هم الذين أطلقهم الله من ~~الارتهان ، لأنهم عاشوا مع الحرية بعد ما استطاعوا تحرير إرادتهم من الخضوع ~~للشيطان ، ولهذا كانوا في دائرة الاستثناء. # ( @QUR@03 إلا أصحاب اليمين ) الذين أخذوا مواقعهم في الدرجات العليا في ~~الحياة ، وأعطاهم الله الموقع الذي يستطيعون من خلاله أن يوجهوا أسئلتهم ~~للمجرمين الذين كانوا على علاقة بهم في الدنيا لقرابة أو صداقة أو جوار أو ~~نحو ذلك ... وها هم ( @QUR@05 في جنات يتساءلون* عن المجرمين ) الذين كانت ~~حياتهم تجسيدا للجريمة بعد ممارستهم للمحرمات التي تمثل الدائرة التي أراد ~~الله لهم أن يخرجوا منها ، أو تركهم الواجبات التي أراد الله لهم أن ~~يتحركوا في داخلها ، ( @QUR@04 ما سلككم في سقر ) ما هو السبب الذي أدى إلى ~~هذه النتيجة ، وألقاكم في وادي جهنم؟! # * * * ### ||| ** أسباب دخول الناس إلى النار # ( @QUR@05 قالوا لم نك من المصلين ) في ما تمثله الصلاة من الصلة بالله ، ~~والانفتاح عليه ، والعروج الروحي الذي يصعد الإنسان من خلالها إليه ، مما ~~جعلنا بعيدين عن مواقع رحمته ، وقريبين من مواضع غضبه وسخطه. # ( @QUR@04 ولم نك نطعم المسكين ) فقد ms5306 كان البخل هو الخلق الذي نتصف به في ~~مواجهتنا لحالات الحرمان التي يعيشها الناس ، فإذا رأينا مسكينا يعاني من ~~الجوع والعطش والعري رفضنا إعانته ، وقلنا : ( @QUR@06 أنطعم من لو يشاء ~~الله أطعمه ) [يس : 47] ونحو ذلك مما يتعلق بالحالات الأخرى للحاجة ، الأمر الذي PageV23P225 # جعل قلوبنا فارغة من الرحمة ، مملوءة بالقسوة ، مغلقة عن كل المشاعر ~~الإنسانية الحميمة ، وبعيدة عن كل معاني المسؤولية. # ( @QUR@04 وكنا نخوض مع الخائضين ) في وحول الأفكار والمواقف والكلمات ~~غير المسؤولة ، فلم تكن عندنا قاعدة فكرية ننطلق منها لنحدد مواقفنا على ~~أساسها ، ولم يكن لدينا منطلق للانتماء لنتعرف من خلاله على مواقعنا. وعلى ~~ضوء ذلك ، كنا نحدق بالناس أين يتحركون لنتحرك معهم ، وكنا نلاحق الأوضاع ~~كيف تتغير لنتغير معها ، وكانت أحاديث الناس التي تدور حول شخص ما ، أو جهة ~~معينة ، هي الأحاديث التي ننفتح عليها ، ونندمج فيها ، ونتبنى كل أفكارها ، ~~لنرددها مع الذين يرددونها ، أو لنؤيدها مع الذين يؤيدونها ، فليست المشكلة ~~عندنا انسجامها مع الحقيقة ، بل المشكلة هي كيف ينظر الناس إليها ، وكيف ~~يلتزمونها في الوجدان العام ، وهذا الذي جعلنا نخطئ من حيث لا يجوز لنا ~~الخطأ ، ونظلم من لا يستحق الظلم ، ونحكم بالباطل من دون حجة ، ونتنكر للحق ~~من دون أساس ، لأننا كنا لا نعيش فكرنا بفعل ما ينتهي إليه العقل من نتائج ~~، ولا تتحرك مسئوليتنا بفعل ما تحدده المسؤولية لنا من مواقع ، بل كان ~~الآخرون هم الذين يحددون لنا ذلك كله ، ولهذا فقدنا رضوان الله علينا ، لأن ~~الله يرضى عن الذين يملكون الحجة من حيث يملكون حركة عقولهم ، ويواجهون ~~القضايا من موقع المسؤولية الواعي ، بين يدي الله. # ( @QUR@04 وكنا نكذب بيوم الدين ) وهو يوم الجزاء الذي يقف فيه الناس ~~جميعا للحساب ، ليحاسبهم الله على ما عملوه من خير وشر ، وكان لهذا التكذيب ~~أثره في إبعادنا عن مراقبة أعمالنا وأقوالنا وعلاقاتنا في خط المسؤولية ~~أمام الله ، بل كانت كل اهتماماتنا في مصالحنا الدنيوية وأهوائنا الذاتية ، ~~لأننا كنا نعتبر الحياة التي نحياها نهاية المطاف ، فلم يكن لدينا أي مبرر ~~للتفكير بما هو ms5307 خارج الحياة ، مما يختزنه الغيب الذي لم يكن لنا سبيل إلى ~~الإحساس به ، ولم تكن PageV23P226 # الرسالات التي جاء بها الرسل واردة في حسابنا كمصدر لمعرفة الحقيقة ، لأن ~~نوازعنا الذاتية ، وتقاليدنا التاريخية ، كانت ترفض ذلك ، وهذا ما جعلنا ~~نصل إلى الدار الآخرة من دون أية فرصة للخلاص. # ( @QUR@03 حتى أتانا اليقين ) وهو الموت الذي لا بد منه ، حيث انفتحت ~~أمامنا كل الآفاق الغيبية الجديدة التي لا عهد لنا بها ، ووقفنا نحدق ~~بالمشاهد الخارقة للقيامة في مواقف الحساب بين يدي الله وفي نتائجه ~~المتحركة بين الخير الذي يدفع بصاحبه إلى الجنة ، وبين الشر الذي يدفع ~~بصاحبه إلى النار ... وهكذا كانت المفاجأة التي لم نحسب لها أي حساب ، ولم ~~يكن لنا مجال للرجوع ، لأن الآخرة هي نهاية المطاف التي لا رجوع عنها. # * * * ### ||| ** الشفاعة لمن يرتضي الله # ( @QUR@04 فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) لأن الشفاعة تخضع للقواعد التي ~~يضعها الله للناس الذين يرتضي شفاعتهم ليكرمهم بذلك في الآخرة من خلال ~~حكمته ، فلا تتحرك الشفاعة إلا في أجواء الإيمان بالله وبالرسل وبالآخرة ~~بما يستتبعه ذلك من قواعد لضبط القول والعمل على خط المسؤولية ، فكيف ينتفع ~~بها هؤلاء الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يؤمنون بالآخرة ، ويتحركون في ~~المواقف من دون قاعدة. # ( @QUR@05 فما لهم عن التذكرة معرضين ) ما هو السبب الذي يمنعهم من ~~الإقبال على الحقائق الفكرية ، المتصلة بعقيدة التوحيد وباليوم الآخر ، من ~~خلال الآيات القرآنية التي بلغها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لتفتح ~~عقولهم على آفاق الحق ، ليتذكروا وليفكروا ، ليتعرفوا على عمق الفكر الذي ~~يقودهم إلى سلامة المصير؟! # إنه السؤال الذي يطرح نفسه على كل واقع الغفلة المطبقة على عقول PageV23P227 # الناس الذين يرفضون أية تذكرة تنقذهم منها. هل هي الألفة التي عاشوها في ~~داخلهم لعقائدهم الضالة ، فلا يطيقون الابتعاد عنها ، أو هي الامتيازات ~~الذاتية أو الطبقية التي حصلوا عليها في مواقعهم الاجتماعية ، فيخافون من ~~زوالها إذا انفتحوا على الإيمان بالله ، أو هي حالة التخلف الفكري ~~والانحطاط الروحي اللذين يمنعانهم من الدخول في حالة الوعي الجديدة ، ~~المنفتحة على ms5308 المسؤولية الفكرية والروحية في مضمون الرسالة الجديدة ، فلا ~~يجدون أمامهم إلا النوافذ المغلقة. # إنها مشكلة الإنسان البعيد عن الحق في كل زمان ومكان. # * * * ### ||| ** فرار المشركين من الهدى # ( @QUR@03 كأنهم حمر مستنفرة ) أرأيت الحمر الوحشية التي تعيش حالة ~~الاستنفار والذعر التي تدفعها إلى الهرب ، ( @QUR@03 فرت من قسورة ) وهو ~~الأسد الذي يلاحقها ليفترسها. إن حالة المشركين شبيهة بحال هؤلاء في فرارهم ~~من الرسول وهو يدعوهم إلى الهدى ، إذ يخيل إليهم أنه يهجم عليهم ليفترس ~~أفكارهم الضالة ، وتقاليدهم البالية ، فيهربون من بين يديه ، خوفا من أن ~~ينفذ إلى قناعاتهم فينزع عنها كل تلك الأغشية الجاهلية التي كانت تحجب نور ~~الحقيقة عنهم. # ( @QUR@09 بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ) أي أن المسألة قد ~~لا تكون مسألة غفلة أو خوف ونفرة ، بل هي حالة الاستكبار الذي يعيشونه في ~~شخصياتهم ، فيخيل إليهم أن مستواهم ليس هو مستوى الناس الذين يرسل الله ~~إليهم رسولا لا يملك المستوى الذي يملكونه في الوسط الاجتماعي ، بل لا بد ~~من أن ينزل الله على كل واحد منهم كتابا سماويا خاصا به ليتناسب ذلك مع ~~طموحاتهم الذاتية. PageV23P228 # وقد لا تكون هذه الطروحات حقيقة في ما يفكرون به ، بل قد تكون مسألة تحد ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما يدعوهم إليه ، ليعطلوا عليه حركة الدعوة ~~في مجتمعاتهم ، لأنهم يعرفون أنه لا يستجيب لهم في ذلك لأنه طلب غير معقول ~~وغير واقعي ، لأن قضية الرسالة ليست عبثا يخضع للتمنيات ، ولكنها حاجة ~~واقعية تنبعث من إرادة الله المنطلقة من الحكمة الإلهية في إرسال رسله ~~وإنزال رسالاته. # * * * ### ||| ** لا يخافون الآخرة # ( @QUR@05 كلا بل لا يخافون الآخرة ) إنه الرفض لكل كلماتهم ، لأن ~~المسألة في طلبهم هذا ، إذا كانت مسألة البرهان الذي يثبت حقيقة الرسالة ، ~~فإن الرسالة التي جاء بها الرسول تملك الكثير من البينات على ذلك ، لكنهم ~~ليسوا جادين في طلبهم ، بل المسألة أنهم لا يحسبون حسابا للآخرة وما فيها ~~من أهوال وآلام وعقوبات وإلا لدفعهم الخوف من الآخرة إلى مواجهة المسؤولية ~~الرسالية من موقع ms5309 الحوار الهادىء القائم على التفكير والتأمل الهادىء. # * * * ### ||| ** ما القرآن إلا تذكرة # ( @QUR@01 كلا ) فلا قيمة لهم ، ولن يستجيب الله لاقتراحاتهم ، ( @QUR@02 ~~إنه تذكرة ) فهذا القرآن أنزله الله ليكون تذكرة تكشف الحقيقة ، وترشد إلى ~~المنهج السليم للوصول إليها عبر صنع الوجدان الفكري والروحي للإنسان ( ~~@QUR@03 فمن شاء ذكره ) @QUR@01 . # @QUR@06 وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) لأن للذكرى أسبابها الداخلية في ~~عمق النفس PageV23P229 # الإنسانية ، والخارجية في الظروف المحيطة بها ، وذلك من خلال القوانين ~~التي أودعها الله في الطبيعة الإنسانية وما يتصل بها من أوضاع وأحداث ، وهي ~~من الأمور الخاضعة لتقدير الله من جهة هذا الرابط بين فعل الإنسان وإرادة الله. # ( @QUR@03 هو أهل التقوى ) الذي ينبغي أن يتقى في ما يراقب الإنسان فيه ~~نفسه ، ( @QUR@02 وأهل المغفرة ) في ما يتعلق به الإنسان من مغفرته للذنوب ~~التي جناها على نفسه ، مما يوحي بالولاية الإلهية المهيمنة على الإنسان كله ~~في خط الهداية وفي خط المغفرة. # * * * PageV23P230 ### | سورة القيامة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها أربعون PageV23P231 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة من السور المكية التي كانت تعالج مسألة الإيمان في المجتمع ~~الجاهلي الذي استغرق في الجانب المادي حتى حول المادة إلى إله ، وعدد ~~نماذجها ليعدد الآلهة من خلال ذلك ، وأغلق كل نوافذ النفس عن مشارق النور ، ~~فلم يسمح لعلامات الاستفهام أن تتحرك لمواجهة الحقيقة ، ولم يوح للفكر بأية ~~فرصة لنقد الواقع الذاتي والموضوعي ، فلا انفتح على أفكار القيامة في اليوم ~~الآخر ، ولا على النفس الإنسانية في نوازعها وهواجسها. إن هذه السورة التي ~~نبهت الإنسان إلى يوم القيامة ، طافت به في آفاق وجوده منذ أن كان نطفة حتى ~~تحول إلى إنسان ينقسم في نوعيته إلى الذكر والأنثى ، ليؤكد له جدية خلقه ، ~~فلا يمكن لله أن يتركه سدى ، بل حمله المسؤولية من خلال الكتاب الذي أنزله ~~على رسله ، ومنه القرآن الذي أشارت السورة إلى أن الله يتكفل بجمعه وقرآنه ~~، ويسهل على الناس معرفته وبيانه ، إذ ليس هناك مشكلة من هذه الجهة. ثم ~~تثير السورة مسألة قدرة الله على إحياء الموتى من خلال قدرته على تنمية ~~الحياة ، فالنطفة تتطور ms5310 إلى علقة فإلى خلق سوي ، وقدرته على PageV23P233 # تسوية أصابعه التي هي النموذج البارز في دقة القدرة في خطوطها المتشابكة ~~الدقيقة التي تتقدم في طبيعتها الإبداعية وصعوبتها الوجودية على ما يستبعده ~~الكافرون من جمع العظام ... وهكذا كان يوم القيامة يمثل حقيقة كونية ~~إيمانية سوف يواجهها الإنسان عند تغير المشاهد الكونية التي تقلب الأوضاع ~~رأسا على عقب ، مما تجعله يشعر بالحاجة إلى الفرار ، ولكن إلى أين؟ ليس ~~هناك إلا الله الذي يقف الإنسان أمامه غدا ليعرفه ما قدمه وأخره. # ويأتي دور النفس اللوامة في حركة الإنسان في الحياة لتقوم معه بعملية ~~نقدية لكل أعماله وأقواله وأوضاعه وعلاقاته ، ليتوازن في دنياه ، وليعرف ~~نفسه ، وليكون على بصيرة من أمره ، فهو الذي يعرف نقاط ضعفه أكثر مما ~~يعرفها الآخرون ، بعيدا عن الأعذار التي يحاول أن يغطي بها ذلك. # وهكذا قامت هذه السورة بجولة متحركة في أكثر من موقع ، لكنها تمحورت حول ~~الحديث عن يوم القيامة ، باعتبار أن هذا اليوم يمثل العنوان الكبير لكل ~~مفردات الحياة الإنسانية التي يريد الله لها أن تكون متحركة في خط السلامة ~~في الآخرة. # * * * PageV23P234 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 لا أقسم بيوم القيامة (1) @QUR@04 ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) ~~@QUR@05 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) @QUR@06 بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه (4) @QUR@05 بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) @QUR@04 يسئل أيان يوم ~~القيامة (6) @QUR@03 فإذا برق البصر (7) @QUR@02 وخسف القمر (8) @QUR@03 ~~وجمع الشمس والقمر (9) @QUR@05 يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا ~~@QUR@02 لا وزر (11) @QUR@04 إلى ربك يومئذ المستقر (12) @QUR@06 ينبؤا ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) @QUR@05 بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ~~@QUR@03 ولو ألقى معاذيره ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 بالنفس اللوامة ): نفس المؤمن التي تلومه في الدنيا على ~~المعصية. # ( @QUR@01 أيحسب ): الحسبان : الظن. # ( @QUR@01 بنانه ): البنان : الأصابع. وتسوية البنان : تصويرها على ما ~~هي عليه من الصور. PageV23P235 # ( @QUR@01 ليفجر ): قال الراغب : الفجر شق الشيء شقا واسعا. قال : ~~والفجور شق ستر الديانة ، يقال : فجر فجورا فهو فاجر وجمعه فجار وفجرة (1). # ( @QUR@02 برق البصر ): بريق البصر : تحيره في إبصاره ودهشته. # ( @QUR@02 وخسف القمر ): خسوف القمر : زوال نوره. # ( @QUR@02 أين المفر ): أين موضع الفرار. # ( @QUR@01 وزر ): الوزر : الملجأ ms5311 من جبل أو حصن أو غيرهما. # ( @QUR@01 بصيرة ): رؤية القلب والإدراك الباطني ، والمراد بالبصيرة : الحجة. # ( @QUR@01 معاذيره ): المعاذير : جمع معذرة ، وهي ذكر موانع تقطع عن ~~الفعل المطلوب. # * * * ### ||| ** لا أقسم بيوم القيامة .. ولا بالنفس اللوامة # ( @QUR@04 لا أقسم بيوم القيامة ) قيل : إن «لا» رد على الذين أنكروا ~~البعث والنشور من المشركين فكأنه قال : لا ، كما تظنون ، ثم ابتدأ القسم ~~فقال : أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون ، ليكون فرقا بين اليمين التي تكون ~~جحدا وبين اليمين المستأنفة ، وقيل : إنها زائدة ، وقيل : معناه لا أقسم ~~بيوم القيامة لظهورها بالدلائل العقلية والسمعية ، وقيل : معناه لا أقسم ~~بيوم القيامة فإنكم لا تقرون بها ، ولعل أقرب الوجوه هو الوجه الثالث الذي ~~يجعل من الكلمة إيحاء بالقسم على أساس أنه في مستوى القسم به ، ولكن لا ~~ضرورة لذلك ، لأن الوضوح يوحي بأن الحقيقة لا تحتاج إلى تأكيد بالقسم ، فهي ~~تفرض نفسها على الوجدان بشكل مباشر. PageV23P236 # ( @QUR@04 ولا أقسم بالنفس اللوامة ) أي لا أحتاج إلى القسم بها ، مع ~~أنها في مستوى القسم من خلال قيمتها في ميزان حركة الوجود الإنسانية في ~~ارتفاعه إلى الأعلى ، باعتبار أنها تعمل على تخفيف الأثقال الروحية ~~والأخلاقية التي تشد الإنسان إلى الأسفل ، لينطلق من موقع إنسانيته في ~~حالات الصفاء الروحي الذي ينفتح به على الله ، وبذلك كانت تمثل قمة النموذج ~~الإنساني في أصالة التجربة الحية الواعية في حركة الحياة في داخله. # * * * ### ||| ** ما هو مفهوم النفس اللوامة؟ # ولكن ما هو مفهوم النفس اللوامة؟ # قيل المراد به النفس الإنسانية التي تعم النفس المؤمنة الصالحة والكافرة ~~الفاجرة فإنها تلوم الإنسان يوم القيامة ، أما الكافرة فعلى كفره وجحوده ، ~~وأما المؤمنة فعلى قلة الطاعة وعدم الاستكثار من الخير. # وقيل : هي النفس المؤمنة التي تلوم نفسها في الدنيا وتحاسبها فتقول : ~~ماذا فعلت؟ ولم قصرت؟ فتكون مفكرة في العواقب أبدا ، والفاجرة لا تفكر في ~~أمر الآخرة ولا تفكر في العواقب. # ولعل هذا هو الوجه الأقرب ، لأن مسألة اللوم في يوم القيامة ، لا تمثل أي ~~تأثير على مستوى حركية الإنسان في الارتفاع بموقفه إلى الأعلى ، فلا ms5312 تكون ~~قيمة في المعنى الإنساني الكبير ، لأنها لا تمارس إلا حالة طبيعية ناشئة من ~~الاصطدام بالواقع على أساس الخسارة ، أو على مستوى الربح القليل الذي كان ~~من الممكن أن يكون كثيرا ، كما كان من الممكن أن لا تكون هناك خسارة. أما ~~اللوم الذي يتابع كل أفكار الإنسان وكل أقواله وأفعاله وعلاقاته PageV23P237 # ليواجه الموقف بالتعديل والتغيير ، وليخفف عن الإنسان كل أثقال السلبيات ~~الأخلاقية ، وليدفعه إلى التوازن في الدنيا الذي يؤدي به إلى التوازن في ~~المصير في الآخرة ... أما هذا اللوم ، فإنه يمثل القيمة التي تكون في مستوى ~~القسم ، ولعل الحديث عن النفس اللوامة في أجواء الحديث عن يوم القيامة ، ~~يوحي بأن النفس اللوامة هي التي تتعاطى مع مسألة يوم القيامة بالجدية ~~اللازمة التي تدفع بالاحتمال الفكري في ما يثأر من قضايا الغيب إلى ~~الملاحقة الفكرية بالتأمل والتدبر والحوار ، لتصل من خلال ذلك كله إلى ~~القناعات الواعية الثابتة القائمة على الدليل والبرهان ، لأن عمق اللوم على ~~الغفلة وعلى التقصير ، لا يترك النفس سادرة في هواها وفي غفلتها ، ولا يقف ~~بها في أجواء اللامبالاة تجاه ما يثأر حولها من قضايا ، لا سيما إذا كانت ~~القضية تتصل بالمصير الأبدي ، مما يجعلها في مستوى الأهمية الكبرى في مواقع ~~الفكر والإيمان. # إنها الحقيقة التي لا مجال فيها لأي ريب أو استبعاد مما يمكن أن يثيره ~~الناس في العقول على أساس ما درجوا عليه من خضوع الإيمان للحس المألوف ~~لديهم ، ليقيسوا الأشياء غير المرئية ، على الأشياء المرئية ، فيكون عالم ~~الغيب خاضعا لعالم الحس ، وهذا ما تعالجه الآيات التالية. # * * * ### ||| ** أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه؟ # ( @QUR@05 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) عند ما تتناثر وتتفرق وتتحول ~~إلى قطع صغيرة ، أو ذرات دقيقة ضائعة في التراب؟ وهذا ما يدعوه إلى الإنكار ~~الارتجالي السريع ، لصعوبة تصور جمع كل هذه القطع والأجزاء لتتحول إلى PageV23P238 # هيكل عظمي متماسك ، ثم لتكتسي باللحم ، ثم لتدب فيها الحياة بعد أن تأخذ ~~صورتها الإنسانية الطبيعية ، ولكن لماذا يجد الإنسان صعوبة في هذا التصور؟ ~~ولماذا يسارع إلى الإنكار؟ ms5313 فما عليه إلا أن يدقق في روعة الإبداع في خلق ~~أعضاء جسده ، ليعرف أن الله القادر على أن يبدع ما هو أكثر خطورة ، وأشد ~~صعوبة ، بحسب طبيعته ، قادر على خلق غيره ، لأنه الأسهل والأقل خطورة ... ( ~~@QUR@01 بلى ) إن الله الخالق يؤكد القدرة على جمع عظامه لقدرته على ما هو ~~أكبر من ذلك ... ( @QUR@05 قادرين على أن نسوي بنانه ). # * * * ### ||| ** لماذا التركيز على البنان كمظهر للقدرة؟ # وقد ذكر بعض المفسرين أن مسألة الحديث عن تسوية البنان ، كناية عن إعادة ~~التكوين الإنساني بأدق ما فيه ، وإكماله بحيث لا تضيع منه بنان ولا تختل عن ~~مكانها ، بل تسوى تسوية لا ينقص معها عضو ، ولا شكل هذا العضو ، مهما صغر ~~ودق (1). # ولكننا نلاحظ على هذا التفسير بأن استبعاد هذا الإنسان جمع العظام سوف ~~يستتبعه استبعاد جمع الأشياء الدقيقة في نطاق إعادة التكوين الإنساني ، ~~فتكون الآية الثانية مجرد تأكيد للموضوع الذي ينفيه الإنسان الكافر بالآخرة ~~من دون إضافة أي دليل ، لتبقى المسألة في دائرة الإيحاء بالفكرة لا في ~~دائرة الاستدلال عليها. # وهناك تفسير آخر وهو : «والمعنى : بلى نجمعها ، والحال أنا قادرون PageV23P239 # على أن نصور بنانه على صورتها التي كانت عليها بحسب خلقنا الأول. # وتخصيص البنان بالذكر لعله للإشارة إلى عجيب خلقها بما لها من الصور ~~وخصوصيات التركيب والعدد ، إذ تترتب عليها فوائد جمة لا تكاد تحصى من أنواع ~~القبض والبسط ، والأخذ والرد ، وسائر الحركات اللطيفة والأعمال الدقيقة ~~والصنائع الظريفة التي يمتاز بها الإنسان من سائر الحيوان ، مضافا إلى ما ~~عليها من الهيئات والخطوط التي لا يزال ينكشف للإنسان منها سر بعد سر» (1). # ولعل هذا أقرب إلى طبيعة الجو الاستدلالي في الآية ، وقد يضاف إلى أسرار ~~الإبداع في خلق البنان ، أنها تمثل في خطوطها الدقيقة دليل الشخصية ، لأن ~~الناس يختلفون في بصمات أصابعهم ، بحيث لا يتفق واحد في ذلك مع الآخر ، ~~مهما اقتربت علاقاتهم النسبية ، مما يجعل من معرفة طبيعة البصمة سبيلا ~~لمعرفة صاحبها لاكتشاف مسئوليته عن الجريمة ونحوها من القضايا المتصلة ~~بمسؤولية الناس في قضاياهم العامة والخاصة. # * * * ### ||| ** مشكلة ms5314 الكافر أنه لا ينظر إلى الأمور نظرة بعيدة # ولكن مشكلة الإنسان الكافر ، أنه لا يركز عقله ، ولا يحركه في الاتجاه ~~الصحيح الذي يكشف من خلاله الحقائق ، ( @QUR@05 بل يريد الإنسان ليفجر ~~أمامه ) ليحول امتداد عمره في ما يستقبله منه إلى حركة في الانحراف العقيدي ~~الذي يمثل حالة من الفجور الفكري يمتد إلى الفجور العملي ، لأن الإنسان ~~الذي لا يؤمن بالآخرة يشعر بالحرية المطلقة تجاه كل المعاصي التي يقوم بها ~~، لأنها لا تحمل أية مسئولية جزائية في مفهومه ، فلا تعود للقضايا الكبيرة ~~معانيها في القيم PageV23P240 # الأخلاقية العملية في الحياة. # ( @QUR@04 يسئل أيان يوم القيامة ) ليؤكد فجوره الفكري المتمثل بالتشكيك ~~بالآخرة بطريقة إثارة علامات الاستفهام حوله ، على سبيل إشاعة أجواء الشك ~~بين الناس ، أو على سبيل السخرية والاستهزاء ، ولكن هل يستمر هذا الإنسان ~~في هذا الجو المتمرد المعاند ، العابث بالحقائق ، وهل يبقى له هذا ~~الاسترخاء اللاهي العبثي؟ # إن المفاجأة المرعبة المروعة سوف تصدم كل كيانه ، وكل لهوه وعبثه. # ( @QUR@03 فإذا برق البصر ) وتحير وتقلب وخطف ، كما هو البرق في تقلبه ~~وخطفه ، فلم يستقر على شيء ، ( @QUR@02 وخسف القمر ) وذهب نوره ، ( @QUR@03 ~~وجمع الشمس والقمر ) في فضاء واحد ، بعد أن كانا منفصلين ، واختل نظامهما ~~المعهود ، وانتهي النظام الكوني في توازن الزمن على خط الليل والنهار ، عند ~~ذلك يحيط الذعر بهذا الإنسان من كل جانب ، فهو يواجه الآن وضعا صعبا من ~~أكثر الأوضاع خطورة ، لأنه لا يفهم شيئا مما يراه أو يحيط به ، ولذا كان ~~السؤال الصعب الذي يلح على وجدانه ، في عملية هروب من هذا الواقع ، في ما ~~يشبه الصراخ المذعور ، ( @QUR@05 يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) لأن ~~الآفاق مغلقة أمامه ، فعوامل التغيير قد شملت الكون كله ، وليس هناك أفق ~~مفتوح يمكن أن ينفذ إليه ليجد فيه سلامته ، ( @QUR@03 كلا لا وزر ) أي ليس ~~هناك ملجأ. والوزر ما يتحصن به من جبل أو حصن أو كهف أو غيرها ، لأن الله ~~الذي يملك الكون كله هو المحيط به من جميع الجهات ، فكيف يمكن أن يحصل هذا ~~الإنسان على فرصة الفرار من ms5315 الله لينجو من عقابه ، ( @QUR@04 إلى ربك يومئذ ~~المستقر ) فهناك نهاية المطاف الذي يقف فيه الإنسان ليواجه مصيره المحتوم ~~الأخير ، فلن يتحرك من مكانه إلى مكان آخر ، لأن الرحلة إلى الله هي رحلة ~~النهاية الأبدية ، فلا موت بعدها ليغيب الإنسان في ظلماته ، ولا أفق آخر ~~ليبتعد الإنسان عن واقعه إليه ، بل هو الاستقرار الذي PageV23P241 # يمنع الحركة والتحول ، لأن الله هو وحده الذي تقف الحركة عنده ، وتتحول ~~الأشياء إليه ، ( @QUR@06 ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) من أعماله ~~الحسنة والسيئة من أول عمره إلى آخره لتكون النتيجة أن يواجه مصيره لينتهي ~~إلى الجنة أو النار تبعا لعمله. # * * * ### ||| ** بل الإنسان على نفسه بصيرة # ( @QUR@05 بل الإنسان على نفسه بصيرة ) بما تمثله كلمة البصيرة من وضوح ~~الرؤية للأشياء بحيث لا يغيب منها شيء ، لأن إشراق الحقيقة ينفذ إلى كل ~~زاوية من زوايا حياته ، فيعرف عمق نواياه ، وطبيعة أعماله ، ولعل إطلاق ~~كلمة البصيرة على الإنسان من باب المبالغة بحيث يخيل إلينا أنه تحول إلى أن ~~يكون تجسيدا للبصيرة في رؤية القلب ، وإدراك الداخل ، كقولهم : زيد عدل. ( ~~@QUR@03 ولو ألقى معاذيره ) فحاول أن يقدم أعذاره التي تخفي طبيعة السوء في ~~عمله ، وحركة الجريمة في حياته ، لأنه يعرف نفسه بنور بصيرته كيف كان عمله ~~، وكيف كانت حركته ، ولهذا فلا يقبل منه أي عذر لأنه لا يمثل الحقيقة ~~الصارخة في واقعه العملي. # وقد جاء في الكافي ، بإسناده عن عمر بن يزيد قال : إني لأتعشى مع أبي عبد ~~الله «جعفر الصادق» عليه السلام ، إذ تلا هذه الآية ( @QUR@08 بل الإنسان ~~على نفسه بصيرة* ولو ألقى معاذيره ) ثم قال : يا أبا حفص ، ما يصنع الإنسان ~~أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه؟ إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر» (1). # وجاء في مجمع البيان نقلا عن تفسير العياشي ، «بإسناده عن محمد بن PageV23P242 # مسلم عن أبي عبد الله «جعفر الصادق» عليه السلام قال : ما يصنع أحدكم أن ~~يظهر حسنا ms5316 ويسر سيئا أليس إذا رجع إلى نفسه ، فيعلم أن ذلك ليس كذلك ، ~~والله سبحانه يقول : ( @QUR@05 بل الإنسان على نفسه بصيرة ) إن السريرة إذا ~~صلحت قويت العلانية» (1). # وهذا ما ينبغي لنا أن نستوحيه ، في مجال التربية الإنسانية الإسلامية ، ~~وذلك من أجل بناء شخصية الإنسان على أساس أن يكون ظاهره موافقا لباطنه ~~لتتحد عنده عناصر الشخصية الداخلية والخارجية ، ويكون إيمانه بنفسه منطلقا ~~من وضوح الرؤية لديه في دوافعه وخفاياه ومواقع حركته في أجواء الآخرين ، ~~وعليه أن يصارح نفسه بسلبياته ، كما يصارحها بإيجابياته ، وأن تكون له ~~شجاعة الاعتراف بالخطإ أمام الناس ، فلا يعمل على أن يعطيها صورة الصواب ~~ليدفعه ذلك إلى تغييره عند ما يرى تأثيره على حياته وعلى نظرة الناس إليه ، ~~بينما يكون الإصرار عليه ومحاولة الدفاع عنه موجبا للاستغراق فيه والثبات ~~عليه ، مما يجعله مشوة الشخصية يعيش الازدواجية بين ما يعيشه في الداخل ، ~~وبين ما يتحرك فيه في الخارج. # * * * PageV23P243 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) @QUR@04 إن علينا جمعه وقرآنه ~~(17) @QUR@04 فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) @QUR@04 ثم إن علينا بيانه ) (19) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور للسيوطي : «أخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد ~~والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن ~~أبي حاتم ، وابن الأنباري في المصاحف ، والطبراني ، وابن مردويه ، وأبو ~~نعيم والبيهقي معا في الدلائل ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة ~~أن ينفلت منه يريد أن يحفظه ، فأنزل الله : ( @QUR@010 لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه ) قال : إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم ~~تقرأه ، ( @QUR@02 فإذا قرأناه ) يقول : إذا أنزلناه عليك ، ( @QUR@02 ~~فاتبع قرآنه ) فاستمع له وأنصت ، ( @QUR@04 ثم إن علينا بيانه ) نبينه ~~بلسانك ، وفي لفظ : علينا أن نقرأه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك إذا أتاه جبريل أطرق ، وفي لفظ : استمع فإذا ذهب قرأ كما وعده الله ~~عز وجل » (1). PageV23P244 # قد تكون هذه الرواية صحيحة وقد لا تكون ، وربما كانت اجتهادا شخصيا ms5317 في ~~التفسير ، مما لا يجعلها حجة في فهم معنى الآية ؛ لذا لا بد من دراسة أجواء ~~هذه الآيات وكلماتها ، وفي هذا المجال نلاحظ أن هذه الآيات لا تتفق في ~~مضمونها مع ما يحيط بها أولا أو آخرا من الآيات المتصلة بالقيامة في ~~تفصيلات أحداثها ، أو الأحداث السابقة عليها ، أو الأفكار المتعلقة بها ، ~~فهي واردة مورد الجمل المعترضة التي قد تكون لها بعض المناسبة ، وليس ~~المناسبة كلها. # ولعل الجو الذي يسود هذه الآيات قريب من الحالة النفسية التي كان يعيشها ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول الآيات السابقة ، بحيث إنه كان ~~يتابع كلمات القرآن عند تلاوة جبريل لها ، فيرددها معه ويلاحقه في الترديد ~~حذرا من أن تفوته كلمة أو ينساها ، لأن مسئوليته هي الوعي الكامل للقرآن ~~ليبلغه للناس بكل دقة. # وقد تكون المسألة بطريقة الكناية ، بعيدا عن أية حالة طارئة للنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم آنذاك ، فتكون تأكيدا على كفالة الله للقرآن بحيث لا ~~يحتاج إلى السرعة في ملاحقة الرسول الملائكي بالتلاوة وبالاستعجال بها عند ~~سماعه ، ولعل هذا أقرب إلى الذهن ، والله العالم. # * * * ### ||| ** لا تحرك به لسانك لتعجل به # ( @QUR@06 لا تحرك به لسانك لتعجل به ) في متابعة سريعة للتلاوة ، لأن ~~الله قد تكفل بجمعه وتسهيل قراءته بكل دقة ، وتكفل بحفظه من التحريف ~~بالزيادة أو النقصان ، ( @QUR@04 إن علينا جمعه وقرآنه ) أي قراءته عليك ~~لتردده في كل وقت كما تشاء ، وليردده المسلمون معك ، وسنجمعه بكل كلماته ~~لنضم بعضها إلى PageV23P245 # بعض ... فلما ذا العجلة ، ولماذا الخوف من نسيانه؟ # ( @QUR@04 فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) في اتباع كلماته المقروءة بكل هدوء ~~وخشوع في استغراق واع لكل معانيه. # وربما فسر البعض الاتباع بالسير على وقف أوامره ونواهيه في الجانب العملي ~~، ولكن السياق لا يتناسب معه ، لأن الجو جو حفظ القرآن والاحتفاظ به ، لا ~~جو الاتباع العملي. # ( @QUR@04 ثم إن علينا بيانه ) حتى تتبين حروفه لك وللناس من خلالك ، كما ~~تتبين معانيه ، ليعيش في أذهانهم على مستوى الوضوح في الكلمة وفي الجو وفي ~~المضمون ، لأنه ms5318 جاء نورا للناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، فلا يمكن أن ~~يبقى فيه التباس أو غموض. # وقد أثار البعض من المفسرين الحديث في جو مناسبة الآية عن نزول القرآن ~~دفعة واحدة قبل نزوله تدريجيا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسبما ~~جاء في بعض الروايات ، التي ذكرت أن النبي كان يسبق جبريل إلى ترديده في ~~المرحلة التدريجية قبل أن يكمل كلامه ، مما كان يحفظه الرسول منه. # ولكننا نلاحظ على ذلك ، أن القضية لو كانت كما ذكر في هذه الروايات لما ~~كانت هناك ضرورة إلى التأكيد على جمعه وقرآنه ، لأنه مجموع بجملته في ~~النزول الدفعي الأول ، مما يجعل هذا الكلام غير دقيق. # * * * PageV23P246 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كلا بل تحبون العاجلة (20) @QUR@02 وتذرون الآخرة (21) @QUR@03 ~~وجوه يومئذ ناضرة (22) @QUR@03 إلى ربها ناظرة (23) @QUR@03 ووجوه يومئذ ~~باسرة (24) @QUR@05 تظن أن يفعل بها فاقرة ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ناضرة ): النضرة مثل البهجة والطلاقة ، وضده العبوس والبسور. # ( @QUR@01 باسرة ): كالحة عابسة. # ( @QUR@01 تظن ): فسر الظن بالعلم. # ( @QUR@01 فاقرة ): الفاقرة : من فقره إذا أصاب فقار ظهره ، وقيل : من ~~فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار. # * * * PageV23P247 ### ||| ** وجوه الناس يوم القيامة # ( @QUR@01 كلا ) كلمة رفض للواقع الذي يعيشه الناس في أوضاعهم الكافرة ~~التي يحاولون إظهارها بمظهر الخلاف الفكري بين مسألتي الإيمان والكفر ، ~~ليبرروا بذلك مواقفهم غير المسؤولة ، في ما يحاولون إثارته من الشبهات ~~السطحية حول الآخرة. # ( @QUR@03 بل تحبون العاجلة ) وهي الدنيا التي استغرقتم في ملذاتها ~~وشهواتها وامتيازاتها بالمستوى الذي كنتم ترفضون من خلاله كل فكر ووحي يحدد ~~لكم حدود المواقف ، وينظم حركة الشهوات ، ويلغي الامتيازات الطبقية ~~الاستكبارية التي استأثرتم بها على حساب المستضعفين المحرومين. # ( @QUR@02 وتذرون الآخرة ) فلا تفكرون فيها تفكير المسؤولية ، ولا ~~تواجهون الحديث عنها بالمنطق الواعي الذي يلاحق كل حديث ليدرس احتمالاته ~~لتحديد الموقف الفكري أو الواقعي منها ، ولذلك تهملون أمر الآخرة وتتصرفون ~~أمام الحديث عنها ، تصرف المنكر لها ، وتبتعدون عن الاستعداد لها. # وهذه هي مشكلة الكثيرين من الناس الذين أطبقت عليهم خصوصياتهم الذاتية في ~~الدنيا ، فحاولوا أن يمنحوها صفة فكرية على حساب الواقع المتحرك الذي يحدد ~~مواقفهم في دائرة ms5319 المصالح الشخصية. # ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناضرة ) وهذه هي صفة مجتمع المؤمنين في يوم القيامة ~~، المنعكسة في وجوههم التي تحدق بالموقف الرهيب ، فهناك الوجوه المليئة ~~بالحيوية والنضارة والإشراق ، انطلاقا من الطمأنينة الروحية ، والهدوء ~~النفسي ، والإشراق الداخلي المنطلق من الإيمان بالله في انفتاحه على الحق ~~النازل من PageV23P248 # عند الله. # ( @QUR@03 إلى ربها ناظرة ) بكل وجدانها الفكري ، وتطلعاتها الروحية ، ~~واستغراقها في آفاق عظمته ورحمته ، مما يجعلها مشدودة إليه بكل كيانها ، ~~حتى يخيل إليك ، وأنت تنظر إليها وهي تحدق في الأعالي ، أنها تحدق في الله ~~، كما لو كان شيئا محسوسا في آفاق القيامة ، في ذهول النظرة ، وخشوعها ... ~~وفي ضوء ذلك ، فإن النظر إلى الله ليس نظرا ماديا ، بل هو نظر روحي بعين ~~القلب والبصيرة ، لاستحالة النظر إليه كما ثبت ذلك بالدليل. # ( @QUR@03 ووجوه يومئذ باسرة ) أي عابسة عبوسا شديدا ، ( @QUR@05 تظن أن ~~يفعل بها فاقرة ) أي فعلة تقصم الظهور أو تسم أنوفها بالنار ، وهي وجوه ~~الكافرين والمشركين والمنافقين الذين كانت حياتهم تمردا على الله ، وضلالا ~~عن سبيله ، وكفرا به. # * * * PageV23P249 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كلا إذا بلغت التراقي (26) @QUR@03 وقيل من راق (27) @QUR@03 ~~وظن أنه الفراق (28) @QUR@03 والتفت الساق بالساق (29) @QUR@04 إلى ربك ~~يومئذ المساق (30) @QUR@04 فلا صدق ولا صلى (31) @QUR@03 ولكن كذب وتولى ~~(32) @QUR@05 ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) @QUR@03 أولى لك فأولى (34) ~~@QUR@04 ثم أولى لك فأولى (35) @QUR@05 أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ~~@QUR@06 ألم يك نطفة من مني يمنى (37) @QUR@05 ثم كان علقة فخلق فسوى (38) ~~@QUR@05 فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) @QUR@07 أليس ذلك بقادر على ~~أن يحيي الموتى ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 التراقي ): العظام المكتنفة للنحر عن يمين وشمال. جمع ترقوة. # ( @QUR@01 راق ): قال في الميزان : «اسم فاعل من الرقى ، أي : قال من ~~حضره من أهله وأصدقائه : من يرقيه ويشفيه؟ كلمة يأس ، وقيل : المعنى قال ~~بعض الملائكة لبعض : من يرقي بروحه من الملائكة؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة ~~العذاب؟» (1). # ( @QUR@01 المساق ): الرجوع إلى الله تعالى. # ( @QUR@01 يتمطى ): تمدد البدن من الكسل ، وأصله أن يلوي مطاه أي ظهره ، PageV23P250 # والمراد بتمطيه في ذهابه : التبختر والاختيال ، وهو استعارة. # ( @QUR@02 أولى لك ): كلمة وعيد وتهديد. # ( @QUR@01 سدى ): السدي : المهمل. # ( @QUR@01 يمنى ): إمناء المني : صبه في ms5320 الرحم. # ( @QUR@01 علقة ): قطعة من دم منعقدة. # * * * ### ||| ** إلى ربك المساق # وهذا هو المشهد الذي يقترب فيه الإنسان من موعد الموت الذي يلتقي فيه ~~بموعد القيامة ، وهو ما ينكره الكفار رغم إيمانهم بالنشأة الأولى التي هي ~~الدليل على النشأة الأخرى بفعل القدرة الواحدة التي تتصل بالمسألة من ناحية ~~المبدأ. # ( @QUR@01 كلا ) كلمة رفض لما يرفضونه من اليوم الآخر ، ( @QUR@03 إذا ~~بلغت التراقي ) وهي العظام المكتنفة للنحر عن يمين وشمال ، جمع ترقوة ، حيث ~~تتصاعد الروح قبل أن تخرج من الجسد ليلفظها كما يلفظ الإنسان أنفاسه في ~~أجواء المرض الخطير ، وتتثاقل الأزمة لدى المريض حتى يتنادى الناس من حوله ~~ليصرخوا بالطبيب الذي يراد له أن يعالجه من هذا الداء الخطير الذي يقترب به ~~من الموت ، ( @QUR@03 وقيل من راق ) في كلمة يأس تصرخ بالراقي الذي يستعمل ~~الرقية للشفاء من دون أمل بذلك ، ( @QUR@03 وظن أنه الفراق ) بفعل ما ~~يشاهده المحتضر من الأحوال الصعبة المتتابعة في جسده حيث يواجه الموت عيانا ~~، فيستعد عندها للوقوف على حافة الآخرة ، ( @QUR@03 والتفت الساق بالساق ) ~~عند ما يكف الجسد عن التماسك ، وتنسل الروح منه ، فتذهب الحياة من كل عضو ~~من أعضائه حتى تلتف إحدى ساقيه بالأخرى ، فلا يستطيع أن يفصل أيا منهما عن ~~الأخرى ، ( @QUR@03 إلى ربك يومئذ PageV23P251 # @QUR@01 المساق ) حيث يسوقه ملك الموت إلى ربه ليواجه أعماله. # * * * ### ||| ** المستكبر وإعراضه عن الحق # ( @QUR@04 فلا صدق ولا صلى ) فلم يكن منفتحا على التصديق بكتاب الله ولا ~~برسله ، ولم يقف بين يدي ربه ليصلي في خشوع العبد لمولاه وعروجه الروحي إلى ~~الله ، بل أعرض عن ذلك ، ( @QUR@03 ولكن كذب وتولى ) في إنكاره للتوحيد ~~وللرسالة ولليوم الآخر ، وإعراضه عن حركة الإيمان في خط المسؤولية ، ( ~~@QUR@05 ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) والتمطي هو تمدد البدن من الكسل ، وهو ~~كناية عن الاختيال والتبختر والاستكبار. وقيل : إن هذه الآية نزلت في أبي ~~جهل الذي كان يذهب إلى مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويستمع إلى القرآن ، ~~ثم يعود متبخترا في مشيته (1). فإذا صحت هذه الرواية كان الحديث عنه من ~~خلال ما يمثله من نموذج ms5321 الإنسان المستكبر الذي يمنعه استكباره عن قبول الحق ~~وعن الخضوع لالتزاماته الفكرية والعملية. # ( @QUR@08 أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ) قيل : إن هذه الكلمة كلمة ~~تهديد ووعيد. وفي بعض الروايات ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد ~~أبي جهل ، ثم قال له : ( @QUR@08 أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ) قال ~~أبو جهل : بأي شيء تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني ~~لأعز أهل هذا الوادي (2). # وقد يكون الكلام من الله ليكون التهديد صادرا منه ليرد على خيلائه ~~وكبريائه بالوعيد الذي يحتقر شخصيته ليقال له : إنك الأجدر والأولى بالعذاب ~~الذي يسحقك بالذل الذي لا ذل مثله ، وقد يكون كلام النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم له إذا PageV23P252 # صحت الرواية نقلا لكلام الله الذي أراد أن يوبخه به. # * * * ### ||| ** أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ # ثم تلتفت السورة إلى مثل هذا الإنسان في كل نماذجه لتواجهه بالصدمة ~~القوية التي تهز وجدانه هزا عنيفا ، ليثوب إلى رشده ويرجع إلى عقله ، ~~وليخرج من هذه الغفلة المطبقة على كل شعوره. # ( @QUR@05 أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) من دون عقيدة شاملة تخطط له منهج ~~حياته ، ومن دون شريعة تحدد له طبيعة خطواته ، ومن دون غاية كبيرة توجه خط ~~سيره ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف تكون حكمة الله في الخلق ، وكيف يمكن ~~للحياة أن تختزل بمجرد أناس يولدون ثم يموتون ، ثم لا شيء في ذلك أو في ما ~~وراء ذلك ، من مسئولية الحركة في الحياة ، ومن نتائج المسؤولية بعدها ... ~~وهل يعني هذا إلا العبث الذي يعبر عن اللامعنى ، ليكون الإنسان كمية مهملة ~~فلا هدف له في حياته ، ولا خط له في حركته ، ولا مسئولية له في كل أوضاعه ، ~~وعندها ، ما الفرق بينه وبين الحيوان؟ إن طبيعة الأجهزة التي أودعها الله ~~في وجوده ، لا سيما قوة العقل والإدراك الذي يربط فيه بين الأشياء وصولا ~~للوقوف على القوانين والسنن الإلهية التي تنظمها وتوحد فيما بينها ، ثم في ~~اكتشاف الخط الواحد الذي يربط بين الناس في ms5322 خطواتهم العملية في الحياة ، ~~لتكون كل خطوة حركة في اتجاه الغاية الواحدة ، وليكون لكل حركة موقع معين ~~في حركة الحياة الممتدة في العمر الطويل والقصير ، وليكون ذلك كله نتيجة ~~عميقة ممتدة في نهاية المطاف. # إن دراسة الإنسان لطريقة وجوده في نشأته الأولى الخاضعة للتخطيط الإلهي ~~الدقيق في حركة الوجود ، يدل على أن الله لا يترك الإنسان مهملا ، لأن ~~الإهمال يتنافى مع سر الحكمة في ذلك. # * * * PageV23P253 ### ||| ** أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى!؟ # ( @QUR@06 ألم يك نطفة من مني يمنى ) أي يراق ، فكيف تحركت هذه النطفة في ~~رحلة الوجود والحياة ، ( @QUR@03 ثم كان علقة ) في وضع خاص في الرحم تتعلق ~~بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء ، فمن أين عاش السر فيها ، وكيف استوعبت كل ~~خصوصياته ، ( @QUR@02 فخلق فسوى ) من خلال رحلة النطفة المعقدة بكل تفاصيل ~~مسألة النمو الحيوي التي رافقت عملية التحول إلى جنين كامل في كل أجهزته. # وهكذا تحولت الخلية الواحدة إلى ذكر وأنثى ، ويبقى التساؤل عن ماهية ~~الخصوصية البارزة في النطفة التي انطلق منها هذا التنوع ، الذي جعل منها ~~ذكرا في خصوصية الذكورة ، أو أنثى في خصوصية الأنوثة. هل كان هناك تدخل من ~~أحد ، أم أنه الله الذي أودع سر الأسرار في ذلك كله ، كما أبدع عمق السر في ~~نمو الإنسان وحركيته في رحلته من الحياة إلى الموت؟ إنه الله الذي خلق ~~الخلق كله ودبره في بداية وجوده ، وفي مقدمته الإنسان ، ( @QUR@05 فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى ) حيث كان ذلك هو الأساس في استمرار قانون التوالد ~~الذي امتدت من خلاله الحياة الإنسانية. # ( @QUR@07 أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) إنه ليس سؤال الحاجة إلى ~~المعرفة ، ولكنه سؤال الحاجة إلى تقرير الحقيقة التي تفرض نفسها على العقل ~~الذي يحاكم القضايا من موقع القاعدة الواحدة التي تخضع لها في طبيعة الوجود ~~، وعلى الوجدان الذي يستوحي من طبيعة السر هناك طبيعة السر هنا ، وعلى ~~الشعور الذي يمتص الحقيقة في إحساسه ، من خلال صفاء الفطرة الكامنة فيه ، ~~التي توحي بأن القادر على النشأة الأولى ، هو القادر على النشأة الأخرى ms5323 ، ~~فهي حقيقة الحقائق التي يخشع أمامها الإنسان بكل وجوده. # * * * PageV23P254 ### | سورة الإنسان ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها إحدى وثلاثون PageV23P255 ### ||| ** هل السورة مكية أم مدنية؟ # هل هذه السورة مكية أم مدنية؟ قيل : إنها مكية لورود بعض الروايات في ذلك ~~، وقد رجح هذا البعض وهو سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» رأيه من خلال قوله : # نحن نلمح في سياقها أنها من بواكير ما نزل من القرآن المكي ... تشي بهذا ~~صور النعيم الحسية المفصلة الطويلة ، وصور العذاب الغليظ ، كما يشي به ~~توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصبر لحكم ربه ، وعدم إطاعة آثم منهم أو ~~كفور ، مما كان ينزل عند اشتداد الأذى على الدعوة وأصحابها في مكة ، مع ~~إمهال المشركين وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على الحق الذي نزل عليه ، ~~وعدم الميل إلى ما يدهنون به ، كما جاء في سورة القلم ، وفي سورة المزمل ، ~~وفي سورة المدثر ، مما هو قريب من التوجيه في هذه السورة (1). # وناقشه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ، فعلق على اختصاص PageV23P257 # السور المكية بصور النعم الحسية والعذاب الغليظ ، بأن ذلك وارد في سورتي ~~الحج والرحمن اللتين هما مدنيتان ، فقد اشتملتا على الصور الحسية للنعيم ~~وللعذاب بأكثر مما في هذه السورة. # وعلق على مسألة أمر النبي بالصبر وعدم إطاعة الآثم والكفور وعدم المداهنة ~~والثبات على الحق ، بأن ذلك قد جاء في الفصل الثاني من السورة الذي يمكن أن ~~يكون مكيا ، لأن الروايات الكثيرة دلت على أن الفصل الأول من السورة كان ~~مدنيا ، فلا منافاة. كما أن الأمر بالصبر وعدم إطاعة الآثم والكفور ليس من ~~اختصاص السور المكية ، فهناك نماذج من ذلك في السور المدنية (1). # وقد وردت هناك روايات أخرى أكدت ، بما لا يقبل الشك ، بأن الآيات الواردة ~~في الفصل الأول من السورة ، نزلت في المدينة ، كما نشير إلى ذلك في ما يأتي ~~من حديث التفسير. # * * * ### ||| ** في أجواء السورة # وفي هذه السورة حديث عن بداية الإنسان الذي لم يكن شيئا مذكورا ، فقد مضى ~~عليه مدة طويلة وهو في قلب العدم ، ثم دخل في ms5324 عمق الوجود بإرادة الله الذي ~~أراد للنطفة أن تحمل سر الحياة التي تنمو لتدخل في الصورة التي تتميز ~~بالانفتاح على الكون بالسمع والبصر. وكان له عقله الذي يدرك حقيقة الأشياء ~~، وإرادته التي تتميز بالانتماء إلى الخط المستقيم في شكر الله ، أو الخط ~~المنحرف في الكفر به ، لأن الطريق مفتوحة على الخطين. PageV23P258 # ثم تدخل في النتائج التي تنتظر الكافرين بالعذاب ، كما تنتظر المؤمنين ~~بالثواب ، فتذكر التفاصيل الحسية للعذاب : من سلاسل لأقدامهم ، وقيود ~~لأعناقهم ، ونار مستعرة ، وللثواب : من الجنة والحرير وما تشتمل عليه من ~~ألوان النعيم. # ثم تنطلق في إطلالة سريعة على إنزال القرآن على الرسول ، ثم تأمره بالصبر ~~لحكم الله ، وتدعوه إلى الامتناع عن طاعة الآثم والكفور ، وتطلب منه أن ~~يذكر اسم الله بكرة وأصيلا ، وبعد ذلك توحي إليه بالسجود لله والتسبيح في الليل. # وأخيرا تتناول الآيات وتفسر انحرافهم بمحبتهم للعاجلة ، ونسيانهم للآجلة ~~، وتؤكد أن الله قد خلقهم وهو قادر على أن يبدلهم تبديلا ، وعلى الآخرين من ~~هؤلاء أن يجعلوا ذلك الحديث تذكرة تقودهم إلى الخروج من الغفلة ليتخذوا ~~سبيلا إلى ربهم ، ولكنهم لا يشاءون ذلك إلا إذا شاء الله من خلال علمه ~~وحكمته ، لتكون النتيجة أن يدخل من يشاء في رحمته ويعد للظالمين العذاب ~~الأليم. # وهكذا تنطلق السورة لتربط النهاية بالبداية مؤكدة حرية الإنسان الذاتية ~~في اختياره الخط المنحرف أو المستقيم ، وداعية في النهاية الإنسان إلى أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا ، ويرفض كل السبل التي تؤدي به إلى غير الله. # * * * ### ||| ** اسم السورة # وقد أخذت السورة اسم الإنسان للتأكيد في البداية على مسألة PageV23P259 # الوجود الإنساني بعد العدم ، ولأنها تتحرك في مسألة اختياره وحركته في خط ~~هذا الاختيار ، ونتائجه السلبية أو الإيجابية ، مما يجعل السورة تتمحور حول ~~الإنسان في وجوده الباحث عن الله ، وفي موقفه المتحرك بين خطي الانحراف ~~والاستقامة. ونحن نستطيع أن نعتبر أن القرآن كله ، ينطلق في عنوانين كبيرين ~~، هما الله والإنسان ، ليعرف الإنسان مقام ربه وموقعه في علاقته به ، وذلك ~~من أجل أن يكون الدين عملية تصحيح وتأصيل لهذه ms5325 العلاقة. # وقد أطلق على السورة اسم الدهر ، باعتبار ذكر كلمة الدهر في الآية الأولى ~~، ولكن الظاهر أن الاسم الأول أقرب إلى جو السورة ، لأن الدهر لم يأخذ أي ~~بعد فيها. # * * * PageV23P260 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) ~~@QUR@010 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) ~~@QUR@07 إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) @QUR@06 إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) @QUR@08 إن الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا (5) @QUR@07 عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) (6) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نطفة ): النطفة : الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل. # ( @QUR@01 أمشاج ): جمع مشيج ، أو المشج بفتحتين أو بفتح فكسر ، بمعنى ~~المختلط الممتزج. # ( @QUR@01 نبتليه ): الابتلاء : نقل الشيء من حال إلى حال ، ومن طور إلى طور. PageV23P261 # ( @QUR@01 أعتدنا ): الاعتاد : التهيئة. # ( @QUR@01 سلاسل ): السلاسل : جمع سلسلة ، وهي القيد الذي يقاد به ~~المجرم. # ( @QUR@01 وأغلالا ): الأغلال : جمع غل بالضم ، وقيل : هي القيد الذي ~~يجمع اليدين على العنق. # ( @QUR@01 وسعيرا ): السعير : النار المشتعلة. # ( @QUR@01 الأبرار ): جمع البر وهو المحسن. # ( @QUR@01 تفجيرا ): تفجير العين : شق الأرض لإجرائها. # * * * ### ||| ** الإنسان بين غياهب العدم وقدر الوجود # ( @QUR@011 هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) إنه ~~السؤال الذي يريد أن يقرر الحقيقة الوجودية للإنسان من أجل أن يؤكدها في ~~الذهن ، لينفتح على آفاقها الرحبة التي تجعل الإنسان يفكر تفكيرا متوازنا ، ~~فلا يدعي لنفسه الأزلية التي قد يرقى بها إلى موقع الألوهية ، كما حدث لبعض ~~نماذجه في الخط المنحرف ، بل يتواضع لله الذي خلقه ، ليدرس كيف يتحرك في ~~حياته من خلال ما جعله الله غاية لوجوده ، ليكون خليفة الله في الأرض ، ~~فيبني الحياة على أساس خط الله ، ويعبد الله عبر الخضوع لإرادته ، وفي ~~امتثال أوامره ونواهيه ، ويؤكد معنى العبودية في شخصه. وهكذا يتصور ذلك ~~الحين من الدهر الذي كانت الحياة فيه خالية من الإنسان ، فهل كان هناك خلق ~~آخر غيره ممن كان يملك العقل والإرادة والحركة ، كما يملكها الإنسان؟! وهذا ~~ما استوحاه البعض من سؤال الملائكة لله عند ما ms5326 قالوا له : ( @QUR@06 أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك PageV23P262 # @QUR@06 الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) [البقرة : 30] ، باعتبار أن ~~الملائكة لا يطرحون مثل هذا السؤال إلا من خلال التجربة السابقة التي ~~عاشوها في الماضي ، أو أن الأرض لم تكن تحتوي أي خلق آخر ... وقد لا تكون ~~الآية واردة لإثارة التفكير حول تلك الفترة الخالية من الإنسان ، بل ربما ~~كانت لإثارة التفكير حول هذه الفترة التي تحول فيها الإنسان إلى وجود حي ~~مذكور متحرك في خط المسؤولية ، مسلح بالعلم والحركة الخيرة والعمل المسؤول ~~، ليجعل الكون أكثر غنى بالتجربة الإنسانية ، بدلا من أن يكون متخبطا في ~~المشاكل إذا ابتعد عن الصراط المستقيم. # وقد فسر البعض كلمة «هل» ب «قد» لأنها أحد معانيها ، ولكننا نجد أن ~~الأقرب إبقاء دلالة «هل» على الاستفهام التقريري ، لأنها قد تكون أبلغ من ~~الناحية التعبيرية. # * * * ### ||| ** تطور خلق الإنسان # ( @QUR@06 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) أي أخلاط ، بمعنى أنها ~~مختلطة ممتزجة باعتبار امتزاج ماء الرجل ببويضة المرأة في عملية التلقيح ، ~~( @QUR@01 نبتليه ) أي ننقله من حال إلى حال ومن طور إلى طور ، حيث يجري ~~التحول من النطفة إلى العقلة إلى المضغة التي تتحول إلى إنسان سوي بعد ذلك ~~، كما ذكره بعض المفسرين (1). # وقد فسر الابتلاء ، بالاختبار أو بالتكليف ، بما يعنيه الإنسان في دخول ~~التجربة الحية المتحركة التي قد يفشل في إيصالها إلى النتائج الإيجابية ، ~~وقد ينجح في ذلك تبعا لما يتحرك فيه من طاعة ومعصية ... ورده صاحب الميزان PageV23P263 # بأنه «يدفعه تفريع قوله : ( @QUR@03 فجعلناه سميعا بصيرا ) على الابتلاء ~~، ولو كان المراد به التكليف ، كان من الواجب تفريعه على جعله سميعا بصيرا ~~لا بالعكس» (1). # ونلاحظ على كلام صاحب الميزان أن كلمة «نبتليه» صفة للإنسان باعتبار أن ~~ذلك هو العنوان لوجوده للغاية من خلقه ، وإذا كان المعنى اللغوي لكلمة ~~الابتلاء هو الانتقال من حال إلى حال ، فإن المعنى العرفي المتبادر إلى ~~الذهن هو الامتحان والاختبار ، أما التفريع فقد كان على أصل خلق الإنسان ~~الموصوف بهذه الصفة ، في ما يريده الله منه في طبيعة وجوده ، وعلى ms5327 هذا ~~الأساس ، فإن المعنى الثاني أنسب بالآية ، والله العالم. # ( @QUR@03 فجعلناه سميعا بصيرا ) باعتبار أن السمع والبصر هما الوسيلتان ~~الحيويتان اللتان يمكن أن يحصل الإنسان من خلالهما على أكثر مصادر المعرفة ~~، أو من جهة ما يسمعه من كلمات الحق في وحي الله وفي الأحاديث العامة للناس ~~، أو من ناحية ما يبصره من آيات الله في الكون ، ومن حركة المخلوقات الحية ~~من حوله ، ليستعمل المسموعات والمبصرات كمواد خام للفكر الذي يمكن أن ينتجه ~~بعقله ليكون ذلك حجة له ، في ما يلتزمه من فكر يتصل بالله أو حجة عليه في ~~ما يلتزمه من فكر يرتبط بالشيطان. # * * * ### ||| ** إنا هديناه السبيل # ( @QUR@03 إنا هديناه السبيل ) الذي يؤدي به إلى الله من خلال ما يدركه ~~عقله وما يتحرك فيه سمعه وبصره ، وما يوحي به الله إليه ، أو يلهمه معرفته بفطرته PageV23P264 # الصافية ... ومنحناه حرية الاختيار بين الخير أو الشر ، سواء في الالتزام ~~بطاعة الله كتعبير حي عن شكره له من ناحية عملية ، أو الالتزام بمعصيته ~~كتجسيد حي للكفر بالنعمة ، من ناحية واقعية. # ( @QUR@04 إما شاكرا وإما كفورا ) فهو بين هذين الخطين ، وما ينفتح عليه ~~من خيارات من دون أن يواجه أي ضغط تكويني في إبعاده عن عملية الاختيار. # وإذا أردنا أن نواجه مسألة الاختيار بين شكر النعمة باختيار الإيمان ، ~~وكفرها باختيار الكفر والعصيان ، فإننا نلاحظ أن الناس بين من يستجيب لنداء ~~فطرته التي تمثل سر العمق في تكوينه ، أو لإرشاد عقله الذي يوازن بين الحسن ~~والقبح في حقائق الأشياء ، أو للاستماع إلى وحي الله وحديث الأنبياء اللذين ~~يفتحان حياة الإنسان على معرفة الخير والشر ، والصلاح والفساد ، ليختار ~~الصلاح بدلا من الفساد ، وليتبع الخير بدلا من الشر ، وبين من لا يستجيب ~~لذلك كله من خلال العوامل الطارئة في حركة الغريزة لديه ، أو في نوازع ~~الذات في شخصه ، أو في نقاط الضعف في حياته ، أو في طبيعة الظروف الضاغطة ~~المحيطة به. # وهكذا يقف الإنسان وجها لوجه أمام مسألة الهداية ، في عنصرها الإيجابي أو ~~السلبي ، ليواجه مصيره على أساس مسألة الاختيار لديه. ms5328 فإن الله لم يضغط ~~عليه ليحول إرادته إلى ما يحبه له بالضغط التكويني الذي يشل إرادته ويمنعها ~~عن الحركة ، ولكنه أثار أمامه النتائج الأخروية ، في مسألة الثواب والعقاب ~~، ليضغط عليه ضغطا معنويا في جانب الإحساس ، ليكون اختياره خاضعا للتفكير ~~بالنتائج ، كما هو خاضع للجانب الموضوعي الذي تتحرك فيه الأشياء. # * * * PageV23P265 ### ||| ** حصيلة الكفر والإيمان # ( @QUR@06 إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا ) فهذه هي حصيلة ~~الكفر في الآخرة ، فالكافرون يعانون من القيود والأغلال في جهنم ، لأنهم ~~عاشوا في الدنيا سجناء مقيدين بأغلال شهواتهم وسلاسل أطماعهم ، وهم يحترقون ~~بالسعير في النار ، لأنهم خضعوا للاحتراق بسعير شهواتهم المحرمة في الدنيا. # ( @QUR@08 إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) هؤلاء الذين ~~عاشوا الإيمان في عقولهم ، والإخلاص في قلوبهم ، والطهارة في مشاعرهم ، ~~والالتزام بأوامر الله ونواهيه في حياتهم العملية العامة والخاصة ، وساروا ~~في خط الله والدعوة إليه والجهاد في سبيله ، والإنفاق على المحرومين ابتغاء ~~لوجهه ، وجعلوا من حياتهم عنوانا للعبودية الخالصة المخلصة لله ، هؤلاء ~~الذين عاشوا البر فكرا وقولا وعملا ، فعاشوا الظمأ لرحمة الله ولرضوانه ، ~~وبحثوا عن الري ، حتى سقاهم الله من كؤوس النعيم شرابا يمتزج بالكافور الذي ~~هو رمز العطر في رائحته الطيبة التي تملأ الروح والقلب والشعور إحساسا ~~بالسعادة الغامرة التي تنساب في كل مكامن الإحساس ، ولكن من أين هذا الشراب ~~الطيب المعطر؟ ( @QUR@01 عينا ) أي من عين على طريقة نزع الخافض ، ( ~~@QUR@04 يشرب بها عباد الله ) الذين ارتضاهم الله لعبادته في عمق معنى ~~العبودية الخالصة المنفتحة عليه ( @QUR@02 يفجرونها تفجيرا ) فهي خاضعة ~~لإرادتهم ، فإذا شاءوا أن يفجروها فإنها تستجيب لهم ، ليشربوا منها في كل حين. # * * * PageV23P266 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) @QUR@07 ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) @QUR@010 إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) @QUR@07 إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا (10) @QUR@08 فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ~~(11) @QUR@05 وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) @QUR@010 متكئين فيها على ~~الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) @QUR@06 ودانية عليهم ظلالها ~~وذللت قطوفها تذليلا (14) @QUR@08 ويطاف عليهم ms5329 بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا (15) @QUR@05 قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) @QUR@06 ويسقون ~~فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) @QUR@04 عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ~~@QUR@09 ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) ~~@QUR@07 وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) @QUR@013 عاليهم ثياب ~~سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) @QUR@08 ~~إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مستطيرا ): المستطير : من استطار إذا فشا وانتشر في الأقطار غاية PageV23P267 # الانتشار. # ( @QUR@01 وأسيرا ): الأسير : المأخوذ من أهل دار الحرب. # ( @QUR@01 فوقاهم ): الوقاية : الحفظ والمنع من الأذى. # ( @QUR@01 ولقاهم ): لقي الشيء بكذا يلقيه : أي استقبله به. # ( @QUR@01 نضرة ): النضرة : ، البهجة ، وحسن اللون والسرور ، مقابل ~~المأساة والحزن. # ( @QUR@01 الأرائك ): جمع أريكة ، وهو ما يتكأ عليه. # ( @QUR@01 زمهريرا ): الزمهرير : البرد الشديد. # ( @QUR@01 ظلالها ): الظلال : جمع ظل. # ( @QUR@01 قطوفها ): قطوف : جمع قطف بالكسر فالسكون ، وهو الثمرة ~~المقطوفة المجتناة. # ( @QUR@01 بآنية ): جمع إناء ، وهو الوعاء. # ( @QUR@01 وأكواب ): جمع كوب وهو إناء الشراب الذي لا عروة له ولا خرطوم. # ( @QUR@01 سلسبيلا ): السلسبيل : الشراب السهل اللذيذ. # ( @QUR@01 سندس ): ما رق نسجه من الحرير. # ( @QUR@01 خضر ): الخضر : صفة ثياب. # ( @QUR@01 وإستبرق ): الإستبرق : ما غلظ نسجه من ثياب الحرير. # ( @QUR@01 أساور ): جمع سوار. # * * * PageV23P268 ### ||| ** من صفات الأبرار : الوفاء بالنذر # كيف كانت صفة هؤلاء الأبرار في الدنيا؟ وكيف كانت علاقتهم بالجانب الخير ~~من الحياة؟ # ( @QUR@02 يوفون بالنذر ) وللنذر معنى مصطلح يتحدد بما يلتزمه الإنسان ~~على نفسه من مال أو عمل بصيغة معينة ، وقد يتوسع البعض في معناه ليشمل كل ~~التزامات الإنسان الإيمانية ، سواء كانت في دائرة الخط الإيماني المنفتح ~~على أحكام الشريعة كلها أو كانت في دائرة الالتزامات الذاتية ، لأن النذر ~~الخاص بالمعنى العرفي لا يحمل أية خصوصية تفرض التركيز عليه ، بل كل ما ~~هناك هو ما يعبر عنه من التزام مرتبط بالله في ما يستتبعه من الوفاء الدال ~~على صدقه في التزاماته ، في ما يتحمله من تبعاته ، ويحمله من أعبائه. # ( @QUR@05 ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) ويتحركون على أساس هاجس الخوف ~~الذي يشمل كل كيانهم حتى ليهتز تحت تأثير ذكره في ما كانوا يعرفونه من شر ~~ذلك ms5330 اليوم الذي كان فاشيا منتشرا ذاهبا في الجهات ، بالغا أقصى المبالغ ، ~~وقد سمي العذاب شرا لأنه لا خير فيه للناس الذين ينالهم العقاب ، ولذلك ~~فإنهم يعملون على الابتعاد عن دائرة التقصير في طاعة الله ، لشعورهم بضخامة ~~المسؤولية ، وثقل التبعة ، وعظمة النتائج السلبية في الدار الآخرة. # * * * ### ||| ** إطعام الطعام على حبه # ( @QUR@07 ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) فهم يعيشون ~~روحية العطاء في PageV23P269 # أجواء الحرمان الذي يصيب بعض الفئات الاجتماعية المحرومة الخاضعة لبعض ~~الظروف الضاغطة عليهم ، كما هي حال اليتم في اليتيم ، والفقر في المسكين ، ~~والأسر في الأسير ، فيعانون الجوع في كثير من الحالات ، لكنهم يجدون لدى ~~هؤلاء الأبرار انفتاحا على حاجاتهم الغذائية ، فيقدمون لهم الطعام في لمسة ~~تعبيرية رائعة ، في الوقت الذي قد يكونون محتاجين إليه في حياتهم الخاصة ، ~~ولعل هذا هو معنى ( @QUR@02 على حبه )، أي مع توق النفس إليه لشدة الحاجة ~~، وهذا هو ما نستوحيه من قوله تعالى : ( @QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون ) [آل عمران : 92]. # ( @QUR@04 إنما نطعمكم لوجه الله ) حيث التعبير عن الرغبة في القرب إليه ~~، فهم يقدمونه لله عند ما يقدمونه لهم ابتغاء مرضاته بعيدا عن النوازع ~~الذاتية ، ( @QUR@06 لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) لا التعويض المادي ولا ~~المعنوي ، فهي الرحمة العميقة في القلب المنفتح على الناس من خلال انفتاحه ~~على الله ، وهي الروح التي تعيش العطاء كرسالة روحية تتحسس حاجات الآخرين ~~وآلامهم ، ولذا فإنها تبذل وتبذل ، وتتدفق بالخير كله تماما كما هو الينبوع ~~عند ما يتدفق بالماء إلى الأرض العطشى ، وكما هي الشمس تبذل النور إلى كل ~~الآفاق المظلمة التي تتطلع إلى رحاب الشروق. # * * * ### ||| ** بين سمو العطاء والخوف من الله # وهذا ما تنطلق فيه التربية الإسلامية للشخصية الإنسانية من أجل أن يكون ~~العطاء عنصرا ذاتيا في الإنسان بحيث يتحرك في ذاته بشكل عفوي ، وأن يكون ~~الدافع الأساس في ذلك كله هو ابتغاء وجه الله ، حيث ينفتح على الله كما لم ~~ينفتح على غيره ، فهو الوجود كله ، ولا وجود لغيره ، وهو الغاية في كل PageV23P270 # شيء ولا قيمة ms5331 لسواه ، فتكبر الأشياء لديه إذا ارتبطت بالله ، وتصغر ~~الأمور عنده إذا انفصلت عن الله ، وتتلون حياته بهذا اللون السماوي المشبع ~~بالصفاء ، فلا معنى للحياة إلا إذا التقت بالله في مواقع الحياة. # وإذا كان الهدف هو ابتغاء وجه الله في عمق المحبة ، فإن الخوف منه قد ~~يؤكد الارتباط الروحي من جهة أخرى ، فهؤلاء الناس الذين يتمثلون في هذا ~~النموذج الإنساني ، يتطلعون إلى اليوم الآخر في أهواله ومشاهده العابسة ~~المرعبة ، فيدفعهم الخوف منه إلى الوقوف في خط المسؤولية ، فيقدمون كل شيء ~~لديهم من أجل أن يتخلصوا من عذاب الله في ذلك اليوم. # ( @QUR@07 إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ) أي صعبا شديدا ، وذلك ~~ما يريد الله أن يثيره في وعي الإنسان ، من أجل أن يربي نفسه على الانضباط ~~في الالتزام بأوامره ونواهيه ، على أساس التطلع إلى يوم القيامة حيث يواجه ~~نتائج عمله في عذاب الله ، وهذا هو الهاجس الذي عاشه هؤلاء الأبرار عند ما ~~كانوا يطعمون الطعام وهم في أشد حالات الحاجة إليه ، طلبا لمرضاة الله ، ~~واتقاء لعذابه. # * * * ### ||| ** قصة الآية في حياة أهل البيت عليه السلام # وجاء في تفسير الكشاف ، عن ابن عباس «أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ناس معه فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك ، ~~فنذر علي وفاطمة ، وفضة جارية لهما إن برئا أن يصوموا ثلاثة أيام. فشفيا ~~وما معهم شيء ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير ، ~~فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على PageV23P271 # عددهم ، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام ~~عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم الله من ~~موائد الجنة ، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء ، وأصبحوا صياما. فلما ~~أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم ، وقف عليهم يتيم فآثروه ، ووقف عليهم أسير ~~في الثالثة ففعلوا مثل ذلك. # فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من ms5332 شدة الجوع ، ~~قال : ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام فانطلق معهم ، فرأى فاطمة في ~~محرابها قد التصق ظهرها ببطنها ، وغارت عيناها ، فساءه ذلك ، فنزل جبريل ~~وقال : خذها يا محمد ، هناك الله في أهل بيتك ، فأقرأه السورة» (1). # هذا وقد أورد الرواية القمي في تفسيره بصيغة أخرى ، مرفوعة إلى أبيه عن ~~عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان عند فاطمة ~~عليه السلام شعير فجعلوه عصيدة (شعير يلت بالسمن ويطبخ)، فلما أنضجوها ~~ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال : مسكين رحمكم الله ، فقام علي ~~عليه السلام فأعطاه ثلثا ، فلم يلبث أن جاء يتيم فقال يتيم رحمكم الله فقام ~~علي عليه السلام ، فأعطاه الثلث ، ثم جاء أسير ، فقال : أسير رحمكم الله ، ~~فأعطاه عليه السلام الثلث وما ذاقوها ، فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم ، وهي ~~جارية في كل مؤمن فعل ذلك الله عز وجل (2). # وفي مطلق الأحوال ، إذا كانت هذه الآيات قد نزلت بهذه المناسبة ، فإنها ~~في الوقت الذي تدل فيه على فضل أهل البيت عليه السلام في تكريم الله لهم ، PageV23P272 # فإنها لا تختص بهم في الإيحاء الأخلاقي العام للشخصية المسلمة التي تقدم ~~النموذج القدوة ، بل تنطلق لتتحرك في الخط الأخلاقي في كل زمان ومكان. # * * * ### ||| ** أجر العاملين لوجه الله يوم القيامة # ( @QUR@05 فوقاهم الله شر ذلك اليوم ) أي حفظهم من كل أهوال يوم القيامة ~~وعذاباته ، ( @QUR@03 ولقاهم نضرة وسرورا ) فاستقبلهم بكل الحيوية الروحية ~~التي تمنح وجوههم النضارة ، وقلوبهم الفرح والسرور ، في ما كانوا يتطلعون ~~إليه من مشاهد النعيم ، ( @QUR@03 وجزاهم بما صبروا ) بعد ما عانوه من ~~الشدائد والآلام والمحن التي تحملوها بفعل مواقفهم الثابتة الصعبة في ~~مواجهة التحديات المفروضة عليهم من الكفر والطغيان ، فتحملوا ذلك بالصبر ~~الواعي المنفتح على الله ، صبر الإنسان الذي يعيش الفرح الروحي ، لأنه ~~يتحمل ذلك بعين الله ، فكان جزاؤهم ( @QUR@01 جنة ) تكفل لهم كل ألوان ~~النعيم ، وتمنحهم كل أجواء السعادة ، وتطوف بهم في كل ما يشتهون ، ( ~~@QUR@01 وحريرا ) من اللباس الذي يوحي بمنتهى الرقة والنعومة والجمال ، أو ~~من الفراش الذي يتقلبون ms5333 فيه وينامون عليه ، كعنوان للحياة الناعمة الرضية ~~التي تقدم إليهم في الجنة. # ( @QUR@04 متكئين فيها على الأرائك ) وهي الأسرة ، أو الفرش فوق الأسرة ~~أو كل ما يتكأ عليه ، مما يولد حالة من الاسترخاء المعبر عن السعادة ~~الروحية والراحة النفسية ، ( @QUR@06 لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ) فليس ~~هناك ما يتأذون بحره أو ببرده ، بل هو الجو المعتدل الذي لا يثير إلا الرضى ~~والانتعاض والطمأنينة الروحية والجسدية. PageV23P273 # ( @QUR@03 ودانية عليهم ظلالها ) بحيث تنبسط عليهم في رقة وحنان ، كأنها ~~تقترب إليهم لتمسح على رؤوسهم مسحة اللطف والعطف ، ولتضمهم إلى أحضانها ، ( ~~@QUR@03 وذللت قطوفها تذليلا ) بحيث إنها تقدم نفسها إليهم ليقطفوا من ~~ثمارها وفاكهتها ، فلا تكلفهم مشقة الصعود إليها للحصول عليها. ( @QUR@08 ~~ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا ) أي أكواب زجاجية في صفاء ~~الفضة ونقائها ( @QUR@05 قواريرا من فضة قدروها تقديرا ) بحيث تتناسب مع ~~حاجتهم إليها ، فلا تزيد عن حجم الحاجة ولا تنقص عنها. # ( @QUR@02 ويسقون فيها ) أي في الجنة ( @QUR@04 كأسا كان مزاجها زنجبيلا ~~) وهو كما في مجمع البيان : «ضرب من القرفة طيب الطعم يحذو اللسان ، ويربى ~~بالعسل ، ويستدفع به المضار ، وإذا مزج به الشراب فاق في الإلذاذ ، والعرب ~~تستطيب الزنجبيل جدا» (1). فوعدهم الله بذلك في الجنة بما هو أطيب وألذ ~~ككل الأشياء الموجودة في الجنة ، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر. ( @QUR@04 عينا فيها تسمى سلسبيلا ) والسلسبيل هو الشراب السهل ~~اللذيذ الذي هو من هذه العين. # ( @QUR@04 ويطوف عليهم ولدان مخلدون ) يتحركون في خدمة هؤلاء الأبرار في ~~الجنة بما يريدونه من الطعام والشراب ، في أجمل صورة ، ( @QUR@02 إذا ~~رأيتهم ) في إشراقة جمالهم ، وصفاء ألوانهم ( @QUR@03 حسبتهم لؤلؤا منثورا ~~) في الإشراق والصفاء والجمال النقي البديع ، ( @QUR@03 وإذا رأيت ثم ) ~~وإذا رأيت هناك ما أعده الله لعباده المتقين من النعيم ( @QUR@02 رأيت ~~نعيما ) عظيما ( @QUR@02 وملكا كبيرا ) لا حد لقدره ، ولا زوال له لأنه ~~النعيم والملك الخالد. # ( @QUR@04 عاليهم ثياب سندس خضر ) وهو الديباج الرقيق الفاخر الحسن ، كما قيل. PageV23P274 # ( @QUR@01 وإستبرق ) وهو الديباج الغليظ الذي له بريق ، ( @QUR@04 وحلوا ~~أساور من فضة ) بما ms5334 تعبر عنه الفضة من شفافية وبياض وصفاء ، ( @QUR@04 ~~وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) كطهارة أرواحهم وأبدانهم وأعمالهم وقلوبهم ، ~~فليس فيه شيء من القذر ، وليس فيه شيء من الخبث. # ( @QUR@05 إن هذا كان لكم جزاء ) أي مكافأة على إيمانكم وعملكم الصالح ~~وطاعتكم الخالصة ، ( @QUR@02 وكان سعيكم ) في الحصول على مرضاة الله ( ~~@QUR@01 مشكورا )، لأن الله يشكر لعباده ما يشكرونه به من خير وعمل صالح. # * * * PageV23P275 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) @QUR@09 فاصبر لحكم ربك ~~ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) @QUR@05 واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ~~@QUR@07 ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) @QUR@08 إن هؤلاء يحبون ~~العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) @QUR@09 نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ~~وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) @QUR@09 إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا (29) @QUR@011 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما ~~حكيما (30) @QUR@010 يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) (31) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بكرة ): البكرة : أول النهار. # ( @QUR@01 وأصيلا ): الأصيل : العشي. # ( @QUR@01 وشددنا ): الشد خلاف الفك. PageV23P276 # ( @QUR@01 أسرهم ): الأسر في الأصل : الشد والربط ، ويطلق على ما يشد ~~ويربط به. # * * * ### ||| ** القرآن كتاب هداية والتزام # كان ذلك حديث الناس الذين انفعلوا بالرسالة والرسول إيجابا وسلبا ، وكيف ~~كان مصيرهم في النتائج الحاسمة في موقفهم بين يدي الله ، وهذا هو الفصل ~~الأخير من السورة الذي يتوجه به إلى الرسول في موقفه إزاء هؤلاء الذين ~~واجهوا بالشدة والتحدي والتمرد على الرسالة والرسول ، لتكون نهاية المطاف ~~مع المصير الذي ينتظر الناس يوم القيامة ، ويبقى للإنسان أن يتذكر مصيره ~~دائما ، ليخرج من غفلته. # ( @QUR@06 إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ) لتنذر به الناس ، ولتوجههم ~~إلى السير في الصراط المستقيم الذي ينتهي بهم إلى الله ، فيسيروا وفق ما ~~يشرع لهم من النظام المتوازن الذي يجمع لهم الخير كله من خلال الحق كله. ~~وفي ضوء ذلك ، لا بد لك من أن تبلغه للناس كافة ، ليعيشوا في رحاب فكره ، ~~ويتحركوا في خط هداه ، ويغترفوا من ينابيع الخير فيه ، ويثيروا حركية منهجه ~~في قضايا الإيمان ، ويؤكدوا التزامهم بآياته ، وتطبيقهم لأحكامه ، ليغيروا ~~الحياة على ms5335 أساس عقائده ومفاهيمه وشرائعه ... ولا بد لك من أن تتحمل الكثير ~~من المعاناة في سبيل ذلك ، لأنهم سوف يبادرون إلى توجيه مختلف الاتهامات ~~التي يريدون من خلالها إحباط موقفك ، وإسقاط حركتك ، وربما عمدوا إلى إثارة ~~مختلف ألوان الإغراء التي يخاطبون بها مشاعرك وتطلعاتك ، إذ يخيل إليهم أنك ~~سوف تخضع لذلك وللضغوط النفسية التي يضغطون بها على روحيتك وإحساسك كما ~~يخضع الآخرون من الناس لأمثال ذلك ، الأمر الذي PageV23P277 # يفرض عليك أن تستنفر كل طاقاتك ، لتكون في مواقع القوة التي تثبت أمام ~~الهزاهز ، ولا تنحني أمام العواصف ، ولا تخضع للضغوط ، ولا تسقط أمام ~~التحديات ، ولا تصرخ في مواقع الألم ، ولا تجزع في أوضاع البلاء ، وهذا ما ~~يمثل معنى الصبر على الأذى وعلى الطاعة ، وعلى المعصية ، فإن الصبر هو أساس ~~الإيمان كله. # * * * ### ||| ** فاصبر لحكم ربك # ( @QUR@03 فاصبر لحكم ربك ) الذي كلفك تبليغ الرسالة ، فتعرضت بسبب ذلك ~~لأنواع البلاء ، ( @QUR@06 ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) من الذين يريدون ~~منك الرجوع عن أمر الرسالة ، ويعملون على إغرائك بالمال والسلطان ، أو ~~يهددونك بالقتل أو التشريد ... وهذا ما يريده الله منك بصفتك الرسالية التي ~~تمتد إلى كل الذين يلتزمون الإسلام كدين دعوة وانتماء ليصبروا كما تصبر ، ~~وليتمردوا على القوى الظالمة والطاغية والكافرة والضالة والباغية ، كما ~~تمردت ، لأن المسألة في تجربتك ليست مسألة شخص يواجه المشكلة الذاتية ~~لتتجمد الآية في ذاتك فلا تتعداها إلى غيرك ، بل المسألة تتعلق بتجربتك ~~الرسالية التي تشمل كل رسالي في ساحة الصراع. # * * * ### ||| ** واذكر اسم ربك واسجد له # ( @QUR@05 واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ) فذلك هو الذي يجعلك تعيش حضور الله PageV23P278 # في وعيك الفكري والروحي ، لتتمثل وجوده في رقابته الإلهية عليك ، في ~~حضوره في ساحتك العملية في أي موقع تختاره في ساحة الصراع ، وعند أي موقف ~~ترفعه في مواقف التحدي ، وذلك هو الذي يمنحك القوة عند ما تندفع قوة ~~الآخرين إليك لتسقط روحك ، ولترهق أعصابك ، ولتضعف قوتك ، لأنك من خلال ~~ذكره تستمد قوتك من قوته ، فلا تهاب أية قوة أخرى ، لأنه يملأ شعورك ~~الداخلي وإحساسك وروحيتك ms5336 بكل قوة. # إن تحصين ذاتك في مواجهة التحديات والشدائد يفرض عليك أن تذكره صباحا عند ~~ما تشرق الشمس بقدرته فتضيء الحياة كلها من حولك بنوره ، وأن تذكره عند ~~الأصيل عند ما يطبق الظلام على الكون بإرادته ، فتنام الحياة في ظلال رحمته ~~، ليكون ذكر الله هو الذي يخرجك من الغفلة لتصحو على نداء مسئوليتك ، وهو ~~الذي يدفعك إلى اليقظة لتتحرك في التزامك من موقع وضوح الرؤية في عقلك ~~ووجدانك. إنه ذكر القلب والعقل واللسان ، والموقف العملي الذي يتوازن بين يديه. # ( @QUR@04 ومن الليل فاسجد له ) فإن السجود هو آية الخضوع ، ورمز الإعلان ~~عن العبودية لله ، بما يمثله من الذوبان الروحي في الله ، حتى كأن السجود ~~في تعفير الجبهة التي هي رمز العنفوان ، بالتراب بين يدي الله ، يمثل سجود ~~القلب في نبضاته ، واللسان في كلماته ، والحياة في كل مظاهرها العملية : في ~~خضوعها له وانفعالها بأوامره ونواهيه ، ( @QUR@03 وسبحه ليلا طويلا ) في ~~ابتهالات الداعي ، وخشوع العابد ، وهمسات المحب التي تعبر بكل أساليبها ~~وكلماتها عن عظمته ، بما يوحيه التسبيح من ذلك ، ليمتد مع الليل الطويل ~~الذي تشرق الروح في قلب ظلامه ، عند هدوء الأصوات ، وصفاء المشاعر. ولعل ~~السر في السجود الذي يعبر عن الصلاة في الليل ، وفي التسبيح الذي يعبر عن ~~الدعاء والمناجاة في أجواء السحر ، هو أن الله يريد لعباده أن يكونوا ~~مشدودين إليه PageV23P279 # دائما ، منفتحين عليه أبدا ، ليبقى ارتباطهم به أساسا للبقاء في مواقع ~~طاعته وعبادته. # * * * ### ||| ** الله يذكر عباده بخلقهم من العدم # ( @QUR@04 إن هؤلاء يحبون العاجلة ) هؤلاء الذين يرفضون الإيمان بك ~~والالتزام برسالتك ، يستغرقون في الحب الدنيوي الذي يخلد إلى الأرض ، ~~وينفعل لكل شهوات الحياة الدنيا ولذاتها ، فلا يفكرون في غيرها ، ولا ~~يلتفتون إلى ما هو أبعد منها على صعيد الغيب الذي تؤكده الرسالات ، وينطلق ~~منه الرسل ... ولذلك فإنهم يبتعدون عن كل شيء يربطهم بالله وباليوم الآخر ، ~~( @QUR@02 ويذرون وراءهم ) أي خلف ظهورهم ( @QUR@02 يوما ثقيلا ) فلا ~~يعملون له ، ولا يستعدون لمواقفه الصعبة ، بل يتصرفون معه تصرف اللامبالاة. # ( @QUR@02 نحن خلقناهم ) وكانوا عدما قبل ذلك ، فكان وجودهم ms5337 بإرادتنا. # ( @QUR@02 وشددنا أسرهم ) أي قوتهم ، كناية عن كيانهم القوي الشديد الذي ~~يتماسك في كل مواقع الزلزال ، ( @QUR@05 وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) ~~لأن الذي خلقهم قادر أن يخلق مثلهم ، أو الأقوى منهم ، فلا يأخذهم الغرور ، ~~ولا تأخذهم العزة بالإثم ، ليخيل إليهم أن الله لا يستغني عنهم ، وأن ~~الحياة لا تملك أن تفارقهم ، وأن الله لن يخلق مثلهم ، فالخلق كلهم فقراء ~~إلى الله بكل معاني الفقر ، والله وحده هو الغني ، بكل معاني الغنى في ~~الوجود. # * * * PageV23P280 ### ||| ** إن هذه تذكرة # ( @QUR@03 إن هذه تذكرة ) في ما تعبر عنه هذه السورة من حقيقة الوجود ~~الإنساني وحرية الاختيار في الإنسان ، وآفاق الهداية في حياته ، وحركة ~~المسؤولية في التزاماته في دائرة السلب والإيجاب ونتائج المواقف غدا بين ~~يدي الله ، مما يفتح قلب الإنسان على الله ليذكره دائما ، فلا يغفل عنه ~~القلب واللسان والروح ، ليتجه إليه في عمله وليستمع إلى النداء الرسالي ~~الصادر منه في دعوته إلى الناس أن يأخذوا بالطريق المستقيم ، ( @QUR@06 فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) فإن الطريق مفتوح للوصول إلى الله ، بكل رحابته ~~من دون موانع ولا حواجز ، ولأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. # * * * ### ||| ** وما تشاءون إلا أن يشاء الله # ( @QUR@06 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) لأن الوجود كله في حركته خاضع ~~لمشيئة الله الذي خلق الأسباب وربط بها المسببات في تخطيط النظام العام ~~للكون وللإنسان والحياة ، فلكل ظاهرة قوانينها ، ولكل موجود دائرته التي ~~يتحرك فيها من خلال الخصائص المودعة فيه ، ولكل حركة ظروفها المعينة ، ~~وللإنسان في مشيئته لأفعاله أسبابه الخاضعة للقانون العام الذي جعله الله ~~لوجوده في علاقته بكل الأشياء من حوله وفي تأثره بها ، وفي خضوع اختياره ~~لها ، في ما تحركه من عناصرها على الصعد الذهنية والنفسية ، وغير ذلك مما ~~يخضع لمشيئة الله. ولكن ذلك لا يلغي عملية الاختيار التي تجعل الأفعال ~~صادرة عنه بلا واسطة ، لأن المسألة هي أن الله أراد للإنسان أن يشاء في ما ~~أودعه فيه من PageV23P281 # حوافز المشيئة ودوافعها ، في الوقت الذي تتعلق المشيئة فيه بالأشياء من ~~موقع الإرادة ms5338 الحرة ، وقد لا نحتاج إلى التأكيد بأن تأثر المشيئة بالظروف ~~المحيطة بالإنسان. لا يمنع انطلاق الإرادة بحرية ، لأن طبيعة الظروف لا ~~تلغي الحرية كمبدإ. # وقد يكون الحديث عن تبعية المشيئة الإنسانية للمشيئة الإلهية للإيحاء ~~الدائم بحاجة الإنسان لله وارتباطه به وانفعاله بإرادته ، لئلا يتصور بأنه ~~يملك الاستقلال المطلق من خلال شعوره بحرية الحركة في أفعاله من خلال حرية ~~الإرادة. # ( @QUR@05 إن الله كان عليما حكيما ) في ما يتضمنه العلم ، وتوحي به ~~الحكمة من إحاطة الله بكل شيء من حياة الإنسان ، وتدبيره الدقيق من جهة ما ~~يخططه له من شؤونه العامة والخاصة في حياته ، مما يجعل الإنسان واثقا بأنه ~~يتصرف في وجوده من موقع الرعاية العليمة الحكيمة من الله. # ( @QUR@05 يدخل من يشاء في رحمته ) ممن يجد فيه الاستحقاق لذلك في نفسيته ~~وروحيته وعمله من هؤلاء الذين عاشوا الإيمان في خط التقوى ، وأخلصوا الدين ~~لله ، ( @QUR@01 والظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والطغيان ، وظلموا ~~غيرهم بالبغي والعدوان ، ( @QUR@04 أعد لهم عذابا أليما ) جزاء لهم على ~~كفرهم وبغيهم ، بعد إقامة الحجة عليهم بكل البينات والبراهين التي قدمها ~~لهم من داخل عقولهم ومن خلال الوحي الإلهي الذي بلغهم الرسل إياه. # * * * PageV23P282 ### | سورة المرسلات ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمسون PageV23P283 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية من سور العقيدة التي تتحرك في أجواء القيامة ، وتطل على ~~كل التاريخ الإنساني في الأرض ، حيث تتابعت أمام الإنسان مشاهد القدرة ~~الإلهية في كل ما أحاط به ، ولوحات الإبداع في تكوينه منذ أن كان نطفة إلى ~~كل مسار التقدير الإلهي في حياته. مع ذلك ، فإن الكثيرين من أفراده لا ~~يؤمنون بالله وباليوم الآخر بل يلجأون إلى التكذيب. وتحتشد في هذه الأجواء ~~كل الصور المرعبة المهولة للقيامة في تنوع متحرك مع كل اللمسات التعبيرية ~~الموحية بالهول ، وكل الصدمات الشعورية التي تهز مكامن الإحساس لدى الإنسان ~~بالخوف من ذلك الموقف الذي لا مجال فيه لأية كلمة ، ولأي عذر ، لأن الكلمات ~~قد تساقطت أمام الحقيقة الإلهية التي لم تبق لأي إنسان حجة في لهوه وعبثه ~~وانحرافه ، ولأن الأعذار لا تثبت ms5339 أمام الواقع الذي تمثل بالانحراف في كل ~~تاريخه ، ولأن عظمة الله في هيمنته على الموقف آنذاك ، تخرس الجميع ، أمام ~~المشهد العظيم. PageV23P285 # كما تحتشد هذه السورة في إيحاءاتها الخاطفة ، وتأنيبها المتكرر للمكذبين ~~، في كل ما كانوا يكيدون به في تاريخهم الكافر ، وفي كل ما كانوا يمارسونه ~~من الجريمة المتعددة الجوانب : في الكفر بالله ، والتمرد عليه ، والبغي على ~~الناس ، وفي امتناعهم عن الانصياع الروحي ، والانقياد العملي ، لأنهم عاشوا ~~الكبرياء أمام الله ، أما المتقون ، فإن الموقف لديهم يختصر الكلمات ، لأن ~~وحدة التوجه القلبي إلى الله في العقيدة والعبادة والعمل ، يجعل هناك وحدة ~~في النعيم المنطلق من رحمة الله للمحسنين الذين أحسنوا الموقف فأحسن الله ~~لهم العاقبة. # * * * ### ||| ** اسم السورة # وجاء اسم المرسلات ، اقتطاعا من الآية الأولى التي تحدثت عن المرسلات ، ~~في إيحاء بالأجواء المتحركة في النظام الإلهي الذي لا يتجمد في موقع واحد ، ~~أو في زمن واحد ، ليكون إيذانا بالحركة الواعية في أجواء الطاعة. # * * * PageV23P286 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والمرسلات عرفا (1) @QUR@02 فالعاصفات عصفا (2) @QUR@02 ~~والناشرات نشرا (3) @QUR@02 فالفارقات فرقا (4) @QUR@02 فالملقيات ذكرا (5) ~~@QUR@03 عذرا أو نذرا (6) @QUR@03 إنما توعدون لواقع (7) @QUR@03 فإذا ~~النجوم طمست (8) @QUR@03 وإذا السماء فرجت (9) @QUR@03 وإذا الجبال نسفت ~~(10) @QUR@03 وإذا الرسل أقتت (11) @QUR@03 لأي يوم أجلت (12) @QUR@02 ليوم ~~الفصل (13) @QUR@05 وما أدراك ما يوم الفصل (14) @QUR@03 ويل يومئذ ~~للمكذبين ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والمرسلات ): الرياح المتتابعة. # ( @QUR@01 عرفا ): الشعر النابت في عنق الفرس ، ويشبه به الأمور إذا ~~تتابعت. # ( @QUR@01 عصفا ): سريعة السير. PageV23P287 # ( @QUR@01 والناشرات ): الرياح الناشرة للحساب. # ( @QUR@02 فالفارقات فرقا ): الملائكة التي تنزل بآيات الله التي تفرق ~~بين الحق والباطل. # ( @QUR@01 عذرا ): الإعذار : الإتيان بما يصير به معذورا. # ( @QUR@01 طمست ): أي محي أثرها من النور وغيره. والطمس : إزالة الأثر ~~بالمحو. # ( @QUR@01 فرجت ): أي انشقت ، والفرج والفرجة : الشق بين الشيئين. # ( @QUR@01 نسفت ): أي قلعت وأزيلت. # ( @QUR@01 أقتت ): أي : عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم ~~أو بلغت الوقت الذي تنتظره لأداء شهادتها. # ( @QUR@01 أجلت ): الأجل : هو المدة المضروبة للشيء. # ( @QUR@02 ليوم الفصل ): يوم الجزاء الذي فيه فصل القضاء. # ( @QUR@01 ويل ): الويل : هو الهلاك. # * * * ### ||| ** يوم القيامة حقيقة صارخة # ( @QUR@016 والمرسلات عرفا* فالعاصفات عصفا* والناشرات نشرا* فالفارقات ~~فرقا* فالملقيات ms5340 ذكرا* عذرا أو نذرا* إنما توعدون لواقع ) هذه الكلمات ~~المتتابعة في مواقع القسم توحي بمعان غامضة في حركتها في الحس في الصورة ~~التفصيلية للملامح المتجسدة في الواقع ، فهناك أشياء تتحرك وتتقدم في تتابع ~~بارز ، وأشياء تعصف بالأجواء PageV23P288 # فتثيرها ، وأشياء تنشر ، وأشياء تفرق وتفصل ، ومخلوقات تلقى الذكر الذي ~~يدفع إلى الإعذار والإنذار ... # إن هناك جوا مثيرا في الكلمات التي وقعت موضعا للقسم ، مما يوحي بأهميتها ~~في ذاتها ، ولكن المفسرين اختلفوا في مواردها التي تنطبق عليها فقيل : إن ~~المراد بها الرياح المتتابعة في قوله : ( @QUR@02 والمرسلات عرفا ) بتفسير ~~العرف بالتتابع ، فإن المراد به الشعر النابت على عنق الفرس ، ويشبه به ~~الأمور إذا تتابعت فيقال : جاءوا كعرف الفرس. # وقيل : إن المراد بها الملائكة التي يرسلها الله بالوحي وبغيره مما تتعلق ~~به إرادته من شؤون النظام الكوني الموكولة إليهم ، أما قوله : ( @QUR@02 ~~فالعاصفات عصفا ) فقالوا : إن المراد بالعصف سرعة المسير وأستعير من عصف ~~الرياح أي سرعة هبوبها إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما أرسلت إليه ، وأن ~~المراد بها الملائكة الذين يرسلهم الله فيسرعون في سيرهم كالرياح العاصفة. ~~وقيل : إن المراد بها الرياح العاصفة باعتبارها مظهرا من مظاهر قدرة الله ~~في الكون ، ( @QUR@02 والناشرات نشرا ) أي الملائكة الناشرين للصحف المكتوب ~~عليها الوحي للنبي ليلقاه ، والرياح التي ينشرها الله بين يدي رحمته ، ( ~~@QUR@02 فالفارقات فرقا ) أي الملائكة التي تنزل بآيات الله التي تفرق بين ~~الحق والباطل ، أو الرياح التي تفرق الأمطار في أنحاء الأرض ، ( @QUR@05 ~~فالملقيات ذكرا* عذرا أو نذرا ) الظاهر أن المراد بالذكر : القرآن الذي ~~يقيم الحجة على الناس وينذرهم عذاب الله ، في ما تلقي الملائكة آياته على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل : إن المراد به الرياح ، وبالذكر المطر ~~الذي يذكر بالله ورحمته ، فالمؤمن يشكر الله حين ينزل المطر ويعتذر عما سبق ~~منه من التقصير ، والكافر يزداد طغيانا لأن المطر يزيد من ثرائه فيكون ~~المطر أو الرياح نذيرا له بعذاب أليم. # وقد جاء في تفسير الطبري في المرسلات : «والصواب من القول في PageV23P289 # ذلك عندنا أن يقال : إن الله ms5341 تعالى ذكره أقسم بالمرسلات عرفا ، وقد ترسل ~~عرفا الملائكة ، وترسل كذلك الرياح ، ولا دلالة تدل على أن المعني بذلك أحد ~~الحزبين دون الآخر ، وقد عم جل ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف ، ~~فمن كان صفته كذلك فداخل في قسمه ذلك ، ملكا أو ريحا أو رسولا من بني آدم ~~مرسلا» (1)، وبنحو ذلك قال في الناشرات : «فالريح تنشر السحاب ، والمطر ~~ينشر الأرض ، والملائكة تنشر الكتب ، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على ~~أن المراد من ذلك بعض من دون بعض ، وذلك على كل ما كان ناشرا» (2)، وبنحو ~~ذلك قال في «الفارقات» (3)... وخلاصته الأخذ بإطلاق الكلمات ، لكل ما ~~ينطبق عليها ، وقد نجد أن بعض الكلمات كالعاصفات لا تنسجم مع إرادة معنى ~~الملائكة منها ، كما أن الملقيات ذكرا لا تنسجم مع الرياح والمطر بحسب ~~الظاهر ، ولعل الأفضل هو عدم الالتزام بوحدة المعنى في الجميع ، في ما ~~تنطبق عليه الكلمات ، بل يمكن أن يختلف المراد من إحداها عن الأخرى ، كما ~~أنه ليس من الضروري التدقيق في ذلك ، لأن مثل هذه الأمور مما لم يرد فيها ~~نص موثوق به عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو عن العترة الطاهرة من أهل ~~بيته ، ولم يرد إسناد هذه المعاني من الصحابة عن الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فلنجمل ما أراد الله إجماله في ما يمكن أن يتحد أو يتعدد. # ( @QUR@03 إنما توعدون لواقع ) فستواجهون جميعا يوم القيامة ، كحقيقة ~~صارخة لا يمكن الشك فيها ، بل إن ثبوته في الوجود ، كثبوت هذه الظواهر ~~الكونية التي تقع موقعا للقسم الذي يقسم به الله. # * * * PageV23P290 # ( @QUR@03 فإذا النجوم طمست ) أي ذهب ضوؤها ( @QUR@03 وإذا السماء فرجت ) ~~أي انفطرت كواكبها وتصدعت وتشققت ، ( @QUR@03 وإذا الجبال نسفت ) فتحولت ~~إلى هباء تذروه الرياح ، ( @QUR@03 وإذا الرسل أقتت ) من التوقيت ، وربما ~~كان المراد بها الملائكة التي جعل الله لها وقتا معينا لتقف في المحشر ~~لتشهد على العباد ، ثم تتحرك بعد ذلك لتمارس دورها في سوق المجرمين إلى ~~النار وسوق المؤمنين إلى الجنة ، وربما كان المراد بالرسل الأنبياء ms5342 الذين ~~جعلهم الله شهداء على أممهم ، ( @QUR@03 لأي يوم أجلت ) وهو اليوم الحاسم ~~الذي أمهل الله عباده ليبلغوه ، ويواجهوا القرار الأخير من جهة مصيرهم ~~المرتبط بطبيعة أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، ( @QUR@02 ليوم الفصل ) ~~الذي يفصل الله به بين عباده ، كما يفصل مصيرهم بالحق ، ليوفيهم أجورهم من ~~دون أن يضيع عمل عامل منهم من ذكر أو أنثى ، ( @QUR@05 وما أدراك ما يوم ~~الفصل ) وما هو خطورته ، وما هي النتائج التي ينتهي إليها الناس هنا. # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) إنه التهديد الصارخ بالويل الذي يواجه ~~المكذبين الذين كذبوا بالله وبرسله وبكتبه ، حيث يقفون بين يدي الله من دون ~~حجة على مواقفهم ، بل لله الحجة عليهم في ذلك كله. # * * * PageV23P291 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 ألم نهلك الأولين (16) @QUR@03 ثم نتبعهم الآخرين (17) @QUR@03 ~~كذلك نفعل بالمجرمين (18) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (19) @QUR@05 ألم ~~نخلقكم من ماء مهين (20) @QUR@04 فجعلناه في قرار مكين (21) @QUR@03 إلى ~~قدر معلوم (22) @QUR@03 فقدرنا فنعم القادرون (23) @QUR@03 ويل يومئذ ~~للمكذبين (24) @QUR@04 ألم نجعل الأرض كفاتا (25) @QUR@02 أحياء وأمواتا ~~(26) @QUR@07 وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) @QUR@03 ~~ويل يومئذ للمكذبين ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 مهين ): المهين : الحقير ، قليل الغناء ، والمراد به النطفة. # ( @QUR@01 مكين ): المراد هنا الرحم. # ( @QUR@02 قدر معلوم ): مدة الحمل. # ( @QUR@01 كفاتا ): كفت الشيء يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه. والمعنى هنا ~~أوعية تضم الناس كلهم. # ( @QUR@01 رواسي ): الرواسي : الثابتات من الجبال. PageV23P292 # ( @QUR@01 شامخات ): عاليات. # ( @QUR@01 فراتا ): الفرات : الماء العذب. # * * * ### ||| ** ألم نهلك الأولين؟! # كيف يفكر هؤلاء المكذبون ، وكيف يستريحون إلى مستقبلهم الذي يقدمون عليه ~~، ولماذا لا يدرسون تاريخ الأمم التي سبقتهم من أولئك الذين يلتقون معهم في ~~تكذيب الرسل؟! # ( @QUR@03 ألم نهلك الأولين ) من قوم نوح وعاد وثمود في ما أنزل الله ~~عليهم من العذاب في الدنيا فأهلكهم جميعا ، ( @QUR@03 ثم نتبعهم الآخرين ) ~~أمثال قوم لوط وإبراهيم ، وقيل إن الآخرين هم الذين تقوم عليهم القيامة ، ( ~~@QUR@03 كذلك نفعل بالمجرمين )، فننزل عليهم العذاب الذي يهلكهم بمختلف ~~الوسائل المألوفة وغير المألوفة ، لأن المسألة التي توحد هؤلاء هي الجريمة ~~الفكرية بعد ما تمردوا على الله في انحرافهم العقيدي ، والجريمة العملية في ~~عصيانهم لأوامره ونواهيه وابتعادهم عن خطه المستقيم. # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين سيواجهون ms5343 عذاب الله في يوم الجزاء. # * * * ### ||| ** عظمة الله في تنويع الخلق # ( @QUR@05 ألم نخلقكم من ماء مهين ) حقير تمثله النطفة التي لا تملك أية ~~ملامح مميزة تستوجب الانتباه ، ( @QUR@04 فجعلناه في قرار مكين ) وهو الرحم ~~، ( @QUR@03 إلى قدر معلوم ) وهو PageV23P293 # الزمن الذي تتم فيه عناصر النمو للإنسان حتى يستقيم وجوده ، ( @QUR@03 ~~فقدرنا فنعم القادرون ) بفعل ما أعطيناه من الخصائص التي تميز البعض عن ~~الآخر في الطول والقصر ، والبياض والسواد ، والذكورة والأنوثة ، ونحو ذلك ، ~~مما يدل على عظمة الله في قدرته على تنويع الخلق من موقع الوحدة وعلى ~~إعادته من جديد ، لأن مسألة القدرة في عناصرها الإبداعية واحدة ، فكيف ~~تنكرون البعث ، وأنتم تعيشون حركة القدرة في الوجود الذي تشاهدون فيه ~~العظمة المتنوعة في كل مولود يولد ، وفي كل حياة تتجدد ، ( @QUR@03 ويل ~~يومئذ للمكذبين ) الذين يكذبون بيوم الدين. # ( @QUR@04 ألم نجعل الأرض كفاتا ) أي أوعية تضم الناس كلهم ، ( @QUR@02 ~~أحياء وأمواتا ) فهي تضم الأحياء وتحضنهم على ظهرها لتكفل لهم الامتداد في ~~الحياة ، وتستوعب الأموات وتضمهم في داخلها ، ( @QUR@04 وجعلنا فيها رواسي ~~شامخات ) وهي الجبال العالية الثابتة لئلا تميد الأرض بكم ، ( @QUR@03 ~~وأسقيناكم ماء فراتا ) أي عذبا. ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) بنعم الله ~~التي أنعم الله بها عليكم ، والتي تمنح حياتكم كل ما تحتاج إليه. # * * * PageV23P294 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) @QUR@06 انطلقوا إلى ظل ذي ~~ثلاث شعب (30) @QUR@06 لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) @QUR@04 إنها ترمي ~~بشرر كالقصر (32) @QUR@03 كأنه جمالت صفر (33) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ~~(34) @QUR@04 هذا يوم لا ينطقون (35) @QUR@04 ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ~~@QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (37) @QUR@05 هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ~~(38) @QUR@05 فإن كان لكم كيد فكيدون (39) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) (40) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ظليل ): هو المانع من الحر والأذى بستره على المستظل. # ( @QUR@01 اللهب ): ما يعلو على النار من أحمر وأصفر وأخضر. # ( @QUR@01 بشرر ): ما يتطاير من النار. # ( @QUR@01 جمالت ): جمع جمل ، وهو البعير. # * * * PageV23P295 ### ||| ** انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون # ( @QUR@06 انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) من النار التي أعدت للكافرين ~~المكذبين الذين كانوا يسخرون من الحديث عنها عنادا واستكبارا. # ( @QUR@06 انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ) أي نار لها ms5344 ثلاث شعب ، وقد سماها ~~ظلا لسواد نار جهنم ، وقيل : هي دخان نار جهنم له ثلاث شعب : شعبة تكون من ~~فوقه ، وشعبة عن يمينه ، وشعبة عن شماله ، ( @QUR@02 لا ظليل ) أي لا يمنع ~~من الأذى بستره عنه ، كما هو الظل الطبيعي الذي يقي الإنسان من الحر ، ( ~~@QUR@04 ولا يغني من اللهب ) فلا يدفع عنهم حره ، ( @QUR@04 إنها ترمي بشرر ~~كالقصر ) وهو ما يتطاير منها في الفضاء ، كما هو القصر في علوه وضخامته ، ( ~~@QUR@03 كأنه جمالت صفر ) أي في حجم الجمل الأصفر حتى يخيل إليك أنه جمل في ~~كل اللهب الأصفر ، ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين يكذبون بنار جهنم. # ( @QUR@04 هذا يوم لا ينطقون ) لأن النطق لا يكون إلا للاعتذار عما بدر ~~منهم ليدافعوا عن أنفسهم ، ويتخلصوا من نتائج أعمالهم بما يبررونه منها ~~ولكن المسألة هناك ، أن العذر لا معنى له ، لأن الحقائق التي عاشوها في ~~الدنيا لا مجال للدفاع عنها ، ولا للشك فيها ، فيكون النطق عبثا. # ( @QUR@04 ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) لأنه لا مجال لديهم للاعتذار عن ~~ذنوبهم ، ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) بهذه الحقيقة الأخروية. # * * * PageV23P296 ### ||| ** هذا يوم الفصل # ( @QUR@05 هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ) الذين تلتقون معهم على ~~التكذيب بالرسول وبالرسالة ، ( @QUR@05 فإن كان لكم كيد فكيدون ) في ما قد ~~تستغرقون فيه من الشعور بالقوة العددية التي قد تلتقي بالأفكار الشيطانية ~~وما ينتج عنها من الحيل المتنوعة بهدف الوقوف ضد رسل الله ورسالته عند ما ~~كنتم في الدنيا ، فهل تملكون الآن شيئا من ذلك ، وهل يمكن لكم أن تجمعوا كل ~~تجارب الأولين والآخرين لتكيدوا الله الذي يملك القوة كلها في هذا اليوم ~~الذي لا تملك فيه نفس لنفس شيئا لأن الأمر كله لله ... # وهذا هو الأسلوب الذي يصدم كبرياءهم وكل ما استعرضوه في اجتماعاتهم ، ~~وحاولوا الإيحاء به للمستضعفين بالقوة المطلقة التي يملكونها في مواجهة ~~رسالات الله ، ليعرفوا جيدا كيف يكون الموقف في يوم القيامة ، فيفكروا فيه ~~ويتراجعوا ، ويلتزموا الخط المستقيم ، لأن التفكير الجدي المتوازن العميق ~~قد يدفع بالموقف ليكون في مستوى الصدمة الشديدة لكل الغرور والكبرياء ~~واللاواقعية التي يعيشونها في ذواتهم ms5345 ، وليعلموا أنهم لا يستطيعون الخلاص ~~من عذاب الله ، مهما حشدوا من القوة. # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين ينظرون إلى أنفسهم نظرة التكبر ~~والتجبر والخيلاء ، فيدفعهم ذلك إلى التكذيب بآيات الله. # * * * PageV23P297 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إن المتقين في ظلال وعيون (41) @QUR@03 وفواكه مما يشتهون (42) ~~@QUR@06 كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) @QUR@04 إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (44) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (45) @QUR@05 كلوا وتمتعوا قليلا ~~إنكم مجرمون (46) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (47) @QUR@06 وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون (48) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (49) @QUR@04 فبأي حديث ~~بعده يؤمنون ) (50) # * * * ### ||| ** المتقون في ظلال وعيون # وهذا حديث عن المتقين الذين عاشوا التقوى الفكرية والروحية والعملية في ~~أفكارهم وممارساتهم ، استجابة لما وعدهم الله به من لطفه ورحمته. # ( @QUR@05 إن المتقين في ظلال وعيون ) حيث يستظلون أفياء أشجار الجنة ~~ويشربون من عيونها ، ( @QUR@03 وفواكه مما يشتهون ) في ما تتنوع به خصائصها ~~وعناصرها التي لا PageV23P298 # يبلغ لذتها شيء من فواكه الدنيا ، ( @QUR@06 كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم ~~تعملون ) فهذا هو الجزاء الذي ينتظر العاملين على خط التقوى ، الذين ~~ينفتحون على كل نعيم الله في رضوانه وألطافه ، ( @QUR@04 إنا كذلك نجزي ~~المحسنين ) لأن الله هو الذي يجازي الإحسان العملي ، بالإحسان الأخروي في ~~نعيم الجنة. # * * * ### ||| ** المكذبون المجرمون لهم الويل والثبور # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين كانوا يسخرون من الحديث عن الجنة ~~وعن وعد الله للمتقين المحسنين بنعيمها في الدار الآخرة ... ( @QUR@05 كلوا ~~وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ) وإذا كان النداء الموجه إلى المتقين بأن ~~يأكلوا ويشربوا هنيئا ، فإن النداء الموجه إلى المكذبين أن يأكلوا ويتمتعوا ~~قليلا في الدنيا ليكون الموت عاقبة ذلك ، وليواجهوا العذاب الأليم من بعده ~~، ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين يعيشون الغفلة عن المقارنة بين ~~الدنيا في نعيمها الزائل وبين الآخرة في نعيمها الخالد. # ( @QUR@06 وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) لأنهم تمردوا على الله في ~~كبرياء الكفر الذي يمنعهم من الخضوع له في ما يمثله الركوع من ذلك ( ~~@QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين عاشوا التكذيب العملي في سلوكهم ~~والتزاماتهم وانتماءاتهم ، وعملوا على مواجهة المؤمنين بالفتنة عن دينهم ~~بمختلف وسائل الضغط المعنوي والمادي ، وبالوقوف أمام انتشار الدعوة في ~~العالم ، بما يضعونه من ms5346 الحواجز أمام الناس التي تضيق عليهم حرية الفكر ~~وحركة الحوار. # ( @QUR@04 فبأي حديث بعده يؤمنون ) إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث المملوء ~~حكمة وخيرا وانفتاحا على كل حقائق الكون ، وعلى كل أسراره التي تفتح عقل PageV23P299 # الإنسان وقلبه على عظمة الله في خلقه ، وتدبيره في حكمته ، وعلى النظام ~~الفكري التشريعي المتوازن الذي يخطط للإنسان الحركة الواعية في الاتجاه ~~السليم نحو الخط المستقيم ... فهل هناك حديث غيره يمكن أن يضمن لأنفسهم ، ~~إذا اتبعوه ، السلامة في الدنيا والآخرة؟! والحمد لله رب العالمين # * * * # والحمد لله رب العالمين PageV23P300 ### | الفهرس # تفسير سورة الملك [1 30] # في أجواء ~~السورة............................................................ 7 # اسم ~~السورة................................................................ 9 # الآيات [1 ~~14].............................................................. 10 # معاني ~~المفردات............................................................ 11 # تبارك ألذي بيده ~~الملك..................................................... 12 # خلق الموت والحياة لاختبار ~~الناس............................................ 12 # انظر في خلق ~~السماوات.................................................... 15 # بئس مصير ~~الكافرين....................................................... 16 # المعرضون عن دعوات الرسل في أصحاب السعير............................... 17 # المغفرة والأجر للذين يخشون ~~الله............................................. 18 # يعلم سركم ~~وجهركم........................................................ 19 # الآيات [15 ~~22]............................................................. 21 # معاني ~~المفردات............................................................ 21 # جولة كونية في خط الإيمان ~~بالله............................................. 22 # جعل الله الإرض ~~ذلولا..................................................... 22 # إلي الله ~~النشور............................................................ 23 PageV23P301 # تذكير بمصير المكذبين من ~~قبل............................................... 24 # هل يملك الهيمنة علي الكون إلا ~~الله!؟....................................... 25 # مثل الكفار ~~والمؤمنين....................................................... 26 # الآيات [23 ~~30]............................................................. 27 # معاني ~~المفردات............................................................ 27 # قل لهم .. كل الكلمات التي تثير الفكر نحو ~~الله............................... 28 # ويقولون متي هذا ~~الوعد.................................................... 29 # من يجير الكافرين من ~~العذاب!؟............................................. 31 # تفسير سورة القلم [1 52] # في أجواء ~~السورة........................................................... 35 # اسم ~~السورة............................................................... 36 # الآيات [1 ~~7]................................................................ 37 # معاني ~~المفردات............................................................ 37 # قيمة القلم في المعرفة والحضارة ~~الإنسانية....................................... 37 # نفي الجنون بنعمة ~~الله...................................................... 38 # إنك لعلي خلق ~~عظيم...................................................... 40 # الله أعلم بالمضلين ~~والمهتدين................................................. 41 # الآيات [8 ~~16].............................................................. 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # رفض تبادل ~~التسويات..................................................... 43 # ودوا لو تدهن ~~فيدهنون.................................................... 44 # صفات هؤلاء ~~المدهنين..................................................... 44 # مصير المستكبر ~~المتغطرس................................................... 46 PageV23P302 # الآيات [17 ~~33]............................................................. 47 # معاني ~~المفردات............................................................ 47 # من النماذج القلقة في خط ~~الانحراف......................................... 48 # انكشاف ~~الحق............................................................ 50 # تلمس ~~الهداية............................................................. 51 # الآيات [34 ~~52]............................................................. 53 # معاني ~~المفردات............................................................ 54 # دحض مزاعم ~~المكذبين..................................................... 54 # ليس المسلمون ~~كالمجرمين.................................................... 55 # تساؤلات ms5347 ~~استنكارية........................................................ 56 # موقف الخسران للكافرين يوم ~~القيامة......................................... 57 # استدراج الكافرين من حيث لا ~~يعلمون....................................... 58 # لا تستعجل ~~النتائج........................................................ 59 # من إيحاءات ~~الآيات........................................................ 60 # الخروج عن المألوف ليس خروجا عن ~~الحقيقة................................... 61 # عالمية رسالة ~~الإسلام....................................................... 62 # تفسير سورة الحاقة [1 52] # في أجواء ~~السورة........................................................... 65 # الآيات [1 ~~12].............................................................. 66 # معاني ~~المفردات............................................................ 66 # الحاقة وأهوالها حقيقة دينية ~~ثابتة............................................. 67 # عاد وثمود تكذبان ~~بالقارعة................................................. 68 # هلاك ثمود ~~بالطاغية....................................................... 69 # إهلاك عاد بريح صرصر ~~عاتية............................................... 69 PageV23P303 # هلاك قوم فرعون ولوط ~~ونوح............................................... 70 # الآيات [13 ~~37]............................................................. 72 # معاني ~~المفردات............................................................ 73 # أسئلة أمام القرآن حول ~~الحاقة............................................... 73 # أخذ المؤمنين الكتاب يوم القيامة ~~باليمين...................................... 74 # أخذ الكافرين الكتاب يوم القيامة ~~بالشمال................................... 76 # المصير ~~المشؤوم............................................................ 77 # الآيات [38 ~~52]............................................................. 79 # معاني ~~المفردات............................................................ 79 # القرآن هو حق ~~اليقين...................................................... 79 # القرآن تنزيل من رب ~~العالمين................................................ 81 # القرآن تذكرة ~~للمتقين...................................................... 82 # القرآن حسرة علي ~~الكافرين................................................. 83 # تفسير سورة المعارج [1 44] # هل السورة مكية أم ~~مدنية!................................................. 87 # في آفاق ~~السورة........................................................... 88 # اسم ~~السورة............................................................... 89 # الآيات [1 ~~10].............................................................. 90 # معاني ~~المفردات............................................................ 90 # سؤال يستعجل العذاب.................................................... 91 # الصبر الجميل علي ~~التحديات............................................... 94 # إنهم يرونه بعيدا ونراه ~~قريبا.................................................. 95 # أهوال يوم ~~القيامة.......................................................... 95 # الآيات [11 ~~18]............................................................. 97 PageV23P304 # معاني ~~المفردات............................................................ 97 # تقطع العلاقات وموت المشاعر الحميمة يوم ~~القيامة............................. 98 # النار تدعو إليها من أدبر ~~وتولي.............................................. 99 # الآيات [19 ~~35]........................................................... 101 # معاني ~~المفردات.......................................................... 101 # الإنسان في صورته ~~السلبية................................................ 102 # الإنسان في صورته ~~الإيجابية................................................ 103 # من هم العادون!........................................................ 105 # من هم المكرمون في ~~الجنة!................................................ 106 # الآيات [36 ~~44]........................................................... 107 # معاني ~~المفردات.......................................................... 107 # فما للذين كفروا قبلك ~~مهطعين!........................................... 108 # رب المشارق ~~والمغارب..................................................... 109 # ذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا..................................................... 110 # تفسير سورة نوح [1 28] # في أجواء ~~السورة......................................................... 115 # دعوة لتدمير المجتمع ~~المتمرد................................................ 116 # نموذج ~~نبوي............................................................. 117 # الآيات [1 ~~14]............................................................. 119 # معاني ~~المفردات.......................................................... 119 # الإنذار في خلفياته التاريخية ~~والفكرية........................................ 120 # النذير ~~المبين............................................................. 122 # النبي نوح يقدم تقريره النهائي إلي ~~الله........................................ 123 PageV23P305 # كيف كان نوح يدعو قومه!.............................................. 125 # العلاقة بين الإيمان وإنزال هذه ~~النعم؟....................................... 126 # في خلقكم أطوارا سر عظمة القدرة ~~الإلهية................................... 127 ms5348 # الآيات [15 ~~20]........................................................... 129 # معاني ~~المفردات.......................................................... 129 # نوح يحث قومه علي التفكر............................................... 130 # الآيات [21 ~~24]........................................................... 132 # معاني ~~المفردات.......................................................... 132 # نوح يتحدث عن دور المترفين في إضلال ~~الناس............................... 132 # مكروا ليضلوا ~~الناس...................................................... 134 # الآيات [25 ~~28]........................................................... 136 # معاني ~~المفردات.......................................................... 136 # إجابة الله دعاء ~~نوح...................................................... 137 # رب لا تذر من الكافرين ~~ديارا............................................. 137 # كيف نستوحي السورة!................................................... 139 # تفسير سورة الجن [1 28] # مفهوم الجن في ~~القرآن.................................................... 143 # في أجواء ~~السورة......................................................... 144 # الآيات [1 ~~7].............................................................. 146 # معاني ~~المفردات.......................................................... 146 # مناسبة ~~النزول........................................................... 147 # النبي يتعرف وحيا علي إيمان ~~الجن.......................................... 148 # حديث الجن عن الله..................................................... 149 PageV23P306 # الآيات [8 ~~17]............................................................. 152 # معاني ~~المفردات.......................................................... 152 # حال الجن مع السماء.................................................... 154 # مناقشة لبعض المناهج التفسيرية في مسألة ~~الجن.............................. 155 # في الجن صالحون ~~وطالحون................................................. 156 # في الجن مسلمون وقاسطون............................................... 158 # لو استقاموا علي الطريقة لأسقيناهم ماء ~~غدقا................................ 159 # الآية ~~[18].................................................................. 162 # المساجد ~~لله............................................................. 162 # الآيات [19 ~~24]........................................................... 164 # معاني ~~المفردات.......................................................... 164 # لا أملك لكم ضرا ولا رشدا.............................................. 165 # المهمة الموكولة إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~............................................ 166 # جزاء ~~العاصين........................................................... 166 # الآيات [25 ~~28]........................................................... 167 # معاني ~~المفردات.......................................................... 167 # الغيب من اختصاص الله.................................................. 168 # رعاية الله ~~لرسوله......................................................... 169 # تفسير سورة المزمل [1 20] # في أجواء ~~السورة......................................................... 175 # الآيات [1 ~~9].............................................................. 177 # معاني ~~المفردات.......................................................... 177 # قيام الليل تمهيدا ~~للمواجهة................................................ 179 # إنا سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا............................................... 181 PageV23P307 # الروحانية الصادقة الصافية في الليل والنهار ~~للعمل............................ 182 # أقبل علي الله واتخذه ~~وكيلا................................................ 184 # الآيات [10 ~~19]........................................................... 185 # معاني ~~المفردات.......................................................... 185 # اصبر علي ما ~~يقولون..................................................... 186 # جزاء المتقولين ~~المكذبين................................................... 187 # أخذ العبرة من عذاب فرعون.............................................. 188 # كيفية اتقاء عذاب ~~الاخرة................................................. 189 # الآية ~~[20].................................................................. 190 # معاني ~~المفردات.......................................................... 190 # الله يخفف عن رسوله والمؤمنين معه قيام ~~الليل................................ 191 # مسوغات تخفيف قيام الليل............................................... 192 # مناقشة مع العلامة الطباطبائي في ~~الميزان..................................... 193 # قراءة القرآن وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة..................................... 194 # مع صاحب الميزان في تفسير ~~الاية.......................................... 194 # ثواب عمل ~~الخير......................................................... 195 # تفسير سورة المدثر [1 56] # في أجواء ~~السورة......................................................... 199 # الآيات [1 ~~7].............................................................. 202 # معاني ~~المفردات.......................................................... 202 # يا أيها المدثر، قم للدعوة ~~وللعمل........................................... 202 ms5349 # وربك فكبر............................................................. 203 # وثيابك فطهر........................................................... 204 # والرجز ~~فاهجر........................................................... 205 PageV23P308 # لا تمنن ~~تستكثر......................................................... 205 # ولربك فاصبر........................................................... 206 # الآيات [8 ~~10]............................................................. 207 # معاني ~~المفردات.......................................................... 207 # يوم النقر في الناقور .. عسير علي ~~الكافرين................................. 207 # الآيات [11 ~~30]........................................................... 209 # معاني ~~المفردات.......................................................... 210 # مناسبة ~~النزول........................................................... 210 # طريقة المشركين في إبعاد الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~............................. 211 # استيحاء الآيات في حركة الإسلام ~~المعاصرة.................................. 212 # تهديد إلهي للمعتدي ~~المتكبر............................................... 212 # جزاء المكابر المعاند لآيات ~~القرآن........................................... 213 # اتهام النبي ~~بالسحر....................................................... 215 # ترهيب المكابرين بوصف جهنم............................................ 215 # الآية ~~[31].................................................................. 217 # معاني ~~المفردات.......................................................... 217 # وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة....................................... 218 # استسلام المؤمنين المطلق لله ~~ورسوله......................................... 219 # ما يعلم جنود ربك إلا ~~هو................................................ 220 # الآيات [32 ~~37]........................................................... 221 # معاني ~~المفردات.......................................................... 221 # تجلي العظمة الإلهية في ~~المخلوقات.......................................... 221 # إنها لإحدي ~~الكبر....................................................... 222 # الآيات [38 ~~56]........................................................... 223 # معاني ~~المفردات.......................................................... 223 PageV23P309 # كل نفس بما كسبت رهينة................................................ 224 # أسباب دخول الناس إلي ~~النار............................................. 225 # الشفاعة لمن يرتضي ~~الله................................................... 227 # فرار المشركين من ~~الهدي................................................... 228 # لا يخافون ~~الآخرة........................................................ 229 # ما القرآن إلا ~~تذكرة...................................................... 229 # تفسير سورة القيامة [1 40] # في أجواء ~~السورة......................................................... 233 # الآيات [1 ~~15]............................................................. 235 # معاني ~~المفردات.......................................................... 235 # لا أقسم بيوم القيامة .. ولا بالنفس ~~اللوامة.................................. 236 # ما هو مفهوم النفس ~~اللوامة!............................................... 237 # أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه!...................................... 238 # لماذا التركيز علي البنان كمظهر ~~للقدرة!..................................... 239 # مشكلة الكافر أنه لا ينظر إلي الأمور نظرة ~~بعيدة............................. 240 # بل الإنسان علي نفسه بصيرة............................................. 242 # الآيات [16 ~~19]........................................................... 244 # مناسبة ~~النزول........................................................... 244 # لا تحرك به لسانك لتعجل ~~به.............................................. 245 # الآيات [20 ~~25]........................................................... 247 # معاني ~~المفردات.......................................................... 247 # وجوه الناس يوم ~~القيامة................................................... 248 # الآيات [26 ~~40]........................................................... 250 # معاني ~~المفردات.......................................................... 250 PageV23P310 # إلي ربك ~~المساق......................................................... 251 # المستكبر وإعراضه عن ~~الحق............................................... 252 # أيحسب الإنسان أن يترك سدي!.......................................... 253 # أليس الله بقادر علي أن يحيي ~~الموتي؟!...................................... 254 # تفسير سورة الإنسان [1 31] # هل السورة مكية أم ~~مدنية!................................................ 257 # في أجواء ~~السورة......................................................... 258 # اسم ~~السورة............................................................. 259 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 261 # معاني ~~المفردات.......................................................... 261 # الإنسان بين غياهب العدم وقدر ~~الوجود.................................... 262 # تطور خلق ms5350 الإنسان...................................................... 263 # إنا هديناه ~~السبيل........................................................ 264 # حصيلة الكفر ~~والإيمان.................................................... 266 # الآيات [7 ~~22]............................................................. 267 # معاني ~~المفردات.......................................................... 267 # من صفات الأبرار: الوفاء ~~بالنذر........................................... 269 # إطعام الطعام علي ~~حبه................................................... 269 # بين سمو العطاء والخوف من ~~الله............................................ 270 # قصة الآية في حياة أهل البيت عليه ~~السلام................................. 271 # أجر العاملين لوجه الله يوم ~~القيامة.......................................... 273 # الآيات [23 ~~31]........................................................... 276 # معاني ~~المفردات.......................................................... 276 # القرآن كتاب هداية ~~والتزام................................................. 277 PageV23P311 # فاصبر لحكم ربك........................................................ 278 # واذكر اسم ربك واسجد له............................................... 278 # الله يذكر عباده بخلقهم من ~~العدم.......................................... 280 # إن هذه ~~تذكرة........................................................... 281 # وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله.............................................. 281 # تفسير سورة المرسلات [1 50] # في أجواء ~~السورة......................................................... 285 # اسم ~~السورة............................................................. 286 # الآيات [1 ~~15]............................................................. 287 # معاني ~~المفردات.......................................................... 287 # يوم القيامة حقيقة ~~صارخة................................................. 288 # الآيات [16 ~~28]........................................................... 292 # معاني ~~المفردات.......................................................... 292 # ألم نهلك ~~الأولين!؟...................................................... 293 # عظمة الله في تنويع ~~الخلق................................................. 293 # الآيات [29 ~~40]........................................................... 295 # معاني ~~المفردات.......................................................... 295 # انطلقوا إلي ما كنتم به ~~تكذبون............................................ 296 # هذا يوم الفصل......................................................... 297 # الآيات [41 ~~50]........................................................... 298 # المتقون في ظلال ~~وعيون................................................... 298 # المكذبون المجرمون لهم الويل ~~والثبور......................................... 299 PageV23P312 ![](https://books.rafed.net/Books/3289_tafsir-men-wahi-alquran-24/images/image001.gif) PageV24P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3289_tafsir-men-wahi-alquran-24/images/image002.gif) PageV24P003 ### | سورة النبأ ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها إحدى وأربعون PageV24P005 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه من السور المكية التي تعالج مسألة العقيدة باليوم الآخر ، ذلك أن ~~الجو المحيط بدعوة النبي إلى الإيمان به آنذاك ، كان حافلا بالكثير من ~~ألوان التشكيك أو الرفض بين الناس. وقد جاءت هذه السورة لتتحدث عن طبيعة ~~الإثارة ، ووصولها إلى مستوى اشتداد الخلاف حولها ، انطلاقا من طبيعة ~~الارتباط الذهني لديهم في تصورهم للأشياء بالجانب الحسي ، فلا يؤمنون إلا ~~بما هو مألوف لديهم بطريق الحس. ولهذا تحرك الأسلوب القرآني في دائرة ~~التوعية الفكرية ، ليثير فيهم طبيعة الإمكانات المحتملة للمسألة كوسيلة من ~~وسائل حركة الفكر نحوها ، للوصول من خلال ذلك إلى القناعة العقيدية .. # وهذا ما جعل السورة تجول على مواقع قدرة الله في الكون والأرض والسماء ، ~~وما يتحقق فيها من ظواهر ، كحركة الزوجية في وجود الإنسان ، وحركة الليل ~~والنهار ودورهما في حياته ، في ما يلقيه عليه الليل من سبات ، ويتحرك فيه ~~بالنهار من أمور المعاش ms5351 ، وبما تنطلق به السماء من نور ينير له ظلمات الأرض ~~في ما يحتاج فيه إلى الضوء ، وما ينزل عليه من مطر يحيي الأرض بعد موتها ، ~~فيمنح الوجود الإنساني غذاءه الطبيعي في ما ينبت من النبات بسببه. # ثم تنتقل السورة إلى يوم الفصل الذي جعله الله ميعادا لخلقه ، ليرجع PageV24P007 # إليه الناس في وضع كوني هائل ، عند ما ينفخ في الصور ، فيخرج الناس من ~~أجداثهم ليتجهوا إلى موقف القيامة أفواجا ، وتفتح السماء التي لا تجد فيها ~~أية ثغرة ، وتسير الجبال الثابتة في صلابتها لتتحول إلى ما يشبه السراب في ~~ما يوجي به من تخييل الحقيقة بأنها وهم وخيال ، وتنفتح جهنم للطاغين الذين ~~أحصى الله أعمالهم عليهم بكل دقة ، والجنة للمتقين الذين استحقوا ذلك ~~بأعمالهم في طاعة الله في خط التقوى ، عطاء من الله الذي يملك الأمر كله ، ~~فلا يملك أحد أن يقول كلمة ، أو يتحرك بحركة ، حتى الملائكة والروح الذين ~~يمثلون النماذج العالية في درجات القرب من الله. # إنه النبأ العظيم الذي ينظر المرء فيه إلى ما قدمت يداه ، لأن العمل هو ~~أساس الجزاء هناك ، حيث تتحرك أمنيات الكافر ليتمنى أن يكون ترابا .. # * * * PageV24P008 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 عم يتساءلون (1) @QUR@03 عن النبإ العظيم (2) @QUR@04 الذي هم ~~فيه مختلفون (3) @QUR@02 كلا سيعلمون (4) @QUR@03 ثم كلا سيعلمون (5) ~~@QUR@04 ألم نجعل الأرض مهادا (6) @QUR@02 والجبال أوتادا (7) @QUR@02 ~~وخلقناكم أزواجا (8) @QUR@03 وجعلنا نومكم سباتا (9) @QUR@03 وجعلنا الليل ~~لباسا (10) @QUR@03 وجعلنا النهار معاشا (11) @QUR@04 وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا (12) @QUR@03 وجعلنا سراجا وهاجا (13) @QUR@05 وأنزلنا من المعصرات ~~ماء ثجاجا (14) @QUR@04 لنخرج به حبا ونباتا (15) @QUR@02 وجنات ألفافا ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 النبإ ): الخبر. # ( @QUR@01 مهادا ): المهاد : الوطاء ، ومهد الشيء تمهيدا ، أي : وطأه توطئة. # ( @QUR@01 أوتادا ): الوتد : المسمار ، إلا أنه أغلظ منه. PageV24P009 # ( @QUR@01 سباتا ): السبات : القطع ، وهنا بمعنى قطع العمل. # ( @QUR@01 وهاجا ): مضيئا. # ( @QUR@01 المعصرات ): السحائب تعتصر بالمطر. # ( @QUR@01 ثجاجا ): الثجاج : الدفاع. # ( @QUR@01 ألفافا ): الألفاف : الأخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض. # * * * ### ||| ** المساءلة عن النبأ العظيم # ( @QUR@02 عم يتساءلون ) عن أي شيء يتساءلون؟ وما هي القضية التي تثير ~~لديهم الريب في مفرداتها الموضوعية ليحركوها بهذه الطريقة؟ ( @QUR@03 عن ~~النبإ العظيم ) أي الحدث العظيم في طبيعته ms5352 ، الكبير في علاقته بالمسألة ~~الوجودية التي تستثير السؤال حول القدرة الخارقة التي تكمن خلفه ، ( ~~@QUR@04 الذي هم فيه مختلفون ) في طريقة مواجهته المتداولة بين وضعه في ~~دائرة الاستحالة أو الاستبعاد أو الشك؟ هل هناك جهل به يريدون الخروج عنه ، ~~أو هو رفض في صورة السؤال ، لأنهم يريدون إثارة الضباب حوله ، والإيحاء ~~الخفي بأنه لا يمثل وضوح الحقيقة في ذاته ، حتى إذا جاء الجواب بالإيجاب ~~وقفوا أمامه موقف السخرية منه؟ # ( @QUR@01 كلا ) فليس هو في معرض الإنكار ، أو التساؤل ، ( @QUR@01 ~~سيعلمون ) إشراقه الحقيقة فيه من خلال وضوحه. ( @QUR@03 ثم كلا سيعلمون ) ~~فنحن نرفض هذا الأسلوب الذي يثير الشك حول الحقائق من منطلق الاستبعاد ، ~~كما لو كانت القدرة الإلهية التي تتعلق به أمرا يثير الشك ويقبل الريب .. ~~إننا نرفض طريقتهم التضليلية بشدة. PageV24P010 # ويبقى الغموض في تفاصيل النبأ العظيم ، لكنه ليس الغموض الذي يثير العجب ~~في جعله موردا للسؤال ، لأنه معلوم لكل أحد ، حتى أنه لا يحتاج أحد إلى ذكره. # * * * ### ||| ** نعم الله في تسيير سنن الوجود # ( @QUR@04 ألم نجعل الأرض مهادا ) في ما أودعناه فيها من سنن الوجود ~~وقوانينه فيها ، بما يجعلها صالحة للسكن ، لما تتضمنه من كل لوازم الحياة ~~الضرورية لنمو الإنسان واستمراره كالغذاء والماء والكساء ، وغيرها من حاجات ~~الإنسان التي تتوقف عليها حياته ، وينطلق فيها دوره المميز في خلافته في ~~الأرض ، وبناء الحياة العامة على الأسس الثابتة التي يريدها الله ، في نظام ~~حي متوازن مترابط الخصائص ، متناسق الأبعاد ، بحيث لو اختل جزء منه اختلت ~~الحياة لديه في عمقها وحركتها وامتدادها. وهذا هو ما نستوحيه من اعتبار ~~الأرض مهادا ، في ما يتمثل فيها من التمهيد المادي في انبساطها ، ومن ~~التمهيد المعنوي في عناصره الروحية والأخلاقية المتصلة .. فإذا كانت الكلمة ~~لا تفي بمدلولها اللغوي بذلك ، فإنها تدل بمدلولها الإيحائي عليه. # ( @QUR@02 والجبال أوتادا )، لأنها تثبت الأرض في الميدان ، تماما كما ~~تثبت الأوتاد الخيمة وتحفظ توازنها ، وتحول بالتالي ، دون سقوطها متهالكة ~~على الأرض. ولكن كيف يتم ذلك؟ فهل أنها كما يقال تعادل بين نسب الأغوار في ~~البحار ونسب المرتفعات في ms5353 الجبال؟ أو أنها تعادل بين التقلصات الجوفية ~~للأرض والتقلصات السطحية؟ أو أنها تثقل الأرض في نقاط معينة فلا تميد بفعل ~~الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية؟ أو لشيء آخر مما غاب عنا علمه؟ وقد ~~يكون التعبير من جهة الصورة الظاهرة التي توحي بها صورة الجبال PageV24P011 # في ثقلها البارز الذي يحفظ التوازن في طبيعته الشكلية ، كما يعبر عن ~~الشمس بأنها سراج ، وعن القمر بأنه نور. # ( @QUR@02 وخلقناكم أزواجا ) فقد خلق الله الإنسان متنوعا في خصائصه ، ~~فقسمه إلى ذكر وأنثى ، وجعل في ذلك سر امتداد هذا النوع وتكاثره من خلال ~~القوانين المرتبطة باللذة الحسية ، والحاجة الوجودية ، والإبداع الإلهي في ~~سر القدرة التي تتنوع فيها الخصائص في عمق وجود النطفة الواحدة في الشكل ~~والعنصر ، فتختلف في نتائجها الحية لتكون هذه النطفة ذكرا وتلك النطفة أنثى ~~، مما يوحي بالإرادة الإلهية المطلقة ، التي تمثل سر التنوع في الوجود كما ~~تمثل سر الوحدة فيه. # ( @QUR@03 وجعلنا نومكم سباتا ) في ما توحي به كلمة السبات من معنى ~~الراحة والدعة ، فقد أراد الله للإنسان في جسده المتعب المكدود من خلال ~~العمل الذي يبذل فيه جهدا كبيرا ، أن يرتاح ويسترخي ويغرق في غيبوبة محدودة ~~تفصله عن الجو الذي يحيط به ، فلا يتأثر بآلامه ومشاكله ، ولا تضغط عليه ~~أوضاعه وتحدياته ، وتمنحه السكون الذي يمتنع معه عن أية حركة ترهق الأعصاب ~~وتتعب الجسد ، لتصفو روحه في هدوء الأحلام الغائمة الغارقة في ضباب السكون ~~، وليرتاح جسده في لحظات التوقف عن النشاط الحركي ، في حالة الاستغراق في ~~الاسترخاء ، ليعود الإنسان بعد ذلك إنسانا جديدا في نشاطه العملي ، وحركته ~~المنفتحة على حاجات الواقع ، ليكون النوم ، حالة موت مع وقف التنفيذ ، ~~فاصلا بين حياتين ، حياة أتعبها الجهد فاستسلمت للنوم لترتاح ، وحياة تتحفز ~~لجهد الإنسان في حركته الدائبة منفتحا على السكون ، وفي صراعه العنيف ~~منفتحا على الهدوء والسلام ، كما يكون السكون شرطا واقعيا لتوازن الحركة مع ~~قضية الحياة ، وليكون السلام الهادي في غيبوبة الجسد عن حركة الصراع ، لونا ~~من ألوان الإيحاء بصراع جديد يتنفس بالقوة أو يحمل مشاعر سلام جديد. ms5354 PageV24P012 # ( @QUR@03 وجعلنا الليل لباسا ) ليلبس الكون لباس الظلام فيه ، ليمنح ~~الأشياء المتحركة فيه الخائفة من بعض مواقع الضوء المسلطة عليها ، بعض ~~الأمن في اللباس الكوني الذي يحجبها عن عيون الخطر الكامن في بعض مواقع ~~الوجود ، كما يمنح حركة الصراع ، في ما بين الموجودات المتنوعة التي جعل ~~بعضها غذاء لبعض ، لونا من ألوان الحيوية التي تستفيدها في أجواء الخفاء ~~التي يثيرها الظلام. وهو بعد ذلك يمنح اللباس الذي يعطي الأمن والراحة ~~للعري الوجودي الذي يفضحه النور في النهار ، كما يفسح المجال لألوان من ~~العري الباحث عن اللذة بعيدا عن الأعين ، ليجد في الليل لباسه الطبيعي الذي ~~لا يتنافى مع حقيقته ليخفيه عن الأعين من دون أن يسيء إليه. # ولعل أجواء هذا اللباس الذي يلف الصورة بظلامه ، هو اللباس نفسه الذي ~~يزحف إلى العيون ليبث فيها الاسترخاء ، فيما يدفعها إلى النوم بألوانه ~~الهادئة التي تثير الخدر في الجسد ، والغيبوبة في الروح. # ( @QUR@03 وجعلنا النهار معاشا ) في ما يعطيه الضوء من فرص واسعة للحركة ~~وللتنقل وللقاء وللبحث عن موارد الرزق ومصادره ، في نشاط حي دائب ، لتتكامل ~~للإنسان حاجاته التي هي من شروطه المعاشية. وهكذا أراد الله للإنسان أن ~~يتوازن في نظام حياته بين حركة تضمن استمرار الحياة ، وبين سكون يضمن ~~للحركة قوتها ونشاطها وحيويتها وامتدادها. # ( @QUR@04 وبنينا فوقكم سبعا شدادا ) من هذه السماوات التي تطل عليكم من ~~الأعالي بكل ما توحي به من العظمة والروعة والدقة ، وما تفتحه من موارد ~~النعمة. ولكن ما هو المراد بالسماوات السبع؟ هل هي سبع مجموعات من المجرات ~~، التي قد تبلغ الواحدة منها مائة مليون نجم ، والتي لها علاقة بأرضنا أو ~~بمجموعتنا الشمسية ، أو هي شيء آخر مما لم يلق الله إلينا علمه؟ فلنجمل ما ~~أجمله الله ، مما لا سبيل إلى معرفته ، ولا فائدة لنا من البحث عنه. ولكن PageV24P013 # الفكرة هي أن هذه السماوات السبع مبنية على أساس الشدة التي توحي ~~بالتماسك والتوازن والاستقامة ، بحيث لا مجال لأية حالة خلل فيها من جميع ~~الجوانب. # ( @QUR@03 وجعلنا سراجا وهاجا ) وهي الشمس التي تمنح ms5355 الضوء والدفء ~~والحرارة التي يتوقف عليها نمو الحياة ، كما تخضع لها حركتها في جميع ~~الموجودات الحية والنامية والجامدة. # ( @QUR@05 وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) وهي السحب الممطرة التي ينزل ~~منها الماء كما لو كنت تعتصره من شيء ممتلئ به. والثجاج : الكثير الصب من ~~الماء المتعدد في مواقعه وفصوله وأوضاعه ، بحيث يتكرر بطريقة حكيمة مدروسة. # ( @QUR@04 لنخرج به حبا ونباتا ) متنوعا في أشكاله وخصائصه مما يحتاجه ~~الموجود الحي في غذائه الطبيعي. # ( @QUR@02 وجنات ألفافا ) أي ملتفة أشجارها بعضها على بعض. # * * * ### ||| ** من وحي مدلول الآيات # علام يدل هذا كله؟ ألا يدل على أن الكون كله خاضع للقوة الإلهية المدبرة ~~التي خلقته وخططت له ، ودبرته تدبيرا محكما ، بحيث لا مجال فيه لأي انحراف ~~وابتعاد عن خطه المرسوم له ، كما يدل على شمولية القدرة وامتدادها بحيث لا ~~يعجزها شيء؟ فإذا كنت تملك الخلق والتدبير في موقع معين مليء بالصعوبة ~~والتعقيد ، فإنها تملك مثل ذلك في موقع آخر مماثل أو أقل صعوبة. PageV24P014 # إن المسألة ليست مسألة مفردات القدرة ، بل هي مسألة طبيعتها ونوعيتها ، ~~مما يجعل من وعي الأساس وعيا لكل الأمور المنطلقة منه. فكيف يمكن لمن يؤمن ~~بأن الله هو الخالق للحياة كلها ، والمبدع لكل ما فيها من موجودات وأسرار ، ~~أن ينكر قدرة الله على إعادة الحياة ، وهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من ~~المشركين ، لا ينكرون وجود الله؟ # وهناك نقطة أخرى قد يستوحيها الإنسان من أسلوب هذه الآيات ، ألا وهي ~~مسألة استيحاء الحكمة في هذا التدبير الإلهي للوجود في طبيعته وحركته ، في ~~خلقه للإنسان وفي تسخيره الكون له. فهل يمكن لنا أن نفكر بالعبثية في أفعال ~~هذا الخالق العظيم المدبر الحكيم؟ ولماذا يعبث فيبتعد عن الحكمة في تدبيره؟ ~~هل هما التعب والملل اللذان يغريان بالعبث للحصول على الاسترخاء للتخفف من ~~الجهد الثقيل الذي يطبق على الوجود ، أم ماذا؟ # تعالى الله عن كل ذلك علوا كبيرا ، فهو الغني بذاته ، والحكيم بذاته ، ~~وعلى ضوء ذلك ، فلا بد من أن تكون هناك حكمة في النتائج العملية للمسؤولية ~~لتفسر حركة الخلق في ms5356 خط المسؤولية ، مما يفرض أن يكون تفسير المعاد تفسيرا ~~واقعيا للحكمة من خلق الإنسان ، وربما كان الحديث عن تدبير الله وحكمته في ~~تعداد الظواهر الكونية المتنوعة لونا من الحديث عن واقعية المعاد وإمكانه ~~في ما استقبل به الحديث ( @QUR@03 عن «النبإ العظيم» )، وفي ما يفصله من ~~يوم الفصل. # * * * PageV24P015 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) @QUR@06 يوم ينفخ في الصور ~~فتأتون أفواجا (18) @QUR@04 وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) @QUR@04 وسيرت ~~الجبال فكانت سرابا (20) @QUR@04 إن جهنم كانت مرصادا (21) @QUR@02 للطاغين ~~مآبا (22) @QUR@03 لابثين فيها أحقابا (23) @QUR@06 لا يذوقون فيها بردا ~~ولا شرابا (24) @QUR@03 إلا حميما وغساقا (25) @QUR@02 جزاء وفاقا (26) ~~@QUR@05 إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) @QUR@03 وكذبوا بآياتنا كذابا (28) ~~@QUR@04 وكل شيء أحصيناه كتابا (29) @QUR@05 فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ~~(30) @QUR@03 إن للمتقين مفازا (31) @QUR@02 حدائق وأعنابا (32) @QUR@02 ~~وكواعب أترابا (33) @QUR@02 وكأسا دهاقا (34) @QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا كذابا (35) @QUR@05 جزاء من ربك عطاء حسابا (36) @QUR@010 رب السماوات ~~والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) @QUR@014 يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (38) ~~@QUR@09 ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) @QUR@016 إنا ~~أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا ) (40) # * * * PageV24P016 ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ميقاتا ): الميقات : الوقت المضروب للشيء ، والوعد الذي جعل ~~له وقت. # ( @QUR@01 مرصادا ): الرصد : الاستعداد للترقب. والمرصاد : موضع الترصد. # ( @QUR@01 مآبا ): مرجعا. # ( @QUR@01 لابثين ): ماكثين. # ( @QUR@01 أحقابا ): دهرا طويلا. # ( @QUR@01 حميما ): الحميم : الماء الشديد الحرارة. # ( @QUR@01 وغساقا ): صديد أهل النار. # ( @QUR@01 مفازا ): فوزا ونجاة. # ( @QUR@01 وكواعب ): جمع كاعب ، وهي الجارية التي نهد ثدياها. # ( @QUR@01 أترابا ): أي المماثلات لبعضهن البعض في السن والجمال. # ( @QUR@01 دهاقا ) الدهاق : الكأس الممتلئة التي لا مزيد فيها. # * * * ### ||| ** موعد التغيير الكبير # ( @QUR@05 إن يوم الفصل كان ميقاتا ) فهو اليوم الذي يتحول فيه الزمن إلى ~~موعد لتغيير الكون في صورة جديدة ، تتبدل فيه معالمه ، وتهتز ثوابته ، ~~وتتجدد فيه PageV24P017 # المواقع النهائية للناس فيه ؛ إنه يوم الحسم الذي يفصل الله فيه بين ~~الناس ، ليتميز المؤمنون عن الكافرين ، والمطيعون عن الطاغين ، ولذلك فلا ~~بد من أن يتطلع الناس إليه ، ويؤمنوا به على أساس الشعور بالمسؤولية في ما ~~يستعدون ms5357 في الدنيا من القيام بواجباتهم التي حددها الله لهم ، في ما يأخذون ~~به أو يدعونه على مستوى حياتهم الفردية والاجتماعية. # * * * ### ||| ** يوم الصيحة # ( @QUR@06 يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) الصور هو البوق .. ولا نملك ~~تصورا محددا له إذا كان المراد به معناه الحقيقي ، ويحتمل أن يكون كناية عن ~~صيحة داوية تنادي الناس مرة للخروج من الأجداث حيث تدب فيهم الحياة بقدرة ~~الله ، ومرة ثانية للاجتماع في يوم الحشر بين يدي الله ليلاقوا الله سبحانه ~~، حيث تجتمع البشرية كلها على صعيد واحد ، لأول مرة ، بجميع أجناسها ~~وألوانها وبكل أجيالها المتعاقبة. # إنه المشهد الذي يدعو إلى الدهشة ويوحي بالإعجاب ، ويلتقي بالقدرة ~~الإلهية التي لا يعجزها شيء ، فهي تجمعهم في صعيد واحد ، وتحاسبهم في يوم ~~واحد .. # * * * ### ||| ** عند ما تفتح السماء أبوابا # ( @QUR@04 وفتحت السماء فكانت أبوابا ) فقد فقدت ذلك التماسك الذي لا ترى ~~على أساسه أية ثغرة في بنيانها ، فإذا بها تنشق وتنفرج ، وتتحول تلك ~~الانفراجات PageV24P018 # إلى أبواب تسمح بالدخول إليها. ولكن كيف؟ ولمن؟ إنها علامات استفهام لا ~~تملك المعرفة البشرية جوابا لها ، ولكنه المشهد الهائل الذي يهز الكيان ~~بروعته وضخامته ، ويثير الخوف بعظمته وإيحاءاته ، لأنه يحمل المفاجأة التي ~~لا عهد للإنسان بها ، في الهيئة الجديدة للسماء. # * * * ### ||| ** ويوم تصبح الجبال سرابا # ( @QUR@04 وسيرت الجبال فكانت سرابا ) فها هي الجبال الضخمة الصلبة ~~الشامخة التي تنتصب بقوة ومهابة ، لتكون أوتادا للأرض تحفظ توازنها ، وترسي ~~قواعدها ، تتحول ، بقدرة الله ، إلى أجزاء صغيرة متناثرة في الهواء ، كمثل ~~الهباء ، حتى يخيل إليك أن هذه الحقيقة الهائلة التي كانت تطل على الكون ~~بوجودها الشامخ ، تتحول إلى ما يشبه السراب ، الذي قد يجعلك تحدق بعينيك ~~باللمعات المائية من بعيد ، ولكنك عند ما تقترب منها تجد نفسك تحدق بالوهم. ~~وهكذا تتحول الجبال عند ما تتطاير ذراتها في الهواء إلى ما يشبه الوهم. # * * * ### ||| ** جهنم في موضع رصد وترقب # إنه هول التغيير الكوني العظيم الذي ينطلق فيه الناس من قلب الموت إلى ~~حركة الحياة ، وتهتز السماء فتتشقق وتتحول إلى ثغرات مفتوحة للداخلين ، ~~وتتفتت الجبال ، فتتحول إلى ms5358 هباء تذروه الرياح. فما ذا وراء ذلك؟ PageV24P019 # وما هو المستقبل الجديد للناس؟ وهنا تبدأ حركة الصورة الأخيرة : ( ~~@QUR@04 إن جهنم كانت مرصادا ) فهي تنتظر وتترقب وترصد استقبال القادمين ~~إليها ، لتكون دار الإقامة الأخيرة لهم بعد أن طوفوا بالأرض وقطعوا المراحل ~~الكثيرة من الزمن حتى وصلوا إليها في المرحلة التي توقفت في محطة الموت ~~لتواصل مسيرتها في الحياة الجديدة. # ( @QUR@02 للطاغين مآبا ) فهي النهاية التي يلتقي بها مصير الطغاة حيث ~~يصلون إليها بعد الرحلة الطويلة ، ( @QUR@03 لابثين فيها أحقابا ) أي أزمنة ~~كثيرة ودهورا طويلة من غير تحديد. # ( @QUR@06 لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) إنه اللهيب الذي يحرق داخلهم ~~فتشتد الحرارة فلا يجدون ما يبردها ، ويتعاظم الظمأ ، فلا يحصلون على ما ~~يرويهم ، بل يجدون بدلا من ذلك ما تشتد به الحرارة ويزيد الظمأ. # ( @QUR@03 إلا حميما وغساقا ) فهذا هو البرد الذي يفاجأون به ، ( @QUR@02 ~~جزاء وفاقا ) أي يوافق ما قدموه من أعمال في ما كانوا يكفرون ويعصون الله به. # ( @QUR@05 إنهم كانوا لا يرجون حسابا ) لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ، ~~ولذلك فلم يجدوا ضرورة للتدقيق في حساباتهم لتتوافق مع حساباتها ، فكانوا ~~يخبطون في حياتهم خبط عشواء ، فلا يميزون بين الحق والباطل ، ولا يفصلون ~~بين الخير والشر والحسن والقبيح. # ( @QUR@03 وكذبوا بآياتنا كذابا ) فأنكروا الحقائق العقيدية التي أنزلها ~~الله عليهم في آياته التي بلغها الرسل لهم ، ولم ينفتحوا عليها ليفكروا ~~وليناقشوا وليصلوا إلى النتائج الحاسمة من موقع المسؤولية في الفكر ~~والانتماء وفي العبودية لله. # ( @QUR@04 وكل شيء أحصيناه كتابا ) فإذا كانوا لم يدققوا في حساباتهم ، ولم PageV24P020 # يحصوا أعمالهم ، ليدافعوا عنها في هذا اليوم ، فهم الآن في غفلة عنها ~~ونسيان لها ، فإن الله قد أحصى عليهم ذلك بكل دقة ، فلم يغادر كتاب الأعمال ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. وكان الجزاء مطابقا لهذه الأعمال ، وهو ~~العذاب. # ( @QUR@05 فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) فهذا هو الطعام الذي تتذوقونه ~~والشراب الذي تشربونه ، فإذا طلبتم ما يشبع الجوع ، وما يروي الظمأ ، فلن ~~تجدوا إلا ما يزيد من الجوع والعطش من هذا العذاب الأليم. # * * * ### ||| ** موقع المتقين يوم الحساب ms5359 # وتلك هي صورة المصير النهائي للطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها ~~الفساد في ما أفسدوه من حياتهم الخاصة بالكفر والعناد ، ومن حياة غيرهم ~~بالإضلال. أما الذين آمنوا بربهم وساروا في خط التقوى ، وعملوا على أساس ~~أنهم ملاقون لحسابهم ، وأنهم سيقفون غدا بين يدي ربهم ، فأخلصوا العمل ، ~~فسيلاقون جزاء موافقا لأعمالهم. # ( @QUR@03 إن للمتقين مفازا ) أي موقعا يلتقون فيه بالخير الكبير من الله ~~الذي يمثل الفوز ، ( @QUR@02 حدائق وأعنابا ) مما كان يعرفه المخاطبون من ~~الثمار ، ( @QUR@02 وكواعب أترابا ) جزاء لهم على ما أخلصوا في عبادتهم ، ( ~~@QUR@02 وكأسا دهاقا ) أي ممتلئة بالشراب. # فهذه هي النماذج التي يعيش فيها المتقون النعم الحسية التي يتلذذون فيها ~~بالفاكهة الشهية ، والمظهر الجميل ، والنساء الناهدات الشابات ، والشراب ~~المنعش. وإذا كانت الآيات قد حددت هذه الأمور ، فإنها لم تقصد التحديد ، PageV24P021 # بل قدمت النموذج للذة الحسية التي يعيش الناس في الدنيا أحلامها ~~واهتماماتها. لكن الجنة تحمل للمتقين كل شيء مما يشتهونه ومما يدعونه ، ~~ومما لا حصر له من اللذات الحسية أو الروحية التي لم تخطر على قلب البشر. # ( @QUR@06 لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ) فهناك الحياة النقية الخالصة ~~من العبث الكلامي الذي لا يعبر عن أي معنى نافع للحياة ، وهناك الصدق الذي ~~لا يسمح للكذب الذي يبتعد عن الحقيقة ، لأنه لا حاجة لما كان الناس في ~~الدنيا يخوضون فيه من اللغو والكذب في مواقع الجدل الذي يقود إلى ذلك. # ( @QUR@05 جزاء من ربك عطاء حسابا ) فهي تمثل الجزاء على العمل ، في ما ~~يستحقه الإنسان من خلال وعد الله له ، كما تمثل العطاء المحسوب بدقة من ~~خلال التفضل الإلهي عليه ، لأن الإنسان مملوك لله بنفسه وبعمله ، فلا يستحق ~~على الله شيئا إلا من خلال ما يتفضل عليه به. # ( @QUR@05 رب السماوات والأرض وما بينهما ) الذي يملك الكون كله ، والأمر ~~كله ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، ( @QUR@01 الرحمن ) الذي يطل على ~~خلقه من موقع رحمته التي قد تتمثل بالعقاب للطغاة ، وقد تتمثل بالثواب ~~للمتقين. ومهما كانت الرحمة في إيحاءاتها التي تفتح قلوب الناس ومشاعرهم ~~على الله ms5360 ، حتى ليحسون بالاقتراب منه ، فإن ذلك لا يستوجب زوال الهيبة من ~~نفوسهم ، فهم يقفون بين يديه في موقع الحساب ، ولكن ( @QUR@04 لا يملكون ~~منه خطابا ) في ما يفعل أو يقول ، ولا يستطيعون الشفاعة لديه ، لأن الأمر ~~له ، فلا يملك أحد معه كلاما في أي شأن من الشؤون في مواقع القدرة والجلال. # * * * PageV24P022 # ( @QUR@02 اليوم الحق ) # ( @QUR@03 يوم يقوم الروح ) وهو المخلوق الغيبي الذي تحدث الله عنه في ~~أكثر من آية ، كما لو كان وجودا متميزا عن الملائكة في طبيعته أو في دوره ، ~~في ما كان الله يكلفه به من المهمات في الوحي وفي غيره مع الملائكة أو ~~بدونهم. # ( @QUR@04 والملائكة صفا لا يتكلمون ) في خشوع الإحساس بالعبودية لله ~~والإخلاص له ، في الأجواء التي توحي بالرهبة والجلال ، فلا تنطلق منهم أية ~~كلمة في أي شيء ، لأن الكلمة لله وحده ، ولأن القرار في كل شيء له وحده ~~أيضا ، ( @QUR@05 إلا من أذن له الرحمن ) في الكلمات المتعلقة بالشفاعة أو ~~غيرها مما يتصل ببعض شؤون الناس في القيامة ، أو شؤون الشخص ذاته ، ( ~~@QUR@02 وقال صوابا ) فهناك لا مجال إلا للحق الصرف المنزه عن كل باطل ، ~~وللصواب الصرف الذي لا مجال فيه لأي خطأ ، ولا يأذن الله لمن يقول الخطأ ، ~~أن يتكلم في ذلك اليوم. # ( @QUR@03 ذلك اليوم الحق ) الذي لا مجال للريب فيه ، كما لا مجال للباطل ~~أن يتحرك فيه ، إذا اعتبرنا المسألة على سبيل المبالغة ، بأن يراد به اليوم ~~الذي يمثل التجسيد للحق في المضمون الذي يحتويه في الحساب ونحوه ، مما يجعل ~~الذين عملوا له في الدنيا هم أصحاب هذا اليوم ، ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه مآبا ) ليحصل على النتائج الإيجابية من خلال سعيه في الدنيا ليرجع إلى ~~الله في رحمته ورضوانه. # ( @QUR@04 إنا أنذرناكم عذابا قريبا ) لأنه آت لا محالة ، فمهما ابتعدت ~~خطوات الزمن ، فسوف تصل إليه عاجلا أو آجلا .. إنه الإنذار الأخير الذي يضع ~~المسألة في نصابها الصحيح. # ( @QUR@06 يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) من خير أو شر في ما كان يأخذ به من PageV24P023 # قضايا العقيدة والعمل ، ويتطلع إلى ms5361 النتائج من خلال ذلك ، فيرتاح المتقون ~~لأعمالهم ويؤكدون الثقة بمستقبلهم ، ويطمئنون لثواب الله. أما الكافر ، ~~فإنه ينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور ، ويعيش التمنيات اليائسة ، ( ~~@QUR@06 ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) لا مجال فيه للحس ولا للوعي ولا ~~للحركة ، بل هو الموت الجامد الذي لا ينتهي إلى حياة ، لئلا يواجه ~~المسؤولية بهذا المستوى الكبير في مثل هذا اليوم العظيم. # * * * PageV24P024 ### | سورة النازعات ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ست وأربعون PageV24P025 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية مثيرة بحركتها الموسيقية ، في معانيها المتحركة ، التي ~~تكاد تلهث في ملاحقتها ، في ما توحي به كلمات : النازعات ، والناشطات ، ~~والسابحات ، والسابقات ، والمدبرات. فهناك حركة دائبة تتنوع ذات اليمين ~~وذات الشمال ، في الامتدادات وفي حيوية إثارة القوة والنشاط والتدبير الذي ~~يحرك الواقع. ويفاجئك الحديث عن يوم القيامة في رجفة الحركة ، ووجيف القلوب ~~، وخشوع الأبصار ، والاستغراق في الحفرة التي يرد الناس إليها ، ثم يخرجون ~~منها. ويثير هؤلاء المنكرون للقيامة السؤال ، ويأتيهم التأكيد بأن المسألة ~~لا تحتاج إلا إلى زجرة واحدة ، ليواجهوا الموقف العظيم ، ومن ثم تدخل في ~~دائرة تاريخ موسى عليه السلام وفرعون ، لتختصر حركة الدعوة ، وحركة الرفض ، ~~وحركة التحدي ، وحركة الأخذ الإلهي ، ليطل هذا التاريخ على الأجواء التي ~~تختصر حركة البشر بين المؤمنين والكافرين في ما يواجهونه يوم القيامة من ~~النعيم في الجنة ، ومن الجحيم في النار. # ويدخل في مقارنة بين حجم الإنسان وحجم الكون في سماء الله التي بناها ~~وجعلها في حركتها تنتج الليل والنهار ، وفي أرضه التي دحاها وفجر منها ~~الينابيع ومنحها حياة النمو الذي يملأها بالخضرة ، وفي جبالها التي تثبت ~~مواقعها وتمنعها من الاهتزاز. PageV24P027 # فهل يثبت الإنسان أمام هذه المقارنة؟ وكيف ينظر إلى حجمه ليستعلي على ربه ~~الذي تخشع له السماء والأرض؟ ولكن ، إلى أين أيها الإنسان؟ فمهما امتدت بك ~~الحياة ، فسوف تأتي الطامة الكبرى التي لا تملك لنفسك فيها الخلاص الذاتي ~~إلا من خلال عملك ، فإذا كنت ممن يخاف «مقام ربه» ، ويسير في خط هداه ، ~~وينهى نفسه «عن الهوى» ، فستكون الجنة مأواك ، وأما إذا كنت من الطغاة ~~الذين ms5362 يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، فإن الجحيم هي مستقرك. # وتلك هي الحقيقة التي لا بد أن يؤمنوا بها. وليست المشكلة مشكلة توقيتها ~~لتدخل في جدل عقيم حولها من هذه الجهة ، بل القضية التي تتحمل مسئوليتها هي ~~أن تنذر الناس من عذاب يوم القيامة ، الذي مهما تأخر ، فإنه ينتهي إلى الله ~~سبحانه وتعالى. # وفي ضوء ذلك ، فإنها من السور التي تثير اليوم الآخر في جولة كونية ~~وإنسانية وتاريخية ، ليعيش الإنسان الإيمان به من خلال كل هذه الحركة ~~المتنوعة التي تريد إثارة المسؤولية في الوعي الإنساني ، ليلتقي بها في ~~مواقع الفكر المسؤول الذي يخرج عن أوضاع اللامبالاة التي تمنعه عن الانفتاح ~~الجدي على الواقع الغيبي ، الذي ينتظر الناس من أجل أن يحاسبهم على الواقع ~~الحسي الذي عاشوه في الدنيا. # * * * PageV24P028 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والنازعات غرقا (1) @QUR@02 والناشطات نشطا (2) @QUR@02 ~~والسابحات سبحا (3) @QUR@02 فالسابقات سبقا (4) @QUR@02 فالمدبرات أمرا (5) ~~@QUR@03 يوم ترجف الراجفة (6) @QUR@02 تتبعها الرادفة (7) @QUR@03 قلوب ~~يومئذ واجفة (8) @QUR@02 أبصارها خاشعة (9) @QUR@05 يقولون أإنا لمردودون ~~في الحافرة (10) @QUR@04 أإذا كنا عظاما نخرة (11) @QUR@05 قالوا تلك إذا ~~كرة خاسرة (12) @QUR@04 فإنما هي زجرة واحدة (13) @QUR@03 فإذا هم بالساهرة ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والنازعات ): النزع : إخراج الشيء من الشيء. # ( @QUR@01 غرقا ): الغرق : اسم أقيم مقام المصدر وهو الإغراق. # ( @QUR@01 والناشطات ): النشط : هو الجذب والخروج والإخراج برفق وسهولة. PageV24P029 # ( @QUR@02 والسابحات سبحا ): السبح : هو الإسراع في الحركة. # ( @QUR@02 فالسابقات سبقا ): السبق : هو تقدم الشيء أو الشخص على غيره ~~في مواقع حركته. # ( @QUR@01 فالمدبرات ): التدبير : رعاية الأمور والإشراف عليها والتخطيط لها. # ( @QUR@01 الراجفة ): الصيحة العظيمة. # ( @QUR@01 الرادفة ): التابعة المتأخرة. # ( @QUR@01 واجفة ): شديدة الاضطراب. # ( @QUR@01 خاشعة ): ذليلة. # ( @QUR@01 الحافرة ): الحافرة : أول الشيء ومبتدأه. يقال : رجع في ~~حافرته ، أي : في طريقه التي جاء منها. # ( @QUR@01 نخرة ): بالية ، مفتتة. # ( @QUR@01 بالساهرة ): وجه الأرض. # * * * # ( @QUR@04 فإنما هي زجرة واحدة ) # ثمة سؤال يبرز هنا وهو : ما هي مواقع هذه المعاني في حركة الواقع؟ ومن هي ~~، أو ما هي المخلوقات التي تنزع وتنشط وتسبح وتسبق وتدبر؟ وهل المقصود بكل ~~هذه الكلمات معنى واحد ، أم أن بعضها يختلف عن البعض في مصداقه؟ قيل في ذلك ~~: إنها الملائكة نازعات للأرواح نزعا شديدا ms5363 ، ناشطات منطلقات في حركاتها ، ~~سابحات في العوالم العليا ، سابقات للإيمان أو للطاعة لأمر ربها ، مدبرات ~~ما يوكل من الأمور إليها. PageV24P030 # وقيل : إنها النجوم تنزع في مداراتها ، وتتحرك وتنشط متنقلة من منزل إلى ~~منزل ، وتسبح سبحا في فضاء الله ، وهي معلقة به ، وتسبق سبقا في جريانها ~~ودورانها ، وتدبر من النتائج والظواهر ما وكله الله إليها مما يؤثر في حياة ~~الأرض ومن عليها. # وقيل : النازعات ، والناشطات ، والسابحات ، والسابقات ، هي النجوم ، ~~والمدبرات هي الملائكة. # * * * ### ||| ** رأي صاحب الميزان # ويختار صاحب الميزان الرأي الأول ، وذلك لعدة أمور : # منها : أن «الآيات شديدة الشبه سياقا بآيات مفتتح سورة الصافات : ( ~~@QUR@06 والصافات صفا* فالزاجرات زجرا* فالتاليات ذكرا ) [الصافات : 1 3] ~~وآيات مفتتح سورة المرسلات ( @QUR@010 والمرسلات عرفا* فالعاصفات عصفا* ~~والناشرات نشرا* فالفارقات فرقا* فالملقيات ذكرا ) [المرسلات 1 5] وهي تصف ~~الملائكة في امتثالهم لأمر الله ، غير أنها تصف ملائكة الوحي ، والآيات في ~~مفتتح هذه السورة تصف مطلق الملائكة في تدبيرهم أمر العالم بإذن الله. # ثم إن أظهر الصفات المذكورة في هذه الآيات الخمس في الانطباق على ~~الملائكة قوله: ( @QUR@02 فالمدبرات أمرا )... وإذ كان قوله : ( @QUR@02 ~~فالمدبرات أمرا ) مفتتحا بفاء التفريع الدالة على تفرع صفة التدبير على صفة ~~السبق ، وكذا قوله : ( @QUR@02 فالسابقات سبقا ) مقرونا بفاء التفريع ~~الدالة على تفرع السبق على السبح ، دل ذلك على مجانسة المعاني المرادة ~~بالآيات الثلاث ( @QUR@06 والسابحات سبحا* فالسابقات سبقا* فالمدبرات أمرا ~~) فمدلولها أنهم يدبرون الأمر بعد ما سبقوا إليه ، ويسبقون PageV24P031 # إليه بعد ما سبحوا ، أي أسرعوا إليه عند النزول ... # وإذا كان المراد بالآيات الثلاث الإشارة إلى إسراع الملائكة في النزول ~~على ما أمروا به من أمر وسبقهم إليه وتدبيره ، تعين حمل قوله : ( @QUR@04 ~~والنازعات غرقا* والناشطات نشطا ) على انتزاعهم وخروجهم من موقف الخطاب إلى ~~ما أمروا به ، فنزعهم غرقا شروعهم في النزول نحو المطلوب بشدة وجد ، ونشطهم ~~خروجهم من موقفهم نحوه ... # فالآيات الخمس إقسام بما يتلبس به الملائكة من الصفات عند ما يؤمرون ~~بتدبير أمر من أمور هذا العالم المشهود ، من حين يأخذون في النزول إليه إلى ~~تمام التدبير» (1). # ولنا ملاحظة ms5364 على الوجه الأول ، وهو أن هناك خلافا في المراد بالصافات ~~والمرسلات في ما هو المراد منها ، وليس هناك اتفاق على إرادة الملائكة ~~منها. وعلى الوجه الثاني : أن الفاء هنا لا ظهور لها في التفريع ، فيمكن أن ~~تكون لمجرد العطف على نحو الترتيب الذكري ، من دون ارتباط لأحدها بالآخر ، ~~وقد لا نجد ضرورة في تنوع المعنى المراد من هذه الفقرات ، لأن المسألة هي ~~مسألة القسم بهذه الأمور المهمة ، كما يمكن أن يكون المراد منها كل ما صدق ~~عليه المعنى من المخلوقات التي يتناسب مضمونها مع العناوين المأخوذة فيها ، ~~لأن كل موجود في الكون له سره الذي يمثل الأهمية المميزة التي تجعل له قيمة ~~كونية تجعله في مستوى القسم به ، والله العالم. # وربما كانت هذه الكلمات واردة في الأجواء التي تسبق القيامة أو تتحرك في ~~داخلها ، بعيدا عن أسلوب القسم ، باعتبار أن ذلك يوحي بالجو الحركي الذي ~~يهز المشاعر التي تتصور المسألة هناك في حركة العنف المتمثل بالنزع PageV24P032 # والنشط والسبح والسبق والتدبير ، للإيحاء بالجدية المسؤولة التي لا يملك ~~أحد أمامها أن يواجه القضية باللامبالاة العبثية والاسترخاء الغافل ، ليكون ~~ارتباط هذه الفقرات بما بعدها ارتباطا طبيعيا باعتباره من أجواء هذا اليوم. # * * * ### ||| ** اضطراب القلوب # ( @QUR@03 يوم ترجف الراجفة ) وهي الصيحة العظيمة ، التي فيها تردد ~~واضطراب كما قيل ( @QUR@02 تتبعها الرادفة ) وهي المتأخرة التابعة ، ولعلها ~~النفخة التي تبعث الناس من الأجداث ، ثم تجمعهم إلى الموقف الحاسم بين يدي الله. # وقد ذكر صاحب الميزان أن كلمة ( @QUR@02 يوم ترجف ) إلخ ظرف «لجواب القسم ~~المحذوف للدلالة على فخامته وبلوغه الغاية في الشدة وهو : لتبعثن» (1). ~~وفي هذا الوجه خفاء. وقد ذكرنا قريبا أن هناك احتمالا في تفسير هذه الفقرات ~~بحيث لا تكون واردة في سياق القسم ، والله العالم. # ( @QUR@03 قلوب يومئذ واجفة ) أي مضطربة. وربما كان المراد من القلوب ~~أصحابها ، وقد عبر عنها بالقلوب باعتبار أن القلب هو مركز الاضطراب الذي ~~يحل بالنفس ، فتضطرب خفقاته ( @QUR@02 أبصارها خاشعة ) في ما يواجه هؤلاء ~~الناس من الموقف الهائل الذي يثير الرعب في الكيان كله من ms5365 خلال ما يمكن أن ~~يواجه من أهوال القيامة في عذاب النار ، الذي كانوا يستبعدونه ويسخرون من ~~النبي الذي يدعوهم إلى الإيمان به ، وينذرهم يومه. # ( @QUR@05 يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ) فهل يمكن أن نعود إلى ~~حالتنا الأولى وهي الحياة؟ ( @QUR@04 أإذا كنا عظاما نخرة ) أي متفتتة ~~بالية ، نخرة يصفر فيها الهواء ، PageV24P033 # فكيف يمكن أن تدب فيها الحياة من جديد ويكسوها اللحم؟ إنها فرضية لا تخضع ~~للقبول الذهني ، في ما نألفه من الأشياء التي عشنا تجربتها في الحياة ، ~~ولكن ، إذا كان هذا الأمر صحيحا ، فكيف نواجه الموقف ، ونحن على ما نحن ~~عليه من الكفر بالرسول وبالرسالة وباليوم الآخر؟ ( @QUR@05 قالوا تلك إذا ~~كرة خاسرة ) أي رجعة يخسر فيها الإنسان مصيره. وقد يكون هذا الكلام واردا ~~على سبيل الاستهزاء ، وربما كان لونا من ألوان الحيرة الذاتية التي قد يخضع ~~لها الإنسان عند ما يفرض الاحتمال نفسه على الفكر والشعور. وينطلق المنطق ~~القرآني ليرد عليهم ، فما هي قيمة كل هذا الاستبعاد أمام قدرة الله الذي لا ~~يحتاج إلى أي جهد في إعادتهم إلى الحياة؟! # ( @QUR@04 فإنما هي زجرة واحدة ) تدفعهم وهم أموات إلى الحياة الجديدة ، ~~( @QUR@03 فإذا هم بالساهرة ) مجتمعون على الساهرة ، وهي الأرض المستوية أو ~~الخالية من النبات ، يتطلعون إلى الأفق الرحب أمامها ، بعد أن كانوا في ~~رقادهم الطويل الميت البالي في بطن الأرض. وربما كان هذا قريبا من قول الله ~~سبحانه : ( @QUR@09 وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) [النحل : 77] # * * * PageV24P034 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 هل أتاك حديث موسى (15) @QUR@06 إذ ناداه ربه بالواد المقدس ~~طوى (16) @QUR@05 اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) @QUR@06 فقل هل لك إلى أن ~~تزكى (18) @QUR@04 وأهديك إلى ربك فتخشى (19) @QUR@03 فأراه الآية الكبرى ~~(20) @QUR@02 فكذب وعصى (21) @QUR@03 ثم أدبر يسعى (22) @QUR@02 فحشر فنادى ~~(23) @QUR@04 فقال أنا ربكم الأعلى (24) @QUR@05 فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى (25) @QUR@06 إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) (26) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 المقدس ): المطهر. # ( @QUR@01 طوى ): اسم واد. # ( @QUR@01 طغى ): علا وتكبر. # ( @QUR@01 نكال ): عذاب. # * * * PageV24P035 ### ||| ** ( @QUR@04 هل أتاك حديث موسى ) عليه السلام # وإذا كان هؤلاء الكافرون ، المكذبون بيوم القيامة ، المستهزئون بالرسول ~~وبالرسالة ، يقفون مثل هذا الموقف العدواني ضدك ms5366 ، فقد تحتاج إلى أن تذكرهم ~~بحديث موسى عليه السلام وفرعون ، ليكون ذلك عبرة لهم ، في ما يمكن أن نثيره ~~في نفوسهم من الخشية في قضية المصير ، لأنهم يقفون في موقف فرعون ، بينما ~~تقف أنت في موقف موسى عليه السلام . # ( @QUR@04 هل أتاك حديث موسى ) في قصته الموحية المتحركة في أكثر من ~~قضية؟! ولكن المسألة ، هنا ، هي اختصار الأحداث في الحدود الفاصلة التي ~~تمثل مفاصل الواقع الرسالي في مواجهة التحديات. # ( @QUR@06 إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) وهذا هو اسم الواد المقدس ، ~~الذي كان موسى عليه السلام يقف فيه في بداية الرسالة ، وكانت المهمة الحاسمة ~~الصعبة في انتظاره. # * * * ### ||| ** فرعون الطاغي # ( @QUR@05 اذهب إلى فرعون إنه طغى ) فقد عاش الطغيان الذاتي في استكباره ~~المعقد الذي جعله يوحي إلى نفسه بأنه في موقع الإله الذي يريد من الناس أن ~~يتعبدوا له ويطيعوه في كل شيء ، كما عاش الطغيان في العلو الذي يتطلع من ~~خلاله إلى الناس من فوق ليستضعفهم ويسخرهم لمصالحه ولأشغاله ولأطماعه ، من ~~دون أن يحترم إنسانيتهم ، حتى بلغ به الأمر أنه أمر بذبح أبناء بني إسرائيل ~~واستحياء نسائهم .. وإذا بلغ الطغيان مثل هذا المستوى ، فإن الله لا يرضى ~~إلا بتغيير الواقع الاجتماعي إلى وضع أفضل ، مما يفرض التحرك نحوه بأية PageV24P036 # حركة ، كإرسال الرسول ، أو إثارة الواقع من حوله ، ليهتز الطاغية ، فيسقط ~~الطغيان ، لأن الله لا يريد للناس المستضعفين أن يسقطوا تحت تأثير استكبار ~~المستكبرين ، ولا يسمح لهم أن يعيشوا عقدة الضعف في ذاتهم ، بل يريد لهم أن ~~يتمردوا عليها من أجل أن يحصلوا على مواقع القوة في ما يتوفر لديهم من ~~الفرص الكثيرة في ذلك. # ولعل التعبير بالطغيان عن واقع فرعون ، كأساس لحركة الرسالة في خطاب الله ~~لموسى ، يوحي بأن المسألة ليست مجرد الفرد الذي ينحرف في فكره وعمله ، ~~ولكنها مسألة التأثير السلبي على حياة الناس في ما يمثله الطغيان من معنى ~~يتعلق بالناس لجهة ما يثيره من مشاكل في حياتهم. # ( @QUR@06 فقل هل لك إلى أن تزكى ) وتتطهر من قذاراتك الفكرية والروحية ~~والعملية التي ms5367 علقت بكيانك كله ، فأصبح فكرك يحمل قذارة الكفر ، وتلوثت ~~روحك بقذارة التكبر والتجبر ، وأحاطت بعملك أقذار الظلم والطغيان. # وهكذا كانت رسالته إليه تتحرك بأسلوب الإثارة الإيحائية التي تأخذ معنى ~~الصدمة القاسية بأسلوب هادئ ، فلم يكن فرعون لينتظر أن يخاطبه شخص مثل موسى ~~عليه السلام ليحدثه عن الوحل الذي يغرق فيه ، وعن الطهارة التي يدعوه إليها ~~، ولكنها في الوقت نفسه قد تثير بأسلوبها الهادىء بعض الحيرة في نفسه ، ~~وبعض الشك في فكره ، ليراجع أوضاعه من خلال الكلمة الصدمة لأنها جاءت في ~~معرض الطلب الهادىء الخالي من عنصر الإثارة الذي يفتح القضية ، كما لو كانت ~~شيئا يتسلم زمام المبادرة فيه ليقوم به بإرادته ، الأمر الذي يبتعد عن ~~أسلوب الفرض ، فلا يتنافى مع طبيعة الكبرياء في ذاته. # ( @QUR@04 وأهديك إلى ربك فتخشى ) وهذا هو الطرح الثاني بعد الأول ، فإذا ~~كانت الدعوة إلى الزكاة الروحية هي القضية التي تثير فيه الرغبة في التطهر ~~، بالمعنى التغييري الذي يتحول فيه عن واقعه المنحرف ، فإن من الضروري أن يفتح PageV24P037 # النبي له درب الهدى الذي يصله بالله ليتعرف عظمته في ذاته ، فتصغر نفسه ~~عنده ، وتتعاظم خشية الله لديه ، ليتكامل له الخط المستقيم في طبيعته ~~السلبية المتمثلة بالابتعاد عن خط الانحراف ، وفي طبيعته الإيجابية ~~المتمثلة بالالتزام بخط الاستقامة. # وتلك هي مشكلة الكثيرين من الناس ، لا سيما الجبابرة منهم ، فهم لم ~~يتعرفوا على الله ليهتدوا إليه ، بل استغرقوا في ذواتهم ، وفي ما يحيط بهم ~~من أوضاع ، فغفلوا عن كل شيء يتصل بالآفاق الرحبة التي تنفتح على مواقع ~~عظمة الله في الكون ، فكانت المسألة هي أن يخرجوا من حالة الاستغراق ~~الذاتية المختنقة ليتسع أفقهم ، وليتحرك فكرهم ، وليبدأوا الرحلة إلى عالم ~~جديد. وهذا ما أراد الله لموسى عليه السلام أن يواجه به فرعون من أجل أن يصل ~~إلى استشعار خشية الله ، ولكن فرعون لم يتقبل هذه الدعوة المنفتحة على الحق ~~، فثارت به كبرياؤه ، فاستصغر شأن موسى عليه السلام ، لا سيما أنه كان ينتمي ~~إلى الطبقة المنبوذة المستضعفة من قبل فرعون. ولم يستسلم موسى ms5368 عليه السلام ~~إلى هذه النظرة الفوقية الفرعونية ، فأراد أن يصدم طبيعة هذا الموقف ~~المتكبر ، فقدم إليه العصا واليد البيضاء. # * * * ### ||| ** موسى عليه السلام يتحدى فرعون بآيات الله # ( @QUR@03 فأراه الآية الكبرى ) التي تدل على صدقه في رسالته ، في ~~تعبيرها عن ارتباطه بالله. # ( @QUR@02 فكذب وعصى ) وتحدث عن السحر في رده على موسى عليه السلام ، ~~فاعتبره ساحرا يريد أن يقلب الموقف لمصلحته بسحره ، ليصل إلى السلطة تحت ~~شعار النبوة التي تمنحه قوة روحية كبيرة في تأثيرها على الجماهير المستضعفة ~~المتطلعة إلى PageV24P038 # المخلص من خلال عالم الغيب ، في توسلاتهم الخفية الغيبية. # ( @QUR@03 ثم أدبر يسعى ) فتولى عن الاستمرار في الحديث مع موسى ~~عليه السلام ، لأنه لا يريد أن يدخل في حوار فكري لا يضمن لنفسه الانتصار ~~فيه. وبدأ يخطط ويسعى للإيقاع بموسى عليه السلام ولإظهار ضعفه ، بعد أن خيل ~~إليه أنه يستعمل السحر للوصول إلى هدفه ، لأن مثل هؤلاء الجبابرة لا ~~يتعاملون مع الناس إلا بمنطق القوة ، لأنهم لا يؤمنون بمنطق الفكر ، ~~وبأسلوب الحوار ، في ما يريدون أن يتوصلوا إليه من نتائج لمصلحة امتداد ~~جبروتهم وقوة مركزهم. # ( @QUR@01 فحشر ) الناس إلى اجتماع عام في يوم الزينة الذي يجتمع الناس ~~فيه بشكل كثيف لأنه من أعيادهم ، ( @QUR@01 فنادى ) في الجماهير المحتشدة ~~التي تتطلع إليه من مواقع استضعافها في خضوع الذل الذي استغرقت فيه من خلال ~~الزمن الطويل الذي عاشوه في تجربة الاضطهاد. # وأراد فرعون أن يؤكد من جديد سلطته ، كمحاولة للإيحاء الذاتي لنفسه بأنه ~~ما يزال في مركز القوة بعد أن كادت ثقته بنفسه تهتز أمام تحدي موسى ~~عليه السلام له ، وقوته السحرية التي أخذت بمجامع قلبه ، وكتجربة جديدة ~~للإيحاء للناس بذلك من خلال تثبيت الصفة التي يرتفع فيها على الناس بشكل ~~غير معقول ، في ما استغله من ضعفهم وجهلهم وحاجتهم إليه. # ( @QUR@04 فقال أنا ربكم الأعلى )، فلا تتبعوا الأرباب الآخرين مما ~~يلتزمهم الناس من الآلهة ، لأن ربوبيتهم لا ترقى إلى مستوى الربوبية الذي ~~أنا فيه ، ولا تستمعوا إلى كل الادعاءات الأخرى التي تحاول النيل من مقامي ~~العظيم. قال هذه ms5369 الكلمة ، وهو يحسب حساب النتائج التي يمكن أن تكون لمصلحة ~~موسى عليه السلام ، ليضع في داخلهم حاجزا نفسيا ضد التأثر به والانجرار إليه ~~، بحيث لا يتمكنون من ترك ربهم الأعلى ، واتباع الساحر الذي يريد أن يصل ~~إلى الموقع الأعلى بسحره. وقد كان الناس يفرقون بين الساحر والإله ، لأن PageV24P039 # الساحر ينطلق ، في موقعه ، من خلال اللعبة الفنية التي يتحرك فيها ، ثم ~~تنتهي الإثارة مع انتهاء المشهد. أما الإله ، فهو الذي ينطلق من الأسرار ~~الخفية في ذاته ، ومن المعاني الغيبية في قدرته ، لترتبط به قضايا الناس ~~ومصالحهم ومعاشهم. إذا ، لا مجال للمقارنة. # ولكن فرعون لم يصل إلى هدفه ، فقد آمن السحرة بموسى عليه السلام ، وفشلت ~~كل خططه في تدمير القوة الروحية التي يتحرك بها موسى عليه السلام في ساحة ~~الدعوة إلى الله ، وانقلب الأمر إلى عكس الخطة ، فقد ربح موسى عليه السلام ~~معركة رد التحدي في المشهد المثير بسجود السحرة لله عز وجل ، مما ترك تأثيره ~~على الجماهير هناك ، وأتاح له الفرصة لأن تعرفه الناس في الاجتماع العام ، ~~بعد أن كانت الفرص معدومة أمامه. # وهكذا امتد الصراع ، وأخذ موسى عليه السلام موقع القوة ، وخرج بقومه لينأى ~~بهم عن سيطرة فرعون ، وليؤكد قوة الرسالة في مواقع جديدة ، وعلى أساس ~~القاعدة الإيمانية التي توجه المستضعفين إلى البحث عن أرض أخرى يهاجرون ~~إليها ليصنعوا فيها القوة ، إذا لم يستطيعوا الأخذ بأسباب القوة في أرضهم ~~التي يعيشون عليها ، ليرجعوا إليها بعد ذلك في قوة جديدة للصراع وللتغيير. ~~ولكن فرعون ظل مصرا على ملاحقة موسى عليه السلام وقومه ، للتضييق على هذه ~~الحركة الخطرة على سلطانه ، ولقتل موسى عليه السلام ، وتصفية أتباعه في ~~نهاية المطاف. # ( @QUR@05 فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) والظاهر أن المراد بالأخذ ~~المعنى الكنائي المعبر عن الإهلاك والتعذيب في الدنيا والآخرة ، وأما عذاب ~~الأولى ، فهو عذاب جهنم الذي يأتي بعد الموت .. وهذا ما يراد من كلمة ~~«النكال» التي تعني العذاب الذي يردع من سمعه عن تعاطي مثله لفظاعته وشدته. # * * * PageV24P040 ### ||| ** وتبقى العبرة لمن يخشى # ( @QUR@06 إن في ذلك ms5370 لعبرة لمن يخشى ) أي إن في هذا الحديث الذي يختصر ~~مسألة الصراع بين الطاغية والرسول ، في ما يمثله من الصراع بين حركة ~~الطغيان وحركة الرسالة ، درسا عمليا ، يوحي للناس بالنتائج السلبية التي ~~تواجههم إذا أخذوا بخط الطغيان ، في ما يمثله من التمرد على الله ورسوله ~~ورسالاته ، وتجاوز حدوده في ظلم الناس في أنفسهم وفي أموالهم ، فلن يكونوا ~~أقوى من فرعون الذي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وإذا كانوا يجدون بعض القوة ~~في ما يعيشون فيه من مواقعها وأسبابها ، فإن الأمور لا تقاس ببداياتها ولكن ~~بنهاياتها ، فإن الله يمهل ولا يهمل ، فعليهم أن ينتظروا مكر الله ، فلا ~~يأمنوا مكره وعذابه ، فإن لله وسائل كثيرة لا تعد ولا تحصى في ما يهلك به ~~الطغاة بشكل مباشر أو غير مباشر. وهكذا ينبغي للإنسان أن يدرس التاريخ في ~~سنن الله التي أودعها في الحياة ، لأنها تمثل القانون الإلهي الذي قد تتنوع ~~مواقعه ولكن طبيعته لا تختلف. # * * * PageV24P041 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) @QUR@03 رفع سمكها فسواها ~~(28) @QUR@04 وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) @QUR@04 والأرض بعد ذلك دحاها ~~(30) @QUR@04 أخرج منها ماءها ومرعاها (31) @QUR@02 والجبال أرساها (32) ~~@QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ) (33) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سمكها ): سقفها. # ( @QUR@01 وأغطش ): أظلم. # ( @QUR@02 وأخرج ضحاها ): أبرز نهارها. # ( @QUR@01 دحاها ): بسطها. # * * * PageV24P042 ### ||| ** الآيات الكونية وقدرة الله تعالى # .. وتلتفت السورة إلى المشركين الذين أراد الله من رسوله أن يحدثهم عن ~~اليوم الذي ترجف فيه الراجفة ، وعن حديث موسى الذي يتضمن قوة الله في أخذه ~~، ليستشعروا حجمهم الحقير أمام قوة الله. إنها تخاطبهم مباشرة ليتطلعوا إلى ~~ما يعيشونه من الشعور بالقوة أمام الكون الذي يحيط بهم في ما يجسده من قدرة ~~الله في خلقه ، ليدخلوا في مقارنة حسية بين عناصر القدرة فيه ، وعوامل ~~الضعف فيهم ، وحجم القوة التي يملكونها إزاء ذلك ، لأن التحدي في الأمور ~~الحسية قد يفرض نفسه عليهم أكثر من التحدي في الأمور الغيبية. # ( @QUR@05 أأنتم أشد خلقا أم السماء ) فهل يمكن أن يكون الجواب بأنكم أشد ~~خلقا منها؟ إن الصورة لا تحتمل ذلك لأن الإنسان مهما كبر حجمه ، ومهما ~~اشتدت قوته ms5371 ، فإنه لا يمثل شيئا أمام هذه السماء المترامية الأطراف التي ( ~~@QUR@01 بناها ) الله بقوته من غير عمد و ( @QUR@02 رفع سمكها ) أي سقفها ، ~~( @QUR@01 فسواها ) في استقامتها وتناسق أجزائها ، بوضع كل جزء في موضعه ، ~~على أساس التخطيط الإلهي الدقيق الذي قد لا يعرف الناس من طبيعته وتفصيله ~~الكثير ، لأنهم لا يملكون إلا المشاهدة البعيدة ، سواء كان ذلك بالعين ~~المجردة ، أو بالوسائل الأخرى المستحدثة. ولكن الأمر مهما كان خفيا ، فإنه ~~يوحي بالعظمة التي يخضع لها العقل ، ويهتز أمامها الشعور ، الذي يوحي بعظمة ~~الخالق ، الذي خلقها بهذا التناسق الدقيق ، والتماسك الشديد. # * * * PageV24P043 ### ||| ** ظاهرة الليل والنهار # ( @QUR@02 وأغطش ليلها ) أي أظلمه ، ( @QUR@02 وأخرج ضحاها ) أي : أبرز ~~نهارها في الضوء الذي يظهر به كل شيء. وإذا كانت هذه الظاهرة الكونية واضحة ~~لدى الناس ، فإن الآية أرادت أن تخرج الناس من جمود الألفة التي تمنع الفكر ~~من الانفتاح على سر الإبداع فيها في ما تمثله من قدرة الله ، ليفكروا بها ~~كما لو كانت شيئا جديدا في وعيهم الإيماني ، الذي ينطلق القرآن ليبدع فيه ~~الإحساس المتحرك المتنوع بعظمة الله في كل ظاهرة من ظواهر الكون في طبيعته ~~وحركته. # * * * ### ||| ** الله تعالى يمهد الأرض لحياة الإنسان # ( @QUR@04 والأرض بعد ذلك دحاها ) ومهدها وبسط قشرتها بحيث تصبح صالحة ~~لحركة الإنسان فيها دون تعقيد ، وكون فيها التربة الخصبة التي تنبت الزرع ~~وتخرج الثمر الشهي ، وفجر فيها الينابيع ، ( @QUR@04 أخرج منها ماءها ~~ومرعاها ) وجعلها بذلك صالحة للحياة ، من خلال طبيعة التوازن بين الحرارة ~~والبرودة ، بالإضافة إلى استقرار سطحها الذي تتدخل مواقع الجبال فيه ، ( ~~@QUR@02 والجبال أرساها ) أي أثبتها في الأرض لئلا تهتز وتسقط ، وجعل فيها ~~الكثير من المياه والمعادن ، ( @QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ) حيث سخر ذلك ~~لكم ولأنعامكم في ما يتمثل فيها من شروط الحياة الضرورية .. # ومن خلال ذلك كانت العظمة التي توحي بها دقة التدبير ، وكانت النعمة التي ~~توحي برحمة الله ولطفه وعنايته ، في ما أنعم به على الإنسان من ذلك كله. ~~ولا ريب أن توجيه النظر الى هذه الأمور يغري بالبحث والاستقراء بالمستوى ~~الذي يمكن أن يصل الإنسان ، من ms5372 خلاله ، إلى الكثير من المعرفة الواسعة ~~بالله سبحانه وتعالى. وقد ذكر بعض المتتبعين أن «المجموعة PageV24P044 # الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيم نادر بين مئات الملايين من ~~المجموعات النجمية ، وأن الأرض نمط فريد غير متكرر بين الكواكب بموقعها هذا ~~في المنظومة الشمسية الذي يجعلها صالحة للحياة الإنسانية. ولا يعرف البشر ~~حتى اليوم كوكبا آخر تجتمع له هذه الموافقات الضرورية. وهي تعد بالآلاف!» (1). # ويقول العقاد : «ذلك أن أسباب الحياة تتوافر في الكواكب على حجم ملائم ، ~~وبعد معتدل ، وتركيب تتلاقى فيه عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها ~~حركة الحياة. # لا بد من الحجم الملائم ، لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما ~~فيه من قوة الجاذبية. # ولا بد من البعد المعتدل ، لأن الجرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه ~~الأجسام ، والجرم البعيد من الشمس بارد لا تتحلل فيه تلك الأجسام. # ولا بد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها ~~حركة الحياة ، لأن هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد ~~عليه في تمثيل الغذاء. # وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها ~~للحياة ، في الصورة التي نعرفها ، ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن» (2). # * * * PageV24P045 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) @QUR@05 يوم يتذكر الإنسان ما ~~سعى (35) @QUR@04 وبرزت الجحيم لمن يرى (36) @QUR@03 فأما من طغى (37) ~~@QUR@03 وآثر الحياة الدنيا (38) @QUR@04 فإن الجحيم هي المأوى (39) ~~@QUR@09 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) @QUR@04 فإن الجنة ~~هي المأوى ) (41) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الطامة ): العالية الغالبة ، وتسمى الداهية التي لا يستطاع ~~دفعها طامة. # والمقصود بها هنا : القيامة. # ( @QUR@01 وبرزت ): أظهرت. # * * * ### ||| ** يوم الطامة الكبرى # وهكذا يعيش الإنسان في هذه الدنيا في متاعها الذي يتقلب فيه الإنسان PageV24P046 # في غذائها وكسائها وشهواتها ، وتتنوع فيها مطامحه وأطماعه ، وتستغرق في ~~لذاتها حواسه ، ويعيش في استرخاء الغفلة وراحة الغيبوبة ، وفجأة ينتهي كل ~~شيء ، وينفتح الجو على عالم جديد. # ( @QUR@04 فإذا جاءت الطامة الكبرى ) العالية الغالبة التي تغطي على كل ~~شيء تحتها ، فلا تحس به ، لأنها تخفي كل ms5373 تلك الحياة المليئة بظواهرها ~~الكونية ولذاتها الحسية ، وأوضاعها المادية ، وتلك هي القيامة التي يقف ~~فيها الإنسان ليواجه مشاعر وقضايا جديدة ، ليبدأ التذكر لكل تاريخه العملي ~~، في ما فكر فيه ، وفي من آمن به أو كفر ، أو ما عمله ، مما أحسن فيه أو ~~أساء ، أو ما عاشه من علاقات ، مما كان يحمل الخير أو الشر ، أو المصلحة أو ~~المفسدة في ذلك اليوم الرهيب. # ( @QUR@05 يوم يتذكر الإنسان ما سعى ) لأن النتائج السلبية أو الإيجابية ~~في الآخرة خاضعة للسعي الخير أو الشرير في الدنيا ، فهو يعصر فكره ليستحضر ~~كل تاريخه ليعرف مصيره في تلك اللحظة الحاسمة. # ( @QUR@04 وبرزت الجحيم لمن يرى ) في عملية إظهار إيحائي لكل الذي يملك ~~عينين ليتعرف النتائج الصعبة للعاملين في الاتجاه المنحرف عن خط الله ... ~~ثم تتنوع المصائر تبعا لتنوع المواقف العملية في الدنيا. # * * * ### ||| ** جهنم مأوى الطغاة # ( @QUR@03 فأما من طغى ) وتجاوز الحدود المرسومة من الله في العقيدة وفي ~~الحركة ، فلم يتوازن في فكره ، ولم يستقم في حركته ، ولم يتحمل المسؤولية PageV24P047 # في انتمائه ، مما جعله في موقف المتمرد على الله المعادي لرسوله ولرسالته ~~، ( @QUR@03 وآثر الحياة الدنيا ) وفضلها على الآخرة ، فاستغرق في ملذات ~~الدنيا وشهواتها من دون أن يفرق بين حلال وحرام ، بل ربما فضل الحرام على ~~الحلال ، لأنه أقرب إلى مزاجه ، لأن القضية لديه هي مشاعر اللحظة الحاضرة ~~بعيدا عن المصير المستقبلي الذي يواجهه في الدار الآخرة ، باعتبار أنه من ~~الذين يفكرون ببدايات الأمور ، ولا يفكرون في نهاياتها ، فتغريهم حلاوة ~~البداية عن مرارة النهاية ، فيستسلمون للغفلة المطبقة على عقولهم حتى تغيب ~~الآخرة عن وجدانهم. # أما هؤلاء ، ( @QUR@04 فإن الجحيم هي المأوى ) الذي يأوون إليه ليكون ~~مسكنهم الدائم ، لأن طبيعة الطغيان وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة يدفع ~~الإنسان إلى الكفر والضلال والعصيان والغفلة عن أسباب النجاة في الآخرة. # * * * ### ||| ** الجنة مأوى الخائفين مقام ربهم # ( @QUR@05 وأما من خاف مقام ربه ) وعرف عظمته في ربوبيته المطلقة ~~المهيمنة على الكون وما فيه ، مما يجعل الإنسان يستشعر موقع العبودية في ~~ذاته في موقعه من ربه ، من خلال استشعاره ms5374 للألوهية في مقام الله التي ~~تستتبع الإيمان والطاعة في كل شيء ، الأمر الذي يجعل الحياة بالنسبة إليه ~~تمثل فرصة المسؤولية الخاشعة في ما يأمر به الله أو ينهى عنه ، لتكون ~~إرادته مرتبطة بإرادة الله ، فإذا أرادت منه نفسه أن يتمرد على الله ~~انطلاقا من رغباتها الذاتية ، وأهوائها الغريزية ، فإنه يبادر إلى أن ينهى ~~نفسه عن السير في هذا الاتجاه ، ليجعل هواه تبعا للإيمان ، لأن المسلم الحق ~~، الذي أسلم كل حياته لله ، هو الذي يحاول أن يصوغ نفسه صياغة إيمانية على ~~خط التقوى ، ليكون العبد المطيع لله ، وهذا PageV24P048 # كله نتيجة الخوف من مقام ربه. ( @QUR@04 ونهى النفس عن الهوى ) والمراد ~~بالهوى هنا ، ليس كل ما تشتهيه النفس ، لأنها قد تشتهي الأشياء التي تنسجم ~~مع ما يحبه الله ، بل المراد منه الهوى الذي لا يخضع للقاعدة الأخلاقية ~~الشرعية في الإسلام. ولعل إطلاق الكلمة ناشئ من أن العمل الذي يوحي به ~~الالتزام لا يعبر عنه بالهوى ، لأنه لا ينطلق من إرادة الإنسان باعتباره ~~شهوة ومزاجا نفسيا ، بل من خلال إرادة الالتزام في إيمانه التي تمثل حرية ~~الاختيار في شخصيته. وقد جاء في أصول الكافي بإسناده إلى داود الرقي عن أبي ~~عبد الله جعفر الصادق عليه السلام ، قال : «من علم أن الله يراه ، ويسمع ما ~~يقول ، ويعلم ما يعمله من خير أو شر ، فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال ، ~~فذلك الذي ( @QUR@07 خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى )» (1). # فأما هؤلاء ( @QUR@04 فإن الجنة هي المأوى ) والسكن الدائم ، لأن طبيعة ~~خوف مقام الله ، ونهي النفس عن الهوى ، تفرض الالتزام بالخط المستقيم الذي ~~يربط الإنسان بالله ، فيكون قريبا إلى رحمته ، في مواقع رضاه. # * * * PageV24P049 ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) @QUR@04 فيم أنت من ذكراها ~~(43) @QUR@03 إلى ربك منتهاها (44) @QUR@05 إنما أنت منذر من يخشاها (45) ~~@QUR@09 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) (46) # * * * ### ||| ** عبد المشركين وتعظيم الله تعالى ليوم القيامة # كان المشركون يثيرون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسألة توقيت الساعة ، ~~أي يوم القيامة ، للدخول في جدل عقيم معه ms5375 ، لأن القضية هي قضية تصديقه في ~~كلامه كمدخل لتصديقه في رسالته ، فإذا كانوا يصدقونه فيها فلا معنى للسؤال ~~عن الموعد ، لأن ذلك لا يؤخر ولا يقدم في الموضوع شيئا ، وإذا كانوا لا ~~يصدقونه ، فما فائدة الحديث عن التوقيت إذا كان المبدأ غير وارد عندهم؟! # ( @QUR@05 يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ) في بحر الزمن الذي تتحرك فيه ~~الساعات لتقف في موعد معين لتثبت فيه. PageV24P050 # ( @QUR@04 فيم أنت من ذكراها ) فهي أعظم من أن يتحدث عنها بهذه الطريقة ~~العابثة التي يراد من خلالها إثارة الجدل ، أو محاولة السخرية العابثة. # ( @QUR@03 إلى ربك منتهاها ) فهو الذي يملك أمرها ، ويحدد وقتها ، في ~~غيبه الذي لا يطلع عليه أحد ، وليس لك من أمرها شيء ، ليطلبوا منك الجواب ~~الدقيق عن تفاصيلها ، وليس ذلك من مهمتك الرسالية. # ( @QUR@05 إنما أنت منذر من يخشاها ) فتلك هي القضية التي تتحمل ~~مسئوليتها لتحدث الناس عنها من ناحية المبدأ ، لتثير في داخلهم الخوف من ~~النتائج التي تواجههم فيها إذا قصروا في الاستعداد إليها بالعمل بطاعة الله ~~، وهذا هو كل شيء. # وسوف يلتقيها كل الناس ، فيخيل إليهم أنها قريبة إليهم بشكل مثير ( ~~@QUR@09 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها )، حيث لا يرون ~~الدنيا التي مرت بهم إلا بمقدار عشية مرت عليهم سريعا ، أو بمقدار وقت ~~الضحى الذي ينتهي بسرعة ، ليواجهوا ، بعد ذلك ، الموقف الكبير الضخم ، الذي ~~يصغر أمامه كل شيء. # وفي ضوء ذلك ، لا بد للإنسان من أن يدخل في عملية مقارنة بين الدنيا ، ~~التي هي في حجم العشية أو ضحاها ، وبين الآخرة التي هي في حجم الزمان كله ، ~~الذي لا ينتهي في آفاق الأبد اللانهائي ، ليعرف كيف يكون عمله ، وكيف تكون ~~نظرته إلى المستقبل ، بقلب مفتوح وعين بصيرة. # * * * PageV24P051 ### | سورة عبس ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها اثنان وأربعون PageV24P053 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه من السور المكية التي تتنوع أغراضها ، ولكنها تلتقي حول قاعدة واحدة ~~هي انفتاح القلب الإنساني على الله في سلوكه العملي من حيث تحريك القيم ~~الروحية والمعاني الأخلاقية في حياته ، ليكون ميزان التقييم لديه هو القرب ms5376 ~~أو البعد من الله سبحانه وتعالى. وفي هذا المجال ، كان الحديث ، في بداية ~~السورة ، عن حادثة ، قد يكون النبي هو المخاطب بها لعلاقتها به ، وقد يكون ~~غيره ، تتصدى لمسألة الانفتاح على بعض المترفين من كفار قريش ، والانغلاق ~~عن بعض المستضعفين من مؤمني الإسلام. فكان التوجيه الإلهي يؤكد على سلبية ~~هذا الأداء ، بميزان القيمة الرسالية. # ثم انتقلت السورة إلى إثارة مسألة خلق الإنسان والمراحل الرئيسة التي يمر ~~بها وصولا إلى طور البعث والنشور ، وكل ذلك ، في مسعى لجذب انتباه تفكير ~~الإنسان ، وتنشيط وعيه ، لدفعه إلى تصور تنوع المواقع في تهيئة الله ~~للإنسان طعامه ، منذ بداية التفاعل بين الحبة والماء والتربة ، إلى نهاية ~~النمو في النتاج الشهي للثمر ، وللصورة الحلوة للخضرة الممتدة في الأرض ، ~~والمرتفعة في الفضاء ، المتنوعة الفواكه والثمار ، ليفكر الإنسان بالنعمة ~~كيف تتحرك لتحفظ له وجوده ، ولتبني له حيويته. PageV24P055 # وتختم السورة الحديث عن المسؤولية الفردية في مسألة المصير ، فلن ينفعه ~~أحد في يوم القيامة الذي يواجه فيه مسئوليته ، بحيث يفر هناك من أقرب الناس ~~إليه ، لينطلق الناس في هذا الجو ، بين وجوه ضاحكة مستبشرة ، وهي وجوه ~~المؤمنين المتقين ، ووجوه عليها غبرة ، وهي وجوه الكفرة الفجرة .. # وفي ضوء ذلك ، نلاحظ أن السورة تعمل على إبقاء الإنسان مشدودا إلى الوعي ~~الفكري الروحي ، الذي يتعمق في وعيه لذاته في عمله ، ليكون عمله منسجما مع ~~التزامه وفي ما حوله ، مما يتعلق بوجوده ، وحركة الوجود من حوله ، في ~~المفردات التي تحفظ له حياته ، ليبقى مشدودا إلى الله ، في إحساسه بارتباطه ~~به في كل شيء ، فلا يغفل عنه في كل المواقع ، ولا يفكر إلا به في خطه ~~العملي. ثم يواجه الموقف في الخط المستقيم بالإشراف على الموقف في الآخرة ، ~~ليوازن النتائج على هذا الأساس ، باعتبار ارتباط النتائج بالمقدمات. # * * * PageV24P056 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 عبس وتولى (1) @QUR@03 أن جاءه الأعمى (2) @QUR@04 وما يدريك ~~لعله يزكى (3) @QUR@04 أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) @QUR@03 أما من استغنى ~~(5) @QUR@03 فأنت له تصدى (6) @QUR@04 وما عليك ألا يزكى (7) @QUR@04 وأما ~~من جاءك يسعى (8) @QUR@02 وهو يخشى (9) @QUR@03 فأنت عنه تلهى ) (10) # * * * ### ||| ** معاني ms5377 المفردات # ( @QUR@01 وتولى ): أعرض بوجهه. # ( @QUR@01 تصدى ): تتصدى ، أي تتعرض له وتقبل عليه. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # دخل المفسرون في جدل حول الشخص الذي كان موضوع الحديث PageV24P057 # في هذه الآيات ؛ هل هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أم شخص غيره؟ لأن ~~الصفات التي توحي بها الآيات لهذا الشخص لا تتناسب مع خلق النبي ، وربما لا ~~تتناسب مع عصمته. وسنعالج هذه المسألة في نطاق الروايات الواردة ، وفي خط ~~المنهج الإسلامي في خط الدعوة الأخلاقي .. # جاء في مجمع البيان «قيل : نزلت الآيات في عبد الله بن أم مكتوم ، وهو ~~عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي ، وذلك أنه ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يناجي عتبة بن ربيعة ، وأبا جهل بن ~~هشام ، والعباس ابن عبد المطلب ، وأبيا وأمية ابني خلف ، يدعوهم إلى الله ~~ويرجو إسلامهم ، فقال : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله ، فجعل ~~يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره ، حتى ظهرت الكراهة ~~في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقطعه كلامه ، وقال في نفسه : يقول ~~هؤلاء الصناديد إنما أتباعه العميان والعبيد ، فأعرض عنه وأقبل على القوم ~~الذين يكلمهم ، فنزلت الآيات ، وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه ، وإذا رآه ~~قال : مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ، ويقول له : هل لك من حاجة ، واستخلفه على ~~المدينة مرتين في غزوتين» (1). # * * * ### ||| ** الشيخ الطبرسي وروايات النزول # جاء في مجمع البيان : «قال المرتضى علم الهدى قدس الله روحه : ليس في ~~ظاهر الآية دلالة على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو خبر ~~محض لم يصرح بالمخبر عنه ، وفيها ما يدل على أن المعني بها غيره ، لأن ~~العبوس ليس PageV24P058 # من صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الأعداء المباينين ، فضلا عن ~~المؤمنين المسترشدين ، ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء ، ~~لا يشبه أخلاقه الكريمة ، ويؤيد هذا القول قوله سبحانه في وصفه ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ( @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم ms5378 ) [القلم : 4] وقوله : ~~( @QUR@08 ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) [آل عمران : 159] ، ~~فالظاهر أن قوله ( @QUR@02 عبس وتولى ) المراد به غيره. وقد روي عن الصادق ~~عليه السلام أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فجاء ابن أم مكتوم ، فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه ~~وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه. # فإن قيل : فلو صح الخبر الأول هل يكون العبوس ذنبا أم لا؟ فالجواب أن ~~العبوس والانبساط مع الأعمى سواء ، إذ لا يشق عليه ذلك ، فلا يكون ذنبا ، ~~فيجوز أن يكون عاتب الله سبحانه بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليأخذه ~~بأوفر محاسن الأخلاق ، وينبهه بذلك على عظم حال المؤمن المسترشد ، ويعرفه ~~أن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه ، ~~وقال الجبائي : في هذا دلالة على أن الفعل يكون معصية في ما بعد ، لمكان ~~النهي ، فأما في الماضي ، فلا يدل على أنه كان معصية قبل أن ينهى عنه ، ~~والله سبحانه لم ينهه إلا في هذا الوقت. # وقيل : إن في ما فعله الأعمى نوعا من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض ~~عنه ، إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه أعرض عنه لفقره ، وأقبل عليهم ~~لرياستهم تعظيما لهم ، فعاتبه الله سبحانه على ذلك ، وروي عن الصادق ~~عليه السلام أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى عبد الله ~~بن أم مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا ، وكان ~~يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يفعل به» (1). PageV24P059 # ولعل هذا العرض الذي قدمه الشيخ الطبرسي أكثر الحديث شمولا للاعتراضات ~~الدائرة حول نسبة القصة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سلوكه مع ~~الأعمى ولذلك نقلناه بطوله. # * * * ### ||| ** مناقشة الروايات # ونحن نريد أولا التعليق على الروايات التي لخصها الشيخ الطبرسي الواردة ~~في نسبة الموضوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ms5379 ما روي عن عائشة وابن ~~عباس ، لنلاحظ أنها تنقل عن تصورات النبي للانطباعات التي يمكن أن تحصل لدى ~~هؤلاء الصناديد بأن أتباعه هم العميان والعبيد ، وهذا مما لا يمكن أن يكون ~~صحيحا ، لأن هذه المسألة ليست مسألة خفية لدى مجتمع الدعوة ، فإن أتباع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يمثلون الطبقة المستضعفة من المجتمع إلا ~~القليل ممن كانوا في طبقة الأغنياء أو الوجهاء ، فكيف يمكن أن يخاف النبي ~~من هذا الانطباع الذي يفرض نفسه من خلال الواقع؟! # ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الأوعى والأعرف بالقيمة الروحية التي ~~يمثلها الإسلام في تقييم الأشخاص على أساس التقوى التي تجمع الإيمان والعمل ~~، فلا يجوز أن ينسب إليه احتقاره للمؤمنين في مسألة الانتماء إلى مجتمع ~~الدعوة التابع له ، وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجتمع بالمؤمنين سرا ~~، ليدفع عنه هذا الانطباع ، حتى يكون مجيء الأعمى إلى مجلسه مفاجأة له؟! # ونحن لا نريد تأكيد هذه الرواية أو رفضها ، بل نريد إثارة المسألة حول ~~إمكان نسبة القصة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عدم إمكانه ، لنتبنى ~~إمكان ذلك من دون منافاة لخلقه العظيم ، ولعصمته في عمله ، وذلك في ضمن نقاط : # النقطة الأولى : إن دراستنا لعلاقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا ~~الأعمى تدل على أن PageV24P060 # هناك صلة وثيقة بينهما ، بحيث كان يدخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو جالس بين زوجاته ، وقد اشتهرت الرواية التي تتضمن دخوله عليه وعنده ~~عائشة وأم سلمة ، فقال لهما : احتجبا فقالتا : إنه أعمى ، فقال : أنتما ~~تريانه. # وإذا كان ذلك قد حدث في المدينة ، بالإضافة إلى استخلافه عليها عند خروجه ~~إلى الغزو ، فإنه يدل على عمق الصلة منذ البداية ، لا سيما إذا سلمنا ~~بالرواية التي تتضمن سؤاله الملح بأن يتلو عليه كتاب الله ويعلمه مما علمه ~~الله ، مما يدل على الروحية الإيمانية التي تستوعب المعرفة الدينية للقرآن ~~وللإسلام بالمستوى الذي ينتهز فيه الفرصة الدائمة لاكتساب العلم. # إن ذلك كله قد ms5380 يوحي بوحدة الحال بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بحيث يغيب عن العلاقة أي طابع رسمي ، مما يجعل إعراض النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، اعتمادا على ما بينهما من الصلة التي تسمح له بتأخير ~~الحديث معه إلى فرصة أخرى ، من دون أن يترك أي أثر سلبي في نفسه ، لا سيما ~~إذا كان ذلك لمصلحة الدين التي تجعل أي مسلم في زمن الدعوة الأول ، يفرح ~~لنجاح النبي في استمالته لأي شخص من كفار قريش الوجهاء في مجتمعهم ، إلى ~~دائرة الإيمان أو الدين الجديد ، باعتبار أن ذلك يخفف العذاب والحصار على ~~المسلمين المستضعفين ، ومنهم ابن أم مكتوم. وبذلك يكون إعراض النبي عنه ~~كإعراضه عن أحد أفراد أصحابه ، أو عائلته ، اتكالا على ما بينهما من صلات ~~عميقة ووحدة حال. كما أن العبوس لم يكن عبوس الاحتقار ، بل قد يكون أقرب ~~إلى عبوس المضايقة النفسية التي توجد تقلصا في الوجه عند ما يقطع أحد على ~~الإنسان حديثه الذي يرقى إلى مستوى الأهمية لديه ، فلا يكون ، في ذلك ، أي ~~عمل غير أخلاقي ، فلا يتنافى مع الآيات التي أكدت خلقه العظيم وسعة صدره. # النقطة الثانية : إن مدلول الآيات يوحي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يستهدف من PageV24P061 # حديثه مع هؤلاء الصناديد ، تزكيتهم الفكرية والروحية والعملية ، بعيدا عن ~~مسألة الاهتمام بغناهم من ناحية ذاتية ، في ما اعتاده الناس من الاهتمام ~~بالغني تعظيما لغناه ، ورغبة في الحصول على ماله في ما يمثله ذلك من قيمة ~~سلبية بالمستوى الأخلاقي ، الذي يؤكد على تقييم الشخص لصفاته الفكرية ~~والعملية الإيجابية ، وذلك هو قوله تعالى : ( @QUR@011 أما من استغنى * ~~فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى ) للإيحاء له بأن عدم حصوله على التزكية ، ~~بعد إقامة الحجة عليه ، من قبلك ، مدة طويلة ، لا يمثل مشكلة بالنسبة إليك ~~، لأنك لم تقصر في تقديم الفرص الفكرية بما قدمته من أساليب الإقناع ، مما ~~جعل من التجربة الجديدة تجربة غير ذات موضوع ، لأنه يرفض الهداية من خلال ~~ما يظهر من سلوكه ، الأمر الذي ms5381 يجعل من الاستغراق في ذلك مضيعة للوقت ، ~~وتفويتا لفرصة مهمة أخرى ، وهي تنمية معرفة هذا المؤمن الداعية الذي يمكن ~~أن يتحول إلى عنصر مؤثر في الدعوة الإسلامية. فأين هي المشكلة الأخلاقية ~~المنافية للعصمة في هذا كله؟ # النقطة الثالثة : إن السورة قد تكون واردة في مقام توجيه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاهتمام بالفئة المستضعفة التي تخشى الله وتؤمن ~~به ، لتعميق تجربتها الروحية ، وتنمية معرفتها القرآنية الإسلامية ، لأن ~~ذلك مما يقوي قاعدة المجتمع الإسلامي الصغير النامي الذي يملك أفراده ~~الإيمان القوي والالتزام الشديد ، ويرفع من مستوى الدعوة في اهتمامات ~~المؤمنين بالدعوة ، ليتحولوا إلى دعاة أكفاء ، كما أن هذه الفئة هي الأكثر ~~استعدادا لبذل الجهد ، وتحمل المسؤوليات ، وتقديم التضحيات ، لأنهم الأقرب ~~إلى روح الدعوة ، ولأنهم لم يستغرقوا في خصوصيات الدنيا ، ولم يأخذوا ~~بامتيازاتها كما أخذ غيرهم ، فهم لا يفقدون شيئا من امتداد الإسلام ، كما ~~يفقد الأغنياء والمستكبرون ، بل يستفيدون من ذلك. ولعل هذا ما نستوحيه من ~~الظاهرة المعروفة ، وهي أن أتباع الأنبياء والمصلحين هم الفئة المستضعفة ~~المرذولة في المجتمع ، لأن PageV24P062 # الدعوات الرسالية والإصلاحية تعالج مشاكلها ، وتلتقي بتطلعاتها ، وتحترم ~~إنسانيتها المسحوقة لدى الآخرين من المستكبرين. # أما الأغنياء ، فإن هدايتهم قد تحقق بعض الربح وبعض النتائج الإيجابية ~~على مستوى إزالة المشاكل ، التي كانوا يثيرونها أمام الدعوة ، عن الطريق ، ~~ولكنهم لا يستطيعون التخلص من رواسبهم بشكل سريع ، مما قد يجعل الانصراف ~~إليهم والانشغال بهم عن غيرهم ، موجبا لبعض النتائج الصغيرة ، على حساب ~~النتائج الكبيرة. # وعلى ضوء ذلك ، فقد تكون هذه الآيات واردة للحديث عن المقارنة بين ~~الاهتمام بتزكية المستضعفين من المؤمنين الذين هم القوة الحركية للدعوة ، ~~وبين الاهتمام بتزكية هؤلاء الذين قد يحتاج الموضوع لديهم إلى جهد كبير ، ~~لا يملك النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوقت الكثير له في اهتماماته العامة ، ~~في الوقت الذي لم تكن فرص هدايتهم كبيرة ، كما أنهم لن يؤثروا تأثيرا كبيرا ~~لمصلحة الدعوة ، مع ملاحظة مهمة ، وهي أن قوة الدعوة التي يحققها ~~المستضعفون ، في جهدهم وجهادهم ، سوف تحقق ms5382 الامتداد للإسلام ، بحيث يدخل ~~هؤلاء المستكبرون فيه بشكل سريع ، لأن هؤلاء لا يخضعون للمنطق عادة بل ~~للقوة ، وهذا ما لاحظناه في فتح مكة الذي أفسح المجال لدخول الناس في دين ~~الله أفواجا ، لأن الإسلام قد بلغ الذروة في القوة آنذاك. # النقطة الرابعة : إن القسوة الملحوظة في الآيات في الحديث مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم تمثل ظاهرة واضحة في أكثر الآيات التي تتصل بسلامة ~~الدعوة واستقامة خطها ، سيما في قوله تعالى : ( @QUR@06 فما منكم من أحد ~~عنه حاجزين ) [الحاقة : 47] وقوله تعالى في الحديث عن المحاولات التي ~~يبذلها المشركون للتأثير عليه من أجل الافتراء على الله : ( @QUR@021 وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا* ~~ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم PageV24P063 # @QUR@014 شيئا قليلا* إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا )، [الإسراء : 73 75] وقوله تعالى : ( @QUR@04 لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ) [الزمر : 65] وغير ذلك من الآيات ، لأن القضية ترقى إلى ~~المستوى الكبير من الأهمية ، بحيث لولاها لانحرفت مسيرة الرسالة بانحراف ~~الرسول أو القائد ، للإيحاء بأن هذه القضية لا تقبل التهاون حتى في الموارد ~~المستبعدة منها ، وذلك ، من أجل أن يفهم الدعاة من بعد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، بأن عليهم أن يقفوا في خط الاستقامة ، حتى بالمستوى ~~الذي لا يمثل تصرفهم فيه عملا غير أخلاقي ، لأن الغفلة عن الخطوط الدقيقة ~~في المسألة ، قد تجر إلى الانحراف بطريقة لا شعورية. # النقطة الخامسة : إن القرآن الكريم قد عمل على تثبيت شخصية النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتأديبه بأدب الله ، في ما يريد الله له أن يأخذ به من ~~الكمال الروحي والأخلاقي والعملي ، مما يلقي إليه الله علمه ، مما قد يختلف ~~عن الخط المألوف عند الناس. ولعل هذه المسألة تدخل في هذه الدائرة ، لأن ~~المعروف هو الاهتمام بالأغنياء لقدرتهم على التأثير في المجتمع بطريقة ~~فاعلة كبيرة ، بينما لا يملك المستضعفون الفقراء مثل ذلك ، فتكون النظرة ~~على هذا الأساس نظرة رسالية ، لكنها قد تترك تأثيرا ms5383 سلبيا على النظرة ~~العامة لسلوك الرسول ، لأنهم قد يفكرون بالجانب السلبي في القضية ، وهو ~~ملاحظة جانب الغنى في الاهتمام بالأغنياء من جهة النظرة الذاتية إلى قيمة ~~الغنى في المجتمع ، فتأتي الآيات لتثير الموضوع ، وبهذه الطريقة ، لإبعاد ~~السلوك عن الصورة السلبية من حيث الشكل ، حتى لو لم تكن سلبية من حيث ~~المضمون ، مع ملاحظة مصلحة الدعوة في ذلك كله ، وهذا ما نستوحيه من قوله ~~تعالى : ( @QUR@030 واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) PageV24P064 # [الكهف : 28] فإن هذه الآية توحي بأن الله يريد إخراج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الأجواء الضاغطة في العرف الاجتماعي ، التي يمكن أن ~~تترك تأثيرها الخفي على نفسه بطريقة لا شعورية ، فيلتفت إلى الأغنياء رغبة ~~في الامتيازات الحاصلة عندهم. وربما كان ذلك على طريقة «إياك أعني واسمعي ~~يا جارة» ليكون الخطاب للأمة ، من خلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون ~~ذلك أكثر فاعلية وتأثيرا إيحائيا في أنفسهم ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يخاطب بهذه الطريقة في احتمالات الانحراف ، ~~فكيف إذا كان الخطاب يراد به غيره. # النقطة السادسة : إن الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام في ~~أن الحديث عن رجل من بني أمية ، لا تتناسب مع أجواء الآيات ، لأن الظاهر من ~~مضمونها ، أن صاحب القضية يملك دورا رساليا ، ويتحمل مسئولية تزكية الناس ، ~~مما يفرض توجيه الخطاب إليه للحديث معه عن الفئة التي يتحمل مسئولية ~~تزكيتها ، باعتبارها القاعدة التي ترتكز عليها الدعوة وتقوى بها ، في مقابل ~~الفئة الأخرى التي لم تحصل على التزكية ، ولا تستحق بذل الجهد الكثير. # * * * ### ||| ** الرسول بين المهم والأهم # ( @QUR@02 عبس وتولى ) أي واجه الموقف بالعبوس الذي يتمثل في تقلص عضلات ~~الوجه وقسوة النظرة ، والإعراض عن هذا السائل الملحاح ، ( @QUR@03 أن جاءه ~~الأعمى ) الذي عاش مسئولية الإيمان في مسئولية المعرفة ، كما عاش مسئولية ~~الدعوة في حاجتها إلى الوعي الرسالي بكل ms5384 مفرداتها العقيدية والتشريعية ، ~~فأراد انتهاز فرصة وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين ليأخذ من ~~علمه ، مما أنزله الله عليه من كتاب ، وما ألهمه من علم الشريعة والمنهج ~~والحياة ... ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم PageV24P065 # يستجب له ، لأن هناك حالة مهمة يعالجها في دوره الرسالي المسؤول ، في ~~محاولة لتزكية هؤلاء الكفار من وجهاء المشركين ، طمعا في أن يسلموا ليتسع ~~الإسلام في اتباع جماعتهم لهم ، لأنهم يقفون كحاجز بين الناس وبين الدعوة ، ~~ولذلك أجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث مع هذا الأعمى إلى وقت آخر ، ~~إذ كانت الفرص الكثيرة تتسع للقاء به أكثر من مرة ، فتكون له الحرية في ~~إغناء معلوماته بما يحب في جو هادئ ملائم ، بينما لا تحصل فرصة اللقاء ~~بهؤلاء دائما ، فكانت المسألة دائرة في وعيه الرسالي بين المهم في دور هذا ~~الأعمى ، وبين الأهم في دور هؤلاء الصناديد. # * * * ### ||| ** الأولوية لمن يتزكى # ولكن الله يوجه المسألة إلى ما هو الأعمق في قضية الأهمية في مصلحة ~~الرسالة ، باعتبار أن هذا الأعمى قد يتحول إلى داعية إسلامي كبير ، ( ~~@QUR@04 وما يدريك لعله يزكى ) في ما يمكن أن يستلهمه من آيات القرآن التي ~~يسمعها ، مما يغني له روحه ، فتصفو أفكاره ، وترق مشاعره ، وتتسع آفاقه ، ~~وتتعمق معرفته بربه ، فيؤدي ذلك إلى عمق في الفكر ، وسعة في الأفق ، وغنى ~~في الشخصية ، وحيوية في الحركة ، مما يؤثر تأثيرا إيجابيا على حركته في ~~الدعوة ، فيحصل من ذلك على خير كبير. ( @QUR@04 أو يذكر فتنفعه الذكرى )، ~~في ما يمكن أن يعيشه من غفلة عن بعض الحقائق ، أو جهل ببعض القضايا ، فتأتي ~~الكلمات القرآنية لتقشع عنه سحائب الغفلة ، وتأتي الكلمات الرسولية لترفع ~~عنه حجاب الجهل ، فإذا حدث له ذلك ، أمكن لهذا التطور في شخصيته ، أن يحقق ~~النفع للخط الإسلامي المستقيم على مستوى الالتزام والدعوة والحركة. # * * * PageV24P066 ### ||| ** ليس للدعاة الانفتاح على الأغنياء لغناهم # ( @QUR@03 أما من استغنى ) فلم تكن لديه أية ميزة إلا غناه ، وكان يعتبر ~~أن الغنى يمثل عمق القيمة التي تمنحه موقعا اجتماعيا متقدما ms5385 ، وتغريه دائما ~~بأن يضع كل فكره وعمله وعلاقاته بالناس في خدمة هذا الغنى ، حتى أن انتماءه ~~إلى أي دين أو مذهب يتحرك في جهة الدين الذي يخدم مصلحته المادية ، والمذهب ~~الذي يدعم ثروته. # ( @QUR@03 فأنت له تصدى ) لتحاول بجهدك الرسالي أن تمنحه زكاة الروح ~~وطهارة الفكر ، في ما تحسبه من النتائج الكبيرة لذلك على مستوى امتداد ~~الإسلام في قريش. # ( @QUR@04 وما عليك ألا يزكى ) فلن تتحمل أية مسئولية من خلال ابتعاده عن ~~الخط المستقيم ، وتمرده على تطلعات الروح إلى آفاق الطهارة وسماوات الصفاء ~~، لأنك لم تقصر في الإبلاغ ، ولم تدخر أي جهد في ما حركته من الوسائل التي ~~تملكها ، وفي ما استخدمته من الأساليب التي تحركها في اتجاه التزكية للناس ~~جميعا. وقد سمعوا ذلك كله ، وأصروا على الاستكبار والتمرد ، لا من موقع ~~شبهة ، ولكن من موقع القرار الذي أصدروه مع جماعتهم ، في عدم الاستجابة ~~إليك. ولم يكن قدومهم إليك من أجل الهداية ، بل كان ذلك ربما من أجل الضغط ~~عليك بطريقتهم الخاصة لتترك الرسالة ، أو لتدخل معهم في حسابات التسويات ، ~~لتقدم التنازلات ضد مصلحة الرسالة. وهذا ما يريد الله أن يعرفك إياه من ~~خلال ما يعلمه من خفايا هذا الإنسان وجماعته ، وما قد تعرفه من خلال تجربتك ~~الحسية في المستقبل. # ( @QUR@04 وأما من جاءك يسعى ) للحصول على المعرفة ( @QUR@02 وهو يخشى ) ~~الله في نفسه ، وفي مسئوليته في الدعوة ، وفي المهمات الأخرى الموكولة ~~إليه. مما قد PageV24P067 # يتوقف على سعة المعرفة ، ( @QUR@03 فأنت عنه تلهى ) لأنك تحسب أن إيمان ~~هؤلاء الصناديد قد ينفع الإسلام أكثر من نمو إيمان هذا الأعمى ، الذي يمكن ~~أن يؤجل السؤال لوقت آخر. ولكن المسألة ليست كذلك ، لأن هذا الأعمى وأمثاله ~~، قد يمثلون مسئوليتك المباشرة كرسول يعمل على تنمية خط الدعوة بتنمية ~~الدعاة من حوله ، من أجل أن يوفروا عليك بعض الجهد ، أو يوسعوا ساحة الدعوة ~~في مواقع جديدة. وهذا ما يريد الله أن يفتح قلبك عليه ، في ما يريد لك من ~~تكامل الوعي ، وسعة الأفق ، وعمق النظرة للأمور. ولا مانع من أن ms5386 يربي الله ~~رسوله تدريجيا ، ويثبت قلبه بطريقة متحركة في حركة الدعوة تبعا لحاجتها إلى ~~ذلك ، تماما كما كان إنزال القرآن تدريجيا من أجل الوصول إلى هذه النتائج. # * * * PageV24P068 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 كلا إنها تذكرة (11) @QUR@03 فمن شاء ذكره (12) @QUR@03 في صحف ~~مكرمة (13) @QUR@02 مرفوعة مطهرة (14) @QUR@02 بأيدي سفرة (15) @QUR@02 ~~كرام بررة ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 صحف ): جمع صحيفة ، وهو عند العرب كل مكتوب فيه. # ( @QUR@01 سفرة ): الملائكة. # * * * ### ||| ** كلام الله تذكرة للعباد # ( @QUR@01 كلا ) هل هو ردع عن العبوس والتلهي عن الأعمى والتصدي للأغنياء ~~، وتوجيه للنبي أن لا يعود إلى مثل ذلك ، أم أنه رفض للواقع الذي كان يعيشه ~~الناس في الغفلة عن الانفتاح على آيات الله ، من خلال ما يمكن أن تطل به ~~الآيات المتقدمة من الإيحاء بذلك الواقع الغافل عن الحق الذي كلف PageV24P069 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يغيره إلى واقع يعيش فيه الإنسان التذكرة؟ ~~والأقرب الأول ، لأن الكلمة مسوقة للحديث عما سبقها. # ( @QUR@02 إنها تذكرة ) وهي آيات القرآن ، التي أنزلها الله على عباده ~~ليخرجهم من ظلمات الغفلة إلى نور التذكرة بما تفتح به عقولهم على حقائق ~~العقيدة والكون والحياة ، ليكونوا أكثر وعيا للخالق والمخلوق ، ويتعرفوا ~~مقام الخالق في عظمته وألوهيته ، ومقام المخلوق في عبوديته. # ( @QUR@03 فمن شاء ذكره ) أي القرآن وانفتح عليه باختياره ، لأن الله لم ~~يرد للناس أن يلتزموا بدينه من خلال الجبر التكويني ، بل أراد له أن يكون ~~صادرا عن القناعة والمشيئة الفكرية للإنسان بالإيمان به. # ( @QUR@03 في صحف مكرمة ) والظاهر أن المراد بها كل ما يكتب فيه ، ولعل ~~تكريمها من خلال اشتمالها على كلام الله ، في ما أنزله على رسله ، ( ~~@QUR@02 مرفوعة مطهرة ) مرفوعة في قدرها ومعناها ، مطهرة من قذارة الباطل ، ~~أو أنها مصونة من أيدي الكافرين ، وفيه خفاء. ( @QUR@02 بأيدي سفرة ) وهم ~~الملائكة الذين ينزلون بها على الأنبياء ، وهم ( @QUR@02 كرام بررة ) فقد ~~أكرمهم الله بأن جعلهم في مواقع القرب لديه ، وفي مراكز المسؤولية لإبلاغ ~~وحيه من خلال صلاحهم وتقواهم ، فهم البررة بمعنى الصالحين المتقين. # * * * PageV24P070 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 قتل الإنسان ما أكفره (17) @QUR@04 من أي شيء خلقه (18) ~~@QUR@04 من نطفة خلقه فقدره (19) @QUR@03 ثم السبيل ms5387 يسره (20) @QUR@03 ثم ~~أماته فأقبره (21) @QUR@04 ثم إذا شاء أنشره (22) @QUR@05 كلا لما يقض ما ~~أمره (23) @QUR@04 فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) @QUR@04 أنا صببنا الماء ~~صبا (25) @QUR@04 ثم شققنا الأرض شقا (26) @QUR@03 فأنبتنا فيها حبا (27) ~~@QUR@02 وعنبا وقضبا (28) @QUR@02 وزيتونا ونخلا (29) @QUR@02 وحدائق غلبا ~~(30) @QUR@02 وفاكهة وأبا (31) @QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ) (32) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ما أكفره ): ما أشد كفره. # ( @QUR@01 أنشره ): بعثه إلى الحياة من جديد. # ( @QUR@01 وقضبا ): القضب : هو ما يؤكل رطبا غضا من الخضرة التي تقطع ~~مرة بعد أخرى. # ( @QUR@02 وفاكهة وأبا ): قيل : الفاكهة مطلق الثمار ، والأب : الكلأ ~~والمرعى. # * * * PageV24P071 ### ||| ** الكفر المحض # وهذا حديث عن الإنسان الذي يكفر بالله ، فلا يتطلع إلى مواقع عظمته في ~~خلقه ، ولا إلى مواقع نعمه في حياته ، مما يجعل من كفره ، بهذه الحقيقة ~~الواضحة ، كفرا بما لا يجوز الكفر به ، لأن مجرد التفكير به يدفع إلى ~~الإيمان به. # ( @QUR@02 قتل الإنسان ) كلمة دعاء عليه ، وإيحاء بتفظيع أمره وتقبيحه ، ~~باعتبار أنه فعل يستحق عليه القتل ، لخطورة نتائجه ، ( @QUR@02 ما أكفره ) ~~أي ما أشد كفره وجحوده وتمرده على ربه ، فإنه يستوجب العجب ، في إنكاره ما ~~لا يجوز إنكاره من حقيقة الإيمان بربه ، لأنه جمد عقله عن الحركة في اتجاه ~~اكتشاف الأسس التي يرتكز عليها الإيمان. # ( @QUR@04 من أي شيء خلقه ) هو طرح هذا السؤال على نفسه؟ وهل فكر في أصله؟ # ( @QUR@04 من نطفة خلقه فقدره ) ما قيمة هذه النطفة؟ وما ذا تملك في ~~ذاتها من العناصر الذاتية للنمو؟ إنها ككل الأشياء لا تملك القدرة ، ولكن ~~الله هو الذي يقدر لها طبيعة النمو ، وحركة التحول ، وعناصر التنوع ، وسر ~~الحياة ، بالمستوى الذي يصل فيه هذا الموجود الحقير إلى أن يكون خلقا سويا ~~يملك السمع والبصر والحس والعقل والإرادة. # * * * # ( @QUR@03 ثم السبيل يسره ) # ( @QUR@03 ثم السبيل يسره ) أي مهد للإنسان سبل الحياة في ما سخره له من ~~ظواهرها المتصلة بوجوده ، كما مهد له سبل الهداية في ما فتحه له من طرق ~~معرفة الخير والشر ، ليختار ما يريده منها ، وفي ما أودعه ، في ذاته ، من عناصر PageV24P072 # الحركة ، التي يتمكن بها من سلوك الطريق المستقيم ، ومن الأخذ بأسباب ~~الحياة. # وهناك توجيه آخر لهذه ms5388 الآية ، ذكره صاحب تفسير الميزان قال : «ظاهر ~~السياق المقصود به نفي العذر من الإنسان في كفره واستكباره ، أن المراد ~~بالسبيل وقد أطلق السبيل إلى طاعة الله وامتثال أوامره ، وإن شئت فقل : ~~السبيل إلى الخير والسعادة. # فتكون الآية في معنى دفع الدخل ، فإنه إذا قيل : ( @QUR@04 من نطفة خلقه ~~فقدره ) أمكن أن يتوهم السامع أن الخلق والتقدير إذا كانا محيطين بالإنسان ~~من كل جهة ، كانت أفعال الإنسان لذاته وصفاته مقدرة مكتوبة ومتعلقة لمشيئة ~~الربوبية التي لا تتخلف ، فتكون أفعال الإنسان ضرورية الثبوت واجبة التحقق ~~، والإنسان مجبرا عليها فاقدا للاختيار ، فلا صنع للإنسان في كفره إذا كفر ~~، ولا في فسقه إذا فسق ، ولم يقض ما أمره الله به ، وإنما ذلك بتقديره ، ~~تعالى ، وإرادته ، فلا ذم ولا لائمة على الإنسان ، ولا دعوة دينية تتعلق به ~~، لأن ذلك كله فرع للاختيار ولا اختيار. # فدفع الشبهة بقوله : ( @QUR@03 ثم السبيل يسره )، ومحصله أن الخلق ~~والتقدير لا ينافيان كون الإنسان مختارا في ما أمر به من الإيمان والطاعة ، ~~له طريق إلى السعادة التي خلق لها ، فكل ميسر لما خلق له ، وذلك أن التقدير ~~واقع على الأفعال الإنسانية من طريق اختياره ، والإرادة الربوبية متعلقة ~~بأن يفعل الإنسان بإرادته واختياره كذا وكذا ، فالفعل صادر عن الإنسان ~~باختياره ، وهو بما أنه اختياري متعلق للتقدير. # فالإنسان مختار في فعله مسئول عنه ، وإن كان متعلقا للقدر» (1). PageV24P073 # ولكن يظهر من سياق الآية أن المراد هو تذكير الإنسان بتطور وجوده ، ~~ومواقع نعمة الله عليه ، لينتهي من خلال التفكير بذلك إلى الإيمان بالله ~~وليبتعد عن خط الكفر به ، وليس المراد الحديث عن طبيعة مسئوليته ، في ما هو ~~الجبر والاختيار ، لأن الجو ليس جو البحث في تفاصيل طبيعة خلق الإنسان في ~~تكوينه الداخلي والخارجي. # ( @QUR@03 ثم أماته فأقبره ) عند ما انتهت رحلة الحياة في الأجل المحدد ~~له في ذاته من حيث طبيعة إمكانات الحياة فيه ، أو في دائرة الظروف المحيطة ~~به ، من خلال علاقته بالواقع الكوني ، في ما خلقه الله من أسباب الحياة ~~والموت. وهكذا أماته ، وجعل السنة ms5389 أن يدفن في باطن الأرض تكريما له لئلا ~~تأكله السباع. # ( @QUR@04 ثم إذا شاء أنشره ) وبعثه إلى الحياة من جديد ليواجه نتائج ~~أعماله في الدنيا ، لأن الله لم يخلقه عبثا ، ولم يتركه سدى ، بل جعل لكل ~~عمل جزاء ثوابا أو عقابا ، فهل فكر الإنسان في ذلك؟ وهل وعى ضرورة ~~الاستعداد ليوم الحشر؟ ( @QUR@01 كلا ) فلم يفكر الإنسان تفكيرا دقيقا في ~~هذا الموضوع ، ولو فكر به لرأى أن الاحتمال وحده يكفي لإثارة الاهتمام به ، ~~لأنه يتصل بمسألة المصير في مواجهة الموقف غدا بين يدي الله ، مما قد يؤدي ~~إلى الخسارة الخالدة ، لو كان حقا. # وهكذا امتد هذا الإنسان في غفلته ، و ( @QUR@04 لما يقض ما أمره ) الله ~~به من مسئوليات وما فرضه عليه من شكر النعمة ، فعاش الحياة غافلا عن ربه ، ~~مستغرقا في دنياه ، مقصرا في واجباته ، مهملا لدوره الذي أعده الله له في ~~خلافته عنه. # وإذا كان هذا الإنسان لا يعي مسألة الوجود في بدايته وفي تقديره ، وفي ~~موته ونشوره ، لأنه لا يستغرق عادة في طبيعة كيانه ، باعتبار أنه ليس منفصلا PageV24P074 # عنه ، مما يجعل التركيز فيه يستدعي المزيد من الإعداد والتفكير للوصول ~~إلى ذلك ، ولكن هناك مسألة تتكرر في حياته اليومية ، في ما يتناوله من ~~طعامه الذي قد يثير لديه الكثير من التفكير حوله ، وربما يصنعه بيده في ~~زراعته له. # * * * ### ||| ** فلينظر الإنسان إلى طعامه # ( @QUR@04 فلينظر الإنسان إلى طعامه ) كيف تكون؟ وما هي العناصر المكونة ~~له؟ إن هذه الآيات تختصر له رحلة الطعام منذ البداية حتى النهاية. # ( @QUR@04 أنا صببنا الماء صبا ) وذلك من خلال إنزال المطر الذي يعرفه كل ~~الناس كحقيقة وجودية متحركة في كل مكان ، وأمام كل الناس ، فكيف كان المطر؟ ~~وما هي العوامل التي دفعت به إلى الأرض ، وكيف اختلفت الفصول والمناطق في ~~أمره ، من حيث تكونه وهطوله؟ # إن الناس لا يثيرون عادة كل هذه الأسئلة ، لأن الكثيرين منهم لا يهتمون ~~بدراسة أسرار الظاهرة ، بل يكتفون بالارتباط بها في مواقع الحس ، ~~والاستفادة منها في مجالات الحاجة. ولكن هناك بعضا من الناس الذين ms5390 يملكون ~~الفضول العلمي ، فيبحثون عن الأسرار في جهد دائب للوصول إليها ، وقد جاء في ~~بعض الأبحاث العلمية الحديثة بعضا من الحديث عن ذلك. فقد قال «كريسي ~~موريسون» في كتابه : «الإنسان لا يقوم وحده» الذي ترجمه محمود صالح الفلكي ~~بعنوان : «العلم يدعو إلى الإيمان» : # إذا كان صحيحا أن درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت ~~حوالي 12000 درجة ، أو كانت تلك درجة حرارة سطح PageV24P075 # الأرض ، فعندئذ كانت كل العناصر حرة ، ولذا لم يكن في الإمكان وجود تركيب ~~كيميائي ذي شأن. ولما أخذت الكرة الأرضية أو الأجزاء المكونة لها في أن ~~تبرد تدريجيا ، حدثت تركيبات ، وتكونت خلية العالم كما نعرفه. وما كان ~~للأوكسجين والهيدروجين أن يتحدا إلا بعد أن هبطت درجة الحرارة إلى 4000 ~~درجة فهرنهايت. وعند هذه النقطة اندفعت معا تلك العناصر ، وكونت الماء الذي ~~نعرفه الآن أنه هواء الكرة الأرضية ، ولا بد أنه كان هائلا في ذلك الحين. ~~وجميع المحيطات كانت في السماء ، وجميع تلك العناصر التي لم تكن قد اتحدت ~~كانت غازات في الهواء. وبعد أن تكون الماء في الجو الخارجي ، سقط نحو الأرض ~~، ولكنه لم يستطع الوصول إليها ، إذ كانت درجة الحرارة على مقربة من الأرض ~~أعلى مما كانت على مسافة آلاف الأميال. وبالطبع جاء الوقت الذي صار الطوفان ~~يصل فيه إلى الأرض ليطير منها ثانيا في شكل بخار. ولما كانت المحيطات في ~~الهواء ، فإن الفيضانات التي كانت تحدث مع تقدم التبريد ، كانت فوق الحسبان ~~، وتمشي الجيشان مع التفتت (1). # وقد لا نستطيع التأكد من هذه التصورات العلمية ، كما لا نتمكن من إخضاع ~~المضمون القرآني لها ، ولكنا نجد ، في هذه الظاهرة المحسوسة ، في صب الماء ~~من السماء ، توجيها للفكر الإنساني ، ليتأمله ، وليتعمق في دراسته ، وفي ~~القوانين الإلهية الكونية التي تحكمه ، ليزداد بذلك معرفة ، فيزداد ~~بالمعرفة إيمانا ، لأن أي تفسير ينطلق من القانون الإلهي ، لا بد من أن ~~يثير الشعور بالعظمة في التدبير والتقدير. # * * * PageV24P076 ### ||| ** شق الأرض # ( @QUR@04 ثم شققنا الأرض شقا ) عند ما ينفذ الماء إليها ليفتح أعماقها ، ~~ويمتزج ms5391 بتربتها ، ويحول جوفها إلى خزانات واسعة تتفجر منها الينابيع ، ~~وتجري منها الأنهار ، وتحول التراب إلى حياة تتفاعل مع البذور التي أبدع ~~الله خلقها وأودعها في الأرض ، لتنمو في أجزاء التربة وعناصرها الغذائية ، ~~ثم لتشق الأرض من جديد ، لتخرج إلى وجهها ، وتتنفس هواءها ، وقد يلاحظ ~~الإنسان ، كيف تشق النبتة النحيلة الأرض الصلبة القوية ، من دون أي عنصر ~~للقوة إلا تقدير الله ، في ما جعله في طبيعة الأرض من قوانين التفتت ~~والانفتاح على عملية نمو النبتة في أجزاء التربة. # ( @QUR@03 فأنبتنا فيها حبا ) من كل الحبوب التي تمثل غذاء الإنسان ~~والحيوان ، كالحنطة والشعير والعدس ونحوها ( @QUR@02 وعنبا وقضبا ) والقضب ~~هو ما يؤكل رطبا غضا من الخضرة التي تقطع مرة بعد أخرى ، ( @QUR@02 وزيتونا ~~ونخلا ) أي البساتين ذات الأشجار المسورة بحوائط تحميها ، وكلمة ( @QUR@02 ~~وحدائق غلبا ) معناها الضخمة العظيمة الملتفة الأشجار. # ( @QUR@01 وفاكهة ) قيل : الفاكهة : مطلق الثمار ، والأب : الكلأ ~~والمرعى. # وقد جاء في الدر المنثور : «أخرج أبو عبيد في فضائله ، وعبد بن حميد ، عن ~~إبراهيم التيمي ، قال : سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله : ( ~~@QUR@01 وأبا ) فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ~~ما لا أعلم. # وأخرج سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن سعد ، وعبد بن حميد ، وابن ~~المنذر ، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، والخطيب ، والحاكم ، PageV24P077 # وصححه عن أنس ، أن عمر قرأ على المنبر : ( @QUR@06 فأنبتنا فيها حبا* ~~وعنبا وقضبا* وزيتونا ) إلى قوله ( @QUR@01 وأبا ) قال : كل هذا قد عرفناه ~~، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت في يده ، فقال : هذا لعمر الله هو التكلف ، ~~فما عليك أن لا تدري ما الأب؟ اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب ، فاعملوا ~~به ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه» (1). # وقد نستوحي من هاتين الروايتين أن عظماء الصحابة كانوا لا يملكون المعرفة ~~الشاملة للقرآن ، وأنهم كانوا يتحرجون من القول في القرآن بغير علم ، ~~فيقفون عند ما لا يعرفون ويتكلمون بما يعرفون. # ( @QUR@03 متاعا لكم ولأنعامكم ) في ما أراده الله من تهيئة الظروف التي ~~تتيح لكم الاستمرار في الحياة ms5392 من خلال تهيئة كل حاجاتها الطبيعية. # وهكذا نلاحظ أن الله أراد من الإنسان أن لا يجلس إلى الطعام جلسة مستغرفة ~~في الحاجة ، وفي الرغبة في اللذة ، ولكنه أراد له أن يجلس إليه جلسة تأمل ~~وتفكير ، ليتعرف من خلال ذلك إلى مواقع العظمة ، ومصادر النعمة ، ليعرف ربه ~~، ولينطلق من خلال هذه المعرفة في خط طاعته وتقواه وشكره على نعمه. # * * * PageV24P078 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 فإذا جاءت الصاخة (33) @QUR@05 يوم يفر المرء من أخيه (34) ~~@QUR@02 وأمه وأبيه (35) @QUR@02 وصاحبته وبنيه (36) @QUR@06 لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه (37) @QUR@03 وجوه يومئذ مسفرة (38) @QUR@02 ضاحكة مستبشرة ~~(39) @QUR@04 ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) @QUR@02 ترهقها قترة (41) ~~@QUR@04 أولئك هم الكفرة الفجرة ) (42) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصاخة ): الصيحة العظيمة التي تصم الآذان. # ( @QUR@01 مسفرة ): مشرقة. # ( @QUR@01 قترة ): ظلمة الدخان. # * * * ### ||| ** متاع الدنيا إلى زوال # ويبقى متاع الدنيا لكم ولأنعامكم. ولكن إلى متى؟ هل تخلدون له أو PageV24P079 # يخلد لكم؟ فستزولون بعد عمر قصير أو طويل ، وسيزول المتاع كله عنكم وعن ~~غيركم ، لأن الدنيا سوف تزول بأهلها ومتاعها ، ولن يبقى منها للآخرة إلا ~~العمل ، ويختلف المصير تبعا لاختلاف العمل ، وتأتي المفاجأة الصعبة. # ( @QUR@03 فإذا جاءت الصاخة ) وهي الصيحة العظيمة التي تصم الأسماع من ~~شدتها ، وربما كانت كناية عن نفخة الصور التي تخرج الناس من الأجداث فتدب ~~الحياة فيهم من جديد ، لينطلقوا إلى لقاء الله في ساحة المحشر. # * * * # ( @QUR@05 يوم يفر المرء من أخيه ) # ( @QUR@09 يوم يفر المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه ) إنه الهول ~~الشديد الذي يدفع الإنسان إلى التفكير بنفسه ، بعيدا عن التفكير بغيره ، ~~فضلا عن تحمل مسئوليته ، فتتقطع بذلك العلاقات التي تشد الإنسان إلى أرحامه ~~وإلى الأقربين منه ، فلا دور للأخوة هناك في اجتذاب عاطفة الأخ لأخيه ، ولا ~~مجال للأمومة والأبوة لاجتذاب عاطفة الابن لأبويه ، كما تذوب المشاعر ~~الحنونة الحميمة في شعور الأب تجاه بنيه ، أو إحساس الحب للزوج تجاه زوجته. ~~إنه الفرار ، فرار الإنسان من كل الذين قد يتعلقون به ، وقد يسألونه حاجة ، ~~وقد يذكرونه بعلاقتهم به ، وقد يشغلونه بذلك عن بعض ما هو فيه ، إنه مشغول ~~بنفسه ، بمصيره ، بالنتائج المرتقبة أمامه ، ولذلك ، فإن كل تفكيره ms5393 يتجه ~~إلى ذلك ، بعيدا عن كل هؤلاء. # إنها لا تمثل موت العاطفة ، بل تمثل تغلب الخوف المرعب الهائل على إحساسه ~~بعلاقاته النسبية والعاطفية ، مما يجمد له ذلك الشعور الإنساني الحميم ، ~~تماما كما هي الحال في الحياة الدنيا ، عند ما تضغط عليه التحديات الصعبة. # * * * PageV24P080 # ( @QUR@06 لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) # ( @QUR@06 لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) لأن القضية قضية المصير الذي ~~لا يملك أحد تبديله بأية وسيلة من الوسائل التي كان يستعملها في الدنيا ، ~~عند ما تزدحم المشاكل في ساحته ، وتشتد الضغوط عليه ، فيلجأ إلى ماله أو ~~إلى أهله أو ولده أو عشيرته ، فإن الدنيا في خطها التاريخي العملي هي التي ~~تحدد الصورة الأخيرة للمصير الإنساني ، ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا والأمر يومئذ لله )، مما يجعل من كل إنسان إنسانا مشغولا بما يقدم ~~عليه في شأنه الجزائي ، فهل يقدم على الجنة أو يقدم على النار؟! فليس لديه ~~فراغ لغيره وليس عنده فضلة لسواه ، إنه همه الكبير الذي لا هم أكبر منه ، ~~وهو شأنه العظيم الذي لم يطرأ في حياته شأن مثله ، فعلى الآخرين من أهله أن ~~يتركوه ليفكر في همه ، وأن يدعوه وشأنه ، فلا يشغلوه بشيء من أمرهم. # إنه الموقف العظيم الذي ترى مستقبل الناس وماضيهم في وجوههم ، لأن تاريخ ~~الإنسان الأسود والأبيض يتحول إلى إشراق وظلمة في ملامح وجهه ، كما أن ~~مصيره المستقبلي ينطبع على وجهه في الصفاء الذي يموج في بسمات العيون ~~والشفاه أو في الغبرة المشبعة بالسواد في كل الملامح المتعبة. # ( @QUR@03 وجوه يومئذ مسفرة ) مشرقة بالنور الذي يتلألأ في لمعات عيونهم ~~وفي إشراقة وجوههم ، ( @QUR@02 ضاحكة مستبشرة ) فهي تضحك ضحكة السعادة حتى ~~لتحس بضحكة العينين قبل ضحكة الشفتين ، وهي تستبشر بما أعطاها الله من فضله ~~، وأعده لها من ثوابه ، وهذه هي وجوه المؤمنين المتقين. # ( @QUR@04 ووجوه يومئذ عليها غبرة ) في ملامح الحزن والحسرة والهم الكبير ~~التي تكدر الوجه بما يشبه الغبار ، ( @QUR@02 ترهقها قترة ) وهو السواد ~~الذي يعلو الوجوه ، فتحس PageV24P081 # بأن الليل يزدحم في كل ملامحها ، وتلمح الذل الذي يتمثل ms5394 في الخشوع ~~والانقباض ، ( @QUR@04 أولئك هم الكفرة الفجرة ) الذين عاشوا الكفر عقيدة ~~والفجور عملا. فهذا هو الجزاء العادل لهم ، فهل يفكر أمثالهم الآن قبل فوات ~~الأوان؟ # * * * PageV24P082 ### | سورة التكوير ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع وعشرون PageV24P083 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة من السور المكية التي تتحدث عن أجواء يوم القيامة وما يجري ~~فيه من أحداث كونية تكون بمثابة علامات وآيات تدل عليه ، كتكور الشمس ، ~~وانكدار النجوم ، وتسيير الجبال ، وتعطل العشار ، وحشر الوحوش ، وتسجر ~~البحار ، وتزوج النفوس ، عندها تسأل الموؤودة : لما ذا قتلت؟ وتنشر الصحف ، ~~وتكشط السماء ، وتسعر الجحيم ، وتقرب الجنة ... وكل هذه الأجواء الهائلة ~~المرعبة تشكل الممهدات الكونية ، أو الإطار الكوني لحدث مصيري آخر ، هو ~~مواجهة الإنسان نفسه لأعماله بخيرها وشرها معا. # ثم تتحدث عن القرآن الذي يشكك فيه هؤلاء ، ليؤكد إنه لقول رسول كريم وليس ~~قول مجنون ، كما يحاول البعض أن يثير الضباب من حوله. وتتابع الحديث عن صفة ~~الملك الذي جاء بالوحي ، الذي يريد الله من الناس أن يعتبروه ذكرا يدفعهم ~~إلى الاستقامة التي تتحرك بها مشيئة الإنسان الخاضعة لمشيئة الله. أما كلمة ~~«التكوير» ، فقد أخذت من قوله تعالى : ( @QUR@03 إذا الشمس كورت ) في ما ~~تمثله من الحدث العظيم الذي يتضمن برودة الشمس وانطفاء شعلتها ، وجمود ~~ألسنة اللهب المتصاعدة منها ، مما قد يوحي بالهول الكبير الذي يعطي الصورة ~~الواضحة من طبيعة التغيير ، باعتبار أن فقدان الشمس PageV24P085 # لضوئها يترك تأثيره وإيحاءه على كل الظواهر الكونية الأخرى ، ويجعلها ~~شيئا معقولا في ميزان التصور. # * * * PageV24P086 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إذا الشمس كورت (1) @QUR@03 وإذا النجوم انكدرت (2) @QUR@03 ~~وإذا الجبال سيرت (3) @QUR@03 وإذا العشار عطلت (4) @QUR@03 وإذا الوحوش ~~حشرت (5) @QUR@03 وإذا البحار سجرت (6) @QUR@03 وإذا النفوس زوجت (7) ~~@QUR@03 وإذا الموؤدة سئلت (8) @QUR@03 بأي ذنب قتلت (9) @QUR@03 وإذا ~~الصحف نشرت (10) @QUR@03 وإذا السماء كشطت (11) @QUR@03 وإذا الجحيم سعرت ~~(12) @QUR@03 وإذا الجنة أزلفت (13) @QUR@04 علمت نفس ما أحضرت ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 إذا الشمس كورت ): التكوير : التلفيف على جهة الاستدارة ومنه ~~تكوير العمامة ، والظاهر أن التعبير وارد على سبيل الكناية ، بمعنى : جمع ~~ضوؤها ولفت كما تلف العمامة ، والمعنى أن الشمس تكور بأن يجمع نورها حتى ms5395 ~~تصير كالكرة الملقاة ويذهب ضوؤها. # ( @QUR@02 النجوم انكدرت ): تساقطت وتناثرت. PageV24P087 # ( @QUR@01 العشار ): النوق الحبالى في شهرها العاشر. # ( @QUR@01 سجرت ): ملئت. # ( @QUR@01 الموؤدة ): المدفونة في التراب وهي حية. # ( @QUR@01 كشطت ): الكشط : القلع عن شدة التزاق. # ( @QUR@01 سعرت ): أوقدت وأضرمت. # ( @QUR@01 أزلفت ): قدمت وقربت. # * * * ### ||| ** الإطار الكوني ليوم القيامة # ( @QUR@03 إذا الشمس كورت ) وهذا هو الحدث الكبير الذي تفقد فيه الشمس ~~وهجها وإشراقها وحرارتها وامتداد نورها ولهيبها ، فتعود مجرد شيء مكور ، ~~كما هي الكرة الملقاة التي لا توحي إلا بالحاجة إلى التدحرج تحت الأقدام. # ( @QUR@03 وإذا النجوم انكدرت ) أي ذهب لمعانها ، وانطفأ ضوؤها ، أو ~~انتثر نظامها الذي يربطها ، في ما توحي به كلمة الانكدار في معناها الأصلي ~~، وهو انقلاب الشيء حتى يصير أعلاه أسفله ، وهو في حالة الماء يؤدي إلى ~~تكدره ، أو بما قد ينصرف إليه اللفظ من الكدورة في اللون في مقابل الصفاء ~~والإشراق. # ( @QUR@03 وإذا الجبال سيرت ) بقدرة الله ليكون ذلك موجبا لتفتت أجزائها ~~، لأن طبيعة الحركة تفرض ذلك ، فتكون كناية عنه ، لتتحول بعد ذلك إلى هباء ~~منبث تذروه الرياح في الهواء. وربما كان ذلك كما يقول البعض من خلال PageV24P088 # الزلزال الذي يصيب الأرض في ما تحدث الله عنه بقوله : ( @QUR@04 إذا ~~زلزلت الأرض زلزالها ) [الزلزلة : 1]. # ( @QUR@03 وإذا العشار عطلت ) والعشار النوق الحبالى في شهرها العاشر ، ~~وهي من أنفس الأموال لدى العرب ومن أغلاها ، لأنها مرجوة اللبن والولد ، ~~بحيث لا يتصور في حق أحد إهمالها وتعطيلها ، لأن ذلك يوجب ضياع مال عظيم ~~ومنفعة عظيمة ، مما لا يقدم العاقل على ضياعه ، ولكن الهول الذي يواجهه ~~الإنسان في ذلك اليوم يجعله منشغلا عن كل شيء من شؤونه الكبيرة وأمواله ~~النفيسة. وبذلك يكون التعبير واردا على سبيل الكناية عن شدة الهول وفظاعة ~~الموقف. # ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) أي جمعت وانزوت واقترب بعضها من بعض ، فلم ~~يعد لديها إمكان التحرك بحرية ووفق طريقتها الخاصة التي تطلب بها غذاءها ~~عادة ، أو لتحمي بها نفسها من بعضها البعض ، في ما اعتادته من افتراس بعضها ~~البعض ، وإذا الموقف قد أنساها كل شيء ، بحيث يمر الوحش القوي بالحيوان ~~الضعيف ، فينسى غريزة الافتراس ms5396 في ذاته ، ويمر الضعيف بالقوي فلا يخاف منه. # ولكن ، هل المراد من الحشر هو حشرها في ساحة القيامة؟ وهل للوحوش تكليف ~~في الدنيا حتى تحاسب على الانحراف عنه في الآخرة؟ أم أن للمسألة معنى آخر؟ # ربما يقال بالمعنى الأول ، إن الوحوش محشورة كالإنسان ، ويؤيده قوله ~~تعالى : ( @QUR@022 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) [الأنعام : 38]. # «وأما تفصيل حالها بعد الحشر وما يؤول إليه أمرها ، فلم يرد في كلامه ~~تعالى ، ولا في ما يعتمد عليه من الأخبار ، ما يكشف عن ذلك» ، كما يقول PageV24P089 # صاحب الميزان (1). # ويقول صاحب مجمع البيان في تفسير الآية : «أي جمعت حتى يقتص لبعضها من ~~بعض ، فيقتص للجماء من القرناء ، ويحشر الله ، سبحانه ، الوحوش ليوصل إليها ~~ما تستحقه من الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا ، وينتصف لبعضها من ~~بعض ، فإذا وصل إليها ما استحقته من الأعواض ، فمن قال إن العوض دائم ، ~~تبقى منعمة إلى الأبد ، ومن قال : تستحق العوض منقطعا ، فقال بعضهم : يديمه ~~الله لها تفضلا لئلا يدخل على المعوض غم بانقطاعه ، وقال بعضهم : إذا فعل ~~الله بها ما استحقته من الأعواض جعلها ترابا» (2). # وربما قيل : «إن حشر الوحوش من أشراط الساعة لا مما يقع يوم القيامة ، ~~والمراد به خروجها من غاباتها وأكنانها» (3). وهذا هو المعنى الثاني الذي ~~أثرناه في السؤال ، وربما كان هو الأقرب ، لأن الآية واردة في أشراط الساعة ~~لا في وقائعها ، في ما يوحي للإنسان بالرعب ، بحيث تصل المسألة في أهواله ، ~~إلى مستوى حشر الوحوش في مكان واحد بالرغم من خروج ذلك عن طبيعتها .. أما ~~مسألة الآية في سورة الأنعام ، فقد يكون المراد بالحشر إلى الله غير الحشر ~~في ساحة الحرب ، لأنه لم يثبت أن هناك تكليفا للحيوانات ، ولا معنى لتعويض ~~الحيوانات عن آلامها ، وإلا لكان قتلها أو ذبحها موجبا لذلك. ولم يثبت ذلك ~~من عقل ولا من نقل. # ( @QUR@03 وإذا البحار سجرت ) يحتمل أن يكون المراد ملأها بالمياه ، وذلك ~~من ms5397 خلال وضع معين ، أو من خلال فيضانات كالتي يقال إنها صاحبت مولد PageV24P090 # الأرض وبرودتها ، أو من خلال الزلازل والبراكين التي تزيل الحواجز بين ~~البحار ، فيتدفق بعضها في بعض. ويحتمل أن يكون المراد التهابها وانفجارها ~~كما هو المعنى الآخر للتسجير بإضرام النار وقد أوضح ذلك في كتاب «في ظلال ~~القرآن» ، فقال : «فتفجير عناصرها وانفصال الإيدروجين عن الأوكسيجين فيها ، ~~أو تفجير ذراتها على نحو ما يقع في تفجير الذرة ، وهو أشد هولا ، أو على أي ~~نحو آخر ، وحين يقع هذا ، فإن نيرانا هائلة لا يتصور. مداها تنطلق من ~~البحار. فإن تفجير قدر محدود من الذرات في القنبلة الذرية أو الإيدروجينية ~~يحدث هذا الهول الذي عرفته الدنيا ، فإذا انفجرت ذرأت البحار على هذا النحو ~~أو نحو آخر ، فإن الإدراك البشري يعجز عن تصور هذا الهول ، وتصور جهنم ~~الهائلة التي تنطلق من هذه البحار الواسعة» (1). # ( @QUR@03 وإذا النفوس زوجت ) أي قرن كل واحد منها إلى شكله ، وضم إليه ، ~~والمراد بالنفوس الناس حيث يعبر بالنفس عن الإنسان ، فالمعنى قرن كل إنسان ~~بشكله من أهل النار ، أو شكله من أهل الجنة ، أو قرن الغاوي بمن أغواه من ~~إنسان أو شيطان ، أو زوج الصالحون بالحور العين ، وقرن الكافرون بالشيطان. # * * * # ( @QUR@03 وإذا الموؤدة سئلت ) # ( @QUR@06 وإذا الموؤدة سئلت* بأي ذنب قتلت )، كان الوأد ، وهو دفن ~~البنت وهي حية ، يمثل أحد الأوضاع الوحشية في ممارسات الجاهليين العرب بحق ~~الأنثى انطلاقا من التصور المتخلف المنحرف عن المرأة الذي نقله القرآن عنهم ~~في قوله تعالى : ( @QUR@012 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم* يتوارى من القوم PageV24P091 # @QUR@016 من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون ) [النحل : 58 59]، وكانت لديهم عدة طرق في الوأد ، فمنهم من كان ~~إذا ولدت له بنت ، يتركها حتى تكون في السادسة من عمرها ، ثم يقول لأمها : ~~طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها! وقد حفر لها بئرا في الصحراء ، ~~فيبلغ بها البئر ، فيقول لها انظري فيها ، فيدفعها دفعا ، ويهيل التراب ~~عليها ، ومنهم ms5398 من كان إذا جاء المخاض زوجته ، جلست فوق حفرة محفورة ، فإذا ~~كان الولد بنتا رمت بها فيها وردمتها ، وإن كان ابنا قامت به معها ، وغيرها ~~من الأساليب. # وهكذا كان هذا الظلم الوحشي الجاهلي موضع الرفض الشديد من قبل الإسلام في ~~ما أنزله الله على رسوله من آيات ، وواجهه مواجهة عنيفة ، حتى قضى عليه ، ~~حيث اعتبر الفعل جريمة وحشية ككل الجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص ، من ~~دون فرق بين أن يكون الفاعل أبا أو غيره ، لأن الأبوة لا تبرر للأب أن ~~يمارس أي عمل تعسفي مع أولاده. وقد أكد الفكرة من خلال القاعدة التي تساوي ~~بين الرجل والمرأة في المعنى الإنساني ، وفي المسؤولية الشرعية ، فلا فرق ~~بين انحراف الرجل وانحراف المرأة في عقاب الزاني والزانية ، كما أن مسألة ~~الشرف والعار تتصل بكل منهما في نطاقه الشخصي ، فلا ينعكس على أي إنسان آخر ~~، فلكل إنسان شرفه وعاره ، ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [الإسراء : ~~15] ، وانطلق التشريع ليؤكد ذلك في كل قضايا الحياة المتصلة بالرجل والمرأة ~~، ولم يفرق بينهما في مستوى القيمة ، فجعل الكرامة لعنصر التقوى الذي قد ~~يجعل المرأة أفضل من بعض الرجال ، أما وجود بعض الفوارق في بعض التشريعات ، ~~فإنها متصلة بالهيكل التنظيمي للعلاقات الزوجية ، ولبعض الأوضاع العامة في ~~نطاق المسؤولية ، من باب توزيع الأدوار من خلال الطبيعة المتنوعة في تكوين ~~الرجل والمرأة ، لا من خلال الانتقاص من طبيعتها ، مما تحدثنا عنه كثيرا في ~~هذا التفسير. # وهكذا تقف الموءودة في يوم القيامة مع الذي وأدها في الدنيا ، ليطرح PageV24P092 # السؤال عليها : هل هناك ذنب جنته لتدفن حية ، وهي في السن التي لا تحمل ~~فيها أية مسئولية؟ وإذا كانت في مثل هذه السن ، فإن أنوثتها لا تصلح أن ~~تكون ذنبا ، ولم تفعل أي شيء آخر. ولم يكن هذا السؤال للاستفهام ، بل ~~لتسجيل الموقف العادل في المسألة ، لأن المسألة لا تملك احتمالا آخر ، فإن ~~العدالة هي التي تقتص من الفاعل انطلاقا من شعار يوم القيامة ( @QUR@09 ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ) [غافر ms5399 : 17] ، لا سيما إذا كان ~~المظلوم ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. # * * * ### ||| ** نشر الصحف وكشط السماء # ( @QUR@03 وإذا الصحف نشرت ) وهي صحف الأعمال التي تنشر للحساب فلا خفاء ~~هناك ، ولا غموض ، لأن المسألة ، في ذلك الموقف ، هي مسألة الحقيقة التي ~~يخشع الجميع أمامها بين يدي الله ، ليقفوا عراة أمام كل التاريخ ، ليواجهوا ~~عري الواقع الذي كانوا يخفونه خلف الأقنعة المتنوعة التي قد تصور الباطل ~~بصورة الحق ، فإذا به مكشوف بكل تفاصيله. # ( @QUR@03 وإذا السماء كشطت ) وربما المراد بالكشط هنا ، إزالة هذا ~~الغطاء الذي يخيل للناس ، في رؤيتهم الساذجة ، أنه يخفي الحقيقة الخفية في ~~السماء ، فينكشف كل شيء في داخلها. # ( @QUR@03 وإذا الجحيم سعرت ) وتوقدت والتهبت وازدادت حرارة ولهيبا ~~لتنتظر الوقود الذي يزيد في اشتعالها من الناس والحجارة. # ( @QUR@03 وإذا الجنة أزلفت ) أي قربت وأدنيت من القادمين إليها من ~~المؤمنين المتقين الذين جعل الله الجنة جزاء إيمانهم وتقواهم ، ليسهل لهم ~~دخولها ، فلا PageV24P093 # يبذلون أي جهد في ذلك. # وهكذا تتمثل صورة التغيير الكوني الهائل الذي تتبدل فيه الصور والأوضاع ~~والمقاييس ، لتدخل عالما جديدا يختلف عن عالم الدنيا اختلافا كثيرا. ويقف ~~الإنسان أمام ذلك كله ، ليفكر في نفسه ، وفي دوره ، وفي موقعه من كل هذا ~~الواقع الجديد ، فيخرج من واقع الغفلة إلى عالم اليقظة والوعي العميق ، ~~ليصل إلى النتيجة الحاسمة ، وهي أن قيمة الإنسان في هذا اليوم تساوي عمله ، ~~فلا بد من أن يتعرف إلى حجم عمله ليعرف حجم مصيره. # ( @QUR@04 علمت نفس ما أحضرت ) أي علمت كل نفس ، آنذاك ، ما لها وما ~~عليها من إيجابيات الماضي العملي وسلبياته ، لأنها تواجه النتائج في مستوى ~~الأعمال ، وبذلك تقف وجها لوجه أمام الحقيقة الصارخة التي تحدد له موقعه في ~~الجنة أو في النار ، من خلال موقعه في خط الله أو في خط الشيطان. # * * * PageV24P094 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 فلا أقسم بالخنس (15) @QUR@02 الجوار الكنس (16) @QUR@03 ~~والليل إذا عسعس (17) @QUR@03 والصبح إذا تنفس (18) @QUR@04 إنه لقول رسول ~~كريم (19) @QUR@06 ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) @QUR@03 مطاع ثم أمين ~~(21) @QUR@03 وما صاحبكم بمجنون (22) @QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين (23) ~~@QUR@05 وما هو على الغيب بضنين ms5400 (24) @QUR@05 وما هو بقول شيطان رجيم (25) ~~@QUR@02 فأين تذهبون (26) @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين (27) @QUR@05 لمن ~~شاء منكم أن يستقيم (28) @QUR@08 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ) (29) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالخنس ): الخنس : الكواكب. # ( @QUR@01 الكنس ): كنس : استتر وأقام. # ( @QUR@01 عسعس ): العسعسة : رقة الظلام. # ( @QUR@01 تنفس ): هنا بمعنى أضاء. # ( @QUR@01 مكين ): متمكن. PageV24P095 # ( @QUR@01 بضنين ): ببخيل. # * * * ### ||| ** كتاب الله ذكر للعالمين # وهذا الحديث عن الوحي يتخلله القسم الذي يطوف بالوعي في مشاهد كونية ذات ~~ارتباط بالتجربة الحسية للإنسان ، كما يتجه إلى الإشارة إلى الرسول ~~الملائكي الذي يحمل الوحي من الله ، وإلى الرسول البشري الذي يتلقى الوحي ~~منه ليبلغه للناس الذين يفتحون قلوبهم للذكر النازل من عند الله ، ليتحركوا ~~في خط الاستقامة في دائرة مشيئة الله. # ( @QUR@05 فلا أقسم بالخنس* الجوار الكنس ) أي لا أحتاج في إثبات حقيقة ~~الوحي وصدقه إلى القسم بهذه الظواهر الكونية التي يتصل بعضها بالنجوم ~~المعلقة في السماء ، وبعضها بحركة الزمن في الحياة ، والخنس والجوار الكنس ~~هي الكواكب التي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي ، فإن لها في حركتها ~~على ما تشاهد استقامة ورجعة وإقامة ، فهي تسير وتجري في حركة متشابهة زمانا ~~وهي الاستقامة ، وتنقبض وتتأخر وتخنس زمانا وهي الرجعة ، وتقف عن الحركة ~~استقامة ورجعة زمانا ، كأنها الوحش تكنس في كناسها وهي الإقامة. وربما كان ~~التعبير بها يطل على حياة الظباء وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى. # ( @QUR@03 والليل إذا عسعس ) أي إذا أقبل وأدبر في مبدأ الليل ومنتهاه ، ~~والعسعسة هي رقة الظلام ، في ما يثيره في النفس من انسياب رقيق يخدر ~~المشاعر ، ويوحي بالاستغراق في بحر الظلام العميق الممتد في الكون ، في ~~إحساس يلتقي فيه الخوف بالأمان. PageV24P096 # ( @QUR@03 والصبح إذا تنفس ) أي إذا أقبل في انفتاحه على الأفق ، كما لو ~~كان موجودا حيا يتنفس ، وفي أنفاسه النور والحياة والحركة ، فكأنه كان ~~محبوسا في دائرة الظلام ، يعاني الاختناق ، ثم تنفس ، فبدأت أنفاسه تمنح ~~الكون روحا ونسيما وحيوية وإشراقا ، تماما ، كما هو النفس في تأثيره على ~~الجسد. ويلاحظ أن في اختيار الألفاظ في هذه الفقرات لونا من الإيحاء ~~التعبيري ms5401 الذي يوحي ببعض الأجواء والمشاعر والأحاسيس التي تتجاوز المعاني ~~اللغوية للكلمات. # ( @QUR@04 إنه لقول رسول كريم ) أي إن هذا القرآن لم ينطلق من تجربة ~~فكرية ذاتية ، بل هو قول رسول كريم أرسله الله إلى نبيه ليفتح به قلبه ، ~~ويعمق به تجربته ليبلغه للناس ، وهذا الرسول هو جبريل عليه السلام الذي ~~حدثنا الله عنه في علاقته بتنزيل القرآن في آية أخرى ، وذلك هو قوله تعالى ~~: ( @QUR@011 قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) ~~[البقرة : 97]. # وقد وصفه الله بصفة «كريم» إشارة إلى كونه ذا كرامة عند ربه في قربه منه. # ( @QUR@09 ذي قوة عند ذي العرش مكين* مطاع ثم أمين ) فقد أعطاه الله ~~القدرة على حمل الرسالة وتبليغها للنبي ، كما أعطاه المكانة المميزة لديه ، ~~ومنحه الطاعة التي أراد للملائكة أن يقدموها إليه في ما يأمره به من ~~المهمات الموكلة إليه ، وأكد أمانته في حمل الرسالة وإبلاغها ، فلا يزيد ~~فيها حرفا ولا ينقص منها شيئا. # * * * # ( @QUR@03 وما صاحبكم بمجنون ) # ( @QUR@03 وما صاحبكم بمجنون ) وهو رسول الله الذي يملك العقل الواعي ~~المنفتح على الله ، والمتحرك في إدارة شؤون الرسالة بكل تركيز وبصيرة. وليس PageV24P097 # الحديث عنه بهذه الصفة التي تسيء إلى شخصيته العقلية إلا نوعا من الحملة ~~العدوانية الموجهة ضده من قبل المشركين الذين أعيتهم الحيل في إبعاد الناس ~~عنه ، فعمدوا إلى تشوية صورته واتهامه بالجنون ، مما يدل على سذاجتهم في ~~تلفيق التهم ، لأن النبي كان معروفا لدى الناس الذين عاش معهم ، قبل ~~الرسالة وبعدها ، برجاحة عقله وصدقه وأمانته واستقامته ، بالمستوى الذي ~~يجعل من هذه التهمة دليلا على جهلهم ، وسخافة عقولهم ، لأنهم لا يستطيعون ~~التمييز بين المجنون والعاقل الذي يملك المستوى الكبير في قوة العقل ، ~~وصفاء الإحساس ، ووعي الروح ، فليس هناك أي أساس لوصفه بالجنون. # وقد لاحظنا أن هذه الكلمة لم تستطع أن تحرك أي شخص للانفعال به في زمن ~~الدعوة الأول ، فقد كان الناس يقبلون عليه ليسمعوا منه ، ولينتفعوا بالجلوس إليه. # * * * # ( @QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين ) # ( @QUR@04 ولقد رآه بالأفق المبين ) أي في الجانب الظاهر منه ، والضمير ms5402 ~~يرجع إلى جبريل ، لتأكيد تجربة النبي الحسية في مسألة الوحي ، فليس الأمر ~~أمر سماع قد يختلف الناس في تقدير طبيعته ، بل هو أمر عيان لا يشك الرائي ~~في حقيقته .. ( @QUR@05 وما هو على الغيب بضنين ) أي ببخيل ، فالنبي لا ~~يبخل بما أوحى به الله إليه ، فلا يحتفظ به لنفسه ليكون شأنا ذاتيا ، بل هو ~~أمانة الله عنده ، التي يشعر بها في موقع المسؤولية ليبلغها للناس كاملة ~~غير منقوصة ، فلا تغيير ولا تبديل ، ولا زيادة ولا نقصان. # * * * PageV24P098 # ( @QUR@05 وما هو بقول شيطان رجيم ) # ( @QUR@05 وما هو بقول شيطان رجيم ) فقد كانوا يقولون : إنه ممن يأتيه ~~شيطان في ما يلقى إليه ، تماما كما هو حال الكهان ، الذين تأتيهم الشياطين ~~من الجن بالغيب الذي يلقونه في وعيهم ، أو على ألسنتهم ، ولكنهم لا يملكون ~~أي دليل على ذلك ، بل إن النبي يملك الحجة الواضحة على أن القرآن حديث منزل ~~من الله ، في ما تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله ، فلم ~~يستطيعوا إلى ذلك سبيلا. # ( @QUR@02 فأين تذهبون ) في مذاهبكم التي تتخبطون فيها من دون أساس للهدى ~~وللحق ، فلا تركنون في حديثكم إلى فكر ، ولا تنطلقون من قاعدة وعي ، بل ~~تقفون موقف الذي يعيش داخل المأزق الذي وضعتكم فيه الرسالة ، التي أحاطت ~~بكم من بين أيديكم ومن خلفكم ، وعن أيمانكم وشمائلكم ، من خلال وضوح الحق ~~الذي أطلقته في حياتكم ، قاعدة للعقيدة ، وخطا للشريعة ، ومنهجا للحياة. ~~فهل تعرفون نهاية الطريق الذي تسيرون فيه؟ إنه الطريق الذي لن يفضي بكم إلا ~~إلى الضياع. # * * * # ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين ) # ( @QUR@05 إن هو إلا ذكر للعالمين ) فلا تختص به جماعة دون جماعة ، بل هو ~~للعالمين كافة ، ليكون ذكرا لهم ، ينفذ إلى عقولهم فيزيل عنها حجاب الغفلة ~~، وإلى مشاعرهم ، فيزيح عنها ظلمة الإحساس ، وإلى حياتهم ، فيحطم فيها ~~الحواجز التي تحجزها عن رؤية الحق. # ( @QUR@05 لمن شاء منكم أن يستقيم ) على هدى الله ، لأن مسألة الذكر لا تقوم PageV24P099 # بالكلمات ، بل لا بد فيها من الإرادة الإنسانية في الاستقامة على خط ~~الهدى ، التي تدفعه إلى ms5403 البحث والرغبة في الاستماع إلى كل الكلمات التي ~~تعالج الحق ، وتدعو إليه ، مما يثير فيه قلق المعرفة المتطلعة إلى كل جديد ~~في هذا المجال ، فمن لم يرد الاستقامة ، فكيف يمكن أن يكون القرآن ذكرا له؟ # * * * ### ||| ** لله المشيئة كلها # ( @QUR@08 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ) فقد تملكون في ~~كيانكم حركة المشيئة الذاتية ، في ما تملكون من عناصر الاختيار ، ولكن ~~مشيئتكم لا بد من أن تخضع للمشيئة الإلهية في تقدير النظام الكوني الذي ~~تتحرك الأشياء في دائرته ، فلا يملك العبد استقلالا مطلقا عن الله تعالى ~~حتى في نطاق حريته المرتبطة بالمشيئة الإلهية بطريقة أو بأخرى. # * * * PageV24P100 ### | سورة الانفطار ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع عشرة PageV24P101 ### ||| ** في أجواء السورة # تعمل هذه السورة على ملامسة المنطقة الشعورية للإنسان ، بأسلوبها المتنوع ~~الذي يهز القلب بالخوف المسؤول ، ليحرك تطلعاته في اتجاه الوقوف في خط ~~المسؤولية ، في نظرته إلى موقفه من ربه ، وفي وعيه لمصيره يوم القيامة ، ~~فيحدثه عن انفطار السماء ، وانتثار الكواكب ، وتفجير البحار ، وبعثرة ~~القبور ، وعن وعي النفس ، في ذلك الوقت ، لكل تاريخها العملي ، في ما أخذت ~~به من الفرص المتاحة لها في الدنيا ، وفي ما أهملته من ذلك. # وتتطلع السورة في عتاب هادئ لاذع إلى الإنسان ، وكيف أغفل أمر ربه ~~واستسلم للنعمة التي لم يقف معها في موقف الشكر ، بل وقف منها موقف الغرور ~~والكفر. # وينطلق الحديث عن تكذيب الناس بالقيامة كسبب من أسباب انحرافهم عن الخط ~~المستقيم ، ولكن تكذيبهم لا يغير من الحقيقة المسؤولة شيئا ، فهناك حافظون ~~يحفظون عليهم أعمالهم في ما يكتبونه منها ، وهناك في أجواء القيامة نوعان ~~من الناس الذين يقدم الملائكة كتاب أعمالهم إلى ربهم ؛ فهناك الأبرار الذين ~~يدخلهم الله في نعيم جنته ، وهناك الفجار الذين يصلون الجحيم .. # ثم تثير الحديث عن يوم الدين ، وهو يوم القيامة ، بالطريقة التي تثير PageV24P103 # الرعب والفزع والهلع ، فهو اليوم الذي لا يملك أحد القدرة على أن ينفع أي ~~شخص في ما يمكن أن يدفع عنه عقابا ، أو يجلب له ثوابا ، لأن الله وحده هو ~~المالك لذلك ms5404 اليوم ، والمهيمن على الأمر كله ، فمن لم يكن له سبب إليه من ~~إيمان وعمل ، فلا سبب له إلى النجاة. # وقد اختار الله تسمية هذه السورة بالانفطار تأسيا بالآية التي استهلها ~~بها ، وهو قوله عز وجل : ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت ) وكأنه شاء لفت ~~الأنظار ، منذ البداية ، إلى الأهمية الخاصة لهذه الظاهرة الحدث الكونية ، ~~والتي تندرج في إطار شروط الساعة أو يوم القيامة. # * * * PageV24P104 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت (1) @QUR@03 وإذا الكواكب انتثرت (2) ~~@QUR@03 وإذا البحار فجرت (3) @QUR@03 وإذا القبور بعثرت (4) @QUR@05 علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 انفطرت ): تشققت وانصدعت. # ( @QUR@01 انتثرت ): تساقطت. # * * * ### ||| ** من مظاهر التغيير الكوني يوم القيامة # ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت ) وهذا هو مظهر من مظاهر التغيير الكوني ~~الذي يؤذن PageV24P105 # بقيام القيامة وانتقال الناس إلى عالم جديد ، فقد كانت السماء متماسكة ~~منتظمة بحيث لا يستطيع الإنسان ، مهما حدق طويلا ، أن يكتشف أية ثغرة في ~~هذا السقف المرفوع ، ولكن السماء ، في ذلك اليوم المشهود ، تتشقق وتمتلئ ~~بالثغرات ، وتفتح فيها الأبواب التي يمكن للداخلين ، الذين يؤذن لهم ~~بالدخول ، أن ينفذوا منها ، فكيف يحدث ذلك؟ وهل أن هناك أسبابا طبيعية هي ~~التي تؤدي إلى ذلك ، أم أن إرادة الله التي تعلقت بتماسك السماء هي التي ~~تتعلق بانشقاقها بشكل مباشر؟ إن هذه الأسئلة وأمثالها هي مما لا نملك ~~الوسيلة للحصول على جواب حولها ، كما أن معرفته لا تندرج في إطار ~~المسؤوليات الملقاة على عاتقنا. # ( @QUR@03 وإذا الكواكب انتثرت ) أي انتقلت عن مواضعها في نظامها ~~المتناسق الخاضع لترتيب معين ، الذي يمثل حركته في داخل مداراتها المحدودة ~~التي لا تتعداها لتؤدي مهمتها في النظام الكوني في مواقعها المعينة. ولكنها ~~، الآن ، في النظام الجديد ، تتساقط وتتناثر في الفضاء وتفقد إشراقها ، ~~وربما تغيب في آفاق الضياع. # ( @QUR@03 وإذا البحار فجرت ) وذلك في ما فسره البعض بفتح بعضها على بعض ~~، حتى تزول الحواجز بينها ، ويختلط العذب منها بالمالح ، فتعود بحرا واحدا. ~~وفسرها بعض آخر ، بأن التفجير هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على ~~الأنهار ، أو بتفجير مائها وتحليله إلى عنصريه : الأوكسيجين والهيدروجين ، ~~فتتحول مياهها بذلك ms5405 إلى هذين الغازين ، كما كانت قبل أن يأذن الله بتجميعها ~~وتكوين البحار منهما ، وهناك احتمالات أخرى. # ( @QUR@03 وإذا القبور بعثرت ) فقلب باطنها إلى ظاهرها ، وهو كناية عن ~~إخراج الأجداث إلى سطح الأرض في بداية انطلاق الناس إلى المحشر ، حيث تبعث ~~فيهم الحياة من جديد ، ليقفوا وقفة تأمل قبل وقفة الحساب ، حيث يتذكرون PageV24P106 # كل تاريخهم العملي في يقظة ووعي. # * * * ### ||| ** تنبيه الإنسان ليوم الحساب # ( @QUR@05 علمت نفس ما قدمت وأخرت ) مما عملته في حياتها ، أو ما أخرته ~~من الأعمال ، والتي تمتد نتائجها إلى أمد طويل يبقى بعد الموت ، وهو ما ~~سنته من سنن حسنة أو سيئة. وقيل : المراد بما قدمت وأخرت ما عملته في أول ~~العمر وما عملته في آخره ، فيكون كناية عن الاستقصاء. # وهذا هو ما يريد الله من الإنسان التنبه إليه ، ليعد نفسه وهو في الدنيا ~~للموقف الحاسم الذي يستعرض فيه كل أعماله في موقف الآخرة. # * * * PageV24P107 ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) @QUR@04 الذي خلقك ~~فسواك فعدلك (7) @QUR@06 في أي صورة ما شاء ركبك (8) @QUR@04 كلا بل تكذبون ~~بالدين (9) @QUR@03 وإن عليكم لحافظين (10) @QUR@02 كراما كاتبين (11) ~~@QUR@03 يعلمون ما تفعلون (12) @QUR@04 إن الأبرار لفي نعيم (13) @QUR@04 ~~وإن الفجار لفي جحيم (14) @QUR@03 يصلونها يوم الدين (15) @QUR@04 وما هم ~~عنها بغائبين (16) @QUR@05 وما أدراك ما يوم الدين (17) @QUR@06 ثم ما ~~أدراك ما يوم الدين (18) @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 غرك ): الغرور : ظهور أمر يتوهم به جهلا الأمان من المحذور. # ( @QUR@01 فعدلك ): فجعلك معتدلا. # * * * # ( @QUR@07 يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) # ( @QUR@03 يا أيها الإنسان ) الذي عاش في عمق الشعور بإنسانيته ، في ما ~~توحي به PageV24P108 # من معنى التكريم في الدور الوجودي في واقع الحياة ، وفي ما أنعم الله ~~عليه من لطفه وكرمه في تفاصيل حياته ، ( @QUR@04 ما غرك بربك الكريم ) حتى ~~اندفعت في التمرد عليه ، وإنكار توحيده ، وعصيان أوامره ونواهيه ، وكفران ~~نعمه ، واستغرقت في ذلك غير عابئ بإنذاراته الكثيرة ، فما الذي ( @QUR@03 ~~غرك بربك الكريم ) الذي حرك كل طاقاتك ومنحها الحيوية والنمو بكرمه ، حتى ~~قصرت هذا التقصير ، وابتعدت هذا البعد عنه؟! وكيف توهمت ms5406 أن الله لا يؤاخذك ~~على ذلك كله فأمنت عقابه ، ولم تراع احتمال القدوم عليه والوقوف بين يديه؟ ~~وكيف استهنت بوعيده وتهديده؟ وربما كان الاستفهام هنا توبيخيا كما عن البعض ~~لا حقيقيا ، كما لو كان المعنى هو توبيخ الإنسان على كفران نعمة الرب ~~الكريم في ما لا يجوز فيه الكفران لموقع كرمه الواسع. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما تلا هذه الآية قال : غره جهله (1) ~~. وجاء في مجمع البيان «أنه قيل للفضيل بن عياض : لو أقامك الله يوم ~~القيامة بين يديه ، فقال : ما غرك بربك الكريم ، ماذا كنت تقول له؟ قال : ~~أقول : غرني ستورك المرخاة. وقال يحيى بن معاذ : لو أقامني الله بين يديه ~~فقال : ما غرك بي؟ قلت : غرني بك برك بي سالفا وآنفا ، وعن بعضهم قال : ~~غرني حلمك ، وعن أبي بكر الوراق : غرني كرم الكريم ، وإنما قال سبحانه ~~الكريم دون سائر أسمائه وصفاته ، لأنه كأنه لقنه الإجابة حتى يقول : غرني ~~كرم الكريم» (2). # والظاهر أن مثل هذه الأجوبة لا تتناسب مع مقابلتها بالكفران الذي ينطلق ~~من حالة الغرور المبنية على الاستهانة والإهمال واللامبالاة ، والجهل ~~بمواقع وعيده وتهديده ، ولكن لا مانع من أن تكون مثل هذه الكلمات لونا من ~~ألوان التحبب لله والاعتذار إليه ، في ما يمكن فيه قبول العذر ، كما في PageV24P109 # المعاصي العملية التي لا تقترب من الكفر ، كما ورد في قول علي أمير ~~المؤمنين عليه السلام : «كم من مستدرج بالإحسان إليه ومغرور بالستر عليه» (1). # وكما جاء في دعاء علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام الذي رواه أبو ~~حمزة الثمالي : «إلهي ما عصيتك إذ عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد ، ولا بأمرك ~~مستخف ولا لعقوبتك متعرض ، ولا لوعيدك متهاون ، لكن خطيئة عرضت وسولت لي ~~نفسي وغلبني هواي ، وأعانتني عليها شقوتي ، وغرني سترك المرخى علي» (2)، ~~والله العالم. # * * * # ( @QUR@04 الذي خلقك فسواك فعدلك ) # ( @QUR@03 الذي خلقك فسواك ) فجعلك خلقا سويا في تناسب أعضائك وتكامل ~~أجهزتك ، ( @QUR@01 فعدلك ) في ما يمثله خلقك من توازن وظائف جسدك واعتدال ~~قامتك ، مما يمنحه جمال الشكل وروعة الصورة ms5407 ، ( @QUR@06 في أي صورة ما شاء ~~ركبك ) فهو القادر على صوغك في أية صورة مما يتنوع به الخلق ، فاختار لك ~~هذه الصورة الجميلة المستقيمة المعتدلة التي تجمع الإبداع كله في التكوين ~~الجسدي والعقلي والروحي. وربما فسر ذلك بما ذكره في الميزان أي «في أي صورة ~~شاء أن يركبك ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ركبك من ذكر وأنثى ، وأبيض ~~وأسود ، وطويل وقصير ، ووسيم ودميم ، وقوي وضعيف ، إلى غير ذلك ... وكذا ~~الأعضاء المشتركة بين أفراد الإنسان المميزة لها من غيرها كاليدين والرجلين ~~والعينين والرأس والبدن واستواء القامة ونحوها ، فكل ذلك PageV24P110 # من عدل بعض الأجزاء ببعض في التركيب» (1). # * * * ### ||| ** عظمة الإبداع في الخلق # وقد لا يكفي في تفسير هذه الآيات هذه الكلمات التي تتحدث عن الموضوع ~~بصورة عامة ، فقد نحتاج إلى الإطلالة على بعض التفاصيل عن بعض الأسرار التي ~~أودعها الله في الأجهزة التي ركبها في الإنسان مما يوحي بعظمة الإبداع في الخلق. # فقد جاء في مجلة العلوم الإنجليزية ، في ما نقله عبد الرزاق نوفل ، في ~~كتابه «الله والعلم الحديث» : «إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية ~~الفذة ، وإنه من الصعب جدا بل من المستحيل أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية ~~من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيف. فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك ~~، ثم تثبته في الموضع الملائم للقراءة. وهذه اليد هي التي تصحح وضعه ~~تلقائيا ، وحينما تقلب إحدى صفحاته تطبع أصابعك تحت الورقة ، وتضغط عليها ~~بالدرجة التي تقلبها بها ، ثم يزول الضغط بقلب الورقة. واليد تمسك القلم ~~وتكتب به ، وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من ملعقة إلى سكين ، إلى ~~آلة الكتابة ، وتفتح النوافذ وتغلقها ، وتحمل كل ما يريده الإنسان .. ~~واليدان تشتملان على 27 عظمة و19 مجموعة من العضلات لكل منها» (2). # * * * ### ||| ** إبداع خلق الأذن # وجاء في كتاب «العلم يدعو إلى الإيمان» : PageV24P111 # «إن جزءا من أذن الإنسان «الأذن الوسطى» هو سلسلة من أربعة آلاف جنية ~~«قوس» دقيقة معقدة متدرجة بنظام بالغ ، في الحجم والشكل ، ويمكن القول : ~~بأن هذه الجنيات تشبه آلة موسيقية ، ويبدو أنها ms5408 معدة بحيث تلتقط وتنقل إلى ~~المخ بشكل ما كل وقع أو صوت أو ضجة ، من قصف الرعد إلى حفيف الشجر ، فضلا ~~عن المزيج الرائع من أنغام كل أداة موسيقية في الأركسترا ووحدتها المنسجمة» (1). # * * * ### ||| ** إبداع خلق البصر والذوق والجهاز العصبي # وجاء في كتاب «الله والعلم الحديث» : «مركز حاسة الإبصار العين التي ~~تحتوي على 130 مليونا من مستقبلات الضوء وهي أطراف أعصاب الإبصار ، ويقوم ~~بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلا ونهارا ، والذي تعتبر حركته لا ~~إرادية ، الذي يمنع عنها الأتربة والذرات والأجسام الغريبة ، كما يكسر من ~~حدة الشمس بما تلقي الأهداب على العين من ظلال. وحركة الجفن ، علاوة على ~~هذه الوقاية ، تمنع جفاف العين. أما السائل المحيط بالعين. والذي يعرف باسم ~~الدموع فهو أقوى مطهر» (2). # «وجهاز الذوق في الإنسان ، ويرجع عمله إلى مجموعات من الخلايا الذوقية ~~القائمة في حلمات غشائه المخاطي. ولتلك الحلمات أشكال مختلفة ، فمنها : ~~الخيطية ، والفطرية ، والعدسية ، ويغذي الحلمات فروع من العصب اللساني ~~البلعومي ، والعصب الذوقي ، وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية ، فينتقل ~~الأثر إلى المخ. وهذا الجهاز موجود في أول الفم ، حتى PageV24P112 # يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار به ، وبه يحس المرء المرارة ~~والحلاوة ، والبرودة والسخونة ، والحامض والملح ، واللاذع ونحوه. ويحتوي ~~اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة ، يتصل كل نتوء بالمخ بأكثر ~~من عصب ، فكم عدد الأعصاب؟ وما حجمها؟ وكيف تعمل منفردة ، وتتجمع بالإحساس ~~عند المخ» (1). # و «يتكون الجهاز العصبي الذي يسيطر على الجسم سيطرة تامة من شعيرات دقيقة ~~تمر في كافة أنحاء الجسم ، وتتصل بغيرها أكبر منها. وهذه تسمى بالجهاز ~~المركزي العصبي ، فإذا ما تأثر جزء من أجزاء الجسم ، ولو كان ذلك لتغير ~~بسيط في درجة الحرارة بالجو المحيط ، نقلت الشعيرات العصبية هذا الإحساس ~~إلى المراكز المنتشرة في الجسم ، وهذه توصل الإحساس إلى المخ حيث يمكنه أن ~~يتصرف ، وتبلغ سرعة سريان الإشارات والتنبيهات في الأعصاب 100 متر في ~~الثانية» (2). # * * * ### ||| ** إبداع عملية الهضم # «ونحن إذا نظرنا إلى الهضم على أنه عملية في معمل كيمياوي ، وإلى ms5409 الطعام ~~الذي نأكله على أنه مواد غفل ، فإننا ندرك توا أنه عملية عجيبة ، إذ تهضم ~~تقريبا كل شيء ما عدا المعدة نفسها! فأولا نضع في هذا المعمل أنواعا من ~~الطعام كمادة غفل دون أي مراعاة للمعمل نفسه ، أو تفكير في كيفية معالجة ~~كيمياء الهضم له! فنحن نأكل شرائح اللحم والكرنب والحنطة والسمك المقلي ، ~~وندفعها بأي قدر من الماء. ومن بين هذا الخليط تختار المعدة تلك الأشياء ~~التي هي ذات فائدة ، وذلك بتحطيم كل صنف من الطعام إلى أجزائه PageV24P113 # الكيمياوية دون مراعاة للفضلات ، وتعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة ~~، تصبح غذاء لمختلف الخلايا. وتختار أداة الهضم الجير والكبريت واليود ~~والحديد وكل المواد الأخرى الضرورية ، وتعنى بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية ، ~~وبإمكان إنتاج الهرمونات ، وبأن تكون جميع الحاجات الحيوية للحياة حاضرة في ~~مقادير منتظمة ومستعدة لمواجهة كل ضرورة. وهي تخزن الدهن والمواد ~~الاحتياطية الأخرى للقاء كل حالة طارئة ، مثل الجوع ، وتفعل ذلك كله ، ~~بالرغم من تفكير الإنسان أو تعليله. # إننا نصب هذه الأنواع التي لا تحصى من المواد في المعمل الكيماوي ، بصرف ~~النظر كلية تقريبا عما نتناوله ، معتمدين على ما نحسبه عملية ذاتية ~~«أوتوماتيكية» لإبقائنا على الحياة. وحين تتحلل هذه الأطعمة وتجهز من جديد ~~، تقدم باستمرار إلى كل خلية من بلايين الخلايا ، التي تبلغ من العدد أكثر ~~من عدد الجنس البشري كله على وجه الأرض ، ويجب أن يكون التوريد إلى كل خلية ~~فردية مستمرا ، وألا يورد سوى تلك المواد التي تحتاج إليها تلك الخلية ~~المعينة لتحويلها إلى عظام وأظفار ولحم وشعر وعينين وأسنان ، كما تتلقاها ~~الخلية المختصة. # فها هنا إذا معمل كيماوي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتكره ~~ذكاء الإنسان! وها هنا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه ~~العالم! ويتم كل شيء فيه بمنتهى النظام» (1). # * * * ### ||| ** معجزة خلق الذاكرة والإدراك العقلي # وتبقى للإنسان بعد ذلك قيمة حركة الإدراك العقلي الذي يجمع كل هذه PageV24P114 # الصور والإيحاءات والمقروءات ويؤلف بينها ، ويختزنها في أجهزته الصغيرة ~~ويستنتج منها أفكارا جديدة ، ومعلومات ms5410 جديدة. ويبقى للذاكرة دورها الكبير ~~في إبقاء كل هذه المفردات لتكون الخزان الذي يمد الإنسان بما يريد في حركة ~~العلم في خط الحياة الخاصة والعامة ، الأمر الذي يبعث على الدهشة ، إذ كيف ~~يمكن لهذه المنطقة الصغيرة التي لا تمثل شيئا في الحجم ، أن تختزن مثل هذه ~~المعلومات التي تنطلق من عمر الإنسان كله وتحتاج إلى ملايين الأمتار من ~~الأشرطة لتسجل عليها ، وكيف تكون عملية الإثارة التي تفتح النافذة على ذلك ~~كله عند الحاجة إليها ، ولقد صدق القائل وهو يخاطب الإنسان ويوحي بعظمة خلقه : # وتحسب أنك جرم صغير %~% وفيك انطوى العالم الأكبر # وهكذا يريد الله من الإنسان أن يكتشف ذلك كله ، ويتذكره ويعيشه ، فيتحسس ~~وجوده المادي الممتزج بالروح ، هذا الشيء الغامض الخفي الذي يتمثل في ~~الآفاق الرائعة التي تنفتح على كل المعاني الروحية التي ترفع الإنسان إلى ~~آفاق الله ، فيؤدي ذلك إلى طاعة الله والاستمرار في السير في خط منهجه الذي ~~أراد للناس أن يتخذوه منهجا لكل أوضاعهم العامة والخاصة في الحياة ، فلا ~~ينحرفون عنه اغترارا بما يفيض عليهم من نعمه ليتصوروا أنهم بمنجاة من عقابه ~~، ليتجرأوا عليه في تكذيب رسله. # * * * ### ||| ** التكذيب بالدين لا يلغي حقيقة الوحي # ( @QUR@01 كلا ) إن الله يرفض هذا الاغترار بالله الذي يدفع الإنسان إلى ~~الجرأة عليه ( @QUR@02 بل تكذبون (1) @QUR@01 بالدين ) فتلك هي مشكلتكم ~~التي تدفعكم إلى هذا الجو من اللامبالاة ، بما يلقى عليكم من وحي الله ، ~~وبما يبلغكم به رسول الله ، وبما PageV24P115 # يقودكم إليه منطق العقل السليم. إنها مسألة الاستغراق في جزئيات الحياة ~~الدنيا ، والإخلاد إلى الأرض بكل ما يعنيه ذلك من الالتزام بقيم المادة ~~والابتعاد عن قيم الروح ، واعتبار الدنيا نهاية المطاف ، مما يبعث على ~~إنكار الحساب والعقاب ، فيكون ذلك أساسا لانفتاح القلب على أحلام اللذات ~~والشهوات ، ومواقع الاستكبار الذاتي الذي يبعد الإنسان عن وعي الحق ، ~~ويمنعه من دراسة النظام الذي تتحرك حياته في خطه ، في ما يقتضيه ذلك من أدب ~~المسؤولية ، وروحية الموقف المتوازن. # إن مسألة التكذيب بالدين والتصديق به ، تمثل الحد الفاصل ، بين الحياة ~~التي ms5411 تنفتح على الله في كل معاني الخير والطهر والسلام ، وبين الحياة التي ~~تستغرق في الذات ، وتلتقي بالخط المهتز الذي لا يملك أية ضوابط للثبات ، ~~مما يجعل من قيم الحياة شيئا خاضعا لنزوات النفس ونداءات الغريزة ، بحيث ~~يكون الخير والشر خاضعين للمقياس الذاتي ، لا للمقياس الموضوعي الذي يتمثل ~~في رضوان الله وغضبه. ولكن هل يجعل ذلك لكم أساسا من الأمن؟ # وهل يكون إنكاركم ليوم الدين موجبا لإلغاء المسألة من الأساس؟ إن ذلك لا ~~ينطلق من قاعدة ، لأن التكذيب بالحقيقة لا يلغي الحقيقة ، فلا بد لكم من أن ~~تخرجوا من هذا الجو المظلم الذي وضعتكم فيه شهواتكم الذاتية ، لتعرفوا أن ~~هناك يوما للجزاء ، وأن الدنيا هي الساحة التي تتحدد فيها مواقعكم هناك ، ~~وأنكم محاسبون على كل شيء تعملونه فيها ، وأن الله يحفظ عليكم كل دقائق ~~القول والعمل. # * * * # ( @QUR@03 إن عليكم لحافظين ) # وهذا ما أراد الله تأكيده ( @QUR@03 وإن عليكم لحافظين ) يحفظون عليكم ~~أعمالكم بكل دقة ، ( @QUR@02 كراما كاتبين ) من الملائكة الذين أكرمهم الله ~~بكرامته فقربهم إليه ، وأوكل إليهم كثيرا من المهمات المتعلقة بالكون ~~والحياة PageV24P116 # والإنسان ، وأبقاهم في دائرة غيبه ومواقع سره ، وكان مما أوكله إليهم من ~~ذلك كتابة أعمال الإنسان في كل حركة حياته ، في سره وعلانيته ، فلا يغيب ~~عنهم شيء من ذلك. وهذا ما ينبغي لكم أن تعيشوا وعيه ، فهم ( @QUR@03 يعلمون ~~ما تفعلون ) من خير أو شر ، أو طاعة أو معصية. فعليكم أن تضعوا ذلك في ~~حسابكم أثناء العمل ، لتتحركوا فيه في أجواء الشعور بالمسؤولية ، والانفتاح ~~على اليوم الذي تبعثون فيه لتواجهوا نتائج المسؤولية التي يحددها الله بشكل حاسم. # * * * ### ||| ** الأبرار في رحاب جنة الله # ( @QUR@04 إن الأبرار لفي نعيم ) لأنهم عاشوا البر في الحياة ، التزاما ~~بالمنهج الإيماني الذي يدفع الإنسان إلى عمل الخير كله ورفض الشر كله ، حتى ~~يتحول ذلك بوعي الإيمان وممارسته إلى ما يشبه العادة اللازمة التي قد تكون ~~صفة من صفات الذات. فالبر العملي في حياة الناس يتحول إلى عنوان من عناوين ~~شخصياتهم ، فهم الأبرار الذين إذا رأيتهم رأيت البر ماثلا في ms5412 وجوههم ~~وكلماتهم وخطواتهم العملية في الحياة ، ومواقفهم في مواقعهم الخيرة. وهؤلاء ~~هم الذين يظلهم الله بظل رحمته يوم لا ظل إلا ظله ، وهم الذين يجعلهم في ~~مواقع نعمته في رحاب جنته التي وعد الله بها عباده الأبرار المتقين. # * * * ### ||| ** الفجار المستكبرون جزاؤهم الجحيم # ( @QUR@04 وإن الفجار لفي جحيم ) لأنهم التزموا خط الفجور الذي يبغضه ~~الله ، سواء في ذلك الفجور في العقيدة المتمثل في الإنكار من غير فكر ولا ~~حجة ، القائم على الاستكبار الذاتي الذي يمنع الإنسان من مواجهة القضايا ~~المطروحة لديه PageV24P117 # بمسؤولية ، أو الفجور في العمل ، المتمثل في التمرد على أوامر الله ~~ونواهيه. وهذا هو الجزاء الذي يتناسب مع هذا العمل الذي يلتقي مع سخط الله ~~على أصحابه ، مما يجعلهم بعيدين عن مواقع رحمته ، وقريبين إلى مواقع غضبه ~~في ساحة الجحيم ، ( @QUR@03 يصلونها يوم الدين ) فيحترقون بنارها ، ~~ويتقلبون في عذابها ( @QUR@04 وما هم عنها بغائبين ) فهم حاضرون لديها ~~دائما فلا يخرجون منها في أي حال. # * * * ### ||| ** لا تغفلوا عن يوم الدين # ( @QUR@05 وما أدراك ما يوم الدين ) في طبيعته وهو له وشدته ودقة الموقف ~~ووضوح الأمور فيه ، وانكشاف السرائر في ساحته ، وتناثر المقامات فيه ، ~~وتصاغر كل عظمة لأي عظيم في الدنيا لديه ، إلا الذي كانت عظمته مستمدة من الله. # ( @QUR@06 ثم ما أدراك ما يوم الدين ) فهل تتصور النتائج الكبيرة الحاسمة ~~المتصلة بمصيرك؟ وهل تعرف كيف يضغط عليك تاريخك ليحدد لك مواقعك هناك؟ ربما ~~كنت في غفلة مطبقة على عقلك ، في ما تعيشه من جو الاستهانة به ، فقد تفكر ~~أن وضعك في الآخرة هو وضعك في الدنيا ، وأن مراكز القوة في يوم الدين هي ~~مراكز القوة في الحياة الدنيا ، ولكنك تعيش في وهم كبير وغفلة عظيمة ، فإن ~~هذا اليوم هو يوم الله ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى عميق وواقعي ، وفي ~~سيطرته على الأمر كله. # ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) فليس هناك قوة ~~لأي شخص ، وليست هناك رابطة ذاتية تربط بين الأشياء في مسائل النفع الذي ~~ينتظره الناس من بعضهم البعض ، في ما ms5413 يملكونه من أسباب وأوضاع يستطيعون ~~تقديمها إليهم ، فالأمر كله لله ، فمن كان يريد الحصول على أي شيء هناك ، ~~فليوثق علاقته بالله ، فإنه المهيمن على كل شيء هنا وهناك ، فلا شيء لغيره ~~، أيا كانت قيمته أو درجته أو مقامه. # * * * PageV24P118 ### | سورة المطففين ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ست وثلاثون PageV24P119 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة ، التي يمكن أن تكون مكية من خلال الطبيعة العامة للسياق ~~الذي يتحدث عن الضوضاء التي كان يثيرها المشركون حول اليوم الآخر وحول ~~المؤمنين ، مما ينسجم مع الأجواء المكية ، ولكن هناك رواية رواها القمي في ~~تفسيره عن أبي الجارود عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال : ~~«نزلت ، يعني سورة المطففين ، على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم ~~المدينة ، وهم يومئذ أسوأ الناس كيلا ، فأحسنوا الكيل ..» (1). # لا نجد مانعا من أن تعالج السور المدنية مثل هذه المواضيع ، لا سيما إذا ~~كان الحديث عنها متصلا بالحديث عن أمر يتعلق بالحياة الاقتصادية للناس ، ~~كالتطفيف الذي توعد الله العاملين به أن يدخلهم في جهنم. ثم يدور الحديث ~~التفصيلي بالمناسبة عن تفاصيل النتائج السلبية أو الإيجابية في اليوم الآخر ~~، كما نلاحظه في هذه السورة التي أثارت الموضوع من الناحية العامة ، PageV24P121 # ثم تعرضت في نهايتها للنتائج العكسية لسلوك المجرمين في الدنيا في ~~سخريتهم بالمؤمنين ، فإذا بالمؤمنين في الآخرة يسخرون من الكفار على ما ~~أوقعوا به أنفسهم في الآخرة. # * * * PageV24P122 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 ويل للمطففين (1) @QUR@06 الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ~~(2) @QUR@05 وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) @QUR@05 ألا يظن أولئك أنهم ~~مبعوثون (4) @QUR@02 ليوم عظيم (5) @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب العالمين ~~(6) @QUR@06 كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) @QUR@04 وما أدراك ما سجين ~~(8) @QUR@02 كتاب مرقوم (9) @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين (10) @QUR@04 الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) @QUR@07 وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) @QUR@07 ~~إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) @QUR@08 كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) @QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ~~@QUR@04 ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) @QUR@07 ثم يقال هذا الذي كنتم به ~~تكذبون (17) @QUR@06 كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ms5414 (18) @QUR@04 وما أدراك ~~ما عليون (19) @QUR@02 كتاب مرقوم (20) @QUR@02 يشهده المقربون ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@02 ويل للمطففين ): التطفيف : نقص المكيال ، والمطففون : الذين ~~ينقصون المكيال والميزان. PageV24P123 # ( @QUR@01 اكتالوا ): الاكتيال : الأخذ بالكيل. # ( @QUR@01 يخسرون ): ينقصون. # ( @QUR@01 سجين ): شديد. وهو هنا اسم كتابهم. # ( @QUR@01 مرقوم ): مسطور بين الكتابة. # ( @QUR@01 ران ): غلب. # ( @QUR@01 عليين ): علو على علو مضاعف ، أي مراتب عالية. # * * * ### ||| ** الوعيد لأهل التطفيف # ( @QUR@02 ويل للمطففين ) هذه هي صورة هؤلاء الذين يخلون بالخط المتوازن ~~للتعامل الاقتصادي بين الناس ، القائم على أساس العدل في المعاملة ، الذي ~~يؤكد للإنسان أن له حقا وللناس حقوقا ، فعليه أن يأخذ حقه منهم دون زيادة ، ~~وأن يعطيهم حقهم دون نقصان ، ليتوازن الواقع في ذلك ، فلا يطغى جانب على ~~جانب ، لئلا يؤدي الانحراف عن هذا الخط إلى إثارة البغضاء بين الناس من ~~خلال شعور المظلومين منهم بالحرمان من حقوقهم المشروعة ، لا سيما إذا كانوا ~~لا يملكون القوة الاقتصادية المسيطرة على الواقع ، مما يجعل من معارضتهم ~~مشكلة كبيرة قد توقع المستضعفين في الخسارة الكبيرة من جانب آخر. # وهذا الخط الرافض للتطفيف هو جزء من الخط الإسلامي العام ، الذي يؤكد على ~~المبدأ القائل : عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ، و «أحبب لغيرك ما تحب ~~لنفسك ، واكره له ما تكره لها» (1). ليكون الإنسان المسلم في PageV24P124 # خلقه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، إنسان العدالة الذي يفكر في الواقع ~~من خلال المبدأ لا من خلال الذات ، فيربي ذاته على أساس التوازن في ~~العلاقات والمعاملات بينه وبين الناس. # * * * ### ||| ** التطفيف في خط المسألة الاقتصادية # وإذا كانت هذه السورة مكية ، فإنها تمثل الانفتاح الإسلامي على المسألة ~~الاقتصادية في بعض مفرداتها ، بشكل مبكر ، كما تمثل التحدي للواقع ~~الاستكباري الذي كان يتمثل في سلوك الطبقة المترفة من قريش ، المسيطرة على ~~التجارة العامة للمنطقة ، حيث كانت تستغل هذه القوة الاحتكارية في سبيل ظلم ~~الناس حقوقهم بهذه الطريقة. # وربما كان هذا الاتجاه في المواجهة الحادة للواقع الاقتصادي المنحرف ، هو ~~الذي زاد في الهجمة القرشية على النبي في أواخر إقامته بمكة في تفكيرهم ~~بقتله أو حبسه أو إخراجه من مكة ، لأنهم قد يصبرون على هجومه على ms5415 الأصنام ~~التي يعبدونها من خلال خطه التوحيدي ، على أساس أن عقليتهم الدينية في ~~إشراكهم بالله في العبادة قد تمثل حالة تقليدية يمكن أن يتساهلوا فيها في ~~ما يواجهها من تحديات ، ولكنهم لا يصبرون على هجومه على أوضاعهم الاقتصادية ~~في معاملاتهم التجارية ، لأن ذلك في تطلعاته الإصلاحية المستقبلية المتطورة ~~قد ينسف الأساس العملي لمصالحهم المادية ، وهذا مما لا يمكن لهم أن يقروه ، ~~لأن قوتهم في المنطقة قائمة على الاقتصاد الاحتكاري. # والتطفيف من الوجهة الإسلامية القرآنية ليس مجرد عمل محرم يستوجب فاعله ~~العقاب ، بل هو عمل إجرامي يمثل نوعا من السرقة وأكل PageV24P125 # المال بالباطل ، مما يجعل نتائجه الوضعية تفرض رفض ملكية المطفف للزيادة ~~التي أخذها لحسابه ، لأن الإسلام لا يمنح أية شرعية لهذا السبب التعاملي ~~للملكية ، لأن ذلك منحصر بالتجارة عن تراض. ولهذا لا تكون التوبة عن هذا ~~الذنب موجبة لزوال المسؤولية ، بل لا بد من إرجاع الزيادة إلى أصحابها ~~بطريقة أو بأخرى. # وقد أثار بعض المفسرين الحديث حول عدم ذكر الاتزان من الوزن مع الاكتيال ~~في الآية الثانية ، مع أنه ذكر الوزن في الآية الثالثة ، وتساءل عن سر ذلك ~~، لأنه لو كانت القضية مجرد مثال يطرح المسألة من خلال النموذج الذي يدل ~~على الآخر ، لكان ذلك مقتضيا لعدم ذكر الوزن في الآية الثالثة. # تحدث صاحب الميزان عن ذلك ، في ما نقله عن البعض قال : «قيل : لأن ~~المطففين كانوا باعة ، وهم كانوا في الأغلب يشترون الكثير من الحبوب ~~والبقول ونحوهما من الأمتعة ثم يكسبون بها ، فيبيعونها يسيرا يسيرا تدريجا ~~، وكان دأبهم في الكثير من هذه الأمتعة أن يؤخذ ويعطى بالكيل لا بالوزن ، ~~فذكر الاكتيال وحده في الآية مبني على الغالب» (1). # وهكذا أكدت السورة على الدعاء عليهم بالويل الذي يوحي بالهول الذي ينتظر ~~هؤلاء مما لا يدركون كنهه ، لأنهم يعيثون في الأرض فسادا ويبخسون الناس ~~أشياءهم ، في ما ألمحنا إليه من النتائج السيئة المنطلقة من العقلية ~~الأنانية التي تدفع الإنسان إلى أن يفكر بنفسه ، ولو على حساب غيره ، ~~فيراعي حقه ولا يراعي حق ms5416 غيره ، فيظلم الناس في الموقع الذي يرفض فيه أن ~~يظلموه. # * * * PageV24P126 ### ||| ** يوم القيامة لله تعالى # ( @QUR@07 ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون* ليوم عظيم ) ألا يطوف في أذهانهم ~~أن هناك يوما # يحاسبون فيه على هذه الجريمة الاقتصادية ، لينالوا جزاءها بشكل حاسم ، لا ~~يستطيعون دفعه عن أنفسهم؟! فإذا كانوا غير متيقنين من ذلك ، فإنهم يرجحونه ~~على الأقل ، الأمر الذي يوجب عليهم الاحتياط والحذر عقلا ، لأن من شأن ~~العقل في هذه الحالة أن يدفع الإنسان إلى الاحتراس من الضرر المحتمل. # ( @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب العالمين ) الذي يملك السيطرة المطلقة على ~~القيامة كلها ، كما يملكها على الدنيا كلها ، فلا سيطرة لغيره ليخلصهم من ~~عذاب الله. وهو الحكم العدل الذي يعطي المظلوم حقه ، مهما كان ضعيفا ، ~~ومهما كان الظالم قويا. # ( @QUR@01 كلا ) إنه الرفض للتطفيف ، ولهذه الغفلة المطبقة على عقولهم ، ~~ولهذه الاستهانة بالموقف العظيم بين يدي الله ، فهناك الحقيقة الواضحة التي ~~تفرض نفسها عليهم. # * * * ### ||| ** لكل أمر تقواه وفجوره # ( @QUR@05 إن كتاب الفجار لفي سجين ) إنهم يمارسون الفجور ، ولكنه ليس ~~فجور الجنس ، إنما فجور المعاملة ، فلكل عمل في الحياة تقواه وفجوره ، لأن ~~التقوى تمثل الالتزام بحدود الله ، كما أن الفجور يمثل تجاوز هذه الحدود ، ~~الأمر الذي يؤدي إلى الوقوع في الإثم أو المعصية. وهناك كتابهم الذي يحصي PageV24P127 # أعمالهم بكل دقة ، ويقول القرآن عنه : إنه سجين ، ثم يطرح السؤال ~~بالطريقة القرآنية المعهودة التي توحي بالتهويل ، إمعانا في الإثارة : # ( @QUR@04 وما أدراك ما سجين ) هذه الكلمة التي توحي بالسجن في الأسلوب ~~الذي يوحي بالتهويل ، ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) يجمع أعمال الفجار كلها ~~ويثبتها بحيث لا يفوته شيء منها. # وربما استوحى بعض المفسرين من المقابلة بين «عليين» التي تمثل الدرجة ~~الرفيعة وبين «سجين» ، أن هذه الكلمة تمثل الدرجة السفلى ، فيكون التعبير ~~بهذه الكلمة عن الكتاب باعتبار مضمونه الذي يؤدي بالإنسان إلى أقصى درجة من ~~الانحطاط في ما هي قضية المصير في الآخرة ، وهو أمر معقول ، والله العالم. # وقد نحتاج إلى التأكيد على ملاحظة تعبيرية ، وهي أن الآيات اعتبرت أن ~~كتاب الأبرار لفي سجين ، ثم ذكرت أن ms5417 سجين كتاب مرقوم ، فكيف يكون الكتاب ~~ظرفا للكتاب؟ وأجاب صاحب الميزان بأنه «لا ضير في لزوم كون الكتاب ظرفا ~~للكتاب على هذا المعنى ، لأن ذلك من ظرفية الكل للجزء ، وهي مما لا ضير فيه ~~، فيكون سجين كتابا جامعا فيه ما قضي على الفجار وغيرهم من مستحقي العذاب» (1). # وإذا كنا قد احتملنا أن تكون كلمة سجين تعبيرا عن الدرجة السفلى ، فلا ~~إشكال إلا من جهة اللفظ. # * * * # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) # ( @QUR@03 ويل يومئذ للمكذبين ) الذين يستحقون هذا الدعاء الموحي ~~بالكارثة المصيرية المعبرة عن هلاك ( @QUR@04 الذين يكذبون بيوم الدين ) في ~~ما يثيرونه في أقوالهم ، PageV24P128 # وفي ما يجسدونه في أفعالهم ، فيشمل التكذيب القولي والتكذيب العملي ~~المتمثل بالعمل ، من دون اعتبار لليوم الآخر. # ( @QUR@07 وما يكذب به إلا كل معتد أثيم ) من الذين يحملون في أنفسهم ~~نزعة العدوان ، ويعيشون في حياتهم حركة الإثم والمعصية ، ويعتبرون ذلك خطا ~~للحياة ، على مستوى الفكر والسلوك ، فيمنعهم ذلك من التركيز على مواجهة ~~العقيدة بمنطق المسؤولية ، في ما هو الفكر والحوار ، فيدفعهم ذلك إلى ~~التكذيب من دون حجة. وهذا ما توحي به الآية الكريمة : ( @QUR@013 ثم كان ~~عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن ) [الروم : 10]. # وهذا مما نستوحي منه قاعدة جديدة في مسألة الاستقامة والانحراف ، وهي أن ~~الانحراف العملي قد يؤدي إلى الانحراف العقيدي ، كما يقود الانحراف العقيدي ~~إلى الانحراف في العمل. # * * * # ( @QUR@07 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) # ( @QUR@07 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) في ما توحي به كلمة ~~الأساطير من معنى الأباطيل ، لأن الأسطورة تمثل القصة الخرافية التي لا ~~تلتقي بالحقيقة الموضوعية في الواقع. ولكن كيف يمكن أن يثبتوا ذلك ، فما هي ~~ملامح الأسطورة ، وما هي طبيعتها؟ وما هي ملامح الحقيقة ، وما هي طبيعتها؟ ~~هل تكفي الكلمة الطائرة الطائشة لتنفي فكرة أو تثبت أخرى ، أم لا بد من ~~الحوار القائم على دراسة المضمون الفكري للكلمات المطروحة ومدى خضوعه ~~للأدلة العلمية والعقلية التي يمكن أن تكون الميزان في التقييم بين ما هي ~~الحقيقة وما هي الأسطورة؟ ولكن ms5418 مشكلة هؤلاء ، كما هي مشكلة أمثالهم ، أنهم ~~يخططون لمحاربة الإسلام بالكلمات اللاذعة المثيرة التي تشوه الصورة ، PageV24P129 # من دون أن يفسحوا المجال للرد ، أو للحوار ، فيعقدون الموقف أمام الدعوة ~~للفكر وللحوار ، لأن المسألة تكمن في كونهم لا يبحثون عن الحقيقة ، بل على ~~العكس من ذلك ، يضعون الحواجز أمامها بوسائلهم الخاصة عن سابق عمد وتصميم. # * * * ### ||| ** إثارة الكلمات الحاقدة لإخضاع المسلمين العاملين # وهذا ما ابتلي به الأنبياء في كل تاريخهم. وهذا ما يعيشه المسلمون في ~~مواجهتهم للتحديات الكبيرة من خلال الحرب الإعلامية التي تشنها عليهم أجهزة ~~الكفر والاستكبار في نطاق الحرب النفسية التي تعمل على إسقاط معنوياتهم ~~وهزيمة مواقفهم ، في ما تطلقه عليهم من الكلمات القاسية التي تعمل على ~~الإيحاء للناس بانطباعات سيئة حولهم ، كما في كلمات : «الرجعية ، والخرافة ~~، والتطرف ، والقوى الظلامية» ، وما إلى ذلك من الكلمات الحاقدة ، التي لا ~~تستهدف إلا الإثارة بعيدا عما هو الحق والباطل في ذلك. وقد يكون من الضروري ~~أن لا يخضع العاملون في سبيل الله والمؤمنون بالإسلام على خط الالتزام ، ~~للانفعالات السلبية الحاصلة من ذلك ، بل عليهم أن يعملوا على درس عمق الحق ~~في خطهم ليصدقوا به من موقع القناعة ، وليثقوا بأنفسهم من خلال القوة ~~الداخلية بعيدا عن كل ضعف مما يثيره أمثال هذا المكذب بيوم الدين الذي يقول ~~عن الآيات إنها أساطير الأولين. # * * * ### ||| ** الصدأ يطفو على قلب العاصي المسيء # ( @QUR@01 كلا ) فليست القضية هي ما يثيرونه من كلمات في ما توحيه هذه ~~اللفظة من المعاني الرافضة للإيمان ، باعتبار أنها تمثل خط الصواب ( ~~@QUR@03 بل ران على PageV24P130 # @QUR@04 قلوبهم ما كانوا يكسبون ) فإن العمل السيئ الذي يكسبه الإنسان ~~بسوء اختياره ، قد يترك تأثيرا سلبيا على قلبه وعقله ، فيمنعه من وضوح ~~الرؤية كما هو الغشاء الذي يحدث للعين فيمنعها من الإبصار. وهذا ما توحيه ~~كلمة الرين ، وهو عبارة عن الصدأ الذي يعلو الشيء ، فكأن المعصية تتحول إلى ~~صدأ يطفو على القلب ، فلا يستطيع معرفة الخير والشر ، في ما تثيره من ~~مفاهيم ضبابية تمنع العقل من الانفتاح على حقيقة الأمور ، وقد ورد ms5419 في أصول ~~الكافي ، قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذاكروا وتلاقوا ~~وتحدثوا ، فإن الحديث جلاء للقلوب ، إن القلوب لترين كما يرين السيف ، ~~وجلاؤها الحديث» (1). # وقد جاء في الحديث المعروف عنه : «أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، قيل ~~: يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال : قراءة القرآن وذكر الموت» (2). # وقد جاء في أصول الكافي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ~~عليه السلام قال : «ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنبا ، ~~خرج في النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب ~~، زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض ، فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى ~~خير أبدا وهو قول الله عز وجل : ( @QUR@08 كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون ) (3). # وروى في الدر المنثور هذا المعنى عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (4). # وقد جاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان أبي عليه السلام يقول : ما شيء PageV24P131 # أفسد للقلب من الخطيئة ، إن القلب ليواقع الخطيئة ، فما تزال به حتى تغلب ~~عليه ، فيصير أسفله أعلاه وأعلاه أسفله (1). وكما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : إن العبد كلما أذنب حصل في قلبه نكتة سوداء ، حتى ~~يسود قلبه ، والرين : الصدأ (2). # وفي ضوء ذلك ، نفهم أن السلوك العملي السلبي يترك تأثيراته السلبية على ~~منطقة الوعي الفكري والروحي ، من خلال الضغط الشعوري الخفي الذي تثيره ~~الخطايا ، في خصائصها الخبيثة ، في روح الإنسان ، بحيث يتجه ، في منطلقاته ~~، إلى أفكار ومشاعر تتناسب مع طبيعتها ، بينما نجد السلوك العملي الإيجابي ~~، يترك تأثيراته الإيجابية بالمستوى نفسه ، ولكن في الاتجاه الآخر. ولعل ~~هذا ما جعل التأكيد القرآني على تلازم الإيمان والعمل الصالح كقاعدة للفلاح ~~، كما جعل العمل السيئ ملازما للكفر والضلال. # * * * ### ||| ** العمل الطيب يقود إلى الفكر الطيب # وربما كان في ذلك بعض الإيحاء بضرورة اعتبار التربية العملية في أجواء ~~الأفعال الطيبة وسيلة من وسائل الوصول إلى إيمان ms5420 الشخص ، باعتبار أن العمل ~~الطيب يقود إلى الفكر الطيب الذي يلتقي بالإيمان ، كما أن العمل الخبيث ~~يقود إلى الفكر الخبيث الذي يلتقي بالكفر والضلال. PageV24P132 # ولعل هذا هو السبب في أن أجهزة الكفر والاستكبار تعمل على إفساد الأخلاق ~~العامة للناس في مواقع المستضعفين والمسلمين ، لتبعدهم بذلك عن الالتزام ~~الفكري أو الروحي بالخط الإيماني ، وذلك يؤدي إلى الخلل الكبير في الشخصية ~~، والانحلال العميق في عناصر التوازن فيها ، مما تكون النتيجة فيه وصول ~~مسألة الإيمان في داخلها إلى شيء يوحي باللامبالاة وباللامعنى ، ليذوب ~~نهائيا ، بفعل المؤثرات الشعورية المضادة في أكثر من صعيد. # * * * ### ||| ** الذنوب تبعد الإنسان عن رحمة الله # ( @QUR@07 بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) وهذا رفض للواقع الفكري ~~والروحي الذي يسيطر على عقولهم بما يشبه الحاجز عن الإيمان ( @QUR@06 كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) لأن الذنوب العقيدية والعملية تبعد الإنسان ~~عن الله بما تثيره من غضب الله عليه ، فيطرده الله عن رحمته ، ويمنعه ، ~~بذلك ، عن الانفتاح عليه ، حتى ليحس بأن هناك حاجزا بينه وبين الله ، يشبه ~~الظلمة التي تمنع الرؤية ، والكدر الذي يمنع الصفاء. # ( @QUR@04 ثم إنهم لصالوا الجحيم ) في كل عذابها اللاهب وذلها المرير ~~وحزنها الكبير ( @QUR@07 ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) في كلمة حاسمة ~~تمثل صدمة الحقيقة في ضغطها القاسي على وجودهم المستكبر الذي كان يتبجح ~~بإنكارها استهزاء وخيلاء ، ها هي في مضمونها القاطع الذي تسري ناره في ~~أجسادكم ، نارا أو لهبا ، فهل تنكرونها الآن ، كما كنتم تنكرونها من قبل؟ ~~وهل تملكون الجواب؟ # * * * PageV24P133 ### ||| ** عمل الأبرار في عليين # ( @QUR@01 كلا ) ليست المسألة كما تتصورون في احتقار مستقبل الأبرار ~~المؤمنين من خلال احتقاركم لموقعهم الاجتماعي ، في نظرتكم الاستعلائية ~~إليهم على أساس واقع الاستكبار الذي كنتم ترون فيه ذروة التحدي للآخرين. # ( @QUR@05 إن كتاب الأبرار لفي عليين ) لأن طبيعة البر في معناها المطلق ~~تمثل الطاعة لله في فعل الخير كله ، لتلتقي بما توحي به كلمة «عليين» في ~~الحصول على درجة العلو والرفعة لديه. وإذا كان الكتاب يعبر عن مضمون العمل ~~، في تاريخ الناس الحركي في ms5421 الدنيا ، فإن «عليين» تمثل الدرجة الرفيعة التي ~~يصعد إليها هؤلاء في الآخرة ، وكأن الكلمة غريبة عن مسامعهم في ما يمكن أن ~~يكونوا بعيدين عن استعمالها في عرفهم ، فجاء السؤال للتهويل والتفخيم : ( ~~@QUR@04 وما أدراك ما عليون ) هل تعرف معناه؟ فهو المعنى الذي لا يعيه ~~الكثيرون من الناس لبعدهم عن آفاقه الروحية ، لأنه يتصل بالمعنى الذي يلتقي ~~بالله ، فهو ( @QUR@02 كتاب مرقوم ) يسجل كل أعمال الناس الخيرة ، ويضم كل ~~درجاتهم الرفيعة. # ( @QUR@02 يشهده المقربون ) من الملائكة الذين يعيشون الطهر والخير ~~والعلو والرفعة في درجات القرب من الله تعالى. ولهذا ، فإنهم يرون هذا ~~الكتاب ، الذي يمثل العمل الرفيع والدرجة الكبيرة لهؤلاء العاملين الطائعين ~~الذين ارتفعوا إلى مقام القرب من الله ، وعاشوا مع المقربين إليه. # * * * PageV24P134 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 إن الأبرار لفي نعيم (22) @QUR@03 على الأرائك ينظرون (23) ~~@QUR@05 تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) @QUR@04 يسقون من رحيق مختوم (25) ~~@QUR@06 ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) @QUR@03 ومزاجه من ~~تسنيم (27) @QUR@04 عينا يشرب بها المقربون ) (28) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الأرائك ): الأريكة : السرير. # ( @QUR@01 نضرة ): النضرة : الحسن والرونق. # ( @QUR@01 رحيق ): الرحيق : الشراب الذي لا غش فيه. # ( @QUR@01 تسنيم ): عين ماء يجري من علو إلى أسفل. # * * * ### ||| ** ما ينتظر أهل التقوى من جوائز # ( @QUR@04 إن الأبرار لفي نعيم ) في ما أعطاهم الله من فضله ومنحهم من ~~كرامته ، وأفاض عليهم من لطفه ورحمته ، في مقابل الجحيم الذي ينتهي إليه ~~مصير الفجار. ( @QUR@02 على الأرائك ) وهي أسرة في الحجال كما يقال ( ~~@QUR@01 ينظرون ) في راحة PageV24P135 # واسترخاء ، فلا تطوف بهم ، في آفاقهم ، أفكار الذل ، ليغضوا أبصارهم ~~أمامها ، ولا تشغلهم المتاعب عن الانفتاح على كل الأجواء الجميلة التي تحيط بهم. # وهكذا توحي هذه الجلسة الاسترخائية بعمق النعيم الذي يعيشونه في شعورهم ~~بالأنس والبشر والانطلاق ، بالرغم من المظاهر المادية المحدودة للنعيم ، ~~فيبدو على وجوههم في الحيوية الدافقة التي توحي بالنضارة والسرور. # * * * ### ||| ** شراب أهل الجنة # ( @QUR@05 تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) فلا تغيب عن كل الذين ينظرون ~~إليها لوضوحها من خلال تدفق الدم في وجوههم ، وفيضان الحيوية في ملامحهم. # ( @QUR@04 يسقون من رحيق مختوم ) وهو الشراب الخالص المصفى ، الذي لا غش ~~فيه ولا كدر ، أما ms5422 كلمة «مختوم» ، فإنها توحي بالصيانة ، فلا يمسها أحد ، ~~ليضع فيها أي شيء يسيء إلى المذاق أو الصحة ، فهي مختومة مغلقة لا تفتح إلا ~~عند الشراب ( @QUR@02 ختامه مسك ) وإذا كان الختم من المسك ، فإن إيحاءه ~~يعني الرائحة الطيبة التي تضيف إلى مذاقه الطيب عطرا ينعش الروح. ( @QUR@04 ~~وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) في الحصول عليه من خلال الإيمان والعمل ~~الصالح. وقد يوحي هذا التعبير ، بأن طبيعة هذا النعيم لا ينطلق من الطبيعة ~~المادية المتمثلة في ذاته ، بل من الطبيعة الروحية التي تضفي على هذا ~~الشراب لونا من السعادة التي لا يعرفها الناس. # ( @QUR@03 ومزاجه من تسنيم ) في ما يمزج به الشراب من الماء كما يفعل ~~الذين يمزجون الخمر بالماء ليخففوا من ثقل تأثيره. ( @QUR@04 عينا يشرب بها ~~المقربون ) أي من هذه العين التي يشرب بها عباد الله المقربون في ما يوحي ~~به ذلك من الطهر والنقاء الذي يتناسب مع أرواح هؤلاء المنفتحة على إشراقة ~~النور الطاهر لدى الله. # * * * PageV24P136 # ( @QUR@04 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) # وهذا هو المصير المشرق الذي يدعو إليه الله عباده إذا أخذوا بأسباب البر ~~التي تمثل مواقع رحمته ، وآفاق رضاه ، ليتنافسوا في الحصول عليه عند ما ~~يشتد التنافس في ساحة الصراع فيمن يتقدم على الآخر ، وفيمن يملك الموقع ~~المميز ، لأنه يمثل سر الخلاص النهائي ودرجة الفوز الكبير. أما التنافس في ~~الحصول على أسباب التقدم في الدنيا ، في ما يحصل عليه الناس من شهوات ولذات ~~وأطماع ومواقع للجاه وللسيطرة ، فلا تمثل الهدف الكبير الذي ينبغي لهم أن ~~يستهدفوه ، لأن ذلك ، مهما كان كبيرا وخطيرا ، فإنه يمثل المتاع الزائل ~~الذي سيفارقه الإنسان في حياته أو عند مماته ، فيكون الجهد فيه جهدا ضائعا ~~إلا إذا ارتبط ذلك بالهدف الأسمى في الحصول على رضى الله في بناء الحياة ~~على الصورة التي يحبها الله في ساحة المسؤولية العامة. # إن الإنسان المؤمن ، يتطلع في كل أعماله وأقواله وعلاقاته إلى الحصول على ~~رضى الله ، وإذا كان يفكر بالنعيم فإنه يفكر به باعتباره مظهرا لرضاه تعالى ~~، أما الفجار ، فإنهم يفكرون بالربح السريع ms5423 الذي يتحرك في حجم اللحظة ، ~~بعيدا عن الامتداد في خط الخلود ، ولذلك فإنهم يستغرقون في الأرض ، ويخلدون ~~إليها ، ولا يتطلعون إلى ثواب الله ونعيمه ، ولا يخافون من عقابه وجحيمه ، ~~مما يدفع بهم إلى غش الناس ، وغمط حقوقهم ، وإسقاط القيم الروحية من حساب ~~السلوك والعلاقات العامة. وهذا هو الذي يؤثر تأثيرا سلبيا على طبيعة الخط ~~العملي الذي ينتهجونه في حياتهم ، ليتحول إلى جريمة فكرية في ما يمارسونه ~~من الأخذ بأسباب الانحراف الفكري أو إلى جريمة عملية في ما يأخذون به من ~~أسباب الضلال العملي. كما يؤثر على روحية التنافس لديهم ، فليست القضية ~~قضية التطلع إلى الآفاق العليا المتصلة بالله وبمواقع رضاه ، بل القضية ~~قضية الاختناق في سجن الذات وفي حاجاتها الحسية ، وفي آفاقها الضيقة ، ~~بعيدا عن المصلحة النهائية في حياتهم عند الله .. # * * * PageV24P137 ### ||| * الآيات # ( @QUR@08 إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) @QUR@04 ~~وإذا مروا بهم يتغامزون (30) @QUR@06 وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ~~(31) @QUR@06 وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) @QUR@04 وما أرسلوا ~~عليهم حافظين (33) @QUR@06 فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) ~~@QUR@03 على الأرائك ينظرون (35) @QUR@06 هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ) (36) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يتغامزون ): التغامز : إشارة بعضهم الى بعض بالأعين استهزاء ~~وطلبا للعيب. يقال : غمز بجفنه : إذا أشار. # ( @QUR@01 فكهين ): الفاكهون : اللاهون. والفكه : المرح البطر ، ~~والفكاهة : المزاح. # ( @QUR@01 ثوب ): الثواب : أصله من الرجوع ، وثاب عليه عقله : إذا رجع. # * * * PageV24P138 ### ||| ** الكفار كانوا يستهزئون بالمؤمنين # وهذه صورة مثيرة من صور السلوك الإجرامي الذي يتحرك فيه المجرمون في ~~طريقة تعاملهم مع المؤمنين ونظرتهم إليهم في ما كانوا يحركونه من وسائل ~~الاستهزاء والاحتقار ، ليدفعوهم إلى السقوط والانسحاب من ساحة الدعوة إلى ~~الله والجهاد في سبيله ، كجزء من الحرب النفسية التي يشنونها على الإسلام .. # ( @QUR@03 إن الذين أجرموا ) من الكفار الذين جسدوا جريمة الكفر في ~~عقولهم وانتماءاتهم ، وعاشوا مسئولية الدعوة إليه ، والوقوف أمام كل دعوة ~~للإيمان بالله ، فكانت الجريمة مزدوجة من خلال ما عاشوه في أنفسهم ، وما ~~اعتدوا به على غيرهم في إقامة الحواجز بينهم وبين الإيمان ، أو في منع ~~المؤمنين من حرية الحركة في ms5424 الانتماء والدعوة ، والعمل على اضطهادهم بمختلف ~~الوسائل التي يملكونها في ذلك الاتجاه ، ومنها أنهم ( @QUR@05 كانوا من ~~الذين آمنوا يضحكون ) كأسلوب من أساليب السخرية منهم والاستهزاء بهم ، في ~~ما كانوا يلتقون به من مفردات حياتهم ، كمادة لإثارة الضحك منهم على أساس ~~الأوضاع الاجتماعية التي كانت في مستوى القيمة الطبقية لديهم ، فإذا شاهدوا ~~فقر المؤمنين وبؤسهم ، في ما يأكلون أو يلبسون أو يتقلبون به من قضايا ~~المعيشة والحياة ، اتخذوا من ذلك سببا للقهقهات الساخرة اللاذعة ، وإذا ~~رأوا ما عليه المؤمنون من الضعف ، لأنهم لا يملكون السلاح الذي يدافعون به ~~عن أنفسهم ، أو القوة الاجتماعية التي تمنعهم من العدوان عليهم ، وإذا ~~نظروا إلى الجدية في مواقفهم ، والترفع عن مواجهة السفهاء بالسفه ، اتخذوا ~~من ذلك مادة للسخرية والفكاهة ، سواء بالكلمات الضاحكة ، أم بالتصرفات ~~العابثة التي تنالهم بالأذى ، أم بغير ذلك مما يضحكون منه ، فيواجههم ~~المؤمنون بالصبر الواعي PageV24P139 # الذي لا يسقط في ضغوط الحاضر بل يتطلع إلى انفتاحات المستقبل. # ( @QUR@04 وإذا مروا بهم يتغامزون ) فيغمز كل واحد منهم لصاحبه بعينه ~~ليشير إلى بعض أوضاع المؤمنين التي يستشيرون فيها السخرية ، ليضغطوا على ~~مشاعرهم ويدفعوهم إلى الارتباك والتعقيد والخجل. # ( @QUR@06 وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ) وهكذا يرجعون إلى ~~أهلهم بعد كل هذه الوضاعة النفسية ، والحقارة الروحية ، والسقوط الأخلاقي ، ~~وهم راضون عن ذلك كله ، مرتاحون إلى مواقفهم ، مبتهجون بما فعلوه ، فرحون ~~بالنتائج التي وصلوا إليها ، وهم يتحدثون حديث تفكه وأنس وحبور ، لا يشعرون ~~بأي لون من ألوان تأنيب الضمير. # ( @QUR@06 وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ) لأنهم يرون في ذهنيتهم ~~المنحرفة أن الكفر يمثل خط الهدى ، وأن الإيمان يمثل خط الضلال ، من دون ~~وعي فكري أو روحي للخط الأصيل للاستقامة ، فيخيل إليهم أنهم على حق ، وأن ~~المؤمنين على باطل ، وهذا هو العجب العجاب ، أن يتحدث الفجار عن المؤمنين ~~بأنهم على ضلال. # * * * ### ||| ** لا سلطة للكفار # ( @QUR@04 وما أرسلوا عليهم حافظين ) من الذي أعطى هؤلاء المجرمين صلاحية ~~إصدار الأحكام على المؤمنين؟ وما ذا يملكون من الحق الذي يبرر لهم هذه ~~النظرات؟ ومن هم ms5425 في التقييم الإنساني ، ليجعلوا من أنفسهم قيمين على الناس ~~، وعلى المؤمنين بالذات؟ # إن الله وحده هو الذي يملك السلطة كلها ، وهو الذي يسلط بعض عباده على ~~بعض ، في ما يراه من صلاحهم في ذلك كله. فهل أرسلهم الله PageV24P140 # عليهم حافظين ليتصرفوا معهم بهذه الطريقة ، وما ذا يحسبون أنفسهم؟ # إن الآية تسخر منهم لأنهم يتدخلون في ما ليس من شأنهم ، ويتخذون لأنفسهم ~~مركزا لا يملكونه ولا يرتفعون إليه ، فليعرفوا قدرهم ، وليقفوا عند حدهم ، ~~فما وكلناهم بهم ، وما أرسلناهم عليهم حافظين. # * * * ### ||| ** مصير الكفار يثير السخرية # ( @QUR@01 فاليوم ) يوم القيامة الذي يقف فيه كل إنسان في موقعه الطبيعي ~~، في ما يستحقه من ثواب وعقاب ، وهو يوم العدل الذي يأخذ فيه المظلوم حقه ~~من ظالمة ، ( @QUR@02 الذين آمنوا ) وهم منفتحون على الله متقلبون في نعيمه ~~، سعيدون برحمته ورضاه ، شاربون للرحيق المختوم بالمسك الممتزج بالتسنيم ( ~~@QUR@03 من الكفار يضحكون ) لأنهم استغرقوا في العاجلة وتركوا الآجلة ، فها ~~هم محجوبون عن ربهم ، محترقون بنار الجحيم ، خاضعون لكل أساليب الإهانة ~~والتأنيب ، فأية سخرية أكثر لذعا من هذه السخرية التي قد لا يحتاج الناس ~~إلى إثارتها لتثير الضحك ، ولكن الواقع يشير إلى نفسه في عملية ضحك على ~~المصير. # ( @QUR@03 على الأرائك ينظرون ) ماذا استفادوا من كل ذلك التاريخ؟ وهل ~~حصلوا على ثواب أفعالهم؟ وأي ثواب هو هذا الثواب؟ و ( @QUR@06 هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون ) فهل هناك إلا اللهب المتصاعد ، والأجساد المحترقة ~~التي تتصاعد منها رائحة الشواء؟ أية سخرية مريرة يواجهونها في كلمة الثواب؟ ~~وأي ثواب؟ # * * * ### ||| ** من إيحاءات السورة # وهكذا نرى هذا المشهد الذي تتحرك فيه السخرية في اتجاهين ؛ في PageV24P141 # موقف الدنيا وفي موقف الآخرة. ففي الدنيا يقف المجرمون الذين يتحركون في ~~خط الجريمة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية ليواجهوا المؤمنين الذين ~~يتحركون في خط الدعوة إلى الله من أجل أن يخلصوا الناس من الاجرام بكل ~~ألوانه ، ليسخروا منهم ، وليثيروا الضحكات المستهزئة على أوضاعهم وكلماتهم ~~وطريقتهم في العمل والعبادة ، فكل شيء يصدر منهم يرون فيه مادة للغمز ~~واللمز ، حتى الأشياء التي لا توحي بأي شيء ms5426 من ذلك. إنها العقلية المنحطة ، ~~والمزاج السخيف ، والعقدة الخبيثة ... إنها العقلية التي تبتدع الكلمة ~~الضاحكة من الكلمة الجادة ، والحركة الساخرة من الحركة الواعية الخاشعة في ~~عبادة الله والمجاهدة في سبيله ، والغمزة اللاذعة من الإشارة الواعية ~~المليئة بالتهذيب. # أما في الآخرة فتتبدل الصورة ، فإذا بهؤلاء المؤمنين يصبحون في الموقع ~~الكبير ، في ما يرفع الله به عباده المؤمنين إلى الدرجات العالية ، ويصبح ~~أولئك المجرمون في الدرجات السفلى. وينطلق المجرمون إلى النار في ذلتهم ~~وانكسارهم ليثيروا سخرية المؤمنين بهم وضحكهم عليهم ، في ما يمثل عمق ~~المعنى في السخرية ، لأنهم تركوا هذا النعيم الكبير المتمثل في الجنة ، ~~ليستبدلوا به الجحيم اللاهب المتمثل في النار من دون أساس ، فأية سخرية ~~أكثر لذعا من هذا الواقع الذي يجسد للإنسان نظرته الساخرة إلى نفسه وإلى ~~حركته قبل أن ينظر الآخرون إليه بهذه النظرة .. # وتختلف نظرة المؤمنين إلى الكافرين في الآخرة عن نظرة الكافرين إليهم في ~~الدنيا ، فقد ينطلق المؤمنون من موقع النظرة العميقة إلى الواقع الذي يبعث ~~على السخرية بعقول هؤلاء الذين فضلوا الحياة الدنيا الفانية على الآخرة ~~الباقية ، من دون أن يرتكزوا في ذلك على حجة ، فهي السخرية المنطلقة من ~~دراسة الواقع من خلال محاكمته بدقة وعمق ، لا من موقع العقدة الذاتية ~~الخبيثة المستحكمة في مواقع الحقد ، كما هو حال المجرمين الذين كانت PageV24P142 # نظرتهم استعلائية ، على أساس احتقار المؤمنين من دون أن يكون هناك أساس ~~في الواقع لمثل هذا التصرف ، بل هناك أساس للوضع العكسي ، وهو الاحترام ~~والإكبار. # * * * ### ||| ** حديث القرآن هو حديث الواقع # وإذا كان القرآن يحدثنا عن هؤلاء المجرمين في تعاملهم مع المؤمنين ، فإن ~~ذلك ليس حديث التاريخ الذي يستمع إليه الإنسان من بعيد ، بل هو حديث الواقع ~~المتحرك الذي يفرض نفسه على ساحة الصراع في كل زمان ومكان ، مما يجعل ~~القضية قضية استيحاء الصورة التاريخية للصورة المعاصرة ، لدراسة سلوك ~~الكافرين والمستكبرين الذين يستخدمون أساليب السخرية والاستهزاء بالإيمان ~~والمؤمنين في الخطوط الكلية والجزئية ، وفي كل مفردات الحياة العامة ~~والخاصة ، كجزء من الحرب النفسية التي يراد ms5427 منها إسقاط الروح المعنوية ~~للمسلمين في مواجهتهم للتحديات المفروضة عليهم ، لينهزموا نفسيا قبل الدخول ~~في المعركة الفكرية أو السياسية أو العسكرية ، لأن السخرية قد تؤذي المشاعر ~~أكثر مما تؤذيها الآلام الجسدية الناشئة من الجراح من ضربات العدو ، مما ~~تجعل تأثيرها في عمق الروح أكثر من تأثير تلك الآلام في نطاق الموقف. # ولكن المؤمنين الواعين الذين لا يستغرقون في الجزئيات في خلفيات الموقف ~~وتطلعاته ، بل يرتبطون بالروح الكلي المنطلق من الإيمان بالله الكلي القدرة ~~، والواسع الرحمة ، يتطلعون إلى آفاق قدرته ليسخروا من قدرة الآخرين ، ~~ويأملون بالوصول إلى مواقع رحمته ، ليحتقروا اضطهاد الناس لهم ، ويفكرون ~~بالآلام من خلال الفرح الروحي الذي يعيشونه عند ما يفكرون أنها PageV24P143 # بعين الله الذي يراهم وهم يتألمون في سبيل الدعوة إليه والجهاد من أجل ~~إعلاء كلمته ، فترتفع معنوياتهم بذلك ، ويشعرون بالثقة ، وتتصلب مواقفهم في ~~الأرض الثابتة فلا تهتز ، وتتحرك مسيرتهم في الطريق المستقيم فلا تنحرف ولا ~~تسقط. لأنهم يفكرون بالله ، ولا يفكرون بالناس ، ويتطلعون إلى الدنيا من ~~خلال الآخرة ، ولا يستغرقون فيها من مواقع الإخلاد إلى الأرض ، بل من مواقع ~~الارتفاع إلى السماء. # * * * PageV24P144 ### | سورة الانشقاق ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس وعشرون PageV24P145 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية ، توحي في مقاطعها بالأجواء العامة التي تسبق يوم ~~القيامة في استسلام السماء لله ، وانشقاقها طواعية له ، وفي استسلام الأرض ~~لله ، واتساعها وانفتاحها على ما فيها من أجداث وتخليها عنها انقيادا له تعالى. # ثم يأتي دور الإنسان الذي يراد له أن يستسلم لله في طاعته له وانقياده ~~إليه ، ليكون الكادح إليه ، ليلاقي جزاء ذلك في يوم القيامة ، الذي ينقسم ~~فيه الناس إلى فريق الجنة وفريق النار. # وتنطلق السورة بعد ذلك لتتحدث عن بعض المشاهد الكونية الحاضرة في أجواء ~~التلويح بالقسم ، وعن الأوضاع التي يمكن أن تحدث للناس في الذي يقدره الله ~~من سننه الاجتماعية في حياتهم المتحركة المتغيرة ، ويدعوهم في إيماءة ~~إيحائية إلى الإيمان به من خلال التفكير العميق بذلك ، وينكر على أولئك ~~الذين لا يؤمنون ، ولا يخشعون سجودا عند قراءة القرآن الذي ms5428 يوحي للقلب ~~الإنساني بعظمة الله الذي يطلع على كل ما في داخل قلوبهم ، ثم يهددهم ~~بالمصير الأسود الذي يلتقون فيه بالبشارة الساخرة ، وبالعذاب الأليم. أما ~~المؤمنون العاملون بالصالحات ، فلهم أجر غير ممنون ... # * * * PageV24P147 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إذا السماء انشقت (1) @QUR@03 وأذنت لربها وحقت (2) @QUR@03 ~~وإذا الأرض مدت (3) @QUR@04 وألقت ما فيها وتخلت (4) @QUR@03 وأذنت لربها ~~وحقت (5) @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~@QUR@05 فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) @QUR@04 فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) ~~@QUR@04 وينقلب إلى أهله مسرورا (9) @QUR@06 وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ~~(10) @QUR@03 فسوف يدعوا ثبورا (11) @QUR@02 ويصلى سعيرا (12) @QUR@05 إنه ~~كان في أهله مسرورا (13) @QUR@05 إنه ظن أن لن يحور (14) @QUR@06 بلى إن ~~ربه كان به بصيرا ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 انشقت ): تصدعت. # ( @QUR@01 وأذنت ): سمعت وأطاعت. # ( @QUR@01 وحقت ): أي وحق لها. PageV24P148 # ( @QUR@01 كادح ): ساع بتعب وعناء. # ( @QUR@01 ثبورا ): هلاكا. # ( @QUR@01 يحور ): الحور : الرجوع. # * * * ### ||| ** في أجواء قيام الساعة # ( @QUR@03 إذا السماء انشقت ) أي انفتحت وتصدعت بحيث فقدت تماسكها القوي ~~، ( @QUR@03 وأذنت لربها وحقت ) فليس انشقاقها وانشطارها بطريقة قسرية ~~خارجة عن إرادتها ، بل هو الانصياع والاستسلام لأمر الله تعالى الذي له أن ~~يفعل بها ما يشاء ، ويحركها كما يريد ، فلا مشيئة لها من دون مشيئته ، ولا ~~إرادة لها أمام إرادته. فاعترفت بأنها محقوقة لربها ، وأنها في موقع ~~الانقياد للحق الذي يملكه الله تعالى على كل خلقه. إنه التعبير الكنائي ~~الحي المتحرك الذي يوحي بأن للسماء عقلا وإرادة ووعيا لمقام ربها ، ~~ولموقعها منه ، فتتصرف من خلال ذلك ، في ما يقع فيها من أحداث تسبق لحظة ~~القيامة ، كما تصرفت من قبل ، وبالخضوع لطاعة الله تعالى ، وفق القوانين ~~والسنن الطبيعية التي أودعها الله فيها وفي الأرض ، كما أودعه في الظواهر ~~الكونية الأخرى. # ( @QUR@03 وإذا الأرض مدت ) أي اتسعت وامتدت بطريقة تختلف عن الطريقة ~~التي كانت عليها. وربما كانت كناية عن فقدان التماسك بالاهتزاز ، الذي ~~يجعلها تتحرك وتتمدد. وتنفتح أعماقها ، فلا يبقى لها سطح يخفي ما في هذه ~~الأعماق. # ( @QUR@04 وألقت ما فيها وتخلت ) فقد احتفظت بكل هذه الخلائق التي لا تعد ~~ولا تحصى في داخلها ، وبقيت على ذلك ، انقيادا لله ms5429 في قوانينه العامة التي جعلتها PageV24P149 # تبقى في حالة من التماسك والقوة ، إلى أن حان الوقت الذي أخذت تلفظ فيه ~~كل ما في داخلها وتتخلى عنه ، وذلك استجابة لإرادة الله تعالى ، الذي أراد ~~بعث الناس إليه في يوم القيامة ليخرجوا من الأجداث كأنهم جراد منتشر. ~~فامتثلت لأمره ( @QUR@03 وأذنت لربها وحقت ) وقالت له : يا رب ، ها أنا طوع ~~إرادتك فافعل ما تشاء ، فلك الحق في ذلك كله ، وليس لي من الحق في أي موقع ~~خارج إرادتك. # * * * ### ||| ** بين طاعة الأرض والسماء وطاعة الإنسان # وهكذا يوحي استسلام الأرض والسماء لربهما من موقع حقه في التصرف بخلقه ~~كما يريد ، باستسلام الخلق الحي العاقل ، المتمثل بالإنسان ، إليه ، لينقاد ~~له من خلال الإرادة الواعية المطيعة ، فيخاطبه بذلك ، للفرق بينه وبين ~~السماء والأرض ، بأن هذين المخلوقين العظيمين مطيعان له على أساس طبيعة ~~التكوين الذاتي فيهما ، في ما خلقه فيهما من سر الطواعية له في طبيعتهما ، ~~فلا يملكان غير ذلك في حركتهما في نطاق القوانين الطبيعية أو في خارج ذلك ، ~~مما يريد الله فعله فيهما. ولذلك ، كانت كلمة الإذن لربهما بالنسبة إليهما ~~على نحو الكناية لا الحقيقة. # أما الإنسان ، فهو المخلوق الذي ألهمه الله فجوره وتقواه وهداه السبيل ~~ليشكر أو يكفر ، فجعل في ذاته الإرادة المتحركة التي تملك القبول بأوامره ~~ونواهيه ، كما تملك الرفض لها ، والتمرد عليها ، فهو الذي يعيش الاستسلام ~~لله في وجوده التكويني في السنن الطبيعية التي تحكم حركة حياته في تأثره ~~بالواقع الكوني من حوله ، ولكنه قد لا يستسلم في أفعاله التي يملك حرية ~~الاختيار فيها. ولذلك ، حمله الله بها مسئولية عمله ، لأن مصيره يساوي عمله. # * * * PageV24P150 ### ||| ** الإنسان ملاق جهده يوم القيامة # ( @QUR@03 يا أيها الإنسان ) الذي خلق الله في كيانه خصائص إنسانيته ، من ~~عقل وإرادة وحرية حركة ، بالمستوى الذي يكون فيه إنسانا مسئولا ، من خلال ~~ما يستتبعه ذلك من الحصول على المعرفة بالله في ما تقتضيه من الخضوع له في ~~الشعور العميق بعبوديته له ، وفي الانفتاح على الموقف النهائي في الوقوف ~~بين يديه ، ومن خلال امتزاج القوة ms5430 الإرادية بالقوة الحركية ، الذي يمكنه من ~~تربية نفسه ، وتطوير فكره ، وتوعية روحه ، وتطهير شعوره على أساس المحبة ~~لله ، والخضوع له ، وتأكيد المسؤولية في طاعته في حركة حياته. # ( @QUR@06 إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) فليست الحياة فرصة للاسترخاء ~~والنوم والراحة اللاهية المطلقة ، وليست مجالا للعبث واللعب واللهو ، بل هي ~~فرصتك للكدح الذي يمثل الجهد العملي الذي يترك تأثيره عليك في كيانك الجسدي ~~والروحي والشعوري ، لأن هناك دورا كبيرا لا بد من أن تقوم به في خلافتك عن ~~الله في إدارة شؤون الحياة في الأرض على خط رسالاته ، فلا بد لك من أن تكدح ~~في فكرك لتنتج الفكر الذي يخطط للحركة ويدفع نحو التطور ، ولا بد لك من أن ~~تكدح في نشاطك الجهادي لتملأ الحياة بالدعوة باسمه تعالى والجهاد والحركة ~~الدائبة في سبيله في مختلف المواقع ، بما يجعل الحياة كلها حياة الرسالة ~~وللرسالة. # إن الحياة هي المعمل الكبير الذي أراد الله له أن ينتج الخير في حركة ~~الحق في ساحة الصراع ، وجعل الإنسان كادحا حيا أساسيا في تحريك أجهزته ، ~~وفي توجيه إنتاجه ، فلا مجال للتفكير بالراحة ، بل هو الجهد الدائب الذي ~~إذا التقى بالنوم ، فلكي يمنحه النوم حيوية جديدة ، وإذا عاش مع بعض لحظات ~~الراحة والاسترخاء واللهو ، فمن أجل أن يخفف عنه ثقل التعب ، وضغط الضعف ~~واختناق الروح ، مما يجعل لهذه الأمور معنى يتصل بشروط PageV24P151 # الكدح ، لا معنى يتخفف الإنسان به منه. وهكذا يخاطب الله الإنسان من موقع ~~إنسانيته ، ليكدح إلى ربه كدحا ، ليقول له إنه مهما أعطى من جهد ، فإنه سوف ~~يلتقي به في يوم القيامة ، لتكون طبيعة النتائج منسجمة مع طبيعة الكدح. # * * * ### ||| ** يسر الحساب من صلاح العمل # ( @QUR@05 فأما من أوتي كتابه بيمينه ) وهو الذي يجعل كدحه في طاعة الله ~~في خط الإيمان والعمل الصالح ، ( @QUR@04 فسوف يحاسب حسابا يسيرا )، لأنه ~~لا يحمل في كتابه أية انحرافات كبيرة تبعده عن الله ، فقد عاش حياته كلها ~~مؤمنا بالله عاملا بطاعته بمقدار جهده ، فإذا كانت له بعض المعاصي ، فإنها ~~لا تمثل شيئا كبيرا يستوجب ms5431 غضب الله عليه ، مما يجعل المغفرة أمرا طبيعيا ~~له ، من خلال ما يرحم الله به عباده الصالحين من التكفير عن سيئاتهم ، ومن ~~إدخالهم في مواقع رحمته. وبذلك ، كان هذا الإنسان هو الراضي المرضي الذي ~~يعيش سعادة القدوم على الله تعالى ، فلا يتوقف إلا لكي ينظر في كتابه كما ~~ورد في بعض الأحاديث . # ( @QUR@04 وينقلب إلى أهله مسرورا ) وليس أهله إلا الذين ارتضاهم الله ~~أهلا له في مجتمع الجنة ، الذي يضم الحور العين ، والولدان المخلدين ، ~~والملائكة المقربين ، والصالحين من أزواج المؤمنين وأولادهم وآبائهم ... ~~ليتلقاهم بوجه طافح بالسرور ، وقلب مملوء بالشعور بالسعادة ، بما غفر الله ~~له من ذنبه ، وبما خفف عنه من حسابه ، وما أولاه من فضله في نعيم جنته. # * * * PageV24P152 ### ||| ** صعوبة الحساب من سوء العمل # ( @QUR@06 وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) وهو الإنسان الكافر المعاند ~~لله في عمله ، المحارب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وللرسالة. ولعل التعبير ~~بإيتائه كتابه وراء ظهره ، وارد على سبيل الكناية التعبيرية عن أن مضمون ~~هذا الكتاب لا يمثل العمل الذي يقدمه الإنسان بين يديه ، كما يفعل الواثقون ~~بالنتائج الحسنة لأعمالهم فرحا بها ، بل يمثل العمل الذي يطرحه الإنسان ~~وراء ظهره ليخفيه عن الناس ، جزعا منه ، أو العمل الذي يبقى في الدنيا لأنه ~~لا نصيب له في الآخرة ، فكأنه تركه وراء ظهره ، في ما يعبر به ذلك عن ~~الدنيا التي استدبرها ليستقبل الآخرة ، فلا ينافي ذلك ما ورد من إيتاء ~~الكافرين كتبهم بشمالهم. وربما فسر بعضهم عدم المنافاة ، بأنهم يؤتون كتبهم ~~من وراء ظهورهم لرد وجوههم على أدبارهم كما قال الله تعالى : ( @QUR@08 من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) [النساء : 47]. # وذكر بعضهم ، أنه ليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك ~~من وراء ظهره. وعلى أي حال ، فإن هذا الإنسان الذي يؤتى كتابه بهذه الطريقة ~~، يراد به الإنسان الذي قضى كل عمره في الجهد والتعب والمشقة في معصية الله ~~والتمرد على رسله ، فهو الذي يشعر بالتعاسة والبؤس والشقاء ، لأن ما حصل ~~عليه من اللذة في ms5432 الدنيا ، قد تحول إلى الألم الكبير في الآخرة ، وأن ما ~~كان يخيل إليه من أوضاع السعادة ، قد تحول إلى أوضاع الشقاء ، ولذلك ، فإن ~~موقفه ، هنا ، عند ما يدفع إليه كتابه ، بهذا الشكل ، الذي يوحي إليه ~~بالنتائج السيئة في قضية مصيره ، يتمثل بهذا الواقع ( @QUR@03 فسوف يدعوا ~~ثبورا ) وينادي بالويل والهلاك ، ويتمنى استمرار الموت حتى لا يواجه هذا ~~الموقف الصعب ، ( @QUR@02 ويصلى سعيرا ) فيدخل نارا تلتهب وتتأجج بما لا ~~يمكن أن يوصف به عذابها. # * * * PageV24P153 ### ||| ** نسيان الآخرة يؤدي إلى الهلاك # ( @QUR@05 إنه كان في أهله مسرورا ) عند ما كان يعيش في الدنيا ، وينال ~~من متاعها ، ويكرع من لذاتها وشهواتها ، وينسى ربه في حسابه وعقابه. ولكن ~~ما قيمة كل هذا السرور الذي تبخر بالموت واستنفد كل مشاعره فلم يبق منه ~~شيء؟ وما قيمة التاريخ الذي يحتوي الذكريات الحلوة ، إذا كان الحاضر يتحداه ~~بالواقع القاسي المر؟ ( @QUR@05 إنه ظن أن لن يحور ) أي لن يرجع إلى ربه ~~للحساب ، ولذلك ، فإنه لم يجد هناك أي موجب للتوقف عن الامتداد في الغي ~~والاستغراق في العصيان ، لأن الحياة لديه نهاية المطاف ، فلما ذا يحرم نفسه ~~من لذائذ الحياة وشهواتها؟ وهكذا سار على حساب ظنه الذي انطلق من تمنياته ~~أن لا يكون هناك آخرة ، لا من قناعته الفكرية ، كما يحدث للبعض من الناس ~~الذين يحولون تمنياتهم إلى قناعات ، ولا يعملون على أن يتوقفوا للتفكير ~~وللحوار مع الذين يحملون القناعات الأخرى المضادة. # * * * ### ||| ** الله بصير بأعمال عباده # ( @QUR@01 بلى ) فقد كان مخطئا في ظنه ، فليس الأمر كما زعم ، ( @QUR@05 ~~إن ربه كان به بصيرا )، فهو يعلم منه ما لا يعلم هو من نفسه ، ويعلم سره ~~وعلانيته ، كما أنه يطلع على خلفيات مواقفه التي تخفي الأسس الفكرية التي ~~يمكن أن تقوده إلى الإيمان ، ولكنه يتخذ موقف المعاند الذي يأبى أن يقتنع ~~عنادا واستكبارا ، وينسى أن ذلك لا ينفعه بشيء ، لأن الله سوف يواجهه غدا ~~بأعماله عند ما يقف بين يديه للحساب ، ليجزيه على ما قام به من أعمال الكفر ~~والشر التي أحصاها الله بكل مفرداتها الصغيرة والكبيرة. ms5433 # * * * PageV24P154 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 فلا أقسم بالشفق (16) @QUR@03 والليل وما وسق (17) @QUR@03 ~~والقمر إذا اتسق (18) @QUR@04 لتركبن طبقا عن طبق (19) @QUR@04 فما لهم لا ~~يؤمنون (20) @QUR@06 وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) @QUR@04 بل ~~الذين كفروا يكذبون (22) @QUR@04 والله أعلم بما يوعون (23) @QUR@03 فبشرهم ~~بعذاب أليم (24) @QUR@09 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون ) (25) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 بالشفق ): الحمرة بين المغرب والعشاء. # ( @QUR@01 وسق ): الوسق : الجمع. # ( @QUR@03 طبقا عن طبق ): حالا بعد حال. # ( @QUR@01 يوعون ): يضمرون. # ( @QUR@01 ممنون ): منقوص. # * * * PageV24P155 ### ||| ** دعوة للتأمل في الآيات الكونية # ( @QUR@03 فلا أقسم بالشفق ) هذا اللون الذي يلتقي بالحمرة الهادئة ~~الوديعة في حركة النور الذي يفقد وهجه وحرارته ، ليكون في لون الحمرة ~~القانية ثم الصفرة ، ثم البياض ، في هذا الجمال البديع الذي يبعث الروعة في ~~الروح ، والهدوء في الشعور الذي يوحي بالظلام في حبات النور التي تلتقي ~~بأمواج الليل ، لتبعث فيه مزيجا من الروعة والرهبة الباردة. ( @QUR@03 ~~والليل وما وسق ) أي ما ضم وجمع وحمل ما تفرق وانتشر في النهار ليرجع كل ~~واحد إلى سربه وموقعه ، ويسكن كل فريق إلى إلفه. ثم قد يشمل ذلك كل ما يضمه ~~الليل من مخلوقات وأوضاع وأشباح وتهاويل ، مما يوحي بالجو الغامض الرهيب ~~المزدحم الذي يثير الكثير من المشاعر الخفية التي تجمع بين الوحشة والرهبة ~~والغموض والجلال. # ( @QUR@03 والقمر إذا اتسق ) وتكامل نوره في الليالي البيض ، فيشرق على ~~الكون إشراقة الوداعة التي توحي بالسلام الحلو في قلب الظلام المخيف ، ~~فيزيل الوحشة في النفس ، ويبعث الحذر في الإحساس ، ويطوف بالروح في آفاق ~~الأحلام الجميلة التي تملأ الإنسان أملا وحبا وانفتاحا على المواقع الرحبة ~~في الحياة. # ويبقى لهذه المشاهد الكونية في الأفق الممتد الذي يودع الشمس اللاهبة في ~~نورها الحار المشتعل ، الذي يوحي بالدفء تارة ، وبالحريق أخرى ، ليلتقي ~~بالشفق الذي يوحي بولادة الليل في خطوات النور المنسحب ، ليجتمع الناس في ~~قلب الظلام الذي يوحي إليهم بتلك الجلسات العائلية الحميمة ، وبتلك ~~الاجتماعات الروحية الجميلة ، ولينطلق القمر بهذا النور الوديع الذي يصبغه ~~الظلام بلونه الهادىء. # ويبقى للإنسان أن يفكر في هذه المشاهد تفكير الباحث عن سر الروعة PageV24P156 # والجلال فيها ، وعن عظمة الخالق ms5434 في ما توحي به من عظمة الخلق ودقة ~~التدبير. وتجد في النفي الذي يتصدر الحديث عنها للقسم بها ، أنها في الموقع ~~المميز الذي يستحق تعلق القسم به .. ولكن الله لا يقسم بها ، لأن الحقيقة ~~التي يريد أن يقررها لا تحتاج إلى التأكيد بالقسم ، لأنها واضحة لكل من ~~تأمل بها ، وعرف سنة الله في خلقه. # * * * ### ||| ** لتركبن طبقا عن طبق # ( @QUR@04 لتركبن طبقا عن طبق ) أي حالا بعد حال ، سواء كان أحدهما فوق ~~الآخر أو بعده. وربما قيل : إن المراد به : الرحلة بعد الرحلة يقطعها ~~الإنسان في كدحه إلى ربه من الحياة الدنيا ثم الموت ، ثم الحياة البرزخية ، ~~ثم الانتقال إلى الآخرة ، ثم الحياة الآخرة ، ثم الحساب والجزاء. وربما كان ~~المراد بها : الجهد والمعاناة التي تتوالى على الناس في ما يصيبهم من مشقات ~~الحياة ومصاعبها ومشاكلها ، مما يعبر عن المعاناة المتلاحقة التي ترهق ~~الإنسان جسديا أو روحيا. وقد جاء في كلام البعض ، أن التعبير بركوب الأمور ~~والأخطار والأهوال والأحوال مألوف في التعبير العربي ، كقولهم : «إن المضطر ~~يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه» ، وكأن هذه الأحوال مطايا يركبها ~~الناس واحدة بعد واحدة ، وكل منها تمضي بهم وفق مشيئة القدر الذي يقودها ~~ويقودهم في الطريق ، فتنتهي بهم عند غاية تؤدي إلى مرحلة جديدة ، مقدرة ~~كذلك ومرسومة ، كتقدير هذه الأحوال المتعاقبة على الكون من ( @QUR@07 ~~بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق )، حتى تنتهي بهم إلى لقاء ربهم ~~الذي تحدثت عنه الفقرة السابقة. وهو توجيه جميل في إيحاءاته .. # * * * PageV24P157 ### ||| ** لمحات الوجود تدل على سر العظمة الإلهية # ( @QUR@04 فما لهم لا يؤمنون ) وهم يرون كل عناصر الإيمان في لمحات ~~الوجود الدالة على روعة القدرة وسر العظمة التي تدل على الله الواحد في ~~أكثر من جهة. # ( @QUR@06 وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) في ما يوحي به السجود من ~~معنى الخضوع لله الذي هو عمق حقيقة الوجود الكوني الذي يثير القرآن الحديث ~~عنه من خلال وحي الفطرة ، وحركة الحوار ، وإيحاءات التأمل التي تدفع ~~الإنسان إلى العمق العميق من إحساسات الخوف الذي ms5435 يدفع نحو الخشوع في ~~انفتاحه على الله ، وفي سجوده له. # إن للقرآن إيحاءاته التي إذا عاشها الإنسان في آفاق الصفاء الروحي ، ~~والإشراق الفكري ، أمكن له أن يجد تأثيرها في قلبه ووجدانه وفي شعوره ، ~~بحيث تتحرك كل نبضة من نبضاته ، وكل خفقة من خفقاته ، بالابتهال إلى الله ، ~~واللقاء به ، والانفتاح على آفاق قدسه ، بشكل عفوي جذاب ، من دون أي تكلف ~~أو جهد ، فكيف يغفل هؤلاء ذلك كله ، فيبتعدون عن الإيمان بالله الذي كان ~~الكون كله شاهدا على وجوده وتوحيده وحكمته وتدبيره؟! وكيف يبتعد هؤلاء عن ~~السجود له والخضوع لألوهيته ، فيتمردون عليه ويستكبرون عن عبادته في الوقت ~~الذي ( @QUR@08 يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ) [الحج : 18] ، وكل ~~شيء يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم؟! إنه السؤال الكبير الذي يفرض ~~نفسه على الواقع الذي يعيشه هؤلاء ، ولا يملكون جوابا عنه إلا الغفلة ~~المطبقة على عقولهم من خلال إرادة الرفض للإيمان كله وللحقيقة كلها عنادا ~~واستكبارا. # * * * PageV24P158 ### ||| ** بشر المكذبين بعذاب أليم # ( @QUR@04 بل الذين كفروا يكذبون ) تكذيبا لا ينطلق من فكر مضاد للإيمان ~~، ولا من شبهة تثير الضباب أمام حقائقه ، بل من خلال العقدة المتأصلة في ~~النفس الحاقدة من موقع الذات على الرسالة والرسول. # ( @QUR@04 والله أعلم بما يوعون ) أي بما يكنونه في صدورهم ، ويضمرونه في ~~أفكارهم من خلفيات هذا التكذيب ، ومن نوايا الشر الذي يخططون له في عقولهم ~~، فلا يحسبون أنفسهم بمنأى عن الحجة التي تؤدي بهم إلى استحقاق العذاب. # ( @QUR@03 فبشرهم بعذاب أليم ) لأن ذلك هو جزاء المكذبين عن غير أساس. # * * * ### ||| ** للصالحين أجر غير ممنون # ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) والتزموا الخط الرسالي فكرا ~~وسلوكا ومنهج حياة ، فعاشوا الإيمان في وجدانهم ، وحركوا مفاهيمه في ~~أخلاقهم ، وانطلقوا في مسيرته في خطواتهم ، فاستحقوا بذلك رضى الله ، ~~وعاشوا في آفاق رحمته ، ( @QUR@04 لهم أجر غير ممنون ) أي غير مقطوع ، بل ~~هو ممتد متواصل. وقيل : إن المراد به المن وهو القول الذي يمن به صاحب ~~النعمة على آخذها بما يثقل عليه ، فالمقصود أن هذا الأجر لا يستتبع أي كلام ~~يثقل ms5436 على المؤمنين الصالحين ، بل لا يسمعون إلا كلاما طيبا يرتاحون إليه. # والظاهر أن المعنى الأول أقرب إلى الاعتبار ، لأن المن لا يكون ثقيلا PageV24P159 # إلا إذا جاء من الناس الذين يتأذى بعضهم بكلام المن من البعض الآخر ، ~~لأنه يوجب نوعا من المهانة والذل ، أما إذا كان المن من الله ، سبحانه ، ~~فإنه لا يثير أي شيء في النفس ، لأن الله هو صاحب المنة والمن ، وإذا جرى ~~المن في كلام الله ، فإنما يراد به تذكير عباده بنعمه ليشكروه وليعرفوا ~~فضله عليهم ليعبدوه في مواقع عبادته. ولا بد من الانتباه إلى أن هذا ~~الاستثناء منقطع ، لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يدخلوا في ما تقدم ~~من الحديث ، مما يجعل «إلا» بمعنى «لكن» ، كما يقولون. # * * * PageV24P160 ### | سورة البروج ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها اثنتان وعشرون PageV24P161 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه من السور المكية التي تبدأ بالقسم بالسماء ذات البروج ، وباليوم ~~الموعود الذي يحتوي في مضمونه العقيدي يوم القيامة ، وبالشاهد والمشهود في ~~إشارة ، ربما ، إلى الأنبياء الذين تحدث عنهم القرآن كشهود على أممهم ، ~~وأما المشهود ، فقد يراد به العمل بوصفه متعلق الشهادة ، أو الأمر الذي ~~يشاهده الناس في ما يعاينونه منه ، لتكون هذه الأمور الثلاثة إيحاء بالجو ~~الغيبي الذي قد يعرف الإنسان بعض مفرداته ، ولكنه لا يعرف طبيعته الخفية في ~~ما يوحي به من عالم غامض لا يدركه إلا عند ما يقترب إليه. # والموضوع المثير هو الحديث عن هؤلاء المؤمنين الذين عاشوا في مرحلة زمنية ~~متقدمة على الإسلام ، وربما قيل : إنهم من النصارى المؤمنين بعيسى ~~عليه السلام في دينه التوحيدي ، فقد واجهوا ضغطا عظيما من بعض سلطات زمانهم ~~ليدفعوهم إلى الارتداد عن دينهم ، فتمردوا على ذلك الضغط وأصروا على ~~الالتزام بعقيدتهم ، فشقوا لهم في الأرض شقا ، وهو المعبر عنه بالأخدود ، ~~وأضرموا فيه النار وألقوهم فيه ، فماتوا حرقا على مرأى من الناس الذين لم ~~يحركوا ساكنا في هذا المجال ، انسجاما مع الطغاة في الحقد على المؤمنين أو ~~خوفا منهم. # وقد تحدثت السورة عن هؤلاء لتطرح النموذج الأعلى المميز للموقف PageV24P163 # الصعب الذي يقفه ms5437 المؤمنون المخلصون في السمو الروحي الذي يرفض فيه المؤمن ~~كل الضغوط التي تضغط عليه للابتعاد عن عقيدته ، حتى الموت حرقا ، في مقابل ~~النموذج الأعلى للطغاة الذين يفرضون على المؤمنين مثل هذه التجربة القاسية ~~الوحشية ، وهم يلهون بآلامهم وصرخاتهم التي تنبعث من قلب الحريق اللاهب. # ثم تثير الحديث عن هؤلاء الذين فتنوا المؤمنين الذين آمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، بواسطة الضغوط النفسية والجسدية والاقتصادية ~~، ليبعدوهم عن خط الإيمان ، فمنهم من استسلم للفتنة المتعددة الوجوه ، فرجع ~~عن إيمانه ، ومنهم من استمر على خط الإيمان العقيدي والعملي فثبت حتى ~~النهاية ، فمنهم من استشهد ، ومنهم من هاجر ، ومنهم من صبر على العذاب .. ~~ويتوعد الله أولئك بعذاب الحريق في الآخرة ، أما المؤمنون الذين ثبتوا على ~~الإيمان ، فلهم الجنات التي تجري من تحتها الأنهار التي جعلها الله تعالى ~~جائزة للفائزين ، ممن عملوا بطاعته ومرضاته ، وهجروا عصيانه ومقامات غضبه. # ثم تلوح بالبطش الإلهي الجديد الذي يوحي بقدرة الله الذي يبدئ ويعيد في ~~تصرفه بالخلق وبالبعث ، وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد الذي لا يعجزه ~~شيء في الأرض ولا في السماء ، فإذا أراد شيئا فعله ، فإرادته تساوي فعله. # وتأتي الإشارة إلى الطغاة السابقين الذين فتنوا المؤمنين وآذوا الرسل ، ~~فأخذهم الله بعذابهم ، وأحاط بهم من حيث لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم. # ويأتي الختام لتقرير طبيعة القرآن الذي يمثل الحقيقة المحفوظة في اللوح ~~المحفوظ ، فهو المرجع في كل فكر ، وفي كل شريعة ، وفي كل مفهوم للكون ~~وللحياة. # * * * PageV24P164 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 والسماء ذات البروج (1) @QUR@02 واليوم الموعود (2) @QUR@02 ~~وشاهد ومشهود (3) @QUR@03 قتل أصحاب الأخدود (4) @QUR@03 النار ذات الوقود ~~(5) @QUR@04 إذ هم عليها قعود (6) @QUR@06 وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) @QUR@09 وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) ~~@QUR@010 الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 البروج ): البرج : في معناه الغالب هو القصر البارز من خلال ~~علوه ، ويسمى البناء المعمول على سور البلد للدفاع برجا. # ( @QUR@01 الأخدود ): الشق العظيم في الأرض. # ( @QUR@01 الوقود ): ما تشتعل به النار ms5438 من الحطب وغيره. # * * * PageV24P165 ### ||| ** القسم بالسماء ذات البروج # ( @QUR@03 والسماء ذات البروج ) هذا هو القسم الأول بالسماء ذات البروج. ~~وربما كان هذا التعبير كناية عن مواضع الكواكب في السماء ، وذلك ما يوحي به ~~قوله تعالى : ( @QUR@012 ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين* ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم ) [الحجر : 16 17] ، مما يراد فيه الإيحاء بأنها ~~تشبه البروج المعدة للدفاع. # وعلى ضوء ذلك ، يظهر أن تفسيرها بالبروج الاثني عشر لا يرجع إلى دليل ، ~~بل الدليل القرآني على خلافه. # ( @QUR@02 واليوم الموعود ) وهو اليوم الذي وعد الله به عباده ليجمعهم ~~عنده ، وليحاسبهم على أعمالهم ليجزيهم عليها ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا ~~فشرا ، وهو يوم الفصل ، في ما اختلفوا فيه ، وفي ما تنازعوا واقتتلوا فيه ، ~~من قضايا الدنيا التي خلفوها وراء ظهورهم ، فقد أمهل الله الناس في الدنيا ~~، فلم يحاسبهم ، ولم يعاقبهم على ما فعلوه ، ليجتمعوا في هذا اليوم العظيم. # * * * # ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) # ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) وقد فسر الشاهد بمن يشهد ويعاين أعمال الكفار ~~في الدنيا ، والمشهود ما يشهده الكل ويعاينونه ، وبذلك تكون الشهادة بمعنى ~~المعاينة ، لا بمعنى أداء الشهادة ، لأن ذلك لو كان المراد لكان حق التعبير ~~«ومشهود عليه» ، لأنها بهذا المعنى إنما تتعدى ب «على». # ويتابع صاحب هذا الرأي فيقول : «وعلى هذا يقبل ( @QUR@01 وشاهد ) ~~الانطباق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لشهادته أعمال أمته ثم يشهد عليها ~~يوم القيامة ويقبل PageV24P166 # ( @QUR@01 ومشهود ) الانطباق على تعذيب الكفار لهؤلاء المؤمنين وما فعلوا ~~بهم من الفتنة ، وإن شئت فقل : على جزائه ، وإن شئت فقل : على ما يقع يوم ~~القيامة من العقاب والثواب لهؤلاء الظالمين والمظلومين» (1). # ونلاحظ عليه ، أنه لا مانع من إطلاق المشهود على محتوى الشهادة المؤداة ~~بحذف ما يتعدى به من جهة الدلالة عليه في ما توحي به كلمة الشهادة التي ~~تتضمن شاهدا ومشهودا به ومشهودا عليه ، لا سيما إذا لا حظنا أن جو السورة ~~يستهدف التأكيد على ما ينال هؤلاء الذين يفتنون المؤمنين عن دينهم في يوم ~~القيامة على أساس قيام الحجة عليهم من خلال الشهود الذين يشهدون ms5439 عليهم ، ~~كما ورد التأكيد على دور الشهداء الذي يوحي بالمشهود عليه من الأنبياء ~~والأمم في يوم القيامة ، وقد اختلف المفسرون في تأويل كلمة الشاهد والمشهود ~~وتطبيقاتهما ، ولكنها تنظر إلى اللفظين نظرا ذاتيا لا من خلال طبيعة جو الآية. # * * * # ( @QUR@03 قتل أصحاب الأخدود ) # ( @QUR@03 قتل أصحاب الأخدود ) هل هو حديث عن حادثة القتل التي حدثت ~~لأولئك المؤمنين ليكونوا المراد من أصحاب الأخدود ، أو هو دعاء بالهلاك ~~ليكون المراد منهم الطغاة # الذين قاموا بالتعذيب والإحراق؟ والظاهر هو الوجه الثاني ، لأن السياق ~~مسوق لإعلان الغضب على الفاعلين ، كما أن الضمير في الآيات الأخرى يوحي ~~بذلك. والأخدود ، هو الشق في الأرض الذي شقوه بما يشبه الحفيرة وملأوه نارا ~~وألقوا فيه أولئك المؤمنين. ولما كانت النار هي العنصر البارز في هذه ~~العملية الوحشية بحيث لا دور للأخدود إلا من حيث كونه ظرفا PageV24P167 # للنار ، فسره بها ( @QUR@03 النار ذات الوقود ) فكأنه تحول إلى نار ، أو ~~كأنه لا ينظر إليه إلا من خلال النظرة إلى النار ، فكأنه اندمج فيها بحيث ~~ذاب وجوده في طبيعتها. # ( @QUR@04 إذ هم عليها قعود ) في جلوسهم على أطرافها ليتلذذوا بمنظر ~~هؤلاء المؤمنين المعذبين ، وليجعلوا من ذلك ملهاة لهم ، في ما اعتاد الطغاة ~~أن يلهوا به من تعذيب الأبرياء. # ( @QUR@06 وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) يعاينون عذابهم واحتراقهم ~~ويسمعون صرخاتهم ، فلا يزيدهم ذلك إلا فرحا وسرورا وطغيانا ، في ما قد ~~يوحون لأنفسهم بالنصر. # ( @QUR@019 وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد* الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ) فلم يصدر منهم أي ذنب من ~~الذنوب التي يرتكبها الخاطئون ليعاقبوا عليها ، ولم يحدث منهم أي إخلال ~~بالنظام العام ليستحقوا النقمة التي تتنفس بهذا العذاب ، بل كل ما هناك ~~أنهم آمنوا بالله العزيز القادر ، الحميد المستحق للحمد في كل حال ، ولعل ~~ذكر هاتين الصفتين لله ، سبحانه ، يوحي بأنهما من بعض الأسس التي ارتكزوا ~~عليها في إيمانهم به ، كما يوحي ، من طرف خفي ، بأن الله قادر على أن ينتقم ~~لهؤلاء المظلومين ، لأنه وحده الذي يملك الأمر ms5440 كله ، والحمد كله ، فهو مالك ~~السماوات والأرض الذي لا ملك لغيره ولا حمد لسواه ، وهو الشاهد على كل شيء ~~، فلا يغيب عنه ما يفعله هؤلاء. # * * * ### ||| ** الصراع الدائم بين الإيمان والكفر # وتلك هي جريمة الكثيرين من المؤمنين المتقين العاملين في سبيل الله ، ~~السائرين على خط هداه ، عند ما يخضعون للتعذيب والتشريد والقتل من قبل PageV24P168 # الحكام الجائرين والطغاة المستكبرين ، فهم لا يطيقون أن يكون هناك ~~للإسلام قاعدة قوية في حياة الأمة ، ولا يرتاحون لأية شعارات تنادي ~~بالإيمان ، ولا لأية حركة تنطلق باسم الإسلام ، لأن ذلك يشكل خطرا على ~~امتيازاتهم الطاغية ، وأوضاعهم الظالمة ، فإن الأمة إذا عرفت دينها عرفت ~~حقوقها ، ووعت طريقها وأهدافها الحقيقية الكبرى في ما هي قضية الإيمان ~~المنفتح على الحرية والعدالة ، ولذلك يلاحقون المؤمنين ، ويضطهدونهم بأبشع ~~ألوان الاضطهاد ، ليجعلوا من ذلك وسيلة ضغط عليهم فلا يزيدهم الضغط إلا ~~صمودا ، ولا تزيدهم الملاحقة إلا إصرارا على الثبات على المبدأ وقوة على ~~متابعة السير. # وتلك هي قصة الصراع الدائم بين الإيمان والكفر ، والحرية والاستعباد ، ~~والعدل والظلم ، لتتحرك كل مواقعه في اتجاه إيجاد الفرص العملية للتجربة ~~الإيمانية الناجحة ، لتؤكد قوتها على الثبات والاستمرار على الخط في الظروف ~~الصعبة القاسية في أكثر من صعيد. # * * * PageV24P169 ### ||| * الآيات # ( @QUR@014 إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق (10) @QUR@014 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) @QUR@04 إن بطش ربك ~~لشديد (12) @QUR@04 إنه هو يبدئ ويعيد (13) @QUR@03 وهو الغفور الودود (14) ~~@QUR@03 ذو العرش المجيد (15) @QUR@03 فعال لما يريد (16) @QUR@04 هل أتاك ~~حديث الجنود (17) @QUR@02 فرعون وثمود (18) @QUR@05 بل الذين كفروا في ~~تكذيب (19) @QUR@04 والله من ورائهم محيط (20) @QUR@04 بل هو قرآن مجيد ~~(21) @QUR@03 في لوح محفوظ ) (22) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فتنوا ): الفتنة : المحنة والتعذيب. # ( @QUR@01 بطش ): البطش : تناول الشيء بصولة. # ( @QUR@01 المجيد ): صفة من المجد ، وهو العظمة المعنوية. # * * * PageV24P170 ### ||| ** جزاء الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # ( @QUR@05 إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ) وذلك بالأساليب المتعددة ~~التي تتحرك في دائرتي الترغيب والترهيب ، بالضغط على ظروفهم ، أو على ~~نفسياتهم ، أو على علاقاتهم ، أو على أوضاعهم العاطفية والشعورية ، ~~بالمستوى ms5441 الذي تعرض الموقف للاهتزاز عند ما يشتد الضغط ليجعل الإنسان بين ~~خيارين : خيار البقاء على خط الإيمان في مقابل أن يبقى معذبا قلقا تحت ~~تأثير الضغوط القاسية الصعبة التي تعرض مصالحه وحياته للخطر ، وخيار ~~الانحراف عن خط الإسلام في مقابل أن يحصل على امتيازات المال والجاه والطمع ~~والشهوات ، وأن يرتاح لأمنه واستقراره الذاتي بعيدا عن كل الضغوط المادية ~~والمعنوية. وقد يسقط البعض في الامتحان ، فينحرفون ، وقد ينجح البعض فيه ، ~~فيستمرون. # إنها الجريمة الكبرى لأنها تمثل حربا على الله ورسوله في إبعاد الناس عن ~~الدين الحق ، وحربا على الإنسان في جميع مواقعه في حاضره ومستقبله ، لأنها ~~تبعده عما هو قاعدة الأمان في قضية مصيره ، وقاعدة الصلاح في قضية حياته. ~~وإذا كانت القضية في هذا المستوى الخطير من النتائج السلبية على الرسالة ~~والإنسان ، فمن الطبيعي أن يكون القائمون على هذه الجريمة في المستوى ~~الكبير من درجات الاجرام. وقد اعتبر الله الفتنة عن الدين أشد من القتل ~~وأكبر منه ، كما في قوله تعالى : ( @QUR@04 والفتنة أشد من القتل ) [البقرة ~~: 191]. وقد أفسح الله لهؤلاء المجرمين المجال الواسع للتوبة ، بالعودة ~~إليه والانفتاح على الإيمان عقيدة وعملا ، كما أفسح لكل العصاة أن يرجعوا ~~إليه. فإن تابوا ، فإنه التواب الرحيم. # أما الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ( @QUR@09 ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق )، فذلك هو جزاؤهم العادل ، بعد إقامة الحجة عليهم ~~من الله ورسله. PageV24P171 # ولعل التأكيد على عذاب الحريق بعد عذاب جهنم من أجل التنصيص عليه ليكون ~~مقابلا للحريق في الأخدود ، أو من جهة التأكيد على الحريق كمظهر شديد ~~للعذاب بالإضافة إلى ما في جهنم من عذاب. # * * * ### ||| ** الفوز الكبير للمؤمنين # ( @QUR@011 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ) لأنهم استحقوا ذلك بعملهم وتقواهم من خلال وعد الله لهم بذلك ، ~~والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ( @QUR@03 ذلك الفوز الكبير ) أي النجاح ~~والنجاة من عذاب الآخرة ، وأي نجاح أعظم من النجاح في الحصول على الجنة ، ~~وأي نجاة أفضل من النجاة من النار. وهذا ما ينبغي ms5442 للمؤمنين أن يضعوه في ~~حساباتهم الروحية ، في ما يوحون به لأنفسهم من إيحاءات الأحلام ، فلا ~~يستغرقون في التأكيد على فوز الدنيا في ما يتسابق الناس إليه من الفرص ~~المتاحة لهم في هذا الاتجاه ، بل يعملون على أن اعتبار الفوز في الآخرة من ~~خلال فرص العمل الذي يؤدي إلى ذلك فوزا كبيرا ، لأن مسألة العمل في جديته ، ~~وفي مواقع الرغبة الذاتية فيه ، تخضع غالبا للاهتمامات الروحية والشعورية ~~في النتائج النهائية التي ينتهي إليها أمر العمل. # * * * # ( @QUR@04 إن بطش ربك لشديد ) # ويتوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من جديد ليؤكد له الحقائق ~~الإيمانية التي لا بد من أن يبلغها للناس في ما هي القوة الإلهية ، في قوة ~~البطش ، وقوة القدرة ، وشمولية الإرادة وحتمية نتائجها في كل شيء ، وفي سعة ~~سلطانه ورفعة مجده. PageV24P172 # ( @QUR@04 إن بطش ربك لشديد ) والبطش هو الأخذ بعنف ، فلا دافع لأخذه ، ~~ولا راد لحكمه ، فما قيمة بطش الناس أمام بطشه ، فهو مالك السماوات والأرض ~~، وهو الجبار القاهر فوق عباده ، مما يجعل الوجدان يهتز أمامه ويستصغر كل ~~شيء معه. فإذا دخل الإنسان في مقارنة بين بطش الله وبطش الإنسان ، وقف في ~~حياته ليبتعد عن مواقع بطش الله ، حتى لو تعرض لبطش الناس. # ( @QUR@04 إنه هو يبدئ ويعيد ) فله النشأة الأولى في إيجاده للحياة ، وله ~~النشأة الأخرى في إعادته للحياة بعد الموت ، وله البدء والإعادة في كل ما ~~يتجدد في الحياة كالليل والنهار ، من موقع السيطرة على الوجود كله ، وعلى ~~حركة الحياة كلها. # * * * ### ||| ** الله الغفور الودود # ( @QUR@03 وهو الغفور الودود ) الذي يغفر الذنوب لعباده إذا تابوا ~~وأنابوا إليه ، وقد يغفر الذنب لمن يراه مستحقا لذلك من خلال طبيعة العناصر ~~الحية في شخصه وعمله ، والذي يمنح عباده المؤمنين الذين عاشوا الود له وده ~~ومحبته لهم ، وتلك هي الربوبية الرؤوفة الرحيمة الودودة التي تذكر العباد ~~بالصداقة التي يريد الله لها أن تعيش في العلاقة بين الله وعباده ، في ما ~~يوحي به ذلك من الحنو الغامر الذي يفيض على القلب فيملؤه حبا وخيرا وسلاما. ~~وهذا ما ms5443 ينبغي للمؤمنين أن يتطلعوا إليه في المحبة المتبادلة بينهم وبين ~~الله ، فإنه الحب الذي لا حب أعلى منه ، وأي حب أعظم من أن تحب الله الذي ~~خلقك وأنعم عليك بكل نعمه ، وأي حب يفيض عليك ، أعظم من أن يحبك الله ~~ليدخلك في رحاب رحمته ونعيم رضوانه ، إنها إيحاءات أن يكون الله وحده هو ~~وليك ، وأن تكون ولي الله في مواقع رضاه. # وربما نستوحي من صفة «الودود» لله ، أن علاقته بعباده تنطلق من موقع PageV24P173 # الود لهم ، فهو يتودد إليهم بكل وسائل الود ، حتى لو تنكروا له ، كما جاء ~~في الدعاء : «الحمد لله الذي تحبب إلي وهو غني عني» (1)، «وتتودد إلي فلا ~~أقبل منك كأن لي التطول عليك ثم لم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي ~~والتفضل علي بجودك وكرمك» (2). # ( @QUR@03 ذو العرش المجيد ) فهو صاحب الملك في ما توحي به كلمة العرش ، ~~من العلو والرفعة والسيطرة المطلقة ، وهو صاحب المجد من خلال كماله في ذاته ~~وفي صفاته ( @QUR@03 فعال لما يريد )، فإذا أراد شيئا فعله ، فهو الذي ~~يريد ويختار ويخلق ويقضي ويدبر الأمر كله ، فلا حد لإرادته ، ولا حدود ~~لفعله إلا في ما لا تتعلق به إرادته. # * * * ### ||| ** وقفة مع طواغيت التاريخ # ( @QUR@06 هل أتاك حديث الجنود* فرعون وثمود ) هل عرفت من خلال هذا ~~الحديث ، كيف كان الطغاة في الأرض ، المستكبرون فيها ، المستبدون بحكمها ، ~~في ما يملكون من قوة البطش ، وكيف أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر؟ فأما فرعون ~~الذي بلغ به الغرور أن قال : أنا ربكم الأعلى ، فكان أن أغرقه الله وجنوده ~~في البحر ، وأبقى المستضعفين من بني إسرائيل بقيادة موسى عليه السلام ~~ليكونوا ورثة الأرض من بعده. # وأما ثمود فقد أهلكهم الله فلم يبق منهم أحدا ، وأنجى نبيه صالحا الذي ~~عانى الكثير من تكذيبهم ، والمؤمنين الذين وقفوا معه ضد قومهم وأهلهم. # وهذا لون من ألوان الإرادة الإلهية الحاسمة التي لا يعجزها شيء في PageV24P174 # الأرض ولا في السماء. فليعرف الكافرون مواقع إرادة الله في عذاب الطغاة ~~والمستكبرين. # * * * ### ||| ** الله محيط بالكافرين # ( @QUR@05 بل الذين كفروا في ms5444 تكذيب ) إنه تقرير للحقيقة الثابتة في واقع ~~الكافرين الذين رفضوا الإيمان عنادا واستكبارا ، وقرروا من خلال عقدتهم ~~المتخلفة المستكبرة أن لا يلقوا بأسماعهم وبعقولهم إلى كلمات الإيمان ، مما ~~يجعل التكذيب بالرسل والرسالات موقفا حاسما لا يبحثون له عن مبرر ، ولا ~~يريدون أن يقدموا له أي تفسير ، ولكن إلى أين يذهبون ويهربون؟ هل يملكون ~~ملجأ من الله ، أو مهربا من عذابه؟ ( @QUR@04 والله من ورائهم محيط ) فلا ~~يعجزون الله في شيء من أمرهم لأنه القادر عليهم ، المهيمن على أوضاعهم من ~~كل جهة. # * * * ### ||| ** القرآن مرجع كل حقيقة # ( @QUR@07 بل هو قرآن مجيد* في لوح محفوظ ) فهو الذي يملك المجد كما لم ~~يملكه كتاب ، لأنه كلام الله الذي لا شيء أرفع منه ، وأي مجد لكلام كما هو ~~كتاب الله في مجده ، وهو الكتاب الذي لا يقترب إليه الباطل لأنه محفوظ من ~~التحريف ومن الزيادة والنقصان ، فهو المرجع الأخير للحقيقة كلها في جميع ~~مجالاتها. # * * * PageV24P175 ### | سورة الطارقة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها سبع عشرة PageV24P177 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية تبدأ بالقسم بالسماء وبالنجم الثاقب الذي عبرت عنه ~~بالطارق ، في ما يمكن أن يهز المشاعر بموسيقاه الحادة. ثم تؤكد الحقيقة ~~التي جاء القسم لتقريرها وإثباتها وهي الرقابة على كل نفس من خلال الحافظ ~~الذي يحفظ عليها أعمالها ، ثم تلتفت إلى سر الخلق الإنساني لتطلب من ~~الإنسان النظر إلى طبيعة الماء الدافق الذي ( @QUR@05 يخرج من بين الصلب ~~والترائب )، فهو المادة الأولى التي خلق منها ، ليفكر في طبيعتها ، وفي ~~الأسرار المودعة فيها ، ليعرف أسرار العظمة الإلهية التي أبدعت من هذا ~~الماء إنسانا ، من دون أن يكون فيه شيء يوحي بذلك ، لينتقل من هذه الحقيقة ~~إلى حقيقة إيمانية مفادها أن الله قادر على إرجاعه إلى الحياة بعد الموت ، ~~حيث يقف هناك بإنسانيته التي لا تملك الحفاظ على أسرارها ، لأن السرائر سوف ~~تتمزق ولا يبقى هناك ما يسترها ، كما لا يملك الإنسان أية قوة ذاتية يدافع ~~بها عن نفسه ، كما لا يملك أي ناصر ينصرها من عذاب الله ، فليعرف كيف يوثق ~~علاقته بربه ليحمي ms5445 نفسه بذلك من عذابه. # وتعود السورة إلى القسم بالسماء ذات الرجع ، وهو المطر الذي ترجع به ~~السماء مرة من بعد مرة ، وبالأرض ذات الصدع ، وهو النبت الذي يشق الأرض ~~وينبثق منها ، لتؤكد بالقسم ، القول الفصل الحاسم الذي لا يوحي بالهزل. ~~فليفهم الكافرون الذين يكيدون للمؤمنين ويكيد الله لهم ، وليأخذوا مهلتهم ، ~~فلن يفوتهم عذاب الله. # * * * PageV24P179 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والسماء والطارق (1) @QUR@04 وما أدراك ما الطارق (2) @QUR@02 ~~النجم الثاقب (3) @QUR@06 إن كل نفس لما عليها حافظ (4) @QUR@04 فلينظر ~~الإنسان مم خلق (5) @QUR@04 خلق من ماء دافق (6) @QUR@05 يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) @QUR@04 إنه على رجعه لقادر (8) @QUR@03 يوم تبلى السرائر (9) ~~@QUR@06 فما له من قوة ولا ناصر ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والطارق ): الآتي ليلا ، وهو هنا : اسم للنجم الذي يظهر في الليل. # ( @QUR@01 الثاقب ): المضيء ، العالي. # ( @QUR@01 دافق ): الدفق : تصبب الماء وسيلانه بدفع وسرعة. # ( @QUR@01 الصلب ): الظهر. # ( @QUR@01 والترائب ): جمع : تريبة ، وهي عظم الصدر. # ( @QUR@01 رجعه ): إعادته. PageV24P180 # ( @QUR@01 تبلى ): تختبر. # ( @QUR@01 السرائر ): ما أسره الإنسان وأخفاه في نفسه. # * * * ### ||| ** ( @QUR@04 والسماء والطارق النجم الثاقب ) # ( @QUR@02 والسماء والطارق ) تبدو لنا السماء بعظمتها واتساعها وهي تشرف ~~على الأرض ، كما لو كانت سقفا مرفوعا ، وتبرز كلمة الطارق المأخوذة من ~~الطرق ، وهو الضرب بشدة يسمع له صوت ، وشاع استعماله في الإتيان ليلا ، لأن ~~الآتي في الليل يجد الأبواب مغلقة فيطرقها ويدقها ، فتثير التساؤل الذي ~~يوحي بالاهتمام والتفخيم ، ( @QUR@04 وما أدراك ما الطارق ) ما هي طبيعته؟ ~~وما هويته؟ فيأتي الجواب ، بأنه ( @QUR@02 النجم الثاقب ) الذي يثقب ظلام ~~الليل بنوره. والظاهر أن المراد به أي كوكب من الكواكب. # * * * ### ||| ** الملك الحافظ الأعمال # ( @QUR@06 إن كل نفس لما عليها حافظ ) وهذا هو ما أراد القسم تأكيده ، ~~وكلمة «لما» بمعنى «إلا» أي ما من نفس إلا وعليها حافظ يحفظ عليها أعمالها ~~لتحاسب عليها يوم القيامة ، والظاهر أن المراد بالحافظ الملك الذي يكتب ~~صحيفة الأعمال. # وقد احتمل صاحب الميزان رحمه الله ، «أن يكون المراد من حفظ النفس حفظ ~~ذاتها وأعمالها ، والمراد بالحافظ جنسه ، فتفيد أن النفوس محفوظة لا تبطل ~~بالموت ولا تفسد ، حتى إذا أحيا الله الأبدان ، أرجع النفوس إليها ، فكان PageV24P181 # الإنسان هو ms5446 الإنسان الدنيوي بعينه وشخصه ، ثم يجزيه بما تقتضيه أعماله ~~المحفوظة عليه من خير أو شر. # ويؤيد ذلك كثير من الآيات الدالة على حفظ الأشياء كقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) [السجدة : 11] ، وقوله : ( ~~@QUR@015 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي ~~قضى عليها الموت )» (1) [الزمر : 42]. # ونلاحظ أن هذا الاحتمال بعيد عن الظهور من خلال أن السياق ينطلق في بيان ~~مسئولية الإنسان عن أعماله التي يواجهها في يوم القيامة ، مما يفرض عليه ~~الدقة في المحاسبة والمراقبة ، وعدم الشعور بالحرية المطلقة في ما يأخذ به ~~وفي ما يدعه ، ولا موجب للحديث عن حفظ النفوس وعدم بطلانها بالموت ، فإن ~~طبيعة الحديث عن المعاد يفرض ذلك من دون حاجة إلى هذا التعبير البعيد عن ~~الذهن ، أما ما ذكره شاهدا على ذلك من الآيتين ، فالظاهر أن المراد بهما ~~حفظ النفس في الحياة من الموت قبل إتيان الأجل ، والله العالم. # * * * # ( @QUR@04 فلينظر الإنسان مم خلق ) # ( @QUR@04 فلينظر الإنسان مم خلق ) فلا يستغرق في وجوده الكامل السوي ~~الذي يوحي بالقوة والجمال ، بل يدرس مبدأ خلقه قبل تكوينه من خلال ما ~~يلاحظه من طبيعة الطريقة في التناسل ، ( @QUR@04 خلق من ماء دافق ) يندفع ~~ويسيل بدفع وسرعة ، وهو المني ( @QUR@05 يخرج من بين الصلب والترائب ) أي ~~صلب الرجل ، وهو عظام ظهره الفقارية ، ومن ترائب المرأة ، وهي عظام صدرها ~~العلوية. وهكذا يكون اللقاء بينهما PageV24P182 # واتحادهما هو الوسيلة لبداية رحلة الوجود الحيوي للإنسان ابتداء من ~~الخلية الواحدة التي لا تفتأ أن تتكاثر وصولا إلى إنتاج هذا الإنسان الحي ~~الكامل بكل خصوصياته البشرية منها ، وتوجيه الإنسان إلى أن ينظر إلى ذلك ، ~~قد يؤدي به إلى اكتشاف القوانين المودعة في حركة هذا الماء الدافق الذي ~~يمثل ملايين الخلايا في الدفقة الواحدة ؛ فكيف تحصل الخلية الواحدة منها ~~التي يوجد منها الإنسان على غذائها في جدار الرحم من حولها الذي يتحول إلى ~~بركة من الدم السائل للغذاء الطازج؟ وكيف تنقسم إلى عدة خلايا ، تتخصص كل ~~مجموعة منها لبناء الجسم الإنساني في أجهزته ، من ms5447 الهيكل العظمي ، إلى ~~الجهاز العضلي ، والجهاز العصبي ، إلى غير ذلك من الأجهزة التي تمثل أسس ~~الحياة الإنسانية الجسدية؟ مع ملاحظة مهمة ، وهي وضع كل عضلة أو عصب أو عضو ~~في موضعه ، فلا تخطئ عملية التركيب والنمو في شيء من ذلك ، كما لا تخطئ ~~عملية الشكل والصورة في الملامح الدقيقة الخاضعة لعوامل الوراثة التي قد ~~تمتد في تأثيرها إلى عشرات السنين ، فكيف حدث هذا؟ ومن الذي ألهم الخلية ~~الواحدة من هذا الماء الدافق بهذا التكاثر والتقسيم والتوزيع والتصوير ~~والتنظيم؟ ثم هذه الدقة في خصائص الأجهزة والأعضاء ، بحيث يكون كل واحد ~~منها عالما مستقلا ، في عناصرها الذاتية في حال انفرادها بعمل ، أو تعاونها ~~في بعض الأعمال. # ولو أراد الإنسان أن يرسم مخططا لهذا التكوين الهائل ، في طبيعة عناصر ~~هذا الوجود الإنساني وخصائصه ، لاحتاج إلى جهود ضخمة من العلماء والمتخصصين ~~، وعشرات من السنين ، ولن يستطيعوا أن يبلغوا كل الأسرار التي ينفتح منها ~~للإنسان في كل اكتشاف علمي سر جديد. ويبقى للروح سرها ، وللعقل تعقيداته ، ~~وللذاكرة غوامضها ، مما قد يتعب الفكر ، فلا يستطيع استيعابها بشكل مطلق. ~~فكيف هي عظمة الخالق القادر على أن يودع كل هذه الأسرار والحركة والإبداع ~~في هذه الخلية الواحدة التي لا تدرك بالعين PageV24P183 # المجردة؟ وكيف يمكن أن يستبعد أحد من خلقه قدرته على بعض شؤون حركة ~~الإنسان في إعادته إلى الحياة بعد الموت من جديد؟ # * * * ### ||| ** الآية والاكتشافات العلمية # وقد تحدث بعض المختصين بأن الاكتشافات العلمية لا توافق أن يكون نشوء هذا ~~الماء الدافق من الصلب في الرجل ، والترائب في المرأة ، لأن هناك من ينكر ~~وجود مني للمرأة ، فضلا عن انطلاقه من ترائبها ، وإذا كان المراد بذلك ~~بويضة المرأة التي يفرزها جسدها لتلقحها النطفة ، فإن التعبير لا يلائمها ~~أولا ثم إن مصدرها ليس الترائب ثانيا فكيف نفسر ذلك؟ # وإذا كنا لا نملك اختصاصا في هذا المجال ، فلا نستطيع أن نخوض في حديث ~~علمي تحليلي لهذا الموضوع سلبا أو إيجابا ، ولكننا قد نلاحظ بأن الحديث عن ~~إرادة الماء الممتزج من ماء الرجل ms5448 والمرأة ، من كلمة الماء الدافق ، ناشئ ~~من بعض الروايات التي لا تمثل سندا قطعيا ، في ما هي الحقيقة الشرعية ، كما ~~أن هذا الكشف العلمي الناشئ من تأملات تجريبية ، لا يفيد إلا الظن ، فلا ~~يمكن لنا أن نتوقف هنا أو هناك ، لنتحفظ في الحقيقة القرآنية التي لا تصدر ~~من تجربة ظنية ، بل هي وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه ، وقد يكتشف الإنسان نظرية علمية جديدة تقلب موازين هذا الاكتشاف رأسا ~~على عقب ، فتثبت بأن للمرأة ماء كما هو للرجل ، كما تتحدث عن مصدره بما لا ~~يتنافى مع القرآن ، ومن المحتمل أن يكون المراد من الماء ماء الرجل الذي ~~يخرج من الصلب والترائب ، إذا كانت كلمة الترائب تتسع لعظام الصدر العلوية ~~للرجل ، كما هي للمرأة ، والظاهر أن الأمر كذلك ، ولذا احتاج التخصيص بها ~~إلى الإضافة ، والله العالم. # * * * PageV24P184 ### ||| ** قدرة الله على إعادة الإنسان إلى الحياة # ( @QUR@04 إنه على رجعه لقادر ) فإن إعادته إلى الحياة ليست بأكثر صعوبة ~~من إيجاده بهذا الشكل الدقيق في عمق القدرة والإبداع ، بل إن الإيجاد على ~~غير مثال أشد في مسألة القدرة من الإعادة على صورة المثال الموجود. # ( @QUR@03 يوم تبلى السرائر ) وهي الأشياء الخفية التي كان الإنسان يسرها ~~ويخفيها في نفسه عند ما كان في الدنيا ، من أعماله التي كان يكتمها عن ~~الآخرين ، مما لا يستطيع أن يتحمل مسئوليته أمامهم. فإنها تختبر وتكشف ~~وتظهر حين يقف الإنسان للحساب على أساسها ، فلا يبقى هناك سر هارب من ~~المعرفة ، أو بعيد عن المسؤولية ، بل يقف الإنسان هناك ، في يوم القيامة ، ~~عاريا من كل ثيابه ، ومن كل أسراره ، ومن كل عناصر قوته ، وهذا ما يريد ~~القرآن من الإنسان أن يتمثله في وعيه المسؤول ، فلا يشعر بالحماية الطبيعية ~~لأسراره السيئة التي يملك أمر كتمانها ، بل يفكر بأن الله سوف يظهرها على ~~رؤوس الأشهاد ، أو أنه المطلع عليها في الدنيا والآخرة ، فلا يأخذ حريته في ~~تحريكها في حياته عصيانا وتمردا على الله في المناطق الخفية من واقعه ~~العملي ، ليدفعه ms5449 ذلك إلى الدقة في أعماله ، حتى لا تكون بعيدة عن خط ~~المسؤولية التي يواجهها غدا بين يدي الله. # ( @QUR@06 فما له من قوة ولا ناصر ) لأنه لا يملك أية قوة ذاتية مستقلة ، ~~كما لا يملكها غيره ، لأن القوة لله جميعا. فكيف يفكر في ذلك اليوم أن يحرك ~~هذه القوة للدفاع عن نفسه ، في مقابل قوة الله؟ # * * * PageV24P185 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 والسماء ذات الرجع (11) @QUR@03 والأرض ذات الصدع (12) @QUR@03 ~~إنه لقول فصل (13) @QUR@03 وما هو بالهزل (14) @QUR@03 إنهم يكيدون كيدا ~~(15) @QUR@02 وأكيد كيدا (16) @QUR@04 فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) (17) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الرجع ): المطر ، لأنه يجيء ويرجع ويتكرر. # ( @QUR@01 الصدع ): الشق. # ( @QUR@01 فصل ): الفصل : إبانة أحد الشيئين من الآخر حتى يكون بينهما فرجة. # ( @QUR@01 أمهلهم ): التمهيل والإمهال بمعنى واحد ، غير أن باب التفعيل ~~يفيد التدريج ، والإفعال يفيد الدفعة. # ( @QUR@01 رويدا ): قليلا. # * * * PageV24P186 ### ||| ** القرآن هو القول الفصل # ( @QUR@03 والسماء ذات الرجع ) صحيح أن الرجع قد يراد به لغة كما تقدم ~~المطر ، إلا أنه قد يعمم لينتحل كل الظواهر السماوية المتكررة البادية للحس ~~أو للعيان ، كما في طلوع الكواكب وغروبها ونحو ذلك. ( @QUR@03 والأرض ذات ~~الصدع ) وهو الشق ، ولعل المراد به النبات عند ما تنشق الأرض عنه ، ~~وأمثاله. وربما كان في القسم بهذين المخلوقين العظيمين من الظواهر البارزة ~~فيهما ، بعض الإيحاء برجوع الإنسان إلى الحياة بعد الموت ، وانشقاق الأرض ~~عنه وخروجه منها إلى الحساب يوم القيامة. # ( @QUR@03 إنه لقول فصل ) هذا القرآن الذي يقرر حقيقة الآخرة في ما توحي ~~به من البعث بعد الموت ، هو الحقيقة الحاسمة ، لأن الله أنزله ليعرف الناس ~~حقيقة الوجود في عالم الغيب وفي عالم الشهود ، ( @QUR@03 وما هو بالهزل ) ~~لأن الله لا يهزل ، بل هو الجد كل الجد في كلامه وأفعاله. وربما كان المراد ~~به المضمون نفسه المتعلق بالمعاد ، من دون توسيط القرآن في دلالته عليه. # * * * # ( @QUR@05 إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ) # ( @QUR@03 إنهم يكيدون كيدا ) هؤلاء المشركون الذين يتحركون بكل وسائلهم ~~الخبيثة المتعددة ، ليخططوا الخطط ، وليبتدعوا الحيل ، ليكيدوا لك يا محمد ~~وللمؤمنين معك ، من أجل أن يسقطوا الرسالة بإسقاط موقفك وموقف المؤمنين ، ~~فلا تخف منهم ، ولا تسقط أمامهم ، فإنهم لن ms5450 يستطيعوا أن يصلوا إليك بسوء ، ~~لأنهم لا يملكون الامتداد بهذا الكيد ، فهم لا يملكون شيئا من القوة ~~المستقلة ، ( @QUR@02 وأكيد كيدا ) فأنا الرب القادر القاهر الذي يملك أمر الحياة PageV24P187 # والموت ، وأمر النفع والضرر ، ويعلم سرهم وعلانيتهم ، ويعلم حقيقة ~~الأشياء الخفية التي يستخدمونها ضدك ، مما يعلمونه ، كما يعلم الخفايا التي ~~لا يعلمونها. فأنا الذي أكيد لهم ، فأبطل كيدهم وتآمرهم ، وأضع الخطط للنبي ~~وللمؤمنين في الوصول إلى النتائج الكبيرة التي تحقق لهم النصر النهائي. # ( @QUR@04 فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) أي انتظر بهم يا محمد ولا تعجل ~~عليهم ، فقد يحتاج الأمر إلى أن يطرحوا كل ما عندهم ، وأن يتحركوا في خط ~~المواجهة معك ، وأن يثيروا الغبار في وجهك ، وأن يأخذوا بأسباب القوة التي ~~يملكونها في مواجهتك ، وأن ينالوا من المؤمنين موقفا. وقد يحتاج المؤمنون ~~أن يعيشوا تجربة الصراع ليتألموا في مواقع الإيمان ، وليضطهدوا في مواقف ~~الدعوة ، وليعانوا الكثير من الآلام في خط التحدي الكبير ، لتتعمق تجربتهم ~~، وتتصلب مواقفهم ، ويكبر موقعهم ، وتتسع ذهنيتهم ، من أجل أن ينتفعوا بذلك ~~في تجربة الحركة المستقبلية في خط الدعوة والجهاد ، لأن المؤمنين إذا لم ~~يعيشوا التجربة القاسية في مواقع الصراع ، فلن يستطيعوا أن يملكوا النتائج ~~الكبيرة في ساحات الانتصار. # وهكذا أراد الله من رسوله أن يستوعب طبيعة المرحلة ، ليكون انتظاره ~~انتظار الخطة لا انتظار العجز ، وليعرف أن الله قادر على أن يعجل عليهم لو ~~أراد النبي ذلك في ما يملك من الدرجة الرفيعة عنده. لكن الله أراد له أن ~~يتمهل وقتا قريبا ، ليستكمل تجربته في الدعوة ، ومتابعته لخطط الأعداء التي ~~يكشفها الله له ، وليثق بأن كيد الله فوق كيد الكائدين ، وإرادته فوق بغي ~~الكافرين. # * * * ### ||| ** من وحي الآيات # وقد نستوحي من ذلك ، أن الدعاة إلى الإسلام والعاملين في سبيله ، لا PageV24P188 # بد لهم من أن لا يتعبوا جراء طول الزمن وامتداد المرحلة التي يتحركون ~~فيها ، وأن لا يتعقدوا من المؤامرات المتنوعة التي يدبرها الكافرون ضدهم ~~بوسائلهم المختلفة ، وأن لا يستعجلوا النجاح قبل توفر شروطه الموضوعية ، ~~لأن طبيعة التعقيدات السياسية أو الاجتماعية أو ms5451 الأمنية أو الاقتصادية قد ~~تحتاج إلى وقت طويل للحل من خلال الظروف الموضوعية المعقدة الخاضعة لأوضاع ~~الزمان والمكان والأشخاص ونحو ذلك. # وعلى ضوء ذلك ، فقد يكون من الضروري لهم أن يدخلوا في الحسابات الدقيقة ~~للمواقف ، وأن يدرسوا طبيعة خلفيات الكيد الاستكباري وظروفه وأوضاعه ، وأن ~~يتابعوا تطورات الساحة الإسلامية ومشاكلها ومواقفها ، وأن يثقوا بالله في ~~نصره للمؤمنين إذا أخذوا بأسباب النصر وتوكلوا على الله ، في ما لا يملكون ~~أمره ، ( @QUR@010 إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) [الطلاق : ~~3] وقد أثبتت الآية قدرا فعليهم أن يأخذوا بتقدير الله للأمور ، في ما تعبر ~~عنه السنن الكونية للمجتمع وللحياة ، ويضعوا في وعيهم أن الكافرين إذا ~~كانوا ( @QUR@02 يكيدون كيدا )، فإن الله يكيد لهم كيدا مماثلا أو أعظم ~~منه بما يبطل خططهم ، ويهزم جمعهم ، ويجعل الخير للمؤمنين في كل حال. # * * * PageV24P189 ### | سورة الأعلى ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع عشرة PageV24P191 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية تطوف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تطلعاته الروحية ~~التي تريد أن توجهه إلى الله سبحانه ليحدق بالآفاق العليا التي تطل على ~~أسرار عظمته ، وليستلهم من ذلك الإيحاءات الإلهية ، في ما تفتح به قلبه على ~~ما في الأسماء الحسنى لله ، وعلى الصفات العليا لكماله وجلاله ، ليسبحه في ~~موقع ربوبيته ، وليختزن في داخل وعيه الرسالي أنه الأعلى ، فلا شيء معه ولا ~~شيء فوقه ، وليتصوره في خلقه وتدبيره ورزقه ، وليدفعه إلى ساحة الرسالة ~~ليستوعب آيات الله في قلبه وسمعه ولسانه ، فلا ينساها إلا ما شاء الله من ~~ذلك ، في ما يملك من أمور عباده ، فلا يستقلون بشيء منها ، ولا يبتعدون عن ~~خط المشيئة التي تربطهم به ، لأنه المهيمن على كل شيء ، فهو الذي يعلم ~~ظواهر الأشياء وخفاياها. # ويفتح له الطريقة اليسرى التي توصله إلى هدفه في الدعوة بأقرب الوسائل ~~وأيسرها ، لينطلق بالإبلاغ الذي يهز الوجدان الإنساني في عملية تذكير ~~بالحقائق الإلهية في المبدأ والمعاد وفي حركة المسؤولية فيما بينهما. ~~وستتعمق الذكرى في وعي الإنسان الذي يخشى ربه ويتحسس مسئولية المعرفة في خط ~~الطاعة ms5452 ، أما الأشقى الذي يعيش أجواء العبث واللامبالاة في حياته ، فإنه ~~يتجنبها ، ليبقى سادرا في غيه ، ولكنه سوف ينتهي إلى «النار PageV24P193 # الكبرى» التي لا يحس فيها براحة الموت ولذة الحياة ، وتلك هي الخسارة ~~الخالدة. # ثم تثير السورة الدعوة الإلهية لتطهير النفس وتزكيتها باعتبار أنها سبب ~~الفلاح في الدنيا والآخرة ، حيث تنفتح في الجانب العملي على ذكر الله ~~ومراقبته في كل الأمور ، والوقوف بين يديه في الصلاة التي يعرج فيها المؤمن ~~بروحه إلى الله ، ولكن مشكلة الناس أنهم يؤثرون الحياة الدنيا ويبتعدون عن ~~الآخرة من دون وعي حقيقي بأن الدنيا متاع ، وأن الآخرة خير لهم في نتائجها ~~الطيبة الخالدة ، مما يجعل الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح أخذا ~~بأسباب الخير ، وهي في الوقت نفسه دار الخلود التي يبقى للإنسان منها كل ما ~~يحصل عليه فيها من النعيم الدائم. # إنها حقائق الكون والرسالة والدعوة وحركة الطاعة في حياة الإنسان التي ~~تطل على مصيره في الآخرة ، وهي رسالة الله التي أودعها في صحف إبراهيم ~~وموسى عليه السلام ، وعرفها لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم كحقيقة إيمانية ~~قرآنية. # * * * PageV24P194 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى (1) @QUR@03 الذي خلق فسوى (2) @QUR@03 ~~والذي قدر فهدى (3) @QUR@03 والذي أخرج المرعى (4) @QUR@03 فجعله غثاء أحوى ~~(5) @QUR@03 سنقرئك فلا تنسى (6) @QUR@09 إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) @QUR@02 ونيسرك لليسرى (8) @QUR@04 فذكر إن نفعت الذكرى (9) ~~@QUR@03 سيذكر من يخشى (10) @QUR@02 ويتجنبها الأشقى (11) @QUR@04 الذي ~~يصلى النار الكبرى (12) @QUR@06 ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) @QUR@04 قد ~~أفلح من تزكى (14) @QUR@04 وذكر اسم ربه فصلى (15) @QUR@04 بل تؤثرون ~~الحياة الدنيا (16) @QUR@03 والآخرة خير وأبقى (17) @QUR@05 إن هذا لفي ~~الصحف الأولى (18) @QUR@03 صحف إبراهيم وموسى ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سبح ): أمر بالتنزيه. # ( @QUR@01 فسوى ): سوى الشيء : جعله متساويا. PageV24P195 # ( @QUR@01 غثاء ): الغثاء : ما يقذفه السيل على جانب الوادي من الحشيش ~~والنبات. # ( @QUR@01 أحوى ): أسود. # ( @QUR@02 النار الكبرى ): جهنم. # ( @QUR@01 تؤثرون ): تختارون. # * * * ### ||| ** السجود لله أقصى درجات الخضوع له # ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~ولكنه لا يتعلق به وحده وبصفته الشخصية ، بل بصفته الإنسانية في ساحة ~~العبودية المنفتحة ms5453 على مسئوليته الرسالية في التزامها بالله فكرا وعقيدة ~~وعملا. ولذلك ، فإن الخطاب يمتد إلى كل إنسان يراد له أن يعيش تلك الحقيقة ~~في رحاب الله في مواقع الإحساس بعظمته وعلو مجده ، إنها الدعوة إلى تسبيح ~~الله الذي يعبر عن تنزيهه عما لا يليق بشأنه ، وتعظيمه في ما ينبغي له. ~~وإذا كانت الدعوة للتسبيح المتعلق باسمه ، فإن ذلك ينطلق من خلال ما يوحي ~~به هذا الاسم من الدلالة على ذاته المقدسة في مواقع الربوبية التي لا ~~يدانيها أي موقع. فهو الرب الأعلى الذي لا يذكر اسم أحد مع اسمه ، ولا ~~يقترب إليه أحد في علوه ، فهو الأعلى في كل مواقع العلو ، فلا يقف التصور ~~في رحابه عند حد ، بل يبقى في نظرته التصاعدية ، فمهما تصور الإنسان درجة ~~له في ذهنه المحدود ، ستبقى هناك درجة أعلى منها ، لأن الله هو الأعلى في ~~غير حدود ، المطلق في كل صفات الكمال والجمال. PageV24P196 # وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «اجعلوها في سجودكم» (1)، ولعله ~~بلحاظ أن السجود يمثل أقصى درجات الانحطاط في مواقع الخضوع ، فأريد لهذا ~~الجو الخاضع الذي يعيشه الساجد ، أن يرتبط في وعيه بمواقع السمو العليا ~~التي يستوحي منها الشعور العبادي بانسحاق الأسفل أمام الأعلى ، وذوبانه فيه ~~، مما يجعله في أفضل درجات العبودية في إحساسه العميق بمقام ربه وموقعه منه. # ولعل التأكيد على التسبيح ، ينطلق من الأسلوب القرآني التربوي الذي يراد ~~له أن يربي الإنسان المؤمن على الاستحضار الدائم لعظمة الله في نفسه ، ~~وتنزيهه عما لا يليق به ، لتبقى العقيدة في صفائها ونقائها مشرقة في ذاته ، ~~وليبقى للإنسان الحد الفاصل بين ما هو الإنسان في كل مواقعه المحدودة ، ~~وبين ما هو الرب في آفاق العظمة المطلقة التي لا حدود لها ، حتى لا يتأنسن ~~الإله في شعوره ، ولا يتأله الإنسان في وعيه الفكري وحركته العملية ، عند ~~ما يظل الذهن مشدودا إلى الله في الآفاق التي لا يشاركه فيها أحد. # ( @QUR@03 الذي خلق فسوى ) فجعل كل مخلوق متناسبا في أجزائه وأجهزته ، ~~كاملا في عناصر ms5454 وجوده ، جاهزا لتحقيق غايته ، ميسرا لحركته الوجودية نحو ما ~~خلق لها ، سواء في وجوده الذاتي في حياته الفردية ، أو في وجوده الاجتماعي ~~في حياته الاجتماعية. وهذا ما يلمحه المتأمل في دراسة كل المخلوقات الجامدة ~~والحية ، الصغيرة والكبيرة ، من أصغر ذرة إلى أضخم المجموعات الكونية ~~الهائلة. # * * * # ( @QUR@03 الذي قدر فهدى ) # ( @QUR@03 والذي قدر فهدى ) فجعل للكون نظاما يتحرك نحو غايته بكل دقة PageV24P197 # وتوازن ، وركب في كل موجود الأسرار الخفية التي تجعل له وعيا ذاتيا نحو ~~المواقع التي أراد له أن يتحرك فيها ، ليحفظ استمرار وجوده من خلال الوصول ~~إليها ، وليحقق رغباته الخاصة في حركتها. وهذا ما نلاحظه في كل مخلوق عاقل ~~أو غير عاقل ، فهناك نوع من الهداية التكوينية التي تجعله يتحرك غريزيا نحو ~~حاجاته ومواقعه ، وهناك نوع من الهداية الإرادية التي تدفعه إلى تحريك ~~إرادته في حركة جسمه وعقله نحو تحقيق الشروط الطبيعية أو الضرورية التي ~~تحقق له النتائج العملية أو الفكرية في حركة وجوده. # * * * ### ||| ** الهداية تتجلى في مخلوقاته # وقد نحتاج إلى تقديم بعض النماذج الوجودية في المخلوقات غير العاقلة في ~~ما ركب الله فيها من عناصر الهداية التي تحركها نحو غاياتها بيسر وسهولة ، ~~وذلك في ما نقله العالم د. كريسي موريسون رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك ~~في كتابه : «الإنسان لا يقوم وحده» الذي ترجمه الأستاذ محمود صالح الفلكي ~~بعنوان : «العلم يدعو إلى الإيمان» ، ونقلا عن كتاب «في ظلال القرآن» لسيد ~~قطب قال : «إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن ، فعصفور الهزار الذي ~~عشش ببابك يهاجر جنوبا في الخريف ، ولكنه يعود إلى عشه في الربيع التالي. ~~وفي شهر سبتمبر ، تطير أسراب من معظم طيورنا (1) إلى الجنوب ، وقد تقطع في ~~الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار ، ولكنها لا تضل طريقها. والحمام الزاجل ~~إذا تحير من جراء أصوات جديدة عليه في رحلة طويلة داخل قفص ، يحوم برهة ثم ~~يقصد قدما الى موطنه دون أن يضل. PageV24P198 # والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار ، ~~وكل دليل يرى. وحاسة العودة إلى الوطن ms5455 ، هذه ، هي ضعيفة في الإنسان ، ولكنه ~~يكمل عتاده القليل منها بأدوات الملاحة. ونحن في حاجة إلى هذه الغريزة ~~وعقولنا تسد هذه الحاجة. ولا بد أن للحشرات الدقيقة عيونا ميكروسكوبية ~~مكبرة لا ندري مبلغها من الإحكام ، وأن للصقر بصرا تلسكوبيا مكبرا مقربا . ~~وهنا أيضا يتفوق الإنسان بأدواته الميكانيكية ، فهو بتلسكوبه يبصر سديما ~~بلغ من الضعف أنه يحتاج إلى مضاعفة قوة إبصاره مليوني مرة ليراه ، وهو ~~بميكروسكوبه الكهربائي يستطيع أن يرى بكتريا كانت غير مرئية ، بل كذلك ~~الحشرات الصغيرة التي تعضها! # وأنت إذا تركت حصانك العجوز وحده ، فإنه يلزم الطريق مهما اشتدت ظلمة ~~الليل ، وهو يقدر أن يرى ولو في غير وضوح ، ولكنه يلحظ اختلاف درجة الحرارة ~~في الطريق وجانبيه ، بعينين تأثرتا قليلا بالأشعة تحت الحمراء التي للطريق. ~~والبومة تستطيع أن تبصر الفأر الدافئ اللطيف وهو يجري على العشب البارد ~~مهما تكن ظلمة الليل. ونحن نقلب الليل نهارا بإحداث إشعاع في تلك المجموعة ~~التي نسميها الضوء ...» (1). # * * * ### ||| ** معجزة خلق النحلة وعملها # «... إن العاملات من النحل تصنع حجرات مختلفات الأحجام في المشط الذي ~~يستخدم في التربية ، وتعد الحجرات الصغيرات للعمال ، والأكبر منها لليعاسيب ~~ذكور النحل وتعد غرفة خاصة للملكات الحوامل. والنحلة PageV24P199 # الملكية تضع بيضا غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكور ، وبيضا مخصبا في ~~الحجرات الصحيحة المعدة للعاملات الإناث والملكات المنتظرات. والعاملات ~~اللاتي هن إناث معدلات بعد أن انتظرن طويلا مجيء الجيل الجديد ، تهيأن أيضا ~~لإعداد الغذاء للنحل الصغير بمضغ العسل واللقح ومقدمات هضمه ، ثم ينقطعن عن ~~عملية المضغ ومقدمات الهضم عند مرحلة معينة من تطور الذكور والإناث ، ولا ~~يغذين سوى العسل واللقح. والإناث اللاتي يعالجن على هذا الشكل يصبحن ~~عاملات». # «أما الإناث اللاتي في حجرات الملكة ، فإن التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم ~~تستمر بالنسبة لهن ، وهؤلاء اللاتي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ~~ملكات نحل ، وهن وحدهن اللاتي ينتجن بيضا مخصبا. وعملية تكرار الإنتاج هذه ~~تتضمن حجرات خاصة وبيضا خاصا ، كما تتضمن الأثر العجيب الذي لتغيير الغذاء ~~، وهذا يتطلب الانتظار والتمييز وتطبيق اكتشاف أثر الغذاء! ms5456 وهذه التغييرات ~~تنطبق بوجه خاص على حياة الجماعة ، وتبدو ضرورية لوجودها. ولا بد أن ~~المعرفة والمهارة اللازمتين لذلك قد تم اكتسابهما بعد ابتداء هذه الحياة ~~الجماعية ، وليستا بالضرورة ملازمتين لتكوين النحل ولا لبقائه على الحياة ، ~~وعلى ذلك فيبدو أن النحل قد فاق الإنسان في معرفة تأثير الغذاء تحت ظروف ~~معينة!» (1). # * * * ### ||| ** معجزة خلق الحواس عند بعض الحيوانات # «والكلب بما أوتي من أنف فضولي ، يستطيع أن يحس الحيوان الذي مر. وليس ~~ثمة من أداة من اختراع الإنسان لتقوي حاسة الشم الضعيفة لديه ، PageV24P200 # ومع هذا فإن حاسة الشم الخاصة بنا على ضعفها قد بلغت من الدقة أنها ~~يمكنها أن تتبين الذرات المكروسكوبية البالغة الدقة. # وكل الحيوانات تسمع الأصوات التي يكون كثير منها خارج دائرة الاهتزازات ~~الخاصة بنا ، وذلك بدقة تفوق كثيرا حاسة السمع المحدودة عندنا ، وقد أصبح ~~الإنسان يستطيع # بفضل وسائله أن يسمع صوت ذبابة تطير على بعد أميال ، كما لو كانت فوق ~~طبلة أذنه. ويستطيع بمثل تلك الأدوات أن يسجل وقع شعاع شمسي! # إن إحدى العناكب المائية تصنع لنفسها عشا على شكل منطاد بالون من خيوط ~~العنكبوت ، وتعلقه بشيء ما تحت الماء ، ثم تمسك ببراعة فقاعة هواء في شعر ~~جسمها ، وتحملها إلى الماء ، ثم تطلقها تحت العش. ثم تكرر هذه العملية حتى ~~ينتفخ العش. وعندئذ تلد صغارها وتربيها ، آمنة عليها من هبوب الهواء. فها ~~هنا نجد طريقة النسج ، بما يشمله من هندسة وتركيب وملاحة جوية! # وسمك «السلمون» الصغير يمضي سنوات في البحر ، ثم يعود إلى نهره الخاص به. ~~والأكثر من ذلك أنه يصعد إلى جانب النهر الذي يصب عنده النهير الذي ولد فيه ~~... فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد؟ إن سمكة ~~«المسلمون» التي تصعد في النهر صعدا إذا نقلت إلى نهير آخر أدركت توا أنه ~~ليس جدولها ، فهي لذلك تشق طريقها خلال النهر ، ثم تحيد ضد التيار ، قاصدة ~~إلى مصيرها!» (1). # * * * ### ||| ** معجزة خلق ثعابين الماء # «وهناك لغز أصعب من ذلك يتطلب الحل ، وهو الخاص بثعابين الماء PageV24P201 # التي تسلك عكس ms5457 هذا المسلك ، فإن تلك المخلوقات العجيبة متى اكتمل نموها ، ~~هاجرت من مختلف البرك والأنهار. وإذا كانت في أوروبا قطعت آلاف الأميال في ~~المحيط قاصدة كلها إلى الأعماق السحيقة جنوبي برمودا. وهناك تبيض وتموت. ~~أما صغارها تلك التي لا تملك وسيلة لتعرف بها أي شيء سوى أنها في مياه قفرة ~~فإنها تعود أدراجها وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها ، ومن ثم ~~إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة .. ولذا يظل كل جسم من الماء آهلا ~~بثعابين البحر. لقد قاومت التيارات القوية ، وثبتت للأمداد والعواصف ، ~~وغالبت الأمواج المتلاطمة على كل شاطئ ، وهي الآن يتاح لها النمو ، حتى إذا ~~اكتمل نموها دفعها قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد أن تتم الرحلة كلها. ~~فمن أين ينشأ الحافز الذي يوجهها لذلك؟ # لم يحدث قط أن صيد ثعبان ماء أمريكي في المياه الأوروبية ، أو صيد ثعبان ~~ماء أوروبي في المياه الأمريكية. والطبيعة تبطئ في إنماء ثعبان الماء ~~الأوروبي مدة سنة أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي يقطعها (إذ إن ~~مسافته أطول من مسافة زميله الأمريكي) ترى هل الذرات والهباءات إذا توحدت ~~معا في ثعبان ماء يكون لها حاسة التوجيه وقوة الإرادة اللازمة للتنفيذ؟!» (1) # * * * ### ||| ** عجائب الخلق في بعض الحيوانات # «... وإذا حمل الريح فراشة أنثى من خلال نافذة إلى علية بيتك ، فإنها لا ~~تلبث حتى ترسل إشارة خفية. وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة ، ولكنه يتلقى ~~هذه الإشارة ويجاوبها ، مهما أحدثت أنت من رائحة بعملك لتضليلها. ترى هل ~~لتلك المخلوقة الضئيلة محطة إذاعة؟ وهل لذكر الفراشة جهاز راديو PageV24P202 # عقلي ، فضلا عن السمك اللاقط للصوت «إيريال»؟ أتراها تهز الأثير فهو ~~يتلقى الاهتزاز؟! # .. إن التليفون والراديو هما من العجائب الآية. وهما يتيحان لنا الاتصال ~~السريع ، ولكننا مرتبطون في شأنهما بسلك ومكان. وعلى ذلك لا تزال الفراشة ~~متفوقة علينا من هذه الوجهة. # والنبات يتحايل على استخدام وكلاء لمواصلة وجوده دون رغبة من جانبهم! ~~كالحشرات التي تحمل اللقح من زهرة إلى أخرى ، والرياح ، وكل شيء يطير ms5458 أو ~~يمشي ، ليوزع بذوره ، وأخيرا أوقع النبات الإنسان ذا السيادة في الفخ! فقد ~~حسن الطبيعة وجازته بسخاء ، غير أنه شديد التكاثر ، حتى أصبح مقيدا ~~بالمحراث ، وعليه أن يبذر ويحصد ويخزن ، وعليه أن يربي ويهجن ، وأن يشذب ~~ويطعم ، وإذا هو أغفل هذه الأعمال كانت المجاعة نصيبه ، وتدهورت المدنية ، ~~وعادت الأرض إلى حالتها الفطرية! # وكثير من الحيوانات هي مثل «سرطان البحر» الذي إذا فقد مخلبا عرف أن جزءا ~~من جسمه قد ضاع ، وسارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل الوراثة ، ~~ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل ، لأنها تعرف بطريقة ما أن وقت الراحة قد حان! # وكثير الأرجل المائي إذا انقسم إلى قسمين استطاع أن يصلح نفسه عن طريق ~~أحد هذين النصفين. وأنت إذا قطعت رأس دودة الطعم تسارع إلى صنع رأس بدلا ~~منه. ونحن نستطيع أن ننشط التئام الجروح ، ولكن متى يتاح للجراحين أن ~~يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتنتج ذراعا جديدة ، أو لحما أو عظاما أو أظفارا ~~أو أعصابا؟ إذا كان ذلك في حيز الإمكان ؟! # وهناك حقيقة مدهشة تلقي بعض الضوء على لغز هذا الخلق من جديد ، فإن ~~الخلايا في المراحل الأولى من تطورها ، إذا تفرقت ، صار لكل منها القدرة PageV24P203 # على خلق حيوان كامل. ومن ثم فإنه إذا انقسمت الخلية الأولى إلى قسمين ، ~~وتفرق هذان ، تطور منهما فردان. وقد يكون في ذلك تفسير لتشابه التوأمين ، ~~ولكنه يدل على أكثر من ذلك ، وهو أن كل خلية في البداية ، يمكن أن تكون ~~فردا كاملا بالتفصيل ، فليس هناك شك إذا ، في أنك أنت ، في كل خلية ونسيج!» (1). # * * * ### ||| ** عجائب جوزة البلوط # ويقول في فصل آخر : # «إن جوزة البلوط تسقط على الأرض ، فتحفظها قشرتها السمراء الجامدة ، ~~وتتدحرج في حفرة ما من الأرض ، وفي الربيع تستيقظ الجرثومة ، فتنفجر القشرة ~~، وتزدرد الطعام من اللب الشبيه بالبيضة الذي اختفت فيه «الجينات» وحدات ~~الوراثة وهي تمد الجذور في الأرض ، وإذا بك ترى فرخا أو شتلة شجيرة وبعد ~~سنوات شجرة! وإن الجرثومة بما فيها من جينات قد تضاعفت ملايين الملايين ، ~~فصنعت ms5459 الجذع والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة مماثلة لتلك التي لشجرة البلوط التي ~~تولدت عنها. وفي خلال مئات السنين قد بقي من ثمار البلوط التي لا تحصى نفس ~~ترتيب الذرات تماما الذي أنتج أول شجرة بلوط منذ ملايين السنين» (2). # * * * ### ||| ** الخلايا ومعجزة عملها # وفي فصل ثالث يقول : # «وكل خلية تنتج في أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءا PageV24P204 # من اللحم ، أو أن تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث حتى يبلى. ~~وعليها أن تصنع ميناء الأسنان ، وأن تنتج السائل الشفاف في العين ، أو أن ~~تدخل في تكوين الأنف أو الأذن. ثم على كل خلية أن تكيف نفسها من حيث الشكل ~~، وكل خاصية أخرى لازمة لتأدية مهمتها. ومن العسير أن نتصور أن خلية ما هي ~~ذات يد يمنى أو يسرى ، ولكن إحدى الخلايا تصبح جزءا من الأذن اليمنى ، ~~بينما الأخرى تصبح جزءا من الأذن اليسرى. # ... وإن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب ~~في الوقت الصواب وفي المكان الصواب!» (1). # * * * ### ||| ** ذكاء بعض الحيوانات الغريزي # وفي فصل رابع يقول : # «في خليط الخلق ، قد أتيح لكثير من المخلوقات أن تبدي درجة عالية من ~~أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما لا ندري. فالدبور مثلا يصيد الجندب ~~النطاط ، ويحفر حفرة في الأرض ، ويخز الجندب في المكان المناسب تماما حتى ~~يفقد وعيه ، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ .. # وأنثى الدبور تضع بيضا في المكان المناسب بالضبط ، ولعلها لا تدري أن ~~صغارها حين تفقس يمكنها أن تتغذى ، دون أن تقتل الحشرة التي هي غذاؤها ، ~~فيكون ذلك خطرا على وجودها. ولا بد أن الدبور قد فعل ذلك من البداية وكرره ~~دائما ، وإلا ما بقيت زنابير على وجه الأرض. والعلم لا يجد تفسيرا لهذه ~~الظاهرة الخفية ، ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة!. # وإن أنثى الدبور تغطي حفرة في الأرض ، وترحل فرحا ، ثم تموت ، فلا هي ولا ~~أسلافها قد فكرت في هذه العملية ، وهي لا تعلم ماذا يحدث لصغارها ، أو أن ms5460 PageV24P205 # هناك شيئا يسمى صغارا ، بل إنها لا تدري أنها عاشت وعملت لحفظ نوعها! # وفي بعض أنواع النمل ، يأتي العملة منه بحبوب صغيرة لإطعام غيرها من ~~النمل في خلال فصل الشتاء ، وينشئ النمل ما هو معروف «بمخزن الطحن» ، وفيه ~~يقوم النمل الذي أوتي أفكاكا كبيرة معدة للطحن ، بإعداد الطعام للمستعمرة ، ~~وهذا هو شاغلها الوحيد. وحين يأتي الخريف ، وتكون الحبوب كلها قد طحنت ، ~~فإن «أعظم خير لأكبر عدد» ، يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام. وما دام ~~الجيل الجديد سينتظم كثيرا من النمل الطحان ، فإن جنود النمل تقتل النمل ~~الطاحن الموجود. ولعلها ترضي ضميرها الحشري بأن ذلك النمل قد نال جزاءه ~~الكافي ، إذ كانت له الفرصة الأولى في الإفادة من الغذاء أثناء طحنه! # وهناك أنواع من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير واختر منهما ما يحلو لك ~~إلى زرع أعشاش للطعام في ما يمكن تسميته «بحدائق الأعشاش» وتصيد أنواعا ~~معينة من الدود والأرق أو اليرق ، وهي حشرات صغيرة تسبب آفة الندوة العسلية ~~وهذه المخلوقات هي بقر النمل وعنزاتها! ومنها يأخذ النمل إفرازات معينة ~~تشبه العسل ليكون طعاما له. # والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها. وبعض النمل حين يضع أعشاشه ، يقطع ~~الأوراق مطابقة للحجم المطلوب. وبينما يضع بعض عملة النمل الأطارف في ~~مكانها ، تستخدم صغارها التي وهي في الدور اليرقي تقدر أن تغزل الحرير ~~لحياكتها معا! وربما حرم طفل النمل عمل شرنقة لنفسه ، ولكنه قد خدم ~~الجماعة! # فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة أن تقوم بهذه العمليات ~~المعقدة؟ لا شك أن هناك خالقا أرشدها إلى كل ذلك» (1). PageV24P206 # وإذا كنا قد قدمنا بعض النماذج المتنوعة التي استطاعت تأملات العلم ~~واكتشافاته أن تقدم لنا فيها أسرار الإبداع ودقة التدبير وروعة الهداية في ~~خلق الله ، فإن هناك الكثير الكثير في كل ما خلق الله من الأسرار الكبيرة ~~التي توحي بالعمق التدبيري للتقدير الإلهي الذي جعل في كل موجود نظامه ~~الداخلي ، وأودع في داخل ذلك النظام أسرار الهداية التي تقوده إلى غايته ، ~~من دون أي تكلف أو جهد ms5461 كبير ، مما يدل على أن الكون كله حتى في ما لم يكتشف ~~الإنسان سره العميق وقانونه التفصيلي خاضع للخطة الإلهية الحكيمة التي تعطي ~~كل شيء هداه ، وتضع كل شيء في موضعه ، بحيث إن الملاحظة البسيطة لكل ~~الظواهر الكونية الصغيرة والكبيرة ولكل الظواهر الاجتماعية ، تؤدي بالإنسان ~~إلى القناعة بأن الكون لم ينطلق من الصدفة الطائرة ، ومن الفوضى الهائجة ، ~~بل هو منطلق من تقدير العزيز الحكيم وهدايته ، حتى أن الباحثين يفرضون ذلك ~~مسبقا قبل الدخول في البحث ، ليكون المدخل لهم فيه الانطباع الذاتي ~~والقناعة العميقة بوجود سر خفي لا بد للإنسان من اكتشافه. # * * * ### ||| ** إحياء الأرض من قدرة الله تعالى # ( @QUR@03 والذي أخرج المرعى ) المتمثل في الخضرة الممتدة في الأرض في ~~سهلها وجبلها ، في ما يرعاه الحيوان والإنسان ، في العشب الأخضر الذي يبعث ~~المتعة في العين وفي النفس ، وفي كل ألوان الخضرة التي تتنوع في خصائصها ~~الغذائية وألوانها المختلفة. وهكذا تتجلى قدرة الله في حركة الأرض الميتة ~~الجرداء التي لا تنبض بأية حركة وأي اهتزاز ، فإذا بالمطر يمنحها حيوية ~~الاهتزاز عند ما يتفاعل مع تربتها ومع البذور المتناثرة على سطحها وعمقها ، ~~فإذا بالحياة تدب فيها ، وتثير فيها كل خير وجمال وروعة وإبداع. ويأخذ ~~النمو مداه التصاعدي في امتداد الأغصان ، وفي نضارة الأوراق وحيويتها ، حتى ~~تنتهي كل طاقته في ذلك ، ويبدأ رحلة الموت من جديد ، وتأتي قدرة الله الذي PageV24P207 # أخرجه من الأرض ( @QUR@03 فجعله غثاء أحوى ) فيتحول إلى أوراق يابسة ~~وأغصان ذابلة ، وتزول كل تلك الحيوية النضرة في الألوان المتنوعة ، فإذا هو ~~أميل إلى السواد ، فهو أحوى. # ويبلغ التقدير الإلهي مداه في ذلك كله لينتظر العودة إلى حركته في فصول ~~جديدة ورحلة جديدة للنمو والحياة الخضراء. وفي هذا إشارة خفية للتدبير ~~الإلهي في إبداع الإنسان في إخراجه إلى الحياة ثم في تحوله إلى شيء ميت .. ~~ثم إلى تراب .. ثم تبدأ رحلة الحياة من جديد ، ولكن في عالم آخر .. # * * * # ( @QUR@03 سنقرئك فلا تنسى ) # ويمتلئ الوجدان في تطلعاته ، والقلب في نبضاته ، والروح في إيحاءاتها ، ~~بالتعبئة الروحية في الإحساس بعلو ms5462 الله وعظمته وخلقه وتقديره وتدبيره ~~وإخراجه المرعى ، فإذا بالإنسان النبي ، أو الإنسان الداعية ، مفتوح الفكر ~~لتلقي آيات الله بوعي ، منفتح الروح على وحيه ، في ما هو الإعداد النفسي ~~لحمل الرسالة ، والانفتاح على المسؤولية في حركتها ... # ويأتي الخطاب من الله ، ليعد النبي للمهمة ( @QUR@01 سنقرئك ) كل الوحي ~~الذي تتحمل مسئولية وعيه في نفسك ، وإبلاغه إلى الناس ، وسنملأ قلبك به ، ~~وسيتعمق في كيانك ( @QUR@02 فلا تنسى ) شيئا منه ، لأن النسيان لن يحصل إلا ~~للذين يعيشون وعي القضايا في أجواء مشاغلهم وهمومهم واهتماماتهم ، ولكنك ~~تستوعبه وتحتضنه في وجدانك من خلال عمق الوعي وعمق المسؤولية ، في أجواء ~~اللطف الإلهي الذي يشرق في فكرك نورا ، وفي روحك روحا ، وفي مشاعرك طهرا ~~وصفاء ، فلا يدنو النسيان إلى فكرك ، ولا تقترب الغفلة من قلبك ، لأن ~~المسألة في القرآن ليست مسألتك الشخصية ، في ما يتصل بحياتك الخاصة ، وليست ~~مسألة المرحلة الزمنية المحدودة ، في ما يحكم حاجة تلك PageV24P208 # المرحلة ، بل هي مسألة الإنسانية كلها في ما تحتاجه من رسالة الله ، ~~ومسألة الزمن كله ، في ما يخضع له من إشراف الوحي على حركة الأوضاع العامة ~~والخاصة المتحركة فيه ( @QUR@04 إلا ما شاء الله ) لأنك خاضع لمشيئته دائما ~~، كما هي كل حركة الوجود في مختلف أوضاعها في خضوعها للتدبير الإلهي ، فلا ~~تظنن أنك بمنأى عن الإمكانات المتحركة المتطورة في ما يمكن أن يعرض عليك من ~~طوارئ ، بل عليك أن تترقب المتغيرات التي قد تحدث من خلال مشيئة جديدة لله ~~في أمرك ، في ما يريد الله من قضايا في خطوط التدبير الإلهي. # وذلك هو الخط القرآني العريض الذي يعمل على أن يؤكد في خط العقيدة ~~التوحيدية ، في ما يتضمنه الوعي الإنساني في ذلك ، الحاجة المطلقة لله في ~~كل الحالات الإنسانية ، فلا يستسلم للثقة بقدرته ووضعه المستقر ، بل يبقى ~~منتظرا للمشيئة الإلهية في ما يخفى من بواطن الأمور ، لأن الله هو الذي ~~يعلم الغيب كله ، كما يعلم الحس كله ، ( @QUR@05 إنه يعلم الجهر وما يخفى ) ~~فهما سيان لديه ، لأن كل ما في داخلهما جزء من خلقه ومن ms5463 إرادته ، فهو الذي ~~يقرر للإنسان ما يختاره من ذلك كله. # وقد نستوحي من التأكيد على الإقراء مع عدم النسيان ، أن عملية الوعي ~~الحاضر للقرآن واستيعاب آياته وحفظه في دائرة الاستغراق في كلماته ومعانيه ~~، يمثل قاعدة قرآنية إسلامية للدعاة إلى الله ، لا بد لهم من أن يتوفروا ~~عليها باعتبار أنها تمثل الأساس في القاعدة الفكرية النفسية لإبلاغ الرسالة ~~في وعي عامل حاضر للمصدر الأساس للرسالة وهو القرآن. # * * * # ( @QUR@02 ونيسرك لليسرى ) # ( @QUR@02 ونيسرك لليسرى ) وهذه المسألة الثانية التي تعهد الله لرسوله ~~أن ييسرها PageV24P209 # له ، وأن يعد شخصيته الرسولية إعدادا قويا منفتحا على الناس كلهم والحياة ~~كلها ، بروحه الطيبة الطاهرة الحنون العطوف الرؤوف بالمؤمنين وبكل الناس ~~الذين هم الساحة الطبيعية لدعوته ، وبأخلاقه المتوازنة التي تتحرك في ~~علاقته بالأفراد والمجتمعات من موقع الرحمة والرأفة ، والحرص عليهم والتحسس ~~العميق بآلامهم وآمالهم ومشاكلهم ، والصبر على نوازعهم السلبية وأوضاعهم ~~الملتوية ، وبكلماته الطيبة الحلوة التي تمثل التعبير الأحسن والمعنى ~~الأحسن والأسلوب الأحسن ، والجدال ( @QUR@03 بالتي هي أحسن ) [النحل : 125] ~~والدفع ( @QUR@03 بالتي هي أحسن )، من دون أن يؤثر ذلك سلبا على جدية ~~الموقف وصلابة الفكرة ، وبشخصيته الأصيلة في صفاته الذاتية ، كإنسان يعيش ~~إنسانيته في نفسه ومع أهله ومع الناس ، فلا يرى الناس منه إلا كل خير في ~~صبره على الأذى وعفوه عمن أساء إليه ، وتعاليه عن القضايا الصغيرة ، ~~وانفتاحه على الآفاق الكبيرة الواسعة. # وهكذا أتاح الله له ، أن يكون الرسول الإنسان الذي يفيض على الحياة كلها ~~باليسر والسماحة والرفق في تناول الأمور ، من خلال أن هذه المعاني هي صفة ~~الرسالة كما هي صفة الرسول ، فقد أراد الله بالناس اليسر ولم يرد بهم العسر ~~، ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ، وبذلك ، كانت شخصيته منطبعة بشخصية ~~الرسالة التي قال عنها : «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (1). وهكذا يسره ~~الله للشريعة اليسرى ، وللعقيدة اليسرى في بساطتها وصفائها ونقائها ، كما ~~يسره للطريقة اليسرى في تبليغه للرسالة وفي مواجهته للمشاكل ، وفي انفتاحه ~~على الناس كلهم ، ليكون ذلك أساسا للدخول إلى قناعتهم من أقرب طريق ، ~~وللتأثير في أوضاعهم لتغييرها إلى ms5464 الأفضل ، بأفضل الأساليب الميسرة. # وهذا ما نستوحيه كعمل للدعاة إلى الله في تربيتهم لشخصياتهم على اليسر ~~والرفق والسماحة واللين ، والتوازن الأخلاقي والعملي بالمستوى الذي PageV24P210 # ييسر لهم الدخول إلى قلوب الناس من موقع المحبة ، وإلى أفكارهم من موقع ~~اليسر الفكري والتعبيري ، وإلى حياتهم من موقع اليسر العملي ، بحيث يعملون ~~على تقديم الإسلام إلى الناس في عقيدته وشريعته ومنهجه ومواقفه السياسية ~~والاجتماعية والجهادية في هذا الاتجاه ، ليحببوه إليهم في صورته الميسرة ، ~~بدلا من أن يفرضوا مزاجهم المعقد القاسي عليهم في خط الدعوة والحركة ~~والموقف ، كما يفعل بعض المبلغين الذين يرون في مهمة الدعوة مهنة تقليدية ، ~~يؤدونها إلى الناس بشكل جامد لا يخلو من القسوة والعسر والتعقيد ، فإذا لم ~~يتجاوب الناس معهم ، اتهموهم بالبعد عن الحق وعن الدين والرفض لمفاهيمه ~~وأحكامه ومناهجه ، بدلا من أن يتهموا أنفسهم بالبعد عن اليسر في أسلوبهم ~~وفي شخصياتهم وفي طريقتهم في إدارة العلاقات مع الناس. # وقد قص الله علينا أخلاقية الرسول في شخصية الإنسان الداعية ، فقال ~~سبحانه : ( @QUR@06 إن كل نفس لما عليها حافظ ) [الطارق : 4] ، وقال سبحانه ~~: ( @QUR@014 فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك ) [آل عمران : 159] ، وقال سبحانه في صفته وصفة رسالته : ( @QUR@030 ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) [الأعراف : 157]. # فقد كان خلقه عظيما بحيث تحول إلى تجسيد عملي في حركة رسالته ، في ما ~~يختزنه من عمق الرحمة القلبية التي كانت رحمة من الله لهم ، في ما تمثل به ~~أسلوبه من اللين في الكلمة والنظرة والمعاملة المنطلقة من الرقة في المشاعر ~~القلبية ، وعمل على أن يضع عن الناس الأثقال التي أثقلت حياتهم ، والأغلال ~~التي كانت تكبلهم. وهكذا ، أرادنا الله أن نجعله القدوة كما التزمناه نبيا ~~في إبلاغ الرسالة ، فقال سبحانه : ( @QUR@017 لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) [الأحزاب ms5465 : ~~21]. مما يفرض على PageV24P211 # الدعاة إلى الله أن يعيشوا الروح النقية الطاهرة كما عاشها في انفتاحه ~~بالرحمة على الناس كلهم ، وأن يبلغوا بالأسلوب الطيب الأحسن كما بلغ ، وأن ~~يكون نهجهم النهج القرآني في تيسير الفكرة والأسلوب والدعوة كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) [القمر : 22]. # * * * # ( @QUR@04 فذكر إن نفعت الذكرى ) # ( @QUR@04 فذكر إن نفعت الذكرى ) فإن دور الرسول أن يخرج الناس من الظلمة ~~الفكرية والروحية التي تمنع النور من النفاذ إلى عقولهم ، وينقذهم من حالة ~~التخبط الحائر الذي يعيشونه أمام أشباح الظلام وتهاويله ، وأن يحطم أسوار ~~الغفلة التي تحول بينهم وبين الانفتاح على المعرفة التي تذكرهم بالله ~~وباليوم الآخر وتعرفهم مسئوليتهم ، لينطلقوا إلى الآفاق الواسعة التي تلتقي ~~بالرسالة الهادية في العقيدة وفي الشريعة ، وفي المنهج الفكري والروحي ~~والعملي في الحياة. ولا بد له من أن يكرر الكلمة ، في أكثر من موقع ، ويطلق ~~الفكرة في أكثر من أسلوب ، ويتابع التجربة حتى يستنفد كل احتمال ، ولا ييأس ~~مهما كانت التحديات صعبة ، لأن المسألة هي تحطيم الحواجز النفسية التي تحول ~~بينهم وبين الذكرى ، لينطلق الإنسان حرا في فكره وإرادته. وقد تحتاج ~~التجربة إلى وقت طويل ، وأسلوب متنوع ، ونفس طويل ، لأن التخلف الفكري ، ~~والرواسب الجاهلية ، والعاطفة التقليدية المرتبطة بالآباء وبالمجتمع ، قد ~~تفرض نفسها على الشخصية من كل جانب ، بحيث لا يتمكن الداعية من القضاء ~~عليها في وقت قصير ، لا سيما عند ما تتحرك كل هذه العناصر لتضع الرافض في ~~موقف الكافر. ولهذا فرض القرآن الدعوة إلى التذكر في أجواء احتمال إمكانية ~~النفع التي تختزن فرضية عدم النفع. # ( @QUR@03 سيذكر من يخشى ) لأن الذي يثير الخوف من الله في نفسه ، لا بد من أن PageV24P212 # يعود إلى وعيه لينفتح فيه على ربه ، وعلى يوم الحساب بين يديه ، ليدفع ~~بموقفه إلى خط التراجع عن الخطأ ، ليلتزم خط الصواب. # * * * ### ||| ** جزاء الأشقى # ( @QUR@02 ويتجنبها الأشقى ) الذي يمثل الذروة في الشقاء ، لأن الكفر قد ~~أطبق على عقله ، وجمد كل إشراقة روحه ، فعاش في ظلمة الفكر ووحول الجهل ، ~~واستسلم للشهوات المنحطة ، وفقد ms5466 كل إحساسه بالمعاني الطاهرة في حياته ، ~~وتنكر لكل القيم الروحية في شخصيته ، فانطلق في حالة العناد رافضا لمنطق ~~الرسالة ، ولحركة الإيمان بالله ، فواجه مصيره المظلم. # ( @QUR@04 الذي يصلى النار الكبرى ) وهي نار جهنم التي تمثل الخطورة ~~الكبرى في شدة لهيبها ، وحرارة سعيرها ، وسوء طعامها وشرابها ( @QUR@06 ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيى ) فلا يعيش راحة الموت التي يتجمد فيها الإحساس ~~بالحياة في كل آلامها وأحزانها ، ولا يعيش أمن الحياة ولذتها ، ولذا فإنه ~~يتطلع إلى الموت كما لو كان أمنية من أعذب أمانيه كما جاء في قوله تعالى عن ~~أهل النار في حوارهم مع مالك خازن النار : ( @QUR@09 ونادوا يا مالك ليقض ~~علينا ربك قال إنكم ماكثون ) [الزخرف : 77]. وهكذا يكون جزاء الذين يرفضون ~~الذكرى ، لأنهم يريدون الاستمرار في اتجاه الجحود. # * * * ### ||| ** جزاء من تزكى # ( @QUR@04 قد أفلح من تزكى ) وتطهر من كل أرجاس الكفر والضلال ، فعاش ~~الطهر والصفاء والنقاء والانفتاح على الله ، ( @QUR@04 وذكر اسم ربه فصلى ) ~~في ما تمثله الصلاة من معنى القرب من الله في الطاعة لأوامره ونواهيه ، ~~والتجسيد العملي للعبودية ، حتى لا يشغله عن الله مال أو شهوة أو طمع في أي ~~شيء من حطام PageV24P213 # الحياة الدنيا إذا كان منافيا لرضاه سبحانه وتعالى. وهذا هو خط الفلاح ~~الذي يلتقي بالمصير الأخروي السعيد في رضوان الله ، وفي نعيم جنته الذي ~~أعده الله للذين يعيشون الحضور القلبي ، الموصول به تعالى ، الذي يتحول إلى ~~ذكر في القلب ، وعلى اللسان ، وفي العمل ، حيث يعيش الإنسان المؤمن صلاة ~~الفكر والروح والجسد. # * * * ### ||| ** الآخرة خير من الدنيا وأبقى # ( @QUR@04 بل تؤثرون الحياة الدنيا ) فترفضون التزكية والتطهر والخروج من ~~عبادة المادة إلى عبادة الله تعالى ، وتستسلمون للحياة الدنيا في لذاتها ~~وشهواتها وقيمها المادية القائمة على أنانية الذات ، وثورة الغريزة ، وجشع ~~الطمع ، والاستعلاء على الناس ، والبغي عليهم بغير حق ، والإخلاد إلى الأرض ~~في كل إيحاءاتها التي تدفع الإنسان إلى الأسفل ، وتمنعه من التطلع إلى ~~الأعلى في رحاب الله تعالى. # ( @QUR@03 والآخرة خير وأبقى ) لأنها تمنح الإنسان السعادة الدائمة التي ~~لا شقاء فيها ولا موت في ms5467 طبيعتها ، فهي الخير كله ، والخلود كله. فكيف ~~تفضلون الشقاء على السعادة ، والفناء على البقاء؟ # * * * ### ||| ** وحدة الرسالات # ( @QUR@09 إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى ) فقد أكدت على ~~المفاهيم الرسالية التي لا يستنفدها الزمن ، لأنها تمثل الحقائق الخالدة في ~~امتداد الحياة ، ولهذا ، جاء بها القرآن في ما أنزله الله على نبيه منها ، ~~في ما أراد الإيحاء به من وحدة الرسالات في وحدة الرسل ، مما يعني أن ~~الحقائق التي تشترك بها الرسالات في دعوة الأنبياء ، هي الأساس في تأكيد ~~الشخصية الإنسانية الواحدة ، التي تمثل وحدة الإنسانية في حركة الرسالات ~~على امتداد الزمن. # * * * PageV24P214 ### | سورة الغاشية ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع وعشرون PageV24P215 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية تطوف بالإنسان في حديث يوم القيامة الذي يعبر عنه ~~بالغاشية ، التي تثير الناس بأهوالها وتغشاهم حتى يكادوا لا يرون شيئا من ~~شدة الهول في الموقف. وتتحدث عن الناس الذين يبدو مصيرهم في ملامح وجوههم ، ~~فهناك وجوه خاشعة توحي بالذل في خشوعها الذي لا يملك أفقا يرتفع بصرها إليه ~~، ومصيرها إلى النار التي تصلاها وتسقى فيها من عين شديدة الحرارة ، وتأكل ~~فيها طعاما لا غذاء فيه فلا يسمن ولا يغني من جوع. وهناك وجوه «ناعمة» ، ~~توحي بالسعادة والرضى والطمأنينة من خلال سعيها ، ومصيرها الجنة العالية ~~التي لا تسمع فيها إلا الكلام النافع للقلب وللروح ، وتجري فيها العين التي ~~تفيض بالماء العذب ، وتجد فيها السرر المرفوعة التي يجلسون وينامون عليها ، ~~والأكواب الموضوعة المصفوفة الجاهزة للشراب متى أحسوا بالحاجة إليه ، ~~والوسائد التي يتكئون عليها ، والبسط الفاخرة التي يجلسون عليها ، في ما ~~يمثل ذلك كله من توفر الأشياء التي توحي بالنعيم. # ثم توجه الجاحدين للتطلع إلى خلق الله في الإبل كيف خلقت ، وفي السماء ~~كيف رفعت ، وفي الجبال كيف نصبت ، وفي الأرض كيف سطحت ، ليفكروا في ذلك كله ~~، وليتعرفوا من خلاله على عظمة الله المودعة في هذه PageV24P217 # الموجودات التي هي من خلقه. ثم يلتفت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليطلب منه أن يذكرهم بالله وبكتابه وباليوم الآخر ، لأن دوره كرسول ms5468 هو هذا ~~الدور ، فليس مسيطرا عليهم ، وسينفتح عليه الناس إلا المعرضين عن الدعوة ~~الكافرين بها الذين سوف ينالون العذاب الأكبر في جهنم ، فسيرجعون إلى الله ~~وسيحاسبهم على كل مواقفهم الرافضة للإيمان. # وفي ضوء ذلك ، تكون هذه السورة حركة في إثارة الوعي التي تهز القلب لتدفع ~~به إلى التأمل ، والتطلع إلى مسألة المصير في العالم الواسع الغامض بطبيعته ~~الغيبية ، الواضح بنتائجه الحاسمة ، ليتذكروا أنهم مهما طوفوا بالدنيا ، ~~وأعرضوا عن نداء الله ، فسيرجعون إليه ليحاسبهم على كل أعمالهم ، فعليهم أن ~~يراقبوا الموقف الصعب بجدية ومسئولية. # * * * PageV24P218 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية (1) @QUR@03 وجوه يومئذ خاشعة (2) ~~@QUR@02 عاملة ناصبة (3) @QUR@03 تصلى نارا حامية (4) @QUR@04 تسقى من عين ~~آنية (5) @QUR@06 ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) @QUR@06 لا يسمن ولا يغني ~~من جوع (7) @QUR@03 وجوه يومئذ ناعمة (8) @QUR@02 لسعيها راضية (9) @QUR@03 ~~في جنة عالية (10) @QUR@04 لا تسمع فيها لاغية (11) @QUR@03 فيها عين جارية ~~(12) @QUR@03 فيها سرر مرفوعة (13) @QUR@02 وأكواب موضوعة (14) @QUR@02 ~~ونمارق مصفوفة (15) @QUR@02 وزرابي مبثوثة ) (16) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الغاشية ): يوم القيامة ، سميت بذلك لأنها تغشى الناس وتحيط بهم. # ( @QUR@01 ناصبة ): نصب الرجل ينصب نصبا ، إذا تعب في العمل. # ( @QUR@01 آنية ): الآنية : البالغة النهاية في شدة الحر. # ( @QUR@01 ضريع ): نبت تأكله الإبل يضر ولا ينفع ، وإنما سمي ضريعا لأنه ~~يشبه عليها أمره ، فتظنه كغيره من النبت. # ( @QUR@01 ناعمة ): منعمة. PageV24P219 # ( @QUR@01 لاغية ): اللغو من الكلام ما لا يعتد به. # ( @QUR@01 ونمارق ): ووسائد. # ( @QUR@01 وزرابي ): بسط فاخرة. # ( @QUR@01 مبثوثة ): مبسوطة ومنشورة. # * * * # ( @QUR@02 حديث الغاشية ) # ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية ) وهي القيامة التي تفنن التعبير القرآني ~~عنها ، للإيحاء بالأجواء التي تنطلق في مشاهدها وأهوالها وصدماتها الواقعية ~~، ليواجهها القلب البشري ، من خلال ذلك ، بالخوف الشعوري الذي يدفع إلى ~~المزيد من التفكير ومن التركيز ، للوصول إلى مسألة الإيمان والانتماء إليه ~~بكل قوة. ولعل التعبير عنها بالغاشية من خلال أنها تفرض نفسها على واقع ~~الناس هناك ، فتغشاهم وتحيط بهم ، كما يحيط الغشاء بالموقع كله ، أو لأن ~~أهوالها الشديدة تغشاهم فتحول بينهم وبين الرؤية في شدة تأثيرها عليهم ، ~~فتبدو للعيون كالدخان الذي يحجب الأفق بكثافته .. # وإذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ms5469 كما يروى أنه مر على امرأة ~~تقرأ : ( @QUR@04 هل أتاك حديث الغاشية ) فقام يستمع ويقول : «نعم قد ~~جاءني» ، فإنه ليس مختصا به بالمضمون ، بل هو شامل لكل الناس الذين يبلغهم ~~النبي ذلك ، فيأتيهم كل ما يأتيه ، ويخاطبهم بكل ما يخاطبه به ، لأن ~~المضمون لا يتوجه إليه كرسول ، بل كإنسان مسئول ، لا بد من أن يتحمل ~~مسئولية نفسه من خلال القناعة الفكرية الباحثة عن الحق أينما كان. # * * * PageV24P220 ### ||| ** صورة الأشقياء يوم القيامة # ( @QUR@03 وجوه يومئذ خاشعة ) وتلك هي وجوه الأشقياء الذين رفضوا مواقف ~~الخشوع لله في الدنيا ، فلم يستغرقوا في مواقع عظمته ، ولم يعيشوا روحية ~~العبودية في الابتهال إليه ، والصلاة بين يديه ، والانفتاح على آفاق رحمته ~~في مواقف رضاه ، بل استكبروا وعاندوا وتمردوا على رسوله وكتابه ، فجاءت ~~الغاشية ، التي أطبقت عليهم من كل جانب ، فلا يجدون ، الآن ، مجالا للفرار ~~ولا للخلاص ، ليعيشوا الخشوع في أجواء الذل والانكسار عند ما يواجهون ~~المصير المظلم في حاضرهم الذي تنتظره جهنم لتحتويهم في داخلها. # ( @QUR@02 عاملة ناصبة ) في ما توحي به كلمة العاملة من الجهد القاسي ~~المرهق للأجساد الذي بذله هؤلاء في الدنيا ، وكلمة الناصبة التي تدل على ~~التعب والإرهاق ، فقد عملوا وتعبوا وعاشوا الإرهاق الجسدي ، فلم ينالوا من ~~نتائجه المرضية ، لأنهم لم يعملوا لله ، بل عملوا لغيره. ولهذا ، فإن ملامح ~~وجوههم في يوم القيامة هي ملامح الوجوه التي أرهقها العمل وأذواها النصب ، ~~فلا تنبض بأية حيوية ، ولا توحي بأي إشراق. # ( @QUR@03 تصلى نارا حامية ) فتلفحها بلهيبها الذي يغشاها ليحولها إلى ~~لون السواد .. # ( @QUR@04 تسقى من عين آنية ) أي حارة باللغة الحرارة ، لتزيدهم ظمأ كلما ~~حاولوا التبرد بها. ( @QUR@06 ليس لهم طعام إلا من ضريع ) قيل : «الضريع ~~نوع من الشوك يقال له الشبرق ، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس ، وهو ~~أخبث طعام وأبشعه لا ترعاه دابة ، ولعل تسمية ما في النار به لمجرد ~~المشابهة شكلا وخاصة» (1). # ( @QUR@06 لا يسمن ولا يغني من جوع ) لأنه لا يملك العناصر الغذائية ~~اللازمة في إشباع PageV24P221 # أجهزة الجسم في ما تحتاجه من الغذاء ، بل يدفع إلى الشعور بالجوع ms5470 كلما ~~أكله الآكلون. # إنها الصورة القاسية الشديدة للحياة التي يحياها هؤلاء في النار ، مما لا ~~ندرك واقعه ، ولكننا نستوحي صعوبته وقساوته وشدة تأثيره على الإنسان هناك. # * * * ### ||| ** راحة الأتقياء وسعادتهم يوم القيامة # ( @QUR@03 وجوه يومئذ ناعمة ) رضية نضرة في ما توحي به النعومة من البهجة ~~والراحة والسعادة ، فليس هناك هم يثقل ملامحها بالأذى ، وليس هناك خوف ينال ~~انبساطها وإشراقها بالإرهاق ، وهي وجوه المؤمنين الأتقياء السعداء. # ( @QUR@02 لسعيها راضية ) حيث يفيض الرضى منها لأنها تجد ما عملته من خير ~~وتقوى في الدنيا ، في ما تحصل عليه الآن من رضى الله فترضى به وتطمئن له ، ~~وتحس بالراحة النفسية التي تنعكس على ملامحها روحا وسرورا ، فها هم يتطلعون ~~إلى النتائج الطيبة لأعمالهم ليرتاحوا بعد الجهد الكبير الذي عانوا منه في ~~الدنيا ، وبعد الآلام الكثيرة التي عاشوها وصبروا عليها هناك. # ( @QUR@03 في جنة عالية ) في ما يدل عليه العلو من ارتفاع الدرجة وعلو ~~المقام الذي يطرد عنهم كل ذكريات الواقع الطبقي الذي كان ينظر إليهم نظرة ~~الاستعلاء ، ويعاملهم من مواقع الاستكبار ليضعهم في الدرجة السفلى من السلم ~~الاجتماعي للطبقات ، فكان المستكبرون في الدرجة العليا ، وكان المستضعفون ~~المؤمنون البائسون في الدرجة المنحطة على مستوى الحقوق التي لا يملكون منها ~~إلا القليل ، وعلى مستوى المسؤوليات التي تثقل حياتهم PageV24P222 # بالأعباء والتكاليف لمصلحة المستكبرين. وقد تبدلت المواقع الآن ، ولكن لا ~~من خلال العقدة المستحكمة التي كانت تحكم الواقع المستكبر ، بل من خلال ~~العمل ونتائجه. # ( @QUR@04 لا تسمع فيها لاغية ) فهناك تعيش الجو الرضي الهادىء الوديع ~~الجدي ، الذي يحمل الناس فيه مسئولية الحفاظ على المعاني الروحية السابحة ~~في رحاب القداسة في جنة الله التي أعدها لتكون المجتمع الطاهر المنفتح على ~~الخير كله ، والنفع كله ، فلا مجال فيه لأية كلمة لغو ، سواء كان ذلك في ~~نطاق الكلمات الصادرة عن حالة الانفعال ، في ما يمكن أن يسيء إلى الناس ، ~~مما يجرح الذوق والكرامة ، أو كان في نطاق الكلمات الجوفاء التي لا تحمل أي ~~معنى نافع أو أية فكرة مفيدة جادة ، تماما كما هي التفاهات والنفايات .. ~~وهكذا ms5471 يعيش مجتمع الجنة روحية المضمون الحي المتحرك في مواقع رضى الله ، ~~ليزدادوا مع كل كلمة فكرا نافعا وروحا طيبة جديدة .. ويأتي الحديث عن النعم ~~الحسية التي توحي بالحالة الروحية الناتجة منها ، في مقابل العذاب الحسي ~~الذي يعانيه الكافرون في ما يوحي به من الحالة النفسية الصعبة التي تمثل ~~عذابا جديدا بالإضافة إلى العذاب المادي. # ( @QUR@03 فيها عين جارية ) تثير في الجو الكثير الكثير من المتعة واللذة ~~الروحية والجمال ، فهي تمثل الينبوع المتدفق الذي يخرج من الأرض ، ويتدفق ~~ويجري لينشر فيها الخصب والنضرة والخضرة والجمال ، وهي تثير الجو البارد ~~الوديع الذي يجعل أهل الجنة ينتشرون في ظلاله على ضفاف هذه العين ، وفي ~~امتداد جريانها ، لينعموا باللقاءات الحلوة اللذيذة البديعة التي يجتمع ~~إليها الناس عند ضفاف الينابيع. # ( @QUR@03 فيها سرر مرفوعة ) فلا تنالها الأيدي ، فتبقى في جدتها ~~ونظافتها ، ليكون الإنسان الذي ينام أو يستلقي أو يجلس عليها هو أول إنسان ~~يلمسها. PageV24P223 # ( @QUR@02 وأكواب موضوعة ) في حالة إعداد سريع لتناولها من قبل المؤمنين ~~الشاربين فيها. ( @QUR@02 ونمارق مصفوفة ) وهي الوسائد والحشايا للاتكاء في ~~راحة واسترخاء ( @QUR@02 وزرابي مبثوثة ) وهي البسط جمع بساط ذات الخمل ~~السجاجيد مبثوثة هنا وهناك للزينة وللمتعة وللجلوس عليها. # وربما كان الحديث عن هذه الأشياء التي تمثل عناصر الأوضاع المريحة ~~السعيدة الاسترخائية ، منطلقا من الجو الذي يعيشه الناس في مجتمع الدعوة ~~الأول ، حيث تلتقي معاني الراحة والاسترخاء في مثل هذه الأوضاع ، بأحاسيس ~~اللذة والحلاوة والمتاع في مجتمع أهل الجنة ، في ما يثيره ذلك من خيالات ~~حلوة ، وأحلام لذيذة. # * * * PageV24P224 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) @QUR@04 وإلى السماء كيف ~~رفعت (18) @QUR@04 وإلى الجبال كيف نصبت (19) @QUR@04 وإلى الأرض كيف سطحت ~~(20) @QUR@04 فذكر إنما أنت مذكر (21) @QUR@03 لست عليهم بمصيطر (22) ~~@QUR@04 إلا من تولى وكفر (23) @QUR@04 فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) ~~@QUR@03 إن إلينا إيابهم (25) @QUR@04 ثم إن علينا حسابهم ) (26) # * * * ### ||| ** النظر إلى آيات الله في خلقه # وهذه نقلة تأملية إلى أجواء الفكر في ما يعيشه الإنسان الحائر المنفتح ~~على العناصر الموضوعية في مواجهة الحقيقة الإيمانية ، والتي تدفع بالإنسان ~~إلى الأخذ بالنظرة الجادة الباحثة عن خلفيات الأشياء ms5472 من حوله وعن آفاقها ~~وأسرارها وإيحاءاتها ، كأساس للحوار وللاعتبار وللاقتناع في ما يتحاور ~~ويعتبر ويقتنع الناس به ، ولهذا أراد القرآن أن يذكر الناس فيها بالله ~~وبمسؤوليتهم أمامه ، من خلال توجيه أنظارهم إلى بعض مظاهر خلقه ، وتجليات ~~قدرته ، PageV24P225 # لإعمال التأمل والتفكير والنظر ، ليقودهم هذا كله إلى معرفة أسرارها في ~~ما يستطيعون معرفته منها ، وإلى إثارة اندهاشهم من خلال ما يمكن أن ~~يستقرءوه من بعض خفاياها وأوضاعها المعقدة ، ليكون ذلك أساسا لنظر مستمر ، ~~وتفكير دائم ، وليحمل كل جيل إلى الجيل القادم من بعده بعض محاصيل التفكير ~~والمعرفة عنده ، وبعض علامات الاستفهام التي لم يستطع أن يجد الجواب عليها ~~، ليدفعه إلى الاستفادة من تراث المعرفة ، وإلى البحث عن الأجوبة المفيدة ~~عن علامات الاستفهام ، وهكذا طرح الله ، سبحانه ، على الناس المتحيرين ~~والشاكين والمعاندين والراغبين في الوصول إلى الحقيقة ، ضرورة النظر إلى ~~الإبل وإلى السماء وإلى الجبال وإلى الأرض ، في طريق الوصول إلى الإيمان. # * * * ### ||| ** إبداع خلق الإبل # ( @QUR@06 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) في هذا الإعداد الوجودي ~~الفريد الذي يتحرك من خلاله هذا الحيوان الصحراوي الذي يسهل لإنسان الصحراء ~~، أو الإنسان الذي تفرض عليه ظروف حياته أن يقطع الصحراء ، عملية نقله من ~~مكان إلى آخر ، لانعدام أي وسيلة أخرى آنذاك. فقد ركب الله في هذا الحيوان ~~خزانا يحتفظ بالماء ليروي ظمأه منه عند ما يحتاج إليه ، ومجمعا دهنيا ~~يستطيع التغذي منه عند ما يجوع ، كما جعله ذلولا ينقاد لصاحبه ولراكبه ~~ولقائده مع ضخامة جثته وشدة بأسه ، حتى أنه يخضع للطفل الصغير ، ومنحه ~~الصبر العجيب الذي يتحمل به كل قسوة الصحراء ومشكلاتها الطارئة ، وكل أوضاع ~~الجوع والعطش وسوء الأحوال ، كما أنه لا يحتاج إلى المال الكثير لتغذيته ~~لتيسر مرعاه بشكل غير مكلف أو معقد ، إلى غير ذلك من الخصائص العجيبة PageV24P226 # التي لا يملك الإنسان ، عند ما يراها أو يكتشفها ، إلا أن يدرك أن الله ~~الواحد العظيم الحكيم هو الذي أبدع هذا الحيوان ليقوم بدوره الكبير في ~~النظام العام للحياة ولحركة الإنسان فيها. # * * * ### ||| ** من خلق السماء ونظمها؟ ms5473 # ( @QUR@04 وإلى السماء كيف رفعت ) هذه السماء العظيمة الواسعة الممتدة في ~~كل الأفق ، التي لا تملك أية ركائز ثابتة في الأرض ، في ما اعتاد النظر فيه ~~أن يبحث لكل شيء معلق في الفضاء عن القواعد التي يملك الثبات في الموقع ~~المرتفع من خلالها ، وهذه السماء التي تمنحك الدفء والنور وحرارة النمو في ~~مفردات الحياة ، من خلال الشمس التي يتدفق النور منها كالشلال ، عند ما ~~يتحرك الشروق بقوة في كبد السماء في انطلاق النهار ، ويفر النور من الأفق ~~تدريجيا بلطف وسحر ونداوة ووداعة ، في غروبها الجميل البديع ، عند ما يتقدم ~~الليل ليأخذ موقعه في أرجاء السماء وفي آفاق الأرض ، حيث تتلألأ الكواكب ، ~~حتى ليبدو لك من بعيد ، بالنظرة الساذجة ، أنها المصابيح التي تزين الأفق ، ~~وتبدع النور الهادىء ، وتشير إلى مواقع السبل التي تحدد للناس خط السير في ~~ما يقصدون. ثم ، قد ينطلق القمر في رحاب هذه السماء ، ليمنح الكون نورا ~~باردا رقيقا ممزوجا بسحر الظلام ، فإذا بالسحر يتضاعف في هذا المزيج العجيب ~~من النور والظلام ، بسبب ما يلقي من ظلال ، وما ينهمر من شعاع ... أفلا ~~ينظرون إلى هذه ( @QUR@03 السماء كيف رفعت ) مع كل هذه الضخامة وهذا ~~الامتداد والتنوع في عناصرها المكوكبة التي قد تكون في طبيعتها تحمل أكثر ~~من عالم ، وأوسع من كون؟ هل رفعت نفسها؟ هل خلقت وجودها؟ هل كانت صدفة ، أم ~~أنها من تقدير العزيز الحكيم ، مبدع الوجود كله؟ # ويبقى للإنسان في تطور النظرة ، وتطور البحث ، وتقدم المعرفة ، الكثير PageV24P227 # الكثير مما يمكن أن يحصل عليه من أسرار قوانين نشأة السماء وصيرورتها عبر ~~الزمن المديد في صورتها وتكوينها المادي ، ليستوحي من خلال ذلك ، الإيمان ~~المنبثق من الحقيقة الساطعة التي تفرض نفسها على كل عقل نير ، وقلب منفتح ~~سليم ، القائلة بأن وراء هذه الظواهر كلها إلها واحدا قديرا ، ولتستوحي ~~آفاق الغيب في علم الله وقدرته من خلال الجو الغامض الذي يوحي به الحس في ~~النظرة البسيطة والفكرة العميقة. # * * * ### ||| ** جلال خلق الجبال # ( @QUR@04 وإلى الجبال كيف نصبت ) على الأرض لتمتد قواعدها في الأعماق ~~السحيقة ms5474 السحيقة من الأرض ، ولترتفع شامخة في أعالي الفضاء ، مع هذه ~~الضخامة والصلابة اللتين توحيان بالمهابة والجلال ، لينطلق النظر في دراسة ~~العناصر المكونة لها ، والظروف المحيطة بأوضاعها ، والقوانين المتحكمة فيها ~~، والأسرار المودعة فيها ، والمنافع التي تخرج منها ، ليتعرف من خلال ذلك ~~كله إلى مواقع قدرة الله في ذلك ، ويكتشف أنها لا بد من أن تكون مخلوقة له ~~، ولو تأمل في انتصابها المرتفع فوق الأرض ، لتكون رواسي فيها ، حذرا من أن ~~تميد بأهلها بفعل بعض الاهتزازات والمتغيرات والمؤثرات ، ليعرف أن ذلك كله ~~من تدبير الإله القادر الحكيم. # وربما كان الحديث عن الجبال ، في خصوصيتها الوجودية ، لما تمثله من ملاذ ~~وملجأ ومرتع ومنبع ومهابة وجلال وروعة وجمال ، بحيث تثير انتباه الإنسان ~~الذي قد يشغل بالنظرة الساذجة إليها في غفلة الوعي الذي يبحث عن المواقع ~~الخفية للأسرار في ظواهر الكون ، فكانت الالتفاتة القرآنية لتتعمق النظرة ~~فتكون نافذة على المعرفة ، لا ملهاة للنفس. # * * * PageV24P228 ### ||| ** كنوز الأرض # ( @QUR@04 وإلى الأرض كيف سطحت ) هذه الأرض المسطحة ، في النظرة الساذجة ~~والأولية ، بما يفيده التسطيح من معنى تيسير الحركة عليها ، وتيسير سبل ~~الحياة فيها ، لجهة ما تختزنه من ينابيع ومعادن وكنوز وأسرار ، وما يبدو في ~~ظاهرها من أنهار وجبال وبحيرات وجنائن ومخلوقات وثروات وأوضاع متحركة خاضعة ~~للنظام الكوني العام في وجود الإنسان والحيوان والنبات والجماد ، لا بما هو ~~شكله الذي هو كروي في واقع الأمر ، لأن القرآن ، ليس في مقام إثبات حقيقة ~~علمية فلكية بعيدة عن أنظار المخاطبين وأفكارهم في تلك الفترة ، بقدر ما هو ~~في مقام لفت انتباههم إلى ما هو في متناول أنظارهم وتأملاتهم وتفكراتهم. ~~ولذا ، جاء التساؤل : فهل ينظرون إلى الأرض كيف سطحت ، وما هي أعماقها؟ ~~ويتساءلون معها : هل هي كون ثابت على قاعدة ثابتة لا يعرف مداها ولا ~~طبيعتها؟ أو هي كوكب معلق في الفضاء تماما كما هي الكواكب المعلقة في ~~الفضاء السابحة في بحاره؟ وكيف كان ذلك ، فهل خلقت صدفة ، أو أوجدها الناس ~~، أو أن الله هو الذي أوجدها وأبدعها وأودع فيها كل عناصر الحياة ، مما ms5475 ~~يحتاج الناس إليه في امتداد وجودهم ، مما هو من شروط الحياة ، كما يحتاج ~~إليه الحيوان والنبات؟ إن ذلك من تقدير العزيز الحكيم. # * * * ### ||| ** الإيمان نظرة فكر لا حالة انفعال # وهكذا تنطلق الدعوة إلى النظر للإيحاء بأن الإيمان ليس حالة انفعال ساذج ~~في الخيالات والأوهام العاطفية ، ليتحدث البعض بأنه لا يتناسب مع حركة ~~العقل في الفكر ، ومع حركة العلم في إبداع المعرفة في أسرار الواقع ، PageV24P229 # بل هو حالة تتحرك لملاحقة كل الظواهر الكونية والحيوانية من أجل الوصول ~~إلى الأسرار التي تمنح الإنسان المعرفة الإيمانية من موقع النظرة العميقة ~~والفكر الواسع. وإذا أراد الله أن يحاسب الإنسان على إيمانه ، فإنه يحاسبه ~~من خلال أنه يملك الحجة عليه لتوفر كل عناصرها في الكون ، ففي كل أفق لمعة ~~من لمعات المعرفة الدالة على الله ، وفي كل موجود في الأرض والسماء شاهد ~~على عظمته سبحانه ، وفي كل حوار من حوارات العلم المنفتحة على الحقيقة ، ~~أكثر من نافذة تطل على مواقع الإيمان به فليست المسألة مسألة مؤاخذة على ~~الفكر في شبهاته الطارئة ومشكلاته العالقة التي لا يملك لها حلا ، أو على ~~القناعة بما يملك عليها من حجة ، بل هي مسألة قيام الحجة على الإنسان في ~~عقله الذي يملك أن يصل بالأشياء إلى نتائجها الأخيرة ، بحيث يتميز الحق ~~فيها من الباطل ، وفي الوسائل الكثيرة التي يصل ، من خلالها ، إلى مفردات ~~المعرفة ، في ما أودعه الله فيه من الخصائص في عناصر الإحساس من السمع ~~والبصر واللمس والشم والذوق ، وفي وحيه الذي أنزله على رسله ليبلغوه إلى ~~عباده ليتأملوا فيه ، وليتعرفوا إلى ما يقدمه من فكر ، وما يخطط له من منهج ~~، أو يثيره من احتمالات ، أو يكشفه من آفاق ، ليكون التأمل المتعمق في ~~الفكر والبحث السائر نحو الحقيقة ، هما الحجة التي يحتج الله على الإنسان ~~بها ، في ما لا يملك أن يرده أو ينكره. # * * * # ( @QUR@04 فذكر إنما أنت مذكر ) # ( @QUR@04 فذكر إنما أنت مذكر ) فتلك هي مهمتك ، أن تطرح الكلمة التي تهز ~~سمع الناس ، لتنفذ إلى عقولهم ، ولتفتح في داخلها نافذة للتفكير ms5476 في حساب كل ~~تلك الاحتمالات ، ليعيشوا قلق المعرفة في مسئولية المصير ، وأن تحرك ~~الأسلوب الذي يتفاعل مع فطرتهم ومشاعرهم وتطلعاتهم ، ليثير اهتماماتهم PageV24P230 # حول الفكرة التي تقدمها ، والخطر الذي يتهددهم ، في الأجواء التي يحبونها ~~ويرغبونها ويقبلون على الاندماج فيها ، فذلك هو السبيل الأمثل لإخراجهم من ~~الغفلة ، وإدخالهم في أجواء التذكر الذي يتذكر الإنسان ، من خلاله ، ~~مسئولية وجوده في علاقته بالله ، وفي حركة واجباته العملية تجاهه ، وفي ~~النتائج الأخيرة التي يكسبها في نهاية المطاف ، عند ما يقف غدا ، بين يدي ~~الله للحساب. # ( @QUR@03 لست عليهم بمصيطر ) فإنك لا تملك في طريق تكوين قناعاتهم أو ~~إقامة الحجة عليهم ، إلا جهدك وكلمتك ، فإذا بذلتهما فقد قضيت ما عليك ، ~~ولم يسلطك الله على قلوبهم ، ولم يجعل مشاعرهم خاضعة لقدرتك الذاتية ، ولم ~~يمكن لك الأمر من تغيير ذهنياتهم بطريقة تكوينية قسرية .. # * * * ### ||| ** هل تنفي الاية نظرية الحكم في الإسلام؟ # وربما حاول البعض من الباحثين ، أن يستفيدوا من هذه الآية ، أن دور النبي ~~هو الإبلاغ والدعوة إلى الله بالكلمة الواعية المذكرة ، ليأخذوا حريتهم في ~~الإيمان والكفر ، ليكون حسابهم على الله ، وليس دوره أن يكون حاكما يتدخل ~~في قناعات الناس ليحاسبهم عليها ، وفي أقوالهم وأفعالهم ليضغط عليهم ~~بوسائله الخاصة والعامة ، لينسجموا فيها مع تخطيطه الرسالي في ما يأخذ به ~~الناس من الخط في حركة القول والفعل ، أو في ما يدعونه منه. وبالتالي ، فإن ~~دور الإسلام من خلال دور الرسول هو دور دعوة ، لا دور حكومة وسلطة ، فليس ~~للإسلام نظرية في الحكم الذي يتولى السلطة التنفيذية إلى جانب السلطة ~~التشريعية. PageV24P231 # ولكننا نلاحظ على ذلك بأن هذه الآية عالجت مسألة السيطرة في دور النبي ~~كرسول ، في ما يملك من أمر الضغط الذاتي الذي يسيطر فيه على عقولهم ليغيرها ~~بطريقة ذاتية تكوينية ، كما يغير الأشياء المادية من صورة إلى صورة ، ولم ~~تعالج دوره كحاكم وكولي للناس في خط النظام العام الذي يدير به أمر الأمة ~~في كل جوانب حياتها ، على ضوء التخطيط الشامل للشريعة الإسلامية التي شرعت ~~لكل واقعة مهما كانت صغيرة حكما ms5477 شرعيا ينظم لها حركتها في الحياة. ولا بد ~~للباحثين الذين يريدون دراسة مسألة الحكم في الإسلام ، على مستوى اكتشاف ~~النظرية ، أن لا يكون أسلوبهم هو اختيار ما يناسبهم من الظواهر القرآنية ، ~~بل عليهم أن يدخلوا في دراسة مقارنة لكل الآيات والأحاديث وحركة التاريخ ~~الإسلامي ، ليناقشوا ذلك كله ، لتكون النتائج في حجم الحقيقة الموضوعية ~~المدروسة من كل جوانب البحث المحتملة فيها. # وإذا كانت الآية تؤكد أن مهمة النبي الإبلاغ والتذكير ليكون هذا برنامجا ~~لكل الدعاة معه ومن بعده ، فإن معنى ذلك أن عليه وعليهم الاهتمام بتحسين ~~وسائل التذكير ، وتحريك ظروفه في الخط الموصل إليه ، ثم الإيحاء إليه ، ~~وإليهم ، بأن عليهم أن لا يتعقدوا من النتائج السلبية التي تحصل من خلال ~~الأسباب التي لا تقع تحت اختيارهم ، في ما يمثله الجمود الفكري ، الذي يصر ~~أصحابه على الامتناع عن الخروج عنه ، أو الرواسب التقليدية التي تشد الناس ~~إليها ، فلا يريدون أن يبتعدوا عنها ، وإلى المتغيرات الفكرية المنطلقة من ~~خط الرسالة والرسول. إن القضية التي تحكم الدعاة إلى الله ، هي أن لا يكون ~~ضلال الآخرين ناشئا من تقصيرهم في الدعوة ، ومن إهمالهم للفرص المتاحة لهم ~~، ومن البعد عن الأخذ بأسباب الثقافات والأساليب التي يمكن أن تحتاجها ~~الدعوة. # * * * PageV24P232 ### ||| ** المعرضون عن الذكرى # ( @QUR@04 إلا من تولى وكفر ) ربما كان هذا استثناء من الناس الذين ~~يخضعون للتذكير ، وهم الذين يقبلون على سماع الآيات والتفكير بها ، ~~والانفتاح على مضمونها الفكري أو الروحي في مواعظها ونصائحها وتشريعاتها ~~وإنذاراتها وتبشيراتها ، ممن يمكن أن تتحول الذكرى لديهم إلى واقع عملي في ~~وجدانهم الفكري وفي حياتهم العملية ، ولكن المعرضين عن الذكرى ، المصرين ~~على الكفر ، المعاندين لله ورسوله من موقع الاستكبار ، لا ينتفعون بالذكرى ~~، لأنهم أغلقوا أسماعهم وقلوبهم عنها ، فقد لا يحتاج النبي والدعاة من بعده ~~إلى الاستمرار في تذكيرهم ، لأنهم لا يريدون الاستفادة من ذلك ، ولن يترك ~~الله الإنسان الذي يعرض عن الذكرى ويكفر بالله. # وقيل : الاستثناء من ضمير «عليهم» في قوله : ( @QUR@03 لست عليهم بمصيطر ~~)، والمعنى : لست عليهم بمتسلط إلا على من تولى ms5478 منهم عن التذكر وأقام على ~~الكفر ، فسيسلطك الله عليه ويأمرك بالجهاد فتقاتله وتقتله. # ونلاحظ على ذلك أن سياق آية ( @QUR@03 لست عليهم بمصيطر ) ليس واردا في ~~هذا المعنى ، كما تقدم. # وقيل : الاستثناء منقطع ، والمعنى : لست عليهم بمسيطر ، لكن من تولى وكفر ~~منهم يعذبه الله العذاب الأكبر ، وهو محتمل. # * * * ### ||| ** العذاب الأكبر # ( @QUR@04 فيعذبه الله العذاب الأكبر ) وهو عذاب جهنم التي أعدها الله ~~للكافرين PageV24P233 # ( @QUR@03 إن إلينا إيابهم ) فسيرجعون إلينا ، مهما ارتفعوا إلى آفاق ~~الفضاء ، أو نزلوا إلى أعماق البحار ، أو طافوا في رحاب الأرض وسهولها ~~وكهوفها وجبالها ، لأنهم سوف يواجهون الموت الذي لا بد منه لكل حي ، وسوف ~~يبعثون ليجتمعوا في يوم القيامة الذي لا تملك فيه نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله. # ( @QUR@04 ثم إن علينا حسابهم ) فنحن الذين نحاسب الخلق على كثرتهم ، كما ~~نرزقهم على كثرتهم ، وليس لأحد أن يحاسب أحدا على أي شيء من أعماله ، ~~فليدرسوا مسألة الحساب من خلال مسألة المصير ، قبل أن تفوتهم الفرصة التي ~~لا مجال للعودة إليها. # * * * PageV24P234 ### | سورة الفجر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاثون PageV24P235 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية ، تطل على آفاق متنوعة يطوف فيها القلب البشري في ~~أجواء النداوة والروعة الكونية ، في القسم بالفجر والليالي العشر التي ~~اختلف الناس في المراد منها ، والشفع والوتر اللتين قد يراد بهما الصلاة ~~الليلية المسماة باسمهما ، وبالليل الذي يسير في أجواء الكون ليبسط على ~~الأفق ظلامه المزركش بنقط النور المطلة على كل حبات الظلام ، ليخشع ~~الخاشعون فيه ، وليبتهل المصلون في هدوئه ، ثم توجه الفكر إلى التاريخ ، ~~تاريخ الطغاة ، عاد وثمود وفرعون الذين طغوا في البلاد من خلال القدرات ~~التي يملكونها ، في ما حركوه منها في طريق الطغيان والشر ، فأكثروا فيها ~~الفساد ، فلم يمهلهم الله كثيرا ، بل أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وصب عليهم ~~العذاب بسياطه الجهنمية ، فهو بالمرصاد لكل طاغية ومفسد في الأرض ، مهما ~~كان قويا ، أو مسيطرا. # ثم انطلقت في أجواء المفاهيم الإنسانية في ما يستوحيه الإنسان خطأ من ~~المواقع التي يعيشها في مفردات حياته ، فقد يوسع الله على الإنسان في الرزق ms5479 ~~، ليختبره هل يشكر أو يكفر ، فيظن الإنسان أن ذلك يمثل كرامة له من الله ، ~~وقد يضيق الله عليه ليختبره ، هل يكفر أو يصبر ، فيظن أن ذلك يمثل إهانة ~~وتحقيرا من الله له ، فيؤكد القرآن الحقيقة الموضوعية في حياة هؤلاء الناس ~~الذين نزل PageV24P237 # القرآن في مجتمعهم ، وهي ، أنهم يختزنون في نفوسهم حب المال بالمستوى ~~الذي يجعلهم يحصلون على ما لا حق لهم فيه ، فيجمعونه من حله وحرامه ، ~~ويمتنعون عن إكرام اليتيم ، وعن الحض على طعام المسكين ، ثم ينفتح الأفق ~~على مشارف الآخرة ، حيث تدك الأرض وتعيش الزلزال المدمر ، وتتجلى القيامة ~~في جلال الله الذي يسيطر عليها ، وفي إشراف الملائكة المتحركين صفا صفا ~~بأمر الله ، في خشوع العبودية المنتظرة لإرادته في ما يصنعون ، وفي جهنم ~~التي تكاد تكون موقعا قريبا من الناس بحيث تقترب منهم حتى يشاهدوها ، وفي ~~هذه اللحظة ، تهب الذكرى كريح عاصفة تهز الإنسان في وجدانه ، فينفتح له باب ~~الحقيقة على مصراعيه ، ويبدأ في استثارة الحسرة في نفسه ، ليتمنى أن يكون ~~قد قدم لحياته الأخروية شيئا في ما مضى من حياته الدنيوية ، ولكن لا فائدة ~~، فقد كفر من دون حجة ، وعاش الغفلة في مواقع التذكر ، ولذلك فسوف يعذب ~~عذابا لم يعذب أحد مثله ، وسيوثق وثاقا لم يوثق أحد مثله. # ويبقى للنفس المطمئنة التي أقبلت على الله واطمأنت لموقعها عنده ، فعاشت ~~الإيمان به ، والعمل الصالح في خط رضوانه ، أن يناديها الله بأن ترجع إليه ~~في دار قدسه راضية عن ربها مرضية عنده ، ليدعوها إلى الدخول في عباده الذين ~~اختصهم برحمته ، وإلى الدخول في جنته التي هي موقع رضاه. # * * * PageV24P238 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 والفجر (1) @QUR@02 وليال عشر (2) @QUR@02 والشفع والوتر (3) ~~@QUR@03 والليل إذا يسر (4) @QUR@06 هل في ذلك قسم لذي حجر (5) @QUR@06 ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد (6) @QUR@03 إرم ذات العماد (7) @QUR@06 التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد (8) @QUR@05 وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) @QUR@03 ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) @QUR@04 الذين طغوا في البلاد (11) @QUR@03 فأكثروا ~~فيها الفساد (12) @QUR@05 فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) @QUR@03 إن ربك ~~لبالمرصاد ) (14) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والفجر ): الصبح. # ( @QUR@01 والشفع ): الزوج. ms5480 # ( @QUR@01 والوتر ): الفرد. # ( @QUR@02 لذي حجر ): لذي عقل ولب. # ( @QUR@01 إرم ): اسم مدينة. PageV24P239 # ( @QUR@01 العماد ): ما تعتمد عليه الأبنية. # ( @QUR@01 جابوا ): الجوب : القطع. # ( @QUR@01 لبالمرصاد ): المرصاد : الطريق ، المكان الذي يرصد منه ويرقب. # * * * ### ||| ** القسم بالأزمنة .. وعمق الطهارة الروحية # ( @QUR@01 والفجر ) أقسم بالفجر ، هذا الزمن الخارج من قلب الليل ، الذي ~~يلتقط حبات النور التي تنثرها الشمس من بعيد ، لتذكر الكون بأن هناك ، في ~~حركة الشروق في شعاعها ، ميلاد يوم جديد. إنه الزمن الذي يتنفس فيه الكون ~~لهاث الليل وشهيق النهار ليبدأ الإنسان صلاته لله ، ليطهر بها قلبه وروحه ~~وضميره ، وليعد نفسه للمسؤوليات الكبار التي تنتظره في مواعيد الشروق أي ~~النهار ، ليكون زمن التخطيط للحركة والاندفاع نحو العمل. # ( @QUR@02 وليال عشر ) هذه الليالي التي تأخذ قيمتها من خلال الرعاية ~~التشريعية الرسولية المنطلقة من وحي الله ، لتجعل منها أزمنة تحمل معنى ~~الطهارة ، وترتفع فيها العبادة ، وتخشع فيها النفوس ، وتصعد فيها الأعمال ، ~~وتوحي بعمق روحي مميز ، فلا خصوصية لها في ذاتها ، ولكن في ما منحها الله ~~من عنايته ، ومن موقع القرب فيها إليه ، ولكن أين هي؟ قيل : إن المراد بها ~~الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى عاشرها ، وقيل : المراد بها الليالي ~~العشر من أول المحرم ، وقيل : المراد بها عبادة ليال عشر على تقدير أن يراد ~~من الفجر صلاة الفجر. # ( @QUR@02 والشفع والوتر ) قيل : إن المراد بهما صلاتا الشفع والوتر في ~~آخر الليل ، وقيل : مطلق الصلاة ، ففيها شفع وفيها وتر ، وهناك أقوال أخر. PageV24P240 # ( @QUR@03 والليل إذا يسر ) تماما كما هو المخلوق الحي المتحرك بإرادة ~~واختيار ليبسط ظله على الكون ، فيطبع الفضاء ظلاما ، والأرض ظلاما ، ~~وليتجول في كل مواقع الكون ساهرا في انتظار النهاية في آفاق بدايات الفجر. # * * * ### ||| ** وجوب الاعتبار بمن مضى # ( @QUR@06 هل في ذلك قسم لذي حجر ) أي لذي لب وعقل ، يفكر جيدا بكل ~~الأمور التي تطرح عليه ليميز الحق من الباطل ، وليؤكد الفكرة الثابتة التي ~~يؤكدها الله بقسمه ، لأنها تمثل الحقيقة الحاسمة ، وهي أن الله لن يترك ~~الطغيان وأهله في سلام على الأرض ، ولكنه يعذبهم ويزلزل قواعدهم بعذابه ~~بطريقته الخاصة ، وأنه يختبر عباده بالغنى ms5481 والفقر ، ليميز الشاكر من الكافر ~~، والصابر من الجازع ، وليعطي لكل ذي حق ثوابه ، ولكل ذي باطل عقابه. # ( @QUR@06 ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) وهم قوم هود الذين يمثلون القوة ~~الجبارة في التاريخ القديم ، وكان مسكنهم في الأحقاف ، وهي كثبان الرمال في ~~جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن. # ( @QUR@09 إرم ذات العماد* التي لم يخلق مثلها في البلاد ) فقد كانت ~~مدينة لا نظير لها ذات قصور عالية وعمد ممددة ، ولا نعرف من هؤلاء الجماعة ~~ومن تاريخهم شيئا ذا بال ، إلا ما قصه القرآن علينا من أنهم كانوا ذوي بسطة ~~في الخلق أولي قوة وبطش شديد ، وكان لهم تقدم ورقي في المدنية والحضارة ، ~~ولهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام كريم. # وقد اختلفت قصة جنة إرم المشهورة المروية عن كعب الأحبار ووهب ابن منبه ، ~~مما لم يثبت له أساس في الروايات الإسلامية الصحيحة. PageV24P241 # ( @QUR@05 وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) أي قطعوا الصخر من الجبال ، ~~وشيدوا منها القصور ، كما جاء في قوله تعالى : ( @QUR@05 وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين ) [الشعراء : 149]. # وقيل : إن ثمود كانت تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة ~~والشام ، وكانوا أولي قوة وبطش شديد. # ( @QUR@03 وفرعون ذي الأوتاد ) وهو على الظاهر صاحب موسى عليه السلام ، ~~وقد قيل : إن إطلاق هذا اللقب عليه ، «لأنه كان إذا أراد أن يعذب رجلا بسطه ~~على الأرض ووتد يديه ورجليه بأربعة أوتاد في الأرض ، وربما بسطه على خشب ~~وفعل به ذلك ، ويؤيده ما حكاه الله من قوله ، يهدد السحرة إذا آمنوا بموسى ~~: ( @QUR@04 ولأصلبنكم في جذوع النخل ) [طه : 71]. فإنهم كانوا يوتدون يدي ~~المصلوب ورجليه على خشبة الصليب» (1). # واحتمل سيد قطب في تفسيره ، في ظلال القرآن ، أن الأرجح ، أنها ~~«الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان» (2)؛ ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** الطغاة أساس الفساد الفكري والعملي # ( @QUR@04 الذين طغوا في البلاد ) وتجاوزوا الحد في الإساءة إلى الناس ~~بمختلف الوسائل التي أثقلت كاهلهم بكل بغي وطغيان ، مستغلين قوتهم وضعف PageV24P242 # الناس ، للضغط على حياتهم ، واستغلال مواردهم ، وفرض إرادتهم عليهم ~~بالتعسف والقسوة. ( @QUR@03 فأكثروا ms5482 فيها الفساد ) لأنهم لم ينطلقوا ، في ~~علاقتهم بالناس ، من قانون عادل يخضع له الجميع ، لينظم لهم حياتهم ، ويرعى ~~موازين العدل في خلافاتهم ، ويضع الحدود لهم حتى يعرفوا حدود أعمالهم ~~وأقوالهم وعلاقاتهم وأوضاعهم ، فإذا تجاوزوها كان هناك أساس شرعي للعقاب ، ~~لإرجاع المتجاوزين إلى الحدود المرسومة والضوابط المعلومة ، بل انطلقوا في ~~علاقتهم بهم من خلال تأليه الذات المتحركة من شريعة الاستكبار القائمة على ~~القوة ، المنطلقة من الهوى ، الخاضعة للعقدة المستحكمة في شخصية هذا أو ذاك ~~من هؤلاء الطغاة المستكبرين ، مما لا يجعل هناك أية ضابطة لتصرفاتهم في ~~الحكم والتشريع والإدارة والاقتصاد والحرب والسلم. فكلمات الطاغية هي ~~القانون ، ونزواته هي حيثيات الحكم ، ومصالحه هي الأسس التي يخضع لها ~~الاقتصاد ، وغضبه ورضاه هما القاعدتان اللتان تحكمان الحرب والسلم ، وبهذا ~~يتحرك الطغيان من موقع اللاقاعدة في ما هو مضمون الحركة في الحياة. # ثم لا يقتصر الأمر عند هذا الحد ، فإن الطغاة يعملون على تغيير المفاهيم ~~والقيم والقوانين لمصلحة طغيانهم ، من أجل أن يغيروا الذهنية العامة للتحول ~~إلى رأي عام لمصلحة النتائج السلبية التي يريدون لها أن تحرك قضايا الواقع ~~في مواجهة مسألة الحرية ، التي تنطلق ثورتها في حركة الجماهير الغاضبة ، ~~ليقوموا بتدميرها ، والناس تصفق لهم ، والهتافات تلهج بأسمائهم. وهكذا ~~يعملون على تحويل القانون العام والقيم الكبيرة التي يصوغونها على طريقتهم ~~، إلى أداة قمع لكل من يواجه ذلك ، فيكون المعروف منكرا والمنكر معروفا. ~~وهكذا ، حتى يتحول الفساد واقعا حيا في حياة الناس ، ولكن في صورة أخرى ، ~~كما لو كان بعنوان الصلاح ، وهذا ما عبرت عنه الآيتان الكريمتان في الحديث ~~عن المنافقين في قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا قيل لهم لا تفسدوا في PageV24P243 # @QUR@012 الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون ) [البقرة : 11 12]. # * * * ### ||| ** كيف نستوحي النظرية في الواقع؟ # وعلى ضوء ذلك كله ، فإننا نستطيع استحياء النظرية الإسلامية في الدائرة ~~الاجتماعية والسياسية ، وهي أن الطغيان في القوى الحاكمة والنافذة في واقع ~~الأمة ، يستلزم الفساد في كل جوانبها ومواقعها ، حتى يفسد المستضعفين الذين ~~ينالهم طغيان الطغاة في ms5483 عملية التعسف والظلم والقسوة ، من خلال إفساد ~~المجتمع كله. وإذا انتشر الفساد في المجتمع من خلال طغيان الطغاة ، فإن ~~الإرادة الإلهية تتدخل في عملية إنهاء الطغيان أو تخفيفه ، أو إفساح المجال ~~للقضاء على رموزه ، ليتنفس المجتمع فترة من الزمن ، بحيث يمكن للمصلحين أن ~~ينفذوا إلى بعض ثغراته ، ليدخلوا من خلالها إلى الساحات الواسعة التي يمكن ~~لهم أن يغيروا فيها الكثير أو القليل من قضاياها. وهذا ما نراه في كل فترات ~~التاريخ التي سيطر فيها الطغيان ، فإن السنن الكونية الإلهية في حياة الناس ~~تفرض إيجاد الظروف المتنوعة والتحركات المختلفة لتغيير حالة الثبات التي ~~تحكم واقع الطغيان للعمل على خلخلة قواعده وإسقاط رموزه وهز مواقعه ، ~~لتستمر حركة الصراع بين الخير والشر والحق والباطل بشكل متوازن ، ولتبقى ~~للقوى المستضعفة الإمكانات الذاتية للوقوف في مواجهة المستكبرين بالوسائل ~~الطبيعية الممكنة. وربما تتدخل القدرة الإلهية بصورة المعجزة ، كما حدثنا ~~القرآن الكريم عن هذه الفئة الطاغية وهي عاد وثمود وفرعون. # * * * PageV24P244 ### ||| ** بين الطغيان والعذاب # ( @QUR@05 فصب عليهم ربك سوط عذاب ) فأفاض عليهم عذابه ، كما لو كان ~~فيضانا يغمرهم بكل مياهه الحارة اللاهبة ، ويلهب ظهورهم وكيانهم كمثل السوط ~~الذي يهوي على الأجساد فيلذعها بما يثيره من الآلام القاسية الصارخة ، وذلك ~~بمختلف ألوان العذاب التي قضت عليهم أجمعين ، فلم تبق منهم باقية. # وينطلق التاريخ بعدهم ليبدأ مرحلة جديدة في فكر جديد ، وصراع جديد. # ( @QUR@03 إن ربك لبالمرصاد ) فهو المهيمن على الواقع كله ، وعلى الأمر ~~كله ، والراصد لكل أعمال الطغاة وأوضاعهم. وستبقى مسألة الطغيان تفرض نفسها ~~على الواقع المتجدد ، وستبقى إرادة الله تلاحق كل الطغاة لتنزل عليهم ~~العذاب بشكل مباشر ، في ما يخلقه الله من وسائل العذاب ، أو بشكل غير مباشر ~~في ما يتحرك به المستضعفون بوسائلهم الخاصة ، ليعملوا على القضاء عليهم أو ~~إضعافهم. # وهكذا يقف الدعاة إلى الله ، والمستضعفون في الأرض ، لينفتحوا على الأمل ~~الكبير ، عند ما تضيق بهم الحياة ، وتشتد عليهم الضغوط ، وتزحف نوازع اليأس ~~إلى حياتهم ، فإذا بالله في قدرته ورصده وإشرافه على أوضاع عباده ، يوحي ~~لهم بمتابعة طريق الدعوة ms5484 والجهاد في سبيله والأخذ بأسباب الحرية ، ليقول ~~لهم : إني معكم ، وليقول كل واحد لصاحبه : ( @QUR@05 لا تحزن إن الله معنا ~~) [التوبة : 40] فيزدادون قوة وثباتا واندفاعا في حركة الصراع. # * * * PageV24P245 ### ||| * الآيات # ( @QUR@011 فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ~~(15) @QUR@010 وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) ~~@QUR@05 كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) @QUR@05 ولا تحاضون على طعام المسكين ~~(18) @QUR@04 وتأكلون التراث أكلا لما (19) @QUR@04 وتحبون المال حبا جما ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 فقدر ): فضيق. # ( @QUR@01 تحاضون ): تحثون. # ( @QUR@01 التراث ): الميراث. # ( @QUR@01 لما ): اللم : أكل الإنسان نصيب نفسه وغيره. # ( @QUR@01 جما ): كثيرا. # * * * PageV24P246 ### ||| ** موقف الإنسان من ابتلاء الله أو تكريمه # وإذا كان الله بالمرصاد لعباده ، فلا بد لهم من أن يراقبوه ويدققوا جيدا ~~في كل الأوضاع التي تصيبهم في ما يصدر منه بشكل مباشر ، أو بلحاظ السنن ~~الكونية والاجتماعية ، مما قد يكون تدريبا لهم على الدخول في التجربة الحية ~~في دائرة مشاكل الحياة ، كالفقر والغنى ، والأمن والخوف ، ليعرفوا أن عليهم ~~أن لا يحكموا حكما قطعيا حاسما على طبيعة الظاهرة الواقعية في حياتهم في ~~إيحاءاتها السلبية أو الإيجابية ، فربما كانت اختبارا وامتحانا لإيمانهم ، ~~في ما يمكن أن تؤدي إليه مواقفهم في نهاية المطاف. ولكن الإنسان لا يتصرف ~~بهذه الطريقة ، فيرتبط بالسطح ليحكم على أساسه ، ولا يرتبط بالعمق ، فيجعل ~~قضاء الله في حياته ، مثل موازين الناس في أوضاعهم على مستوى حركة العلاقات ~~وطبيعتها. # * * * ### ||| ** النعمة ليست دليل كرامة الله الإنسان # ( @QUR@011 فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ~~) فيرى النعمة في ما وسع الله عليه من رزقه امتيازا وكرامة ، بحيث يشعر ~~بالامتياز الذاتي في الرعاية الإلهية دون سائر الخلق ، فيدفعه ذلك إلى ~~الشعور بالكبرياء والعلو على الآخرين. ولكن الإنسان لا يتعمق في المسألة ~~جيدا ، فإن الله قد أجرى الحياة ، في عطائه للناس أو منعه عنهم ، على السنن ~~الكونية والاجتماعية ، فلا يعطي إنسانا لكرامته عنده ، ولا يمنعه لاحتقاره ~~لديه ، ولكن لاقتضاء تلك السنن ذلك. ولا بد له من ملاحظة أن ذلك قد يكون ~~اختبارا طبيعيا لصدقه في إيمانه ، لأن الله ms5485 أراد من الناس الثبات في كل ~~مواقع الاهتزاز الواقعية ، فلا تسقطهم الزلازل ، ولا تطغيهم المواقع ، لأن ~~مسألة الإيمان ليست حالة طارئة PageV24P247 # تبرز في حالات الرخاء ، أو في حالة الشدة ، ولأن مسألة الرجوع إلى الله ~~والالتزام بالإخلاص لربوبيته ، ليست أمرا مربوطا بوضع معين ، بل لا بد من ~~أن يكون الإيمان بالله والإخلاص له في جميع حالات الإنسان ، فقد يبتلي الله ~~الإنسان بالغنى لينظر في عمله ، هل يشكر نعمة الله ، فيخشع قلبه له ، ويشعر ~~بأن ما عنده هو منه سبحانه ، ويبذل ذلك في طاعته ، ويحركه في مواقع رضاه ، ~~أو يفكر بنعمة الله عليه فيعتبر ذلك كرامة وامتيازا ، أو يوحي لنفسه بأنه ~~قد حصل عليها من خلال جهده وخبرته ، وليس لله دخل في ذلك ، كما حدثنا الله ~~عن قارون في قوله : ( @QUR@05 إنما أوتيته على علم عندي ) [القصص : 78] ثم ~~يستعلي بما ملكه على الناس ليواجههم من موقع الكبرياء المالي. # ولهذا ، فلا بد للإنسان من اعتبار النعمة اختبارا وامتحانا ، لا كرامة ~~وامتيازا. # * * * ### ||| ** الفقر ليس إهانة من الله للفقير # ( @QUR@07 وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) أي ضيق عليه رزقه ، ( ~~@QUR@03 فيقول ربي أهانن ). # وهذا هو نوع آخر من أنواع الواقع الصعب الذي يتحول بفعل مشاكله المرتبطة ~~به ، ليكون اختبارا وامتحانا ، فقد يبتلي الله بعض عباده بالفقر لينظر في ~~تصرفه وانفعاله به ، هل يصبر على ذلك ، فلا يبيع دينه بمال الكافرين ، ولا ~~يغير مواقفه بإغراءات المستكبرين ، ولا يسخط على قضاء الله ، ولا يسقط أمام ~~الأوضاع السلبية التي تتحداه ، ليفقد صلته بربه أو يكفر ، فيعتبر ذلك إهانة ~~واحتقارا من الله له ، وينحرف عن الخط المستقيم على أساس ذلك ، ثم يبتعد ~~كثيرا عن الله ، ليقترب من ساحة أعدائه؟ # * * * PageV24P248 ### ||| ** لا قيمة للمال في الخط الإلهي # ( @QUR@01 كلا ) إن الله يرفض هذا المفهوم المنحرف الذي يعتبر المال قيمة ~~كبيرة في الخط الإلهي ، كما هو قيمة في المفهوم الإنساني العام في ~~المجتمعات الإنسانية ، لأن الله قد أعطى المال للكافرين به ، كما منع المال ~~عن بعض أوليائه ، ولم يرد للمال قيمة ذاتية في طبيعته ms5486 ، بل اعتبر حركة ~~الإنسان في الجانب العملي في مسئوليته الشرعية الإيمانية في تحريك المال في ~~موارده التي يحبها الله ، هي القيمة ، لأن قرب الإنسان وبعده عن الله لا ~~يتحدد بحجمه المالي ، بل بحجمه العملي ، وذلك قوله تعالى : ( @QUR@05 إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13]. وهذا ما يريد للناس أن يتمثلوه ~~في وعيهم ووجدانهم ، ليكون هو الموقف الإسلامي الذي يمثل مفهومه للمسألة ~~المالية في حركة الواقع في الإسلام. ولكن المشكلة أن مفهومهم يبتعد عن هذا ~~الخط في أوضاعهم العملية ، في الوضع السلبي تجاه تصرف المال في الموارد ~~التي يحبها الله ، فيبخلون عن اليتيم ، ولا يتواصون في إطعام المسكين. # * * * ### ||| ** الاستغراق في حب المال وترك عمل الخير # ( @QUR@04 بل لا تكرمون اليتيم ) عند ما يعطيكم الله المال الذي يأمركم ~~أن تقدموا لليتيم بعضا منه ، لأنكم تخافون على أنفسكم الفقر ، ولا تفكرون ~~أن الله الذي أمركم بالعطاء هو الذي يعوض عليكم ما تبذلونه منه ، ( @QUR@05 ~~ولا تحاضون على طعام المسكين ) لأنكم تهملون الفئات المحرومة التي تعيش ~~المسكنة الاقتصادية في أوضاعها الخاصة والعامة ، باعتبار أن القضية لا ~~تهمكم من خلال العقلية الذاتية الأنانية التي لا تفكر إلا بمشاكلها ، ولا ~~تهتم بمشاكل PageV24P249 # الفقراء الآخرين. فالمسألة المهمة هي أن نشبع مع أولادنا ، والمشكلة أن ~~نجوع لنعمل على إيجاد الحل لذلك ، وليست المسألة المهمة أن يشبع الآخرون مع ~~أولادهم ، وليست المشكلة أن يجوع المساكين لنفكر في إيجاد الحل لهم. # ( @QUR@04 وتأكلون التراث أكلا لما ) واللم : أكل الإنسان نصيب نفسه ~~وغيره ، وأكله ما يجده من دون أن يميز الطيب من الخبيث. وقد كان هناك جماعة ~~من الناس ، في زمن نزول الآية ، يستغلون ضعف اليتامى ، ولا سيما الإناث ~~منهم ، لينهبوا أموالهم ويأكلوها من دون حق ، فيأكل الكبير حصة أخيه اليتيم ~~الصغير أو أخته اليتيمة الصغيرة ، لأنهما لا يستطيعان الدفاع عن نفسيهما ، ~~من دون أن تمنعه عن ذلك رحمة أو شفقة ، لأن استغراقه في المسألة المالية ~~الذاتية قد جمد كل رحمة لديه ، وكل إنسانية عنده. # ( @QUR@04 وتحبون المال حبا جما ) أي كثيرا عظيما ، لأنكم تربيتم على ms5487 ~~الاستغراق في حب المال كجزء من حب الدنيا التي استغرقتم فيها ، وأخلدتم إلى ~~الأرض في كل إيحاءاتها المادية ، وربما تطور الأمر بكم إلى أكل أموال الناس ~~بالباطل ، وإلى جعل الربا أساسا لمعاملاتكم ، وإلى التقاتل وسفك الدم ~~الحرام للحصول على المال الحرام ، وذلك من خلال النظر إلى المال على أساس ~~أنه القيمة كل القيمة ، والسعادة كل السعادة ، والخير كل الخير ، فلا قيمة ~~أكبر منه ، ولا سعادة أكثر من الحصول عليه ، ولا خير إلا ما يمثله الحصول ~~عليه من الخير. # * * * PageV24P250 ### ||| * الآيات # ( @QUR@06 كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا ~~صفا (22) @QUR@09 وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ~~(23) @QUR@05 يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) @QUR@05 فيومئذ لا يعذب عذابه ~~أحد (25) @QUR@04 ولا يوثق وثاقه أحد (26) @QUR@04 يا أيتها النفس المطمئنة ~~(27) @QUR@05 ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) @QUR@03 فادخلي في عبادي (29) ~~@QUR@02 وادخلي جنتي ) (30) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 دكت ): الدك : هو الدق الشديد. # * * * ### ||| ** يوم يتذكر الإنسان ولا تنفعه الذكرى # ( @QUR@01 كلا ) ليس الأمر كما تحلمون وتتوهمون في ما تعيشونه من أحلام PageV24P251 # المال وأوهام الخيال ، فهناك واقع صعب مرير ستواجهون ثقله وصعوبته في ~~الموعد المحدد في يوم الفصل الذي تسبقه الأوضاع الكونية الجديدة التي تقلب ~~الكون رأسا على عقب. # ( @QUR@05 إذا دكت الأرض دكا دكا ) بحيث تتغير معالمها وتتحطم ، فلا يبقى ~~هناك شاخص على سطحها ، في انقلاب كوني شديد يطل على أجواء القيامة. # ( @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا صفا ) أما مجيء الله إلى أجواء القيامة ~~كما يجيء الملك في الوضع المتجسد المحسوس ، فهو أمر غير متصور ، لأن الله ( ~~@QUR@03 ليس كمثله شيء ) [الشورى : 11] ، ولذلك فلا بد من حمله على أمر ~~الله ، أو هيمنته وإشرافه على الوضع كله ، مما يجعل من حضوره الذي يوحي به ~~المجيء حضورا معنويا ، باعتبار أنه أقوى حضور ، فهو في عالم الغيب أعظم من ~~كل موجود في حضوره في عالم الحس. # ويقف الملائكة صفا صفا في وقفة استعداد لتلقي أمر الله في ما يعهده إليهم ~~من المهمات في يوم القيامة. # ( @QUR@03 وجيء يومئذ بجهنم ) فقربت إلى الموقف لتقف متأهبة في استعداد ~~الطاعة ms5488 إلى الله وفي كل ما يأمرها به. # ( @QUR@03 يومئذ يتذكر الإنسان ) حقائق الأشياء ، وتنكشف عنه حجب الغفلة ~~، ويعلم أن ما قرره الله في كتبه ، وما جاءت به الأنبياء في تعاليمها ، هو ~~الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( @QUR@03 وأنى له ~~الذكرى ) أي من أين له الذكرى ، فوجودها كعدمه في هذا الموقف الذي ( ~~@QUR@09 لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) [الأنعام : 158] ، لأنه ~~لا يستطيع تدارك ما فاته من الفرص الكثيرة ، ولا مجال الآن للتوبة وللعمل ~~الصالح. # * * * PageV24P252 ### ||| ** الحسرة على ما ضاع من العمر # ( @QUR@05 يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) هذه التي أعيش فيها هذا الجو ~~الجديد الذي لن يرتفع بالإنسان إلا من خلال ما قدمه من أعمال الخير التي ~~تمثل رأس ماله في الآخرة ، التي هي الحياة الحقيقية ، لأنها الحياة الخالدة ~~، بينما لا تمثل الدنيا إلا اللهو واللعب ، كما قال الله تعالى في آية أخرى ~~: ( @QUR@015 وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون ) [العنكبوت : 64]. # وتلك هي الحسرة التي يشعر بها الإنسان الذي ضيع كل فرص الخير في الدنيا ~~فتحولت إلى حسرات يوم القيامة. # ( @QUR@09 فيومئذ لا يعذب عذابه أحد* ولا يوثق وثاقه أحد ) والضمير في ~~«عذابه ووثاقه» عائد إلى الله ، فهو الرب العظيم الجبار القاهر فوق عباده ، ~~الذي يعذب العذاب الذي لا يساويه عذاب أي شخص في شدته ، ويوثق الوثاق الذي ~~لا يماثله وثاق أحد في قوته. # وهناك قراءة أخرى «لا يعذب» بفتح الذال «ولا يوثق» بفتح الثاء ، بالبناء ~~للمفعول وضميرا «عذابه ووثاقه» على هذا للإنسان. ويكون المعنى هو الحديث عن ~~حجم عذاب الإنسان ووثاقه ، وبلوغه الحد الذي لا يبلغه حجم أي عذاب آخر أو ~~وثاق آخر. # * * * # ( @QUR@02 النفس المطمئنة ) # ( @QUR@04 يا أيتها النفس المطمئنة ) التي عاشت الطمأنينة الروحية ، في ~~انفتاحها الفكري الإيماني على آفاق الله في صفات الكمال والجمال ، فتخلقت ~~بأخلاقه ، PageV24P253 # ووثقت به ، واطمأنت إليه وإلى قضائه ، والتزمت بطاعته ، وأنابت إليه ، ~~فهي معه ، لا مع الناس ، وعند ما تكون معهم ، فإنها تتحرك بالشعور ms5489 الإيماني ~~في محبة الله ورضاه ، في ما يريده لها أن تكون علاقتها بهم قريبة إلى ~~رضوانه ، لأنها ترضى برضى الله وتسخط بسخطه ، فتوالي من والى الله وتعادي ~~من عاداه. # وإذا واجهتها المشاكل والضغوط والآلام والأحزان والتحديات ، فإنها تتلقى ~~ذلك كله بصبر جميل ، وروح رضية ، وأمل كبير بالله ، وثقة بما عنده ، فلا ~~تجزع ، ولا تهلع ، ولا تسقط ولا تهتز ، لأن الاطمئنان الروحي الذي يغمر ~~روحها وحياتها ، يتحول إلى اطمئنان عملي بالنتائج الإيجابية من خلال الموقف ~~القوي الهادىء الواثق بالله. # وهكذا يمنح الإيمان صاحبه روحية الطمأنينة للحاضر وللمستقبل ، لأنه يثق ~~بالتدبير الإلهي ، والرعاية الربوبية للناس وللحياة ، فكل شيء عنده بمقدار ~~، وهو الرحمن الرحيم العليم الحكيم الخبير ، فلا يخاف الإنسان من أي اهتزاز ~~أو انحراف في النظام الكوني المتقن ، الذي يضمن للإنسان مصلحته على الصعيد ~~العام أو الخاص ، فلا يريد الله بعباده شرا ، بل قد يوقع بهم المصائب ~~والبلايا ، ليختبرهم وليمنحهم الفرصة لينالوا أعلى الدرجات. وإذا فكر ~~الإنسان بالحياة وبالموت ، فإنه يفكر بأنهما بيد الله ، فهو الذي يحيي ~~ويميت وإليه المرجع ، الذي يجعل الإنسان هناك في أمن وسلام ، إذا كان من ~~المؤمنين الصالحين الذين عاشوا في محبة الله وساروا في طريقه المستقيم. ~~وينطلق هذا النداء ، ليوحي للإنسان بكل معاني التكريم والمحبة ، والقرب ~~والعطف. # ( @QUR@03 ارجعي إلى ربك ) بعد كل هذا العناء الطويل ، والبلاء الكبير ، ~~والآلام الكثيرة ، والصبر الجميل ، والعض على الجراح ، والاستعلاء على ~~الأحزان ، والابتعاد عن كل انفعالات الغربة والوحشة في محيط الكفر والضلال ~~، ليستقبلك الله بعطفه وحنانه ورحمته ورضوانه. PageV24P254 # ( @QUR@02 راضية مرضية ) في هذه العلاقة الروحية بين العبد وربه التي ~~تحركت في مواقع الرضى ، فهي راضية بما قضى وقدر ، وبما حكم وشرع ، لأنها ~~ترى أنها ملك الله ، وله أن يتصرف في ملكه بما يشاء ، ويحكم بما يريد ، وهي ~~مرضية عنده سبحانه ، بما آمنت به ، وبما قامت به من فروض الطاعة لديه ، ~~والعمل على الحصول على محبته ، وبذلك عاشت السعادة والطمأنينة في حبها لله ~~، وحب الله لها. وهذا هو ما تستهدفه التربية القرآنية الإسلامية ، في ms5490 أن ~~يعمل الإنسان على تربية نفسه على الرضى بقضاء الله من موقع الوعي برحمته ~~وعلمه وحكمه ، وعلى السعي للحصول على رضاه في موقع الالتزام بطاعته في ~~أوامره ونواهيه. ( @QUR@03 فادخلي في عبادي ) المؤمنين الصالحين المقربين ~~الذين اختارهم الله لنفسه ليكونوا جنده الغالبين ، وحزبه المفلحين ، ~~وأوليائه المطيعين. # ( @QUR@02 وادخلي جنتي ) التي أعددتها لكل نفس مطمئنة إلى ربها ، وإلى ~~قدره وقضائه ، وإلى طريقها المستقيم في خط رضاه ، وإلى كل النتائج الطيبة ~~التي تلتقيها هناك في مستقبل الزمن ، حيث تواجه الموقف بالثقة والثبات ~~والاستقامة والسلام الروحي الكبير. # وهكذا تكون الجنة نهاية المطاف للمؤمنين الصالحين المتقين ، حيث يستسلمون ~~للنعيم الهانئ السعيد الذي يعيشون في داخله الراحة من كل ذلك العناء الطويل ~~، والجهاد الكبير الذي ذهب بكل ذكرياتهم وآلامهم ، ليبقوا مع الله في ~~رضوانه الذي يهيمن على أرواحهم المتعبة لطفا ورحمة وحنانا ، فيزيدها راحة ~~واطمئنانا. وذلك هو الفوز العظيم. # * * * PageV24P255 ### | سورة البلد ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها عشرون PageV24P257 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية ، تطل على أجواء القسم بمكة التي عاش فيها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وبوالد وما ولد ، وتؤكد على أن الإنسان خلق في ~~مكابدة ومشقة وجهد وتعب ، وأريد له أن يستمر في كدحه ليحقق لنفسه الدور ~~الحيوي الذي أعده الله له في بناء الحياة على أساس الرسالات ، فعليه أن ~~يدرس دوره وقدرته ولا يطغى في نفسه ليتصور نفسه بالقدرة التي لا يقدر عليه ~~فيها أحد ، وعليه أن لا يبتعد عن القيام بمسؤوليته في البذل ليحتج بأنه لا ~~يملك شيئا فيقول : ( @QUR@03 أهلكت مالا لبدا )، فيكفيني ما أنفقت ، فلا ~~أستطيع أن أنفق أكثر ، ولكن عين الله تراه وتعرف موارد إنفاقه ، ( @QUR@06 ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) فلما ذا يغفل عن الله وينسى فضله عليه ، فيبخل ~~بما أنعم به عليه ، فمن أعطاه العينين اللتين يبصر بهما ، واللسان والشفتين ~~التي ينطق بها ، ومن هداه إلى طريق الخير والشر؟ أليس الله هو الذي أعطاه ~~ذلك كله ، كما أعطاه غيره؟! # فهل يعرف العقبة التي تحول بينه وبين رضى الله ودخول الجنة ، فعليه أن ms5491 ~~يقتحمها ويتجاوزها وينتصر على نوازع البخل في نفسه ، ليعمل على عتق الرقبة ~~، وإطعام الجائعين في أوقات الشدة ، واليتيم القريب ، والمسكين المسحوق ، ~~فذلك هو الذي يقربه إلى الله ، بالإضافة إلى أن يكون من المجتمع الذي ~~يتواصى أفراده بالصبر والرحمة ، ليكون من أصحاب اليمين. أما الكافرون فهم ~~أصحاب المشأمة وسيلاقون العذاب في النار التي تغلق أبوابها عليهم إلى الأبد. # * * * PageV24P259 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 لا أقسم بهذا البلد (1) @QUR@04 وأنت حل بهذا البلد (2) ~~@QUR@03 ووالد وما ولد (3) @QUR@05 لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) @QUR@06 ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) @QUR@04 يقول أهلكت مالا لبدا (6) @QUR@05 ~~أيحسب أن لم يره أحد (7) @QUR@04 ألم نجعل له عينين (8) @QUR@02 ولسانا ~~وشفتين (9) @QUR@02 وهديناه النجدين ) (10) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 حل ): حال ، أي ساكن. # ( @QUR@01 كبد ): الكبد شدة الأمر ، الكد والتعب. # ( @QUR@01 لبدا ): كثيرا. # ( @QUR@01 النجدين ): أصل النجد : العلو ، والمراد بالنجدين هنا ، طريق ~~الخير وطريق الشر. # * * * PageV24P260 ### ||| ** عظمة مكة وتشريفها # ( @QUR@04 لا أقسم بهذا البلد ) والمعروف أن المراد به مكة ، لا سيما أن ~~السورة مكية ، كما يؤيده السياق ، وكما هو المشهور بين المفسرين. وأما قيمة ~~هذا البلد ، فتتمثل في أنه بيت الله الحرام الذي جعله الله ساحة للسلام ، ~~ليكون مثابة للناس وأمنا ، وليلتقوا فيه على طاعة الله ، في الأجواء التي ~~توحي لهم بالتخطيط لإقامة السلام في الأرض على أساس كلمة الله. # ( @QUR@04 وأنت حل بهذا البلد ) أي حال مقيم فيه ، لتطلق منه حركة ~~الرسالة ، وتعاني الكثير من الجهد والمشقة في سبيلها ، وتنطلق به إلى الناس ~~، في ما تكفله من الساحة الواسعة التي يلتقي فيها الناس للحج وللتجارة ~~وللثقافة ، فتجد في ذلك الفرصة الكبيرة لإيصال الدعوة إليهم جميعا في ما ~~تحركه من مواقف مؤيدة أو معارضة. وبذلك ، يأخذ هذا البلد في وجودك فيه ، ~~وحركتك في مواقع الرسالة ، شرفا عظيما وأهمية كبيرة جديدة ، لأن عظمته كانت ~~من خلال وجود بيت الله فيه في ما فرضه من حج الناس إليه ، وصلاتهم عنده ، ~~مما يجعل من موقعك فيه موقعا جديدا لشرفه ورفعته. # وهناك تفسير آخر لهذه الفقرة كما جاء في الميزان وهو : «أن الجملة معترضة ~~بين القسم ms5492 والمقسم به والمراد بالحل المستحل الذي لا حرمة له» (1). ثم ~~ينقل عن الكشاف: # قال في الكشاف : «واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله : ( @QUR@04 وأنت ~~حل بهذا البلد ) يعني ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد ~~الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم عن شرحبيل يحرمون أن يقتلوا بها PageV24P261 # صيدا ويعضدوا (1) بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك. وفيه تثبيت من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، ~~وتعجيب من حالهم في عداوته ، أو سلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقسم ~~ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد. واعترض بأن وعده فتح مكة ~~تتميما للتسلية والتنفيس عنه ، فقال : ( @QUR@04 وأنت حل بهذا البلد ) يعني ~~وأنت حل به في المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ...» (2)، ~~ومحصل هذا الكلام «تفسير الحل بمعنى المحل ضد المحرم ، والمعنى : وسنحل لك ~~يوم فتح مكة حينا فتقاتل وتقتل فيه من شئت» (3). وهو خلاف الظاهر. # * * * ### ||| ** ووالد وما ولد # ( @QUR@03 ووالد وما ولد ) ذكر المفسرون أن المراد بالوالد هو إبراهيم ، ~~وبالولد إسماعيل ، وذلك من أجل التناسب مع البلد الذي أقسم به ، من جهة ~~علاقتهما ببناء البيت وتأسيس البلد نفسه. وقد يكون المعنى معقولا ومناسبا ، ~~ولكن ذلك لا يصلح أن يكون قرينة في مستوى الظهور. # وقيل : المراد «بوالد وما ولد» آدم وبنوه جميعا ، بتقريب أن المقسم عليه ~~بهذه الأقسام خلق الإنسان في كبد ، وقدس الله في خلق هذا النوع وإبقاء ~~وجوده سنة الولادة ، فقد أقسم في هذه الآيات بمحصول هذه السنة وهو الوالد ~~وما ولد ، على أن الإنسان في كد وتعب بحسب نوع خلقته من حين يحيا إلى حين يموت. PageV24P262 # ولعل هذا هو الأقرب إلى الاعتبار لإبقاء الإطلاق على حاله مع مناسبته ~~للمقسم عليه الذي يتأكد مضمونه بالإشارة إلى سنة التوالد ، مما يعني بأن ~~مبدأ الاشتقاق ملحوظ في المسألة ، بالإضافة إلى الإيحاء بالإنسان الخاضع ~~لهذا المبدأ الإلهي في سنته الطبيعية التي أجرى الوجود الإنساني عليها. ~~وبهذا يتقدم ms5493 هذا الوجه على الوجه الأول ، فإن انطباق الآية على إبراهيم ~~وإسماعيل (ع) لا يجعل للمبدأ خصوصية في التعبير. # * * * ### ||| ** خلق الإنسان في كبد # ( @QUR@05 لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وهذه هي الفكرة التي أريد تأكيدها ~~، بالإيحاء بأنه لا حاجة إلى القسم بالبلد ووالد وما ولد لإثباتها ، لأنها ~~في مستوى الوضوح البارز من خلال ملاحظة الإنسان في ولادته ، في ما يقاسيه ، ~~والدا أو مولودا ، من متاعب الحمل والولادة ، وفي نشأته ، في ما يقاسيه من ~~الأوضاع المحيطة بالإرضاع والتغذية والتربية ، وفي ما يطرأ عليه من طوارئ ~~المرض والخوف والجوع والعطش والبلاء المتنوع ، وما يحتاجه في تهيئة شروط ~~حياته وحياة عياله من جهد كبير وأعمال قاسية مجهدة تسلبه النوم والراحة ~~والاستقرار ، وتعرضه للمزيد من الآلام النفسية ، كالذل والمهانة ونحوهما ، ~~مما قد يصدر من الأشخاص أو الجهات التي تشرف على عمله ، وفي ما يواجهه من ~~التحديات التي تتحداه في وجوده أو ماله ، أو في أهله وكرامته ، في ساحات ~~الصراع ، وفي مواقع الطغيان ، مما يفرض عليه أن يدخل في التجارب القتالية ~~التي تهدد حياته ، أو في الصراعات المتنوعة التي تهدد استقراره ، وفي ما ~~يعيشه من الحاجة إلى العلم والخبرة اللذين يفرضان عليه أن يتعب من أجل كسب ~~العلم ، وتحريك التجربة واستنطاقها ، وتنمية العقل ، وتقوية الذهن ، وإيجاد ~~الوسائل التي تجعل من حركته في العلم حالة إنتاجية ، بدلا من أن يبقى في ~~حالة استهلاكية. PageV24P263 # وهكذا يبقى الإنسان في كبد ، عند ما يريد أن ينال رضى الله ، في ما يبذل ~~من نفسه وماله وفكره وحياته في سبيل تحقيق الأهداف الكبيرة التي يحبها الله ~~ويريد له أن يبلغها أو يتحرك في الطريق التي يتجه إليها ، أو في ما يعمل ~~على تأكيد فكره ليبلغه للناس ، وليتحمل كل النتائج السلبية التي تصيب ذاته ~~في سبيل ذلك ، وليعيش واقع الصراع الفكري ، كما يعيش واقع الصراع السياسي ~~والعسكري ، من أجل أن يحقق للفكر قوته ، وللواقع السياسي والعسكري امتداده ~~وثباته واستمراره. # إن الكدح في سبيل الحياة ، ومعاناة الآلام الكبيرة من أجل الأهداف ، ~~ومقاساة الأتعاب الشديدة والجهد ms5494 القاسي في الطريق إلى إبقاء الحركية في خط ~~المسؤولية ، هي الحقيقة الوجودية التي يعيشها الإنسان في كل أوضاعه وفي كل ~~مراحله حتى يموت ، فبالجهد يولد ، وبالجهد يعيش ويموت. وهذه هي قضية خلق ~~الإنسان على الطريقة التي يريد الله له فيها أن يعيش المسؤولية ، ليعتبر ~~الحياة كدحا مسئولا ، لا استرخاء عبثيا ، وليعيش الإحساس بالقدرة الإلهية ~~التي صاغت وجوده على طريقتها ، وتريد منه أن يستشعر هيمنة القدرة عليه في ~~كل مواقع ذاته وحركته. # * * * ### ||| ** ( @QUR@06 أيحسب أن لن يقدر عليه أحد )؟ # ( @QUR@06 أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) أيظن أنه الكلي القدرة ، فليس ~~هناك من يملك القدرة عليه؟ فكيف يظن ذلك ، وهو يرى أن الله هو الذي خلقه ، ~~وأنه لا يحصل على شيء من متاع الدنيا أو من مواقعها ، إلا ليخسر شيئا آخر ، ~~لأنه لا يستطيع استيعاب حاجاته بالمطلق ، فإذا كانت له قدرة معينة ، فقد ~~يجد أن للناس الآخرين قدرة مماثلة تتوازن مع قدرته ، أو تزيد عليها ، ~~لتمنعه من PageV24P264 # تحقيق ما يريد ، وقد يجد أن هناك من الأشياء الكونية أو غير الكونية مما ~~لا يستطيع الناس تحقيقه وإيجاده أو منعه ، فيفكر أن قدرة الله وحدها هي ~~التي تملك تحقيق ما لا يستطيع الناس جميعا أن يحققوه. # ولكن مشكلة هؤلاء أنهم يستغرقون في الغفلة ، وفي الوضع الذاتي الذي يحيط ~~بهم ، فيتصرفون في الأمور كما لو كانوا وحدهم ، ويعالجون القضايا ، كأن ~~الله لا يراهم ، فيلعبون لعبة الاستخفاء بما لا يخفى عن الله أو عن الناس ، ~~ويتحدثون عن التبريرات الساذجة لانحرافاتهم ، كما لو لم يكن هناك من يعلم ~~أسرارهم. ومن هؤلاء ، هذا النموذج الذي عاش بعض أفراده في زمن الدعوة الأول ~~، وهم الذين كان يقال لهم : أنفقوا على من حولكم ممن يحتاج إلى المعونة ، ~~فكان الواحد منهم يعتذر عن ذلك بأنه أنفق مالا كثيرا ، فقد أدى واجبه ، ~~فليؤد غيره هذا الواجب الجديد ، لأن استمراره في الإنفاق يقوده إلى نفاد ~~ماله وإلى الفقر. # ( @QUR@04 يقول أهلكت مالا لبدا ) أي كثيرا. يقول ذلك في مجال الشكوى ، ~~وبطريقة الامتنان والاستكثار ، وهو يخفي ms5495 المال الكثير لديه. وربما كان ~~حديثه عن إنفاق المال كاذبا كما يفعل الكثيرون الذين يتحدثون عن العطاء من ~~موقع الكذب. # ( @QUR@05 أيحسب أن لم يره أحد ) في ما قد يعتقده في نفسه من أنه يملك ~~المنطقة الخفية التي لا يمكن أن يطلع عليها أحد ، لتكون قضاياه الخاصة ~~خاضعة لإقراره وإنكاره ، وإسراره وإعلانه. وكيف يغفل رقابة الله عليه وعلى ~~الوجود كله ، وهو الذي يعلم السر وأخفى ويسمع وساوس الصدور؟ ومن أين له كل ~~هذه الثقة بنفسه؟ # * * * ### ||| ** لا تغتر أيها الإنسان بنفسك # ( @QUR@04 ألم نجعل له عينين ) في ما خلقناه له من وسيلة البصر التي ~~يستطيع أن PageV24P265 # يتعرف فيها المرئيات ، فيزداد بذلك علما وخبرة في ما يختزنه من مفردات ~~المعرفة التي تتحول إلى فكر يبدع فكرا من خلال حركة العقل في تنظيم هذه ~~المعلومات ، وفي استنتاج العلم الجديد منها ، كما يستطيع من خلالها أن ~~يهتدي إلى طريقه في كل الأوضاع والأجواء والمواقع؟! # ( @QUR@02 ولسانا وشفتين ) يستعين بها على النطق ، ليوصل أفكاره إلى ~~الآخرين باللغة التي ألهمه الله إياها ، وبالصوت الذي وهبه الله له ، ~~ليستطيع ، من خلاله ، إدارة حركة التفاهم الذي يسهل للناس سبل العيش ، ~~ويحول الوجودات الفردية إلى وجود اجتماعي متكامل يتبادل الخبرات والأفكار ~~والحاجات من خلال عملية النطق التي يتحرك بها اللسان ، وتنطق بها الشفتان. # ( @QUR@02 وهديناه النجدين ) أي الطريقين : طريق الخير وطريق الشر ، ~~بمعنى أننا منحناه الهداية العقلية التي يتمكن من خلالها من معرفة الخير ~~والشر ، ليدخل في عملية التفكير في المقارنة بينهما ، وفي اختيار أي واحد ~~منهما لحياته ليلتزمه في موقفه ، كخط عملي للحياة ، وليتحرك من أجل الدعوة ~~إليه ، فيتحمل مسئوليته في الالتزام ، وفي الدعوة ، وفي حركة الصراع. # وقد ذكر صاحب الميزان ملاحظة دقيقة في استفادة المفهوم الجامع بين هذه ~~الآيات الثلاث فقال : «وفي الآيات الثلاث حجة على قوله : ( @QUR@05 أيحسب ~~أن لم يره أحد ) أي على أنه تعالى يرى أعمال عباده ، ويعلم ما في ضمائرهم ~~من وجوه الأعمال ، ويميز الخير من الشر والحسنة من السيئة. # محصلها : أن الله سبحانه هو الذي يعرف المرئيات ms5496 للإنسان بوسيلة عينية ، ~~وكيف يتصور أن يعرفه أمرا وهو لا يعرفه؟ وهو الذي يدل الإنسان على ما في ~~الضمير بواسطة الكلام ، وهل يعقل أن يكشف له عما هو في حجاب عنه؟ وهو الذي ~~يعلم الإنسان ويميز له الخير والشر بالإلهام ، وهل يمكن معه ، أن يكون هو ~~نفسه لا يعلم به ولا يميزه؟ فهو تعالى يرى ما عمله الإنسان ويعلم PageV24P266 # ما ينويه بعمله ، ويميز كونه خيرا أو شرا ، وحسنة أو سيئة» (1). # ونلاحظ على هذا الكلام ، أن إبطال قوله : ( @QUR@04 أن لم يره أحد ) لا ~~يحتاج إلى أية حجة استدلالية ، لأنه يمثل بداهة الفكرة لمن يعرف أن الله هو ~~الذي يطلع على شؤون عباده ، سواء كان ذلك في الموقع السري أو العلني. # والظاهر أن هذه الآيات واردة في مواجهة حالة الغرور التي يعيشها هذا ~~الإنسان ، في طريقته في الكلام ، وفي الحركة ، وفي الموقف ، وفي تمرده على ~~خالقه ، وثقته الكبيرة بنفسه ، بعيدا عن ارتباطه بالله ، ليعرفه بأنه ~~سبحانه هو الذي خلق له العينين اللتين يبصر بهما ، ولولاها لم يعرف شيئا ، ~~وأنه هو الذي أعطاه العقل الذي يميز بين الخير والشر ، ولولاه لم يدرك شيئا ~~، فكيف يدعي لنفسه هذا الموقع ، ويغفل مقام ربه ومضمون عبوديته له ، أمام ~~ربوبيته المطلقة؟ كيف يفسر ذلك؟ # * * * PageV24P267 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 فلا اقتحم العقبة (11) @QUR@04 وما أدراك ما العقبة (12) ~~@QUR@02 فك رقبة (13) @QUR@06 أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) @QUR@03 يتيما ~~ذا مقربة (15) @QUR@04 أو مسكينا ذا متربة (16) @QUR@09 ثم كان من الذين ~~آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) @QUR@03 أولئك أصحاب الميمنة ~~(18) @QUR@06 والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) @QUR@03 عليهم ~~نار مؤصدة ) (20) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 اقتحم ): الاقتحام : توسط شدة مخيفة. # ( @QUR@01 العقبة ): الطريق الصعب الوعر. # ( @QUR@02 فك رقبة ): عتقها وتحريرها. # ( @QUR@01 مسغبة ): مجاعة. # ( @QUR@01 مقربة ): قرابة بالنسب. # ( @QUR@01 متربة ): من التراب ، ومعناها الالتصاق بالتراب من شدة الفقر. PageV24P268 # ( @QUR@01 بالمرحمة ): مصدر ميمي من الرحمة. # ( @QUR@01 الميمنة ): من اليمن مقابل الشؤم. والمراد بالميمنة هنا جهة ~~اليمين وأصحاب الميمنة هم الذين يؤتون كتابهم بيمينهم. # ( @QUR@01 مؤصدة ): مطبقة. # * * * ### ||| ** اقتحام العقبة ورضوان الله # وتتابع السورة الحديث عن هذا الذي يمتنع عن الإنفاق عند ما يدعى ms5497 إليه ~~ويعتذر عن ذلك بقوله : ( @QUR@03 أهلكت مالا لبدا )، لتدعوه من جديد إلى ~~الابتعاد عن هذا النهج ، لأن المسألة هي مسألة الجنة التي لا يستطيع أن ~~يدخلها إلا إذا اقتحم العقبة ، وواجهها بقوة الإيمان وقوة الإرادة. # ( @QUR@03 فلا اقتحم العقبة ) إنها الدعوة الاقتحام هذه العقبة التي لو ~~وقف عندها ولم ينطلق إليها ، لفقد الجنة ولم يحصل على رضى الله ، وربما ~~تعرض لدخول النار ، ولكنه إذا اقتحمها وتجاوزها ، فإن الطريق إلى رضوان ~~الله سوف تنفتح له بأقرب الوسائل. # ( @QUR@04 وما أدراك ما العقبة ) إنها تمثل القاعدة الكبيرة الثابتة التي ~~هي نقطة الانطلاق إلى علو الدرجة ورفعة المقام ، في المواقع العليا من ~~رضوان الله. ولهذا كانت في مستوى الأهمية الكبيرة التي ينبغي للإنسان ~~المؤمن أن يعمل من أجل الوصول إليها ، والانطلاق منها إلى الله في رحمته ~~ورضوانه. # * * * PageV24P269 ### ||| ** تحرير الرقيق والقرب من الله # ( @QUR@02 فك رقبة ) أي تحريرها وعتقها لتعود إنسانا حرا يملك إرادته ~~وحركته وكل شؤون حياته ، مما يوحي بأن مسألة حرية الإنسان من العبودية في ~~إعتاقه من الرق ، تمثل مدخلا لرضى الله ، لأن مسألة الاسترقاق في الإسلام ~~لم تكن مسألة اختارها الإسلام في شريعته كواقع تشريعي يؤكد على استجابة ~~الناس له ، في ما يريد لهم أن يأخذوا به ويسعوا إليه كأمر محبوب لديه ، بل ~~هي مسألة الواقع الذي عاش الإسلام في داخله من خلال التاريخ السحيق الذي ~~أوجد للرق نظاما وحشيا لا يتقيد بأي خلق إنساني وأية عاطفة روحية ، بحيث ~~أسقط كل إنسانية الإنسان من حساباته التشريعية ، فعمل الإسلام على تجفيف ~~منابعه ، وأبقى بعضها من خلال ما قد تفرضه الضرورات العامة في حركة ~~العلاقات بينه وبين معسكر الكفر في بعض دوائر الحرب والسلم ، وجعل لولي ~~الأمر الكثير من الصلاحيات في المن والفداء في أسرى الحرب ، ووجه كل ~~التشريع الاجتماعي نحو تحرير الرقيق ، كعبادة شرعية ترفع مستوى الإنسان في ~~درجة القرب عند الله. ولذلك ، رأينا الواقع الإسلامي خاليا من العبيد ، ~~بفضل الطريقة الواقعية للتحرير التي درج عليها المؤمنون في مختلف مواقع ~~التاريخ الإسلامي ، حتى في العصور ms5498 المظلمة منه من دون حاجة إلى أية ثورة ~~للتحرير ، كما حدث في أنحاء متفرقة من العالم. # * * * ### ||| ** إعانة الفقراء والمساكين ، من مظاهر اقتحام العقبة # ( @QUR@06 أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) وهي المجاعة التي يفقد فيها الناس ~~الطعام أو يندر وجوده لديهم ، فينتشر الجياع في المجتمع ، ويسقطون صرعى ~~الجوع ، لا سيما من الذين لا أب لهم ليسعى في جلب القوت إليهم ، ولا عائل لهم PageV24P270 # ليساعدهم على إشباع بطونهم ، فهؤلاء هم الفئة التي يمثل إطعامهم العقبة ~~التي يريد الله من الناس اقتحامها. ( @QUR@03 يتيما ذا مقربة ) وهو اليتيم ~~الذي يتصل بالإنسان بصلة القربى ( @QUR@04 أو مسكينا ذا متربة ) وهو اللاصق ~~بالتراب من بؤسه وشدة حاله ، حتى لا يجد ما يقيه من التراب مما يتغطى به ~~الناس من البرد. # وقد لا يكون للإطعام خصوصية في ذاته إلا من خلال كونه مظهرا من مظاهر ~~إعانة الفقير والمسكين في ما يحتاجان إليه من غذاء أو كساء أو شراب ، ولعل ~~الحديث عنه من جهة أن الجوع يمثل الحالة الأصعب في المشكلة اليومية ~~المتحركة التي قد تؤدي بالإنسان إلى الهلاك ، وتوقعه فريسة للآلام الشديدة. # وقد جاء في كتاب الكافي بإسناده عن معمر بن خلاد قال : «كان أبو الحسن ~~الرضا عليه السلام إذا أكل أتي بصحفة ، فتوضع بقرب مائدته ، فيعمد إلى أطيب ~~الطعام مما يؤتى به ، فيأخذ من كل شيء شيئا ، فيضع في تلك الصحفة ثم يأمر ~~بها للمساكين ، ثم يتلو هذه الآية : ( @QUR@03 فلا اقتحم العقبة )، ثم ~~يقول : علم الله عز وجل أنه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة ، فجعل لهم ~~السبيل إلى الجنة (1). # وإذا كانت السورة مكية ، كما هو المعروف ، فإن التأكيد على المسألة ~~الاجتماعية في عتق الرقيق وفي إطعام الطعام ، يبدو مبكرا كمدخل للتخطيط ~~الواسع لهذا الاتجاه في شريعة هذا الدين الجديد ، الذي ستتحرك تفاصيله في ~~مستقبله في حل المشكلة الإنسانية المعقدة ، ليوحي للناس بالحياة الواقعية ~~التي يستريح إليها الإنسان. إنها الإشارات الأولى التي تفتح المسألة ~~العقيدية على المسألة الاجتماعية في ما خطط الله له من تدريجية التشريع. ms5499 # * * * PageV24P271 ### ||| ** الشخصية الإسلامية بين الإيمان والأخلاقية الروحية # وهكذا تابع القرآن التأكيد على تركيز الشخصية الإسلامية على القاعدة ~~الإيمانية من جهة ، وعلى الأخلاقية الروحية العملية من جهة أخرى ، لئلا ~~تكون المسألة الاجتماعية في الإسلام مجرد حالة عاطفية تتمثل في عتق الرقيق ~~وإطعام الطعام ، بل تمثل فكرة في الذهنية ، وقاعدة في الالتزام وحركة في ~~العمل ، وهذا هو ما توحي به الآية التالية. # ( @QUR@09 ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) ~~التعبير ب «ثم» يدل على التراخي ، وليس المراد به التراخي الزماني بل ~~التراخي المعنوي ، لأن الإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة ، يمثلان البعد ~~الأوسع في المعنى الروحي والخط الإنساني من إطعام الطعام وعتق الرقبة ، لا ~~سيما أن الإيمان يمثل العمق الروحي للعمل الذي يقرب الإنسان إلى الله. # وربما كان الإيمان الخلق الإنساني الذي يوحي بالاهتمام بآلام الناس ~~ومشاكلهم ليقود الإنسان إلى الإيمان بالله ، من موقع ارتباطه بالصفاء ~~النفسي وبالقيم الروحية في انفتاحها على الله في ذهنيته كما ينفتح على ~~الخير في روحه وفي حركته. أما الصبر ، فهو الأساس في معنى العطاء الذي يمثل ~~البذل ، كمظهر من مظاهر الانتصار على نوازع الذات التي تهدده بتهاويل ~~الحرمان ، وأما المرحمة ، فهي المضمون الداخلي للعتق وللإطعام. وإذا تحقق ~~الصبر والمرحمة ، في داخل الشخصية ، فلا بد من أن يؤديا إلى العمل على ~~التواصي بهما. # إن خلاصة الفكرة المحتملة في تفسير التراخي الزمني ، على تقدير إرادته ، ~~هي أن العمل الصالح في ذاته قد يتحول إلى معنى في الإيمان وفي لتواصي ~~بنتائجه. # وإذا أردنا أن ندخل في تفاصيل هذه الفقرة ، فإننا نجد فيها خطا تربويا PageV24P272 # في بناء الشخصية الإنسانية في دائرتها الإسلامية. # * * * ### ||| ** بناء الشخصية الإنسانية الإسلامية # فالإيمان بالله هو الذي يعمق في العقل وفي الروح والشعور الإحساس بعظمة ~~الله وقدرته ووحدانيته وتدبيره ، مما يفتح للإنسان كل آفاق الحق ، ومعاني ~~الخير ، وحركة المسؤولية ، ونهج الاستقامة ، وتوحيد العبادة ، في ما يوحي ~~به ذلك كله من توحيد كل أوضاعه وأقواله وأفعاله وتطلعاته في اتجاه العلاقة ~~بالله والارتباط بإرادته في أوامره ونواهيه ومواقع رضاه ، فيكون ms5500 سائرا في ~~درب الله ومنهاجه في خط العبودية المطلقة أمام الألوهية المطلقة. # أما الصبر ، فإنه يمثل الأساس في الإيمان ، في ما يعنيه من الالتزام بكل ~~معانيه في العمق والامتداد ، وفي الانفتاح على كل فروعه الأخلاقية والعملية ~~، التي قد تلتقي بالحرمان المالي والنفسي الذي قد يكون مرفوضا من ناحية ~~النوازع الذاتية ، مما يجعل الصبر أساسا للتعامل مع النفس لإجبارها على ~~الانطلاق مع الالتزامات الأخلاقية العملية ، والثبات على الخط في حالات ~~الاهتزاز. # والتواصي بالصبر ، هو العمل على تثبيت هذه القيمة الإيمانية الأخلاقية في ~~الوعي الإنساني حتى لا ينساها ، ولا يهملها ، ولا يبتعد عنها أمام الضغوط ~~القاسية الصعبة التي قد تهزم المواقف الاجتماعية ، في ما قد يصيبها بفعل ~~الضعف والتخاذل الذي قد يضغط على الناس ، فإذا أوصى بعضهم بعضا بالتماسك ~~والثبات في المواقف ، أعطى ذلك قوة في الشخصية الحركية من أجل إيجاد قاعدة ~~ثابتة للسلوك الفردي والاجتماعي القائم على الالتزام بالقضايا الحيوية ~~الخاصة والعامة. إنها المحاولة العملية ، لإيجاد خطة إعلامية PageV24P273 # عامة في مسئولية الجماعة عن تركيز قاعدة الثبات في الشخصية في الواقع ~~الاجتماعي باستعمال مختلف الأساليب الروحية والفكرية والعاطفية ، الضاغطة ~~على كل نقاط الضعف الإنساني ، المؤثرة في تكوين ذهنية واقعية ترصد نقاط ~~القوة وتعمل على تحريكها في حياة الإنسان. # وأما المرحمة ، فهي العنصر الحيوي في كل القيم الإنسانية التي تتفاعل مع ~~آلام الناس ومشاكلهم وحاجاتهم ، بحيث تحشد المشاعر العميقة لتثير الفكرة ~~التي تنفتح ، وتحرك الشعور الذي يتعاطف ، وتوحي بالعمل الذي يحتوي ذلك كله ~~في عملية مشاركة في الحل ، ومبادرة للتخفيف ولاحتواء كل الأجواء السلبية ~~وتحويلها إلى أجواء إيجابية. وقد أراد الله أن يجسد الاهتمام بها ، ~~فاعتبرها من صفاته الكمالية التي يحب لعباده أن يذكروه بها في كلمتين ~~«الرحمن والرحيم» ليتأكد المضمون العقيدي الأخلاقي في استيحاء علاقة الله ~~بهم في مواقع الرحمة ، ليمتد ذلك في حياتهم كأساس للقيمة الإنسانية ~~الكبيرة. # والتواصي بالمرحمة ، يمثل خطوة تثقيفية تربوية ، في المستوى الإعلامي ~~والعملي للسيطرة على كل نوازع الأنانية الذاتية ، ومشاعر القسوة المعقدة ~~الناشئة من جفاف الينابيع الإنسانية ms5501 في أعماقهم ، وسيطرة العناصر الوحشية ~~في شخصياتهم ، مما قد يهدد سلامة المجتمع. ولعل هذه الحركة الاجتماعية التي ~~لا تنحصر في هيئة معينة ، بل تمتد إلى مسئولية كل فرد في الجماعة هي التي ~~تخلق رأيا عاما في مسألة الرحمة ، وإحساسا عميقا في روحية المجتمع ، بحيث ~~تتحول من حالة عاطفية فردية ، إلى قاعدة أخلاقية اجتماعية في تفكير المجتمع ~~وإحساسه وحركته على مستوى القيمة الكبيرة. # * * * PageV24P274 ### ||| ** بين الأمر بالمعروف والتواصي بالصبر والمرحمة # وقد نخرج من التأكيد على التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة ، في بناء ~~الشخصية الباحثة في طبيعتها وفي عملها عن الحصول على رضى الله ، بفكرة ~~إسلامية على مستوى القاعدة ، وهي أن الإسلام يعمل على توجيه المسلم إلى ~~تحمل المسؤولية في إشاعة القيمة الروحية الأخلاقية في الوعي الاجتماعي ، ~~بحيث يعمل على إثارة كل مفرداتها في مسئوليته الإعلامية كجزء من مسئوليته ~~الدينية في الدعوة إلى الالتزام بالله في رسالته في ما قد يأخذ بعض ملامح ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا مجال للمواقف الانعزالية عن مجريات ~~الواقع الإنساني من حوله ، البعيدة عن الاهتمام بحركة السلبيات فيه ، سواء ~~كان ذلك في نطاق الانحراف الفردي أو في نطاق الانحراف الاجتماعي ، بعيدا عن ~~كل تهاويل الإثارة الرافضة للتدخل في شؤون الآخرين في ما يمارسونه من ~~انحرافات أخلاقية بعنوان الحفاظ على الحرية الشخصية ، لأن المسألة تتصل ~~بالسلامة الاجتماعية. وبهذا ، فإن القضية لا تختص بالصبر والمرحمة ، بل ~~تشمل كل القيم الأخلاقية الأخرى. وربما كان التأكيد عليهما باعتبارهما ~~عنوانين شاملين للمفردات الأخلاقية الإنسانية في مواقعها العملية ، ~~ولمناسبتهما للجو الذي يسود السورة. وفي التعبير بكلمة «التواصي» ، بعض ~~الإيحاء بالأسلوب الهادىء الحكيم الحميم الذي ينفذ إلى الفكر بحكمة واتزان ~~، ويسر وسهولة على أساس الرفق ، لأن العنف لا يستطيع أن يغير القناعات ~~والمشاعر ، بل يعقدها بشكل كبير ، فليس هناك إلا اللين في الكلمة والأسلوب ~~والجو الذي يحمل عنوان الوصية التي توحي بأكثر من معنى شعوري حميم ، في ما ~~يحمل الناس بعضهم البعض المسؤولية عن بعض الأشياء التي يحبونها لأنفسهم ~~ولغيرهم من موقع المحبة ، وعمق PageV24P275 # العلاقة ms5502 ، والإيحاء بارتباطات الاهتمام بهذه الأشياء بعلاقتهم العامة ~~والخاصة. # * * * ### ||| ** أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة # ( @QUR@03 أولئك أصحاب الميمنة ) الذين جعل الله لهم المرتبة الرفيعة ~~لديه من خلال عمق إيمانهم ، وصدق التزامهم ، وثبات مواقفهم في خط رضاه. وهم ~~الذين يحملون كتابهم بيمينهم ، للدلالة على طبيعة درجتهم عند الله. # ( @QUR@03 والذين كفروا بآياتنا ) وكذبوا بها عنادا واستكبارا ، ( ~~@QUR@03 هم أصحاب المشأمة ) أي أصحاب الشمال ، في ما توحي به مقابلتهم ~~بأصحاب الميمنة ، أو أصحاب الشؤم والنحس في ما يمثله مستقبلهم من مضمون ~~ذلك. وهم الذين يحملون كتابهم بشمالهم ، كدليل على انحطاط درجتهم عند الله ~~، وظلام مصيرهم لديه. # ( @QUR@03 عليهم نار مؤصدة ) أي مغلقة ، لا مجال لخروجهم أو فكاكهم منها ~~، لأن القضية قضية الخلود في النار التي أعدها الله للكافرين المعاندين. # وإذا كان الله قد تحدث عن الذين كفروا من دون تفصيل ، فلأن الكفر لا يوحي ~~بأي خير ، كما أن السورة قد قدمت النموذج للإنسان البخيل الذي يحاول أن ~~يبرر امتناعه عن الإنفاق بأنه قد أهلك مالا لبدا ، متخيلا أنه ليس موضع ~~رقابة أحد ، كما يخيل إليه أن لن يقدر عليه أحد. كما أنه ممن وقف عند ~~العقبة ولم يقتحمها ، فكان جزاؤه جزاء الذين يواجهون نتائج ذلك. # * * * PageV24P276 ### | سورة الشمس ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس عشرة PageV24P277 ### ||| ** في أجواء السورة # تطل هذه السورة المكية على آفاق النفس في فجورها وتقواها ، في ما ألهمها ~~الله منه ، من خلال الإطلالة على مشاهد الكون الفسيح في خلق الله ، في ~~إشراقة الشمس في النهار ، وفي إشعاعة القمر في الليل الذي يغشى الشمس ~~فيحجبها عن الأبصار ، كما يجليها النهار فيبعث الإشراق من خلالها إلى ~~الحياة التي ترتفع السماء في آفاقها العلوية والأرض في دحوها وتمهيدها ~~للإنسان ، ليصل من خلال هذه الجولة الكونية إلى تأكيد الفلاح للذي زكى نفسه ~~وطهرها ، والخيبة للذي يتركها ويخبئها في زوايا الإهمال. # ثم تطرح نموذج ثمود الذين أرسل الله إليهم بعض رسله ، وهو صالح ، ببعض ~~آياته ، وهي الناقة ، التي ابتلاهم بسقياها في وضع معين ، فكذبوه ، فقتلوها ~~، فدمرهم بغضبه ، وهو الرب الذي لا يخاف عاقبة ما ms5503 يفعله بعباده ، لأنهم لا ~~يملكون شيئا أمامه. # * * * PageV24P279 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والشمس وضحاها (1) @QUR@03 والقمر إذا تلاها (2) @QUR@03 ~~والنهار إذا جلاها (3) @QUR@03 والليل إذا يغشاها (4) @QUR@03 والسماء وما ~~بناها (5) @QUR@03 والأرض وما طحاها (6) @QUR@03 ونفس وما سواها (7) ~~@QUR@03 فألهمها فجورها وتقواها (8) @QUR@04 قد أفلح من زكاها (9) @QUR@04 ~~وقد خاب من دساها (10) @QUR@03 كذبت ثمود بطغواها (11) @QUR@03 إذ انبعث ~~أشقاها (12) @QUR@07 فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) @QUR@07 ~~فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) @QUR@03 ولا يخاف ~~عقباها ) (15) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 وضحاها ): الضحى : انبساط الشمس وامتداد النهار وسمي الوقت به. # ( @QUR@01 جلاها ): التجلية : الإظهار والإبراز. # ( @QUR@01 طحاها ): طحو الأرض ودحوها : بسطها. PageV24P280 # ( @QUR@01 بطغواها ): بطغيانها. # ( @QUR@01 فعقروها ): العقر : إصابة أصل الشيء. ويطلق على نحر البعير ~~والقتل. # ( @QUR@01 فدمدم ): أهلك وأزعج. # ( @QUR@01 عقباها ): عاقبة أمرها. # * * * ### ||| ** قسم الله بمخلوقاته # ( @QUR@02 والشمس وضحاها ) هذا القسم بالشمس التي تمنح الكون الشروق الذي ~~ينفذ إلى السماء ليعطيها الرونق والصفاء ، وإلى الأرض ليهبها الحيوية ~~والجمال ، وإلى المخلوقات الحية المتحركة فيها ، ليمنحها الدفء والحرارة ~~وحيوية الحياة ، وجعل الضحى رديفا للشمس ، لأنه الزمن الذي ترتفع فيه ~~وتتجلى في كبد السماء ، لتكون في أكثر أوقاتها رونقا وصفاء ، فهي في الشتاء ~~تعطي الدفء المنعش ، وفي الصيف تعطي الإشراق الرائع قبل اشتداد حرارة القيظ. # ( @QUR@03 والقمر إذا تلاها ) عند ما يطلع في الليل ليكون نوره تابعا ~~للشمس في ما يستمده من إشراقها ، ليعطي الليل بعض نورها ، من خلال النور ~~المنبعث منه ، حيث يمتزج امتزاجا هادئا بحبات الظلام ، فيزيد الكون سحرا ~~وصفاء ووداعة توحي بالكثير من الأحلام الغامضة التي تشيع في تشيع في القلب ~~همسات السعادة ، وفي النفس تسبيحات الرحمة المنبعثة من روح الله. # ( @QUR@03 والنهار إذا جلاها ) وأبرزها ، لأنه الموعد الزمني الذي ~~يلتقيها وتلتقيه لتكون هي النافذة المفتوحة على الكون كله ، التي ينفذ منها ~~إلى الحياة ، PageV24P281 # فيحركها ويثيرها ويدفعها إلى أن تأخذ بأسباب العيش في شتى جوانبه ومواقعه ~~، ليكفل لها الاستمرار إلى نهايتها الطبيعية. # ( @QUR@03 والليل إذا يغشاها ) تماما كما هو الغشاء الذي يستر ما تحته ، ~~فلا تبصر منه شيئا ، ليوحي بغشاء ينساب إلى العيون كمثل الخدر ، فيمنحها ~~نعمة النوم التي تمنح الجسد نعمة الراحة ms5504 والاسترخاء ، ويغرق كله في نوم ~~شامل ، وهدوء وديع ، إلا ما كان دوره التحرك في الليل ، والاسترخاء في ~~النهار ، مما كانت شروط عيشه ونشاطه لا تتوفر إلا في الظلام ، في ما يعطيه ~~من أمن وحرية في الحركة. # ( @QUR@03 والسماء وما بناها ) و «ما» هنا مصدرية ، أي وبنائها. هذه التي ~~نتملاها في إيحاء بالرهبة والروعة والجلال ، وفي انفتاح على صورة مهيبة ~~للكون الذي يختفي وراءها ويحمل الكثير من الأسرار ، وفي الإشراقات الهادئة ~~المتناثرة في أرجائها ، كمثل حبات النور الكبيرة والصغيرة ، في مشاهدها ~~البعيدة ، التي قد تفتح في كل حبة منها ، في مشاهدها القريبة ، أكوانا ~~هائلة ، قد تصغر صورة الأرض أمامها ، وكل ذلك الكون الهائل الواسع ، من دون ~~عمد ، فما أعجب ذلك في خلق الله. # ( @QUR@03 والأرض وما طحاها ) أي دحاها وبسطها ومهدها للحياة ، في ما ~~أودع فيها من الخصائص والعناصر التي تكفل الامتداد في ما تضمنه من الشروط ~~الضرورية لاستمرار الكائن الحي التي أشار الله في كتابه إلى بعضها في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 أخرج منها ماءها ومرعاها* والجبال أرساها* متاعا لكم ~~ولأنعامكم ) [النازعات : 31 33]. # ( @QUR@03 ونفس وما سواها ) والمراد بها الذات الإنسانية التي سواها الله ~~في أحسن تقويم ، وركب فيها من خصائص العقل والإدراك والشعور ، ما تملك من ~~خلاله الانفتاح على وسائل المعرفة والهداية في الحياة. # * * * PageV24P282 ### ||| ** الآيات .. وحرية الإرادة # ( @QUR@03 فألهمها فجورها وتقواها ) أي الطريق الذي يؤدي إلى الفجور في ~~الفكر والعمل ، والطريق الذي يؤدي إلى التقوى في الوعي والحركة. وذلك من ~~خلال الانفتاح على آفاق معرفة الخير والشر ، ليعرف مواقع هذا ومواقع ذاك ، ~~لتكون مسألة الاختيار في حركة الإرادة خاضعة لحركة المعرفة في تأثيرها على ~~النوازع النفسية والمواقع العملية ، وذلك من حيث اختلاف الدوافع والنتائج ، ~~فقد يكون العمل الواحد في عنوانه ، موقعا للفجور وموقعا للتقوى من خلال ~~حيثيتين : ففي العمل الجنسي ، نجد الفجور يتمثل في الصادر عن زنى ، والتقوى ~~تتمثل في الصادر عن زواج شرعي. # والآية توحي بالعنصر الفلسفي الذي يؤكد مسألة الاختيار وحرية الإرادة ~~الإنسانية ، من خلال انفعال الإنسان بالأفكار والمشاعر والأوضاع والظروف ~~المحيطة به ms5505 التي تمثل عناصر الاختيار وخلفياته في شخصيته المتأثرة بما ~~حولها انطلاقا من وعيه العميق للاتجاهين المتحركين في خطوط الحياة العامة ~~في ما هي التفاصيل الصغيرة هنا وهناك. # فليس الإنسان مجبورا على فعل الخير عند ما يفعله ، ولا على فعل الشر عند ~~ما يفعله ، بل هو متحرك بينهما في ما ألهمه الله من وعي هذا الخط وذاك ، ~~لتكون إرادته هي الأساس. وإذا كان البعض يناقش المسألة على أساس أن تأثر ~~الإرادة بالظروف الداخلية أو الخارجية يؤثر حتميا بجعل الإنسان مقهورا في ~~إرادته ، فإننا نجيب ، بأن ذلك لا ينافي الحرية ، لأن الإرادة فعل وليست ~~انفعالا ، بمعنى أن الظروف وحدها لا تفرض الحركة ، ولكنها تشارك في عملية ~~الاختيار ، وإلا لم يكن لدينا أي معنى للإرادة في أي موقع للفعل ، لأن ذلك لا PageV24P283 # ينفصل عن دراسة الموضوع ، في ما يمكن أن يرجح جانب الإيجاب والسلب فيه. # * * * # ( @QUR@04 قد أفلح من زكاها ) # ( @QUR@04 قد أفلح من زكاها ) وعمل على تطهيرها في توجيهها إلى القيم ~~الروحية في ما هو الوعي الذهني ، وإلى التربية الروحية ، في ما هي الحركة ~~العملية في دراسة كل الرواسب المتأثرة بالواقع التاريخي المنحرف ، أو ~~بالواقع الحاضر المعقد ، لتنقية النفس من ذلك كله بالمراقبة والمحاسبة ~~والمجاهدة ، وإلى الدراسة الفكرية المعمقة التي تطل على الأفكار المتنوعة ~~التي قد تسيء إلى الجانب العقيدي والفكري في شخصيته ، فتشوه روحه ، وتبتعد ~~بمشاعره عن المعاني الطاهرة ، وبتصوراته عن الآفاق المضيئة. # وهكذا تطل الخطة القرآنية على مسألة التزكية بهذا العنوان الذي يؤكد ~~ارتباط الفلاح بها ارتباطا عضويا في الدنيا والآخرة ، للإيحاء بأن الفكر ~~المستقيم الصائب لا يكفي في ذلك إذا لم تنضم إليه التربية الروحية والتوجه ~~العملي الذي يحول الفكر إلى إيمان ، ويحرك الإيمان في دائرة الشعور ، لتكون ~~الحركة العامة خاضعة للعمق الإيماني الذي يثير المعاني الطاهرة في كل ~~جوانبها ومواقعها وأوضاعها العامة أو الخاصة ، ليكون الإنسان المسلم ، ~~إنسان التجسيد الحي لكل الأفكار والقيم الإسلامية. # * * * # ( @QUR@04 وقد خاب من دساها ) # ( @QUR@04 وقد خاب من دساها ) أي أنقصها وخبأها في ظلمات الكفر والضلال ، PageV24P284 # بحيث ms5506 أبقاها في الزوايا المظلمة منها ، فلم يخرجها إلى الأجواء الصافية ~~الطاهرة المشرقة بنور الحق ، فتركها لأهوائها التي تطوف بها تحركها ذات ~~اليمين وذات الشمال ، وتستغرق في الأوضاع الحسية المادية التي يخلد فيها ~~الإنسان إلى الأرض ، فيشرب من وحولها ، ويأكل من ترابها ، ويتحرك في كهوفها ~~المظلمة ، فينطلق بفكر الباطل ، ويخضع لتصورات الشر ، وينفعل بمشاعر الظلم ~~، ويتحرك في مشاريع الكفر والضلال ، مما يجعل فكره فكر الخيبة الفكرية ، ~~وروحه روح الفشل المعنوي ، وحركته حركة السقوط ، لأنه لم يحسن عملية ~~الاختيار ، ولم يتحمل مسئولية المصير ، ولم ينفتح على الجانب المشرق الطاهر ~~من الحياة ، ولم يستفد ، مما وهبه الله ، من قوة العقل وحرية الإرادة في ~~الاتجاه الصحيح ، ولم ينطلق من وحي الرسالات التي تضيف إلى العقل عقلا ، ~~وإلى الروح روحا ، وإلى حياته انفتاحا على كل معاني الحق والخير والجمال. # * * * # ( @QUR@03 كذبت ثمود بطغواها ) # ( @QUR@06 كذبت ثمود بطغواها* إذ انبعث أشقاها ) وهذا نموذج تاريخي للناس ~~الذين تحركوا في خط الخيبة الفكرية والروحية والعملية ، عند ما استسلموا ~~لنوازع الكبرياء في ذواتهم ، وعاشوا الامتيازات الطبقية المستعلية التي ~~يخافون عليها من كل رسالة تربط الناس بالله وتقودهم إلى توحيده ، وإلى ~~الإخلاص في عبادته ، وإلى التقوى في أعمالهم التي يقدمونها إليه ويتحركون ~~بها بين يديه. وهكذا واجهوا الرسول الذي أرسله إليهم وهو صالح ليدعوهم إلى ~~توحيد الله في العقيدة وفي العبادة ، والتقوى في الفكر والعمل والشعور ، ~~وقدم إليهم آية من آيات الله الكبرى التي توحي لهم بصدقه ، وتدلهم على عظمة ~~الله في PageV24P285 # خلقه وتمثل الكرامة الإلهية التي يستفيدون منها الغذاء الدائم الذي ~~يكفيهم جميعا. # * * * ### ||| ** الناقة المعجزة # ( @QUR@07 فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ) فلا تمسوها بسوء ، ~~واجعلوا لها يوما تشرب فيه من ينابيع الماء الموجودة لديكم ، ليتحول ذلك ~~إلى لبن تتغذون منه ، واجعلوا لكم يوما آخر ، فهذه هي النعمة العظيمة التي ~~أنزلها الله لتكون في مستوى الآية المعجزة ، وهذا هو البلاء الذي يمتحنكم ~~فيه ليختبر في ما يظهر من مواقفكم صدق إيمانكم وكذبه. ولكن الطغيان الذاتي ~~والطبقي الذي جعلهم يعيشون ذهنية الاستعلاء ms5507 على الناس ، ولا سيما ~~المستضعفين منهم ، منعهم من الانسجام مع هذه الدعوة الواضحة في مواقع الحق ~~فيها ، وموارد النصح في نتائجها ، مما لا مجال فيه لريب أو شبهة. ففكروا أن ~~صالحا وهو المستضعف فيهم جاء ليحقق لنفسه امتيازا اجتماعيا في ما يخيل ~~إليهم على حساب امتيازاتهم ، واستغرقوا في ذلك بحيث شعروا بالخطر ، فأغلقوا ~~قلوبهم عن سماع دعوته ، وتمادوا في البغي حتى قرروا فيما بينهم قتل الناقة ~~، وأوكلوا تنفيذ ذلك إلى بعض سفهائهم ( @QUR@01 فكذبوه ) ليكون إعلان ~~التكذيب أساسا لأي عمل عدواني يقومون به ضده ، ليكون مقبولا عند الناس. # * * * ### ||| ** غضب الله على قوم صالح # ( @QUR@01 فعقروها ) ليقتلوا الشاهد الأساس على صدقه الذي يمثل حركة ~~يومية في مستوى النعمة الكبيرة والمعجزة البارزة على أن صالحا مرسل من ربه PageV24P286 # ( @QUR@04 فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أي فأطلق عليهم غضبه ، في ما يوحي ~~به من تنكيل وعذاب صارخ ، بسبب هذا الذنب الكبير. وإذا كان بعضهم قد قام ~~بالعقر ، فإن البعض الآخر قد قام بالإعداد والتأييد والرضى ، الأمر الذي ~~جعل التبعة الاجتماعية مشتركة بينهم ، لأنهم أعطوا الجريمة قوتها وفعاليتها ~~من خلال هذا الشمول في الموقف العملي المتحرك. وهذا ما تؤكده هذه الآية ~~التي اعتبرت العقر عملا منسوبا إليهم جميعا ، وأكدت شمولية الذنب لهم. وهذا ~~ما عبر عنه الإمام علي عليه السلام في قوله المروي عنه في نهج البلاغة : ~~«إنما يجمع الناس الرضى والسخط ، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله ~~بالعذاب لما عموه بالرضى» (1)، وقال : «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ~~وعلى كل داخل في باطل إثمان : إثم العمل به ، وإثم الرضى به» (2). وهكذا ~~أطلق الله عليهم العذاب ، الذي عبر عنه بالدمدمة التي توحي بالرعب في إثارة ~~الغضب ، ( @QUR@01 فسواها ) أي سوى أرضهم عاليها بسافلها ، وقيل سواها ~~بينهم فلم يفلت من العذاب صغيرهم ولا كبيرهم. ( @QUR@03 ولا يخاف عقباها ) ~~أي لا يخاف عاقبة ذلك ونتائجه ، لأن الله هو الذي يملك القوة كلها ، فلا ~~قوة لأحد معها ، وهو المهيمن على الأمر كله ، الذي يخافه الناس جميعا ، ~~لأنه الأعلى والأعظم والأقوى والأكبر ms5508 ، فكيف يخاف من عباده الذين لا يملكون ~~لأنفسهم من الأمر شيئا في الدنيا والآخرة؟!. # * * * ### ||| ** الوقوف بين خط الفلاح وخط الخيبة # وإذا كان الله قد أنزل العذاب بثمود لتكذيبهم وفجورهم العملي ، PageV24P287 # وتحديهم للرسول وللرسالة ، وبالتالي تحديهم لله سبحانه ، فما الذي يؤمن ~~الكافرين الآخرين الذين يقفون الموقف نفسه ، ويعملون العمل نفسه ، ولو كان ~~ذلك بطريقة أخرى؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فلا بد للناس من أن يبتعدوا عن خط ~~الطغيان النفسي المؤدي إلى الطغيان العملي ، في ما يفرضه من التكذيب لما لا ~~يجوز التكذيب به ، ومن الجريمة التي لا يجوز القيام بها. # وهكذا يقف الناس على الخط الفاصل بين الفلاح والخيبة ، في ما يواجهونه من ~~نتائج ذلك على مستوى المصير في الدنيا والآخرة. وليس من الضروري أن يكون ~~العذاب على الطريقة السابقة في الأمم الأخرى بشكل مباشر ، فقد يعذبهم الله ~~في الدنيا بالوسائل الطبيعية التي تثير في الحياة الكثير من المشاكل ~~والتحديات والمصائب التي تتحرك في أوضاعهم الفردية والاجتماعية ، في ما ~~يبتليهم الله به من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ونحو ~~ذلك ، فليراقبوا الله في كل مواقعهم في الحياة. # * * * PageV24P288 ### | سورة الليل ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها إحدى وعشرون PageV24P289 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية التي أرادت للإنسان أن يطوف بفكره في مشاهد الكون ~~المتنوعة ، وفي واقع الخلق ، فهناك الليل والنهار ، وهناك الذكر والأنثى في ~~طبيعة الخواص وفي حركة النتائج ، ليطل من خلال ذلك على تنوع العمل في حياته ~~، واختلاف النتائج في مصيره ، فهناك الذي يعطي من ماله ومن جهده ومن علمه ، ~~ويتقي الله ويصدق بالحسنى وهي العقيدة أو الجنة أو الآخرة وهذا هو الذي ~~ييسره الله لليسرى التي تيسر له أمره في الدنيا والآخرة ، وهناك الذي يبخل ~~بماله الذي يملك الكثير منه ، فلا يعطي منه شيئا للمحرومين ، ويكذب بالحسنى ~~، وهذا هو الذي ييسره الله للعسرى فيضيق عليه في الدنيا والآخرة ، ولا ~~يستطيع أن يتفادى ذلك بواسطة ماله. # ويؤكد الله بأنه هو الذي يوجه الناس نحو الهدى ، وأن أمر الآخرة والأولى ~~بيده ، ولذلك ، فإنه قد ms5509 أنذر الناس النار التي تلتهب ، فلا يدخلها ويحترق ~~بها إلى الأشقى الذي كذب برسالات ربه وأعرض عنها وابتعد عن خط الاستقامة. ~~أما الأتقى الذي يخشى مقام ربه ، ويأخذ بالتقوى ، كخط عملي للحياة ، فإنه ~~سيبتعد عنها ليحصل على رضى الله ، ولذلك ، فإنه ( @QUR@02 يؤتي ماله ) ~~للمحتاجين إليه ليتزكى عند الله في لطف الله به ورحمته له ، فيعمل ( ~~@QUR@02 ابتغاء وجه PageV24P291 # @QUR@02 ربه الأعلى ) من دون أن يراقب أحدا غير الله ، لأنه لا يجد هناك ~~من يملك أية نعمة يجزي بها ، ( @QUR@02 ولسوف يرضى ) بما يمنحه الله من ~~الثواب والكرامة لديه في دار قدسه. # * * * PageV24P292 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 والليل إذا يغشى (1) @QUR@03 والنهار إذا تجلى (2) @QUR@04 وما ~~خلق الذكر والأنثى (3) @QUR@03 إن سعيكم لشتى (4) @QUR@04 فأما من أعطى ~~واتقى (5) @QUR@02 وصدق بالحسنى (6) @QUR@02 فسنيسره لليسرى (7) @QUR@04 ~~وأما من بخل واستغنى (8) @QUR@02 وكذب بالحسنى (9) @QUR@02 فسنيسره للعسرى ~~(10) @QUR@06 وما يغني عنه ماله إذا تردى ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يغشى ): يظلم. # ( @QUR@01 تجلى ): بان وظهر. # ( @QUR@01 لشتى ): لمختلف ، لمتفرق. # ( @QUR@01 تردى ): سقط. # * * * ### ||| ** إدراك سر عظمة النظام الكوني # ( @QUR@03 والليل إذا يغشى ) هذا القسم بالليل عند ما يغشى الكون بظلامه ~~، فكأنه PageV24P293 # غشاء يلقي بظله على الأفق ، فيحجب كل إشراقة في الكون في أرجائه ، وهنا ~~تتخدر العيون فيزحف إليها النعاس ، وتهدأ الأجساد فتكف عن الحركة ، ويستسلم ~~الناس للاسترخاء ، فيحتضنون أحلامهم في حب وهدوء ، ويغيبون في استغراق في ~~أحلام اليقظة أو في أحلام النوم ، وتغفو الأسرار وتحتجب عن العيون ، وتتحرك ~~الأشباح فيه فتثير الخوف تارة والوهم أخرى. إنه الكون الرهيب الذي يدفع إلى ~~التفكير ، ويوحي بالروحانية ، ويقود إلى همسات الحب ووشوشات الظلام ووسوسات ~~الصدور ونبضات القلوب وإيحاءات الشعور. وهذا ما يريد الله من الإنسان أن ~~يستغرق فيه ، ليدرك سر العظمة في النظام الكوني الذي يتحرك فيه. # ( @QUR@03 والنهار إذا تجلى ) وظهر من قلب الخفاء الكوني الذي كان غارقا ~~في ظلام الليل ، فكأنه كان مختبئا ثم أطل على الأفق بنوره ، ليكشف كل ~~الأشياء الخفية المستورة ، وليكون هذا الوضوح في الأفق المطل على الأرض ~~والحياة والإنسان بشعاعه المشرق ، بمثابة إعطاء إشارة الانطلاق لكل شيء ~~يملك الحركة أن يتحرك ، أو ms5510 يملك إمكانات الظهور أن يظهر ، ليتعرف الإنسان ~~من خلال ذلك ، كيف يمنح التنوع الكوني في حركة الزمان ، النظام المتوازن ~~الذي يتولى توزيع الأدوار وتقسيم المواقع في ما يمكن أن يحقق لكل حي ~~السعادة في حياته. # * * * ### ||| ** التكامل الحي في حركة الوجود # ( @QUR@04 وما خلق الذكر والأنثى ) ربما كانت ما موصولة ، أي أقسم بالذي ~~خلق الذكر والأنثى وهو الله ، وكان من المفروض أن يكون التعبير بمن التي هي ~~للعاقل ، ولكن جاء التعبير ب «ما» إيثارا للتفخيم المشعر بالتعجيب والتفخيم ~~، أي أقسم بالشيء العجيب الذي أوجد الذكر والأنثى المختلفين في خصائصهما ~~الذاتية PageV24P294 # وأدوارهما الوجودية مع كونهما خلقا واحدا. # وربما كانت مصدرية بمعنى أقسم بخلق الذكر والأنثى اللذين يمثلان التنوع ~~الذي تتكامل به الحياة المتحركة في خطين ، الملتقية في وحدتها الوجودية في ~~حركة استمرار الإنسان. وربما كان هذا الوجه قريبا ليتناسب مع طبيعة الليل ~~والنهار اللذين يمثلان التكامل الزمني في امتداد التوازن في النظام الكوني ~~، كما يمثل الذكر والأنثى التكامل الحي في حركة الوجود المستمر. # والظاهر أن المراد بالذكر والأنثى المعنى الشامل في كل الوجود الحي. # * * * ### ||| ** جزاء العطاء والتقوى والتصديق بالحسنى # ( @QUR@03 إن سعيكم لشتى ) فهو مختلف في دوافعه ومواقعه ونتائجه في ما ~~يخضع له من ذهنية الإنسان واختياره ، من خلال ما يختلف فيه الناس من ذلك ، ~~كما هو الليل والنهار في النور والظلمة ، فلا يتحدون في حركتهم في الوجود ، ~~بل يظلون مختلفين في كل المسار المتنوع في حياتهم ، لا سيما في علاقتهم ~~بالله التي يتحرك فيها البشر على خطين يختلفان في طبيعتهما ، كما يختلفان ~~في نتائجهما. # ( @QUR@04 فأما من أعطى واتقى ) من خلال ما يمثله العطاء من معنى إنساني ~~منفتح على المسؤولية الاجتماعية في مشاركة الإنسان للناس المحرومين في ~~إزالة حرمانهم بما أعطاه الله من مال ، وفي ما تمثله التقوى من التزام ~~بالخط المستقيم في العقيدة والحركة والمنهج والعلاقات ومراقبة الله في ~~صغائر الأمور وكبائرها ، ليكون السعي في كل الأمور خاضعا للإرادة الإلهية ~~في ما يخافونه من مقام ربهم ، ( @QUR@02 وصدق بالحسنى ) في ما وعده الله من ms5511 ~~العاقبة الحسنى من الثواب الجزيل على أعمال الخير على أساس خط الإيمان ~~والعمل الصالح ، فيكون عمله على PageV24P295 # أساس ما ينتظره في الدار الآخرة من ذلك ، مما يجعل المسألة متحركة في خط ~~التصديق بالنتائج الطيبة والالتزام بالخط المستقيم. # ( @QUR@02 فسنيسره لليسرى ) التي تمثل خط اليسر والرفق الذي يتحرك فيه ~~للتيسير في السير نحو مواقع رضى الله ، وللتوفيق في الوصول إلى النتائج ~~الطيبة في الدنيا والآخرة ، فلا يجد عسرا في ذلك على كل المستويات. # * * * ### ||| ** جزاء ( @QUR@05 من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ) # ( @QUR@04 وأما من بخل واستغنى ) فعاش الأنانية في سجن ذاته وعزل نفسه عن ~~الآخرين ، بحيث تعقدت كل مشاعره الطيبة في الإحساس بآلامهم في حرمانهم من ~~ضرورات الحياة ، فامتنع من المشاركة في حل المشاكل الإنسانية للفقراء ~~والمحرومين ، ولم يكن ذلك ناشئا من عجزه المالي ، لأنه يملك الغنى في هذا ~~المجال. وربما أريد من قوله : ( @QUR@01 واستغنى ) الاستغناء عن الله في ما ~~يأمله العباد من ثوابه لتمرده على ربه ، وابتعاده عن آفاق رحمته وهداه ، ( ~~@QUR@02 وكذب بالحسنى ) فلم يؤمن بالآخرة ليستعد لها في عطائه وفي حركته ~~العملية العامة والخاصة ، ولذلك لم تكن حياته منسجمة مع خط دين الله. # ( @QUR@02 فسنيسره للعسرى ) وذلك بخذلانه وعدم توفيقه للخط الذي ييسر له ~~سبل الحياة ، لأن طبيعة التعقيد الفكري والروحي تؤدي إلى التعقيد العملي ~~الذي يشارك في إرباك حياته وحياة الناس من حوله في ما يثيره من مشاكل نفسية ~~خانقة تخنق كل حيوية في الفكر والواقع ، وسيكون مصيره إلى الهلاك عند الله. ~~( @QUR@06 وما يغني عنه ماله إذا تردى ) وسقط في الهاوية المصيرية في نار ~~جهنم ، لأن المال الذي يبخل به ويمنعه عمن يحتاج إليه ، لا يمثل له أية ~~قيمة عند الله ، بحيث ينقذه من مصيره المحتوم ، لأن المال يمثل القيمة في ~~المظهر العملي الذي يحوله إلى تقوى الله. # * * * PageV24P296 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إن علينا للهدى (12) @QUR@04 وإن لنا للآخرة والأولى (13) ~~@QUR@03 فأنذرتكم نارا تلظى (14) @QUR@04 لا يصلاها إلا الأشقى (15) ~~@QUR@03 الذي كذب وتولى (16) @QUR@02 وسيجنبها الأتقى (17) @QUR@04 الذي ~~يؤتي ماله يتزكى (18) @QUR@06 وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) @QUR@05 إلا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى ms5512 (20) @QUR@02 ولسوف يرضى ) (21) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 تلظى ): تتلهب. # ( @QUR@01 وتولى ): أعرض. # * * * # ( @QUR@03 إن علينا للهدى ) # ( @QUR@03 إن علينا للهدى ) فنحن نصوغ شخصية الإنسان صياغة عقلانية بحيث ~~ينفتح بعقله على كل قضايا العقيدة من موقع انفتاحه على الحقيقة ليهتدي بذلك PageV24P297 # إلى المنهج الحق إذا استعمل عقله وحركه في اتجاه التفكير في مواجهة ~~الشبهات ، أو في حل المشاكل الفكرية التي يثيرونها ضد العقيدة الحقة ، أو ~~في الإجابة عن كل علامات الاستفهام في هذا الاتجاه. فالعقل هو الذي يمثل ~~الرسول الداخلي الذي يدعو الناس إلى الله ، وهو الذي يمثل الحجة التي يحتج ~~بها الله على عباده ، في حين يتصدى الوحي إلى معالي القضايا التي لا يستقل ~~العقل بإدراك تفاصيلها ، أو لا يملك الوسائل للوصول إليها ، لتكتمل للإنسان ~~، بالعقل والوحي ، عملية هدايته. # وهذا هو الأقرب في المراد من تكفل الله للناس بالهداية ، فلا مجال ~~للاعتراض على الآية بأنها دالة على الجبر باعتبار أن مفادها هو أن الله جعل ~~الهدى عليه ، بمعنى أنه يلتزم حصول الهداية للناس بإرادته التي لا تتخلف عن ~~مراده ، لأن المسألة هي تهيئة أسبابها التي إذا أخذ الناس بها من ناحية ~~الفكر اهتدوا بها من موقع الاختيار الحر ، وإذا لم يأخذوا بها ضلوا ، وفي ~~كلا الحالين ، فإن الله قد أعطى للعقل هداه وللناس هدايتهم. # * * * ### ||| ** الأولى مزرعة الاخرة # ( @QUR@04 وإن لنا للآخرة والأولى ) فهو الذي خلق هذه وتلك ، وهو الذي ~~جعل من الأولى مزرعة للآخرة ، ودبر لهذه نظامها ، ولتلك أوضاعها ، وجعل ~~للمحسن في الدنيا ثوابه في نعيم الجنة في الآخرة ، وللمسيء فيها عقابه في ~~عذاب النار في الآخرة. وفي ضوء ذلك ، لا بد للإنسان من أن يتوكل على الله ، ~~ويعمل للحصول على رضاه من خلال عمله ، ويتطلع إلى الحصول على ثوابه في ~~الآخرة. # ( @QUR@03 فأنذرتكم نارا تلظى ) وتشتعل بلهيبها المحرق ( @QUR@04 لا ~~يصلاها إلا الأشقى ) الذي PageV24P298 # بلغ الذروة في شقوته من خلال عمق التنكر لربه ، والتمرد على رسله ، هذا ( ~~@QUR@03 الذي كذب وتولى ) لأنه يعيش أجواء الرفض للرسالة قبل أن يستوعب ~~فكرها ومنهجها وشريعتها ، من خلال رفضه للالتزام بالاستقامة في الخط ms5513 ، لأنه ~~يريد أن يأخذ حريته في السير وفق هواه ، مما يجعل من تكذيبه للرسول وإعراضه ~~عن الرسالة معنى في العقدة الذاتية المستحكمة ، لا خطا في الفكر المضاد ، ~~لأن المفكر لا يعرض عن أية فكرة ، بل يقبل على الدخول في نقاش حولها ، ~~ليكون قبوله عن وعي ، ورفضه عن موقف للفكر في نتائج الحوار. وإذا كانت ~~العقدة الخبيثة تتحول إلى حالة عدوانية في السلوك ، فإن من الطبيعي أن يكون ~~مصيره صورة لعمله ، فإن الذي يهيئ النار الحاقدة في الشعور ضد الإيمان ~~والمؤمنين ، لا بد من أن يلتقي في الآخرة بالنار التي أعدها الله للكافرين. # * * * # ( @QUR@02 وسيجنبها الأتقى ) # ( @QUR@02 وسيجنبها الأتقى ) الذي بلغ الدرجة العليا في تقواه من خلال ~~إيمانه بربه وطاعته له ، والتزامه بخطه المستقيم ، ونهجه القويم ، وانفتاحه ~~على آلام الناس المحرومين واهتمامه بحاجاتهم ، في ما أعطاه الله من نعمه ( ~~@QUR@04 الذي يؤتي ماله يتزكى ) فهو يمنح ماله لهؤلاء لأنه يريد أن يصل إلى ~~التزكية الروحية التي تطهر كيانه من كل خبث ومن كل بخل ، ليبلغ بذلك الدرجة ~~العليا عند ربه ، لأنه لا يتطلع إلا إلى الله في كل أعماله وأقواله ، ( ~~@QUR@06 وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) فهو لا يرى لأحد فضلا عليه في أية ~~نعمة من نعمه ، ولذا فإنه لا يرى نفسه معنيا بتقديم أية خدمة لأي إنسان ~~ليتقرب إليه ، ليحصل على رضاه ، ( @QUR@05 إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) فهو ~~يعمل كل ما يعمله ، ويقوم بكل ما يقوم به من فروض الطاعة والعبادة ابتغاء ~~لوجه الله ، وطلبا للحصول على مرضاته في كل شيء. PageV24P299 # ( @QUR@02 ولسوف يرضى ) فإن الله يمنح رضوانه للأتقياء الذين يعيشون ~~الحياة كلها خوفا من الله ، ومحبة له ، وإخلاصا لمقامه العظيم. وهذا ما ~~ينبغي للإنسان أن يعيشه في وعيه وفي داخل ذاته ، ليعرف كيف يحرك كل نشاطاته ~~في سبيل رضى الله. # * * * PageV24P300 ### | سورة الضحى ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها إحدى عشرة PageV24P301 ### ||| ** في أجواء السورة # يذكر المفسرون أن الوحي قد احتبس عن النبي مدة ، فقال المشركون : إن ربه ~~قد ودعه وقلاه ، ولو كان رسولا لما احتبس عنه ، فنزلت هذه ms5514 السورة. وقيل إن ~~المسألة قد حدثت في المدينة ، فتساءل المسلمون عن ذلك ، ولكن الجو أقرب إلى ~~الجو المكي. # وكانت هذه السورة لتفتح قلبه على محبة الله له الذي آواه ورعاه وحماه ~~وهداه وأغناه ، فلا تضطرب مشاعره ، ولا تختنق روحه ، بل يبقى في حالة ~~الصفاء الروحي ، كصفاء الضحى في إشراقه ، وفي حالة الهدوء الرائق الشفاف ، ~~كهدوء الليل الساجي ، وليعرف أن الله عند ما يختار رسوله للدعوة إليه ، ~~فإنه لا يودعه ولا يبغضه ، لأنه لم يختره للرسالة إلا من خلال اطلاعه على ~~قابليته وإمكاناته الروحية التي تجعله مؤهلا لمحبة الله ولانفتاحه عليه ~~ولاعتماده على دوره ، لأن اختيار الله عبدا لرسالته ليس أمرا طارئا خاضعا ~~لمرحلة زمنية معينة ، بل هو أمر ثابت في صلاحية الرسول وحاجة الحياة إلى ~~الرسالة. # وتبدأ السورة بعد ذلك لتذكر النبي بأن الجهد الذي يبذله في سبيل الدعوة ، ~~والعناء الذي يعانيه ، لا يمثلان أية مشكلة صعبة في ثبات قراره على PageV24P303 # الاستمرار مهما أثار المشركون والمنافقون من التهاويل حوله ، لأن الله قد ~~أعطاه في الآخرة من علو الدرجة ما لم يعط أحدا من عباده وسيزيد في عطيته ~~بما يرضيه. # ثم يذكره بطفولته عند ما كان يتيما فآواه ، ولم يسمح لليتم أن يشرده ، ~~وبشبابه عند ما كان ضالا لا يعرف الطريق إلى الرسالة ، فهداه وأرسله ~~برسالته ، وبأوضاعه المادية الصعبة عند ما كان فقيرا فأغناه ، وعرفه بأنه ~~لا بد من أن يستوحي ذلك في تعامله مع اليتيم ، فلا يقهره بالكلمة والممارسة ~~، لأنه عاش المشاعر الحساسة لليتم ، ويعرف مدى حاجته للكلمة الحلوة ، ومدى ~~تأثير الكلمة القاسية القاهرة في إحساسه الرقيق ، وفي تعامله مع السائل ~~الذي يدفعه فقره إلى السؤال ، فلا ينهره ، لأن ذلك الأسلوب القاسي الفظ في ~~التعامل معه يرهق روحه ، ويسقط كرامته ، وفي انفتاحه على نعمة ربه ليتحدث ~~إلى الناس عنها في أسلوب الشكر ، وفي حركة الطاعة. # وإذا كانت لهذه السورة علاقة بالواقع الذي كان يعيشه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في احتباس الوحي عنه ، مما جعل المشركين يشمتون به ~~ويتحدثون ms5515 عنه بطريقة غير مسئولة ، فإنها قد توحي للدعاة من بعده بأن لا ~~يسقطوا أمام الشدائد التي تضغط عليهم ، والكلمات التي تسيء إليهم ، وأن ~~عليهم أن يفكروا بالآخرة لا بالدنيا ، ليمتد شعورهم بالرضوان الإلهي هناك ~~بدلا من أن يفكروا بالمشاكل المحيطة بهم هنا. كما أن عليهم أن يتذكروا نعمة ~~الله عليهم في ما أولاهم من نعمه ، وفي ما أنقذهم من الشدائد التي كانت ~~تثقل عليهم ، ليكون سلوكهم مع الفئات الفقيرة أو الضعيفة ، سلوكا رساليا لا ~~يتنكر لليتيم ، ولا يتعالى على الفقير ، بل ينفتح على كل هذه الفئات ~~الاجتماعية من خلال مسئوليته الروحية والأخلاقية في خط الرسالة. # * * * PageV24P304 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 والضحى (1) @QUR@03 والليل إذا سجى (2) @QUR@05 ما ودعك ربك ~~وما قلى (3) @QUR@05 وللآخرة خير لك من الأولى (4) @QUR@04 ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى (5) @QUR@04 ألم يجدك يتيما فآوى (6) @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى (7) ~~@QUR@03 ووجدك عائلا فأغنى (8) @QUR@04 فأما اليتيم فلا تقهر (9) @QUR@04 ~~وأما السائل فلا تنهر (10) @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 سجى ): سكن وهدأ. # ( @QUR@01 قلى ): بغض. # ( @QUR@01 عائلا ): فقيرا. # ( @QUR@01 تنهر ): نهره وانتهره بمعنى ، وهو أن يصيح في وجه السائل ~~الطالب للرفد. # * * * PageV24P305 ### ||| ** الضحى والهدوء النفسي # ( @QUR@01 والضحى ) وهذا القسم بالضحى يمثل معنى إيحائيا ، من خلال ما ~~يريد إثارته من الأجواء الرقيقة في المشهد الرائع الذي يمثله الإشراق ~~الكوني في الصفاء المنساب مع حبات النور التي تحمل الدفء ، ولكنها لا ترهق ~~الكون والإنسان بالحرارة الشديدة التي يحملها وقت الظهيرة. # ( @QUR@03 والليل إذا سجى ) في ما يوحي به سجو الليل ، وهو سكونه ، عند ~~ما يتقدم فيغشى الكون بظلامه ، فتهدأ الحركة ، وتنام العيون ، ويسهر ~~الحالمون ، ليستغرقوا في ضباب الأحلام السعيدة المنسابة مع تطلعات النفس ~~إلى المستقبل الحالم الجميل ، فتصفو الروح ، ويهدأ الجسد ، وترتاح المشاعر ~~من حالة التوتر التي تثيرها الضوضاء ، وتلتقي الأفكار الموحية المنفتحة على ~~الكون كله بالمشاعر الصافية التي لا تلتقي إلا بالخير والمحبة والسلام. # ويريد الله من رسوله ، الذي يحاول المشركون إثارة القلق في روحه وفي ~~وجدانه ، أن يتأمل روعة الضحى في إشراقة الكون ، وهدوء الليل في غفوة ~~الظلام ، ليعيش الهدوء النفسي والصفاء الروحي ms5516 والسكون الوجداني ، فلا يضطرب ~~قلبه ، ولا تتعقد مشاعره ، لأن الله الذي أعطى الكون روحه في هدوء الضحى ~~وسكون الليل ، سوف يمنحه السلام الروحي الرائع في حركته في الرسالة. # * * * # ( @QUR@05 ما ودعك ربك وما قلى ) # ( @QUR@05 ما ودعك ربك وما قلى ) فالله عند ما أوقف نزول الوحي عليك فترة من PageV24P306 # الزمن ، لم يتركك وحدك أمام النظرات الحاقدة أو الساخرة التي ينظر بها ~~الكافرون إليك ، ولم يرفع عنك ألطاف رعايته ورحمته المتمثلة برسالته التي ~~اصطفاك لها ، ولم تتحول محبته لك إلى بغض ، فأنت لم تبتعد عن عين رعايته ، ~~وعن موقع محبته ، وعن فيوضات رحمته ورضوانه ، في ما أولاك من نعمته في ~~الدنيا ، وما وعدك به من أفضل الخير في الأخرى ، التي ستجد فيها ما يعوضك ~~عن كل الأتعاب التي عانيت منها في الحياة الأولى. # ( @QUR@05 وللآخرة خير لك من الأولى ) لأن الآخرة مبنية على الخلود في ~~نعيمها ، أما الأولى ، فمبنية على الفناء والزوال في كل لذاتها وشهواتها ، ~~فلا قيمة لنعيم زائل ، أمام النعيم الباقي. # * * * ### ||| ** ولسوف يعطيك ربك فترضى # ( @QUR@04 ولسوف يعطيك ربك فترضى ) لأن الله لن يهمل أمر عبده ورسوله ، ~~ولن يتركه في حالة الحرمان ، أو في متاهات الضياع ، بل سيتعهده برعايته ~~ولطفه ، ليرضي قلبه برضوانه ، ويشمل حياته برحمته. وما يصح بالنسبة إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصح بالنسبة إلى كل الدعاة الرساليين العاملين ~~في خط النبوة والهداية إلى الله تعالى. فالله سبحانه وتعالى ، يريد كذلك من ~~الشخصية المؤمنة أن تكون الراضية المرضية ، لتكون العلاقة بينها وبينه ~~علاقة الرضى المتبادل والمحبة المشتركة. # ( @QUR@04 ألم يجدك يتيما فآوى ) فقد عشت اليتم المزدوج من الأب والأم ، ~~وكنت كأي يتيم من هذا النوع ، معرضا للتشرد والضياع ، وللجوع والحرمان ، ~~ولكن الله أحاطك بعنايته ، ورعاك بلطفه ، فهيأ لك المأوى الذي يضمك بعطفه ~~وحنانه ، حتى نشأت نشأة طبيعية من دون أية مشكلة مما يعانيه الأيتام من PageV24P307 # مشاكل كبيرة. # ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) فقد انطلقت في الحياة من الواقع الرسالي ~~الذي يحدد للناس طريقهم المستقيم ، ويبتعد بهم عن الانحراف والضياع. وبذلك ~~كان الضلال ms5517 لا يمثل السير في الخط المضاد للهدى ، أو المنطلق مع الانحراف ، ~~بل يمثل فقدان الخط الذي يحدد نقطة البداية والنهاية في ما هو خط السير ، ~~فرعاك الله بهدايته في ما ألهمك من الرأي السديد ومنحك من الفكر العميق ~~وأنزل عليك من رسالته. # * * * ### ||| ** الله المغني # ( @QUR@03 ووجدك عائلا فأغنى ) أي فقيرا لا مال لك ، وهذا هو معنى العائل ~~، فقد كنت لا تملك أي مصدر من مصادر المال ، ولكن الله هيأ لك الغنى ، بما ~~أعطاك من أسباب الرزق ، وذلك من خلال زواجك بخديجة بنة خويلد التي كانت ~~تملك المال الوفير فوهبته لك. # وهكذا رأيت صنع الله بك ، ورعايته لك ، وعطفه عليك لتنفتح على مشكلة ~~اليتيم العميقة في داخل وعيه ونظرته البائسة المشفقة إلى الحياة من خلال ~~الخوف الذاتي الناشئ من فقدان الحضن الذي يوحي إليه بالشعور بالقوة ، ~~ويمنحه الإحساس بالثقة ، وابتعاد أجواء العطف والحنان عنه ، مما يجعل ~~إحساسه قلقا حائرا يبحث عن الكلمة الحلوة ، ويتعقد من الكلمة الشديدة ~~القاسية. # * * * PageV24P308 ### ||| ** معاملة اليتيم # وهذا هو الذي يفرض عليك في ممارستك للعلاقة مع اليتيم ، وفي ما توصي به ~~الناس من ذلك ، عند ما يعيش اليتيم بينهم ، ويحتاجون إلى مخاطبته والتعامل ~~معه ، فعليهم أن لا يسيئوا إليه بالكلام الشديد القاسي ( @QUR@04 فأما ~~اليتيم فلا تقهر ) لأن ذلك يجرح مشاعره ، ويسقط روحه ، ويضاعف من حزنه ، ~~ويدفعه إلى الشعور بالضياع ، ويعقد شخصيته ونظرته إلى الناس من حوله ، فلا ~~بد من الكلمة الحانية والبسمة الحلوة ، والنظرة الهادئة المشرقة ، واللمسة ~~اللطيفة التي تدفع بالبسمة إلى شفتيه ، وبالإشراقة إلى عينيه ، وبالطمأنينة ~~إلى قلبه ، وبالثقة إلى روحه ، وبالثبات في خطواته ، ليعود إنسانا فاعلا ~~واثقا بنفسه ، مطمئنا إلى قوته ، مرتاحا إلى غده ، ليشارك في حركة الحياة ~~مع الذين يتحركون فيها من أجل تطويرها إلى الأفضل ، وتحريكها نحو الأقوى ~~والأحسن والأجمل. # * * * ### ||| ** معاملة السائل المحروم # ( @QUR@04 وأما السائل فلا تنهر ) لأن السائل لا يصدر في سؤاله إلا عن ~~حاجة وحرمان ، في ما يفرضه ذلك من ظروف قاسية صعبة ، مما يترك تأثيرا سلبيا ~~على نفسه وعلى مجمل حياته ، ويملأ ms5518 مشاعره بالضعف ، ولذلك ، فلا بد من ~~مراعاة ظروفه النفسية في ما يراد مواجهته به من الكلمات والممارسات ، ~~بالابتعاد عن أساليب الشدة والقسوة والغلظة ، والانفتاح على الأجواء ~~اللطيفة الحلوة التي تحترم إنسانيته إذا لم تحل مشكلته وتقضي حاجته ، فقد ~~عشت يا محمد وعاش أمثالك من الفقراء ، كل مشاكل الفقر وآلامه ، وكل نتائجه ~~السلبية النفسية ، مما يجعل التفاعل بينك أنت وأمثالك وبين هؤلاء الفقراء ~~من الذين يدفعهم الفقر إلى السؤال أو يضعهم في مواقعه ، تفاعلا عميقا من PageV24P309 # خلال التجربة الحية في الشعور والموقف. # * * * ### ||| ** تذكر نعمة الله # ( @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ) وذلك بأن تذكرها في مقام المقارنة بين ~~الماضي الذي عشت فيه فقدان النعمة ، وما ينتج عن ذلك من نتائج قاسية صعبة ~~على واقع حياتك ، وبين الحاضر الذي تعيش فيه حركة النعمة في حياتك ، في ~~نتائجها الإيجابية الكبيرة ، لتذكر الله بنعمته ، وتشكره على ما أولاك منها ~~، فذلك هو التجسيد الحي للاعتراف بعبوديته ، والخضوع لربوبيته ، في إحساس ~~الإنسان بالفضل الإلهي العظيم عليه في مواقع النعمة ، كما هو الحال في ~~شعوره بالعظمة الإلهية في مواقع العظمة ، ليحس الإنسان بالخشوع والحاجة ~~المطلقة إليه في كل حال ، ليسير على خط طاعته في كل مجال. # * * * PageV24P310 ### | سورة الإنشراح ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان PageV24P311 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة التي اختلف الرأي في أنها مكية أو مدنية لأن ملامحها لا ~~تبتعد عن أجواء ما قبل الهجرة وما بعدها ، كما اختلفت الروايات في أنها ~~سورة مستقلة أو أنها جزء من سورة الضحى التي جرى الحديث فيها في معرض ~~الامتنان الإلهي عما أنعم الله به على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما ~~يتناسب مع هذه السورة التي قد توحي بأنها تتمة للحديث الذي بدأه الله هناك ~~، ولكننا نلاحظ اختلاف الأسلوب هنا عن الأسلوب هناك ، حيث جرى حديث الله عن ~~نعمه في هذه السورة بأسلوب المتكلم ، بينما جرى الحديث في تلك السورة ~~بأسلوب الغائب ، كما أن ختام السورة هنا يختلف عن ختامها هناك ، مما يدل ~~على أن هناك غرضين مختلفين فيهما. # وفي هذه ms5519 السورة امتنان إلهي على رسوله ، بأنه منحه الصدر المفتوح الواعي ~~الذي ينشرح لكل وحي قرآني ، ولكل حكمة روحية أو عقلية ، وبأنه وضع عنه ~~الثقل الذي يثقل الظهر ويجهده ويتعبه ، وبأن الله قد رفع ذكره في حياة ~~الناس الإيمانية التي تلتقي به في صلواتها ، وفي كل واجباتها ومحرماتها ، ~~في أفعالها وأقوالها وعلاقاتها العامة والخاصة ، وتذكير له بأن العسر لا ~~يدوم ، بل يعقبه اليسر في تأكيد مكرر لهذه الحقيقة ، ويدعوه إلى أن ينهي ~~يومه بالتعب في عبادة الله والرغبة إليه في كل ما يريده لحياته. # * * * PageV24P313 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك (1) @QUR@03 ووضعنا عنك وزرك (2) @QUR@03 ~~الذي أنقض ظهرك (3) @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك (4) @QUR@04 فإن مع العسر يسرا ~~(5) @QUR@04 إن مع العسر يسرا (6) @QUR@03 فإذا فرغت فانصب (7) @QUR@03 ~~وإلى ربك فارغب ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 نشرح ): الشرح : فتح الشيء بإذهاب ما يصد عن إدراكه. وأصل ~~الشرح التوسعة. # ( @QUR@01 وزرك ): الوزر : الثقل. # ( @QUR@01 أنقض ): أثقل. # ( @QUR@01 فانصب ): النصب : التعب. # * * * PageV24P314 ### ||| ** منن الله على نبيه وعباده # ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك ) ونوسعه ونعمق إحساسك بالمعرفة المتنوعة من ~~خلال الوحي الذي نوحيه إليك ، والإلهام الذي نلقيه في وعيك ونبعث فيه ~~الإشراقة الروحية الفكرية التي تلتقي بالحقيقة من دون غموض ولا شبهة ، ~~وندفع بالأمل إليه ، فلا يختنق باليأس ، بل يتسع بالثقة الكبيرة في ما يفتح ~~الله لعباده من أبواب الحياة ، ليجعل لهم المخرج حيث لا مخرج ، وليهيئ لهم ~~الرزق من حيث لا يحتسبون ، والحراسة من حيث لا يحترسون. وهكذا يلقي الله ~~بفيوضاته على صدرك ، في ما يوحي به الصدر من ساحة النفس التي تلتقط المعرفة ~~والمشاعر والإيحاءات ، ليتسع للحياة كلها وللمسؤولية كلها ، فلا يتعقد من ~~كل نتائجها القاسية في سلبيات الواقع. # وإذا كان الله يمن على نبيه بذلك ، فقد نستوحي منه ، أن المسألة لا تتصل ~~بحالة ذاتية مما اختص الله به نبيه من حالاته ، بل هي حالة إيمانية في ما ~~يفتح الله به قلب المؤمن وعقله وشعوره ، التي تختصرها كلمة الصدر على ~~الحياة كلها من دون ضيق ولا اختناق ، من خلال انفتاحه على الله الكلي ~~الرحمة والقدرة ms5520 والعلم واللطف ، مما ينفتح به المؤمن على كل شيء يستطيع أن ~~يبلغه من خلال العلم والأمل. # * * * ### ||| ** ثقل الرسالة # ( @QUR@06 ووضعنا عنك وزرك* الذي أنقض ظهرك ) والوزر : الثقل ، وهو قد ~~يكنى به عن الخطيئة ، باعتبار أنها تمثل الذي يثقل مصير الإنسان في آخرته ، ~~كما يثقل ضميره في دنياه. والظاهر والله العالم أن المراد به ثقل الرسالة في ما PageV24P315 # كلف الله به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من بذل الجهد الكبير في سبيلها ~~وتحمل المصاعب من أجلها ، ومواجهة التحديات الكبيرة القاسية في طريقها. ثم ~~بدأ الثقل يخف كلما كثر المسلمون وانتصروا على قوى الشرك ، عند ما دخل ~~الناس في دين الله أفواجا ، فتحملوا عن رسول الله الكثير مما كان يبذله من ~~جهد ، وما كان ينوء به من عبء الرسالة ، حيث تحولوا إلى دعاة مخلصين ~~ينتشرون هنا وهناك ، لينطقوا باسمه ، وليبشروا الناس برسالته. وهكذا خف ~~ظهره عما كان ينوء به مما كاد أن يكسره لثقله وشدته. # * * * ### ||| ** رفع ذكر النبي # ( @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك ) فجعلنا الشهادة لك بالرسالة مقارنة للشهادة ~~لله بالوحدانية ، لترتفع المآذن خمس مرات في اليوم والليلة ، ولينطلق به ~~المؤمنون في صلواتهم ، وليتحرك به كل الناس عند ما يتحدثون عن الإسلام وعن ~~كل ما يتصل به ، فيذكرونك من خلاله ، أو يذكرونه من خلالك ، هذا بالإضافة ~~إلى ما رفعه الله لك من ذكر عند ملائكته في عالم الغيب. # وقد نستشعر ، من هذه الآية ، أن رفع الذكر قد يكون أمرا محبوبا مرضيا عند ~~الله ، بحيث يمتن الله به على عباده الذين يرزقهم منه ، فلا مانع من أن ~~يسعى إليه ، ولكن لا من خلال عقدة الذات في الكبرياء أو الأنانية ، بل من ~~خلال المهمات التي يقوم بها ، والخدمات التي يؤديها للناس قربة إلى الله ، ~~حيث يكون انتشار ذكره منطلقا في خط الإيحاء بالرسالة والمسؤولية والإيمان. # * * * PageV24P316 # ( @QUR@04 فإن مع العسر يسرا ) # ( @QUR@08 فإن مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا ) وهذه هي الحقيقة ~~الوجودية التي تؤكد على أن كل الحالات الصعبة في الحياة لا دوام لها ، ~~لأنها لا تنطلق ms5521 من عمق جذري في الوجود ، بل تنطلق من أوضاع طارئة في ما هو ~~السطح المتحرك في الواقع ، أو في ما هي الحالات التي تختزن في داخلها مختلف ~~المتغيرات التي توجب اختلاف الأوضاع بين المواقع. ولذلك ، فإن على الدعاة ~~إلى الله ، سواء كانوا رسلا أم أوصياء أم علماء أم مرشدين ، أن لا يتعقدوا ~~من كل المشاكل التي تحدث لهم ، ومن كل الجهد الذي يحدث لحركتهم ، ومن كل ~~العسر الذي يحيط بهم ، بل أن يدرسوا سنة الله في الكون ، في ما أودعه في ~~حركة الحياة والمجتمعات من قوانين عامة ، ليروا أن مع العسر يسرا ، وأن مع ~~التعب راحة وأن مع الثقل خفة ، لئلا يسقطوا أو ييأسوا. # * * * ### ||| ** الرغبة إلى الله # ( @QUR@03 فإذا فرغت فانصب ) واجلس مع الله جلسة دعاء وابتهال وخشوع ، ~~واجهد نفسك في ذلك ، حتى تأخذ من هذا التعب راحة النفس وطمأنينة الروح ، ~~لأن في العيش مع الله كل القوة وكل الراحة ، وكل الاطمئنان وكل الرضى. # ( @QUR@03 وإلى ربك فارغب ) في كل أمورك ، سواء كان ذلك الأمر أمر الدعوة ~~أو أمر الحياة أو الذات ، لأن الله هو المهيمن على الأمر كله ، وهو الذي ~~يرغب إليه ولا يرغب عنه ، وهو الذي يجده الناس عند حاجاتهم ومشاكلهم ، ~~ليقضي حاجاتهم ، ويحل مشكلاتهم ، وهو الرحمن الرحيم. # * * * PageV24P317 ### | سورة التين ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمان PageV24P319 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه من السور المكية التي تطوف بالإنسان في بعض نماذج خلق الله التي ~~تتميز ببعض الخصائص المميزة التي تدعوه إلى التأمل في نعم الله التي أضفاها ~~عليه ، لجهة تأمين ما يشتهيه من غذاء وغيره ، أو لجهة الرسالة وحركة الرسل ~~، لتطل بعد ذلك على حقيقة وجودية في الإنسان ، الذي هو الموجود الحي ~~المخلوق ، ليؤدي هذه الرسالة ، وليبلغها ويعمل بها ، فقد خلقه الله ( ~~@QUR@03 في أحسن تقويم ) في بنيانه الجسدي الذي تستقيم كل أعضائه وأجزائه ~~في تناسق بديع متقن ، ليكون ذلك أساسا لاستقامته في فطرته وعقله وشعوره ~~ليسير إلى الطريق القويم. ثم رده ( @QUR@02 أسفل سافلين ) عند بلوغه العمر ~~الأرذل الذي لا يعلم فيه من بعد علم شيئا ms5522 ، مما يوحي بالتسافل في وعيه ~~وعمله ، باعتبار أن للإنسان في خلقه جانبا ماديا يتصل بجسده ، في ما هو ~~العلو والسفل ، وجانبا معنويا يتصل بروحه ، في ما هي الاستقامة والانحراف. ~~لكن ( @QUR@04 الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) يبقون في حال الارتفاع من ~~خلال ما يمنحهم الله من أجر لا ينقطع ، فكيف يكذب الإنسان بالجزاء الذي هو ~~المظهر الحي لحكمة الله في حكمه في عالم التكوين وفي عالم التشريع؟! وبذلك ~~تطل السورة على مسألة البعث في مقام الإيحاء على أساس الإشارة إلى الجزاء. # * * * PageV24P321 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والتين والزيتون (1) @QUR@02 وطور سينين (2) @QUR@03 وهذا ~~البلد الأمين (3) @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) @QUR@04 ثم ~~رددناه أسفل سافلين (5) @QUR@09 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون (6) @QUR@04 فما يكذبك بعد بالدين (7) @QUR@04 أليس الله بأحكم ~~الحاكمين ) (8) # * * * ### ||| ** نعم الله المادية والروحية # ( @QUR@02 والتين والزيتون ) الظاهر من هاتين الكلمتين اللتين أقسم الله ~~بهما ، أن المراد بهما ، الفاكهتان المعروفتان المتميزتان بخصائص غذائية ~~ومذاقية معينة ، تجعلهما في موقع الإبداع من خلق الله ، وفي موقع النعمة من ~~نعم الله. وقد جاء في بعض التفاسير ، أن المراد بهما شجرتا التين والزيتون ~~، وقيل : المراد بالتين الجبل الذي عليه دمشق ، وبالزيتون الجبل الذي عليه ~~بيت المقدس ، وقيل : إن المناسبة في إطلاق الفاكهتين على الجبلين باعتبار ~~أنهما منبتاهما ، ولعل القسم بهما لكونهما مبعثي جم غفير من الأنبياء. # وربما كان هذا التوجيه ناشئا من محاولة إيجاد نوع من التناسب بين هاتين ~~الكلمتين وبين الكلمتين التاليتين ، ولكن ذلك خلاف الظاهر في طبيعة PageV24P322 # مدلول الكلمتين. وقد لا يكون هناك أي ابتعاد عن التناسب في الجمع بين ~~هاتين الفاكهتين اللتين تمثلان موضع نعمة الله المادية ، كما هما الكلمتان ~~التاليتان اللتان تمثلان منطلق نعمة الله الروحية. والله العالم. # ( @QUR@02 وطور سينين ) وهو جبل سيناء الذي كلم الله تعالى فيه موسى بن ~~عمران عليه السلام . # ( @QUR@03 وهذا البلد الأمين ) وهو مكة التي جعلها الله بلدا آمنا ، كما ~~جاء في قوله تعالى : ( @QUR@015 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ms5523 ) [العنكبوت : 67]. ~~وفي دعاء إبراهيم عليه السلام ، كما حكى الله عنه في القرآن : ( @QUR@05 رب ~~اجعل هذا بلدا آمنا ) [البقرة : 126]. # * * * ### ||| ** خلق الإنسان في أحسن تقويم # ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) في بنيانه الجسدي الذي تقوم ~~به حياته ، ويثبت به وجوده. وإذا كان الله يتحدث عن الجانب المادي الذي ~~يتمثل به الكيان الجسدي ، في ما يرتفع به إلى المستوى الأحسن الذي يوحي ~~بالمستوى الأفضل والأرفع ، فلا بد من أن يكون الحديث عن ذلك مدخلا إيحائيا ~~للاستعداد الإنساني الذي يملكه الإنسان في عقله وروحه وشعوره وحركته ~~للارتفاع بعمله للوصول إلى المستوى الأرفع في السمو الروحي ، ليكون الأحسن ~~في التقويم الروحي ، وهذا ما نستفيده إيحائيا من الحديث عن الجزاء ، أو عن ~~يوم الجزاء الذي يمثل مستوى التفاضل في المصير. # * * * ### ||| ** رد الإنسان أسفل سافلين إلا المؤمنين # ( @QUR@04 ثم رددناه أسفل سافلين ) في جسده ، كما في عقله ، ووعيه الذي ~~يبدأ في PageV24P323 # التنازل كلما تقدم به العمر ، ليكون على نسق قوله تعالى : ( @QUR@05 ومن ~~نعمره ننكسه في الخلق ) [يس : 68] ، أو قوله تعالى : ( @QUR@012 ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) [الحج : 5] ، وقد يستفاد ~~منه ، إيحائيا ، الدرجة الروحية السفلى التي قد يصل إليها الإنسان عند ما ~~يعيش أرذل الوعي وأسفل الشعور ، في ما يتمخض عن ذلك من الانحطاط العملي ~~الذي يؤدي به إلى الانحراف عن الله. وهنا يكون الاستثناء في الآية التالية ~~متصلا ، وربما يكون منقطعا إذا لا حظنا المعنى الحرفي للكلمة ، في ما يوحي ~~به من المعنى المادي للجسد. # ( @QUR@09 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) أي غير ~~منقوص في احتمال ، وغير مقطوع ، في احتمال آخر ، أو غير محسوب ، أو غير ~~مكدر بما يؤذي. # * * * ### ||| ** الله أحكم الحاكمين # ( @QUR@04 فما يكذبك بعد بالدين ) والظاهر أنه خطاب للإنسان الذي خلقه ~~الله في أحسن تقويم ثم رده أسفل سافلين ، في نطاق الخطة الحكيمة في خلقه ~~وفي تدبير أمره الذي يوحي بأن الله لا يمكن أن يهمل عباده من عباده من دون ~~أن يجعل لحياتهم هدفا ، ولدنياهم آخرة ms5524 ، انطلاقا من حكمته في خلقه المتمثلة ~~بكل شيء في الوجود ، فلا مجال فيه للعبث أو للفوضى أو للصدفة ، فكيف يمكن ~~أن يكذب بالجزاء في يوم القيامة ، أو يكذب بيوم القيامة؟ وهل ذلك إلا إبقاء ~~الحياة كلها في دائرة العبث؟ وما هي الأسس التي يرتكزون عليها في تكذيبهم؟ # ( @QUR@04 أليس الله بأحكم الحاكمين ) فهو الذي ينطلق في حكمه من خلال ~~حكمته في تدبيره ، مما يجعل الحكم خاضعا للعمق العميق للمصلحة ، وللعدل ~~والإتقان ، فيمنح المطيع ثوابه ، والعاصي عقابه ، لأن العدل يفرض ذلك ، ~~ولأن الحكمة توحي بذلك. PageV24P324 ### | سورة العلق ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع عشرة PageV24P325 ### ||| ** في أجواء السورة # تحض هذه السورة المكية على القراءة باعتبارها السبيل إلى المعرفة ، لكن ~~ليس مطلق قراءة ، إنما القراءة المسؤولية التي لا تتحرك باسم الذين يحولون ~~المعرفة إلى انحراف بالإنسان عن الخط المستقيم ، بل تتحرك باسم الله الذي ( ~~@QUR@04 خلق الإنسان من علق ) حتى حوله إلى خلق سوي عاقل منفتح على الحياة ~~كلها ، باسم الرب الأكرم الذي يمنح عباده بكرمه كل خير وبركة ، ويقودهم إلى ~~المعرفة بواسطة القلم الذي يكتب كل الوحي الذي ينزل من الله على رسله ~~ليتعلموه وليحفظوه ، ولتحفظ المعرفة مكتوبة للأجيال. ولكن هناك الذي يطغى ~~إذا حصل على الغنى الذي يؤدي به إلى الشعور بالاستقلال ، فلا يفكر بالله ~~الذي يرجع إليه العباد كلهم في الآخرة. كما أن هناك الذي ينهى ( @QUR@03 ~~عبدا إذا صلى ) فكيف به إذا كان هذا العبد ( @QUR@05 على الهدى أو أمر ~~بالتقوى )، وكيف به إذا ( @QUR@02 كذب وتولى )، وفي الوقت الذي علم بأن ~~الله يراه. # فلا بد له أن ينتهي عن ذلك ، وإلا فسنجذبه بناصيته الكاذبة الخاطئة ، ~~وليدع جماعته إذا أراد ، فإننا سندعو زبانية جهنم ليلقوه في النار ، فلا ~~يجد ناصرا ولا معينا ، فلا تلتفت إليه يا محمد ولا تطعه في ما يقول ، واسجد ~~لربك واقترب منه ، فإن القرب منه هو الأساس في الفلاح والنجاح. # * * * PageV24P327 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) @QUR@04 خلق الإنسان من علق (2) ~~@QUR@03 اقرأ وربك الأكرم (3) @QUR@03 الذي علم بالقلم (4) @QUR@05 علم ~~الإنسان ما ms5525 لم يعلم ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 علق ): العلقة : القطعة الجامدة من الدم التي تعلق لرطوبتها ~~بما تمر به. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في الدر المنثور : «أخرج عبد الرزاق ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، ~~والبخاري ، ومسلم ، وابن جرير ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن مردويه ، ~~والبيهقي من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها ~~قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا ~~الصالحة في النوم ، PageV24P328 # فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. # ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه وهو التعبد ~~الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة ~~فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ~~، قلت : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ~~فقال : «أقرأ» فقلت : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ ~~مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ. قال : فأخذني ~~فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ( @QUR@015 اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم ) ~~الآية. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على ~~خديجة بنت خويلد ، فقال : زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال ~~لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا ، والله ما ~~يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ~~، وتعين على نوائب الحق. # فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ~~وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من ~~الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت ~~له خديجة : يا بن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا بن أخي ، ما ~~ذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله ms5526 وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : ~~هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى ، يا ليتني أكون فيها جذعا ، يا ليتني ~~أكون فيها حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أو ~~مخرجي هم؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني ~~يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي» (1). PageV24P329 # وروى الطبري بإسناده عن عبد الله بن الزبير ، قال : # «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج ~~فيه كتاب ، فقال: اقرأ ، فقلت : ما أقرأ ، فغتني حتى ظننت أنه الموت ، ثم ~~أرسلني فقال : اقرأ. فقلت : ما أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداء من أن يعود ~~إلي بمثل ما صنع بي ، قال : ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق .. ) إلى ~~قوله : ( @QUR@05 علم الإنسان ما لم يعلم )، قال : فقرأته. ثم انتهى ، ثم ~~انصرف عني وهببت من نومي ، وكأنما كتب في قلبي كتابا قال : ولم يكن من خلق ~~الله أبغض علي من شاعر أو مجنون ، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما ، قال : قلت ~~: إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون ، لا تحدث بها عني قريش أبدا ، ~~لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه ، فلأقتلنها ، فلأستريحن ، قال ~~: فخرجت أريد ذلك ، حتى إذا كنت في وسط الجبل ، سمعت صوتا من السماء يقول : ~~يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال : فرفعت رأسي إلى السماء ، فإذا ~~جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول الله ~~وأنا جبريل. قال : قال : فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت ، فما أتقدم ~~وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، فلا أنظر في ناحية منها ~~إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ، ولا أرجع ورائي ، حتى ~~بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ~~ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي ..». # * * * ### ||| ** ملاحظات على روايات النزول # ولنا ملاحظات ms5527 حول هذين الخبرين : # الملاحظة الأولى : إن الروايات مختلفة في نقل صورة البداية للبعثة PageV24P330 # النبوية ، لأن هناك روايات أخرى مختلفة المضمون عن هذين الخبرين ، مما ~~يجعلنا لا نثق بأي مضمون منها ، وقد نلاحظ في الخبر الأول أن لقاء جبريل به ~~كان في اليقظة ، بينما هو في الخبر الثاني يتحدث عن أنه كان في حالة النوم. # الملاحظة الثانية : إن حديث جبريل معه في النوم عن الآيات المنزلة لم يكن ~~يوحي بتحوله إلى شخصية شاعر ، أو حدوث عارض من الجنون له ، ليعاني في نفسه ~~هذا الهاجس من تقمصه لهاتين الشخصيتين البغيضتين إلى نفسه ، لأن الحلم لا ~~يؤثر أي تأثير سلبي على حركة الشخصية في الواقع ، حتى لو كان هناك ما يوحي ~~بذلك ، لأن اختلاف حالة اليقظة عن حالة النوم أمر بديهي للوجدان الشخصي ، ~~ثم ما هو معنى أن تترك هذه المسألة تأثيرها السلبي على نفسه ليقرر أن يلقي ~~نفسه من حالق ليستريح ، من دون وجود أي شيء حقيقي في الواقع ، لو لا نداء ~~جبريل له ، وإرسال خديجة في طلبه؟ وكيف هي صورة الشخصية النبوية التي ~~اختارها الله لرسالته ، في هذه الصورة المهزوزة الخائفة التي لا تملك ~~التماسك والثبات! # الملاحظة الثالثة : إن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع خديجة في خشيته ~~على نفسه من الجنون ، وجوابها له في تعداد صفاته التي لا بد من أن يحبه ~~الله من خلالها ، يدل على أنها كانت أكثر وعيا للمسألة منه ، وأكثر معرفة ~~بالله في رعايته لعباده الصالحين ، وهذا مما يتنافى مع شخصية النبي ~~المعروفة بالمستوى الكبير من المعرفة التي اكتسبها من تأملاته الروحية في ~~غار حراء ومن ألطاف الله المحيطة به في رعايته له. # الملاحظة الرابعة : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان بحاجة إلى أن يأخذ ~~الثقة برسالته من ورقة الذي هو رجل نصراني ، ليؤكد له بأن هذا هو الناموس ~~الذي جاء به موسى عليه السلام ، ولا ندري كيف عرف هذا الرجل هذا الموضوع من ~~خلال حديث النبي له عن تجربته الرسالية التي ms5528 لا تشبه شيئا مما حدث PageV24P331 # لموسى عليه السلام ، ولا توحي بأي شيء مماثل ، مع ملاحظة أن الاطلاع على ~~التوراة لا يفرض معرفة هذه التفاصيل التي لم تذكر فيها ، وما ذكر لا يعدو ~~التبشير به ، لا كيفية إرساله. # الملاحظة الخامسة : ما ذكره صاحب مجمع البيان تعليقا على هذه الأجواء ~~التي ورد ما يشبهها في تفسير سورة المدثر قال : «لأن الله تعالى لا يوحي ~~إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة والآيات البينة الدالة على أن ما يوحى إليه ~~إنما هو من الله تعالى ، فلا يحتاج إلى شيء سواها ولا يفزع ولا يفرق» (1). # وجاء في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي تعليقا على هذه الرواية قال : ~~«والقصة لا تخلو من شيء ، وأهون ما فيها من الإشكال ، شك النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في كون ما شاهده وحيا إلهيا من ملك سماوي ألقى إليه ~~كلام الله ، وتردده ، بل ظنه أنه من مس الشياطين بالجنون ، وأشكل منه سكون ~~نفسه في كونه نبوة إلى قول رجل نصراني مترهب ، وقد قال تعالى : ( @QUR@06 ~~قل إني على بينة من ربي ) [الأنعام : 57] ، وأي حجة بينة في قول ورقة؟ وقال ~~تعالى : ( @QUR@011 قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~) [يوسف : 108] فهل بصيرته صلى الله عليه وآله وسلم هي سكون نفسه إلى قول ورقة؟ ~~وبصيرة من اتبعه سكون أنفسهم إلى سكون نفسه إلى ما لا حجة فيه قاطعة؟ وقال ~~تعالى : ( @QUR@010 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) ~~[النساء : 163] ، فهل كان اعتمادهم في نبوتهم على مثل ما تقصه هذه القصة؟ # والحق أن وحي النبوة والرسالة يلازم اليقين من النبي والرسول بكونه من ~~الله تعالى ، على ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام » (2). # * * * PageV24P332 ### ||| ** دور ورقة في كتابات بعض النصارى # وقد أثارت هذه القصة الكثير من تعليقات بعض الكتاب لدى النصارى الذين ~~حاولوا أن يجعلوها شاهدا على أن رسالة الإسلام كانت من إيحاء ورقة الذي لا ~~بد من أن يكون حدث النبي ببعض أحاديث التوراة والإنجيل ، بالمستوى الذي ~~استطاع فيه ms5529 أن يحصل على استيعاب كبير لثقافة النصرانية واليهودية ، ليبدأ ~~نشاطه الرسالي في دين الإسلام من خلال ذلك. وبذلك اعتبر الإسلام بدعة ~~نصرانية في حركة تحريف وابتداع. # ولكننا نلاحظ على ذلك ، أن هؤلاء الذين انطلقوا من هذه الرواية للقصة ، ~~ليطلقوا لخيالهم العنان في البناء عليها في إرجاع الإسلام إلى إيحاء ورقة ~~النصراني ، لم يلاحظوا أن الرواية تؤكد على وفاة ورقة في وقت قريب من ~~الحادثة ، كما تتحدث عن إيمانه به ، وأمنيته بأن يمتد به العمر لينصره نصرا ~~مؤزرا ، مما لا يجعل هناك أية فرصة للمزيد من الدراسة عليه ، ولكنه خيال ~~هؤلاء الكتاب الذين حاولوا إثارة مثل هذه التخيلات التي يريدون من خلالها ~~الإساءة إلى أصالة الإسلام وإلى صدق الوحي ، كما أننا نرى فيها خيالات ~~القصاصين والرواة الذين أرادوا أن يضعوا على لسان الصحابة أو زوجات النبي ، ~~بعض ما يرضي خيالات الناس لهذا الحدث العظيم من دون التفات إلى ملامح الكذب ~~في مثل هذه القصة ، مع ملاحظة مهمة ، وهي أن اختلاف هذه الروايات بشكل واضح ~~يوحي بالخلفيات التي تكمن وراء ذلك ؛ والله العالم. # * * * ### ||| ** القراءة مبتدأ المعرفة # ( @QUR@01 اقرأ ) لأن القراءة هي مبتدأ معرفتك بالرسالة .. كما هي الدعوة ~~إلى أن يكون هذا الدين انطلاقة في آفاق العلم الذي ينطلق من القراءة ~~الواسعة في PageV24P333 # كتاب الله المفتوح الذي ينطق بالأسرار المخزونة في الأعماق ، أو المعلقة ~~في السماء ، أو المنفتحة على عالم الإنسان. ويلاحظ أن الرواية كانت توحي ~~بالقراءة للكلمة المسموعة لا المكتوبة ، فلا تنافي كونه أميا ، ولكن ~~المعرفة التي يدعو الله الإنسان النبي ، والإنسان غير النبي ، إلى الأخذ ~~بها من خلال القراءة ، هي المعرفة التي تبدأ باسم الله ، لتقول له : # ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق ) فإذا كان الله هو الذي بدأ خلق ~~الوجود كله ، فلا بد من أن تبدأ القراءة باسمه ، لأنه الذي أعطاك نعمة ذلك ~~، وهو الذي يريدك أن تجعل القراءة أساسا للوصول إلى المعرفة الخيرة ، التي ~~تبني الحياة ولا تهدمها ، وتقترب من الله ولا تبتعد عنه ، لتكون المعرفة ~~منسجمة مع خط وحيه ، ومع ms5530 الغاية التي خلق الخلق من أجلها ، في الذوبان في ~~عمق المعنى الكوني المنفتح على عبادة الله الذي ( @QUR@04 خلق الإنسان من ~~علق ) وهو الدم الجامد الذي تحول بقدرة الله إلى هذا الإنسان السوي العاقل ~~، المستقيم في خلقته وفي إرادته وفي كل أسرار حياته. فهل تعرف كيف تستوحي ~~من ذلك أن القراءة لا بد من أن تكون باسمه ، لتنسجم المعرفة الناشئة منها ، ~~مع النظام الكوني والإنساني الذي أراده أن يتوازن في وجوده وفي حركته وفي ~~سنن الله المودعة فيه؟ # * * * ### ||| ** الإسلام ينطلق من عمق المعرفة # ( @QUR@03 اقرأ وربك الأكرم ) إنه التأكيد الذي يكرر الكلمة ليؤكد الفكرة ~~، للإيحاء بأن هذا الدين الجديد ينطلق من عمق المعرفة المتمثلة بالقراءة ~~كوسيلة من وسائل الانفتاح عليها ، كما يوحي بأن الرسالة ستنطلق في كتاب ~~تتكامل آياته في كل فكر الرسالة وشريعتها ومنهجها الموحى به من الله. وإذا ~~كان المطلوب PageV24P334 # من النبي أن يقرأ من خلال إلهام الله له ، ومن سماع الوحي من جبريل ، فإن ~~المطلوب من المؤمنين ، ومن الناس جميعا ، أن يقرءوا القرآن بعد أن يكتمل ~~نزوله ، لينطلقوا منه إلى كل مواقع الحقيقة الإلهية في العقيدة والتشريع. ~~ثم كانت الجملة الاعتراضية التي تعمل على وضع الكلمة الخطاب في نطاق الرحمة ~~الإلهية التي تفيض بكل كرم الرب الأكرم الذي انطلق كرمه على عباده ، وهو ~~الأكرم الذي لا يبلغ أحد كرمه ، ولا أية صفة من صفاته ، لأنه ( @QUR@03 ليس ~~كمثله شيء ) [الشورى : 11]. ومن مظاهر كرمه ارتفاعه بالإنسان إلى المستوى ~~الرفيع في المعرفة الذي ينفتح به على كل حقائق الحياة. إنه ( @QUR@03 الذي ~~علم بالقلم ) الذي يحفظ للإنسانية كل العلم الصادر من الوحي أو المنطلق من ~~فكر الإنسان ، في ما هو التأمل ، وفي ما هي التجربة ، ليبقى زادا لكل جيل ، ~~ومنطلقا لكل تقدم وتطور في تكامل الفكر ونمو التجربة في ما هو العلم الإلهي ~~، وفي ما هو العلم الإنساني العقلي والتجريبي ، لمواجهة كل ظلام الجهل الذي ~~يطبق على مصير الإنسان ليفرض عليه التخلف في كل مواقعه. # * * * ### ||| ** علم الإنسان ما لم يعلم # ( @QUR@05 علم الإنسان ما ms5531 لم يعلم ) فقد ولد الإنسان صفحة بيضاء لا يملك ~~أي حرف للمعرفة في ذاته ، في ما هي تفاصيل الوجود ، وكليات الحقائق ~~وجزئياتها ، ثم أعطاه الله العقل ، وزوده بالحواس ، وقدم إليه مفردات العلم ~~في ما يتحرك في عالم الحس ، ثم أعانه على ترتيب ذلك من أجل أن ينتج علما ~~جديدا. ومن ثم ، يتحرك في دائرة أخرى لينتج علما آخر ، أو فكرا آخر ، ومن ~~خلال ذلك ، تتوسع علامات الاستفهام لتبحث عن الأجوبة في فكر جديد وبحث جديد ~~... وهكذا تتطور حركة العلم ، لتتطور معها آفاقه ، ليعلم ( @QUR@04 الإنسان ~~ما لم يعلم ) من PageV24P335 # خلال الموهبة والإحساس والعقل والإرادة التي قدرها الله في عمق شخصيته ، ~~وفي سر وجوده. # وهكذا نجد أن هذه الآيات التي نزلت في بداية الرسالة ، كما هو المشهور ~~بين المفسرين ، أو بعدها بقليل ، كما هو المعروف لدى بعض منهم ، تضع أمام ~~الإنسان عنوان هذه الرسالة وهي القراءة باعتبارها دليلا للمعرفة ، والكتابة ~~التي هي سر خلود المعرفة وامتدادها في ما يخط بها القلم ما أنتجه الإنسان ، ~~وما حصل عليه بالوحي من علوم ، ثم تحدد له الحقيقة الإيمانية ، وهي أن الله ~~هو الذي خلق الإنسان من علق ، وطور هذه القطعة الجامدة من الدم لتتحول إلى ~~إنسان سوي عاقل مفكر مريد منفتح على المعرفة من خلال الحواس الخمس والعقل ~~الذي يتحرك في دائرتها ، وأن الله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم. وإذا ~~عرفنا أن الله قد تحدث عن خلق الإنسان كمظهر لعظمته ، وعن علم الإنسان ، ~~كمظهر آخر ، فإن معنى ذلك ، أن الله يريد من الإنسان أن يختزن في وعيه أن ~~العلم يمثل القيمة العظيمة الكبيرة التي تدل على سر قدرته ، كما تدل على سر ~~نعمته في حياة الإنسان الذي لا بد له أن يشكر هذه النعمة فيحول علمه إلى ~~خدمة الله والحياة. # * * * PageV24P336 ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 كلا إن الإنسان ليطغى (6) @QUR@03 أن رآه استغنى (7) @QUR@04 ~~إن إلى ربك الرجعى ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 ليطغى ): الطغيان : تجاوز الحد والقدر. # * * * ### ||| ** الغنى من أسباب الطغيان # ( @QUR@01 كلا ) كلمة ردع للإيحاء الذي قد تنطق به أجواء الآيات ms5532 السابقة ~~التي يتمثل من خلالها الإنسان في سلوكه المنحرف عن طاعة ربه ، عند ما يفكر ~~بها فلا يشكرها ، ويبتعد عن الخط المستقيم. وهذا ما تستعيده الآيتان ~~التاليتان ، اللتان تقدمان نموذجا حيا لهذا الإنسان. # ( @QUR@03 إن الإنسان ليطغى ) ويتجاوز حدوده الإنسانية في ما يملك من ~~القدرة ، وفي ما يخضع له من الأوضاع ، وفي ما يعيشه من حاجته المطلقة إلى ربه في PageV24P337 # كل شيء ، سواء في أصل وجوده أو حركته ، وفي كل شروطهما ، في الهواء الذي ~~يتنفسه ، والماء الذي يشربه ، والغذاء الذي يتغذى به ، واللباس الذي يلبسه ~~، والأرض التي يسكنها ، فيغفل عن ذلك كله ، ويستغرق في ذاته ، فلا يتطلع ~~إلى ما حوله ومن حوله. ( @QUR@03 أن رآه استغنى ) ما المراد بهذه الكلمة؟ ~~هل المراد بها الغنى المتمثل بالمال الوفير ، يدفع الإنسان إلى الطغيان ، ~~باعتبار أن المال الذي يؤمن للإنسان كل حاجاته وشهواته يخرجه عن طوره ، ~~ويخل بتوازنه ، ويدفعه إلى تجاوز حدوده الطبيعية ، في نظرته إلى نفسه ، ~~وإلى غيره ، حيث يجد حجمه كبيرا بشكل غير معقول ، كما يستضعف غيره في ~~تعاليه على الناس ، أو أن المراد بها الاستغناء عن الله ، والشعور ~~بالاستقلال عنه ، لأنه يستغرق في ما لديه من النعم ، في المال والصحة ، ~~والأمن والقوة والفرص الحاصلة عنده ، فينسى ربه ، ويخيل إليه أنه لا يحتاج ~~إليه لاستغراقه في سجن ذاته الذي لا يرى فيه إلا ذاته؟ # وربما كان من ذلك ، بعض الناس الذين يملكون قوة العلم التي يستطيعون من ~~خلالها أن ينتجوا كل أدوات الدمار ، وأن يصعدوا إلى أعالي الفضاء ، وأن ~~ينزلوا إلى أعماق البحار ، وأن يملأوا الأرض بالوسائل التي تملأ حياة ~~الإنسان بما يحتاجه في الاكتفاء الذاتي في وسائل العيش ، وأدوات الراحة ، ~~فيعيشون الشعور بالقوة المطلقة ، ويستغرقون في التفكير المادي ، فلا ~~ينفتحون على الغيب ، ولا يفكرون بالموت ، ولا يلتفتون إلى نقاط الضعف ~~الكامنة في وجودهم ، حتى يفاجئهم ذلك كله. # * * * ### ||| ** الناس خاضعون لرب العالمين # ( @QUR@04 إن إلى ربك الرجعى ) فهذه هي الحقيقة الإيمانية التي تفرض ~~نفسها على كل PageV24P338 # مخلوق حي مسئول ، فالناس في الدنيا خاضعون في ms5533 ضعفهم وقوتهم لتقدير الله ~~وتدبيره وإرادته ، فلا يملكون شيئا لأنفسهم من نفع أو ضرر ، ولا استقلال ~~لهم في شيء من ذلك ، ولا استغناء لهم عنه ، بل هو السر في وجودهم بكل ~~دقائقه ، لأنه الخالق لهم ، والمدبر لأمورهم ، ولن تنتهي حاجتهم إليه ~~بالموت ، لأن الله سيبعثهم من جديد ، وسيواجهون الموقف أمامه ليقدموا حساب ~~أعمالهم ، وليسألهم عن طغيانهم النفسي والعملي ، في ما أولاهم من النعم ~~التي كان من المفروض أن يفهموا عمق الحاجة إليه من خلالها ، بدلا من أن ~~يخيل إليهم غناهم عنه واستقلالهم بأنفسهم ، فلا يجدون لذلك جوابا ، وستقوم ~~الحجة عليهم من الله ليواجهوا الموقف الصعب الذي يؤدي بهم إلى النار ، إذا ~~لم يغفر لهم ذلك. # * * * PageV24P339 ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 أرأيت الذي ينهى (9) @QUR@03 عبدا إذا صلى (10) @QUR@05 أرأيت ~~إن كان على الهدى (11) @QUR@03 أو أمر بالتقوى (12) @QUR@04 أرأيت إن كذب ~~وتولى (13) @QUR@05 ألم يعلم بأن الله يرى (14) @QUR@06 كلا لئن لم ينته ~~لنسفعا بالناصية (15) @QUR@03 ناصية كاذبة خاطئة (16) @QUR@02 فليدع ناديه ~~(17) @QUR@02 سندع الزبانية (18) @QUR@05 كلا لا تطعه واسجد واقترب ) (19) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لنسفعا ): السفع : الجذب بشدة. # ( @QUR@01 بالناصية ): الناصية : شعر مقدم الرأس. # ( @QUR@01 ناديه ): أي أهل ناديه ، يعني عشيرته. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # قوله تعالى : ( @QUR@04 فليدع ناديه* سندع الزبانية ) قيل إنها «نزلت في ~~أبي جهل في ما رواه عبد العزيز بن هند عن ابن عباس قال : كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ، PageV24P340 # فجاء أبو جهل ، فقال : ألم أنهك عن هذا التصرف؟ فانصرف إليه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فزبره ، فقال أبو جهل : والله ، إنك لتعلم ما بها ~~ناد أكثر مني ، فأنزل الله تعالى : ( @QUR@04 فليدع ناديه* سندع الزبانية ) ~~قال ابن عباس : والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله تبارك وتعالى» (1). # وإذا صحت هذه الرواية ، فإنها لا تختص بأبي جهل ، بل يكون مجرد نموذج ~~لهذا الإنسان الذي يكفر بالله ، أو يشرك به ، ويستهين به وبعبادته ، ويعمل ~~على زجر الإنسان الذي يقف بين يدي ربه خاشعا خاضعا له معترفا بعبوديته له ، ~~معبرا عن إخلاصه وتعظيمه لقدسه وجلاله. # * * * ### ||| ** من نماذج الكفرة الطغاة # وهذا نموذج من الناس الذين يعيشون ms5534 الطغيان في شخصياتهم ، فينصبون أنفسهم ~~قيمين على الناس حيث يطلبون منهم أن يطيعوهم في كل شيء ، بعيدا عما إذا كان ~~ذلك حقا أو باطلا ، لأن المسألة لديهم هي أن يحققوا ذواتهم في المجتمع ~~بتأكيد إرادتهم في إسقاط إرادة الناس من حولهم ، لتكون الكلمة كلمتهم في كل شيء. # ( @QUR@07 أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى ) وهذا هو ما نلاحظه لدى ~~الكثيرين من الناس في كل زمان ومكان ، ممن يتعقدون من الإيمان والمؤمنين ، ~~فيعملون على ممارسة كل ألوان الاضطهاد عليهم ، لإبعادهم عن الصلاة التي هي ~~المظهر العملي الحي للإيمان ، وللعبادة المنفتحة على الله بكل كلمة من ~~كلماتها ، وكل حركة من حركاتها ، الأمر الذي يجعلها معراجا للمؤمن ، PageV24P341 # يعرج من خلالها بروحه إلى الله. # ( @QUR@05 أرأيت إن كان على الهدى ) أي إن كان هذا الإنسان الذي يصلي ، ~~ويأتي هذا المنحرف الضال لينهاه عن صلاته ، أرأيت إن كان سائرا في خط الهدى ~~، ( @QUR@03 أو أمر بالتقوى ) في دعوته إلى الله ، وفي أمره للناس بالتقوى ~~، كيف يواجه الموقف الذي يقفه منه؟ وهل يعرف ما هي النتائج السلبية الصعبة ~~التي ستحدث له من خلال ذلك؟ # ( @QUR@04 أرأيت إن كذب وتولى ) هناك تفسير آخر ، بأن يكون الضمير راجعا ~~إلى الناهي ، لو كان من المهتدين الآمرين بالتقوى ، وهو يعلم بأن الله يراه ~~، ما ذا كان يجب أن يفعله ، وهل ينهى هذا العبد عن الصلاة أو يأمره بها؟ ~~وهو معنى غير واضح من سياق الآيات. # ( @QUR@05 ألم يعلم بأن الله يرى ) ويطلع على كل نشاطه الاستكباري ~~التخريبي في ما ينهى به عن عبادة الله ، فكيف يأخذ حريته في ذلك ، وكيف لا ~~يخاف من عقاب الله في يوم القيامة؟ # * * * ### ||| ** مصير من ينهى عن المعروف # ( @QUR@01 كلا ) فليس الأمر كما يتوهم من هذا الشعور المطمئن بالنتائج ~~الإيجابية لمصلحته ، ( @QUR@03 لئن لم ينته ) عن سلوكه الطاغي ( @QUR@05 ~~لنسفعا بالناصية* ناصية كاذبة خاطئة ) الناصية شعر الجبهة ، والسفع الجذب ~~بشدة ، وكانت العرب تأنف من الشد بالناصية ، أو الجر بها ، وتعتبره مظهرا ~~للإذلال والتحقير ، لأنه من شؤون الحيوان لا الإنسان ، ومعناه ، فليرتدع ~~هذا الإنسان ms5535 عن غيه ، وإلا فسنشده إلى جهنم بناصيته. # ( @QUR@02 فليدع ناديه ) أي مجلسه ، والمراد به قومه وأتباعه الذين يحضرون PageV24P342 # مجلسه ويؤيدونه ويدافعون عنه ، فليدعهم لينقذوه من عذاب جهنم ( @QUR@02 ~~سندع الزبانية ) وهم الملائكة الموكلون بالعذاب في النار ليدفعوهم إليها. ~~وهذا هو جزاؤه وعقابه في مصيره المحتوم. ( @QUR@01 كلا ) لن ينالك بسوء ، ~~ولن يستطيع أن يدفع عن نفسه أي لون من ألوان العذاب. # * * * ### ||| ** الاقتراب من الله والسجود له # ( @QUR@02 لا تطعه ) في ما ينهاك عنه من الصلاة ، مهما هدد وتوعد ، ( ~~@QUR@01 واسجد ) لله وحده ، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، لأن ~~السجود هو المظهر الحي للخضوع لله تعالى بكل مراتبه. # ( @QUR@01 واقترب ) لأن الاستغراق في معنى العبودية ، الذي يمثله السجود ~~، هو الذي يجعل العبد قريبا إلى الله وبكل كيانه الروحي والجسدي ، وهذا هو ~~غاية خشية المتقين ، وإخلاص العابدين. # وإذا كان هذا الخطاب موجها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب رواية ~~أسباب النزول ، فإنه لا يختص به ، بل يشمل كل المسلمين المؤمنين المصلين ~~السائرين على الهدى الآمرين بالتقوى ، وبالتالي ، فإن عليهم أن يتمردوا على ~~كل أنواع الضغوط التي تمارس بحقهم لحملهم على ترك صلاتهم ، أو لينحرفوا عن ~~خط الهدى إلى خط الضلال ، أو ليأمروا بالمعصية ، وأن يؤكدوا هذا التمرد ~~بالإصرار على السجود العلني لله كمظهر من مظاهر الثبات على الرسالة ، وأن ~~يعملوا على الاقتراب من الله في أفكارهم وأوضاعهم وأقوالهم وأفعالهم ~~وعلاقاتهم في مواجهة خطة الكافرين التي تريد إبعادهم عن الله وعن كل وحيه ~~ورسالاته. # * * * PageV24P343 ### | سورة القدر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس PageV24P345 ### ||| ** في أجواء السورة # وفي هذه السورة المكية حديث عن إنزال القرآن في ليلة القدر التي هي من ~~الليالي التي لا يستطيع أحد أن يبلغ الدرجة الحقيقية العميقة في تقدير ~~عظمتها وقداستها ، حتى أن هذه الليلة الواحدة تفوق في فضلها ألف شهر ، ~~وتنفتح السماء في أجوائها ليتنزل الملائكة والروح ، الموكلون بالمهمات التي ~~يكلفهم الله بها من كل أمر يتصل بالحياة والإنسان ، في ما يقدره الله للناس ~~في أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم. وهي بعد ذلك ليلة السلام ms5536 الذي يغمر الكون من ~~خلال ألطاف الله وفيوضاته على عباده ، والتي تستمر إلى مطلع الفجر. # ولكن ما هو موقع هذه الليلة في الزمن؟ # إن التدقيق في الآيات التي تحدثت عن نزول القرآن يوحي بأنها من ليالي شهر ~~رمضان ، وذلك كما في قوله تعالى : ( @QUR@06 شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن ) [البقرة : 185] ، وقوله تعالى : ( @QUR@019 إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة إنا كنا منذرين* فيها يفرق كل أمر حكيم* أمرا من عندنا إنا كنا ~~مرسلين ) [الدخان : 3 5] فإن الظاهر منها بالمقارنة مع سورة القدر أن ~~المراد بها ليلة القدر. # وقد اختلفت الأحاديث في تحديدها ، ولعل المشهور في أحاديث الإمامية أنها ~~ليلة ثلاث وعشرين ، فقد جاء في رواية عبد الله بن بكير عن PageV24P347 # زرارة عن أحد الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام قال : ليلة ثلاث ~~وعشرين هي ليلة الجهني ، وحديثه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن ~~منزلي ناء عن المدينة ، فمرني بليلة أدخل فيها ، فأمره بليلة ثلاث وعشرين (1). # وهناك رواية في «الدر المنثور» عن مالك والبيهقي بهذا المعنى (2)، ~~والمعروف عند علماء أهل السنة ، أنها ليلة سبع وعشرين. # * * * PageV24P348 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) @QUR@05 وما أدراك ما ليلة ~~القدر (2) @QUR@06 ليلة القدر خير من ألف شهر (3) @QUR@09 تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) @QUR@05 سلام هي حتى مطلع الفجر ) (5) # * * * ### ||| ** هل تدل الآية على نزول القرآن دفعة واحدة؟ # ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة القدر ) هل نزل القرآن بأجمعه في ليلة ~~القدر؟ وهل هناك ظهور في الآية وفي أمثالها أن القرآن أنزل جملة واحدة غير ~~نزوله التدريجي في مدة ثلاث وعشرين سنة كما ورد في قوله تعالى : ( @QUR@09 ~~وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) [الإسراء : 106] ~~، وفي قوله تعالى : ( @QUR@016 وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) [الفرقان : 32]؟. PageV24P349 # ربما يقال : إن ظاهر كلمة القرآن هو مجموع ما بين الدفتين ، ولكن يمكن أن ~~نلاحظ على هذا أن الآيات التي تتحدث عن إنزال القرآن في ms5537 ليلة مباركة ، وفي ~~شهر رمضان ، وفي ليلة القدر ، هي بعض من القرآن ، فهل تشير إلى نفسها كجزء ~~من القرآن المنزل؟ # ثم إن الظهور في الكل لو كان فهو مشترك بين الآيات التي تتحدث عن النزول ~~التدريجي ، وعن نزوله بنفسه ، مما يدل على أن المراد بالقرآن هو المعنى ~~العام الذي يصدق على الآية والسورة والكتاب كله. كما أننا نلاحظ في كتب ~~السيرة أن النبي كان ينتظر النزول القرآني كلما وقع المسلمون في مشكلة ~~تحتاج إلى الحل ، وكان يتوقف في بيانها للناس انتظارا منه للحل القرآني من ~~الله ، فلو كان قد نزل جملة ، لكان معلوما للنبي بتفاصيله في كل أحكامه ، ~~والله العالم. # * * * ### ||| ** ما هو القدر؟ # وما هو المراد بالقدر ، فهل هو بمعنى الشرف والرفعة في ما يمثله ذلك من ~~علو الدرجة والمنزلة ، لما لها من المنزلة الرفيعة عند الله ، أم أن المراد ~~التقدير ، فهي الليلة التي يقدر الله فيها كل أحداث السنة ، من حياة وموت ، ~~وبؤس وشقاء ، وحرب وسلم وغير ذلك ، ولعل هذا هو الأقرب بلحاظ قوله تعالى : ~~( @QUR@011 فيها يفرق كل أمر حكيم* أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ) [الدخان ~~: 4 5] وقوله في آخر السورة : ( @QUR@09 تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم من كل أمر ). # * * * PageV24P350 ### ||| ** ليلة القدر سر من أسرار الله # ( @QUR@05 وما أدراك ما ليلة القدر ) فليس شأنها مما يمكن للإنسان أن ~~يدركه بنفسه ، لأن ذلك سر الله في الزمان كما هو سره في المكان وفي الأشخاص ~~، فهو الخالق للوجود كله ، بكل أنواعه ، وهو الذي يمنح هذا بعضا من ~~الخصوصية التي تجعل منه «شيئا مذكورا» ، ويمنح ذاك بعضا من الأسرار التي ~~تجعله شيئا عظيما ، لأن الذي يخلق الوجود هو القادر على أن يمنحه قيمته. ~~وهكذا جعل الله لهذه الليلة قيمتها الروحية : ( @QUR@06 ليلة القدر خير من ~~ألف شهر ) وقد لا يكون هذا الرقم تحديدا في الكم ، فربما كان تقريبا للنوع ~~في الدرجة التي يتضاءل أمامها كل زمن من هذه الأزمنة التي لا تحمل إلا ~~الذرات الزمنية المجردة. # وهل أخذت شرفها من إنزال القرآن فيها ms5538 ، أم أن شرفها سابق عليه؟ الظاهر ~~الثاني ، لأن الله يقول : ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) [الدخان ~~: 3] ، فهي مباركة في ذاتها. وربما كان نزول القرآن فيها على أساس أنه من ~~الأمر الإلهي الذي يتنزل به الملائكة. وأي أمر أعظم من القرآن الذي هو ~~النور والهدى للبشرية من خلال اللطف الإلهي الذي يصل الأرض بالسماء ، ويدفع ~~بالحياة إلى السير على الخطة الإلهية الحكيمة في الفكر والمنهج والشريعة ~~والمفهوم الكامل الشامل للحياة ، الذي يفتح للإنسان أكثر من نافذة على ~~الروح القادم من عند الله ، ليزداد بذلك ارتفاعا في السماوات الروحية ~~العليا في رحاب الله؟! # ( @QUR@09 تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) وهذا هو سر ~~الليلة الذي تتنزل به الملائكة ، الذين يوكل الله إليهم المهمات المتعلقة ~~بالكون الأرضي المتصل بالإنسان من كل أمر يهمه أو يتعلق بشؤونه ، في رزقه ، ~~وحركته وعمره ، ونحو ذلك. كما يتنزل به الروح الذي قد يكون المراد به جبريل ~~عليه السلام ، الذي امتاز عن الملائكة حسب الأحاديث الكثيرة بأنه PageV24P351 # الرسول الذي يحمل الوحي للأنبياء ليبلغوه للناس ، وقد يكون المراد به ~~الخلق العظيم الذي يتميز بقدرة خاصة غامضة ، أو بطبيعة مختلفة عن طبيعة ~~الملائكة ، ولكن ما هي تفاصيل ذلك الأمر؟ وما هي ملامحه الدقيقة؟ إن ذلك ~~مما لم يبينه الله لنا ، ولكننا نعرف أن هناك بيانا لكل أمر حكيم أمرا من ~~عند الله ، وقد فسره المفسرون بالأرزاق والآجال والأوضاع المتصلة بحياة ~~الإنسان. # ومهما كان ، مما يمكن للإنسان فهم معناه ، وبلوغ مداه ، أو مما لا يمكن ~~له الوصول إلى ذلك ، فإن الآية توحي بأن هناك سرا ربانيا يثيره الله في هذه ~~الليلة في الكون الإنساني من خلال رحمته التي يرحم بها عباده ، ولطفه الذي ~~يلطف به في حياتهم العامة أو الخاصة. # * * * ### ||| ** الاستعداد لليلة القدر # ولذلك جاءت التعاليم النبوية المستمدة من الوحي الإلهي الذي أوحى به إلى ~~نبيه ، أو ألهمه إياه ، في ضرورة استعداده فيها للصلاة والابتهال والدعاء ~~والانقطاع إلى الله ، والتقرب إليه بالكلمة الخاشعة ، والدمعة الخائفة ، ~~والخفقة الحائرة ، والشهقة المبتهلة ms5539 ، ليحصل على رضاه ، فيكون ذلك أساسا ~~للتقدير الإلهي الذي يمثل عناية الله به ورعايته له ، وانفتاحه عليه ~~بربوبيته الحانية الرحيمة. وذلك هو السر الذي يرتبط به الإنسان بليلة القدر ~~، في مواقع إنسانيته ، ليلتقي فيها بالسر الإلهي في رحاب ربوبيته ، لينطلق ~~الإنسان إلى ربه قائما وقاعدا ، وراكعا وساجدا ، في إخلاصه ، وفي ابتهاله ~~وفي خشوعه ، لتكون هذه الليلة موعدا إلهيا يتميز عن أي موعد آخر. فبإمكان ~~الإنسان أن يلتقي بالله في كل وقت ، ولكن لقاءه به في ليلة القدر شيء آخر ، ~~فهي ( @QUR@04 خير من ألف شهر )، فالرحمة فيها تتضاعف ، والعمل فيها يكبر ~~، والخير فيها يكثر ، PageV24P352 # وعطايا الله تتزايد ، وهي بعد ذلك ليلة السلام التي يعيش فيها الإنسان ~~روحية السلام مع نفسه ومع الناس ، لأنها تحولت إلى معنى السلام المنفتح بكل ~~معانيه على الله ، ليكون بردا وسلاما على قلب الإنسان وروحه ، ليعود طفل ~~الحياة الباحث عن الله. # * * * ### ||| ** ليلة القدر سلام للروح # ( @QUR@02 سلام هي ) فليس فيها أي معنى يوحي بالشر والبغض والأذى مما ~~يرهق مشاعر السلام للإنسان. إنه سلام الروح الذي يمتد في روحانية هذه ~~الليلة ، في كل دقائقها وساعاتها في رحمة الله ولطفه. ( @QUR@03 حتى مطلع ~~الفجر ) ليبدأ يوم جديد يتحول فيه الإنسان في ما أفاض الله عليه من روحه ~~وريحانه إلى إنسان جديد ، هو إنسان الخير والمحبة والسلام ، في آفاق الله ~~الرحمن الرحيم الذي هو السلام المؤمن العزيز الجبار المتكبر. # وتلك هي ليلة القدر التي قد يكون لها موعد معين معلوم ، لأن الله ربما ~~أخفاها في الليالي ، لينطلق العباد في أيامه ، ليصلوا إليها ، ليتعبدوا إلى ~~الله في أكثر من ليلة ، لاحتمال أنها ليلة القدر ، حتى يتعودوا أن تكون ~~لياليهم في معنى ليلة القدر ، في العبادة والخضوع والقرب من الله. وذلك ما ~~يريده الله لعباده ، أن يقربوا إليه ، ويلتقوا به ، ليصلوا إليه بأرواحهم ~~وقلوبهم ، لأنهم لا يملكون الوصول إليه بأجسادهم. # * * * ### ||| ** النظرة الشعبية لليلة القدر # وقد تكون من مشكلة الوعي الشعبي لهذه الليلة ، أن الناس يتطلعون PageV24P353 # إليها في نظراتهم إلى السماء ، ليراقبوا ظاهرة كونية لامعة ms5540 فيها ، أو ~~شبحا غامضا يطوف في أرجائها ، أو ملكا سابحا في الفضاء أو نورا ، أو شيئا ~~أي شيء مما يكون إيحاؤه الساذج ، أن هذا الإنسان قد طلعت عليه ليلة القدر ، ~~ليكون ذلك بمثابة الكرامة الإلهية التي توحي له بالاعتزاز ، وتبعثه على ~~الرضى بنتائج ليلته. # ولكن ذلك الوهم الروحي الباحث عن الظاهرة في خارج الذات هو المشكلة ~~الناشئة من التخلف الفكري والروحي ، في فهم العبادة وفي وعي الدين ، وفي ~~الإحساس بأسرار الذات في عمق المضمون ، حيث يتطلع الإنسان إلى خارج ذاته لا ~~إلى داخلها ، وإلى شكل العبادة لا إلى مضمونها ، وإلى سطح الدين لا إلى ~~عمقه ، ومن خلال ذلك تجمد الدين وتحول إلى طقوس وعادات وتقاليد وابتعد ~~الإنسان عن وعي حقيقته الإنسانية التي هي قبضة من طين الأرض ، ونفخة من روح ~~الله ، ليبقى متعبدا لذاته ، في ما هو الجسد الخالي من معنى الروح ، الغارق ~~في ضباب الشهوة ، الذي هو مادة تتحرك لتتحول إلى تراب ورماد ، وليس روحا ~~تتجسد لتحلق في رحاب الله ، حيث هو معنى الإنسان في ليلة القدر. # * * * PageV24P354 ### | سورة البينة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثمان PageV24P355 ### ||| ** في أجواء السورة # تباينت الآراء حول كون هذه السورة مدنية أو مكية ، فمن قائل بأنها مدنية ~~لقربها من السور المدنية ، وذلك من خلال الإشارة إلى أهل الكتاب الذين لم ~~يكونوا مشكلة للإسلام وللدعوة الإسلامية في المرحلة المكية ، ومن خلال ~~الإشارة إلى الزكاة التي جاء التشريع بها في المدينة ، إلى قائل بأنها مكية ~~، من خلال الحديث فيها عن بعض جوانب العقيدة وهي الرسالة ، ولا مانع من ذكر ~~الزكاة وأهل الكتاب لورود الزكاة في بعض السور المقطوع بمكيتها ، كما أن ~~هناك وجودا جزئيا لأهل الكتاب في مكة وفي المنطقة. # وخلاصة الحديث في السورة عن البينة التي كان يلهج بذكرها أهل الكتاب ~~والمشركون من العرب ، الذين كانوا يكفرون برسول الله ، ويؤكدون أنهم خاضعون ~~لها إذا جاءت ، لأنهم يبحثون عن القناعة المرتكزة على قاعدة أو حجة ، وقد ~~جاءهم رسول الله الذي بعثه الله ليقدم لهم البينة الواضحة في الكتاب الذي ~~يحمله ms5541 ويبلغه للناس والذي يتضمن الحجة ، كل الحجة ، في ما يشتمل عليه من ~~الكتب القيمة ، ولكن القوم ، في أكثريتهم ، لم يكونوا طلاب بينة ، بل كانوا ~~يقدمون الطروحات المطلوبة ، حتى إذا جاءتهم تنكروا لها بألف طريقة وطريقة. ~~وهذا ما نراه في تاريخ أهل الكتاب الذين تفرقوا شيعا وأحزابا وطوائف متعددة ~~بعد أن قامت عليهم الحجة من الله ، في ما قدمه الله PageV24P357 # لهم من كتب ودلالات ، وأرسله إليهم من أنبياء ، مما يفرض عليهم الوحدة من ~~خلال الأسس التي ترتكز عليها الرسالات. # وقد أمرهم الله في الكتاب الذي أنزل عليهم أن يعبدوا الله مخلصين له ~~الدين ، حنفاء ، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وذلك هو الدين القويم ~~الذي هو دين إبراهيم ، فلما ذا لم ينطلقوا معه في حركة منسجمة صحيحة؟. # وتؤكد السورة ، في نهايتها ، على أن الكافرين بالدعوة الإسلامية من أهل ~~الكتاب والمشركين ، هم شر البرية ، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير ~~البرية ، وأن الله سيقدم لهم الجزاء العادل ، جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ، انطلاقا من خشيتهم لله ، الرافع للذين يخافونه ويعملون على ~~الانضباط العملي في خط تقواه القائمة على الخوف منه سبحانه وتعالى. # * * * PageV24P358 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@012 لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة (1) @QUR@06 رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) @QUR@03 فيها ~~كتب قيمة (3) @QUR@011 وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة (4) @QUR@016 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (5) @QUR@016 إن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) ~~@QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) @QUR@021 ~~جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 منفكين ): الانفكاك : الانفصال من شدة اتصال. # ( @QUR@01 البينة ): الحجة الظاهرة. PageV24P359 # ( @QUR@01 قيمة ): القيمة : المستمرة في جهة الصواب. # ( @QUR@01 حنفاء ): الحنيف : المائل إلى الصواب والحق. # ( @QUR@01 البرية ): الخليقة ، الناس. # * * * ### ||| ** الرسول يتلو بينة ms5542 الله على المشركين وأهل الكتاب # ( @QUR@08 لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) ممن رفض دعوة ~~الرسل وأنكر نبوتهم ، فكان كافرا بالرسول وبالرسالة ( @QUR@01 منفكين ) أي ~~منفصلين عن موقفهم الكافر ( @QUR@03 حتى تأتيهم البينة ) وهي الحجة القائمة ~~على إثبات حقية الرسالة والرسول. وربما كان الجو الذي يعيشه هؤلاء هو جو ~~التبرير لإصرارهم على الدين القويم في صورته التي يتمثلونها في طريقتهم ~~الخاصة ووضعهم المعقد. ولكن كيف يسألون ذلك ، في الوقت الذي تتمثل البينة ~~أمامهم مجسدة في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي الصحف المطهرة التي ~~يحملها ، ليقدم للناس ما تشتمل عليه من كتب قيمة؟ ( @QUR@03 رسول من الله ) ~~وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@03 يتلوا صحفا مطهرة ) وهي الصحف ~~القرآنية التي تتضمن أصول العقيدة ، وأحكام الشريعة ، ومناهج الحياة التي ~~يرضاها الله ، وحجج الفكر التي تؤكد حقائق الإسلام وأباطيل خصومه. ( ~~@QUR@03 فيها كتب قيمة ) ولعلها الكتب الرسالية التي جاء بها الأنبياء ~~السابقون ، في ما حدث الله في القرآن عن صحف إبراهيم وموسى ، وفي ما تحدث ~~عنه من التصديق لما بين يديه من الكتب مما نقله عن الإنجيل وغيره. # ولعل دراستنا للأوضاع التي عاشها أهل الكتاب في التمزق الطائفي أو ~~المذهبي الناشئ من التنافس على النفوذ ، ومن المطامع الذاتية التي تؤدي إلى ~~البغي والبغضاء والعداوة الحاقدة ، تؤدي بنا إلى النتائج الحاسمة ، وهي أن PageV24P360 # المسألة لم تكن لديهم في الغالب مسألة طلب للحق ، بل كانت مسألة تبرير ~~للموقف ، وقفز على المواقع المتعددة ، للدخول في تكلف التفسير ، وفي تعقيد ~~الأمور ، بحيث تفقد الكلمة وضوحها وصفاءها ، من خلال التهاويل التي ~~يثيرونها حولها. # * * * ### ||| ** تفرق الذين أوتوا الكتاب بعدها جاءتهم البينة # ( @QUR@011 وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) ~~ولم يتوحدوا بالكتاب ، وقد أنزله الله ليؤكد لهم الحقيقة الإيمانية الواحدة ~~المنفتحة على الإله الواحد ، لبناء الأمة الواحدة التي تتمثل وحدتها في ~~وحدة العقيدة والشريعة والمنهج وخط السير في اتجاه الهدف الكبير الواحد ، ~~لأنهم لم ينطلقوا من الشعور العميق بالحاجة إلى المعرفة ، والارتباط ~~بالإيمان ، بل انطلقوا ms5543 من حساباتهم الذاتية التي تبحث عن العقيدة في الفكرة ~~البسيطة ، وعن الصعوبة في المرتقى السهل ، لأن ذلك هو الذي يثير المزيد من ~~التعقيدات ، ويدفع إلى الكثير من المشاكل ، وذلك هو الذي يغذي لهم أطماعهم ~~في حركة الذات نحو أطماعها المادية. # ولم يكن تفرقهم ناشئا من السعي نحو الوصول إلى رضى الله على طريقتهم ~~الخاصة ، على أساس الموقع الاجتهادي الذي توصلوا إليه في فكرهم ، بل كان ~~ناشئا من البحث عن مواقعهم الخاصة التي يريدون أن يمنحوها عنوان الكتاب ~~لتأخذ قداسة غير واقعية ، عند ما تنتمي إلى قداسة الكتاب. # * * * PageV24P361 ### ||| ** العبودية لله : خلاصة الرسالات # ( @QUR@08 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) فهذا هو عنوان ~~الكتاب كله ، والدين كله ، وهو خلاصة الرسالات ، أن يعبد الناس الله عبادة ~~يخلصون فيها للدين الذي فرضه فيطيعوه في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه ، ~~ويوحدوه في ذلك كله ، ( @QUR@01 حنفاء ) مائلين عن خط الباطل إلى خط ~~الاعتدال والتوازن ، في ما هو خط الاستقامة على النهج الذي أراد من الناس ~~أن ينهجوه في تصوراتهم ، وفي انفعالاتهم ، وفي أقوالهم وأفعالهم. ( @QUR@02 ~~ويقيموا الصلاة ) التي تعبر عن إخلاص القلب والروح والوجه واللسان والكيان ~~كله لله وحده ، ( @QUR@02 ويؤتوا الزكاة ) كتعبير عن روحية العطاء المفتوح ~~على كل حاجات الناس ، المتفاعل مع آلامهم وآمالهم ، في ما تمثله الزكاة من ~~إنفاق المال في سبيل الله في مواردها المشروعة قربة إلى الله. # * * * # ( @QUR@03 ذلك دين القيمة ) # ( @QUR@03 وذلك دين القيمة ) أي الكتب القيمة أو الشريعة القيمة. قال ~~النضر ابن شميل : سألت الخليل بن أحمد عن هذا ، فقال : القيمة جمع القيم ، ~~والقيم والقائم واحد ، فالمراد : وذلك دين القائمين لله بالتوحيد (1)، ~~وإذا تحدثنا عن التوحيد ، فإننا نتحدث عن العقيدة التي تربط الإنسان بكل ~~أحواله الخاصة أو العامة بالله ، بحيث لا يتحرك إلا من خلاله ، ولا يسكن ~~إلا بأمره ، وهو الذي يختصر العقيدة كلها ، والشريعة كلها في كلمة واحدة هي ~~كلمة: «ربنا الله» ثم الاستقامة على هذا الخط. # وبذلك يفترق الناس في الموقف والمصير على أساس التزامهم بالخط PageV24P362 # وابتعادهم ms5544 عنه. وهذا هو أساس التقييم القرآني لهم ، في من هو الشرير ، ~~وفي من هو الخير ، وفي من هو في النار ، أو هو في الجنة. # * * * ### ||| ** جهنم دار الكافرين والمشركين # ( @QUR@016 إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية ) لأنهم واجهوا الرسالة الإلهية بمنطق الاستهزاء ~~والتمرد والتكذيب من دون حجة لهم في ذلك ، وإذا كانوا يؤمنون بالله ، فإن ~~ذلك لا يكفي في وجود المضمون الروحي الطيب الذي يتعمق في شخصياتهم ، لأن ~~التوحيد يمثل سر الإيمان ، وهذا ما يفقده المشركون ، كما أن الإيمان ~~بالرسالة يمثل العمق الإيماني والامتداد العملي للارتباط بالله ، وهذا ما ~~يفقده أهل الكتاب والمشركون ، كما أنه يوحي بالكفر بنعمة الله ، والاستكبار ~~على الخضوع له في مواقع رسالته وطاعته ، ولذلك كانوا شر البرية ، إن قمة ~~الشر أن يتمرد الإنسان على ربه الذي أنعم عليه ورعاه في كل حياته التي كانت ~~نفحة منه. # * * * ### ||| ** الجنة دار المؤمنين الصالحين # ( @QUR@09 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) لأنهم ~~كانوا في موقع الجدية في مواجهة الحقيقة ، في ما هو الفكر والسلوك ، كما ~~كانوا في موضع الشكر لله في نعمه ، فكان الإيمان مظهر خضوع وشكر لله ، وكان ~~العمل بالصالحات تجسيدا ، دليل روحية الخير في نفوسهم ، باعتبار ما يمثله ~~ذلك من الانسجام مع الخط المستقيم في الحياة المنفتحة على مواقع أمر الله ~~ونهيه ، PageV24P363 # ولذلك كانوا خير البرية ، لأن قمة الخير هي أن ينقاد الإنسان لربه لتكون ~~حياته العقلية والعملية مرتبطة بربه ، كما كان وجوده في بدايته واستمراره ~~مربوطا به. وهذا هو الخير ، كل الخير ، الذي يتمايز الناس به. # ( @QUR@012 جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ) لأن ذلك هو وعد الله لعباده المؤمنين العاملين بالصالحات ، الذين ~~عاشوا الجهد كله الذي واجهوه بالصبر القاسي الشديد في نتائجه السلبية على ~~حياتهم ونوازعهم الذاتية ، طلبا لما عند الله ، وهذا هو المظهر الحي لرضى ~~الله الذي يناله الذين يعيشون في حياتهم الخضوع المطلق له ، والانفتاح ~~الروحي والعملي عليه ، ( @QUR@03 رضي ms5545 الله عنهم ) بإيمانهم به وطاعتهم له ، ~~( @QUR@02 ورضوا عنه ) في ما أفاض عليهم من نعمة الوجود وفي ما منحهم من ~~نعمه الظاهرة والباطنة في كل تفاصيل حياتهم. # ( @QUR@04 ذلك لمن خشي ربه ) الذي هو التجسيد الحي للروح الخاشعة الواعية ~~المطمئنة إلى ربها من خلال معرفتها به ، المتحركة في خط الطاعة. وبذلك ، لا ~~يكون الخوف من الله حالة انفعالية ، بل هي حالة عقلانية تدرس كل شيء في ~~نطاق ارتباط الوجود كله بالله ، في جميع الأمور ، كما تدرس النتائج ~~المصيرية في ثواب الله وعقابه في موقف الحساب في الدار الآخرة. # * * * PageV24P364 ### | سورة الزلزلة ### ||| * مدنية ### ||| * وآياتها ثمان PageV24P365 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه من السور التي تثير الإحساس بالهول في التغيير الكوني الذي يحدث ~~للأرض في المرحلة التي تسبق القيامة ، فهناك الزلزال الذي يهز كل جوانبها ، ~~فتنفتح بشكل كامل شامل على كل ما تختزنه من أثقال ، ولا سيما الأجساد ~~البشرية المدفونة فيها. # وهنا يتساءل الإنسان ، بعد أن تدب فيه الحياة ويعود إليه الوعي : ما لها؟ ~~في تساؤل يحمل الدهشة والحيرة والخوف والرعب. وهناك يأتيه الجواب من أخبار ~~الأرض الخاضعة لربها التي تبدأ بالحديث ، بطريقة خاصة ، بأن ذلك وحي من ~~الله للأرض أن تنقاد لإرادته لما يريد بها من أوضاع وأحداث .. وهكذا تبدأ ~~القيامة في حركة الناس نحو الموقف؟ فمن يعمل صالحا فسيرى الجنة في رضوان ~~الله ، ومن كان عمله شرا فسيرى نتائجه في دخول النار في آفاق غضب الله. # وهكذا تؤكد هذه السورة على أن العمل هو الأساس في مسألة المصير ، فهو ~~القيمة التي تحكم الإنسان في حركته في الدنيا ، كما تحكمه في موقعه في ~~الآخرة ، مما يزيل من ذهنيته كل القيم الأخرى المنطلقة من النظرة المادية ~~التي تجعل للمال وللجاه وللنسب ونحو ذلك موقع القيمة الكبيرة في الحياة. # * * * PageV24P367 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) @QUR@03 وأخرجت الأرض أثقالها (2) ~~@QUR@04 وقال الإنسان ما لها (3) @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها (4) @QUR@04 ~~بأن ربك أوحى لها (5) @QUR@06 يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) ~~@QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) @QUR@06 ومن يعمل مثقال ذرة ms5546 شرا ~~يره ) (8) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 زلزلت ): الزلزلة : شدة الاضطراب. # ( @QUR@01 أشتاتا ): متفرقين. # ( @QUR@01 مثقال ): وزن. # * * * PageV24P368 ### ||| ** الهول العظيم # ( @QUR@04 إذا زلزلت الأرض زلزالها ) الذي يوحي بالهول العظيم ، لأن ~~الأرض في سهولها وجبالها ترتجف وتتصدع وتتساقط ، وتفقد كل أثر للتماسك ، ~~فلا يبقى هناك جبل شامخ في أرجائها ، ولا يعود لها سطح ممتد في أبعادها ، ~~ولا غطاء لما في داخلها ، فقد انكشفت انكشافا كليا ، فلا يخفى منها شيء ( ~~@QUR@03 وأخرجت الأرض أثقالها ) المخزونة فيها مما يثقل بطنها ، سواء من ~~ذلك الناس الموتى المدفونون فيها ، أو الأشياء الأخرى من المعادن والكنوز ~~المخبوءة في داخلها. وبدأ الإنسان يسترد حياته ووعيه من خلال إرادة الله في ~~البعث والبدء في حركة الدار الآخرة في حياة الإنسان ، ( @QUR@04 وقال ~~الإنسان ما لها ) ما لهذه الأرض ترتجف وتهتز فلا يتماسك منها شيء؟! إنه ~~المنظر الهائل الذي لم يسبق له مثيل ، فقد كان الزلزال الذي يتحرك بشكل ~~طبيعي من خلال العوامل المؤثرة في باطن الأرض ، محدودا بمنطقة معينة ، قد ~~يشتد فيها فيؤدي إلى الخراب ، وقد يضعف فلا يحدث شيئا مهما ، أما هذا ~~الزلزال ، فإنه يشمل الأرض كلها ، فهذا هو زلزالها العظيم ، ويتمثل بالدمار ~~الكامل ، فما ذا حدث للأرض ، وما هي العوامل المؤثرة فيها ، وهل هناك حدث ~~كوني جديد؟ وتنطلق علامات الاستفهام الخائفة المذعورة التي تبحث عن جواب أي ~~جواب يفسر الحدث الكبير من خلال آفاق المعرفة التي تتناول تفسير الأمور من ~~الوجهة المادية في مفردات الواقع. ولكن الجواب ينطلق من الأرض نفسها فيما ~~تطلق من أخبارها. # * * * ### ||| ** كيف تحدث الأرض # ( @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها ) ولكن كيف هو الحديث؟ هل هو صوت ناطق ، PageV24P369 # أم هو استعارة للحديث المتمثل بحركة الصورة في الحس التي توحي بالصورة في ~~الذهن ، من خلال الدلالات أو الإيحاءات؟ ربما يثير البعض بأن هناك حياة ~~وشعورا يسريان في الأشياء وإن كنا في غفلة من ذلك. # وهذا هو مدلول قوله تعالى : ( @QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم ) [الإسراء : 44] ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) [فصلت : 21] ، إن الظاهر منها هو التسبيح ms5547 ~~الحقيقي ، والنطق بالصوت المسموع ، ولكننا ذكرنا في محله ، أن الظاهر من ~~التسبيح والنطق أنهما يصدران عن حياة ووعي وحركة في الفكر ، وإرادة في ~~الذات ، وهذا مما لا يتوفر إلا للأحياء العاقلين ، مما يجعل ذلك قرينة ~~عقلية على إرادة المعنى الكنائي الذي يشير إلى المعنى الواقعي من خلال صورة ~~المعنى. # وهكذا يمكن أن يكون المعنى ، أن أخبار الأرض تتحدث عن هذا الحدث الكوني ~~الهائل العظيم ، بأنه لا يصدر عن أسباب طبيعية كالتي اعتادها الإنسان في ~~الظواهر الكونية العادية ، بل يصدر عن إرادة الله بشكل مباشر ، فهي تقول : ~~( @QUR@04 بأن ربك أوحى لها ) وحيا تكوينيا بأن تخضع لإرادته في زلزالها ~~الذي يشمل كل مواقعها ، وفي إخراج أثقالها منها ، لأن القيامة قد قامت ، ~~ولأن ساعة الحساب قد جاءت ، ولأن الناس مدعوون إلى الوقوف بين يدي الله. # * * * ### ||| ** تفرق الناس يوم القيامة وحسابهم # ( @QUR@04 يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) متفرقين لا تجمعهم وحدة مما كانوا ~~يجتمعون عليه في الدنيا ، لأن الموقف دقيق ، وقد أخذ من عقولهم ومشاعرهم كل ~~مأخذ ، فهم مهتمون بالمصير الحاسم ، ولا يعرفون ما ذا يراد بهم ، لأن ~~المسألة خاضعة لطبيعة أعمالهم ، فهم ذاهبون إلى الموقف الحق في حيرة PageV24P370 # وترقب ، ( @QUR@02 ليروا أعمالهم ) في ما يعرض عليهم منها في كتاب ~~الأعمال ، ليتذكر من كان ناسيا كيف كان عمله في الدنيا ، ولتقوم الحجة على ~~الجميع ، لأن الإنسان مربوط بعمله ، فالعمل هو صورة المصير ، ( @QUR@04 فمن ~~يعمل مثقال ذرة ) من خير ( @QUR@02 خيرا يره ) في ما يتمثل به خير الآخرة ~~من رضوان الله ونعيمه في جنته ، ( @QUR@04 ومن يعمل مثقال ذرة ) من شر ( ~~@QUR@02 شرا يره ) في ما يتمثل به شر الآخرة من غضب الله ، وعذابه في نار جهنم. # * * * ### ||| ** بين العمل والذرة # وإذا كان الله يتحدث عن الذرة كأصغر شيء في ميزان التقدير ، وهي الهباءة ~~التي ترى في ضوء الشمس ، أو هي أصغر من ذلك ، في ما اكتشفه العلم من الشيء ~~الذي لا يرى في ما يقال حتى بأعظم المجاهر في المعامل ، بل هي شيء رآه ~~العلماء في ملاحظاتهم في عقولهم من خلال ms5548 آثارها. # إذا كان الحديث عن العمل الذي لا يرى إلا بجهد كبير ، كما هي الذرة في ~~معناها المألوف ، فإن القضية التي يوحي بها هذا التعبير ، أن علة الإنسان ~~التدقيق في طبيعة الخير ذاته ، وفي مختلف تجلياته ومقاماته ، في الفكر وفي ~~النبضة والخفقة واللمسة واللفتة والكلمة والممارسة ، حتى تكون كل المناطق ~~الصغيرة الخفية في كيانه خيرا كلها ، ليكون الخير جزءا من ذاته في جانب ~~الإحساس وفي جانب الفكر ، وفي دائرة العمل ، والأمر عينه في ما يخص مسألة ~~الشر ، أي التدقيق فيه ، طبيعة وحركة وتجليات ، لتجنبه وتفاديه. # فإذا عرف الإنسان ذلك كله في رضوان الله وسخطه ، فلا بد له أن لا يستهين ~~بحسنة صغيرة ، لخفة وزنها المادي في ما هو مقياس ضخامة الأشياء ، ولا ~~يستصغر خطيئة صغيرة لصغر حجمها ، في ما هو التقدير للحجم المادي PageV24P371 # للأمور ، وقد ورد الحديث المأثور : «لا تستصغرن حسنة تعملها فإنك تراها ~~حيث تسرك ولا تستصغرن سيئة تعمل بها فإنك تراها حيث تسوءك» (1)، لأن ~~المسألة هي في النتائج الروحية التي تحسن أو تسيء لإنسانية الإنسان ، أو في ~~النتائج العملية التي تحسن أو تسيء إلى الحياة كلها ، وإلى الإنسان في ذاته ~~، أو في ذات الآخرين ، وتلك هي القيمة الحقيقية للإنسان الذي يساوي في ~~قيمته عمله ، على مستوى الدنيا والآخرة ، فلا قيمة له بدون ذلك. # * * * PageV24P372 ### | سورة العاديات ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها إحدى عشرة PageV24P373 ### ||| ** في أجواء السورة # في هذه السورة ، حركة مثيرة في ما ابتدأت به من القسم بالخيل التي تعدو ~~وتجري بسرعة ، فترتفع أنفاسها ، فيسمع لها صوت كما هو اللهاث ، وتقدح ~~حوافرها الأرض الصخرية أو ذات الحصى ، فتخرج منها النار ، وتغير على ~~الأعداء في انبلاج الصبح ، وهم نائمون غافلون ، وتشتد الحرب من خلال هجومها ~~، فيثور الغبار من كل جانب في الساحة العامة التي يجتمع فيها الأعداء ، ~~ويلتقي هذا الجو بالصورة الإنسانية التي يتمثل فيها الإنسان وهو جاحد لربه ~~، لاهث في مشاعره نحو المال ، ومشغول به عن مسئوليته في ما ينتظره في الدار ~~الآخرة من المصير ، فلا يلتفت إذا جاءت الهزة التي تبعثر ms5549 كل الأجساد ~~المدفونة في القبور ، وينطلق الجو الهائل في الآخرة لتتبعثر الأسرار ~~المخزونة في الصدور ، فلا يبقى هناك سر خفي مما اعتاد الإنسان أن يخفيه عن ~~الآخرين. وهكذا يرى الإنسان الغافل اللاهي العابث ، أن الله خبير بعباده ~~فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة ، فكيف يتصرفون بعيدا عن ذلك؟ # * * * PageV24P375 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 والعاديات ضبحا (1) @QUR@02 فالموريات قدحا (2) @QUR@02 ~~فالمغيرات صبحا (3) @QUR@03 فأثرن به نقعا (4) @QUR@03 فوسطن به جمعا (5) ~~@QUR@04 إن الإنسان لربه لكنود (6) @QUR@04 وإنه على ذلك لشهيد (7) @QUR@04 ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) @QUR@07 أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) ~~@QUR@04 وحصل ما في الصدور (10) @QUR@05 إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والعاديات ): هي الخيل التي تعدو في حال الغزو. # ( @QUR@01 ضبحا ): الضبح في الخيل : الحمحمة عند العدو ، وقيل : هو شدة ~~النفس عند العدو. # ( @QUR@01 فالموريات ): الإيراء : إخراج النار. # ( @QUR@01 قدحا ): القدح : هو الضرب والصك الذي يؤدي إلى إخراج النار. # ( @QUR@01 نقعا ): النقع : الغبار يغوص فيه صاحبه كما يغوص في الماء. PageV24P376 # ( @QUR@01 لكنود ): لكفور. # * * * ### ||| ** الخيل والعمل الجهادي # ( @QUR@02 والعاديات ضبحا ) ورد في أسباب النزول كما جاء في مجمع البيان ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية إلى حي من كنانة ، فاستعمل ~~عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء فتأخر رجوعهم ، فقال المنافقون ~~: قتلوا جميعا ، فأخبر الله تعالى عنها بقوله: ( @QUR@02 والعاديات ضبحا ). # وقيل : «نزلت السورة لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام ~~إلى ذات السلاسل ، فأوقع بهم ، وذلك بعد أن بعث عليهم مرارا غيره من ~~الصحابة ، فرجع كل منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » (1). # وقيل : إن المراد بها الإبل ، وقيل : «إن المراد بها إبل الحاج في ~~ارتفاعها بركبانها من الجمع إلى منى يوم النحر» (2)، وهو غير واضح من خلال ~~الجو العام للآيات ؛ والله أعلم. # ( @QUR@02 فالموريات قدحا ) يريد به ضرب الخيل بحوافرها إذا سارت في ~~الأرض المحصبة ، فيخرج منها النار ، أو في ما يشبه ذلك. ( @QUR@02 ~~فالمغيرات صبحا ) التي تندفع في الغارة وقت الصباح ، لأنه الوقت الذي يمثل ~~المفاجأة للعدو الذي يكون في حال الاسترخاء. ( @QUR@03 فأثرن ms5550 به نقعا ) وهو ~~الغبار الذي يثور في الأرض الترابية في حركة العدو والهجوم. ( @QUR@03 ~~فوسطن به جمعا ) في ما يوحي به ذلك من الدخول إلى قلب الموقع الذي يجتمع ~~فيه أفراد العدو ، مما يعني الوصول إلى عمق PageV24P377 # تجمعاتهم كشاهد على الانتصار عليهم. # وهكذا كانت هذه الأقسام للإيحاء بقيمة الخيل كوسيلة من وسائل العمل ~~الجهادي الذي يتحرك فيه المجاهدون من أجل أن يثبتوا الأرض على قاعدة ~~الإسلام في مواجهة الكفار الذين يعملون على أساس إضعاف القوة الإسلامية ، ~~بما يملكونه من وسائل القوة المادية التي يضغطون بها على المسلمين. # وفي ضوء ذلك ، فإن من الممكن استيحاء هذه الآيات ، لكل الوسائل التي يمكن ~~أن تكون سبيلا للإغارة على العدو ، مما استحدثه الإنسان من آلات السير ~~والهجوم ونحوها ، لأن المسألة لا تختص بالخيل ، بل توحي بالدور الذي تقوم به. # * * * ### ||| ** الجاحد بنعم الله # ( @QUR@04 إن الإنسان لربه لكنود ) هذا هو جواب القسم الذي أرادت السورة ~~أن تؤكده لتشير إلى الإنسان في حركته السلبية في موقفه من ربه عند ما يبتعد ~~عن وعي مقامه الربوبي الذي خلقه وأفاض عليه الكثير من نعمه ، مما جعله ~~يستغرق فيها استغراق الغافل اللاهي الذي لا يفكر إلا في ما بين يديه ، من ~~دون أن يلتفت إلى طبيعته في اتصاله بالله في موقع النعمة ، وبنتائجه ، من ~~حيث كونه موقعا للاختبار والامتحان ، لا تكريما لصاحبه. وهكذا يقوده ذلك ~~إلى الكفر بنعم الله ، فيكفر بوجوده أو بوحدانيته ، ويتمرد عليه في عصيانه ~~لأوامره ونواهيه ، وهذا هو المراد بكلمة «الكنود» وهو الجحود بنعم الله في ~~السلوك العملي الجاحد. وربما كان في ذلك نوع من التعريض بهؤلاء القوم ~~الكافرين الذين هاجمهم المسلمون في هذه الغزوة ، باعتبار كفرهم بنعمة ~~الإسلام التي هي من أعظم النعم وأغلاها ، لأنها تؤدي بالإنسان إلى السعادة ~~في الدنيا PageV24P378 # والآخرة كما احتمل ذلك صاحب الميزان (1). ( @QUR@04 وإنه على ذلك لشهيد ~~) أي أن الإنسان يشهد على نفسه بالكفر ، فهو لا ينكر ذلك بل يتباهى به أمام الناس. # * * * ### ||| ** حب الدنيا ونسيان الله # ( @QUR@04 وإنه لحب الخير لشديد ) قيل : المراد ms5551 بالخير المال ، الذي ~~ينفتح الإنسان عليه بكل مشاعره وحواسه ، بحيث يملك عليه كل كيانه في ما ~~تمثله كلمة الحب الشديد من حالة الذوبان الوجداني في المال ، بحيث لا يراقب ~~الله في جمعه من الحلال ، أو في صرفه في ما يرضي الله. وربما كان المراد ~~بالخير كل ما يحصل عليه الإنسان في الدنيا من حاجاته المادية من مال أو جاه ~~أو شهوة أو لذة ، في ما فطرت عليه نفسه من التعلق بالأشياء المادية التي ~~تمثل حاجاته الذاتية التي يرتاح إليها في حياته العامة والخاصة. # ( @QUR@07 أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ) وخرج الناس من الأجداث ~~كأنهم جراد منتشر ، مسرعين إلى الموقف في يوم الحساب حيث يواجهون المسؤولية ~~أمام الله ليأخذ كل إنسان نتيجة عمله من خير أو شر. # * * * ### ||| ** الله الخبير بخلقه # ( @QUR@04 وحصل ما في الصدور ) أي جمع ما فيها من الخير أو الشر الكامن ~~في ذات الإنسان ، وأخرج منها ، فعرف بذلك بشكل ظاهر المائز بين الخير PageV24P379 # والشرير ، وبين المؤمن والكافر ، فلم يبق في الصدور شيء. # ( @QUR@05 إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) فهو المطلع على كوامن النفوس ، فليس ~~هناك سر خفي أمامه ، فهو الذي يعلم خائنة الأعين في نفوس الناس وما تخفي ~~الصدور. # وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي تبعث الرعب في نفوس الناس الذين يتحركون ~~بالجريمة في الزوايا الخفية من حياتهم ، أو في دائرة الأسرار الكامنة في ~~صدورهم ، التي يعملون على إحاطة أنفسهم من خلالها بجو غامض من الكتمان ، ~~لئلا يواجهوا المسؤولية عن أعمالهم الإجرامية في ما يمكن أن يؤاخذهم الناس ~~به على ذلك. ولكن كيف يستترون عن الله عالم الغيب والشهادة ، والسر ~~والعلانية ، الخبير بكل شيء ، لأنه الخالق لكل شيء؟ إنها الحقيقة التي تفرض ~~نفسها على العقل والشعور والوجدان ، ليحدد الإنسان موقفه على أساس وعيه ~~لمقام ربه ، وإخلاصه لقضية مصيره. # * * * PageV24P380 ### | سورة القارعة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها إحدى عشرة PageV24P381 ### ||| ** في أجواء السورة # ويبقى للقيامة دورها الكبير في مسألتي الإيمان والالتزام ، لأنها هي التي ~~تلاحق الإنسان في مشاعره الروحية والمادية ، فتقرع إحساسه وتهزه بحقيقتها ~~الصارخة وتحرك ms5552 مخاوفه بأهوالها المرعبة. وهذه السورة المكية ، تقدم الصورة ~~السريعة لأجواء القيامة ، القارعة التي يتحول فيها الناس إلى ما يشبه ~~الفراش المنتشر في الجو ، وتتحول الجبال إلى ما يشبه الصوف المنتوف ، ويقف ~~الناس ليواجهوا النتائج من خلال الميزان الحق ، الذي يزن الأعمال في ما ~~يمثل ذلك من قيمة الناس ، فمن كان ثقيل الميزان ، في ما قدمه من الأعمال ~~الصالحة التي تعطي ثقلا للحياة ، فسيلقى عيشة راضية ، وأما من كان خفيف ~~الميزان ، في ما لديه من تاريخ الأعمال الصالحة ، فلم يحقق للحياة أي عطاء ~~مما يرضاه الله ، فسيصلى النار الحامية. # وهكذا تختصر السورة الموقف في طبيعته ونتائجه ، ليعيش الناس الجو الرهيب ~~في صورته الأخروية ، ليهز الوجدان في الوحي الذي يثيره في الذات في الواقع ~~الدنيوي ، لتنفتح من خلاله على خط المسؤولية من أوسع الآفاق. # * * * PageV24P383 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 القارعة (1) @QUR@02 ما القارعة (2) @QUR@04 وما أدراك ما ~~القارعة (3) @QUR@05 يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) @QUR@04 وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش (5) @QUR@04 فأما من ثقلت موازينه (6) @QUR@04 فهو ~~في عيشة راضية (7) @QUR@04 وأما من خفت موازينه (8) @QUR@02 فأمه هاوية (9) ~~@QUR@04 وما أدراك ما هيه (10) @QUR@02 نار حامية ) (11) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 القارعة ): البلية التي تقرع القلب بشدة المخافة. # ( @QUR@01 المبثوث ): المنتشر. # ( @QUR@01 كالعهن ): العهن : الصوف. # ( @QUR@01 هاوية ): من أسماء جهنم ، وهي المهواة التي لا يدرك قعرها. # * * * PageV24P384 ### ||| ** ( @QUR@02 ما القارعة )؟ # ( @QUR@01 القارعة ) التي تقرع السمع بصوتها الشديد ، والقلب بزلزالها ~~الذي يزيد في خفقانه. ( @QUR@02 ما القارعة ) في معناها المتحرك في الواقع ~~المتمثل في الحدث البارز الذي يهز الحياة من حوله. وليس السؤال للاستفهام ، ~~بل هو لتوجيه الأنظار إلى التفكير بها. ويتجدد السؤال في صيغة التهويل ~~والتفخيم : ( @QUR@04 وما أدراك ما القارعة ) هل تدرك طبيعتها وضخامة الحدث ~~الكامن فيها ونتائج الأوضاع المتحركة فيها ، كيف يكون الناس في داخلها ، ~~وكيف تكون الأرض في بداياتها؟ # * * * ### ||| ** أحوال الناس يوم القيامة # ( @QUR@05 يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) المنتشر المتطاير في الفضاء ~~الذي يتجه في كل اتجاه باحثا عن قوته ، وعن مواقع سلامته ، وقد يصطدم ~~بالنار فيحترق فيها. وهكذا يكون حال الخلق يوم القيامة عند ما يعيشون ~~الذهول والحيرة والرعب ، فيتحركون ms5553 هنا وهناك ، باحثين عن السلامة في غير ~~وعي ، لضخامة الهول الذي يواجهونه في مستقبل أمرهم ، فيتساقط الكثير منهم ~~في النار كما يتساقط الفراش فيها عند ما يتجه إليها من دون شعور. # * * * ### ||| ** تغير معالم الكون يوم القيامة # ( @QUR@04 وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) أي الصوف المندوف الذي PageV24P385 # تفرقت شعراته عن بعضها البعض. وهكذا تتحلل الجبال في ذراتها الصخرية ~~والترابية ، فتتطاير في الفضاء عند ما تذروها الرياح ، في الصورة الهائلة ~~التي توحي بالتغيير الكبير الذي يتساقط فيه النظام الكوني ، ليفسح المجال ~~لعالم جديد ، كان غيبا في الذهنية الإنسانية ، فتحول إلى حس يشاهده الناس ~~ويتحركون فيه ، ليواجهوا قضية مصيرهم في ما ينتظرهم فيه من مواقع وأوضاع ، ~~حيث يحدد لكل إنسان نهايته الخالدة في الجنة أو في النار. # * * * ### ||| ** جزاء العمل الصالح # ( @QUR@04 فأما من ثقلت موازينه ) وهو الذي عاش في الحياة الدنيا في ~~مواقع الإيمان بالله والعمل الصالح على خط الرسالة ، فكانت حياته حركة في ~~طاعة الله في كل ما يتصل بأقواله وأفعاله وعلاقاته بالآخرين وتطلعاته إلى ~~الأهداف الكبيرة التي يرضاها الله للإنسان في الحياة ، مما يرفع مستواها ~~ويوجهها إلى العمل الجاد في تحريك الحياة في سبيل الله ، وفي مواقع رضاه. ~~وبذلك ، تثقل أعماله من خلال حجمها الكبير في مضمونها وفي نتائجها ، فيثقل ~~ميزانه في يوم القيامة ، عند ما توضع الموازين القسط التي تعمل على تقويم ~~الشخص من خلال عمله ، ليكون الإنسان مساويا لعمله ، بدلا مما كان عليه في ~~الدنيا عند ما كانت قيمته تساوي وزنه المادي. # وإذا وضع الإنسان في الميزان المعنوي ، وكان ثقيل الميزان ، فإن المستقبل ~~الأخروي سيكون عظيما على مستوى نتائج الثواب الإلهي للمتقين. # ( @QUR@04 فهو في عيشة راضية ) في طبيعتها ، وفي ما تشتمل عليه من كل ما ~~تشتهيه الأنفس ، وتلتذ به الأعين ، وترتاح إليه القلوب ، من النعم الحسية ~~والروحية ، بحيث يعيش الإنسان معها الرضى بكل معانيه وبكل تطلعاته. # * * * PageV24P386 ### ||| ** جزاء العمل العابث اللاهي # ( @QUR@04 وأما من خفت موازينه ) وهو الذي عاش الحياة عبثا ولهوا ~~واستغراقا في شهواته ولذاته ، وإخلادا إلى الأرض في كل أوضاعها المادية ، ~~فلم ms5554 يرتفع إلى مواقع السمو في آفاق الروح ، ولم ينفتح على الله في آفاق ~~المسؤولية ، فلم يحصل على أي عمل مسئول يحقق له رضى الله ، وإذا كان له ~~هناك من عمل ، من هذا القبيل ، فهو عمل خفيف ، على الهامش الصغير من حياته ~~، ولذلك ، فإنه لا يملك أي وزن للقيمة في ميزان التقويم الأخروي عند الله ~~سبحانه ، وهذا هو الذي يجعل الجزاء في صورة العمل. ( @QUR@02 فأمه هاوية ) ~~والأم هي الحضن الذي يأوي إليه الولد ويرجع إليه ، وقد استعيرت الكلمة ~~للداخل إلى النار التي عبر عنها بالهاوية ، باعتبار أنه يهوي ويسقط إلى ~~أسفل سافلين ، كما كانت هي مرجعه ومأواه. # ( @QUR@04 وما أدراك ما هيه ) فإذا كانت الكلمة غامضة في مدلولها ~~التطبيقي بحيث تدفع إلى التساؤل المثير ، أو تبتعد عن الوحي الذاتي للإنسان ~~لطبيعتها ليكون بحاجة إلى التوضيح والتفسير ، فإن الآية التالية توضحها ، ~~فلا تترك هناك أي التباس حولها ( @QUR@02 نار حامية ) أي شديدة الحرارة ، ~~بحيث تحرق الذين يدخلونها في كل ما يتحرك فيها ، أو ينطلق منها من اللهيب ~~المشتعل. # * * * ### ||| ** الإنسان بين خياري الجنة والنار # وهكذا تضع السورة الإنسان أمام الطريق الذي يؤدي إلى الجنة ، إذا آمن ~~وعمل صالحا ، ليستعد لذلك قبل أن تفوته الفرصة بانتهاء عمره ، وأمام الطريق ~~الذي يؤدي به إلى النار ، ليبتعد عنها ، قبل أن تطبق عليه الأجواء التي ~~تحيط به ، في ما يثيره أهل الكفر والضلال من حوله ، وليعيش في عمق الذهنية PageV24P387 # الإسلامية الواعية ، مسألة التقويم الحقيقي للإنسان في قضية مصيره ، من ~~خلال ثقله وخفته في ميزان الأعمال ، بعيدا عما هي مسألة القيمة في مجتمع ~~الدنيا الذي يجعل التقويم الإنساني خاضعا للمال أو للجاه ، أو للقوة أو ~~للنسب في ما يتنافس فيه الناس من قيم مادية في أكثر من صعيد. # * * * PageV24P388 ### | سورة التكاثر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثمانية PageV24P389 ### ||| ** في أجواء السورة # لقد استغرق المشركون في هذه الذهنية المتخلفة التي ترى في كثرة العدد ~~قيمة كبيرة في ميزان التفاضل ، فاندفعوا فيها بحيث ألهاهم ذلك وشغلهم عما ~~ينفعهم في الحياة .. وتطور بهم الأمر إلى أن بدأوا في ms5555 عد الموتى في القبور ~~ليكملوا عدد الأحياء بالأموات حتى تتحقق لهم الأكثرية على غيرهم. ولكن الله ~~يرفض ذلك ويهددهم بأنهم سيعلمون علم اليقين ماذا يحصل لهم من خلال ذلك ، ~~وسيرون الجحيم في وضوح بارز لا مجال فيه لأي التباس كما لو كانت عين اليقين ~~، وسيسألون عن النعيم الذي أفاضه الله عليهم فلم يشكروه. # * * * PageV24P391 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 ألهاكم التكاثر (1) @QUR@03 حتى زرتم المقابر (2) @QUR@03 كلا ~~سوف تعلمون (3) @QUR@04 ثم كلا سوف تعلمون (4) @QUR@05 كلا لو تعلمون علم ~~اليقين (5) @QUR@02 لترون الجحيم (6) @QUR@04 ثم لترونها عين اليقين (7) ~~@QUR@05 ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) (8) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في مجمع البيان في سبب نزول هذه السورة ، «قيل : نزلت السورة في ~~اليهود ، قالوا : نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، ~~ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا ، عن قتادة. وقيل : نزلت في فخذ من الأنصار ~~تفاخروا ، عن أبي بريدة. وقيل : نزلت في حي من قريش بني عبد مناف بن قصي ~~وبني سهم بن عمرو تكاثروا وعدوا أشرافهم ، فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا : ~~نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم ، وقالوا : هذا قبر فلان وهذا قبر PageV24P392 # فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية ، عن مقاتل والكلبي» (1). # * * * ### ||| ** الكثرة ليست هي القيمة # ( @QUR@02 ألهاكم التكاثر ) عن ذكر الله ، وعن التفكير بواجباتكم في ما ~~كلفكم الله من مواقع طاعته ورضاه ، فاستغرقتم في تعداد الأحياء والأموات. # ( @QUR@03 حتى زرتم المقابر ) التي تحوي موتاكم من الآباء والأجداد ممن ~~احتواهم العدم ، فلم يعد لهم أي أثر في الحياة ليزداد بهم الأحياء عددا. # إنها العقلية المتخلفة التي تبحث عن الكم ولا تبحث عن الكيف ، فترى في ~~تكاثر الأرقام العددية قيمة وميزة عن الآخرين. ولكن الله لا يريد لهم ذلك ، ~~لأن القيمة كل القيمة ، هي في ما يقدمه الناس على مستوى الفرد أو الجماعة ~~من أعمال صالحة كثيرة ، لتكون الكثرة مشتملة على المضمون الرسالي الذي يغني ~~تجربة الحياة في حركة المسؤولية التي تبني للإنسان قاعدته الفكرية والعملية ~~على أساس من رسالة الله المتحركة في خط طاعته ، بينما ms5556 تكون الكثرة الفارغة ~~من المضمون أو المشتملة على المعنى الشرير ، عبئا على الحياة ، وسببا ~~لسقوطها في مهاوي الانحطاط الروحي والأخلاقي. # وهذا هو ما أكده القرآن في أكثر من سورة ، في أن الكثرة المجردة لا تعني ~~الحق ، وأن القلة لا تعني الباطل ، فربما كان أكثر الناس لا يعلمون ولا ~~يفقهون ، وقد يكون أكثرهم كافرين أو فاسقين. ووجه الخطاب إلى النبي بأن لا ~~يطيع أكثر من في الأرض ، لأن ذلك قد يكون سببا في الإضلال ، وهذا ما PageV24P393 # ينبغي للإنسان العاقل الواعي أن يلتزمه كخط لحركة القيمة الإنسانية في ~~الحياة ، بأن ينظر إلى عمق المعنى الإنساني ، لا إلى السطح من مظاهره ، لأن ~~القضية هي قضية المضمون لا قضية الشكل ، ولأن العظمة في الحق مهما كان حجمه ~~صغيرا في مقابل الباطل ، حتى لو كان حجمه كبيرا ، فإن العظيم هو ما عظمه ~~الله ، والحقير هو ما حقره. # ولهذا كان القرآن يستهدف التوبيخ على هذا السلوك الساذج الذي شغل هؤلاء ~~فيه بالتكاثر بحيث كانوا يجمعون الأرقام مهما كانت ، بقطع النظر عن ~~فاعليتها وحيويتها وحركيتها في الواقع. # * * * ### ||| ** رفض هذا المبدأ الباطل # ( @QUR@03 كلا سوف تعلمون ) فليس الأمر كما زعمتم ، فإن هناك مستقبلا ~~غامضا يتصل بمسألة المصير الأسود الذي تقبلون عليه من خلال استغراقكم ~~بالتفاهات الفكرية والسلوكية التي قد تشغلكم عن مسئولياتكم الشرعية ، ~~وتبعدكم عن الله ، وسوف تصلون إلى الدار الآخرة حتى تعلموا الحقيقة الصارخة ~~هناك التي تحدد للإنسان مصيره من خلال طبيعة عمله. ( @QUR@04 ثم كلا سوف ~~تعلمون ) ويتكرر الرفض للموقف الذي وقفوه ، ويتأكد الوعد المستقبلي بانكشاف ~~الحقائق التي تحدد لهم وضوح الرؤية للأمور. # ( @QUR@05 كلا لو تعلمون علم اليقين ) وهذا هو الرفض الثالث الذي يطلق ~~التمني في الفرضية التي تطل بهم على الحالة التي يملكون فيها علم اليقين ~~الذي لا يدخله أي احتمال مضاد ، بل هو النور كله الذي لا شائبة فيه لأية ~~ظلمة ، فلو حصل لهم مثل هذا العلم ، لارتدعوا عن كثير من المواقف التي ~~يقفونها ، والمواقع التي يتحركون فيها ، ولابتعدوا عن الطريق التي يسلكونها ~~، ولانطلقوا بدلا PageV24P394 # عن ms5557 ذلك في المواقف التي ترضي الله ، والمواقع التي تنفتح عليه ، والطريق ~~التي تؤدي إليه سبحانه ، لأنهم من خلال علم اليقين سوف يرون النتائج الصعبة ~~أمامهم ، وجها لوجه ( @QUR@02 لترون الجحيم ) كما لو كانت أمامهم في لهيبها ~~وحريقها وعذابها وزقومها وحميمها. # ( @QUR@04 ثم لترونها عين اليقين ) أي اليقين نفسه ، وذلك بمشاهدتها ~~عيانا حيث تنطلق المعرفة من خلال الحس ، لا من خلال الصورة الذهنية ، فلا ~~يبقى هناك أي مجال للريب ، ولو بنحو الاحتمال ، لأن الحقيقة تفرض نفسها على ~~الحس والوجدان. # * * * ### ||| ** ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # ( @QUR@05 ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) في ما توحي به الكلمة من كل ~~الخيرات التي أفاضها الله على الناس في الدنيا من كل ما يعيشون فيه مما ~~يمثل ضرورات وجودهم ، ومن كل ما يقبلون عليه أو يستمتعون فيه ، مما يمثل ~~حاجاتهم الحسية ، في ما يشتهون ويتلذذون ، ومن كل ما ينفتحون عليه من ~~الأمور المعنوية التي تجلب لهم السعادة ، وتوحي لهم بالارتياح والطمأنينة ~~والكرامة. فلكل واحد من هذه النعم المادية والمعنوية ، سؤال طويل ، لا يتصل ~~بالنعمة نفسها في ما امتن به الله على الإنسان ، بل يتصل بالمسؤولية التي ~~تتحرك النعمة في داخلها في المضمون الشرعي للأفعال التي تلتقي بها ، وفي ~~خارجها في النتائج التي تترتب عليها ، ليطيع الإنسان ربه في تحريكها في ~~الدوائر التي حددها الله له ، فيستعملها في ما أعدت له في النظام الذي وضعه ~~الله للحياة ، حيث تتحول المفردات العملية إلى مسئوليات شرعية ، سواء في ~~ذلك النعم المادية التي جعل الله فيها حقوقا للفرد وللجماعة وللحياة من ~~حولهما ، أو النعم المعنوية المتمثلة في الحياة والعلم والإرادة والرسالة ~~التي أنزلها الله على PageV24P395 # أراد للخلق أن يتحملوا مسئوليته في ما يحركونه في نفع الناس فيها ، وفي ~~ما يلتزمونه من السعي إلى بناء الحياة على خط طاعة الله ورضاه ، من خلالها. ~~وهذا هو السؤال الكبير الذي يتوجه إلى الناس ليحدد جوابهم مصيرهم نحو الجنة ~~أو النار. # * * * PageV24P396 ### | سورة العصر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث PageV24P397 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة القصيرة في كلماتها ، الكبيرة في معانيها ms5558 ، تلتفت إلى الزمن ~~كله الحاوي للإنسان كله ، ليمنحه الفرصة الواسعة التي تدفعه إلى الفلاح في ~~الدنيا والآخرة. ثم توجه الإنسان إلى أن الخسارة سوف تحيط به من كل جانب ، ~~إذا لم يأخذ بأسباب الربح التي تؤكد له حركة إنسانيته في اتجاه بناء الحياة ~~على الحق في عمق وحيه الفكري والعملي ، في الانفتاح على الله في خط الإيمان ~~والعمل الصالح ، في ما يمكن للإنسان أن يأخذ به في حياته الفردية في ذاتية ~~الروح الإيمانية ، وفي خصوصية فكره وشعوره ، وفي حركية الإيمان في خطه ~~العملي في ما يمثله العمل الصالح ، وفي التعمق في المسؤولية الاجتماعية ~~التي تلتقي عند الحق عند ما يضعف تأثيره في الواقع بفعل التيارات المتنوعة ~~التي تملك القوة المادية ، فتحيط بالحق لتضغط عليه بمختلف الضغوط وأقساها ~~لتضعف تأثيره في نفوس أصحابه ، فيتواصون بالحفاظ عليه والالتزام به ~~والإصرار عليه. وتلتقي عند كل أوضاع الحرمان ومواقع الآلام التي قد تدفع ~~المؤمنين إلى السقوط تحت تأثير ذلك كله. وربما ينفرد الطغاة بجماعة هنا ~~ليسلطوا عليها كل العذاب ، وبجماعة هناك ، ليطبقوا عليها بكل الحرمان ، ~~ليسقطوا بفعل الضعف الغريزي الإنساني ، فيتواصون PageV24P399 # بالصبر ليشد بعضهم بعضا ، ويقوي بعضهم بعضا ، ليستمروا على الإيمان ~~والعمل الصالح ، فتستمر الحياة على الخط المستقيم. # * * * PageV24P400 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@01 والعصر (1) @QUR@04 إن الإنسان لفي خسر (2) @QUR@09 إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 والعصر ): قيل : إن المراد بالعصر عصر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو عصر طلوع الإسلام على المجتمع البشري وظهور الحق ~~على الباطل. # وقيل : المراد به وقت العصر وهو الطرف الأخير من النهار ، لما فيه من ~~الدلالة على التدبير الرباني بإدبار النهار وإقبال الليل وذهاب سلطان الشمس. # وقيل : المراد به صلاة العصر ، وهي الصلاة الوسطى التي هي أفضل الفرائض ~~اليومية. # ولكن هذه الوجوه لا تنطلق من أساس في اللفظ ، في ما يمكن أن يتخصص به ~~المعنى ببعض خصوصياته التي تميزه عن المعنى الآخر. والظاهر PageV24P401 # أن المراد به هو الدهر ، لأنه المعنى الذي يتناسب مع المعنى ms5559 الشمولي ~~للإنسان الذي عاش مع الزمن كله ، وكان الزمن يمثل المسؤولية الشاملة في كل ~~القضايا المتصلة بالحياة كلها ؛ والله العالم. # * * * # ( @QUR@04 إن الإنسان لفي خسر ) # ( @QUR@05 والعصر إن الإنسان لفي خسر ) لأن الأساس في مسألة الربح ~~والخسارة أنهما معادلتان خاضعتان لأسباب معينة ، فمن لم يأخذ بأسباب الربح ~~، التي ترتفع به إلى المستوى الأعلى ، أو المستوى الجيد في كل حسابات ~~الحياة المنفتحة على القيمة الكبيرة في الجانب المعنوي في مصير الإنسان ، ~~فلا بد له من أن يقع في قبضة الخسران الذي يمثل السقوط إلى هاوية الانحطاط ~~إلى الدرك الأسفل. وهكذا يعيش الإنسان الخسارة إذا لم يلتزم بالعناصر الحية ~~التي جعلها الله أساس الفلاح في الدنيا والآخرة. # * * * ### ||| ** الإيمان والعمل الصالح أساس النجاح # ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وهذان هما العنصران اللذان ~~يمثلان القيمتين الكبيرتين في الجانب الوجداني للإنسان في دائرة فكره ~~وشعوره ، وفي الجانب الحركي في دائرة حركته في الخط العملي من حياته. ~~فالإيمان هو الحالة الفكرية المنطلقة من قناعات الإنسان في حقائق الكون ، ~~المنفتحة على الله من خلال حركة عقله الذي يتأمل في أسرار الكون ، ليكتشف ~~الله من خلالها باعتبار أنه خالق الكون ومدبره ، ويتأمل في كيان الإنسان ~~وحركته في الوجود ، PageV24P402 # فيجد الله في كل خفقة من قلبه ، وفي كل هزة من شعوره ، وفي كل نبضة من ~~حياته ، وفي كل نعمة داخلية مما تختزنه ذاته ، وفي كل نعمة خارجية مما تحيط ~~بوجوده وتتحرك فيه ، وذلك باعتباره الخالق المنعم الذي لولاه لما كان ~~الوجود ولما استمرت به حركة الإنسان فيه ، أما العمل الصالح ، فهو الإيمان ~~المتجسد بكل معانيه وإيحاءاته وخطواته في الواقع ، لأنه ليس مجرد فكرة في ~~العقل ، أو خفقة في القلب ، أو حركة في الشعور ، بل هو موقف ينطلق من فكرة ~~، وفعل يتحرك من إحساس ، وحركة تتجسد في واقع. # وبذلك ، لا ينفصل العمل عن الإيمان ، ولذلك يأخذ منه ملامحه ومعناه ، ~~فالإيمان بالله لا يتمثل بكل عمل كيفما كان ، بل يتمثل بالعمل الصالح الذي ~~يرضاه الله ويحبه ، ليكون مظهرا للإخلاص له تعالى ، في العبادة ms5560 وفي الموقف ~~، وفي الانتماء ، لتكون الحياة كلها لله في حركة الإنسان المؤمنة المسؤولة فيها. # * * * ### ||| ** العمل الصالح تجسيد للإيمان # وفي ضوء ذلك ، فإن الإنسان لا يعيش الاثنينية في الإيمان والعمل الصالح ، ~~بل يعيش الوحدة العميقة المتجسدة في معنى واحد ، لأن الثاني نتيجة للأول ، ~~بل هو تجسيد له ، إن الإيمان بالله يوحي للإنسان بالشمولية التي تتسع للكون ~~كله ، لأنه خلق الله الذي تتمثل فيه قدرته وحكمته وتدبيره ، وهو بعد ذلك ~~المسؤولية التي يحس بها بكل كيانه في إحساسه بعبوديته لربه ، فيجد نفسه ~~مسئولا عن أن يتعبد له في روحه وفي قلبه وفي عمله ، فيعرف أن الخلق كلهم ~~عيال الله ، فيعمل على أن يجعل حياته بركة ومنفعة وخدمة لهم في كل أمورهم ، ~~ليحصل من خلال ذلك على أن ينال الدرجة العليا في محبة الله PageV24P403 # له ، لأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله. # ثم يلتقي الإيمان والعمل الصالح في وحدة القيم الروحية والأخلاقية على ~~صعيد السلوك الفردي الذاتي والسلوك الجماعي ، في ما يمكن أن يكون أساسا ~~للتعاون على بناء الحياة على البر والتقوى والابتعاد بها عن الإثم والعدوان ~~، في ما يرضاه الله للإنسان من الأعمال التي تقوم على أساس عناوين الرحمة ~~والمحبة والخير والصدق والأمانة والعفة والسخاء والتواضع ، وغير ذلك مما ~~يحقق للحياة توازنها ويحلق بالروح في آفاق الكمال ، ويمنح الإنسانية صفاء ~~الحق وإشراقة العدل وخط الاستقامة. # إن هاتين الكلمتين تختصران الرسالات كلها في ما انطلقت فيه من الدعوة إلى ~~الإيمان بالله الواحد ، والاستقامة على هذا الخط التوحيدي في الإخلاص لله ~~بالعبادة والطاعة ، والابتعاد عن الشرك كله ، وعن الانحراف كله. # وهكذا يستقيم للإنسان الفرد الفلاح الدنيوي ، لأن الإيمان والعمل الصالح ~~يمثلان المصالح الحقيقية للإنسان في الدنيا ، كما يستقيم له الفلاح الأخروي ~~، لأنهما يتحركان في الخط المستقيم الذي يؤدي به إلى مواقع رضى الله في ~~آفاق طاعته. # * * * ### ||| ** التواصي بالحق # ( @QUR@02 وتواصوا بالحق ) وهذه هي الصفة الأولى التي تثبت الخط المستقيم ~~في قيمة الفلاح الاجتماعي ، عند ما تهتز الأرض من تحت الحق ، ويبدأ الزلزال ~~النفسي والفكري والشعوري ليدفع الناس ms5561 إلى التساقط أمام الأهواء الجامحة ~~والزخارف الخادعة ، والأفكار الضالة ، ، والعقائد المنحرفة ، والسياسات PageV24P404 # الخائنة ، لأن التهاويل المخيفة والأشباح المرعبة ، والطرق الملتوية ، ~~والظلمات الدامسة ، تطوق الواقع كله ، حتى لا يكاد الإنسان يبصر طريقه ، أو ~~يتعرف على ملامح الحق في دائرة الوضع. ويبقى كل فرد مع نفسه حائرا خائفا ~~متزلزلا ، وتتحول الجماعات إلى مزق متناثرة لا تركن إلى وحدة في الفكر وفي ~~الموقف. وهنا تأتي هذه القيمة الاجتماعية التي يتحرك فيها المؤمنون ~~العاملون بالصالحات للتواصي بالحق ، ومن مواقع الإيمان والصلاح للدعوة إلى ~~الالتزام به ، بعد أن عرفوا فيه المصلحة الحقيقية للإنسان ، كما عرفوا فيه ~~مواقع رضى الله ، سواء كان الحق حقا في العقيدة أو في الشريعة ، أو في ~~العلاقات ، أو في المناهج ، أو في السياسة ، أو في الاقتصاد والاجتماع ، أو ~~في السلم والحرب ، ونحو ذلك ، حتى يثبت الناس على الفكر الحق ، وعلى وعي ~~الحق ، وعلى الانفتاح على كل مواقعه على صعيد النظرية والتطبيق ، ليبقى ~~الالتزام به السمة البارزة للمجتمع المؤمن ، الذي يوحد الفكر والموقف ~~والنظرة إلى الأشياء على أساس الحق ، فلا يعيش المؤمنون الانحراف عنه باسم ~~الاستقامة ، ولا يختلط عليهم الحق بالباطل ، ولا يتحركون في خط الازدواجية ~~الفكرية عند ما تتحرك الأفكار في خطين متوازيين أو متناقضين مما يؤدي إلى ~~ازدواجية الشخصية ، أو انفصامها. وهذا ما يقوي أهل الحق في موقفهم ، وفي ~~إصرارهم على الثبات ، وفي استمرارهم على الخط. # * * * ### ||| ** التواصي بالصبر # ( @QUR@02 وتواصوا بالصبر ) والتواصي بالصبر ، يمثل العنصر الثاني للفلاح ~~للمجتمع المسلم الذي يواجه الضغوط الصعبة التي تضغط على حريته وعزته ~~وصلابته في موقعه ، وذلك من خلال القوى الداخلية العاملة لمصلحة الكفر PageV24P405 # والاستكبار ، والقوى الخارجية العاملة لاحتواء الأمة الإسلامية في دائرة ~~مصالحها وتحويلها إلى أمة ضعيفة لا تملك أي موقع للثبات والتوازن في تأكيد ~~شخصيتها المستقلة ، لتكون مجرد هامش من هوامشها السياسية التي تحارب معها ~~من أجل الحفاظ على مصالحها. وبذلك ، تحاول كل هذه القوى أن تصادر كل وسائل ~~القوة وكل مواقعها ، من أجل أن تمنع عملية صنع القوة في خطط التكامل ~~السياسي والثقافي ms5562 والاقتصادي والأمني والعسكري ، لأن المطلوب هو المنع من ~~بناء القاعدة القوية الثابتة التي يرتكز عليها البناء الفوقي. وقد يكون من ~~الطبيعي أن تشتد الضغوط ، وتكثر المشاكل ، وتهتز الأرض تحت أقدام العاملين ~~في سبيل الدعوة إلى الله ، والمجاهدين في سبيله ، وتتعمق الآلام ، وتضعف ~~النفوس ، ويصاب المؤمنون بالزلزال النفسي الذي قد يتأثر بشكل سلبي بالزلزال ~~السياسي والعسكري والاقتصادي ، فتنطلق نقاط الضعف لتعمل عملها في إعداد ~~المجتمع للسقوط تحت تأثير الروحية المنهارة في داخل عقلية الهزيمة. # وهنا ، يأتي دور الصبر الذي هو من عزم الأمور ، باعتبار أنه يمثل القوة ~~الداخلية التي تتمرد على قساوة الضغوط ومرارة الآلام ، وضراوة التحديات ، ~~فلا تصرخ ولا تهتز ولا تنهار ، بل تبقى هادئة واعية لكل ما حولها ومن حولها ~~، مطمئنة إلى مواقفها ، منطلقة إلى أهدافها ، عارفة بأن هذه المعاناة هي ~~جزء من الثمن الذي يجب أن يدفعه الدعاة والمجاهدون في سبيل الله ، وهي نوع ~~من البلاء الذي ينزله الله على عباده الصالحين ، ليختبرهم ، وليمتحنهم ، ~~حتى يؤكد صدقهم في التجربة ، وإخلاصهم في حركة المعاناة. ولن يكون ذلك إلا ~~بالصبر الجميل الذي يشد أعصاب الإنسان ومشاعره إلى الثبات على الموقف. # * * * PageV24P406 ### ||| ** بالصبر نواجه حالات الاهتزاز # وإذا كانت المسألة مسألة الضعف الخفي أو البارز الذي يثيره الأعداء ~~بوسائلهم الخاصة في روحية الأمة ، فلا بد من مواجهتهم بالوسائل الإيمانية ~~التي تمنعهم من إيجاد حالة الاهتزاز في أفراد الأمة ، وذلك بالتواصي بالصبر ~~الذي يقدم الوصية بالأسلوب العاطفي الذي يعالج المشاكل النفسية المعقدة ، ~~وبالأسلوب الفكري ، الذي يحلل الأمور المثارة ، بطريقة عقلانية ، ~~وبالدراسات السياسية والاجتماعية ، وبالشعارات الإسلامية الروحية ، أو ~~السياسية ، وبغير ذلك من الوسائل والأساليب والأفكار التي توحي بأن الصبر ~~لا يمثل موقف ضعف بل موقف قوة ، كما أنه لا يتمثل بالموقف الخاسر ، بل هو ~~موقف رابح ، لأن المشكلة في كثير من الأجواء النفسية ، أنها قد تتعقد ~~وترتبك من خلال ارتباك المفاهيم ، أو التطبيقات في داخلها ، مما لا يكون ~~التواصي بالصبر أمامها ، مسألة بسيطة ، لأن حل التعقيدات النفسية ، أكثر ~~صعوبة من حل التعقيدات الفكرية ، مما يفرض ms5563 على العاملين في هذا الاتجاه ، ~~أن يكونوا واعين للمشكلة ، في داخلها ، وفي ما حولها ، أو في من حولها ، ~~ليستطيعوا الوصول إلى النتائج الحاسمة على هذا الصعيد. # وهكذا تبقى هذه السورة برنامجا عمليا للخط الذي يتحرك فيه الفلاح للفرد ~~والمجتمع في عدة نقاط ، تمثل الدائرة الواسعة التي ينطلق فيها المؤمنون ، ~~هي الإيمان والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر وقد يكون من ~~المفروض للعاملين الحركيين الإسلاميين ، أن يحولوا هذه النقاط إلى برنامج ~~حركي ، تدخل فيه التفاصيل والمفردات التي تفتح للفرد المسلم ، وللمجتمع ~~المسلم أكثر من نافذة على قضايا الحياة التي تؤدي بالإنسان إلى الفلاح في ~~الدنيا والآخرة. # * * * PageV24P407 ### | سورة الهمزة ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها تسع PageV24P409 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية تمثل نموذجا من الناس الذين يطغى عليهم الغنى ، ~~ويرتفع بنظرتهم إلى نفوسهم ، حتى يخيل إليهم أنهم في الدرجة العليا التي لا ~~يبلغها أحد ، فينظرون إلى من دونهم من الفقراء نظرة استعلاء ، ويكثرون من ~~الطعن فيهم بالكلمات السيئة التي تنال منهم ، وتؤذيهم وتسيء إلى كرامتهم ~~وأعراضهم بإظهار عيوبهم والإكثار من سبهم ، ويرون أن ذلك من حقوقهم الطبقية ~~في ما تفرضه من سحق نفسيتهم وإذلال مواقعهم. وكانت هذه السورة تسجيلا ~~للنظرة الإلهية إليهم ، فقد أنذرهم الله بالويل ، وعرفهم بأن المال لن ~~يمنحهم خلودا في الحياة ، ولن يمنع عنهم الموت ، فسيموتون كما يموت الناس ، ~~وستتحطم كل هذه الكبرياء في نار جهنم التي ينبذون فيها نبذ الكلمات المهملة ~~، وسيحترقون بها في ظاهر أجسادهم باطنهم ، وسيربطون بالعمد الممددة ، ~~وستطبق عليهم فلا تفتح لهم ليخرجوا منها ، لأنهم سيخلدون فيها بالعذاب ، ~~بدلا مما كانوا يأملونه من الخلود في النعيم. # * * * ### ||| ** السورة تؤكد على رفض المال كقيمة مهمة # وإذا كان القرآن يقدم هذه الصورة الأخروية للمصير الذي يلقاه هؤلاء ، PageV24P411 # فإن الهدف منها هو أن يرتدع الناس عن الأخذ بما أخذوا به في سلوكهم ~~العملي الاستكباري على أساس المال الذي يجمعونه ويعددونه ، وليعرفوا أن ~~المال لا يمثل قيمة إنسانية ، بل هو مجرد حاجة دنيوية يحصلون عليها من أجل ~~تلبية حاجاتهم الغذائية والسكنية والكسائية وغير ms5564 ذلك ، فلا يمنح الإنسان ~~ارتفاعا في حجمه الإنساني ، ولا يزيد في عمله ووعيه وانفتاحه على الآفاق ~~الرحبة في الحياة ، إلا إذا استعمله في الغايات الكبيرة الإنسانية التي ~~تتصل برعاية المحرومين وإعانتهم على سد حاجاتهم الطبيعية. وبذلك ، يتحول ~~المال إلى وظيفة عملية في نطاق مسئوليته الإنسانية التي تتسع وتكبر كلما ~~اتسعت إمكاناته ، ليكون ذلك أساسا للانفتاح على الجانب الإنساني في آلام ~~الفقراء ، بحيث يحدث ذلك تفاعلا بينه وبينهم ، في ما يمكن أن يساهم في ~~إيجاد حالة من الاحترام لظروفهم الخاصة التي لا تسيء إلى مكانتهم الإنسانية ~~، مما يجعل من هذا النوع من العلاقات القائمة على رفض اعتبار المال أساسا ~~للقيمة الرفيعة أو القيمة السفلى ، مدخلا إلى تصحيح النظرة ، مما لا يوحي ~~للأغنياء بانتقاص الفقراء لأجل فقرهم ، كما لا يوحي للفقراء بالانحطاط ~~الإنساني أمام الأغنياء لأجل غناهم. # * * * PageV24P412 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 ويل لكل همزة لمزة (1) @QUR@04 الذي جمع مالا وعدده (2) ~~@QUR@04 يحسب أن ماله أخلده (3) @QUR@04 كلا لينبذن في الحطمة (4) @QUR@04 ~~وما أدراك ما الحطمة (5) @QUR@03 نار الله الموقدة (6) @QUR@04 التي تطلع ~~على الأفئدة (7) @QUR@03 إنها عليهم مؤصدة (8) @QUR@03 في عمد ممددة ) (9) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@03 لكل همزة لمزة ): الهمزة : الكثير الطعن على غيره بغير حق ، ~~العائب له بما ليس بعيب. واللمزة : العيب ، والهمزة واللمزة بمعنى ، وقيل : ~~بينهما فرق ، فإن الهمزة الذي يعيبك بظهر الغيب ، واللمزة الذي يعيبك في ~~وجهك. وقيل : الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه ، واللمزة الذي يكسر عينه ~~على جليسه ، ويشير برأسه ويومئ بعينه. # ( @QUR@01 لينبذن ): ليقذفن. PageV24P413 # ( @QUR@01 مؤصدة ): مطبقة. # * * * ### ||| ** جمع المال لا يخلد الإنسان في الدنيا # ( @QUR@04 ويل لكل همزة لمزة ) والمعنى ، ويل للإنسان الذي يعيش مع الناس ~~ليطعن فيهم بمختلف وسائل الطعن في كرامتهم ، فيسيء إليهم بذكر عيوبهم بغير ~~حق ، أو بنسبة العيوب التي لا وجود لها في واقعهم الذاتي الأخلاقي. إن الله ~~ينذره بالويل الذي يصرخ في وجدانه ليعرفه قدره ومصيره عنده. # ( @QUR@04 الذي جمع مالا وعدده ) حتى بلغ الحجم الكبير الذي يرتفع به في ~~حساباته الذاتية إلى المستوى الرفيع في الوضع الطبقي. وربما أدى ذلك إلى ~~الاستغراق في ms5565 النتائج العملية التي تحدث له من خلال المال ، بحيث يشعر بأن ~~من الممكن أن يحقق له حماية من الموت. # ( @QUR@04 يحسب أن ماله أخلده ) لأنه يلبي له الكثير من حاجاته الحياتية ~~فيخيل له أن من الممكن أن يلبي له الحاجة إلى الخلود في الدنيا ، ولكنه ~~يعيش الوهم الكبير في ذلك ، لأن المال قد يلبي بعض حاجات الحياة ، ولكنه لن ~~يمنح الحياة نفسها ، أو الامتداد فيها. # ( @QUR@01 كلا ) إن الله يرفض هذه الظنون الخيالية التي تضخم للإنسان ~~شخصيته ليتحول إلى حالة انتفاخية في أجواء الكبر والاستعلاء ، كما يرفض هذا ~~الإنسان نفسه في عقليته وسلوكه ، لأنه يسيء إلى الناس .. # ( @QUR@03 لينبذن في الحطمة ) التي تحطم كل كيان الإنسان الذي يدخلها ، ~~لأنها تحرق كل شيء فيه. وهكذا يتحول مصير هذا المخلوق المستكبر المحتقر ~~للآخرين ممن هم دونه مالا ، إلى أن ينبذ في النار كما تنبذ الأشياء الحقيرة التي PageV24P414 # لا غنى فيها. ( @QUR@04 وما أدراك ما الحطمة ) فهي من المفاهيم التي قد ~~يدرك الإنسان معناها اللغوي في ما توحي به من معنى الموقع الذي تتحطم ~~الأشياء فيه ، ولكنه لا يدرك حقيقته الواقعية في وجوده الفعلي. # ( @QUR@03 نار الله الموقدة ) التي أوقدها الله وأشعلها لتكون محرقة ~~للكافرين والمستكبرين والطاغين. ( @QUR@04 التي تطلع على الأفئدة ) فتنفذ ~~إلى داخل الإنسان ، لتحرقه ، كما تطل على الظاهر لينال عذابه. والمراد ~~بالأفئدة القلوب ، وربما كان هذا كناية عن الكيان الإنساني الداخلي إمعانا ~~في صورة العذاب التي تحتوي الكيان كله. # ( @QUR@03 إنها عليهم مؤصدة ) أي مغلقة مطبقة لا تسمح لأحد منهم بالخروج ~~إلى خارجها للابتعاد عنها والنجاة منها. ( @QUR@03 في عمد ممددة ) قيل إنها ~~أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار. وقيل : هي عمد ممددة يوثقون فيها ~~مثل المقاطر ، وهي خشب أو جذوع كبار فيها خروق توضع فيها أرجل المحبوسين من ~~اللصوص وغيرهم. # وهذه هي الصورة البائسة التي يعيش فيها هؤلاء الأغنياء الطغاة الذين ~~استكبروا على رسالات الله ، فكفروا بها ، وكذبوا الرسل الذين جاءوا بها ، ~~وعلى الناس فأساءوا إليهم وأذلوهم بمختلف الوسائل التي يملكونها. إنها صورة ~~المصير الذليل الذي ms5566 يريد الله أن يقدمه إليهم وإلى الذين يريدون أن يقتدوا ~~بهم ، ليتراجعوا عن ذلك ، فينفتحوا على الله ، وعلى الجانب الخير من الحياة ~~، في ما يؤكده الله من السير على الصراط المستقيم في ذلك كله. # * * * PageV24P415 ### | سورة الفيل ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس PageV24P417 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مكية تثير قصة أصحاب الفيل الذين جاءوا إلى مكة ليهدموا الكعبة ~~في ما ذكره الرواة من أن أبرهة عزم على ذلك من خلال عقدة ذاتية ، باعتبار ~~أنه بنى بيتا مماثلا للكعبة ليحج إليه الناس بدلا منها ، ليحصل على ~~الامتيازات التي يحصل عليها أصحابها ، ولتكون له قداستها الروحية ، في ما ~~يتمثل في الطواف ونحوه من طقوس الحج ، فلم يبلغ غايته ، بل حدث العكس من ~~ذلك عند ما حاول بعض العرب تلويث بيته بالعذرة ونحوها. وقد كان هذا أمرا ~~طبيعيا ، لأن القداسة ليست من الأمور التي تدخل إلى قلوب الناس أو عقولهم ~~من خلال قرار ملكي ، أو قوة قاهرة ، بل هي من الأمور التي تنطلق من العمق ~~الروحي الممتد في تاريخ الرسالات ، مما كانت تتميز به الكعبة التي بناها ~~إبراهيم النبي عليه السلام ، الذي أعطاها من روحه وإيمانه وروحانيته ~~ورساليته وشرعيته النبوية ، الأساس الذي امتد في الذهنية الشعبية التاريخية ~~التي تجاوزت الجانب الروحي في تفاصيله ومعطياته الشرعية ، فتحولت إلى ~~تقاليد راسخة في الوجدان الشعبي الديني ، فكيف يمكن لنزوة ملكية أن تصادر ~~ذلك كله أو تمحوه من الذاكرة الروحية ، أو تستبدل به بيتا آخر! بل ربما كان ~~التحدي باعثا نحو التعصب الشديد ضد البيت الجديد ، ولكن هذا الملك لم يفكر ~~بهذه الطريقة ، بل ازداد في عتوه وتحديه ، وقرر أن يعالج المسألة بهدم ~~الكعبة حتى لا يحج إليها حاج ، فيضطر الناس إلى الحج لبيته ، فجهز جيشا PageV24P419 # كبيرا لهذه الغاية ، فخرجت قريش إلى رؤوس الجبال عند ما جاءت مقدمة هذا ~~الجيش إلى مكة ، وقالوا : لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ولم يبق بمكة غير عبد ~~المطلب بن هاشم أقام على سقايته ، وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام ~~على حجابة البيت ms5567 ، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادة الباب في ما يذكره الرواة ~~ثم يقول : # اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك . %~% لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم ~~عدوا محالك |لا يدخلوا البلد الحرام إذا فأمر ما بدا لك . | # ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما لقريش ، فأصابت فيها مائتي بعير لعبد ~~المطلب بن هاشم ، فلما بلغه ذلك ، خرج حتى أتى القوم ، وكان حاجب أبرهة ~~رجلا من الأشعرين ، وكان له بعبد المطلب معرفة ، فاستأذن له على الملك ، ~~وقال له : أيها الملك جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي ووحشها في ~~الجبل ، فقال له : ائذن له. وكان عبد المطلب رجلا جسيما ، جميلا ، فلما رآه ~~أبرهة ، أعظمه أن يجلسه تحته ، وكره أن يجلسه معه على سريره ، فنزل من ~~سريره ، فجلس على الأرض ، وأجلس عبد المطلب معه ، ثم قال : ما حاجتك؟ قال : ~~حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك ، فقال له أبرهة : والله لقد رأيتك ~~فأعجبتني ، ثم تكلمت فزهدت فيك ، فقال : ولم أيها الملك؟ قال : لأني جئت ~~إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب ، وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم ، ودينكم ~~الذي تعبدون ، فجئت لأكسره ، وأصيبت لك مائتا بعير ، فسألتك عن حاجتك ~~فكلمتني في إبلك ، ولم تطلب إلي في بيتكم. # فقال له عبد المطلب : أيها الملك ، أنا أكلمك في مالي ، ولهذا البيت رب ~~هو يمنعه لست أنا منه في شيء ، فراع ذلك أبرهة ، وأمر برد إبل عبد المطلب ~~عليه ، ثم رجع وأمست ليلتهم تلك كالحة نجومها كأنها تكلمهم كلاما PageV24P420 # لاقترابها منهم ، فأحست نفوسهم بالعذاب. # حتى إذا كان طلوع الشمس ، طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم ، ~~وكل طائر في منقاره حجر ، وفي رجليه حجران ، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى ~~، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا حرقة ، ولا عظم إلا أوهاه وثقبه ~~، وهكذا هزم الجيش ، وهلك قائده بعد ذلك. # * * * ### ||| ** وقفة تأملية أمام القصة # وتستوقفنا جملة من الأفكار والنقاط المفيدة في هذه القصة ، أبرزها ما يلي : # أولا : على الرغم من بعض وجوه الاختلاف الموجودة في الروايات الخاصة بهذه ~~القصة ms5568 ، إلا أنها تجمع على وجود أسرار غيبية مثيرة للتأمل في طبيعة الهزيمة ~~التي مني بها هذا الجيش من دون أية مقاومة تذكر من قريش ، مما يوحي بأن ~~القضية ثابتة من ناحية المبدأ في جانبها الإعجازي الخارق للعادة ، وبأن ~~المسألة كانت معروفة في تاريخ الفترة الأولى للدعوة ، لا سيما إذا لاحظنا ~~وجود ذاكرة تاريخية لهذه الحادثة ، بحيث تحولت إلى تاريخ للناس هناك ، ~~فأصبحوا يؤرخون بعام الفيل الذي قيل إن مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~فيه. كما أن من البعيد أن لا يكون بعض الذين عاصروا الحادثة على قيد الحياة ~~في وقت نزول السورة. فلو لم تكن القضية في مستوى الحقيقة الثابتة ، لكان من ~~الممكن أن يعترض عليها أحد من أولئك الذين كان الكثيرون من أمثالهم معنيين ~~بإثارة الريب أو الاعتراض حول بعض القضايا التي عاشوا أحداثها وتجاربها في ~~ما تحدث به القرآن ، ولم ينقل إلينا التاريخ شيئا من ذلك ، مع PageV24P421 # توفر الدواعي على النقل ، وقد لاحظنا أن القرآن كان يثير بعض الشبهات ~~التي كانت تثار في ساحة الدعوة ، ليسجل رده عليها. # ثانيا : إن قضية عبد المطلب في موقفه مع أبرهة لو صحت لا تمثل صبره وجلده ~~وشجاعته وثقته بنفسه بما لم يظهره غيره من أشراف قريش فحسب في ما يقوله ~~البعض ولكنها تمثل إيمانه بالله وثقته به وقدرته على هزيمة الغزاة ، ~~والدفاع عن بيته ، كما لو كان شيئا يعاينه ويعيشه. وهذا ما يؤكد روايات أهل ~~البيت عليهم السلام ، التي تؤكد أن عبد المطلب كان ، كأجداد النبي الآخرين ، ~~مؤمنا بالله ، بعيدا عن عبادة الأصنام ، لأنه لو كان من عباد الأصنام ، لما ~~كان بهذا المستوى الكبير من الثقة بالله بحيث يقف أمام هذا الملك الطاغي في ~~طمأنينة روحية مميزة استطاعت أن تخيف جبروته وعنفوانه كما توحي به الرواية. # ثالثا : إن المدرسة التوفيقية التي كان يمثلها الشيخ محمد عبده وتلامذته ~~في منهجها العقلي ، يعتمد على محاولة تفسير الظواهر القرآنية الغيبية ببعض ~~الاكتشافات العلمية التي تجعل من الآيات القرآنية الظاهرة تعبيرا مجازيا ms5569 أو ~~شبه مجازي ، ولكن بدون قرينة لفظية أو عقلية ، مما يمكن أن يعتمد عليه ~~المتكلم لصرف اللفظ عن ظاهره ، إذا أريد به خلاف الظاهر ، وذلك من أجل ~~إعطاء القرآن درجة علمية ، تطل على الاكتشافات التي توصل إليها العلم ~~المعاصر ، ليقترب الناس من القرآن كلما اقتربت أفكاره من العقل أو العلم ، ~~وذلك من خلال اتصال العالم الإسلامي بالحضارة الغربية القائمة على التفسير ~~المادي للأشياء ، حيث لا يرغب الناس بالأجواء الغيبية التي توحي للفكر بما ~~يشبه الخرافة أو الأسطورة ، لأن الفكر لا يتقبل الغيب الذي لا يملك أية ~~وسائل طبيعية للإيمان به في حركة الحياة من حولنا. # وعلى ضوء ذلك ، فقد حاول الشيخ محمد عبده أن يفسح المجال PageV24P422 # للتفسير المادي للطير الذي ألقى الحجارة التي أهلكت هذا الجيش ، فقال : ~~«فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم ~~بعض الأمراض ، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم الذي تحمله الرياح ، ~~فيعلق بأرجل هذه الحيوانات ، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه ، فأثار تلك ~~القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه». # ونلاحظ أن بعض ما قاله ، من احتمال أن تكون الحجارة من الطين المسموم ~~الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل الطيور ، فيؤدي إلى تسمم الأجساد التي يدخل ~~فيها ، هو من الظواهر غير العادية ، لأن حمل الطيور لهذه الحجارة بهذه ~~الطريقة أمر غير مألوف عادة ، فلا بد من تدخل الإرادة الإلهية الغيبية التي ~~تخضع الأمور للسنن غير العادية ، فتبتعد بذلك عن التفسير المادي الذي يرجع ~~الأشياء إلى القوانين الطبيعية ، ثم إن الغيب جزء من النظام الفكري الديني ~~، فلا بد من تأكيده كمبدإ ، في مواجهة الفكر المادي ، باعتباره أصلا عقيديا ~~في تفسيره للكثير من حقائق العقيدة وبعض مفرداتها المتصلة بالنبوة وبالعذاب ~~الإلهي للأمم المتمردة على الرسل والرسالات ، مما لا يمنع عنه عقل ، ولا ~~يثبت خلافه علم ، ولا ينافيه ظاهر لفظ. # وبذلك ، فإن هذا الاتجاه المادي الذي يعمل على إخضاع الآيات القرآنية ~~للمدرسة العقلية ، من أجل إعطاء القرآن بعدا عقلانيا ، لا يمكن ms5570 أن يكون ~~شاملا ، بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى التكلف في حمل الآيات على خلاف ظاهرها. # وقد تنتهي القضية إلى إبعاد العقل المسلم عن الذهنية التي تتقبل الغيب ~~كمبدإ ، فينحرف التفكير الإسلامي عن قاعدته ، لأن المسألة المطروحة في ~~الفكر الإسلامي ، هي أن الكون خاضع للسنن الطبيعية المودعة فيه ، وليس PageV24P423 # خاضعا للغيب بشكل عام. ولكن ذلك لا يمنع من وجود السنن الغيبية التي تدخل ~~في بعض ظواهره الطارئة ، في ما يريد الله أن يحركه في حياة الناس من أوضاع ~~متصلة بالقضايا الكبيرة المتعلقة بالحركة الرسالية في الكون. # * * * PageV24P424 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@07 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) @QUR@05 ألم يجعل كيدهم ~~في تضليل (2) @QUR@04 وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) @QUR@04 ترميهم بحجارة ~~من سجيل (4) @QUR@03 فجعلهم كعصف مأكول ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 أبابيل ): جماعات متفرقة. # ( @QUR@01 سجيل ): صلب شديد. # ( @QUR@02 كعصف مأكول ): العصف : هو الجاف من ورق الشجر. # ( @QUR@02 طيرا أبابيل ): هو الفتيت من الطحين حين تمزقه الحشرات ~~وتأكله. # * * * PageV24P425 ### ||| ** انتقام الله من أصحاب الفيل # ( @QUR@07 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) الذين جاءوا بكل قوتهم ~~وعدتهم ليهدموا الكعبة التي جعلها الله موضعا لعبادته ، ومحجة لخلقه. وليست ~~الرؤية هنا هي الرؤية الحسية ، لأن الزمان قد ابتعد عن الفترة التي نزلت ~~فيها السورة ، بل الرؤية القلبية المنفتحة على التاريخ الصادق المعروف لدى ~~الناس من جهة ، وعلى الحقيقة الصارخة المتمثلة بالكعبة الباقية على مر ~~السنين بكل التحدي الإلهي للذين يريدون أن يهدموها أو يمسوها بسوء من جهة أخرى. # ( @QUR@05 ألم يجعل كيدهم في تضليل ) فلم يستطيعوا أن يحققوا لأنفسهم أي ~~نجاح لخطتهم في ما كادوه وخططوا له من تخريب الكعبة وتدميرها ، بل تحول ~~كيدهم إلى تدمير أنفسهم ، وضياع جهدهم. # ( @QUR@04 وأرسل عليهم طيرا أبابيل ) أي جماعات متفرقة ، لتحارب كيدهم ~~بدلا من أهل مكة الذين هربوا إلى الجبال خوفا من قوتهم وبأسهم وبطشهم. # ( @QUR@04 ترميهم بحجارة من سجيل ) وهي كلمة فارسية مركبة من كلمتين ~~تفيدان الحجر والطين أو حجارة ملوثة بالطين. # ( @QUR@03 فجعلهم كعصف مأكول ) والعصف : هو الجاف من ورق الشجر ، ~~والمأكول هو الفتيت من الطحين حين تمزقه ms5571 الحشرات وتأكله ، أو حين يأكله ~~الحيوان ويمضغه ، وهكذا تمزقت أجسادهم وتفتتت بفعل هذه الحجارة التي كانت ~~تفعل فيها فعل القذيفة التي تحول الأجساد إلى أشلاء ، بقدرة الله التي لا ~~يعجزها شيء. # وبقي للتاريخ الرسالي الإيحاء الإلهي الذي يؤكد للمؤمنين بأن الله إذا ~~أراد حماية بيته ودينه ، فإنه يتدخل بإرادته ، بطريقة خارقة للعادة ، ليهزم كل PageV24P426 # الطغاة الذين يريدون به كيدا ، فلا تثبت أمامه قوة ، ولا تنجح أية مكيدة ~~، مهما كان نوعها ، فعلى المؤمنين أن يعرفوا كيف حفظ الله بيته الحرام ، ~~حتى وهو في أيدي المشركين الذين تفرقوا عنه ، فكيف لا يحميه وهو في أيدي ~~المؤمنين ، وتلك هي العبرة البالغة في كل حين. # * * * PageV24P427 ### | سورة قريش ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها أربع PageV24P429 ### ||| ** هل هذه السورة مستقلة؟ # قيل : بأن هذه السورة من توابع سورة الفيل ، فهما سورة واحدة ، لأن ~~الموضوع فيهما واحد ، وهو الحديث عن البيت الذي حماه الله من أصحاب الفيل ، ~~وعن رب البيت الذي أنعم على الساكنين إلى جوار هذا البيت ، فأطعمهم من جوع ~~وآمنهم من خوف. وقد وردت بعض الروايات من طريق أهل السنة ، بأن أبي بن كعب ~~لم يفصل بينهما بالبسملة في مصحفه ، وعن عمر ابن الخطاب بأنه قرأها في ركعة ~~واحدة ، ورد ذلك بالمعارضة بالرواية التي تنقل أنه أثبت البسملة بينهما ، ~~وبأن الراوي قد لا يكون قد سمع البسملة الفاصلة منه بينهما ، أو يكون قرأها ~~سرا ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ينافي الوحدة ، فقد ذكر ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن الله أنزل إلى قريش سورة لم يذكر فيها أحدا غيرهم ~~وهي سورة الإيلاف ، مع ملاحظة أن الفصل بينهما بالبسملة متواتر ، وقد وردت ~~بعض الروايات من طريق أهل السنة عن أئمة أهل البيت بالوحدة ، ولكنها معارضة ~~بغيرها ، أو غير ظاهرة في ذلك. # * * * PageV24P431 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@02 لإيلاف قريش (1) @QUR@04 إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) ~~@QUR@04 فليعبدوا رب هذا البيت (3) @QUR@07 الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 لإيلاف ): الإيلاف : إيجاب الإلف بحسن التدبير والتلطف ، يقال ~~: ألف يألف إلفا ms5572 وآلفه يؤلفه إيلافا إذا جعله يألف. فالإيلاف : نقيض ~~الإيحاش ونظيره الإيناس. # * * * PageV24P432 ### ||| ** إيلاف قريش وسعة عيشهم # ( @QUR@02 لإيلاف قريش ) أي من أجل إيلاف الله قريشا ، في ما يريد أن ~~يمتن عليهم ويجعل لهم ذلك إلفا يألفونه ، في ما يعتادون عليه من أوضاع ~~الاستقرار الاقتصادي والأمني ، ( @QUR@04 إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) ~~التي أكدت لهم حياة الرخاء والرفاهية بالرغم من جفاف بلادهم وفقرها ، فقد ~~هيأ الله لهم السبيل إلى رحلة تجارية ضخمة إلى اليمن في الشتاء ، وإلى رحلة ~~تجارية إلى الشام في الصيف ، مما جعل لبلدهم الأهمية الاقتصادية في المنطقة ~~، بالإضافة إلى الأهمية الدينية ، فعاشوا في رخاء وسعة وهناء ... # * * * ### ||| ** العبادة شكر لنعم الله # ( @QUR@04 فليعبدوا رب هذا البيت ) الذي جعله آمنا للناس في الوقت الذي ~~كان الناس يتخطفون من حوله ، ويعانون الكثير من ألوان البؤس والشقاء ، ( ~~@QUR@04 الذي أطعمهم من جوع ) في ما جعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وما ~~هيأه لهم من فرص التبادل التجاري مع المناطق الأخرى انطلاقا من بركة البيت ~~عليهم ، من خلال طبيعة الوجاهة التي حصلوا عليها في الناس من خلاله ( ~~@QUR@03 وآمنهم من خوف ) بملاحظة ما جعله الله من حرمة هذا البيت ، فلا ~~يعرض له أحد بسوء. # وإذا كان الله يأمرهم بعبادته ، فلأن العبادة تمثل لونا من ألوان الشكر ~~على هذه النعمة المزدوجة : الأمن والرخاء ، إلى جانب النعم الوفيرة الأخرى ~~التي يتقلبون فيها بكل ما تختزنه الحياة من الخيرات في حركة وجودهم ، ولأن ~~العبادة هي العنوان الذي يمنح هذا البيت قدسيته وروحيته ومعناه ، في ما PageV24P433 # يطوف الناس به كرمز للطواف حول المواقع التي يرضاها الله ويحبها ، وفي ~~ركوع الراكعين وسجود الساجدين حوله ، امتثالا لأمر الله ، وتأكيدا للإقرار ~~بتوحيده ، ورفض كل الأوثان التي يعبدها الناس من دونه تعالى ، ليخرجوا في ~~أجواء عبادته من أجواء عبادة الأصنام ، لينزهوا أنفسهم عن ذلك ، وليطهروا ~~البيت منها ، كما أراد الله لإبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام أن ~~يطهرا هذا البيت منها ، للطائفين والركع السجود. # ولأن العبادة هي الحركية الروحية الإنسانية التي يعيش فيها الإنسان الروح ~~المتحررة من كل ms5573 عبودية لمن حولها ومن حولها من خلال الشعور بأصالة الإنسان ~~أمام كل الموجودات ، واستقلاله عنها ، فليس لشيء منها أية سلطة عليه ، في ~~أي شأن من شؤونه .. لأن الله وحده هو سيد الكون الذي تقف كل الموجودات بما ~~فيها الإنسان لتكون عبيدا له ، من موقع خلقه لهم ، وتدبيره لشؤونهم ، ~~وحاجاتهم إليه في كل شيء ، واستغنائه عنهم في كل شيء. # * * * PageV24P434 ### | سورة الماعون ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها سبع PageV24P435 ### ||| ** في أجواء السورة # تضاربت الروايات حول مكان نزول هذه السورة ، هل هي مكية بتمامها أم مدنية ~~، أم أن بعض آياتها مكي والآخر مدني؟ قيل : إنها مكية في آياتها الثلاث ~~الأولى ، ومدنية في آياتها الأربع الباقية ، واحتمل البعض أنها مدنية بجميع ~~آياتها. لأنها تعالج موضوع المنافقين الذين كانت نماذجهم هي العنصر القلق ~~المزعج في المدينة. وفي روايات أنها نزلت في أبي جهل وكفار قريش ، مما يعني ~~أنها مكية بتمامها. # وقد عالجت هذه السورة النموذج القلق للإنسان الذي يكذب بالدين ، وهو ~~الجزاء الذي يجعل الإنسان الواعي لمعناه منفتحا على المسؤولية عن كل الواقع ~~الذي يحيط به ، وعن كل الناس الذين يحتاجون إليه ، مما يجعل من التكذيب به ~~، سواء كان عقيديا ، أو عمليا ، حالة إنسانية قلقة في الخط الواقعي العملي ~~عند ما يبتعد به ذلك عن الإحساس بالمسؤولية ، فإذا عاش اليتيم معه ، فإنه ~~يؤذيه ويدفعه بعنف لئلا يتحمل مسئوليته ، وإذا رأى مشكلة المسكين وهي ~~تتفاعل بالمأساة وتتفجر بالآلام ، فإنه لا يتحرك نحو حل هذه المشكلة ، ولا ~~يدعو الآخرين إلى الاندفاع نحوها. PageV24P437 # وتلك هي مشكلة الناس الذين لا يريدون من الدين إلا الصورة البارزة التي ~~تبقى في حياتهم على مستوى السطح ، ولا تصل إلى مستوى العمق ، فإذا صلوا ~~فإنهم يصلون رياء ، دون أن يتأثروا بأجواء الصلاة التي تدعوهم إلى الرحمة ~~من خلال انفتاحها الروحي على رب العالمين الرحمن الرحيم ويمنعون عن التأثر ~~بها ، فيمنعون المعونة التي يملكونها عن عباد الله. # * * * PageV24P438 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 أرأيت الذي يكذب بالدين (1) @QUR@04 فذلك الذي يدع اليتيم (2) ~~@QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين (3) @QUR@02 فويل للمصلين (4) @QUR@05 ~~الذين ms5574 هم عن صلاتهم ساهون (5) @QUR@03 الذين هم يراؤن (6) @QUR@02 ويمنعون ~~الماعون ) (7) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 يدع ): الدع : الدفع بشدة. # ( @QUR@01 يحض ): الحض : الحث والتحريض. # ( @QUR@01 الماعون ): كل ما فيه منفعة. # * * * PageV24P439 ### ||| ** أحوال المنافقين # ( @QUR@04 أرأيت الذي يكذب بالدين ) من هؤلاء المنافقين الذين لا يؤمنون ~~بالجزاء في يوم القيامة ، أو لا يؤمنون بالدين كله في عقيدته وفي شريعته ~~التي تدعو إلى أن يحمل الإنسان مسئولية الفئات المحرومة في الأمة ، ليمنحهم ~~، من جهده ، ومن ماله ، ومن جاهه ، الإمكانات المادية والمعنوية التي ~~يستطيعون من خلالها الحصول على العيش الكريم ، فلا يستجيبون لهذه الدعوة ، ~~بل يتمردون عليها في ما يأخذون به من أسباب النفاق التي ترتكز على الارتباط ~~بالشكليات الدينية ، التي لا تكلفهم الكثير من جهدهم المالي أو المعنوي ~~الذي قد يثقل عليهم بنتائجه ، ولو كانوا قد استجابوا لتلك الدعوة ، ~~لابتعدوا عن النفاق. أرأيت يا محمد ، ويا كل من يتحرك في الحياة على خط ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا الإنسان كيف يتحرك في المجتمع ، وكيف يعبر ~~عن واقعه الداخلي ، وكيف يكذب عمله ما يدعيه من الإيمان في الصورة الخارجية ~~من حياته؟ # * * * ### ||| ** المنافق ينهر اليتيم # هل تريد أن تكتشفه فلا يخفى عليك أمره ، ولا يغش الناس بنفاقه؟ ( @QUR@04 ~~فذلك الذي يدع اليتيم ) فلا يخاف الله ، ولا يتقيه في أمره ، فتراه يدفعه ~~بعنف ، ويرده بقسوة ، ويجفوه بشدة ، من دون خوف من عذاب الله ، لأنه لا ~~ينظر إلى الأمور من خلال نتائجها الأخروية ليمنعه ذلك عن التصرف السيئ الذي ~~ينذر بالعاقبة السيئة في الآخرة ، بل ينظر إلى الأمور من خلال نتائجها ~~الدنيوية الخاضعة في حساباتها لموازين القوة والضعف ، مما يجعله يهاب ~~الأقوياء ويستضعف الضعفاء. # * * * PageV24P440 ### ||| ** ولا يتحسس شقاء المحرومين # ( @QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين ) فلا يتحسس حرمان المحرومين ، ولا ~~فقر الفقراء ، ولا شقاء المساكين ، بل يعيش القسوة التي لا تتأثر بأي مظهر ~~من مظاهر البؤس ، ولا تتحمل أية مسئولية تجاه أهله في التخفيف عنهم ~~والإعانة لهم ، إما بالمساعدة المباشرة في ما يملكه من إمكاناتها ، أو ~~بالمساعدة غير المباشرة ، في حض الآخرين ودعوتهم إلى تحمل مسئولياتهم ms5575 تجاه ~~حل مشكلتهم التي هي مشكلة إنسانية ، كما هي مسئولية إلهية في ما يفرضه الله ~~على الناس من ذلك. # * * * ### ||| ** ( @QUR@02 فويل للمصلين ) الساهين عن صلاتهم ، المرائين في أعمالهم # ( @QUR@07 فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون ) أي غافلون ، في ما ~~تمثله الغفلة من حالة اللامبالاة المنطلقة من فقدان الشعور بأهميتها في ~~مضمونها العبادي المنفتح على الله ، ولذلك فإنهم قد يهملونها بالكلية حتى ~~يخرج وقتها ، وقد يستخفون بها فيؤدونها بشكل غير صحيح ، أو يؤخرونها إلى ~~آخر الوقت ، أو ما يشبه ذلك من الأفعال التي توحي بالاستهانة بها على أكثر ~~من صعيد ، لأن المسألة عندهم ، هي في قيمة الشكل ، لا قيمة المضمون ، لأنها ~~لا تمثل بالنسبة إليهم ، عبادة نابعة من الإحساس بالعبودية في شخصيتهم ، بل ~~هي مظهر للانتماء الشكلي إلى الإسلام في مواقعهم ومواقفهم. PageV24P441 # ( @QUR@03 الذين هم يراؤن ) فيصلون أو يعملون الخير ، أو يتحركون في ~~اتجاه الأعمال العامة ، ليراهم الناس وهم يفعلون ذلك ، لا ليرضى الله عنهم ~~، فهم لا يعيشون عمق المعنى الروحي أو العبادي للعمل الصالح ، بل يتحركون ~~في سطحه الظاهر البعيد عن كل عمق في ما هي العقيدة والإيمان. # ( @QUR@02 ويمنعون الماعون ) وهو المعونة التي يقدمها الناس إلى بعضهم ~~البعض مما يحتاجون إليه في حياتهم ، كالقرض يقرضه الإنسان ، والمعروف يصنعه ~~، والمتاع يعيره ، ونحو ذلك. # * * * PageV24P442 ### | سورة الكوثر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث PageV24P443 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه السورة المكية جاءت لترتفع بروحية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى آفاق الرحمة الإلهية في رعاية الله له ، وفي تطييب نفسه ، وفي الدفاع ~~عنه ، فقد كان المشركون يعملون بكل وسائلهم وأساليبهم على إضعاف نفسه ، ~~وتدمير معنوياته ، وإسقاط موقفه ، بالكلمات الجارحة النابية المؤذية ، وقد ~~جاء في الروايات بأن بعض سفهاء قريش ، كالعاص بن وائل ، وأبي جهل ، وعقبة ~~بن أبي معيط ، وكعب بن الأشرف ، قالوا عند موت القاسم ابن رسول الله وهو ~~أول ولد له ولد بمكة : إن محمدا قد انقطع نسله ، فلا جرم ، لقد أصبح أبتر ، ~~فنزلت هذه السورة لتؤكد بأن الله قد أعطاه الخير الكثير الذي يمتد في كل ms5576 ~~حياته ، وفي ما بعده ، فليتوجه إلى الله ربه بالصلاة ، فلن ينقطع ذكره ، ~~ولن يفنى نسله ، ولن يكون أبتر ، بل إن الذين يقفون ضده هم الأولى بهذه الصفة. # وهكذا كانت هذه السورة القصيرة إطلالة روحية على النبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن تفتح قلبه على الخير الكثير القادم من الله ~~، وعلى الامتداد الواسع المنفتح على رسالة الله ، لتقول له : إن الامتداد ~~الذي يمثله وجوده ، ليس هو الامتداد المحدود الذي يتمثل في الذرية الباقية ~~فقط ، بل هو الامتداد في وعي الرسالة وحركيتها وفاعليتها ورحابتها في كل ~~مواقع الحياة والإنسان ، فلا يحزن ولا يبتئس بما كانوا يقولون أو يفعلون. # * * * PageV24P445 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@03 إنا أعطيناك الكوثر (1) @QUR@03 فصل لربك وانحر (2) @QUR@04 إن ~~شانئك هو الأبتر ) (3) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الكوثر ): على وزن فوعل ، وهو الشيء الذي من شأنه الكثرة. # ( @QUR@01 شانئك ): مبغضك. # ( @QUR@02 هو الأبتر ): المقطوع. # * * * ### ||| ** الله يغدق النعم والخير الكثير على نبيه # ( @QUR@03 إنا أعطيناك الكوثر ) الظاهر أن المراد بالكوثر الخير الكثير ، ~~وهو المعنى الذي يشمل أكثر المفردات المتفرقة التي ذكروها كمعان للكلمة مما ~~لا شاهد للمفسرين عليها ، وقد جاء في الدر المنثور ، في ما رواه عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس ، أنه قال : «الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو PageV24P446 # بشر : قلت لسعيد بن جبير : فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ، قال : ~~النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه» (1). # وإذا كانت السورة قد نزلت في أجواء الكلمات التي أثارها بعض سفهاء قريش ~~في حديثهم عن النبي بأنه أبتر لا ذرية له من الذكور ، فقد يكون الحديث عن ~~الخير الكثير إشارة إلى الذرية الكثيرة التي للنبي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته فاطمة عليها السلام ، ليكون ذلك بمثابة الرد ~~على هؤلاء ، في ما أرادوه من إضعاف معنوية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه ~~الكلمة ، التي كانت تمثل مدلولا سلبيا في المجتمع القائم على اعتبار ~~الامتداد في الذرية لونا من ألوان القيمة الذاتية للإنسان هناك. ويقول ms5577 صاحب ~~الميزان ، تعليقا على ذلك وتأكيدا له : ولو لا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله ~~: ( @QUR@04 إن شانئك هو الأبتر ) خاليا عن الفائدة (2). # ( @QUR@03 فصل لربك وانحر ) لتكون الصلاة شكرا لله ، وإظهارا للشعور ~~بالمنة على ما أولاه من هذا الخير الكثير ، والمراد بالنحر في ما جاءت به ~~الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي عليه السلام وعن أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام هو رفع اليدين في تكبير الصلاة إلى النحر ، ومن ذلك ما ~~رواه السيوطي في الدر المنثور قال : «أخرج ابن أبي حاتم ، والحاكم ، وابن ~~مردويه ، والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه السورة ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( @QUR@03 إنا أعطيناك الكوثر ) قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال : ~~إنها ليست بنحيرة ، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت ~~وإذا ركعت ، وإذا رفعت رأسك من الركوع ، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين ~~هم في السماوات السبع ، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل ~~تكبيرة» (3). PageV24P447 # وقيل : معنى الآية صل لربك صلاة العيد وانحر البدن ، وقيل : يعني صل لربك ~~واستو قائما عند رفع رأسك من الركوع. # * * * ### ||| ** من إيحاءات السورة # وربما كان في هذا التوجيه الإلهي للنبي بالصلاة لربه ، في هذه الأجواء ~~المحيطة به المليئة بالبغض والعدوان والأذى المادي والمعنوي ، بعض الإيحاء ~~بأن على الإنسان أن يتوجه إلى ربه بصلاته التي تختزن كل معاني السمو الروحي ~~والانفتاح العبادي على الله ، في ما يؤدي ذلك إلى الارتفاع على كل الجزئيات ~~الصغيرة التي يريد الآخرون من خلال إثارتها في حياته ، سواء بالكلمات ~~الجارحة النابية ، أو بالمشاكل الصغيرة ، أن يثقلوا قلبه ويربكوا اهتماماته ~~، لأن الاستغراق فيها قد يبعد الإنسان عن الاهتمام الكبير بالرسالة ، ~~وبالحياة ، وبالناس ، بينما يكون الارتفاع إلى جانب الله منطلقا لرحابة ~~الأفق وامتداد الخط وانفتاح الروح على الحياة كلها ، لتتحول كل الصغائر ~~عنده إلى ما يشبه الفقاقيع التي تتجمع هنا وهناك لتشوه صورة ms5578 الصفاء في ~~الماء ، ولكنها لا تلبث أن تنفجر وتذوب ، وهكذا وحده الاتصال بالله هو الذي ~~يجعل الإنسان كبيرا في العقل الكبير ، والروح الكبيرة ، والعمل الكبير. # * * * ### ||| ** مبغض الرسول والرسالة هو الأبتر # ( @QUR@04 إن شانئك هو الأبتر ) فهذا الذي يبغضك ويعلن العداء لك ~~ولرسالتك انطلاقا من الحدود المغلقة في شخصيته المحدودة ، هو الأبتر ، لأنه ~~لا يملك أي امتداد في قضايا الحياة ، بعد أن كان امتداده محصورا في قضايا ~~الذات ، مهما خيل إليه أنه يتحرك في خط الخلود ، لأن الخالدين ، هم ~~المنطلقون مع الله في رسالته ، فهو الذي يمنح الخلود للدور وللحركة وللذات ~~في امتداد رسالتها في الحياة. # * * * PageV24P448 ### | سورة الكافرون ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث PageV24P449 ### ||| ** في أجواء السورة # نجد في هذه السورة لونا من ألوان التأكيد على الموقف الحاسم في المسألة ~~العقيدية التي تأخذ عنوان العبادة الذي يختزن في داخله كل خطوط الالتزام ~~الفكري والعملي ، فهناك عبادة الله التي تعني الإيمان به على أساس أنه ~~الخالق القوي القادر القاهر الحكيم المدبر المنعم ، والإله الواحد الذي لا ~~إله غيره ، والخضوع له خضوعا مطلقا في كل ما يأمر به أو ينهى عنه ، ورفض ~~الخضوع لغيره ، إلا في ما يتصل بالخضوع له ، والسير على المنهج الذي أراد ~~من الناس أن ينهجوه من خلال رسالاته التي أوحى بها إلى رسله ، وهناك عبادة ~~الأوثان التي تعني الإيمان بالأسرار المقدسة الخفية التي تختفي في داخلها ~~مما يجعل لها قيمة روحية ترتفع بها إلى درجة الحظوة عند الله ، بحيث تقرب ~~المتعبدين إليه ، وتشفع لهم عنده ، وبهذا تتحول هذه الأصنام إلى شركاء لله ~~في العبادة ، كما يخضع الواقع الإنساني إلى لون من المفاهيم والعلاقات ~~والأوضاع المتحركة في القيمة المادية المتمثلة في الذهنية الوثنية المرتبطة ~~بالحس كأساس للإيمان وللقناعات ، مما قد تتعقد معه مسألة الإيمان بالغيب ~~والنبوات واليوم الآخر. # وهكذا نجد أنهما منهجان متضادان لا يلتقيان عند قاعدة واحدة ، ولا ~~يتحركان في صعيد واحد ، كما أن الإنسانين اللذين يختلفان تبعا لاختلافهما PageV24P451 # يتباعدان عن بعضهما البعض ابتعاد الوثنية المادية عن التوحيدية الإلهية ~~الروحية ، في الفكر والشعور ms5579 والحركة والمنطلق والموقف. فالإنسان الذي يعبد ~~الله هو الإنسان الذي يتطلع إلى الله خالق الكون كله ، الذي يسبح كل شيء ~~بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، والذي يتحرك الخلق كله في نعمه وفي ~~تدبيره ، ليكون وجوده الواعي تجسيدا لطاعته ، وحركة من أجل الحصول على رضاه ~~، فهو الإنسان المسؤول أمام الله في كل شيء ، مما يجعله يدقق في الصغير ~~والكبير ليتعرف مواقع طاعة الله ومعصيته فيهما ، لأنه يراقب مسألة المصير ~~عند ما يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على عملهم من خير أو شر. وهو ~~الإنسان الذي ينطلق في علاقاته بالناس من خلال الصلة التي تربطهم بالله ، ~~ليوالي من والى الله ، وليعادي من عاداه ، ولذا فإنه لا ينطلق من الدوافع ~~الذاتية ، بل من المواقف الإيمانية المنفتحة على الناس من خلال الله رب ~~العالمين. وهكذا تختصر الحياة كلها لديه كلمة واحدة ، هي الإيمان بالله ~~والاستقامة على خطه المستقيم. # أما الإنسان الذي يعبد الأوثان ، فهو الذي يبقى خاضعا للزوايا الضيقة ~~التي تتمحور حول هذا الحجر أو ذاك ، في ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا ~~حياة ولا موتا ، ولذلك فإنه لا يملك رحابة الأفق ، وروحانية الروح ، وحيوية ~~الفكر ، بل يبقى مشدودا للتقاليد ، بعيدا عما إذا كانت نافعة أو ضارة ، أو ~~حقا أو باطلا ، فليست الحقيقة هي التي تشده للإيمان ، بل هو التاريخ الميت ~~في تاريخ الآباء والأجداد ، وهو الإنسان الجامد الذي لا يريد أن يتحرك فكره ~~بالحوار ، ليغير قناعاته الخاطئة من خلال ذلك ، كما أن علاقاته وأوضاعه ~~خاضعة لمطامعه وشهواته وأنانياته لا للمصلحة الإنسانية العليا ، ولا للقيمة ~~الروحية الكبيرة. وبذلك كان إنسان الهوى الذي يتخذ إلهه هواه ، وإنسان ~~العبث واللعب واللهو الذي يرى الحياة فرصة لذلك كله ، ثم تنفجر كمثل ~~الفقاعة التي لا تترك وراءها شيئا ، ولا تستقبل أمامها أي شيء. PageV24P452 # وعلى ضوء هذا ، فلا بد للإنسان من أن يقف أمام الفواصل الحقيقية التي ~~تفصل بين هذا الخط وذاك ، ليتخذ مواقفه على أساس الانتماء المحدد في كل ~~معطياته وإيحاءاته ومسئولياته وعلاقاته ، فلا يخلط بين ms5580 هذا وذاك في ما لا ~~يجوز فيه الخلط ، لأن هناك تباينا كبيرا بينهما في جميع المواقع ، فكيف ~~يشرك بالله من يوحده ، وكيف يوحده من يشرك به ، وكيف يؤمن بالغيب من كانت ~~عقيدته قائمة على إنكاره ، أو ينكر الغيب من كانت عقيدته قائمة على الإيمان ~~به؟ فلا مجال للتسويات من ناحية المبدأ ، ولا مجال للتبادل من ناحية ~~التوزيع على أساس التفاصيل. وهذا ما أرادت السورة أن تؤكده ، ردا على ~~العروض التوفيقية التي تجمع بين المتضادين وتساوي بين المتباينين ، فلا بد ~~للفريقين المسلم والمشرك من أن يتنازل أحدهما عن موقفه ليلتقي بالآخر ، لأن ~~الشرك لا يلتقي بالوحدانية ، ولأن الكفر لا يجتمع مع الإيمان. # * * * PageV24P453 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون (1) @QUR@04 لا أعبد ما تعبدون (2) ~~@QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) @QUR@05 ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ~~@QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) @QUR@04 لكم دينكم ولي دين ) (6) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب نزول هذه السورة ، في الدر المنثور : «أخرج ابن جرير ، وابن ~~أبي حاتم ، وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري ، ~~قال : لقي الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأمية ~~بن خلف ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد ، هلم فلتعبد ما ~~نعبد ونعبد ما تعبد ، ولنشترك ، نحن وأنت ، في أمرنا كله ، فإن كان الذي نحن PageV24P454 # عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا ، وإن كان الذي أنت عليه ~~أصح من الذي نحن عليه ، كنا قد أخذنا منه حظا ، فأنزل الله : ( @QUR@08 قل ~~يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون ) حتى انقضت السورة (1). # وجاء في تفسير القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير قال : سأل أبو شاكر أبا ~~جعفر الأحول عن قول الله : ( @QUR@023 قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما ~~تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد ) فهل يتكلم الحكيم بمثل هذا القول ، ويكرر مرة بعد مرة؟ فلم يكن ~~عند أبي جعفر الأحول ms5581 في ذلك جواب. # فدخل المدينة ، فسأل أبا عبد الله جعفر الصادق عليه السلام عن ذلك ، فقال ~~: كان سبب نزولها وتكرارها ، أن قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، ~~فأجابهم الله بمثل ما قالوا ، فقال ، في ما قالوا : تعبد آلهتنا سنة : ( ~~@QUR@08 قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون ) وفي ما قالوا : نعبد ~~إلهك سنة : ( @QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد )، وفي ما قالوا : تعبد ~~آلهتنا سنة ( @QUR@05 ولا أنا عابد ما عبدتم ) وفي ما قالوا : نعبد إلهك ~~سنة : ( @QUR@09 ولا أنتم عابدون ما أعبد* لكم دينكم ولي دين ) (2). # * * * ### ||| ** العبادة لله الواحد الأحد # ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون ) بالله أو بوحدانيته ، من خلال المنهج ~~الذي تسيرون عليه ، والالتزام الذي تلتزمونه في حياتكم على خط العبادة في العقل PageV24P455 # والروح والشعور والحركة والموقف ، قل لهم ، إذا دعوك إلى عبادة آلهتهم ~~التي هي أحجار لا تضر ولا تنفع ، ولا تنطق ولا تسمع ، ولا تحس ولا تتحرك ، ~~مما لا معنى له في وعي الإنسان الذي يحترم عقله ، ويلتزم إنسانيته ، قل لهم ~~، إذا حاولوا أن يخدعوك بالتلويح لك بأنهم سيعبدون الله في مقابل عبادتك ~~للصنم ، قل لهم كلمة الرفض الحاسم الذي لا يوافق على التسويات في خط ~~العقيدة ، لأنهم لو آمنوا بالله لوحدوه في العبادة ، ولكنهم يريدون أن ~~يحصلوا من طروحاتهم عليك ، على شرعية أصنامهم ، ليسقطوا دعوتك من خلال ~~اعترافك بآلهتهم ولو بمقدار لحظة. فكيف تستطيع بعدها أن تهاجمها ، وترفضها ~~، وترجمها بالحجارة وتكسرها ، وتدعو الناس إلى أن يبتعدوا عنها ، إذا قدمت ~~لها فروض العبادة ، وحركات الخضوع في وقت معين مهما كان هذا الوقت؟ وبذلك ~~تلغي رسالتك القائمة على التوحيد الذي لا يعترف بالشرك بل جاء رفضا للشرك ~~كله. قل لهم : ( @QUR@03 يا أيها الكافرون ) الذين تكفرون بالله أو بتوحيده ~~، وتريدونني أن أصدق أنكم جادون في طرحكم أنكم تريدون عبادته ( @QUR@04 لا ~~أعبد ما تعبدون ) لأن الله قد أرسلني لأرفض الذي تعبدونه ، ولأدعو الناس ~~إلى أن يرفضوه ، فكيف تدعونني ms5582 إلى أن أعبده؟!. # ( @QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد ) لأن الذين عاشوا الوثنية في عقولهم ~~ومشاعرهم وحياتهم ، كيف يقتنعون بعبادة الله الواحد ، في الوقت الذي كانوا ~~فيه يتحركون ضد الرسول الذي جاء بالتوحيد في العقيدة وفي العبادة. # ( @QUR@05 ولا أنا عابد ما عبدتم ) وهذا تأكيد للرفض الأول بصيغة الجملة ~~الاسمية الدالة على ثبات الصفة واستمرارها. # ( @QUR@05 ولا أنتم عابدون ما أعبد ) لأنكم في موقفكم ضدي تمثلون الرفض ~~كله ، فكيف تريدونني أن أقبل منكم ذلك؟ # * * * PageV24P456 ### ||| ** ديني هو الإسلام لله ودينكم دين الشرك به # إن المسألة الحاسمة ، هي أن هناك عبادتين تختلفان في طبيعتهما وفي ~~منطلقاتهما ، وفي حركتهما في الواقع الإنساني ، وأن هناك دينين يختلفان في ~~قاعدتهما وفي شريعتهما وفي طريقة العبادة فيهما ، وفي مضمون الألوهية ~~عندهما ، وفي نظامهما الأخلاقي ، وقد أخذتم بدين الشرك وارتضيتموه عن قناعة ~~أو عن تقليد ، أو عن طمع واستكبار ، أما أنا ، فقد أخذت بدين التوحيد الذي ~~هو دين الإسلام من موقع القناعة اليقينية والإيمان الحاسم. ولتكن الكلمة ~~الأخيرة ، هي الكلمة الفاصلة التي تمنع اللقاء إلا على أساس وحدة الدين ~~والانتماء. # ( @QUR@04 لكم دينكم ولي دين ) فإذا كنتم لا تريدون الالتزام بديني ، ~~فابتعدوا عني ، لأني لن أترك ديني الذي أخلصت به لله في كل ما يريده ~~ويرضاه. وعلى المعنى الثاني ، وهو إرادة الجزاء من كلمة الدين ، فيكون ~~المراد ، لكم جزاؤكم على عبادتكم ، وهو النار ، ولي جزائي على عبادتي وهو الجنة. # * * * ### ||| ** السورة في خط المنهج # إن هذه السورة تمثل المنهج للمسلمين في مواجهة العروض التي تقدم إليهم في ~~ساحة الصراع من أجل إنهاء القطيعة ، وإيجاد قاعدة للصلح ، مما قد يتعارف ~~الناس على الوصول إليه ، بالتسويات العملية التي تعمل على أساس المناصفة ، ~~بأن يتنازل هذا الفريق عن بعض مواقعه والتزاماته لمصلحة الفريق الآخر الذي ~~يتنازل له عما لديه بالنسبة نفسها ، ليلتقيا في نصف الطريق لمطالبهما. ولعل ~~هذا ما قدمه هؤلاء المشركون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما جاء به PageV24P457 # أسباب النزول ، الذي أكد على أن يعبد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms5583 الأوثان ~~سنة ، ليعبد المشركون الله سنة ، ليتساويا في الاعتراف المتبادل في وقت خاص. # وقد يكون المطروح في عروض الصلح ، هو المطالبة بتجربة الموقف الذي يقف ~~فيه أحدهما من قبل الآخر ليعيش آفاقه ، وليدخل في تجربته ، فلعله يقتنع به ~~ليتخذ الموقف على أساس الفكرة الواحدة. # إن السورة تطرح الرفض لهذه الفروض من ناحية المبدأ ، لأن المسألة تتعلق ~~بالخط الأساسي للدين ، وهي مسألة عبادة الله التي تمثل خط التوحيد ومنهجه ~~في العقيدة والحياة ، في مقابل مسألة عبادة الأوثان التي تمثل خط الشرك ~~ومنهجه فيهما ، مما يعني التنازل عن أساس الالتزام العقيدي ، فإن الإسلام ~~قد جاء لمحاربة الوثنية بالعقيدة التوحيدية ، فكيف يمكن الاعتراف بها من ~~ناحية المبدأ في ما يعنيه ذلك من الابتعاد عن الجدية في الدعوة إلى وحدانية الله؟! # * * * ### ||| ** الواقعية في العمل الإسلامي # ولعلنا نستطيع التحرك بعيدا في هذا الموضوع ، في القضايا العامة ، من ~~سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ، لنميز في طروحات الوفاق في هذه ~~الأمور بين القضايا الكبرى المرتبطة بالخط المستقيم وبالمصير النهائي ، ~~وبين القضايا الصغرى المرتبطة بالخطوط التفصيلية المتحركة في دائرة الأوضاع ~~المتحركة والمراحل المتغيرة ، فلا نقدم التنازل عن القضايا الأولى ، إلا في ~~ما يتعلق بالأسلوب مما يدخل في دائرة المرونة العملية ، بينما ندرس بعض ~~التنازلات في القضايا الأخرى ، في ما لا يمس الجوهر. وتلك هي دائرة ~~الواقعية التي يمكن أن يتحرك فيها الإسلاميون ، أمام الطروحات التي تقدم PageV24P458 # إليهم لإنهاء النزاع ، أو لإيجاد موقف مشترك مع الآخرين في بعض المراحل ~~السياسية في ما يطلب فيه تجميد الصراع في وقت معين مع بعض الجهات ، أو ~~إيجاد حالة من الوفاق السياسي أمام بعض الشعارات أو ما إلى ذلك ، مما قد ~~يفيد الحركة الإسلامية في مواقعها السياسية أو الجهادية ولا يضر مرتكزاتها ~~ومسلماتها الأساسية. # ولعل من الضروري للإسلاميين أن يدققوا في الساحة التي يمكن لهم أن يقدموا ~~فيها التنازلات للآخرين في القضايا الصغيرة التفصيلية ، فقد لا يكون الظرف ~~ملائما لذلك ، لأن الانعكاس الذي يتركه على القاعدة الشعبية قد يكون سلبيا ~~، مما يمكن أن يؤدي ms5584 إلى إضعاف المعنويات السياسية من دون ثمن كبير يحصلون ~~عليه في مقابل ذلك. وقد تكون بعض المواقع في دائرة المكان غير ملائمة لذلك ~~، بينما تكون المواقع في دائرة أخرى وفي أمكنة أخرى ملائمة جدا. # إن ما نريد التأكيد عليه هو أن تكون الحسابات دقيقة بحيث لا تخضع للحالات ~~العاطفية أو الانفعالية ، حتى لا يكون الخطأ كبيرا أو مميتا في نتائجه ~~السلبية. # وعلى ضوء ذلك ، فإن على العاملين في حقل التربية الإسلامية ، أو الدعوة ~~الإسلامية ، أن يضعوا هذه السورة في البرامج التربوية التي يدرسها الجيل ~~المسلم ، ليحفظوها وليفهموها وليلتزموا مضمونها الحي في أفكارهم وأخلاقهم ، ~~لتكون التنشئة التربوية مرتكزة على قاعدة الإصرار على الالتزام بالخط ~~المستقيم وعدم الانحراف عنه لقاء أي عرض للتنازل من أية جهة كانت ، ولتكون ~~الدعوة الإسلامية متحركة في خط الثوابت العقيدية والمصيرية بكل استقامة وثبات. # * * * PageV24P459 ### | سورة النصر ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ثلاث PageV24P461 ### ||| ** في أجواء السورة # إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين معه والناس كافة ، كانوا ينتظرون ~~نهاية الصراع بين الإسلام والشرك. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمسلمون معه ، يترقبون المستقبل بانفتاح على النصر من الله لدينه ، على ~~أساس الوعد الإلهي ، وكان العرب يترقبون فتح مكة من حيث طبيعة التقدم ~~البارز للقوة الإسلامية في ما تحققه من انتصارات متعددة على قريش ، مما ~~يوحي بأن النتيجة ستكون لمصلحتها في نهاية المطاف. وكان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يتابع التخطيط للفتح الكبير بكثير من الوسائل الخفية ~~والظاهرة التي يحركها في هذا الاتجاه ، بانتظار الموعد الأخير واللحظة ~~المناسبة ، وكان المسلمون يتلهفون للوصول إلى هذه النهاية. # وكان العرب الذين يرغبون في الدخول في دين الله ، ينتظرون ميزان القوة ~~كيف يتحرك ، لأن القوة كانت هي الأساس في ما يأخذون به ، وفي ما يدعونه من ~~مواقف. وجاءت هذه السورة ، لتقرب الوعد ، ولتوحي بأنه قريب ، من خلال ~~التعبير بكلمة «نصر الله» التي لا تتخلف ، ومن خلال الحديث عن الناس الذين ~~يدخلون في دين الله أفواجا ، ومن خلال التوجيه الإلهي للنبي ~~صلى الله عليه ms5585 وآله وسلم بما ينبغي له أن يفعله من التسبيح والاستغفار ، ليعيش ~~النبي والمسلمون الروحية المنفتحة على المستقبل من أوسع الآفاق وأصفاها. # وقد يستطيع العاملون في سبيل الله استيحاء مضمونها في مسيرتهم PageV24P463 # الطويلة نحو الهدف الكبير ، وهو دخول الناس في الإسلام ، وحركتهم في خطه ~~، والتفافهم حول شعاراته وفتح الأبواب المغلقة عنه ، ليبقى الأمل حيا في ~~قلوبهم ، ولتستمر القوة في مواقفهم ، والثبات في مواقعهم ، حتى تأتي ساعة ~~نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا ، وانطلاق حركتهم في ساحة ~~المسؤولية في أجواء الصراع. # * * * PageV24P464 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح (1) @QUR@07 ورأيت الناس يدخلون في ~~دين الله أفواجا (2) @QUR@07 فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) (3) # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # جاء في أسباب النزول عن عائشة في ما رواه الإمام أحمد قالت : كان ~~رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر في آخر أمره من قوله : «سبحان الله ~~وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وقال: «إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة ~~في أمتي ، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا ، فقد ~~رأيتها ( @QUR@019 إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) (1). # وقال ابن كثير في التفسير : والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدا ، PageV24P465 # فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة ، يقولون : إن ظهر على قومه ~~فهو نبي ، فلما فتح الله عليه مكة ، دخلوا في دين الله أفواجا ، فلم تمض ~~سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا ، ولم يبق في سائر العرب إلا مظهر ~~للإسلام ولله الحمد والمنة» (1). # وجاء في ما روي في مجمع البيان ، عن مقاتل : «لما نزلت هذه السورة قرأها ~~صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه ، ففرحوا واستبشروا ، وسمعها العباس فبكى ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما يبكيك يا عم؟ قال : أظن أنه قد ~~نعيت إليك نفسك يا رسول الله ، فقال : إنه لكما تقول ، فعاش بعدها سنتين ما ~~رئي فيهما ضاحكا مستبشرا (2). # * * * ### ||| ** الله وعد نبيه ms5586 والمؤمنين بالنصر # ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح ) وذلك هو وعد الله الذي وعد به رسوله ~~، ووعد به المؤمنين الذين ينصرونه بنصرة دينه ، بأن يفتح لهم الفتح الكبير ~~في مكة ، كما حقق لهم بعض الفتوحات الصغيرة في بعض الوقائع في الحروب التي ~~خاضها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل الفتح. والتعبير بنصر الله يحمل بعض ~~الإيحاءات الروحية العقيدية ، بأن العمق الذي يحمله النصر بكل أسبابه ~~العادية ، لم يكن ليتحقق لو لا إرادة الله ومشيئته وتوفيقه ، وما أعطى ~~المؤمنين فيه من قوة العزم ، وشدة التحدي ، وثبات الخطى على الموقف ، ~~ليزدادوا بذلك اتكالا على الله ، واعتمادا عليه ، وثقة به ، وأملا برحمته ~~ونصره ، فلا PageV24P466 # يضلوا ، ولا يضعفوا ، ولا يسقطوا أمام التهاويل المرعبة التي يثيرها ~~أمامهم أعداء الله وأعداء رسوله ، لأن الله هو الذي يؤيدهم بنصره ، ويثبتهم بقوته. # ( @QUR@07 ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ) لأن الناس كانوا ~~يقفون أمام الحاجز الكبير الذي وضعته قريش أمامهم ، لتمنعهم من الاندفاع ~~نحو الإسلام ونحو الرسول بفعل القوة الغاشمة التي تملكها على الصعيد ~~الاقتصادي والعسكري والسياسي ، في ما تملكه من موقع مميز لدى القبائل. وكان ~~الناس يترقبون النتائج النهائية للصراع الدائر بين المسلمين وقريش ، ~~ليحددوا موقفهم ، وكانوا يأملون أن تكون النتيجة لمصلحة المسلمين ، فلما ~~كان فتح مكة وتحقق الوعد الإلهي ، وتحطم الحاجز النفسي والمادي الذي كان ~~يحول بينهم وبين الدخول في الإسلام ، دخلوا في دين الله أفواجا ، وتحول ~~الواقع إلى موج هادر يكتسح أمامه كل شيء. # * * * ### ||| ** كيف يعبر المسلمون عن فرحهم بالنصر؟ # ( @QUR@07 فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) وهذا هو الجو الذي ~~أراد الله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستقبل به النصر والفتح ~~والاندفاع الجماهيري للأمة نحو الإسلام. فليست هناك احتفالات للنصر ، ولا ~~هتافات للفاتحين ، ولا استعراض للقوى المسلحة ، ولا استعلاء للقيادة ، لأن ~~النصر هو نصر الله الذي رحم به عباده المسلمين ، فلا بد للنبي والمسلمين ~~معه من أن يواجهوا الموقف بالتسبيح لله تعالى ، والتحميد ، للانفتاح على ~~مواقع عظمته في انطلاقات رحمته وفيوضات ms5587 نعمته ، لأن ذلك يؤكد في نفوسهم ~~معنى الخشوع لله ، والإحساس بعبوديتهم له ، وبهيمنته على الوجود كله ، ~~ليبقى هذا التواصل الروحي بين العباد وربهم حتى لا يشعروا بالاستقلال عنه ، ~~الذي قد يوحي به الشيطان عند ما PageV24P467 # يدفعهم إلى الاستغراق في أوضاعهم الذاتية بعيدا عن الله ، فيخيل إليهم أن ~~ما حصلوا عليه كان بجهد ذاتي ، لا بتوفيق إلهي ، فيستكبرون عن عبادة الله ، ~~وينحرفون عن الصراط المستقيم. # وهذا هو المنهج الروحي الأخلاقي الذي يريد الله من الإنسان المؤمن أن ~~يلتزمه في حركته العملية ، فيكون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير سبيله ~~إلى تعميق إحساسه بالصلة الوثيقة التي تربطه ، كما تربط الكون كله ، بالله. # وذكر بعض المفسرين في وجه مناسبة الأمر بالتسبيح والحمد للموضوع فقال : ~~«لما كان هذا النصر والفتح إذلالا منه تعالى للشرك وإعزازا للتوحيد ، ~~وبعبارة أخرى ، إبطالا للباطل وإحقاقا للحق ، ناسب من الجهة الأولى تنزيهه ~~تعالى وتسبيحه ، وناسب من الجهة الثانية التي هي نعمة الثناء عليه تعالى ~~وحمده ، فلذلك أمره بقوله : ( @QUR@03 فسبح بحمد ربك ) (1). # * * * ### ||| ** كيف نفهم توجيه الخطاب بالاستغفار إلى النبي المعصوم؟ # وأما الاستغفار ، فقد يكون التفاتا إلى كل التاريخ الذي عاش فيه المسلمون ~~في حركة الصراع ، مما قد يكونون قد أخطئوا فيه ، أو أذنبوا في تجاوز بعض ~~حدود الله ، ليقف الجميع بين يدي الله في موقف الفتح والنصر وانفتاح الواقع ~~على الإسلام كله ، ليستغفروه من ذنوبهم الماضية ، ليتوب عليهم ، امتنانا ~~منه ورحمة على أساس جهدهم الذي قدموه في سبيل الله في PageV24P468 # نتيجته الكبيرة بفتح مكة. # وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقم بذنب في كل مسيرته على أساس ~~عصمته وكماله ، فقد يكون الخطاب له ، من خلال أنه قائد المسلمين ، في ما ~~تمثله القيادة من عنوان القاعدة ، فيخاطبهم الله باسمه ، لأنه يتحمل ~~مسئوليتهم في العنوان العام. وقد يكون الأمر بالاستغفار الذي هو سبب للتوبة ~~، من خلال ما يمثله من حالة العبودية المنسحقة الخاضعة لله ، التي تعيش ~~هاجس الخوف من تهاويل الذنب من خلال النقص الذاتي ، حتى لو لم يكن هناك ذنب ms5588 ~~، وتتطلب التوبة الإلهية باعتبار أنها مظهر المحبة التي يمنحها الله ~~للتوابين ، فهي تنطلق من موقع إيحاء المعنى ، لا من خلال حرفيته ، والله ~~العالم. # وقد نحتاج إلى إبداء ملاحظة حول الروايات التي استوحى منها بعض الصحابة ~~من السورة ، أن الله ينعى للنبي نفسه ، فقد لا نجد فيها هذا الظهور ، ولكن ~~ربما كان هناك بعض الإيحاء الذي يجتذب الإحساس ، باعتبار أن ذلك دليل على ~~استكمال مهمته ، في شمول الإسلام للمنطقة كلها ، وفي كلمات التسبيح والحمد ~~والاستغفار التي قد توحي بأنها الكلمات التي يحتاج الإنسان إليها ليقابل ~~وجه ربه ، والله العالم. # * * * PageV24P469 ### | سورة المسد ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس PageV24P471 ### ||| ** في أجواء السورة # في هذه السورة المكية أسلوب مميز لقضية مثيرة ، فقد كان أبو لهب بن عبد ~~المطلب ، «واسمه عبد العزى» ، عم النبي ، وقيل إن هذه الكنية كانت من أجل ~~إشراق وجهه ، وكانت امرأته أم جميل بنت صخر ، وكان هذا الرجل وامرأته عدوين ~~لدودين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبالرغم من القرابة القريبة التي تربطه ~~بهما ، وكان من مظاهر عداوته ما رواه ابن إسحاق ، قال : «حدثني حسين بن عبد ~~الله بن عبيد الله بن عباس قال : سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول : إني لمع ~~أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبع القبائل ، ووراءه ~~رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة ، يقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~القبيلة فيقول : «يا بني فلان ، إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا ، وأن تصدقوني وتمنعوني ، حتى أنفذ عن الله ما بعثني ~~به» ، وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه : يا بني فلان ، هذا يريد منكم ~~أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقمس إلى ما جاء ~~به من البدعة والضلالة ، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي : من هذا؟ ~~قال : عمه أبو لهب (1). # وقيل : إن أبا لهب خالف عشيرته بني هاشم ، عند ما اجتمعوا على حماية PageV24P473 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms5589 وانضم إلى قريش ، وكان معهم في الصحيفة التي ~~كتبوها بمقاطعة بني هاشم وتجويعهم كي يسلموا لهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم . # والواقع أننا لا نملك تفسيرا لذلك في هذه العقدة المستحكمة في هذا الرجل ~~، لأننا لا نستطيع إرجاعها إلى شركة العقيدي والعبادي ، لأن بني هاشم لم ~~يكونوا قد دخلوا في الإسلام جميعا في بداية الدعوة ، بل كانت لهم عاطفة ~~الرحم ، وعصبية العشيرة ، وإن لم تكن لهم روحية الإسلام. فهل تكون امرأته ~~معقدة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفعل بعض الحساسيات والتعقيدات المرضية ~~من خلال قرابتها لأبي سفيان ، لأنها أخته ، فكان لها تأثير كبير عليه ، كما ~~يحدث لبعض الرجال الذين يخضعون عاطفيا لزوجاتهم اللاتي قد يعشن العقدة ضد ~~بعض أهاليهم ، فيعقدون الرجال منهم؟ وهل يكون لوضعه المالي المميز الذي ~~يوحي به القرآن في قوله تعالى : ( @QUR@06 ما أغنى عنه ماله وما كسب ) دخل ~~في هذا الموقف ، باعتبار إخلاصه لموقعه الطبقي الذي يضم كل أصحاب الأموال ~~المترفين الذين كانوا في طليعة المعادين للرسالة وللرسول في كل مواقفهم ~~العدوانية؟ # ربما كان الأساس هو صفته المالية التي تغلبت على صفته العائلية ، فجمدت ~~عاطفته خوفا على امتيازاته ومصالحه من هذا النبي الذي لا يملك مالا أو ~~موقعا مميزا في المجتمع ، فهو يتيم فقير يعيش في كفالة أبي طالب ، فكيف ~~يجرأ على أن يتحدى المجتمع الغني ، وكيف يتحدى موقع عمه الذي سوف يواجه ~~الحرج من أفراد طبقته التي تحمله مسئولية الأضرار التي تنالها من خلال ~~رسالته ومن خلال جماعته من هؤلاء الفقراء الذين تجمعوا حوله ليواجهوا علية ~~القوم من السادة الكبراء. # وقد تكون زوجته متأثرة به في هذا السلوك العدائي بالإضافة إلى قرابتها ، ~~باعتبار أنها من أفراد هذه الطبقة الغنية من خلال موقع زوجها الغني ، PageV24P474 # بالإضافة إلى عقدتها الذاتية. # * * * ### ||| ** من وحي السورة # وقد نجد في هذه السورة تأكيدا للقيمة الإسلامية الرافضة للقرابة إذا كانت ~~منفصلة عن الانتماء الإسلامي حتى لو كانت متصلة بالنبي بأوثق الصلات ، فإن ~~أبا لهب الكافر المشرك لم يحصل من قرابته ms5590 للنبي على أي امتياز ، بعد أن كان ~~عدوا لله ورسوله ، بل كانت المسألة ضد الامتياز ، فقد ذكره القرآن بالذم ~~والتحقير ، ولم يذكر أحدا من المشركين غيره ، تأكيدا للرفض الإسلامي له ~~بالمستوى الذي يفوق رفضه للآخرين من المشركين ، لأن النسب قد أضاف إلى ~~جريمته جريمة باعتباره الأعرف بالرسول فكيف يتنكر له ولرسالته. # * * * PageV24P475 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب (1) @QUR@06 ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) ~~@QUR@04 سيصلى نارا ذات لهب (3) @QUR@03 وامرأته حمالة الحطب (4) @QUR@05 ~~في جيدها حبل من مسد ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب ): التب والتباب ، الهلاك والخسران. # ( @QUR@01 مسد ): حبل مفتول من ليف. # * * * ### ||| ** مناسبة النزول # وقد ذكر البخاري كما جاء في المجمع عن ابن عباس قال : صعد رسول PageV24P476 # الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم الصفا فقال : يا صباحاه ، فأقبلت إليه ~~قريش فقالوا له : ما لك ، فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ~~ممسيكم ، أما كنتم تصدقوني؟ قالوا : بلى ، قال : فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبا لك ، لهذا دعوتنا جميعا ، فأنزل الله هذه ~~السورة (1). # * * * ### ||| ** الخسارة الكبرى # ( @QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب ) كناية عن خلو يديه اللتين هما بدورهما ~~كناية عن كل ما يجلبه الإنسان لنفسه من خير من كل ما يحقق له الربح والنجاة ~~والنجاح ، لأن الله قد جرده من كل ذلك من جهة كفره وعناده وغلوه في عداوته ~~للرسول وللرسالة ، مما جعل يديه خاسرتين في النتائج الطيبة في الحياة ، كما ~~جعله خاسرا من سلامة مصيره في الآخرة. # ( @QUR@06 ما أغنى عنه ماله وما كسب ) لأن المال قد يمثل حاجة يستعين بها ~~الإنسان على تدبير الأمور المادية في حياته ، ولكنه لا يتحقق له النجاح على ~~المستوى الروحي والمعنوي والمصيري عند الله عند ما يقف الناس ليواجهوا ~~النتائج السلبية في أعمالهم. وهذا هو التأكيد المستمر في المفهوم الإسلامي ~~في رفض المال كقيمة مميزة تنقذ الإنسان من النتائج الوخيمة التي تصيبه في ~~الحياة ، لأن المال ليس جزءا من شخصيته ، لترتفع قيمتها بكثرته ، أو لتنخفض ms5591 ~~بقلته ، بل هو شيء خارج عن ذاته مضاف إليه بالاحتواء الشخصي أو بالإضافة ~~القانونية ، بل القيمة ، كل القيمة ، في ما يحسنه الإنسان ويعمله .. # ( @QUR@04 سيصلى نارا ذات لهب ) يحترق به في ما يوحي به اسمه من علاقته ~~باللهب في مصيره وما يقتضيه عمله من مصيره اللاهب في نار جهنم ، جزاء له PageV24P477 # على كفره وشركه. # ( @QUR@03 وامرأته حمالة الحطب ) المليء بالشوك الذي كانت تطرحه في طريق ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما روي في سيرتها ، أو الحطب الذي تحترق به ~~على سبيل الكناية مما تحمله على ظهرها من الأعمال السيئة الإجرامية في ~~عدوانها على النبي التي تؤدي بها إلى النار. # ( @QUR@05 في جيدها حبل من مسد ) وهو الحبل المفتول من الليف ، الذي كانت ~~تشد به على الحطب لتربطه به ، فسيتحول إلى حبل يشتد على عنقها ليخنق ~~أنفاسها في نار جهنم. # وتلك هي قصة القريب العزيز الغني ذي النسب الهاشمي العريق ، وقصة المرأة ~~المعجبة بنفسها المدلة بحسبها ونسبها ، في النهايات الذليلة الحقيرة التي ~~يتحولان معها إلى حطب يحترق ، وإلى كمية مهملة تتبخر مع الرماد. # * * * PageV24P478 ### | سورة الإخلاص ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها أربع PageV24P479 ### ||| ** في أجواء السورة # هذه السورة ، يحتمل أنها مكية أو مدنية ، وإن كان المعروف بحسب روايات ~~أسباب النزول أنها مكية. # وتذكر الأحاديث على أنها «تعدل ثلث القرآن» ، وقد يكون الشاهد على ذلك ، ~~أن هذه السورة تختصر كل الحديث القرآني عن الله وعن علاقة الخلق به. فقد ~~تنوع الحديث القرآني عن توحيد الله ، وعن أحديته ، من خلال الحقائق الكونية ~~التي تدل على وحدانيته ونفي الشركاء عنه ، ومن خلال الحقائق العقلية التي ~~تفرض استحالة الشريك. وقد انطلق الحديث القرآني ليؤكد على حاجة الخلق إليه ~~واستغنائه عنهم ، وعن أزليته التي تنفي كونه مولودا ، كما تنفي كونه موضعا ~~للتغير والتحول لينبثق الولد منه ، وليركز الفكرة الأحدية التي ترفض وجود ~~المماثل له في طبيعة الوجود ، وفي القدرة والفاعلية وفي الصفات كلها. وذلك ~~هو معنى السورة في آياتها القصيرة. # وقد نلاحظ في هذه السورة القصيرة ، بساطة العقيدة الإسلامية في تصورها ~~لله ms5592 ، فليست هناك تعقيدات فلسفية ، وتحليلات فكرية معقدة تتحرك في متاهات ~~الاحتمالات والتأملات ، بل هي ، في بساطتها الصافية ، لا تبتعد عن العمق ، ~~ولا تقترب من السذاجة ، لأنها تنطلق من خلال الوجدان الذي PageV24P481 # يمكن أن يحتويها بفطرته ، كما يمكن له أن ينطلق في رحابها بامتداده ، ~~ويعيش إيحاءاتها بعمقه ، ولهذا أمكن للإنسان البسيط أن يفهمها من دون ~~الدخول في التفاصيل المعقدة ، كما أمكن للمفكر أن يؤمن بها من دون أن يبتعد ~~عن تفكيره العميق. وهذا هو السر في انفتاح الناس كلهم على الإسلام من خلال ~~الفطرة الصافية التي تؤكد أنه «دين الفطرة» التي فطر الله الناس عليها. # * * * PageV24P482 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 قل هو الله أحد (1) @QUR@02 الله الصمد (2) @QUR@04 لم يلد ولم ~~يولد (3) @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) (4) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الصمد ): السيد المعظم الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد. # ( @QUR@01 كفوا ): الكفو : المثل والنظير. # * * * ### ||| ** أحدية الله وصمديته # ( @QUR@04 قل هو الله أحد ) قل لكل هؤلاء الذين قد يريدون التفلسف في ~~السؤال عن الله من هو ، لأنهم يريدون أن يتصوروه بصورة مادية تتحدث عن PageV24P483 # ملامحه في شكله تبعا لما هو المألوف عندهم من صفات المخلوقات في تفاصيل ~~الجسد ونحوه. قل لهم : هو الله ، المتفرد في كل صفاته ، الأحد في ذاته ، ~~العالي عن كل ما يتصل بالمادة من صلة ، فلا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به ~~العقول ، ولا تقترب منه عناصر التركيب والتجزئة. # وقد قيل : «إن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا ~~، ولذلك لا يقبل العد ولا يدخل في العدد ، بخلاف الواحد ، فإن كل واحد له ~~ثان وثالث إما خارجا وإما ذهنا ، بتوهم أو بفرض العقل ، فيصير بانضمامه ~~كثيرا ، وأما الأحد ، فكلما فرض له ثان كان هو هو لم يزد عليه شيء. # واعتبر ذلك في قولك : ما جاءني من القوم أحد ، فإنك تنفي به مجيء اثنين ~~منهم أو أكثر ، كما تنفي مجيء واحد منهم ، بخلاف ما لو قلت : ما جاءني واحد ~~منهم فإنك إنما تنفي به مجيء واحد منهم بالعدد ولا ينافيه ms5593 مجيء اثنين منهم ~~، أو أكثر ، ولإفادته هذا المعنى لا يستعمل في الإيجاب مطلقا إلا فيه ~~تعالى» (1). # وعلى ضوء ذلك ، فإن الله يريد من الخلق أن يعرفوه بأحديته التي تجمع كل ~~صفاته المطلقة التي لا حد لها ، فلا يبلغ شأوها أو يحيط بامتدادها أحد ، ~~بعيدا عن كل تعمق في الذات ، لأن الإنسان كلما تعمق أكثر كلما غرق في بحار ~~الظنون ، لأن الفكر لا يصل إليه في سره الغامض الخفي. # ( @QUR@02 الله الصمد ) أي السيد المقصود في كل الحوائج ، الذي يحتاج ~~الخلق كلهم إليه في كل أمورهم ، فيقصدونه بها ، ولا يقصدون غيره فيها إلا ~~من حيث إنه أداة من أدواته ، ووسيلة من وسائله ، لأنه الخالق لهم ولما ~~يحتاجون إليه ، والمدبر لهم ولما يتطلبونه منه ، ولأنه المهيمن على الأمر كله PageV24P484 # وعلى الوجود كله ، فكل وجود هو ظل لوجوده ، ومظهر لقدرته ، الأمر الذي ~~يجعل قلوب الناس متوجهة إليه ، وحياتهم خاضعة له ، فإذا طافت بهم الأوهام ~~التي استغرقوا فيها ، في ما قد تخدعهم به مظاهر المادة ، فقصدوا غيره ، ~~فإنهم يصطدمون بالعجز الكبير في قدرته ، لأن قدرته مستمدة من قدرة الله في ~~ما أقدره عليه ، بينما يجد القاصدون إلى الله كل شيء مما يرغبونه أو ~~يتطلعون إليه. # * * * ### ||| ** الخالق المتفرد # ( @QUR@04 لم يلد ولم يولد ) فهو الأزلي الذي لم يسبقه العدم ، ولم يسبقه ~~وجود آخر ، لأنك كلما تصورت شيئا قبله ، فإنك تفقد الصدق في معنى الله في ~~التصور ، بل هو من نوع المخلوق ، وهو الغني في ذاته ، العلي عن التجزئة ، ~~فلا يشتق منه شيء ليكون ولدا له ، ولا يمكن أن ينسب إليه شيء من ذلك بأي ~~معنى من المعاني ، لأنه الخالق لكل شيء غيره ، فكيف يكون له ابن؟! وهذا هو ~~الأساس في العقيدة الإسلامية في التصور لله في نفي الوالد والمولود عنه. # ( @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) فهو الأحد المتفرد بكل شيء ، في ذاته ~~وفي صفاته ، فلا يماثله أحد في طبيعته الإلهية ، بل لم يقل به أحد من ~~المليين ، لأن كل من قال بالشرك ، فقد قال به في التدبير ms5594 ، باعتبار أن هناك ~~من مخلوقاته من يملك التصرف في أمور الكون ، أو في أمور الناس ، في ما منحه ~~الله من ذلك ، أو في ما يختزن من سر يؤدي إلى ذلك. ولكن هذا منفي عن الله ~~لأحد ، فليس هناك مماثل له في الإيجاد ولا في التدبير ، فهو وحده الخالق ~~وهو وحده المدبر ، ولم يجعل لأي شخص من خلقه ذلك ، فيفوض إليه الأمر ، إلا في PageV24P485 # بعض القضايا الجزئية في الحالات الطارئة ، أو في حركة الأسباب والمسببات ~~، مما يجعل لبعض الموجودات تأثيرا ببعضها الآخر من خلال إرادة الله ~~المهيمنة على الأمر كله. # * * * PageV24P486 ### | سورة الفلق ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها خمس PageV24P487 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مميزة في إيحاءاتها النفسية التي يعيش المؤمن معها ، عند ما ~~يجد في حياته ، في مدى التصور أو في مدى الواقع ، بعض المخاوف والتهاويل ~~التي تزرع في نفسه القلق والحيرة ، فيشعر بالحاجة إلى من يستعين به على دفع ~~ذلك ، وإلى من يستجير به من شر ذلك ، ولا سيما إذا كان الشيء خارجا عن ~~قدرته أو عن قدرة البشر ، فكانت هذه السورة مع سورة الناس ، فقد أراد الله ~~من الإنسان المؤمن أن يقرأهما ويستوحيهما في الاستعاذة بالله من كل ما ~~يخافه حتى سميتا ب «المعوذتين» .. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوذ ~~بهما الحسن والحسين عليهما السلام ويتعوذ بهما. # وقد جاء في الدر المنثور عن ابن عباس وابن مسعود ، «أنه كان يحك ~~المعوذتين من المصحف ويقول : لا تخلطوا القرآن بما ليس منه ، إنهما ليستا ~~من كتاب الله ، إنما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتعوذ بهما. وكان ~~ابن مسعود لا يقرأ بهما» (1). # ثم قال السيوطي : «قال البزار : ولم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة ، ~~وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في ~~المصحف (2). PageV24P489 # وفي تفسير القمي بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال : «قلت لأبي جعفر «محمد ~~الباقر عليه السلام » : إن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف. فقال : ~~كان أبي يقول ms5595 : إنما فعل ذلك ابن مسعود برأيه ، وهما من القرآن» (1). # وجاء في تفسير الميزان : «وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق الفريقين ، ~~على أن هناك تواترا قطعيا من عامة المنتحلين بالإسلام على كونهما من القرآن ~~، وقد استشكل بعض المنكرين لإعجاز القرآن أنه لو كان معجزا في بلاغته ، لم ~~يختلف في كون السورتين من القرآن مثل ابن مسعود. وأجيب بأن التواتر القطعي ~~كاف في ذلك ، على أنه لم ينقل عنه أحد أنه قال بعدم نزولهما على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، أو قال بعدم كونهما معجزتين في بلاغتهما ، بل قال ~~بعدم كونهما جزءا من القرآن ، وهو محجوج بالتواتر» (2). # وتنطلق هذه السورة لتعلم الإنسان أن يستعيذ برب الفلق الذي يفلق الظلام ~~بقدرته ليخرج النور من قلبه ، من شر كل المخلوقات التي يمكن أن تعرض له ~~بسوء ، ومن شر الليل الذي يطبق على الكون فيما يختزنه من مخاوف وأخطار ، ~~ومن شر الساحرات اللاتي يخدعن الناس ، من النفاثات في العقد في ما يعملن ~~على حله وربطه من العلاقات بين الناس بغير حق ، ومن شر الحاسد الذي يبغي ~~على الناس من خلال حسده الذي يمثل عقدة مستحكمة في النفس بحيث تتحرك من ~~موقع الروح الضيقة المختنقة. وهكذا تعمل السورة على أن تقول للإنسان أن لا ~~يخشى الشر من كل ما حوله ومن حوله ، لأن الله الذي يستجير به هو رب الكون ~~كله وهو المهيمن على كل مخلوق فيه ، فلا يملك أن يسيء إلى الناس إذا لم يرد ~~الله ذلك. # * * * PageV24P490 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الآيات # ( @QUR@04 قل أعوذ برب الفلق (1) @QUR@04 من شر ما خلق (2) @QUR@05 ومن ~~شر غاسق إذا وقب (3) @QUR@05 ومن شر النفاثات في العقد (4) @QUR@05 ومن شر ~~حاسد إذا حسد ) (5) # * * * ### ||| ** معاني المفردات # ( @QUR@01 الفلق ): هو الشق والفرق ، والغالب في استعماله إطلاقه على ~~الصبح ، لأنه يفلق الظلام ويشقه. # ( @QUR@01 غاسق ): الغاسق : هو الليل إذا غاب الشفق وامتد في الظلام. # ( @QUR@01 وقب ): دخل. # ( @QUR@01 النفاثات ): النفث : شبيه بالنفخ. # ( @QUR@01 حاسد ): الحاسد : الذي يتمنى زوال النعمة من صاحبها ، وإن لم ~~يردها لنفسه. # * * * PageV24P491 ### ||| ** مفهوم الاستعاذة برب الفلق ms5596 # ( @QUR@04 قل أعوذ برب الفلق ) أي الصباح الذي يفلق الظلام ويشقه ، فينفذ ~~إلى داخله ليخترق الحاجز الذي يحجز الكون عن النور في تخييل الصورة ~~الظاهرة. وفي هذا المعنى تنطلق الاستعاذة من وحي القدرة الإلهية التي تفلق ~~الظلام لتحول الكون إلى النور ، وبذلك تفلق كل مواقع الشر لتحول الإنسان ~~إلى مواقع الخير في ما يثيره في النفس من الانفتاح ، كما يحدث للنور أن ~~يثير الانفتاح في الكون. وقيل : إن المراد بالفلق هو كل ما يفطر عنه بالخلق ~~والإيجاد ، لأن الإيجاد يمثل لونا من ألوان شق العدم ، فكأن الموجود كامن ~~فيه ، فينطلق الإيجاد ليخرجه منه. وقيل : هو جب في جهنم ، وهو خلاف الظاهر. # ( @QUR@04 من شر ما خلق ) من المخلوقات المتحركة في الكون من الإنس والجن ~~والحيوان وغيرهم ، مما يمكن أن يحدث للإنسان شرا في بدنه وماله وعرضه وأهله ~~، في ما يخافه الإنسان من ذلك ، فيعقد له نفسه من حيث ما يثيره تصور ذلك من ~~مخاوف ، أو يطلقه من تهاويل ، فيمنعه عن الانطلاق في الحركة في خط ~~المسؤولية ، لأن الخوف والقلق من العوامل المؤثرة سلبا في عمق تصور الكائن ~~الإنساني وحركته ، لأنهما قد يتحولان إلى ما يشبه حالة الشلل عن التفكير ~~الذي قد يتجمد ، وعن العمل الذي قد يبتعد عن التركيز والثبات. # ( @QUR@05 ومن شر غاسق إذا وقب ) والمعنى هو الاستعاذة بالله من شر الليل ~~الذي يدخل الكون بظلامه ويطبق عليه ، وذلك لأن طبيعة الظلام تترك لكل الذين ~~يريدون أن يقوموا بالشر في حياة الناس الحرية في حركتهم ، فيملكون بذلك ~~الفرص الكثيرة التي تعينهم على القيام بالأعمال العدوانية على الناس ، كما ~~يضعف إمكانات الدفاع والمقاومة لدى الشخص المعتدى عليه. وبذلك يتحول الليل ~~إلى عنصر كوني من عناصر إثارة الخوف في نفس الإنسان ، فيفقد PageV24P492 # الإحساس بالأمن ، ويتحول إلى مشاعر خائفة مذعورة من كل شبح يتخيله أو يمر ~~أمامه من بعيد ، ومن كل زاوية يمكن أن يكمن فيها عدو ، ومن كل طريق يمكن أن ~~يختفي فيها قاطع طريق ، ومن كل القتلة الذين قد يجعلون من الليل ستارا ms5597 ~~لتنفيذ مخططاتهم. وهكذا ينطلق الإيمان برب الفلق القادر القاهر فوق عباده ، ~~ليزرع الشعور بالحماية والأمن في نفس الإنسان من كل ذلك. # ( @QUR@05 ومن شر النفاثات في العقد ) أي النساء الساحرات اللاتي يسحرن ~~بالعقد على المسحور في ما يربطنه من خيوط ونحوها ، وينفخن في العقد لتأكيد السحر. # * * * ### ||| ** هل النفث في العقد يمثل حقيقة تأثيرية في الإنسان؟ # ولكن هل هذه الآية تدل على أن النفث في العقد الذي يعتبر مظهرا من مظاهر ~~السحر في ما يقولون يمثل حقيقة تأثيرية في الإنسان الآخر بحيث تنتج الشر ~~الذي يستعيذ الإنسان منه بالله ، أم أنها تمثل حالة تخييلية تترك تأثيراتها ~~في المشاعر بطريقة الإيحاء الذاتي أو بما يشبه ذلك؟. # ربما يرى بعض المفسرين أن للسحر في هذا النوع من الأفعال حقيقة ، وذلك في ~~حديث الله عن الملكين هاروت وماروت اللذين كانا يعلمان الناس السحر : ( ~~@QUR@08 فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) [البقرة : 102] ، ~~وذلك بالوسائل التي قد يحدثون من خلالها العداوة والبغضاء بين الزوجين ، ~~لأن ذلك هو المعنى الذي توحي به الآية. ولكننا نلاحظ أن الله يعقب هذه ~~الفقرة من الآية بقوله : ( @QUR@09 وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~) [البقرة : 102] مما قد يدل على أن التأثير السلبي ليس حاسما بحيث يكون ~~نتيجة للأفعال أو الكتابات أو نحو ذلك ، بل ربما يقارن ذلك بعض الأمور التي PageV24P493 # تتحرك في الواقع بإرادة الله. وقد يكون هذا الضرر من خلال بعض النتائج ~~النفسية الشعورية لما يحيط بالموضوع. # وقد يرى آخرون أن هذه الأمور قد تكون من ألاعيب الشعوذة ، في ما يلعب به ~~الكثيرون من النساء والرجال على البسطاء من الناس من الأشخاص المثقلين ~~بأحلامهم وآلامهم ومشاكلهم ، بحيث يبحثون لها عن بعض الأجواء الغيبية ~~الغامضة التي لا يجدون لها أي حل في ما يملكونه من وسائل الحلول ، فيلجئون ~~إلى أمثال هؤلاء المشعوذين الذين يجمعون حولهم في أذهان الناس بعض التهاويل ~~من ادعاء تسخير الجان ، أو معرفة بعض أسرار الغيب ، أو السيطرة على بعض ~~الأوضاع ، أو الوسائل المحركة لبعض الأوضاع ms5598 الضاغطة على إرادة الناس. # ويرى هؤلاء أن الشر قد لا يكون حاصلا من خلال النفث في العقد ، بل من ~~خلال الأجواء التي يثيرها ذلك في الوعي الداخلي للإنسان ، بحيث يترك آثاره ~~من خلال الإيحاءات الخفية التي يتقنها هؤلاء بوسائلهم الخاصة. # وربما كان هذا الوضع التخييلي الإيحائي مشابها للوضع التخييلي الذي يسحر ~~أعين الناس في ما حدثنا الله عن السحرة من قوم فرعون في ما قدموه من السحر ~~الذي أرادوا أن يتحدوا به موسى ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@07 سحروا ~~أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم ) [الأعراف : 116] وقوله تعالى حكاية ~~عن رد موسى عليهم : ( @QUR@07 ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ) [يونس : ~~81] وقوله تعالى حكاية عن حالة موسى الشعورية في مواجهة سحر السحرة : ( ~~@QUR@06 يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) [طه : 66] الأمر الذي يؤكد أن ~~المسألة السحرية ليست مسألة حقيقية في تغيير الواقع ، بل هي مسألة تخييلية ~~تمثل نوعا من أنواع إثارة الخيالات والتهاويل والإيحاءات الخفية. # وقد جاء في مجمع البيان للطبرسي ما يؤكد هذه الفكرة ويوضحها بشكل PageV24P494 # آخر : «وإنما أمر بالتعوذ من شر السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون ويصحون ~~ويفعلون شيئا من النفع والضرر والخير والشر ، وعامة الناس يصدقونهم ، فيعظم ~~بذلك الضرر في الدين ، ولأنهم يوهمون أنهم يخدمون الجن ويعلمون الغيب ، ~~وذلك فساد في الدين ظاهر ، فلأجل هذا الضرر أمر بالتعوذ من شرهم» (1). # وقد ذكروا هناك معنى آخر للنفاثات في العقد وهو ما نقله مجمع البيان عن ~~أبي مسلم ، قال : «النفاثات النساء اللاتي يملن آراء الرجال ، ويصرفنهم عن ~~مرادهم ويرددنهم إلى آرائهن ، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد ، فعبر ~~عن حلها بالنفث ، فإن العادة جرت أن من حل عقدا نفث فيه» (2). # * * * ### ||| ** بين الحسد والبغي # ( @QUR@05 ومن شر حاسد إذا حسد ) وذلك من خلال الحالة العدوانية التي ~~تعيش في داخل شخصية الحاسد فتحوله إلى إنسان عدواني يعمل على إيقاع الشر ~~بالمحسود ، والبغي عليه ، كما ورد في الحديث النبوي الشريف : «إذا حسدت فلا ~~تبغ» (3). # وقيل إن الشر ينطلق من نفس الحاسد في التأثيرات التي تتفاعل في ms5599 شخصية ~~المحسود من خلال الإشارات التي تنطلق من الحاسد في ما يمكن أن يكون لها من ~~قوة خفية تؤثر في حياة الإنسان المحسود بطريقة مثيرة غير مفهومة من ناحية ~~المقاييس المادية المعروفة للناس ، وقد تكون العين هي التي PageV24P495 # تثير كل تلك النتائج ، وقد وردت الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأن العين حق. # وإننا لا نستطيع الجزم بهذه المسألة من ناحية الإثبات أو النفي ، لأن ~~معلوماتنا في المنطقة الداخلية للنفس أو للروح ليست دقيقة أو شاملة ، فلا ~~يمكن أن ننفي ما لم يثبت لنا نفيه لمجرد أننا لا نملك دليلا على الإثبات ، ~~فربما كانت هناك بعض العوامل الخفية التي لم يدركها وعينا الظاهري ، مما قد ~~يترك تأثيرا كبيرا في هذه الدائرة. # ولكن لنا ملاحظة ، وهي أن التأثير السلبي المذكور للحسد في شخصية المحسود ~~وفي حياته ، لو كان ، كما يعتقده الناس البسطاء في العقلية الجماهيرية ، ~~لما بقي هناك ناجح على الأرض ، لأن الناجحين محسودون من قبل الناس الآخرين ~~الذين يفقدون ذلك النجاح في حياتهم ، فيؤدي ذلك من وجهة نظر هؤلاء إلى ~~سقوطهم أمام حسد الحاسدين ، فإذا كان الأمر صحيحا ، فلا بد من أن يكون له ~~شروط أخرى في حياة الناس ، أو في طبيعة شخصية الحاسد ، ليكون تأثيره محدودا ~~في هذه الدوائر الخاصة ، والله العالم. # * * * PageV24P496 ### | سورة الناس ### ||| * مكية ### ||| * وآياتها ست PageV24P497 ### ||| ** في أجواء السورة # وهذه سورة مميزة باعتبارها إحدى السورتين المعوذتين ، ولكنها تختلف عن ~~السورة الأولى بأنها لا تدعو إلى الاستعاذة بالله من العوامل الشريرة ~~الخارجية التي تترك تأثيرا سلبيا قاسيا من قبل الآخرين أو الأوضاع الكونية ~~المحيطة بالإنسان ، بل تدعو إلى الاستعاذة من العوامل الداخلية التي تتحرك ~~في النفس في منطقة الفكر أو الشعور من خلال الوسواس الذي قد يكون بشرا وقد ~~يكون جنا ، بطريقة طبيعية أو غير طبيعية ، بحيث ترهق حياته النفسية التي قد ~~تترك تأثيراتها السلبية على حياته العملية في عمله ، أو في قوله ، أو في ~~علاقاته بالآخرين ، مما قد يدمر واقعه ، أو يؤدي به إلى القلق والحيرة ms5600 ~~والضياع ، أو يقوده إلى الارتباك والاهتزاز في خطواته العملية في الحياة ، ~~فيحتاج بفعل الخوف والذعر من النتائج القاسية الصعبة التي لا يستطيع الخلاص ~~منها إلى الاستعاذة : ( @QUR@08 قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس ) ~~، الذي يملك تدبير أمورهم ، ويملك ذواتهم ووجودهم ، ويستعبدهم من موقع ~~الألوهية المهيمنة على الأمر كله ، ( @QUR@09 من شر الوسواس الخناس* الذي ~~يوسوس في صدور الناس ) ويختفي ليترك تأثيرات وسوسته تتفاعل في PageV24P499 # داخله ( @QUR@02 من الجنة ) الذين لا يستطيع أن يتعرف عليهم ( @QUR@01 ~~والناس ) الذين لا يشعر بحركة وسوستهم في داخله بشكل واضح. # * * * PageV24P500 ### ||| * الآيات ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@04 قل أعوذ برب الناس (1) @QUR@02 ملك الناس (2) @QUR@02 إله ~~الناس (3) @QUR@04 من شر الوسواس الخناس (4) @QUR@05 الذي يوسوس في صدور ~~الناس (5) @QUR@03 من الجنة والناس ) (6) # * * * ### ||| ** الاستعاذة بإله الناس # ( @QUR@04 قل أعوذ برب الناس ) الذين يربيهم ويدير أمورهم. ( @QUR@02 ملك ~~الناس ) الذي يملكهم من موقع خلقه لهم. ( @QUR@02 إله الناس ) الذي يستعلي ~~على الناس ويستولي عليهم ، وهو الذي يملك عليهم أن يعبدوه ويرجعوا إليه في ~~كل شيء ، لأنه إله كل شيء. # ( @QUR@04 من شر الوسواس الخناس ) وذلك في ما يثيره في النفس من أفكار PageV24P501 # شريرة ، وخيالات معقدة ، وأحلام كاذبة ، ومشاعر حادة ، بحيث تؤدي إلى ~~إثارة الفتنة في حركة الناس في علاقاتهم العامة والخاصة ، من خلال ~~الإيحاءات التي يثيرها في داخل الكلمات ليعقد الأوضاع من حولهم ، وإلى ~~إضلال العقل والإحساس من خلال الشبهات التي يحركها أمام العقيدة ، ليدفع ~~الناس إلى الكفر والضلال ، أو من خلال علامات الاستفهام المعقدة أمام ~~القضايا التي تدخل في منطقة الشعور أو تتحرك في دائرة العاطفة ، وإلى إثارة ~~الغريزة في حركة الشهوات في الجسد في أجواء الإغراء والإغواء ، وإلى تحريك ~~الذهنية المسيطرة في أجواء العلو والاستكبار والسيطرة التي يعيشها السلاطين ~~على الأرض في خط الظلم والفساد ، وغير ذلك مما يثيره الوسواس الذي يكمن ~~للإنسان في مواقع الغفلة ، فيدفع بالكلمة إلى السمع ، وباللمسة إلى الإحساس ~~، وبالفكرة إلى الذهن ، ثم يبتعد ويختفي ، ليترك الكلمات في موقع التفاعل ~~في الذات ، وفي الإحساس ، وفي العقل ، ثم يعود من جديد إلى الوسوسة التي ~~تترك ms5601 تأثيراتها في الكيان الروحي للإنسان. # وقد ورد في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في ما يروى عن ~~ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «إن الشيطان ليجثم ~~على قلب بني آدم له خرطوم كخرطوم الكلب ، إذا ذكر العبد الله عز وجل خنس أي ~~رجع على عقبيه وإذا غفل عن ذكر الله وسوس» (1). وورد في حديث الإمام ~~الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما من مؤمن ~~إلا ولقلبه في صدره أذنان ، أذن ينفث فيها الملك وأذن ينفث فيها الوسواس ~~الخناس ، فيؤيد الله المؤمن بالملك وهو قوله سبحانه : ( @QUR@03 وأيدهم ~~بروح منه )» (2) [المجادلة: 22] وقد ورد في حديث أهل البيت عليهم السلام أن ~~الوسواس الخناس يوسوس للإنسان فيوقعه في الذنب ، ثم يوسوس له فينسيه ~~التوبة. PageV24P502 # ( @QUR@07 الذي يوسوس في صدور الناس* من الجنة ) فقد يكون الوسواس الخناس ~~من الجن الذين قد يزينون للإنسان الكفر والمعصية والضلال في ما حدثنا الله ~~عنه في القرآن من حركة الشيطان في حياة الإنسان ، ولكنه لا يملك السيطرة ~~على الإنسان الذي يلتفت إلى نفسه ، وينفتح على ربه ، وذلك في ما كرره الله ~~من قوله تعالى : ( @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) [الحجر : 42] ، ~~ولكن كيف يوسوس الشيطان للإنسان ، وكيف يدخل إلى عقله وإحساسه وحياته؟ إننا ~~لم نجد وسيلة لنتعرف إلى ذلك بطريقة مادية ، ولكننا نعيش النتائج في أنفسنا ~~، من خلال حركته في الفكر والإحساس والوجدان. وقد يكون هذا الوسواس الخناس ~~من الإنس الذين يعيشون مع الإنسان ويملكون بعض التأثير عليه ، من خلال ~~علاقات المزاج أو القرابة أو الصداقة أو المصلحة أو الشهوة أو السلطان ونحو ~~ذلك ، فيستغلون الجانب العاطفي أو الغريزي ، أو الضعف الذاتي ، للنفاذ إلى ~~داخل شخصيته من أجل إغوائه وإغرائه وتوجيهه إلى مواقع الضلال. # * * * ### ||| ** إيحاءات تربوية للسورة # وفي هذه السورة دعوة إلى الإنسان ليستعيذ من هذا الوسواس الخناس الذي ~~يشكل خطرا على التزامه الفكري والعملي ، وعلى سلامته في الدنيا والآخرة. ~~وليتطلع إلى الله ( @QUR@06 برب الناس* ms5602 ملك الناس* إله الناس )، ليجد فيه ~~العون كل العون ، والقوة كل القوة ، وليستشعر ضعف هذا الوسواس الخناس أمام ~~الله ، وأمام الوسائل التي وضعها بين يدي الإنسان ليحميه من شره ، ولينقذه ~~من حبائله ومن مكره وخداعه ووسوسته وتثبيطه ، ومن كل مكائده. PageV24P503 # وهذا هو أسلوب التربية الروحية الوجدانية التي يريد الإسلام أن يؤكدها في ~~شخصية الإنسان المؤمن ، ليؤكد قوة الموقف لديه ، وثبات الإيمان في نفسه ~~واستقامة الطريق في حياته. وهو أن يرجع إلى الله في إحساس عميق بقوته التي ~~تحميه من قوة الآخرين ، وبرحمته التي تفيض على روحه حبا وأمانا وسلاما ~~وخيرا وبركة ، فتمنحه الطمأنينة الروحية والثبات الواقعي في الحياة. # والحمد لله رب العالمين # * * * PageV24P504 ### | الفهرس # في أجواء ~~السورة............................................................. 7 # الآيات [1 ~~16]................................................................ 9 # معاني ~~المفردات.............................................................. 9 # المساءلة عن النبأ ~~العظيم.................................................... 10 # نعم الله في تسيير سنن ~~الوجود.............................................. 11 # من وحي مدلول ~~الآيات.................................................... 14 # الآيات [17 ~~40]............................................................. 16 # معاني ~~المفردات............................................................ 17 # موعد التغيير ~~الكبير........................................................ 17 # يوم ~~الصيحة.............................................................. 18 # عند ما تفتح السماء ~~أبوابا.................................................. 18 # ويوم تصبح الجبال ~~سرابا.................................................... 19 # جهنم في موضع رصد وترقب............................................... 19 # موقع المتقين يوم ~~الحساب................................................... 21 # اليوم ~~الحق................................................................ 23 PageV24P505 # تفسير سورة النازعات [1 46] # في أجواء ~~السورة........................................................... 27 # الآيات [1 ~~14].............................................................. 29 # معاني ~~المفردات............................................................ 29 # فإنما هي زجرة ~~واحدة....................................................... 30 # رأي صاحب ~~الميزان........................................................ 31 # اضطراب ~~القلوب.......................................................... 33 # الآيات [15 ~~26]............................................................. 35 # معاني ~~المفردات............................................................ 35 # هل أتاك حديث موسي عليه السلام......................................... 36 # فرعون ~~الطاغي............................................................ 36 # موسي عليه السلام يتحدي فرعون بآيات ~~الله................................. 38 # وتبقي العبرة لمن ~~يخشي..................................................... 41 # الآيات [27 ~~33]............................................................. 42 # معاني ~~المفردات............................................................ 42 # الآيات الكونية وقدرة الله ~~تعالى................................................... 43 # ظاهرة الليل ~~والنهار........................................................ 44 # الله تعالي يمهد الإرض لحياة ~~الإنسان......................................... 44 # الآيات [34 ~~41]............................................................. 46 # معاني ~~المفردات............................................................ 46 # يوم الطامة ~~الكبري......................................................... 46 # جهنم مأوي ~~الطغاة........................................................ 47 # الجنة مأوي الخائفين مقام ~~ربهم............................................... 48 PageV24P506 # الآيات [42 ~~46]............................................................. 50 # عبد المشركين وتعظيم الله تعالي ليوم ~~القيامة................................... 50 # تفسير سورة عبس [1 42] # في أجواء ~~السورة........................................................... 55 # الآيات [1 ~~10].............................................................. 57 # معاني ~~المفردات............................................................ 57 # مناسبة ~~النزول............................................................. 57 # الشيخ الطبرسي وروايات ~~النزول............................................. 58 # مناقشة ms5603 ~~الروايات........................................................... 60 # الرسول بين المهم ~~والأهم.................................................... 65 # الأولوية لمن ~~يتزكي......................................................... 66 # ليس للدعاة الانفتاح علي الأغنياء ~~لغناهم.................................... 67 # الآيات [11 ~~16]............................................................. 69 # معاني ~~المفردات............................................................ 69 # كلام الله تذكرة ~~للعباد...................................................... 69 # الآيات [17 ~~32]............................................................. 71 # معاني ~~المفردات............................................................ 71 # الكفر ~~المحض............................................................. 72 # ثم السبيل ~~يسره........................................................... 72 # فلينظر الإنسان إلي ~~طعامه.................................................. 75 # شق ~~الإرض............................................................... 77 # الآيات [33 ~~42]............................................................. 79 PageV24P507 # معاني ~~المفردات............................................................ 79 # متاع الدنيا إلي ~~زوال........................................................ 79 # يوم يفر المرء من ~~أخيه...................................................... 80 # لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه........................................... 81 # تفسير سورة التكوير [1 29] # في أجواء ~~السورة........................................................... 85 # الآيات [1 ~~14].............................................................. 87 # معاني ~~المفردات............................................................ 87 # الإطار الكوني ليوم ~~القيامة.................................................. 88 # وإذا الموؤدة ~~سئلت......................................................... 91 # نشر الصحف وكشط السماء............................................... 93 # الآيات [15 ~~29]............................................................. 95 # معاني ~~المفردات............................................................ 95 # كتاب الله ذكر ~~للعالمين.................................................... 96 # وما صاحبكم ~~بمجنون...................................................... 97 # ولقد رآه بالأفق ~~المبين...................................................... 98 # وما هو بقول شيطان ~~رجيم................................................. 99 # إن هو إلا ذكر ~~للعالمين................................................... 99 # لله المشيئة ~~كلها.......................................................... 100 PageV24P508 # تفسير سورة الانفطار [1 19] # في أجواء ~~السورة......................................................... 103 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 105 # معاني ~~المفردات.......................................................... 105 # من مظاهر التغيير الكوني يوم ~~القيامة........................................ 105 # تنبيه الإنسان ليوم ~~الحساب............................................... 107 # الآيات [6 ~~19]............................................................. 108 # معاني ~~المفردات.......................................................... 108 # يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم....................................... 108 # الذي خلقك فسواك فعدلك.............................................. 110 # عظمة الإبداع في ~~الخلق................................................... 111 # إبداع خلق ~~الأذن........................................................ 111 # إبداع خلق البصر والذوق والجهاز ~~العصبي................................... 112 # إبداع عملية ~~الهضم...................................................... 113 # معجزة خلق الذاكرة والإدراك ~~العقلي............................................. 114 # التكذيب بالدين لا يلغي حقيقة ~~الوحي..................................... 115 # إن عليكم لحافظين...................................................... 116 # الأبرار في رحاب جنة ~~الله................................................. 117 # الفجار المستكبرون جزاؤهم ~~الجحيم......................................... 117 # لا تغفلوا عن يوم ~~الدين................................................... 118 PageV24P509 # تفسير سورة المطففين [1 36] # في أجواء ~~السورة......................................................... 121 # الآيات [1 ~~21]............................................................. 123 # معاني ~~المفردات................................................................ 123 # الوعيد لأهل ~~التطفيف......................................................... 124 # التطفيف في خط المسألة ~~الاقتصادية............................................. 125 # يوم القيامة لله ~~تعالى........................................................... 127 # لكل أمر تقواه ~~وفجوره......................................................... 127 # ويل يومئذ ~~للمكذبين.......................................................... 128 # إذا تتلي عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين.......................................... 129 # إثارة الكلمات الحاقدة لإخضاع المسلمين ~~العاملين................................. 130 # الصدأ يطفو علي قلب العاصي ~~المسيء.......................................... 130 # العمل الطيب يقود ms5604 إلي الفكر ~~الطيب............................................ 132 # الذنوب تبعد الإنسان عن رحمة ~~الله.............................................. 133 # عمل الأبرار في ~~عليين.......................................................... 133 # الآيات [22 ~~28]........................................................... 135 # معاني ~~المفردات................................................................ 135 # ما ينتظر أهل التقوي من ~~جوائز................................................. 135 # شراب أهل ~~الجنة.............................................................. 136 # وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون................................................... 137 PageV24P510 # الآيات [29 36]...................................................... 138 # معاني ~~المفردات.......................................................... 138 # الكفار كانوا يستهزئون ~~بالمؤمنين............................................ 139 # لا سلطة ~~للكفار......................................................... 140 # مصير الكفار يثير ~~السخرية................................................ 141 # من إيحاءات ~~السورة...................................................... 141 # حديث القرآن هو حديث الواقع........................................... 143 # تفسير سورة الانشقاق [1 25] # في أجواء ~~السورة......................................................... 147 # الآيات [1 ~~15]............................................................. 148 # معاني ~~المفردات.......................................................... 148 # في أجواء قيام ~~الساعة..................................................... 149 # بين طاعة الإرض والسماء وطاعة الإنسان.................................. 150 # الإنسان ملاق جهده يوم ~~القيامة........................................... 151 # يسر الحساب من صلاح العمل............................................ 152 # صعوبة الحساب من سوء العمل............................................ 153 # نسيان الآخرة يؤدي إلي ~~الهلاك............................................ 154 # الله بصير بأعمال ~~عباده.................................................. 154 # الآيات [16 ~~25]........................................................... 155 # معاني ~~المفردات.......................................................... 155 # دعوة للتأمل في الآيات ~~الكونية............................................ 156 PageV24P511 # لتركبن طبقا عن ~~طبق..................................................... 157 # لمحات الوجود تدل علي سر العظمة ~~الإلهية.................................. 158 # بشر المكذبين بعذاب ~~أليم................................................ 159 # للصالحين أجر غير ~~ممنون................................................. 159 # تفسير سورة البروج [1 22] # في أجواء ~~السورة......................................................... 163 # الآيات [1 ~~9].............................................................. 165 # معاني ~~المفردات.......................................................... 165 # القسم بالسماء ذات ~~البروج............................................... 166 # وشاهد ومشهود......................................................... 166 # قتل أصحاب الأخدود................................................... 167 # الصراع الدائم بين الإيمان ~~والكفر.......................................... 168 # الآيات [10 ~~22]........................................................... 170 # معاني ~~المفردات.......................................................... 170 # جزاء الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات......................................... 171 # الفوز الكبير ~~للمؤمنين.................................................... 172 # إن بطش ربك لشديد.................................................... 172 # الله الغفور ~~الودود........................................................ 173 # وقفة مع طواغيت ~~التاريخ................................................. 174 # الله محيط ~~بالكافرين...................................................... 175 # القرآن مرجع كل حقيقة.................................................. 175 PageV24P512 # تفسير سورة الطارق [1 17] # في أجواء ~~السورة......................................................... 179 # الآيات [1 ~~10]............................................................. 180 # معاني ~~المفردات.......................................................... 180 # والسماء والطارق: النجم ~~الثاقب........................................... 181 # الملك الحافظ ~~الأعمال.................................................... 181 # فلينظر الإنسان مم ~~خلق.................................................. 182 # الآية والاكتشافات ~~العلمية................................................ 184 # قدرة الله علي إعادة الإنسان إلي ~~الحياة..................................... 185 # الآيات [11 ~~17]........................................................... 186 # معاني ~~المفردات.......................................................... 186 # القرآن هو القول ~~الفصل.................................................. 187 # إنهم يكيدون كيدا وأكيد ~~كيدا............................................ 187 # من وحي الآيات......................................................... 188 # تفسير سورة الأعلى [1 19] # في أجواء ~~السورة......................................................... 193 # الآيات [1 ms5605 ~~19]............................................................. 195 # معاني ~~المفردات.......................................................... 195 # السجود لله أقصي درجات الخضوع له...................................... 196 # الذي قدر فهدي........................................................ 197 PageV24P513 # الهداية تتجلي في ~~مخلوقاته................................................. 198 # معجزة خلق النحلة ~~وعملها................................................ 199 # معجزة خلق الحواس عند بعض الحيوانات.................................... 200 # معجزة خلق ثعابين ~~الماء................................................... 201 # عجائب الخلق في بعض الحيوانات.......................................... 202 # عجائب جوزة البلوط..................................................... 204 # الخلايا ومعجزة ~~عملها.................................................... 204 # ذكاء بعض الحيوانات ~~الغريزي............................................. 205 # إحياء الإرض من قدرة الله ~~تعالى........................................... 207 # سنقرئك فلا تنسي....................................................... 208 # ونيسرك لليسري......................................................... 209 # فذكر إن نفعت الذكري.................................................. 212 # جزاء ~~الأشقي............................................................ 213 # جزاء من ~~تزكي........................................................... 213 # الآخرة خير من الدنيا ~~وأبقي............................................... 214 # وحدة الرسالات......................................................... 214 # تفسير سورة الغاشية [1 26] # في أجواء ~~السورة......................................................... 217 # الآيات [1 ~~16]............................................................. 219 # معاني ~~المفردات.......................................................... 219 # حديث الغاشية.......................................................... 220 # صورة الأشقياء يوم ~~القيامة................................................. 221 PageV24P514 # راحة الأتقياء وسعادتهم يوم ~~القيامة......................................... 222 # الآيات [17 ~~26]........................................................... 225 # النظر إلي آيات الله في ~~خلقه.............................................. 225 # إبداع خلق ~~الإبل........................................................ 226 # من خلق السماء ونظمها!................................................. 227 # جلال خلق الجبال....................................................... 228 # كنوز الإرض............................................................ 229 # الإيمان نظرة فكر لا حالة ~~انفعال........................................... 229 # فذكر إنما أنت ~~مذكر..................................................... 230 # هل تنفي الاية نظرية الحكم في ~~الإسلام!.................................... 231 # المعرضون عن الذكرى.................................................... 233 # العذاب ~~الأكبر.......................................................... 234 # تفسير سورة الفجر [1 30] # في أجواء ~~السورة......................................................... 237 # الآيات [1 ~~14]............................................................. 239 # معاني ~~المفردات.......................................................... 239 # القسم بالأزمنة .. وعمق الطهارة ~~الروحية.................................... 240 # وجوب الاعتبار بمن مضي................................................ 241 # الطغاة أساس الفساد الفكري ~~والعملي...................................... 243 # كيف نستوحي النظرية في ~~الواقع!.......................................... 244 # بين الطغيان ~~والعذاب..................................................... 245 # الآيات [15 ~~20]........................................................... 246 PageV24P515 # معاني ~~المفردات.......................................................... 246 # موقف الإنسان من ابتلاء الله أو ~~تكريمه.................................... 247 # النعمة ليست دليل كرامة الله ~~الإنسان...................................... 247 # الفقر ليس إهانة من الله ~~للفقير............................................ 248 # لا قيمة للمال في الخط ~~الإلهي............................................. 249 # الاستغراق في حب المال وترك عمل ~~الخير.................................... 249 # الآيات [21 ~~30]........................................................... 251 # معاني ~~المفردات.......................................................... 251 # يوم يتذكر الإنسان ولا تنفعه ~~الذكري....................................... 251 # الحسرة علي ما ضاع من ~~العمر............................................. 253 # النفس ~~المطمئنة.......................................................... 253 # تفسير سورة البلد [1 20] # في أجواء ~~السورة......................................................... 259 # الآيات [1 ~~10]............................................................. 260 # معاني ~~المفردات.......................................................... 260 # عظمة مكة وتشريفها..................................................... 261 # ووالد وما ~~ولد........................................................... ms5606 262 # خلق الإنسان في ~~كبد..................................................... 263 # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد!........................................... 264 # لا تغتر أيها الإنسان ~~بنفسك.............................................. 265 # الآيات [11 ~~20]........................................................... 268 PageV24P516 # معاني ~~المفردات.......................................................... 268 # اقتحام العقبة ورضوان ~~الله................................................. 269 # تحرير الرقيق والقرب من ~~الله............................................... 270 # إعانة الفقراء والمساكين، من مظاهر اقتحام ~~العقبة............................ 270 # الشخصية الإسلامية بين الإيمان والأخلاقية ~~الروحية.......................... 272 # بناء الشخصية الإنسانية ~~الإسلامية......................................... 273 # بين الأمر بالمعروف والتواصي بالصبر ~~والمرحمة................................ 275 # أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة......................................... 276 # تفسير سورة الشمس [1 15] # في أجواء ~~السورة......................................................... 279 # الآيات [1 ~~15]............................................................. 280 # معاني ~~المفردات.......................................................... 280 # قسم الله ~~بمخلوقاته....................................................... 281 # الآيات .. وحرية ~~الإرادة.................................................. 283 # قد أفلح من ~~زكاها....................................................... 284 # وقد خاب من دساها.................................................... 284 # كذبت ثمود بطغواها..................................................... 285 # الناقة ~~المعجزة............................................................ 285 # غضب الله علي قوم صالح................................................ 286 PageV24P517 # الوقوف بين خط الفلاح وخط الخيبة....................................... 287 # تفسير سورة الليل [1 21] # في أجواء ~~السورة......................................................... 291 # الآيات [1 ~~11]............................................................. 293 # معاني ~~المفردات.......................................................... 293 # إدراك سر عظمة النظام ~~الكوني............................................ 293 # التكامل الحي في حركة ~~الوجود............................................. 294 # جزاء العطاء والتقوي والتصديق ~~بالحسني..................................... 295 # جزاء من بخل واستغني وكذب بالحسني...................................... 296 # الآيات [12 ~~21]........................................................... 297 # معاني ~~المفردات.......................................................... 297 # إن علينا ~~للهدي......................................................... 297 # الأولي مزرعة ~~الاخرة...................................................... 298 # وسيجنبها ~~الأتقي........................................................ 299 # تفسير سورة الضحى [1 11] # في أجواء ~~السورة......................................................... 303 # الآيات [1 ~~11]............................................................. 305 # معاني ~~المفردات.......................................................... 305 # الضحي والهدوء النفسي.................................................. 306 # ما ودعك ربك وما قلي.................................................. 306 PageV24P518 # ولسوف يعطيك ربك فترضي............................................. 307 # الله ~~المغني............................................................... 308 # معاملة ~~اليتيم............................................................ 309 # معاملة السائل ~~المحروم..................................................... 309 # تذكر نعمة ~~الله.......................................................... 310 # تفسير سورة الانشراح [1 8] # في أجواء ~~السورة......................................................... 313 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 314 # معاني ~~المفردات.......................................................... 314 # منن الله علي نبيه ~~وعباده................................................. 315 # ثقل ~~الرسالة............................................................. 315 # رفع ذكر ~~النبي........................................................... 316 # فإن مع العسر ~~يسرا...................................................... 317 # الرغبة إلي ~~الله........................................................... 317 # تفسير سورة التين [1 8] # في أجواء ~~السورة......................................................... 321 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 322 # نعم الله المادية ~~والروحية................................................... 322 # خلق الإنسان في أحسن تقويم............................................. 323 # رد الإنسان أسفل سافلين إلا ~~المؤمنين....................................... 323 PageV24P519 # الله أحكم ~~الحاكمين...................................................... 324 # تفسير سورة العلق [1 19] # في أجواء ~~السورة......................................................... 327 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 328 # معاني ms5607 ~~المفردات.......................................................... 328 # مناسبة ~~النزول........................................................... 328 # ملاحظات علي روايات النزول............................................. 330 # دور ورقة في كتابات بعض النصاري........................................ 333 # القراءة مبتدأ ~~المعرفة....................................................... 333 # الإسلام ينطلق من عمق ~~المعرفة............................................ 335 # علم الإنسان ما لم ~~يعلم.................................................. 335 # الآيات [6 ~~8].............................................................. 337 # معاني ~~المفردات.......................................................... 337 # الغني من أسباب ~~الطغيان................................................. 337 # الناس خاضعون لرب ~~العالمين.............................................. 339 # الآيات [9 ~~19]............................................................. 340 # معاني ~~المفردات.......................................................... 340 # مناسبة ~~النزول........................................................... 340 # من نماذج الكفرة ~~الطغاة................................................... 341 # مصير من ينهي عن المعروف.............................................. 342 # الاقتراب من الله والسجود ~~له............................................. 343 PageV24P520 # تفسير سورة القدر [1 5] # في أجواء ~~السورة......................................................... 347 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 349 # هل تدل الآية علي نزول القرآن دفعة ~~واحدة!................................ 349 # ما هو ~~القدر!........................................................... 350 # ليلة القدر سر من أسرار ~~الله.............................................. 351 # الاستعداد لليلة ~~القدر.................................................... 352 # ليلة القدر سلام ~~للروح................................................... 353 # النظرة الشعبية لليلة ~~القدر................................................. 353 # تفسير سورة البينة [1 8] # في أجواء ~~السورة......................................................... 357 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 359 # معاني ~~المفردات.......................................................... 359 # الرسول يتلو بينة الله علي المشركين وأهل ~~الكتاب............................ 360 # تفرق الذين أوتوا الكتاب بعدها جاءتهم ~~البينة................................ 361 # العبودية لله: خلاصة ~~الرسالات............................................ 362 # ذلك دين القيمة........................................................ 362 # جهنم دار الكافرين ~~والمشركين.............................................. 363 # الجنة دار المؤمنين ~~الصالحين................................................ 363 PageV24P521 # تفسير سورة الزلزلة [1 8] # في أجواء ~~السورة......................................................... 367 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 368 # معاني ~~المفردات.......................................................... 368 # الهول ~~العظيم............................................................ 369 # كيف تحدث الإرض..................................................... 369 # تفرق الناس يوم القيامة ~~وحسابهم........................................... 370 # بين العمل ~~والذرة........................................................ 371 # تفسير سورة العاديات [1 11] # في أجواء ~~السورة......................................................... 375 # الآيات [1 ~~11]............................................................. 376 # معاني ~~المفردات.......................................................... 376 # الخيل والعمل ~~الجهادي.................................................... 377 # الجاحد بنعم ~~الله......................................................... 378 # حب الدنيا ونسيان ~~الله.................................................. 379 # الله الخبير ~~بخلقه......................................................... 379 PageV24P522 # تفسير سورة القارعة [1 11] # في أجواء ~~السورة......................................................... 383 # الآيات [1 ~~11]............................................................. 384 # معاني ~~المفردات.......................................................... 384 # ما ~~القارعة!............................................................. 385 # أحوال الناس يوم ~~القيامة.................................................. 385 # تغير معالم الكون يوم ~~القيامة.............................................. 385 # جزاء العمل ~~الصالح...................................................... 386 # جزاء العمل العابث ~~اللاهي............................................... 387 # الإنسان بين خياري الجنة ~~والنار............................................ 387 # تفسير سورة التكاثر [1 8] # في أجواء ~~السورة......................................................... 391 # الآيات [1 ~~8].............................................................. 392 # مناسبة ~~النزول........................................................... 392 # الكثرة ليست هي القيمة................................................. 393 # رفض هذا المبدأ ~~الباطل................................................... 394 # ثم ms5608 لتسألن يومئذ عن ~~النعيم............................................... 395 PageV24P523 # تفسير سورة العصر [1 3] # في أجواء ~~السورة......................................................... 399 # الآيات [1 ~~3].............................................................. 401 # معاني ~~المفردات.......................................................... 401 # إن الإنسان لفي خسر................................................... 402 # الإيمان والعمل الصالح أساس ~~النجاح....................................... 402 # العمل الصالح تجسيد ~~للإيمان.............................................. 403 # التواصي ~~بالحق........................................................... 404 # التواصي ~~بالصبر......................................................... 405 # بالصبر نواجه حالات ~~الاهتزاز............................................. 407 # تفسير سورة الهمزة [1 9] # في أجواء ~~السورة......................................................... 411 # السورة تؤكد علي رفض المال كقيمة ~~مهمة................................... 411 # الآيات [1 ~~9].............................................................. 413 # معاني ~~المفردات.......................................................... 413 # جمع المال لا يخلد الإنسان في ~~الدنيا........................................ 414 PageV24P524 # تفسير سورة الفيل [1 5] # في أجواء ~~السورة......................................................... 419 # وقفة تأملية أمام ~~القصة................................................... 421 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 425 # معاني ~~المفردات.......................................................... 425 # انتقام الله من أصحاب ~~الفيل.............................................. 426 # تفسير سورة قريش [1 4] # هل هذه السورة مستقلة!................................................. 431 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 432 # معاني ~~المفردات.......................................................... 432 # إيلاف قريش وسعة عيشهم................................................ 33 # العبادة شكر لنعم ~~الله.................................................... 433 # تفسير سورة الماعون [1 7] # في أجواء ~~السورة......................................................... 437 # الآيات [1 ~~7].............................................................. 439 # معاني ~~المفردات.......................................................... 439 PageV24P525 # أحوال ~~المنافقين.......................................................... 440 # المنافق ينهر ~~اليتيم........................................................ 440 # ولا يتحسس شقاء المحرومين.............................................. 441 # فويل للمصلين الساهين عن صلاتهم، المرائين في ~~أعمالهم...................... 441 # تفسير سورة الكوثر [1 3] # في أجواء ~~السورة......................................................... 445 # الآيات [1 ~~3].............................................................. 446 # معاني ~~المفردات.......................................................... 446 # الله يغدق النعم والخير الكثير علي ~~نبيه..................................... 446 # من إيحاءات ~~السورة...................................................... 448 # مبغض الرسول والرسالة هو ~~الأبتر.......................................... 448 # تفسير سورة الكافرون [1 6] # في أجواء ~~السورة......................................................... 451 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 454 # مناسبة ~~النزول........................................................... 454 # العبادة لله الواحد ~~الأحد.................................................. 455 PageV24P526 # ديني هو الإسلام لله ودينكم دين الشرك ~~به................................. 457 # السورة في خط ~~المنهج..................................................... 457 # الواقعية في العمل ~~الإسلامي............................................... 458 # تفسير سورة النصر [1 3] # في أجواء ~~السورة......................................................... 463 # الآيات [1 ~~3].............................................................. 465 # مناسبة ~~النزول........................................................... 465 # الله وعد نبيه والمؤمنين ~~بالنصر............................................. 466 # كيف يعبر المسلمون عن فرحهم بالنصر!................................... 467 # كيف نفهم توجيه الخطاب بالاستغفار إلي النبي ~~المعصوم!...................... 468 # تفسير سورة تبت او «المسد» [1 5] # في أجواء ~~السورة......................................................... 473 # من وحي السورة......................................................... 475 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 476 # معاني ~~المفردات.......................................................... 476 # مناسبة ~~النزول........................................................... 476 # الخسارة ~~الكبري.......................................................... 477 PageV24P527 # تفسير سورة الإخلاص [1 4] # في أجواء ~~السورة......................................................... ms5609 481 # الآيات [1 ~~4].............................................................. 483 # معاني ~~المفردات.......................................................... 483 # أحدية الله ~~وصمديته..................................................... 483 # الخالق ~~المتفرد............................................................ 485 # تفسير سورة الفلق [1 5] # في أجواء ~~السورة......................................................... 491 # الآيات [1 ~~5].............................................................. 491 # معاني ~~المفردات.......................................................... 491 # مفهوم الاستعاذة برب ~~الفلق............................................... 492 # هل النفث في العقد يمثل حقيقة تأثيرية في ~~الإنسان!.......................... 493 # بين الحسد ~~والبغي........................................................ 495 # تفسير سورة الناس [1 6] # في أجواء ~~السورة......................................................... 499 # الآيات [1 ~~6].............................................................. 501 # الاستعاذة بإله ~~الناس..................................................... 501 # إيحاءات تربوية ~~للسورة.................................................... 503 ### |||| * والحمدلله رب العالمين PageV24P528 ### |EDITOR| ENDNOTES: (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 32 ، ج : 89 ، ص : 55 ، باب : 8 ، رواية : 14. (2) م. ن ، م : 32 ، ج : 89 ، باب : 8 ، ص : 61 ، رواية : 47. PageV01P012 (1) م. س ، م : 32 ، ج : 59 ، ص : 59 ، باب : 8 ، رواية : 37. PageV01P013 (1) م. س. م : 1 ، ج : 2 ، ص : 347 348 ، باب : 8 ، روآية : 57. (2) م. ن ، م : 1 ، ج : 2 ، ص : 398 ، باب : 14 ، روآية : 38. PageV01P014 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، ص : 495 ، باب : 29 رواية : 37. PageV01P023 (1) البحار ، م : 8 ، ج : 23 ، ص : 746 ، باب : 10 ، رواية : 27. (2) محمد بن يعقوب ، الكافي ، ج : 2 ، ص : 210 ، رواية : 2. PageV01P025 (1) الخوئي ، أبو القاسم ، البيان في تفسير القرآن ، دار الزهراء ، ط : 6 ، 1412 ه 1992 م ، ص : 429 430. PageV01P042 (1) شلتوت ، محمود ، تفسير القرآن الكريم ، ص : 26. (2) م. ن ، ص : 18. PageV01P044 (1) البيان في تفسير القرآن ، ص : 438 439. PageV01P045 (1) البيان في تفسير القرآن ، ص : 453. PageV01P048 (1) الصحيفة السجادية ، دعاء الصباح والمساء. PageV01P050 (1) البحار ، م : 14 ، ج : 44 ، ص : 670 ، باب : 37. (2) م. ن ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 273 ، باب : 128. PageV01P055 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 237. (2) مرآة العقول ، باب النية ، ج : 2 ص : 101 ، الطبعة القديمة. PageV01P065 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 440 ، باب : 86 ، رواية : 17. PageV01P067 (1) الصحيفة السجادية ، دعاء الإمام زين العابدين عليهالسلام في طلب الحوائج إلى الله تعالى. PageV01P075 (1) الصحيفة السجادية ، دعاؤه متفزعا إلى الله عزوجل . PageV01P077 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 536. (2) البيان في تفسير القرآن ، ص : 485. PageV01P079 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ms5610 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه ، 1991 م ، ج : 1 ، ص : 41. (2) م. ن ، ج : 1 ، ص : 41. PageV01P084 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 41 42. PageV01P089 (1) وردت معاني الهداية في سورة الفاتحة ، تراجع في مكانها. PageV01P098 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 1 ، ص : 45. PageV01P099 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 8 9. PageV01P100 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 50. (2) م. ن ، ج : 1 ، ص : 50. PageV01P117 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 47 48. PageV01P122 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، جار الله ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 1 ، ص : 157 160. PageV01P130 (1) البحار ، م : 2 ، ج : 5 ، ص : 435 ، باب : 1 ، روآية : 17. PageV01P132 (1) البحار ، م : 2 ، ج : 5 ، ص : 566 ، باب : 8. PageV01P136 (1) البحار ، م : 11 ، ج : 35 ، ص : 648 ، باب : 20 ، رواية : 21. PageV01P138 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 61. PageV01P143 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 63. PageV01P149 (1) البيان في تفسير القرآن ، ص : 43. PageV01P186 (1) انظر : الواحدي ، أبو الحسن ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه 1994 م ، ص: 13. PageV01P189 (1) نلاحظ أن للبعوضة في داخل تكوينها سرا عميقا يتصل بعظمة الخالق فيها ، فقد ورد الحديث عن الإمام جعفر الصادق (ع): إنما ضرب الله المثل بالبعوضة ، لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل ، مع كبره ، وزيادة عضوين آخرين ، فأراد الله تعالى أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه. (مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 84). PageV01P196 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 91. PageV01P213 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 118 119. PageV01P219 (1) م. س ، ج : 1 ، ص : 121. PageV01P220 (1) م. ن ، ج : 1 ، ص : 121. PageV01P221 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 120. PageV01P228 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 121. (2) الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، 1415 ه 1995 م ، ج : 1 ، ص : 309. (3) م. ن ، ج : 1 ، ص : 311. PageV01P231 (1) م. س ، ج : 1 ، ص : 311. PageV01P232 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 97. PageV01P233 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 105 106. PageV01P239 (1) البحار ، م : 1 ، ج ms5611 : 2 ، ص : 509 ، باب : 32 ، رواية : 5. PageV01P242 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 126. (2) م. ن ، ج : 1 ، ص : 126. (3) م. ن ، ج : 1 ، ص : 126. PageV01P243 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 108. (2) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 139. PageV01P248 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 148. PageV01P251 (1) م. س ، ج : 1 ، ص : 150. PageV01P252 (1) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 1 ، ص : 142. (2) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 148. PageV01P253 (1) م. س ، ج : 1 ، ص : 149. PageV01P254 (1) الأصفهاني ، الراغب : معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 363. PageV02P006 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة بيروت ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 ، م ، ج : 1 ، ص : 218. PageV02P021 (1) المجلسي ، محمد باقر : بحار الأنوار ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه / 1992 م ، م : 28 ، ج : 79 ، باب : 62 ، ص : 539 ، رواية : 22. PageV02P022 (1) البحار ، م : 2 ، ج : 3 ، باب : 3 ، ص : 34 ، رواية : 20 ، (2) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 217. PageV02P024 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، ط : 1 ، 1411 ه / 1991 م ، ج : 1 ، ص : 153. PageV02P025 (1) البحار ، م : 3 ، ج : 8 ، باب : 21 ، ص : 451. PageV02P029 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 223 224. PageV02P030 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 189. PageV02P047 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 242. PageV02P054 (1) دائرة المعارف الإسلامية «الصادرة بالألمانية والإنجليزية والفرنسية» ، ج : 14 ، ص : 89 90. PageV02P072 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 265. (2)(. م. ن) ، ج : 1 ، ص : 262. (3) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 197. PageV02P076 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 264. PageV02P079 (1) البحار ، م : 8 ، ج : 22 ، باب : 37 ، ص : 291. PageV02P089 (1) مغنية ، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، ط : 4 ، حزيران 1990 م ، م : 1 ، ص : 133. (2) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 291. PageV02P091 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 286. PageV02P099 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 292. PageV02P101 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 218. PageV02P114 (1) البحار ، م : 28 ، ج : 79 ، باب : 1 ، ص : 573. (2) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1410 ه / 1990 م ، قصار الحكم / 145 ، ص : 374. PageV02P116 (1) البحار ، م : 6 ، ج : 16 ، باب : 9 ، ص : 408. PageV02P125 (1) البحار ، م ms5612 : 3 ، ج : 8 ، باب : 23 ، ص : 489. PageV02P128 (1) الواحدي ، أبو الحسن علي بن أحمد (النيسابوري) ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه / 1994 م ، ص : 16. PageV02P132 (1) الآية : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) [التحريم : 4]. (2) الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1413 ه / 1992 م ، ج : 1 ، ص : 268. PageV02P133 (1) البحار ، م : 11 ، ج : 33 ، باب : 23 ، ص : 218 ، رواية : 596. (2) البحار ، م : 27 ، ج : 76 ، باب : 96 ، ص : 654 ، رواية : 13. PageV02P144 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 343. PageV02P149 (1) يراجع : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 347. PageV02P157 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 247. PageV02P159 (1) مفردات الراغب ، ص : 28. PageV02P160 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 9 ، باب : 1 ، ص : 44. PageV02P167 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 360 361. (2) راجع : الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان ، دار الفكر ، 1415 ه / 1995 م ، ج : 1 ، ص : 697. (3) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، باب : 15 ، ص : 407 ، رواية 14. PageV02P181 (1) راجع : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 361. PageV02P182 (1) يراجع : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 363. PageV02P183 (1) يراجع : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 370. PageV02P189 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 372. PageV02P191 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 373. PageV02P193 (1) يراجع : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 374. PageV02P196 (1) ابن أبي طالب ، الأمام علي عليهالسلام ، نهج البلاغة ، ضبط نصه ، الدكتور صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت لبنان ، ط : 2 ، 1982 م ، ص : 536 ، حكمة : 350. PageV03P012 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 1 ، ص : 377. PageV03P013 (1) (م. ن) ، ج : 1 ، ص : 380. PageV03P014 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه ، 1992 م ، م : 5 ، ج : 12 ، باب : 1 ، ص : 12 ، رواية : 36. (2) انظر : (م. ن) ، م : 5 ، ج : 12 ، باب : 1 ، ط : 12 ، رواية : 37. (3) هذه الأحاديث غير صحيحة الإسناد ، ففي الرواية الأولى مجهول «محمد بن سنان» ، وفي الرواية الثانية سهل بن زياد ، وإسحاق بن عبد العزيز «أبي السفاتج». ولذلك لا يعتمد عليها ، كما أن ms5613 دراسة المضمون تدعو إلى التأمل والمناقشة الحذرة. فإنه لا معنى لاتخاذ الله الإنسان عبدا ، فإنها ذاتية في الإنسان من موقع خلقه ، ومنطقة منه من خلال خضوعه لربه وطاعته له. PageV03P017 (1) جاء في كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي : لا يقام الحد إطلاقا في الحرم على من التجأ إليه ، لقوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) بل يضيق عليه في المطعم والمشرب ، ويقتصر على ما يسد الرمق ، ليخرج ويقام عليه الحد ، فقد جاءت الرواية الصحيحة عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام في رجل يجني في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم ، قال : «لا يقام عليه الحد ... وإن جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم ، لأنه لم ير للحرم حرمة». PageV03P022 (1) الأصفهاني ، الراغب : معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 80. (2) نقلا عن : الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 1 ، ص : 281. PageV03P027 (1) في الكافي عن الصادق عليهالسلام قال : إن الله عزوجل يقول في كتابه : ( طهرا بيتي ... ) فينبغي للعبد أن لا يدخل مكة إلا وهو طاهر قد غسل عرقه والأذى وتطهر. والظاهر أن هذا من باب الاستيحاء. [الكليني ، محمد بن يعقوب ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 4 ، ص : 400 ، رواية : 3]. PageV03P028 (1) واجعلنا مسلمين لك ربما يرد سؤال أن إبراهيم وإسماعيل كانا مسلمين عند بناء البيت ، فما معنى الدعاء بأن يجعلهما الله مسلمين؟ وأجاب الطبرسي في مجمع البيان بأن المقصود : واجعلنا مسلمين لك في مستقبل عمرنا ، كما جعلتنا مسلمين في ماضي عمرنا ، بأن توفقنا وتفعل بنا الألطاف التي تدعونا إلى الثبات على الإسلام. [مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 393]. وذلك تماما كما هي الحال في قوله تعالى : ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ) [إبراهيم : 40] ، PageV03P029 وقوله تعالى : ( فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) [النمل : 19] ، والله أعلم. PageV03P030 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 278. (2) م. ms5614 س ، ج : 1 ، ص : 279. PageV03P031 (1) الصدوق ، الفقيه ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 4 ، ص : 369 ، باب : 2 ، رواية : 5762. PageV03P036 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 400. PageV03P042 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 403. (2) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 310. PageV03P050 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 73 ، ص : 601 ، باب : 2 ، رواية : 4. PageV03P051 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 307. PageV03P053 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 410 PageV03P056 (1) التفسير الكاشف ، م : 1 ، ص : 221 PageV03P059 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 414. (2) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 318. PageV03P060 (1) مفردات الراغب ، ص : 418. (2) الزمخشري ، جار الله ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ج : 1 ، ص : 319. (3) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 418. (4) مفردات الراغب ، ص : 486 487. (5) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 224. (6) مفردات الراغب ، ص : 106. PageV03P061 (1) (م. س) ، ص : 218. (2) م. ن ، ص : 126. (3) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 249. (4) مفردات الراغب ، ص : 181. PageV03P062 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 414. (2) غمط الحق : جحده. PageV03P073 (1) المغيا : الموضوع له الغاية. (2) تفسير الميزان ، ص : 315. PageV03P074 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 319. PageV03P076 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 416. PageV03P077 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 318. PageV03P082 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 413. PageV03P083 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 420. PageV03P086 (1) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 334 ، باب : 1 ، رواية : 42. (2) م. ن ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 286 ، باب : 53 ، رواية : 29. PageV03P097 (1) البحار ، م : 6 ، ج : 16 ، ص : 443 ، باب : 9 ، رواية : 59. (2) (م. ن) ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 264 ، باب : 61 ، رواية : 29. (3) (م. ن) ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 257 ، باب : 61 ، رواية 7. (4) (م. ن) ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 262 ، باب : 61 ، رواية : 25. PageV03P099 (1) نهج البلاغة ، كتاب / 53. PageV03P100 (1) مفردات الراغب ، ص : 281. PageV03P113 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 56 ، رواية : 3. PageV03P114 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 346. (2) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 99. PageV03P121 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 438. PageV03P127 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 384. (2) الكافي ، ج : 4 ، ص : 245 ، رواية : 4. (3) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج ، 1 ، ص : 385. PageV03P128 (1) البحار ، م : 18 ، ج : 54 ، ص : 138 ، باب : 1 ، رواية : 188. PageV03P135 (1) م. ن ، م ms5615 : 1 ، ج : 2 ، ص : 379 ، باب : 13 ، رواية : 14. (2) م. ن) م : 19 ، ج : 57 ، ص : 415 ، باب : 39 ، رواية : 11. PageV03P136 (1) التفسير الكاشف ، م : 1 ، ص : 251. (2) (م. ن) ، م : 1 ، ص : 251 252. PageV03P153 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 453. PageV03P154 (1) انظر : مفردات الراغب ، ص : 507. (2) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 456. (3) مفردات الراغب ، ص : 225. (4) م. ن ، ص : 117. (5) انظر : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 456. PageV03P155 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 459. PageV03P164 (1) مفردات الراغب ، ص : 321. PageV03P165 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 328. PageV03P169 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 328. PageV03P182 (1) مفردات الراغب ، ص : 542. PageV03P184 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 466. (2) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 426. PageV03P185 (1) الفقيه ، ج : 3 ، ص : 345 ، باب : 52 ، رواية : 4215. PageV03P188 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 242 ، رواية : 1. PageV03P189 (1) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 426. PageV03P199 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 330. PageV03P200 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 477. (2) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 331. (3) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 475. PageV03P201 (1) يقول الإمام علي (ع): «وعليكم بالصبر ، فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، ولا خير في جسد لا رأس معه ، ولا في إيمان لا صبر معه» [نهج البلاغة ، قصار الحكم / 82] PageV03P209 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 474 475. PageV03P210 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 358 ، رواية : 1. PageV03P217 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، ت : نديم مرعشلي ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ص : 163. PageV04P007 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : الأولى ، 1412 ه 1992 م ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 498 ، باب : 35 ، رواية : 5. (2) الخوئي ، الموسوي ، أبو القاسم ، البيان في تفسير القرآن ، دار الزهراء ، ط : السادسة ، 1412 ه 1992 م ، ص : 298 299. PageV04P009 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التف ير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1993 م 1414 ه ، ج : 1 ، ص : 422 423. PageV04P011 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط : 1406 ه 1986 م ، ج : 1 ، ص : 485. (2) ابن أبي طالب ، الامام علي عليهالسلام ، نهج البلاغة ، قصار الحكم / 254. PageV04P013 (1) البحار م : 37 ، ج : 100 ، ص : 129 ، با : 54 ، رواية : 17. PageV04P015 (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص : 427. (2) التوراة ms5616 ، سفر التثنية ، إصحاح : 9 ، الرقم : 9. PageV04P019 (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص : 428. (2) إنجيل متى ، الإصحاح الرابع ، الرقم : 1 2. (3) إنجيل لوقا ، الإصحاح الخامس ، الرقم : 33 35. (4) قاموس الكتاب المقدس. PageV04P020 (1) البحار ، م : 30 ، ج : 84 ، ص : 339 ، باب : 81 ، رواية : 17. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 492 493. PageV04P022 (1) روي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه ، وروى يوسف ابن الحكم قال : سألت ابن عمر عن الصوم في السفر ، فقال : أرأيت لو تصدقت على رجل صدقة فردها عليك ، ألا تغضب ، فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم. وروى عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وروي عن ابن عباس أنه قال : الإفطار في السفر عزيمة [مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 493]. (2) قال في مجمع البيان : وروى أصحابنا عن أبي عبد الله عليهالسلام أنه قال : الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر ، وعنه عليهالسلام قال : لو أن رجلا مات صائما في السفر لما صليت عليه ، وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : من سافر أفطر وقصر ، إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله وروى العياشي بإسناده مرفوعا إلى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : لم يكن رسول الله يصوم في السفر تطوعا ولا فريضة حتى نزلت هذه الآية بكراع الغميم عند صلاة الهجير ، فدعا رسول الله بإناء فيه ماء فشرب وأمر الناس أن يفطروا ، فقال قوم : قد توجه النهار ، ولو تممنا يومنا هذا فسماهم رسول الله العصاة ، فلم يزالوا يسمون بذلك الاسم حتى قبض رسول الله. [مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 493]. PageV04P023 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 2 ، ص : 12 (2) انظر : م. ن. ، ج : 2 ، ص : 28. PageV04P024 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 13. PageV04P025 (1) البحار ، م : 18 ، ج : 55 ، ص : 430 ، باب : 13. (2) م. ن. ، م : 34 ، ج : 93 ، ص : 200 ، باب : 42 ، رواية : 15. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 498. PageV04P028 (1) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص ms5617 : 416 ، باب : 16 ، رواية : 37. (2) م. ن ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 416 ، باب : 16 ، رواية : 37. (3) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 33. PageV04P033 (1) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 416 ، باب : 16 ، رواية : 37. (2) الكليني ، الكافي ، ج : 2 ، ص : 437 438. (3) م. ن. ، ج : 2 ، ص : 440. (4) م. ن. ، ج : 2 ، ص : 440. PageV04P034 (1) يجثه : يقتلعه وينتزعه ، وكناية عن الإهلاك. (2) جديد الأرض : وجهها. (3) الكافي ، ج : 2 ، ص : 470 ، رواية : 9. (4) م. ن. ، ج : 2 ، ص : 470 ، رواية : 8. PageV04P035 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 510. (2) م. ن. ج : 2 ، ص : 511. (3) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 465 ، باب : 24 ، رواية : 21. PageV04P036 (1) بظهر قلب : المشهور أن الظهر هنا زائد مقحم. وفي الحديث : لا صدقة إلا عن ظهر غنى أي : صادرة عن غني ، فالظهر فيه مقحم كما في ظهر القلب. (2) ساه : أي : غافل عن المقصود وعما يتكلم به غير مهتم ، أو غافل عن عظمة الله وجلاله ورحمته ، غير متوجه إليه بسرائره وعزمه وهمته. (3) الكافي ، ج : 2 ، ص : 473. (4) م. ن. ، ص : 324 325. PageV04P041 (1) نهج البلاغة ، كتاب / 31. PageV04P042 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 45. (2) الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 1 ، ص : 338. (3) مفردات الراغب ، ص : 162. PageV04P046 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 503. PageV04P047 (1) انظر : تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 337 338. (2) انظر : م. ن. ، ج : 1 ، ص : 339. PageV04P049 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 340. PageV04P050 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ص : 53. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 506. (3) الكافي ، ج : 5 ، ص : 122 ، رواية : 1. PageV04P053 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 411 ، رواية : 3. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 506. PageV04P054 (1) ألحن : أفطن وأعرف وأقدر عليها من صاحبه. (2) أسهما : اقترعا أي : اقصدا الحق في القسمة وليأخذ كل منكما ما تخرجه القرعة من النصيب. (3) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 340. PageV04P055 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 436 ، باب : 3 ، رواية : 11. PageV04P057 (1) الواحدي ، أبو الحسن ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1414 ه 1994 م ، ص : 29. (2) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 491. (3) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 430 341. PageV04P060 (1) كذا ورد ، وفي الرواية الأولى في أسباب ms5618 النزول ورد : وثعلبة بن عنمة. PageV04P066 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 340. (2) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 56. PageV04P067 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 57. PageV04P069 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 59. PageV04P071 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 509 510. PageV04P078 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 63. PageV04P079 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 73 ، ص : 793 ، باب : 67 ، رواية : 30. PageV04P081 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 53 ، رواية : 7. PageV04P086 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 500. (2) الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1410 ه 1990 م ، ج : 2 ، ص : 24 25. PageV04P087 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 516. PageV04P088 (1) البحار ، م : 14 ، ج : 44 ، ص : 637 ، باب : 37 ، رواية : 2. (2) م. ن. ، م : 15 ، ج : 45 ، ص : 9 ، باب : 37. PageV04P090 (1) البحار ، م : 35 ، ج : 96 ، ص : 366 ، باب : 30 ، رواية : 4. PageV04P101 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 79. (2) م. ن. ، ج : 2 ، ص : 79. PageV04P102 (1) الحر العاملي ، محمد بن الحسن ، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط : 6 ، 1412 ه 1991 م ، ج : 8 ، ص : 9 باب : 1 ، رواية : 18. PageV04P106 (1) الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، 1415 ه 1995 م ، ج : 2 ، ص : 399. PageV04P108 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 528. PageV04P109 (1) البحار ، م : 35 ، ج : 96 ، ص : 455 ، باب : 55 ، رواية : 4. (2) م. ن. ، م : 35 ، ج : 96 ، ص : 455 ، باب : 55 ، رواية : 3. PageV04P112 (1) مفردات الراغب ، ص : 469. PageV04P114 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 352. (2) مفردات الراغب ، ص : 150. (3) م. ن. ، ص : 512. PageV04P115 (1) مفردات الراغب ، ص : 267. PageV04P116 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 352. PageV04P117 (1) الشراء هنا بمعنى البيع كما في قوله تعالى : وشروه بثمن بخس [يوسف : 20] أي : باعوه. PageV04P119 (1) الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 3 ، 1990 م : 3 ، ج: 5 ، ص : 204. PageV04P120 (1) البحراني ، هاشم ، البرهان في تفسير القرآن ، دار الهادي ، بيروت لبنان ، ط : 4 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 1 ، ص : 207. PageV04P121 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 536. PageV04P126 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 537. PageV04P129 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 539. (2) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 353. PageV04P133 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 112. PageV04P138 (1) مجمع البيان ، ج ms5619 : 2 ، ص : 543. (2) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 145. PageV04P143 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 113. PageV04P148 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 136 137. PageV04P152 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 137. PageV04P153 (1) مفردات الراغب ، ص : 32. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 546. PageV04P156 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 162. PageV04P157 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 282 ، باب : 62 ، ورواية : 4. PageV04P159 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 586. PageV04P167 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 585. (2) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 166. (3) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 585. (4) م. ن. ، ج : 1 ، ص : 585. PageV04P168 (1) البحار ، م : 18 ، ج : 54 ، ص : 13 ، باب : 1. PageV04P170 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 549. PageV04P181 (1) لمزيد من التفاصيل حول مناسبة النزول ، انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 551 ، والدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 600 605 ، وأسباب النزول ، ص : 36 38. PageV04P186 (1) راجع : البحار ، م : 8 ، ج : 21 ، ص : 80 ، باب : 26 ، رواية : 8. PageV04P189 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 171 172. PageV04P192 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 176. (2) البحار ، م : 25 ، ج : 70 ، ص : 357 ، باب : 131 ، رواية : 26. PageV04P195 (1) مفردات الراغب ، ص : 5. PageV04P211 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 557. PageV04P212 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 406 ، رواية : 1. (2) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 199. PageV04P213 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 406 ، رواية : 2. PageV04P215 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 198 199. PageV04P223 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 607. PageV04P228 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 558. PageV04P229 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 612. PageV04P231 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 559. PageV04P232 (1) مفردات الراغب ، ص : 526. PageV04P234 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 526. (2) الظاهر سقوط الضمير من اللفظة ، والصواب : خلته. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 560. PageV04P235 (1) التهذيب ج : 7 ، ص : 401 ، باب : 34 ، رواية : 9. (2) البحار ، م : 31 ، ج : 88 ، ص : 604 ، باب : 119 ، رواية : 18. PageV04P239 (1) مفردات الراغب ، ص : 11. PageV04P242 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 211. PageV04P243 (1) مفردات الراغب ، ص : 25. (2) الزبيدي ، محمد مرتضى الحسيني ، تاج العروس من جوهر القاموس ، ت : إبراهيم الترزي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، 1385 ه 1965 م ، مادة : أنى. (3) مفردات الراغب ، ص : 111. PageV04P244 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 618. (2) انظر : م. ن. ، ج : 1 ، ص : 618 619. PageV04P245 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 215. PageV04P249 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 563. PageV04P250 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ms5620 ، ص : 349 ، باب : 8. رواية : 65. PageV04P259 (1) الختن : زوج البنت أو الأخت. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 566. (3) انظر : م. ن ، ج : 2 ، ص : 567. PageV04P263 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 434 ، رواية : 1. PageV04P266 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 210 ، رواية : 6. PageV04P267 (1) البحار ، م : 23 ، ج : 64 ، ص : 73 ، باب : 3 ، رواية : 21. (2) البحار ، م : 24 ، ج : 67 ، ص : 123 ، باب : 53 ، رواية : 29. PageV04P269 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 404 ، باب : 4 ، رواية : 37. PageV04P270 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 647. (2) أسباب النزول ، ص : 42 43. PageV04P272 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 131 ، رواية : 4. PageV04P273 (1) التهذيب ، ج : 7 ، ص : 412 ، باب : 36 ، رواية : 19. PageV04P275 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 566 ، رواية : 42. PageV04P276 (1) مفردات الراغب ، ص : 413. PageV04P278 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 572. (2) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 656. PageV04P279 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 574. PageV04P280 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 574. PageV04P282 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 575. PageV04P283 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 506 ، رواية : 1. PageV04P284 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 277 ، باب : 7 ، رواية : 1. (2) البحار ، م : 6 ، ج : 17 ، ص : 810 ، باب : 5 ، رواية : 11. PageV04P285 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، ص : 518 ، باب ، 33 ، رواية : 27. PageV04P287 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 513 ، رواية : 1. PageV04P288 (1) التهذيب ، ج : 1 ، ص : 384 ، باب : 19 ، رواية : 6. (2) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 379 ، باب : 119 ، رواية : 22. PageV04P290 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 577. PageV04P302 (1) مجمع البيان : ج 2 ، ص : 577. (2) الدار المنثور ، ج 1 ، ص 667 668. PageV04P303 (1) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج : 3 ، ص : 502 ، باب : 2 ، رواية : 4764. PageV04P304 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 364 365 ، باب : 114 ، رواية : 1. PageV04P306 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 360 ، باب : 112 ، روآية : 66. PageV04P307 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 360 ، باب : 112 ، روآية : 67. PageV04P310 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 581. PageV04P314 (1) تفسير الطبري ، ج : 2 ، ص : 652. (2) م. ن ، ج : 2 ، ص : 653. (3) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 683. PageV04P315 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 684. PageV04P316 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 685. PageV04P320 (1) البحار ، م : 13 ، ج : 40 ، ص : 309 ، باب : 93 ، رواية : 2. PageV04P326 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 100 ، ص : 192 ، باب : 66 ، رواية : 45. PageV04P328 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 308 ، باب : 103 ، رواية : 6. (2) م. ms5621 ن. ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 308 ، باب : 103 ، رواية : 8. PageV04P330 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 113 ، رواية : 1. PageV04P337 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 381 ، باب : 119 ، رواية : 34. PageV04P342 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 381 ، باب : 119 ، رواية : 37. PageV04P343 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 598. PageV04P354 (1) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 720. (2) م. ن. ، ج : 1 ، ص : 720. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 599. PageV04P356 (1) انظر : الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 721 ، ومجمع البيان ، ج : 20 ، ص : 599. (2) انظر : الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 720. (3) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 599 600. PageV04P358 (1) البحار ، م : 29 ، ج : 82 ، ص : 584 ، باب : 54. (2) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 730. PageV04P359 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 601. (2) البحار ، م : 31 ، ج : 86 ، ص : 68 ، باب : 93 ، رواية : 10. (3) م. ن ، م : 31 ، ج : 86 ، ص : 68 ، باب : 93 ، رواية : 10. PageV04P361 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 602. (2) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 382 ، باب : 119 ، رواية : 40. (3) ربما توحي الرواية الواردة في سبب النزول بأن الخطاب لأولياء الميت الذي مات من دون وصية ، فقد أخرج إسحاق بن راهويه عن مقاتل بن حيان «أن رجلا من أهل الطائف قدم المدينة ، وله أولاد ورجال ونساء ، ومعه أبواه وامرأته ، فمات بالمدينة ، فرفع ذلك للنبي صلىاللهعليهوسلم فأعطى الوالدين ، وأعطى أولاده بالمعروف ، ولم يعط امرأته شيئا ، غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول ، وفيه نزلت : ( ئوالذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) الآية». [الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 739]. وفي ضوء ذلك يكون المراد بالوصية من الله لا من الزوج ، فتكون تكليفا موجها لأولياء الميت في قيامهم بحق الزوجة في النفقة والمسكن إلى الحول ، وهو غير مقيد ، لأن القرآن قد عبر عن الفريضة الإلهية بأسلوب الوصية ، كما في قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) [النساء: 11] ولكن الرواية غير معتمدة من حيث السند ، فلا يرفع إليها عن الظهور الأولى لأجلها. PageV04P365 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 602. PageV04P366 (1) انظر : تفسير الأمثل ، ج : 1 ، ص : 134 136. PageV04P367 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 381 ، باب : 119 ، رواية : 39. PageV04P368 (1) البحار ، م : 37 ms5622 ، ج : 100 ، ص : 233 ، باب : 17 ، رواية : 65. PageV04P370 (1) الكافي ، ج : 8 ، ص : 198 ، باب : 8 ، رواية : 237. (2) انظر : تفسير الطبري ، ج : 2 ، ص : 792 800 ، والدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 741 743. PageV04P374 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 382 ، باب : 71 ، رواية : 1. PageV04P381 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 611. PageV04P385 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه ، 1992 م ، ج : 1 ، ص : 199. PageV05P006 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه ، 1991 م ، ج : 2 ، ص : 313 314. PageV05P009 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 327 329. (2) م. ن. ، ج : 2 ، ص : 329. PageV05P014 (1) الكليني ، محمد بن يعقوب بن إسحاق ، الكافي ، دار الكتاب الإسلامية ، طهران ، ج : 2 ، ص : 307 ، رواية : 1. PageV05P019 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، دار الفكر ، ص : 432. PageV05P026 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 341. (2) السيوطي ، عبد الرحمن ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 2 ، ص : 12. PageV05P027 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 342. PageV05P028 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 337 338. PageV05P033 (1) الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب الله تعالى ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1413 ه 1992 م ، ج : 2 ، ص : 175 176. PageV05P035 (1) الزمخشري ، أبو القاسم محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 1 ، ص : 385 386. PageV05P038 (1) الصحيفة السجادية الكاملة ، دار الأضواء ، بيروت ، دعاؤه في يوم الفطر ، ص : 269. PageV05P039 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 346 347. PageV05P042 (1) الواحدي ، أبو الحسن علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه 1994 م ، ص : 45 46. PageV05P044 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 22 ، ص : 356 ، باب : 37 ، رواية : 117. PageV05P046 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 349 350. PageV05P057 (1) مجمع البيان ، م : 1 ، ص : 473. PageV05P061 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 476. PageV05P068 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 478. (2) م. ن ، ج : 1 ، ص : 477. PageV05P070 (1) م. س. ، ص : 477. (2) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 367. PageV05P071 (1) مجمع البيان ms5623 ، ج : 1 ، ص : 481. PageV05P076 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ص : 392. PageV05P077 (1) فضل الله ، محمد حسين ، الحوار في القرآن ، ص : 247. PageV05P079 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 492. PageV05P100 (1) مفردات الراغب ، ص : 119 120. PageV05P101 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 48 ، رواية : 9. (2) البحار ، م : 34 ، ج : 93 ، ص : 107 ، باب : 18 ، رواية : 10. (3) م. ن. م : 34 ، ج : 93 ، ص : 107 ، باب : 18 ، رواية : 11. PageV05P102 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 65. PageV05P106 (1) البحار ، م : 20 ، ج : 58 ، ص : 88 89 ، باب : 43 ، رواية : 21. PageV05P107 (1) م. س. ، م : 1 ، البحار ، ج : 1 ، ص : 215 ، باب : 6 ، رواية : 25. PageV05P108 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 12 ، روآية : 11. PageV05P109 (1) الكافي ، ج : 3 ، ص : 499 ، رواية : 9. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 502 ، رواية : 17. PageV05P112 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 409. (2) جاء في البحار : قال أبو عبد الله عليهالسلام : «إن القرآن حي لم يمت ، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار ، وكما يجري الشمس والقمر ، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا». البحار ، م : 11 ، ج 35 ، ص : 647 648 ، باب : 20 ، رواية : 21. PageV05P116 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 499. (2) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 404. PageV05P118 (1) البحار ، م : 27 ، ص : 60 ، باب : 4 ، رواية : 41. PageV05P120 (1) مغنية ، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، ط : 4 ، حزيران 1990 ، م : 1 ، ص : 435. PageV05P129 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 418. PageV05P135 (1) انظر : م. س. ، ج : 2 ، ص : 419. PageV05P136 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 416 417. PageV05P139 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 503. (2) م. ن ، ج : 1 ، ص : 503. PageV05P142 (1) البحار ، م : 34 ، ج : 93 ، ص : 86 ، باب : 14 ، رواية 68. PageV05P143 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 430. (2) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 505. PageV05P146 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص 109. PageV05P147 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 35 ، رواية : 4. PageV05P148 (1) فتوى د. معروف الدواليبي في موضوع الربا والمصارف (حول موقف الشريعة من المصارف) والأحكام والقواعد العامة الشرعية. PageV05P155 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 507 508. PageV05P161 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 440. PageV05P171 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 513. (2) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 403. (3) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 513. PageV05P172 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 514. PageV05P175 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 404. PageV05P176 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 406. PageV05P179 (1) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص ms5624 : 442. (2) البحار ، م : 23 ، ج : 64 ، ص : 73 ، باب : 3 ، رواية : 21. (3) البحار ، م : 24 ، ج : 67 ، ص : 123 ، باب : 53 ، رواية : 29. PageV05P183 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 518. PageV05P185 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 142. PageV05P203 (1) م. س. ، ج : 2 ، ص : 4 5. (2) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 18. PageV05P204 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 5 6. PageV05P205 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 7 8. PageV05P210 (1) ابن أبي طالب ، علي ، نهج البلاغة ، ضبط نصه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني. ط : 2 ، 1982 م ، ص : 350 ، الكتاب : 77. PageV05P218 (1) انظر تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 24. PageV05P224 (1) انظر الشيرازي ، ناصر مكارم الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل. مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1413 ه 1992 م ، ج : 2 ، ص : 387. PageV05P229 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 96. PageV05P233 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 32. PageV05P234 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 33. PageV05P235 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 24. (2) م. ن. ، ج : 3 ص : 31. (3) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 528. PageV05P236 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 31. PageV05P237 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 31. PageV05P238 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 528. (2) م. ن. ، ج : 1 ، ص : 528. (3) البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 290 ، باب : 8 ، رواية : 1. PageV05P239 (1) البحار ، ج : 2 ، باب : 23 ، ص : 178 ، رواية : 28. PageV05P240 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 158. (2) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 136. PageV05P246 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 536. PageV05P251 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 121. PageV05P253 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 536. PageV05P254 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 118. PageV05P259 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 119. PageV05P260 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 119. PageV05P262 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 119 120. PageV05P264 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 539. PageV05P269 (1) البحار ، م : 30 ، ج : 84 ، ص : 372 ، باب : 81 ، رواية : 63. PageV05P270 (1) نهج البلاغة ، ص : 491 ، قصار الحكم : ، 125. PageV05P274 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 170. (2) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 545 546. PageV05P282 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 548 ، 549. PageV05P293 (1) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 465 ، باب : 25 ، رواية : 465. (2) م. ن. ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 471 ، باب : 79 ، رواية : 68. PageV05P297 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 345 ، باب : 64 ، رواية : 26. (2) نهج البلاغة ، ص : 508 ، قصار الحكم : 226. PageV05P299 (1) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 550. (2) تفسير الميزان ، ج : 3 ms5625 ، ص : 163 164. PageV05P304 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 165. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 164. PageV05P307 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 165. PageV05P309 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 533 ، باب : 87 ، رواية : 98. PageV05P311 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 468 ، باب : 79 ، رواية : 58. PageV05P328 (1) تفسير الأمثل ، ج : 2 ، ص : 340. PageV05P329 (1) أسباب النزول ، ص : 56. PageV05P332 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 429. (2) م. ن. ، ج : 1 ، ص : 429. PageV05P352 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 213. PageV05P355 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 204 205. PageV05P357 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 561. PageV05P363 (1) اختلف المفسرون في تفضيل مريم على نساء العالمين ، هل المقصود نساء عالمها وعليه أكثر المفسرين أو نساء العالمين أجمع وعليه الزجاج وغيره ، والظاهر أن القول الأول أصح لورود كثير من الروايات الصحيحة ، بأن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، كما أن طبيعة الاختيار توحي بذلك باعتبار أنه يحصل في دائرة النساء الموجودة في ذلك الزمن ؛ والله العالم. PageV06P009 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م. م : 37 ، ج : 101 ، ص : 470 ، باب : 21 ، رواية : 6. (2) (م. ن) ، م : 37 ، ج : 101 ، باب : 21 ، ص : 470 ، رواية : 5. PageV06P011 (1) الكليني ، محمد بن يعقوب ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 7 ، ص : 158 ، رواية : 2. والتهذيب ، ج : 6 ، باب : 22 ، ص : 239 ، رواية : 19. (2) التهذيب ، ج : 6 ، باب : 22 ، ص : 238 ، رواية : 15. PageV06P013 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 2 ، ص : 752. PageV06P020 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 3 ، ص : 229. PageV06P022 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 754. PageV06P034 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 757. PageV06P039 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ص : 491. (2) الوهق : حبل في طرفه عقدة يجعل في عنق الدابة. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 755. PageV06P040 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 238 239. PageV06P046 (1) البحار ، م : 3 ، ج : 7 ، باب : 3 ، ص : 248 ، رواية : 31. PageV06P047 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 240. PageV06P048 (1) تفسير الميزان ms5626 ، ج : 3 ، ص : 241. (2) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 242. PageV06P050 (1) (م. س) ، ج : 3 ، ص : 243. PageV06P051 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 761. PageV06P060 (1) الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 3 ، م : 4 ، ج : 8 ، ص : 81. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 761 762. (3) ابن منظور ، لسان العرب ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 3 ، 1413 ه PageV06P061 1993 ، ج : 1 مادة " بهل ، ص : 522. PageV06P062 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 264. PageV06P063 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 763. PageV06P066 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، باب : 29 ، ص : 486 ، رواية : 3. (2) أخرجه مسلم من طريق صفية بنت شيبة عنها ، وغفل عنه الحاكم فاستدركه. PageV06P067 (1) الفلذ : كبد البعير ، والجمع أفلاذ ، والفلذة : القطعة من الكبد واللحم والمال وغيرها ، والجمع : فلذ. (2) الزمخشري ، جار الله ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 1 ، ص 434. (3) تفسير الرازي ، م : 4 ، ج : 8 ، ص : 80. PageV06P068 (1) انظر : البحار ، م : 33 ، ج : 92 ، باب : ، 128 ص : 462 ، رواية : 2. PageV06P071 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 766. PageV06P075 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 766. PageV06P076 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 768. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 769. PageV06P083 (1) البحار ، م : 16 ، ج : 48 ، ص : 128 ، باب : 8 ، رواية : 7. PageV06P088 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 770. (2) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، باب : 26 ، ص : 462 ، رواية : 25. PageV06P091 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 770 771. PageV06P092 (1) الواحدي ، أبو الحسن ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1414 ه 1994 م ، ص : 60. PageV06P093 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 773. PageV06P098 (1) أسباب النزول ، ص : 60. PageV06P099 (1) قال في الكشاف : ولا تؤمنوا متعلق بقوله : أن يؤتى أحد وما بينهما اعتراض ، أي : ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا : أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ( أو يحاجوكم عند ربكم ) عطف على ( أن يؤتى ) والضمير في يحاجوكم لأحد ، لأنه في معنى الجميع بمعنى : ولا ms5627 تؤمنوا لغير أتباعكم ، إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة. فإن قلت : فما معنى الاعتراض؟ قلت : معناه أن الهدى هدى الله ، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام ، كان ذلك ، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيفكم وتصديكم عن المسلمين والمشركين. وكذلك قوله تعالى : ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) . [تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 437]. PageV06P102 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 777. PageV06P105 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 71 ، ص : 47 ، باب : 2 ، رواية : 46. PageV06P106 (1) مفردات الراغب ، ص : 159. (2) مجمع البيان : ج : 2 ، ص : 779. PageV06P113 (1) مفردات الراغب ، ص : 218. (2) أسباب النزول ، ص : 62. PageV06P114 (1) أسباب النزول ، ص : 60 61. PageV06P115 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 439. PageV06P118 (1) مفردات الراغب ، ص : 477. PageV06P119 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 780. PageV06P120 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 781 782. (2) مفردات الراغب ، ص : 169. (3) أسباب النزول ، ص : 62. PageV06P124 (1) مفردات الراغب ، ص : 14. PageV06P132 (1) البحار ، م : 6 ، ج : 16 ، باب : 9 ، ص : 408. PageV06P133 (1) أسباب النزول ، ص : 63. PageV06P140 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 789. PageV06P141 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 790. PageV06P143 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 792. PageV06P147 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 792. PageV06P148 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 71 ، باب : 2 ، ص : 42 ، رواية : 25. PageV06P150 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 792 793. (2) الرازي ، أبو الفتوح ، تفسير القرآن ، ج : 3 ، ص : 157. PageV06P151 (1) أسباب النزول ، ص : 64. PageV06P153 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 797. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 799. PageV06P158 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 407. PageV06P159 (1) السيوطي ، أبو عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1414 ه 1993 م ، ج : 2 ، ص : 265. (2) البحار ، م : 29 ، ج : 80 ، باب : 29 ، ص : 197 ، رواية : 2. PageV06P160 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 405. PageV06P165 (1) انظر : البحار ، م : 35 ، ج : 96 ، باب : 7 ، ص : 297 ، رواية : 15. PageV06P166 (1) نهج البلاغة ، الكتاب / 47. (2) البحار ، م : 35 ، ج : 96 ، ص : 261 ، باب : 2 ، رواية : 69. PageV06P167 (1) (م. س) ، م : 35 ، ج : 96 ، باب : 2 ، ص : 260 رواية : 65. (2) (م. ن) ، م : 35 ، ج : 96 ، باب : 13 ، ص : 319 320 ، رواية : 15. (3) الكافي ، ج : 4 ، ص : 267 ، رواية : 2. PageV06P168 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 267 ، رواية : 3. (2) التهذيب ، ج : 5 ، باب ms5628 : 1 ص : 17 ، رواية :. PageV06P169 (1) مجمع البيان ، ج : 20 ، ص : 800. PageV06P171 (1) أسباب النزول ، ص : 64 65. PageV06P177 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 416. PageV06P178 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 67 ، ص : 170 ، رواية : 31. (2) انظر : الدر المنثور ، ج : 2 ، باب : 56 ، ص : 282. PageV06P185 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 67 ، باب : 56 ، ص : 168 ، رواية : 12. (2) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 420. (3) انظر : (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 421. PageV06P186 (1) مفردات الراغب ، ص : 16. PageV06P188 (1) هكذا وردت ، والصحيح : هذه الآية ، والله العالم. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 804. PageV06P189 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 805. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 805. PageV06P193 (1) مفردات الراغب ، ص : 19. PageV06P198 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 806. PageV06P199 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 430. PageV06P208 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 454. PageV06P210 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 430. (2) أسباب النزول ، ص : 66. PageV06P211 (1) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 431. PageV06P212 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 811. PageV06P213 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 294. (2) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 436. PageV06P214 (1) البحراني ، السيد هاشم ، البرهان في تفسير القرآن ، دار الهادي ، بيروت لبنان ، ط : 4 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 1 ، ص : 308 309. PageV06P215 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 69 ، رواية : 3. PageV06P217 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 454. PageV06P218 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 455. PageV06P221 (1) مفردات الراغب ، ص : 303. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 813. (3) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 438. (4) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 814. (5) مفردات الراغب ، ص : 105. (6) (م. ن) ، ص : 62. (7) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 439. PageV06P222 (1) أسباب النزول ، ص : 66. PageV06P223 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 814. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 818. 848 849. (3) انظر : (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 817. PageV06P227 (1) (م س) ، ج : 2 ، ص : 815. PageV06P228 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 819. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 819. (3) مفردات الراغب ، ص : 18. (4) (م. ن) ، ص : 143. PageV06P232 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 820. PageV06P233 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 26 ، ص : 357. PageV06P237 (1) مفردات الراغب ، ص : 63. PageV06P242 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 823. (2) مفردات الراغب ، ص : 394. PageV06P243 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 827. (2) مفردات الراغب ، ص : 437. (2) مفردات الراغب ، ص : 437. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 830. PageV06P250 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 831. PageV06P254 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 833. PageV06P255 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 831 832. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 832. PageV06P257 (1) مجمع البيان ms5629 ، ج : 2 ، ص : 833. PageV06P258 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 313. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 314. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 834 835. PageV06P261 (1) الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1415 ه 1995 م ، م : 3 ، ج : 4 ص : 120. PageV06P263 (1) الزحيلي ، وهبة ، التفسير المنير ، ج : 3 ، ص : 92 93. PageV06P265 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 835. (2) مفردات الراغب ، ص : 449. (3) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 21. (4) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 839. PageV06P268 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 839. PageV06P269 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 841. PageV06P274 (1) مفردات الراغب ، ص : 415. PageV06P278 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 396 ص : 411. (2) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 29. (3) مفردات الراغب ، ص : 483 484. PageV06P279 (1) مفردات الراغب ، ص : 484. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 846. (3) كذا وردت ، والصحيح : وثاب نفر من الرماة. وثاب : أي : عاد ورجع. (4) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 843. PageV06P280 (1) اللدم : صوت الحجر ، أو الشيء يقع بالأرض وليس بالصوت الشديد. (2) أسباب النزول ، ص : 69. (3) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 333. PageV06P281 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 844. PageV06P284 (1) انظر : تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 466. PageV06P285 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 30. PageV06P286 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 847. PageV06P289 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 848 849. PageV06P292 (1) يتشحط في دمه : يتمرغ. (2) تفسير الطبري ، م : 3 ، ج : 4 ص : 150. (3) (م. ن) ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 150. PageV06P293 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 855 856. PageV06P303 (1) مفردات الراغب ، ص : 203. PageV06P304 (1) انظر : الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 341 ، 342 ، ومجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 856. (2) أسباب النزول ، ص : 70. PageV06P305 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 858. (2) أسباب النزول ، ص : 70. PageV06P313 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 861. (2) مفردات الراغب ، ص : 477. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 861. PageV06P317 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 353 354. PageV06P318 (1) مفردات الراغب ، ص : 218 219. PageV06P325 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 53. PageV06P328 (1) مفردات الراغب ، ص : 396. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 869. PageV06P337 (1) مفردات الراغب ، ص : 376. PageV06P338 (1) القنص : الصيد ، و«ما» زائدة. والمراد بالشاة : امرأة شبهها بها. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 869. PageV06P340 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 72 ، باب : 48 ص : 330 ، رواية : 34. (2) (م. ن) ، م : 26 ، ج : 72 ، باب : 84 ص : 328 ، رواية : 23. PageV06P344 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 872. PageV06P350 (1) أسباب النزول ، ص : 70. (2) (م. ms5630 ن) ، ص : 70 71. (3) (م. ن) ، ص : 71. PageV06P351 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 873. PageV06P352 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 874. PageV06P356 (1) (م. س) ، ج : 2 ، ص : 874. (2) مفردات الراغب ، ص : 299. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 874. PageV06P357 (1) انظر : مفردات الراغب ، ص : 482. PageV06P365 (1) (م. س) ، ص : 25. PageV06P366 (1) البحار ، م : 35 ، ج : 96 ، باب : 2 ص : 261 ، رواية : 72. PageV06P371 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 478. PageV06P373 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 880. PageV06P376 (1) (م. س) ، ج : 2 ، ص : 880. PageV06P377 (1) أخفره : نقض عهده وغدره. (2) ارتث : حمل من المعركة جريحا وفيه رمق. PageV06P378 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 881 882. PageV06P379 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 63 64. PageV06P382 (1) مفردات الراغب ، ص : 149. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 886. PageV06P384 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 886 888. PageV06P386 (1) أسباب النزول ، ص : 73 74. PageV06P402 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 895. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 895. PageV06P405 (1) مفردات الراغب ، ص : 35. PageV06P410 (1) انظر : أسباب النزول ، ص : 74. PageV06P411 (1) انظر : الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1413 ه 1992 م ، ج : 3 ، ص : 23. (2) انظر تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 484. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 897. PageV06P415 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 898. PageV06P416 (1) المدارس والمدرس : الموضع الذي يدرس فيه ، والمدرس أيضا : الكتاب. (2) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 396. PageV06P417 (1) نهج البلاغة ، الخطبة / 178 ص : 186. PageV06P420 (1) مفردات الراغب ، ص : 414 415. PageV06P421 (1) أسباب النزول ، ص : 75. PageV06P422 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 900. PageV06P427 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 485. PageV06P429 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 485. PageV06P431 (1) نهج البلاغة ، الخطبة / 82 ص : 64. PageV06P432 (1) أسباب النزول ، ص : 75 76. PageV06P436 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 486. PageV06P441 (1) البحار ، م : 19 ، ج : 57 ، باب : 39 ، ص : 415 ، روايى : 11. (2) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 478. (3) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 905. PageV06P442 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 906. PageV06P446 (1) مفردات الراغب. ص : 148. PageV06P451 (1) أسباب النزول ، ص : 77. (2) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 914. PageV06P452 (1) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 916 917. PageV06P467 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 417. PageV06P475 (1) البحار ، م : 9 ، ج : 24 ، باب : 57 ، ص : 142 ، رواية : 14. (2) البحار ، م : 9 ، ج : 24 ، باب : 57 ، ص : 140 ، ، رواية : 6. (3) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، باب : 91 ، ص : 283 ، رواية : 18. PageV06P476 (1) الأصفهاني ، الراغب ، مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 220. PageV07P018 (1) (م. س) ، ص ms5631 : 206. PageV07P019 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت لبنان ، ط : 1 1411 ه 1991 م ، ج : 4 ، ص : 151. PageV07P024 (1) جاء في كتاب التوحيد للصدوق نقلا عن تفسير الميزان عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام في حديث قال : لعلك ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم ، بلى والله ، لقد خلق ألف ألف آدم ، أنتم في آخر أولئك الآدميين. تفسير الميزان ، ج : 4 : ص : 150 151. PageV07P026 (1) تفسير الميزان ج : 4 ، ص : 151 152. PageV07P029 (1) الطبري ، محمد بن جرير ، جامع البيان ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ط : 1415 ه 1995 م ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 300. PageV07P031 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 142. (2) تفسير البيان ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 301. (3) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 26 ، ج : 71 ، ص : 64 ، باب : 3 ، رواية : 36. PageV07P032 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 71 ، باب : 3 ، ص : 88 ، رواية : 106. (2) الكليني ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 2 ، ص : 347 ، رواية : 5. (3) البحار ، م : 26 ، ج : 71 ، ص : 89 ، باب : 3 ، رواية : 107. PageV07P034 (1) مفردات الراغب ، ص : 575. PageV07P037 (1) (م. س) ، ص : 321. (2) (م. ن) ، ص : 134. PageV07P038 (1) الواحدي ، أبو الحسن ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه / 1994 م ، ص : 79 80. PageV07P042 (1) تفسير البيان ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 307. PageV07P043 (1) (م. س) ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 309. (2) يتحوبون : يخافون الإثم. (3) تفسير البيان. م : 3 ، ج : 4 ، ص : 309 310. PageV07P044 (1) (م. س) ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 312. PageV07P045 (1) الصحيفة السجادية ، دار الأضواء ، بيروت ، ط : 2 ، 1408 ه 1987 م ، ص : 133. PageV07P048 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 181. PageV07P056 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 108. (2) الكافي ، ج : 5 ، ص : 362 ، رواية : 1. PageV07P063 (1) انظر البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 340 ، باب : 13 ، رواية : 6. (2) الطبرسي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 3 ، ص : 185. PageV07P064 (1) جاء في وسائل الشيعة : جاءت امرأة إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقالت : زوجني ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : من لهذه؟ فقام رجل فقال : أنا يا رسول الله ms5632 ، زوجنيها. فقال : ما تعطيها؟ فقال : ما لي شيء؟ قال : لا. فأعادت ، فأعاد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الكلام ، فلم يقم أحد غير الرجل ، ثم أعادت ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في المرة الثالثة : أتحسن من القرآن شيئا؟ قال : نعم ، قال : قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن ، فعلمها إياه. الحر العاملي ، محمد بن الحسن ، وسائل الشيعة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، م : 15 ، باب : 2 ، ص : 3 4 ، رواية : 1. PageV07P068 (1) البحار ، م : 21 ، ج : 61 ، باب : 72 ، ص : 327 ، رواية : 38. PageV07P069 (1) البحار ، م : 31 ، ج : 88 ، ص : 604 ، باب : 119 ، رواية : 18. (2) البحار ، م : 26 ، ج : 73 ، ص : 779 ، باب : 67 ، رواية : 13. PageV07P071 (1) البحار ، م : 15 ، ج : 47 ، ص : 642 ، باب : 8 ، رواية : 38. PageV07P076 (1) سبعت الوحشية : أكل السبع ولدها فهي مسبوعة. خذلت الظبية : تخلفت عن صواحبها وانفردت عن القطيع ، الصوار : قطيع البقر وهاديتها : متقدمتها. PageV07P078 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 13. PageV07P079 (1) أسباب النزول ، ص : 80. (2) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 180 181. PageV07P083 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 268 ، باب : 31 ، رواية : 18. (2) الكافي ، ج : 5 ، ص : 130 ، رواية : 3. (3) البحار ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 270 ، باب : 31 ، رواية : 29. PageV07P085 (1) البحراني ، هاشم ، البرهان في تفسير القرآن ، دار الهادي بيروت ، ط : 4 ، 1412 ه 1992 م ، ج: 1 ، ص : 344. (2) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1414 ه 1993 م ، م : 2 ، ص : 437 438. PageV07P086 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 17 18. (2) تفسير البيان ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 349. (3) (م. ن) ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 349. (4) (م. ن) ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 349. PageV07P089 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 18. PageV07P091 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 228. PageV07P096 (1) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 465 ، باب : 252 ، رواية : 21. PageV07P101 (1) (م. س) ، م : 34 ، ج : 93 ، ص : 218 ، باب : 46 ، رواية 25. PageV07P102 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 210. PageV07P105 (1) نقلا عن البحار ، ج : 72 ، باب : 31 ، ص : 269 ، رواية : 24. PageV07P106 (1) الزمخشري ، محمود بن عمر ، تفسير الكشاف ، دار الفكر ، ج : 1 ، ص : 510. PageV07P109 (1) أسباب النزول ، ص : 81. (2) تفسير البيان ، م : 3 ، ج : 4 ، ص : 366. PageV07P110 (1) تفسير ms5633 الميزان ، ج : 4 ، ص : 213. PageV07P113 (1) الطوسي ، أبو جعفر ، محمد بن الحسن ، تهذيب الأحكام ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت لبنان. 1412 ه 1992 م ، ج : 9 ، ص : 223 ، باب : 21 ، رواية : 14. (2) انظر : مغنية ، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، ط : 4 ، حزيران 1990 ، م : 2 ، هامش ص : 264. PageV07P115 (1) تهذيب الأحكام ، ج : 9 ، ص : 144 145 ، باب : 5 ، رواية : 21. PageV07P119 (1) البحار ، م : 10 ، ج : 28 ، ص : 286 ، باب : 3 ، رواية : 3. PageV07P121 (1) يراجع : مغنية ، محمد جواد ، فقه الإمام جعفر الصادق عليهالسلام ، دار الجواد ، ط : 6 ، 1413 ه ، 1992 ، ج : 6 ، ص : 216. PageV07P124 (1) جاء في الصحاح : إن عالج موضع بالبادية به رمل. أما معنى قوله عليهالسلام : إن السهام لا تعول على ستة. أي لا تميل على ستة. حتى تغيرها إلى غيرها. والستة هي السهام المصرح بها في الكتاب ، وهي النصف والثلث والثلثان والربع والسدس والثمن. (2) الكافي ، ج : 7 ، ص : 79 ، رواية : 2. PageV07P125 (1) وسائل الشيعة ، م : 17 ، باب : 7 ، ص : 427 ، رواية : 6. (2) فقه الإمام جعفر الصادق ، ج : 6 ، ص 217. PageV07P126 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 32. (2) البحار ، م : 3 ، ج : 8 ، ص : 577 ، باب : 24 ، رواية 239. PageV07P130 (1) كنز العرفان في فقه القرآن ، للمقداد السيوري ، ج : 2 ، ص : 339 340. (2) انظر : مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 34. PageV07P137 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 34. PageV07P139 (1) البحار ، م : 27 ، ج : 76 ، ص : 570 ، باب : 70 ، رواية : 39. PageV07P140 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 34. PageV07P141 (1) الخوئي ، أبو القاسم ، البيان في تفسير القرآن ، دار الزهراء ، ط : 6 ، 1412 ه 1992 م ، ص : 310 313. PageV07P143 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 34. PageV07P144 (1) الفقيه ، ج : 1 ، ص : 133 ، رواية : 351. PageV07P150 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 258. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 258. PageV07P151 (1) الصحيفة السجادية ، ص : 188. PageV07P153 (1) أسباب النزول ، ص : 81 82. (2) انظر مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 39. PageV07P158 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 261. PageV07P160 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 560 ، رواية : 19. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 42. (3) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 267. PageV07P165 (1) الدر المنثور ، م : 2 ، ص : 496. PageV07P168 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 52. PageV07P172 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 290. PageV07P174 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 271. PageV07P176 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 273. PageV07P177 (1) (م. س) ، ج ms5634 : 4 ، ص : 273. PageV07P178 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 : ص : 279 280. PageV07P182 (1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج : 20 ، ص : 25 ، باب : 413. PageV07P184 (1) مجمع البيان ، ج 3 ، ص : 54. PageV07P187 (1) مفردات الراغب ، ص : 145. (2) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 28. PageV07P188 (1) الوسائل ، م : 6 ، باب : 3 ، ص : 375 ، رواية : 2. (2) جاء في الفقيه ، عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام : من قتل نفسا معتمدا ، فهو في PageV07P201 نار جهنم خالدا فيها ، واستشهد على ذلك بهذه الآية ، الفقيه ، ج : 3 ، ص : 571 ، باب : 2 ، رواية : 4953. PageV07P202 (1) راجع : تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 333. PageV07P206 (1) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 60. (2) الدر المنثور ، م : 2 ، ص : 500. PageV07P207 (1) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ص : 54. PageV07P208 (1) لأن الله عزوجل يقول : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض .. ) الآية : وأيضا قال الله تعالى شأنه : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) أي بالعهود. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 62. PageV07P209 (1) البحار ، م : 3 ، ج : 8 ، ص : 645 ، باب : 27 ، رواية : 1. (2) الإمام علي بن أبي طالب ، نهج البلاغة ، ضبط نصه وابتكر فهارسه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، ط : 2 ، 1982 م ، قصار الحكم : 348 ، ص : 534. PageV07P210 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 63. PageV07P213 (1) أسباب النزول ، ص : 83. PageV07P215 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 277 ، باب : 7 ، رواية : 1. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 63. PageV07P216 (1) أسباب النزول ، ص : 83 84. PageV07P222 (1) مفردات الراغب ، ص : 514. PageV07P226 (1) أسباب النزول ، ص : 84. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 68. PageV07P227 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 357. PageV07P228 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 277 ، باب : 7 ، رواية : 1. PageV07P233 (1) مفردات الراغب ، ص : 97. (2) (م. ن) ، ص : 228. (3) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 363. PageV07P252 (1) صلف صلفا : تمدح بما ليس فيه أو عنده وادعى فوق ذلك إعجابا وتكبرا ، فهو صلف. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 71. (3) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 71. (4) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 73. PageV07P253 (1) (م. س) ، ج : 3 ، ص : 76. PageV07P254 (1) أسباب النزول ، ص : 84 85. PageV07P255 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 71 ، ص : 62 ، باب : 3 ، رواية : 22. PageV07P261 (1) البحار ، م : 3 ، ج : 7 ، ص : 411 ، باب : 16 ، رواية : 6. PageV07P271 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ms5635 ، ص : 80. (2) أسباب النزول ، ص : 85. PageV07P274 (1) البلاغي ، محمد جواد ، تفسير آلاء الرحمن ، مكتبة الوجداني ، قم ، ط : 2 ، ج : 1 ، ص : 116. (2) أسباب النزول ، ص : 85. PageV07P275 (1) في البحار ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (محمد الباقر عليهالسلام ) ، قال : لا تقم إلى PageV07P277 الصلاة متكاسلا ولا تناعسا ولا متثاقلا ؛ فإنها من خلال النفاق ، وقد نهى الله عزوجل المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى ، يعني من النوم.[البحار ، م : 29 ، ج : 81 ، ص : 352 ، باب : 37 ، رواية : 2]. PageV07P278 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 83. PageV07P282 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 9 ، ص : 47 ، باب : 1. PageV07P284 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 88. PageV07P289 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 389 390. (2) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 176. PageV07P290 (1) أسباب النزول ، ص : 86. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 91. PageV07P295 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 92. PageV07P299 (1) م. س ، ج : 3 ، ص 92. PageV07P300 (1) أسباب النزول ، ص : 86 87. PageV07P301 (1) نهج البلاغة ، رسائل أمير المؤمنين ، رسالة : 36 ، ص : 409. (2) (م. ن) ، خطبة : 130 ، ص : 188. (3) (م. ن) ، خطبة : 201 ، ص : 319. PageV07P304 (1) جاء في تفسير الميزان عن الباقر عليهالسلام في حديث ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) قال : نحن الناس المحسودون. ج : 4 ، ص : 393. PageV07P307 (1) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 394 395. PageV07P310 (1) أسباب النزول : ص : 87 88. PageV07P312 (1) أسباب النزول ، ص : 88 89. PageV07P318 (1) البحار ، م : 2. ج : 5 ، ص : 441 ، باب : 12 ، رواية : 30. PageV07P323 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، ص : 242 ، باب : 29 رواية : 37. PageV07P326 (1) أسباب النزول ، ص : 89. (2) (م. ن) ، ص : 91. PageV07P332 (1) البحار ، م : 8 ، ج : 22 ، باب : 37 ، ص : 87 ، رواية : 41. PageV07P333 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 102. PageV07P336 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 114. PageV07P346 (1) أسباب النزول ، ص : 92 93. PageV07P356 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 16. PageV07P358 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 124. PageV07P367 (1) محسن الأمين ، أعيان الشيعة ، ج : 4 ، ص : 303 304 (نقلا عن مناقب ابن شهر آشوب). PageV07P370 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 128. PageV07P377 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 129. PageV07P379 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 130. PageV07P381 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 34. PageV07P382 (1) البحار ، م : 14 ، ج : 43 ، ص : 417 ، باب : 16 ، رواية : 15. PageV07P383 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 73 ، باب : 97 ، ص : 560 ، رواية : 6. (2) (م. ن) ، م : 26 ، ج : 73 ، باب : 97 ms5636 ، ص : 565 ، رواية : 41. (3) (م. ن) ، م : 26 ، ج : 73 ، باب : 97 ، ص : 521 ، رواية : 17. (4) (م. ن) ، م : 26 ، ج : 73 ، باب : 97 ، ص : 560 ، رواية : 7. PageV07P384 (1) أسباب النزول ، ص : 93 94. PageV07P388 (1) أسباب النزول ، ص : 94 95. (2) م. ن ، ص : 95. PageV07P399 (1) جاء في بحار الأنوار ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة» ، ج : 64 ، ص : 50 ، باب 1 ، رواية : 35 PageV07P402 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 142. (2) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 142 143. (3) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 143. PageV07P403 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 46. PageV07P405 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 147. PageV07P410 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 152. (2) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 152. PageV07P415 (1) البحار م : 4 ، ج : 10 ، ص : 277 ، باب : 7 ، رواية : 1. PageV07P422 (1) نهج البلاغة ، خطبة : 189 ، ص : 279. (2) البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 277 ، باب : 7 ، رواية : 1. PageV07P423 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 153. (2) أسباب النزول ، ص : 99. PageV07P426 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 65 66. (2) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 333. PageV07P427 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 10 ، ص : 461 ، باب : 25. PageV07P428 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 67 68. PageV07P429 (1) الكافي ، ج : 3 ، ص : 270 ، رواية : 13. PageV07P430 (1) (م. س) ، ج : 3 ، ص : 457 ، رواية : 6. PageV07P431 (1) صحيح مسلم ، دار إحياء التراث العربي بيروت ، ط : 3 ، ج : 5 ، ص : 196. (2) وسائل الشيعة ، م : 7 ، ص : 124 ، باب : 1 ، رواية : 4. PageV07P432 (1) (م. س) ، م : 7 ، ص : 124 ، باب : 1 ، رواية : 5. PageV07P433 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 159. (2) الطوسي ، أبو جعفر ، محمد بن الحسن ، التبيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، م : 3 ، ص : 314. (3) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 357 358. PageV07P435 (1) مفردات الراغب ، ص : 162. PageV07P439 (1) في الأصل «به». PageV07P440 (1) أسباب النزول ، ص : 100. (2) العلية : بيت منفصل عن الأرض ببيت أو نحوه. (3) أبنه : عابه وعيره. (4) جبه الرجل : ضربه على جبهته ، رد عن حاجته. PageV07P441 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 160 161. PageV07P442 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 80 81. PageV07P454 (1) الوسائل ، م : 18 ، باب : 2 ، ص : 169 ، رواية : 1. PageV07P455 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 166. PageV07P457 (1) البحار ، م : 14 ، ج : 42 ، ص : 148 ، باب : 127 ، رواية : 51. PageV07P459 (1) يراجع : مغنية ، تفسير الكاشف ، م : 2 ، ج : 5 ms5637 ، ص : 437. (2) الرازي ، الفخر ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 3 ، م : 6 ، ج : 11 ، ص : 43. (3) تفسير الكاشف ، م : 2 ، ج : 5 ، ص : 437. PageV07P462 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 171. PageV07P467 (1) تفسير الميزان : ج : 5 ، ص : 98. PageV07P469 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 177. (2) أسباب النزول ، ص : 100 101. PageV07P472 (1) تفسير البيان ، م : 5 ، ج : 5 ، ص : 390. PageV07P473 (1) البحار ، م : 5 ، ج : 12 ، ص : 6 7 ، باب : 1 ، رواية : 5. PageV07P479 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 106 107. PageV07P483 (1) م. س ، ج : 5 ، ص : 102. (2) انظر : م. ن ، ج : 5 ، ص : 102. PageV07P484 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 183. (2) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 417. PageV07P487 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 108. PageV07P488 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 108. (2) الكافي ، ج : 5 ، ص : 362 ، رواية : 1. PageV07P493 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 106. PageV07P496 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 189. PageV07P498 (1) أسباب النزول ، ص : 103. (2) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 5 ، ص : 433. PageV07P499 (1) أسباب النزول ، ص : 103. PageV07P502 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 194. PageV07P507 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 122. (2) الدر المنثور ، م : 2 ، ص : 718. PageV07P511 (1) مفردات الراغب ، ص : 449. PageV07P513 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 122. PageV07P514 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 123. (2) الكافي ، ج : 2 ، ص : 501 ، رواية : 2. PageV07P515 (1) المراد بكون الشمس بين قرني الشيطان ، دنوها من أفق الغروب ، كأنه يجعل النهار والليل قرنين للشيطان ، ينطح بهما ابن آدم أو يظهر لابن آدم. (2) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 123. (3) البحار ، م : 5 ، ج 13 ، ص : 519 ، باب : 18 ، رواية : 8. (4) (م. ن) ، م : 5 ، ج : 13 ، ص : 338 ، باب : 4 ، رواية : 43. PageV07P516 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 199. PageV07P518 (1) مفردات الراغب ، ص : 170. PageV07P519 (1) أسباب النزول ، ص : 103. (2) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 126 127. PageV07P522 (1) مجمع البيان ، م : 2 ، ص : 228. (2) أسباب النزول ، ص : 103. (3) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 11. PageV07P529 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 214. (2) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 214 215. PageV07P538 (1) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 37 38. PageV07P542 (1) أسباب النزول ، ص : 103. (2) تفسير البيان ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 42. PageV07P546 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 222. (2) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 224. PageV07P552 (1) أسباب النزول ، ص : 104. PageV07P553 (1) أسباب النزول ، ص : 104. PageV07P561 (1) تفسير البيان ، م : 4 ، ج ms5638 : 6 ، ص : 55. PageV07P562 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 5 ، ص : 160 PageV08P010 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 25 ، ج : 69 ، ص : 118 ، باب : 105 ، رواية : 26 (2) استوبلوا : ما نالهم من الوبال (3) الإمام علي بن أبي طالب ، نهج البلاغة ، ضبط نصه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، ط : 2 ، 1982 ، رسالة : 53 ، ص ، 442 .. (4) البحار ، م : 23 ، ج : 64 ، ص : 120 ، باب : 11 ، رواية : 1 PageV08P011 (1) م. س. ج ، 71 ، ص : 39 ، باب : 2 ، رواية : 15 PageV08P012 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط : 1 ، ه 1992 م ، ج : 3 ، ص : 190. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 190. PageV08P013 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 190 (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 190. PageV08P014 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 192 193. PageV08P022 (1) البحار ، م : 25 ، ج : 70 ، ص : 377 ، باب : 233 ، رواية : 6. PageV08P028 (1) القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري ، مختصر تفسير القرطبي ، اختصار ودراسة وتعليق محمد كريم راجح ، دار الكتاب العربي ، 1407 ه 1987 م ، ج : 2 ، ص : 10. PageV08P031 (1) الواحدي ، أبو الحسن علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه 1994 م ، ص : 106. PageV08P033 (1) م. س. ، ص : 106. PageV08P034 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 198. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 198. PageV08P037 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 198. PageV08P038 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 199. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 199. PageV08P040 (1) كراع الغميم : اسم موضع بين مكة والمدينة. (2) البحار ، م : 12 ، ج : 37 ، ص : 343 ، باب : 52 ، رواية : 5. (3) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 200. PageV08P045 (1) انظر : الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير القرآن المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت. ط : 1 ، 1413 ه ، نقلا عن تفسير الأمثل ، ج : 3 ، ص : 528. (2) انظر : م. ن. ، ج : 3 ، ص : 529. PageV08P046 (1) الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 1 ms5639 ، ص : 594. (2) م. ن. ج : 1 ، ص : 594. PageV08P049 (1) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 3 ، ص : 23. PageV08P050 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 202. PageV08P051 (1) انظر : تفسير الأمثل ، ج : 3 ، ص : 537. PageV08P053 (1) الكليني ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية ، ج : 6 ، ص : 240 ، رواية : 10. PageV08P055 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 384 ، رواية : 5. (2) البحار ، م : 25 ، ج : 69 ، ص : 61 ، باب : 98 ، رواية : 16. (3) م. ن. ، م : 25 ، ج : 69 ، ص : 61 ، باب : 98 ، رواية : 17. PageV08P058 (1) الكافي ، ج : 3 ، ص : 27 ، رواية : 1. PageV08P061 (1) البحار ، م : 28 ، ج : 77 ، ص : 166 ، باب : 31 ، رواية : 37. PageV08P063 (1) البحار ، م : 28 ، ج : 77 ، ص : 159 ، باب : 31 ، رواية : 29. PageV08P064 (1) الحر العاملي ، محمد بن الحسن ، وسائل الشيعة ، دار إحياء التراث العربي بيروت ط : 6 ، 1412 ه ، 1991 ، م. ج : 1 ، ص : 265 ، باب : 8 ، استحباب تجديد الوضوء لغير حدث لكل صلاة وخصوصا المغرب والعشاء والصبح ، ص : 265 ، رواية : 8. (2) م. س. ، ج : 1 ، ص : 264 ، باب : 8 ، رواية : 3. (3) م. ن. ، ج : 1 ، ص : 264 ، باب : 8 ، رواية : 7. PageV08P066 (1) (م. س) ، ج : 2 ، باب : 7 ، جواز التيمم بالتراب والحجر وجميع أجزاء الأرض دون المعادن ونحوها ، ص : 970 ، رواية : 2. PageV08P067 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 211. PageV08P068 (1) م. س. ، ص : 106. PageV08P069 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 212. PageV08P075 (1) الطبري ، أبو جعفر بن جرير ، جامع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت ، 1412 ه 1992 ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 93. (2) م. ن. ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 94. PageV08P078 (1) أسباب النزول ، ص : 107. PageV08P079 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 218. PageV08P086 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 219. PageV08P092 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 1 ، ص : 254 ، باب : 4 ، رواية : 7. PageV08P093 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 219. PageV08P095 (1) ولعل عمدتهم في ذلك عبارة في إنجيل يوحنا وهي «في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله» ، [الكتاب المقدس ، دار الكتاب المقدس ، إنجيل : يوحنا ، الإصحاح : 1 ، الآية : 1 ، ص : 145] والكلمة في تفسيرهم هي المسيح. PageV08P099 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 44. PageV08P102 (1) جاء في إنجيل يوحنا : [الكتاب المقدس ، إنجيل : يوحنا ، الإصحاح : 8 ، الآية : 41 42 ، ص : 162] ، قال ms5640 عيسى عليهالسلام في خطابه لليهود : «أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له : إننا لم نولد من زنى : لنا أب واحد وهو الله. فقال لهم يسوع : لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت. لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني». PageV08P103 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 45. PageV08P107 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 45 46. PageV08P108 (1) الكافي ، ج : 8 ، ص : 120 ، باب : 8 ، رواية : 93. PageV08P109 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 46. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 47. PageV08P117 (1) البحار ، ج : 101 ، باب : 36 ، ص : 377 ، رواية : 42. PageV08P126 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 325. PageV08P129 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 608. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 231. PageV08P133 (1) أروح : أنتن. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 232. PageV08P134 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 236 PageV08P138 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 272 ، رواية : 6. (2) م. ن. ، ج : 7 ، ص : 271 ، رواية : 1. PageV08P141 (1) م. س. ، ج : 2 ، ص : 20 ، باب : 8 ، رواية : 56. (2) م. ن. ، ج : 71 ، ص : 403 ، باب : 28 ، رواية : 5. PageV08P142 (1) م. س. ، ج : 2 ، ص : 221 : رواية : 3. PageV08P143 (1) زيدت هذه الكلمة لتوضيح المعنى ، وقد وضعت في الكتاب في الهامش هكذا. (2) استوخم المكان : استثقله ولم يوافق هواؤه بدنه. PageV08P146 (1) سمل عينه : فقأها. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 235 236. (3) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 236. (4) جامع البيان ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 136. PageV08P147 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 245 ، رواية : 2. PageV08P148 (1) مجمع البيان ، م : 2 ، ص : 236. PageV08P149 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 245 ، رواية : 8. (2) م. ن. ، ج : 7 ، ص : 246 ، رواية : 8. (3) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 236 237. PageV08P150 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 246 ، رواية : 8. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 237. PageV08P151 (1) مفردات الراغب ، ص : 560. PageV08P155 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 238. PageV08P156 (1) يرحضان : يغسلان. (2) مثراة : مكثرة. (3) منسأة : مطيلة. (4) نهج البلاغة ، ص : 163 ، خطبة : 110. PageV08P158 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 341. PageV08P159 (1) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 610. PageV08P160 (1) أسباب النزول ، ص : 108. (2) م. ن ، ص : 100. PageV08P163 (1) تفسير الميزان. ج : 5 ، ص : 344. PageV08P164 (1) مغنية ، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، ط : 4 ، 1990 ، م : 3 ، ص : 54 55. (2) م. ن. ، ص : 55. PageV08P167 (1) الحسيني ، هاشم ، البرهان في تفسير القرآن ، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان ، قم ms5641 ، ج : 1 ، ص : 47. PageV08P168 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 343. PageV08P169 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 242. PageV08P171 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 242 244. PageV08P176 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 247. PageV08P183 (1) أسباب النزول ، ص : 110. PageV08P185 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 250. (2) جاء في الفصل الواحد والعشرين من سفر الخروج ، «إن النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن واليد باليد والرجل بالرجل والحرق بالحرق والجرح بالجرح والصفعة بالصفعة» سفر الخروج ، الجمل 33 و34 و35. PageV08P188 (1) شرح نهج البلاغة ، خطبة : 37 ، ص : 81. PageV08P189 (1) البرهان في تفسير القرآن ، ج : 1 ، ص : 477. PageV08P190 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 355. PageV08P193 (1) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 355. PageV08P195 (1) البرهان في تفسير القرآن ، ج : 1 ، ص : 478. PageV08P205 (1) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 498 ، باب : 35 ، رواية : 6. PageV08P209 (1) مفردات الراغب ، ص : 176. (2) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 258. (3) مفردات الراغب ، ص : 105. PageV08P211 (1) أسباب النزول ، ص : 110. (2) الدر المنثور ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 99. PageV08P212 (1) تفسير الطبري ، م : 4 ، ج : 6 ، ص : 178. PageV08P213 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 261. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 261 262. PageV08P225 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 105. PageV08P226 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 105 106. PageV08P227 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 9. (2) م. ن. ، ج : 6 ، ص : 9. PageV08P230 (1) م. س. ، ج : 6 ، ص : 11. PageV08P231 (1) مفردات الراغب ، ص : 540. PageV08P232 (1) أسباب النزول ، ص : 111. (2) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 107. PageV08P233 (1) مفردات الراغب ، ص : 80. (2) م. ن. ، ص : 314. (3) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 270. PageV08P238 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 108. (2) أسباب النزول ، ص : 112. PageV08P239 (1) البحار ، م : 105 ، ص : 12 ، إجازة : 28. (2) نهج البلاغة ، ص : 299 ، خطبة : 192. PageV08P244 (1) انظر مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 272 273. (2) مفردات الراغب ، ص : 471. PageV08P247 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 112. PageV08P248 (1) جاء في المجمع ، قال أبو علي الفارسي : قوله أي الزجاج نعمتاه مبسوطتان ، لا يدل على تقليل النعمة وعلى أن نعمته نعمتان ثنتان ، ولكنه يدل على الكثرة والمبالغة ، فقد جاء التثنية ويراد به الكثرة والمبالغة وتعداد الشيء ، لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد ، ألا ترى إلى قولهم : لبيك إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك سعديك إنما هو مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد بذلك طاعتين اثنتين ولا مساعدتين ، فكذلك المعنى في الآية أن نعمه متظاهرة متتابعة. ms5642 فهذا وجه ، وإن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا ، والآخر نعمة الآخرة أو نعمة الدين» * ، انتهى. ويمكن أن يكون الأساس في التعبير أن العطاء يكون باليد ، فإذا كانت اليدان PageV08P249 مبسوطين بالعطاء ، فكأنه يعطي وسيلة من وسائل العطاء ، فلا تبقى وسيلة لا يعطي بها كناية عن شمول العطاء عنده. والله العالمك. PageV08P250 (1) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص : 117. PageV08P259 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 117. (2) م. ن. ، ج : 3 ، ص : 118. PageV08P260 (1) الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 3 ، م : 6 ، ج : 12 ، ص : 49 (2) م. ن. ، م : 6 ، ج : 12 ، ص : 50 (3) أسباب النزول ، ص : 112 PageV08P261 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 59 PageV08P262 (1) قال صاحب المنار السيد محمد رشيد رضا في تفسيره حول هذا الموضوع : «أما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقد رواه أحمد في مسنده ، والترمذي والنسائي ، والضياء في المختارة ، وابن ماجة وحسنه بعضهم ، وصححه الذهبي بهذا اللفظ ، ووثق سند من زاد فيه «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه إلخ» وفي رواية أنه خطب الناس ، فذكر أصول الدين ، ووصى بأهل بيته ، فقال : إني تركت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا حتى يراد علي الحوض ، الله مولاي ، وأنا ولي كل مؤمن ، ثم أخذ بيد علي وقال الحديث أي من كنت مولاه فهذا علي مولاه PageV08P264 (1) مفردات الراغب ، ص : 14. PageV08P271 (1) تفسير القرطبي ، ج : 2 ، ص : 57. PageV08P272 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 125. PageV08P289 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 84. PageV08P290 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 290. PageV08P294 (1) أسباب النزول ، ص : 113 PageV08P296 (1) نشب الشيء في الشيء : علق. PageV08P297 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 291 292. PageV08P298 (1) السيرة النبوية ، ابن هشام ، ت : مصطفى السقاء وآخرون ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1412 ه 1993 م ، ج : 2 ، ص : 513. PageV08P300 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 294 295. PageV08P309 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 108. (2) م. ن. ، ج : 6 ، ص : 107 108. PageV08P314 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 297. (2) الكافي ، ج : 7 ، ص : 443 ، رواية : 1. PageV08P317 (1) وسائل الشيعة ، ج ms5643 : 16 ، ص : 117 118 ، باب : 2 ، رواية : 1. PageV08P318 (1) الحش : البستان. (2) أسباب النزول ، ص : 115. PageV08P322 (1) الفضيخ : عصير العنب. وهو أيضا شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تسمه النار. PageV08P323 (1) البرهان في تفسير القرآن ، ج : 1 ، ص : 500 501. (2) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 132. PageV08P324 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 157. PageV08P326 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 395 ، رواية : 3. (2) م. ن. ، ج : 5 ، ص : 122 ، رواية : 2. PageV08P327 (1) م. س. ، ج : 6 ، ص : 437 ، رواية : 11. (2) البحار ، م : 72 ، ج : 76 ، ص : 664 ، باب : 98 ، رواية : 19. (3) م. ن. ، م : 72 ، ج : 76 ، ص : 665 ، باب : 98 ، رواية : 23. PageV08P328 (1) البرهان في تفسير القرآن ، ج : 1 ، ص : 498. PageV08P329 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 126 127. PageV08P337 (1) مجمع البيان ، م : 2 ، ص : 304. PageV08P342 (1) مفردات الراغب ، ص : 450. (2) نتأ نتوءا الشيء : خرج عن موضعه من غير أن ينفصل ، ارتفع وانتفخ. (3) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 308. (4) مفردات الراغب ، ص : 432. PageV08P343 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 309. (2) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 185. (3) التهذيب ، ج : 5 ، باب : 16 ، ص : 300 ، رواية : 2. PageV08P344 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 142. PageV08P349 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 312 313. PageV08P358 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 152. PageV08P359 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 315 316. PageV08P365 (1) الكافي ، ج : 7 ، ص : 5 ، رواية : 7. (2) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 221. PageV08P378 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 326. (2) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 198 199. PageV08P383 (1) م. س. ، ج : 6 ، ص : 200 201. PageV08P384 (1) تفسير الميزان ، ج : 6 ، ص : 221. (2) م. ن. ، ج : 6 ، ص : 221. PageV08P393 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 329. PageV08P396 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 329. (2) مفردات الراغب ، ص : 364. PageV08P397 (1) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص : 333 334. PageV08P402 (1) راجع : الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 7 ، ص : 13. PageV09P006 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 4 ، ص : 345. (2) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 417. PageV09P025 (1) مفردات الراغب ، ص : 168. PageV09P026 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 347. PageV09P032 (1) مفردات الراغب ، ص : 467. (2) الواحدي ، النيسابوري ، أبو الحسن ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار ms5644 الفكر ، بيروت لبنان ، 1414 ه 1994 م ، ص : 118. PageV09P033 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 350. (2) مفردات الراغب ، ص : 287. (3) انظر : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 38. PageV09P038 (1) أسباب النزول ، ص : 119. PageV09P039 (1) أسباب النزول ، ص : 119. PageV09P048 (1) البحار ، ج : 25 ، ص : 133 ، باب : 4 ، رواية : 5 ، طبعة طهران. (2) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 43 44. PageV09P051 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 356. PageV09P053 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 357. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 357. PageV09P058 (1) أسباب النزول ، ص : 119. PageV09P059 (1) أسباب المزول ، ص : 119 120. (2) انظر : مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 359. PageV09P060 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 359 360. (2) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 60. PageV09P062 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 362. (2) م. ن ، ج : 4 ، ص : 362. PageV09P067 (1) مفردات الراغب ، ص : 471. PageV09P068 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 370. (2) م. ن ، ج : 4 ، ص : 370. PageV09P077 (1) أسباب النزول ، ص : 120. (2) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 3 ، ص : 263. (3) أسباب النزول ، ص : 120. PageV09P078 (1) ابن هشام ، السيرة النبوية ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت لبنان ، 1413 ه 1993 م ، ج : 1 ، ص : 315 316. PageV09P080 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 371 372. PageV09P087 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 198 ، رواية : 1. PageV09P092 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 90. (2) مفردات الراغب ، ص : 58. PageV09P097 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 270 (2) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 25. (3) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 14 ، ج : 42 ، ص : 82 ، باب : 122 ، رواية : 16. PageV09P102 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 377. PageV09P103 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 378. (2) م. ن ، ج : 4 ، ص : 379. (3) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 110. PageV09P105 (1) مفردات الراغب ، ص : 394. PageV09P108 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 97. PageV09P110 (1) مفردات الراغب ، ص : 381. PageV09P111 (1) م. س ، ص : 493 494. PageV09P112 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 97. (2) نهج البلاغة ، الخطبة / 128. PageV09P114 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 384. PageV09P116 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 272. PageV09P117 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 273. PageV09P118 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 112 113. وقد وردت الرواية الأخيرة في : الدر المنثور ، ج : 3 ، ص: 274. PageV09P119 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 103. PageV09P125 (1) انظر : مفردات الراغب ، ص : 419. PageV09P130 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص ms5645 : 392. (2) مفردات الراغب ، ص : 445. PageV09P131 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 392. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 392 393. (3) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 139. (4) مفردات الراغب ، ص : 398. PageV09P132 (1) أسباب النزول ، ص : 122. PageV09P133 (1) الأكظام : جمع كظم محركة وهي مخرج النفس. والأخذ بالأكظام : المضايقة والاشتداد بسلب المهلة. (2) نهج البلاغة ، الخطبة : 125. PageV09P135 (1) نهج البلاغة ، الكتاب : 40. PageV09P136 (1) مفردات الراغب ، ص : 161. (2) م. ن ، ص : 44. PageV09P152 (1) مفردات الراغب ، ص : 336. (2) انظر : مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 397 398. (3) مفردات الراغب ، ص : 297. PageV09P153 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 395. (2) الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1415 ه 1995 م ، م : 5 ، ج : 7 ، ص : 298. (3) أنظر : في الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 292. PageV09P154 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 157. PageV09P161 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 292. (2) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 158. PageV09P162 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 395 396. PageV09P163 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1. 1412 ه 1992 م ، م : 7 ، ج : 19 ، ص : 349 ، باب : 6 ، رواية : 46. PageV09P164 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 145. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 395. PageV09P166 (1) مفردات الراغب ، ص : 3. PageV09P170 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 401. (2) انظر : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 168. PageV09P171 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 169 170. PageV09P172 (1) ينقل الطبري في جامع البيان عن مجاهد أنه قال : ان آزر لم يكن والد إبراهيم [تفسير الطبري ، م : 5 ، ج: 7 ، ص : 316]. وقال الألوسي في روح المعاني : إن الشيعة ليسوا وحدهم الذين يعتقدون أن آزر لم يكن والد إبراهيم بل إن كثيرا من علماء المذاهب الأخرى يرون أن آزر عم إبراهيم وينقل السيوطي عن الفخر الرازي في كتابه أسرار التنزيل : إن والدي رسول الله موحدون ولم يكونوا مشركين أبدا ، وينقل أن هناك روايات تقول : إن آباء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم موحدون وكانوا حتى آدم كان كل واحد منهم أفضل زمانه. وهناك رواية عن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليهالسلام عما قال : آزر عم إبراهيم ، فإذا صح ذلك كله فاننا نلتزم بالمسألة من خلال الروايات لا من خلال القرآن ms5646 الكريم كما جاء في الميزان [راجع ، تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 401]. (2) مفردات الراغب ، ص : 295. PageV09P173 (1) م. س ، ص : 17. (2) م. ن ، ص : 493. (3) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 401. (4) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 177. PageV09P174 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 183. PageV09P185 (1) البحار ، ج : 27 ، باب : 4 ، ص : 95 ، رواية : 57. PageV09P186 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 191. (2) انظر : م. ن ، ج : 7 ، ص : 191. (3) م. ن ، ج : 7 ، ص : 192. PageV09P187 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر الخوارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ج : 2 ، ص : 32. PageV09P188 (1) مجمع البيان ، م : 2 ، ص : 408. (2) (م. ن) ، م : 2 ، ص : 408. (3) البحار ، م : 23 ، ج : 66 ، ص : 569 ، باب : 32 ، رواية : 11. PageV09P190 (1) مفردات الراغب ، ص : 105. PageV09P197 (1) البحار ، م : 6 ، ج : 16 ، ص : 408 ، باب : 9. PageV09P206 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 270 271. (2) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 311. PageV09P210 (1) الكافي ، ج : 8 ، ص : 317 ، باب : 8 ، رواية : 501. PageV09P211 (1) مفردات الراغب ، ص : 389. PageV09P214 (1) أسباب النزول ، ص : 122. (2) م. ن ، ص : 122. (3) انظر : الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 314. PageV09P215 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 280. (2) أسباب النزول ، ص : 122. PageV09P216 (1) م. س ، ص : 122 123. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 417. PageV09P217 (1) م. س ، ج : 4 ، ص : 420. PageV09P218 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 285. PageV09P221 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 291. PageV09P231 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 421 422. (2) انظر : م. ن ، ج : 4 ، ص : 424. PageV09P233 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 37. PageV09P235 (1) مغنية ، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، بيروت لبنان ، ط : 4 ، حزيران 1990 ، م : 3 ، ص : 234. PageV09P238 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 119 ، رواية : 1. (2) الكافي ، ج : 1 ، ص : 120 ، رواية : 2. PageV09P244 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 98 ، رواية : 9. PageV09P254 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 431. PageV09P258 (1) مفردات الراغب ، ص : 338. PageV09P262 (1) أسباب النزول ، ص : 123 124. PageV09P263 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 334. (2) م. ن ، ج : 7 ، ص : 335. PageV09P264 (1) نهج البلاغة ، الكتاب : 66. PageV09P267 (1) نهج البلاغة ، الخطبة / 206. PageV09P268 (1) انظر : الألوسي البغدادي ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، مؤسسة التاريخ العربي ، ط : 4 ، 1405 ه 1985 م ، ج : 80 ، ص : 251. PageV09P269 (1) مفردات الراغب ، ص : 99. PageV09P270 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 434 435. (2) مفردات الراغب ، ص : 360. (3) أسباب النزول ، ص : 124. PageV09P271 (1) تفسير ms5647 الميزان ، ج : 7 ، ص : 335 336. PageV09P272 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 336. PageV09P274 (1) انظر : مفردات الراغب ، ص : 92. PageV09P276 (1) مفردات الراغب ، ص : 216. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 437. PageV09P277 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 441. (2) مفردات الراغب ، ص : 146. PageV09P283 (1) أسباب النزول ، ص : 124. PageV09P299 (1) أسباب النزول ، ص : 125. PageV09P307 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 446. (2) م. ن ، ج : 4 ، ص : 449. PageV09P308 (1) م. س ، ج : 4 ، ص : 449. PageV09P309 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 450. (2) تفسير الكاشف ، م : 3 ، ص : 260. PageV09P317 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 452. PageV09P321 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 50. PageV09P326 (1) مجمع البيان ، ج : 4. ص : 459. (2) مفردات الراغب ، ص : 180. (3) م. ن ، ص : 111. (4) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 459. PageV09P333 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 459. PageV09P334 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 641. PageV09P338 (1) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 367. (2) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 382. PageV09P342 (1) الكافي ، ج : 3 ، ص : 564 ، رواية : 1. (2) م. ن ، ج : 3 ، ص : 565 ، رواية : 2. PageV09P343 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 381. PageV09P344 (1) تفسير الطبري. (2) البحار ، م : 34 ، ج : 93 ، ص : 63 ، باب : 10 ، رواية : 17. PageV09P345 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 52 ، رواية : 2. PageV09P346 (1) مفردات الراغب ، ص : 193. PageV09P351 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 382 383. (2) م. ن ، ج : 7 ، ص : 383. (3) انظر : م. ن ، ج : 7 ، ص : 383. PageV09P355 (1) مجمع البيان ، م : 2 ، ص : 470. PageV09P356 (1) م. س ، ج : 4 ، ص : 470 471. PageV09P357 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 471. PageV09P359 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، ص : 354 ، باب : 9 ، رواية : 10. (2) م. ن ، م : 16 ، ج : 49 ، ص : 381 ، باب : 20 ، رواية : 1. PageV09P362 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 473. (2) م. ن ، ج : 4 ، ص : 476. PageV09P365 (1) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 397. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 475. PageV09P371 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 477. PageV09P377 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 482. PageV09P388 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 483 484. PageV09P390 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 485. PageV09P392 (1) م. س ، ج : 4 ، ص : 485. PageV09P393 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 486. PageV09P395 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، باب : 8 ، ص : 350 ، رواية : 75. PageV09P397 (1) مفردات الراغب ، ص : 157. (2) م. ن ، ص : 169. PageV09P400 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 111. PageV10P010 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج ms5648 : 4 ، ص : 609. (2) مفردات الراغب ، ص : 32. PageV10P011 (1) الزمخشري ، جار الله محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 2 ، ص : 67. (2) يراجع : مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 612. PageV10P018 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 615. PageV10P021 (1) نهج البلاغة ، ضبط نصه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت لبنان ، ط : 2 ، 1982 م ، ص : 482 ، حكمة : 81. PageV10P024 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ص : 616. (2) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت لبنان ، 1411 ه ، 1991 م ، ج : 8 ، ص : 14. (3) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 3 ، ج : 7 ، ص : 370 ، باب : 10 ، رواية : 3. PageV10P027 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 7. PageV10P028 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1993 م ، 1414 ه ، ج : 3 ، ص : 425. (2) الكليني ، الكافي ، ج : 1 ، ص : 58 ، رواية : 20. PageV10P038 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 58 ، رواية : 20. PageV10P039 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 316 ، رواية : 8. PageV10P042 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 32 33. PageV10P047 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 623. PageV10P048 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 71. PageV10P049 (1) نهج البلاغة ، ص : 550 ، حكمة : 420. PageV10P053 (1) البحراني ، هاشم ، البرهان في تفسير القرآن ، دار الهادي ، بيروت لبنان ، ط : 4 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 2 ، ص : 5 6. PageV10P059 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 62. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 626. (3) انظر : تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 35. PageV10P060 (1) تفسير نور الثقلين ، ج : 2 ، ص : 13. PageV10P061 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 631. PageV10P069 (1) مفردات الراغب ، ص : 568. PageV10P077 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 76 ، رواية : 7. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 75 ، رواية : 5. PageV10P079 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 96 97. (2) (م. ن) ، ج : 8 ، ص : 97. PageV10P086 (1) مفردات الراغب ، ص : 155. (2) (م. ن) ، ص : 5. PageV10P089 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 639. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 640. (3) الواحدي ، أبو الحسن ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1414 ه 1994 م ، ص : 125. PageV10P090 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 88. (2) الدر المنثور ، ج : 3 ، ص : 439. (3) (م. ن) ، ج : 3 ، ص : 446 447. (4) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص ms5649 : 89. PageV10P091 (1) تفسير البرهان ، ج : 2 ، ص : 10. PageV10P093 (1) الحر العاملي ، محمد بن الحسن ، وسائل الشيعة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 6 ، 1412 ه 1991 م ، ج : 3 ، ص : 341 ، باب : 1 ، رواية : 9. (2) الكافي ، ج : 6 ، ص : 439 ، رواية : 5. PageV10P094 (1) تفسير البرهان ، ج : 2 ، ص : 10. (2) الكافي ، ج : 4 ، ص : 52 ، رواية : 2. (3) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 10. PageV10P096 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 638. (2) نهج البلاغة ، قصار الحكم / 439 ، ص : 416. PageV10P097 (1) الكافي ، ج : 6 ، ص : 443 ، رواية : 13. (2) (م. ن) ، ج : 6 ، ص : 453 ، رواية : 5. PageV10P098 (1) الكافي : ج : 1 ، ص : 374 ، رواية : 10. (2) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 96. PageV10P102 (1) تفسير البرهان ، ج : 2 ، ص : 13. (2) الدر المنثور ، م : 3 ، ص : 447. PageV10P103 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 96. PageV10P105 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 641. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 641. PageV10P110 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 643. PageV10P113 (1) مفردات الراغب ، ص : 555 556. (2) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 118. PageV10P115 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 119. (2) انظر : تفسير نور الثقلين ، ج : 2 ، ص : 31 ، وتفسير القرطبي ، دار الفكر ، 1415 ه 1995 م ، ج : 4 ، ص : 188 ، وتفسير الأمثل ، مؤسسة البعثة ، ط : 1 ، 1413 ه 1992 م ، ج : 5 ، ص : 47. PageV10P116 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 646. (2) الكتاب المقدس ، إنجيل لوقا 18 ، ص : 129 ، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط. PageV10P123 (1) مفردات الراغب ، ص : 363. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 652. PageV10P127 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 655. (2) مفردات الراغب ، ص : 403. (3) (م. ن) ، ص : 512. PageV10P128 (1) مفردات الراغب ، ص : 27. PageV10P129 (1) مفردات الراغب ، ص : 578. PageV10P137 (1) نهج البلاغة ، والمعجم المفهرس لألفاظه ، دار التعارف للمطبوعات ، ص : 348 ، الكتاب : 72. PageV10P138 (1) تفسير الأمثل ، ج : 5 ، ص : 67. PageV10P139 (1) راجع : مفردات الراغب ، ص : 211. PageV10P141 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 667. PageV10P151 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 672. PageV10P162 (1) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، ص : 233 ، خطبة : 201. PageV10P170 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 702. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، 707. PageV10P198 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 231. PageV10P219 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 748. PageV10P254 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 289. PageV10P262 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 290 291. PageV10P265 (1) للمراجعة : الحلقة الثانية من كتاب «من وحي القرآن». PageV10P268 (1) يراجع : تفسير الميزان ، ج : 8 ، من ص : 311. PageV10P283 (1) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 377. PageV10P299 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص ms5650 : 69 ، رواية : 3. PageV10P302 (1) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 5. (2) الكافي ، ج : 1 ، ص : 539 ، رواية : 4. PageV10P319 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 13. PageV10P332 (1) ابن الأثير ، أبو الحسن ، علي بن عبد الواحد ، الكامل في التاريخ ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1398 ه 1978 م ، ج : 2 ، ص : 83 84. PageV10P334 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 807. PageV10P338 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 20. PageV10P340 (1) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 40. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 42. PageV10P345 (1) البحار ، م : 3 ، ج : 6 ، ص : 67 ، باب : 23 ، رواية : 2. PageV10P346 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 46. PageV10P354 (1) قرأ علي والباقر عليهماالسلام وكذا زيد بن ثابت والربيع بن أنس وأبو العالية على ما في المجمع : لتصيبن باللام ونون التوكيد الثقيلة ، والقراءة المشهورة : لا تصيبن بلا النافية ونون التوكيد الثقيلة. [انظر : مجمع البيان : ج : 4 ، ص : 818]. وعلى كل تقدير ، فمآل المعنى واحد كما سنرى في سياق تفسيرنا لهذه الآية المباركة ، لجهة ما تحمله من تحذير للمسلمين من الاستهانة أو الاستخفاف بموضوع الخلافات الداخلية التي تهدد وحدتهم. PageV10P357 (1) البحار ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 465 ، باب : 24 ، رواية : 21. PageV10P358 (1) مفردات الراغب ، ص : 162. PageV10P360 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 823 824. PageV10P362 (1) مفردات الراغب : ص : 491. PageV10P367 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 826. (2) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 50 51. PageV10P368 (1) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 54. PageV10P371 (1) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 55. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 55 56. (3) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 61. (4) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 61. PageV10P372 (1) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 61. (2) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 63. (3) (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 63. PageV10P373 (1) مفردات الراغب ، ص : 378. PageV10P381 (1) مفردات الراغب ، ص : 74. PageV10P390 (1) انظر : مفردات الراغب ، ص : 211. (2) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 96. (3) مفردات الراغب ، ص : 48. PageV10P391 (1) راجع : مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 843. PageV10P395 (1) البحار ، م : 20 ، ج : 58 ، ص : 91 92 ، باب : 43. رواية : 29. PageV10P412 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 135 136. PageV10P415 (1) مفردات الراغب ، ص : 75. (2) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 137. PageV10P420 (1) جذه : قطعه مستأصلا. (2) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 858 859. PageV10P421 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 862. PageV10P428 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ms5651 ، ج : 5 ، ص : 10. PageV11P023 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 9 ، ص : 150. PageV11P031 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 11 ، ج : 35 ، ص : 580 ، باب : 9 ، رواية : 22. PageV11P033 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 23 24. PageV11P059 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص 245 246. PageV11P078 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 259 260. PageV11P099 (1) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 4 ، ص : 196. PageV11P114 (1) الكليني ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية طهران ، ج : 7 ، ص : 414 ، رواية : 1. PageV11P124 (1) تفسير الميزان ، ج : 9 ، ص : 333. PageV11P145 (1) الدر المنثور ، ج : 4 ، ص : 249. PageV11P171 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 76. PageV11P175 (1) البحار ، م : 34 ، ج : 93 ، ص : 83 ، باب : 14 ، رواية : 52. PageV11P201 (1) مغنية ، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، ط : 4 ، 1990 م ، م : 4 ، ص : 98 99. PageV11P202 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 94 95. PageV11P205 (1) الميزان ، ج : 9 ، ص : 420 421. PageV11P220 (1) البحار ، ج : 7 ، باب : 8 ، ص : 357 ، رواية : 144. PageV11P242 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 109. PageV11P250 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 117. PageV11P267 (1) ابن أبي طالب عليهالسلام ، علي ، نهج البلاغة (المعجم المفهرس) دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1041 ه 1990 م ، قصار الحكم : 172 ، ص : 378. PageV11P311 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم : 324 ، ص : 401. PageV11P318 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 564. PageV11P326 (1) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الأولى المحققة ، 1411 ه 1991 م ، ج : 10 ، ص : 130. PageV12P006 (1) م. س. ، ج : 10 ، ص : 130 131. PageV12P007 (1) الطبرسي ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، ط. الأولى ، 1406 ه 1986 م ، ج : 5 ، ص: 216. PageV12P012 (1) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 157. PageV12P033 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 222. (2) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 157. PageV12P034 (1) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 183. PageV12P046 (1) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 290. PageV12P081 (1) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 314. PageV12P098 (1) فضل الله ، محمد حسين ، الحوار في القرآن ، دار الملاك ، ط. الخامسة ، 1996 م 1417 ه ، ص : 310 311. PageV12P116 (1) تفسير الميزان ، ج : 11 ، ص ms5652 : 25. PageV12P132 (1) والحقيقة أن ما ذهبنا إليه هنا من تفسير لقوله تعالى : ( ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه .. ) ليس مما نتفرد به ، إذ ذهب اليه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في تبيانه. فقد ذكر رضوان الله عليه من معاني الهم : «الشهوة وميل الطباع ، يقول القائل في ما يشتهيه ويميل طبعه ونفسه إليه : هذا من همي ، وهذا أهم الأشياء إلي. وروي هذا التأويل في الآية عن الحسن ، وقال : أما همها ، وكان أخبث الهم وأما همه ، فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء ، وإذا احتمل الهم ، هذه الوجوه ، نفينا عنه (ع) العزم على القبيح ، وأجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منها يليق بحاله ...». (الطوسي ، أبو جعفر ، محمد بن الحسن ، التبيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي بيروت ، ج : 6 ، ص : 121). والأمر عينه ذهب إليه أيضا السيد المرتضى (ره) في كتابه «تنزيه الأنبياء» ، وذلك في معرض تعليقه على المعاني المتعددة لكلمة «الهم» ، قائلا : «فإذا كانت وجوه هذه اللفظة» (أي الهم) مختلفة متسعة على ما ذكرناه ، نفينا عن النبي ما لا يليق به وهو العزم على القبيح ، وأجزنا باقي الوجوه ، لأن كل واحد منها يليق بحاله (راجع تنزيه الأنبياء ص : 73 ، 75). PageV12P186 (1) بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار أحياء التراث العربي ، ط. الأولى 1412 ه 1992 م ، م : 5 ، ج : 12 ، ص : 147 ، باب : 9 ، رواية : 5. PageV12P205 (1) الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، ط. الثالثة ، م : 7 ، ج : 18 ، ص : 199. PageV12P256 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 405. PageV12P267 (1) البحار ، م : 4 ، ج : 9 ، ص : 132 ، باب : 1 ، رواية : 93. (2) م. س. ، م : 24 ، ج : 68 ، ص : 328 ، باب : 63 ، رواية : 49. (3) م. ن. ، م : 25 ، ج : 69 ، ص : 62 ، باب : 98 ، رواية : 21. PageV12P282 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 11 ، ص : 287. PageV13P010 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 11 ، ص : 294. (2) م. ن. ، ج : 11 ، ص : 292. PageV13P017 (1) تفسير الميزان ، ج : 11 ، ص : 307. PageV13P025 (1) تفسير الميزان ms5653 ، ج : 11 ، ص : 371. PageV13P063 (1) ابن أبي طالب ، علي ، نهج البلاغة ، دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1410 ه 1990 م ، خطبة : 23 ، ص : 28. PageV13P093 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم : 33 ، ص : 402. PageV13P112 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 58. PageV13P126 (1) الراغب الاصفهاني ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 247. PageV13P156 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 190. PageV13P175 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 192 193. (2) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م ، 1414 ه ، ج : 5 ، ص 98. (3) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 193. PageV13P178 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 203. PageV13P187 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 205. PageV13P189 (1) م. س. ، ج : 12 ، ص : 206. PageV13P190 (1) مفردات الراغب ، ص : 419. PageV13P197 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 215. PageV13P203 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 257 258. PageV13P232 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 267. PageV13P237 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 273 و274. PageV13P244 (1) الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر (الخوارزمي) ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 2 ، ص 419. PageV13P258 (1) م. س. ، ج : 2 ، ص : 418. PageV13P259 (1) نهج البلاغة ، خ : 42 ص : 45. PageV13P275 (1) تفسير الميزان ، ج 12 ، ص : 340. PageV13P290 (1) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، ج : 4 ، ص : 193. (2) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 341 ، 342. PageV13P294 (1) م. س. ، ج : 12 ، ص : 342. PageV13P295 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 352. PageV13P302 (1) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 358. PageV13P304 (1) انظر تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 365. PageV13P313 (1) م. س. ، ج : 12 ، ص : 365 366. PageV13P314 (1) مفردات الراغب ، ص : 19. PageV13P318 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 6 ، ص 605. (2) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 435. PageV13P323 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات : ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 13 ، ص : 16 17. PageV14P008 (1) الشيرازي ، صدر الدين ، محمد بن إبراهيم ، مفاتيح الغيب ، صححه وقدم له : محمد خواجي ، ص : 149 151. PageV14P010 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 32. PageV14P011 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 35. PageV14P026 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 6 ، ص ms5654 : 515. PageV14P030 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 44. (2) (م. ن) ، ج : 13 ، ص : 44 45. PageV14P036 (1) الكليني ، الكافي ، ج : 5 ، ص : 63 ، رواية : 1. PageV14P043 (1) الكليني ، الكافي ، ج : 2 ، ص : 333 ، رواية : 16. (2) ابن أبي طالب ، الإمام علي (ع) ، نهج البلاغة ، ضبط نصه : د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، ط : 2 ، 1982 م ، قصار الحكم : 154 ، ص : 499. (3) (م. ن) ، خطبة : 201 ، ص : 319. PageV14P062 (1) الطوسي ، أبو جعفر ، محمد بن الحسن ، تهذيب الأحكام ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت لبنان ، 1412 ه 1992 م ، ج : 6 ، ص : 21 ، باب : 7 ، رواية : 7. PageV14P078 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 529. PageV14P083 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 71 ، ص : 26 ، باب : 2 ، رواية : 2 (2) (م. ن) ، ج : 6 ، ص : 69 ، باب : 23 ، رواية : 2. PageV14P085 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 530. PageV14P088 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 55 ، رواية : 7. PageV14P089 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 65 ، رواية : 1. (2) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 531. PageV14P090 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 532. PageV14P093 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 2 ، ص : 447. PageV14P098 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 447. PageV14P102 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 106. PageV14P129 (1) (م. س) ، ج : 13 ، ص : 109. PageV14P130 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 540. PageV14P132 (1) (م. س) ، ج : 6 ، ص : 541. (2) (م. ن) ، ج : 6 ، ص : 541. PageV14P133 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 111. (2) (م. ن) ، ج : 13 ، ص : 111. PageV14P134 (1) (م. س) ، ج : 13 ، ص : 110. PageV14P135 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 544. PageV14P143 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 115. PageV14P145 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 116 117. PageV14P147 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 126 127. PageV14P151 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 145. PageV14P156 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 5 ، ص : 306 307. PageV14P157 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 454. PageV14P158 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 548. (2) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 455 PageV14P162 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 456. PageV14P169 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 154. PageV14P181 (1) راجع : مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 555. PageV14P185 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 557 558. PageV14P189 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص ms5655 : 174 175. PageV14P192 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 558. PageV14P197 (1) البحار ، م : 26 ، ج : 73 ، ص : 649 ، باب : 19 ، رواية : 9. PageV14P200 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 559. PageV14P201 (1) البحار ، م : 20 ، ج : 58 ، ص : 29 ، باب : 42 ، رواية 14. (2) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 210. PageV14P222 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 215 216. PageV14P245 (1) الدر المنثور ، ج : 5 ، ص : 348. PageV14P253 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 275 276. PageV14P276 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 276. PageV14P279 (1) تفسير الكشاف ، ج : 2 ، ص : 473. (2) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 583 585. PageV14P281 (1) مجمع البيان ، ج : 6 ، ص : 587. (2) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 250. PageV14P287 (1) مغنية ، محمد جواد ، تفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، ط : 4 ، 1990 م ، ج : 5 ، ص : 121 122. PageV14P309 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 327. PageV14P347 (1) البحار ، م : 5 ، ج : 13 ، ص : 435 ، باب : 10 ، رواية : 4. PageV14P362 (1) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 369 370. PageV14P381 (1) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، دار الشروق ، 1994 م. ج : 4 ، ص : 2231. PageV14P384 (1) البحار ، م : 3 ، ج : 8 ، ص : 489 ، باب : 16. PageV14P399 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط. 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 32 ، ج : 89 ، ص : 225 ، باب : 127 ، رواية : 1. PageV15P009 (1) الكليني ، الكافي ، ج : 1 ، ص : 32 ، رواية : 2. (2) نقلا عن : الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 14 ، ص : 22. PageV15P014 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر بيروت ، 1993 م 1414 ه ، ج : 5 ، ص : 480. (2) الكافي ، ج : 1 ، ص : 32 ، رواية : 2. PageV15P015 (1) الطبرسي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان ، في تفسير القرآن ، مؤسسة التاريخ العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، ج : 6 ، ص : 679. PageV15P068 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 125. (2) انظر : الدر المنثور ، ج : 5 ، ص : 549. PageV15P089 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 128. PageV15P092 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 226. PageV15P169 (1) الإمام علي ، نهج البلاغة ، ضبط نصه وفهرسه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، ط : 2 ، 1982 م ، خطبة : 42 ، ص : 84. PageV15P186 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 261. PageV15P199 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 279 280. PageV15P216 (1) البحار ، م : 2 ، ج : 4 ms5656 ، ص : 261 ، باب : 1 ، رواية : 10. PageV15P217 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 86. PageV15P267 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 335. PageV15P271 (1) الطبرسي ، أبو الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 7 ، ص : 116. PageV16P021 (1) انظر : الزمخشري ، أبو القاسم ، جار الله ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ج : 3 ، ص : 6. PageV16P022 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 7. PageV16P025 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 117. PageV16P029 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 14 ، ص : 352. PageV16P030 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 121. PageV16P031 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 354. PageV16P032 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 123. (2) انظر : الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ص : 129. (3) مفردات الراغب ، ص : 428. PageV16P040 (1) الشيخ الطوسي ، تهذيب الأحكام ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 5 ، باب : 16 ، ص : 420 ، رواية : 104. (2) الرازي ، الفخر ، التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 3 ، م : 12 ، ج : 23 ، ص : 24. (3) (م. ن) ، م : 12 ، ج : 23 ، ص : 24. PageV16P046 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه ، 1992 م ، م : 35 ، ج : 96 ، باب : 8 ، ص : 300 ، رواية : 24. (2) تفسير الرازي ، م : 12 ، ج : 23 ، ص : 25. PageV16P047 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 126. (2) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 372. PageV16P049 (1) تفسير الميزان : ج : 14 ، ص : 376. PageV16P050 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 373. PageV16P060 (1) تفسير الرازي ، م : 12 ، ج : 23 ، ص : 33. PageV16P065 (1) مفردات الراغب ، ص : 294. (2) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 387. (3) مفردات الراغب ، ص : 293. (4) (م. ن) ، ص : 229. PageV16P074 (1) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م ، 1414 ه ، ج : 6 ، ص : 65 66. PageV16P095 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 398. PageV16P096 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 399. PageV16P097 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 393. PageV16P099 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 151. (2) مفردات الراغب ، ص : 291. PageV16P114 (1) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 413. PageV16P121 (1) مفردات الراغب ، ص : 399. PageV16P131 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 160. PageV16P136 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 20. PageV16P137 (1) مجمع ms5657 البيان ، ج : 7 ، ص : 165. PageV16P144 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 44. (2) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 177. PageV16P168 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 62 63. PageV16P191 (1) مفردات الراغب ، ص : 148. PageV16P196 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 68. (2) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 75. (3) البحار ، م : 3 ، ج : 6 ، باب : 6 ، ص : 106 ، رواية : 19. (4) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 68. PageV16P198 (1) تفسير الرازي ، م : 12 ، ج : 23 ، ص : 148 149. PageV16P223 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 81. PageV16P228 (1) الدر المنثور ، ج : 6 ، ص : 127. (2) الكافي ، ج : 5 ، ص : 354 ، رواية : 1. (3) (م. ن) ، ج : 5 ، ص : 355 ، رواية : 6 ، وقد أورد صاحب الميزان في «تفسيره» هذه الروايات ، فلتراجع في مظانها. PageV16P229 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 32 ، رواية : 1. PageV16P231 (1) تفسير الميزان : ج : 15 ، ص : 82. PageV16P234 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 83. PageV16P237 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 87. PageV16P240 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 206. (2) مفردات الراغب ، ص : 15. PageV16P245 (1) ظفار : كقطام ، بلد باليمن قرب صنعاء ، وجزع ظفاري منسوب إليها ، والجزع : الحرز ، وهو الذي فيه سواد وبياض. (2) العلقة من الطعام : ما يمسك به الرمق. (3) أدلج القوم : ساروا الليل كله أو في آخره. PageV16P247 (1) أي : رفعنا ثيابنا. (2) المرط بالكسر كساء واسع يؤتزر به ، وربما تلقيه المرأة على رأسها وتتلفح به. (3) خطاب للمرأة ، يقال للرجل : يا هناه. PageV16P248 (1) قلص : اجتمع وانقبض. PageV16P250 (1) الدر المنثور : ج : 6 ، ص : 140 143. PageV16P251 (1) يرهقه : أي : يدركه. (2) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 104 105. PageV16P254 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 115 ، رواية : 15. (2) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1410 ه 1990 م ، قصار الحكم / 349 ، ص : 404. PageV16P263 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 356 ، رواية : 2. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 357 ، رواية : 2. PageV16P267 (1) تهذيب الأحكام ، ج : 4 ، باب : 1 ، ص : 186 ، رواية : 102. (2) الكافي ، ج : 5 ، ص : 20 ، رواية : 1. PageV16P268 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 210. PageV16P271 (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 212 213. (1) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 212 213. PageV16P277 (1) البحار ، م : 27 ، ج : 76 ، ص : 685 ، باب : 105 ، رواية : 5. (2) (م. ن) ، م : 37 ، ج : 101 ، باب : 91 ، ص : 285 ، رواية : 37. (3) مجمع البيان ، ج : 7 ، ص : 213. PageV16P282 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 115. PageV16P285 (1) مجمع البيان ms5658 ، ج : 7 ، ص : 216. PageV16P287 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 521 ، رواية : 5. PageV16P293 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 60. (2) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 111. PageV16P294 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 60. PageV16P295 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 35 ، رواية : 1. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 36 ، رواية : 1. (3) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 60. PageV16P296 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 61. PageV16P298 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 61. (2) الكافي ، ج : 5 ، ص : 520 ، رواية : 1. PageV16P300 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 521 ، رواية : 2. (2) (م. ن) ، ج : 5 ، ص : 521 ، رواية : 3. PageV16P301 (1) جاء في الكشاف : فإن قلت : لم سومح مطلقا في الزينة الظاهرة؟ قلت : لأن سترها فيه حرج ، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ، ومن الحاجة إلى كشف وجهها ، خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح ، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن. (تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 61). PageV16P302 (1) الكافي ، ج : 4 ، ص : 345 ، رواية : 7. (2) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 62. PageV16P303 (1) الفقيه ، ج : 3 ، باب : 2 ، ص : 561 ، رواية : 4928. PageV16P305 (1) النوري ، مستدرك الوسائل ، دار الكتب الإسلامية ، ج : 14 ، باب : 24 ، ص : 188 ، رواية : 16466. PageV16P308 (1) الكافي ، ج : 5 ، ص : 330 ، رواية : 5. PageV16P309 (1) المودودي ، أبو الأعلى ، تفسير سورة النور ، ص : 196 197. (2) الفقيه ، ج : 3 ، باب : 52 ، ص : 132 ، رواية : 3491. (3) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 118 119. PageV16P313 (1) مستدرك الوسائل ، ج : 6 ، باب : 26 ، ص : 423 ، رواية : 7136. PageV16P314 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 122. (2) انظر : أبو الأعلى المودودي ، تفسير سورة النور ، ص : 196 197. PageV16P318 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 67. (2) تفسير الكاشف ،) ج : 5 ، ص : 424 ، 425. PageV16P320 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 128 129. (2) (م. ن) ، ج : 15 ، ص : 129. PageV16P328 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم ، ص : 300. PageV16P332 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 149. PageV16P346 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 152. (2) (م. ن) ، ج : 15 ، ص : 152. PageV16P350 (1) نهج البلاغة ، الخطبة : 146 ، ص : 144. PageV16P355 (1) انظر البحار ، م : 8 ، ج : 22 ، باب : 14 ، ص : 557 ، رواية : 11. PageV16P369 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 392. PageV17P007 (1) السيوطي ، عبد الرحمن ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ج : 6 ، ص : 236 237. PageV17P021 (1) مفردات الراغب ، ص : 107. PageV17P029 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ms5659 ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 1412 ه ، 1992 م. PageV17P030 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، بيروت لبنان. PageV17P031 (1) مفردات الراغب ، ص : 394. (2) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 221. PageV17P042 (1) الدر المنثور ، م : 6 ، ص : 257. (2) الإمام علي عليهالسلام ، نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1410 ه 1990 م ، خ : 182 ، ص : 191. PageV17P049 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 220. PageV17P050 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 223. PageV17P055 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 228. PageV17P062 (1) (م. س) ، ج : 15 ، ص : 228. PageV17P063 (1) وقد جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام : كل ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار ، قال الله PageV17P070 تبارك وتعالى : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) يعني أن يقضي الرجل ما فاته بالليل بالنهار وما فاته بالنهار بالليل. تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 237. PageV17P071 (1) مفردات الراغب ، ص : 545. (2) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 245. PageV17P073 (1) يراجع تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 240. PageV17P077 (1) (م. س) ، ج : 15 ، ص : 246. PageV17P078 (1) (م. س) : ج : 15 ، ص : 242. (2) جاء في كتاب عيون أخبار الرضا عليهالسلام بإسناده إلى محمد بن أبي عباد كان مشتهرا بالسماع وبشرب النبيذ قال : سألت الرضا «الإمام علي بن موسى» عليهالسلام عن السماع فقال : لأهل الحجاز رأي فيه وهو في حيز الباطل واللهو ، أما سمعت الله عزوجل يقول : «وإذا مروا باللغو مروا كراما ..». البحار ، المجلسي ، ج : 66 ، باب : 37 ، ص : 631. (3) في روضة الكافي عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله «جعفر الصادق» عليهالسلام عن PageV17P079 هذه الآية .. قال : مستبصرين ليسوا بشكاك ، الكافي ، الكليني ، ج : 8 ، باب : 8 ، ص : 178 ، رواية : 199. PageV17P080 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 247. PageV17P083 (1) تفسير الميزان ج : 15 ، ص : 266 267. PageV17P105 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 267 268. PageV17P107 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 249. PageV17P116 (1) جاء في تفسير الكشاف .. وإنما قال «عدو لي» تصويرا للمسألة في نفسه ، على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو ، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا ms5660 وبنى عليها تدبير PageV17P122 أمره لينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه ليكون أدعى لهم إلى القبول ، وأبعث على الاستماع منه ، ولو قال : فإنه عدو لكم ، لم يكن بتلك المثابة ولأنه دخل في باب من التعريض ، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح. الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود ابن عمر (الخوارزمي). الكشاف ، دار الفكر ، ج : 3 ، ص : 116. PageV17P123 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 292 293. (2) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 254. PageV17P128 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 293. PageV17P129 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ص : 293. PageV17P130 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 265. PageV17P158 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 317 318. PageV17P159 (1) (م. س) ، ج : 15 ، ص : 320. PageV17P160 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 322. PageV17P162 (1) الدر المنثور ، ج : 6 ، ص : 326 327. (2) المسنة : في أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه ، وأخذ في الرعي. والعس : القدح الكبير. PageV17P168 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 268. PageV17P169 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 269. PageV17P172 (1) الصدوق ، الفقيه ، دار الكتب الإسلامية ، طهران. ج : 4 ، باب : 2 ، ص : 379 ، رواية : 5805. PageV17P177 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 271. PageV17P178 (1) مفردات الراغب ، ص : 397. PageV17P196 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 284. PageV17P197 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 156 157. (2) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 388. PageV17P232 (1) (م. س) ، ج 15 ، ص 388. PageV17P233 (1) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 397 398. PageV17P245 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 310. PageV17P258 (1) مفردات الراغب ، ص : 494. PageV17P259 (1) مفردات الراغب ، ص : 413. PageV17P266 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 167. (2) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 12. PageV17P269 (1) مفردات الراغب ، ص : 568. PageV17P274 (1) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، قصار الحكم / 330 ، ص : 402. PageV17P278 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 21. PageV17P279 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 34. PageV17P291 (1) الدر المنثور ، ج : 6 ، ص 428. PageV17P311 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 342. PageV17P333 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 77. PageV17P336 (1) (م. س) ، ج : 16 ، ص : 77. PageV17P337 (1) تفسير الكشاف ، ج 3 ، ص : 192 193. PageV17P344 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 347. PageV17P346 (1) الدر المنثور ، ج : 6 ، ص 443. PageV17P347 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 88. PageV17P351 (1) (م. س) ، ج : 16 ، ص : 88 89. PageV17P352 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 194. PageV17P353 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 97. PageV17P356 (1) (م. س) ، ج : 16 ، ص : 97. PageV17P357 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان ms5661 في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 16 ، ص : 103. [بتصرف]. PageV18P014 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 120. PageV18P033 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 132. PageV18P042 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 128. PageV18P046 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 132. PageV18P047 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 147. PageV18P059 (1) ابن أبي طالب ، علي ، نهج البلاغة ، دار التعارف للمطبوعات ، ط : 1 ، 1410 ه ، 1990 م ، قصار الحكم : 145 ، ص : 374. PageV18P060 (1) تفسير الميزان. ج : 16 ، ص : 151. PageV18P074 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، مؤسسة التاريخ العربي ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 4 ، ص : 375. PageV18P075 (1) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م ، 1414 ه ، ج : 6 ، ص : 479. PageV18P095 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 164. PageV18P107 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 166. PageV18P110 (1) يراجع : الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الخوارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 3 ، ص 22. PageV18P121 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 178 PageV18P122 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 191. (2) الدر المنثور ، ج : 6 ، ص : 493. PageV18P132 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 395. (2) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 190. [بتصرف] PageV18P139 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 194. (2) (م. ن) ، ج : 16 ، ص : 194. (3) (م. ن) ، ج : 16 ، ص : 191. PageV18P141 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 227 PageV18P172 (1) الواحدي النيسابوري ، أبو الحسن علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه 1994 م ، ص : 192. PageV18P178 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 257. PageV18P228 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 258. PageV18P230 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 271. PageV18P240 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 434. PageV18P247 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 280. PageV18P254 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 287. PageV18P257 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 282. (2) (م. ن) ، ج : 16 ، ص : 282 283 [بتصرف]. PageV18P261 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص 285 286. PageV18P266 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 440 441. PageV18P269 (1) الكتاب المقدس ، العهد القديم ، دار الكتاب المقدس ، سفر : التثنية ، الإصحاح : 20 ، آية : 10 15 ، ص : 311. (2) العقاد ، عباس محمود ، المجموعة الكاملة ، العبقريات الإسلامية ، عبقرية محمد ، دار الكتاب اللبناني ، 1984 م ، م : 1 ، ص : 64. PageV18P290 (1) الطبري ، ج : 22 ، ص 7 8. (2) (م. ن) ، ج ms5662 : 22 ، ص : 5. (3) (م. ن) ، ج : 22 ، ص : 6 PageV18P298 (1) (م. س) ، ج : 22 ، ص : 7. PageV18P299 (1) صحيح مسلم ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 3 ، ج : 15 ، ص : 181 PageV18P301 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 463. PageV18P305 (1) الدر المنثور ، م : 6 ، ص : 610. PageV18P316 (1) صحيح مسلم ، ج : 15 ، ص : 52. (2) الدر المنثور ، م : 6 ، ص : 618. PageV18P323 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 347. PageV18P330 (1) الكليني ، محمد بن يعقوب بن إسحاق ، الكافي ، ج : 5 ، ص : 568. رواية : 53. PageV18P332 (1) مجمع البيان ، م : 4 ، ص : 472. PageV18P333 (1) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 349 350. PageV18P340 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم : 324 ، ص : 401. PageV18P342 (1) الدر المنثور ، م : 6 ، ص : 647. PageV18P345 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم : 17 ، ص : 357. (2) تفسير الميزان ، ج : 16 ، ص : 350 351. (3) الدر المنثور ، م : 6 ، ص : 659. PageV18P349 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 16 ، ص : 373. PageV19P026 (1) ورد في بعض الروايات أنه قال لأهله عند ما أحس بدنو أجله لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه ودخل محرابه ، وقام متكئا على عصاه فمات وبقي قائما سنة ، وتم البناء ثم سلط الله على منسأته الأرضة حتى أكلتها ، فخر ميتا فعرف الجن بموته ، وكان يحسبونه حيا لما كانوا يشاهدونه من طول قيامه قبل ذلك. PageV19P028 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، دار المعرفة ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 4 ، ص : 605. PageV19P032 (1) راجع : حمودة ، عبد الوهاب ، القرآن وعلم النفس ، ص : 86 92. PageV19P068 (1) انظر : القوصي ، عبد العزيز ، علم النفس ، ص : 390. (2) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، ج : 22 ، ص : 91. PageV19P069 (1) ابن أبي طالب ، علي عليهالسلام ، نهج البلاغة ، ضبط نصه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، ط 2 / 1982 م ، ص : 303 ، خطبة : 193. PageV19P089 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 27. PageV19P095 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 650. PageV19P126 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 651. PageV19P129 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 89. (2) م. ن ، ج : 17 ، ص : 90. PageV19P147 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 679. PageV19P165 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 114. (2) نهج البلاغة ، ص : 274 ، خطبة : 186. PageV19P167 (1) م. س. ، ص : 274 ، خطبة : 186. (2) الكليني ، الكافي ، ج : 1 ، ص : 109 ، رواية : 3. PageV19P168 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 122 123. PageV19P175 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار ms5663 الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 18 ، ج : 55 ، ص : 280 ، باب : 9 ، رواية : 8. PageV19P177 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 126. PageV19P178 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 696. PageV19P194 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 166. PageV19P217 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 174 175. PageV19P222 (1) م. س. ، ج : 17 ، ص : 176. PageV19P223 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 187. (2) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 187 188. PageV19P234 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 3 ، ص : 359. PageV19P235 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 201. PageV19P249 (1) م. س. ، ج : 17 ، ص : 200. PageV19P250 (1) م. س. ، ج : 17 ، ص : 200 201. PageV19P251 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 204. (2) م. ن. ، ج : 17 ، ص : 207 208. PageV19P261 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 376. PageV19P266 (1) م. س. ، ج : 3 ، ص : 376. (2) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 210 211. PageV19P267 (1) م. س. ، ج : 17 ، ص : 210. PageV19P268 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 746. PageV19P271 (1) الخوئي ، أبو القاسم ، البيان في تفسير القرآن ، دار الزهراء ، بيروت لبنان ، ط : 6 ، 1412 ه 1992 م ، ص : 470. PageV19P297 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 378. PageV19P301 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 239. PageV19P303 (1) نهج البلاغة ، ص : 482 ، قصار الحكم : 81. PageV19P310 (1) مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 767. PageV19P313 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 17 ، ص : 314. PageV20P020 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 3 ، ص : 418. PageV20P021 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 8 ، ص : 828. PageV20P072 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 363. PageV20P094 (1) (م. س) ، ج : 17 ، ص : 363 364. (2) (م. س) ، ج : 17 ، ص : 364. PageV20P096 (1) تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 367. PageV20P098 (1) انظر تفسير الميزان ، ج : 17 ، ص : 368 369. PageV20P099 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 8 9. PageV20P138 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 10. PageV20P140 (1) (م. س) ، ج : 18 ، ص : 11. (2) (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 11. PageV20P141 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 20. (2) (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 20 ms5664 21. PageV20P148 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 21. PageV20P149 (1) انظر : الكشاف ، ج : 3 ، ص : 462. PageV20P152 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 30. PageV20P156 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 34. PageV20P161 (1) (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 34. PageV20P162 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 38. (2) (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 39. PageV20P165 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 43. (2) انظر : (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 43 48. PageV20P171 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 47. PageV20P173 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1993 م 1414 ه ، ج : 3 ، ص : 345 346. PageV20P174 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 51. PageV20P177 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 56 57. PageV20P180 (1) ابن أبي طالب ، الامام علي (ع) ، نهج البلاغة ، ضبط نصه د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت لبنان ، ط : 2 ، 1982 م ، قصار الحكم : 161 ، ص : 500. PageV20P191 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 84 85. PageV20P211 (1) تفسير الميزان ، ج 18 ، ص 86. (2) (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 85. PageV20P212 (1) الكشاف ج : 3 ص : 491. PageV20P248 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 118 119. PageV20P256 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 133. (2) (م. ن) ، ج : 18 ، ص : 133. PageV20P276 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 94. PageV20P280 (1) الكشاف ، ج : 3 ، ص : 504 505 PageV20P289 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 101. PageV20P290 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 160. PageV20P304 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 110. PageV20P308 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت لبنان ، ط: 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 18 ، ص : 214. PageV21P007 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 192. PageV21P011 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 192 PageV21P012 (1) انظر : السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1993 م 1414 ه ، ج : 7 ، ص : 437 440. PageV21P017 (1) المجنة : محل الجن. (2) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 223. PageV21P037 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 229. PageV21P051 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 9 ، ص : 126. PageV21P052 (1) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 6 ، ج : 16 ، PageV21P065 باب : 9 ، ص : 438 ، رواية : 36. PageV21P066 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص ms5665 : 133. PageV21P069 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 135. PageV21P070 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ج : 3 ، ص : 538 539 PageV21P077 (1) تفسير الكشاف ، ج : 3 ، ص : 539. (2) البحار ، م : 3 ، ج : 8 ، باب : 23 ، ص : 545 ، رواية : 154. PageV21P078 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 251. PageV21P079 (1) الدر المنثور ، ج : 7 ، ص : 506. PageV21P083 (1) عسفان : منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة ، على مرحلتين من مكة. (2) العوذ : جمع عائذ : الإبل حديثة النتاج. والمطافيل : التي معها أولادها. ويراد بها هنا PageV21P087 (1) كراع الغميم : موضع بين مكة والمدينة. (2) السالفة : صفحة عنق ، وكني بها عن الموت. (3) الأجرل : الكثير الحجارة. (4) يشير صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الآية الكريمة : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) (59) [البقرة : 58 59]. (5) قرية صغيرة بينها وبين مكة مرحلة ، وبينها وبين المدينة تسع مراحل. (6) قترة الجيش : غباره. PageV21P088 (1) خلأت الناقة : بركت. (2) وفي رواية البخاري : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها. (3) القليب : البئر. (4) جاش : ارتفع. والرواء : الكثير. (5) عيبة نصح الرسول : أي خاصته وأصحاب سره. (6) ابن هشام ، السيرة النبوية ، تحقيق : مصطفى السقا ، وإبراهيم الأبياري ، وعبد الحفيظ شلبي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، 1413 ه 1993 م ، ج : 3 ، ص : 321 326. PageV21P089 (1) ضبأ إليها : لصق بها واستتر. PageV21P091 (1) أي تكف عنا ونكف عنك ، أي أن الصدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة. (2) الإسلال : السرقة الخفية. والإغلال : الخيانة. (3) سيرة ابن هشام ، ج : 3 ، ص : 328 330. (4) سيرة ابن هشام ، ج : 3 ، ص : 334. (5) الدر المنثور ، ج : 7 ، ص : 508. PageV21P092 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 141. (2) انظر : تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 275. PageV21P095 (1) انظر : مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 142 143. PageV21P096 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 143. (2) البحار ، م : 6 ، ج : 17 ، باب : 15 ، ص : 601. PageV21P097 (1) كذا ورد الاسم في نسخ البحار ، لكن المحققين ذكروا أن الصحيح هو : الجد ms5666 بن قيس. (2) البحار ، م : 12 ، ج : 36 ، باب : 39 ، ص : 82 ، رواية : 65. PageV21P104 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 305 306. PageV21P129 (1) النيسابوري ، أبو الحسن ، علي بن أحمد الواحدي ، أسباب النزول ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1414 ه 1994 ، م ، ص : 217. PageV21P139 (1) الكليني ، أبو جعفر ، محمد بن يعقوب ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ج : 2 ، ص : 166 ، رواية : 3. (2) (م. ن) ، ج : 2 ، ص : 167 ، رواية : 9. PageV21P145 (1) نهج البلاغة ، ضبط نصه : د. صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت لبنان ، 1982 م ، قصار الحكم : 360 ، ص : 538. PageV21P151 (1) نهج البلاغة ، قصار الحكم : 114 ، ص : 489. PageV21P152 (1) جاء في الدر المنثور أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «الغيبة أشد من الزنى ، قالوا : يا رسول الله ، وكيف الغيبة أشد من الزنى؟ قال : إن الرجل ليزني فيتوب ، فيتوب الله عليه ، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه». [الدر المنثور ، ج : 7 ، ص : 576]. وجاء في حديث الإمام الصادق عليهالسلام أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه». [الكافي ، ج : 2 ، ص : 356 ، رواية : 1]. PageV21P156 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 308 ، رواية : 7. PageV21P161 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 27 ، رواية : 1. PageV21P163 (1) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 369. (2) البحار ، م : 13 ، ج : 40 ، باب : 93 ، ص : 328 ، رواية : 54. (3) قال شعبة بن الحجاج عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ، أنه سمع عليا رضي الله عنه ، وشعبة أيضا عن القاسم بن أبي بزة ، عن أبي الطفيل ، أنه سمع عليا رضي الله عنه ، وثبت أيضا من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه صعد منبر الكوفة ، فقال : لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ، ولا عن سنة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلا أنبأتكم بذلك ، فقام إليه ابن الكواء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما معنى قوله تعالى : ( والذاريات ذروا ) ؟ قال علي رضي الله عنه : الريح ، قال : ( فالحاملات وقرا ) ؟ قال رضي الله عنه : السحاب ، قال : ( فالجاريات يسرا ) ؟ قال رضي الله عنه : السفن ، قال : ( فالمقسمات أمرا ) ؟ قال رضي الله عنه : الملائكة. PageV21P196 (1) انظر : الفخر الرازي ، التفسير ms5667 الكبير ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 3 ، م : 14 ، ج : 28 ، ص : 195. (2) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 5 ، 1386 ه 1967 م ، م : 7 ، ج : 27 ، ص : 573. PageV21P197 (1) انظر : تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 20. PageV21P216 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 208. PageV21P231 (1) الكافي ، ج : 3 ، ص : 249 ، رواية : 5. (2) الدر المنثور ، ج : 7 ، ص : 632. PageV21P238 (1) تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 33. PageV21P263 (1) البحار ، م : 1 ، ج : 2 ، باب : 8 ، ص : 350 ، رواية : 70. (2) الكافي ، ج : 7 ، ص : 56 ، رواية : 2. PageV21P265 (1) تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 35. PageV21P275 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 237. (2) البحار ، م : 6 ، ج : 17 ، باب : 3 ، ص : 780 ، رواية : 3. (3) انظر : تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 61. PageV21P276 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 70. PageV21P282 (1) قال تعلى في سورة النمل : ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) [النمل : 48]. PageV21P287 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 93. PageV21P296 (1) في ظلال القرآن ، م : 7 ، ج : 27 ، ص : 675. PageV21P304 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 104. PageV21P309 (1) راجع : في ظلال القرآن ، م : 7 ، ج 27 ، ص : 682 683. PageV21P311 (1) البحار ، م : 2 ، ج : 4 ، باب : 1 ، ص : 263 ، رواية : 17. PageV21P312 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 70 ، رواية : 10. PageV21P318 (1) نهج البلاغة ، خطبة : 216 ، ص : 333. PageV21P319 (1) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 268. PageV21P320 (1) انظر : تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 58. (2) انظر : (م. ن) ، ج : 4 ، ص : 58. (3) انظر : تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 141. PageV21P342 (1) في ظلال القرآن ، م : 7 ، ج : 27 ، ص : 705 706. PageV21P343 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 27. PageV21P344 (1) من لا يحضره الفقيه ، ج : 1 ، ص : 194 ، رواية : 596. PageV22P016 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 20. PageV22P028 (1) مفردات الراغب ، ص : 164. PageV22P039 (1) ابن أبي طالب ، علي ، نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، ط : 1 ، 1410 ه 1990 م ، قصار الحكم / 439 ، ص : 416. PageV22P041 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 19 ، ص : 181. PageV22P051 (1) مفردات الراغب ، ص : 120. PageV22P062 (1) يراجع : الواحدي ، أبو الحسن علي بن أحمد (النيسابوري) ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه 1994 م ، ص : 229. PageV22P066 (1) تفسير الميزان ، ج ms5668 : 19 ، ص : 198. PageV22P067 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 196. PageV22P075 (1) السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، م : 8 ، ص : 84. PageV22P077 (1) نقلا عن السيرة الحلبية ، راجع أعيان الشيعة ، م : 1 ، ص : 359 360 ، دار التعارف. (2) (م. ن.). PageV22P094 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 217. PageV22P103 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، م : 5 ، ص : 391 PageV22P104 (1) البحراني ، هاشم ، البرهان في تفسير القرآن ، دار الهادي ، ط : 4 ، 1412 ه 1992 م ، م : 4 ، ص: 314. (2) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 217. PageV22P105 (1) مجمع البيان ، م : 5 ، ص : 392. PageV22P106 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 217. PageV22P111 (1) مفردات الراغب ، ص : 150. (2) (م. ن) ، ص : 262. PageV22P112 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 218. PageV22P114 (1) مجمع البيان ، م : 5 ، ص : 396. PageV22P124 (1) مجمع البيان ، م : 5 ، ص : 397. PageV22P126 (1) يراجع الميزان في تفسير القرآن ، الطباطبائي ، م 19 ، ص 238. PageV22P146 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 125 PageV22P148 (1) أسباب النزول ، ص : 236. (2) قال الجبائي : لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا رد الرجال دون النساء ، ولم يجز للنساء ذكر ، وإن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة ، فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول الله (ص) ردها عليهما ، فقال رسول الله (ص) ، إن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء ، فلم يردها عليهما. PageV22P160 (1) يراجع مجمع البيان ، م : 5 ، ص : 410. PageV22P163 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 254. PageV22P164 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 255. PageV22P169 (1) تفسير الميزان ، 19 ، ص : 256. PageV22P170 (1) مجمع البيان ، م : 5 ، ص : 417. PageV22P178 (1) مفردات الراغب ، ص : 314. PageV22P188 (1) مفردات الراغب ، ص : 69. PageV22P192 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 152 153. PageV22P206 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 153. PageV22P207 (1) مفردات الراغب ، ص : 239. PageV22P208 (1) مفردات الراغب ، ص : 395. PageV22P215 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 288. PageV22P217 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 288 289. PageV22P218 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 295 296 297. PageV22P238 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 299. PageV22P240 (1) مفردات الراغب ، ص : 130. PageV22P250 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 309. PageV22P253 (1) مفردات الراغب ، ص : 351 (2) (م. ن) ، ص : 290. PageV22P265 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 323. PageV22P268 (1) الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر (الخوارزمي) ، الكشاف عن حقائق التنزيل ms5669 وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 4 ، ص : 116. PageV22P272 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 329. PageV22P291 (1) مفردات الراغب ، ص : 333. PageV22P297 (1) مجمع البيان ، م : 5 ، ص : 465. PageV22P298 (1) تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 123. PageV22P299 (1) مفردات الراغب ، ص : 128. PageV22P306 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 346 ، 347. PageV22P312 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 356. (2) (م. ن) ج : 19. ص : 356. PageV22P316 (1) مفردات الراغب ، ص : 515. PageV22P320 (1) مفردات الراغب ، ض : 145. PageV22P321 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 227. PageV22P322 (1) مفردات الراغب ، ص : 162. PageV22P327 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، لبنان ، ط : 1 ، 1411 ه ، 1991 م ، ج : 19 ، ص : 365. PageV23P012 (1) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 10 ، ص : 484. (2) الكليني ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية طهران ، ج : 2 ، ص : 16 ، رواية : 4. PageV23P013 (1) الزمخشري ، أبو القاسم ، جار الله محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون PageV23P023 الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، ج : 4 ، ص : 138. PageV23P024 (1) تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 147. PageV23P056 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 405. PageV23P060 (1) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 140. PageV23P068 (1) راجع مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 527. (2) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 6. PageV23P086 (1) للمزيد من الاطلاع مراجعة الميزان ج : 20 ، ص : 5 ، 6 ، 7. PageV23P087 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1993 م. 1414 ه ، ج : 8 ، ص : 280. (2) الكافي ، ج : 8 ، باب : 8 ، ص : 143 ، رواية : 108. PageV23P092 (1) الكشاف ج : 4 ، ص : 158. PageV23P101 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 536. PageV23P106 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 554. PageV23P146 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 558. PageV23P152 (1) الكرسوع : طرف الزند الذي يلي الخنصر الناتئ عند الرسغ. (2) المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : الأولى ، 1412 ه 1992 م ، م : 16 ، ج : 50 ، ص : 424 ، باب : 24 ، رواية : 7. PageV23P162 (1) مجمع البيان ، ج : 5 ، ص : 563. PageV23P169 (1) (م. س) ، ج : 10 ، ص : 564. PageV23P170 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 67 68. (2) (م. ن) ، ج : 20 ، ص : 72. PageV23P177 (1) هذ القرآن يهذه هذا : أسرع في قراءته وقطعه. (2) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 314. (3) (م. ن) ، ج : 8 ، ص ms5670 : 314 315. PageV23P179 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 73. PageV23P184 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 82 83. PageV23P192 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 84. PageV23P194 (1) البخاري ، أبو عبد الله ، محمد بن إسماعيل ، الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله (ص) وسننه وأيامه ، دار إحياء التراث العربي. بيروت لبنان ، ج : 3 ، ص : 317 ، حديث : 4922. (2) (م. ن) ، ج : 1 ، ص : 15 ، حديث : 4. (3) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 579 580. PageV23P199 (1) تفسير الكشاف ، ج : 4 ، ص : 180. PageV23P202 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 583. PageV23P209 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 330. PageV23P210 (1) يقصد النبي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم . (2) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 333. PageV23P217 (1) الأصفهاني ، الراغب ، معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 387. PageV23P235 (1) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 5 ، 1386 ه 1967 م ، م : 8 ، ص : 380. PageV23P238 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 114. PageV23P239 (1) الكافي ، ج : 2 ، ص : 296 ، رواية : 15. PageV23P241 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 599. PageV23P242 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 348. PageV23P243 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 123. PageV23P249 (1) انظر مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 606 ، والدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 363. (2) انظر : مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 606. PageV23P251 (1) في ظلال القران م : 8 ، ص : 391. PageV23P256 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 148. PageV23P257 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 132. PageV23P262 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 133. PageV23P263 (1) تفسير الكشاف : ج : 4 ، ص : 197. (2) ذكرها صاحب الميزان نقلا عن تفسير القمي ، ج : 20 ، ص : 146. PageV23P271 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 620. PageV23P273 (1) الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، بيروت لبنان ، 1415 ه 1995 م ، م : 14 ، ج : 29 ، ص : 284 285. (2) (م. ن) ، م : 14 ، ج : 29 ، ص : 278. (3) انظر : (م. ن) ، م : 14 ، ج : 29 ، ص : 288. PageV23P289 (1) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ط : 1 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 20 ص : 198 199. PageV24P031 (1) (م. س) ، ج : 20 ص : 202. PageV24P032 (1) قطب سيد ، في ظلال القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 5 ، 1386 ه 1967 م ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 448. (2) العقاد ، عباس محمود ، المجموعة الكاملة ، م : 11 ، العقائد والمذاهب ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1978 م ، عقائد المفكرين ms5671 ، ص : 423. PageV24P044 (1) الكليني ، أبو جعفر ، محمد بن يعقوب ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية طهران ، ج : 2 ، ص : 70 ، رواية : 10. PageV24P048 (1) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، مجمع البيان ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1406 ه 1986 م ، ج : 10 ، ص : 663 664. PageV24P057 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 664. PageV24P058 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص 227. PageV24P072 (1). نقلا عن : في ظلال القرآن ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 469 470. PageV24P075 (1) السيوطي ، جلال الدين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، 1993 م 1414 ه ، ج : 8 ، ص : 421 422. PageV24P077 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 236. (2) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 673 674. (3) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 236. PageV24P089 (1) في ظلال القرآن ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 478. PageV24P090 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 682. (2) (م. ن) ، ج : 10 ، ص : 682. PageV24P108 (1) ابن أبي طالب ، الإمام علي (ع) ، نهج البلاغة ، ضبط نصه الدكتور صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت لبنان ، ط : 2 ، 1982 م ، قصار الحكم : 116 ، ص : 489. (2) القمي ، عباس ، مفاتيح الجنان ، دار المجتبى ، بيروت لبنان ، 1995 م 1415 ه ، دعاء أبي حمزة الثمالي ، ص : 227. PageV24P109 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 249. (2) نوفل ، عبد الرزاق ، الله والعلم الحديث ، مؤسسة دار الشعب القاهرة ، ص : 52. PageV24P110 (1) نقلا عن : في ظلال القرآن ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 491. (2) الله والعلم الحديث ، ص : 44. PageV24P111 (1) (م. س) ، ص : 52. (2) (م. ن) ، ص : 47. PageV24P112 (1) العلم يدعو إلى الإيمان ، نقلا عن : في ظلال القرآن ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 492 493. PageV24P113 (1) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 20 ص : 261. PageV24P120 (1) نهج البلاغة ، الكتاب : 31 ، ص : 397. PageV24P123 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ص : 255 256. PageV24P125 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 257. PageV24P127 (1) الكافي ، ج : 1 ، ص : 41 ، رواية : 8. (2) الطبرسي ، مستدرك الوسائل ، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ، ط : 3 ، 1411 ه 1991 م ، ج : 2 ، ص : 104 ، باب : 17 ، رواية : 1548. (3) الكافي ، ج : 2 ، ص : 273 ، رواية : 20. (4) انظر : الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 445 446. PageV24P130 (1) المجلسي ، محمد باقر ، الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط : 1 ، 1412 ه 1992 م ، م : 24 ، ج : 67 ، ص : 35 36 ، باب : 44 ms5672 ، رواية : 22. (2) (م. ن) ، م : 25 ، ج : 70 ، ص : 405 ، باب : 137 ، رواية : 17. PageV24P131 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 279. PageV24P166 (1) مفاتيح الجنان ، دعاء أبي حمزة الثمالي ، ص : 222. (2) (م. ن) ، دعاء الافتتاح ، ص : 216. PageV24P173 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 290. PageV24P181 (1) البحار ، م : 18 ، ج : 55 ، ص : 247 ، باب : 5 ، رواية : 54. PageV24P196 (1) يقصد طيور أميركا. PageV24P197 (1) في ظلال القرآن ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 543 544. PageV24P198 (1) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 544 545. PageV24P199 (1) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 545. PageV24P200 (1) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 545 546. PageV24P201 (1) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 546 547. (2) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 547. PageV24P203 (1) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 547 548. PageV24P204 (1) (م. س) ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 548 549. PageV24P205 (1) البحار ، م : 23 ، ج : 66 ، ص : 505 ، باب : 30 ، رواية : 6. PageV24P209 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 309. PageV24P220 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 318. (2) في ظلال القرآن ، م : 8 ، ج : 30 ، ص : 517. PageV24P241 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 328. PageV24P260 (1) عضد الشجرة : قطعها ونثر ورقها للإبل. وشرحبيل : هو راوي الحديث. (2) الزمخشري ، أبو القاسم ، محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 4 ، ص : 255. (3) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 329. PageV24P261 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 332. PageV24P266 (1) الكافي ، ج 4 ، ص : 52 ، رواية : 12. PageV24P270 (1) نهج البلاغة ، الخطبة : 201 ، ص : 319. (2) (م. ن) ، قصار الحكم : 154 ، ص : 499. PageV24P286 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 561. PageV24P328 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 579 580. (2) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 376 377. PageV24P331 (1) الواحدي ، علي بن أحمد ، أسباب النزول ، دار الفكر ، 1414 ه 1994 م ، ص : 254. وقد ذكرت الرواية أيضا في تفسير الطبري. PageV24P340 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 788. (2) انظر : الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 573. PageV24P347 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 794. PageV24P361 (1) البحار ، م : 25 ، ج : 70 ، ص : 417 ، باب : 137 ، رواية : 65. PageV24P371 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 802 803. (2) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 397. PageV24P376 (1) انظر : تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 398. PageV24P378 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 811. PageV24P392 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 649. (2) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 429. (3) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص ms5673 : 650. PageV24P446 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 655. (2) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 434. PageV24P454 (1) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، دار إحياء التراث العربي ، ج : 4 ، ص : 945. PageV24P464 (1) (م. س) ، ج : 4 ، ص : 945. (2) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 844. PageV24P465 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 436. PageV24P467 (1) تفسير ابن كثير ، ج : 4 ، ص : 948. PageV24P472 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 851. PageV24P476 (1) تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 449. PageV24P483 (1) الدر المنثور ، ج : 8 ، ص : 683. (2) (م. ن) ، ج : 8 ، ص : 683. PageV24P488 (1) نقلا عن تفسير الميزان ، ج : 20 ، ص : 457. (2) (م. ن) ، ج : 20 ص : 457. PageV24P489 (1) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 866. (2) (م. ن) ، ج : 10 ، ص : 866. (3) البحار ، م : 18 ، ج : 55 ، ص : 410 ، باب : 12 ، رواية : 9. PageV24P494 (1) البحار ، م : 24 ، ج : 67 ، ص 33 ، باب : 44 ، رواية : 3. (2) (م. ن) ، م : 24 ، ج : 67 ، ص : 32 ، رواية : 3. PageV24P501 ms5674